تحميل رواية «و بها متيم انا» PDF
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
على صوت القارئ الشجي وهو يتلو آيات الله الكريمة، عبر مذياع الراديو على بكرة الصباح، تململت بفراشها، تُغالب توسلات جسدها التي تطالبها بالراحة، والإستسلام لدفء الفراش، ولو بيوم واحدًا فقط، تنسى به مسؤلياتها والوجبات المطالبة بها، تعيش لنفسها، لنفسها فقط ولو لمرة واحدة، ألن يأتي هذا اليوم؟ "شهد يا شهد، هو انتي لسة مصحتيش؟" "شهد...." "خلاص قومت أهو." هتفت بها مقاطعة وهي تعتدل بجذعها عن الفراش نحو محدثتها نرجس، زوجة أبيها الراحل، والتي ردت ببعض الحرج: "صباح الخير، معلش بقى يا حبيبتي، بس أنا خوفت لتتأ...
رواية و بها متيم انا الفصل الأول 1 - بقلم امل نصر
على صوت القارئ الشجي وهو يتلو آيات الله الكريمة، عبر مذياع الراديو على بكرة الصباح، تململت بفراشها، تُغالب توسلات جسدها التي تطالبها بالراحة، والإستسلام لدفء الفراش، ولو بيوم واحدًا فقط، تنسى به مسؤلياتها والوجبات المطالبة بها، تعيش لنفسها، لنفسها فقط ولو لمرة واحدة، ألن يأتي هذا اليوم؟
"شهد يا شهد، هو انتي لسة مصحتيش؟"
"شهد...."
"خلاص قومت أهو."
هتفت بها مقاطعة وهي تعتدل بجذعها عن الفراش نحو محدثتها نرجس، زوجة أبيها الراحل، والتي ردت ببعض الحرج:
"صباح الخير، معلش بقى يا حبيبتي، بس أنا خوفت لتتأخري عن شغلك."
أومأت لها بهز رأسها متمتمة برد التحية قبل أن تنزل بأقدامها على الأرض لتقول وهي تلملم بيديها شعرها كي تعقده بعقدة خلف رأسها:
"صحي بقية البنات بس عشان يلحقوا الفطار معايا."
ردت نرجس وهي ترتد بأقدامها لخارج الغرفة:
"هوا على ما قومتي انتي بس وجهزتي نفسك، هتلاقييهم كلهم معاكي على السفرة."
خرجت المرأة واتجهت شهد بروتينية تلتقط المنشفة البيضاء قبل أن تخرج خلفها نحو الحمام القريب، والذي كان في آخر الطرقة مجاورًا لغرفة أبيها الراحل. بالطبع مرت في البداية على المطبخ، فانتبهت على أصوات همس وزجر نرجس لابنتها الوسطى، أمنية. رفعت شهد حاجبًا مستهجنًا لتقول وهي تكمل طريقها:
"يا صباح يا عليم يا رزاق يا كريم، مالكم كده على الصبح؟"
ردت نرجس خلفها بصوت متلهف وهي تخرج لها رأسها من مدخل المطبخ:
"ولا حاجة يا حبيبتي، متشغليش نفسك انتي."
رمقتها شهد صامتة دون أدنى استفسار، قبل أن تمسك بمقبض باب الحمام وتدلف إليه، تدعي التجاهل وبرأسها تعلم تمام العلم أن الموضوع لن يحيد عن طلب النقود.
بعد قليل كانت شهد قد فرغت من صلاتها وارتداء ملابسها بإهمال كالعادة، مع انشغالها المستمر في التحدث عبر الهاتف، حتى وهي تخرج لتتناول وجبة أفطارها على مائدة السفرة مع شقيقاتها ونرجس والدتهن.
"أيوه يا عبد الرحيم، العمال عددهم كمل عندك ولا لسة؟"
......
سمعت منه لتهتف بعصبية وهي تجلس على مقعدها:
"إيه؟ بتقول عشرين بس، يا نهار أبوكم أسود. ودول هيكملوا اليوم إزاي بس؟ اتصرف يا عبد الرحيم وكملهم تلاتين على الأقل، عايزين ننجز يا عم الحج، انت عارف إن الوقت قصير...... معلش الله يخليك حاول تتصرف، واللي حضروا دلوقتي، خليهم يحطوا إيدهم في الشغل على طول...... تمام، اقفل بقى دلوقتي، وأنا هتصل عليك بعد ربع ساعة عشان أطمن."
أنهت المكالمة لتتناول قطعة من الخبز، لتغمسها في طبق الفول قبل أن تضعها بفمها وتلوكها على عجالة، متعمدة عدم الالتفات أو الانتباه نحو الهمهمات بجوارها من قبل شقيقتها أمنية ووالدتها. فاتجهت للناحية الأخرى مخاطبة أصغر عضو في العائلة، رؤى:
"عاملة إيه يا بت؟ ما حدش سامع صوتك يعني؟"
ضحكت لها المذكورة ثم ردت بابتسامة:
"والله أنا باكل وأنا ساكتة، شايفاكي مشغولة في التليفون، ومش عايزة أضايقك."
تطلعت شهد في شقيقتها ذات الأربعة عشر عامًا، بملابس المدرسة وابتسامتها الرائقة دائمًا فقالت لها عن حب:
"والله يا ريت كل الناس زيك كده عندها إحساس، محدش كان زعلني أبدًا."
قالت شهد كلماتها بمغزى لم يؤثر في أمنية التي على صوتها لتقول:
"شهد أنا كنت عايزة أسألك على إبراهيم ابن خالتي، لما طلب إيدي منك امبارح، رفضتيه ليه؟"
صمتت شهد على وضع رأسها لعدة لحظات قبل أن ترفعها إليها بتأني، تخمن بعقلها ما سوف تطلبه أمنية، وكم سيكلفها، فهي لا تكف أبدًا عن الطلب والإلحاح فيما تطلبه، دون النظر لأي اعتبارات أخرى.
"نعم يا ست أمنية، عايزة إيه؟ من الصبح شايفاكي بتفركي ومش قاعدة على بعضك، قولي وطلعي اللي في جوفك، قولي."
سألتها شهد بسأم وهي تتناول قطعة صغيرة من الجبن، قبل أن تضعها بفمها، لترد أمنية سريعًا غير آبهة بلكمة والدتها بغرض إثناءها:
"أنا كنت عايزة أسألك على إبراهيم ابن خالتي، لما طلب إيدي منك امبارح، رفضتيه ليه؟"
توقفت شهد عن مضغ الطعام لترد بصدمة:
"وانتي مين اللي لحق يقولك على الموضوع ده؟"
أوقفت شهد لتتجه بأنظارها نحو زوجة أبيها الراحل نرجس والتي أسبلت أهدابها بخزي قائلة:
"أنا مكنش قصدي أقولها، بس لساني بقى زلق مني من غير ما أقصد."
صاحت أمنية بصوت عالٍ مستنكرة:
"يا سلام، ولهو انتوا كنتوا عايزين تخبوا عني حاجة زي دي كمان، ده مستقبلي، وأنا بس اللي ليا حق أقرر فيه."
هتفت شهد ترد غاضبة، متجاهلة الرد على الهاتف الذي كان يدوي بالاتصال بجوارها:
"وتعرفي ليه بقى، والطلب أساسًا مرفوض؟ لا عنده مؤهل دراسي يناسب شهادتك، ولا حتى بيشتغل زي بقية الناس، ده غير إنك صغيرة أساسًا على الجواز والارتباط."
قاطعتها أمنية بحدة قائلة:
"لا مش صغيرة. أنا مخلصة كلية دلوقتي ومستنية نصيبي، وأهو جه نصيبي، إيه بقى اللي يأخرني تاني؟ إبراهيم مبيشتغلش لكنه مقتدر بفلوس أبوه العطار، أما حكاية التعليم، دي متستهلش الكلام أساسًا، عشان أنا موافقة بيه حتى لو كان بشهادة إعدادية، مش شهادة دبلوم."
ضربت شهد بكفها على منضدة السفرة وهي تنهض عنها قائلة بحسم:
"لكن أنا مش موافقة أجوزك واحد صايع، قعدته غير بس على القهاوي وعن حكاوي النسوان، وأنا هنا المسؤولة يعني أنا اللي أقرر وانتهى."
أردفت كلماتها وتناولت هاتفها لتتحرك نحو غرفتها، لتأتي بباقي أشياءها للعمل، غير آبهة بصرخات أمنية وكلماتها المسمومة:
"يعني إيه قرار وانتهى؟ ولا هي فاكرة نفسها عشان بتصرف ومشغلة البيت، يبقى هتتحكم فينا ومستقبلنا، لا بقى أنا لا يمكن أسكت، وديني لأطربقها على دماغكم لو ما حصل واتجوزت إبراهيم، ولا هي عايزاني أكبر لسنها وواصل للتلاتين وأعنس."
بداخل غرفتها كانت تصل إليها الكلمات كخناجر حادة، تدعي التحلي بالقوة والصبر، وبداخلها تود الصراخ كطفل صغير بوجه هذه التافهة وبوجه والدتها ومواقفها المائعة دائمًا بغير حسم لرد قوي نحو ابنتها وجحودها. مسحت دمعة خائنة قبل أن تتناول قبعة رأسها (الكاب) لتغطي شعرها، كما تغطي على باقي معالم أنوثتها بهذه الملابس الواسعة للغاية، وتناولت علاقة المفاتيح. وخرجت على الفور متجهة نحو الباب الخارجي وقد خلت الصالة من ثلاثتهن، بعد أن سحبت نرجس ورؤى أمنية ليغلقن عليها الغرفة بالداخل من أجل تهدئتها. أمسكت شهد بمقبض الباب وقبل أن تخرج توقفت على قول رؤى وهي تنهر شقيقتها:
"ما تتلمي بقى وخلي في عينك حصوة ملح، عايزة تتجوزي قبل اختك وتعملي انتي كمان زي فريال، وهي شهد دي إيه؟ هتعقد متحنطة لجوزاتكم انتو بس؟ تشقي وتتعب عشانكو انتو بس؟ ولا هي مش بني آدمة عشان تشوف نفسها؟"
صدح صوت أمنية الغاضب:
"نعم يا حبيبتي، والشغل ده بقى ورثاه من مين؟ مش من أبويا؟ شغالة مقاول وبتاخد على قلبها الآفات مع كل شغلانة بتعملها من مكتب أبويا اللي مديره، يعني مش من مالها الخاص."
صاحت بها رؤى:
"الله يخرب بيتك، وهو المكتب ده بيشتغل لوحده؟ ما تقولي لها حاجة ياما، البت دي."
"أقول إيه بس يا بنتي؟ أنا تعبت معاها."
إلى هنا واستكفت شهد لتغادر من المنزل، ف زوجة أبيها الراحل، كالعادة تنتهج الطريق السلبي وكأنها ليست معنية بكل ما يحدث حولها، تاركة الهم وهذا الحمل الثقيل لها وحدها، ولينكسر ظهرها حتى. فمن سيشعر بها أو يرفعه عن كاهلها؟
***
وفي مكان آخر.
في منزل مسعود أبو ليلة والذي كان يتناول وجبة أفطاره حينما تفاجأ بقبلة سريعة على جانب خده الأيسر جعلته يرفع رأسه إليها متفاجئًا:
"وه دي الجلعانة صحيت؟"
ضحكت صبا وهي تطوق بذراعيها على عنقه من الخلف تقول بدلال:
"جلعانة على حس أبويا، حد له حاجة عندي؟"
وجه رأسه إليها يقول مقارعًا كالعادة:
"آه يا بت الكلب انتِ، هو ده اللي انتي فالحة فيه."
قهقهت تشدد بذراعيها لتقبله على الجهة الأخرى وهو يدعي الضيق:
"يا بت بطلي ثغرنة (ميوعة) على الصبح أنا مش فاضيلك."
صدر صوت زوجته والتي كانت خارجة من المطبخ بصنية الشاي:
"ولو متفضيلهاش هي؟ أمال هتفضى لمين؟"
ناكفها مسعود بجرأة ونظرة ذات مغزى:
"أفضالك انتي."
قالها لتطرق زبيدة برأسها مسبلة أهدابها عنه، بابتسامة مستترة بخجل، وكأنها فتاة صغيرة، ف تعلقت أنظار مسعود بها حتى جلست على كرسي المائدة بجواره. نزعت صبا ذراعيها لتشاكسه بشقاوة مع متابعتها لأنظار أبيها التي لم يرفعها عن زوجته.
"نحن هنا يا عم أبو ليلة."
انتبه عليها الأخير فسألها باستدراك:
"مقولتليش يعني، إيه اللي مصحيكي بدري؟"
ردت صبا وهي تحرك أقدامها لتستدير عنه بتهرب:
"ما انت عارف يا بوي، النهاردة رايحة الشغل اللي قولتلك عليه."
ضغط مسعود بأسنانه على طرف أسفل شفته بغيظ وهو يتابع تهربها منه، مغمغمًا بداخله بغيظ وكلمات حانقة، غير قادر على منعها بعد هذا الوعد الذي قطعه لشهد بسببها.
***
استيقظ على صوت المنبه المجاور لرأسه على الكمود، فرك بكفه على عينيه قليلًا بانزعاج حتى تمكن من الاستيقاظ ليغلقه، فانتبه على الفراش الخالي جواره، انتفض على الفور ينهض وينزل قدميه إلى الأرض، بعد أن لمح خيالها بشرفة الغرفة التي كانت مفتوحة، وستائرها الحريرية تتطاير أمامه. خطا حافيًا على أقدامه كي لا تشعر به، حتى إذا وصل إليها، لف ذراعيه حول جذعها من الخلف يجفلها، فانتفضت شاهقة بصوتها الرقيق تردد:
"يخرب عقلك يا مصطفى خضتني، حرام عليك بجد في اللي بتعمله فيا ده، بجد حرام."
قهقه يقبلها أعلى رأسها، يشتم رائحتها العطرة ليقول بهيام:
"صباح الفل والياسمين، الجميل صاحي بدري وسايب السرير بارد جمبي ليه؟"
ضحكت نور متنعمة يغمرته وهي تجيبه:
"أعمل إيه طيب؟ ما أنا لقيت نفسي صحيت بدري، ومقدرتش أستنى في السرير، قولت أشم هوا وأمتع عيوني شوية بمنظر الخضرة في الجنينة."
قبّلها مرة أخرى مصطفى والتف معها نحو ما تقصده، فقال باستمتاع:
"فعلاً عندك حق، مفيش أحلى من اللون الأخضر على الصبح مع نسمة البرد الجميلة، والوجه الحسن اللي بين إيديا."
ضحكت نور بسعادة تكتنفها مع كل كلمة غزل تسمعها منه، وقالت بعشق:
"ربنا ما يحرمني منك يا مصطفى، انت بقيت بالنسبالي الروح، روحي اللي بعيش بيها."
رد مصطفى بصوت متحشرج:
"وانتي قلبي اللي من غيره أموت."
"سلامة قلبك."
قالتها نور على الفور بجزع، قبل أن تجفل على صوت بوق السيارة الذي صدح من خلفها، فالتفت مع مصطفى، للأسفل نحو البوابة الحديدية الضخمة التي فتحت على مصراعيها، لدخول سيارة عدي عزام شقيق زوجها والذي انتبهت على تشنجه واحتداد عينيه من خلفها متابعة دخول الآخر حتى وصل إلى مدخل القصر الداخلي، فترجل بزهو ليترجل ليتناول سترته يعلقها على ذراعه قبل أن ترتفع رأسه إلى الأعلى ليغمز بطرف عينه، وهو يلقي تحية بكف يده إلى مصطفى وزوجته، قبل أن يغلق باب السيارة، ويكمل ليصعد الدرجات الرخامية قبل أن يدخل القصر. خرج صوت نور لتسأله مستغربة:
"هو أخوك خرج امتى عشان يلحق يرجع بدري كده؟"
تبسم ساخرًا مصطفى وهو يرتد بأقدامه للخلف قبل أن يرد بغضب وهو يعود للداخل:
"ده على أساس بقى إنه قضى ليلته في البيت أساسًا!"
***
عاد أمين من وردية عمله الصباحية، ليلج لداخل منزل الأسرة الذي ترعرع به، ويجمعه بوالدته وشقيقيه حسن. هم أن يهتف بالاسم عليهما ولكنه توقف على صوت الأغنية التي تصدح من مذياع الراديو بالشرفة الكبيرة بالصالون.
يا صباح الخير يا اللي معانا
الكروان غنى وصحانا
والشمس طالعة في ضحاها
والطير اهي سارحة في سماها
يا الله معانا .. يا الله معانا
يا صباح الخير يا اللي معانا
يا اللي معانا
اقترب منها ليجد والدته تدور بالدورق المخصص، على كل أصيص، لتسقي النباتات والزهور المزروعة به. تبسم ليلقي التحية، وهي التي كانت تدندن مع كلمات الأغنية انتبهت لترفع رأسها إليه فتطالعه بابتسامة رائقة لوجهها الصبوح ونظارتها الطبية ذات الإطار القديم:
"صباح الفل يا ست الكل."
"صباح الهنا على عيونك."
قالتها مجيدة وهي تضع الدورق على الأرض لتكمل وهي تقترب منه:
"جيت في الوقت المناسب، يالا بقى عشان تفطر معايا أنا وأخوك، هو صحي و زمانه خارج دلوقتي من أوضته."
قبّله أمين على أعلى رأسها المغطى بحجاب صغير، وقال بصوت مجهد:
"معلش بقى خليها وقت تاني، أنا هموت وأنام أصلًا."
قالها وتحرك، أوقفته مجيدة قبل أن يبتعد:
"يا حبيبي طب كل لقمة وبعدها ريح براحتك."
ربت بخفة على ذراعها قبل أن يكمل ابتعاده عنها:
"تسلميلي يا ست الكل، أنا أكلت لقمة خفيفة في القسم قبل ما أجي، أشوفك الضهر بقى."
في طريقه كاد أن يصطدم بشقيقه المهندس حسن، والذي كان خارجًا من غرفته، فقهقه له ضاحكًا بالتحية قبل أن يتجاوزه الآخر ليدلف لغرفته ويغلقها عليه، فاقترب حسن ليجلس على مائدة الطعام ويشارك والدته، والتي تنهدت بقنوط قائلة:
"حاله مش عاجبني.. وانت كمان مش عاجبني، ونفسي أعرف آخرتها إيه معاكم؟"
قالت الأخيرة بعصبية جعلت حسن يضحك لها وهو يتناول كوب الشاي ويحرك سكره بالملعقة، فقال بدفاعية:
"الله يا ست الكل وأنا ذنبي إيه بس؟"
هتفت بسخط:
"عشان ولا واحد فيكم فرحني ولا جبر بخاطري، وأنا هموت وأبقى جدة، هتعملوها إمتى بس؟ لما أموت؟"
"صلي على النبي يا ماما، ليه العصبية دي بس؟"
قالها حسن يمتص غضبها ثم تابع:
"على العموم أنا بعمل اللي عليا وبحاول، وعلى إيدك، كذا مرة نعمل محاولات خطوبة وجواز، وتتفركش على آخر لحظة، لكن النصيب بقى."
رددت مجيدة خلفه متنهدة بتأثر:
"آه النصيب، النصيب ده اللي خلى أخوك يتعلق بواحدة مش حاسة بيه ولا شايفاه أساسًا، وهو برضوا مش قادر يشوف غيرها."
قال حسن رغم تأثره هو الآخر:
"أنا واثق إنه لو لقى بنت الحلال اللي يحبها وتحبه، أكيد هينسى الدنيا معاها، مش بس صحبتنا دي."
تبسمت مجيدة تقارعه ساخرة، وقد انقلب مزاجها للمرح فجأة:
"شوف يا خويا مين اللي بيتكلم؟ انت يا حسن!"
ضحك المذكور يدعي الخجل والغضب:
"يووه بقى عليكي يا مجيدة، هو انتوا شايفيني جبلة ومبحسش يعني، ولا إيه بس؟"
قهقهت مجيدة بضحكاتها توميء برأسها مما جعله يدعي البؤس متابعًا:
"طب جامليني طيب، في وشي كده؟ لدرجادي انتوا واخدين فكرة وحشة عني؟"
***
انتهى من تمريناته الصباحية في صالة الألعاب، ثم خرج بجذعه العاري يصعد درجات منزله الضخم حتى الطابق الثاني، بحيوية ونشاط وقد تخلى عن العرج الذي صاحبه لعدة سنوات، بفضل إرادته الفولاذية وتصميمه على النجاح حتى في هذا الأمر.
هم أن يدخل إلى جناحه ولكنه تراجع فجأة ليذهب إلى الناحية الأخرى في الغرفة التي اتخذتها زوجته لتصوير فيديوهاتها كي تنشرها على صفحاتها المشهورة على وسائل التواصل الإجتماعي.
بدون استئذان فتح مقبض الباب بهدوء ليتابعها وقد كانت واقفة تستند بجذعها على السور الحديدي الصغير لشرفتها، بهذا الرداء الرياضي، تيشيرت بحمالتين ملتصق بجذعها وقدها المهلك، بعد أن نحتت أجزاء وكبرت أجزاء أخرى، وبنطلون في الأسفل ضيق بشدة هو الآخر، تتحدث بثقة وإسهاب، وهي بالفعل تصور الآن.
"زي ما انتو شايفين كده حبايبي بجمال الخضرة اللي ورا ضهري دي، أنا بحب الطبيعة ومقدرش أعيش من غير ما أستمتع بريحة الورود ولا الشكل الأخضر للزرع، حتى بشرتي محبش أستخدم معاها غير منتجات الطبيعة، عشان كده بنصحكم لو عايزين بشرتكم تبقى حلوة زي بشرتي، استخدموا المنتج ده، ده مفيهوش أي مواد كيميائية، جربوه مش هتخسروا حاجة ولا انتوا مش عايزين تبقوا زيي كده."
ختمت تضحك بغنج قبل أن تغلق الكاميرا، لتنتبه على تصفيق كارم من خلفها:
"برافو برافو."
وكأنها كانت تعلم بوجوده تحركت بروتينية دون إجفال مرددة بتهكم تسبقه:
"أهلاً حبيبي نورت الدنيا، دي إيه الطلة العزيزية دي؟"
تبسم ساخرًا وقد فهم مقصدها، ثم اقترب يلف ذراعيه حولها ويقبلها من وجنتيها مرددًا بحرارة وكفه تلامس النعومة على ذراعها المكشوف.
"قطتي وحشتني، غريبة دي؟"
ناظرته بتشكك قائلة:
"بجد؟"
ازدادت ابتسامته اتساعًا وتسلية ليردف وقد ارتفعت يداه ليمسح بإبهامه على شفتيها المكتنزة بفعل عمليات التجميل:
"معقولة حبيبتي تشك في شوقي ليها؟ لا لا أنا كده أزعل."
قالها ثم اقتنص قبلة قوية أجفلها بها، لكنها استجابت بعد لحظات معه حتى تعمق وطالت قبلته، قبل أن ينزعها فجأة سائلًا:
"مقولتيش بقى، من إمتى بتعملي إعلانات؟"
رفرفت بأهدابها الكثيفة تستوعب، فرَد هو:
"أنا بسألك عن الإعلانات اللي بتعمليها للفانز على صفحتك، زي المنتج اللي كان في إيدي من شوية، بتعمليها من إمتى بقى؟ والمقابل بتاعها قد إيه؟"
تغضنت ملامحها مع تغيره المفاجيء ليذكرها بتسلطه المعتاد على كل تحركاتها، حاولت أن تنزع نفسها عنه، ولكنه شدد ليعصرها بين ذراعيه قائلًا بفحيح:
"إيه يا قلبي؟ انتي عايزة تبعدي من قبل أنا ما أسمحلك؟"
هتفت تنهره بغضب:
"انت عايز إيه يا كارم؟"
برقت عينيه ليردف لها مشددًا على الكلمات:
"عايز أعرف كل قرش دخل لك من جميع الإعلانات اللي عملتيها الفترة اللي فاتت، أنا أقدر أجيب حسابك في البنك بكل سهولة، بس أنا هسيبك انتي اللي تقولي بنفسك."
طالعته بضيق تكظم غيظها، فقال يزيد عليها بمداعبة أسفل ذقنها:
"حبيبتي ريري، هو انتي فاكرة اني عايز أعرف عشان آخدهم يعني؟ ولا أنا محتاجهم مثلًا؟ مية مرة أقولك يا قلبي العبي زي ما انتي عايزة... بس تحت عيني، يعني ما تخرجيش عن محيطي أبدًا."
ظلت على وضعها تطالعه عينيها بصمت، حتى قال أخيرًا قبل أن يفك ذراعيه عنها:
"منتظر منك بكرة إن شاء الله تقرير مفصل، بس دلوقتي بقى، تعالي عشان عايزك."
قال الأخيرة وهو يسحبها من كف يدها، تشبثت أقدامها بالأرض تسأله:
"عايزني فين؟"
تبسم لها غامزًا بعينيه:
"بقولك وحشتيني، وبالمرة كمان عشان تشوفي الفستان اللي اخترتهولك لحفل الليلة."
أوقفته مرة أخرى:
"حفل إيه اللي أحضره؟ وفستان إيه اللي عايزني ألبسه؟"
رد بملامح ينتابها الضيق:
"حفل مرور سنة على شراكتي مع عدي عزام، لسة في أسئلة تانية؟ ولا أقولك.."
قال الأخيرة ليجفلها بحمله لها بين ذراعيه قائلًا:
"عايزين نخطف لنا شوية وقت بقى، قبل الأستاذ عمار ما يشرف من حضانته، ولا إيه؟"
***
أمام مرآتها وبعد أن لفت الحجاب جيدًا، تناولت قلم الكحل لترسم عيونها الواسعة كالعادة فتُظهر لونها المختلط بين الخضرة والبندقي والتي ورثتها عن عائلة والدها التي تتميز بهذه الصفة، رغم وجودها في قلب الصعيد، على بشرة خمرية امتزجت بحمرة طبيعية وسمار محبب يلفت الأنظار نحوها كالمغناطيس لهذا السحر الذي كان نتاج زواج أبيها ذو البشرة البيضاء مع والدتها السمراء لدرجة تماثل اللون البني، من خارج عائلته بعد أن وقع في عشقها وتحدى بها قوانين عائلته، بأن يتزوج ابنة عمه أو إحدى قريباته من نفس العائلة. أسفر هذا الزواج، عن خمسة أبناء تنوعت صفاتهم الشكلية ما بين الأسمر كوالدته أو الأبيض كالوالد، ولدان وثلاث بنات. تزوج الأربعة الكبار في الصعيد من نفس العائلة، واستقروا هناك، فلم يتبقى سوى صبا أصغر الأبناء والتي تحدت ورفضت كل من تقدموا من أقاربها حتى يأس منها والدها وجاء بها مع زبيدة زوجته من الصعيد واستقر بهم هنا منذ أكثر من سنة، بعد تنقله لعدد من السنين لا يذكر حصرها بين العمل هنا والذهاب ومتابعة شئون العائلة والأولاد في الصعيد.
ألقت نظرة شاملة برضا على ما ترتديه من فستان باللون البني الفاتح، وحجاب تنوعت ألوانه بلون الفستان والأبيض، فلم يتبقى سوى وضع حمرة خفيفة على شفتيها، وتناولت حقيبتها لتخرج حتى تلحق موعدها مع العمل الجديد، بخطوات مسرعة، وقبل أن تصل للباب أوقفتها والدتها بالنداء باسمها:
"استني هنا عندك رايحة فين؟"
التفت إليها بدهشة تجيبها:
"يعني هكون رايحة فين بس؟ ما أنا قولتلك ياما إني رايحة الشغل الجديد."
اقتربت منها زبيدة تقول كازة على أسنانها:
"طب واللي رايحة مقابلة شغل تروح متزوقة كده؟"
هتفت صبا تجيبها بدفاعية:
"والله ما حاطة حاجة في وشي، غير بس قلم الكحل وكريم أساس، وروج خفيف لون الشفايف."
ردت زبيدة بعدم رضا تبدي النصح:
"يا بتي أنا خايفة عليكي من المعاكسات والمشاكل، هنا غير بلدنا في الصعيد، انتي لسانك مبيسكتش وأبوكي دمه حامي، ده ما يصدق."
زفرت صبا وتعقد جبينها تردد بغيظ:
"مش هرد، لو حد عاكسني مش هرد عشان مديش فرصة لأبويا يقعدني في البيت أو يجبر عليا أتجوز حد من عيال عمي، بس كمان مينفعش أطلع كده زي الغفير، أنا طول عمري بحب أهتم بنفسي يا أمي، وانتي عارفة كده كويس."
ضغطت زبيدة على كلماتها:
"عارفة، بس هنا غير البلد، وانتي بتلفتي النظر ناحيتك منين ما تروحي، لو تسمعي كلامي بس، اقعدي في البيت زي الهانم أحسن وريحي مخك ومخي."
برقت صبا بانظارها تطالع والدتها بذهول تهز رأسها وفمها مفتوح بعدم تصديق حتى خرج صوتها:
"يعني أنا بقالي شهور في محايلة وشد وجذب مع أبويا لحد ما وافق أخيرًا بعد تعب على الشغل، عشان أشُم نفسي بقى وأعيش الحرية اللي بتمناها، فتيجي انتي بكل سهولة تقوليلي اقعدي، إيه يا أمي؟ إهدي كده الله يخليكي وخلي عندك ثقة في بتك، أنا بت أبو ليلة، يعني بمية راجل...."
توقفت لتحرك قدميها للخروج مرددة مرة أخرى:
"بمية راجل ها، يعني طمني قلبك."
قالتها ثم خرجت من المنزل نهائيًا، لتردد زبيدة من خلفها:
"ربنا يحفظك يا بتي، ويبعد عنك كل شر."
***
خارج باب الشقة الذي أغلقته حالاً تذكرت صبا الفتاة التي تواعدها للذهاب إلى مقابلة العمل، فتناولت هاتفها تبعث برسالة نصية إليها عبر تطبيق الواتساب. وصلها رد الفتاة بانتظارها أسفل بنايتهم في الشارع المجاور، لتتنهد بارتياح ثم حولت على وضع الكاميرا لترا صورتها في الهاتف لتُلقي نظرة على هيئتها بأن رفعته قليلًا أمام أنظارها حتى اطمأنت وقامت بإغلاقه، لتعيده في الحقيبة مرة أخرى. رفعت رأسها فجأة لتتجه نحو المصعد، لكنها صُعقت فور أن رأت هذا المتسمر أمامها كالتمثال وعينيه المسلطة عليها تحدق فيها بشر لا تعلم سببه، جارها الغريب في الشقة المقابلة، يبدو أنه على هذا الوضع منذ فترة وهي كانت غافلة عنه ومطمئنة بهدوء البناية في هذا الوقت، بعد ذهاب الجميع إلى عملهم والأطفال والأبناء إلى مدارسهم والجامعات. ابتلعت ريقها وارتبكت محلها لا تعلم كيف تتجه إلى المصعد مع وقوف هذا الرجل خلف شقته المجاورة له، تشعر بجفاف حلقها، فهذا المخلوق دائمًا ما يخيفها بهذه النظرات الغريبة منه إليها. همت لتستدير كي تعود إلى منزلهم حتى ينصرف، ولكنه أجفلها بتحرك خطواته السريعة نحوها حتى ظنت أنه سوف يؤذيها، فارتدت بخطواتها للخلف برعب إلى أن وجدته يتخطاها سريعًا ويهبط الدرج المجاور لشقة أبو ليلة في الناحية الأخرى من البناية. حطت كفها على موضع قلبها لتهدئ من روعها الذي تسبب فيه جارها الغريب، متمتمة بالآيات الحافظة، حتى تمالكت نفسها، لتغمغم بعد ذلك بحنق:
"يا ساتر يارب، وقال اسمه شادي قال؟ ده كانوا سموه عفريت أحسن."
همت لتتحرك وتتناسى ولكنها استدركت فجأة لتطل برأسها من أعلى درجات السلم التي اختفى بها تتمتم باستغراب:
"يا نهار أسود، ده هينزل خمس أدوار على رجله."
مصمصت بشفتيها لتتخذ طريقها نحو المصعد قائلة:
"أما بني آدم غريب صح، على العموم أحسن، اهو كده أدخل أنا الأسانسير براحتي بقى."
***
بداخل السيارة القديمة والتي ورثتها عن والدها منذ رحيله، أي منذ أكثر من عشر سنوات تقريبًا، والتي كانت تقودها بتوجس، مخترقة الأماكن الجديدة والغريبة في هذه الصحراء التي تعمرت حديثًا بالأبنية الجديدة للمدارس والعمارات والمصالح وغيرها من أوجه مظاهر الحياة المعاصرة، كانت شهد تتحدث عبر سماعة الهاتف بأذنها متابعة للطريق بتركيز حتى لا تغفل عن العنوان الذي تقصده:
"أيوه يا لينا معاكي والله، بس لازم أركز في الطريق....... يخرب عقلك، يا بنتي بقولك لازم أطل على العمال بنفسي وأشوف حركة العمل....... عارفة يا حبيبتي والله، بس استني كده ساعتين تلاتة أكون رجعت المكتب فيها وأطمنت على الموقع التاني كمان........ ماشي يا ستي الله يسامحك........ والله مش انتي بس، أنا كمان محتاجة حد أففض معاه، أكتر منك......... خلاص لو انتي مجتيش هعدي عليكم أنا وأسلم على الست الطيبة والدتك، دي وحشاني أوي والله....... تمام يا حبيبتي اتفقنا، أسيبك بقى سلام."
بعد مرور ربع ساعة تقريبًا، وصلت لتصف سيارتها في المنطقة المخصصة للسيارات، بعيدًا إلى حد ما عن الموقع، لتكمل الباقي سيرًا على الأقدام، حتى توقفت على صوت النداء باسمها:
"يا ست شهد، يا سيادة المقاول شهد."
التفت بكليتها نحو الشاب العشريني، موظف الحي بهذه المنطقة، وقد علمته من صوته، حتى إذا اقترب بادرته هي بالمصافحة كي ترحب بعجالة:
"أهلاً أستاذ هشام عامل إيه؟"
بادلها الأخير المصافحة والترحيب بمودة قائلًا:
"أهلاً بيكي يا فندم، يارب تكوني بخير."
أومأت برأسها مرددة بسرعة:
"بخير والحمد لله، تسلم يا عم هشام على السؤال، أسيبك بقى عشان أطل على العمال."
"طب استني بس."
هتف بها فور أن همت بالتحرك، كي يوقفها ويردف:
"أنا عارف إنك مستعجلة، بس أنا كمان مستعجل والله ونفسي تطمنيني."
سألته باستفسار:
"على إيه؟"
قال هشام بعتب ولوم:
"إيه ده؟ معقولة لحقتي تنسي اللي مكلمك عليه بقالي أسبوع؟"
"هو إيه اللي انت مكلمني عليه؟"
قالتها ثم تذكرت سريعًا مع رد فعل الرجل الذي انخطف وجهه، فتابعت بتذكر:
"آه انت قصدك على موضوع صبا، حاضر والله، بس أقابل أبو ليلة وأقوله..."
قاطعها هشام قائلًا بلهفة:
"ما هو وصل النهاردة الموقع، وتقريبًا دلوقتي هتلاقيه عند نصبة الشاي القريبة، أنا شوفته من شوية رايح هناك، وحياة أغلى ما عندك يا شيخة، روحي وكلميه قبل ما يمشي ويختفي في حتة تانية، ريحي قلبي بقى."
همت لتعترض ولكن أمام نظرة الرجاء في عيني الرجل، اضطرت صاغرة لتغير طريقها، لتغمغم بحنق:
"يا دي صبا وحوارات صبا، مش هخلص أنا من الصداع ده بقى؟"
***
"طبعًا قاعد انت بتشرب شاي الحبر هنا بمزاج عالي ولا هامك حاجة."
هتفت بها شهد وهي تقترب من نصبة الشاي الجالس بقربها مسعود أبو ليلة، يرتشف من كوبه بتلذذ، ويتسامر بصوته العالي مع عبيد عامل النصبة. انتبه لها الرجل ليتلقاها بابتسامة مشرقة منه كالعادة، قبل أن يرد بمناكفة:
"طب سلمي الأول، صباحك جدامك ولا وراكي يا بت؟"
ضحكت له شهد مرددة وهي تتناول كرسي بلاستيكي لتجلس أمامه:
"لا أنا صباحي قاعد قدامي اهو وبيشرب شاي."
"وه دي جاية تهزر."
قالها أبو ليلة مخاطبًا عبيد قبل أن يطلق ضحكته الرجولية المتقطعة ذات الصوت العالي، فقال عبيد بعد أن هدأت ضحكات الرجل:
"تؤمري بإيه يا ست شهد؟ شاي ولا قهوة."
ردت شهد بابتسامة ودودة للفتى:
"لا بقى معلش يا عبيد، خليها وقت تاني، أنا جاية في كلمتين للراجل صاحبنا ده وماشية على طول أشوف الهم اللي ورايا."
أومأ لها عبيد برأسه ليعود لعمله، وسألها أبو ليلة:
"خير يا ست شهد، عايزاني في إيه؟"
تبسمت له الأخيرة تجيبه:
"صبا."
"اشمعنى؟"
قالها فردت شهد بابتسامة متسعة:
"متقدملها عريس وسايقني عليك واسطة عشان ترضى بيه."
رد مسعود على الفور:
"لا."
هتفت به شهد مستنكرة:
"لا على طول كده! طب مش لما تعرف هو مين الأول؟"
هزهز رأسه بعدم اهتمام وهو يعود ليرتشف من كوب الشاي خاصته، فاستطردت قائلة:
"ده الأستاذ هشام، موظف الحي اللي بيجي يشرف على المباني أحيانًا، بيقول إنه شاف صبا بالصدفة معاك، وسأل عليها وعرف إنها بنتك، ومن يوميها الراجل هيتجنن ويكلمك، وبيقول إن شقته جاهزة من مجاميعه وهو تحت أمرك في اللي تطلبه و....."
قاطعها أبو ليلة:
"ولو هيجيب نجمة من السما، بلغيه رفضي وريحي مخك، ما انتي عارفة رأيي يا شهد لزومه إيه بس الأخذ والرد في أمر منهي؟"
توقفت الكلمات على طرف لسانها بعد أن أفحمها برده القاطع، لكن وبرغم علمها المسبق برده، حاولت مرة أخرى:
"طب فهمني بس، يعني انت هتسيبها كده زي البيت الوقف من غير جواز العمر كله يا عم أبو ليلة؟"
رد يجيبها وبكل بساطة:
"هي حرة بقى، أنا راجل ومرضيتش أجبرها على الجواز من واد عمها، بس كمان محدش هيفرض عليا كلمته، يعني مدام هي مقبلتش بواد عمها، يبقى تقعد كده بقى من غير جواز خالص، إيه يعني؟"
ضربت كفيها ببعضهم، تقارعه بدهشة لهذا المنطق الغريب:
"يا عم الحج، هي الدنيا وقفت على ابن عمها وبس؟ مفيش بقى ناس محترمين يصلحوا؟"
"لا مفيش."
قالها بحدة ليردف بعد ذلك:
"أنا شفت ولفيت كتير، لكني برضوا مش هتنازل عن اللي في دماغي، لحد ما هي توافق على واحد من عيال عمامها اللي طالبينها، ما يصون العرض غير واد العم يا بت أخوي، فهمتيني؟"
تبسمت شهد بحنين وقلبها يرفرف داخلها مع جملته العابرة؛ والتي ألقاها بدون تركيز، (بت أخوي) لا يعلم بوقعها عليها، وكأنها كالبلسم الذي ينزل على جرحها ليطيبه، ويذكرها بمساندته الدائمة لها من وقت رحيل أبيها، رغم عدم وجود صلة قرابة حقيقية تجمعها به، سوى أنه كان صديق والدها، أبو ليلة ظهرها وبفضله فقط هي استطاعت الوقوف على قدمها، حتى تتحمل المسؤولية وتراعي أخواتها، رغم قسوة المجال الذي تعمل به، وشراسته في ابتلاع كل صغير أو ضعيف.
"يا ست شهد يا ست شهد."
وصلها الصوت اللاهث مع اقتراب صاحبه بالركض نحوهم، حتى توقف أمامها يردد بصوت متقطع الأنفاس:
"الحقينا يا ست شهد وتعالي شوفي البلوة اللي حطت على راسنا دي!"
"بلوة إيه الله يخرب بيتك؟"
هتفت بها شهد بجزع وتبعها أبو ليلة أيضًا ولكن بنزق:
"ما تتكلم ياد وخلص، خلينا نفهم."
هم ليجيبه الشاب ولكن هاتف أبو ليلة صدح بورود مكالمة، استجاب للرد يردف بانفعال:
"أيوه يا واد عايز إيه؟...... وه لجنة إيه كمان اللي جاي يشوف اللي اتبنى؟.... استناني ياد ومتتحركش، أنا ربع ساعة وهكون عندك."
أغلق سريعًا أبو ليلة ليهدر في الماثل أمامه:
"قول يا واد على طول، إيه اللي حاصل؟"
أجاب على الفور عبد الرحيم مساعد شهد:
"جايبين مهندس جديد، غير اللي كان متابع معانا دايمًا، ومن أول ما وصل عمال يزعق ومش عاجبه حاجة، وكل اللي على لسانه، فين المقاول المهمل؟ سايب الدنيا بايظة والحال واقف."
"الحال واقف!"
رددتها شهد بدهشة، ورد عبد الرحيم مدافعًا:
"لا والله يا ست شهد، دي بس ربع ساعة وقفنا فيها عشان نفطر."
هتف أبو ليلة مستنكرًا:
"لهو عايزكم تموتوا من الجوع كمان، فين المهندس ده وأنا أوريه شغله."
قالها وهم أن يتحرك قبل أن توقفه شهد:
"استنى هنا يا عم انت، روح شوف شغلك واللجنة اللي طبت فجأة على الموقع بتاعك، وأنا كفاءة أسد مع أي حد."
"بس يا بتي.."
"مفيش بس يا عم أبو ليلة، روح شوف شغلك زي ما اتفقنا."
***
وصلت شهد أخيرًا إلى الموقع الذي يعمل الرجال في بناءه تحت مسؤوليتها كمقاول مهمته التنفيذ بدقة لتصميم المبنى من قبل المسؤول، مع توافر الإمكانيات التي يتم بها ذلك.
تفاجأت بعمالها الملتفين نحو هذا الشخص الذي يهدر بينهم بصوته، بالتوبيخ والصياح:
"ده مال حكومة، الوقت اللي انتوا بتضيعوه ده من فلوسكم اللي بتدفعوها في المال العام، لو المقاول بتاعكم مهمل ومدلعكم، أنا بقى مسمحش بالتسيب ده."
"سيب العمال حضرتك، وخلي كلامك معايا."
هتفت بها شهد من خلفه فالتف حسن إلى الصوت النسائي، ثم ضيق عينيه بتساؤل، فهمته هي لتجيبه على الفور:
"أنا المقاول المسؤول هنا."
جالت عينيه عليها يناظرها بذهول من قبعة رأسها في الأعلى حتى شوز قدمها في الأسفل، فخرج صوته بعدم تصديق:
"إنتي..... المقاول المسؤول؟!.... يتبع"
رواية و بها متيم انا الفصل الثاني 2 - بقلم امل نصر
إنتي..... المقاول المسؤل؟!
هتف بها ثم ناظرها من علو لفرق الطول الواضح بينها وبينه.
تمسح عينيه على قبعة رأسها في الأعلى (الكاب) الذي تخفي به شعرها، ثم هبطت على القميص الرجالي، بتفصيلته الواسعة للغاية مع بنطال من الجينز باهت اللون ثم هذا الحذاء الأبيض في الأسفل.
ليرفع عيناه اخيرًا إلى وجهها المستدير ببشرة خمرية أو ربما كانت بيضاء قبل ذلك، ثم أكتسبت هذا اللون بفعل الشمس، بملامح تختلف تمامًا عن هذا المظهر الرجولي.
الشيء الوحيد الذي جعله يتأكد أنها أنثى، ثم زو ج العيون الواسعة للغاية وأهدابها الكثيفة والكحيلة، بمقلتين شديدتي السواد.
أعجبه صفاءها لدرجة جعلته يتوقف عليها قبل أن يجفل على صيحتها بوجهه:
- أيوه أنا المقاول المسؤل، يعني لو كنت اخدتها بالزوق من الأول وسألت عني، كنت عرفت إني قريبة منك هنا، بدل ما تحط غلبك في العمال الغلابة، وتسمعهم كلام هما في غنى عنه.
ردها العنيف وجرأتها في مقارعته أمام العمال دون تقدير لوضعها هي أمام مركزه وسلطته بما قد يستطيع فعله، جعله يزبهل أمامها للحظات قبل أن يردد بعدم استيعاب يشير بسبابته نحوه:
- إنتي بتكلميني انا كدة؟
- أه بكلمك إنت كدة!
قالتها ببساطة ادهشته قبل أن تهتف بأمر نحو مساعدها:
- اصرف العمال يا عبد الرحيم وخليهم يكملوا يومهم، واما نشوف إحنا بعدها لينا أكل عيش في المخروبة بعد كدة ولا لأ.
التف حسن نحو العمال الذين كانوا ينصرفوا أمامه مع هتاف هذا المدعو عبد الرحيم عليهم، ليعودوا لعملهم، فتذكر صورته أمامهم بصياح هذه المرأة عليه، وعدم تقديرها له.
ف هتف بها مستشيطًا من الغضب:
- أقسم بالله لولا انك ست، أنا كان هيبقالي وضع تاني معاكي، يعني مش كفاية التأخير في تسليم الوحدة والإهمال اللي شهدت عليه أنا بنفسي، عشان تزودي عليهم بجليطك في الرد معايا دلوقتي؟
واجهته شهد بتحد وقوة تعقب على كلماته:
- جليطة إيه بالظبط اللي انت بتتكلم عليها؟ ما تشوف نفسك الأول يا أستاذ، جاي حامي وفارد نفسك علينا، وبتتكلم عن اهمال وتأخير، هو مين بالظبط اللي متسبب في الإهمال والتأخير ده؟ ولا أنت عشان استلمت في نص السكة، مفكرتش تسأل عن اللي عمله المهندس اللي قبلك، ووقف الحال...
صمتت برهة لتضيف بعصبية:
- انا بصرف ع العمال أكل وشرب وأجرة من جيبي، عشان العك والروتين الزفت اللي معطل مستخلصاتي عندكم.
صاح بها مستنكرًا:
- عشان عارفة أن كل فلوسك راجعالك، يعني مش بتفعلي لوجه الله، يبقى لزومو ايه انا عايز افهم التأخير والتسيب اللي انا شوفته من شوية ده؟
برقت عينيها بغضب تحاول بصعوبة تحجيمه حتى لا تلقن هذا الأرعن ما يستحقه من سباب، فضغطت ترد كازة على أسنانها وهي تعبر بيدها بعادة اعتادت عليها في الحديث:
- تاني برضوا هتقول تسيب وتأخير؟ ودا معناه إن حضرتك مخدتش بالك من كل اللي رغيت وحكيت فيه، بقولك ايه يا بشمهندس، ما تروح تراجع المصلحة وتشوف المشروع دا من امتى احنا بدأين فيه، دا غير المشاكل اللي وقفت الحال شهور، وبالمرة كمان تعرف ان الأسعار زادت الضعف، وان اللي أنت بتقوله عن الفلوس اللي هعوضها كله فشنك، عشان الغلا اللي هب علينا هيخسرني كل مكسب هيجي من الشغلانة النحس دي.
حركة يداها الناعمة وهي تؤدي مع كلمة معها بهذا الأنسيال الصغير المتلف حول رسغها بدلاية من حرفين ملتصقين او كلمة محفورة، لا يعلم ولكنها افقدته تركيزه، وشتته عن الرد عليها لعدة لحظات، قبل أن يستدرك بخشونة قائلًا:
- تمام يا سيادة المقاول، أنا بقى هشوف شغلي مع الرؤساء، وهما بقى اللي يشوفولي صرفة مع الوضع ده.
قالها ثم التف ذاهبًا يغمغم بصوت عالي:
- مش كفاية إني قبلت اشيل مسئولية الشغلانة دي من نصها وشربت المقلب، وهي من امتى أساسَا في شغلانة بتعمر بإيد ست، دول يفلحوا بس في الخراب.
تمتمت شهد هي الأخرى بحنق من خلفه، تضرب كفًا بالاَخر:
- لا حول ولا قوة ألا بالله، روح يا خويا اعمل ما بدالك، يعني هتخرجنا من الجنة يا خي، بلا نيلة.
بداخل مقر الشركة التي يتم بها عقد المقابلات لاختيار الموظفين الجدد، كانت صبا مع صديقتها الجديدة مودة، مازلن في انتظار دورهن في الإختبار، الذي يجريه رئيس العمل حتى يتم استلام الوظيفة.
ف قالت بريبة تتسرب داخلها:
- أنتي مش ملاحظة إن كل اللي بيدخلوا بنات او ستات بس؟
ردت مودة وعينيها تناظر الجالسات حولها بهيئات مختلفة، من منتقبة بملابس واسعة للغاية، لمحجبة بملابس عصرية، إلى أخرى منفتحة ترتدي جيبة قصيرة وملابس ضيقة وزينة صارخة، عدة أنواع مختلفة من البشر كلهن نساء.
- عندك حق طبعًا، القعدة هنا كلها طرية بشكل مستفز والواحد نفسه جزعت وبقى حلمه يشوف حاجة خشنة، بشنبات أو عضلات او حتى عادي المهم يبقى فيه تغير، بدل ما حاسة كدة اني قاعدة في كوكب النساء، هههه.
صدر صوت ضحكتها بشكل لفت الأنظار نحوها، فتبسمت لهن صبا تردد بحرج:
- أسفين يا بنات معلش.
أومأت برأسها مودة تدعي الحرج هي الأخرى، بابتسامة مستترة.
لتجفل على لكزة قوية من مرفق صبا تلقتها على خصرها وهي تزجرها بنظرة محذرة:
- إمسكي نفسك بجى واعملي حساب الجعدة الزفت اللي احنا فيه دي، ولا عايزاهم ياخدوا فكرة عفشة عني.
كدلكت مودة بكفها على موضع اللكزة تردد بتأوه خفيض:
- آه إيه ده؟ ايدك تقيلة اوي يا بنت ابو ليلة، وأيه الغل ده في الضرب؟ زي ما يكون في ما بيني وما بينك طار يا شيخة، آه.
زفرت صبا بضيق حقيقي، ولم تستجيب لمزاحها، فحالة من عدم الإرتياح كانت تتنابها بشدة، ولا تعلم سببها، جعلتها تفرك بكفيها وتزفر بضيق.
ف خاطبتها مودة ملطفة:
- يا بنتي خفي شوية الفرك بتاعك ده؟ انا مش عارفة إيه اللي قالقك بالظبط، عشان مفيش رجالة معانا يعني، مش يمكن الراجل رئيس العمل قسم الأيام، ما بين الرجالة والستات، عشان الزحمة، واديكي شايفة بنفسك اهو.
التفت صبا نحو الغرفة الواسعة والممتلئة بالنساء، فبدا على ملامحها بعض الإقتناع، وتسائلت:
- طب ليه موضوحوش؟ مش يمكن كنا جينا احنا كمان في يوم الرجالة؟
حركت مودة رأسها بسأم تردف بمهادنة:
- يا صبا، متبقيش شكاكة كدة ودقاقة في كل حاجة، ما هو مش معقول يعني هيكون كل الهيلمان ده، معمول عشان النصب او مقلب كاميرا خفية، كبري شوية يا ماما، كبري.
قالت الاَخيرة وهي تشير بسبابتها على جانب رأسها، سمعت منها الأخرى وتجسرت تهدأ نفسها وتطمئنها أن كل شيء سيكون خيرًا بإذن الله.
حتى انتبهت على نداء الموظفة المسؤلة بإسمها، ف انتفضت محلها تجيب الفتاة:
- أيوه انا صبا مسعد.
رمقتها السيدة بنظرة مقيمة من رأسها حتى حذائها في الأسفل، لتزيد من توتر الأخرى، قبل أن تردف:
- اتفضلي يا صبا، مستر حلمي مستنيكي في المكتب جوا.
سمعت منها لتقف، وتهندم في ملابسها بقلق شعرت به مودة التي وقفت هي الأخرى، ولكن لتؤازرها:
- إهدي يا صبا وخدي نفس طويل وخرجيه، عشان تبقي واثقة في نفسك كدة مع الراجل اللي جوا ده، وتعرفي تجاوبي صح على كل سؤال يتوجهلك.
أومأت لها تهز برأسها، ثم تحركت تذهب وهي تعيد برأسها كل ما ذاكرته بالأمس من معلومات عن قواعد وأساسيات هذه المقابلات وما قد يوجه لها من رئيس العمل، وكيف يكون رد فعلها كفتاة تليق بالوظيفة.
القت التحية وهي تلج لداخل غرفة مدير العمل والذي كان منتبهًا لها وكأنه ينتظرها:
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قالها الرجل وهو ينهض عن مكتبه ليصافحها بكفه.
استغربت صبا في البداية، ثم رصخت مضطرة لتبادله المصافحة، لتفاجأ بحرارة الترحاب بابتسامة لم تعجبها وكفه تطبق على كفها:
- اهلا اهلا يا صبا، نورتي وشرفتي، دا ايه الجمال ده؟
على الفور نزعت كفها صبا لترتد بأقدامها للخلف قائلة بعملية:
- اهلا وسهلًا يا فندم.
شملها الرجل الأربعيني بنظرة مقيمة هو الاَخر ليقول بإعجاب صريح:
- ما شاء الله يا صبا، انتي جميلة اوي.
- جميلة أوي!
تمتمت بها بعدم استيعاب، ف على حسب معلوماتها هذه العبارات لا تقال بهذه الصراحة أبدًا من رئيس العمل!
- اتفضلي اقعدي يا صبا.
قالها الرجل وهو يشير بكفه أمامها، اذعنت لتجلس على الكرسي المقابل لمكتبه مرددة با عتيادية:
- شكرًا يا فندم.
جلس هو الاَخر يقول بلزاجة لم تعجبها:
- قوليلي يا مستر حلمي، بلاش يا فندم دي، انا راجل بسيط ومحبش الرسميات، خصوصًا من الموظفين اللي عندي، ما انا خلاص قررت اقبلك.
عقبت صبا باستغراب:
- على طول كدة يا فندم، من غير اختبارات؟
طالعها حلمي بابتسامته المستفزة والتي لا تغادر وجهه:
- لا طبعا هختبرك، ما انا خدت فكرة خلاص عن الشكل الخارجي، فاضل بقى اعرف إمكانياتك في العمل، ها مؤهلاتك إيه بقى؟
اتخذت صبا وجه جدي وهي تردف له:
- حضرتك انا بكالوريوس تجارة انجلش، دا غير اني واخدة كورسات كتير في الإدارة والحاسب الآلي، حضرتك انا درجاتي في المحاسبة كلها جيد جدًا.
لوح حلمي بكفه قائلًا بعدم اهتمام:
- لا لا سيبك من المحاسبة والكلام الفارغ ده، انتي اهم حاجة تعرفي تتعاملي مع الكمبيوتر ومكتبة الطباعة والباقي انا اقدر افهموهلك بسهولة وعلى راحتك كمان، انا ممكن اصبر عليكي.
صاحت صبا باستهجان وعدم تقبل:
- باقي إيه اللي تصبر عليا فيه حضرتك؟ وازاي يعني اسيبني من المحاسبة؟ هو انا هشتغل إيه بالظبط عندك؟
- سكرتيرة.
- نعم!
- بقولك سكرتيرة يا صبا، وانتي فيكي كل المؤهلات ما شاء الله عليكي.
سمعت منه لتنتفض من محلها تهتف باعتراض:
- يا نهار اسود، لا طبعا مينفعش يا فندم، انا جاية هنا على أساس اللي انتو نشرتوه امبارح طالبين فيه محاسبين ووظايف تانية، وانا عايزة اشتغل محاسبة.
نهض حلمي يرواغها بسماجة أدهشتها:
- وتشتعلي محاسبة ليه بس؟ دا شغل يهد الحيل ويوجع قلب، انا رئيس الشركة وشايفك تنفعي واجهة للمكتب بهيئتك الأنيقة دي، دا غير إن هزودلك المرتب للضعف، وانتي بشطارتك بقى، ممكن اخليهم أضعاف.
زاد الإحتقان داخلها حتى كاد أن يفقدها صوابها، لتهدر غير أبهة بسلطته أو سنوات عمره التي تفوقها بالضعف، فخرج صوتها بلكنتها الجنوبية:
- شطارة مين؟ وأضعاف إيه دي اللي انا هبصلها دي؟ انا بت ابو ليلة، يعني تحت رجلي الفلوس.
على عكس ما توقعت غضب الرجل أو انفاعله نحوها، وجدته يناظرها بابتسامة بلهاء تعلو ثغره يقول لها:
- الله، دا انتي طلعتي صعيدية كمان يا صبا، طب ما تتجوزيني يا بت وانا اخليكي هانم، بلا شغل بلا مرمطة.
- اتجوزك دا إيه يا خرفان يا......
قطعت تقضم شفتها السفلى عن إكمال الباقي وتحجم نفسها عن الإمساك بأقرب ألة ثقيلة او حادة تجدها أمامها، حتى تُخرج غليلها بشج رأسهِ، مع تذكرها للعواقب التي تنتظرها من أبيها الذي سيمنعها عن العمل نهائيًا بعد ذلك، هذا إن لم يزوجها لفرد من أبناء عمومتها في الصعيد غصبًا، لذلك لم تجد أمامها سوى أن تتناول حقيبتها وتخرج على الفور، مغمغمة بغيظ:
- نفدت من تحت يدي يا بن الفرطوس.
بوجه مكفهر دلفت لمكتب المهندس مجدي، بعد أن هاتفها لتأتي على عجالة لحل هذه المعضلة الجديدة بحضور المهندس الجديد، الذي كان حاضرًا هو أيضًا في انتظارها ع الإتفاق هو الاخر.
القت شهد بالتحية متعمدة عدم النظر إليه:
- مساء الخير.
- اهلا مساء الخير أستاذة شهد.
تفوه بها الرجل مرحبًا بعد ان نهض عن مكتبهِ ليصافحها بمودة صادقة:
- نورتي مكتبي المتواضع.
تبسمت له شهد متخلية عن عبوسها وهي تتخذ مكانها مقابل هذا المدعو حسن والذي كان يناظرها من طرف أجفانه بجسلته وهو مستند بمرفقه على سطح المكتب قبضته أسفل ذقنه بعجرفة.
تجاهلته لترد على الاَخر بزوق:
- المكتب منور باصحابه يا بشمهندس ربنا يحفظك.... ها خير بقى؟
اطلق ضحكة سريعة الرجل ليقول:
- كدة على طول برضوا؟ مش تستني طيب على ما نقوم بالواجب.
قالها وهو يلتقط هاتفه من سطح المكتب أمامه، ولكن شهد أوقفته معترضة:
- لا الله يخليك بلاش مضايفة ولا تطلب أي حاجة، انا سايبة الشغل متلتل فوق راسي.
تحمحم الرجل يجلي حلقه في البداية ثم تفوه يبدأ حديثه:
- حيث كدة بقى أنا مضطر ادخل في المفيد على طول، وأكيد يعني بوجود المهندس حسن، انتي دلوقتي خدتي فكرة لوحدك.
سمعت منه شهد لتنقل بعينيها نحو المذكور فقالت بتهكم مقصود:
- طبعُا يا فندم الجواب باين من عنوانه، أكيد بقى البشمهندس حكالك عن اللقاء الجميل اللي جمع ما بينا من شوية.
إلتف حسن هو أيضًا متفاجئًا من جرأتها في الحديث؛ التي استفزته ليرد بسخرية هو الاَخر:
- اَه امال إيه؟ واسأليه حضرتك انا وصفت في زوقك واحترامك أد إيه، إسأليه؟
ابتسامة جميلة اعتلت ثغرها اربكته، قبل أن تفيقه بقولها:
- مفيش داعي إنه يحكي ولا يقول، أنا عارفة ان انت مقصرتش.
ضرب حسن بكفه فوق سطح المكتب يزفر بغضب، مرددًا:
- اللهم طولك يا روح.
تدخل المهندس مجدي يقول بمهادنة:
- صلو ع النبي يا جماعة، لازم نتفاهم عشان نوصل لحل، جو التشاحن ده مينفعش، واحنا عايزين نخلص من ام الشغلانة الصعبة دي.
مطت شهد بشفتيها وهي تلتف نحو الرجل وقالت تحرك يداها كفعلتها في الصباح، لتسرق أنظاره في التركيز على هذه الجملة الصغيرة المتدلية من الإنسيال، وهي تقول غير منتبهة له:
- الكلام دا يا سيادة البشمهندس تقوله لحد غيري، انت أكتر واحد عارف بالمرار اللي شربته انا في المصلحة دي، وعارف بالخساير اللي بتحملها مضطرة عشان موقفش الحال ونخلص بقى ع الموعد.
انتبه حسن على الأخيرة ليرد مقارعًا:
- حلو اوي البداية دي يا أستاذ مجدي، الأستاذة دي اللي بتقولك انها عايزة تخلص في الموعد كانت سايبة الشغل النهاردة يضرب يقلب والعمال مع نفسهم.
زفرت شهد لتهدر كازة على أسنانها:
- تاني برضوا هيقول إهمال، هو حضرتك عايزة إيه بالظبط؟ ربع ساعة وخدوها العمال عشان يفطروا، اموتهم انا من الجوع بقى عشان خاطرك، وخاطر العمل، إيه؟ هي عبودية؟
تدخل مجدي مرة أخرى يقول ملطفًا:
- هو مكانش قصدوا كدة يا شهد، طبعًا انتي عندي حق في كل اللي قولتيه، وهو كمان عنده حق، عشان الوقت اللي محكوم بيه، بعد المصلحة ما جابته يمسك بدال المهندس محمدي اللي سابها من النص وشافله شغلانة غيرها.
- طب وبعدين؟ إيه المطلوب دلوقتي؟
سألت بتحفز وهي تهز بأقدامها في الأسفل بعصبية، فقال الرجل:
- المطلوب هو إنك تتعاوني مع المهندس حسن يا شهد، لا انتي عايزة تخسري بعد ما قطعتي نص السكة، ولا هو كمان يرضى بوقف الحال مرة تانية على ما نجيب مقاول تاني بقى والعك اللي انتي عارفاه ده.
اطرقت رأسها بتفكير عميق، تركز في كلمات الرجل فهي بالفعل في أشد الحاجة لاستئناف هذه العملية لسداد الديون المتبقية من زواج شقيقتها فريال بعد ان تكلفت وتحملت تجهيزها في الزواج منذ عدة أشهر، وبرغم استفزاز هذه المهندس لها، إلا أنها لا تملك إلا الرضوخ، حتى لو ادعت غير ذلك.
- لدرجادي المهمة صعبة؟
تفوه بها حسن ساخرًا بابتسامة غير مفهومة ليزيد من غضبها، ولحق مجدي قائلًا بعملية، قبل أن ينفلت لسان شهد بالرفض معاندة:
- خلاص يا شهد مفيش داعي للتفكير، عديها بقى.
تنهدت لتوميء برأسها بقنوط، وقبل أن تهم بالتحدث وجدت الاَخر يسبقها:
- بس انا عندي شرط يا بشمهندس.
ناظرته شهد رافعة حاجبها بتساؤل، تكلف به مجدي:
- إيه هو شرطك يا حسن؟
رفع سبابته يجيب محذرًا بحزم:
- مدام مصلحتنا واحدة في إنهاء العمل في اقرب وقت، يبقى الأستاذة تنفذ اللي هقوله من غير اعتراض عشان نخلص، واظن بقى إن دا حقي.
- طبعًا حقك.
تفوه بها مجدي سريعًا قبل أن يتجه لشهد، التي كانت تناظرهم بشر:
- وانتي ليكي عليا يا شهد، هعمل كل جهدي عشان تاخدي كل مستحقاتك من المصلحة في اقرب وقت.
في طريق عودتهن إلى منازلهن بعد فشل المقابلة الكارثية للعمل، تمتمت مودة بكلمات حانقة بعد ترجلها من سيارة الأجرة التي ضمتها هي وصبا:
- يا كش بس تكوني مرتاحة دلوقتي بعد ما ضيعتي علينا الشغلانة؟
توقفت صبا تواجهها باحتقان ما يجيش بصــ درها وما اختبرته في هذه الساعات القليلة:
- بجولك إيه يا مودة، من الاَخر كدة يا بنت الناس، تجفلي ع السيرة دي خالص عشان انا فيا اللي مكفيني، انا مجبرتش عليكي تمشي وتسيبي الشعلانة اللي انتي ندمانة عليها دي، عايزة تشتغلي مع واحد مش تمام زي ده، انتي حرة.
شعرت بالحرج مودة والعيون في الشارع منصبة جميعها عليهن بهذه الوقفة الغريبة لهن والنبرة المحتدة من الأخرى إليها، فهمست متمتمة:
- طب براحة طيب، الناس كلها بتبص علينا، مستغربين الوقفة بتاعتنا دي في وسط الشارع اساسًا، اهدي بقى انا بهزر.
سمعت منها صبا واستدارت عنها تسبق في الخطوات بغيظ لتكمل طريقها بصمت، وخلفها كانت مودة تنتبه على النظرات المصوبة نحو الأخرى، رغم سيرها العسكري، والذي قد يظنه البعض تكبر، ولكنها تتمتع بجاذبية غير عادية.
صديقتها التي تعرفت عليها منذ سنة تقريبًا، بعد مجيئها من الجنوب لتسكن هنا مع والديها، تعرف أنها مدللة أبيها، ولكنها أيضًا ذات شخصية فريدة تتمنى أن تصل لنصف حظها.
عادت صبا لتلتف برأسها نحوها وتسألها:
- هتيجي معايا بيتنا تتغذي؟
- ها.
تفوهت بها مودة تستفيق من شرودها، لتشدد عليها صبا في قولها:
- بقولك هتكملي الشارع وتيجي معايا على بيتنا؟ ولا هتختصري وتروحي على بيتكم؟
التفت مودة نحو ما تشير صبا، لتجد نفسها أمام بنايتهم بالفعل، فتبسمت تجيبها باضطراب:
- لا لا مش هينفع، انا هروح اعلق ع الغسالة بقى مدام رجعت بدري عشان الغسيل اللي متكوم في سبت الغسيل، روحي انتي وعلى اتصال بقى.
أومأت لها برأسها وذهبت لتكمل الباقي نحو البناية التي تقطن بها، متجاهلة كلمات الإعجاب والغزل التي يتفوه بها الشباب والمارة من جوارها، تعلم أنها جميلة ولكنها لا تعطي لهذه الصفة أكبر من حجمها، حتى لا تصبح عبدة لشيء زائل كما يقول لها والدها دائمًا.
دلت صبا لداخل المصعد بخطوات ثقيلة، محبطة، تجر اقدامها جرًا بيأس أصابها، وقد ضاعت عليها فرصة وحلم خططت له منذ شهور، كانت تود تحقيقه كي تحقق ذاتها بعيدًا عن العادات التي تقيدها وتقيد حريتها، بالزواج والإنجاب وإلغاء كينونتها خلف زوج يتحكم ويأمر وينهي حتى على اتفه الأمور الخاصة بها.
هي اصغر أشقائها وقد شهدت بعينيها ما يعاني منه شقيقاتها المتزوجات في الجنوب من العائلة، أبناء عمومتهن الذين تزوجن منهن بشهادات تعليم متوسط، يملكن حق تقرير مصير شقيقاتها الجامعيات، والتقليل أو السباب حتى، وهي أبدًا لن تكون مثلهن، ولو حتى ظلت هكذا بدون زواج كما يفعل ويهددها والدها دائمًا، كي تيأس وترصخ، ولا يعلم بأنها سعيدة بذلك، وقد تمكنت بصعوبة شديدة بالحصول على موافقته على العمل وكأنها انتزعت قطعة لحم من فم الأسد.
توقف المصعد فجأة على أحد الطابق فدلفت لتنضم إليها هذه السيدة الرقيقة بعباءة منزليه واسعة تلقي التحية بابتسامة رائعة:
- صباح الفل يا صبا.
ردت تبادلها الابتسامة ببعض الإضطراب:
- اهلًا صباح الفل يااا... رحمة.
ضحكت الأخيرة قائلة:
- ياه يا صبا، ساعة عشان تفتكري إسمي؟ بس اقول إيه؟ ما انتي قافلة دايمًا، ومستخبية في بيتكم، هتعرفي جيرانك إزاي بس؟
توقف المصعد فجأة ليخرجن الإثنان بنفس الطابق، وقالت صبا ترد على المرأة:
- مش حكاية محبوسة والله، بس انا مبطلعش غير ع الضرورة، لكن طبعًا عارفة انك جيرانا وساكنة في الشقة اللي تحت.
ردت رحمة وهي تتوقف بالقرب من الشقة المجاورة للمصعد:
- دوكها شقتي اللي متجوزة فيها يا صبا، أما دي بقى تبقى شقة اهلي وانا بطلع كل يوم اشوف طلبات والدتي عشان هي تعبانة اوي بقالها فترة.
ظهر على ملامح صبا التأثر فقالت بشفقة:
- الف سلامة عليها مكنتش اعرف والله.
ردت رحمة بابتسامة، وعتب مبطن:
- ما انا قولتلك هتعرفي ازاي يا صبا؟ ع العموم احنا فيها، تعالي ادخلي معايا وسلمي عليها ، دي بتفرح أوي بأي حد يدخل لها.
انسحبت الدماء من وجهها، وجف حلقها، مع تخليها لرؤية هذا الرجل الغريب لها بداخل منزله! هذا المدعو شادي، يكفيها موقفه معها في الصباح.
تحركت رأسها لتخلتق حجة للرفض، ولكن رحمة كان لها السبق:
- اوعي تكوني مكسوفة، او خايفة ليكون البيت فيه شباب، اخويا شادي النهاردة اساسًا في مأمورية برا العاصمة وهيقعد فيها كان يوم كمان، ولا انتي مش عايزة؟ براحتك.
أحرجتها بزوقها وكلماتها اللطيفة، فلم تملك صبا سوى انها توافق، وتتحرك معها، وتناولت الهاتف تتصل بوالدتها تخبرها بعودتها وزيارتها الاَن لجيرانها في الشقة المقابلة لشقتهم.
داخل الفندق الشهير دلفت رباب تتأبط ذراع زو جها والذي كان يرتدي حلة رائعة تخطف الأنفاس، أما هي فكانت على التوقع كالعادة، مثيرة حد الفتنة، تسرق الأنظار نحوها بفستان أسود عاري الكتفين، بقصة كلاسيكية، منسدل على جســ دها بنعومة، يصل حتى كاحليها، بفتحة على ساقها حتى أعلى ألركبة، توزع الابتسامة بروتينة نحو كل من يحيها.
استقبلهما عدي عزام مرحبا بتهليل:
- كارم حبيبي.
- عدي باشا، إيه الأخبار؟
رددها كارم بمصافحة رجولية متبسمًا بابتهاج:
- فل.
تفوه بها عدي غامزًا، قبل ان يرحب مصافحًا رباب هي الأخرى:
- نورتي فندقنا المتواضع يا رباب هانم.
اومأت له بابتسامة يشملها الزهو:
- يا خبر ابيض، اكبر فندق في البلد وبتقول عليه متواضع؟
- دا من زوقك يا هانم.
رددها عدي بابتسامة هو الاَخر قبل أن يشير بكفهِ للأمام قائلًا:
- معايا بقى على قاعة كبار الزوار، بهيرة هانم والدتي مع زو جتنا الفاضلة ميسون هناك مع ضيوفنا المُهمين.
بعد قليل.
كانت رباب مندمجة في الحديث الجانبي مع السيدة بهيرة شوكت، وز جة ابنها المتعالية مثلها ذات الأصول التركية، مع عدد من النساء اخريات صديقات للمرأة الكبيرة او زو جات لبعض الشركاء.
أما كارم وعدي فقد اتخذا جانبًا لهما وحدهما للأنفراد بالحديث، فقال كارم وهو يرتشف من كأس مشروبه:
- مكنتش أتصور إن اخوك ميبقاش معانا في مناسبة زي دي؟
فهم عدي على تلميحه ورد بابتسامة:
- ومين قالك بقى إن مصطفى مجاش؟ دا وصل مع بداية الحفل عشر دقايق سلم ع الشركا ورحب بيهم، وبعدها مشي على طول.
- أممم.
زام بفمه يتمتم بابتسامة خبيثة:
- يعني الباشا قصد يجي مع البداية ويمشي قبل ما يشوفني، رغم اني الشريك الرئيسي في الحفل.
لوى عدي ثغره بابتسامة مستترة وارتفعا حاجبيه وانخفضا سريعًا بمغزى فهمه كارم فتابع مردفًا:
- واخد موقف مني، عشان جاسر الريان وطارق اصحابه، انا كنت عارف من الأول على فكرة، ودا اللي خلاني اشك في جديتك للشراكة معايا في البداية.
خطف عدي نظرة نحو امرأة اجنبية مرت أمامه، قبل أن يعود لكارم قائلًا بثقة:
- واديك اتأكدت اني مش لعبة في إيد مصطفى، وبعرف اشتغل من غيره، بدليل شركتنا اللي بقت تنافس الشركات الكبيرة في اقل من سنة.
تصلب وجه كارم واشتدت ملامحه، ليردف بتصميم وقوة:
- ولسة، انا مش هستريح غير لما تبقى شركتنا من اكبر الشركات في مصر كلها والشرق الأوسط كمان.
- حلو اوي، وانا معاك يا سيطرة.
تفوه بها عدي بابتسامة متسعة قبل أن ينتبه على الصوت الناعم من خلفه:
- طب انا كدة خلصت ورديتي يا عدي باشا، عايز حاجة تاني مني؟
قالتها الفتاة بميوعة ومغزى صريح بعينيها فهمه كارم، ليرمقها من اعلى للأسفل بتذكر، مع قول عدي:
- لا روحي انتي يا ميرنا، واما اعوزك هبقى اطلبك.
انصرفت الفتاة تتمايل بخطواتها، وملابسها الضيقة والقصيرة فوق ركبتيها، حتى جعلت انظار الرجال تتعلق بها حتى اختفت، فقال كارم بدهشة:
- يخرب عقلك، مش دي برضوا البت اللي عاكست جاسر الريان قدام مراته يوم الاحتفال اللي عمله مصطفى للشراكة معاه؟
اومأ له الاخر يهز رأسهِ بشيطنة وقال بتسلية وهو ينثر رماد سيجارته:
- اه هي، ما انت متعرفش بقى ان جاسر الريان قضى معاها ليلة قبل ما يتجوز مراته التانية، ف البنت بقى سلمت عشان العشرة.
استجاب له كارم ضاحكًا يردد خلفه غامزًا بمكر وقد فهم وحده ما بينهما:
- وانت بقى اللي صاين العشرة، عشان كدة مشغل رفيقتك في الفندق، يا جبروتك يا أخي.
قالها كارم وانطلق عدي بضحكة مجلجة بمرح وإعجاب لفراسة الاَخر، في كشفه بهذه السرعة.
هتفت لينا مرددة وهي تتقدم بداخل غرفتها بصنية لكوبين من العصير:
- قومي يا حلوة قومي يا قمورة، كفاية نوم بقى يا خم النوم.
وضعت الصنية على الكمود المجاور لتختها لتنضم تحت تحت الغطاء مع الأخرى تتابع وهي تهزهزها بكفها بخفة وتدعي الحزم:
- يا بت قومي بقى، هو انتي عجبك السرير ولا إيه؟
رفرفت شهد بأهدابها لتتبسم من بين استفاقتها من النوم، فقالت لينا مغازلة بتفكه:
- ايوة يا ختي بربرشيلي بعنيكي الحلوة دي، يا كحيلة العينين إنتي، على رأي رمزي الله يرحمه.
- الله يرحمه.
تمتمت بها شهد وهي تعتدل بجذعها حتى جلست بنصف نومة، مع استفاقتها لتتمطع بدلال لا تشعر به سوى في هذا المنزل، تاركة الهموم والمسؤلية بمنزل والدها مع شقيقاتها ووالدتهن، فقالت حين انتهت:
- فكرتيتي بسنين الدلع يا لينا، ربنا ياخدك.
شهقت الأخيرة مستنكرة، بصورة فكاهي، اضحك شهد، لتصيح بوجهها:
- بقى هو ده رد الجميل؟ نيمتك في سريري وجاية اصحيكي بكوبايتين عصير منجة، دافعة تمنهم بالشيء الفلاني، دا غير الغدا اللي راكز في معدتك ولسة متهضمش، يا ناكرة زي القطط انتي.
ضحكت شهد تغيظها، ودلفت أنيسة لتدخل في الحديث معهن:
- وزودي عليهم كمان كيكة سويسرول، بالشوكولاته والمربي إنما عجب.
شهقة أخرى خرجت هذه المرة إنما بفرح وتهليل من شهد التي نهضت على الفور تتناول الصنية من المرأة، لتتزوق منها القطع الملفوفة بتأوه حارق:
- ياه يا خالتي، دي حلوة اوي.
تبسمت لها أنيسة بمودة وهي تجلس على المقعد المجاور للسرير مرددة:
- بألف هنا وشفا يا حبيبتي، مطرح ما يسري يمري.
اردفت شهد بحالة من الهيام التي تتملكها بالطعم الذي تعشقة:
- لحقتي امتى تعمليها دي؟
انيسة وهي تلوح بكفها بعدم اكتراث:
- عملتها يا ستي وانتو نايمين، ما انت عارفاني، شغل الحلويات دا غية عندي، بعملها واسيبها في التلاجة، وناكل فيها بمزاجنا انا والبت دي او لما يجي حد من الحبايب، زيك كدة أو زي طارق ومراته او جاسر لما يهفه الشوق مع زهرة وعيالها جوز المصايب الصغيرين، دول بيبهدلوا الدنيا، عكس اخوهم مجد، اسم النبي حارسه.
اشرق وجه شهد براحة شديدة؛ تجدها مع هذه المرأة المضيافة والحنونة، وتمتمت بمحبة:
- ربنا يبارك في صحتك يارب، ويفضل بيتك كدة مفتوح وعامر دايمًا.... ابويا كان كريم زيك كدة.
- ربنا يرحمه يارب.
تمتمت بها لينا سريعًا، لتغير دفة الحديث، حتى لا تنجرف صديقتها للذكريات المؤلمة:
- كنا بنتكلم قبل ما تيجي يا ماما، عن كحيلة العينين، فاكراها؟
فمهت أنيسة ما تلمح به ابنتها، فتطلعت بابتسامة مستترة تطلعت نحو شهد التي أخفت وجهها بين كفيها مرددة كلماتها بتذمر نحو الأخرى:
- روحي يا بعيدة، اعمل فيكي إيه بس؟ دايمًا فضحاني كدة، وانتي بتفكريني بخيبتي.
ضحكت لينا بشقاوة تغيظها، وعقبت أنيسة على قولها باستنكار:
- خيبة إيه يا بت اللي بتقولي عليها؟ انتي كنتي عيلة ودي مشاعر اطفال، يعني شيء عادي لما قلبك الصغير يتعلق ويحب.
زمت شفتيها شهد بابتسامة رائقة، تقول بهيام في لحظات صفو نادرًا ما تشعر به وسط جبل الهموم المعلقة على كاهلها:
- عندك حق، كانت مشاعر طفولة، وانا كمان كان ليا عذري يا خالتي، الله يرحمه كان دايمًا يدلعني، ويتغزل في عيوني الكحيلة ويبين قرفة من اللون الفيروزي لون البت دي.
قالتها بإشارة نحو لينا التي عبست تدعي الضيق، رغم ابتهاجها من الداخل لتذكرها أيام جميلة مع شقيقها ومناكفته لها، وقالت أنيسة هي الأخرى:
- كان دايمًا يضحكني انا كمان ويقول دي عروستي، تكمل ١٨ سنة يا ماما وهتجوزها معاكي هنا في البيت، مش هستني ادور على شقق، الله يرحمه بقى.
تمتمت خلفها شهد تردف بجرح قلبها:
- الله يرحمه، وكأن بموته وهو ابويا خدوا معاهم الفرح والهنا من دنيتي.
اصدرت أنيسة بفمها صوت استهجان، وهتفت بها لينا بغضب:
- إيه يا بت ما تخلي بالك من كلامك، انتي هتسخطي على أمر ربنا؟
تمتمت شهد بالاستغفار بندم وتراجع، وخاطبتها أنيسة هي أيضًا:
- متخليش الظروف القاسية اللي اتحطيتي فيها، تنسيكي رحمة ربنا، وجمدي قلبك كدة وشوفي نفسك، متزعليش مني بصراحة، بس انا مش عاجبني الأسلوب ده.
تنهدت شهد بقنوط تعقب على كلمات المرأة:
- ولا انا والله عاجبني، بس اعمل ايه؟ ابويا سابهم في رقبتي، وانا عمر عشرين سنة، ومراته بقى كانت عايزة تبيع شركته وتعبه وشقاه وتروح بلدها، انا بقى كنت هروح فين؟ ولا اقدر اسيب خواتي ازاي مع اهل امهم لما ياخدوا الورث منها زي ما كانوا مخططين.
تدخلت لينا:
- حصل يا شهد وانا معاكي وشوفت بنفسي، بس يا حبيبتي دول زادوا فيها اوي، كتر الدلع خلاهم جبلات، يعني مش كفاية الكبيرة فيهم اللي اتجوزت ومفكرتش تساعدك، او حتى تشيل المسؤلية معاكي، عشان تطلعلك الزفت أمنية ده دي كمان، وعايزة تقلدها؟
أطرقت برأسها وقد اَلمها صدق الحديث وصدق المنطق منهن ولكن ما الفائدة؟
رفعت رأسها فجأة متهربة لتتناول قطعة من الكيك قائلة:
- بس انتي نفسك حلو في الأكل يا خالتي، ما تقوليلي ع الطريقة.
تبسمت لها أنيسة تجاريها حتى لا تزيد عليها، كذلك فعلت لينا ليندمجا بالتسامر والضحكات المشاكسة، قبل ان تجفل على صوت المكالمة التي وردت للهاتف، واستجابت شهد لترد على رقم شقيقتها:
- ايوة يا رؤى...... إيه بتقولي إيه؟..... مالها أمنية؟....
رواية و بها متيم انا الفصل الثالث 3 - بقلم امل نصر
- رايحة فين يا شهد؟
صدح الصوت الرفيع الحاد من خلفها، لتتوقف مغمضة عينيها بضيق شديد، جعلها تتمتم بالاستغفار والأدعية التي تساعدها على التحلي بالصبر، حتى لا ترتكب جريمة على بكرة الصباح.
- واقفة مكانك وما بتروديش يعني!
هتفت بها مرة أخرى أمنية، لتلتف إليها شهد وترد بنزق:
- وعايزاني ارد أقولك إيه؟ فهمك بعافية يعني وما تعرفيش إن ده وقت شغلي ولا إيه بالظبط؟
صاحت أمنية بصوتها العالي بإزعاج، تحمّلت شهد بصعوبة حتى لا تكتم فمها وتخرسها نهائيًا:
- لأ يا حبيبتي عارفة إن ده ميعاد شغلك، انتي بقى اللي ناسياه ولا قصدها بمعني أصح، عشان تخرجي وتحرجيني مع خالتي اللي جاية النهاردة تزورنا.
انتبهت شهد على خروج نرجس وابنتها رؤى، أصغر شقيقاتها، من غرفهن بصمت المتفرجات، قبل أن تعود لأمنية قائلة:
- قاصدة ولا مش قاصدة بقى، أنا مالي إن كانت خالتك تيجي تزوركم ولا متجيش، إيه دخلي؟
- نعم! أمال دخل مين؟ مش انتي اللي عاملة فيها كبيرة، يا ست الكبيرة.
قالتها بمغزى فهمته شهد، فلم تتحمل رؤى السكوت لتهتف بها مستنكرة:
- أمنية.
- اخرسي انتي.
ردت بها صارخة على الفور نحو رؤى التي صمتت بحرج، فتدخلت والدتها تقول بضعف:
- عيب يا أمنية، وطي صوتك شوية الجيران تسمعنا واحنا مش ناقصين فضايح.
طالعتها شهد بنظرة نارية تعقب بغيظ:
- يعني انتي اللي هامك بس الفضايح وصوت بنتك اللي هيوصل للجيران، والموضوع نفسه عادي معاكي!
همت نرجس لتبرر بحرج ضعف موقفها، ولكن أمنية كان لديها السبق:
- سيبك من أمي يا شهد وخليكي معايا، أنا بلغت موافقتي لخالتي وهي عايزة تيجي النهاردة وتقابلك عشان تتفاهمو.....
قاطعتها بحدة شهد وقد فاض بها من ثرثرتها وصراخها:
- نتفاهم مع مين يا حلوة؟ أنا رافضة الموضوع من أساسه، وتيجي انتي تقوليلي نتفاهم، كلميها انتي يا ختي، مش انتي اللي اتفقتي معاها.
قالتها واستدارت تغادر، ولكن الأخرى أوقفتها بصرختها:
- تاني برضوا عايزة تكسري فرحتي وتوقفي الموضوع؟ انتي إيه يا شيخة؟ قلبك دا حجر؟ دا أنا خدت أيام كنت بموت فيها بعد ما انهارت، وانتي برضوا مفيش في قلبك ريحة الرحمة.
عضت شهد بأسنانها على شفتها السفلى حتى كادت أن تدميها من الغيظ، مع تذكرها لأفعال هذه الحمقاء طيلة الأيام الفائتة والضغط عليها، بالبكاء والعويل وادعاء المظلومية بالشكوى، ثم المرض المفاجيء لتسقط مغشيًا عليها حتى خلعت قلوبهن في الفحص والتحاليل، ليتضح بعد ذلك أنه مجرد هبوط عادي، ولكنها هي من تزيد عليه كما قال الطبيب الذي لم يعجبه أمرها، ثم ها هي تغير النهج الآن بإظهار شراستها، لذلك لم تجد شهد غضاضة في أن تظهر لها هي أيضًا قوتها في الإصرار على موقفها، والتفت لها برأسها قائلة بعدم اكتراث وهي تمسك بمقبض الباب قبل أن تقوم بفتحه:
- آه يا أمنية، أنا معنديش رحمة وقلبي حجر فعلًا زي انتي ما بتقولي كده، وبرضوا لا.
قالتها وخرجت سريعًا مغادرة، تصل لأسماعها أصوات الصراخ رغم غلق الباب:
- يعني برضوا مصممة على رأيها وعايزة تموتني ياما، عايزة تقعدني جمبها عشان أعنس ياما وهي كده تبقى مبسوطة، أنا أولع لكم في نفسي عشان أستريح، يارب أموت وأريحكم، يارب أموت. أهيء أهيء، أنا عارفة نفسي عشان أبويا ميت ومليش حد يقف لي ولا يجيب لي حقي يتعمل فيا أكتر من كده أهيء أهيء.
توقفت شهد بوسط الدرج تتطلع في أعلى الأدوار فوقها أو في الأسفل تراقب الوجوه التي وقفت تناظرها بتساؤل، مع سماعهم لما تردف به شقيقتها دون تقدير لأي شيء سوى مصلحتها.
تحركت بأقدامها سريعًا لتهبط الدرج، علّها تجد لها مصيبة أو أي مأوى يأخذها من هذا الجحيم الذي تعيشه.
❈-❈-❈
خرجت من البناية وشياطين الغضب تطاردها، تتنفس بعمق شديد حتى تهدأ من أعاصير وعواصف داخل رأسها، تعلم أنها لو خرجت فسوف تدمر وتمحو ولن تبقى على شيء.
أجّلت رأسها من الأفكار التي تلاحقها وارتفعت أنظارها نحو البقعة التي تصف بها سيارتها، فوقعت عينيها على من تسبب في كل ما يحدث معها الآن، مستندًا بجسده على سيارتها! احتدت أنظارها نحوه لتهدر فور أن اقتربت منه:
- بتعمل إيه هنا يا ابراهيم؟ هو ده وقت صحيانك أصلًا؟
اعتدل الأخير بجسده عن السيارة، ليقول:
- صباح الخير الأول يا شهد، صبحي الأول وبعدها اتريقي براحتك.
أومأت برأسها مضيقة عينيها بنظرة كاشفة له ورددت خلفه بتهكم:
- صباح الخير يا ابراهيم ومن غير تريقة، ممكن بقى تبعد عن عربيتي، عايزة أروح شغلي.
ابتعد قليلًا فقط ليردد:
- ليه يعني؟ هو الشغل هيطير؟ إشحال أن ما كنتي انتي نفسك صاحبة الشغل؟ والاَمر والناهي فيه.
صكت على فكها بغيظ شديد، تحاول كبح شياطينها، فالتفت برأسها إليه قائلة بمغزى يفهمه وهي تمسك بمقبض الباب:
- عندك حق، أنا فعلًا صاحبة الشغل، وأنا المسؤولة عن الحفاظ على كل قرش سابه أبويا، عشان كده بقى تلاقيني صعبة ومصحصحة أوي.
ارتفع حاجبه بتفهم واضح لتلميحها الصريح، ولكنه قال بتملق:
- ربنا يقدرك طبعًا ويزيدك من خيره، هو أنا هكره يعني؟... أمي جاية تزوركم النهاردة!
ابتسامة جانبية قاسية اعتلت ثغرها المطبق، لترد بعد ذلك:
- تتأنّس وتشرف طبعًا، بس يا خسارة بقى أنا مشغولة أوي النهاردة ومش هقدر أقابلها، لأن كمان للأسف أنا مش هقبل طلبها.... عن إذنك.
قالتها واتخذت مكانها لتدير المحرك وتقود سيارتها سريعًا مبتعدة، لتتركه واقفًا محله يراقب حتى اختفت.
❈-❈-❈
خرجت نور بصحبة زوجها الذي كان يتهيأ للمغادرة نحو عمله، بملابس التريض الصباحي، يحاوطها بذراعه حول كتفيها، وذراعها هي حول خصره، يناكفها بهمس وهي تضحك بدلال ومرح، ومحبة بشغف لم يهدأ ولا يقل رغم مرور العديد من السنوات لهما، خبأت ابتسامتها فور انتباهها لزوجين من العيون مصوبة نحوهما بتجهم، فكت ذراعها وحاولت أن تبتعد ولكنه شدد غير آبه بأحد، ليلقي التحية بابتسامته المعهودة:
- صباح الخير يا ماما، صباح الخير يا ميسون.
غمغمت الأخيرة التحية بلكنة عربية غير سليمة، وردت بهيرة بتهكم:
- صباح الخير، نموسيتك كحلي يا حبيبي، على رأي الطبقة الشعبية.
فهم مصطفى تلميحاتها عن تأخره عن الميعاد المعتاد، فقال على عجل بابتسامة:
- عندك حق يا ماما، أنا فعلًا اتأخرت النهاردة، ودلوقتي بقى يدوبك أحصل ميعاد اجتماعي بسرعة.
قالها يخطف قبلة على خد نور أجفلها بها، ليعدو سريعًا بعدها نحو سيارته التي تنتظره برفقة حراسه، تبعته أنظار نور بابتسامة وعزف قلبها يطرب الأسماع بالخفقان باسمه، وقالت بهيرة لتخرجها من حالة الهيام لدنيا الواقع الذي تعيشه:
- مجتيش معانا ليه امبارح يا نور؟ وانتي عارفة كويس قد إيه الحفلة دي مهمة لشراكة عدي.
- يمكن مكانتش فاضية؟
خرجت من ميسون بنظرة عاتبة أو بها غضب استشعرته نور فقالت بعفويتها:
- معلش يا ميسون، بس أنا حاولت أخلص تصوير بدري امبارح عشان أروح معاكم، لكن مقدرتش حقيقي.
ظلت ميسون على نظرتها الباردة ووجهها الجليدي، وردت بهيرة مقارعة:
- مقدرتيش تيجي ولا انتي محاولتيش من الأساس، لو يهمك بجد أمر ميسون ولا عدي، كنتي عملتي المستحيل وجيتي زي جوزك ع الأقل، نص ساعة ومشيتي معاه.
ابتعلت نور وفضلت عدم الجدال مع امرأة كبهيرة لا تقتنع ولا تصدق سوى الظنون التي برأسها، لهذا فضلت الاختصار بالاعتذار لكليهن:
- أنا آسفة، ممكن أكون مهتمتش صح، لذلك أنا بتأسف مرة تانية ليكي يا طنط أنتي وميسون.
قالتها والتفت لا تنتظر تقبلًا لن تحصل عليه منهن، ولكن بهيرة التي طالعتها بأعين حاسدة من الخلف بهذه الملابس التي تُظهر قدها الممشوق نتيجة الاهتمام والرياضة المستمرة، أبت ألا تتركها بدون السؤال المعتاد:
- كلمتي جوزك زي ما قولتلك يا نور؟
استدارت تطالعها باستفهام سائلة:
- كلمته عن إيه؟
ردت بهيرة بنظرة تصيبها بالإضطراب:
- أقصد موضوع الدكتور اللي كلمتك عنه، ولا فرحتك بجمال جوزك، ورشاقته، نستك إن بقالك أكتر من ٧ سنين من غير خلفة؟
دلو ماء بارد دفع عليها مرة واحدة ليفقدها اتزانها، هذا ما شعرت به نور، ولكنها تماسكت سريعًا لتجيبها:
- كلمته طنط وقالي إنه مشغول، بس أنا هحاول معاه من تاني... عن إذنك.
استدارت على الفور بعد ذلك، بأكتاف متهدلة، وحزن تخفيه بصعوبة حتى لا يشعر بها أحد.
❈-❈-❈
بداخل الشقة التي كانت تخشى من المرور أمامها، كانت جلسة صبا مع السيدة رحمة والتي تعرفت عليها حديثًا هذه الأيام، وتوطدت العلاقة بينهن حتى أصبحت تقارب الصداقة في عدة أيام قليلة، وذلك لود الأخرى وبساطتها في التعامل معها ومع والدتها التي أصبحت تزورهم أيضًا لتطمئن على جارتها المريضة في غياب ابنها الأكبر في مأمورية خارج العاصمة منذ ما يقارب الأسبوع، تطور الحديث بينهن حتى اطمأنت لها صبا لتقص عليها ما لم تجرؤ على قوله أمام والديها، وهي تظن أنهما سيشمتون بها، ويستغلوا الموقف.
- بس يا ستي، روحت لامة شنطتي في حضني وخرجت هوا، عشان أخزي الشيطان، قبل ما أفتح راسه وأفش غليلي منه ابن ال.... وارمة ده؟
قالت الأخيرة بسبة أضحكت رحمة لتعقب بعد ذلك:
- يخرب عقلك يا صبا، يعني كنتي عايزة تفتحي راسه يا مجنونة عشان بس قالك عايز اتجوزك وبصلك بصة معجبتكيش؟
لم ترد صبا فقد كانت محدقة بها، ترتسم على ملامحها ابتسامة مزبهلة انتبهت لها رحمة لتسألها:
- انتي مالك بتبصيلي كده ليه؟
تحمحمت صبا تقول بحرج:
- معلش بقى إن كنت تنحت، بس انتي ضحكتك حلوة جوي.
- حلوة جوي!
رددتها رحمة خلفها قبل أن تتابع بتغزل:
- طب ما انتي كمان حلوة جوي، ولهجتك الصعيدي اللي ما بتنتطقيش بيها غير للحبايب برضك حلوة، ناقص بس أسمع صوت ضحكتك، أكيد هتطلع هي كمان حلوة جوي.
أسدلت صبا أهدابها بخفر، وقد أخجلتها كلمات الإطراء، وقالت:
- بصراحة أنا معظم الوقت بحس إن صوت ضحكتي عادي يعني، لكن ضحكتك إنتي ناعمة كده، وجميلة صح يعني.
رددت خلفها رحمة:
- والله انتي اللي جميلة وزي القمر كمان، لكن ما قولتيليش بقى، عملتي إيه مع أهلك بعد ما جيتي؟ قولتي الحقيقة؟
فغرت فاهاها صبا بذهول تجيبها:
- أقول إيه؟ ولمين؟ أبويا لو سمع إن الراجل صاحب الشغل عاكسني من أول ما قابلني بيني وما بينه، هيمنعني ما أعدي أي حتة تانية، ده على شعرة وبيتلكك، وأمي نفس الأمر، وأنا مش ناقصة أضيع فرصتي، يمكن ألاقي شغل وأشتغل بقى.
عقبت رحمة بجدية واهتمام:
- أيوه يا بنتي، بس فرصتك هتلاقيها إزاي بس؟ العاصمة هنا الشغل فيها صعب أوي.
زفرت صبا بيأس أصبحت تستشعره بألم هذه الأيام، بعد أن كانت تحارب وتخطط للحصول على موافقة أبيها حتى تعمل، أصبحت المشكلة الآن هي إيجاد العمل نفسه، فقالت تشرح لها:
- ما هو ده اللي تاعبني، أبويا حاطط شروط معينة في الشغل، وأنا مش قادرة أوفي الشروط، الحاجات دي عايزة واسطة، وأنا معنديش واسطة، والوقت بيمر، وأبويا بيلمح كل شوية عشان أوافق على حد من عيال عمي، وخلاص تعبت ومش عارفة أعمل إيه؟
عبست رحمة وتبدلت ملامحها الضحوكة لأخرى متأثرة بمشكلة صبا، فقالت بموازرة:
- بصراحة انتي عندك حق، بس أبوكي ده طلع صعب أوي ودماغه دقة قديمة، رغم إن ميظهرش أبدًا عليه.
تبسمت لها صبا بضعف تقول:
- ما هو كمان معاه حق على فكرة إنه يخاف عليا، بس أنا لازم أواجه الحياة، عشان أقدر أنفذ اللي بحلم بيه، بس إزاي بقى؟
ربتت رحمة على كفها بمؤازرة تردد:
- ربنا يحميكي يا حبيبتي، وتحققي كل اللي نفسك فيه، يا ريت كنت أقدر أساعدك يا ريت.
- يا رحمة.
صدر الصوت الضعيف من داخل الغرفة المجاورة، ف انتبهت رحمة لتنهض مستأذنة:
- طب كملي كوباية الشاي دي بقى على ما أروح أشوفها عايزة إيه؟
نهضت صبا هي الأخرى عن مقعدها تقول:
- لا روحي انتي براحتك وأنا كمان...
قاطعتها رحمة على الفور:
- والنعمة ما انتي ماشية، استني دقيقة ولا دقيقتين بقى متبقيش غلسة، هروح أشوفها عايزة إيه ونكمل قاعدتنا.
أذعنت صبا للإلحاح، وقبل أن تتحرك الأخرى نحو الذهاب إلى غرفة والدتها، تناولت المتحكم لتعلي صوت شاشة التلفاز قائلة:
- سلي نفسك بالفرجة ع الفيلم لحد ما أجيلك.
❈-❈-❈
في نفس الوقت وخارج الشقة كان قد عاد أخيرًا من سفره التي استمرت أكثر من أسبوع، بمأمورية طارئة لمتابعة العمل في محافظة من إحدى محافظات الساحل الشمالي، فتح بمفتاحه ودلف للداخل، ليصل إلى أسماعه الصوت العالي للتلفاز ف خمن من نفسه وجود شقيقته لرعاية والدته المريضة، تقدم بخطوات مرهقة معلقًا على كتف ذراعه الأيسر الحقيبة التي حملت القليل من ملابسه ولا شيء آخر، فهو لم يقوى على الانتظار أكثر من ذلك فور انتهاء مهمته، ولم يجد فرصة للتسوق رغبة في الإنجاز السريع واختصار الوقت للعمل فقط، واصل طريقه داخل طرقة المدخل، متوجهًا لغرفة المعيشة قاصدًا شقيقته، ولكنه وفور وصوله إلى مدخلها، توقف متسمرًا وتخشبت أقدامه على التقدم بخطوة واحدة أخرى، ليصبح كالتمثال الشمع، بأعين توسعت بذهول لا يصدق ما تراه عينيه، حتى ظن أنه يهذي، لولا استماعه لصوتها الذي يردد مع أغنية للفيلم الذي تتابعه، لظن أن ما يراه من نسج خياله، حتى لو كان ما يراه أكبر من قدرة تحمله، شعرها الغجري بلونه الفاتح بضفيرة كبيرة وطويلة على جانب واحد من رأسها، وجهها الصبوح وعباءة منزلية بألوان متعددة مبهجة، جالسة بارتياحية على الأريكة الأثيرة خاصته والذي يجلس عليها أثناء متابعته لمباريات كرة القدم أو البرامج الحوارية التي يعشقها، بيدها تُمسك المتحكم تتلاعب به، وأقدامها في الأسفل تهتز مع وقع الأغنية، اشتعلت الدماء برأسه واستدرك أخيرًا خطأ ما يقوم به، ليجبر قدميه على التراجع بصعوبة ليتحمحم أولًا قبل أن يتمتم بالاستغفار، فانتفضت هي مجفلة، على صوته، لتشهق بجزع فور أن وقعت أنظارها عليه، حتى سارت تسعل باضطراب أصابه هو بالفزع، متابعًا لها وهي تتناول الطرحة لتغطي رأسها بارتباك، ف هتف بها هادرًا بعصبية:
- كوباية المية قدامك ع الطرابيزة اشربي منها الأول.
على صيحته تناولت الكوب الزجاجي على الفور ترتشف منه سريعًا بتوتر؛ ازداد بعد ذلك أضعاف فور انتهائها، فوضعت الكوب على الطاولة، لتنتبه على وضعها في مكان واحد يجمعها مع هذا الجار الغريب في شقته، وفي غرفة المعيشة الخاصة به، من ناحيته فقد التف عنها يعطيها جانبه وهو يتمتم بالاستغفار بصوت واضح كما فعل معها قبل ذلك كثيرًا، ولكنها هذه المرة غير كل المرات. تحمحمت باضطراب تبتغي الاستئذان منه ليبتعد عن مدخل الغرفة حتى تغادر، رغم شعورها بغرابة تصرفها أيضًا، فخرج صوتها بتلجلج:
- ااا ممكن تسمح اا...
- معلش نسيت ما أسلم الأول، هي رحمة أختي فين؟
قالها مقاطعًا على نفس وضعه، ليزيد بداخلها التوتر، فردت بدون تفكير وبلكنتها الجنوبية:
- عند أمك... جوا.
ضربت بكفها على فمها تشيح بوجهها عنه، وقد زاد على أمرها الحرج، أما هو فبرغم جديته الدائمة، لكنه لم يقوى على لملمة ابتسامة ملحة على فمه، قبل أن ينتبه على صيحة شقيقته التي تفاجأت برؤيته:
- إيه دا؟ انت رجعت يا شادي؟ حمد ع السلامة يا قلبي، نورت بيتك.
❈-❈-❈
في منزل شهد كانت النيران ما زالت مشتعلة، بين أمنية التي كانت تصيح بوالدتها ساخطة على سلبيتها في عدم مؤازرة ابنتها في محنتها، والوقوف ضد ظلم شهد إليها في حرمانها من الزواج، من ابراهيم ابن خالتها:
- انتي السبب، انتي السبب عشان طيبتك وسذاجتك دي هي اللي ضيعتنا وحطتنا تحت رحمتها، لو كنت ست ناصحة من الأول، كنتي شيلتي انتي المسؤلية، وجيبتي حقنا، عمري ما هسامحك يا ماما عمري هسامحك.
كانت نرجس تستمع لها بصمت واضعة كفها أسفل وجنتها بقلة حيلة، في مشهد أثار استياء رؤى التي كانت خارجة من غرفتها، تتحدث في الهاتف مع شقيقتها الكبرى من والديها، فريال والتي سافرت بعد زواجها إلى بلد عربي مع زوجها، فقالت وهي تشعل صوت مكبر الصوت:
- اتفضلي يا فريال أهم معاكي، سلمي عليهم وكلميهم بقى.
خطفت نرجس سريعًا وكأنه جاءها نجدة من السماء لتهرب من تأنيب ابنتها الأخرى، ف قالت بلهفة:
- أهلًا يا حبيبتي ازيك يا بنتي؟ عاملة إيه في الغربة يا نور عيني؟
جاء صوت الأخرى بضحكة ساخرة:
- يعني هكون عاملة إيه بس؟ على حالي يا ماما، خدمة وقرف اليوم كله، مفيش راحة غير على وقت النوم.
ردت نرجس بتأثر لحال ابنتها:
- ربنا يعينك يا حبيبتي ويريح قلبك، ما هو الجواز كله كده يا بنتي.
ردت فريال من جهتها بصوت أعلى حتى يصل إلى شقيقتها:
- طب قولي للهبلة بنتك بقى، خليها ترسى على حالها بدل ما هي عاملة جنازة زي ما سمعت.
سمعت أمنية لتحدج رؤى بنظرة نارية قبل أن تقول بصوت عالي كي تُسمع الأخرى أيضًا عبر الأثير:
- آه يا ختي اعملي فيها طيبة دلوقتي وامشي على عوم أختك الهبلة التانية، كنتي قولي الكلام ده لنفسك الأول، قبل ما تيجي وتقوليهولي أنا.
ردت فريال بلهجة متألمة:
- ومين قالك إني فرحانة؟ ده أنا بضرب نفسي بالجزمة، أنا مش هقولك استني شهد مع إنه ده الأصح على فكرة، بس هقولك اصبري يا حبيبتي، ابراهيم صايع ومينفعش يفتح بيت.
- انتي كمان هتقولي نفس الكلام.
هتفت بها أمنية مقاطعة شقيقتها، والتي تولت بعد ذلك مهادنتها حتى تتمكن من إقناعها، ونرجس ومعها ابنتها الصغرى يتابعن بصمت، حتى صدح صوت جرس المنزل، ف ذهبت رؤى لترى من الطارق، ف تفاجأت به:
- إيه ده؟ عايز إيه يا ابراهيم؟
ناظرها المذكور بامتعاض يخاطبها:
- روحي اندهي خالتي ولا أمنية.
- وانت مالك بيهم....
لم تكمل جملتها حتى وجدت نفسها تُدفع عن مدخل الباب بعنف لتحل محلها أمنية قائلة بلهفة:
- أنا هنا يا ابراهيم، عايزني في إيه؟
طالعها بتجهم يجيب:
- مَعَدتش فيه خلاص يا أمنية، أنا كنت عايزك في الحلال لكن أختك للمرة الثانية بتكسر بخاطري، وقالتهالي النهاردة الصبح في وشي.
بقلب يرتجف سألته:
- قالتلك إيه؟
قبل أن يجيبها كانت نرجس قد وصلت لتنضم إليها، فقال ابراهيم موزعًا نظراته بينهن:
- أمي بعد ما قولتلها ع اللي عملته شهد معايا الصبح، بعد ما وقفتها في نص الشارع أترجاها عشان توافق، وهي بكل جبروت رفضتني بالفم المليان وسممت بدني بكلامها، خدتها من قاصرها وبتقولك يا خالتي إنها مش هتقدر تيجي... ولا تهزق نفسها!
قال بالأخيرة وتحركت أقدامه بتمهل متابعًا وجه أمنية الذي انسحبت منه الدماء، وبنظراتها تترجاه ليتراجع، حتى إذا ابتعد وغادر نهائيًا، صرخت أمنية بوجه والدتها وشقيقتها:
- استريحتوا دلوقتي لما ضيعتوه مني؟ وكسرتوا بخاطري وخاطره، أنا هموت لكم نفسي عشان تستريحوا، أنا هموتلكم نفسي.
❈-❈-❈
دَلفت صبا لداخل منزلهم تلهث واضعة كفها على موضع قلبها الذي كان ما زال متأثرًا بما حدث منذ دقائق، وهذا الموقف المحرج الذي تعرضت له، وتحدثها مع هذا الكائن الغريب.
- يا ريتني ما بعتك يا رحمة واستنيتك، ولا كنت قعدت للكسفة دي، يا مري، ده أنا حلقي نشف من الخلعة.
- بتكلمي نفسك يا بت؟
قالتها زبيدة وهي تخرج من إحدى الغرف القريبة، وتمالكت صبا تجيبها وهي تخطو لتجلس على أقرب مقعد لها:
- لا ياما متخديش في بالك، عادي يعني.
ردت زبيدة قاطبة بتعجب:
- هو إيه اللي عادي؟ إنك تكلمي نفسك بقى عادي يا ختي؟
عبست صبا ملامحها لتقول بعتب يشوبه الدلال:
- يا باي عليكي يا زبيدة، ما تفوتيش حاجة واصل.
لوت ثغرها الأخيرة تناظرها بامتعاض صامتة، لتردف صبا:
- على فكرة ياما، الجدع جيراننا ده اللي كان مسافر، رجع من شوية.
- رجع وانتي قاعدة في بيتهم؟
قالتها زبيدة بارتياب، وردت صبا على الفور:
- ما أنا خدت بعضي وطلعت على طول، ما انتي عرفاني.
أومأت لها زبيدة لتضيف إليها:
- وتاني مرة ملكيش دخلة تاني، صاحبتك لو عايزاكي تجيلك البيت، والست الكبيرة، هبقى أطل أنا عليها عشان أطمن، دي مهما كان برضوا جيراننا وزياراتها واجبة.
أومأت صبا رأسها بتفهم لتتمتم بأسى مع نفسها:
- وادي كمان الساعتين اللي كنت برفه فيهم عن نفسي، وفضفض فيهم مع واحدة تفهمني راحوا كمان، مفاضليش غير مودة، هي اللي بقيالي على ما تتجوز هي كمان!
❈-❈-❈
- بالشفا إن شاء الله.
قالها وقبّل رأس والدته بعد أن انتهت من تناول أدويتها جميعًا، ونهض ليرفعهم ثم يضعهم على التسريحة القريبة، لتتمتم هي من خلفه:
- يرضى عنك يا حبيبي ويهنيك يارب.
تبسم لها ممتنًا ف تدخلت رحمة التي ولجت إليهم تقول بمناكفة:
- أيوه يا ختي ادعيلو ادعيلو، حبيب القلب ده.
ضحكت والدتها بضعف، ورد هو بالنيابة عنها:
- يا ساتر يا رب، حتى الدعوة بصالنا فيها.
قالت رحمة بتحدي مع ابتسامتها:
- آه أبص لك ومبص لكش ليه يعني؟ يا راجل دي الست وشها منور غير لما شافتك، وكأن أنا كنت ساحبة الضوء منها، بريه منك يا كوثر بريه.
قالت الأخيرة وهي تؤدي بيدها حتى أضحكت والدتها، وضحك شادي أيضًا بسرور ارتد إليه فرحًا بوجودهن مبتهجات بعد قليل.
كان على طاولة السفرة يتناول بنهم الأطعمة التي أعدتها له شقيقته، وهي تغرف له في طبقه دون توقف، حتى لوح لها بكفه يوقفها:
- بس بس كفاية، هو أنا هقدر أخلص نصه ده عشان تزودي كمان.
ردت رحمة بتشديد:
- حبيبي ما انت لازم تبر نفسك بالأكل، هو أكل الفنادق ده ينفع؟
قهقه لها شادي يعقب على كلماتها:
- ما هو انتي لو تعرفي أكل المطاعم ده، بيدفع فيه كام؟ ما تقوليش كده، يا مجنونة انتي ده أحسن شيفات في العالم بيطبخوا فيه، إدارة الفندق عندنا مبتقصرش في أي حاجة، خصوصًا دي، ده من أحسن الفنادق في مصر ده..... بس أقولك، أقسم بالله أنا ما بستطعم غير أكلك وأكل والدتي.
انتعشت رحمة لتردد بزهو:
- أيوه كده قول الحق وارفع من معنوياتي، عمال بقالك ساعة بتشكر في الفندق وحاجة الفندق لما دخلت في قلبي اليأس.
- لليأس كمان!
رددها بدهشة شديدة ليتابع بالضحك قائلًا:
- تموتي انتي في رفع المعنويات.
- أوي.
قالتها رحمة بشقاوة لتندمج في تناول الطعام، قبل أن يجفلها بقوله:
- هو انتي اتصاحبتي على جيراننا من امتى؟
- جيراننا مين؟
تفوهت بعدم تركيز قبل أن تستدرك قائلة بتذكر:
- آه انت قصدك على صبا ووالدتها؟
أومأ لها بخفة يدعي الاندماج في طعامه، فجاوبته بعفويتها:
- لا دي كنت اتقابلت معاها بالصدفة في الأسانسير وخدنا ودينا في الكلام مع بعض لحد ما جت ودخلت معايا البيت هنا، لما عرفت إن أمي تعبانة، عشان تعمل بالأصول وتطمن عليها، وجت من وراها كمان والدتها، ناس طيبين بجد، بس هما متحفظين شوية ومش بياخدوا ع الناس بسرعة، لكن على مين؟ أنا عشرية ومخليش حد يفلت من إيدي أبدًا من غير ما يصاحبني.
كان صامتًا وينصت بها باهتمام، فسألها بقصد وبنبرة تبدو عادية:
- بس انتي اتصاحبتي عليها إزاي؟ دي شكلها صغير أوي، وباينها لسه في التعليم.
- لا مخلصة.
قالتها رحمة بإجابة سريعة قبل أن تتابع:
صبا واخدة بكالوريوس تجارة إنجليزي كمان، يعني مش حاجة هينة، دي حتى دلوقتي بتدور على شغل ومش لاقية.
تصلبت ملامح وجهه فقال بلهجة لم تُخفي انفعاله:
- وتدور على شغل ليه؟ هي أبوها قليل؟ أنا أعرف إنه راجل مقاول وحالته حلوة.
تبسمت رحمة وقد توقفت عن طعامها هي أيضًا مثله:
- الشغل عند صبا مالوش دخل بحالة والدها، إن كان فقير ولا غني، دي بت دماغها مختلفة وعايزة تحقق ذاتها، رافضة تحكم والدها إنه يقعدها في البيت، ويجوزها لحد من عيال عمها.
قالتها ثم نهضت لترفع أطباق الطعام، ونهض هو أيضًا يساعدها، وخرج صوته بفضول:
- يعني هي على كده بيتقدملها ناس من ولاد عمها اللي في الصعيد دول؟
ردت رحمة وهي تضع الأطباق على الرخامة، لتحفظ منها في الثلاجة، والفارغ منه تسقطه في حوض الغسيل:
- يوووه، دول كتير أوي، وحتى هنا كمان، بيتقدملها ناس، بس أبوها بقى راسه والسيف ما يجوزها غير حد من عيال عمها، أصله دقة قديمة.
سمع منها ليتوقف محله بوجه عابس محبط، وتابعت رحمة:
- بس تعرف بقى يا شادي، صبا دي عجبتني أوي، عشان بتعافر وعايزة تحقق نفسها، رغم الصعوبات التي بتواجهها، يا راجل دي راحت تقدم في مقابلة شغل، حلت في عين صاحب الشركة وطلبها للجواز.
- اسمها إيه الشركة دي؟ واسمه إيه صاحبها؟
قالها بلهجة خطرة وأعين متوسعة تطلق شررًا من الغضب، لم تنتبه إليه رحمة، وهي تعد فنجان القهوة وتُعطيه ظهرها، وردت بعدم انتباه:
- والله ما فاكرة يا شيخ، بس هي رفضت وخرجت على طول من عنده، يحمد ربنا بقى إنها مفتحتش دماغه.
ظل على صمته شادي وقد شعر براحة لا يعلم سببها، ليجفل على قول شقيقته رحمة والتي التفت إليه فجأة باستدراك:
- ما تشوفلها شغل معاك يا شادي.
انعقد حاجبيه بشدة يسألها بعدم تصديق:
- إيه؟ انتي بتقولي إيه يا رحمة؟ وأنا مالي أنا كمان؟
ردت رحمة بثقة واقتناع:
- بقولك شوفلها شغل معاك في الفندق، صبا تجارة إنجليزي واكيد يعني لو اهتميت هتلاقييلها فرصة في الفندق الضخم بتاعكم!
❈-❈-❈
بملامح متعبة ووجه مكفهر بعد قضاء نصف اليوم في العمل المرهق، بتنظيم العمال وفض المشاحنات بينهم، ثم تنفيذ التعليمات الجديدة لهذا المتغطرس والذي جاء ليكمل عليها هو الآخر، بعد شجارها الصباحي مع شقيقتها.
ليأتي ويهتف منزعجًا بإصرار لزيادة العدد للضعف حتى يتم الانتهاء من هذا المشروع الأحمق وتسليمه في ميعاده المدون من البداية،
اقتربت من عامل النصبة عبيد الذي يقوم بإعداد الشاي والمشروبات الساخنة، هنا لأهل المنطقة المكتظة بالعمال التي تعمل في كافة الإنشاءات كخلية نحل، تجر أقدامها جرًا حتى وجدت الكرسي البلاستيكي وتناولته لتجلس أسفل المظلة القماشية التي فعلها عبيد لحمايتها من الشمس، والذي استقبلها مرحبًا:
- شهد هانم، نورتي النصبة والمنطقة كلها.
تبسمت له بضعف قائلة:
- ده منظر هانم برضوا يا عبيد؟ الله يحفظك.
ردد عبيد بتصميم ومرح اعتادت عليه منه:
- والله هانم، واللي يقول غير كده يبقى أعمى، ومبيشوفش كمان، يا سلام، تأمري بإيه بقى يا برنسيسة؟
مصمصت بشفتيها بابتسامة رائقة رغم كل شيء، يعجبها إطراؤه، بإحساس الأنثى التي تفرح بالغزل، رغم أنها لا تتقبله إلا من عدد قليل حولها، ومنهم عبيد نظرًا لصغر سنه وإحساسها الدائم بطيبته.
- يا خويا يجبر بخاطرك يارب، هات بقى شاي يكون خفيف زيك يا خفيف.
ضحك عبيد بصوت فكاهي مرددًا:
- من عيوني من جوا، مش من البراد كمان.
- ها ها يا سكر.
قاله حسن لينتبه عليه الاثنان، وهو يقترب بخطواته منهما، ورحب به عبيد محرجًا:
- أهلًا يا بشمهندس، تؤمر بحاجة؟
واصل حسن بخطواته حتى النصبة، أمام نظرات شهد التي كانت تناظره بتسلية، كرد فعل معاكس منها على تحكماته، وقراراته المتسلطة يوميًا معها في هذا العمل الذي تود الانتهاء منه اليوم قبل غدًا.
ردد حسن بتهكم، يلقي بنظره نحوها:
- عندك إيه غير الشاي الخفيف بتاعك يا خفيف.
بادلته شهد النظر بندية كعادته، لتجده متابعًا نحوها هي:
- طبعًا انتي عارفة ومتأكدة يا سيادة المقاول إني مش قاصد أتريق ولا حاجة، أنا بس بنبهه عشان ما يلخبطش مع طلبي.
- إللي هو إيه بقى؟
سألته شهد سابقة عبيد الذي رد من خلفها:
- عندنا بن وسحلب وكاكاو، زي ما تحب سعادتك.
- رد حسن وانظاره نحو شهد:
- يبقى قهوة يا عبيد....
توقف ليضيف هاتفًا بصوته نحو الآخر:
- بس برضو مش سكر خفيف، أنا عايزها مظبوط، مظبوط أوي.
عاد إلى شهد متابعًا:
- أصل أنا كده يا سيادة المقاول، بحب كل حاجة مظبوطة، من غير زيادة ولا نقصان...
- ولا تأخير!
هتفت هي بالأخيرة تقاطعه بفراستها المعتادة، فتبسم لها بعرض وجهه حتى ظهرت أسنانه ليردف بعدها:
- ياه يا سيادة المقاول، ده انتي طلعتي قلبك أسود أوي.
بادلته بابتسامة صفراء مرددة:
- أوي، أوي يا بشمهندس.
هم حسن ليجادلها بمشاكسة لاستفزازها، ولكن أوقفه النداء باسمها من قبل مساعدها عبد الرحيم، والذي جاء مهرولًا لها يردد:
- إلحقي يا ست شهد إلحقي.
سألته بجزع بعد أن انتفضت من محلها:
- إلحق إيه يا زفت انت وقعت قلبي؟
أجابها إبراهيم سريعًا:
- الجماعة بقالهم ساعة بيتصلوا على تليفونك وانتي مبتروديش، ودلوقتي اتصلوا عليا وبيبلغوكي تحصليهم ع المستشفى، أختك أمنية قطعت شرايينها....
رواية و بها متيم انا الفصل الرابع 4 - بقلم امل نصر
ترجلت من سيارتها أمام البناية التي يقطن داخلها شقيقها مروان، والوحيد الذي هي على تواصل معه الآن.
دخلت المبنى وعيون الجميع تتبعها، من مارة في الشارع، أو سكان في الداخل.
ترتدي سترة من الجلد الأسود أعلى فستانها الذي ابتاعته حديثًا من إحدى دور الأزياء العريقة بالدولة المشهورة في هذا المجال، والحذاء والحقيبة والنظارة الشمسية التي نزعتها داخل المبنى إلى أعلى غرتها، كلها ماركات عالمية أصبحت من الأساسيات التي لا تستطيع الاستغناء عنها الآن، وقد أصبحت رمزًا يحتذى به، وتتابعها آلاف الفتيات لتقليدها والسير على خطاها، لينلن حظهن، وقد صارت حلم الكثير من الشباب.
هذه هي الأشياء الوحيدة التي تفرحها وتعطيها الطاقة على المواصلة والاستمرار، نظرات الحسد من النساء، والإعجاب والإنبهار في عيون الرجال، هي الوقود الذي ينعشها، ويجعلها تشعر أنها مهمة وليست دمية جميلة متحركة في يدي غيرها، ليس لديها سلطة القرار حتى على أبسط أشيائها.
خرجت من المصعد وما أن همت بالضغط على جرس المنزل الخارجي حتى تفاجأت بفتح الباب أمامها وخروج شخص آخر، لا بل هو شقيقها، ولكنه الآخر! والذي لم تعلمه إلا بعد أن ركزت به قليلًا، لتستوعب التغير الجديد في هيئته، وقد اشتدت عظامه، كبر وأصبح مراهقًا.
"ميدو!"
قالتها لتُلقي نفسها عليه وتقبله من وجنتيه، لتكمل بتأثر لم تقوى على كبته، وهي تحاوط بكفيها وجهه، غير منتبهة لجحوظ عينيه، فهو أيضًا لم يعرفها، رغم متابعته الدائمة لصفحاتها على السوشيال ميديا عبر شاشات الهاتف، ولكن الحقيقة أوضح بكثير.
"كبرت يا حبيبي وبقيت راجل، لا وشنبك كمان خط في وشك."
لم يستطع ميدو التجاوب معها، رغم محاولته لعدم النفور من تقبيل امرأة غريبة عنه بمظهرها، فقال متصنعًا الذوق، وهو ينزل كفيها عنه:
"أهلًا يا رباب، عاملة إيه؟"
ردت بلهفة للقائه:
"كويسة يا قلبي وزي الفل، انت بقى مبتسألش عليا ليه؟ ولا بتيجي تزورني؟ دا انت وحشتني أوي يا ميدو، ولا أنا مواحشتكش؟"
هم أن يجيبها بتحفظ ولكن صوت شقيقه الأكبر أوقفه:
"هتفضلوا كدة واقفين في المدخل؟ ما تدخلوا ورحبوا براحتكم ببعض."
أشرق وجه رباب بالحماس تنتوي سحبه معها للتحرك للداخل، ولكن ميدو لم يعطيها فرصة، فقد ابتعد عنها قبل أن تلامسه، وقال باعتذار:
"معلش يا جماعة خلوها وقت تاني، أنا يدوبك أمشي."
"تمشي ليه دا أنا مصدقت أشوفك."
قالتها بلهفة ولكن ميدو كان حازمًا:
"معلش بقى يا رباب، بس أنا لازم أروح حالًا أجيب فريدة من حضانتها، ميعاد خروجها دلوقتي وأنا مقدرش أتأخر أكتر من كده عن إذنكم..."
قالها وتحرك سريعًا، حتى لا يعطيها فرصة للجدال، أو السؤال، ولكنه استدار فجأة متابعًا:
"آه صحيح على فكرة، أنا كبرت على ميدو دي يا رباب، يا ريت المرة الجاية تناديني بمحمد."
التف بعدها وغادر، ليجعلها تنظر في أثره عدة لحظات بصمت مذهولة حتى اتجهت لشقيقها الثاني تتمتم:
"يعني حتى دقيقتين بس متخسرهم فيا؟ دا أنا مصدقتش نفسي لما شوفته قدامي، وبيجري بسرعة عشان يجيب بنت كاميليا من الحضانة، والبرنسيسة ولا جوزها بقى، راحوا فين ان شاء الله؟ ولا كمان معندهمش مقدرة يدفعوا حق ناس تشتغل عندهم؟"
لوح بكفه مروان يقول بعدم اكتراث:
"عندهم بقى ولا معندهمش احنا مالنا، ما تتحركي يا بنتي بقى وادخلي اقعدي."
قالها وتحرك للداخل حتى جلس على كرسي أرجوحة، يتمايل به بأريحية استفزت رباب التي تبعته لتهتف به:
"طبعًا مستريح وأعصابك مرتاحة، وانت مظبط أمورك مع الكل، لا وحبيب الكل كمان."
ضحك مروان بمرحه مردًا:
"طب وأنا استفزيتك في إيه بس يا ستي؟ ما انتي لو واحشك ميدو صحيح، تستني ليه لما هو يسأل أو يجيلك؟ ولا يعني لو كلمتي كاميليا مثلًا أو صلحتيها، جوزك هيحن لها مثلًا ويحاول....."
"بس يا مروان."
هدرت بها تقاطعه بعصبية، لتسقط جالسة على أريكة خلفها بوجه مكفهر، جعل مروان يتراجع عن مشاكسته، ليعبس وجهه مخاطبًا لها:
"آسف لو زعلتك، بس أنا مكنتش أعرف إن موضوع ميدو هيأثر فيكي بالشكل ده؟"
زمت شفتيها لتجيبه بغيظ:
"مش حكاية يأثر ولا يزعلني، بس أنا حاسة إن كده أحسن، هي بعيدة وبطمن عليها منك، وأنا بقى منتشرة ع الصفحات، يعني تقدر تطمن عليا وتتابعني كمان."
تبسم مروان لها بخبث قائلًا:
"برضوا مش عايزة تذكري الهدف الأساسي يا رباب، وهي إنك مش هتتحملي نظرة جوزك ليها؟"
همت لتجادله ولكنه قاطعها قبل أن تبدأ:
"متحاوليش تنكري، دي مش محتاجة ذكاء، من وقت ما وافقتي على كارم وأنا خمنت إن دا اللي هيحصل، واتأكدت بعد كده لما شوفت بنفسي، أختك مبسوطة مع جوزها، وعمرها ما تشوف غيره، وجوزك كمان مبسوط معاكي، بس بقى..."
قال الأخيرة بمغزى فهمته فقالت بشراسة:
"عارفة يا مروان، وانت برضوا عارف إن مش هينة، ومش بسكت عن حقي."
"أكيد يا برنس."
قالها مروان ليتابع غامزًا:
"بأمارة اللي عملتيه مع مرات اللوا نجيب، دي بتترعب كل ما تشوفك."
تبسمت بثقة يغمرها الزهو، فاستطرد شقيقها بتحذير:
"بس خلي بالك، مش كل مرة تسلم الجرة، وجوزك لو شم خبر بس باللي عملتيه.... هيبقى يالا السلامة."
انتابها الخوف في البداية ولكنها تمالكت بعد ذلك تقول:
"أنا عارفة إنه داهية ومش سهل، بس أنا واخدة احتياطاتي كويس أوي."
مشط بشفتيه ثم نهض يخاطبها:
"تحبي تشربي إيه بقى؟"
***
من أمام المدرسة الدولية، كانت تنتظر داخل سيارتها، خروج الأبناء والهاتف على أذنها تتحدث به:
"أيوة يا جاسر أنا معاك اهو........ كان لازم أمشي عشان أحصل ميعاد خروج الأولاد، ما انت عارفني مش بأمن لأي حد عليهم....... مكنتش أعرف بقى إن في اجتماع طارئ....... طب هي كاميليا وصلت؟ ..... لا خلاص بقى أنا هضطر أروح بالأولاد وانت حصلني، وتعالى بالاثنين، نتغدى مع بعض...... تمام أنا مستنياكم، اقفل بقى دلوقتي عشان الأولاد خرجوا."
قالتها وهي تتابعهم بعينيها حتى دلفوا ثلاثتهم، صعد زوج التوأم بضجتهم المعتادة، فهتفت زهرة توقفهم:
"مش عايزة زن من أولها، ادخلوا وانتو ساكتين، سامع يا رامي؟ سامعة يا رنا؟"
قالتها وجاء الرد سريعًا منهما:
"هو أنا عملت حاجة يا ماما؟ ما هو اللي بيزقني."
"كدابة، دي هي اللي بتستعبط يا ماما."
التفت إليهما بوجه شرس كعض على أسنانهم:
"بقول مش ناقصة زن، يعني مسمعش نفس، ولا أسمع يا ماما دي نهائي، فاهمين؟"
أذعن الاثنان بنظرات مبهمة زادت من استفزازها، فالتفت عنهما حتى لا تأتيها ذبحة صدرية منهما، لتجد مجد متوقفًا بجوار باب السيارة المفتوح في الأمام ولم يصعد لينضم معهم!
"مستني إيه يا مجد؟ ما تركب."
خاطبته زهرة، وقال مجد بقلق وعينيه في اتجاه مدخل المدرسة:
"فريدة لسة قاعدة يا ماما؟"
تبسمت له زهرة قائلة بحنان:
"هتخرج دلوقتي يا حبيبي، خالها محمد هيجي وياخذها، عشان مامتها وباباها في اجتماع مهم."
"طب هو فين طيب؟ اتأخر ليه؟"
قالها بنزق جعل والدته تطالعه بابتسامة مستترة حتى انتبهت على الدراجة البخارية الحديثة، التي جاءت واقتربت منهما بسائقها، والذي رفع قبعة الرأس بقناعها الزجاجي، فور أن توقف بها ليلقي التحية، بان لوح بكفه في الهواء لهما، بادلتها زهرة التحية وفور أن همت بتشغيل المحرك، استعدادًا للذهاب أوقفها مجد:
"استني هنا يا ماما، احنا هنمشي ونسيب فريدة تروح ع المتوسيكل الغريب ده؟"
ألقت زهرة بنظرها نحو ما يشير إليه ابنها، ثم عادت لترد:
"وماله المتوسيكل يا حبيبي؟ دا جميل وغالي جدًا على فكرة."
تلون وجه مجدي للأحمرار الشديد، لفرط انفعاله مع وقوفه في الشمس أيضًا، لرفض دخوله السيارة، وقال بعصبية:
"يا ماما أنا مقصدتش على شكله ولا ماركته، أنا أقصد إنه سريع ومش أمان، وانتي بقى شوفتي بنفسك سواقة محمد."
زمت شفتيها تلملم ابتسامة حلوة، لتسأله بحسم:
"آه ودلوقتي انت بقى عايز إيه؟"
رد بلهجة حازمة مسيطرة، ذكرتها بوالده، وهو ينضم إليهم بالسيارة:
"عايزك تجيبي فريدة تروح معانا يا ماما، دا الأصح ولا إيه؟"
"إيه؟"
تفوهت بها وهي تنزع حزام الأمان عنها وتترجل من السيارة، وتتركها ذاهبة نحو محمد الذي كان خارجًا بفريدة من المدرسة، فاعترضت طريقه تتحدث معه، وظل مجد يتابعهما من مقعده، يفرك كفيه ببعضهما بتوتر، حتى تهللت أساريره برؤية قطعة السكر الجميلة وهي تمسك بكف والدته حتى فتحت لها باب السيارة الخلفي لتنضم مع التوأم، وكان أول كلماتها:
"هاي يا مجد."
رد على الفور بابتسامة أنارت وجهه واظهرت جمال ملامحه بغمازة الذقن التي ورثها على والدته:
"هاي يا ديدا."
زهرة وانتي اتخذت مكانها خلف مقود السيارة:
"كده نقدر نروح صح؟"
أومأ لها برضا لترفع حاجبًا مستغربًا، ثم تحركت بالسيارة تغمغم:
"وعشان كمان نحصل آخر العنقود الأستاذ ظافر، خليفة جدو عامر في الملاعب، وحبيب لميا."
***
توقفت بسيارتها أمام المشفى المقصود، وترجلت منه سريعًا بهاتفها الذي كان على وضع الصامت في الساعة التي كان يهاتفونها ليخبروها بما حدث، ولكنه الآن لا ينزل من على أذنها، وهي تتواصل كل دقيقة لمعرفة الجديد، من وقت أن علمت بما فعلته شقيقتها بنفسها وهي ليست على وضع يؤهلها لفعل أي شيء بشكل سليم، تذكر أنها ركضت بعد سماع الخبر، لكن كيف تمكنت بالوصول إلى هنا؟ وكيف قادت سيارتها لا تعلم.
وصلت إلى القسم الموصوف لتفاجأ بعدد كبير من الجيران والأقارب ومعهم هذا المدعو إبراهيم، جالسًا بجوار والدته يرمقها بنظرات حاقدة حانقة، ووالدته تزم شفتيها بامتعاض وكأنها كانت عدو لهما؟
"شهد."
هتفت بها رؤى وهي تخرج من إحدى الغرف، واتجهت إليها شهد سريعًا لتسألها:
"إيه الأخبار؟ وإيه اللي حاصل دلوقتي؟"
ردت رؤى بأعين باكية، لا تقوى على النظر في عيني شقيقتها:
"الدكاترة لحقوها والحمد لله، وهي دلوقتي بتتكلم مع الظابط اللي بيحقق معاها؟"
سألتها شهد بدهشة:
"ظابط إيه اللي يحقق معاها؟"
ابتعلت رؤى تجيبها:
"ده إجراء روتيني بتقوم به المستشفى، لا يكون في الأمر شبهة جنائية."
أومأت شهد برأسها بتفهم لتسألها:
"هو أنا ينفع أدخلها؟"
حركت رأسها برفض قائلة:
"مينفعش غير لما يخرج الظابط، أمي معاها جوا."
عادت لتسألها مرة أخرى:
"طب انتي متأكدة إنها كويسة؟"
"والله كويسة، كويسة والله يا شهد."
رددتها رؤى بحرج وتعب وعينياها تتابع عدد البشر التي أتت معهم من الجيران، والسبب هو صراخ والدتها بعد أن تفاجأوا بفعلة أمنية وبمشهد الدماء التي كانت تغطي مرفقها، واطرقت تحاول أن تأخذ جانبًا لها، تود لو تنشق الأرض وتبتلعها، أما شهد والتي كانت متفهمة لشعور شقيقتها، فقد تماسكت ببأس أمام العيون المصوبة نحوهن تتجاهل نظراتهم، حتى لا تستشف منها ما يزيد على الضغط عليها، تحاول السيطرة على كل مشاعر سلبية داخلها حتى تطمئن، خرج الظابط من الغرفة واتجهت على الفور شهد لتدخل خلفه، حاول بعض الجيران اللحاق بها، ولكن رؤى منعتهم بحجة الزحمة وتعليمات الطبيب، أما شهد وحينما دخلت للغرفة وجدت نرجس على حالتها، في البكاء الصامت والولولة، وأمنية مستلقية على سريرها الطبي، ذراعها ملتفة بالأربطة الطبية من الرسغ حتى المرفق بمشهد استغربت له شهد، ولكن تجاهلت لتنتبه على وجه شقيقتها وهي تناظرها بنظرة تفهمها شهد جيدًا، في إلقاء الذنب عليها، تغاضت لتسألها بتثاقل:
"عاملة إيه يا أمنية؟"
أشاحت الأخيرة بوجهها عنها دون رد، فتدخلت نرجس والدتها لتقول بنواح:
"اسكتي يا شهد، ده أنا ركبي مش قادرة أتلم عليها لحد دلوقتي من ساعة ما شوفتها والدم مغرق دراعها، ربنا ما يكتبها على حد يا ربي، ربنا ما يكتبها على حد، أهييءء."
انطلقت في بكاءها دون توقف، حتى دخل الطبيب المناوب:
"إيه الأخبار؟ عاملين إيه؟"
اتجهت إليه شهد على الفور لتسأله:
"طمني يا دكتور، هي حالتها صعبة ولا نقلولها دم؟"
ضحك الطبيب وهو يتجه ليفحص شقيقتها قائلًا:
"ننقلها دم ليه بس يا آنسة؟ مش لدرجة دي يعني؟ ثم إن العفريتة اختك."
توقف فجأة ليتناولها يدها ويشير بسبابته على الجزء الفاصل من رسغها حتى مرفقها يردد:
"أختك مسكت الموس وشرطت على كذا مكان، اللي عايز ينتحر بجد، بيعمل جرح واحد ويقطع الوريد بجد، لكن دي... هاها...."
قهقه وهي تنزع يدها منه بحرج؛ أصاب نرجس أيضًا فتوقفت عن البكاء، خرج الطبيب لتنقل شهد بنظراتها نحو الاثنتين، أمنية التي كانت تكابر حتى لا تشعرها بضعف موقفها، ونرجس التي أطرقت رأسها بخزي، بعد أن تسببت بفضيحة لهن في الحارة بصراخها الملتاع بغباء.
لم تقوى شهد على التحمل أكثر من ذلك وخرجت على الفور، تصفق الباب خلفها بغضب، وقلة حيلة، ولكنها وبمجرد خروجها، وجدت هذا المدعو إبراهيم يهتف بوجهها وأمام الجميع من جيرانها:
"ها يا ست شهد، اطمنتي بقى على أختك؟ واللي كانت هتموت نفسها النهارده بسبب عندك وجبروتك معانا."
دارت عينيها بوجه مخطوف، على وجوه الجيران من نساء تعلمهن وتعلم حديثهن والتعليقات المتوقعة في هذه المواقف، ورجال كانوا يجلسون مع والدها قبل ذلك، ثم هذه النظرة الغريبة في عينيهم نحوها، رؤى التي جلست تخبئ وجهها عن الجميع، والدة إبراهيم التي اقتربت تجذبه من كم قميصه، تدعي محاولة إثنائه، وهو يتابع:
"أشهدوا يا ناس، بنت خالتي وأنا رايدها في حلال ربنا، وهي كمان رايداني، لكن أختها دي قلبها حجر وهي السبب في اللي حصل لأمنية، وكانت هتموت بسببها."
سمعت شهد ولم ترد ببنت شفاة، طاقتها نفذت وقدرتها على التحمل والصبر نفذت هي الأخرى، المقاومة والمواجهة هي درب من الخيال الآن بالنسبة إليها.
فتـحـركـت أقدامها لتغادر، وتترك له الساحة، يمرح بها ويفعل ويقول ما يشاء، تجر أقدامها جرًا، وهي تقطع طرقات المشفى نحو الخروج، لا تعي ولا تدري ما يحدث وما قد يفسره الناس عنها وعن ترك شقيقتها التي كانت على وشك الانتحار بسببها، تريد مساحة خالية لتصرخ بها أو تبكي، أو تفعل أي شيء، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
ابتعلت ريقها فجأة وتوسعت عينيها، فور أن انتبهت، بهذا المهندس المدعو حسن والذي جاء خلفها مع عبد الرحيم، مساعدها:
"إيه الأخبار؟"
أومأت له برأسها متمتمة:
"حمد لله بخير والحمد لله."
تدخل عبد الرحيم:
"بخير إزاي؟ يعني هي انتحرت ولا منتحرتش؟"
رمقته بنظرة محذرة قبل أن تجيبه:
"ده مجرد جرح بسيط، والدكتور طمني، بدليل إني ماشية ومروحة اهو كمان."
"بجد يا ست شهد؟"
قال الأخيرة بإلحاح استفزها، لتفرد ذراعها أمامه للجهة خلفها قائلة:
"روح وشوف بنفسك يا عبد الرحيم، عشان تتأكد."
سمع منها وذهب على الفور فحولـت شهد لحسن تخاطبه:
"وانت يا بشمهندس، هتروح ولا هتشوف بنفسك انت كمان؟"
تبسم لأول مرة بوجهه فقال ممازحًا:
"وأنا هشوف ولا أتأكد على إيه؟ هو أنا أعرف أختك؟ إحنا جينا نطمن عليها عشان خاطرك وادينا اطمنا، يبقى خلاص كده بقى."
قالها واستدار ليجاورها في السير، فقالت شهد بامتنان لفعلته:
"متشكرة أوي، نردهالك في الفرح إن شاء الله، مش أي حاجة وحشة."
نبرتها المستكينة، صوتها الضعيف، وجهها المخطوف والمُتعب، نظرتها التي تركزت للأمام بدون انتباه، وقد ذهبت عنها القوة التي تدعيها دومًا، كلها كانت دلالات مقلقة عنها، وعندما خرجا من المشفى وذهبت إلى سيارتها التي كانت أقرب من سيارته، وجدها تسند برأسها على عجلة القيادة بتعب واضح، ترك سيارته وعاد إليها ليسأل ويطمئن، فدنا ليطرق بقبضته على زجاج النافذة المفتوح للنصف:
"أستاذة شهد، يا سيادة المقاول."
رفعت رأسها إليه تجيب بضعف وأعين زائغة:
"أيوه."
أشار بكفه باستفهام فهمته لتجيبه:
"حاسة نفسي تعبانة ومش قادرة أسوق."
رد حسن بلهجة قلقة:
"خلاص تعالي اركبي معايا وأنا أوصلك، ولا ترجعي جوا للمستشفى يفحصوكي؟"
حركت رأسها برفض قاطع تردد:
"لا لا مش هرجع المستشفى، مينفعش، ولا هينفع برضوا أركب معاك وأسيب عربيتي..."
توقفت قليلاً بتفكير ثم قالت باستسلام:
"بس هو لو ينفع يعني، ممكن انت تيجي تسوق مكاني."
"خلاص تمام."
قالها حسن بموافقة فورية، وتزحزحت هي للداخل ليأخذ هو مكانها في القيادة وجلس يدير المحرك ويتحرك بالسيارة، يخطف النظرات نحوها، وقد بلغ التعب منها مبلغه، حتى سلمت حصونها لتسند برأسها على زجاج النافذة، مغمضة عينيها، فقال حسن بنصح:
"أنا رأيي إننا نرجع بالعربية أحسن للمستشفى، شكلك تعبانة أوي."
ردت بهمس ساخط:
"ما أنا قلتلك مش عايز أكشف ولا أنيل، لزوموا إيه بس الزن؟"
تبسم رافعًا حاجبيه بدهشة لهذه المخلوقة العجيبة في العند والتمرد حتى في تعبها، فقال:
"ماشي يا ستي انتي حرة، المهم بقى مقولتليش على عنوان بيتكم."
أجفلت شهد تتذكر وضعها في السيارة مع رجل غريب، حينما يتوقف بها أمام الجيران وأهل المنطقة، يكفيها الفضيحة التي تسببت فيها أمنية وما فعله هذا الحقير إبراهيم أمام الأفراد الذين حضروا في المشفى، ف عادت برأسها تجيبه بتفكير سريع:
"هقولك، بس ثواني هعمل مكالمة."
قالتها وتناولت الهاتف، تتصل، لتأتيها الإجابة السريعة:
"أيوه يا شهد، صحيح اللي سمعته من رؤى ده؟"
ردت الأخيرة لمحدثتها على الفور:
"سيبك من اللي سمعتيه من رؤى، أنا عايزة آجي وأستريح عندكم."
***
بعد قليل وقبل أن يصل إلى العنوان الموصوف، تطلع إليها بدهشة، وقد وجدها غاصت في نوم عميق حتى مالت رأسها، للجهة الأخرى، فظهر وجهها المليح القسمات بوضوح بعد أن سقطت قبعة الرأس (الكاب) وتدلت خصلات متمردة جميلة سوداء من غرتها على جانبي وجهها، قميصها في الأعلى رغم إغلاق جميع الزرائر، ومع ذلك أظهر طول عنقها الجميل. توقف فجأة بعد أن كادت أنظاره تهبط للأسفل، استدرك سريعًا، ليزيح بعينيه عنها، ويركز نحو الطريق، ولكنه لا يقوى على إزاحتها من تفكيره، لا يصدق قرب المسافة التي نامت فيها، إنها لم تستغرق حتى ربع ساعة من الزمن، مهما كان التعب الذي ألم بها، كيف آمنت له وسلمت لتغفى بهذه السرعة؟ فتاة عجيبة بكل المقاييس، يأمل أن لا يتعب في العثور على عنوان المنزل الذي ذكرته له، مغمغمًا باستنكار بعد تذكره، أن تكون امرأة وبهذه الصفات هي المنفذة للمشروع القائم عليه.
واستمر يلهي نفسه بهذه الأفكار، حتى لا يقع في خطأ مراقبتها مرة أخرى وهي نائمة كما فعل منذ قليل.
ولا يعلم بجهله أن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تملكها شهد، حينما تزيد الضغوط عليها تهرب بالنوم.
***
في المساء
كانت الجلسة بحديقة المنزل أسفل المظلة التي شهدت على العديد من الجلسات العائلية، عامر والذي كان جالسًا على عقبيه وحوله التوأم المناكف يلعبون بالقرب منه، وهو يشجع ظافر الصغير على المشي إليه:
"ياللا يا بطل، يالا يا حبيبي، اتقدم يا ولد وتعالى."
خطا الصغير خطوتين ثم توقف بتعب فضحكت لمياء تشاكسه وهي جالسة تتناول في طبق المسليات أمامها:
"أهو وقف أهو اللي انت بتقول عليه خليفتك في الملاعب، بقالك كام يوم من ساعة ما بدأ يخطي برجله وانت بتشجع فيه، وحبيب ستو مصمم على الخطوتين وبس."
رمقها بغيظ، ثم التف نحو الصغير الذي جلس على أرضية الحديقة من التعب:
"ما تقوم يا بني وما تفرحش الناس الوحشة فينا."
ضحكت مقهقه بصوت عالي لتزيد على غيظه حتى جعلته ينفث دخان من أنفه، وقبل أن يهم بالرد لمعت عينيه باستدراك، ليعود إلى لعبته المفضلة الدائمة، وأدخل كفه في جيبه، ليخرج حبات من الحلوى ملفوفة ثم رفعها بوجه الطفل مرددًا:
"تعالى يا بطل بقى عشان تاخد دي."
على الفور هجم عليه التوأم لطلب حقهم:
"أنا يا جدو، أنا يا جدو."
جلجل بصوته العالي يعطيهم بعد أن يأخذ الثمن أولاً بالقبلات على وجنته أمام الصغير، ليقلدهم هو أيضًا ويأتي، لكن لميا استشاطت من الغيظ تهتف باعتراض:
"تاني يا عامر، طب إحنا مش منبهين قبل كده على أي نوع في شوكولاتة يبقى ممنوع."
لوح لها عامر بقطعة منهم أمامها مرددًا:
"بس دي يا حبيبتي مفيهاش شوكولاتة، دي نوع مستورد جبته مخصوص، وما بيجيبش أي ضرر للطفل، هاها."
جزت على أسنانها واحتقن وجهها بالانفعال منه، لتستمر الحرب الكلامية بينهم، بينما هو دائمًا يفوز في معظم جولات المنافسة على الاستئثار بحب الأطفال، يراقبهم جاسر وزهرة، وكاميليا وزوجها طارق الذي عقب ضاحكًا:
"مفيش فايدة يا جاسر، والدك ووالدتك الاتنين عقلهم صغير أكتر من بعض."
ضحكت كاميليا تضيف هي الأخرى:
"لأ بس بتصعب عليا طنط لميا، عمو عامر كياد أوي يا جدعان."
قهقه الجميع وقال جاسر:
"عندك حق يا ستي، بس هي بتصفاله وتسامحه بعد كده، أصلها كمان مكنتش تعرف إن عنده هوس بحب الأطفال كده."
تدخلت زهرة قائلة ببؤس:
"ودلوقتي هي قدرت بس على حظي أنا، يا لا عشان تجيبي الخامس يا زهرة، عشان تجيبي أخت للبنت يا زهرة."
عقب طارق ضاحكًا يخاطب جاسر:
"إيه يا عم جاسر، وانت ساكت على الكلام ده؟ ولا انت مسلطهم عليها ولا إيه؟"
هز الآخر كتفيه بثقة، قبل يلف ذراعه حول زوجته ليقول بزهو:
"والله ما مسلطهم ولا حاجة، بس هما واثقين في ابنهم ومراته واحنا بقى والحمد لله، قد الثقة."
أسدلت زهرة عينيها بخجل وهي تلوح بكفها بيأس نحو صديقتها التي كانت تشارك الضحك مع الرجال، وردت:
"حمد لله يا عم، أنا حمايا وحماتي مالهمش في الكلام ده وبعاد عننا، واحنا كمان مستكفين بالبنت."
ألقى جاسر بنظره نحو الصغيرة التي كانت جالسة بركن قريب في الحديقة، بجواره ابنه مجد والذي كان يستذكر لها درس ما في منهجها، بصبر دون كلل أو ملل، فقال معلقًا:
"آيوه يا جدعان، بس البنت برضوا أكيد هتفرح لما تجيبولها أخ أو أخت."
ردت كاميليا بنبرة تقطر بمرارة:
"بالعكس هي كده أحسن، مش كل الأخوات بيبقوا فرحة لأهليهم أو سند لإخواتهم."
بدا التأثر على ثلاثتهم وقد وصلهم مغزى حديثها، فتناول طارق كف يدها يضغط عليه بدعم:
"أنا شخصيًا مستكفي بمراتي والبنت، قاعد مع جوز قمرات هحتاج إيه تاني؟"
تبسمت تناظره بامتنان كعادتها، فقالت زهرة:
"ربنا يخليكم لبعض."
آممم الثلاثة خلفها، وقال جاسر بعد بعدها:
"آه صحيح نسيت أقولكم، مش أنا شفت كارم من كام يوم مع عدي عزام، عند مسؤول مهم أوي في البلد."
سألته كاميليا باهتمام:
"وهو ماله بالمسؤول المهم؟"
أجابها طارق:
"يا قلبي ما انتي متعرفيش بقى، عدي عزام بيستغل كل نفوذ أخوه مصطفى عشان يكبروا شركتهم، الاثنين دول ينطبق عليهم فعلاً المثل بتاع ما جمع إلا ما وفق."
قالت زهرة:
"وسبحان الله الدنيا ماشية معاهم، ومصطفى يا عيني هو ومراته هيموتوا على حتة عيل، وبرضوا لسه ربنا مرادش."
"إن شاء الله يريد ويسعد قلبهم."
هتف بها جاسر قبل ينهض فجأة قائلًا:
"طب إحنا نقوم نتعشى بقى، أنا هموت من الجوع، عشان كمان نلحق مشوارنا مع الوفد الأجنبي يا طارق، ده خالد زمانه على وصول.."
قالها وقطع فجأة مجفلًا مع ثلاثتهم على صيحة عامر وهو يهلل:
"عملها حبيب جده، عملها البطل يا لميا، وجاني بنفسه عشان ياخد البنبون."
***
في منزل أبو ليلية
كانت صبا جالسة مضطرة تتابع مع والدتها المسلسل الصعيدي، والذي حفظته من كثرة الإعادة، ومع ذلك تجد نفسها تندمج مع الحلقات وتبتسم على بعض المواقف، على الأقل تجد به تسليتها وما يلهي عقلها عن التفكير، والبحث المستمر على وسائل التواصل الاجتماعي، عن وظيفة تناسب مؤهلها أو حتى تتماشى مع المعايير التي وضعها والدها، في وظيفة محترمة على مكتب كما يقول دائمًا، لا بياعة في محل مهما كان حجمه أو نادلة في مطعم مهما كانت درجته، وغيرها من المحظورات والتي لا تجد غيرها في نتائج البحث، نظرًا لانعدام الفرص أو ندرتها في الالتحاق بالوظيفة التي تتمناها، ويرضى بها والدها.
مع سماع صوت المفتاح في باب المنزل، ظلت أنظارها معلقة به، حتى دلف عائدًا من الخارج، يلقي التحية وهو يتخذ وضعه بالجلوس بجوار والدتها:
"مساء الخير."
رددن بالتحية خلفه هي ووالدتها والتي سألته بقلق:
"اتأخرت يعني النهاردة يا مسعود."
أجابها مستاءً بملامح متعبة ومرهقة:
"ما أنا طلعت من شغلي وروحت المستشفى على طول."
"مستشفى إيه يا بوي؟ هو انت فيك حاجة؟"
سألته صبا سريعًا بلهفة وكان رده:
"لا يا بتي أنا مفياش حاجة والحمد لله، دي أخت صبا... مضروبة الدم، جطعت شرايينها وكانت عايزة تنتحر عشان أختها مش راضية تجوزها لواد خالتها الصايع."
"باهتفت لها زبيدة لتتابع بملامح متغضنة بالغضب:
"ليه هي الدنيا صفصفت ومعدتش في غيره؟ إيه البنتة المشجلبة دي؟"
أكمل على قولها أبو ليلة:
"آه يا زبيدة، لو تعرفي دلوقت أنا كدي إيه دمي بيغلي ويدي بتاكلني عشان أسفخها كفين على وشها، يدوروا رأسها ويردولها عجلها، البت قليلة الحيا دي، جابت الفضايح للبيت كله وخلت كل الناس تمسك سيرتهم."
تأثرت صبا بالحديث المحزن، مشفقة على شهد، بكم الضغوط التي تتعرض لها، ولا تجد من يساندها، أو حتى يخفف عنها، فتكلمت تسأله:
"طب هي شهد عاملة إيه دلوقتي يا بوي."
تحركت رأسه بأسى وكفه ضربت على ركبته ليرد بغيظ يتمكلمه:
"ما شوفتهاش يا بتي، أنا سمعت الخبر متأخر ولما روحت ملجتهاش كانت مشت، وحتى لما اتصلت عليها، ردت عليا صاحبتها، البت الحلوة ام شعر أصفر دي، جالتلي إنها نايمة عندها و....."
"وإيه تاني يا عم أبو ليلة؟"
هتفت بالسؤال صبا مقاطعة والدها بابتسامة مبهمة أجفلته في البداية ليسألها بعدم فهم:
"إيه يعني؟ مالك يا بت بتبصيلي كده ليه؟"
غمزت بطرف عينيها نحو والدتها لتردد بشقاوة:
"أصلك بتقول حلوة وشعر أصفر.... شوفتها أنا اللي اسمها لينا دي، مرة قبل كده مع شهد، بت حلوة وتعجب صح!"
فهم والدها، وضيق عينيه بغموض يتلاعب بسلسلة مفاتيحه، ويتنقل بأنظاره بين صبا التي تشعر بالحماسة، وزبيدة التي تدعي التجاهل ومتابعة المسلسل، ليفاجأ صبا بقوله:
"قومي يا بت."
سألته بدهشة:
"أقوم ليه يا بوي؟"
هدر عليها يدعي الحزم:
"قومي حضريلي العشا، اخلصي يا بت."
اضطرت لتنهض مذعنة لتغمغم بغيظ وصوت خفيض:
"هو العشا هيطير يعني؟ ولا هي خلاص معدتك مش قادرة ع الصبر شوية صغيرين؟"
"امشي على طول وبطلي برطيم يا بت."
"خلاص بطلنا."
هتفت بها وتحركت نحو المطبخ على الفور، أشعلت موقد الغاز سريعًا على أواني الطعام، ثم توقفت خلف حائط المطبخ، تتابع بابتسامة ارتسمت على وجهها بمرح، همسات والدها نحو زوجته، بصوت خفيض لا يمكنها من معرفة الكلمات ولكن الابتسامة المشاكسة وهذه النظرة التي يرمقها بها..... تجزم أنها تحمل أعظم كلمات العشق بها، وهي الصامدة تدعي الجمود، حتى عندما لكزها بمرفقه، استدركت سريعًا تلملم ابتسامة كانت على وشك، برزانة زادت من ذهول صبا، فإن كان والدها رمز العشق في محيطها الواقعي، فوالدتها، بطل العالم في الدلال المتقن دون ميوعة.
تنهدت بثقل لتتراجع وتعود إلى داخل المطبخ، لتنتبه على ما تفعله، وتزيح من رأسها هذه الأفكار، فهي تعلم آخر ما ينتظرها، وقد حصر والدها الفرص أمامها وهي اختارت الحرية.
***
في اليوم التالي
استيقظت مبكرًا في الصباح، بعد ذهاب والدها إلى عمله، لتؤدي روتينها اليومي في تنظيف المنزل وترتيبه، حتى انتهت لتخرج الكيس البلاستيكي الأسود للقاذورات وتضعه في الصندوق الكبير بجانب الدرج، حتى ياتي بعد ذلك عامل النظافة ويأخذه.
فور أن وضعته وقبل أن تستدير جيدًا، سمعت همهمة بالاستغفار من خلفها، فالتوت ثغرها بغيظ وقد علمت بهوية الشخص من صوته، هذا المدعو شادي ومن بكن غيره؟، التفت تتجنب النظر إليه، وخطت سريعًا حتى دلفت لداخل منزلهم وصفقت الباب خلفها.
لا تدري بمن وقف مبهورًا محله خلفها بجوار المصعد، بعد أن أربكت برؤيتها هكذا ومن بكرة الصباح، لقد تفاجأ بها فور أن خرج من باب منزله نحو الذهاب إلى عمله فتسمر يردد بالاستغفار كعادته دون تركيز، وقد تذكر حديث شقيقته عن رغبتها الملحة في العمل، وتصميمها على المضي في البحث، حتى تجد مخرجًا يبعدها عن الزواج من ابن عمها.
ابتلع ريقه وحيرة تكتنفه منذ الأمس، لا يريد لها العمل خوفًا عليها وعلى برائتها وجمالها اللافت للنظر والدليل هو قصة الرجل الذي طلبها من أول مقابلة في العمل، ولكنه وبنفس الوقت لا يستطيع الوقوف والانتظار حتى تمل وتستسلم لتعود للصعيد وترضى بما رفضته سابقًا في الزواج.... بأحد أقربائها.
تنفس بعمق وقد حان وقت الاختيار بين خيارين صعبين، ولكن لابد له من الحسم أما السير على الأشواك والخطر، أو الموت المحقق.
ولكنه فضل الأول!
رواية و بها متيم انا الفصل الخامس 5 - بقلم امل نصر
في منزل شهد
وقد كانت غائبة منذ الأمس عنه، لتثير القلق داخل أفراد العائلة، وأولهم كانت رؤى التي هتفت بغضب نحو والدتها وشقيقتها:
- عاجبكم كدة الفضايح اللي اتحطينا فيها؟ ولا شهد اللي غايبة من امبارح وما حد عارف مطرحها فين؟
ناظرتها أمنية بامتعاض تلوي فمها وتغمغم بالكلمات الحانقة، ردت والدتها بصوت باكي كعادتها حينما تؤنب أو تلقى التوبيخ على خطأ ما تفعله:
- طب وأنا ذنبي إيه بس يا بنتي؟ هو انتي مشوفتيش بنفسك واتخضيتي زيي على شكل الدم اللي كان مغرق الدنيا، اتصرفت بطبيعتي وصرخت من خوفي، هي دي حاجة أتحاسب عليها يا ناس؟
همت أن تبكي ولكن رؤى صرخت بوجهها توقفها من البداية:
- كفاية الله يخليكي يا ماما أنا فيا اللي مكفيني، ثم مين قالك إني بحاسبك على خوفك على بنتك؟ أنا بتكلم ع الفضايح يا ماما، هي بعملتها السودة، وانتي بصريخك....
قاطعتها أمنية بحدة قائلة:
- لمي نفسك يا ست رؤى واعرفي إنك بتكلمي أختك الكبيرة، يعني تحترمي نفسك......
- احترميها انتي الأول وبعدين أبقى أحترمها أنا.
هتفت بها رؤى هي الأخرى تقاطعها بتحدي، لم تفهم الأخرى لتسألها بعدم فهم:
- انتي قصدك على مين؟
تبسمت رؤى تجيبها ساخرة:
- على نفسك يا حلوة، انتي شايفة إنك محترمة نفسك؟
استشاطت أمنية من الغضب، وقد قصدت رؤى بتلاعبها بالألفاظ لأن تحرجها، فضربت بكف يــ دها السليمة على ذراع المقعد بغضب هادرة بتوعد:
- أقسم بالله يا رؤى، لو ما قفلتي بقك الزفر ولميتي لسانك، لأكون جيباكي من شعرك وو..
قاطعتها رؤى للمرة الثانية وقد وقفت تقابلها بتحفز:
- وإيه يا أختي؟ سمعيني واطربيني، ولا أقولك تعالي، تعالي، وأنا بقى هلم الناس وأعمل فضيحة زي بتاعة امبارح، عشان أعرف الجيران إنك زي العفريتة أهو بصحتك، وإن كل اللي اتعمل امبارح، كان تمثيلية رخيصة أوي منك.
ردها العنيف كان بمثابة مطرقة ضربت على رأس أمنية حتى صارت كالمشلولة تناظرها وتناظر والدتها بأعين جاحظة بشدة، وفك متدلي بغباء، تبحث بداخل عقلها ولا تجد من الكلمات ما ترد به على هذه اللئيمة التي لم تتعد الخامسة عشر، وحينما يأست عادت للمسكنة وادعاء المظلومية بالبكاء الذي كانت تستحضره بشكل مفضوح:
- شايفة يا ماما..... شايفة يا ماما بتعايرني وبتذلني إزاي؟ يارب كنت موت وريحتكم مني، يارب أموووت أهيء أهيء.
وسقطت على المقعد خلفها لتدخل نوبة البكاء والشهقات بصوت عالي ومزعج، جعل رؤى تتركها وتذهب لغرفتها بازدراء وقرف، ووالدتها تضرب كفاً على الآخر بقلة حيلة.
❈-❈-❈
على الطاولة التي جمعت مجيدة وابنيها الاثنان لتناول وجبة العشاء، كانت المرأة لا تتوقف عن التحدث وفتح مواضيع شتى، بحالة من الحماس تنتابها كل ما جلس ولديها معها ليشاركنها الطعام، بسبب المشاغل الدائمة للاثنين:
- بس بقى ورحت أنا مزعقة في كل الستات اللي كانوا معايا وقولت محدش يشتري، وقد كان، كلهم سابوا اللي في إيدهم وكانوا هيخرجوا معايا من المحل ونسيبهالوا مخضرة.
- ومشيتوا يا ماما؟
سألها أمين بانتباه، لتُجيبه مجيدة بزهو:
- ما هو ده اللي كان هيحصل يا حبيبي، لولا بس إنه اتحايل عليا ونزل للسعر اللي ماشي في السوق، وربنا ما كنت هقبل أدخل محله من تاني.
هلل حسن مرددًا:
- يا جامد، هي دي الست الناظرة يا جدعان، مترضاش أبداً بالحال المايل.
ازداد التحفز لدى مجيدة لتقول بعصبية:
- مش حكاية أبلة ولا أستاذة يا ابني، بس أنا مقدرش أسكت على حاجة زي دي، يعني مش كفاية الغلا اللي إحنا عايشين فيه؟ عشان يستغلونا هما كمان التجار، ويبقى كل واحد من دماغهم يزود، وكل واحد على كيفه، دا إحنا على كدة ربنا يرحمنا.
- أمين يارب.
أمم بها حسن وخلفه رمزي الذي كان يأكل بصمت، وهو يقلب في الهاتف، يتابع الأخبار والمنشورات على وسائل التواصل، فظهر له بوست الصفحة التي ينتظرها، تظهر بطلتها الصباحية، بملابس رياضية متحررة كعادتها تلقي التحية على المتابعين، وتتهافت التعليقات في الأسفل لرد الصباح والثناء على جمالها الفتان، بعد أن غيرت هيئتها بالكامل تقريباً، لتصبح واحدة أخرى، ليس تلك الرقيقة الهشة من رآها أول مرة في الفرح المشؤوم لشقيقتها، قبل أن تحل هي محلها وتتزوج بالعريس.
- سرحان في إيه يا أمين؟
رفع أنظاره نحو والدته يحرك رأسه باستفهام، لتردد له:
- يا حبيبي بسألك عشان لقيتك اتلهيت في التليفون.
تبسم لها ليرد وهو يغلق الهاتف سريعاً:
- أنا معاكي يا ست الكل أهو ومركز، ها كنتي بتقولي إيه بقى؟
تدخل حسن يجيبه:
- كانت بتتكلم على نفس الموضوع يا عم آمين، نفسها تفرح بحد فينا ونملى عليها البيت عيال.
توقف الأخير يناظرها بابتسامة زادت من غيظها لتهتف بسخط:
- بتضحك يا أمين؟ انتي هتشلني يا ولد؟
جلجل مقهقاً حتى كانت رأسه تميل للخلف معه، مستمتعاً بمنكافتها كالعادة، ومعه كان حسن يخفي ابتسامته بصعوبة، حتى تحول لون وجهها واتخذ شكل البؤس بترقرق الدموع في عينيها، على الفور نهض يسترضيها ويقبل رأسها:
- خلاص يا قلبي بقى، بهزر والله، انتي دايمُا كدة حماقية وطبعك حامي.
رددت مجيدة بدفاعية وهي تحاول بنزع كفيه عن رأسها وكتفيها:
- أنا برضوا اللي حماقية ولا انت اللي بارد ومستفز؟
ردد خلفها وهو يزيد بتقبيل كفها ووجنتها:
- فعلًا أنا اللي بارد ومستفز، وانتي ماجي القمر، حني علينا يا قمر.
تبسمت أخيراً ليهلل بمرح مع شقيقه:
- يا سلام، و أخيراً ظهر صف السنان الأول يا أبو علي.
أضاف عليه الآخر غامزاً:
- لا وكمان يا حضرت الظابط لو تاخد بالك، الوش المربرب الحلو نور.
على الفور لوحت بكفيها تخمس بوجههما مرددة:
- الله أكبر، في عيونكم المدورة انتو الجوز، في إيه؟
قهقه ثلاثتهم معاً قبل أن يختم أمين بقبلة أخيرة أعلى حجابها يقول:
- ربنا يخليكي لينا يارب، وتفضلي حلوة كدة دايمًا.
ناظرته مجيدة بامتنان وتأثر، وتابع لها وهو يعود لمقعده:
- مش عايزك تزعلي، بس أنا بجد مش رافض الفكرة، بس كمان مقدرش ألف صالونات زي صاحبنا دا.
قالها بالإشارة نحو أخيه، الذي رد يدعي البؤس:
- ربنا يسامحك.
كتم أمين ضحكته ثم استطرد:
- سبيها على الله يا أمي، وإن شاء الله ربنا يرزقني ببنت الحلال.
ردت مجيدة بنهيدة وصوت متأثر:
- ونعم بالله.
ردد خلفها مع أخيه بالدعاء ثم استأذن كي يذهب ليستحم قبل أن يشاركهم الجلسة، فنظرت لأثره تمصمص بشفتيها لتردف بضيق:
- جميل وطيب والله ويستاهل أحلى البنات، بس هيلاقيها فين دي؟ وهو طول الوقت في القسم، ومبيشوفش غير الأشكال اللي مش كويسة، وبنفس الوقت مش عايز ياخدها صالونات زي ما بيقول، يبقى هيتجوز إزاي بقى؟
ضحك حسن قبل أن تباغته بسؤالها:
- متعرفش واحدة يا ولد إنت عندك في الشغل، تكون زميلتك ولا صاحبتك ولا....
قاطعها حسن مردداً بدهشة:
- حيلك حيلك يا ست الكل، صاحبة مين؟ هو أنا أعرف أصاحب أساساً؟ ثم مين قالك إن شغلنا فيه زمايل بنات؟ لو مهندسات بيروحوا هما كمان مواقعهم، لكن إحنا بنشتغل تحت الشمس وبينا خناشير، مفيش يا روح قلبي الكلام اللي في دماغك ده.
- مفيش خالص.
قالتها مجيدة بدراما قانطة، لتعتلي ابتسامة متسلية وجه الآخر قبل يستدرك ويتذكر، من تركها بالأمس بعد أن غفت بجواره داخل السيارة، وقد غابت اليوم عن عملها، ولم يتسنى له الاتصال أو السؤال عنها، رغم فضوله الشديد لرؤيتها، أم هو التعود الذي جعله يذهب للموقع مرتين يسأل ويبحث بعينيه عنها بعد قضائها الفترة الماضية في الجدال والشجار معه يومياً، لا يعلم لماذا؟ ولكنه يشعر أنه افتقدها.
قالت مجيدة تخرجه من شروده:
- سرحت في إيه يا منيل انت كمان؟
عاد حسن للضحك يجيبها بشقاوة:
- طب تصدقي بالله يا أمي، أنا شفت واحدة امبارح بنت كدة قمر زي ما بيقولوا، شعر أصفر وعيون ملونة، ومواصفات تانية إيه تبهر، على طول جه على بالي أمين، واتمنيتها تبقى مراته.
قطبت مجيدة لتسأله باستغراب:
- يا سلام، ولما هي عجبتك أوي كدة، متمنيتهاش لنفسك ليه؟
افتر فاهه أمامها وتوقف قليلاً بتفكير قبل أن يجيبها وكتفيه اهتزت بعدم معرفة:
- بصراحة معرفش، رغم إن لو شوفتيها هتعجبك بجد والله، بشكلها وطريقة كلامها كمان، حتى اسمها كمان، لينا باين ولا إيه؟
تبسمت مجيدة وتوقفت عن الطعام تناظره بنظرة مبهمة قبل أن تقول:
- طب حيث كدة بقى، احكيلي شفتها فين بالظبط؟
وتبقى بنت مين هي؟
ضحك حسن يردد بمرح:
- إيه يا أمي؟ هو انتي حطيتها في مخك بجد ولا إيه؟ أنا معرفهاش ولا أعرف بنت مين؟ دي مجرد واحدة صاحبة المقاول اللي شغال معايا......
- نهار أسود، صاحبة المقاول؟
صاحت بها مجيدة مقاطعة لتجعل حسن يردد بصعوبة ما بين ضحكاته:
- يا ستي مش اللي في دماغك، المقاول اللي أنا شغال معاه دلوقتي، تبقى بنت والله واسمها شهد كمان.
- شغال مع مقاول بنت واسمها شهد كمان! يا راجل!
قالتها مجيدة بعدم تصديق، لتكمل بخبث:
- يعني معاك بنات في اهو، امال بتنكر ليه يا ولد؟
ضغط على عينيه يردد ضاحكاً بيأس:
- مفيش فايدة، مفيش فايدة معاكي، أنا عارف إني غلطت من الأول أساساً لما اتكلمت.
- كويس ومدام عرفت غلطتك يبقى كمل يا حبيبي للآخر.
قالتها مجيدة بتصميم ليهتف حسن بقلة حيلة:
- اكمل إيه يا ستي؟ هو انتي خلاص خلتيها حكاية؟
بنظرة الأم الحازمة وناظرة المدرسة المسيطرة قالت مجيدة:
- أه يا حبيبي خليتها حكاية، وانت بقى هتحكيها، هتقولي على المقاول البنت اللي شغالة معاك، والبنت صاحبتها اللي اتمنيتها لأخوك ماشي يا بشمهندس؟
❈-❈-❈
فركت بكفيها على عينيها وهي تستعيد وعيها بعد غيبوبة من النوم قضتها على سرير صديقتها، لتعتدل بجذعها بصعوبة ورأس ثقيل، تفرد بذراعيها بتأوه، وكأنها نامت لألف سنة، الغرفة كانت مظلمة، وهدوء شديد يعم المكان، وكأن المنزل خالي إلا منها، نزلت بقدميها من السرير إلى الأرض، ثم كادت أن تقع وهي تستقيم واقفة، قبل أن تتماسك جيداً وتذهب نحو باب الغرفة لتخرج.
وجدت أنيسة في صالة المنزل مندمجة بنظارتها في مشاهدة المسلسل الأجنبي وصوت التلفاز يكاد أن مكتوم، وعلى أريكة وحدها كانت لينا تتلاعب في الهاتف، والتي انتبهت عليها تتلقاها بمشاكسة:
- يا أهلًا يا شهد، توك ما صاحية يا ست هانم؟
تبسمت لها الأخيرة بأعين منتفخة من أثر النوم، وقالت أنيسة هي الأخرى:
- تعالي اقعدي جمبي وحسسيني إنك عايشة كدة، دا أنا خوفت عليكي وربنا يا بنتي.
ضحكت لها شهد وخطت لتجلس بجوار الأخرى، قبل أن ترد:
- ليه يعني؟ هو أنا لدرجادي، نمت كتير المرة دي؟
صاحت لينا تلوح بكفيها في الهواء أمامها:
- نمتي كتير؟! دا إحنا دلوقتي العصر يا نور عيني، انتي داخلة على عشرين ساعة يا بت، دا انتي لو راقدة على بيض كان فقس.
ضحكت شهد من قلبها وقد استطاعت لينا بعفويتها المعتادة أن تعيد إليها المرح، فعقبت أنيسة بارتياح:
- أيوة كدة يا شوشو اضحكي، والله ما حد واخد منها حاجة.
أسعد شهد مناداتها باسم الدلال المحبب لها، فقالت متسائلة بدهشة:
- طب يا جماعة انتوا سيبيني ليه دا كله طيب؟ ما كنتوا صحوني.
ضربت لينا بكفيها تردف ذهول:
- نصحي مين يا ماما؟ دا إحنا تعبنا من الروحة والجية عليكي، أنا أحاول وأمي تحاول، وانتي مفيش فايدة فيكي خالص، تردي علينا وتقولي آه، وبعدها تروحي مع الأموات، أنا هموت وأعرف، هو انتي عضمك ده، موجعكيش بالأمانة.
ضحكت لها شهد باسترخاء مرددة:
- هو بصراحة فعلاً بقى عضمي كله واجعني، وبطني دي حاساها فاضية أوي وكأني مأكلتش من أيام.
سمعت أنيسة وانتفضت عن مقعدها فجأة تقول بلهفة:
- يا حبيبة قلبي، أكيد طبعاً لازم تجوعي بعد الوقت ده كله، دقايق وأسخنلك الأكل وأرجع.
قالتها وتحركت على الفور، ف اعتدلت شهد تناديها بحرج:
- استني يا طنط متتعبيش نفسك، أنا مكنتش أقصد والله.
أوقفتها لينا قائلة بسأم:
- خلاص يا شهد، متخنقنيش والنبي، هو إحنا هنعطف عليكي يا بنتي؟ دا إيه النيلة دي؟
عوجت بفمها الأخرى تجيب لمناكفتها في الرد:
- نيلة في عينك قليلة الأدب.
- الله يسامحك يا ستي.
قالتها لينا بابتسامة وقد غمرها الارتياح لعودة صديقتها لقوتها المعهودة، ولكنها تساءلت بفضول:
- مش عايزة أبقى غلسة، بس أنا بصراحة بقى نفسي أعرف هتعملي إيه في موضوع الزفتة أمنية؟
تذكرت شهد همها الثقيل وتغضنت ملامحها، لتتنهد بقنوط تناظرها بصمت وملامح مبهمة.
❈-❈-❈
من شرفة غرفتها العلوية، كانت تشاهد طفلها الصغير وهو يلعب مع مربيته في الحديقة، وبنفس الوقت تتابع التفاعل على منشوراتها والتعليقات المدونة، إن كانت بالإعجاب والإطراء تزداد انتشاءً، وإن كانت بالنقد والتحليل، كما يحدث الآن وهي تقرأ سطور طويلة كتبها أحد الأشخاص ينتقد ملابسها وهذا الجانب الذي تتعمد إظهاره من الترف المبالغ فيه، كشخصية سطحية تحاول التخفي خلف المظاهر، حتى تشبع جانب النقص منها، زفرت تنفث دخان من أنفها، فهذا التعليق قد حاز على عدد كبير من التفاعل فاق الألف، بالإضافة إلى الردود التي كانت متفاوتة ما بين الرفض والتأييد، همت أن تصفعه برد قاس أو حتى حذف التعليق نفسه، ولكنها استدركت بأنها ستكون حركة مكشوفة أمامه وأمام متابعيها وتثبت صحة قوله، رفعت كفيها تود قرقرة أظافرها ولكنها تعلم أنه سوف سيفسد جمالهم، ولكن حجم غيظها وغليلها، سوف يقتلها إن لم ترد، ولذلك لم تجد بدًا من الضغط زر المراسلة وكتبت "السطحي هو من يعلق على منشوراتي من أجل التفاعل وإثارة الجدل".
همت أن تترك الهاتف، ولكن تنبهت أنها بهذا الفعل قد أعطته قيمة، عادت سريعاً لتمسح الرسالة ولكن، كان قد سبق السيف العزل، ورأى الرسالة هذا الشخص الذي يسمي نفسه النسر الجارح، وقد أرسل إليها هو الآخر بالرد سريعاً: "أهلاً بالنجمة" لم أكن أعلم بأهميتي قبل أن تراسليني".
كشرت بوجهها، حتى همت أن ترد ولكن صوت بوق السيارة التي دلفت مع فتح البوابة الخارجية للمنزل، جعلها تنتفض لتغلق الهاتف على الفور، وابتلعت ريقها الذي جف لمجرد رؤيته بداخل السيارة، والحرس الذي يحاوطه.
رغم مرور هذا العديد من السنوات منذ زواجها به، وهذا الإنكار التي تدعيه أمامه، إلا أنها تموت من الرعب بداخلها، قبل أن ترد أو تتكلم مع أي رجل غيره، حتى لو بأي حديث عادي، فهي الأعلم بطبعه وقد اختبرت بنفسها حجم شره في هذا الشأن في بداية زواجهم.
قبل عدة سنوات
وبعد حفل زفافها الذي كان أسطورياً بمعنى الكلمة بجمع الفنانين الذي غنوا فيه والمناصب العالية من عائلته وأصدقاء والده وأفراد من عائلتها هي أيضاً مع شقيقها مروان رغم غياب أبيها وكاميليا وأخيه الأصغر، كانت تشعر وكأنها ملكة وفرحتها بما نالته وما فعله لها بعد ذلك من تدليل وقضاء شهر عسل في عدد من الدول الأوربية والجزر، وقد أضحت تعيش حياة الرفاهية بكل ألوانها، حتى ظنت أنها ملكت العالم بين يــ ديها قبل أن يحدث ما حدث وترى هذا الجانب المظلم منه، وقد كان ذلك حينما استيقظت في أحد الأيام مبكراً وقبل أن تنتهي أيام العسل، حاولت أن توقظه:
- كارم ، يا كارم، اصحى بقى أنا زهقت من القعدة في الجناح، أوووف.
التف ينقلب بجانبه عنها للناحية الأخرى يزوم برفض، ف حاولت معه مرة أخرى ولكن حينما يأست، فضلت الاعتماد على نفسها، ونهضت لتبدل ملابسها، وارتدت، تيشيرت بدون أكمام، على شورت فوق ركبتيها، وخرجت من الغرفة لتهبط إلى المطعم وتطلب أصناف وجبة الإفطار التي كانت تريدها، كان من الممكن أن تتصل هاتفياً وتطلب ما تريده، ولكن غرور الدلال الذي أغدقها به جعلها تنزل متعمدة بقصد، لتسير بين الرجال الأجانب وحدها، ف ترى نفسها في أعينهم، وقد كانت فكرة لا بأس بها، بل وأسعدتها كلمات الإطراء التي تلقتها من أحد الرجال، ثم نظرات بعض الأشخاص، ومعاملة النادل لها برقة مبالغ فيها، ثم لقاؤها بأحد النزلاء في المصعد والذي عرفها على نفسه على أنه ينزل بجناح بالقرب من جناحها مع كارم.
ورافقها الرجل يسير معها ويتحدث بالمزاح ليضحكها وقد وجدها تستجيب وتقهقه بدون مجهود منه، وتطور الأمر مع الرجل حتى أوقفها قبل أن تصل لغرفتها يخاطبها بلهجته الفرنسية بجرأة أجفلتها:
- لا أصدق حتى الآن أن امرأة جميلة مثلك تسير وحدها ويغفل عنها زوجها، كيف ينام هذا الرجل ويتركك؟
ضحكت رباب لتردد بعتب مزيف وهي تتحرك لتذهب:
- جون، لا تقل هذا.
أمسك بكفها يجفلها، ليقول بنعومة:
- عندي لك فكرة جيدة، إذا شعرت أنكِ وحيدة في أي وقت أنا تحت أمرك، أستطيع أن أريكِ المدينة بأكملها.
همت لتعرض ولكنه سبقها:
- أستطيع إعطائك رقم هاتفي، لنتبادل الاتصالات بيننا.
لهجة الرجل وتصميمه أصابتها بالذعر حقاً، لتدرك خطأها الشنيع وهي التحدث مع الغرباء في جزيرة السمة الأساسية فيها والتي يأتي السياح من أجلها، هو المتعة، ابتعلت ريقها وهي تومئ له برأسها بقلق وتحاول نزع كفها التي أطبق ولكنه زاد بإلحاح، وقد ظنها تبادله الإعجاب:
- أنا هنا في إجازة لشهر قادم، وقد أصبحت وحيداً بعد أن هجرتني صديقتي منذ أيام.
كانت تومئ برأسها بمهادنة حتى لا تفتعل الشجار في بلد غريب، رغم الخوف الذي كان يزداد بقلبها منه، ثم وجدت أنه يتركها وقد ذهبت مقلتيه للنظر خلفها، لتتفاجأ بكارم نفسه قد خرج إليها بجزعه العاري على البنطال القطني، وأثر النوم يبدو جلياً على ملامحه.
- أهلاً بك سيدي.
قالها الرجل على عجالة كتحية لكارم الذي كان واقفاً محله ولم يجيب، بل إنه خطف نظرة جانبية سريعة نحوها قبل أن يعود لداخل جناحه، وتبعته تصفق الباب خلفها وتردف بدلال:
- أخيراً صحيت يا كارم؟ دا أنا كنت هموت من الجوع، ولم أقدر أستنى.......
قطعت شاهقة برعب بعد أن باغتها بإحكام قبضته على عنقها ليلصقها في الحائط هادراً:
- خرجتي من غير ما تقولي ليه؟
ردت بصوت باكي مخنوق:
- ما أنا قولتلك كنت جعانة....
قاطعها يضغط على عنقها أكثر، يهدر بملامح مخيفة:
- بطلي استعباط وردي، يا هدفنك هنا، يا إما أخليكي ترجعي البلد في صندوق...... الراجل ده تعرفيه من إمتى؟
بصوت مخنوق يخرج بصعوبة وبتقطع، ودموع تهطل منها بغزارة، للألم الموجع لضغطه بدون رحمة، وبدء انسحاب الهواء منها:
- والله العظيم... كنت نازلة عشان..... أطلب الفطار.... أسفة إني غلطت..... لكن والله ولا أعرف الراجل المجنون ده، دي أول مرة أشوفه كانت من شوية بس في المصعد.....
ختمت ببكاء حارق وضغطه يزداد ولا يخف حتى أنها كانت تعافر بيديهــا، وقد أيقنت أنها على وشك الموت، تبكي وتناظره بتوسل، وهو كالجماد بأعين ضيقة صقرية لا يرف جفنها.
- أبوس أيــ دك..... أبوس..... إيــ دك يا كارم، هموت، هموت...
أردفت بالكلمات بصعوبة بالغة وقد تحول لونها للأزرق، مع النقص الشديد للأكسجين في جســ دها، تراخت ذراعيها وسملت بأنها النهاية قبل أن يتركها فجأة لتقع على الأرض بعنف، تسعل بقوة عدة مرات، حتى تستطيع التنفس، وهو يناظرها من علو بصمت مهيب، حتى ارتفعت رأسها إليه تردد بوجع:
- ليييه؟ ليه دا كله؟
نزل على عقبيه فجأة ليجذبها إليه من قماش التيشرت الذي ترتديه في الأعلى، ليهدر من تحت أسنانه بفحيح:
- عشان تحرمي تاني ما تلفي براسك حتى للناحية التانية من غير ما تستأذني، وأي راجل تتكلمي بس معاه من ورا ضهري أديكي عرفتي نهايتك، أنا أفسحك وأصرف عليكي زي ما انتي عايزة، أديكي حرية اللبس زي ما تحبي، لكن حد غيري ياكل من الطبق اللي أنا باكل فيه، يبقى أكسره أحسن...... فاهمة ولا لأ.
هدر بالأخيرة بغضب جعلها تردد على الفور بزعر:
- فاهمة والله، والله فاهمة، والله فاهمة.
❈-❈-❈
- إنتي بتتكلمي جد؟
هتفت صبا سائلة بعدم تصديق، نحو رحمة التي كانت تردد لها ضاحكة:
- والله يا بنتي زي ما بقولك كدة، شادي مبلغني أقولك، خلاص يا صبا مشكلتك انحلت يا قمر.
- هزهزت رأسها ورفرفت أهدابها بعدم استيعاب، أن يتم حل مشكلتها في العثور على العمل أخيراً؛ بواسطة هذا المدعو شادي؟ كيف؟!
ضحكت رحمة مقهقهة على هيئتها لتخاطب هذه المرة زبيدة والدة صبا، والتي كانت جالسة هي الأخرى بجوارهن في صالة المنزل:
- ما تقوليليها حاجة يا خالتي، طب أعمل إيه عشان تصدق؟
تبسمت زبيدة صامتة، ف بداخلها شجار بين شعورين أحدهما كان الارتياح لجارهم شادي، نظراً لما لمسته ورأته بنفسها من أخلاق عليا يتمتع بها بالإضافة لرعايتها الدائمة نحو والدته المريضة، ورغبة أخرى في الرفض للعمل من الأساس، نظراً لخوفها الكبير على أصغر أبنائها، والتي تود أن تزوجها وتطمئن عليها كباقي أشقائها.
هتفت رحمة نحو الأخرى التي ما زالت مذهولة بعدم استيعاب:
- يا بت ردي واتكلمي بقى، مبلمة كدة ليه؟
انتفضت تجيبها بانفعال:
- ما أنا كمان مش قادرة أصدق يا بنت الناس، إزاي يعني؟
عبست رحمة بوجهها تدعي الضيق، رغم تسليتها فقالت:
- ومش قادرة تصدقي ليه بقى؟ مش انتي خريجة تجارة إنجلش وواخدة كورسات كتير؟ هو بقى هيشغلك معاه في القسم بتاعه، يعني وظيفة كويسة، وفي فندق مشهور ومعروف، مش دا اللي انتي كنتي عايزاه يا ماما؟
أومأت صبا تهز رأسها باضطراب، فتابعت لها رحمة بحزم:
- خلاص يبقى بقى مستنية إيه؟ يالا قومي هاتي ورقك.
- ورق إيه؟
سألتها صبا بدون تركيز، لتجفلها رحمة بضحكتها الرنانة مرددة:
- ورق شهادتك يا مجنونة، ولا انتي هتشتغلي بطولك كدة؟
ختمت لتستمر بضحكاتها، ونهضت صبا بحرج رغم ابتسامتها حتى تأتي بورق يعينها، وقد وجدت أخيراً فرصتها في العمل وعلى نفس القواعد التي حددها والدها، والعجيب أن من أتى بالفرصة هو جارها الغريب شادي!
❈-❈-❈
- ادخلي يا صبا هو انتي هتتكسفي ولا إيه؟
هتفت رحمة وهي تدعوها للدخول خلفها داخل الشقة، وتقدمت صبا تخطو على حرج بتردد؛ ازداد فور أن وقعت عينيها عليه وقد كان جالساً بوسط الصالة مربعاً قدميه والحاسوب أمامه ويعمل به، انتبه على دخولها وارتفعت أنظاره الحادة دوماً نحوها، ابتلعت لتردف التحية بصوت يبدو كالهمس:
- مساء الخير.
انتفض ينزل أقدامه للأرض مردداً بصوت خشن بطبيعته:
- أهلاً أهلاً، مساء الخير، اتفضل يا آنسة.....
قطع يدعي عدم المعرفة، فقالت رحمة تذكره بمرح كعادتها:
- اسمها صبا يا عم شادي، في حد برضو ميعرفش صبا؟
تحمحم بحرج قبل أن يرمق شقيقته بنظرة محذرة قبل أن يخاطب صبا:
- اتفضلي يا آنسة صبا، هو انتي جبتي الأوراق المطلوبة؟
أومأت بهز رأسها صامتة قبل أن تقترب بالملف إليه على خجل:
- أهو الملف كامل وفيه كل حاجة.
نهض سريعاً يتناوله منها، ليرى لأول مرة وجهها الخمري عن قرب، وهذه العينان التي تختلف بألوانها المميزة فتجعلها قبلة للنظر، تحمحم يجلي حلقه ويتمتم بالاستغفار كعادته، لينكفيء على الأوراق ويراجعهم، وكانت الصدمة حينما رأى تاريخ الميلاد، وارتفعت رأسه إليها يسألها بدون تفكير:
- انتي عندك ثلاثة وعشرين سنة بس؟!
أجابته صبا مندهشة لسؤاله:
- أيوة ما أنا خريجة السنة دي.
كتم تنهيدة محبطة بداخله وهو يعود للأوراق، ولا يركز بحرف واحد منها، كان يعلم أنها تصغره بكثير، حتى شك أن تكون في الدراسة، ولكن قول شقيقته بالأمس عن أنها خريجة وتبحث عن العمل، جعله يصنع بداخله بعض الأمل، أن تكون في السابعة والعشرين، أو حتى خمس وعشرين لكن الآن وبعد اكتشافه بالفرق الكبير.
- اتناشر سنة.
غمغم بها بصوت خفيض، جعل رحمة تسأله:
- بتقول حاجة يا شادي؟
رفع عينيه نحو شقيقته ينفي برأسهِ قبل أن يذهب نحو تلك الحسناء الواقفة بخجل يقتله، ليسألها:
- انتي اشتغلتي في أي حتة قبل كدة؟
أجابت على الفور:
- لا طبعاً مشتغلتش، أنا قدمت في مسابقات الحكومة وفي كذا مكان تاني، لكن بقى...
قطعت تسبل أهدابها بحرج، لتزيد عليه الضغط وقد نسى نفسه وركز في ملامحها المليحة، ثم هذه الحركة البريئة وهي تشبك كفيها ببعضهم كطفلة، زفر يجبر عينيه لتحيد عنها، وغمغم كالعادة مستغفراً، ثم قال بوجه عابس لا يعبر أبداً عما سيردف به:
- طب انتي ما شاء الله عليكي تقديراتك حلوة، دا غير الكورسات اللي واخدها كلها ممتازة....
أوقف برهة ثم استطرد:
- حضري نفسك وتعالي بكرة الفندق.
ناظرته باستفهام وكأنها لا تفهم، ف هيئته الجامدة لا تعطيها تفسير مبشر، وسألته:
- يعني إيه؟
تدخلت رحمة تجيبها:
- يا بنتي بيقولك تعالي بكرة عشان تستلمي شغلك، جرا إيه يا صبا؟
نظرت لها ونظرت له، قبل أن تقول بحرج وعدم تصديق:
- كدة على طول؟ مش هقدم يعني في حتة تانية؟
ضحكت رحمة لترد:
- يا صبا افهمي، أخويا واخد منصب كبير في الفندق وفي الإدارة اللي قولتلك عليها، يعني إن شاء الله متيسرة، انتي بس شدي حيلك عشان تروحي بكرة.
أشرق وجهها بابتسامة رائعة تجاهد أن تخفيها، وخاطبته ممتنة بحرج:
- متشكرة يااا أستاذ شادي.
قالتها بنبرة هامسة فعلت به الأفاعيل، وهو يسمع لأول مرة تلفظها باسمه، حتى أنه شعر وكأنه قد فقد النطق ليرد ولو بكلمة واحدة لها، وتركها تستأذن وتذهب من أمامه على نفس حالته من الوجوم، قبل أن تجفله بعودتها مرة قائلة بلهفة:
- طب أنا آسفة لو هازعجك، هو ممكن حضرتك تشوف شغلانة تاني لواحدة صاحبتي...
قاطعها بخشونة:
- فينها صاحبتك دي؟
ردت باضطراب من هيئته:
- دي مودة جارتنا في الشارع اللي ورانا.
أومأ بتفهم لينهي معها، فقد خارت قواه، ولم تعد أعصابه تتحمل أكثر من ذلك، فرد بجمود ليخفي عنها ما يشعر به:
- خليها تجيب ورقها بكرة، وربنا يسهل.
❈-❈-❈
سأل أبو ليلة بوجه جامد فور أن أخبرته زوجته عن العمل الجديد الذي سوف تلتحق به ابنته،
- كيف يعني؟ انتي متأكدة من الكلام دا يا بت؟
ردت صبا وهي تقترب منه:
- أيوه يا بوي، رحمة أكدتلي إن اللي اسمه شادي أخوها ده، موظف كبير هناك، دا خد الملف بتاعي وجالي تعالي بكرة استلمي، وحتى لما جولتلو على مودة صاحبتي، جالي برضو هاتيها وأنا أشوف.
عبس وجه أبو ليلة وامتعضت ملامحه بشكل أدخل القلق بقلب صبا التي خاطبته برجاء امتزج بدلالها معه:
- كشرت ليه يا ابوي، أوعى تكون رافض ولا عايز تمنعني، حن علي أنا ما صدقت لقيت الفرصة.
نظر إلى وجهها المخطوف وعينيها التي ترقرت بها الدموع، والتوى ثغره يخاطبها:
- ولو رفضت انتي هترضي إنك تتبعيني ولا هترفضى وتمسكي بالفرصة؟
بلعت الغصة وسالت على خديها دموع ساخنة تجيبه بصوت مبحوح:
- هتبعك ومش هرفض طبعاً، بس هموت في اليوم ألف مرة يا بوي ع الفرصة اللي ضاعت...
صمتت تشهق بصوت عالي فجذبها ليأخذها في حضنه يربت على ظهرها بحنان يردد:
- بعد الشر عليكي من الموت ومن أي حاجة عفشة..
استمرت تشهق بالبكاء بعد أن أخافها رد فعله، حتى استفزته ليهتف بها ساخطاً:
- كل البكا ده عشان شغلانة خايفة تروح منك يا بت الكلب؟
رفعت رأسها عنه لتجيبه بعتب:
- أيوه يا بوي، وانت عارف ووافقت بعد تعب في الزن والمناهتة معاك، لزومه إيه بقى توقف قلبي؟
- لزومه إني خايف عليكي.
قالها أبو ليلة بنظرة صادقة أثرت في صبا وزاد عليها بقوله:
- مش عايز أجي في يوم وأندم يا صبا إني وافقتك، عايز راسي تفضل مرفوعة دايماً بيكي وبخواتك، سمعاني؟
أومأت برأسها تجيبه بقوة:
- سمعاك يا بوي وكلامك كله على راسي، انتي مخلف راجل تالت يا بوي.
قالتها لتفاجأ بلسعة من كفه الخشنة على جبهتها، ليردد لها بحزم مصطنع:
- وهو انتي لو راجل صح يا بت الفرطوس أنا كنت خوفت عليكي أصلاً.
ضحكت صبا تتقبل مناكفته ببهجة تغمر قلبها، ومن خلفها كانت زبيدة والدتها هي الأخرى تبتسم لفرحتها، رغم تبادلها نظرات القلق مع زوجها، قبل أن تترك أمرها لله وهو خير حافظ.
❈-❈-❈
في منزل شهد والتي ولجت فجأة إليه بعد أن فتحت بمفتاحها، لتجفل نرجس وبناتها اللاتي كن يجلسن في الصالة بحالة من القلق اكتنفتهم جميعاً لتأخرها حتى هذا الوقت ومبيتها خارج المنزل.
ألقت إليهن التحية بلهجة طبيعية كالعادة:
- مساء الخير.
- شهد!
قالتها رؤى وانتفضت على الفور نحوها تخاطبها بصوت باكي:
- كدة برضو يا شهد؟ تباتي برا البيت وتتأخري لحد دلوقتي كمان.
ربتت شهد بكفيها على جانبي كتفيها، وقبلتها فوق رأسها بابتسامة حنونة، قبل أن تذهب بأنظارها نحو الجالسات الأخريات:
- مساء الخير يا جماعة عاملين إيه؟
ردت نرجس ولم تجب الأخرى:
- مساء الخير يا شهد، قلقتيني عليكي يا حبيبتي، دي عاملة تعمليها برضوا؟
تبسمت شهد بجانبية لترد:
- فيكي الخير يا مرات أبويا، معلش بقى إن كنت قلقتك.
قالتها ثم انتقلت نحو الأخرى توجه الخطاب لها:
- إيه يا أمنية؟ وانتي كمان مقلقتيش عليا؟
رمقتها الأخيرة بنظرة حانقة لتجيبها بغيظ وهي تشيح بوجهها عنها:
- وهو مين الأولى بالسؤال؟ إللي كانت مصابة ودخلت المستشفى؟ ولا اللي سابتها ومسألتش فيها؟
هبطت شهد بأنظارها نحو ساعد الأخرى الملتف بالأربطة الطبية لتشهق بتصنع وتدعي الإجفال:
- يا نهار أبيض.... دا نسيت...
توقفت فجأة، لتردف بعد ذلك:
- على كدة بقى مش هتعرفي تستقبلي الضيوف؟
سألتها أمنية بانتباه:
- ضيوف مين؟
ردت شهد على الفور بحدة رافعة حاجبُا واحدًا:
- إبراهيم ابن خالتك، أصل اللي انتي متعرفيهوش بقى، أنا قبل ما أرجع وأدخل البيت، بعت عبد الرحيم لولدته، يبلغها إني مستنياهم هي وجوزها وابنهم النهاردة.
رددت أمنية بعدم تصديق:
- انتي بتقولي إيه؟ انتي أكيد بتهزري؟
- لا يا حبيبتي بتكلم جد، دا ميعادهم خلاص بعد ساعة من دلوقتي كمان.
قالت الأخيرة شهد، لتشير بسبابتها على الساعة الملتفة نحو معصمها:
- ابراهيم وعيلته على وصول، يعني يدوبك تلحقي تجهزي نفسك، ولا انتي تعبانة وعايزة تأجلي.
انتفضت أمنية تنهض عن مقعدها قائلة قبل أن تتحرك سريعاً نحو غرفتها:
- لا طبعاً مش عايزة تأجيل.
بعد ذهابها التفت شهد لنرجس تخاطبها هي الأخرى:
- إيه يا مرات أبويا؟ مش ناوية انتي كمان تشوفي هتحضري إيه للجماعة؟ ولا انتي عايزة تضايفيهم بالشاي؟
نظرت إليها نرجس مذهولة لبعض اللحظات قبل أن تنهض بحرج مرددة:
- لا خلاص بقى، هقوم أشوف فيه إيه في المطبخ ينفع، دول مهما كان جاين ضيوف.
بشبه ابتسامة ساخرة تتبعها شهد حتى اختفت في المطبخ قبل أن تلتف إلى شقيقتها الصغرى، والتي كانت تطالعها بريبة، بابتسامة واسعة زادت من حيرتها قالت شهد:
- وأنا كمان هروح أجهز وأغير هدومي بحاجة عدلة، عن إذنك يا رؤى .....
رواية و بها متيم انا الفصل السادس 6 - بقلم امل نصر
طرقت بخفة على باب غرفة المكتب الخاصة به، وقد كان منشغلًا كالعادة على حاسوبه في أعماله التي لا حصر لها، ولا تنتهي أبدًا.
سمع وارتفعت أنظاره نحوها وقد كانت واقفة امامه بهيئتها التي تخطف الأنفاس، فابتسم لها ابتسامة رائقة مرحبًا بها بقوله:
- النجمة بذات نفسها عندي! دا إيه الحلاوة والنور ده؟
قالها وعينيه تجول على ما ترتديه بجرأة مداعبة أنوثتها، فقد كانت ترتدي منامة شفافة تظهر ما أسفلها بسخاء، وفوقها كان مئزرًا مفتوح بنفس اللون الوردي، والذي زاد على بشرتها البيضاء بإغواء، مع ابتسامة تكمل سحرها، وهي تدلف إليه بدلال متصنعة العتب:
- لا نجمة إيه بقى ولا فنانة، دي اللي يسيبها جوزها ملطوعة كدة في أوضتها من غير ما يعبرها.
نزع النظارة من على عينيه ليدفعها على سطح المكتب يتابعها بصمت حتى جلست على المقعد أمامه، فقال مشاكسًا:
- يا نهار أبيض أنا عملت كدة فعلا، دا انا ابقى راجل معنديش دم بقى؟
تبسمت تقارعه:
- والله انا مقولتش، إنت اللي بتقول على نفسك.
ظل وجهه على الإبتسامة الساحرة وهو يناظرها بصمت، فتابعت:
- هو دا اللي انا واخداه منك.
ردد خلفها:
- ايه بقى اللي انتي واخده مني؟
ردت بارتباك اختلط بمرحها:
- بتلغبطني، نظراتك الخبيثة دي دايمًا بتخليني انسى انا جاية في إيه؟ ولا رايحة فين؟
توسعت ابتسامته حتى ظهرت اسنانه وقال بمغزى:
- طب والله دي شهادة نعتز بيها بقى؟ لما يبقى العبد لله بيأثر في النجمة بالشكل ده، لا دا انا ابقى جامد بقى.
تنهدت بصوت عالي تستند بمرفقها على سطح المكتب امامه قائلة:
- مش بقولك دايمًا كدة ملخبطني، يالا بقى المهم، هو انت مش ناوي تخلص كدة وتفضى، ولا أنا هفضل كدة لوحدي لحد أما أنام؟
ضيق عينيه قليلًا بتفكير يزوم بفمه قبل ان يقول:
- مش عارف ليه حاسك كدة، وكأنك عايزة تقولي حاجة.
اومأت برأسها بابتسامة صامتة، فقال بتشجيع:
- طب وساكتة ليه؟ اتكلمي يا ستي وقولي، هتستني إيه؟
بدا على ملامحها التوتر، وهي تضغط بأسناناها على شفتها السفلى ثم قالت بتردد:
- بصراحة أنا كنت عايزة اكلمك على موضوعنا يا مصطفى.
ناظرها باستفهام لتستطرد على الفور:
- عايزة اكلمك على موضوع الخلفة.
تجعدت ملامحه أمامها بإحباط، فهتفت بتذمر:
- يا مصطفى بلاش رد فعلك ده وحياتي عندك، مينفعش إن الحياة ما بينا تستمر كدة، لازم يكون في أطفال.
هتف بها بضيق:
- وأنا اعترضت، ما أنا روحت معاكي كذا مرة لكذا دكتور، وكل كلامهم واحد، أن أنا وانتي طبيعين ومفيش حاجة تمنع، أعمل إيه بقى في رزق ربنا، هجيبه بالعافية مثلًا؟
- استغفر الله العظيم من قال كدة بس؟
قالتها ثم تابعت بنبرة باكية:
- أنا أقصد إننا نحاول تاني وتالت ورابع، ولو منفش ده، ينفع غيره، أكيد في مشكلة، امال إيه اللي مانع بس؟ لما نقعد بالسبع سنين كدة؟
تنفس بعمق يضغط بالسبابة والإبهام على أعلى عظمة أنفه بتعب أثر بها، لما تعلمه مما يمثله هذا الأمر من حساسية بالنسبة إليه؟ فقد يأس من كثرة المحاولات حتى أصبح يكره التحدث به، كما تعب أكثر من تسلط والدته وكلماتها السامة في عدة مواقف حدثت معهما وكان رده الدائم بالدفاع المستميت عن زوجته والاكتفاء بها إن لم يكن هناك رزق في الأطفال.
فقالت بنبرة معتذرة:
- أنا آسفة يا مصطفى لو بضايقك، بس أنا والله.....
قطعت مجبرة بتأثر حتى دمعت عينيها، فنهض هو من محله، ليرفعها ويضمها بقوة بين ذراعيه، ليمتص خوفها وقلقها وحزنها، فقال مهدهدًا وهو يمسح بكفه على شعرها الناعم:
- إيه رأيك بقى الجمعة الجاية نروح عند جاسر وزهرة، نقعد في جلسة عائلية كدة وبالمرة تجربي شقاوة التوأم اللي بيخلوكي تصرخي مع مامتهم انتي كمان؟
استطاع بقوله ان يجعلها تبتسم بتذكر لمواقف التوأم رامي ورنا معها، وجمال ظافر الصغير، والرجولة المبكرة لمجد أكبرهم رغم صغر سنه في تعامله مع فريدة ابنة كاميليا وطارق، فقالت وهي تقابل عينيه برجاء خاصتيها:
- متفقة أروح معاك، بس كمان انت توافق على مشوار الدكتور اللي قالت عليه والدتك.
قلب عينيه بسأم ثم أومأ برأسه بمهادنة جعلتها تعود لاحتضانه بقوة مرددة بكلمات الشكر والإمتنان، وتريح رأسها عليه، ولكن عقلها لا يرتاح أبدًا فهي تضع السبب الرئيسي به، بأن ما يحدث معها هو العقاب الذي تستحقه، وأن عذابها الحقيقي، أن يتحمل هو ذنب شيء لم يقم به!
❈-❈-❈
في صالة المنزل التي ضمت إبراهيم ووالدته سميرة وزوجها، الحاج عابد الورداني، بضيافة نرجس، وشهد التي كانت أمامهم، وكأنها رجل البيت، ترحب بهم:
- يا أهلًا وسهلًا يا حج عابد نورت وشرفت.
رد الرجل يوميء بكف يده على صدره بتحية أولاد البلد مرددًا:
- الله يخليكي ويحفظك، البيت منور بناسه طبعًا، تشكري يا ست شهد على ذوقك.
بادلته التحية بابتسامة مرحبة، ثم التفت نحو المرأة التي تبتسم الآن بعرض وجهها وهي ترتشف من كوب العصير، مرددة:
- آه امال إيه، دي شهد دي ست البنات والله، وربنا بس اللي يعلم، بمعزتها عندي.
رفعت شهد حاجبًا مستغربًا لفعل المرأة والمبالغة في إظهار الحب، متناسية عن قصد نظرات الحقد التي كانت ترمقها بها بالأمس في المشفى.
أزاحت عينيها عنها لتلتف نحو العريس والذي كان متأنقًا بملابس عصرية تثير استفزازها بالفعل، البنطال الضيق والذي يرتفع في الجلسة ليظهر عظام القدم البارزة، وقميص في الأعلى محكم على جسده النحيف، وقصة الشعر الغريبة والتي تشبهها بعرف الديك. أما عن وجهه فلم يبخل عليه بالاهتمام، بالحلاقة وتنسيق الحاجبين، يناظرها بابتسامة فهمتها شهد، لتبادله بابتسامة متوسعة:
- منور يا عريس.
وكان رده:
- دا نورك يا شهد، عقبالك يارب لما نفرح بيكي انتي كمان، قولي آمين.
- آمين.
رددتها شهد خلفه بابتسامة غير مبالية بسوء قصده، قبل أن ترتفع أنظارها على تهليل سميرة بقدوم ابنة شقيقتها العروس:
- بسم الله ما شاء الله، دا إيه الحلاوة دي يا بنت اختي؟ تعالي يا قمر ونورينا تعالي.
بنظرة ساخرة كتمت شهد غيظها، وهي ترى اللطف المبالغ فيه من شقيقتها وهي تصافح الضيوف وترحب بهم بأدب غريب عنها، وخالتها المستفزة تقبلها بصوت عالي ومزعج، مرددة:
- يا ختي عليكي وعلى حلاوتك، قمر يا ناس قمر.
ظلت شهد بصبر وصمت تتابع فقرة المداهنة من أهل العريس، وتصنع الخجل من شقيقتها مع ابتسامات ونظرات مائعة بينها وبين هذا المدعو إبراهيم، حتى إذا جلست المذكورة، قالت شهد على الفور مخاطبة الرجل الكبير بعدم احتمال:
- ندخل بقى في المهم يا حج.
استجاب لها الرجل ليرد بحماس:
- ندخل في المهم، قولي اللي انتي عايزاه يا ست الكل، أنا ابني شقته جاهزة في الدور التاني، ناقصها بس شوية تفاصيل وعفش العروسة، وكله يبقى تمام.
سمعت شهد لتجيبه بهدوء:
- بسم الله ما شاء الله، طلبات إيه وكلام فارغ إيه بس؟ دا احنا أهل في بعضينا يا عمنا واحنا مش هنختلف ولا هنزود ع اللي ماشي في السوق... قصدي يعني في الجوازات اللي حوالينا...
قطعت فجأة على صوت جرس المنزل وانتظرت حتى فتحت رؤى للطارق، ف هتفت شهد لرؤية الرجل الذي دلف بابتسامته المعتادة:
- وادي عمنا أبو ليلة وصل أهو.
تطلع الجالسين باستغراب للهفتها وهي تنهض لتجلس الرجل على المقعد المجاور لها، ثم قامت بتقديمه لهم:
- دا عمي مسعود أبو ليلة، صاحب أبويا المرحوم يا عم الحج، ويعتبر زي عمي شقيق أبويا وأكتر، يعني هو اللي هتحط إيدك في إيده، لما ربنا يتمها على خير ان شاء الله.
تمتم الرجل بالتحية لمسعود أمام نظرات الذهول التي لجمت سميرة وشقيقتها والعروس، أما إبراهيم فخرجت تحيته على مضض.
وتابعت شهد تشدد على كلماتها:
- أنا صحيح بميت راجل بس برضوا، لازم أعمل حساب لبكرة، الراجل بيقدر الراجل، ولا إيه يا حج عابد؟
قالت الأخيرة مفاجأة للرجل، والذي انتبه ليرد سريعًا:
- طبعًا يا بنتي كلامك موزون، والحج أبو ليلة مقامه فوق الراس، مع إن يعني مش مستاهلة، وإنتي بنفسك قولتي إننا أهل.
تدخل أبو ليلة للرد نيابة عنها:
- طبعًا أهل، وشهد متقصدتش غير كل خير، بس متأخذنيش يعني يا عم الحج، أصل أنا صعيدي والحاجات دي مرت علي كتير جوي، وشوفت ياما رجالة جليلة الأصل في نفس الظرف، يوم ما تحصل مشكلة بينه وبين مرته، بيجولها إيه، ياللي واخدك من يد مرته...
صعق أربعتهم، وهتف إبراهيم بانفعال وقد تغيرت ملامح المرح لأخرى غاضبة:
- ما تخلي بالك من كلامك يا عمنا، هو انت شايفني قلة؟
أخفت شهد ابتسامتها، لتتابع أبو ليلة وهو يرد بابتسامته متلاعبة:
- لا سمح الله يا راجل، مين بس قال الكلام ده؟ أنا بتكلم ع الناقصين، هو انت ناقص؟
جحظت عيني إبراهيم الذي أفحمته كلمات الآخر، وقال الحج عابد بلطف:
- خلاص يا جماعة سيبكم من الكلام ده، وخلونا نرجع للمهم، كملي يا شهد كلامك، إنتي قولتي إنك عايزة تمشي زي باقي الجوازات اللي حوالينا، تقصدي إيه بقى وضحي؟
بكف يدها التي رفعتها أمامهم، قالت بحسم:
- قبل كل حاجة يا عم الحج، أنا ليا شرط، هيتقال قدامك دلوقتي، وهيشهد عليه أبو ليلة.
- إيه هو الشرط؟
سألها عابد بتوجس، لتجيبه بنظرة متنقلة على فراد أسرته وأسرتها:
- شرطي يا عم الحج، إن مهما طالت مدة الخطوبة أو قصرت، معلش يعني، إبراهيم ملوش دخلة عندنا إلا في حضورك وبميعاد سابق مني...
توقفت على شهقات المرأتين ونظرة نارية من أمنية قبل أن تلتف على صيحة إبراهيم:
- نننعم! ليه بقى ان شاء الله؟ دي هتبقى خطيبتي، في حد ميشوفش ولا يتقابل مع خطيبته، في شرع مين دا بقى؟
بنظرة حازمة أشار له مسعود ليهدأ، وردت شهد بصرامة:
- دا ملهوش دعوة بشرع، البيت كله نسوان، وانت مهما كانت قرابتك، أنا مش هبديك عن الأصول، ونفس اللي حصل مع جوز أختها الكبيرة، هيحصل معاك.
هتف إبراهيم يجادل:
- دا راجل كان مسافر وجيه خطبها ع السريع في ظرف أسبوعين ومشي بيها بعد الفرح، لكن أنا ابن خالتها ولسة عايز فترة خطوبة.
مطت بشفتيها تقول ببساطة:
- والله انت حر، تقصر الخطوبة أو تمدها، براحتك، الأصول متزعلش حد، ولا انت زعلان يا عم الحج؟
وجهت الأخيرة لوالد إبراهيم، والذي رد يفاجأ زوجته وأمنية الساخطه هي ووالدتها:
- لا طبعًا متزعلش حد، وأنا معاكي في كل اللي تقوليه، عندك طلبات تانية يا ست البنات؟
زفر إبراهيم ينفث دخان من أنفه، بهذا الاستسلام السريع من والده، وتبادل مع والدته وأمنية النظرات المحتقنة، وقال ليسبق رد شهد:
- طب مدام كدة بقى يبقى احنا هنعجل بكل حاجة، وأولها الخطوبة، يعني بكرة ننزل نجيب الشبكة الصبح، وبالليل نعمل الليلة.
- بكرة فين؟ هو سلق بيض؟
هتفت بها شهد ليرد الآخر على الفور:
- ليه بقى يا ست شهد؟ إحنا جايين وجاهزين بتمن الشبكة، ولا انتي معندكيش مقدرة لليلة الخطوبة؟ إحنا ممكن نشيل على فكرة، دي بنت خالتي واتقالها بالدهب.
قالها وافتر ثغر أمنية ببلاهة ضاحكة، كظمت شهد غيظها ورد مسعود بحمائية عنها:
- عيب الكلام ده يا عم إبراهيم، إنت بتتكلم مع المقاول شهد على سن ورمح.
رد الحج عابد بلهجة لينة ماكرة:
- هو قاصده إنهم حبايب، وأهل، يعني مفيش فرق، وإحنا نقدر...
- أنا موافقة.
هتفت بها شهد مقاطعة تتابع:
- أنا موافقة على الخطوبة بكرة وهعمل ليلة ع الواسع كمان، في حاجة تاني يا عم إبراهيم؟
❈-❈-❈
في اليوم التالي
بعد ان تجهزت على الميعاد، خرجت صبا من منزلها صباحًا، كي تلتحق بهذه الوظيفة الجديدة بالفندق الذي ذكرت اسمه لها رحمة بالأمس والتي تصادفت برؤيتها فور أن خرجت من باب منزلهم:
- إيه ده؟ هو إنتي لسة يا بت مروحتيش على شغلك؟
هتفت بها المذكورة ممازحة وقد كانت خارجة من المصعد في طريقها نحو شقة والدتها وشقيقها.
ردت صبا بقلق وهي تنظر بالساعة الصغيرة التي تزين رسغها:
- ليه بجى؟ دي الساعة لسة مجتش تمانية، ولا عايزة تفهميني إنهم بيفتحوا على سبعة؟
قهقهت رحمة بضحكتها الرنانة قبل أن ترد وهي تتوقف أمامها وتوقفها:
- يا مجنونة بهزر معاكي، هو إنتي أي كلام كدة تصدقيه؟
استجابت لها صبا بابتسامة، ولكنها هتفت بالانفعال:
- مش حكاية أي كلام أصدقه، أنا بس متوترة وبصراحة أخوكي مجالش على ميعاد محدد أروح فيه.
قطبت رحمة لتسألها بدهشة:
- هو مقالش، يبقى انتي تسألي يا ماما.
رفعت صبا طرف شفتها لترد بعفوية:
- أسأل مين؟ هو انتي أخوكي دا بيديني فرصة أتكلم حتى، دا معجزة وحصلت امبارح إنه كلمني أساسًا.
سمعت رحمة لتناكفها:
- طب خليكي قد كلامك بقى، عشان هو ممكن يخرج دلوقتي ويقفشك، وساعتها تروح عليكي الوظيفة.
همست صبا تشير بسبابتها نحو باب المنزل:
- هو لسة ما راحش الشغل.
- لأ لسة ما راحش.
همست بها رحمة هي الأخرى كإجابة لتبرق عيني صبا بإجفال، وزمت شفتيها بابتسامة تلملمها قائلة وهي تحرك أقدامها للهرب سريعًا:
- طب أطير أنا بجى، قبل ما أخربها.
تابعتها رحمة ضاحكة حتى اختفت بداخل المصعد الذي هبط بها، تتمتم:
- يا مجنونة يا أم مخ طاقق.
- هي مين المجنونة ومخها طاقق؟
رددها شادي وهو يغلق باب الشقة التي خرج منه، ف ردت رحمة:
- دي صبا يا سيدي، أصلها كانت خايفة لتكون اتأخرت.
ابتلع ريقه الذي جف لمجرد سماع اسمها، بتوتر يكتنفه بشدة، ولا يدري إن كان ما فعله لعملها معه في مكان واحد خطأ هو أم صواب؟
❈-❈-❈
خرجت مودة من المبنى الذي تقطن به بخطوات مسرعة حتى وصلت لاهثة إلى صبا التي كانت تنتظرها بجوار مدخل المبنى مكتفة ذراعيها بغيظ:
- أديني وصلت أهو، إيه رأيك بقى؟
قالتها مودة لتهتف بها صبا بحنق:
- اخلصي اتحركي وخلينا نمشي، هو إحنا لسة هناخد رأي بعض في اللبس كمان؟
قالتها وأسرعت بخطواتها، والأخرى تلحق بها مرددة:
- طب قولي رأيك وبعد كدة اجري براحتك، هو الشغل هيطير يعني على الدقيقة دي؟
- التفت برأسها إليها تقول بحدة:
- بجالك ساعة بتلبسي قدام المراية، ولسة كمان عايزة تاخدي رأيي وتشوفي وتقارني، مدي رجلك يا مودة الله يخليكي، أنا على آخري.
التوى ثغر المذكورة بإحباط ازداد وهي ترى نظرات المارة والشباب في المنطقة والمصوبة جميعها نحو صبا التي تتقدمها بخطوات عسكرية متجاهلة بثقة ومستمرة في طريقها، تصل إلى اسماعها الهمهمات المتغزلة بها:
- يا بطل، إيه الحلاوة اللي هلت علينا ونورت الشارع دي؟
غغمغت مودة بداخلها:
- طبعًا عندك حق تبقى عصبية وميهمكيش، مدام بتسرقي النظرة ليكي من غير مجهود ولا تعب، حتى لو كنتي لابسة شوال.
❈-❈-❈
في موقع العمل الذي وصل إليه باكرًا هذا اليوم، ولا يعلم السبب الذي دفعه لذلك، رغم عمله بموقع آخر أشد أهمية، ويحتاج تركيز أكبر، ولكن قدميه هي من قادته، لمح بعينيه طيفها، فور أن ترجل من سيارته، وسط العمال تلقي خطتها حول أمر ما قبل أن ينصرفوا وظل عبد الرحيم مساعدها فقط، والذي انتبه عليه ليردف مهللًا فور أن رآه:
- بشمهندس حسن، صباح الفل يا باشا.
ردد حسن له التحية قبل أن يوجه خطابه نحو شهد:
- عاملة إيه النهاردة يا سيادة المقاول؟ يارب تكوني كويسة.
- حمد لله أحسن بكتير.
قالتها وهي توميء له برأسها قبل أن تصرف مساعدها:
- طب روح انت دلوقتي يا عبد الرحيم، بالمكنة بتاعتك، وهات الفطار للعمال.
- هوا.
قالها الأخير وتحرك سريعًا نحو دراجته البخارية، ثم التفت هي نحو حسن تخاطبه بحرج شديد وعينيها تهرب من مواجهته:
- أنا كنت عايزة أشكرك، على موقفك معايا...
- موقف إيه؟
سألها مقاطعًا ليزيد من حرجها في الرد:
- يا بشمهندس أنا قصدي ع التوصيلة، دا غير إني نمت معاك في العربية وو....
تبسم بتسلية وهو يشاهد هذا الجانب الأنثوي منها في الخجل، والدماء التي ضخت فجأة بوجنتيها، وقد زاد عليها ضياء الشمس، بشكل فضح توترها، فقال مستمتعًا بمناكفتها:
- قصدك يعني لما نمتي بمجرد ما حطيتي رأسك ع الكرسي، ومن قبل حتى ما نوصل لعنوان صاحبتك ولا تكملي ربع الساعة في المشوار؟
توقفت الكلمات بحلقها وتحول الخجل للغيظ الشديد:
- آه زي ما انت بتقول كدة، بس أنا في يوميها كنت تعبانة جدًا على فكرة، ولا انت مخدتش بالك ساعة ما اتكرمت عشان تسوق بدالي؟
رد بمكر:
- لا طبعًا خدت بالي، ولا انتي فاكرة إني بتريق مثلًا؟ أنا بس كنت بطمن.
ردت بابتسامة صفراء:
- لا اطمن.
- يعني دا السبب اللي خلاكي غيبتي امبارح؟
اومأت برأسها دون صوت، فتابع يسألها:
- طب واختك بقى اللي حاولت تنتحر دي...
قاطعته مصححة:
- مكنش انتحار، دا مجرد جرح عادي وحمد لله عدت.
- عدت.
- اَه عدت.
- أممم، أصل عبد الرحيم كان بيقول......
- عبد الرحيم دا مخه ضارب وكان فاهم غلط على فكرة.
قالتها مقاطعة للمرة الثانية، وزادت في محاولة تصديقها:
- دي حتى النهاردة خطوبتها.
- خطوبتها!!
- والله زي ما بقولك كدة، دا لولا إني خفت ع التأخير، مكنت جيت بنفسي النهاردة وانا ورايا هم ما يتلم في التجهيزات لليلة الشبكة.
قال أخيرًا يريحها:
- الف مبروك، ربنا يتمم بخير.
- الله يبارك فيك.
قالتها ثم تابعت تساله:
- طب انت دلوقتي عندك تفسير ولا أي ملحوظة تقولي عنها، قبل ما أمشي وأسيب الموقع؟
ألقى بنظرة سريعة نحو المبنى الذي أتم العمال نصفه، قبل أن يعود إليها مجيبًا بابتسامة رائعة:
- لا يا ستي مش محتاج حاجة، بس انتي مش ملاحظة حاجة؟
ناظرته باستفهام يجيبها:
- قصدي إنك جبت سيرة الفرح، ومعزمتنيش يا سيادة المقاول.
ردت بابتسامة صادقة يشملها الحرج، قبل أن تتحرك من جواره لتذهب:
- أكيد حضرتك مش محتاج عزومة، يعني لو حبيت تيجي، عبد الرحيم يجيبك بكل سهولة.
ظل محله يراقبها وهي تنصرف مغادرة في الذهاب نحو سيارتها التي اصطفتها بجوار عدة سيارات أخرى في المكان المخصص لها، رغم ارتدائها الملابس الرجالية الواسعة، والهيئة العصبية لها دائمًا في التعامل مع البشر، إنما هي أنثى غصب عن أنفها بخطواتها وطريقة سيرها، احمرار وجنتيها التي فضحت خجلها منذ قليل، رقتها المدفونة تحت خشونة الطبع الذي تدعيه زورًا.
انتفض فجأة على دوي صوت الهاتف بجيب بنطاله، بنغمة مخصصة لوالدته الحبيبة، والتي أجابها على الفور بقلق:
- أيوه يا أمي في حاجة؟
جاءه صوتها الهادئ:
- لا اسم الله عليك يا حبيبي، مفيش حاجة، دا أنا بتصل بس عشان أطمن عليك.
رد يجيبها باستغراب وهو يتحرك نحو الجزء الذي أتم بناءه العمال حديثًا، ليرى مطابقته للمواصفات والتصميم بالفعل أم لا:
- تطمني عليا وأنا خارج من عندك في أقل من ساعة! في إيه يا ست الكل؟ دي مش عوايدك!
دوى صوت ضحكتها على أسماعه قبل أن تقول بكذب مكشوف:
- خلاص يا سيدي، أنا بس لقيت نفسي فاضية وقولت أتصل أغيك شوية، فيها حاجة دي؟
- لا يا ست الكل مفيهاش حاجة، ارغي براحتك.
أتاها ترحيبه، كإشارة مشجعة لتنطق:
- كدة طب قولي، هو انت قاعد فين دلوقتي؟ عند المقاول أبو كرش التخين، ولا المقاول الست شهد اللي عاملة نفسها راجل؟
- يا نهار أسود.
تمتم منتفضًا وهو يلتفت نحو العمال القريبين منه بقلق، يخشى أن يصل إليهم الصوت، فقال هامسًا، بعد أن ابتعد عنهم بمسافة كافية:
- إيه اللي بتقوليه دا يا ماما؟ إنتي عايزة تشبكيني مع عمالها ورجالتها.
- يعني انت موجود هناك!
قالتها وجلجلت بضحكة رنانة في أذنه، زادت من توتره، قبل أن تقول بتسلية:
- طب أوصفلي شكلها بقى، وهي لابسة إيه؟ نفس اللبس الواسع برضو ولا غيرته؟
عض على قبضة يده بعد أن أعطى ظهره للعمال، ليقول من تحت أسنانه:
- يا ماما الكلام ده مينفعش، أنا محبش أركز مع حد من الأساس خصوصًا لو ست، وعلى فكرة بقى وعشان تريحي مخك، هي أساسًا مش موجودة عشان النهاردة عندها خطوبة وشبكة أختها.
- شبكة أختها!
تمتمت بها قبل أن تهتف باستدراك:
- مدام قالتلك، يبقى أكيد عزمتك يا بشمهندس!... حلو أوي وقالتلك إمتى بقى؟
ضرب بكفه على جبهته يغمغم بقلة حيلة:
- أنا اللي أستاهل، أنا اللي جبته لنفسي يوم ما قولتلك يا مجيدة.
وكان الرد منها هو ضحكة مجلجلة أخرى، وتصميم على معرفة كل شيء بحديث متواصل.
❈-❈-❈
في بهو الفندق الضخم، والذي كان يضج بحركة الرواد والمقيمين به والموظفين، بواقع لحياة مستمرة ولا تتوقف، كان هو واقفًا بتحفز، يتنقل بالنظر من الساعة إلى المدخل الزجاجي، يزفر بتأفف وضيق، لقد خرجت قبل أن يخرج هو، وصل وأكمل لقرابة الساعة، وهي لم تصل، إذن ماذا حدث؟ هكذا من أول يوم تأخير وقلق عليها، ألا يكفي تقبله لحمل توظيفها للعمل في الفندق، حتى يذوب قلبه من الخوف الآن لمسافة الطريق أيضًا.
- استغفر الله العظيم يارب.
تمتم بها يمسح بأنامله على طرف فكه بتوتر يشل تفكيره.
توقف وارتفعت عينه فجأة على دخولها بعد أن ولجت بصحبة الفتاة جارتهم والتي ذكرت اسمها إليه بالأمس، تجمد بغيظ وتسمر محله يناظرهن بأعين غاضبة، انتبهت عليها فور أن وقعت عينيها عليه، لتقترب منه بخطوات مثقلة تردف التحية:
- صباح الخير.
- صباح الخير يا أستاذ شادي.
رددت من خلفها مودة ولكنه لم ينتبه لها، وخرج قوله بجمود نحو صبا:
- صباح النور اتأخرتي ليه؟
ارتكبت لتجيب مطرقة برأسها باضطراب وصوتها الهامس الذي يزلزل كيانه في كل مرة:
- المواصلات، ما انت عارف الفندق هنا بعيد عن المنطقة بتاعتنا، واضطرينا ناخد كذا مواصلة.
تدخلت مودة هي الأخرى مرددة تفيقه:
- اَه والله يا أستاذ شادي، كذا مواصلة.
التفت انظاره نحو مودة بحدة أجفلتها قبل أن يتحمحم، يخاطبهن بخشونة:
- طب خلاص، ع العموم المشكلة دي هتتحل إن شاء، بأتوبيس الفندق.
- صحيح يا أستاذ شادي، يعني إحنا كدة اتوظفنا؟
هتفت بها مودة بلهفة، فقال يجيبها بامتعاض:
- قولي ان شاء الله، وتعالوا ورايا عند المدير المسؤول.
قالها وتحرك يسبقهن بخطواته الواسعة، وهن خلفه يجاهدن للحاق به.
❈-❈-❈
أمام المدير المسؤول الذي امسك بالملفات يتطلع بها وإلى الفتيات، فتركزت أنظاره على صبا، ليقول بإعجاب:
- ما شاء الله يا صبا، دا انتي تنفعي استقبال بقى.
قبل أن ترد سبقها الآخر بلهجة حازمة:
- أنا قايل من الأول إنها هتبقى معايا في قسم التموين، يعني امضي يا حمدي من غير مناكفة.
أجفل الرجل من حدته حتى تعقد حاجبيه باستغراب، قطعته مودة بقولها:
- خلاص يبقى وظفني أنا يا باشا، في الاستقبال.
طالعها الرجل بنظرة مقيمة سريعة، من منبت شعرها البني وحتى ملابسها المتواضعة، على قدها الرشيق وقصر قامتها، فبدا الرد جليًا على ملامح وجهه الممتعضة وهو يقول لها:
- لا خلاص بقى، انتي هتبقي في خدمة الغرف.
- خدمة الغرف!
قالتها مودة بصدمة أصابت صبا أيضًا، ورد الرجل:
- يا أخونا دي شهادة متوسطة، عايزينها تتوظف في إيه بس؟ مش زي صبا، تجارة إنجليزي، دا غير إنها.....
قطع باقي جملته وقد انتبه على النظرة النارية التي حدجه بها شادي والذي قال بعصبية ونفاد صبر:
- خلاص يا حمدي خلصنا بقى.
ارتبك يجيبه:
- حاضر خلاص والله، بس أعرف الرأي الأخير للآنسة، هاي رسيتي على إيه؟
توجه بالاَخيرة نحو مودة والتي ابتلعت خيبة أملها، لترد بإحباط:
- خلاص موافقة، ما انت قولت بنفسك، مؤهل متوسط...
سمع منها الرجل ليتمتم وهو يتناول القلم حتى يخط على قرار تعيينهم:
- تمام أوي، يبقى كدة صبا هتروح مع شادي وانتي بقى هتروحي على غرفة الملابس وتلبسي اليونيفورم بتاعك، على ما أبلغ أنا الريسة بتاعتك واللي هتوججهك للعمل بتاعك.... وادي الإمضة.
❈-❈-❈
في جناحه الخاص في الطابق الثاني من الفندق، وقفت أمام المرأة بعد أن انتهت من ارتداء ملابسها، بقلم الحمرة كانت تزيد على شفتيها، بمبالغة اعتادت عليها، ثم استقامت لتعدل على الجيبة الضيقة، والسترة المفتوحة لتغلق أزرارها حتى تقارب هيئتها ولو قليلًا النظام السائد لعاملات الفندق، شعرها العسلي بفعل الصبغة، كانت تنثر في خصلاته الطويلة.
- كل ده وانتي لسة مخلصتيش يا ميرنا؟
هتف بها عدي وهو خارج من حمام الجناح بالمئزر القطني الأبيض، يجفف بالمنشفة على شعر رأسه المبلل، والتفت له هي قائلة بلهفة وميوعة:
- الله يا باشا، مش لازم برضوا أطلع كدة بهيئة تشرف، ولا انت عايز الخوجات يقولوا إن بنات الفندق هنا سكة وأي كلام؟
ضحك بصوته العالي، ليتناول فرشاة الشعر خاصته، كي يمشط بها وهو يقول بمرح غامزًا بعينيه:
- أكتر من كدة، يا شيخة دا انتي مش عاتقة بريطاني ولا سويدي حتى، بتجيبي الوقت والصحة منين بس؟
ردت بضحكة مائعة:
- العملة الصعبة، العملة الصعبة تحيي النفس وتدي طاقة.. بس إيه بقى؟ مفيش في القلب غيرك يا باشا.
مال برأسه إليها بابتسامة ساخرة ونظرة كاشفة يرد بلهجة حازمة:
- ماشي يا ميرنا، نعديها دي، اطلعي وشوفي شغلك، انتي متأخرة ييجي ساعة دلوقتي.
استجابت لتتحرك سريعًا نحو باب الغرفة، وفور أن تمسكت بمقبض الباب، ألقت إليه بقبلة على الهواء من فوق كفها المفرود، ثم غادرت.
واستدار هو ليتناول هاتفه، كي يتصل بشريكه، والذي لم ينظر كثيرًا حتى أجابه:
- عدي باشا، انتي فين يا عم؟ مش باين من الصبح؟
ضحك المذكور وهو يجلس على طرف التخت، ليرد:
- اطمن يا كارم، مسافرتش ولا سبتك زي المرة اللي فاتت، أنا بس اتخقنت من القنعرة التركي، روحت سيبتها وجيت ع الفندق، في الجناح بتاعي ونمت فيه.
- وروقت نفسك.
قالها كارم بفراسته المعتادة، وضحك الآخر مرددًا:
- وروقت نفسي يا سيدي، ما انت عارفني مطيقش النكد.
هتف كارم من الجهة الأخرى:
- يا حبيبي، طب شد حيلك وتعالى بسرعة، خلينا نشوف أمر المناقصة اللي كلمتك عنها امبارح، عايزين نسبق.
- أوكي تمام، مش هتأخر، بس أشوف مصطفى الأول، وأشوف جدولي معاه في المجموعة.
أنهى المكالمة، ليلقي نظرة على سجل الاتصالات، فوجد عدد من مكالمات أخيه، ولم يجد واحدًا من زوجته، غمغم بالسباب وهو يتطلع لصورتها يخاطبها:
- ماشي يا بنت ال.... خلي القنعرة اللي رسماها عليا تنفعك، ولا تفتكري إني هعبرك أصلًا، بلا قرف.
❈-❈-❈
على مكتبها الجديد، وعلى الحاسوب المخصص لها، كانت تراجع على الميزانية والخطط المعدة لبعض الأنشطة، والمصروفات وعدة أشياء أخرى لا حصر لها، لا تصدق أنها سوف تنتهي منها في هذا اليوم، وقد تركها بعد أن أعطى لها المهام، وقد تركتها صديقتها مودة هي الأخرى ولا تعلم عنها شيء الآن في عملها الجديد.
حركت برأسها يمينًا ويسارًا لتدلك بكفها على رقبتها.
- إيه تعبتي؟
قالها شادي وهو يلج لداخل الغرفة بخطواته المسرعة كالعادة، انتظرته حتى جلس على مكتبه لترد بحرج:
- مش لدرجة التعب يعني، بس هي رقبتي، حاجة مش مستاهلة يعني.
ضيق عينيه باستدراك فجأة ليسألها:
- هو انت بتتكلمي صعيدي ولا بحري يا صبا؟
- بحري، أنا بتكلم بلغة البلد هنا.
قالتها بعفوية لتجده يقارعها بقوله:
- بس أنا سمعتك امبارح بتتكلمي مع رحمة وتاخدي وتدي معاها بالصعيدي، بالظبط زي ما سمعتك قبل كدة بتتكلمي مع والدتك.
خجلت بشدة وخرج صوتها الهامس بتقطع تقول:
- لا ما أنا... مش بتكلم صعيدي غير... مع الناس اللي أعرفهم وأخد عليهم، هي بتيجي معايا كدة.
قالها لترفع عينيها إليه فتقابلت مع سوداوتيه، وقد تجمد بالنظر إليها، كالمسحور، يجذبه كل شيء منها، خجلها، البراءة التي تشع منها، الجمال الرباني وهذه العينان التي اختلط لونها ما بين الأخضر والبندقي، ليزيد على هالتها انجذابًا.
- هي مودة شغالة فين دلوقتي؟ أصل بصراحة عايزة أطمن عليها.
قالتها لينتبه إليها، فقد بدا لها كالتمثال، شعر بنفسه وتحمحم ليُجيبها، وهو يلقي نظرة سريعًا في الملف الذي أمامه قبل أن يدون على شاشة الحاسوب بعض المعلومات به:
- الريسة بتاعة مودة ست راقية ومحترمة، اطمني.
- طب كويس.
تمتمت بها قبل ان تجيب على هاتفها الذي دوى باتصال من والدتها:
- أيوه يا أمي........ انتي وأبويا؟........ طب مش كنتي تستنيني قبل ما تمشي...
بدون إرادته، توقف عما يفعله واسترق السمع لتلفظها بلهجة الجنوب وطريقة نطقها بصوتها الرقيق في الحديث مع والدتها، حمد ربه أنها تخفيها للأقرباء فقط، حتى لا تزيد على سحرها بالصوت أيضًا، وهو لا ينقصه.
استغفر ليعود لعمله، ولكنها أجفلته بقولها:
- هو ميعاد الانصراف إمتى؟
- ميعاد الانصراف مش باقي عليه كتير، كلها ساعة ولا ساعتين وتروحي، بتسألي ليه؟
تبسمت تجيبه وهي تعود لحاسوبها:
- أصل طلع عندنا خطوبة، فجأة كدة.
توقف ليلتفت لها ويسألها بحدة هاتفًا:
- خطوبة مين؟
تعقد جبينها بدهشة من هيئته:
- خطوبة أخت شهد، بنت صاحب أبويا وفي مقام بنته.
أومأ رأسه يتنهد بارتياح نسبي، ليشيح رأسه عنها باضطراب أصابه لمجرد الفكرة، وهو الأعلم باستحالة ما يتمناه، إذن لما هذا العذاب الذي يعيشه بقربها وهو يعلم بالنهاية المحتومة؟
تنهد من عمق ما يشعر به من يأس ليتمتم داخله ببؤس:
- صبرني يارب.
رواية و بها متيم انا الفصل السابع 7 - بقلم امل نصر
في الشارع الذي تزين بالأنوار المبهجة، بنصبة كبيرة وضع بداخلها عدد هائل من الكراسي للمدعوين، وسماعات الدي جي التي احتلت الأركان وبعض الزوايا، ثم الدي جي نفسه بالقرب من منصة العرسان التي صممت بارتفاع لتصبح على مستوى نظر الجميع.
ألقت شهد نظرة أخيرة ثم التفت بانتباه نحو مساعدها تسأله:
- عبد الرحيم، إحنا نسينا البوفيه صحيح؟
سمع منها المذكور ليستدرك ضاربًا بكفه على جبهة رأسه قائلًا:
- يا نهار أبيض، دي فاتت علينا؟
زفرت متخصرة تردد بنزق:
- هي دي بس اللي فاتت علينا؟ إحنا كل شوية نفتكر حاجة جديدة كنا نسيينها، أنا مش عارفة إمتى اليوم ده يخلص بقى؟
اقترب عبد الرحيم يقول بضيق:
- ما هو دا الطبيعي يا ست شهد، أمور السربعة وكل حاجة تتم في يوم وليلة دي، هي السبب، دا غير إننا كنا شغالين الصبح، يعني كان لازم تأجلي الخطوبة ليوم إجازة، إن شاء الله حتى الجمعة.
ناظرته بامتعاض ثم التفت تتنهد بتعب وعينيها ترتفع للسماء مغمغمة:
- ويعني أنا كان بخاطري، دا أنا لو عليا ألغيها دلوقتي ومن قبل ما تبتدي حتى، بس أعمل إيه؟ يالا بقى...
- بتقولي حاجة يا ست شهد؟
هتف بها عبد الرحيم والتفت إليه تأمره بعملية:
- ما بقولش حاجة، المهم دلوقتي بقى، عايزة أتصل بعبيد اللي بيعمل شاي ومشروبات عندنا في الموقع، وخليه يشوف حد لو يعرف، وإن كان هو يرضى، يبقى يجيب عدته وأنا هرضيه باللي يقول عليه.
- تمام يا برنسيسة.
تفوه بها عبد الرحيم واستدار مغادرًا على دراجته البخارية يردد:
- أنا هروحه بنفسي، أفهمه الوضع على الأرض عشان يعمل حسابه.
نظرت في أثره، ثم التفت بعدها إلى عمها مسعود أبو ليلة والذي كان يتحدث بحدة مع الرجل صاحب الفراشة، ويجادله بحنكة ثمن الليلة.
تتطالعه بنظرة ممتنة وابتسامة ببعض الارتياح، فلولاه ولولا عبد الرحيم مساعدها ما كانت انتهت من نصف التجهيزات. تعلم أنها كفاءة لتقضي كل شيء وحدها، ولكن المساعدة وخصوصًا من المخلصين، تسهل على الفرد الكثير وتقصر المسافات.
التفت تتجه نحو منزلها لتلقي نظرة أيضًا على المطبخ وما يعد فيه من طعام.
دلفت للمنزل الممتلئ بنساء الجيران والأقارب، تلقي التحية بعجالة، لتجنب كلماتهم والتهنئة المغموسة بنظرات الشفقة والتلميحات الخبيثة، عن وضعها كشقيقة كبرى، تقوم بعمل خطبة شقيقتها الثانية في الترتيب بعدها.
- الله ينور عليكم.
قالتها بخطوات مسرعة، وردت النساء بعدها كل واحدة بجملتها:
- الله ينور عليكي يا شهد... عقبالك يا حبيبتي لما نفرح لك... ربنا يتمم بخير يارب، وتبقي الدور اللي بعده...
ضغطت لتتحمل التعليقات وما يتبعها من همهمات، حتى وصلت إلى المطبخ لتجد نرجس زوجة أبيها وقد دبت فيها روح الحماس وتتنقل في المساحة الضيقة، لتساعد زبيدة زوجة أبو ليلة، والتي كانت واقفة على الموقد الغازي، لإعداد أجمل الأصناف من يدها. ناكفتها شهد بقولها:
- أيوه بقى حبشي إنتي في الأكل وسمعي بالروايح الحلوة في قلب الشارع وافضحينا.
ضحكت زبيدة تعقب على قولها:
- وأفضحك ليه بقى؟ هو انت بخيلة يا بت؟
هتفت شهد بدفاعية:
- لا والله ما بخيلة، أنا بس جيوبي فاضية، وأخاف بقى لا الناس تهجم من الجيران ولا المدعوين على الريحة اللي تهبل دي مع أهل العريس، وساعتها تبقي وقعة وأنا بس عايزاها تمشي الستر.
رددت خلفها زبيدة بتمني:
- إن شاء الله ربنا يسترها، بس انتي متحمليش هم.
تدخلت نرجس تقول خلفها:
- وتحمل هم ليه؟ دي كل حاجة جايبها بزيادة، وخير ربنا كتير مع أنها أساسًا مكنتش محتاجة، دا إحنا أهل وقرايب في بعض.
اتجهت إليها شهد تخاطبها بوجه جامد وكلمات ذات مغزى:
- أنا مقصرش في واجب عليا أبدًا، حتى لو كنا أهل وقرايب زي ما بتقولي.
ابتعلت نرجس باقي كلماتها بحرج، لتعود شهد لزبيدة هذه المرة تسألها:
- هي البت صبا مجاتش معاكي ولا إيه؟ فينها مش سمعالها حس؟
أجابت زبيدة بابتسامة ساخرة:
- تسمعي ولا تشوفي مين؟ هي الجلعانة دي ليها في المطبخ ولا تعرف تطبخ أساسًا؟ روحي أوضتك هتلاقيها هناك.
- أوضتي!
هتفت بها متصنعة الصدمة لتغمغم بغيظ وهي تغادر وتتركهم:
- أغيب ساعتين ألاقي ست صبا احتلت أوضتي، دا إيه الكلام الفارغ ده؟
***
فتحت شهد باب الغرفة بغتة بقصد حتى تجفل صبا، مع هتافها:
- بتعملي إيه في أوضتي يا بت انتي؟
انتفضت صبا بجلستها أمام المرآة مرددة:
- بسم الله الرحمن الرحيم، بيطلعوا إمتى دول؟
صفقت شهد الباب خلفها لتقول بابتسامة شريرة:
- بيحضروا معايا دايمًا يا روحي.
تمالكت صبا بغبطة تنهض لتعانق شهد بشوق تلقفته الأخيرة بكل ترحاب وهي تشدد عليها مرددة بمزاحها المعتاد:
- يا مرحب بالندالة وقلة الأصل، وحشتيني يا بت.
قهقهت صبا تعقب على قولها:
- طب لزومها إيه وحشتيني دي بعد ما طلعتيني ندلة وجليلة الأصل كمان؟
لكزتها الأخرى بخفة تدعي الغضب، رغم مخاطبتها بعتاب الأحباب:
- أيوه ندلة وقليلة أصل كمان، لما تقعدي المدة دي كلها متسأليش عليا بكلمة ولا باتصال.
ردت صبا بابتسامة متوسعة تجيبها:
- والله بسأل عليكي أبويا دايمًا، وبعرف منه كل أخبارك، ولو على التليفون، بصراحة بقى أنا كنت بتكسف أتصل وأصدعك بمشاكلي وأنا عارفاكي وعارفة مشاغلك الكتير، الله يكون في عونك.
رددت خلفها لتسألها:
- ويكون في عونك انتي كمان يا ستي، المهم بقى، مشاكل إيه تاني؟ هو أبوكي رجع يزن عليكي في موضوع الجواز من تاني ويرفض الشغل، دا أنا خدت منه وعد.
نفت لها على الفور:
- لا لا طبعًا، ما انتي عارفة إنه ما يرجعش في كلمة قالها، أنا مشكلتي نفسها في الشغل نفسه، مكنتش لاقية الشغل لحد ما ربنا حلها واشتغلت أخيرًا، والنهاردة كان أول يوم ليا، في فندق كبير جوي في البلد.
قالت الأخيرة بانتعاش وهي تتلاعب في خصلات شعرها من الجانبين.
طالعتها شهد بانبهار لتسألها وهي تجلس على طرف تحتها وتخلع عنها قدميها الحذاء:
- يا مشاء الله، ودا بواسطة ولا كده بمجهودك؟
- مجهودي!
هتفت بها لتتابع وهي تعود إلى مراَتها:
- هو إحنا بلدنا دي فيها حاجة بالمجهود؟ كله بالواسطة يا حبيبتي، وأنا الحمد كانت واسطتي ربنا، إنه سبب الأسباب وخلى جارتنا تعرف حكايتي وتكلم أخوها اللي شغال هناك.
تمتمت خلفها شهد بتصديق:
- على رأيك فعلًا، إحنا ملناش غير ربنا...
قالتها وانتفضت مردفة:
- استني هنا عندك، هو أبوكي يا بنت إنتي مش منبه عليكي، مفيش مكياج خالص؟
صبا والتي أمسكت قلم الحمرة تلوح به أمامها تهتف بغيظ:
- هو فين المكياج ده بس قوليلي؟ دا قلم لون الشفايف، وكريم الأساس...
قارعتها شهد وكأنها أمسكت بالدليل:
- وعنيكي الحلوة المرسومة دي؟ هتجنني أبوكي يخرب بيتك.
نظرت صبا لما تشير نحوه الأخرى في المرآة، لتعود إليها وتقول ببؤس:
- حتى الكحلة كمان بقت مكياج؟ في إيه يا جدعان؟ دا إحنا النهاردة فرح.
هزهزت شهد رأسها تجيبها بقلة حيلة:
- طب وأنا أعملك إيه يا ماما؟ ما انتي اللي بتجيبي المشاكل لأبوكي وهو الرجل عنده حق صراحة في تحكماته، المهم بقى انجزي، كلها نص ساعة ويطب عرايس الهنا. هروح أنا أغير بأي حاجة..
- استني عندك.
هتفت بها صبا توقفها، ثم جذبتها من كفها لتجلسها محلها، لتتابع:
- عايزة تروحي تلبسي فستانك من قبل ما أمكيجك.
رفعت لها شفة مستنكرة لتقول باستخفاف:
- يعني إيه؟ لهو انتي فاكراني يا قمر إن أنا مستحملة أحط لنفسي، عشان تجيني مرارة استحملك انتي تلعبي في وشي، أوعي يا بت.
قالت الأخيرة وهي تحاول أن تنهض، ولكن صبا منعتها تشدد بقبضتيها على كتفيها قائمة بحزم:
- أنا مش هلعب في وشك، دي بس حاجة ع الخفيف، عشان تبقي حلوة ومنورة، ولا انتي ناسيه إنك حلوة صح؟
سمعت شهد لتلتف وتنظر لانعكاس وجهها بخجل، فكلمات الغزل ومشاعر الأنثى التي تكبتها بداخلها، جعلتها تخشى النظر إلى نفسها، حتى لا تتذكر حالها، وتتذكر ما منعته على نفسها منذ سنوات، بغرض الحفاظ على إرث والدها والتضحية لأجل أشخاص لا يستحقون التضحية، فخرج صوتها بضعف:
- حلوة ولا عادية حتى، مش فارقة.
تبسمت صبا وهي تنزع رباط الرأس من الخلف، لتطلق شعرها الحريري الأسود خلف ظهرها، وحول وجهها لتردد:
- لا والله حلوة، وحلوة جوي كمان، وأنا مش هسيبك النهاردة غير لما أظهر الحلاوة الرباني لملامحك. يعني مش هكحل ولا أحطلك في الألوان.
قالت شهد باعتراض واهي وقد أثرت بها كلمات الأخرى:
- يا بنتي وفايدته إيه بس؟
تناولت صبا علبة كريم الأساس لتجيبها:
- من غير فايدة ولا عايدة حتى، أنا بس عايزة أتحسي بنفسك وبجمالك، فيها حاجة دي؟
توقفت تغمغم داخلها:
- والنعمة لا أخليكي أحلى من العروسة نفسها.
***
ولج لداخل المنزل، بعد أن أنهى عمله متأخرًا هذا اليوم، بعد اجتماعه مع أحد اللجان المسؤولة عن موقعه الجديد، ليُجفل على صيحة من غرفة المعيشة:
- أخيرًا جيت يا حسن؟ ما كنت كملت اليوم برا أحسن؟
قطب باستغراب لهذا الاستقبال الغير معتاد من والدته قبل أن يخطو نحوها بالغرفة التي كانت جالسة بها، وتشاهد على شاشة التلفاز أحد المسلسلات ليسألها بدهشة:
- ليه يا ماما الزعيق وابات برا؟ أنا متأخرتش أساسًا، دا إحنا يدوب العشا.
هتفت مجيدة تردد بغيظ:
- لا اتأخرت يا حبيبي، عشان الميعاد اللي اتفقنا عليه ولا انت نسيت إن عندك مشوار خطوبة عند المقاول بتاعك؟
مالت رأسه إليها يرفرف بأهدابه ويحاول الاستيعاب قبل يسقط بجسده بجوارها ليسألها:
- وانتي مين قالك إني رايح خطوبة أخت المقاول؟ ثم تعالي هنا صحيح، انتي إزاي بتقولي اتفقنا؟ هو أنا اتفقت على حاجة معاكي يا ماما؟
هتفت مجيدة بكذب مفضوح:
- أيوه انت اللي قولت، لما حكيت معاك الصبح، وانت بنفسك اللي قولتلي إن الست هي اللي نبهت عليك عشان تيجي على فرح أختها، مش أنا قولتلك ساعتها، عيب عليك يا حسن، ولازم تقدر وتعمل الواجب.
بهت وظل فمه مفتوحًا وهو يستعيد برأسه حديث الصباح معها عبر الهاتف، والذي استمر لمدة طويلة من الوقت.
ولكنه انتبه فجأة على خروج شقيقه من المطبخ، يحمل فنجانًا كبيرًا يخرج منه الدخان لمشروبه، فقال بتسلية ومشاكسة في حسن:
- ساكت ليه ومبلم؟ دي ماما بقالها ساعة بتضرب كف على كف من تأخيرك، وإحراجها قدام الناس.
صرخ به حسن يردد:
- إحراج مين يا عم انت كمان؟ هما يعرفوها أساسًا؟
صاحت به مجيدة بمكر تربكه:
- ما يعرفونيش أنا، بس يعرفوك انت يا حبيبي، بتقول فرح شعبي وفي الشارع، أنا بقى نفسي أتفرج على حاجة مختلفة زي دي، أنا اتخنقت ونفسي أفك عن نفسي، اتخنقت يا ناس.
وجهت الأخيرة نحو أمين الذي صاح بدوره نحو أخيه:
- بتقولك إنها اتخنقت، إيه يا بني آدم انت معندكش إحساس ولا دم تحققلها رغبتها؟
طالعه حسن بغيظ، وزاد عليه الآخر بتلاعب حاجبيه، وقالت مجيدة بنفاذ صبر:
- انت هتفضل متنح لأخوك كده اليوم كله؟ ما تخلصني بقى، أنا عايزة ألحق أغير هدومي.
- وكمان هتغيري؟
قالها حسن بعدم تصديق، وهتف به أمين مستمتعًا باستفزازه:
- أمال يعني هتروح بعباية البيت؟ في إيه يا بني أدم انت؟
توقف برهة يكتم ضحكته على هيئة الآخر والذي يخرج دخانًا من أذنيه وأنفه، ليهدر بوالدته:
- قومي يا ماما البسي اللي انتي عايزة تلبسيه، والولد ده غصب عنه ياخدك، انتي لازم تفكي عن نفسك.
تبسمت مجيدة وهي تنهض لتفعل قائلة:
- وانت كمان يا حبيبي قوم معانا.
أجفل أمين ليسألها بعدم استيعاب:
- نعم يا ماما، وأنا أروح معاكم ليه؟
ردت على عجالة حازمة قبل أن تخرج وتغادر:
- عشان توصلنا بعربيتك يا حبيبي، أخوك عربيته مهكعة ومفيهاش تكييف، لكن عربيتك انت تفرق من كله، أخلص يا ولد انت وهو عشان تجهزوا.
التف رأس أمين نحو شقيقه يناظره بصدمة، أضحكت الآخر، فقال يرد له المشاكسة:
- ما تقوم يا حلو عشان توصلها بعربيتك اللي فيها تكييف، قووم.
***
دوى صوت الهاتف فجأة ليجفل شهد منتفضة عن مقعدها تقول:
- يا نهار أبيض رؤى بتتصل تاني، يبقى أكيد داخلين على المنطقة.
ردت صبا وهي تعدل بحجابها بتركيز أمام المرآة:
- طب وإيه يعني؟ ما انتي لابسة وجاهزة اه.
تنفست بتوتر تبتلع ريقها الجاف وهي تعيد للمرة الألف على هيئتها، لتردد باضطراب:
- لابسة وجاهزة اه، بس حاسة نفسي غريبة.
التفت إليها صبا تشاكسها بمرح:
- غريبة برضو؟ ولا خايفة من العين؟ إيه يا ست شهد هو انتي مش شايفة نفسك؟ دا انتي قمر.
- جمر!
رددتها شهد لتتابع بابتسامة ضعيفة:
- بصراحة أنا شايفة نفسي غريبة بالفستان الغريب ده اللي لبستهوني، ولا المكياج وتسريحة الشعر، أنا المقاول شهد يا بت انتي.
ضحكت صبا تناكفها والأخرى تزداد غيظًا، حتى استمعن لطرق على باب الغرفة، لتلج منه زبيدة، والتي ما أن رأت شهد أطلقت زغرودة كبيرة، جعلت نرجس تلج من خلفها لتقف مبهوتة أمام كالتمثال بدون صوت أو حركة، والأخرى تردد:
- بسم الله ماشاء الله الله أكبر في كل من شافك ولا صلاش على النبي.
تمتمت بالصلاة على الحبيب الفتاتين قبل تقول شهد بحرج:
- ليه دا كله يعني؟ مش لدرجادي يا عمة زبيدة؟
هلت الأخيرة مرددة بحماس وفرح:
- لا يا حبيبتي لدرجادي، وأكتر من الدرجادي كمان، إيه الحلاوة دي؟
تبسمت شهد بحرج تقول:
- الله يجازيها بقى بنتك هي اللي أصرت عليا، أنا كنت هلبس أي حاجة وخلاص، مش فارقة يعني.
- حاجة وخلاص، ومش فارقة كمان، إيه يا بت مالك؟ لازم تعيشي سنك.
قالتها زبيدة وتدخلت نرجس سائلة:
- بس الفستان ده أول مرة أشوفه عليكي، إمتى جبته يا شهد.
ردت صبا بالنيابة عنها:
- أنا جبته، دا فستاني من الأساس، وأنا جبته مخصوص النهاردة عشان شهد.
تمتمت زبيدة بابتسامة سعيدة:
- ربنا ما يحرمكم من بعض أبدًا، يالا بقى جروا عجلكم خلينا نحصل الزفة، دا الحريم جيرانكم، سبجونا بجالهم فترة.
***
قال أمين وهو يحاول أن يخترق الشارع الضيق، في اتجاه نصبة الفرح التي كانت على بعد مسافة ليست ببعيدة منهم:
- مش كفاية بقى يا ماما؟ وانزلوا انتو هنا.
التفت له مجيدة تجيبه بتوبيخ:
- عايزانا ننزل هنا برضو يا أمين؟ إخص عليك وعلى دمك يا شيخ، بقى خايف على عربيتك ومش خايف علينا، لما نمشي واحنا أغراب في الشارع الضلمة ده؟
وقع حسن على نفسه من الضحك، وهو يشاهد وجه شقيقه الذي شله الذهول، جاحظ العينين، متدلي الفكين، لعدة لحظات حتى استطاع القول أخيرًا:
- انتي بتقوليلي أنا الكلام ده يا ماما؟ ليه دا كله يا ست الكل؟ دا الفرح بس مسافة الشارع اللي قدامنا ده.
هتفت مجيدة بحزم:
- قدامنا ولا ورانا، انت هتسوق لحد النصبة نفسها، وبعدها تدخل معانا تأدي الواجب....
قاطعها أمين بقوله:
- واجب مين يا ماما؟ هو أنا أعرف حد أساسًا؟
ناظرته مجيدة بضيق، وقال حسن يرد المناكفة:
- وافرض يا سيدي متعرفش حد، هو حد يقدر يكلمك يا سيادة الظابط، والدتك وعايزة تفخر بولادها، فيها حاجة دي؟
تمتمت مجيدة تربت على خده بكف يدها:
- شاطر يا حبيبي، فهمتني لوحدك.
تناول حسن كفها بتملق يقبل ظهرها، وهو يقول ببراءة:
- حبيبيك أنا يا ماما.
تابعهم أمين بعينيه في المرآة الأمامية، ليضرب كفًا بالآخر ضاحكًا بصمت، لا يصدق فعل والدته من بداية الليلة، وقد انقلبت عليه بعد أن كان يجاريها في الأول.
***
بعد قليل كان الثلاثة، يخترقون الجموع الغفيرة والتي تجمعت في مكان واحد في الوسط لمشاهدة الرقصة الرومانسية للعروسين، والتي كان يؤديها إبراهيم بإخلاص منقطع النظير، والأخرى لا تقل عنه، بشكل جعل شهد تغلي بداخلها، وتضغط حتى لا تنفجر وتخرب الفرح، غير منتبهة لهيئتها الجديدة والعيون المصوبة نحوها ونحو من تقف بجوارها.
- الناس كلها سايبة الفرح ومركزة معاكم انتو بس!
قالتها رؤى وهي تقترب منهن، ف انتبهت لها شهد تخرج من شرودها، وردت صبا بتساؤل:
- ليه يعني فينا حاجة غلط؟
ضحكت رؤى لتقول بمرح:
- أنا قصدي على حلاوتكم، انتي والمنطقة كلها عارفاكي. أما شهد فدي بقى المفاجأة، الفستان والتسريحة الجديدة هيالكوا منها حتة.
تبسمت صبا تتطلع في الأخيرة بزهو قائلة:
- شهد طول عمرها حلوة، هي بس تفكر في نفسها شوية وهتلاقيها بدر منور.
بنظرة مشفقة طالعت رؤى شقيقتها لتقول مؤكدة:
- والله عندك حق، أختي دي قمر أربعتاشر.
طالعتها شهد بابتسامة صادقة في المحبة لأصغر أفراد العائلة، والأقرب إلى قلبها، ثم استدركت لتخاطبها بحزم:
- طب بقولك إيه، سيبك من الكلام الحلو ده دلوقتي، وروحي اجري على الولد بتاع الدي جي، خليه يغير الأغنية الزفت دي بحاجة فرفشة مش ناقصة قرف أنا.
بكف يدها لوحت بها أمامها رؤى باستسلام تهادن غضبها:
- حاضر والله حاضر، بس انتي متعصبيش نفسك.
قالتها وذهبت لتنفيذ الأمر على الفور، لتغمغم شهد خلفها بغيظ جعل صبا تضحك:
- عاملين فيها عمر وسلمى، جاتكم نيلة.
***
- أهلاً أهلاً بالمهندس دا إيه النور ده؟
هتف بها أبو ليلة وهو يصافح حسن والذي رد بابتسامة مهنئًا:
- الله يبارك فيك يا عم أبو ليلة ويتمم على خير، دي الست والدتي، ودا أمين أخويا، رائد في الشرطة.
هلل أبو ليلة مرحبًا وهو يصافحهما:
- يا مشاء الله، يا أهلا يا هانم، نورتي الفرح، أهلا بيك يا سيادة الظابط، دا المنطقة زادها شرف بزيارتكم.
ردت مجيدة بابتسامة رزينة كعادتها، أما أمين فقد اخفى حرجه بكذبة اخترعها على الفور:
- الله يخليك يا حج، أنا بس كنت قريب من هنا، وقولت أطمن بالمرة على حالة الأمن في وجود الست والوالدة وحسن أخويا.
حاول حسن السيطرة على ضحكة ملحة، وتجاوب أبو ليلة مع الآخر:
- الله يحفظكم ويجعل البلد أمان دايمًا بيكم، تعالوا اتفضلوا تعالوا.
قالت مجيدة بلهفة:
- هنقعد فين؟ مش لما نسلم الأول ونبارك لأهل العروسة، هي فين المقاول شهد؟
- هو يا هانم وأندهلك عليها.
قالها مسعود ثم التف خلفه يهتف على فتى صغير من أهل المنطقة بجواره:
- إنت يا واد، روح انده الست شهد جوا.
أومأ له المذكور ينفذ طلبه بإذعان، وخطا الثلاثة بصحبة مسعود نحو عدد من المقاعد الفارغة وذهب هو كي يأتي بواجب الضيافة، جلست أولهم مجيدة وما هم أن يجلس أمين هو الآخر، حتى صدر صوت سيارة فهتف منزعجًا:
- أكيد دي عربيتي، أنا قلبي كان حاسس من الأول.
أوقفته مجيدة تجذبه من قماش قميصه قائلة:
- بقولك إيه، اطمن على عربيتك وتعالى تاني.
اعترض بوجه متجهم:
- أجي فين تاني يا ماما؟ أنا أساسًا ورايا مشوار مهم، وقت ما تحبوا تروحوا، اتصلوا بيا وأنا أجي آخدكم وأروح بيكم، سلام بقى؟
قالها وارتد عائدًا على الفور، هتفت من خلفه مجيدة:
- استنى يا ولد.
ولكنه ذهب سريعًا، حتى يلحق بسيارته خارج النصبة القماشية للفراشة، ليتفاجئُا بخيال امرأة تقف بجوارها، وتضرب بكفها لتصدر صوت الإنذار بإزعاج يجعل المارة يلتفتون إليها، هدر أمين غاضبًا نحو المرأة التي تعطيه ظهرها:
- انتييي، دي عربيتي على فكرة.
التفت إليه المرأة أو الفتاة كما رآها الآن، بهيئة أنثوية تشبه الأجانب، الشعر الأصفر الحرير والوجه المستدير، بعينين كالزجاج الملون تبرق بشر وهي تصرخ فيه:
- ولما انت عارف عربيتك، مخليها هنا في نص الشارع ليه؟ أركن أنا عربيتي فين دلوقتي؟
التف برأسه نحو ما تشير به لهذه السيارة الصغيرة، ثم عاد قائلًا بحزم:
- أنا عارف إن ده مكان مش كويس للركنة، بس انتي كان لازم تبقي ذوق شوية وتقولي رأيك باحترام.
بنصف شهقة تخصرت أمامه لتردف بغيظ:
- احترام ولا ذوق دا إيه؟ هو أنا ناوية أتعرف بيك؟ بقولك عايزة أركن عربيتي.
صرخ بدوره وقد أخرجته عن طوره الرزين الهاديء:
- وأنا بقولك استني دقيقة، هزّيح العربية وأمشي من الحارة دي وأسيبهالك خالص.
قالها ثم اقترب ليعتلي سيارته حتى ينهي الجدال، فالتفت هي لتهتف منادية على أقرب شخص عرفته أمامها:
- عبد الرحيم، تعالي هنا خد المفاتيح على ما الأستاذ ده يخلصنا من عربيته.
سمعها ليصرخ خلف عجلة القيادة:
- قولت مفيش داعي للغلط، ولا انتي عايزني أغير رأيي؟
رمقته بنظرة متعجرفة بصمت ثم تحركت لتذهب من أمامه تدعي عدم الاكتراث، شيعها بنظراته وهي تتهادى بخطواتها الأنيقة ككل شيء بها، قبل يغمغم وهو يدير المحرك:
- بنت مغرورة وطويلة اللسان.... بس حلوة!
***
وعودة إلى الداخل حيث كان الحفل مشتعلًا، برقص إبراهيم وأمنية، وصديقاتها، أفراد عائلتها وعائلته، على أغاني المهرجانات والأنغام الصاخبة بشكل يشعل الحماسة داخل الشباب الصغار، والكبار أيضًا، حيث يسرق الفرد لحظات من الفرح، تلهيه لعدة لحظات قليلة عن الهموم ومشاكل الحياة التي لا تنتهي.
اضطرت شهد لتركهم وترك صبا مع رؤى، يندمجن مع الباقي، واستسلمت لسحب الفتى الصغير بن جيرانها، والذي أخبرها عن رغبة مسعود في رؤيتها، حتى إذا ما وصلت إليه، هتفت على الفور ما أن رأتـه أمامها:
- خير يا أبو ليلة، باعتلي ليه بقى؟
أجاب يشير لها بكفه:
- باعتلك عشان تسلمي على الضيوف، يا ست هانم.
هتف بالاخيرة نحو مجيدة التي انتبهت إليه تناظره بتساؤل، قبل أن يفاجئها بقوله:
- دي المقاول بتاعنا يا ست هانم، إيه رأيك بقى؟
ضيقـت عينيها الأخيرة ببعض التشتت قبل أن تستوعب سريعًا لتنهض هاتفة:
- المقاول شهد، معقول؟
أجفل حسن على صيحة والدته ليلتف نحو ما تقصد، ف تخشب وبرقت عينيه بعدم تصديق، ليُجبر على متابعة والدته صامتًا وهي ترحب بشهد:
- إيه الحلاوة والطعامة دي؟ معقول انت المقاول؟ ولا أنا فاهمة غلط ولا إيه؟
ضحك أبو ليلة، ليرد بمرح:
- لا يا ستي مش فاهمة غلط، دي المقاول شهد اللي شغالة في المعمار وراثة عن والدها الله يرحمه، ماتجولها يا بشمهندس.
سمع حسن وظل على حالته مزبهلًا بعدم استيعاب، فتابع أبو ليلة هذه المرة نحو شهد:
- دي بقى والدة البشمهندس حسن، جاية تهني وتبارك مع والدها.
تبسمت شهد برقة أذهلت الآخر مع الهيئة الجديدة لها وهي تصافح والدته بمودة:
- أهلاً وسهلًا بيكي يا هانم نورتينا.
مجيدة بلهفة ومبالغة، جذبتها من كفها لتقبلها على وجنتيها تردد:
- هانم إيه بقى؟ دا انتي اللي هانم وستين كمان.
رغم استغراب فعل المرأة، استجابت شهد لها بابتسامة ودودة، قبل أن تتجه لهذا الجالس بصمته حتى الآن قائلة:
- منور يا بشمهندس.
نهض المذكور وامتدت كفه ليقدم التهنئة:
- الف مبروك لأختك.
- الله يبارك فيك.
قالتها شهد وهي تبادله المصافحة، وقد كانت هذه أول مرة وكأنه أول تعارف حقيقي بينهم، هذا ما شعر به، وقد لامست كفه كفها، أنثى بحق، وقد تخلت عن ملابس الرجال، ترتدي فستان ناعم يشبه الحرير باللون النبيتي، زينة وجهها هادئة، مرسومة عينيها بروعة، جعلته يتوقف عليها قليلًا وقد أغراه الدفء بها، ونسي أنه مطبقًا على كفها، لولا أنها تململت لتنزعها.
ف تركها لوالدته التي انتبهت لما يحدث أمامها بعين الصقر، ثم تبادلت معها حديث ودي سريع قبل أن تذهب.
فور مغادرتها التفت مجيدة نحو ابنها تقول بمرح وهي تطرقع بأصابع الوسطى والإبهام:
- بقى هي دي المقاول اللي انت شغال معاها يا سي حسن؟ يا حلاوتك وحلاوة مقاولينك.
- يا نهار أسود.
همس بها حسن، وكف يده امتدت لتطبق على الأصابع التي تطرقع بها مجيدة، يتابع بتحذير:
- بلاش عمايلك دي يا ماما الناس هتاخد بالها.
سمعت مجيدة لتطالعه بنظرة ذات مغزى تقول:
- طب شيل إيدك، ولا انت استحليت مسك الأيادي يا واد؟
صعق حسن قبل أن يستدرك سريعًا ويرفعهم، ثم قال يخاطبها برجاء:
- أديني شيلتهم أهو، ممكن بقى نمشي الله يخليكي، وخلي الليلة دي تعدي على خير.
مالت برأسها مبتسمة بمشاكسة لتعود للطرقعة مرة أخرى تردد:
- ونمشي ليه بقى؟ أنا بهيص مع أغنية الفرح، فيها حاجة دي؟
قالتها ثم التفت تراقب بعينها وتندندن بسعادة مع الأغنية الدائرة، واستسلم حسن يتمتم بقلة حيلة:
- أنا اللي أستاهل، أنا اللي جبت دا كله لنفسي.
انتفض فجأة على صيحتها:
- ولا يا حسن، شوفت البت اللي عاملة زي الخوجاية دي؟
نظر حسن نحو ما تشير إليه والدته، فقال يجيبها:
- ما هي دي بقى البنت اللي قولتلك عليها قبل كده صاحبة شهد.
شهقت مجيدة مرددة بتذكر:
- هي دي بقى لينا؟
أوقفت تتابع بإحباط:
- وشك فقر يا أمين ابن مجيدة.
***
عند منصة العروسين وقد وصلوا إليها أخيرًا، ليستريحو بعد وصلة للرقص استمرت لقرابة الساعة، فقالت أمنية بأنفاس متلاحقة:
- الله أنا مكنتش أعرف إن الفرح هيطلع حلو كده، ولا كنت أتوقع إن شهد هتعملي الهيلمان ده كله، وفي ظرف يوم واحد بس!، إمتى لحقت تعمل ده كله؟
نفث إبراهيم دخان سيجارته التي أشعلها منذ قليل قبل أن يعقب على قولها:
- عشان لما أقولك بس إن أختك دي كنّازة على قلبها قد كده، تبقي تصدقيني.
تبسمت بعرض وجهها تجيبه:
- وأنا يعني لو مش مصدقاك كنت عملت ده كله عشانك، ولا انت لسة عندك شك في حبي ليك؟
تطلع إليها صامتًا، وعينيه تجول على وجهها، ثم نزلت على رقبتها وجيدها المكشوف من فستان الخطوبة، والذي كان ضيقًا في الأعلى على جسدها المكتنز حتى الخصر، ثم يتسع بطبقاته حتى الكاحل في الأسفل، فقال بلهجة ذات مغزى:
- هنخلص ونقضي بقية الليلة عندكم صح، أنا عريس، يعني لازم أتعشى عند عروستي.
ضحكت بميوعة تردد:
- أيوه أمال إيه هتتعشى، بس مش لوحدك يا عنيا، الست شهد عازمة أمك وأبوك وإخواتك وجواز خواتك، هتاخد عشاك معاهم، وتروح معاهم.
- نعم يا ختي.
هدر بها فاتحًا فمه بغضب، شعرت بالحرج وعينيها تتلفت يمينًا ويسارًا نحو المدعوين، خوفًا أن ينتبه أحد منهم، فقالت بمهادنة:
- وطي صوتك يا إبراهيم، انت عايز تفضحنا ولا إيه؟ ولا ناسي الشروط اللي وافق أبوك عليها؟
كز على أسنانه يردف باعين حمراء:
- إزاي يعني تبقى خطوبتنا النهاردة ومنقعدش مع بعض؟
توقف يتابع بلين ولهجة مغوبة:
- دا أنا كنت محضرلك كلام كتير أوي النهاردة يا بت، من جوا معاميع قلبي، زهقنا بقى من كلام التليفونات، ولا انتي زهقتيش يا نونتي؟ ولا مش حاسة باللي حاسس بيه أنا دلوقتي؟
عبست ملامحها، فقالت بلهجة المقهورة:
- حاسة يا عنيا، أكيد حاسة، بس منها لله المحروسة أختي، دايمًا كده قاطعة عليا فرحتي.
اعتدل إبراهيم بظهره للخلف، بعد أن وصل لمقصده، ليتمتم وعينيه تتطلع على شهد التي تبدلت لواحدة أخرى لا يعلمها، ثم صبا بجوارها ولينا في الناحية الأخرى تراقص رؤى الصغيرة، ليتمتم داخله بغيظ بعد أن عادت أنظاره نحو عروسه:
- الفرح مليان مزز، وأنا حظي ميجيش غير عليكي؟
***
في مكان آخر، وبالتحديد في شرفة غرفته، وقد جافى عينيه النوم، بعد محاولات مستميتة باءت كلها بالفشل، حتى انتفض عن الفراش وتركه ليجلس في هذا الوقت المتأخر من الليل، برودة في الجو لا يشعر بها مع تفكيره المتواصل بها وصورتها لا تغادر ذهنه، كل همسة وكل خجلة منها انطبعت بعقله لتزيد من تعذيبه، تنهد بإحباط متزايد، وكل هذا يحدث معه من أول يوم، من أول يوم لها معه في العمل، لقد اشتاق إليها بصورة مؤذية، يتمنى انقضاء الليل بأقصى سرعة، يتمنى رؤيتها، يتمنى سماع صوتها الآن.
- إيه يا بوي، هو انت مش ناوي تنزل معانا؟
سمع الصوت وانتفض يكذب أذنيه، قبل أن تهبط عينيه للأسفل ويصعق برؤيتها حقًا، تخاطب والدها الذي أنزلهم أمام البناية، ثم عاد لسيارته، ليعود إلى حفل الخطبة مرة أخرى.
كانت تقف مع والدتها وبهيئة تسحب الأنفاس من صدره، وتشعله بنار الغيرة أيضًا مع تذكره لعدد العيون التي رأتها قبله وتغزلت بحسنها، رغم عدم تعمدها لذلك، وحشمة ملابسها، ولكن هذه صفة أساسية بها.
ابتعد عن سور الشرفة قليلا، وتركها تدلف لداخل البناية، ورغم صخب المشاعر التي تدور بداخله إلا أنه حينما استدرك تبسم ثغره بتعجب وقد تحققت أمنية له أخيرًا وبهذه السرعة، الآن فقط يستطيع النوم.
رواية و بها متيم انا الفصل الثامن 8 - بقلم امل نصر
بداخل المكتب المتواضع، بشقة صغيرة في إحدى المباني السكنية القديمة، كانت شهد تمارس عملها الذي اعتادت على فعله منذ وفاة أبيها لتحل هي محله في كل شيء، بعد أن أجبرتها الحياة على ذلك، فمنذ متى كان حمل الهم اختيارًا للبشر، خصوصًا لواحدة مثلها.
بالآلة الحاسبة كانت منكفئة على أحد الملفات، تقيد المصروفات وأجور العمال، وما تم تحصيله من مسؤلي الموقع، بدقة وتركيز، لتحسب المتبقي أيضًا وما يتبقى لها من تحصيل وينتظرها من دفع.
- صباح الخير.
انتفضت على أثرها شهد مجفلة، لترمق بغيظ تلك التي توقفت أمامها مستندة بكتفها على إطار الباب، تلوح لها بالتحية بأطراف أصابعها بأناقة زادت من استفزاز الأخرى لتهتف بها:
- دي عملة تعمليها يا لينا؟ طب اتنحنحي، اعملي أي صوت ولا حركة، بدل ما تنشفي دمي بطلتك كده فجأة.
تبسمت الأخيرة لتقول وهي تخطو بداخل الغرفة حتى جلست أمامها:
- بس أنا مكنتش بتسحب ولا بمشي على طراطيف صوابعي، انتي اللي كنت مندمجة في حسبتك لدرجة إنك ما انتبهتيش ليا ولا لخطوتي.
سمعت منها لتزفر مطولاً بتعب قبل أن ترد عليها ببعض اللين:
- معلش بقى يا ست لينا سامحيني، المهم انتي نورتيني النهاردة، مع إن دي مش عادتك يعني، إنك تتطبي فجأة كده من غير اتصال!
تنهدت لينا هي الأخرى بتعب تقول:
- اعمل إيه يا ستي؟ ما أنا كمان مكنتش عاملة حسابي، وهي جات معايا كده، وأنا بسوق عربيتي لقيت نفسي جاية على هنا، حسيت إني محتاجالك أوي يا شهد.
هيئتها أصابت الأخيرة بقلق لتسألها:
- ليه يا لينا؟ في حاجة مزعلاكي؟
أجابتها على الفور:
- آه في يا شهد ماما!.... طارق امبارح كان عندنا، وجايب معاه عريس لقطة زي ما بيقولوا كده، بيشتغل في العمل الدبلوماسي، وبني آدم محترم وسيرته كويسة.....
- طب ما دي أخبار حلوة يا بنتي، امال......
قطعت شهد فجأة لتناظرها بغيظ، بعد أن استدركت لمغزى كلماتها لتسألها بارتياب:
- أوعي تقوليلي إنك رفضتيه أو مش عاجبك؟
وضح جليًا على وجهها الإجابة، لتردف لها شهد باستياء:
- حرام عليكي يا لينا، بجد والله حرام عليكي، وعندها حق أمك تزعل، أنا عرفت لوحدي دلوقتي ومن غير ما تقولي، مامتك الله يكون في عونها.
صمتت الأخيرة لعدة لحظات تمط وتعوج بشفــ تيها بتأثر، قبل أن تقول:
- طب اعمل إيه أنا بس يا شهد؟ مش بإيدي يا ناس، لا بدلع ولا بشوفهم وحشين، بس بلاقي نفسي رافضة ومش عاجبني....
قاطعتها شهد:
- آه يا ختي، بس كان يعجبك العيل الأهبل اللي اسمه نيازي! إنتي هتشليني يا بت؟
تبسمت لينا بخفة ترد:
- يمكن كان عاجبني عشان مختلف، بس شوية شوية اكتشفت عيوبه، واكتشفت تفاهتي بتعلقي بيه، وفي الآخر كرهته، شكلي كده هعنس.
سمعت شهد، ورفعت رأسها بعد أن توقفت عما تفعله لترمق الأخرى بنظرة حانقة ممتلئة بالغيظ لتهتف بها وهي تلوح بالقلم:
- تعرفي يا لينا، إيه الفرق اللي ما بيني وما بينك....
قطعت لتكمل باستدراك:
- هو مش فرق صحيح، هو وجه تشابه.
عقدت حاجبيها لينا تطالع الأخرى باستفسار لتسألها وهي تستند بمرفقها على سطح المكتب:
- إيه بقى يا ناصحة؟
فقالت شهد:
- وجه التشابه اللي ما بينا يا لينا هو إننا متعوسين، أنا متعوسة بحظي وظروفي الزفت اللي اتحطيت فيها غصب عني، وإنتي متعوسة بدماغك، دماغك هي اللي تعباكي يا حبيبة قلبي؟
برقت لينا بفيروزيتيها تجيب بدفاعية:
- لأ يا شهد، لازم تبقي منصفة، مشكلتي هي الحظ الزفت زيك بالظبط، انتي ظروفك وأنا حظي اللي موفقنيش ألاقي الراجل اللي يملا دماغي، فهمتي بقى يا سيادة المقاول.
ظلت شهد تطالعها مضيقة عينيها بصمت لعدة لحظات حتى عادت للأوراق التي تعمل بها مغمغمة:
- اهو دا اللي انتي فالحة فيه، لماضة وبس، وأنا مفقوعة مرارتي من المشاكل اللي متكومة فوق دماغي، وآخرها مهندس الزفت ده كمان، كنت ناقصاه أنا ولا ناقصني تحكماته.
- مهندس مين؟
سألتها لينا لترفع رأسها إليها مرة ثانية تُجيبها بامتعاض فكاهي:
- اسمه حسن، الباشمهندس حسن.
- مين حسن ده؟
سألتها لينا وقبل أن تجيبها شهد، تفاجأت باتصال مساعدها، اوقفت لتجيبه على الفور:
- أيوه يا عبد الرحيم.......... إيه؟......... ليه يعني؟ هو عايز يعمل مشاكل وبس؟....... طب اقفل وأنا جاية عندكم أشوفه.........
انهت المكالمة لتهتف ساخطة وهي تلملم أشياءها:
- يا ريتني افتكرت مليون جنيه يا شيخة، البني آدم ده بيجي ع السيرة ولا إيه بس؟
قالتها وهي تضع الملفات والآلة الحاسبة في درج المكتب لتغلق عليها بالقفل، وسألتها لينا بارتباك:
- ماله الراجل ده؟ وانتي بتلمي حاجاتك ليه دلوقتي؟
ردت شهد بأسف وهي تتناول علاقة المفاتيح وهاتفها:
- معلش يا لينا، تعالي نكمل كلامنا في العربية، أو نخليها وقت تاني، المهندس اللي بقولك عليه، عاملي مشكلة في الموقع.....
***
- وصلت أخيرًا، أخيرًا وصلت.
كان يردد ويتمتم بالكلمات داخله، وهو يتابع سيارتها التي وصلت بالقرب من موقع العمل، لتصطفها في المكان المخصص بحرفية في القيادة، جعلته يرفع لها القبعة، لتترجل منها وتظهر أمامه أخيرًا بكليتها، شيء ما يحدث بداخله ولكن لا يعلمه، أسبوع كامل مر من وقت أن حضر حفل خطبة شقيقتها مع والدته، ولم يراها بعد ذلك، وقد خفت أقدامها عن المجيء إلى الموقع بعد استقرار سير العمل، يأتي يوميًا تقريبًا ولا يجدها، فمساعدها هذا المدعو عبد الرحيم، لا يقصر بشيء، حتى حينما افتعل هو مشكلة بالأمس، من أجل أن يراها، قام هذا المتحذلق بالاتصال بها، وحل الأمر سريعًا، لكن اليوم هو أصر على مجيئها. وقد وجد الثغرة التي مكنته من وقف سير العمل، لتُجبر على المجيء.
هل افتقدها؟ أم هو اشتاق للشجار معها؟ نعم هي الثانية، خصوصًا وهو يراها الآن، بملابس الرجال، التي تدفن بها أنوثة طاغية، رآها هو بنفسه في هذا الفستان النبيتي......
- نعم يا بشمهندس، إيه بقى اللي حاصل، لكل الإشكال ده؟
قالتها تخرجه من شروده بعد أن اشتعلت رأسهِ بصورتها في حفل الخطبة التي أرقت لياليه الماضية، فتحمحم يجلي حلقه، ليخرج بجملة مفيدة:
- طب ارمي السلام الأول يا سيادة المقاول، ده حتى بيقولوا إن السلام لربنا.
تنهدت بقوة تناجي الصبر من الله، قبل أن تخاطبه بلهجة أخف من سابقتها:
- آسفة لو دخلت بعصبيتي من أولها، بس اهو السلام عليكم يا بشمهندس.
- كده حاف!
غمغمها بداخله وقد تحرقت كفه لمصافحتها وملامسة كفها الرقيقة الناعمة، استدرك سريعًا يجلي رأسه من أفكاره المنحرفة... ليجيب بهدوء:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أنا مقدر عصبيتك أكيد، بس بصراحة بقى الأمر مكانش ينفع السكوت عليه.
- أمر إيه بالظبط اللي يخليك توقف العمال عن الشغل، وتضيع يوم بحاله؟
سألته بلهاث وعصبية، جعلته يتخلى قليلاً عن بروده في إجابته نحوها:
- أنا موقفتش تعنت ولا تعسف لا سمح الله... تعالي بنفسك وانتي تفهمي قصدي.
تحرك أمامها وتبعته حتى توقف أمام جدار من المبنى الجديد، ليشير بحد كفه عليه:
- حضرتك الحيطة هنا بشكل مخالف بمسافة واضحة، يعني لو كملنا عليه، هيبقى غيرنا شكل التصميم الأصلي للمبنى.
صمتت تطالعه بتركيز لتتذكر الرسم الأصلي أين وضعته، ولكنه كان جاهزًا بنسخته ليتناول رسم مصغر على ورقة كبيرة ويفردها أمامها، على الحائط ليشرح:
- تعالي حضرتك وشوفي بنفسك كده.
اقتربت برأسها منه، وهو ظل يشرح ويشير على النقاط الهامة، قبل أن يتوقف، مستدركًا وقوفها بجواره ورأسها بهذا القرب منه، كانت تتابع بتركيز جعلها تغفل عن نظراته، وقد عادت إليه مشاعر الفستان النبيتي مرة أخرى.....
انتقض فجأة على الرنة المميزة لمجيدة والتي وضعتها هي لنفسها، حتى تجعله في كل مرة يشعر بالحرج، حينما يسمعها أحد غيره بصوت المطربة فايزة أحمد:
ست الحبايب يا حبيبه
يا أغلى من روحي ودمي
يا حنينة وكلك طيبة
يا رب يخليك
- أيوه يا أمي.
أجاب بها سريعًا، بعد أن ابتعد قليلاً عن شهد التي كتمت ضحكتها بصعوبة، وجاء رد مجيدة:
- أيوه يا حبيبي، عامل إيه دلوقتي؟
همس بصوت خفيض بغيظ:
- يعني هعمل إيه بس بعد الرنة دي؟ انتي برضو عملتي اللي في دماغك وغيرتيها، أنا شكلي بقى زبالة قدام الناس.
- ناس مين يا واد؟
قالتها مجيدة قبل أن يصلها صوت عبد الرحيم الذي كان ينادي:
- يا ست شهد، ثواني عايزينك.
سمعت مجيدة لتهتف بلهفة نحو ابنها:
- شهد يا حسن، يعني بتشوفها أهو، امال بتنكر ليه وتقول ما بتجيش الموقع؟
عض على قبضته يهمس برجاء:
- يا ماما بلاش كلامك ده، ابوس إيدك، مش ناقصة فضايح.
رددت خلفه بتوعد:
- فضايح يا حسن! طب اديهاني أسلم عليها.
- تسلمي على مين يا ماما؟ مينفعش.
- مينفعش ليه إن شاء الله يا حبيبي، من غير حلفان يا حسن هتديها التليفون دلوقتي عشان أكلمها لا أزعل منك.
- لا طبعًا مش هديها التليفون، ده يستحيل يا ماما إنه يحصل.
بعد عدة لحظات قليلة:
- آنسة شهد ممكن لو سمحتي.
تفاجأت الأخيرة وهي مندمجة في الحديث مع مساعدها، بمن يضع الهاتف في يدها، ناظرته بتساؤل ولكنه أشار لها نحو الهاتف يردد بمرح يدعيه حتى يخفي حرجه:
- ماما عايزة تكلمك، أصلك وحشاها أوي، شهد معاكي أهي يا ماما.
هتف بالأخيرة نحو الهاتف قبل أن يتحرك ويبتعد تاركًا شهد لتجيب المرأة بدهشة:
- الووو...
- الووو يا شهد ازيك يا حبيبتي، أنا طنط مجيدة يا قلبي، عاملة إيه بقى؟
تبسمت تجيبها لبساطتها وعفويتها:
- حمد لله يا طنط، ازيك انتي؟ وازي صحتك؟
***
بداخل الفندق وبالتحديد بداخل الغرفة التي أصبحت تشاركه بها، يعمل على حاسوبه مرة، وبطرف عينيه يراقب تركيزها الشديد على أحد الموضوعات التي أمرها بإكمالها منذ ساعة تقريبًا ولم تنتهِ منها بعد، حتى أصبح يشفق عليها، فخرج عن صمته يسألها:
- لدرجادي الحسبة صعبة عليكي؟
رفعت رأسها لتجيبه بتشتت:
- مش حكاية صعبة عليا، بس أنا حاسة الحسابات في بعض الأقسام هنا مش مظبوطة، أو مكررة مش عارفة....
- مكررة إزاي يعني؟
ردد بها وهو ينهض عن مقعده بقلق، حتى وصل إليها يسألها:
- فين بالظبط اللي مكرر؟
بسبابتها كانت تشير لها على بعض الأرقام التي على الشاشة بتركيز أفقده عقله، هذه المسافة القريبة منها لم يحسب حسابها قبل ذلك على الإطلاق، أنظاره تتنقل من الشاشة وإليها، مرة على الأرقام ومرة على الجمال الذي يقارب الكمال، حتى انتفض فجأة يتمتم بالاستغفار كعادته، حتى جعلها تشعر بالاستياء ككل مرة، بفهم خاطيء دائمًا له، فقالت بدفاعية:
- على فكرة حضرتك لو شايفني غلطانة، أنا ممكن أخلص الحسبة وأريحك.
سألها بلهجة لينة:
- ومين قالك بقى إني شايفك غلطانة؟
شعرت بالحرج، تجيبه بارتباك وعينيها لا تجرؤ على مواجهته:
- ممش عارفة، بس حسيت كده!
تبسم بزاوية فمه يتابع عبوس وجهها المختلط بحمرة الخجل الطبيعي منها، فتجعلها شهية كقطعة الحلوى، وتزداد سحرًا على سحرها، ويزداد هو بؤسًا.
تنهد بثقل وهو يبتعد ليجلس على مكتبه ليخاطبها بجدية:
- أنا فهمت وجهة نظرك يا صبا، بس للأسف أنا مش فاضي دلوقتي عشان أتأكد بنفسي، عندي اجتماع بعد نص ساعة تقريبًا، وطبعًا مش هينفع تستني لبكرة....
ناظرته بعدم فهم، وهو يطرق بأطراف أصابعه على سطح المكتب بتفكير، قبل أن تنتبه إليه قائلة:
- طب ما أروح أنا وأجمع البيانات بنفسي....
احتدمت عيناه فجأة، يود الرفض بشدة، رغم أن هذا من صميم عملها، ولكنه لا يريد لها الخروج وتوسيع دائرة محيطها في الفندق الضخم والذي هو بمثابة دنيا أخرى، يخشى عليها من كل شيء به، فهو بالكاد يتقبل عملها به، رغم أنها تحت عينيه.
- لو مش موافق أكيد براحتك.
قالتها بيأس حينما طال صمته، ليجيبها أخيرًا مضطرًا:
- ماشي يا صبا، أنا هتصل بشيف المطبخ يستناكي ويقولك على كل حاجة محتاجها المطبخ من جديد عشان تدوينها، ومدام ميري كمان، ودي سهلة وممكن تعرفك بيها صاحبتك.
أشرق وجهها بابتسامة لم تستطع كبتها، ليردف لها بحزم:
- بس خلي بالك تخلصي وتيجي بسرعة يا صبا، عشان تنجزي باقي الشغل.
أومأت برأسها بتفهم، ولكنه استطرد بقلق:
- يا ريت تسمعي كلامي ومتخلطيش بأي حد، صاحبتك لو فاضية تيجي عندك هنا.
ناظرته بتساؤل واستغراب، ولكنه لم يعطيها فرصة، ليردف مجددًا:
- سمعاني يا صبا، وفاهمة كلامي.
رددت على الفور خلفه:
- سمعاك والله وفاهمة كمان.
سمعها وظل متسمرًا بالنظر إليها يريد التراجع، ولكنه استسلم في الأخير ليعود لعمله متنهدًا بثقل يتمتم بالاستغفار مجددًا.
***
في الجناح الأسطوري والذي كلفت اليوم بترتيبه، تغيرت الشراشف لأخرى جديدة، تلملم الملابس التي تحتاج لتنظيف، وتضع كل شيء في مكانه، ثم تدور بالمكنسة الكهربائية الكبيرة على السجاد الضخم، وبنفس الوقت ترد على محدثتها في الهاتف الذي تضعه في جيب اليونيفورم وتكتفي بالسماعات فوق الأذن لتؤدي الغرض:
- أيوه يا صبا زي ما بقولك كده، هو الجناح ده بس اللي فاضل معايا، يعني كلها عشر دقايق وأخلص..... طب بقولك إيه ما تيجي، وأنا هنزل معاكي عند مدام ميري..... تمام على ما توصلي أكون أنا خلصت.
أنهت المكالمة واندَمَجت في عملها، حتى توقفت فجأة، تتناول هذه الساعة الرائعة التي وجدتها أسفل الكمود، وضعتها على كفها تتأملها بانبهار وعدم تصديق، مغمغمة:
- يا لهوي عليا وعلى سنيني، ساعة وفيها فصوص ألماس، دي لو بعتها هتحل كل مشاكلي ومش بعيد أشتري بيها بيت تاني غير بيتنا.
***
- بس بس، إيه اللي بتعمله ده يا ولد هتموتها.
هتفت بها نور بارتياع وهي ترفع رامي وتبعده عن توأمه رنا، والآخر يقاوم بغيظ:
- سيبني سيبني خليني أخلص عليها، زي ما بوظت لعبتي.
نهضت رنا تقارعه بتحدي:
- أحسن أحسن، عشان تبطل تبعدني ومتلاعبنيش معاك.
كلماتها زادت من اشتعال الآخر، ليصيح ساخطًا، وهو يحاول أن ينزع نفسه من نور التي كانت تجاهد للسيطرة على أعصابها التي كانت ترتخي من فرط ضحكاتها:
- هموتها، لازم أموتها، سيبيني يا طنط.
- يا بني حرام عليك تعبت إيدي.
قالتها نور مقهقهة بتعب حقيقي مع وجع ذراعيها، قبل أن تلتف هادرة بالصغيرة التي كانت تقف متخصرة أمام شقيقها باستفزاز:
- يا بنتي ابعدي عنه، أخوكي متعصب بجد.
ولجت زهرة لغرفة الصغار مجفلة على الأصوات، لتردد نحوهما:
- إيه في إيه؟ هببتوا إيه تاني؟
ردت نور تستنجد بها:
- ألحقيني يا زهرة، ابنك عايز يقتل أخته ويموتها.
لملمت زهرة ابتسامتها بصعوبة، وقد أشفقت على نور من فعل توأمها المزعج، فهدرت نحو ابنها بحزم:
- اهدى يا ولد وفهمني اللي حصل بهدوء، وانتي يا نور سيبيه.
سمعت الأخيرة لتتركه على الفور بعد أن هدأت حركته، ورد رامي بانفعال:
- بنتك يا ماما، بوظتلي اللعبة وأنا لازم آخد حقي منها.
نقلت زهرة بأنظارها نحو ابنتها التي كانت تناظرهما بشجاعة زائفة تدعيها في كل مرة تخطئ فيها، سألتها زهرة رغم علمها المسبق بالإجابة:
- بوظتي لعبة أخوكي ليه يا رنا؟
زفرت الصغيرة تقلب مقلتيها قبل أن تجيبها ببساطة:
- أنا بس لعبت بيها، هي بقى اللي باظت لوحدها، هعملها إيه؟
كزت زهرة على أسنانها وصاح رامي بوجه أحمر من الغضب:
- شايفة يا ماما، أهي بتنكر أهي، زي كل مرة، عشان لما أقولك إن هي اللي بوظتها تبقي تصدقيني.
خاطبته زهرة بمهادنة:
- يا حبيبي هدي أعصابك شوية، دي باردة وهتشلك.
- يعني وبعدين هاخد حقي إزاي؟
صاح بها بصوت عالٍ أجفل نور التي تماسكت بصعوبة، لتتابع زهرة ومحاولاتها في التوفيق بين الاثنين، حتى صرفتهما وغادرا الغرفة، ولم يتبقى سوى ظافر أصغرهم، فقد كانت تحمله على ذراعها، تناولته منها نور فور أن جلست بالقرب منها على تخت رنا، وقالت تخاطبها بحرج:
- سامحيني يا نور، لو تعبوكي الأولاد دول، بس انتي شوفتي بنفسك، أنا تعبت وفاض بيا منهم.
تأثرت الأخيرة تقبل ظافر الصغير، قبل أن ترفع رأسها إليها وتقول:
- يا ستي ربنا يخليهملك، أينعم هما أشقياء لدرجة غبية، بس حلوين والله ودمهم خفيف.
رددت خلفها زهرة بتعب:
- دمهم خفيف إيه بس؟ دول مصايب هما الجوز، طب تصدقي بإيه، إن جوز المتخلفين دول، كانوا بيتخانقوا مع بعض وهما في بطني ومن قبل ما يتولدوا!
- مش معقول!
تفوهت بها نور شاهقة بذهول، وردت زهرة بتأكيد:
- وربنا زي ما بقولك كده، أنا كنت بحس بيهم وبرفسهم جوايا، ده أنا طلع عيني فيهم، لدرجة إني حلفت بيني وبين نفسي، إني توبة ومش هكررها تاني، بس ربنا بقى أراد إني أخلف بعدهم الأستاذ ظافر، رغم كل الاحتياطات اللي خدتها، تقدري كده تقولي، إنه جه غلطة.
تبسمت نور تردد وهي تقبل الطفل:
- والله أحلى غلطة، طب يا ريت كل الغلطات حلوة وجميلة كده، يا ختي، قمر يا ناس.
طالعتها زهرة بابتسامة ضعيفة لتقول بحرج:
- ربنا يكرمك يارب وتغلطي انتي كمان.
توقفت نور تحتضن الطفل بقوة متسائلة:
- تفتكري ده ممكن يحصل فعلاً؟ أنا قربت أفقد الأمل يا زهرة.
هتفت الأخيرة ترد بانفعال:
- وميحصلش ليه بقى؟ أنا سمعت كذا مرة من جاسر، إن لا انتي ولا مصطفى، حد فيكم فيه عيب.
- هو فعلاً زي ما بتقولي كده، لكن مع ذلك ماشيين في السنة الثامنة من ساعة جوازنا أهو، ومفيش أي حمل بيحصل.
قالتها نور ثم توقفت بتنهيدة كبيرة خرجت من عمق ما تحمله بداخلها من ألم، وشردت بعينيها بعيدًا تضيف:
- صعبان عليا أوي مصطفى، بيخاف حتى ما يلعب مع طفل من أولاد عدي، لتتحفه والدته بتعليق مستفز، ولا بنظرة غامضة من مرات أخوه الغريبة دي، رغم إني بشوفه بنفسي وهو عينه اللي هتطلع عليهم، صعبة قوي دي يا زهرة...
قالتها وختمت بدموع سقطت منها، مسحتها سريعًا، لتتمالك أمام زهرة التي ربتت بكفها على ذراعها تقول بتحفيز وهي تنهض:
- خلي أملك كبير بالله يا نور، بطلي التفكير اللي يتعب ده، وقومي يلا معايا، خلينا ننزل نحضر الجلسة عند جاسر وكاميليا.....
قطعت على سماعها لصوت صراخ قادم من الغرفة المجاورة، توقفت لبرهة وقد علمت مصدر الصوت، لتكز على أسنانها تهدر ساخطة بغضب:
- يا ولاد ال.....، تاني برضوا.
قالتها وخرجت من الغرفة راكضة، نهضت نور هي الأخرى، مخاطبة ظافر الذي مازالت تحمله بين يــ ديها:
- تعالي يا حبيبي، نلحق أخوك قبل ما يخلص على أخته!.... يا نهار أبيض، ده أنا كرهت الخلفه بجد عشانهم، جوز المصايب دول.
***
وصلت صبا بالقرب من الجناح المقصود، لتتوقف مخاطبة صديقتها عبر الهاتف:
- أنا وصلت يا ست مودة، خلصتي ولا لسة؟ خدي بالك أنا مش هستنى كتير........ طب يلا بسرعة بقى خليني أشوف الريسة بتاعتك دي وأخلص مهمتي.... تمام.
أنهت المكالمة تزفر بضيق متجنبة النظر حولها، لتتجاهل النظرات المصوبة ناحيتها من المارة بجنساتهم المختلفة، إن كانوا عرب أو أجانب أو حتى مصريين أثرياء، فهذا الطابق لا يحتوي بغرفه سوى الصفوة، أما البشر العاديين فلن يكونوا هنا سوى موظفين أو عمال من الفندق.
زفرت بارتياح فور أن رأت مودة وهي تخرج من الجناح بعدة العمل التي تحملها معها، تبسمت لها المذكورة وهي تخطو لتقترب منها، قبل أن تجفل كالبلهاء وتتعلق عينيها بهذا المهيب الذي خطا يتخطاها، ليدلف خلفها داخل الجناح، فرددت تبتسم بهيام نحو الأخرى فور أن توقفت أمامها:
- يا لهوي يا بت يا صبا، شوفتي الباشا اللي عامل زي نجوم السينما ده؟
ألقت صبا بنظرها نحو باب الجناح الذي دلف منه الرجل تقول بضيق واستخفاف:
- باشا بقى وكلام فاضي، ما تلمي نفسك يا مودة، وسيبك من سهوكة البنت دي.
كشرت لها الأخرى تقول بإحباط:
- يا باي عليكي يا صبا، مفيش مرة كده تمشي معايا ع الخط وتفكي شوية، إحنا بنات على فكرة ودي حاجات عادية بالنسبالنا، ولا انتي مش بنات؟
- لا طبعًا مش بنات.
قالتها صبا بمناكفة، وافتر ثغرها بابتسامة رائعة تتابع لها:
- ما تحاوليش معايا يا ماما، أنا حالة ميؤس منها أساسًا، يعني تاخديها من جاسرها، وخلينا نشوف شغلنا يا حبيبتي.
لوت ثغرها بامتعاض لترد وهي تتناول الهاتف من جيب ملابس العمل:
- طب استني دقيقة يا ختي على ما أتصلك بالست، وأشوفها قاعدة فين بالظبط لتكون.....
فطعت فجأة على صيحة أتت من خلفها تجفلها:
- انتي يا بت انتي فين الساعة بتاعتي؟
التفت مودة بذعر نحو محدثها، لتجيبه بتلجلج:
- ننعم حضرتك ساعة إيه؟
- اقترب بوجه غاضب يرد باستهجان:
- نعم يا ختي، انتي هتستعبطي...
هتفت به صبا غاضبة:
- لو سمحت خلي بالك من ألفاظك، فمفيش داعي للغلط، عايز الساعة يبقى تسأل بذوق.
رفع عدي أنظاره من مودة، لتقع عينيه على صبا التي كانت خلفها ولم ينتبه لها سوى الآن، فخرج سؤاله نحوها بتحفز:
- إنتي مين؟
واجهته بعينيها الجميلة تجيبه بتحدي:
- وانت مالك؟
قالتها ببساطة أجفلته لتجول أنظاره على الوجه الخمري ولون العيون المميز، ثم هبطت عليها وعلى ما ترتديه بجرأة أزعجتها، حتى اشتعلت لتصبح القطة التي على وشك الانقضاض بخصمها، فخرج سؤاله الثاني بتأني:
- إنتي شغالة هنا؟
- وانتي مالك إن كنت شغالة هنا ولا مش شغالة؟ مالك بيا أساسًا؟
قالتها صبا بحدة أرعبت مودة لتهتف بالآخر بصوتها المهزوز:
- يا سعادة الباشا، لو ع الساعة، أنا هدخل حضرتك أشوفهالك جوا، أكيد يعني هكون ساندتها في حتة وأنا بنضف الجناح، عن إذنك أروح أشوفها.
- روحي، وأنا مستنيكي هنا.
قالها وعينيه لم ترفع عن صبا التي كانت تزفر بحريق، من سماجة ووقاحة هذا الرجل الغريب، لتشيح بوجهها عنه، في تجاهل صريح منها نحوه.
أما عن الأخرى فبداخل الغرفة، وبحركة سريعة ادعت أنها تبحث عن الساعة، قبل أن تجثو على ركبتيها، لتخرجها سريعًا بخفة من المكان الذي وجدتها فيه، ثم صاحت بصوتها العالي:
- أنا لقيتها، لقيتها هنا تحت السرير يا فندم.
قالت الأخيرة وهي تخرج من الغرفة بلهفة، لتعطيها له، تناولها منها يتفحصها جيدًا، ثم سألها بريبة:
- ولما هي تحت السرير، ما لقيتهاش ليه من الأول وانتي بتنضفي؟
ابتلعت ريقها مودة لتجيبه وقلبها يرتجف من الخوف:
- أصلها كانت مزنوقة في مكان مداري، خدت بالي دلوقتي بس منه.
صمت يحدقها بنظرة غريبة لعدة لحظات جعلت صبا تهتف بنزق:
- اطمنت على حاجتك يا فندم، يلا بينا احنا بقى يا مودة.
قالتها لتتحرك معها الأخرى ولكنه أوقفها بصوته:
- أنا قولت انتي مين؟ جاوبي على سؤالي الأول.
التفت إليه تتميز من الغيظ، وتمالكت حتى لا تحتد عليه، لتكتفي بقوله له، قبل أن تغادر وتتركه:
- وأنا قولت انت مالك؟
ظل يتابعها لعدة لحظات ينظر في أثرها مشدوهًا بعدم تصديق لفعلها وجرأتها على مناطحته، وجمالها المختلف لكل ما رآه سابقًا، ملفتة للنظر بحق.
صدح هاتفه بالاتصال، وتناول يجيب محدثه:
- أيوه يا كارم......... أنا كنت خارج من تلت ساعة تقريبًا، بس افتكرت إني نسيت الساعة قبل ما أدور العربية، ورجعت تاني آخدها........... هقولك ع اللي أخرني، بس لما أجيك.
***
- وصلت زهرة إلى مقر الجلسة التي تضم مصطفى، ومعهم طارق وكاميليا التي كانت تتناقش مع خالد في موضوع مهم يخص العمل، فهتفت بزوجها الذي تفاجأ بهيئتها مع أطفاله الصغار:
- جاسر، اتفضل شوف شغلك مع جوز المتخلفين دول.
- مالهم الولاد يا زهرة، ماسكاهم ليه زي الحرامية كده؟
قالها جاسر وهو ينهض عن مقعده مجفلًا، وردت نور التي كانت تتبع زهرة حاملة الطفل الصغير:
- أولادك أشقياء يا جاسر وانت لازم تتصرف، أنا ومامتهم بصراحة تعبنا أوي معاهم.
رد مصطفى من الناحية الأخرى بمرح، رغم هذا الوخز الذي شعر به مع رؤية زوجته وهي تحمل بيدها الطفل:
- وتتعبي نفسك ليه بس انتي يا قلبي؟ ده ناس واخدة ع المرمطة مع أطفالها المتخلفين على رأي زهرة.
ضحكت نور وهي تجلس بجواره، مع انطلاق التعليقات الساخرة من طارق:
- أيوه بقى، الراجل خايف ع مراته الفنانة، ما تسربوهم يا جدعان ولا تشوفلهم صرفة، أنا نفسي تعبت منهم.
تدخل خالد أيضًا:
- أنا قولتلها من الأول، تجيبهم عندي أسبوعين مع رقية، إن ما كانت تعلمهم الأدب، مبقاش أنا.
جاسر والذي جثى على ركبتيه أمام الأطفال، كان يستمع بابتسامة مستترة، يدعي الغضب أمام الأطفال ليخاطبهم:
- عاجبكم كده؟ كل مرة تكسفوني قدام الناس.
تبادل رامي ورنا النظرات المتحفزة، وارتفعت أنظارهما نحو والدتهم، والتي قالت بحنق:
- بيضربوا بعض عشان لعبة يا جاسر، أنا من رأيي تحرمهم من اللعب خالص على ألعابهم، وتلغي كمان الفسح، ولا أقولك أنا هشتكي لجدهم...
قالتها وصدرت صيحات التذمر:
- لا يا ماما وحياتي عندك، مش هنعمل كده تاني يا بابا.
رفعت زهرة حاجبًا شريرًا وهي تتركهما مع والدهما، لتشارك الجميع الجلسة، وقال طارق:
- سبتيهم لجاسر عشان يعاقبهم، طب أقطع دراعي لو قدر عليهم.
ضحكت كاميليا وقال خالد بسخرية:
- بيربوهم يا عم على أصول التربية الحديثة، مالها العصايا بس؟ دي ربت أجيال؟
ضحك طارق يضيف عليه:
- ولا الشلوت ولا القلم كمان، آخر حلاوة.
تدخل مصطفى بعد أن طبع قبلة على كف ظافر الصغير:
- أنا من رأيي إن الأساليب دي غلط، بس مش مع كل الحالات، يعني مع رامي ورنا ممكن، لكن مجد ده بقى حاجة تانية.
ردد طارق من خلفه:
- لا يا باشا ده برنس لوحده، تحس كده إنه مولود متربي، رغم إنه أكتر واحد أخد الدلع.
هتف جاسر الذي كان متابعًا للحديث بعد أن صرف الأطفال:
- لابوه طالع لابوه يا طارق.
سمع الأخير ليعقب ساخرًا:
- يا عم روح خليني ساكت أحسن، قال أبوه قال.
قالها وانطلقت الضحكات في جلسة تتكرر كل فترة من الوقت، بعد أسابيع أو بعد شهور، المهم أنها لا تنقطع.
***
- أخوك النهاردة عند جاسر الريان في بيته، وعاملين جلسة عائلية، تعرف انت بالكلام؟
هتف بها كارم نحو الآخر، أثناء جلستهم بإحدى المطاعم الفاخرة، بعد انتهائهم من صفقة عمل مع أحد العملاء الأجانب وانصرافهم، ليتابع:
- أكيد طبعًا متعرفش، ولا تعرف؟
تبسم عدي يجيبه بسؤال:
- مش لما أعرف انت الأول عرفت منين يا كارم؟
صمت الأخير يرتشف من كأسه، ثم أجاب:
- أنا مش براقبه، دي بس معلومة وصلتني بالصدفة كده، بس انت بقى مش مستغرب زيي؟ أخوك كل يوم علاقاته بتزيد مع جاسر ومجموعته، وده خطر علينا يا باشا.
سأله عدي:
- خطر ليه بقى؟
تبسم كارم ليردد بغيظ:
- ما تركز معايا يا عم، ولا انت مش واخد بالك بعلاقات أخوك الممتدة بحكومات أجنبية وعربية واستثمارات، بالمليارات، مصطفى جامد أوي، ومجموعة الريان ليها اسمها اللي مسمع في السوق هنا....
- أيوه ما هو مشاركهم فيها.
قالها عدي مقاطعًا، ورد الآخر بحدة:
- أنا خايف يدخلهم معاه في شغله الكبير، افهمني بقى، مالك يا بني انت مش مركز معايا ليه النهاردة؟
تبسم الآخر يقول بهدوء:
- في إيه يا كارم، وانت مالك بتدقق معايا ليه أوي كده؟ ما تخافش يا سيدي، الأمور تحت السيطرة، أنا برضوا صاحي لأي شاردة وواردة.
سمع كارم يناظره بتفحص، ثم قال باستدراك:
- هو انت لسه برضوا مشغول بموضوع الساعة اللي اختفت الصبح والبت اللي وقفت قصادك؟
صمت الآخر قليلًا بتفكير قبل أن يجيبه بغمزة:
- مكنتش مختفية، أنا شاكك فيها دي، لأن البنت مقعدتش دقيقتين وخرجت بيها، ده غير الحجة اللي قالتها كمان، مكنتش مقنعة.
- قصدك إنها حرامية؟
قالها كارم بتحفز وعين مشتعلة بالغضب، وكان رد عدي الهادئ:
- أنا بقولك إنه مجرد شك، بس أنا اللي شاغلني بجد دلوقتي هي التانية، علقت في دماغي من ساعتها يا جدع.
تبسم الآخر يسألها بخبث:
- حلوة؟
- أوي أوي أوي يعني.
قالها عدي ليعلق الآخر:
- لا لا انت عيارك فلت وشكلك كده عايز تظبيط، هي البت ميرنا مش قايمة بالواجب معاك؟
ضحك عدي مجلجلًا، ينفي بهز رأسه، وتابع كارم:
- كمان! لا بقى انت حلك كده ترجع لطنط بهيرة ولا إحنا نبلغ ميسون أحسن، دي بقى اللي هتجيب من الآخر معاك...
- أعوذ بالله.
هتف بها عدي مقاطعًا بضحكاته يردف:
- يا عم افتكر لينا حاجة عدلة، هو أنا ناقص نكد بسيرتها، دي مش بعيد تطلعلي في الحلم.
ظل كارم لفترة من الوقت يضحك لا يقدر على التوقف، حتى تمكن أخيرًا ليقول:
- ولما هو كده، اتجوزتها ليه يا عم؟
أجابه عدي بضحكاته العالية هو أيضًا:
- تخليص حق، اتجوزتها تخليص حق..... يتبع
رواية و بها متيم انا الفصل التاسع 9 - بقلم امل نصر
يوم جديد وصباح يتجدد بمسؤليات تنتظرها، ولا تستطيع الفكاك أو التنصل منها.
خرجت من البناية بصحبة شقيقتها الصغرى التي ودت اليوم أن تخرج بصحبتها لتقلها في السيارة معها.
- أيوه بقى يا ست رؤى، توصيلة ببلاش وحق الدرس مدفي جيبك مع المصروف، استغلال بحق وحقيقي يعني.
قالتها شهد بتفكه وهي تفتح باب السيارة لتستقل مكانها خلف عجلة القيادة.
ضحكت لها الأخرى وهي تنضم معها في الكرسي الأمامي المجاور لها لتقول:
- مش أنا الصغيرة، يبقى من حقي بقى استغل وأعمل على كيفي كمان.
عبست شهد بوجهها تدعي الغضب وهي تدير المحرك لتتمتم بتصنع الغيظ:
- دا بدل ما تقولي عني يا ختي، وخدي المصروف وحق الدرس، بتقوليها في وشي، انتي يا بت جايبة البجاحة دي منين؟
ردت رؤى تشاكسها بخبث:
- جايباه من أمنية، مش هي اختي برضوا.
قالتها لتقهقه في الضحك بشقاوة.
وتمتمت شهد:
- يا بنت ال...
ضغطت حتى لا تخرج سبة وقحة وهي تمنع نفسها بصعوبة عن الضحك بصوت عالٍ أثناء قيادة السيارة.
حينما هدأت ضحكات رؤى خاطبتها سائلة:
- مدام جبتي سيرتها، كلميني بقى عنها، هي عاملة إيه دلوقتي مع خطيب الهنا بتاعها اللي جرستنا عشانه؟
خبأت ابتسامة رؤى لتجيبها بحرج:
- أنا مش بشوفها كتير عشان الدروس والمذاكرة، بس هي طبعًا طول اليوم يا بتتزوق، يا بتتفرج على التليفزيون، يا بتتكلم مع إبراهيم، والأخيرة طبعًا هي أكتر حاجة. أنا مش عارفة، دول مبيزهقوش من الرغي والخناق، أقسم بالله أنا بصدع لو جات وقفت جنبي وسمعت حتى لو جزء من كلامهم، دول فعلاً شبه بعض.
تبسمت شهد بزاوية فمها دون أن تحيد بعينيها عن الطريق لتسألها:
- طب وشغل البيت، ما بتساعديش والدتك في أي حاجة خالص؟
نفت رؤى بهز رأسها لتقول:
- ولا حتى الطبق اللي تاكل فيه بيهون عليها تغسله، أمنية اتعودت على التناحة وأمي هي السبب، بتخاف منها ومن صوتها وصريخها، أمنية دي مفترية.
قارعتها شهد بانفعال:
- لا يا حبيبتي، أمك هي اللي ضعيفة وبتشجعها على النطاعة، المثل بيقول الحاكم الضعيف فتنة وانتي والدتك هتشلني بسلبيتها...
قطعت لاهثة فجأة، تستدرك العمر الصغير لشقيقتها، وحتى لا تفهم كلماتها بالخطأ عن والدتها، خصوصًا، وهي ترى هذا التأثر الذي بدا جليًا على وجه الفتاة.
فقالت بأسف:
- معلش يا رؤى، إن كنت اتعصبت ولا اتنزفزت، دي لحظة صبحية وأنا باين عليا هبتدي يومي بالعك من أولها.
تبسمت رؤى لها بضعف ولم تتكلم.
فقالت شهد مغيرة دفة الحديث:
- طب والواد إبراهيم متعرفيش أخباره إيه؟ اشتغل في شقته بقى ولا لسة؟
ردت رؤى تهز كتفيها بعدم معرفة:
- معرفش، ماما مبتحكيش قدامي حاجة.
سمعت شهد وظلت صامتة لبعض الوقت تتابع طريقها.
ثم سألتها بحرج:
- بس هو مبيجيش البيت صح؟ ماشي على التعليمات ولا إيه؟
أجفلت رؤى في البداية وقد باغتها السؤال، لتنفي بهز رأسها بتوتر صامتة، حتى لا ينطق لسانها بالكذب، وهي لا تريد الكذب على شقيقتها.
***
- تاني يا إبراهيم، هو انت عايز مشاكل يعني ولا إيه؟
قالتها أمنية وهي تقف تسد بجسدها المكتنز مدخل الباب.
فقال الآخر متهكمًا:
- طب ما تتطرديني أحسن، هو أنا شحات عندكم يا بت؟
ابتلعت بتوتر وعينيها تجول على أعلى السلم وآخره، تراقب حركة الجيران.
لتقول بتخوف:
- منظرنا كده على باب الشقة مش حلو يا إبراهيم، والجيران هنا عينهم تدب فيها رصاصة.
- طب قولي لنفسك.
قالها والتفت متنبهة على نبرة صوته لتجد منه النظرة الثاقبة المتفحصة على جسدها وما ترتديه من عباءة منزلية بيتية، من القماش الناعم الذي يلتصق بها على بعض الأماكن. نظرة على قدر ما تنعش أنوثتها، بأن تشعر أنها مرغوبة في أعين رجل كإبراهيم صال وجال في عالم النساء بسمعة تعلمها من حديث فتيات الحي عنه قبل ذلك، لكن في نفس الوقت تخيفها.
- امشي يا إبراهيم، أمي في السوق، وشهد محرجة عليك أساسًا إن متجيش هنا.
قالتها متصنعة الحزم، بلغة يفهمها إبراهيم جيدًا، وهي التمنع بدلال. وهو الخبير بعالم النساء يجيد التعامل معها ويراود عقلها الغبي جيدًا، لذلك قال:
- بقولك إيه يا بت، أنا محدش يحكم عليا، خصوصًا، لو كان الحد ده حرمة.
- واحد كان قالك توافق انت وأبوك؟ ما انتوا اللي سكتوا وخلتوها، مش كلمتها عليكم.
قالتها واشتعلت عيناه حتى اعتقدت أنه على وشك الهجوم عليها، فتراجعت خطوتين حتى تغلق الباب بوجهه لو فعلها حقًا.
أنقذها خروج جارتهم، السيدة أم هشام والتي ألقت التحية بنظرات مرتابة نحوهما:
- صباح الخير يا أمنية، صباح الخير يا إبراهيم، عاملين إيه؟
ردت أمنية خلفها التحية بصوت عالٍ لتداري توترها:
- صباح النور يا خالتي، تعالي اقعدي شوية واشربي الشاي مع أمي جوا.
التفت لها المرأة برأسها بنفس النظرة لتقول:
- ليه بقى يا حبيبتي، لهي لسة مرحتش السوق؟ أما ولية كسلانة صحيح.
قالتها ومصمصة بشفتيها تصدر صوت مستهجن قبل أن تلتف لتهبط الدرج وتتركهما.
لتغمغم أمنية خلفها بامتعاض:
- ولية عقربة، خدت بالك من تلميحاتها ونظرتها لينا؟
التفت توجه الحديث إليه بعصبية:
- بس انتي اللي جايبة الكلام والحديث بوقفتك الغريبة دي، الولية دي أنا عارفاها كويس مش بعيد تقابل أمي في السوق وتعملها قصة. أنا عارفة إنك مش هتستريح غير لما تسوء سمعتي، أنا عارفة...
- وإيه تاني يا روح أمك؟
قالها مقاطعًا يجفلها بلهجته العدائية نحوها، لتلتصق بالباب تكاد أن تموت في جلدها، بعد أن أسمخت كعادتها في السخط والصياح كما تفعل دائمًا مع والدتها وشقيقاتها. وانتظرت رد فعله بعد فترة من التحديق المستمر بها، ليبث في قلبها الرعب.
قبل أن يرمي سيجارته على الأرض يدعسها بقدمه، ثم قال:
- عارفة يا بت ال... لولا إني مش عايز أفرج الناس عليكي صح، لكنت دلوقتي مسحت بيكي بلاط السلم ده، ولا كنت أخلي فيكي حتة. بس أقولك انتي لسة حسابك عندي، وأنا برضوا ابن كلب عشان جيت وعبرت واحدة زيك، بتشوفي نفسك عليا يا أختي. لكن على العموم أنا عندي استعداد أفضها سيرة وأخلص.... وعادي أوي على فكرة.
قالها وتحرك يسحب شياطينه معه.
أما هي فقد كانت على وشك أن تقع مغشيًا عليها، خوفًا من التنفيذ في أن يفسخ الخطبة. تحركت خلفه تهتف بجزع:
- إبراهيم، استني يا إبراهيم، يا نهار أسود، هو انت هتسبني بجد ولا إيه؟ براااهيم.
كادت أن تهبط خلفه درجات السلم، قبل أن تنتبه على ما ترتديه وهذه العباءة الملتصقة بها، فعادت مضطرة لتدخل منزلها وتتناول الهاتف، لتلح بالإتصال عليه، وهو كالعادة لن يرد إلا بمزاجه ووقت أن يريد، بعد أن تتذلل له بالبكاء والرسائل المتعددة ليرضى عنها.
***
- يا لهوي على الحلاوة، إيه الجمال ده بس يا ناس؟
هتفت بها رحمة تجفل صبا التي كانت في طريقها نحو مخرج البناية بعد أن خرجت من المصعد.
فالتفت لها الأخرى بابتسامة مشرقة لتعود إليها وتصافحها بمودة وقالت بتساؤل:
- إيه دا إنتي رايحة فين بلبس الخروج؟ وإيه اللي موجفك هنا جنب السلم؟
ضحكت لها رحمة تجيبها:
- يا ستي أنا رايحة أقبط معاش الست الوالدة، بس واقفة هنا أستنى البواب، أصلي بعته على طلب كدة، فقولت أقف في مكان مختصر شوية بدل ما أبقى في وش اللي رايح واللي جاي. المهم بقى، إنتي عاملة إيه في شغلك الجديد؟
قالت صبا متمتمة بالرضا:
- الحمد لله، كويس جدًا وأنا مبسوطة إني بلاقي نفسي فيه.
أومأت رحمة لتسألها:
- واخويا شادي بقى عامل إيه معاكي في الشغل؟
سمعت صبا السؤال لتزم شفتيها بابتسامة ملحة قبل أن تجيبها:
- بصراحة متزعليش مني، أخوكي دا مش رئيسي في العمل لكن أنا والنعمة مستغرباه، دا بيستغفر ربنا كل ما يشوفني وكأني لابسة عرياني أو فيا حاجة غلط، والكلام ده على فكرة مش بس من ساعة الشغل، لا ده من وقت ما سكنّا جنبكم هنا في العمارة، لدرجة إني كنت بسأل نفسي في كل مرة، هو فيه ما بيني وما بينه طار بايت يعني؟ ولا أنا كنت مرات أبوه ولا إيه بس؟ فهميني.
سمعت منها رحمة لتنطلق في موجة من الضحك، لا تستطيع التوقف، حتى استطاعت القول أخيرًا بشيطنة ومكر:
- يارب في مرة يسمعك يا صبا، عشان ساعتها يبقى طار ما بينكم بجد.
شهقت مرددة:
- لا لا بلاش الدعوة دي الله يخليكي، دي ساعة صبحية، ودا راجل صعب، ربنا جعل كلامنا خفيف عليه.
قهقهت رحمة مرددة:
- يا بت الإيه، بتقولي كده على أخويا وفي وشي، طب أنا هبقى فتانة وأبلغ له الكلام ده، وهو أساسًا على خروج دلوقتي، يالا بقى استلقي وعدك منه يا ناصحة.
بنصف شهقة خرجت منها ادعت الصبا الخوف لتقول:
- يا نهار أبيض، هو أنا قلت حاجة غلط عشان تفتني عني؟ دا مديري في الشغل وباشا مصر كمان، إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ عن إذنك بقى، أنا لازم أحصل شغلي عشان مديري ميزعلش مني، عن إذنك.
قالتها والتفت مغادرة على الفور، ولكنها ألقت بابتسامة شقية نحو رحمة التي هتفت لها:
- آه يا جبانة.
***
أمام المرآة كانت تستعرض نفسها وتتأمل بتركيز شديد حتى تستكشف إن كان حدث تغير ما بهيئتها التي تدفع فيها المبالغ الطائلة، فهذا هو الشيء الذي تعيش عليه، هو رأس مالها بالاصح، والذي من أجله خسرت الكثير.
- جامدة.
تفوه بها خلف ظهرها قبل أن تلتف ذراعيه حولها ويحيطها من الخلف.
ليقبل رأسها متابعًا بلهجة مغوية:
- ومثيرة وقنبلة فتنة.
تبسمت بزهو يكتنفها في كل مرة يذكر لها هذه الكلمات، لتزيد من ثقتها وتحثها على المضي قدمًا، فقالت:
- حلو أوي الكلام ده، أنا بنبسط أوي لما أحس إني عجباك يا كارم.
- أممم.
زم بها يسننشق عبيرها ويداها التي تحاوطها تجول على منحنياتها وتزداد جرأة، يتمتم بأنفاس ساخنة:
- انتي دايمًا عجبتني من ساعة ما كنتي قطة صغيرة في الجامعة، لغاية ما بقيتي بكامل الأنوثة المتفجرة دي.
قالها ليلفها إليه ويطبق على شفتيها بقبلاته الجامحة ويعتصرها بين ذراعيه، برغبة محمومة لا تهدأ أبدًا، تتقبلها باستجابة ظاهرية له بكل جوارحها، لتزيده تعلقًا بها، وتأخذ هي في نظير ذلك المقابل.
نزع نفسه عنها فجأة مجفلًا على طرق باب الغرفة، ليهدر صائحًا بالطارق:
- مين اللي على الباب؟
وصل صوت الخادمة الذي اهتز من صيحته:
- أنا المربية إحسان يا فندم، أصل الهانم الكبيرة اتصلت بيا تستعجلني عشان أروح لها بالولد.
فلتت رباب نفسها عنه بغضب متجهمة الوجه تعطيه ظهرها.
ورد هو يجيب المرأة:
- خلاص جهزيه يا إحسان على ما ألبس أنا كمان وأخرج عشان آخدكم معايا.
- أمرك يا فندم.
قالتها المرأة وذهبت ليلتفت نحو هذه التي تكتفت تهتز بجسدها بعصبية يعلم سببها جيدًا، وقال يأمرها بخشونة:
- محبش حد أنا يديني ضهره، لفي وشك يا رباب عشان تكلميني.
سمعت منه لتقابل نظراته الباردة، بغيظ يفتك بها حتى تنفجر به:
- عايز مني إيه؟ ما انت كده كده بتعمل اللي انت عايزه، حتى لو جه على حساب كرامتي. الست والدتك بتتصل بالمربية يا كارم، ومش هاين عليها تكلمني أنا والدته. طب أنا كده من حقي بقى إني آخد موقف ومخليهاش تشوف الولد نهائي بعد كده.
- إيه هو اللي من حقك بالظبط؟ سمعيني تاني.
قالها بنبرة هادئة مريبة، دائمًا تنجح في بث الرعب بها، لتبرر بصوت مهتز:
- أنا بتكلم عن كرامتي يا كارم، ماما من ساعة ما اتجوزنا وهي مش متقبلاني، وانت شوفت بنفسك، كام مرة أحاول أتقرب لها، وهي اللي بترفض وتبعد، حتى لما خلفنا الولد برضوا بتفرض سيطرتها في الاستحواذ عليه، ده ابني أنا يا كارم.
على نفس النبرة الهادئة:
- وهو فيه حد خد منك ابنك؟
ثم ارتفعت سبابته ليطرق بطرف إصبعه على خدها يتابع:
- الولد بيقضي وقت لطيف مع جدته يا قلبي، بلاش تبقي وحشة وتحرمي ست عن حفيدها. أنا متعود عليكي قمورة وحلوة، يعني مفيش داعي إنك تغيري صورتك الجميلة دي في عيني، عشان أنا كمان متتغيرش ولا أقلب على الوش التاني معاكي، ماشي يا بيبي.
ظلت على وضعها تناظره بصمت تبتلع ما تبقى بداخلها من اعتراض، فهو يفعل ما يشاء وهي اعتادت أن تظل في الركن الذي وضعها به، لا تتحرك ولا تحيد بإنش عنه.
قرص على طرف ذقنها بابتسامة منتشية مستمتعًا باستسلامها، ليردد:
- هي دي روح قلبي.
قالها واقتنص قبلة سريعة وقوية منها قبل أن يتركها تحترق بعجز يكتفها حتى عن الدفاع عن حقها بابنها.
***
بخطوات سريعة متعجلة كان يقطع طريقه في بهو الفندق العظيم، نحو الغرفة التي يعمل بها، وقد أصبحت المقر الرئيسي لسعادته، حيث الجمال والروح النقية بقربه، حيث الرقة والقوة في نفس الوقت، حيث الصبا، وعيون الصبا.
وصل أخيرًا كي يصبح بوجه القمر، وجهها، كما يطلق عليه بداخله، ويلقي التحية بقلبه، قبل أن يلقيها بلسانه:
- صباح الخير.
قالها لتنتبه إليه وترفع وجهها عن الهاتف الذي كانت تتلاعب به، وتجيبه باحترام وهي تعتدل في جلستها:
- صباح النور.
تحمحم يجلي حلقه ليقول وهو يتخذ مكانه على كرسي مكتبه:
- عاملة إيه النهاردة؟
- كويسة والحمد لله.
قالتها بعجالة وحرج وهي تتناول أحد الملفات لتعمل عليها، فهذه أول مرة يسألها عن شيء آخر لا يخص العمل، شادي الجار الغريب، خشن الملامح، متجهم الوجه دائمًا، ولكنه رجل محترم هذا ما لمسته بنفسها خلال الأيام القليلة الماضية.
سمعت صوت استغفاره المعتاد قبل يوجه السؤال إليها:
- خلصتي البيانات اللي طلبتها منك امبارح؟
أجابته بعملية وهي تعود للبحث في الملفات:
- آه خلصتهم، وعملت ملف جديد بالحسابات الجديدة، بعد ما عدلت القديم، أجيبلك تشوف.
قالت الأخيرة وهي ترفع الملف الذي أخرجته من وسط كوم من الملفات.
ناظرها بصمت قليلًا ثم قال:
- أنا مطمئن لحسبتك يا صبا، هاخدهم عشان أراجع بس، لكن قوليلي بقى، حد من عمال الفندق أو المقيمين ضايقك؟
نفت تهز رأسها لتجيبه:
- لا يعني.... أنا ملفتهوش كتير، يدوبك قابلت مدام ميري وسجلت كل اللي تحتاجه الغرف، وبعدها روحت المطبخ عند الشيف منصور وده راجل مشهور وسكرة أساسًا.
تغضنت ملامح وجهه فجأة يردد خلفها باستهجان:
- مشهور وسكرة كمان، هو لحق يهزر ويضحك كمان معاكي؟
شعرت بمعنى غير مريح خلف كلماته، فقالت بدفاعية:
- ضحك أو هزر، دي حاجة عادية للشيف، هو دايمًا روحه خفيفة على الشاشة، ولما شافني امبارح اتكلم معايا ببساطة عشان متكسفش منه.
أطرق يكبح غضبٌ يلوح في أفق عقله الضيق والذي لن يرضى لها بالحديث أو الكلام مع أي رجل غيره، حتى لو كان هذا الرجل هو الشيف منصور، صاحب أشهر برنامج يعلم النساء الطبخ، هذا بالإضافة أنه بعمر أبيها.
شعر بضيقها ومبالغته بغير حق في تصرفه معها، فقال ملطفًا:
- هو انت بتتابعي الشيف منصور عشان بتحبي الطبخ يا صبا؟
نفت بهز رأسها صامتة، فتابع متسائلًا:
- أمال إيه؟
تبسم ثغرها فجأة لتجيبه ببساطة:
- بحب أتفرج عليه وهو بيعمل الأكل، وأشوف التعليقات من الستات اللي بتتصل عليه، إنما طبخ وتنفيذ مبعرفش، يعني خايبة بمعني اصح.
أسعده عفويتها في الرد حتى أنه لم يشعر بنفسه وهو يبتسم بعرض وجهه لتفاجأ برؤية أسنانه البيضاء بشدة، وتكتشف أنه إنسان عادي مثلها يأتي عليه الوقت ويضحك، حتى لو كان هذا السبب هو خيبتها في الطبخ.
- السلام عليكم.
قالتها امرأة من عمال الفندق وهي تقتحم الغرفة، فانقلب وجه شادي بسرعة ليعود لتجهمه ويسألها:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، عايزة حاجة يا مديحة؟
ردت المرأة وعينيها تتنقل عليه وعلى صبا:
- مش أنا اللي عايزة يا أستاذ شادي، ده البيه مالك الفندق، عدي باشا، طالب جميع الموظفين يتجمعوا.
- جميع الموظفين!
قالتها صبا بتساؤل، وردت المرأة:
- أيوه طبعًا بدون استثناء، عن إذنكم بقى.
قالتها لتخرج وتمتم خلفها شادي:
- كل عمال الفندق! يا ترى عايزنا في إيه عدي عزام؟
***
على كرسيها الأثير كانت جالسة ترتشف الشاي من كوبها الكبير، بتفكير عميق، فيما يشغل عقلها منذ عدة أيام أو بمعنى أصح؛ منذ عدة سنوات لا تعلم عددها، في انتظار الفرج. يغيظها هذا البرود وعدم التصرف، تريد شيئًا ما يحرك المياه الراكدة. لقد تعبت من الدعوات والوعود المماطلة من زوج الثيران التي تعيش معهم ولا أحد يُنفذ. لقد سئمت ولا تريد سوى الفعل الآن.
- رايح فين يا غالي؟
هتفت بها سريعًا فور أن انتبهت لإبنها الذي كان في طريقه للخروج الآن، استدار إليها الأخير ليجيبها بابتسامة زادت من عصبيتها:
- يعني هكون رايح فين بس يا ست الكل؟ ده ميعاد شغلي يا قمر.
التوى ثغرها بامتعاض تعقب:
- وهو الشغل ده مبينتهيش؟ ولا حالة الأمن هتتأثر لما ابن مجيدة ياخد إجازة في البلد دي؟
جلجلت ضحكة مدوية من أمين وهو يتراجع إليها يردد بمشاكسة:
- إيه ده إيه ده؟ الست الناظرة عايزاني أتخلى عن مسؤوليتي في حفظ الأمن! ليه بس كده يا أمي؟ دي حتى كانت تبقى عيبة في حقي.
قال الأخيرة وكان قد اقترب منها لتصبح بوجهه:
- اسم الله يا غضنفر، إنت يا واد انت هتشلني؟ ولا أنا عندي قلب يعني للمناهتة معاك.
- لا إله إلا الله.
رددها ليتابع بذهول لها:
- يا ستي هو أنا زعلتك في إيه بس؟ مالك يا مجيدة؟ إيه اللي معصبك؟
وكأنها كانت منتظرة الإذن، لتترك الفنجان وتضعه بعنف على الطاولة القريبة منها، وهي تصرخ به:
- إللي مزعلني هو البرود يا حبيبتي، مرارتي معدتش متحملة، عايزة تغير يا عنيا، زهقت منك ومن خلقتك، أنت والحلوف التاني، عايزة أشكال تفتح النفس غيركم.
فهم ما ترمي إليه، ليوميء بهز رأسه يهادنها بالكلمات النمطية المعتادة:
- حاااضر يا ست الكل، إدعيلي بس انتي وأنا أفرحك قريب.
- تاني هتقولي قريب!
صرخت بها تجفله لتتابع بصياحها:
- لأ وكمان بتقولي ادعيلي؟ غور من وشي يا واد، أنا مش هدعيلك، لا ده أنا هدعي عليك انت واخوك غور يا أمين.
ارتد الأخير بخطواته للخلف ليبتعد بروية مرددًا بكبت ضحكاته:
- طب حاضر، حاضر يا ست الكل، بس انتي متزعليش نفسك.
- بقولك غووور.
- خلاص يا ست الحجة أنا خرجت اهو.
هتف بالأخيرة فور أن وصل إلى مقبض الباب ليفتح ويخرج منه على الفور.
وغمغمت مجيدة بصوت لاهث يفيض بالغيظ من خلفه:
- روح يا أمين، إلهي يارب توقع في واحدة تطلع عينك، زي ما انتي تاعبني كده وفاقع مرارتي، و.....
قطعت فجأة ورأسها اشتعلت الدماء به، لا أحد يشعر بها، لا أحد يحاول، ولكنها لن تصمت هذه المرأة ويجب أن تتصرف. ولكن ماذا تفعل؟ ماذا تفعل؟ استدركت فجأة، فومض عقلها بفكرة ما، ويجب عليها التنفيذ الآن. تناولت الهاتف، لتضغط على الرقم الذي أخذته من هاتف ابنها الآخر، والذي ربما قد يأتي منه الحل. انتظرت لبعض الوقت حتى وصلها استجابة من الجهة الأخرى:
- الوو مين معايا.
سمعت مجيدة لتقول بصوت لاهث تدعي التعب:
- الووو.... أيوه يا حبيبتي أنا خالتك مجيدة......
- طنط مجيدة مين؟
قالتها شهد قبل أن تتابع بتذكر لصاحبة الاسم المميز:
- آه طنط مجيدة، أهلاً بيكي يا طنط.
سمعت الأخرى لتردد بصوت تزيد عليه بالمسكنة:
- أهلاً يا بنتي سامحيني، بس ده رقم الوحيد اللي حفظته، وأنا عايزة أي حد يوصلني بابني، أصله مبيردش وأنا تعبانة أوي.
اعتدلت شهد بجلستها عن المكتب لترد على المرأة بقلق:
- الف سلامة عليكي، مالك يا ست مجيدة؟
وصلها الصوت الضعيف:
- بقولك يا حبيبتي تعبانة، شكله كده الضغط وأنا مش قادرة أقوم أجيب برشامة، وأنا وحيدة ومعنديش بنات ولا أخوات.
ختمت بصوت يوشك على البكاء، أثر على شهد حتى انتفضت عن مقعدها لتجيبها:
- طب أنا دلوقتي في مكتبي، بس هدور عليه وأسأل، هو أكيد مسمعش رنتك، سلامتك يا حاجة، ألف لا بأس.
- الله يسلمك يا حبيبتي الله يسلمك.
أغلقت مجيدة لتصفق بحماس، في انتظار الآتي، وتمتمت بتفكير:
- اهو كده بقى هيبان، لو هي بنت كويسة هتبلغ حسن وتسأل، أما بقى لو معبرتش يبقى تغور في داهية.
حلاوتك يا مجيدة يا بتاعة الأفكار.
***
ولج بداخل منزل العائلة، بصحبة الصغير الذي هتف فور أن رأى جدته:
- تيتة...
تلقفته المرأة لترفعه عن الأرض وتقبله بحفاوة مرددة:
- يا قلب تيتة إنت يا روحي يا روحي.
اقترب منهما كارم ليُلقي التحية، وخلفه المربية التي كانت تحمل أشياء الصغير وحقيبته:
- صباح الخير يا ماما، عاملة إيه النهاردة؟
قبلت والدته رأس الصغير قبل أن تجيبه وهي تزيد بمعانقته:
- حمد لله يا بني. لكن دي مش عوايدك تدخل مع الولد وفي الصبح كده، إيه؟ واخد إجازة من الشغل؟
أومأ بعينيه قبل أن يلتف إلى المربية ويأمرها:
- إحسان، خدي عمار خليه يلعب في الجنينة على ما تخرج لكم ماما.
انتبهت والدته أنه جاء لأمر ما، لذلك استسلمت تعطي حفيدها للمربية، وسارت تلحق به حتى جلست أمامه على مقاعد صالونها الكلاسيكي، وقالت مبادرة:
- ها بقى، خير يا سيدي؟
صمت قليلًا يطالع وجهها المتجعد بتفكير ثم ما لبث أن يقول:
- خير إن شاء الله. بس سؤال يعني، لما انتي عايزة الولد يا ماما، ماتصلتيش ليه عليا ولا على رباب؟
ارتفع حاجبيها ونزلوا سريعاً باستدراك لترد وهي تبتسم بعرض وجهها:
- ليه بقى يا حبيبي؟ ما أنا قايلالك من يومين، إن الولد هيجي يقضي اليوم النهاردة عندي، ولا هي الست مراتك اللي زعلت بقى؟
عبس بوجهه بوجهه يقول:
- حقها طبعًا يا ماما، انتي ليه رافضة تتقبليها؟ دي مرات ابنك بقالها كذا سنة ودلوقتي أم حفيدك.
اهتزت كتفيها لتجيبه ببساطة:
- عشان القبول من عند ربنا وأنا مش قابلاها ولا قابلة شخصيتها كلها على بعضها، أنا حرة بقى.
صك على فكه يحاول السيطرة على غضبه، وهي تابعت بعدم اكتراث:
- انت عارف السبب، لذلك متحاولش معايا، احنا صلة رحم ومودة محفوظة من بعيد لبعيد، لكن قرب ولا اتصالات، لأ يا كارم، أنا كفاية عليا قوي عمار، عندي بالدنيا كلها.
زفر بحريق نشب بداخله ثم نهض على الفور ملقيًا كلماته على عجالة:
- زي ما تحبي يا ماما، عن إذنك.
قالها وغادر على الفور، لتغمغم هي في أثره:
- أفرح بيها أوي يا خويا، لكن برضوا مهما شفطت ولا نحتت ولا حتى نفخت، عمرها ما هتيجي نص كاميليا، بس أقول إيه؟ ما هي دي اللي تليق لك وتنفع معاك.
***
في القاعة المخصصة لكبار الزوار والتي لا يدخلها سوة الصفوة، حيث تجرى الاجتماعات والصفقات المهمة للعمل، والحفلات واللقاءات الاجتماعية للعائلة وطبقتها المخملية، كان جالسًا كالملك على عرشه يستقبل ويراقب دخول الموظفين والعمال تباعًا لينضموا إلى من سبقهم، في انتظار اكتمال العدد وشيء آخر بداخل عقله.
دلفت مودة التي كانت تتمسك بصبا، بأعين جاحظة تكاد أن تخرج من مقلتيها، تتمتم بانبهار على وشك أن يذهب عقلها كل ما وقعت عينيها على شيء ما من الديكور والحوائط المطلية بالذهب والثريات الضخمة بحبات الكريستال المتدلية منها:
- يا لهوي يا صبا، أنا حاسة نفسي هتجنن، دي قاعة دي ولا قصر ملك؟
همست لها الأخيرة بغيظ:
- امسكي نفسك شوية واتعدلي في مشيتك، متخليش حد ياخد باله منك ولا من كلامك ده، فيه إيه يا مودة؟
سمعت منها المذكورة لتفعل وهي تتذكر هيئتها أمام الجميع، وقال شادي الذي كان يسبقهم بخطوة واحدة متعمدًا عدم الابتعاد عنها أو تركها بعيدًا عن عينيه، بضيق يجثم على صدره ولا يعرف مصدره:
- معلش يا مودة، انتي لازم تقفي جنب فريقك دلوقتي، وصبا تاخد مكانها جمبي بحكم إنها المساعد بتاعي في القسم.
تغضن وجه مودة بامتعاض وهمت أن تجادله، قبل أن تجفل وتجحظ عينيها للمرة الثانية، فور أن انتبهت لرؤية هذا الذي كان جالسًا بهيئة ملوكية وعينيه مصوبة نحوهما، وبالأخص على صبا التي توقفت بصدمة وشحب وجهها لدرجة الصفار، وقد تلاقت عينيها بعينيه.
- وقفتي ليه يا صبا؟
سألها شادي وقد انتبه هو الآخر لنظرة عدي نحوها.
ابتلعت تجيبه بسؤال:
- الراجل اللي قاعد قدامنا ده، هو نفسه صاحب الفندق.
ازداد ضيقه مع توقفها، وانتباهه على النظرات المصوبة نحوها، رغم امتلاء القاعة بالجميلات ولكنها ومن دون مجهود، تظل ملفتة، بدون تفكير. أطبقت قبضته على رسغها من فوق قماش سترتها، ليسحبها يتمتم بهمس حذر:
- حركي نفسك الأول وبعدين اسألي، مينفعش الوقفة في النص كده.
رغم استغرابها ولكنها كانت ممتنة لفعله، وخرج صوتها أخيرًا، بعد أن جعلها خلف أحد السيدات:
- طب أنا كنت عايزة أسألك برضوا، هو ده مالك الفندق؟
تنهد بثقل يجيبها أخيرًا، بعد أن وضعها بزاوية بعيدة حد ما عن الأعين:
- أيوه هو يا صبا، بس مش المالك الفعلي، ده ملك عيلته، عيلة عزام، أخوه مصطفى أشهر من النار على العلم، لكن انتي بتسألي ليه؟
ابتلعت ريقها الذي جف، وشعور بالقلق يجتاحها، مع هذا الدوار الذي حل برأسها على الفور وبدون مقدمات.
- لا يعني سؤال عادي.
تفوهت بها برد غير مقنع له، ولكنه تغاضى حتى ينتبه لصوت المدير العام وهو يهتف بصوته العالي في الجميع:
- لو سمحتوا كلكم تنتبهوا معانا هنا، وتركزوا كويس، عدي باشا مش هيجتمع ولا يقطع من وقته المهم لمقابلتكم إلا إذا كان الأمر مهم.
أكمل الرجل ببعض الكلمات ليُخيم الصمت على الجميع، قبل أن ينهض عدي، ليغلق سترته ويتكلم بهيبة ورزانة يجيدها بحنكة اكتسبها على مر السنوات بمرافقة شقيقه الأكبر ووالده في السابق:
- السلام عليكم، أنا عارف إنكم مستغربين جمعتكم، ويمكن لما تسمعوا بالسبب تستغربوا أكتر إني اديت الموضوع حجم المرة أكبر من كل المرات، عشان أتكلم فيه بنفسي. يا سادة أنا مجتمع بيكم عشان اللجنة الأجنبية اللي هتيجي تقيم الفندق على مستوى الشرق الأوسط. أكيد هتقولوا إننا كل سنة بناخد مركز متقدم، لكن بقى هقولكم إن المسابقة المرة دي أشرس من كل السنوات مع ظهور فنادق جديدة في بعض البلاد، عايزة تسحب البساط مننا، لكن المرة دي بقى أنا مصمم إن محدش يسبقنا ولا ياخد مركزنا، بل بالعكس، أنا عايز إننا ناخد المركز الأول. هتقولولي إزاي والمنطقة فيها بلاد متقدمة عننا هقولكم إحنا نقدر، ولذلك أنا اتفاهمت مع المدير، عشان يحط الخطط، بس كمان قررت أشركم، لذلك أنا بطلب من كل واحد فيكم لو عنده اقتراح يقوله ولا في مشكلة برضوا ينوه عنها عشان نحلها.
خرجت بعض الأصوات ببعض الآراء ولكنه أوقفها بإشارة منه:
- وصاحب الفكرة اللي تستاهل له عندنا جايزة.
علت الهمهمات بالترحيب والحماس وارتفعت الأيادي، لينتقي منهم ما يشاء، حتى إذا انتهى من سماع فريق، أمر بتسجيل الفكرة أو الرأي ثم صرفهم، فريق خلف فريق تباعًا حتى لم يظل سوى بعض الأفراد وقسم شادي الذي كان يتفتت من الغيظ، لجعله ينتظر آخر القائمة، رغم أنه الأحق والأجدر لسماع مقترحاته.
غير منتبه على التي كانت تغلي بجواره، وقال عدي موجهًا خطابه نحوه بعد أن صرف الرجل الذي كان يسبقه:
- وانت يا شادي معندكش أفكار انت كمان؟
أجابه على الفور رغم انتقاص الحماس بداخله:
- حضرتك أنا أكتر واحد يخصه السؤال ده، بحكم وظيفتي زي ما انت عارف، لو هنتكلم عن الأفكار، ف أنا عندي خطط مدونة بالتكاليف وكل شيء، حتى ممكن أقول....
أوقفه بإشارة من يده:
- ثواني يا شادي، أنا هسمع وأعرف منك اللي انت عايزه، بس الأول بقى عايز أسأل اللي واقفة جمبك دي؟ انتي مين؟
قالها مشيرًا بإصبعه، نفس السؤال الذي كان بالأمس، ولكن هذه المرة واضعًا قدم فوق الأخرى، وهي مجبرة على الرد بكل احترام وتبجيل، على عكس تمردها بالأمس.
سبقها شادي بحمائية:
- حضرتك دي تبقي في القسم بتاعي....
قاطعه بإشارة كفه للمرة الثانية مرددًا بتسلط:
- بسألك، انتي مين؟
ضغطت بداخلها تحاول السيطرة على جنون يتراقص بعقلها، لتهدر به مرددة نفس عبارة الأمس:
- إنت مالك؟
ولكنها تمالكت تسمع لصوت الحكمة، لتجيبه بابتسامة بلاستيكية وثقة تنبع من عزة نفسها:
- أنا صبا يا فندم، مساعد الأستاذ شادي في القسم بتاعه.
***
بغرفة مكتبه في المصلحة الحكومية وعلى الماكت التي يعمل بها كان مندمجًا عليه بتركيز شديد، لتصميم هندسي لإحدى المشاريع المحددة، أجفل فجأة على صيحة أنثوية به:
- إنت لسة موجود هنا ومروحتش لوالدتك؟
انتفض ليصعق بوجود شهد أمامه، بعد أن وصلت أخيرًا بعد تحركها السريع عقب اتصال مجيدة بها، لتستقل سيارتها على الفور، وتذهب بقلقها على المرأة نحو المصلحة التي يعمل بها، بعد أن عرفت بوجوده الآن.
رددت مرة أخرى لتزيد من دهشته:
- فيه إيه يا بشمهندس؟ بسألك عن الست الوالدة، لسة برضوا مروحتلهاش ولا فتحت التليفون عشان تشوفها؟
قطب يناظرها بعدم فهم ليتمتم متسائلًا:
- انتي بتقولي إيه؟ أنا مش فاهم منك حاجة.
قالها ليجفل للمرة الثانية على صيحتها به:
- بسألك عن والدتك التعبانة، دي حتى مش قادرة تقوم من مكانها تجيب برشامة الضغط.
- والدتي أنا تعبانة كده، يا نهار أسود.
هتف بها بجزع، ليتناول سترته، ويركض سريعًا ويغادر. لحقت به شهد حتى توقف أمام سيارته، ليغمغم سائلًا فور أن رآها أمامه وهو يفتح باب سيارته:
- انتي عرفتي منين؟ مين اللي قالك إن أمي تعبانة؟
ردت شهد وهي تتحرك نحو سيارتها:
- والدتك هي اللي اتصلت عليا، عشان انت مبتردش عليها، وهي وحيدة ومش لاقية حد يساعدها. انت لسة هتنح، متخلص يا عم، خليني أمشي بعربيتي وراك عايز أطمن على الست.
قالت الأخيرة بصيحة جعلته يلج بداخل السيارة على الفور، ولكنه وما هم أن يدير المحرك، حتى تخبط في أفكاره، يشعر إن هناك خطأ ما، فوالدته لم تتصل عليه منذ الصباح!
- إيه هو ده؟ أنا مش فاهم حاجة.
غمغم بها قبل أن ينتفض للمرة التي لا يذكر عددها، وذلك على الصوت المزعج لبوق السيارة التي خلفه، سيارتها، وهي تلوح له من النافذة لأن يتحرك.
تنهد حسن باستسلام، ليتحرك ويقود سيارته، نحو الذهاب إلى منزل العائلة، ومعرفة ما الذي أصاب والدته، مع أنه يشك بصدق القصة، فبرشامة الضغط تناولتها في الصباح أمام عينيه! إذن ماذا يحدث؟
يتبع
رواية و بها متيم انا الفصل العاشر 10 - بقلم امل نصر
مالك يا صبا؟
نطق بها شادي سائلًا لها، بعد انتباهه لحالة الشرود التي تلبستها من وقت أن غادرو الإجتماع، لا بل أثناء الإجتماع، بتغير واضح بدا عليها وعلى ملامح وجهها المنعقدة بتفكير عميق، جعلها تحرك رأسها له باستفهام، لأنها لم تكن منتبهة لها.
بتقول حاجة؟
زاد دهشته ليميل برأسه نحوها قائلًا:
معقولة يا صبا، لدرجادي انتي سرحانة؟
تحمحمت لتعتدل بجلستها بحركة بسيطة تجعلها تستفيق لتركز مع الرجل جيدًا في الرد:
يعني مش لدرجة السرحان، بس هي دماغي انشغلت كدة بحاجة كنت نسياها وافتكرتها دلوقت.
قارعها بعدم تركيز:
ويعني هي الحاجة دي بالأهمية اللي تجعلك سرحانة كدة.
رددت بقصدٍ داخلها، لن يصل اليه:
أكيد طبعًا بالاهمية اللي تقصدها، وإلا مكنتش هتبقى في عقلي بالشكل ده، ع العموم ربنا يستر.
ربنا يستر.
تمتم بها مرددًا بقلق تسرب إليه، من كلماتها الغير مفهومة، حتى سألها بتوجس:
هو انتي ممكن تقوليلي عن الحاجة دي يا صبا؟
طالعته بحيرة لبعض الوقت صامتة بتذبذب، في القطع بقرار حاسم، عن إخباره او عدم إخباره، وفي النهاية ردت:
أكيد لو حسيت ان الموضوع يستاهل اني اتكلم فيه، مش هتأهر إني اجولك، بس دلوقتي بجى...
قطعت لتنهض فجأة مستأذنة:
انا هروح اشوف البت مودة في استراحة الموظفين، عن إذنك.
قالتها وخرجت على الفور من أمامه، تتابعها عينيه حتى اختفت، حتى انتبه اًخيرًا بتذكر:
صبا لسانها فلت اخيرًا معاك ونطقت بالصعيدي يا شادي..... معقول يكون اخيرًا خدت عليا ؟!
وفي الخارج وهي تقطع البهو الضخم في الذهاب نحو الجزء الاَخر لمبني تفاجأت بمن يهتف بإسمها حتى تتوقف.
يا صبا ، يا صبا استني.
استدارت بكليتها نحو المرأة الخمسينة، والتي علمت بإسمها صباحًا لتجيبها به:
نعم يا مدام مديحة؟ عايزة حاجة؟
تبسمت لها الأخيرة تقول بمرح:
نعم الله عليكي يا حبيبتي، مش انا اللي عايزاكي، دا الإدارة اللي طلبتني عشان اندهلك.
إدارة مين؟
سألتها صبا بعدم تركيز، وقالت المرأة:
مالك الفندق نفسه يا حبيبتي، عدي باشا، مستنيكي في غرفة مكتبه.
تسمرت صبا تناظره بهدوء، وقد علمت منها بلحظة المواجهة التي أتت اسرع مما تتخيل، ويبدوا عن عملها وفرحتها، سوف يصبحون قريبًا من التاريخ.
❈-❈-❈
في شرفتها وبين اصايص الزهور كانت تدور بدورقها لتسقيها وتراعيها بعمل روتيني اعتادت عليه من وقت ان تزو جت في هذا المنزل من زو جها، والذي كان زميلها في العمل المدرسي كإستاذ مثلها، تذكرته وتذكرت قصة ارتباطهم ببعض كوحيدين، هي من عائلة مغتربة من الأرياف، وهو الفقير من عائلة مشهورة بالغناء والسطوة، كغريبين التقيا وجمعهم كفاح مشترك وعشرة طيبة، اثمرت عن زو ج من الأبناء، بارك الله بهم وجعلهم صالحين، ويقروا العين برؤيتهم.
تنهدت لتمتم بتمني:
اخ بس لو يريحوا قلبي، وربنا ما هعوز اي حاجة تانية في الدنيا، غير حجة لبيت ربنا واحفاد، وان يهدى سرهم.... يالا بقى ربنا كريم .
قالت الأخيرة وهي تستقيم بظهرها ورأسها تدور بالأفكار كالعادة، اجفلت على صوت بوق السيارة الذي تعلمه جيدًا، ف اشرئبت برأسها لتنظر في الخارج، باستغراب لمجيء ابنها في هذا الوقت المبكر عن ميعاد عودته الفعلي.
دا إيه اللي جابه بدري كدة ده؟
قالتها وهي تراقبه حتى خرج بخطواته السريعة ثم توقف فجأة ينتظر من تبعه في الترجل من السيارة التي كانت خلفه.
شهقت بمفاجأة وقد تبينت من هوية الشخص، لتستدرك بتذكر:
يا لهو بالي شهد..... دا انا نسيت .
قالتها وتحركت سريعًا تترك الشرفة لتتوقف فجأة بتشتت بوسط الصالة، قبل أن تهتدي للتصرف الصحيح في هذا الوقت، وركضت بخطواتها البطيئة لتخلع الإسدال وتندس في الفراش بالعباءة المنزلية ذات النصف كم، واستلقت تغلق عينيها في انتظارهم.
والذي لم يمر عليه أكثر من دقيقتين حتى استمعت لصوت الباب الذي فتح فجأة وابنها يهتف:
ماما، يا ماما.
ست مجيدة
قالتها شهد قبل تقتحم الغرفة خلف حسن الذي توقف قلبه فور أن رأى والدته على فراشها مغمغمة العينين، ليصرخ بجزع:
ماما انتي حصلك إيه؟
ما كادت تسمعها مجيدة حتى تفاجأت بالفراش الذي اهتز بقوة وبوغتت بحملها من جزعها، ليهتف بها حسن بصراخ كاد أن يثقب أذنيها:
إيه اللي حصلك يا ماما؟ يا ماما فوقي.
غمغمت مجيدة بسبة داخلها، فهذا الغبي زلزل جســ دها حتى أصاب عمودها الفقري ببعض الألم، تمالكت سريعًا، لتعود لخطتها، فقالت بصوت جعلته خيفضًا كالهمس:
انا كويسة يا حبيبي ما تقلقش.
ابتعد حسن قليلًا بوجهه عنها ليتطلع إليها وهتفت شهد بصوت قلق:
إنتي متأكدة يا طنت انك كويسة، انا مقدرتش اتلم اعصابي من ساعة ما اتصلتي بيا، خدتي برشامة الضغط ولا لسة، قولي على مكانها وانا اجيبهالك فورًا.
بقلب يرقص بالفرح حتى كادت مشاعرها أن تنفضح أمامهما، كبتتها مجيدة بصعوبة داخلها، وخرج صوتها بضفف تدعيه:
ما نحرمش أبدًا منك يا حبيتي، أنا اتحمالت على نفسي وقدرت اخد واحدة، قبل ما تيجوا، الحمد لله.
الحمد لله.
تمتمت بها شهد وتكلم حسن بغباء مخاطبًا والدته:
برشامة الضغط، مش انتي خدتيها الصبح يا ماما، انا فاكر اني شوفتك بتاخديها.
اخفت مجيدة احتقانها وقالت بمسكنة أمام شهد:
ويعني انا لو كنت خدتها، كان جرالي دا كله.
ختمت بتأوه وهي تقرب وجهها من أذنيه لتهمس بصوت خفيض كازة على أسنانها:
أبعد بإيــ ديك دي شوية عني يا ابن الهبلة، كتمت نفسي.
صعق حسن ليبعدها على الفور حتى ينظر لوجهها بأعين برقت بذهول، لم تكترث له مجيدة والتفت إلى شهد قائلة:
تعالي يا حبيبتي اقعدي، هتفضلي، واقفة كدة.
ردت الاَخيرة:
مش حكاية إن افضل واقفة ولا قاعدة، المهم اننا نطمن عليكي، وانا من رأيي، نتصل بدكتور يجي يشوفك، ولا انت رأيك إيه يا بشمهندس؟
قالت الاَخيرة مخاطبة حسن الذي التف إليه متفوهًا بعدم تركيز.
ها.
هتفت به شهد بنزق:
بسألك عن دكتور للست الوالدة، ما تركز شوية يا بشمهندس.
فتح فاهه ينوي الرد ولكن والدته سبقت:
يا بنتي بقولك خدت البرشامة خلاص، يعني هما بس شوية الراحة وبعدها اقوم على حيلي.
اومأت براسها شهد بتفهم يمتزج ببعض الراحة، فتابعت لها مجيدة:
تعالي بقى جمبي هنا ومتتعبنيش.
قالتها وهي تشير بكفها على المكان المجاور لها في الفراش، واعترضت شهد بقولها:
معلش يا حجة الله يخليكي اصل انا ورايا.
يعني مش قادرة تقعدي ولو خمس دقايق.
قالتها مجيدة مقاطعة تغمض عينيها بمزيد من المسكنة لتزيد من ذهول الاَخر بجوارها، وانطوت الخدعة على شهد التي تأثرت لتذعن:
طيب يا حجة متزعليش، لا تتعبي من تاني.
قالتها وهي تسحب احد المقاعد، انتعشت مجيدة لتهتف بها مكررة:
لأ تعالي هنا يا بنتي، متتعبيش قلبي.
توقفت شهد بحرج فهمته مجيدة لتخاطب ابنها:
روح انت يا حسن اعملي حاجة سخنة.
بقبضة يــ دها وبعيدًا عن أعين شهد، قامت بلكزه من تحت الغطاء، لينتفض مصعوقًا، وهي تتابع بنبرة هادئة ومحذرة في نفس الوقت:
ويا متنساش شهد.
اعترضت الأخيرة وهي تطاوع مجيدة في الجلوس بجوارها، بعد ان نهض حسن من الجهة الأخرى، بلسان منعقد، ولا يتفوه بحرف:
يا ست مجيدة الله يخليكى انا قولت مفيش داعي، هو بس يعملك انتي حاجة تريحك.
بسعادة تغمرتها تبسمت مجيدة وهي تقترب من شهد وتناولت كفها لتضغط عليها، ثم ألقت بقولها نحو الذي وقف يشاهد بازبهلال:
خلاص روح يا حسن وشوف هتعمل إيه؟
سمع المذكور واستدار كالإنسان الاَلي في تنفيذ الأمر، ولكن عقله كان يربط الخيوط ببعضها، حتى إذا خرج من عندهن وذهب إلى المطبخ وصل بتفكيره ألى التخمين الصحيح، لتتوسع عينيه بجزع مغمغًا بصدمة:
يا نهار اسود، معقول يكون عملتيها يا مجبدة؟!
❈-❈-❈
وصلت إلى الغرفة المذكورة، بعد أن سألت وبحثت، حتى علمت بوجودها في الموقع المميز، بالقرب من غرفة المدير المسؤل الذي مضى على قرار التعين لها في السابق، السيد حمدي، كما كانت تسمع من شادي وهو يناديه، تنفست بعمق تفرد ظهرها لتذكر نفسها أنها ليست مضطرة للعمل، إن كان صاحب العمل لا يرغبها، بل هي في غنى عنه، إن تطاول عليها بكلمة واحدة، وليذهب العمل إلى الجحيم.
أطرقت بقبضتها قبل أن يأتيها صوته:
أدخل.
فتحت الباب لتلقي عبارتها بروتينية:
انا صبا يا فندم.
اشار بكفه لها من محله وهو على مكتبه الفخم بغرفة لا تقل اتساعًا عن جناحه، بلغة مسيطرة متعالية فهمتها هي لتزيدها اصرارًا وثقة، وهي تتقدم بخطواتها حتى وقفت على السجادة القريبة من المكتب تجيبه بكل هدوء:
نعم يا فندم، كنت عايزني في حاجة؟
ضيق عينيه يرمقها بصمت، مستغربًا هيئتها الواثقة، تقف بشموخ غير اَبهة لوضعها أمامه، بعد ان كشف لها عن موقعه، وسلطته عليها، لقد توقع منها رد فعل اَخر عكس الذي يراه أمامه الاَن على الإطلاق، أن يبدوا عليها الأسف، أن ترتجف، أن تعتذر عما بدر منها، أن تخشاه، لا أن تقف أمامه الاَن، وكأن شيئًا لم يحدث، بداخل الاجتماع وامام المديرين اعطاها العذر، لكن هنا بينها وبينه، داخل عرينه، يكن وضعها هكذا؟
انا بسألك تاني يا فندم، عن السبب اللي خلاك بعتلي؟
قالتها حينما طال صمته ليجيبها بعصبية:
هو انتي بتستعبطي ولا عاملة نفسك مش واخدة بالك؟
غلت الدماء الصعيدية بأوردتها وجاهدت حتى لا تسبه في موقعه، فقالت لتجيبه مباشرة وبدون التهور برد يحسب عليها بعد ذلك:
انا لا بستعبط ولا عاملة نفسي مش واخدة بالي، ولو حضرتك تقصد موقف امبارح، فا انا بأكد قدامك اهو اني مكنتش اعرف بمنصبك كرئيس ومالك للفندق اللي بعمل فيه، وع العموم يا فندم لو شايف اني غلطي يستحق، ف انت تقدر تصرفني عادي وبمنتهى البساطة كمان.
هل هذه صدمة التي شعر بها؟ أم هو وقع الكلمات المفاجئة منها؟ لقد تجاوزت، هذه الفتاة تجاوزت بعدم اكتراثها له، انتفض عن كرسيه بدون تفكير، ليلتف حتى أصبح يقف أمامها ويسألها بشر:
هو ده اعتذارك عن الخطأ نحو رئيسك ؟ ولا انتي فاكرة ان الفندق ميقدرش يستغنى عن موظفة صغيرة تحت التمرين؟
ابتلعت وحاولت السيطرة على تشنج جســ دها، للرد بقوة مع هذا القرب المستفز منه نحوها، وإن كان يظن أن بفعله هذا يستطيع تخويفها فهو واهم، ولكنها أيضًا ستلتزم الأدب، فردت بهدوء وحزم:
أولًا يا فندم، انا برجع وبعيد تاني عشان اقولك إني مكنتش اعرف بموقعك، ولو كنت حضرتك شايف إن اللي حصل معاك هو خطأ أو قلة تقدير لجنابك، ف انت طبعًا تملك الحق في ذلك، أما بقى بخصوص الوظيفة، ف انت برضوا قولت بنفسك تحت التمرين، يعني مش انا اللي هشغل الفندق.
تتحدث بلهجة عادية وكأنها لا تقصد التقليل منه، تواجهه بعينها الساحرتين ليتوه بهم، فتشتته عن الغرض الرئيسي له، ملامحها الدقيقة ولون البشرة الذي يجمع بين مميزات اللونين الأسمر والأبيض.
تبًا لها إنها جميلة بحق.
تمتم بها داخله وتحرك ليعود إلى مكتبه مرة أخرى ليتحمحم يجلي صوته ويقول بهدوء هو الاَخر:
ماشي يا صبا، انا مش هعتبر إنك اخطأتي في حقي انا كمالك للفندق، لكن بقى لو هنيجي للمهنية، ف انتي أخطاتي في حق نزيل بالفندق، ودي مش طريقة رد احترافية، ولا انت إيه رأيك؟
تساؤله هذه المرة كان منطقيًا ومقنعًا، لذلك لم تجد بدًا من الرد بما يناسبه:
اكيد طبعًا يا فندم ان تصرفي مكنش بمهنية لما غلبت مشاعري، لذلك انا بعتذر عنها دي.
تبسم داخله أن نال شيء ولو قليل يرد له اعتباره، حتى لو كان هذا الاعتذار الذي تعطفت به فقط لصفة نزيل وليس لصفته كمالك للفندق.
اهتز بكرسيه الذي يجلس عليه بأربحية، ليردف:
تمام يا صبا انا قبلت اعتذارك، لكن عن أي خطأ تاني مفيش تهاون.
اومات برأسها تنتظر أمر الإنصراف الذي نطق به اَخيرًا بعد فترة من الصمت:
تقدري ترجعي على شغلك.
قالها لتكنم بداخلها زفرة طويلة من الإرتياح، اطلقتها فور ان خرجت من غرفة مكتبه، تشعر بثقل كان يجثم أنفاسها وتخلصت منه اَخيرًا، لتعود إلى مقرها في العمل والذي لم يعد مضمونًا من الاَن، أما هو فقد ظل على حالة الشرود فيما حدث بينه وبينها، وهذا التخبط الذي شعر به بعد مقابلته بها، مزيج من القوة والجمال والجاذبية، جمعتهم بطمع لها وحدها، وكأنها ترفض ان تكون عادية كباقي النساء.
بداخله فضول للمعرفة جعله يسأل مدير الفندق لديه عنها مباشرةً قبل مجيئها:
البنت اللي شغالة مع شادي، دي من امتى موظفة عندنا؟
تبسم حمدي ليُجيب وهو يلملم الأوراق التي انتهى من اخذ التوقيع عليها من رئيسه:
دي صبا حضرتك، جابها شادي هي وبنت تانية اسمها مودة، الاتنين مختلفين في كل حاجة، دوكها وظفتها في النظافة عشانها مؤهلها المتوسط وامكانياتها كمان، أما صبا بقى، فدي بجد كان نفسي اشغلها استقبال، نظرًا طبعًا لهيئتها اللي واضحة زي الشمس، ومؤهلها كمان، دي واخدة تجارة انجلش، بالإضافة لعدة كورسات مهمة، بس للأسف شادي أصر انها تبقى في القسم معاه، دي هتكمل معانا شهر دلوقتي.
شادي.
تمتم بالإسم وهو يستفيق من شروده، ليتذكر ايضَا، الإسم الاخر وصاحبته.
مودة.
❈-❈-❈
قلقتي عليا؟
سألتها مجيدة وهي لاتزال تقبض على كفها وكأنها تمنع عنها الهروب، او تقيدها حتى تظل بجوارها، وقالت شهد تجيبها بعفويتها:
طبعًا يا طنت، انا معرفتش اتلم على اعصابي اصلًا من ساعة ما قولتيلي، خوفت جدا لملحقكيش، وانا اساسًا معرفش العنوان.
يا حبيبتي.
تمتمت بها مجيدة بصوت متحشرج تتابع:
عارفة يا شهد، اهو انا كان نفسي اخلف بنت، عشان تخاف وتقلق عليك كدة، ولادي الاتنين ربنا يحرسهم، الاتنين صالحين والحمد لله، بس بقى الراجل مهمها عمل لا يمكن يبقى زي الست، لا يعرف يطبخ ولا ينضف ولا حتى عنده زوق في حاجة.
ظلت شهد تستمع صامتة وتظهر التأثر حتى فاجئتها بالسؤال:
بس انتي بتعرفي تطبخي بقى يا شهد؟
قطبت متفاجئة لها الاَخيرة قبل أن تجيبها:
حمد لله، اينعم انا طول اليوم في الشغل، بس دا ميمنعش اني بحب اعمل حاجتي بنفسي، والأكل دا بالذات بعمله في اي فرصة اخد فيها اجازة من الشغل.
هلل وجهها فجأة بالفرح ولكنها تمالكت لتذكر التعب وتعد إليه، فقالت بمكر:
برافوا عليكي، طب تصدقي بإيه، أنا بقالي سنين مكلتش برا بيتي لا في عزومات ولا خروجات، بس وربنا لو انتي لو عزمتني ما هرفص، انا عندي رغبة ادوق أكلك، نفس ادوق اكل المقاول شهد.
تبسمت لها شهد تقول بحرج:
حاضر من عيوني الاتنين، ادوقك أكلي في أقرب فرصة، بس انتي قومي.
يا حبيبتي تسلملي عيونك.
قالتها مجيدة قبل أن تجفل على اقتحام ابنها للغرفة، يحمل على يديه صنية لكوب ساخن، وأخرى علبة مشروب غازي، بوجه متجهم قائلًا:
الساقع لشهد والمشروب السخن ليكي يا ماما.
قالها وهو يدنو بالمشروبات نحوهن، القت مجيدة نظرة ممتعضة قبل أن تعقب مخاطبة شهد وتشير بيــ ديدها:
واخدة بالك يا شهد، جايب الصنية عليها نقط مية، الخايب ابن الخايبة، بذمتك دا لو بنت مش كان خدت بالها من الحاجات اللي تكسف دي.
استشاط الاَخير من الغضب والإحراج ليهتف بوجه مكفهر:
جرا إيه يا ماما؟ دا انا جايبلك الصنية نضيفة وغاسلها بنفسي، دي جزاتي يعني؟
انتقل الحرج إلى شهد لتنهض عن التخت مستغلة انشغال مجيدة مع ابنها وتستأذن بحرج:
طب عن إذنكم يا جماعة، انا يدوبك بقى احصل شغلي.
ردت مجيدة بلهفة:
هو انتي لسة لحقتي قعدتي؟ طب حتى اشربي العصير بتاعك.
همت شهد أن تجدد عذرها، ولكن حسن كان الأسبق:
شهد مش فاضية للقعدة يا ماما، دي وراها أشغال ياما، هي مش خلاص اطمنت عليكي، وانتي بقيتي تمام اهو.
قال الاَخيرة بمغزى نحو والدته، والتي فهمت عليه، فقالت:
الحمد لله، ربنا يباركلها بنت أصول.
قالتها ثم انتقلت نحو الأخرى، لتردف لها:
طب سماح المرة دي يا شهد، بس بقى لازم تاخدي واجبك دي أول مرة تدخلي بيتنا، حتى على الأقل اشربي الساقع.
خالتي والله.
لا والنعمة ما تخرجي من غير ما تضايفي.
هتفت بها مجيدة تقاطع شهد بإصرار زاد من حرجها، وزاد من احتقان الاَخر، ليخطف علبة الكنز قائلًا:
وادي علبة الساقع، معلش يا شهد اشربي وانتي بتسوقي لجل عيون ست الكل.
اضطرت الاَخيرة لتتناولها منه وتحركت لتغادر وهو خلفها، ولكن مجيدة أوقفتهما:
شهد متنسيش اللي اتفقنا عليه.
تعقد حاحبي الأخيرة بتفكر قبل ان تتذكر سريعًا وتجيبها:
حاضر من عيوني.
تسلم عيونك.
قالتها مجيدة وانتظرت حتى وصلت الأخرى لمخرج الباب فهتفت عليه مرة أخرى:
أنا كدة اتأكدت إن دي نمرتك يا شهد، وانتي كمان عرفتي نمرتي، هتقبلي بقا لما اتصل بيكي، ولا تتبرعي وتتصلي انتي بنفسك؟
الاتنين يا طنت.
هقبل بالاتنين.
رددت بها ثم غادرت سريعًا قبل ان توقفها مرة أخرى، والتف حسن بنظرة خاطفة متوعدة، قابلتها مجيدة باستخفاف، قبل أن يعود ليلحق بالأخرى، لتمصمص هي بشفتــ يها وتعتدل لترتشف من كوب المشروب الساخن، رشفة كبيرة جعلتها تردد على الفور ساخطة:
يا ابن الجزمة، عامل فيا مقلب ومخليها من غير سكر خالص. ماشي يا حسن.
❈-❈-❈
في غرفة الكشف وأمام الطبيب الإنجليزي والذي كان يلقي بنظره شاملة على الملف الذي امتلاء بالأشعة وصور التحاليل التي طلبها منهم سابقًا، بتوتر مهيب كانت تتنقل بنظرها من الرجل وإلى زو جها الذي كان متكتف الذراعين بسأم، وقد مل من تكرار التعب، في شيء يعلم نتيجته سابقًا.
مستر مصطفى و مدام عزام
هتف بها الطبيب بلكنته الأجنبية فور ان رفع رأسه عن الأوراق، أجابته نور بلهفة وتوتر:
نعم يا دكتور.
تنهد الرجل يخلع عن عينيه النظارة الطبية، ثم قال بلغته يوصف بشكل دقيق عن نتائج الاختبارت التي طلبها والتي تظهر بشكل واضح السلامة الجســ دية لكلاهما من أي عيب يمنع عنهما الإنجاب.
فهتفت به نور بعدم تصديق:
ازاي يعني؟ لما انا وهو معندناش عيب في أي حاجة، أمال مش بنخلف ليه؟ مفيش حمل حصل حتى ولو كاذب لييبه؟
عصبيتها أجفلت الطبيب حتى جعلته يطالعها بصدمة، ارتدت على مصطفي، ليهدر بصوت حازم وكفه تطرق على سطح المكتب بينهم:
إهدي يا نور، الدكتور مغلطتش.
التفت إليه تسأله برجاء:
ولما هو مغلطتش، يبقى العيب فين؟ إيه اللي منعني ومنعك عن الخلفة يا مصطفى؟
زفر الاَخير يتمتم بالإستغفار، ويناجي ربه بالصبر، وتدخل الطيبب يخطابها بهدوء:
مدام عزام، لا يجب عليكي أن تنفعلي بهذا الشكل، نحن الأطباء لا نملك الحيلة، أنا أخبرك بسلامة جســ دك ليستقبل طفل، والصحة السليمة لزو جك أيضا، وهذا يخبرك، أن المسألة مسألة وقت.
رددت خلفه بسأم وتعب:
تاني هتقولي وقت؟ هو انا معنديش في قاموس حياتي غيرها الكلمة دي.
أمال عايزاه يقولك إيه؟
صاح بها مصطفي ليتابع بصرامة:
يطلعلك عيب بالعافية! انا كنت عارف من الأول إن هي دي النتيجة، وعشان كدة كنت ممانع المشوار من أوله.
انتبه فجأة على نظرة الطبيب الذي طالعه باستهجان، ققال باعتذار:
أنا آسف يا دكتور، بس ارجو منك تقدر الوضع اللي انا فيه.
قالها ونهض لينهض امرأته والتي كانت على حافة بوادر انهيار، ليستئذن منه وينصرفا الاثنان.
❈-❈-❈
بداخل السيارة التي كان متوقفًا بها في إحدى شوارع مدينة لندن الخالية إلا من عدد قليل من المارة التي تعدو حولهم، كان يجلس صامتًا خلف على مقعد القيادة، ينتظر بألم انتهاء نوبة البكاء التي انطلقت بها منذ خروجهما من عيادة الطبيب، واستقلالهم السيارة ولم تتوقف حتى الاَن، حتى قال بتعب:
وبعدين بقى يا نور، هنفضل بقى بقية اليوم كله هنا واقفين في الشارع المختصر ده، على ما تخلصي انتي عياط.
رفعت رأسها وعينيها المغرقة بالدموع ترد بصوت مبحوح:
طب واعمل إيه بقى إن كنت مش قادرة اوقف، ولا انت مش زعلان زيي يا مصطفى.
رمقها بنظرة تختزل داخلها بحورًا من العذاب الذي يكتمه بداخله حتى لا يزيد على عذابها، ليقول:
وافرضي زعلان! إيه بإيــ دي؟ أدي الله وادي حكمته، عندنا الصحة وعندنا المال، لكن رزق الأطفال. شي مقدر بإيــ د ربنا. لو رايد تمام ولو مش رايد بقى.
قاطعته مرددة:
لا أكيد رايد ان شاء الله، بلاش يأس وحياتي يا مصطفى، انا فيا اللي مكفيني.
قالتها وانخرطت في موجة جديدة من البكاء، لتزيد من شفقته عليها، فتناول كفها ليقبله وقال يخاطبها بحنان:
خلاص يا نور، يا حبيبتي كفاية بقى، انا قلبي بيتقطع من عياطك.
توقفت إليه قائلة:
وانا قلبي بيتقطع عليك انت يا مصطفى، نفسي تفرح بطفل من صلبك، حتي لو هتجيبه من واحدة غيري.
بس بقى.
هتف بها مقاطعًا بحزم لم يؤثر فيها لتتابع:
اسمع مني يا مصطفى، انا اعرف من زمان ناس كانوا كدة، مش بيخلفوا غير لما يسيبوا بعض ويتجوزوا ناس تانية.
وانتي عايزة تتجوزي حد غيري عشان تخلفي؟
سألها بنبرة هادئة بخطر، وردت هي على الفور بدفاعية:
أبدًا والله، انا عمري ما هتجوز غيرك، انا قصدي عليك انت يا مصطفى، اتجوز وخلف وانا قابلة اكون رقم ٢ في حياتك.
سمع منها وظل يحدق بها لفترة من الوقت حتى قال:
انا دلوقتي بس عرفت المشكلة يا نور، الكلام ده لا يمكن يصدر من واحدة بكامل عقلها، وهي متأكدة انها سليمة، المشكلة عندك في نفسك يا نور، انتي لازم تروحي لدكتورة تعرف باللي عندك.
انا مش مريضة يا مصطفى.
لأ مريضة. ومتزعليش من كلامي، دا لو انتي عايزة الحل لمشكلتنا، هوسك بموضوع الخلفة وعصبيتك دي من اول يوم في جوزانا، ميت مرة اقولك اصبري وانتي مفيش فايدة واحنا وكأن ربنا بيعاقبنا ع الإستعجال.
هذه المرة كان الصمت حليفها هي لتناظره بجزع شاحبة الوجه المنتفخ أصلًا من اثر البكاء، بهيئة مزرية زائغة العينين، ليردف هو متابعًا في الاَخير:
انتي لازم تروح لدكتور نفسي يشوفك يا نور.
❈-❈-❈
كالعادة وحينما تضيق نفسها مما يحدث معها وتقف عاجزة أمام الفوز بأبسط حقوقها، بفعل سيطرته الخانقة على مجريات حياتها، لا تجد أمامها سوى الحل الاَخير في الهروب عن واقعها لتعيش الحياة الافتراضية على الواقع، تأنقت وارتدت افخر الملابس العصرية والتي تظهر جمال قدها بسخاء، زينة وجهها، الشعر الطويل المصصف بعناية، ثم باقي الكماليات كالنظارة والحقيبة والحذاء، وهذه الاشياء ذات الماركات المشهورة، لتصل داخل النادي المخصص لعلية القوم من النخبة التي انضمت لهم، بزوا جها من هذا الكارم، لتُقابل بحفاوة الاستقبال من كل من يعرفها بفضل الشهرة التي اكتسبتها على وسائل التواصل الإجتماعي، ثم النظرات التي تنعش ذاتها المهدور، من كل من تقع عينيه عليها، من رجال، تتحدث أعينهم بالطمع بها وبجمالها، ونساء يحقدن عليها، شعور لطالما عوضها عما تلاقيه في حياتها العادية.
انتبهت بعينيها فجأة على من تقف بزواية مختصرة بعيدًا وتعطيها ظهرها، بأنوثة صارخة لا تقل عنها، كزت على أسنانها وقد علمتها جيدًا، عرفتها، من كانت في يوم من الأيام منافسًا لها، قبل أن تقضي عليها هي بالضربة القاضية.
هاي يا جيرمين، واقفة عندك بتعملي إيه؟
التفت الاَخيرة نحو التي أتت مخصوص لتناكفها، فردت بابتسامة صفراء على مضض:
أهلا يا روحي، وانا واقفة هنا مستنية أولادي يخلصوا تمرين، عندك مانع؟
لأ طبعًا معنديش.
قالتها رباب لتكمل ببرائة:
انا بس جيت اسلم عليكي واسألك لتكوني محتاجة مساعدة يعني، ما انا عارفاكي بتتعبي قوي لوحدك مع الأولاد، من ساعة ما جوزك تعب، دا انا سمعت انه كمان قرب يطلع معاش، معقولة دي؟
سمعت الأخرى وضاقت عينيها بشرر يصدر منها، تود لو تتمكن من إحراقها، فردت تفاجئها:
شكلك كدة جايالي مخصوص النهاردة، وباين عليكي عايزة تتسلي عليا، بس لا بقى يا حبيبتي، انا معدتش بخاف زي الأول عشان ان اللي انتي مسكاه عليا ده، يمسك زي ما هو يمسني.
رددت لها الأخرى بتهكم قائلة:
ودا بقى هيمسني ازاي يا قلبي؟ إيه؟ كنت معاكم ع السرير؟
قالت الأخيرة بغمزة وقحة جعلت الأخرى تسشيط غيظًا وجزعًا في نفس الوقت وهي تجول بعينيها في كل النواحي، خوفًا من سماع احد ما لحديثهم، وحينما اطمأنت بعض الشيء، عادت تهدر هامسة بفحيح:
لأ روحي، مكنتيش معانا ع السرير، بس كنتي بتصورينا، تفتكري لو كارم شم خبر بس بالموضوع، هسيبك عايشة ع ضهر الدنيا دي اساسًا؟ دا نابه ازرق، ومعندوش تفاهم مع اي مخلوق يمس صورته، واسأليني انا عليه، دا عشرة سنين قبل ما يقابلك.
اهتأوهت بالاَخيرة بعد تلقيها لدفعة قوية من قبضة الأخرى على كتف ذراعها الأيسر، لفتت نحوهن الانظار، قبل ان تشير جيرمين لمجموعة قريبة بعض الشيء منهن، بابتسامة متصنغة تقول بارتباك:
بنهزر يا جماعة، دا احنا في نادي عادي يعني؟
انصرفت المجموعة بأنظارهم، والتفت هي عائدة نحو الأخرى، التي ردت بتهديد ووعيد:
حاولي يا جيرمين، جربي بس، وانتي تشوفي نار جهنم على الارض، لما انشرلك مقاطع هتقلب الكوكب بجمالك، تخيلي بقى لما اللوا نجيب يشوف انجازات مراته، ولا ولادك يعرفوا ان والدتهم نجمة مشهورة، يا نهار ابيض، دول هيفتخروا بيكي اوي.
قالت الاَخيرة لتنطلق بالضحك، لتفاجئها الأخرى بردها البارد:
قولتيلي الكلام دا قبل كدة، مش محتاجة بقى تفكريني عشان مزهقش؟
عبس وجه رباب وذهب عنه العبث لتسألها بتوجس:
نعم يا ختي؟ يعني إيه؟
ارتخى وجه الأخرى لتجيبها بابتسامة واثقة اكتسبتها بعد فترة طويلة من الخوف والتفكير المستمر بعد فعل هذه المجنونة معها:
افهمك انا يعني إيه؟ واسمعي وركزي كويس في اللي هقوله، شوفي يا قمر، انتي لما هددتيني في اول مرة وخدتي في المقابل فلوس تسكتي بيها، مع عهد مني اني مقربش من كارم ولا حتى اكلمه لما ابعد عنه، انا وافقت ونفذت. وانتي شوفتي بنفسك، يعني انا عملت اللي عليا، يبقى انتي بقى تحلي عني وتنسيني، عشان جو التهديد والقلق ده، انا لا يمكن هقبل تاني بيه، لأن خلاص فاض، وبقت واقفة معايا على شعرة، ابعدي عني يا رباب احسنلك يا هحرق المركب باللي فيها، وعليا وعلى أعدائي. ماشي.
بصقت كلماتها وتحركت لتذهب وتتركها كالتمثال محلها، بعد ان صعقتها هذه الملعونة بالقوة الجديدة التي اكتسبتها والتهديد المرعب لها، لو علم كارم.
❈-❈-❈
انتفض ليرفع نفسه عنها وينهض عن الفراش مرتديًا بنطاله فقط ثم جلس بجزعه العاري على كرسيه المميز، متناولاً سيجارة ليدخنها بفكر شارد، لا تزال صورتها أمام عينيه ولم تفارق خياله بعد، احتلت عقله من وقت ان تركها بكبريائها ورودها القوية وجمالها الجاذب للنظر كالجاذبية الأرضية، لقد حاول ان يلهي نفسه بالعمل مرة والتنقل في اكثر من جهة، مرة في شركته مع كارم ومرة في مجموعته مع شقيقه، ثم يعود يائسًا إلى الفندق ويطلب المسكن الرئيسي له، والذي لطالما نجح معه.
عدي باشا، هو انتي مكانك كدة كتير، مش ناوي تيجي بقى؟
قالتها ميرنا التي كانت مستلقية على فراشة، وتغطي جســ دها العاري، بالشرشف الخفيف، تتلاعب بشعرها بإغواء تجيده جيدًا، طالعها صامتًا لبعض الوقت، ثم ما لبث ان يأمرها بحزم:
قومي البسي هدومك يا ميرنا.
سألته بعدم تصديق:
البس هدومي ازاي يعني؟ احنا ما لحقناش نعمل حاجة أصلًا.
ختمت بضحكة رقيعة قطعها هو بصرامة:
بقولك البسي هدومك.
طيب حاضر متزعلش.
قالتها بتخوف لتنهض على الفور تنفذ بإذعان لأمره، واشاح هو بوجهه عنها ينفث الدخان الكثيف بتسارع، جعل الأجواء من حوله تبدوا كفرن حريق.
انتهت ميرنا من ارتداء ملابسها وزينة وجهها على عجالة حتى تخرج سريعًا، ف هيئته الغريبة تجعلها تود الهرب لتجنب المشاكل او الأذية، كما مر عليها سابقًا مع عدة أشخاص، فما أرخص أن ينفث الرجل غضبه بها وبأمثالها، وقد علمها الزمان أن ليس لها دية!
وقالت بتردد:
طب انا خلصت يا باشا، عايزة مني حاجة قبل ما امشي؟
رد بلهجة هادئة ادهشتها:
شدي الكرسي اللي جمبك ده وتعالي هنا جمبي.
طالعته بتخوف لتنفذ بسحب الكرسي، ثم جلست كما امرها لتقول:
امر