تحميل رواية «لأجلها» PDF
بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل قرية صغيرة تتبع مركز من مراكز المحافظة الجنوبية الشهيرة، لكنها تبتعد بمراحل عن الحضر واوجه التقدم، حيث الاحتفاظ بالعادات المتوارثة عبر الأجيال، برفض تام عن التخلي عنها حتى لو كانت سيئة وتتسبب بالعديد من المأسي، ومن يستطيع محوها او تغيرها مدامت الاذية لا تطول الا الطرف الضعيف وفقط ! امام المراَة وقف عرفان الأشقر وهذا اللقب الذي أطلقه اهل البلدة على عائلته نظرا لصفات الشكلية المميزة لعائلته، بشرة فاتحة بشدة لأفرادها وبفرق ملحوظ عن باقي العائلات، بالإضافة إلى سمات أخرى زادت من تثبيت الأمر كألو...
رواية لأجلها الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لأجلها الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل الثاني والأربعون
دوار يلف رأسها منذ ايام ولا يتوقف إلا قليلا، بالإصافة للوهن المستمر وكأنها لا تتغذى ولا تاكل اصلا، وربما هو كذلك فالشهية عندها تقارب المعدومة، وان جبرت على نفسها لا يظل الطعام بمعدتها
خرجت من المرحاض بعد ان أفرغت ما بطنها تستند بضعف على الجدران حتى اذا وصلت إلى التخت ارتمت عليه تسحب الغطاء لتريح رأسها وجسدها ، ثم غاصت فى نوم عميق، فلم تشعر بنفسها إلا بعد وقت لا تعلمه، حين عاد زوجها من الخارج بإزعاجه وندائه :
ـ دا وقت نوم يا منى؟ ارجع الاقي البيت فاضي من العيال وانتي غطسانة في اوضتك, مصيبة لا تكوني نايمة من الصبح كمان؟
بصعوبة شديدة اعتدلت بجذعها لتجلس بنصف نوم وقد عدلت من وضع الوسادة خلفها، تطالعه فقط بوجه عابس،. ليواصل زوجها حانقا وهو يخلع عنه ملابس العمل ليبدلها بأخرى مريحة:- ساكتة يعني مبتروديش، يبقى زي ما توقعت، حكم الوضع دا بقالوا ايام يا ست منى.
زفرت تقلب عينيها بسأم قائلة:ـ ما تقول عايز ايه يا منصور بدل الغاغة اللي انت عاملها؟ انا صاحية وراسي تقيلة.التقط الاخيرة ليضيف عليها:ـ تقيلة من كتر النوم يا حبيبتي، مش غاطسة في فرشتك من الصبح، حقك يا ستي، لا وراكي مدارس ولا امتحانات ولا قرف، انا بقى اللي طالع عين امي من الصبح, ولما اجي دلوك عشان اريح ولا اكلي لقمة تسد جوعي اكيد مهلاقيش، ما هي المدام من الصبح نايمة .
جلس في الاخيرة بعد أن ارتدى الجلباب على المقعد الوحيد داخل الغرفة، يصب غضبه في خلع الحذاء عن قدميه، يلقيه على الارض بعنف وضجر،
فتمتمت هي داخلها الاستغفار لتجبر نفسها على النهوض واعداد الغذاء له، بدلا من الجدال الذي لا طائل منه، بالإضافة ايضا أنها لا تملك القدرة على الحديث من الأساس.ولكن وما ان حطت قدميها على الارض حتى اهتزت في وقفتها فكادت أن تقع لولا أن استندت بيدها الضعيفة على قائم السرير ، حتى اثارت هلع زوجها فنهض يضمها بين ذراعيه كي يعيدها إلى الفراش برفق مغمغما بندم وتساؤل؛
ـ لا اله الا الله، ايه الحكاية؟ ايه اللي جومك مدام تعبانة جوي كدة؟رمقته من جانب عينيها بغيظ، وانتظرت حتى أراحها على التخت بحرص ثم انضم جوارها، يضمها اليه برعب يجتاحه، فخرج صوتها رغم التعب بنبرة لائمة:ـ النوم والتعب غصب عني يا منصور، يا عني مش بتدلع ولا اتزفت، راسي تقيلة ومش فيا حيل للخدمة، ما صدقت البيت فضي بعد طلوعك على الشغل والعيال على بيت جدهم عشان انام، بس خلاص انا حاسة نفسي رايقة، هقوم اها....
ـ لا استني رايحة فين؟ مش عايز حاجة.تفوه يضغط على كتفيها يمنعها من المحاولة، وبشيء من الندم صار يراضيها:ـ دي هي لقمة مش مستاهلة يعني، اسخنها على البوتجاز ولا اكلها من الثلاجه, المهم انتي اطمن عليكي، مالك يا منى دي مش حالتك دي واصل، هو ايه تاعبك بالظبط في جسمك؟ عشان نشوف دكتور متخصص
تأوهت بين ذراعيه تصف له عما بها:ـ دايخة على طول يا منصور مش عارفة ليه وجسمي همدان دايماـ عادي نشوف دكتور الباطنة يمكن ضغط ولا أنيميا سبب الهبوط.خمن بها على ضوء ما وصفت له، لكن سرعان ما غير رأيه حين تابعت:ـ كمان مفيش حاجة بتقعد في معدتي، وكل الوكل معايا ماسخ، طول الوقت عايز ارجعتبسم رافعا حاجبه وكأنه وقع على اكتشاف مذهل:ـ حلاوته ، لا احنا كدة نحول من باطنة لدكتورة النسا،.حكم الاعراض دي معروفة، اكيد.....
ـ اياك تقولها....صاحت بها مقاطعة له, لتدفع ذراعيه عنها، وقد غرق في نوبة من الضحك يستفزها، لتردف بغضب:ـ بطل ضحكك الماسخ ده يا منصور، والتلميح اللي انا فاهماه, عشان انت عارف زين جوي ان مركبة وسيلة، يعني يستحيل يحصل اللي في بالكـ وما يحصلش ليه اللي في بالي؟ بعيد عن ربنا مثلا؟ـ لا مش بعيد عن ربنا، بس انا واخدة احتياطاتي عشان تعبت ما عادش فيا حيل لا للخلفة ولا لمرار العيال.
قالتها بما يشبه الرجاء، وكان الامر بيده، فاهتز كتفيه يخبرها ببساطه:ـ براحتك، عايزة تصدقي ولا متصدقيش دا مش هيغير من الوافع لو فعلا حصل....ـ بسسسقاطعته بها للمرة الثانية، لتدفعه عائدا للضحك، حتى اشفق وحاول التوقف حين راى البؤس الذي ارتسم جليا على ملامحها، فسحبها يضمها على صدره يهدهدها، معبرا عن دهشته:ـ وه وه، اهدي كده انت هتبكي ولا ايه؟ هو احنا لسه اتاكدنا اصلا؟ وحتى لو حصل برضو ما يستدعيش البكا
ـ'لاه يستدعي، ويستدعي قوي كمان، عشان انا من الاساس عمالة أكدب نفسي رغم الشك اللي جوايا، فتاجي إنت تاكدها في وشي!تفوهت ببؤس وهو يكتم بصعوبه الأ يعود للضحك ثانية ، حتى لا يزيد عليها، فيراضيها كذبا:ـ معلش يا حبيبتي ما تاخديش عليا، انا إش فهمني اصلا في امور الحريم، سيبك سيبك، بكره نكشف ونطمن ، واكيد هيكون تخميني كدب.
ـ والله انت اللي كداب يا منصور، بتقول كدة على اساس تاخذني على قد عقلي، انما جواك بتتمنى، انا عارفاك عشقك في الخلفة الكثيرة.
لم يملك القدرة على النكران هذه المرة، وقد زاد اتساع ابتسامته, لأنه بالفعل يعشق انجاب الاطفال الكثير منها، ولكن نزولا إلى رغبتها يضطر اسفا الى تقبل الواقع في رفضها وأخذ وسائل المنع، لكن ان صح الأمر وإصاب تخمينه، ما الذي يمنعه من الفرح لأراداة الله التي تغلب كل معوقات .ـ يارب يكون مجرد برد في المعدة، وما يكون حمل ، ادعي معايا منصورلكزته بخفة وراسها مازالت على صدره ، ليسمع منها ويردد بحماس:ـ يارب ياربليكمل بتحريك الشفاه مستغلا أنها لا ترى وجهه:ـ يارب حمل ، يارب توأم...................
ـ في أعلى منزل والديها، امام برج الحمام العتيق، كانت تدور على اعشاش الطيور في ذلك الوقت بعد أن القت إليهم بالحبوب أرضا ليتجمعوا في تناولهاوتهتم هي بتنظيفها من الفضلات
وابنتها ليلى التي فك أسرها اخيرا كما تصف، بعد ان طمأنتتها الطبيبة لتسمح لها بالتنقل والخروج وبعض الحركة ولكن بحرص، فكانت أول زيارة لها اليوم الى منزل والدتها الجديد بعد الزواج، بدعوة من حمزة لها هي وزوجها معاذ لحضور مأدبة طعام الغداء .
كانت تضع الفرخ الصغير بحجرها تطعمه بفمها وتسقيه ايضا، وفي نفس الوقت لا تكف عن الحديث مع والدتها:ـ رئيس الشركة اللي شغال فيها معاذ، اتصل بيه امبارح وقالوا مستنيك ترجع لشغلك معانا من تاني.التفت اليها بتساؤل:ـ وقالوا ايه؟تبسمت ليلى تجيبها:ـ قبل طبعا، بس اتفق معاه يستنى على ما يخلص حملي أن شاء الله ، والمدير وافق لاجل معزة عم حمزة عنده، يعتبرها إجازة من غير مرتب،
اومات مزيونة بشئ من الفخر:ـ زين جوي، ان علاقات عمك حمزة نفعت وجابت فايدة.ـ عمي حمزة كله فايدة يا امه، مش بس علاقاتهتبسمت مزيونة باتساع ثم التفت عنها تكمل ما تعمل به لتعقب على كلماتها:ـ هو فعلا كله فوائد وزي العسل كمان، بس خسارة، جايمة عليه الجنونة اليومين دول، وقالب عليا من غير سبب، قال ايه؟ بيتهمني ان سبب تأخير الخلفة مني عشان مالياش رغبة، هي الخلقة كانت بالرغبة؟!
سمعت منها ليلى بلهجة عاتبة ردت:ـ مزيونة يا حرة، انتي عارفة قصده زين جوي، لأن لو فعلا عندك رغبة، هتسعي وتحاولي عشان لو في سبب يتعالج من بدايتها، عمي حمزة عايز يحس انك مشتاقة للخلفة منه يا امه.
في الأخيرة كانت قد ارتخت ذراعي مزيونة عن فعل أي شيء لتتوقف، وتتنهد بثقل، وهي ومازالت تعطي ظهرها لابنتها التي تشعر معاناتها، كما تعلم جيدا عن حالتها القديمة والتي ربما مازالت تترك أثرا بها يسبب معوقات في الإنجاب، وهذا ما يجعلها ترفض الغوص فيه، حتى لا تعود إلى تلك الدائرة التي كانت تعاني فيها الأمرين، رغم أن الوقت قد تغير والزوج ايضا قد تغير، إلا أن اصعب عقدها القديمة لم تتمكن حتى الآن من تجاوزها.ـ امه، هتفضلي كتير كدة مدياني ضهرك؟ طب ردي ع الكلام اللي بقوله.خاطبتها بمرح لتجبرها على الالتفاف نحوها تجيب بمراوغة:ـ هأقولك ايه يا بت؟ وانتي بتعملي زيه وبتجيبي اللوم عليا وبتمشي ورا كلام الجنان بتاعه، دا احنا لسة مكاملناش غير كام شهر وانا اصلا مباخدتش وسيلة تمنع، يعني لو ربنا رايد، هيحصل في يوم وليلة، اديكي انتي اها، خدتي كل الحرص انتي وجوزك، ومع ذلك برضك حصل وحبلتي...
ـ ومين قالك ان حبلي مكانش فيه إهمال ولا هو جه عن طريق غلطة هبلة مني؟ـ قصدك ايه يا بت وضحي؟سألتها مزيونة بتوجس، لتتوقف هي لحظات قبل ان تصارحها بما ظلت تكتمه لأشهر:ـ انا عندي ظن أن هالة هي السببـ يعني ايه يا بت؟ فسريهدرت بها مزيونة بانفعال، لتجبرها على التحدث دون مماطلة .................................هبطت صفا من شقتها في الطابق الثاني، بناء على طلب ابنها الذي أخبرها بوجود سيدة غريبة داخل المنزل تطلب رؤيتها.توقفت في منتصف طريقها إلى المدخل، تتأمل تلك المرأة التي تعرفت عليها من خلال ملابسها المتباينة إلى حد ما، رغم شيوعها تقريبًا بين نساء البلدة وما يجاورها من قرى. ومع ذلك، فإن الهوية المعروفة تتجلى في تلك اللمسات التي لا تصدر إلا من فئة واحدة!إذن، تلك المرأة من نساء الغجر، بجمالها الفاتن، تتقارب مع تلك المواصفات التي سمعت عنها سابقًا... تسلل إلى قلبها شعور من التوجس، هل من الممكن أن تكون هي! تلك التي تشغل بالها منذ أيام، وتمنع عنها النوم لكثرة انشغال خاطرها بها."""
تحفزت في داخلها، فتقدمت حتى وصلت إليها، مرحبة بها بارتياب وتساؤل:ـ يا أهلاً ياااا... مين حضرتك؟ابتسمت المرأة الجذابة التي كانت تقف مقابلها، تتفحصها من أعلى إلى أسفل بجرأة ووقاحة لا تتناسب مع وضعها كضيفة غير مرحب بها، لترد بعد لحظات زادت من استفزاز صفا، بابتسامة ناعمة واثقة، تفوح منها رائحة المكر:ـ أنا نورا الغجرية يا ست صفا، سمعتي عني؟ـ ووه، يخرب بيت أبوكي، وجيالي برجليكي لحد عندي؟كان هذا الرد الفوري من صفا التي انتابها شعور من الذهول امتزج بالدهشة، ثم غضب اعتلى ملامحها تردف هادرة بها:ـ انتي ايه اللي جايبك بيتي يا بت انتي؟ فاكراني نايمة على وداني، ولا مش عارفة بعمايلك ولفك على الرجالة المتجوزة عشان تخطفيهم من حريمهم.
شهقت نورة تدعي الإجفال تقول مشيرة بسبابتها على نفسها:ـ انااااا؟ دا مين اللي بلغك الكلام ده وافترى عليا؟ لا يا ست صفا، انا قاعدة في مكاني مأدبة وربنا العالم بحالي، الرجالة اللي بيرمو بلاهم عليا، ايه ذنبي بقى؟
ـ يعني قصدك ان جوزي انا هو اللي رامي بلاه عليكي؟سألتها بنبرة خطرة، فردت نورة ببساطة:ـ لأ طبعا، سي عرفان دا مفيش ارجل منه، اتقدم لابويا رسمي وطلبني ابقى ضرتك في البيت الكبير ده، ما شاء الله، دي حاجة تشرح القلبقالت الاخيرة وعيناها تدور في أرجاء المنزل، مستمتعة بالذهول الذي لون ملامح صفا وقد امتقعت بشرتها بحمرة قانية وتدلى فكها بشدة ، حتى خرج صوتها اخيرا لتصرخ بها:ـ يا حلاكي يا جمالك وانتي جاية بقى تعايني البيت اللي هتسكني فيه، وضرتك الهبلة هتفرجك عليه، دا انا اخد روحك قبل ما يحصلوكانت الأخيرة هي إشارة البدء، لتهجم قاصدة القضاء عليها، والعجيب كان تصرف نورا، التي لم تقاومها، بل اكتفت بحماية وجهها، بين ذراعيها وتركتها تضرب وهي تصرخ بصوت عالي قادر أن يصل لآخر البلدة ، حتى تجمع سريعا الجيران ليفكوا الاشتباك، ويخلصوها من بين يديها،تشهق نورا من البكاء المفتعل، والحمقاء التي ابتلعت الطعم، تواصل صراخها ومقاومة البشر التي تحكم تقيدها:ـ سيبوني عليها ، اقطع من جتتها نساير نساير, الملعونة بت الغجر اللي ماليها اصل.ـ الله يسامحك بتغلطي فيا من غير ما امسك ولا اغلط فيكي، اشهدوا يا ناس عايزة تخلص عليا من غير سبب، اكمني غلبانة و مليش ضهر، ولا عشان غجرية وشغلتي اللف على البيوت، انا لو برقص أو بعمل الحرام كنت هحتاج ولا اللف من أساسه؟ـ ليه اللمة دي؟ ايه اللي حاصل؟قصف الصوت الجهوري يقتحم الجمع، يلفت الأبصار اليه حتى وصل إليهم يردف حين تفاجأ بتلك المحتجزة بين سيدتين, يسنداها حتى لا تقع، بهيئة مزرية تثير الشفقة وهي لا تكف عن البكاء ؛ـ نورة! ايه جايبك هنا؟ وإيه اللي مشندلك كدة؟لم ترد فانتقل بشرار عينيه نحو صفا التي أصابها الرعب وقد شعرت اخيرا بحجم خطأها وتلك الفضيحة اللمت بها حين أساءت التصرف مع تلك الحرباء التي تثير تعاطف جميع الحاضرين ، فما بالها بزوجها الذي كان يفوح منه الخطر، وفي الاصل لم يصفى لها بعدترى ماذا سيفعل بها الآن؟
.................................ـ انتي متأكدة من كلامك دا يا بت؟سألت مزيونة ابنتها بحالة من الغضب بعد أن قصت عليها شكوكها وظنونها، لتجيبها الآخرى:ـ والله زي ما بقولك كدة يا امي، انا كنت في بداية جوازي ولسة معرفتهاش على حقيقتها، بقت تتقرب مني بالظبط بعد سفر معاذ، يوماتي تيجي تقعد معايا ساعة أو نص ساعة على الاقل، وانا كنت بفرح بلعب البنات الصغيرين ، وبعتبره وقت مستقطع من المذاكرة، بما اني لوحدي في الشقة، عرفت عني كل حاجة حتى ميعاد الحباية الساعة تسعة المسا، واتصال معاذ بعدها عشان يتأكد اني اخدتها
دي حاجة تعدي على اي واحدة زيي وشيء طبيعي اني أديها الامان لما اخد منها الحلو بعد ميعاد الحباية اللي كانت تتطلعلي فيه مخصوص وتجيبلي منه طبق عشان تدوقني.فلما يحصل معايا اسهال أو ترجيع أصدق نصيحتها، انه اكيد برد ولا شيء اخر، واني لازم اشرب حاجة سخنة تدفي معدتي، وانا غافلانة اني مفعول الحبابة اللي اخذتها خلاص راح
للمرة الثانية تسألها والدتها وعقلها لا يستوعب التفكير الشيطاني:ـ برضو مش قادرة استوعب يا ليلى، عشان الشيء دا لازم يحصل وفي أيام معينة على حسب خبرتي ، ويكون جوزك معاكي، مش مسافر زي ما احنا عارفين كان بيجي يومين بس في الاسبوع .
ـ بقولك كانت عارفة كل حاجة عني يا امي, يعني عارف الايام اللي كان يجي فيها والايام التانية اللي تقصديها, انا لولا أن حصل معايا الموضوع مرتين وفي حضورها والله ما كنت هشك فيها ابدا, يوم في الهوت شوكليت ويوم الميلك تشيك، تجيب كبايتين وتيجي بحجة انها تقعد معايا شويه نشرب الحاجة دي مع بعض وندردشتخلق مشاكل وهمية بينها وبين اللي حواليها وتطلب مني حل ليها وانا المغفله كنت بصدق واقعد بالساعات افكر معاها فحلول لحاجة ملهاش وجود
انا متأكدة انها كانت بتحط فيهم ملين، وانا بغبائي وعقلي الصغير كنت ببلع الطعم
الست دي مش هينة يا امي، يعني حتى لو اتكلمت القصة محدش هيصدقها، بس انا سيبت حقي عند ربنا وسلمت ان الطفل اللي في بطني دا ممكن تكون هي السبب فيه لكنه في الاخر رزقي ونصيبي الحلو مع راجل ساب شغله وبقى متفرغ ليا ولرعايتي.اومأت مزيونة تحرك رأسها باستيعاب، ثم رضا بمنطق ابنتها في شكر الخالق على عطيته مهما كانت الأسباب , لكن هذا لا ينفي خطورة تلك المرأة على من حولها، لقد فعلت ذلك بابنتها لمجرد الحقد منها فما بالها باعتماد التي ربما قد تصبح ضرتها في يوم من الايام، الله فقط المنجي من غدرها............................
داخل غرفتها في تلك الشقة التي اصبحت مسكنها في منزل والديها، بأمر مباشر من والدها الذي أصبح يتجنبها ولا يطيق الحديث معها، حتى بعد أن علم بموقف خليفة في الارتباط بامرأة أخرى وهي على زمته لم يحرك ساكنا أو يتخذ موقفا ينصفها، بل العكس
وكأنه اتفق مع الاخر ان العيب منها وأنها هي السبب فيما الت إليها الأمور، اللعنة عليهم جميعا، لا احد يفهما او ينصفها، ليست سيئة بل قليلة الحظ، وهذا ليس من اليوم وفقط، بل منذ طفولتها، تذكر حين كانت تلميذة في الصف الثاني الاعدادي، كان يعجبها رائد الفصل، ذلك الولد المهذب المجتهد الذي يحصد اعجاب الجميع، دائما ما كان يعرض مساعدته عليها وعلى زميلتها المجاورة لها في المقعد ، وكأنت تظنه يميزها عن الجميع بفضل جمالها اللافت ، لكن صدمتها أتت بعد ذلك حين اكتشفت انه معجب بتلك الفتاة التي تجاورها والاقل منها في كل شئ جمالا ومالا واصلا
ومع ذلك فضلها عليها بل وانتظر حتى انتهت من الثانوية وتقدم لها رسمي ثم تزوجا الاثنان في عمر صغير دون التاسعة عشر ، تماما مثل ما فعل منصور مع منى الذي كان معلمها وانتظرها حتى انهت تعليمها المتوسط، ما الذي يميزهم عنها حتى لا تنال العشق مثلهم وهم اقل منها في كل شيء؟
لماذا حمزة فضل روان عليها؟ثم تلك الجاهلة مزيونةحتى زوجها الذي كان دائما يبادر في علاقته معها.، رغم الروتينية وقلة اللهفة إلا أنه كان جيد معها حتى ظهرت تلك الخبيثة لتقلبه عليها ثم ينبذها هي في الأخير ويتهمها أنها عينيها من حمزة،...... ، كذاب فهي تكرهه اشد الكره..... نعم تكرهه وتبغضه..... ومع ذلك كانت لا تشبع من النظر إليه.
ـ هاااالةانتفضت تستفيق من شرودها على صرخة والدتها التي اقتحمت عليها غرفة النوم، تمسك إحدى بناتها الصغار تدفعها نحوها:
ـ بقالي ساعة عمالة انده عليكي من تحت، وانتي ولا سامعة، خدي البت دي وراعيلها، انا ولية صحتي على كدي مش حمل الفرهدة.اعتدلت هالة جالسة عن التخت الذي كانت متسطحة عليه عليه ترد على قولها:ـ وه وه, وليه التعب ولا الصراخ عليا، هي صغيرة ولا عمر ستين، دي سبع سنين ، يعني كله خمس ست سنين وتبقى بغلة كبيرة وعلى وش جواز
ـ اعوذ بالله من الفاظكصاحت والدتها بضجر تنهاها، ثم اردفت بصوت بح من فرط الانفعال:ـ اسمعي يا بت كبيرة ولا صغيرة تراعليها، بتك شقيه وبتقلد الولد في الزحلقة على ضربزين السلم، ناقصة يدها تفلت, تقع وتجيبلنا مصيبة، جاتكم الهم هتموتوني ناقصة عمربصقت كلماتها المرأة ثم ذهبت لتلتف هالة إلى ابنتها بوعيد تمسكها من رسغهاـ بت يا منة، صح اللي بتقوله جدتك ده، والنعمة ادبحك لو كررتيها انا فيا اللي مكافيا مش ناقصاكي
على الفور هادنتها الصغيرة:ـ مش هكررها تاني يا امه، عمري ما هكررها.....................حين خرجتا من المنزل القديم، كانت تصلهم أصوات الضحكات والمزاح من الثلاثة: معاذ الذي كان يتلاعب بابن شقيقه في لعب الكرة في تلك المنطقة الفاصلة بين المنزلين، وقد نمت فيها العديد من الأشجار التي قام حمزة بزراعتها بنفسه، لتبعث البهجة في قلب كل من يراها.وفي هذالتيا الوقت، كان حمزة جالساً على المصطبة الطينية يتابع بمرح ولا يكف عن التعليق وتحفيز الصغير:ـ "أيوة يا ريان، خذ الكرة، سجل هدف واغلبه يا واض."ـ "من عيني يا أبويا!"قالها ريان بتركيز متشتت مع عمه الذي لا يترك له فرصة للاستحواذ على اللعب، مستغلاً فرق العمر بينهما، الأمر الذي انتبهت له مزيونة، فتدخلت بحماية:ـ " لكن انت كدة مش مديه فرصة يا معاذ، خليه ياخد مساحته وراعِ فرق الأجسام."عارضها معاذ بمرح وقد بدأ ينطط الكرة على ركبتيه، مما زاد من حنقها في متابعة الصغير المتلهف على لمسها:ـ "مش عارف يلعب مع الكبار يبقى خليه على الدكة أو المصطبة أحسن يتفرج وهو ساكت. بص يا ولد على الحِرفنة! وخلي أبوك يبص والمدام حقي، عشان تعرفي أنك متجوزة لعيب كبير"ضحكت الأخيرة (ليلى) بفخر له، على عكس والدتها (مزيونة) التي ازدادت حنقاً من أنانيته، لتوجه الخطاب نحو زوجها:ـ "هتفضل سايبه مُشحْطَط الولد كده كتير؟ قوم يا حمزة الله يخليك، خذ منه الكرة واديها لريان، أو رد له اللي بيعمله."ناظرها حمزة بدهشة معقباً باعتراض نحو ليلى التي كانت تضحك:ـ "أمك دي عقلها ضارب، قولي لها تعقل يا ليلى، ما عنديش غير مرارة واحدة يا حبيبتي، ناقص كمان ألعب معاهم."سمعت منه مزيونة وتحفزت داخلها، لتأخذ الخطوة بنفسها:ـ "طب أنت حر يا حمزة، أنا بقى عقلي صغير وهعملها."وتقدمت بخطواتها تقترب من معاذ، ففاجأته بخطف الكرة من بين يديه لتلقيها إلى ريان:ـ "خذ يا حبيبي، ولا تحتاج لحد منهم."تطلع الثلاثة نحوها بذهول، ثم إلى الصغير الذي كانت الفرحة لا تسعه في الركض بالكرة، فتخصرت هي ناظرة إلى معاذ بتحدٍ، فضحك هو ضارباً كفاً بكف.ـ "خلاص يا عم، بطلنا لعب، أنا أقدر اعترض أصلاً ولا أتكلم يا بوي!"ليتجه بأنظاره نحو زوجته (ليلى) التي انضمت لدعم الاثنين بالتصفيق بكفيها:ـ "أيوة يا مزيونة يا جامدة، خد راحتك يا ريان أنت في حمى الكبيرة."حمزة الذي غمره الشعور بالانتشاء بما قامت به، سرعان ما تبخرت ابتسامته، وعادت إليه تلك الوساوس المزعجة، فقد وجدت مزيونة في طفله (ريان) السلوى تغنيها عن التفكير في إنجاب الأطفال منه..................... .
اعتادت أن تدير شؤونها بنفسها دون الاعتماد على أحد. وفي ذلك اليوم المشمس، أنهت تسوقها في سوق البلدة المكتظ، تحمل سلة مشتريات ثقيلة بين يديها. كانت تعلم أن المسافة إلى بيتها طويلة، وأن وزن السلة بدأ يؤذي ذراعها الذي بالكاد استعاد مرونته بعد التئام الكسر به، لكنها كانت مُصرة على إتمام مهمتها.حتى ظهر هو من العدم، يتقدم نحوها بوجه يحمل نوعاً من العبوس، بعد أن رآها من بعيد وهي تتأوه بخفوت من ثقل الحمل، فسار بخطوات واثقة حتى اعترض طريقها بلطف، ماداً يده نحو السلة قائلاً بصوت حازم:ـ "هاتي دي من يدك اشيلها."فطالعته هي برهبة، عيناها تجول في الأجواء حولهما، خوفاً من نظرات البشر المتابعة:ـ "أُعطيها لك إزاي يعني؟ طبعاً ما ينفعش، تفضل أنت شوف إيه اللي وراك، أنا هآخذ تاكسي."لو تعلم بحجم ما يكتنفه من ضيق، ما كانت تحدثت ولا عارضته من الأساس. فلم يزده رفضها إلا إصراراً. فزفر مُعيداً عليها الطلب بنبرة لا تحتمل الجدال:ـ "بلا تاكسي بلا بطيخ، هاتي السلة يا اعتماد، ولا عايزاني أُعلي صوتي ويوصل للناس اللي انتي خايفة منهم؟"وتوقف فجأة يقترب هامساً لها:ـ "نصف اللي في السوق هنا وصلهم خبر إنك خطيبتي، والباقي هيعرف لما نتعارك أنا وأنتِ لو عطلتيني أكثر من كدة."ختم كلماته، وعلى حين غرة اختطف السلة منها، فلامست أصابعه الدافئة كفها لتبعث بها قشعريرة سرت كتيار كهربائي، أثارت بها اضطراباً عطلها عن مقاومته، حتى تفاجأت به يبتعد عنها بخطواته السريعة يجبرها على اتباعه إلى المكان الذي يضع به سيارته، والتي فتح حقيبتها الخلفية يضع بها السلة، فتوقفت ناظرة بذهول، حتى هدر بخفوت يحثها:ـ "هتفضلي واقفة مكانك كتير؟ اخلصي يا اعتماد عشان أوصلك."دقت قدمها على الأرض تقترب منه بتذمر:ـ "توصّلني كيف يعني؟ مش ملاحظ إنك زوّدتها قوي، يا أستاذ خليفة!"ظهرت أسنانه البيضاء أمامها حين تبسم بملء فمه، يردد معارضاً لها:ـ "تاني برضه أستاذ! يا أبلة اعتماد قلنا ما ينفعش، لازم تاخدي عليا وتُناديني باسمي عشان يبقى الوضع طبيعي ما بينا. أنتِ تقولي يا خليفة وأنا أقولك يا اعتماد، فيها عيبة دي؟"رمشت بعدم استيعاب، وكأنها امرأة أخرى، ليست تلك شخصيتها، كيف يجبرها بلطفه المبالغ فيه على اتباعه في شيء غير مقتنعة به، ويتجدد رفضها له حتى الآن؟ـ "مش موضوع عيبة، بس الحكاية أنت عارف اللي فيها، أنا حاسة إن الأمر أكبر من طاقتي، إني أخدع الناس بشيء ما حصلش. دي مش قادرة أتقبلها. من رأيي نشوف أي طريقة ونحل المشكلة دي، يا ريت."هذه المرة كانت الابتسامة تحمل دفئاً غير عادي، فهو يعلم جيداً بحجم معاناتها وما تعيشه من صراع داخلها. امرأة نقية ولا يجد مثيلاتها إلا قليلاً هذه الأيام.ـ "حاضر... هنحل المشكلة قريب قوي إن شاء الله. ممكن بقى تدخلي عشان أوصلك، وبعدها نفكر هنعمل إيه يا اعتماد من غير أبلة."ابتسامة بزغت على طرف فمها رغم ادعائها التحفظ، لتنصاع في الأخير وتنضم إلى جواره في السيارة مغادراً بها. ما دام فرض عليها أمر تمثيل خطبته لها، إذن فلتعِش اللحظة وتلك المشاعر التي تموج داخلها نحوه، فهي لم تختار .............................
في طريقها نحو مسكنها في نصب الخيام أعلى المصرف، تمر وسط الحد الفاصل بين أفدنة الزراعات والجسر الرئيسي للبلدة، ذلك الشريط الطولي المصطف بأشجار النخيل وبعض الأشجار الأخرى، ثمارها ملك البلدة بأكملها، وإن كانت هي ليست من أفراد البلدة، إنما تأخذ حقها منها أيضاً.وقد كانت في مزاج رائق بعد مشاجرتها والفوز على المرأة الحمقاء وزوجها الأحمق منها، بعد أن فتنت بينهما وكأنها ضربت عصفورين بحجر واحد. تألمها عظام جسدها قليلاً بعد ضرب تلك المتوحشة لها، ولكن لا ضير، هي اعتادت على ذلك، وقد تأكد لها شيء ما برأسها كان يشغلها منذ الأمس.وحان الآن موعد نيل مكافأتها الآن، بملء جيوبها وكيسها البلاستيكي، بالعديد من الأنواع التي تعجبها وتنتقيها، حتى لو اضطرت لرشق النخلة التي يقع عليها الاختيار بالحجارة، غافلة عمن أتى من خلفها بشرر نيرانه، يباغتها على حين غرة مستغلاً اختلاء الأجواء من البشر حولهما في وقت الظهيرة، ليدفعها بعنف ويحجزها بين النخلة وبينه:ـ وكمان عايشة الدور يا روح أمك... وبتاكلي من خيرنا بعد ما تسرقينا.في البداية أجفلت نورا فزعاً جراء فعلته، لكن سرعان ما استكانت حين رأته أمامها، رغم غضبه العاصف، وأصابع يديه التي قبضت جيدها ككلابتين حديديتين تثبتانها، لتقابل ثورته ببرود متجاهلة ألمها:ـ خلي بالك، يدك دي في المكان الغلط، أنت اللي هتضر نفسك لو ما شلتهاش حالاً. حضرتك مش حمل مكر بنات الغجر يا سي عطوة.قالت الأخيرة بنبرة مستخفة ضاعفت من غضبه ليرفع كفه ضاغطاً على عنقها بعنف أكبر:ـ أنا مش عايز أتعامل معاكي أصلاً، ولا عايز أبص في خلقتك حتى، اديني حاجتي يا بت اللي سرقتيها من المحفظة يا حرامية يا بت ال......وختم بسبة نابية جعلتها تصدر من فمها صوت طقطقة ساخرة ثم تقول:ـ ما بلاش شتيمة بالأمهات عشان ما عندش معاك وأخليك تطول السما ولا أرجعلك حاجتك، تبقى مؤدب هبقى مؤدبة، تعند معايا أنت الخسران.لم يرد على الفور فاستغلت تشتته، لتباغته رافعة ركبتها، بضربة دقيقة بين ساقيه اضطرته لتركها على الفور يمسك على موضع الألم، مغمغماً بالمزيد من الألفاظ النابية والفاحشة أيضاً ويردف:ـ الله يخرب بيت أبوكي يا بت ال...... وقحة وقليلة حياء من كلهتبسمت بمكر تتحرك من جانبه بثقة:ـ قلت لك خليك مؤدب هبقى مؤدبة معاك، إنما قلة الأدب أنا أستاذة فيها يا غالي، استرجل كدة شوية واتحمل، منظرك هيبقى زبالة لو حد عدى وشافك.زمجر بغضب شديد ليستقيم متحاملاً على وجعه، يقابلها في وقفتها صارخاً:ـ اديني حاجتي يا نورا، بدل ما أبلغ عنكم عمدة البلد يطردكم من عندنا ومن البلاد اللي حوالينا، أنت ما جربتيش جناني لسة.أعجبتها نبرة التحدي التي يتحدث بها، فتبسمت ترسم البراءة، وهي ترفع يدها إلى فتحة الجلباب في الأعلى عند الصدر لتلفت أبصاره إلى تلك المنطقة وهي تخرج مجموعة من الأوراق المالية، وعدد من بطاقات الصرف والمفتاح الذي سرقته بالأمس تقدمه إليه بسهولة جعلته يتناولها بعدم تصديق، فتقول:ـ اهي يا سيدي حاجتك كلها، عشان تعرف إني مش حرامية، أنا أخذتهم بس نكاية فيك عشان تبطل تعايرني بأصلي ولا تقولي كلام قبيح، نحن كلنا ولاد تسعة على فكرة.رمقها رافعاً حاجبه بتوجس، يبتلع ريقه بعد أن شتته للمرة الثانية، ثم وضع تركيزه في إحصاء الأشياء التي استردها منها، ليتدارك متذكراً اختفاء أهمهم، فرفع رأسه إليها قائلاً:ـ الحاجات دي ناقصة، أنت جبتي الفلوس والبطاقات (الفيزا) اللي لطشتيها بس فاضل الأهم، أنا عايز الصورة اللي كانت فيها، هاتي الصورة يا بت.ـ صورة إيه؟ صورك الشخصية أنا ما قربتش منها، سبتها في المحفظة.سألته ببراءة لا تليق بها، لتستفزه يهدر بخشونة:ـ بطلي لؤم يا نورا، الصورة الشخصية موجودة في المحفظة، أنا قصدي على الصورة اللي كانت في جانب لوحدها، اشمعنى هي اللي لطشتيها من الصور.تظاهرت بدهشة مفتعلة تدعي التذكر:ـ اااه... أنت قصدك على صورة البنت الحلوة اللي لابسة فستان فرح أبيض بموضة قديمة، وبجانبها واحد ضخم محاوطها بذراعيه.أومأ برأسه بلهفة وانفعال:ـ أيوه هي الصورة، هاتيها بقى.تخصرت بعبث تطالبه:ـ طب مش لما تقولي مين هي الحلوة دي؟ ولا عريسها ده إيه اللي يخليك تغتاظ منه لدرجة تمسح رأسه كلها بالحبر، مش بس وشه.ـ أنتي مالك!صرخ بها فاقداً الذرة الباقية من تماسكه، ليأمرها بحزم:ـ طلعي الصورة يا بت ومترطيش معايا كتير، اخلصي.لم تأبه ولم تهتز حتى، بل قابلت ثورته ببرود متناهي تتحداه:ـ وإن عاندت وما عطيتكش الصورة هتعمل إيه؟ هتبلغ العمدة زي ما هددت من شوية؟ ولا تبلغ عرفان صاحب الصورة اللي ماسح وشه بالحبر؟وغمزت بطرف عينيها في الأخيرة تربكه وتزيد من اضطرابه فينكر:ـ وإيه دخل عرفان بالصورة أصلاً؟ أنت مخك ضارب يا بت أنت ولا عقلك مفوت؟هزت كتفها بإغراء لا يناسب اللحظة، حتى تغطي على حنقها وغضبها الشديد منه، فتقول:ـ لا مخي ضارب ولا عقلي مفوت، أنا بس ذكية وبفهمها وهي طايرة. صورة عرفان عرفتها من كف يده الكبيرة المحطوطة على دراع العروسة الحلوة، أصل مميزها الوشم والخاتم الفضي، معنجر من يومه المضروب، أما بقى عن البنية فدي اللي شغلت عقلي صح، لدرجة خلتني أروح لحد بيته مخصوص وأشوف المرة اللي متجوزها، بس يا خسارة، البومة اللي اتعاركت معاها من شوية، ما تجيش في نص حلاوة العروسة اللي في الصورة. يبقى كدة بالفهلوة تبقى مرته الأولى اللي حكى عنها قبل سابق. يا ترى يا بن الأصول، إيه اللي يخليك تشيل صورة مرة صاحبك وتحتفظ بيها في جانب مخصوص من محفظتك حتى بعد طلاقها منه إلا إذا كان......ـ اخرسي يا بت، دي أشرف منك ومن عيلتك كلها...قاطعها بحدة أزعجتها، حتى استفزها لتصيح به:ـ ولما هي أشرف من عيلتي كلها، حاطط صورتها في المحفظة وجنب قلبك ليه؟في الأخيرة كان عطوة قد فقد السيطرة على غضبه، ليقبض على عنقها مرة أخرى، ويفاجئها سريعاً بمطواة أخرجها من جيب جلبابه، يرفعها أمام عينيها بتهديد مباشر:ـ هتديني الصورة ولا أغز المطواة في بطنك وأخلص عليكي؟ أنا مجرب السجن قبل سابق، يعني مش هتفرق معايا.شعرت نورا في تلك اللحظة بالخطر من جانبه، لتقرر سريعاً مهادنته بلطف واستعطاف:ـ والله ما معايا الصورة، امبارح المسا كنت بتفرج عليها قبل ما أنام وحطيتها تحت مخدتي، اديني فرصة أروح وأجيبها.ـ ولو طلعتي بتماطلي؟سألها بوعيد لترد عليه بمسكنة:ـ وأنا إيه اللي هيخليني أماطل بس؟ دي مجرد صورة قديمة مش هستفيد منها أصلاً.ـ وإيه اللي يخليني أصدق أنا كلامك، ما يمكن متشالة مع اللي طلعوا؟قالها بفراسة وعيناه نزلت إلى أسفل جيدها وتلك المنطقة التي أخرجت منها النقود وباقي الأشياء، فتلوت هي بين يديه بإغواء وتمنع:ـ يا لهوي يا سي عطوة أنت بتبص فين؟ ولا بتفكر تفتش بنفسك كمان ولا إيه؟، لا أنا شريفة وعمري ما أعمل العيب...ـ يلعن......مرة أخرى يسب ويلعن، ليحل قبضته ويبتعد عنها، تلك الحرباء التي تجره لارتكاب جريمة، ومن خلالها تستطيع التأثير به.فبصق على الأرض متصنعاً الازدراء، ثم رفع رأسه إليها بأمر وصرامة:ـ تروحي دلوقت وتجيبي لي الصورة حالاً....تبسمت برضا، وقد رأت على ملامحه المشتدة ما أسعدها، رغم نكرانه وتمنعه، ليعيد إليها ثقتها في إمكانياتها، ثم ردت بنعومة:ـ من عنيا يا سي عطوة، بس استأذنك خليها بكرة في نفس المكان هنا، حكم المشوار طويل، وعلى ما أرجع وأروح تاني هيكون الليل حط على الأرض.... ممكن يا سي عطوة؟لوح بكفه بقرف دون أن يلتف إليها:ـ غوري وما تنسيش تجيبيها بكرة.زاد اتساع ابتسامتها وهي تغادر بطاقة عالية من المرح، أما عنه، فقد ازداد غضباً من نفسه، ليضرب إحدى الأحجار بقدمه، ثم التف يتابع ذهابها، ليغمغم في أثرها:ـ طلعتي لي من أنهي مصيبة يا مصيبة.
•
رواية لأجلها الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
"كنتُ أظنّه غريبًا عن عالمي، لا يشبه ما حلمتُ به يومًا، ولا يلمس شيئًا من خيالاتي القديمة. كنتُ أظنّني سأعيش بجانبه غريبة، أؤدّي دوري في الحياة بصبرٍ لا يُرى.
كنتُ أُجافي قلبه كأنه غريبٌ اقتحم طمأنينتي خطأً، أضع بيننا مسافةً من خوفي، لا من رفضي، وكنتُ أظنّه يريدني فقط لأُكمل حياته، لا لأكون حياته.
لكنني لم أدرِ أن الله كان يخبّئ لي حبًا يُنبت فيّ الحياة من جديد.
شيئًا فشيئًا... بدأ وجوده ينساب إليّ كالماء في الأرض العطشى، كأنني كنتُ أبحث عنه دون أن أدري.
حضوره يسكن اضطرابي، كل نظرةٍ منه تُسكن ضجيجي، وكل مرةٍ احتواني فيها شعرتُ أني أعود إلى نفسي لا إليه.
كنتُ سأخسر الكثير لو لم يُكتب لي أن أراه على حقيقته، أن أفهم أن الحب لا يُخلق من الصورة التي نرسمها، بل من الروح التي تلامس أرواحنا في صمت.
لم يكن القدر هو من رسم طريقنا، بل هو الذي أيقن بحبّه، وآمن بي، وصبر حتى وصلتُ.
أما أنا... فقد وصلتُ متأخرة، لكنني حين وصلت، التحمتُ به كما تلتصق الروح بروحها، لا فكاك بينهما ولا ندم.
هو ليس نصيبي فحسب، بل يقيني الذي لم يخذلني يومًا."
"الملك لك لك يا صاحب الملك، الملك لك لك يا صاحب الملك"
الكروان الجميل ما زال يغرد في الخلاء، مستغلاً هدوء الأجواء من حوله، وهي تردد من خلفه، مستمتعة بنسمات الفجر العليلة في ذلك الوقت.
اختلفت الأماكن ما بين منزل والديها القديم وجلستها الآن في شرفة الغرفة التي تجمعهما مع زوجها، ولكن يظل الشعور واحدًا. فها هي تعود لتلك الحالة التي اعتادت عليها منذ سنوات؛ في كل مرة يأتي فيها اختبار ابنتها في الدراسة، يجتاحها القلق وكأن الأمر يخصها هي. حتى وإن تغيرت المعادلة وأصبح لها مستقبلها الذي يشغل تفكيرها، يظل الحلم الأهم هو التحاق ليلى بالجامعة.
"يا رب اقف معها ووفقها يا رب."
دعاؤها الخافت وصل إلى ذلك الذي وقف منذ لحظات يراقبها، وقد استيقظ حين شعر ببرودة الفراش ومكانها الخالي جواره.
لا يمل من تأملها؛ فرؤيتها فقط تبعث السكينة في روحه. وقد كانت غافلة في غمرة تضرعها إلى الخالق حتى يقف مع ابنتها في الاختبارات النهائية، والفاصلة في تحديد مستقبلها. هل عليه أن يغار أيضًا من ليلى وقد أصبحت تستحوذ على الحيز الأكبر من تفكيرها؟
"انت هنا من امتى يا حمزة؟"
أتى السؤال منها حين انتبهت لوجوده، فأهداها ابتسامة عذبة قائلاً، وقد اتجهت أقدامه نحوها:
"يعني عايزة تصحي وتقومي من جاري وأنا محسش؟"
في الأخيرة، كان قد اقترب منها ليدنو إليها ويحاوط وجهها بين كفيه ثم يَثْلُمُ جبهتها بشفتيه؛ قبلة طويلة حانية قبل أن يجلس على ذراع التخت بجوارها، يضمها إليه مردفًا:
".ـ قلبي اللي حاسس بيكي، هو نفسه اللي صحاني.
تقبلت لفتته بترحاب، تحتضن كف يده بامتنان شديد قائلة:
"يِسْلَم لي قلبك يا ضي عيني، وسامحني إن كنت قلقت راحتك، لكن والله غصب عني، قلقانة جدًا يا حمزة."
رد وقد استند بذقنه على رأسها:
"ـ عارف، وعارف سبب القلق، انتي أصلا لا على حامي ولا على بارد من امبارح مسا، بس انا بقولك اها، ليلى مش بس هتنجح، لا دي هتفاجأك كمان بتفوقها في كلية تفتخري بيها"
رفعت رأسها إليه برجاء تفضي إليه بهواجسها ومخاوفها:
"ـ يا ريت يا حمزة، نفسي والله ، بس خايفة لا يكون الحمل أثر على تركيزها, خايفة إن هي نفسها تتعب في اللجنة، بت جارتي ألقديمة أم حسنين، كانت شاطرة قوي وكل سنة تطلع من الأوائل، لحد ما جات في سنتها الأخيرة صدمت أهلها وصدمتنا كلنا بمجموع يكسف، رغم انها كانت طول الوقت قافلة على نفسها الأوضة تذاكر ، و مكانتش بتساعد امها ولا تشيل قشاية حتى في البيت، يا خوفي يحصل مع ليلى اللي حصل معاها"
ضحك حمزة بخفة يشدد من ضمها إليه قائلاً:
" والله انتي مخك ضارب، طب يعني اللي كانت بتقفل على نفسها الأوضة دي انتي ضمنتي انها كانت بتذاكر طوال الوقت اللي حابسة نفسها فيه؟ وبرضو حتى لو مشيت معاكي انها كانت بتذاكر فعلا، دا مش مقياس على فكرة، يعني انا مثلا كنت من ضمن العيال اللي تلم المنهج كله في إسبوع الامتحان أو قبله بحاجة بسيطة وغيري اقل، المهم هو التركيز والتوفيق من عند ربنا .ـ يارب يارب"
تمتمت وهي تضمه إليها بقوة، ألصقت رأسها على صدره، لتجد فيه ملاذًا من التفكير، وتستمد منه الراحة والاطمئنان. ولم يُقصّر هو في الضغط بأنامله على جسدها ليضمها إليه، بتقديم الدعم والمؤازرة التي هي في أشد الحاجة إليها الآن، كي تكسب في معركتها الأخيرة، بعد سنوات من التضحية والإيثار.
......................... أما عن ليلى، التي ارتدت ملابسها وكانت تتجهز الآن، تضع اللمسات الأخيرة في لف حجابها أمام المرآة قبل الخروج والذهاب إلى تأدية الاختبار.
تخاطب زوجها الذي دلف عائداً من الشرفة يغلق الهاتف بعد انتهائه من مكالمة هاتفية:
"ـ اقعد تتكلم في التليفون وتأخرني على الامتحان يا معاذ."
تبسَّم لها وهو يتناول متعلقاته من درج الكومود قائلاً:
"ـ ما كلُّه برضه عشانك يا ست ليلى، حمزة بيتصل يوصيني، وأمك ماسكة راسي من امبارح أسئلة عنك. المشكلة أنَّه كلُّه صداع على دماغي، وأنتِ نفسك صاحبة الأمر، خايفين لَيَزْعُجوكي أو تتوَّتري. يا غُلبك يا معاذ."
قهقهت ضاحكة رداً على طريقته، ليواصل هو بفكاهة وهو يتأملها:
"ـ ما يعرفوش إن البرنسيسة بقالها ساعة بتتعدَّل قدام المرايا، وكأنها رايحة فرح صاحبتها."
تخصَّرَت بزهو أمامها تُعقِّب على قوله:
"ـ ليه يا حبيبي، عايزاني أروح مبهدلة ولا أقل من البنات؟ يعني مش كفاية البلونة الصغيرة والباشا اللي يبين نفسه من تحت الفستان."
كان في الأخيرة قد اقترب منها ليحاوطها من الخلف بذراعيه التي امتدت على البروز البسيط لبطنها، يَربُت عليها، يُحدِّث انعكاسها في المرآة أمامه، مُقبِّلاً وجنتها المنتفخة، يبث داخلها الاطمئنان بطريقة فكاهية:
"ـ وماله لما يظهر ويبيِّن نفسه؟ ده حبيب أبوه اللي هيحضر مع أمه امتحانها، عشان لو نسيت الإجابة، يديها رفسة يفوِّقها تفتكر على طول."
ضحكت للمرة الثانية، حتى إذا توقف، علقت بجدية وحب له:
"ـ أهي خفة دمك دي هي اللي مخلياني بنسى إن في امتحان أصلاً. بس حبيب أبوه ده هو نفسه حبيب أمه، كفاية إنه سبب في زيادة ارتباطي بيك أكثر وأكثر يا معاذ، أتدلَّع على حسَّه عشان عارفة إنك مش هترفض لي طلب، وحتى لما أغلط أنت اللي تفوِّت وتعدِّي لي بسببه، مش بقولك حبيب أمه!"
تنهَّد يخطف قبلة أخرى من وجنتها مرة أخرى، يود إطالة الحديث بينهما، لكن الوقت لا يسمح، ليضطر بفك ذراعيه عنها بيأس قائلاً:
"ـ والله كلامك حلو يا أم الغايب، بس شكلك نسيتي الامتحان صح، وباين الوقت هيفوتنا."
سمعت منه لتلقي بنظرها على الساعة تُزيِّن رسغها، لِتَنتفِض مُهرولة نحو حقيبتها:
"ـ يا لهوي ده أنا كده هيضيع عليَّ أول مادة فعلاً لو ما لحقتش. بسرعة يا معاذ عشان توصِّلني بالعربية."
جاء رده وهو يسبقها دون أن يفوت فرصته في التنمر عليها:
"ـ على ما تخلّصي النزول بخطوات البطريق، أكون أنا سخَّنت العربية"
.................................
داخل منزل اعتماد وشقيقتها.
كانت اعتماد في هذا الوقت تلاعب الصغيرة ابنة روضة، التي كانت غائبة في غرفتها منذ ما يقارب الساعة، تاركة لها الصغيرة التي تُدخل البهجة إلى قلبها بضحكاتها ولعبها. حتى تذكرت اعتماد موعد خروجها، لتنهض بالطفلة هذه المرة متجهة إلى غرفة والدتها لتُعطيها إياها. ولكن ما إن اقتربت من الباب، وقبل أن ترفع يدها وتطرق عليه لتستأذن في الدخول، حتى توقفت فجأة مع سماع النهنهات التي صارت تصل إليها بوضوح، ثم حديث الذل والرجاء:
"ـ يا محمود، أنا إيه ذنبي بس؟ والله، والله كل يوم بفتح السيرة قدامها عشان تحس على دمها، لكن مفيش فايدة! كل مرة تسمعني الكلام الماسخ. قوله إن دا جلسة رجال ولازم تتنفذ... أيوه، والله عارفة معاكش المبلغ الكبير بتاع التعويض، بس... بس يعني لو أبوك يساعدك، ولا عيال عمامك اللي حضروا الجلسة، ولا واحد فيهم ربنا يقدّره ولو بمبلغ صغير؟... خرست يا محمود وسيبت** سكوتي لربنا. بس... بس أنت لو تقدم أي حاجة... طب أبويا الحاج رافض يديك مليم، أمك يا محمود لو طلعت غويشة واحدة من إيدها، هتجيب على خمسين ألف جنيه و... محمود، متتهمنيش إني حن عليك! أنا لا ببصلها ولا زفت. أنا بس... يا محمود... يا محمود... منك لله يا اعتماد، منك لله!"
في تلك اللحظة، كانت اعتماد تفتح عليها الباب، لتجدها تنظر إلى الهاتف الذي اسودّت شاشته مع انتهاء المكالمة من جانبه بوجهها كما يبدو، فصبّت روضة اللوم والانهيار على الحلقة الأضعف لها، وهي شقيقتها.
والتي ابتلعت الغُصة المؤلمة وتقدمت بصمت تام، حتى اقتربت لتضع الطفلة في حجرها، ثم التفتت لتغادر كاتمة على جرحها بالملح.
ولكن هذا لم يُرضِ روضة، التي تحدثت من خلفها في تبرير أحمق بعد أن علمت بسماعها المكالمة:
"ـ على فكرة بقى، أنا دعيت من قهرتي، يعني لازم تعذريني، وتقَّدري الضيقة اللي أنا فيها."
أغمضت اعتماد عينيها بتعب شديد ومرارة جثمت في حلقها، حتى تحاملت على ألمها لتلتف إليها وتتحدث بصعوبة:
"ـ ومين يقدر الضيقة اللي أنا فيها في عيشتي مع واحدة زيك زي الأتب اللي في الضهر، ولكنه بتقل الحجر ومع ذلك مقدرش أشيله؟"
انتفضت كعادتها لا تتحمل الإهانة والوصف المُحق فيها، لتعارضها بلوم:
"ـ أنا برضه اللي زي الأتب؟ ولا أنتِ اللي شوفتي نفسك بعد ما فوزتي بالحليوة ابن البهوات، ومعدتيش حاسة بأختك ولا بوجعها؟ طب أديكِ سمعتي بنفسك، أبوه رافض يساعده وولاد عمه، حتى أمه رافضة تطلع غويشة واحدة من إيدها تسد حتى ولو ربع المبلغ. يعني محدش حاسس ولا همه!"
ردت اعتماد بعد انتهائها من عبارات المظلومية التي تتجدد منها يوميًا، تخاطبها بمنطق العقل الذي لا تعرفه من الأساس:
"ـ 'محدش فيهم راضي يساعده حتى أمه'، دا ميخليكيش تنتبهي إنه لو راجل أمين، كان هيلاقي الكل يسارع في مساعدته، مش يجيله الرفض حتى من أقرب ما ليه؟ أنتِ بس اللي مسلماله أمرك، زي ما سلمتيه دهبك وضيعه، زي ما كان هيضيعك برضه ويمضيكي على قرض. أنتوا تستاهلوا بعض على فكرة. بس أنا ذنبي إيه عشان تحسبيني عليا؟ قولتلك روحيله وخلصيني من همك، لكن أنتِ مصرة تبقى الروحة رسمي بالتنازل مني عن التعويض اللي اتقرر في جلسة الرجال، وعشان لما يغدر ويرميكي، تلاقيني برضك في ضهرك ، بس دا مش هيحصل يا روضة. بلّغي الصايع بتاعك إني مش هتنازل عن حقي وإن وصلت إني أحبسه هعملها. أما أنتِ بقى، غوري في داهية وادعي عليا براحتك."
ختمت كلماتها وتحركت مغادرة، تتجاهل صياح تلك الجاحدة من خلفها، تدّعي قوة زائفة وعدم اكتراث، ولكنها من الداخل، تتهادى كجبل صُنع من الرمال، ليسقط حتى يختفي ويتلاشى تمامًا
................
ها هي تطل من أعلى الدرج، تراه جالسًا في وسط الردهة الأمامية لمنزل والديها، يداعب الصغيرتين، يدغدغهما بأنفه حتى تصدح ضحكاتهما الطفولية فتصل إليها وإلى خارج المنزل.
عدة مرات أتى لرؤيتهما في غرفة الاستقبال الخارجية دون أن تعلم هي في معظم الأحيان سوى بعد انصرافه.
أما اليوم فقد جاء طالبًا رؤيتها. هل تراه تراجع عن الخطبة المزعومة لتلك المدعوة اعتماد؟ أم أتى في أمر آخر؟ ستعرف الآن.
"ـ مساء الخير يا خليفة. قومي من على حجر أبوكِ يا بت."
وجهت الأخيرة إلى الصغيرة التي كانت تصدر منها القهقهات العالية أثناء دغدغة ابيها لها بأنفه، لتجبره على الانتباه إليها، ونجحت بالفعل.
غتوقف هو يزفر داخله، ليقبّل ابنته وشقيقتها، ويصرفهما بلطف، ثم يتفرغ لها. وقد اتخذت جلستها في الكرسي المقابل له مباشرة، فبادرته بسؤالها:
"ـ نعم يا خليفة. بلغني أنك جاي مخصوص تقابلني. يا رب تكون جاي في خير!"
قالت الأخيرة بمغزى مقصود، لتزيد من ثقل المهمة التي أتى من أجلها.
ضاق صدره من البداية، ولكنه مُصرّ على إنهاء النقاش بقراره الحاسم الفاصل:
"ـ نعم الله عليكِ يا ستي، بس أنا كنت جاي نخلّص الأمور المعلقة ما بيننا."
سألته بتوجّس، تقصفه بكلماتها:
"ـ أمور إيه بالظبط؟ وضّح يا وَلَد عمي."
يكونش هتردّني المرة دي؟
صلبت ملامحه فأجابها دون تردد:
ـ دا على أساس إن أنا اللي كنت طلعتك من البيت غضبانة مثلًا؟ على العموم أنا جاي أوفّر عليّ وعليكِ التعب والشد والجذب. شوفي عايزة إيه يا هالة وأنا أنفذه لك. أنتِ بنت عمي قبل ما تكوني أم ولادي اللي عمري ما هفرّط فيهم، والود ما بين عيلتي وعيلتك لا يمكن يعكّره مشاكل ولا انفصال.
اشتدت ملامحها عند الأخيرة وكأنها تلقت صفعة، بعدما فاجأها بطلبه الصريح، بطلب الانفصال منها!
ـ يعني أنت جاي وتقول لي: اطلبي وأمري لأجل أطلّقك وأجيب الشحاتة الواطية مكانك؟
ـ احترمي نفسك يا هالة وماتغلطيش فيها.
ـ وكمان مش هتحمل عليها كلمة؟ لا، دي شكلها عاملالك عمل سفلي مُحكم!
إلى هنا ولم يتحمل، ليضرب بكف يده ذراع الكرسي بحدة:
ـ سفلي ولا علوي، اخلصي قولي طلباتك عشان لط وعجن أنا مش عايز.
توقف فمها عن الكلام تتطلع إلى زوجها الماثل أمامها، البحر الهادئ الساكن وقد ثارت أمواجه الغادرة ليلفظها إلى خارج محيطه بقوة، دون ندم أو تردد. لكن لا والله لن يحدث.
هدأت قليلًا من ضجيج الحرب الدائرة داخلها، ونيران البغض التي تود حرق الجميع دون استثناء، لتتريث قليلًا وتمتص حماسه والتحفز لأن يرمي يمين الطلاق عليها بسهولة. فقالت بعد فترة من التفكير:
ـ وإن قلت لك إني مش عايزة أطّلق، وقابلة بالضرة؟
ـ نعم؟!
ـ نعم الله عليك يا وَلَد عمي. أنا عارفة إن أنت سويت الدنيا مع أبويا اللي بيحبك زي ولده، يعني في كل الحالات موافقك على كل قرار. يبقى أنا اللي هطلع العَفشة وأرفض!
تعقد حاجباه بريبة في البداية وكأنه يتحقق مما وصل لأُذنيه. لكن ما أن استعاد ذاكرته حتى ذكّرها:
ـ بس دا ما كانش كلامك يا هالة، ولا أنا أصلًا هأصدق إنك تقبليها عشان فاهمك أكثر من نفسك. يا بنت عمي، زي ما دخلنا بما يرضي الله، نطلع بما يرضي الله والود موصول ما بيننا...
ـ وأنا بقول لك لأ يا خليفة ومش قابلة بانفصال... لكن هأغصب على نفسي وأقبل الضرة عشان ما أخربش بيتي...
وهل يظنها يصدقها؟ ومنذ متى كان يهمها عمار البيت من الأساس؟
عاد خليفة بظهره إلى الخلف يحدق بها بتمعّن، ربما يصل لقراءة واعية إلى ما يدور برأسها. وقد كانت ترسم وداعة لا تليق بها، لتزيد من بث الشكوك داخله، فيقرر مصارحتها وليحدث ما يحدث:
ـ وإن قلت لك أن أنا اللي مش هاقدر يا هالة، خصوصًا بعد كلامنا الأخير اللي فضلت ساجنه في صدري من فترة طويلة، عشان عارف إن يوم ما هأطلّعه هيبقى خَلَصِت...
ـ لا، ما خَلَصِتش يا خليفة، وأوهامك دي تشيلها من مخك، عشان أنا عارفة نفسي زين، وبرضه مش قابلة طلاق.
حقًا تثير انبهاره في إنكارها، وتشبّثها الغريب الآن، رغم قسوة ما أخبرها به، والذي ارتد أثره على لغة جسدها، وهي تواصل بعصبية وإصرار يقارب الجنون:
ـ عايز تطلّق غيابي؟ اعملها وجِب لنفسك العيبة. أما لو هتجيب المأذون، يبقى أنا بنفسي هأطلَع للشيخ وأبلّغه قدام الجميع رفضي، وتجيب لنفسك برضه العيبة. أنا واحدة باكية على عمار بيتي يا خليفة. أنت بقى عايز تخلص من مرأتك وعيالك عشان مرأتك الجديدة؟
اللعنة على ذلك الإصرار الغريب.
انتفض عن مقعده فجأة يُنهي ذلك الجدال العقيم، قاطعًا بعبارته الأخيرة:
ـ تمام، أنتِ حرة يا هالة، بس أنا برضه صاحي لك، وفاهم قوي اللي بيدور في دماغك...
أنهى حديثه العاصف وخرج بخطواته السريعة، قبل أن يختنق بطاقة الشر التي انتشرت في الأجواء.
أما عنها وقد كانت تغلي كَبُركان على وشك الانفجار، فقد انتظرت حتى اختفى تمامًا من المنزل، لتردد بتوعد:
ـ أنا فعلًا حرة يا خليفة، وبكرة تشوف هالة بنت عمك هتوجب إزاي معاك يا عريس..................................................
ارتدى ملابسه بملامح مكفهرة، وخرج من غرفته وهو في طريقه بالذهاب إلى عمله، فوقعت عيناه على تلك التي احتلت مقعدها بانتظاره في وسط الصالة.
زفر يتطلع إليها بقرف، قبل أن يتخذ طريقه للمغادرة، فـ أبت هي إلا أن توقفه، تجذبه من ذراعه الضخم:
ـ طب قول حتى صباح الخير، دا السلام لربنا.
نفض ذراعه عنها يُبعدها عنه بازدراء:
ـ السلام لـ أهل السلام، لكن انتِ لا طايقك ولا أطيق أبص في وشك.
صاحت به بدورها:
ـ يا أخي الرحمة، الرحمة عشان ربنا يرحمك، كل ده عشان الملعونة الغجرية! وهي اللي رمت بلاها وجات برجليها لحد بيتي، كنت عايزني أخدها بالحضن وهي جاية تشاركني في بيتي وفي جوزي؟
ـ وبعد ما ضربتيها وعملتِ لي فضيحة في وسط الخلق، استريحتي ولا فشيتي غيظك؟ كل يوم بكرهك أكتر من اللي قبله.
صرخت باكية وقد فاض بها من قسوته:
ـ وآخرك دا هيوصل معايا لحد فين؟ موتني أحسن واستريح يا عرفان، بدل المُر اللي بتزقّهولي في حلقي مع كل كلامك السَّم اللي بترميه في وشي. أنا لما شوفتها نار قادت في جسمي يا عرفان، مادرتش بنفسي غير وأنا بَهْجُم عليها، كان نفسي أغرَز ضوافري في وشها اللي فرحانة بيه، أأذيها وأعورها، المهم تحس بالوجع اللي أنا حاسّة بيه. الضرة مُرَّة يا عرفان، مُرَّة قوي.
ضاقت عيناه نحوها ليدنو مُقربًا وجهه منها، يرد على خطبتها العصبية:
ـ ولما هي نارها كاوية كده، ما حسِّتيش بيها ليه من الأول؟ لما عملتِ السِّحر وخلَّتيني أهجر فَرشة مراتي وهي لسه ما كملتش العشرين، كنتِ تتغندَري قدامها وتتزوَّقي وهي زي البيت المهجور، تكيدي فيها كل يوم وهي المسكينة ملهية في تعبها وتربية بنتها، حتى النَّفَس كنتِ بتِعدِّيه عليها، وأنا بغباوتي كنت بساعدك...
توقف يستدرك حجم الجرم الذي كان يرتكبه معها في حق المظلومة وابنتها، بتلك الذكريات التي تتوارد في ذهنه، ليدفعها بعنف من أمامه:
ـ غُوري من وشي!
وقعت منهارة على الأرض نتيجة دفعته، تذرف دموع القهر والندم............................
داخل الفصل الخالي من التلاميذ، نظراً لقضاءهم الإجازة، جلست في آخر مقاعده كي تختلي بنفسها بعيداً عن الجميع؛ هي وأحزانها ولا أحد آخر.
بعد حديثها العاصف مع روضة وحسمها في اتخاذ القرار، ربما كانت قاسية تلك المرة، ولكنها لم تترك لها خياراً. منذ صغرها لم تكن أبداً ضعيفة الشكيمة، ولكنها تحولت منذ زواجها بهذا الفاسد. سيطر على تفكيرها، ومحا إرادتها في مقاومته... ولكن أن تصل لدرجة الدعاء عليها، هذا ما لم تتوقعه على الإطلاق.
هل كانت ظالمة لها لتنال منها ذلك الجحود والنكران؟ ألهذه الدرجة هانت عليها؟
كانت العبرات تسقط من عينيها دون أن تشعر في غمرة شرودها، حتى انتفضت على صوت طَرْق قوي على الباب، لتُفاجَأ به.
ـ خليفة!
استدركت سريعا لحالتها فور انتباهها لحضوره، فدنت تحني رأسها إلى الأسفل كي تمسح على عجالة بأناملها آثار الدموع التي ما زالت عالقة على خديها.
ثم رفعت وجهها إليه وقد اقترب من محل جلوسها، تلملم شتاتها في مقابلته، وتبادره بسؤالها:
ـ إيه؟ في حاجة يا أستاذ خليفة؟
تبسم كعادته كلما تحدثه برسمية، ليجيبها بعد ذلك:
ـ لا والله يا أبلة اعتماد، أنا بس كنت جاي النهاردة أسأل على تقديم البنت الصغيرة، للسنة اللي جاية إن شاء الله، وبالمرة أشوفك، بما أنك خطيبتي قدام الناس يعني وكده...
قَطَعَ في الأخيرة ناظراً إليها بتساؤل حين انتبه على الذبول الذي كسا ملامحها ليردف:
ـ أنتِ في حاجة النهاردة مزعلاكي يا اعتماد؟
نفت سريعا بتحريك رأسها لتعارضه بارتباك:
ـ حاجة إيه كمان اللي هتزعلني؟ آآه، بخصوص تقديم البت الصغيرة، لو كنت سالتني من الاول على إجراءات التقديم كنت هدلَّك واسهل عليك الدنيا...
لم يرد، بل اكتفى بالصمت هذه اللحظات، وحدق بها مطولًا حتى امتدت يده نحو وجنتها التي تحمل آثار الدموع، مشيرًا إليها، وكاد أن يلمسها:
ـ أمال اللي على خدك ده إيه؟
شهقت وارتدت رأسها للخلف تُنبهه بغضب:
ـ أنت اتجننت يا خليفة ولا افتكرت إنك خطيبي صحيح؟
ـ لا مفتكرتش يا اعتماد، عشان أنا فعلًا حاليًا صفتي خطيبك قدام الناس، يعني إشهار. وأجيبلك النا هية، أنا واخد الموضوع جد، مش تمثيلية زي ما أنتِ فاكرة وبتخدعي نفسك.
صدمها بجديته، لتذهل شاخصة العينين لعدد من اللحظات حتى تمالكت قواها أخيرًا، مُرددة بعدم استيعاب:
ـ أنا كمان بخدع نفسي؟ أنت واعي بتقول إيه؟ لا اصحَ لعقلك لو سمحت، أنا مش هَيّنة ليك ولا لغيرك عشان تفرض عليَّ أمر اضطرتني الظروف إليه. شكلك نسيت مين هي أبلة اعتماد؟
وعلى عكس انفعاله السابق، تلقى ثورتها بهدوء شديد، مُضاعفًا من صدمتها بقوله:
ـ لا منستش مين هي اعتماد، ولا أنا الراجل الناقص اللي يستغل الظروف عشان أفرض عليكي الأمر الواقع، بس أنا شاريك في الحلال، أنا عايز أتجوزك يا اعتماد...
رجفة سرت داخلها حين نطقها صريحة دون مواربة، أنه يطلبها بالفعل. فاختلطت المشاعر داخلها: ما بين خوف... وفرح... وترقب.... ثم عقل أيقنت به أن هذا الأمر استحالة أن يحدث.
نفضت عنها الذهول، فواجهته مستنكرة:
ـ لا بقى، أنت شكلك عِشت الدور بجد! فوق يا خليفة، وافتكر إنه تمثيل. عشان لو جينا للجد، ما ينفعش، ولا أنا هوافق عليه. سامعني؟
ـ وإيه اللي يخلّيه ما ينفعش إن شاء الله؟
سألها ببساطة، ليضطرها إلى الإجابة بعصبية:
ـ عشان أنت راجل متجوّز، وليك بيتك وعيالك! ولا دي نسيتها؟
مطَّ بشفتيه دون أن يتأثر بثورتها، قائلًا:
ـ حاجة غريبة. مع إنه نفع في التمثيل، وما حدش اعترض. حتى مراتي نفسها تقبلت الأمر إني أتجوز عليها.
ـ هالة قبلتني عليها ضرة؟
صاحت بها مندهشة، فواصل يضاعف من صدمتها:
ـ وأنا هكدب عليكي ليه؟ على العموم، كده يا أستاذة ثبت لك بالدليل القاطع إن اللي مشينا فيه على إنه تمثيل بيتحول بطريقة غريبة إنه يبقى حقيقة. وده اللي أنا طالبه منك دلوقتي: إنك تحددي ميعاد نيجي أنا وأمي وأخواتي نحدد فيه كتب الكتاب.
نهضت تقابله بعقل تشتت من طريقته الغريبة في إقناعها:
ـ كمان كتب كتاب حتة واحدة! طب إيه رأيك بقى إن نفضّها من الخطوبة اللي ما حصلتش دي أصلاً، ويا دار ما دخلك شر.
هذه المرة تبسَّم باتساع حتى ظهرت أسنانه البيضاء، ليخالفها بمرح:
ـ آسف يا أبلة اعتماد، أنا متمسك بالخطوبة اللي ما حصلتش إنها تبقى حقيقة. يعني لو اتصرفتِ من نفسك وادّعيتي فسخ الخطوبة، أنا هقول إنه ما حصلش. عن إذنك بقى، أسيبك تفكري مع نفسك في تحديد ميعاد الفرح، يا خطيبتي.
وتحرك يغادر، يتركها في حالة من التخبط فاغرة فاهها بعدم تصديق:
هل بالفعل تحوّل التمثيل لحقيقة؟ وكيف تتخذ قرارها في ذلك الوضع غير المفهوم؟
..........................
رغم الاتصالات المستمرة منذ الصباح، وتأكيد معاذ عدة مرات بأن الأمور تسير على أحسن وجه، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لها، لدرجة أنها أجبرت زوجها العزيز على مرافقتها للذهاب إلى مقر اللجنة التي تؤدي فيها ليلى امتحانها.
وتوقفت السيارة أمام مبنى المدرسة التي وصفها لهما معاذ داخل المحافظة، فالتفت إليها يخاطبها بيأس:
ـ المدرسة قدامك أهي يا ست مزيونة، الدنيا هس، ومفيش غير كام واحد من الأهالي اللي زي حالاتك، ملطوعين جنب الحيطان في انتظار انتهاء الامتحان، مش طلعتي مجنونة لوحدك يا مزيونة.
ردت من جانبها بابتسامة ومشاعر يغلب عليها القلق:
ـ وماله يا حمزة؟ ما الأهالي كمان خايفين على مستقبل عيالهم، ربنا يجبر بخاطرنا جميعاً يا رب.
ـ يا رب.
تمتم بها حمزة بينما انصرف ذهنه نحو الجهة المقابلة له، بعد أن وقعت عيناه على أحد الأفراد من نقطة الشرطة التي تحرس اللجنة، ليردف:
ـ يا ما شاء الله، ده إحنا كمان لينا معارف هنا، وسط اللجنة! اللي هناك ده يبقى الظابط كمال، صاحبي من أيام الدراسة، مش هينفع ما أسلمش عليه.
أومأت له بتفهم:
ـ روح يا حمزة، أنا كمان مش هتحمل قعدة العربية، هطلع بره أستناها، زمانها قربت تطلع.
زجرها بعينيه حانقاً:
ـ والانتظار في العربية ولا براها هيفرق إيه يا مزيونة؟
خاطبته برجاء:
ـ حِنّ عليَّ يا حمزة، سيبني على راحتي، القلق بياكل قلبي والله.
زفر بضجر ليستسلم في الأخير تحت إلحاحها، موافقاً على اقتراحها الأحمق كما يراه:
ـ ماشي يا مزيونة، على العموم، هي كلها عشر دقايق، ولا ربع ساعة بالكتير ويخلص وقت الامتحان، اقفي في الضِلّ على ما أخلص أنا مقابلتي مع حضرة الظابط.
هللت بموافقته، مرددة بامتنان:
ـ يا حبيبي يا حمزة، ربنا يخليك ليَّ يا رب، ويجبر بخاطرك زي ما أنت جابر بخاطري.
تلقى دعوتها بترحيب شديد وبنبرة اختلط فيها الشجن نحو الشيء الذي يتمناه بشدة، ومع ذلك لا يستطيع إجبارها على تحقيقه،
حتى تأتي الإرادة منها أو من الله.
ـ يا رب يا مزيونة، يجبر بخاطري ويحقق اللي باحلم بيه.
بعد لحظات قليلة، كانت بالفعل أمام مبنى المدرسة. تمتمت بالأدعية والذكر باستمرار ليعين ابنتها ويعينها ويوفقها.
وفي غمرة انشغالها الشديد، تنقل نظرها بين شاشة هاتفها لتتفقد الوقت، وبين باب المدرسة تنتظر بلهفة فتحه وخروج ابنتها كي تبشرها.
لم تنتبه للذي قدم حتى اقترب منها بمسافة قريبة يتأملها بذهول شديد، حتى إنه لم يعرفها في البداية.
لقد بدت أمامه شديدة الجمال بملابسها العصرية الزاهية، وكأنها عادت لسنوات العشرين.
"من تلك المرأة التي ينظر إليها الآن؟ هل بالفعل هي مزيونة؟"
مبالغته في تأملها ارتدت بأثرها عليها، لتنتبه إليه أخيراً، فانتفضت متراجعة خطوتين للخلف تسأله:
ـ عرفان! إيه اللي جابك؟
ابتلع ريقه، يتمالك أنفاسه في الرد على سؤالها:
ـ نفس السبب اللي جابك، جيت عشان خاطر بنتي وامتحانها.
رمقته بشك، ثم صرفت نظرها عنه متجهة نحو باب المدرسة الذي لا ترغب في الالتهاء عنه. فاصل هو حديثه، لا يقوى على أن تفوته الفرصة في التحدث إليها:
ـ مكنتش أعرف إن الجواز من واحد غيري بيحلي كده يا مزيونة، لا وكمان بيرجع السن لورا. تفرقي إيه عن بنت تلاتاشر اللي اتجوزتها غير في حاجات بسيطة، زي العود اللي اتنصب والجسم اللي اتشد، وكأنك بس نضجتي واتخرجتي من الجامعة، مش واحدة بعد شهور قليلة هتبقى جدة!
ـ ها... وإيه تاني كمان يا غالي؟
قالها حمزة الذي ظهر فجأة من العدم، بعد أن انتبه بوجود هذا الأحمق أثناء حديثه مع الضابط صديقه.
خاطبه بتحفز للقتال، غير عابئ بهلع زوجته التي صارت تضغط على ذراعه حتى يملك غضبه ولا يثير الفضائح. أما الآخر فقد كان يطالعه ببغض لا يخفيه، حتى أجابه بمراوغة كعادته:
ـ وه يا نسيبنا، مالك كده متعصب ليه؟ معلش... نسيت نفسي في الحديث، بس اعذرني، دي أول مرة أشوف أم بنتي بعد جوازها منك، واتفاجئت بالتغيّر اللي حوّلها لواحدة تانية تقريباً.
زجره حمزة بأعين استعر داخلها الجحيم، يضغط بعنف على قبضة يده التي تناديه للانتقام من ذلك البغيض وتهشيم فكيه، ولكن منعه الحرص الشديد على صورته وسمعة زوجته التي قد تُمس أمام الضابط صديقه، والذي جاء ليستكشف الأمر:
ـ السلام عليكم، خير يا حمزة في حاجة؟ ولا الراجل ده عامل مشكلة معاك؟
تردد حمزة لثوانٍ قليلة في الإجابة، فتولى عرفان الرد وبطريقته الملتوية كالعادة:
ـ حد الله يا بيه، ربنا يكفينا شر المشاكل، ده أنا نسيبهم حتى، والبنت اللي بتمتحن جوه، "ليلى" مرة ولدهم معاذ، تبقى بنتي. ولا إيه يا حمزة باشا؟ طمّن صاحبك الظابط يا راجل، ده افتكرنا بنتعارك وإحنا أصلاً حبايب.
عض حمزة على نواجذه، وبصعوبة شديدة أجبر نفسه على مجاراة هذا القميء:
ـ فعلاً يا كمال باشا، أبو ليلى نسيبنا ويعتبر من أهلنا. وعلى فكرة دي المدام زوجتي، مزيونة الحرة.
تفوّه بالأخيرة بفخر، وبنظرة مقصودة نحو عرفان الذي امتقعت ملامحه. التفت بجسده عن حوار الثلاثة في التعارف، حتى خرجت ليلى لتهرول والدتها نحوها حتى تطمئن منها على سير الامتحان.
داخل السيارة التي اجتمع فيها الأربعة:
حمزة الذي يقود السيارة وزوجته في المقعد الأمامي بجواره، وليلى استقلت المقعد الخلفي مع زوجها معاذ الذي أتى على موعد خروجها بدقة ليشهد تلك اللحظة التاريخية في اجتماع حمزة ووالد زوجته مع مزيونة.
فعلق معاذ مشاكساً، ولكن بحرص خوفاً من غضب شقيقه الذي كان ينفث دخاناً من فتحتي أنفه وأذنيه:
ـ حاسس إني لما تأخرت فاتني كتير، شكل وجود الضابط كمال جاء بفايدة كبيرة في حقن الدماء.
سمعت مزيونة والتوى ثغرها بتوجس، حتى أدارت وجهها عن ذلك الغاضب، والذي خرج عن صمته ينهره:
ـ اتلم يا ض أنت كمان بدل ما ألمك، أنا على آخري أصلاً.
رد معاذ ببساطة مُبدياً تفهماً:
ـ خلاص يا برنس ولا يهمك، أنا أصلاً مش فاضي وبراجع ورقة الامتحان مع زوجتي العزيزة.
وبالفعل، انشغل الأخير بمراجعة ورقة الامتحان مع ليلى، تتابعهما مزيونة بتركيز وتتدخل في بعض الأحيان، حتى فاض الكيل بحمزة ليُصمِت الجميع بصيحته:
ـ أنا اللي عايز أعرفه دلوقت، الباشا ده إيه اللي جابه النهاردة؟ على أساس إنه يهمه قوي تعليمها ولا المجموع اللي هتجيبه؟ هو أصلاً من إمتى مهتم وعارف بمواعيد دراستها؟
ـ أنا يا عم حمزة.
تفاجأ بالإجابة التي صدرت من ليلى، لتلجمه عن المواصلة حين تابعت:
ـ هو فعلا أول مرة يحضر أو يهتم بيوم امتحاني، بس أعمله إيه؟ وهو بدأ يهتم ويسأل، ده في الأول وفي الآخر أبويا.
سقطت كلماتها على رأسه كدلْوِ ماء مثلج تُطفئ نيراناً مشتعلة، ليتدارك ويمسك لسانه حتى لا يندفع ويُخطئ بالقول عليه أمامها:
ـ لا طبعاً ده أبوكي وله حق عليكي مهما حصل، معليش يا ليلى، عمك حمزة عصبي النهاردة شوية.
ـ قول شويتين يا حبيبي، ده احنا مش عارفين نكلمك من ساعة ما دخلنا العربية، في إيه يا عم؟
تفوه بها معاذ، ليجبره على الاندماج قليلاً، وعيناه انصبت على تلك التي كانت تنظر عبر النافذة إلى الخارج، آخذة على خاطرها منه بعد انفعاله عليها أيضاً.
ليرْد ببيت الشعر الذي طَلَّ برأسه معبراً عن حالته:
ـ معذور يا حبيبي، ولازم يبقى عنديكُم دم وتقَدَّروا:
غيرة الراجل نار في مَرَاجِل... نار بتنوّر مابتحرقش.
إحنا صعايدة مابنستحملش.
شمسنا حامية وعِرقنا حامي وطبعنا حامي.
واللي تخلّي صعيدي يحبها... يبقى يا غُلْبها.
لم تَقْوَ مزيونة على كتم ابتسامتها، ليُصَفِّق له معاذ بتهليل، ويضيف بمرح هو الآخر نحو زوجته التي غمرها الابتهاج هي أيضاً:
ـ أيوه بغير لا أنا نقصان ولا ضعفان.
ولا مسطول ولا سكران.
ولا زايغ من عينيَّ الضيو.
لا حد أحسن مني في شيبس بغير.
واللي قالوا لك غيرة الراجل قلة ثقة أو قلة فهم... خلق حمير.
ـ حبيبي يا عم هشام يا جخ.
رواية لأجلها الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
مرت عدة أيام وهو في حالة غضب لا يهدأ، وعقله لا يكف عن التفكير منذ آخر لقاء جمعه بتلك الملعونة المتلوّنة. كم مرة رآها في شارع أو زقاق، وقبل أن يتمكن من الاقتراب منها، تختفي كأنها زئبق، أو تنحشر داخل تجمعات الناس أو بين النساء.
حتى هنا، في هذا المكان الذي أخذ وعدها بأن تأتيه بطلبه، لم تطأه قدماها إلا اليوم.
كانت أسفل شجرة السنط، تلتقط منها مادة الصمغ الطبيعي ومجموعة كبيرة من الأوراق، تحشرها داخل كيسين من القماش، لكل منهما استخداماته، سواء طبية تقليدية أو أشياء أخرى يعرفونها هم، بحكم ترحالهم الدائم واستغلالهم لموارد الطبيعة.
أكثر ما يميز هذه الشجرة هو أشواكها الكثيفة، وهو ما جعلها تأخذ حذرها بتركيز شديد. وكان هذا في مصلحته هو، فور أن وقعت عيناه عليها.
احتبست أنفاسه، وتوهجت عيناه بوميض صياد وجد فريسته، ليقترب نحوها ببطء شديد، بالكاد تلامس أقدامه الأرض حتى لا تنتبه وتهرب منه كما في كل مرة.
تقدّم خطوة، خطوتين، حتى إذا حانت اللحظة، وثب نحوها كالفهد، يقيّدها بذراع، والآخر يكتم به أنفاسها.
تلوت بشراسة، وصوتها يزمجر أسفل كفه القابضة على فمها بقسوة، تغمغم بكلمات بذيئة وشتائم بالجملة.
فشدد هو قبضته، ورجها رجًا وهو يزمجر مهددًا:
"اِهمدي... واقفلي خشمِك ده من الشتايم والكلام الزِفِر! أنا عطوة مش غريب يا أختي، يعني عارفة غرضي زين قوي؟ آخد حاجتي وأسيبك تغوري في داهية..."
خفت مقاومتها وارتخى جسدها اللين بين ذراعيه، مالت برأسها للخلف حتى التقت عيناها بعينيه، تطالعه باستسلام وإغواء جعله ينتفض ويتركها على الفور بغضب متعاظم، زاجرًا بخشونة:
"لا يا روح أمّك، بلاها الحركات دي... عشان ما اتعصّبش عليكي أكتر."
رغم قوة الدفعة التي جعلت ظهرها يصطدم بجذع الشجرة بعنف كاد أن يؤذيها، إلا أنها تجاهلت الألم، وقد وجدت ما يخفف عنها في الارتباك الذي حل بهيئته ونبرة صوته التي تجلى فيها الاضطراب رغم تصنعه غير ذلك، لتزيد من نعومتها وهي تخاطبه باسمه:
"وه، وتتعصب عليا ليه بس يا سي عطوة؟ هو أنا عملتلك حاجة؟"
ارتفعت قبضته نحوها حتى كاد أن يضربها، لكنها توقفت في الهواء، ينهاها كازًّا على أسنانه حتى تكف عن ألاعيبها معه:
"في قبر هيلمك إن شاء الله لو ما اتعدلتيش وجبتي الأمانة اللي عندك! أنا مش فاهم والله، غايتِك إيه من حِتّة صورة؟"
سمعت منه، فـقطّبت حاجبيها تتظاهر بالاستفهام، لكن سرعان ما بدلت لتضرب بكفها على جبهتها مدعية التذكر:
"قصدك الصورة الـ... أخ... يا وعدك يا نورة، أنا كيف نسيتها دي؟"
للمرة الثانية تدفعه للهجوم عليها، وهو بالكاد يحاول أن يتحاشاها، ليباغتها بالقبض على قماش الرداء الذي ترتديه، يدنو بوجهه أمامها صارخًا:
"يا بنت الـ... قلتلك بلاها اللوع، ليه غاوية تختبري صبري عليكي؟"
أصبحت المسافة الفاصلة بين الوجهين لا تتعدى السنتيمترات، وهو يهدر بالسباب والشتائم التي لا تعيرها اهتمامًا، وقد شرَدت بتلك الملامح الخشنة دون وسامة ظاهرة. ليس جميلاً بالمعنى المعروف، ولكن به شيئًا يجذبها إليه، ذلك الشيء تعرفه تمامًا، وهو ما يصبّرها على وقاحته ومعاملته الدونية لها دون وجه حق.
أما هو، فقد حاول بشتى الطرق أن يمنع ذلك الإحساس بالتأثر تجاه تلك الملعونة، أو جنيّة البحر كما وصفها في أول لقاء بينهما. لا تكتفي بجمالها الرباني، بل تدفع بأسلحتها الأنثوية حتى تجعله يفقد تركيزه في معظم الأحيان، وتُصعّب عليه مهمته، وهذا ما يضاعف من غضبه.
"ساكتة وعمّالة تِسبّلي في عينيكي على أساس إني ممكن أتأثر بواحدة زيّك؟ إدّيني غرضي وغوري، أنا مش طايق أبص في خلقتك أصلاً!"
قابلت نورة مبالغته في تحقيرها وتعمده توجيه الإساءة بابتسامة داخلها، رغم ادعائها المسكنة واستجداءه:
"الله يسامحك يا سي عطوة، دايمًا كاسر نفسي. على العموم، أنا برضك مش هشيل منك، بس أعمل إيه؟ شكلي اتلهيت ونسيت الصورة، حتى مش فاكرة حطيتها فين؟... آه!"
صدرت الأخيرة منها بألم حقيقي حين حطت أنامله تقبض على عنقها ككلابة حديدية، يضغط بكامل قوته حتى كاد أن يقتلها خنقًا بالفعل، لولا أنه استدرك فعلته قبل فوات الأوان حين رأى التغيير السريع في ملامحها؛ إذ تحولت بشرتها إلى الاحمرار الداكن بسبب احتباس الدم وعدم وصول الأكسجين، واتسعت عيناها بشكل غير طبيعي وهي تناظره بخوف وذعر.
استفاق نازعًا كفيه عنها، يراقبها وهي تأخذ أنفاسًا عميقة ومتقطعة، وكأنها تتعلم التنفس من جديد. تبع ذلك نوبة سعال قوية ومؤلمة، وجسدها يحاول من خلالها إدخال أكبر قدر ممكن من الأكسجين.
حتى إذا استردت بعضًا من وعيها، تطلعت بعينين باكيتين تؤنّبانه:
"حرام عليك، كنت هتاخد روحي فُطيس عشان صورة! تهون عليك روح بني آدم على حاجة ما تستاهلش؟ قيمتها إيه المرا دي عندك عشان تودي روحك في داهية؟ ولا لما أنت حاببها جوي كده، ما اتجوزتهاش ليه بعد ما اتطلقت من عرفان؟"
"ما لِكيش صالح!"
صرخ بها، وقد لمعت عيناه لأمر لم تفهمه، لينهي بتهديد صارم:
"قدامك بكرة يا نورة. إن ما جبتيش الصورة، يبقى اللي وقّفته من شوية هكمّله المرة الجاية، وقولي على نفسك يا رحمن يا رحيم."
يوم اختبار جديد قد تم الانتهاء منه بعد ليلة من السهر والقلق، يليه انتظار أمام لجنتها حتى الاطمئنان على خروجها مبتسمة كالعادة، فلا يتبقى سوى انتظار النتيجة.
أما الآن، فقد حان موعد العودة إلى المنزل الكبير، وقد كان اليوم ممتلئًا بالأشخاص بحضور الشقيقات المتزوجات وأطفالهن.
حسنية التي تترأس الجلسة كعادتها، بصحبة منى وزوجها، مع غياب باقي الشقيقات المنشغلات في المطبخ والأعمال المنزلية لوالدتهن.
"يا مساء الخير، دا الحبايب كلهم موجودين!"
ألقى حمزة تحيته مرحبًا، ليقابله منصور فاتحًا ذراعيه بمبالغة في رد التحية:
"نسيبي الغالي، وحشتني يا غالي!"
تقبل حمزة عناقه مرحبًا بشك قائلاً:
"وفاتح دراعاتك وبتحضن كمان؟ لا شكلك رايق النهارده. يلا المهم إنك وحشتني أنت كمان. وأنتِ يا بت يا منى، عاملة إيه؟ مش عادتِك تبقي هادية؟"
أومأت له بابتسامة كإجابة، فتكفلت والدتها بالرد عنها قبل أن تتجه بالحديث إلى البقية:
"سيبوا منى في حالها، مش فايقالكم! طمِّنينا يا بت يا ليلى، عملتِ إيه في الامتحان؟ سبع ولا ضبع؟"
ضحكت ليلى، ليأتي الرد من معاذ الذي هلل بتفاخر:
"سبع وسبع الرجال كمان يا حسنية! حرمنا المصون كدها وكدود."
"يا خوي وإحنا نكره يعني!"
قالتها منى وهي تسحب ليلى لتجلسها بجوارها بعد أن اقتربت منها الأخيرة لتصافحها وتقبلها، فيأتي دور مزيونة التي دلفت خلفهم مع ريان:
"آهه، والبرنسيسة التانية كمان جت! تعالي يا ندلة يا اللي ما بتسأليش. لازم أنا أسأل، لكن أنتِ لأ."
شهقت مزيونة مهرولة إليها بطيبتها:
"يقطعني يا حبيبتي، هو أنا أقدر أستغنى عنك برضو؟ حبيبتي يا غالية، والله ملخومة في امتحانات ليلى."
قابلت منى عناقها بحب دون جدال، فتدخل حمزة مدافعًا عن زوجته:
"بتبرّري ليه يا ملكومة أنتِ؟ على أساس هي مقطعة رجليها على البيت؟"
ردت منى بغيظ:
"شوف البارد ده كمان! أنا ليا عذري يا حبيبي."
"عذر مين يا أم عذر؟ كان على رجليكِ نقش الحنّة يا أختي؟"
قالها حمزة بسخرية، فجاءه الرد من منصور ضاحكًا:
"لاه يا غالي، بس حامل..."
"هي مين اللي حامل؟"
ضحك منصور ليعود ويؤكد بزهو:
"المدام يا عمنا، منى أختك حامل!"
شيء من الذهول أصاب حمزة وهو يلتفت نحو شقيقته التي صارت تتلقى التهاني من مزيونة وابنتها وشقيقها معاذ، لينضم إليهم مهنئًا بعد أن تأكد من صدق صهره:
"مبروك يا منى، مع إنك موقّفة من كذا سنة، أنا افتكرتك استكفيتِ..."
"لا يا حبيبي، استكفينا إيه؟ هو في حد يستكفى من العيال برضو؟"
تفوه بها منصور بعفويته، غافلًا عن أثر كلماته على من يرسم الإبتسامة اندماجًا معه، لكن داخله غصة تكونت في حلقه لا يستطيع البوح بها.
فردت منى بغيظ من زوجها:
"طبعًا يا حبيبي، هو أنت محتاج تعبر ولا تتكلم أصلاً؟ والله يا حمزة واخدة كل احتياطاتي، وحالفة من جوايا ما أكرر الغلطة تاني، لكن إرادة ربنا غلبت، أكيد من دعوات الفقري ده، أنا عارفة لما يحط دماغه في حاجة..."
ضحك زوجها بصخب أمام تعليقات البقية وتهنئتهم، ليصيب الصمت حمزة وهو يتابعهم.
أما معاذ فصار يهلل بقدوم طفل سيكون أصغر من طفله، كي يأخذ فرصته ويضربه إن لزم الأمر!
وليلى التي كانت تقيس بطنها بجوار منى، وقد كانت متقاربة معها في الحجم تقريبا ولا تختلف عنها سوى بفرق قليل رغم فرق شهور الحمل بينهما.
حسنية تنظر إليهم برضا، بينما مزيونة التي ظهرت عليها الفرحة بحق، لم تنتبه إلا مؤخرًا إلى نظرة زوجها الغريبة إليها قبل أن يقوم ويستأذن مغادرًا، فصارت تتبعه بعينيها حتى اختفى خارج المنزل، وعقلها قد وصل أخيرًا إلى سر حالة الغموض التي تكتنفه.
سألت عن مقر تواجده حتى وصلت إليه، لتطأ قدماها ذلك المكان الجديد عليها، رغم عدد الشهور التي قضتها في المنزل منذ زواج ابنتها، ثم زواجها هي أيضًا لتصبح فردًا من العائلة. هذه أول مرة تدخل الإسطبل.
تلك المساحة المصممة بعناية من الخشب الداكن الذي اكتسب لونًا عتيقًا بفعل الزمن. رائحة التبن الجاف النظيف وجلد السرج المدبوغ تفوح في الهواء، ممزوجة بعبق ترابي لطيف. وعبر السقف المائل، تتسلل أشعة شمس الأصيل الذهبية لتستقر في شكل أعمدة من النور.
وفي ركن الإسطبل، حيث الضوء أكثر خفوتًا، وقعت عيناها عليه. يقف بوضع شبه ثابت، يسند ظهره إلى إحدى الدعامات الخشبية، نظراته مثبتة على حظيرة واسعة قليلًا، حيث ترقد الفرس الأم، وإلى جانبها كان المهر المشاغب الذي لا يكف عن الحركة، حتى نهض ليشغل المساحة حولها بالقفز يمينًا ويسارًا. مشهد يسر العينين، وهو يراقب بصمت ثقيل.
تبدو على ملامحه علامات الإرهاق والهم، بالتأكيد هي انعكاس لما يدور برأسه من أفكار تعلمها جيدًا.
"حمزة..."
نادته كي تنتشله من شروده، وتجذب انتباهه إليها، فتعلق بصره بها حتى اقتربت منه، تخاطبه بابتسامة يشوبها الاضطراب:
"إيه الحكاية؟ طلعت من جارنا واختفيت فجأة! حضرنا الأكل، وبقينا ندور عليك عشان تتغدى معانا مش لاقيينك، غير بس الواد ابن أختك منى هو اللي دلنا، وقال إنه شافك كنت داخل عند الفرسة من يجي ساعة، معقولة كل ده قاعد بتتفرج عليها يا حمزة؟"
حمحم بصوت خشن ليجيبها بفتور:
"عادي يعني، أنا ممكن أكون سرحت ونسيت الوقت. على العموم أنا أصلًا ما ليش نفس. روحي اتغدي إنت معاهم عادي، وأنا شوية كده وهاجي أشرب الشاي معاكم بعد ما أعمل مكالمتين مهمين."
لم تستجب، بل تجمّدت برهة قبل أن تباغته بقولها:
"حمزة، هو إنت زعلان عشان مني طلعت حامل؟"
احتد بصره نحوها بضيق، ينفي مستنكرًا:
"لا طبعًا! إيه اللي بتقوليه ده؟ هحقد على أختي وجوزها يعني؟ نقّي كلامك يا مزيونة!"
شعرت بالحرج حين انفعل عليها، لتعبر عن أسفها بصوت مختنق وعين احتجزت فيها الدموع:
"معلش، أنا آسفة."
همت أن تلتف وتبتعد عنه، وقد تحركت قدماها خطوتين إلى الخلف كي تغادر، ولكنه كان الأسبق، يمنعها قابضًا بيده القوية على ساعدها ليردها إليه:
"رايحة فين وهتسيبيني؟ أنا لسه سمحتلك تمشي أصلًا؟"
قال الأخيرة بنبرة مازحة، ليرفع ذقنها إليه متطلعًا إلى عينيها التي لمعت بالعبَرات، فزاد ذلك من ثقل ما يشعر به، ليضمها بين ذراعيه دون سابق إنذار، مرددًا بندم:
"ما عاش ولا كان اللي ينزّل دمعتِك، حتى لو كان حمزة نفسه."
تلقت مبادرته بلهفة، لتشد عليه بذراعيها، تسند رأسها على صدره الدافئ، وفي رحب حضنه الذي تجد فيه ملاذها، لتقول:
"أنا حاسة بيك يا حمزة، وعارفة إن اللي جواك مش حقد ولا غيرة عفشة. إنت نفسك تخلّف مني، وأنا أكتر والله، بس... بس..."
"بس إيه يا مزيونة؟ بس إيه بس؟ اتكلمي الله يرضى عنك، خلينا نشوف لو في مشكلة نحلّها."
لم يكن حديثًا، بل كان رجاءً، وكان ردها الصمت. شعر برجفتها واضطراب أنفاسها، لقد بدأت تتخذ الأمر بجدية لكنها تحتاج إلى الجرأة:
"أنا معاكي يا مزيونة وهصبر عليكي، بس المهم تاخدي الخطوة معايا وتجمّدي قلبك. شوفي، نبتدي بإيه؟ دكتورة نِسا ولا دكتورة نفسية تاخدي وتدي معاها في الحديت؟"
أيضًا كان ردها الصمت، لكنه لم يدم طويلًا هذه المرة حين قطعته قائلة:
"لا دكتورة النسا ولا النفسية هيجبوا فايدة إن ما كنتش أنا مستعدة. اصبر عليا شوية كمان يا حمزة، هانت..."
أغمض عينيه وتنهد بتعب، يقبّل مقدمة رأسها عدة مرات قائلاً بقنوط:
"أصبر عليكي مية سنة كمان، ولا يهمك يا قلب حمزة."
رفعت وجهها المغرق بالدموع، تتبسم في تضاد مع هيئتها، لتقول بعشق صادق:
"أنا بحبك قوي يا حمزة، وبحب ريّان عشان بشم ريحتك فيه، حتى أحيانًا بتمنى أجيب عيل شبهه، يعني يبقى واخد منك ومنه."
ظهرت أسنانه البيضاء نتيجة ابتسامة متسعة حلت بزاوية شفتيه بعد سماعه ولأول مرة لرغبتها في الإنجاب منه. إذن قد اقتربنا، ليغمره الفرح بعد كلماتها، فيأتي رده العملي على الفور، إذ دنا بوجهه يقبّل ثغرها الذي ألطف على قلبه بما يتمنى سماعه.
بادلته مستجيبة بلهفة، فإن كان يرغبها ويرغب الإنجاب منها مرة، فهي أيضًا تعلقت بقربه وأصبحت ترغبه وترغب الإنجاب منه آلاف المرات.
داخل حجرة المُدرِّسات، وقد تقلص عدد اللاتي يعملن في ذلك الوقت إلى اثنتين فقط تقومان بالأعمال الإدارية. كانت إحداهن اعتماد، والأخرى في المكتب المقابل لها.
كل واحدة منهكة فيما يخصها، حتى رفعتا رأسيهما في اللحظة نفسها، تزامنًا مع الرائحة التي هبت فجأة تتخلل أنفاسهما مع دخول إحدى السيدات الجميلات برداء العباءة السوداء الباهظة الثمن.
وقفت لحظة تُطل بكليتها من مدخل الباب، وبابتسامة سامة ألقت التحية على المرأة ثم على اعتماد التي أصابها الذهول وهي تراها:
"صباح الخير يا أبلة عطيات... صباح الخير يا... أبلة اعتماد! ولا أقولك يا ضُرتي أحسن؟"
خرجت الأخيرة بصوت خفيض إلى حد ما، لتصل العبارة واضحة إلى اعتماد من تلك المسافة القريبة. أما عطيات فقد انتفضت من محلها ترحب بها بمبالغة:
"يا أهلًا يا أهلًا بالست هالة، ست الناس بنت العيلة! ده إيه الطلة البهية دي!"
قابلت هالة تحيتها بتواضع مُزيَّف، تُصافح المرأة وتتبادل معها الحديث بعجالة أمام اعتماد التي أصابها الذهول بالخرس، والتصقت بالمقعد تراقب الحديث الذي يبدو وديًا أمامها:
"عاملة إيه؟ عاملة إيه الست حسنية؟ يا رب تكون بخير. سلّمي لي عليها يا شيخة، من بدري ما شفتهاش."
"ما تشوفي وحش يا حبيبتي، هي زينة الحمد لله، بس إنتِ عارفة عاد، هي طول الوقت مشغولة في البيت المليان بعيالها وعيال عيالها."
"ربنا يزيدكم ويبارك يا حبيبتي. أنا لازم أعدي عليها بنفسي. لكن إنتِ ما قلتِليش، جاية النهاردة عشان تقديم البنت برضه؟"
نفت هالة بابتسامة غير مفهومة، وعينها اتجهت نحو اعتماد تجيبها:
"للأسف يا غالية، أنا مش جاية عشان البِت، دي موضوعها اتحل من البداية، والفضل طبعًا يرجع لأبوها، ربنا يخليه. إنما أنا النهاردة جاية لحاجة تانية خالص، جاية لحبيبتي اعتماد... ضُرتي القادمة."
الذهول هذه المرة لم يكن من نصيب اعتماد فقط، بل أصاب زميلتها عطيات أيضًا، والتي صارت تنقل بصرها بين الاثنتين باضطراب ملحوظ.
حتى استفاقت الأخيرة واستعادت بأسها، لتطلب من زميلتها بلطف:
"أبلة عطيات، ممكن بعد إذنك تطلبي من الدادة أم صالح تعمل لنا فنجانين قهوة من البن الخصوصي بتاعي؟ معلش يعني."
أومأت المرأة برأسها بارتباك وعجالة:
"تمام حاضر... أم صالح مش موجودة النهارده، بس أنا هعملكم أحلى فنجانين قهوة..."
وخرجت تُهرول من أمامهما، وكأنها في سباق للحاق بالقطار.
أما هالة فقد تقدمت خطوتين وجلست دون استئذان أمام مكتب اعتماد، تضع قدمًا فوق الأخرى بقصد واضح، لم تغفل عنه الأخرى، لتبادرها بالحديث مباشرة:
"ممكن أفهم إيه اللي جابك عندي يا هالة؟"
ردت الأخيرة بعد أن زمّت شفتيها بسخرية:
"أممم... وحسّك عليّ كمان! بعد ما خدتي الثقة من حمزة نفسه، اللي بيزُق أخوه على جوازه منك، وإنتِ ما صدقتي؟ أموت وأعرف عملتيها إزاي دي؟ قلبك قواكي تكلميه وتحكي معاه وتفضفضي؟ أمّال فالحه بس تلبسي الوش الخشب قدام الكل في البلد، لكن عند عيال القناوي الأمور بتتغير..."
قالت الأخيرة بغمزة بطرف عينها، لتُشعل الدماء في رأس الأخرى، فهَدرت بها:
"احترمي نفسك يا هالة، وبلاها تلميحاتك الماسخة. مش محتاجة أدافع عن نفسي، عشان أنا فوق مستوى الشبهات أصلًا. عندِك نية تسمعي وتفهمي، أنا ممكن أحكي لك عن الأسباب اللي أدت لكده يعني..."
"أدّت وزفّت! سيبك من أمور السهوكة اللي ابتدت تظهر عليكي على كِبَر، عشان أنا صاحية وفاهمة جويّ لألاعيبك. على العموم هو اللي جابه لنفسه، حد يسيب هالة ويبُص لاعتماد؟!"
حقًا جرحها الوصف، ورغم غلاظة قولها، إلا أنها تؤمن داخلها بقوة أنها بالفعل لن تتفوق عليها في الجمال، لكن لِمَ التفكير، وهي لم تحسم أمرها من الأساس؟!
لتتنهد بيأس، وبنبرة مهزومة سألتها:
"تمام خالص يا هالة، إنتِ عندك حق. ممكن أعرف طلبك إيه مني بقى؟"
سمعت منها، وكان رد فعلها أن مالت رأسها بأنوثة وميوعة تخبرها:
"ولا حاجة يا سِتّي، أنا بعد كلام خليفة، راجلي وحبيبي، هيبقى ليَّ رأي تاني؟ على العموم يا سِتّي، لو ليكي غرض فيه اتجوزيه، وأنا قابلة بيكي ضُرّة، مدام نصيبي كده."
تعقد حاجبا اعتماد باستنكار وريبة، لتعقب علي وقاحتها سائلة:
"ليا غرض فيه؟! بغض النظر عن الجملة المستفزة، إنتِ عايزة مني إيه بالظبط يا هالة؟"
زادت ابتسامتها اتساعًا لتعيد وتؤكد بثقة وغرور:
"كلامي مالوش غير معنى واحد بس يا حبيبتي. مش إنتِ اخترتي وعرفتي توقعي الراجل رغم تحذيري ليكي؟ يبقى خلاص بقى... مبروك عليكِ جوزي يا ضُرتي!"
اهتز رأس اعتماد بتشتت، لا يمكنها استيعاب تصرفات تلك المرأة. هذا الهدوء المبالغ فيه وإظهار التسامح في أمر كهذا أبعد ما يكون عن شخصيتها. اللعنة! ماذا تدبّر لها؟
"بقولك إيه يا هالة، بصي... انسي كده يا حبيبتي وشيلي الفكرة خالص من دماغك، أنا مش هكمل. إيه رأيك؟"
أصدرت من فمها صوت استهزاء قائلة:
"على أساس إن أنا هبلة وهصدقك يعني؟ على العموم، أنا جيتك بنفسي وبلغتك بموافقتي، ما تنسيش بقى يا غالية تبلغي حبيبي خليفة بموقفي، عشان يعرف إن أهم حاجة عندي راحته."
ونهضت تلملم حقيبتها استعدادًا للخروج، حتى قطع عليها دخول الأستاذة عطيات، حاملة صينية وعليها بعض الأشياء قائلة بحماس:
"أنا جيت بالعدة بتاعة القهوة كلها. شوفي بقى مزاجك إيه يا ست هالة، مظبوط ولا سادة ولا زيادة؟ وأنا أعملك من علبة الأبلة اعتماد."
ردت هالة بابتسامة صفراء:
"معلش يا حبيبتي، اشربي إنتِ مكاني."
لاحقتها عطيات بقولها:
"يا ريت كنت بشربها! أنا آخري كوباية شاي لو قدرت. اقعدي يا هالة، ده الصنف اللي بتجيبه اعتماد، مش أي حد يشربه."
مرة أخرى رفضت على عجالة وهي تغادر الغرفة:
"مرة تانية يا عطيات، تشكري يا حبيبتي."
وخرجت تترك اعتماد في حالة من الذعر، وداخلها قد حسمت أمرها أن تنهي تلك الخطبة المزعومة، حتى ولو كان ذلك ضد رغبتها.
أما عن هالة، والتي خرجت من مبنى المدرسة رافعة الرأس بشموخ وغرور، بعد أن نفّذت هدفًا لا بأس به، حين رأت الرعب الذي غلّف ملامح اعتماد، فقد غمرها شيء من الزهو.
هي الأدرى بمصلحتها الآن؛ فإن استمرت، فعليها أن تتوقّع العواقب، وإن صدقت وعدها بالابتعاد، تكون قد جنّبت نفسها وأشقاءها الأذى الذي تستحقّه.
كانت في طريقها لتنعطف من الشارع الرئيسي كي تكمل طريقها داخل الشارع الآخر، حتى أبصرت بعينيها السيارة التي تعرفها جيدًا، سيارة زوجها، وهي قادمة نحوها.
تراجعت على الفور إلى خلف إحدى الأشجار في ركن منزوٍ إلى حد ما، كي تتخفّى، وفي الوقت نفسه تراقب حتى وصوله إلى أمام المبنى.
ترجّل منها، مرتديًا جلبابه الأنيق، وساحبًا في يده كيس هدايا كادت عيناها أن تخرج بسببه، ثم دلف إلى داخل المدرسة.
أخرجت هي سريعًا هاتفها من حقيبتها واتصلت بالرقم الذي كلَّفته سابقًا بمراقبته:
"أيوه يا واد يا حسني، ما بلغْتنيش ليه إن عمك خليفة جاي المدرسة؟ مش أنا مبلغاك يا زفت تحط عينك وسط راسك معاه؟! بلا خالتي بلا زفت، وبطّل حلفاناتك دي! أكيد انشغلت عنه في قعدة مع أصحابك الفاشلين، أنا عارفاك... بتقول إيه؟"
"ودخل مكتبة الساعدي يعمل إيه؟ أنا شوفت كيس هدايا معاه... إيه؟ جايب هدايا عيد ميلاد وسلسلة فضة كمان بحرف الـ (A)! طب اقفل يا حسني، اقفل..."
أنهت المكالمة وعيناها مصوّبتان على مدخل المدرسة، تردِّد بفحيح ووعيد:
"ماشي يا اعتماد... شكلك من أولها هتجيبي نهايتك معايا..."
أما في داخل المدرسة، فقد كانت اعتماد في حالة من البؤس جعلتها لا تنتبه إلى دخوله، إلا حين صار أمامها، لترفع عينيها عليه تناظره بفتور وهو يلقي التحية ويسأل عن الأستاذة عطيات التي لم تكن موجودة في ذلك الوقت:
"صباح الخير، حلو... الأبلة عطيات مش موجودة، هي راحت فين صحيح؟"
قالها بنوع من المزاح، لم تستجب له، وهي تجيبه بجدية:
"الأبلة عطيات طلبها المدير. كويس إنك جيت، عشان أنا كنت عايزاك."
تبسَّم مُرحِّبًا:
"وإيه؟ عايزاني مرة واحدة؟ طب تحبي نتكلم هنا برضو، ولا ناخد راحتنا في أي كافيه برّا؟"
أومأت بموافقة نابعة من يأسها:
"في أي حتة بعيد عن هنا، بس يا ريت يكون دلوك... لو فاضي يعني؟"
رغم تسرّب شعور غير مريح من نبرتها، إلا أنه تلقّى دعوتها بحماس شديد:
"فاضي قوي، يلّا بينا."
سمعت منه، ونهضت تلملم أوراقها ومتعلّقاتها وتضعها داخل حقيبة يدها، ثم خرجت معه دون أن تنتبه إلى كيس الهدايا الذي ما زال بيده.
وقد وجدها فرصة جيّدة جدًا لمفاجأتها، فهذا الطلب كان برأسه منذ البداية، لكنه خشي من رفضها.
استقلّ الاثنان السيارة، لتسير بهما إلى وجهتهما، غافلين عن زوج عيون كانت تراقبهما، وقد اشتعل داخلها الجحيم.
وقد حسمت الأمر في القضاء على تلك المخادعة التي توعِد بشيء وتفعل خلافه؛ حتى علّقت بها خليفة الرزين، ليأتي ويقدّم لها الهدايا كالمراهقين وهو لم يدخل بها بعد! فما بالها بعد أن يتزوّجها؟
عادت نورة الغجرية إلى نَصْب الخيام الذي تتخذه مسكنًا لها في تلك البلدة منذ فترة ليست بالهينة.
كانت في طريقها إلى خيمة والديها حين تفاجأت بمن يظهر لها من العدم ويعترض طريقها:
"وِهْ، عروستي الحلوة! أخيرًا طليتي تنوَّري دنيتي، بعد ما قعدت بالساعات على الخيش في انتظارك!"
قابلته بابتسامة لا تصل إلى عينيها:
"أهلاً يا عرفان، معلش، لو أعرف إنك قاعد ما كنتش اتأخرت. على العموم تعالى اتفضل..."
همّت أن تتحرّك، لكنه أوقفها:
"يزيد فضلك يا عروسة، أنا ورايا مصالح مهمة ما ينفعش تتأخر."
"على العموم إحنا هنروح من بعض فين يعني؟ بكرة نكتب الكتاب ونعلّي الجواب."
قطّبت ناظرةً إليه باستفسار، فأردف مجيبًا:
"أيوه يا عروسة، ما أنا حددت مع أبوكي من شوية، واتفقنا على كل حاجة. بكرة كتب الكتاب والحنة، وبعده دَخْلتنا يا قمر..."
"دخلة مين يا غالي أنت؟ أنت بتخرّف؟ بتقول إيه بالظبط؟"
قاطعته بانفعال أثار غضبًا كان يكتمه منذ فترة، فهو ليس بالغبي حتى تنطلي عليه ألاعيبها، ومع ذلك كان يستمتع بخداعها طمعًا في الفوز في النهاية.
اشتدّت تعابير وجهه فجأة، يرمقها بحدّة قائلاً:
"نقّي كلامك زين يا نورة، عشان أنتِ مش قد غضبي."
"وإن كان على التخريف، فأنا آخر واحد يهلفط بكلمة مش في مكانها."
"اسمعي يا بت، أنا صاحي لك قوي وواعي لألاعيبك معايا. أكتر من شهرين دلوك وأنا رايح جاي وواجع دم قلبي عشان ننجز، وأنتِ كل شوية تطلعي بحجة وتطلعي بطلب!"
"عملة مرتي لما ضربتك، أنا ما حاسبتكيش عليها، بس ركنتها وخلتني أحسم أمري."
"مدام اتفضحت جدام الخلق وكده كده عرفوا إني هتجوز غجرية، يبقى إيه اللي هيخليني أستنى؟ دا غير إني دافع كتير قوي..."
صمت قليلًا يلتقط أنفاسه وهو يراقب ملامحها الجميلة وقد أصابها الذعر، ثم أردف بحزم:
"أنا جبت لك شنطة هدوم جوا، اتفرجي عليها ونقّي اللي ينفعك لبكرة."
"دا غير إني عامل ليلة كبيرة، دابح ومكلّف، عشان أوكِّل كل ناسك."
أخرج تنهيدة ساخنة يمشطها من أعلى إلى أسفل بنظرات وقحة أثارت القشعريرة في جسدها، ثم أردف أخيرًا:
"يلّا شوفي هتعملي إيه عشان تجهزي من دلوك، ما فيش وقت. وأنا كمان ألحق أخلّص اللي ورايا... أسيبك بقى يا لهطة القشطة، بكرة ميعادنا إن شاء الله..."
أخرج تنهيدة أخرى ثم غادر لتدخل الأنفاس إلى صدرها أخيرًا، وتحركت سريعًا نحو خيمتهم لتجد والدتها أمامها، فصرخت بها:
"ممكن أعرف الخَرْتيت دا اتفق معاكم على إيه بالظبط؟ عمال يخرّف بكلام ويقول كتب كتابنا! معقول يكون بيتكلم جد؟"
رفعت والدتها الفِراش الذي كانت تعمل على طيِّه، ثم وضعته في ناحية مع بعض الأغراض الخاصة بهم استعدادًا لتنظيفها، وردّت عليها بعد أن حدَّقتها بنظرة صارمة:
"وهيهزَّر ليه إن شاء الله؟ عيل صغير هو؟ عرفان اللي كنتِ فاكراه أهبل وآخره كلام، طلع حاسب كل مليم صرفه علينا، على أساس إنه عريسك! وحلف مية يمين إنه لو ما نفّذناش بُكرة بكتب الكتاب، ليكون جايب البوليس ولمّمنا كلنا في بوكس واحد!"
قالت نورة بعصبية وهي تشيح بيدها:
"اسم الله على جنابه! طب يعملها كده ويشوف معانا حق ولا باطل!"
تركت المرأة ما بيدها لتزجرها بنفاد صبر:
"لأ، هينفّذ يا أختي، وهيعمل كتير قوي! لمِّي الدور يا نورة، أنتِ اتغليتِي عليه كتير، وخلّيتيه صرف كتير. كل حاجة وليها تمن، ومادام وعدتيه وأدّيتيه كلمة، يبقى خليكِي كدّها. إحنا مش حِمل أذية."
كانت نورة في حالة من النكران، حتى بدأت تستوعب أخيرًا حجم المصيبة التي وقعت فيها هي وأهلها، فقالت محاولة تليين نبرتها:
"خلاص يا أمَّه، نسيب البلد دي خالص، إحنا لينا فيها إيه أصلاً؟ قولي لأبويا وللعيال نلمّ حاجتنا عشان نِرحل من العشية."
ضاقت حدقتا والدتها وهي تطالعها بغيظ شديد قبل أن تفحمها:
"على أساس إن دي حاجة تفوته؟ عرفان قالها بالمفتشر يا نورة، إنه مطوِّق البلد برجالته، عشان لو حد فكّر بس، مش مجرد التفكير زيّك كده! ابعدي يا بت، ابعدي خلينا نكنس وننفض، ورانا فرح."
قالتها المرأة وهي تُزيحها من أمامها، تؤدي ما نوّحت عنه بجدية دون اكتراث لصدمة ابنتها التي يرفض عقلها مجرد التصديق.
أيُعقل أن تُجبر على زواجٍ لا تريده؟!
هي الحرّة التي لا يُغلبها أحد، تأخذ دائمًا ولا تُقدِّم شيئًا.
مَن عرفان هذا حتى تُضطر إلى معاشرته على غير إرادتها؟
وقعت عيناها فجأةً على تلك الصورة التي سقطت من الفِراش، فانحنت ترفعها وتتأملها طويلًا... تلك التي كادت بسببها تُزهَق روحها، تُرى، أتكون سببًا في نجاتها أيضًا؟
كانت تسير في طريقها بعينين يغشاهما ظلام دامس، والغلّ يشتعل في قلبها كجمر متّقد، فيما الشيطان يؤجِّج الفكرة في رأسها حتى لم تعد ترى أمامها شيئًا.
لن تسمح لتجربتها المريرة أن تتكرّر مرةً أخرى.
تلك الملعونة التي سيطرت على عقل زوجها لا بد من الخلاص منها فورًا؛ فهي من جلبت الأذى لنفسها، وهي من أخطأت في حق امرأة متزوجة لا تريد سوى الحفاظ على بيتها، إذن فلتتحمّل العقاب.
توقّفت فجأة أمام إحدى الصيدليات البيطرية التي تعرف صاحبها جيدًا، لتجد نفسها، دون تفكير، تدلف إليه وتقول مباشرةً:
"إزيّك يا توفيق، كنت عايزاك في طلب."
أجابها الرجل الأربعيني بلهفة وابتسامة متملقة:
"اُؤمري يا ست الكل، عينيا ليكي."
قالت بصوت خافت يحمل خبثًا مكتومًا:
"عايزة سِم يتحط في الأكل أو الشرب، لا يعمل ريحة ولا يبان في الطعم. ممكن تجيبهولي يا توفيق... وتاخد اللي أنت عايزه؟"
استغلَّ الفرصة على أكمل وجه، ليأخذها إلى مقهي يُطلّ على النيل مباشرةً، حيث جمعتهما طاولة في ركن منزوي إلى حد ما، وسعادة الدنيا تغمر قلبه.
الجوّ رائع، والنيل أمامه، والجميلة التي كان يرجو موافقتها تجلس قبالته الآن، لكنها حزينة بعض الشيء، وهذا ما لا يتقبله في يوم كهذا. يوم ميلادها يجب أن ترى فيه السعادة وتشعر بها.
قالت باستغراب حين مد يده بكيس الهدايا ووضعه أمامها مباشرةً:
"إيه ده يا خليفة؟"
فأجابها بابتسامة هادئة:
"افتحي وشوفي."
نظرت إليه بضيق واضح وهي تُعارضه:
"وأشوف ليه؟ ما هو باين إنه كيس هدايا. أنا بسألك: إيه لازمتُه؟ وأنا مالي بيه من الأساس؟"
تنهد بروية كعادته، فقد اعتاد على ردودها الانفعالية، بل أصبح يتقبلها برحابة صدر تُشبه صبر العاشقين:
"ماشي يا أبلة اعتماد، هـشرحلك عشان تفهمي."
"أنا يا ستي راجل لا بيا ولا عليّا، اتفاجئت النهارده بـ"عمّ الفيس" يجيبلي إشعار إن النهارده عيد ميلاد الأبلة اعتماد، ولازم تدخل تهنيها بنفسك. بصراحة حسّيتها بايخة، وقلت لازم أقولها عملي. كل سنة وإنتِ طيبة يا اعتماد."
جاءت تهنئته بدفء وصدق تخلّل نبرته، فتجمّدت أمامه في حالة من عدم الاتزان، قبل أن تمتد يدها بتردد لتكشف محتويات الكيس الممتلئ بالهدايا، رغم عدم نيتها في تقبلها.
لكن ما إن وقعت عيناها على تلك الأشياء الصغيرة القيّمة حتى شعرت بانهيار داخلي مفاجئ:
دبدوب صغير من النوع المنتشر بين الفتيات الصغيرات، وميدالية أنيقة بأول حروف اسمها، وساعة رائعة، ثم الأخيرة... سلسلة من الفضة بداخلها خرزة زرقاء، وأول حرف من اسمها بتصميم مميز.
فعلّق خليفة بابتسامة خفيفة:
"كان نفسي أجيبها دهب، بس أنا مستني موافقة الأبلة. مع إني باحب الفضة برضه، بس الدهب في حالتي دلوك معناه عهد جديد، وأمنية بتمناها تتحقق."
فهمت مقصده تمامًا... فهو يقصد موافقتها على الارتباط به بصورة حقيقية، خالية من التمثيل.
عند هذه اللحظة فقدت آخر ذرة من تماسكها، فتساقطت دموعها، ودخلت في نوبة من البكاء وهي تقول بانهيار:
"ليه يا خليفة جاي دلوك؟! طول عمري بدعي ربنا بالـعوض، قوم لما ييجي، ييجي في الوقت الغلط! ليه بتشوّق قلبي على جنةٍ عارفة إني عمري ما هطولها؟ ليه بعد ما اتعودت على حياتي الناشفة تاجي تفوّقني لنفسي وللدنيا؟ ليه يا خليفة؟ وأنا فقدت الأمل واستريحت، تقلب عليّا المواجع ليه بس؟"
وأنهت ببكاء يثير فزعه عليها وييتنفر غضبه:
"ليه البُكا دا كله يا اعتماد؟ أنا جايب الحاجات دي عشان أفرّحك، مش أحزّنك! فيه حاجة مزعلاكي؟ من ساعة ما شفتِك وأنا حاسِك غريبة، مش طبيعية."
توقفت عن البكاء بصعوبة، تستجمع قواها، وتحاول حسم الأمر حتى تنهي كل شيء:
"معلش... دي حالة دراما وتأثر مالوش لازمة. بس المهم دلوقتي الطلب اللي هطلبه منك، وياريت ما تراجعنيش فيه."
"طلب إيه؟"
سألها بتوجس فجاءته الصدمة بإجابتها الحاسمة:
"نفضّ التمثيلية دي يا خليفة، وكأن شيئًا لم يكن."
"أنت تشوف حالك، وأنا أشوف حالي."
"نعم؟! فهميني تاني."
قالها بلهجة إستنكارية، فأكّدت له بنبرة لا تحتمل النقاش:
"مش محتاجة شرح."
"ارجع لمراتك أم ولادك، أو اتجوز غيرها، أنت حر."
"عشان أنا خلاص قررت أرجع لطليقي... الأستاذ عليوة."
"يعني ما فيش داعي للتمثيلية دي من أصلها..."
رواية لأجلها الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
لماذا تحزن، وقد أصبح الحزن جزءًا منها؟
هل كانت تأمل أن ينقلب الحظ البائس، فتنعم بالسعادة التي كانت تتمنى؟
وهل كانت ستعتاد على ذلك إن صار؟ كيف؟ وقد التصق بها الحزن منذ مولدها، وتاهت السعادة عن طريقها، لتذهب إلى من يستحقها، أما هي فلا وألف لا.
ذلك هو حديث نفسها الذي لا يتوقف، وهي متكوّرة في فراشها كالجنين. حتى الدموع جفّت ولم يعد لها وطأة.
فقد أصبحت كالميتة، بجسد منهك وروح ممزقة كقطعة قماش لم تعد فيها مساحة صالحة لارتدائها، بعد تلك المقابلة التي تمت معه.
أتى لها بما يفرحها، كي يحتفل بعيد مولدها الذي لا تعترف به في قائمة الأيام المهمة أصلاً، من كثرة ما أهملته.
أتى ليحتفل معها، حاملاً لها الهدايا، وكان ردها بالعكس، أن تصدمه برفضها وتطالب بابتعاده عنها.
كل كلمة وكل حرف في تلك المقابلة حُفِر في عقلها:
"ـ تمثيلية إيه؟ وكلام فارغ إيه! عايزة تفهميني إنك بتتكلمي جد؟"
تهز رأسها بعلامة التأكيد، والدموع تتساقط على وجنتيها، غير قادرة على مواجهة عينيه، ليصيح بها منفعلًا:
"ـ حُطي عينك في عيني، عليوة مين اللي هترجعي له؟ أنا أصلاً مش مستوعب إنك بتتكلمي صح!
فهميني لو حد هدَّدك، أو حصلت حاجة من جهة الواطي جوز أختك، ولا الكلب اللي بتجيبي سيرته؟"
"ـ ما فيش حد هددني، افهم بقى الله يرضى عنك."
صحتْ ردًّا عليه بانهيار، غير قادرة على الجدال من الأساس، لتزيد عليه بتصميم:
"ـ أنت اللي ناسي إنك متجوز، ووراك عيال ومسؤولية وزوجة، ده كله يجرحها..."
"ـ بس أنا قلت لك إن هي وافقت بالضُرة."
قاطعها بها، ليأتي ردها الفاصل بقوة:
"ـ كدب... ما فيش واحدة ترضى على نفسها بالضُرة، ولا أنا كمان أقبل أروح على واحدة، ويتقال عليَّ خطّافة رجالة."
"ـ ما حدش يقدر يجيب سيرتك بحرف يا اعتماد، سيبك من أمر هالة، أنا كفيل بيه، خليكِ في الطلب اللي طالبه منك، أنا مش عيل صغير عشان أقول كلام في الهوا، واللي أنتِ شايفاها تمثيلية دي، أنا اعتبرته حقيقة من أول يوم."
توقف يتابع بلهجة صادقة لامست شغاف قلبها:
"ـ مش فرض أمر واقع، دي فرصة جات لي من السما وأنا مسكت فيها بإيديا وسناني عشان عايزك... أنتِ محتاجاني وأنا محتاج لك، حتى لو أنكرتي وهربتي بعينك مني، زي دلوقتي، وأنا عارف ومتأكد إن في شيء عظيم هو اللي وصلك للحالة دي، والشيء ده أنا لازم أعرفه."
انتفضت ناهضة من مقعدها أمامه، لتنهي الجدال بفظاظة، كي تقطع عليه أي فرصة لاستدراجها في الحديث:
"ـ فيه ولا ما فيش، أنا بلَّغتك رأيي يا خليفة، وأنت حر مع نفسك، عايز تتجوز يا سيدي اتجوز، بس أنا بقى رافضة آخد لي راجل بعيال، عن إذنك."
تحركت مغادرة، فتبعها ساخرًا:
"ـ لكن قبلتي فجأة ترجعي لواحد كنتِ قرفانة حتى ما تبصي في وشه؟ هتعمليها إزاي دلوقتي بعد ما طيَّرتلك سنانه؟"
التفتت إليه برأسها ترمقه بنظرة مشتتة زادت من حيرته، ثم استدارت سريعًا تغادر من أمامه، وكأن الشيطان يلحقها.
تاركة له الهدايا، وتاركة كل شيء جميل خلفها، من رجل الأحلام الذي كانت تتمناه، ولكنه جاء في الوقت الخطأ كي يزيد من عذاباتها. والآن نفسها صارت تتمنى الرحيل، ربما تجد الراحة.
"ـ حتى النهاردة كمان هتفضلي لازقة في سريرك ومش هتروحي شغلك؟"
ما كان هذا سوى صوت رغد، شقيقتها التي تموت قهراً عليها من وقت أن دلفت إليهم منذ عدة أيام تخبرهم أنها قد انفصلت عن خطيبها المزعوم، ولن تكمل الزواج المزعوم بسبب خلاف حدث بينهما، وتهديد صارم بألا أحد يتدخل. بالطبع لم تسمع لها وتواصلت في الخفاء مع خليفة الذي أكد لها أنه لم يرضَ بالانفصال ويحاول أن يتواصل معها ولكنها لا تعطيه فرصة، وقد أغلقت هاتف هديته، والهاتف الخاص بها لا تستعمله سوى للضرورة القصوى.
تنهدت رغد بأسى تعيد عليها:
"ـ يا اعتماد، ناوية تروحي النهاردة ولا......"
"ـ رايحة....."
قاطعتها بها لتعتدل فجأة بجذعها، وتشرع في ترك الفراش مُردِفة لها:
"ـ روحي إنتي اعمليلي كوباية شاي بس على ما اكون اتوضيت وصليت وجهزت نفسي."
ردت رغد التي أشرق وجهها لرؤيتها تترك تختها، الذي لازمته عدة أيام:
"ـ حلو خالص، بس أنا هحضر فطار وغصب عنك هتاكلي، مش هسمحلك تكسفيني زي كل مرة."
أومأت اعتماد رأسها دون صوت في استسلام لها، وحتى تخفف عن شقيقتها التي تموت هلعاً من الخوف عليها، عكس الغير مبالية الأخرى والتي تتظاهر بالتضامن معها وهي في الحقيقة قد أصابها بعض الراحة لعدم تفوقها عليها بالزواج من رجل إصبعه فقط بعشرة من أمثال زوجها الفاسد.
"ـ أختك ولا بنتها حد فيهم صاحي؟"
هتفت مستفسرة من رغد التي كانت على وشك فتح الباب ومغادرة الغرفة، فردت المذكورة وهي تضع يدها على المقبض قبل فتحه والخروج، وقد فضحها بعض الحماس الذي يثير الريبة:
"ـ لا اطمني خالص، هي في سابع نومة دلوقت، يعني أنا وإنتي بس اللي هنفطر مع بعض بروقان وهدوء."
"ـ روقان وهدوء!"
غمغمت اعتماد في إثرها، بعد أن غادرت سريعاً من أمامها، لتضيف بسخرية:
"ـ وسعادة وراحة بال كمان! يعني هو الكلام بفلوس؟!"
.........................
وقفت بنصف الدرج تتابع نزول ابنها الذي دفعت به كي يوقظ زوجها الذي غفا على الأريكة الخشبية التي تتوسط مدخل المنزل. تلك الأريكة التي كانت تحتلها دائمًا في السابق مزيونة وابنتها. دارت الدائرة لتصبح مكانًا لنومه عليها.
من كان يصدق أن ينقلب الحال إلى حال مختلف على الإطلاق؟ لقد استسلمت هذه المرة تاركة أمرها للقدر يفعل كيفما يريد، فهو نفسه أصبح لا يعنيها، بعد أن قطع كل أربطة المحبة بقسوته معها.
فكانت النتيجة عكس ما توقعت وهيأت نفسها إليه. العروس التي جاءت بأقدامها إليها توعدها بليالٍ من الذل والقهر، ترد إليها ما كانت تفعله هي في ضرتها السابقة. اختفت فجأة في يوم زفافها إليه، لتتركه في حالة من الجنون لم تهدأ حتى الآن في بحثه عنها رغم مرور العديد من الأيام. لا تنكر أنها أشفقت عليه رغم اتهاماته وافترائه عليها بعد ذلك في أنها المتسببة لما حدث، بعمل سحر جعل العروس تطفش منه. جرحها وأهانها بافترائه عليها بهتانًا وزورًا، ولكنها لم تصرخ أو تتهمه بالجنون، بل لم تملك إلا الإنكار بصدق، لأن جريمتها السابقة هي من جعلتها في نظره محل شك. إذًا، عليها تحمل النتائج والصبر على جفائه كما نصحتها والدتها، ليس حبًا فيه ولكنها مضطرة من أجل الأبناء وتربيتهم.
تنبهت حواسها حين استجاب لمحاولات ابنها أخيرًا معه، لينهض جالسًا بجذعه، فتراجعت هي للخلف في زاوية تمكنها من الاختفاء بعيدًا عن إبصاره، تكتفي بالإنصات:
"ـ عايز إيه يا وش البومة؟ بتصحيني ليه يا وَاد؟"
زفر الصغير بملامح يعلوها العبوس يجيبه بتأفف هو الآخر:
"ـ يعني هكون عايز منك إيه على الصبح؟ عايز تكمل نوم روح على قوضتك، نومتك هنا على الكنبة وفي وش الباب كمان هتجيب لنا الكلام. فَرْض حد دخل علينا، هيقول عليك إيه لما يشوفك كده؟"
"ـ يقولوا اللي يقولوه يا بن الـ... انت إيه اللي يخصك؟"
قابل الصغير سَبَّه بنوع من اللامبالاة:
"ـ يا سيدي أنت حر، نام إن شاء الله حتى في حوش البهايم، أنا مالي يا عم."
ختم ينفض يديه عنه ليستدير متجهًا إلى باب الخروج، فهتف يوقفه:
"ـ واد يا ناصر، أمك هي اللي بعتاك صح؟"
التفت إليه المذكور باستخفاف لاذع:
"ـ أمي ولا خالتي! مش عاجبك النومة في الطَّلّ وعلى الخشب القاسي، اعمل ما بدالك يا سيدي."
أنهى وتابع مغادرًا ليغمغم في أثره عرفان بسخط وسباب:
"ـ آه يا بن الكلب، ترد الكلمة بكلمتين، ناقص عليك بس تِشتمني، رباية ناقصة زي اللي جابتك... بتعمل نفسها زينة دلوقت، وعايزة تطمن عليَّ، بعد ما خدت الخازوق والبلد تقريبًا كلها ضحكت واتمسخرت على عِرفان بعد هروب الغجرية ليلة فرحه عليَّها."
توقف يزفر حريقًا من صدره، وقد استحضر عقله واقع ما يعيشه الآن نتيجة لذلك الأمر، ونظرات مهينة من البشر التي تواسيه نهارًا وتتحدث في ظهره ليلًا:
"ـ ماشي يا نورا، أنا وإنتي والزمن طويل. إن ما كنت أشرب من دمك وأخلي قصتك حكاية على لسان البشر... مبقاش أنا راجل، وشنبي ده يبقى على حرمة!"
.........................
داخل المنزل الكبير
الذي كانت الحركة به مختلفة عن كل الايام الهادئة, لمناسبة غير عادية, خطط لها اليوم بثقة كاملة في زوجته التي سوف تقوم بها على أكمل وجه.
"ـ مزيونة، يا مزيونة"
نادى بأسمها ويده تحمل عدد من علب الحلوى والعديد من أنواع الفاكهة الطازجة.
جاء الرد من والدته التي كانت تفترش الارض وبجوارها حزمة اعواد من نبات الملوخية تقرطف أوراقها وتضعهم في إناء كبير من الالمونيوم بجوارها
"ـ مالك بمزيونة ؟ لازم لسانك ينادي عليها وفي الروحة وفي الجاية؟"
ضحك يضع ما يحمله على الطاولة التي تتوسط الردهة، ثم اقترب منها يغازلها بمشاكسة:
"ـ وماله لما انده عليها في الروحة وفي الجاية؟ بنده على حد غريب انا عشان اعمل حساب حد؟ ولا انتي عايزاني أبدل واقول حسنية، حسنية"
كان في الاخيرة قد افترش الأرض بجوارها، يضمها من كتفيها ويقبل خدها، لتصدح ضحكاتها الجميلة:
"ـ والله انت بكاش وعمرك ما هتكبر بعمايلك دي،"
قبله من جانب رأسها هذه المرة يتحدث بامتنان جدي:
"ـ طول ما انتي عايشة عمري ما هكبر، هفضل ولدك الغلس، اللي ما يصدق لاقي فرصة عشان يتلزق فيكي."
بادلته حسنية قبلته بواحدة على وجنته هو الاخر قائلة برضا وقد فهمت المغزى خلف لفتته:
"ـ وانا عمرك ما شوفتك غير ولدي الحنين ابو عقل صغير، اللي كان هيغير عليا حتى من أبوه"
"ـ وه يا حسنية انتي لسة فاكرة؟"
تمتم بها بتذمر زاد من تسلية المرأة التي صدحت ضحكتها مرة أخرى وهي تواصل مناكفته:
"ـ وتالت ورابع وخامس كمان، دا انا لو نسيت عمايلك وانت صغير افتكرها دلوك وانت شحط كبير وبتكررها مع ريان العيل الصغير، في غيرتك على مزيونة........"
"ـ هغير من ولدي امه، كلام ايه ده؟"
عارضها يدعي الضيق، لتؤكد هي بتصميم:
"ـ ايوة يا خوي غاير، على العموم الحلوة اللي بتغير عليها, قاعدة جوا في المطبخ واكيد مشغولة في هم العزومة ومسمعتكش."
سمع منها وهم ان ينهض ولكنها تابعت؛
"لو جدع بقى ما تقومش حالا دلوك وتفر عليها زي العيل الصغير"
سمع منها وتردد لحظات حتى غلبته رغبته لينهض فجأة معارضا لها:
"ـ طب افرضي عايزاها في حاجة مهمة، دا انتي عليكي حركات يا حسنية، بقيتي عفريتة والله لما كبرتي"
وتحرك ذاهبا تتبعه ضحكات المرأة لا تتوقف
وبخطوات متزنة اقترب من المطبخ الذي كانت قابعة به، ومنهمكة في إعداد مأدبة الطعام التي هم بصدد القيام بها اليوم،
كانت مُنكَبَّة بتركيز شديد على تقطيع الخضروات، ويبدو أن صوت مزاحه مع والدته لم يصلها، ليستغل فرصته ويدلف متسللاً بخفة، حتى إذا وصل إليها تمتم بجوار أذنها:
"ـ الحلو اللي مدوبني..."
قطع جملته مضطراً حين شهقت مُجفَلة وتناثر عدد من الخضروات على الأرض. تمتمت بِلَهْث واضعة يدها على قلبها:
"ـ حرام عليك يا حمزة، كده برضه تخلعني؟"
رد بتسلية وهو ينحني ليلتقط قطع الخضروات التي افترشت الأرض بسببه:
"ـ خَلْعة مَطْرودة يا قلب حمزة، على العموم ممكن تبقى بفايدة برضه على حسب عوايدنا ما بتقول."
فهمت مغزى ما يقصده، لتجاريه بابتسامة مضطربة:
"ـ إن شاء الله، محدش عارف عاد، لما ربنا يكون رايد بالخلفة، بيدبّر الأسباب. المهم بقى، روح شوف وراك إيه؟ أنا عايزة أخلّص اللي ورايا قبل الضيف ما ييجي."
استقام بجسده يعيد حبات الخضروات إلى مكانها قائلاً:
"ـ وافرضي طب الضيف وإحنا مش طابخين حتى، هو إنتي فاكراه غريب على بيتنا؟ ده ياما كل وشرب فيه، قبل ما يقطع فجأة ويشوف مستقبله."
قطَّبت مندهشة وقد غلبها الفضول في السؤال:
"ـ وإيه اللي يخليه يقطع فجأة عن صحوبيتك بالسنين دي كلها حتى لو هيشوف مستقبله؟"
طالعها لحظات بصمت وكأنه يبحث عن إجابة، حتى رد أخيراً:
"ـ يعني، تقدري تقولي كده خلاف حصل ما بينا، بس كان خلاف كبير شوية، أو شويتين تلاتة حتى. عادي بتحصل يعني، إحنا مش ملايكة، اسيبك تشوفي طبيخك واروح انا اطل على خليفة، يمكن ربنا يهديه ويفك من الحالة اللي هو فيها"
...........................
صعد إلى غرفة شقيقه الذي تسيطر عليه حالة من الاكتئاب الغريب هذه الأيام، ليطمئن عليه ويحاول معه، كما يفعل يوميًا هذه الأيام حتى يخرجه من ذلك الحزن، بعد أن باءت محاولاته بالفشل مع اعتماد التي تلتزم صمتًا غريبًا وابتعادًا غير مُبرَّر. لم يكن يعلم كيف تطورت الحالة من خطوبة مزيفة إلى شيء بهذا العمق، ولكن لِمَ التعجب؟ فكلاهما كانا في أشد الحاجة إلى بعضهما البعض.
كان باب الغرفة مفتوحًا، ليتمكن من الدخول بسهولة، فدلف مُلقيًا التحية:
"ـ صباح الخير على أهل الخير."
لم يَلقَ ردًا للتحية؛ فشقيقه لم يكن نائمًا على فراشه أو جالسًا حتى في الشرفة، فنادى هاتِفًا باسمه، ليأتيه الرد بحضوره هذه المرة خارجًا من مرحاض الغرفة:
"ـ أنا أهو يا سيدي، خليفة بذات نفسه."
طالعه حمزة متفاجئًا بهيئته، وقد هذَّب لحيته ليُشرق وجهه الوسيم الذي تليق عليه، وبخطواته السريعة يتجه نحو خزانة ملابسه الخشبية الضخمة، يُخرج جلبابًا مُنَشَّى (مكويًا) ليرتديه، ليُعلِّق حمزة الذي أصابته الدهشة:
"ـ ما شاء الله عليك، شكلك مُختلف النهاردة، بس على فين العَزْم على الصُبح وبدري كده؟"
رد خليفة الذي اتجه نحو المرآة لتمشيط شعره:
"ـ مِشوار مُهم لازم أعمله."
بفراسة ليست غريبة عنه سأله حمزة:
"ـ المِشوار ده يخص اعتماد صح؟ واضح من الحماس اللي أنت فيه، هي فتحت تليفونها؟"
نفى خليفة وهو ينحني ليلتقط الحذاء كي يرتديه:
"ـ لا مش هي، بس أختها رغد هي اللي بلغتني، إنها طلعت أخيرًا وراحت شغلها في المدرسة. نفسي أعرف سر قَلْبِتها المُفاجِئة، مش هسكت غير لما أعرف."
أُعجِب حمزة بإصراره، ليُثني عليه بتحفيز:
"ـ جَدَع يا خليفة متستسلمش معاها، هي راسها ناشفة ومقفلة، بس أنت أكيد هتعرف تتعامل معاها. المهم بس متتأخرش على العزومة، الراجل بقاله سنين مدخلش البيت، أكيد هيسأل عليك."
ألقى خليفة بالشال الصوفي على كتفيه، مُنهيًا اللمسة الأخيرة لتأنقه، يلتفت إلى شقيقه بابتسامة كانت غائبة عنه منذ أيام:
"ـ لا اطْمِن إن شاء الله مش هتأخر، ما هو كان صاحبي أنا كمان، مش صاحبك أنت لوحدك... أسيبك بقى."
تابعه حمزة حتى إذا خرج من الغرفة، غمغم داعيًا له:
"ـ ربنا معاك وييسر لك أمرك"
....................
أما في الطابق الأعلى، داخل شقة معاذ وليلى التي كانت تضحك بلا توقف في هذا الوقت مستمتعة بالحديث الذي يدور بين زوجها المجنون مع جنينها.
وقد كان مُقرِّبًا وجهه من بطنها، يسرد بجدية بعد أن انزاح عن كاهلهما همُّ المذاكرة وكابوس الامتحانات التي تحرم عليهما حتى النوم بصورة طبيعية:
"ـ واخد بالك زين يا واد، أمك الهبلة أبوك وَقَّعها بشوية تين، ومن شجرتهم كمان! يعني حتى متعبتش في تمنهم... إيه بتقول إيه؟... أيوه يا سيدي، كان في شيكولاتة برضه والمرسال ما بينَّا كان عزوز..."
"ـ بَسسس!"
قالتها بصوت بالكاد تمتلكه من فَرْط ضحكها، حتى وضعت يدها على بطنها تطالبه بجدية:
"ـ شوية تانية وهولِد يا معاذ، هتتحمل أنت الذنب."
سمع منها فاستقام على الفور بجلسته مستجيبًا لتهديدها:
"ـ لا يا ستي وعلى إيه؟ الطيب أحسن، أنا بس كنت بوصيه، يِنزل بس وأكمِّل نصايحي معاه."
"ـ أوووعى! والنعمة لو فكرت وقلت له كلمة هزعل منك!"
قالتها تنهاه بتحذير رافعة السبابة أمام وجهه، فتناول إصبعها يُقبِّله:
"ـ وأنا مقدرش على زعلك يا أم الغالي."
ارتخت عن تشدُّدها، فتابع مُوضحًا بمَعْسول كلماته:
"ـ بهزر معاكي يا مجنونة، هو أنا عبيط عشان أقولها بالطريقة دي؟ دي قصتنا هتبقى أحلى حكاية أحكيها للعِيَال عشان يعرفوا أن الحب العفيف ما فيش أعظم منه في الكون. ربنا يقدِّرني وأربيهم صح، عشان يعرفوا يُمَيِّزوا بين القشرة اللي بِرُخص التراب وبين الغالي اللي نضَّحي عشانه بروحنا، يا روح معاذ أنتِ."
عادت إلى ليلى ابتسامتها، وغمرها الانتشاء بغزله، حتى استدركت لمرور الوقت فانتفضت تبعده عنها:
"ـ صحيح العزومة وصاحب عم حمزة، يا لهوي! زمانها داخلة على عشرة! خدتني في الحكاوي معاك ونسيتني."
افتر فاهه بدهشة يُطالعها وهي تزحف على الفراش بركبتيها حتى أنزلت قدمًا، وبعدها قدمًا أخرى، لتأخذ وقتًا حتى استقامت بجسدها، ثم تحركت بخطوات بطيئة خطوتين، ثم تذكرت فجأة قائلة:
"ـ أدخل الحمام الأول وبعدها أنزل عشان أساعد أمي."
خرج عن صمته وهو يُتابعها تُغيِّر مسارها:
"ـ حلو خالص! رُبع ساعة وأنتِ بتنزلي من السرير، ثم نُص ساعة في الحمام، وبعدها نُص ساعة ثانية على ما غيَّرتِ عَبايتك ونزلنا السلم. إن شاء الله بس نلحق الغدا! قال تساعد امها قال!"
..........................
أمام المرآة، كانت جالسة بـرِدائِها الحريري. يدها تلامس شعرها المنسدل على كتفها بتمهل، وعيناها مثبتتان على صورتها في الانعكاس. يعلو ملامحها شرود يرافقه برود وثقة تامة.
لقد وردها منذ قليل الاتصال الذي أنبأها بقرب تحقيق هدفها، بعد أيام من الانتظار مرت دون جدوى. رغم خطورة الفكرة من الأساس، إلا أنها تجد المبرر الكافي كي تريح رأسها، وقد وعدت نفسها هذه المرة بعدم تكرار خسارتها مجددًا.
لقد نُفّذ السهم ولا عودة للوراء أبدًا. اليوم هي في تفرغ تام لتلقي كل جديد، فحتى أطفالها ليسوا معها، وقد ذهبوا إلى منزل والدهم، بناء على طلب من جدتهم.
.....................
توقفت السيارة الغريبة أمام مدخل المنزل الذي وصل إليه بصعوبة، رغم معرفته الوثيقة به. هذا يعود إلى طول فترة الابتعاد والتغيرات التي طرأت على القرية التي هجرها تقريباً إثر خصامه مع حمزة.
سنوات عديدة قادرة على طمس الهوية، وليس تصفية الخصام فقط. ربما لأنه كبر وتعقَّل عن تهوره، أو ربما كان السبب آخر، وهو تعرفه على زوجة حمزة الحالية التي لم تكن أبدًا من توقعاته. لم يُكلِّف نفسه بالسؤال، مع أن بإمكانه عمل تحريات كاملة عن الأسرة لو أراد طوال سنين ابتعاده عن المحافظة بأكملها، ولكنه لا يريد حتى لا يفتح جروحًا قديمة هو في غنى عنها. ومع ذلك، الفضول يقتله، ورغبة من داخله جعلته يتقبل دعوة حمزة للحضور بترحاب شديد.
تنهد بثقل يترجل من السيارة فور أن انتبه لخروج الأخير لاستقباله أعلى درج المدخل، ومعه العزيزة والدته. يا الله، كم اشتاق إليها تلك المرأة الحنون!
أغلق باب السيارة ليتقدم نحو الاثنين بهيبته، ليُذهل المرأة التي لم تعرفه في البداية حتى همس إليها حمزة يؤكد على هويته. الأمر الذي جعلها تصدق هذه المرة باقترابه منها وابتسامة ذكرتها بالولد الذي كانت تعتبره ابنها، لتهلل في استقباله بحرارة:
"ـ بسم الله تبارك الله، كمال باشا بحاله عندنا يا ولاد؟ يا حلاوة يا حلاوة."
ضحك المذكور وهو يقترب يُقبّل رأسها:
"ـ زي ما أنتِ يا ست، ما اتغيرتيش؟ دا ابنك نفسه كبر وعجز. ما شاء الله عليكي، إيه الحلاوة دي؟"
جذبته حسنية إليها تُقبّل وجنته بسجيتها:
"ـ دا انت اللي بدر منور يا حضرة الظابط يا قمر."
"ـ يا ستي رائد والله، افهمي بقى، كام مرة هقولها؟"
قالها حمزة وهو يقرب صديقه إليه لينال نصيبه من ترحيبه بعناق رجولي ومودة صادقة، وكأن كل ما مر من سنوات جفاء وخصام لم يؤثر على صداقتهما.
فعارضه. كمال :
"ـ سيبها تناديني يا ولا حتى، أنت مالك يا أخي؟"
انتشت حسنية تعقب على قوله وهي تسحبه من يده:
"أيوة يا حبيبي، ولدي وربنا العالم. تعالَ ادخل، تعالَ."
همَّ أن يستجيب لسحبها، ولكن استوقفه زوج من الصغيرات اللواتي كنَّ يشاهدنه بانبهار، حتى شعر نحوهنَّ بألفة غريبة وكأنه يعرفهن:
"ـ بسم الله ما شاء الله، القمامير دول بناتك يا حمزة؟"
لم يُجبه الأخير، وقد تكفلت والدته بالإجابة:
"ـ دول بنات خليفة، مِنة وجنا. هو في مشوار وزمانه على وصول."
"ـ مِنة وجنا..."
ردد الأسماء، وامتدت كفّه لتصافح الصغيرتين، حتى اعتلى تعابيره شيء من الدهشة مع تركيزه في صورة الأولى التي تقارب الملامح التي يحفظها في رأسه، يشعر بشيء غير مفهوم.
شكُّه ازداد مع مجيء زوجة حمزة، تسحب في يدها ريان الصغير، والذي قدمه إليه حمزة على أنه ابنه. ينتابه شيء من التشتت، يجعله يندم بالفعل أنه لم يسأل ويُجرِ تحرياته. مَن تزوجت؟ تلك التي كانت سببًا في تغير مسار مستقبله وخصامه مع أعز أصدقائه.
....................
يتأفف ضجرًا وكمدًا وغيظًا داخل سيارة الأجرة التي تقطع المنحدرات الصعبة في طريقها إلى تلك البلدة التي جاءها مختبئًا فيما سبق، والآن يأتي إليها مجبورا من أجل...
إنه حتى لا يحتمل التلفظ باسمها، وقد أصبح الآن بسببها متورطًا في شيء لا يعجبه على الإطلاق، قد يؤدي به إلى داهية سوداء، أو ربما هلاكه... ولكن لم يكن لديه اختيار.
زفر حريقًا من صدره، يستعيد برأسه ذكرى تلك الليلة حين جاء متأخرًا إلى منزله، بعد السهرة الطويلة التي قضاها في شرب الخمر والممنوعات مع عرفان الذي كان يحتفل بمناسبة زواجه في اليوم التالي.
برأس مُثقَل وخطوات غير متزنة ومُترنّحة، هذا ما يفعله الخمر برأسه. بعض الاضطراب البسيط لكن لا يزيد على ذلك، فهو مُعتاد على كل الممنوعات.
منزله الصغير غير المُرتب، نتيجة سُكنه وحده، لا شيء في مكانه، ولا يعنيه حتى إن كان نظيفًا أم لا. لكن اليوم به شيء غريب، شيء أصبح ينتبه له أثناء ما كانيُدندن بإحدى الأغنيات التي كانت تتردد في هذا المساء من المُغنّي على آلة الربابة:
"ـ "ويا بت جمالك هَبشني، والهبشة جت في العباية، رمان خدك دَوّشني، خلّى فِطاري عِشاي، آه يا عيني، يا عيني، يا عيني آه، ..... آه يا عيني، يا عيني، يا عيني......""
توقف عن الغناء فجأة وعيناه تتفحّصان ما تراه أمامهما، حتى أصبح يفرك كفيه على عينيه ليتأكد أنه لا يهذي، ولكن وما أن يعود ويفتحهما مجددًا، حتى يُفاجأ بنفس المشهد...... هي، وليس غيرها....
"ـ أنتِ عفريت ولا خيال؟"
خرجت كلماته بعفوية وبدون تفكير، فجاءه الرد منها وهي تتراقص كتفاها بدلال:
"ـ لا يا حبيبي أنا جنية البحر."
ما إن سمع صوتها وتأكد من هويتها حتى بَرَقَتْ عيناه مُتسعتين على آخرهما، يطالعها مُتجمدًا فاقد النطق لحظات بفم مفتوح، حتى استطاع أن يتكلم:
"ـ يخرب بيت أبوكي، وأنتِ إيه اللي جابك هنا؟ ودخلتي بيتي كيف؟"
راوغت كعادتها لتتقدم خطوتين من أمامه حتى جلست على الكرسي المواجه له قائلة:
"ـ وِه يا سي عطوة، دي مقابلة تقابلني بيها برضو، دا المثل بيقول: "لاقيني ولا تغديني" اخص عليك......"
قَطعت بشهقة عالية بدت كالصرخة حين تفاجأت به يقبض على ساعدها يُنهضها عُنوة، والشرر كاد أن يتطاير من عينيه، وشفتاه ترتجفان من فرط الغيظ المكتوم، مرددًا:
"ـ أمور الاستهبال دي ما تخُشّش عليا يا بت، أنا لافف وداير:
انطقي يا بت وقولي دخلتي هنا إزاي؟ لأبلّغ عنك العُمدة دلوقت يبعت الغفر يسحبوكي من قفاكي ويعملولك فضيحة، ولا أكلم خطيب الهنا أحسن، ييجي يلمّ المرة اللي هيكتب عليها بعد ساعات."
واجهته بتحدٍ غير آبهة بألم ساعدها:
"ـ وماله اعملها فضيحة، وفي الحالتين أنا المستفادة، لو جبت العمدة والغفر، هقول إن أنت اللي كنت عايز تغويني، وأنا لما رفضت أصريت تاذيني في سُمعتي. أما بقى لو جبت عرفان، فدي هتبقى أحلى وأحلى، هخليه برضو يقتنع ببراءتي على حساب أخلاقك الزفت، لما أوريه صورة مرته اللي بيحلم صاحبه الخاين..."
اشتدّت قبضته أضعافًا حتى شعرت بها على وشك الكسر، ومع ذلك الألم، تراقب رد فعله العنيف، وقد برزت عروق جبهته وكأنها حبال مشدودة، يتحدث ضاغطًا على أسنانه:
"ـ أنا فاض بيا منك وقرفت، عايزة إيه من الآخر قولي...."
صرخ بالأخيرة حتى صدر منه بعض الرذاذ على وجهها، فمسحت بإبهام يدها الحرة تجيبه بهدوء:
"ـ عرفان مقفّل مداخل ومخارج البلد برجالة من طرفه، وأنا مش عايزاه، الموت عُندي أهوَن من ان أتجوّزو، لكنه واخد وصولات أمانة على أبويا، يعني فيها حَبس."
"ـ وجاية لي أنا أهبب لك إيه الله يخرب بيت أبوكي؟"
رققت صوتها بنعومة:
"ـ تنجدني يا سي عطوة، تشوف لي أي طريقة أبعد فيها عن وشه العفش."
هذه المرأة تنوي بالفعل على قتله.
"ـ أنت مجنونةةة!"
صرخ بها شاعراً ببوادر لإصابة بجلطة دماغية أو شلل رباعي يصيبه؛
"ـ يا بت أنا ما عنديش مرارة ليكي، يعني أخلّص عليكي أريح لي من شغل "حَلَق حوش" اللي بتعمليه معايا ده، هي حتة صورة وبتاعتي، فاكرة نفسك هتشتريني بيها؟!"
"ـ خُدها يا سيدي."
قالت جملتها، ويدها تدخل في جيب صدرها تُخرج الصورة وتضعها في يده، ليتركها على الفور شاعراً ببعض التشتت حين رآها تسقط على الكرسي، غارقة في نوبة من البكاء:
"ـ حتى أبويا وأهلي قلبهم عليّ، عمالة أصرخ فيهم وأقول مش طايقاه، وهما ما فيش فايدة، كلهم ما صدّقوا، مفكرينه هيغْرَف ويدّيهم، مش هامّهم إن كنت أتحمله ولا لاء، أنا حُرمة زي باقي الحريم، نفسي استريح وأتستّر، لكن مع واحد عرفان! تيجي إزاي دي؟"
لا يُنكر أن بكاءها أثّر به، وجعله يتعاطف معها، وهو في الأساس غير مُتقبّل لزواجها من ذلك الثور المُستغل لحوائج البشر حتى ينال مُراده. بها شيء ما ذكّره بمزيونة، عُقدة حياته، والتي لو انتظرت فقط حتى تكمل السن العادي لفتيات القرية في الزواج، كانت ستكون من نصيبه حتمًا، ولكن عرفان استغل حاجة أهلها للمال كما يفعل الآن مع نورا وأهلها.
عند خاطره الأخير، انتفض فجأة، مُتخذًا القرار الذي سوف يندم عليه بعد ذلك وربما كان السبب في هلاكه في المستقبل:
"ـ اسمعي يا بت، أنا هساعدك تهربي، لكن تغوري بعدها في أي مصيبة بعيد عن هنا."
وبالفعل ساعدها في الهروب سليمة من البلدة، ولكنها لم تبتعد.
.....................
بحث عنها داخل المدرسة التي تعمل بها حتى وجدها أخيرًا في ركن مُنزوٍ هادئ خلف أحد المباني، تظلل عليها شجرة كبيرة. كانت جالسة أسفلها مكتّفة الذراعين بشرود، وفنجان القهوة الذي أعدته بجوارها ساخنًا. عيناها تنظران إلى السماء، حتى أنها لم تنتبه لحضوره سوى بعد فترة من مراقبته لها، وقد كان واقفًا بالقرب منها تمامًا يتأمل ملامحها الحزينة بصمت موجع، يريد معرفة السبب خلف ما أوصلها إلى تلك الحالة.
وقد عادت إليه الشراسة الآن لتوبخه:
"ـ حضرتك مينفعش اللي أنت بتعمله ده؟ أنت إيه اللي جابك هنا أصلاً؟"
زفر بحنق ليتغاضى عن جلافتها معه، وتناول كرسيًا خشبيًا يقرّبه حتى يجلس مقابلًا لها، قائلًا بتحدٍ:
"ـ حضرتي أعمل اللي أنا عايزه، مدام حضرتك مش مريحاني ومطلعة عيني في اللف وراكي، أنا عايز أعرف بالظبط إيه اللي صايبك يا اعتماد؟"
صمتت لحظات تطالعه بتردد امتزج بدهشتها من إصراره، حتى ردت:
"ـ أنا مش فاهمة إيه لزوم السؤال من أصله؟ قولتلك إن تمثيلية الخطوبة دي خلصت خلاص، يا ريت أنت كمان تقتنع، عشان نخلص بقى من الربطة السودا والكلام والحديت."
ضايقه الوصف، ولكنه مضطر للصبر عليها ليصل إلى ما يريده:
"ـ بس أنا ما عنديش استعداد أقتنع يا اعتماد عشان عايزك بالفعل، وكل عمايلك معايا بتخليني أتمسك بيكي أكتر، حتى لو أنكرتي وادَّعيتي العكس."
انتابها الارتباك تأثرًا بقوله ونظرته الدافئة، القادرة على سحق مقاومتها لطوفان المشاعر التي تغمرها بحضوره. بحثت برأسها عن مهرب من عينيه، لتجد سلوتها في الارتشاف من فنجان القهوة الذي أعدته لنفسها تدَّعي لامبالاة مكشوفة:
"ـ أنا شايفة إن الأمر اتطور معاك لدرجة خلتك تتوهم إني فعلًا ميّالة لك. من رأيي يا أستاذ خليفة تحاول تطلع الفكرة دي من راسك، عشان تقطع على نفسك طريق الوهم."
ردد خليفة بتصميم:
"ـ بس أنا ما عنديش نية أشيلها من راسي، لأنه أساسًا معشَّش في قلبي، للمرة المليون بقولهالك، أنا رايدك يا اعتماد، رايدك في حلال ربنا."
بماذا تفسر هذا الاضطراب الذي يكتسحها من سحر كلماته؟ جسدها بأكمله يهتز برد فعل غريب عنها، يعيد عليها مرة أخرى نيَّتَهُ زواجها منه رغم رفضه، يُشعرها بأنها امرأة ومرغوبة من رجل مثله، رجل هو المثال الحي لكل الصفات التي تحلم بها، رجل...مهلًا ما هذا الذي يحدث معها؟
اهتز الفنجان الذي ترتشف منه بصورة مفاجئة وارتعشت يدها، تشعر بدوار خفيف، وصداع بدأ ينخر في رأسها. تضع الفنجان ببطء وبصعوبة على الأريكة بجوارها،فتحاول أن تتصرف بصورة طبيعية، تهم بالرد عليه، ولكن فجأة اتسعت حدقة عينيها، وتجمَّد الدم في عروقها. تشعر باختناق مفاجئ، ولسانها يلتوي، تتسارع أنفاسها وهي تخرج الكلمة بصعوبة، صوتها أشبه بالهمس.
منادية باسمه:
"ـ خليفة أنا..."
قُطعت لعدم قدرتها على الاستكمال، لينتبه هو لحالتها ويصيبه الهلع مع رؤية وجهها الذي شحب لونه، وعيناها تجمَّدتا.
ليقترب منها يسألها بقلق بالغ:
"اعتماد مالك؟"
لم تُجب وكأنها فقدت القدرة على النطق، وبدأ خليفة يتقدم نحوها بخطوات سريعة، وبدأ جسدها بالارتعاش بشكل لا إرادي، فحاولت أن تقف ولكنها فقدت توازنها.
"اعتماد!" صرخ بها قبل أن تسقط بين ذراعيه، جسدها ارتخى، في استعداد للغياب عن الوعي.
وبدون تفكير حملها بوجع ارتسم عليه الرعب واليأس، وهو ما زال يردد في النداء عليها ليأتي ردها العنيد رغم تعبها الشديد تعارضه بصوت بالكاد يخرج:
"ـ أنت بتعمل إيه؟ نزلني... نزلني الناس... النااااا..."
تضاعف الهلع داخله، ليُهرول بأقدام عرفت طريقها نحو باب الخروج، أو نحو أول صنف بشر يقابله، يصرخ طالبًا المساعدة:
"ـ حد يفتح البوابة، ولا يلحقنا بسرعة بالعربية، اعتماد بتضيع مني، بسرعةةةة!"
رواية لأجلها الفصل 10000 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لاجلها الفصل الستون
مع تباشير الفجر الأولى، نزلت "ليلى" درجات السلم متوجهة مباشرة نحو الجناح الذي تسكن به والدتها مع حمزة، لتطرق الباب متوقعة استيقاظ أحدهما على الأقل لصلاة الفجر.
وبالفعل لم تنتظر سوى لحظات حتى فتحت لها والدتها تحدثها بجزع:
ـ وه يا ليلى، إيه منزلك دلوك من شقتك يا حزينة؟ مش خايفة لا تاخدي برد؟ وولدك كيف سبتيه لوحده فوق؟
ـ يا أمة أنا.....
لم تكمل العبارة حتى خرج إليها حمزة هو الآخر فزعاً بعدما انتبه على صوت زوجته:
ـ ده أنا كدّبت وداني لما سمعت، نازلة في الفجر ليه يا ليلى؟
جاء الرد هذه المرة، ولكن من جهة أخرى:
ـ أنا اللي منزلها يا بوي، وواقف بالعيل قدامكم أها.
التفت الجميع نحو السلم، وعلى إحدى عتباته، حيث يقف معاذ حاملاً طفله، وما إن وقعت عيناه عليه حمزة حتى انتفض نحوه بانفعال:
ـ يخرب بطنك، إحنا خايفين على الكبيرة وأنت نازل بالصغير، ثم....... أنت لابس هدومك الخروج ليه؟ أنت طالع دلوك يا واد؟
تكلفت ليلى بالرد عنه:
ـ ما إحنا نازلينكم عشان كدة، معاذ طلبوه في الشغل، ودلوك هو مسافر، وعشان ميتعبش في المواصلات، جيت أطلب مفتاح العربية منك يا عم حمزة.
ـ وهيسوق هو لوحده كمان؟
خرج التساؤل من خليفة الذي سمع بالصدفة أثناء صعوده الدرج بعد عودته من صلاة الفجر، ليردف موجهاً حديثه إلى معاذ:
ـ ادي الواد لأمه وتعالى هطلع أنا بيك، في شنط تانية غير اللي جنبك دي؟
أشار خليفة في الأخيرة نحو الحقيبة التي كانت موضوعة بجواره على إحدى العتبات، فنفى معاذ بهزة بسيطة من رأسه، يقول بصوت خرج كالهمس:
ـ لأ هي دي وحدها....
أثار مشهده اهتمام الأربعة، وقد انصب تركيزه فقط على طفله الذي كان يحتضنه، يغرس قُبلاته على جبينه الصغير وكأنه يستمد منه زاداً يصبره على الابتعاد عنه.
الأمر الذي دفع حمزة لمشاكسته:
ـ ما خلاص يا أخوي، داير بوس في العيل الصغير لما هتنكده، سيب الواد ينام، ولا أقولك هات أخده أنا.
قالها حمزة وقد اقترب ليتناوله منه إلا أن معاذاً ابتعد بالطفل عنه:
ـ سيبه في يدي شوية كمان يا حمزة، عايز أشبع منه.
ـ وه عاد.. شغل الأبهات المستجدين، هو وكلة هتاكلها يا واد؟!
هتف بها حمزة ليثير ضحكات الثلاثة؛ ليلى ووالدتها وخليفة الذي أشار له بيده، وهو يحاول الاتصال بالهاتف في اليد الأخرى:
ـ براحة يا عم الخبرة، اصبر عليه شوية ده أول فرحته برضه، حتى على ما أخلص أنا مكالمتي مع اعتماد وأديها خبر.
ـ واعتماد أهي بحالها قدامك.
جاء قول المذكورة وهي تنزل من طابقها والهاتف يدوي بيدها بصوت النغمة المخصصة لها، حتى توقفت بضغطة من خليفة صاحب الاتصال، منتبهاً لها وهي تتابع:
ـ أنا طلعت على صوتكم، خير إن شاء الله، تروح على شغلك وتيجي بألف سلامة يا معاذ، أمي تحت زمانها سمعت هي كمان، عشان تسلم عليها بالمرة.
أومأ لها معاذ ليرد بصوت ثقيل، ثم يعطي طفله إلى حمزة، يهم بالذهاب مع شقيقه الأوسط، يجبر قدميه على التحرك وترك زوجته وطفله من أجل العمل.
..........................
في الفيوم، وتحديداً داخل إحدى المستشفيات العامة للمحافظة..
هناك، فوق أحد مقاعد الانتظار المعدنية القاسية، انحنى جسد "عطوة" الذي غلبه النعاس بعد سهر طال ليالٍ، كان يغفو ورأسه مائل نحو صدره، بثيابه التي لم يغيرها منذ يومين.
يخيم السكون على ممر المستشفى البارد في ذلك الوقت المبكر من الصباح، إلا من طنين رتيب لأجهزة المراقبة المنبعث من خلف الأبواب الزجاجية لغرفة العناية المركزة.
تسللت هي بخطوات وئيدة، تحمل في يدها كيساً صغيراً تفوح منه رائحة الخبز الطازج حتى وصلت إليه، ثم وقفت تتأمله للحظات، ومزيج من الشعور بالذنب والامتنان يعتصر قلبها؛ فهذا الرجل الذي دخل حياتها منذ فترة قصيرة، بات يحمل أثقالها كأنها قدره المحتوم. ألا يكفي تحمله مخاطرة مساعدته لها في الهروب من براثن "عرفان"، لتأتي به إلى هنا كي يتحمل معها مرض والدها الذي ألمّ به بعد فترة لم تتجاوز الشهر بعد زواجهم، حتى أيقنت داخلها أنها "نحس" عليه.
ـ عطوة..
هتفت منادية، تضع يدها على كتفه برفق، كأنها تخشى إيقاظ تعبه، تعيد الكرة بهمس حنون:
ـ عطوة.. يا عطوة.. قوم يا حبيبي، الصبح شقشق، وأنت ضهرك أكيد مش حاسس بيه من التعب، عطوووة!
فزع عند الأخيرة، مستيقظاً بتيه:
ـ إيه؟ فيه إيه؟ الحاج جراله حاجة؟ الدكتور خرج ولا لسه؟
بلمسة رقيقة بيدها على عظام صدره صارت نورا تطمئنه:
ـ اهدا يا حبيبي، مفيش حاجة والله.. الحالة مستقرة والحمد لله، الدكتور من شوية طمني، أنا بس قلت أجيبلك لقمة تقويك، أكيد هلكان جوع بعد شندلة امبارح.
تنفس "عطوة" الصعداء، ومسح وجهه بكفيه كأنه يطرد ما تبقى من نوم، ثم نظر إلى الممر الخالي وعاد ببصره إليها:
ـ لا أنا الحمد لله مش جعان.. المهم طمنيني على أمك لساها تعبانة برضه؟
ـ وكمان هتشيل هم أمي!
غمغمت بها نورا تغالب دموعها وهي تفتح كيس الطعام مردفة:
ـ أمي كل اللي عندها دور إنفلونزا تقيل شوية لكن أكيد هتخف منه إن شاء الله، المهم أنت.... مش عارفة ليه حظك جاي معايا كدة؟ ده إحنا لسه يا دوب بنقول يا هادي في جوازنا، بدل ما نخرج ونتهنى، بقيت مرمي في المستشفيات وشايل همي وهم أبويا.. وأمي اللي واخدة دور برد تقيل، ده غير مصيبتي القديمة اللي أنت عارفها بهروبي من عرفان....... أنت شيلت شيلة تقيلة قوي يا عطوة، وتعبت معانا تعب محدش يعمله غير الأصيل.
ـ أصيل!
رددها عطوة، يبتسم ابتسامة باهتة، يردف بسخرية:
ـ طب خليها في سرك، لو سمعك حد من بلدنا هيستلمك تريقة، وبصراحة هيبقى عنده حق، عشان أنا عمري ما كنت أصيل مع حد، من يوم ما اتولدت وأنا واخد الندالة منهج!
ـ طب ومستندلتش معايا ليه؟ اشمعنى أنا وأهلي تعمل معانا كدة؟
اعتدل بجذعه متوجهاً بجلسته نحوها يجيب بصراحة تامة:
ـ عشان أنتِ وأهلك شفتوني زين رغم كل عيوبي، وأنتِ بالذات يا نورا حسستيني إني بني آدم وليّ حق إني أحِب وأتحب. يمكن شايفة وقفتي معاكي في تعب أبوكي جميلة، لكنك عمرك ما هتعرفي حجم جميلك عليّ، خلتيني أحس إني إنسان حقيقي.. وزي ما شفت الهنا والسعد معاكي في أيام العسل، حق عليّ كمان أشيل عنك همك.
لا تعرف أتفرح بكلماته أو تبتئس على حال رجل مثله، ولد من أصل طيب ورجل غني لكن طلاق والدته "الغريبة" جعلته ينشأ منبوذاً بين عائلته، حتى حينما ورث الأموال لم يجد الاحترام نظراً لتاريخه السيئ بسبب تربيته غير السوية.... عجباً!
ـ خد يا عطوة كل السندوتشات ولا خد من العيش المسكر اللي جيباه من الفرن، سخن ويستاهل تحلي بيه خشمك اللي بيقول كلام حلو زيك، يا حلو أنت.
قالتها بفكاهة جعلته يضحك ويتناول منها دون تردد، فمن هذا الذي يستطيع رفض تلك الدعوة الجميلة من امرأة رائعة الجمال مثلها، وتزيد عليه بالتدليل الذي لم يجده إلا من والدته وهو صغير؟
ـ وكمان خلتيني حلو يا نورا! والله أنتِ تستاهلي عمري كله فداكي.
.........................
دخل خليفة إلى جناحه بخطوات هادئة بعدما اطمأن على إيصال شقيقه، لفت نظره الهدوء السائد في المكان، والحركة الوحيدة تأتي من غرفة صغيراته، رغم أن هذا وقت حضورهن الدراسي.
إذن لا يتبقى إلا زوجته العزيزة، أيعقل أنها لم تذهب إلى عملها أيضاً؟
جاءته الإجابة سريعاً حين وجدها ترتب أسرّتهما، معطية ظهرها له وهي تتحرك ببطء ويبدو عليها التعب الواضح، حتى أنها لم تنتبه إليه حين دلف إليها، وتسلل بهدوء حين وصل ليطوقها من خصرها بذراعيه، فانتفضت شاهقة بوجل، ليسارع بطمأنتها:
ـ اهدي يا قلب خليفة، أنا هو مش حد غيره.
وضعت يدها على موضع قلبها تلتقط أنفاسها بابتسامة، إلا أن شعور الدوار الذي لازمها منذ الصباح بسبب الحمل -والذي جعلها تفضل البقاء في المنزل اليوم- عاد ليداهمها فجأة فاهتزت في وقفتها، ليتلقفها بين ذراعيه ثم يجلسها على التخت خلفها قائلاً بحنو:
ـ إيه الحكاية؟ أنتِ هتخوفيني عليكي ولا إيه؟
عادت تهديه ابتسامة مطمئنة:
ـ يا عم وتخاف ليه بس؟ ما دي أعراض حمل ومعروفة يعني على الحريم، ولا أنت أول مرة تشوف؟
أسند رأسها فوق كتفه يجيبها:
ـ لاه، مش تايه عن الحاجات اللي بتحصل للحريم في الشهور دي، بس أنتِ تختلفي عنهم كلهم، أنا أتحمل على الدنيا كلها إلا أنتِ.
بامتنان يغمرها، رفعت كف يده إلى فمها تقبلها في تعبير واضح عن اعتزازها بقوله:
ـ ربنا ما يحرمني منك يا خليفة يا نصيبي الحلو.
ضمها أكثر يشدد بكلماته:
ـ ويخليكي ليا يا قلب خليفة، بس أنا حاسك متغيرة يا اعتماد، وكأن اللي بيكي مش بس تعب، حد مزعلك؟
لم ترد، فعاد يكرر السؤال بصيغة أخرى:
ـ حد خربط معاكي بخصوص أمهم؟
ـ لا يا خليفة، دول ملايكة ربنا يخليهم، بكلمتين بيتراضوا، والبركة فيك قايم بالواجب في إنك بتتفاهم معاهم بطريقتك، الموضوع ميخصهمش أساساً.
ـ أومال إيه طيب؟ قولي على اللي تاعبك يا اعتماد؟
أخرجت من صدرها تنهيدة مثقلة لتخيم لحظة من الصمت قبل أن تتشجع وتخبره:
ـ أختي رغد يا خليفة، حساها غريبة ولا مخبية عني حاجة.
ـ حاجة إيه بالظبط؟
ردد بها متسائلاً باهتمام، لتعود إلى حيرتها وتخبره:
ـ ما هو ده اللي شاغلني يا خليفة، دي أختي اللي ربيتها على يدي، البت فيها حاجة مش مريحاني، ولما بسألها بتنكر وتقول إنها تمام، ودي مش عوايدها.
قطب جبينه قليلاً بتفكير قبل أن يحسم الأمر:
ـ خلاص سيبي الموضوع ده عليّ وأنا هعرف مالها، بس أنتِ متشليش هم.
تبسمت تضم خصره، ليشدد هو بضمتها ويقبل أعلى رأسها:
ـ أنا عمري ما أخاف ولا أشيل هم طول ما أنت معايا يا خليفة، ربنا يخليك ليا.
..........................
أمام مرآتها، وقفت تتأمل نفسها والآثار التي خلفتها المعركة الضارية مع ذلك "البربري" على عنقها وبعض الأجزاء المكشوفة من المنامة التي ترتديها.
نعم، بربري.. هذا هو الوصف الحقيقي له!
لقد جعلها تشعر وكأنها تتزوج لأول مرة، فرض عليها مشاعر لم تخضها رغم سنين زواجها السابق. أيعقل أنه كان بمثل هذه الهمجية مع زوجاته السابقات؟ إذن لا عجب من أنه لم يُعمّر مع أيٍّ منهما.
ـ حلوووة!
دوت الكلمة تجفلها من شرودها لتلتفت نحو مصدر الصوت عند مدخل الباب، لتجده متكئاً على إطاره بكتفه، واقفاً بميل وعلى شفتيه ابتسامة عابثة، يضيف بغمزة بطرف عينه:
ـ وجامدددة!
أنهى جملته ضاحكاً ليزيد من استفزازها، حتى ودت أن تلقي عليه بزجاجة العطر التي كانت أمامها لتهشم وجهه الجميل هذا الذي يفتخر به، ولكنها للأسف لا تضمن العواقب مع مجنون مثله.
زفرت بقلة حيلة تلتفت عنه، كاتمة غضبها داخلها، لتتناول علبة كريم الترطيب وتدهن منها على ذراعيها ووجهها، لتلهي نفسها عنه، ولكنها تفاجأت حين رأت انعكاس وجهه خلفها، فخرجت منها شهقة قطعتها فجأة حتى لا تعطيه فرصة السخرية منها، إلا أنها لم تكن تعرف أنها أثارت تسليته أكثر.
ـ إيه يا هالة؟ مش واخدة بالك إني بتكلم معاكي!
التقت عيناها بخاصتيه عبر المرآة لتهديه ابتسامة صفراء قائلة بضيق مكشوف:
ـ معلش، أصل مشغولة زي ما أنت شايف.
ـ آه، ما هو واضح.
تمتم بها وجلجلت ضحكته من جديد، فلم تحتمل المزيد منه، لتحرك شارعة في الذهاب إلا أنه أوقفها ممسكاً بمرفقها:
ـ استني عندك.....
ناظرته بغيظ صامتة، ليستطرد هو:
ـ عايز أقولك إني انبسطت أوي امبارح، وتقريباً دي أحلى ليلة عدت عليّ من سنين كتير.
ـ أما أنا بقى فدي أسوأ ليلـ..... آه!
تأوهت قاطعة جملتها مجبرة، وقد حطت كفه تقبض على وجنتيها بضغطة قوية، يهدر محذراً بخفوت:
ـ بلاش قلة أدبك كدة من أول يوم عشان مقلبش عليكي..... وحكاية الليالي دي بالذات إياكي تجيبي سيرتها، عشان أنا مش هقبل مقارنة ولا حتى تلميح إنك كنتِ متجوزة واحد غيري من أصله!
طالعته بذهول وعدم تصديق، حتى إذا تركها عقبت على ما تفوه به:
ـ على أساس إن ده بقى هينفي إني كنت متجوزة؟ طب ده أنا كمان مخلفة بدل العيل اتنين!
رد بلهجة أخف بعض الشيء:
ـ وأنا عمري ما هنكر واقع، أنا بس بحذرك تجيبي سيرة الليالي، ولا حتى تفكري في اللي فات ولا تقارني..... أنتِ دلوقتي مالكيش غيري، أنا وبس اللي جوزك ودنيتك كلها، لازم تدخلي ده في عقلك كويس أوي.
بماذا ستجادله وهو يتحدث بإصرار وكأنه مجنون ومطلوب منها أن تطيعه على جنونه؟ وهي لا ينقصها.
قلبت عينيها بضجر تهم مرة أخرى بالذهاب، إلا أنه منع تحركها ليجذبها أكثر ويدفعها إليه قائلاً بنبرة غير بريئة:
ـ أنا كنت بقولك إني انبسطت، ودي بصراحة أول مرة تحصل مع واحدة أتجوزها.. صباحية مباركة يا عروسة.
ختم قوله بقبلة ناعمة على ثغرها، فزمت هي شفتيها بعجز، تمنع بصعوبة لسانها أن يتفوه بما يضرها، فتابع هو:
ـ أنا قايم مبسوط يبقى أنتِ كمان لازم تكوني مبسوطة، ولذلك أنا ممكن آجي على نفسي وأخرجك.
ـ تيجي على نفسك وتخرجني؟ لا يا سيدي كتر خيرك!
خرجت منها سريعاً وبدون تفكير، ليصعقها هو برده:
ـ خلاص أنتِ حرة، أنا كمان مش عايز أخرج من البيت عشان أشبع منك.
همس بالأخيرة ثم أفلتها من قبضته يأمرها:
ـ يلا بقى بسرعة حضري فطار ولا غدا، أي حاجة من اللي ماليين التلاجة من عمايل حماتي ربنا يخليهالي، أنا راجل عريس ولازم أبرّ نفسي.
وكأنها بدأت تستوعب متأخراً، سألته باستفسار:
ـ هو أنت فعلاً كنت هتخرجني؟
ضحك بتسلية يقرصها على وجنتها بطرفي إصبعيه:
ـ كنت ناوي فعلاً عشان أخرجك تغيري جو، بس أنتِ رفضتي يعني ضيعتِ فرصتك بإيدك، وأنا بصراحة بتلكك عشان أشبع منك يا "لولة".
نزعت يده عن وجنتها منفعلة:
ـ طب وشغلك؟ مش وراك شغل؟
أجابها مبتسماً بخبث وبنظرة ذات مغزى تشملها من أعلى لأسفل:
ـ شغل وأنا النهاردة صباحيتي يا لولة؟ ومع واحدة زيك؟ ده أنا أبقى راجل معنديش نظر...... ناخدلنا كام يوم نشبع من بعض، هو الشغل هيطير يعني؟ ولا القسم مفهوش حد غيري مثلاً يقوم بالواجب؟
اكتنفها الغيظ ممتزجاً بتشتت يطيح بها، لتتراجع عن الرفض:
ـ طب كدة يبقى موافقة نخرج نتفسح.
أمال رأسه بمرح نحوها قائلاً:
ـ وأنا قلتلك إنك ضيعتِ فرصتك يا قلبي، عشان تاخدي بالك المرة الجاية لما لساني يفلت تستغلي وتوافقي فوراً، ولو عايزة الدلع فعلاً يبقى ترضيني.. استوعبتِ بقى يا لولة؟ بسرعة أنا جعت أوي ونفسي آكل عشان أشبع....
قال الأخيرة بغمزة بطرف عينه يرافقها نظرة وقحة جعلتها تنتفض من شرودها، لتحرك وتذهب سريعاً من أمامه تغمرها الحسرة.. ليتها أمسكت لسانها قبل أن تخبره برفضها!
...................
داخل مقر الشركة التي يعمل بها في القاهرة، وقد أتى اليوم ليباشر عمله بعدما قطع إجازته تلبية لطلب استدعائه من قبل الإدارة، ليحضر من بداية اليوم ويعمل باجتهاد وتفانٍ من أجل الإنجاز والسرعة في تحقيق الهدف الذي يصبو إليه.
حتى قطع عليه أحد السعاة عمله يطالبه بالحضور داخل حجرة الاجتماعات لشيء هام. ارتاب معاذ من ذلك الطلب المفاجئ، بالإضافة إلى عدة عوامل أخرى كان يلاحظها منذ قدومه؛ مثل اختفاء زملاء المكتب واحداً تلو الآخر من أمامه، وأحياناً الهمس الذي كان يلاحظه من قبل بعضهم ويتوقف بمجرد انتباههم إليه.
حتى عندما قام بسؤال الرجل "الساعي" عن سبب استدعائه لغرفة الاجتماعات، أخبره الرجل أنه لا يعلم شيئاً، ليضطر في الأخير أن يستجيب للطلب ذاهباً ليستكشف الأمر.
وصل إلى غرفة الاجتماعات الكبيرة، ليفاجأ بعدد كبير من أفراد القسم الذي يعمل به، إن لم يكن أجمعهم، واقفين ورؤوسهم ملتفة نحو مدخل الباب الذي يدلف منه بصمت وترقب يثير الدهشة، حتى إذا تقدم إلى وسط الغرفة بذهوله، تفاجأ بمديرة العمل -أو ابنة مالك الشركة- تخرج له من بين الجمع هاتفة:
ـ حمد لله على السلامة يا معاذ، وألف مبروك على البيبي، متستغربش النهاردة يوم استثنائي عشانك.
تعقد حاجباه بغرابة وعدم استيعاب:
ـ يوم استثنائي عشاني!
تساءل بغمغمة داخل نفسه، قبل أن يباغته هجوم الموظفين بالتهاني والمباركات، واثنتان من الموظفات يقمن بتوزيع قطع الشوكولاتة، حتى هو قد نال نصيبه مثلهم، قبل أن يصدح صوت الآنسة مريم المديرة مرة أخرى:
ـ ده كدة يبقى احتفال البيبي الجديد، أما بقى احتفالنا الثاني والأهم، هو احتفالنا بيك أنت يا معاذ وباللي عملته في الصفقة الأخيرة، واللي بسببها إن شاء الله هتحصل نقلة نوعية للشركة. أينعم أنت مكملتش الاحتفال بالتوقيع عشان السبب اللي كلنا عارفينه دلوقتي، لكن احنا مبننساش مكافأة المجتهد...
أكملت تنادي على مساعدتها، لتأتي إليهما الفتاة حاملة كيس هدايا تبدو عليه الفخامة، لتتناوله منها، وتخرج ساعة راقية عليها علامة تجارية لماركة عالمية.
صعق معاذ أمام هذه المفاجأة غير المتوقعة، الهدية مميزة بالفعل ولكن تلك العلامة التجارية المدونة عليها تثبت -بنظرة واحدة إليها- أنها باهظة الثمن جداً.
تجمد معاذ ولم يعرف كيف يتصرف أمام نظرات زملائه الموظفين نحوه، وكف تلك المرأة ممتدة نحوه بالساعة؛ ماذا عليه أن يفعل؟
ـ معاذ أنت سرحت ولا إيه؟ اتفضل يا بني خد ساعتك.
لم يتحمل فكرة إحراجها بالرفض، فهي امرأة قبل أن تكون مديرة ولا يصح معها فعل شنيع كهذا، ليضطر أن يتقبلها منها وتصدح أصوات التهاني مرة أخرى من باقي الموظفين أمام فرحة مريم وروان التي كانت في زاوية بعيدة إلى حد ما عن معاذ، تشاهد ما يحدث بابتسامة متوسعة والهاتف في يدها تلتقط به الصور.
.........................
"مؤيد باشا يا بلاش، واحد غيره ما ينفعناش.. مؤيد باشا يا بلاش، واحد غيره ما ينفعناش"
تلك الكلمات التي تشبه الأغنية في لحنها، كانت تهمس بها مرددة بسعادة وهي تهبط الدرج بخطوات متزنة، تحمل بين ذراعيها "مؤيد" الصغير ابن ليلى، ملامحها تشع حناناً وكأن الطفل قطعة منها. دخلت الجناح لتجد زوجها غارقاً في تدريس "ريان"، وما إن وقع نظره عليها حتى أشرقت أساريره، وفتح ذراعيه ليستقبل "الباشا الصغير" كما يحلو له تسميته.
ـ البرنس حبيب عمه، هاتي يا أم الغايب هاتي.
ضحكت مزيونة تعطيه له، كي يأخذ دوره في مداعبته هو الآخر، وجلست بجوار ريان الذي كان يتابع بارتياح وقد التهى والده عنه في تلك اللحظات، لتباغته مزيونة:
ـ شكلي قطعت عليكم، هاته يا حمزة وخلص مذاكرة لريان....
قاطعها الأخير بلهفة:
ـ لا يا ماما مزيونة إحنا تقريباً خلصنا، خليه يلاعب مؤيد، حبيبي يا مؤيد...
ضحكت مزيونة تأثراً بأسلوبه، فعقب حمزة متوعداً:
ـ آه يا ابن الـ..... طبعاً ما صدقت وجاتلك على الطبطاب عشان تكبّر من المذاكرة وتريح مخك.
أشار ريان بسبابته نحو صدره بمظلومية:
ـ أنا يا بوي؟ ده أنا بس صعبان عليّ تعبك معايا، على العموم هذاكر مع نفسي لحد ما تخلص مع مؤيد.
قالها ريان وانكفأ على الكتاب أمامه، يدّعي المذاكرة في حركة شقية منه فهمت عليها مزيونة، لتزيد من إعجابها بهذا الذكي.
وجه حمزة إليها السؤال:
ـ منزلتش ليلى ليه معاكي تتعشى معانا؟
أجابته مزيونة:
ـ لا ما أنا سبتها تنام وتلحق تريح ساعتين، الواد بيسهرها الليل كله، وهي بنيتي بتهلك منه.
تبسم حمزة مخاطباً الصغير:
ـ طالع واعر زي أبوه وعمامه، فرع القناوي عاد.... يلا خلينا نشبع منه إحنا اللحظة دي.
عقبت مزيونة على قوله:
ـ آه والله ده أنا اتعلقت بيه قوي، مش عارفة بعد ما البت ما "تربعن"، هيجيني قلب إزاي أسيبهم؟ خلينا نقعد هنا يا حمزة بلاها رجعة على بيتنا.
ناظرها حمزة بابتسامة خبيثة وبكلمات تفهم عليها وحدها:
ـ ويعني إحنا بنبني البيت عشان نسيبه! إن كان على ليلى متنسيش إنها هتروح الجامعة يعني الواد هيفضل طول الوقت معاكي، كل واحد أولى بيه بيته يا مزيونة.
صمتت ولم تزد بحديثها حتى لا يخجلها بجرأته أمام ريان الصغير، لأنها تعرف طبعه جيداً في الوقاحة.
في تلك اللحظة، قطع عليها شرودها حين هتف يخطف انتباهها بزهو طفولي:
ـ شوفي يا ماما مزيونة الرسمة لأسرتنا السعيدة.. أنا وأنتِ وبابا والنونو اللي في بطنك.
تطلعت مزيونة نحو الورقة التي سحبها من بين مجموعة الكتب أمامه، لتلتقطها منه وتتأمل بها بانبهار:
ـ الله يا ريان، ده أنت صح.. وأنا ببطني المنفوخة وأبوك بس ده.....
قطعت ضاحكة تعلق على صورة والده:
ـ وه يا ريان، حمزة مطلعه ليه كدة يا ولدي؟ ده أبوك ده ولا "أبو دراع"؟
وقطعت ضاحكة مرة أخرى حتى أثارت غيظ حمزة وهو يطالع الصورة بيدها يوبخ ابنه:
ـ يا ابن الفرطوس، خليتها تضحك على أبوك! أنا مشلفط كدة يا واض؟
دافع ريان بعفويته عن مجهوده في الرسم:
ـ يا بوي ما الميس "تولين" هي اللي قالتلي حاول ترسم تفاصيل والدك.. وسيم وعضلات...
ـ ميس مين؟!
صاحت بها مزيونة وقد تبدلت ملامحها من العبث إلى شيء آخر، وقد اشتعلت رأسها بذكر المذكورة ووصفها لحمزة، الذي وضع همه في مداعبة الصغير يتقي غضب زوجته.. والتي أردفت موجهة تعليماتها لريان:
ـ اسمع يا حبيبي، أنت أبوك أدرى بيه، ارسمه راجل عادي، خربط وشه ولا ارسمه تخين، ولو اتكلمت الميس زفت قولها أمي مزيونة هي اللي قالتلي أرسمه كدة، ولو اعترضت بلغني وأنا اللي هتصرف معاها.. قال وسيم وعضلات قال! هي مالها بشكله أصلاً؟!
سمع منها ريان واتجه ببصره نحو والده الذي أومأ له كي يطيعها ويتجنب غضب تلك "النمرة":
ـ اسمع منها يا ولدي، واعمل زي ما بتقول.... متبقاش مقفل وتودينا في داهية!
............................
جالساً على طاولة السفرة يأكل من الطعام الذي قامت بتسخينه، يردد مع كل قطعة يتناولها بتلذذ واستمتاع:
ـ اممم يا عيني على صينية البشاميل ولا الرقاق ولا الحمام.. يا حبيبي على الحمام! الست والدتك دي بتفهم أوي يا "لولة"، أكثر حاجة متوصية بيها الحمام، ست بتفهم صحيح.
أما عنها فكانت تشاهده بغيظ مكتوم، تطالع مبالغته في الإطراء على الطعام وكلماته الموحية دون تعليق منها، حتى هتف مخاطباً لها:
ـ ما بتاكليش ليه يا هالة؟ أكل والدتك مش عاجبك؟ أخص...
نفت تردد خلفه بانفعال:
ـ مش معنى إن ماليش نفس يبقى أكل أمي مش عاجبني، وأنا هقعد معاك ليه صحيح؟ أنا قايمة وسيبهالك.
ـ إياكِ تتحركي من مكانك!
خرجت منه بقوة أوقفتها فور أن همت بالتحرك، لتضطر إلى الجلوس مرة أخرى على غير إرادتها، ليردف بعدها بأمر:
ـ إياكِ تعمليها تاني مرة وتقومي وتسبيني على طرابيزة الأكل لوحدي.
ـ حتى لو شبعت أو ماليش نفس؟
ـ حتى لو شبعتِ أو مالكيش نفس يا هالة.. سامعاني؟
وهل تملك إلا الطاعة؟ أغلقت فمها بحنق إذعاناً لأمره حتى تذكرت، فقالت:
ـ صحيح أنا كنت عايزة أسألك.
ـ اسألي يا روحي براحتك.
قالها بطريقته واضعاً قطعة من اللحم داخل فمه حتى استنفرها، ليباغته بسؤالها:
ـ هو أنت فعلاً قطعت الورقة العرفي قبل ما تكتب عليّ؟
رد يجيبها ببساطة:
ـ ومن أول يوم كمان، ما أنا قلتلك امبارح يا قلبي.
عقبت بصدمة:
ـ يعني طول الوقت ده كنت بتهددني بشيء مش موجود؟ طب كنت قولي لما أنت جامد ومش هامك كدة.....
ـ صوتك ميعلاش يا هالة!
قاطعها بحدة لتبتلع اعتراضها وكل الشتائم التي تود أن تمطره بها، ولكن هذا لم يمنعها أن تطالعه بحقد دفين يراه جيداً في عينيها، ليزيد من تسليته:
ـ حاولي تمسكي لسانك ده قبل ما يوديكي في داهية معايا.. أنا لذيذ وجميل يا هالة معاكي لما تبقي أمورة ومطيعة، إنما تنفشي ريشك ولا تتعدي بكلمة واحدة عليّ هتبقي أنتِ اللي جانية على روحك.
توقف فجأة يبدل لهجة الحديث معها:
ـ شفتي؟ أديكي خليتيني أتعصب عليكي حتى في يوم صباحيتنا.. أنا كنت قايم مبسوط يا قلبي، عشان تعرفي إن أنتِ اللي بتجيبيه لنفسك، ده أنا كنت ناوي أخرجك النهاردة.
ـ خلاص اعملها عشان افك عن نفسي !
صرخت بها بقهر لم يعره اهتماماً، ليعود ويذكرها:
ـ ما أنا قلتلك ضيعتِ فرصتك، حاولي بقى الأيام الجاية تصلحي عشان أرضى عنك وأرجع في كلامي.
وختم ضاحكاً ليعود إلى طعامه ممسكاً بفرد حمام يأكل منه وبنظرات ذات مغزى:
ـ اممم ربنا يخليكي ليا يا حماتي يا فاهماني، ده أحلى حمام ده ولا إيه؟
رواية لأجلها الفصل 10001 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لاجلها الفصل الواحد والستون
خرجت من بوابة الكلية تتنفس الصعداء بعد يوم دراسي حافل، لكن أنفاسها انقبضت فجأة حين تجمدت عيناها على ذلك الطيف المألوف والمنبوذ، يتقدم نحوها في نية واضحة للحديث معها كما يفعل منذ فترة، لقد كان ينتظرها في البداية خارج أسوار الجامعة أما الآن فقد بلغت به الجرأة أن ينتظرها خارج محيط كليتها! يبدو أن هذا الاحمق مُصِرّ أن يتسبب لها في فضيحة لعنة الله عليه.
ـ رغد يا رغد.....
في تلك اللحظة، اضطرت رغد أن تقف وتلتف إليه ، يجتاحها الغضب والاشمئزاز وهي تطالع طلته البهية امامها، تراه يرتدي ملابس لا تناسب سنه وسلوكه "المتصابي" أن يوهم المارة بشبابٍ ولى وانتحر على أعتاب أفعاله، كم تود الصراخ ومسح كرامته أمام الجميع ولكن ثقل الكلمات على لسانها سوف تجعلها بالتأكيد هي الأضحوكة امام زملائها التي بالكاد تتحدث معهما كي تخفي حرجها من ذلك العيب الخطير.
خاطبها بابتسامة لزجة فور ان وصل اليها، يعيد خصلتين من شعيرات رأسه الخفيفة من الأساس إلى الخلف:
- لازم كل مرة كدة تولي وشك مني وتمشي اول ما تشوفيني، فأضطر انده عليكي عشان اوقفك؟ مش ناوية بقى تبطلي كسوف وتديني فرصة اكلمك واشرحلك انا عايز إيه؟
ردت بحدة وباحتقار واضح له ولمحاولاته البائسة للظهور امامها بمظهر "الدنجوان" وهو رجل كبير عنها بسنوات عديدة ويُفترض أن يوقر فرق الضعف على الاقل بينه وبينها في العمر،.
ـ مش كسووف دا اسمه ققررف، قرف من ببرودك ووومن تناحتك، انت يا عم انت ششيلت الاحساس ومعدتتش عندك دم، بلللغت بييك الجرأة تتدخل تستنناني داخل حرم الكلية كمممان
وكأنه لم يسمع السبة والشتم عليه, بل استمر في بروده :
ـ براحة شوية يا رغد متتعصبيش وانت بتزعقي ، عشان معلش يعني، أعرف بس لو بتشميني انتي بتقولي إيه؟
وختم بضحكة ما أثقلها زادت من قهرها، هذا الوقح يذكرها بالنقص الذي كان يلجم لسانها طوال فترة ارتباطه بشقيقتها، النظرات الغير مريحة واللمسات الخبيثة بحرص، ولكن وقبل أن تتطور لتقارب التحرش كان شقيقتها يقظة لتنتبه إليه وتضحي بزواجها منه وتنقذها.
ـ انننت راجل مش محترم.
نعتته بها، وقد اعتلت ملامحها قسوة لم تعهدها في نفسها قبل ذلك؛ واحتقن وجهها بغضب عارم لتبصقها فى وجهه، فتوقعت أن تأخذه كرامته ويلملمها على الاقل بذهابه او حتى رد الشتيمة ولكن وكأنه قد أغلق على أذنيه ليرد بتساهل مستفز:
ـ الله يسامحك يا رغد، بس انا مقدر اكيد سوء ظنك فيا بعد الكلام اللي اختك ملت بيه مخك، مع انك شوفتي اني سكنت معاكم كذا شهر في بيت واحد عمري ما مديت يدي ولا بصيت لك نظرة مش هية لكن القلب وما يريد، انا حبيبتك واختك لما حست كدة بهدلت الدنيا ووصلتها بالطلاق ومع ذلك أنا برضو رغبت ان ارجعها من تاني لكن هي شافت نصيبها يبقى من حقنا احنا كمان نشوف نصيبنا ، وافقي يا رغد وانا اعيشك برنسيسة وكل اللي ترغبيه مجاب.......
ـ اسكتتتت
همست بها بصوت يرتجف حنقاً، وهي تتلفت حولها بخوف قاتل، ليس منه كشخص، بل خوفًا على سمعتها، او أن تسمعهُ إحدى الزميلات ، فتنطلق الهمسات عليها والإشاعات كالنار في الهشيم عنها وعن هذا المتصابي الذي يلاحقها من بعد زواج شقيقتها، والتي أعطاها الله عوضها ونالت السعادة التي تستحقها أخيرًا، هل يعقل أن تذهب إليها وتخبرها فيتعكر صفو زواجها للمرة الثانية بسببها، إذن لمن تشكوه؟ او تجد من يوقفه؟ وهي لا تملك حتى اللسان الفصيح الذي يتحدث عن قضيتها !
ـ الراجل ده واقف هنا ليه؟
وكأن الله قد سمع النداء ليستجيب عاجل وفورا، فيأتي إليها بالنجدة من حيث لا تدري، حيث تفاجأت بخليفة امامها، يهدر بها مباغتا عليوة بالقبض على تلابيب قميصه القطني الملون، والذي انتفض بدوره يحاول نزع يده:
ـ ايه ده ايه ده؟ بعد يا جدع انت، انت حد مس طرفك بكلمة والمصحف اطلبلك الأمن.
لم يعيره خليفة اهتمامًا، بل انصب تركيزه مع تلك المسكينة التي اغرقت عينيها الدموع برؤيته كالغريق الذي أتاه طوق النجاة:
ـ الراجل ده واقف هنا ليه يا رغد؟
ـ ده ده ده اصله اصل...
هكذا صارت تلجلج كلماتها وقد تضاربت مشاعرها ما بين فرح بظهوره وخوف من قتل هذا الاحمق وهي بالفعل تريد الانتقام منه ولكن لا تستطيع البوح، لتضاعف من مأساتها، حتى شعرت بالعجز عن التعبير بكلمة وافية، إلا أن هناك من كان يتابع الموقف من أوله، ويتحين الفرصة ليتكفل بالرد:
ـ معلش لو هتدخل بس الراجل ده بيعاكس الآنسة بقاله مدة وهي شكلها بتعاني منه، سامحيني يا رغد .
التفت الأخيرة نحو مصدر الصوت لهذا الشاب الذي بدأ وكأنه جاء لينضم معهما, ليجبر خليفة على التساؤل أيضا:
ـ انت مين يا ولدي؟
ـ انا أيمن ولد الحج حسانين ، زميل رغد في الكلية ومن نفس البلد، وانا آسف مرة تانية، بس بصراحة كل مرة بشوف الكائن ده بيعترض الطريق على رغد، بيبقى نفسي اشق رأسه نصين عشان يحل عنها
جاءت الأخيرة من الشاب بعصبية حتى كاد أن يتبسم له خليفة لولا صياح عليوة الذي صار يشعر بالحصار
ـ تشق راس مين؟ ياض يا عيل انت والنعمة لاخلص عليك وانت واقف، اوعي سيبني انت كمان
كان يقصد خليفة بالاخيرة وهو يقاوم أن ينزع نفسه من ذراعيه، إلا أن الاخير إبى أن يتركه قبل ان يضع بصمته:
ـ يعني بتعاكس البت وبتتعرضلها بقالك ايام.... طلبتها ونولتها يا عليوة، خد دي؟
رافقت الاخيرة ضربة قوية بقبضته فك عليوة طيرت بها عدد من صف أسنانه الامامية ليصرخ هو :
ـ سناني، الطقم اللي مكلفني بالالفات طيرتهولي من تاني، الحقوني يا نااس
.............................
أثناء سيره بين أروقة مكاتب الشركة في اتجاه مكتب المديرة لعرض الاوراق المطلوب الحسم فيها في المشروع الجديد، ينعاد نفس السيناريو الذي اصبح يواجهه يوميا.
ليس غبيا هو حتى يغفل عن حدة النظرات الموجهة نحوه، من موظفين وزملاء كانوا له كالاخوة في البداية, ثم تحولت مشاعرهم الى حقد واضح رأي العين امامه، همهمات ووسوسة بعضها تصل الى اسماعه وتخترق أذنه من شرها.
هو لم يفعل شيء سوى أنه ينجح بخطوات تفوق الجميع، ربما العذر الوحيد هنا هو الفرص التي تقدم له وتميزه عنهم!
وصل إلى غرفة المديرة التي يقصدها، ليطرق بقبضته طرقة بسيطة وتوقف بعدها ليفتح الباب بعد سماعه الاذن بالدخول، وجدها مشغول. كالعادة منكفئة على بعض الأوراق ، امراة يجد منها دائما التحفيز وفرص التقدم التي تميزه بها، تستحق التقدير منه، رغم انه كثيرا ما يشعر بالاختناق في حضورها ولا يعرف السبب.
ـ اتفضل يا معاذ، انت هتفضل واقف كدة كتير
تفوهت بها تعتدل بجلستها لتريح ظهرها على كرسيها تطالعه بجرأة وعملية, ليضطر ان يستجيب ويجلس امامها قائلا:
ـ انا جبت لك الملفات اللي طلبتها يا فندم ،
زمت فمها تتناولهم منه, تلقي نظرة خاطفة عليهم، قبل ان تلقيهم في جانب قريب منها على سطح المكتب ، ثم توجه اهتمامها الكامل نحوه:
ـ تمام اوي انا هبقى اشوفهم بعدين,؟ المهم انت عامل ايه النهارده؟
اجابها بعملية لا تخلو من ضيق
ـ تمام يا فندم، كنت عايزك بس تبصي على الملفات وتقولي لو عندك ملاحظات.
ردت بحزم:
ما انا قولتلك هبص عليهم بعدين يا معاذ ولو في ملحوظات هقولها يا سيدي، المهم انت مالك مقلوب كدة؟ حصل حاجه وحشة في المشروع؟
نفى سريعا بهز رأسه، ثم أطرق صامتا لبعد اللحظات حتى تشجع يفصح عما بداخله:
ـ معلش يا فندم انا بس.... كنت عايز استفسر، ليه مخلتيش زميلي عثمان في المكتب، يمسك المشروع الجديد وهو أفضل مني وأكثر خبرة مني؟
ـ افضل ولا اكثر خبرة، انا اللى احكم مين يمسك الشغل ومين يترقي، محدش يعدل عليا، هو انت عثمان اشتكالك؟
ـ لا يا فندم بس انا شايفة متغير معايا وبصراحة حقه.
ـ مفيش حد عنده حق عندي يا معتز، بلاش نظرتك الساذجة دي للأمور، انت بشمهندس مجتهد وانا واثقة فيك, دا غير. ان مفيش مرة خذلتني، دوس ومهمكش من أحقاد اللي حواليك، دي ياما هتقابلك في شغلك.
، رغم أن كلماتها بها شيء من المنطق إلا انه لا يمكنه تغافل ذلك الشعور بالذنب، لا يدري أن كانت هذه المرأة تملك قلبا أم لا؟ ولكن لما العجب؟ فهذه بالتاكيد رؤية أصحاب الأموال والشركات التي تبحث عن التقدم والنجاح غير مبالية شيء اسمه العواطف
ـ متنساش النهاردة عندنا اجتماع غدا مع مسؤولي المشروع الجديد .
ها هي تعيد لتؤكد على ما ظنه مجرد مزحه:
ـ انا اسف يا فندم بس انا مالي باجتماع الغدا والاتفاقات، انا مجرد مهندس يعني دور تنفيذي.
ردت بإصرار لا يقبل النقاش:
ـ للمرة التانية انبه عليك يا معاذ انا اللي يحدد حدود الدور المطلوب منك في العمل، يعني مش هقعدك صورة وسط المجموعة، ياريت تحضر وبلاش جدال.
اومأ صامتا ليستأذن دون أن يعطيها إجابة واضحة، ثم استأذن ذاهبا وما ان قام بفتح الباب للخروج حتى كاد أن يصطدم بإحداهم، والتي تبين هويتها من الوهلة الاولى، ليتراجع مرتدا للخلف سريعا يفسح لها حتى تدلف، يتلقى تحيتها بابتسامة فاترة:
ـ ايه ده معاذ؟ ازيك عامل إيه؟
اومأ بعجالة وبرد روتيني:
ـ حمد لله كويس، عن اذنكم
وغادر سريعا لتتجه هي نحو تلك التي تتابعهم، متسائلة:
ـ هو ماله؟ خارج كدة ولا اكنه متخانق.
ردت مريم بشرود وهي تتلاعب بقلمها:
ـ هامه كلام اللي في الشركة وقال جاي يطلب مني اوزع الفرص على زميله مغاه، الغبي ؛ لحد دلوقتى مش فاهم ولا حاسس بيا.
تبسمت روان بمكر لتجلس امامها وتسألها بفضول:
ـ وانتي ناوية تعملي إيه؟ هتفضلي كدة محلك سر تنتظري على ما يفهم ولا يحس؟
بنظرة لاح فيها التحدي وتصميم حازم ردت مريم :
ـ انا خلاص قررت، النهاردة لازم تبقى كل حاجة على نور ما بينا
........................
عاد من عمله يلج إلى المنزل بملامح مجهدة، يخلع سلاحه وجاكيته بهدوء، وعيناه تبحث عنها تلاقئيا، حتى تلقتا أذنيه الشئ العجيب وهو ضحكتها التى ولأول مرة يسمعها بهذه الدرجة من الوضوح ، فكاد أن يكذب اسماعه، ظنا انها واحدة غيرها، حتى تأكد من نبرة الحديث بعد ذلك
ليتجه نحو الجهة التي يأتي منها الصوت داخل غرفة المعيشة ، ليجدها متكئة بارتياح على ذراع الأريكة، تترتدي بيجاما قطنيه ملتصقة بها وبدون اكمام، وبنطالها الصغير حتى الركبة المكشوفة، تطوح ساقها في الهواء، والهاتف امام عينيها تتحدث عبر خاصية الفيديو كول باندماج مع صغيرتيها التي تسمع منهما باهتمام.
رؤيتها فقط تحرك الشغف داخله نحوها وبقوة، وقد كان يظن أن افتنانه بها سوف يذهب بمجرد الحصول عليها نظرا لتاريخهما السابق ولكن ما يحدث معه هو العكس ، كيف يجتمع الكره مع الافتنان؟ بالفعل لا يعرف.
انتبهت اليه فبدا عليها الارتباك حتى كادت ان تنهي المكالمة, الا أنه لم يعطي لها فرصة للتوتر، وقد اقترب بابتسامة "هادئة" يجلس بجوارها ويلتصق بها ليظهر وجهه إلى الصغيرتين يخاطبهما بمرح:
ـ هاي ازيكم يا بنات عاملين إيه ؟
كان رد فعلهما في البداية هو الاجفال، ثم رد التحية بخجل، ليباغت والدتهما بسحب الهاتف من يدها برفق لا يخلو من فرض سيطرة، ويضع وجهه أمام الكاميرا ليباشر الحديث بود وتباسط حتى خفت الرهبة بينهما وتحولت الردود منهما إلى ضحكات صاخبة،
ـ إيه الضحك الجميل ده؟ مش ناويين تيجوا تزورونا ولا إيه؟"
اتى ردهما بترحيب وحماس اشعل قلب والدتهما التي كانت تتابع باهتمام شديد، حتى اذا انهى ليعطيها الهاتف ويتركها تعود إلى الحديث مرة أخرى تواصل المكالمة بحرية وقد ترك لها المجال متوجها إلى غرفته، لتذهب
اليه بعد انتهاء المكالمة
وجدته يخلع عنه قميصه القطني فتقدمت تخاطبه بلهجة ممتنة وبعض الأدب:
ـ حمد لله على سلامتك.. معلش مكنتش أعرف إنك جيت, بس البنات كانوا فرحانين إنك كلمتهم.
اومأ يجلس على طرف الفراش ليخلع حذائه يتمتم بترحيب وهدوء مريب:
ـ وانا كمان كنت فرحان وانا بكلمهم، دول قمامير ربنا يبارك فيهم، لكن هما بيكلموكي منين، مش غلط التليفونات عليهم في السن ده؟
ردت بعدم انتباه وهي ترفع الملابس التي قام بخلعها لتعلق السترة اولا على المشجب قبل أن تلتقط الباقي استعداده لوضعه في سلة الغسيل:
ـ لا طبعا أبوهم عارف كدة كويس، آخرهم ياخدو تليفونوا ساعة ولا ساعتين يلعبوا فيه
ـ يعني هما اللي اتصلوا ولا انتي اللي اتصلتي؟
ـ انا طبعا اللي كلمت خليفة وخليته يعطهمولي.
هكذا أخبرته وبكل بساطة، فلم تنتبه إل ملامح وجهه التي تصلبت كالحجارة،، وعينيه اصبحت كالجمرتين ، فخرج صوته منخفضا لدرجة "فحيح الأفعى"، وهي الدرجة الأخطر في غضبه.
ـ يعتي انتي اتصلتي بخليفة وخدتي واديتي في الكلام معاه لحد ما عطاكي البنات؟
ابتلعت رمقها بتوتر شديد شاعرة بالخطر لتبرر بارتباك وغباء قد يوفضي إلى قتلها:
ـ وفيها إيه؟ خليفة واض عمي قبل ما يبقى جوزي..... قصدي طليقي، يعني شيء عادي...... اااه
صدر تأوهها الاخير بألم مفاجئ حين حطت كفتيه تقبضا على ساعديها بقوة يهزهزها بعنف هادرا بها بغضب كالإعصار:
ـ عادي انك تكلمي طليقك وكمان تغلطي فى صفته دلوقتى قدامي، انتي لو قاصدة أن اخلص عليكي مش هتجبيها بسهولة كدة، أعمل فيكي ايه عشان تميزي وتفهمي؟
افزعها بوحشيته حتى تجمدت أوصالها تحاول بدفاعية واهية:
ـ وانا غلطت في ايه عشان تعمل معايا دا كله؟ انا بس كلمت بناتي وخليفة يبقى ابوهم وبرضك ابن عمي حتى لو انت مش عاجبك كدة
زمجر يجذبها إليه بعنف حتى صار وجهه لا يفرق عنها إلا أنشات قليلة يهمس كازا على اسنانه، بانفاس كالنيران تحرق بشرتها، وتبث المزيد من الرعب داخلها:
ـ ميت مرة اقولك أن مينفعش اغير من الواقع، لكن الأكيد هو ان اغير منك انت يا هالة وغصب عنك لازم تنفذي اللي أقوله، استهتارك وغرورك في الغلط دا يدفن وينتسى، بناتك عايزة تكلميهم فيه الف طريقة غير والدهم، انما لو مصرة يبقى بلاها احسن
دفعها في الاخيرة يلقيها بقوة على الفراش القريب منها، لتصرخ بتوجع قبل ان تلتف إليه مستفسرة بعدم استيعاب:
ـ'قصدك ايه يا كمال؟ انت ممكن تحرمني منهم؟
رد يؤكد لها بتجبر وتهديد لا يقبل الجدال:
ـ لو عوزت هعملها بضمير راضي جدا عشان ساعتها هيبقى بسببك وانتي عارفه كدة كويس، وبرضو محدش هيقدر يقف قصادي
بصق كلماته وتحرك مغادرا الغرفة صافقا الباب خلفه بعنف، يتركها بحالة من الصدمة والانهيار، تدرك أن الخطأ الصغير مع مجنون مثله قد يكلفها عمرها أو الحرمان الاكيد من صغيريتيها، ما هذا الحظ الذي اوقعها في يد مختل مثله؟ يملك السطوة والقوة والغيرة العمياء.
.............................
وصل حمزة إلى بهو مبنى الإدارة، تتبعه اعتماد التي كانت تسبق خطواتها دقات قلبها المتسارعة، القلق ينهش قلبها على شقيقتها وزوجها الذي سمعت بما فعله مع ذلك البائس، ذيل الكلب الذي لا يعتدل ابدا، تخشى أن تكون إصابته خطيرة ويتأذى بسببه زوجها .
ما إن لاحت لها أختها تخرج من باب مكتب عميد الجامعة، حتى انطلقت نحوها كالسهم، غير آبهة بنظرات الموظفين أو هيبة المكان.
ارتمت في حضنها بلهفة طاغية، وتشبثت بها وكأنها تستمد منها الأمان أو تمنحه لها، في مشهد عاطفي صامت لم يقطعه سوى خروج زوجها، ومن خلفه عليوة الذي كان يفيض حنقاً و"يرطرط" بكلمات تملأ الطرقة ضجيجاً.
ـ ربنا هو اللي هجيلي حقي، منك ومن كل عمايلك معايا، وبرضو مش هسكت، هوصل الامر لقضايا كتير مش قضية واحدة، طقم سناني اللي طيرتهولي للمرة التانية ولا الإهانة، انا لا يمكن اسكت
هتف به حمزة ينهره:
ـ اقفل خشمك دا بدل ما اجي واخلص عليك انا كمان
كاد عليوة أن يجادل ولكن أفزعه حمزة بنظرة حادة الجمته ليغادر مواصلا الغمغمة وادعاء المظلوميه.
ليقترب حمزة من شقيقه كي يستفسر منه، ولكن لفت انتباهه هذا الشاب الغريب الذي كان واقفا بينهما وعيناه منصبة على رغد بلهفة واضحة حتى انتفض على لمسة من خليفة الذي ربت بدعم على كتف ذراعه:
ـ بارك الله فيك يا بطل، كلامك هو اللي حسم الدنيا جوا قدام العميد
كاد حمزة أن يسأل ولكن خليفة سبقه مردفا:
ـ دا ايمن ولد الحج حسانين يا حمزة، هو اللي شهد باللي يعرفه قدام العميد قوا موقفنا وخلاه ياخد جزاته من الطرد والتهزيق، هو راجل مهزق ويستاهل
نظر حمزة إلى الشاب بإعجاب يشد على يده:
ـ ربنا يبارك فيك يا ولدي، ونعم الرجال.
قدمت اليه اعتماد الشكر ايضا قبل ان تعاتب شقيقتها التي بالكاد أصبحت تتمالك نفسها بعد تلك اللحظات العصيبة:
ـ بس انتي يا رغد غلطانة، كان لازم يا حبيبتي تتكلمي وتقولي عن النجس ده، واحنا كنا قطعنا رجله من بدايته ووفرنا عليكي الهم والمرارة دا كله.
لاح التردد والعجز على ملامح رغد، وكان الكلمات انحشرت بحلقها ولا تملك القدرة على البوح، فأتى الرد من أحد آخر :
ـ انسة رغد حساسة، اكيد خافت لا يحصل مشاكل، او الصدام مع واحد عديم الدم زيه.
ختم بنظرة دافئة نحوها حتى أصاب الباقين بالدهشة ، يشاهدون الامر بصمت، وقد خرج صوتها اليه بخجل:
ـ ممتشكرة، مممتشكرة جدا ياااا ايمن،
تلقى كلماتها بلهفة واضحة وكأن سماع اسمه منها جائزة له:
ـ متشكرنيش يا رغد ، انا اصلا ما صدقت افش غليلي فيه العفش ده، كل مرة ببقى حاضر ومتابع وشايف زعيقك معاه بس مش سامع ولا عارف دا صفته ايه عندك عشان ادخل أو اللم نفسي ، لكن والله ما يعملها تاني ليبقى هو الجاني على روحه.....
ـ يا سيدي ولا احنا كمان هنسمح له يكررها، ع العموم برضو كتر خيرك وتشكر يا سبع
خاطبه بها حمزة بمرح ليضيف عليه خليفة بابتسامة :
ـ ويشكر ابوه اللي طلعلنا راجل، والله لو اشوفه لا اشكره بنفسي.....
ـ هخليه يجيلكم البيت عشان تتعرفوا عليه ينفع ؟
قاطعه متسائلا ليجفل الجميع بسرعته، ويضطر حمزة الرد عليه بابتسامة متسعة ؛
ـ ينفع يا ايمن، وان ما شلتوش الارض نشيله في عنينا، يا سلام..... يا مرحب بيكم يا سيدي.
. ...............
داخل. مشفى القرية
خرجت مزيونة من غرفة التحاليل التي قامت بالعديد منها بناء على طلب الطبيبة منها، بإجراء روتيني وفحصوات تقوم بها طوال فترة الحمل للإطمئنان على الجنين
كانت قد أتت برفقة ليلى التي تركتها وطفلها على مقاعد الانتظار التي تطلعت عليها فور خروجها ولكن للاسف لم تجدها ، لتدور على باقي الانحاء حتى صعقت برؤية الصغير بصحبة اخر من دون ابنتها
عرفان!
غمغمت اسمه وقلبها سقط بين اضلعها من الرعب تهرول بخطواتها البطيئة نحوه ، وقد كان واقفا حاملا الصغير أسفل إحدى الأشجار المرتصة في حديقة المشفى
انتبه على قدومها فتهللت اساريره بابتسامة لزجة يستقبلها :
ـ يا مرحب يا مرحب، جدتك الحبلة وصلت يا مؤيد
بوجه محتقن عاجلته مزيونة بغضبها:
ـ الواد معاك ليه يا عرفان؟ وأمه راحت فين وسابتهولك؟
تحدث ببروده المعتاد:
ـ باه باه، بالراحة كدة يا ست، الواد مش جاعد مع حد غريب، دا قاعد مع جده، لو ناسية تفكرك عيونه اللي طالعة شبهي.....
وختم بضحكة سمجة زادت من استفزازها، وهو يواصل:
ـ على العموم انا مش خاطفه يعني، دا امه سابته معايا على ما تروح الحمام وتأجي تاخده، حبيبة ابوها متأمنش على حد غريب، عطته لابوها،
ـ ياريتها عطته الغريب احسن، المخبلة الهبلة
غمغمت بها مزيونه تلتف نحو الجهة التي بها غرفة المراحيض، تضرب كفا بالآخر بقلة حيلة، تتوعد لابنتها المتسببة في تلك المفاجأة الغير سارة
غرقت في حديث نفسها حتى صارت غافلة عن شرار النظرات التي كانت تنطلق من عيني عرفان الممتلئة بالحقد والحسرة، على تلك الفرسة التي ذهبت من تحت يده، إلى غيره ليستمتع بها وينجب منها
عند خاطره الأخير، استدرك يوجه اللوم لها:
ـ ضحكتي عليا وفهمتيني انك قطعتي خلف عشان تخلصي مني واتجوز عليكي
التفت إليه بعدم تركيز تسأله:
ـ انت بتقول إيه؟
رد عرفان بنبرة ذهب عنها العبث، تغص بمرارة:
ـ بقول على اللعبة اللي لعبتيها عليا زمان عشان ابعد عنك وملمسكيش، ادعيتي انك بقيتي شجرة ناشفة مفيش منها رجا، لكن مع غيري الشجرة زهزهت ونورت، وزرعت كمان.....
أشار في الاخير على حملها، فانتفضت بحركة لا ارادية تضع كفها على بطنها، وكأنها تحمي جنينها من سهام النظرات الموجهة نحوه، لترد على كلماته:
ـ احسنلك ان مفتحش يا عرفان، ولا اجيب سيرة الايام السودة والظلم اللي عيشت فيه انا وبتي في بيتك، دي صفحة وقفلتها، انت عيشت حياتك واتجوزت وخلفت بدل العيل تلاتة وانا على زمتك، جه الدور بقى ان ربنا يعوضني، بلاش كمان تستكرها دي عليا
لم يرد وتجمدت عيناه في النظر إليها، رافضا الواقع وما آل إليه بسبب غباءه
ـ انا جيت يا بوي، امي انتي طلعتي؟
جاءت الكلمات من ليلى التي حضرت عائدة من المرحاض لتتنفس والدتها الصعداء، ثم تتوجه إلى أحد مقاعد الانتظار وتنتظر ابنتها حتى تنتهي من لقاء والدها وتأتي بالصغير بعد عدة دقائق
فتلقفته مزيونة منها بنظرة عاتبة توجهها نحوها، لتجعل ليلى تنتبه على خطأها:
ـ انتي زعلتي يا امي عشان عطيت مؤيد لجده عرفان...
- جده؛
دوت الكلمة تدور في رأسها، صدقت ابنتها في الوصف وكذلك هو، وليس من حقها هي أن تعترض على صلة الدم تلك ولا عن علاقة ابنتها التي تحسنت مع والدها من وقت زواجها،
قطع شرودها حين عادت ليلى بالسؤال:
ـ مالك يا امي ساكتة؟ اناا كنت بسألك لو زعلتي عشان عطيت مؤيد لوالدي، بصراحة كنت هموت وادخل الحمام، وابويا لما اطوع يمسكه اتكسفت أحرجه وارفض
اومأت مزيونة اليها بنفي واستسلام للأمر الواقع:
ـ لا يا بنتي مزعلتش ولا حاجة، دا برضو في النهاية ابوكي وجده زي ما قولتي، بس شيء طبيعي اتنكد انا لما اشوفه يعني!
قالت الاخيرة بمرح خفف عن ليلى، لتضيف عليها بالمزاح وتضحكها حتى ظهر فجأة حمزة من العدم يباردهم بحديثه:
ـ مسار الخير، الراجل العفش اللي اسمه عرفان شايفة وانا جاي طالع من الوحدة؟ هو كان هنا بيعمل ايه؟
همت مزيونة بالرد، ولكن سبقتها ليلى:
ـ ابويا جه سلم عليا انا ومؤيد يا عم حمزة مقعدتش كتير، هما خمس دقائق ومشي .
ـ اممم
زم حمزة بفمه يصدر هذا الصوت، ليتدراك ويغالب حنقه نحو هذا الرجل من اجلها:
ـ ماشي يا بنتي، على العموم حقه برضو.
ياللا بقى، انا كمان خلصت مشواري في المحافظة وقولت اجي اطمن عليكم، هو انتو دخلتو للدكتورة ولا لسة ؟
إجابته مزيونة وهي تداعب الصغير بحجرها:
ـ لا ما هي على وصول, اصلها عند واحدة بتولد قريب من هنا، أدينا مستنين، المهم عملت ايه في موضوع خليفة ورغد مع عليوة الهم
ضحك حمزة متذكرا ما حدث يخبرها:
ـ كل خير ان شاء الله، رغد بت حلال، وشكلها كدة ربنا بيحبها، عشان كدة بيوقف معاها ولاد الحلال .
ـ سألته ليلى:
ـ ليه يا عم حمزة؟ هو ايه اللي حصل بالضبط؟
هم أن يجيبها ولكن منعه حضور الطبيبة التي تبسمت لهما جميعا وحمزة الذي تهللت اساريره في انتظارها، غافلا عن ملامح زوجته التي تحولت في لحظة، تباغته بلكزة قوية من مرفقها على خصره، فتأوه متوجعا:
ـ اااه، ايه الغباوة دي يا مزيونة؟؟ دي عملة تعمليها
صاحت بهمس تكز على اسنانه:
ـ عشان تقفل خشمك ده ومتضحكش لواحدة تاني غيري، انا منبهه عليك من الاول متهزرش ولا تضحك معاها, طب عقابا ليك مش داخل معايا يا حمزة
نفض رأسه بعدم استيعاب:
ـ هو مين اللي مش داخل معاكم! انا جاي عشان اطمن على ولدي يا مزيونة، ميبقاش عقلك صغير
استفزتها أكثر كلماته حتى انقلبت معها لعند، ترفع مؤيد وتضعه بين يديه مقررة:
ـ ماشي يا حمزة انا فعلا عقلي صغير، اقعد استنانا انا وليلى على ما نخلص كشف الدكتورة
ـ وه وه
صار يردد بها حمزة بعدم تصديق وهو يضم الصغير جيدا بين ذراعيه، مخاطبا لها:
ـ اعقلي يا مزيونة، انا الراجل الكبير اقعد استناكم بالعيل برضو؟
تبسمت بمكر تلف ذراعها على ساعد ابنتها التي تعجبها مناكفتهما، مستسلمة لسحبها لها:
ـ ليه يا كبير؟ هي شيلة العيل بقت عيبة مثلا ؟ طب كنت قدم حبة وانت تشوف عرفان اللي بتعيب عليه وهو واقف بواد بته من غير كسوف، ولا هو اجدع منك يعني؟
تجمد حمزة محله بصدمة، يتابعها تنصرف من امامه بعد أن ورطته برعاية الصغير، ليغمغم نحو الاسم الذي يستفزه :
ـ هو نهار باين من اوله، بقى اللي يشوف بوز الاخص عرفان يشوف خير تاني واصل على باقي اليوم، بومة بومة
.................
في احدى غرف المنزل وقد اتخذ مكانا له داخلها فى ركن منعزل، جسده ممدد بتراخي على أريكة عصرية رائعة، لكن عينيه لا تعكس أي راحة، الغرفة يملؤها ضباب كثيف من سجائره التي يشعلها الواحدة تلو الأخرى، وكأنه يحاول بناء جدار من الدخان بينه وبين العالم,
هذه المرأة التي تهلك روحه بأفعالها، حتى وهو المسيطر ويملك زمان أمرها بيده، إلا انها وبسهولة شديدة تخرجه عن طوره وتجعله انسان اخر لا يعرفه، يعلم أنه مهما حاول ترويضها بشتى الطرق لن ينجح معها الا العنف والقسوة ليتها تفهم من البداية وتوفر عليه خوض الطريق الصعب
ـ كمال ... ممكن ادخل؟
دوى صوتها برقة وادب غريب عنها، لتجبره على الالتفاف اليها برأسه ، يتابعها تخطو إلى داخل الغرفة ببطء، ترتدي قناع براءة لا يليق بها، تقترب بخطوات هادئة, عيناها تلتمع برجاء مُصطنع وهي تنظر إليه
يبدو أن التهديد الذي خرج منه في لحظة غضب قد أتى بنتيجته معاها:
ـ انا عارفة ان ليك حق في غضبك، بس انا لسة مخدتش على الوضع الجديد، اكيد مع الوقت هتعلم، وهراعي الحاجات اللي متعجبكش عشان مكررهاش.
يحدق بها مضيفا عينيه بصمت مريب، يعرف بها أكثر من نفسها، و لا يصدق ندمها أو نيتها في الإصلاح من الأساس، فهو على يقين تام أن محاولاتها مجرد اتقاء لشره، وهذا ما بدا له جليا من نظرتها المرتبكة
ليقطع حبل أفكارها وهو ينفث دخانه بعيداً، ثم قال بصوت رخيم وهادئ يحمل نبرة أمر:
ـ تعالي اقعدي هنا يا هالة.
سمعت منه تطالع الأريكة التي كان متسطحا عليها. بالكاد تتسع لشخص واحد بوضعية مريحة، فقالت بصوت خفيض ونبرة تحمل الدهشة والاستنكار:
"أقعد فين والكنبة عرضها رفيع زي ما أنت شايف! ولا عايزني اقعد على الارض....... زي الجارية!
لم يبتسم، ولم يرفع عينه عنها، بل تحدث يفحمها
ـ انا مش ضعيف عشان اعوض نقصي بذل واحدة ست حتى لو كانت الست دي تبقى مراتي....
ختم عبارته وبحركة بطيئة وحاسمة، اعتدل في جلسته، مفسحاً لها مساحة ضيقة جداً بجانبه، مساحة تجبرها أن تكون ملتصقة به تماماً، لا مجال فيها لأي مسافة جسدية، وأشار بيده للفرق الصغير الذي تركه، فقال بلهجة لا تقبل الجدل:
ـ اقعدي هنا.
سمعت تنصاع منفذه أمره، لتجلس في هذا الجزء الصغير، تنفيذا لرغبته، القرب هو الوسيلة الوحيدة التي يجد فيها سلوته, ليزداد تأكيدا انها أصبحت ملكه، حتى وقلبها لم يصل إليه بعد ، وعقلها الغبي يقف حاجزا له، لكنه ابدا لن يتركها تبتعد عنه:
ـ جيتي عشان تصالحيني يا هالة؟
اومأت تهز رأسها بموافقة انما عينيها المتهربة منه هي الوحيدة التي تكشفها،وتفضح كذبها :
- انا بس مش عايزك تزعل ولا تقلب على البنات، دا انا ما صدقت أنهم فرحوا بيك ، ودي حاجة كبيرة قوي عندي.
لم يصدر منه أي رد فعل، بل بدأ وكأنه تمثال امامها، لا يفرقه عن الأحياء سوى زوج العيون التي تخترقها من تلك المسافة القريبة جدا، غير مباليا بتوترها ولا قلقها،
حتى خرج صوته قائلا:
ـ قربي يا هالة وبوسيني
تعقد حاجبيها تقترب بوجهها منه بعدم تركيز، تكذب اسماعها:
ـ مش فاهمة، بتقول ايه؟
رفع جذعه قليلا ليقابل وجهها تماما حتى أصبح لا يفرق عن وجهها سوى انشات بسيطة يقول:
ـ بقولك تبوسيني يا هالة، ولا انا حد غريب عنك وهتتكسفي مني؟
بالفعل شعرت بحصاره لها، حتى وإن كانت غير قابلة بتلك الخطوة إلا أنه لا يترك لها فرصة للتملص او الهروب، لتضطر مجبرة إلى طاعته، وتقرب وجهها في نية لتنفيذ الامر، ولكن وقبل أن تفعل فاجأها بقوله:
ـ عايزها بنفس يا هالة، مش حاجة والسلام .
عضت على باطن خدها بغيظ شديد، ولكنها استطاعت أن تخفي ذلك، واقتربت تعطيه القبلة التي أمرها بها برقة كنعومة الفراشات، ولكن تلقاها هو كشرارة اشتعلت في غابات قلبه الجافة, ليتشبث مثبتا رأسها بكفه من الخلف، يمنعها أن تبتعد عنه، بلهفة الغريق إلى التمسك بالحياة، وعنفوان الأمواج التي تضرب الصخور, بشوق كاسح لا يتوقف ولا يتأثر حتى برفضها، وتمثيلها المكشوف انها استسلمت اليه، أو رفعت راية الاستسلام لعشقه المريض بها، نعم هي مرضه الذي لا يريد أن يشفى منه ابدا
..............
في العاصمة
توقفت مريم بسيارتها تغلق بابها بعنف والغضب يأكلها أثناء حديثها عبر الهاتف مع احدهما:
ـ بقولك معبرنيش ولا حضر العزومة من اصله، ساعة كاملة وانا ملطوعة في انتظاره ، طب حتى يفتكرو العملاء اللي وعدته بيهم ولا ملصحة العمل ......... بلاش تلفي وتدوري في الكلام يا روان، دي اسمها جليطة وقلة زوق وإنا لا يمكن اعديهاله.......... هو انا لسة هفكر اعمل ايه؟ انا سيبت كل حاجة وجاية لحد عنده، وخليها جنان في جنان......... بطلي ولوله يا روان انا وصلت اصلا، بعدين ابقى اكلمك
انهت المكالمة وتوجهت إلى حارس العمارة الذي انتقض واقفا برؤيتها:
ـ افندم يا هانم، طالعة لحد هنا في العمارة؟
ردت تلقي نظرة سريعة على المبني، قبل ان تحسم وتخبره:
ـ طالعة لواحد من سكان العمارة هنا اسمه معاذ، عايزة اعرف هو في اي دور بالظبط وشقته رقم كام!
تفتكروا المنيلة دي هتعمل ايه؟
رواية لأجلها الفصل 10002 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لاجلها الفصل الثالث والستون
هل سمعت في مرة عن عبارة ( ها قد أتى إليك الموت يا تارك الصلاة) فجربت الشعور بها؟
ذلك كان الوصف الأقرب لحالتها، من وقت اقتحامه الغرفة عليها وعلى تلك المعتوهة والمتسببة فى هذا الوضع المزري لها الان،
كانت واقفة امامه بجسد يرتجف حرفيا، ركبتاها تصطدمان ببعضهما البعض من شدة الهلع.
تحاول تبرئة نفسها، بجمل متقطعة وغير مترابطة تتلعثم كأنها تلميذة خائبة أمام معلمها المخيف، نعم مخيف وهي الإدرى به حينما يغضب, وهو في هذه اللحظة ليس غاضب فحسب، بل هو إعصار او كتلة من النار على وشك الانفجار بهما
ـ زي ما قولتلك.... ااا علاقتي بيها متزيدتش عن شراكة.... ااا.... شراكة وبس.... حتى اسألها، اسألها بنفسك... قدامك اهي
ـ وهو ايه اللي يخصه اساسا عشان يسأل؟ انتي عبيطة يا روان؟
تلك الصيحة التي خرجت من المدعوة مريم جاءت لترفع عن كاهلها قليلا بصرف حمزة عنها، ويتحرك من امامها ويتركها حتى تستطيع التنفس ، وقد وجد فريسة غيرها
فتوجه إلى أمام مكتب مريم وبهدوء يطبق على الأنفاس، قرب حمزة وجهه منها، محدقا بها بشرار عينيه:
ـ انتي بقى مريم اللي بلغت في معاذ ولبسته قضية رشوة؟
هكذا وجه اليها السؤال ببساطة، ليرى بأم عينيه تأثير هيبته عليها، وقد شحب وجهها بهروب الدماء منه، ليقارب بشرة الموتى، مما عكس رعبها الحقيقي من رد فعله، رغم عنجيتها في الرد عليه بصوت من مهزوز:
ـ انااا واحدة مسؤولة وشيء طبيعي لما الاقي اللي يضر شغلي ابلغ، والتحقيقات هي اللي تثبت أن كان معاذ بريء.... ولا مذنب .
ـ تحقيقات!
تفوه بها ساخرا، ليضيف قائلاً:
ـ اه صحيح تحقيقات، تقصدي مين بالظبط؟ الأدلة الخايبة؟ ولا المقاول الدهول اللي وعدتيه بتنفيذ مشروع اهم لو شهد بالزور واتبلى على معاذ؟.
ـ سمعت منه فتوسعت حدقتيها بفزع، وانكمش جسدها حتى ارتدت خطوة تلقائية إلى الخلف، رغم وجود المكتب كحاجز مادي بينها وبينه، الا انها في تلك اللحظة كانت تحتاج لأكبر مسافة للأبتعاد عنه.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة وصدرها يعلو ويهبط بجنون، عيناها غارقتان في ذهول عاصف بالسؤال المهم عن كيفية معرفته، ومع ذلك تتمسك بثبات مبهر في الإنكار:
ـ ايه التخريف اللي انت بتقوله ده؟ حضرتك دي شركة محترمة، واللي بتعمله دا اسمه بلطجة وقلب للحقايق.
دوت ضحكة عالية منه مرددا ساخرا:
ـ شيلاه يا حقايق.
توقف فجأة بصورة أثارت فزعها يضغط على كلماته:
ـ واضح أن السيد الوالد اللي دربك على الشغل ، ودخلك سوق العمل من عمر صغير عشان تتودكي وتتعلمي خبرة، نسي حضرته يوجهك ان مش كل الطير اللي يتاكل لحمه، واللعب مع الصعايدة بالذات مينفعش للي عودو طري زيك......
قطع يلتف نحو الأخرى موجها نفس التحذير:
ـ ولا زيها !.........
ردت روان تشير بسبابتها نحو صدرها بإستهجان:
ـ طب وانا مالي يا حمزة، ما قولتلك أن العلاقة ما بيني وما بينها لا تتعدى سوى الشراكة......
ـ اخرسي يا بت..
خرجت صيحته بقوة، يزجرها بنظرة حادة اوقفت قلبها عن التنفس في لحظة، قبل أن يعود بتوتر شديد، وهو يتركها يضع اهتمامه بتلك المتعجرفة التي تتفوه بما يضاعف من غبائها امامه:
ـ طيب انا قليلة الخبرة عشان بدافع عن أملاك الشركة وبقف ضد الفساد، حضرتك عايز ايه دلوقتى .
بابتسامة متسعة وملامح مسترخية عكس ما دخل بها:
ـ ولا اي حاجة، انا كنت داخل بس اشوفك واخليكي تعرفي الوش ده عشان لما تروحي النيابة بكرة وانتي مطلوبة في التحقيق تعرفيني،.....وحكم نسيت اقولك صح.....
توقف برهة يفرك بطرفي إصبعيه يدعي التفكير ، يستطرد بتسلية:
ـ المقاول اتقبض عليه من نص ساعة بس قبل ما ادخلك وزمانه دلوك بيقر عليكي وعلى كل اتفاقك معاه بالتفاصيل
ـ انت بتقول إيه؟ حضرتك جاي تهددني؟
قابل صرختها بابتسامة مرحة يخبرها بمرح:
ـ انتي بتفهمي من اي ناحية؟ بقولك قبضوا عليه، وهو اعترف والبركة في الشرطة الشريفة, يعني تحضري نفسك من دلوك وتشوفي هتردي بإيه قدامهم، وانتي.....
صاح بالاخيرة إلى الخلف، يجفل روان المزهولة:
ـ وانتي كمان حضري نفسك بما انك شريكتها والمقاول اصلا من طرفك، وعضو في معظم عمليات الفساد اللي كان بيقوم بيها ابوكي
ـ طب وانا مالي يا حمزة، والله ما ليا دعوة....
ـ اخرساااي
صاح بها للمرة الثانية يزجرها بشرار عينيه:
ـ نبهتك قبل سابق وانتي مسمعتيش الكلام يبقى اتحملي نتيجة أفعالك،
ختم كلماته يتحرك مغادرا بخطواته السريعة، حتى اوقفته هي تستعطفه برجاءها:
ـ متنساش أني ام ابنك حمزة
بنصف التفافة توجه إليها بوجه حجري صارم:
ـ حتى إن كنتي ام ابني، عند أذية اخويا يبقى اتشالت عنك الحماية، وانا ولدي من عيلة رجال، يعني مسيره هيفهم ويميز لوحده.
......................
انهى لقاءه بتلك الحرباء وشريكتها، ليخرج الان من ذلك الصرح الضخم، المسمى شركة، ليجد شقيقه الاوسط خليفة، ينتظره بسيارة استأجرها لإنجاز المهام المطلوبة سريعا في العاصمة التي أتو اليها بدون سابق انذار في رحلة البحث عن براءة شقيقهما الأصغر، وقد تم الانتهاء من نصفها تقريبا بتقدم مذهل يفوق التوقعات .
فاستقبله بسؤاله؛
ـ ايه الأخبار؟ شوفتها بت المركوب؟
بملاح جامدة اجابه حمزة وهو يفتح باب السيارة على عجالة:
ـ واديتها اللي فيه النصيب، ربنا ينجينا منها ومن أمثالها، فعلا الطيور على اشكالها تقع
كاد خليفة أن يستفهم منه عن مغزى العبارة الأخيرة، حتى وقعت أبصاره على ذلك الوجه الذي يعرفه جيدا، من خلف زجاج المبنى المواجه لهما، تنظر نحوهما بأعين باكية من الطابق الثالث، وكأنها تترجاه هو الاخر،
ـ دي طلقيتك يا حمزة؟.
سمع منه لينتبه اليها، فازدادت ملامحه قسوة ليأمره:
ـ ايوة هي بت الفرطوس، سيبك منها يا خليفة واركب يا للا، خلينا نحصلوا كمال والتحقيق مع الكلب التاني.
ـ اااه ااه صحيح
تمتم خليفة، ليتخذ محله خلف عجلة القيادة، فيدير المحرك ليدور مغادرا بالسيارة، يخطف نظرة أخيرة نحو تلك المذكورة التي يوما بعد يوم يعلم كم كان غبيا حين ظن بعقله أنه عشقها.
ـ احنا هنروح لكمال دلوك فين بالظبط
توجه بالسؤال نحو حمزة, الذي جاء رده بفتور:
ـ على القسم يا خليفة، هو قاعد هناك مع زمايله بيخلص في أمر القبض على ابن الفرطوس والنصايب اللي على الشركتين بالأدلة اللي بلغته بيها.....
توقف يكمل بغصة جارحة في نصف حلقه:
ـ صحيح الدنيا صغيرة قوي، واللي بداري عنه بقالي زمان طويل، سبحان الله اتكر زي الخيط في لحظة، ياللا بقى هي اللي جابته لنفسها.
اومأ خليفة بتفهم لحالة شقيقه، ليعقب محاولا تغير دفة الحديث:
- بس احنا صراحة حق علينا نشكر كمال، وجوده معانا في الساعات القليلة دي ، انجز في الوقت والمجهود وكله، وسهلها في القبض على الراجل ده وكشف الحقيقة، بس انت مقولتليش يا حمزة، المقاول الزفت قدرت تكشفه ازاي بالسرعة دي؟
تنهد حمزه بثقل يتجه بابصاره إلى الخارج من النافذة المجاورة له، يجيبه بصوت مهموم:
ـ الحظ يا خليفة، ساعة اخوك ما خبرني عن اسم الشركة اللي داخلة شراكة في المشروع اللي كان ماسكه، وانا الفار لعب في عبي، بغض النظر عن روان ولا انها طليقتي، بس انا ليا عيون في الشركة دي من قبل ما نفترق، كنوع من الاحتراس عندي من روان ولا ابوها، الناس دول هما اللي مكنوني من أدلة تحت يدي بقالها سنين، بلوي بيها دراع روان ساعة ما يلعبوا بديلهم معايا، المهم انا اتصلت بالناس دي، وسألتهم عن اسم المقاول وهما بصراحة مقصروش، جابوا تاريخه والمصايب اللي اشترك فيها، وانا بقى مكدبتش خبر وصلتهم بكمال اللي نسق مع الجماعة صحابه سحبوا المقاول من قعر بيته، مع أدلة تجعده في السجن سنين، المهم انهم عرفوا يستغلوا ويضغطوا عليه لحد ما اقر عن اتفاقه مع مريم .....
سمع منه خليفة وتمتم بالحمد، بشيء من الأرتياح تسلل إلى قلبه، ولكن انقلبت ملامحه فجأة يذكر شقيقه:
ـ صحيح يا حمزة، انا كنت عايز اقولك, مرات اخوك ليلى زمانها على صول مع ابوها
امتقعت ملامح الاخير، لتضيف على صدره ضيقا فوق الضيق، بحضور ذلك السمح ثقيل الظل مع ابنته، وهي التي يعذر مشاعرها البريئة رغم عدم تحمسه لمجيئها وقد كان يفضل انتظارها في البلدة حتى يعود اليها زوجها، ولكن لا بأس، لابد من التصرف على قدر الحدث:
ـ ماشي يا خليفة، وصلني انا القسم، واسحب انت عشان تستقبلهم وتروح بيهم على شقة معاذ، يرتاحوا من تعب السفر وعلى ما يجي الصبح يعدلها ربنا أن شاء الله
...........................
ـ ادخل برجلك اليمين يا عمي، نورت بيتك
ذلك ما تفوه به عطوة وهو يسحب والد زوجته العائد من رحلة العلاج المكثف فى المشفى، وقد من الله عليه بالتعافي بعد شهور من فترة طويلة من الاحتجاز تحت العناية الفائقة.
الرجل وكأنه كان عائدا من الموت إلى الحياة مرة أخرى ، دلف لداخل المنزل مستندا على ذراع زوج ابنته بابتسامة رضا تحولت لضحكة عالية بعد سماع الزغاريط المتتابعة من زوجته وابنته ليعلق بمرح:
ـ براحة شوية يا حزينة انتي وهي , اللي يسمعكم هيفتكر زفة عريس على وش جواز
هللت نورا تصفق بكفيها لتضيف المزيد من المرح ببعض الاغاني التراثية تشاكس والديها.
ـ طب ما انت فعلا عريس واللي يسمعنا خليه يفرح زينا، الليلة ليلتك يا عريس, تفرح وتتهنى يا عريس،
شاركها عطوة وهو يجلس على الأريكة الخشبية التي تحتل وسط الردهة في البيت المتواضع مرددا:
ـ طب يا عريس...... يا عريس، يا عريس، يا عريس
دوت ضحكات الأربعة في أجواء من الألفة والمحبة التي خلقتها المحن وقبلها الفرح, هل كان يتصور أن يأتي عليه يوم من الايام ويشعر بذلك الشعور؟ شعور المحبة الخالصة والامتنان في نظرتهم اليه، نعم لقد أصبح رجلا صالحا ومهما عند أحدهم.
..................
بعد قضاء تلك اللحظة الجميلة وترك الرجل ليستريح من تعب الطريق برفقة زوجته، ولج هو إلى الغرفة المتواضعة يرتمي على الفراش يتأوه بتعب، نتيجة السهر المتواصل والاجهاد طوال الأيام الفائتة
لم يغمض عينيه سوى دقيقتين حتى شعر بها، تندس بجواره تحت الغطاء وتضم جسدها الطري اليه بنعومة واغواء:
ـ عارفاك تعبان وحيلك مهدود، بس انا كمان اتوحشتك قوي، مليش صالح،
تبسم بمكر يفتح ستار اجفانه، يناظرها بطرف عيناه:
ـ عايزة ايه يا نورا؟
ضاعفت تلف ذراعها حوله قائلة:
ـ عايزة حضنك يا قلب نورا، ما انا قولتلك اني عارفاك تعبااان
تحولت ابتسامته إلى ضحكة مرحة، ليلف ذراعيه حولها هو الاخر:
ـ يا بوووي عليكي وعلى شقاوتك،
قطع يباغتها حين اعتدل يبدل وضعه، ويصبح وجهه مقابلا لها,
ـ طب تلاتة بالله العظيم، انا حتى لو بموت هترد فيا الروح من عمايلك دي، تعالي هنا.
قالها ليدنو عازما على النيل منها، إلا انها أبعدته سريعا، تدفعه بكفيها على صدره:
ـ حيلك حيلك يا مجنون، ما انا كمان تعبانة؟ على الاقل اتصبر عليا الليلة على ما استرد حيلي من وقفة المستشفى، و.....
توقفت تضع كفها على بطنها تذكره بالشي الأهم لهما الآن:
ـ وده كمان يرتاح ولا انت نسيته
وكأنه بالفعل كان ناسيا، هتف عطوة بتأثر شديد يعود إلى وضعه السابق دون أن يتركها:
ـ يا بوووي، انسى كيف بس؟
وبحنين شديد سحب رأسها ليريحها على صدره متابعا بعدم تصديق:
ـ دا انا لحد دلوك مش مستوعب اصلا، عطوة بقى ليه أهل وعيلة، وهيبقى اب لعيل محبوب بين ناسه، مش بقولك انتي رزقي الحلو في الدنيا، عطية ربنا للعاصي عشان يتوب .
ردت تتنعم بدفء صدره، كقطة تتمسح بصاحبها:
ـ يا قلب نورا انت، ربنا ما يحرمني منك ولا من حنيتك عليا، بقولك ايه انا من رأيي نقعد هنا باقي عمرنا، ولا انت ايه رأيك؟
اجابها دون تردد:
ـ من غير ما تقولي، انا اصلا نويت على كدة، ارجع بس البلد اظبط اموري، ابيع البيت اللي كنت ساكن فيه، والكام عمارة بإجارهم القديم اهم جاعدين يجيبوا رزقهم كل شهر، هتفق مع حد يلم منهم مرة واحدة ويبعتلي الفلوس اول باول، انا خلاص لقيت دنيتي الحلوة معاكم، ومش هفرط فيها واصل.
.........................
يوم جديد بأحداث جديدة
وقد قارب موعد الإفراج عنه بعد تلك المستجدات التي طرأت بالأمس، وذلك باعتراف المقاول لصالحه وادله قدمت لتدين الشركتين بفساد في أعلى المستويات، وكأنه تدبير الخالق لفضح المسكوت عنه طويلا
وكانت مفاجاته او مكافأته هو زيارتها، حبيبته التي أتت قاطعة الاميال حتى تدعمه وتؤازره، بمساعدة ابيها الذي كان واقفا في تلك اللحظة يحمل الصغير بضجر واضح يشاهد لقاء الحبيبان، بعدما التقطها يضمها بقوة غير اباها بوجوده.او انه غير موجود من الأصل.
ـ يا روحي يا قلبي، انا كنت محتاجلك قوي يا ليلى، اكتر مما تتخيلي
تبادله هي باشتياق اصعب:
ـ يا حبيبي يا معاذ، كلهم قالولي استني واصبري هيجيلك لوحده، لكن انا قلبي مطاوعنيش اسيبك في محنتك، والله لو عليا اتحبس معاك أو بدالك لا اعملها وميهمنيش واصل..
ـ أيوة عشان تبقى ميغة، طب بالذمة دا يبقى حبس،
تفوه عرفان من خلفهم، يفسد سحر اللحظة بين الاثنان، ليضطر معاذ ان يتركها على مضض موجها الاعتذار منه:
ـ معلش يا عمي، اتلهيت عنك شوية بس انا كنت محتاج لها قوي والله، الف شكر ليك انك اطوعت وجبتها مع الواد الخلبوص ده
امتدت ذراعيه في الاخير نحو الصغير، يحمله عن عرفان بمرح، فعلق المذكور:
ـ معذور يا سيدي محدش يلومك، انما على كدة انت فعلا طالع براءة زي ما قالوا اخواتك،
اومأ له معاذ يشير له ليجلس على الكرسي المقابل للأريكة التي جلس عليها بجوار زوجته:
ـ أن شاء الله يا عمي، ان شاء الله
زم عرفان فمه يتأمل الغرفة التي احتجز فيها معاذ منذ الأمس، بها مكتبين مكدسان بالملفات وبعض الأثاث المختلف، قائلاً:
ـ شكل الوسايط عاملة عامليها عشان تطلع بعد يوم واحد، وياريت حبس عادي كمان.
طالعه معاذ بضيق ليضطره ان يرد:
ـ هو يمكن كان فيها وسايط بالفعل، لكن لولا انهم عارفين بالفعل من الادلة اللي أتقدمت اني مظلوم، محدش كان هيرحمني ولا يشيل عني، على العموم انا كمان مش قاعد في جناح زي ما انت شايف، دي اوضة قديمة ومعمولة انتظار للناس اللي زي حالتي
ـ اممم، يا سيدي ربنا يكملها على خير وتاخد افراج.
تمتم بها في مجاملة خاليا تماما من صدق النية كما يبدو إلى معاذ، هذا الرجل ثقيل الدم، مضطر إلى نحمله من أجلها، تلك الجميلة التي تلتصق به الآن كالعلقة، لتخبرها انها بجواره ليواجه العالم بعشقها
............................
خارج مبنى القسم
داخل كافيتريا راقية كانت الجلسة التي تضم الثلاثة في ركن منزوي بعض الشيء من أجل الراحة والتقاط الأنفاس بعد إرهاق الليلة السابقة، في بحث وإجراءات اسفرت في النهاية عن النتيجة المرضية، وجاء وقتهما ليتناولان وجبه الافطار .
حمزة وشقيقه خليفة والرائد كمال الذي, كان يحاول الاتصال بأحدهم ولم يجيبه رغم تكرار المحاولة مرتين،
ـ اااه ياني يا عضمي، يا رقبتي يا ضهري، يا كلي ياني.
ذلك ما كان يردد به خليفة ويده تتنقل على مواضع الالم، ليشاكسه حمزة:
ـ ما خلاص يا ابو البنات، هانت، النهاردة تروح وتترمي على سريرك ترتاح ان شالله حتى تقعد يومين.
أضاف عليه كمال الذي يأس من الرد على اتصالاته:
ـ يا عم سيبه يطلع اللي في قلبه، الراجل مش متعود على السهر زي حالاتك
عقب خليفة من خلفه:
ـ لا والله متعود على السهر بس مش متعود على التعب، اربعة وعشرين ساعة مشاوير يا عمنا لما هلكت
ـ واهي جات بفايدة يا سيدى الحمد لله، مش احسن ما كنا قصرنا وجات فوق راسنا بعد كدة، والله ما كنت هقدر احط عيني في عينك امك لو قعد معاذ يومين تاني في الحبس لا قدر الله .
قالها حمزة، لينهيه خليفة بحنق:
ـ فال الله ولا فالك يا عم، دا احنا ما صدقنا،
تبسم كمال يراضي الاثنين:
- قدر ولطف يا حضرات، اخر اليوم النهاردة لما ترجعه بيه تبقى الفرحة فرحتين، ابقوا ادبحوا حاجة لله .
وافقه حمزة الذي انتظر النادل ان يضع اطباق الطعام التي طلبوها منذ قليل:
ـ انت بتقول فيها، انا ناوي اعمل ليلة لله، حتى عشان تصرف الشر عنينا.... قدم ياللا انت وهو خلينا ناكل لقمتنا ونرجع للشقا تاني ونشوف اخر الإجراءات مع زيارة ليلى وأبوها كمان
استأذنهم كمال ناهضا بعد وصول إحدى الرسائل الهامة إلى هاتفه:
ـ لا اتفضلوا انتوا انا هروح اعمل مكالمة ضروري الأول، وبالمرة اغسل ايدي.
تابعه خليفة بابصاره ليعلق في أثره وهو يتناول رغيف من الخبز ينفضه من الردة العالقة به، استعداد لتناول الطعام:
ـ مدام بيبعد يبقى عرفنا احنا هيكلم مين؟ ناكل بقى على ما يرجع، انا هلكان جوع ومش هقدر استنى نص ولا ربع ساعة حتى.
فهم حمزة على مقصده، فانتفض فجأة مستئذنا هو الاخر:
ـ وانا كمان هروح اتكلم، الاكل مش هيطير
توقف خليفة عن مضغ الطعام، وحتى اللقيمة التي كانت بيده وقعت منه هو الآخر، فصفن لحظات بتفكير، ليحسم فجأة مخرجا هاتفه من جيب جلبابه، يطلب الرقم المحبب إلى قلبه، وما ان أتته الاستجابة من الطرف الآخر حتى هتف قائلاً:
ـ الوو.... ايوة يا اعتماد.........، وحشتيني.
.........................
أما عنه فقد ابتعد إلى خارج الكافتيريا، ينتظر إجابة الاتصال الاخير:
ـ الوو....
جاءه صوتها بنعاس وتنهيدة كادت أن تنسيه غضبه، إلا أنه استطاع السيطرة على مشاعره، يحدثها بجمود:
ـ نموسيتك كحلي يا هانم، دي المرة التامنة اتصل بيكي، عايزة تفهميني ان دا كله كنتي نايمة؟
طب ما انا فعلا كنت نايمة والتليفون اللي كان هزاز جمبي هو اللي صحاني يا كمال.
كانت تتحدث بتثاؤب ونعومة زادت من استفزازه
فهدر بصوت بالكاد يسيطر على علوه:
ـ هااااله، اظبطي بقى ومتعصبنيش اكتر من كدة,
ـ وه يا كمال، انا عملت ايه بس عشان تزعق فيا كدة؟ هي بس الرنات اللي مخدتش بالي منها وقولتلك اني كنت نايمة
اغمض عينيه يستجمع شتات نفسه، فهي بالفعل لم تفعل ما يستحق كل هذه الثورة منه، ولكن ماذا يفعل في ذلك الوحش الثائر بداخله؟ يرفض لحظة واحدة من الضعف أمام صوتها او بما يحرك شوقه إليها، وفي نفس الوقت تجتاحه، الرغبة في تكسير عظامها .
ـ كمال انت ساكت ليه؟
حسنا لقد استردت وعيها وخوفها منه، وذلك ما وضح في نبرتها المتوترة، وبالحق ذلك افضل ليعود إلى طبيعته المتوازنه
ـ مفيش حاجة خلاص، كنت عايز أسألك انتي نايمة فين دلوقتي؟ وروحتي امتى على بيت اهلك امبارح
......................
وعند حمزة الذي اتخذ مكانه على طاولة فارغة يتحدث بأريحية مع محبوبته، ليجري هذا الحوار اللطيف بينهما:
ـ أيوة يا ام الغايب عاملة ايه النهاردة يا غالية؟
جاء ردها بما يجاري مرحه
ـ زينة يا ابو الغايب، تسلم وتعيش يا غالي.
ـ طب انا وحشني الغايب وام الغايب
ضحكة عذبة رافقت ردها:
ـ وانت كمان يا ابو الغايب وحشتني قوي قوي، وه يا حمزة, خليت مزيونة تتكلم زي العيال، ولا انت اللي يسمع صوتك النهاردة مايشوفش شكلك امبارح وانت مسافر وشايل الهم
تبسم بجيبها برواق:
ـ يا ستي ربنا ما يجيب هم تاني، المهم، مش عايزة حاجة اجيبهالك واحنا راجعين ان شاء الله؟
تنهدت تجيبه هذه المرة برجاء:
ـ عايزة سلامتك يا حمزة، وتسامحني لو عرفان عكنن عليكم حكم انا عارفاه، تقيل على القلب والروح بس ابو بتي وهي لا يمكن تشوف غير أنه ابوها
رد حمزة يراضيها كعادته:
ـ واحنا كمان مهما عمل ومهما شوفنا منه، عمرنا ما هنعامله غير بكدة، الدنيا كلها تهون عشان ليلى وام ليلى.
..............................
عودة إلى ليلى وقد وقفت في زاوية من ساحة القسم، عيناها تدور في كل الانحاء، في انتظار خروج زوجها معاذ من الحجز المؤقت بعد الانتهاء من التحقيقات الجديدة والإجراءات، وقد وعدت نفسها الا تغادر من دونه، رغم التعب والإرهاق الذي نال من ملامحها، بسبب إجهاد السفر وحمل الصغير ورعايته وحدها، خلاف الوضع العادي لها، بمشاركة والدتها العزيزة في الرعاية معها
كانت وقفتها تنم عن ثبات يثير الدهشة، نابع من ثقتها بنفسها وبوضع زوجها البريء
فجأة، انفتح الباب الجانبي، لتصطدم عينا ليلى بـ روان التي لم تكن مستعدة لتلك النظرة؛ فما إن التقت عيناهما حتى شعرت روان ببرودة تسري في جسدها، وبخزي يجرح كبراياءها،
للتراجع لا شعوريًا إلى الخلف، تحاول جاهدة التواري خلف المارة، هاربةً من نظرات ليلى التي بدت وكأنها تقرأ كل ما تخفيه خلف ارتباكها.
في الجانب الآخر، كانت مريم تقف بصلف وعنجهية، تحاول فرض هيبتها بجوار محاميها بانتظار دورها في التحقيق، حتى لاحظت ما تفعله روان وتصرفاتها الغريبة والمتحفزة، لتنتظرها حتى اقتربت بعد لحظة من المناورات التي قامت بها في التخفي من أنظار ليلى، لتنهرها هي بصوت خفيض:
ـ انتي اتهبلتي يا روان؟ عمالة تروحي وتيجي زي اللي بيهرب من مصيبة عاملها.
همست اليها الاخيرة برعب:
ـ انتي بتقولي فيها، ما انا فعلا بتهرب من المصيبة اللي قدامك, خايفة تمسكني زي ما عملتها معايا قبل كدة في بلدهم تهزقني ولا ترنني علقه، وساعتها بقى هتبقى فضيحة الموسم ليا ولأهلي
قطبت مريم تناظرها باستهجان:
ـ هي مين يا مجنونة اللي تقدر تعمل فيكي كل ده؟ ليه هي بقى فوضى اوي كدة!
لم تجبها روان بالكلمات في البداية، بل اكتفت بالإشارة بإصبع مرتجف نحو الجهة الأخرى من الساحة وقالت بهمس:
ـ البنت اللي شايلة الطفل هناك دي، هي دي اللي اقصدها، تبقي مرات معاذ
ـ مرات معاذ.
رددت خلفها مريم متسائلة بتشكك، وقد انصبت أبصارها على تلك الفتاة التي تعطيها ظهرها، ولم تتبين حتى الآن لملامحها، فدفعها الفضول القاتل، لتتحرك تاركة روان ومحاميها، لتقترب من الركن الذي تقف به ليلى بصحبة والدها عرفان والذي انتبه لغرابة وقفتها:
ـ نعم يا هانم في حاجة؟
لم ترد مريم إلا حينما التفت اليها ليلى، وهنا كانت المفاجأة التي لم تتوقعها، امرأة مختلفة تماما عن الصورة التي ترسمها في خيالها، فخرج صوتها بارتباك، تتمنى الا يصدق حدسها:
ـ انا ابقى مديرة الشركة الهندسية، وصاحبة القضية المتهم فيها معاذ....
ـ قصدك اللي اتحط ظلم فيها، وهيطلع منها أن شاء الله النهاردة براءة
قاطعتها ليلى بشراسة ارهبتها قليلا في البداية، ولكن أعطتها الفرصة جيدا في تأملها، بنظرات تشملها من أعلى إلى أسفل بتمعن، فلم تتخيل ابدا أن تجدها بتلك الصورة، شابة جميلة ان لم تكن فاتنة، في كامل أناقتها. ترتدي فستاناً عصرياً بسيطاً يبرز تناسق جسدها الملفوف بإغراء لا يخفى على امرأة خبيرة مثلها. تحمل بين يديها صغيراً بملامح ساحرة، يجمع بين خشونة وجاذبية والده، وسحر العيون الملونة لوالدته.
"اللعنة!".. هكذا شتمت مريم في سرها؛ وهي التي ظنتها جاهلة، ذات جمال باهت، لا يناسبها سوى حلب الجاموس!
مريم بذهول لم تستطع إخفاءه:
ـ "يعني أنتِ فعلاً مرات معاذ؟"
تبسمت ليلى بسخرية ردا عليها:
ـ "أيوة أنا مرات معاذ.. وأنتِ بقى إيه اللي يخصك بيه؟ بعد ما ربنا نصره عليكم وأظهر الحق."
فصاحتها في الحديث، تحديها المباشر، واعتزازها بنبرة التعالي والانتصار، ضاعف من قائمة الاكتشافات الصادمة في عقل مريم، ليشعل قلبها احتراقاً لن يهدأ إلا بما يشفي غليلها.
فلوت شفتيها تتصنع الحزن والشفقة قائلة:
ـ "عندك حق يا.. اسمك إيه.. تقولي كدة، معذورة أكيد. بس معلش يعني، هو أنتِ محدش قالك عن السبب الأساسي ورا القضية؟
اعتلى ملامح ليلى استنكار امتزج بسخريتها ترد:
ـ السبب الأساسي، وهو ايه السبب الأساسى غير انكم عالم باطلة عايشة على الفساد، ربنا ينجي الخلق منكم
بابتسامة شياطينيه قابلت مريم قولها تعلق بشفاه ترتجف بفرط غليل نفسها المهزومة امام فتاة أقل منها كما ترى بعين كبريائها، استحوزت على قلب الرجل الوحيد الذي تمنته
ـ تمام انا معاكي ان احنا فاسدين, بس دا ميمنعش برضو أن اقولك عن السبب الحقيقى اللي خلاني ابلغ في معاذ عشان انتقم منه زي ما حرق قلبي.
وكأن العالم قد توقف من حولها ولم يبقى فيه إلا هي وتلك المراة التي يرن صدى صوتها في أذنها ، انتقم منه زي ما حرق قلبي.
فتراقص الجنون في عينيها توجه السؤال لها:
ـ تحرقي قلب مين يا مهفوفة انتي؟ انتي واعية للي بتقوليه.
ردت مريم مصرة على إكمال ما بدأته:
ـ واعية جدا للي بيقولو يا مدام..... معاذ، وحتى هقولك على اللي يثبت كلامي.......
................................
بعد انتهاء اليوم الطويل في التحقيقات والإجراءات، ليخرج معاذ اخيرا محاوطا بشقيقيه، لم يجدها كما توقع، ولكن باتصاله بها، علم انها ف انتظاره داخل شقته التي باتت فيها ليلتها البارحة، ليأخذ طريقه اليها مباشرة، يمني نفسه بلقاء أكثر حرارة مغ معشوقة قلبه قبل المغادرة بالسفر إلى البلدة، وطمانة والدته برؤياه .
وصل إلى باب الشقة، يفتحه بالمفتاح الخاص، وجد الجو هادئا بصورة اشعلت الشغف برأسه، ينادي اسمها بترقب :
ـ ليلى.... يا ليلى .
كانت قدميه تتجه مباشرة نحو غرفة نومه، حتى اذا وصل اليها اصطدم بصاحب الطلة الثقيلة، والد زوجته يطالعه بابتسامة سمحة وغير مفهومة، يربت بكف يده الغليظة على كتفه
ـ وه جوز بتي، حمد الله على السلامه يا غالي ، كفارة .
ابتعد معاذ عن مرمى يده، واكتفى بإماءة خفيفة يتركه يكمل طريقه إلى الخارج وضحكته المقيتة ترن في الارجاء حتى خرج من باب الشقة ليتنفس هو الصعداء ثم يدلف هو إلى داخل غرفته، ، يبحث بعيناه عنها، ليجد صغيره غافيا على سريره، فاقترب يقبله، ثم يسألها:
ـ ابوكي شكله خد علينا قوي، واصل كمان لاوضة النوم، هو كان بيعمل ايه هنا اصلا؟.....
توقف ناظرا اليها وقد وجدها جالسة على كرسي وحده في جانب الغرفة، مازالت ترتدي ملابسها التي التي قد رأها بها، ساكنه بصورة غريبة عن طبيعتها الخفيفة، التي لا تخجل من التعبير عن مشاعرها نحوه حتى أمام والدها كما حدث في الصباح.
ليأخذ هو زمام المبادرة، فدنى يسحبها من يدها يوقفها :
ـ ليلى يا روحي، انتي مش واخدة بالك ولا ايه؟ حبيبك طلع قدامك اها، انا خدت براءة
ـ مبروك
نطقتها بابتسامة غير مفهومة, لم يبحث عن مغزاها، وقد التقطها بحضنه يرفعها عن الأرض بفرح واشتياق موجع:
ـ اه يا روح قلبي، وعلى حضنك الحلو، دا انتي وحشتيني قوي قوي
كانت أول مرة لا يجد استجابة منها، انها حتى لم ترفع ذراعيها لتبادله العناق او تقرب رأسه اليها لتطبع قبلاته على بشرته كما كادت أن تفعلها صباحا لولا وجود والدها والحياء الذي منعها .
ليفلت ذراعيه هو الاخر عنها سائلا بدهشة وتعجب:
ـ ايه الحكاية؟ دي اول مرة حضنك يبقى بارد، انتي في حاجة مزعلاكي مني يا ليلى؟
توقف فجأة يردف بانفعال وكأنه قد عثر على السبب في تغيرها
ـ انا كان لازم افهم من ساعة ما دخلت, اكيد ابوكي سخنك علي, قالك ايه عشان تقلبي مني يا ليلي؟
جاء ردها بابتسامة باهتة تتحرك من امامه بألية، ثم قامت بفتح درج الكمود لتخرج منه علبة ملفوفة تذكرها هو فجأة، فتسلل القلق اليه حين وجدها تضعها في كفه, فابتلع يذكرها بتوضيحه:
ـ دي الساعة اللي قولتلك عليها قبل كدة، لو تفتكري يعني، يوم ما احتفلوا بيا في الشركة بمناسبة سبوع البيي وإنجازي المتميز في الشغل، معلش كنت راميها في الجرد عشان بصراحة معجبنايش رغم أنها غالية
اومأت تدعي تفهما ثم قامت بسحب الساعة منه، لتفتح علبتها، ثم تعبر عن دهشتها المصنعة ساخرة:
ـ يا نهار ابيض، بقى ساعة مستوردة بتمنها اللي يبني عماره، تبقى وحشة وتترمي في الجرد!.....
رد معاذ بثقة
ـ وارمي ابوها كمان انا ميهمنيش, المهم انتي سبيها، انا اصلا كنت ناوي أخدها معايا الصبح ارجعها لصاحبتها بس نسيت، حطيها في علبتها
اومأت بطاعة غريبة تعقب:
ـ عيوني، بس استني اشوف الورقة اللي لازقة في داخل العلبة دي, في مكان سري.
ـ ورقة ايه؟
سألها معاذ مستفسرا قبل ان يفاجأ بورقة ملتصقة بالفعل في جوف العلبة، ورقة لأول مرة ينتبه اليها، فهو من الاصل لم يعطي باللا لتلك الساعة ولا النظر بها وارتدائها، وذلك لأنه عازم على إعادتها، ترى ما الذي جعل زوجته..... تفتش داخلها وكيف عرفت بالمكان المخفي داخل العلبة؟
ـ ليلى فيها ايه الورقة دي، اديني اشوفها
بأعين تجمعت فيها الدهون، قدمت الورقة التي بدأ انها فتحتها قبل ذلك، ليأتي دوره هو الآن ويستكشف المكتوب بها، فتوسعت عينيه بجزع هادرا بسبه نابية نحو صاحبة الساعة، يدافع عن نفسه؛
ـ يا بت ال..... الكلام ده انا اول مرة اشوفه يا ليلي قسما بالله انا أول مرة اشوفه
رواية لأجلها الفصل 10003 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لاجلها الفصل الرابع والستون
بقلب منفطر نزلت مزيونة درجات السلم تهرول بخطواتها البطيئة، تكذب ظنها، لقد سمعت من ابنتها كلمتين وفقط، والآن تريد التأكد من معاذ الذي حضر عائداً مع إخوته من القاهرة بعد أن أفرج الله عنه، وفك كربته بخروجه من المحنة التي وضع فيها ظلماً كما علمت وكما تعرفه.
كان واقفاً في الوسط يتلقى الأحضان من والدته وشقيقاته وأبنائهم كل على حدة، أما حمزة فقد اتخذ وضعه جالساً في أحد الأركان، بعيداً عن الحشد.
ألقت بنظرة عابرة نحوه، لتبصر الجمود يتجلى واضحاً على ملامحه وملامح خليفة الذي كان يضم صغيرتيه في ناحية قريبة بصمت يثير الريبة هو الآخر.
الأمر الذي زاد من الشك داخلها لتدفع نفسها وسط الزحام ذاهبة إلى زوج ابنتها:
ـ حمد لله على السلامة يا معاذ، فين ليلى؟
يا ليتها ما سألت، ويا ليتها ما ذهبت إليه، فقط أفزعها ما رأته على وجهه، والذي كان باهتاً فاقداً لكل أوجه الحياة، عيناه التي فقدت بريقها، أغضهما وكأنه غير قادر على مواجهتها، فصرخت به تجذبه من قماش قميصه:
ـ بسألك بنتي فين؟ ليلى راحت فين هي ومؤيد ولدها؟
حاول الجميع تهدئتها، ولكنها كانت لا تلتفت إلى أي كلمات أو أي حديث، عيناها فقط مرتكزتان عليه وهي تنتظر منه إجابة غير قادر على النطق بها، إلى أن جاء حمزة لينقذه، هنا حطت قبضته القوية على رسغها يسحبها من بينهم، وهي تحاول الاعتراض:
ـ بتسحبني ليه؟ ما تخليه يجاوبني الأول، أنا عايزة أعرف بتي راحت فين؟
بحزم لا يخلو من لطف، استمر حمزة ذاهباً بها إلى إحدى الغرف الجانبية يحدثها:
ـ تعالي وأنا هفهمك.
ـ طب ما ينطق هو ويفهمني، ولا أنتوا عايزين توقفوا قلبي وخلاص، إيه اللي حصل لبنتي يا حمزة؟
........................
صيحة فزع خرجت منها، لتضرب على صدرها تولول، وتردد بما يقارب الهذيان:
ـ يعني ليلى بنتي زمقانة؟ بتي أنا زمقانة يا حمزة، وعند مين؟ عند أبوها! عند أبوها اللي طول عمره راميها، دلوك بقي أحن عليها من جوزها! إيه اللي حصل ما بينها وبين معاذ؟ أخوك عمل في بنتي إيه يا حمزة؟
زجرها ببعض الحزم حتى تهدأ قليلاً وتستوعب:
ـ يووووه عليكي عاااد، افهمي بقى، الأمور دي بتحصل بين أي راجل ومرته متجوزين، يتخاصموا، يتخانقوا، في الأول وفي الآخر دول عيال صغيرين، وده شيء طبيعي، ليلى مش المرة الوحيدة اللي تتخانق مع جوزها، وشيء طبيعي إن أبوها يستغل الموقف عشان نبقى واضحين، أنتِ أكيد عارفة طبع طليقك وقلة أصله، المهم إن إحنا إن شاء الله نعرف نلم ونرجعهم من تاني، ممكن بقى تهدي؟
صاحت رداً عليه:
ـ مش لما نعرف السبب الأول بعد كده يبقى نصالحهم؟ البنت رايحة بقلب ملهوف تطمن عليه وتقف جنبه في محنته، كيف تسيبه يعني بعد ما يطلع براءة وترجع مع أبوها على بيته؟ أنا عايزة أعرف السر!
ضاق حمزة ذرعاً بإلحاحها، وظهر عليه التعب والحيرة، لا يدري بماذا يخبرها؟ وعلى من يلقي اللوم، فالاثنان مخطئان، وللحق يقال، خطأ شقيقه هو الأكبر... وفي هذا الأمر الحرج، لا يصح إلا الصراحة:
ـ اسمعي يا مزيونة، عشان تبقي عارفة من أولها، أنا عمري ما هاجي على أخويا على حساب بتك اللي هي بتي، بس كمان منكرش إني زعلان عشان راحت مع أبوها، كنت عايزها تستنى دقايق على ما أوصل وأنا آخدلها حقها من عينه.
بأنفاس لاهثة من فرط انفعالها، صفنت مزيونة تطالعه بصمت مطبق، غير مبدية أي رد فعل على كلماته، بالسلب أو بالإيجاب، سوى أنها نطقت في الأخير:
ـ أنا عايزة أروح لبنتي.
ـ نعم!
ـ نعم الله عليك يا حمزة، بقولك عايزة أروح لبنتي دلوك في بيت أبوها.
كاد أن يكذب أسماعه للمرة الثانية، حتى استوعب من جديتها في الحديث، ليهدر معارضاً لها برفض تام:
ـ أنتِ اتجنيتي ولا هتخيبي يا مزيونة؟ عايزاني أسمحلك تروحي برجليكي لبيت طليقك عرفان الواطي؟
ـ أنا رايحة لبنتي، مش لعرفان يا حمزة!
صرخت بها رداً عليه، وبنبرة باكية قطعت نياط قلبه صارت تردف:
ـ لازم أروح لبتي وأطمن عليها، آخدها في حضني وأسمع منها، لا تقولي أصول ولا تقاليد، محدش شرب المر معايا وأنا بربيها وبكبرها وأجوزها، عشان تيجي دلوك بعد ما بقيت بعيل على إيديها وتزمق من جوزها، تلاقي حضن أبوها مش حضني اللي يتفتح لها؟ لاه يا حمزة، بتي لازم أروح لها دلوك.. لازم أروحلها
.................؟...
فتح باب الشقة يجر أقدامه جراً من التعب، ليلة كاملة وما يقارب اليومين قضاهما في جهد مضاعف لم يكن في حسبانه، وذلك من أجل إثبات براءة معاذ، وكانت النتيجة رائعة الحمد لله، يكفي خلية الفساد التي تم كشفها وتم التحفظ على المجرمين من أجل محاكمتهم.
والآن هو في أشد الاحتياج إلى ماء ساخن يريح به جسده ثم يصعد فراشه الوثير، كي ينام قرير العينين ولكن.... كيف سيأتي النوم وقد رآها الآن؟
ذلك ما أتى في خاطره وهو يلقي بسلسلة المفاتيح على الطاولة الجانبية بجوار الحائط، انتبه إلى وقوفها أمامه، سر دائه ودواءه.
واقفة بهيئة مهلكة، ترتدي منامة حريرية أخرى دون مئزر هذه المرة، بحمالتين فقط على الأكتاف ولكنها طويلة تصل إلى الكاحلين، مطلقة شعرها المتماوج المتعرج مثلها.
تطالعه بابتسامة فاتنة.. اللعنة، ماذا تريد هذه المرة؟
هذا ما حدث به نفسه قبل أن تخاطبه ببراءة وأدب غريب عنها:
ـ حمد لله على السلامة، أنا جيت على ميعادي زي ما قلت لي، كان نفسي أقعد مع البنات بس أنا بقى مقدرش أكسرلك كلمة، ورغم إن الوقت كان بدري بس قلت عادي يعني، أحضر لك لقمة تأكلها، و......
مررت كف يدها على شعرها سريعاً، تردف برقة متعمدة:
ـ بس أنت طولت شوية...
ظلت ملامحه ثابتة، وقد أيقن داخله أن مطلبها ليس عادياً، ولكن لِما التخمين؟ هي سوف تخبره بنفسها ليعلم أيستحق كل هذا الجهد أم لا.
وصل إليها وبذراع واحدة رفعها من خصرها ليصير وجهها مقارباً لوجهه، يضيق الفراغ بينهما حتى لفح أنفاسه عبير عطرها الذي اختارته بعناية لتُسكر حواسه قبل عقله، لم ترفّ جفونها، بل استسلمت لرفعته تلك بخفةٍ مدروسة، ويدها التي كانت تداعب شعرها منذ قليل، استقرت الآن على كتفه، تتلمس قماش السترة التي يرتديها بنعومةٍ قاتلة.
ـ مش عايزني أسخن لك تأكل طيب؟
أومأ نافياً بحركة صغيرة برأسه، فرد بصوتٍ أجش، وعيناه لا تفارقان عينيها الكاذبتين:
ـ شطورة يا هالة، وست بيت ممتازة، بس أنا دلوقتى مليش مزاج للأكل خالص، أنا نفسي اتفتحت على حاجة أحلى وأهم.
قالها وتحركت أقدامه، يسير بها على هذا الوضع، فابتسمت هي بانتصار وقد فهمت مغزى كلماته، لتخاطبه بإغواء:
ـ بس أنت راجع من السفر ولازم ترتاح.
سخر ممازحاً رداً عليها:
ـ وأنتِ اللي يشوفك يعرف الراحة يا هالة؟ يا شيخة قولي كلام غير ده.
وكان ردها ضحكة عالية يرن صداها في رواق الطرقة المؤدية إلى غرفة النوم.
............................
"قد تواجه ظلم البشر في ميادين الحق بكل شجاعة ورباطة جأش؛ فالدفاع عن القضايا العادلة يهون كل تضحية. لكن، حين يغدو القربان هو عشقك للمرأة الوحيدة التي خفق لها فؤادك، فهنا تكمن الهزيمة التي لا تُحتمل."
ارتمى معاذ بجسده المنهك، واضعاً رأسه على حجر والدته، وقد افترش الأرض في شرفة غرفتها، فلم يجد غير حضنها ملاذاً من تعب رأسه الدائر كطاحونة لا تتوقف.
كانت يد حسنية تمر بنعومة على شعره، تمسح عنه العناء والهم، بينما وقف شقيقه خليفة مولياً ظهره للشرفة، ينظر إلى الفراغ في صمت، قبل أن يقطعه بسؤاله الحاد:
ـ وبعدين يا معاذ؟ أنا من ساعة ما رجعت معاكم وأنا عامل زي الأطرش في الزفة، معرفتش غير طشاش من حمزة، وأنت قاعد ساكت وبس، ما تتكلم يا بني خلينا نشوف لها حل!
تنهد معاذ بحرقة، والندم يأكل قلبه قبل لسانه، ليرد بصوت مخنوق:
ـ عايزني أقولك إيه يا خليفة؟ أقولك إيه وأنا عارف إن الغلط راكبني من ساسي لراسي، يا خوفي لا متسامحنيش.
تدخلت حسنية بسجيتها:
ـ ومتسامحكاش ليه بس يا ولدي؟ بين المرة وجوزها ياما بيحصل، وأحياناً بتوصل عند المأذون والطلاق، وتيجي على أتفه الأسباب يتم الصلح ويرجعوا سمن على عسل، سيبها على الله ربنا يعدلها يا ولدي.
ـ ونعم بالله.
تمتم بتضرع وتنهيدة مثقلة خرجت من صدره، يكتنفه إحباط غير محدود؛ فكيف يتمنى منها أن تسامحه وهو أصلاً لا يسامح نفسه؟ حتى الآن لا يصدق ما حدث، وذهنه لا يتوقف عن إعادة ما تم بينه وبينها.
قبل عدة ساعات
كان القهر يعصف به أثناء دفاعه عن نفسه أمامها، لعلها تسمع منه وتستوعب، أن ترحمه من سيل دموعها التي تهطل كسيل المطر، فتفقده قوته واتزانه:
ـ بقولك أول مرة أشوف الرسالة الزفت، أحلفلك بإيه عشان تصدقي؟ كبري عقلك بقى يا ليلى، وميزي إن البت دي عايزة تفتن ما بينا.
ـ أنا اللي أميز برضه؟
صرخت بها تتناول منه الساعة بعلبتها والورقة، تقارعه بانهيار:
ـ طب لما هي زفت وبالأخلاق دي، أنت كنت سايبها تتقرب وتعشم ليه؟ عاملة نفسها بتكافئك على مجهودك الخارق، تقوم تعطيك الساعة بالألفات، اشمعنى أنت؟
ـ ما قلتلك كنت هرجعها، كنت هرجعها يا بني آدمة، ما تشغلي دماغك بقى!
صاح رداً عليها يشير بطرفي السبابة والوسطى على جانب صدغه في إشارة اعتبرتها إهانة لذكائها، لتصرخ به بشفاه ارتجفت من فرط غضبها:
ـ أنا برضه اللي مفهمش يا ذكي يا أبو مخ نبيه؟ عاملي نفسك بريء وبتجيب اللوم على غبائي، وأنت الهانم قايلالهالك صريحة.
قطعت تفرد ورقة الرسالة أمام عينيه تعيد بلهجة متهكمة:
ـ "عزيزي معاذ، دي مش مكافأة ولا تقدير، لأ دي مجرد تعبير بسيط مني، حاجة أعرفك فيها إني في ضهرك لحد ما تبقى أعلى من الجميع، تبقى الكل في الكل يا حبيبي"، أيوة أنت حبيبي الـ......
ـ ما تبس بقى هي حكاية؟
صرخ يقاطعها جاذباً منها الرسالة اللعينة قبل أن تكمل القراءة عليه بالاعتراف الوقح من الأخرى، يكورها داخل كفه ويرميها بعيداً، فخرجت هي عن طورها لتدفعه بقبضتيها على صدره:
ـ مش قادر تتحمل اعترافها من خشمي؟ لكن كان على قلبك زي العسل تلميحاتها وتصرفاتها اللي خلت كل اللي في الشركة يشكوا بوجود علاقة ما بينكم؟ عمالة تعلي فيك دوناً عن كل اللي شغالين معاها وتميزك، طبعاً عشان تبقى مناسب للهانم، يا سيد الرجال!
تبخرت آخر ذرة من حكمته حين بلغت نبرة زوجته حدّ الاتهام، لتلحق بما سبقها من تجاوزات، شعر بإهانةٍ لم تحتملها رجولته، ودون وعيٍ منه، ارتفعت يده في الهواء ليجبرها على الصمت، حتى كاد يضربها بالفعل وهو يصيح بهياج:
ـ اخرسي بقى.. ولا أخرسك أنا!
هنا باغتتها الصدمة، فشخصت أبصارها تترقب تلك الكف المرفوعة في الهواء، والتي جمدتها بتهديد مباشر بالضرب، وقد كان يصارع نفسه بصعوبة حتى انقبضت قبضة يده بقوة أدت لبياض مفاصله، وقد تملكه الغضب لكنه لجمه باعتزاز وترفع:
ـ لولا إني عارف قيمة نفسي زين، كنت نزلت بكفي دي على وشك وسفلته! عشان أنا راجل بجد يا بت، راجل وقد كلمتي كمان.. بأمارة وعدي لأمك اللي وفيت بيه رغم كل الظروف الزفت اللي مرينا بيها! أنا اتحملت فوق طاقتي؛ جهد ومصاريف ودروس وجامعة، ومرار طافح.. حمل وولادة.. قوليلي يوم واحد قصرت فيه؟ ولا نقصتك عن صحابك في حاجة كان نفسك فيها؟ ولا...
توقف فجأة يبلع ريقه بتوتر، وقد انتبه لما ترتسم به ملامحها؛ حيث تحجر الدمع في عينيها بصورة أوجعت قلبه، فشعر بمدى خطئه حين سألته بصوتٍ مبحوحٍ مخذول:
ـ بتعايرني يا معاذ؟
وكأنه تلقى منها صفعة على وجهه، أو دلواً من الماء البارد قد سقط عليه، يطفئ جذوة الغضب ليعود إلى وعيه، قائلاً بتراجع:
ـ أنا مقصديش كده طبعاً، ده بس....
ـ ده بس اللي في قلبك....
قاطعته مضيفة بمرارة، تحاصره بنظرة مخذولة مكسورة، لو طعنته بخنجر لكان أهون:
ـ ليلى متبقيش هبلة وتاخدي كلامي على المحمل ده.
ـ شيل يدك عني.....
صرخت بها بقوة استيقظ على إثرها الصغير، تنفض يديه عن ذراعيها، رافضة رغبته في احتوائها، لتركض إلى طفلها وتضمه إليها منطلقة في بكاء مرير، وكأنها وجدت ملجأ غيره، حتى جعلته يكره نفسه، ليتجمد محله بذهول، عاجزاً عن الاقتراب منها وإحاطتها بذراعيه والتخفيف عنها باعتذار يطيب خاطرها.
ـ مالك يا بت؟ صراخك وصلي وأنا تحت العمارة، هو ضربك؟
كان ينقصه هذا الرجل ليزيد من تأزم الموقف، نظر معاذ إلى حموه الذي اقتحم عليه غرفة نومه وشجاره مع زوجته، ليواجهه باستياء وضجر:
ـ نعم حضرتك؟ داخل هجم من الشارع على أوضة النوم؟ طب قدر إن البيوت ليها حرمة!
ـ حرمة!.... مفيش حرمة بعد ما أسمع صراخ بنتي وبكاها، قول ياض عملت في بنتي إيه؟
هتف به عرفان بتهكم، فجاء الرد من ليلى التي خاطبته باستجداء:
ـ أبوي أنا عايزة أروح معاك، خدني على بيتك يا بوي.
ـ تروحي على فين؟ أنتِ اتجننتي؟
صرخ بها معاذ يتقدم نحوها إلا أن عرفان قد أوقفه، متصدراً أمامه بجسده الضخم:
ـ لا استنى وقف عندك، مفكرها ملهاش ناس وهتستفرد بيها؟ لا يا حبيبي، ده ليها أب قد الحيطة قدامك ولا أنت مش واخد بالك؟
كاد أن يهجم عليه ويسقطه أرضاً يزيحه من طريقه إن لم يضربه بالفعل، ويفرغ طاقة الغضب المشحونة بداخله، إلا أنه استطاع السيطرة على شياطين نفسه من أجلها، وقد قتلته النظرة التي تطل من عينيها.. أن تلجأ إلى أبيها..... منه هو.
..........................
في الوقت الحالي، وأمام منزل عرفان، توقفت السيارة التي كان يقودها حمزة بالقرب منه. يعلو تعابير وجهه الجمود، ناظراً للأمام بغضب مكتوم، وبصمت مستمر منذ أن أقلها من منزله حتى أتى إلى هنا كي ينفذ رغبتها.
وهي التي كانت ممتنة جداً لفعله، لم يكن يخلصها ضميرها أن تترجل وتتركه بتلك الحالة:
ـ حمزة..... مش عايزة أنزل وأنت زعلان مني، عارفة إن أنت جيت على نفسك بموافقتك وتوصيلك ليا دلوك، بس أنت شايف بنفسك والله ما في إيدي حيلة و.....
ـ خلاص يا مزيونة، انزلي شوفي بنتك.
قاطعها بنبرة حازمة، ثم وجه الأمر إلى شقيقته التي تحتل الكنبة الخلفية بطفلها:
ـ انزلي أنتِ كمان يا منى وادخلي معاها، أنا مستنيكم.
سمعت منه الأخرى لتبدأ في الخروج من السيارة ومعها مزيونة التي هتف بها زوجها:
ـ أي شيء يضايقكم رني عليّ وأنا أكسر البيت على دماغ اللي فيه!
كادت أن تضحك وهو يطمئنها بجدية من أجل بث الأمان فيها، بلمحة لا تخلو من جنونه، فردت تجاريه:
ـ هو ميقدرش أصلاً يضايقني، عشان عارف كويس إن ورايا رجالة.
قالتها وترجلت مع منى، يشيعها بنظرات قلقة حتى اصطدمت أبصاره بوصفي شقيقها، الذي رفع كفه بالتحية إليه وقد كان واقفاً في إحدى الجهات من الشارع بانتظارها ليرافقهما، فتسلل بعض الارتياح إلى قلب حمزة.
............................
طرق وصفي على باب البيت ليجد عرفان أمامه يفتح باب المنزل على آخره، يستقبلهما بابتسامة سمجة، يبالغ في حفاوته:
ـ يا أهلاً يا مرحب، اتفضلوا يا جماعة البيت بيتكم.
دلف وصفي أولهم يرد عليه:
ـ البيت منور بناسه، على العموم تشكر على ذوقك، فين ليلى؟
تحدث عرفان بتوبيخ:
ـ على طول كده يا وصفي؟ طب استنى حتى لما تدخل لنص البيت ولا أرحب أنا بالباقيين.. يا أهلاً أنتِ يا حجة منى، يا أهلاً يا أم ليلى نورتي بيتك.
أومأت منى ترد مستجيبة على مضض بترحيبه:
ـ مرحب بيك يا أبو ناصر.
أما مزيونة فقد وجهت له نظرة نارية حتى لا ينسى نفسه، لمعرفتها الجيدة لما يدور في نفسه الخبيثة تجاهها الآن، بعد دخولها البيت الذي شهد على كل الليالي السوداء التي مرت عليها أثناء زواجها به، فقالت بحدة:
ـ فين ليلى؟ أنا عايزة أطمن عليها!
ـ أنا هنا جارك يا أمه.
جاء الرد قريباً منهما، وليلى تخرج لهما من الجزء الذي تربت وعاشت به، شقة والدتها، والتي ما إن رأتها حتى فتحت لها ذراعيها، لتلقي ليلى بنفسها عليها:
ـ يا حبيبتي يا أمة.
..................
في الأعلى
انتفضت صفا تخاطب ابنها بعدم تصديق:
ـ بتقول مين يا واد؟ إيه اللي يجيب مزيونة هنا؟
التوى ثغر ناصر ابنها بامتعاض:
ـ مش محتاجة مفهومية يا أمه، أكيد جاية لبتها يعني، مش لينا.
اهتزت رأسها بإدراك، ثم شردت عيناها عنه بتفكير أثار فضوله ليستطرد:
ـ أبويا بقى لو شفتيه وهو بيدخلهم والبيت، تقولي إيه الكرم ده كله؟ وإيه الراجل الزين ده؟
علقت بنصف ابتسامة ساخرة:
ـ أبوك؟ ده أبو الكرم ده؟ أنت هتقولي!
ـ هتعملي إيه يا أمه؟ وأنتِ عارفة جوزك!
كان السؤال غريباً على طفل في عمره، إلا أنها أصبحت لا تستغرب منه شيئاً، وقد كبر صغيرها قبل أوانه والفضل يرجع إلى أبيه وأفعاله الشائنة معها، ولكنها لم تكن تملك إجابة واضحة تخبره بها.. وكيف تواجه مزيونة الآن؟
................ .................
تأملت منى ذلك المسكن الصغير الذي نشأت به ليلى، وأخذ وقتاً غير هين من عمر والدتها حتى نضجت وملكت حريتها لتغادره مع ابنتها وتتركه لصاحبه.
نظيف ومرتب، وكأن أحداً لم يغادره، يبدو أن الملعون طليقها مازال يهتم به، وكأنه كان يحسب لتلك اللحظة وينتظرها على أحر من الجمر. من الجيد أن وصفي أتى معهما ليلتهي معه عنهما، فتأخذ فرصتها في الحديث مع ليلى، التي كانت منكمشة الآن في حضن والدتها دون صوت، وكأنها تبكي بكاءً صامتاً.
ووالدتها التي تفهم عليها، تتركها لتأخذ وقتها، ورغم إشفاقها عليها إلا أنها لم تخف عتبها:
ـ عمك حمزة وخليفة زعلانين منك يا ليلى، وبصراحة حقهم.
سمعت منها لتعتدل، تمسح بأطراف أصابعها على وجنتيها، ترد بكلمات مقتضبة:
ـ معلش.... قوليلهم سامحوني، كان غصب عني.
تدخلت مزيونة:
ـ كان غصب عنك ليه؟ هو اللي غصبك؟
نفت تهز رأسها بحرقة:
ـ مش أبويا والله، أنا اللي أصرّيت.
توقفت تطالع وجه والدتها التي تعلم جيداً ما يدور برأسها الآن، ومع ذلك تجاهد لتخفي خيبتها:
ـ أنا عارفة إن أنتِ كمان زعلانة مني يا أمة، بس أنا وقتها كنت عايزة أحس ليا سند غيره، حتى وأنا عارفة إن أبويا نيته مش كويسة، بس نفسي كانت وجعاني..
بُح صوتها في الأخيرة، حتى أوجعت قلب والدتها ومنى التي تحدثت تدافع عن شقيقها:
ـ بس يا بنتي والله ما كان يقصد، هي لحظة عصبية والشيطان نفخ ما بينكم.
ردت ليلى تعارضها:
ـ بس هو مقالش حاجة غلط، الراجل فعلاً صرف وكلف في جواز وتعليم وجامعة، يبقى حقه يعمل ما بداله وأنا أحط مركوب في خشمي.....
قاطعتها مزيونة بحزم حتى لا تزيد في خطئها:
ـ ليلى........ أوعي لنفسك زين، أنتِ دلوك لسه على الحامي ومتعصبة، بلاش تهلفطي بكلام تندمي عليه لما تهدي.....
سمعت لتتراجع عن حدتها، مطالعة وجه منى الذي تجلى الاستياء على محياها، فتحدثت بأسف:
ـ معلش يا خالتي منى سامحيني، بس أنا مش هقدر أرجع لمعاذ دلوك، وفي نفس الوقت مش عايزة أخرب عليكي يا أمة أنتِ وعمي حمزة، عيشوا حياتكم وملكمش دعوة بينا.
ـ بس يا بت!
قاطعتها هذه المرة منى التي كانت أوعى من أن تأخذ كلماتها على محمل الجد، لتخاطبها بحزم:
ـ أمك قالتلك اهدي وأنا بقولك استعيذي من الشيطان اللي عمال ينفخ في رأسك، حتى وأنتِ بتنكري برضه بتسمعي له.
زفرت بحنق شديد تتجه بأبصارها نحو الشيطان الذي تقصده، وقد كان جالساً عند المدخل بجوار وصفي، لتعود إليها ناصحة:
ـ قومي اغسلي وشك ولفي طرحتك وتعالي معانا، وليكي عليا أشد لك على الواد معاذ وآخد حقك من عينه.
ـ لأ مش عايزة، سامحيني يا عمتي منى.
بقلة حيلة نظرت إليها مزيونة تجاريها عارضة عليها عرضاً آخر:
ـ طب مترجعيش على شقتك، تعالي معايا نروح البيت الثاني، بيتي أنا وعمك حمزة... تاخدي راحتك على كيفك.
أيضاً كان ردها الرفض:
ـ بيت أخوه يعني بيته يا أمة، يعني يدخل ويطلع براحته.
ختمت تطرق رأسها بانكسار، مزق قلب مزيونة بالحزن، ومنى التي علمت هي الأخرى الآن مكمن المشكلة عند ليلى، وأنه لا بد من وجود حل.
...............
مزيونة.....
سمعت النداء كي تتوقف في وسط الطريق قبل الخروج من المنزل، رغم أن وصفي شقيقها ومنى قد سبقاها بصحبة عرفان الذي دلف إلى ابنتها الآن بناءً على رغبتها.
لم تكن مفاجأة لها، فهي تعرف صاحبة الصوت جيداً، وجدتها تنزل الدرج لتذكرها بعاداتها القديمة معها، حين كانت هي الأعلى دائماً وصاحبة المنزل، تشرف وتراقب من مركزها القوي....
ولكنها اليوم تراها بصورة مختلفة، لقد خفّ وزنها كما ترى وتغير شكلها قليلاً، أو ربما لأنها تضع شيئاً من مساحيق التجميل على بشرتها.
ـ عوافي يا مزيونة، ااا.. شفتي ليلى؟
ردت مزيونة بفتور:
ـ زينة الحمد لله، ومتشكرين يا ستي على اللي عملتيه معاها، ليلى حكت لي عن تنظيفك للبيت أول ما وصلت والأكل اللي جهزتيه لها.
ـ لا شكر على واجب، وأنا عملت إيه يعني؟
طريقتها في الحديث غريبة عن الشخصية التي تعرفها، بالإضافة لهذا التوتر الذي يبدو عليها من فرك كفيها، حتى استفزت مزيونة تسألها بشكل مباشر:
ـ أنتِ عايزة حاجة يا صفا؟
كسى ملامحها شيء من الجدية والتردد، ثم بعد فترة من الصمت أفصحت تدهشها:
ـ هو أنا هبقى بجحة لو طلبت منك تسامحيني؟!
قطبت مزيونة بذهول شديد، تستغرب الطلب من واحدة مثلها، ولكن بعد لحظة من التأمل في ملامح المرأة التي يبدو أن التغيير من الخارج يشمله تغيير من الداخل أيضاً، رغم كل التاريخ الأسود الذي يجمعها معها، إلا أنها في تلك اللحظة استشعرت صدقاً جعلها تستقر مباشرة على الرأي الصائب، وتلبي مطلبها:
ـ مسمحاكي يا صفا، وربنا يسامحنا كلنا.
بامتنان شديد صارت تطالعها، وكأنها لا تصدق أن أمنيتها المستحيلة قد تحققت وبمنتهى السهولة من امرأة متسامحة مثل مزيونة التي رأت على يدها الويل قديماً، وهي تعرف أن أمامها مشواراً طويلاً للتكفير عن ذنبها.
ـ متشكرة قوي يا مزيونة، وليكي عليا بنتك أحطها في عيني وأشيلها فوق رأسي لحد ما يجي جوزها ياخدها على بيتها معززة مكرمة.
ردت مزيونة بابتسامة باهتة تعبر فيها عن تقديرها:
ـ لا إن شاء الله هي مش هتطول أساساً، ولا هتقعد هنا.
وقبل أن تسألها مزيونة وقبل أن تستفسر صفا عن مغزى كلماتها، وصلها صوت عرفان:
ـ يا بت إيه اللي بتقوليه ده؟ كيف يعني تباتي في بيت لوحدك؟
.........................
صاح حمزة وعقله على وشك الجنون يراقب تلك التي كانت تطوي عدداً من ملابسها، لتضعهم في حقيبة صغيرة:
ـ لا.. أنتِ اتجننتي رسمي أنتِ وبتك، وأنا كأني راجل بريالة عشان متبعك وعايز أراضيكي؟ هي دي جزاتي منك؟ عايزة تعملي زي بتك وتسيبيني أنا كمان؟
مسحت مزيونة بطرف كمها دمعة غادرة على وجنتها لتعارضه بقلة حيلة:
ـ متقولش على نفسك كده، أنا فيا اللي مكفيني.
هدر حمزة كالذي فقد أعصابه منها:
ـ تاني هتقولي نفس الكلام يا مرة أنتِ؟ ده بدل ما تعقليها، أنتِ كمان تتبعيها؟
أغمضت عينيها لحظة، قبل أن تفتحها ساحبة دفعة كبيرة من الهواء، لتهدئ من وتيرة أنفاسها علها أيضاً تمتص غضبه وهي تخاطبه بالعقل:
ـ ما أنا معرفتش أقنعها يا حمزة، ولا أختك عرفت تقنعها، ولا حتى أنت لما كلمتها في التلفون عرفت تقنعها، أسيبها بقى عند أبوها عشان يخربها خالص؟
ـ لأ اتبعيها يا مزيونة واخربي أنتِ على نفسك!
سمعت منه فأطرقت رأسها بحزن ضاعف من الضغط عليه، فاشتدت يداه على شعره من الخلف حتى كاد أن يقتلعه، حتى رفعت رأسها إليه تتحدث بقلب الأم التي على استعداد لتضحي بالعالم أجمع من أجل وليدها:
ـ طب أنا بتي خاطرها مكسور، وأنا أمها اللي عمري ما خليت دمعتها تبات على خدها، يجي عليا اليوم بعد ما ربنا أنعم عليا وريحني أسيبها؟ لو وقوفي جمبها وهي مكسورة هيخرب عليا فأنا.....
ـ أنتِ إييييه؟؟
قاطعها بعدم تصديق، يطالعها وكأنه ينظر إلى امرأةٍ لا يعرفها، يستمع لنبرتها الرخيمة وهي تتحول إلى نصلٍ حاد، تقطع به حبال الرجاء دون أن يرفَّ لها جفن. صدمته لم تكن فيما تتفوه به فحسب، بل في ثباتها المرعب وهي تتحدث عن هذا القرار القاسي.
اندفع نحوها هائجاً، وصوته يرتجف بالذهول:
— لكن.. أنتِ واعية للي بتقوليه؟ عقلك ده فكر قبل ما يطلق لسانك بالكلام الواعر ده؟
خرجت كلماته الأخيرة بعنف، مشيراً بسبابته إلى جانب صدغه، يرفض الاستيعاب، لتقابل هي ثورته بمزيدٍ من قوةٍ زائفة، رغم نزيف قلبها من الداخل، مرتديةً ثوب الجليد لتحتمي به من ضعفها أمامه:
— أنا مابقولش كلام وخلاص، لو أنت الهوى اللي بتنفسه، فبنتي تبقى روحي اللي عايشة بيها، لاه.. دي كمان أغلى من روحي، يعني من غيرها مفيش عيشة من أصله.
صرخ بها كمن يوشك على فقدان عقله، والوجع يغلف صوته مع كل حرفٍ ينطق به:
— قصدك تموّتي نفسك وتموّتيني معاكي عشان غلطة ملناش ذنب فيها؟ طب بلاش أنا وأنتِ، نسيتي كمان العيل اللي قرب يجي على وش الدنيا؟ ولا هو كمان مش ابنك ولا من لحمك ودمك زيها!
بمجرد سماع كلماته، وتحت تأثير رد فعلٍ غريزي، استقرت كفّها فوق موضع الجنين، وقد رقت ملامحها الجليدية بتلك اللمسة، حتى كادت مشاعرها تفضحها وتنهمر دموعٌ تحتجزها بصعوبة داخل عينيها، فخرج ردها بصوتٍ مبحوح:
ـ ميهونش عليا....... ولا أنت كمان يا حمزة، بس أعمل إيه؟
توقفت لتترك لدموعها العنان حتى رق قلبه لها، ونسي غضبه منها، ليتنهد بعد لحظات من الصمت يحسم الأمر بإخبارها:
ـ ماشي يا مزيونة، أنا هسيبك تتبعي بتك وترجعي معاها على بيت أبوكي القديم، تاخد وقتها وتهدى على ما "الحلوف" التاني ينظم نفسه عشان يردها.
استدركت اللفظ الذي نعت به شقيقه، فعقبت تسأله:
ـ حلوف مين يا حمزة؟ أنت تقصد معاذ؟
احمرت عيناه يؤكد لها بحدة:
ـ هو بذات نفسه، عندك مانع؟
نفت على الفور تخشى غضبه:
ـ لأ يا أخوي مفيش أي مانع.
.............................
كانت كقطعة السكر تذوب ذوباً بين يديه، قضى معها لحظات من الخيال، تبادله الشوق بالشوق ولا تنتظر المبادرة منه كالعادة، ليته كان عشقاً حقيقياً، لصار أسعد الرجال الآن.
ما حدث بينهما منذ قليل لم يكن شيئاً عادياً، بل كان عاصفة من الشغف، طار وحلق، حتى إذا توقفت، صار يلهث كحصان خارت قواه بعد سباق طويل مجهد، وفوز مستحق بالكأس، لا بل هي جائزته.
يضمها إلى صدره لا يريد لتلك اللحظات الانتهاء، ولا أن تفيقه من نشوته بالمطلب المنتظر.
ـ وأنا اللي قلت تعبان من السفر وعايز ترتاح!
قالتها بشيء من السخرية جعله يبتسم بملء فمه، وهمس بإغواء:
ـ ما أنتِ السبب، محدش قالك تبقي حلوة كده.
تبسمت بثقة ترد بهمس هي الأخرى:
ـ يعني مبسوط معايا؟
ـ أوي يا هالة، وعندي استعداد أعملك اللي أنتِ عايزاه بس أنتِ اطلبي.
حسناً هو في مزاج رائق يسمح له أن يقصر عليها طريق المراوغة، يحثها لتفصح له عما تريد وتريحه من التفكير والتخمين قليلاً.
فتشجعت لتعتدل بجذعها تقول بلهفة:
ـ لأ مش طالبة منك حاجة غالية ولا كثيرة، دي حاجة أنا عارفة إن أنت بتحبها، وأكيد مش ممكن تكسفني فيها.
انعقد حاجباه باندهاش وتساؤل، ليثني ذراعه ويضع كف يده أسفل رأسه، بحيرة سائلاً:
ـ هي إيه دي اللي بحبها؟ وفي نفس الوقت خايفة لأكسفك فيها؟
ـ بناتي يا كمال.
ـ بناتك!
ـ أيوة بناتي، مش أنت بتحبهم؟
ـ أيوه بحبهم طبعاً، بس مالهم يعني؟
ـ نفسهم أجيبهم عندي هنا.
ـ تجيبيهم!...... آه يعني يقضوا اليوم معانا، وماله ده شيء يسعدني طبعاً.
ـ لأ أنا عايزاهم على طول معايا، عايزة بناتي في حضني يا كمال، أنا اللي أربيهم مش اعتماد!
ها قد عرف السبب وبطل العجب.
ذلك ما حدث به نفسه، وقد بانت الرؤية وعرف الطلب الذي يستحق منها أن تهديه لحظات من السعادة، كاد فيها أن ينسى نفسه، وينسى أنها هالة.
يصغي إليها وهي تزيد من نعومتها والرقة اللا متناهية في إقناعه:
ـ أنت شفت بنفسك البنات بيفرحوا إزاي وأنا بكلمهم في التليفون، ده غير أن طول الوقت قلبي بياكلني عليهم وهما بعيد عني، عايزة بناتي يا كمال، وأنت الوحيد اللي تقدر تجيبهم.
ـ ودي أعملها إزاي بقى؟ أجيبهم بالقوة من ابن عمك مثلاً؟
أوقفها بسؤاله ثم استطرد يعقب على كلماتها:
ـ طب من البداية كده، أنا أتمنى إن البنات يعيشوا معانا ويتربوا في حضنك زي ما بتقولي، بس أنا راجل بفهم في الأصول كويس، والأصول عندكم بتقول إن البنت تتربى مع والدها مش جوز أمها، وده بغض النظر عن تقديري لخليفة واعتماد طبعاً.
ـ أيوة بس أنا أعرف ناس كتير عملتها وعايشين زي الفل!
تطالبه بإلحاح رغم معرفتها بصعوبة ما تطلبه، وهو مضطر لمهادنتها:
ـ يا ستي وأنا مش معترض، بس كمان لما أحط نفسي مكانه لازم هرفض، ده أب وأنا مهما كانت معزتي برضه جوز أمهم.
تعنتت بصلف تقارعه، ضاربة بكف على ظهر الآخر، وقد نسيت الرقة واللطف الذي كانت تتحلى به:
ـ وأنا أمهم، وليا حق زي زيه، ولا هو عشان راجل...
ردد خلفها بحنق:
ـ هو كده بالضبط عشان راجل، ودي أصول وأعراف، وأنا لازم أقدر.
ـ وأنا مين يقدرني؟ أنا عايزة بناتي!
قلب عينيه يزفر بسأم منها ومن إصرارها الغريب في شيء حساس مثل هذا، فحسم ينهي الجدال:
ـ طب عشان أبقى راضيت ضميري، هي كلمة ونقفل الموضوع ده خالص، أنا هتكلم مع حمزة وأفتح الموضوع، لو وافقوا تمام.
ـ ولو موافقوش هتسكت؟
ـ لأ أنتِ اللي هتسكتي مش أنا.
هتف بالعبارة ثم جذبها من ذراعها لتسقط على صدره متابعاً:
ـ واقفلي بقى لحد كده خلينا ننام.
تمتمت تحاول رفع نفسها بمعارضة لأمره:
ـ بس أنا مش عايزة أنام من دلوك، نام أنت يا سيدي.
ضغط بذراعه يمنعها من النهوض:
ـ لأ هتنامي يا هالة واترزعي بقى وبطلي فرك، تعبان وعايز أتخمد.
يئست من فك أسرها، لتضطر على غير رغبتها أن تذعن مضطرة أن تخمد حركتها حتى ينام ويحل عنها.
ابتسامة شقية ارتسمت على ثغره حين هدأت حركتها، وعقله دار في الفكرة التي طالبته بها، يقر بمشروعيتها ولكن يعلم جيداً استحالة تحقيقها، إلا أن عقلها الفارغ لن يتقبل ولن يهدأ ما دامت تملك مساحة كبيرة من فراغ الوقت...... يبدو أنه قد حان الوقت ليفكر هو في الإنجاب....
انتبه فجأة لسكونها وانتظام أنفاسها على صدره، فمال قليلاً برأسه، يرفع وجهها إليه من أسفل الذقن بطرفي أصبعيه ليفاجأ...... بأنها قد نامت!
......................
دلف حمزة بخطواته الواسعة الغاضبة إلى داخل شقة شقيقه، وصولاً إلى غرفة النوم التي يغفو بها اليوم وحيداً باكتئابه بعيداً عن زوجته بعدما فضلت الابتعاد عنه. اقترب حمزة من التخت محملاً بضغط الليلة الماضية، يهزه بعنف:
ـ قووووم، أنت لسه هتنام ولا تكتئب؟ قوم ياض!
انتفض معاذ يستيقظ مفزوعاً:
ـ إيه في إيه؟ إيه اللي حصل؟
جأر به حمزة:
ـ فيه إنك هتخرب على نفسك وعلى أخوك! سايب مرتك وولدك وعاملي فيها مكتئب؟ ده وقت اكتئاب؟ أنت نايم على نفسك ومحبط، وهي اتصرفت من امبارح ولقيت السكن في بيت جدها، ودلوك بتدور على شغل عشان تستغني عنك خالص!
ـ إيه؟ إيه اللي بتقوله ده يا حمزة؟
صاح به معاذ هو الآخر رداً عليه بعدم استيعاب، ليعاوده الآخر:
ـ بقولك اللي حصل يا حبيبي، خليك أنت مكانك كده لحد ما تلاقيها خلعاك.
ـ تخلعني أناااا؟
صرخ بها معاذ، ينتفض عن فراشه كالملسوع:
ـ ده أنا أخلعها من الدنيا قبل ما يحصل!
...............
وعند ليلى التي كانت تخرج في هذا الوقت من منزل جديها، بعدما باتت فيه ليلتها هي ووالدتها التي كانت نائمة الآن بصحبة صغيرها مؤيد، لتتركه في رعايتها حتى تذهب هي إلى جامعتها.
تنظم بين يديها دفاتر المحاضرات التي سوف تدرسها اليوم، بعدما عدلت من وضع الحقيبة على كتفها، فلم تنتبه إلى ظل الشبح الذي كان واقفاً أسفل شجرة التين، ليجفلها هو بصيحته:
ـ على فين العزم إن شاء الله يا برنسيسة؟
انتفضت في البداية، ثم التفتت إليه واضعة يدها على خصرها:
ـ وأنت مالك؟
أثارت جنونه بردها الجاف، ليقطع الخطوتين بخطوة واحدة، فتجده أمامها في لمح البصر:
ـ أمال مال مين يا هانم؟ ولا نسيتي إن أنا جوزك ومن حقي أعرف خط سيرك؟
عارضته بعناد:
ـ لأ مش من حقك يا معاذ، أنت لا تكلمني ولا أكلمك.. أنت إيه اللي جابك هنا أصلاً؟
ـ أنا آجي وقت ما أحب، وبرضه أعرف رايحة فين؟ وجاية منين؟ ولا أنتِ فاكراني هسكت لك؟ ولا أسيبك تشتغلي؟
برقت عيناها باستدراك، وقد أيقنت أن والدتها أقرت بكل ما أخبرتها به إلى زوجها (حمزة)، وبدوره هو الآخر نقله إلى معاذ، وهو ما يفسر تلك الحالة التي هو عليها الآن. فتكفنت تتحداه:
ـ وإن قلتلك إني فعلاً لقيت شغل وهشتغل عشان أعتمد على نفسي، وأرجعلك كل قرش صرفته، تقول إيه؟
وكأنها سحبت الفتيل من القنبلة التي تمثلت أمامها ،
في تلك اللحظة، وقد استحال إلى كتلة من الجمر المشتعل. جحظت عيناه وبرزت عروق جبينه كأنها أفاعٍ توشك أن تنفجر من تحت جلده. كانت أنفاسه تخرج منه لاهثة، حارقة، وكأن صدره ضاق بما يحمله من غيظ، فصار يهدر بصوتٍ مبحوحٍ من فرط الشد، وقد تملكت الرعشة أطرافه، لا خوفاً، بل من طاقة غضبٍ حبيسة تبحث عن مخرج لتدمير كل ما حوله
ـ طب وريني هتقدري تعمليها إزاي؟ ولا تقدري انك تتحديني عشان أكون خلصت عليكي!
اشتقتوا لجنون معاذ؟
رواية لأجلها الفصل 10004 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لاجلها الفصل الخامس والستون
"في غرفة والديها بالمنزل القديم المتهالك، كانت تحتضن الصغير، وقد لاذت بدفء الفراش رغم خشونته، واستسلمت لغمرة الجسد الغضّ ونعومة الكفّين وهما تلامسان وجنتيها؛ تتأرجحُ في خدرٍ لذيذ ما بين غفوٍ واستيقاظ."
لكن أصواتاً متواترة بدأت تطرق مسمعها، تصاعدت حدّتها شيئاً فشيئاً لتنتزعها من ذلك الشعور؛ فغضنت جبهتها بعبوس وهي تجبر نفسها على مفارقة السكينة. اعتدلت بجذعها في مشقة، يرافقها ألمٌ ينهش كل حركة مع اقتراب موعد ولادتها المنشود؛ إذ لم تعد تفصلها عنه سوى أسابيع معدودة. كم تمنت لو استسلمت لنداء جسدها المثقل بالراحة، بيد أن ما يتردد في الأرجاء كان ينذر بكارثةٍ وشيكة."
"ـ اتلمّي يا ليلى بدل ما ألمّك!
ـ طب وريني هتلمني إزاي يا معاذ؟
استغرق الأمر منها وقتاً مضنياً؛ من مشقة الهبوط عن التخت وحمل الصغير، وصولاً إلى خروجها من المنزل تفتش بعينيها عن مصدر الضجيج، حتى اهتدت إلى الجهة الخلفية حيث شجرة التين. هناك، كانت المشاجرة قد بلغت ذروتها بين ابنتها العنيدة وزوجها الذي بدا كمرجلٍ يغلي.
ـ يا ليلى ما تعصبينيش.. أنا على آخري أصلاً!
ـ يا عم هو حد جه جنبك؟ ابعد عن وشي أحسن لك.. اقصر الشر.
ـ أنا برضه اللي أقصر الشر؟ ولا إنتي اللي مصممة تخليني أرتكب جريمة؟
ـ بــــــــس!
هتفت بها «مزيونة» وهي تقتحم بجسدها المثقل
المساحة الضيقة بينهما، تنهرهما بنزق:
ـ على الصبح كدا شابكين في بعض زي الديوك؟ طب راعوا منظركم لو حد معدي وشافكم.. ساعتها هيقول عليكم إيه بذمتكم؟"
"كادت ليلى أن تنفجر شاكية، لكنّ الكلمات انحشرت في حلقها حين رأت زوجها ينتشل طفله من بين ذراعي والدتها بلهفة، وكأنه كان غائباً عنه لسنوات. في لحظة خاطفة، تبدل صراخه إلى حنان جارف وهو يقدم اعتذاراً خجلاً إلى مزيونة:
ـ يا قلب أبوك أنت! سامحيني يا خالة مزيونة قلقلناكي، بس أنا والله ما ذنبي.
عقبت ليلى بنبرة تقطر سخرية:
ـ يا حلاوة! ليكون ذنبي أنا كمان وأنا مش دريانة؟
حدجها معاذ بنظرة نارية صامتة، مما اضطر مزيونة للتدخل حاسمة:
ـ إيه اللي حصل يا معاذ؟ دي مش عوايدك!
تبادل معاذ مع زوجته نظرات حارقة، ثم قال باختصار لا يخلو من وعيد:
ـ اسأليها!
اتجهت أنظار الأم نحو ابنتها بحيرة، فاندفعت ليلى تدافع عن نفسها:
ـ اسأليه هو يا أمي! أنا واحدة رايحة في أمان الله جامعتي، لقيت صاحبنا ده بيوقفني من غير سبب.
هنا هتف معاذ رافعاً حاجباً واحداً بتهكم:
ـ جامعتك برضه؟ ولا الشغل اللي قلتي عليه؟ فاكراني نايم على وداني؟
ساد صمت ثقيل، فنظرت ليلى إلى والدتها باستفسار تحول تدريجياً إلى استياء مرير حين رأت عيني أمها تزيغان هرباً من المواجهة،
تلعثمت مزيونة بحرج، لاعنة في سرها زلة لسانها في اخبار حمزة بما تفكر فيه ابنتها وبدوره الاخر لم يقصر في النقل الى معاذ وهذا ما يبدو سبب حضوره وشجاره مع زوجته لآن،
فحاولت التغطية على زلتها بمراوغة يائسة:
ـ مالك بتبصي لي كدة ليه؟ هو أنا اللي قلت له؟ أنا قلت لك يا معاذ؟ أنا قلت لك؟"
ـ لا طبعا محدش قالي،.....
تمتم الاخير ردا عليها يجاري كذبتها وقد فهم عليها ، ليردف بتوضيح اقوى وبانفعال مكشوف نحو ليلى:
ـ انا اللي فهمت من نفسي يا هانم! ولاّ فاكراني غبي ومش عارف إنتي بتخططي لإيه؟»"
...........................
استيقظ ليجد الفراش خالياً من جواره. كان الهدوء مخيماً على غير العادة؛ لا أثر لزوجته ولا لصغيرتها، لذا لا عجب من هذا السكون، ولكن أين هما؟ والأطفال والدراسة؟ تباً...
انتفض فجأة حين تذكر موعد عمله؛ يبدو أنه قد تأخر كثيراً. "اللعنة!" همس بها متمتماً بالسباب وهو ينهض عن فراشه مزيحاً عنه الغطاء، بعدما انتبه لاتجاه عقارب ساعة الحائط المعلقة أمامه، هرول بخطوات سريعة بحثاً عن زوجته -المتسببة في تلك الكارثة- وهو يصيح:
ـ منى.. يا منى، هتضيعي عليا اليوم الدراسي يا منى!
خرج من الغرفة يواصل نداءه، لكنه توقف فجأة إثر إشارة حازمة منها، فقد وجدها جالسة في ركن الصالة، تضم الصغيرة إلى أحضانها وتهدهدها بحنو وحرص شديدين. لم يكترث منصور لكل ذلك، وتابع توبيخها بصوتٍ خفيض ولكن غاضب:
ـ طب حتى كنتِ سيبي لي التليفون اللي عليه المنبه جنبي عشان يصحيني في ميعادي، سيباني لما أتأخر يا منى!
نتيجة لعدم حرصه في السيطرة على انفعاله، فتحت الصغيرة عينيها فجأة وقد طار النوم منهما، فقلبت منى عينيها بسأم وقلة حيلة بعد أن فقدت الأمل في نوم طفلتها، فخرجت عن صمتها وثارت في وجهه:
ـ استريحت يا منصور؟ أهي صحيت من تاني، وأنا بقالي ساعتين بنيم فيها، مكنتش قادر تمسك نفسك اللحظة دي؟ ده غلب إيه ده بس يا ربي! مضايق من النوم اللي أنا مش عارفة أطوله أصلاً؟
تراجع منصور وشعر بحجم خطئه وهو يرى ملامح الانهيار والتعب على وجهها، فسكن الغضب في صدره فجأة، وحلّ محله شعور بوخز الندم أمام إرهاقها الظاهر. اقترب منها بخطوات وئيدة، ثم جلس بجوارها على الأريكة، ومد يديه ليتلقف الصغيرة من حضنها برفق، وكأنه يعتذر بصمت، ثم هز رأسه بأسف قائلاً بصوت خفيض:
ـ ما أنا قمت مفزوع على ميعاد الشغل اللي اتأخر.. على العموم يا ستي غلطتي وأصلحها، البت "المصيبة" دي أنا اللي هنيمها.
تنهدت منى بتعب، وأسندت رأسها للخلف وهي تنظر للسقف، ثم تمتمت بمرارة يغلفها الإرهاق:
ـ "أهو ده اللي بناخده من الخلفة يا منصور.. تعب وسهر ومرار طافح؟ أنا عشان كدة مكنتش عايزة أخلف تاني، توبة من دي النوبة لو أغلط واكررها، توووبة، يستحيل أخلف من تاني.. يستحيييل".
بابتسامة مستترة، كان منصور يدعي انشغاله بالصغيرة الشقية، يداعب وجنتيها بطرف إصبعه، وقد صارت تبتسم إليه في إشارة لعدم استجابتها للنوم. كان يود لو يرفع رأسه إلى زوجته لينهاها عن وعدٍ قد لا تستطيع أن توفيه، فهو لن يتوقف عن إلحاحه ولا عن رغبته في المزيد من الأطفال منها.
ولكن يبدو أن منى هي الأخرى قد انتبهت لما يدور برأسه، فاشتعلت رأسها لتصبح معبرة عن حنقها وكأن جناً قد تلبسها:
ـ عامل نفسك مش منتبه عشان الكلام مش جاي على هواك؟ والنعمة يا منصور أنا بقولهالك أها، المرة دي أنا قد كلمتي، إياك تزن عليا في موضوع العيال ده تاني، ولا أقولك.. أنت متقربليش أصلاً، إياك تهوب ناحيتي تاني يا منصور، سامعني؟
حسناً، هذا وقت المهادنة التي لا يصح معها الجدال أبداً. ارتفع رأسه إليها بهدوء يشوبه العتاب:
ـ طب بس من غير عصبية، إيه اللي جاب سيرة خلفة ولا كلام فاضي؟ يا ستي يدينا ربنا العمر بس نربيها هي وإخواتها.
هدأت قليلاً وخففت من وتيرة انفعالها استجابة لطلبه، لكن عيناها لم تكفا عن ملاحقة كل خلجة من تعابير وجهه، تتحفز لاستكمال الشجار رغم شعورها بحماقة فعلها أمام هذا "المتلون الخبيث":
ـ بتاخدني على قد عقلي يا منصور صح؟ ما أنا عارفاك، ساهي وداهي...
صدحت ضحكته بصوت عالٍ دوى في أرجاء المكان، ليعود مواصلاً ببراءة مصطنعة:
ـ "جرى إيه يا ست منى؟ أنتي طالبة معاكي تحطي غلبك فيا النهاردة وخلاص، حتى لو من غير سبب؟ صلي على النبي كدة، وقومي اغسلي وشك وروقي، وانفضي عنك وسوسة الشيطان.. وإن كان عليا أنا يا ستي هتأخر عن الشغل النهاردة، ولو لزم الأمر هغيب خالص عشان خاطر عيونك.. وعشان خاطر (الست هانم) اللي خطفت قلبي من الكل."
نظرت إليه بطرف عينها وقد بدأت ملامح وجهها تسترخي، فتابع بضحكة خفيفة:
ـ "أيوة متبصليش كده.. البت دي ليها معزة خاصة، بس أنتي الأصل يا أم العيال.. يلا بقى عايزين نفطر سوا، أنا قايم هلكان جوع، أي حاجة هتجيبيها هاكلها."
...........................
في ذلك المقهى الذي طالما ارتاده معه في أيامٍ خلت، اتخذ مجلساً في الزاوية الأمامية؛ تلك المواجهة للشارع تماماً، لعلّ صخب الحياة في الخارج يُبدد الضيق الذي يجثم فوق صدره. لم يتردد حين أتاه اتصاله في الصباح يطلب اللقاء؛ بل هبّ ملبياً الدعوة دون إبطاء وكأنه كان ينتظرها. وها هو الآن، يغرق في مقعده، يراقب حركة المارة بشرودٍ تام، وعيناه معلقتان بوجوه العابرين بحثاً عن طيفه القادم."
لم ينتظر طويلاً؛ إذ أقبل صديقه مترجلاً بعدما أوقف سيارته في المكان المخصص أمام المقهى، ليقابله بابتسامته الرائعة. تبادلا المصافحة والعناق الأخوي الحار، قبل أن يشاركه الجلسة قائلاً:
ـ "حبيبي يا حموز.. معلش بقى إن كنت اتأخرت عليك الشويتين دول، بس غصب عني والله، أنت عارف الظروف واللي بيطرأ علينا في أي لحظة."
قابل حمزة اعتذاره بتسامح وتقدير فرد عليه:
ـ "يا سيدي نص ساعة مش مشكلة، ربنا يكون في عونك. أنا أصلاً محسيتش بيهم، يمكن عشان عيني كانت في الشارع والناس اللي رايحة وجاية، ولا يمكن عشان الذكريات اللي بتطل في الرأس كل لحظة.. والله رجعتني لأيام الدراسة وقعدتنا هنا ونحن نعاكس البنات."
قهقه كمال ضاحكاً وقد قفزت الصور القديمة إلى ذهنه هو الآخر، فعقب قائلاً:
ـ "يا حبيبي ده كان غزل عفيف لا يحاسب عليه القانون! كلمة حلوة نرميها تلميحاً لواحدة حلوة.. ده كان آخرنا. إنما دلوقتي الدنيا "زاطت" وبقت توصل للتحرش اللفظي، وأحياناً اللمس المتعمد من رجالة كبار والله، مش بس عيال زي اللي كانوا قدنا وقتها."
تجهم حمزة، وقد زادته الكلمات غضباً فوق الضيق الذي يشعر به، وقال بحزم:
ـ "ده اللي يعمل كده يستاهل قطع إيده! اللي يخطف لمسة من حرمة غريبة عنه ويستغل غفلتها، ده يتحسب راجل أصلاً؟ ده آخره فردة "مركوب" يداس عليها بالرجلين."
أومأ كمال برأسه وابتسامة متسعة تؤيد كلامه:
ـ "لا اطمن يا باشا، إحنا بنقوم بالواجب مع الأصناف اللي زي دي وزيادة.. المهم بقى..."
ـ "أيوة.. إيه المهم بقى؟"
استفسر حمزة بعد التوقف المفاجئ من صديقه، بصورة استنبط منها أهمية الحديث القادم، وأردف:
ـ " شكلك عايزني في كلام مهم.. أنا شكيت في ده من ساعة ما طلبت تشوفني هنا في المحافظة بعيد عن البلد.. خير اللهم اجعله خير."
ـ "إن شاء الله خير طبعاً يا حبيبي، بس هو يعني..."
ـ "كماااال!"
زجره بضجر ليحفزه على الإكمال، متابعاً بنفاد صبر:
ـ "الله يرضى عنك، أنا ما فيَّ حيل للتخمين ولا التوقع. قول عايز إيه من غير تردد ولا "تزويغة" العين اللي حافظها كويس منك لما تكون مزنوق في حاجة ولا محرج."
بالفعل، هو يحفظه جيداً ويعلم أصله الطيب ونيته السليمة؛ لذا قرر كمال أن يتشجع ويخبره:
ـ "طب من البداية كده يا حمزة، أنا هتكل على كلامك ده وعشمي إنك تتقبل عرضي بهدوء، وآخد منك الرد برضه بهدوء من غير عصبية ولا نرفزة."
ردد حمزة متسائلاً بنبرة مستغربة:
ـ "عصبية ونرفزة ليه؟!" "انت عايز إيه بالضبط؟"
رددها حمزة بصرامة لا تقبل المراوغة، مما اضطر كمال إلى حسم أمره وإخباره:
ـ "هالة بنت عمك طالبة إن البنات يتربوا عندنا.. وأنا بصراحة مش معترض، بالعكس دا احب ما عليا، يعني فاضل بس موافقتكم."
لم ينطق حمزة برده على الفور، بل صمت وهو يضيق عينيه بتفكير عميق، بصورة أثارت ارتياب كمال وزادت من توتره، حتى قطع حمزة الصمت ليفاجئه بقوله:
ـ "بغض النظر عن الطلب اللي أنت عارف إجابته 'زين' من البداية، رغم معزتك الغالية عندنا طبعاً.. بس أنا اللي عايز أعرفه: هي اتعدلت معاك للدرجة دي؟ لدرجة إنك تتقبل بناتها كمان من أجل رضاها!"
هذه المرة كان الصمت من نصيب كمال، الذي أطرق برأسه لحظات قليلة قبل أن يعود إليه ليرد بصدق ما يشعر به:
ـ "هبقى كداب لو أنكرت إني فعلاً عايز أرضيها، ولا هعرف أدي وصف صحيح لعلاقتي بيها يبين إنها اتعدلت بالفعل، بس..."
توقف ثم أخرج تنهيدة عميقة أردف بعدها:
ـ "اللي أقدر أقولهولك يا حمزة، هو حاجة واحدة أنا متأكد منها.. حياتي حتى لو جحيم مع هالة أنا برضه متقبلها، عشان معاها بس حاسس إني عايش! إيه الفائدة لو كل حاجة حلوة متوفرة في حياتك وأنت قلبك ميت من الداخل؟" يمكن تشوفها حاجة غريبة، بس..."
ـ "أنا فاهمك.. فاهم أنت عايز توصلي إيه."
قاطعه حمزة بهذه الكلمات ليوفر عليه عناء الإسهاب في أمرٍ يعلمه جيداً رجلٌ مثله؛ رجلٌ واقعٌ في الأسر.. أسر الحب. ذلك الشعور غير المفهوم الذي يربط روحك بفردٍ واحدٍ من دون البشر أجمعين، دون انتقاء مواصفات، أو مفاضلة للأصلح، أو حتى امتلاكٍ لقرار الرفض.
................................
في المنزل الكبير،
تحديدا داخل جناح خليفة الذي عاد بعدما أتمّ إيصال الفتيات إلى مدارسهن، ليجد زوجته «اعتماد» لا تزال غارقة في سلطان النوم فوق تختها. اقترب منها بخطوات وئيدة، ثم ارتمى بجوارها هامساً بمرحٍ وهو يتوقع رد فعلها المذعور:
ـ «اعتماد.. قومي بسرعة، ميعاد المدرسة فاتك وهتتأخري!»
ما إن طرق صوته مسامعها حتى انتفضت بإجفال، وعقلها لا يزال عالقاً في برزخ النوم، فتمتمت بنصف وعي:
ـ «أيوة.. أنا قومت أهو.. حالا هقوم!»
همّت بالنهوض فعلاً في ارتباك، إلا أنه استوقفها بضحكة مجلجلة وهو يمسك بكتفيها:
ـ «بس بس يا مجنونة! اقعدي على حيلك.. ميعاد المدرسة راح أصلاً ودلوقتي الساعة داخلة على تسعة!»
تسمّرت مكانها تتطلع إليه بذهول استمر لثوانٍ، حتى استعادت كامل وعيها حين رفع أمام عينيها ساعة يده؛ فصاحت فيه بقلة حيلة وقد أدركت لعبته المعتادة:
ـ إخص عليك يا خليفة! يعني برضك عملت اللي في دماغك وخليتني غيبت عن المدرسة؟ قلت لي ريحي مكانك على ما أصحي البنات وأنت عامل فيا مقلب عشان تغيبني؟ والنعمة حرام.. حرام عليك!»
انفجر خليفة ضاحكاً وهو يحاول ترضيتها بكلمات تلطف الأجواء:
ـ يا ستي وافرضي صح انا قاصد اعمل كدة، ما هو عشانك برضه يا اعتماد.. انتي ما ينفعش معاكي غير كدة.
قال الأخيرة حين وجدها تدفن رأسها في الوسادة بقهرٍ محبب زاد من مرحه، لكنه سارع لمراعاة مشاعرها والتربيت على كتفها:
ـ «يا حبيبة قلبي ما هو عشان تعبك.. يعني بالذمة لو أنتِ سليمة وتمام، كان غلب حمارك واستنيتيني لما أصحيكِ؟
رفعت رأسها قليلاً وهي تجيبه بنبرة يملؤها اليأس:
ـ طب وبعدين؟ هفضل كدة أروح يوم وأغيب أسبوع؟ تاني بقولهالك حراااام....... !
صار يكتم ضحكاته التي توشك على الانفجار، واقترب منها قائلاً بصوت حنون:
ـ يا اعتماد يا حبيبتي، ما أنتِ ليكي عذرك، والإدارة هناك عارفين تعبك ومقدرين الظرف.. ريحي بالك وبلاش تشيلي الهم.
ـ طب ما هي كل الحريم بتحبل وبتولد، اشمعنى أنا من دونهم اللي خايبة وبيحصل معايا كدة؟ طول اليوم جسمي حاطط عليا وهلكانة.. لا عارفة أسدّ في بيت ولا في غيط، ولا فالحة في مدرسة ولا حتى هنا! أنا مابقتش عارفة أودي كسوفي فين من المدير ولا المدرسين، ولا عمتي حسنية الولية الكبيرة.. بدل ما أنا أشيل عنها واريحها، امبارح لقيتها هي اللي مطلعالي الغدا بنفسها! ولا بناتك كمان اللي اهملتهم.. يا بوي عليا وعلى سنيني!
عند هذه النقطة، انطفأت شعلة المرح في عيني خليفة، وحلّ محلها إشفاقٌ جارف. أدرك أن تلك المرأة، التي جُبلت على الشقاء والتضحية، لا تطيق أن ترى يداً تمتد لتملأ فراغ غيابها، وكأن عجزها الطارئ خطيئة لا تغفر.
لم ينتظر طويلاً؛ بل حاوط ذراعيها بكفيه، ملامساً مكامن ضعفها برفق ليجبرها على رفع رأسها المنكسر. تلاقت عيناه بخاصتيها، وأبصر خطوط الدمع وهي تشق طريقها
فوق وجنتيها؛ فمدّ إبهامه ليمسح أثرها بحنان، مهادناً قلبها القلق بابتسامةٍ تحمل وعود الطمأنينة.
ـ عارفة يا اعتماد.. لولا إني عارف إن دي خربطة هرمونات مع قلة عقل منك، كان بقى لي معاكي حساب تاني! كذا مرة أقولك يا ستي انا راضي بأقل القليل منك، ان شالله حتى أجيب لك خدامة، لكن برضه أنتِ مخك متربس ومش قادرة تستوعبي إن كل ده على قلبي زي العسل يا اعتماد.. دا كفاية انه ربنا رزقني بيكي، دي عندي بالدنيا، وإن كان على أمي برضه راضية، وإخواتي راضيين، والمدرسة باللي شغالين فيها راضيين عنك، والدنيا كلها راضية عنك.. نعمل إيه تاني عشان تصدقي؟»
لم تملك اعتماد أمام فيض حنانه وسعة صدره إلا أن تستسلم لضحكةٍ صافية، انجلت معها غمة الحزن وبان صفّ أسنانها الأمامية وهي تردّد بدلالٍ ممتزج بالدهشة:
ـ كله.. كله يا خليفة؟
ضمّها إليه بقوة، وكأنه يغلق الأبواب أمام كل مخاوفها، مواصلاً بفيضٍ من الامتنان الذي يجيش في صدره:
ـ كله يا قلب خليفة.. ربنا ما يحرمني منكِ ولا من طلتك في دنيتي.
............................
على الطريقة البدائية التي لم يمحُها الزمن من ذاكرتها، كانت تُحمّم الصغير داخل «طشتٍ» بلاستيكي بماءٍ دافئ استمدّ حرارته من قِدرٍ غفا فوق موقد طيني، داخل الغرفة محكمة الإغلاق التي تعبق برائحة الحطب. وبمزاجٍ رائق، كانت تلبسه ثيابه وهي تدندن بأغانٍ من الفلكلور تحفظها عن ظهر قلب؛ قطعةٌ من روحها تشعر معها وكأنها أمه الحقيقية لا جدته.
ـ قمر يا ناس وبدر منور.. بسم الله ما شاء الله عليك يا حبيبي! اسمع يا واد.. إياك تقول (ستو) لما تكبر، تقولي يا ماما.. فاهم؟
وجاء الردّ التلقائي من الصغير ضحكاتٍ صافية ملأت
وجدانها تعلقاً به. «يا الله!».. لا تدري كيف ستجد مساحةً لطفلها القادم داخل قلبها الذي تشبع عشقاً لهذا المشاكس الصغير؛ ففي غمرة جسده الغضّ، تذوب همومها وكأن العالم ينحسر في تلك الغرفة.
فجأة، طرقاتٌ على الباب الخشبي الكبير انتزعتها من شرودها، وصوت طفلها الآخر «ريان» ـ هدية الله إليها أيضاً ـ يدوي منادياً:
ـ أمة مزيونة!
ـ أيوة يا ريان يا حبيبي.. أنا جاية أهو.
قالتها وهي تنهض بهمة، لتخرج من الغرفة وتفتح له الباب الخارجي بعدما أحكمت لفّ الأغطية على «مؤيد» حمايةً له من لفحة الهواء."
"فَتَحت الباب لِتَجِده واقفاً أمامها بابتسامته التي تشرق بالبراءة، مرتديًا ملابس مدرسته الأنيقة؛ وسامته التي تعيد إلى الأذهان ملامح والده كانت تأسر قلبها في كل مرة تتطلع إليه، فاستقبلته بحفاوتها المعهودة:
ـ يا مرحب بالقمر اللي جاي من المدرسة! دا إيه الحلاوة دي بس؟ إيه الحلاوة دي!»
تلقى ريان قبلاتها بغبطة، وبادلها الأثر بقبلةٍ كبيرة مطبوعة على وجنتها؛ الأمر الذي أثار استياء فردٍ آخر كان يقف على مقربةٍ من عتبة المنزل، فهتف بنزق:
ـ ما خلاص ياض! بلاها البرود والمحن اللي يطمم النفس ده!»
رفرف قلب «مزيونة» من الداخل بفرحة تجلت على
محياها فور رؤيته، فقالت وهي تفسح لهما مجالاً للدخول:
ـ حمزة! أنت كمان جاي معاه؟ طب ما تدخل.. تعالى.
تنحت جانباً لتمكن ريان ووالده من العبور، لكن الأخير صدمها برفضه القاطع، وقد اعتلى العبوس ملامحه السمراء التي لطالما كانت محببةً إلى قلبها:
ـ لا متشكرين.. إحنا بس كنا جايين نطمن وجايبين الحاجة دي.
ترجّل من سيارته مُخرجاً عدداً من الأكياس المغلفة، ثم أشار لابنه بنبرة عملية حازمة:
ـ تعالى يا ريان إتلافي الحاجة من يدي.
ركض ريان طائعاً لأمر والده، يتناول منه الأشياء ويدخلها تباعاً تحت أنظار مزيونة التي وقفت مذهولة من هذه الرسمية المتعمّدة، واعترضت قائلة بذهول:
ـ وه وه! خبر إيه يا حمزة؟ متشكرين إيه وكلام فاضي إيه؟ هو أنا حد غريب بيعزمك؟ دا بيتك!
اعتلت ملامحه سخريةٌ مرّة، أو ربما كان ذلك النوع من العتاب الممزوج بغضبٍ مكتوم رغم ثباته الظاهري، وأشار
بيده نحو المنزل الوحيد المجاور لهذا المنزل والذي بناه خصيصاً لها، قائلاً بمرارة:
ـ بيتي؟ لا معلش بقى.. أنا بيتي أهوه، يعني لو عايز أريح يبقى الأولى أريح فيه.
شعرت مزيونة بلسعة تأنيب الضمير من قصده الواضح، فالتفتت نحو ريان تحاول إبعاده عن أجواء التوتر:
ـ بقولك إيه يا حبيبي.. إيه رأيك لو تشيل مؤيد تقعد بيه على الكنبة جوا في الدفا بعيد عن الهوا؟
تهللت ملامح الصغير وقبل الاقتراح بلهفة، حتى اجلسته بالفعل على الكنبة بجوار ابن عمه مؤيد واطمأنت لوجوده بجواره، ثم عادت أدراجها لتجد حمزة جالساً أسفل شجرة التين على المصطبة الطينية القديمة، يتناول إحدى ثمارها الناضجة بصمتٍ موحش.
جلست بجواره على تلك المصطبة التي تختزن في طينها أجمل الذكريات التي جمعتهما، لكنها أدركت أن «حمزة اليوم» ليس هو الشخص الذي تعرفه؛ فاقتربت تلتصق به، تلاطفه بلمحة دلالٍ فطرية تعلمتها على يديه لتجبره على النظر إليها، فما كان منه إلا أن ناولها ثمرة من مجموعة حبات في كفه لتشاركه تناولها بتلذذ، فهو لا ينتقي إلا الطازج الذي يساعده طوله في قطفه من الفروع العليا، ولكنه ما زال متجهماً.
زادت من جرعة دلالها بأن لكزت كتفها بكتفه، فتجفله وهي تهمس بمشاكسة:
* «يعني بتعطيني التينة من يدك الحلوة، وفي نفس الوقت تولي وشك عني؟ طيب بلاش أنا.. موحشكش الغايب يا أبو الغايب عشان تسأل؟»
استطاعت بفعلتها أن تأسر انتباهه، لتنصبّ أبصاره عليها بنظرة تحمل في طياتها العتاب الصامت، فواصلت هي استرضاءه:
* «حمزة، بلاها النظرة دي الله يرضى عنك، ما انت داري إنه غصب عني، مش هرجع أعيد وأزيد في كلامي من تاني، بس ... زعلك على عيني والله، أخوك والبت راكبهم شيطان العند، والموضوع لو دخل فيه "عرفان" مش هيرتاح غير بالخراب، يعني عزلتي بليلى هنا أحسن مية مرة من قعدتها عند أبوها، وأنت لو مش عارف كدة ما كنتش سمحت لي أبداً أطلع من بيتك».
استمر على صمته بملامح مغلفة، ليضاعف من توترها في استعطافه:
* «حمزة الله يرضى عنك، رد عليا بقى ما تخلنيش كدة أقعد أكلم نفسي!»
* «يعني عايزاني أرد اقول بإيه؟»
صدرت منه الكلمات بانفعال، ليردف بعدها:
* «خليني ساكت أحسن يا مزيونة، كاتم في قلبي قهرتي من كل اللي بيحصل حواليا، مهما تعطي مبررات ده مش هيخفف عني، أنتي هامك بنتك ما تحسش باليتم ولا تحتاج لأبوها وتستغني عنك، تمام أنا معاكي، حتى وإن كان الخصم يبقى جوزها اللي هو أخويا، سواء بقى كان غلطان ولا مش غلطان، في كل الأحوال أنا مش عاجبني الوضع.. إنّي أتاخد بذنب غيري دي كبيرة عليا وتقيلة على كرامتي».
توقف بأنفاس لاهثة كأنه عائد من عدو سريع، مندفعاً بإحساس المهانة الذي لم تحتمله مزيونة عليه، فجاء الرد العملي بأن رفعت كفه بين راحتيها تراضيه بحنو:
ـ سلامة كرامتك يا نن عيني من جوه، أنا لو عليا أدخل معاك على البيت دلوك والله، بس هما ربنا يهديهم.. شد أنت على أخوك وأنا أشد على بنتي واعقلها، فاكر إنه هين عليا يعني؟ ده أنا قربت خلاص، يعني محتاجاك أكتر ما أنت محتاجني».
سرقت أبصاره في كلمتها الأخيرة حين حطت كفها على بطنها المنتفخة بحمل الجنين؛ ثمرة العشق من ارتباطها به.
فتسمرت نظراته عند يدها المستقرة فوق جنينها، وكأن تلك اللمسة كانت "كلمة السر" التي اخترقت حصون غضبه، في تلك اللحظة، سكنت أنفاسه اللاهثة فجأة، وانحلّت عقدة حاجبيه المتجهمة، ليحل محلها وجومٌ حزين ممزوج بلهفة حاول مداراتها.
شعر حمزة بـ خفقة غريبة في صدره؛ لم تكن غضباً هذه المرة، بل كانت هزة الحنين لقطعة منه ومنها تقبع الآن خلف هذا القماش، تنتظر الخروج لدنيا يراها الآن هو ملوثة بالخصام.
تراجع إحساس المهانة أمام طوفان من المسؤولية الدافئة؛ فكيف يكسر خاطرها وهي تحمل في أحشائها "طفله" القادم؟
أحس ببرودة كفه بين يديها، وكأن دفء جنينها انتقل عبر راحتها ليمتص مرارة قلبه، لا يستطبع منع نفسه من إرخاء قبضته المشدودة، فمال نحوها قليلاً، وتلاشت نبرة الانفعال في صوته ليحل محلها همسٌ مثقل بالحب المنهك:
ـ «يعني عارفة نقطة ضعفي وبتدوسي عليها يا مزيونة.. عارفة إن الحتة اللي منك دي هي اللي كاسرة عيني ومخلية رجلي تسبقني ليكي قبل ما أفكر في اللي حصل.»
مد يده الأخرى، ببطء وحذر، ليضعها فوق يدها المستقرة على بطنها، وكأنه يبارك هذا العهد الصامت بينهما، ثم تنهد تنهيدة طويلة خرجت معها بقايا "القهرة" التي حبسها طويلاً، ليردف بعينين لمعت فيهما نظرة حانية:
ـ «عشان اللي جاي ده.. وعشانك أنتي، ابلع المر يا بت الأحرار .. استحمل واصبر لما اشوف ايه اخرتها بعد ما اتعلق مصيرنا انا وانتي بيد جوز العيال دول، بس بلاش المدة تطول يا مزيونة ، عشان خاطري
....................
حين عاد إلى المنزل، وفور أن خطت قدماه داخله، تفاجأ بها تخرج من إحدى الغرف تهرول نحوه بلهفة بهيئتها المنزلية المنطلقة، تقترب منه وتتلقاه بترحيبها الحار:
ـ "حمد لله على السلامة، جيت بدري يعني؟ افتكرتك هتتأخر؟"
لم يجبها على الفور وقد انشغل بتأملها، وهي تسحبه من ساعده لتجلسه وتجلس معه. كانت ترتدي فستاناً بيتياً قصيراً يصل بالكاد إلى الركبتين وبدون أكمام، شعرها المتعرج بفوضوية مقصودة تليق بالفعل بشخصيتها، والحماس الذي يقطر مع كل حركة منها يشعلها حيوية تأسر عينيه، والسبب بالطبع يعرفه.
ـ "مالك يا كمال ساكت ولا كأن حد خاطفك؟"
هتفت بها وجسدها يحط بجواره على الأريكة لتلتصق به، فتبسم ساخراً من فعلها:
ـ "ما إنتي خطفاني فعلاً من أول ما دخلت، على العموم أنا برضه بحب الخطف، مادام جاي منك.... بحبه أوي."
همس كلماته الأخيرة في جِيدها، يستغل كل لحظة رضا منها، حتى لو كان في القادم صدمتها، فتدللت تتلقى فيض عشقه على بشرتها بصوت ناعم متفاجئ رغم تمنعها:
ـ "وه... كمااال.... على طول كدة... استنى طيب لما تاخد نفسك من المشوار.... ده أنت لساتك داخل..."
خرجت همساته مكتومة بالإجابة إليها:
ـ "وماله.... أنا طول الوقت مشتاقلك، وراحتي حتى لو تعبان بلاقيها معاكي..."
تبسمت بارتباك تتصنع رضا زائفا تهادنه بعجلة من أمرها:
ـ "وماله يا سيدي هو أنا أكره؟ بس الأول فهمني، عملت إيه في مشوارك، ريح قلبي يا كمال...."
أجبرته بتململها أن يتوقف، فخرجت منه زفرة إحباط ساخنة أحرقت بشرتها قبل أن يرفع رأسه إليها متطلعاً لعينيها؛ حبيبتيه الكاذبتين:
ـ "عايزة تعرفي اللي تم بيني وبين حمزة..."
عدلت فستانها سريعاً وقد عاد إليها الحماس:
ـ "ياريت يا كمال تريحني، أكيد هو عملك حساب ووافق صح؟"
زمّ شفتيه بضيق واضح رداً على تلميحها الأخير ليجيبها دون انتظار:
ـ "لأ يا هالة، معمليش حساب عشان دي حاجة مفيهاش تفاهم، بس أنا قلت أعمل اللي عليا عشان تعرفي إن الرفض مش من عندي، بل بالعكس أنا مرحب جداً..."
استوعبت كلماته دفعة واحدة لتنتفض بغضب أشعلها:
ـ "أفهم من كدة إنه رفض؟ وهو مين أصلاً إداله حق يقرر في حاجة زي دي؟ أنت كان لازم تكلم خليفة.... هو اللي أبوهم، مش صاحبنا ده!"
بدوره انتقل الغضب إليه ليعقب بحزم، ضاغطاً على كلماته كي يذكرها حتى لا تنسى وتتجاوز:
ـ "صوتك ميعلاش يا هالة!"
ـ "يعني أكتمهم في قلبي وأموت؟!"
صرخت بها تنتفض من جواره كعاصفة تثور بلا ميعاد:
ـ "حمزة ده هيفضل طول عمره موقف لي حياتي، أنا عايزة أعيش وآخد بناتي في حضني، ربنا كرمني بيك عشان تردلي كرامتي وتجيب لي حقي من الكل، أنا عايزة بناتي يا كمال... لازم.. لازم!"
تضرب بقدمها على الأرض بإصرار حتى صارت كالعمياء في تلك اللحظة في التعبير عما يجول داخلها من نيران، فعجزت عن قراءة صفحة وجهه المغلفة، وهو يكتم بصعوبة غضبه المتصاعد خلف قناع البرود الذي يتسلح به الآن أمامها، حتى باغتها بسؤاله:
ـ "تحبي أحبسلك مين فيهم طيب؟ أحبس خليفة وأمضّيه على تنازل عنهم؟ ولا الأحسن أحبس حمزة وألفق له قضية تقعده في السجن سنين يتذل فيهم ويعرف غلطته عشان سابك ومتمسكش بيكي؟"
تمتمت بصدمة:
ـ "أنت بتقول إيه؟"
كان قد وقف في تلك اللحظة ليقابلها بطوله الفارع، ليعيد على مسامعها قوله:
ـ "بخيرك أحبس مين فيهم؟ مش إنتي عايزاني أضغط عليهم بسلطتي؟ بعد ما خرجتك من قضية كانت لابساكي وجعلتك مرات رائد كبير في الداخلية ليه شنة ورنة، خلاص بقى تدوسي على الخلق براحتك، وأهو كله ملك إيدك عشان تعملي اللي إنتي عايزاه!"
ـ "بس أنا مقولتش كدة!"
ـ "أمال قولتي إيه؟"
صاح بها رداً على نفيها، ليباغتها بالقبض على ساعديها وقد ذاب قناع الجليد تحت نيران الغضب، يكشفها أمام نفسها:
ـ "غرورك صورلك إن شوية الدلع والكلام الحلو خيّلوا عليا وخلاص اقتنعت إنك بتبادليني نفس المحبة، وإن بساعة رضا منك تاخدي قبالها اللي إنتي عايزاه.. لا فوقي! أنا أقدر آخد اللي عايزه وفي نفس الوقت أخليكي خدامة تحت رجلي، كرم أخلاقي معاكي مش معناه ضغف ولو فاكراه كدة انا مستعد كويس قوي اصحح الصورة المغلوطة
واوعى بقى عشان انا فعلا قرفان منك دلوقتي .
دفعها في الأخيرة لتسقط على الأريكة وتحرك هو يتركها بحالة امتزجت بين الصدمة والدهشة ثم البكاء، وقد صعقها بانقلابه بعدما ظنت انها قد ملكته لتنال ما تريده
...................................
تحت ظلال شجرة التين
على المصطبة الطينية العتيقة التي تفوح منها رائحة الأرض والهدوء الذي تستجديه روحه المتعبة، وفي جلسته الأسرية الدافئة؛ كانت زوجته الحبيبة تجلس بجواره تُطعم الصغير بـ "الببرونة"، والابتسامة لا تفارق وجهها، بينما عيناها تتابعان دقات قلبه المتسارعة مع كل حركة يقوم بها "ريان".
ذلك الشقي المتحمس كان يركض في المساحة الفاصلة بين بيتهم ومنزل والدي "مزيونة"، يطارد الكرة بكل طاقته. ومع كل "شوّطة" قوية، كانت الكرة تقترب أكثر من شتلات الأشجار الصغيرة التي زرعها حمزة منذ أشهر قليلة، لتجاور الشجيرات التي غرسها سابقاً منذ بداية بنائه لمنزله. كان يراقب نموهما بفخر، ويخشى عليهما حتى من هبوب الهواء إن جاء قوياً.
والآن يراقب بخوف؛ فمع كل اقتراب للكرة، كان يصرخ في ريان بصوت متهدج:
"يا واد ابعد عن الشجر! هتكسرهم يا مجنون!"
يضحك ريان بحماس أكبر، وتتعالى ضحكات مزيونة الرقيقة وهي تلطف الموقف:
"يا حمزة اهدا شوية، الولد بيلعب، مفيش حاجة هتحصل.. دي مجرد كورة!"
يؤكد ريان على كلماتها وهو يقفز بحماس، مما يزيد من غيظ حمزة الذي أوشك أن ينتفض من مكانه لينتزع الكرة، لولا نظرة مزيونة ورجاؤها الناعم الذي يذيب قسوة ملامحه فوراً، فيبتسم ريان ومزيونة، ويلين قلب حمزة الذي لا يملك إلا أن يستسلم لهذا الدفء، فينسى عذاب الأمس وغضب اليوم في ظل هذا الوضع القائم.
إلا أن لحظة الصفاء لم تكتمل، فقد انقطع هدوء المكان على صوت شجار جديد مع وقع قرع على الباب الخشبي:
ـ تاني برضك يا معاذ؟ بقولك ملكش دعوة بيا، عشان مش أنا اللي بغلط زيك وبعدها كمان مأسكتش وأعمل مشاكل.. افتحي الباب يا أماي.
انتفضت الأخيرة عند سماع الصوت، لتنهض من جلستها ثم خطت حتى وقفت عند جانب المنزل لتلفت نظرهما إليها:
ـ أنا هنا عند التينة يا ليلى، إيه اللي حصل بس؟ خير؟
سمعت ليلى صوتها لتسارع إليها بخطوات مضطربة، وعلامات الغضب ترتسم على وجهها:
ـ هايجي الخير منين بس؟ وفي ناس قاعدة تقول يا شر اشطر!
دوى صوت معاذ الذي كان يلحق بها، تتطاير من كلماته نيران الغيرة التي نُبشت لتشتعل دون قصد منها:
ـ والله أنا راجل محترم وعارف نفسي زين، الرك على الهانم اللي ما صدقت مع أول خلاف ما بينا.. عايزة تمشي على كيفها وبتتعمد تعمل أي حاجة تضايقني، قاصدة تقهرني!
كادت ليلى أن تثور رداً عليه، إلا أنها انتبهت لوجود حمزة الذي لم يبرح جلسته على "المصطبة"، يرمقها ويرمق شقيقه بنظرة غاضبة، وقد تحولت سحابة الهدوء التي نعم بها لحظات قليلة إلى سماء ملبدة بغيوم التوتر.
ـ إنت كمان قاعد هنا يا حمزة؟ طب كويس عشان تشهد بنفسك على الكلام وتعرف مين غلطان فينا.
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، هي عملت إيه بس عشان تشيل منها كدة؟
جاء السؤال العفوي من مزيونة قبل أن تجفلها صيحة ابنتها:
ـ إنتي هتعومي على عومه يا أمي؟ ده عايز يعمل مشكلة من مفيش! صادفت ابن خالي حازم في المواصلات، دفع لي ونزل معايا يوصلني لبداية الطريق، قبل ما أقابل صاحبنا ده ويخليني في نص هدومي" وهو بيرد عليه بقرف ويسحبني من يدي قصدا، كأنه بيجر بهيمة!
ـ تحمدي ربنا إني مضربتهوش بالمرة! بيتحدث ويتساير معاكي ليه؟ مالكيش راجل؟
ـ احترم نفسك يا معاذ!
صرخت بها رداً على وقاحته وقد بلغت به الغيرة حداً لا تطيقه، ليضاعف من شحنة الأجواء أمام الثلاثة.
أما ريان، الذي توقف عن اللعب، فقد انكمش في مكانه ممسكاً بكرته، وعيناه تراقب والده الذي بدأ وجهه يتغير لونه من الغضب الصامت. لم يتكلف حمزة بالتعقيب حتى الآن، تاركاً المجال لزوجته مزيونة التي ردت تعاتب زوج ابنتها:
ـ لا ملكش حق في دي يا معاذ، حازم ولد وصفي أخوي مفيش في أدبه ولا أخلاقه، ثم كمان هو معملش حاجة، ده يدوب بس وصلها.
معاذ الذي أعماه الغضب لم يتأثر، ولم يكن يرى أمامه سوى ضحكاتها مع غيره، عكس جفائها معه والسبب غلطة غير مقصودة.. أو ربما غلطتان! فجادلها بنبرة مختنقة بإحباطه:
ـ مأدب ولا عفش لنفسه! هي ليه متلتزمش احترامها وتراعي كلمتي؟ ولا يمكن قاصدة تستفزني كمان؟
ـ تاني برضك هيقول بتستفزني؟ على أساس إنك هاممني قوي دلوك ولا هموت عشان ترجع لي!
ـ احترمِ نفسك يا ليلى!
ـ لِمّ إنت لسانك الأول!
ـ بسسس إنتوا الجوز!
هدر حمزة بالأخيرة وقد اكتفى من السكوت، وضاقت أنفاسه من فعلهما؛ فعنادهما لن ينهي هذا الشجار لبقية اليوم. واردف صوته الأجش بنبرة حازمة، محاولاً السيطرة على الموقف قبل أن يتصاعد:
ـ قفلوا إنتوا الاتنين وفضوها.. إنت يا معاذ روح على البيت، وإنتي يا ليلى ادخلي ارتاحي.
رافقت كلماته الأخيرة إشارة بذراعه نحو منزل أجدادها، فلم تجادله أو تعترض، بل تحركت على الفور تفتح الباب وتسبق والدتها للداخل. أما معاذ الذي تبعها بعينيه، فلم يملك إلا الانصياع هو الآخر لأمر شقيقه وغادر المكان.
ترك الرحيل خلفه صمتاً خانقاً، بعدما تبخرت لحظة الصفاء من قلب حمزة ليعود إلى تجهمه. وبلمسة حانية، ربتت مزيونة على ذراعه برفق، وكأنها تطلب منه الصبر والتريث على أفعال هذين الغبيين.
.........................