تحميل رواية «لأجلها» PDF
بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل قرية صغيرة تتبع مركز من مراكز المحافظة الجنوبية الشهيرة، لكنها تبتعد بمراحل عن الحضر واوجه التقدم، حيث الاحتفاظ بالعادات المتوارثة عبر الأجيال، برفض تام عن التخلي عنها حتى لو كانت سيئة وتتسبب بالعديد من المأسي، ومن يستطيع محوها او تغيرها مدامت الاذية لا تطول الا الطرف الضعيف وفقط ! امام المراَة وقف عرفان الأشقر وهذا اللقب الذي أطلقه اهل البلدة على عائلته نظرا لصفات الشكلية المميزة لعائلته، بشرة فاتحة بشدة لأفرادها وبفرق ملحوظ عن باقي العائلات، بالإضافة إلى سمات أخرى زادت من تثبيت الأمر كألو...
رواية لأجلها الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
رواية لأجلها الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
مدينتي فارغة،مدينتي تحتاج إلى الحب كي يسكنها،وإن ادّعيت غير ذلك، فاعلم أني كاذبة.غربة القلب أقسى من غربة الأوطان،وأنا لا أريد منك سوى الأمان...الأمان في قربك،حتى لو قابلت إحسانك برفضٍ مني،فحقيقة الأمر هي غير ذلك على الإطلاق...أنا أريدك...وإن لم أعترف بها حتى أمام نفسي.
#مزيونة_بنت_الأحرار#بنت_الجنوب
...........................
هل أصبحت عادة بالنسبة لها؟ أم هو شيء جميل لا تتمنى الاستغناء عنه؟أن تراه يوميًا كل صباح،بمجرد أن تطلّ برأسها من باب منزلها إلى الخارج،أو حين تخرج المفروشات لتهويتها وتنشرها على الحبل المشدود أسفل شجرة التين في الناحية المواجهة لمنزله، كما يحدث الآن،فقد كان يسقي تلك الشجيرات التي تنمو يومًا بعد يوم.
لا تدري متى ينام ومتى يستيقظ؟فهو دائمًا ما يسهر ليلًا أيضًا في نفس المكان مع رجال حراسته،وتستمر السهرة إلى وقتٍ متأخر من الليل،وفي جميع الأحوال، يشاكسها بعينيه العابثتين رغم حديثه العادي... والعادي جدًا.
كان يعطيها ظهره في هذا الوقت، مندمجًا بتركيز تام في ريّ تلك النبتة الصغيرة التي جعل زراعتها قريبة من شجرتها،فلم ينتبه لخروجها المنتظر حتى الآن،وذلك لوقوفها في مكانها دون إصدار أي حركة،ليست متعمدة، ولكن الفضول ربما، أو شيء آخر لا تعلمه،يجعلها تلتقط فرصة انشغاله للتأمل ومطالعته.في العادة يمنعها الحرج وجرأة أفعاله من النظر حتى في عينيه،لعلمها جيدًا أنه لا يفوت هفوة عن التفسير والتلميح إليها،أما في تلك اللحظات النادرة، فلا شيء يمنعها من التمعن في النظر إليه.
شَكليًا، في صفاته، لا يختلف أحد على وسامته الرجولية الخشنة،كما أن له هيبة يراها الأعمى.التعليم الجامعي طبع عليه حضاريته بوضوح،أحيانًا يستفزها بجرأته وإصراره على كسر جمودها وتحفظها معه،وهي بالطبع ترفض ذلك،ولكنها لا تُنكر فضله،يكفي وجوده بجوارها ليغمرها شعور تام بالأمان.هو حولها، ومعها في أي وقت وزمان،هذا لم تعلمه اليوم فقط،بل من أول مرة دافع فيها عنها وعن ابنتها بتلقين "عرفان" درسًا قاسيًا بضربه،وقتها رأت في عينيه نظرة دافئة لم ترها عند أي رجل غيره.
استفاقت من شرودها فجأة على التفاف رأسه إليها وابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتيه،وكأنه أمسك بها متلبسة بالجرم،فاحتدت أبصارها نحوه، وتمالكت بأسها بحمحمة صغيرة منها تجلي حلقها كي تسيطر على ارتباكها،وأقدامها تحركت بعملية:
– آآآ صباح الخير يا أبو ريان.صمت برهة يشاهدها تنفض بيدها الملاءة الملونة قبل أن تتقدم نحو الحبل وتضعها عليه،فردّ لها التحية:
– صباح الخير والهنا يا نسيبتنا.
حسنًا، ها قد بدأنا وصلة العبث والكلمات المبطنة بمعانٍ ذات مغزى...كان ذلك ما يدور داخلها،قبل أن يؤكد عليه هو بمزاحه:
– الواد ريان إمبارح نزلني في نص الليل أدوّر له على محل حلويات فاتح، وكله بسببك.
توقفت يداها عما تفعل، ورفرفت أهدابها بدهشة،تشير بسبابتها على ذاتها سائلة:
– بسببي أنا!...... كيف يعني؟
ترك خرطوم المياه يسقط في الجدول الصغير،كي يُقرب المسافة بينهما ويجيبها بمكره:
– ما هو من ساعة ما داق المعمول البيتي بتاعك، وهو اتعلّق بيه وعايز منه يوماتي.وأنا بصراحة هتكسف أطلب من خواتي البنتة، ولا مرت أخوي،أصل ما بحبش أتقل على حد.في الأول نزلت بيه على المحافظة ندور على محل زين، واشتريله علبتين،بس للأسف خلص إمبارح،فاضطريت أدور على أي محل في البلد فاتح وخلاص،أصل بيصعب عليا جوي، أكمنه وحيد... وملوش أخوات،وأمه مش موجودة معاه عشان تعمله،غلبان زي أبوه...
وتنهّد في الأخيرة بمسكنة كي يستجلب استعطافها،وتصله النتيجة على الفور،بهذا التأثر الذي اعتلى ملامحها حين تحدثت، متجاهلة الأخيرة:
– لا طبعًا مالوش حق، كان واجب يقولي، هو أنا غريبة؟ده لو لمح بس جدام ليلى، هي كمان مكنتش اتأخرت وبلغتني.على العموم، ملحوقة، النهاردة إن شاء الله أعمل له حبّاية كتار، يجعد فيهم شهر.
– ما عايزينش نتعبك يا نسيبتنا...
صدرت منه بنبرة مزجت بين لؤم ونعومة، أخجلتها،فحاولت الانسحاب من أمامه حتى لا يتطور العشم بينهما لأكثر من عمل المعمول:
– مفيش تعب ولا حاجة، ده ريان زي ليلى، بتي ولا عيال أخوي.......
أوقفها مقاطعًا قبل أن تلتف عنه ذاهبة بسؤالها:
– بجالك يومين يعني ما زُرتيش ليلى، لحقتي تنشغلي عنها؟
– لاه، كيف؟ أنا كنت رايحالها النهاردة.
جاءت إجابتها بعفوية، ثم استدركت مستفسرة:
– وإنت عرفت منين صحّ إني ما زُرتهاش بجالي يومين؟
لو تعلم كيف يستمتع بمشاكستها حين يستفز ذلك الجزء البريء في شخصيتها،ما كانت أجابته من الأساس.
– اشتكت لمعاذ، ومعاذ اشتكالي.
– اشتكت لمعاذ، ومعاذ اشتكالي؟
ردّدتها من خلفه بتساؤل، وكأنها لم تفهمها من المرة الأولى،فاهتزت رأسه كإجابة،لتتنهد داخلها بيأس من أفعاله، عائدة لتحفظها:
– تمام، أعدي عليها النهاردة إن شاء الله، أنا بس كنت مشغولة فعلًا...
– في إيه؟
جاءت الإجابة على سؤاله بظهور مفاجئ لتلك المرأة،معلمتها المتجهمة دائمًا في وجهه، كلما وقعت أبصارها عليه:
– صباح الخير، عاملين إيه؟
ردّت مزيونة التحية، فقد أربكها حضورها المفاجئ قليلًا:
– صباح الفل يا أبلة اعتماد، وشّك ولا القمر. جيتي بدري يعني؟
ردّت اعتماد موجهة نظرة نارية نحوه:
– بدري من عمرك يا حبيبتي،أنا قولت أبدر عشان ناخد درسنا في السريع بدل ما أروح المدرسة متأخرة،وأخدلي كلمتين من المدير الزفت.رجالة فقر ميجيش من وراها غير الفقر.
وكأنها توجه الحديث إليه،طالعها بإجفال، يعقّب على قولها:
– ربنا يكفينا شر الفقر... صباحك خير يا أبلة اعتماد.
ردّت وهي تشير بيدها إلى مزيونة نحو باب المنزل،فتحركت لتسبقها للذهاب،فتلقي بردها إليه ساخرة:
– توك ما افتكرت، ولا هي وصلت متأخر.
سمعها حمزة،فالتجم في أثرها لحظات حتى خرج صوته:
– جاااكي فرسة! نشّفتي دمي،هو أنا بيني وبينها تار الولية دي؟!...........................
وإلى منزل حمّاد القناوي
داخل شقة العروسين،حيث تلك الجميلة التي تتمايل بردائها المدرسي أمام المرآة بعد انقطاع عن ارتدائه لأكثر من أسبوعين،وهاهي اليوم عائدة إلى دراستها بكامل نشاطها،بعد أن تمكنت من لملمة ما فاتها في وقتٍ قصير بفضله،زوجها الحبيب الذي تكفّل بمساعدتها طوال الأيام الماضية بعد رجوعهما من السفر،ساعات في استذكار الدروس، تقابلها لحظات حب تجمعهما سويًا،تلك الأيام التي تحلم بها كل الفتيات،أما هي فستخلّدها في ذاكرتها إلى آخر العمر.ليتها تدوم إلى الأبد،لكن ها قد آن أوان انغماس كلٍ منهما في مجاله،هي في طريقها إلى مدرستها،وهو من الغد، سيسافر إلى عمله في العاصمة...
وقد كان في هذا الوقت جالسًا بجذعه على فراش السرير، متكئًا على قائمته،يتابعها منذ استيقاظها،بهمٍّ يغلبه رغم روح الفكاهة التي يتمسك بها في تعامله معها:
– هتجعدي تتخايلي جدّام المراية كده كتير؟ شكلك ملكيش غاية،أنا بجول نأجل يوم تاني، على الأقل تلاجي نفسك مستعدة.
سمعته، فالتفتت إليه ضاحكة:
– ولا نص يوم حتى! مش كفاية الأيام اللي ضاعت؟نام يا حبيبي وبلاش تعشم نفسك،الأساتذة جابوا آخرهم مني، وأنا معدتش عندي حجج.
– اممم...
زمّ شفتيه مطرقًا رأسه بحزن،فخرجت من صدرها تنهيدة مثقلة،واتجهت إليه، تجاوره على الفراش، قائلة بتأثر:
– خلاص، لو زعلان، أغيب النهاردة، ما جاتش على اليوم ده يعني.
رفع رأسه إليها، يوبخها ساخرًا:
– إنتِ عبيطة يا ليلى؟مش جايلة بنفسك إن معدتش المدرسة هتقبل حججك؟عايزة تترفدي ولا يجيلك إنذار على الأقل؟
طالعته بقلة حيلة:
– طب أعمل إيه طيب؟ ما انت زعلان...
تبسّم بمكر، يشاكسها:
– وافرضي زعلان...أي حاجة أقولها هتبعيني فيها؟ ما فيكيش مخ؟
توهّجت مقلتاها، ولكزته بقبضتها على كتفه بانفعال:
– طب أنا الحق عليّ إنك صعّبت عليا...ماشيه، وسايبهالك يا معاذ، بس كده!
سيطر عليها بقوته، يكبّل ذراعيها بيد واحدة، ثم قبّل جبهتها،وقال بجدية تخللت نبرته:
– خلاص، اهدي... أنا بهزر معاكي.ثم افرضي يعني غيبتي بالفعل،ما أنا كده كده هسافر من بكرة، وأغيب عنك بالأسابيع...ده اللي شاغل بالي يا ليلى،مش يوم المدرسة اللي هتاخدي فيه ساعات بس وراجعة تاني.
خمدت شراستها بتأثر، وارتخت يداها عن ضربه،ناظرة له ببراءة قادرة على سحق مقاومته لشياطين رأسه،التي تدعوه لرمي كل الوعود والالتزامات خلف ظهره ويطيع أهواءه،لعدم تركها أبدًا...ولكنه يحمد الله أن ما زال فيه ذرة من عقل تنهيه وتصرفه عن ذلك،فيردف لها برجاء:
– لاه لاه، بلاش يا غالية تبصيلي بعينيكي الحلوة دي وتطلعيها في دماغي صح،جومي يا ليلى من جاري الله يخليكي...قومي روحي مدرستك، هتتأخري عليها،شوية كمان وأنا مش هضمن نفسي.
...........................
وفي الأسفل، حيث مائدة الطعام.
ارتصت أنواع متعددة من الأطعمة للإفطار،ولم يتبقَّ سوى اللبن الساخن،وقد أتت به "حُسنية" تحمله في وعائه المخصص،لتكمل به الوجبة المتكاملة، وتضعه على المائدة،قبل أن تشاركهم الجلوس،تلقي نظرة شاملة على الحضور قائلة:
– ما شاء الله عليكم،محدش فيكم طلع يصحي معاذ ولا عروسته ياجوا يفطروا معانا؟ما تخلي حد من عيالك يطلعلهم يا هالة،ولا روحي شوفيهم إنتي.
سمعت منها الأخيرة، فتوقف الطعام بفمها،وجاء ردها بحنق:
– إنتي عايزاني أنا الكبيرة أطلعلهم يا مرت عمي؟وهمّا ما ينزلوش لوحديهم ليه؟ مش عارفين اللي وراهم؟
وجمت "حُسنية" تطالعها بإجفال لحدّتها غير المبررة،فزفر "خليفة" الذي تابع الموقف منذ بدايته، لينهرها بدوره:
– خلاااص... وفّري كلامك الماسخ،عنك ما طلعتي،أنا هرن عليه من مطراحي وأصحيهم... ولا العوزة ليكي.
تمتم بها بنزق، فأفحمها عن الجدال،ليتناول هاتفه، ويشرع في الاتصال بشقيقه،لكنه انتبه لهبوط الاثنين الدرج بكامل هيئتهما للخروج،فتراجع عن الاتصال،مقرّبًا رأسه من هالة، هامسًا بضيق:
– حرام تجمّلي نفسك شوية، بدل ما تبقي مكشوفة كده جدام الكل.
عدّلت رأسها نحوه، تحدجه بنظرة نارية لم يأبه بها،ليصرف نفسه عنها، ويوجه اهتمامه نحو العروسين وترحيب والدته المحب لهما:
– يا ما شاء الله عليكم،الله أكبر، دول نازلين لوحديهم، أهاه، من غير ما نبعت حد!أنا لازم أبخّركم النهاردة قبل ما تطلعوا.
تبسّم الاثنان لحفاوة الاستقبال المبالغ فيها من المرأة وباقي الحضور،حتى "خليفة"، الذي أشرق وجهه،وتحوّل تمامًا إلى مشاكسة شقيقه وعروسه المحظوظة كما رأتها الآن "هالة".
وقد انصبت أبصارها عليهما،على "معاذ" الذي كان ملتصقًا بها، وكأنه يرفض ابتعادها عنه تلك اللحظات،فرحته بها، وهذا العشق المبارك من الجميع،شيء يدعو للتساؤل والتعجب...
– تعالوا يا عرسان تلحقوا الأكل الصابح وهو سخن.تفوهت بها "حُسنية"، وكان رد "معاذ":
– مش هينفع يا حسنية، يدوب أوصلها بالعربية.
– معلش يا أمي، لما يرجع بجى أبقي اكليه براحتك.قالتها "ليلى"، لتصيح "حُسنية" ببهجة شديدة:
– يا ختي على "أمي" اللي طالعة من بوقك زي العسل!تعالي يا بت، أبوسك في خدك على الكلمة الحلوة دي، جربي يا بت!
انصاعت "ليلى" وهرولت تقترب منها بمرح،وأعطتها خدها، فقبلتها هي أيضًا،فدلف "حمزة" على هذا المشهد معلقًا هو الآخر:
– يا ما شاء الله عليكم!طب واقفين ليه؟ ما تجعدوا، خلي نفسي تتفتح أنا كمان معاكم!
– هرجعلك يا حمزة أفطر معاك.قالها "معاذ"، وهمّ بالذهاب مع زوجته،فتمتمت هي الأخرى بعجالة:
– وأنا على الغدا بجى يا عم يا حمزة،تأخير أكتر من كده مش هلاقي حد يدخلني المدرسة!
– روحي يا بتي، وربنا يوفقك... اللهم آمين.
علّقت بها "حُسنية" بطيبتها،أما "حمزة" فلم يتركها تتخطاه دون أن يوقفها:
– استني هنا... خدي قبل ما تمشي.
فتحت "ليلى" الكف التي تناولها،فجذبها على حين غرّة، واضعًا بها شيئًا ما،لتتفاجأ بورقة نقدية من فئة المئة جنيه،فأصابها الحرج، وشرعت في إعادتها:
– لا يا عم حمزة... مينفعش...
قاطعها بحزم، مشدّدًا على أحرف كلماته:
– دااا مصروفك من هنا ورايح...زيك زي "ريان"،وده مفيش فيه نقاش ولا أخد ورد،يلا على مدرستك.
همّت بالجدال،لكن "معاذ"، الذي انتفخ صدره بفعلته،أوقف الكلمات في حلقها:
– جالك مفيش فيه نقاش،اخلصي... خلينا نلحق الحصة الأولى حتى.
وسحبها فجأة، ليهرول بها بخطواته السريعة،وصوتها يصدح معه:
– طب براحة، هتوجعني يا معاذ!
ضحك جميع الحاضرين من كبار وصغار لمشهدهم،إلا "هالة"...فقد بات الأمر أمامها أقسى من قدرة تحمّلها.
...........................
وفي داخل فناء السجن المركزي
حيث اليوم هو خروج "عرفان"،وقد كان وسط مجموعة من زملائه الذين يودعونه بطريقتهم الخشنة في المزاح الثقيل،وضحكاتهم تجلجل في قلب المكان، ليثيروا انتباه الموجودين والمارة أيضًا.
حتى أتى "عطوة" من العدم،يرمي بثقله عليه، متمتمًا:
– هتوحشني يا صاحبي،هتوحشني يا "عرفان" يا ولد بلدي!
رغم تفاجئه وانزعاجه من تلك الطريقة في توديعه،إلا أنه تماسك، يربّت على ظهره ويجاريه:
– تشكر يا "عطوة"، دا من أصلك،وإنت كمان هتوحشني، بس إحنا هنروح من بعض فين؟كلها تلات تشهر وتحصلني.
خرج "عطوة" من حضنه، يضيف على كلماته:
– هو دا اللي مصبّرني يا صاحبي،إني هطلع ونعيد صحبتنا تاني،بعد الفتنة اللي حصلت ما بينا وبعدتنا عن بعض،بس إنت أخيرًا فهمت اللي فيها... أها، مسامحني يا صاحبي؟
للمرة التي لم يعد يذكر عددها يناديه "صاحبي"،وكأن بلعبته الأخيرة في التحايل على القانون ليخرجه من القضية،قد أهداه الحرية.
هذا الأحمق، يبدو أن الغباء قد استبد به،ونسي أن القضية تخص من إليه بالأساس!يعني، إن لم يتأكد من صدق الرواية التي أدلى بها،فعواقب الكذب ستكون عليه أقسى حتى من تخيله.هل يظن أن التعرّض لعرضه شيء هين؟!... ولكن، كل شيء في وقته.
– ملوش لازمة منه الكلام ده يا "عطوة"،شد حيلك بس،ولما تطلع... تعلالي على طول،هتلاجيني مستنيك يا غالي.....................................
توقف بسيارته لينتصب واقفًا، يطالع المبنى الذي يُجرى العمل على بنائه بواسطة الشركة المعروفة.ارتفعت رأسه نحو المخطوط على اللوحة المعدنية في تلك المنطقة الصحراوية، القريبة من بلدتهم:"مجمع مباني المشفى المتخصص لأبناء المدينة الجديدة والقرى المجاورة لها"،وهو المشروع الذي تتولى الشركة إنشاؤه، تمامًا كما فعلت من قبل في مبنى الوحدة الصحية ببلدتهم قبل عدة سنوات،حيث كان لقاؤه الأول بها...
واقفة وسط العمال، تُشرف وتُلقي بأوامرها على رجال لا يصلون لنصف حجمها،ولا يجرؤ أحدهم على رفع عينيه إليها،تمامًا كما يحدث الآن أمامه، وكأن الزمان لم يتحرك لحظة.ما زالت كما هي، لم تتغير...واثقة، ناعمة، وجميلة.
لا يدري ما الذي أتى به إلى هنا؟هل يوجد في هذا العالم رجل يعشق تعذيب نفسه مثله؟ربما... لكن يكفي هذا، عليه أن يغادر.
ارتد بقدميه بالفعل عائدًا إلى سيارته، يهمّ بالمغادرة،ولكن أوقفه ذلك الصوت الذي تعشقه أذنه،ليتوقف رغم إرادته، يتابع نداءها باسمه، بعد أن انتبهت إليه كما يبدو:
– خليفة... يا خليفة، استنى!
أغمض عينيه، يستمتع برنة الصوت الناعمة،سحب دفعة من الأكسجين، ثم زفرها ليملك بأسه،واستدار إليها، يطالع اقترابها رويدًا رويدًا، حتى وصلت إليه لاهثة:
– في إيه يا عم؟ بقالي ساعة بنده عليك.
برّر بابتسامة لم تصل إلى عينيه:
– سامحيني، مخدتش بالي... هو انتِ بتندهِي بجالك كتير؟
أومأت برقة:
– مش كتير أوي يعني...أنا يدوب خدت بالي وإنت واقف مدّي ضهرك،رحت جاية على طول أتأكد وأسلم عليك،هو إنت هنا بقالك كتير بقى؟
أجاب وعيناه تحاولان الهرب من خاصتيها، ومع ذلك لا ينجح:
– إحنا أصلًا لينا أرض قريبة من هنا، وأنا جاي من هناك دلوك،لقيت الفضول موجفني أشوف المشروع الجديد،بس ما كنتش أعرف إنه تبع شركتكم.
تنهدت باسمه، تعلق على قوله:
– آه بقى، ما إحنا ماسكينه قريب بدل الشركة اللي كانت موقفاه،المهم... إنت عامل إيه بقى؟وريّان قلب مامي وحمزة؟ما تقولهم هما كمان يعدّوا عليا، مدام أرضكم قريبة من هنا زي ما بتقول.أنا باجي هنا يومياً على فكرة!
صمت حتى انتهت من إسهابها، يومئ برأسه كاستجابة،بعد أن تمكنت من قلب فرحته بلقائها إلى تذكير صارخ بأولوياتها في الحياة،التي لم ولن يراها يومًا...
– تمام يا روان ... هجولهم الاتنين يبجوا يعدّوا عليكي.
---
مساءًوقد أتت اليوم في زيارة لابنتها، بعد غياب لم يتعدَّ الثلاثة أيام،وكانت نتيجته شكوى وصلت إليها، لتعبّر عن استيائها منها الآن:
– بتشتكيني لجوزك يا ليلى عشان بس اتأخرت كام يوم؟أمال لو زوّدت، هتعملي إيه يا بت؟وأنا اللي جولت إنك كبرتي وعجلتي في جوازتك دي!
تعقيبًا على قولها، ردّت ليلى بتشتّت:
– أنا اشتكيتك يا أمه؟مين اللي قالك كده؟أنا يمكن زعلت صح، بس مش لدرجة الشكوى!
– زعلتي!
زفرت "مزيونة"، تردف بغيظ:
– على تلت أيام يا موكوسة زعلتي؟يبجى كده بلغتي جوزك،والمحروس اللي ما يتبلّش في خَشمه فولة،بلّغ الغضنفر التاني، طب يمكن كنت تعبانة!
صدر منها شهقة عالية تقارب الصرخة، مرددة بهلع وقد اقتربت منها تتفحصها بعينيها:
– تعبانة!؟حاسة بإيه؟ جوليلي، أجيبلك دكتور!
صاحت بها:
– الله يخرب مطنك يا شيخة!يا بت انتي مفكيش مخ؟أنا بجول يمكن... يمكن!مكنتش تعبانة ولا حاجة، زينة وتمام،لكن غيبت يا ستي... فيها إيه يعني؟لازم تتعودي يا بت!
وجمت ليلى، بملامح تذكرها باحتياجها الدائم لها،مهما وجدت السعادة مع زوجها:
– مفيهاش حاجة...بس أنا مهما شفت من محبة في البيت هنا،عمري برضو ما هتعود على بعادك،ده غير إن معاذ من بكرة هيسافر،يعني انتي كده لو زودتي في الأيام، يبجى عايزاني أتعوّد على الوحدة؟معقولة تسيبيني يا أمه؟
نفت لها "مزيونة" بهزّة من رأسها:
– لاه طبعًا... إن شاء الله أجيلك دايمًا، بس...
– بس إيه؟
صمتت "مزيونة" لحظات...فكيف تخبر ابنتها الصغيرة عن تلك المشاعر المتناقضة التي تنتابها في هذا المنزل؟محبة شديدة من معظم أفراده،لكن... نظرات غريبة من تلك المدعوة "هالة"، رغم ادّعائها غير ذلك،بالإضافة إلي حمزة... الذي...لا تعلم، ولا تريد التفكير في الأمر...لكنها دائمًا ما تفضّله كجار في بيتها، أما هنا؟لا... لا تريده أصلًا، لا تريد حتى رؤيته!
– سرحتي في إيه يا أمه؟خَطفتها ليلى من شرودها، فتنتبه، وتغيّر دفة الحديث سريعًا:
– سيبك... ما تحطيش في بالك،المهم شوفي السلة اللي عند الباب دي،طلّعي منها الحاجات اللي فيها، وهاتيها ورايا على المطبخ، نرتّبها في التلاجة.
سمعت منها ليلى، وتحركت بالسلة حتى وضعتها على أرضية المطبخ،تُخرج الطعام المُعدّ من والدتها داخل أوانٍ مُحكمة الغلق:الحمام المحشي بالأرز – فهذا شيء أساسي –ثم أنواع أخرى،لكن ما لفت انتباهها تلك العلب البلاستيكية المغلقة،التي ما إن قامت بفتح غطائها لتكتشف محتواها، حتى هتفت بلهفة نحو والدتها،التي كانت بدأت في جلي الأطباق بحوض الغسيل:
– معمول! عملالي معمول!
سمعت منها، لتلتف نحوها بتذكر:
– أيوه، استني بس... أنا عاملة علبتين،واحدة ليكي، وواحدة لريّان.
– ريّان؟!
– أيوه، ريّان... أصلّي عرفت إنه بيحبّه...
لا تعلم "مزيونة" لماذا برّرت عبارتها بنوع من الحرج الذي شعرت به فجأة،لكن ليلى صاحت بمرح، تركض بالعلبة:
– ده أكيد هيفرح بيه جوي!أنا هروح أدهوله بنفسي!
– استني يا بت!
لم تسمع منها...وقد ركضت بالعلبة لتُفرح الصغير،ووقفت هي مكانها بتوتر...لا تعلم سببه................................
حين خرجت من شقتها تبحث عن الصغير، وقفت في الشرفة الشاسعة التي تتوسط الطابق، لتنظر إلى الأسفل، فوجدته يلعب مع أقرانه.نادت باسمه:
– ريان... يا ريان!
حين التفت إليها، أشارت بيدها كي يصعد وحده، وملامحها تنبئ بأنهّا ستخبره بسر ما،مما حفّزه أن يذهب سريعًا دون أن يسحب معه البقية، ليعرف ماذا تريد.
...
أما والده، فقد كان في هذا الوقت يصطف بسيارته داخل الفناء الضخم للمنزل، عائدًا من الخارج،يُجري مكالمة هامة مع أحدهم:
– طلع من الصبح؟ انت متأكد من كلامك ياض؟ الراجل ده فعلًا طلع؟... طب اسمع زين، عايزك تخلي بالك منه وتجيبلي أخباره أول بأول... زي ما بقولك كده، انت نفّذ وبس... تمام.
أنهى المكالمة، يزفر بضيق متعاظم، وهمٌّ يجثم على صدره.لقد خرج هذا الشقي يحمل بيده صك البراءة من الجريمة المخزية،وهو الأعلم بما يدور برأسه الآن.
خرج من سجن استمر لشهور،وهو لم يتقدّم ولو خطوة واحدة في علاقته بتلك العنيدة،التي تفرض سلطة عقلٍ ممتلئ بعُقد الماضيعلى قلبٍ سلّم الراية منذ فترة ليست بالقليلة.لكن... لا حيلة له.
زفر بضيق، ثم دلف إلى داخل المنزل،وألقى التحية على والدته التي تتخذ من المقعد في وسط الردهة مجلسًا دائمًا لها،ثم سقط بجسده بجوارها:
– مساء الفل يا ست الحبايب.
ردّت ببشاشتها المعتادة:
– مساء الفل والهنا يا نور عيني... شكلك جاي تعبان يا ولدي؟
أومأ لها بضيق، يرمي حُجّته على العمل، دون الإفصاح عن السبب الحقيقي:
– معلش، بجى النهاردة كان يوم مليان شغل ومقابلات ولتّ وعجن... يلا، الحمد لله.مش متعوّدة تجعدي لوحدك؟ فين بقية الشعب؟
ضحكت حسنية تجيبه بسجيتها:
– يا خوي، ربنا يزيد ويبارك.على العموم، لو قصدك على أخواتك البنتة، فدول في بيوتهم، مفيش ولا واحدة جات منهم النهاردة.أما عن خواتك، فخليفة نايم فوق، ومعاذ راح يجعد شوية مع أصحابه قبل ما يسافر بكرة على شغله.أما عن حريم إخوتك، فهالة... انت أدرى بيها، زي الجن، تخفي وتظهر فجأة.وليلى معاها أمها دلوك.
– بتقولي مين؟تمتم بها، معتدلًا في جلسته، مردفًا باهتمام:
– يعني مزيونة جاعدة فوق عند بتها دلوك؟
أومأت بجفنيها، وشبح ابتسامة بزغ على ثغرها، قائلة بمكر:
– طلعت بجالها ييجي ساعة... قعدت معايا لحظة قبل ما تروح لبتها.شوية كده وتلاقيها نازلة، حكم إنها عزيزة النفس، ما تحبش تأخر نفسيها أبدًا.
بدوره، أومأ هو الآخر، يدّعي التفهّم:
– أيوه، صح... أنا برضو واخد بالي منها في الحتة دي... أآآ...
قطع الحديث بتشتّت، وقد تاه عقله بين رغبة ملحّة في الصعود ورؤيتها،بحجّة يختلقها من أجل ذلك،أو الانتظار المرّ، وذلك ما يملكه الآن، ولا حيلة له بغيره.
لكن...لم يكن حظّه سيئًا لتلك الدرجة،حين وصله صوت صغيره، مختلطًا بصوتها وصوت ليلى،تنبهت حواسه، واعتدل باهتمام شديد، يتابع هبوط الثلاثة على الدرج:
– أنا هغيظ بيه كل العيال النهاردة يا خالة مزيونة، واللي ياخد واحدة يدفع تمنها الأول!
– وه للدرجة دي عاجبك يا ريان؟
– جوي جوي يا خالة.قالها ريان ردًا لها، وأيدته ليلى بشقاوتها:
– جدع يا ريان! أيوه كده، اتعلم تبقى تاجر شاطر من صغرك.
– شوف يا خوي مين اللي بتتكلم! أخيب واحدة في العالم بتدي نصايح!
شهقة استنكارية عالية صدرت من ليلى، هاتفة بها:
– أنا يا أمه؟ أنا برضو خايبة يا أمه؟!
– أيوه إنتي يا عين أمك، أمال أمي أنا؟!قالتها "مزيونة" بضحكة جلجلت بمرحها، غافلة عمن اهتز قلبه فرحًا بداخله...فقد كانت هذه أول مرة له يسمع ضحكتها المنطلقة دون تحفظ،ضحكة تتعمد كتمها مع جميع البشر،إلا هذين الاثنين: ابنتها ليلى... وفخر العرب، ابنه ريان.
والذي كان أول من انتبه إليه منهم،ليكمل باقي الدرجات نحوه راكضًا...
أبوي، ابوي، شوفت خالتي مزيونة عملتلي ايه؟خجلت الاخيرة تبتلع ريقها بحرج شديد، فهذا ما كانت تخشاه، والان يتحقق مع رد فعله وهو يتذوق واحدة من يد صغيره متلذذًا بشدة:
- امممم تسلم يدها، دا احلى كمان من اللي اشترناه من محل امبارح واللي قبله يا ريان .قدم ريان واحدة آخرى ممن يحتفظ بهم داخل كفه إلى جدته والتي تناولت منه هي ايضا، لتعبر عن إعجابها:
- يا ماشاء الله، تسلم يدك يا بتي، حلوة جوي صح زي ما جال ريان وابو ريان، بس مش عيب يا ولدي تملى كفك من حاجة العروسة؟
تدخلت هنا ليلى تزيد على الطين بلة بعفويتها:- لا ما هو مش من بتوعي، ريان امي عملتله علبه كبيرة لوحدة لما عرفت انه بيحبه زيي .تمنت مزبونة أن تنشق الأرض وتبتلعها، فرغم أن ما قامت به كان بمحض نيتها الطيبة لا تقصد من خلفه شيء، ومع ذلك شعرت الان بحنق شديد، وكأنها وقعت بفخ نصبه لها ذلك الماكر والد الطفل، كم تود خنقه.
- يعني امك عملت علبة معمول كاملة لريان؟جاء التساؤول فجأة من تلك التي ظهرت ايضا فجأة، لا احد يعلم من أين خرجت او أتت ، تطالع مزيونة بأعين حادة ، حتى جعلت حمزة يقطع عليها، موجها خطابه للأخرى:- تشكري يا ست مزيونة، والله وفيكي الخير، جبرتي بخاطر ريان ولدي مجرد بس ما عرفتي انه بيجيب المعمول .
أضافت ايضا حسنية:- طبعا امال ايه، مش بعيد عليها بت الأصول، ربنا يبارك في صحتك يا بتي، والله اللي عملتيه ده عجبني انا كمان، تسلم يدك.اومأت مزيونة برأسها في رد للأثنان، متجاهلة تلك التي صارت تخرج دخان احتراق منها ، فتستأذنهم:
- الله يسلمكم انتو الاتنين، اسيبكم بجى بعافية، اصل عايز اعدي على اخوي قبل ما اروح بيتي.هم حمزة أن يمنعها عن الذهاب ولكن اوقفه دوي هاتفه باتصال من الرقم الذي كان يحدثه منذ قليل، وما ان شرع بأن يجيبه حتى دخل احد الاطفال من ابناء اخيه مناديا:
- عمي حمزة ، في واحد برا طالب يدخل يشوف مرة عمي ليلى .- وهانتفض حمزة هادرا نحو الصغير امام دهشة ليلى ووالدتها:- مين يا مخبل انت اللي طالب يشوف مرة عمك كدة مرة واحدة، دا مجنون دا ولا ايه؟
- لا مش مجنون، دا بيقول انه ابوها.تفوه بها الصغير لتأتي كصاعقة ضربت رؤوسهم، وتابع حمزة بعدم تصديق:
- ابوها مين يا واض؟ هو اي حد يقولك كلمة تصدقها؟فينه الراجل ده، خليني اشوفه.- انا اها يا حمزة باشا، جايلك بنفسي عشان تتأكد.
جاء الصوت من مدخل المنزل، من قبل عرفان الذي دلف بصحبة زوج ابنته معاذ، يرافقه بوجه متجهم، اظهر حجم الضيق الذي يشعر به، وهو يدعوه مضطرا:- اتفضل يا عمي طبعا البيت بيتك .
....يتبع
رواية لأجلها الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
أخاف عليكِ من الدنيا… من عيون الناس، من مفترق الطرق، من لحظة ضعف… منكِ، حتى منكِ.
أحببتكِ بوجع، لا بهدوء العشاق.
أحببتكِ كمن وجد فيكِ وطنًا… فصار يخشى كل رياحٍ تعصف بالبيوت.
أعلم أنّي لا أُحسن التعبير… ولا أُجيد حياكة الكلمات كما تستحقين.
لكنّي أراكِ كل شيء… وكل خوف.
أحمل عنكِ صمتكِ حين يثقلك، وأخبئ وجعكِ في صدري، ولو استطعت لخبأتكِ كلّكِ فيه.
أنا لا أملككِ، لكنّي لا أحتمل فقدك.
وكل ما أفعله الآن… حماية بصوتٍ مكتوم، وتمسّكٌ بصبرٍ مرّ، ودعاء لا يسمعه سواي:
"اللهم احفظها… كما أحفظها أنا، بل أكثر."
المنزل المرتب النظيف أصبح مدخله ساحةً لها، تقطعه ذهابًا وإيابًا، تطل برأسها كل لحظة إلى الخارج تستطلع إن كان قد وصل إلى الشارع أم لا.
لقد طال انتظارها، وتسرب القلق إلى قلبها.
منذ علمت من أحد أقاربها أنه قد وصل إلى مدخل القرية وعلى وشك الوصول إليها؟
ما الذي أخره؟
والمسافة المقدرة من مدخل القرية إلى منزلها لا تستغرق أكثر من دقائق بالسيارة أو ربع ساعة على الأكثر إن قطعها بقدميه، إذًا ما الذي عطّله؟
ألا يكفيه بعد أن رفض استقبالها له خارج أبواب السجن حين خروجه، لتضطر إلى التزام المنزل في انتظاره؟!
لقد فعلت كل شيء من أجل إسعاده.
قلبت المنزل رأسًا على عقب في التنظيف والترتيب، أعدّت كل الأصناف التي يحبها من الطعام، حمّمت أطفالها وجعلتهم يرتدون الملابس الجديدة الزاهية، فهم وسيلتها لاستدراج عاطفته نحوها.
أما عنها، فقد فعلت كل شيء حتى تصبح امرأة كاملة كما تنظر إلى نفسها في المرآة.
حتى لو استمر على صلفه، ربما تغلبه رغبة الرجل بداخله.
لقد اشتاقته... وبشدة.
ألن يأتي بعد؟
زفرت وهي تلتف عن المرآة، ذاهبة نحو الهاتف، تحاول الاتصال بأحدٍ ما يخبرها عنه، ولكن أوقفها دخول ابنها الذي كانت قد أرسلته هو الآخر منذ قليل للسؤال.
ركضت نحوه بلهفة:
– واض يا ناصر، عرفت إيه أخر أبوك؟
أجابها الصغير متأففًا وقد أرهقته بتوترها وأسئلتها المستمرة:
– أبوي دخل البلد من بدري يا أمه، بس هو عدّى على بيت أختي يسلم عليها قبل ما ييجي على هنا، زي ما قالي عمي اللي كان معاه.
تحفزت بعدم استيعاب، سائلة:
– أختك مين اللي راحلها؟! إنت اتخبلت يا واض إنت؟
رد ناصر ببساطة وهو يجاور شقيقته في الجلوس على المقعد:
– أختي ليلى يا أمه، راح يزورها في بيت جوزها، وعلى ما يخلص مشواره هياجي على هنا.
– تخلص روحها هي وأمها...
صرخت بها، تضرب كفًا بكف، ثم تفركهما بغل:
– والله عال، يعني طالع من السجن عليها دوغري في بيت الناس! اللي كان ما يسأل عليها وهي في بيته هنا؟! ماشي يا عرفان، أما أشوف آخرتها إيه معاك، إنت والمحروسة مزيونة الزفت! أن ما كنت أطلع القديم والجديد لو حصل اللي في بالي.
***
حمزة
في منزله! ومجبر على استقبال ذلك المتنطع!
في منزله! ومجبر على الجلوس والتكلف بالحديث معه في تلك الجلسة التي تضم أفراد عائلته، وبحضورها هي وابنتها.
تلك النيران التي تشتعل داخله الآن، من يشاركه بها؟ أو يشعر به؟!
كان ينقصه هذا الناقص ليزيد على همومه، وهو بالكاد يتلمس لينها بعد شهور أنهكته صبرًا في ترويضها من عقد كان هو سببها.
– مجرد بس ما عربيتي دخلت البلد، وأنا لقيت نفسي جاي على البيت هنا طوالي، من غير ما أريح ولا أغسل جسمي، عشان أشوف البت وأطمن عليها وسطيكم.
توقف ناقلًا بصره نحو حسنية المتجاوبة معه بعض الشيء، مردفًا نحوها:
– حكم نار كانت جايدة فيا يا حجة، ربنا ما يحط حد مكاني، ولا يتعرض للظلم اللي أنا اتعرضتله.
أومأت حسنية بعدم تصديق ولكنها ادعت مجاراته:
– الحمد لله اللي فك كربك في الآخر يا ولدي، وربنا يجازي ولد الحرام اللي كان السبب، بس سمعت إنه كان صاحبك؟
– أبدًا ولا أعرفه.
أنكرها سريعًا، ليجبر هذه المرة مزيونة على تكذيبه بحدة، قطعت بها صمتها:
– كيف يعني ولا نعرفه؟ إنت بتتكلم على حد غريب؟ دي عطوة، اللي عتبت البيت شكت من دوسه عليها.
ضحك بخبث، يحدق بها بسفور وكأنه أوقعها بالفخ، يتحدث بانشراح وكلمات مقصودة:
– معلوم يا أم ليلى، بس أنا ما جصديش على اللي فات، دا عدى وولى بالنسبالي من كله، يبجى هتمسك بصحبة واقعة زي دي تجيب الفقر ليه؟ أنا راجل قررت أبدل من نفسي بعد الظلم اللي عيشته، وأبجى إنسان تاني، يعني عرفان القديم مات، واللي جدامك دلوقتي عرفان المحترم، اللي عايز يحادي على عياله ويصلّح اللي فات.
– خلينا في اللي حاصل دلوك.
صدح بها قوية، ذلك الثائر، برفض حاسم لتلك الألاعيب المكشوفة من هذا الثعبان المتلون، وحتى يصرفه عن النظر نحوها بوقاحة تجعل الدماء تغلي برأسه.
فجاء الرد من عرفان بتسلية وتبجح يثير الدهشة:
– وماله بجى اللي حاصل دلوك يا أستاذ حمزة؟ ما أنا بقول أها، طالع من السجن وفاتح بابي للدنيا وللتغيير، بتي...
توقف يضم إليه ليلى المذهولة، والتي كانت جالسة جواره، ليردف بحمائية جديدة عليه:
– بتي ليلى دي، إينعم أنا ما حضرتش جوازها، ولا خطوبتها حتى، لكن دا مش معناه إن مهمتي انتهت على كده. من هنا ورايح أنا مش هتخلى عنها واصل. واخد بالك يا معاذ؟ ليلى وراها أبوها دلوك...
رد معاذ بحدة لا تقل عن شقيقه، وقد استفزه المعنى المبطن خلف كلماته:
– وماله يا عمي لما تبقى سندها، بس ليلى وراها رجالة كتير، مش بس خالها وصفي، ولا رجالة عيلتها اللي استلمتها منهم على الأصول المعروفة. أمها كمان، نفسها الست مزيونة، بألف راجل بالنسبالي. وبردك ليلى مش محتاجة لحد، أنا هحافظ عليها جوا عيوني، مش هعوزها للي يدافع عنها.
– يسلم فُمك يا معاذ.
غمغم بها خليفة، الذي كان حاضرًا هو الآخر، بفخرٍ انتفخ بصدره كبقية الحاضرين. فقد سدد رميته جيدًا في إفحام هذا الرجل المستفز لهم، بحديثه الذي أشعل الصدور، ليضطر هو الآن للتدخل من أجل تهدئة الأجواء، قبل أن يفعل شقيقه الأكبر جريمة يجزم أنه على وشك القيام بها:
– زي ما جالك كده يا حج عرفان، وفي الأول والآخر، ليلى بنتنا وفي عنينا كلنا من جوا، إحنا برضو رجالة ونعرف في الأصول.
أضافت عليه ليلى تؤيده:
– أيوه يا أبوي، إن كان عمي خليفة، ولا عمي حمزة، ولا أمي حسنية، كلهم في البيت ده بلا استثناء شايلني جوا عيونهم، دول عيلتي الكبيرة بعد أمي...
– وأبوكي... بعد أمك وأبوكي يا ليلى، احفظيها.
قاطعها بها، يثير الاستهجان والحنق الشديد نحوه، رغم تريثهم الشديد معه.
ثم أردف يرحمهم قليلًا من ثقله، وهو يهم بالنهوض عن أريكته:
– طب، أجوم أنا دلوك أستأذن عشان أروح بجي.
خاطبه خليفة بمجاملة زائفة أمام صمت الباقين:
– بسرعة كده يا حج؟ خليك شوية على تتعشى وتريح شوية، ولا عاوزها تبقى عيبة في حقنا، وإحنا خلاص بقينا عيلة واحدة.
عبست ملامح حمزة بضيقٍ واضح نحو شقيقه، الذي تبسّم مشاكسًا، وقد دعمته حسنية أيضًا تنفيذًا للأصول التي تربّت عليها:
– صُح، زي ما جالك كده، البنتة جوا بيحضروا الوَكْل، مسافة خمس دقايق بس، وكله يجهز على السفرة. إنت أبو ليلى بنتنا، يعني منينا دلوك.
ضحكة سمجة ارتسمت على محياه، يوزّع أبصاره نحو حمزة وزوجته السابقة مزيونة، قبل أن تستقر أخيرًا علي حسنية:
– يجعله عامر بحسك يا حجة، إنتي قولتي بنفسك، بجينا عيلة، يعني في أي وقت أجي أسأل على بتي الغالية، بكريّة أبوها.
إلا صحيح... هي وقفت دراسة ولا بتروح منزلي؟
هتفت مزيونة ردًا له، تسبق ابنتها في الإجابة:
– لا دي ولا دي، بتي مكملة في تعليمها عادي، وهتكمل سنتها عشان تجيب المجموع الزين وتدخل الكلية اللي هي عايزاها.
للمرة الثانية، يجرّها لمخاطبته، فيحدّق معقّبًا عليها، يتفرّسها بعينيه، يزيد من جذوة النيران التي تسري بقلب حمزة، الذي يُحجم نفسه بصعوبة عن ارتكاب جريمة قد تكلّفه عارًا يلبسه، إن هو قتله أو حتى طرده من المنزل:
– وعد الحر دين عليه، وإحنا ناس بنفهم في الأصول، نبجى كدها، مش واطيين إحنا عشان نوصل لعرضنا وبعدها نلحس عهودنا.
ذهب عن عرفان العبث، وقد فُهِم قصده، بتلميحه الواضح عن مزيونة وشهادة الإعدادية التي حرمها منها بعد زواجها.
تقلصت ملامحه بضيق واضح، مستأذنًا:
– وماله؟ كل حاجة نصيب في الأول وفي الآخر. يلا يا أم ليلى، مش مروحة معايا برضو؟
– أم ليلى لسه هتجعد شوية مع بتّها.
لا تعلم كيف فعلها، وتكفّل بالإجابة عنها. لتضطر، مُذعنة، لمجاراته رغم حرجها الشديد أمام باقي الحضور.
حتى إذا غادر عرفان يجر أذيال الخيبة خلفه، توجهت بنظرات متسائلة نحو حمزة، الذي تنفّس أخيرًا، بعد قرابة الساعة التي قضاها مختنقًا في وجود عرفان الكريه.
لينتبه إليها قائلًا:
– أكيد مكنتيش هترضي تمشي معاه، فأنا حبيت أوفر عليكي. أبو تجل دم أمه، أنا مش عارف كنتي متحملاه إزاي الجزين ده!
– حمزة...
تفوهت حسنية بالاسم بلهجة محذّرة حتى لا يتجاوز، فيُحرج المرأة وابنتها التي تغضّنت ملامحها بتأثر، لا تدري عن سبب الزيارة المفاجئة لوالدها، أتحمل وراءها خيرًا أو شرًّا؟
فتابع حمزة، يردف مُلطفًا:
– معلش يا جماعة، ما تأخذونيش، أنا بس اتعصّبت. يعني لما طبّ كده من غير سابق إنذار... لكنه أكيد مرحّب بيه عندنا، وبرغم كل الخلافات اللي ما بينّا، يكفي إنه أبوكي يا ليلى.
أومأت الأخيرة بتفهّم، وقد التفت ذراع زوجها الحانية حول جذعها، يدعمها، ويبث إليها الاطمئنان بنظرته، مما انتقل بأثره على مزيونة، التي شعرت بالإنهاك، يأن جسدها تعباً وطلباً للراحة:
– يادوبك أنا كمان أروح على بيتي، الله يجازيه عرفان، أخرني أكتر ما أنا متأخرة.
كانت تتحدث وأقدامها تتحرك للمغادرة، مما استدعى حمزة لتوقيفها:
– استني، أنا جاي معاكي أوصلك.
– توصلني فين؟
هتفت تهمّ بالجدال، لكنه حسم بإصرار لا يقبل النقاش:
– هسبقك أنا وريان على العربية. من الليلة دي أساسًا، هبيت في بيتنا الجديد.
– في بيتك الجديد؟!
تمتمت مزيونة من خلفه بذهول، وقد تيبّست قدماها، ناظرةً في أثره وهو يسبقها بالفعل للمغادرة، تحاول استيعاب قراره المفاجئ بالسكن في المنزل الجديد، رغم عدم اكتماله بعد، على حسب علمها.
***
أغلقت خلفه مصحفها، بعد انتهائها من القراءة فيه وهي خلفه.
سُنّة يتبعها معها منذ بداية زواجهما معًا؛ مهما مرّ عليهما من خلافات، أو نشبت بينهما مشاجرات، فمجرد أن يأمرها أن تتوضأ وتأتي خلفه... لا تعصيه أبدًا.
وكم كان جميلًا، وما زال، إطفاء نيران الغضب بالوضوء والصلاة معًا، ثم قراءة القرآن.
صدّق على آيات الله الكريمة، يتأملها جواره بنظرة رضا، وقد اندمجت تتضرع إلى المولى ببعض الأدعية له ولها، ولباقي أفراد أسرتها ومن تعرفهم.
ثم تمسح بكفّيها على وجهها، فتنتبه أخيرًا على تحديقه بها، سائلة:
– إيه؟ بتبصّلي كده وانت ساكت ليه؟
جاء رده بعملية ومحبّة، حين امتدت كفّه ماسحًا بأنامله طرف ذقنها، ليرفعها بعد ذلك إلى فمه، يقبّل أثرها بهم قائلًا:
– وأنا من إمتى كنت شبعت بُصّ فيكي أصلًا؟
تبسّمت بخجل شديد تنهيه، رغم سعادتها الدائمة بغزله:
– ووه عليك يا منصور، لما فجأة تهبّ عليك، بتطلع منك حاجات!
وبارتباك شديد، حاولت أن تنزل طرحتها لتقف وتذهب، إلا أنه جذبها، لتصطدم بجسده، يطبق عليها بذراعيه، يهمهم مرحًا، بعد أن وضع المصحف على حامله:
– إيه يا ست منى؟ يا أم لسان طويل، بيكشّ فجأة مجرد ما أجولك كلمة حلوة؟ بعد العمر ده كله ولساكي بتتكسفي مني؟
اعترضت تحاول إزاحته عنها، بمزاحها كعادتها:
– وانت هتطلعني بتكسف بالعافية؟! بعد يا منصور، ليدخل حد من العيال، يقولوا عليك إيه وانت حاشر أمهم على صدرك كده؟
جلجل ضاحكًا يتحدّاها:
– يقولوا اللي يقولوه يا ستي، إنتي ملكيش دعوة! مش أنا اللي حاشرك على صدري! يجرؤ حد بس يتكلم؟
ادّعت التذمّر في محاولة الفكاك منه:
– يوووه، لما تطلب معاك غلاسة! طب افتكر حتى صلاتك، ولا القرآن اللي كنت لِسّاك ماسكه في يدك، يا شيخ منصور.
تبسّم، مشدّدًا بذراعه أكثر على ظهرها، يرفع وجهها مقابل وجهه:
– وإيه اللي يمنع بَجى، مادمت ماسك حلالي؟ ومغضبش ربنا في فعل الحرام؟ ده حتى يبقى حرام عليّا أكتم أشواقي اللي محبوسة في صدري دي ناحيتك. ترضيهالي؟
هذه المرة، كانت الضحكة من نصيبها، تعلّق ساخرة:
– أشواقك إيه يا منصور؟ كل السنين دي مع بعض، ولسّه باجي أشواق محبوسة في صدرك؟
تبسّم مرة أخرى ليؤكد على قولها:
– ولو مرّ ميّة سنة، ما أظنش أبدًا إني أبطل أحبك ولا أشتقلك.
من وجت ما شوفتك أول مرة في الفصل، بضفيرتينك، وأنا أول مرة أدرّس، كنت عايز أعمل شخصية بشدتي عشان الكل يحترمني.
كل البنات خافت، إلا إنتي، الوحيدة اللي كنتي تعارضي، ولما أتعصّب تقلبيها هزار.
معرفش آخد منك حق ولا باطل.
لا بعاقبك، ولا بجدر أمنع نفسي من الضحك على أي جملة تجوليها.
شجلبتي عقلي، وخلّيتيني أحب التدريس عشان أدخل كل يوم الفصل بس أشوفك وأناكّف فيكي.
ولما زادت معايا، حلفت إني هستنّى عليكي لحد ماتكبري، لا هبصّ لغيرك، ولا إنتي هتكوني لغيري.
كانت تناظره بحب، فالوضع بينهما لا يحتمل استخفافًا ولا المزاح الذي تتخذه منهجًا في التعامل معه.
هو بالفعل اختارها منذ أن كانت صغيرة بضفيرتين، وهي أيضًا لم ترَ أو تعرف من الرجال غيره، وإن كانت لا تعرف الطريقة في التعبير مثله، إلا أنها تعلم تمام العلم أن شعورها المتبادل معه... يصله جيدًا.
غلبتها عفويتها، سائلةً تنتشله من شروده وذكريات مضت:
– طب وبعدين؟ هنفضل كده كتير؟
صدحت ضحكته العالية مرة أخرى، ثم رد عليها:
– لا، أنا عارف آخرتها... وانتي كمان عارفة.
قطبت قليلًا، ثم ما لبثت أن فهمت مغزى كلماته، لتحاول الفكاك منه:
– واه! ده إنت محدد هدفك كمان! جوم يا منصور، لحد من العيال يعوز حاجة!
باغتها، يرفعها عن الأرض حاملًا لها، مؤكدًا على ما يعتزم عليه:
– لا والله ما يحصل. العيال؟ وزمانهم ناموا أصلًا!
وأنا... ونقضت وضوئي يبجى إيه؟
– إيه؟
– ما جولنا... إنتي عارفة.
– تاني "عارفة"؟ ووه عليك يا منصووور!
***
صافح جميع من استقبلوه وتحدث مع معظمهم فور عودته إلى منزله، وها هو الآن يحتضن أطفاله، يقبّلهم ويداعبهم، فلم يتجاهل إلا هي.
حتى حين تخاطبه، يجيبها بكلمات مقتضبة دون أن يلتفت إليها، وكأنه يستكثر عليها النظرة.
ومع ذلك صبرت، ووضعت همّها في تجهيز الطعام، حتى إذا انتهت من تحضير المائدة، جاء وقت دعوته:
– الوَكَل يا عرفان، مش ناوي تاجي؟
رمقها بطرف عينيه، يقبّل ابنته الصغيرة قبل أن يتركها بصحبة الباقين، وينهض نحو المائدة التي ارتصّت بما لذّ وطاب، والعديد من الأصناف المتنوعة.
جلس مشمّرًا عن ذراعيه، يلتقط على فمه بنهم من كل الأطباق.
جلست هي مقابلةً له، تردد بأسى وتعاطف:
– أكيد كنت جعان جوي، دا غير أكل السجن اللي ما يجوع أكتر ما يشبع، اسم الله عليك، نجصان النص!
توقف فجأة عن تلوِيك الطعام بفمه، ليحدجها بنظرة غامضة وغير مفهومة، أطال بها لدرجة أثارت الريبة داخلها، حتى ابتلعت ريقها بتوجس، سائلة:
– بتبُصلي كده ليه؟ في حاجة؟
مصمص طرف أصابعه المدهونة بأثر اللحوم التي كان يلتهمها بشراهة، ليرد بما أذهلها:
– أصلك متغيّرة.
تنبهت حواسها، وتراقص داخلها الأمل، لتلمس شعرها المصبوغ، متعشّمة بكلمة غزل منه:
– عندك حق، اصلي صابغة شعري جديد عند الحفّافة، خليتها دارت على وشي وجسمي، مخلتش حاجة. حتى رسم، تحبّي أوريك آها؟
قالتها لترفع كم ذراعها، تُظهر الحنّاء حتى الرسغ، ثم في الأمام، تُنزل حتى آخر نهديها، ثم أكثر المناطق إغراءً.
تطالعه بتفاخر وهو يتأمل كل واحدة منها بصمت، حتى ظنّت أنها وصلت لغرضها، قبل أن يفاجئها بقوله:
– تعبتي نفسك جوي، بس دا كله لمين بَجى؟
تجمّدت بصدمة، مردّدة باستهجان:
– هيكون لمين يا عرفان؟ هو أنا ليا غيرك عشان أتزوّج له؟ دا أنا مستنياك على نار بجالي شهور، وما صدّقت إنك طلعتلي بالسلامة.
ابتسامة غير مفهومة حلت في زاوية فمه، سائلًا بهدوء:
– اشتاجتيلي؟!
شهقة ملتاعة شقّت حلقها، تجيب عن سؤاله المُختصر في كلمة:
– اشتاجتلك!... دي كلمة صغيرة جوي عن اللي جوايا يا عرفان، دا أنا هموت من شوقي إليك.
– أمممم...
زامّ بفمه متابعًا طعامه، وهي في انتظار إشارة منه تُثلج قلبها، فلم يدم صمته سوى لحظات، قبل أن يصعقها بفظاظته:
– غريبة! مع إني لا اشتقت، ولا طايقك أصلًا.
غصّ حلقها، شاعرةً بنصل سكين حاد انغرز في صدرها. لا تصدّق كمّ القسوة التي يتحدث بها، دون أدنى إحساس بما يفعل من جرح لكرامتها وأنوثتها.
لتجد أخيرًا صوتها معبّرة عن استيائها:
– ليه كده يا عرفان؟ ليييه؟ أنا مرتك ولا عدوتك؟
توقف أخيرًا عن طعامه، لينهي الحديث والجدال:
– اعتبري نفسك لا مرتي ولا عدوتي. وكويس جوي إني حاطك في المساحة دي دلّوك، مش عايز أجلب ولا أخليها ضلمة عشان العيال اللي ما بينا، بس لو تفتكري إني نسيت يبجى انتي واهمة. أذيتك ليا ولمرَتي دي تروح فيها رِقاب.
بدمعة احتبست في عينيها إثر الإهانة التي أصابتها منه، دافعت:
– بس أنا معملتِش حاجة لمَرَتك، كل اللي عملته كان عمل بالمحبّة. إنما مرض مزيونة فأنا ماليش دخل بيه. ولو عايز الحق، يبجى بسببك وبسبب أنانيتك. كلنا كنا عارفين وفاهمين، إلا أنت. عشان مبتفكرش غير في نفسك وهواها. وهي كانت صغيرة، صغيرة جوي على حمل واحد زيك. أنت مبتَرحمش، ولا بتحِس يا عرفان، ولا عايز تعترف إن العيب فيك مش فيا. أنا كل اللي عملته في حياتي، عشان كنت عشقاك. تعرف معناه إيه الكلمة دي؟
ضاقت عينيه بحقد وغضب دفين، بعد أن غمره الانتشاء بدموعها، رافضًا تعكير مزاجه أو تصديق ما تدّعيه.
فزفر أنفاسًا حارقة، يردف بهدوء مريب:
– حظّك إنّي مليش غاية أعكّر مزاجي، وهفوت. لكن كلمة تاني، يبجى انتي اللي جبتِيه لنفسك...
صمت برهة، يحدّق بها بناريته، يبث الرعب بقلبها حتى تخرس عن أي جدال، ويتابع آمرًا:
– انزلي دلّوك، حضّريلي الشقة اللي تحت، تنضفيها وتعدّليها. كل هدومي وحاجتي تنزل عليها. ومن هنا ورايح ليكي عندي غير مصاريفك انتي وعيالك، انتي هنا في شقتك، وأنا تحت في شقتي، شقة مزيونة وبِتّي ليلى.
***
أوقف السيارة في المنطقة الفاصلة بين منزلها ومنزله، لتلتفت إلى ريان، ذلك الصامت منذ أن تحرك بها من المنزل الكبير.
وها هو يترجّل منها بتجهّم، يُخرج حقيبتين من الملابس له ولطفله، جمعهم على عجالة، وكأنهم استعداد لرحلة مدرسية.
وجهه مظلم بغضب لا تعلم سببه، لقد تبدّل مزاجه من وقت ظهور عرفان في منزله، ضغط على نفسه وتعامل معه بالأصول مضطرًا، لكن في الآخير، تحوّل إلى هذا الشخص الغريب أمامها.
يتعامل بجفاف حتى مع طفله، وهي لا يُحدثها كعادته، ولا يلتفت نحوها من الأساس.
وها هي الآن، عليها أن تترجّل من السيارة، وتترك ذلك الصغير ليبيت معه داخل منزله الجديد، الذي لا تعلم إن كان مجهزًا ومفروشًا أم لا؟ ولماذا العجلة في السكن من الأساس؟
– هتنزل معايا يا ريان؟ أديك من بلح الشام اللي عملاه النهاردة، دا هيعجبك جوي.
لا تعلم لماذا عرضت على الطفل ذلك الأمر، ربما أشفقت عليه من جنون أبيه، وكما توقعت، وجدته مرحّبًا:
– بلح الشام من يدك إنتي؟ أكيد هيكون أحلى من المعمول كمان، يا خالة مزيونة...
– ريااااان!
قاطعه والده، وهو يُلقي بالحقيبة الصغيرة إليه:
– مش وجت حلو! خش دلّوك، رتّب هدومك في دولاب الأوضة بتاعتنا، على ما أركن العربية وأجي وراك.
لم يعارضه الصغير، رغم الحزن الذي اعتلى قسماته، ليتناول الحقيبة ويسبقه في فتح باب المنزل، وتنفيذ ما أمره به.
مما استفزّها لتعبّر عن سخطها:
– في إيه؟ دا انت ساحب الواد من غير ما تعشّيه في بيت جده، وحتى الحلو كمان مستكتره عليه! عشان هدمتين يطبجهم في دولابك؟ طب استنّى لما تجهّزلُه أوضته حتى!
– لا، مش هجهّز. هو مجبر يبيت معايا على سريري، على ما أجهّزلُه أوضته بالمرة. وإن كان على الوكل، متشيلِيش هم. أنا ممكن أبعَت أي حد يجيلي من البيت أي حاجة خفيفة، الوكل دا آخر همّنا.
يتحدث بحدّة تستعجبها، وكأنها أخطأت أو أجرمت في حقه:
– طب وليه دا كله؟ فجأة طبّ في دماغك تبات الليلة في البيت الجديد إنت والواد؟ وانت لسه مخلصتش ألوانه حتى؟
بماذا يُخبرها؟ تلك الجاحدة التي تجعل نيرانه تستعر وهي في عالمٍ آخر، لا يصلها شيء.
ليحدّق بها بصمت أربكها، وكادت أن تتركه، لولا أنه لحق سريعًا بإجابة جاءت بكلمات ذات مغزى:
– الألوان كمان مجدور عليها، وترتيب البيت، وباقي العفش كله ياجي في وقت واحد. المهم إني... ما أسيبش هنا... البيت ميتسابش كده لوحده. من النهاردة، مفيش نوم بعيد عنه. دا بيتي... اللي بحاوط عليه بجالي شهور، ومش هسيب حد يقرّب عليه، ولا ياخده مني.
– بيتك!
– أيوه، بيتي.
قالها بثقة وأمر محسوم، جعلها تحاول صرف الفكرة التي طرأت برأسها عن مغزى كلماته... أن تكون هي المقصودة.
هي بالطبع تظن خطأ، ما دخل المنزل بها؟
***
أغلقت هالة باب خزانة الملابس الخاصة بها هي وزوجها، بعد أن اختارت منها منامة تصلح للنوم، لتخلع عنها عباءتها البيتية وتهمّ بارتدائها، فدخل خليفة إلى الغرفة عائدًا من الخارج، لتقع عيناه عليها بتلك الهيئة، فقد كانت شبه عارية أمامه، بمشهد يأسر البصر.
لا ينكر أن جمالها كان من أهم الأسباب التي دفعته للموافقة على الزواج بها، ولكن...كانت قد ارتدت القطعة العلوية حين انتبهت إلى دخوله، فاقتربت بلهفة، وقبل أن تزرر أزرار منامتها، سألته بفضولها المعتاد:
– أخيرًا دخلت يا خليفة، ضيف الغَبَرة مشى على كده؟
قطّب جبينه بعدم تركيز قبل أن يجلس ويخلع حذاءه عن قدمه:
– ضيف مين؟
اقتربت لتجلس على الكومود المقابل له، فأصبح جسدها المكشوف مائلًا نحوه، لتصيبه بالتشتت، وكاد أن يفقد تركيزه لولا كلماتها:
– جصدي على نسيب الهَنا يا خليفة، خريج السجون أبو الغندورة، مرة أخوك معاذ.
بحركة بسيطة منها، وغبية كما أصبح يراها الآن، قلبت سحر اللحظة، ليخاطبها مستهجنًا:
– هالة، هو انتي حرام تتكلمي زين عن خلق الله؟ مش واخدة بالك إن الكلام ده يزعلني؟ بما إنك بتجيبي سيرة أخويا؟
ارتفعت زاوية شفتها بعدم اكتراث، لتنهض من أمامه وتكمل ما كانت تفعل:
– وإيه اللي يزعلك بجى؟ هو أنا جبت كلام من عندي؟ ده الراجل طالع طازة من السجن على بيتنا، كأنه فاكرها تكية أبوه واد الفرطوس!
زفر وهو يطالعها بغضب مكتوم، فما الفائدة من الحوار مع امرأة لا تقتنع من الأساس؟ أجبر نفسه على التجاهل، لكنها أبت أن تتركه، فما إن ولى بجذعه عنها، حتى وجدها تسقط فجأة على السرير بجواره:
– طب جولي، أخوك سحب ولده يبيّته معاه في البيت الجديد ليه؟
ضرب بكفه على الفراش، مما جعلها تجفل من فعله، ليهدر بحنق:
– ميخصّكيش! والزمي حدودك بقى، عشان أنا جبت آخري منك! وحتى الأوضة، سيبهالك!
أنهى كلماته ونهض، ساحبًا جلباب بيتي، وخرج ذاهبًا إلى غرفة أخرى في المنزل، يبدّل ملابسه وينام ليلته بعيدًا عنها.
لتغمغم هي في أثره:
– براحتك يا خليفة، حتى كلام بيني وبينك مش مدّيني فرصة. مش حامل كلمة على إخواتك، وهمّا ضاربينها طول وعرض...
توقفت فجأة باستدراك:
– بس حلو، طلوع المتعوس ده من السجن حلو جوي. يلا، خليه يلمّ لحمه ويغور بيهم بعيد عنينا!
***
خرجت صباحًا والشمس لم تشرق بعد، يجذبها التغريد العذب من الطائر الجميل، لا تعلم من أين يأتي، فالأشجار كثيفة في المنطقة، ولابد أنه اتخذ موقعه على إحداها.
كانت تكررها من خلفه، وقدماها تسحبها للاستمتاع بنسمة الفجر الساحرة، والهدوء منسجم مع التغريد الذي يأتي من الموقع المجهول للطائر، فيأسر حواسها ويمنحها لحظتها الخاصة من السعادة والتأمل.
لكن شعورًا بالحركة خلف ظهرها جعلها تلتفت فجأة بإجفال، لتُفاجأ بحمزة غافيًا على مصطبتها الطينية أسفل شجرة التين، حاضنًا صغيره "ريان".
يذكّرها بوالدها قديمًا حين كان ينام على نفس المصطبة ويأخذها هي في حضنه.
ولكن، ما الذي يدفع هذا المجنون لذلك الأمر؟
استدركت فجأة وجه التشابه بين الحالتين، لتقترب، تهمهم بدهشة:
– يا دماغك يا حمزة اللي عايزة ظبط زوايا! يعني تطقّ في دماغك كده فجأة، تسكن هنا انت والمسكين الصغير ده؟ لا واللي عليك كل حاجة تجهّز هوا!
وانت أصلًا ناسي إن البيت لا فيه مروحة ولا تكييف؟ كان عليك بإيه بس؟ تشحطط الواد معاك؟! عقلك رايح منك خالص!
تنهدت بعمق تتأمل ريان بإشفاق، تمصمص شفتيها:
– يا حبيبي يا ولدي، ربنا يعينك على أبوك.
وانتهت تسحب نفسها عائدة إلى منزلها، غافلة عن ذلك الذي فتح عينيه الاثنتين على وسعهما، وقد أدار رأسه يتابعها حتى اختفت من أمامه، ليغمغم متوعدًا بابتسامة اشرقت بوجهه:
– ماشي يا مزيونة، ومطالعاني مجنون كمان؟ حااااضر... انتي لسه شوفتي جنان أصلًا!
***
وفي جهةٍ أخرى، تحديدًا داخل منزل حمّاد القناوي، كان هذا موعد سفره، أول فراقٍ بينها وبينه منذ الزواج.
سيغيب عنها لأسابيع، بعد أن اعتادت على دفئه، وعلى عاطفته المجنونة التي يُغدق بها عشقًا لا ينضب.
كيف يُقنع نفسه بالذهاب، وقدماه قد تيبّستا على الأرض من شدّة تشبثها به؟
تلف ذراعيها الاثنتين حول جذعه، وهو لا يقصّر في ضمّها وتقبيل رأسها:
– خلاص يا ليلى، أنا كده هلغي السفر في الآخر، يا جلبي متصعبيهاش عليا، كلها أسبوع ولا أسبوعين بالكتير وهتلاقيني فوق راسك.
رفعت رأسها نحوه، وبعينا القطة التي تأسره حين تنظر إليه:
– ما أنا مش عارفة هجضي الأسابيع دي إزاي يا معاذ، أنا اتعودت عليك وعلى حضنك ليا، وانا متعودتش أنام لوحدي… ينفع أنده أمي ولا أروح لها أنا؟
ضحك بمرحٍ حتى عاد رأسه إلى الخلف، ثم مال يُقبّل وجنتيها الشهيتين قائلًا:
– والله بكلامك ده بتفكرّيني بالنكتة الشّهيرة. على العموم يا ستي، في الحالتين ما ينفعش… أنتي عارفة عوايد بلدنا، مفيش عروسة تروح على بيت أبوها غير بعد سنة، ولا ست أشهر على الأقل.
وإن كان على أمك تاجي هنا، أنا والله ما ممانع، بس هي هترضى؟
هزّت رأسها نفيًا، ثم أطرقت بعينيها، فطبع قبلةً حانية على جبهتها، ثم تناول حقيبته يجرّها بيد، والأخرى التفّت حول كتفيها.
خرج بها من الشقة، يُلقي عليها بعض التعليمات لتلتزم بها في غيابه، حتى توقّف عند أهمها، عند حاجز الدّرج الإسمنتي:
– وأوعي تنسي تاخدي الحباية… أوعي يا ليلى، فاهماني؟
أومأت بثقة تطمئنه، فاقتنص من ثغرها قبلةً أخيرة، ثم نزل الدّرج، حيث كان شقيقه خليفة ينتظره ليقله بالسيارة إلى محطة القطار.
غافلًا عمّن كانت واقفةً خلفه على باب شقتها في الطابق الأسفل، وقد وصل إليها الحديث بالكامل، لتتساءل في نفسها:
– حباية؟! حباية إيه؟!
رواية لأجلها الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
ارتدت ملابس المدرسة وتجهزت للحاق بدوامها الدراسي باكرا كما اعتادت، منذ أن تولت مهمة الاعتماد على نفسها، أو بالأصح بمساعدة من زوجها الذي، كما ينهض باكرا للذهاب إلى عمله، كان يتابعها أيضًا عبر الهاتف. يفعل المستحيل لإنقاح التجربة، وهي أيضًا لا تقصر بالإستذكار وفعل كل ما يلزم في سبيل التفوق والحصول على الدرجات العليا، من أجل إسعاد والدتها ونفسها أيضًا بالمستقبل الباهر الذي تتمناه. ولماذا تتراخى مادامت تجد التعاون من الجميع؟
وصلت إلى الطابق الأرضي، لتجد حسنية، أو كما تطلق عليها "أمي حسنية"، جالسة في انتظارها ببراد الحليب الساخن وقطع الكحك والبسكويت المصنوع في المنزل. تتلاقاها بابتسامتها العذبة، فتبادلها ليلى بإلقاء التحية:
"صباح الخير يا أمي، أنتي برضك صاحية بدري مستنياني، حرام والله، كان لازم تبجي دفيانة على سريرك دلوك."
ضحكت المرأة تشير لها لتقترب:
"يا ختي ياريت يجيلي قلب أجعد حتى لسبعة، لكن الجسم اللي واخد على الشجا والصحيان بدري يا نور عيني هو نفسه مبيرضاش. الفجر يأذن وتلاقي الفرشة كأنها شوك تحتي، لازم أصلي وأبدأ يومي بعدها، خلاص العضم اتكيف على كدة. اقربي ياللا اللحقي كوبايتك جبل ما تبرد."
تبسمت ليلى بامتنان تقترب وتجلس على الكرسي المقابل، لتبدأ في تناول فطورها كما تحب، بتناول الكحك الصعيدي المغموس بحليب الجاموس كامل الدسم. يكفي فنجان واحد منه لإشباع المعدة وإمداد الجسد بدفعة مذهلة من الطاقة.
وحسنية الجميلة لا تكف عن تحفيزها:
"أوعي تسيبي نقطة في كوبايتك، وطبق البسكويت دا تاكليه كله مع وحدتين الكحك على ما عمك خليفة ينزل من فوق عشان ياخدك في طريقه."
توقفت عن المضغ بفمها، لتهمهم حرجا بحديث نفسها، قبل أن تتوجه بخطابها إلى المرأة:
"كمان عمي خليفة يشحطط معايا زي كل يوم، مش كفاية عمي حمزة بيناولني المصروف يوماتي قبل ما يروح على بيته..... طب يا أمي أنا كل يوم بجولها لكم، والله ما فيها حاجة لما خدها كعابي مع صحابي للمدرسة، دا حتى بيقولوا المشي رياضة."
بصوت بدا كالشهقة تحدثت حسنية بتشدق لطيف:
"برضك عايزة مرة البشمهندش معاذ بحاله على سن ورمح تاخدها كعابي؟ كملي وكلك يا بت وفضيها رط، شدي حيلك بس وجيبي مجموع كبير، خلينا نعدي السنادي على خير، وليدي خليفة دا ميعاد شغله أصلا مهياش مستاهلة يعني."
توقفت فجأة رافعة أبصارها إلى أعلى الدرج، مستطردة:
"واهو نازل لوحده أها على ميعاده من غير ما نبعت حد."
نظرت ليلى إلى الأعلى بدورها، تتابع نزول خليفة الذي تبسم لها تلقائيًا يلقي تحية الصباح، وخلفه هالة العابسة دائمًا، تلقي تحيتها الفاترة بصوت بالكاد يخرج، لتظل على صمتها في متابعة مزاح الثلاثة:
"تعالى يا خليفة يا ولدي شوف مرة أخوك أم مخ ضارب، جال خايفة على تعبك جال."
"ليه هشيلها فوق راسي يعني ولا إيه؟ بلاش الإحساس دا يا ليلى، أنتي متجوزة واحد ميعرفوش أصلا."
تبسمت ليلى بحرقة ردًا على مزحته، ثم نهضت رافعة حقيبتها لتتحرك معه، وذهبا الاثنان، تاركين حسنية وهالة التي وجدت فرصتها في الانتقاد:
"طب والله كويس إنها بتحس، أنا جولت الصفة دي متعرفاش أصلا على رأي خليفة."
حدجتها حسنية بحنق وعدم تقبل:
"لزوموا إيه الكلام ده يا هالة؟ لا تكوني مدايجة كمان عشان بيوصل البنية؟"
ردت هالة تتهرب بعينيها عنها:
"لا طبعًا وأنا إيه اللي يزعلني يعني؟ العربية بتاعة البيت كله أصلاً مش ملك خليفة، وحتى لو كان، أنا مش قصدي على كدة أصلاً، رغم إني معايا الحق برضوا."
تمتمت الأخيرة بصوت خفيض كالهمس، ومع ذلك وصلت إلى حسنية التي عقبت باستنكار واضح:
"كلامك في تلميح ماسخ يا هالة محدش يجبله، ليلى الصغيرة بتقول لخليفة يا عمي."
انتفضت هالة وكأنها تدافع عن كرامتها:
"وه يا مرة عمي اللي بتجوليه ده؟ برضك أنا هالة هغير منها؟ ليه يعني؟ كانت أحلى مني مثلا؟ ثم أنا كمان مجصديش على كدة خالص على فكرة، أنا أقصد على تناحتها، بصراحة يعني مزوداها جوي. أكتر من شهرين دلوك وهي عايشة فيها في دور العروسة اللي متقربش حتى على هدومها وتغسلها، طب بتذاكر وقولنا ماشي إنما مبتجيش عليها ولو نص ساعة حتى تنضف شقتها وتعمل طبختها لوحدها، من غير ما تتعب أهل البيت في خدمتها، ولا أمها دي اللي بتبعتلها الوكل جاهز كل يوم أو تاجي بنفسها."
"نص ساعة هتنضف وتطبخ فيها كمان!"
غمغمت بها حسنية بما يشبه السخرية، لتردف بعدها بتشديد:
"اسمعي يا هالة، مادام جاعدة محلك يا حبيبتي ومحدش طلب منك مساعدة يبجى متتعببش نفسك. بنتي ولا بناتهم مفيش واحدة فيهم بتعمل غصب عنها، دول بيساعدو برضاهم، عشان يرضو أخوهم ويرضوني أنا كمان، وأنا إن كنت بطلب منهم فدا عشان عمار ولدي يا غالية، بالظبط زي ما أنا متصبرة عليك من أول جوازك بخليفة وبغطي على كل أغلاطك، ولا نسيتي إنك انتي كمان اتجلعتي وياما عكيتي الدنيا برغم إنك مكنتيش بتتعلمي ولا حاجة ولا حتى كان عندك أي سبب."
طالعتها بغضب دفين، بعدما أفحمتها بردها، لتزيد على حقدها من تلك المذكورة ووالدتها مزيونة.
***
لقد انتهى أخيرًا من أمر المنزل.
نعم، وذلك بفضل العمل المتواصل ليل نهار للعمال طوال الفترة الماضية، مع تجهيزه بالأثاث اللازم، فلم يعد متبقي سوى رتوش قليلة قد يضيفها للزيادة من فخامته. ثم يأتي بعد دور الطابق الثاني والذي كان واقفًا به الآن يعاينه بأعين خبيرة ليقرر كيف سيكون نظامه؟ مطابقًا للأول أم مختلفًا عنه؟ فقد كان خاليًا الآن إلا من السور الذي يحاوطه والأعمدة التي سوف يتم الإكمال عليها. تطلع أمامه بنظرة رضا، فهو لا ينكر داخله أن ذلك هو الجزء الأحب إليه. يكفي أن يقف هنا ويطل من محله على منزل محبوبته المكشوف أمامه، إن كان من برج الحمام أو حتى بعض الأجزاء المفتوحة داخل المنزل الطيني.
تلك المتمردة التي تصر على تجاهل مشاعرها نحوه، رغم كل ما يلمسه منها من تجاوب واضح. ومع ذلك لا يجرؤ حتى الآن للمواجهة خشية انقلاب مفاجئ منها، فهو الأعلم بما قاسته على مدار سنوات عمرها وخلف داخلها عقد ومآسي لا تنمحي إلا بصعوبة، بفضل هذا الملعون زوجها السابق و...... تبا، ما هذا؟
كان قد وصل إلى حافة السور بأفكاره الدائرة برأسه دون هوادة، ليتفاجأ بغريمه واقفًا أمام منزلها وهي مقابله وكأنه يعطيها شيئًا ما وهي تتقبله بتأثر. بمشهد جعل الدماء تغلي برأسه، ترا بماذا يتقرب إليها هذا المتبجح؟ اللعنة عليه أن تركه يصل إلى غرضه.
فتحرك سريعًا يغادر المكان.
***
أما عند مزيونة، والتي كانت واقفة بالفعل أمام باب منزلها، تتناول من عرفان ذلك الشيء العزيز الذي أتى به إليها، فكانت في حالة لا تسمح لها حتى بالكلام. وقد غص حلقها بذكريات الماضي التي تجلت أمامها بتلك الأشياء البسيطة التي كانت تمسك بها الآن بين يديها، وعرفان المتربص أمامها، يعلق بنوع من التأثر وكأنه يتضامن معها.
"من أول ما عيني وجعت عليها وأنا عرفت أن يستحيل تسيبها بخاطرك، شكمجية المرحومة أمك أنا عارف زين كيف كانت غالية عليكي، دي فيها كل روايح المرحومة."
بصوت مبحوح وهي تدور على الأشياء الجميلة بذكرياتها، ترفع الزجاجة الفارغة من عطرها ولكن تبقى أثرها ورائحة تشتاق إليها بوجع، ثم صور الأبيض والأسود للراحلة والباهتة بعض الشيء، الأساور الفضية وعبوة الكحل وبعض قطع الذهب من عقدها الذي تحتفظ به هي الآن بدرجها وصورها وصور والدها وشقيقها وأبرة وخيط كتان، وبعض أزرار ملابسها وأشياء أخرى عديدة:
"دورت عليها كتير في اليوم اللي طلعنا فيه أنا وبنتي وأنا بلم خلجاتي وخلجاتها مع الحاجات الضروري اللي كان لازم آخدها، لحد ما فقدت الأمل إن ألقاها وأنت كنت واقف مع الرجالة وبتستعجل طردنا، يأست وفي الآخر سبت تكالي على الله."
رق صوته بنوع من الأسف مرددًا وقد مر أمام عينيه الشريط المخزي لكرامته في تلك الليلة:
"في ليلتها كان الغضب عايميني يا مزيونة وكأني واخد ضربة فوق راسي بفكرة إنك تسيبيني انتي والبت وتمشي كلمتك عليا... بس....... ما علينا."
توقف حين قرأ الاستهجان بنظرتها إليه، ليلحق سريعًا حتى لا يعطي فرصة للنقاش في ذلك الأمر مردفًا:
"اللي فات مات يا مزيونة، أنا جولتلك من الأول إني بجيت واحد تاني دلوك، بدليل أها، أول أما لمحت شكمجية المرحومة أمك جيت جري عشان أسلمها لك لمعرفتي الزينة بغلاوتها عندك."
أومأت بهزة من رأسها تجاري كذبه:
"ماشي يا عرفان، على العموم متشكرين يا سيدي."
"لا يا مزيونة أنا مش بعمل كدة عشان ألاقي شكر منك، أنا أقصد أبين لك إني اتغيرت، بدليل إني مش بس مستعد أكمل علام ليلى وهي في بيت جوزها على حسابي، لاه دا أنا كمان مستعد أكملك انتي وأوفي بالعهد القديم اللي خدوا عليا المرحوم والدك، إنك تاخدي شهادة الإعدادي في بيتي، كنت صغير ساعتها ومديتش اهتمام لكن دلوك اللي تجولي عليه يا بنت الناس."
أظهر أسفه في الأخيرة حتى يستجلب استعطافها، أما عنها فلم يدخل حديثه رأسها على الإطلاق، حتى أصابها الضجر منه لتنهي هذا اللقاء معه:
"مفيش داعي للكلام ده دلوك يا عرفان، ثم كمان مينفعش أقف على الباب أكتر من كدة ولا أقدر أقولك اتفضل."
"اممم..."
زم بفمه يدعي الاستيعاب:
"ماشي يا مزيونة حقك، أنا برضو ميهونش عليا حاجة تأذيكي. أفوتك بعافية بجى سلام."
أنهى يسحب نفسه ويغادر من أمامها بضيق استشعاره لعدم استجابتها، لكن سرعان ما تبدل مزاجه، فور أن انتبه لحمزة الذي كان واقفًا على باب منزله الجديد بتجهم لا يخفي على رجل مثله، وقد فطن إلى مراقبته لوقفته مع مزيونة، حتى أثار بداخله التسلية، كي يكيده بابتسامته هاتفا:
"مرحب يا نسيبنا منور بيتك الجديد."
وأكمل بضحكة استفزت حمزة ليحدجه بنظرة نارية مغمغمًا في أثره:
"دا نورك يا أخوي اللي معبي الدنيا، يا بوي على تقل دمك."
***
بعد قليل.
وبعد أن بعث إليها ريان لتخرج إليه الآن وتلقاه أسفل شجرة التين في المنطقة الفاصلة بين منزله ومنزلها، معطيًا لها ظهره بغموض غير مفهوم، مما اضطرها للهتاف باسمه حتى تخبره بحضورها، أو لفت انتباهه على حسب اعتقادها:
"نعم يا أبو ريان، الواد بلغني إنك عايزني ضروري."
ظل على وضعه لبرهة، لتنتبه على سحب أنفاسه القوية بتحرك عضلة ما بظهره، قبل أن يلتف إليها بغموض تجلى في نبرة صوته:
"فعلاً أنا اللي بعته، عشان عايز أتكلم معاكي ضروري، ضروري جوي."
اهتزت رأسها إليه باستفسار، فجاء رده مباشرة ودون مواربة:
"كنت عايز أعرف، عرفان كان هنا ليه؟ وكيف يجف معاكي؟ أمّال الواد حازم دا إيه لزمته؟"
لم تغفل عن حدته في توجيه السؤال، ومع ذلك فضلت الرد بصورة طبيعية رغم رفضها تحقيقه:
"حازم ابن أخوي ربنا يحفظه ويبارك فيه، هو اللي فتحله وكان واقف معاه جبل ما أطلع أنا وأستلم الأمانة اللي كان مصمم يسلمهاني في يدي."
مال برقبته نحوها يتابع استفساره:
"أمانة إيه بقى؟"
نفخت داخلها باستهجان لأسلوبه، في إثارة حفيظتها، لتجيبه بنوع من الانفعال:
"أمانة غالية يا أبو ريان، شكمجية المرحومة أمي، كانت تايهة في العفش اللي فوتناه."
"الله يرحمها ويسامحها."
غمغم بها مطرقًا رأسه بتأثر، ثم ما لبث أن يرفع أبصاره إليها بحدة مستطردا:
"بس برضو، كان بعته مع أي حد، كان أداه لأخوكي، لواد أخوكي، لأي حد من طرفه، لكن هو ييجي هنا ليه؟ ولا هي تماحيك وخلاص."
برقت عينيها نحوه بعصبية:
"وافرض إن كان بيتمحك ولا يتزفزت، أنا ليا حاجتي إني خدتها منه وخلصنا على كدة."
"لا مش خلصنا."
هتف بها من خلفها، ليضيف بالمزيد وكأنه تحول إلى شخص آخر:
"الراجل البارد ده مالهوش جيا هنا واصل، النهاردة شكمجية من ريحة المرحومة، بكرة جزمة ولا بعده بنسة شعر، ورجله تاخد على البيت، وأبجى جابليني لو خلصنا صح."
امتقعت ملامحها باعتراض، فما تلمسه من تجاوز يجعلها تكاد تفقد الذرة المتبقية من تماسكها، لتزفر بسخط قائلة:
"مش شايف إنها كبرت شوية منك يا أبو ريان."
صاح ردًا لها بغضب متعاظم، وكأنه صار كالمجنون غير واعٍ أو مدرك لأي شيء سوى ردع هذا الرجل عن الاقتراب منها:
"خليها تكبر يا ستي، المهم الراجل ده يتلم على دمه، فاضينله أحنا عشان ييجي ويتحنجل بأي حجة يخترعها وتفتحله سكة للقرب، أجفلي معاه من أولها، مش تسبيه لحد ما ياخده العشم، أنتي أدرى واحدة بدماغه السم المنتول ده، هو أنا اللي هنبهك عليها دي؟"
تصلبت محلها بعدم استيعاب، مستنكرة ذلك التسلط الجديد منه، لتخرج عن تحفظها هي الأخرى:
"جرا إيه يا نسيبنا؟ الموضوع مش مستاهل كلام ولا فرض أوامر يا نسيبنا."
استفزه تركيزها الشديد في تذكيره بتلك الصفة حتى لا يتعدى حدودها معها، ومع ذلك هو اليوم مصر على تحديها:
"لا مزيونة مستاهل، مستاهل يا مزيونة ومن غير نسيبتنا كمان؟"
احتدت ملامحها بخط مستقيم ناظرة له بحنق شديد مقارعة له:
"ولما تنفي صفة النسيب، يبجى فرض الأوامر ده بصفة إيه؟"
تبسم دون مرح، وجدية تقطر مع كل حرف منه، كاشفًا كل أوراقه لها:
"صفتي أنتي عارفاها زين يا مزيونة، وإن كنت صابر عليكي ومأجل أي خطوة جدية أخدها معاكي، فدا برضو عشانك، جافل على اللي في قلبي وكاتم على اللي جوايا، في انتظار إنك تحني وتنسي اللي فات، تبصي لنفسك ولعمرك معايا، مش تفضلي واجفة محلك واللي تقدري عليه يدوب هو شهادة تطوليها بعد سنين."
كان حادًا في اعترافه بل وصادمًا في كشفها أمام نفسها، بصورة أفقدتها النطق لحظات، تتحرك حدقتاها بتشتت، تستجمع شتاتها بصعوبة لتكن على مستوى الحدث في ردع هذا الرجل المتبجح، كيف يخاطبها بتلك الجرأة؟ ولكنها لا تجد صوتها، ولكن تملك قدمين للذهاب... أو الهروب ......
"استني عندك يا مزيونة أنا بكلمك."
هتف يعترض طريقها فور أن التفت للذهاب، مما حفزها هذه المرة لتنهره:
"بعد من وشي يا حمزة يا قناوي، أنا مش هسمحلك تتمادي معايا أكتر من كدة."
"ومين قال إني بتمادي؟"
صرخ بها مقاطعًا لها، يتابع بقهر ما يعتري قلبه نحوها:
"دا أنا صابر عليك صبر أيوب، أنا لو مش متأكد إنك بتبادليني نفس الشعور عمري ما كنت هتكلم ولا حتى أصدق نفسي، الماضي الزفت وعقدة اللي حاجبة عنك كل حاجة حلوة حواليكي، إنك تبصي في المراية وتشوفي صورتك زين، تشوفي مزيونة اللي تستحق الحب والحياة اللي تستاهلها."
"بعد عني يا حمزة، أنت كدة اتعديت حدودك."
لم يغفل عن ارتجافها أمامه، ولا بصوتها المهتز في مخاطبته، رغم ادعائها القوة في رفض تصديقه، ومع ذلك هو اليوم قد أخذ القرار في إخراج ما في قلبه كاملاً:
"لا يا مزيونة مش هبعد، عشان تشوفييني زين، ارفعي عينك اللي بتهرب مني دي واعرفي مين اللي واقف جدامك؟ أنا حمزة مش عرفان، حمزة اللي أحطك تاج فوق راسي، مش عرفان اللي........ ما يعرف في الحياة غير نفسه وشهواته مع واحدة جميلة زيك."
ازدادت حدة أنفاسها، وامتقعت ملامحها بغضب عميق، فقد تخطى كل الخطوط الحمراء أمامها، حتى كادت أن ترفع يدها وتصفعه على وجهه، ردًا لوقاحته ولكنها لم تملك الجرأة سوى الرد بلسانها:
"أنت جليل أدب ومش محترم."
صاحت بها في وجهه، لتندفع من أمامه عائدة إلى مصدر أمانها، بخطوات أشبه بالركض، فتعلقت عيناه بها حتى اختفت داخل منزلها، تغلق بابها عليها، صافقته بقوة، ليغمغم هو محدثًا نفسه:
"جليل أدب! هو أنتي لسة شوفتي جليل أدب؟ والله ما هعتقك يا مزيونة لغاية ما تعترفي لنفسك قبل ما تعترفيلي أنا كمان."
***
وجدها تقف أمامه متخصرة في استقباله، بجسد يهتز من فرط عصبيته، ليعلق ساخرًا:
"كفاية هز لافتكر أن سطتك الكهربا وهتفرحيني لما تروحي فيها."
ختم بضحكة سمجة ضاعفت من حنقها لتصيح به:
"حقك يا عرفان تضحك وتتمسخر، مادام جاي من عندها بعد ما سويت اللي مخك، يبجى أكيد ضحكت عليك بكلمة تطيب خاطرك، مسكين وصعبان عليها ياعيني."
"اتلمي يا صفا بدل ما أعرفك أنا مجامك."
لم تتأثر بتعنيفه؛ فقد برد نارها قلب مزاجه سريعًا، لتتابع في التنفيس عن غضبها:
"هتعمل أكتر من كدة إيه يا غالي؟ بعد ما خليتني خدامة تحت رجليك، ولما تعوز اللي متقدرش تستغني عنه، تعاملني زي الجارية، وبس تخلص نفسك ترميني من أوضتك زي الحشرة، أوضتك، اللي هي أوضة المحروسة في الأصل، واللي بتتنشج على نظرة منها تحن عليك بيها."
سمع منها يعلق بصلف وجلافة ردًا على وقاحتها في الحديث:
"عشان دا مجامك."
توهجت نيران الحقد بداخلها لتواصل غير آبهة بغضبه:
"رايح تودليها الشكمجية اللي رميتها أنا مع الكراكيب ورا البيت يا عرفان، طب ياريتني كنت حرقتها مع وجيد الفرن وأنا بحمي للخبيز."
"عشان كنت خلصت عليكي."
"اعملها معدتش فارقة."
صرخت بها متابعة بقهر:
"طب أن هجيبلك من الآخر، مهما عملت يا عرفان مش هترجعلك، عارف ليه؟ عشان المرة اللي عايزة جوزها صح، مهتسيبش المرض يتمكن منها ويرعى في جسمها عشان تبجى حجتها في بعده عنه، مزيونة كانت مرحبة بالمرض أكتر منك، بدليل إنها مطابتش ولا خفت منه، غير ما أطمنت إنك زهدت فيها، ودا كله بفضل العمل اللي عملته، دا أنا خدمتها أكتر ما خدمت نفسي."
هل كان عدوها لتنتشي بتأثير الكلمات السامة عليه الآن؟ لا لم يكن عدوها ولكن جرح قلبها وإهدار كرامتها كان له أكبر الأثر في صفعه بالحقيقة ولتتحمل عواقب قولها الآن، بعد أن امتقعت ملامحه الشقراء تقارب السواد من فرط غضبه منها، وقد برزت عروقه بخطر ليقترب منها مقررًا فشف غليله بضربها، يسبق رفع يده جملة واحدة منه:
"طلبتي ونولتيها، أنتي اللي جبتيه لنفسك يا صفا، اتحملي بجى."
***
ناظرة في المرآة، تطالع نفسها كما أخبرها، تلوم ذاتها في تساهلها معه، حتى تبجح في الحديث وتطاول عليها، لابد من رد قاسٍ مع هذا الرجل، حتى لا يتجرأ ويعيدها مرة أخرى. لقد غلب بجنونه شقيقه الأصغر مع ابنته، ولكن الآخر له عذره، اندفاع الشباب في عروقه وعدم نضج صغيرتها كانا من أهم الأسباب لتأجج المشاعر بينهما. أما هو وهي... هو رجل أوشك على الأربعين من عمره، أي في عز نضجه ولا ينقصه شيء حتى يفتعل هذا الجنون مع امرأة مثلها.
لقد أخبرها أنها تستحق الحياة، وأمرها أن تنظر في المرآة، وهل كانت مقاطعة ولا تنظر بها كل يوم؟ ما الذي ستكتشفه يعني؟ تتأمل جيدًا تلمس على شعرها الحريري المفرود على كتفيها وحول وجهها، ذلك الذي يتميز بنضارة طبيعية لطالما حسدتها الفتيات والنساء عليه، عيناها اللوزيتان بلونهما البني، ولون الوجنتين بحمرة طبيعية تتفاقم وقت خجلها أو غضبها كما حدث منذ قليل، لقد أخبرها أنها جميلة؟ نعم هي تعرف هذه الصفة منذ مولدها، حتى الاسم الذي أطلقه والدها عليها كان بفضل هذه الصفة، ولكنها أيضًا كانت قد فقدت الإحساس به، إحساس الجمال أو أنها مرغوبة.
لطالما رافقتها نظرات الإعجاب أو تلك الجائعة التي تعرفها حق المعرفة أينما حطت قدميها بمكان ولكنها لم تكن تتأثر على الإطلاق.
اللعنة، لماذا تنظر في انعكاس وجهها الآن وكأنها تراه لأول مرة؟ هل أخبرها أنها فاتنة أيضًا؟ لا لم يخبرها اللعين.
انتفضت فجأة من شردوها على صرخة اخترقت اسماعها:
"الحقني يا بوي، الحقيني يا خالة مزيونة، حد ييجي ويلحقني يا ناس."
"يا مري دا ريان."
صرخت بها لتركض نحو الخارج، ساحبة طرحتها على عجالة، تغطي شعرها المفرود بإهمال، لترا ما الذي أصاب الصغير.
***
من داخل شرفتها، وقفت تستند بمرفقها على السور ذو السطح الرخامي، تتمعن النظر بذلك المشهد المستفز لها، داخل الحديقة وتجمع صغارها حول الأرجوحة التي استولت عليها تلك المدللة بعد عودتها من إحدى كورسات الدروس التي يتكفل بها زوجها لإكمال دراستها، تتأرجح مع الأطفال وكأنها منهم، بانطلاق ومرح. مالذي سيشغلها أو تحمل له همًا؟
وهي تعامل كالأميرة، تذهب إلى المدرسة صباحًا وحين تعود تجد الشقة مرتبة، الملابس نظيفة والطعام جاهز، تخطف لقمتها ثم تخرج إلى دروسها، وحين تعود تمرح مع الأطفال في اللعب لمدة من الوقت قبل أن تعود لشقتها ومذاكراتها مرة أخرى. الجميع يعمل على خدمتها وسعادتها بفضل ذلك المتمرد زوجها، والذي حين يأتي كل أسبوعين يسقيها من الدلال واللعب والمرح أضعاف.
إذن لماذا لا تضحك كما تفعل الآن؟ اللعنة وكأنه يأتي على السيرة، ما الذي أتى به الآن؟
تمتمت هالة داخلها بالأخيرة وهي تتفاجأ بولوج معاذ إلى داخل محيط المنزل الكبير، يتسحب على أقدامه كي يفاجئ ليلى من خلف ظهرها، آمرًا الأطفال بإشارة منه حتى لا ينبهها أحد منهم، فخرجت صيحة الإفزاع منها بصوت عالٍ جعل جميعهم يضحكون، حتى خليفة الذي راقبهم وهو يحمل الحقائب كالعامل الأجير، يضحك بملء فاه لذلك المقلب الذي فعله شقيقه بزوجته. اللعنة عليهم جميعًا، سوف يتسببون لها بأزمة قلبية ببرودهم.
***
في الأسفل كان مشهدهم ما أروعه، وقد تكفل هو بالمهمة في هز هز الأرجوحة بها بعد إفزاعها وصرخات المرح منها التي لفتت أبصار الجميع نحوها، ليعقب بمشاكسة:
"متعرفيش تتخضي وانتي ساكتة لازم تفضحيني وتلم عيال أخواتي عليا، يجولوا علينا إيه دلوك ها؟ يجولوا علينا إيه؟"
صرخت مرة أخرى حين دفعها للأعلى في الهواء لتعقب على قوله:
"هيجولوا عليك مجنون يا معاذ وأنا كتر خيري إني متحملة واحد زيك، دا كفاية خلعاتك ومقالبك فيا اللي هيجطع منها الخلف بسببك."
"كمان بتجولي مجنون، يعني لما أروحك على الدور التاني فوق دلوك هتتلمي يا ليلى."
دفعها إلى الأعلى من المرة السابقة لتصرخ بجزع حقيقي تترجاه بجدية هذه المرة:
"هجع يا مجنون والنعمة هجع، أنا تعبت بجد والله إياك تكررها تاني."
انتابه الرعب لهيئتها، مقررًا إيقاف الأرجوحة بيده، ليطمئن عليها:
"أنتي بجد تعبتي؟ طب انزلي طيب ولا تركبيها ليها أصلاً المرجيحة دي؟ هو إحنا ناقصين دوخة."
لهثت أنفاسها وكأنها عائدة من عدو سريع حتى إذا انتبهت إلى الخوف الذي احتل معالمه، سارعت بطمأنته:
"متجلجلش جوي كدة، دا بس من الخضة، عشان تحرم ما تجدحني لفوق جوي في الهوا مرة تاني، أنتي عارف إن قلبي خفيف أصلاً."
خرج صوته بعتب:
"يعني بتجيبها فيا يا ليلى بعد ما قررت أساعدك وأخليكي تركبي الهوا شوية لما لقيتك وسط العيال بتلعبي زيهم، دا بدل ما أرجع من سفري ألاقيكي مستنياني بالأحمر والأصفر، زي باقي الرجال المتجوزين."
ضحكت تعود للأرجحة ببطء تشاكسه:
"حظك بقى إنك اتجوزت عيلة، ومش هتكبر واصل على فكرة، يعني تفقد الأمل في حكاية الدلع والأحمر والأصفر، إحنا ناس مؤدبين مش بتوع الكلام دا واصل يا بابا."
"ووه..."
صدرت منه متخصرًا ليقارع حاجتها:
"طب يا عيلة يا صغيرة، على كدة لما أحب أهاديكي، أبجى أجيبلك مصاصة ولا بسكويت ويفر، بدل صندوق الهدايا ولا بوكيه الورد، هو دا اللي عايزاه، خليكي جريئة وجولي أيوة."
ضحكت حتى رجعت رأسها إلى الخلف تزيده ولها بها، حتى ملكت صوتها أخيرًا:
"لا يا معاذ مش عايزة صندوق هدايا ولا بوكيه ورد، عايزة مرجيحة اللي وعدتني بيها جبل الجواز، زي اللي جاعدة عليها دي، بس تبقى ليا لوحدي فوق السطح عشان ألعب براحتي، ولا أنت نسيت؟"
تعقد حاجبيه قليلاً بتفكير حتى تذكر بالفعل، ليضرب كفًا بالآخر قائلًا:
"يخرب مطنك ومطن دماغك، بجى فاكرة كلمتيني من ساعة المولد ومراجيح العيال، طب أنا والله بالفعل نسيت."
زامت فمها بدلال في رد له:
"واديني فكرتك يا سيدي، أشوفك بجى هتصدق في وعدك ولا لاه؟"
مال نحوها يتمسك بقائمي الأرجوحة، مرددًا بصدق:
"هصدق والله هصدق، أنا عمري قصرت معاكي، جولي لو قصرت."
نفت بهز رأسها ضاحكة رغم شعورها ببعض التعب ولكن روح المرح داخلها غلبتها، لتطلب منه:
"لا بصراحة لحد دلوك لسة، مرجحني شوية بجى قبل ما نطلع فوق."
"من عيوني يا جميل."
قالها بحماس أخافها قليلاً لتسارع بتنبهيه:
"بس مش تعليها جوي زي المرة اللي فاتت."
أجابها بطاعة تريحها:
"حاضر من عيوني الجوز."
وصار يدفع الأرجوحة بها لتقهقه بسعادة، مرة واثنان وثلاثة والعديد والعديد حتى إذا اكتفت أمرته بالتوقف، وما كادت تضع قدميها على الأرض حتى شعرت باهتزازها من تحتها، فحاولت التحرك ولكن دوارًا ما لفها، حتى اسود العالم أمام عينيها، فلم تشعر بنفسها حين وقعت فاقدة للوعي ولا بصرخة معاذ الذي جثى على الأرض كي يطمئن عليها صارخًا:
"ليلى، ليلى أنتي مالك؟ ليلى... ليلةةةة."
***
خرجت بإحساسها تتبع صوت الصراخ حتى وصلت إلى شجرة التين، لتجد الصغير معلقًا فوقها على أحد الأفرع الضخمة، يتمسك بها بقوة، صارخًا بهلع فور أن انتبه لها:
"اللحقيني يا خالة مزيونة، انجديني لا يموتني."
صاحت تستفسر بدورها:
"هو إيه اللي يموتك؟ وأنت معلق فوق الشجرة كدة ليه؟"
أشار بسبابته التي كانت ترتجف معه، نحو إحدى الشجيرات المزروعة حديثًا من قبل والده أمامها، لتتفاجأ بثعبان ضخم أسفلها، وكأن الجلبة وصراخ الصغير أثارت انتباهه هو الآخر، حتى جعل قلبها يرتجف داخلها، ومع ذلك دفعها الخوف على الصغير أن تتجاوزه، تتسحب بخفة من أجل إنزاله وبعدها ترا أمر ذلك الثعبان، وصلت إليه ترفع ذراعيها الاثنان لتتلقفه:
"انزل ياللا عشان أتلجاك، أنت إيه اللي ركبك أصلاً؟"
دفعه الخوف للاعتراض والتشبث بمحله:
"لا يا خالة مزيونة لما ييجي أبويا الأول يجتله، لاحسن ياكلنا أنا وأنتي."
"هفت به بانفعال:"
"انزل يا ريان بلا أبوك بلا حكاوي، دا وقت جلع دا؟ خليك شجاع، التعبان بياكل الجبان بس."
"اسمع زي ما بتقولك يا واد."
صدح الصوت الجهوري من خلفها، لتلتف إليه مجفلة، فتواجه بناريته وقد بدا أنه سمعها وهي تراوض الصغير لينزل إليها، فعادت تلتف سريعًا عنه تخفي خجلها منه، وقد نفعها في تلك اللحظة مناجاة ريان المباشرة إليه:
"دا كان عايز يموتني أنا وخالة مزيونة."
"معاش اللي يقرب منك ولا يسقك ياض وأنا جاعد."
قالها حمزة ليتولى أمر الثعبان، فتشجع ريان ليقرب المسافة بينه وبين مزيونة حتى يصل إليها ولو بذراعه فتتولى هي مهمة حمله والابتعاد به.
وما إن نزلت به الأرض حتى انتفض الاثنان، تأثرًا بالطلق الناري الذي اخترق أسماعهم، ليلتفا إليه، يجدان الثعبان قد فارق الحياة، وهو يدخل في جيب سيارته في الأمام السلاح الناري. كل خلية منه توجهت نحوها بتحفز حتى اقترب يتناول صغيره منها، أبصاره كالسهام تطوف عليها، يطالع الوجه البهي والشعر الحريري مبعثرًا حوله وفوق الجبهة بعشوائية، من تحت الطرحة التي تغطي نصفه فقط، يحمد الله أن الصغير معه الآن، حتى يحجم نفسه عن أهوائها، فيعلق بكلمات مقصودة:
"حطها حلقة في ودنك يا ولدي، طول ما أنا عايش مفيش تعبان يقدر يهوب منك، لا أنت ولا خالتك مزيونة."
بالطبع هذه المرة قد فهمت على مقصده بوضوح، لتختار الهروب منه كما حدث منذ ساعات تلتف عائدة إلى منزلها، شاعرة بحدة نظراته التي تخترقها، حتى وصل لاسماعها صوت دوي الهاتف وبعدها كلماته:
"أيوه يا خليفة أنا معاك."
".......... بتقول مين؟ إيه اللي جرالها ليلى؟"
لتعود إليه صارخة:
"مالها ليلى بتي حصل لها إيه؟"
... يتبع
رواية لأجلها الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
دلفت بخطواتها المتسارعة خلفه داخل المشفى المركزي للبلدة وما يجاورها من قرى، تتلفّت يَمينًا ويسارًا في اتباعه على مضض، تُريد القفز من محلها داخل المكان حتى تصل إلى صغيرتها وتعرف ما الذي أصابها واستدعى نقلها إلى هنا.
"البِت أوضتها فين؟ بجالنا ساعة بنلف في دخانيب المستشفى الهباب، ولا أكننا في مغارة علي بابا!"
صاحت به وقد استبدّ القلق داخلها على طفلتها، الأمر الذي جعله يتغاضى عن حدّتها وهذيانها في الحديث منذ أن علمت بالخبر واستقلّت معه السيارة، ليواصل مهادنتها:
"المستشفى كبير، وأقسامه كتيرة، شيء طبيعي نتعب على ما نوصل للي عايزينه. على العموم، الأوضة شكلها اللي هناك دي، على حسب وصف خليفة معايا في التليفون."
وما كاد يُنهي جملته حتى وجدها تطير مهرولة إلى تلك الأخيرة، تقتحمها دون استئذان:
"ليلى، بِتي فين؟ مش دي أوضتها برضو؟"
صدحت بالأسئلة دون تركيز نحو هوية الأشخاص المجتمعين أمامها، حتى استدعت منى لتدعوها على عجالة:
"هي أوضة بِتك يا جزينة، إنتي لسه هتسألي؟"
وبدورها كانت هي الأخرى قد دلفت بلهفتها، تتخبّط أبصارها بالحضور داخل الغرفة المكتظة بهم: حسنية، وابنها خليفة، وزوجته هالة، ومنى بالقرب من السرير الطبي الذي كانت تجلس عليه صغيرتها، ومعاذ الذي كان يجاورها، فركضت نحوها بتساؤلها وتفحّصها:
"مالك يا بتي؟ إيه اللي جرالك ومجعدك كده؟"
ضحكت ليلى وهي تقبل كفيّ والدتها التي تمرّ على وجنتيها وجبهتها ثم باقي جسدها، وكأنها ستستكشف علتها من تلك اللمسات، لتُسارع في طمأنتها:
"يا مزيونة، أنا زينة جدامك أهو، وآخر تمام. بصّيلي كويس، مفياش حاجة والله."
"أمال نقلوكي على المستشفى هنا فسحة؟!"
سخرت بها مزيونة في رد سريع على ابنتها التي تستخفّ كما تظن، فتدخل معاذ مطلِفًا ومحتدًّا أيضًا:
"هي قصدها تطمّنك يا مزيونة، إن الأمر هيّن إن شاء الله. أكيد شوية ضعف، على رأي الدكتور اللي فحصها من شوية."
أضافت على قوله حسنية ببساطتها:
"أيوة يا بتي، زي ما جالك كده. هو أكيد بس من تعب المذاكرة وهدّة الدروس، بنيتي الله يكون في عونها. أنا من هنا ورايح هغصب عليها غصب إنها تاكل وتهتم بصحتها."
التوى ثغر هالة بضجر، تلتف برقبتها عنهم مغمغمة بغيظ:
"صغّديها في خشمها كمان، ما هو ده اللي ناجص!"
وصلت همهمتها إلى خليفة، الذي حدجها بنظرة نارية، لتُمسك نفسها عن إظهار غيرتها أمامهم. أما حمزة، فقد عقّب باستنكار:
"ولما هو الأمر مش مستاهل كده، جايبنها على المستشفى دي ليه؟ ما كان يكفي الوحدة في البلد؟ على الأقل عشان ما نتشندلش إحنا وراكم ويطلع عنينا!"
دافع معاذ مبررًا له:
"ما أنا ما اعتمدتش بصراحة على وحدة الفُقر دي. ليلى كانت مسخسخة في يدي ومش دارية بالدنيا، جلبي اتخلع عليها، كان لازم أطمن."
ردّت خلفه مزيونة باستفسار واحد:
"جلبك اتخلع عليها كمان؟ هو إيه اللي حصلها بالضبط، بنيّتي؟"
تكفلت ليلى سريعًا بالرد تُخفّف عن زوجها:
"يا أمه، معاذ هو اللي بيهوّل. اللي حصل إني غيرت من العيال الصغيرة واتفشيت في المرجيحة النهارده، والبركة في معاذ اللي كان بإيديه بيهزّزني هو كمان. بس بعدها دوّخت، وغمرت أول ما رجلي سطّت الأرض عشان أقف، وبس كده."
"بس كده؟!"
تمتمت بها مزيونة في شك، موجّهة أبصارها نحو منى التي كانت مخالفة للجميع بصمتها، حتى إذا شعرت بتساؤل مزيونة نحوها، رفعت كفيها وأنزلتهما تدعي عدم الفهم:
"أنا مكنتش موجودة في البيت، جاية على المستشفى زيّك، بس أكيد إنه خير إن شاء الله."
"إن شاء الله يااااارب."
صاحت بها مزيونة بتضرّع، لتنهض فجأة:
"طب هو فين الدكتور؟ أنا عايزة أشوفه وأسأله، إن كانت الحالة زينة كده، مأمَرش ليه بطلوعها؟ ولا هي شندلة وخلاص!"
أوقفها معاذ قبل أن تستقيم بوقفتها جيدًا:
"لا، ما إحنا في انتظار نتائج التحاليل اللي أمر بيها."
"تحاليل إيه بالضبط؟"
وما كادت تنهي سؤالها، حتى انتبهوا جميعًا نحو مدخل الغرفة، بعد أن دلفت إحدى الممرضات من الطاقم الطبي، تُلفت انتباههم بهتافها:
"ليلى عرفان الأشقر، نتيجة التحاليل ظهرت يا مدام."
ردّ حمزة، يسبقهم جميعًا في التساؤل:
"بسرعة لو سمحتي، طمنينا!"
سمعت منه الفتاة، فتبسم ثغرها، موجهة أبصارها إلى الحالة المقصودة وزوجها:
"خير أوي على رأي الدكتور. ألف ألف مبروك يا مدام، إنتِ والأستاذ اللي معاكي. النتيجة بتقول إنك حامل، وفي ست أسابيع."
"نـعــــم؟!"
صاحت بها مزيونة بعدم تصديق، وتكذيب لما وصل إلى مسامعها، فتضامن معها حمزة، الذي تجلّت الصدمة في نبرته هو الآخر:
"إنتي متأكدة إن التحاليل دي بتاعة الحالة اللي هنا؟ اقري كويس رقم الغرفة لو سمحتي!"
عبست ملامح الفتاة أمام ترقّب الجميع في الغرفة، لتُصرّ على قولها بتأكيد لا يقبل الشك:
"يا أستاذ، مش محتاجة أقرأ رقم الغرف اللي حافظاها أكتر من خطوط إيدي! ده غير إني ساحبة العينات بنفسي منها. إنتي مش مركزة ولا إيه يا مدام؟"
توجهت بالأخيرة نحو ليلى، التي صارت تطالعها بوجوم، وكأن الحديث موجّه إلى واحدةٍ أخرى، ليست هي. لتعقب مزيونة التي بدت وكأن الكلمات تترنّح معها:
"دي بتجولك يا مدام، ومتأكدة من سحب العينات! يعني الدوخة كان ليها سببها الحقيقي؟ حامل يا ليلى؟ بِتي حامل يا معاذ؟!"
التفت رأسها نحو حمزة بعتاب أشد من الرصاص يخترق قلبه:
"الأمانة اللي جولتلي في عينيا، مكملتش تلت أشهر وحبلت؟ بِتي حبلى يا حمزة؟ حبلى يا حجة حسنية؟ حـ..."
ولم تُكمل باقي كلماتها، لتسقط على الأرض فاقدة وعيها هي الأخرى، فيتلقاها حمزة هاتفًا بجزع:
"مزيوووونة!"
***
"يا بِنت الناس، أبوس يدك قوليلي، أنا مش كل يوم بتصل بيكي وأسألك عن الحباية؟ حصل ولا ما حصلش؟"
بعقل يكاد أن يهرب منه، كان يكرر تساؤله بأكثر من صيغة، وكأنها لا تعي جيدًا صحة الإجابة، والتي كانت تكرّرها هي الأخرى ببكاء يقطع نياط قلبه، حتى باتت تؤكد عليه بالقسم:
"والله العظيم، والله العظيم، ما في يوم واحد فوت! ده أنا عملالها منبه مخصوص قبل ميعاد اتصالك، يعني مفيش مرة كدبت عليك فيها."
هتف وهو ينفض ملابسه بتشتت وضجر، ردًا عليها:
"أمال ده حصل إزاي بس؟!"
صاحت به والدته تُوبّخه:
"خبر إيه يا واض؟ ما تهدى شوية على البنيّة! دي فيها اللي مكفّيها! مش كفاية خلعتها على أمها، ولا التعب الجديد عليها؟ حملك كمان عشان تزود عليها؟!"
سمعت ليلى منها، ليزداد نشيجها المتقطع، فسارعت حسنية بالتلطيف بعد أن شعرت بهفوتها في ذكر أمر الحمل:
"يووه يا بتي، ما جصدتش والله! أنا كأني بخربط ولا إيه؟ سامحيني."
أغمض معاذ عينيه بتعب، يشدّ على شعر رأسه إلى الخلف، مهمهمًا بصوت مهزوم:
"هي تسامحك؟ طب وأنا مين يسامحني؟ من أول جوازي وأنا بعمل المستحيل عشان أوفي بوعدي قدّام أمها، وجدامك، وجدام حمزة... حمزة اللي أول مرة أشوف في عينيه نظرة واعرة! نظرة واحد خاب أمله فيا. طب ليه ده يحصل وأنا ممشيها بالقلم والمسطرة؟ وهي بتحلف ما أخلفتش، ولا بتكدب؟"
"أيوة، والله ما بكدب، صح! ومستعدة أحلف على المصحف، ولا من غير حلفان. إحنا نحسب كام شريط وكام برشامة اتاخدوا بعدد الأيام، عشان تعرفوا إن كان كلامي صح ولا تأليف! ثم كمان ليه يحصل؟ وأنا أكتر واحدة مضرورة، وهشيل همّ فوق طاقتي، ولا ناسي؟"
قالتها، وانطلقت في حضن حسنية ببكاءٍ مرير، حتى غصّ قلبه حرقةً عليها، ليسقط بجوارها على الفراش من الناحية الأخرى، يسحبها من حضن والدته إلى براح حضنه الشاسع، يمسح على ظهرها ويبثّ بها الأمان مطمئنًا:
"عمرك ما هتشيلِي هم وأنا جمبك، وإن كانت خيبت منينا المرة دي، برضو المشوار مستمر، ومش هنوجف غير بانتصار كامل."
***
خارج الغرفة، كان خليفة مستندًا بذراعيه على الحائط، بحيرة تأكل رأسه. لا يدري ماذا يفعل، بعد أن انقسم أفراد أسرته إلى فريقين: فريق مع الصغيرة في الداخل، والفريق الآخر مع والدتها في غرفة قريبة منها. وكان نصيبه الوقوف الآن في الوسط، مع هالة، التي تفتح علب البسكويت التي أتت بها من مقهي المشفى، واحدة تلو الأخرى، وتتناول وتمضغ دون حرج أو خجل، حتى فاض به منها ومن قلّة ذوقها في الأكل بنهم دون مراعاة لهيئتها أمام البشر الذين يمرّون أمامهم، ليقترب منها محذّرًا من بين أسنانه:
"خلي عندك دم شوية، الناس رايحة جاية تبص عليكي، ده غير إن الموقف نفسه ما يتحمّلش، ولا إنتِ مش واخدة بالك؟"
تقلّصت ملامحها بضيق، ساخرة:
"لا، مش واخدة بالي يا أستاذ خليفة! هو إيه اللي حصل يعني؟ عشان أتعكنن؟ ولا أمنع على نفسي الوَكْل؟ واحدة حبلى وبتتجلّع، وأمها بتتمحك عشان تبين نفسها؟ يعني مش عيا ولا تعب عشان نزعل عليهم! دي أمور حريم يا حبيبي... بلا فقع مرارة!"
ردّ خلفها بدهشة، سرعان ما تداركها لمعرفته الواثقة بشخصيتها:
"أمور حريم؟ تصدّجي يا هالة، أنا مش مستغرب! هو إنتي من إمتى أصلاً كنتي بتحسّي ولا تفهمي، عشان أعتب عليكي؟ ده أكيد غباء مني إني ظنّيت لوهلة كده إن المعجزة دي تحصل!"
توقّف فمها عن المضغ بصدمة، تُناظر ابتعاده عنها، لا تُصدّق فحوى الكلمات التي خرجت منه. ولكن لمَ العجب؟ فهذا خليفة، ابن عمها وزوجها، الذي لم تفهمه أبدًا.
تحوّلت أبصارها فجأة نحو الجهة التي تطلّ من خلفها، بعد أن احتلّ الإجفال معالمه، لتُفاجأ به يستقبل تلك التي قدمت عليهم بدون استئذان:
"روان؟ إنتي إيه اللي جايبك هنا؟"
تحدثت المذكورة بلهفة امتزجت بالخوف:
"أنا جاية على ملا وِشي عشان أطّمن يا خليفة! ريان كنت بكلمه في التليفون من شوية، وقالّي إنكم كلكم في المستشفى، من غير ما يعرف أي تفاصيل يطمني بيها! خير؟ لتكون ماما حسنية جرالها حاجة؟"
كادت هالة أن تُجيبها، ولكن آخر ما استوعبته هو سماع تلك الجملة التي تكرهها كُرهاً شديداً "ماما حسنية"، فتعطي فرصة لخليفة عن غير قصد ليُسارع لطمأنة تلك "المائعة" في نظرها:
"ألف بعد الشر عليها يا روان، الموضوع ما يخصهاش أصلًا، مرات معاذ داخت ووجعت منّينا، وده اللي خلانا نجي بيها على المستشفى."
"العروسة الصغيرة مالها؟"
هبّ الحماس بهالة لتسبق زوجها في الإجابة هذه المرة:
"طلعت حبلى يا حبيبتي."
أغمض خليفة عينيه، يتنفس بغضب، قبل أن يوجه أبصاره نحوها بعد أن جذبت اهتمام الأخرى وسحبتها للحديث معها:
"يا ما شاء الله، بسرعة كده؟ ما أفتكرش إن العرسان كملوا التلات شهور في جوازهم. ألف ألف مبروك، أكيد الحجة حسنية الفرحة مش سيعاها دلوقتي؟"
ضحكت هالة، تضاعف من حنق زوجها بردّها عليها:
"لا يا حبيبتي، مكملوش. تعالي اجعدي جنبي بدل وجفتك دي، وأنا أعرفك الحجة حسنية فرحانة إزاي دلوك؟"
تقبّلت روان دعوتها بترحيب، واقتربت لتجلس بجوارها، فأخذتها هالة في وصلة من الحديث وكأنها أصبحت "حبيبتها"، وخليفة يقتله الصمت... لا هو قادر علي إبعاد الاثنتين، ولا علي غلق فم امرأته التي لا يجد لها حلًا.
***
"خدي يا مزيونة، حُطّي بنتك في حضنك يا بنيتي."
"أمسكها كيف؟ أنا خايفة منها..."
"ليه بس يا بنيتي؟ دي ضناكي، خليها تشم ريحتك عشان تعرفك، رضّعيها، دي جعانة."
"كيف وأنا مش عارفة أمسكها أصلًا؟ كيف وأنا خايفة منها؟ خدوها مني، أنا تعبانة ومش قادرة حتى أجعد على سريري، مش مالكة حتى أرفع صباعي، هربيها كيف دي؟ هربيها كيييف؟"
استفاقت لوعيها بدمعة تحرق عينيها، والذكريات السوداء تجتمّع لتُعيدها إلى أرض الواقع المؤسف، بعد أن استراح عقلها قليلًا في تلك الغيبوبة التي صنعها لنفسه، ليعود الآن بقسوة يمرّرها أمام عينيها كشريط سينمائي، ويا ليتها توقفت عند هذا الحد، بل المفزع هو الاحتمال الأكبر أن تتكرر المأساة مع صغيرتها، وتمرّ هي الأخرى بكل ما مرّت به.
"مزيونة، إنتِ فوقتي أخيرًا، حمد الله على سلامتك يا غالية."
هتفت منى، تُغلق مصحفها بعد أن انتبهت لها، وكانت على الكرسي المجاور لسريرها، تُراعيها وتقرأ القرآن. صوتها لفت انتباه شقيقها الذي كان واقفًا بجوار النافذة في انتظار استفاقتها هو الآخر، ليهرول إليها سريعًا بلهفته:
"خلعتي جلبي يا مزيونة عليكي، بس المهم إنك فوقتي الحمد لله."
التفت رأسها إليه بحدّة، تُعلّق على كلماته:
"ياريت كنت أروح فيها وارتاح خالص، بس للأسف بتي، هسيبها لمين؟ خصوصًا بعد الشيلة اللي اتبلت بيها دلوك."
"عـارضتها منى تُنبهها:"
"استغفر الله العظيم، ما تجوليش كده. الأطفال دول رزق، وإن كان ربنا عجّل بيهم، أكيد له حكمة."
نظرتها كانت بألف كلمة حين وجّهتها إليها بصمت، قبل أن تذهب ببصرها لذاك الذي وثقت فيه، وتعشّمت به، حتى سلّمته ابنتها أمانة، فجاء الخذلان منه... باكرًا، باكرًا جدًا.
"بلاش اللومة اللي شايفها في عنيكي دي يا مزيونة، أنا زيي زيك مصدوم. ده غير إني مهما كانت سلطتي، لا يمكن هوصل لخصوصيات الراجل مع مرته."
لم تُكلّف نفسها عناء الرد عليه، بل زادت تعنّتًا حين أزاحت أبصارها عنه، تطلق تنهيدة من عمق صدرها الموجوع، وتلتف برأسها تجاه الأمام في تجاهل، يُحوّل قلبه إلى شظايا متناثرة، حتى زفر هو الآخر ردًا لها، يخرج من صدره دفعة ساخنة من رماد حريقه الداخلي...
قبل أن يتوجّه بأمر لشقيقته:
"منى، اطلعي انتي برّا وسبيني معاها شوية."
سمعت منه وبرقت أبصارها نحوه باعتراض لم يكترث له، ليعيد عليها مشددًا:
"اطلعي بقولك يا منى، إحنا مش صغيرين، إحنا ناس كبار ما يتخافش علينا."
جاء الاعتراض هذه المرة من مزيونة، التي لم تستوعب الموقف إلا مؤخرًا، لتتوجه برفض واضح:
"اجعدي يا منى، ولو هتجومي وتسيبي الأوضة، يبقى مش لوحدك."
ضاقت عينيه بتوعّد بعد تصريحها الأخير، والذي يُماثل الطرد. حتى منى اجفلت، لتنهض دون انتظار، متحمحِمة بحرج:
"لا، طب حيث كده يبجى أقوم أشوف منصور، كان اتصل من شوية وقال إنه جاي... يلا بينا يا حمزة."
"روحي لوحدك يا منى."
صاح بها بقوة وتحدٍّ كامل، لتضطر الأخري أن تتحرك للذهاب، متمتمة بقلة حيلة:
"إنتوا أحرار... أنا ماشية."
كادت مزيونة أن تنادي عليها لتُعيدها، شاعرة بالخطأ نحوها، الأمر الذي جعلها تعتدل بجذعها بتحفّز، هاتفة إليه بسخط:
"أما عجايب والله! يعني اللي عايزاها تجعد تمشي، وحضرتك الـ... تجعد؟! مش شايف إنها فرطت منك؟! ده إنت ولا أكن ليك حق لازم معايا، حمزة يا قناوي، لمّ الدور. لا إنت معاذ المجنون، ولا أنا ليلى العيلة الصغيرة اللي تلفّ عقلها وتضحك عليها!"
رغم حدّتها، رغم صلفها معه وإصرارها على تحميله المسؤولية، إلا أنه لا يُنكر إعجابه بشراستها، تلك التي تزيده تمسّكًا بها، وقد تسرّب إلى قلبه نوع من الارتياح، ليُعلّق بهدوء يغيظها:
"إن كان على معاذ، فأنا أجنّ منه... وإن كان على ليلى؛ فأنتي في نظري أصغر منها، ده غير إنك أحلى منها طبعًا."
"بطل كلامك البارد ده يا حمزة!"
صاحت بها بعنف تنهاه، وقد تحوّل وجهها إلى الأحمر القاني، وبرقت عيناها الجميلتان نحوه بصورة كادت أن تُدخل في قلبه التسلية، لكن الوضع لا يتحمل.
"بس أنا مجولتش غير الحقيقة يا مزيونة، واللي في جلبي من ناحيتك لسه ما طلعتش حتى واحد في المية منه. إنتِ مش عايزة تسمعي؟ أديكي عذرك دلوك... لكن مش قابلاه؟ مظنّش."
ازدادت حدّة أنفاسها، والغضب يعصف بها، لدرجة تجعلها تريد جرحه بكل الطرق حتى تنتقم منه... ومن نفسها:
"تاني برضو بتفسر كل حاجة على هواك؟ بس الغلط عليا أنا، عشان وافجت على المهزلة دي، وخدني العشم إنك تبجى كد وعدك ليا!"
ردّ بجدية لا تقبل الشك:
"مكنش عشم يا مزيونة، ده كان اختبار حطّيتيه من غير ما تدري... ثقتك في محلّها، لكن مافيش طريق في الدنيا بييجي سالك مية في المية، لازم بيجابلنا عثرات ومعوقات مش حسبينلها، لكن في النهاية... برضو هنوصل. وأنا هنا أجصدها شاملة... شاملة يا مزيونة."
وأشار بسبابته والوسطى في الأخيرة، يُلوّح بهما نحو صدره وعليها، الأمر الذي جعلها تنهض مستنفرة:
"تاني هتخرف وتصنع أوهام؟ أنا قايمة، وانت عيش في أحلامك!"
تركها تتخطّاه وتذهب، وتوقّف في إثرها لحظات، يتبعها بعينيه، مؤكدًا:
"وماله؟! ما هي كل حاجة حلوة حصلت، كان أولها حلم برضو... وأنا قصتي معاكي حقيقة، مش حلم يا مزيونة."
***
خارج المشفى، وعلى مقاعد الاستراحة، جلست مع زوجها الذي غلبه الغضب، حتى منعه عن فعل الواجب مع نسائبه، بعد أن أخبرته زوجته بذلك الأمر المفاجئ، ليُعبّر لها الآن عن استيائه:
"أكيد الأمر كان فيه إهمال... أخوكي كان لازم يحرص أكتر، وأنا اللي وثقت في معاذ وجولت إنه راجل وهيبقى قد كلمته... يقوم يخيب ظني وبالسرعة دي؟ طب يستنى على ما تدخل الكلية حتى!"
تنهدت من العمق بأسى، قائلة بثقل:
"أهو اللي حصل عاد يا منصور. كل حاجة كانت ماشية تمام وعلى الساعة، كلنا كنا بنحاول، وأمي نفسها كانت أكتر واحدة فينا محرسة... لكن أهو... أمر ربنا."
"أمر ربنا برضو..."
تمتم بها بخفوت لا يخلو من شك لم تتقبله زوجته، لتدافع عن يقين ترسخ داخلها:
"لا يا منصور، ميبجُاش تفكيرك مش صح كده في معاذ. هو مندفع ومجنون اه، بس عمره ما يخلف وعده. لو ما كانش ناوي ينفّذ كلامه، ما كانش لزم نفسه بالشروط دي أصلًا. وليلى نفسها بتحلف إنها ما فوتت يوم واحد من غير ما تاخد الحباية... بس بجي... والله ما أنا عارفة!"
كان يعلم داخليًا أنه لا يحتاج لإثبات، لكن الغضب أعمى بصيرته ودفعه للهذيان، ليُردّد خلفها باستفسار:
"مش عارفة إيه بالضبط؟"
توقفت تنظر له بتشتّت، وعقلها يدور في كل الاتجاهات حول تلك المشكلة التي لم تكن بالحسبان، حتى انتبهت فجأة لظلّ صاحب الجسد الضخم يمر أمامها في اتجاه مدخل المشفى، فانتفضت واقفة بهلع:
"يا وجعة طين... جوم معايا يا منصور!"
"أجوُم معاكي فين؟"
تشتت عقلها في البداية عن ذكر السبب الحقيقي، ثم ضجرت وهي تسحبه من كفه على عجل:
"وده وجِت أسئلة؟ اخلُص يا منصور، بعدين أفهّمك."
استجاب لسحبها له على مضض، يرافقها في العودة إلى المشفى، غير مدرك أن عقلها يدور كطاحونة، فقد تركت شقيقها وحده مع مزيونة، وذلك الثور... زوجها، لا تعرف ما الذي أتى به الآن!
***
ومن في العالم يستحق التضحية سوى ابنتي؟ حتى لو أخطأت في حقي وفي حق نفسها... أنا أيضًا لن أتركها.
دلفت إلى داخل الغرفة التي لم تغادرها صغيرتها بعد، وكأنها كانت في انتظارها، فتلقّت قدومها بلهفة ورجاء شعر به زوجها، فنهض ليترك لهما المجال للقرب. انضم إلى والدته، التي احتلت مقعد الزوار تتابع اللقاء بين الأثنتين وفمها لايتوقف عن التسبيح علي المسبحة التي لا تفارق أناملها.
تحركت مزيونة استجابةً لنداء النظرات، لتقترب بخطوات هادئة حتى جلست على طرف الفراش بصمت. كم ودّت توبيخها أو حتى تذكيرها بالوعد الذي قطعته معها، ثم ها هي الآن تنقضه من أول جولة! ثم إنها لم تصل بعد لمنطقة آمنة تسمح لها بالتهاون...
لكن ماذا تفيد العِظة الآن؟! وقد وقعت في المحظور، ولا حل سوى أن تأخذ بيدها ـ كالعادة ـ لتُوصلها إلى بر الأمان.
وبلا كلمة، جذبتها إلى حضنها، تهوّن عليها وعلى نفسها بدفء لا يعلمه إلا سواهما.
تلقت ليلى عناقها كطوق نجاة لغريق تخطفه الأمواج، فتشبثت بها بقوة، لتلتمس منها الأمان، وتهمهم بنحيب خافت:
"أنا ما جصّرتش يا أمي، والله ما جصّرت!"
"كل حاجة كانت ماشية تمام..."
"السعادة اللي كنت بحلم بيها مع الإنسان اللي بحبه..."
"والتفوق الدراسي..."
"لكن ده؟! ده والله ما أعرف حصل إزاي!"
تنهدت مزيونة، واكتفت بالصمت والعناق. فلا جدوى من الجدال الآن.
خيم الهدوء على الغرفة، لا يُسمع إلا صوت الأنفاس، حتى قطعه ذلك الضجيج المرتفع القادم من الخارج، تبعه دفع باب الغرفة من آخر شخص تمنّت ألّا تراه الآن!
***
قبل ذلك بقليل...
كان عرفان يتجول داخل أروقة المشفى يبحث عن رقم الغرفة الذي أخبرته به موظفة الاستقبال في القسم الذي وصله بصعوبة، حتى اطمأن لوجهته، فور أن وقعت عيناه على خليفة. لم ينتبه له الأخير لانشغاله بمتابعة الحديث العجيب بين زوجته وزوجة شقيقه السابقة، تلك الصداقة التي لا تدخل عقله أبدًا.
حتى جاءه صوت عرفان يفيقه من شروده:
"إيه اللي جرا للبِت عشان تنقلوها هنا يا خليفة؟"
أنتظر الأخير لبرهه يتأمّل قدومه بدهشة، ثم استنكر استفساره المتحفز، ليرد عليه بإستنكار:
"يعني هيكون فيها إيه يا عرفان؟ تعب عادي زي أي تعب، بس إحنا قلوبنا خفيفة وبنحب نطّمن من كل ناحية."
رد عرفان بنبرة تشكك واضحة ليزيد من إستفزازه:
"تعب عادي تجوموا تجروا بيها على المستشفى الكبيرة دي؟ طب ما الوحدة الصحية جاعدة، أو أي دكتور مخصوص يجيلها على البيت! البِت مالها يا خليفة؟ أنا عايز أشوفها وأطمن عليها بنفسي."
تدخلت هالة بدورها، تدعم زوجها وتزيد من إشتعال الموقف:
"ما قالك تعب عادي يا عمنا، يعني دي جزاتنا إننا خوّفنا عليها؟"
"خوّفتوا عليها؟! يعني الموضوع واعر علي كده؟!"
أسرع خليفة يصحح له:
"يا عم أنت كمان، ولا واعر ولا حاجة، ثم إنت إيه جابك؟ عرفت منين إننا هنا؟"
ردّ عرفان وقد ارتفع حاجبه بحدة:
"أنا كنت رايح أسأل عليها في بيتكم، وعيالكم خبروني إنها وجعت في الجنينة قدامكم وما حطّتش منطج."
"بعد ما جوزها وصل، أنا عايز أعرف ولدكم عمل فيها إيه؟"
ظهر الغضب جليًا على وجه خليفة، رافضًا اتهامه الباطل لشقيقه، وكاد يرد عليه ردًا يلقّنه فيه درسًا عن كيفية معاملة الشرفاء أمثالهم، لولا تدخل زوجته للمرة الثانية لتضحض كل شئ، بدعم من روان هي الأخري:
"وهو لحق يعمل معاها حاجة؟! بِتك تعبت لسبب... إنت هتفرحلُه جوي. ليلى وجعت من طولها عشان حامل."
"شُفت بجى الخبر الحلو اللي ما جدرتش تصبر عليه!"
"حااامل؟!"
نطقها عرفان بعدم تصديق، لتؤكد روان التي شعرت أنها يجب أن تتدخل هي الأخري:
"أيوه طبعًا، الحمل يعمل أكتر من كده، بس كويس إن جوزها لحقها... عشان تراعوها بقى من دلوقتي."
"حامل... ونراعيها؟!"
تمتم بالكلمات، ثم اتجه نحو خليفة الذي زفر بضجر، يلتف عنهم بملامح ضيق متعاظم، يُكبح نفسه بصعوبة من الانفجار في وجه هاتين الغبيتين، بفعلتهما التي ستكلّفه وإخوته الكثير والكثير من قلة الراحة.
أما عرفان، فقد التمعت عيناه ببريق المنتصر... كاد أن ينفضح أمره، وصورة طليقته تطل أمامه بوضوح... لا يريد شيئًا سوى رؤيتها الآن، وهي يومًا بعد يوم تخسر بعد طلاقها منه، لنفس الأسباب التي يعرفها.
لكنه تمالك نفسه بسرعة، مُسيطرًا على انفعالاته، وقال بنبرة درامية:
"طب هي فين دلوك؟ أنا عايز أشوف بِتي... أكيد جاعدة في الأوضة دي. بعدوا من وشي، خلّوني أشوفها!"
حاول خليفة منعه قليلًا حتى يُمهل من في الداخل لاستيعاب حضوره:
"طب استنى طيب... أديهم خبر بس."
"تدي خبر لمين؟ أنا أبوها!"
"بعدوا من وشي!"
صاح بها ثم دفع باب الغرفة، يطلّ بجسده الضخم، يوزّع أبصاره على الوجوه المذهولة من حضوره، حتى استقرت نظرته على طليقته... يرمقها بنظرة فهمت عليها جيداً، تزيد من وجعها بتلك الشماتة التي لن تغفل عنها أبدًا.
وحين اكتفى، خطا بلهفة ـ يدّعيها ـ نحو ابنته، يسقط بجوارها على الفراش من الجهة الأخرى، ويخطفها من حضن والدتها، يضمّها إليه:
"ألف سلامة عليكي يا بِتي، أبوكي وصل وحضر علشانك!"
دخل خليفة بعده، ينظر إلى شقيقه ووالدته بأسف وقلة حيلة، تتبعه زوجته هالة، وروان التي هرعت نحو حسنية بلهفة لتلتقي بها.
أما معاذ... فقد تجاهل الجميع، متجهًا نحو ليلى، التي تجلّت الصدمة في ملامحها، وهي تتلقى أول عناق من والدها بحنان غريب عنه... حتى أصابها الخرس وتجمدت بين يديه، ليتولي معاذ الحديث:
"منوّر يا عمي، بس ليلى زينة زي ما انت شايف جدامك أهوه، يعني مفيش داعي للقلق."
"مفيش داعي للقلق؟!"
صاح بها عرفان، منزعًا ابنته من حضنه بسهولة، مستطردًا بانفعال يدّعيه:
"وإنت كمان ليك عين تتكلم بعد ما خالفت الشروط وحبّلتها في أقل من تلات تشهر؟ هو دا وفاءك للوعد؟! فين اللي لجّح واتريق عليا؟ ولا إيه رأيك يا ست مزيونة؟ البت اللي اطّلجتي مخصوص عشان تعليمها، عملتي إيه انتي يخالف اللي كنت هعمله أنا؟"
أغمضت عينيها تلتقط أنفاسها بثقل، تزيح بصرها عنه بقهر، تنتظر المزيد والمزيد من الشماتة، حتى قطع السكون صوت قوي، وصاحبه الذي ولج فجأة إلى داخل الغرفة:
"حلّ عن مزيونة وخلي كلامك معايا أنا، وانت إيه دخلك أصلاً بالشروط ولا الاتفاق؟"
انتفض عرفان بأعين يطير منها الشرر، يقابل غريمه بشَرٍ مطلق، واسم "مزيونة" دون ألقاب أشعل رأسه قبل الإهانة:
"مزيونة حاف؟ مالك يا نسيب؟! ولا هو عشان عجّدتوا على البت وأنا في السجن ظلم يبجى خلاص اشتريتوا البت وأمها وتعملوا ما بدالكم؟ لأ، اصحوا... البت وأمها من سبع، يهد بدل الحيطة عشرة بدراع واحد جدامكم، ولا بسلامتكم مش شايفين؟"
انتفض باقي الأفراد وتحفز الجميع لمتابعة الشجار أو التدخل، كما حدث من حسنية التي حاولت بتعقل:
"صلّي على النبي يا أبو ليلى، حمزة ماجصدش يغلط فيك، هو بس بيرد عليك لما لقاك ابتديت بالعراك من غير سبب أصلاً. الحمل دا رزق ربنا، والبت ما طلعتش من علامها لا سمح الله عشان تتهمنا بلحس الوعود."
دعمتها ليلى برجاء نحو والدها:
"أيوه يا بوي، والله جات كده من عند ربنا، معاذ ربنا يخليه مش مِجصِّر معايا."
"جوليلو يا ليلى، عشان يعرف إن مش كل الناس زيه؟!"
صدحت من حمزة بقوة اهتزّت لها الأبدان، ليوجه عرفان حديثه بسخرية نحو تلك التي ظلت علي وضعها صامتة:
"ما تتكلمي يا ست مزيونة، وجولي، لادد عليكي اللي بيحصل ده؟ الناس اللي حطيتي عشمك فيهم نصروكي دلوك؟"
همّت أن تقطع صمتها برد مفحم، بعد أن استفزها بطريقته الملتوية في الحديث، لكن حمزة سبقها بحمائية تثير التعجب من هاتين المراقبتين في إحدى جوانب الغرفة:
"جولتلك ملكش دعوة بمزيونة، كلامك معانا، لو عايز تتعارك شد حيلك وورينا مرجلتك."
دعوة كانت صريحة بالشجار من حمزة، الذي فتح صدره استعدادًا لها، وتلقّفها عرفان بترحيب شديد واضعًا في رأسه أن هذا وقت أخذ ثأره القديم. لكن صرخة أوقفت تحفزهم، وسبقت الجميع الذين أصابهم الهلع بمحاولات مبكرة لإثنائهم:
"خلاااص! فضّوووها! لا مزيونة مش مستنية اللي يدافع عنها، ولا بتها سابت التعليم من أساسه. حبِلت؟ بجي محبِلتش؟! أنا شرطي واضح من الأول: تسيب، ولا تسيب تعليمها... تمام؟"
عادت توجهها لمعاذ الذي وافقها دون جدال:
"تمام كده يا جوز بنتي؟"
"تمام يا خالة مزيونة، وأنا إن كان فرطت مني المرة دي، وعد ودَين عليا ما تتكررش تاني."
"راجل يا ولدي."
تمتمت بها حسنية في تعقيب عليه، ثم توجهت إلى البقية، مضيفة على قول مزيونة:
"كده بجى نتعوّذ من الشيطان ونمشي كلنا، مادام اطمّنا على ليلى. نطلع كلنا بجى من الأوضة عشان البت تغيّر هدمتها مع أمها قبل ما نروح بيها."
وتابعت تدفع كل فرد منهم بيدها تنادي بأسمائهم:
"يلا يا خليفة، يلا يا معاذ، يلا يا هالة إنتي وروان، يلا يا حمزَةةة..."
في الأخير، كانت تدفع بكل قوتها دون فائدة، وكأنها تزيح جرارًا زراعيًا. لتتوجه إلى عرفان مشيرة بيدها على حذر:
"يلا يا عرفان يا ولدي، أديك شايف كلهم بيطلعوا."
سمع منها، لينفض جلبابه بحنق شديد، مقرِّرًا الذهاب على الفور بعد أن تلقى صفعة أخرى منها، فيغادر ساحبًا شياطينه معه. ليستجيب أخيرًا حمزة لمحاولات والدته، يرمق ليلى بنظرة مطمئنة قبل أن ترسو أبصاره على والدتها، فلم يرفع عينيه عنها إلا بعد إخراجه من الغرفة وغلق الباب بوجهه بفضل حسنية التي خرجت خلفه، فتجد ابنتها أمامها تتلقفها بلهفة:
"إيه الأخبار يا ما؟ أخيرًا هديت؟"
طالعتها حسنية بدهشة، سائلة:
"وانتي كنتي فين يا مخفية وسبتيني؟"
أجابتها منى بنبرة مطمئنة إلى حدٍّ ما:
"أنا كنت بره مع جوزي لما دخل عرفان، شوفته لما وصل هنا. حمدت ربنا إنه ما عملش نصيبة، وكويس جوي إنها رسِيت على عركة في أوضة ليلى."
تمتمت الأخيرة بما يشبه الهذيان، لتعلّق والدتها بعدم فهم، فلم يصلها ما ترنو إليه ابنتها:
"أمال كنتي مستنياهم يعني يتعاركوا في ساحة؟ انتي فين جوزك أصلًا؟"
أشارت لها بذقنها نحو الجهة التي اجتمع فيها الثلاثة أشقاء من زوجها، الذي كان يستفسر منهم عمّا حدث، في انتظار خروج ليلى ومزيونة. ثم عادت إلى والدتها، سائلةً بهمس وحرص:
"إيه اللي جاب روان دلوك؟ ولمّها على هالة؟"
تقلّصت ملامح المرأة بقلة حيلة تخبرها أنها لا تعلم شيئًا.
أما عند هالة، فكانت تغلي داخلها مما حدث منذ لحظات أمامها، حتى استفزّ الأمر تلك المدعوة روان، هي الأخرى، لتعبر عن دهشتها الشديدة قائلة:
"هو إيه اللي يخلي حمزة يدافع عن والدة ليلى بالشكل ده؟! هي لدرجادي معزّتها كبيرة في العيلة عندكم؟"
رددت خلفها ساخرة:
"معزّتها كبيرة عندنا؟ دا انت شكلك طيبة جوي يا روان ولسه مفهمتيش الست البلوة اللي جوا دي."
سألتها الأخيرة بتوجّس:
"قصدك إيه؟"
تبسمت بمكر وقد وصلت إلى ما تبتغيه، قائلة:
"هجولك يا روان واشرحلك كل حاجة، بس تعالي جنب عشان ناخد راحتنا في الكلام."
***
وفي داخل الغرفة، كان تلفّ لها الحجاب ورأسها يدور بلا هوادة، غير منتبهة لنظرات ابنتها التي تحوّلت إلى تلميح صريح بعد ذلك:
"عمي حمزة كان زي الأسد النهاردة، أول مرة أشوفه متعصب كده."
فهمت مزيونة ما تقصده، ولكنها كالعادة تأبى أن تُظهر ما بداخلها، رغم المشاعر التي تجتاحها من الداخل وتزلزل ثوابتها بقوة:
"عشان أبوكي عفِش وما لهوش غير الشدة... على العموم، خلينا في موضوعنا. أنا مش هسألك دلوك وهسيبك ترتاحي، بس عايزاكي لو افتكرتي، تجولّيلي."
"أقولك عن إيه؟"
ردّت مزيونة وهي ترفع باقي متعلّقاتها وحقيبة اليد الخاصة بها:
"عن موضوع الحبوب والحمل يا ليلى، ولا انتي نسيتي؟"
رواية لأجلها الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل السادس والعشرون
هي لا تعرف إن كان ما تشعر به حبًّا،أم ضعفًا… أم مجرد ارتباكٍ كلما نظرت في عينيه.تتهرّب من المواجهة،وتقنع نفسها بأن الصدّ حِكمة،وأن الهروب قوّة… وأن تجاهله نجاة.
لكن الحقيقة؟أن قلبها ما عاد يَطمئن إلا حين تراه…وأن صوته يطرق بابًا خفيًّا في صدرها،بابًا لا تملك له مفتاحًا… ولا تجرؤ حتى على الاعتراف بوجوده.
أما هو،فكأنه يراها من الداخل… من حيث لا ترى هي نفسها.يعرف ما تُخفيه خلف الكبرياء،يعرف أن عيونها تنكر، لكن قلبها يهتف باسمه في الخفاء.هو لا يحتاج تأكيدًا… ولا ينتظر إذنًا.هو فقط… موقن.موقن بأنها له،وأنه وُلد ليتحدى عنادها،وليبقى… حتى تُدرك هي ما أدركه منذ اللحظة الأولى.
الخاطرة والمراجعة لحبيبتي بطوط/ سنا الفردوس
الفصل السادس والعشرون
ركضت كثيرًا حتى تعبت، حاولت مرارًا الوصول إلى هدفها باستماتة، وفي النهاية سلّمت أمرها.فما الذي ستجنيه من خوض حرب لم تعد تخصها الآن؟ فلتُهَوِّن على نفسها قليلًا وتترك الأمور تسير كما أرادها القدر.لكنها، رغم ذلك، لن تتوقف عن المساعدة أبدًا.
كان الوقت بعد العصر بقليل، حين أبصرها من جلسته على الأريكة المواجهة مباشرة لمنزلها، تخرج منه مائلةً برأسها عن قصد، بافتعالٍ مقصود حتى لا تلتقي نظراتها به.وعلى قدر ما يستفزه فعلها، على قدر ما يثير بداخله التسلية.منذ آخر مواجهة بينهما في المشفى وهي تتجنبه، تهرب منه بقدر استطاعتها، وهو يتصيد الفرص ليتحدث إليها، يحاصرها بكل الطرق، ولا يترك لها فرصة للابتعاد عن عينيه، كما يحدث الآن.فبدون أن تخبره، يعلم أنها ذاهبة إلى المنزل الكبير، والدرس الأول لابنتها من قِبَل تلك المدعوة اعتماد، بعد أن نسّق هو مع زوج شقيقته كي تساعد تلك المرأة ليلى، فتُكفيها عن الذهاب والمجيء المُتعِب إلى مجموعات الدروس.
تسابق خطواتها الريح في الذهاب، وهو يتبعها بابتسامة عابثة حتى اختفت من أمام عينيه ليعلّق بمرح:
— فري واهربي على كيفك يا مزيونة... يعني هتروحي مني فين؟
...........................
أما عنها، فقد هدأت وتيرة أنفاسها قليلًا بعد أن وصلت إلى الجسر الخلفي لمنزلها، واستقلت إحدى السيارات لتأخذها إلى الجزء الغربي من البلدة، حيث منزل ابنتها.ليتها تملك سيارة تحت يدها تمكنها من الذهاب دون هذا الجهد، مثل ذلك المغرور، جارها الوحيد ومُتعبها!هذا الرجل وكأن الزمان سلطه عليها خصيصًا ليقلّ راحتها...نعم، لا جدال في ذلك، يكفي وقاحته وثقته الزائدة بأنها تبادله تلك المشاعر الحمقاء!هل كانت مجنونة لتفعل؟
أصبح يستولي على عقلها، لا تُنكر، تحدث معها أشياء غريبة كخفقات القلب المتسارعة والتوتر الذي تسيطر عليه بصعوبة، والارتباك...كل ذلك بالتأكيد نتيجة أفعاله في فرض نفسه عليها.
ليته يتركها في حالها ويرحمها...هي ليست ندًّا له، ولا حتى أهلًا للارتباط برجل مثله؛ متعلم ومنفتح على الحياة، أما هي فقد سلّمت منذ سنوات طويلة لقدرها، حطام امرأة لا تصلح لشيء، شاخ قلبها وأصابه العجز، حتى وإن خالف رقم عمرها في البطاقة هذا الشعور.
لم يتبقَّ لها في الحياة سوى زرعتها الصغيرة التي تُجاهد من أجلها، رغم الخذلان الذي يصيبها منها أحيانًا، لكنها لن تتوقف حتى تصل بها إلى برّ الأمان.
وعلى ذكر الأخيرة، توقفت السيارة لتضم عددًا من الأفراد في طريقها، وكانت من بينهم تلك المدعوة اعتماد، التي استقلت المقعد المجاور لها بتأفف وضجر بعد أن دفعتها إحدى النساء أثناء صعودها، قائلة:
— استغفر الله العظيم يا رب، مش تفتحي يا ست
— لمؤاخذة يا بنيتي، ما خدتش بالي.
— ما خدتيش بالك ولا مسروعة؟ تسبجي اللي وراكي؟ هي الدنيا هتطير؟
هتفت بها إعتماد بصوت عالٍ أصاب "مزيونة" بالحرج، فقرصتها بخفة على يدها، تبرق لها بعينيها في تحذير حتى تنتبه، لكن ذلك استفز اعتماد ليعلو صوتها أكثر:
— بتتجرصي على إيدي وتبحلجيلي بعيونك ليه؟ غلطت أنا يعني ولا غلطت؟
اصفر وجه مزيونة حين لاحظت عيون الركاب وقد التفتت نحوها، في انتظار ردها على تلك المجنونة التي لم تكترث لأيٍّ منهم.لتجد نفسها تحصد نتيجة فعلتها الخفيفة التي كانت تقصد بها تهدئة الموقف وتجنّب الفضيحة، فارتدّ الأمر عليها.تمنت في تلك اللحظة لو اختفت أو تبخّرت، فلم تملك إلا أن التفتت نحو النافذة المجاورة، تهمس في حزنٍ يكاد يصل للبكاء:
— منك لله يا اعتماد...
...............................
أما داخل شقة الزوجين الصغيرين، فقد تولى مهمة المراجعة مع زوجته حتى تأتي تلك المرأة.منذ أسبوعان تقريبًا ولم يذهب إلى عمله بعد، فمنذ معرفتهما بأمر الحمل، وقلبه لا يطاوعه على تركها.يتحمّل المسؤولية كاملة في رعايتها ودعمها، رغم كل ما يتلقاه من مساعدة من باقي أفراد العائلة، ومع ذلك يشعر بالتقصير وتأنيب الضمير كلما رآها متعبة ومجهدة.لدرجة أنه يندم أحيانًا على الاستعجال في زواجه بها، لكنه يتراجع سريعًا، مذكّرًا نفسه بالسعادة التي يحياها بقربها، ليشحذ همته مصمّمًا على إنجاح زواجهما على أكمل وجه، مع وجود الرابط القوي الآن، وهو طفلهما القادم، الذي سيرسّخ العلاقة بينهما أكثر وأكثر.
— ما كفاية بجى يا معاذ، ولا انت ناسي إن لسه دوري مع أبلة اعتماد؟ دي بتهلكني أصلًا!قالت ليلى، ليُردد خلفها بضجر:
— ألف بعد الشر عليكي من الهلكان والفرهدة، خلاص نغيرها خالص المحزونة دي ونشوف غيرها.
عارضته ليلى بعتاب:
— لا يا معاذ، ما توصلش لكده، حرام عليك. وبعدين هي ممتازة وسادة معايا في كله، ما شاء الله عليها حتى في اللغات.
ردّ معاذ متعجبًا:
— ما انتي اللي بتشتكي منها ولا نسيتي؟
— لا، ما نسيتش، بس دي لحظات بتعدي وتتنسي. دي طيبة جداً، بس عصبية جوي، وأكيد عنديها أسبابها.
— أسباب إيه يا شيخة بس؟ دا أنا بخاف منها! الوليّة كل ما تشوفني تظغرلي بعنيها، وكأن بيني وبينها طار جديم.
تمتم بها جاداً حتي جعلها تضحك ساخرة:
— يالهوي يا معاذ على شكلك وانت بتتكلم عنها! بس هي طارها مع كل الرجالة، مش إنت بس. مسكينة ما شافتش من صنفكم غير كل خسة.
أثارت فضوله بتصريحها ليسألها بإستفسار :
— يخرب بيت تعبيرك وانتي بتعمّمي، بس أنا معرفش قصتها. كل اللي أعرفه إنها واحدة مكشرة وخلاص.
تنهدت بأسى تخبره:
— ماهي قصتها طويلة جوي، والشرح فيها يطول. بس يكفي أجولك إن أبوها طفش وساب لهم البيت وهي عندها ستاشر سنة في الثانوي، يعني سابها في أكتر وجت كانت محتجاه فيه.مسكينة اشتغلت وهي بتدرس عشان تكفي مع أمها مصاريف البيت، ما قدرتش تحقق حلمها وتدخل طب، واكتفت بتربية، كملت شغل عشان تساعد إخواتها اللي أصغر منها، وشالت المسؤولية كلها.لحد لما جالها النصيب اللي إتأخر، ولما حصل وحست إن الدنيا بدأت تضحكلها طلع نطع وعايز يعيش على مرتبها، ولما ماعجبهاش، فضّل يرازي فيها ويرمي بلاه، لحد ما اتخلصت منه بطلوع الروح، ورفضت تتخلى عن إخواتها اللي بقت عايشة ليهم من غير سند وأكتفت بيهم كنهم ولادها اللي مخلفتهمش .
هزّ رأسه بتأثر:
— يا ساتر يا رب... أعوذ بالله من الأشكال دي. ما أكره في حياتي قد الراجل النطع، وهي بحظها الحلو اتسطّت في اتنين!
قالها معاذ بنوع من السخرية السوداء لتبتسم علي إثرها وتضيف:
— فعلاً زي ما جولت، عشان كده أمي بتحبها جوي، وبتعديلها كل أخطاءها. وهي اللي حكيتلي قصتها من البداية، عشان أعرف أنا بتعامل مع مين وأتحمّل عصبيتها،وغضبها علي أتفه الأسباب في بعض الأحيان
أومأ بتفهم، وقد هدأت مخاوفه من تلك المرأة الشرسة التي كان يخاف على زوجته منها، لدرجة أنه أراد طردها من أول يوم سمعها فيه تنفعل عليها أثناء تدريسها، لولا رفض منصور، زوج شقيقته، الذي وبّخه وقتها وطلب منه ألا يتدخل مادامت ليلى لم تشتكِ أو تطلب منه شيئًا.
انتفض الاثنان فجأة على صوت عالٍ صدح في الأجواء قادمًا من الأسفل، فركضا معًا إلى الشرفة ليتبينّا أن صاحبة الشجار لم تكن سوى من كانت تدور حولها الأحاديث منذ لحظات، والمفاجأة كانت في الشخص الذي يتشاجر معها!
.................
قبل قليل:
كانتا قد وصلتا إلى محيط المنزل الكبير، وفي طريقهما إلى صعود الدرج الرخامي نحو المدخل، كانت مزيونة تسبق اعتماد، التي كانت منشغلة بقراءة إحدى الرسائل على هاتفها، فلم تنتبه لأحدهم وهو يغسل سيارته منهمكًا، فيُلقي بدلو الماء لغسلها من الصابون، فانتقلت إليها المياه من تلك المسافة القريبة إلي حد ما إلى حجابها ووجهها، وظهرت بعض البقع على بلوزتها، لكن الضرر الأكبر كان في الهاتف.
شهقة بصوت عالٍ صدرت منها، وهي تلتف نحو الجهة المعادية، فلفتت إنتباه الأخر ومزيونة التي عادت راكضة لتجد الذهول مرتسم على وجه خليفة، الذي شعر للتو بخطئه، فتلقى جزاءه بصيحة غاضبة:
— إنت... إنت... إنت عميت؟!
استفاق خليفة من ذهوله بعد سبتها، ليملك زمام أمره ويرد عليها بقوة:
— إيه يا أخت أنتي؟ نَجِّي كلامك واعرفي بتكلمي مين قبل ما تغلطي! شايفاني عيل صغير جدامك ولا هِفَيّة؟
نظرت إلى هاتفها الذي أُظلم فجأة، تحاول مسح الماء عنه، مرددة بنبرة مختنقة:
— لا، شايفاك إنسان مهمل ومعندكش نظر! ألحق على هدومي اللي اتبلت ولا التليفون اللي فصل مية ونور!
حاولت مزيونة التخفيف عنها، ومسحت الهاتف بشالها، ربما يأتى بنتيجة، فنطقت مخاطبة خليفة:
— اعذرها، معلش. أنا نفسي اتخلعت من الميّة اللي اتدلجت ورايا.
لم يكن أعمى حتى لا يرى بعينيه سكوتها المفاجئ وحزنها على الهاتف، فبرّر بتوتر نحو مزيونة:
— أيوه، بس أنا ما كنتش جاصدها يعني! أنا حتى ما خدتش بالي إنكم داخلين...
— إيه الحكاية؟جاء التساؤل هذه المرة من خلفهم، من حمزة الذي ترجل من سيارته بالقرب منهم، أتى كعادته خلف تلك العنيدة، والتي انتفضت لرؤيته وتولت مهمة الرد عنهما:
— لا حكاية ولا رواية، فضّت على كده وخلصت، تعالي يا حبيبتي يلا نطلع عند ليلى يمكن تعرف فيه.وسحبتها تهرّول بها سريعًا من أمامه، فتابعهما قليلًا، ثم انتقل ببصره إلى شقيقه الذي قال بحنق:
— أهي نصايب وبتطب علينا من حيث لا ندري. جاعد في حالي وبغسل العربية، أبص ألاقي الميّة غرّقت صاحبتنا دي وتليفونها، وبتقولي فتح يا أعمى! يمين تلاتة، لولا إنها حرمة، ما كنت عتجتها النهاردة.
أومأ حمزة، واضعًا كفه على فمه في استيعاب، ليعقّب بوجل:
— ومالاجتش غير الحزينة دي وتشبط معاها؟ يخرب مطنك!
............................
في مكانٍ آخر،
فُتح باب السجن العمومي، ليخرج منه إلى العالم الواسع الذي حُرم منه لعدة شهور. رفع بصره إلى السماء وصفائها المبهر، ثم أنزل نظراته إلى الأرض التي يخطو عليها بحرية، ذاهبًا نحو ما يشاء، لا يمنعه الآن حارس ولا قضبان.
بلعبة صغيرة فعلها مع ذلك الأحمق، استطاع أن يخفف مدة الحبس لأقل ما يمكن. ضحك بسخرية حين تذكر دعوته له لزيارته...هل يظنه بالسذاجة التي تجعله يأمن مكره؟لكن لا بأس، سيجد الطريقة للتعامل معه لاحقًا، أما الآن، فعليه أن يعود لينظّم أوراقه ويستعيد نشاطه...من أجل من كانت السبب في حبسه.
— مزيونة... الحرة الجميلة.
............................
في منزل عرفان،
كان جالسًا على العتبة الرخامية في مدخل منزله، يتلقى خبرًا عبر الهاتف، من أحدهم. عيناه شاردة نحو الحديقة الجانبية الصغيرة، تتأملان الأرض الطينية الجافة التي تأثرت بهجر صاحبتها لها، بعد أن كانت مملوءة بشتى أنواع الخضروات التي يحتاجها البيت.
وهو كالغبي لم يشعر بقيمتها سوي الآن بعد رحيلها.ألهذه الدرجة كان أعمى عن كل ما هو جميل حوله؟
— ماشي يا عيد، زي ما جولتلك، جيبلي أخباره أول بأول الحزين ده ماشي... تمام، اجفل من عندك.
أنهى المكالمة التي شتتت تركيزه قليلاً، وزفر باختناق.كل شيء من حوله بات قبيحًا...وعلى ذكر الأخيرة، حضرت زوجته التى بات يراها كالحرباء التي كانت مصدر الخراب لحياته السعيدة، تقترب بوجه متجهم، تضم كوب الشاي الساخن الذي أمر به، دون أن تنطق ببنت شفة، مما استفزه ليمسكها قبل أن تغادر:
— حتى الحاجة الوحيدة اللي قدرت تسيبهالك، ما قدرتيش تحافظي عليها؟ حوضين الخضرة كانوا هيتعبوكي في رشّهم ولا سقيهم؟ لكن أقول إيه... مفيش فايدة من الكلام أصلًا.
تطلعت صفا قاطبة الحاجبين نحو ما يشير لتستدرك مقصده سريعاً، فتشتد خطوط وجهها بغل إكتسحها وردّت عليه:
— دا على أساس إنه كان هامّك انت كمان؟ ولا عمرك حتى بصيت عليهم؟!يالا بقى بجملة، ما انت محمّلني كل نصايب حياتك، جات على دي؟بس أنا برضو مش هكِش، ولا هأنكر!أيوه يا عرفان... كل الخضرة اللي سابتها المحروسة بعد ما هجّت واتطلقت منك، سِيبتها من غير سقي، ولا مراعية، لحد ما ماتت واتكنست بالمجشة كمان!عارف ليه؟عشان أنا معمّرش زرعة غيري... خصوصًا زرعتها هي!
تفوهت الأخيرة بفحيح وغلّ أثار اشمئزازه، حتى لم يعد يحتمل رؤيتها، فنهرها بازدراء:
— طب غوري! غوري من وشي! مش طايق أبص في وشك حتى!
...........................
عودة إلي المنزل الكبير،
حيث كان معاذ منهمكًا بجدية في فحص هاتف الأستاذة اعتماد أثناء تدريسها لزوجته، بينما كانت ترمقه بطرف عينها من وقت لآخر دون أن تعلق بكلمة واحدة.أما مزيونة، فلا تكف عن السؤال وحثه برجاء رغم يأسها من إصلاحه:
— شوفه زين يا معاذ، أكيد في طريقة لفتحه!
تنهد معاذ بنظرة خاطفة نحو إعتماد ثم عاد ليهمس لها بحذر.
— ما أنا بحاول والله، وعملت كل حاجة ومفيش فايدة... عامل زي الميت، اللي وجع فجأة ومحطش منطج.
— يا ساتر يا رب... وبعدين؟
همست بها مزيونة أيضًا، بصوت بالكاد يُسمع:
لكن رغم ذلك وصل إلى اعتماد، والتي ردّت وهي منكفئة على الكتاب، دون أن ترفع عينيها:
— لا "بعدين" ولا "جبلين" يا مزيونة... باظ ولا غار في داهية، حتى مش فارقة... وفروا تعبكم لحد كدة!
التوى ثغر مزيونة تتبادل النظرات مع معاذ بحرج، حتي إنتقل إلي ليلى هي الأخري، التي لم تجرؤ على التدخل، كي لا تزيد الطين بلّة.كان الحزن يكسو وجهها، فهي تشعر بحزن معلمتها القوية التي تكتم عن قصد، لا تريد إظهار ضعفها أمامهم، وتدّعي عدم الاكتراث في شرح لها بعض الفقرات وهي تدعي الفهم.
استمرت محاولات معاذ في إصلاحه حتى يئس تماماً، يعلّل السبب في عدم معرفته بنوع الصناعة، ليتركهن وينزل إلى الأسفل، ليجد شقيقيه في إنتظاره، بحضور والدته وهالة التي استقبلته ساخرة:
— لا تكون كنت بتاخد درس مع مرتك كمان يا معاذ؟
ردّ بابتسامة صفراء:
— بس لو تبطّلي خفّة دمك دي شوية عنيّنا يا هالة.
ضحكت دون اكتراث، فيما رمقها زوجها بامتعاض، وتوجه بالسؤال نحو معاذ بنوع من التوتر:
— ما أنت بصراحة اتأخرت صح النهاردة، ودي مش بعادتك يعني.
جلس معاذ وزفر بأسف، ثم أجاب:
— ما أنا كنت بحاول في تليفون أبلة اعتماد، عشان يفتح، بس للأسف معرفتش خالص.
علق خليفة علي قوله بعصبية:
— انت اللي معرفتش، ولا هو اللي معجرب؟
صمت معاذ، وردت عنه والدته بحرج:
— يا دي الكسوف! وما يجيش غير في وشنا!
تدخلت هالة، وقد تابعت الحوار بانفعال:
— وتاجي في وشنا ليه إن شاء الله؟! واحدة تليفونها بايظ من الأول، ولا هي تماحيك وخلاص؟ دول ماكانوش نجطتين ميّة!
تحول توتر خليفة إلى حنق شديد نتيجة قولها، فنهض نافضًا جلبابه بضجر وعدم تحمل:
— يا بوووووي على كلامك التجيل إنتي كمان! أنا جايم وماشي!
وغادر الجلسة وسط نظرات الأسف من والدته وإخوته، بينما مصمصت هالة شفتيها في أثره بعدم رضا، مما استفزّ حمزة الذي صرف نفسه عنها بالحديث مع أخيه الأصغر:
— وانت يا أستاذ، مش ناوي ترجع شغلك؟ وشي بجى في الأرض منك!
وكأنها فهمت عليه لتقرر تحديه في التدخل بهذا الأمر أيضاً بسخريتها:
— لا ما هو... هيخاف يمشي ويسيب المدام الحامل لوحدها!
حدجها حمزة بنظرة نارية متجنباً الرد عليها، بينما زفر معاذ، ثم قال مطمئنًا:
— متجلجلش يا حمزة... أنا مظبط أموري مع رئيسي في الشغل، وعلى العموم، خلاص... كلها بكرة ولا بعده وارجع إن شاء الله.
حربٌ باردة... هذا هو الوصف الصحيح لما يدور بين الاثنين.حمزة الذي واصل الحديث مع شقيقه ووالدته، متعمدًا تجاهلها، وتجاهل نظرتها المصوَّبة نحوه.لقد أصبحت تحفظه عن ظهر قلب؛ هذا المتيم لا يكتفي بجيرته لتلك المزيونة، حتى يأتي خلفها يوميًّا "كل ما جاءت إلى هنا".يتلهف لكل لفتة منها، ولا يخجل من النظر إليها أمام الجميع!من كان يصدق أن تلك الأفعال تصدر من حمزة... إبن عمها، الذي كان يصنع لنفسه هالة من الهيبة، تبعث الرهبة في القلوب بمجرد رؤيته؟ذلك الذي كانت تراه مغرورًا، أصبح في حضور تلك المزيونة كالطفل الصغير...وطبعًا، هي لا تُقصّر في مشاغلته، والحُجّة "مساعدة ابنتها"!حتى منزلهم أصبح مرتعًا لها وللغرباء الذين تأتي بهم، كـتلك المدرسة المجنونة... لكنها لن تسكت لهما أبدًا!
تبسم وجهها فجأة مع القدوم المفاجئ لزوجته الأولى، برفقة ابنه ريان، الذي دلف مهلّلًا إليهم:
— شوفت أمي جابتلي إيه يا بوي؟ البلايستيشن اللي جولتلك عليه قبل كده!
انتشت في داخلها وهي تراقب ردّ فعل حمزة، الذي نهض عن مقعده بشحوب، يستقبل والدة ابنه، ثم علّق قائلًا:
— ومالك فرحان جوي كده؟ هي أول مرة تجيبه البلايستيشن؟ مكنش ليه لزوم التعب يا روان...
مسحت على شعر صغيرها، وهو يحتضن لعبته المغلفة، لتتولى الإجابة عنه وعن نفسها:
— ربنا ما يحرمه منك، أكيد أنت مكفّيه من كله، بس أنا أمّه، وحقي أجيب له كمان... النوع ده مختلف شوية، هو كان كلمني عنه، وحبيت أعملهاله مفاجأة.ده ابني يا حمزة، وأنا عايزة أعوّضه على قدّ ما أقدر.مهما كنت أنت حنين، أو أهلك كلهم، محدّش فيهم يقدر يسدّ مكاني.
أومأ لها بصمت دون تعليق، يتركها تلتقي بباقي العائلة، وبداخله تغيّر غير مفهوم...روان العملية؟ تلك اللغة جديدة عليها.يتسرّب داخله شيء ما يجعله يشك في قربها المتزايد، وقدومها المتكرر هذه الأيام لأخذ ريان...كلها أشياء تؤكد له، وبشكل قاطع، صدق الظنون التي تنهش رأسه...
.......................راقبتها من مكانها، وهي مستندة بمرفقيها على السور الرخامي لشرفتها، تتبعها بعينيها وهي تغادر المنزل الكبير أخيرًا، تتحدث مع تلك المدعوة اعتماد، التي تذهب أيضًا معها.
ركّزت بأبصارها جيدًا عليها، جميلة لا تُنكر، لكنها لن تزيد عنها بالتأكيد. بالإضافة إلى أنها امرأة مطلقة، تحوم حولها المشاكل والمصائب أينما حلّت.أما هي... لقد كانت وما زالت "جميلة العائلة"، ومع ذلك رفضها!رفضها وفضّل عليها تلك المدعوة روان، لتكون أول طعنة غادرة تتلقاها منه.منذ أن خُلقت وهي تحفظ اسمه قبل أن تحفظ الكلمات، "هالة لحمزة، وحمزة لهالة".نشأت وترعرعت على أنه لها، وأنها لن تكون لأحد غيره.كل الرجال كانوا سواء في نظرها، هم في كفة، وحمزة وحده في كفة.ومع ذلك، لم يرَ ولم يُقدّر الحب الكبير الذي كانت تحمله له.
تنهدت بحرارة خرجت من صدرها كالصهد، أغمضت عينيها بقوة وقد استعادت تلك الذكرى المُذلّة، حين خرجت عن أدبها المعتاد بعد صدمتها بالخبر الأسود لتُواجهه دون خجل:
ــ "ليه رفضتني يا حمزة؟"
صدر صوتها بقوة، أجفلت الحصان الذي كان ينظف حافره، حتى انتفض متراجعًا، فكاد أن يؤذي حمزة لولا حرص الأخير، ليلقي ما بيده أرضًا، ويَلتفت إليها متجهّمًا يُوبخها:
ــ "إنتِ اتجننتي يا بت؟ جاية ورايا هنا عشان تقوليلي الكلام ده؟"
لم تَكترث بغضبه، بل دفعها شعور الإهانة الذي كان يكتنفها إلى أن تتقدّم منه أكثر إلى الداخل، حتى وقفت مقابلةً له، تُواجهه:
ــ "وأجيلك آخر الدنيا كمان عشان أسألك! ليه تخطب واحدة غيري وإنت عارف إني معلجة على اسمك؟ كيف تبص لواحدة تانية وأنا بت عمك، اللي أحق بيك زي ما إنت أحق الناس بيا؟"
توقّفت برهة لتُكمل الباقي وجسدها ينتفض من الانفعال أمامه:
ــ "أنا هالة يا حمزة، أحلى بنات العيلة والبلد كلها. بصلي كويس وانت تعرف إن كنت بكدب ولا صادقة. طول عمري بتكبر على الكل بجمالي وعيلتي وبيك، على أساس إني خطيبتك من غير كلام. دلوك لما الناس تعرف إنك رفضتني وفضلت عليّا واحدة تانية، تبجى فين كرامتي؟"
رغم تفاجئه منها، ومن جرأتها التي تصل إلى حد الوقاحة في فتح أمر كهذا، إلا أنه حاول أن يكون مقدّرًا إلى أقصى درجة معها، علّها تفهم:
ــ "عشان النصيب يا هالة. حكاية إني واد عمك ومكتوبة على اسمي، دي مشهورة في كل العائلات. الوفق والقبول ده من عند ربنا يا بت عمي، محدش فينا له دخل فيه."
اهتزّ رأسها بجنون وكأن حديثه يأتي بنتيجة عكسيّة:
ــ "يعني إيه وِفق ولا قبول؟ هو إنت أول مرة تشوفني؟ دا أنا متربية على يدك، يعني تعرفني أكتر من نفسي!"
ــ "ما هو عشان عارفك أكتر من نفسي أنا بجولك لا يا هالة."
ــ " يعني إيه؟"
ــ "ما يعنيش. لِفّي واطلعي من هنا يا هالة. إنتِ بالذات محدش يحمل همك، لأنك حلوة زي ما بتجولي."
انفعل في الأخيرة، مما زاد من اشتعالها، لتردّد مؤكدة:
ــ "صدّجت في الأخيرة يا حمزة! بكرة تشوف لما جمالي ده يجيب سيد سيدك! أنا هالة، ومش هجبل غير باللي أحسن منك!"
وظلت تُكرّر الكلمات حتى غادرت من أمامه، وهو تجمّد في مكانه يُتابع انهيارها بقسوة وجمود...
تنهدت، عائدة إلى واقعها، وحظها المؤسف في عدم تنفيذ وعدها معه.كانت تبغي أن تُذلّه بمن هو أوسم، وأغنى، وأكثر هيبة.لكن حظها التعس جعل نصيبها مع خليفة، شقيقه، بفضل ضغط والديها عليها.لتعيش كالميتة، محرومة من الحب والسعادة...ولكنها أيضًا مصممة أن يكون الجميع مثلها.لقد نجحت قبل ذلك كثيرًا، وما زالت مستمرة في مسعاها للانتقام من حمزة، وكل ما يخصه...........................في منزل مني:
تفاجأت منى بالزيارة المفاجئة لشقيقها، الذي لا يأتي دون استئذان في العادة، ولا في هذا الوقت من المساء كما خالف وفعلها اليوم.لكنّه كان متغيّرًا، وذلك ما لمسته منذ بداية الترحيب به وحتى جلستها معه، لتترك له المجال الكامل حتى أوضح أخيرًا سبب الزيارة، بعد أن قصّ عليها جميع ما حدث:
— خُدي يا منى... إديها دول.
نظرت إلى كَمّ النقود التي وضعها في يدها، متسائلة بعدم فهم:
— ليه دول يعني يا خليفة؟ مش فاهمة!
زفر المذكور بخفوت، ثم أجابها بعد لحظات:
— دول ترضية يا منى... بدل التليفون اللي ضاع.بما إني مش هعرف أكلّمها، ودي واحدة زي الجطر، ما بتديش فرصة للتفاهم.فأنا شايف إنك أنسب واحدة، بحكم علاقة المودة اللي بينكم.مش جوزك برضو هو اللي دايمًا متشددّلها؟ وبيقدمها في أي مشوار شغل؟
تمتمت منى، تلوي ثغرها على الجانبين، وقد فهمت ما يقصد، ورددت بطريقتها، مستنكرة:
— يا حزني يا أمه... يعني إنت عايز تضحي بأختك، عشان بس جوزي متشددّلها وبيقدّمها في مشاوير شغل؟طب افترض جوزي مخّه ضارب، أضيع أنا بسببه؟
— إيه اللي بتهلفطي بيه ده يا منى؟ ما توزّني كلامك!
— يا حبيبي، والله وازنه كلامي... بس أنا بقولك أهو، انسَ حكاية الفلوس والكلام الفاضي ده.أعفش حاجة في اعتماد هي عزة نفسها وحساسيتها الزيادة عن اللزوم.خُد يا حبيبي فلوسك دي... أنا مش مستغنية عن عمري.
وختمت الأخيرة كلامها وهي تفتح كفّه، تعيد له النقود التي وضعها بيدها منذ لحظات، فنظر إليها متمتمًا بحيرة:
— طب وبعدين في الموضوع المعجرب ده؟ أحله إزاي بس وأريّح مخي؟
---...........................
ناديتك وانتظرت الإجابة...ناديتك يا عنيدة، وما زلتُ صابرًا حتى يلين قلبُ الحجر… قلبك.لن أكفّ عن المحاولات، ولن أيأس.فرغم كل شيء… قلبي يخبرني بقرب الوصال.كيف السبيل إليك؟ دليني.#حمزة
لقد مرّ اليوم طويلًا، ولم يتحدث معها رغم حرصه وتتبعها إلى منزل العائلة، ولكنها تعمّدت أن تظلّ في طابق ابنتها، ولم تنزل إلى الطابق السفلي أثناء تواجده، والذي لم يستمر طويلًا نظرًا إلى الحضور المفاجئ لزوجته السابقة.حتي إنه لم يحتمل المكوث أكثر من دقائق معدودة، خاصة بعد متابعته لذلك الودّ المبالغ فيه بينها وبين هالة، ابنة عمّه.
ليستغلّ فشل محاولته للذهاب إلى أعماله المتراكمة، بسبب انشغاله في الأهم وهو "ترويض العنيدة"، كما يحدث الآن.تجاوز حنقه حدود السماء، وهي لا تخرج حتى لابتياع احتياجاتها المنزلية من خضروات وبقالة، بعد أن تكفّل بها هذا المتحذلق ابن أخيها، حازم.
تنهد بيأس وهو يراقب صغيره الذي يلعب بالكرة أمامه، يذهب بها هنا وهناك، حتى اصطدمت في مرة بإحدى الشجيرات التي زرعها بنفسه.لينتقل ريان بالنظر إليه مذعورًا ينتظر التوبيخ، وكان على وشك ذلك فعلًا... وقد خطرت بباله فكرة، جعلته يتراجع.ليطمأنه بنظرة حانية، ثم نهض من على أريكته، وتناول الكرة منه، وقرر مشاركته اللعب، مما جعل الصغير يقفز فرحًا.لتبدأ لحظات من الركض والمرح وتسديد الأهداف، حتى أتى بأهم هدف في لحظة تركيز، حين أصاب المكان الذي يريده، ليتوقف ريان فجأة قائلًا بوجل ولهاث:
— يا وجعة! الكورة دخلت في بيت خالتي مزيونة... هنعمل إيه دلوك؟
تنفس والده بابتسامة ماكرة، وصحّح له:
— وجعت في الحوش المكشوف من غير قصد، يا ريان... يعني تقدر تندهلها تجيبهالنا.
— يعني مش هتزعج؟
— لأ يا حبيبي، وتزعج ليه بس؟ إن شاء الله متكونش كسّرتلها حاجة. ولا أقولك؟ انده عليها، وجولها عشان نشوف.
وهكذا أقنعه، ليذهب إلى مدخل منزلها مناديًا من الخارج، بتشجيع من والده:
— يا خالة مزيونة، يا خالة مزيونة! الكورة وجعت عندك في الحوش… هاتيهَا!
وحين جاء ردّها من الداخل، واطمأنّ حمزة لخروجها، وضع بيد ريان بعض الأوراق المالية ليصرفه، ويجعله يذهب إلى أقرب محل بقالة يشتري ما يشاء، ثم انتظر فقط لحظات، حتى خرجت بالكُرة، تبحث عنه:
— الكورة أهي يا عفريت! بس على الله تكررها تاني... لا أشجّهالك بالسكين!
وأكملت بضحكة مرحة حتى وصلت إلى الجزء الخلفي، وهو ما زال في انتظارها، جالسًا على "مصطبتها" الحبيبة.
لقد ذهب عقله عشقًا بها...هو متأكد تمامًا من تلك المعلومة.حُجج المراهقين وأفعال الصغار في ابتكار طرق اللقاء بالحبيبة… يفعلها الآن في هذا العمر؟!ولِمَ لا يفعل؟!وبماذا سيفيده العقل إن نام ليلته دون أن يَكحّل عينيه برؤيتها، بعد أن اختفت طوال اليوم؟
فقد خرجت الآن بزيّ مختلف عن كل العباءات العصرية التي ترتديها، ذلك الزيّ القديم لنساء البلدة، رداء يشبه الفستان، يُصنع من قماش منقوش بخامات مختلفة، مجسَّم إلى حدّ ما في الأعلى حتى حردة الخصر، ثم يتّسع كالتنورة في الأسفل.ازدادت بهاءً وسحرًا في عينيه، وهو أصلاً لا ينقصه!
وكأنها شعرت به، التفتت إليه فجأة، ليكتشف الحردة الأمامية عند الرقبة...اللعنة!أنزل عينيه سريعًا، يبتلع ريقه الذي جفّ بحضورها.وانتبهت هي بدورها، لتخفي الجزء المكشوف من جيدها بشالها، وتقول بارتباك:
— أنا كنت طالعة بالكورة لريان... هو فين؟
ارتفعت أبصاره يحدثها بنبرة عادية الآن:
— ريان جري على البقال يشتريلُه حاجة ساجعة… بس أنا أبوه، وأستلم عنه عادي يعني.
قال الأخيرة بنوع من المزاح، تجاهلته، وأنزلت الكرة أرضًا قائلة:
— تمام، على العموم أهي، لما يرجع يبجى ياخدها... أنا كده عملت اللي عليّا.
قالتها وشرعت في الانصراف من أمامه، لكنه أوقفها قبل أن تتحرك خطوتين، معلّقًا على ردائها:
— ده تبع المرحومة أمك صح؟ ولا حد تاني من أهلك؟
ابتلعت رمقها بحرج شديد، وحنق يكتسحها من تعليقه:
— أيوه... بتاع المرحومة أمي، عادي يعني. رتبت حاجتها النهاردة، وخطر لي ألبس حاجة من ريحتها.
— طب ياريت متكرريهاش تاني...
هكذا يأمرها وببساطة!طالعته بعدم استيعاب، تكذّب أسماعها، لكنه لم يكترث، وعاد يؤكد بجدية:
— أيوه يا مزيونة... اسمعي الكلام.أهالينا زمان كانوا غلابة، ومتعودين، عشان الكل كان بيلبس كده...إنما دلوك، ومع واحدة زيك، اللبس ده جريمة يُعاقب عليها القانون.
— نـعـم؟! قالتها بغضب ليرد عليها:
— أنا ما بغلطش على فكرة...ما انتي لو وجفتي جدّام مراية كبيرة، هتشوفي بنفسك...ويمكن تاخدي بالك إن واحدة زيك، حتى العباية البهتانة بتفرّق معاها.أشحال بقى حاجة زي دي؟
— حمزة يا قناوي!
صاحت بالاسم، بعدم تحمّل، لتوقفه عن هذيانه، مرددة:
— مش شايف إنك زوّدتَها جوي؟ناجص كمان تنجيلي لبسي!مش كفاية اسمي اللي بقى لُبانة على لسانك؟!
استقبل ثورتها بهدوء يثير الدهشة:
— أولًا، لازم تاخدي بالك إن انتي كمان بتندهيلي باسمي حاف من غير ألقاب...ولو على اللبس، أختار لك؟ وماله؟ ليه لأ؟
فغرت فاها، واتسعت عيناها بذهول، لا تصدق الجرأة، بل الوقاحة، التي يتحدث بها...وكأنه شيء عادي.وظل يتأملها دون خجل، حتى خرج صوتها بصعوبة:
— إنت شكلك اتجننت!
— بفضلك...
سيجلطها، هي موقنة من ذلك، إن ظلت واقفة تُجادله.يتحدث بأريحية ولا يشعر بذرة أسف...ليس أمامها سوى الهروب، كعادتها:
— أنا عارفة إن مفيش فايدة... ماشيه وسيبهالك!
وتحركت تسبق الريح بأقدامها نحو باب منزلها، بغضب، لم يمنعه من وصف ما يشعر به، ويؤلمه الآن، بصوت خفيض... لكنه وصل إليها:
— والله محدّش جالك تبقي حلوة زيادة عن اللزوم... يا المزيونة...
دلفت إلى مأمنها، تصفق الباب بعنف، لتستند عليه من الداخل، وتخرج شهقة من عمق صدرها الآن، واضعة يدها على موضع قلبها، الذي كان يضرب بقوة.بمشاعر لم تعد تميز إن كانت غضبًا... أو شيء آخر، لكنها ليست طبيعية على الإطلاق.هذا الرجل مستفز بدرجة تُربكها إلى أقصى الحدود.يُزلزل كيانها رأسًا على عقب...
ولكن... لماذا؟وهي قد وضعت النهاية المحسومة برأسها، ولن تتراجع عنها أبدًا… أبدًا!
..........................
أما عنه،فقد سقط عائدًا إلى أريكته، بغيظٍ جعله يضرب بكفّه على فخذه، مرددًا بتصميم وإصرار:
— ماشي يا مزيونة، ماشي...أنا برضو وراكي ومش هسيبك!اعندي براحتك، واعملي ما بدالك...برضو مش هحِلّك من راسي!وهتبجي حلالي... يعني هتبجي حلالي.
... يتبع
رواية لأجلها الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
أُجاهد قلبي كلما رآك قريبًا،
كأنّ بيني وبينك ألف بابٍ موصد...
وأنا التي أمسكتُ بالمفتاح ثم نسيته عمدًا.
لا تسألني لِمَ أهرب،
فأنا لا أخافك، بل أخاف مني حين أطمئنّ إليك...
من ضعفي إن صدّقتك، من دموعي إن جرحتني،
ومن قلبي إن عاندني واختارك.
تظنّ أني أقسى مما ينبغي،
وأنا فقط... أحاول أن أبقي ما تبقى مني واقفًا.
أخشى أن أميل إليك... فأقع.
فلا تُناديني من بين نظراتك،
ولا تُعاقبني على حروبي التي لا تراها،
أنا التي تُقاتل نفسها كلّ يوم، كي لا تُحبّك أكثر.
المراجعة والخاطرة العظيمة للرائعة/ سنا الفردوس
الفصل السابع والعشرون ج١
أغلق الكراسة التي كان يصحح بها، ليرفع رأسه إلى زوجته متطلعًا إليها بعدم استيعاب، سائلًا عما أدلت به منذ لحظات:
— إنتِ بتتكلمي جد؟ لا تكوني بتهزري يا منى؟
تحركت قدماها، تتجه نحو السرير المقابل لمكتبه، تجلس عليه قائلة:
— يا أخوي، وههزر ليه يعني؟ وده موضوع ينفع فيه هزار؟ خليفة غلبان ومفكرها سهلة، ميعرفش طبعًا اعتماد وعفاشتها!
صحح لها منصور، وبيده يجمع الكراسات في كومة واحدة قبل أن يقوم من مكانه ذاهبًا إليها:
— ما اسمهاش عفاشة، اسمها عزة نفس يا ست منى، ودي واحدة مكافحة يعني يُضرب لها تعظيم سلام.
— أمممم...
زامت بمكر، واضعة سبابتها على وجنتها، تنتظره حتى جلس بجوارها لتُعلق:
— كان عنده حق الجَزين لما يقولي جوزك متشدد لها، مع إنه بصراحة غاظني، وحسيت إنه بيستهزأ بيا.
— بيستهزأ بيكي!
— أيوه، لما يجيب سيرة مرة غيري ويجولي جوزك مش عارف إيه عليها؟ ده كلام برضه؟
سمع منها، لتصدح ضحكته الرنانة، تلك التي لا تصدر إلا بفضلها، ليُشاكسها قارصًا ذقنها بين إصبعيه السبابة والإبهام:
— يعني يوم ما تغيري، تغيري من اعتماد يا منى؟
نفضت يده عنها بعصبية:
— ومغيرش منها ليه إن شاء الله؟ مش معنى إن بوزها شبرين وبتطفش الرجالة يبجى عفشة ومحدش يبصلها، ولا هتنكر يعني؟
— لا طبعًا، هنكر ليه؟ هو أنا أعمى؟
قالها بعفوية استفزتها، لتصيح به معترضة:
— منصور، لمّ نفسك!
وكان رده ضحكات أخرى، يميل عليها ويضمها بمرح مداعبًا، في إجابة ضمنية تعرفها جيدًا؛ أنه لم ولن يحدث أبدًا أن ينظر لامرأة غيرها بعين الرجل. كل النساء في عينيه سواء، وهي فقط من استحوذت بتلك الصفة لديه دون غيرها.
---
حين يغيب الجسد في غفوته، يأخذ العقل الفرصة كاملة في نسج ما يريد، مستغلًا انفصاله عن الواقع في تلك الساعات القليلة أو الكثيرة، يترجم ذلك إما في أحلام سعيدة أو سيئة أو مشاهد غير مفهومة، حتى يغيب هو الآخر ويقتطف راحته مع الجسد المنهك. ثم يعود الاثنان بعد ذلك وقد تجددت الطاقة استعدادًا ليوم آخر بصراعاته ومسؤولياته.
لمسات حانية رقيقة تشعر بها تمر على بشرتها، وبعض الخصلات من شعرها، ثم أنفاس وأصوات، حتى قبلات رطبة كدغدغات تجعلها بصعوبة تكتم ضحكاتها، مستمتعة باصطناع النوم. واللمسات تحولت إلى تحرشات حين حطت الأسنان الحادة على أنفها، لتقفز ناهضة بجذعها، تخطف تلك الشقية الصغيرة، مصدر السعادة الوحيد لها، لتنتقم منها:
— إنتِ بتعملي إيه يا عفريته؟ ده أنا هقطعك بوس النهارده!
وهجمت تُشبعها بالقبلات والمداعبات، حتى باتت ضحكات الصغيرة بمرحها تصل إلى خارج الغرفة. تتابعهما شقيقتها، والدة الطفلة، التي كانت جالسة على أرضية الغرفة منكفئة على بعض الأوراق المنتشرة حولها، تقطع وصلة المرح بين الاثنتين:
— أنا جولت محدش هيعرف يصحيكي غير دندن، هي بس اللي بتجدر عليكي وبتعمل ما بدالها معاكي.
وكأنها واحدة أخرى غير تلك المتجهمة الحادة في وجه الجميع، تعيدها تلك الطفلة الصغيرة وحدها إلى طبيعتها الأولى:
— عشان قليلة أدب ومش متربية! في واحدة تعمل كده برضه في خالتها؟ نفسي أعرف جايبة الجرأة دي منين؟ جوليلي يا بت، جايباها منين ها؟
وعادت تنقض عليها وسط صوتها الصخب حتى إذا تعبت الأولى توقفت بلهاث:
— لا، إنتِ لو خدت اليوم كله في اللعب معاكي مش هتشبعي، وخالتك مش كدّك يا حبيبتي، ده أنا...
قطعت عن إكمال جملتها حين انتبهت أخيرًا إلى فعل الأخرى، لتسألها:
— إنتِ بتدوري على إيه عندك يا روضة؟
رفعت المذكورة رأسها، مندمجة في كتلة من الأوراق التي تمسك بها، لتأخذ برهة من الوقت تستدعي بها التركيز:
— لا يا بت أبوي، خير إن شاء الله، مفيش حاجة، أنا بس بدور على شهادة ميلاد الكمبيوتر بتاعتي والبطاقة، كانت جاعدة هنا مع ورقك وورق رغد أختي، بقالي ساعة بدور مش لاقياها.
سريعًا ما تبدل مزاج اعتماد، ليتسرب داخلها شيء من ريبة في استفسارها:
— وإنتي مالك بشهادة الميلاد ولا البطاقة؟ هتجدمي على وظيفة مثلًا؟
ردت روضة سريعًا دون تفكير:
— لا طبعًا، مين هيوظفني بدبلوم الصنايع؟ محمود طالبهم.
انتفضت اعتماد باستدراك، تنهض وتنزل عن سريرها، حاملة الطفلة بيدها، تسأل بخفوت وخطر:
— وجوزك طالب بطاقتك ليه؟
كان الصمت هو ردها، تتحرك مقلتاها بتوتر أدخل الشك في قلب اعتماد، لتردف مخمّنة بحدة:
— جوزك عايزك تضمنيه في قرض الربا اللي جبتي سيرته من كام يوم صح؟
تلجلجت روضة بكلمات غير مفهومة:
— ما هو... ما هو... أصل هو يعني... عشان يعمل المشروع...
— لأ، عشان يشتري الموتوسيكل!
صدحت بها اعتماد، حتى انتفضت الطفلة بيدها، فتداركت سريعًا تُهدّئها، قبل أن تعود لشقيقتها تُحذرها بخفوت:
— باع الدهب على تفاهات وما اتكلمتش عشان حضرتك راضية وما اشتكيتيش، جابله على نفسك وبيأكل بعقلك حلاوة برضه، ميخصنيش. إنما توصلي إنك تضمنيه في قروض الربا اللي ماشية في البلد؟ يبجى أطلقك منه أحسن.
— بعد الشر يا اعتماد، ليه بتقولي كده؟
— اخرسي يا بت!
ما زالت تحافظ على خفض انفعالها من أجل الطفلة، لكنها مستمرة في الحزم معها:
— أنا جولت كلمتي ومش هتنيها يا روضة. جابلة عيشتك مع جوزك الصايع، إنتِ حرة، إن شاء الله حتى يأكلك عيش حاف. إنما تضمنيه في قروض؟ لا، وألف لا. المحروس مصمم على اللي في دماغه، يخلي أي حد من عيلته يضمنه، إنما إنتِ يا روضة؟ لا تبقي أختي ولا أعرفك.
بصمتٍ تام تلقت روضة التهديد دون إبداء أي رد فعل، سوى أنها لملمت الأوراق، ثم استقامت من جلستها، لتقف وتتناول ابنتها، تُومئ بصوت خفيض:
— ماشي يا خيتي، اللي تشوفيه. تعالي يا دنيا.
وخرجت بطفلتها، تتبعها اعتماد في جمود وحسرة. شقيقتها لا تفرق عنها سوى ثلاث سنوات، ثلاث سنوات فقط فرق بين واحدة تحملت مسؤولية عائلة كاملة عن عمر السادسة عشرة، وأخرى تعيش الحياة بلا عقل ولا تفكير. كل شيء يصل إليها بلا تعب، تسير خلف عاطفتها كالعمياء ويتحمل غيرها النتائج.
---
صعدت إلى الطابق الثاني من منزلها، تحمل دلو ماء وإناءً بلاستيكيًّا امتلأ بالحبوب، من أجل إطعام السرب الذي تجمع حولها فور أن أطلت أمامهم، يتدافعون بأجنحتهم في طلب الطعام. تستقبل لهفتهم بابتسامة تطمئنهم:
— كلكم هتاكلوا والله، بس ادّوني فرصة.
وأكملت ضاحكة، بعد أن نثرت أسفلها عددًا من الحفنات الكبيرة على سطح المنزل، تُلهيهم بتناولها، فتمر هي على الأعشاش، تُنظفها وتطمئن على الصغار، تُغيّر الماء القديم بآخر جديد، حتى إذا انتهت، ملأها شعور بالراحة وهي تراقبهم وتراقب حب الأزواج. كل فرد منهم لوليفه، يحمل قصة تعلمها جيدًا. ما أجمل عالمهم! حب الحمام ترعرع داخلها منذ الصغر بفضل تلك الصفة التي تعلمها عنهم؛ لا يمكن لفرد حمام أن يتزوج دون حب حقيقي.
لفت أنظارها أحدهم، وهو يدور حول أنثاه، يفعل كل شيء من أجل لفت انتباهها وإضحاكها. قد يبدو أنها تهذي بتلك الأخيرة، ولكنها ترى بوضوح السعادة التي تتجلى بأفعال الأنثى اندماجًا بذكرها.
— يا ريتنا، عالم البشر، نبجى زيكم... ولا نصكم حتى. آه لو يحصل!
وأطلقت تنهيدة، ويا ليتها ما فعلت، إذ انتبهت أخيرًا أنها مراقبة من ذاك المتربص، جارها المزعج، مستندًا بمرفقه على نصف الحائط المبني في الطابق الثاني، يقابلها بابتسامة متسعة، متمتمًا بشفتيه كلمات سهلة القراءة:
— صباح الجمال.
لم تُجب التحية، واكتفت أن تُحدّجه غاضبة بعينيها الجميلتين اللتين تأسره بالنظر إليهما، غافلة ببراءة تناقض شراستها أنها تزيد من تسليته. ليردف بتحريك الشفاه مرة أخرى:
— مستنيكي النهارده تنوري البيت.
وكأنها عادت طفلة صغيرة لا تدري ببلاهة أفعالها، اهتزّ رأسها بالرفض وتحريك الشفاه:
— احلم براحتك، مش داخلة بيتك.
والتفتت بعنف تذهب من أمامه، فلم ترَ الضحكة الكبيرة التي كتم صوتها بصعوبة، يضرب بكفه على ذلك الجزء الناقص من الحائط، حتى إذا توقف، غمغم بصوت مسموع لنفسه:
— آه يا أنا يا أمه، تلاحق على إيه ولا إيه بس يا حمزة؟ دمها العسل، ولا العيون المسحوبة، ولا... يا غلبك يا حمزة، يا غلبك!
---
وقف يتابع خروج الفتيات من مدرستهم، ومرور عدد منهن في ذلك الطريق الجانبي، وليس الرئيسي الذي يمر عليه المعظم. ينظر لساعة يده كل لحظة في انتظار تلك المرأة المعقدة، مخمنًا بفطرته أن هذا هو الممر الوحيد لمنزلها.
زفر بضيقٍ يكتسحه لثقل تلك المهمة التي تطوق رقبته بعذاب الضمير. ليتها كانت امرأة عادية وتعرف التحدث بالأخذ والرد، ولكن كيف؟ وهي تتخذ معاداة الرجال أسلوب حياة، كما سمع من بعضهم.
انتفض مستقيمًا، بعد أن كان متكئًا على جانب سيارته، يُبصرها قادمة من قريب، متحفزًا لمعركة قد تؤدي لفضائح أو ربما خسائر بشرية، لكنه لن يهتز أو يتراجع عما قرر فعله منذ الأمس. ما زالت تقترب وعدد من الفتيات يرافقنها، يتبادلن الحديث والضحك، يا إلهي! إنها تعرف الضحك مثل باقي البشر!
— أستاذة اعتماد!
هتف مناديًا باسمها، يجذب انتباهها وانتباه الفتيات اللواتي يحيطن بها من الجانبين، غير مبالٍ بالغضب الذي ارتسم جليًّا على ملامحها، مستنكرة فعلَه بالتأكيد. ولكن فليكن، لقد شحذ همّته استعدادًا لكل المصائب من طرفها.
تابع تصرف الطالبات وهنّ يواصلن المسير دونها، فاتجهت إليه بخطوات تحفر الأرض بغضبها، حتى إذا توقفت أمامه:
ـ نعم؟ بتنادي ليه حضرتك؟
صمت برهة يتأملها، ولأول مرة، تحضره ضحكاتها منذ قليل مع طالباتها. لقد ظن لوهلة أنه أخطأ الشخصية، بالإضافة إلى الاختلاف التام بين تلك التي كانت مع الفتيات، وهذه التي تقف أمامه بوجهها المشتد... ومع ذلك، جميلة!
ـ حضرتك، بسألك بتنادي عليا ليه؟ ممكن أفهم ليه ساكت؟
ما أبشع غضبها وتشنجها في الصياح دون تمييز! زفر يستدعي الحكمة والهدوء في النقاش مع كتلة النار التي تقف أمامه:
ـ معلش يا أبلة اعتماد لو عصبناكي، بس أنا بصراحة كان لازم أشوفك عشان أسألك...
هدأت من وتيرة أنفاسها قليلًا:
ـ تسألني عن إيه؟
أجاب يدخل في الموضوع مباشرة:
ـ أسألك عن التليفون، حضرتك، اللي عطل امبارح... بسبب الميّة...
ـ وإنت إيه يخصّك عشان تسأل؟
سليطة اللسان! كم يود أن يهشم رأسها! بارعة جدًا في إخراجه عن طوره الطبيعي الهادئ إلى الانفعال بعصبية.
ـ مالي؟ كيف يعني؟ هو التليفون دا مش باظ بسببي؟ ولا بسبب حد غيري؟ عرفت إنك ودّيتيه لحمادة جينيس بتاع التليفونات في البلد، وجالك إنه ما عرفش يفتحه، ولا بيشتغل فيه أصلًا، عشان حصل له جفلة... يعني ما عادش منه فايدة...
بشرتها الخمرية تحوّلت إلى الأحمر القاني، بامتزاج مع العرق الذي يتصبب على جبهتها وبعض مناطق وجهها بفضل الشمس، والعروق التي انتفخت في جبهتها تُنبيء بوضوح أنها على وشك الانفجار:
ـ يعني حضرتك روحت للراجل الغريب وعن تليفوني سألت واتطجست؟ برضو هجُولهالك تاني: إيه دخلك؟ باظ بسببك ولا بأي سبب تاني برضو ما يخصكش، ولا يخص أي حد!
توقفت تُهدّئ من وتيرة أنفاسها المتسارعة، وصمت هو قليلًا يمتص غضبها، غير متأثر بكل ما تلفظت به، فهذا المتوقع منها أصلًا... ليستدعي الحكمة في مخاطبة القطار المشتعل:
ـ ماشي، رغم كل زعيقك وصراخك، أنا برضو هاعمل بتربيتي وأصلي الطيب. جُلتِها قبل كده إنه قفل بسببي، وأنا ما اتعودتش أغلط وما صَلَّحش غلطي. بس يا ريت يبجى فيه تفاهم منك.
لم تفهم الأخيرة، حتى التف بجذعه أمامها، وأدخل يده في السيارة متناولًا منها علبة بيضاء، برقت أبصارها بخطر حين علمت بفحواها، ومع ذلك لم يتراجع أو يهتز، وهو يقدمه لها:
ـ دا واحد بدل اللي ضاع يا أبلة اعتماد، ممكن تعتبريه عوض، وممكن تعتبريه هدية. النبي قبل الهدية...
اهتزت أمامه كالقدر الذي يغلي فوق النيران الموقدة، شرار ناريّتيها يكاد أن يحرقه، بتصاعد ثورات الاعتزاز والكرامة التي تصدح داخلها تنادي بالانتقام لذاتها... كيف يفعلها؟ وكيف يجرؤ؟ وكيف...؟
ـ براحة على نفسك شوية يا أبلة اعتماد، أنا ما بغلطش فيكي ولا بقلل منك، هو بس إحساس بالمسؤولية لخطأ ارتكبته وعايز أصلحه.
هكذا، وبكل سهولة، أردف يخفف وطأة الشعور بالدونية الذي يكتنفها كلما مرّت بموقف مشابه، لتُعبّر عن رفضها وبقوة:
ـ وأنا ما بجبلش العوض... ولا الهدية!
عاد فجأة بعلبة الهاتف يُلقيها داخل السيارة، بكل بساطة:
ـ تمام، أنا كده عملت اللي عليّا.
ثم امتدت كفّه إلى الباب يفتحه ويستقل مقعده خلف عجلة القيادة، يُردف لها على عجالة وهو يدير المحرّك:
ـ كان ودي أتصرف بمروءة وأجولك: اتفضلي أوصلك في طريقي، بس أخاف كمان تفهميني غلط، وده المتوقع. عن إذنك يا أبلة اعتماد.
ظلت على صمتها، تراقبه حتى ابتعد بسيارته، لتُغمغم في أثره بحنق شديد، وقد ضيّع عليها فرصة الانفجار وصبّ جام غضبها عليه:
ـ مغرور... وقليل ذوق!
.............................
قامت بتسخين المياه على الموقد الطيني في القدر النحاسي الذي ورثته عن والدتها، لتستخدم المياه الدافئة للاستحمام. ثم جلست متربعة القدمين تمشط شعرها الطويل، عائدة لروتين النساء قديمًا، وراحتها التي غابت عنها على مدار سنوات زواجها.
راحتها الحقيقية التي وجدتها هنا، رغم التعب في تحضير كل شيء، حتى في تسخين المياه. مرآة صغيرة كانت ترفعها إليها كل حين وآخر، تتأمل وجهها النضر، والشعر الأسود يحاوطه من الجانبين، العيون التي بدأت تحرص على تكحيلها، لترى جمالهما المميز. أصبحت ترى نفسها، تستشعر الأنوثة التي كانت غائبة عنها، رغم كلمات الإعجاب التي تتلقاها دائمًا، حتى من النساء. ذلك الإحساس الرائع تتمنى من الله ألا تُحرَم منه امرأة.
تنهدت بعمق وقد تذكرت المتسبب الرئيسي في عودة تلك المشاعر إليها، لتزفر بضيق وتنفُض رأسها، لا تريد التفكير به ولا التأثير على قناعتها... لا تريد.
أخرجها من شرودها صوت طرق الباب الخشبي، يليه نداء ابن شقيقها:
ـ افتحي يا عمة مزيونة، أبويا جا معايا!
استقامت مبتهجة، تركض إلى الباب، تستقبل شقيقها الغائب دائمًا بفضل عمله خارج المحافظة، وبلهفة لا تقل عنها، قابَلها هو الآخر، يُقبّل وجنتها وجبهتها متغزّلًا، بعد أن تطلع إليها جيدًا:
ـ تبارك الرحمن فيما خلق، ولا أكنك رجعتي لعمر الستاشر، يا بت أبوي! رجعتي مزيونة على حق!
أضاف عليه حازم هو الآخر:
ـ أيوه يا بوي والله، أنا بقولها كده دايمًا، وهي ما بتصدجش!
تبسمت بخجل أصابها، ساحبة شقيقها معها إلى الداخل:
ـ بس يا واد، بطل بكش! أخويا شايفني بعين المحب، عمره ما هيشوفني كبرت واصل.
ـ طب ما إنتِ فعلًا ما كبرتيش، يا خيتي، لساكي! برضك مش مصدّجة؟
قالها وصفي ضاحكًا، يضمها من كتفيها إليه، فتتنعم هي بحنانه وتعبر عن امتنانها:
ـ حبيبي يا خوي، ربنا ما يحرمني منك. بس مفاجأة حلوة جيتك النهاردة. هتجعد معانا اليوم كله بجى؟ هنتغدى أنا وإنت والواد حازم، ونتصل بالعيال وأمهم. واض، يا حازم، اتصل بأمك بسرعة، و...
قاطعها وصفي:
ـ حيلك حيلك يا بت أبوي! تجيبي المرة والعيال كيف وإحنا أصلًا معزومين عند نسايبك؟
ـ نسايب ااا؟ .......
توقفت تستدرك مقصده، فتابع هو باستفساره:
ـ إيه الحكاية يا مزيونة؟ ده أنتي حتى من أول الناس المعزومين! الحجة حسنية، ولا منى، حمزة نفسه ما بلّغكيش؟
ابتلعت بتوتر عند ذكره الأخير، تحاول التوضيح بحرج:
ـ لا طبعًا كلموني، أنا بس بصراحة مش عايزة...
ـ مش عايزة ليه يا مزيونة؟ دي عزومة عادية، الراجل عاملها يبخت بيته الجديد!
بماذا تخبره؟ لا تجد في رأسها الحجة المقنعة، ومع ذلك تُصر على رأيها. هذا الرجل الذي يُحاصرها أينما اتجهت، حتى في أحلامها، ومع ذلك تُصر على موقفها:
ـ هو أنا روحتِ يعني اللي هتزود ولا تنقص! روحوا إنتوا، احضروا العزومة وتعالوا، أنا مستنياكم، نجضي اليوم مع بعض.
...............................
مسكينة هي، حين ظنت أنها سوف تنفذ قرارها. وكيف تفعل، وقد لفّ شباكه باحترافية تمنع عنها حتى التفكير؟
فقد اتخذ جلسته خارج منزله، على الأريكة المقابلة لمنزلها، يستقبل الرجال من أبناء عمومته وزوجاتهم، وشقيقاته وأزواجهم. يدخل الرجال إلى دار الضيافة الواسعة، والتي جعلها عن قصد في الخلف، حتى لا يزعج خصوصيته أحد مع المزيونة المتمردة، والتي كانت تُخفي نفسها داخل منزلها منذ الصباح. ومع ذلك، تتورط وعلى غير إرادتها بالمشاركة والترحيب بالحاضرين، بدون أدنى جهد منه.
فجميع نساء العائلة، ممن حضرن مع أزواجهن أو بلا، كانت تذهب أقدامهن إلى منزلها قبل منزله، يلتقين بها ويسألنها، وهي تختلق الحجج، حتى نفدت طاقتها بحضور حسنية نفسها ومنى التي هتفت بها فور الولوج إليها:
ـ انتي لسة جاعدة مكانك يا ولية؟ والبيت بيضرب يقلب هناك!
تلجلجت وهي ترحب بهن:
ـ وه يا منى، ادخلي سلمي الأول بي. اتفضلي يا حجة حسنية، اتفضلي...
عارضتها حسنية بلطفها المعتاد:
ـ ندخل فين يا بنيتي ونسيب الناس؟ والبيت المليان هناك؟ إنتي لسة جاعدة مكانك ليه يا مزيونة؟ هو إنتي غريبة يا بنيتي؟
ابتلعت، تبحث عن سبب منطقي يمنعها:
ـ يا حجة، أصل يعني هو...
ـ هو إيه بس يا مزيونة؟ يا بتي اتحركي ياللا، حتى على الأقل عشان توَنّسي بنيتك!
ـ ليلى هتحضر؟
سألتها بلهفة، لتؤكد لها منى:
ـ أيوه يا ستي، ومعاها معاذ كمان، قبل ما يسافر على شغله بكرة. يعني البيت كله هيحضر، وهما لأ؟
...........................
بعد لحظاتٍ ليست بالقليلة، خرجت تُنعش الهواء من حوله بحضورها، ترافق والدته وشقيقته، بخطوات يحفّها الخجل.
هو ليس بالأعمى حتى لا يرى بأمّ عينيه تأثيره عليها، حتى وإن ادّعت العكس، بذلك التجهّم الذي تتصنّعه، وقد خرجت مجبرة، حسب ما فهم من بعض الحجج التي تواترت على مسامعه عن سبب غيابها، وقد أنبأته صباحًا بعبوس الأطفال.
فاردة ظهرها بعزة، تمشي بجوار والدته التي أطلقت زغرودة كبيرة من فمها، قبل أن تلقي بنفسها عليه، تبارك وتهنئ وتقبّل وجنتيه:
ـ تكون عتبة السعد عليك يا نضري، تملاها بالولاد والبنات اللي تخاوي بيهم ولدك.
ضحك بمرح، يُلقي كلمات ذات مغزى، يخطف بنظراته إليها كل لحظة:
ـ آه يا ست الحبايب، بس تيجي صاحبة النصيب الأول، وإحنا نخاوي ريان بالولاد والبنات والأحفاد إن شاء الله فيما بعد.
ـ كريم ينولك نصيبك.
تمتمت بها والدته بتضرّع، ليتجه ببصره بعد ذلك نحو مزيونة، التي تغيرت لشيء آخر...
قد ذهب عنها خجل المراهقات الذي أصبح يصاحبها في حضرته، ليحضر شيء آخر لم يفهمه، ربما سببه كانت تلك الكلمات الأخيرة التي أردفت بها والدته.
ـ عتبة سعيدة إن شاء الله يا أبو ريان.
ـ تسلمي يا أم ليلى، ربنا يبارك فيكي. أخيرًا هتخشي البيت مع الجماعة وتشوفي البيت.
قال الأخيرة بمزاح، قابلته بابتسامة باهتة فاقدة الحياة، ثم تحركت تتبع والدته نحو باب منزله، والذي ستدخله لأول مرة.
اقتربت منى تجذبه من ياقته بعنف كي ينتبهه إليها:
ـ ما خلاص، سيبها تدخل، وانت شوف أختك، يا عديم الحساسه! ألف مبروك يا حبيبي، عتبة السعد والهنا إن شاء الله.
تقبّل العناق ومباركتها بابتهاج لا حدود له، يعبر عنه كالطفل، ناسيًا وضعه كرجل كبير، ربّ عائلة، وناضج:
ـ دخلت بيتي يا منى، ادعيلي يا خيتي تبجى من نصيبي، ادعيلي ربنا يهديها على أخوكي يا بت.
قابلت رجاءه بعطفٍ شديد:
ـ إن شاء الله يا حبيبي، تكون من نصيبك، والله ليحصل بإذن الله.
ـ يا رب، يا رب...
ظل يتمتم بالدعاء حتى بعد ذهابها، واستقبال فردين من أبناء عمومته من ضمن المدعوين.
تغمره حالة من الشرود والتساؤلات التي تدور في عقله، عن رد فعلها حين ترى داخل المنزل. كم ودّ أن يترك مكانه ويُريها كل قطعة فيه، ليعرف رأيها، وإن كانت تُعجبها أم يغيّرها من أجلها.
وفي غمرة تلك التساؤلات، تفاجأ بحضور آخر شخص يتمنى غيابه الآن.
ـ روان...
تمتم بعد استيعاب، يراقب ترجلها من السيارة بصحبة صغيره، الذي يكاد أن يطير من الفرح، يسحبها من يدها وهي تضحك:
ـ براحة يا قلب ماما، أنا مش قدك... ولا أقولك، خلاص وصلنا أهو، إزيك يا حمزة؟ ألف مبروك على البيت.
بوجومٍ واضح، تلقى تهنئتها، يومئ برأسه، وبصوت بالكاد يُسمع:
ـ أهلًا يا روان، الله يبارك فيكي.
اكتنفها حرج شديد من رد فعله، فسارعت بالتوضيح لتخفف من ثقل الموقف:
ـ ريان هو اللي عزمني على فكرة، مكنتش أعرف إنه مقالكش. على العموم، لو رافض دخولي البيت أرجع عادي، أنا أصلًا جايّة أبارك وبس، عشان عزومة يعني ولا حاجة.
ألقى بنظرة خاطفة نحو صغيره، قبل أن يعود إليها بحنقٍ في نبرة صوته:
ـ ودي عمايل ولاد أصول برضه؟ عيب يا روان، البيت بيتك. اتفضلي جوا مع الحريم.
ترددت عن التحرك من محلها، فتوجه بالأمر حازمًا نحو صغيره:
ـ واض يا ريان، اسحب أمك على البيت جوا عند الحريم... أخلص يا واض!
........................
طافت بها على جميع الغرف، لم تترك موضعًا في المنزل حتى عرفتها به، فلم يتبقَ سوى غرفة واحدة، كانت الأخيرة. وفور أن دخلتها مزيونة، اكتنفها شيء غير مفهوم، لتسألها:
ـ دي شكلها أوضة نوم، بتاعة...
قطعتها ناظرة إليها بعتاب، تجاوزته منى وهي تتحدث بمكر:
ـ أيوة يا حبيبتي، دي أوضة حمزة، إيه رأيك فيها بجى؟
ابتلعت رمقها بارتباك شديد، لتجيبها بحدة:
ـ وأنا مالي يا منى؟ أجول رأيي فيها ليه؟ حلوة لصحابها وخلاص، يلا بينا خلينا نرجع.
همت أن تلتف، ولكن منعتها منى، توضح ببراءة:
ـ وه يا مزيونة، أنا بسألك عشان أشوف رأيك عادي، حُكم إني مكنتش عجباني جوي، أكمنها عصرية زيادة عن اللزوم، مش زي الأنواع اللي إحنا متعودين عليها. حمزة اشتراها جديدة، زي ما عمل مع كل العفش في البيت الجديد.
هي لم تكذب في الأخيرة، كانت بالفعل مبهرة، عصرية وفاخرة كصاحبها، وصاحبة النصيب أيضًا التي تليق به... أين هي من هذه الفخامة...
نفضت رأسها فجأة، تطرد الأفكار المزعجة من عقلها:
"ربنا يوفقه ببنت الحلال اللي تنورها إن شاء الله، كفاية بجى... خلينا نطلع."
والتفتت سريعًا ذاهبة، حتى اضطرت منى أن تهرول للحاق بها:
ـ طب استني يا ولية، أنا فيا حيل للجري وراكي!
توقفتا الاثنتان مع الظهور المفاجئ لتلك التي أصبحت عادتها تلك الصفة:
ـ ما شاء الله، طالعين بتفروا ورا بعض! لتكونوا بتلعبوا كمان؟
حل الوجوم بمزيونة، لا تجد ردًا على تلك المخلوقة الغريبة، فتكلفت منى بالرد:
ـ وماله يا هالة لما نِفِرّ ورا بعض؟ الله أكبر عليكي يعني.
ـ يا ستي، هو أنا هحسدك؟ ربنا يزيدكم كمان وكمان. بس أنتو كنتوا طالعين من أوضة النوم، صح؟ الوحيدة اللي أنا مدخلتهاش يا منى...
قطعت الجملة مصوبة نظرة نارية نحو مزيونة، لتردف:
ـ ولا اكني بت عمهم حتى... مش مرة أخوهم اللي معاهم في بيت واحد!
للمرة الثانية، زادت من حنق مزيونة، لتجبرها على الرد هذه المرة:
ـ وأنا إيه اللي عرفني بالكلام ده يا هالة؟ أنتو عيلة في بعض زي ما بتجولوا... عن إذنكم.
أنهت كلماتها وتحركت مبتعدة من أمامها بخطوات سريعة غاضبة، لتعلق منى إثرها نحو الأخرى:
ـ نفسي أفهم يا هالة، هو انتي شيطانك ده مسلطك علينا ولا على نفسك؟ ربنا يهديكي.
ضحكة ساخرة صدرت من هالة، تتابع ذهاب منى باستخفاف، مغمغمة:
ـ وتتعبي نفسك ليه يا غالية؟ هي سهلة وبسيطة خالص... لكل فعل رد فعل.
......................
حين وصلت مزيونة إلى تجمع السيدات، كانت تهم بالاستئذان في الرحيل، ولكن وجدت ما جعلها تتراجع سريعًا؛ صغيرتها التي كانت كالزهرة بين السيدات، بطلتها التي تقترب من المراهقة الصغيرة والعروس المتزوجة حديثًا، تثير فضول الجميع في النظر إليها، والتقرب منها بروحها النقية دائمًا.
حتى أنها لم تخجل منهن، وفور أن التقت عيناها بها، ركضت إليها غير مبالية بشيء:
ـ أمي الغالية، أنا جيالك بنفسي النهارده.
تلقتها مزيونة بالعناق غير مبالية، مصدر السعادة الوحيد إليها صغيرتها؛ فلمَ قد تخجل من لهفتها إليها؟ عانقتها بقوة، حتى أنها لم تعِ على وجود أحدهم سوى بعد لحظات، وقد كان واقفًا بالقرب من الباب، يصوب أبصاره نحوهما بابتسامة خلابة، أثناء حديثه السريع مع والدته، فقالت ليلى:
ـ عم حمزة هو اللي أصرّ أجي وأحضر معاكم العزومة، أنا ومعاذ اللي جاعد دلوك مع الرجالة. البيت طلع حلو جوي، بصراحة عم حمزة يستاهل كل خير.
سمعت منها، واتجهت أبصارها نحوه على غير إرادتها، تتعانق النظرات بينها وبينه بصورة لفتت زوجًا من النظرات الحاقدة، لتوسوس إحداهما إلى الأخرى:
ـ واخدة بالك؟ عشان تبجي تصدجيني بس.
الفصل السابع والعشرون ج٢
**"كم كان الطريق موحشًا، حين خُطِفت قدماي إلى ساحةٍ لم أخترها…
ساحة نُصِبت فيها العيون قبل أن تُنصَب الكلمات.
أُغرِقتُ في معركة لم أُعلن يومًا أنني جُنديّ فيها،
كأنّ الهمسات سهام،
والنظرات قاضٍ لا يعرف للرحمة سبيلًا.
أنا التي خُدشت كرامتها بكلماتٍ عابرة،
أنا التي انكمشت بين زوايا قلبها، تخشى من ظلّها،
تتحسّس ملامحها كأنها باتت غريبة عنها.
وكم كان اللوم ثقيلًا…
لا عليه، بل على قلبي الذي وثق،
على ضعفي حين التزمت الصمت،
وعلى خوفي الذي خنق صرختي.
لست قوية بما يكفي لأبدو بخير،
ولا هشّة بما يكفي لأبكي أمامهم.
أنا فقط… متعبة."**
......................
الفصل السابع والعشرون ج٢
3
في دار الضيافة التي أُعدت لاستقبال الزوّار من أبناء عمومته وبعض المعارف الأعزاء عليه، لم يُقصّر هو ولا أشقاؤه في العمل على إكمال المأدبة على أكمل وجه؛ من بداية الحفاوة في الاستقبال، مرورًا بالمأدبة الفاخرة، حتى وصلوا الآن إلى الطواف على الحاضرين بكافة المشروبات الساخنة والباردة والحلوى التي أرسل في طلبها من أغلى محلات المحافظة.
كان يغمره ابتهاج غير عادي، متأملًا أن تكون المرة القادمة المأدبة الأهم في عمره... مأدبة عرسه.
ــ "الله ينور عليك يا أبو ريان، العزومة النهاردة حاجة فاخر من الآخر يعني! كل دي تكاليف يا راجل على عزومة لعيال عمّك؟! أمال لو فرح، كنت عملت إيه؟!"
تمتم بتلك الكلمات شقيقه الأصغر بعد أن تمكّن أخيرًا من الجلوس بجواره، ليعلّق شقيقه الأوسط، خليفة، قائلًا:
ــ "ما يعمل دلوك، ويعمل بعدين يا سيدي، مدام في كل الأحوال إحنا اللي بناكل وإحنا المستفيدين! ولا هو أكل وبحلجة؟!"
تبسم حمزة موافقًا:
ــ "أيوه والله، جوله يا خليفة، عايز ياكل ويسأل كمان؟!"
أذعن خليفة بمرح ينفذ الأمر قارصًا بذراعه على عنق معاذ أصغرهم:
ــ "لا طبعًا مش من حقه! احترم نفسك يا واض، احترم نفسك يا جليل الرباية! يا تاكل يا تسأل!"
ضحك معاذ وهو يقاوم ذراع شقيقه، ليتبادل الثلاثة المزاح والمداعبات، حتى تذكّر حمزة شيئًا ما، فنهض من جوارهم متوجهًا إلى مجموعة من الصغار، جلس بينهم صغيره يلعب معهم. دنا منه وأمسكه من يده:
ــ "واض يا ريان، تعالَ... عايزك."
استجاب ريان لسحبه حتى ابتعد به حمزة إلى ركن ما، بمسافة آمنة تمكنه من الحديث معه بحرية:
ــ "نعم يا أبوي؟"
ــ "مِنْحرِمْش يا عين أبوك، أنا بس كنت عايز أسألك سؤال كده يعني... راجل لراجل."
ــ "جول يا بوي، أنا راجل وسيّد الرجال!"
حك حمزة بأنامله على ذقنه بتفكير ورويّة قبل أن يسأل وينتقده بحرص:
ــ "طبعًا يا حبيبي... بس أنا كنت عايز أسألك، يا سيد الرجال، مش برضك كان لازم تبلغ أبوك؟ ولا تاخد رأيه قبل ما تعزم أمك من نفسك؟ طب كنت جولي، عشان تيجي مني أحسن."
شرد ريان قليلًا حتى تذكّر، ثم أجابه:
ــ "بس أنا ما دعتهاش من نفسي، ولا جولتلها تعالي غير لما هي سألتني."
سأله حمزة بعدم فهم:
ــ "إزاي يعني؟ وضّح أكتر."
شرح له ريان:
ــ "يا بوي، هي اللي سألتني في التليفون، وهي بتكلمني عن العزومة اللي انت عاملها... عازم مين ومين؟ ولما جولتلها فلان وفلان، زعلت، وجالتلي: يعني كل الناس معزومة إلا أنا؟! جولتلها تعالي، في حمايتي، مش أنا ولدك برضه؟"
تصنّع حمزة ابتسامة باهتة ليصرفه، فذهب، وتوقف هو مغمغمًا لنفسه:
ــ "يعني عزمت نفسها... وكانت عارفة بميعاد العزومة... يا ترى إيه وراكي يا روان؟!"
!
.............................
في الردهة الواسعة للمنزل الجديد، حيث المأدبة الفاخرة التي ارتصت عليها أشهى الأطعمة بمختلف أنواعها،
كانت تضم عددًا لا بأس به من النساء المدعوات من العائلة، من أبناء عمومته وشقيقاته وبناتهم، ترأسها الحجة حسنية، التي تطوف على الجميع وتراعي، بمساعدة بناتها أو حفيداتها اللاتي لا يقصرن معها.
تشاركهن مزيونة، التي أذعنت لتلبية الدعوة تحت الإلحاح، لتضطر إلى تناول الطعام معهن.
مع أن وضعها طبيعي جدًا بصفتها والدة ليلى ونسيبتهم كما يقولون، إلا أنها كانت تشعر بالغربة وسطهن،
رغم ترحيب حسنية المبالغ فيه، وبناتها في معاملتهن الخاصة لها ولابنتها.
أو ربما هذا ما كان يزيد الأمر سوءًا عليها، أمام تلك المرأة زوجة حمزة السابقة،
فقد كانت تحدقها بنظرات غير مريحة، لا ترفع بصرها عنها إلا قليلًا، حتى وهي تلوك الطعام الآن.
منذ بداية حضورها وهي تتفحصها من حجاب رأسها في الأعلى حتى خف قدميها.
ليست غبية عن نظرتها الدونية لها.
وكأنها تقصد أن تشعرها بالنقص، بذلك الفرق الشاسع بين واحدة ترتدي ملابس عادية جدًا، عبارة عن عباءة سوداء وحجاب سماوي ترتديه أحيانًا حتى في المنزل، وبين تلك التي تجلس بعظمة، وهيئة ملوكية رغم بساطة الملابس الغالية أيضًا، امرأة راقية ومتعلمة وجميلة أيضًا. منطقيًا لا توجد منافسة من الأساس، إذن، لماذا لا توفر جهدها ولا تزعجها أصلًا؟! فقد رحمها الله أن عرفت قدر نفسها من البداية حتى لا تعلّقها بالأحلام.
كانت مكشوفة لدرجة لفتت انتباه ابنتها، لتهمس لها بنزق:
ـ هي مالها الست دي بتبصلك كده ليه؟ طالعة معايا أحرجها جدام النسوان وأسألها؟
شهقة أجفال كتمتها مزيونة داخلها، لتوجه الأمر نحو ابنتها التي أصبحت تبادل روان النظر بعدائية:
ـ اجفلي خشمك يا زفتة وشيلك عنها، مش عايزين حد ياخد باله من الحريم ولا البنتة.
بتحدٍّ أحمق، عارضتها ليلى:
ـ مش لما تشيل عينيها هي الأول، وتحط همها في الطبق اللي جدامها؟
هذا أكبر من تحمّلها؛ ابنتها تدفعها عفويتها للتهور الذي قد تُدفع ثمنه بفضائح هي في غنى عنها. لم يسعفها سوى نظرة حازمة محذّرة، أخرست ليلى وجعلتها تصرف نفسها عن مواجهة تلك المرأة، لتضع همها مُجبرة في الطعام، غافلتين عن مراقبة ثاقبة من إحداهن، بأعين متوعّدة، مترقّبة!
داخل غرفتها، وكانت منكفئة على مجموعة من الكتب تعمل على تحضير جدول الغد من دروس المواد التي تُدرّسها، لم تنتبه لدخول شقيقتها إلا عندما وضعت أمامها كوبًا كبيرًا من العصير الطازج، فرفعت رأسها إليها بامتنان:
ــ "وه، رغد هانم بحالها عاملة العصير وجايباهولي عندي! دا إيه الهنا دا يا ولاد؟!"
تبسّمت لها المذكورة، تُعقّب بطريقتها الصعبة في النطق بعض الشيء:
ــ "وو... وهو يعني... رغد، عندها أأأغلى ممنك يعني، يا ستّ اعتماد؟"
نفت الأخيرة بهزّ رأسها ونظرة حانية نحو شقيقتها الجميلة الرقيقة، أصغرهم. فقد أُصيبت رغد بمرض ما وهي طفلة، ولم تتمكن من العلاج منه لظروف الفقر الشديد، حتى أثّر على جهاز النطق لديها. وظلّت لفترة طويلة لا تتحدث إلا بالإشارة، ولكن فور أن تمكنت اعتماد من الحصول على المال، فعلت أقصى جهدها من أجل علاجها، في رحلة طويلة انتهت إلى تلك النتيجة. كانت تريد لها المزيد، لكنها تحمد الله على ما تحقق.
ــ "ولا اعتماد عندها أغلى من رغد! انتي عيني من جوا، يا حبيبتي."
ــ "وو... روووضة، اننتي دايمًا ككنت بتجولي كده."
زفرت اعتماد بيأس، تعلّق على قولها:
ــ "أنا فعلًا طول عمري بقول كده... بس أختك تعبتني جوي، وشكلي مش هتستريح غير لما تجيب أجلي!"
ــ "بببعد الشر عليكي! رووضة طيبة... ببس مشكلتها جوزها عفِش."
ردّت اعتماد بابتسامة ساخرة:
ــ "عادي يا حبيبتي... ما كل الرجالة عفِشين! الرك على الحرمة نفسها. واختك بهبلها هي اللي بتعشّم الصايع جوزها في استغلالها. والله، لو تملك نص عجلك بس، لكانت ريّحتني."
ضحكت رغد، ليشرق وجهها الجميل بمرح تعشقه شقيقتها الكبرى، بل وتعتبر ابتسامتها وضحكتها بمثابة جائزة لها في عزّ لحظاتها يأسًا. ببراءتها تشعر أن الدنيا ما زالت بخير.
ــ "صحيح... تلييفووونك فييينه؟"
تنهدت تجيبها بغيظ:
ــ "باظ يا حبيبتي، خد نصيبُه وراح!"
صمتت تتذكر من تسبّب في إعطاله، لتضغط على شفتها بحنقٍ شديد كلما أتى بعقلها عرضه عليها هاتفًا جديدًا من أحدث صيحة، ثم ومن دون كلام، رفعه عنها قبل أن يسمع الرد بصورة أقوى! مغرور... وجليل ذوق... وشايف نفسه، عشان ما هو حلو حبتين!
انتهى الغداء الكارثي لها، في ظل أجواء من التوتر لم تشهدها من قبل. كم ودّت أن تترك كل شيء وتهرول على الفور إلى منزلها، ولكن الحجة حسنية، التي أصرت عليها للمجيء، هي نفسها من أجبرتها بلطفها الشديد على أن تنتظر معهن وتشاهد جلسة المديح من شيخ البلدة، بعد أن أنهى تلاوة القرآن لتحصين المنزل الجديد وزرع البركة به.
من خلف الباب الداخلي لساحة الضيافة التي أعدها حمزة، جلست النساء، ووقف بعضهن يتابعن الصوت العذب الذي يشدو بأجمل القصائد، وخلفه يردد الحاضرون من رجال في الخارج ونساء في الداخل، باندماج يُثير الإعجاب ويريح النفوس الشاردة لأن تفصل عن واقعها هذه اللحظات، حتى تمر دون شعور بالوقت.
قمر سيدنا النبي قمر...
حين توقف الرجل عن الإنشاد برهة، انتبهت، تكتفي من الجلسة والمشاركة، وقد فعلت ما عليها، تخاطب ابنتها هامسة:
ـ بت يا ليلى، أنا رايحة بيتي، هتاجي معاي على ما الليلة تخلص وجوزك ياجي ياخدك؟
ردت ليلى بلهفة:
ـ لا، أنا عايزة أدخل الحمام الأول، بجالي مدة طويلة عايزة أجوم ومكسوفة أستأذن، البيت ما شاء الله كبير وأنا مش عارفة فيه حاجة.
ـ وساكتة ومجولتيش؟! آخدك أنا على بيتي يا موكوسة!
تمتمت بها تُوبّخ ابنتها وهي تهم بالنهوض، مما جعلها تلفت انتباه منى الجالسة بجوارها، فعلّقت بطرافتها كالعادة:
ـ ما تثبتي يا ولية وبطلي فرك، على ما نخلص الليلة مع بعض! هو إحنا كل شوية هنقولك اجعدي؟
ضحكت مزيونة وردّت بحرج:
ـ يا ستي، انتي بلاش ظلمك ده، بنيتي عايزة تدخل الحمام، هاخدها على بيتي ورجعالكم تاني.
ـ تسحبيها على بيتك عشان تدخل الحمام يا مجنونة؟ وهنا إيه؟ مفيش؟ جومي يا بت تعالي...
قالتها منى لتنهض، تجذب ليلى من يدها، ذاهبة بها، وتبعتهما مزيونة حتى توقفت في منتصف الطريق، تنبّههما:
ـ أنا هستناكم هنا طيب.
وافقتها منى بحماس:
ـ تمام، استنينا عشان نرجع وناخد جعدتنا مع بعض، بعيد عن الحريم الفقر.
تبسمت مزيونة لمقترحها، لتتوقف، متحولة بنظرة خاطفة داخل أرجاء المنزل الفخم، بعد أن خلى تقريبًا من الأفراد، لاجتماعهم عند دار الضيافة والاستمتاع بالمديح.
انتبهت إلى قنينة المياه الموضوعة على الطاولة التي تتوسط المساحة الشاسعة، لتشعر برغبتها في الارتشاف منها، فاقتربت، لتضع منها في كوب وتشرب.
في نفس الوقت، كان شخصٌ آخر قد دلف إلى المنزل، فوقعت أبصاره عليها، ليتجمد في مكانه، وقد ارتجف قلبه داخل صدره برؤيتها وحدها تحتل المساحة الشاسعة دون مشاركة من أحد، نعم، فهو منزلها وهي سيدة الدار، حتى وإن كانت تجهل هذه الصفة حتى الآن.
وكأنه عاد إلى أيام الصبا واندفاع المراهقة، تحركت أقدامه دون تفكير نحوها، يلتقط فرصته في الحديث معها:
ـ مجولتيش رأيك إيه في البيت؟
شهقة أجفال صدرت منها بصوت عالٍ، حتى سقط منها كوب الماء بما يحتويه على الأرض، بعد أن فاجأها بحضوره وقوله، لتستدرك سريعًا، متوجهة إليه بنظرة نارية، ويدها لوّحت إليه باستفهام لاهث، فالتقطها بفطنته، يعلّق بمرح:
ـ سلامتك من الخضة، أنا كان جصدي أسألك بس مش أخلعك.
ألقت نظرة سريعة إلى الخارج بتوتر، ثم عادت إليه موبّخة:
ـ وفرجت إيه؟ انت أصلًا إيه اللي جايبك هنا؟ سايب كل اللمة اللي برا وجاي لي أنا؟!
ردّ يتحفها بابتسامة عابثة غير مكترث:
ـ وأسيب العالم كله كمان وأجيلك! يهمني أعرف رأيك، رأيك أهم عندي من الكل.
ـ يخرب مطنك...
تمتمت بها، تُغمض عينيها بتعب، ثم أردفت:
ـ يا سيدي، هو انت طلعتلي منين؟ مالي أنا؟ ولا انت مالك بيا عشان يهمك رأيي؟ دا بيتك وانت حر فيه، عملته قصر ولا عِشّة، أنا إيه دخلي؟
التمعت عينيه ببريق خاطف، تتجلّى فيهما الإجابة بكل وضوح حتى دون أن ينطقها، يراوغها بمكر:
ـ وه، ولما انتي إيه دخلك؟ أمال مين اللي له دخل؟! هو البيت اتبنى هنا ليه أصلاً؟
تلك السهولة التي تحدث بها، وعيناه تنطقان بما لا يدع مجالًا للشك في صدقه، لتتجمد في مكانها كالتمثال، تُعاد الكلمات بذهنها مرارًا وتكرارًا، والمعنى يتجلّى أمامها بوضوح الشمس، حتى تمكنت من الرد أخيرًا بتلعثم وهروب:
ـ كنك شارب وجاي تستظرف! سيبهولك خالص البيت اللي انت فرحان بيه ده.
كادت أن تلتف وتذهب، ولكنها وجدته يتصدر أمامها بابتهاج يغمر قلبه، هروبها المتعمد وارتباكها الملحوظ أمامه الآن، كل تلك المظاهر تؤكد تأثيره الطاغي عليها حتى وإن أنكرت:
ـ انت بتتصدر جدامي زي العيال الصغيرين، زوّدتها جوي، قسماً بالله لو ما اتزحزحت من جدامي، لأفضحك وأجلبها ليلة طين!
ضحك بعدم اكتراث بكل ما أردفت به، مرددًا:
ـ بعد الشر، ما تبجى طين ولا زفت، إن شاء الله هتبجى فل وآخر تمام. البيت كمل واتبنى، ومعدتش فاضل كتير...
ختم بتنهيدة ساخنة قبل أن يتحرك ويتركها:
ـ هااانت، هاااانت.
توقفت في أثره، تتبع خروجه واختفاءه من أمامها، بدوار بات يطيح برأسها، وأقدام لا تقوى على حملها، وكأن الأرض ذاتها تهتز من تحتها، وما عادت ثابتة كما عهدتها دائمًا. ماذا تبقى ليطلبها صريحة؟ وإن فعل... ماذا سيكون ردها؟...
ـ ما شاء الله، دا الحلوة عايشة في الدور على آخره كمان؟
ذلك الصوت الأنثوي الذي أتى من البعيد أعادها إلى عالمها الحقيقي، فتحت عينيها جيدًا نحو تلك المرأة التي تتربص بها منذ حضورها، تقف مقابلها تمامًا، تطلق شررًا من ناريّتها قادرًا على حرق من يقف أمامها.
تحدثت مزيونة بتشتت، بالكاد تستوعب ما يحدث:
ـ فيه إيه؟ انتي بتكلميني أنا؟
ـ أمال يعني بكلم خيالك ياختي؟!
صدرت منها كردٍ يصعق مزيونة بجرأتها، وقد تحولت إلى امرأة أخرى، تنزع عنها ثوب الرقي الذي تتحلى به أمام الجميع، مستغلة غياب المدعوين، يساعدها الصوت العالي للمديح الذي أصبح يصدح بقوة، مع مشاركة الرجال، لتفرغ بحرية شحنة الغضب المكبوتة في صدرها:
ـ فكراني عامية ولا مغفلة على عمايلك المكشوفة مع أبو ابني؟ بتلفي وتدوري حواليه زي الحية! تلفّي عليه شباكك! هو انتي ملكيش راجل يلمّك؟ ارجعي لجوزك يا ماما، وبلاها الرخص وقلة القيمة من واحدة زيك!
وكأنها في كابوس حقيقي، تكذّب أذنيها وعينيها ما تسمعه أو تراه، وعقلها يأمرها بالشجاعة والثبات أمام تلك المخلوقة:
ـ انتي مرة جليلة أدب ومش محترمة،
وأنا لولا عاملة احترام للبيت اللي واقفة فيه وناسه، كنت عرّفتك مجامك!
ـ تعرفي مين مقام مين يا حيوانة؟!
تطاولت هذه المرة لتمعن في إهانة مزيونة، تمسكها من طرف جلبابها بازدراء، تواصل تحقيرها أمام نفسها:
ـ بزمتك، انتي مش دريانة بنفسك؟ بترسمي على حمزة خريج الجامعة وابن العيلة المأصلة؟ ده أنا مشغلكيش خدامة عندي بمنظرك ده! أقل واحدة عندي معاها كلية أو معهد على الأقل! ما تصحي لنفسك يا حلوة، ده انتي شهادة الإعدادية ما خدتهاش!
الصدمة التي تباغت الإدراك وسط سطوة الإهانة على عزة النفس، فتعقد اللسان وتُحدث في الجسد جمودًا يماثل الشلل، حتى يستوعب الشخص ما يحدث، ثم يأتي رد فعله...
كانت هذه حال مزيونة، حتى أتت يد تعرفها جيدًا، تبعد تلك المرأة عنها، وتتصدر هي لها، صائحة بها:
ـ بتعملي إيه يا مرة يا مخبولة؟ شيلي يدك عن أمي بدل ما أجطعهالك!
كانت تلك ليلى، التي هالها مشهد والدتها وإهانتها من تلك المرأة، فأتت راكضة للزود عنها، تدفع روان بقوة حتى كادت أن توقعها، وكأنها تحولت إلى وحش للدفاع عنها. فتدخلت منى هي الأخرى بعد أن وصلت خلفها، تحدجها المذكورة بنظرة نارية، لتضطر الأخرى إلى التبرير لها:
ـ أنا آسفة يا منى، بس والله غصب عني، لو شُفتي بعينك اللي شُفته من الست دي وهي بتحاول تغوي حمزة هنا...
شهقة قوية كانت هي الرد الذي جاء متأخرًا من مزيونة، في تناقضٍ واضح مع ابنتها التي كانت واعية تمامًا لأخذ حق والدتها، فارتفعت يدها لتحط على خد الأخرى بـلطمةٍ قوية صرخت على إثرها روان بألم، يتبعها قول ليلى:
ــ "جطع لسان اللي يجيب سيرة مزيونة الحرة بكلمة واحدة."
وعلى الرغم من مباركة منى لفعل ليلى، إلا أن ما حدث بعد ذلك جعلها تعيد التفكير، فقد علا صوت روان قاصدة أن يصل للنساء المتابعات للمديح بالقرب منهن:
ــ "قبل ما تمدي إيدك على أسيادك، لمي والدتك اللي هتبقى جدة بعد كام شهر عن أبو ابني، اللي عايزة تكوش عليه وتحرمه من لم شملنا من تاني!"
ــ "تاني؟ هتجلي أدبك النهاردة والله لأربيكي يا مهزجة، عشان تعرفي مين سيد مين؟"
هتفت بها ليلى، وهمّت بالهجوم عليها بالفعل، ولكن مزيونة كانت الأسرع، فتشبثت بابنتها ومنعتها. أما منى، التي ارتجفت من تطور الموقف، فقد بدأت تدفع روان لإخراجها:
ــ "امشي يا روان، امشي يا روان، إنتي مش كد غضب حمزة لو عرف."
كادت أن تنجح في صرفها، لولا صيحة أتت من الخلف:
ــ "إيه اللي حصل؟ مالها ليلى شابطة ليه في روان وبتتعارك معاها؟"
كان من البديهي تمييز هواية صاحبة الصوت هالة، لتشرع في إسكاتها، لكن ما لم تحسب حسابه هو عدد السيدات اللاتي قدِمن خلفها يتساءلن:
ــ "فيه إيه؟ حصل إيه يا جماعة؟"
استغلت روان هذا الدعم لتنزع نفسها من بين ذراعي منى، تصرخ طالبة النجدة من شريكتها:
ــ "الحقيني يا هالة، منى عايزة تطردني عشان ب..."
قطعت مجبرة حين وضعت منى كفها على فمها تصمتها، طالبة من النساء التراجع:
ــ "لو سمحتوا ارجعوا مكانكم، دا شأن عائلي..."
تدخلت حسنية، وقد أتت بحالة من الفزع، لتوجه سؤالها إلى ابنتها ببساطتها:
ــ "هو إيه شأن عائلي؟ إيه اللي حصل يا بتي؟"
ظلت منى بكفها فوق فم الأخرى، تفكر سريعًا في حل، تنقل نظرة خاطفة نحو مزيونة التي تتمسك بها ابنتها خشية سقوطها، فقد كانت في حالة يُرثى لها. ولكن قبل أن تجيب، سبقتها هالة:
ــ "شكلها عركة كبيرة بين ليلى وروان، عشان حد من العيال دخل عليّا وبلغني وأنا بتفرج معاكم على المديح إن ليلى ضربت روان بالقلم على وشها!"
شهقات وهمهمات صدرت فجأة من النساء، وقد توجهت أبصارهن نحو ليلى، التي لم تستطع ترك والدتها، وقد بدت أمامها كالغريق الباحث عن طوق نجاة، فتحدثت مقلدة نبرة منى في الحكمة:
ــ "زي ما جالتلكم عمتي منى، موضوع شخصي..."
ــ "موضوع شخصي وهي بتلعب معاكي يا بنيتي؟ دي روان بت أصول ومافيش في أدبها!"
صاحت بها إحدى السيدات، مع تناثر بعض التعليقات، حتى عادت هالة للتدخل، مع تراخي الأخرى بدأت تخشى نتائج تهورها:
ــ "ولما هو موضوع شخصي بينك وما بينها، دخله إيه عمك حمزة؟ مع سيرة مزيونة اللي اتنتورت كمان واحنا داخلين عليكم وسمعناكم!"
ارتخت ذراعا منى عن إسكات روان بيأس، وقد دب الحماس بالأخيرة لتُخرج نفسها عنوة، مدفوعة بكلمات هالة التي شجعتها على المواصلة، فتردف بمظلومية:
ــ "أيوه، هو سبب المشكلة يبقى حمزة! أبو ابني اللي بيحلم باليوم اللي نرجع فيه ونعيش سوا، الست دي هي اللي عايزة تضيع الأمل بينا بألاعيبها القذرة!"
ــ "جطع لسانك! إنتي تاني؟ هتجلي أدبك!"
صرخت بها ليلى، تحاول الفتك بها، ولكن هذه المرة منعتها امرأة كانت بالقرب منها، ووالدتها التي تماسكت لتتشبث بها هاتفة:
ــ "سيبك منها وروحي على بيتك، أنا كمان ماشية خالص وسايبة البيت ده!"
عمّ الهرج مع تدخل بعض النساء لفض الاشتباك بين الفريقين: روان التي تبكي بمظلومية، ومزيونة التي تحاول الخروج، والنساء يمنعنها، ويحاولن السيطرة على ليلى التي كانت مصرة على ضرب روان مرة أخرى، حتى صدح الصوت الجهوري بخشونة أوقفت الجميع:
ــ "إيه اللي جرى؟ صوتكم واصل للجسر اللي ورا البيت؟ حتى الشيخ في المندرة بطل مديح من كتر صراخكم اللي غطى عليه! مالكم، اتجنيتوا؟"
خرست الأصوات جميعها، وخيّم الصمت على الرؤوس، روان صارت ترتجف لرؤيته، وذلك الوجه الصارم بحدة، الذي تعرفه جيدًا من عشرتها معه، هيبته التي أرعبت حتى النساء اللاتي لا شأن لهن بالأمر من الأساس. وقد بدا كالحائط بوجهه المشتد بتجهم، يقف بجوار شقيقيه، اللذان لا يقلّان عنه حزمًا.
فتحدث خليفة هو الآخر:
ــ "خرستوا دلوك بعد ما جيبتولنا الفضيحة جدّام الناس الغريبة؟"
أضاف عليه معاذ:
ــ "أيوه والله، دلوك لبّدتوا في بعض زي البسس، بعد ما خدنا الكسفة، ووشنا بجى في الأرض! مش عارفين نلمّها إزاي! دلوك، عايزين نعرف، مين منكم كانت بتتعارك؟"
ــ "مرتك."
صدحت قوية من إحدى السيدات، وأكملت عليها:
ــ "كانت بتتعارك مع طليجة أخوك، روان، وضربتها بالقلم على وشها!"
اتجهت أبصار الرجال الثلاثة نحو الاثنتين، ليلى التي انتصب ظهرها، تعترف دون تردد:
ــ "أيوه، ضربتها، ومستعدة أضربها مية مرة تاني، اللي يغلط في أمي أحطه تحت جزمتي!"
استمعوا إليها، لتتجه الأنظار نحو الطرف الآخر، بإستفسار وتحفز، حتى ارتعدت مفاصلها، لا تشعر بدقات قلبها، يكاد أن يتوقف رعبًا من نظرة حمزة، الذي احمرت عيناه فجأة، ينقل بصره من مزيونة إليها، يتساءل بخطر:
ــ "الكلام دا حجيجي؟ وانتي فعلاً غلطتي فيها؟"
خرج صوتها على الفور، تبرر بكذبٍ وتلجلج:
ــ "لا لا، أنا مغلطتش فيها... بنتها هي اللي فهمت غلط... أنا... أنا..."
تركها على مضض، موجهًا أنظاره نحو مزيونة:
ــ "أنا اللي غلطانة، مش هي... خلوني أعدي وسبوني أمشي، الله يرضى عنكم، من طلع من داره اتجل مجداره، وأنا عرفت مجداري زين... خلوني أعدي."
ــ "لا طبعًا، محدش هيطلع من هنا غير لما أعرف كل اللي حصل!"
هدر بها حمزة قاطعًا، والجنون يتراقص في عينيه، يردف موجهًا نظره نحو الجميع:
ــ "واحدة فيكم ترد بدالهم، يا أولّع فيكم كلكم!"
ردّت منى، وقد تعبت من الجذب بينهن:
ــ "فضّها يا حمزة، وخلينا كلنا نروح علي بيوتنا، وبعدين يبجى لينا كلام تاني..."
وبثقة في حكمة شقيقته، كاد أن يقتنع ويؤجّل التحقيق، رغم الحيرة التي تأكل رأسه، ونيران الحماية تدفعه لحرق الأخضر واليابس دفاعًا عنها، حتى كاد يلين رضوخًا لنظرة استجداء ترمقه بها، ولكن هالة التي قرأت ما ينويه، أبت أن ينتهي الأمر بذلك الهدوء، لتلفت الأنظار نحوها قائلة:
ــ "وحتى لو أجلتوا الكلام لبعدين، احنا يا بوي منعرفش حاجة، الأمر كله في يد التلاتة: روان ومزيونة، بيتعاركوا على حمزة، وليلى طبعًا في صف أمها!"
إلى هنا، وقد فاض الكيل وطفح، صرخت بها مزيونة:
ــ "بتقولي إيه انتي كمان؟! الله يخرب بيت أبوكي! خلوني أمشي... خلوني أمشي!"
دافعت هالة، تدّعي الفهم:
ــ "يا بوي وأنا مالي! أنا بقول اللي بعرفه وبس!"
صاح خليفة مقاطعًا لها بحزم وعنف:
ــ "اخرسي يا هالة، ما أسمعش نفسك خالص!"
حدجتها منى بنظرة قاتلة، وقد فقدت الأمل في تهدئة الأمر، مع انتباهها لملامح شقيقها التي تبدلت إلى شر مطلق نحو روان، التي اجفلت من فعل هالة، فباتت تتخبط في حديثها:
ــ "هي مكانتش خناقة... أنا بس كنت بنبّه عليها، دا غير إني شفتكم بعيني من شوية... وانت بتحاول... قصدي..."
ــ "جفلي!"
صاح بها بقوة ليوقف هذيانها في الحديث، وقبل أن يرمش بعيناه نحو تلك التي طالتها هذه الكلمات، سمع صوت ارتطام قوي يتبعه صرخات ليلى التي سقطت معها على الأرض وهي تحاول نجدتها، تتخبط بجزع، أنساها وضعها كامرأة تحمل طفلًا في بداية شهوره:
ــ "أمي... أمي... أمي هتروح مني!"
التف الجميع حولهما من أجل تهدئتها وإفاقة والدتها، أمام أبصار من كاد أن يلمس السماء عجزًا عن الاقتراب منها، حتى نسي تلك المدعوة روان وثأره معها، وقد هربت المذكورة راكضة نحو الخارج بعد تفاقم الموقف.
معاذ، الذي لف ذراعيه حول زوجته ليرفعها عن الأرض، يحاول تهدئتها كي لا تؤذي نفسها بتلك الأفعال، لكن حالتها لم تكن طبيعية على الإطلاق. ذلك الضغط الجديد جعلها تقاوم بانهيار وصراخ ورفض حتى لسماع الآخرين:
ــ "بعد عني! سيبوني! أنا عايزة أمي! عايزة أمي يا معاذ!"
ــ "اهدي، بجولك يا بت! أمك هتفوق دلوك، إنتي اللي هتضيعي نفسك!"
تدخلت حسنية، التي يكتنفها الرعب عليها، الوجه النصائح لها ولابنها:
ــ "يا بتي، أمك هتفوق دلوك وتبجى زي الفل... وانت يا معاذ، براحة عليها يا ولدي،
يمكن تهدى!
ــ "براحة فين يا أمه؟ هو أنا قادر عليها؟ هتأذي نفسها، والعيل... الله يخرب مطنها!"
حتى صراخه، وقوته التي فرضها للسيطرة على تشنجها وتهدئتها، كل هذا لم يأت بنتيجة.
وفجأة، ارتخت بين يديه، أغمضت عينيها، وتمتمت ببعض الكلمات غير المفهومة، ثم غابت عن الوعي هي الأخرى.
داخل المشفى الذي نُقلت إليه الاثنتان، وللمرة الثانية تحتل كل واحدة منهما غرفة منفصلة، كأن بين الأم وابنتها ارتباطًا روحيًا عجيبًا، وكأنما خُلقتا توأمين متطابقين؛ يمرض أحدهما فيتأثر الآخر بمرضه، فيمرض مثله.
جلست حسنية على أحد مقاعد الانتظار، تتمتم بحزن، مرددة:
ـ "عين وصابتهم، عين ورشّجت تعكنن علينا كلنا... منه لله اللي عملها وجلب فرحتنا، منه لله!"
تدخلت هالة متعاطفة:
ـ "فعلاً يا مرة عمي، منها لله... ربنا يجازيها بعملها."
فهمت المرأة إلى ما ترنو إليه، تقصد زوجة حمزة السابقة، فحدجتها بنظرة غاضبة أخرستها، وقد كانت في هذه اللحظة لا تطيق النظر إليها، فاكتفت بالصمت مجبرة. لتصطدم عيناها بعيني زوجها الذي همّ بالتوعد، قائلًا:
ـ "حاولي تنجّطينا بسكاتك أحسن، وراعي الظرف، ولينا بيت نتحاسب فيه إن شاء الله."
أما في داخل غرفتها، فقد استفاقت لتعود إلى وعيها، وكان وجهه أول ما وقعت عليه عيناها، فتذكرت على الفور، وصرخت به كأنما رأت عفريتًا أمامها:
ـ "أنا إيه اللي جابني هنا؟! بِتّي فين؟! عايزة أشوف بِتّي... ودّوني عند بِتّي!"
حاول حمزة بيأس أن يُهدّئها أو يجعلها تسمع منه، لكنها كانت كالمجنونة لرؤيته. ومع كل محاولات شقيقاته، لم يفلح أحد في تهدئتها، لتُصر على الذهاب إلى ابنتها، وتخرج برفقتهن، تاركة له الغرفة يغمغم متوعدًا في إثرها:
ـ "والله لأجيبلك حقك، ولو في خشم السبع! مبقاش حمزة القناوي إن ما كنت أجيبه."
رواية لأجلها الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل الثامن والعشرون
لم أُولد من رحم الراحة، بل من أنين امرأة أجهدها الزمان، كانت تنهض كل صباح وقد تقوّست أحلامها، لكنها ما انحنت يومًا إلا لتحميني.
رأيتها تُخفي دموعها في حنايا المطبخ، تُخبّئ أوجاعها خلف ابتسامةٍ مُتعبة، وتُلقي بحزنها في قدر الطعام كي لا يصل إليّ.كنت أفهمها دون أن تبوح… وكأن بيننا عهداً غير مكتوب: أن لا أكرّر خيبتها، وأن أكون ما تمنّت أن تكونه ولم تُمهلها الحياة.
لذا أمضي… لا طمعًا في مجد، ولا حبًّا في صدارة، بل لأردّ شيئًا من دينٍ ثقيل في قلبي.كل إنجاز لي هو قبلة على يدٍ لم تعرف الراحة،وكل خطوة للأمام، هي خطوة نحو صدرٍ طالما ضمّني حين كانت تتداعى من التعب.
لن أخذلكِ…لن أكون نسختكِ، بل امتدادكِ المُشرِق.
الخاطرة والمراجعة من الغالي اللي تعبان معايا وسهران/ سنا الفردوس
..........................
الفصل الثامن والعشرون
ـ فعلتُ كل شيء من أجلها، ضحيتُ وفعلتُ المستحيل حتى لا تتكرر مأساتي معها، وبرغم كل حرصي وتضحياتي، ها أنا أتجرع المرارة مرة أخرى، ولكن هذه المرة أقسى وأبشع. هذه المرة الضحية صغيرتي... ليتني متُّ قبل هذا اليوم! لماذا يا ربّي؟ لماذا لا يكتمل مشواري؟ لماذا بعد تلك المسافة الطويلة التي قطعتها؟ لماذا، والخسائر المضاعفة الآن تتعدى حتى كرامتي؟
حديث النفس ذلك الذي يدور داخلها، في وحدتها داخل منزلها، بعد أن انتهت الليلة الكارثية. انكسار الروح الذي ألمّ بها، والتجنّي عليها، لتختم بما حدث لصغيرتها، حين أفاقت من غيبوبتها لتجري إليها وترى ما بها، فيصدمها الطبيب بما أدلى به بعد ذلك، عن خطورة وضعها في تلك الشهور الأولى، والتعليمات التي أصدرها بضرورة عدم الحركة حتى يثبت الحمل.
في أقصى توقّعاتها المأساوية، لم تتخيّل أن تصل إلى تلك النقطة. هي لا تطلب الكثير، ولا تريد سوى عدم تكرار ما حدث معها لصغيرتها، ولكن القدر دائمًا له رأي آخر معها.
ضغطت على عينيها تمسح الدمعات الكثيفة بنشيج مكتوم، وصل إلى تلك النائمة بجوارها، زوجة أخيها الذي لم يتركها وأسرته منذ الأمس. لم يكتفِ بابنه حازم هذه المرة، بل فضّل أن يبيت هو وزوجته معها لرعايتها في تلك اللحظات القاسية.
وكما كانت تؤازرها بالأمس، نهضت المرأة لتضمها إليها وتهدهدها الآن:
ـ لساكي ما بطلتيش بكا يا جزينة؟ هتموتي نفسك عالفاضي، ليلى وبكرة تبجى عال العال، وهتنجح وتبجى زينة. انتي بس اللي هتخسّري صحتك.
ردّت مزيونة ودموعها تغرق ملابس محروسة:
ـ ببكي عشان أنا خسرت فعلًا، مش لسه هخسر. كرامتي اللي اتدهست، بتي اللي كنت معشّمة نفسي بيها تتعلّم وتبجى حاجة كبيرة، لف الزمن وهتاخد نفس نصيبي...
عارضتها محروسة بغضب:
ـ بلاش كلامك ده يا مزيونة، عشان بتّك عمرها ما هتبجى زيك... أستغفر الله العظيم يا رب.
توقفت المرأة تهدّئ من وتيرة انفعالها حتى لا تزيد على هذه المسكينة، ثم تابعت ملطفة:
ـ هتخليني أخربط دلوك ليه بس؟ يا بت الناس كل واحد بياخد نصيبه أصلًا، واللي بيحصل مع ليلى مجرد حظ، إنما لو على النصيب، بسم الله ما شاء الله، هي مش محتاجة كلام. يكفي عمايل جوزها امبارح اللي كان هيمسك السما بيده عشانها، ولا ناسه اللي شايلينها جوا عيونهم، ولا حمزة...
ـ ما تجيبيش سيرته.
هتفت بها بحدّة حتى جعلت محروسة ترد بلوم:
ـ طب وهو إيه ذنبه يا حبيبتي؟ الراجل في حاله وحال نفسه، لا شاف المرة العفشة وكلامها السم ليكي، ولا كان السبب في اللي حصل لليلى.
ـ بس هو السبب دلوك في حرماني منها.
قالتها لتعود للبكاء مرة أخرى، تنتحب:
ـ إيه اللي كان جابه هنا أصلًا عشان يبني بيت جاري ويسكن فيه؟ جاب لي الكلام والحديت، ودلوك عجدها معايا في زيارة بتي، أدخل بيتهم إزاي بعد اللي اتقال امبارح؟ أحط عيني في عين نسايبيّ كيف وأنا مخي بيدور في الشك إنهم يصدّجوا، منها لله اللي اتبلت عليا، كسرت نفسي وهزّت كرامتي.
ـ معاش ولا كان اللي يكسر نفسك ويهز كرامتك يا بت.
صدحت قوية من صاحبها الذي توقّف على مدخل الباب، وقد سمع معظم الحديث في متابعته لهما منذ لحظات، ليردف بتحفيز:
ـ النهاردة هاخدك في يدي وهنروحلها، الكل يعرف زين مين هي مزيونة الحرة، وانتي مش محتاجة إثبات.
رفعت رأسها إليه بانكسار:
ـ يا ريتها سهلة كده يا واض أبوي، يا ريتها. لو هما ما شربوهاش، ولا خالت عليهم، غيرهم بلعها وصدّقها. الحريم اللي حضروا العركة امبارح، ولا حتى العيال الصغيرة اللي هينجلوا لأمهاتهم وأهاليهم، هتجفل خشم مين ولا مين؟
ـ عنهم ما جفلوا، إحنا مين هيهمّنا مدام واثقين من نفسنا؟
صاح بها وصفي، لتجادله مرة أخرى بيأس:
ـ بتقول كده عشان راجل، لا عمر الكلمة هتأثر فيك، ولا النظرة تجرحك زيي. المرة في بلادنا هي الحيطة الواطية عشان تشيل كل النصايب. المرة في بلادنا حتى لو انجبرت على الغلط، برضو بتدفع التمن، واللي جبرها محدش بيقربله. قانون الظلم اللي ماشي على الكل هينصف مزيونة؟!
تكلّفت محروسة بالرد عليها هذه المرة:
ـ بس قانون ربنا فوق كل قانون. ربنا منتقم جبار وعدل ومنصف كمان. وانتي يا حبيبتي اتظلمتي كتير واتحملتي، تفتكري يعني بعد ده كله مش هينصرك؟ لو ظنيتي غير كده، يبجى انتي مش واثقة في عدل ربنا.
ـ ونِعم بالله، مين قال اللي كده بس؟
قالتها تمسح دمعاتها، متمالكة لبأسها بعض الشيء.
أضاف وصفي، يضع شيئًا من الأمل داخلها:
ـ خلاص، يبجى ما تقطعيش أملك بربنا، واللي حلها الأول، يحلها في التانية والتالتة. ربك كريم يا خيتي، وانتي متعرفيش بكرة مخبّيلنا إيه؟
...............................
أما عنه، فكان الألم مضاعفًا، خنجر الغدر الذي طاله بالتجنّي على من امتلكت قلبه. كيف تهاون حتى سمح لهم بجرحها أمام الملأ؟ كان يعلم من البداية أن قوتها الزائفة ما هي إلا ستار تحتمي به من أذى ألسنة البشر وأفعالهم. في داخلها امرأة هشّة تجاهد الثبات، ولكنها لم تُشفَ من جروحها بعد، تحتاجه ليرمّم المكسور بها، كي يعيد إليها ذاتها التي غابت عنها. يحتاجها كي يكتمل بها، فهو ناقص بدونها، وكأنها ضلع من جسده غائب عنه. لن يهدأ حتى يأتي بها، فيشفى بها وتشفى به.
ولكن كيف له أن يفعل هذا بعد ما حدث؟
نار تحرق أحشاءه كلما أتى بذهنه نظرتها الكارهة له بالأمس. هو لم يفعل ما يستحق عليه ذلك، لكنه قصّر، وهذا ما لن يسامح عليه نفسه أبدًا.
لابد أن تعرف مقدارها عنده، لابد أن يأخذ حقها ممن تسببوا في جرحها أضعافًا مضاعفة، وأن يتحقّق هذا عاجلًا، لا آجلًا.
انتفض معتدلًا بوقفته خلف ستائر نافذة غرفته، التي ينظر منها اليوم نحو باب منزلها، حتى لا يزعجها بحضوره كما يفعل يوميًّا، فتأخذ حريتها دون قيد، كما يحدث الآن وهي تودّع شقيقها خارج باب منزلها. ليرتشف رؤيتها بعطش السنوات، بعد ليلة كاملة قضاها سهرًا، يموت من القلق عليها. بشرتها شاحبة، وعيناها منتفخة من أثر البكاء. تضمّ شالها حول جسدها وكأنها تحتمي به، تتقبل التهوين من شقيقها الحنون كما يبدو، والذي ضمها كابنته من كتفيها، ليضع قبلة فوق جبهتها، ثم يودّعها ويذهب إلى عمله.
فتوقفت هي تنظر في الأجواء حولها، حتى استقر بصرها نحو الجهة المجاورة و... تبحث عنه. حتى وإن أظهرت الكره إليه بالأمس، فعيناها لا إراديًّا ذهبت نحو الأريكة التي يجلس عليها، المقابلة لمنزلها. انتفض قلبه داخل صدره، ودّ أن يصرخ ويخبرها أنه هنا، ولن يتخلّى عنها أبدًا. أن يقفز من النافذة ليركض إليها، ويبثّها الأمان بحضنه، أن يعتصرها ويزرعها بين أضلعه، و...
توقّف فجأة سيل الأماني، ليحلّ محلّه الإحباط واليأس، حين عادت إلى منزلها تدخله وتتخفّى داخله بعيدًا عن عينيه. ليعود إلى رشده، يسحب شهيقًا كبيرًا من الأكسجين، ليهدأ من وتيرة الحماس الذي اشتعل الآن استعدادًا للذهاب وفعل الشيء الذي كان يؤجّله منذ الأمس.
.................................
توقّف بسيارته أمام منزل والديها، وانتظر لفترة من الوقت كي تترجل، وحين لم يحدث، التفّ يقابل عينيها، ليجدها تنظر إليه باستجداء، الأمر الذي استفزّه.
ليتكلم أخيرًا، بعد فترة طويلة من الصمت...انزلي يا هالة، مستنية إيه؟تحدثت بعصبية، تُلقي عليه باللوم:ـ مستنية أشوف آخرتها! ما هو أنا مش جادرة بصراحة أعديها، طليجة أخوك الشرشوحة هي اللي خربت الدنيا واتسببت في الفضايح امبارح. أنا بجي إيه ذنبي؟! بتمسكلي في الكلام وتحط عليا إني قولت وعدت، ذنبي إني بتكلم بنيّتي؟ طب افرض إني كنت بخربط عشان مش فاهمة اللي بيحصل؟ بدل ما تفهمني، عايزة تخرب ما بينا يا خليفة؟! طب لو كبرت وأبويا عملها ومرضيش يرجعني تاني، خواتك هينفعوك ساعتها يا خليفة؟
ظل صامتًا يتركها تهذي بكل ما عندها، حتى إذا توقفت أخيرًا، تحدث:ـ خلصتي كلامك؟ طب يا ستي أجيبلك أنا من الآخر، كل العواطف والدراما اللي عملاها دي ما دخلتش في دماغي بنكلة يا هالة. روان اللي بجت شرشوحة النهاردة، امبارح كانت صاحبتك وحبيبتك، ولا هتنكري إنك إنتي اللي عزمتيها على فرح معاذ، وبعدها خليتي رجلها تروح وتاجي على البيت! من إمتى كنتي بتحبيها يا هالة عشان تعزميها بنفسك على الفرح؟
ضاقت عيناه في كلماته الأخيرة يخترقها بنظرات ثاقبة تكشف أغوارها، حتى أصابها الارتباك قائلة ببراءة تدّعيها:ـ وافرض يا سيدي حصل وعزمتها، اعتبرها تقدير لعشرتنا مع بعض سنين. يبجى كده أنا اللي مسلطاها؟ دي واحدة النار كلتها لما شافت عمايل أخوك مع المحروسة التانية اللي هتبجى جدة بعد كام شهر، على رأي روان!يعني هما الاتنين عوجين، أنا إيه دخلي بقى؟!
تجادل باستِماتة، وكأنه لا يفهم ما برأسها، تلك الصفة التي تغفل عنها دائمًا فيه؛ يخدعها بصمته ولا تعلم بأنه يُحلل كل فعل تفعله أو كلمة يتلفّظ بها لسانها، وما تحوي خلفها.ولأنه الأعلم بغيرتها الواضحة من مزيونة، قرّر هذه المرة أن يوجعها كما فعلت هي، دون أدنى ذرة رحمة بالأمس، تساعد الأخرى بأسلوب غير مباشر لتزيد من بثّ الفتنة:
ـ مش ذنبها إنها اتجوزت صغيرة جوي، وبنتها إتجوزت صغيرة زيها وأزيد بشوية بسيطة، هتبجى جدة، ومع ذلك برضو أصغر منك! ولا إنتي ناسية إنك كد مني، يعني أكبر منها بسنة وزيادة؟
ـ لأ، مش ناسية.هتفت بها بحدّة حتى بدت كصيحة بوجهه، مرددة:ـ مكانش في أحنّ منك يا خليفة، اتغيرت يا واض عمي، وجلبت على أقرب واحدة ليك، بت عمك، أم عيالك! ده أنا لو بدبح يا شيخ، من الواجب تعملي خاطر!
تجلّت القسوة في ملامحه، غير متأثر بتلك الخطبة التي أرادت بها استدراج عاطفته، ليرد موجهًا الحديث نحوها بأمر:ـ لولا إنك بنت عمي، وإني محافظ على صلة القُربة اللي بيني وبين عمي، لكنت نهيت جوازنا من زمان، حتى من جبل ما نخلف عيال لو تفتكري!بس خدي بالك، أنا صبري مش طويل جوي كده، اللي ما بينا شعرة، بإيدك إنتي بس اللي تجطعيها في أي وقت يا هالة.ويلا بجى، انزلي يا هالة بدل ما أنزل معاكي أنا وأبلغ أبوكي بكل اللي حصل، وساعتها محدش يلومني في اللي هعمله. أخلصي!
.................................
استيقظت أخيرًا من غفوتها الطويلة، لتصطدم أبصارها بوجهه، الذي يُشرف عليها بمسافة قريبة جدًّا، وكأنه على هذا الوضع لفترة طويلة من الوقت، منتظرًا إشراق الضوء بعسليتيها الساحرتين، يتأملهما بانبهار واضح، وحتى ينفي عن نفسه شعورًا آخر بالاختناق يراوده منذ الأمس.فتبسم، يقبّل جبهتها برقة ونعومة، قائلًا:ـ صباحك الورد والفل على عيونك.
أهدته ابتسامة ما أروعها، تبادله التحية:ـ صباح الجمال على أحلى معاذ. شكلك صاحي من بدري، ولا أنا اللي اتأخرت في النوم؟ ولا إيه بس؟
اتجهت أبصارها نحو الشرفة، لتعرف بتأخر الوقت من اختراق الشمس لأبعاد كبيرة من الغرفة، فأردفت:ـ يا وعدي، ده أنا فعلًا اتأخرت خالص كمان. أما أقوم...
ـ استني عندك!هتف يوقفها فورًا حين همّت برفع جذعها عن الفراش، لينهيها بحزم لا يخلو من خوف:ـ ده برضو الكلام اللي اتفقنا عليه امبارح يا ليلى؟ مش قلنا مفيش حركة، زي ما نبه الدكتور؟
تبسمت مستخفّة، في محاولة منها لطمأنته:ـ يوووه يا معاذ يا حبيبي، مش للدرجة دي يعني؟ هو جال راحة، مش الزق في السرير! لكن الحركة الخفيفة مسموح بيها...
صاح بها مترجيًا هذه المرة:ـ الله يرضى عنك، حتى الخفيفة بلاها، بلاها أي حاجة ممكن تكون سبب في... أحبّ على يدك يا شيخة، أحبّ على يدك...
وسقط برأسه، يدفنها في تجويف عنقها، قاصدًا أن يُخفي جزعه عنها، ولكن الأمر كان أكبر من تحمّله، فصار يتنفس بخشونة لثقل ما يحمله بداخله، حتى غلبته مشاعره، وسقطت دمعات منه تُحرق بشرتها، لتُسارع بلفّ ذراعها حول عنقه، تُربّت وتهوّن عليه:
ـ يا حبيبي، أنا بخير جدامك، مش مستاهلة الرعب ده كله.
رفع رأسه إليها، والدموع عالقة ببشرته، قائلًا بطاقة مستنفَذة:ـ كل ده ومش مستاهلة؟! كيف يا ليلى؟! وإحنا كل حاجة بنخطّطلها ونعمل حسابها، بتيجي معانا بالعكس!الحمل جه غصب عننا رغم كل الاحتياطات، وفي أهم وقت إحنا محتاجينه، حتى ما نجحناش نأخّره سنة ولا سنتين في الجامعة، وتختم كمان بالخطورة عليكي وعلى الجنين!لدرجادي أنا فاشل يا ليلى؟
جذبته إليها، تضمه بصورة أقوى من السابق، تهدهده بكفّيها الناعمتين، حتى إذا هدأ قليلًا، خطفت قبلة على جانب وجهه، ليأتي دورها في الحديث:
ـ الانفجار ده كان واجب عليا أنا على فكرة، مش إنت.أنا اللي حاطة عهدي مع أمي سيف على رقبتي، ومع ذلك أخفقت بدل المرة كذا مرة، رغم حرصي زي ما بتقول...
توقفت، تخرج تنهيدة من عمق ما يموج بصدرها، تردف بغصّة اختنقت في حلقها:ـ اللي حصل مع أمي امبارح، مكانش ينفع أسكت عليه.يمكن زوّدتها وضرّيت نفسي وزوّدت الطين بلّة، لكن والله يا معاذ، لا كل كلام الدكتور، ولا كل اللي حصل بعد كده، كنت حاسة بيه ولا فارق معايا.مكنتش شايفة غير مزيونة، مزيونة اللي مستعدة أعمل عشانها أضعاف، كرامتها أهم عندي من نفسي.وحلمها فيا، هحجّجه ولو على سريري اللي نايمة عليه.أنا أمي شافت كتير، وجت على نفسها، وجبلت تسعدني على حساب نفسها.يبقى أقل ما فيها إني أرفع راسي، حتى لو اتهزمت، وأكمّل المشوار لحد ما أوصل.
لم يُعقّب على ما تفوهت به، وظل يتأملها بإعجاب وانبهار.لقد اتّضح له أن صغيرته الشرسة، تحمل قوة أكثر منه.لقد ورثت الصبر والجلد من مزيونة، كما أن ما مرّت به قد ساهم في نضجها سريعًا وقبل الأوان.إذن، هل يصح له الضعف الآن مع واحدة تملك إرادة مثلها؟
ـ مالك بتبصلي وساكت ليه؟تبسم بمكر ردًا لها، ليرد على القبلة الصغيرة التي أهدته إياها من لحظات، بالعديد والعديد، يطوف على كامل بشرتها وعنقها، حتى دوى صوت هاتفها يقطع لحظته، فخرج صوته بضيق:
ـ ده مين ده اللي بيرن عليكي دلوك؟
تناولت الهاتف من فوق الكمود بجوارها، تجيبه بشر، دي أبله إعتماد بتتصل على ميعاد الدرسفابتعد عنها على الفور يردّد بتوجّس:ـ يا ساتر يا رب... ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها!
وكان الرد ضحكة عالية منها، تعود بها إلى شقاوتها وطبيعتها المشاكسة................................
ارتجفت، تبتلع ريقها الذي جف سريعًا عقب سماع ما تفوّهت به خادمتها عن وجود الضيف الذي حضر ويريد مقابلتها الآن. تحاول أن تملك بأسها وتُسيطر على خفقان قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها خوفًا.
– ليه مبلغتنيش الأول؟ تديني فكرة قبل ما تقوليله "الهانم موجودة"! هو أي حد يطلب يقابلني تدخّليه كده بالساهل؟!
ردّت العاملة باحترافية، رغم غيظها من تلك الحمقاء:
– حضرتك، أنا مش بدخّل أي حد. أنا عارفة إن حمزة بيه والد ريان، يعني لأنه كذا مرة يوصّله أو يوقف بعربيته يستنّاه وهو خارج من هنا. على العموم، لو مالكيش رغبة، أنا مستعدة أخرج وأقول له "الهانم مش فاضية".
صاحت بها تُوقفها محذّرة:
– استني عندك! وإياك تعمليها.
ابتعلت، تهدّئ قليلًا من توتّرها قبل أن تأمرها:
– روحي حضّريله حاجة يشربها، أنا هخرج حالًا أقابله دلوقتي.
– أمرك يا هانم.
خرجت العاملة، تتركها تتخبّط فزعًا من القادم، لتُغمض عينيها قليلًا تستدعي شجاعتها، وتلتف نحو المرآة خلفها، فيغمرها شيء من الثقة، بهيئتها المتأنقة دون تعب أو جهد، فقد كانت على وشك الخروج إلى شركة أبيها التي تعمل بها كمسؤولة هناك.
حسمت أمرها للمواجهة، واضعة في رأسها أنه لن يؤذيها وهي داخل منزلها؛ فكم كان كريمًا معها منذ الانفصال. قد يكون غاضبًا مما حدث، لكنها والدة ابنه في النهاية.
زفرت تستعد لمقابلته، مغمغمة بغيظ ممن كانت السبب في إشعال النار:
– منك لله يا هالة...
............................
وجدته في انتظارها واقفًا، لم يُكلّف نفسه حتى بالجلوس. لم يأتِ بالجلباب هذه المرة، بل أتى بالهيئة التي تعشقها؛ يرتدي قميصًا رماديًا من تلك الماركة العالمية التي يُفضّلها، وبنطالًا أسود يليق ببشرته البرونزية. وسامة رجولية خشنة لطالما حسدتها عليه النساء.
مطرقًا رأسه بسكون تام، حتى وهي تقترب ويصله صوت حذائها يطرق على الأرض الرخامية. لم يرفع بصره إليها إلا حينما بادرت بالترحيب:
– ده إيه المفاجأة الجميلة دي؟ نورت بيتي يا حمزة.
التقت عيناه بعينيها دون أن يرد بكلمة، ينظر إليها فقط بغموض زاد من توجّسها. فمدّت كفها نحوه تصطنع الابتسام من أجل مصافحته، فنظر إليها بازدراء دون رد، حتى أصابها الحرج، لتردّ بلوم:
– مرسي أوي لذوقك. على العموم، أنا برضو مش هزعل منك. هتقعد كمان، ولا هتفضل واقف؟
ظلّ على جموده، ولم يرحمها سوى بعد لحظات، ليخرج صوته أخيرًا:
– يوم ما انفصلنا أنا وإنتِ، وحلّينا كل المشاكل اللي ما بينا بالتفاهم، أو بالتساهل مني بمعنى أصح، عشان حضرتك تكرّمتي ووافقْتي إن ابني يفضل معايا، فاكرة أنا اتفقت معاكي على إيه يوميها؟
تمتمت بتشتّت وريبة تكتنفها، فالمقدّمة لا تُريحها على الإطلاق:
– مش فاكرة، صراحة.
رد بابتسامة لم تصل إلى عينيه، ملتزم الهدوء:
– أفكّرك أنا. يوميها قولتلك بالحرف الواحد: "جوازنا صفحة وانجفلت، واللي باجي ما بينا كل ود واحترام. وريّان ابننا يعيش في بيئة سوية، سواء إنتي اتجوزتي أو أنا اتجوزت، مفيش تشويه لصورة التاني ولا نزرع الكره في قلبه لحدّ مننا." حصل ولا ما حصلش؟
قال الأخيرة بحدّة جعلتها تردّد دون تفكير:
– حصل.
– ولما حصل، خُنتي العهد وجلّيتي بقيمتك ليه؟
اجفلت بردّه المباغت، لكن سرعان ما استعادت توازنها تحاول امتصاص غضبه:
– أنا برضو قلّيت بقيمتي يا حمزة؟ الله يسامحك. عارفة إنك غضبان وليك حق، بس أنا والله ما كنت أقصد الأمر يكبر كده. هي الست دي وبنتها اللي قصدوا يورّطوني، الله يسامحهم.
عضّ على نواجذه بغضب شديد، يحاول كبح رغبته في الانتقام، لكنها للأسف امرأة وأم ابنه الوحيد.
– الست اللي بتتكلمي عنيها دي، واللي عايرتيها بنقص تعليمها عنك، تفكّري ألف مرة قبل ما تجيبي سيرتها جدامي، أو في أي مكان حتي. لسانك الزفر لو هلفط بكلمة واحدة عنها تاني، هتنالي العقاب اللي تستحقيه. حمزة القناوي جايلك النهاردة يعاملك بتربيته، إنما تكرّريها تاني، هعاملك بتربيتك!
ردّت بعدم فهم لمغزي كلماته الاخيرة:
– بتربيتي! ومالها تربيتي إن شاء الله؟ والله إنت عارف كويس إني متربّية على الأصول زيك بالظبط! إنت ابن ناس مأصلين، وأنا ما أقلش عنك.
نفى برأسه موضحًا دون مواربة:
– لا، إنتِ شكلك مفهمتيش كويس، بس أنا هفهمك، لو هعاملك بتربيتك، يبجى هعمل زي ما عملتي بالظبط: أطلع كل الدفاتر اللي ماسكها عليكي وعلى السيد الوالد، وأعملكم فضيحة تشهد عليها الجمهورية كلها، وأدخّلكم أنتوا الأتنين السجن!
تساءلت بذهول ورعب:
– إيه اللي بتقوله ده يا حمزة؟ تدخلني أنا السجن؟ وتعمللي فضيحة؟!
أجاب بابتسامة ساخرة:
– ما أنا بحذّرك اها، عشان ما تضطرّنيش أعملها. نيجي بقى للي هيتنفذ دلوك، "المعاملة بتربيتي"، واخدة بالك؟
توقّف لحظة ثم أضاف بأوامره:
– بيتي، ولا بيت أهلي، ولا أي حد من عيلتي... ممنوع تعتبي عتبة منهم تاني. وإن كان على ابنك، ليكي رؤية مرة واحدة في الشهر، هيوصلك لحد عندك، وهيرجع في نفس اليوم. مش هيبات. وده اعتبريه كرم مني!
صرخت بجزع:
– يا نهار أبيض! إنت سامع نفسك؟! عايز تحرمني من ابني علشان غلطة بسيطة؟ دي مجرد خناقة مابين ستات! بتحصل في كل الدنيا! ثم تعالى هنا... كرم إيه ده اللي بتتكلم عنه؟! إن جينا الحق الولد مفروض في حضانتي أنا، يعني أقل محامي يخلّصها في جلسة واحدة.
توحّشت ملامحه بخطر ينبأها بطريق اللاعودة معه، قائلاً:
– جرّبي بس يا روان. أنا بتمنّى بس إنك تجربي، وشوفي ساعتها إن كانت عيلتك كلها، ولا اسم أبوكي اللي فرحانة بيه، ولا فلوسه، حدّ فيهم هينفعك ولايسد جدّامي!
بصق كلماته، وشرع في الذهاب غير آبه بانهيارها المذري، وقبل أن يصل إلى باب الخروج، صرخت به:
– كل ده علشانها؟ علشان الست الجاهلة بتاعتك؟!
التفت برأسه نحوها يُجيب بتحذيره الأخير:
– وأعمل أكتر من كده كمان... حظّك بجي إنك حرمة، إنما لو راجل، كنت عرفت أجيب حقها صُح منك! مش بقولك إني كريم؟!....................................
استغرقتا الاثنتان في الشرح والمراجعة حتى شعرت اعتماد نحوها بالإشفاق، حين رأت الإجهاد الذي خيّم على ملامحها الجميلة، رغم صمتها وعدم الاعتراض أو الشكوى. فتناولت هاتفها لترى الوقت، وهي تحدثها:
– كنت ناوية أقرص عليكي النهارده، بس شكلي هأجل وأخليها المرة الجاية، أنا برضو عندي جلب وشوية إحساس.
تبسّمت ليلى ترد على مزحتها:
– متجوليش كده يا أبلة اعتماد، ده انتي أمّ الإحساس والذوق.
لم تُعلّق اعتماد، وقد تغيّرت ملامحها وتعقّدت بانشغالها في قراءة إحدى الرسائل التي لم تكتشفها إلا الآن، وكانت قد وردت أثناء انغماسها في الحصة. تمتمت شفتيها بسبة، قبل أن تضغط على الأزرار الثقيلة للهاتف القديم، الوحيد الذي تملكه الآن، طالبة رقم صاحبة الرسالة بقلق، الأمر الذي دفع ليلى للتساؤل:
– خير يا أبلة اعتماد، في حاجة؟
اهتز رأسها بتوتر نافية وهي في انتظار الإجابة من الطرف الآخر:
– خير، خير... إن شاء الله خير.
وانتفضت تنهض من جوارها، تحاول السيطرة بصعوبة على اهتزاز جسدها، الذي اندفعت به سخونة الانفعال والترقّب. وما إن جاءها رد من الجهة الأخرى، حتى هتفت بعصبية:
– أيوه يا زفتة، توك ما رديتي؟............... كنت مشغولة في الحصة وكاتمة التليفون الزفت... معاناتها إيه الرسالة اللي بعتاها دي؟............وما إن وصلها رد الطرف الآخر، حتى ضربت بكفها على جانب فمها من فرط غضبها، تصيح بها:
– يا نهارك اسود ومهبب بستين نيلة يا روضة! واخدك على الجمعية عشان تعملي الإجراءات؟ وليكي عين تكلّيميني كمان؟..........غصب عنك؟كيف يعني؟ مشربك حاجة صفرا ولا مفكيش لسان تجولي لأ؟ضاغط عليكي وإنتي مش جادرة عليه؟.........طب عطّلي نفسك على كد ما تجدري، أنا جيالك دلوك على الجمعية الزفت... اجفلي يا بت، ولا أجولك، خليكي معايا على التليفون لحد ما أوصلك، إياك تجفلي!....
تحركت تلملم أشياءها على عَجَل، وتوجّهت بالخطاب إلى ليلى:
– أنا همشي دلوك، وابجى أتّصل عليكي بعدين وأبلغك بميعاد الدرس التاني... بس إنتي اهتمي باللي خدناه النهاردة.
أومأت لها ليلى، تهز رأسها بطاعة قائلة بقلق انتقل إليها:
– ماشي حاضر... بس إنتي جولي لو محتاجة مساعدة، أبلغ معاذ ياجي معاكي؟
ردّت اعتماد بصوت يتخلله الأسى، وهي تغلق حقيبتها لتهمّ بالذهاب:
– المساعد ربنا... متشغليش نفسك إنتي، ولا تبلغي حد، إن شاء الله محلولة. عن إذنك.
تبعتها أبصار ليلى بحزن، لا تدري لِمَ شعرت بتشابه بين تلك المرأة ووالدتها، رغم الفروق الشاسعة بين الشخصيتين. ربما وجه التشابه كان في الكفاح، وربما في الحظ السيئ الذي يتبعهما كظلّ لا يرحم.
...
بخطوات تقارب الركض، كانت تهرول هابطة الدرج، تحاول اللحاق ومنع الكارثة قبل حدوثها، واضعة الهاتف على أذنها، لتصلها كل همسة من الجهة الأخرى. قدرها السيئ الذي تمثّل في شقيقة كانت – وستظل – نقطة ضعفها الوحيدة، رغم تحلّيها بالقوة واستغنائها عن الجميع؛ شقيقتها ضعيفة الشخصية، لا تجد لها حلًّا أبدًا.
وفي غمرة انشغالها وركضها، لم تنتبه لذلك الذي كان يصعد الدرج عكس اتجاهها، حتى إذا وصلا إلى نقطة التقاطع بين الطابقين، وقع الاصطدام المتوقع، وكانت الضحية هاتفها القديم. حينها، سقط من يدها على درجتي السلم القاسيتين، متحطّمًا تمامًا، متناثرة أجزاؤه إلى قطع مجهولة الهوية.
نظر إليها خليفة بذهول تام، قبل أن يرفع بصره إليها، فتلتقي عيناه بكتلة من النار التي يتكرر معها نفس الموقف. نظرت بحسرة إلى هاتفها الذي أنقذها رغم قدمه بعد خسارة الآخر، وقد تهشّم بصورة لا تنبئ بإمكانية إصلاحه، ثم نظرت إليه بصدمة امتزجت بمشاعر هوجاء، مقدّمة طبيعية للعواصف والأعاصير القادمة، فهو المتسبّب في خراب الاثنين لها الآن، ليخرج صوتها أخيرًا بتقطّع، بداية لما هو آت:
– إنت... إنت...
– أنا إيه يا بنت الناس؟ أنا إيه دخلي بس؟
تمتم مقاطعًا لها، ليضرب كفًّا بالأخرى مردّدًا:
– لا حول ولا قوة إلا بالله... طب أعمل إيه معاكي دلوك؟ جوليلي... المرة اللي فاتت رفضتي العوض بدل اللي راح منك، المرة دي بجى اعتذار في الجريدة الرسمية؟ يمكن تعفي عني؟
لم تكن تملك رفاهية الرد بطبيعتها، فما ينتظرها غير قابل للتهاون أو المغامرة بالصعود إلى ليلى وإضاعة المزيد من الوقت، أو حتى عنجهيتها الزائفة في رفض المساعدة من أحد. فباغتته بقولها:
– إديني تليفونك.
ارتدّ برأسه إلى الخلف يعقّب بدهشة:
– تليفوني! كده على طول؟
– أمال يعني بعد ساعة؟ بسرعة هاتو يلا.
أخرج خليفة على الفور هاتفه، يعطيها إياه بتوجّس. فاختطفته بسرعة، تتصل على أحد الأرقام، ذاهبة بسرعة مما اضطره لاتباعها:
– استني! يا اسمك إيه إنتِ؟ يا آنسة كانك ولا مدام؟ يا أخت!
كانت قد وصلت إلى خارج المنزل، عيناها تبحث يمينًا ويسارًا بعدم تركيز، فأجابته:
– أنا عايزة حد يجيلي تاكسي بسرعة... متعرفش حد يجيبلي تاكسي؟ عاوزاه مشوار بأقصى سرعة.
ردّ عليها بسخرية:
– وهتاخدي التليفون معاكي؟
– ياسيدي هديهولك بس أوصل مشواري.
رغم فزعه من صرختها، إلا أنه تفهّم، فقد استوعب أن خلف ثورتها أمر جلل، فتحرّك نحو سيارته، يشعلها بالمفتاح:
– تعالي معايا وأنا أوصلك في عربيتي.
طالعته بنظرة حادّة، فهم ليسارع بالتوضيح:
– اطمّني... هوصلك بس، عشان آخد تليفوني. تمام كده؟....................
كان يجب أن تكون بجوار صغيرتها اليوم، تُلقي بكلام البشر خلف ظهرها، وإن لم تملك الجرأة لتذهب برفقة شقيقها كما قال لها. لكنها لم تستطع؛ فعندما تجد القدرة على الوقوف في وجه الشائعات والمؤامرات، يمكن أن تفعل. ولأنها الآن لا تقوى على شيء، يكفيها أن تراها عبر شاشة الهاتف وتحدّثها باستفاضة.قضت مع ابنتها "ليلى" قرابة الساعة، ولم يقطع وصلهما سوى دخول مدرستها "إعتماد"، لتُنهي معها المكالمة أخيرًا، وتعود إلى وحدتها، رغم وجود شقيقها وزوجة شقيقها التي لم تتركها حتى الآن.لكن الوحشة تسكن قلبها، حتى في وجود البشر.
غلبها التعب الجسدي والنفسي، فقررت الهروب منه بالنوم، وكادت أن تنجح، لولا ذلك الطرق القوي على باب منزلها، بصورة أزعجتها حتى نهضت عن فراشها لرؤية هذا الطارق المزعج.
كانت قد سبقتها "محروسة" زوجة شقيقها، ليصل إليها الجدال، فتعرف هوية من يقف خارج المنزل:
– مفيش حد موجود يا أبو ناصر، يعني ما ينفعش ندخلك من أصله.– وأنا مش عايز أدخل، أنا عايز بس أشوفها... خلّيها تطلعلي.– تطلعلك فين يا أبو ناصر؟ بجولك الولية تعبانة.– ليه، وأنا هاخدها مشوار؟ دا هما خطوتين لحد العتبة، ما هتجدرش تعتبهم؟ ليه، اتشلت؟– بعد الشر عليها، الفال سعد.
أوقفتها "مزيونة"، تسحبها للداخل وتحل هي محلها، قبل أن يزيد عليها بفظاظته التي تعرفها جيدًا:
– نعم يا عرفان، أديني بطولي واقفة جدامك، عايز إيه؟تأملها برهة، يُجفلها بإجابته وقد بدا من هيئته أنه ليس على طبيعته:– عايزك.– نعم؟ردّ على استفسارها بتهكم:– بجولك عايزك، لازم أشرحها بالتفصيل عشان تفهمي؟
إلى هنا وقد فاض بها من وقاحته، لتقرر بحسم إنهاء المقابلة:– تصدّق إني غلطانة إني عبرتك أصلًا؟ ارجع مطرح ما كنت... بلا جلّة حياء!
كادت أن تُغلق الباب في وجهه، لكنه منعه بكفّه الضخمة، يردّد بفحيح:
– جلّة حياء تبجى لمين؟ للراجل اللي عايز يلم لحمه ويرجعك لزمته ست بيتك؟ ولا للنطع اللي داير يلف حواليكي، وآخِر المتمة خلى سيرتك على كل لسان؟
صاحت به، بعدم إحتمال، وهي تجاهد لإغلاق الباب في وجهه:
– معاش ولا كان اللي يستجرأ يجيب سيرتي! بعد من بيتي، لا أصرخ وأقول "بُوّوو!" ألمّ عليك الناس.
تبسّم، يثير اشمئزازها:– وتجيبي فضايح على فضايحك؟على العموم، أنا برضو أشرفلك من النطع دوكها، على الأقل أنا أبو بِتك.
– جطع لسانك يا عرفان!
صرخت به بقهر غلبها، حتى تفاجأت به يُسحب ـ أو يُختطف ـ بمعني أصح من أمامها، وصوت تعرفه جيدًا يهدر:
– هو البعيد ما عندوش كرامة؟ للمرة التانية برضو جاي تتهجم على اتنين نسوان؟!
وفي أقل من ثوانٍ، تفاجأت بالجسد الضخم يسقط كالجثة أمامها، بعد تلقيه عدة ضربات نافذة.نظرت "مزيونة" إلى ذلك الجسد الذي تكوم أمامها كالخرقة البالية، تردد بعد استيعاب:
– عملتها إزاي؟ كيف قدرت عليه بالسهولة دي؟
تبسّم يجيبها بمرح، يكتنفه امتنان غير عادي نحو "عرفان" الذي أعطاه الفرصة لرؤية وجه القمر... وجهها:
– ما خدش في إيدي غَلْوة... دا شارب أصلًا، غير إني عملتها جبل كده وكان فايق... لو تفتكري يعني؟
أومأت بحرج، وقدماها تعودان إلى الداخل.أردف يسألها قبل أن تختفي من أمامه، وعيناه تتشرب تفاصيلها:
– وانتي... عاملة إيه النهاردة؟أومأت بصوت بالكاد يخرج:
– زينة، والحمد لله. عن إذنك.
دلفت تغلق الباب عليها، لكنه لم يتحرك، فصدح صوته من الخارج، يجبرها على الابتسام من خلف الباب:
– طب أتصّل بمين ياجي يشيل الجثة؟
... يتبع
رواية لأجلها الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
منذ أن قررتُ أن أحبكِ، وأن تكوني لي، أقسمتُ أن أكون الدرعَ لا السهم،أن أكون لكِ السندَ لا الحمل،أن أكون الرجلَ الذي، إن اختلّ بكِ العالم، ظل ثابتًا لا يميل.
أقسمتُ أن تكوني أنتِ وحدكِ… البداية والنهاية.لن تمسّكِ يدٌ سواي، ولن يطال حزنٌ طرفَ ثوبكِ ما حييت.سأكون لكِ درعًا إن اشتدّ الزمان، وسندًا إن خذلتكِ الحياة،وسقفًا فوق قلبكِ إذا ما اهتزّت الأرض تحتكِ.
سامحيني إن جرحتكِ الآن،لكني أقسو اليوم كي لا يقسو عليكِ الدهر غدًا.أجرحكِ الآن، حتى يكون الغد خاليًا من كل وجع،أوقظكِ بالألم، لأحميكِ من جرحٍ لا شفاء له… إن تأخرت.
لن أترككِ لنفسكِ،ولن أترككِ لغيري.أنا من سيحمل عنكِ أعباءكِ، ويقتسم معكِ مخاوفك،أنا من سيقف بينكِ وبين كلّ ما يؤلمك.
ستكونين لي كما لم يكن لي أحدٌ قط،وسأكون لكِ كما لا يليق بكِ سواي.من الآن، لن تواجهي شيئًا بمفردكِ.أنا هنا… وسأبقى دائمًا
الخاطرة الروعة والمراجعة من الرائعة/سنا الفردوس.........................
الفصل التاسع والعشرون
توقّف بالسيارة أمام مقر الجمعية التي اشتهرت في البلدة بوظيفتها المعروفة: إقراض الناس مقابل فوائد مضاعفة تُسدَّد أقساطًا على مدار شهور. يلجأ إليها المضطر أو المديون، فهي في ظاهرها جمعية لستر الناس، وفي باطنها خراب بيوت، تمتص دماء الفقراء بمصيدة تُسمّى "قروض التيسير"، وهي في حقيقتها باب من أبواب الربا.
والربا – محرَّم شرعًا، ومن يُقْدِم عليه فلينتظر حربًا من الله ورسوله، كما جاء في قوله تعالى:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ۖ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ"[البقرة: 278–279]
فما الذي يدفع زوج شقيتها إلي طرق هذا الباب.
تساءل داخله وهو يراها تترجل من أمامه مهرولة إلى مدخل الجمعية، دون سلام أو استئذان، وهاتفه على أذنها تتابع الحديث مع شقيقتها.
ـ "اللهم طولك يا روح"،تمتم بسخط وهو يترجل خلفها، يغلق سيارته ثم يتبعها إلى داخل ذلك المقر.
أما هي، وحين ولجت إلى الداخل، كانت عيناها تدور باحثة في الأجواء حولها أثناء الحديث عبر الهاتف، حتى اصطدمت أبصارها بصاحب الجسد النحيف، زوج شقيقتها، بهيئته المنزعجة، يتجول بعصبية في الطرقة الفاصلة بين الغرف، وفمه لا يكف عن التدخين بشراهة تجعل السحب الدخانية تلازمه كظله.
تراجعت خطوتين قبل أن ينتبه لها، لتصدر أمرها نحو الطرف الآخر معها في الحديث:
ـ "أنا وصلت أهو ودخلت، اطلعي يلا من الحمام اللي متخبية فيه... اطلعي يا بت وسيبي الباجي عليا، أخلصي."
كادت أن تنهي المكالمة حتى انتبهت إلى المذكور، يقف أمامها متحفزًا:
ـ "مين هي اللي تطلعلك يا غالية؟ وانتي جاية هنا أصلًا ليه؟"
تصنعت الدهشة، وبحركة روتينية اعتادت عليها، وضعت الهاتف في الحقيبة لتعطي انتباهها إليه كاملًا، وهي تستقبله:
ـ "وه، محمود، جوز أختي، إزيك يا راجل؟ مش تسلم الأول؟"
تطلع إليها بملامح كارهة، وقد استنتج سريعًا سبب الاختفاء المريب لزوجته داخل مرحاض الجمعية منذ أكثر من نصف ساعة.
اعتماد تماثله في العمر تمامًا، واحد وثلاثون عامًا، لكنها تملك شخصية قوية تناطح من أمامها بندّية، بل ولا تخشى حتى غرز أظافرها في وجه من يتجرأ عليها بالكلمة، على عكسه هو، الذي يخاف حتى من أخيه الصغير ووالدته، وقد وجد ضالته في امرأة ضعيفة الشخصية يوجهها كيفما يريد ويحصل منها على قدر ما يستطيع، ولكن أحياناً لايقدر بسبب تلك اللعينة التي تقف له دائمًا بالمرصاد.
ـ "هي اللي اتصلت بيكي؟ ولا إنتي اللي اتصلتي بيها وعرفتي منها؟"
سخرت بابتسامة صغيرة بزغت بطرف ثغرها:
ـ "في الحالتين، إيه الفرق؟"
ـ "إيه الفرق؟!"
ردد بها من خلفها بنبرة غامضة، تبدلت فجأة حين أتت زوجته بعد خروجها من المرحاض، ليباغتها بالقبض على ساعدها بشراسة لا يعرفها إلا معها:
ـ "بقالك ساعة مدسية في الحمام بحجة إن بطنك وجعاكي، واتاريكي عاملاها حيلة عشان تستني المحروسة. طب حركي رجلك يلا، البت الموظفة بقالها ساعة مستنية على إمضتك!"
ـ "إمضة مين؟"
جذبتها اعتماد منه بحزم، قبل أن يتمكن من سحبها والذهاب، لتتصدر هي أمامه والأخرى خلف ظهرها:
ـ "تمضي على إيه بالظبط؟ أختي مش هتمضي على ضمانات ولا كلام فاضي. عايز تسحب قرض ربا، شوفلك حد غيرها يكون ضامن. دا لو محتاجه فعلًا؟"
صاح معنفًا، حتى كاد أن يتهجم عليها، وقد أصبحت المواجهة بينه وبينها مباشرة:
ـ "وإنتي إيه اللي يخصك؟ واحد ومرته، إيه دخلك؟ بعدي من وشي الله يرضى عنك، مش ناجصة هي وقف حال."
وامتدت ذراعه، ليجذب إليه امرأته المنكمشة بجبن، تحتمي بها:
ـ "تعالي يا بت، إنتي هنا بالذوق أحسنلك."
لم يصدر من روضة أي رد فعل، سوى أنها ازدادت التصاقًا بشقيقتها، باعتراض لا تقوى على التعبير عنه إلا في وجودها.
اهتاج غضبًا أمام صلف الأولى واحتماء الأخرى بها، ونظرات الخلق التي توقفت تتابعهم، ليزيد على اهتزاز شخصيته الضعيفة من الأساس، فارتفعت كفه بصورة توحي بنيته على ضربها:
ـ "طب والله لو ما بعدتي عنها، لأكون ضاربها هنا جدام الناس، وخلي حد يقدر يحوش عنها."
تحفزت اعتماد في استعداد للدفاع عنها، حتى لو اضطرت لفتح رأسه أو الدخول معه في عركة مباشرة، ولكن يدًا من المجهول قبضت على رسغه بقوة، وصاحبها الذي تذكرت أخيرًا قدومه لتوصيلها، ضغط بجسده على محمود ليبعده عن النساء، ثم خرج صوته تهديدًا ووعيدًا:
ـ "جرّب تنزل بيدك على واحدة منهم يا عديم النخوة، وأنا أفرّجك زين جزاة عملك."
كان حادًا بصورة أدخلت الرعب في قلب ذلك الذي بوغت بحضوره، فابتلع يقاوم مبررًا:
ـ "ابعد يا جدع إنت، دا أمر عائلي ملكش دعوة بيه، إنت مين أصلًا؟"
ـ "أنا خليفة ولد حماد القناوي، سمعت عن الاسم ولا أعرّفك أنا؟"
يبدو أن الاسم كان له وقع السحر، شحب وجه محمود حد الاصفرار، لترتخي يداه باستسلام مرددًا بشكوى:
ـ "وأنا مالي بيك يعني؟ البت دي هي السبب. واحد ومرته، هي إيه دخلها؟"
برز صوتها من بين الجمع الذي التف حولهم:
ـ "دخلها إني أخت اللي عايز تستغلها وتورطها ضامن ليك! عيلتك مليانة رجالة وحريم، خد أي واحد فيهم، لكن إنت مصر على أختي ليه؟ مش لاقي حد يوثق فيك؟ ولا عشان عارف إن موضوعك تافه وميجيبش تمنه؟ ولا هو مشروع ولا كلام فاضي."
كاد محمود أن يعود للشجار معها، ولكن منعه صوت إحدى عاملات الجمعية من النساء تصرخ :
ـ "إيه اللمة دي؟ لو سمحتوا، هنا مش محل خناق ولا مشاكل. أرجوكم اخرجوا برا."
❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈
ها هو للمرة الثانية يتعرض لنفس الإهانة وأمامها، من ذلك المتعجرف الذي التقط فرصة غياب عقله بفضل الكأسين اللذين شربهما قبل أن يذهب إليها. الملعون يجيد استغلال الأوقات التي يُضرب فيها، ليرفع من أسهمه أمامها على حسابه، فينال هو الخزي أمامها وأمام عائلته والجميع، ثم ينتهي به الأمر أن يصبح ضحية التقريع من مصيبة حياته، زوجته الحالية، وقد أتت فرصتها هي الأخرى:
ـ "يا خيبتك القوية يا صفا، يا سواد وشك جدام ناسك والجيران والعيلة، أوريهم وشي إزاي دلوك بس؟ بعد ما شافوك للمرة التانية داخل مسنود على الدّراعات، ومضروب من نفس الراجل على عتبتها، يا مرك، يا مرك."
صاح ينهرها من مكانه على الأريكة المستلقي عليها داخل شقة مزيونة:
ـ "اتلمي يا بت، بدل ما أجوملك، أنا على آخري أصلًا."
صدر من فمها صوت ساخر، غير آبهة:
ـ "طبعاً يا حبيبي لازم تبجى على آخرك، للمرة التانية بتلبس الخازوق والكسفة من غير مجهود من حد! إنت اللي بتروح برجليك، وإنت اللي بتضرب وتاجي مسنود وواخد الشتيمة من أقل عيل فيكي يا عيلة."
ـ "يا بت الـ…"
تمتم بها معتدلًا عن رُقاده حتى تألم رأسه، فتأوه بتوجع، يضع كفه عليها، مردفًا بتعب:
ـ "الله يلعنك يا ملعونة، لا عندك إحساس ولا عندك نظر. مش قادرة تستني علي ما أقوم، وساعتها اشمتي براحتك."
تخصّرت صفا تردف بغليل يحرقها:
ـ "لا، ماعنديش يا عرفان، والبركة فيك! إنت اللي موت قلبي وشلت الإحساس عني بعمايلك. يا أخي، دا أنا لو جبل برضو هتأثر وهضرّ، وممكن أقع من طولي بسببك! ماسك في اللي رمياك ومدياك بالجزمة، وأنا اللي متحملة قرفك وبلاويك الزرقا مش عجباك؟ طب تصدق بالله، أنا نفسي ما بجيتش طايقاك!اهه فايتهالك وماشية."
ـ "في ستين داهية، يلا غوري!"
هتف بها من خلفها بغيظ يحرقه. هذه الإهانة لا بد لها من رد موجع. لا بد من إنهاء هذا العبث على الفور ودون انتظار.
تحامل على ألمه، لينهض عن أريكته، متخذًا طريقه نحو الجهة المقصودة، وقد حسم أمره.
❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈
ـ "أنا جيت يا خالة مزيونة، ممكن أدخل؟"
دلف إليها هذا الصغير بعد أن طرق على الباب طرقتين على الخشب المثقل، يطل عليها بوجهه الوسيم الذي يشبه أباه في مكره، ينتشلها من الشرود الذي يلف عقلها دون هوادة، حتى إنه أذهب عنها التركيز في الكتاب الذي تمسك به منذ ساعة ولا تفهم منه شيئًا.
ـ "ادخل يا خالة مزيونة؟"
للمرة الثانية، يستأذنها بابتسامته المتلاعبة التي تدخل البهجة في قلبها دون استئذان، فكيف لها أن ترفض؟
ـ "ادخل يا بطل، بالذمة يعني، إنت محتاج تستأذن؟"
دلف يلقي التحية على زوجة شقيقها التي تطوي كومة الملابس التي جفّت بعد غَسلها، متصنعًا الخجل أمام المرأة حتى أدخل التسلية بقلبها هي الأخرى:
ـ "العوافي عليكم."
ألقت بنظرة ذات مغزى نحو مزيونة، وهي ترد على تحيته ضاحكة:
ـ "الله يعافيك يا حلو إنت. ادخل يا جميل، هو إنت غريب؟"
لوّح بكفه فوق صدره، يزيد من إبهارها قبل أن يتخذ جلسته جوار مزيونة على الأريكة الخشبية التي تجلس عليها:
ـ "تشكري يا خالتي، ربنا يخليكي."
للمرة الثانية، تطلعت محروسة نحو مزيونة ضاحكة تردد خلف هذا الصغير بمرح، يكتنفها:
ـ "يا حبيبي، دا إنت اللي ربنا يخليك ويبارك فيك لأبوك، يا عسل! صحيح، التعليم الغالي يا ولاد بيعمل فرق."
حدجتها مزيونة بنظرة محذّرة حتى تنتبه ولا تتمادى معه، فهي الأعلم بحجم الذكاء الذي ورثه عن والده... اللعنة، لماذا لا يترك رأسها ولو قليلًا؟
ـ "جولي يا ريان باشا، عامل إيه بجى في مدرستك؟"
وجّهت السؤال إليه حتى تندمج معه هو، لا أحد آخر، ولكن الطفل الداهية أبى أن يعطيها غرضها:
ـ "شاطر جوي، واسألي المدرسين كمان! أبويا وصلني النهاردة واتطمن بنفسه، حضر جلسة الآباء، وميس تولين فضلت تحكيله عن شطارتي ودرجاتي العالية في المادة بتاعتها، وهو فرح وقالي جدامها: أنا فخور بيك يا ريان."
تركت كل الحديث وعلقت على ملحوظة واحدة، عبرت عنها:
ـ "ميس إيه؟ تولين! ودي شكلها حلو زي اسمها كده؟ ولا إيه ظروفها؟"
بحماس أثار انزعاجها، هتف ريان يخبرها:
ـ "باه، ميس تولين دي أحلى واحدة في المدرسة كلها، وأنا أكتر واحد بتحبني من المدرسة كلها."
ـ "بتحبك ولا بتحب أبوك؟"
تمتمت بها لتستدرك سريعًا، تنفض رأسها من تلك الأفكار الحمقاء، لتردف بنزق:
ـ "ريان يا حبيبي، إنت بتحب الحلو اللي بنعلمه صح؟ محروسة، هاتي طبق بلح الشام اللي في التلاجة للباشا."
سمع منها ليهلل فرحًا بعفويته التي تعشقها، حتى أتت له محروسة بالطبق، يتناول منه القطع فيتذوق باستمتاع، حتى فتح شهيتها لمشاركته بتناول الحلو معه، ورغم ذلك، رأسها لا يهدأ عن التساؤل:
ـ "يا ترى شكلها إيه تولين دي؟"...............................
مرتفعات وحجارة تحك في إطار السيارة، فتصدر أصواتًا مزعجة وهي تخترق تلك الطرق التي يسير فيها لأول مرة، رغم أنهم في نفس البلدة.
وذلك كي يُوصل تلك المدعوة اعتماد وشقيقتها بعد شجار حاد بينهما وبين زوج الثانية، انتهى بطردهم جميعًا من الجمعية، حتى كاد الآخر أن يتسبب لهم في فضيحة ثانية على قارعة الطريق، لولا وقوفه هو بوجهه وصرفه، ثم في الأخير اضطر أن يقلّهم معه، بعد أن تركهم وذهب كالجبان.
ـ بَس خلاص، وجف هنا. هتفت بها اعتماد، فالتفت إليها متسائلًا: ـ بيتكم هنا؟ كادت أن تجيبه بنعم كاذبة، ولكن شقيقتها روضة سبقتها: ـ لا، مش هنا، بيتنا تحت شوية في الروض (مصلح يُطلق على الأرض المنخفضة في البلدة). ـ وه. صدرت منه بعفوية لا يقصدها، ندم بعدها حين شعر بحرجهما، فتابع موضحًا: ـ أنا قصدي يعني.... قاطعته اعتماد لتقصّر عليه وترفع عنه الحرج: ـ مش محتاج تبرر، عشان كده أنا بقولك وجف، النزلة بالعربية صعبة. رمقها بنظرة خاطفة عبر المرآة ورد برفض: ـ بسيطة إن شاء الله، بلدنا فيها طرق أوعر من كده، والسواق الصح ما يهمهوش.
قالها متخذًا قراره في القيادة بحرص أثناء النزول في ذلك المنخفض حتى يوصلهما إلى منزلهما، الأمر الذي دفعها ولأول مرة أن تعبّر عن امتنانها إلى رجل، وذلك لصنيعه الكريم معهما: ـ أنا كنت عايزة أشكرك، اللي عملته معانا النهاردة بصراحة الكل يشهد له.
تطلع إليها عبر المرآة بعدم تصديق، حتى أخجلها، فسارعت بالتوضيح: ـ أنا مش جلفة لدرجة إني أهدر حق اللي يتجمّل معايا، أنا برضو واعية وأعرف أميّز. تبسّم يزيد من خجلها الذي غطّت عليه بجمودها المصطنع، ليرد بتسلية تخللت نبرته: ـ مفيش منها شك دي يا أَبلة اعتماد، مربية أجيال زيك هي أمّ الذوق والاحترام.
اكتفت بالغيظ من طريقته، شاعرة بشيء من السخرية لا تقبله، ولكنه لم يخطئ حتى ترد. زفّرت داخليًا بارتياح نسبي مع انتهاء الطريق الصعب بالسيارة، ليظهر أمامها المنزل:
ـ خلاااص، حلوة جوي كده، إحنا وصلنا. أشار بذقنه إلى الأمام نحو أحد البيوت المبنية حديثًا بالطوب الأحمر دون دهان، موجّهًا السؤال: ـ هو ده البيت؟ ردت تلملم أشياءها: ـ أيوة هو ده البيت، تشكر جوي.
سمع منها فتوقف بالسيارة ينتظر ترجلهم، ليفاجأ بدعوتها: ـ اتفضل حضرتك تنزل معانا البيت، إحنا صحيح تلت ولايا، بس ده ما يأثرش طبعًا مع ناس زينا، إحنا ولاد ناس وبنعرف الواجب.
للمرة الثانية يستفزها بابتسامته التي تظهر وبكل وضوح لدهشته بالوجه الثاني لها، في المعاملة الطبيعية مع الأفراد دون مشاكل، حتى ودّت الرجوع عن طلبها والشجار معه كي تستريح، لولا قوله: ـ أكيد طبعًا ولاد أصول، واجبكم وصل يا أَبلة اعتماد، اعتبريني دخلت وشربت الشاي كمان، عن إذنكم بَجى.
وتحرّك بالسيارة ليصعد المنخفض حتى يصل إلى الأرض المستوية كي يعود إلى منزله، ولكن فور أن انتهى من الصعود واطمأن بخروج السيارة بخير دون إصابات تلحق بها، كاد أن يفرح بالإنجاز، حتى تذكّر هاتفه، فضرب بكفّه على عجلة القيادة مرددًا:
ـ بوو يا شجاوتك يا خليفة، هرجع تاني كيف في المرار الطافح ده؟
....................
في منزل والديها، وداخل تلك الغرفة التي تحبس نفسها بها هربًا من والدها وتحقيقاته المستمرة بعدد من الأسئلة التي لا يمل من توجيهها إليها، كانت متربعة الآن على سريرها، تلتزم الصمت المطبق وصوته في خارج الغرفة يصدح حتى يصل إليها، ووالدتها ترواغه وتماطله كي تمتص غضبه:
البت دي ساكتة ما بتتكلمش ليه؟ جاعدة من امبارح وجوزها ما سألش ولا حتى عتب وراها يمسي علينا، أجطع دراعي إن ما كانت عاملة نصيبة، دي لا حسنية ولا أي واحدة من بنتتها سألت؟ البت دي مهببة إيه بالضبط؟
يعني هتكون عاملة إيه بس يا أبو العيال؟ هي هالة صغيرة ولا لسه متجوزة امبارح؟ ده تلاجيهم بس شوية زعل صغيرين بينها وبين جوزها، وفي الآخر برضو هيتصالحوا، ده خليفة مفيش أعقل منه.
ـ أيوة يا أختي مفيش أعقل منه، بس بتّك مفيش أجنّ منها، أنا أبوها وعارفها زين، شوفيها مهببة إيه يا يامنة، يمكن نعرف نلمّ ولا نصلّح، يا إما أسحبها من يدها وأروحها على بيت جوزها تعتذر من غير ما أعرف إيه اللي حصل. ما عنديش بنتة يزمقوا ولا يبيتوا بعيد بيوتهم، فاهمة؟
بقبضتيها الاثنتين صارت تضرب على ركبتيها بحنق شديد وقهر تشعر به بسبب هذا الرجل، والدها. تعرفه جيدًا، لا يرمي كلامًا في الهواء، سوف ينفذ ولن يوقفه أحد. لن يراعي كرامتها أو يستمع إليها ويتفهم إن حدث وتكلّمت. ولكن، إن تحدّثت بالفعل، ماذا ستقول؟
لعنت داخلها خليفة وغدره بها، ذلك البحر الساكن دائمًا، يُغري الفرد بصمته، فلا أحد يعلم متى تفور أمواجه لتقلب كل ما بداخله رأسًا على عقب.
انتفضت تنتبه فجأة على دويّ صوت الهاتف بمكالمة واردة. تطلعت في الشاشة فازداد سخطها، لتغلق على صاحبة الاتصال دون انتظار، متمتمة:
ـ قبر ياخدك يا روان، ما تحلّي بقى عني، ناجصاكي أنا ولا ناجصة مياصتك؟ أوووف.
زفرت تمسح على شعرها ووجهها لتعود لصمتها والترقّب مرة أخرى، حتى يغادر والدها إلى عمله أو الحقل أو حتى النوم، حتي تتنفس بعدها جيدًا، ثم تفكر في حل يساعدها...
......................
لا تغادر سريرها إلا بحرص شديد، تلتزم بتنفيذ التوصيات وتعليمات الطبيب، والخوف مع كل حركة يعصف بها، إضافة إلى قلقها الشديد وامتحان السنة النهائية لم يتبقَ عليه سوى شهور قليلة، لا تعلم إن كانت ستذهب على أقدامها أم تبحث عن طريقة أخرى إن استمرت حالتها والجنين دون استقرار.
تنهدت تريح عقلها قليلًا من الهموم، وعيناها تراقبان الأطفال من شرفة غرفتها، وقد سمح لها معاذ بصعوبة أن تجلس بها ولو لنصف ساعة، حتى يدخل صدرها بعض الهواء الطبيعي، وعقلها يدور ويدور في عدة أشياء أخرى:
ـ يا ما شاء الله، ع القمر اللي نور البلكونة. هتفت بها منى وهي تدلف إليها، لتقابلها ليلى بابتسامة عذبة، تتقبل عناقها اللطيف وقبلاتها على وجنتيها، وكأنها ابنتها وليست شقيقة زوجها:
ـ عاملة إيه يا بت حلوة؟ تبسمت ليلى تعقب على غزلها: ـ بحبك جوي لما تدلعيني، خير والحمد لله. جلست منى تتناول من طبق الفاكهة الذي كان على الطاولة المجاورة: ـ ياختي اتجلعي على كيفك وكلي على كيفك، هو في أحلى من الاتنين؟ الا جوزك فين؟
ـ هيجابل واحد من مسؤولين الشركة، يمكن يقبل يتفاهم معاه على موضوع الإجازات، مع إني والله عايزاه يسافر، أنا زينة وأعرف أراعي نفسي.
ضحكت منى تعقيباً علي كلامها: ـ تراعي فين اتنيلي، خليه يترزع على ما يخلص حملك الجملي ده، وبعدها يشوف حل في شركة الفقر دي، مع إني أشك صراحة.
ختمت تضحك بمرح، فجعلت ليلى تشاركها حتى توقفت فجأة يعلو ملامحها الاضطراب:
ـ مالك يا بت؟ في حاجة مضايجاكي ولا حد مزعلك؟ ردًا على السؤال نفت ليلى بهزة من رأسها: ـ لا، بس حاسة نفسي مش مطمنة، أصلي من شوية كنت بتكلم مع أمي، إن خالي وصفي طالبها تروح على بيته عشان أبويا عامل جلسة وجايب معاه الشيخ خميس والرجالة اللي معاه.
غمغمت منى بقلق انتقل إليها هي الأخرى: ـ عرفان وجلسة! ربنا يستر.
.....................
جلسة أخرى وفي نفس المنزل الذي تم فيه عدة قرارات مصيرية أثناء زواجه بها أو بعد، ها هو الآن يتخذ محله بجلسة جوار الشيخ خميس وعدد من الرجال من أصدقاء والدها الذين كانوا حاضرين كل الجلسات السابقة. جلست برفقة شقيقها على مضض، تقديرًا لهم ولمكانتهم عند أبيها الراحل، فتحدثت موجهة السؤال لكبيرهم، بتجاهل تام له، وكأنها لا تراه، رغم غضبها الشديد من أنظاره المنصبة عليها بوقاحة مزعجة:
ـ اتفضل يا شيخنا، أنا جيت وجعدت أهو، إيه المطلوب مني بَجى؟
تحمحم الرجل الوقور يلطف لها، رغم صعوبة الأمر عليه هو أيضًا: ـ هنعوز منك إيه بس يا ست البنتة؟ غير كل خير إن شاء الله، ربنا العالم يا بنيتي، إحنا ما في نيتنا إلا كل خير.
كزّت على أسنانها بضيق متعاظم تردد خلفه باعتراض: ـ صلح إيه تاني يا عم الشيخ؟ هي الغنيوة دي مش فضت برضو وبوخت؟ ولا صاحبكم ده مبلغكمش بالنصيبة اللي عملها تاني ونال جزاته منها قبل ما يجمعكم ويقعد جصادكم بعين قوية؟
على صمته التام وكأن الأمر لا يعنيه، تاركًا الأمر للشيخ الذي كانت تخرج منه الكلمات بضيق هو الآخر: ـ عارفين يا بنيتي، وهو جمعنا إحنا مخصوص عشان كده، قبل كل شيء، هو جاي يعتذرلك.
ـ يعتذرلي! تمتمت موجّهة إليه نظرة نارية تقبلها ببرود تام قائلًا: ـ أيوة يا مزيونة، أنا جاي ومجمع الرجالة عشان أعتذرلك جدامهم، ولو عايزاني أبوس على راسك كمان أجوم وا...
ـ اقعد مكانك، لا عايزين منك بوس راس ولا بوس كفوف، انتي بس تحلّ عنينا وما نشوفش خلقتك، هو ده بس اللي عايزينه.
صاح بها وصفي بغضب عاصف يوقفه عن التحرك، في رد فعل غير متوقع لعرفان، ليتابع وكأنه قد تكفّل اليوم بالرد عنها:
ـ عاملي فيها محترم دلوك وبتوقر الكبير، وانت رايح تتهجم على البت في بيتها وانت سكران، وكأن ما ليها ناس يدافعوا عنها، ده جليل عليك الضرب، انت كان حقك طلجة واحدة بس من الفرد بتاعي، ولا ليك عندي دية عشان راكبك العار، حتى ناسك اتبروا منك.
أجفل وصفي وقد باغته بالكلمات القاسية، متسببًا له في حرج لم يحسب له حساب أمام الرجال الذين بدا عليهم تأييده رغم صمتهم، لينزع عنه لباس الأدب والاحترام، كاشفًا عن وجهه الحقيقي.
ـ باه باه يا وصفي، عينك جويت وجاي تحط عليا، طب أنا يا سيدي غلطان ومش هنكر، روحت على بيتها وأنا شارب ومتعصب بعد الكلام اللي وصلني، جيب أي حد مكاني يسمع الإشاعات اللي دايرة عليها هي والنسيب المحترم حمزة القناوي ويجبلها على كرامته ويجعد ساكت.
صرخت هي به بقهر: ـ جطع لسانك يا عرفان، وأي حد يجيب سيرتي بكلمة بطالة.
توترت الأجواء وحاول الرجال التهدئة بين الطرفين، ولكن الحرب بين وصفي وعرفان من كانت على أشدها:
ـ يعني انت بتأكد للرجالة ديلك النجس؟ مجرد ما سمعت كلام عليها من شوية حريم غيرانة ولا رجالة مفيهاش ريحة النخوة، قومت جريت على بيتها؟ دا بدل ما تتأكد وتجطع لسان اللي يتجرأ على أم بنتك، اللي انضرت أكتر واحدة في الحكيوة دي.
كلمات وصفي التي كانت كالسياط على ظهر عرفان تلسعه، فتساهم في صب الخزي عليه، ليزداد هياجًا وجنونا:
ـ مين اللي أوجفه عند حده يا وصفي؟ إذا كانت هي نفسها بتديله الفرصة عشان يثبت الكلام عليهم؟ ضاجت عليه الدنيا عشان يبني جمبها؟ دا قالك اللي طلّع الكلام دا كله طليقته بعد ما شافت بعينها، يا ترى شافت إيه يا مزيونة؟
صرخت به ظلمًا وقهرًا، وشقيقها يضمها إليه بالضغط على ساعديها، يحاول تهدئتها والسيطرة عليها أيضًا حتى لا تضر نفسها بالهجوم عليه:
ـ حرام عليك يا شيخ، بتردد بالكلام البطال وانت أكتر واحد عارف مين هي مزيونة، مش عايزاك تدافع عني بس أقله متزودش بكلام هتتسأل عليه، دا غير إن عندك ولايا غيري خاف عليهم.
أضاف عليها وصفي مخاطبًا إياه: ـ واللي يسمع كلام الحريم ويردد وراهم يبجى زيهم.
لم يكترث عرفان بل زاد من الضغط عليها: ـ تمام جوي يا وصفي، جدام الرجالة أها، أنا هجفل خشمي خالص ومش هجيب سيرة، بس وريني بقى هتوجف ألسنة الناس إزاي؟ وهو جارها في منطجة مفهاش غير بيته وبيتها؟ ولا بنتها اللي متجوزة أخوه، هتزورها إزاي؟ ولا تخطي بيتهم، والعيون من كل جهة مرقباها؟ يعني الكلام هيزيد هيزيد.
ـ الله يخرب بيتك، يعني نطلّج بتها من جوزها؟ ولا نطفّش الراجل من بيته اللي بناه جديد عشان تستريح؟ ما تحضرونا يا إخوانا؟
خرجت من وصفي كصرخة اعتراض يوجهها نحو الحاضرين، فما يحدث قد تعدى غرض الجلسة من البداية كصلح عادي، فجاء الرد من عرفان يطرق على الحديد وهو ساخن:
ـ لا دي ولا دي يا عم وصفي، قال شيل دا من دا، يرتاح دا عن دا، الحل الوحيد لمنع الرط والكلام والحديت، وعشان تثبت للناس إن الكلام ده كله كدب، هو إنها ترجعلي وأردها على زمتي، وخلي واحد بعد كده يستجرى يجيب سيرتها......... ها إيه رأيكم بجى؟
وهل تبقى لها رأي بعد أن نصب شباكه وحوّل الشجار والخطأ الذي ارتكبه، وما يُخاض في سمعتها من بهتان بريئة منه، لصالحه؟
الشيء الوحيد الذي فعلته هو أنها استندت برأسها على صدر أخيها الذي كان يضمها إليه، تغمض عينيها بتعب، ويا ليت كان الموت يُحضر بالرغبة، لكانت استراحت منذ سنوات طويلة، حتى قبل مولد ابنتها ليلى.
❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈
ـ هي فين؟ خليها تطلعلي؟
همس وصفي يسحبه إلى داخل غرفة الضيافة بعد أن قدم إليه الآن في تلك الساعة المتأخرة من الليل من أجلها، ومن أجل الاطمئنان عليها، ولكنها ليست في حالة تسمح لها بالحديث أو الأخذ أو الرد:
ـ أنا مصدجت إنها نامت يا حمزة، وطي صوتك، مضمنش إنها تصحى وتسمعنا.
اندفع بغضب يسقط جالسًا على أقرب المقاعد التي وجدها أمامه، هاتفا بصوت خفيض: ـ بس أنا عايز أطمن عليها يا وصفي، دا غير إن عتبي عليك أكبر من عرفان نفسه، ليه محدش فيكم بلغني؟ وأنا كنت جيت وحطيت صوابعي في عنيه، الخسيس أبو عين جوية، دا بدل ما يتكسف على دمه، هو كمان اللي بيبجح وبيشهد الناس علينا بالزور.
زفر وصفي يمسح بكفه على وجهه وشعره بغصة صدئه مررت حلقه:ـ عرفان بيستغل الفرصة يا حمزة، ما صدق لقى حجة عشان يشبط فيها، عارف إن أختي أهم حاجة عندها سمعتها وبتها، وهو ربط الاتنين في بعض عشان يضغط وما يسبش فرصة للرفض، داهية وعرف يلعبها الله يجازيه بعمله، المسكينة زقت الأرض بدموعها النهاردة بعد ما غار.
صاح حمزة محاولًا كتم صوته عن الصراخ بصعوبة:
وتضعف ليه ولا تديله فرصة أصلاً؟ ما ترفض بقلب جامد واعلى ما في خيله يركبه؟
رد وصفي بأسى:ـ ويعني هي مكانتش تقدر تنطقها؟ لا والله، تقدر تديله بالبلغة كمان، بس هو كلامه كان واضح، الرفض معناه كلام يزيد ونار تولع كمان، دا غير عمار بتها، اللي مش بعيد يخلي الفتنة تطولها ويطلّجها من جوزها.
تمتم حمزة بسبة وقحة، ليردف وصفي:
ـ ساعة ما اتصلت بيا تسألني، والله ما كنت عارف أرد عليك بإيه، بس في الآخر حسمت إني أرد عليك بصدج. أختي تعبت من كتر المجاوحة، وأنا نفسي تعبت عليها، شكلها ما يطمنش، وأنا احترت أعمل إيه معاها لو... لو وافقت ترجع لعرفان عشان تتقي شره.
ـ والله ما هيحصل، ولو على جطع رجبتي.
هتف بها حمزة، ناهضًا من أمامه بحزم وصرامة، يؤكد عليه قبل أن يغادر:
ـ تاني بقولها لك يا وصفي، والله ما هيحصل، ولو على جطع رجبتي.
..............................
مرت عليه الليلة القاسية دون أن يرف له جفن. لا نوم يطوله، ولا راحة تأتي في البعد عنها. ظل على حاله في تفكير مضنٍ حتى أشرق نور الصباح، فعاود الاتصال بوصفي الذي لم يتوقف عن إزعاجه منذ الأمس، يطمئن ويسأل، حتى أخبره الآخر بمغادرتها منزله، في طريقها للعودة إلى منزلها.
فوقف خلف نافذة غرفته يراقب ويراقب، حتى جاءت اللحظة ووصلت، وترجلت من سيارة الأجرة.
حينها لم ينتظر إذنًا. ركض خارجًا من منزله قاصدًا منزلها، ليدلف إليه بعد دفع الباب دون استئذان، بوجه متجهم يثير الارتياب في قلب من يراه، فاجفلت هي، ناظرة إليه لحظات بعدم استيعاب، حتى استعادت بأسها وهتفت به:
ـ فيه إيه؟ ف حد يدخل بيوت الناس كده هجم؟ ولا حد جالك إن البيت ده من ورثة أبوك؟
تقدَّم غير آبه بثورتها، واضعًا بصره نصب عينيها، وقال بنبرة يفوح منها الغضب:
ـ عايز أعرف إيه اللي جرى في جلسة الغبرة مع عرفان الزفت؟ إيه اللي خلاكي تطلعي وتحضري أصلًا؟
ـ وإنت مالك؟
وكأنه فقد عقله، زاد من تقدمه نحوها مرددًا:
ـ لا، أنا مالي ونص يا مزيونة! الواطي ده بعد اللي عمله ماكانش له التعبير من أساسه، مش تروحي وتجعدي جباله وتسمعي منه!
صرخ في الأخيرة بأنفاس متصاعدة، ينتفض من فرط غضبه واستنكاره:
ـ مرفضتيش عرضه ليه وخلصتي، يا مزيونة؟ بتديله فرصة عشان يتعشم تاني لييييه، يا مزيونة؟!
يصرخ، وكأن الأمر هين عليها، ولا يدري أن قلبها، الذي ذبل من الحزن، لم تعد به إرادة على المقاومة والرفض بقوة كما تريد، أو السماح للضوء الوليد أن يتسلل إليها كي يعيد فيها الحياة من جديد، فيزهر فيها ما يوشك على الموت...
ـ هرجع وأقولهالك من تاني برضه... ده شيء ما يخصكش. عرفان في الأول وفي الآخر يبقى والد بنتي، ودي جلسة كبار، قدم اعتذاره ليا جدامهم، وبعدها ساب في يدي الأمر، ما عرضش عرض.
تتحدث وهي تتهرب بعينيها عنه، لا تجرؤ حتى على مواجهته. يبدو أن اليأس مما يحدث من مؤامرات حولها قد أضعف عزيمتها هذه المرة، ويوشك على هزيمتها... وهو أبدًا لن يسمح بذلك، حتى لو اضطر لإجبارها...
ـ ماشي يا مزيونة، اللي خلاكي توقّري الكبار وتسمعي للمحروس رغم عيبته... يبجى تسمعيلي أنا كمان وتفهمي كويس اللي هقوله، عشان أنا هجيب الناهية واللي مفيش منها رجوع.
ـ هو إيه اللي مفيش منه رجوع؟
ـ إنك تتجوزيني يا مزيونة.
ـ نعم؟!
ـ نعم الله عليكي، زي ما سمعتي كده، أنا طالبك تتجوزيني أنا. إيه؟ جولت حاجة عيب مثلًا؟ ولا المحروس اللي طالب يردك عايز يحطك عنده أباجورة تنوري البيت؟
وكأنها لم تعِ مطلبه إلا مؤخرًا، برقت عيناها باتساع، تبصره بتساؤل يعصف بها: هل ما وصل لأسماعها كان حقيقة؟ أم هو سوء فهم حلّ بعقلها المشتت بكثرة المصائب التي تحاوطها من كل جانب؟ لكن الإجابة كانت واضحة، وليس بها أي لبس، بتلك النظرة التي يرمقها بها الآن.
ـ إنت اتجننت؟! عايزني أنا أتجوز؟ ومين؟! أتجوزك إنت؟! كييييف؟!
كانت تلك صرخة الاعتراض التي صدرت منها كردّ على ما تفوه به من "تخريف" كما تصنفه، لتواجه بشرار عينيه التي اشتعلت كجمرة من قعر الجحيم:
ـ ومالك بتجوليها كده واكني بكلمك عن حاجة متصحش ولا غريبة؟ ده شرع ربنا يعني، يا ست مزيونة، لا حاجة عيب ولا حرام!
ـ يا مَرِي! وكمان بتأكدها؟!
تمتمت بها، لاطمة بكفيها وجنتيها، تواصل رفضها علّها تردع هذا الرجل عن جنونه:
ـ إنت واعي لنفسك؟ عايزني أتجوزك وأنا بتي حبلى، وعلى مولاد مين يعجلها دي؟! طب عرفان لو ردني، أهو برضه في الآخر يبجى أبو بتي، ومحدش هيجيب عليّا لومة، إنما جواز تاني وراجل تاني... كيف؟!
ضاقت عيناه، وبنظرة فهمت مغزاها جيدًا، تحدث يصعقها بجرأته:
ـ الكلام ده خليه لواحدة غيرك، يا مزيونة. واحدة ما عليهاش طمع، وعيون الرجالة مرجباها منين ما تروح، ولا ألسنة الحريم اللي بتألف عنها قصص وحكايات في أي خطوة تخطيها برّا بيتها. ثم كمان، لا أنا كبرت ولا إنتي. أنا راجل ما جفلتش الأربعين، وإنتي حتى التلاتة وتلاتين ماكمّلتيهاش، يبقى إيه اللي يمنع؟
ـ اللي يمنع أناااا! لا ليا نية في جواز، ولا عندي نفس تتحمّل أي راجل، وحتى لو حصل... مش هيبقى إنت!
صرخت بها هذه المرة لتقطع الطريق نحو أي جدال آخر، لتفاجأ بفعله: ضاربًا بقبضته القفص الخشبي المعلّق بجوارها على الحائط الطيني، فيتحطم أسفله، يجفلها وهو يقول بحزم:
ـ طب اسمعي بقى يا مزيونة... آخر الحديت، ملكيش طريق ولا سكة تانية عشان تدخلي البيت عندنا غير بجوازك مني. يا إما بقى هتتحرمي من شوفة بتك، ولا تنتظري لما تقدر وتجيلك برجليها تزورك في البيت الحلو ده. ودي فيها على الأجل سنة! يعني ما ترجعيش تشتكي بعد كده إننا عطّلناها عن تعليمها ولا مرعيناهاش زين في حملها...
أنا كده عملت اللي عليّا.
قال الأخيرة، وتحركت أقدامه مغادرًا ببساطة كما دلف ببساطة، لتسقط هي بجسدها على الأرض القاسية، تحدث نفسها بانهيار:
ـ يا مرك يا مزيونة... عالنصيبة اللي وجعتي نفسك فيها إنتي وبتك! هلاجيها منين ولا منين بس يا ربي؟! هلاقيها منين؟
يعني ما خلصتش لسه من عرفان، عشان تطلعلي إنت يا حمزة؟! ليه بس؟ ليه بس...
.......................
لم يغادر لأقصي من عتبتها. ظل واقفًا خارج المنزل، يستمع لنحيبها بقلب يتمزق، لكنها لم تترك له فرصة.
عقلها المشتت بما يحدث من مؤامرات حولها، والمنغلق على عقدها القديمة، يمنعها من كل تفكير سليم. فحين يُقدِم الإنسان على الانتحار، إن لم يجد يدًا قوية تمنعه، سوف يفعل، ويلقى موته... ولا عزاء للندم بعد ذلك.
فلتكرهه كما تشاء الآن، لقد حسم أمره.
لن يتركها. ولن يتنازل عنها أبدًا.
ولو اضطر للمواجهة والتحدي مع الجميع... حتى معها هي.
والنصر حليفه في النهاية.
وهو واثق من ذلك.
... يتبع
رواية لأجلها الفصل الثلاثون 30 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل الثلاثون
"لا تُجاهد الأمور حد الانكسار... بعض الفصول خُلقت لنقرأها صامتين، نُسلّم فيها للقدر زمام الحكاية، ونُنصت لقلبنا حين يهمس: دعها تمضي كما شاءت.فما ضاع من بين يديك، لم يكن لك،وما بقي رغم العواصف، هو قدرك وإن تأخّر.ثقي أن ما ترتّبه السماء لا يخذل أحدًا،فكلّ تأخيرٍ يحمل معه عناية،وكلّ ألمٍ يُمهّد لفرحٍ لم تحلم به بعد."
الخاطرة الروعة والمراجعة من الرائعة/ سنا الفردوس
الفصل الثلاثون
ضاقت بها الحياة وكل شيء، أنهكها التعب والتفكير، حتى وجدت نفسها، فور أن استيقظت من نومها صباحًا بعد ليلة طويلة من السهر والسهاد، تلمّلم أشيائها وتتخذ طريقها إلى الجهة الوحيدة التي تجد فيها راحتها: أن تتلمّس أثر الأحباب بزيارة قبور من رحلوا وتركوها في منتصف الطريق، قبل أن تشتدّ عظامها وتصبح جاهزة للمقاومة.
هو بالقرب من القبر الذي يجمع والدها ووالدتها، كما عاشا على ظهر الحياة معًا، جمعهما الموت أيضًا.والدتها، التي فقدتها بعد زواجها من عرفان بأربع سنوات تقريبًا، في عزّ ضعفها ومرضها تركتها تصارع الحياة وحدها، طفلة في السابعة عشرة من عمرها، تحمل على يدها طفلة، ينهكها المرض، وزواج لا تحتمله، وزوج لا تطيقه.
ليتحمّل والدها بعدها الذنب وحده، فجاهد حتى وضعها على أرض مستقرة بعض الشيء، قبل أن يتبع زوجته هو الآخر ويرحل بعدها بثلاث سنوات، فتدير دفة مركبها بابنتها وحدها. متزوجة فقط بالاسم لتحمي نفسها من ألسنة البشر وأفعالهم. تكافح للوصول بها إلى مرسى آمن، ولكن طالت المسافة وطال المشوار، ونال منها الأذى النفسي والجسدي، ونفدت طاقتها، تريد الراحة ولا تجدها، وإن داعبها الأمل بشيء جميل، صدمها الواقع بعدها.
أضاء هاتفها فجأة بنغمة خافتة، لوصول رسالة ما إليه. فتحته لترى من المرسل، لتتفاجأ بهذا المتغطرس يبعث لها النص الآتي:
"لولا عارف إن الواد حازم معاكي، ما كنت هسمح أبدًا إنك تروحي القرافة من غيري."
ـ وُوه!تمتمت بها، لتترك النظر في شاشة الهاتف وتردف بغيظ شديد:ـ دا كانه اتجنّن، صُح؟
ـ إنتي بتكلميني يا عمتي؟رفعت مزيونة رأسها نحو ابن شقيقها، الذي كان منشغلًا بسقي النباتات المزروعة حول القبر، فنفت له فورًا:
ـ لاه يا حبيبي، منحرمش يا رب... كمل سقيهم يا حازم، خصوصًا الصبارة، ارويها وراعيها زين، حكم دي بتتحمل كتير... كتير جوي.
---
اهتزاز مكتوم بالقرب من مسامعها، يستمر ويستمر بصورة مزعجة، حتى امتدت يدها تفعل ما اعتادت عليه، فتمر أسفل الوسادة التي تنام عليها، تتناول الهاتف وتضعه على أذنها لتجيب بصوت ناعس وبدون تركيز:
ـ ألو، مين معايا؟لم يأتيها الرد على الفور، وقد ألجمت الدهشة الطرف الآخر، مجفِلًا بتلك النبرة الأنثوية الغريبة عنه.
ـ إنتي مين؟سؤاله البسيط أشعل تحفزها المعروف، لترفع رأسها بوعي بدأت تستعيده:
ـ نعم؟ حضرتك بتتصل على حد مش عارفه؟
نبرتها الحادة فقط هي من جعلته يتحقق من هويتها، بعد أن غلبه الظن بأن ذاك الصوت الناعم الناعس الذي وصله عبر الأثير، لواحدة غيرها، فتبسم بتسلية يجيبها:
ـ لا خلاص يا أبلة اعتماد، عرفتك. سامحيني، شكل السواقة شتّت تركيزي.
حسنًا، لقد استعادت وعيها بالكامل الآن، لتعتدل جالسة بجذعها، وقد علمت بهوية محدثها:
ـ خليفة القناوي! نعم يا فندم، في حاجة؟
لم يصلها منه إلا الصمت، مما جعلها تردف، ملطفة بعض الشيء:
ـ حضرتك، أنا بس مستغربة اتصالك بيا، والوقت بدري جوي كده؟
شعرت بضحكة تخللت نبرته، وكأنها قالت مزحة، رغم تقريعها المباشر له:
ـ للمرة التانية، هتأسفلك يا أبلة، بس أنا فعلًا والله مضطر. حضرتك واخدة تليفوني من امبارح، ودا شغلي وحالي ومالي كله عليه...
برقت فجأة تستدرك حماقتها، حين وعت على الهاتف الغريب عنها حتى في ملمسه، تسبّ نفسها بكل الشتائم.هذا الهاتف الذي غفلت عنه في حقيبتها اليدوية، حتى لم تكتشف وجوده إلا مساءً، حين بحثت بها ليلًا تخرج منها نوتة التذكير، التي تدون بها كل شئ مهم تود القيام به في اليوم التالي، فور أن تضع رأسها على الوسادة كي تنام، لتتفاجأ به.كم تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها:
ـ حضرتك، أنا ما خدتش بالي إنه في الشنطة أصلًا، غير على الساعة أتنين بالليل لما فتحتها بالصدفة، ساعتها كنت عايزة أتصل، مقدرتش عشان معرفش الباسورد، دا غير إني ماكنش عندي فرصة أبعت حد يوصلهولك على البيت، والساعة كانت داخلة على اتنين الصبح.
ـ خلاص يا أبلة اعتماد، مفيش داعي للتبرير دا كله، حصل خير.
ـ ماشي، بس إنت برضو كان لازم تتصل، يوم بحاله ماتسألش على تليفونك؟
ـ ما أنا اتصلت والله ياجي سبعين مرة، وإنتي برضو ما رديتيش، حتى بصي كده على سجل الهاتف...
ضربت بكفها على جبهتها بخزي شديد، وهي ترى بالفعل صدقه، من العدد المهول للاتصالات علي الشاشة بأرقام عدة، لتغمغم بالسباب مرة أخرى، حتى وصلت إليه همهمة غير مفهومة، فسارع يخفف عنها:
ـ خلاص يا أبلة اعتماد، حصل خير زي ما بجولك، أنا كمان كان لازم أبعت حد ياخده، بس الحقيقة إني من امبارح برا البلد، كل اللي طالبه منك دلوك تبعتيلي ملف من عندك محتاجه جدًا.
توترها الشديد جعلها ترد بفظاظة وكأنها تهاجمه:
ـ ملف إيه بالظبط؟ ما سمعتش توي بجولك إيه؟ أنا معرفش كلمة السر بتاعة حضرتك عشان أفتحه.
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، يا ستي عارف والله عارف... اكتبي عندك وأنا همليكي.
أغمضت عينيها تجاهد السيطرة على تشنجها وعصبيتها، علّها تحجم قليلًا من كم الغباء الذي يتساقط منها دون حساب، فتتمالك وتردف باستجابة إلى الرجل الذي يخجلها بلطفه وصبره:
ـ تمام، اتفضل حضرتك.
حين انتهت أخيرًا من مهمتها بإنهاء المكالمة بعد إرسال الملف الذي عرفها عليه، لم تستطع منع نفسها من المرور سريعًا على صوره الشخصية...بالجلباب، ومع أطفاله، وبين إخوته، وبملابس عصرية أنيقة لا يرتديها إلا نادرًا.قد يكون أجمل من شقيقيه الآخرَين، ولكنه بعيد عن الأضواء، لا يظهر في الصورة مثلهم، رغم هدوئه وكرم أخلاقه.
ـ أستغفر الله العظيم يا رب، أنا إيه اللي بعمله ده؟ألقت الهاتف من يدها بندم، وضعته جانبها على الوسادة، تعيد الاستغفار مرارًا وتكرارًا، مقررة ألا يدفعها الفضول إلى فتحه مرة أخرى.ولكنها، وما همّت بأن تنهض من فراشها، حتى أضاءت شاشته بدوي اتصال وارد، مما جعلها تتأفف بضجر، تتناوله وتجيب بحدة:
ـ ألو، إيه تاني؟ـ مين اللي معايا على التليفون؟
جزعت اعتماد برعب، تبعده عن أذنها بعد أن وصلها الصوت الأنثوي بالسؤال، واضعة كفها الحرة على فمها.بماذا سترد؟ وهي الأعلم أن الإجابة ستجرّ بعدها مئات الأسئلة، فهذه هالة التي تعلمها جيدًا، وتعرفها بصلافتها وغرورها.
ـ أنا بقول مين معايا؟ ما تردي، يا اللي ماسكة التليفون...
لم تدعها تكمل، وقد أنهت المكالمة بضغطة من إصبعها، لتغلقه نهائيًا بعدها، تاركة تفسير الأمر لزوجها بعد ذلك، فهي رغم حدتها وشجارها مع الجميع، إلا أنها ليست ندًا لهالة ولا لكلماتها الجارحة.
زفرت، تترك الفراش، كي ترى شؤونها، فتذكرت فجأة، أنه في جميع الصور التي مرّت عليها، لم تجد لها على هاتفه ولو صورة واحدة فقط، ولاحتى مع أطفالها أو معه... عجبًا حقًا.
---
وفي منزلها، كانت تضغط على الهاتف بغلّ حتى تكاد أن تكسره.أسئلة تدور في عقلها دون هوادة، الصوت الأنثوي الذي سمعته، لا يشبه نبرة أي واحدة من شقيقاته أو بناتهن حتى.إذًا، من تكون التي تجيب عن هاتف زوجها بتلك الأريحية؟ وهي التي قررت وتنازلت اليوم كي تتصل به وتسوي أمرها معه حتى يأتي ويعيدها إلى منزلها!
لقد وصل بها التواضع أنها كانت مُقدِمة على الصلح معه، لتجد هاتفه الآن مع امرأة غيرها!
أبدًا، لن تسكت على هذا الأمر، ولا بد لها من وقفة كي تفضحه، وربما تأتي بحقها منه حتى تعود إلى المنزل مرفوعة الرأس.أضاءت الفكرة في عقلها، مقررة الذهاب على الفور، لتنهض مغمغمة بحديث نفسها:
ـ بتلعب بديلك من ورايا يا خليفة؟ استنى عليّا، دا أنا هطين عيشتك!.
توقفت فجأة وقد ارتخت معالمها، بعد أن استقرت على الشخص الذي ستذهب إليه الآن لتُلقي إليه بالشكوى حتى يأتي بحقها. ومن غيره يصلح لتلك المهمة؟
ـ حمزة.........................
في طريق عودتها من زيارة قبر والديها، افترقت مع ابن شقيقها، فقد ذهب هو للقاء أحد أصدقائه، واتخذت هي طريقها للعودة إلى منزلها، تمرّ بالطريق الزراعي حتى تصل إليه.
كانت منهمكة في أفكارها كالعادة، حتى ظهر لها هذا الفاسد من وسط محصول الذرة وعيدانه الكبيرة، التي تغطي بطولها أي شخص داخلها؛ فتصلح عادة كمخبأ جيد لأمثال من هم على شاكلته.
ــ إزيك يا ست الحريم في الدنيا دي كلها؟
ارتدت قدماها للخلف بخوف غريزي، تطالع هذا الوجه الكريه مغمغمة بعدم استيعاب:
ــ عطوة! إنت اتجننت يا جزين؟ عشان تطب عليا كده وتجطع على طريجي؟
ابتلع رمقه، يطوف عليها بنظرة فاحصة أثارت القشعريرة بجسدها، قبل أن يجيبها:
ــ سامحيني لو خلعتك، أنا بس كنت معدّي بالصدفة عند جماعة معارفي هنا، واتفاجأت لما لقيتك جدامي وأنا طالع من الزرعة.
شعرت بالخوف، نعم، تشعر بالخوف، ولِمَ لا؟ فالمرأة، مهما بلغت قوتها، لا تضمن الغدر الذي قد يأتي فجأة من صنف البشر أمثال هذا الكريه، ممّن لا يعرفون العيب، ولا يراعون الحلال أو الحرام، إلا من رحم ربي.
ومع ذلك، لن تُظهر له أبدًا ما يكتسحها من الداخل:
ــ صدفة ولا مش صدفة، برضك مش حقك تخلعني ولا تكلمني أصلاً بعد عملتك السودة، ولا لحقِت الراحة والنضافة ينسوك عفانة السجن؟
اشتدت ملامحه، واختفى عنها التملق الزائف، ليرد عليها بغضب مكتوم:
ــ أنسى إزاي بجى وأنا اتحبست ظلم؟ وقبلها رجلي كانت هتروح مني بسبب طلقتك، وأنا ربي العالم، إني شلت الذنب مظلوم. هو المحامي مشرحّش جدامك حيثيات حكم المحكمة؟ دا عرفان بنفسه شهد معايا.
استقامت تواجهه بقوة، واضعة عينيها نصب عينيه:
ــ مايهمنيش أعرف إنت أقنعتُه إزاي يشهد معاك في اللعبة الماسخة دي، عن حكاية الحرامي اللي طلع على بيتي، وإنت كنت عايز تمسكه.
جايز يكون عرفان بلع القصة، مع إني أشك، بس أنا عارفة نفسي زين، ومتأكدة من كلامي، لو كل الدنيا اقتنعت ببراءتك، أنا لا يمكن أقتنع يا عطوة، عشان عارفاك زين... زين جوي. وسّع بجى من طريقي، خليني أروح على بيتي.
تركها تذهب بالفعل، لكنه أوقفها بعد خطوتين فقط، بقوله:
ــ مدام عارفاني زين، يبجى واصلك اللي جوايا يا مزيونة. ارحمي حالك، وبلاها الرجوع لعرفان الزفت، أو العشم في واد القناوي. اتجوزيني، وأنا أخليكي برنسيسة، جرّبي تفتحي جلبك وتشوفيني زين. أنا مستعد أعمل المستحيل عشانك، أنا رايدك من زمان جوي. اللي زيك حقها تتستت، مش تدفن مع عرفان الجبلة، ولا واد القناوي اللي عمره ما هيشوفك غير إنك أقل منه.
اكتفت بما سمعته، وبدون أن تلتفت إليه أو ترد، تابعت طريقها بأقدام تكاد لا تستطيع حملها. جسدها ينتفض ذعرًا وانفعالًا، تجتاحها مشاعر الغضب والخوف أيضًا.هذا الثعبان، بكلماته، أثبت صحة ظنها، لقد فعلها وحاول التهجم على المنزل وابنتها معها. ما الذي يمنعه أن يعيدها الآن، وبحرص أكبر، دون أن يكرر أخطاء المرة الأولى؟ وربما يتمكن من إيذاء ابن شقيقها؟ما الذي سيمنعه وهو لا يخشى العيب أو الحرام؟
كانت قد وصلت إلى خلف منزلها، تتأمل ذلك الجزء المكشوف الذي تمكن من تسلق جدرانه ليقفز إلى الداخل.لقد كان الله رحيمًا بها حين أيقظها في تلك اللحظة الحاسمة، لتحمي ابنتها ونفسها قبل أن يتمكن من خرق الباب الفاصل والوصول إلي الجزء الذي كانت تنام فيه هي وإبنتها،كم تمنت لو أن الرصاصة التي اطلقتها قد أستقرت في قلبه فعلاً، كي تستريح منه البشرية ومن أمثاله.
تطلعت جيدًا في الخلاء الممتد حتى الجسر الخلفي، لا يوجد سوى نباتات برّية نشأت بفعل الأمطار.اللعنة! كيف لو أتى منه الآن، وفي وضح النهار، وابن شقيقها غير موجود؟ لربما...
ــ واجفة هنا ليه؟...
شهقت صارخة، تقطع سيل أفكارها السوداوية، خلف الصوت الرجولي الذي أتاها من حيث لا تدري، وقد اختل توازنها حتى كادت أن تقع، لولا ذراعان قويان تلقفاها، لتسقط على صدره، فتثير بقلبه الهلع:
ــ مزيونة، أنا ما عملتش حاجة عشان تتخلعي كده؟تطلعت إليه من بين أهدابها التي كانت ترتخي، تتمتم باسمه المحبب إليها، وكأنها لا تصدق رؤيته بعد تلك اللحظات القاسية من الضغط والأفكار الوحشية.لتجد نفسها بين يديه، فتسلّم أمرها بأمان تام، ثم تغيب عن وعيها تمامًا.
ــ حمزة...ــ أيوه، أنا حمزة... إنتِ مالك يا مزيونة؟ مزيونة...
صار يهزها برعب، وقد ارتخى جسدها تمامًا، لا يدري ماذا يفعل، وكيف يفيقها؟ المنطقة خالية، ولا يوجد بها أحد ليستنجد به.أيلقيها بجوار الحائط ويذهب إلى الجسر كي يستجلب إحدى النساء من السيارات المارة؟!لا والله، لن ينتظر مساعدة من أحد.
عزم أمره على عجالة، ليدنو بذراعه إلى أسفل ركبتيها، ويحملها بين يديه، ثم سار بها من الخلف حتى وصل إلى شجرة التين في الجزء المقابل لمنزله.وضعها على المصطبة الطينية، بجلسة مائلة، وقد أراح رأسها إلى الحائط، وجلس بجوارها يسندها بذراع، والأخرى يحاول بها إفاقتها، يربّت على وجنتها وكفها:
ــ مزيونة، مزيونة، فوجي يا مزيونة...
حين استجابت أخيرًا، ترفرف بأهدابها، شعر بالأكسجين يدخل إلى رئتيه، بعد لحظات من الانقباض والترقّب، حتى ارتفع ستار أجفانها ليكشف عن عينيها الجميلتين التي اصطدمت بوجهه أمامها، وكأنها أصبحت عادة.
تحمحم هو ليُبعد ذراعيه عنها، بعد الارتياح الذي غمره برؤيتها:
ــ إيه اللي حصل؟
عاد إليها الإدراك، تعي جيدًا وضعها وقربه منها، الأمر الذي أطلق شرارات الإنذار برأسها، فتتحامل كي تسيطر على ترنحها قليلًا، مغمغمة:
ــ مفيش حاجة حصلت، أنا بس عايزة أدخل بيتي وأرتاح.
تطوع يهمّ بمساعدتها:
ــ طب أُسندك لحد ما توصلي لباب بيتك؟
ــ لااا...
اعترضت، تتخذ طريقها إلى منزلها، بخطوات تجعلها متزنة بصعوبة، وظل هو يتابعها بقلب غير مطمئن حتى اختفت من أمامه داخل مخبئها.
شعر بحاجته إلى الاتصال بأحد ما، قبل أن يذهب لمتابعة شؤونه ويغادر:
ــ أيوه يا وصفي، كنت عايز أبلغك بكلمتين.
كان قد وصل إلى سيارته، يدلف داخلها، ويُكمل الحديث أثناء ذهابه، غافلًا عن نفس حاقدة اعتادت أن تحيك الشرّ من وراء ستار، وكان هاتفها سلاحها الأقذر."كانت مختبئة خلف الأشجار الآن، وقد التقطت بهاتفها ما يجعل منه في نظرها كنزًا.
وقد ساعدها الحظّ والصدفة أن تأتي في هذا الوقت وكأن الشيطان بنفسه ساقها إلى هذا المكان، في تلك اللحظة، لتلتقط بعينيها ما سيتحوّل لاحقًا إلى أداة ابتزاز دنيئة."، لترى بعينيها المشهد "الحميمي الغرامي"... كما صوّر لها عقلها الخبيث، الذي لا يرى إلا الفضائح حتى في أنقى المواقف.".................................
أول مرة يزورها بعد تعبها الأخير، وتعليمات الأطباء لها بالالتزام بالفراش حتى يثبت حملها. أول مرة تكون المسافة بينه وبينها بهذا الشكل في شقتها الزوجية، والتي يزورها للمرة الأولى هو أيضًا. جلس بالقرب من سريرها، يتحدث محاولًا إقناعها:
ــ خليكِ ناصحة وافهمي أنا بوعيّك على إيه؟ البنت، مهما كانت غلاوتها عند جوزها برضك، لازم يكون في ضهرها سند تتّكل عليه، ويعمل له هو ألف حساب، عشان ما يفكرش في يوم يتعدّى عليها ولا يبهدلها. الكلام اللي داير في البلد يضرك قبل ما يضرها. أمّك باصة تحت رجليها ومش شايفة، لكن أنا مفتح لجدام، وعايز ألمّ الشمل ما بينّا، عشان محدّش بعد كده يجيب سيرتها. الكلام لو اتوسّع هيجي عليكي وعلى جوازتك... ولا إنتِ مش واخدة بالك؟
تركته يتكلم كما يشاء، ثم صدمته بردها المرتب:
ــ بس أنا أمي مش عليها حاجة... مزيونة الحرة الكل يعرفها، وجوزي وناس جوزي أول ناس يشهدوا على كده. بوز الأخص اللي طلّعت الكلام ده، اديتها على وشّها، ولو زوّدت أكتر، كنت خلّصت عليها كمان.
تهكم، غير آبه بألمها:
ــ وكانت النتيجة إيه يا جلوعة؟ أديكي اتسطّحتي على سريرك، لا جادرة تروحي مدرستك ولا تكمّلي تعليمك... عشان تجيبي الشهادة اللي أمك اتطلقت بسببها!
ردّت بضعف وقد ترقْرقت عيناها بالدموع:
ــ كل اللي حصل كان غصب عني... أنا برضك لسه على العهد، ولا عمري هخذلها، ولا أضيّع تعبها معايا على الفاضي.
زفر بخفوت، يزيح بصره عنها قليلًا حتى يستجمع أفكاره مع بنت أمها، والتي قد يأتي منها الفرج؛ فهي مفتاحها في الأول والآخر:
ــ وأنا ما جصديش أعايرك ولا أعايرها... افهمي بجى. أنا عارف إني غلطت كتير في حجكم، بس دلوك عقلت وعايز أصلّح. هعمل لها كل اللي هي عايزاه، حتى لو هتكمل لحد الجامعة زيّك. وانتي كمان، متشيليش هم.لو – لا قدّر الله – جوزك رجع في كلامه بعد كده، ولا حصل ما بينكم انف...
ــ بعد الشر!
هتفت بها بحدة تقاطعه قبل أن يكمل، تنفضّ عن رأسها الفكرة من الأساس، فاستغلّ هو يوجه تلك النقطة لصالحه:
ــ جدعة يا قلب أبوكي... المرة الأصلية هي اللي تخاف على عمار بيتها مع جوزها.بس أنا حابب أنبّهك على حاجة انتي مش واخدة بالك منها، ويمكن فرحانة بيها كمان.أخو جوزك اللي انتي مسمّياه عمّك "حمزة"، لو حصل وحب يأكد الإشاعات وعرَض إنه يتجوز أمك... اعملي حسابك إن انتي أول واحدة هتتضرّ مع جوزها.أنا مش بتكلم كلام في الهوا... عشان كده بقولك اقنعيها. نلمّ الشمل، وتعيشي إنتي هنا ما بينهم وراسِك مرفوع.فاهماني؟..........................
دخل إليها "معاذ" بعد أن انتهت أخيرًا من تلك الزيارة الثقيلة، بمغادرة ذلك الرجل. وقد تكفّل هو بتوصيله حتى الباب الخارجي.مهما كانت العداوة والكره المتبادل مع هذا الرجل، إلا أنهم مضطرون للترحيب به من أجلها، كي لا تشعر باليُتم بينهم ووالدها لا يزال على قيد الحياة، حتى وإن كان كريهًا أو بغيضًا.
جلس بجوارها على الفراش، يضمّها مداعبًا بعد أن لاحظ شرودها:
ــ الجميل سرحان في إيه؟
قبّلته على وجنته بابتسامة ضعيفة، ذهب عنها صفاؤها وعفويتها، وهو ما انتبه له سريعًا "معاذ"، فاعتدل بجلسته، يقابل عينيها المتهربتين منه:
ــ الراجل ده بخ في ودنك وقالك إيه بالضبط؟
ارتفع كتفاها وهبطا سريعًا، قائلة:
ــ عادي يعني... حديت زي أي حديت.
لم يكن لديه صبر لمراوغتها، وهي ككتاب مفتوح، يحفظها أكثر من نفسه، ليهتف بها حازمًا:
ــ ليلى، حطّي عينك في عيني وجولي... نفخ في ودنك وجالك إيه بالضبط؟
إذعانًا لأمره، اضطرت أن تجيبه:
ــ عايزني أقنع أمي إنها ترجعله، وبيحذرني إن الكلام عن أمّي وعمّ حمزة هيوسع أكتر وأكتر كل ما رجليها عتبت هنا...
زفر "معاذ" بغضب متعاظم... ذلك الرجل المتلوّن، يلوي كل الأحداث لصالحه، حتى لو اضطر لجرح أقرب ما لديه:
ــ كنتي شكرتيه على شهامته!إحنا عارفين كل حاجة، وهي مسألة وجت إن شاء الله... وكلّه يتحل.
ــ يعني إيه؟ وضّح أكتر.
لم ينتبه لنبرة الارتياب في حديثها، وقد أخذه الحماس في الرد عليها:
ــ بقولك مسألة وجت يا ليلى، حمزة أخويا كلم أمي امبارح، وبلغها إنه اتقدّم لخالك وصفي، وخد موافقته كمان، واللي ناقص دلوك بس... موافقتها. ربنا يهديها بجى وتردّ بسرعة. حُكم إني عارف أخوي زين، مش هيسيبها غير لما تقول "آمين... آمين".
أومأت تُدعي تفهمًا، ولكن عقلها الذي زُرع فيه الشك، بدأ من الآن تعصف به الأفكار والهواجس.
...............................
عاد مساءً إلى منزله، بعد يوم مرهق قضاه في تسوية أعماله والتفكير في المعضلة التي تقسم رأسه، تلك العنيدة التي احتلّت قلبه وعقله، ولا يدري منها نجاة إلا بالزواج. مهما هربت منه وتحدّته، لن تهزمه.
زفر، وهو يُلقي بمفاتيح سيارته على الطاولة الزجاجية التي تتوسط الغرفة، ثم ذهب نحو الشرفة، يخطف نظرة أخيرة نحو منزلها في الخارج على أمل أن يراها ولو صدفة، لكن لم يحدث. هكذا كلما حدثت مواجهة بينهما، تعاقبه بالاختفاء داخل منزلها.
اللعنة... سوف يكسر كل باب يمنعه عنها إن حدث وفعلتها بعد الزواج.
لكن لا بأس الآن، إن كانت هي متخفية عنه حاليًا، فهو أيضًا لا يُغلَب. تحرك خطوتين ليقوم بتشغيل الشاشة المتصلة بالكاميرات التي زرعها في زوايا المنزل الهامة بالخارج، حتى لا يغفل عنه ولو أثر قطة، إن كانت قد مرّت بالقرب من منزله أو منزلها.
سقط بجسده على الأريكة الوَثيرة، يُشغّل التلفاز بالمتحكم، ليعود باللقطات إلى بداية اليوم، منذ خروجها صباحًا بصحبة ابن شقيقها، ثم عودتها والتفافها عند مدخل المنزل لتتسمّر بالنظر نحو الجدار الخلفي... لسبب غير معروف. ثم انتبه هو لطيفها وقت خروجه من منزله، فتحركت قدماه لا إراديًا إليها، وحدث ما حدث حين فقدت الوعي بين يديه.
كان منتبهًا بشدة لكل تفاصيل المشهد الواقعي الذي سجلته الكاميرا أمامه، حتى لم ينتبه إلا مؤخرًا إلى تلك المرأة التي كانت متخفية خلف إحدى الشجيرات، رافعة هاتفها نحوهم... وتُصوّرهم!
انتفض مستقيمًا، يُعيد المشهد من بدايته حتى تبين له، وبكل وضوح، هوية المرأة التي كان قد شَكّ فيها من البداية، لكنه كان يريد التأكد:
ــ هالة...
...............................
وقفت تُقابله بدهشة، بعد مجيئه فجأة في هذا الوقت المتأخر من الليل. استُقبل بترحاب شديد من والديها، وقد أخذهما العشم في مغزى الزيارة المفاجئة، حتى إنه حين طلب الانفراد بالجلسة معها، هرول الاثنان يتركان له المجال كاملًا، من أجل صُلح ابنتهما على زوجها.
طال صمته في التحديق بها، الأمر الذي جعلها تبادره الهجوم:
ــ اتكلم يا واض عمي... جُول اللي إنت جاي تِجُوله. بس خد بالك، عشان أخوك اللي كان عامل نفسه معاه الحق، دلوك أنا اللي مش عايزاه. خليه يلعب ويِمشي مع الحريم على كيفه... شكله كان في جرّة وطلع لبرا!
وكأنه لم يسمع شيئًا، تجاهل كل حديثها، ووجّه إليها الأمر المباشر:
ــ هاتي التليفون بتاعك يا هالة.
ردّت بدهشة:
ــ تليفون مين؟ تليفوني أنا؟ مالك بتليفوني؟
امتدت كف يده نحوها مفتوحة، يُكرر أمره بحزم:
ــ بجولك هاتي التليفون حالًا، يا إمّا مش هيحصل طيّب، وانتي اللي هتندمي ندم عمرك بعدها.
سمعت الكلمة الأخيرة، لتفور الدماء في رأسها، تاركة العنان للسانها الطويل:
ــ أندم ندم عمري؟ ليه إن شاء الله يا واض عمي؟ راكباني العِيبة ولا بعمل الغلط؟ إنت جاي النهارده على إيه بالضبط؟
زفر وهو يُحاول التحكم في غضبه من تلك المستفزة، ودون أن يتفوه بحرف، رفع شاشة هاتفه أمامها، لتُشاهد تسجيل الكاميرا لها عند منزله.
فابتلعت ريقها بقلق اكتسح ملامحها، لكن سرعان ما استعادت شراستها، ترد بتبجح:
ــ آه... قول كده بجى! جاي تتنفض وعايز تاخد الصور من تليفوني لتوصل لحد غريب وينشرها؟ وتتأكد الفضيحة والكلام اللي عليكم؟ فعلاً... حاجة تِكسِف وتجيب العار. ده قليل إن ما خدتْلها طَلجة تغور فيها!
كم ودّ أن يتناول لسانها ويقطعه، أو أن يُنظفه بماء نار حتى يُطهّره من نجاسة ما تتلفظ به. لكن لا بأس... هو ليس بقليل الحيلة أمام شخصية مثلها، ولا أمام كل نفس خبيثة تتجرأ على ما يخصه.
ــ مش هرد على كل الهَلْفَطة اللي هَلْفَطتي بيها، ولا على الزفارة اللي بتنقط من لسانك... بس هرد بحاجة واحدة:
لو عندك الجُرأة يا هالة إنك تحتفظي بواحدة من الصور دي على تليفونك بعد ما أنا كشفتك... اعمليها.
اللي على تليفونك دلوك دليل إدانة كامل عليكي، بكل النصايب اللي عملتيها... من أول "روان" اللي سَلّطتيها ومليتي دماغها عشان تعمل فضيحة!
تخيلي رد فعل جوزك لما يمسك الدليل ده في يده، بصور الكاميرا ليكي بالكامل... وهو أصلًا على شعرة عشان يطلّقك، بعد ما فاض بيه منك ومن عمايلك. ولا أبوكي يا هالة؟ أكيد إنتي عارفة زين جوي اللي مستنيكي منه لو حصلت واطلقتي بسبب عمايلك اللي تِكسِف!
شحبت ملامحها فجأة، وهي تستوعب مغزى تهديده.
دار رأسها وقد طرق بمطرقته على أكبر مخاوفها... كيف لشيء مخزي كهذا سجلته كاميرا تليفونها أن يُصبح دليلاً ضدها، لا عليه هو وتلك "المزيونة"!
وهي التي كانت تُمنّي نفسها بالحصول على أكبر استفادة، حتى شطح خيالها لابتزاز "مزيونة" وطردها من المنزل!
وكأنه كان يقرأ ما يدور في رأسها، فأردف ليزيد من هزائمها:
ــ عيبك إنك فاكرة الناس مش فاهماكي، مع إنك مكشوفة جدام الكل...
هاتِ التليفون عشان نفسي جفلت منك... هاتي التليفون قبل ما أتهوّر وأنادي على أبوكي وأشهده... أنا مش بعمل حاجة غلط عشان أخاف منها!.........................
صباح اليوم التالي
وقد استيقظ أبكر من اي يوم مضى، وبنشاط فاق عادته، بعدما اكتفى بسويعات قليلة أراح فيها جسده المنهك، وهدّأ بها رأسه المثقل بالتفكير.ورغم صعوبة ما مرّ به مساءً، فإن النهاية كانت مُرضية له، ولو قليلًا.
تخفّى خلف ستار النافذة منذ أكثر من ساعة، يرقبها في انتظار أن تطلّ، حتى ظهرت أخيرًا، تحمل أغطية السرير لتقوم بنشرها في الشمس، كعادتها اليومية.
لم ينتظر لحظة أخرى، وهرول سريعًا نحو الخارج، عازمًا على اللحاق بها قبل أن تختفي من أمامه كما تفعل دائمًا.هذه المرة، أقسم أن يوقع "قتيلًا" إن حدث وفعلتها!
وصل بخطوات متعجلة، ليجدها على وشك الانتهاء من نشر المفرش الأخير.تقدّم نحوها بخفة، متعمدًا ألّا يلفت انتباهها، حتى إذا التفتت... فوجئت به واقفًا أمامها، يبتسم.ابتسامة أشرقت على ملامحه الخشنة، بوسامة تميّزه عن الجميع.
ــ صباح الفل.
ظهرت علي وجهها الجميل مظاهر التعب وقلة النوم بوضوح، وفي ردّها الفاتر، وقبل أن تهمّ بالهروب كعادتها:
ــ صباح النور.
تفوهت بها ثم همت بالانصراف من أمامه دون استئذان، فكادت أن تمر، ولكنه اعترض طريقها، يوقفها:
ــ ما تمشيش قبل ما نتكلم.
رفعت بصرها إليه بضجر، تجيبه برفض:
ــ وأنا مش عايزة يا حمزة، عشان عارفة اللي هتتكلم فيه. سيبني أروّح أريح جسمي الله يرضى عنك، تعبانة ومفياش حيل للتّ والعجن.
وكأنه لم يسمع شيئًا، ظلّ واقفًا كحائط يمنعها من المرور، يتأملها بصمت، مستمتعًا بمشاكستها.
وحين نفذ صبرها، عزمت على الإفلات منه بأي طريقة،تحركت قدمها خطوة يمينًا، ولكنها وجدته يقلدها من جهته،رمقته بغيظٍ كامن لتغير هذه المرة يسارًا، فتبعها أيضًا، مانعًا عنها أي فرصة لتخطيه،لتزفر وتحدّجه بضجر، تنفخ من فمها كالأطفال، هادرة به:
ــ ابعد من جدامي يا حمزة، وبلاها عمايل العيال دي! لا أنا صغيرة ولا إنت صغير على الكلام ده.
ضحك بتسلية يزيد عليها:
ــ والله عايزة تكبّري نفسك؟ إنتي حرّة، إنما أنا راجل بعقل صغير، وهعيش طول عمري صغير.
ازدادت عيناها اتساعًا، تطالعه بغضب اختلط بدهشتها.لا تصدق تلك الأفعال الصبيانية التي يقوم بها، هذا الرجل الذي تُرفع له هامات الرجال احترامًا، يشاكسها وكأنه طفل في السابعة!
ــ ممكن أفهم إنت عايز إيه في الآخر؟ جُول كلمتينك وخلّصني!
أومأ بانتصار وقد وصل لمبتغاه، ليخرج من بنطاله الهاتف، يرفعه أمام عينيها، موجّهًا بصرها نحو الشاشة، قائلًا:
ــ من غير رغي ولا رَط كتير، أنا عايزك بس تبصي هنا، عشان تعرفي إن موضوعنا كده خلصان، ومن غير تفكير.
ــ هو إيه اللي خلصان؟...
لم تنهِ جملتها بعد، حتى انتفضت بجزع نحو ما تراه أمامها، هاتفه بما يشبه الصرخة:
ــ يا مري... دي صورتي؟ ولا... ولا صورة واحدة غيري إنت شايلها؟
وكأنها كانت تنتظر منه نفيًا، ولو بالكذب، علّه يخفف عنها وطأة ما تشعر به.ولكنه أبى إلا أن يصارحها:
ــ إنتي عايزاني أكدب عليكي يا مزيونة؟ دي صورتك طبعًا، وأنا شايلك وإنتي مغميّ عليكي،ناس وِلاد حلال شافوني وشافوكي، ما رضيوش يعدّوا الأمر كده من غير ما ياخدوا اللقطة،بس الحمد لله، أنا دريت بسرعة وعرفت أتصرف معاهم وأخرسهم، بعد ما خدت الصور.
هكذا، وبدون أدنى مراعاة لحيائها، أخبرها بما جعل الدماء تفور برأسها.الوغد يتحدث ببساطة، وكأنه يُدلي بأخبار الطقس، وليس عن أمر جلل كهذا!
لتنفض عنها الذهول، ويحلّ عليها غضب متفاقم، جعلها تدفعه بقبضتها على صدره، صائحة به:
ــ إنت السبب! إنت السبب في كل اللي حاصل! عاجبك كده منظري؟ ولا منظرك جدامهم اللي بتجول عليهم دول؟كنت بتشيلني ليه؟ بتشيلني ليه بس وتجيبلي الكلام والحديت؟
أجفل من رد فعلها العنيف، والذيذ أيضًا، حتى كاد أن يضحك لشراستها التي يشهدها لأول مرة.ففاجأها هو بالقبض على رسغها يمنعها من الاستمرار في ضربه، متحدثًا:
ــ عيب عليكي يا مزيونة، أنا راجل كبير ناسي، وعمايلك دي أنا مش صغير عليها.ده غير إن لما شيلتك كان ليّا سبب قوي، وهو إني أفوّجك بعد ما غِميتي وفقدتي وعيك.كنتي عايزاني أسيبك لحد ما تروحي عن الدنيا خالص يعني؟ ما تميّزي بجى يا ست إنتي، وقدّري إن نيتي كانت سليمة.
نزعت يدها منه، صارخة به:
ــ ياريتــك كنت سيبتني! أموت ولا أغور في داهية حتى!مش أحسن من الكلام والحديت دلوك؟ ولا هي الدنيا صفصفت يعني، ومبقاش فيها غيرك تفوقني؟ما كنت اتصلت بالدكتور، ولا جيبت أي مرّة معدية من على الجسر اللي ورانا!لازم تعمل فيها عم الشهم؟... إنت إيه اللي كان سكنك جنبي بس؟ إيه اللي كان سكنك جنبي؟!
تركها تفرغ غضبها في الصياح والصراخ عليه، ليردّد بنبرة ماكرة:
ــ النصيب... النصيب هو اللي سكني جنبك يا مزيونة.
ــ نصيب؟ نصيب مين بالظبط؟!
صاحت بها، وقد بلغ منها التعب مبلغه، لتسقط جالسة على المصطبة الطينية من خلفها، مردفة بألم يعتري قلبها:
ــ ليه يا حمزة بتعمل معايا كده؟ ضاقت عليك الدنيا؟ ملجتش غيري؟الحريم مالية الدنيا كلها!لو بِتّ سبعتاشر هترضى بيك، لو ملكة جمال هترضى بيك،لو حتى دكتورة ف الجامعة برضه هترضى بيك، عشان إنت كامل من كله!إنما أنا؟ تبصلي ليه؟ لا أنا واخدة التعليم العالي زيك، ولا عندي الأصل والمال اللي يليق بيك...
توقفت برهة، ثم أكملت بما شطر قلبه لنصفين، تشير بسبابتها على وجهها، ودموع القهر تغرق وجنتيها:
ــ لتكون اتغرّيت بشوية الحلاوة اللي شايفهم جدامك؟أنا صورة بس، لكن من جوا... فاضية!أقل مرّة في الحريم أحسن مني!لا أعرف أسعد راجل، ولا أقدر أخلّف عيل تاني، بعد ليلى، اللي جيبتها بطلوع الروح!النصيب اللي بتتكلم عنه ده؟أنا جربته... ودوقت المرار فيه!معدتش فيا حيل أعيد سنين المرار من تاني يا حمزة!ولو ليا خاطر عندك... ابعد عني، وشوف غيري، الله يخليك!
سقط هو على الأرض، جاثيًا على ركبتيه عند قدميها، بقلب تمزق حزنًا عليها، حتى سقطت دمعة من عينيه تضامنًا معها:
ــ إنتي ملكة على كل الحريم، مش على قلب حمزة وبس!مين اللي حط في مخك النقص وانتي كاملة من كله؟تلزمني في إيه بِتّ سبعتاشر عشان أفضلها عليكي؟ولا دكتورة الجامعة؟جيبيلي واحدة في الدنيا... عقلها يساوي عقلك!ولو ع الجمال... فدي آخر حاجة يختار على أساسها القلب!أصله أعمى... عايش بالإحساس بس!أنا قلبي اختارك يا مزيونة، سواء كنتي حلوة أو وحشة... سواء هتخلّفي أو متخلّفيش.ولو ع السعادة؟فدي لقيتها من ساعة ما شوفتك!أنا بحبك يا مزيونة...ولو كنتي ناقصة من كله، برضه... راضي بيكي!
من المفترض أن ترطّب كلماته قلبها الملتاع، لكن عقلها ما زال يرفض... أو بالأصح: هو يحتاج مزيدًا من التأكيد.
ـ إنت عبيط يا حمزة؟ بجولك منفعش، منفعش! أجيبها بالمفتشر عشان تفهم؟لو حصل واتجوزتك، انسَ إنك تتهنّى زي باقي الرجالة.اللي جربته في جوازتك الأولى من هنا ولا فرح!انسَ خالص إنك تلاقيه معايا!
تنهد بعمق، يؤكد لها بإصرار واستماتة:
ـ رااضي يا مزيونة... اعتبريني عبيط، اعتبريني أي حاجة، برضو راضي.
ـ إنت حر...
استغرق لحظة، لحظتين، حتى استوعب... يتساءل بعدم تصديق:
ـ معنى كده إنك وافجتي يا مزيونة؟
صمتت، تطالعه بخجل وتردد، لا تعلم كيف صدرت منها أصلًا...ليتيقن أكثر من صمتها، فيردف بصوت أكثر لهفة:
ـ مزيونة! ردي عليّا، الله يرضى عنك... انتي وافقتي صح؟ انتي وافقتي؟
لم تصمد أكثر من ذلك، لتدفعه بيدها ناهضة عن جلستها أمامه، قائلة:
ـ واحد غاوي شقى! أعملك إيه؟ اللي بيشيل قربة مخرومة بتخرّ عليه!جُلتلك إني منفعش! يعني اعتبر نفسك متجوز واحد صاحبك، ولا مش متجوز من أساسه... بلا وجع قلب!
صرخ يوقفها قبل أن تختفي:
ـ يعني جَبَلتي بجوازي منك؟
صاحت بحدّة، تناقض تمامًا هيبة الموقف والرومانسية اللي كانت تلوح في الأفق من دقائق:
ـ جَبَلْت، جَبَلْت! واتحمّل بجى، عشان إنت اللي جيبته لنفسك!
تعلّقت أبصاره تتبعها بذهول، وقد انثنت أقدامه أسفله...يخشى أن يكون حلمًا. يريد أن يرقص، يريد أن يصرخ بها أمام العالم:لقد نطقتها ووافقت!نطقتها... تروي عطش قلبه.نطقتها المجنونة... تضيف عليها لمستها، تقصد تعكّير مزاجه، أو أن تجعله يتراجع،لكن والله... لن يحدث!بعد ما سمع منها الإجابة، أصبح الأمر تأكيد ومؤكّد به... بل وكل التأكيدات!
يحاول السيطرة على رجفة قلبه، يعيد كلماتها بذهنه حتى وصل إلى تلك الجملة الطريفة...يغمغم معقّبًا عليها بمكر ضاحكا:
ـ وااحد صاحبي يا مزيونة؟ والله إنك غلبانة جو
يتبع...