تحميل رواية مزيج العشق بقلم نورهان محسن pdf
بقلم نورهان محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت جميلة تشبه قطرات الندى كل صباح. لديها زوج رائع يلقي عليها كلمات حب. وتداعب تلك الفتاة الصغيرة أصابعها. وهي تملأ الكون سعادة بضحكاتها. لكن ما لم يؤخذ في الاعتبار أن كل ضحكة لها ثمن. وكل لقاء هو فراق. ها هي الآن.... بعد رحيل الزوج المحب والسند! أصبحت وحيدة.. تائهة.. خائفة. بين الصدمة المريرة والوصية التي كسرت ظهر أنوثتها. ستصبح مقيدة بأخ زوجها.. الذي لا تحتمل النظر إلى وجهه البارد والغامض. لكن لتنفيذ وصية زوجها.. وحفاظا على ميراث ابنتها.. يجب أن تتزوج من أخيه! وتلقي بنفسها بين المطرقة والسندا...
رواية مزيج العشق الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نورهان محسن
في قصر البارون
دخلوا القصر معا ليفاجأ الاثنان بالشقراء التي تجلس أمامهما وتضع قدمها اليمنى بإغراء على يسارها بفستانها الأحمر مرتفع لقبل ركبتها بكثير ويكشف بسخاء عن جسدها الرشيق.
كانت نادين جالسة على الكنبة بإسترخاء وتبدو في حالة سكر شديد وأمامها زجاجة نبيذ وكوب في يدها اليسرى بانتظار وصولهم.
تحدثت نادين بلسان ثقيل وقامت من مكانها وسارت نحوهما مترنحة في مشيتها: انت اتأخرت ليه كدا يا حبيبي وسايبني لوحدي .. تؤ تؤ انا زعلانه منك اوي.
قلب أدهم عينيه وهو يتنهد بملل من تكرار ذلك المشهد والسيناريو الذي سئم منه حقا.
على عكس حالة كارمن التي صدمت بشدة من الوقاحة التي تراها من نادين، لم تكن تعلم أنها تشرب الكحول من الأساس.
أدهم بإزدراء: انتي اتجننتي يا نادين ايه اللي انتي عاملة في نفسك دا؟
نادين برقه متصنعة: كنت عايزة اتكلم معاك شوية يا بيبي.
زفر أدهم ونظر إليها ليقول ببرود راغبًا في إنهاء هذه الفقرة بسرعة: ماشي.
نظر إلى كارمن التي كانت تقف متجمدة في مكانها تحاول السيطرة على نفسها حتى لا تنقض على تلك الإنسانه الوقحة وتنتف شعرها ثم أمال رأسه قليلا وقبل خدها قائلا بنبرة هادئة: استنيني هنا مش هتأخر عليكي.
تمتمت بإبتسامة باهتة: لا انا هطلع اشوف ملك.
غادرت كارمن وتركتهم دون أن تسمع رده لتظهر علي شفتي نادين ابتسامة خبيثة.
قالت نادين بدلال وهي تقترب منه وتضع يديها خلف رقبته: تعالي نروح علي جناحي يا حبيبي.
صاح أدهم بحدة مبتعدا يدها عنه ورجع خطوة إلى الوراء: انتي عايزة توصلي لإيه بالظبط من عمايلك دي يا نادين؟
رمشت نادين بتوتر من هجومه العنيف عليها كالمعتاد منه ثم صاحت به في عصبية: جرا ايه يا ادهم بتزعقلي ليه .. مش كفاية خرجت مع الهانم وانا عمرك ماخرجتني معاك في اي سهرة.
أدهم بإشمئزاز: لاني ماليش في سهراتك رقص طول الليل و شرب و اماكن زبالة مش مناسبة لزوجة محترمة تكون فيها اساسا .. القرف اللي انتي عايشة فيه دا خلاص مش هقدر اتحملو كتير.
صاحت نادين في سخط وعيونها حمراء من الشرب: ما انت عارف اني كدا من الاول و ماحاولتش تسيبني .. فجأة كدا دلوقتي مش قادر تستحمل ..
اردفت بحقد: اكيد عشان خاطر الهانم طبعا.
نظر أدهم اليها بإمتعاض وهو يزم شفتيه في خط مستقيم ثم قال أدهم بجمود وحزم: من الاول كنت واضح معاكي لو مش متقبلة الوضع اللي انتي اختارتي حياتنا تمشي عليه بسبب بتصرفاتك دي يبقي نسيب بعض بهدوء.
نادين بخوف و ضعف: لا يا ادهم انا مقدرش ابعد عنك ماتسيبنيش خلاص مش هتكلم في حاجة .. بس من فضلك وصلني لجناحي مش هقدر اطلع لوحدي.
أغلق أدهم عينيه بقلة حيلة ثم رفعها بين ذراعيه وأخذها إلى الأعلى دون أن ينبس ببنت شفة معها.
عند كارمن
صعدت كارمن الدرج بحذر من الكعب الذي ألم قدميها للغاية ثم تمتمت بحنق لنفسها ووجهها أحمر من شدة الغضب المكتوم داخلها: يا نهار اسود عليا و علي حظي انا كان مستخبيلي دا كله فين ياربي .. هلاقيها من نادين ولا ياسمين ولا الزفته رانيا دي كمان .. هلاحق علي مين ولا مين .. قربت اجنن وبقيت بكلم نفسي.
دخلت غرفة والدتها بهدوء حتى لا تزعجها واستدارت بعد ان اغلقت الباب لتتفاجأ بإيقاظها وجلوسها في منتصف السرير وهي تحمل القرآن الكريم في حضنها ويبدو انها كانت تقرأ به وتوقفت عند دلوف كارمن.
كارمن بدهشة: معقولة يا ماما صاحية لحد دلوقتي؟
ابتسمت مريم بنعومة وقالت بحنان: من امتي يا قلب ماما بعرف انام قبل ما اطمن عليكي .. هو صحيح ادهم معاكي و دا مطمني بس قلبي مايطوعنيش برده.
اقتربت كارمن منها بصمت ثم جلست بجانبها على السرير وانحنيت عليها تعانقها بإرهاق فهي الآن بحاجة إلى عناقها أكثر من أي شيء آخر.
بعد برهة تنهدت بحرارة وقالت بحزن: ربنا يخليكي ليا يا ماما.
سألت مريم بقلق وهي تمسح شعرها بلطف وقد شعرت أن شيئًا ما يزعج ابنتها: مالك يا حبيبتي حصل حاجة ضيقتك في الخروجة.
خرجت كارمن من حضن والدتها وأجابت عليها بغيظ عفوي: جينا من برا مبسوطين لاقيت اللي اسمها نادين سكرانه طينه و قاعدة في انتظارنا و لابسة فستان لا تقريبا دا قميص نوم وقال ايه...
ثم غيرت نبرة صوتها تقلد اسلوب نادين بدلال: عايزة اكلم معاك يا بيبي.
عادت تتحدث بصوتها الطبيعي مردفه بإمتعاض: و دلوقتي هي تحت و ادهم معاها.
لم تتفاجأ مريم بما تسمعه فقد أخبرتها ليلي عن تصرفات نادين الخرقاء لكن حدسها يقول إن هناك تطورًا في مشاعر كارمن تجاه أدهم.
رفعت مريم حاجبيها قائلة بمكر: بتغيري عليه منها صح؟
أومأت كارمن إليها وموجة من الضيق تجتاح مشاعرها من مجرد التفكير في أن يبقي أدهم مع نادين ولا يعود إليها.
مريم بصوت هادئ: الغيرة اكبر دليل علي انك بتحبيه يا كارمن.
ابتلعت كارمن غصه تشكلت في حلقها ثم أجابت بصدق وألم وامتلأت عيناها بالدموع: ايوه يا ماما بحبه الاحساس للي بحسه معه غير احساسي مع عمر خالص .. لما بكون معه او بفكر فيه قلبي بحس ان دقاته مختلفة .. بتعجبني سيطرته في كل حاجة حتي لو مش علي هوايا بكون مبسوطة به علي ابسط تفاصيلي .. بس دلوقتي حاسة اني مضايقة اوي من الغيرة اللي مولعه في قلبي .. مش عايزة ابقي انانية هي كمان مراته .. بس معرفش ليه بعد كل لحظة حلوة بينا بتدخل نادين و تحطمها كدا.
تحدثت مريم وهي تربت على يد كارمن بحنان: هو لو بيحبك بجد هيعرف ازاي يراضيكي يا قلبي وانا متأكدة انه بيحبك.
همست كارمن بدهشة من ثقة والدتها العالية في حديثها ولا تزال هي نفسها تشعر ببعض الشك حول مشاعر أدهم تجاهها: وانتي عرفتي ازاي؟
مريم بمنطقية: تغييره من يوم جوازكم .. نظراته ليكي و اهتمامه بيكي .. هو انا صغيرة يا بت ما انا حبيت قبل كدا و اعرف اللي بيحب من نظرة عينه و انتي اكيد حاسة بكدا فبلاش تحطي حواجز بينكم.
همست كارمن بصوت متعب: انا لو حطيت حاجز او اتنين في مية حاجز بينا برده يا ماما.
أنهت كلامها ثم نهضت وتوجهت إلى ابنتها وقبلتها بحنان وربت بلطف على شعرها وهي نائمة.
مريم بتصميم: بلاش تستسلمي بسرعه يا كارمن دا جوزك و انتي مش صغيرة دافعي عن حقك فيه .. بس بلاش تكوني انانية و تشتتيه بالغيرة بسبب و من غير سبب اتعاملي بهدوء معه .. خليكي انتي حضن حنين يهرب له من الناس كلها و هوني عليه .. الحياة وريته كتير كفاية عليه انه مستحمل وحدة زي نادين دا له الجنه والله.
كلام والدتها جعلها تشعر بالراحة فابتسمت لها ثم أمسكت بيدها وقبلتها بحب كبير: ربنا مايحرمنيش من نصايحك يا ست الكل يا قمر انتي .. هروح اشوف جوزي بقي.
ضحكت مريم بخفة: براحة يا مجنونه التقل صنعه برده ارخي وشدي بالقلب و العقل سوا.
ارسلت كارمن لها قبلة في الهواء: حاضر يا مريومه .. تصبحي علي خير.
مريم بإبتسامة: و انتي من اهله حبيبتي.
عند ادهم
كالعادة الروتينية التي قد سئم منها.
غادر جناح نادين بعد أن وضعها على السرير وغطاها وقد غرقت هي في النوم ولم تدري بأي شيئا من حولها ثم توجه إلى الطابق الثالث الخاص به.
في ذلك الوقت...
خرجت كارمن من غرفة والدتها بعد أن هدأت قليلاً من كلمات والدتها السحرية، وصعدت إلى الطابق العلوي وهي تفكر فيما إذا كان أدهم لا يزال مع تلك الشقراء أم لا.
لكنها شهقت بخفة عندما سحبتها يد فجأة من معصمها، لتجد نفسها ترتطم بصدر أدهم الذي كان يقف عند باب الجناح منتظراً صعودها.
أحاط أدهم بإحدى يديه خصرها، ورفع اليد الأخرى ووضعها خلف رقبتها، وهو يبتلع شهقتها بشفتيه في قبلة عميقة وعاطفية خطفت أنفاسها، وخدرت عقلها لدقائق وهما يغيبان معاً في عالم فوق السحاب حيث لم يكن هناك أحد آخر سواه.
مرت لحظات قليلة قبل أن يبتعد عنها قليلاً، ليعطي لها مجالاً للتنفس، وهما يغلقان أعينهما، ويلهثان بشدة بعد تلك العاصفة التي اقتلعت كل ذرة عقل بداخلهما.
رفعت كارمن عينيها ونظرت إليه بعتاب، فهمس لها بشوق، وهو ينظر إليها ويلف ذراعيه بإحكام حول خصرها: وحشتيني أوي.
زادت دقات قلبها من همسه الحنون الذي لامس شغاف قلبها، ثم تمتمت بغنج أنثوي: والله بأمارة ما فضلت معها وسبتني.
أضاف أدهم بهمس خطير، وهو ينظر إلى شفتيها: هو في واحد عاقل يسيب مراته في أول يوم حقيقي بجوازهم.
خجلت كارمن من تلميحاته التي تحمل الكثير من المعاني، ولم تستطع مجاراته في الحديث.
عندما لاحظ خجلها، ووضعهما غير الملائم لفعل أي شيء، حاول تغيير مسار الحديث حتى لا يرتكب شيئاً أكثر تهوراً من ذلك: اطمنتي على ملك؟
أومأت إليه كارمن قائلة بخفوت: أيوه الحمد لله هي نايمة.
أنهت كلامها ثم حاولت بهدوء إزالة يده من خصرها، لكنه تركها تفلت من بين يده بابتسامة غامضة، وهو يراها تتجه إلى باب الجناح لتفتحه.
دخلت كارمن إلى الجناح بابتسامة، ولكن تجمدت الابتسامة على شفتيها وهي تتسمر في مكانها مما تراه أمام عينيها.
رمشت في ذهول عندما رأت الجناح مزيناً بالورود الحمراء والشموع موضوعة على الأرفف والنوافذ، لإضفاء جو عاطفي ساحر وهادئ في المكان مع موسيقى رومانسية هادئة.
نسيت ما كان يزعجها منذ قليل، وكل ما كانت تفكر فيه سلبياً، وشعرت كأنها تدخل هذا الجناح لأول مرة، كان رائعاً حقاً، لكن السؤال هو متى رتب أدهم كل هذا، وكيف؟
تردد ذلك السؤال في عقلها بحيرة.
خرجت كارمن من أفكارها، فور أن أدركت أن أدهم يقف خلفها، وشعرت به يمد ذراعيه القويتين حول خصرها ليلصقها به من الخلف، ثم أراح ذقنه على كتفها.
لا يوجد شيء أجمل من الشعور بالراحة وأنت قريب ممن تحب إلى الحد الذي يمكنك فيه إراحة رأسك على كتفه بارتياح، فهذه لحظات مذهلة حقاً ولا تقدر بثمن.
همست كارمن بتهدج وتأثير شديد، وعيناها تتلألأ بإنبهار: أنت اللي عملت كل ده؟
همس أدهم بجانب أذنها بصوته الرخيم الذي يجلب الاطمئنان إلى نفسها: أنا صاحب الفكرة بس اللي نفذ وحضر كل حاجة مامتي ومامتك واحنا برا.
رفعت كارمن رأسها قليلاً، لتنظر إليه بحب عميق، لأنه اليوم يستمر في صنع مفاجآت سارة لها، ولا تعرف كيف تشكره على كل هذه الأشياء الجميلة التي تجعلها تشعر بمدى أهميتها بالنسبة له.
كارمن بابتسامة صافية: حاسة كأني أول مرة أدخل الجناح.
أدارها أدهم وهي ما زالت بين ذراعيه، وعندما تبادلا النظرات في عيني بعضهما البعض بشغف، حيث هي بين أحضانه، كانت كلمة "أحبك" واضحة وصريحة للغاية، ويمكنها قراءتها بسهولة دون أن ينطقها بشفتيه.
همس أدهم بعشق: لأن اليوم ده مختلف عن كل الأيام اللي فاتت يا قلبي.
كارمن بصدق: أنا مبسوطة أوي يا أدهم بكل حاجة عملتها أو فكرت فيها عشاني، ربنا يديمك في حياتي وميحرمنيش منك.
زادت الابتسامة على وجه أدهم، وهو يمسح بنعومة على خدها، قائلاً بحنان متناقض مع خشونة صوته: مش عايز حاجة غير أنك تبقي مبسوطة، ربنا يقدرني أسعدك على طول.
ابتسمت كارمن له بسرور، ولفت يديها حول خصره من تحت سترته، إنه شعور رائع للغاية أن تشعر أن سعادتك هي أولوية شخص معين.
أرادت التحرك لدخول غرفة النوم، لكنه أمسك معصمها وهو يمنعها من التحرك، لتنظر إليه بتساؤل.
رأته يبدأ بحل ربطة عنقه ببطء وخلعها عن رقبته، ثم قام بفك أول زرين من قميصه، وهي تراقبه بإنتباه.
أدار أدهم جسدها بيديه حتى أصبح ظهرها مقابل صدره، كل هذا وسط دهشتها مما يفعله، لكنها لم تحاول أن تعترض، أرادت أن تفهم ما ينوي فعله.
تفاجأت كارمن حينما غطى عينيها بربطة عنقه، ودون أن يتكلم انحنى عليها، ليرفعها بين ذراعيه.
تمسكت كارمن برقبته، وهي تتحدث بخوف وعدم فهم من تصرفه المريب: إيه ده يا أدهم.. أنت بتعمل إيه؟
همس بحرارة في أذنها: ما تخافيش وأنتي معايا.
كارمن بإضطراب من همسه: هنروح فين؟
أضاف أدهم بنفس همسه الغامض: دقيقة وهتعرفي.
سار بها نحو الغرفة بخطوات هادئة.
بعد أن دخل الغرفة بها في صمت أنزلها أرضاً، ووقف خلفها رافعاً يديه ليفك ربطة عن عينيها، قائلاً بصوت هادئ: فتحي عينيكي.
فعلت ما طلب منها بابتسامة فضولية.
ومضت عيناها بحب واتسعت ابتسامتها على شفتيها الوردية، حيث رأت الغرفة مزينة أيضاً بالشموع الموضوعة على شكل قلب في منتصف الغرفة، وعلى المنضدة بجانب السرير.
توجد شموع على شكل قلوب أيضاً لإضفاء إحساس بالدفء والاسترخاء الحميم مع الإضاءة الخافتة للغرفة، ويوجد على السرير ثوب نوم لها وبيجاما له، وبدون أدنى شك أن هذه الإضافة كانت بترتيب والدته ووالدتها أيضاً.
لقد كان جواً رائعاً حقاً، مليئاً بالعاطفة والرومانسية، واعتراها شعور كما لو كانت هذه الليلة هي المرة الأولى التي تكون فيها معه في تلك الغرفة.
لا، إنها في الواقع الليلة الأولى، فمن الواضح أن حياتها ستتغير معه منذ تلك الليلة.
لا تصدق أن صاحب هذه الأفكار الرومانسية والترتيب هو أدهم الصلب، الذي لطالما نعتته بالبارد والمتحجر، وهو نفسه الآن الذي يشعرها بأنها مهمة ومدللة عنده.
التفتت كارمن إليه وعانقته بشكل عفوي، وسط اندهاش أدهم من جراءة فعلتها، لكنه لم يهتم لأنه كان في قمة سعادته، وهو يرى مدى سعادتها بهذه الأشياء البسيطة والقيمة في نفس الوقت، فكان يريد أن يحفر تلك الليلة في ذاكرتها بكل التفاصيل.
وضع أدهم يده خلف شعرها والأخرى على ظهرها، وهو يغلق عينيه ويستنشق عبق شعرها المميز بقوة، ويميل رأسه ليقبل عنقها من الجنب بشغف، ويشدد عناقه لها أكثر بين ذراعيه القوية.
يضمها إليه كأنه يريد أن يدخلها في وسط ضلوعه ليريح قلبه المعذب بحبها، ولكي تهدأ نيران اشتياقه لها حتى وهي بين ذراعيه.
أغمضت كارمن عينيها، وكان عناقه لها الدافئ أفضل تعبير عن المشاعر الجياشة التي تأججت بنيران عشق لم يدرون من أي مزيج خلقت، لتنشب بين ضلوعهم وتجعلهم يخضعون للهب الدافئ في قلوبهم العاشقة.
همس أدهم بينما أنفاسه تلفح بشرتها بحرارة: كارمن أنا مش قادر أبعد عنك وعايز أعرف أنتي موافقة جوازنا يكون حقيقي دلوقتي ولا لأ.
لم يتلق أي إجابة سوى الصمت، بينما كانت كارمن تجمع شجاعتها، وتفكر في كيفية إخباره أنها تريده كما يريدها، وأنها تود حقاً أن تشعر بلمساته الدافئة، وقبلاته، وكل شيء معه.
مر الوقت وهو ينتظر الجواب بشغف، هو أيضاً لديه مشاعر، ويود أن ينال منها ما يدل على موافقتها، وأنها ترغب به كما يرغب بها.
رفعت كارمن رأسها، ونظرت في عينيه، ثم خفضت عينيها إلى شفتيه واقتربت، لتقطع المسافة بينهما، وطبعت قبلة رقيقة على شفتيه، تودع بها كل ما تشعر فيه، ولا تستطيع التعبير عنه بالكلمات.
كان قلبه يرفرف بين ضلوعه من فعلتها التي أشعلت في جسده نيران هوجاء، وانحنى عليها أكثر، وتبادل معها القبلة في شغف وعمق بمنتهى الجنون.
ابتعد أدهم عنها قليلاً وهو يلهث، لكنه ما زال يلف ذراعيه حول ظهرها بإحكام.
عضت كارمن على شفتيها في حرج، ووجهها يتوهج باحمرار لطيف، وخفضت بصرها إلى صدره.
سند جبهته على جبهتها، قائلاً بصوت أجش من الأحاسيس المفرطة التي تهاجم جوارحه بقوة: بحبك.
رفعت كارمن رأسها ونظرت إليه بشكل مباشر، وعيناها داخل عينيه اللتين كانتا تنظران إليها بحنان، لتشعر بالأمان يطوقها، قائلة بعفوية: وأنا كمان بحبك يا أدهم.
اتسعت عيناه بإنتباه، وهو يقرب أذنه منها قائلاً بعدم تصديق: قوليها تاني كدا.
ابتسمت له بخجل، وهمست الحروف ببطء: ب.ح.ب.ك.
قام أدهم بلف جانبي رقبتها بيده برفق، هامساً بنبرة تجيش بالعاطفة المخزونة بداخله: مافيش حاجة في الدنيا ممكن أقولها وتوصفلك اللي حاسس به دلوقتي.. أنا بعشقك بجنون يا قلب أدهم.
أضاف بندم: وأي تصرف حصل مني وزعلك كان من غيرتي عليكي اللي كتمتها في قلبي ومش عارف أعبر عنها.
ابتسمت كارمن، لتقول برقة: خلاص أنا مش زعلانة منك.
ممكن نبطل نتكلم في اللي فات ونبدأ من جديد مع بعض.
لأنه كما يقال اغفر لمن تحب حتى تسعد روحك بتلك المغفرة، وابتعد عن الجدل واللوم الذي يقتل العاطفة ويجلس على عرش موتها. فكل إنسان يعرف بينه وبين نفسه عدد الأخطاء التي ارتكبها، لكنه يطمح دائمًا إلى عفو حبيبه عنه.
أغمض أدهم عينيه وقربها منه، وقبلها على جبهتها بمزيج من المشاعر المختلطة التي تجمع بين الحب والعشق والتقدير. يحمد ربه على منحه تلك الإنسانة التي تحمل في قلبها كل هذا اللطف ونقاء.
لأن الجمال بلا طيبة لا يساوي شيئًا، وطيبة القلب ونقاؤه هما وحدهما ما يعوضان كل تلك الخسائر التي حدثت في حياة بعضهما البعض.
ارتجفت أوصالها عندما مرر أنامله على طول ظهرها، وشعرت بتلك القشعريرة اللذيذة تدب عبر جسدها بفعل لمساته الحانية.
بينما هو ينحني على رقبتها، ويستنشق رائحة بشرتها ناعمة الملمس قائلاً بإنتشاء: تعرفي إني بقيت مدمن ريحتك اللي تجنن دي.
ثم أردف بمزح: ومش مصدق إن انهارده مافيش نوم على الكنبة.
ارتجف كتفها بسبب الضحك الذي كانت تحاول كبته، ولم ترفع بصرها عن صدره، ليرفع هو ذقنها، وينظر إلى عينيها الزرقاوين، فوجد نفسه يغرق في بحارها العميقة، التي لا يريد النجاة منها إلا بها.
تمتم أدهم بمشاكسة وهو يقرص طرف أنفها: اضحكي بتكتميها ليه ما هو أنا اللي كان ظهري هيتقطم من النوم عليها.
ضحكت كارمن ضحكة صغيرة قائلة بخفوت: بعد الشر عليك.. الكنبة فعلًا مش مريحة للنوم عليها.. معرفش انت كنت بتنام عليها إزاي وليه أصلًا كنت موافق تنام عليها.
وضع أدهم يده على جانبي وجهها ومسح بإبهامه على وجنتاها بلطف، يهمس بعشق ومكر: اومال كنتي عايزاني أسمع كلامك وأعملك أوضة ليكي عشان أشوفك بالصدف.. مستحيل.. عارفة إن في حياتي كلها ماحدش خلاني أعمل حاجة مش على مزاجي غيرك انتي يا مجنناني.
ابتسمت كارمن في داخلها على نبرة صوته المتملكة التي راقت لها كثيرًا، ولقد أعجبت أيضًا بذكائه في التفكير والترتيب، وكانت نظراتها إليه تفيض بالحب الحقيقي، ففي كل دقيقة تمر تكتشف مدى تفهمه وصبره.
هبط على شفتيها المغريتين، بلهفة متناولها بين شفتيه بنهم.
متمنيًا هذا القرب منها من فترة طويلة، وكان هذا اختبارًا قاسيًا لقوة صبره منذ اليوم الأول لها داخل مملكته.
شعرت بأصابعه تداعب سحاب فستانها، ثم جردها منه وسط عاصفة مشاعرها ليسقط على الأرض، وهو ما زال يقبلها، ثم بدأت تساعده على خلع سترته وتجريده من قميصه قبل أن يعود يمسكها به داخل أحضانه مرة أخرى بنفاذ صبر، ويكمل جنونه، وهو يكاد يفقد عقله من مجاراتها له في كل ما يفعله معها.
رفع جسدها بين ذراعيه بخفة، وقادها إلى السرير المريح، ووضعها عليه برفق، وأشرف عليها بجسده.
تجولت شفتيه بين عينيها ووجنتيها، وشفتيها، موزعا قبلاته المتناثرة عليهم بتمهل يجعلها تحترق شوقا أكثر للمزيد، ثم مال على رقبتها يقبلها.
ويضع عليها صك ملكيته، ثم يقبل عظام الترقوة بشغف حتى جعل مشاعرها تشتعل بجنون أكثر، وأخذت تردد اسمه بصوت هامس مثير من شعورها بهيمنته عليها، وتود أن لا يتوقف عما يفعله بل أن يتعمق أكثر.
أحاطت برقبته ورفعت رأسه تجاهها لتجذبه إليها، ويجتاحها شعور قوي يغذي الروح ويتحكم في العقل يغمرها، لتقبيل شفتيه بقوة لطيفة.
فاحتواها أكثر بحنان، معتبرًا أن هذه كانت إشارة منها للتعمق معها في بحر من اللذة، ثم يغوص معها في رحلة خاصة للغاية مفعمة بالعشق والجنون، وأخيرًا اندمجت أجسادهم وأرواحهم معًا لتصبح زوجته بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وتسدل شهر زاد عليهم الستار الآن، ولكنه لن يكون ستار النهاية بل إنها بداية أحداث طويلة، وصراعات كثيرة ستحدد ما إذا كان هذا العشق الممزوج بالألم سيستمر أم سينهار ويسقط أمام عقبات القدر.
رواية مزيج العشق الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نورهان محسن
توقف مطر الدموع عن الهطول
وأشرقت الشمس بنورها وتبدد الظلام
وتفتحت زهور الأرض التي كانت قد ذبلت بألوان الربيع الزاهية ولك أنت الفضل في كل ذلك..أحبك.
في صباح مليء بأمل جديد
حياة جديدة تشرق في القلوب التي تسكن قصر البارون. يوم يملؤه العديد من الأحداث قد تغير المصائر القادمة.
تململت في نومها منزعجة من ذلك الصوت الذي لا يريد التوقف. فتثاءبت بكسل وحاولت الالتفاف إلى الجانب الآخر لإيقاف المنبه الذي يرن للمرة الثالثة. لكنها وجدت نفسها محاطة بساق ويد يعيقان حركتها.
فتحت كارمن عينيها محاولة التركيز. لتحمر خجلا حينما أتت في ذهنها مقطتفات سريعة مما حدث الليلة الماضية.
نظرت إلى المنبه الموجود على المنضدة. واتسعت حدقتها فزعا من نومها طوال هذا الوقت وتأخرهما عن العمل.
وضعت كارمن راحة يدها على كتف أدهم وهزته بلطف. لتهتف بسرعة محاولة إيقاظه. وكان واضحًا أنه نائم بعمق ولا يدري شيئًا حوله: ادهم اصحي احنا اتأخرنا علي الشركة يلا قوم.
تململ أدهم بانزعاج وهو ينظر إلى الساعة. ثم حدق في تلك الفاتنة بقميصها الذي يكشف مفاتنها بإغراء. قائلا بمكر ونعاس: دا مش وقت شركة اصلا تعالي هنا.
جذبها لتستلقي بجانبه. ثم اعتل جسدها بجسده الضخم. وقبل أن تنطق حرفًا أقتنص شفتيها بقبلة شغوفة.
انهارت حصون احتجاجه الضعيف تحت تأثير المشاعر العنيفة التي اجتاحت روحها. وتبادلت معه القبلة النارية ليجن جنونه أكثر. ويسحب الغطاء عليهما ويختبئان معًا وراءه. ليغيبا مرة أخرى في بحار الهوى المليئة بالشوق اللامنتهي والعشق الجارف.
بالأسفل
مريم وليلي تجلسان بجانب بعضهما البعض. وتجلس نادين أمامهما التي تشعر بصداع في رأسها من الإفراط في الشرب الليلة الماضية. ولا تتذكر شيئًا مما حدث على الإطلاق. مجرد ومضات مشوشة من حديثها المتهور مع أدهم.
ليلي بمكر: غريبة الساعة بقت 11 الصبح و لحد دلوقتي كارمن و ادهم لسه مانزلوش يفطرو.
تحدثت مريم بابتسامة سعيدة وهي تطعم ملك في فمها. متناسية وجود نادين: حقهم يتأخروا أكيد سهروا امبارح كتير مع بعض ربنا يسعدهم.
ليلي: امين يارب.
كانت نادين تحدق بهما بحقد وكراهية. وفهمت ما تعنيه ليلي بكلامها. واضح أن العاشقين بالأعلى يغوصون في بحار العسل لذا تأخروا على الإفطار اليوم.
تحدثت ليلي بغطرسة وقسوة. حيث أخبرتها إحدى الخادمات بما حدث الليلة الماضية: اسمعي يا نادين اخر مرة يتكرر اللي حصل امبارح ممنوع تشربي في وسط البيت بالشكل دا. في اصول يا حبيبتي لازم تلتزمي بيها لانك مش لوحدك هنا. في اطفال معانا زي ما انتي شايفة.
نادين بوقاحة: بمناسبة الاصول يا طنط هو ان يصح ابنك يهمل مراته الاولانية بالشكل دا و يهتم بمراته التانية و بس.
تنهدت ليلي قائلة ببرود: دي حاجة خاصة بينكم و بين بعض مادخلنيش فيها.
نفخت نادين بإمتاعض من عجرفة تلك العجوز دائمًا معها. واكتفت بصمت لاذع. فلا شئ يستدعي للقلق الآن. إلا أنه من الممكن أن تحمل كارمن من أدهم حتى مع مواعيدها المنتظمة. لوضع أقراصها في العصير. لذلك ستضاعف جرعة الحبوب في العصير حتى تشعر بالأمان قليلاً من أي مفاجأة. قد تهدد بإقصائها من هذا الرخاء الذي تستمتع به. ولا تستطيع الاستغناء عنه.
ظهرا في جناح أدهم
هتف أدهم وهو يقف أمام الحمام: حبيبي هتفضلي جوا كتير.
نظر إلى ساعته. ثم أردف بتذمر: بقالك اكتر من ربع ساعة جوا بتعملي ايه كل دا ما تخرجي بقي.
بعد لحظات فتح باب الحمام. وظهرت كارمن بمنشفة تلف بها جسدها الناصع. وتلف شعرها بمنشفة صغيرة.
كارمن بغضب طفولي. وهي تضع يدها على خصرها: حرام عليك يا ادهم كل شوية تنادي عليا بتوترني كنت هتزحلق كذا مرة.
ثم أضافت بدهشة. وهي ترى ملابسه الشبابية الأنيقة. كان يرتدي بنطال جينز رمادي وتي شيرت أبيض منقوش عليه حروف باللون الأسود. وعليه جاكيت أسود أنيق وعصري به خطين باللون الرمادي على جانبي كتفيه: هو انت لابس كدا ليه اومال فين البدلة.
ابتلع أدهم لعابه على منظرها المغري جدًا. قائلا ببحة خشنة: مافيش بدلة انهاردة.
تمتمت كارمن وهي تفرك رقبتها من جاذبيته التي تشتتها: وناوي تروح كدا الشركة يعني.
أهداها أدهم ابتسامة جذابة. ليقول بنفي: لا احنا مش هنروح الشركة انهاردة. مالك هيحل مكاني.
وأضاف مشيرًا إلى ملابسه: ايه مش عجبك الطقم دا؟
اقتربت كارمن منه. وهي تزم شفتيها للأمام بدلال. لتغمغم برقة: بالعكس عجبني اوي.
همس مزمجرًا من جمالها الأنثوي الأخاذ الذي يفقده ثباته الانفعالي: هتفضلي واقفة كدا قدامي بالفوطة دي.. يلا ادخلي البسي هدومك بسرعة عشان هنخرج.. البسي حاجة تقيلة الجو بدأ يبرد.
ابتهجت أسارير وجهها بفرح وهي تسأل على الفور: بجد هنروح فين؟
ابتسم أدهم على حماسها قائلا بنفاد صبر: مفاجأة. ماتيلا بقي الحقي نفسك قبل ما اتهور و انتي زي القمر قدامي كدا و اغير رأيي و نقضي الوقت كله على السرير دا.
قهقه عليها بشدة عندما احمرت وجنتاها بالخجل من جرأته. وركضت بسرعة نحو غرفة الملابس دون لحظة تردد واحدة.
في فيلا مراد
كان يرتب حقيبة سفره. ولم يتبق وقت لإقلاع طائرته إلى إيطاليا. وحاتم يقف إلى جواره.
حاتم بإضطراب: انا قلقان يا بني عليك. ما تخلي الشرطة هي اللي تتعامل معاهم.
تكلم مراد وهو يغلق سحاب الحقيبة قائلا بهدوء: ماتقلقش. كله مترتب و مافيش حد هيقضي على الكلاب دول غيري.
حاتم بعدم اقتناع: مش هتقدر لوحدك. انت عارف عددهم كام.
نظر إليه مراد قائلا بإصرار: الشرطة هتلم كل أعضاء المنظمة بمعرفتها. كل دا مايهمنيش. انا عايز زعيمهم.
حاتم بخوف: يا مراد انت رايح للموت برجلك.
مراد ببرود أعصاب: ما انا في كل الاحوال ميت. هتفرق ايه. على الاقل المرة دي بجيب حق اهلي اللي اتقتلوا غدر على ايدهم بطريقة صح.
ربت حاتم على كتفه بحنان وقال: انا فاهم بس خايف عليك. انا ماليش غيرك. مش فاهم اشمعنا المرة دي مصمم افضل هنا و ماجيش معاك.
تحدث مراد بسأم وهو يضع سلاحه المرخص في حزام الصدر تحت سترته: تاني هنتكلم في الحوار دا. مافيش وقت. الطيارة هتقوم بعد ساعتين. خلي كارمن دايما تحت عينك يا حاتم. محدش ضامن لو في جواسيس مزروعة وسط رجالتنا. اكيد عندهم خبر اني براقبها. محدش غيرك بثق فيه.
حاتم بطاعة: ماشي. هتغيب هناك قد ايه طيب.
مراد بلا مبالاة: حوالي شهرين او اكتر على حسب.
حاتم بقلة حيلة: ربنا معاك يا بني و يعديها على خير.
في إحدى فنادق القاهرة
وصل زين وبدر وماجد إلى القاهرة. وتوجهوا إلى أحد الفنادق للإقامة الليلة حتى يأتي ميعاد ذهابهم لمنزل كارمن.
صعد الجميع إلى غرفهم. فكان لزين وماجد غرفة وكان بدر وحده في غرفته. بعد أن اتفقا على الراحة من عناء السفر قليلاً. ثم تناول الغداء معًا.
جلس زين على سريره. وبجانبه على السرير الآخر تمدد ماجد. ونام بسرعة من شدة إجهاده.
أخرج زين هاتفه من جيبه راغبًا في الاطمئنان على روان التي تركها مبكرًا قبل الفجر. ونزل بسرعة حتى لا تستيقظ من نومها.
بدأ بإرسال رسالة لها عبر WhatsApp.
زين: وصلنا الفندق من شوية حبيبتي..
طمنيني عليكي لما تشوفي الرسالة.
بعد فترة. أضاء الهاتف برسالة جديدة.
روان: حمدلله على سلامتكم. انا الحمدلله بخير بس زعلانه منك ليه مقومتنيش اشوفك قبل ما تسافر.
زين: محبتش اقلقك يا حبي. المهم انتي بتعملي ايه من غيري.
روان: مفيش قعدة انا و امي و حماتي حبيبتي نرغي شوية سوا. قولي صحيح انت فطرت.
ابتسم زين على اهتمامها به حتى. وهو بعيد عنها: ايوه اكلنا حاجة خفيفة و احنا في الطريق. ماتقلقيش.
روان: معنديش اغلى منك اقلق عليه و اهتم به.
زين: تعرفي رغم اني سيبتك من كام ساعة.. بس وحشتيني فيهم اوي. هكلمك قبل ما انام مع اني مش عارف هنام ازاي. اتعودت تبقي في حضني و اشم ريحتك الحلوة لحد ما انام.
خجلت روان من كلماته الرقيقة. لكنها حاولت تشجيع نفسها. فهو لا يراها ولا يسمع صوتها الآن. فلا ضرر إن قالت ما تشعر به دون قيود الخجل: انت كمان وحشتني و صعب عليا انام و انت مش جنبي. ماتتأخرش عليا و طمني عليك.
زين: ماشي يا قلبي. خدي بالك من نفسك لحد ما ارجع و طمنيني بكرة برسالة قبل ما تروحي الكلية.
روان: حاضر. هكلمك انا مضطرة اروح اشوف الاكل امي مش سايباني اقعد دقيقتين على بعض.
زين: سلام مؤقتًا لحد ما أرجع لكِ وتسمعيني كلمة "حبيبي" اللي طالعة حلوة قوي من شفايفك.
ثم أغلق الهاتف وحاول النوم قليلاً، لكنه لم يستطع. فقرر الخروج من الغرفة والنزول إلى الطابق السفلي ليشم بعض الهواء.
***
في أحد المطاعم على النيل.
كارمن تجلس بابتسامة سعيدة وشعرها يتطاير بفعل الريح. كانت آية في الجمال ببراءتها. وأمامها يجلس أدهم يستمتعون بالمناظر الرائعة من حولهم، وهم يتناولون الغداء اللذيذ ويتحدثون أثناء الأكل.
عضت كارمن شفتيها قائلة بتردد: أنا ممكن أسألك سؤال؟
أدهم بارتياح: اسألي براحتك.
ابتلعت الطعام في فمها، ثم نطقت بخفوت: إحم، هي نادين ليه بتشرب وإزاي أنت ما حاولت تخليها تبطل؟
أمال أدهم رأسه قليلاً وهو ينظر إليها بتمعن ليسأل: مين قال لكِ إنّي ما حاولت؟
ثم أردف بهدوء: حاولت كتير في بداية جوازي منها، لكن هي كان عاجبها عيشتها نوادي وشوبينج وشرب، وكانت متعودة تسهر وترجع متأخر. لكن لما هددتها إن دا هيخليني أطلقها، بطلت. ويمكن لأن ما كانش في بينا مشاعر وحياتنا مختلفة جدًا عن بعض، يأست منها بسرعة.
كارمن بترقب: يعني أنت ما حبيتهاش خالص؟
أدهم بتنهيدة: لا، جوازنا كان عادي جدًا، أقل من العادي كمان.
مدت يدها وشربت العصير في اضطراب، وقد خشيت أن يزعجه فضولها.
أدهم بابتسامة: فاكرة أول مرة شوفنا بعض فيها؟
كارمن بضحكة: أكيد فاكرة طبعًا، هو ده يوم يتنسي؟
شاركها أدهم الضحك قائلاً بفضول: قلتي إيه عليّ في اليوم ده؟
كارمن بخبث: عايز الصراحة؟
نظر إليها أدهم من زاوية عينه: بدأت أقلق.
كارمن بغيظ متصنع: ما كنتش طايقاك وفضلت أدعي عليك طول اليوم. أنت عارف إن ذراعي اللي وقعت عليه فضلت أسبوع في كدمة زرقاء، كل ما توجعني أفتكر اللي عملته فيا.
أدهم بغموض: وأنا عمري ما نسيت أحلى عيون زرقاء شوفتها في حياتي.
خفق قلبها من مغازلته اللطيفة، ولم تدرك مقصده الحقيقي قائلة بخفوت: طب ممكن طلب؟
ابتسم بمشاكسة: ياسلام على الأدب! أومال فين كارمن العنيدة اللي احتلت أوضتي بالإجبار وما صعبتش عليها، لا أنا ولا ظهري المسكين؟
شعرت كارمن بالحرج، ومسحت يدها بمنشفة بعد أن انتهت من الأكل، ووضعتها بجانبها: أنا عارفة هتفضل فاكر لي الموقف ده طول العمر.
ثم أردفت بمرح: شوف بقى أنا وجعت ظهرك وأنت وجعت إيدي، كدا إحنا خلصين.
ابتسم لها ثم أمسك بيدها، وهو يصنع دوائر في باطن كفها ببطء مثير لخبطتها، قائلاً بحنو: مش عايز حواجز بينا تاني يا كارمن. لما تعوزي تقولي أو تطلبي حاجة، ما تتردديش ولا تستأذني. اتفقنا؟
أومأت كارمن مبتسمة: حاضر.
قال أدهم مستفسرًا: إيه هو بقى الطلب؟
رمشت كارمن بخفة، ثم أجابت بنبرة متوترة إلى حد ما: كنت محتاجة أدوات التصميم اللي بشتغل بها، وكلها موجودة في بيت عمر، وكنت بفكر أبقى أجيبهم من هناك.
لم تتغير تعبيرات وجه أدهم، قائلاً بهدوء: الوقت اللي تحبي تروحي فيه، قولي لي عليه. وبعدين الفيلا دلوقتي باسمك أنتِ، مش بتاعت عمر.
كارمن برفض: لا، الفيلا وكل حاجة بتاعت ملك. أنا بحافظ لها عليهم لحد ما تكبر بس.
ابتسم لها وعيناه تتألقان بعشق، لأنه رمى إليها تلك الكلمة وهو يعرف أن ذلك سيكون ردها، ولم تخيب ظنه. فحبه لها يزداد في قلبه كلما تعمق في معرفته بها أكثر.
***
عند زين.
بعد أن تجول حول الفندق لفترة، خطر بباله أن يشتري هدية بسيطة لروان، لأنه لم يشتري لها هدية زواج بعد.
أوقف سيارة أجرة متوجهًا إلى مكان معين. وبعد فترة وجيزة وصل إلى المكان، ونزل من السيارة ومشى منتصبًا بجسده داخل المحل الذي بدا فخمًا وذو ذوق رفيع.
شرد برهة عندما تذكر سبب مجيئه إلى هنا، وبدلًا من الشعور بالحنين إلى الماضي، كان يشعر بالاشمئزاز من غبائه.
وقف زين ينظر إلى المعروضات أمامه، لا يعرف لماذا أتى إلى ذهنه تلك الهدية الوحيدة التي قدمها لروان عندما كانت صغيرة، كانت عبارة عن مشبك شعر رفيع على شكل فراشة.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم اتجه للداخل. وبعد إلقاء التحية تحدث مع البائع بهدوء: لو سمحت عايز...
البائع باحترام: تحت أمر حضرتك لحظة واحدة.
....: هاخد دي، حلوة قوي دي يا حبيبي.
قطب زين بين حاجبيه وأدار رأسه، فهذا الصوت الأنثوي يعرفه جيدًا وقد صدق حدسه.
....: تمام حبيبتي، هناخدها. في حاجة تانية عجباكي؟
زمت شفتيها بتفكير، ثم رفعت رأسها لكي تجيبه، لكن عينيها اتسعت في دهشة، محدقة في هذا الشخص الذي يقف على بعد أمتار قليلة وينظر إليها، وعيناه تعكسان مدى الازدراء الذي يشعر به تجاهها.
في حين أن الرجل الواقف معها يبدو في الثلاثينيات من عمره، ومظهره الأنيق دليل رخاء معيشته.
لاحظ عينيها المجمدة على هذا الرجل الأسمر الوسيم الذي كان يقف بعيدًا عنهما بقليل.
....: حبيبتي، في حاجة؟ أنتِ تعرفي الراجل ده؟
أومأت إليه وارتفع صوتها قليلاً، وهي تلف أصابعها حول ذراعه بامتلاك، وسارت معه نحو زين الذي زفر بامتعاض وهو يراها تتجه نحوه.
نطقت بتوتر: إزيك يا زين؟ أخبارك إيه؟
زين ببرود: الله يسلمك يا ريهام، أنا تمام.
ابتسمت ريهام إليه، وقالت بفخر وغرور: أحب أقدم لك جلال الحديدي، خطيبي من رجال الأعمال الكبار في البلد.
ثم أضافت بابتسامة: دا الدكتور زين، كان زميلي في الكلية.
صافحه جلال بهدوء: أهلًا وسهلًا، اتشرفت بيك.
زين باحترام: الشرف ليا.
ريهام بخبث: هو أنت استقريت في مصر يا زين؟
لقد فهم ما قصدته عندما لاحظ أن عينيها متوجهتان إلى يده اليسرى. هو حقًا لا يعرف كيف كان يحبها يومًا ما، هي تختلف عنه في كل شيء، ولا تناسبه من جميع النواحي: لا، حاليًا مستقر في بلدي قنا، واتجوزت هناك كمان.
ريهام: حلو، مبروك... ابقى خلينا نشوفك.
أومأ إليها قائلاً بفتور: إن شاء الله.
جلال: فرصة سعيدة يا دكتور.
زين: ميرسي جدًا.
قال البائع يوجه حديثه إلى زين: بعد إذنك يا فندم.
زين: معاك... عن إذنكم.
تركهم يسترسل حديثه مع البائع، لكنه سعيد رغم كل شيء بما حدث الآن، لأنه لم يشعر تجاهها بأي شعور، لا كراهية ولا حب ولا حتى ألم. وهذا يؤكد أنها لم تعد تشكل أهمية عنده ولا تترك أي أثر به مطلقًا، وأن تلك التجربة قد شفى من جراحها. والفضل يعود إلى زوجته الشقية، التي تسللت إلى قلبه لتقلب كيانه وحياته رأسًا على عقب.
بينما ريهام تائهة في تفكيرها بزين لم يتغير. فرغم كل ما حدث منها، لكنه لم يسيء إليها. فهي تعلم كم هو شهم وعالي الأخلاق.
إذ لم تكن مندفعة وانساقت وراء تهورها في الماضي، ربما كانت هي زوجته الآن. لكن هذا هو قدرها، وهي الآن سعيدة بحياتها، ويبدو أنه سعيد في حياته الجديدة أيضًا، وتأمل أن يغفر لها في يوم ما على ما فعلته به.
***
جاء المساء بسرعة.
كانت كارمن تجلس أمام المرأة وتبتسم بشرود، وهي تتذكر الساعات الجميلة التي قضتها مع أدهم.
رمشت عيناها مندهشة وهي ترى انعكاس ابنتها على المرأة خلفها وهي جالسة على السرير، ممسكة بالقلم وتخربش على ورق دفتر الرسم التي أحضرته لها مريم لتسليتها.
استدارت وسارت إلى مكانها بابتسامة حيث ترى ابنتها تلون الرسومات غير الملونة بألوان جميلة حقًا.
قالت كارمن وهي جالسة بجانب ملك، وتمسح على شعرها برقة: حبيبة ماما بتعمل إيه؟ وريني كدا.
ناولتها الورقة تقول بصوتها الطفولي: رسمة ملك.
كارمن بإعجاب: الله! إيه الحلاوة دي يا نور عيني.
ثم أضافت وهي تحملها بين ذراعيها وتجلسها على حجرها وتلاعبها بضحكة: بقيتي تقعدي مع كتير تيته ليلي وتيتة مريم وسايباني لوحدي، ينفع كدا؟
مريم: كارمن.
استدارت عينا كارمن نحو الباب الذي انفتح، ودخلت والدتها فقالت وهي تلهث: نعم يا ماما.
ليلي ببشاشة: بتعملوا إيه؟
كارمن بابتسامة حلوة: تعالي شوفي ملك بتعمل إيه.
اقتربت منهما مريم التي بدت مرتبكة قليلاً، ثم بلطف مسحت براحة يدها على شعر الصغيرة لتقول بخفوت: بقي عندنا فنانة تانية صغننة، ربنا يحميها.
نظرت كارمن إلى ملك بحنان ثم قبلت وجنتيها الحمراوين، قائلة بهدوء: يارب يخليكم ليّا يا ماما...
أردفت وهي ترى مريم تفرك يديها باضطراب: بس أنا حاسة إن في حاجة عايزة تقوليها، صح؟
خفضت مريم بصرها قائلة بتوتر: هقولك بس براحة كدا، مش عايزة أعصابك تتوتر. أنتِ عارفة مين تحت دلوقتي مع أدهم؟
همست كارمن، وبدأ القلق يتملكها من نبرة والدتها المرتبكة: مين يا ماما؟
مريم: عمك وولاده.
فتحت فمها بدهشة وعدم استيعاب: عمي اللي في الصعيد جه هنا؟
عندما رأت شحوب وجه ابنتها، هتفت مريم بسرعة في محاولة لطمأنتها: أيوه يا حبيبتي. بصي، هما عايزين يتكلموا معانا، فالبسي وتعالي نشوف عايزين مننا إيه.
أنا هسبقك على تحت، وما تخافيش، أدهم موجود معانا.
بعد قليل في الأسفل.
نزلت كارمن والقلق يسيطر عليها. كانت في حيرة شديدة من سبب قدوم هؤلاء الناس الآن، بعد كل هذه السنوات. تذكروا أن لديهم ابنة ويريدون رؤيتها.
لن تنسى حزن والدها بسبب غضب والده عليه لأنه تزوج والدتها. صحيح أنهم لم يتحدثوا عن هذا الأمر أمامها، لكنها كانت تسمعهم يتحدثون عنه كثيرًا بالخفاء. وفي كل مرة كانت ترى دموع والدها تتساقط بحزن كلما تذكر غضب والده عليه، ورفضه رؤيته حتى عندما كان يحتضر، أو هكذا اعتقدت. أنها لا تعرف تمامًا ما كان يحدث.
وصلت إلى الريسبشن الخاص لاستقبال الضيوف. ولكن قبل الدخول، ألقت نظرة خاطفة ورأت ثلاثة رجال. بدا على أحدهم أنه أكبرهم سنًا بسبب شيب شعره. كان وقورًا في جلسته، لكن ما فاجأها أن ملامحه كانت قريبة جدًا من ملامح والدها.
بالتأكيد هذا عمها الذي لا تذكر اسمه حتى. وبجانبه شابان لابد أن يكونا أبناء عمها. ومعهم أدهم وليلى ومريم وهم يتحدثون، لكنها لا تسمع شيئًا مما يقولون.
أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا لتهدئة نفسها، ودخلت برشاقة وخطوات متزنة عليهم.
فجأة توقفوا عن الكلام عندما رأوا تلك المرأة الفاتنة تظهر عليهم في مظهرها الهادئ خارجيًا. وقام الجميع من مقاعدهم للترحيب بها.
كارمن بهدوء: مساء الخير.
قام الجميع برد التحية.
مريم بابتسامة: تعالي يا كارمن سلمي على عمك وأولاده.
احمرت وجنتاها قائلة برقة فطرية: أهلًا وسهلًا.
همس ماجد بصوت خافت لم يسمعه سوى زين الذي كان يقف بجانبه: تصدق طلعت حلوة أوي على الطبيعة. بقي دي بنت عمي أنا، والله مش مصدق.
تمتم زين بحنق وهو يلكزه بخفة: احترم نفسك، جوزها واقف جنبك يا غبي.
اقترب منها بدر وقال بابتسامة بشوشة: بسم الله ما شاء الله، أنتِ أجمل من الصور بكثير.
مدها يده لمصافحتها، فرفعت يدها وصافحته بابتسامة صغيرة قائلة بتحفظ: شكرًا لحضرتك.
قهقه بدر بمرح: ما بلاش رسميات يا بنتي، أنا عمك بدر، قوليلي عمي من غير "حضرتك" دي.
أومأت إليه بخجل وهي تنظر إلى أدهم الذي كان يتابع ما يحدث دون أي رد فعل، لكن عينيه على كارمن لم ترمش، فكان يشعر بارتباكها ويريد بأي شكل من الأشكال طمأنتها.
أراد أن يصعد إليها منذ قليل، لكنه حافظ على ثباته وأرسل والدتها لتخبرها بنفسها.
أدهم بثبات: تعالي يا كارمن.
بدت كما لو كانت تنتظر تلك الجملة، وبمجرد أن نطق بها، توجهت بسرعة نحوه.
أضاف أدهم برزانة وهدوء: اتفضلوا استريحوا.
جلست كارمن بجانب أدهم الذي رفع يديه خلف ظهرها ليحيطها بحماية، وضغط بلطف على ذراعها كما لو كان يرسل رسالة صامتة بأنه بجانبها لدعمها.
شعرت بالأمان يغلف قلبها بحضوره فقط وأنها تحت كنف مسؤوليته. فالأمان العاطفي هو الذي يولد شعورًا بالحب الصادق ويجعله يدوم طويلًا.
جلس بدر مرة أخرى وقال بهدوء: أول حاجة يا كارمن، عايز أعرفك على الدكتور زين ابن عمتك حياة.
ثم أشار إلى ماجد، الذي قاطع كلماته قائلاً بمرحه المعتاد: وأنا ماجد ابن عمك بشحمه ولحمه. فاضلي السنة دي وآخد ليسانس حقوق وأبقى محامي.
ابتسمت كارمن بسبب خفة ظله: ربنا يوفقك.
حدق بدر في ماجد بتحذير، ثم اتجهت عيناه إلى مريم وهي تتحدث بهدوء مع كارمن: عمك بدر كان عايز...
قاطعها بدر قائلاً بوقار: خليني أنا أفهمها أحسن يا ست الكل.
أومأت إليه مريم بتفاهم، وجعلته يبدأ الحديث بينما كان الجميع في حالة ترقب.
بدر: ...
رواية مزيج العشق الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نورهان محسن
في الحب لا تطلبي ملكا
فالملوك على رقعة الشطرنج نقطة ضعف
في الحب اطلبي رجلا بقوة جيش بأكمله
ما زلنا في قصر البارون
بينما هم مجتمعون في الداخل
نزلت نادين بغطرسة ولفتت أنظارها تلك الضجة في غرفة استقبال الضيوف والتي نادرا ما يدخلوها
مرت أمامها خادمة كانت قد خرجت لتوها من الداخل بعد أن قدمت بعض المشروبات والحلويات للضيوف
أوقفتها نادين بإشارة من أصابعها قائلة بتعالي يتخلله الإستفهام: تعالي هنا إيه اللي بيحصل جوا مين اللي قاعدين دول يا مروة؟
ردت مروة التي دائما ما تنقل أخبار الجميع إليها قائلة بثرثرة: الله أعلم بس باين كدا إنهم قرايب كارمن هانم من الصعيد.. أنا فهمت كدا من لهجتهم يا نادين هانم
نادين همست بصدمة وتحدثت إلى نفسها بصوت مرتفع قليلا: من الصعيد.. وإيه اللي جايبهم هنا؟
مروة بحيرة: علمي علمك يا هانم
نظرت نادين إليها في إزدراء ثم أشارت إليها بتكبر لكي تغادر متمتمة: خلاص يلا روحي إنتي شوفي شغلك
بعد أن غادرت الخادمة تقدمت نادين إلى الأمام بخفة تتنصت من خلف الباب لتسمع ما يقال في الداخل ربما تفهم ما يدور من ورائها
في الداخل
استطرد بدر حديثه بابتسامة لطيفة تليق به: شوفي يا بنتي عارف إنك بتسألي إزاي وصلنا ليكي وإيه اللي جابنا من الأساس.. صدقيني إحنا بقالنا سنين بندور عليكي وعلي الست ولدتك عشان نطمن عليكم ونعطيكي ميراثك من نصيب أبوكي بس ماكناش عارفين أرضيكم فين
تنهد بحزن وأضاف بشرح: بعد موت محمد الله يرحمه.. أبويا اللي هو جدك تعب أوي وصحته بقت ضعيفة ومابقاش بيفكر ولا على لسانه غير إنه عايز يشوفك ويرجعلك حقك ويستسمحك على اللي حصل منه زمان.. وعرفنا من الشركة اللي كان بيشتغل فيها أبوكي الله يرحمه عنوانكم القديم لكن محدش هناك كان عارف عنوان سكنكم الجديد
كارمن خفضت عينيها وفركت يديها ببعض الحزن وامتلأت عيناها بالدموع من ذكرى والدها الحبيب
بدر بعطف: بلاش دموع يا بنتي اهدي واسمعيني
رفعت وجهها ونظرت إليه بعينين محمرتين من الدموع المكتومة داخلها قائلة ببحة خانقة: أسمع إيه حضرتك!! إنت متعرفش بابا كان كل يوم بيبكي على زعل أبوه منه ولما مرض محدش فيكم حاول يقف جنبه
بدر بأسف: والله يا بنتي ما كنا نعرف حاجة عنكم دا أخويا الكبير وأكتر واحد اتقهر على فراقه كان أنا
تدخل أدهم في الحديث بحزم وهو يحاول السيطرة على أعصابه بالضغط على قبضته حينما لاحظ أن كارمن ترتجف ودموعها تنهمر بصمت: إيه المطلوب مننا بالظبط؟
تنفس بدر بعمق حيث تأثر بشدة بدموع ابنة أخته واستمر في حديثه: كل اللي طلبه منكم إنكم تشرفونا وتيجوا معنا الصعيد عشان كارمن تشوف جدها وتتعرف على عيلتها هناك
حاولت كارمن الاعتراض لكنه أوقفها بإيماءة صغيرة: قبل ما توافقي أو ترفضي جدك خلاص في أيامه الأخيرة ونفسه فعلا يشوفك وتسامحيه قبل موته بلاش تقسي قلبك زي ما هو قسي قلبه زمان وعاش في ندم سنين طويلة يا بنتي
ربت أدهم على ظهرها بحنان فنظرت إليه كارمن تفكر في هذا الموقف الذي وقعت فيه صعب جدا عليها وهي في حيرة حقيقية الآن لا تعرف ماذا تفعل ثم نظرت إلى والدتها التي أومأت إليها لتوافق
مرت بضع لحظات قبل أن تأخذ نفسا عميقا لتهامس بصوت خافت: جوزي قدامك يا عمي يعني إذا وافق أسافر معنديش مانع
أعجب بدر بجوابها اللبق الذي يظهر الكثير من تقديرها واحترامها لزوجها وأحس بالفخر من تربية أخيه لابنته
بعد عدة ساعات في جناح أدهم
كانت كارمن جالسة على السرير شاردة في قرارها بالموافقة على السفر غدا إلى صعيد مصر بعد أن شعرت بالفضول للتعرف على أسرتها ورؤية جدها الذي ظل عمها يتحدث عنه طوال الجلسة ثم عادوا بعد بضع ساعات إلى الفندق بعد أن اتفق عمها مع أدهم على السفر معهم في الصباح الباكر
لا تنكر أنها قد ارتاحت قليلا لعمها فهو يبدو حنون للغاية ولكنها قلقة بشأن جدها الذي لا تعرف عنه أي شيء سوى كلام عمها عنه
هل حقا يريد رؤيتها ويقبل بوجودها كحفيدته الآن بعد كل هذه السنوات؟
غدا ليس ببعيد وستحصل على إجابات لكل الأسئلة التي تعصف في عقلها الآن!!
شعرت كارمن بالأمان يحاوطها بوجود أدهم بجانبها يساندها ويقويها بقوة شخصيته التي سيطرت على الموقف بشكل كامل وفي نفس الوقت أعطاها كل الحرية في الرفض أو الموافقة وشعرت بالفخر والإعتزاز أمام عائلتها لكونها زوجته
أدارت عينيها نحو باب الغرفة عندما انفتح لترى أدهم يدخل بخطوات هادئة ويحمل بين يديه ملك النائمة على كتفه بوداعة
همس أدهم مبتسما وهو يتجه نحو السرير ويضع عليه ملك بهدوء حتى لا تستيقظ الطفلة: ملوكة هتنام معانا انهاردة
كارمن بدهشة: بجد.. بس كدا هتزعجك ومش هتعرف تاخد راحتك في النوم
استلقى أدهم بجانبهم على السرير وكان يغطي ملك ويضم إليه كارمن من جانب كتفها: ماتخافيش على قلبي زي العسل
ضحك أدهم ليقول بصوت منخفض: دا أنا أخدتها من مامتك بالعافية.. بس وجودها وسطنا مهم لسببين
همست كارمن تتساءل بفضول: إيه هما؟
أجاب أدهم بصدق وهو ينظر في عينيها: أول حاجة عشان مش عايزك تحسي إنك لوحدك انهاردة بعد اللي حصل وعشان أنا كمان عايز أحسكم جنبي وأدفي بيكم في حضني
ثم أضاف وهو يغمز لها بمكر: التاني بقى محتاجين نقوم فايقين الصبح بدري وأنا مابقتش ضامن سيطرتي على نفسي.. قدام الجمال دا كله يعني ملك هتبقى درع دفاعي ليا الليلة دي
ضحكت كارمن بخفة عندما فهمت ما يقصده وهمست برقة وهي تضع يدها بجرأة على صدره: يعني بعد السيطرة الفولاذية دي كلها على نفسك طول المدة اللي فاتت.. حبكت الليلة دي تحتاج درع دفاعي لنفسك
همس أدهم ببحة رجولية مثيرة بجوار أذنيها: الأول كان ممكن لأنك كنتي بعيدة دلوقتي انتي بين إيدي الموضوع مختلف خالص
ازدردت كارمن ريقها بإرتباك من همسه الخطير لها قائلة بصمود ضعيف: طيب روح غير هدومك عشان ننام ورانا سفر الصبح ويوم طويل
في منزل مالك البارون
دخلت يسر إلى الشرفة الواسعة حيث كان زوجها جالسا منذ بضع دقائق وهي لا تعرف ماذا يفعل في مثل هذا الطقس بالخارج
يسر بإستغراب: حبيبي إنت قاعد هنا ليه الجو بدأ يبرد دلوقتي؟
حرك مالك رأسه يجيبها بعقل شارد: حاضر حبيبي هدخل دلوقتي
جلست بجانبه قائلة بتسائل: إنت كنت بتكلم مع مين من شوية؟
مالك بتفكير: دا أدهم
تسألت يسر وهي تلوح بيدها أمام وجهه: إيه سرحت في إيه؟
رمش مالك بعينيه وقال بهدوء: بفكر في اللي طلبه مني
يسر بفضول: طلب إيه؟
أجاب مالك بحيرة: عايزني أبعت حد دلوقتي للصعيد يجيب معلومات عن أهل كارمن هناك
ضاقت عينيها بدهشة: أهل أبوها.. وبمناسبة إيه بيدور عليهم؟
مالك بتفسير: مش بيدور عليهم.. هما اللي راحوا لحد عندهم.. عمها وولاده كانوا عند أدهم في البيت وقابلوا كارمن
يسر بإستفهام: وهما عايزين إيه منها!
مالك: عايزينها تسافر معاهم تشوف جدها هي وأمها.. على حسب كلام أدهم وهو عايز قبل ما يوصلوا هناك يعرف كل حاجة عنهم وإيه اللي في نيتهم خير ولا شر
يسر بإضطراب: ربنا يستر ويعديها على خير أنا بدأت أقلق
مالك بإبتسامة: خير إن شاء الله وكدا أحسن الاحتياط واجب
أنا خلاص اتصلت برجالتنا وزمانهم اتحركوا عليا هناك.
يسر بإبتسامة جميلة: تمام حبيبي، ممكن بقي تقوم وندخل جوة؟ أنا تلجت مكاني.
***
صباح يوم جديد مليء بالأحداث.
في قصر البارون.
في جناح أدهم وكارمن.
استيقظت بعد أن غفوت لفترة وجيزة من التفكير فيما سيحدث اليوم.
فتحت كارمن عيناها ورأت أدهم نائمًا، وملك في منتصف السرير بينهما وهو يعانقها بحماية، فابتسمت في شكلهم الجميل.
للحظة تذكرت هذا المشهد في نفس الموقف مع عمر، أغمضت عيناها وهي تدعي من أجله بالرحمة في سرها. لولاه ما كانت لتتزوج من أدهم، وربما كانت ستبقى ملك محرومة من الأبوة أيضًا. وحتى لو تزوجت بعد عمر، فمن يعلم هل كان سيحب ملك بقدر ما يحبها أدهم؟ إنه لا يحبها فقط، هو الذي يعتني بها ويعوضها عن فقدان والدها ويحافظ على ميراثها.
تلألأت الدموع في عينيها بالعاطفة. أليس هذا سببًا يكفيها لتقع في حبه وتسعى وراء إسعاده بكل طاقتها أيضًا؟
من الآن فصاعدًا، لن تحرم ابنتها من حنانه، بل لن تحرم نفسها من نعيم حبه المتدفق. ستترك مصيرها معه، هو من يقودها. هذه نعمة من الله تدعي أنها تكون قادرة على الحفاظ عليها.
ابتسمت أكثر وهي تخفض عينيها إلى خاتم زواجها الذي يزين إصبعها، ثم تنهدت وهي تنظر إلى الساعة. اقتربت من أدهم، وقبّلت خدّه وهزته برفق قائلة بصوت خافت: أدهم، يلا اصحى.
فتح عينيه بنعاس، وابتسم بلطف عندما رآها أمامه مغمغمًا بنعاس: صباح الخير.
كارمن بإبتسامة: صباح النور. آسفة إنّي صحيتك، بس انت عارف ورانا سفر.
أدهم بحب: أحلى حاجة إنّي أفتح عيني وأشوفك قدامي. عارفة إن شكلك حلو وأنتي لسه صاحية من النوم.
احمرّ خديها بسبب كلماته المغازلة التي جعلت قلبها ينبض بلا هوادة، ثم ابتسمت بمكر وهي ترفع حاجبيها، مذكّرة إياه بما قاله لها من قبل قائلة بدلال: والنبي صحيح، يعني مش منكوشة وشبه العفاريت؟
ابتسم أدهم وهو يضيق عينيه قليلًا، وهو يربت برفق على خدها: قلبك أسود أوي، ما بتنسيش أبدًا.
كارمن بشقاوة: تؤ، مش هنسالك أبدًا. يلا بقي اتفضل قوم، يدوب نلحق نفطر وننزل على طول.
أدهم بتساؤل: هي الساعة كام دلوقتي؟
أجابت كارمن برقة: ستة ونص.
تثاءب أدهم وقال بنعاس: محدش بيبقى صاحي من الخدم في الوقت ده. ممكن نفطر بأي حاجة وإحنا في الطريق.
كارمن بإعتراض: لا، لازم نفطر هنا الأول. شوف أنا هودي ملك لماما، زمانها صحيت تصلي الفجر وجهزت نفسها. هي هتلبس ملك وأنا هحضر لنا فطار سريع على ما تلبس انت.
نظر إليها نصف عين قائلاً بريبة، وهو يقرص طرف أنفها: هتعرفي تعملي فطار؟
رفعت كارمن أنفها عاليًا، وقالت بثقة وتكبر مصطنع وهي ترفع سبابتها محذرة: أنا هعتبر نفسي ماسمعتش الجملة دي لمصلحتك.
أومأ أدهم برأسه متفقًا، وهو يضحك على أسلوبها الفكاهي، ثم قبّلها بحب على خدها، لتبتسم له بحبور، وتنهض من السرير وتحمل ملك بحذر وهدوء، لتخرج من الغرفة.
***
بعد بضع ساعات مرت في الطريق إلى قنا.
أدارت كارمن رقبتها للخلف للمرة التي لا تعلم عددها، ونظرت إلى السيارة التي كانت فيها والدتها وطفلتها للاطمئنان عليهما.
أمسك أدهم بيدها، وقال بهدوء وتعجب: ممكن أعرف إيدك متلجة كده ليه؟
كارمن بقلق: من التوتر.
أدهم بإستفهام: وليه تتوتري؟
تحدثت كارمن محاولة إطلاق سراح ما يعصف في قلبها حتى ترتاح: غصب عني يا أدهم، رايحة مكان لأول مرة في حياتي وهقابل ناس قرايبي معرفش إلا حاجات بسيطة عنهم. لولا وجودك جنبي أنا كانت حالتي هتبقى أسوأ من كده.
ضغط أدهم على يدها برفق قائلاً بحنان: الصبح بعد ما صحينا، وصلني تقرير عن كل فرد له علاقة بعيلة الشناوي. جدك راجل طيب ومحبوب في البلد، مافيش منه أي خوف، وأنا مستحيل كنت أوافق تخرجي من البيت لا انتي ولا مامتك ولا ملك، وإلا كنتوا رحتوا مشوار زي ده قبل ما أبقى متأكد بنفسي إن كل الأمور تمام.
ابتسمت كارمن بإتساع، وقالت بامتنان: ربنا ما يحرمنيش منك، ومعلش بقي أنا عارفة إن عندك شغل كتير ودلوقتي عطلته عشانا.
أدهم بنبرة دافئة: ما تقوليش كده، انتوا دلوقتي مسؤولين مني وتهموني أوي.
كانت كارمن محرجة من لطفه الزائد معها، لكنها شعرت بالارتياح من حديثه، وحاولت تغير مسار الحديث: انت ممكن تنام شوية، أكيد ما قدرتش تنام كويس امبارح.
أدهم بلؤم: إيه خايفة عليا؟
كارمن: طبعًا لازم أخاف عليك، انت جوزي وواجبي أخاف عليك.
نظر إليها أدهم بتمعن: يعني مش عشان بتحبيني؟
همست كارمن بوجه محمر خجلًا: الاتنين واحد.
أدهم بتنهيدة: لا يا كارمن، الواجب شيء مفروض عليك، ممكن بتأديه بضمير، لكن مش شرط تحبه.
أسدلت عينيها في حرج من صحة كلامه، لكنها تخجل من أن تكشف له ما تكنه نحوه في قلبها. هي ليس بتلك الشجاعة، خاصة في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها.
أما بالنسبة له، فقد غضب من صمتها وعدم تبريرها لما قالته، واكتفى بالصمت ولم يجادل في الحديث أكثر، ولكن من داخله شعر بالضيق لأنه أراد سماع كلمة "أحبك" منها مرة أخرى، لكنه بدأ يراوده هاجس أنها استعجلت عندما قالت ذلك في المرة الأولى، وربما ندمت على قولها.
همس بداخله: لحد إمتى هفضل حاسس بأن في حاجز بيني وبينك يا كارمن.
***
ظهرًا.
داخل سيارة بدر.
حيث يجلس ماجد خلف عجلة القيادة، وبدر بجانبه، وزين يجلس خلفه، وهم على وشك الوصول.
تحدث زين بصوت عالٍ نسبيًا بسبب تيارات الهواء القادمة من النافذة المفتوحة بجانبه: ماجد، ماتنساش تنزلني عند المستشفى.
بدر بدهشة: معقول يا ابني، هتروح الشغل دلوقتي بعد المشوار المتعب ده؟
زين بتفسير: لا يا عمي، مش هدخل المستشفى. عربيتي سايبها هناك، هاخدها وأروح أجيب روان من الكلية.
ماجد بمزح: يا عيني على الشوق، مش قادر تصبر لحد لما ترجع لوحدها؟
زين يلكزه في كتفه قائلاً بقسوة متصنعة: ركز في الطريق وخليك في حالك.
***
بعد فترة وجيزة أمام كلية روان.
ترجل زين من سيارته، ثم سار منتصبًا في مشيته بطول قامته، وعضلاته البارزة ورأسه المرفوع بكبرياء يليق به.
يفتقدها كثيرًا ويتلهف على رؤيتها، لأن اليومين اللذين أمضاهما بعيدًا عنها، جعلوه يشعر بشوق جارف يقتاد في قلبه لها. أشتاق لضحكتها وعنادها وطفولتها واهتمامها به.
دخل زين الكلية وأخرج هاتفه من جيب بنطاله للاتصال بها، لكنه وجده نافذ الشحن منه، فضرب جبهته بغضب لأنه نسي شحن الهاتف.
بينما كان يتجول بحثًا عن حل للوصول إليها، سمع صوتًا أنثويًا ناعمًا يهتف باسمه.
رفع رأسه في اتجاه الصوت ليرى امرأة جميلة جاءت نحوه وابتسمت عندما وقفت أمامه وتحدثت بفرح: إزيك يا دكتور زين؟
زين بتعجب: الله يسلمك.
حضرتك تعرفيني!!
عند روان
في نفس الوقت خرجت روان من محاضرتها مع صديقتها وذهبا إلى الحمام. كان عقلها شاردًا قليلاً، تفكر أنها تود العودة إلى المنزل بفارغ الصبر. فقد أرسل لها زين رسالة في الصباح بمجيئه اليوم، لكنها حاولت الاتصال به كثيرًا بعدها، لكن هاتفه مغلق. لم ترغب في إزعاج والدها والاتصال به لتسأل عن زوجها.
صاحت رنا أثناء تعديل كحلها في المرايا: انتي يا زفتة بكلمك ماترديش!!
انتبهت روان من شرودها قائلة بانزعاج: إيه يا بت، براحة، بتزعقي كده ليه؟
رنا بثرثرة: ما أنا بكلمك وأنتي في دنيا بعيدة، أعملك إيه عشان تردي؟
روان بنفاذ صبر: اخلصي، عايزة إيه يا رغّاية؟
رنا بتعجل: ابدأ يا أختي، خطيبي سمسم كلمني وهو مستني بره، هخرج له. أنتي شكلك مطوّلة في الحمام.
روان بضحكة ساخرة: خلاص، اطلعي له يا عصفورة الحب، ماتشغليش بالك بيا.
رنا: تمام، باي يا مزة.
خرجت روان بعد قليل في طريقها إلى بوابة الكلية، لكنها فوجئت برؤية زين هناك. كانت سعيدة للغاية وكادت أن تتجه نحوه، لكنها انصدمت بسيدة جميلة تردد باسمه وتتقدم نحوه. ثم بدأوا في الحديث كأنهم يعرفون بعضهم البعض منذ فترة طويلة.
لا تعرف تحديدًا ما تشعر به. هل هو غليان في رأسها شديد الحرارة، أو حريق في صدرها، أو ربما كلاهما معًا؟
بالكاد خطت خطوة إلى الأمام للوصول إليهم، لكنها سمعت صوتًا يناديها.
عند زين
زين: حضرتك تعرفيني؟
قالت بتفسير: أيوه طبعًا، حضرتك مش فاكرني؟ أنا رحاب محيي، أخت عائشة محيي. كانت زميلة ليك في الدفعة وكنت بشوفك كتير لما بروحلها الكلية.
قال زين مبتسمًا بخفة وهو يضع يديه في جيب بنطاله: أيوه افتكرت، صحيح، أنتي طالبة هنا في الجامعة.
رحاب بضحكة بسيطة: لا، أنا حاليًا معيدة هنا. أنت ليك حد هنا معانا في الكلية؟
زين بنفس الإبتسامة: أيوه، مراتي هنا في تانية تجارة.
رحاب بنبرة رقيقة: تمام يا دكتور، مبسوطة إني شوفتك. عن إذنك، لازم أمشي.
بالتزامن مع رحيل رحاب، لاحظ أن روان تقف على بعد مسافة منه. فابتسم لها بشوق، لكن ابتسامته اختفت واستبدلت بعبوس شديد عندما رأى شابًا طويل القامة يقترب منها ويتحدث معها.
عند روان
....: لو سمحتي.
نطقت روان وعيناها مثبتتان على زين ومن تقف معه: نعم.
....بأدب: أنا آسف جدًا على إني وقفت حضرتك. أنا ياسر مجدي، كنت معاكي في المحاضرة وكنت محتاج منك خدمة.
نظرت إليه روان وهي متوجسة، فماذا يريد منها قائلة بحذر: أمر، أقدر أساعدك في إيه؟
ياسر بحرج: بصراحة، في شرح فاتني من غير ما أكتبه، فلو تسمحي تديني دفتر المحاضرات بتاعك أكتب اللي فاتني وأرجعه ليكي مع زميلتك رنا. هي بنت خالتي بس للأسف ما لحقتهاش، شكلها مشيت.
تنهدت بابتسامة هادئة: ولا يهمك، اتفضل. وأنا هبقى آخده منها المحاضرة اللي جاية.
قال ياسر بامتنان وهو يأخذ منها دفتر الملاحظات: متشكر وممنون ليكي جدًا على ذوقك.
....: كل الشكر ده عشان دفتر محاضرات.
كانت على وشك الرد عليه، ولكن قاطعها ذلك الصوت الحاد الذي تميزه عن ظهر قلب، وشعرت بخفقان قلبها يزداد عندما استدارت لتجده يقف خلفهم بوجه صارم.
في منزل الحج عبدالرحمن
ولج الجميع إلى الداخل، وكان كل قلب ينبض بطريقة مختلفة عن الآخر.
مزيج من المشاعر المتضاربة بين الخوف والقلق والحزن والفرح.
ظهرت حياة من خلف الخادمة وهي تهلل بفرح: يا ألف مرحب بالغاليين، حمد لله على السلامة.
التفت إليها ماجد وقال لها بتعب: عمتي، والنبي أنا سايق بقالي ساعات وعايز آكل، جعان وأنا هموت من العطش.
وبخته حياة بيأس: يا ولد، اهدأ شوية وعايز تشرب؟ المطبخ عندك، روح وسيبني أسلم على الناس.
أضافت بابتسامة وهي تنظر إلى وجه كارمن ومريم واقتربت منهما وقبلتهما بمودة: منورين والله.. أنا حياة، أبقى عمتك يا كارمن.
كارمن بإبتسامة: أهلاً بيكي يا عمتي.
حياة بود: منورة والله يا ست مريم، الدنيا نورت بمجيتكم.
مريم بإبتسامة: إن شاء الله تعيشي يا رب، واسمي مريم على طول من غير "ست".
حياة: ماشي يا غالية.
ثم أضافت وهي تنظر إلى أدهم: أكيد أنت يا ولدي جوز بنت أخوي، مش كده؟
ابتسم أدهم بإحترام: أيوه أنا. اتشرفت بيكي يا حجة حياة.
حياة ببشاشة: ربنا يعزك يا ابن الأصول. ما يصحش نفضل نتكلم وإحنا واقفين كده. اتفضلوا الجماعة جوه.
أمسكت كارمن بيد أدهم، الذي كان يحمل ملك على كتفه، وهم يدخلون إلى المندرة. ابتلعت لعابها وهي ترى رجلاً عجوزًا جالسًا على كرسي ضخم في وسط الغرفة، تظهر عليه الهيبة على الرغم من تقدمه في السن.
ابتسامة ارتسمت على شفتي الحاج عبدالرحمن عندما رآهما يدخلان، وتعرف على كارمن التي وقفت بجانب زوجها وتبدو مرتبكة.
حياة بإبتسامة: الجماعة وصلوا يا أبوي. اتفضلوا، البيت بيتكم.
وقف الحج عبدالرحمن مستقيمًا على عكازه وتحدث بصوت أجش: يا أهلاً وسهلاً، نورتوا المكان.
ذهب إليه أدهم يسير بثقته المعتادة، وبجانبه كارمن التي اكتسبت الثقة منه أيضًا.
تحدث أدهم بهدوء وهو يصافحه: بنورك يا حج عبدالرحمن، أنا أدهم البارون، جوز حفيتدك.
الحج عبدالرحمن بوقار: يا مرحب بيك يا ولدي، يا رب السكة ما كانتش طويلة عليكم.
ثم أردف بحبور محدقًا في كارمن: تعالي يا كارمن، أنا جدك.
كانت كارمن تنظر إليه بشيء من القلق، لكنه تلاشى عندما شعرت بالحنان في صوته.
تركت يد أدهم تلقائيًا وذهبت إليه، ليعانقها لطف ومحبة كبيرين، وشعر وكأن ابنه الغالي قد عاد إليه من جديد.
سقطت دمعة واحدة من عينيه بتأثير قوي: الحمد لله إن ربنا مد في عمري وشوفتك قبل ما أموت يا بنت ولدي الغالي.
عند زين وروان في الجامعة
....: كل الشكر دا عشان دفتر محاضرات.
كانت على وشك الرد عليه، ولكن قاطعها ذلك الصوت الحاد الذي تميزه عن ظهر قلب، وشعرت بخفقان قلبها يزداد عندما استدارت لتجده يقف خلفهم بوجه صارم.
ابتلعت لعابها ثم قالت بابتسامة متوترة، بعدما لاحظت وجه زين المتجمد الذي كان يقف بجانبها ولف يده على ظهرها لتكون قريبة منه، لتقدمهما لبعضهما البعض: احم، دا دكتور زين جوزي.. وياسر زميلي وقريب صحبتي استلف مني دفتر المحاضرات.
زين ببرود: وهو ما فيش غيرك ياخد منه الدفتر؟
حدقت روان في وجهه بصدمة من رده الوقح، الأمر الذي أحرج بالتأكيد هذا الشاب المسكين الذي يقف كطالب يوبخه معلمه لفشله في الامتحان.
قال ياسر بحرج، وشعر أنه إذا مر المزيد من الوقت أثناء وقوفه مكانه، فإن هذا الأسمر الشرس قد يدق عنقه، حيث أن مظهره لا يوحي بالخير: زي ما أنت شايف حضرتك، الكل مشي. عمومًا، متأسف وشكرًا مرة تانية يا مدام روان، وبعتذر لك يا أستاذ زين لو عطلتكم، بالاذن.
هتفت روان في زين باستنكار بعد رحيل ياسر: ممكن أعرف ليه اتعاملت بالطريقة دي معاه؟
نظر إليها زين بغضب وتحدث ساخرًا بصوت خفيض، حتى لا يجذب الأنظار من حولهم، وكان قلبه يغلي من ذلك الأحمق الذي جعلها تبتسم له بغير حق: المفروض أصفق لكم وأنا شايفك واقفة بتضحكي معاه. يلا، امشي قدامي على العربية، مش عايز أتهور عليكي وسط الناس.
رواية مزيج العشق الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نورهان محسن
في منزل الحج عبدالرحمن
يجلس الجميع بعد الغداء بابتسامة ارتياح على وجوههم، مما يعكس القلق الذي شعروا به حالما دخلوا هذا المكان لأول مرة.
تكلمت كارمن مع الحاج عبد الرحمن الذي تجلس على قدميه ملك، وهي تلعب بعكازه: "جدي كفاية علي ملك كدا دي شقية جدا و مش هتزهق من اللعب."
الحج عبدالرحمن ببشاشة: "لا سيبيها معايا انا مبسوط بها."
بدر بمزح: "لو روان هنا كانت غارت من ملك علي جدها."
كارمن بإستفسار: "روان دي بنت حضرتك مش كدا؟"
بدر: "بالظبط روان بنت عمك زمان زين جايبها من الكلية و جايين في السكة."
حنان بعفوية: "طول الايام اللي فاتت مش بتتكلم غير عنك و نفسها تشوفك."
تكلمت حياة وهي تنظر بذهول إلى حنان التي خرجت الآن من صمتها، فهي منذ البداية لا تتحدث كثيرا كالعادة وتريد أن تفهم ما بها: "ايه رأيكو تطلعو تغيرو هدومكو و تستريحو من السفر.. انا مجهزة الاوض بنفسي و كل حاجة زي الفل."
مريم بإبتسامة: "تسلم ايدك حبيبتي تعبناكي معانا."
ابتسمت حياة لتقول بود: "تعبكم راحة و الله ماتقوليش كدا معنديش اعز منكم."
نهضوا جميعًا وذهبت كارمن لتأخذ ملك من علي قدم جدها، ثم خرجت مع حياة، لكن مريم توقفت فجأة عندما هتف الحاج عبد الرحمن بإسمها.
مريم بإحترام: "نعم يا عمي."
الحج عبدالرحمن بإبتسامة: "تعالي اقعدي شوية معايا بنتي عايز اتكلم معاكي..."
في سيارة زين
نظر إليها من زاوية عينيه، ليراها علي نفس الحال تحدق من النافذة، وهي عابسة بشدة.
نفخ زين، ليقول بحنق: "هتفضلي ضاربة بوز كدا لحد ما نوصل و لا ايه.. بقي دا وش تقابلي به جوزك وهو لسه جاي من سفر."
اتسعت عيناها بدهشة وهي تنظر إليه، قائلة بتعجب ملئ بالاستنكار من حديثه: "انت كمان هتطلعني غلطانه بعد اللي انت عملته؟!"
هتف زين بتحذير: "احسنلك بلاش تفتحي الموضوع دا تاني خصوصا دلوقتي مش كفاية انك بتكسري كلامي."
نظرت إلى الأمام ببلاهة، مشيرة إلى نفسها، قائلة باستنكار: "نعم امتي انا كسرت كلامك يا زين قولي امتي قصرت حتي معاك."
زين بتهكم: "والله انتي ادري يا مدام.."
ثم اردف بجدية: "احنا اتفقنا ماتضحكيش مع حد حصل و لالا."
زفرت روان بنفاذ صبر: "زين بلاش جنان انا مكنتش بضحك معه انت ليه مكبر الموضوع كدا.. قولتلك انه قريب صحبتي و معانا في نفس السنه.. زي ماشوفت بعينك.. ماكنش ينفع يطلب مني خدمة بسيطة زي دي و اكسفه.. دا عادي بيحصل بين الزملاء انت اكتر واحد عارف كدا."
جز زين علي اسنانه، ليقول بغضب: "اوعي تفتكري حركة ان مافيش غيرك ياخد منه المحاضرة دي دخلت عليا.. انا فاهم حركات الشباب دي كويس مش مختوم علي قفايا يا هانم."
أوقف السيارة أمام مدخل المنزل، وأدار جسده نحوها، وسمع صيحاتها بصوت هائج يملأه الضيق الشديد: "وانت تسميها ايه لما اشوفك واقف قدام عيني مع وحدة و بتكلمو كأنكم تعرفو بعض من زمان.. كان ممكن برده اعملك مشكلة و احرجك زي ما احرجتني بس انا عندي ثقة فيك يا زين لكن انت ماعندكش ثقة فيا و لا في حبي ليك."
بعد أن أنهت جملتها، مدت يدها وفتحت باب السيارة للخروج، وكانت على وشك البكاء بل انها تذرف الدموع بالفعل.
قام زين بضرب عجلة القيادة بغضب على سلوكه الفظ معها، لكنها جعلته يفقد عقله من غيرته عليها، فمن يقع عليه اللوم الآن، هو أو هي؟
ترجل أيضا من السيارة، ثم أغلق الباب خلفه بعنف، سرعان ما خطى خطواته خلفها، وعندما وصل إليها جرها من ذراعها بعنف، ليلفها تجاهه قائلا بسخرية: "استني هنا هو انا سواق عندك عشان تسيبيني وتمشي كدا."
تأوهت هي بألم عندما إصطدم جسده الصلب بجسدها، وتمتمت بوهن بسبب الدموع والتعب الذي أصابها: "اوعي ايدك عني."
نظر زين إليها بندم، وهو يرى دموعها على خديها، قائلا بغيظ: "بلاش جنان وشغل عيال يا روان بتعيطي ليه دلوقتي؟"
حدقت روان فيه بدهشة من قسوته، ثم بدأت بالصراخ بغضب كالمجنونة، وقد فقدت السيطرة على نفسها من برودة أعصابه، وكما يقولون، يمكن أن تنفجر لأدنى سبب: "عشان انا خلاص تعبت منك يا زين انت واحد اناني و مستبد من الاول و انا مستحملة كل حاجة منك.. بس توصل انك تقلب الدنيا عشان ابتسمت مع زميل ليا من باب الذوق يبقي انت متوقع مني الخيانه و مابتثقش..."
وضع زين يده على فمها، ليمنعها من الاستمرار في حديثها الأحمق، هامسا بهسيس وأنفاسه الحارة تحرق بشرتها الناعمة: "اخرسي مش عايز اسمع ولا كلمة تانية و الا هدفنك مكان ما انتي واقفة سامعه."
اتسعت روان عيناها بذعر من همسه المخيف، ثم حاولت أن تخفض يده عن فمها لإبعاده عنها، لتتمكن من دخول المنزل، لكنه لم يتحرك مثل الجبل من مكانه.
عضت يده بأسنانها في حقد منه حتى أنه أنَّ من الألم واستشاط غضبًا منها، ثم انحنى فجأة ورفعها على كتفه مثل الزكيبة، ليمشي بها إلى الداخل، وهي تهتف برعب حيث جفت الدموع علي وجنتها: "انت اجننت يا زين ايه اللي بتعملوا دا نزلني!!!"
بدأت في توجيه ضربات خفيفة على ظهره والركل بقدميها في الهواء.
زين بزمجرة: "عليا النعمة لو سمعتلك صوت لا اكون ضربك.. و انسي خالص اني دكتور و متحضر.. فاتلمي و بطلي حركة خلي يومك يعدي."
احمر وجه روان وهي تضع يديها على فمها، لتمنع نفسها من نطق أي كلمة قد تؤدي بها إلى مشكلة أخرى هي في غنى عنها، وقد استراحت قليلاً بعد أن أفرغت ما في قلبها.
بينما هو يركض بخطوات واسعة، وهي على كتفه حتى لا يشعر أحد من المنزل بوجودهم.
في الاعلي في غرفة حياة
دخلت الغرفة، وخلفها حنان التي أغلقت الباب عليهم، وسارت تجلس على الكرسي بجانب كرسي حياة.
حياة بحيرة: "في ايه يا خيتي من وقت ما الناس وصلو و انتي مدة بوزك شبرين قدامك؟"
اردفت بينما اتسعت عيناها بتعجب: "انتي مش فرحانه اننا وصلنا لبنت اخوي؟!"
حنان بصدمة: "ايه اللي بتقوليه دا.. اكيد فرحانه عشان عمي الحج عبدالرحمن."
اردفت بتوتر: "بس غصب عني معرفش ليه مقبوضة من مجيتهم."
حياة بعدم فهم: "يعني ايه مقبوضة يا حنان؟"
حنان بإندفاع: "الصراحة يعني مش مطمنه للست مريم دي خالص.. من وقت لما شوفتها خايفة بدر يحط عينه عليها و يتجوزها."
صفعت حياة على صدرها وصرخت في وجه حنان باستنكار شديد: "يخرب مطنك يا وليه يا خرفانه كيف تفكري كدا؟"
حنان بغيرة: "يعني انتي مش شايفها دي كأنها بنت تلاتين سنة مش جدة.. دا غير ان بنتها متجوزة اخوه جوزها يعني الموضوع مش غريب عنهم."
قالت حياة بعدم تصديق، وهي تضرب كف على كف: "حقيقي انتي اتجننتي من عقلك بدر بعد العشرة اللي بينكم السنين دي هيعمل كدا."
اضافت بخذلان: "انا حزينه من ظنك في الناس."
ثم اكملت بصرامة: "و ماتكلميش كدا تاني يا حنان الكلام الماسخ دا قدام حد و لا حتي بينك و بين نفسك استغفري ربنا و استهدي بالله."
حنان بتنهيدة: "استغفر الله العظيم يارب."
في غرفة زين و روان
استمر في المشي ذهابا وإيابا في الغرفة بغضب، منتظرًا خروجها من الحمام، لأنها عندما دخلوا الغرفة وأنزلها على الأرض، ركضت إلى الحمام و قد مر اكثر من عشر دقائق، وهي في الداخل.
بعد عدة دقائق
فتحت روان الباب للخروج من الحمام مرتدية بيجاما مريحة، ولكنها مجسمة على جسدها الفاتن.
بعد أن أخذت حماما سريعا أنعشها من التوتر العصبي، والإرهاق الذي أصابها لاستعادة نشاطها الكامل.
كان زين متوتر بعدما شاهد شكلها الأنثوي الجميل، لكنه سيطر على نفسه، وتتمتم بسخرية: "ما لسه بدري يا مدام اخيرا خرجتي."
مرت روان بجانبه، ورفعت شعرها الطويل، وربطته حتى لا يزعجها، ولم تهتم به كأنه لم يتكلم، فاغتاظ من تجاهلها الواضح له.
صاح زين وهو يتبعها بنرفزة: "لما اكون بكلمك تقفي وتردي عليا.."
التفتت روان إليه وهي تصرخ في وجهه أيضًا: أنت مش ناوي تجيبها لي؟
بتر جملتها عندما انحنى عليها وهو يمسك وجهها بكلتا يديه ويقبلها قبلة عنيفة قاسية، فاختل توازنها ووضعت يديها تلقائيًا على مرفقيه تتشبث به حتى لا تسقط بسبب هجومه الضاري عليها.
لم تقاومه في البداية لأن عقلها توقف عن التفكير لبرهة، لكنها استعادت وعيها وحاولت رفع يدها لدفعه بعيدًا عنها، لكنه أدرك نواياها وأنها تريد الهروب.
قبض على خصرها وضغط عليه بقوة، ويضغط على شفتها ويتعمق بنهم وشغف أكبر في تقبيلها، مما جعلها تذوب في يده في لحظات وردية لم تحسب كم عددها.
كان يفرغ كل القهر الذي يكوي صدره بشفتيها ويرتشف منها شهد العسل، لتجعله ينسى من هو.
ترك زين شفتيها على مهل رغما عن إرادته، ليجعلها تتنفس، ثم دفن وجهه في تجاويف عنقها المرمر، وأنفاسه الحارة تذوبها بحرارة مثل شمعة في نيران عشقه.
همس بصوت أجش رجولي من بين أنفاسه اللاهثة: سبتك تكلمي وتزعقي وتخرجي كل اللي جواكي، كفاية جنان لحد كده، كل كلامك غلط.
همست بتخدر: وإيه هو الصح؟
رفع زين رأسه ببطء وحدق فيها بإفتتان، كانت وجنتاها حمراء اللون، لذا بدت جذابة ومغرية.
تمتم زين بغيظ: يا غبية افهمي، أنا بحبك وبغير عليكي من أي حد.
رددت روان ببلاهة وعدم استيعاب، وشعرت أن قلبها ينبض من الفرح: بتحبني؟
زين بشبح ابتسامة على فمه: مش بقولك غبية، أنا مقصدتش أجرح كرامتك ولا أتهمك ولا أقدر أشك فيكي.. أنتِ القلب الطاهر اللي شفي كل جروحي، بس أنا بغار عليكي أوي.. عارف إني زودتها مع الواد زميلك، بس حسي بيا، أنا راجل وبحب مراتي، ما أقدرش أبقى بارد وأعديها من غير ما أنفعل شوية.
روان بحزن: وما قلتليش كده ليه واحنا في العربية؟
زين بندم: كنت متعصب أوي، أنا فعلًا أناني زي ما قلتي، مش عايز حد يقربلك أو يبصلك حتى.
أردف بزمجرة: ما يغركيش إني دكتور وتعليم عالي والشويتين دول.. أنا في الأول والآخر راجل بيعشق وبيغار، ومش شايف غير اللي مجننه أمي من يوم ما اتجوزتها.
هربت منها ضحكة عالية بسبب كلماته، وهي تشعر بمدى سيطرتها على مشاعره بهذا الاعتراف.
همست روان له بدلال، بعثر كيانه وهي تلف يديها حول رقبته، وتضم جسدها على جسده أكثر: حقك عليا يا قلبي، أنا كمان والله بغير عليك.
أردفت في سخط فجأة، وهي تبتعد عنه وتضع يديها على خصرها: ما قلتليش تطلع مين دي اللي كنت واقف معاها يا سي زين؟
قهقه زين على كلامها وتحولها من رقة إلى عنف في ثوان، ثم أجاب ببساطة: دي معيدة في الجامعة عندك واخت زميلة كانت معايا في طب.. جت تسلم عليا وراحت لحالها، بس كده.
روان بمزح: إذا كان كده براءة.
تحدث زين وهو يتنهد الصعداء: الحمدلله عديت من الامتحان الصعب ده على خير.
ضحك الاثنان بشدة حتى اختفت الابتسامة عن وجه روان التي صاحت بدهشة: أومال فين بنت عمي؟ أنا نسيتها خالص.
ضرب جبينها برفق قائلا بمرح: لسه فاكرة تسألي عنها دلوقتي؟ أكيد وصلت مع أبوكي قبل ما نيجي بكتير.
تمتمت روان بتعجب وهي تنظر إليه بغيظ: غريبة، ما لمحتش حد وانت شايلني زي الشوال لحد هنا.
زين بضحكة: هموت من كلامك يا بنت الإيه، انتي اعقلي.
أخرجت لسانها وهي تلاعب حاجبيها بحركة مضحكة، ثم قالت برقة مقصودة: لا مش هعقل قبل ما أجننك يا روحي.
أمسكها من خصرها وجذبها حتى التصق جسده بجسدها حيث وجهها الخجول بات قريبًا جدًا من وجهه: انتي خلاص جننتيني وأخدتي قلبي وعقلي وروحي وفلوسي وصحتي، حياتي كلها ليكي.
نظرت إليه بابتسامة عاشقة تزين ثغرها، بينما قلبها يدق مثل الطبول، ثم همست بشرود في ملامحه: وحشتني.
جلس زين على حافة السرير خلفه، وجعلها تجلس على قدميه، قائلا بصوت هامس في أذنها: مش أكتر مني.
همست بدلال: تؤتؤ، أنا أكتر.
جعلها تستلقي على السرير فجأة، ثم أشرف عليها بجسده الضخم قائلا بنظرة ماكرة: اثبتي كلامك بالفعل.
"زين"!!
همست روان باسمه في استحياء، وارتباك من حركته المفاجئة ونظراته المتفحصة لها.
"ويلاه" إن نطقها لأحرف اسمه لم يبعثر فؤاده فقط بل كيانه بأكمله، وكانت هي الشعلة التي توهجت بها مشاعره إليها، ولن تنطفئ إلا بقربه منها.
ابتهجت أساريره حينما وجدها تلف ذراعيها حول رقبته بخجل ورقة، ليقترب أكثر فأكثر حتى لامست أنفاسه الساخنة وجهها.
ابتلع زين لعابه بتوتر، وهو يجول بعينيه على كامل وجهها، ثم صوب نظراته في نقطة معينة، وبدأ بتقبيل شفتيها قبلة صغيرة ببطء حتى استجابت له بخجل، ليقتحم شفتيها التي اشتاق لها في بضع دقائق يقبلها بشغف وشوق، لكنه فجأة أصيب بالجنون عندما شعر أن شفتيها الناعمتين تحاول التناغم مع شفتيه بقلة خبرة أفقدته رشده كليًا.
ن
هتخانق معاكي كل ساعة.
قالت روان وهي تحاول النهوض من بين ذراعيها بصوت خفيض: "احم، أنا هقوم آخد شاور."
أمسكها من خصرها لمنعها من الحركة قائلاً بخبث: "آجي معاكي."
شهقت روان وقالت بعبوس: "تيجي معايا فين؟ هو أنا طالعة رحلة؟"
رفع حاجبيه ليقول ببراءة خادعة: "أنتي الخسرانة، حبيت أعرض خدماتي وأساعدك، يمكن تحتاجي حاجة كدا ولا كدا."
روان بزمجرة: "بس بقى يا زين، عيب كدا."
زين بصدمة: "إيه هو اللي عيب يا هبلة؟ أنا جوزك، لحقتي تنسي؟"
روان تكاد تبكي بسبب جرأته، وبدأت بالتحرك في محاولة للهروب من قبضته: "يخربيت كلامك ده، منظر دكتور محترم دا إزاي."
ضحك زين بخبث: "دكتور مع الناس كلها، بس معاكي أنتي..."
همس لها بالكلمة الأخيرة في أذنها، فصبغت وجنتاها من فرط الخجل، وضربته في بطنه بكوعها وركضت إلى الحمام، وهي تلف نفسها في ملاءة السرير دون أن تفكر فيما سترتديه عندما تخرج.
بعد عدة دقائق.
خرجت روان وهي تنظر إلى الأسفل في حرج، وتلف جسدها الرشيق بمنشفة فقط، وشعرها مبلل قليلاً، ويتساقط منه قطرات على رقبتها.
لمحت زين يتوسط الفراش بكسل كما تركته، بينما هو يتأملها بنظرات لامعة وثاقبة بابتسامة محبة على وجهه، ثم أشار إليها بإصبعه حتى تقترب منه، لكنها همست قائلة بعقل مشوش: "لحظة، هلبس هدومي وأجي."
هز رأسه بصمت مستنكرًا، مصرًا عليها أن تأتي إليه.
تنهدت روان في إحباط من إصراره، وسارت بخجل إلى السرير قبل أن تتمتم بخفوت: "جيت أهو، في حاجة؟"
وضع زين يده على المكان الفارغ المجاور له على السرير مبتسمًا بمكر: "اقعدي وخلي ظهرك ليا."
علقت عيناها إلى السقف بحيرة من طلبه، لكنها نفذته دون اعتراض.
اقترب منها أكثر، لتنبعث حرارة جسده الملتصق بها في أنحاء جسدها، ثم رفع يده لإزاحة شعرها إلى جانب واحد.
أغمضت عينيها عندما هبط برأسه، وشعرت بشفتيه تقبل رقبتها من الخلف بطريقة بطيئة.
بعد ذلك شعرت بشيء بارد يلامس عنقها.
انتهى من إغلاق السلسلة خلف رقبتها، فأنزلت رأسها قليلاً، ثم شهقت مندهشة من جمال الفراشة التي كانت تزين عنقها.
أمسكت بها تلامسها بأصابعها، واستدارت بجسدها إليه قائلة بسعادة: "الله، حلوة أوي دي، بتاعتي؟"
أومأ زين إليها وهو يتأملها وعيناه متلألأتان بعشق وابتسامة محبة تحتل شفتيه: "آيوة يا قلبي."
روان بابتسامة جميلة جداً قالت بدلع: "تعيش وتجيبلي يا زيون، ربنا يخليك ليا."
زين بإستنكار: "إيه زيون دي؟!"
تنحنحت روان بحرج: "بدلعك، إيه مش حلو؟"
زين بنظرة خبيثة أوشك على تقبل ذقنها: "منك أنتي حلو، بس لو آخره ياء هيبقى أحلى، جربي تقوليها كدا."
دفعته روان من كتفه بتذمر طفولي: "زين وبعدين معاك بقى.. هي السلسلة دي بمناسبة إيه؟"
زين بابتسامة حنونة: "ممكن تعتبريه عربون صلح."
روان بذكاء: "معنى كدا إنك لسه هتجيبلي حاجة كمان؟"
زين يمسح إبهامه على خدها قائلاً بحب: "أنتي اطلبي أي حاجة وأنا هنفذها."
غمغمت روان بتفكير: "اطلب أي حاجة، أي حاجة."
أومأ إليها في صمت.
نظرت إليه روان ببراءة وقالت برجاء: "عايزة أروح البحر، بقالي كتير أوي ماشوفتوش."
همس زين متظاهرًا بالدهشة: "إيه دا، هو أنا غلطت أوي كدا؟!"
روان بتحذير: "زين بطل رخامة."
ضحك زين على أسلوبها قائلاً بقلة حيلة: "ماشي يا ست روان، أوديكي البحر.. عايزة حاجة تانية؟"
قبلته على خده برقة وأردفت بدلال: "هبقى أفكر وأقولك.. حبيبي يا ناس."
حدق بها زين بتردد: "عايز أقولك حاجة بس من غير تزعلي."
نظرت إليه روان بقلق لتسأل: "حاجة إيه؟"
أجاب زين بجدية: "وأنا بشتريلك السلسلة قابلت ريهام."
رمشت روان، وقالت بعدم فهم: "تطلع مين ريهام دي؟"
زين بصوت أجش: "اللي حكيتلك عنها في بداية جوازنا."
صُدمت روان وتحول وجهها إلى شاحب جداً مما سيقول بعد لحظة، ثم همست بريبة: "وبعدين؟"
زين بإستغراب: "ليه خوفتي كدا؟"
خفضت عينيها عن عينيه، وتمتمت بإرتباك: "لأ، أنا ماخوفتش، كمل كلامك."
رفع زين ذقنها برفق قائلاً بحنان: "روان بصيلي، أنتي دلوقتي مراتي يعني كل حاجة في حياتي من حقك تعرفيها وتشاركيني فيها، مش كدا."
روان بخفوت: "آيوة."
استكمل زين حديثه: "أنا كنت واقف في محل الدهب ولاقيتها جاية هي وخطيبها، وسلمت عليا."
روان بفضول: "طيب قولته إيه لبعض؟"
زين ببساطة: "كلام عادي ومحدود."
ابتلعت روان بتوتر وشعرت بألم خفيف في معدتها: "وأنت حسيت بإيه لما شوفتها؟"
زين: "....."
رواية مزيج العشق الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نورهان محسن
في غرفة زين وروان
ابتلعت روان بتوتر وشعرت بألم خفيف في معدتها وسألت بتردد: وحسيت بإيه لما شوفتها؟
رد زين بصدق مليء بالعاطفة وهو ينظر في عينيها البريئة: حسيت إن ربنا راضي عني وبيحبني عشان رزقني بزوجة زيك وبحمد ربنا إنه خلاني أمر بالتجربة دي، عشان أعرف قيمتك إنتي دلوقتي وأعرف قد إيه أنا بحبك يا روان.
إلتمعت الدموع في عينيها وتهدجت نبرة صوتها من فرط تأثيرها بكلماته الجميلة: بجد يا زين؟
أومأ زين إليها قائلاً بترقب: روان عايز أعرف إنتي مسامحاني على اللي فات ولا لسه شايلة جواكي مني؟
شعر قلبها بالراحة بسبب حديثه اللطيف، لذا عادت إلى أسلوبها المشاكس مرة أخرى وتظاهرت بالتفكير: أديني شوية وقت أفكر وأرد عليك.
زين بحب: عمري كله تحت أمرك وملكي.
غمغمت روان بشرود في ملامحه التي تعشقها وتحفظها مثل اسمها: طب أنا لو حابة أعاقبك هقدر إزاي بعد كلامك الحلو وتصرفاتك دي؟ قلبي ما يطاوعنيش.
ثم وضعت يدها على ذقنه المنمقة وأستطردت بصوت هامس: زين، إنت حب طفولتي ومرهقتي وشبابي وعمري كله. عارفة إن جوازنا كان تقليدي، وصدقني ما كنتش منتظرة منك كتير بس كان عندي أمل في ربنا إنك تحس بيا وتديني فرصة، أوريك قد إيه أنا بحبك بجد. أنا مسامحاك والله.
ضمها زين بين ذراعيه قائلاً بهمس حانٍ: بحبك أوي يا روان ومش عايز غيرك، وبشكر ربنا وبحمده على إنه كرمني بإنسانة قلبها حنين وبتقدر تسامح وروحها حلوة وأجمل واحدة في عينيّ. أنا مش بحبك بس، أنا بتنفسك.
همست روان وعيناها مغمضتان داخل أحضانه الدافئة التي بالنسبة لها تمثل النعيم بحد ذاته: وأنا بعشقك يا زين أكتر من كل حاجة في الدنيا.
قبل زين جبينها بحب قائلاً بهدوء: قلبي إنتي، تعالي ننام شوية قبل ميعاد العشاء.
روان بخجل: هنام كده؟ اصبر، ألبس حاجة بس.
همس بنبرة تملّك ولفّها جيدًا في أغطية السرير بين ذراعيه: وإنتي في حضني ماتقوميش لأي سبب.
في مكان أول مرة نذهب إليه
داخل شقة في إحدى الأماكن الراقية
نادين تستلقي براحة بين ذراعي قاسم، وهي تعبث في صدره بعد عاصفة من الأفعال المحرمة.
قبل قاسم وجنتها بعمق قائلاً بابتسامة: كنت وحشاني بشكل فظيع يا حبي.
همست بغنج: إنت أكتر يا قلبي.
قاسم بلهفة: أخيراً قدرت أشوفك، ليه كنتي غايبة عني كل الفترة دي؟
نادين بتبرير: ما أنا قولتلك في التليفون، العين مفتوحة عليا جامد. من يوم ما اتجوز البيه وأنا مستحيل أعمل حاجة تخليه يشك فيا، ده أنا لما بأجي لك كده بألف كتير قبلها بالعربية، عشان أتأكد إنه مش مخلي حد ماشي ورايا.
قاسم بخبث: برافو عليكي، بحب فيكي ذكائك يا روحي.
نادين بنظرة مغرية قائلة بهمس أنثوي: ذكائي بس اللي بتحبه؟
عض على شفتيه قائلاً بوله: كل حاجة فيكي بعشقها.
نادين اعتدلت في نومها وقد أشبع غرورها بكلماته، لتقول بجدية: لازم أبقى حريصة طول الوقت وأتوقع كل حاجة. أدهم مش سهل، لو حب يعرف أنا بروح فين هيعرف.
قاسم باستفهام: طب إزاي جيتي وإنتي قلقانة كده؟
ردت نادين بخفوت: عشان سافر الصبح وهيغيب كام يوم. مافيش في القصر غير أمه وأنا بس.
نظر قاسم بجرأة إلى جسدها، وقال بشغف: يعني ينفع تباتي معايا انهاردة؟
هزت نادين رأسها وقالت برفض على الفور: لا طبعاً ماينفعش أبَات بره، هتتكشف على طول يا حبيبي. ممكن نشوف بعض كل يوم لحد مايرجع. وبعدين إنت ماقلتليش ليه خلينا نقابل هنا؟
قاسم بنبرة خبيثة لم تدركها نادين تحمل بين طياتها الكثير من المؤامرات: دي شقة واحد صاحبي، أخدت مفاتيحها منه. ما كانش ينفع نتقابل في شقتي، أختي قاعدة عندي اليومين دول وأنا ما صدقت إنك قولتي إنك جاية، كان لازم أتصرف بسرعة.
استندت عليه وهي تقبل شفتيه بخفة، قائلة بدلع أنثوي: بحبك.
ومضت عيون قاسم بشكل خبيث وهو يرفع الغطاء عليهما: وأنا بموت فيكي.
مساءً في منزل الحج عبدالرحمن
يجلس الجميع حول المائدة، ويأكلون العشاء في أجواء مليئة بالسعادة والسرور.
حياة بتساؤل: فين مامتك يا كارمن؟
كارمن بهدوء: طلعت أشوفها من شوية، لقيتها نايمة. محبتش أزعجها، أكيد تعبانة من مشوار السفر.
حياة ببشاشة: ماشي حبيبتي، أنا هبقى أطلع أطمّن عليها، يمكن تصحى وتجوع بليل.
الحج عبد الرحمن بحنان: كلي يا بنتي، إنتي مكسوفة ولا إيه؟
كارمن برقة: لا يا جدي، والله بأكل أهو.
حياة بتأنيب: قولي لها يا أدهم يا ولدي، تتغذى كويس. إنتي نحيفة أوي يا حبيبتي.
ابتسم أدهم بمكر: أصلها خايفة جسمها يتخن وأبص برا.
ضحكوا جميعًا، لكنها نظرت إليه بتوعد.
بدر بهدوء: لالا، أدهم ولد أصول، ما يعملش كده.
تحدث أدهم برزانة: تسلم يا رب، من أصلك الطيب.
الحج عبد الرحمن بابتسامة: الحمد لله، أنا دلوقتي مطمن إني هسيبك في عصمة راجل جدع ومعادنه أصيل.
ابتسم أدهم باحترام: الله يخليك ويبارك في عمرك يا جدي.
كارمن: ربنا يديك طولة العمر يا جدو.
الحج عبد الرحمن: تسلم يا ولدي وتعيش يا قلب جدو.
صرخت روان مصدومة: خيانة! إنت بتتغزل في واحدة غيري يا جدي؟ دي آخرتها!
انفجر الجميع ضاحكين على تلك الفتاة المجنونة التي دلفت مثل صاروخ إلى غرفة الطعام مع زوجها.
حنان بتوبيخ: يا بنتي اعقلي، إيه اللي بتقوليه ده؟
نظر زين إلى السقف مغمغمًا بمزاح: مفيش فايدة، قدري يا ربي ورضيت به.
روان بهمس متواعد: قدرك ماشي، خليك فاكرها.
أشار بدر إليها وقال: تعالي سلمي يا روان على بنت عمك.
نهضت كارمن مبتسمة، وانتظرت روان التي وقفت أمامها وهتفت بإعجاب: إيه العيون الزرقا القمر دي؟ ما شاء الله، إنتي حلوة أوي. أنا روان.
اتسعت ابتسامة كارمن لتلك المرحة ذات القامة الطويلة عنها قليلاً، ثم رفعت وجهها إليها لتقبيل خديها قائلة بحبور: إنتي أحلى حبيبتي، تسلمي. ما أنا عارفة، بسمع عنك من وقت ما جيت وكان نفسي أشوفك.
دعتهم حياة قائلة بهدوء: لا سلام على طعام، اقعدوا يا ولاد يلا عشان تكملوا أكل وبعدين اتكلموا زي ما أنتم عايزين.
وهكذا مر اليوم بسعادة غامرة في القلوب وراحة طغت على مشاعر الجميع، بعدما كانت بدايته مليئة بالفوضى والقلق والحزن والشجار.
كانت تمشي حافية القدمين على شاطئ البحر الذي تحبه كثيرًا، وتفكر بعقل شارد، لكن شيئًا ما لفت انتباهها جعل عينيها تتسعان بدهشة، وهي تراه على بعد أمتار قليلة منها.
يجلس عمر على الرمال، وكالعادة التي يحب فعلها دائمًا يرسم على الرمال.
لم تصدق أنه موجود أمام عينيها، وكانت تخشى أن يكون مجرد طيف وسيختفي، فركضت إليه وصرخت باسمه. وعندما وصلت إليه كان يحدق بها، فوقفت تلهث في مكانها من الركض.
عمر بابتسامته العذبة: قربي، ما تخافيش يا كارمن، اقعدي جنبي.
جلست كارمن على الرمال بجانبه، تاركة مسافة بينهما، مضطربة قليلاً من آثار المفاجأة، ثم همست بصدق: وحشتني وكان نفسي أشوفك يا عمر.
عمر بمحبة: وإنتو كمان كلكوا وحشتوني، وملك وحشتني أوي.
كارمن بابتسامة: طمنّي عليك.
قال عمر بتنهيدة وهو ينظر إلى البحر: أنا كويس أوي ومبسوط، بس ناقصني وجودكم معايا. لكن أنا مطمئن عشان إنتي مش لوحدك دلوقتي ومابقتيش خايفة زي الأول.
نظرت كارمن إليه قائلة باستفهام: ليه عملت كده يا عمر؟ ليه؟
قال عمر بنبرة حزينة يكتنفها الغموض: بكرة هتعرفي. بس إنتي حبيتي أدهم؟ مش هنكر إن ده بيوجعني، بس هتكون أنانية مني لو هنبسط بوحدتك سنين عمرك الجاية وإنتي عايشة على ذكرى زوج ميت، كنتي متعودة على وجوده في حياتك، بس محبتهوش.
خفضت عينيها وقالت بدموع: سامحني يا عمر لو خذلتك، بس ده مش بإيدي. حاولت أمنع نفسي، بس أنا ما قدرتش ما أحبوش.
عمر بابتسامة حنونة: إنتي ما حبيتيش غيره يا كارمن، وأنا مرتاح إن أدهم معاكم. هو هيعرف يحميكم أحسن مني ومن أي حد. أهم حاجة بنتي، خدي بالك منها واحكي لها عني وفكريها بيا دايماً.
ثم قال مردفًا: خدي حذرك من الثعابين اللي بدأت تخرج من جحورها ومش ناوية إلا على كل شر ليكم.
لم تستطع فهم ما قاله لها، ثم بعد برهة رأت عمر فجأة يختفي من أمامها، ولم يعد له أثر.
في غمضة عين، وجدت نفسها في مكان مختلف تمامًا.
تقف في وسط حديقة واسعة جدًا مليئة بالنباتات الخضراء والورود الملونة والأشجار، ثم رأت أدهم وملك يضحكان ويلتفان حولها وهما يلعبان بمرح.
لم تستطع أن تكتم ضحكتها على منظرهما معًا، لكن ابتسامتها اختفت عندما رأت الورود والنبات الأخضر يذبل، وظهرت العديد من الثعابين من الأرض ملتفة حول أقدامهم.
***
فزعت من نومها وهي تطلق صرخة تشق حلقها، لكنها كتمتها بسرعة حتى لا تقلق الصغيرة وزوجها النائمين بجوارها.
جلست متكئة على مرفقيها وتلهث بشدة وتصبب وجهها عرقًا، تتذكر أحداث ذلك الحلم الذي تحول إلى كابوس مروع هشّم قلبها.
نظرت إلى ملك تلقائيًا، ثم انحنت وقبلت يدها الصغيرة حنان، ودموعها تنهمر على خديها في خوف.
ضمتها إلى صدرها وهي تغطيها جيدًا، وأمسكت بيد أدهم الغافي بهدوء وهي ترتجف، ثم رددت بصمت بعض الآيات القرآنية لطمأنة روحها وحاولت العودة للنوم مرة أخرى، لأن الوقت كان لا يزال مبكرًا.
***
صباح يوم جديد
في غرفة زين وروان
كانت روان تململ في نومها، وهي تمسح بأناملها على خدها، ثم بعد برهة تعود مرة أخرى منزعجة من تلك اللمسات الخفيفة التي تمشي على وجهها.
غمغمت روان مستاءة، وهي تفتح جفنيها بتكاسل ونعاس، لاستكشاف ذلك الشيء المزعج الذي يؤرق نومها الهادئ.
اصطدمت عيناها البندقية مباشرة مع عسليته اللامعة، التي كانت تحدق بها بحب، وابتسامة احتلت فمه حيث تمكن من إيقاظها أخيرًا.
قبل زين وجنتها الناعمة، وقال بصوته الأجش: صباحية مباركة يا عروستي.
لانت تعبيرات وجهها بابتسامة خجولة، ثم همست ببحة مغرية من آثار النوم أرهقت قلبه كثيرًا: الله يباركلي فيك يا قلب العروسة وروحها.
دفن زين رأسه في تجاويف رقبتها، يستنشق شذاها الطيب، يهمس بأنفاس ساخنة تلفح عنقها: اااااخ من دلعك اللي هيكون سبب رئيسي في إن قلبي يقف نبضه.
حاولت روان النهوض قائلة بارتعاب: يا ساتر يارب بعد الشر عليك.. إيه الكلام الفظيع اللي بتقوله على الصبح ده؟
وضع زين إصبعه على فمها وقال في نفس الهمس المثير: اسكتي ماتبوظيش اللحظة الرومانسية دي وبعدين في حل واحد يرجع قلبي يشتغل تاني.
ضحكت روان متمتمة بخفوت: وإيه هو بقى يا دكتور؟
حدق في شفتيها الشهية بنظرة غامضة، ثم اقترب فجأة وسرق منها قبلة خاطفة، ثم عاد يحدق في ملامحها بحب قائلاً بصوت مبحوح: كدا قلبي رجع يدق من تاني.
احمر خديها أكثر، قائلة بتلعثم: وسع بقى.. عايزة آخد دوش وأنزل أشوف بنت عمي.. مش هروح الجامعة النهاردة عشان مالحقتش أقعد معاها امبارح.
ضحك زين متمتمًا في سخط: أنا بدأت أغار منها هي هتاخدك مني من أولها كدا.
أمسكت وجهه بين راحة يدها الصغيرة قائلة بدلال ممزوج بالحنان، وهي تلامس طرف أنفه بأنفها: يا قلبي هي شوية وهترجع بيتها وهفضل ليك لوحدك خالص.
زين بابتسامة جانبية: بتثبتيني يا لمضة ماشي يلا قومي.
***
في الأسفل
بعد أن تناولوا الفطور، وقاموا من على طاولة الطعام، حاولت كارمن الإمساك بالأطباق لمساعدة عمتها، لكن حياة صاحت عليها قائلة: سيبي يا حبيبتي اللي في إيدك ما يصحش.
كارمن بضحكة صغيرة: عادي يا عمتو بساعدك.
حياة باستفهام: طيب يا قلبي.. أمك فين دي من امبارح ما أكلتش لما طلعتلها لقيت صنية الأكل كيف ما هي.
كارمن بحيرة: والله ما أعرف إيه اللي جرالها حاولت معاها من شوية عشان تنزل تفطر كمان بس مش قادرة.
حياة ببشاشة: خلاص يا حبيبتي أنا هحضرلها فطار وأخليها تاكله من إيدي.
كارمن بابتسامة: تسلمي يا عمتي تعبينك معانا.
حياة بود: تعبكم راحة يا ست البنات معرفش فين البت روان اتأخرت في النزول ليه هي كمان!!
***
صعدت كارمن إلى الطابق العلوي، راغبة في معرفة ما حدث لوالدتها، فعندما ذهبت إليها قبل الإفطار، كان أدهم معها فلم تفهم منها شيئًا.
وجدت شخصًا ظهر في وجهها دون سابق إنذار.
...: قفشتك.
أطلقت كارمن صرخة الذعر مما حدث قائلة بخوف: خضتيني يا روان اخس عليكي.
روان بشقاوة: سلامته الجميل من الخضة.
كارمن بخفوت: بكاشة أوي.
ضحكت روان بخفة لتقول بمرح: بنت حلال كنت لسه بدور عليكي عشان استفرد بيكي ونرغي شوية.
راقت الفكرة لكارمن التي قالت بابتسامة: ومالو نرغي تعالي نقعد في أوضتي.
روان بفرح: يلا بينا.
***
في المطبخ
دخلت حنان المطبخ ورأت حياة منشغلة بما في يديها، كانت حياة تدير ظهرها نحوها ولم تراها تدخل.
سعلت حنان قليلاً لكي تلفت انتباهها قائلة بهدوء: انتي لسه واخدة على خاطرك مني يا حياة.
لاحظتها حياة لكنها تجاهلتها ولم ترد عليها.
اقتربت منها حنان وربتت على كتفها بلطف، وقالت بضيق: خلاص ياستي ماتزعليش مني كانت ساعة شيطان وراحت لحالها.
نظرت إليها حياة بنظرة عابرة قائلة بهدوء: دايما بقول عنك عاقلة.. معرفش إنك كبرتي وعقلك خف منك يا حنان.
فركت حنان يديها بتوتر، وبررت بنبرة خافتة: بصراحة ما قدرتش أمسك نفسي لما شفت جمالها.. مش بإيدي انتي عارفة بحب أخوكي وهفضل دايما أغار عليه.
ضحكت حياة بسخرية وهتفت: اطمني يا أختي الست فوق راقدة متسطحة وتعبانة عينك جابتها الأرض.
خبطت حنان على صدرها، وهي تشهق هلعًا، وعيناها كادت أن تبرز من مقل عينيها وقالت بفزع: يا خرابي انتي بتكلمي بجد مالها الولية.
حياة بحزن: من ساعة ما كانت مع أبوي معرفش إيه اللي جرالها شكلها اتأثرت بالكلام عن محمد الله يرحمه.
شعرت حنان بالخجل من نفسها قائلة بندم: واضح كدا إنها كانت بتحبه أوي وإني ظلمتها بظنوني.. الله يسامحني شكلي حسدتها فعلاً.
ثم اردفت بفضول: انتي بتعملي إيه؟
حياة باختصار: زي ما انتي شايفة أكل خفيف ليها الست ما أكلتش حاجة من امبارح.
ذهبت حنان إلى الصينية التي عليها الطعام وشرعت في حملها: طيب سيبيه وأنا هطلعهالها.
حياة بشك: حنان.
حنان بهدوء: والله ما فيش في قلبي حاجة ناحيتها يا حياة خلاص بقى كفاياكي عاد.. عايزة أعتذرلها عن تكشيرتي في وشها امبارح وأطمن عليها وأفتح معاها صفحة جديدة.
تنهدت حياة بابتسامة: أيوة كدا دي حنان خيتي أم قلب أبيض ونظيف.. ماشي خدي الأكل طلعي أوضتها ويبقى كتر خيرك لو اتأكدتي إنها أكلته.
***
في غرفة كارمن
روان تجلس على السرير مربعة قدميها وأمامها كارمن وهما يتحدثان.
روان بتنهيدة عالية: بس يا ستي وهي دي بقى قصة حياتي.
كارمن بدهشة: حكايتك غريبة جدًا.
روان بعبوس: مش أغرب من حكايتك يا مفترية بهدلتي الراجل.. إيه الجبروت ده.
كارمن بضحكة حلوة: هو الأغرب من أي حاجة إني وإنتي اتجوزنا في نفس اليوم.
مدت روان شفتيها إلى الأمام في استياء: ماتفكرنيش باليوم ده والنبي يا أختي.
كارمن باستفهام: انتي مش دلوقتي مبسوطة معاه والأمور معاكو تمام.
هزت روان رأسها ثم غمزت بمكر: أيوه الحمدلله.. بس انتي باين عليكي بتحبي أدهم.
بهت وجه كارمن بشدة، وهي تتذكر تلك الجملة التي قالها لها عمر في حلمها بالأمس.
***
عند حنان
صعدت بصينية الطعام إلى غرفة مريم، ثم طرقت الباب بلطف وانتظرت برهة حتى سمعت نداء مريم من الداخل، وتسمح لها بالدخول.
حنان بابتسامة ودودة: أخبارك إيه دلوقتي يا ست مريم!
ردت مريم بابتسامة نقية أيضًا: الحمدلله تسلمي حبيبتي وما فيش داعي لست مريم ناديني مريم على طول.
تقدمت حنان من الفراش قائلة ببشاشة: ماشي أنا جبتلك لقمة تسندك.. حسيت إنك ما أكلتيش كويس من امبارح.
مريم بحرج: ليه تعبتي نفسك كتر خيرك.
حنان بطيبة: دا الواجب وإحنا أهل.
مريم بلطف: عارفة فعلاً حسيت إنكم أهلي من وقت ما جيت هنا.. من زمان أوي كان نفسي أكون وسطكم مع محمد الله يرحمه.
ثم تنهدت بحزن: بس للأسف راح قبل ما تتحقق أمنيته إنه يتجمع معاكم من جديد.
احمر وجه حنان وهي منزعجة من نفسها بسبب سوء ظنها في تلك المخلوقة الطيبة، قائلة بإحراج: حقك عليا يا مريم لو عاملتك في الأول بجفاف شوية.. ربنا يبعد عنا الشيطان ويحمينا من الوساوس.
مريم بسماحة نفس: آمين يارب.. أنا على فكرة فهمت نظراتك ليا يا حنان..
لكن أنا عذراكي ومش زعلانة منك، باين إنك طيبة ومش بتشيلي جوا قلبك.
شعرت حنان براحة كبيرة، كأن ثقل جبل قد أُزيل عن صدرها.
"تسلميلي يا خيتي، وعايزاكي من هنا ورايح تعرفي إني أختك، وأي حاجة هتعوزيها اطلبيها مني، وعيني ليكي."
عند روان وكارمن.
روان بإستغراب: "مالك وشك أصفر ليه كدا؟"
كارمن بإضطراب: "مفيش، بس حلمت بحاجة قلقاني شوية."
تسألت روان بإستفهام: "حلمتي بإيه؟"
حدقت بها بتردد، ثم بدأت تخبرها بكل ما رأته في حلمها المزعج.
في ذلك الوقت.
صعد أدهم من الأسفل وعلى كتفه ملك التي كانت نائمة ببراءة، وكان ينوي الذهاب إلى غرفتهما لتنام براحة على السرير دون أن يقلقها أي شيء.
رفع يده الأخرى ليفتح باب الغرفة، لكن ذراعه تسمرت في الهواء، وهو يقف مكانه بعيون واسعة بصدمة ويستمع لما قالته كارمن.
في الداخل.
اردفت كارمن بحزن: "خايفة إن اللي حصل ده معناه إن عمر مش راضي عني وزعلان مني، وبيلومني إني قربت من أدهم، وده محسسني بالذنب ناحية عمر أكتر."
عند أدهم.
أصبح وجه أدهم محتقناً جداً، ثم عاد إلى الوراء بصلابة حيث لم يعد يحتمل سماع المزيد، ثم مشى مسرعاً متجهًا نحو غرفة مريم ليعطيها الصغيرة.
في الداخل.
روان بإستنكار: "إيه الهبل اللي بتقوليه ده يا بنتي؟ مش لسه قايلة إنه قالك في الحلم إنه مرتاح إنك في أمان مع أدهم؟"
كارمن: "أيوه."
روان بتفكير: "الثعابين في الحلم معناها غدر وخيانة وعداوة، يعني في جوا العيلة حد بيتمنالك الشر والأذى."
كارمن بحيرة: "حد زي مين؟"
روان بتأكيد: "أكيد مش من عيلتنا، إنتي شايفة إننا كلنا بنحبك، ممكن يكون من عيلة جوزك."
كارمن: "مفيش حد غير ماما ليلى، وهي بتعتبرني بنتها."
روان: "لأ يا نبيهة، في.. مرات جوزك اللي حكيتيلي عليها، باين عليها حرباية من غير شك، هي بتكرهك."
كارمن بخوف: "ربنا يستر، أنا عمري ما اطمنت لها."
ربت روان على ركبتها قائلة بلطف: "خدي حذرك منها، أنا قلبي بيقولي إنها بتحاول تأذيكي."
كارمن: "حاضر."
روان بغمزة: "نرجع لكلامنا بقى، إنتي حبيتي أدهم بجد مش كدا؟"
أومأت إليها مؤكدة في صمت خجول.
عند أدهم.
خرج أدهم من غرفة مريم وسار في الممر الضيق، فرك يديه ببعض التوتر، وشعر أنه بحاجة إلى الهواء في أسرع وقت ممكن، وكان يكاد يختنق في كل مرة ترددت فيها كلماتها في أذنه.
....: "أهلاً يا أبو الشباب."
ظهر شبح الابتسامة على شفتيه: "أهلاً يا ماجد."
ماجد ببشاشة: "جدي تحت كان بيسأل عنك، كل رجالة العيلة تحت وعايزين يتعرفوا بيك."
على الرغم من أنه لم يكن في حالة مزاجية جيدة للسماح له بالجلوس مع أي شخص.
لكن كالعادة، اكتسى وجهه الجمود الذي لا يجعل أي شخص يتنبأ بما سيفكر فيه هذا الصلب، وكأن شيئًا لم يحدث.
قال أدهم وهو يأخذ نفسًا عميقًا ويحاول السيطرة على هدوئه: "تمام، يلا ننزلهم."
ماجد بإبتسامة: "يلا يا معلم."
عند روان وكارمن.
روان بإستفهام: "بس إزاي اتقبلتي وجود ست تانية على ذمته؟ أنا عن نفسي ما أقدرش استحمل كدا أبداً أبداً."
تنهدت كارمن قائلة بهدوء: "الظروف بتحكم، وفي الأول مكنتش بهتم أصلاً بيها."
ثم ارتفعت نبرة صوتها تلقائياً، وأردفت: "بس من وقت ما قلبي بدأ يدق له وأنا حاسة إن جوايا غلاية مش بتنطفي، كل ما بتخيل إنه ممكن يقرب منها في أي وقت."
انفلت جسد روان برعب من صياحها المفاجئ، وقالت بحذر: "اهدّي يا ست الغلاية، إنتي هتفوري في وشي أنا ولا إيه؟"
قهقهة كارمن بشدة على أسلوبها المرح، وتعبيرات وجهها وحركاتها المضحكة.
جاء المساء دون حدوث أشياء مهمة.
دخلت كارمن غرفة والدتها قائلة بابتسامة رائعة: "مساء الخير يا ماما، عاملة إيه؟"
مريم بحنان: "مساء النور، أنا كويسة يا قلبي."
جلست على السرير بجانبها وقالت بحيرة: "في إيه يا ماما؟ إنتي منزلتيش إلا مرتين بس تحت، وباقي الوقت جوا أوضتك؟"
اردفت بقلق: "حصل حاجة بينك وبين جدي؟ قالك حاجة زعلتك؟ وشك مخطوف من لما كنتي عنده، احكيلي عشان خاطري."
تحدثت مريم بابتسامة هادئة لطمأنتها: "بالعكس، جدك طيب جداً، اليوم اللي قعدنا مع بعض فيه.. فضلنا نتكلم لحد قبل العشاء عني وعن أبوكي وعن أختي الله يرحمهم."
كارمن: "الله يرحمهم.. ماما إنتي ليه مش بتحبي تحكيلي عنها؟"
مريم بتنهيدة حزينة: "الكلام ساعات بيوجع يا كارمن، وبيفتح جروح كتير مالهاش علاج.. يمكن عشان حكيت مع جدك عنها نفسيتي تعبت شوية."
كارمن بخوف: "بعد الشر عنك، خلاص ارتاحي وبلاش تكلمي لو ده هيتعبك."
ربت مريم على كفها الناعم قائلة بحنان: "لأ يا روحي، إنتي لازم تعرفي كمان طالما حكيت لجدك."
كارمن بتوجس: "ماشي."
نطقت مريم بتحشرج وعيناها تتألق بالعبرات، فهي حتى الآن لم تشفِ جروح قلبها من حزنها على شقيقتها الوحيدة: "....."
رواية مزيج العشق الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نورهان محسن
في منزل الحج عبدالرحمن
على وجه التحديد في غرفة مريم التي ما زالت تستكمل حديثها
نطقت مريم بتحشرج وعيناها تتألق بالعبرات، فهي حتى الآن لم تشف جروح قلبها من حزنها على شقيقتها الوحيدة: الكلام ده حصل قبل ما تتولدي بأكتر من عشر سنين.. أبوكي اتجوزني بعد موتهم بأسبوع، ماكنش عايزني أبقى لوحدي رغم كل الظروف والمشاكل مع أبوه.
أضافت بصوت مخنوق بالعبرات: كلهم راحوا مرة واحدة بدون أي إنذار، هي وجوزها والواد والبنت، محدش عاش منهم.
سألت كارمن بتأثير: ماتوا إزاي؟
مريم بتفسير: كنت لسه صغيرة لما اتجوزوا.. هو اتعرف عليها عن طريق شغله.. وكانت هي صحفية عنيدة ومابيهمش حد، وهو صاحب شركة أدوية. أهله كانوا ناس أغنياء وعندهم فلوس كتير، وهو كان وحيدهم.. المشكلة بينهم بدأت لما كتبت مقال عن سمعة الشركة بتاعتهم. جننها، عملها مشاكل مع الجريدة اللي بتشتغل فيها، تقريبًا اتقفلت خالص. والله ما فاكرة، بس كان عنده حق، لأن بعد كده عرفت إن المعلومات اللي وصلتها كانت مزيفة وناس كانوا قاصدين يعملوا فيه الحركة دي.
أومأت كارمن برأسها، وحثتها على الاستمرار: وبعدين؟
مريم بابتسامة صغيرة من عيني كارمن المتلألئة بالفضول: حصل بينهم زي ما بيقول المثل، ما محبة إلا بعد عداوة.. طلبها للجواز، هي شرطت عليه أعيش معاهم.. لأننا مالناش إلا بعض، كنا أنا وهي لوحدنا في الدنيا.. اتجوزها وعشنا كلنا مع بعض.. كنت بعتبره أخويا الكبير وعوضنا عن دفء الأسرة اللي اتحرمنا منه.
كارمن بتساؤل: كان اسمه إيه يا ماما؟
لفظت مريم الاسم بشكل عفوي كما لو كان محفورًا في ذاكرتها: أحمد راشد.. عدت سنين كتير، أنا كبرت ودخلت الجامعة، وهما خلفوا ولد وبنت اسمهم يحيى ومريم.
ثم أردفت: قبل الحادثة بفترة، أبوكي طلبني من أحمد، وهو رحب بالموضوع لما لقاني بحبه.. بس كانت معارضة أبوه هي العقبة الوحيدة.
واصلت حديثها بدموع: في يوم الحادثة، أنا كنت مع أبوكي، أخدني وروحنا إسكندرية قضينا اليوم كله هناك.. لما رجعت البيت، لقيت المساعد الخاص لأحمد بيبلغني إن عربيتهم اتقلبت واتحرقوا جواها.. محدش عاش منهم. وزي ما حصل معاكي، وقعت واتحجزت في المستشفى، ما لحقتش الدفن ولا قدرت أودعهم لآخر مرة.
احتضنتها كارمن بسرعة قائلة وهي تبكي: كفاية يا ماما، خلاص كده كتير عليكي.
مريم بتحشرج: هالة وحشتني والولاد، كنت بحبهم أوي.. لولا وقوف أبوكي جنبي، كنت متت لوحدي. رغم معارضة أبوه، اتجوزني وساندني في وقت احتياجي له.. أنا مسامحة جدك يا كارمن، وأنتي كمان لازم تسامحي من قلبك. الفراق صعب أوي يا بنتي.. مفيش حاجة تستاهل الزعل، كلنا رايحين. سامحي جدك وحافظي على بيتك وجوزك.
خرجت من بين ذراعي والدتها قائلة بإنصياع: ماشي يا ماما، حاضر.
مريم بحنو: اتكلمي مع جدك، هو كمان من وقت ما عرف، وهو حزنه زاد على ظلمه لأبوكي.. اقعدي معاه وصفي أي حاجة في قلبك ناحيته.
كارمن بهدوء: تمام، اللي انتي عايزاه هعمله.. ممكن ترتاحي لو سمحتي.
مريم بإنزعاج: ماشي، بس فين ملك؟ انتوا بقالكم يومين واخدينها مني، مش عارفة أنام من غيرها.
ابتسمت كارمن، لتقول بلطف وهي تمسح دموعها: هروح أجيبها لك يا ست الكل.
عند كارمن
دخلت غرفة نومها بعقل شارد فيما أخبرتها به والدتها عن أختها وأولادها. نفضت كل الأفكار عن رأسها بعد أن أغلقت الباب خلفها واستدارت ظننا منها أن أدهم كان جالسًا في انتظارها، بعد أن أخذت الطفلة منه منذ دقائق لتعطيها لوالدتها، وطلبت منه انتظار عودتها إليه.
تفاجأت كارمن برقد أدهم على السرير، يدير ظهره لها، وبدا أنه نام من الإضاءة الخافتة للغرفة. همست بدهشة: معقولة لحق ينام؟
لا تعلم لماذا شعرت بالغضب والإحباط. ربما لأنها أرادت أن تخبره عن كل ما حدث لها منذ بداية اليوم، وحلمها المزعج، وكلام والدتها، حتى تستريح قليلاً من التوتر العصبي الذي أصابها.
أردفت بتنهيدة: خلاص مش مشكلة، نأجل الكلام للصبح. أكيد تعبان ونام غصب عنه.
ذهبت إلى الخزانة، وسحبت ثوب النوم، ودخلت الحمام الملحق بالغرفة.
بعد قليل خرجت من الحمام، وسبقتها رائحة عطرها المميز، ثم سارت بخفة إلى السرير، واستلقت بجانب زوجها مدثرة نفسها في البطانية.
وضعت يديها تحت وجهها، وظلت تنظر إلى ظهر أدهم. وبعد قليل غفت.
فتح أدهم جفنيه عندما شعر بانتظام أنفاسها خلفه، وقلب جسده نحوها معانقًا خصرها إليه. ثم رفع أصابعه برفق، وأبعد خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها، وظل يحدق في ملامحها الناعمة.
لم يستطع النوم بسبب الفكر الذي يؤرقه كثيرًا، وبقي على هذا الوضع مدة طويلة حتى تغلب عليه سلطان النوم.
صباح يوم جديد
في غرفة زين وروان
استيقظت روان منزعجة من صوت المنبه المزعج. كم تكره هذا الصوت لأنه يخرجها من أحلامها الوردية.
غمست رأسها أكثر في صدر زوجها الذي كان نائمًا بجانبها، لتمنع أشعة الشمس التي تضيء الغرفة من الوصول إلى عينيها.
فتحت روان عينيها ببطء وتكاسل، وأخذت تتأوه بضجر من ذلك المزعج الذي لا يريد التوقف.
تثاءبت قائلة لنفسها بغضب، وهي تمد يديها إليه لكي تغلقه: خلاص اسكت، ده أنت زنان ولحوح أوووي.
انحنت بالنصف الجزء العلوي من جسدها على جسد زين النائم، قائلة ببحة خافتة من آثار النوم: زين اصحي يا قلبي.
زفرت روان بتمتمة: يالهوي عليك يا زين وعلى نوم أمك التقيل ده.. يا زين.. يا زينووو.. قوم وراك شغل.
أردفت بابتسامة لعوبة على فمها: مفيش مفر، أنت اللي اضطرتني لكده.
أخذت نفسًا طويلًا استعدادًا لما ستفعله، وكانت على وشك الصراخ، لكنها وجدت يدًا فوق فمها، ولم يستطع صوتها الهروب من حلقها.
رفع زين جسده قليلًا تجاهها، وقال بهسيس خبيث بجوار أذنها: أيّاكِ تفكري تكرريها وتصرخي في وداني يا مجنونة.
سقط قلبها في قدميها ونظرت إليه بعيون واسعة مندهشة، وهو يخفض يده من على فمها، لتقول بصدمة: هو أنت صحيت من إمتى!!
زين ببرود: من يالهوي عليك وعلى نوم أمك التقيل.
حاولت روان أن تتكلم لكن انعقد لسانها، فخرجت الكلمات غير مترابطة: يا خبر.. احم.. أنا مكنش قصدي أنا..
حاولت التحرك لتهرب من جنبه، لكن يده كانت أسرع منها وسحبها إليه بابتسامة خبيثة ظهرت على شفتيه، فأصبحت ممددة على صدره ووجهه منغمسا في بشرة رقبتها الناعمة، لتسمعه يهمس بصوت أجش: صباح الخير.
نظرت روان إليه باسمة الثغر ببلاهة، لتقول بصوت مبحوح: صباح الفل.
زين بعبوس: إيه الصباح الناشف بتاعك ده.
قبلته بجانب شفتيه بعفوية لتسأل: كده لسه ناشف؟
زين بنصف عين: أيوه لسه.
روان بتذمر طفولي: إيه ده، أنت بتدلع يلا قوم عشان تلحق تنزل على شغلك.
عانق خصرها أكثر، وقال بنفس الهمس الأجش: وإنتي هتروحي الجامعة ولا هتعملي عبيطة زي امبارح؟
طبعت قبلة خاطفة على خده، قائلة بابتسامة حمقاء: هعمل عبيطة طبعًا.
زين بجدية: معرفش ليه حاسس إنك بتهربي من مرورك الجامعة يا روان.
زاغت عيناها، وتلعثمت في الرد: لا خالص.. أنا ههرب ليه؟
حرك ذقنها لتواجهه مباشرة وغمغم بإصرار: قولي الحقيقة.
لم تستطع أن تتجادل معه أكثر، وهو لن يتركها دون أن يحصل على إجابة. قائلة بتردد: بصراحة خايفة أروح وتحصل مشكلة بينا، وأنا ما صدقت إننا مبسوطين.
أغمض أدهم عينيه متضايقًا من نفسه، ثم هتف بتساؤل: إنتي لسه بتفكري إني مابثقش فيكي، مش كده؟
أدارت عينيها ولم تجيب على سؤاله.
تنهد زين وهو يرفع وجهها بأصابعه قائلا بهدوء: ارفعي وشك هنا، دي آخر مرة هقول الكلام ده.. أنا بحبك يا روان ومتأكد من حبك ليا زي ما أنا متأكد من نفسي..
حدقت في عينيه عندما بدأ يداعب بشرتها الناعمة بإبهامه مردفًا: انسي كل حاجة فاتت.. تصرفي كان من غيرتي عليكي.. عارف إنها صعبة شويتين بس استحمليني.
استأنف حديثه مبتسمًا بمزح: أنا زي جوزك برده.
ابتسمت متأثرة بكلماته، حيث شعرت بأنها تستوطن قلبه حقًا. ثم قالت متظاهرة بالتفاجئ، وهي تزم شفتيها للأمام: يعني دي آخر مرة هتقول بحبك؟
ضحك عليها وهو يضرب رأسها بخفة، وتنهد بقلة حيلة من جنونها: هو ده اللي لفت نظرك من كل كلامي.
وضعت روان يدها على خده قائلة بحب: مش عارفة أوصفلك قد إيه كنت محتاجة أسمع منك الكلام ده.
صمتت قليلاً، ثم أردفت بدلع طفولي: بس ده ما يمنعش إني أسمع منك كلمة بحبك على طول.. من حقي كمواطنة أسمعها منك دايما.
ابتسم بمكر، ثم في لحظة قلب وضمها لتجد نفسها في غمضة عين مستلقية على السرير بينما أصبح فوقها، قائلا بهمس خطير أمام شفتيها: إيه رأيك أسمعهالك بالأفعال مش بالكلام؟
اتسعت عيناها بهلع حيث احمر خديها من الخجل عندما أدركت ما قالته، وما الذي سيفعله زين.
روان بتحذير واستعطاف: اعقل يا زين، أنت عندك شغل ومتأخر كمان.
أدار وجهه ونظر إلى الساعة المعلقة على الحائط، ثم ابتعد عنها قائلا متذمرًا: كل مرة بتفلتِ من إيدي بحجة مقنعة، ملاحظة مش كده.
هتفت بمرح وهي تنهض من جانبه: دي حظوظ بقى.
أنا غيرت وهروح الجامعة.
زين بإبتسامة: برافو يا قلبي.
نظرت إليه ببراءة قائلة بدلال: ممكن توصلني في طريقك.
زين بضحكة: من عيوني.
في قصر أدهم البارون.
تجلس ليلي في الشرفة الكبيرة وتحمل كوباً من الشاي بالنعناع كما تحب.
سبق نادين صوت رنين كعبها العالي ليحطم هدوء المكان وقالت بإستخفاف: صباح الخير يا طنط.
نظرت ليلي إليها بعين غاضبة من سخريتها متمتمة: صباح النور.
أردفت ببرود بينما كانت نادين تسير وتجلس علي المقعد الأخر أمامها: بالمناسبة أدهم ومراته راجعين انهاردة من السفر.
نادين بتعجب: بالسرعة دي غريبة ماكملوش يومين يعني.
ليلي بسخرية: أنا حبيت أعرفك قبل ما تخرجي وترجعي متأخر زي كل يوم من وقت ما سافروا.
كانت نادين متوترة من أسلوب تلك المرأة العجوز فتذمرت حتى لا تلاحظ عصبيتها: إيه يا طنط انتي عايزاني أتحبس في البيت يعني مش كفاية إني متجوزة ابنك ومش مراعيني خالص جواز بالاسم بس.
تشدق وجه ليلي بابتسامة جانبية قائلة بصرامة: احمدي ربنا يا نادين إنه مستحملك ومش عايز يطلقك لحد دلوقتي وأسلوب كلامك معايا تعدليه بلاش دور الزوجة المظلومة اللي انتي عايشة فيه دا واضح كلامي.
تمتمت نادين بحنق: واضح.
أما في الصعيد.
تحديداً في غرفة نوم أدهم وكارمن.
تململت كارمن في نومها إلى الجانب الآخر من السرير ووضعت يدها على مكان نوم أدهم لتتفاجأ أن المكان كان فارغاً.
نهضت وفتحت عينيها الزرقاوين تتثاءب بنعاس تحدق في الغرفة لتدرك أنها كانت وحيدة فيها.
مدت يدها إلى الطاولة المجاورة للسرير وأخذت هاتفها لتنظر إليه مخاطبة نفسها: أنا نمت كتير أوي كدا.. الساعة بقت 10 ونص.. أدهم شكله سبقني على تحت.. بس ما صحنيش معاه ليه دا؟
عند أدهم.
كان يسير في الأراضي الخضراء حول المنزل وقد استيقظ منذ الفجر وتسلل من جانب كارمن ثم جاء إلى هنا وحتى الآن كان يفكر فيما سيفعله ويحاول ترتيب أفكاره بهدوء وتمهل.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله وضغط على زر الاتصال.
بعد لحظات سمع صوته قائلاً بمرح: صباح الخير يا أبو الأداهيم.
أدهم بضجر: صباح النور مش وقت سخافة على الصبح يا مالك.
مالك بحيرة: في إيه يا أدهم شكلك قرفان ليه كدا؟
تنهدت أدهم قائلاً بهدوء: مفيش حاجة انت فينك.
مالك: في البيت هفطر وأروح الشركة.
أدهم: طيب لما توصل احجزلي على طيارة باريس انهاردة بليل أو بكرة بالكتير.
مالك: صبرك عليا عشان أترجم الكلام.. انت مش في الصعيد يا بني.
أدهم بملل: أيوه راجعين انهاردة هنتحرك من هنا على الظهر وبليل نوصل مصر.
مالك بدهشة: إيه اللي هيرجعكو بسرعة كدا في مشاكل ولا إيه!! ماتفهمني عدل.
أدهم بهدوء: مش ضروري تفهم بعدين هبقى أقولك.. المهم دلوقتي نفذ اللي قولته.. يلا سلام.
مالك بقلة حيلة: ماشي اللي تشوفه.. سلام.
بعد فترة وجيزة في المندرة.
الحج عبدالرحمن: إيه يا ولدي الكلام دا.. معقول تسافروا بسرعة كدا لسه مالحقناش نشبع منكم.
أدهم بإحترام: سامحني يا حج عبدالرحمن لكن عندي شغل كتير لازم أتابعه بنفسي.
أومأ الحج عبدالرحمن برزانة وتفاهم: إذا كان الموضوع شغل خلاص يا ولدي ربنا يكتبلك التوفيق ويصلح حالك.
أدهم بإبتسامة: تعيش يارب.
عند كارمن.
خرجت كارمن من الحمام على طرق الباب فذهبت لتفتح لتجد مريم تدخل وتمسك بيد ملك.
كارمن بإبتسامة رقيقة: صباح الخير يا ماما.
مريم: صباح الورد يا كوكي.
هبطت كارمن أمام ابنتها الصغيرة وهي تقبل وجنتها المكتنزة بحب: ملوكة قلبي هاتي بوسة لمامي.
مريم بهدوء: حبيبتي أنا جيت أقولك إن أدهم كلم جدك عشان عايزنا نرجع مصر انهاردة.
نهضت كارمن على قدميها قائلة بإستفهام: ليه نرجع هو كان قالي إننا ممكن نقعد أسبوع.. وبعدين هو ما قاليش بنفسه ليه؟
مريم بتبرير: يمكن زهق من القعدة هنا.. انتي عارفه طبع أدهم شغل وخروج.. حياته مختلفة خالص عن الحياة هنا يا بنتي.
ثم أردفت مجيبة على سؤالها: هو أكيد اتحرج يقولك عشان ماتزعليش منه.
كارمن بقلة حيلة: ماشي هحضر الشنط وأجهز نفسي.
مريم: لا سيبي انتي الشنط وروحي اقعدي مع جدك زي ما فهمتك امبارح بعد مانفطر كلنا سوا قبل السفر.
كارمن بضيق: حاضر هغير هدومي.
في الأسفل.
تناول الجميع وجبة الإفطار في جو هادئ.
لم يتحدث أدهم وكارمن أثناء الإفطار لكنهما تبادلا بضع كلمات بسيطة رداً على أسئلة الجميع.
بعد فترة وجيزة.
كانت كارمن تجلس على بعد مسافة صغيرة من الحاج عبدالرحمن في المندرة بناءً على طلبها رحب الجد بذلك ثم جلسوا يتحدثون بهدوء.
استرسل الحج عبدالرحمن حديثه: انتي عارفه يا كارمن يا بنتي قبل ما تيجي.. كان عندي خبر بكل حاجة عن طريقة جوازك من أدهم وعدم رضاكي عن الوضع وإنك اضطريتي لكدا عشان مافيش حد يقف في ضهرك.
حاولت كارمن أن تقاطع حديثه: جدي.
الحج عبدالرحمن: خليني أكمل كلامي وبعدين أحكي على راحتك.
كارمن بإحراج: آسفة اتفضل يا جدو.
الحج عبدالرحمن بنفس الهدوء: كنت ناوي أطلقك منه وأخليكي تعيشي تحت سقف بيت أهلك ووسط عزوتك حتى لو هو مارضيش.. لكن بعد ما شوفت قد إيه هو إنسان كويس وطيب.. كمان أمك نفسها حكتلي كل حاجة بيعملها عشانك وعشان الصغيرة فبدأت أفكر من تاني.
اختنق صوته لكنه أصر على أن يخرج ما في قلبه وامتلأت عيناه بالدموع التي بدأت تتساقط بهدوء قائلاً بندم وألم: أنا غلطت يا بنتي في حق أبوكي جيت عليه كتير من صغره.. مش عشان مابحبوش بالعكس دا ابني البكري الغالي اللي من يوم ما اتولد اعتبرته السند والعون ليا.. يمكن عشان كدا قسيت عليه من غير ما أدري.. وبعد اللي حكته ليا أمك اتأكدت إني خلفت راجل بصحيح.
تأثر قلب كارمن كثيراً بكلمات جدها ورغم عنها دموعها سقطت على خدها ولم تستطع الجلوس في مكانها فقامت وعانقته بحزن ودعم كبير.
أردف بصوت أجش وهو يربت على رأسها ويعانقها بحنان: صدقيني يا بنتي بعد ما لاقيتك يعز عليا فراقك.. لكن أنا مرتاح إنك في عصمة راجل جدع كيف أدهم هو إنسان شهم.. رغم إني عرفت إنه متجوز لكن معاملته ليكي وخوفه عليكي وعلى بنتك يغفرله أي حاجة.
صمت قليلاً ثم أخرجها من أحضانه عندما لم يتلق أي رد منها ليقول بهدوء: وما تفتكريش إني بقول كدا عشان اللي سمعته عنه وبس.. لا من كلامي معاه فهمته وعرفت قد إيه هو راجل يعتمد عليه.
هتفت كارمن بإندفاع: بجد يا جدي دا رأيك فيه؟
ابتسم على لهفتها وقال بمحبة: أيوه يا حبيبتي انتو صحيح ظروف جوازكم كانت غلط وقاسية بس قلبكم نظيفة وهتنجحوا في حياتكم مع بعض إن شاء الله.
ابتسمت كارمن من بين دموعها قائلة بسعادة حقيقية: ربنا ما يحرمنيش منك يا جدي ويخليك لينا يارب.. أنا كمان فرحانة أوي إني شوفتك وعرفتَك كنت محتاجة ليك جداً في حياتي.
بعد قليل.
قالت حنان بصعوبة وهي تعانق مريم بلطف: هتمشوا بسرعة أوي كدا مالحقناش نقعد ونتكلم زي ما اتفقنا يا مريم.
نظرت مريم إليها بإبتسامة وقالت: سامحيني يا حبيبتي مش بإيدي لكن أوعدك هنيجي تاني أنا حبيت المكان وحبيتكم أوي ربنا اللي عالم.
حنان بود: من القلب للقلب رسول يا غالية.
انضمت إليهما كارمن فاقتربت من حنان وعانقتها قائلة بهدوء: سلميلي على روان أوي يا طنط حنان وقوليلها ماتزعلش إننا مشينا وهي مش موجودة.. وأنا لما أوصل مصر هبقى على اتصال بيها عشان أطمن عليكو.
حنان: فكرتيني صحيح هتزعل جداً إنكم ما قعدتوش معانا وماشيين.. معرفش أنا وراكوا إيه لو على جوزك هو يسافر لشغله ويعاود تاني يا ألف مرحب به.
كارمن بتنهيدة: ياريت كان ينفع يا طنط أنا نفسي جداً أفضل معاكم أكتر من كدا.
بس أنا كمان بشتغل معاه وفي شغل كتير محتاجنا.
حنان: ربنا يصلح ليكوا الحال يا حبيبتي ونشوفكم على خير.
بدر بابتسامة لطيفة: مش هتسلمي على عمك يا بنتي؟
ذهبت إليه كارمن وعانقته بمحبة. بينما هو أخذ يربت على شعرها ليغمغم بحنان: هنتوحشك يا حبيبتي وقريب هتلاقينا عندك عشان نطمن عليكي.
كارمن بنبرة ناعمة: ربنا يخليك ليا يا عمو.
***
بعد ساعتين على طريق السفر.
في سيارة أدهم.
أدهم يجلس بجانبها، لكنه لا يرفع عينيه عن الحاسوب الذي يضعه في حجره ويواصل عمله. بينما كارمن أيضاً صامتة، لا تريد أن تبدأ الحديث معه. ويدور في ذهنها سؤال واحد بحيرة: إيه اللي غيره من ناحيتي كده؟ لا بيكلمني ولا معبرني كأني مش موجودة.. حتى ما كلّفش نفسه إنه يقولي ليه راجعين بسرعة كده. ماهو لو على الشغل صحيح، هو بيشتغل من مكانه ومالك بيتصرف لو في حاجة، إيه قلب حاله كده ياربي بس؟
أدهم بهدوء: مالك ساكتة من ساعة ما مشينا؟ زعلانة مش كده؟
خرجت من أفكارها على صوته وردت بهدوء أيضاً: لا عادي، مش زعلانة ولا حاجة. طالما الشغل عايزك، مفيش مشكلة.
أغلق أدهم الحاسوب ونظر إليها بتمعن، ليسأل بصوت أجش: بس أنا حاسك زعلانة من حاجة.
كارمن بخفوت: اتضايقت شوية إنك ماقولتليش بنفسك إننا راجعين النهارده.
لم يستطع أدهم مقاومة ملامسة خصلات شعرها البنية التي هبت عليها الريح، فداعبها عفوياً بأصابعه قائلاً بحنو: مرضيتش أصحيكي من نومك.
كارمن بابتسامة هادئة: تمام.
أمسك بيديها الدافئتين قائلاً بلطف، ولم يستطع تصنع البرود بعد أن شعر بضيقها: اتكلمتي مع جدك في إيه؟
بينما كانت تنظر إليه بدهشة، تتسائل في ذهنها ما الذي غير مزاجه معها دون أي سبب واضح. ثم ردت برقة: قولتله إني مش زعلانة منه وإني سامحته ووعدته إننا هنزوره تاني قريب.
وأضافت بهمس: أول ما حضنته استريحت وشميت فيه ريحة بابا، حسيت إنه قدامي من تاني، الله يرحمه.. عشان كده اتضايقت شوية وإحنا ماشيين، ماكنتش عارفة إني هتعلق بيه بسرعة كده.
أدهم بابتسامة: هخليكي تسافري تشوفيهم تاني أي وقت تحبيه.
كارمن بسعادة: بتتكلم جد؟
أومأ إليها بصمت، ثم عاود النظر إلى جهاز الحاسوب الخاص به.
***
في منزل ميرنا.
تقدمت ميرنا من باب الشقة عندما سمعت دق الجرس، ثم فتحته لتتفاجأ بقاسم يقف عند باب المنزل، ويقول بابتسامة جانبية. بينما تفحصت عيناه جسدها الرشيق في ذلك السلوبيت الجينز الذي لائم عودها تماماً: وحشتيني يا وحش.
ميرنا بفتور: أهلاً يا قاسم، ادخل.
أردفت وهي تغلق الباب بعدما دخل: خير، إيه سبب الزيارة المفاجئة دي؟
ذهب إلى الأريكة الكبيرة وجلس عليها بشكل مريح: كل حاجة اتفقنا عليها حصلت.
جلست ميرنا بالمقعد المجاور إليه قائلة بتعجب: لحقت تنفذ بالسرعة دي؟
ابتسم قاسم بمكر: اضرب على الحديد وهو ساخن يا مزة.
ميرنا: تمام أوي، هات الفلاشة.
ألقى قاسم نظرة جريئة على جسم ميرنا الجذاب: مش قبل ما تسهريني سهرة حلوة.
ردت ميرنا بضحكة ساخرة: هي نادين ما قامتش بالواجب؟
قاسم: نادين صاروخ مافيهاش كلام.. بس انتي حاجة تانية.
وضعت ميرنا إحدى قدميها فوق الأخرى أمامه قائلة بمكر أنثوي: ده عشان لحد دلوقتي ما طولتش مني حاجة.. وما ينفعش يحصل. إحنا مع بعض فيد واستفيد، أكتر من كده مفيش.
قاسم بضحكة: ماشي يا ريري، اتقلّي براحتك. بكرة هتيجي بكيفك.
أضاف باستفهام: قوليلي، ناوية على إيه؟
ميرنا ببرود: مش لازم تعرف.
رفع قاسم حاجبه قائلاً بدهشة: إزاي مش لازم أعرف؟ إحنا مش شركاء ولا إيه؟
ميرنا: أكيد.
قاسم بإلحاح: خلاص، امتى هنساوم نادين على الفيديوهات؟
ميرنا بضجر: إنت ليه مستعجل كده؟ الصبر حلو!
قاسم باستياء: أيوه، بس أنا محتاج فلوس الأيام دي.
ميرنا بسخرية: ومين سمعك؟ أنا كمان محتاجة فلوس، يمكن أكتر منك، بس لازم نصبر.
قاسم بدهشة: ومحتاجة الفلوس في إيه؟ ما انتي عندك ورث جوزك.
ميرنا: صح، بس اللي إنت ماتعرفوش إن أهل المرحوم مش ساهلين، مستكترين عليا الملاليم اللي ورثتها عنه وعاملين لي مشاكل.
قاسم: طيب ما نسرّع الأمور.
ميرنا: ومين قالك إن نادين معاها فلوس؟ إنت ناسي إنها صحبتي، كل حاجة عنها أعرفها.
قاسم بتأفف: اومال عاملين الحكايات دي كلها ليه؟
هتفت ميرنا بسأم: فتح مخك. جوزها مليونير ومعروف اسمه زي الطبل في البلد.. لما توصل الفيديوهات دي، هيبقى مستعد يدفع أي مبلغ نطلبه منه من غير ما يفكر.. مش هنحتاج نتعامل مع نادين من الأساس.. ساعتها هيدفع لنا، وقليل عليها لو طلقها بعد اللي عملته فيه، وممكن يقتلها كمان، مين عارف؟
ابتسم قاسم قائلاً بصوت خفيض، وعيناه تلمعان بخبث من إعجابه بشدة دهائها: إنتي إزاي خطيرة كده؟ ده إبليس نفسه يضرب لك تعظيم سلام.
ضحكت ميرنا بحقد: ساعتها حلال علينا الفلوس، وحلال في نادين اللي هيجرالها من جوزها المغفل.
قاسم بإلحاح: هرجع تاني وأسألك، امتى هننفذ؟
ميرنا بحنق: يوووه على زنك! مش دلوقتي، أنا عارفة بعمل إيه. كفاية أسئلة، أنا صدعت منك.
رواية مزيج العشق الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نورهان محسن
في قصر البارون
داخل جناح أدهم
خرج أدهم من الحمام، وهو يلف جسده بمنشفة كبيرة فقط، بعد أن أخذ حمامًا منعشًا من عناء السفر الطويل، ولكي يجدد نشاطه تمهيدًا لسفره الذي يفكر في كيفية إخبار كارمن بذلك الآن.
توقف مكانه، وهو يراها تدير إليه ظهرها، وتعبث في حقيبة سفره.
رفع أدهم حاجبيه متسائلًا: بتعملي إيه؟
أدارت كارمن كتفها إليه، وقالت بنبرة عادية: بطلع هدومنا من الشنط زي ما أنت شايف.
أخذ نفسًا عميقًا قبل الرد محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه أمامها: احم، لا سيبي هدومي زي ماهي في الشنطة.
رمشت كارمن بعدم استيعاب: ليه؟ مش فاهمة.
تحرك بثبات نحو غرفة الملابس، قائلًا ببرود: أنا مسافر.. بعد كام ساعة هتكون طيارتي.
وقفت هناك مصدومة، وعقلها يكافح لترجمة ما قاله منذ ثوانٍ، ثم مشت ورائه إلى غرفة الملابس، قائلة بتوتر: هتسافر لوحدك؟
تساءل أدهم بدهشة وهو يقفل زر بنطاله بعد أن لبسه: نعم؟
تنحنحت بحرج من سؤالها السخيف مصححة صيغة سؤالها: قصدي يعني هتسافر فين وهتقعد قد إيه؟
أجاب أدهم، وهو يستمر في ارتداء ملابسه بجمود: رايح باريس، في عملاء مهمين لازم أقابلهم قبل ما يبدأ الديفليه.
فركت كارمن رقبتها باضطراب، وقالت باستفهام: ضروري يعني السفر النهاردة.. إحنا لسه راجعين من مشوار متعب، كتير عليك الضغط ده.
رد أدهم بكذب دون أن ينظر إليها: ما تقلقيش عليا، أنا متعود.. وكمان هما ناس مهمة جدًا، يعني وقتهم بفلوس ومرتبطين بمواعيد كتير، وإحنا المحتاجين ليهم لأن الفائدة الأكبر هتعود علينا، فلازم أسافر بسرعة.
قطبت كارمن حاجبيها قائلة بضيق: هتغيب كتير؟
أدهم بتنهيدة: مش أقل من أسبوعين.
وأضاف بعد أن انتهى من لبسه، وتوجه نحو باب غرفة الملابس، ملاحظًا صمتها، قائلاً بهدوء وهو يقف أمامها مباشرة، ومد يده إلى ذقنها ليجعلها تنظر إليه: مكشرة ليه؟
نظرت كارمن إليه ببراءة قائلة بنعومة: مفيش حاجة.
نظر أدهم إلى داخل زرقاوتيها التي شتت كيانه بالكامل، خاصة عندما حدقت فيه بعيونها اللامعة بإطلالاتها البريئة، ثم تدحرجت عيناه على ملامحها عاقدًا حاجبيه، بينما زرقاوتيه الداكنة تموج بمشاعر مختلطة على ملامحها الجميلة، فهو يشتاق إليها منذ الآن، هامسًا بدون وعي: هتوحشيني.
أحاط أدهم رأسها بكفيه وقبل جبهتها بحنان لم يستطع قمعه، ليغمغم بصوت هادئ: خدي بالك من نفسك كويس ومن ملك.
ابتسمت كارمن بحب رغم الضيق الذي يألم قلبها، وتمتمت: وانت كمان.
رفعت أصابع قدميها، لتطبع قبلة رقيقة دافئة بجوار فكه مما ألهب مشاعره بشوق أكبر لها.
ثبت أدهم عينيه على شفتيها المرتعشتين، ثم جذبها إليه على حين غرة، مقتنصًا شفتيها في قبلة بمشاعر عديدة.
اتسعت عيناها مصدومة من فعلته لبرهة، ثم سرعان ما تلاشت الصدمة، وهي تلف ذراعيها حول رقبته.
تبادلت معه القبلات بجرأة كبيرة أثارت مفاجأتها هي نفسها، لكنها من الآن تشتاق إليه، لا تريده أن يبتعد عنها، تريد أن تحيطه بحنانها، وأن تشعر بالأمان الذي يحيطها بحضوره بجانبها.
كيف ستتحمل غيابه عنها؟ على الأقل الآن، يمكنها أن تأخذ منه جرعة صغيرة لتهدئة روحها، لعلها تستكين قليلًا، فأن عشقه سكن وجدانها، وأصبح حياتها كلها.
استمع إلى تنبيه عقله، وأنه يتوجب عليه أن يتغلب على هذا الانجراف الذي قد يجعله يلغي كل ما خطط له، ويبقى في ذلك النعيم بالقرب منها.
يريد الابتعاد، لكن كل حواسه ترفض الانصياع لأوامر عقله، مطالبة بالبقاء على هذا القرب المهلك منها، ولا تريد سواه.
كانت الدموع تنهمر من جفنيها المغلقين، وأغرقت خدها حين صفعت تلك الأفكار السيئة التي تخيفها في عقلها، وأنها لن تبقى معه في هذا الوضع أكثر من بضع ثوانٍ، ثم سيبتعد عنها.
كيف ستتحمل فراقه؟ لا تستطيع، ليس بعد أن أحبته بجنون.
شعر أدهم بتلك القطرات التي بللت وجهه، وعقد حاجبيه بحيرة وهو يفصل بين قبلتهما ويبتعد قليلًا، ناظرًا إليها بدهشة، لكن عقله ترجم تلك الدموع التي رآها تغرق وجهها بشكل خاطئ تمامًا.
حيث ظن أنها تذكرت أخاه، أو ربما لا تريده أن يكون قريبًا منها من الأساس، فلم يستطع التحدث معها أو مواجهتها، قائلًا بصوت أجش: أنا لازم أنزل أعمل شوية مكالمات من المكتب قبل السفر.
شعرت كارمن بالدوار حالما ابتعد فجأة عن جسدها، فحاولت أن تتكئ على الباب خلفها، قائلة بحة خافتة، وهي تمسح دموعها بظهر كفها: طيب، أنا هحضرلك باقي الحاجات في شنطتك.
ذهب أدهم إلى المنضدة، وتناول ساعته لكي يلبسها، قائلًا بجمود: تمام.
ابتلعت كارمن غصة تشكلت بحلقها قبل أن تتساءل بتفكير: أحط لبس تقيل؟
هتف أدهم وهو يفتح باب الغرفة ليغادر إلى الأسفل: مش كتير، الجو في الوقت ده كويس من السنة هناك.
همست كارمن بأنفاس مضطربة: حاضر.
بعد عدة أيام من سفر أدهم
في الصعيد
هتفت روان بصوت عالٍ: أيوه يا كوكي، وحشتيني، أخبارك إيه؟
قطبت كارمن بين حاجبيها من صخب صوت روان وقالت بلطف: الحمد لله يا حبيبتي، انتي عاملة إيه وجدو والجماعة كلهم إزيهم؟
وزعت روان أنظارها بين جدها وأمها الذين يجلسون أمامها وقالت على الفور: كلنا بخير الحمد لله، بيسلموا عليكي، وجدو عايز يكلمك.
همست لجدها بعيون تلمع برجاء: جدو عشان خاطري بلاش تطول.. عايزة ألحق أكلم معاها شوية.
زجرتها حنان بتأنيب: بطلي رخامة يا روان، سيبي جدك براحته، عيب كده.
قال الحاج عبد الرحمن وهو يمسك الهاتف: ماشي يا شقية، سيبي التليفون من إيدك، هيقع مني كده.
ثم قال الجد بمحبة بعد أن وضع الهاتف بجوار أذنه: الو يا نن عين جدك، اتوحشتك يا حبيبتي.
ابتسمت كارمن بسعادة وهي تستمع إلى كلماته الحنونة، حيث حياتها أصبحت أفضل بعد أن تقربت من جدها: أهلاً أهلاً يا جدو.. أنت كمان وحشتني.. طمني على صحتك، بتاخد الدواء ولا بتطنش؟
ضحك الجد قائلاً ببشاشة: لا يا بنتي، عندي هنا طقم كامل بيشرف على كل مواعيد الدواء.. دا كفاية زين لوحده لو نسيت أو راحت عليا نومة يفضل يتكلم كتير على إنه غلط.. لكن كلامه ما بفهمهوش أصلًا.
قالت كارمن بضحكة: خايفين عليك يا جدو، وده لمصلحتك.. سيبك منهم كلهم، وحياتي أنا عندك خد الدواء بانتظام.
الحاج عبد الرحمن بحنان: عيوني يا روح جدك.. سلميلي على والدتك ووصلي سلامي لجوزك وأمه كمان، وبوسي الصغيرة نيابة عني.
أردف بضحكة رجولية عالية: المخبلة روان عينيها بتطق شرار من دلعي ليكي، خدي أهي معاكي كلميها.
ضحكت كارمن على كلماته وقالت برقة: حاضر يا جدي، يوصل.
أخذت روان الهاتف عن جدها، وابعدت عنهما قليلًا، وقالت مازحة: أيوه يا كوكي، كدا عايزة تخطفي مني الراجل، حرام عليكي.
كارمن باستياء مزيف: انتي طماعة أوي يا لهوي منك، مش كفاكي جوزك.
روان بتذمر طفولي: جدو قاعد معايا على طول، بس جوزي بينزل الفجر ويرجع بالليل يا أختي.
كارمن بسخرية: احمدي ربنا، أنا بقي جوزي مسافر بقاله 4 أيام أهو ومحدش بيدلعني.
روان بضحكة عالية قائلة بمكر: ليه هو مش بيديكي جرعة حنان ورومانسية في التليفون؟
تنهدت بحزن: لا، شكله مشغول جدًا بشغله ومعندوش وقت للرومانسية.
روان باستغراب من صوت ابنة عمها الحزين: مالك يا كوكي؟ حاسة إنك مضايقة.
تطلعت كارمن إلى السقف وقالت بهدوء: أنا تمام يا حبيبتي، ماتقلقيش.. بس عندي شغل دلوقتي، لما أروح البيت هرجع أكلمك براحتي.
صمتت روان قليلًا ولم تصدق نبرتها المهزوزة، لكنها أجلت الأسئلة لوقت آخر، قائلة بقلة حيلة: ماشي يا قلبي، هستناكي، سلام.
كارمن: مع السلامة.
ظهراً في النادي
حيث تجلس نادين وميرنا.
تساءلت ميرنا، وهي ترى شرود صديقتها الغريب: إيه الأخبار؟
تنهدت نادين بسأم: من وقت ما رجعوا من السفر وأدهم سافر على باريس.. مافيش أي جديد غير إن الهانم كل يوم بتنزل الشركة مع الحرس بتوع أدهم.
ميرنا باستفهام: وتفتكري ليه ما سافرتش معاه؟
تمتمت نادين بغيظ: ما لحقتش أفهم إيه اللي حصل أصلًا في الصعيد.. بس سمعت أمه بتقول إن كارمن هانم بتجهز للديفليه اللي هتعمله شركة أدهم.. يمكن عشان كده ما سافرتش معاه.
ميرنا بابتسامة خبيثة: واو، شكل كارمن هانم هتكون سيدة أعمال مهمة الفترة الجاية.
نظرت نادين إليها نظرة حارقة وصاحت بغضب: ميرنا، أنا مش ناقصاكي.. ده كله كوم، والحصار بتاع أمه عليا كوم تاني خالص.
إلتفتت ميرنا حولها وعلي وجهها ابتسامة جامدة وهمست بزمجرة فيها: اهدي يا نادين كل مرة تفرجي علينا الناس بصريخك دا.
نادين بقهر: مش عارفه اتصرف ازاي معاهم، حاسة بخنقة بشعة بسببهم.
فجأة شعرت بصدام على الطاولة التي كانوا يجلسون عليها، فتطلعت إلى الأمام لتري بعض الأطفال يلعبون بالكرة، وقد اصطدمت بالطاولة أثناء اللعب.
صرخت عليهم نادين بغضب حاد: انت يا شاطر منك له العبو بعيد، لا اخلي أمن النادي يطلعو برا.
خاف الأطفال من صراخها المرعب وهربوا من المكان، بينما كانت ميرنا تراقب ما يحدث وهي تضحك على طريقة صديقتها المخيفة مع الأطفال.
ضحكت ميرنا بقلة حيلة: ما تهدي يا نادين، دول أطفال ذنبهم إيه تطلعي همك فيهم.. وانتي أصلا موضوعك معقد، وبعدين كنت عايزة أفهم حاجة..
عقدت نادين حاجبيها وقالت: حاجة إيه؟
ميرنا بتساؤل: انتي ليه كنتي مستعجلة في أول جوازك على الخلفة، وانتي أساسًا مابتحبيش الأطفال؟
أجابت باستخفاف: مين قال إني كنت مستعجلة، أنا حتى لو كنت خلفت، كانت هتربيه مربيات مش أنا خالص.
ثم أردفت بحنق: دي كانت فكرة بابا، منه لله بقي قبل ما يموت، ملي دماغي.. خلفي منه وهاتي له وريث عشان تضمني إنك تعيشي في العز عمرك كله.
أومأت ميرنا برأسها ساخرة: أيوه، ومات أبوكي، وبستي انتي في حيطة.
أومأت نادين وقد تجعد وجهها بعبوس، قائلة باستياء: بالظبط كده، فتحت على نفسي فتحة سودة.. كان بقالنا 10 شهور متجوزين ومفيش حمل، فضلت أزن أزن على دماغ أدهم عشان نكشف، وانتي عارفة الباقي، وبقت أكذب كذبة ورا كذبة عشان أداري على الكذبة الكبيرة.
ابتسمت ميرنا بتلاعب، وقالت بخبث: عارفة أحسن حل تعمليه إيه؟
نادين بلهفة: الحقيني به.
ميرنا بغموض: تخلصي من مراته دي تمامًا.
بعد مرور أسبوع.
في شركة البارون.
داخل مكتب كارمن، الذي كان في الماضي مكتب عمر المدير التنفيذي السابق، لكن يبدو مختلفًا تمامًا بعد التجديدات التي طرأت عليه.
أغمضت عينيها وأعادت رأسها إلى المقعد المريح، منهكة من كثرة التدقيق في الأوراق أمامها، ثم شردت في أفكارها بعيدًا.
مر الأسبوعان بسرعة، وهي تستمر في العمل بانتظام، وكل شيء يسير على ما يرام، لكنها تجد ضغطًا كبيرًا من مقدار الأعباء التي تتحمل مسؤوليتها وحدها.
ماذا عليها أن تفعل؟
يجب أن تتحمل، لأنها تريد أن تثبت جدارتها حتى يعلم أدهم مدى التزامها وجديتها في العمل.
تنهدت بعمق على ذكر أدهم الذي تفتقده بشدة، لكنها حزينة في أعماقها رغم أنها لا تظهر ذلك، لكن عدة مشاعر تأتي إليها وتزعج نومها في الليل حزينة لأنه بعيد عنها.
بعد أن تعودت على وجوده بجانبها، تفتقد مشاكسته معها، وجديته، ومداعبته، وقربه الذي يجعل قلبها يخفق مثل الطبول.
تعترف بأنها تشتاق لكل شيء يخصه، وما يحزنها كثيرًا هو بروده في الحديث معها عندما يتصل بها، فهو لا يتحدث في الهاتف لأكثر من دقيقتين، ولا يتحدث معها إلا عن أمور العمل وعن أحوال ملك.
لتنتهي المكالمة خالية من أي عواطف، رغم أنها ترغب في التعبير عن شوقها إليه، لكنها عندما تتلقى هذا الجفاء غير المبرر منه تصمت حفاظًا على كرامتها.
أطلقت تنهيدة عميقة، وهي تفتح عينيها محاولة إخراج كل هذه الأفكار من عقلها حتى تتمكن من التركيز فقط على العمل.
بعد بضع دقائق رن الهاتف اللاسلكي بجانبها حيث كانت السكرتارية تتصل بها، وأجابت بجدية: أيوه يا مها.
تحدثت مها بنبرة عملية مهذبة: أستاذة كارمن، الفريق في انتظار حضرتك في القاعة عشان ميعاد الاجتماع.
كارمن بهدوء: تمام، أنا جاية حالًا.
أغلقت المكالمة، وقامت من مقعدها، وجمعت الأوراق والأشياء التي تخصها، وأمسكت بها بإحكام في يدها، وغادرت المكتب بخطوات ثابتة.
بعد بضع ساعات من العمل.
تقف كارمن داخل غرفة فسيحة مخصصة للتصميم مع فريقها، وكانت الغرفة مميزة جدًا بزخارفها التي تتناسب مع أجواء الفساتين، وكل ما يتعلق بالأزياء والموضة.
التفتت كارمن إلى الفتاة التي تقف خلفها، وبدت وكأنها شاردة، حتى بعد أن أنهى الجميع عملهم وبدأوا في مغادرة الغرفة.
بقيت واقفة في مكانها غير منتبهة لأي شيء ولا تتحرك، تفاجأت كارمن بها وذهبت نحوها، قائلة بسؤال قلق: مالك يا نسمة؟ نسمة بكلمك.
خرجت نسمة من شرودها قائلة بإحراج، وهي ترى أن المكان كان خاليًا من الجميع: أنا آسفة، في حاجة فاتتني؟
عبست ملامح كارمن، وقالت باستغراب: انتي مش معايا خالص، عقلك فين؟
خجلت نسمة منها قليلاً، وقالت بابتسامة بسيطة: موجود والله.
ضيقت كارمن عينيها عليها، وقالت بفطنة: لا، انتي كنتي سرحانة في حاجة شغلاكي.
ثم تركت كارمن الأقلام من بين يديها، واقتربت منها واضعة راحة يدها على ظهر نسمة، لتمشي معها دون اعتراض من الأخرى، ثم جلسوا على الكنبة بجانب بعضهما البعض.
تساءلت كارمن بهدوء: مالك، احكيلي.
نسمة باضطراب: مافيش حاجة مهمة.
كارمن بإصرار: لا، أكيد مهمة عندك طالما مشغول بالك بيها لدرجة دي.
ابتسمت نسمة بأدب وقالت بصدق: أنا آسفة، أنا فعلًا سرحت شوية غصب عني، صدقيني مش قصدي.
ربت كارمن براحة يدها على كتف نسمة بلطف: مش محتاجة تعتذري كتير كده.. لو مش هتعتبريني بدخل في أمورك الشخصية.. هو السرحان ده سببه يوسف، مش كده؟
حدقت نسمة فيها، لتقول بصدمة: هو أنا واضح عليا للدرجة دي؟
أومأت كارمن وقالت بهدوء: كان واضح من نظراته المركزة فيكي طول الاجتماع، وانتي كمان كنتي متوترة ومسهّمة.. كأن الجو مكهرب بينك وبينه. هو مضايقك في حاجة؟
تحول وجهها إلى اللون الأحمر من الحرج الذي تسببت فيه لنفسها، ولم تستطع الإجابة.
عندما تلقت كارمن منها الصمت، غيرت صيغة سؤالها، وقالت باستفهام: انتي بتحبيه يا نسمة؟
أطلقت تنهيدة قصيرة وخفضت جفنيها، وكانت الأفكار تتضارب في عقلها.
تحتاج إلى أن تخبر أحدهم بما يزعجها، لأنها بطبيعتها انطوائية للغاية وتحتفظ بأسرارها في داخلها، لكنها حزينة لدرجة أنها تشعر وكأنها على وشك الاختناق.
لا تعرف سبب ارتياحها لكارمن، فهي تعمل معها منذ أسبوعين فقط، لكن طيبة قلبها ولطفها في المعاملة جعلها تطمئن، وتفتح قلبها لها، لعلها تهدأ قليلاً.
همست نسمة بصوت خجول منخفض: أنا ويوسف كنا مخطوبين لبعض.
ارتفعت حواجب كارمن باندهاش عند سماع هذا النبأ: بتكلمي بجد؟
أومأت برأسها قائلة بنبرة هادئة يشوبها الحزن: أيوه.. اتخطبنا 6 شهور، وقبلها كنا زمايل وأصدقاء هنا بالشركة سنتين من وقت ما جيت اشتغلت في الشركة.
عضت كارمن شفتيها بتردد خوفًا من إزعاجها: تسمحيلي أسألك طيب إيه اللي حصل معاكو؟
أسدلت نسمة عينيها واستمرت في الحديث بنفس الهدوء: في الأول أنا كنت فرحانة أوي لما خطبني، هو إنسان كويس أوي وابن ناس وطموح جدًا في شغله وناجح.. كانت كل الأمور تمام و بجهز للجواز.
تنهدت بضيق مردفة: بس هو فجأة اتغيرت طريقته معايا، بقي مشغول طول الوقت، معندوش دقيقة واحدة يكلمني فيها.. في الأول عذرته وقولت يمكن عنده سبب مهم وضغط الشغل عليه والتزامات الجواز، فسيبته لنفسه شوية.
نطقت كارمن تحثها على استكمال حديثها: تمام، وبعدين؟
أخذت نفسا عميقا قبل أن تستأنف كلامها: الوضع ده استمر شهر ونص.. وأنا معرفش ماله ولا عارفة أتكلم معاه.. ومن 3 شهور كنت جايباله ورق مهم يمضيه في مكتبه.. كان ممكن أبعته مع السكرتارية بس قصدت أروحله أنا عشان أتكلم معاه.
ثم أضافت بتفسير: كان هو في حمام المكتب وقتها.. أنا قعدت استناه وكنت محضرة كلام كتير أقوله لما يخرج.. كان حاطط تليفونه على المكتب.. سمعت صوت وصول رسالة ليه، وانتي عارفة فضول البنات، حبيت أشوف الرسالة عادي مش أكتر.. قمت ووقفت ورا المكتب وأنا مترددة وخايفة من رد فعله، وأول مرة أتصرف بالشكل ده، وعلى آخر لحظة كنت خلاص غيرت رأيي وهرجع مكاني.. لكن لمحت اسم رانيا على الرسالة، ففتحتها.
كارمن بتساؤل: رانيا مين؟
رمشت نسمة وقالت: بنت بتشتغل هنا في الشركة، عارضة أزياء.
جاءت في ذهن كارمن صورة تلك الفتاة الفاتنة التي لم تشعر بالراحة إليها منذ الوهلة الأولى: أيوه افتكرتها، أنا شفتها مرة قبل كده.
معلش إني قاطعتك، كملي.
أضافت نسمة بصوت مخنوق بالعبرات: "لما فتحت الرسالة لقيت محادثة طويلة بينهم وكلها كلام زي حبيبي وروحي وبيدلعها وبيهزروا سوا بقالهم فترة كبيرة."
ارتفعت حاجبا كارمن بازدراء وقالت: "يعني طول الفترة اللي كان متغير معاك فيها كانوا بيكلموا بعض؟"
نسمة: "بالظبط كده."
كارمن: "وعملتي إيه؟"
***
كانت نسمة واقفة بجانب المكتب وعلى وجهها علامات استغراب وصدمة مما قرأته من كلمات غزل تشير إلى وجود علاقة حب بين خطيبها وتلك الفتاة المسماة رانيا.
قلبت بأصابعها مرة أخرى في الهاتف ووجدت تاريخ الرسائل بينهما منذ أشهر وأنهما يتواصلان بشكل يومي.
تجمعت دموع كثيفة في عينيها لدرجة أن بصرها أصبح مشوشًا.
هتف يوسف باستغراب من خلفها: "انتي بتعملي إيه هنا يا نسمة؟ وواقفة كده ليه؟"
فجأة انتفضت في مكانها من الذعر عندما سمعت صوته خلفها ينادي باسمها، فالتفتت إليه لتواجهه بهذا الشكل المذري الذي أصبحت عليه بسبب صدمتها.
رمش بعينه في اضطراب عندما رأى هاتفه في يديها والدموع تنهمر على خديها مردفًا بتساؤل: "انتي بتعيطي ليه؟"
حدقت به، دموعها تتسرب على خديها الناعمتين ببطء، ولم تستطع الرد بأي كلمة، لكنها مدت يدها وسلمت له هاتفه.
أخذ الهاتف منها وهو متعجب من بكائها، ثم حدق في شاشة الهاتف ليتفاجأ بأن محادثته مع رانيا كانت مفتوحة، والآن وجد إجابة على كل ما يحدث أمامه.
حاول السيطرة على توتره قائلًا بنبرة هادئة يسودها الاضطراب: "نسمة ممكن تهدي عشان نعرف نتكلم."
هتفت نسمة من بين شهقاتها بتهدج: "كنت جاية فعلاً هنا عشان نتكلم، بس المفروض هتقول إيه بعد اللي شوفته؟ هتبرر بإيه انشغالك عني شهرين من غير أي سبب واضح وأنا زي الهبلة عمالة أحطلك أعذار من الهوا؟"
أردفت بحدة: "ولا إنك بتعرف واحدة تانية وبينكم غراميات وأنا اللي اسمي خطيبتك ولا معبرني؟"
جعد بين حاجبيه مقاطعًا جملتها وهو يهتف بإنفعال: "انتي إيه الهبل اللي عمالة تخرفي بيه من الصبح ده؟ مفيش حاجة بيني وبينها مجرد كلام عادي بين صحاب."
راحت تحدق فيه بعين تطلق شررًا من بروده قائلة بغضب شديد: "صحاب يعني إيه؟ الكلام اللي قرأته مش كلام بين اتنين صحاب."
يوسف بتوتر: "إيه اللي بتقوليه ده؟ قولتلك انتي فاهمة الموضوع غلط."
عقدت نسمة ذراعيها أمام صدرها قائلة بحدة: "خلاص فهمني إيه هو السبب اللي مخلليك مشغول ولا بتكلف نفسك برسالة فيها كلمة واحدة ليا؟ ده حتى مش هاين عليك ترد على مكالماتي ولو رديت تقولي مشغول."
أردفت بسخرية: "آثاريك مقضيها حواديت وضحك مع الآنسة رانيا."
هتف يوسف بنفاذ صبر: "اسمعي، ما تتجاوزيش حدك وانتي بتكلميني. انتي هتفتحيلي تحقيق وإزاي أصلاً تسمحي لنفسك تمسكي تليفوني وتفتشي فيه؟"
مسحت ما تبقى من دموعها بأطراف أصابعها قائلة بتهكم ساخر: "بقي هو ده ردك عليا؟ بتهاجمني عشان تتهرب من الرد على كلامي؟"
تحدث يوسف بهدوء قدر المستطاع: "نسمة، قولتلك نقعد وأنا هفهمك بهدوء، انتي مش عايزة تسمعي الكلام. و أصلاً إحنا في مكان شغل ما يصحش الكلام ده هنا، خلينا ننزل نقعد في أي حتة طيب ونتفاهم."
حدقت فيه نسمة بنظرة حادة وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا لكنه خانها أيضًا وخرج مرتجفًا قليلًا: "لا هنا ولا في أي مكان. لو كان عندك ذرة شجاعة واحدة بس، كنت وجهتني من البداية وقلت إنك مش عايز تكمل، مش تتهرب مني وعايش حياتك ولا كأن في إنسانة ربطتك بيها. وشكرًا يا ابن الأصول على تقديرك واحترامك ليا وربنا يسعدك انت وهي مع بعض."
ثم خلعت الخاتم من إصبعها ووضعته في يده، ثم غادرت المكان دون تردد.
***
نسمة: "من وقتها مفيش بينا كلام إلا في حدود الشغل وبس. لولا إني متمسكة بشغلي هنا أنا كنت سبت المكان من زمان."
ثم نظرت إليها بحيرة من ذاتها: "أنا اتوجعت جدًا من اللي حصل. الخداع إحساس صعب ومر أوي. من يومها جوايا حاجات اتغيرت، ثقتي طبعًا فيه اتعدمت، ويمكن ثقتي في نفسي كمان من كتر ما بفكر ليه يعمل معايا كده."
رفعت كارمن يدها تربت على كتفها بتعاطف، وقد غضبت من المدعو يوسف كثيرًا، كيف يمكنه أن يخذلها ويتلاعب بها هكذا، وشعرت بالحزن عليها قائلة بهدوء: "طيب هو حاول يفتح معاكي الموضوع بعد كده؟"
فركت نسمة وجهها من ذلك الصداع الذي لا يفارقها من كثرة التفكير وقالت بنبرة متعبة: "أيوه حاول، جه لبابا واتكلم معاه ولسه بيحاول يكلم معايا، بس خلاص أنا نفرت منه ومن الحب والارتباط كله."
كارمن: "ما تقوليش كده، انتي لسه العمر قدامك، يعني ممكن تعتبريها تجربة وفشلت. مفيش حاجة نجاحها مضمون مية في المية من أول مرة، ولا إيه رأيك؟"
أومأت نسمة بابتسامة أشرقت وجهها الجميل تؤيد رأيها: "عندك حق."
ابتسمت إليها كارمن قائلة ببشاشة: "طيب امسحي وشك وتعالي نكمل شغلنا."
نسمة بامتنان: "حاضر. متشكرة ليكي يا كارمن على اهتمامك وكلامك ليا."
كارمن بمودة: "مافيش داعي للشكر، إحنا زملاء وبقينا أصدقاء كمان. ما تشغليش بالك بحاجة إلا مستقبلك وربنا يقدر لك اللي فيه الخير."
***
داخل منزل صغير في حي راقٍ
صاح رجل عجوز من داخل المطبخ: "يلا يا روح بابا تعالي جهزتلك العشاء."
بعد قليل
جاءت نسمة ترتدي إحدى بيجاماتها المريحة، حيث تحب دائمًا أن ترتدي ملابس فضفاضة في المنزل، وقالت بمرح وشهية: "الله الله على الروايح الحلوة يا عم شاهين."
أشار شاهين برأسه إليها: "هاتي العيش من هناك عشان تلحقي تاكلي الأكل وهو سخن."
أومأت نسمة إليه وقالت: "حاضر."
جلست نسمة على طاولة الطعام الصغيرة في المطبخ مع والدها يتناولون وجبة العشاء.
نسمة بعبوس: "بابا مش أنا قولتلك كتير تديني فرصة أعمل أنا العشاء ولو مرة واحدة حتى."
شاهين بضحكة: "بقولك إيه، إحنا بينا اتفاق ما فيهوش رجوع من يوم ما طلعت على المعاش."
أنا أطبخ وأمارس هوايتي المفضلة، وأنتِ اشتغلي وارسمي وشخبطي براحتك.
ضحكت نسمة ثم قالت بنبرة هادئة: أيوه يا بابا، بس وقفة المطبخ غلط عليك، على الأقل سيبني أساعدك.
ثم أردفت بمزاح: ليه الأنانية دي استحوذت على المطبخ خلاص؟
ضحك شاهين بمرح وقال بتسلية: خلاص، ما يهونش عليا زعلك، المواعين عليكي.
انكمش وجه نسمة قائلة بحسرة: المواعين، ماشي، أمري لله.
شاهين بمحبة وحنان: لما تتجوزي اعملي اللي أنتِ عايزاه في مطبخ، محدش هيمنعك.
وضعت نسمة يدها أسفل ذقنها بحزن مصطنع: عايز تخلص مني بالسرعة دي يا شاهين؟
حدق شاهين فيها بطرف عين وقال: ما تتهربيش زي عوايدك يا نسمة، أنتِ فاهمة قصدي.
زفرت نسمة بضيق: بابا، لو سمحت، أنا قولت قراري، رجوع ليوسف أنا مش هقدر.
هز شاهين رأسه برفض وقال: أنا مش بكلم عن يوسف خالص، حتى لو عايزة أنتِ ترجعيلو أنا اللي هرفض، هي بنات الناس لعبة عشان يعمل كدا معاكي؟ أنا بكلمك على العريس اللي اتقدم بقاله أسبوعين وأنتِ حتى مش عايزة تقابليه.
تركت الشوكة من يدها قائلة بتنهيدة عميقة: اسمعني يا بابا، يوسف غلطان في اللي عمله والموضوع اتقفل لحد كدا بالنسبالي ومش هنتكلم فيه تاني، لكن أنا محتاجة فترة أبقى لوحدي من غير ضغط.
ثم أضافت بحزن: اللي حصل دا يا بابا خلّى ثقتي في نفسي تتهز، لأني مالقتش مبرر لتصرفه معايا إلا إني فيا حاجة غلط.
شاهين بحنان: الكلام دا مش مظبوط يا نسمة، أنتِ يا بنتي الكل بيشهد بأخلاقك وتربيتي ليكي، وبجمالك وذكائك ونجاحك في شغلك، وإذا كان الموضوع على فترة راحة أنا موافق، خلاص مش هنتكلم عن الجواز الفترة دي، يلا كملي أكلك.
نسمة بحب: ربنا يخليك ليا يا أحلى عم شاهين في مصر.
في جناح أدهم.
جلست كارمن أمام المرايا تمشط شعرها بعقل شارد، بعد أن صعدت جناحها للنوم بعد أن تناولوا العشاء جميعًا.
أصبحت تشعر بقبضة في قلبها في كل مرة ترى نادين أمامها، لكنها تحاول أن تبقي تلك التخيلات التي تراها في أحلامها بعيدة عن عقلها قدر الإمكان.
يكفيها أفكار سلبية، لعل هذه الأفكار هي سبب الكوابيس التي بدأت تراودها بعد سفر أدهم.
كما أنها أصبحت في الآونة الأخيرة عندما تكون وحيدة في الليل، تحاول ألا تكتم داخلها شوقها إليه، بل تلبس ثيابه قبل النوم وترش عطره المفضل حتى تشعر بوجوده معها، ربما هذا يريح قلبها قليلاً، وتبعد عنها تلك الكوابيس المرعبة.
نظرت للأمام بطيف ابتسامة وهي تقف أمام المرايا، ورأت نفسها في قميصه الأبيض، الذي وصل إلى بعد منتصف فخذها بقليل.
قالت بضحك على حالها: بتصرف زي الحرامية وبستخدم حاجاته من وراه، بس عادي، مين يعني هيشوفني بالقميص؟
ثم أضافت بنبرة مقهورة بعد أن نظرت إلى ساعة هاتفها: ماشي يا أدهم، الساعة بقت 11 بليل ولحد دلوقتي ولا سألت فيا.
أردفت بسخرية: هو فيه عشاء عمل لحد دلوقتي؟
ثم تحدثت مع نفسها بعناد، ناظرة إلى انعكاس صورتها في المرايا: طيب أنا بقى مش هستناك وهروح أجيب اللي أنا عاوزاه من بيت عمر، مش هفضل معطلة نفسي بسبب سيادتك وأنت بقالك أسبوعين ولا سائل فيا.
ثم ذهبت إلى الفراش وأطفأت الضوء بحيث لم يكن هناك سوى ضوء خافت بجانب السرير، ثم تمددت وأخذت الوسادة بجانبها لتمسك بها وتضمها إلى صدرها، لتظل تفكر قليلاً، وبعد ذلك تغرق في نوم عميق بسبب الكثير من التوتر والتفكير.
رواية مزيج العشق الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نورهان محسن
داخل فندق في باريس
ادهم بهدوء : أيوه يا مالك.
نظر مالك إلى الساعة ليجد أن الوقت قد تأخر، وقال بقلق: إيه يا أدهم حصل حاجة معاك؟
ادهم بتنهيدة: لا أنا كويس. إنت عامل إيه؟
مالك بتساؤل: الحمد لله تمام. إنت مش خلصت اللي كنت رايح عشانه، هترجع إمتى؟
فرك أدهم ذقنه بتفكير وقال بصوته الرخيم: لسه مش عارف. طمني إيه أخبار الشركة؟
ابتسم مالك بخبث: الشركة ولا اللي في الشركة؟
زفر أدهم وقال بضجر: بطل رغي ورد على قد السؤال.
تغيرت نبرة مالك قائلاً بجدية: هي كويسة وأمور الشغل معاها تمام جداً، بس دايمًا بتسألني عليك.
ثم أضاف بحيرة: إنت ليه بتعمل معاها كدا؟
أغلق جفنيه متعباً، قائلاً بهدوء: خد بالك منها، ولو احتاجت حاجة تنفذها فوراً.
ابتسم مالك بسخرية وقال بسأم: بتتهرب، ماشي.
ثم أردف: بالحق قبل ما أنسى، هي هتروح بعد يومين فيلا عمر.
فتح عينيه وابتسم بغضب متفهماً حركتها العنيدة، قائلاً ببرود: طبعاً عشان أدواتها تمام. لازم أقفل دلوقتي، يلا سلام.
قال مالك بقلة حيلة من تقلبات ابن عمه الدائمة: سلام.
رمى أدهم الهاتف بإهمال على السرير بجواره، يفكر في وضعهما، يحاول كبح شعوره وأن لا يتبع رغبة قلبه المشتاق إليها.
فما كان سفره إلا لأنه ظن أنه يحاصرها بحضوره، لذا قرر البقاء بعيداً لفترة مؤقتة، ليجعلها ترتب أفكارها المشوشة، ثم يعود لترتيب الأمور بينهما.
***
بعد مرور يومين
في فيلا عمر البارون
دخلت كارمن إلى المنزل، لكنها شعرت بالغرابة والحيرة، كيف يمكن أن تشعر أنها غريبة في ذلك المنزل الذي كان منزلها، وعاشت فيه لأكثر من عامين من حياتها.
ابتسمت كارمن بدهشة من تغيرات المصير اليوم، هذا المنزل الذي تشاركته مع عمر والذي جمعها معه تحت سقفه ذكريات كثيرة، أصبح شيئاً من الماضي في حياتها.
بينما تعيش الآن في الحاضر مع آخر شخص كان من الممكن أن يتوقعه عقلها، وربما ما كان يمكن أن يخطر ببالها أبداً، والعجيب أن هذا الحاضر أصبح محور حياتها، ولا تتخيل أبداً أن مستقبلها سيأتي بدونه، وهذا ما تخشى منه منذ سفره، لكنها لا تستطيع الاعتراف حتى لنفسها لأنها خائفة جداً من هذه الأفكار.
... : مدام كارمن.
انتبهت لكلماتها وقالت بهدوء: نعم.
ابتسمت الخادمة باحترام: كنا بنسأل حضرتك نبدأ منين النقل؟
طردت كل تلك الأفكار التي شغلت عقلها منذ أن دخلت هنا، لتقول بجدية: تعالوا معايا، هنبدأ بالحاجات اللي فوق الأول.
بعد أن مرت ساعتين
كارمن: الو يا يسر.
غمغمت يسر بينما تأكل الفشار: ها، لقيتيه ولا لسه؟
كارمن بنرفزة: يا بنتي اهدي شوية، في زحمة وكركبة هنا جامدة، عشان كنت ناسيه أماكن الأدوات وفضلت أدور على الكتاب فوق مش لاقياه.
يسر بضحكة: مش مهم أي حاجة غير الكتاب.
تمتمت كارمن بغيظ: اضحكي اضحكي، دا اللي فالحة فيه. أنا مش عارفة أركز من زنك عليا.
تنهدت يسر بملل وقالت بتحذير مزيف: خلاص هسيبك، بس أنا بحذرك، أوعي ترجعي من غيره.
كارمن: كتبت قائمة بكل حاجة هجيبها، وأول حاجة كتابك. بس ناسيه هو فين. هدخل دلوقتي مكتب عمر يا زنّانة وأشوفه.
قوست يسر شفتيها وقالت بحزن متصنع: كده يا كوكي، أنا زنّانة؟
قالت كارمن بضحكة: لا مزعلش، خليني أخلص وأكلمك. ماقولتلك تعالي معايا المشوار ده، عملتي منها، كنتي ساعدتيني شوية واتمرمطتي معايا.
يسر: ماكنتش عارفة إنك هتحتاسي كده. لو فعلاً محتاجاني، هلبس على طول وأجيلك.
كارمن: بعد إيه، أنا تقريباً خلصت. ماتقلقيش، معايا هنا بنات من القصر بيساعدوني. بس ارحميني إنتي شوية، فاضل كتابك، هدور عليه وبعدها هروح البيت. يلا سلام بقى.
يسر: أوكي، باي يا كوكي.
أنهت كارمن المكالمة عندما دخلت مكتب عمر، وواصلت البحث في الرفوف عن الكتاب، لكنها لم تجده.
دلكت كارمن فروة رأسها في حيرة: وبعدين هيكون راح فين الكتاب المنحوس ده بس يا ربي.
تحولت نظرتها إلى المكتب في منتصف الغرفة: يمكن على المكتب أو جوه درج من الأدراج، أما أشوف.
قلبت في الأشياء الموجودة على سطح المكتب، ولم تجد شيئاً، فجلست على كرسي المكتب وبدأت في فتح الأدراج واحدة تلو الأخرى.
ثم زفرت براحة: الحمد لله، أخيراً لقيتك. متعب إنت زي صاحبتك.
ثم أردفت بضحكة: بس عسل، لا تموتني.
كانت هناك عدة أوراق تحت الكتاب خاصة بالعمل، ظنت أنهم ذوي قيمة، فبدأت تتمعن النظر فيهم، ثم أعادتهم حيث كانوا، لكن لفت انتباهها ظرف كبير ملفوف ومغلق بعناية بأسفل الدرج، لكنها تراه لأول مرة: إيه ده كمان!
أخرجته من الدرج ووضعت الكتاب بجانبها، ثم بدأت في فتح الظرف وتفريغ محتوياته على المكتب، وراحت تتفحصه بعيون واسعة من الصدمة وعدم التصديق.
نهضت من مقعدها مذهولة ووقفت في منتصف الغرفة وهي تشعر بالدوار والتشويش.
تتبادر إلى ذهنها كلمات مما قرأته للتو، وأحداث مرت منذ شهور، تتضارب في عقلها بشكل غير مترابط.
_ورم في الفص الأيمن من المخ في حالة متطورة.
_سفر إلى المستشفى الأمريكي في باريس.
_عملاء مهمين في باريس يا حبيبتي، لازم أقابلهم، هيكون في شغل بينا وبينهم كتير، وكمان مؤتمر مهم هنتكلم فيه عن الشركة.
اتسعت عيناها في صدمة من تكرار ذلك الحدث تقريباً، فالأولى كانت من عمر قبل ساعات من رحيله ووفاته، والآخرى كانت من أدهم قبل أسبوعين.
تكلمت مع نفسها في ذهول، وانحدرت الدموع بلا هوادة من عينيها من تأثير الصدمة عليها: يعني عمر كان عنده ورم في المخ وفي حالة خطيرة، وده سبب سفره. بس هو مالحقش يوصل باريس والطائرة وقعت بيه. ليه ما عرفتش بكل ده من زمان؟ ليه كنت أنا آخر من يعلم كده...
همست بخوف بينما تغطي فمها براحة يدها: أدهم.
استدارت وبحثت عن حقيبتها، ثم لمحتها على الأريكة الصغيرة.
ركضت نحوها وأخرجت هاتفها، وبدأت تعبث بقائمة الأرقام، ثم ضغطت على زر الاتصال.
تنهدت بإحباط وقلق عندما لم يرد على مكالمتها، ثم مسحت دموعها بباطن كفها، وذهبت إلى المكتب وجمعت الأوراق في الظرف وأخذت الكتاب أيضاً ووضعته في الحقيبة، ثم خرجت بخطوات مترنحة.
***
ليلاً في قصر البارون
ليلى همست بلطف إلى ملك التي كانت جالسة بجانبها على الأريكة بينها وبين ليلي: مين الحلوة اللي هتنام جنب تيتة النهارده؟
مريم بضحكة: لا، موكة هتنام معايا أنا النهارده.
عبست ملامح ليلي وقالت باستنكار: كانت معاك امبارح يا مريم. إحنا بينا اتفقنا كل واحدة يوم.
صاحت مريم بمرح في كارمن التي دخلت لتوها من الخارج ولم تلحظ شحوب وجهها: تعالي يا كارمن، شوفي حماتك العنيدة مش عايزاني أنيم ملك معايا النهارده.
ليلي بدهشة: لا يا مريومة، إنتي بقيتي تنصبي عليا كتير. إحنا نعمل جدول تنظيم نومها عند كل واحدة فينا يوم. الكلام الشفوي ده مابقاش ينفع.
حاولت كارمن التركيز على ما كانوا يتحدثون عنه، وواجهت صعوبة في إخراج صوتها بشكل طبيعي، قائلة بهدوء: الأفضل للبنت تتعود تنام لوحدها يا جماعة، عشان لما تكبر ماتبقاش مدلعة وتخاف تنام لوحدها.
نظرت مريم إلى ليلي، التي أومأت لها بالموافقة، وقالت مريم دعماً لرأي ابنتها: البنت طلعت أأقل مننا وعندها حق، مع إني مابقدرش أستغنى عن نومها عندي، لكن هو ده الصح.
كارمن بابتسامة رقيقة: ماتزعلوش، امشوا على الجدول فترة بسيطة وبعدين نخليها تنام من وقت للتاني لوحدها بالأوضة اللي عاملها أدهم ليها في جناحه. غلط إنها تتعود على كده على المدى الطويل.
ليلي بابتسامة: تمام يا حبيبتي. جبتي كل اللي إنتي عايزاه من الفيلا؟
أومأت كارمن وقالت: أيوه يا ماما ليلي.
قالت مريم بينما تهم بالنهوض: طيب يلا، أنا هقوم أقولهم يجهزوا العشاء ونتعشى كلنا.
هتفت كارمن برفض: لا يا ماما، أنا تعبانة جداً من المجهود اللي عملته طول اليوم، هطلع أنام على طول. تصبحوا على خير.
***
بعد قليل في جناح أدهم
كارمن تجلس على السرير وركبتاها مضمومتان إلى صدرها ويبدو عليها التوتر والقلق بعد أن حاولت الاتصال بأدم لتطمئن عليه، لكن هاتفه مغلق.
لا تريد أن تتخيل قط فكرة عدم عودته إليها أو عدم وجوده في حياتها.
ليس بعد أن فهمت مشاعرها وأطلقت العنان لقلبها وتبعته ليقودها لمن يمتلكه.
هي أحبت عمر ولا تنكر إلا أنه حب عشرة وتعود، فهو أول رجل يدخل حياتها ويملأها باهتمامه، لذلك من الطبيعي أن تنجذب إليه وتعتقد أنها تحبه، ربما بسبب قلة خبرتها في هذه الأمور.
كما أنه طلب منها الزواج بعد أشهر قليلة من معرفتها به، لكنها لم تشعر معه بنفس المشاعر التي تغزو قلبها الآن والتي تشتت كيانها وتجعلها ترتجف خوفا من فقدانها.
حتى لو كانت تحبه حقا، فهي الآن تعشق أدهم.
تحبه من كل قلبها، تعشق كل تفصيلة صغيرة فيه، كل لمسة ناعمة، كل همسة لطيفة منه، أو مجرد قبلة صغيرة منه قادرة على جعل نبضها يتبعثر لساعات.
مددت كارمن ساقيها وأمسكت بالوسادة وسحبتها بين ذراعيها وهمست برجاء: يارب اغمض وافتح الاقيه قدامي مش قادرة استحمل غيابه اكتر من كدا.
بعد مرور بضعة ساعات قليلة.
دخل أدهم غرفة النوم بهدوء في وقت متأخر من الليل، طائرته قد وصلت لتوها إلى مصر، وبعدها توجه مباشرة إلى القصر دون أن يخبر أحدا، حتى والدته لا تعلم متى سيصل.
نظر إلى كارمن، التي كانت تنام بهدوء على السرير، ووسادته بين ذراعيها.
تمنى في هذه اللحظة أن تضمه بدلا من الوسادة، وأن يشعر بأطراف أناملها وهي تلعب بخصلات شعره بحنان، حيث كان يتوق بشوق إلى لمساتها الرقيقة للغاية.
اقترب أدهم ببطء وتمهل من السرير، ثم جلس على حافته، ودارت عيناه على وجهها، ينظر إليها بعشق وشوق جارف.
شعرت كارمن بحركة بجانبها، ففتحت عينيها ببطء واستغرقت بضع ثوان بينما ترمش عيناها، لتتضح الرؤية في ذلك الضوء الخافت الذي يسود الغرفة حتى أدركت أنه كان يجلس بجوارها ويحدق بها.
صاحت كارمن باسمه في لهفة، وهي تقفز من مكانها: أدهم.
أدهم يحاول تهدئتها لاعتقاده أنه أثار ذعرها: ماتتخضيش أيوه ان..
لم يستطع إكمال جملته، حيث فوجئت به ترتمي في حضنه دون لحظة من التفكير، وعانقته بشدة، وهي تغمض عينيها بقوة وتشكر ربها على أنه استجاب دعائها، وبالكاد تصدق أنها بين ذراعيه، وأنه على ما يرام.
صدم أدهم من رد فعلها لرؤيته، والأكثر من عناقها له.
أحاطها أدهم بقوة لا يريدها أن تبتعد عن قلبه، إنه يشعر الآن أن نبضاته قد انتظمت بضمها إليه، حيث استنشق عطر جسدها الذي يدمنه، وهذا ما كان حقا يفتقده كثيرا.
قالت كارمن بصوت مبحوح، بينما كانت ذقنها على كتفه وتضمه بقوة: انت كويس امتى رجعت من السفر؟
رفع أدهم كفه، وربت على شعرها بحنان، ثم قال بصوت خافت بجوار أذنها، حيث أرسل إليها موجة من الاطمئنان: لسه واصل حالا والحمدلله أنا بخير معاكِ اهو.
خرجت كارمن من بين ذراعيه، وأحاطت وجهه بيديها الصغيرتين، وتفحصته باهتمام قائلة بعفوية: حمد الله على سلامتك.. كنت بتصل بيك من بدري وخوفت عليك لما لقيت التليفون مقفول.
أجاب أدهم بهدوء: كنت في الطيارة.
أردف بهمس: خايفة عليا من إيه؟
ارتبكت كارمن من نبرة صوته الهامسة، بينما احمرت وجنتاها خجلا قائلة بتلعثم: أنا.. كنت بحاول أطمن عليك بس.
لم يرد أدهم إحراجها أكثر، فغير الموضوع: صحيتك من النوم؟
خفضت كارمن يديها إلى جانبها، وقالت برقة: لا أنا لسه ماكنتش نمت.
حدق أدهم فيها وعيناه تلتمع بنظرة غريبة، وقال بتساؤل: مع إنك طول اليوم كنتِ في بيت عمر بتنقلي أدواتك من هناك.
تفاجأت كارمن بأنه على علم بالأمر لتسأل بدهشة: انت عرفت منين؟
أجاب أدهم بينما ينزع سترته، ويضعها على طرف السرير بإهمال: مالك هو اللي قالي من يومين.
أومأت كارمن برأسها بصمت.
نهضت من السرير وذهبت إلى الخزانة في زاوية الغرفة، ثم فتحت أحد الأبواب، وأخرجت مظروفا كبيرا وعادت للوقوف أمامه، محاولة ترتيب كلماتها: أنا لقيت الظرف دا وأنا باخد حاجتي من بيت عمر النهاردة.
أمسك أدهم المغلف من يدها، وقام بفتحه ليخرج تقارير المستشفى، وينظر فيها بصلابة دون أي رد فعل يبدو على وجهه، ولكن بداخله شعر بقبضة مؤلمة تعتصر قلبه من رؤية ذلك الورق، ثم رفع رأسه وحدق في كارمن، متسائلا بهدوء مبهم: كان فين بالظبط الورق دا؟
تفاجأت كارمن من هدوئه، وأنه لم ينظر حتى إلى ما بداخل الأوراق متسائلة بارتياب: مش هتفتحه وتقرأ اللي جواه؟
أدهم بجمود: أنا عارف الموجود فيه.
حدقت فيه كارمن، ثم هتفت بصدمة: يعني إيه عارف.. كنت عارف إن عمر عنده ورم في المخ وإنه ده سبب سفره من الأول؟
قام أدهم من الفراش، وقد توترت أعصابه بهذا الحدث الذي لم يكن مستعدا للكشف عنه الآن.
أمسك بمرفقها برفق محاولا تهدئتها: ممكن نقعد وتسمعيني؟
سحبت ذراعها من قبضته، قائلة بحدة: لا عايزة أسمع وأنا واقفة.
زفر أدهم من عنادها، ثم بدأ يتحدث بهدوء قدر استطاعته: كارمن.. عمر في الفترة الأخيرة كان دايما حاسس بإرهاق وصداع مستمر، وأكيد إنتي كنتِ عارفة.
ردت كارمن بعد أن ابتلعت ريقها بقلق: أيوه ولما سألته وقتها قال إنه راح لدكتور وقاله إن ده بسبب الإرهاق ومحتاج إنه يهتم بصحته مش أكتر.
قال أدهم دون أن ينظر إليها: أنا اللي خليته يقولك كدا.
أردف بحزم، ورفع يده أمامها عندما حاولت الكلام: ماتقطعنيش.. هو ماكنش عايز يعرفك حاجة ولا إنتي ولا أمي.. حالته كانت سيئة ولازم عملية. الدكتور اقترح إنه يعملوا العملية في مستشفى بباريس وهو فعلا حضر نفسه عشان يسافر وأنا كنت هاحصله بعدها بيومين عشان محدش منكم يحس بحاجة غريبة.
أضاف بحزن وألم على أخيه: بعدها حصلت الحادثة على طول قبل ما يلحق يوصل.
همست كارمن بصدمة: يعني إنت كنت عارف بالوصية مش كدا؟
هتف أدهم بصدق: ماعرفتش بوجود وصية أصلا غير لما جالي المحامي للشركة وبلغني.. ولا كنت أعرف باللي جواها إلا لما اتفتحت قدامنا كلنا.
كانت كارمن صامتة، مطرقة رأسها لا تدري ماذا تقول، لأنها لم تفكر للحظة أن أدهم لديه خبر عن كل هذا، واتضح أنها هي التي لم تكن تعلم شيئا عما يجري من حولها.
استمعت كارمن إلى صوته الرخيم، مستطردا حديثه: ماكنش ينفع أقول بعد موته إن سفره كان للعلاج يا كارمن، حطي نفسك مكاني واحكمي إنتي، وقتها كانت حالتك صعبة وأمي كانت منهارة من حزنها على ابنها، كنت هبقى بزود الوجع عليكم.
رفعت عينيها إليه، وهتفت بقهر، بينما تعتصر قبضة قاسية قلبها: وانت بقي ضحيت بنفسك واتجوزت مرات أخوك عشان تربي بنته وتنفذ وصيته وعشان حياتك ما تبقاش بايظة من كل جهة. حاولت تحبها لكن ماقدرتش تضحك على نفسك كتير وسافرت عشان تبعد عنها وترتاح منها شوية.
احتدت نظراته قائلا بغضب: إنتي اتجننتي من الصدمة باين عليكي.. عمالة تخرفي بتقولي إيه؟
للحظة خافت كارمن من غضبه، لكنها أكملت بتمرد: تفسر بإيه تجاهلك ليا من يوم ما رجعنا من الصعيد وسفرك السريع وبرودك طول الأسبوعين اللي فاتوا معايا من غير أي سبب واضح؟
صمت أدهم قليلا وهو محدقا بها، وقال بجمود: عايزة تعرفي السبب؟
تفوهت كارمن بإصرار: أيوه عايزة أعرف.
تساءل أدهم بضيق، بعدما تملكته مشاعر الغيرة، وهو يكرر تلك الكلمات التي تسربت في عروقه كالسم: المفروض أعمل إيه لما أسمعك بتقولي إنك حاسة بالذنب من ناحية عمر عشان قربتي مني يا كارمن؟
للحظة تسمرت كارمن مكانها حتى أنها حبست أنفاسها في رئتيها، وشعرت بحروفها تهرب من بين شفتيها، وهي تتذكر تلك الجملة التي قالتها لروان في غرفتها قبل أسبوعين، ثم استطاعت أن تهمس بصعوبة، بينما عيناها متسعة بصدمة: إنت سمعت كلامي مع روان؟
صر أدهم على أسنانه بغضب دفين حتى أنه أوشك على تحطيمهم، ليقول من بينهم: سمعت تحديداً الجملة دي يا كارمن.
تصلب وجه كارمن التي ابتسمت بسخرية وقالت: طبيعي إنك سمعت الجملة دي وبعدها أكيد مشيت، لأنك لو سمعت الجملة اللي بعدها أو حتى الكلام من أوله ما كنتش هتعاملني بالطريقة دي..
بس إزاي وإنت عايز بأي شكل تخليني غلطانة؟
رفع أدهم حاجبيه قائلاً بابتسامة جانبية: إنتي شايفة كدا فعلاً؟
هتفت كارمن بإنفعال: أنا شايفة إنك لو كنت سألتني عن اللي سمعته يا أدهم، أو حتى كنت اديتني فرصة، وما رجعتناش هنا بالسرعة دي من الصعيد، أو حتى فضلت هنا يوم كمان، كنت هقولك لوحدي على نفس الكلام اللي حكيته لروان. لكن إنت هربت وسيبتني.
أدهم بتعجب: كلام إيه دا؟
قالت كارمن بتفسير: قبل ما كل دا يحصل بليلة واحدة، شفت كابوس خوفني وخلّى أعصابي تعبانة أكتر من الأول.
ثم بدأت تخبره بكل شيء رأته في حلمها.
وأضافت: دا اللي كنت بحكيه لروان، اللي فسرت الحلم على إنه مجرد توتر عصبي بسبب الضغوط اللي كنت بمر بيها.
ثم همست بنبرة تأنيب ممزوجة بقسوة: بس إنت متسرع جداً يا أدهم، وأنانى أوي. ما فكرتش غير في نفسك، وما فكرتش أنا حاسة بإيه، أو حتى عذرتني لو شايفني غلطانة.
استدارت لتغادر المكان، وقد اختنقت بشدة لدرجة أنها لم ترغب في البقاء أمامه لفترة أطول.
وجدت يده تلتف حول معصمها، مما منعها من الابتعاد. فحدقت به بغضب، لتجد نظراته عليها تبرز شرراً، هاتفاً فيها بغضب عنيف، وقد بدأت أعصابه تخرج عن سيطرته: رايحة فين؟ مش إنتي عايزة تعرفي كل حاجة من البداية؟ اقفي هنا واسمعيني كويس. الحقيقة هي إني بحبك من قبل ما تتجوزي أخويا.
أردف أدهم بنبرة حادة، بينما يرى عينيها تتسمر عليه بصدمة، كأن دلواً من الماء البارد قد سُكب أعلى رأسها، لتفر الدماء من وجهها: بس لو أناني ومش بفكر غير في نفسي زي ما قولتي، كنت اتجوزتك بداله، ولو غصب عنك. بس أنا مش حقير عشان أجبرك على حاجة، ولا أفرض نفسي عليكي لو بعبدك. ولا أقدر أحطم قلب أخويا اللي مربيه، ولا أكسر فرحته بإيدي وآخدك منه. وهروبي زي ما بتسميه، عشان كنت خايف ومتعذب. لو كنت قادر أستحمل كتمان حبك جوا قلبي زمان وأعيش عادي، بقيت مستحيل أقدر أكتمه بعد ما أدمنت كل لحظة بتبقي فيها قريبة مني وفي حضني. بعد ما قربت منك ولمستك. بعد ما حسيت بإنجذابك ليا، وفي نفس الوقت مش قادر ألومك على تشتتك وهواجسك اللي بتقولي عليها.
أخذ نفساً عميقاً قبل أن يواصل حديثه بنبرة أهدأ من ذي قبل، لكنه استمر في النظر إليها بعينيه الداكنتين: كنت خايف تكوني استعجلتي لما قولتي إنك بتحبيني. كان لازم أبعد فترة عشان ماابقاش ضاغط عليكي، وتعرفي إنتي عايزاني وبتحبيني فعلاً، ولا اتقبلتي الوضع اللي انفرض عليكي وبتتعايشي معاه وبس.
همست كارمن بتحشرج من الدموع الكثيرة التي تذرفها نتيجة كلماته التي أكدت مدى عشقه لها وعذابه لسنوات، وهي لا تعلم عنه شيئاً: المفروض بعد ما قرأت التقارير دي، أفكر في عمر وفي حياتي معاه وأحن ليه. مش هو دا الصح؟ بس أنا لما شوفتهم، مقدرتش أفكر غير فيك إنت. كنت هموت أصلاً من الرعب وإنت بعيد عني. من يوم سفرك وأنا خايفة، بس حاولت أصبر نفسي وأطمنها إنك بتكلمني حتى لو من تحت درسك. لكن لما عرفت الحقيقة اللي كانت مستخبية عني، انهار ومخي وقف.
سألت بعد أن لم تتلق منه سوى الصمت: برضه لسه مش عارف إذا كنت بحبك ولا لأ؟
تركته كارمن لتذهب، وتشعل إضاءة الغرفة القوية، وركضت إلى المرايا لإحضار شيء منها، ثم عادت إليه وهي تقول بحنق، وأعطته في يده زجاجة العطر الخاص به: مش دي بتاعتك إنت، كنت سايبها كدا. قبل ما أنام، كنت بملى بيها الأوضة وأرشها هدومي.
ثم نظرت إلى ما كانت ترتديه وقالت بتهدج: تفتكر ليه لابسة ترينجك وبنام بيه كل ليلة لمدة أسبوعين؟
كل اللي بعمله دا عشان أرتاح لو شوية من الكوابيس والأفكار الوحشة المسيطرة على عقلي وأنا لوحدي، وإنت ولا داري أساساً بيا.
أكملت حديثها بدموع، ونبرة صادقة تسللت إلى أعماق قلبه دون أدنى مقاومة منه: أنا بحبك أوي يا أدهم. لما بكون قدامك قلبي بيرتبك وينتفض من مكانه، ولما بشوف ابتسامتك بطمن، ولما بتضمني في حضنك روحي بترتاح.
حدقت فيه بعيون تلتمع بحزن، وأضافت بصوت هامس كما لو كانت تتحدث مع نفسها: إنت بقيت جزء رئيسي في حياتي. اقتحمتها فجأة بدون إرادتي، وعلى المهل قربتني ليك. بقيت قدامي طول الوقت، احتليت عقلي وحصرتني لحد قلبي ما اتعود على وجودك. ولما بعدت مابطلش يوجعني ويسألني عنك. أنا ما بقتش حتى عارفة إمتى حبيتك.
تلألأت الدموع في عينيه بتأثير شديد لاعترافها الذي أعاد قلبه إلى الحياة، وأصبح ينبض بقوة من جديد.
كانت تنظر إليه، وصدرها يرتفع وينخفض من شدة انفعالها بينما تنهمر دموعها بلا هوادة. فقال وهو يمسح وجهها براحة يده: حبات اللؤلؤ دول غالين أوي عندي. إنتي الوحيدة اللي قلبي فتح لها بابه، رغم كل حاجة. ماكنتش بفكر غير فيكي، ودايماً متابعك وبطمن عليكي من غير ما تحسي.
أزاحت يده من على خدها بغضب، قائلة بقهر منه: موتتني من الرعب لما مرديتش عليا، وإنت بكل برود بتقول إنك سافرت عشان تديني مساحتي وفرصة أفكر في علاقتنا، ها؟ وخايف تكون بتضغط عليا وبتشوشر على قراري.
ثم عادت إلى همسها قائلة: لما أنا قولتلك قبل كدا إن بحبك، كنت بكلم بجد من قلبي. ممكن أكون كنت متوترة شوية من الأحداث اللي بتتغير حواليا بسرعة، بس أنا فعلاً بحبك، لكن كنت مكسوفة زي أي واحدة في بداية جوازها. إيه الغلط في كدا؟
أسدلت كارمن عيناها، واستمرت في التكلم بدموع أكثر، وأصبح صوتها مبحوحاً جداً: يمكن كانت المشكلة في الأول إني كنت خايفة أمشي ورا قلبي وأحبك، بعدها أخسرك. ماكنتش هستحمل إنك تروح مني.
لم يستطع تحمل صعوبة كلماتها القاسية عليه أو تخيلها، ليجذبها إلى صدره ويضمها إليه، فتتثبت هي به جيداً، بينما تسمعه يقول: استغفري ربنا وبطلي هبل. أنا على قلبك مش هروح في أي حتة، فاهمة؟
كارمن بهمس: أستغفر الله العظيم.
أكمل أدهم حديثه بألم: اعذريني يا كارمن. يمكن كنت خايف لأن جوازنا كان بسبب الوصية في الأساس. خوفت تطلبي نسيب بعض بعد ما قابلتي عيلتك. مش عشان الفلوس، أنا عارف إن ملك هي سبب قبولك للوصية. بس خوفت تبعدي عني وتعيشي معاهم.
تفوهت كارمن بينما تضم نفسها أكثر في حضنه: دايماً إنت بتحس بنفسك إذا هتقدر تكمل من غير شخص معين ولا لأ. دايماً كنت بستغرب ليه ماما ماقدرتش تحب أو تتجوز بعد بابا، رغم إنها كانت مش كبيرة في السن أوي. بس دلوقتي فهمت.
دفنت وجهها في تجاويف رقبته، مستنشقة عطره الحلو، وهي تلف ذراعيها حول خصره وقالت بهمس: إنت طمنتني ودعمتني وفهمتني، ومبسوطة معاك. مش عايزة أبعد عنك أبداً. أنا بموت فيك يا أدهم.
زمجر أدهم وهو يشدد قبضته على جسدها: ما تقوليش الكلمة دي تاني. قولي هتعيشي ليا يا كارمن.
ثم أضاف بهمس حانٍ، وهو يقبل رقبتها من الجنب: بعشقك.
أسترسلت كارمن حديثها الذي ينبع من أعماق قلبها: بقيت حبيبي وأماني وحياتي كلها. ومش عايزة حاجة من الدنيا غير إنك تكون جنبي.
ثم همست بتساؤل حزين: هو دا صعب للدرجة دي يعني؟
أمسك أدهم بكتفها برفق وأخرجها من حضنه، لكنها كانت لا تزال بين ذراعيه قائلاً بحب: خلاص انسي اللي حصل. ممكن ما تزعليش مني.
كارمن بتذمر طفولي: لا، أنا زعلانة عشان تعبت أوي وكنت محتاجاك وإنت سايبني.
أدهم بندم: صدقيني كان غصب عني. أنا لما بتنرفز بكتم جوايا، اتعودت على كدا يا كارمن.
هزت رأسها برفض وقالت بعناد: مش مبرر دا على فكرة. أنا هفضل مخصماك عشان بعد كدا لما تزعل تيجي وتقولي مش تهرب مني.
وضع أدهم خصلاتها الضالة على جبهتها خلف أذنها، وقبل وجنتها بحب، قائلاً بصوت هامس: حقك عليا، أنا آسف.
كارمن بتبرم: مش كفاية.
تنهد أدهم وبدأ يضجر من عنادها معه، لكنه تمالك نفسه قال بصبر: عايزاني أصالحك إزاي؟
عقدت كارمن ذراعيها فوق صدرها وقالت بإصرار: لا، أنا هعاقبك بأني أطلع أنام في الريسبشن برا وأسيبك تنام لوحدك هنا لمدة أسبوعين.
هتف أدهم بضيق: اللهم طولك ياروح. كارمن بلاش تبقي قاسية كدا.
قالت كارمن بنظرة خاطفة: اتعلمتها منك، وهو دا العقاب اللي تستاهله على كل اللي عملته فيا.
تومضت عيناه بحزن من كلماتها، مما جعله يشعر باختناق شديد في صدره، لكنه يدرك جيداً أنه الذي أوصل نفسه إلى تلك الحالة معها. فعليه أن يتحمل قليلاً. ثم أخذ نفساً عميقاً قبل أن يدعي القول بفظاظة وغيظ: مادام أنا اللي طلعت غلطان، يبقى أنا اللي هطلع أنام على أم الكنبة دي، بس بعد كدا هولع لك فيها.
بعدها تحرك أدهم إلى الخارج بحنق، بينما ظهرت ابتسامة خبيثة على شفتي كارمن، ثم سرعان ما اختفت.
شعرت بالندم، فالجو بارد بالخارج، ثم توجهت إلى غرفة الملابس لإحضار شيء ما.
بعد قليل
خرجت من الغرفة، وعيناها تدوران في المكان، ثم رأته مستلقياً بملابسه على الأريكة وعيناه مغمضتان، وظهرت علامات عبوس جعدت ملامحه الوسيمة.
شعر بخطواتها تقترب منه، لكنه بقي على حاله دون أن يتحرك، بينما كارمن تبتسم وهي تراه عاقداً حاجبيه بشدة.
تساءلت كارمن برقة: أدهم، إنت نمت؟
فتح أدهم جفنيه ببطء، وخفق قلبه من نبرة صوتها الرقيق، لكنه نظر إليها بسخرية عندما رأى ما كانت تمسكه بيديها: كتر خيرك. جايبالي غطاء من البرد.
لوت شفتاها بتهكم من سخريته اللاذعة، لكنها تجاهلت ذلك قائلة بهدوء: جايبالنا إحنا الاتنين.
أدهم بعدم فهم: قصدك إيه؟
صعدت بقدميها على الأريكة، ثم استلقت بجانبه وهي تمد ساقيها مثله.
كان هو على حافة الأريكة وكانت بالداخل، ثم تحدثت بنبرة ناعمة، وهي تسند رأسها على الوسادة خلفها بشكل مريح، وتغطي نفسها بالبطانية: أنا بقالي أسبوعين مش عارفة أنام كويس من يوم سفرك، فكنت بلبس من هدومك وأرش برفانك عشان أحس بيك معايا وأقدر أنام. بس أنا صبري خلاص خلص وعايزة أنام في حضنك الليلة دي بالذات.
برقت الدموع في عينيها، وهي تقول بنبرة متحشرجة بعض الشيء: وفي نفس الوقت.. مصممة أخليك تنفذ العقاب اللي قولت عليه جواه، بس مع تغيير بسيط.
اني هعاقب نفسي معاك وننام هنا.
استدار على جانبه وهو يميل نحوها ويسند جسده على مرفقه وأصبح وجهه قريبًا من وجهها.
حدق فيها بنظرة ثاقبة يهمس باسمها ثم قال: عارف إن من حقك بعد اللي حصل تنقهري وتزعلي مني.
وضعت كارمن سبابتها على شفتيه قائلة بإصرار رقيق: أنت اتكلمت كتير، ده دوري أنا. حياتنا سوا في البداية اتفرضت علينا، بس إننا نستمر سوا اختيار. لما بعدت عني، لقيت نفسي بتلقائية بختارك وعايزاك معايا رغم أي حاجة. وبعد كل اللي قولناه من شوية، أنا بعيده لك تاني وبقول لك: أنا اخترت أكمل معاك بإرادتي عشان بحبك.
كانت عيناه تتألقان بتأمل عاشق فيها، ثم همس بصوته الرخيم: شعورك من ناحيتي دلوقتي هو أكتر حاجة حلوة حصلت لي في حياتي. كفاية عندي كلامك اللي خارج من جوا قلبك وروحك ونظراتك اللي كلها حب بالدنيا كلها.
ثم أردف: تدابير ربنا جمعتنا، ويمكن الفرصة دي هي بداية لحياة سعيدة نعيشها مع بعض.
دارت عيناه تتأمل ملامحها، وابتسامة جذابة شقت شفتيه وقال: بحبك من أول مرة بصيت في عيونك من سنين طويلة. بقيتي حتة من روحي وقلبي كله ملكك أنت. عمرك ما خرجتي من تفكيري حتى وأنا في عز أزماتي.
شعور جميل يسكن روحها حيث رأت عينيه تتألقان بنظرة غريبة، مزيج من العشق والدفء والحنان والعاطفة التي جعلت قلبها يرقص بسعادة كبيرة.
أغمضت كارمن عيناها وقالت بألم: كنت فعلًا محتاجالك أوي يا أدهم. مش هقدر تاني أكون لوحدي من غيرك.
مسح بظهر كفه على بشرة خدها الناعم، بينما هي تستمع إلى همسه الرقيق بقلب يرتجف مع العشق حتى في أحلامها. لم تتخيل أنها ستشعر بهذا الأمان: أوعدك مش هسيبك تاني. وعايزك تعرفي إنك عمرك ما كنتي لوحدك يا كارمن، أنا دايما معاكي حتى لو من بعيد.
همست وهي تجعد حاجبيها بعبوس لطيف: لا، مافيش بعد تاني.
لمعت عيناه خبثًا وقال: إيه ده؟ هو أنتِ بتحبيني أوي كده؟
عضت كارمن على شفتيها، وواصلت بصوتها الهامس المغري غير المقصود وهي تعبث بشعر ذقنه الذي نما قليلًا عن ذي قبل: لا، مش بحبك يا أدهم. ده قليل على إحساسي نحيتك، أنا بتنفسك وبعشق.
ارتجف جسده بسبب تلك اللمسة البسيطة منها، ومضت عيناه بنظرة قاتمة لم تدركها. وقبل أن تنتهي من حديثها، كانت شفتيه مضغوطة على شفتيها.
تفاجأت من مباغتته لها، لكنها لم تستطع منع يدها من التسلل إلى صدره، ثم رقبته دون أدنى مقاومة. بل كانت تبادله بنفس الشوق، فقبلاته الشغوفة أذابتها تمامًا بين ذراعيه. بعد لحظات حلق كلاهما فيها فوق السحاب، فصل القبلة عندما احتاج كلاهما للهواء، قائلًا بأنفاس لاهثة: دلوقتي بس ارتحت، حصل أكتر من اللي كنت بتمناه.
حملقت به بوجه أحمر وتنفس سريع من اضطراب قلبها الذي نثر نبضاته من تلك القبلة اللاهبة، قائلة بخجل وبدأ النعاس يداعب عينيها: حبيبي، ممكن ننام عشان أنا تعبانة أوي.
ابتسم على منظرها اللطيف، ثم سرعان ما اختفت ابتسامته، وكأنه يتذكر شيئًا، فقال بجدية: كارمن، أمي عرفت بحاجة عن التقارير اللي لاقيتيها.
إحتارت من تقلباته المفاجئة، لكنها هزت رأسها برفض قائلة بهدوء: لا، أنا ما اتكلمتش مع حد غيرك.
رفع أدهم جسده عنها ووقف على رجليه، قائلًا بإصرار: قبل ما ننام، في حاجة مهمة لازم نعملها. قومي معايا.
نهضت كارمن أيضًا معه، قائلة بعدم فهم: حاجة إيه؟
أمسك أدهم بيدها برفق وقال: الورق ده لازم نتخلص منه عشان اتأكد إنه مش هيقع في إيد ماما وحالتها تسوء. أنتِ عارفة هي مش هتستحمل وصحتها ضعيفة إزاي.
أومأت إليه بتأكيد: معاك حق.
ذهب كلاهما إلى غرفة النوم، ثم أمسك أدهم بالأوراق وسار إلى الطاولة المجاورة للسرير، وفتح أحد الأدراج وتلاعب بمحتوياته قليلًا تحت عيون كارمن المتفاجئة بما يفعله.
نظر إليها أدهم مشيرًا إليها لتتبعه، فسارت كارمن ورائه ثم دخلت خلفه إلى الحمام، ثم ضغط على الولاعة وهو يرفع الأوراق بيده الأخرى لإشعال اللهب في طرفها. بعد ثوان، بدأت النار تلتهم الورق أمام أعينهم، ثم تركها من يده تحترق داخل الحوض على المهل.
التفت إلى كارمن قائلًا بجدية وحزم حزين: السر ده محدش غيرنا هيعرف به يا كارمن. ابن عمي نفسه مش عارف حاجة خالص ولا أي حد مهما كان لازم يعرفوا تمام.
أومأت إليه بالموافقة، ثم إرتمت بين ذراعيه حيث عانقته بشدة، تربت على ظهره بحنان، كأنها تواسيه، على أمل أن تخفف العبء الذي يحمله على عاتقه وحده.
رواية مزيج العشق الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نورهان محسن
كان عشقه بركانًا كامنًا في نقطة بعيدة، مختبئًا بين ثنايا قلبها، دون إدراك منها اندلعت الحمم بداخلها لتذيب الثلج الذي غلف قلبها، حيث أنها كانت على شفير الهلاك حتى أحاطت بها حرارة عشقه الناري، ليعيد لها حياتها ويضخ الدماء في وتينها مرة أخرى.
صباحًا في منزل مالك البارون.
وقف مالك أمام التسريحة، ناظرًا في المرآة، وهو يمشط شعره بينما يدندن أغنية بروقان بصوته العذب: يا جميل يا اللي هنا ما بقينا لوحدنا يا جميل يا جميل.
تسللت يسر إلى الحجرة بخفة، ووقفت وراءه، وهي تضع كلتا يديها على خصرها، قائلة في غضب مصطنع: بتغني لمين وانت غزالتك رايقة كدا يا سي مالك؟
ضحك مالك بمرح، وهو ينظر إليها من خلال المرآة، وقال بغمزة: هو أنا عندي غيرك انت يا جميل في حياتي.
ضيقت يسر عينيها، ثم أدارت جسده في مواجهتها، قائلة برقة مفرطة: هممم أنا كمان بقول كدا.
رفعت يدها وبدأت تصلح ربطة عنقه، وأردفت بدلال، وهي ناظرة إليه بعيون متسعة ببراءة: ميكي حبيبي.
علق مالك نظراته في السقف، وقال بارتياب: طالما فيها ميكي وعلى الصبح كدا.. يبقى وراها حاجة استرها من عندك يارب.
وكزته يسر برفق في كتفه، وقالت بعتاب، بينما تقوس شفتيها للأسفل: اخس عليك يا مالك.
قبل مالك خدها بحب. ثم أشار إليه بإصبعه، وهو ينذرها: بهزر معاكي يا قلبي أأمريني.. بس بسرعة أنا متأخر على الشغل وابنك عنده حضانة.
تنحنحت يسر قائلة بصوت منخفض: أحم كنت عايزة تجيبلي حاجة معاك وانت راجع من الشغل.
نظر مالك في المرآة، وهو يعدل ملابسه، رافعًا حاجبيه، ليقول بملل: حاجة ايه دي ما تتكلمي على طول يا يسر بلاش مقدماتك الطويلة دي.
فركت يسر فروة شعرها بتوتر خفيف، ثم استجمعت شجاعتها، ونطقت بسرعة: أنا عايزة رنجة.
التفت مالك إليها بسرعة، وعيناه جحظت بصدمة، وهتف بدون وعي واستنكار: نعم يا اختي عيدي تاني كدا.
انتفضت يسر من صراخه عليها، قائلة في ذعر، بينما تجمع قبضتيها معا على صدرها: خضتيني ما براحة بقولك عايزة رنجة.. ايه جريمة دي.
تشدق صدغ مالك بسخرية، ثم سألها بصوت لاذع: من امتى وانتي بتاكلي الحاجات دي يا هانم.
رفعت يسر كتفها، وقالت دون أن تهتم باستهزائه بها: نفسي راحتلها.. مفيهاش حاجة لو جربتها.. ريحتها مش بتفارق مناخيري من كام يوم.
ابتسم مالك بإيماءة صغيرة، وقال بشك مليء بالفرح: الله الله انتي بتتوحمي يا سوسو.
فتحت فاهها بصدمة، وتفوهت ببلاهة: ها.. بلاش سخافة يا مالك.. وحم ايه دلوقتي.
أمسكها مالك من كتفيها، وهو يردد مجددا بحماس: لا انتي بتتوحمي أنا متأكد.
أسدلت يسر عينيها للأسفل، وظلت تحسب الأمر في ذهنها لبعض الوقت، تتخبط أفكارها دون أن تصل إلى أي شيء، ثم نظرت إليه وقالت بحيرة: تصدق مش عارفة بس حالياً ضروري تجيبهالي وانت جاي.
قال مالك بسرعة، وهو يمشي بها إلى خزانة الملابس: ماشي هجيبلك اللي انتي عايزاه بس تعالي البسي عشان نروح للدكتور.
توقفت يسر، واستدارت إليه بكامل جسدها، قائلة بدهشة من إلحاحه: مالك يا حبيبي انت اتجننت دكتور ايه.. انت وراك شغل وأنا عايزة أروح لكارمن عشان آخد منها الكتاب.
برزت عيناه، وقال بلهفة، وهو يربط الأشياء معًا في ذهنه: أهو الكتاب ده أكبر دليل إن كلامي مظبوط.. انتي بقالك فترة زنانه ومتغيرة عمالة تزني على البت تجيبهولك بقالك أسبوعين ومش طايقة نفسك ولا طايقاني.
أشارت يسر إلى نفسها بغباء وقالت: معقولة أنا بقيت كدا بجد.
تنهد مالك بسأم من اعتراضاتها الكثيرة، وقال بسرعة: مش وقته الكلام ده يلا البسي خلينا ننزل بسرعة يا حبيبتي.
ربتت يسر على ذراعه، وقالت بتريث: اهدا يا قلبي واسمعني ياسين مستنيك عشان تاخده الحضانه لما ترجعه من الحضانه نوديه عند ماما ونروح للدكتور بليل في الروقان.
قلب هذا الكلام في رأسه، ثم أومأ إليها بالموافقة، وقال بتحذير: خلاص موافق بس بشرط تاخدي بالك من نفسك وما تنزليش.. اتصلي حالاً بكارمن خليها تجيب الكتاب على الشركة وأنا هعدي أخده منها.
قبلته يسر على خده بلطف، وقالت بإبتسامة متسعة مظهرة أسنانها البيضاء: حبيب قلبي انت حاضر.
في قصر البارون.
داخل جناح أدهم.
رن الهاتف الخلوي فوق السرير، بينما كارمن كانت تقف أمام المرآة وهي تعدل مكياجها، ليقطع رنين الهاتف اندماجها فذهبت إليه لالتقاطه، وتنهدت بقلة حيلة عندما وجدت اسم يسر مضاءً على الشاشة.
ألقت نظرة خاطفة على الحمام الذي دخله أدهم للتو، ثم أجابت بهدوء: الو.
هتفت يسر بمرح، بينما تقف وراء النافذة تنظر إلى زوجها، وهو يسير نحو سيارته وفي يده ياسين: صباح القشطة يا قلبي.
ابتسمت كارمن، وقالت بنبرة رقيقة: صباح الورد يا ياسو عاملة إيه.
يسر بتنهيدة عميقة: فل الحمد لله وانتِ طمنيني عليكي.
جلست كارمن أمام الطاولة تمشط شعرها ناظرة إلى المرأة، وقالت بلطف: يارب دايماً أنا تمام والله.
همهمت يسر بتساؤل: فينك كدا.
كارمن بعدم اكتراث: أبداً لبست ونازلين على الشركة.
عقدت يسر حاجبيها قائلة بإستفهام: نازلين انتي ومين.
لوت كارمن شفتيها، وأجابت بسخرية: أنا وأدهم يا تايهة.
توجهت يسر نحو المطبخ لإعداد كوب قهوة، بينما تسألها بعدم استيعاب: هو رجع امتى مش المفروض مسافر.
قامت كارمن من مكانها تتحرك في أرجاء الغرفة، وقالت: لا رجع امبارح بليل.
تمتمت يسر بإستغراب: غريبة مالك ما قالش إنه جه يعني.
كارمن بتنهيدة من كثرة أسئلتها: عشان مالك ما يعرفش.. محدش يعرف أصلاً.
ثم أضافت بإبتسامة خبيثة: بقولك إيه ماتقوليش حاجة وخليه يتفاجئ بيه قدامه في الشركة.
ضحكت يسر أيضاً بطريقة شريرة، وأعجبت بتلك الفكرة حيث ستستطيع الانتقام منه لاستهزائه بها منذ قليل: ماشي يا سوسة مش هقول حاجة بس لو عرفتي تصوري الحدث ده ابعتيهولي.
ثم أردفت بسرعة: بس اسمعي صحيح مالك هيعدي عليكي عشان ياخد منك الكتاب خديه معاكي أوعي ماتنسيش.
قلبت كارمن عينها للجهة الأخرى، قائلة بملل واضح: يادي الكتاب يا ست الزنانة ماشي عايزة حاجة تانية لازم أقفل متأخرة ارحميني من رغيك شوية.
قهقهت يسر بصخب، وبدأت تصدق حديث مالك عن أسلوبها مؤخراً: لا يا حضرت المهمة هانم روحي والقلب داعيلك وابقي كلميني بليل.
قالت كارمن بضحكة عالية: أوك يلا باي.
يسر بإبتسامة مشرقة: مع السلامة.
التفتت كارمن إلى زوجها بعد انتهاء مكالمتها، وتشمله بإلقاء نظرة فاحصة من الرأس إلى أخمص القدمين، قائلة بإعجاب صريح بجسده المعضل داخل بدلته الرسمية الأنيقة: قلبي لا ماقدرش على الشياكة الفتاكة دي كلها.
ابتسم أدهم بلطف على تغزلها الرقيق به، وهو يقترب منها قائلاً بصوت رخيم هادئ، وهو يقبل جبهتها: كلي ليكي يا روحي.. يلا بينا ننزل نشوفهم بيعملوا إيه تحت.
أشارت كارمن بيدها إليه، وقالت على الفور: حاضر بس لحظة واحدة حبيبي.
انتهت من الحصول على الكتاب، ووضعته في حقيبتها قبل أن تنسى، ثم أخذت معطف زوجها ومعطفها وسلمته خاصته، وبعد ذلك تأبطت ذراعه ونزلوا معاً إلى الطابق السفلي.
بعد قليل في الأسفل.
دخل أدهم وكارمن غرفة الطعام حيث كان الجميع جالسين في أماكنهم بهدوء.
كانت أول من رأتهم هي ملك التي كانت تطعم كلبها الصغير بلطف، لذا ركضت إلى أدهم قائلة بنبرة طفولية سعيدة: بابا.
حملها أدهم من الأرض، وهو ينظر إلى الجميع، وقال معتذراً: سامحوني يا جماعة بس السكر دي وحشاني جدا.
ضمها بين يديه، وهو يقبل خدها بشوق لرائحتها اللطيفة، قائلاً بابتسامة عريضة على شفتيه: يا حبيبة بابا.
همهمت ملك بكلمات غير مرتبة، وهي فتحت يديها على مصراعيها وقبلته على خده بلطف، لكن ملامحها عبست فجأة.
تساءل أدهم بعدم إدراك: هي مالها كشرت كدا ليه!
قالت كارمن بضحكة، مداعبة خد ابنتها بلطف، ثم قرصت أنفها برفق، وهي تبتسم إليها بحنان، لتقول بشقاوة: ذقنك يا بابا طويلة شوكتها.
ضحك أدهم، وهو يومئ بتفاهم، قائلاً بحنو: معلش يا روحي عشانك انتي بس يا ام عيون تجنن هخفها.
واصل حديثه بصوت منخفض بالقرب من أذن كارمن: وعشان عيون امك كمان.
ابتسمت كارمن بخجل ثم أومأت برأسها، وهي تبتعد عنه متجهة نحو طاولة الطعام.
أنزل أدهم الصغيرة إلى الأرض، لتجري خلف كلبها الصغير، وقد نست ما حدث منذ دقيقة، ثم هتف أدهم بمرح: يا صباح الفل علي الحلوين.
قالت ليلي بفرح لرؤيته أمامها، وهو يبدو سعيدا: صباح الورد يا حبيبي حمدلله علي سلامتك.
بينما ابتسمت مريم باتساع، وهي تصافحه بمحبة: نورت بيتك يا بني وحشتنا والله.
بعد أن رد على تحياتها بأدب وود، ذهب أدهم إلى ليلي واحتضنها بشوق كبير، ثم انحنى وقبل يدها ثم جبهتها، قائلا بابتسامة جذابة: وحشني حضنك جدا يا ست الكل طمنيني صحتك عاملة ايه.
جلست كارمن أمام كرسي والدتها من الجانب الآخر للطاولة، قائلة بابتسامة رقيقة مشرقة، وعيناها تشعان بالسرور: صباحك هنا يا مامتي.
قالت مريم بحبور: صباح الورد يا نن عين امك.
كانت والدتها سعيدة للغاية بتألق عينيها، وابتسامتها التي تذبلت على شفتيها منذ سفر أدهم، وحتى وجبة الإفطار لم تتناولها معهم منذ فترة طويلة، وكانت تذهب مباشرة إلى الشركة أثناء غياب زوجها.
دخلت نادين الغرفة برشاقة في ذلك الوقت، لكنها توقفت فجأة عندما رأته أمام عيناها يصافح والدته.
تضاربت الأفكار في ذهنها بحيرة، متي وصل من سفره، ثم ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيها، وهي ترى ابتسامة كارمن السعيدة، وسرعان ما اندفعت إليه بسرعة، متظاهرة باللهفة: حبيبي أدهم.
تفاجأ أدهم بمن ارتمت عليه وعانقته، ثم تمسكت برقبته، وقبلت خديه، وهي تردد بدلال أنثوي مقصود: وحشتني موت.. حمدلله علي سلامتك يا روحي.
اشتعلت عينا كارمن بلهيب أزرق ناري كاد أن يحرق نادين في ظهرها.
أما بالنسبة له، فلم يشعر بأي شعور يذكر عندما اقتربت منه نادين بهذه الطريقة، وكأنها لا شيء على الإطلاق، على عكس كارمن التي بلمسة بسيطة منها جعلته يشعر بتيار كهربائي في جميع أنحاء جسده، ثم تمتم ببرود: الله يسلمك يا نادين.
أنزل ذراعيها اللتين تلتف حول رقبته مثل الحية التي تلتف حول فريستها، وهو يتنهد مما فعلته، فهذا الأمر الآن بالطبع سيسبب له مشاكل مع كارمن، بالتأكيد ستغضب منه الآن.
نظر إلى كارمن التي كانت جالسة تشاهد هذا العرض المسرحي الساخر أمامها دون أي رد فعل يظهر على ملامحها المقتضبة.
اختفت الابتسامة المشرقة عن شفتيها، وقد أقتحم وجهها بشدة حيث نجحت تلك المرأة البغيضة حرق أعصابها عندما اقتربت منه، ولكن كيف لها أن تمنعها، وهي زوجته في النهاية أيضًا.
جلس أدهم بهدوء بجانبها دون أن ينبس ببنت شفة.
تساءلت ليلي في محاولة لفت انتباه كارمن، عندما رأت نظراتها النارية إلى نادين: انت رجعت امتى يا أدهم محدش من الخدم شافك والا كانو بلغوني على طول.
بدأ أدهم بشرب قهوته بعد أن سكبتها كارمن في فنجانه، ثم قال بعدم اكتراث: جيت بليل يا امي و محبتش أزعج حد طلعت على جناحي فورا.
نطقت ليلى بصوت خفيض ماكر، وألقت نظرة سريعة على مريم التي فهمت عليها سريعا: قول كدا بقي انك ما صدقت وصلت و روحت طيران على الناس اللي وحشوك.
غصت كارمن أثناء شرب العصير من تلميحات والدته الجريئة، لكنها سرعان ما ابتسمت بمكر أنثوي، لأن الكرة أتت إليها، ولابد من أن تسجل هدفا ذهبيا الآن.
اقتربت كارمن منه بجرأة، وهي تميل عليه، ثم وضعت كفها الناعم على خده، ومسحت آثار قبلات تلك الحرباء بتعمد واضح، ثم رفعت يدها الأخرى إلى صدره متظاهرة بتعديل رابطة عنقه.
حدقت كارمن في عينيه بإشتياق، قائلة بنعومة مفرطة يتخللها الغنج: لا يا ماما بالعكس ماتظلميهوش.. أنا اللي مسكت فيه امبارح أول ما لقيته قدامي.. كان وحشني أوي أوي ماقدرتش أقوم من حضنه طول الليل.
اختتمت جملتها بقبلة صغيرة بجوار فكه أمام كل الجالسين.
برزت عينا أدهم إلى الأمام، وهو يحدق فيها بصدمة حقيقية، لأنه توقع منها كل شيء بعد حركة نادين، باستثناء هذه التصرفات الجريئة منها أمامهم، لكنه ابتسم بدهاء من مكرها الذي أسعده وأرضاه كثيرا، وهي علمت بذلك جراء عيناه التي التمعت بشغف نحوها.
قالت ليلي بابتسامة متلاعبة، وقد أحببت ما فعلته كارمن: ربنا يسعدكم يا حبيبتي.
بينما كانت نادين تجلس بابتسامة سطحية على شفتيها، تختبئ وراءها قدر هائل من الكراهية والحقد لكارمن، التي انتصرت عليها للمرة المائة، وبدلا من مكايدتها، كانت هي التي أغضبتها كثيرا.
بعد بضع دقائق، أمام قصر البارون.
ركبت السيارة بجانب زوجها حيث كان جالسا أمام عجلة القيادة، وقالت برقة: أدهم ممكن تستنى ماتطلعش دقيقة بس.
أنهت كلماتها، ثم عبثت قليلا في حقيبة يدها، وأخرجت منها شيئا تحت عيون أدهم الذي يناظرها بحيرة.
همست كارمن بنبرة خجولة بعض الشيء، بينما تعلو شفتيها ابتسامة رائعة: اتفضل.
أخذ من يدها الصندوق الملفوف بأناقة، وحدق فيها بذهول، وسأل باهتمام: فيها ايه العلبة دي يا حبيبي.
هزت كارمن كتفيها، وأجابت ببساطة: افتحها وانت تعرف.
بدأ أدهم بفك الرابط من على الصندوق، ثم أزال المغلف ورماه إلى جانبه بإهمال، لتتسع عينيه بدهشة، حيث رأى مجموعة مصاحف قرآنية داخل الصندوق، ثم استمع إلى صوت كارمن اللطيف قائلة: كنت بفكر طول فترة سفرك في هدية أقدمهالك لما ترجعلي بالسلامة.
ثم ألتقطت إحدى المصاحف من الصندوق، ووضعته أمام زجاج السيارة من الداخل، قائلة بمحبة: مافيش أفضل من كلمات الله عشان تحفظك من كل مكروه في أي مكان تروحو.
في نظره، كانت هذه بالفعل أعظم هدية نالها في حياته، لأنها كانت كلمات الله الحافظ، كما أنه شعر بمقدار المشاعر العميقة التي تكنها كارمن في قلبها له، لقد كانت هدية معبرة جدا وتأثر بها بقوة.
قال أدهم بابتسامة، وعيناه تشعان لها بالحب والتقدير: ربنا يخليكي ويحفظك انتي ليا يا قلبي وكفاية عندي إني أشوفك قدامي دي أحلى هدية في الدنيا.
همست كارمن بصوت خجول: ربنا ما يحرمنيش منك حبيبي.. باقي المصاحف هنحطهم في المكتب عندك.
ثم أدارت رأسها إلى الوراء، ونظرت إلى السيارات المتوقفة في الخلف من خلال الزجاج المظلم للسيارة، وتمتمت مازحة: طب يلا اتفضل اتحرك.. إحنا بقالنا كتير واقفين كدا الحراس هيفهمونا غلط.
ضحك أدهم بصوت عال على مزحتها الطريفة، ثم سرعان ما سيطر على قهقهته، وهمس بابتسامة جذابة على شفتيه، بينما يقترب منها بمكر واضعا يده على قمة المقعد خلف رأسها: مش متحرك ويفهمو اللي يفهمو مايهمنيش.
التصقت كارمن في باب السيارة، قائلة بإرتباك مختلط بخجل مما ينوي فعله: أدهم مش وقت رخامة بقي لو سمحت.
رفع أدهم حاجبيه، وابتسامة لا تزال على شفتيه، متمتما: لما تقوليلي الأول أنك مابقتيش زعلانه مني.
ابتسمت كارمن بهدوء، وقالت بنبرة متلاعبة أيضًا، بعد أن تأكدت قليلا من أنه لن يكون متهورا: لا لما أتأكد أنك بقيت تفهمني ومش هتسيبني تاني لوحدي وتخلع.
مال أدهم نحوها قليلا، وقبل خدها بحب، ليهمس بجانب أذنها: أوعدك وغلاوتك عندي عمري ما هخلع أبدا.
رفعت بصرها محدقة فيه، متسائلة ببراءة: والمرة الجاية هتاخدني معاك وانت مسافر.
لثم أدهم جبينها بعمق، قائلا بنفس الصوت الخافت: مش هسافر بعد كدا غير وانتي معايا..
ثم قرص وجنتيها المشتعلة بأحمر قاني بخفة متسائلا: ها لسه زعلانه.
أخذت نفسا عميقا قبل أن تجيب عليه، بينما تصاعدت الحرارة في وجنتاها، مما جعلها تشعر بالدفء والاسترخاء: من خوفي عليك كنت زعلانه منك.
ثم أردفت بنبرة صادقة: أدهم انت نعمة ربنا عوضني بها عن كل حاجة اتحرمت منها في الدنيا وبحبك أوي.
التمعت عينا أدهم من السعادة التي جعلت ابتسامة كارمن العاشقة تتسع أكثر، قائلا بهيام في عينيها: وأنا بعشقك يا عمري كله.
بعد حوالي ساعتين في شركة "البارون ديزين".
في مكتب كارمن.
جالسة أمام الكمبيوتر تقوم ببعض الأعمال، قاطعها دخول مالك بعد أن طرق الباب.
مالك بصوت مرح: صباح النشاط على مديرتنا.
تركت شاشة الحاسوب ناظرة إليه، وردت بابتسامة على تحية الصباح: صباح الورد يا مالك.
جلس مالك أمامها قائلا بإهتمام: إيه الأخبار معاكي بالشغل.
أومأت برأسها قائلة بهدوء: كله تمام انت لسه واصل.
همهم مالك، وقال بلا مبالاة: أيوه عديت على الشركة التانية خلصت شوية حاجات وجيت على هنا..
ثم أردف، وهو يستعد للنهوض: إذا احتاجتي مني حاجة أنا على مكتبي.
أوقفته كارمن، وهي تعبث في حقيبة يدها وقالت على الفور: ماشي..
استنى قبل ما أنسى.
أخرجت الكتاب من حقيبتها وقالت بمزح: "خد وقول لمراتك ترحمني شوية من الزن."
أمسك مالك الكتاب منها وبدأ يفحص غلافه وهو يتمتم: "ما ظنش إنها هتبطل، دي دوب بتسخن."
رفعت كارمن حاجبيها بدهشة وقالت بتساؤل: "إزاي يعني؟"
نظر مالك إليها محاولاً كبح ضحكته وقال على مضض: "الهانم طالبة مني أجيب لها رنجة."
اتسعت عيناها وقالت بإيماءة صغيرة من رأسها: "إنت بتهزر صح؟"
قال مالك بضحكة خافتة: "والله بجد، شكلها بتتوحم."
تمتمت كارمن بغيظ: "إزاي البت دي ما تقولش؟"
أجاب مالك وهو يستقيم في جلسته: "إحنا هنروح بليل للدكتور، وإذا الخبر صحيح إن شاء الله هتقولك بنفسها."
دخل أدهم المكتب فجأة بهدوء وهو يغمز بعينيه إلى كارمن التي فهمت معنى تلك الإيماءة، ثم سعلت بعد أن أفلتت منها ضحكة صغيرة حتى لا ينكشف أمرها أمامه.
وأجابت على مالك بنبرة عادية وهي تكتم ابتسامتها بصعوبة: "خلاص ماشي. احم."
هبط أدهم بكف يده على كتف مالك الجالس، ويولي ظهره نحو باب المكتب، ثم صاح في غضب أجاد تصنعه: "إنت قاعد تكركر هنا يا أستاذ وسايب شغلك؟"
اتنفض مالك من على كرسيه وخفق قلبه بقوة من تلك المفاجأة، قائلاً بدهشة مستنكرة: "بسم الله اللهم احفظنا.. إنت طلعت منين يا أخي؟"
انفجرت كارمن ضاحكة من التعابير المفاجئة على وجهه، والتي كانت مضحكة للغاية.
نظر أدهم إلى كارمن وهو يشير بيده إلى مالك وقال بتهكم ساخر: "والله عال، شايفة الاستقبال بيبقى عامل إزاي منه؟"
هزت كارمن رأسها مؤيدة لزوجها في حديثه وقالت بتسلية: "دلوقتي عرفت يسر جابته منين، أكيد اتعدت منه."
صاح عليهم مالك بسخط: "حيلك حيلك إنت وهي، هتتمسخروا عليا أنا ومراتي كدا كتير."
قالت كارمن بينما تمط شفتيها للخارج متصنعة الحزن، وتسبل عيونها: "لأ خلاص، كفاية عليك اللي هتعمله فيك يسر."
عبست ملامح مالك قائلاً بحسرة: "ربنا معايا."
ثم قال موجهاً حديثه لأدهم: "قولي صحيح، إنت رجعت إمتى يا شبح؟"
وضع أدهم يديه في جيوبه وقال بفظاظة وغرور: "بعدين هبقى أقولك، انزل شوف المخازن دلوقتي.. عايز مراتي في كلمتين لوحدنا."
جز مالك على أسنانه من لهجته المتعجرفة وقال بقهر: "بتوزعني كدا، عيني عينك."
أومأ أدهم ببرود: "أكيد."
غمز مالك بخبث وقال بابتسامة: "ماشي يا أبو الأدهيم."
زم أدهم شفتيه وشد على قبضته بحنق من استفزاز مالك له، ثم تحرك قاصداً أن يلقنه درساً عنيفاً، لكن فر مالك من أمامه في غمضة عين للخارج.
أدار أدهم رأسه ونظر إلى كارمن، التي كانت تغطي فمها براحة يدها لإسكات ضحكها عن زوجها الغاضب، الذي يبدو لطيفاً جداً هكذا.
تقدم أدهم منها بابتسامة جانبية وسأل بينما هو واقف أمامها مباشرة: "بتخبي ضحكتك ليه يا شقية؟"
ردت كارمن بضحكة خافتة بعد أن خفضت يدها، وإستندت على حافة المكتب خلفها: "قلقانة لا تمسك فيا.. مين هينجيني منك وقتها؟"
نظر أدهم حوله، حيث كان جدار الغرفة مصنوعاً من الزجاج، مما يجعل الواقف من الخارج يرى الداخل بوضوح، وقال بتنهيدة: "لأ، اطمني.. إنتي هنا في أمان."
تنهدت كارمن براحة وقالت بابتسامة رائعة: "طب كويس إنك قلتلي."
مال أدهم بجسده عليها قليلاً، وهو يمسك خصرها بين يديه، وقال بينما كانت عيناه تتألقان بنظرة خبيثة: "بس مش عايزك تاخدي كلامي بالثقة دي.. أنا ممكن أتهور بعد الابتسامة اللي تجنن دي."
جحظت عيناها في رعب، وهي تحاول الإفلات منه بإحراج، لكي لا يراهما أحد في هذا الوضع الحميمي، فقالت مبتعدة عنه قليلاً: "لأ وعلي إيه.. نلبس الوش الخشب ونتكلم في الشغل أحسن."
نظر أدهم إليها بنصف عين، قائلاً بهدوء: "شطورة، يلا هاتي لابتوبك وتعالي اشتغلي عندي بالمكتب."
جعدت كارمن حاجبيها، وهي تضع يديها على خصرها، وقالت بعبوس لطيف: "اشمعنا بقي؟"
ضاق أدهم عينيه وهو يتظاهر بالتفكير، ثم أجاب: "عشان تشتغلي وأنتي قدامك منظر جميل وتقدر تخرجي كل الإبداع الفني."
أردف بجدية: "وفي موضوع مهم كمان عايز أتكلم فيه قبل ما نرجع البيت."
حركت كارمن رأسها بإيماءة صغيرة، وقالت برقة: "حاضر، اسبقني وأنا هاجي وراك."
أدهم بتحذير: "بس ماتتأخريش."
قالت كارمن بينما تعبث في حاسوبها: "ماشي."
بعد قليل.
غادرت كارمن مكتبها، وسارت في طريقها إلى مكتب أدهم، لتتفاجأ بأن أدهم يقف مع مها السكرتيرة في الممر، ومعهما رانيا عارضة الأزياء.
زمت كارمن شفتيها مستاءة من تلك الفتاة التي لا ترتاح لها، ولا لنظراتها الجريئة إلى أدهم، وأيضاً غاضبة مما تسببت فيه هي ويوسف إلى نسمة من ألم وخِذلان، لكن اللوم لا يقع عليها وحدها، كان هو أيضاً سبباً رئيسياً لهذا الوجع لتلك المسكينة، إنهما نفوس خبيثة حقاً.
سارت بهدوء ووقفت خلفهم، لتقول بصوت رقيق للغاية: "أدهم حبيبي، آسفة لو قطعت كلامكم."
التفت أدهم إليها قائلاً بابتسامة حنونة تخصها وحدها: "لأ، أبداً حبيبتي.. لحظة واحدة."
ثم عاد يردف بجدية، منهياً حديثه مع رانيا التي كانت تثرثر لبضع دقائق دون جدوى: "الموضوع دا تقدري تكلمي فيه الفريق المنظم للديفليه يا رانيا، وحالياً عن إذنك لأن عندنا شغل كتير."
أضاف بتساؤل يوجه حديثه إلى سكرتيرته الخاصة: "مها، في ورق محتاج إمضتي غير اللي بعتيهم الصبح؟"
مها بنبرة عملية: "لأ يا فندم."
أدهم بهدوء: "تمام.. تعالي يا كارمن."
سارت كارمن معه، وشبكت يدها في يده، يكملون طريقهما إلى مكتبه، وعندما دلفت خلفه مغلقة الباب خلفها، تمتمت بشيء وصل إلى مسامع أدهم: "البنت دي مش طبيعية بجد."
أدهم باستفهام: "بنت مين؟!"
تقدمت كارمن من المكتب الذي جلس خلفه أدهم، لتتسلق حافة المكتب أمامه، وتجلس عليه بشكل مريح قائلة بسخرية: "الآنسة رانيا."
رفع أدهم حاجبه بتعجب وقال بدهشة: "مالها بس، عملتلك إيه؟"
زمجرت كارمن بنبرة حادة: "وهي تقدر تعملي حاجة؟ كنت قرقشتها بسناني."
ابتسم أدهم لأسلوبها اللطيف، وكلماتها الغاضبة وهو يقرص أنفها، وقال مازحاً: "يا واد يا شرس إنت."
وجهت وجهها بعيداً عن متناول يده، وقالت في انزعاج: "أدهم، بطل الحركة دي.. يسر كانت بتعملها في ابنها لحد الواد ما مناخيره بقت قد البرتقالة بسببها.. وبعدين هبقى أقولك هي عملت إيه."
قام بشبك أصابعه بين أصابعها النحيلة، قائلاً بجدية: "ماشي، ركزي هنا معايا عشان عايزك في موضوع."
نظرت إليه كارمن بتمعن وقالت بفضول: "خير، موضوع إيه دا؟"
قال أدهم في صوته الرخيم، وعيناه لم تترك عينيها: "عارف إن نادين بحركاتها المستفزة بقت تضايقك كتير."
أسدلت كارمن عينيها، وقد ألمتها معدتها من سيرة تلك المخلوقة، حيث ظنت أنه سيدافع عما فعلته نادين في الصباح، لكنها تحدثت بهدوء: "دا العادي، مش جديد عليها يا أدهم، وأنا بقيت متعودة."
رفع أدهم ذقنها بأصابعه، لتنظر في عينيه ملاحظاً هو نظراتها الحزينة، ليردد مجدداً: "كارمن، هي وجودها فعلاً بيضايقك، ماتنكريش.. أنا وهي أصلاً علاقتنا ميتة من سنين والمفروض إنها تنتهي لأن مالهاش معنى، وأنا حالياً عايز أطلقها و..."
بترت كارمن جملته، قائلة برفض وهي تهز رأسها: "لأ.. لو هتطلقها يا أدهم، يبقى عشان إنت عايز كدا، لكن ما تعملش كدا عشاني."
رفع أدهم حاجبيه، قائلاً بعدم تصديق: "يعني هي وجودها في حياتنا مش مزعلك؟"
تنهدت كارمن بضيق، وقالت بنبرة حزينة: "أنا مش ملاك، طبعاً زعلانة وهموت من القهر والغيظ.. إن واحدة غيري على ذمتك ولما بتقرب منك ببقى عايزة أخنقها.. بس بلاش تطلقها بسببي أنا، وإنت قلت مالهاش حد غيرك، هتروح فين وتعيش إزاي؟"
أومأ أدهم برأسه وقد تفاهم كلامها، قائلاً بابتسامة صغيرة: "خلاص فهمتك، أنا هشوف الموضوع دا قريب وأخلص منه بطريقتي، وصدقيني مش هظلمها، يعني هتاخد حقوقها بالكامل ومبلغ كويس تعيش منه."
اللمعت عيناها بالدموع تأثراً بحديثه، وقالت بنظرة عاشقة، بينما كلتا يديها وضعتها على وجهه: "مفيش حد في طيبتك ورجولتك يا أدهم، وبجد بحسد نفسي إني معاك، وأنا فعلاً بموت فيك وهعيش ليك طول عمري."
بعد مرور عدة أيام.
في شركة البارون ديزين.
نزلت من المصعد، وسارت بخطوات هادئة في الممر بعد انتهاء الاجتماع، ثم توقفت عندما رأت الساعي يمر بجانبها، لتنطق بنبرة منهكة: "عم ممدوح، لو سمحت تعملي النسكافيه بتاعي وتجيبه على مكتبي."
قال ممدوح بتهذيب: "تأمر يا أستاذة نسمة."
أهدته ابتسامة لطيفة، ثم توجهت مباشرة إلى مكتبها.
دخلت المكتب، وهي تفحص بعناية الأوراق الممسكة بها بين يديها، لذلك لم تلاحظ من كان يجلس على الكرسي أمام المكتب بهدوء صامت.
رفعت نسمة بصرها، ونظرت إليه بتفاجؤ من جلسته هكذا، وللحظة شعرت بالتوتر، لكنها سرعان ما وضعت الأوراق على المكتب، وقالت بنبرة رسمية، وهي تتخذ موقفاً دفاعياً حيث كانت ذراعيها متشابكتان تحت صدرها: "أيوه يا أستاذ يوسف، في حاجة تبع الشغل؟"
تحدثت ببرود وبلا مبالاة، وهي تتساءل محتارة في سرها، أين ذهب شعور الإعجاب والاستلطاف الذي كانت تشعر به تجاهه من قبل؟
أثارت لهجتها الجليدية دهشة واستياء يوسف كثيراً.
صحيح أنها كانت تتجنبه منذ شهور، لكنه ظن أنها فترة ستمضي وستعود إلى طبيعتها معه، خاصة عندما علم من صديقه المقرب أن رانيا اقتربت منه فقط لأنه كان قريبًا من صاحب الشركة لا أكثر، وكانت تطمح في أن تقترب منه من خلاله. لكن منذ زواج أدهم وهي ابتعدت عن يوسف، لاعتقادها أنه وسيلة بطيئة للوصول إلى مبتغاها، وهو كان في تلك الحكاية مثل الأحمق الذي انجرف بسحرها وفقد خطيبته.
ظل يوسف محدقًا فيها بنفس الصمت، بينما كانت الأخرى ترمقه بعيون باردة قوية.
"أين ذهبت ابتسامة نسمة الرقيقة الآن؟"
"هل هو بالفعل قد أذى شعورها لهذه الدرجة؟"
تنهد في سره يفكر ما فائدة الندم الآن، عليه أن يحاول استرجاعها وألا يقف مكتوف الأيدي هكذا.
نطق يوسف بتعجب: "انتي ليه بتتكلمي معايا بالاسلوب دا يا نسمة؟"
هتفت نسمة بتصحيح ولهجة جدية للغاية: "أستاذة نسمة لو سمحت.. ثانيًا أنا بتكلم بكل أدب مع حضرتك."
حاول السيطرة على أعصابه التي بدأت تهتز من أسلوبها الصارم معه، وقال بتوتر طفيف: "أنا قصدي ليه الرسمية دي كلها.. إحنا كنا أصدقاء قبل ما يكون بينا ارتباط وخطوبة."
ابتسمت نسمة ابتسامة لم تصل لعينيها، وقالت بسخرية: "انت قولتها كنا، مافيش حاجة بتمشي لورا.. حاليًا إحنا مجرد زملاء وبس."
هدر يوسف بإنفعال، بعدما تمكنت من خروج غضبه الكامن بسبب تهكمها الزائد معه: "يا نسمة اسمعيني شوية بلاش طريقتك الزفت دي."
صاحت نسمة بصوت عالٍ أيضًا: "لو سمحت لو عندك حاجة خاصة بالشغل قولها لو مش..."
قطع مشاجرتهما دخول ممدوح بعد أن طلب الإذن بكل احترام: "القهوة يا أستاذة نسمة."
نسمة بهدوء مفتعل، بينما صدرها يعلو ويهبط جراء تنفسها السريع: "شكرًا يا عم ممدوح."
وضع ممدوح القهوة فوق سطح المكتب، ثم نظر إليهم غير مدرك لحرب النظرات بينهم لبعضهم البعض، قائلًا بابتسامة بشوشة: "تأمروني بحاجة يا أستاذ يوسف أجبهالكم هنا؟"
أجابت نسمة بهدوء لاذع: "تسلم يا عم ممدوح.. الأستاذ يوسف هيروح لمكتبه لأن عنده شغل كتير."
ثم جلست خلف مكتبها، وقالت بهدوء أشد، وهي تنظر إلى الأوراق أمامها: "بعد إذنك يا أستاذ يوسف ورايا أنا كمان شغل عايزة أخلصه."
شعر يوسف بإحراج شديد، وإقتحم وجهه بقوة من طردها له بالذوق أمام ساعي الشركة، ثم اتجه للخارج بخطوات غاضبة دون أن ينطق بكلمة.
قالت نسمة بتهذيب: "اتفضل انت يا عم ممدوح، إذا احتجت حاجة من البوفيه هبلغك."
بعد أن أصبحت وحيدة في الغرفة شبكت يديها، وأرحت مرفقيها على المكتب، وأسدلت رأسها بإرهاق بينهما، وهي تغلق عينيها بقوة، وتضاربت الأفكار في عقلها. ولكن رغم أي شيء لم تندم أبدًا على معاملته بهذه الطريقة الجافة.
ماذا ينتظر منها بعد أن استهزأ بها ولم يحترمها، وأهان كرامتها بفعله.
كما أنه سقط عن أنظارها، وانتهى الأمر لهذا الحد.
لكن هل ينتهي الأمر حقًا عند هذه النقطة، أم ستقلب الأقدار التالية كل شيء رأسًا على عقب، من يدري؟
رواية مزيج العشق الفصل الأربعون 40 - بقلم نورهان محسن
بعد قليل
ومازلنا في شركة البارون
في مكتب أدهم
كارمن تجلس منذ أكثر من ساعة على الأريكة الموجودة أمام مكتب أدهم وتعمل على جهاز الحاسوب الخاص بها بناءً على تعليماته، بينما أدهم جالس على مكتبه يتابع حركاتها اللطيفة من حين لآخر بابتسامة صغيرة دون أن تلاحظه.
وقفت كارمن على قدميها وهي تستقيم بجسدها مع شعور طفيف بالألم في رقبتها من جلوسها بوضع ثابت فترة طويلة. لكنها شعرت بالجوع وكانت على وشك أن تسأله ماذا يأكل، لكن هاجمها دوار مفاجئ لتتمايل قليلاً في وقفتها وشعرت بهزة تحت قدميها، فجلست بسرعة ووضعت يدها على جبينها تدلكه بألم.
لاحظ أدهم ما حدث معها، لينهض بسرعة من مقعده متجهاً نحوها قائلاً باهتمام: "إيه اللي حصلك؟ حاسة بحاجة بتوجعك؟"
ابتسمت كارمن له بإرهاق وحاولت أن تجعل صوتها طبيعياً لكي تجعله يطمئن بعد أن استشعرت خوفه عليها، لكنه رغماً عنها كان خافتاً: "دوخة بسيطة يا حبيبي وعدت، ما تقلقش."
جلس أدهم بجانبها يلف كتفيها بحنان بذراعه ويربت على شعرها، ثم قال بقلق يتخلله بعض اللوم بسبب خوفه عليها: "إزاي ما أقلقش؟ إنتي من مدة حاسة بصداع ودلوقتي دوخة.. أكيد من مجهودك طول الوقت في الشغل."
رفعت كارمن عينيها إليه، ثم تمتمت في محاولة أن تنكر ما يقوله برقة: "لا يا أدهم، أنا ماكنش بيحصلي كدا وأنا بشتغل زمان."
لثم أدهم شعرها وهو يضمها أكثر بذراعه وقال بحنو: "دلوقتي غير زمان، إنتي ناسيه إنك ضعيفة من وقت ما ولدتي ملك. لازم نروح للدكتور نطمن."
مدت كارمن ذراعيها حول رقبته وقالت بابتسامة هادئة مقوسة شفتيها للأسفل ببراءة: "بس أنا مش بحب الدكاترة ولا المستشفيات."
ثم قبلته على ذقنه بأنفاس ساخنة وقالت بدلال: "صدقني شوية إرهاق صغيرين وهيروحوا لحالهم، عشان خاطري."
تنهد من قلبه، غير قادر على الضغط عليها، لكنه همس بإصرار ورفع حاجبيه: "بشرط تاخدي اليومين الجايين إجازة من الشغل."
أدارت عيناها بتفكير ثم قالت برخاء: "ماشي."
أردف أدهم بنفس الهمس المخملي ناظراً إليها بعيون تفيض حباً: "وتوعديني إذا حسيتي بتعب تاني تقوليلي، ما تخبيش وحياتي عندك.. بلاش عنادك دا كله إلا الصحة يا كارميلتي."
نطقت كارمن بابتسامة رائعة: "حاضر، هو أنا أقدر أعاند قصاد الحنان والاهتمام دا كله."
في قصر أدهم البارون ليلاً
يجلس أدهم على مكتبه وينجز بعض الأعمال المهمة، لكن شتت انتباهه دخول ملك عليه التي ركضت نحوه، ليلتقطها بين يديه ويجلسها على قدميه قائلاً بحنان: "إيه يا قلبي؟ إنتي تهتي منهم برا ولا إيه؟"
هتفت ملك بتعثر بلهجتها الطفولية الناعمة: "لا.. بابا.. مش عايزة آكل."
ابتسم أدهم وقال بصبر: "ليه يا روح بابا؟ الأكل هيخليكي تكبري وتبقي حلوة.. إنتي مش عايزة تبقي حلوة؟"
عبست ملامحها البريئة قائلة باشمئزاز: "عايزة.. بس لبن يع."
ابتسم أدهم لحركاتها البريئة وقال ضاحكاً وهو يشير إلى قدميها الصغيرتين: "لا اللبن هيخلي الرجلين الصغيرين دول يكبروا بسرعة يا شقية."
ثم دغدغها بمرح حتى رن ضحكها العالي في المكان بسعادة.
دخلت كارمن من خلال باب المكتب المفتوح وشاهدت ما يحدث بابتسامة رقيقة على شفتيها قائلة بحزن متصنع: "إيه دا؟ أنا قطعت عليكم اجتماع مهم ولا إيه؟"
ثم أكملت بتوعد زائف للصغيرة: "كذا يا لوكة؟ تدوخيني عليكي في الجنينة وإنتي قاعدة مبسوطة وبتضحكي هنا."
نظر إليها أدهم، ورفع شفتيه جانباً، وقال ساخراً: "هو دا اللي هتقعدي في البيت وترتاحي؟ بقي هي دي قعدة البيت بتاعتك يا كارمن؟"
زمّت كارمن شفتيها بإحراج قائلة بدفاع عن نفسها: "أنا بقيت أحسن صدقني، وبعدين أنا مش بتحرك كتير."
هز رأسه بقلة حيلة من عنادها، ثم وجه حديثه لملك قائلاً بحنان: "لوكة أحسن منك يا ماما، خلاص هي تشرب اللبن عشان تكبر، مش كدا يا ملك؟"
أومأت ملك ببراءة وهمهمت: "آه."
طبع أدهم قبلة على وجنتها المكتنزة بحب وقال بلطف بالغ: "طب يلا روحي مع ماما، ولما تخلصي الأكل كله هجيبلك لعبة كبيرة."
كانت الطفلة سعيدة للغاية، ونزلت بسرعة من قدميه وتوجهت إلى والدتها التي قالت وهي ترفعها بين ذراعيها: "افضل إنت دلع فيها كدا، وكل يوم شقاوتها بتزيد يا أدهم."
تلاعب أدهم بحاجبيه وقال بخبث: "من حق الجميل يدلع، أنا عارف إنك متغاظة منها عشان بتدلع أكتر منك."
شهقت كارمن قائلة بصدمة مزيفة وهي تقوس شفتيها للأسفل: "بقي دي آخرتها؟ هتركن على الرف؟"
قال أدهم بغمزة: "ما عاش ولا جاش اللي يعمل فيكي كدا يا كارميلة قلبي."
ثم أردف بهدوء: "طلب صغير حبيبي، قولي لكريمة تعملي فنجان قهوة، دماغي شتت من الشغل."
كارمن بابتسامة جميلة: "حاضر من عينيا."
في المطبخ
دخلت كارمن وعلى ذراعيها تحمل ملك قائلة بابتسامة حلوة: "دادة كريمة معلش هتعبك، اعملي قهوة لأدهم ووديهاله في المكتب، على ما أعشّي ملك. إنتي عارفة ما بتحلاش القهوة إلا من إيدك."
أومأت كريمة بطاعة قائلة ببشاشة: "بس كدا، غالي وأدهم بيه يأمر."
قالت كارمن بود لتلك المرأة الطيبة: "تسلمي يا دادة، ربنا يديكي الصحة."
كريمة: سيدة في أواخر الأربعينيات من عمرها وتعمل في القصر منذ أن كانت طفلة، وكانت هي التي اعتنت بأولاد ليلى واعتمدت عليها في أمور كثيرة ووثقت بها، كما أن أدهم يكن لها مكانة خاصة كثيراً في قلبه.
بعد قليل
دلفت كريمة المكتب بعد أن طرقت الباب، وسمح لها أدهم بالدخول، وهي تحمل صينية قهوة في يديها. ثم بعد أن وضعتها على سطح المكتب، وقفت تنظر إليه بتردد وارتباك.
نظر أدهم إليها، مندهشاً من وقوفها الصامت، وهي تتحدث معه عادةً عندما تأتي إليه، فسألها باهتمام: "خير يا دادة؟ إنتي حاسة إنك تعبانة؟"
أجابت كريمة بتلعثم متوترة بعض الشيء: "لا يا ابني، الحمد لله أنا كويسة."
ضيق أدهم عينيه وهو ينظر إلى عينيها التي تدار في المكان ولا تنظر له مباشرة قائلاً بشك: "أومال مالك؟ وشك مخطوف ليه؟"
قالت كريمة بتردد: "أدهم بيه، أنا كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع كدا."
ترك أدهم القلم من يده واتكأ ظهره على الكرسي، قائلاً بتوجس: "طالما فيها أدهم بيه، يبقى فيه مشكلة. كلمي من غير لف ودوران، في إيه؟"
أجابت كريمة بتنهيدة مضطربة: "بصراحة، فيه حاجة حصلت وأنا مش لاقية ليها تفسير. وكان لازم أبلغك بها فوراً، لكن ما لحقتش الصبح."
تنهد أدهم بضجر من مماطلتها له، وقال بينما يفرك فروة رأسه بانزعاج: "يا دادة ادخلي في الموضوع على طول الله! إنتي عارفاني ما بحبش المقدمات، الله يرضي عليكي قلقتيني."
صمتت كريمة تحاول ترتيب كلماتها، ثم ذكرت اسم الله في سرها، وبدأت حديثها بهدوء: "أنا كنت بحضر السفرة النهاردة الصبح بنفسي زي ما ليلى هانم طلبت مني. وبعدين خرجت أجيب أكل الكلب بتاع ملك. لما رجعت، شفت مدام نادين بتحط برشام في كوباية العصير بتاعت مدام كارمن."
جحظت عيناه بصدمة، وزادت خفقات قلبه مما يسمعه قائلاً بقلق وتشوش: "إنتي متأكدة من كلامك؟ إيه البرشام دا؟"
رفعت كريمة كتفيها دلالة على عدم معرفتها وأردفت: "معرفش والله يا بني.. أنا بعد ما هي خرجت للجنينة قبل ما إنتو تنزلوا.. دخلت لميت كل الكوبايات.. رميت اللي فيها وصبيت لكل واحد فيكم في كوبايات تانية نظيفة."
لزوم الاحتياط، ما هو أنا معرفش هي حطت لمين تاني غير ست كارمن.
احتدت نظرات أدهم الذي قال بغموض:
ماشي يا دادة، روحي انتي لشغلك وما تجيبش سيرة لأي حد خالص، فاهمه يا دادة؟ وخصوصاً أمي، مش عايزها تعرف حاجة دلوقتي.
أومأت كريمة بطاعة وهمت لتغادر الغرفة:
حاضر، عن إذنك.
أوقفها صوت أدهم قائلاً بتحذير صارم:
دادة، خلي عينك على نادين كويس، ماتغفليش عن عينيكي، ولما تخرج بكرة للنادي بلغيني.
***
صباحاً في اليوم التالي.
داخل إحدى المقاهي بجانب القصر، حيث يجلس أدهم ويبدو عليه الشرود بعيداً بتفكيره.
فرك أدهم عينيه متعباً، حيث كان جالساً على هذا الوضع لأكثر من ساعتين.
زفر ثم سند رأسه على مرفقيه أمام الطاولة منهكاً، لأنه لم يتذوق طعم النوم منذ أمس.
سيُفقد عقله من كثرة التفكير في تصرفات تلك المجنونة التي تجلس في منزله، ولا يدري ما الذي تخطط له وما المخزي من فعلتها.
همس أدهم بوعيد حاقد لنفسه:
ياريت اللي في بالي يكون غلط، عشان وقتها مش هرحمك يا نادين.
انقطعت أفكاره بسبب رنين هاتفه فأجاب بلهفة:
ها يا دادة، في جديد؟
نظرت كريمة جيداً حولها بشك، لكي تتأكد من عدم وجود أحد ما قد يتنصت عليها، حيث لم تعد تشعر بالراحة إلى معظم الخدم في القصر، ثم قالت بصوت منخفض:
الست نادين خرجت من خمس دقايق يا أدهم بيه.
قال أدهم بتحذير:
ماشي، أو ما يكون حد حس بحاجة عندك.
تنهدت كريمة وقالت بنفي:
لا، ما فيش.
زفر أدهم وقال ببرود:
تمام، سلام.
نهض بسرعة وهو يتأكد من وجود مفاتيح السيارة في جيبه، ثم سرعان ما غادر المقهى متجهاً مباشرة إلى القصر.
***
في شركة البارون.
دخل يوسف مكتبه الذي يتشاركه مع زميله كإعصار دون أن ينبس ببنت شفة.
هتف بإستغراب:
السلام لله يا أخينا.
تمتم يوسف بحنق:
وحياة أبوك تسيبني في حالي يا سامر.
قام سامر من مقعده وذهب ليجلس فوق مكتب يوسف وقال:
خير يا ابني؟ وشك ماله مقلوب ليه كدا؟ ما ترد عليا، هفضل أكلم مع نفسي.
حدق يوسف فيه بنظرة غاضبة وقال بغيظ:
سمعت كلامك وجربت معاها مرة واتنين وعشرة، كل يوم ما فيش أي فايدة.
ضرب سامر كفاً على كف، وهو ينظر إليه بحاجب مرفوع وقال بذهول:
أما أنت أمرك عجيب صحيح، منين تعجب بوحدة تانية وأنت خاطبها ودلوقتي شاغل بالك بها وحلت أوي في عينك.
زفر يوسف بحرارة، قائلاً بغضب من نفسه:
كنت أعمى، ارتحت كدا.
ثم أضاف بندم غاضب، بينما كان يضرب سطح المكتب أمامه بقوة:
بس أنا أستاهل اللي بيجرالي دا وأكتر، عشان جريت ورا وحدة زي رانيا دي، معرفش عقلي كان فين!!
ربت سامر على كتفه بمواساة، قائلاً بتشجيع:
خلاص، طالما فوقت لنفسك وعايز تصالحها لازم تتعب شوية.
فرك يوسف عينيه بإرهاق، وقال بتنهيدة مؤلمة:
بقالي شهور بحاول معاها وروحت لأبوها كذا مرة، بيقولي نفس الجملة دي: "بنتي الوحيدة وأنت من على البر ما عرفتش تحافظ عليها، أومال بعد الجواز هيحصل إيه".
دعك سامر ذقنه، وقال بتمتمة:
عنده حق، أب ويهمه مصلحة وأمان بنته، أنت اللي غلطان.
أومأ يوسف بتفاهم وقال مردداً حديث صديقه:
صح، ما فيش حاجة بتحصل بالساهل، عندك حق، أنا ما كنتش عارف إني بحبها بالشكل دا إلا لما رجعتلي الدبلة وبعدت عني.
وأضاف بغيظ:
بس هي دماغها حجر، ربنا يقدرني عليها.
قال سامر بتحذير:
خد بالك، هي أكيد فقدت الثقة فيك ومش بسهولة هتقدر تسامحك وتنسى، وحتى إذا سامحت هتفضل تخنقك بشكها فيك وهيكون ليها حق.
حملق به يوسف بعيون تلتمع بحزن وقال:
أنا برضه إنسان مش معصوم من الغلط، يعني، وربنا بيغفر، ليه هي ما تغفرليش أول غلطة ليا؟
بسط سامر كفيه أمامه قائلاً بهدوء:
هي ما بقتش عايزة تكمل معاك، كل بنت حسب طاقتها، في ست تسامح وست ما تقدرش. لو مراتك كانت ممكن تديك فرصة، لكن دلوقتي هي قفلت الباب في وشك وانتهى الموضوع، نصيحة من صحبك سيبها في حالها وشوف نصيبك بعيد عنها، أنت جرحت كرامتها والست رانيا الله يكرمها ما سابتش حد إلا وقال له إنك سبت نسمة عشان خاطرها.
تمتم يوسف بصوت خفيض:
دي بنت تيت، أنا فعلاً ندمان إني عبرتها من الأول.
ثم قال مردفاً بعزيمة:
بس مش هستسلم بسهولة وهفضل أحاول، يمكن وقتها تقتنع إني فعلاً بحبها وشاريها.
تنهد سامر بقلة حيلة من صديقه، وصمت ليعود إلى عمله.
***
عند أدهم.
دخل أدهم القصر، وصعد الدرج بسرعة حتى لا يراه أحد من الحاضرين بالأسفل.
ذهب أدهم مباشرة إلى جناح نادين، وحالما دلف إلى الداخل، بدأ يبحث في كل مكان وقعت عيناه عليه حتى وجد أخيراً ما كان يبحث عنه في خزانة ملابسها.
جلس على السرير، وقلب فيما وجده، الذي كان عبارة عن مجموعة من علب الأدوية والعديد من الأقراص المختلفة.
أخرج هاتفه وكتب أحد أسماء تلك الأدوية، وبدأ يبحث عن ما تكون تلك الأشياء.
برزت عيناه مما اكتشفه، وكأنه قد تلقى للتو صفعة قوية، فما هي تلك الحبوب إلا من أجل منع الحمل، ومن عيار شديد وخطير أيضاً، كيف لم يفكر في تلك النقطة؟ كيف له أن يغفل عما قد تفكر في فعله تلك الأفعى السامة؟
اشتعل قلبه بالحقد والكراهية تجاه تلك الحية التي تفرز سمها في كل مكان حولها، وهو مثل الأحمق الذي لا يدري شيئاً عما تفعله، وقد يؤدي إهماله هذا إلى إصابة تلك المسكينة بالأذى الذي لا ذنب لها فيما يجري من حولها.
ضغط أدهم على تلك العلبة في قبضته حتى اعتصرها بقهر، واعداً نفسه أنه لن يرحمها، ثم نهض بغضب جحيمي وهلع إلى الطابق السفلي، ليهدر بصوت جهوري:
كريمة!
بعد لحظات هرولت راكضة إليه بسبب صوته الذي نادراً ما يكون مرتفعاً جداً إلا إذا كان في قمة غضبه:
أيوه يا أدهم بيه.
أمرها أدهم بعيون حمراء ونبرة حادة:
أول ما توصل نادين من برا يا كريمة، ماتخليهاش تطلع لفوق، تجيبها على مكتبي فوراً، مفهوم؟
أومأت كريمة بطاعة، وهي تدعي في خاطرها أن يمر هذا اليوم على خير:
أمرك حاضر.
***
عند كارمن في توقيت العصر.
نزلت من الجناح بعد أن أمضت اليوم كله في الفراش، وهي لا تعرف ما هذا الخمول الذي أصابها، ربما يكون هذا بسبب العمل الدائم خلال الفترة الماضية.
مرت إحدى الخادمات أمام كارمن، وأوقفتها كارمن بابتسامة:
مساء الخير يا رقية.
رقية بتهذيب:
مساء النور يا هانم.
كارمن بتساؤل:
فين الجماعة وملك؟
ابتسمت رقية لها، وقالت بعفوية:
موجودين في الجنينة وملك بتلعب مع كلبها معاهم، ونادين هانم لسه في النادي وأدهم بيه في مكتبه.
فوجئت أن أدهم جاء مبكراً جداً اليوم، لأنه عادة يأتي بعد غروب الشمس، لكنها ردت عليها بهدوء:
تمام يا رقية، روحي انتي على شغلك.
توجهت كارمن إلى المكتب ثم فتحت الباب بعد أن طرقته.
تساءلت كارمن بهدوء:
حبيبي، أنت هنا من إمتى؟
كان جالساً خلف مكتبه، ويبدو عليه الإرهاق، ولكن عندما سمع طرقاً على الباب، استقام في مقعده وأجابها بهدوء:
من شوية.
أومأت إليه كارمن بفهم، ولم ترغب في إطالة الأسئلة عليه، عندما لاحظت شحوب وجهه، ثم مشت نحوه بهدوء، ووقفت خلف مقعده، ثم رفعت ذراعيها وغمرت أصابعها في شعره، ودلكته برفق.
أغمض أدهم عينيه مصدراً أنيناً خافتاً من التعب، وراق له كثيراً ملمس أناملها الرقيقة بين خصلاته، وطغى على حواسه شعور بالارتياح مذهل جعل الصداع الذي يألم رأسه يتقلص تدريجياً.
كارمن بخفوت:
باين عليك التعب، وماما قالت إنك ما فطرتش قبل ما تنزل الصبح.
اكلت أي حاجة طول اليوم.
همس أدهم وهو على حاله: لا يا قلبي.
تفحصت كارمن وجهه بإهتمام، ثم قالت بإبتسامة: طيب تحب اخليهم يحضرولنا الغداء و ناكل كلنا مع بعض.
أدهم بتنهيدة: ماليش نفس.
طبعت قبلة دافئة على جبهته، قائلة بإصرار ناعم: عشان خطري تاكل، شكلك مرهق اوي و دا غلط علي صحتك، ولا انت غاوي بس تقولي اقعدي في البيت و ماتتعبيش نفسك وانت تتعب.
أمسك بيديها اللتين وضعتهما على كتفه، وقبّل راحة يدها، ليقول بأنفاس حارة: كلي فداكي، وبعدين يمكن تعبت شوية لاني طول اليوم ماكنتيش معايا في الشركة.
قالت كارمن بضحكة رائعة جعلت أدهم لا يستطع المقاومة أو الرفض: انت بقيت بكاش اوي علي فكرة، برده هتاكل ماتحاولش انا مصرة.
وقال أدهم مازحًا بعد أن صفي ذهنه قليلا من أسلوبها الهادئ الحنون و رقة همساتها التي كان يعشقها: ماشي روحي خليهم يحضروا الاكل بس انتي تتفرجي من بعيد ماتبوظيش الاكل.
ابتعدت كارمن عنه قليلا، قائلة بعبوس لطيف: دمك تقيل يا ادهم.
أدهم بحب: بهزر يا عيونه.
أرسلت له قبلة في الهواء، لتقول بينما تغادر المكتب: ماشي.
***
بعد مرور ساعة.
كانت كارمن تتحدث إلى روان على الهاتف، بجانبها ملك التي تلاعب كلبها، وليلي ومريم يتحدثان عن العديد من الموضوعات أثناء متابعتهما إلى التلفاز بعد أن تناولوا جميعًا الغداء.
روان: اخبارك ايه دلوقتي.
أجابت كارمن، بينما تلاعب خصلات شعر ابنتها بحنو: الحمدلله تمام، بس تعرفي اتعودت علي الشغل حاسة بملل من القعدة.
روان بتحذير: ريحي نفسك يا كارمن، الصحة مافيهاش هزار.
تنهدت كارمن، وقالت بقلة حيلة: انا بقيت احسن دلوقتي والله.
روان بنفي: ولو، اسمعي الكلام.
كارمن بإبتسامة: ماشي يا اختي، قوليلي انتي ايه اخر اخبارك.
روان بضجر: الروتين العادي، الكلية و مذاكرة و طلبات زين و كدا.
ثم اضافت بحماس: بس المفاجأة بقي اني اقنعت زين اننا نسافر يومين اسكندرية بعد كام يوم قبل زحمة الامتحانات.
كارمن بإستغراب: يا مجنونة، الجو بدأ يبرد ماتستني للصيف.
روان بنعومة: لا هو بيقول ان اسكندرية في الوقت دا جوها جميل وانا هموت واروحها بقي.
كارمن بهدوء: ماشي ربنا يهينيكم يا رورو.. واحنا مش باقيلنا كتير و يبدأ الديفليه وفي شغل لازم اخلصو و ادهم مصمم افضل في البيت.
قالت روان بضحكة: ماتعانديش معه و خديه بالسياسة كدا، امي علي طول تقولي الجملة دي بس انا ماشاء الله عليا زي الدبش برمي الكلام وانا ونصيبي بقي.
***
في مكتب ادهم.
نادين تقف أمام المكتب، وخلفه يقف أدهم بهيئة صارمة للغاية بعد أن أغلق الباب ورائها عندما دخلت.
ينظر أدهم إليها، بينما تغلفه هالة من الغموض لا تستطيع معها تخمين ما يدور في ذهنه.
عصفت الأفكار في ارتباك وقلق برأسها من صمته المطول منذ دخولها من دقائق ولم ينطق بشيء. ولقد أدى هذا حقًا إلى توتر أعصابها، وجعل القلق يتفاقم بعمق أكبر داخلها.
تفوهت نادين بتوتر: في حاجة يا ادهم انت ليه موقفني كدا.
تحدث أدهم ببرود مبهم، وهو يحترق من الداخل، لكنه سيطر على نفسه بكل قوته حتى لا يرتكب جريمة فيها: كنت عايز اسألك عن حاجة.
دقت نواقيس الخطر داخل عقل نادين التي همست بحذر، بينما قلبها يخفق مثل الطبول بين ضلوعها: منذ متى يسألها عن أي شيء: اسأل.
أخرج علب صغيرة من جيوبه ووضعها على مكتبه، قائلاً بسؤال بارد، بينما عيناه تطلقان أسهم الغضب التي كانت على وشك الإطاحة بكل شيء أمامه دون ذرة تفكير: تعرفي دول بتوع ايه!!
هرب الدم من وجهها، وللحظة شعرت أن الغرفة تدور بها عندما رأت تلك الأشياء أمامها، وجعلها الخوف مثل ورقة مزقتها ريح الخماسين، التي تحمل آلاف الأطنان من الكوارث التي ستدمرها حتمًا. لكنها هتفت متلعثمة بإنكار: لا .. مع.. معرفش .. هما ايه دول.
احتد صوت أدهم قائلاً بنظرة قوية محذرا: متأكدة.
نادين همست بعيون زائغة تفرك يديها في ارتباك شديد: ايوه.
ابتسم أدهم ببرود، يتلاعب بأعصابها أكثر ثم أجاب: دول موانع حمل والغريبة انهم كانو في اوضتك وتحديدا جوا دولابك.
لم تطمئن أبدًا لهذا البرود الجليدي الذي يغلف صوته، وهذا الهدوء الذي يسود كلامه. تقسم أنه ما هو إلا هدوء ما قبل عاصفة ستندلع بسببها الأخضر و اليابس. لكنها هتفت كاذبة: صدقني انا معرفش عنهم اي حاجة.
تجعد أدهم حاجبيه شاعرا باشمئزاز من إنكارها غير المجدي قائلاً بسخرية: المفروض اسألك انتي بتستخدمي الحبوب دي ليه وانا مش بخلف ولا بقرب منك اصلا.. الا اذا كنتي بتلعبي بديلك من ورايا يا نادين هانم.
سرت قشعريرة باردة في جسد نادين من الرعب الذي كانت تشعر به في تلك اللحظة، وقالت بهستيريا بينما هزت رأسها مستنكرة: انا لا طبعا ازاي تفكر فيا بالشكل دا.. اكيد حد حطهم ليا..
هدر فيها أدهم بغضب شديد جعلها تجفل، وتتوقف عن قول تلك الكلمات الحمقاء: او انتي اللي بتحطيهم لحد يا نادين.
برزت عيني نادين بشدة، وقالت بقشعريرة مضطربة: يعني ايه؟!!
كشر أدهم عن أنيابه قائلا بغموض: هتعرفي دلوقتي.
بعد أن قال ذلك، توجه مباشرة إلى باب المكتب وفتحه، ونادى بصوت عال: كريمة.
هرولت إليه كريمة التي كانت واقفة على بعد أمتار قليلة من المكتب، كما أمرها أدهم منذ قليل وقالت على الفور: ايوه يا ادهم بيه.
أشار أدهم لها للدخول، ثم التفتت عينيه إلى نادين، وقال بسخط: عيدي تاني كلامك ليا امبارح.
وزعت الأخرى نظراتها، بينهما بقلق لكنها تشجعت، وردت بصدق: انا شوفت الست نادين بتحط حبوب في كوباية مدام كارمن.
صرخت نادين فيها بهستيرية: انتي وحدة كذابة انا معملتش حاج...
لم تكمل جملتها لأن أدهم هرع إليها، وأمسكها بشدة من شعرها، ولم تشعر إلا بصفعة قوية هشمت عظام خدها من يده الأخرى، لتترك خدها مخدرًا من قوة الضربة، ثم صرخ في وجهها بتحذير عنيف: اخرسي خالص ماسمعش حسك يا زبالة.
زأر بصوت مخيف مخاطبا كريمة بكلماته، دون أن يرفع عينيه المشتعلة بوميض ناري عن تلك المرتجفة من الخوف في يده: اخرجي انتي يا كريمة دلوقتي.
أومأت كريمة برأسها خاضعة لأوامره التي لا يمكنهم كسرها واندفعت للخارج.
ثم واصل صراخه في نادين التي كانت تتلوى من الألم الرهيب بسبب قبضته القاسية على شعرها، بصوت جهوري حاسم مليء بالغضب: انطقي والا اقسم بالله هدفنك مكانك.
***
بينما ركضت كريمة إلى الصالة الكبيرة حيث جلست جميع السيدات.
تلعثمت بصوت لاهث، وغير مفهوم من الإرتعاب: الحقي يا ست ليلي.
نهضت ليلى من مقعدها واقتربت منها، قائلة بقلق عندما لاحظت وجهها الشاحب: مالك يا كريمة انتي تعبانه.
تكلمت كريمة بتحشرج: ادهم بيه.
صاحت ليلي بذهول مذعور، بينما خفقات قلبها بدأت تعلو بإضطراب: اتكلمي علي طول في ايه يا كريمة ادهم ماله.
أمسكت كارمن بكتفها، وسحبتها بعيدًا عن كريمة، وقالت بحذر وهي تنظر إليها: استني بس يا ماما.. خدي نفسك يا ست كريمة و فهمينا.
ابتلعت كريمة لعابها بصعوبة، وواصلت حديثها بصوت متقطع: ادهم.. في المكتب مع ست نادين.. و بيضربها.
استفهمت ليلي بإستنكار: ليه عملت ايه البني ادمه دي!!
انقبض قلب كارمن التي هتفت بسرعة: مش وقت اسئلة يا ماما تعالي ورايا بسرعة يا كريمة.
وهرعوا جميعًا إلى المكتب بقلق ليروا ما يجري هناك.
***
في المكتب.
صاح ادهم بصوت مخيف بينما الشرز يتطاير من عينيه بغضب: صبرت عليكي سنين عملت فيكي بدل الثواب عشرة وانتي وحدة خسيسة وحقيرة ماطمرش فيكي رغم اني كنت مستحملك بعللك.
ثم أضاف بقسوة بينما يواصل هزها بعنف ممسكا بذراعيها بقبضته الفولاذية: الحاجة الوحيدة للي هتخلي ناري تبرد شوية اني اشوفك مرمية في السجن يا نادين وهيحصل دلوقتي حالا.
نزلت على ركبتيها، تقبّل قدميه بضعف و ذعر من تلك الفكرة المروعة بالنسبة لها، والدموع تنهمر من عينيها وقالت بتلعثم: ابوس ايدك.. ابوس رجلك ماتعملش كدا ماتأذنيش يا ادهم ارجوك.. صدقني والله انا هطلع من حياتك خالص مش هتشوفني تاني ولا هقرب منك بأي شكل.. بس وحياة اغلي حاجة عندك ماتسجنيش.
صر أدهم على أسنانه بغضب كاسح حتى كاد أن يكسرها، ليقول من بينهم بحقد وكراهية: كل اللي جرا منك زمان يا نادين لحد دلوقتي.. هتتحاسبي عليه هتدفعي تمنه ومش هرحمك مهما قولتي لان اي حاجة هتقوليها مش هصدقها اصلا.. و كلو كوم واذيتك لمراتي كوم هدوقك المر و محدش هيشفق علي كدابة زيك.
ثم عبست ملامحه، واردف بإشمئزاز: كفاية السنين اللي ضيعتها من عمري وانا سكت فيها عن عمايلك..
وانا عارف انك بتكذبي عليا والعيب منك وفاكرة نفسك ناصحة وبتخدعيني.
شعرت أن دلواً من الماء البارد قد سُكب على رأسها، وجحظت عيناها برعب مما قاله، حيث خارت أعصابها وتركت ذراعه الذي كانت تمسكه بضعف، على أمل أن تستطيع استعطافه ليرحمها. لكن الآن كل ما كانت تخاف منه صار مكشوفاً، وهو يعرف كل ما فعلته.
شق هدوء المكان صرخة قوية منها دوت في أرجاء المكتب، حينما ركلها أدهم بمقدمة حذائه في بطنها، ثم أمسكها مرة أخرى من شعرها الذي أصبح منتوفاً، خصلات كثيرة منه بسبب قسوة قبضته عليه، ليجعلها تنهض بعنف. وقبل أن تتمكن من تخمين ما كان يفكر فيه.
نزل عليها بصفعات قوية متتالية على وجهها، مما جعل شفتيها تنزفان بغزارة. وكان الدم ينبض في عروق وجهها التي كانت ملونة بالأزرق ومتورمة من كثرة الضرب الذي إنهال عليها به، بمنتهي الحقد والغضب الدفين.
تحت أصوات صراخها المستغيثة، والتوسل إليه أن يرحمها، لكنه لا يسمع أي شيئاً مما تقوله لأنه فقد السيطرة تماماً، ليصب جام غضبه فيها.
"أدهم!!"
لم يعيده إلى رشده إلا صوت كارمن المذعور وهي تركض إليه، ووقفت حائلاً في الطريق بينه وبين نادين.
تراجع إلى الوراء قسراً لئلا تتأذى منه في حالته الجنونية التي وصل إليها، وكان صدره يهبط ويعلو جراء أنفاسه السريعة، وشعره متناثر على جبهته بفوضى مع وجود بعض قطرات العرق متساقطة عليه أثر المجهود الذي بذله للتو.
أما نادين فحدث ولا حرج، كانت في حالة مذرية وفوضوية شديدة وشعرها أشعث، وثيابها تناثرت عليها بعض قطرات الدم من وجهها الذي أصبح مثل خريطة ملونة بألوان عديدة.
سألت ليلي بدهشة وخوف مما تراه عيناها: "إيه اللي بيجري يا ابني.. عملتلك إيه عشان تضربها بالمنظر ده ما تفهمنا."
صرخ بها هادراً بنفاذ صبر: "خدوا بعضكم على برا يا أمي حالاً."
قالت نادين وهي تنتحب بصوت مبحوح: "لأ يا طنط ليلي أرجوكي ده هيموتني في إيده.. خليه يسيبني أمشي وأنا والله ما هقرب لحد فيكم أبداً."
هتف فيها أدهم بزمجرة شرسة، على أثرها ارتجفت أوصالها، وهي تزحف إلى الوراء قليلاً بعد أن سقطت على الأرض بإنهاك قوي: "تمشي منين يا روح أمك؟ إنتي هتخرجي من هنا على السجن."
نظرت مريم إلى ليلي، ثم هتفت الأولى متسائلة بعدم استيعاب: "سجن إيه بس يا ابني.. استهدي بالله كدا واقعد قولنا إيه اللي حصل."
أجاب أدهم على سؤالها بسؤال آخر بصوت شديد الصرامة: "عايزين تعرفوا إيه؟"
أردف بصوت بارد يتخلله بعض الحدة، بعد أن حدق فيها من رأسها إلى أخمص قدميها بنظرات حارقة كالبارود: "الهانم كانت بتحط في عصير كارمن حبوب منع الحمل وكريمة شافتها وبلغتني."
سكت الجميع للحظة، يحدقون فيه بنظرات تفيض بالدهشة والاستنكار والاستغراب الشديد، والأفكار المختلفة المتداولة في أذهان كل منهم على حدة.
ابتلعت ليلى ريقها قائلة بتوجس وعدم فهم: "بشويش عليا عشان أفهم يا ابني إزاي يعني!! وهي تعمل كدا ليه وإنت اللي مش بتخلف."
قهقه أدهم بقهر قبل أن يجيب عليها ببرود ساخر: "المدام هي اللي عندها عقم مش أنا.. فاكرة نفسها ذكية وبتخدعني ومكملة في التمثيلية بمنتهى البجاحة."
أنهى جملته بينما كان يوجه عينيه نحو زوجته، فوجد وجهها شاحباً وهي ساندة على حافة المكتب في صدمة مروعة بعدم تصديق، وعيناها مفروغتين على وسعهما.
صاحت نادين بتوسل: "أرجوك أنا غلطانة واستاهل أي حاجة تعملها فيا.. بس أبوس إيدك بلاش السجن يا أدهم والنبي."
تقدم نحوها بغضب عاصف، قاصداً لكمها لتصمت، لكن كارمن أوقفنه عندما ركضت إليه مذعورة، لتمنعه بإحاطتها ذراعه قائلة برجاء: "أدهم لو سمحت عشان خاطري أنا.. ماتعملش كدا."
هدر أدهم بها في حدة محاولاً إبعادها عن طريقه: "إنتي مجنونة دي بتأذيكي الله أعلم بسبب الأدوية دي اتسببت في إيه."
نظرت كارمن له نظرات مترجية دامعة، وهي مقوسة شفتيها إلى الأسفل مرددة في استماتة مجدداً، لتهتف بصوت مبحوح: "وحياتي عندك يا أدهم ما تعملش كدا فيها.. إذا على العقاب ربنا المنتقم الجبار وقادر ياخد حقنا عشر أضعاف ما أنت هتعمل فيها.. ما تشيلش ذنوب بسببها وسيبها تمشي من هنا."
نظراتها البريئة وكلماتها المفعمة بالخوف عليه كانت كتعويذة سحرية جعلته لأول مرة في حياته، يتراجع عما قاله. ثم أدار عينيه فتجهمت نظراته فجأة، تجاه تلك المرأة المنكمشة، محاصرة نفسها في زاوية بعيدة بالمكتب، وامتلأت عيناها بالذعر من المصير الذي ينتظرها. ثم هتف بغضب مشمئز: "سمعتي يا حقي** اللي كنتي بتأذيها بتقول إيه.. هسيبك تغوري من هنا بس عشانها.. لكن لو فكرتي بس تقربي من حد فينا تاني أو شفتك صدفة إنتي الجانية على روحك ساعتها."
استرسل حديثه بصوت جهوري، بينما يرمقها بنظرة مليئة بالاحتقار الشديد: "إنتي طالق يا نادين وورقتك هتوصلك على شقة أبوكي اللي باسمك.. وحالاً تطلعي برا من غير أي حاجة.. بالهدوم اللي عليكي وبس وسيبي مفاتيح العربية هنا."
أشاح ببصره عنها محدقاً في كريمة، ليصيح ببرود: "كريمة اتأكدي إنها خرجت من القصر يلا."