تحميل رواية «لأجلها» PDF
بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل قرية صغيرة تتبع مركز من مراكز المحافظة الجنوبية الشهيرة، لكنها تبتعد بمراحل عن الحضر واوجه التقدم، حيث الاحتفاظ بالعادات المتوارثة عبر الأجيال، برفض تام عن التخلي عنها حتى لو كانت سيئة وتتسبب بالعديد من المأسي، ومن يستطيع محوها او تغيرها مدامت الاذية لا تطول الا الطرف الضعيف وفقط ! امام المراَة وقف عرفان الأشقر وهذا اللقب الذي أطلقه اهل البلدة على عائلته نظرا لصفات الشكلية المميزة لعائلته، بشرة فاتحة بشدة لأفرادها وبفرق ملحوظ عن باقي العائلات، بالإضافة إلى سمات أخرى زادت من تثبيت الأمر كألو...
رواية لأجلها الفصل 10005 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لاجلها الفصل السادس والستون
بخطواتٍ شابتها العجلة، كانت اعتماد تهبط الدرج الرخامي العريض، يسبقها ضجيج صغير لخطوات ابنتي زوجها، "منة" و"جنا"، بملابس المدرسة التي ترتديانها بأناقة لا تقل عنها. كانت قد استيقظت اليوم باكراً، ولم تستسلم لتعب الحمل المزمن؛ فبدت ملامحها تعكس ثقةً وإصراراً، لكنهما تبخرا في لحظة خاطفة فور أن اصطدمت حواسها برائحة الطعام الشهي وخبز الإفطار الساخن الذي كان يزين المائدة.
تجدد معها شعور الذنب الذي ينهش ثباتها وهي تنتبه إلى الحركة القادمة من المطبخ في الطابق السفلي؛ حيث كانت إحدى حفيدات حسنية تتحرك بنشاط، تضع الأطباق بهمةٍ عالية، وكأنها تعلن بصمت عن سد الفراغ الذي تركته "كَنّة" البيت العاملة.
التفتت اعتماد نحو زوجها خليفة الذي كان يسير بمحاذاتها يربط ساعة يده، فجذبت طرف كمه بخفة، وقالت بنبرة منكسرة يملؤها الهمس والخجل:
— "يا مري يا خليفة، أوري وشي لأمك إزاي دلوك؟ ولا بنت أختك البنت اللي جاية من النجمة تقف في المطبخ وتجهز الفطار، وأنا اللي عايشة معاها في البيت نازلة على شغلي وإيدي فاضية!"
تابعت وهي تشيح بنظرها عنه بأسى:
— "الكسوف واكلني منها.. أنا قصرت وتنحت لدرجة خلت الولية تضطر إنها تجيب حفيدتها عشان تسندها وأنا موجودة."
أهداها خليفة ابتسامة مطمئنة تهدئ من روعها قائلاً:
— "ما تبقيش عبيطة يا اعتماد، بت أختي وجاية تخدم جدتها، حاجة مش غريبة ولا جديدة. أمي عارفة بالظرف اللي إنتي فيه ومش محتاج شرح، وهمي ياللا خلينا ننزل، البنات سبقونا على تحت."
ختم كلامه وهو يسحبها من يدها ليجبرها على التحرك وإخماد ترددها، بيد أن عقلها كان مشحوناً بصراع لا ينتهي بين رغبتها في الالتزام بطموحها المهني، وبين حرصها على عدم التقصير في خدمة المرأة الجميلة "حسنية"، التي كانت تخجلها في كل مرة برقتها ورقيها؛ تماماً كما يحدث الآن وهي تتلقاهما بابتسامتها العذبة بعدما قبلت الصغيرتين وأجلستهما إلى طاولة الإفطار.
هتفت حسنية بحفاوة:
— "يا صباح النور على البنور، ياللا يا خليفة، ياللا يا اعتماد همي إنتي كمان عشان تفطري وتحصلي شغلك، هنية بت بتي عاملة فطار ملوكي؛ فول بالسمنة البلدي حاجة كدة تستاهل خشمك وتغذي النونو اللي جاي."
أمام رقتها المتناهية، لم تجد اعتماد سوى التعبير عن امتنانها عملياً؛ فاقتربت منها ترفع كفها وتقبله قائلة:
— "صباح الفل يا أحلى أم في الدنيا، من غير ما أدوق يكفي إن نَفَسِك معاها، يبقى أحلى أكل وأحلى فطار."
ضحكت حسنية بدهشة، تنقل بصرها بينها وبين خليفة الذي ضمها هو الآخر من رأسها يقبل أعلاها، قائلاً بمشاكسة نحو ابنة شقيقته:
— "وأحلى حسنية كمان، صباحك ورد يا ست الكل. أنا برضه عايز أشوف نَفَس البت دي في الطبيخ، نعرف هتعمر في بيت جوزها ولا هتبقى خايبة وتجيب لنا الكلام!"
شهقت الفتاة بذعر امتزج بمرحها وحماسها:
— "وجالك قلب تقولها يا خالي؟ طب وربنا أنا بطبخ أحسن من أمي، ودلوك تشوف بنفسك!"
تصنّع وجهه العبوس، لتمتد يده فجأة ويباغتها بضربة خفيفة بطرف إصبعه على جبهتها، فصاحت باعتراض ومرح:
— "حرام عليك يا خالي، ده بدل ما تشكرني؟!"
ناظرها بعدم اكتراث وهو يجلس بجوار زوجته التي كانت تتابع مزاحهما بمرح، لتتدخل "اعتماد" ملطفة الأجواء:
— "معلش يا حبيبتي، خالك وإنتي عارفاه عاد، لازم يغلس عليكي."
رددت الفتاة وهي تأخذ مقعدها بجوار الصغيرات:
— "عارفاه طبعاً، ظالم ومفتري!"
هتف بها خليفة مقاطعاً بضحكة مكتومة:
— "بس يا بت بلا وجع دماغ."
ضحكت حسنية تشاركهما المرح، قبل أن يباغتها خليفة بسؤاله المفاجئ:
— "إلا معاذ فين يا أمي؟ مش ينزل يفطر معانا ولا لساه نايم؟"
وضعت حسنية اللقيمة في فمها، تمدغها بتمهل قبل أن تجيبه بمكر:
— "لا يا ولدي، هو مباتش أصلاً هنا."
سألها خليفة بدهشة عقدت حاجبيه:
— "أمال بات ليلته فين؟!"
..............................
جاء الهتاف من حمزة وهو يدفع شقيقه بخفة كي يوقظه، وقد احتل الأخير إحدى الأرائك في صالة منزله ليبيت عليها ليلته، مما زاد من حنقه المكتوم من أفعاله الحمقاء وغير المتوازنة:
ـ قوم يا معاذ متعصبنيش، أنا معنديش طولة بال ولا خلق أتحمل من أصله.
استجاب معاذ لمحاولاته، يستعيد وعيه ببطء، ليعتدل بجذعه ويفرد ذراعيه متمطّعًا:
ـ آآآه يا حمزة.. صحيت والله، بس حاسس بجسمي كله مكسر.
تغضنت ملامح الأخير بضيق ليجلس على الكرسي المقابل له قائلاً:
ـ طبعًا يا غالي لازم يبقى جسمك مكسر من نومة الكنبة، ولا تلاقيك كنت سهران عليها كمان! أنا مش عارف والله إمتى جيت وإمتى نمت؟ إذا كنت أنا نفسي نايم الساعة اتنين.. وإزاي دخلت من أصله؟
لاح الحرج على وجه معاذ وهو يرد على تساؤلات حمزة ببعض التلعثم:
ـ ما هو.. أصل أنا يعني، كنت مخنوق شوية ومش جاي لي نوم على فرشتي، فلقيت رجلي واخداني لحد هنا.. والساعة تلاتة، مكنش ينفع أرن الجرس عليك وأصحيك تتخلع.. فااا.. افتكرت إن كان معايا نسخة من المفتاح في سلسلة مفاتيحي، وفتحت بيه.
ـ صلاة النبي عليك وعلى حلاوتك يا غالي!
قالها حمزة وهو يضرب بكفه على ذراع المقعد بغيظ، ثم أردف:
ـ.. طبعًا يا حبيبي تخش في الوقت اللي تحبه وتفتح بالمفتاح ما هو البيت فاضي مفهوش "مَرَة" تعمل حساب وجودها، والبركة فيك.
مست كلماته نزعة الضمير بقلب معاذ الذي دافع عن موقفه:
ـ يوه يا حمزة، وأنا كان في يدي إيه بس يا واد أبوي وما عملتوش؟ ما البرنسيسة هي اللي راكبها ميت عفريت، كبرت الحكاية وأمها تبعتها، ومعلش يعني من غير زعل، كان واجب أنت تضغط على مرتك.. بدل ما هي مشجعاها.
مال حمزة برقبته أمامه يطالعه بنظرة كاشفة مضيقًا عينيه:
ـ يعني الغلط طلع مني أنا ومرتي في الآخر، وجنابك اللي بريء في القصة؟ اتعدل ياض واخشع عشان أنا على آخري منك ومش عايز أفتح في بداية الغلط اللي منك من أساسه، عشان عارف إنك ندمان، بس الحكاية إنك بتكابر وأنا مش هلومك برضه.. كبّر براحتك، بس المهم تلمها وتعرف تكسب أم ولدك من تاني، لا أخربهالك أنا في الآخر وأقطعها عليك مية ونور.. أنت عارفني لو شغلت دماغي لمصلحتي!
فهم معاذ تهديده، فهو الأوعى بذكاء شقيقه إن همّ بتنفيذ وعيده، وهو يريد القرب، ولا يحتمل عذابًا أكثر في ابتعاده عن زوجته حبيبته وأم ابنه قرة عينه "مؤيد".
ـ أنا خلصت يا بوي، هتيجي توصلني؟
جاء النداء من "ريان" الذي دلف من باب المنزل عائدًا من الخارج مرتدياً ملابس المدرسة، الأمر الذي دفع معاذ للتساؤل:
ـ وأنت راجع ولا داخل؟ كنت فين ياض؟
صدر الرد من ريان بنوع من التفاخر والزهو:
ـ كنت عند أمي مزيونة، سرحت لي شعري وعطرتني، وعملت لي التسريحة اللي بحبها.
عرفت الابتسامة مكانها على ثغر معاذ وهو يبصر ملامح شقيقه وقد تبدلت لغيظ شديد نحو ابنه رائق المزاج، يتمتم هامسًا:
ـ آه يا ابن الكلب.. الدنيا تضرب تقلب وأنت ولا على بالك، راضع تناحة زي عمك!
....................
خرج حمزة من منزله في موعده الصباحي المعتاد لإيصال ابنه ريان إلى مدرسته. تلقائياً، اتجهت عيناه إلى المنزل الذي تقبع فيه زوجته الحبيبة؛ فهزمه الشوق إليها رغم أنفه، ورغم كل ما بينهما من عتاب ولوم. لكن عيناه اصطدمتا اليوم بمفاجأة لم تكن سارة على الإطلاق!
أبصر ذلك البغيض "عرفان" جالساً على المصطبة الطينية أسفل التينة؛ المصطبة التي تحمل أجمل ذكرياته معها، والمكان المميز دائماً لجلساتهما.. يحتله الآن ذلك الغليظ وعلى فمه ابتسامة سمجة!
أشعل المشهد مراجل نيران كانت خامدة في صدره، فتسمرت قدماه بالأرض تاركاً صغيره عند باب السيارة في انتظاره. كان يرمقه بعدائية شديدة، بادله إياها الآخر باسترخاء مستفز. صمتٌ يغلف حديث العيون؛ تحفُّزٌ من جانبه واستفسار حاد عن سبب جلسته هنا، ومكرٌ من الآخر وكأنه يخبره أنه جاء ليأخذ مكانه.
عند هذا الخاطر، استنفرت حواس حمزة حتى همَّ أن يتقدم للاشتباك معه، لولا انتباهه لقدوم "ليلى" حاملة طفلها. شعرت ليلى بشحنة الأجواء، فألقت التحية بحرج:
ـ صباح الخير يا عم حمزة.
جاء رده بغضب مكتوم، متراجعاً عما كان ينتويه حين وجدها تعطي طفلها لهذا البغيض، الذي تناوله وهو يهتف بقصد مستفز:
ـ "هات يا بت.. هاتي حبيب جده هاتي، الواد ده واخد حتة من قلبي يا نسيبي، أصله طالع شبهي بالظبط!"
كم ودَّ حمزة أن يهشّم أسنانه بقبضته ويطرده شر طردة، ولكن كيف يفعلها؟ وقد بدا واضحاً أن الرجل يتخذ الصغير حجة ليتقرب من ابنته و... اللعنة! سوف يقتله لو فكر مجرد تفكير بها.. أم طفله القادم.
ـ في حاجة يا حمزة؟
تساءل "معاذ" الذي خرج هو الآخر من المنزل متعجباً من وقفته الغريبة. التفت إليه حمزة يرمقه بجمر عينيه المشتعل، محملاً إياه مسؤولية هذه المهزلة التي يراها أمامه، ودون أن ينبس ببنت شفة، توجه نحو سيارته ليغادر، تاركاً له المجال ليفهم وحده.
وبالفعل، فهم معاذ سبب غضب أخيه حين رآها.. معذبته العنيدة واقفة أسفل التينة عند المصطبة، وصغيرهما بين ذراعي حميه البغيض عرفان.
...................
وداخل منزلها، لم تكن أقل منه غضباً أو قهراً، ولكن ما الحيلة أمام عاطفة غريزية من ابنتها تجاهه؟ عاطفة الأبوة التي حُرمت منها رغم وجوده، أما الآن وهو يغدق عليها بالحماية والحنان -رغم علم الأم بخبث نواياه- فإن التوقيت الذي يختاره وهي في أمس الحاجة لذلك الشعور، يجعلها تغمض عينيها وتصم أذنيها لتعيش اللحظة ولو بالوهم.
انتفضت من شرودها على إثر نغمة الهاتف العالية؛ اتصال منه، زوجها الحبيب:
ـ ألو.. صباح الخير يا حمزة.
جاءها الرد بتهكم صريح وعصبية مفرطة:
ـ صباح الخير يا برنسيسة، من غير إزعاج لجنابك يعني على أول الصبح، أنا عايز أعرف الراجل جاي ليه دلوك؟ ومين اللي فتح له؟ ومين فيكم اللي طلع وقابله؟
ابتلعت ريقها باضطراب، تحدثه بصوتها الهادئ عبر الأثير في محاولة لامتصاص غضبه، وقد فهمت السبب وراء ثورته:
ـ صلي على النبي يا حمزة وروق بالك حبة، وربنا ما طلعت له ولا شفته، ليلى هي اللي طلعت واستقبلته.
ـ استقبلته! لاه، ده كان ناقص يضايف عندكم كمان!
كادت صرخته أن تصم أذنيها، وهي بالكاد تتحكم في رجفتها جراء انفعاله:
ـ والمصحف ما دخل، ده يدوب خبط على الباب بحجة إنه يسأل على البت وولدها، وهي زي ما أنت عارف عمرها ما تكسفه، ده أبوها يا حمزة، وأنا مقدرش أمنعها عنه ولا أحرمه من ولده.
ـ أيوة، بس تحرميني أنا! عشان يستغل هو الفرصة ويتحرك الأمل جواه.. هتجننيني معاكي يا مزيونة!
خرجت الكلمة الأخيرة بحدة أعلى من سابقتها، لدرجة جعلتها تتأوه وجعاً في اذنها، ولكنها تغاضت من أجل التخفيف عنه رغم عتبها عليه:
ـ الله يسامحك يا حمزة، أنا برضه مش هزعل منك عشان عارفة ومقدرة سبب عصبيتك، طالبة منك تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.. أنا هشدد على ليلى تنبه عليه ميجيش تاني هنا، ولو عايزاه تتصل بيه وتروح له البيت، كده زين يا حمزة؟
وصلتها منه زفرة قوية، تبعتها أنفاس ثائرة لثوانٍ، قبل أن يستعيد هدوءه ويجيبها:
ـ ماشي يا مزيونة.. أما نشوف آخرتها إيه!
......................
استيقظت ولم تجده بجوارها على الفراش؛ كانت هذه المرة الأولى منذ زواجهما التي تباغتها برودة مكانه الخالي. لم تغفُ على صدره، ولم يضمها إليه عنوةً كما اعتاد. ورغم اختناقها أحياناً، وعدم رضاها في معظم الأوقات عن طريقته في إجبارها على القرب منه، إلا أنها في تلك اللحظة شعرت وكأن شيئاً ما ينقصها.. أو.. هل يعقل أنها افتقدته؟! بالطبع لا، ربما هو شعور "الاعتياد" لا أكثر.
نفضت عن رأسها تلك الأفكار الغريبة، ونهضت عن التخت لتخرج من الغرفة وتبحث عيناها عنه في أرجاء الشقة الشاسعة، حتى انتبهت لحركته داخل إحدى الغرف. كان يقف أمام المرآة يرتدي قميصه الأبيض فوق بنطاله، وقد بدا من شعره المبتل وبشرة وجهه الندية أنه أنهى حمامه الصباحي للتو.
التقت عيناها بخاصتيه عبر انعكاس وجهيهما في المرآة، فاستقبلت نظراته بتجهمٍ أعاد إليها ذكريات ما قبل زواجهما. انتفضت عند خاطرها الأخير، لتبادره بالحديث:
ـ صباح الخير، صحيت وملقتكش جنبي، هو أنت صاحي بدري ولا واصل متأخر من مأمورية بره القسم ولساتك هتنام؟
التفت إليها رافعاً حاجبيه باستهجان واضح رداً عليها:
ـ وهنام بقى بهدومي المكوية اللي لابسها حالا؟
ارتبكت وهي تبرر سبب استفسارها:
ـ لا ما أنا.. أنا مستغربة يعني وقولت أسأل عشان...
ـ خلااااص عرفت!
قاطعها بنبرة حادة كالشفرة أوقفتها عن المتابعة، ثم استطرد على الوتيرة ذاتها، وقدماه تتحرك نحو سترة الحلة الملقاة على طرف التخت يتناولها:
ـ دي الأوضة اللي نمت فيها الليلة اللي فاتت، أصل بصراحة رجعت امبارح هلكان من شغلي ومكنتش ناقص كمان خنقة.
صفعتها كلمته الأخيرة، شعرت وكأنها هوت على حواسها لتوقظها على القسوة التي تطل من عينيه. استدركت التغيير الذي حلّ به؛ يبدو أنه لم ينسَ شجار الأمس هذه المرة. أترى الخطأ كان منها حين أصرت على شيء تعرف مستحيل حدوثه؟
ابتلعت غصة في حلقها، فجاء ردها بعتاب ناعم:
ـ الله يسامحك يا كمال، أنا مش هعتب عليك عشان عارفة إنك زعلان مني، بس كانت لحظة غضب من حرقتي على بعد البنات عني
ثبّت "كمال" سترة حلته على كتفيه بصرامة، واستدار عائدا إلى المرأة يمشط شعر رأسه بالفرشاة وفي نفس الوقت يراقب انعكاس صورتها المهزوزة امامه ببرودٍ جعلها تشعر بصغر حجمها في تلك الغرفة الواسعة.د
فاستطرد بنبرة جافة لا مبالية:
ـ بس انا محدش يقدر يزعلني، ابعد ولا اقرب وقت ما احب، يعني لو طلبت معايا ارميكي برا حياتي دلوقتي مفيش حاجة هتمنعني،...... ولا توقفني،
علمت أن قد غضبه في تلك اللحظة قد تخطى آخره، ويبدوا أن ما قطعته طوال الأيام الماضية من تقدم على وشك أن يضيع في لحظة أن لم تلحق وتصحح خطأها،
فاقتربت منه بخطوات وئيدة، تحاول جاهدة أن تطمس معالم التوتر في صوتها قائلة باستعطاف:
ـ واهون عليك، لدرجادي انت شايل وبايع لمجرد غلطة صغيرة في ساعة عصبية، دا البني ادم ياما بيخربط في اللحظات دي، وعلى العموم برضه حقك عليا
حدق رافعا حاجبيه بنظرة اثارت في قلبها عدم الارتياح وكأنه يزن محاولتها المستميتة لامتصاص غضبه، قبل أن يقول بلهجة قاطعة:
ـ كويس خالص والله انك عرفتي غلطك، رغم انه اتاخر شوية اعتذارك لأن للأسف انا حالا لازم اللحق واروح شغلي...
قالها وهو يشرع في التحرك فانفرجت شفتيها تهم بالحديث ولكنه سبقها يقطع عليها الفرصة:
ـ ومفيش داعي تحضري اكل، انا هفطر في القسم .
انهى قوله ليتحرك متجاوزاً إياها، تاركاً خلفه رائحة عطره القوية وصمتاً أثقل من الجبال، بينما بقيت هي واقفة مكانها، تتساءل عن القادم في عشرتها معه،
وان كانت نعومتها والدلال الذي تتحذه منهجا في التعامل معه لم يعد كافية حقاً في تفتيت صخر قلبه الذي يزداد صلابة يوماً بعد يوم، يبدو أنها تعجلت كالعادة قبل أن تجني الثمار.
.......................
قاعد لوحدك ليه يا عطوة؟"
انتفض المذكور من شروده ليلتفت إليها، وقد كان جالساً على بقايا كرسي مكسور فوق سطح منزل والديها في تلك البلدة الجميلة؛ الفيوم التي أحبها وأحب العيش فيها، وقد قرر قضاء ما تبقى من عمره بها، ولكن يبدو أن ذنوب الماضي لن تتركه بسلام.
ـ "عطوة.. أنا بكلمك؟"
جذبت انتباهه للمرة الثانية وهي تسحب وسادة قديمة وجدتها ملقاة في طريقها إليه، لتجلس عليها في مواجهته مستطردة:
ـ "وقاعد وسط الكراكيب! طب قولي كنت وضبت لنا قعدة رومانسية والترعة الجميلة قدامنا."
كانت تتحدث بعفوية، غافلة عن الهمّ الذي اكتست به ملامحه، ولم تنتبه إليه إلا مؤخراً:
ـ "عطوة.. أنت في حاجة مزعلاك؟"
تحمحم يجلي حلقه ليقطع صمته أخيراً:
ـ "وإنتي اللي يشوفك يا نورا يعرف حزن ولا زعل!"
ـ "أمال إيه؟ دي مش طبيعتك يا عطوة، تاخد زاوية بعيدة عن الكل وتختفي فيها.. بس أنا أكتر واحدة عارفة اللي جواك. من ساعة اتصال امبارح وأنت مش على بعضك، حتى نوم منمتش زين، ولا فاكرني مكنتش حاسة وأنت بتتقلب على فرشتك كأنك قاعد على جمر؟ هو جمعة بلغك إيه؟.. وإياك تقولي نفس كلام امبارح اللي مالوش معنى!"
لم يكن يريد التحدث، ولكنها أجبرته بإصرارها أن يفصح عن همه المثقل:
ـ "ما أنا كنت عايزك تطمني لما أقول إن الأمور زينة، بس الحكاية مش تمام واصل."
تسلل الشك إلى داخلها، فسألته بتوجس:
ـ "ليه يا عطوة؟ هو..."
ـ "أيوة يا نورا.. عرفان عرف بحكايتنا، ودور وعمل عمايله لحد ما وصل لجمعة وهدده لو مقالش عن عنواني، بس جمعة عرف يتصرف وعمل نفسه مش عارف، على حسب ما قالي."
ـ "وه!.."
تمتمت بها بتشتت والقلق يرسم خطوطه الواضحة على ملامحها، ليسارع هو بطمأنتها:
ـ "جمعة نفسه ما يعرفش إني في الفيوم يا نورا، يعني حتى مسألة إنك تشكي ولا تقلقي منه زيحيها من عقلك."
ـ "طب ولما هو كدة.. أنت شايل طاجن ستك ليه؟"
باغتته باستفسارها، فخرجت زفرة إحباط مثقلة من صدره، ليصارحها بما يشغل باله:
ـ "أنا عايز أستقر هنا يا نورا، يعني لازم بيت نسكن فيه ومصدر رزق نعيش منه، ما إحنا مش هنقعد عمرنا كله ضيوف على أبوكي وأمك، وإيجار البيوت اللي بيوصلي كل شهر أكيد مش هيعمل حاجة.. يبقى لازم أسوي أموري وأبيع ورثي من البيوت."
صمتت نورا لحظات حتى استوعبت مقصده، فاستنفرت برفض قاطع:
ـ "تقصد إنك تسافر البلد؟ صح؟ طب لأ يا عطوة، وإن كان ولابد من السفر يبقى رجلي على رجلك."
ـ "رجلك على رجلي فين يا مجنونة؟ ده مشوار سد رد!"
ـ "والمصحف ما يحصل!"
صرخت بها بإصرار، قبل أن تنهض وتفاجئه حين ألقت بثقلها على صدره، لافةً ذراعيها حول خصره:
ـ "مش هتحمل حتى قلقي عليك.. عرفان شراني وأنا شوفت سواد قلبه بنفسي وأنت أدرى بطبعه، حنّ عليا ما تلوع قلبي مرة تانية، ده أنا ما صدقت ربنا عوضني بيك."
فهم ما ترمي إليه، فازداد شفقة عليها وألماً يعصر قلبه؛ فهي تخشى تكرار المأساة بفقده كما حدث مع ابن عمها، وهو لا يملك حلاً آخر سوى المخاطرة حتى يحصل على المال الذي يُمكّنه من الاستقرار في عالمه الجديد معها، محواً لما سبق من عمره التعيس قبلها.
ـ...........................
العشق الصامت
هو تلك العاطفة التي تجمع بين اثنين دون قول صريح، ودون كلمات غزل أو قصائد شعرية؛ حبٌّ بطلُه الأوحد هو "النظرات". داخل عينيه تقرأ كل ما يريح قلبها، أما هو فيذوب من نظرة واحدة منها إليه، ولم يكن يصدق أن يجود عليه الزمن بالقرب منها.
داخل حرم الجامعة كانت بداية قصتهما؛ "رغد" الجميلة الرقيقة، متلعثمة اللسان، و"أيمن" العاشق السري الذي كان يراقبها دون أن تدري، حتى حدثت المشاجرة الشهيرة مع ذلك البغيض طليق شقيقتها، وتسبب وقوفه معها في دخوله "القسم" لأول مرة.
ومنذ ذلك الوقت أصبح كظلها، لا يفرقه عنها سوى حضور المحاضرات؛ فهي تصغره بسنتين، الأمر الذي جاء في صالحه لكي يشرح ويوجه ويضعها على الطريق الصحيح في الدراسة دون تعب. والحجة الظاهرة أمام العيان أنه ابن بلدتها ومسؤول عنها، أما القلوب فقد وُشمت بعشقه لها، وعشقها له.
في زاوية هادئة بمكتبة الجامعة، كانت رغد تجلس واضعةً كتابها أمامها، لكن عينيها تائهتان في الفراغ، بينما كان أيمن يجلس قبالتها يشرح لها بتركيزٍ يغالبه الشوق. تحدث بصوتٍ هادئ ومنخفض، وعيناه مسمرتان في الورقة:
ـ شوفي يا رغد، النقطة دي هي مفتاح الفصل كله، لو فهمتيها الباقي هيبقى مجرد تحصيل حاصل.. رغد؟ أنتِ معايا؟
رفعت رغد عينيها ببطء، فاصطدمت نظرتاهما في فضاء الصمت، وتلعثم لسانها كالعادة:
ـ أيوة.. أيوة يا أيمن، ممعاك، بس.. بس الكلام دخللل في بعضه شوية.
ابتسم لها ابتسامةً خفيفة، تلك التي تلمع في عينيه قبل أن تظهر على شفتيه، وقال:
ـ طيب ريحي بالك خالص ولا يهمك، أنا هنا ليه؟ عشان أبسط لك الصعب.
أمسك بالقلم وبدأ يخطط تحت الكلمات الهامة، لكن يده اقتربت من يدها دون قصد، فارتجفت أصابعها وسحبتها بسرعة للخلف. تنحنح أيمن محاولاً مداراة ارتباكه، ثم قال مغيراً دفة الحديث بخفة ظله المعهودة:
ـ أبوي من ساعة ما شافك وكل يوم يسألني عنك: "الراجل العفش ده اتعرض لها تاني ولا لاه؟ واخد بالك منها يا واد ولا أطين عيشتك؟" و...
قطع حديثه ضاحكاً، فشاركته لحظة من المرح وهي تنظر إليه بامتنان عميق، وعيناها تنطقان بما لا يستطيع لسانها البوح به:
ـ شكراً يا أيمن.. على تعبك معايا النهاردة، وكل يوم.
كان ذلك أقصى ما يمكنها التعبير به، فتلقف هو كلماتها القليلة بشوق الصحراء الجافة لزخات المطر. أغلق الكتاب بهدوء محدقاً إليها بنظرة طويلة كافية لتختصر دواوين الشعر، حتى قطع الصمت صوت نداء إحدى الطالبات، فالتفتت إليها رغد هاتفة بمرح:
ـ إيه ده؟ ليلى! معقولة؟
نهضت تقابل زميلتها وتحدثت معها على عجالة، ثم عادت إليه سريعة تلملم أوراقها وتستأذنه في الانصراف لتذهب معها. ظل هو جالساً يراقب طيفها وهي تبتعد، وفي داخله يمني نفسه باليوم الذي تصبح فيه "على اسمه" وخطيبته رسمياً.
........................
سارعت رغد بخطواتها الهادئة بجوار ليلى حتى استقر بهما المقام في بقعة منزوية من الحرم الجامعي، بعيداً عن صخب الطلاب. جلستا على مقعد خشبي يحيط به شجر الصفصاف، بينما كانت ليلى تبدو مشتتة، تفرك كفيها بتوتر قبل أن تفجر مفاجأتها، وبنبرة حازمة لم تعهدها رغد فيها، حسمت تردداً دام ليالي وأياماً من التفكير المتواصل:
ـ رغد، أنا فكرت كتير وماليش غيرك يترجم لي اللي في دماغي.. أنا عايزة أشتغل يا رغد، وعايزاكِ تساعديني أشوف طريقة أو أي شغل يناسبني دلوك.
اتسعت عينا رغد بذهول، وتلعثم لسانها كالعادة وهي تحاول استيعاب الصدمة:
ـ تـ.. تـشتغلي؟ أنتِ بتقولي إيه يا ليلى؟! ده أنتِ لسه بتدرسي، ومتجوزة، ومعاكِ طفل صغير محتاجك.. ومعاذ! ده لو عرف ممكن يقلب الدنيا، أنتِ عارفاه "مجنون".
هزت ليلى رأسها بأسى، لكن عينيها كانتا تشعان بإصرار غريب:
ـ أنا أكتر واحدة أدرى بجنانه يا رغد، لكن مقداميش حل تاني. مش عارفة أوصلك إحساسي إزاي؟ بس أنا تعبانة ومش هستريح غير بكده، حتى لو ههلك تعب ما بين دراسة وشغل وأمومة، المهم يبقى لي كيان.. حاجة تخصني أنا.
حاولت رغد تهدئتها وهي تمسك بيدها برفق:
ـ بس يا حبيبتي أنتِ مش ناقصك حاجة، وجوزك مش مخلي في نفسك شيء، وعمك "حمزة" شايلك في عيونه.. ليه تفتحي على نفسك باب التعب؟
هنا اعتدلت ليلى في جلستها، تبحث عن رد دبلوماسي تتجنب به إظهار الحقيقة المؤلمة داخلها؛ فمنذ شجارها الفاصل مع زوجها وزلة لسانه حين أخبرها بـ "تفضله" عليها في كل ما فعله لأجلها، أصابت تلك الحقيقة قلبها في مقتل، وجعلتها تود الاستقلال لعدم الاحتياج إليه، أو إلى والدها الذي تعلم جيداً أنه إن لجأت إليه لن يتأخر، لكنها لا تضمن نواياه.
قالت محاولةً الثبات:
ـ شوفي يا رغد، الحكاية مش حكاية نقص فلوس، الحكاية إني مش عايزة أعتمد على حد واصل، حتى لو كان جوزي أو أبوي.. الأيام بتلف، والوحدة لازم تأمن نفسها بشغلها وعلمها. أنا عايزة لما ابني يكبر، يشوف أمه ست قوية ومسؤولة، مش بس "ست بيت" مستنية الأوامر والطلبات.
صمتت رغد لبرهة، وقد مست كلمات ليلى وتراً حساساً في داخلها، رغم خوفها الشديد من رد فعل "معاذ" المجنون بطبعه، والذي لن يقبل أن تخرج زوجته للعمل تحت أي ظرف، فقالت تجاريها بنبرة خفيضة:
ـ طيب.. ومعاذ؟ هتقولي له إيه؟ ده لو شم خبر إنك بتفكري في الشغل، مش بعيد يمنعك من الجامعة نفسها!
زفرت ليلى بقوة، ونظرت نحو الأفق قائلة:
ـ عشان كده جيت لك أنتِ.. عايزة طريقة أبدأ بيها "من بعيد لبعيد"، شغل يناسب دراستي ووقتي، ومن غير ما أعمل مشكلة واصل في الأول. أنا أعرف من زمان إنك بتشتغلي "أونلاين" أو "سوشيال ميديا"، يمكن تلاقي حاجة تناسبني.
.............................
تناست تعب حملها ووضعها المنهك، لتدلف إلى داخل منزل الزوجية بخطوات متسارعة عاجلة، تدفعها نيران الغيرة التي تنهش أحشاءها؛ منذ أن أخبرها "ريان" بعد عودته من المدرسة عن يومه العظيم، وقضاء وقت الترفيه المشحون باللعب والمسابقات بمشاركة والده وتشجيع تلك "الصفراء المائعة". سوف تقتلها وتتخلص منها! هذه المرأة ببرودها سوف تجعلها تلد قبل موعدها.
وبداخل الغرفة، كان الصمت يلف أرجاءها حين دخلت هي كالعاصفة، بينما كان "حمزة" مستغرقاً في مراجعة إحدى المستندات الخاصة بأملاك العائلة. لم يشعر بوقع أقدامها إلا وهي تقف فوق رأسه، وعيناها تشتعلان بلهيب لم يعهده من قبل. انقبض قلبه فجأة، وترك المستند من يده وهو ينظر إليها بذهول، محاولاً استيعاب ملامح وجهها المشدودة التي لم تترك مجالاً حتى لتبادل التحية.
وقبل أن يستفسر عن سبب حالتها تلك، باغتته هي قائلة:
ـ أنت فعلاً رحت المدرسة النهاردة عند ريان ولعبت معاه كورة هو وزمايله؟
أصابته الدهشة، ولم يستوعب هيئتها تلك مع سؤالها الذي أجاب عنه دون تركيز:
ـ أنا فعلاً كنت عند ريان وخدت دور في اللعب معاه، ليه.. في حاجة؟
خرجت منها شهقة عالية، وتبدلت ملامحها إلى شراسة تامة لا تناسب وضعها كامرأة حامل في شهورها الأخيرة:
ـ يعني لعبت ورقصت باقي اللعيبة زمايل ريان وأبهاتهم عشان تبقى أنت البطل.. والبرنسيسة تديك الكأس عشان تضحك وتهزر معاك؟!
انتفض عند ذكرها الأخيرة وطريقتها المتعمدة في التهكم، حتى كاد أن ينهرها محذراً، إلا أنه سرعان ما استوعب سبب غضبتها، فقال بتسلية:
ـ آاااه.. أنتِ قصدك على "ميس تولين"؟ أما الواد ده لسانه فالت صحيح، لحق يقولك!
لم تشعر بنفسها وكأن شيطاناً تلبسها؛ هجمت عليه بيدها الاثنتين تمسك بتلابيب جلبابه وهي تثور فيه:
ـ وكمان ليك عين وعايز تجيبها في الواد يا حمزة؟! أنا حذرتك مية مرة!
قبض على رسغيها بقوة ليوقف صياحها الهستيري:
ـ اعقلي يا مزيونة وما تخلينيش أتجنن أنا كمان عليكي.. عيل صغير أنا عشان آخد رأيك في كل خطوة أخطيها؟ وبعدين أنتِ مالكيش حق عندي واصل، مادام تاركة البيت وسيباني لوحدي!
قاومت تحاول نزع يدها من قبضته وهي تصيح بقهر يقتلها:
ـ على أساس إني هجرتك يا حمزة؟ دول كلهم كام يوم بس اللي بعدتهم عن بيتك، بالسرعة دي هتتخلى عني وتشوف غيري؟!
برقت عيناها فجأة والظن يطيح بعقلها مستطردة:
ـ ولا يكونش عايز تجيبها ضرة عليا؟ والنعمة لأموتهالك، عارف يعني إيه أموتهالك؟!
بحركة مباغتة منه دفعها نحوه بقوته ليسيطر عليها داخل أحضانه، يخمد تململها بضغط ذراعيه القويتين، هامساً في أذنها:
ـ باااااس اهدي، بطلي بقى جنانك ده حتى عشان العيل اللي في بطنك اللي بتزلزليه بحركتك دي.
تحت سطوة قوته التي طوقتها ومنعتها من ضربه أو الابتعاد عنه، لم تملك إلا دمعتها للتعبير عن مخاوفها وغضبها:
ـ أنا عارفة إنك متحمل فوق طاقتك يا حمزة، وإني أستاهل كل اللي يجرالي منك، بس إلا دي.. وحياة أغلى ما عندك البت دي ما تخليها تقرب منك، وغلاوة ريان والغايب يا حمزة.
ـ شششش..
تمتم بها ليحلها من قيده، يمسح بأنامله دمعاتها، قائلاً بنبرة حانية مشاكسة:
ـ خلاص عملتيها قصة وحكاية ورواية؟ شوفتيني اتقدمتلها ولا بديها ريق حلو أصلاً؟ نفسي أفهم أنتِ حطاها ليه في دماغك؟!
ـ عشان حلوة يا حمزة!
خرجت منها سريعاً، متابعةً قولها غير آبهة بابتسامته المستفزة لها:
ـ حلوة وناعمة ومايصة..... وعينها منك!
صرخت بالأخيرة حتى تحولت ابتسامته إلى ضحكة عالية، يرد عليها:
ـ وأنا عيني من مين؟ مش منك؟ دي لو شافت غيرك أعميها بيدي.
نطق قلبها قبل لسانها:
ـ بعد الشر عليك ما تقولش كدة.
رق قلبه وخارت كل حصونه، حتى نسي العتب واللوم، تاركاً لمشاعره الرد؛ فضمها بشوق كاسح، يطوف على وجهها الجميل بقبلاته حتى استقر على ثغرها المسكر يرتشف منه بنهم، إلى أن استفاق الاثنان من نشوة اللقاء القصير على هتاف ريان:
ـ ماما مزيونة، ليلى جات وخدت مني مؤيد!
انتفضت عند سماع جملته الأخيرة تنزع نفسها منه، لتمتم بكلمات سريعة غير مترابطة وكأنها فتاة صغيرة تخشى أن ينكشف أمرها أمام عائلتها، ثم ذهبت من أمامه مغادرة لتبحث عن ابنتها، ليزفر هو ساقطاً على طرف التخت الذي كان جالساً عليه بيأس، لاعناً كل شيء.. حتى نفسه.
..........................
طال انتظارها، هذه أول مرة يتأخر لتلك الساعة المتقدمة من الليل منذ زواجها به, أو ربما حدث وهي لم تعلم لانتظامها في مواعيد ثابتة إلى حد ما في النوم ، فأن عام ليلا لم تشعر به إلا وهو ياخذها في حضنه ويغفى حتى الصباح، وحتى السهر لم يكن إلا برغبة أو بأمر منه،
انتفضت فجأة بتحفز وهو تسمع صوت المفتاح في مغلق الباب الخارجي ، ليندفع إلى الداخل مع ولوجه عائد مع تباشير الفجر،
بملامح مرهقة يكسوها الغبار والتعب، وكان صوته الأجش يتردد عبر الهاتف وهو يهاتف احد زملاءه الضباط عن هروب أحد "مطاريد الجبل" الخطيرين بشحنة سلاح بعد كمين محكم. كان يتوعد بعصبية مفرطة:
ـ "والله ما هسيبه، ابن الجزمة فاكر انه قرطسنا والمصحف ما هرتاح غير لما أقبض عليه وأقدمه للمحاكمة.. هو فاكر البلد سايبة من غير قانون؟!"
استثناء استماعه إلى رد الاخر وقعت عينيه عليها يطالعها باستغراب فهي لم تنم كعادتها، بل استقباله له بلهفة وخوف حقيقي عقب انهاءه المكالمة على عجالة،
ـ حمد الله على السلامة، إيه اللي حصل؟ اللي يشوفك يقول طالع من عركة شديدة ولا حرب
ازداد تعجبا داخله وهي تسأله عن سبب تأخره وعن الحالة المزرية التي يبدو عليها، لكنه ينفض ذراعه عنها بجفاء، غير قادر على تصديق خوفها عليه فعلاً؛
ـ ملكيش دعوة، انتي ايه اللي مصحيكي اصلا؟ روحي كملي مع نفسك ومتتعبيش دماغك بحد غير هالة ولا مصلحة هالة.
بصق كلماته واتجه بخطواته الغاضبة نحو الغرفة التي اتخذها ملجأً له منذ أن هجر غرفة نومهما، الأمر الذي ضاعف من يأسها وأشعل نيران تأنيب الضمير في صدرها. ومن غير تفكير، اندفعت خلفه ودخلت الغرفة؛ كان قد خلع قميصه الأبيض، فجرت نحوه وتحتضنه من ظهره وهو بملابسه الداخلية البيضاء.
في تلك اللحظة، تشنجت عضلات جسده بالكامل، وتجمد في مكانه كأنه أصيب بالشلل؛ فمهما بلغ حجم غضبه منها، تظل لمسة واحدة منها كفيلة بأن تزلزل كيانه وتذيب جبال جفائه.
ظل متجمداً لثوانٍ، أنفاسه المتلاحقة تسمع بوضوح في صمت الغرفة، قبل أن يحاول انتزاع نفسه من بين يديها بقسوة مفتعلة، والتفت إليها وعيناه تقدحان شرراً:
ـ نعم حضرتك ، عندك طلب ولا مصلحة الافضل تاجليهم لوقت تاني، اظن ان انت شايفة بعينك الحالة اللي انا فيها،
وأشار بيده على نفسه من أعلى إلى الأسفل متابعا:
ـ مستنزف من كله، يعني معنديش اي مقدرة لتحمل دلع ولا تمثيل.
تراجعت خطوة للخلف وقد صغعتها كلماته، الهذه الدرجة يراها سيىة ربما هي كذلك ولكنها ليست متحجرة القلب لتراه في تلك الحالة ولا تتأثر , فتقدمت نحوه بخطوة تقول بصوت يرتجف:
ـ أنا مش جبلة ولا عديمة الاحساس عشان اشوفك كدة ومتاثرش، دا انا قلبي وقع في رجلي .. لما شفتك بهيئتك دي ولا هدومك اللي اتبهدلت وصوتك العالي في التليفون
نظر إلى عينيها طويلاً، يستشف الصدق في نبرتها، وصراعٌ يدور داخله؛ فلا يمكنه التخلي عن جفائه لمجرد شعورٍ بالإشفاق لمسه منها، وفي الوقت ذاته هو في أمسّ الحاجة إليها لينسى تعبه في غمرتها، أو يفضي إليها بهَمٍّ يثقله، ولكن كرامته تأبى الضعف أمامها.
زفر معطياً لها ظهره، ثم خطا حتى جلس على طرف "التخت"، يمسح بكفيه على صفحة وجهه وخصلات شعره بإرهاق واضح. وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها حين وجدها تباغته على حين غرة، جالسة على قدميه بابتسامة عذبة تشاكس تجهمه:
- "أنا عارفة إنك تعبان، بس قلت ألحق آخد مكاني على رجلك قبل ما تطردني وتمشيني".
تعلم تلك اللعينة جيداً حجم تأثير قربها منه، وهو ما اختارته سريعاً لتُجهز على مقاومته ورغبته في الابتعاد عن محيطها أو طردها كما قالت، ليجد نفسه يطوقها بذراعه دون أن تنبس شفاهه بكلمة، يعصرها في غمرة احتياجه، مريحاً رأسه على موضع قلبها، يسترخي بسماع دقاته المتواترة. امتدت كفها تغرز أناملها في خصلات شعره، تذيب ما تبقى من إرادته، فخرج صوته بما أوقف يدها وجمد عقلها بصدمة:
- "أنا عايز أطفال.. عايز بطنك تحمل بطفل من صلبي يا هالة".
رواية لأجلها الفصل 10006 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لاجلها الفصل السابع والستون
ما بيني وبينك مسافة ليست بالبعيدة ولا بالقصيرة.. نحن نقف على نفس الأرض، يفصلنا فقط جدار العتب واللوم، وكأننا مدينتان متجاورتان.
تجمع بيننا اللغة نفسها، لكن كلماتنا تائهة في المنتصف، لا هي وصلت إليك لتشفي غليلي، ولا هي بقيت في صدري لتريحني. نحن مدينتان يشطرهما نهر من "لماذا؟"، نتبادل النظر عبر ضفتيه، ونكتفي ببريق العيون الذي يشي بكل شيء.. ولا يقول شيئاً.
وليلى
............................
عادت من جامعتها تجرّ خيباتها وأوراقها، لتجده هناك كما في كل مرة.. عند الجزء الفاصل بين المنزلين "الخصم والحبيب" في آن واحد.
لم يكن جالساً فحسب على الأريكة ذات الموقع المميز، بل كان في حالة انتظار مُعلن، رغم تعمده عدم التحدث معها طوال الأيام التي مضت، ربما كانت حجته اليأس من التصالح معها، وربما كان دافعه هو تركها لتتلظى بنيران الهجر علها تعود إلى عقلها كما يهيئ له فكره.
اعتدل بخفة لم يلحظها عابر سبيل، لكن حواسها "المتأهبة" التقطت ذبذبات حركته.
شعرت بنظراته تتبعها كوشمٍ على ظهرها، فما كان منها إلا أن دلفت مسرعة إلى داخل المنزل، تلوذ بالباب الخشبي القديم، وجدارٍ لم تكن تحتمي به منه.. بل كانت تحتمي به من ضعفها هي.
الصمت خلف الباب
أغمضت عينيها وهي تلتصق ببرودة الخشب، وأنفاسها تتلاحق في صدرٍ ضيق. كان العتب منه وإليه؛ تعشقه حدّ الألم، وتكره جرحاً منه لم تزدْه الأيام إلا عمقاً. خلف هذا الباب، كانت "ليلى" تخوض حرباً عالمية بين كبريائها الذي يمنعها من الالتفات، وبين قلبها الذي يكاد يخرق الضلوع ليعود إليه. لم يقطع هذا الذهول إلا صوت والدتها الدافئ، الذي جاء ليوقظها من غيبوبة المشاعر:
— "أنتِ جيتي يا ليلى من كليتك؟.. مالك شاردة كده؟ أوعي تكوني تعبانة؟"
نظرت ليلى لوالدتها بتشتت، وكأنها تحاول استجماع شتات نفسها التي تركت نصفها الآخر عالقاً على تلك الأريكة المقابلة.
أما في الخارج، فقد كان هو في حالة من الحزن يُرثى لها. كيف وصلت الأمور بينهما إلى هذه الدرجة من التعقيد؟ حتى بات العجز يكبله عن الحديث معها. حين لمحها قادمة قبل لحظات، شعر بانتفاضة خفية في روحه لا يزال أثرها يرتجف بكيانه حتى الآن. كان يتبعها بنظراته، يمتص ملامحها التي اشتاقها، يراقب تعثر خطوتها المترددة أمام عينيه، وحين أغلقت الباب الخشبي خلفها، شعر بصوت ارتطامه في صدره هو، لا في إطار الباب. غابت خلف الجدار، لكن طيفها ظلَّ عالقاً في الهواء المحيط به، يذكره بأنه قريب جداً حدّ اللمس، وبعيد جداً حدّ اليأس.
أطبق جفنيه للحظة، يحاول استجماع شتات كبريائه الجريح، لكن ثقلاً غريباً دفعه لرفع رأسه نحو الأعلى، وكأن غريزة "المُراقب" استيقظت فيه. هناك، في الشرفة المطلة على المنزل الطيني القديم، التقت عيناه بعيني شقيقه "حمزة" الذي كان يرتشف الشاي ببطء، ونظراته غارقة في حزنٍ لم يكن يخصه وحده، بل بدا وكأنه يقتسم الوجع معه.
لم ينطق حمزة بكلمة واحدة، لكن نظرة عينيه كانت تقول كل شيء؛ هو الذي شهد المشهد من بدايته من "برج مراقبته"، ليستشف بخبرته ذاك التخبط الذي تعيشه ليلى بالداخل، والانكسار الذي يحاول معاذ إخفاءه بالخارج. لوعة الفراق باتت خانقة للاثنين، وكلاهما ينتظر المبادرة من الآخر.. ترى من يملك الشجاعة لفعلها؟
لقد رفع هو يده عن التدخل كي لا يؤثر على قرار أي منهما، رغم أنه المتضرر الأكبر من قضية ليس له فيها ذنب. إن احتكم لقلبه، فمن المؤكد أن الدفة ستميل لشقيقه، وإن حكّم العقل، فبالطبع سيميل لجانب ليلى لا محالة. هو قادر على "احتواء" الاثنين، ولكنه يفضل الصبر حتى ينضجا كما ينضج الطعام على الموقد؛ لعل قسوة الهجر ولوعة الاشتياق تكونان حافزاً لعدم تكرار الخطأ أبداً.
.................................
هل استيقظ باكراً أم أنه لم ينم بجوارها من الأساس؟ تعب الحمل جعلها هذه المرة تغفو كأنها جثة هامدة، فلم تشعر بحضنه لها ولا بمكانه الذي يقتسمه بالقرب منها على ذلك التخت النحاسي القديم، الذي جمع بينهما منذ أول يوم لزواجهما في منزل والديها.
نهضت من فراشها، تنزل بقدميها العاريتين على الأرض المغطاة بحصيرة بلاستيكية في تلك الغرفة المتواضعة، التي رغم بساطتها حملت أجمل ذكرياتهما. ألقت على جسدها مِئزراً قطنياً طويلاً لتداري منامة عارية كانت ترتديها، وهمّت بالخروج متوجهة إلى ردهة المنزل حيث يجلس والداها، متوقعة أن تجده يشاركهما الحضور كعادته.
ولكن، استوقفتها ورقة وقعت عيناها عليها فوق "التسريحة" التي تحتل زاوية ليست هينة من الحائط. اقتربت تتناولها وترفعها إلى مستوى بصرها تستكشف المكتوب فيها؛ كلمات قليلة مقتضبة بخط يده يخبرُها:
— "صباح الفل يا قلب عطوة، لما تصحي وتلاقي الورقة دي في وشك، هكون أنا مشيت من البيت على مشوار يخصني بس هو بعيد شوية، عايزك ما تقلقيش لو اتأخرت للمسا، ولا احتمال كبير أبيت ليلتي بره.. بس أخلص مصلحتي وأجيلك هوا يا نورة قلبي وحياتي كلها."
عقدت حاجبيها بتساؤل ودهشة حائرة وهي تنهي قراءة الورقة. ما هذا المشوار الذي تطلب خروجه قبل أن يوقظها؟ ولماذا المبيت خارجاً من الأساس؟ أتراه خارج المحافظة أم...؟
"اللعنة!".. ومض بعقلها فجأة تفسير تخشى صحته. تركت الورقة وتناولت هاتفها تتصل به على الفور. لم يستجب إلا بعد محاولتين، حتى أتاها صوته:
— "ألووو.. أيوة يا روح قلبي، أنتِ صحيتي؟"
كانت هناك أصوات أخرى تصلها عبر الأثير مع حديثه، لتزداد يقيناً باستنتاجها:
— "عطوة.. ده صوت القطر اللي أنت قاعد فيه صح؟ تقدر تقولي كده رايح فين؟"
أجابها بضحكة مضطربة شعرت بها من خلف الهاتف:
— "وه يا مجنونة! ما بقولك مشوار.. يعني أروح بقطر ولا غيره، عادي."
صاحت بنبرة حادة:
— "لأ مش عادي يا عطوة، عشان عرفت دلوقتي أنت رايح فين! بتستغفلني وفاكرني مخبلة ومش هعرف مكانك؟ بتتسحب من جنبي عشان ما أسألكش وأفهم يا عطوة إنك رايح على 'بلد الفقر'؟ دي عملة تعملها فيا برضه؟!"
كانت كلماتها تصدح بصراخ يخترق أذنه، ويضعف عزيمة المضي بداخله، فحاول مراوغتها بكذب لم ينطلِ عليها:
— "وه وه يا مجنونة! خلاص عملتيها قصة خطيرة؟ ده مشوار صد رد وراجعلك هوا.."
قاطعته بصرخة أقوى، وترتجف نبرتها بعدما تأكدت من حدسها:
— "يا مري! يبقى إحساسي صح.. حرام عليك يا عطوة، بتعملها عشان تخلع قلبي عليك؟ جالك قلب؟!"
عقب باستخفاف ونزق يحاول به دحض فزعها غير المبرر:
— "يوه عاد يا نورة! يا بنت الناس بتهولي وتندبي على مفيش، أنا عامل حسابي زين.. حطي في بطنك بطيخة صيفي، مش غبي أنا عشان أرمي نفسي في الهلاك، يعني عامل حسابي.. واقفي بقى الناس سمعت صراخك وبيبصوا لي مستغربين، ولا أقولك.. أنا سلام."
أنهى الاتصال بضغطة منه غير عابئٍ، فسقط الهاتف من يدها على تلك الحصيرة الباردة، وكأن حرارة صراخها انطفأت فجأة لتتحول إلى برودة تسري في أطرافها، تجمدت محلها مذهولة، يتردد صدى صوته "المستخف" في أذنيها، بينما قلبها يرتجف خلف ضلوعها كطيرٍ ذبيح.
لم تعد نورة ترى الغرفة المتواضعة التي شهدت أجمل ذكرياتهما، بل شعرت بجدرانها تضيق عليها.
لقد تسلل من جانبها. استغل نومها العميق وتعب حملها ليتركها تواجه هواجسها وحدها.
شعرت بمرارة علقت في حلقها، ليس فقط بسبب سفره، بل لأنه أغلق الهاتف في وجهها وهي في قمة فزعها، يتحدى خوفه وجزع قلبه عليه من أجل النقود والسكن المريح، هي ترضى بأقل القليل رغم طموحها في التحسن ولكنها لا تتحمل الفقد، كيف تطمئن وداخلها تعلم أن ما ينتظره عدو غادر، كيف تأمن شر عرفان والفتك به بعد علمه ما حدث؟ إن كان دمر المنزل في غيابه فما باله لو عثر عليه هو نفسه؟
انتفضت عند خاطرها الأخير وهي تتخيل جسد زوجها النحيل بين يدي هذا الوحش المدعو عرفان، أيعقل أن تتركه يواجه المصير وحده؟
...................................
أما عنه فكان يجلس في ذلك القطار المتهالك، يراقب اختفاء معالم قريته خلف النوافذ المغبرة بقلبٍ ينهشه القلق بقدر ما يملؤه الإصرار. وضع رأسه على المسند الصلب، محاولاً تجاهل صوت صراخ "نورة" الذي لا يزال يتردد في أذنه، وصورة وجهها الشاحب الذي تركه غارقاً في النوم قبل ساعات، يعطيها الحق في ثورتها عليه، ولكن ماذا بيده؟ لو كان يملك البديل لتراجع في التو واللحظة ليهبط في المحطة التالية ويعود ليرتمي في حضنها، يطمئنها أنه هنا. لكن "يد العجز" كانت أقوى.
يريد الاستقرار بمنزل يجمعه معها، يربي أطفاله بنقود حلال ولا شيء أكثر من ذلك، بعد رحلته الطويلة في الأفعال الشقية، لقد فعل كل المنكرات التي أصبح يبغضها اليوم، بعد أن مَنّ الله عليه بها وبعائلتها التي احتوته من التشتت، لم يبالغ حين وصفها بأنها هدية الخالق إلى العاصي كي يتوب، لكن الخوف من القادم وما ينتظره إن علم عرفان البغيض بحضوره.....
يرفض حتى التخيل وقد فعل كل ما بوسعه ليحرص على الانتهاء من كل الإجراءات قبل أن يعرف أو يصل إليه خبر.
.........................
— "لساتك برضك عقلك شارد؟"
ألقت "مزيونة" بعبارتها وهي تَدلف إلى غرفتها، حيث تحتل ابنتها السرير الخشبي، مُستلقية بجوار صغيرها الغافي في نومه العميق. نزعتها الكلمات من شرودها، ومن عينيها اللتين كانت معلقتين بالسقف، ترسمان في الفراغ صوراً لا يراها غيرها.
اعتدلت ليلى بجسدها، وتتحمحم قائلة بنكران مكشوف:
— "لأ يا أمّه طبعاً، يعني هكون شاردة فين؟ أنا بس بحاول أريح حبة وأنام، بس عيني رافضة تغمض أصلاً.. المهم قولي لي أنتِ عاملة إيه؟"
وعت مزيونة مراوغتها، فلاح على ثغرها شبه ابتسامة ساخرة، سرعان ما أخفتها لتجاري كذب ابنتها:
— "زين والحمد لله يا عين أمك.. المهم أنتِ، إياكِ بس تكوني مرتاحة وبالك رايق."
فهمت ليلى المقصد، فاشتعل رأسها على الفور بانفعال ظاهر، وثارت بحدة:
— "وإيه اللي هيخليني تعبانة بقى إن شاء الله؟ زعلي على حد ما يستاهلش؟ ولا يكونش كمان حالتي كرب في بعده عني؟ الخاين اللي عايرني بصرفه عليا!"
خيمت لحظة من الصمت الثقيل على الاثنتين. كانت عينا مزيونة تحملان مزيجاً من المشاعر، ما بين عتبٍ وحزنٍ وغضب؛ غضبٌ ألقى بظلاله على ليلى، ليضاعف من ثقل ما يجثم على صدرها، حتى أردفت بقهر لا يخلو من ندم:
— "بلاش البصة دي يا أمّه الله يخليكِ، عشان أنا فيا اللي مكفيني."
خرج صوت مزيونة رداً عليها بعصبية مكتومة:
— "يعني أغمض عيني كمان؟ مش كفاية ساكتة وسايباكي تعملي ما بدالك؟ على العموم لو عايزاني أسيب لك الأوضة نفسها و..."
ما كادت تنهي جملتها وتهمّ بالنهوض، حتى أوقفتها صرخة ليلى:
— "استني يا أمّه!"
لا تدري ليلى كيف حدث هذا، ومتى نهضت عن سريرها؟ لقد طارت حتى وجدت نفسها على الأرض عند قدمي والدتها، تدفن وجهها في حِجرها، وتنطلق في موجة من التأسف والندم.
انهمرت دموعها فوق حجر والدتها، كلمات الاعتذار تخرج مخنوقة بشهقات ندم حقيقية، وهي تمسك بطرف ثوب مزيونة كأنها طفلة تخشى الضياع:
— "سامحيني يا أمّه.. قطع لساني قبل ما يعلى عليكي، أنا عارفة إني بقيت حمل تقيل على الكل، وعارفة كمان إن بسببي وبسبب مشاكلي، أنتِ بعيدة عن عم حمزة في أشد أوقات احتياجك ليه، وأنتِ على وش ولادة.. أنا حاسة إني بقيت عبء، لا طايلة سما ولا أرض، وواخدة الكل معايا في طريقي المسدود."
مدت مزيونة يدها الحانية، تمسح على شعر ابنتها ببطء، وفي صوتها دفء الأم التي تقرأ ما وراء الكلمات:
— "يا بت الهبلة هو أنتِ جبراني يعني؟ ما هو كله بمزاجي، يجيني قلب إزاي أسيبك أنا؟ أنا معاكي وفي ضهرك دايما.. بس كمان معاذ مش عفش يا ليلى، ده غير إنّ بان عليه الندم بعد غلطة وقع فيها غصب عنه، والراجل لما يندم ويرجع يطوي الرقبة يبقى لازم نسامح ونلم الشمل، المسامح كريم يا بنتي."
ما إن نطقت مزيونة اسم "معاذ"، حتى انتفضت ليلى كأن قرصتها أفعى، ورفعت رأسها بعينين حمراوين يتطاير منهما الشرر، وقد تبخر ندمها ليحل محله غضب عارم:
— "أسامح؟! أسامح مين يا أمّه؟ أسامح واحد رماني ولا سأل فيا وهو الغلطان؟ ده كأن البعد جه على هواه بالملّي، ومرتاح في غيبتي! فالح بس يقعد لي قدام البيت يرازيني بوجوده، كأنه بيقولي شوفي أنا هنا وقادر أعيش من غيرك.. ده لا جيه خبط على باب، ولا قال كلمة تبرد ناري، يبقى أسامح على إيه؟ على ذلي ولا على كرامتي اللي اتهانت؟"
في تلك اللحظة، حاولت مزيونة أن تحافظ على وقارها، لكنها اضطرت لمواراة وجهها بعيداً وهي تكتم ضحكة كادت تفضحها. لقد فهمت الآن؛ ابنتها العنيدة تشتاق إلى معذبها لدرجة تجعلها "تغلي" لأنه لا يقتحم حصونها بالقوة التي تتمناها. كبرياؤها يمنعها من الخطوة الأولى، وغيظها من جلوسه "المستفز" أمام البيت ليس إلا شوقاً مُغطى برداء الغضب.
فقالت مزيونة بنبرة حاولت جعلها جادة بصعوبة:
— "خلاص يا ليلى، طالما هو خاين وراميكي ومستريح في بعدك، يبقى ننسى السيرة دي خالص، واعتبري القعدة قدام البيت دي مجرد قعدة استجمام مش أكتر!"
نظرت إليها ليلى بشك، وكأنها أدركت أن والدتها تسخر من تناقضها، فزمّت شفتيها بغيظ وعادت لتلوذ بصمتها.
......................؟
أنهى مكالمته الهاتفية الهامة التي تخص تلك القضية الشائكة، القضية التي باتت تنهش عقله وتسرق نومه هذه الأيام. دلف إلى الغرفة، فاستوقفه مشهدها؛ حماسٌ مدهش يشع من وجهها وهي تضبط هيئتها أمام المرآة، تستعد لمشوار "البلد" الذي طال انتظاره، بعدما وعدها أخيراً أن يأخذها لتلتقي بابنتيها هناك.
تأملها في صمت.. كانت بطلتها تخطف قلبه رغم كل العيوب التي يعرفها فيها، ورغم الصراعات التي تدور بينهما. في تلك اللحظة، تمنى من أعماقه أن تكون هذه الفرحة العارمة من أجل رؤية بناتها فحسب، وألا تكون "القصة القديمة" وحكايتها مع حمزة قد استيقظت في خيالها، أو أن قلبها يحنّ من جديد لظلال طليقها.
نفض رأسه بقوة، محاولاً طرد تلك الأفكار السوداء التي تسمم صفو لحظتهما، لينتبه لعينين تطلعتا إلى انعكاس صورته في المرآة بلهفة واضحة، قبل أن تركض نحوه قائلة بتهلل:
— "خلاص خلصت؟ وهنمشي نروح مشوارنا يا كمال؟"
وقف يتأملها، يشبع عينيه من رؤيتها وكأنه يكتشف ملامحها لأول مرة. شعر أن بها شيئاً جديداً؛ حتى عيناها اللتان لطالما برع في قراءة "الكذب" بين جفونهما، بات يرى فيهما في الفترة الأخيرة صفاءً مختلفاً، لمعةً لم يعهدها من قبل.
وكعادته حين تقترب منه، لم يستطع مقاومة استغلال الفرصة لمداعبتها، فجذبها نحوه محاصراً خصرها بذراعيه وهو يهمس:
— "مستعجلة قوي على روحة البلد.. طب ما تستني حبة معايا."
ضحكت وهي تحاول إبعاد رأسها عن مرمى قُبلته، وتدفع صدره بخفة ودلال مشوب بالدهشة:
— "وه يا كمال! وبعدين معاك عاد؟ عايزة ألحق أقعد لحظة مع البنات، مش كفاية مشوار العربية اللي هياخد نص الوقت؟"
حين رأى أنها لا تزال تقاوم "حصاره" اللطيف ولم تتوقف عن الإلحاح، ألقته في وجهه بتهديدٍ مازح، لعلها تظفر بما تريد:
— "طب خلاص.. طالما كده، يبقى تسمح لي أبات هناك ليلة عاد!"
في تلك اللحظة، رفع رأسه إليها فجأة، وتبدلت ملامحه إلى حزمٍ قاطع، وقال برفضٍ لا يقبل النقاش:
— "لأ طبعاً.. مفيش بيات بره البيت، انسي الموضوع ده خالص."
خفتت لمعة الفرح في عينيها، وحلّ مكانها ضيقٌ مألوف كلما اصطدمت أمنيتها بجدار رفضه المتكرر. قالت بصوتٍ فارقه المرح، وهي تنسحب من بين يديه برسمية:
— "ماشي يا كمال.. يا دوب تلحق توصلني عشان تلحق شغلك."
لم ينكر في داخله أنه يتأذى لضيقها، فملامحها الحزينة كانت تلسع قلبه، لكنه في الوقت ذاته لم يشعر بالندم؛ فقراراته في تلك المسألة لا تقبل التفاوض. ومع ذلك، آثر أن يلطف الأجواء، متجاهلاً غضبها الصامت بنبرة حاول جعلها عادية:
— "على العموم، أنا ممكن أتأخر على ما آجي آخدك وأروح بيكي.. احتمال أقعد لـ اثني عشر أو لواحدة كمان، يعني هتاخدي وقت كفاية هناك."
انقشعت غيوم الضيق عن وجهها فجأة، وحلت مكانها لهفة طفولية وهي ترد بحماس:
— "براحتك خالص! ولو قعدت لاتنين ولا تلاتة حتى.. هفضل مستنياك."
ضحك وهو ينحني ليتناول مفاتيح السيارة يدسها في جيبه، وقال بسخرية لا تخلو من مغزى:
— "طبعاً.. السهر هيبقى أسهل هناك! على العموم.. ماشي."
بابتسامة مستترة، عضت شفتها بعدما فهمت تلميحه المبطن، وحاولت الهرب من نظراته وهي تلتفت للمرآة، تضبط حجابها الذي أفسد ربطته بسبب مداعبته السابقة.
فتنهد كمال بعمق، ليذكرها بأمنيته:
— "عقبال ما أشوفك كده.. مع ولادنا، وأحس بحنيتك عليهم."
توقفت يداها عن الحركة فجأة، وارتخت أطرافها بجمودٍ مباغت، قبل أن تتدارك الموقف وترد بارتباكٍ لم يغب عن عينه الخبيرة:
— "إن شاء الله يا كمال.. إن شاء الله."
تجدد بداخله إحساس الحيرة؛ ففي كل مرة يفتح فيها موضوع "الخلفة"، يكون هذا رد فعلها.. توافقه وتجاريه في القول، لكن موافقتها لا تخرج من القلب، هذا ما يشعر به.
.........................................
بخطواتٍ ثقيلة وقلبٍ تملؤه الحيرة، كان حمزة يغادر منزله حين لمحت عيناه "ليلى" وهي تخرج بعباءتها السوداء، تحتضن صغيرها في إشارة واضحة بأن مشوارها لن يتخطى حدود البلدة.
لم يجد نفسه إلا وقدميه تقودانه، دون تفكير، نحو المنزل الذي غادرته ليلى. كان الشوق يغلبه، والرغبة في الاطمئنان على "مزيونة" تحرقه، بينما يلعن في سره إصراره على الصمت وترك "العنيدين الغبيين" في دوامة الخصام التي يدفع هو وزوجته ثمنها من راحتهما وبعدهما.
فتح الباب دون استئذان أو انتظار، مدفوعاً بلهفته عليها، ليجدها في صالة المنزل، كانت جالسة على الأريكة الخشبية، متكئة بظهرها، يظهر عليها تعب الحمل بوضوح، ونَفَسها يتصاعد ويهبط بجهدٍ ملموس.
وما إن رأته حتى انفرجت أساريرها، وارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة بملء فمها، وكأن رؤيته هي الترياق لكل تعبها.
أما هو، فلم يتخلَّ عن عبوسه المعهود، بل زادت حواجبه تعقيداً وضيقاً. لم تكن قسوته نابعة من جفاء، بل من "قهر" وهو يراها بهذا الضعف؛ يرى تعب الحمل ينهك جسدها وهي وحيدة، بينما هو يقف بعيداً "بذنب" لم يرتكبه.
ألقى نظرة فاحصة على جلستها، وزاد ضيقه وهو يرى نهجان صدرها، وكأنه يلوم الدنيا كلها على تلك المسافة التي تفصل بينهما.
— "مساء الفل عليك يا أبو ريان، نورت بيتك ومطرحك."
تمتمت بها في محاولة لمشاكسة صمته، كي تبدد غيوم الضيق عن وجهه، بينما هو يزفر أنفاسه بضيقٍ مكتوم، قبل أن يستسلم لقلبه ويجلس بجوارها على الأريكة. سألها وعيناه تفحصان شحوب وجهها:
— "طمنيني عليكِ.. حاسة بإيه دلوقتي؟"
ردت بابتسامة هادئة تحاول طمأنته:
— "أنا كويسة والحمد لله يا حمزة، ما تقلقش واصل."
نظر إليها بتشكك، وكأنه يقرأ التعب المخبأ تحت جلدها، ثم سأل بنبرة جافة عن ليلى التي لمحها تغادر:
— "وهي ليلى راحت فين واخدة الواد وماشية بيه بعبايتها السودة اللي لابساها؟"
أجابته مزيونة بهدوء:
— "رايحة تطل على أبوها، بعد ما أنت قطعت رجله من هنا، بقت من أقل مكالمة تجري عليه، عشان ما يستغلش وييجي."
ظهر الارتياح على تقاسيم وجهه، وهز رأسه قائلاً:
— "كده أحسن برضه.. أهي تطمن إنه عايش، قبل ما تحزن على موته إن عملها وعتب على هنا، أنا سبحان من صبرني المرة اللي فاتت."
كان رد مزيونة هو ابتسامة خالصة داعبت فؤاده لتأسره هو للنظر إليها، إلا أنه سرعان ما عاد لمحاصرته لها بالأسئلة، وصوته يمتلئ بالخوف الحقيقي:
— "طب سيبك من ليلى دلوقتي، قولي لي الحقيقة.. العيل المشقلب في بطنك ده عامل إيه؟ قرب نزوله على الدنيا ولا بيستهبل ويطلع لطخ زي عمه ومرات عمه؟ رحتي للدكتورة في ميعادك ولا أهملتي كالعادة؟"
لا تدري كيف تلاحق فراسته أو خفة ظله ولكنها مجبرة على الرد، فحاولت الهروب من استجوابه الذي لا ينتهي، لتغير مجرى الحديث بمشاكسة غيورة:
— "قلتلك زينة يا راجل! المهم قولي أنت.. ريان أخبار مدرسته إيه؟ إياك تكون رحت تاني وشفت 'البت المايصة' اللي اسمها تولين دي؟"
انفرجت أسارير حمزة، وارتسمت على ثغره ابتسامة مرحة وهو يرى غيرة زوجته التي لم يطفئها تعب الحمل. جذبها إليه ليضمها في حنان، وهو يهمس بجوار أذنها:
— "وه كيف ده يحصل يعني! ده أنا مؤدب وعمري ما أكسر لمراتي كلمة واصل.. المهم مراتي تحن عليا وتكسر الشر، وترجع بقى لبيتها وسريرها جنبي، عشان أقدر أغمض عيني وأنا مطمن عليها بدل الشتات اللي إحنا فيه ده."
عاد شعور الذنب ينهشها من الداخل، فامتدت يدها المرتجفة لتتحسس كف حمزة الخشنة، وكأنها تستمد منه القوة لتبوح بما يتعبها:
— "والله يا حمزة على عيني الشتات اللي إحنا فيه ده.. أنا نفسي تعبت، ونفسي الأرض تنشق وتبلع 'عِندهم' ده عشان نرتاح كلنا بقى."
زفر حمزة زفرة حارة، وكأن نيران الغضب المكتوم قد وجدت طريقها للخروج أخيراً، فاعتدل في جلسته وهو يضرب بيده على طرف الأريكة الخشبية، وصوته يرتفع بلهجة وعيد "صعيدية" أصيلة:
— "أنا خلاص فاض بيا يا مزيونة! والله طالعة في دماغي أمسك معاذ ده أديله علقة مليحة تليق بمقامه، وأربطه وأسحب ليلى وراه من يدها، وآخدهم هما الاتنين أحبسهم في شقتهم وأقفل عليهم بالترباس.. بس طبعاً لازم أخلي 'مؤيد' معايا بره الشقة، عشان لو 'دعكوا' بعض جوه ولا حاجة ألحقهم قبل ما يخلصوا على بعض! والواد يفضل معانا في أمان."
انفجرت مزيونة في ضحكٍ عالٍ، ضحكة خرجت من قلبها المنهك؛ فخفة دم حمزة، حتى وهو في قمة ضيقه، كانت دائماً مفتاح صبرها. لكن الضحك كان ثقيلاً على صدرها المُتعب، فبدأت "تنهج" بجهد، وتلاحقت أنفاسها بصورة أثارت فزع حمزة في ثانية واحدة.
ارتبك حمزة، ومال عليها يسند ظهرها وهو يهتف برعب:
— "مزيونة! اهدي يا حبيبتي.. ملوش لزمة الضحك ده كله وأنتِ تعبانة، أنفاسك يا مزيونة!"
حاولت أن تطمئنه وهي تضع يدها على صدرها، ملامحها بدأت تهدأ تدريجياً:
— "ما تقلقش يا حمزة.. واصل، ده شيء عادي بيحصل معايا اليومين دول مع الحركة، أنا زينة والله."
لكن حمزة لم يطمئن؛ فظل يراقب صعود وهبوط صدرها بعيونٍ قلقة، وقلبٍ يرفض تصديق كلماتها، وهو يشعر أن الوقت قد حان لضرورة إنهاء هذا الخلاف بين العنيدين الغبيين في أقرب وقت.
.........................
في بيت والدها "عرفان"، كانت ليلى تراقب يديه وهما تعبثان بوجنتي صغيرها "مؤيد"، يقبله بحبٍ ظاهر، لكنه لم يلبث أن دسَّ كلماته الخبيثة وسط مداعبته للطفل، معلقاً بتهكم على إقامتها في المنزل الطيني القديم مع والدتها:
— "يا كبدي يا واد يا مؤيد.. أكيد مش متحمل السكن في البيوت القديمة والحيطان اللي بتاكل في العمر، كان مالك ومال المرار ده بس؟"
التفت إلى ليلى بابتسامة صفراء، وسألها بخبث:
— "ها يا بنيتي، طمنيني.. جوزك لسه مسألش فيكي من ساعة ما سيبتي البيت؟ ولا حد من إخواته فكر يطوع ويصلح بينكم؟ ولا حتى اللي عامل نفسه عمك "حمزة" ده اتحرك؟"
حاولت ليلى تبرير الموقف بصوتٍ خفيض:
— "أنا اللي رافضة أي تدخل يا با.. أنا اللي قافلة الباب، إن كان مبيقصروش سؤال ولا مراعية و...."
لم يمهلها عرفان لتكمل، بل مال عليها ينصحها بمكرٍ شديد:
— "يا بنتي اسمعي مني، تعالي عيشي عندي هنا.. على الأقل أقدرك وأقدر زعلِك، وساعتها أنا اللي هعرف أجيب حقك منهم كلهم، وترجعي ليهم وأنتي رافعة راسك فوق الكل، مش مكسورة في بيت قديم."
كانت ليلى تضيق ذرعاً بكلماته التي توخزها كالإبر، وما إن دلفت "صفاء" زوجة أبيها بصينية الحلويات والعصير، حتى شعرت ليلى بفسحة من الأمان. كانت صفاء "تحدج" زوجها بنظرة غضب، وكأنها تدرك السم الذي يبخه في أذن ابنته، فالتفتت إلى ليلى وهي تضع طبق الحلويات أمامها:
— "كلي يا ليلى وحلي خشمك.. ونصيحة مني يا بنتي، بلاش تكبري البعد أكتر من كده مع جوزك، الدنيا كلها مفيهاش راجل أصيل زي معاذ، ولا ناس طيبين زي أهله."
تبادل عرفان معها نظرة حادة، وكأنه يود لو يخرس لسانها الذي يفسد عليه خططه، فزجرها بحدة:
— "محدش طلب مشورتك، يعني ماتدخليش في اللي ملكيش فيه، خليكي في حالك."
لم ترهبها نظراته، وكادت أن ترد، لولا صوت رنين هاتفه المفاجئ الذي قطع حبل المشاحنة.
انتفض عرفان وهو يجيب، وتحولت ملامحه فجأة إلى تركيزٍ مريب، وسأل الطرف الآخر بلهفة وصدمة:
— "أنت متأكد من كلامك ده يا واد؟ يعني شفته بعينك؟!"
....................
في المنزل الكبير
جالساً هو وسط عائلته، لكن عقله يسكن في مكانٍ آخر تماماً، المكان الذي غادره منذ لحظات ومن وقتها لم يتوقف عن التفكير بها، لدرجة لم تجعله ينتبه على الإطلاق لهذا الحديث الدائر من "حسنية" التي كانت مستغرقة في سرد جميع الأخبار الجديدة حول إحدى حفيداتها التي تقدم لخطبتها شاب قريب لها من العائلة، وهي لم تتجاوز المرحلة الإعدادية بعد؛ والدها يرحب بالأمر، بينما تعيش والدتها حالة من التوجس والخوف.
عقّب "خليفة"، الابن الأوسط، مؤيداً وجهة نظر شقيقته:
— "والله يا أمة بنتك معاها حق، وجوزها هو اللي متسرع وعايز يخلص وخلاص."
تدخلت "اعتماد" زوجة خليفة تؤيد الرأي بحماس:
— "البنت لازم تكمل تعليمها يا عمتي، على الأقل تاخد الثانوي، ولو العريس رايدها بجد يستنى عليها، واوعي تصدقي أنه عايز يحجزها بس زي ما بيقول، كلها سنة بالكتير وهيطالب بكتب كتابها عليها على الأقل، والبت صغيرة يمكن تلاقي نصيب غيره."
احتارت "حسنية" في الأمر، فالتفتت نحو ابنها الأكبر وعمود خيمتها "حمزة"، تسأله عن رأيه الفصل، لكنه لم يكن معهم في حرفٍ واحد مما قيل، فاجأهم جميعاً وهو يوجه حديثه لزوجة شقيقه "اعتماد" بسؤالٍ غريب:
— "يا اعتماد.. هي مِزيونة متبقي على ولادتها تلات أسابيع على الأقل.. تفتكري ممكن تولد دلوقت؟"
وقبل أن تستوعب اعتماد السؤال لترد، سبقتها "حسنية" بنظرة خبيثة:
— "وماله يا ضنايا؟ ممكن جداً لو ربنا مسهل، الولادة ملهاش ميعاد محكوم، ليه يا ولدي هي فيها وجع ولا حاجة؟"
— "وهي لو فيها الوجع أنا كنت سبتها أصلاً يا أمة؟"
تفوه بها حمزة بقلق ظهرت معالمه على وجهه المخطوف، مما أثار اهتمامهم جميعاً، فسألوه عن سر هذا التوتر المفاجئ لكنه نفى كل مخاوفهم، حتى انفجر فيهم بعصبية مكتومة، محاولاً الهروب من نظراتهم، بسؤاله عن شقيقه العنيد الأصغر:
— "أخوك معاذ فين؟ بقالي ساعتين مستنيه ومش باين له أثر! يا خليفة."
أجابه الأخير بهدوء:
— "من ساعة ما خرج بالحصان وهو لسه مرجعش، أنت عايزه في حاجة ضروري؟"
زفر حمزة زفرة حارة ولم يجبه، إلا أنه انتفض من مكانه بعدما ضاقت الدنيا في وجهه، وألقى بأمره الحازم وهو يهمّ بالمغادرة:
— "أنا ماشي.. والفاسد ده أول ما يرجع، تبلغوه يجيلي على البيت فوراً، فاهمين؟"
وفي رأسه قد نوى على الفصل في هذا الأمر ولو بإجبار الاثنين على العودة بالفعل وليس مزاحاً، لن يتحمل ليلة أخرى في الابتعاد عن زوجته.
............................
عادت ليلى إلى منزل والدتها، والسكينة تلف المكان على غير العادة، فقد كانت "مزيونة" غافية في سباتٍ عميق، وهو أمرٌ أثار بداخلها تعجباً ممزوجاً بالقلق؛ فوالدتها ليست ممن يفرطون في اليقظة بانتظار عودة ابنتها.
اقتربت ليلى من الفراش، وهزت كتف والدتها برفق وهي تسألها بدهشة:
— "يا أمّه.. إيه اللي منيمك دلوقت؟ ده لسه بدري قوي، ولا حتى استنيتي لما أرجع وأطمنك عملت إيه عند أبويا؟"
فتحت مزيونة عينيها بكسل، وكأن جفونها أثقلها تعب الأيام، وتمتمت بنبرة يملؤها النزق:
— "يووه يا ليلى! صحيتيني ليه بس؟ أنا لقيت البيت مِهَسّك من غيرك أنتي ومؤيد، وسلطان النوم غلبني.. لا بصيت في ساعة ولا زفت، روحي يلا خليني أكمل نومي."
نهضت ليلى بطفلها تستجيب لرغبة أمها، وتركتها رغم الحيرة التي كانت تكتنفها. خرجت من الغرفة غافلة عن والدتها التي ما إن توارى طيف ابنتها حتى اعتدلت بجذعها، شاعرةً ببعض الألم الذي يأتي ويذهب بصورة مختلفة نسبياً عن المعتاد. وأيضاً لم تكن الأوجاع قد وصلت بعد إلى درجة "طِلق الولادة"، كما أن موعدها لم يحن أصلاً، الأمر الذي جعلها تكتم ألمها وتلوذ بالصمت حتى لا تثير فزع ابنتها، واضعةً في حسبانها أنها إن شعرت بتطور الأمر، فسوف تناديها على الفور.
................................
في داخل غرفتها تنهدت بيأس بعدما سطحت صغيرها على الفراش، لتستسلم بعد ذلك لدوامة الوحدة التي باتت تنهش جدران غرفتها الصامتة، فشتان ما بين هذا السكون الموحش وبين "الصخب" الذي كان يملأ حياتها في منزل العائلة الكبير.
اشتاقت لكل تفصيلة هناك؛ والدة زوجها الحاجة حسنية ولطفها الدائم في تطييب خاطرها والحنو عليها، عمها حمزة الذي هو بمثابة أبيها رغم صغر سنه، تراه الآن صدفة عابرة بملامح مختلفة تماماً عن طبيعته المرحة.
عمها خليفة وزوجته الطيبة اعتماد.
"معاذ".. الذي كان يسكن كل تفاصيل يومها، يشاركها اللقمة والكلمة والضحكة، معاناة الدراسة والاستذكار لها، تعب الحمل والولادة وحمل الطفل وإرضاعه.... اللعنة... حتى في غيابه كان حضوره يملأ الفراغ، تذكرت فجأة لحظة الانكسار التي شعرت بها منه، بعد ذلك الشجار الكبير الذي حدث بينهما، وجه تلك الملعونة التي كانت رئيسته في العمل وما حدث بسببها.......
توقفت ترفض المضي في تذكر ما مرت به بعد ذلك، فالحاضر مرٌّ بما يكفي.
في تلك اللحظة من الانكسار الوجداني، شق سكون الليل صوت "خروشة" مألوفة عند النافذة خلفها، صوتٌ نبش في ذاكرتها حنيناً قديماً، فانتفضت تفتح الشباك بلهفة، لتجد الحصان "عزوز" واقفاً بشموخه المعهود، يمد رقبته نحوها قبل أن يلقي من فمه بـ "قطعة الشوكولاتة"؛ تلك الهدية التي كانت لغة السر المتبادلة بينها وبين حبيبها.
تطلعت ليلى إلى قطعة الشوكولاتة الملقاة، ثم إلى سواد الليل حيث يختبئ معاذ خلف ظلال حصانه، لتميل نحوه وتقبله فتقول بصوتٍ مخنوق بالوجع والفرح الغامر:
— "وحشتني يا عزوز."
لم تخفِ اشتياقها إليه بوضع العديد من القبلات، وهي تعلم أنه يراها من جهة ما، حتى تراجع عزوز من نفسه تاركاً إياها بعد سماع الصافرة المعروفة، كنداء في تلك اللحظة استبد بها الغيظ فاتخذت قراراً سريعاً، لن تختبئ.
خرجت إليه على الفور، تجر خلفها ذيول عتبها وجرحها، لكنها كانت محملة أيضاً بفرحة طفولية خفية فجرتها هذه الشوكولاتة في أعماقها. بحثت عنه بعينيها حتى وجدته، يفترش الأرض غير عابئ بالظلام من حوله فاقتربت منه، ترسم على وجهها "تكشيرة" متقنة، استنكاراً زائفاً، ووقفت أمامه في منتصف المسافة "التي ليست بالبعيدة ولا بالقصيرة".
رفعت يدها التي تقبض على الشوكولاتة، وعيناها اللتان تحاولان الحفاظ على جمودهما تلمعان ببريق فضحهما نبض قلبها المتسارع الذي يكاد يسمعه هو.
سألته بنبرة حادة، مصطنعة الجفاء:
— "ممكن أفهم إيه ده؟"
اعتدل هو في جلسته على الأرض يطالعها ببرود يناقض السعادة التي تجتاحه من الداخل، بعد أن استجابت لخدعته! ونجحت خطته الطفولية في إجبارها على "الخروج حتى وصلت إليه في تلك البقعة الصغيرة بجوار المجرى المائي". فرحته كانت عارمة، لكنها فرحة داخلية، صامتة، حبسها خلف قناع من عدم الفهم البارع.
لينظر إلى قطعة الشوكولاتة في يدها، ثم يتوجه إليها بنظرة "بريئة" تماماً، متصنعاً الاستغراب بمهارة فائقة، وقال بنبرة باردة:
— "نعم يا مدام؟ في حاجة؟!"
تخصرت أمامه بيدها الحرة بعد أن استفزها باستنكاره قائلة:
— "نعم الله عليك يا أستاذ، والله واضح قوي اللي أنا ماسكاه، وأنت عارف زين قصدي، باعت عزوز يخبط على الشباك بعبوة الشوكولاتة، حد قالك إني محتاجة لدلع زمان، ولا لساني هايفة زي زمان؟"
— "على أساس إنك عقلتي أصلاً!"
غمغم بها داخله حانقاً من كبريائها المستفز، وهو الذي اشتاقها واشتاق الحديث معها، ولكنه لن يكون أقل استفزازاً منها، ليدحض سرديتها، يمط شفتيه بنكران:
— "بس أنا بصراحة مادتوش حاجة ولا زقيته يعمل كده، بس يمكن هو أخدها من ريان وبحكم غبائه القديم تلاقيه راح ع الشباك وعمل كده من نفسه، يعني أنا مليش ذنب."
تحول الموقف من "مبارزة باردة" إلى اشتعال مفاجئ بعد إنكاره الاحمق للمبادرة الرقيقة التي قام بها، ليكتنفها شعور بالندم قائلة في تراجع:
— "يعني الحصان الغبي هو اللي سرقها من معاذ وجابها من نفسه؟ على العموم.. تمام!"
لم تكد تنهي جملتها لتستدير بجسدها وتغادر، تجر خلفها خيبتها وكبرياءها، حتى شعرت بظله يطبق على الأرض أمامها. في لمح البصر، كان معاذ قد انتفض من جلسته ليتصدر طريقها كجدار صلب لا يلين.
حبس أنفاسها حين اقترب لدرجة جعلت عينيها لا تجد مهرباً من السقوط في عينيه. كان صوته هذه المرة مختلفاً، مبحوحاً بألم حقيقي، بعيداً عن تمثيل البرود:
— "كفاية كدة يا ليلى.. مشبعتيش بُعد؟ مشبعتيش تعذيب فيا وفي روحك؟ قوليلي أعمل إيه تاني عشان أكفر عن ذنبي وتصالحيني؟"
لم تنتظر رداً منه، بل رأته يلتفت فجأة نحو المجرى المائي باندفاع متهور، وهو يضيف بمرارة:
— "أرمي نفسي في المية دي عشان ترتاحي؟ أهو يمكن المية الباردة تطفي النار اللي قايدة في قلبي بسببك!"
تحركت قدماه بالفعل نحو الحافة، وفي تلك اللحظة سقطت كل حصون ليلى. شهقت بذعر، واندفعت نحوه بقوة لم تعهدها في نفسها، وقبضت على كفه تجذب ذراعه بكل ثقلها لتمنعه من التقدم خطوة أخرى:
— "إنت مجنون يا معاذ؟!"
صرخت بها وقلبها يقرع طبول الحرب في صدرها، كانت أنفاسها متلاحقة وعيناها تفيضان بالخوف عليه قبل الغضب منه. لم يسحب يده، بل استغل سكونها المفاجئ وقبضتها المتشبثة به، ليميل برأسه نحوها وهمس بصوت يرتجف من فرط الصدق:
— "أيوة مجنون.. ومجنون بيكي يا ليلى. المجنون هو اللي شاف الدنيا بتضلم في عينه لمجرد إنك قفلتي شباكك في وشي.. المجنون هو اللي مبيعرفش ينام غير لما يلمح خيالك كل ليلة وأنا قاعد هنا زي اليتيم مستني تطلّي ولو بالصدفة."
تراخت قبضة يدها على ذراعه، لكنها لم تتركه. تحولت النظرة الحادة إلى انكسار ناعم، بينما استمر هو في محاصرته الرقيقة لقلبها:
— "الشوكولاتة دي كانت لغتنا.. وعزوز كان شاهدنا.. والوجع اللي فات كان درس قاسي قوي، بس والله العظيم ما في في قلبي غيرك.. ولا عمري قصدت أي كلمة عفشة تزعلك، قولي أي حاجة، عاتبيني، اضربيني، بس متمشيش وتسيبيني للوحشة والوحدة تاني."
في تلك اللحظة، وسط سكون الليل وصوت أنفاسهما المختلطة، بدا أن المسافة التي "ليست بالبعيدة ولا بالقصيرة" قد تلاشت تماماً، ولم يعد بينهما سوى نبض مشترك وحقيقة واحدة: أن العناد قد هُزم أمام جبروت الحب.
وفي ناحية قريبة، كان هناك من شهد طرفاً من هذا الموقف الرومانسي؛ فأصدر بفمه صوت "مصمصة" بغيظ يكتسحه، فكم ودّ لو ينزل عليهما بعصاه حتى يشفي غليله تعويضاً عن ليالي العذاب التي قضاها بسببهما! ولكن ما الفائدة؟ عليه الآن أن يطمئن على زوجته التي لم يتركها إلا لتنام على فراشها بجواره.
تقدم يخطو نحو المنزل الذي كان مفتوحاً من الأساس، وما هي إلا لحظات حتى خرج راكضاً يصدح صوته منادياً الاثنين بعصبية:
— "إنت يا زفت يا معاذ! بت يا ليلى! تعالوا هنا بسرعة!!"
رواية لأجلها الفصل 10007 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لاجلها الفصل الثامن والستون
داخل مركز الولادة المتخصص، كان حمزة يقطع ردهة الانتظار ذهاباً وإياباً بخطواتٍ وئيدة مشوبة بعصبية مفرطة، وكأن الرخام تحت قدميه يشتعل ناراً. رغم إدراكه العقلي أن كل الأعراض التي داهمت "زوجته" كانت طبيعية في مثل هذه اللحظات، وأن الطبيبة التي ترافقها الآن هي الأدرى بحالتها والأكثر حرصاً عليها من أي شخصٍ في العالم، لمتابعتها المنتظمة معها طوال شهور الحمل، وعلاج المشاكل القديمة لديها نهائيا، إلا أن غريزة الخوف داخله كانت أقوى من أي منطق.
يوزع نظراته الغاضبة كسهامٍ مسمومة نحو شقيقه معاذ وزوجته ليلى الواقفين في زاوية الردهة. كأنه يود الانقضاض عليهما في تلك اللحظة؛ ففي مخيلته، ان انشغالهما بـ "وقت التصالح الشاعري" والدراما التي دارت بينهما خارج المنزل كان سبباً في تقصيرٍ غير مقصود تجاه مزيونة التي عانت وحدها في صمت.
تمنى من أعماق قلبه لو يملك الشجاعة ليقتحم تلك الغرفة، كي يمسك بيدها ويرافقها في معركتها الأخيرة مع الألم، لكنه أدرك عجزه؛ فكيف لقلبٍ لم يعرف الارتجاف يوماً أن يتحمل رؤية حبيبته وهي تتألم؟
"قلب الأسد" الذي يتباهى به امام الجميع، كان على وشك القفز من صدره لحظة اختفائها خلف ذلك الباب اللعين.
— "هدّي أعصابك شوية يا حمزة، مش كدة يا واد أبوي!"
خاطبه "خليفة" وهو يغادر مقعده بجوار والدتهما، محاولاً بث بعض السكينة في روع شقيقه الأكبر، لكنه لم يلقَ من حمزة سوى نظرة نارية، وعينين مشتعلتين تائهتين في الفراغ. كانت يدا حمزة تلوحان في الهواء بحركات انفعالية متوترة، قبل أن يقطع "الطرقة" فجأة ويلتفت لشقيقه بحدة:
— "أُمك جاية ليه معانا يا خليفة؟ كانت قعدت في البيت أحسن وريحت جتتها.. مش شايفها بتنام على نفسها إزاي؟"
ربت خليفة على ساعده بحرص، يمتص غضبه غير المبرر والذي يعرف يقيناً أنه مجرد غطاء لخوفه القاتل على زوجته:
— "ما أنت عارف أُمك يا حمزة، مش هيجيلها قلب تقعد في البيت أصلاً وتتساب في حرقة دمها.. متشغلش نفسك بيها أنت وروق بالك شوية يا خوي."
انتفض حمزة وكأن الكلمة قد لسعته، فهتف بمرارة وصوت مخنوق:
— "أروق بالي؟! كيف.. كييييف؟ كيف يا خليفة والروح جوه بين إيدين ربنا؟ كيف والقلب واجف على الباب ده ومستني خبر يحييه يا يموت بسببه؟"
صار يغمغم بكلمات غير مفهومة، وكأنه يحاور نفسه أو يلوم الدنيا، ثم عاد ليقطع الطرقة من جديد بخطوات عسكرية مهتزة. كان يفرك كفيه بقوة حتى كاد جلدهما يشتعل، ويتمتم بآياتٍ من الذكر الحكيم بصوتٍ مرتجف، بينما عيناه معلقتان بذلك المصباح الأحمر فوق باب غرفة العمليات.. ينتظر تلك الصرخة التي تعيد لروحه الحياة، وتعلن بوضوح انتهاء شتات قلبه وعودة "مزيونة" إلى شاطئ الأمان.
في ركنٍ منزوٍ من الردهة، كانت ليلى تخوض معركتها الخاصة؛ تحبس دمعاتها بصعوبة بالغة، وشعورٌ بالذنب ينهش روحها وكأنها الجانية. انحنت تهدهد طفلها "مؤيد" الذي لم يكف عن التذمر والبكاء، وكأن الصغير قد تشرب من ثدي أمه فيض القلق الذي يعتصرها، فصار يشاركها صرختها الصامتة.
كان معاذ يأخذ الصغير منها بين الحين والآخر محاولاً تهدئته، لكن مع صراخ الطفل المستمر ورفضه لكل يدٍ تمتد إليه سوى يد أمه، كان صبره ينفد سريعاً. ليعيده إليها بغضبٍ وعصبية، وقد تملكه الضيق من الأجواء المشحونة:
— "ابن الكلب ده.. ماله؟ كأن راكبه عفريت مش عايز يسكت واصل!"
تلقفته ليلى منه بحنوٍ بالغ، ودون أن تنطق بحرف، انزوت لتردعه وتسكت صراخه بصمتٍ مطبق. كان القلق على والدتها "مزيونة" قد سلبها القدرة على الكلام، فبات لسانها ثقيلاً وكأن الكلمات قد جفت في حلقها.
شعر معاذ بوخزة ندم حين رأى انكسارها وصمتها الذي فاق صراخ الطفل ألما؛ فكفَّ عن تذمره، واقترب منها بهدوء. مدَّ يده ليقبض على كفها، ضاغطاً عليها بمؤازرة حقيقية، هامساً بصوتٍ حاول أن يجعله مطمئناً:
— إن شاء الله هتقوم بالسلامة، طمني قلبك وخلي عندك ثققة في كرم ربنا
تلقّت ليلى دعم زوجها بنظراتٍ ممتنة لا تخلو من قلق، وردت عليه بصعوبة و بصوتٍ خفيض لا يكاد يتجاوز الهمس:
— "خايفة يا معاذ.. وحاسة نفسي غبية وأنانية عشان مخدتش بالي من تعبها. مخي كان مشغول في الصلح معاك وهي بتتألم مع نفسها، أنا مستحقرة نفسي قوي."
هنا سقطت دموعها رغماً عنها، فضاعف معاذ من "هدهدته" لها وبث الطمأنينة في قلبها، فتابعت هي بانهيار:
— "كان نفسي أدخل معاها وأساعدها في ولادتها، أرد لها ولو جزء صغير من اللي عملته معايا يوم 'مؤيد'.. لكن هي رفضت، رفضت يا معاذ!"
كاد الاخير أن يرد ليضحض ظنونها، لولا أن جاء الرد من جوارهم؛ من "حسنية" التي كانت تغفو وتستيقظ عدة مرات، وكأن غريزة "كبيرة العيلة" تحركها للتدخل في الوقت المناسب:
— "متبقيش مِخبلة يا بت! أمك خايفة عليكي وعندها حق، هتسيبي ولدك وتعملي معاها إيه جوه يعني؟ عمتك منى واعتماد معاها، والدكتورة والممرضات.. ولا هي زحمة في الأوضة وخلاص!"
كادت ليلى أن تعارضها، رافضةً هذا التهميش في تلك اللحظة الفارقة من حياة والدتها، وحياة شقيقها أو شقيقتها اللذين على وشك الظهور إلى الدنيا.. ولكن، قطع كل حوار صوتُ صرخة طفلٍ شقَّت سكون غرفة العمليات.
اشرق وجه حمزة، وارتسمت البشرى على وجوه الجميع وهم يتمتمون بالتهاني:
— "يا ما أنت كريم يا رب! مبروك يا حمزة.. الغضنفر شرف الدنيا، عقبال ما تطمن على أمه بالسلامة."
تمتم حمزة بقلبٍ يرتجف: "يا رب.. اللهم آمين." اهم حاجة هي، والله ولا يهمني واد ولا بنت كفاية عليا هي وبس.
لكن الفرحة لم تكتمل في صمت، بل ازدادت حدة الصراخ وكأنه لا يأتي من حنجرة واحدة.. بل من حنجرتين! تسمرت الأقدام، واتسعت العيون بذهول، فصوت البكاء الذي ملأ الردهة الآن كان "مزدوجاً"، يعلن عن قدوم روحين لا روحاً واحدة.
,....................,
:
في منزل جمعة
كان "عطوة" يجلس والتوتر يأكل أطرافه، بعدما عاد إلى البلدة خصيصاً ليطوي صفحة الماضي ويبيع نصيبه في العمارات التي ورثها عن والده، لكن الانتظار كان أثقل من الجبال على صدره.
زفر عطوة زفرةً مسموعة، ونظر إلى "جمعة" بضيقٍ لم يعد يخفيه، فقال بنبرةٍ حادة:
— "هو الزبون ده اللي متفق معاه مش ناوي ييجي النهاردة؟ أنا صبري نفد يا جمعة، ومبقتش حمل تأخير واصل!"
حاول جمعة المراوغة وهو يفرك كفيه بتوترٍ ملحوظ، يرسم على وجهه ابتسامةً مهتزة ليطمئنه:
— "على وصول يا عطوة، الراجل أكد عليا إنه في الطريق والمصلحة هتخلص الليلة.. اشرب شايِك بس وروق دمك، مفيش حاجة بتيجي بالساهل، المهم بس ما تنساش نصيبي من البيعة، كفاية تعبي والنبطشية اللي راحت عليا في المستشفى النهاردة عشان خاطر عيونك."
هز عطوة رأسه بموافقة دون الدخول في سجال معه، رغم شكٍ بدأ يسري في عروقه كالسم، لكنه كان مضطراً إليه؛ فهو لا يعرف رفيقاً غيره، هكذا هي ضريبة الماضي الأسود.
تناول كوب الشاي على مضض، وقد كان عقله شاردًا هناك، بعيداً عند زوجته التي تركها تنهشها الظنون والقلق. كان يشعر بوجعها وكأن حبالاً خفية تشد قلبه نحوها، يتمنى لو يوقع تلك الأوراق اللعينة ويستلم المال كي يطير إليها ليخبرها أن كل شيء قد انتهى، ليبدأ معها حياة جديدة، نظيفة ، مستقرة.
وفي غمرة حديث "جمعة" المستفيض عن ذكرياته وحكاياته كممرض في المشفى الحكومي، كاد عطوة أن يستسلم لتيار الكلام وينسى شكه الملح، لولا أن شق صمت المكان طرقة قوية ومفاجئة على باب المنزل الخشبي.
انتفض جمعة مسرعاً ليفتح للطارق الذي طال انتظاره، بينما تحفز عطوة بلهفة، ظناً منه أن "الزبون" الموعود قد وصل أخيراً لتنتهي غربته ويقبض ثمن نصيبه من من ميرات العمارات،. لكن ملامحه تيبست، وتلاشت لهفته لتتحول إلى صدمة مروعة وهو يرى ذلك الشخص الضخم يقتحم العتبة بابتسامة سمجة، ابتسامة المنتصر الذي وضع يده أخيراً على غريمه، يقول بنبرة تقطر شماتة:
— "حبيبي يا عطوة! أخيراً اتلميت عليك يا جدع؟ ده أنت واحشني من زمان قوي.. والوحشة المرة دي غالية."
ـ عرفان.
تفوه عطوة بالاسم و دارت به الدنيا، ليلتفت إلى صديقه "جمعة" بنظرة يملؤها القهر والاحتقار، فصرخ فيه بصوتٍ مخنوق:
— "تاني يا جمعة؟ تاني بتعملها فيا؟ الخيانة بقت زي الدم بتسري في عروقك يا واطي؟ بعتني بكام المرة دي؟"
نكس جمعة رأسه في خزي، وهربت عيناه من مواجهة نظرات عطوة المشتعلة، وتمتم بصوتٍ واهن يرتجف:
ـ سامحني يا صاحبي، المرة دي بالذات كانت غصب عني
........................
ما إن أعطت الطبيبة إشارتها بالسماح لدخولهم، حتى اقتحم حمزة الغرفة بطلته المهيبة، يهلل ويصفق بيديه بفرحة طفولية لم تستطع رصانته إخفاءها. لم يمنعه وجود "اعتماد" زوجة أخيه، ولا "منى" شقيقته، من مغازلة مزيونة بجرأته المعتادة، وهو يرمقها بنظراتٍ تفيض عشقاً وتقديراً:
— "حمد الله على السلامة يا عسل.. وشك نوّر وبقى زي البدر، الله أكبر عليكي!"
زغدته "منى" بقبضة يدها في كتفه وهي تضحك بخجل:
— "اختشي على دمك يا كبير ناسك، اعقل وخليك رزين إحنا واقفين، مش قادر تمسك نفسك واصل؟ طب حتى راعي إنها لسه طالعة من العمليات!"
تلاعب بحاجبيه يغيظها بعدم اكتراث، ليتوجه إلى محبوبته التي كانت ليلى قد سبقتها إليه بمجرد فتح الباب؛ حيث ارتمت في أحضان والدتها تقبل يدها وجبينها وهي تهتف بسعادة غامرة:
— "حمد الله على سلامتك يا أمّه! وأخيراً بقى ليا إخوات يا ناس.. وأحلى إخوات في الدنيا!"
كانت مزيونة تربت على خد ليلى بحنية مفرطة رغم ملامحها المنهكة، وقبل أن تنطق، شعرت بيد حمزة القوية تمسك يدها الأخرى بلهفة، فاستدارت إليه بعينيها المتعبتين، ليهمز لها بصوتٍ يملؤه الفخر والمداعبة:
ـ — "والله وما طلعتي هينة يا بت الأحرار! فضلتي مخبية عليا لحد آخر لحظة؟ بس معلهش، نفوتها لك يا جميل عشان حلاوة المفاجأة.. حمد الله على سلامتك وحلاوة ما جبتي يا ست الستات كلهم، بس أنا الحيرة وكلاني.. محدش لغاية دلوقتي راضي يبل ريقي ويقولي إيه نوع اللي شرفوا؟ لا المضروبة منى، ولا حتى الكهينة مرأة الحليوة خليفة!"
ضحكت اعتماد وهي تعاتبه بمرح ولا تتوقف عن الضحك:
— "أنا برضك اللي كهينة يا أبو ريان؟ الله يسامحك يا سيدي!"
أضافت منى وهي ترفع حاجبها بشرٍّ مصطنع نحو شقيقها، والابتسامة تغالب وقار وجهها:
— "إخص عليك راجل! خليتني 'مضروبة' على آخر الزمن بعد التعب اللي تعبته ده كله؟ صحيح.. آخرة خدمة الغُز علقة!"
تصنع حمزة العبوس رداً عليهما، ثم وجه اهتمامه فوراً نحو الطبيبة التي دلفت لتطمئن على مريضتها:
— "آها.. ونحط الدكتورة في الحسبة! هي رئيسة العصابة أكيد، ومعاها الممرضات كمان، ولا واحدة ترد عليا لما اسالها"
ضحكت الطبيبة لتضج الغرفة بضحكات بقية الطاقم وهي تبرر بقلة حيلة:
— "طب وأنا إيه ذنبي طيب؟ دي كانت رغبة مراتك.. شوف حسابك معاها بقى!"
أشارت بيدها لتعيد تركيزه نحو رفيقة الدرب، فضغطت مزيونة على يده بوهن وكأنها تستمد منه بقية قوتها، مؤكدةً على كلام الطبيبة:
— "ده حقيقي يا حمزة.. أنا اللي نبهت على الكل، كنت عايزة أشوف رد فعلك لما أقولك بنفسي."
تبسم حمزة بملء فمه، وعيناه تلمعان بشغف:
— "باه! وليه يعني هو سر حربي؟ قولي يا غالية.. طمنيني قلبي خلاص هيوقف!"
......................................
في زاوية من الحجرة الشاسعة لحضانات الرضع، كان خليفة يحمل إحدى "اللفافتين" برفقٍ شديد، يتأمل ملامحها الصغيرة بفرحة غامرة، ويقارن بين تفاصيلها وبين التوأم الآخر الذي تستقر بين يدي والدته "حسنية". كانت حسنية على وشك أن ترقص طرباً لولا وقار سنها وتذمرها الضاحك من كثرة الأحفاد.
هتف خليفة وهو يداعب وجنة الصغيرة:
— "بصي يا أمة.. البت دي خطفت قلبي! عليا النعمة ما هسيبها تروح لحد غير ولدي اللي جاي في الطريق أن شاء الله. هيبقى الفرق ما بينهم شهور قليلة، بس هي بت عمه وهو أولى بيها.. يا حلاوتك يا جمالك يا قمر أنتي!"
ضحكت حسنية من قلبها وهي تهز الطفلة الأخرى:
— "يعني أنت ضمنت إنه هيطلع واد يا خليفة؟ خازوق يطلع بت هو كمان! يا وعدك يا حسنية.. مش هعرف افرق ما بينهم بعد كدة من كترهم!"
انطلقت ضحكة عالية من خليفة وهو يعلق بمرح:
— "لا طبعاً محدش ضامن يا ست الكل، ده كلام الدكتورة.. لكن لو ربنا راد يكدب الظنون هعترض يعني؟ شيلي يا حسنية حلقان ودهب من دلوقت!"
لوت والدته بوزها بتمثيلٍ مضحك:
— "بتفكرني ليه يا حزين؟ هو حد لاقي دهب الأيام دي؟"
ثم اندمجت في مداعبة الطفلة وهي تقبلها بحنان جارف:
— "حلقان بس؟ ده أنا هجيبلها الحلو كله.. حبيبة ستّو دي. يديني العمر بس يا رب وأشوفهم عرايس.. مش عايزة من الدنيا أكتر من كدة."
أمّن خليفة على دعائها بقلبٍ صافٍ، واقترب من والدته ليطبع قبلة حانية فوق رأسها، لكن لحظتهما الحميمية انقطعت بظهور زوجته اعتماد وشقيقته منى وهما تقتربان منهما بجدية مصطنعة:
— "خلاص يا غوالي.. هاتوا البنات عاد، أبوهم عايز يشوفهم ويأذن في ودانهم، ويسميهم بالمرة .
.....................؟
في منزله الهادئ، خرج من الحمام يجفف شعر رأسه بإجهادٍ ناءت به عصبته، كان يظن أن برودة المياه ستغسل عن جسده تعب الأيام، لكن الإحباط كان أعمق من أن يمحوه ماء. تكالب عليه الإعياء الجسدي مع يأسٍ مرير لفشله المتكرر في القبض على ذلك "المجرم" الذي بات يسرق النوم من جفنيه، فكلما نصب له فخاً محكماً، أفلت منه في اللحظة الأخيرة وكأنه سراب.
زفر بتعب وهو يتجه نحو دولاب الملابس، يبحث عن هندامٍ يصلح للخروج؛ فهو مضطر للتحامل على ألمه النفسي والذهاب لإحضار زوجته من منزل والديها، رافضاً فكرة مبيتها بعيداً عنه ولو لليلة واحدة.
أخرج سريعاً قميصاً وبنطالاً ألقاهما على الفراش تمهيداً لارتدائهما، ولكن لمعت في ذهنه فكرة مباغتة؛ ففتح الضلفة المخصصة لزوجته، باحثاً بين ثنايا ثيابها عما يثير الشغف داخله، شيئاً ترتديه له لعلّ سحرها ينسيه مرارة الفشل.
عبثت يده بالملابس حتى لفت نظره قماش "التايجر" بنعومته الجذابة، وما إن جذبه بحماس حتى انفلتت معه عدة قطع مطوية، وسقط من بينها شيءٌ أصدر صوتاً رنّ في أرجاء الغرفة الصامتة. انحنى كمال ليلتقط الملابس ويعيدها إلى مكانها، لكن عينه تسمرت على ذلك الشيء الذي استقر أسفلها على الأرض.
رفعه ببطء، وتفحصه بذهولٍ شلّ حركته وهو يتأكد من حدسه الذي لم يخطئ يوماً بحكم مهنته.. إنه شريط "حبوب منع الحمل" التي يعرفها عن ظهر قلب، مخبأة بعناية داخل ملابس زوجته!
............................
وإلى حمزة، الذي كان يقف بوقارٍ اهتزت أركانه أمام جلال اللحظة. أمسك بقطعةٍ غالية من روحه، بل قطعتين تربطان بينه وبين حبيبته برباطٍ لا ينفصم. كانت مزيونة تراقب ملامحه بصمت، هي التي خشت طوال فترة حملها وبعد معرفتها بنوعهما، ان يخيب ظنها برد فعل مخالف
لكن ما لمسته في عينيه حين أخبرته بالحقيقة كان أجمل مكافأة لصبرها.
انحنى حمزة يهمس بالأذان في أذن طفلته الأولى، ونبرة صوته تهتز بارتعاشٍ لم يعهده فيه أحد من قبل، فيضٌ من المشاعر الجياشة كاد يغلبه وهو يرى ملامح "مزيونة" تتكرر في هذا الوجه الصغير.
قطع استغراقه صوت منى وهي تهتف بابتسامة واسعة، وتمد يدها إليه بالطفلة الثانية:
— "التانية يا حمزة! خذ.. نسيت نفسك مع الأولى ولا إيه؟"
سلّم حمزة الأولى بغير وعي إلى ليلى، التي تلقفتها بلهفة طفلة صغيرة عثرت على كنزها المفقود، والتفتت تغيظ زوجها معاذ الذي كان يحمل طفلهما "مؤيد":
— "أختي يا معاذ! بقى عندي أخت يا ناس.. شوف القمورة!"
رد معاذ بضحكة صافية، مشاركاً إياها فرحتها التي أنستها كل ضيق:
— "يا ستي مبروك عليكي.. وعقبال ما تشوفيها عروسة هي وولدك .
أما حمزة، فقد انتهى من الأذان في أذن الثانية، ثم جلس ببطء بجوار زوجته على طرف الفراش، وعيناه لا تغادران وجهها ولا وجهي الصغيرتين، فهمس بصوتٍ يملؤه الامتنان والخشوع:
— "يا سبحانك يا رب.. يعني أنا كنت بدعي ربنا يديني واحدة 'صورة منك' ومن حلاوتك، يقوم الكريم يراضيني ويعطيني اتنين مرة واحدة؟"
نظرت إليه مزيونة بابتسامة باهتة لكنها مشرقة بالرضا، فضغطت على يده، وكأن لسان حالها يقول إن التعب قد زال، والخوف الذي كان يوقف سير حياتها قد أصبح من الماضي بفضله
..........................
في غرفتها القديمة التي شهدت خيباتها، وفرحها، الاحلام الوردية، وليالي السهد والحزن، كانت هالة تقف أمام المرآة بعد أن اطمأنت على نوم صغيراتها. تصفف شعرها بعناية فائقة، وتضع لمساتها الأخيرة في انتظار زوجها الذي على وشك الوصول بحسب الميعاد الذي حدده.
. دلفت شقيقتها الغرفة فجأة، وأطلقت صفارة إعجابٍ مرحة وهي تتأمل مظهرها المتجدد:
— "واو! والله وتطورنا يا هالة.. وبقينا نكوي الشعر ونعمل تساريح كمان! إيه الحلاوة دي؟"
ابتسمت الأخيرة بهدوء وهي تضع قليلًا من "أحمر الشفاه" ليزيد وجهها نضارة، وردت بمداعبة:
— "عقبالك يا ست إسراء لما ربنا يهديكي وتتجوزي.. ساعتها هتعملي زيي وأكتر مني كمان."
ضحكت أختها وجلست على طرف طاولة الزينة تدلدل قدميها بمرح وقالت:
— "على أساس إني رافضة يعني؟ طب يا رب يتقدم ابن الحلال اللي قلبي يدق له، وساعتها هتلاقيني مواقفة على طول!"
ابتسمت هالة بحنان وقالت:
— "يا رب يا أختي تنولي اللي بتتمنيه.. هو أنا أكره إنك تكوني سعيدة مع راجل بتحبيه؟"
أمّنت أختها على دعائها، ثم تحولت ملامحها إلى الجدية فجأة وهي تسألها بفضول:
— "عندي إحساس إنك جربتي الإحساس ده.. بدليل التغيير اللي شايفاه على وشك وعنيكي، وكل حتة فيكي. أوعي تنكري يا هالة إنك حبيتي جوزك المرة دي!"
لم تنهرها ولم تغضب كما كانت تفعل سابقاً، بل ارتسمت على ثغرها ابتسامة غامضة، وقالت بنبرة بها بحة الندم:
— "لا مش هنكر يا شقيقتي.. أنا دلوقت بس اللي فهمت إني كنت 'حمارة'! الغل اللي كان مزروع في قلبي مكانش سببه حد غيري أنا.. كنت دايماً بعمي بصري 'عن عمد' عشان أنكر حقيقة كانت جوايا، وبغبائي كنت بفسرها غلط."
سألتها أختها باهتمامٍ بالغ عن تلك "الحقيقة"، لكن هالة لاذت بالصمت الجميل، قبل أن يقطع خلوتهما صوت والدتهما من خارج الغرفة تنبهها بحضور زوجها:
— "يا هالة.. جوزك جه يا بنيتي، يلا عشان يروح بيكي."
............................
في مكانٍ مقفرٍ من البشر، يحيطه صمت المزارع الموحش، دفع عرفان "عطوة" بقوة ذراعه بعد فترة طويلة من الصمت المطبق سادت طريق مجيئهما إلى هنا. سقط قلب عطوة بين قدميه، وأخذ يبلع ريقه الذي جفَّ تماماً من فرط الرعب، محاولاً استجماع شتات ثباته المنهار وهو يقول:
— "أدينا جينا في مكان خالي وبعيد عن جمعة 'الخاين' زي ما طلبت.. قولي بقى طلباتك إيه؟"
ابتسم عرفان بشرٍّ مستطير وهو يتأمل "عطوة" في ثوبه الجديد، وكأنه يرى شخصاً غريباً غير الذي عرفه سابقاً. ألقى بلفافة تبغه على الأرض، وسحقها تحت حذائه ببطءٍ متعمد وهو يشير لعطوة بنظرةٍ فاحصة:
— "طلباتي؟ والله وقلبك جمد يا عطوة وبقيت تتكلم بعين قوية حتى وانت بنفس الوساخة! بس يا خسارة، الثبات اللي بتمثله ده ميدكش الأمان قدامي.. أنا عارف اللي جواك وعارف إنك دلوقت بتتمنى الأرض تنشق وتبلعك عشان تقدر تهرب مني، بس انا بقولك اها, انت جيت برجليك لقضاك ومصيرك نفس مصير السيجارة اللي انت شايفها بعينك وانا بدعكها دعك"
كان قلب عطوة على وشك التوقف من فرط الخوف، لكنه كان يجاهد ليظهر برباطة جأشٍ زائفة أمام "هذا الوحش الكاسر"؛ فهو يدرك في قرارة نفسه أن لعرفان حقاً لديه، وهذا الإحساس بالذنب هو ما منعه من المقاومة حين طُلِب منه الانفراد بعيداً عن أعين الناس والخائن "جمعة". كان كل ما يصبو إليه هو مواجهةٍ شجاعة تنهي هذا الحساب المعلق، مهما كان الثمن.
استجمع عطوة شجاعته وقال بنبرةٍ حاول جعلها ثابتة:
— "اسمع يا عرفان.. خلينا نتفاهم ونتكلم ع الصريح. أنا عرفت إنك سألت عن 'نورا' في البلد، وعرفت إنها كانت ساكنة طول فترة هروبها منك..."
قاطعه عرفان بنبرة حادة غليظة، زادت من ارتياعه وهو يكمل الجملة باتهامٍ صريح:
— "وإنك أنت اللي هربتها وكنت مخبيها عني! عشان تتفقوا عليا وتقرطسوني وتخلوا رقبتي قد السمسِمة؟"
حاول عطوة التبرير بدفاعية مهزوزة:
— "والله مالي ذنب واصل.. هي اللي جات لحد عندي ووقعت في عرضي، وأنا مقدرتش أكسر بخاطر حد استنجد بيا!"
لوى عرفان ثغره بسخرية لاذعة، واقترب منه خطوةً جعلت عطوة يتراجع لا إرادياً:
— "لا وأنت شريف قوي يا واد! عامل لي فيها البطل المخلص وانت اوسخ خلق الله؟"
تابع عرفان بنبرة فحيحٍ تقطر وعيداً، وعيناه تلمعان بشرٍّ قديم:
— "بالنسبة للملعونة دي.. حسابها مش ناسيه، هجيبها وهعمل فيها كل اللي يخطر وما يخطرش على بالك، بس ده بعد ما أخلص منك أنت الأول!"
انتفض قلب عطوة، وبأعجوبةٍ أنسته الرعب، اندفع نحو عرفان بعصبيةٍ جارفة يذود عنها:
— "حسابك معايا أنا يا عرفان! ملكش صالح بيها واصل.. خلي حسابنا 'راجل لراجل'!"
لم يمهله عرفان، بل سحبه على حين غفلة، قابضاً على تلابيب ثيابه بقوةٍ أوقفت أنفاسه، وصرخ في وجهه بصوتٍ يملؤه الاحتقار:
— "وأنت حسابك هيّن يا واد عشان تشيل عنها؟ طب أن شلتها هي من الحسبة دلوقت، هشيل كيف خستك يا واطي وأنت عينك طول الوقت في اللي يخصني؟ ان كانت نورا.. ولا مزيونة؟!"
نطق الاسم الأخير، ثم أخرج بحدةٍ تلك الصورة القديمة لزفافه على مزيونة؛ تلك الصورةً المشوهة، التي مَحى فيها عطوة وجه عرفان تماماً، وأبقى على وجه مزيونة وحدها واضحاً كالشمس. في تلك اللحظة، أيقن عطوة أن ساعة القضاء قد حانت، وأن كل مخابئه قد كُشفت، فحاول يدافع بوهن:
— "قسم بالله طليقتك ما قربت لها! دي صورة قديمة يا عرفان.. مجرد ذكرى!"
هنا انفجر عرفان كبركانٍ هائج، وصرخ فيه بجنون:
— "يا ابن الكلب! فاكرني 'بريالة' وهصدق كدبك؟ طب افتكر لما 'فطيت' على بيتها هي وبنتها في عز الليالي واتحايلت انك فطيت غصب عنك هربا من اللي كانو عايزين يخلصوا عليك.. كنت عايز إيه ساعتها يا نجس؟ ده أنا من يومها ومستني بس دليل يقع في يدي، وربنا أخّرها عشان الحساب يجمع.. ودلوقت حان وقت العقاب!"
وقبل أن يستوعب عطوة وقع الكلمات، باغته عرفان بلكمةٍ قوية أطاحت بثباته، ثم انقض عليه يكيل له الضربات القوية بلا توقف ولا رحمة، وكأنه يفرغ في جسده غلّ السنين ومرارة الخيانة.
............................
داخل السيارة، كانت تثرثر بمرحٍ لم يعهده فيها من قبل، تقصُّ عليه تفاصيل يومها البسيطة، وما فعلته مع صغيرتيها، وكيف غمرتها الفرحة بقضاء الوقت معهما.. لكن جُموده المتواصل، ونظراته المثبتة على الطريق ببرود، جعل الكلمات تتجمد على شفتيها. توقفت فجأة وسألته بقلق عن سبب صمته، إلا أنه تحمحم بضيقٍ وهو يتحجج بإرهاق العمل، تاركاً مساحةً للشك تدور في عقلها؛ فتوقفت هي الأخرى عن الحديث بعدما ملت من صمته، الصقت رأسها بالنافذة المجاورة لها تتابع الطريق بصمتٍ حذر.
فاستغل كمال صمتها ليختلس النظر إليها، وصراخٌ مكتوم يتردد في صدره:
— "من يرى لهفتها عليَّه منذ لحظات حين استقبلته في منزل والديها، أو يستمع لحديثها عنه أمامهم وكأنهما زوجان في قمة السعادة، لا يصدق أبداً ما تخفيه!"
كان الإحساس بالتغيير قد تسرب إليه بالفعل؛ لمسَه في ليونة تعاملها معه، وفي اهتمامها بسرد تفاصيل يومها الصغيرة له، حتى خُيِّل إليه في لحظات الصفا أنها باتت عاشقةً له حتى أخمص قدميها.
لكنه الآن، ومع وجود ذلك "الشريط" في جيبه، لم يرَ فيها سوى كاذبة لعينة تتقن اللعب بمشاعره. يراها تفعل المستحيل وتخطط في الخفاء كي لا تنجب منه، وكأنها ترفض أن يربطها به أثرٌ للأبد.
لعن حظه في سرّه، واعتصر مقود السيارة بقوة حتى ابيضت مفاصله؛ فكم يود الانتقام منها الآن وتفجير غضبه في وجهها.. لكنه قرر الصبر، سيتحمل هذا التمثيل القاتل حتى يختليا معاً في منزلهما، وهناك.. سيكون الحساب عسيراً.
........................
ازدحمت غرفة الراحة بأفراد العائلة الذين تحلقوا حول مزيونة، في انتظار إذن الطبيبة النهائي بالخروج. كانت الغرفة تضج بالضحكات والمشاكسات، والكل يتسابق لسرد الحكايات عن "حمزة"؛ ذلك المتهور الذي فقد اتزانه تماماً، وسلك مسالك حمقاء من فرط قلقه المتصاعد بينما كانت زوجته تصارع آلام الولادة بالداخل.
تعالت ضحكة منى وهي تعيد تمثيل حركات شقيقها المرتبكة، فما كان من حمزة إلا أن رد بعفويته المعهودة، غير آبهٍ بنظراتهم الساخرة:
— "اتريقي براحتك يا ست منى.. عيشي لك يومين! بس على أساس إن المحروس جوزك هو اللي عاقل وراسي؟ متخلونيش دلوقت أفتح الدفاتر القديمة وأفتش في الفضايح!"
رد منصور محاولاً تبرئة ساحته بتمثيل البراءة المفرطة، والضحكة تلمع في عينيه:
— "يا عم أنت مش قادر على لسان أختك هتحط غلبك في جوزها؟ ده إيه الغلب ده يا ناس! ده أنا راجل ملتزم بالأدب من أول القعدة!، مالي بقى؟
هنا انفجر حمزة ضاحكاً، والتفت إليه بنظرةٍ "فاحصة" جعلت الجميع يترقب الرد:
— "اسم الله عليك يا مؤدب! والله ما عرفت الشيطان غير على يدك أنت يا 'سوسة'.. اشحال ما كانت تربيتك.
قرعه حمزة بهذا الرد الذي أصاب الهدف بدقة، فألجم لسان منصور الذي تلون وجهه بخجلٍ ممزوج بالضحك، ولم يجد ما يرد به وهو يرى نظرات "منى" التي أكدت التهمة، وقد تدخلت تدافع عنه:
— "وافرض يا غالي! برضه إحنا من يومنا عاقلين وراسيين، مش زيك ياللي كنت عامل زي المجنون في الطرقة، والكل رايح وجاي يتفرج عليك وعلى جنانك!"
ضجت الغرفة بالضحك على وصف منى الدقيق لحالة حمزة ساعة الولادة، فما كان منه إلا أن أشاح بوجهه بتذمرٍ طفولي لا يليق بهيبته، وهتف نحو والدته "الحاجة حسنية" مستنجداً:
— "يووه عاد! سكتي البت دي يا أمّه.. هي ما صدقت لقت لها فُرصة تِسنّ لسانها عليا الليلة دي؟!"
ضحكت الأم وهي تربت على كتف ابنتها، بينما ظل حمزة يبرطم بكلمات غير مفهومة وهو يرقب فرحة الجميع من طرف خفي، والابتسامة تأبى إلا أن ترتسم على وجهه رغم "التحفيل" العائلي عليه
دخل معاذ هو الآخر الحلبة، يشارك المجموعة شكواه بمرحٍ وهو يتذكر نظرات حمزة الحادة لهما في الممر:
— "أمال إحنا بس نقول إيه يا بوي؟ ده أنا والبنية "مرتي" لزقنا في بعض زي المساكين والواد في حضننا، وهو يغيب لحظة ويرجع يزغر لنا كل نظرة ونظرة.. كأنه بيقولنا النفس ممنوع!"
تمتم حمزة وهو يتوعده بنظرة مشتعلة:
— "آه يا الكلب! طب حسابك لسه جاي.. اصبر عليا بس!"
عادت موجة "التحفيل" لتشتعل من جديد، مما اضطر مزيونة للتدخل لحماية زوجها رغم تعبها الملحوظ، وقالت بابتسامة حانية:
— "ما خلاص بقى يا جدعان.. خفوا شوية على الراجل، هو مش حملكم دلوقت، مش كفاية تعب الساعات اللي فاتت دي عليه؟"
أشرق وجه حمزة بزهوٍ وفرحة لتدخلها، ومال عليها يغازلها بجرأته المعهودة:
— "تسلمي يا غالية يا أم البنات انتي يا عسل.. أيوة كدة، ردي عني الهمج دول!"
لوت منى بوزها بخبثٍ وقالت وهي تضحك:
— "وه عاد! جينا تاني لـ 'فقع المرارة'؟ ما قولنا اختشي شوية يا كبير ناسك، دا حتى الاوضة معباية!"
نهض حمزة من مكانه فجأة متظاهراً بالهجوم عليها، فارتجفت منى ضاحكة والتصقت بزوجها "منصور" الماكر الذي كان يراقب المشهد بصمت، لولا تدخل الحاجة حسنية التي أمسكت بذراع ابنها تترجاه بصوتٍ يتقطع من فرط الضحك:
— "خلاص يا حبيبي.. أنت العاقل يا كبير ناسك، سيبك من العيال دول.. وأنتي يا بت أنتي وهو فضوها عاد عشان لاتقلب نكد! المهم.. ناوي تسمي العرايس إيه؟"
اعتدل حمزة في وقفته، وارتسمت على وجهه علامات الفخر، ثم نادى على صغيره "ريان" الذي كان يقف قريباً من جدته، وأمره بلهجة قيادية محببة:
— "قولها يا ريان.. قول لستّك على الأسامي اللي اختارناهم سوا."
رد ريان بصوتٍ عالٍ يملؤه الفخر، وعيناه تلتمعان ببريقٍ طفولي وهو ينظر لجدته:
— "تالا وتاليا يا جدة.. بابا قال لي دول أجمل أسامي لأحلى بنات!"
ساد صمتٌ قصير في الغرفة، قطعه صوت الحاجة حسنية وهي تردد الأسماء بنغمةٍ استكشافية، وكأنها تتذوق وقع الحروف الجديدة على لسانها:
— "تالا وتاليا؟ حلوين.. بس تقال شوية على اللسان، لكن لايقين على بعض ونغمتهم زينة."
تدخل خليفة الجالس جوار زوجته في ركنٍ يخصهما، رغم الصخب الدائر في الغرفة، وقال بوقار ومحبة:
— "يا زين ما اخترت يا ولد أبوي.. ربنا يبارك فيهم ويحسن خَلقهم وأخلاقهم."
— "اللهم آمين."
تمتم بها حمزة بخشوع، ثم توجه بنظره إلى اعتماد داعياً لها:
— "عقبال ما يخلّصك بالسلامة أنتي كمان.. وتكمّلي المجموعة بإذن الله."
ردت اعتماد بابتسامة ممتنة، قبل أن يعود حمزة إلى زوجته يشاكسها ويختبر صبرها كعادته:
— "بقولك إيه يا مزيونة.. إيه رأيك بدل 'تاليا' نبدل ونسمي 'تولين'؟ حاسسها أرق شوية..."
— "حمزةةةة!"
قاطعته بندائها ونظرةٍ محذرة أطلقتها من عينيها المتعبتين، وكأنها تخبره بأن صبرها قد نفد، فتراجع ضاحكاً وهو يرفع يديه علامة الاستسلام:
— "خلاص يا غالية.. أنا كنت بهزر معاكي عاد، هو أنا أقدر أعملها برضه؟ ولا ازعلك اصلا يا ام البنات يا حلوة انتي.
..............................
دلفت هالة إلى المنزل بحماسٍ لم يعهده منها قبل ذلك، كانت تتعامل مع حارس العقار بذوقٍ وأدبٍ غريبين عن طبعها الحاد القديم، تشكره بابتسامة وهي تراقبه يضع الأغراض التي أحضرتها من منزل والدها في المطبخ. وزعت الأكياس سريعاً بين الثلاجة وخزانة المطبخ، ثم هرولت تبحث عنه، لتجده قابعاً داخل غرفة نومهما بسكونٍ مريب.
لم تلحظ هالة في البداية ذلك الوجوم الذي يكسو وجهه؛ كانت مشغولة بثرثرتها المتواصلة وهي تخلع حجابها ثم عباءتها السوداء. تحركت نحو الخزانة لتنتقي ثوباً لليلتها، لكنها تسمرت مكانها حين وجدت قميص "التايجر" مفروداً بعناية فوق الفراش.
انطلقت منها ضحكة ساخرة، وقالت بمرح:
— "إيه ده؟ عترت عليه وحطيته على السرير؟ قال وأنا اللي كنت عاملاه مفاجأة.. بوظت المفاجأة يا كمال!"
رغم ذهوله من قدرتها على الضحك في موقفٍ كهذا، إلا أنه فسر صنيعها بـ "الارتباك" ومحاولة التملص. فنهض ببطء حتى وقف قبالتها، وأمسك خصلة من شعرها يشمها بولهٍ كاذب، وعيناه تلمعان ببريقٍ مخيف وهو يعلق:
— "يعني على كدة.. كنتِ قاصدة تخبيه عني يا هالة؟"
ضحكت بدلال، وضربته بقبضتها الناعمة على صدره قائلة:
— "أيوه يا أخويا.. وأنت بوظت لي المفاجأة بفضولك ده!"
ساد صمتٌ ثقيل لثوانٍ، وعيناه تطوفان على ملامحها الفاتنة التي لم يرَ أجمل منها قط، غاص في عينيها اللتين بدتا له الآن وكأنهما تتقنان فن الكذب لدرجةٍ قادرة على خداع أعتى المحققين. همس بنبرةٍ رخيمة تخفي خلفها عاصفة:
— "ويا ترى.. مخبية عني إيه تاني كمان يا هالة؟"
ضحكت ببراءةٍ تناقض وضعها المتأزم تماماً، ولفّت ذراعيها حول عنقه بدلالٍ أربك ثباته المتبقي:
— "مفاجأتي الكبيرة لما ألبسه وتشوفه عليا.. لا تقولي هيفاء ولا ياسمين صبري، هبقى نار!"
تبسم بهدوءٍ مريب، وهو يقابل ميلها المغري عليه وعرضها المشوق بجمودٍ صخري،، ثم تابع فحيحه:
— "بس أنا متأكد إن لسه في حاجة مخبياها برضه عني.. حاجة أهم من القميص."
قطبت حاجبيها بعدم فهم، وابتسامتها بدأت تتلاشى تدريجياً أمام نظراته التي اخترقتها:
— "حاجة إيه؟ طب قولي أنت.. يمكن أنا ناسية!"
وما إن أتمت جملتها، حتى رفع يده فجأة ممسكاً بـ "الشريط" أمام عينيها مباشرة. سقطت ذراعيها عن عنقه وتجمدت الدماء في عروقها، فخرج صوتها مذهولاً، مشتتاً في البداية وكأنها لا تصدق ما تراه:
— "إيه ده؟!"
رواية لأجلها الفصل 10008 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لاجلها الفصل التاسع والستون والاخير
في المشفى، فتح عطوة، عينيه بعد فترة طويلة من النوم، خُيّل إليه فيها أنه استغرق سنواتٍ في غيابة الجب. أخذ يجول بنظراته حوله، متفقداً أجواءً غريبة عما اعتادت عليه عيناه في منزله؛ سقفٌ أبيض شاهق، إنارةٌ خافتة، وأزيز أجهزةٍ طبية منتظم.. اللعنة! أهذه زوجته الحبيبة؟
نورا تجلس بجواره، وقد غلبها النعاس فأسندت رأسها على طرف فراشه. تساءل في سره بذهول: "أأنا عائدٌ من الموت؟". همّ برفع ذراعه كي يربت على كتفها ويوقظها، إلا أن جسده خانه؛ لم يستجب له طرفٌ واحد. حينها فقط، بدأ يستدرك حقيقة وضعه المأساوي. راحت عيناه تجوبان جسده الساكن المغطى بالغطاء الأبيض، فلا يظهر منه سوى يده المغروز بها إبرة المحلول، والأخرى ملتفة بالأربطة الطبية الكثيفة التي تمتد حتى أسفل الكتف، وكأنها قطعة من الجبس الصامت.
— أنت فقت يا عطوة؟!
، دوى الصوت المحبب إلى قلبه، تنتشله من شروده وتؤكد له أنه ما زال على قيد الحياة. سبقت كلماتها شهقة فرحٍ مكتومة، وعيناها تتلألآن بدموعٍ انهمرت كأنها لا تصدق أن الروح قد ردت إليه أخيراً.
ارتمت عليه بلهفةٍ لم تسعها جدران الغرفة، راحت تقبل طرف يده المغروزة بها إبرة المحلول وكأنها تعتذر له عن كل وخزة ألم، وناجته بصوتٍ مخنوق بالعبرات:
— "حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. ده أنا روحي كانت ضايعة وما ردت لي غير دلوقت برجوعك، مِتّ وحييت ميت مرة من امبارح من خوفي عليك!"
بدأ الوعي يعود تدريجياً لـ عطوة، ومع كل نبضة وعي كان يشعر بآلامٍ تنهش أنحاء جسده كأنها سياطٌ لا تنتهي. عادت به الذاكرة سريعاً إلى تلك اللحظات المريرة التي مر بها تحت رحمة "عرفان المتوحش"، فنظر لنورا بعينين يكسوهما الذهول والتعب ليباغتها بسؤاله:
— إيه اللي حصل؟ وأنتي وصلتي لي كيف؟ ده أنا قولت الكلاب هتاكل جثتي في الخلا، بعد ما يشبع عرفان ضرب فيا ويخلص عليا ويقتلني!"
انتفضت نورا، وخرجت منها الكلمات كالقذائف وهي تقول بحرقةٍ وغضبٍ سكن عينيها:
— كلب لما ينهش مصارينه هو! والله يا عطوة لو كان حصل، ما كنت سيبته عايش على ظهر الدنيا دقيقة واحدة، ولا كان هيكفيني فيه طلقة تخش قلبه تريحه!"
ارتسم ذهولٌ ترافقه تساؤلاتٌ كبرى على ملامح عطوة المنهكة، وبدأ عقله الذي أضناه التعب ينسج الظنون والهواجس؛ فالمكان كان مقفراً، وعرفان ليس بالرجل الذي يسهل الغفلة عنه. ثبّت نظراته المتعبة في عينيها وأمرها بحزمٍ جاف:
— أنتي اللي لحقتيني من تحت إيده يا نورا؟ طب كيف؟! وعرفتي المكان اللي كنا قاعدين فيه إزاي؟ جاوبي يا نورا.. من غير لف ولا دوران!"
تجمدت الدموع في عيني نورا، وابتلعت غصتها وهي ترى نظرات "الشك" تلمع في عينيه رغم حالته، وكأنه لا يصدق أن نجاته كانت مجرد صدفة أو تدخلاً إلهياً، بل وراءها سرٌ يخشى اكتشافه. تنهدت نورا بأسى، وكأنها تزيح حملاً ثقيلاً عن صدرها، لتجيب عن تساؤلاته وتخمد نيران الشك التي بدأت تنهش رأسه:
— جمعة هو اللي وصلني ليك يا عطوة.
عند سماعه الاسم انتفض رغم ألمه، وزمجر بمرارة:
— جمعة؟! جمعة الخاين!"
هزت نورا رأسها نفياً وقالت بسرعة لتصحح له الصورة: — "لأ.. ما كانش خاين يا عطوة. جمعة كان مجبور، عرفان هو اللي هدده بخطف ولده، يعني مسكه من يده اللي بتوجعه."
توقف عطوة عن الحركة، ورمقها بذهولٍ تام:
— ولده مين؟ أنا مش فاهم حاجة واصل.. هو إيه اللي حصل من ورا ضهري؟" اقتربت منه نورا، وأمسكت يده برفق وهي تحاول تهدئته:
— "أنا هفهمك كل حاجة يا حبيبي .. بس اسمعني للآخر."
بدأت نورا تسرد له الحكاية منذ اللحظة التي أخبرها فيها بسفره، وكيف سيطر الرعب على حواسها وتملّك منها؛ شعرت بقلبها ينبئها بشرٍ مستطير، فاتخذت قرارها عازمةً على اللحاق به. لم تتردد، بل حزمت أمرها وسافرت إلى بلدتهم القديمة، لتبحث عن خيطٍ يوصلها إليه، ولم تجد أمامها سوى جمعة، صديقه الوحيد. رغم علمها بضعف نفسه أمام بريق المال، ومقالبه الحمقاء التي طالما أوقع بها "عطوة" سابقاً، إلا أنها لم تملك بديلاً غيره؛ فجمعة هو الصندوق الأسود لتحركات زوجها، والوحيد القادر على فك شفرة غيابه في تلك البلدة حين وصلت إلى منزله، راحت تطرق الباب بعنفٍ وتكرار، لكن لم يفتح لها أحد؛ بدا البيت صامتاً وكأنه خالٍ من أي أثر للبشر. لم يبقَ أمامها خيارٌ سوى أن تسأل الجيران أو المارة في الزقاق، وبينما كانت تهمُّ بالتحرك، تفاجأت به قادماً من بعيد بملامح يعلوها همٌّ ثقيل، وقد تضاعف ذلك الهمُّ أضعافاً حين اصطدمت عيناه بها تقف أمام داره. أسرع نحوها والذهول يلجم لسانه، ليبادر بسؤالها فور اقترابه:
— نورا؟! أنتي جيتي هنا إمتى؟ وكيف عرفتي طريقي لوحدك؟!"
تجاهلت نورا الإجابة عن استفساراته التي رأتها حمقاء ولا وقت لها، فلم تأتِ من مسافةٍ بعيدة لتتبادل الأحاديث الروتينية؛ بل توجهت إليه بسؤالٍ واحد كان ينهش صدرها، وبنبرةٍ آمرة وقلقة سألته عن زوجها:
— "عطوة فين يا جمعة؟ انطق.. مكانه فين دلوقت؟
ـ يا زين ما اختارتي! ملقيتيش غير الخاين وتسأليه؟" قاطعها عطوة بسخريةٍ مريرة مرسومة على وجهه المنهك، إلا أن نورا باغتته بإجابةٍ خالفت كل توقعاته، وهي تمسح على رأسه بهدوء: ـ
ـ عندك حق تقول كدة، بس اللي أنت ما تعرفوش إن جمعة المرة دي كان مظلوم بجد. عرفان كان مراقب بيتك برجالته، ومن وقت ما رجلك خطت البلد كان عرف بوصولك، فسبقك على جمعة وهدده بخطف الواد الوحيد اللي حيلته من مراته اللي طلقها." توقف عطوة عن الكلام، واتسعت عيناه بذهول بينما تابعت نورا بحماس:
ـ "جمعة اضطر يسايره ويهاوده لحد ما خدك من بيته ومشي بيك للمكان المهجورة، بس وهو بيعمل كدة كان بيخطط لكل حاجة؛ أول ما أمن ولده وبعِده عن إيد عرفان، جري يطلب الرجالة اللي تنجدك ويخلصوك من تحت إيده وأنت بين الحياة والموت، وفي نفس الوقت بلّغ البوليس عشان يلبسه القضية كاملة ويتمسك متلبس بيك.. إلهي ما يطلع منها تاني واصل!" ...........................
على الأرض.. استيقظت لتجد نفسها ممددةً فوق البرد والصلابة، لم يكن يسند رأسها سوى ذراعها المخدر، وسجادة الصالة التي شعرت ببعض وبرها يقتحم فمها الجاف. اعتدلت بسرعة وهي تمسح فمها بتقززٍ وجسدها يرتجف، نظرت حولها بذعرٍ لتجد نفسها في صالة المنزل الساكنة؛ سكونٌ موحش جعلها تشعر وكأن البيت مهجور لا يسكنه غيرها. تأملت النافذة الخشبية التي اخترق ستائرها نور الشمس بقوة، خيوط الضوء كانت تشي بأن الوقت قد تجاوز الظهيرة على الأقل. تخبطت الأسئلة في رأسها المشوش: كيف نامت هنا؟ وماذا حدث؟ وأين كمال وعمله؟ لكن مع أول خاطرٍ مرّ ببالها، تدفقت الذكريات كالسيل الجارف.. تذكرت كل شيء؛ اللحظات المريرة التي عاشتها بسبب "سهوٍ أحمق" منها، وتلك التهمة التي لم ترتكبها من الأساس، لكنها وقفت أمامها عاجزة عن الدفاع عن نفسها. عادت بذاكرتها إلى ما قبل ساعات.. إلى تلك اللحظة التي انهار فيها كل شيء. حين رفع امامها شريط العلاج وتساءلت بعفوية وعدم تركيز لم تعِ في تلك اللحظة كيف توحشت ملامحه، وكيف انسلخ من رقته لينقلب إلى شخصٍ آخر تماماً لا تعرفه. لم يمهلها لتفهم، بل باغتها بقبضةٍ حديدية اعتصرت شعرها من الخلف، وهو يزمجر بفحيحٍ مرعب:
— "إحنا هنستعبط يا غالية؟ في حد في الدنيا ما يعرفش إيه ده؟ ولا أنتي من كتر مصايبك بقيتي مش مركزة؟ انطقي يا هالة.. الحبوب دي بتاخدي منها من إمتى؟ انطقي وإلا وديني لأكون موريكي العذاب ألوان!"
—"آآآه!
انطلقت منها صرخة وجعٍ غير محتمل، شاعرةً بجمجمة رأسها وكأنها ستقتلع بين يديه القويتين، فأردفت برجاءٍ يقطعه الألم:
ـ "كمال.. شيل إيدك الأول وخلينا نتفاهم.. كمال اسمعني!"
لكن كلماتها كانت كزيتٍ صُبَّ فوق نيران غضبه؛ فبدلاً من أن يلين، زاد عنفه، وأحكم يده الثانية على عنقها يدفعها للخلف بقسوة، حتى تهاوت وسقطت على الفراش بظهرها وهو فوقها كالجبل، يحاصر أنفاسها بنظراته التي لم تعد تحمل سوى الوعيد.
فهدر فيها بصوتٍ زلزل أركان الغرفة، وعيناه تشتعلان بنيران الحقد والخذلان:
— "قولي إنك قرفانة تخلفي مني! قرفانة من الراجل اللي خرجك من قضية كنتي هتلبسيها وترنخي في السجن سنين.. تبقي فيه خدامة لنوسة واللي زيها! رافعة مناخيرك عليا أنا ومش عايزة خلفة مني؟ أنا اللي خليتك بني آدمة وسط أهلك اللي كرهتيهم فيكي بأذيتك، وجعلتك رافعة رأسك وسطهم.. ده جزائي؟! ده جزائي منك يا هالة!
أعماه الغضب عن كل شيء، حتى تضاعف ضغطه على عنقها، ولم يشعر بنفسه وهو يحاصر أنفاسها حتى كادت تروح منها. كانت هالة تترجاه بعينيها التي أغرقتهما الدموع، وصوتها يخرج متحشرجاً، مخنوقاً، بالكاد يُسمع من شدة الاختناق:
— "والله العظيم.. ما قربت منه.. الشريط.. كامل قدامك.. كمال.. اسمعني!"
بصق كلماته في وجهها بسخريةٍ لاذعة، والشرر يتطاير من عينيه:
— "أسمع إيه؟ أسمع عشان أصدق واحدة كدابة زيك؟ وكمان غبية ما بتعرفش تسبكها! هو الشريط الكامل ده ما ينفعش يبقى فيه غيره؟ ولا هو إيه اللي جابه أصلاً وسط هدومك ومخبياه ليه لو مش ناوية تستخدميه؟" كانت هالة تبكي بحرقة مع كل كلمة يلقيها فوق رأسها كالسوط، وجاهدت لتخرج صوتها المبحوح وسط انهيارها:
— "والله العظيم ما في غيره.. دي كانت نيتي من الأول منكرش، بس والله ما قدرت أعملها.. أنا حبيتك يا كمال، وده اللي اكتشفته في الآخر!"
لم يزدها هذا الاعتراف في عينيه إلا قبحاً؛ ففي هذه اللحظة بالذات، بدا له حبها كخديعةٍ أخرى، وكأنها تحاول استعطافه بكلماتٍ واهية لتفلت من العقاب، مما زاد اشتعاله وصاح بها بجنون:
— "دلوقتي حبيبتيني؟ لما اتكشفتِ بقيتي بتحبيني؟ بتمثلي الحب عشان تداري على وساختك!"انتي ايه؟ معندكيش إحساس؟ قلبك دا معمول من ايه الله يخرب بيتك، انا تعبتك منك، تعبت وقرفت
دفعها في الأخيرة ونهض كالملسوع، منتفضاً من جوارها وكأن القرب منها بات يحرقه. كان صدره يعلو ويهبط بإنهاكٍ شديد وهو يتابع بصوتٍ يملؤه الانكسار:
— "كان لازم من الأول أعرف إني دخلت حرب خسرانة.. لا في انتقام نجحت، ولا في إني أغيرك لبني آدمة برضه نجحت! أنا فاشل والبركة فيكي، ضيعتي حتى الجزء اللي كان باقي من حب قديم نحوك.. أنتي لعنة، ولازم أخلص منها!"
مع صرخته الأخيرة التي زلزلت كيانها، ورغم بكائها وانهيارها، لم تستسلم هالة؛ بل حاولت الزحف نحوه مدافعةً عن رمقها الأخير في قلبه، وقالت بنبرةٍ يمزقها الألم، وهي تحاول أن تقبض على تلابيب أي فرصةٍ للنجاة:
— "قسماً بالله.. وحياة بناتي.."
— "متحلفيش!"
صرخ بها مقاطعاً في نوبةٍ من عدم التحمل، وكأنه لم يعد يطيق سماع صوتها، فما بالك بقسمها الغليظ؟ لقد اكتفى من أكاذيبها التي عاش معها طويلاً، ولم يعد في قلبه متسعٌ لتصديق قسَمٍ جديد يُضاف إلى سجلها. أما هي، فقد كانت تترجى منه فقط فرصةً للاستماع، نظراتها تستجديه أن يهدأ لترى بريق الصدق في عينيها. لكنها في تلك اللحظة، واجهت الحقيقة المرة: كيف تثبت براءتها في خطأ كانت تنويه بالفعل؟ وكيف لها أن تعيد ثقته التي لم تجتهد يوماً في بنائها من الأساس؟ لقد كانت صرخته رصاصةً أصابت ما تبقى من آمالها، ووقفت عاجزةً أمام جدار الشك العالي الذي شيدته يداها في علاقتها معه
اهتز رأسها باستسلامٍ ويأس، فقد أدركت أن لا فرصة لها في هذه اللحظة العصيبة، ولا حلَّ أمامها سوى التأجيل حتى تهدأ النيران المستعرة في صدره. فقالت بصوتٍ متهدج:
— "أكيد عندك حق في غضبك، وأنا مش هلومك لو حتى ضربتني.. بس كل اللي بترجاه إنك تسمعني لما تهدى."
رد عليها بفحيحٍ يقطر كرهاً:
— "مفيش 'اسمع' ولا زفت! أنتي بكرة الصبح ترجعي على بيت أهلك، وورقة طلاقك هتوصلك بعدها.. أما أنا..."
— "يا مري! ورقة طلاق مين يا كمال؟ إيه اللي يوصلها لكدة؟!"
صرخت بها وهي تلطم صدرها بكفها، لكنه أبدى جفاءً وحِدّة وهو يسحب سلاحه "الميري" ليدسه في حزامه ويرتدي سترته، متابعاً بحزمٍ مميت:
— "اللي سمعتيه يا برنسيسة.. مش رافضة الخلفة مني؟ أنا بقى قرفان منك ومن سيرتك! وحياة ربنا ماني بايت في نفس البيت دقيقة واحدة في وجودك!"
— "لااااه!"
انتفضت تجري لتلحق بخطواته المسرعة، وقبل أن يفتح باب الشقة، تشبثت بساعده وهي تترجاه بنحيبٍ يمزق القلب:
— "حن عليك يا كمال.. ما تمشيش وتسيبني! أنا استاهل ضرب الجزمة، بس ما تسيبنيش ولا تطلقني.. أبوس على إيدك!" نفض ذراعه بقسوة، رافضاً حتى لمستها التي باتت تثقل كاهله، وصاح بها:
— "ابعدي إيدك عني! بقولك خلاص قرفت منك.. غوري بقى!" دفعها في الأخيرة بقوة أسقطتها أرضاً، فجُرحت شفتاها من أثر الوقعة الصلبة، لكنه لم يأبه ولم تَلن ملامحه أمام ضعفها؛ بل خرج صافقاً الباب خلفه بقوةٍ زلزلت أرجاء المكان، تاركاً إياها تعاني الألم الجسدي والانهيار التام. ظلت تبكي في مكانها وكأنها التصقت بالأرض، حتى غلبها سلطان النوم من فرط الإجهاد. والآن.. تنهض وهي تعي كل شيء، تلعن حظها البائس؛ فلقد أوشكت أن تتغير بعدما فهمت حقيقة مشاعرها، ولكن أخطاء الماضي أبت أن تتركها وشأنها. ومع ذلك، اشتعلت بداخلها قوة مفاجئة؛ لن تستسلم! بحثت عن هاتفها بجنون حتى وجدته، وشرعت في الاتصال بزوجها. في المرة الأولى لم يرد، وفي الثانية أتاها الرد، لكنه لم يكن صوت كمال.. كان صوتاً رسمياً غريباً:
— "ألو.. مين معايا؟" تصلبت ملامحها وهي تسأل بخوفٍ فطري:
— "مين؟.. أهلاً يا حضرة الظابط.. فين كمال؟.. مأمورية إيه؟" سكتت لحظة وهي تستمع للتصريح الأخير عبر الأثير، قبل أن تخرج صرختها مشروخة: — "ماله كمال؟! إيه اللي حصل له؟!"
............................
داخل الجناح الكبير في "المنزل الكبير"، استقرت مزيونة على تختها منذ الأمس بعد عودتها من المشفى، لكن الراحة التي تمنتها كانت بعيدة المنال؛ فالصغيرتان (تالا وتاليا) لم تكفا عن الصراخ المتبادل، وكأنهما في سباقٍ لمنعها من النوم ولو لدقائق. صاحت مزيونة بابنتها الكبرى بنداءٍ يملؤه التعب:
— يا ليلى! تعالي شيلي واحدة منهم يا حبيبتي.. المنتوشتين دول كأنهم جايين مسلّطين عليا، أنا هلكت ونفسي أخطف لي ساعة نوم."
ركضت ليلى ملبية نداء والدتها، وفي يدها زجاجة الرضاعة التي أعدتها، وباليد الأخرى تحمل صغيرها "مؤيد"، الذي اضطرت لوضعه على طرف الفراش بحذر لترفع بدلاً منه إحدى الصغيرتين لترضعها. ولكن، ما إن استشعر الصغير الفراش من تحته وشعر بانسحاب دفء أمه، حتى انطلقت صرخته مدوية كأنه يعلن رفضه لهذا الاستبدال. ارتد الأمر بغضبٍ وتوتر على الجدة التي صاحت:
- "الواد! هتسيبي الواد يصرخ يا ليلى؟!" تطلعت إليها ليلى بحيرةٍ وإرهاق:
— "يا أمه ما أنا هخلص رضعة تالا وهشيله على طول!" ردت مزيونة بنبرة حادة من فرط التعب:
— "ويعني تسيبي الواد يتفلق من الصراخ على ما تخلص المحروسة رضعتها؟!"
زفرت ليلى بضيق وهي تحاول إمساك الزجاجة والصغيرة المتململة:
— "وه! ما هو حرام برضه ما تكملش رضعتها يا أمه.. اصبري لحظة الله يرضى عنك، ده هما دقيقة وهيسكتوا."
في تلك اللحظة، دخل حمزة يتابع جانباً من السجال، بينما كانت صرخات الصغيرين الآخرين تعزف سيمفونيةً زادت من صخب الأجواء وتوترها. وقف يراقب المشهد بابتسامة متعبة وقال:
— "إيه الحكاية؟ العيال دي بتصرخ كدة ليه؟ هو الجناح قلب حضانة ولا إيه؟" التفتت إليه مزيونة بلهفة قائلة: — "تعالى شوف يا حمزة! تعالى شوف بناتك اللي كانهم متسلطين عليا والواد اللي هيتقطع من الصراخ ده!"
— "أشيل معاكم يعني؟ وماله!"
تفوه بها حمزة وقد انعشه المشهد من الداخل رغم انزعاجه القليل من الصراخ؛ فهذا الضجيج هو "عمار" البيت الذي طالما انتظره. هبّ نحو أول من وقعت عليه عيناه، مؤيد الذي كان على طرف الفراش ليرفعه ويحمله بين يديه، إلا أن زوجته نادته باعتراضٍ خبير:
— "لاه يا حمزة، أنت مش هتعرف تسكّته واصل.. خد البت دي وهات لي مؤيد."
امتثل حمزة لأمرها، فاقترب منها وتبادلا "الصغيرة" بـ "مؤيد". وما إن استشعر الصغير حضن جدته حتى استكان فوراً، وبدأت صرخاته تتحول إلى أصوات مرحٍ ومناغاة بلقياها. ضحكت مزيونة وهي تضمه إلى صدرها بقوة، مترجمةً رد فعله بعاطفة الجدة:
— "يا حبيب ستك أنت! شايف يا حمزة بصته عليا؟ كأنه بيقولي كنتي فين من امبارح يا ستو؟ آآه يا نور عيني، والله ما هسيبك تاني واصل!"
بشيءٍ من الغيرة والحنق الطفولي، نظر حمزة إلى التناغم التام بين زوجته وهذا "الصغير المجرم" الذي سرق الأضواء، ثم نقل نظره نحو ليلى التي اندمجت هي الأخرى بسعادة تراقب المشهد. فقرر هو أن يقطع هذا الانسجام بتعقيبه الساخر:
— "شوفي المرة! كل عقلك بمكره وهينسيكي المساكين اللي جنبك.. ما تعقلي شوية يا محروسة، ابن الكلب ده طالع نصيبة أكتر من أمه وأبوه!"
شهقت ليلى بدفاعية ضاحكة وهي تحاول تبرئة نفسها: — "أنا برضه يا عم حمزة؟ طب والله خايبة واللعب ده ما أعرفه واصل، أكيد وارث المكر ده من أبوه.. ومن حضرتك، معلش يعني!"
قالت جملتها الأخيرة بصوتٍ خفيض، لكنه وصل إلى أذني حمزة بوضوح، فغضّ على شفته السفلى رافعاً قبضته في الهواء نحوها بتهديدٍ مزيف، مما جعلها تواصل الضحك. شاركتها مزيونة الضحك، وقالت بشيءٍ من التوازن وهي تهدهد مؤيد:
ـ معلش يا حمزة، بس هو حقه يعمل أكتر من كدة كمان؛ ده بقاله شهور لابد في حضني وهو اللي على الحجر، وفي يوم وليلة يلاقيني انشغلت عنه ومسكت غيره؟ والنعمة ما يحصل أبداً ولا أبعده عني، ده فرحة عيني بعد سنين شوق، وطب وربنا ما حد شجعني ولا طلّع الخوف من قلبي في موضوع الولادة ده غيره.. عشان أقولهالكم بالمفتشر أهه!"
اتسعت عينا حمزة بذهولٍ ممزوج بالغيظ، وصاح مقاطعاً:
— "وه وه! قولي لأمك 'حاس' يا ليلى، بدل ما أعجنها دلوقت! قال هو اللي شال عنها الخوف؟ أمال أنا كان دوري إيه؟ كيس جوافة جنبك يا مرة يا مش معدلة؟"
ضحكت ليلى وهي تردد خلفه الدعابة التقليدية بتمثيلٍ مرح:
— "حااااس يا أمه.. عمي حمزة جاب آخره!" ثم أردفت ليلى موضحةً وهي تنظر إليه:
— "أكيد أنت فاهم قصدها يا عم حمزة، مش أنا اللي هفهمك يعني، دا انت اكتر واحد كنت واقف معاها ." احتفظ حمزة بملامحه العابسة دون إبداء أي استجابة، وظل صامتاً بطريقةٍ جعلت مزيونة تتوجس خيفةً من حقيقة شعوره، فسألته بقلق:
— "حمزة؟ لتكون زعلت بجد؟"
نظر إليها من طرف عينه وهو يداعب الصغيرة ويهدهدها بين ذراعيه بجفاءٍ مصطنع، مما زاد من شكها. شعرت ليلى أن الموقف يحتاج لخصوصية، فقررت المغادرة وقالت مستأذنة:
— "طب أنا هاخد 'تالا' معايا الشقة فوق تكمل رضعتها، وبالمرة أشوف معاذ يمكن محتاج حاجة.. آخد مؤيد معايا يا أمه؟"
— "لاه!"
قالتها مزيونة بحسم رداً على ابنتها، قبل أن تعود لزوجها بنظرةٍ متمعنة محاولةً التوضيح وفك شفرة صمته:
— "حمزة.. أنا بتكلم عن عاطفة الأمومة اللي رجعت لي مع ولادة مؤيد، يعني دي ملهاش دعوة واصل بدعمك ليا ولا وقفتك جنبي.. أنت السند والظهر، وده غلاوته في حتة تانية خالص.
استمع لها ولم يُظهر أي رد فعل سوى أنه تحرك خطوتين ببطء حتى أصبح جوارها تماماً، وفجأةً انجلت ابتسامة متسعة على شفتيه، استفزتها تلك الابتسامة بعد كل ذلك القلق، فدفعته بقبضتها على كتفه بعفوية، لكن صلابة جسده جعلتها هي من تتأوه:
— "آه! يدي كمان وجعتني.. ده أنت غلس قوي يا حمزة!"
قهقه وهو يمسك كفها الصغير ويقبله بحنان، مردداً بلهجته الصعيدية الرخيمة:
— "سلامة اليد الحيلة الحلوة.. حد قالك تضربيني طيب وأنتي عارفة نفسك تعبانة وحيلك مبتوت؟"
نظرت إليه بعتابٍ مشوب بالحب وقالت:
— "ما أنت السبب، وقفت قلبي بمقالبك فيا.. صحيح أنت زعلان يا حمزة؟"
قهقه مجدداً، لكنه هذه المرة مال وقبّل خدها بقوة، قائلاً: — "بذمتك أنا لو زعلان هاجي ألزق فيكي وأبوس الأيادي والخد كمان؟ ما تفهمي بقى يا ولية.. أنا من ساعة ما ولدتي وأنا مش عارف أقعد معاكي لوحدنا دقيقة واصل!"
طالعته بدهشة شديدة وابتسامة عريضة أنارت ملامحها: — "وه يا حمزة! ده أنت طلعت كهين.. يعني كل التمثيلية دي كانت "أونطة"؟"
هز رأسه موافقاً بابتسامة نصر، فعادت تتمايل بدلالٍ وهي تضم مؤيد:
— "وعشان إيه كل ده؟ عشان تقعد جنبي وتلزق فيا؟" ضحك وهو يكمل خلفها بنبرة ذات مغزى:
— "وأبوس اليد.. وأحب على الخد!
"— "يا عيني على روقانك! تمتمت بها مزيونة بذهولٍ لذيذ، وسعادة لا تنكرها وهي ترى أفعاله التي تؤكد شدة تعلقه بها. وعند خاطرٍ مفاجئ، استدركت تسأله بعفوية: — "يعني بجد بتبوسني عادي كدة؟ اللي أعرفه إن الرجالة ما بتطيقش الحريم في الأيام دي واصل.. أنت بقى معندكش الكلام ده؟"
رد حمزة بثقةٍ مطلقة وهو يضمها من كتفيها إليه بخفة وحرص:
— "لاه، معنديش الكلام ده.. أنا أعرف إن الراجل اللي يحب مرته ما يطيقش لحظة تبعد عنه، سواء كانت تعبانة ولا فيها إيه حتى. وأنا بعشق بنت الأحرار والتراب اللي بتمشي عليه، والبنيات اللي جابتهم شبهها.. ولا حتى 'ابن الكلب' اللي قاعد عزول وسطينا دلوقت!"
أشار في كلمته الأخيرة نحو مؤيد، الذي كان يطالعه باستهجان طفولي مضحك وكأنه يرفض اقترابه من جدته. لاحظ حمزة ذلك فتابع بمرح وهو يوجه كلامه لمزيونة:
— "شوفي يا خوي الواد مش طايقني كيف! طب تعرفي بقى إنك عملتي طيب إنك جبتيهم بنات؟ عشان ما يبقاليش ضرة تانية ولا تالتة.. كفاية عليا الضرة اللي في حضنك ده!"
راقبت مزيونة رد فعل الصغير، ورأت العبوس المرتسم على وجهه وكأنه يفهم التحدي، فانطلقت في موجة صاخبة من الضحك، بينما غرق حمزة في تأمل ملامحها التي لم يزدها التعب إلا جمالاً في عينيه.
— "الله يجبر بخاطرك يا حمزة، ضحكتني من قلبي.. ربنا ما يحرمني منك يا رب.
تفوهت بها مزيونة بامتنانٍ صادق، بينما ظل حمزة على وضعه؛ يتأمل وجهها تارة، وقطعة السكر الصغيرة التي يحملها تارة أخرى، ثم يرمق ذلك "المشاكس" الذي تحولت نظراته لعدائية صريحة، مما خلق جواً من العند الجميل والمرح بين الثلاثة. لكن، وكأن القدر يرفض أن تكتمل لحظات الصفو، دوى صوت الباب فجأة بطرقاتٍ عنيفة متلاحقة، وارتفع صوتٌ متوتر يقطر ذعراً من الخارج:
— حمزة! يا حمزة تعالى بسرعة.. عايزينك بره ضروري!"
تلاشت الابتسامة عن وجهه في لمح البصر، وحلّ مكانها قلقٌ فطري، بينما انتفضت مزيونة في فراشها وهي تضغط على "مؤيد" بخوف، وقد استشعرت أن خلف هذا النداء خبرا ليس جيد بالمرة
.............................
فواجعُ الأقدار التي تأتي بلا ميعادٍ ولا إنذار؛ ما أبشعها وما أقساها على النفس!
بخطواتٍ متعجلة متلهفة، كان حمزة يقتحم الرواق المؤدي إلى غرفة العمليات داخل المشفى، يرافقه شقيقاه معاذ وخليفة، ومعهما منصور زوج شقيقتهما. كانت الردهة تعجُّ برجال الأمن ورتبٍ رفيعة في الداخلية منتشرين في كل مكان، وفي زاويةٍ خاصة، كانت صاحبة المصيبة؛ هالة، التي لم يتبين أحدٌ ملامح وجهها وهي تدفنه في صدر والدها الذي كان يضمها بقوة، بينما والدتها تنتحب بجوارها في انكسار. ركض الأربعة نحوهم بعد تبادل تحياتٍ سريعة ومقتضبة مع عدد من أصدقاء "الذي يمكث" خلف الأبواب المغلقة الآن. توجه حمزة نحو عمه متسائلاً بلهفة:
"أنتم جيتوا هنا من إمتى؟!"
أجابه عمه والكلمات تخرج منه بصعوبةٍ بالغة:
— "أول ما اتصلت بينا.. معلش يا ولدي، مقدرتش أستنى حد فيكم، اتصلت بلّغت خليفة وركبت العربية ألحقها عشان أوقف جنبها.. أديك شايف حالتها كيف؟" هنا، انطلقت والدتها بـ "ولولة" شقّت صمت الردهة الثقيل:
— "يا مري يا كمال! يا وجع قلبي عليك يا ولدي.. يا ريتني كنت أنا وأنت لأ يا ضنايا، يارب نجيه يارب.
" زجرها حمزة بنظرةٍ قاسية حازمة كي تصمت؛ فلا وقت للعويل الآن بينما يحتاج هو لفهم الحقيقة من ابنتها. اقترب من "هالة" وهتف بها بصوتٍ منخفض لكنه آمر: — هالة.. ارفعي وشك وكلميني، عايز أعرف مين اللي بلغك بالخبر؟ وإمتى ده حصل اصلا؟!" مرت لحظاتٌ ثقيلة من الصمت، لا يقطعها سوى صوت نحيبها المكتوم وتلاحق أنفاسها، قبل أن تتمكن أخيراً من رفع رأسها إليه. كانت ملامحها شاحبة، ذابلة، وعيناها غارقتان في الدموع وهي تتحدث بصعوبةٍ بالغة:
— "واحد صاحبه.. كان معاه في المأمورية النحس.. قالي إنه اتصاب هو وعسكري كان معاه.. دوكها مات في لحظتها، وكمال..."
توقفت عن الكلام وشهقات البكاء تمزق صدرها بحرقة، قبل أن تتابع بصوتٍ واهن قطع نياط قلوبهم جميعاً:
— "كمال بين إيدين ربنا دلوقت.. عمليته خطيرة يا حمزة، والجرح واعر قوي.. يا مرك يا هالة، يا مرك يا سواد أيامك
— "بس.. فِضيها!"
هتف بها حمزة بحزمٍ يوقف سيل عويلها، حتى لا يصل صوتها إلى الرجال الغرباء والضباط المنتشرين في أرجاء الردهة؛ فسترة بنت عمه في هذه اللحظة أوجبُ من إشفاقه عليها.
وبالرغم من حزمه، إلا أن قلبه كان يعتصر وهو يراها في حالةٍ من الضعف والهوان لم يشهدها عليها من قبل. حالتها تلك استنفرت غريزة الحماية لدى أبناء عمها؛ منصور ومعاذ وحتى خليفة..... خليفة الذي كان زوجها يوماً، وبينها وبينه خلافات السنين ومرارة الماضي، لم يملك أمام هذا المصاب الجلل إلا أن ينحي الضغائن جانباً، ويعاملها بمسؤولية الأخ وشهامة الرجل الصعيدي، مشدداً من أزرها مثلهم تماماً. يا الله! ابنة عمه التي كم عانوا من تعجرفها وغرورها، والتي كانت ترى نفسها فوق الجميع، ها هي الآن يعتصرها الحزن والتمزق خوفاً على رجلٍ لم تكن تحترم صفته كزوجٍ يوماً. يا إلهي.. منذ متى كانت "هالة" تبالي بشيء آخر غير هالة لتنهار بهذه الصورة المفجعة الآن؟ لقد فعلها القدر أخيراً؛ كسر كبرياءها لتدرك في أصعب لحظات حياتها أن من كانت تظنه قيداً، هو في الحقيقة أنفاسها التي تخشى انقطاعها.
....................
قدم إليهم في تلك اللحظات أحد الضباط، ملامحه يكسوها الإرهاق لكنها تحمل فخراً حزيناً. عرّف عن نفسه ماداً يده لحمزة، الذي بادره بالسؤال دون انتظارٍ لمراسم التعارف:
— "السلام عليكم.. أنا الظابط سليم فتوح، حضراتكم تبع الرائد كمال؟"
قبض حمزة على يده بقوة وجيبه ملهوفاً:
— "أيوة إحنا أهله.. طمنا يا ولدي، عايزين نعرف إيه اللي أصابه؟ إحنا هنا زي الأطرش في الزفة من ساعة ما جينا، ومحدش راضي يدينا كلمة مفيدة!"
أجابه الضابط "سليم" بهدوءٍ شديد يحاول فيه امتصاص غضبهم وقلقهم:
— "معلش يا فندم، اتأخرت عليكم.. بس عقبال ما خلصت الإجراءات وسلمت المجرم اللي كان مطلع عيونا بقاله شهور؛ مطاردات وجرايم ما بتخلصش. الحمد لله، بفضل مجهود كمال باشا وشجاعته، قدرنا أخيراً نوصله ونقبض عليه بعد حصار للوكر اللي كان مستخبي فيه هو وعصابته، بس للأسف الخسائر كانت روح جندي بريء، وحضرة الظابط البطل اتصاب في صدره.
— "عند قلبه؟!"
صرخت بها هالة بجزعٍ شقّ سكون المكان، لفتت نظر الضابط وعددٍ لا بأس به من الحاضرين، فسارع بطمأنتها على الفور:
— "في صدره.. في صدره يا فندم. يمكن ده مكمن خطورة العملية دلوقت، حضرتك تبقي مراته؟"
أومأت برأسها وهي تشهق بالبكاء، فتابع مرحباً بنبرة رسمية:
— "يا أهلاً وسهلاً بيكي يا فندم، كمال باشا بطل ويشرف أي حد.
. — "يا باشا خليك معانا في المهم!"
هتف خليفة بخشونة وصوتٍ جهوري قطع مجاملات الضابط، ليستدرك الأخير خطأه ويعود للجدية سريعاً:
ـ "حاضر يا فندم، معاكم أهو.. حضرتك تبقى مين بقا؟" ..........................
طال الانتظار خلف باب الغرفة المغلقة لساعاتٍ ثقيلة كأنها الدهر، حتى خرج أخيراً كبير الأطباء بملامح منهكة، يمسح حبات العرق عن جبينه، ليخبر الجمع الذي التف حوله بلهفةٍ عارمة:
— "اطمنوا يا جماعة، خير إن شاء الله.. هو هيخرج يقعد في العناية تحت الملاحظة أربعة وعشرين ساعة، ادعوا له إن الأزمة تمر بسلام."
— "يعني لسه فيه خطر على حياته؟!"
هتفت بها هالة للمرة الثانية بصوتٍ متهدج، فالتفتت الرؤوس نحوها بصورةٍ كانت تستفز أبناء عمومتها، لكن لا أحداً يملك لومها في تلك اللحظات الحرجة. ولأنها كانت لافتةً للنظر بطبيعتها، والرجال الغرباء في المشفى لا يعرفون أصولاً ولا تقاليد في غض البصر، كان هذا ما يضاعف من سخطهم
طمأنها الطبيب بكلماتٍ روتينية محفوظة لتهدئتها، وما إن فُتح الباب وخرج "كمال" مسطحاً على "الترولي" يحيط به طاقم التمريض، حتى ركضت هالة بلهفة ونحيبٍ عالٍ هزّ أركان الردهة:
— "كمال! رد عليا يا كمال.. كمال كلمني!"
تمتم حمزة بغيظٍ مكتوم وهو يرى نظرات الفضول تنهش بنت عمه، وحبس رغبته في إزاحتها بيده بقوة، ثم وجه حديثه الصارم نحو عمه:
— "ارفعها وأبعدها الله يرضى عنك يا عمي.. إحنا في مستشفى حكومي ومش ناقصين فضايح من المجنونة دي .
................................
خلف الزجاج البارد، كانت عيناها معلقتين به، تتابع في ذهول كل نَفَسٍ يصعد ويهبط في صدره المثقل بالجراح. كانت الأجهزة المحيطة به تومض بمؤشراتها الحيوية، وكأن نبض قلبها هو المعلق بتلك الأسلاك وليس نبضه هو. لم يرممها التفافُ الجميع حولها، فبرغم وقوف أهلها وإخوتها وبنات عمها بجانبها يشدون من أزرها، إلا أن إحساس الذنب كان ينهش روحها كالنار في الهشيم. كان يقتلها مجرد التفكير في أنه كان سيرحل وهو ساخطٌ عليها، دون أن يدرك حقيقة مشاعرها المكبوتة التي لم تستيقظ إلا في الوقت الضائع. لكن الصفعة الأقوى لضميرها، تجسدت حين شعرت بيدٍ حانية تربت على كتفها، فالتفتت لتصدم برؤية أكثر شخصين ألحقت بهما الأذى: اعتماد، التي كادت أن تفقد حياتها بسبب مكائدها، وليلى التي دبرت لها خطة دنيئة لتدفعها نحو الحمل غصباً عنها بغرض تخريب زواجها. فخاطبتها اعتماد بنبرة هادئة:
— "قلبي عندك يا هالة.. طمنينا، عاملة إيه دلوقت؟" تابعت ليلى بأسفٍ حقيقي:
— "سامحينا إن كنا جينا متأخر، بس والله كنت 'متشندلة' مع أمي والعيال الصغيرين، واعتماد كانت واقفة تستقبل الحريم اللي جايين يباركوا لأمي."
تملكت الصدمة منها، فالاثنتان الآن وبكل نبلٍ، تطلبان منها "السماح" لمجرد تأخرهما، وكأنها لم تخطئ في حقهما يوماً!
وقفت تنظر إليهما بذهول، وكأن طيبتهما سياطٌ تجلد ظهرها؛ فكيف لمن طعنتهما في ظهورهما أن يأتيا ليمسحا دموعها؟ كانت نظرات ليلى الحانية وصوت اعتماد القلق أشد وطأة عليها من رصاصات المأمورية التي أصابت زوجها الراقد الآن تحت رحمة الأجهزة.
لم تحتمل هالة المزيد؛ فجدارُ الكبرياء الذي شيدته لسنوات انهار تماماً أمام فيض نبلهما. وبحركةٍ مفاجئة حملت كل أوجاعها، ارتمت عليهما معاً، تضمهما بذراعيها بقوةٍ كأنها تتشبث بطوق نجاة، وانفجرت في بكاءٍ مريرٍ وهي تردد بصوتٍ متهدج:
— "أنتوا اللي تسامحوني.. أبوس يدكم سامحوني! حنّ عليكم سامحوني على كل اللي عملته معاكم!"
كانت كلماتها تخرج مخنوقة بالدموع، معلنةً عن توبةٍ ولدت من رحم الفاجعة. في تلك اللحظة، لم تعد هالة هي المغرورة المتعجرفة، بل كانت نفساً منكسرة تبحث عن مأوى في قلوبٍ طالما حاولت هي كسرها، بينما خيّم الذهول الممزوج بالشفقة على وجوه الحاضرين من هذا المشهد الذي لم يتوقعه أحد
عايزين تحضروا سبوع البنات ولا تسمعوا اعتراف هالة اللي هيعرفكم شخصيتها،
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
داخل الحجز الضيق، كان عرفان جالساً على الأرض الباردة، يسند ظهره إلى الجدار المتسخ وعيناه غائبتان في فراغٍ لا يراه غيره. لم يكن يرى القضبان، بل كانت مخيلته تعيد عرض شريط الدقائق الماضية؛ لحظة انقضاضه على عطوة وضربه له بعنفٍ وحشي، وكأنه يفرغ في جسده سواد السنين كلها.
تذكر محاولات عطوة اليائسة لصد ضرباته، لكن غضب عرفان كان يحيل ذراعيه إلى مطارق من حديد، تجعل أي مقاومة أمامه هباءً منثوراً. كان متأكداً من حقيقة واحدة: لو تأخرت قوات الشرطة خمس دقائق أخرى قبل أن ينتشلوه من تحت يده، لكان مصير عطوة الآن "جثة" توارى التراب، أو في أحسن الأحوال "قعيداً" بعاهةٍ مستديمة تذكره بعرفان كلما حاول النهوض.
لم يندم.. بل كان يشعر براحةٍ غريبة تشفي غليله، خاصة وهو يتذكر صورة الملعونة "نورا" وهي تصرخ بجزع، تحاول رفعه عن الأرض وكأنه طفلها المدلل لا زوجها، واندفاعها المجنون لتتهجم عليه هو بأظافرها لولا قبضة العساكر التي حالت بينها وبينه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وسط الظلام؛ فبرغم القيد الذي يلتف حول معصميه الآن، إلا أنه ولأول مرة منذ فترة طويلة من الشك، أخذ ثاره وشفى غليله، حتى لو كان الثمن هو قضاء بقية عمره خلف هذه الجدران
ورغم نشوة الانتقام، لم يكن ينكر حسرةً تسكن سويداء قلبه وتنهش كبرياءه؛ لماذا تحمل تلك الملعونة كل هذا الحب لعطوة؟! عطوة هذا الذي لا يزن شيئاً في "سوق الرجال"، كيف تفضله عليه؟ وهو الذي يملك المال، والصحة، والوسامة رغم خشونته المفرطة؛ فهو أبيض البشرة، يملك تلك العيون "الملعونة" التي ورثها بعض أبنائه، أما عطوة.. فمن يكون عطوة لتهرب معه نورا وتعشقه بهذه الصورة الانتحارية؟
لم يتوقف نصل التفكير عند نورا فحسب، بل امتد الجرح ليطال ماضيه مع مزيونة. تذكر أنها كانت زوجته الأولى، وسنوات عمرهما معاً تمر أمام عينيه كشريطٍ باهت؛ لم يلمس فيها مرة واحدة حباً حقيقياً له، ولم يرَ في عينيها قط تلك النظرة التي تنظر بها الآن لـ "حمزة" زوجها الحالي.
زفر عرفان بضيقٍ وهو يضرب بقبضته أرض الزنزانة، وسأل نفسه بمرارة:
— "أليس رجلاً كباقي الرجال كي تعشقه النساء؟ ما العيب فيه؟ ألا يكفي أن يكون الرجل قوياً، مهاباً،
وصاحب مال لتنحني له القلوب؟"
انقطع حبل تساؤلاته وشروده فجأة على صرير باب الزنزانة وهو يُفتح بعنف. دخل العسكري المناوب، ملقياً نظرةً فاحصة على مجمل المحبوسين المكدسين في الزنزانة، حتى وقعت عيناه عليه وقد كان منزوي في ركنٍ وحده. صاح العسكري بصوته الأجش:
— "مسجون عرفان.. قوم فز، فيه ست جاية لك زيارة وبتقول إنها مراتك!"
سهم "عرفان" لثوانٍ، وتوقف الزمن عنده وهو يحاول استيعاب الكلمات. "مراته؟".. وفي تلك اللحظة المباغتة، استدرك بمرارة أن المرأة الوحيدة التي لم تمر بخياله طوال ساعات شروده، هي زوجته الحقيقية، وأم أولاده، صفا تلك هي الوحيدة التي بقيت معه وتمسكت به رغم كل ما فعله معها.
..........................
— "عايزة إيه يا صفا؟"
كان هذا أول سؤالٍ رشقها به فور رؤيتها، بعد أن سُمح لهما بالانفراد داخل حجرة معاون المباحث. نظرت إليه بذهولٍ واستنكار، ثم ردت بنبرةٍ غلب عليها العتاب:
— "ده برضه سؤال تسأله يا عرفان؟ ولا أنت فاكرني قليلة أصل عشان أشمت وأفرح فيك في وقت زي ده؟"
بابتسامةٍ ساخرة باردة، لا تخلو من جلد الذات، رد عليها:
— "وما تفرحيش ليه؟ ده أنتِ هترتاحي مني على الأقل كام سنة قدام.. المرة دي 'لابسة' ومضمونة يا صفا، عشان ممسوك متلبس بـ 'الجزين' اللي كان هيموت في يدي. بس أنا بقولها لك أهه؛ لو عايزة تطلبي الطلاق مفيش مانع، والمحامي اللي هيترافع عشان يخفف عني الأحكام هو نفسه اللي هيعمل لك الإجراءات."
استشاطت صفا غضباً، وشعرت بنيران القهر تحرق صدرها من جفاء كلماته، فردت عليه وصوتها يرتجف من القهر:
— "بقى هو ده اللي ربنا قدرك عليه يا عرفان؟ بدل ما تسألني حتى عن العيال وكيف حالهم في غيابك، جاي تكلمني عن الطلاق؟! يا أخي ده أنا ما طلبتهاش وأنت مكسر عظامي ومحجوزة في المستشفى بسبك! تقرير واحد بس من الدكتور كان يطلقني منك وآخد حقي فلوس، أو حتى أسجنك.. بالعكس، ده أنا اتنازلت عن حقّي عشان رضاك اللي عمره ما نلته!"
قاطعها عرفان بنبرةٍ حادة:
— لا نلتيه يا صفا.. ونلتيه سنين كمان بالعملات والسحر! خلتيني كرهت مزيونة ورميتها، جاية دلوقتي تتكلمي عن الأصول يا بتاعة العملات؟"
لم تنكسر صفا، بل واجهته بحقيقته العارية:
— "وأنت كنت ملاك يعني؟ ولا كنت واقع في حبها؟ ما تفوق يا عرفان وافتكر إن قصتكم كانت منتهية من أصلها.. أنا كل اللي عملته إني بصيت لمصلحتي وعشقي ليك. أيوه غلطت وعملت كل 'العفش'، بس أنت برضه كنت أعفش مني وما زلت! الفرق إن أنا الزمن فوّقني، لكن أنت لسه عايش في الوهم. أنا جاية أزورك وأقف جنبك عشان أنت جوزي وأبو عيالي.. عايز تخلص منينا أنت حر، إنما أنا مش هطلبها، لحد ما أموت مش هطلبها!"
ساد الصمتُ أرجاء الغرفة، ورغم أن موقف صفا كان معروفاً له من البداية، إلا أن ردها القوي كان مفاجأة.. مفاجأة فتحت عينيه على حقيقةٍ غابت عنه؛ أن هناك من يحبه بصدقٍ رغم كل الخراب الذي سببه. نعم، ليست "نورا" ولا "مزيونة" اللتان كان حلم الوصول إليهما يشغله طوال الوقت، لكنها ابنة خالته وأم أولاده.
أدرك عرفان في تلك اللحظة حقيقةً غريبة؛ أنه حتى بعدما "فاق" من سحرها، لم يكن ينفر من القرب منها أبداً رغم بغضه لفعلتها. هل يعقل أن يكون لصفا مكانٌ في قلبه لم يشعر به إلا الآن، وهو خلف هذه القضبان
............................
هدأت الأجواء في المستشفى في هذا الوقت المتأخر من
الليل، بعدما اطمأن الجميع على حالة "كمال" التي يباشرها الأطباء بكل دقة، وقد استقر رأيهم الأخير على أن وضعه قد تجاوز مرحلة الخطر الحرجة وبدأ في الاستقرار.
دلفت هالة بخطواتٍ وئيدة إلى داخل الغرفة، تطالع في وجلٍ عمل الأجهزة والمؤشرات الحيوية التي تومض بجوار رأسه، لكنه لم يظهر أي علامة من علامات الاستفاقة الكاملة بعد. اقتربت تسحب مقعداً معدنياً أصدر صوتاً خافتاً على الرخام، ثم جلست عليه والتصقت بجانب السرير الطبي حيث كان زوجها الحبيب متسطحاً في سكونه الاختياري.
حاوطت بكفيها يده الملقاة على طرف "التخت"، ثم دنت برأسها حتى لثمتها بخفةٍ وحنان، وكأنها تعتذر له عن كل ما فات. فجأة، شعرت باختلاجٍ بسيط في أصابعه، حركة تكاد تكون خفية لا يلحظها إلا من كان قلبه معلقاً بالآخر. انتبهت هالة، واقتربت من أذنه تخاطبه بصوتٍ هامس يملؤه اليقين:
— "أنا عارفة إنك فقت يا كمال.. يمكن مش بكامل وعيك لسه، بس المؤكد إنك حاسس بيا وحاسس بوجودي جنبك."
ساد الصمت الغرفة، إلا من رنين الأجهزة المنتظم، بينما بقيت عيناها معلقتين بوجهه، تنتظر منه رمشة عين أو ضغطة يد تخبرها بأنه قد سامحها حقاً.
................................
طال انتظارها وهي تتمعن في مراقبته، وحين يئست من استجابته، وجدت نفسها – دون وعي – تنساق خلف شريط ذكريات الماضي، تهمس له بصوتٍ شريد
— "فاكر أول مرة عينك جات في عيني؟ لما كنت راكب على الحصان مع حمزة.. أنا كمان خدت بالي منك ومن نظراتك عليا. شكلك كان حلو، وحاجة تعجب أي بت، لكن الشهادة لله أنا مكنتش بفكر غير فيه.. هو وبس. مش لأنه أحلى منك ولا أحسن، لاه.. بس عشان مكنش ينفع أصلاً."
صمتت للحظة وكأنها تسترجع ثقل تلك الأيام، ثم تابعت بنبرة مريرة:
— "كيف أبص لواحد صاحب خطيبي؟ أو اللي في حكم خطيبي زي ما كانوا بيزرعوا في راسي من ساعة ما اتولدت.. (هالة الحلوة محدش هياخدها غير ولد عمها)، (حمزة الرجّيل ما يليقش بيه غير هالة أحلى إخواتها وأحلى بنات العيلة).. حمزة مكنش بيتكلم، لكن أبويا وأمي وعمي كانوا طول الوقت حاطينه في راسي أمر واقع."
تنهدت بعمق، وكأنها تزيح حملاً عن صدرها، ثم أردفت بأسى
— "كنت طول الوقت عايشة في حلم وردي.. اليوم اللي هتجوز فيه ولد عمي والبنات تحسدني عليه، الفستان اللي هلبسه، الوكل اللي بيحبه كنت بتعلم كيف أطبخه.. لحد ما جه اليوم اللي كل أحلامي اتهدت فيه وكانت صدمة عمري، لما فقت على زعيق أبويا معاه في المندرة وهو بيوبخه؛ كيف يجرأ وييجي يخطبني لصاحبه!"
صمتت لمدة من الوقت، وابتلعت غصةً مريرة وقفت في حلقها، ثم تابعت بنبرة متحشرجة يملؤها القهر:
— "يومها يا كمال، كرهت الدنيا وكرهت حمزة، وكرهتك أنت كمان.. كنت شايفاك الشخص اللي سرق مني حلمي، والسبب اللي خلى ولد عمي يبعني لصاحبه برخص التراب. مكنتش فاهمة وقتها إن حمزة كان بيعمل كدة عشان مبيحبنيش، كنت فاكرة إنه بيضحي بيا عشانك.
— "ليالي عدت في كلام ورط ما بيخلصش؛ أبويا اللي كان بيشتكي لعمي، وعمي مش عارف يعمل إيه؟، وولده ساكت ما بيتكلمش، ولا هان عليه يطيب خاطر عمه ويرضيه. الغل ملا قلبي من ناحيتك، لحد ما شفتك معدي من قدام بيتنا وعينك كالعادة على شباكي.. ما دريتش بنفسي ساعتها، وجريت ألحقك من الباب الوراني عشان أوقفك في نص السكة وأتعارك معاك!"
تنهدت بشهقة مكتومة وتابعت والدموع تغسل وجهها:
— "شفت اللهفة في عنيك، نظرة في حياتي ما شفتها من حمزة.. لكن الشيطان كان عامي عيني، دخلت فيك شمال وما كنتش دارية إني بغرز الخنجر في قلبك. ونفس الخنجر ده اتغرز في قلبي لما عرفت بخطوبة حمزة لواحدة غيري.. كنت زي المجنونة ومش مستوعبة، وطول الوقت كانت صورتك في عيني وأنا حطاك السبب في كل اللي حصل لي، ومع ذلك كنت بتمنى ترجع وأنا أصلح غلطتي.. لكن محصلش!"
غصّ صوتها بالبكا وهي تكمل:
— "عمي حب يرضي أبويا وطلبني لولده التاني، وأبويا صمم إني أوافق عشان يرد كرامتي ويقول إن خليفة طيب وهيعرف يحتويني.. لكن ده يحصل كيف والحسرة كانت بتحرق قلبي كل ما أشوف حمزة مع مرته اللي خدت مكاني بيتسايروا قدامي؟ واللي كان السبب في اللي حصل لي أكنه فص ملح وداب.. ليه ما رجعتش يا كمال؟ ليه؟ وأنا كنت والله ساعتها هوافق برضايا، ليه يا كمال ليه؟ اكيد ساعتها مكنتش هعمل كل النصايب اللي عملتها، ولا كان قلبي هيقسى لما اقابلك تانية بعد مرار السنين واللي غيرتوا فيا.
نكست رأسها فوق كفه الممدودة وانفجرت في بكاءٍ مرير لا يتوقف، وكأنها تغسل بدموعها خطايا السنين. وفجأة، شعرت بتحرك أنامله بصورة واضحة تحت وجهها، فرفعت رأسها بلهفة لتجد عينيه مفتوحتين، ينظر إليها بوعيٍ تام ونظرةٍ عميقة طالما هربت منها.
ـ يعني طلع العيب مني انا في الآخر
شهقة اجفال خفيفة صدرت من حلقها وقد انتابتها حالة من اللهفة الممزوجة بالذهول وهي تراه يستعيد وعيه؛ لم تكن تدري أتبكي من فرط الفرح أم تضحك؟ أتحضنه أم تقبل يديه؟ وبحركة عفوية ملهوفة كادت أن ترتمي فوق صدره، لولا صوته الوهن الذي خرج منهكاً ينبهها:
—"حاسبي يا هالة.. إياكِ تهوّبي ناحية الجرح!"
انتبهت لنفسها بآسف شديد، وتراجعت وهي تعتذر له بكلمات متلعثمة وعينان تلمعان بدموع السعادة، بينما ظل هو يراقبها بصمت وصبر، ينتظر أن تهدأ ثورتها. وما إن استعادت أنفاسها، حتى سألها بنبرة تحمل من الجدية أكثر مما تحمل من الألم:
— "كنتِ بتقولي إيه بقى قبل ما افوقلك؟"
صبغت الحمرة وجهها، واعتراها خجلٌ لم يعهده فيها من قبل، فحاولت التهرب من نظرته، لكن "كمال" لم يكن في حالة تسمح له بالصبر أو المجاملة؛ لذا أعاد عليها السؤال بإصرارٍ أكبر وعينين لا تحيدان عن وجهها:
— قولي يا هالة.. ما تهربيش واصمدي قدامي. يعني أنتِ فعلاً كنتِ مستنياني أرجع؟ طب إزاي؟"
ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما المضطربة. كان السؤال يطالبها بأن تضع قلبها بين يديه كما فعلت حين ظنت أنه لا يسمعها، فهل ستملك الشجاعة لتكرار اعترافها وهو ينظر في عينيها
— "خلاص.. أروح لك في غيبوبة خالص عشان تستريحي!"
قالها كمال بنبرة تهديدٍ مغلّفة بالدعابة وهو يغمض عينيه مرة أخرى متظاهراً بالانسحاب، فذعرت هالة وسارعت تنهره بلهفةٍ حقيقية:
— "لاه يا كمال.. بلاش الله يخليك، أنا هقول أهه!"
فتح عينيه ببطء، وببرودٍ غير متوقع ونبرةٍ تحمل استمتاعاً بموقفها، رد عليها:
— "هفتح عيني مش عشان رجاءك.. لاه، أنا هفتح عشان دي أول مرة في حياتي أشوف الخجل على ملامحك.. ده منظر غير طبيعي وأول مرة يحصل، دا حقه يتسجل في التاريخ"
أطرقت رأسها بخجلٍ حقيقي، وشعرت بحرارةٍ تغزو وجنتيها، فتمتمت بصوتٍ خفيض:
— "ما هو اللي حصل يا كمال إن الواحد مبيعرفش قيمة النعمة غير لما تروح من يده.. وأنا شفتك وأنت بتروح مني، وساعتها بس عرفت إن كل اللي فات كان عفرة وسحابة سودة وعميت عيني.. أيوه كنت مستنياك، مستنياك من غير ما احس، مستنياك وانا طرشة عن صوت قلبي اللي كان بينده بإسمك، مستنياك وانا صورتك ليل نهار في خيالي، مرة اشتمك وأصب اللعنات عليك. ومرات كتير اتمنى اشوفك، حتى وانا متغاظة منك.... وبكرهك زي ما كنت فاكرة
كانت كلماتُها بمثابة "إنعاشٍ" حقيقي يُحيي قلبه ويُداوي جرح صدره الغائر. حاول –ببقايا كبريائه– أن يجد ثغرةً واحدة ليُكذّب اعترافها، كي لا يُخدع مرة أخرى ويملأ رأسه بالأوهام، لكن صدق نبرتها ورجفة صوتها لم يتركا له فرصةً للشك.
تضخّم قلبه داخل صدره بانفعالٍ جامح، ظهر في صعود صدره وهبوطه المتسارع، حتى ترجمت الأجهزة الطبية الموصولة به هذا الاضطراب في مؤشراتها الحيوية. انتبهت هالة للأمر، فدنت منه بلهفةٍ وقلق ينهشها:
— "مالك يا كمال؟ أوعى تكون تعبت ! يا مرك يا هالة.. ليت لساني كان انقطع قبل ما أتكلم وأتعبك!"
— "بـس.."
خرجت الكلمة منه بإنهاك، لكنها حملت تحذيراً لم تخلُ منه نبرة التملك:
— "لسانك ده.. أنا هعرف أعاقبه كويس، ومش عشان اتأخر في الكلام بس.. استني عليا لما أخف وأقوم بالسلامة، وأنا هعرف آخد حقي منك حقي تالت ومتلت.
قطبت جبينها بتوجسٍ امتزج بـ "تغابٍ" مقصود وهي تسأل:
— "قصدك إيه مش فاهمة؟ وهتعمل له إيه لساني ده؟ هتعاقبه كيف يعني؟"
لاح المكرُ على ملامحه الشاحبة، وازدادت نظراته عمقاً وهو يهمس:
— "قربي بشفايفك مني.. وأنا اعرفك هعاقبه إزاي!"
شهقةٌ عالية خرجت منها وقد فهمت مقصده تماماً، فاحتقن وجهها بالدم وابتعدت خطوة وهي تداري بسمتها خلف كفها:
— يا مري! إيه اللي أنت بتقوله ده يا كمال؟ ده أنت لسه طالع من الموت يا راجل!"
......................................
عاد خليفة إلى داره هالكاً من تعب المستشفى، ومن وقفته الطويلة بجوار رجال العائلة لمؤازرة ابنة عمه "هالة"؛ فهذه هي صفتها الوحيدة الآن في قلبه: "بنت عمه"، وطليقته، وأم بناته. دلف إلى غرفته بخطواتٍ مثقلة، ليجد ابنتيه تغطان في نومٍ عميق على تخته، داخل حضن زوجته الحنون "اعتماد". وقف يراقب المشهد بصمت؛ لم يدرِ أيغضب من "دلال" اعتماد المفرط للبنات، أم يفرح بتلك الرابطة التي جمعت بين زوجته وصغيراته؟ زفر بتعبٍ وضيقٍ مصطنع وهو يرى "الجميلات الثلاث" كأنهن قططٌ بريئة احتلت فراشه بالكامل، بل كنّ أربعاً إذا حسب الجنين "العزيز الغالي" القابع داخل أحشاء أمه، والذي يشتاق لضمه هو الآخر. اقترب من طرف السرير، ومد يده يلكز "اعتماد" بخفة ليوقظها من غفوتها:
"اعتماد.. يا اعتماد.
انتفضت هي رغم حرصه، ونظرت إليه بإجفالٍ وهي تحاول استعادة وعيها، مما جعله يسارع بطمأنتها بصوتٍ خفيض:
— "بسم الله الحفيظ.. اهدي ما تتخلعيش، مش عايزينهم يصحوا."
رمى بنظرةٍ ذات مغزى نحو صغيراته لتفهم قصده، فاستدركت الأمر وحاولت النهوض بجسدها المثقل بالحمل، فسبقتها يداه لتجذبها وتساعدها برفق حتى غادرت الغرفة دون أن تشعر بها الصغيرات. وما إن أُغلق الباب عليهما، حتى التفت إليها بشيءٍ من الضيق المصطنع:
— "تاني يا اعتماد؟ منيماهم ع السرير برضه! طب أنا أرتاح فين دلوك؟ على الكنبة؟ ولا أروح أنام على سرير واحدة منهم؟"
لحقت به بخطواتٍ وئيدة قبل أن يبتعد، ولفت ذراعيها حول ساعده قائلةً بدلالٍ يحاول امتصاص تعبه:
— "حقك على راسي يا حبيبي، وسلامتك من ألف تعب.. بس أنا عملت كيف ما منبه عليا بالظبط، نيمتهم على فرشتهم بعد ما سمعوا حدوتة قبل النوم، بس أعمل إيه بقى؟ بتك 'منة' بعد نص ساعة بس صحيت مفزوعة وجات عليا الأوضة، اضطريت آخدها في حضني لحد ما نامت، بعدها مفيش دقائق جات 'جنا' تقول لي اشمعنى هي تبات في حضنك! اضطريت أرضيها كمان والنوم غلبني غصب عني."
رد عليها خليفة بنبرةٍ متهكمة وهو يحاول كتم ابتسامته:
— "أيوة.. ارضيهم هما وأنا اتفلق!"
ضحكت رداً على كلماته وقالت بحب:
— "بعد الشر عليك من الفلقة، ده أنت الكل في الكل يا 'أبو إياد'.. هو إحنا لينا حد غيرك؟"
لانت ملامحه تماماً حين نادته بذلك الاسم المحبب، الذي اختاراه بعناية ليكون اسماً للوليد القادم. رق قلبه واقترب منها ليدنو برأسه ويقبل بطنها التي تحمل حلمهما الصغير، وهمس بامتنان:
— "عشان حلفتيني بالغالي بس.. المرة دي سماح
تبسمت اعتماد بارتياح لسماحته المتواصلة معها، حتى عاد إليها يربت على موضع معدته يشتكي بمداعبة:
— "طب 'أبو إياد' هلكان جوع.. ممكن يا 'أم إياد' حتى تدليني على مكان الوكل؟"
شهقت اعتماد وهي تتراجع خطوتين لتتجه نحو المطبخ بلهفة
— "يقطعني يا حبيبي.. دقائق والوكل يكون جاهز قدامك!"
حاول منعها رفقاً بحالها:
— "استني يا ولية أنتِ تعبانة.. روحي نامي وأنا هعرف أحضر لنفسي."
ردت بإصرار الزوجة الأصيلة:
— "والله ما يحصل واصل!"
وأثناء جدالهما، دوى فجأة صوت نداءٍ غاضب من الخارج، زلزل أركان الدار:
— "أنت يا زفت الطين يا معاذ! أنت يا رُبراب يا سخام البرك!"
اتخذ الاثنان طريقهما نحو مخرج الجناح، وقد علما يقيناً من صاحب الصوت؛ إنه حمزة، يصرخ من جناحه بالأسفل، موجهاً نداءه الغاضب إلى معاذ في الجناح الأخير، والذي خرج باستهجانٍ وصوتٍ يغلبه النعاس:
— "خبر إيه يا أبوي؟ البلد كلها سمعت تهزيقي في نص الليل! ليه ده كله يا عمي.. جرى إيه يا حمزة؟"
صرخ به الآخر بنفاذ صبرٍ كاد يذهب بعقله:
— "تعالى يا ضنايا خُد ابن الكلب ولدك من هنا.. يا إما همشيك أنت وهو من البلد
.........................
قبل قليل..
دخل حمزة هو الآخر بتعبٍ شديد، يجر أقدامه جراً بعد انتهاء ذلك اليوم الثقيل؛ فبعدما اطمأن على استقرار حالة صديقه "كمال"، جاء الدور الآن ليتفقد زوجته وطفلتيه اللتين تركهما منذ الصباح.
دلف إلى غرفتهما، فوجد مزيونة مستيقظة تهدهد إحدى التوأمين بجزع، وقد ارتسم الخوف على ملامحها من استيقاظ الأخرى، وهي تهمس بتوسل:
— "بس.. بسم الله عليكي يا توتو.. بس يا نن عيني، يا بت الله يهديكي المصيبة التانية هتصحى!"
تبسم حمزة وهو يلج إلى الغرفة، وعلّق بسخرية محببة:
— "صاحية ليه البت دي؟ لتكون مستنياني أنا كمان؟"
طالعته مزيونة بنظرة استنجاد، فاقترب منها وتناول الصغيرة ليحملها بين ذراعيه وهو واقف، فصمتت الطفلة فوراً مستمتعةً بهدهدته. علّقت مزيونة بقهرٍ مضحك:
— "مضروبة الدم! وكأنها حسّت بيك وأنت واقف بيها!"
صار حمزة يؤرجحها رغم تعبه، وقد أعجبه إحساس الأبوة الذي يغلبه، فأراد أن يغيظ زوجته "بغبطة":
— "وليه متقوليش إنها حسّت بحنان أبوها؟"
ردت مزيونة بتهكم:
— "ويعني دلوك هي لحقت عرفت إنك أبوها يا حمزة؟"
أجابها بثقة:
— "ده أكيد من وهي في بطنك كمان!"
تبسمت له مزيونة بيأس؛ فهي تدرك أنها لن تغلبه أبداً في الكلام. ظل حمزة على وضعه لحظات حتى اطمأن لنوم الصغيرة، ثم جلس على الفراش مقابل زوجته وقال بشفقة:
— "كان حقك نمتِ وارتحتِ دلوك.. هي ليلى مش قالت إنها هتبات عشان تراعيكي؟"
أجابته بهدوء:
— "حصل يا حمزة، وهي نايمة دلوك في الأوضة التانية عند ريان."
وايه لزمتها بقى لما تنام في الأوضة التانية؟"
ردت مزيونة مبررة:
— "يا حمزة ما هي اتكسفت لترجع أنت من برا وتدخل على الأوضة 'دُغري' زي ما عملت دلوك.. المهم، عملت إيه في المستشفى؟ أنا سمعت إن صاحبك ربنا نجاه بعد العملية."
أجاب حمزة بامتنان:
— "أيوة فعلاً الحمد لله، ربنا كان كريم وخد بيده.. ههه سبحان الله
قال الأخيرة بشيء من الشرود، مما جعلها تطالعه بتساؤل أجاب عنه دون تردد:
— "لو شوفتي هالة النهاردة تفتكريها واحدة تانية، متصدقيش أبداً إن دي اللي كانت مطلعة عينا ورافعة مناخيرها في السما.. الجزينة طلعت هوا، وفي أول اختبار انكشفت قدام الكل!" سألته بشيء من الضيق والفضول:
— "يعني إيه مش فاهمة؟ وضح أكتر."
رد حمزة بتعجب:
— "هالة طلعت بتحب جوزها! كمال اللي قطعت رجله من البلد سنين طلعت حباه! طب لما هو كدة، كان لزومه إيه المرار ده كله؟ ما كان من الأول!" تنهدت مزيونة بحكمة:
— "النصيب يا حمزة.. ليهم نصيب يتشندلوا لحد ما ربنا يأذن بالوصال.
" تبسم حمزة بملء فمه، يشاكسها بمغازلته المعهودة: — "أيوة صح.. زي نصيبي أنا وأنتِ يا عسل، دوخنا عشان نتلم في الآخر على بعض، ونجيب 'المنتوشة' اللي في يدي دي وأختها!"
ضحكت مزيونة وقد تسلل إلى قلبها ارتياحٌ نسبي بعدما فهمت وجهة نظره من ذكر ابنة عمه؛ يبدو أن الغيرة أصبحت سمةً في شخصيتها على يديه. قاطع شرودها صوته وهو يميل برأسه:
— "سهمتي ليه؟ أنا بكلمك!"
هزت رأسها بحركة غير مفهومة لتطرد أفكارها، ثم مدت ذراعيها تطالبه بصغيرته:
— "هات البت عشان أنيمها."
رد حمزة برفضٍ قاطع:
— "لااه.. هنيمها أنا!"
قالها حمزة وشرع في تسطيح الصغيرة على الفراش برفقٍ بجوار شقيقتها، فانشغل بمشهدهما الرائع وتناسى تعبه، ليبدأ في التخطيط بعفوية:
— "هما بس يومين النفاس دول، وبعدها البنتين دول مكانهم يكون على سراريهم.. ولا أقولك؟ أنا من بكرة هنقلهم عليها!"
وما إن انتهت كلماته ولامس جسد الصغيرة الفراش، حتى صدح صوتها بصرخة مستيقظة مدوية، وكأنها فهمت قرارات والدها واعترضت عليها في الحال
تعالى صراخها، وبدأ حمزة محاولاته اليائسة لتهدئتها، بينما مزيونة تراقب بجزعٍ خشية أن تستيقظ الأخرى.. وهذا ما حدث فعلاً! في ثوانٍ معدودة، تحولت الغرفة إلى "جوقة" من الصريخ المتواصل، ووقف الاثنان عاجزين تماماً أمام ثورة التوأم.
كان حمزة قد استنفد طاقته، أما مزيونة فقد أهلكها تعب الولادة حتى أصبحت على وشك البكاء، وهي تشتكي لربها من "جوز المفاغيص" اللذين لا يقدر عليهما أحد وهما في عمر الأيام.
كان حمزة يحاول تهدئة زوجته قبل الصغيرتين، حتى انفتح الباب ودلفت ليلى التي استيقظت على الجلبة تتساءل في دهشة:
— "خَبَر إيه؟ إيه الحكاية عاد؟"
رأى حمزة في ظهورها نجدةً من السماء لتساعدهما، بينما سارعت مزيونة تطلب منها بجفاء ممتزج بالتعب:
— "اجري يا ليلى حضري الرضعة بسرعة!"
وما إن همت ليلى بتنفيذ الطلب، حتى اخترق مسامعهم صريخُ طفلٍ صغير آخر من الخارج، صرخة جعلت مزيونة تنتفض بجزع وهي تصيح بابنتها:
— "اجري يا بت هاتي 'مؤيد'.. متخليهوش يبكي واصل!"
هنا، فاض الكيل بحمزة؛ فقد تجمع عليه تعب اليوم المهلك في المشفى حتى يطمئن على صديقه، بناته يصرخن، وزوجته تنهار، ابن أخيه "معاذ" يبكي في الخارج بينما أبوه يغط في نومٍ عميق في جناحه الهاديء في الاعلى! وبدون سابق انذار خرج فجأة إلى الشرفة كالإعصار، وصرخ بصوتٍ زلزل أرجاء البيت:
— "أنت يا زفت يا معاذ! تعالَ خُد ولدك يا ض.. يا إما هماشيك أنت وهو من البلد كلها!"
...........................
بعد عدة أيام
كان موعد زيارتهم المعتاد، وقد تحسنت حالة كمال من إصابته الصعبة، وبدأ يتماثل للشفاء شيئاً فشيئاً. كانت زوجته هالة ترابط بجواره كظله، تحيطه برعايةٍ لم يعهدها منها، ومعها أبناء عمومتها الذين لم ينقطعوا عن زيارته المتعاقبة على الدوام.
كان حمزة وخليفة يتبادلان الحديث معه بمحبة ومودة، ملتزمين بأقصى درجات الحرص في تعاملهما مع هالة؛ فرغم صلة القرابة القوية، إلا أن الجميع يراعي تلك الشعرة الفاصلة، ويدركون جيداً مشاعره الجامحة في الغيرة عليها. فرغم صمته ورزانته، إلا أن نظراته وحدها كانت تفضحه وتعلن تملكه لها، لذا يلتزم الجميع الحدود الرسمية معها، رغم التغيير الواضح في شخصيتها.
تُرى.. هل كان السبب أنها أحبت "حبه" لها؟ أم أنها كانت تعشقه منذ البداية ولا تدري؟ في كل الأحوال، لقد تبدلت هالة للنسخة الأحسن بسببه. ومع ذلك، يظل للبيئة والأصول حكمها؛ فمهما طوى الزمن صفحة الخلافات القديمة، يظل الاثنان أبناء عمومتها، وأحدهما هو والد بناتها، مما يجعل للحذر مكاناً في كل كلمة.
كان حمزة يحتل مقعده بجوار التخت الطبي، بينما في الجهة المقابلة وقف خليفة بجوار منصور، الذي لم يكفّ عن مشاكسته المعهودة لكسر جمود الجو:
— "آه لو تعرف يا سيادة الضابط باللي كان حاصل فينا! يا راجل ده إحنا قاعدين مستنيينك تفوق وركبنا بتخبط في بعضيها من كتر الرعب بسبب الرتب اللي مرشقة في المستشفى! كنت خايف أتحرك ولا أعمل أي 'تكة'، لأتاخد تحري ولا اشتباه، حتى الحمام ما دخلته غير لما روحت البيت.
انطلقت ضحكات حمزة وشقيقه لترنّ في ردهات المستشفى، أما "صاحب الشأن" فكان يجاهد بالكاد للسيطرة على عضلات بطنه حتى لا يضحك ويؤذي جرحه الذي لم يندمل
فحاول كتم وجعه وهو يردد بصوتٍ منهك:
— "حرام عليك يا بني.. الجرح هيفتح!"
فيرد عليه خليفة ضاحكاً وهو يغمز له:
— "لا، أنت خلي بالك من نفسك عشان هو مش هيوقف واصل.. هو ومرته نسخة واحدة، أموت وأعرف مين فيهم اللي بهت ع التاني!"
وفجأة، خرجت شقيقته منى من مرحاض الغرفة بعدما انتهت من تغيير حفاضة ابنتها، لتهجم عليه بصوتها الرخيم الذي أجفله:
— "مالها مرته بقى يا غالي؟ ولا أنت اللي عايز تنكشها دلوك عشان تفتح في الكلام وتفرج علينا الناس ، وانت عارف لساني طويل مبسكتش.
هنا تدخل حمزة، والضحك لا يتوقف على ملامحه، ليقول بخبثه المعهود:
— "قلبك أبيض يا خيتي.. إحنا في مستشفى غريبة وبلاش ننشر غسيلنا قدام الأجانب، خليها لما نبقى في بيتنا واستفردي بيه هو ومرته براحتك."
هزت منى رقبتها بإعجابٍ شديد للفكرة، ولمعت عيناها بوعيدٍ مضحك وهي تقول:
— "جدع يا حمزة.. أهو ده الكلام الزين
— "جاه على مزاجك كلام السهن!"
هتف بها خليفة بمشاكسة، لتؤيده منى على الفور وهي تضحك:
— "قوي قوي! أخويا وفاهمني، رغم إنه برضه مش سالك زيك!"
— "برضه؟!"
هتف بها حمزة مستنكراً بضحكة، فتجاوزت هي عن مشاكسته واقتربت من هالة، لتمسك بالطفلة وتضعها بين يديها قائلة بتعبٍ مُفتعل:
— "خدي يا بت شيليها شوية.. دراعي اتختل من شيلتها!"
حملت هالة الطفلة برفق، واهتزت مشاعرها بعفوية وهي تهدهدها، في تلك اللحظة التقت عيناها بعيني زوجها العزيز، والذي ما إن رأى مشهدها وهي تحمل الصغير بين يديها، حتى اهتز قلبه داخله؛ فقد ولدت في أعماقه أمنيةٌ قديمة تجددت بقوة.. أمنية يتوق لتحقيقها في الإنجاب منها، وأن يرى طفلاً يحمل ملامحهما معاً يغفو بين ذراعيها
بارتباكٍ ملحوظ حاولت هالة أن تتصرف بطبيعية لتداري أثر نظرته التي اخترقتها؛ فرفعت الصغيرة لتقربها من زوجها المتابع لكل لفتةٍ وسكنةٍ منها، وقالت بمحاولة لفتح حوار عادٍ:
— "شوف يا كمال.. المضروبة دي فيها شبه كبير من 'جنا بنتي'.. صح؟"
— "بسم الله ما شاء الله.."
قالها في البداية وهو يرمق الصغيرة بابتسامةٍ هادئة، قبل أن يرفع عينيه نحو هالة مباشرةً ويكمل بنبرةٍ غازلة:
— "ما شاء الله فعلاً.. فيها شبه منها، وقمر زيك.
صعقت جملته هالة بخجلٍ شديد، فهربت بعينيها نحو منى التي كانت تتابع المشهد بمكرٍ واستمتاع، ولم تفوت الفرصة دون أن تتدخل بخفتها المعهودة:
— "يا حلاوة يا ولاد! بقى بنتي أنا شبه 'جنا' اللي حلوة وزي القمر زي أمها؟ ماشي يا سيدي.. شالله ربنا يراضيك يا حضرة الظابط باللي في بالك، ويقر عينك بولي عهد يشيل اسمك ويشبه أمه في حلاوتها!"
تبسم كمال بخجلٍ حقيقي، ورغم أن هذه الصفة ليست من شيمه العسكرية، إلا أن "منى" استطاعت بكلماتها المصيبة أن تلمس وتراً حساساً في قلبه. وهنا تدخل حمزة ليقطع حالة "السهو" التي أصابت الجميع
— "طب نقوم إحنا بقى، وكفاية لحد كدة.. ورانا أسبوع "البنات" والبيت واقِف على رِجل!"
قالها حمزة وهو يستعد للرحيل، فظهر الابتهاج على وجه كمال وهنأه بقلبٍ صافٍ:
— "ربنا يبارك لك فيهم يا حمزة.. يا ريتني كنت بصحتي، كنت جيت وحضرت ونقّطتهم كمان."
جاء الرد سريعاً من خليفة وهو ينهض عن مقعده بابتسامةٍ
هادئة:
— "تحضر عقيقتهم إن شاء الله، ولا أسبوع 'النونو' اللي جاي في السكة!"
كان خليفة يقصد طفله القابع في بطن "زوجته"، وقد فهم كمال المقصد ليخطف نظرةً خاطفة نحو هالة؛ وقد انتبهت هي للنظرة، لكنها ادعت انشغالها في مناغاة الصغيرة بين يديها، ثم رفعت رأسها نحو حمزة قائلة بودّ:
— "يتربوا في عزك يا ولد عمي.. يا ريت بس تبعتوا لي صور البنات، جنل ومنة اصلهم وحشوني قوي."
أجابها حمزة وهو يتجه نحو الباب:
— "أنا هَوصّي ليلى تصورهم وتبعت لكِ الصور أول بأول."
وهنا تدخل شقيقه خليفة ليتمِّم "الواجب" قائلاً:
— "وأنا المرة الجاية هجيبهم معايا يزوروا عمهم كمال بنفسهم."
تلقى كمال قوله الأخير بامتنانٍ شديد، وشكره بجديةٍ واضحة؛ فقد أسعدته هذه المبادرة من خليفة، والتي اعتبرها بمثابة بداية حقيقية لصفحة جديدة بينهما
تحركت منى هي الأخرى، فتناولت طفلتها من يد هالة، بينما كان زوجها يستأذن كمال في الرحيل. قبلتها منى، وضمتها بمحبة صادقة، داعيةً لها بالاستقرار، ولزوجها بالشفاء العاجل والوقوف على قدميه مجدداً.
انصرف الجميع، لتخلو الغرفة أخيراً عليهما.. ساد صمتٌ لم يكن فارغاً، بل كان مشحوناً بنظراتٍ تفصح عما هو أبلغ من ألف كلمة. كسر كمال هذا الصمت بفعلٍ عملي؛ حيث مد يده ليرفع كفها اليه، ويطبع فوقه قبلةً طويلة تعبر عن فيض حبه، ثم تمتم بمكرٍ أذاب ما تبقى من صمودها:
— "إمتى بقى أخرج؟ أنا زهقت من الحيطان دي.. واشتقت اوووي!"
صُبغت وجنتيها بحمرة الخجل، وأدركت من نبرته أنه لم يشتق لبيته فحسب، بل اشتاق إليها هي.. وإلى تلك الحياة التي بدأت تولد من جديد بين جنبات قلبهما
...................................
اندفع حمزة بخطواته السريعة، يحثُّ الخطى ليلحق بما ينتظره من تجهيزات "السبوع" الصاخبة في الدار. وأثناء مروره السريع نحو المصعد، لمحت عيناه مشهداً استوقفه رغماً عنه؛ امرأة حامل تسند زوجها الذي بدت عليه آثار إصابات بليغة، فقد كانت إحدى قدميه "مجبّرة" بالكامل، وعلامات الكدمات والقطوب تملأ وجهه ويديه.
ثبت حمزة نظراته عليه لثوانٍ، وفجأة اتسعت عيناه بذهولٍ صاعق حين ميز ملامح الرجل.. إنه عطوة!
في لحظةٍ واحدة، دار شريط الذكريات في رأسه كالإعصار؛ وتذكر دموع ليلى قريبا وحزنها الشديد ذات ليلة على والدها الذي يقبع خلف القضبان بتهمة "الشروع في قتل" هذا الرجل الماثل أمامه!
— "يااااه.. ياما الدنيا صغيرة بجد!"
صدحت الكلمات في عقله قبل أن يتحرك متجهاً نحوهما دون تفكيرٍ في العواقب، تاركاً خلفه خليفة ومنى ومنصور يراقبونه بذهولٍ تام، وقد عقدت الدهشة ألسنتهم
..................................
عن إذنكِ.."
قُيلت بخشونةٍ ملحوظة اخترقت أسماع نورا وزوجها، من رجلٍ اقترب منهما بحركةٍ واثقة ومباغتة، جعلتها تتراجع للوراء بتلقائية، ليتسلم هو منها مهمة مساعدة زوجها. أما عطوة، فقد شلت المفاجأة تفكيره، واستسلم تماماً لسحب "حمزة" ومساعدته التي خففت عنه الثقل بصورة كبيرة، بعدما كان يحاول ألا يحمل على زوجته مراعاةً لضعفها بسبب الحمل.
ساد صمتٌ قصير، لم يقطعه سوى كلمتين فقط خرجتا من بين شفتي حمزة بنبرةٍ غامضة:
— "ألف سلامة عليك يا عطوة."
رد عطوة بارتباكٍ شديد، وعينيه تزيغان بعيداً عن نظرات حمزة:
— "الله.. الله يسلمك يا حمزة."
هنا تدخلت "نورا" بعفوية، وقد أشرق وجهها بابتسامةٍ ساذجة:
— "وَه! أنتم طلعتوا تعرفوا بعض؟ عشان تعرف إنك ابن حلال يا عطوة.. أهه، كنت مستثقل إن حد غريب يساعدك، وربنا بعت لك الجدع ابن الحلال اللي يعرفك
........