تحميل رواية «و بها متيم انا» PDF
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
على صوت القارئ الشجي وهو يتلو آيات الله الكريمة، عبر مذياع الراديو على بكرة الصباح، تململت بفراشها، تُغالب توسلات جسدها التي تطالبها بالراحة، والإستسلام لدفء الفراش، ولو بيوم واحدًا فقط، تنسى به مسؤلياتها والوجبات المطالبة بها، تعيش لنفسها، لنفسها فقط ولو لمرة واحدة، ألن يأتي هذا اليوم؟ "شهد يا شهد، هو انتي لسة مصحتيش؟" "شهد...." "خلاص قومت أهو." هتفت بها مقاطعة وهي تعتدل بجذعها عن الفراش نحو محدثتها نرجس، زوجة أبيها الراحل، والتي ردت ببعض الحرج: "صباح الخير، معلش بقى يا حبيبتي، بس أنا خوفت لتتأ...
رواية و بها متيم انا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم امل نصر
وسط ترحيب الجيران والمعارف وتساؤلات عن الصحة وكلمات ود تخرج من القلب لها، وكأنها غابت شهور وليس عدد من الأيام.
وهي تبادلهم الرد بابتسامة ممتنة، ورزانة اعتادت عليها، خطواتها تبطئها بقصد، وتتوقف عن السير عدة مرات حتى لا تغفل عن إجابة أحد، بصحبة شقيقتها المؤازرة لها دائمًا، رؤى.
- حمد الله ع السلامة يا شهد، ربنا ما يجيب حاجة وحشة أبدًا.
- الله يخليكي يا ام كريم.
- احنا كنا بنسأل عليكي دايما الست نرجس، وكان بودنا نيجي ونزورك بس منعرفش العنوان.
- تسلم يا عم عادل، دا العشم فيكم والله.
- لا بس انتي وحشتينا اوي والبت رؤي دي عايزة قرص في ودانها عشان مفيش مرة ريحتنا بكلمة.
- انا يا ام حسين، الله يسامحك.
- هيسامحني يا ختي، عندًا فيكي هيسامحني.
قالتها المرأة وانطلقت الضحكات ليتبعها بعض المزاح والتفكه بالعبارات، ليشيع جوًا من المرح، ويزيد من تعطليهم.
وفي الأعلى كانت أمنية تراقب من الشرفة والهاتف على أذنها تتحدث إليه:
- بقولك وصلت يا عم، والجيران ولاد الكلب، عاملينها استقبال ملوكي، ولا اكنها ملكة بين راعاياها وهترش عليهم بالدنانير والدراهم........ ايه؟ عايزانى انا كمان استقبلها واكلمها؟....... ليه يا حبيبي؟ هو انت ناسي ان الخناقة كانت عشانك؟ وانا بدافع عندك........ ما تقولش حمارة يا ابراهيم.........
هتفت بالأخيرة محتدة، وهي تدلف لداخل غرفة نومها وتترك الشرفة وتابعت بالرد:
- لأ يا ابراهيم، البت دي هتشوف نفسها عليها، أنا عارفاها مش هترضى ترد وهتكسفني........ تاني يا ابراهيم هتزعق فيا؟....... خلاص يا سيدي سكت وهسمعك...... اممم........ سياسة!......... حاضر هجرب واما اشوف هتعمل ايه انت كمان، في الاستراتيجية الجديدة الي بتقول عليها دي......... سلام.
❈❈-❈-
- شهد انتي وصلتي؟ حمد الله على سلامتك يا بنتي.
تفوهت بها نرجس فور ان وقعت عينيها عليها وهي تلج لداخل المنزل، وخلفها رؤى كانت تحمل حقيبتها وبعض الكتب المدرسية على يديها، والتي تكفلت هي بالرد مع صمت الأخرى:
- لا موصلناش لسة يا ماما، استني لما نيجي وبعدها سلمي.
عبست نرجس تهتف حانقة نحو ابنتها:
- عنك ما جيتي، بنت قليلة الحيا بصحيح.
كانت قد وصلت إلى شهد لتجذبها من ذراعيها وتقبلها على خديها بمداهنة تردد:
- نورتي بيتك يا حبيبتي، نورتي بيتك يا أحلى شهد.
ابتسامة باهتة اغتصبتها شهد بصعوبة لتوميء لها بهز رأسها حتى تتركها لتدخل غرفتها، قبل أن تفاجئها أمنية بقولها:
- الف سلامة عليكي يا شهد.
قالتها وقد ظهرت إليها من العدم، متصنعة الأدب والمسكنة، قطبت شهد تطالعها بريبة صامتة، لتتابع الأخرى:
- انا كان نفسي اجيلك عند صاحبتك، بس خوفت لا تطرديني ولا متقبليش بزيارتي، ساعتها كان هيبقى شكلي وحش اوي في بيوت الناس.
- وانا، وانا كمان يا شهد كان نفسي اجيلك، بس البت رؤى اختك مرضيتش.
قالتها نرجس متلهفة لرد فعل شهد والتي طالعت وجهها وهذه البلاهة المرتسمة على ملامحها، وكأن ما تتكلم عنه هو بالهين، أن تجد الغريب هو من يهمه أمر صحتها ورعايتها، ولا تجد من أفنت حياتها من أجلهم بجوارها وكأنه شيء عادي.
هل هي من تغيرت أم انها كانت معمية عن رؤية واضحة لهذه الوشوش، نقلت بأنظاراها نحو أمنية التي تتصنع دورًا لا تجيده، ليخرج صوتها:
- كتر خيركم، فيكم الخير.
استدارت نحو الذهاب إلى غرفتها ولكنها وما أن تحركت خطوتين حتى توقفت تتابع وقد أعطتهم ظهرها:
- بدل الحجج والقصص دي كلها، كان يكفي اتصال او حتى رسالة ع الفون. دا اضعف الإيمان.
- أه بس انتي مكنتيش هترودي.
هتفت بها أمنية وكان رد شهد ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيها، بعد أن التفت إليها برأسها، لتختم بتنهيدة مطولة خرجت من عمق جرحها.
لتكمل سيرها بعد ذلك حتى دلفت داخل غرفتها، لتباغتها دمعة خائنة سقطت على خدها مسحتها سريعًا، حتى لا تترك نفسها فريسة للحزن أو التحسر على ما ضحت به من أجل أشخاص لا يستحقون، لا بل يوجد فيهم من يستحق، شقيقتها رؤى، تتمنى من الله الا تتغير هي الأخرى وتصبح صورة منهم.
من جيب بنطالها أخرجت هاتفها لتعود إلى حياتها الطبيعية وتمارس عملها المنقطعة عنه منذ مدة:
- الوو يا عبد الرحيم، إيه الأخبار؟
❈❈-❈
في زيارة لشقيقها مروان، الوحيد المتبقي لها من أفراد عائلتها، وقد كان الفراق خيارها معهم، من أجل مصلحتها، بتحدي غبي منها، خسرتهم، ولم يبقى سوى هذا الفرد الوحيد، لتنزع عنها قشرة الجمود معه، وتفتح قلبها إليه، وقد فاض بها:
- انا تعبت يا مروان، وعايزة اشوفلي حل معاه، اتخقنت وقرفت، ودا عامل زي العمل الأسود، مفيش منه مهرب، اخاف اكلمه ولا حتى افاتحه في موضوع الانفصال، ليقتلني ولا يعمل فيا حاجة وحشة، دا غير كمان ابني، مش بعيد يحرمني منه.
كان يسمع منها صامتًا وهو يخرج لها عبوة عصير طازجة من البراد ليفتحها ويضعها أمامها، على سطح الطاولة الفاصلة بين الصالة والمطبخ المفتوح، ليتخذ وضعه ويجلس على المقعد المجاور ليرد اَخيرًا بنبرة هادئة:
- ما هو دا طبعه من الأول، ودي عيشتك معاه من بداية ما اتجوزتيه، ايه اللي جد بقى لدا كله؟
- اللي جد هو الخيانة.
هتفت بها بانفعال ثم تابعت بحرقة:
- الخيانة صعبة أوي يا مروان، خصوصًا وانا عارفة اني ما ملكش الجرأة حتى اني افاتحه، عشان عارفة ومتأكدة، انه هيحاسبني على المعرفة، معرفة الشقة ومعرفة الست اللي خاني معاها، دا جبار وانا عارفاه.
- ولما انت عارفاه لزومو ايه كل اللي انتي عملاه ده؟ دا كارم ودا طبعه، اللي اخت......
قطع بعد أن اجفلته بنظرتها المحذرة، تقول بعصبية:
- اياك تكمل...... انا فيا اللي مكفيني.
زفر بضيق ليردد مذعنُا لطلبها:
- خلاص يا ستي مش هكمل، بس انا قصدي افكرك، بطبيعة البني أدم اللي انتي متجوزاه.
وكأنها لم تسمعه، وجدت نفسها تعود بذاكراتها للحفل، فقالت رغم تحذيرها لشيقيقها بعدم الفتح في هذا الموضوع:
- انا بحسدها يا مروان.
- تحسدي مين؟
سألها بعدم فهم، فتابعت تجيبه بصراحة نادرًا ما تصدر منها:
- بحسد كاميليا..... لو شوفتها في حفلة الفندق، والأستاذ طارق بيحاوط عليها ويدعمها بشكل واضح للجميع، بدون خجل ولا كسوف، اكيد كنت هتقول انه قاصد يعمل كدة قدامنا، بس انا عارفة ومتأكدة ان ده إحساسه الطبيعي ناحيتها، ودا اللي وجعني اوي، اني مش لاقية ربع الإهتمام ده.
ظل شقيقها صامتًا وهي تردف:
- حتى كارم، وبرغم كل العنجهية اللي فيه، كان بيخطف كل شوية نظرة سريعة بطرف عينه ناحيتهم، انا فاهمامها، عشان فاهماه كويس، ودا اللي قهرني.
بنفاذ صبر قال مروان لينهي حديثًا يعلم بعقم الجدال فيه:
- رباب... اصحي وفوقي لنفسك، التفكير ده هيزيد من تعبك، وانتي اساسًا عارفة نهايتها، جوزك مُتسلط ومعندوش تهاون، عيشي حياتك يا حبيبتي واتدلعي، اشتري كل اللي يخطر في بالك واصرفي على كيفك، ناغشي المتابعين عندك، وخليهم يسمعوكي كلام حلو عن جمالك وسحرك، دي حياتك، وانا واثق ان ناس كتير تتمنى نصها.
- عشان معاشوش الحقيقة ع الواقع، لو عاشو الواقع هيعرفوا ان كل دا فيك، وقشرة مزيفة.
قالتها لتتكتف بذراعيها ناظرة للأمام بيقين تام وصلت إليه عن تجربة مريرة تعيشها وتتعايش معها مرغمة، لتدفع ثمن اختيارها الخاطيء.
تداركت تتذكر فجأة لتسأله:
- اه صحيح يا مروان، انتي ما قولتليش عملت ايه في موضوع المجهول اللي بيتصل بيا ده؟ عرفت صاحب النمرة ولا جيبت حسابه؟
- بحثت لقيت الحساب مقفول، والنمرة كمان، حاولت اتصل، لقيت الرقم غير متاح، بس ايه لزوم القلق يعني؟ دا أكيد عيل معجب وتافه.
صاحت به بانفعال:
- أو ممكن يكون مهووس، ولا انت مسمعتش عن الحوادث اللي بتحصل احيانا مع النجمات؟ اضمن منين انا انه ميكونش واحد منهم؟
تغضنت ملامحه بسأم لينهض من جوارها قائلا:
- ياا رباب، متكبريش الموضوع بقى، انتي اخترتي طريق الشهرة ودا شيء عادي بيحصل مع النجوم، اشربي العصير وفكي كدة، بلاش التنشنة دي.... انا هسخن اكل عشان تاكلي معايا.
راقبته بيأس مغمغمة داخلها:
- انا كنت واثقة اني مفيش فايدة منك يا مروان، دا غير اني مقدرش اكلم كارم، وانا مضمنش رد فعله، دا مش بعيد يجيب اللوم عليه وانول عقابه، اللي انا عارفة كويس انه هيكون حازم وقاسي في نفس الوقت.... طب اعمل ايه بس؟
❈❈-❈
في غرفة المعيشة وقد خلا المنزل عليهن، بعد مغادرة شهد ورؤى، وذهاب لينا إلى عملها، كانت الجلسة التي جمعت بين السيدتين.
فقالت مجيدة بعد أن ارتشفت قليلًا من فنجان القهوة الذي كانت تمسكه بيدها:
- ها يا ست أنيسة، إيه رأيك في اللي بقولهولك؟ واوعي تعملي نفسك مش واخدة بالك، جيبي من الاخر اللي يرضى عنك عشان انتي عارفة اني فاهماكي زي ما انتي فهماني.
تبسمت المرأة التي كانت جالسة على نفس الاَريكة معها تقول:
- لأ طبعًا واخدة بالي، دي حاجة واضحة زي عين الشمس، البشمهندس حسن ربنا يخليهولك، طيب ومشاعره فاضحاه.
- اه يا اختي انتي هتقولي.
عقبت بها مجيدة متمتمة، لتتبادل مع أنيسة الضحكات قبل أن تستدرك الاَخيرة بتفكير لتقول:
- انا لو عليا اجوزهاولوا الليلة ومن غير ما اخد شورتها كمان، دي زي بنتي وأغلى كمان، بس المشكلة فيها هي، شهد مسنكرة على قلبها وقافلة على موضوع المشاعر ده بضبة ومفتاح، جواها رفض للإرتباط، كتومة زيادة عن اللزوم، طب اقولك على حاجة، انا نفسي حاسة انها ميالة له، بس المهم هي تعرف كدة، وتحس وتدي نفسها فرصة.
- الله عليكي.
تفوهت بها مجيدة بإعجاب تتابع:
- اهو انتي كدة قصرتي عليا نص المشوار، انا بقى عايزاكي تفكري معايا عشان نلاقي حل، الواد عايزها والبت أكيد كمان عايزاه، لكن بقى محتاجة اللي يفك السنكرة والقفلة دي، عايزة اللي يفوقها لنفسها.
تمتمت أنيسة معها بتأثر:
- أه والله عندك حق، حبيبتي بقت ناسية نفسها، ونسيت الفرح نفسه، وهي تستاهل العوض، تستاهل واحد زي البشمهندس.
ردت مجيدة براحة تتسرب إلى قلبها:
- الله ينور عليكي، يالا بقى فكري معايا نشوف طريقة نوفق بيها راسين في الحلال، انا شايفاها مرات ابني ومش هستريح ولا يهدالي بال غير لما اجوزهم لبعض، كان ممكن اخدها من قاصرها وادخل البيت من بابه زي ما بيقولوا في الأمثال، بس بقى مكدبش عليكي، الست مرات ابوها دي مبستريحش معاها، قلبي مش مطمن لها، خصوصًا بعد المشكلة الاَخيرة دي، ست غريبة، لا تعرفيها طيبة ولا هي غبية، مش فاهماها بصراحة.
بسخرية تخلو من الابتسام عقبت أنيسة:
- يعني انتي عايزة تعرفيها من يدوب مقابلة ولا اتنين، دا انا ذات نفسي بقالي عمر اهو بعرف شهد وكذا مرة اشوفها معاها، ومع ذلك عمري ما فهمتها.
- ياختي عننا ما فهمناها، احنا المهم عندنا دلوقت البت، عندك استعداد تساعديني ادخلها عصابتي؟
قالتها مجيدة لتنطلق ضحكة مرحة من أنيسة قائلة:
- معاكي يا ستي في كل اللي تقوليه.
- حلو أوي.
تمتمت بها مجيدة لتتابع داخلها وهي تعود للارتشاف من فنجانها:
- يالا بقى عشان أفضى كمان لجوز المجانين التانين، أكيد برضوا هلاقيلك دور معايا يا أنيسة.
❈❈-❈
- انت هنا وانا بدور عليك.
هتفت بها ليلتف بجسده نحوها، ثم يظل يتابعها وهي تقترب منه بخطواتها إليه، وقد كان واقفًا أسفل شجرة السدر خلف الموقع الذي كان السبب في لقاءه بها، وقد استعادت حيوتها الاَن، وعادت إليه وإلى عملها، ابتسامة جميلة تعتلي قسماتها، متوردة وقد ساهم عدد الايام التي قضتهم في راحة مع طعام السيدة أنيسة ورعايتها لها، لإظهار النضارة التي كانت مخفية خلف الهيئة الرجالية والشقاء في متابعة العمال تحت حرارة الشمس، جميلة هي، وياليتها تعلم بذلك عن حق.
- ايه يا عم بكلمك، ساكت ليه؟
قالتها وهي قد وصلت لتقف أمامه لاهثة، فخرج صوته بالرد:
- كنت مستنيكي تقربي عشان اقولك، ايه الحلاوة دي؟
هل ما سمعته من غزل كان حقيقيًا؟ أم انها كانت تتوهم؟ لا تعلم، ولكنه أربكها لتتمتم بخجل وعينيها تتهرب منه:
- حلاوة ايه بس يا بشمهندس؟ ربنا يجبر بخاطرك.
ردد خلفها بقصد:
- يارب، وادعيلي كمان انول اللي في بالي.
قطبت في البداية باستغراب ولكنها استجابت لطلبه مرددة خلفه:
- يارب يا سيدي تنول إلي في بالك، المهم بقى انا كنت سألت عليك عبد الرحيم، وقالي ان لسة عندك ملاحظات على المبنى، وعايزها تتنفذ قبل ما تستلم، ايه بقى؟ هي ايه الملاحظات دي اللي انت مصمم تقولهالي بنفسك.
كانت مندمجة في استرسالها، غافلة عن شروده في النظر إليها بدون تركيز، وقد اشتاق إليها وإلى حديثها، حتى جديتها الصارمة في العمل، تعقد خطي الوسط بين حاجبيها المعبرة عن اندهاش لأمر ما أو حتى غضب، اشراق وجهها حينما تردف بحماس عن موضوع يخصها، ياالله، هل يصلها ما يشعر به، أم تكون غفوة التي استيقظت منها حديثها، اثرت على قلبها وحاسة الإحساس أيضًا.
- انت سرحان وانا بكلمك؟
قالتها باستدراك حينما طال صمته، سمع منها ليرد بابتسامة:
- بقولك ايه، ما تسيبك من الشغل وقرفه، هي طارت يعني؟
- لما اسيبني من الششغل المطلوب، امال هنتكلم في ايه؟
قالتها لتجده يباغتها فجأة بأن ارتد سريعًا للخلف، ليرفع ذراعه بعصا خشبية كان ممسكًا بها، وبضربة واحدة أوقع عدداً مهولاً من الثمر الطازج، لتجده افترش الأرض أسفلها وبدون ارادتها خرجت شهقتها بإجفال لتتبعها ضحكة مرحة مرددة:
- يا نهار ابيض ايه ده؟ ايه اللي انت عملته ده؟
بزهو امتزج ببهجته المسيطرة الاَن على كل خلية بجسده، مع سماعه لضحكتها الشقية، بدون افتعال منها أو قصد، قال وهو يدنو ليلتقط من على الأرض الثمار:
- اقعدي يا برنسيسة وانا انقيلك زي المرة اللي فاتت.
ضحكت لتجلس على الحجر الكبير كالمرة السابقة كما قال، لتردد:
- برنسيسة كمان، يا اخويا ما انا قولتلك، ربنا بجبر بخاطرك.
رد يجيبها:
- وانا برضوا بقولك كمليها، وقولي ربنا يناولني اللي في بالي.
- يا سيدي ربنا يناولك اللي في بالك.
قالتها ضاحكة ليتمتم من قلبه:
- يااارب.
❈❈-❈
بعد أن انهت زيارتها لشقيقها فخرجت من المبنى إلى السيارة التي تقلها بالسائق والحارس الذي فتح لها الباب لكي تدلف سريعًا داخلها، وفور أن تحرك السائق يدير المحرك ليلتف بالسيارة حتى تفاجأت باهتزاز الهاتف بصوت رسالة واردة، فتحت لتفاجأ بصاحب الرقم المجهول يخبرها:
(( حلو اوي الطقم الجديد ده، لون التيشيرت الكموني وهو لازق على....... عليكي، فوق البنطلون اللي عامل وكأنه جلد تاني، الرحمة شوية بقى بمتابعينك، حرااام، حرام اللي بتعمليه فينا ده يا جميلة الجميلات ))
قرأتها ليزحف الزعز بجسدها، لتلتف برأسها يمينًا ويسارًا وإلى الأمام وفي الخلف من خلال زجاج السيارة، متوسعة العينان بجزع، كي تبحث عن هذا الملعون، كيف يراقبها بهذا القرب، وهي لا تراه؟ لما يترصدها بهذا الشكل المزعج، هل هو إعجاب حقًا؟ لا، أبدًا لم ترى أو تسمع عن معجب بهذه الصورة نحو إحدى الفنانات إلا إن كان مهوسًا.
- يا نهار اسود.
غمغمت بها بصوت وصل إلى سائقها؛ والذي انتبه على هيئتها من خلال مراَته الأمامية، ليخاطبها سائلًا بقلق:
- في حاجة يا هانم؟ ولا تكوني عايزانا نلف ونرجع تاني؟
اضاف على قوله الحارس ايضًا:
- اه صحيح مالك يا هانم؟
باضطراب مكشوف ومقلتيها لا تثبت على حال، خرج صوتها المرتعش:
- ممش عارفة، بس انا جاني احساس ان في حد هيدخل فينا بعربيته، أكيد بيتهيألي، ولا إيه؟
قطب الرجل العجوز حاجبيه ليرد باستغراب:
- لا يا هانم، مفيش حد زنق ولا قرب حتى بعرببته مننا.
بصوت منفعل بحمائية اضاف على قوله الحارس:
- ولا حد يقدر يا هانم، دا احنا نساويه بالأرض لو عملها.
بأنفاس لاهثة من الرعب، تطلعت بالحارس الذي يخاطبها ليبث بقلبها الأمان، رغم عدم علمه بالسبب الحقيقي لخوفها، لتجيبه بامتنان لفعله؛
- شكرا يا حامد، الف شكر.
❈❈-❈
- عدي باشا، حمد الله ع السلامة يا كبير.
هتف بها كارم، بعد ان اقتحم الغرفة على شريكه العائد من سفرة عمل خارج البلاد استمرت لأيام.
انتفض الاخر واقفًا يتقبل العناق الرجولي بترحاب:
- الله يسلمك يا عم كارم، عامل ايه انت بقى؟
رد كارم وهو يتركه ليجلس على المقعد المقابل لمكتب الاَخر:
- انا كويس يا باشا، انت بقى قولي ايه اخبارك؟ احكيلي عن اليونان وستات اليونان، عملت ايه معاهم هناك؟
ختم بضحكة مجلجلة استجاب على اثرها الاَخر يبادله المزاح:
- خلاص، انت دماغك مبقاش فيها غير النسوان والتفكير في النسوان، طب افتكر اني رايح في مهمة عمل، اسألني عملت ايه في العقود الجديدة مع العملاء.
امتعض وجه الاَخر بقرف يقول:
- وهو الشغل طار يعني؟ ما انا عارف بإنجازاتك في الشغل وبتوصلني الأخبار أول بأول، المهم يا شقي انجازاتك مع الجنس الناعم، دا الأهم.
دوى عدي بضحكة رجولية حتى مالت رأسه للخلف يردد:
- مفيش فايدة فيك انت يا كارم، مفيش فايدة، اخلاقك انحرفت اوي من ساعة ما سيبت جاسر الريان، يا راجل دا انت كنت ماشية زي الساعة معاه.
- كنت ماشي يا زي الساعة، بس برضوا كنت بعمل اللي على مزاجي، انا عمري ما حد قدر يوقفني عن حاجة عايزها.
وكأن كلماته جاءت على جرح الاَخر، تغضن وجهه وذهب عنه المرح ليقول بعبوس:
- انا بقى الحاجة اللي عايزها مش قادر اوصلها، نفسي بجد الاقي الطريقة عشان اتكلم بثقة زيك كدة.
قلب كارم مقلتيه بسأم، وقد فهم مقصد الاَخر، فقال مستنكرًا:
- تاني يا عدي، تاني برضوا حكاية البنت دي، يا حبيب قلبي شيلها من دماغك، انا مش فاهمك صراحة، بتلف وتدور حاولين نفسك ليه؟ خش دوغري مع البت دي وخلص، واللي ما يجيش بالفلوس يجي بالضغط، ان شالله حتى تقطع عيشها من الفندق خالص، واهي تبقى عملت جميلة.
- ارجوك يا كارم متقولش كدة، دي غلطتي ان بتكلم معاك يعنيهتف بها عدي باستهجان وعدم تقبل لفكرة البعد من الأساس، فصاح الاخر:
- أمال عايزني اقول ايه بس؟ انا بجيبلك من الاَخر، اقطع عرق وسيح دم، انت باشا كبير، وهي شرف ليها انك بصيت لها من الأساس، حطها دي قاعدة في مخك.
صمت محدقًا به، يعيد برأسه الكلمات يستوعبها، وقد راقه فكرة الحصول على ما يبتغيه، ان لم يكن بالمال، يكن بالضغط، ولكن تبقى الطريقة، الطريقة في تنفيذ ذلك، وقد مر وانتهى عهد الحلم والصبر.
❈❈-❈
- يا صبا، يا صبا، ما تردي بقى يا زفتة انتي، انا هفضل احايل فيكي يعني لحد امتى؟
قالتها مودة وهي تتبعها من موقع إلى آخر داخل حديقة الفندق، وقت استراحة الموظفين، لتلتف أخيرًا لها بنظرة صامتة كعادة اتخذتها منذ أيام، من وقت انتهاء حفل عيد الميلاد البائس، وجلستها مع عدي عزام، فذكائها الحاد جعلها تستنتج تعمد تأخرهن عليها، ورغم الأيمان الغليظة التي حلفت بها مودة لتثبت عكس فكرتها، إلا أنها لم تتهاون معها، أما ميرنا فقد تركتها دون عتاب ودون لوم، واكتفت بتجاهلها وذلك لظنها الأكيد بها.
- هتفضلي بصالي كدة كتير؟ طب وربنا حرام عليكي، عشان انا قربت ابوس على رجلك تسامحيني على ذنب معملتوش وانتي برضوا مفيش فايدة.
- يعني عايزني اعمل ايه؟
هتفت بها صبا بوجه صارم، لتتابع بحزم:
- أحلفي زي ما انتي عايزه يا مودة، برضوا مش هعفيكي من الذنب، ما هو مش معقول يعني، حركة كب العصير المكشوفة ولا التأخير المقصود عشان تسيبوني لوحدي مع عدي عزام، وانتوا اساسًا جايبني مقصود في مطعمه، دا كله صدف! طب اعقلها ازاي؟ فهميني.
مودة والتي تغضنت ملامحها باسف حتى أشفقت عليها، خرج صوتها ببحة حزينة:
- انا بصراحة تعبت يا صبا من التبرير والحلفان اني معرف اي حاجة م اللي انتي بتقوليها دي، بس انتي مصممة تشيليني ذنب، وانا ربنا وحده اللي عالم بيا، دا انا فضلت محبوسة في الحمام ببلوزة من غير جيبة يجي اكتر من نص ساعة، بعد الدقايق والثواني في انتظار الجيبة، حاطة ايدي على قلبي لحد يفتح باب الحمام ويكشف ستري، وظنون في عقلي بتدور، ليكون دا مقلب معمول فيا، طبعا انتي كل الحاجات دي مفكرتيش فيها، عشان كل اللي هامك هو نفسك.
- انا برضوا يا مودة، كل همي هو نفسي!
قالتها صبا باستهجان وقد رق قلبها إليها، يبدوا انها زادت بالقرص عليها، هي تعلم ببرائتها منذ البداية، ولكن لا تعفيها من الذنب لسذاجتها المفرطة مع واحدة مثل ميرنا، لقد تأكدت بفطنتها بسوء نية هذه المرأة ولذلك لن تترك صديقتها لها، وردها العنيف جاء من أجل ذلك.
- بقولك ايه يا مودة، اسمعي مني كويس اللي هقوله، لو عايزة صداقتنا تستمر يا بنت الناس، ابعدي عن الست دي، أنا مش بفرض عليكي تسيبيها بتسلط مني، انا بتكلم عشان مصلحتك، الست دي مريبة وانا قلبي مش مستريح لها، لو انتي شايفة غير كدة، انتي حرة.
بهتت مودة وتجمدت بملامح مخطوفة ازعجت صبا، لتردف بترجي وكأنها تدافع عن فرصة جيدة لها:
- يا صبا هو انتي ليه معقداها كدة؟ يعني حتى لو كانت زي ما بتقولي عنها، هي برضوا عملت ايه؟ دي قعدتنا مع عدي عزام، يعني عندها معارف وممكن تفتح لنا أبواب منحلمش بيها.....
- يخرب بيتك.
هتفت بها صبا مقاطعة بحدة، وعصبية جعلت وجهها يصبغ بحمرة احتقان وغيظ، لا تصدق غباء ما تردف به، هذه الفتاة أصبحت كعلة فوق ظهرها، مؤلمة بحمل همها الثقيل في حمايتها من نفسها، تود نزعها وتركها وشأنها، ولكن ضميرها يمنعها من ذلك.
زفرت بعنف لتسحب شهيقًا مطولًا، عله يساعد في تهدئتها قليلًا، ثم خرج صوتها بحزم لهجتها الجنوبية، وقد تلبستها روح أبو ليلة والدها:
- بجولك ايه يا مودة، الله يرضى عنك يعني، ياريت يا بت الناس، تفكري كويس وتوزني الأمور، ما تخليش عجلك التخين ده، يشطح بخيالات تودي في داهية، وافتكري كويس يا حبيبتي، ان المعارف اللي زي دي والابواب اللي نفسك تتفتح جدامك دي، لازملها تمن يدفع، مفيش باب بيتفتح من غير تمن يا ست مودة، ياريت تفهمي الكلام ده كويس.
قالتها وتحركت مغادرة على الفور، تاركتها تتطلع في أثرها بانشداه، متسائلة:
- هل ما تقصده صبا صحيح؟ أم هو الاحتراس المبالغ فيه، نظرا لطبيعتها الصعيدية المتحفظة لدرجة القسوة.
❈❈-❈
بتجهم غريب عن طبيعتها، ولجت صبا عائدة لمقر عملها بالقسم الذي تعمل به مع شادي؛ والذي رفع رأسه عما كان يعمل به، يتبعها حتى جلست لتتسمر بجمود وعينيها توقفت في نقطة ما في الفراغ، لتشرد بها وكأنها تحمل هم قضية في مجلس الأمن.
- مالك يا صبا؟
سألها لتنتبه إليه وتناظره صامتة لحظات قبل أن تجيبه بتنهيدة، وهزة خفيفة برأسها:
- لا مفيش حاجة، متشغلش نفسك انت.
- مشغلش نفسي ازاي يعني؟ هو انت مش شايفة خلقتك مقلوبة ازاي؟ حد زعلك يا صبا؟ ولا ضايقك بكلمة؟ قولي.
قالها غاضبًا بحمائية، جعلت ثغرها يفتر بابتسامة لفعله الدائم في رعايتها والدفاع عنها دائمًا، منذ أن استلمت وظيفتها بقسمه، وكأنها أصبحت من ضمن مسؤلياته، كرحمة شقيقته ووالدته، لذلك هي لم تعترض ولو مرة واحدة على تسلطه احيانا معها، وفرض رأيه، وتدخله المبالغ به في شئونها، مع علمها بصدق نيته، وقالت بملامح مرتخية قليلًا عما سبق:
- محدش زعلني والحمد لله، انا بس.... مضايجة كدة يعني، من موقف حصل معايا مع واحدة عزيزة عليا، ويهمني أمرها.
بفراسة وسرعة بديهة، فاجئها شادي برده:
- مودة صح؟
همت لتنفي، ولكنه قطع عليها متابعًا:
- ما تحاوليش تكدبي، انا اصلا عرفت الاجابة من قبل ما تقولي، ثم يعني بالعقل كدة، هي اقرب واحدة ليكي في الفندق، ولا يكون التانية!
طالعته باستفهام مرددة:
- تانية مين؟
- ميرنا مثلا.
قالها بخبث لتعترض على الفور بغضب مرددة:
- ميرنا دا إيه؟ دي لا صاحبتي ولا اعرفها اساسًا، دي مجرد واحدة زميلة ليا، معرفتي بيها مزيدتش عن صباح الخير يا جاري، انت في حالك وانا في حالي.
- ازاي بقى؟ دا انتي حضرتي عيد ميلادها؟
جادلها بمكر حتى يصل لهدفه، فكان ردها بعنف مستنكرة:
- هو يوم وكانت غلطة اساسًا، او بمعنى أصح، كانت ليلة وعدت على كدة، لكن عمرها ما هتبقى صاحبتي.
قالتها وانتظرت منه رد ولكن ظل صامتُا، يربكها بتحديقه بها قبل ان يتكلم اخيرًا:
- على فكرة يا صبا، انا كان ممكن امنعك عن الحفلة، خصوصًا بعد ما عرفت باسم المطعم اللي عزماكم فيه، دا سبع نجوم، يعني مش أي حد يدخله، انا سيبتك تروحي معاها وتقرري انتي بعد كدة من نفسك، واحدة زي دي، تجيب منين المبلغ الخيالي لفاتورة عزومة وعيد ميلاد في حتة زي؟ وانتي بتقولي يتيمة وملهاش حد كمان، دا ربنا عرفوه بالعقل.
اطرقت رأسها بفعل اظهر تفهما لكلماته، فقال متابعًا:
- انا مش هسألك يا صبا، ايه اللي مضايقك منها ومن مودة وخلاكي تقلبي عليهم كدة مباشرة بعد الحفلة، اللي الظاهر ان كان ليها دور جامد في انها تغيرك طول الأيام اللي فاتت.
- ليه مش هتسألني؟
- عشان واثق فيكي.
تلفظ بها كجملة عابرة، ثم عاد لعمله على الحاسوب، غافلًا عن وقع الكلمات عليها، وقد ظلت لمدة من الوقت تحدق به وكأنها تكتشفه من جديد، أن تجد الأنثى رجلا يقدرها شيء جميل، ولكن أن يعطيها ثقته الكاملة وبلا حدود، هذا أكبر من كل شيء، حتى لو كان ما يجمعهم لم يتعدى بعد الجيرة أو زمالة العمل.
❈❈-❈
- ودي ايه اللي جابها هنا؟
تمتمت بها ميرنا، بعد أن وجدت مودة اخيرا وقد بحثت عنها في كل الأماكن التي تتواجد بها، أو حتى المكلفة بالعمل داخلها، لتفاجأ بها الاَن هنا، جالسة على عتبة السلم الخلفي لمبنى العاملات بشرود، مريحة خدها على قبضتها المستندة بها على ركبتها، اقتربت لتشاكسها رغم اندهاشها من هذه الحالة التي تبدو عليها:
- زرعتيها منجة وطلعت ملوخية.
انتبهت إليها مودة لتعتدل بجلستها، غير مستجيبة للدعابة، مما زاد من اندهاش الأخرى:
- ايه يا ست مودة، حتى الضحكة مقدراش تردي بيها، هو انتي زعلانة مني يا بت ولا إيه؟
بصوت متردد ردت مودة وهي تتهرب من النظر إليها:
- لا طبعًا يا ميرنا، مين اللي قال الكلام ده؟
نصف شهقة خرجت منها وقد تبدلت ملامح المرح إلى اخرى عابسة مستنكرة تقول:
- افعالك يا حبيبتي هي اللي قالت، واخدة جمب مني ليه يا مودة؟ اللي حصل يا عنيا عشان وشك يتغير كدة، وعينك تهرب من عيني؟
بكذب مكشوف حاولت مودة الإنكار:
- مبقولك مفيش حاجة حصلت، انا بس مضايقة حبتين وقولت استفرد بنفسي.
ختمت تتلاعب في جيبتها، تتجنب المواجهة معها، وضيقت ميرنا عينيها، لتطالعها بتفكير عميق، هذه ليست مودة التي تعرفها، مودة التي نتقرب منها، ويشرق وجهها بالانبهار على أقل فعل تفعله لها، وهذا معناه أن مودة أصبحت تتسرب من بين يديها، بضربة عنيفة بكفها على قاعدة الحائط المجاور لمودة، هتفت وراسها دنت واقتربت من رأس الأخرى:
- هي صبا قالتلك ايه بالظبط عني؟
أجفلت مودة شاهقة بخضة لتردد باضطراب وفزع:
- ايه في ايه يا ميرنا خضتيني؟ مالها صبا؟ وايه اللي جاب سيرتها اساسًا؟
بملامح تنضح بالشراسة، رددت ميرنا خلفها بعدم تصديق:
- ايه جاب سيرتها؟.... بتدافعي عنها يا مودة، وهي سايباكي زي الكلبة تراضي فيها بقالك ايام، عشان بس سيبتيها كام دقيقة مع عدي باشا في المطعم، وروحتي تصلحي جيبتك، كنتي مشيتي معاها بهدومك المبلولة يا بت، طبعا عشان تبقي زي العبيطة وانتي ماشية معاها، وهي البرنسيسة اللي بتخطف عيون الرجالة.
كلماتها السامة التي خرجت من عمق حقدها، لتفقدها ميزة التحكم المعتادة منها في مثل هذه المواقف، كانت من الغباء لتجعل مودة تنتبه لها ولفعلها، لتتغضن ملامحها على الفور أمامها، باحتقان جعلها ترفع الحرج عنها في الرد بقوة وهي تنهض عن جلستها بحدة:
- عندك حق، هي فعلا بتمشي زي البرنسيسة وانا بمشي جمبها زي الخدامة، بس برضوا بحبها، عشان هي بتحبني من قلبها وبتخاف عليا وعلى مصلحتي، بتشخت فيا وتزعقلي، بس عمرها ما جرحتني.
قالتها وتحركت مغادرة بدون استئذان، لتتركها تتفتت من الغيظ، ونار بغليل تحرقها، لتدب على الأرض بقدميها، قبل أن تتناول هاتفها وتتصل بالرقم المعروف، تخاطبه بانفعال:
- الوو.... أيوة باشا، معلش بقى اعذرني، عشان انا فاض بيا من الموضوع ده وتعبت.......... اقولك يا باشا موضوع ايه، البت مودة اللي انت عارفها، اه.
خرج منها تأوه مفاجيء وهي تجلس على نفس الدرجة التي كانت جالسة عليها الأخرى، تزحزحت قليلًا لتجد السبب، وهو عبوة عطر فاخرة، من ماركة عالمية، لا يملكها سوى المحظوظين من الأغنياء، ورأتها هي قبل ذلك في الأجنحة الفاخرة بالفندق هنا، نثرت قليلًا منها في الهواء لتتنشق رائحتها بابتسامة منتشية جعلتها تنسي الطرف الاَخر على الهاتف، حتى هتف بها صائحًا بصوت عالي جعلها تعود إليه:
- ايوة يا باشا انا معاك اهو............ اه انت عايزني اكمل اللي بقوله، لا خلاص يا باشا، متشلش هم بقى، أنا لقيت الحل!
قالت الاخيرة بابتسامة متوسعة، وقد فكرت سريعا واتخذت القرار!
❈❈-❈
على مائدة السفرة التي أوشكت على الإنتهاء منها، هتفت مجيدة على ابنها بصوتها العالي وهي تتخذ مكانها على المقعد الخاص بها:
- يالا بقى يا حضرة الظابط، خلص يا خويا، انا ما صدقت خلصت، لو برد الأكل مليش دعوة......... اخلص يا واد.
خرج إليها أمين من غرفته يردد خلفها ساخرًا:
- اخلص يا واد، وبتزعقي فيها كمان بعلو صوتك عشان العمارة كلها تسمع، هو انتي ليه يا أمي مصممة تضيعي هيبتي وقيمتي قدام الناس؟
- عشان انت اساسًا ملكاش قيمة يا حبيبي، امشي يا واد هات طبق الخضرة من فوق الرخامة جوا.
قالتها مجيدة غير مبالية بتجمد ابنها الذي كان يتصنع البوس، لتتابع بصيحة:
- اخلص يا واد اتحرك، هو انت هتفضل واقف كدة اليوم كله.
انتفض أمين مذعنًا لأمرها ليعدوا نحو المطبخ سريعًا يتمتم بصوت عالي:
- ست جبارة حقيقي، ربنا ع المفتري.
غمغمت خلفه بعدم اكتراث:
- ايوة يا اخويا مفترية، ما انتو صنف نمرود مينفعش معاكم غير كدة.
دوت ضحكة عالية من جهة أخرى، وقد كان ابنها الاَخر يدلف لداخل المنزل عائدًا من عمله يردد:
- الله الله يا ست الكل، دا ايه الغل والتسلط دا كله، دا حتى عيالك غلابة.
قال امين خلفه وهو يضغ مجموعة من اوراق الجرجير يتسلى بتناولها قبل أن يصل وينضم معها:
- قولها يا حسن يا خويا، قولها، دا بدل ما تطبطب عليا وانا راجل بيطلع عيني م اللي بشوفه من المجرمين والسوابق، وتدوقني حنان الأم.
بابتسامة صفراء تجعدت ملامحها بامتعاض تقارعه رغم انشغالها بتناول الطعام:
- خلاص بطلنا يا حبيبي، عايز حنان روح عند ام حنان.
قالتها وانطلقت الضحكات المرحة من الشقيقين بصوت عالي، حتى قبلها حسن فوق راسها قائلًا:
- عليا النعمة انتي ست عسل، ربنا يخليكي لينا يارب.
قالها وهم أن يتحرك ولكنها أوقفته بقولها:
- استنى هنا رايح فين؟
- رايح اغير هدومي، عشان اجي اَكل معاكم انا كمان.
- طب استنى انا عايزاك.
- عايزاني في إيه؟
سألها باستغراب، مع شقيقه الذي انتبه هو الاَخر ليتوقف عن الطعام يتابعها وهي تقول:
- الكلام ده ليكم انتو الاتنين، تعملوا حسابكم على مبلغ محترم، انا عاملة عزومة بكرة، وعايزة اعمل حسابي من دلوقتي.
سألها أمين باستفهام:
- عزومة ايه يا ماما ولمين؟
- عزومة لشهد بمناسبة ان ربنا عفى عنها وقامت بالسلامة، وهجيب معاها اختها رؤى.
- ينصر دينك.
خرجت من حسن على الفور مهللا، لتستطرد هي بنظرها نحو شقيقه:
- ومعاها لينا ووالدتها.
سمع منها امين ليهتف معترضًا:
- ودي ان شاء الله هتعزميها بمناسبة إيه؟ لتهزيقها لابنك؟ ولا عشان بتخانق دبان وشها كل ما تشوفه؟
كتمت مجيدة ابتسامة متسلية لتزيد من غيظه بقولها:
- وانت مالك يا بارد، واحدة عازمة صاحبتها وبنت صاحبتها، ايه دخلك؟ انت عليك تطلع الفلوس وبس.
بكف يده ضرب على سطح المائدة باعتراض وهو ينهض عنها مغادرًا:
- يبقى تنقي وقت مكنش انا فيه، عشان لو شوفتها هسيب البيت وامشي.
- تمام، بس اياك تحط ايدك على أي صنف من الحلويات اللي هتجيبها والدتها.
هتفت بها من خلف ظهره ليلتف إليها على الفور قائلًا متراجعًا عن حدته:
- ليه؟ هي الست أنيسة قالتلك انها هتجيب حلويات معاها؟
بابتسامة منتصرة ردت مجيدة:
- طبعًا يا حبيبي، دا اتفاق ما بينا، انا عليا الأكل وهي عليها الحلويات.
رواية و بها متيم انا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم امل نصر
بوجه مشرق وهيئة تخطف النظر إليها كالعادة، ظهرت أخيرًا، تدلف من مدخل الفندق مع هذه الفتاة صاحبتها. بالابتسامة الرزينة تبادلها الحديث في أمر ما كانت مندمجة فيه، حتى تفرقت كل واحدة نحو قسمها، لتتخذ طريقها نحوه، في اتجاه الغرفة التي تعمل بها. هل هذا اشتياق أم هو شيء أمر منه؟ لا يصدق أنه يشعر بهذا الألم. لقد سافر وأجبر نفسه على مصاحبة أجمل النساء في البلدة التي مكث فيها لعدة أيام، ومع ذلك لم تخرج من تفكيره ولو لدقيقة، حتى وجد نفسه يعود على الفور، ليقضي ليلة الأمس ساهرًا حتى الصباح وقد جفى النوم جفونه، ليجلس منذ السادسة هنا في انتظارها، ليُملي أنظاره منها ومن جمالها الجاذب، بشخصية تختلف عن جميع النساء التي قابلها أو سمع عنها. عنيدة كالصخر، بشجاعة تنقص العديد من الرجال. لا يدري من أين ظهرت له.
أما صبا، والتي تفاجأت برؤيته، اكتنفها شعور غريب بالقلق فور أن وقعت عينيها عليه. وقد مرت أيام عديدة لغيابه منذ رفضها للعمل سكرتيرة في إحدى شركاته، فقد اختفى بعدها، ولم تره، ولا تعلم أن كان سافر أو التهى في باقي أعماله العديدة كما تسمع. ولكنها كانت تشعر بالراحة في غيابه. أما الآن وقد عاد ليتخذ مقعده في نفس الركن القريب من طريقها، يحدق بها بهذا الشكل السافر، لا تتأمل خيرًا في القادم على الإطلاق، أبدًا.
لقد وجدها، وجدها أخيرًا، في غرفة طفله، بعد بحثه عنها في غرفتها والأماكن التي تتواجد بها. جالسة على فراش الصغير تصفف له شعر رأسه الكستنائي الجميل، والمربية تقف بالقرب تتابعهم. تحمحم ليلفت النظر إليه من الثلاثة، قبل أن يشير إلى المرأة لتخرج، وجلس هو بجوارهم. داعب شعر الطفل يقبله أولًا ثم وجه الحديث إليها:
"صحيت من النوم ملقتكيش يعني."
بشبه ابتسامة رمقته سريعًا لتجيبه، وفرشاة الشعر ما زالت تمررها على رأس الطفل:
"عادي يعني، صحيت بدري، قولت أجي ألبس عموري وأعمله تسريحة تجنن عشان لما حد يسأله عنها في الحضانة، يقولهم مامي هي اللي عملتها، ولا إيه رأيك يا قلب مامي؟"
أومأ الطفل لها بابتسامة، لتميل عليه وتقبله من وجنتيه المزينتين أمام زوجها الذي كان يطالعها رافعًا حاجبيه. وانتظر حتى انتهت وانصرف الولد ذاهبًا لحضانته، ليقول متهكمًا:
"عمار باين انبسط قوي من التسريحة، أكيد النهاردة هيبقى يوم مميز في تاريخه."
سمعت لتضيق عينيها بغيظ قائلة:
"مفيش داعي للتريقة على فكرة."
ضحك يزيد عليها ببروده قائلًا:
"أنا مبتريقش، أنا بس مستغرب هرمونات الأمومة اللي هبت في يوم وليلة كدة."
هتفت بحمائية وانفعال، فقد بالغ في استفزازها بقوله:
"هرمونات! إنا مامة عمار حقيقي يا كارم، حتى لو مش لاقية الوقت الكافي إني أقضيه معاه، فدا برضه ميديكش الحق إنك تستهزأ."
أصدر صوت طقطقة بفمه، ليداعبها بطرف سبابته ويخاطبها بهدوء:
"ليه بس التنشنة والزعل، إهدي يا بيبي، دا أنا بهزر معاكي."
لف ذراعيه حول خصرها من الخلف يقربها إليه متابعًا:
"يعني دا الحق عليا عشان قمت من نومي مشتاقلك، وفضلت أدور عليكي في الفيلا كلها وأسأل الخدم لحد ما عرفت إنك هنا."
مرر بشفتيه على جيدها المكشوف من فتحة بلوزتها الواسعة، وعلى رقبتها أيضًا يقبلها، حتى همس بجوار أذنها بإغواء:
"إيه يا قلبي؟ هو أنا موحشتكيش؟ ولا انتي مش ملاحظة إننا بعاد عن بعضنا بقالنا أيام؟"
حاولت فك تشنجها لتغتصب استجابة معه، وذهنها تدور به الأفكار بحيرة فتتساءل، كيف له أن يكون بهذه الحرارة معها، ويخونها مع امرأة أخرى؟ كيف لها أن تصدق كلمات العشق التي يلقيها على مسامعها، وذهنها مع المرأة التي خانها معها؟ ومن أين لها الاندهاش أو الحيرة؟ وهي لم تكن الأولى له، بل هو معتاد على ذلك من قبل حتى معرفته بها بزمن. تذكرت كلمات شقيقها ليتحفز عقلها في الاستفادة بأكبر قدر منه في الجانب الوحيد المتبقي لها، وهو المال.
انتزعت نفسها عنه فجأة ليناظرها باستغراب، فخرج صوتها بارتباك:
"آه بصراحة افتكرت دلوقتي ميعاد عيد ميلادي اللي قرب، نفسي تبقى هديتك ليا أكبر من كل السنين اللي فاتت، أنا عايزة مصر كلها تحسدني عليها."
ضيق عينيه باستفهام متسائلًا بعصبية:
"يعني عايزة إيه؟ جيبي م الآخر."
"عايزة يخت زي بتاع الممثلة اياها، ويتعمل فيديو وأنتي بتقدمهولي وأنزلُه على حسابي والمتابعين يشيروه في كل حتة."
تبسم يوزن بعقله طلبها الجنوني، وقد راقه العرض، يضحك عليها به وبنفس الوقت تكن دعاية هائلة له، حتى ينتشر اسمه كرجل أعمال ناشئ يقدم هكذا هدايا لزوجته، فيصبح الحديث عنه علكة في الأفواه. صغيرته الجشعة، من أين تأتي بهذه الأفكار؟
أومأ بضحكة متوسعة يجيبها:
"وهعزم في الحفلة أجمد رجال الأعمال في مصر كمان، إيه رأيك؟"
هللت بمرح لتلف ذراعيها حول رقبته تبادله بلهفة مصطنعة جموح قبلاته البرية، لتشعل جنونه بها، فيزيد بضمها، ويده تزداد جرأة عليها، حتى إذا وصل إلى نقطة اللا عودة، ابتعدت فجأة، ليطالعها لاهثًا بأعين توحشت بالرغبة، فقالت بدلال وقد قررت تعظيم استفادتها منه:
"حاجة تاني كمان، بس ياريت وحياتي عندك متكسفنيش."
لم يثنيها تجهم وجهه واشتعال عينيه، وقد بدا أنه على حافة الانقلاب للوجه الآخر، فزادت على نعومتها بأن أراحت كفها على صدره، لتتمتم بالرجاء، وضعف الأنثى التي تصل إلى مبتغاها بحنكتها:
"عايزة ابني النهاردة يبقى معايا يا كارم، أرجوك يا قلبي، تخلي مشوار مامتك ليوم تاني، أنا زهقانة من كل حاجة، وعايزة ألعب مع الولد شوية، ممكن."
بداخل غرفتها وهي تتناول شيئًا من خزانة الملابس لترتديه من أجل المقابلة الثقيلة على قلبها، لكنها مضطرة لها. واليد الأخرى تمسك بالهاتف على أذنها تتحدث به:
"يا ست مجيدة، الأمر ده كان واجب عليا أنا مش عليكي... تشكري يا ستي، والله ما أنا عارفة أودي جمايلك عليا انتي والست أنيسة فين؟... حاضر حاضر مش هقول كدة... عيوني هجيبها معايا، ماشي..."
أنهت المكالمة لتزرر أكمام القميص الذي ارتدته سريعًا ثم لمت شعر رأسها كذيل حصان، لتسحب شهيقًا مطولًا، ثم أخرجته، قبل أن تتحرك مستعينة بالله، في ضبط أعصابها:
"يارب عيني وقويني."
خرجت منها قبل التحرك متجهة نحو الصالة؛ المنعقد بها الجلسة العائلية بقيادة عابد الورداني والذي ما أن رآها نهض عن كرسيه يتلقفها مهللًا:
"بسم الله ماشاء الله عليكي يا ست البنات، حمد الله على سلامتك يا بنتي."
اقتربت تصافحه بابتسامة مرحبة:
"الله يسلمك يا عمي، تشكر ع السؤال."
رد عابد وهو قابضًا على كفها، واليد الأخرى يتحدث بها بانفعال:
"سؤال إيه بس يا بنتي دلوقتي؟ أنا كان نفسي أجيبلك ع المكان اللي كنتي فيه وأعمل الواجب بحق، واسألي اختك كام مرة أنبه عليها وهي تقولي مينفعش الزيارة، ما كنتي قعدتي بين أهلك وناسك أحسن."
بابتسامة جانبية ساخرة خطفت نظرة بطرف عينيها نحو باقي الحاضرين، قبل أن تجيبه بمغزى:
"معلش يا عمي، ما هو لما الأرض تضيق علينا، لازم الواحد يدور ع المكان اللي يستريح فيه، حتى لو كان المكان ده مش بيته، مكدبش عليك، أصل اللي اتضحلي دلوقتي، هو إن الغريب أحن أوي من اللي بنفتكرهم قرايب وفي بيت واحد واكلين معاهم عيش وملح، منورين."
قالت الأخيرة بقصد واضح وصل لأمنية ووالدتها التي بلعت ريقها باضطراب، لا تصدق هذا القصف المباشر من شهد أمام زوج أختها، ووالد خطيب ابنتها، لتبادل النظر بحرج مع شقيقتها سميرة والدة إبراهيم والذي كان جالسًا في جانب وحده يراقب بتجهم مضيقًا عينيه.
عابد، والذي فهم عليها ليلقي بنظرة غاضبة نحوهن ونحو ولده ليقول بضيق:
"معلش يا بنتي، خلي قلبك أبيض وسامحي، دي مصارين البطن بتتخانق."
"دي لما يكونوا من بطن واحدة يا عم عابد، اقعد اقعد."
قالتها لتجلس بثقة أمامهم، وقد وضح مقصدها جليًا ليزيد من توتر الأجواء، فخرج صوت سميرة بابتسامة زائفة تخفي احتقانها بالداخل:
"حمد الله ع السلامة يا شهد، ألف بركة إنك قمتي على رجليكي."
"الله يسلمك."
قالتها شهد مقتضبة بابتسامة صفراء لتلتف برأسها نحو الرجل دون أن تعيرها أدنى اهتمام:
"وانت عامل إيه بقى يا حج عابد؟ وإيه أخبار صحتك."
"سيبك مني ومن أخبار صحتي، أنا جايلك النهاردة وكلي عشم تقبلي وساطتي، إبراهيم جاي برجله لحد عندك عشان تتصالحوا، دا إحنا حبايب ونسايب، ولا إيه؟"
سمعت منه لتنقل بنظرها نحو الأخير تخاطبه:
"أهلاً يا إبراهيم."
"أهلاً بيكي."
قالها ليتابع بلهجة حادة:
"أنا جايلك النهاردة عشان دي الأصول، أبويا قالي تعالى معايا يا إبراهيم نصالح شهد، قولت وماله يابا، دا أنا راجل ومن الواجب عليا إني أكون رؤوف مع أهل خطيبتي اللي بحبها، وكل اللي ييجي من ناحيتها، خصوصًا بعد ما عرفت إنك تعبتي، اتخانقنا مع بعض، مين الغلطان بقى خلاص مش مهم، أنا راجل قلبي أبيض."
بشبه ابتسامة ساخرة، تطلعت شهد نحو شقيقتها التي افتر فاهاها ببلاهة لحديثه، ثم التفت إليه قائلة:
"كتر خيرك، ما انت بتفهم أوي في الأصول."
استشاط غضبًا لتقريعها الغير مباشر، لتشتد ملامح وجهه، وعينيه تطلق شررًا نحوها، فتدخل عابد يقول ملطفًا:
"ما أنا قولتلك يا شهد، أنا جايلك واسطة ما بينكم يا بنتي، دول شوية نكد، وبيحصل كتير ما بين القرايب."
صدر صوت أمنية بغباء مدافعة:
"إبراهيم معملش حاجة، مش كفاية إنه جاي بنفسه يصالحها..."
"أسكتي يا أمنية."
هتف بها عابد مقاطعًا لها، ليحدجها بنظرة جعلت الخوف يشل أطرافها، التفت نحو إبراهيم تبتغي الدعم، ولكنه تجاهلها عن عمد، لتغلق فمها مضطرة بأعين دامعة شاعرة بالقهر، وتابع عابد بعدم اكتراث:
"ها يا شهد هتقبلي واسطتي؟"
بابتسامة اعتلت ملامحها ردت بثقة تجامل الرجل لتزيد من غيظ الآخرين:
"العفو يا عم عابد، دا أنا قابلة بالخطوبة نفسها عشان خاطرك، يبقى برضه أكسفك في حاجة زي دي."
هلل عابد بامتنان:
"حلاوتك وحلاوة لسانك اللي بينقط شهد يا شهد، أنا بقول من الأول بت بميت راجل، الله يباركلك يا بنتي ويحرسك من كل شر، ويرحم أبوكي زين الرجال، يا خير ما خلف."
أثناء عمله الميداني داخل الفندق، تصادف بها تسير بأحد الأروقة وقد عرفها من ظهرها، بخطواته السريعة وصل إليها على الفور يسألها:
"انتي جاية منين يا صبا؟"
أجفلت لتكتم شهقتها قائلة بضحكة مكتومة:
"انت كنت فين؟ وطلعت إمتى؟"
تبسم باتساع لفعلها العفوي يقول:
"أنا في كل حتة ممكن تلاقيني في الفندق، عملي متشعب ما انتي عارفة، المهم انتي كنتي فين؟"
تحركت لتتابع سيرها وهو تحرك معها، قبل أن تجيبه:
"أصلي كنت في المطبخ عند الشيف منصور."
"و روحت المطبخ ليه بقى يا صبا عشان تقابلي الشيف منصور؟"
سألها بحدة انتبهت إليها، ولكنها تغاضت لترد بلهجة هادئة، ولكن بحرج:
"بصراحة روحت آخد منه وصفة لأكلة نفسي أعملها، و خليته يجولي الطريجة، عشان كل مرة بتبوظ مني."
أثارت فضوله ليسألها باهتمام:
"أكلة إيه دي؟ مش انتي بتقولي ملكيش في المطبخ؟"
بدلال فطري بطبيعتها الناعمة والخاصة في كل شيء، ردت تزيد من عذابه في القرب منها:
"ما أنا بقيت أدخل دلوقتي وأحاول، بس بصراحة دايماً بفشل، جولت لما أكلم الشيف يمكن يفيدني بشوية نصايح مع الوصفة اللي طلبتها منه."
"وفادك؟"
سألها فردت:
"فادني طبعًا دا أنا خدت ورقة وقلم، وفضلت أكتب كل كلمة من وراه وعبيت في النوتة كذا صفحة، وهو جالي تعالي كل يوم وأنا هرد عليكي حتى لو شغال."
"متروحيش تاني."
قالها بحدة وبدون تفكير، لتجادله معترضة:
"وليه بقى مروحش؟"
فاجئته برفضها، وسؤالها المباغت له، فبماذا يرد؟ أيبرر بأسباب يخترعها من عقله؟ أم يخبرها بالحقيقة، والنار التي تحرقه لمجرد ذكر إعجابها برجل غيره حتى لو كان بقامة وعمر الشيف منصور؟ فقال بمهادنة:
"يا صبا افهمي، الشيف منصور راجل جميل وزوق مع الناس كلها، وعمره ما يكسف حد، بس دا مش معناه إننا نستغل كرمه ونلهيه عن شغله، ثم تعالي هنا، هو المطبخ دا كان فاضي ولا كان مليان بمئات العمال والطباخين المساعدين."
خرجت الأخيرة بانفعال لم يستطع السيطرة عليه، فتلعثمت هي ترد بخجل:
"هو فعلًا كان مشغول جدًا، بس عجبني اهتمامه رغم كدة، بس خلاص بقى مش مهم، هبقى أكلمه ع الوتس."
"انتي خدتي كمان نمرته؟"
هتف بها بعصبية جعلت صوته يعلو في قلب الرواق المؤدي لغرفة عمله، وردت هي:
"أيوة طبعًا وفيها إيه؟ دا نمرته مشهورة ومعروفة أساسًا، بس هو جالي، أنا هرد على أي سؤال تبعتيه، ومش هتجاهل زي ما بعمل مع معظم المتابعين."
"ألشيف منصور قالك كدة؟"
قالها وقد توقف فجأة عن السير، وتوقفت هي أيضًا لتجيبه ببرائة، غافلة عن النيران التي كانت تسري بجسده، كحمم سائلة تحرقه:
"أيوة طبعًا وفيها إيه؟ دا راجل محترم وكويس جدًا."
قالتها لتطالع الجمود الذي تلبسه، وقد تسمر أمامها دون حراك، انفاس صدره تعلو وتهبط بتسارع مقلق، في محاولة قاسية لضبط النفس، يحجم نفسه حتى لا يحتد أو ينفعل عليها في الرواق وأمام المارة، وكيف له أن يفعل؟ وسحر عينيها يفقده صوابه واتزانه.
"مالك؟ ساكت ليه؟"
سألته حينما طال انتظاره، ليعود إلى رشده يخاطبها بحزم:
"أمشي يا صبا أمشي، أمشي عشان وقفتنا هنا أساسًا متنفعش."
سمعت منه لتذعن لقوله بتفهم، كي تتحرك وتسبقه، فغمغم هو من خلفها:
"ماشي يا شيف منصور، حسابك عليا."
في غرفة المعيشة وبعد انتهائهم من وجبة العشاء، على مائدة مجيدة التي كانت عامرة بكل ما لذ وطاب، ليأتي الدور الآن على الحلو، بعدة أصناف صنعتها أنيسة مع طبق الفاكهة، وحديث بمودة صادقة لا يخلو من المزاح والعودة بالذكريات.
"اهو أنا بقى، مضحكتش كدة يا ست مجيدة بقالي زمن."
"يا حبيبتي ربنا ما يفرق جمعتنا عن بعض، أنا وانتي يا أنيسة كان لازم نلتقي مع بعض من زمان، بصراحة بقى قلبي حبك من أول ما شوفتك."
"وأنا كمان ربنا يديم المودة."
قالتها أنيسة لتتدخل لينا بسؤالها الفضولي:
"طب أنا من أول ما دخلت عندكوا، وعيني وقعت ع بلكونة الصالة، وأنا هتجنن وأسألك، عن مشتل الزهور اللي ماليها، دا شكلهم يجنن."
ضحكت مجيدة بمرح لتنهض فجأة قائلة لها:
"تعالي معايا وأنا أعرفك على جميع أنواعهم، دول ولادي اللي براعيهم بعنيا."
تلقفت لينا الدعوة الكريمة بكل سرور لتنهض، فتدخلت رؤى بفعل طفولي:
"طب وأنا، ما أنا كمان عايز أشوف الورد وأنقي واحدة منه."
جلجلت مجيدة ضاحكة، لتشير لها بيدها:
"تعالي انتي كمان معانا، وأحلى وردة لأحلى رؤى."
ذهبت رؤى لتلحق بهن، فلم يتبقى سوى حسن وشهد وأنيسة التي أمسكت بجهاز التحكم لتُقلب على قنوات الشاشة الكبيرة حتى وجدت أحد الأفلام وادعت المشاهدة بتركيز:
"ألله، الفيلم ده حلو أوي."
استغل حسن ليقترب بجلسته نحو شهد ليأخذ فرصته أخيرًا في الانفراد بها:
"أنا مبسوط أوي يا شهد إنك قبلتي العزومة، لا يمكن تتصوري فرحتي بقعدتك كدة ع الكنبة جمبي وفي بيتنا دي تسوى عندي إيه."
ابتسمت بخجل وقد أجفلها بقوله، وصدق ما يردف يبدو جليًا على ملامح وجهه الوسيم، فحاولت الرد بلهجة عادية، لتتجنب الانزلاق معه في حديث بدأ يتخذ منحنى آخر:
"العفو يا بشمهندس، الكلام ده كان واجب عليا، بس الست الوالدة بطيبة قلبها سبقت، بس ملحوقة، المرة الجاية عندي إن شاء الله."
وصله تجنبها الواضح لمقصده، فتبسم بضعف يتناول طبق الحلو يقول بإحباط بدأ ظاهرًا في نبرة الصوت:
"وأنا في أي وقت هلبي الدعوة يا شهد، حتى لو العزومة حصلت بعد الشغل ما بينا ينتهي."
"ربنا يبارك فيك."
قالتها بحرج وابتسامة باهتة لتتناول طبقها هي الأخرى، تلهي نفسها بالتناول منه، قبل أن تنتبه على نداء مجيدة التي تركت الفتيات في الشرفة:
"ممكن يا شهد، تيجي معايا عشان عايزاكي في كلمتين."
بعد أن انتهى دوام عملها، وبدلت ملابس العمل للعادية الأخرى فكانت في طريقها لمغادرة القسم الذي تعمل به، حتى تعود إلى منزلها، برفقة صديقتها وجارتها صبا.
"إزيك يا مودة."
قالتها ميرنا تفاجئها، وقد اعترضت طريقها توقفها، بأن تصدرت بجسدها أمامها، تمنعها عن مواصلة السير.
حدقت بها مودة بتوتر واستغراب لأمرها، قبل أن تجيبها بعد مدة من الوقت:
"حمد لله يا ستي، كويسة، انتي بقى إيه أخبارك؟"
"أنا زعلانة على زعلك يا ستي، وحاسة نفسي حمارة إني لبخت معاكي في لحظة غضب وطلعت عن شعوري."
استرسلت بهم مرة واحدة، لتجفل مودة التي كانت تنوي على صدها وقطع الصلة معها، وقد اقتنعت بكلمات صبا بعد شجارهم الأخير، فقالت بحرج:
"متقوليش كدة، عادي يعني، الخناق ده بيحصل دايما مع الزملا والأصحاب."
"وأنا بقى معتبراني زملا ولا أصحاب؟"
تلعثمت تردد بأعين تهرب من المواجهة، أمام امرأة حددت طريقها، واتخذت منهجها الخاص بها، فلا تفعل حساب أصول أو أعراف أو حرام أو حلال، بل وتتحدث بثقة عكس من ضاعت بها الثقة لضعف شخصيتها، وترددها في اتخاذ القرارات الحاسمة:
"آه أكيد صاحبتي يا ميرنا، دا أنا أكلة في بيتك عيش وملح، وأنا بنت أصول وأفهم أوي في الحاجات دي."
مالت برأسها لتقابل عينيها بخاصتيها، وتقبض على نظرتها الهاربة لتأسرها، فقالت بلهجة معاتبة يشوبها اللوم:
"بس أنا عمري ما اعتبرتك صاحبتي، بالعكس يا مودة، أنا من أول ما اتعرفت عليكي وعرفت بظروفك اللي هي مقاربة لظروفي في حاجات كتير، اعتبرتك أختي، عمرك شوفتي أخت عايزة الضرر لأختها، حتى لو حصل سوء تفاهم أو خناق أو حتى قطعوا هدوم بعض، برضه بيرجعوا ويصفوا وينسوا، انتي بقى ليه شايلة مني وعايزة تبعدي؟ شايفاني ست وحشة على كلام الست صبا اللي قررت من دماغها ونصبت نفسها حاكم عليا، عشان ترميني بتهم باطلة، طب انتي شوفتي عليا حاجة بعينك؟"
ابتلعت ريقها باضطراب، فهذه المرأة تحاصرها بحنكة وخبرة تنقصها بسنوات ضوئية حتى تلحق بها، لتنفي بهز رأسها بتوتر:
"لأ بصراحة ما شوفتش حاجة."
تبسمت بانتعاش وهي تفرد نفسها، لتخفف الحصار عنها، وقالت ملطفة بعض الشيء وهي تتلاعب بخصلات شعرها الحريري الغزير:
"أنا يمكن أكون شقية، ودي حاجة متعبنيش على فكرة، مش أحسن ما أبقى خام، وساعتها أي حد ممكن يضحك عليا بكلمتين ويستغلني، ساعتها مين هيعوضني خسارتي بقى؟ وأنا واحدة وحدانية ومليش ضهر اتسند عليه، لا ليا أب يدلعني ويصرف عليا، ولا جار يشيل ويغطي عليا في الشغل."
مقصدها الأخير كان جليًا بقوة لتفهمه مودة، فتطرق رأسها بحزن، وقد لامست كلمات الأخرى الجزء الموجع لها دائمًا، وهو الوحدة وغياب الأهل، وقلة الحظ أيضًا، فخرج صوتها بضعف:
"ما خلاص يا ميرنا، هو انتي لازم تفكريني بوكستي."
أخفت الأخيرة ابتهاجها، لترسم الجدية وقد وصلت لنقطة جيدة معها، فقالت بانفعال تدعيه:
"افهمي بقى، هو أنا لو قصدي أقلب عليكي المواجع، هقولك إن أنا زيك؟ فكي كدة يا بت وبطلي، أنا جاية أساسًا عشان أصالحك، رغم عتبي عليكي برضه."
ابتسمت مودة بضعف ودون رد، فتابعت بتحفيزها، يالا بقى خلينا في المهم، قبضتي مرتبك ولا لسة؟
هذه المرة أشرق وجهها بابتسامة حقيقية بفرح وحماس تجيبها:
"أيوه قبضت، المرتب حلو أوي، وهقدر أجيب منه حاجات كتير."
"الف مبروك يا ستي وتتهني بيهم."
قالتها ميرنا بابتسامة واسعة، لتردف:
"لو لسة باقية ع الاتفاق، أنا مستعدة من بكرة أو النهاردة حتى، أتسوق معاكي وأجيبلك كل اللي يليق عليكي ويخليكي قمر."
توقف بسيارته، ليترجل منها عائدًا من عمله، بهيبة اكتسبها بحكم وظيفته وحسن أخلاقه قبلها، يسير برزانة، متخذًا طريقه نحو مدخل البناية التي يقطن بها مع عائلته وقد تأخر اليوم بدون قصد منه، وذلك لاجتماعه الهام مع رئيسه. لفت نظره فجأة بعض وجوه المارة وبعض الشباب الواقفين حتى حارس البناية، رؤوسهم للأعلى في اتجاه شرفتهم. غلت الدماء برأسه، برؤيته للسبب المؤدي لذلك، وهذه المجنونة الشقراء، تتشمم حزمة من الورود بيدها، بانتشاء جعلها غير منتبهة لهذه الثورة بالأسفل، ومشهدها يبدو كلوحة فنية، أبدع في صنعها فنان مخضرم. زفر حانقًا ليتحمحم، فخرج صوته بزمجرة شرسة أجفلت الحارس ليخفض رأسه، ملوحًا له باحترام، فظل هو على نظرته الخطرة يحدج الرجل بها حتى تخطاه ليدلف داخل المبنى ويختفي داخل المصعد، فيلتقط الرجل أنفاسه أخيرًا، متمتمًا بالحمد أنها مرت على خير.
فتح بمفتاحه ليلج داخل المنزل، وبخطواته الواسعة اتخذ طريقه نحو الشرفة، وبغضبه يقتحمها، لتشهق رؤى التي كانت جالسة على عقبيها تتأمل أحد الزهور النادرة، وقد فاجئها الظل الطويل لتجفل منتفضة حتى انكسر واحد آخر خلفها مع ارتدادها للخلف أسفل أقدام لينا، لتهتف بزعر:
"يا نهار أبيض دا القصرية انكسرت."
خرج صوت رؤى بارتعاش وقد أصابها الجزع لتسببها عن غير قصد في تحطم هذا الشيء الثمين:
"أنا أسفة والله مكنتش أقصد."
زفر أمين يجلس على عقبيه ليلملم المكسور، وينقذ النبتة بزهورها مرددًا:
"متتأسفيش يا رؤى، الغلط كان مني أنا."
"غلط إيه؟"
هتف بها حسن وقد أتى على صوت التهشيم بصحبة أنيسة التي ضمتها على الفور إليها، فتولت لينا الإجابة بانفعالها المعتاد:
"الباشا طب علينا زي العفريت من غير أحم ولا دستور، خض البنت فوقعت القصرية وراها."
"أنتي تستكي خالص، عشان انتي السبب في كل اللي حصل."
صدرت منه بعصبية وهو يضع النبتة بطينها داخل أحد الأصايص الفارغة، فصاحت به معترضة:
"وأنا السبب ليه بقى إن شاء الله؟"
"عشان وقفتك في البلكونة، لميتي علينا الشارع كله، بيتفرجوا ع الأجنبية الحلوة التي بتشم الورد ومستكنصة بريحته، في بيت الظابط وآخوه المهندس."
قالها سريعًا فلم ينتبه لما سقط منه في الوسط دون أن ينتبه بأنه غازلها دون أن يدري، أخفت أنيسة ابتسامتها، وخرج صوت لينا بارتباك رغم عنادها المعتاد:
"أنا مخدتش بالي م اللي انت بتقوله، بس حتى لو كان يعني، دا ميديكش الحق إنك تخضنا كدة."
تحرك فمه، بنية أن يرد، ولكن حسن كان الأسبق:
"خلاص يا جماعة حصل خير، انسوا كل حاجة،، يالا بقى نكمل قعدتنا، تعالي انتي متخفيش."
تفوه بالأخيرة نحو رؤى، ليقبلها بحنو أعلى رأسها مخففًا عنها، قبل ان تذهب مع أنيسة، وتلحق بهم لينا؛ التى رمقته بغيظ كعادتها، وهو لم يقصر في مبادلتها الفعل.
حتى خلت الشرفة على الشقيقان ليحدجه حسن بقرف قائلًا:
"روح شطف نفسك من الطين اللي بهدل هدومك، وتعالى حصلنا."
أومأ برأسه ينفض كفيه سائلًا:
"والدتك فين يعني مشوفتهاش، لا هي ولا شهد."
"والدتي مختلية مع شهد في أوضتها، خلص انت بس."
قالها حسن واستدار ليغادر، ولكن الآخر أوقفه، بأن أمسكه من يده ليسأله بفضول:
"هي الست أنيسة جابت إيه النهاردة من الحلويات اللي بتعملها؟"
نظر حسن ليده وطرف الكم الذي لوثه الآخر بالطين ليصيح به ناهرًا بحنق:
"يخرب بيتك."
وفي غرفتها، وقد كانت مختلية بها في حديث مشبع بالذكريات الجميلة، حتى أنهم لم ينتبهوا لكل ما حدث في الخارج.
وقد كانت جالسة على طرف الفراش بجوارها، تضع الصندوق الخشبي بحجرها، وتخرج منه الأشياء الثمينة والتي لا تقدر بثمن في عرفها.
"شايفة يا شهد، اهي دي بقى صورتنا في يوم الفرح، ودا المنديل بتاع كتب الكتاب."
ضحكت شهد وهي تتأمل المنديل الأبيض بتطريزه القديم لتردد باندهاش:
"يا نهار أبيض، دا إزاي فضل معاكي لحد دلوقتي؟"
"المحافظة عليه يا حبيبتي، وعلى كل حاجة بحبها، دا أنا أي حاجة من ريحة الغالي، أحفظها في عيوني مش بس في الصندوق."
قالتها مجيدة باعتزاز جعل شهد تطالعها بتأثر، قبل أن تتنبه جيدًا على الصورة القديمة، لتتمتم:
"دا جوزك الله يرحمه فيه شبه كتير من حسن دلوقتي، وانتي كنتي أمورة أوي وانتي صغيرة."
"اه يا حبيبتي، كنت سفيفة ورفيعة، قبل ما الزمن يتدحدر بيا وأخلف جوز الحلاليف ولادي."
ضحكت شهد من قلبها، والسبب خفة دم مجيدة، المرأة المتواضعة، والتي تتحدث بعفوية دون تفكير أو جهد في المزاح، ترفع الحواجز، بتباسطها دون تكلف، وكأن ما يجمعها معها هو العديد من السنوات، وليس شهور قليلة، فردت متغزلة:
"بس انتي لساكي زي القمر برضه، طب يارب أنا لما أوصل سنك، أبقى في حلاوتك كدة."
"هتبقي أحلى كمان، دا انتي قمر أساسًا يا شهودة."
قالتها مجيدة وهي تخرج الصورة الأخرى، وقد كانت عائلية، تجمعها بزوجها وابنيها الاثنان. تطلعت بها شهد بتركيز، فهذه أول مرة ترى فيها صورة حسن وهو صغير، دغدغة جميلة شعرت بها، لينتابها فضول شديد لمعرفة المزيد عنه في هذه الفترة، هل كان شقيًا كبقية الأطفال؟ أم عاقلًا كشخصيته الآن؟ ولكنه كان بريئًا بشدة، هذا ما تخبرها به هذه الملامح الدقيقة الوسيمة.
استدركت أنها قد أطالت بتأملها، ومجيدة لم تُنبهها أو تقاطعها، بل كانت تحدق بها صامتة، فخرج صوتها بارتباك:
"انتي ست جميلة وعيلتك كمان جميلة زيك... أكيد جوزك كان محظوظ بيكي."
لم ترد بل ظلت تطالعها بصمت عدة لحظات، لتزيد من توترها، قبل أن تقول:
"انتي عارفة يا شهد أنا ليه ندهتك واستفردت بيكي بعيد عن الكل هنا في أوضتي، عشان أفرجك كمان ع الصور وصندوق الذكريات بتاعي؟"
اهتزت رأسها بعدم فهم، فتابعت مجيدة:
"أنا بعزك أوي يا شهد، ومن أول ما شوفتك وأنا حاسة إن في صلة بتجمع ما بينا."
"وأنا كمان والله، ربنا يديم ما بينا المودة."
قالتها شهد وقد وصل إليها المغزى العادي للحديث، غير هذا الذي تقصده مجيدة على الإطلاق، والتي جاء ردها بابتسامة قبل أن تبأتها بالقول:
"ممكن أسألك سؤال يا شهد، بس أمانة عليكي تجاوبيني بصراحة ومن غير تفكير ولا حسابات من دماغك، أصل بقى مكدبش عليكي، الأمر دا يهمني أوي."
بريبة وتوجس أومأت شهد رأسها باستسلام لإلحاح المرأة قائلة:
"حاضر يا ست مجيدة هجاوبك بصراحة."
استغلت الأخيرة موافقتها لتبأتها بالسؤال على الفور:
"انتي بتحسي بأي مشاعر كدة ناحية حسن ولا لأ؟"
أجفلت لترتد برأسها للخلف وشفتيها تتحرك باضطراب، لا تدري بما تجيبها، فهذا السؤال لم يكن في حسبانها على الإطلاق، لتتمتم مستهبلة تدعي عدم الفهم:
"مشاعر يعني إيه؟ ممش فاهمة."
"لأ انتي فاهمة يا شهد، وبلاش استعباط عشان أنا محلفاكي أمانة."
تعرقت مع ازدياد الحرج، وقد تمكنت مجيدة من حشرها في زاوية ضيقة لتقر وتخرج مكنونات بداخلها تخشى الاعتراف بها حتى لنفسها.
"جرا إيه يا شهد؟ لدرجادي السؤال صعب، ولا هي محتاجة تفكير من الأساس، دي حاجات تتحس كدة لوحدها، معقولة انتي محستيش بيها؟"
قالتها مجيدة مواصلة الضغط، لتزيد عليها وهي التي كانت تخرج الكلمات بصعوبة من فرط ارتباكها، وهذا ما تلعب عليه الأخرى:
"مش حكاية إني محساش ولا فاهمة، بس هو يعني..."
"بس هو إيه؟ انتي حاسة إن حسن بيحبك ولا لأ؟"
بإقرار واستسلام أومأت شهد برأسها تتمتم:
"يعني... بقيت كتير بحس بكدة أو ممكن يكون إعجاب عادي."
"حلو أوي، طب انتي بقى، بتفرحي لما بيوصلك شعوره ده، ولا بتجزي وبتقرفي؟"
"لأ أقرف دا إيه يا ست مجيدة؟ حسن راجل محترم واخلاقه غاية في الروعة رغم عصبيته أحيانًا وتزمته معايا في الشغل، بس هو قمة في الأخلاق، يعني إحساس القرف دا أبعد ما يكون في قلبي من ناحيته."
سمعت مجيدة لتهلل بمرح، وقد أوقعتها في الفخ:
"الله أكبر، يعني بتحبيه."
ذهلت وافتر فاهاها بانشداه لتردد بعد ذلك تبتغي النفي:
"يا ست مجيدة حب إيه بس؟ أنا معرفش اللي تقصديه ولا بتتكلمي عنه ده، عن إيه بالظبط؟"
"هو برضوا قالي كدة!"
قالتها مجيدة بضعف وقد تبدلت ملامحها للعبوس والإنكسار، لتثير الفضول لدى شهد كي تسألها بعدم فهم:
"هو مين اللي قالك؟ وقالك إيه بالظبط؟"
مطرقة رأسها بحزن وهي تحتضن الصندوق القديم في حجرها، لترفع عينيها إليها بنظرة مترقرقة بالدموع تقول بعتاب:
"حسن هو اللي قالي، لما صرح لي بمشاعره وأنا قعدت أتنتط من الفرح، عشان أ فاتحك عن رغبته في الارتباط بيكي، قالي متحاوليش يا ماما وتحرجي نفسك، أنا نفسي مش لاقي فرصة معاها، وأخاف عليكي من كسرة الخاطر."
"بعد الشر عليكي من كسر الخاطر، هو ليه بيقول كدة بس؟"
هتفت بها شهد مستهجنة بغضب، هذا القول الذي أدخل الحزن بقلب المرأة والتي تابعت:
"هو بيقول كدة عشان هيموت عليكي وبيحبك، وانتي ولا حاسة بيه."
بانفعال شديد استنكرت شهد رغم فرحتها بهذا الاعتراف من حسن على لسان والدته:
"على فكرة بقى، هو مزودها أوي، ومش من حقه يزعلك كدة ويخليكي تشيلي مني، هو اتكلم ولا فاتحني أساسًا عشان يفتي من مخه ويقول إنني رافضة."
التقطت مجيدة الهفوة التي كانت في انتظارها منذ بداية الحديث، لتهلل قائلة:
"يا حبيبة قلبي يا شهودة، يعني انتي مش رافضة الارتباط بيه، وهو اللي طلع حمار، وربنا أنا كان قلبي حاسس، يا قلبي انتي..."
ختمت بالاخيرة وهي تجذبها من ساعديها إليها لتُقبلها من وجنتيها، تدعي التغافل عن الصدمة التي ارتسمت على ملامحها، حتى انعقد لسانها في الرد عليها، لتكمل عليها بأن نهضت فجأة لتفتح باب الغرفة تهتف وتنادي بصوت عالي:
"يا حسن يا أنيسة، يا ولاد تعالوا هنا، عندي خبر ليكوا يجنن، شهد وافقت ع الجواز من حسن، تعالي يا بشمهندس وشوف خطيبتك."
"خطيبتك."
تمتمت بها، وقبل أن تستوعب حتى لتفكر، وجدت أنيسة أول المقتحمين للغرفة، مرددة لمجيدة:
"يعني شهد وافقت بجد؟ طب وربنا أنا كنت واثقة منها دي يا مجيدة، يا ألف نهار أبيض، يا ألف نهار مبروك."
قالتها لتعانق المرأة تبارك وتهنئ، قبل أن تتركها متجهة إلى شهد المذهولة،، لترفعها إليها وتعانقها بحضن أمومي تغمرها بالقبلات:
"ألف مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك يا بنتي الغالية، حسن طيب وانتي تستاهليه، وهو يستاهلك."
"انتي بتتكلمي بجد يا ماما؟"
صدرت من حسن الذي ولج هو الآخر، بفرحة تتراقص بعينيه، لتطالعه شهد ترفرف بأهدابها وكأنها في عالم موازي، لتتلقى كلماته وقد اقترب منها، وتناول كفها بين يديه، يعبر امتنانه بموافقتها:
"أنا مش عارف أشكرك إزاي يا شهد، أنا حاسس قلبي هيوقف من الفرحة عشان وافقتي، ربنا يخليكي ليا يارب."
ختم بقبلة على ظهر كفها، طالعت أثرها بصمت، لتبدو كمن تلقت ضربة على رأسها تترنح بعدم اتزان أو استيعاب، وتتوالى عليها المباركات والتهنئة من الباقين، رؤى ولينا وأمين، بلا استغراب أو تساؤل، وكأنهم هم أيضًا كانوا على علم.
"الف مبروك يا أبلة شهد، ربنا يتمملك بخير أنا فرحانة أوي."
"مبروك يا أجمل شهد، يا صاحبة العمر يا غالية."
"مبروك يا شهد، حسن أخويا آه، بس انتي هتبقي أغلى منه، دي تاخديها قاعدة من دلوقتي."
"أنا هعمل كل جهدي عشان تبقي أسعد واحدة يا شهد، ربنا ما يحرمني منك."
وفي جانب وحدها وبعد أن وصلت لغرضها، فكانت تتابع بابتسامة رضا صامتة، لتنضم أنيسة بجوارها تهمس قائلة:
"والله وبرافوا عليكي يا مجيدة، عرفتي تلفي البت إزاي يا ولية؟"
ابتسمت بثقة، تجيبها:
"مكناش ينفع معاها غير كدة، بعدين هحكيلك بالتفاصيل، المهم دلوقتي، أنا عايزة السرعة، ياما نفسي أتلم على مأذون الليلة، عشان أخلص بقى."
رواية و بها متيم انا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم امل نصر
بفعل لم تفعله الا نادرًا أتت اليوم بصحبة سائقها والحارس الخاص بها، لتنتظر بداخل السيارة، خروج طفلها من حضانته، كي تستأثر به كالأمس، في خطة أعدتها لعدم السماح لأحد بإنقاص حقها فيه، حتى لو اضطرت لتحدي والدة زوجها التي تكرهها ولا تطيق رؤيتها، وتعمل دائمًا على الإبتعاد عنها.
لقد قررت تعويض ما أهدر منها طول السنوات الماضية، لفعل زوجها المسيطر والمتحكم بكل أمورها، ولكنها كبرت الاَن ولم تعد تلك الصغيرة التي يطوعها كيف يشاء، وعت لتُمسك بزمام الأمر، فترواده بحنكة النساء ومكرهن، حتى تحصل منه على كل ما تريده، الا يكفي ابتلاع الخيانة!
دوى صوت الهاتف لتفاجأ بهوية المتصلة، التي ترفعت وتواضعت لتحادثها، قطبت باستغراب تناظر الرقم وكأنها تتأكد من الأسم جيدًا، ولتفكر سريعًا قبل أن تجيب برقة مدروسة:
– الووو……. أهلا يا طنت.
– الووو يا ست رباب، ممكن افهم بقى، انتي مانعة حفيدي عني ليه؟
– أنااا يا طنت؟ مين قال كدة بس؟ دا كلها يوم واحد اللي غابوا عن الزيارة، والنهاردة عنده مشوار مهم للمدرب في النادي.
– اقدر انا ع المشوار دا يا ست رباب، ابعني الولد وانا اوديه…..
– ويقعد بقية اليوم عندك زي كل مرة، اسفة يا طنت، أنا فضيت نفسي مخصوص عشانه النهاردة، يوم تاني بقى.
– يعني ايه حفيدي مش هيجي النهاردة كمان؟…
– الوو يا طنت، معلش مش سمعاكي كويس، الطريق زحمة ازي…… الوو يا طنت، الووو.
انهت المكالمة لتخرج زفيرًا بضيق، فهي تعلم ان المرأة لن تسكت على فعلها، وحتما ستخبر زوجها، وعليها تجهز نفسها لذلك.
انتبهت على خروج ابنها من باب المدرسة، لتنتفض مترجلة من السيارة ، ثم تتلقاه بالاحضان بعد أن رفعته عن الأرض أمام زملائه، وتلفت أنظار الجميع إليها كالعادة.
بداخل السيارة وبعد أن تحركت بهم، على الفور تلقت رسالة من الرقم المجهول.
– (( حلو اوي الفستان القصير على جسمك، وجماله بان أكتر لما رفعته الكتوت، وانشد لفوق ركبتك، ايه الحلاوة دي))
– يا أبن ال……
تفوهت بها بغيظ تعدى الغضب وفاق الحد، لتهتف نحو سائقها:
– وقف العرببة دي بسرعة يا عم كريم، بسرعة ارجوك .
على الأمر توقف الرجل ليناظرها بتساؤل تجاهلته لتلتف نحو حارسها :
– انزل من العرببة يا حامد، انا عايزة اعرف مين اللي بيراقبني؟ حاسة فيه حد بيراقبني؟
انتفض الحارس على الأمر، يخرج سلاحه على وضع التحفز مرددًا:
– يراقبك، يراقبك ازاي يا هانم وانا موجود؟
قالها وترجل يبحث في الإنحاء، ويتجه بخطواته نحو الطريق باحثًا، يمينًا ويسارُا، حتى ابتعد وهي تنتظر بزعر وصل للطفل ليسألها ببرائة:
– في حاجة يا مامي؟
– لا يا قلب مامي.
قالتها لتقبله على جبهته، وتضم رأسهِ إليها بعد ذلك، فتلتمس الدفء بغمرته، واجهت بعين المراَة وجه السائق، الذي كان يتابعها فتكلم برفق رغم حيرته من فعلها:
– متقلقيش يا هانم من حاجة، الدنيا أمان، وانتي قاعدة في عربيتك، ومعاكي رجلين يحموكي لو في خطر، دا لو فيه يعني.
وصلها امتعاضها الغير معلن، وكأنه يراها تفتعل ذلك عن قصد.
دلف فجأة السائق بعنف جعل السيارة تهتز ليخاطبها بلهاث:
– انا دورت في كل حتة يا هانم، وملقتش أي مخلوق يهدد امن حضرتك والبيه الصغير، المنطقة هادية اساسًا، تحبي انزل ادور تاني؟
لوت شفتيها بحنق تأمرهما بإماءة صغيرة بذقنها وقد بلغ اليأس منها مبلغه:
– لا خلاص بقى، امشي على طول يا عم كريم.
❈-❈-❈
في المخزن الخلفي لدكان العطارة الذي يملكه عابد الورداني، وقد أتت إليه خلسة كالسابق، ولكن هذه المرة كانت للعتاب، بعد ليلة كئيبة وصعبة مرت عليها في البكاء وشعور القهر المتعاظم داخلها، حتى أنهكت وفاض بها، للدرجة التي جعلتها تتلقف كالغريقة اتصاله في الرد عليها اخيرًا اليوم، تطالبه متلهفة بشدة للقاءه، ليستغل ما كان يظنه فرصة للاستفراد بها في المخزن هنا وقد وافقت دون تردد، ليعبث ويفعل ما يحلو له معها، قبل أن يفاجأ برؤية وجهها المقلوب، ثم انفجارها بمجرد أن انغلق الباب عليهما، لتعبر عما يجيش بصدرها بالدموع الحارقة:
– مكنتش اعرف اني قيمتي قليلة أوي عندك كدة يا ابراهيم؟ اكتر من مية رسالة وغيرهم في الاتصال عليك من امبارح، ولا مرة تكلف نفسك وترد، غير بعد ما جالك مزاجك؟ طب يمكن في ضيقة ومحتاجالك ، أو تعبانة وعايزاك تجيني وتخفف عليا، اعمل ايه عشان تحس بيا وتعملي قيمة زي بقية المخطوبين؟
رافعًا طرف شفته باستنكار خطا يقترب منها ليطالع هذا الانفعال المفاجأ منها الشهقات المتتالية، بسيل الدمعات التي لا تتوقف، حتى خرج صوته بذهول:
– انتي هبلة ولا عبيطة يا بت؟ بقى كل المناحة دي عشان مرديتش ارد عليكي؟ وهي دي اول مرة تحصل يا ختي؟ ما انا بتقل عليكي بكيفي وبرد برضوا بكيفي، مبيمشيش معايا كهن النسوان، بلا مخطوبين بلا نيلة.
جفاءه المعتاد، وأن يحتد بتعالي؛ لم يكن جديدًا عليها، لتتقبل غضبه مضطرة، أو تنكمش بخوف منه فتتغاضي كالعادة، إلا اليوم، فهي لم ولن تحتمل على الإطلاق، سمعت منه لتسقط على عدد من الاجولة المرتصة فوق بعضها، لتردد بانهيار:
– انا كنت عارفة من الاول، وقولتلك، انت عمرك ما حسيت بيا ولا نصفتني حتى، زي ما حصل امبارح، لما ابوك زعقلي قدام الكل وكسفني، انت مكلفتش نفسك حتى تجبر بخاطري.
اهتزت رأسه بعدم تحمل لا يستوعب ما تلتقطه أذنيه منها، ليضرب كفه بالاَخر وقد نفذ صبره لهذا العته، نادمًا على اختلائه بها ومقابلتها من الأساس:
– الله يخرب بيتك على بيت معرفتك السودة، يعني انتي كل عمايلك دي على قصة ابويا وكلمتينه امبارح، طب والله عنده حق، وياريته كان اداكي كفين بالمرة يا أمنية.
– كمااان.
صرخت بها لتقف على أقدامها وتواجه عنفه بنهنهة عالية لبكائها المستمر، تردد باستعطاف، علّ قلبه يرق ويؤازرها في محنتها:
– دا بدل ما تقولي ايه اللي تاعبك يا حبيبتي؟ ايه اللي موصلك للحالة دي؟ دا انا مليش غيرك يا ابراهيم، لا عيلة ولا خوات بيحبوني، ولا انت ناسي كلامك ليا؟
اكتست ملامحه بالسأم والضيق، ولكنه كان متريثًا هذه المرة في رده، ليعرف السر الحقيقي خلف هذه المحزنة.
– لا يا ختي طبعًا مش ناسي، بس ايه لزوم الكلام ده دلوقتي؟ هو انتي اتخانقتي مع حد فيهم؟ ولا يكونش واحدة منهم ضايقتك يا بت؟
جاء السؤال الذي كانت في انتظاره منذ الأمس، لتجد من يسمع شكوتها بحرية، فهو الوحيد القادر على فهم ما تقصده، لأنه يخصه أيضًا!
– قول مين مضايقنيش؟ دا انا بتحسر من امبارح وقلبي بيتقطع من جوا، لأن بالأكيد جوازتنا مش هتم السنادي يا ابراهيم، ومش بعيد نقعد اكتر كمان، على ما اخلص جهازي، مدام الكبيرة دورها جه، يبقى تتنيل على عينها أمنية وتستني بقى، ما اهو انا حظي كدة……
– كبيرة مين يا بت الهبلة؟
هدر بها قوية عنيفة، ليُصمت فمها الذي يثرثر بغباء، يكاد يصيبه بالصمم، والكلمة التي أسقطتها في الوسط، يشك في صحة سماعها، لتؤكد له بغليل نفسها السيئة:
– بقولك الكبيرة، المحروسة راحت امبارح عزومة العشا عند الست مجيدة رجعت لنا مخطوبة من ابنها البشمهندس، والبيت مقلوب من امبارح، البت رؤى بت الجزمة، كل ما تشوفني بتقعد تزغرط وتغني، عشان تغيظني…… اَه
صدر منها تأوهًا بوجع، وقد باغتها بأن اطبق بكفيه الكبيران على ساعديها الغليظان، ليتمتم متسائلَا بهدير خطر، وقد أظلم وجهه؛ واشتد بخطوط طولية، لتبرق عينيه بالشر بشكل فاجئها وأخافها بنفس الوقت:
– انتي بتقولي مين يا بت؟ المحروسة اختك، ربة الصون والعفاف، مع الواد المهندس اللي رايح جاي معاه.
استطرد يهدر بصوت خرج من أعماق الجحيم وهو يهزهز جسدها بعنف:
– يعني كانت بتقرطسنا، وعاملة فيها البت المحترمة، وهي ماشية مع الرجالة وبتجيبهم البيت، يبقى انا بقى كان عندي حق لما اتخانقت معاها ع المسخرة وقلة الأدب، كان عندي حق لما خوفت عليكم وعلى سمعتكم.
– خلااااص يا ابراهيم حرام عليك، دراعاتي الاتنين هينكسرو في إيديك
صرختها كانت بقوة لتعيده لصوابه، فيشعر بنفسه، ويرفع كفيه عن ذراعيها، لتردد مرة أخرى بشهقات البكاء، وألم جسدي حقيقي، فقد كان على شفا اقتلاعهم بهزهزته العنيفة دون وعي، او كسرهم بالضفط الرهيب منه، هذا ما كانت تشعر به، لتدلك بكفيها عليهما وهي تبتعد بارتياع، فهيئته كانت غير طبيعية على الإطلاق، حتى خرج صوتها باهتزاز:
– هو انا بشتكيلك عشان تواسيني، ولا عشان تيجي عليا انت كمان وتخسرني صحتي، وتبقى كملت عليا بالمرة.
– امشي.
تفوه بها سريعة لدرجة لم تصدقها في البداية، قبل أن يفاجئها بصيحة قوية:
– بقولك امشي، امشي يا أمنية، غوري من وشي .
انتفضت في الاخيرة لتتسارع خطواتها المرتدة نحو الباب حتى فتحته، وخرجت راكضة، بدون حتى أن تأخذ حذرها ككل مرة، فكان المهم هو أن تهرب من أمامه، تاركته يزفر بصوت عالي، وانفاس ساخنة تخرج م حريق شب بداخله، بنيران كالبركان تطلق حممًا قادرة على إحراق الأخضر واليابس.
❈-❈-❈
في غرفتها وعلى فراشها المكوم بإهمال أسفل قدميها، فقد كانت جالسة ضامة ركبتيها إلى صدرها بشرود، لا تدري بما ورطت نفسها؟ أو بالأصح ما وجدت نفسها تقع فيه ببرائة أو بلاهة بغفلة منها، ولكنها كانت كالمغيبة وكل شيء حدث سريعًا بشكل لا يصدق، مفاتحة مجيدة لها، ثم تهليل بموافقة لا تتذكر كيف نطقت بها؟ ثم المباركات والتهنئة القلبية من اقرب القلوب إليها، بأنها خطبت، خطبت لحسن، معقول؟
لقد رأت بعينيها حجم السعادة التي بدت عليه، ليلثم بشفتيه جلد كفها، ويعبر لها ممتنًا عن موافقتها به.
فتظل هي لفترة طويلة من الوقت مزبهلة تناظرهم بذهول، حتى استفاقت لنفسها بعض الشيء، لتهم بمغادرة المنزل، عاقدة النية على الهروب، فكانت الكبيرة حينما فاجئها باتصال عمها، صديق أباها الراحل، وعرابها في رحلة الشقاء للحفاظ على ارث والدها، ابو ليلة الذي هلل بالفرح، معربًا عن سعادته بالأمر، ومشددًا في نفس الوقت على ان يتم الأمر بصورة رسمية، بجلسة تتم بمنزل العروس في حضوره، بصفته الوكيل لها في كل صغيرة وكبيرة في الاتفاق.
– يا إلهي.
رفعت رأسها فجأة لتطن الفكرة مرة أخرى:
– هل هي بالفعل أصبحت عروس؟
طرقة خفيفية على باب غرفتها، جاءت كوقت مستقطع ترحم به عقلها المتعب ولو قليلًا:
– ادخلي يا رؤى، واقفة عندك ليه؟
طرقة أخيرة ختمت بها شقيقتها، لتخطو إليهابوجهها الصبوح، وقد ارتسمت على قسماته الفرحة بقوة، فتكلمت بغنج المراهقات المفتعل في مثل هذه المواقف:
– عاملة ايه يا عروستنا ؟ لسة برضو متوترة؟ بصراحة الله يكون في عونك، دا العريس قمر، قمر يا ناس.
افتر فاه شهد تهم لترد بغشم كالعادة، ثم ما لبثت أن تتراجع، بزفرة محبطة وقد تذكرت وضعها.
– رؤى، عشان خاطري وحياة غلاوتي عندك، بلاش وخفي عليا شوية..
– اخف عليكي في ايه يا قلبي؟ انتي لازم تفرحي يا شهد، انتي تستاهلي الفرحة.
قالتها بعفوية وهي لم تستوعب بعد مقدار ما يدور برأس شقيقتها الكبرى، من تشتت وحيرة لأمر طرأ فجأة دون أن استعداد او تمهيد، فكيف توصل لها فكرتها؟ فجاء سؤالها بفظاظة:
– طب انتي داخلة ليه دلوقتي؟ أنا مش قولت عايزة اختلي بنفسي واريح دماغي.
قوست رؤى شفتيها، تتصنع البؤس، رغم ابتسامة ما زالت تفضحها في قولها:
– الله يسامحك عشان انتي احرجتيني فعلًا على فكرة
بشبح ابتسامة استجابت شهد لمناكفة شقيقتها، وردت تزيد عليها:
– ما انتي اللي بتجيبي الاحراج لنفسك، انا مش ذنبي.
– كد برضوا يا شهد.
هتفت بها متخصرة بفعل طفولي، لتتابع بغيظ:
– ع العموم يا ست هانم انا كنت داخلة اقولك ان عم ابو ليلة قاعد منتظرك برا، وقالي روح……
قاطعتها بلهفة تسألها، وكأنها قد دبت بها روح جديدة:
– انتي بتتكلمي جد؟
– لا بهزر.
قالتها بموعية واستدارت لتذهب وفور أن امسكت بمقبض الباب شاكستها مرة أخرى:
– هقوله نايمة ومش عايزة تشوفك.
ختمت بأن أخرجت لها لسانها، لتنتفض شهد عن الفراش ناهضة تردد لها بتوعد:
– هي مين دي اللي مش عايزة تشوفه يا بنت ال؟ ماشي رؤى.
❈-❈-❈
خرجت إليه وقد كان جالسًا بوسط الصالة، يتسامر مع رؤى بمزاحه المعتاد عن قصر قامتها، والسخرية من وزنها الذي يقارب عود خلة الاسنان كما يقول، وهي تضحك وتقارعه بالحديث المرح، ليضحك لها بصوته الرجولي الرخيم، قبل أن ينتبه إليها، فانتفض واقفًا بوجه مشرق، بضياء الفرح لشيء عظيم يهلل:
– يا أهلا يا اهلا، بست البنات اللي كبرت وبجت عروسة تملى العين وتسر الخاطر.
قوست شفتيها لتستقبله بابتسامة ضعيفة قائلة بعتب:
– على طول كدة، طب استني اقعد الأول حتى عشان نعرف نتخانق.
قهقه بصوت جهوري وهو يجلس على الكرسي المقابل لها، يردد خلفها بدهشة امتزجت بمشاكسة:
– وه، نتخانج كمان؟ ليه يا بوي؟ دا احنا النهاردة يوم فرح يا بت
طالعتُه بحنق، لتطرد زفيرًا معبئًا من صدرها، في مقدمة لما نوت عليه، لتنفجر به، مخرجة مخاوفها وهواجسها وحيرتها وتشتتها بالشجار معه:
– ايوة نتخانق، عشان انت امبارح، اديت موافقة وقررت مع الناس في التليفون من غير ما تاخد رأيي، دا كان ناقص بس تحدد معاهم ميعاد الفرح.
– اخد رأيك ليه؟ مش انتي اديتي موافقة للجماعة؟
– وهو انا لحقت اقول ولا اعيد؟ دي الست كروتتني وسحبت مني كلام انا مش عارفة قولته ازاي؟
صاحت بها تجفله في بداية الأمر، قبل أن يستوعب جيدا، ثم ما لبث أن ينطلق ضاحكًا هذه المرة بشكل اقوى من السابق، حتى أدمعت عينيه، ليزيد من غيظها، مرددًا:
– يعني الست مجيدة كروتتك، زي ما عملت معايا ولفتني انا الراجل الكبارة، طب والله براوة عليها الست دي.
همت لتصب به جام قهرها، ولكن نرجس كانت قد أتت إليه بصنية القهوة، لتضايفه قائلة بزوق متعمد.
– الشاي يا حج ابو ليلة، هو انتوا بتتخانقوا ولا ايه؟ دا حتى النهاردة مينفعش خناق.
بحياء ليس بغريب عن رجل يعرف بالأصول ويعطيها حقها، رد أبو ليلة مطرقًا برأسهِ، وعينيه في الأرض:
– ربنا ما يجيب عرايك ولا خناج، ويعديها على خير ان شاء الله.
وقفت نرجس تنتظر تفسيرًا أوضح، ولكن النظرة القاتمة من شهد جعلتها تتحرك على الفور ، لتستئذن مغادرة بحرج، رغم الفضول الذي يقتلها، ثم التفت شهد إليه بتحفز، فسبقها بقوله:
– من غير كلام ولا رط كتير، انتي شايفة المهندس راجل زين ويستاهلك ولا عفش ومينفعكيش؟
باستنكار جلي وضح من تبدل ملامحها، لتهتف بانفعال:
– يا ابوليلة انا معنديش نقد ع الراجل، انا اعتراضي ع الموضوع نفسه، مكنش في دماغي خالص حكاية الجواز، فجأة الاقيني مخطوبة والنهاردة قراية فاتحتي، طب ازاي؟…..
– عشان النصيب.
قالها ليقطع استرسال هذيانها، ليتابع بلهجة لينة حنونة:
– خفي على نفسك يا بت اخوي، دي جراية فاتحة مش كتب كتاب، وعلى راجل زين يتحط ع الجرح يطيب، وامه اطيب منه، واخوه جيمه وسيمة، عيلة تفخري بيها وتساهليها……
صمت برهة أمام استجداء النظرات من عينيها، وهذا الخوف الذي اكتسى ملامحها، ليستطرد بمزيد من اللطف:
– عيشي فرحتك النهاردة يا بتي، وريحي مخك شوية من التفكير، يا بت افرحي، دي خالتك زبيدة وصبا، ماجاعدين على حيلهم من امبارح، كان هاين عليهم بجوكي من الصبح، انا بس اللي منعتهم عشان يجوا العشبة بالمرة.
❈-❈-❈
بعدوٍ أقرب للركض، كانت مودة تقطع الرواق في طريقها للذهاب، يساعدها جسدها النحيف وطولها المتوسط، في السرعة التي كانت تبدوا كالطيران بخفتها، حتى خرجت من الفندق لتعتلي سيارة الأجرة التي كانت مصطفة في انتظارها، وتنضم مع الأخرى، قائلة بلهاث:
– اتأخرت عليكي؟
تبسمت ميرنا لتعتدل بجلستها اولا، ثم تصدر أمرها للسائق حتى يتحرك قبل أن تجيبها:
– لا يا غالية متأخرتيش ولا حاجة، انا بس مستغربة النهتان دا كله، هو انتي كنتي بتجري؟
أومأت مودة بهز رأسها وصدرها يصعد وبهبط بتسارع، حتى تمكنت من التقاط أنفاسها جيدًا لترد:
– مش جري، بس انا كنت سريعة قوي في خروجي، بعد ما اتأخرت في الوردية، وبصراحة كنت عايزة اللحق قبل أتوبيس الموظفين ما يوصل.
– قصدك قبل البرنسيسة ما تشوفك؟
قالتها ميرنا بحدة، تحدجها بغليل أربكها لترد بمماطلة لم تنطلي عليها:
– قصدك صبا يعني؟ ليه هو انتي فاكراني جبانة، ولا هي ست الأبلة اللي مسكالي العصاية، انا بس عشان مش عايزة ازعاج منها ولا صداع.
– يا شيخة، اممم
قالتها بتهكم صريح لم تغفل عنه مودة ولكنها تغاضت، تتدعي التجاهل، لتسألها عن الأهم الاَن:
– مقولتليش بقى، هتاخديني على فين كدة؟
إبتسامة سريعة اعتلت ثغر الأخرى لتميل برأسها تقول بثقة:
– على أكبر مول في البلد كلها، يعني كل المحلات هناك،عشان نشتري كل اللي احنا عاوزينه، نخرج من محل ندخل التاني، دا غير الفرجة ع العروض اللي هناك، دا انا ههوسك.
بحماس كبير، كطفلة توشك على الخروج في رحلة مع أباها، هللت تصفق بكفيها مرددة:
– هاااي، ايوة بقى يا أحلى ميرنا، ما يحرمني منك،
– ولا منك انتي كمان يا قلبي
قالتها بابتسامة تظهر على السطح المودة والطيبة، وداخلها تخفي ظلامًا من الغموض، لا يعرف اخره إلا هي.
❈-❈-❈
في طريق ذهابه للمغادرة بعد انتهاء نوبة العمل، وقعت عينيه عليها، وهي تقطع طريقها من الجهة الأخرى، بوجه تبدل عن ملامحها العادية، فقد كانت عابسة، شاردة في أمر ما، جعلها لا تنتبه إليه إلا بعد مدة ليست قليلة من الوقت، رغم وقوفه في انتظارها اتجاه أنظارها بالضبط.
بادرها بالسؤال فور أن اقتربت منه:
– انتي جاية منين يا صبا؟ وفين صاحبتك اللي بتمشي معاها.
تنهدت بثقل تجيبه بحيرة وقلق تغلغل داخلها دون سبب واضح له:
– صاحبتي مشيت وسابتني، انا روحت اسأل عنها في قسمها، قالولي انها مخلصة شغلها من نص ساعة، اتصلت بيها قالتلي انها في موعد ضروري، طب هو إيه؟ قالت انها هتعملي مفاجأة.
– مفاجأة!
تلفظ بها متعجبًا، ليردف وهو يستكمل طريقه معها:
– طب وانتي ايه اللي مضايقك؟ مش يمكن تكون مفاجأة سعيدة.
– أتمنى.
قالتها لتصمت لحظات قبل أن تستطرد بما يقلقها:
– اللي محيرني انها عرفت تخبي عليا المرة دي، مكدبش عليك، بس مودة دي أخيب واحدة تعرف تخبي او تكتم سر، مكشوفة دايما قدامي.
ظل صامتًا بأعين مشبعة بالإعجاب يطالعها، صبا المميزة والرائعة دايمًا، لا تتوقف عن ابهاره، الأ يكفيها تضخم قلبه بعشق ميؤس منه؟ وقربُ منها يهلكه، بعذابًا لا يجد له حل؟
توقف بها أمام السيارة الصغيرة التي امتلكها بكده وعرقه، ود أن يعزم عليها لترافقه حتى يوصلها للمنزل، أن تشاركه الهواء داخلها، فطريقهم واحد، فخرج صوته بتردد:
– صبا لو حاسة نفسك هتضايقي من الرجوع وحدك في اتوبيس الشغل، انا ممكن اوصلك.
نفت برأسه، تفاجئه الرد:
– لا ما انا مش هركب الأتوبيس المرة دي، اصل طريجي مختلف، ابويا وامي سبجوني على خطوبة شهد، بنت المرحوم صاحب ابويا وانا اتصلت بأوبر وهحصلهم.
اومأ رأسه بتفهم قبل أن يستدرك وتتغير ملامحه بشراسة قائلًا:
– يعني هتركبي تاكسي مع سواق لوحدك؟
– أيوة طبعًا، وفيها ايه دي يعني؟
قالتها بعفوية قبل أن يفاجئها بعصبيتة:
– مفيش ركوب مع حد غريب لوحدك، اركبي انا هوصلك المكان اللي انتي عايزاه.
– ايوة بس انا طريجي غير طريجك.
– هغير طريقي وهوصلك المكان اللي انتي عايزاه، اخلصي يا صبا
قالها حازمة مسيطرة لدرجة جعلتها تتحرك على الفور مذعنة لأمره، بدون تردد لتستقل المقعد المجاور له في الأمام، فجلس هو أيضًا يتخذ مقعده خلف عجلة القيادة، ولم يشعر بالوضع سوى بعد أن وصلته رائحتها المسكية، لينتبه اخيرا لتهوره، وقد طغى حضورها على الأجواء من حوله، انها بجواره وداخل سيارته، حسناءه الفاتنة، التي لطالما ابتعد عن محيطها بإرادته، انها بالقرب الاَن، أيضًا بإرادته، بزفرة متعبه تحمحم يخاطبها بعد أن ابتلع ريقه، وأنظاره موجهه للأمام، يدعي الانشغال بالقيادة:
– اربطي حزام الأمان عليكي كويس يا صبا.
سمعت لتنفذ ما طلب منها بطاعة صامته، ثم التفت رأسها للطريق من نافذة السيارة بشرود اثار فضوله، ليرمقها بنظرة جانبية سريعة، قبل أن يعود لقيادته بتأنيب ضميره اليقظ دائمًا، ليتمتم داخله بالإستغفار، يناجي العون من الله.
❈-❈-❈
كالأعصار ولج المنزل، ليصيح على والده الجالس على مائدة الطعام يتناول وجبة غذائه:
– قاعد في بيتك وبتاكل كمان، طبعا ما انت نايم على ودانك يا حج، ومش داري باللي بيحصل.
توقفت اللقيمة بحلق عابد، ليكف عن المضغ، متسائلًا بحنق:
– نعم يا روح امك، داخل زي زعابيب امشير وبتهلفط بكلام مش مفهوم، أنت شارب ولا شامم يالا؟
– لا انا شارب ولا انا شامم، انا بس صعبان عليا الهيبة والمرجلة لما يداس عليها، وتتعامل زي الغربا.
قالها وتقدم بخطواته ليميل برأسه نحو والده، يردف بغليل وحقد، يريد بث الفتنة بقلب الرجل:
– المحروسة اللي بتشكر فيها وفي تربيتها، قرطستك وراحت اتخطبت في بيوت الناس، من غير ما تعملك اعتبار ولا خاطر، وكأنها ملهاش أهل .
ضاق الرجل وفاض به ليهدر به ساخطًا بنفاذ صبر:
– ما تفسر يا بن الهبلة وبطل اللغازك، انا معنديش مرارة .
وقبل أن يهم ابراهيم بالرد، سبقت والدته، تتدخل بفحيح:
– ابنك يقصد شهد يا حج، اصلها فاجأت الكل امبارح عشية بخبر خطوبتها على المهندس، من غير شورة ولا قوله من حد، ولا اكن ليها اهل، دي مهانش عليها حتى تدي خبر لاختي اللي ربتها زي امها وعاملالها خدامة تخدمها، بلغتها بالخبر كأنها واحدة غريبة ولا تسوى.
انتعش إبراهيم، وقد وجد من تؤازره، ليزيد على الرجل:
– لا وعلى كدة مكفهاش كمان، عاملة النهاردة قراية فاتحة، وجايبة الراجل الصعيدي، اللي اسمه ابو ليلة، عشان يبقى وكيلها، طب كانت افتكرت وقدرتك، ع الأقل تعمل حساب للجيرة ولا النسب حتى، دا انت كل ما تشوفها تنفخ فيها وتكبرها، وهي سوسة وقلبها اسود.
بوجوم ظاهر تطلع الرجل إلى الاثنان صامتًا عدة لحظات، قبل أن يوجه السؤال لزوجته:
– وعلى كدة عاملة ليلة ع الواسع ولا حاجة ع الضيق؟
رفعت كفيها للأعلى مرددة بادعاء عدم الفهم:
– الله أعلم يا حج، دا انا عرفت الحكاية دي بالصدفة واختي بتكلمني في التليفون، أصلها كانت مقهورة يا حبة عيني، وانت عارفاها غلبانة، ما تقدر تعترض ولا تدي رأي حتى معاها، دي بت شديدة وكلمتها من دماغها.
بقبضة كفه المضمومة طرق ابراهيم على سطح المائدة أمام الرجل يطالبه مشددًا:
– إنت لازم يبقالك كلمة في الموضوع دا يا عم الحج، ولا تكبرك في الوحشة عشان مصلحتها، وتيجي عند الفرح، ولا تعبرك.
❈-❈-❈
أمام مراَتها وقد استسلمت اخيرًا لواقعها، لتمسك الفرشاة وتجرب وضع المساحيق على البشرة التي اهملتها فترة طويلة حتى نست أنها أنثى، ليأتي هذا اليوم الذي تجبر على التزين فيه من اجل هذه المناسبة،
بحيلة اقنعت بها نفسها، أن الأمر مجرد خطبة، فترة تمهيدية حتى تستوعب الأمر، وفرصة للتجربة، إذا نجح الأمر كان بها، وان فشل………
زفرت بتحريك رأسها حتى تجليها من هواجس ومخاوف كانت في غنا عنها، لولا هذا الموقف.
– اووووف.
صدرت منها بقوة وهي تترك من يدها كل شيء، لتنهض من مقعدها بيأس، وسارت حتى تختها ، لتسفط جالسة على طرفه بتعب، وضعت كفيها على رأسها المنهك بأفكاره، لا تعلم كم مر من الوقت، حتى سمعت بطرق على باب غرفتها، لتطل لها صبا بوجهها المشرق قائلة بلهجتها الصعيدية:
– سالخير يا عروستنا، عاملة ايه يا به؟
استطاعت بفعلها التي ترسم ابتسامة سعيدة بمجيئها وقولها الطريف، لتتلقاها بحضن الشقيقة لشقيقتها:
– وحشتيني يا بت ابو ليلة، هتخليني اندم عشان اقنعت ابوكي يوافق على شغلك.
رددت صبا تتابع مشاكستها:
– باه باه باه، ليه بس يا بت عمي؟ وايه ذنب الشغل؟…. اهتفوهت بها، وقد بوغتت بلكزة خفيفة على خلف كتفها، بقبضة شهد، تقرص عليها بعتب الأحباب مرددة
– عشان هو اللي خدك مني، بعد ما كنا اعز أصحاب واخوات.
رمقتها صبا بتفحص وكأنها تستكشف ما بها لتقول بتقرير وتأكيد:
– والله ومازلنا، بس انتي اللي جالبة عليا النهاردة، ومتوتره بزيادة، بس برضك انا عذراكي.
ابتلعت شهد ريقها ليخرج صوتها سائلة بتوجس:
– ابو ليلة حكالك صح؟ أنا عارفاه ما بيتبلش في بقه فوله.
اطلقت صبا ضحكة رنانة لتنهض فجأة، وهي تخلع عنها حقيبة يدها وحجاب الرأس قائلة:
– لو سمعك ابو ليلة كان اداكي فوج دماغك عليها دي، بس معلش هو برضوا مبيردش ع العيال الصغيرين، خصوصا لما يكونو عرايس حلوين ومتوترين.
قالت الأخيرة لترفعها عن مقعدها، غير عابئة بذهولها، حتى عادت بها لتجلسها أمام المرآة، تستطرد:
– وبرضك نسامح احنا كمان على حج الراجل الكبارة، لاجل عيون المقاول شهد.
دنت برأسها لتسال انعكاس وجهها، بعد أن أمسكت الفرشاة:
– تحبي اخلي المكياج خفيف ولا تجيل ويزغلل عين العريس؟
ضحكت شهد تجيبها وقد تسرب شعور جميل بالارتياح لدعمها والتخفيف عنها:
– لا يا عسل خفيف.
– انا بجول كدة برضوا، حكم العريس مش ناقص زغللة
قالتها صبا بشقاوة جعلت شهد تضحك بصوت مرح، لتعود بلكزها مرددة:
– يا بت بطلي بقى، بقيتي مصيبة يا بنت ابو ليلة.
❈-❈-❈
بداخل المجمع التجاري الضخم، وقد كانت تتسوق به، وكأنها وجدت جنتها، تنتقي ما حرمت منه طوال سنوات عمرها، حتى وهي تعمل منذ نعومة اظافرها، في المحال كبائعة، فقد كان ما تتحصل عليه، بالكاد يكفي طعامها، والأشياء الأساسيه بالحياة.
ولكن الاَن، ورغم أن مبلغ المرتب كان كبيرًا بالنسبة لها، الا أنه على الحسبة الأصليه لم يكن ليكفي سوى القليل مما انتقته من اشياء قيمة وغالية، لكن ميرنا كانت المنقذة لها دائمًا، مرة بدعمها بالنقود الناقصة، ومرة بمعرفتها بأصحاب المحلات، فقد كانت كالزبونة المميزة لمعظمهم، لتضيف مزيدًا من الابهار في عقل الأخرى، تمكنت مودة من ابتياع حذائين، وبعض أدوات المكياج وبعض قطع الملابس، فلم يتبقى سوى فستان احلامها والذي اشارت عليه من خلف الزجاج لتسحبها الأخرى على الفور تقتحم المحل بجلبة أجفلتها:
– ادخلي يا بت ونقي على كيفك، مدام ناهد عندها أحلى الماركات.
بدهشة وعدم تصديق تطلعت مودة نحو المرأة الجالسة خلف المكتب الزجاجي، والتي تبدوا من هيئتها الراقية، انها من أصحاب الذوات التي تسمع عنهم او تراهم على شاشة التلفاز، من مرتادي الاجنحة الفاخرة بالفندق، تقف بابتسامة بعرض وجهها لتستقبلهن بحفاوة بالغة لم تتخيلها:
– يا أهلا يا ميرنا، اتفضلي انتي والقمر اللي معاكي، المحل محلكم .
اقتربت الأخيرة بزهو لتتحدث مع المرأة باسترسال، وكأنها على معرفة قديمة بالمرأة:
– تعيشي يا ست الكل يا قمراية، افتكرتي على طول كدة وعرفتني، دا انا خوفت لتكوني نسيتني
– طبعًا، وحد برضوا يقدر ينساكي؟ اتفضلي حبيبتي.
قالتها المرأة ثم انتقلت بكلامها المعسول إلى مودة:
– وانتي جميلة، اي فستان بقى عاجبك؟
بلهفة قوية التفت مودة تشير بذراعها نحو ما تقصد:
– هو ده.
تدخلت ميرنا بينهن بقولها:
– ايوة بس يا مدام، بس عشان نتفق كدة من أولها، احنا طماعنين في كرمك، تعاملينا غير بقية الناس.
تبسم ثغر المرأة في خطابها للإثنتان:
– هي تلبس الفستان وتشوفه حلو ولا وحش عليها، وأكيد ان شاءالله نتفق، ودا عشان خاطرك يا ميرنا.
❈-❈-❈
بعد قليل خرجت لهم تلتف بالفستان يمينًا ويسارًا بفرحة، وقد راقها من جميع النواحي لتسألهن:
– ها إيه رأيكم بقى؟ حلو .
– حلو اوي ولايق على جسمك المنمنم، مبينك قطقوطة كدة.
ضحكت مودة وقد أسعدها قول المرأة، وجاء رأي ميرنا متوافقًا أيضًا معها:
– المدام عندها حق يا مودة ومكدبتش، الفستان فعلا جميل وهينطق عليكي.
بسعادة غامرة جعلتها تهتز بحركتها المعتادة في هذه الأوقات، مشبكة كفيها خلف ظهرها كطفلة مبتهجة، قبل أن تستدرك لتسألهن:
– اا طب احنا كدة عايزين نتفق ع السعر، ولا انتي ايه رأيك يا ميرنا.
قالتها وهي تغمز لها بطرف عينيها، لتفهم مقصدها، فردت الأخرى ضاحكة:
– من غير ما تغمزي انا فاهمة، وألمدام كمان فاهمة، انا اتفقت معاها على سعر كويس، يناسب المتبقي من الفلوس معاكي، هيصي ياللا يا ستي.
– ايوة بقى.
تفوهت بها مودة لتهلل بفرح، ثم توجه كلمات الشكر والامتنان للمرأة التي وافقت بالعرض، وميرنا التي ساعدتها اليوم بجهدها ووقتها لتبتاع ما تشاء، لتغير من هيئتها، في خطوة جدية لتبديل واقعها البائس.
حينما خرجت من بروفة الفستان، تحمله بيدها، لتعطيه المرأة حتى تنهي الحساب، كانت ميرنا هي الأخرى، انتقت واحدًا اعجبها، رفعته أمامها تسالها:
– ها يا مودة، ايه رأيك في الفستان، يليق عليا ولا اغيره؟
بحيرة نظرت له ولعدد اخر، من المعروضبن خلفها، قبل ان تجيبها:
– مش عارفة بصراحة، بس انا شايفاه من النوع اللي انتي بتحبي تلبسيه، الفساتين الطويلة والضيقة، دا الاستيل اللي بيليق عليكي، عشان جسمك الرشيق زي المليكان.
وافقتها المرأة القول، تضيف عليها بإعجاب:
– فعلا يا مودة، دا كان رأيي انا كمان قبل ما تخرجي، شطورة وعندك زوق.
عقبت ميرنا بمداهنة طريفة منها:
– يا ولد، ما انتي بتفهمي اهو في الموضة، امال عاملة نفسك ليه غشيمة، ومخلياني من الصبح انقيلك؟ دا انتي بلوة مسيحة.
بمسحة من التفاخر مستها، ردت مودة بخجل من الاثنتان:
– يعني يا ستي على قدي، انا اصلا بفهم لغيري بس، لكن ليا لأ، ما انا عندي عين بتشوف برضوا.
– تسلم عيونك.
قالتها ميرنا وهي تتناول الفستان متجهة نحو البروفة قائلة:
– طب انا هدخل اجربه عليا واشوفه لايق ولا لأ، استنوني اخرج، وتقولو رأيكم .
اختفت بداخل غرفة البروفة وانتظرت مودة مع المرأة، التي كانت تجهز لها الفاتورة، قبل أن تجفل على نداء ميرنا من الداخل:
– مدام ناهد، ممكن دقيقة عشان خاطري حاسة الفستان انحشر فيا، وخايفة ليتقطع وانا بقلعه، اصله طلع ضيق قوي.
– حاضر ثواني.
هتفت بها لترد عليها قبل ان توجه خطابها لمودة:
– ممكن يا حبيبتي تخلي بالك هنا على ما ادخل اشوفها جوا، او ترجع البنت اللي بتشتغل معايا بطلب القهوة اللي بعتها عليه من الكافيه.
أومأت مودة بطاعة تنتظرها وجلست على المقعد المجاور للمكتب المرأة، تهزهز قدميها وتتجول بعينها في الإنحاء حولها، تشاهد المعروض من الملابس الحديثة، وتصميم المحل الفاخر، ثم هذا المكتب الغريب بتصميمه، ومقعد الهانم الذي كانت تجلس عليه، ثم……
وقعت عينيها فجأة على الأرض لتفاجأ بهذا الشيء الذي يلتمع بقوة، دنت تتناوله لتعرف ما هو، لتصعق بهذا الجمال المبهر، خاتم ذو فص كبير، لا تعلم ان كان من الألماس او الألماظ الحر، أو حتى أن يكون تقليد، كالذي ابتاعته في يوم ما، ولكنه كان رائعًا، بشكل جعلها تطالعه وتقلب فيه بذهول لمدة من الوقت لا تعلمها، قبل أن تجفل على صوت المرأة وقد بدا أنها على وشك الخروج من الغرفة، لترتبك سريعًا باضطراب، لا تدري بماذا تتصرف وكيف تخبرها؟ لتجد الحل قبل ان تظهر المرأة، وقد تصرفت يدها بما تعودت عليه، بأن وضعته في جيب سترتها.
❈-❈-❈
في المساء
وقد اجتمعت الأسرتين، بحضور مسعود ابو ليلة وزوجته وابنته، بصفته ولي العروس ليستقبل العريس ووالدته وشقيقه، ونساء العائلة من شقيقاتها، وأنيسة التي وصلت متأخرًا مع ابنتها، بعد انتهاء دوام عملها في الشركة مع طارق، لتنضم مع صبا في تزين العروس، لتصبح اَيه من جمال حقيقي خلقت به، ولكن بالاهمال كان مدفونًا، ليظهر اليوم بصورة اجفلت جميع الحضور، حتى ممن يسكن معها في البيت، فما بالك بقلب محب، يكاد قلبه ان يتوقف من فرط فرحه بها، يطالعها بعدم تصديق وقد أصبحت اليوم خطيبته، لتكون قريبًاعروسه .
شهد العسل، وهو فارسها، المهندس حسن. ة
رواية و بها متيم انا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم امل نصر
خجل!
يا إلهي، هذه كلمة قليلة للغاية لتعبر عما تشعر به الآن، أم هو استغراب في غير محله؟ أن توضع في هذا الموقف، بدون ترتيب أو تمهيد مسبق.
أم هو فرح قد أتى مباغتًا لها؟ بعد أن هيئت نفسها للاستغناء عن متع الحياة في كل شيء، والمضي قدمًا في طريقها في عمل دؤوب للحفاظ على إرث والدها، والحفاظ على شقيقاتها، من أطماع النفوس السيئة من الغرباء والأقرباء أيضًا.
متخذة هيئة الرجال في الملابس، وأفعالهم، حتى لا يظنها أحد أنها ضعيفة لاستغلالها، طامسة أنوثتها ورقتها القديمة خلف واجهة لقوة تدعيها وخشونة تحرص عليها، كحرصها على عائلتها وأسرتها.
إذن أين ذهب كل ذلك؟
لماذا هذه الهشاشة التي تشعر بها أمامه، كعصفور مبتل، أمام نظراته الثاقبة التي تخترقها، ضعف لذيذ ومراهقة تتفاعل مع كل همسة منه.
لقد كانت منذ مدة قريبة تتشاجر معه، وتناطحه الرأي بالرأي.
أما الآن ورغم حنقها بما تورطت به على غير إرادتها، إلا أنها لا تنكر هذه السعادة التي تجتاحها، دفء نظراته المحبة لها، أذابت بقلبها الجليد.
لقد أعاد إليها أنوثتها.
***
بجلسة أسرية بامتياز، وحالة من المرح والمزاح الذي لا يتوقف، وكأن الجميع يعرفون بعضهم البعض منذ زمن طويل.
مجيدة تتصرف بأريحية مع مسعود الذي فهم عليها من أول وهلة، فكان تعامله معها بتسامح وقد أعجبه فعلها.
وزبيدة وابنتها كاسرة ثانية بعد أنيسة ولينا التي كانت كالبدر لتجبر هذا العنيد على اختطاف النظرة نحوها كل دقيقة.
- حج أبو ليلة، البنت بنتي والولد هو كمان ابني.
- يعني أطلع منها.
قالها بمشاكسة أثارت الضحكات لتهتف نحو زبيدة بعتاب معترضة:
- شوفي يا ختي الراجل عايز يمسك عليا كلام مقلتوش.
ضحكت المرأة في الرد لها:
- بيناغشك يا ست مجيدة أصل شهد بنته هي كمان، ولا البشمهندس مجالكيش.
ردًا عليها تدخل حسن:
- لا طبعًا قولت لها، دا عم أبو ليلة ده من قبل ما أشوفه وأنا أسمع عنه، سمعته الممتازة في كار المعمار زي الطبل.
- ربنا يبارك فيك يا ولدي، وأنت كمان، لولا سيرتك الطيبة، أنا ما كنت وافقت كدة طوالي أبدًا، والله ولو كنت ولد مين حتى، ما كنت هديك جواب، ولا أريحك غير بعد ما أصفصف وأدقج في تاريخك وتاريخ عيلتك من وراك كمان، أيوه أمال إيه؟ دا أنا هديك جوهرتي الغالية، ولا يكون عندك اعتراض؟
- أنا!
صدرت منه وانتقلت عيناه نحو شهد، يجاهر بعشقه لها، بالفعل قبل القول:
- لو هي عندك جوهرة، ف أنا عندي الدنيا كلها، يعني حتى لو طلعت عيني، كنت هتحمل عشان خاطرها.
- أيوة بقى يا بشمهندس، هندس ومزجنا معاك.
بشقاوة وجرأة هتفت بها لينا لتزيد من خجل العروس التي تخضب وجهها بالحمرة رغم وجود المساحيق عليه، ليرتفع كفها على أعلى عينيها، بفعل غريزي أنساها شخص المقاول داخلها.
فعقبت أنيسة بمكر، ترافقًا مع ضحكات الجميع:
- كسفتي البنت يا مصيبة.
تدخلت مجيدة بمغزى تقصده:
- معلش يا ست أنيسة، ما هي دورها جاي برضوا.
- يااااه، يديني ويديكي طولة العمر يا طنط.
قالتها لينا بتفكه لتثير التعليقات المستهجنة من المرأتين، وبعدم اكتراث منهما كانت تضحك وتناكف والدتها، غير عابئة بالنظرات المصوبة نحوها منه.
وقد كان جالسًا بهيبته يتحدث بالطلب رغم فرحه بشقيقه، احترامًا لأهل المنزل الذي يدخله لأول مرة.
قبل أن ينتبه فجأة مع الجميع على زغروطة غير متقنة على الإطلاق، أطلقتها رؤى بكوميدية.
أثارت الضحك بصخب، فقد كانت خارجة من المطبخ تحمل فوق يديها صنية كبيرة من المشروبات الباردة لتضيف بها الحضور.
وخلفها والدتها ابتسمت هي أيضًا تسايرهم، قبل أن تنضم بجوار ابنتها أمنية في جنب خاص، لا يعجبها ما يحدث وهذه الفرحة الطاغية، لأشخاص احتلوا مسكنها لينصبوا الفرح على حساب فرحتها هي.
- اعدلي وشك يا خيبة، متبقيش زي البومة كدة قدام الناس.
همست بها نرجس، وهي تلسعها بكوع ذراعها على خصرها المترهل.
- فكان ردها هو نظرة حارقة، لترد بالكز على أسنانها:
- أنا برضوا اللي بومة، ولا هي اللي ظالمة وقلبها أسود من الغيرة مني، أضحك إزاي يا أما؟ وهي هتاخد كل حاجة حلوة بجوازة عنب، بشمهندس زي القمر وعيلة نضيفة طايرين بيها طير، وأنا الغلبانة اللي رضيت بقليلي مع ابن خالتي، حتى مش هلاقي اللي يجهزني، بعد ما تغور وتسيبني.
جزعت نرجس وانسحبت الدماء من وجهها، فابنتها الغبية على وشك فضحها.
ابتلعت لتهمس بالضغط على شفتيها بغيظ اختلط برجاءها:
- امسكي نفسك يا بت الهبلة هتفضحنا، أجلي كل حاجة بعدين، وشي بقى في الأرض منك.
اعتدلت أمنية بجلستها لتردف بغليلها:
- ماشي يا أما هسكت وأعمل نفسي بضحك كمان.
صمتت برهة لتهمهم داخلها:
- كدة كدة الليلة مش هتكمل أساسًا، إبراهيم وعدني.
***
- مدام رباب يا مدام رباب.
أجفلت على النداء من خلفها وقد كانت عائدة من الخارج بعد لقاء بأحد القنوات التي استضافتها لشهرتها، بصفة بلوجر وكشخصية مؤثرة لفئة كبيرة من الشباب.
التفت إلى صاحب الصوت باستغراب تسأله:
- أيوه يا حامد، بتندهلي ليه؟
تقدم الشاب الثلاثيني بهيئته الرياضية كحارس تلقى أفضل الدروس ليصبح فرد أمن مهم تستعين بها الشركات المختصة بتوظيف أمثاله.
دنى برأسه نحوها يقول بصوت خفيض:
- أنا آسف لو أزعجتك، بس اديكي شايفة أهو، رغم إني الحارس بتاعك، لكن مبقدرش أكلمك بحرف حتى، وعم كريم واقف زي اللقمة في الزور معانا.
- إيه!
تفوهت بها بعدم فهم، لتضيق عينيها بارتياب لأمره، فهم من نظرتها إليه توجسها منه.
فقال يقطع عليها حبل أفكارها المتهورة:
- أنا عايزة أقولك على حاجة بخصوص مخاوفك إن يكون في حد بيراقبك.
ظهر على وجهها الاهتمام، ولكن ما زال إحساس الشك يراودها.
فجاء رده المباغت لها:
- أنا شفت واحد أظن إنه هو اللي بيضايقك وبيطاردك.
- إيه؟ بتقول إيه؟
هتفت بها ولم تدري أن صوتها صدر عاليًا هذه المرة حتى لفت نظر أقرب حراس الفيلا.
فرد هامسًا:
- وطي صوتك يا هانم، ولو انتي عايزة تفهمي القصة، يا ريت بس حتة مختصرة شوية.
أومأت رأسها بتحفز، وتحركت أمامه ليتبعها حتى توقفا بجانب المنزل بالحديقة.
لتها بالسؤال:
- ممكن بقى تفهمني، أنت قصدك إيه؟
مرر حامد بكفه الكبيرة على جانبي وجهه وعينيه تراقب في جميع الأنحاء حوله، ليرد بصوت حذر:
- شوفي يا هانم، عشان أبقى واضح معاكي، أنا حاسس إن السواق بتاعك يعرف البني آدم ده.
- عم كريم، إزاي يعني مش معقول؟
تفوهت بها بعد تصديق.
ليضيف مؤكدًا لها:
- أنا بقولك على الشك اللي في قلبي، ودا مجاش من فراغ، أنا عايز بس أفكرك بمشوار الصبح لما روحنا نجيب المحروس الصغير، وإنتي وقفتي فجأة وخلتيني أنزل بسلاحي أدور.
- ورجعت قولت إني ملقتش حد.
ردت بحدة مع تذكرها لعودته دون نتيجة، ليزيد من احباطها، مع نظرات الامتعاض من السائق العجوز.
فجاء رده بدافعية:
- مظبوط يا هانم، أنا قولت كدة وكدبت، رغم إني شفت الولد بعيني، وهو بيجري قدامي ويختفي، عارفة ليه؟
طردت من صدرها زفيرًا محملًا بالغضب، بعد سماعها لهذه المعلومات الخطيرة من الرجل المفترض به حمايتها.
لترد بنفاذ صبر:
- اخلص يا حامد، خلص وجيب من الآخر، أنا على آخري.
اقترب برأسه منها مقربًا وجهه، قبل أن ينزل عينيه عنها ليردف بأسف زاد من دهشتها:
- أنا شفت الولد ده كذا مرة قبل كده مع عم كريم.
صعقت بذهول جعلها تتجمد محلها، أن تكتشف الخطر بهذا القرب منها، وتكون الخيانة من أقرب الأشخاص إليها، كان أكبر من قدرتها على التحمل، طاقة عنيفة هزتها، تماسكت بصعوبة حتى لا تترنح أمامه أو تقع.
ولكن عقلها ما زال يعمل لتسأله بتدارك:
- وأنا أتأكد إزاي من كلامك ده.
جاء رد الرجل بثقة واقناع:
- أنا هحاول بكل جهدي عشان أكشفهولك، وأكشف الولد ده كمان قدامك.
***
بعد مشاورات ودية، تخلو من الشروط والالتزامات وهذه الأشياء المعتاد التحدث عنها في هذه المناسبات الخاصة، وذلك لتساهل مسعود رغم حرصه على تعزيز العروس الغالية.
وذلك بفضل مجيدة التي تقدم بمحبة خالصة كل ما في وسعها من أجل إنجاح الأمر، مبتعدة عن التعقيد والتزمت في المطلوب من العروس نحوهم.
والتي أثبتت هي الأخرى حسن نيتها بموافقتها على السكن في منزل العائلة، رغم تخيرها في هذا الأمر، لتزيد من فرحهم.
ويتم قراءة الفاتحة بينهم عن قناعة، حتى إذا أمم الجميع بانتهاءها، أطلقت أنيسة زغروطة حقيقية معتبرة اهتزت لها أركان الشقة، لتصل إلى سكان المبنى من الجيران، والمارة على الأرض في المنطقة.
- لولولولولويييي.
هلت مجيدة بابتهاج غمر صدرها، لفعل المرأة التي أسعدتها بذلك:
- الله عليكي يا ست أنيسة يا قمر، أيوه كدة فرحي قلبي.
أنيسة بزهو اختلط بفرحة كانت تنتظرها منذ زمن بعيد:
- هو انتي لسه شوفتي حاجة، دا كمان لما تيجي الفرحة الكبيرة، مش هتعرفي تلميني من الإزعاج اللي هعمله، وعد عليا، ما هقف أبدًا دا أنا نذرتها.
- يا روح قلبي انتي، طب يالا بقى الله يرضى عنك يارب سمعيني وطربيني بواحدة تانية، دا أنا حاسة قلبي بيهفهف معاها والله.
قالتها لتنطلق الأخرى مصدرة واحدة أكبر من سابقتها.
- لولولولولولولويييي.
تدخلت زبيدة بين المرأتين وقد استشعرت رغبة العريس في الانفراد بعروسه، وحرجه من البوح بذلك أمام زوجها:
- طب ويعني هو الفرح زغاريط وبس؟ أينعم هي حاجة على الضيق، بس يعني مفيش مانع لما نشغل سماعة صغيرة حتى، دا إحنا أهل بينا وبين بعض، مش أغراب يعني عشان نستنى دبل ولا شبكة ولا إيه رأيك يا ست نرجس؟
باغتها بالسؤال لتذهل بعدم تركيز لبرهة من الوقت، قبل أن تتدارك، لتنهض منتفضة، ملبية طلب المرأة:
- آه صحيح، دا إحنا عندنا واحد في أوضة أمنية، هروح أجيبه.
قالتها وركضت هاربة من أعين ابنتها التي كانت تطلق شررًا حارقًا، وقد اعتبرته عدوًا سافرًا على أشياءها.
همت لتذهب من خلفها تمنعها، ولكن زبيدة اليقظة من خلفها انتبهت لتوقفها قبل أن تتمكن من الخروج من الغرفة، استني عندك يا أمنية، خدي يا حبيبتي الصنية وديها المطبخ.
لم تعطيها فرصة للاعتراض، وقد أعطتها ظهرها تهتف بالحضور:
- يلا بينا يا جماعة، خلونا نهيص في الصالة ونسيب العرسان مع بعض شوية.
سمعت مجيدة بحماس لتنهض ساحبة معه أنيسة والفتيات أيضًا، وتبعهم مسعود على مضض.
ليجلس مع أمين في ركن وحدهما في الصالة، وتلتف النساء والفتيات حول رؤى يصفقن لها بأيديهن بحرية، وهي ترقص بفرحها بينهن في الوسط، على الأغاني الشعبية السائدة.
واختلت غرفة المعيشة على الخطيبين، ليكن أول فعل منه نحوها، هو تناول كف يدها ليقبل ظهرها، بعد أن جلس على الكرسي المقابل لها، قائلًا:
- شكرًا.
تعقد ما بين حاجبيها باندهاش مرددة خلفه بتساؤل:
- شكرًا!
- أيوه شكرًا.
قالها ليعاود مسك يدها مستطردًا:
- إنك قبلتي بيا، شكرًا... إنك بقيتي خطيبتي، شكرًا... إنك عطفتي على قلبي من جحيم الفكر ونار الشوق لرؤياكي، بعد ما بقيتي النفس اللي بتنفسه، ألف شكر.
رقة الكلمات باستشعار الصدق الذي تتحدث به الأعين، يصل الروح بالروح، القلب بالقلب، فيذيب الثلوج وينبت أزهار من الحب والعشق بين اثنين كانو غريبين، ليصبحو الآن حبيبين.
لم تعرف بما تجيبه، لم يسعفها عقلها بجملة مفيدة، وقد أسرها بنظراته الصادقة وسحر ما يردف به، عاجزة عن الرد بما يستحقه، مشدوهة بهذا العشق الذي لطالما كذبت نفسها وادعت زورًا أنه وهم في خيالها.
- ساكتة ليه؟
سألها بتسلية لا تخلو من الرقة التي يغدق عليها بها.
وكانت إجابتها مترافقة بهزة خفيفة بكتفيها، قائلة:
- مش عارفة، مش عارفة أرد، هو انت لدرجادي بتحبني يا حسن؟
تنهيدة طويلة بصوت مسموع خرجت من صدره بتأثر، ليستند بمرفقه على ذراع الكرسي المجاور له، ليميل برأسه على قبضة يده قائلًا لها:
- من غير ما أحكي ولا أرغي يا شهد، أنا عايزك بس تبصي في عيوني وانتي تعرفي إجابة سؤالك.
هل هي في حلم؟ أم أن واقعها البائس قد تبدل من وقت ظهوره؟
هذا ما كانت تشعر به وبقوة معه.
أسبلت أهدابها عنه بخفر، وأفعاله تجبرها على الخجل بدلال تناسته منذ زمن.
تحمحمت وأنظارها تتهرب منه، فخرج قولها الممازح باهتزاز:
- شغل عيوني بقى وتسبلي وأسبلك، هو إحنا فينا بقى من الكلام ده يا بشمهندس؟
أطلق ضحكة مدوية أجفلتها، ورأسه يميل إلى الخلف لمدة من الوقت زادت من حرجها، وسعادتها أيضًا، وقد أطربت إسماعها لهذه الرنة الرجولية الخالصة بها.
ليردف بابتهاجه:
- يعني مش عايزاني أسبلك يا شهد، طب أسبل لمين بس يا ربي؟ أسبل لمين؟
استطاع بخفة ظله أن يضحكها، لينزع عنها تشنجها رويدًا رويدًا، وقد بدأت الآن تستوعب وضعها الجديد معه.
***
دفعت الباب الخشبي المتهالك، بعد أن فتحته بمفتاحها، لتلج داخل المنزل، عائدة من الخارج، حاملة بيدها العديد من الأكياس بالأشياء التي ابتاعتها، بعد أن أهدرت معظم الراتب الذي تحصلت عليه من عملها، ولم يتبقى سوى القليل، ليكفيها بالكاد كمصروف لها حتى آخر الشهر.
بلهث امتزج بحماسها ألقت التحية على جدتها الجالسة على الأريكة الخشبية الوحيدة، ركبتيها ملتصقة بصدرها، وقدميها على الخشب المثقل رغم قدمه، تشاهد باندماج مسلسلها المفضل في التلفاز الصغير على المنضدة الخشبية القريبة منها ومن الأريكة:
- مساء الخير يا ستي عاملة إيه؟
لم تجيبها كالعادة وظلت على وضعها وهذا التركيز الشديد مع أبطال المسلسل وكأنها داخل عالمهم أو معهم على الأصح.
بعدم اكتراث، أكملت مودة السير نحو غرفتها، فهذا الفعل من جدتها ليس بالجديد عليها، بل اليوم تستحسنه، حتى لا ترى ما جاءت به.
ولكن وقبل أن تصل لغرفتها، حدث ما كانت تخشاه وانتبهت توقفها بالنداء عليها:
- إيه اللي معاكي دا يا مودة؟
انتفاضة سريعة صدرت منها وجسدها يلتف آليًا نحو جدتها، تمالكت لتجيب بصوت جعلته عادي:
- يعني هيكون إيه بس يا ستي؟ دا طقم جديد جبته للشغل.
استقامت المرأة بجسدها النحيف كحفيدتها لتنزل بأقدامها على الأرض، تخطو نحوها وتقول بريبة، ونظرات الشك تظلل عينيها:
- الكياس دي كلها على طقم واحد؟ حاطة في الباقي إيه يا بت؟
كانت في الأخيرة قد وصلت إليها، لتمتد يدها نحو أحدهم تريد جذبه من مودة، والتي وعيت لترتد سريعًا بما تحمله للخلف بعيدًا عن الأخرى، تجيبها بلجلجة:
- ااا ما أنا جايبة معاهم جزمة كمان وكام طقم داخلي وعلبتين كريم عشان الحبوب.
- كل ده جايباه؟
قالتها المرأة رافعة كفيها أمامها بتهويل وعدم تصديق، لتردف متابعة ببحة مفاجئة أصابت صوتها، وعينيها تتنقل على الأكياس بصدمة:
- يا بت الهبلة يا عبيطة، كل دي فلوس رميتيها في الأرض وعلى حاجات تافهة؟ طب جببتي تمنهم منين؟ أوعي تكوني سرقتيني يا مودة.
ابتلعت الأخيرة ريقها وخطواتها ما زالت ترتد للخلف؟ لتجيب بدفاعية؟ وصوت يشوبه الارتباك:
- والله ما سرقتك يا ستي؟ دي فلوسي أنا اللي قبضتها من شغلي الجديد.....
توقفت فجأة وعينيها انتقلت على جسد المرأة لتقارعها باستدراك:
- وأنا هسرقك إزاي صح يا ستي؟ وإنتي لافة الفلوس حوالين على وسطك؟ بتنامي وتقعدي بيها، دا انتي بتستحمي بيها.
بحركة غريزية؟ نزلت المرأة بيدها على خصرها؟ تتحس لفة النقود من فوق قماش جلبابها المهترئ، وبعد أن اطمأنت بوجودهم، رفعت رأسها إليها، متجاهلة ذكرهم في الرد عليها:
- ويعني لما تقبضي يا بت الكلب؟ تصرفي فلوسك كلها على اللبس والمسخرة؟ طب ومصاريف البيت والأكل والشرب، ولا أنا هفضل طول عمري أضيع فلوسي عليكي.
باستنكار قارب السخرية رغم بؤس ما تردف به:
- هوني على نفسك يا ستي، وفري فلوسك اللي مغرقاني بيها دي، أنا عاملة حسابي ومخلية اللي يكمل معانا الشهر، طب أفرحك أكتر.
أضافت بصوت مقلدة طريقتها بالهمس خشية أن يسمعها أحد الجيران كما تخبرها دائمًا:
- أنا جايبة فرختين بحالهم.
- فرختين!
- والله يا ستي فرختين وحطيتهم في فريزر التلاجة كمان.
كلماتها أتت بأثر السحر على المرأة؟ وقد تبدلت ملامح الغضب لأخرى بالشغف لأمر الفرختين.
جرى ريقها، شاعرة بقرص في معدتها التي جاعت فجأة لتمرر بلسانها على شفتيها، تقول بتوبيخ يتعارض تمامًا مع هيئتها:
- يعني بخيابتك ضيعتي الفلوس على الهدوم والفرختين، دا بدل ما تحوشي ولا تحطيهم في جمعية عشان تجهزي نفسك.
بشبه ابتسامة لا تمت للبهجة بصلة، طالعت مودة بصمت هذه اللهفة الشديدة على وجه جدتها؛ لخبر الطعام الذي تحرم نفسها وتحرمها منه؟ ببخلها الشديدة وكنز القرش، ليوم لن يأتي أبدًا.
ثم ما لبثت أن تفاجئها بقولها:
- طب أنا جعانة أوي، وقاعدة مستنياكي من الصبح، اعملي أي حاجة ناكلها، ولااا، ولا حتى اسوي حتة منهم دول نقسمها على بعض؟ على الأقل نستفاد بمرقتهم.
قالتها والتفت لتعود لمسلسلها وأريكتها، تتجنب النظر إليها بحرج.
بإشفاق رغم كل ما تعانيه منها، أومأت مودة بهز رأسها مذعنة لها بطاعة:
- حاضر يا ستي، أدخل بس وأدخل الحاجة اللي في إيدي على الأوضة وراجعالك حالًا أحضر عشا، عن إذنك.
***
وسط حشد النساء القلائل، وفي ظل اندماجها مع رقص رؤى ودلعها مع لينا والفاتنة الأخرى ابنة الرجل الصعيدي ولي شهد وكبيرها في الاتفاقات التي تمت منذ قليل مع قراءة الفاتحة، انتبهت أخيرًا بعد مدة من الوقت لإشارة ابنها؛ الذي كان يلوح بتردد مع خجله في النظر نحو النساء.
على الفور جرت أقدامها المتعبة من الوقفة، لتلبي طلبه.
حتى إذا وصلت إليه وقد كان قريبًا من مدخل المنزل، مطرقًا رأسه للأسفل، ولم يرفعها سوى بعد أن شعر بها:
- نعم يا حضرة الظابط، عايز إيه؟
بابتسامته المعتادة، تطلع إليها قليلًا لتتشبع عينيه من رؤية الفرح الذي أنار وجهها وجعلها تزداد جمالًا وتألقًا، ليشاكسها بقوله:
- فرحانة يا ست الكل عشان قربتي تخلصي من واحد؟
أومأت بهز رأسها تبادله المزاح:
- أوي يا حبيبي، وفرحتي الكبيرة هتبقى لما أخلص منك انت قبل منه كمان.
بحركة اعتاد عليها كلما رق قلبه لتحقيق أمنيتها، اقترب منها ليقبل أعلى رأسها قائلًا:
- ربنا يسهل يا أمي، بس انتي ادعي...
- متقولش الكلمة دي.
قاطعته بها لتفاجئه مستطردة بشراسة، ترفع سبابتها أمامه بتهديد:
- وقت والوعود والدعا عدى يا أمين، أنا دلوقتي عايزة فعل، فاهم ولا أقول من تاني.
أومأ مقهقهًا بصوت مكتوم يردد بطاعة:
- فاهم يا أبلة مجيدة فاهم، تحبي أسمع كمان.
نفت بهز رأسها وقد ارتخت ملامحها، وعاد الإشراق لها، لتقترب وتتأبط ذراعه ورأسها تلتف نحو جهة الفتيات، فهمست بمكر:
- طب بقولك إيه، إيه رأيك في البنت اللي زي قمر هناك دي؟
- بنت مين؟
سألها بعدم تركيز لتجيبه:
- بنت الراجل الصعيدي، أنا عرفت إن اسمها صبا.
ما زال عقله لا يعلم بما تدبره والدته من فخ له، ضيق عينيه، ليعقب باستفهام:
- مش فاهمك يا ماما، وضحي أكتر.
استمرت مجيدة على مخططها لتكشفه أمام نفسه:
- يعني هيكون قصدي إيه بس؟ البت حلوة وتشرح القلب بطلتها، بصي لها كدة، جميلة وتليق بحضرة الظابط صح، دا غير النسب مع والدها الراجل المحترم، وانت شوفته بنفسك.
سمع منها والتفت رأسه بالفعل نحو صبا، أعجبه حسنها اللافت للنظر بشدة، مع كلمات والدته التي ترن بعقله، ولكن وعلى غير إرادته حادت عينيه عنها، وذهبت نحو من تقف بجوارها، ليتركز كل الاهتمام عليها، جميلة وحيوية، مشاكسة ومستفزة لدرجة تجعل الدماء تضخ داخل أورته بقوة، رغبة في تكسير رأسها العنيد، ثم إشباعها تقبيلًا حتى...
نفض رأسه فجأة من الأفكار المتهورة التي طرأت عليها، بسبب التحديق بهذه المجنونة ذات الشعر الأصفر.
والسبب والدته، والتي التف إليها قائلًا بغيظ:
- أنا ماشي يا ماما، عشان لو قعدت أكتر من كده، مش بعيد أتخانق بسببك.
بنصف شهقة وابتسامة خبيثة تلاعبت على ثغرها، وقد خمنت بما يدور برأسه، ردت ببرائة:
- تتخانق بسببي أنا؟..... ليه يا بني؟.... حصل إيه؟
ضغط بأسنانه على شفته السفلى وجسده يستدير عنها بخطواتٍ ثابتة نحو باب المنزل، يردد بيأس منها:
- يا مجيدة، يا مجيدة بطلي لؤمك ده، دا انتي ست.... حقنة.
راقبته وهو يغادر بابتسامة تحولت للضحك المكتوم، لتظل على وضعها هذا تطالع أثره، وبرأسها تتوعد له بالمزيد، حتى تصل به إلى نتيجة ملموسة كالتي وصلت إليها مع شقيقه.
خرجت منها تنهيدة حالمة لتهم بالعودة إلى فرحها مع الفتيات، ولكن وقبل أن تلتف للناحية الأخرى تفاجأت بهذا البغل قليل الذوق، صاحب المشاجرة الأخيرة مع شهد، يطل أمامها من مدخل الشقة، وقد وقعت عيناه عليها، ليدمدم وأنظاره نحوها:
- تعالي يابا خش...... دا باينها بقت هيصة واحنا مش واخدين بالنا.
قالها ليفسح المجال لرجل ذو هيبة، بجلباب بلدي وهيئة شعبية يقول:
- ندخل كدة على طول من غير أحم ولا دستور، طب استني نستأذن أصحاب البيت.
باستعراض مكشوف دلف إبراهيم يهتف بصوت عالي لفت أنظار الجميع:
- ما البيت مفتوح على آخره يا باه، للأغراب، هي جات علينا يعني، بس أقولك، إحنا برضوا ولاد أصول.
توقف بخطواته أمام مجيدة ليجفلها بالتصفيق بكفيه يصيح بصوته:
- يا خااالتي، يا صاحبة البيت، يا خااالتي.
انتبهت له المذكورة كبقية الموجودين، فقد كانت جالسة بالركن مع ابنتها أمنية التي انتفضت برؤيتهم لتسبقها نحو الرجل:
- يا أهلا يا عمي، أهلا يا عمي نورت، اتفضل، اتفضل يا عمي.
صافحها عابد الورداني وتقدم معها لداخل الشقة بهيبته، لتتلقفه نرجس بترحيبها المبالغ فيه:
- يا أهلا يا جوز أختي، نورت الدنيا كلها، اتفضل دا إحنا كنا منتظرينك.
- كنتوا منتظريني!
تمتم بها بتهكم واضح، قبل أن يلتفت نحو التي ظلت محلها تتابع ما يحدث بتحفز للآتي بهذا الدخول غير المطمئن.
- مساء الخير يا ست هانم.
ردت له التحية بارتياب:
- مساء الخير.
قالتها مجيدة لتلتف رأسها بحدة بعد ذلك نحو إبراهيم الذي هتف يجفلها بقوله:
- أهي دي تبقى أم العريس يا باه، أم العريس اللي دخلت معاه المرة اللي فاتت ساعة الخناقة اياها، فاكر يا باه، لما طلعتني غلطان عشان كنت بتكلم في الأصول، وعدم زيارة راجل غريب في غياب الرجالة، أهم كررورها من تاني، وعاملين خطوبة كمان من غير رجالة برضوا.
- مين دول اللي عاملين خطوبة من غير رجالة يا واد؟
هتف بها مسعود وقد كان خارجًا من الشرفة، ممسكًا بيده سجادة الصلاة، التي أنهى عليها فرضه، ليتخطى النساء اللاتي توقفن عن التصفيق والرقص، يتابعنه وهو يتقدم بغضبه نحو إبراهيم ووالده.
الذي ردفه موجهًا الكلمات إليه:
- في إيه يا حج عابد؟ ولدك داخل يهلفط بكلام مش مفهوم ليه؟
بنظرة غامضة وغير مفهومة رد عابد بلهجة هادئ وكأنه يمتص غضب العرق الصعيدي:
- براحة شوية يا عم أبو ليلة، إحنا مش جاين نتخانق أصلًا، هي العروسة فين؟
خرجت له شهد من غرفة المعيشة، وخطوات حسن تسبقها ليقف بجوارها داعمًا ومدافعًا، ومهاجمًا إذا لزم الأمر.
- أنا أهو يا حج عابد.
قالتها شهد تخاطبه بتوجس وعدم فهم.
وقبل أن يرد سبقه إبراهيم، الذي اربدت خلجات وجهه بالغضب:
- اسم الله، دا الحلوين خارجين من الأوضة اللي كانوا فيها لوحدهم! دي هيصة يا باه....
صيحة قوية من مسعود خرجت منه لتقطع استرسال كلماته السامة:
- لم نفسك وخلي بالك من كلامك يا واد، شهد مع خطيبها اللي قرأ فاتحتها معايا، وأنا حاضر لسه ماسبتش البيت ولا مشيت، وهي أساسًا بميت راجل مش في حاجة لحد منا.
- والأصول يا صعيدي ياللي بتعرف في الأصول.
هتف بها إبراهيم بطريقة مفهومة رغبة في اشتعال الوضع.
هم مسعود أن يقرعه بكلمات قاسية في حق رجولته الناقصة، وأفعاله الرخيصة؛ بذمه في من هي أرجل منه ومن عشر من أمثاله.
ولكن عابد فاجئه بقوله:
- طب يعني تعملي خطوبة وتعزمي أبو ليلة يبقى الولي قدام عريسك، وأنا اللي عشرة العمر مع أبوكي وصاحبه من واحنا عيال صغيرين، متفتكرنيش حتى بتليفون تبلغيني؟
أزبهلت شهد في البداية أمام الصدمة التي خيمت على رؤوس الجميع.
ليقطع الصمت إبراهيم بصيحته:
- انت بتقول إيه يا باه؟ بتعاتبها بعد ما داست على هيبتك؟
تجاهله عابد لينتقل بحديثه نحو مسعود يعاتبه:
- يعني يرضيك الكلام دا يا أبو ليلة؟
ألقى الأخير بنظره نحو إبراهيم الذي يحترق بغضبه، قبل أن يطالع عابد بنظرة خبيرة يستشف منها مقصده الحقيقي من خلف كلماته، والذي فاجئه بابتسامة جانبية، رافعًا سبابته أمام وجهه ملوحًا بها وهو يستطرد:
- أنا لولا إني عارف بمعزتك عندها، ما كنت هفوتلها إنها تتعداني أبدًا، مع إن برضوا مضايق عشان خدت محلي في اليوم اللي طول عمري مستنيه.
إلا هنا واتضحت الصورة كاملة أمام الجميع لترتخي ملامح أبو ليلة والعريس ووالدته.
وجاء رد شهد المهادن لشهامة الرجل ليزيد على غيظ الأعداء:
- سامحني يا عمي، والله كل حاجة جت بسرعة وملحقتش حتى أفكر.
تدخلت مجيدة بسرعة بديهة وقد استوعبت الآن ما يحدث:
- امسحيها فيا أنا دي يا حج، أبو ليلة أنا دخلته في الموضوع من الأول، بحكم معرفة ابني العريس بيه، حكم أنا أم العريس.
بسماحة متبسمًا، امتدت كف الرجل ليرحب بمجيدة مهللًا:
- يا أهلا بالهانم أم العريس، خلاص يبقالي عندك حق عرب.
- حق العرب تاخدوا مني أنا يا عم الحج.
قالها حسن ليبادله الترحيب والمزاح.
ويتدخل أبو ليلة بوجهه البشوش يدعوه:
- ادخل يا حج عابد، دا انت ليك شوية يا راجل، الساجع يا بت.
هتف بالأخيرة نحو صبا التي سمعت لتذعن لأمره وتركض بلهفة نحو المطبخ، وقد ذهب عنها الروع أخيرًا، بخوفها من إفساد الخطبة، واطمئنانها باكتمال فرحة شهد، بعد أن طمست الفتنة من أولها، تاركة أباها يسحب الرجل ليشاركهم الفرح.
وعادت رؤى بإشعال السماعة مرة أخرى، وأنيسة أطلقت زغروطة قوية، ليعلق عليها عابد ضاحكًا مع رفيقه، متجاهلًا ابنه الذي تسمر محله، ومراجل من الغضب تغلي بداخله، وقد خاب ظنه في أباه، ليضيف على غضبه امتهان لكرامته، كما أهدر عليه حقه في تنفيذ ما خطط له، ليسترد جزءًا من هيبته أمام الناس وأمامها، أمامها هي سر عقدته، والمسبب الرئيسي للجرح الغائر في أعماقه!
اقتربت منه أمنية المحطمة هي الأخرى الآن بما أصاب خطيبها وزاد على حزنها، لتطبق بأصابعها على كف يده، فتنتشله سريعًا من دوامة من الشرود كاد أن يغرق بها، تلتمس منه الدعم وتؤازره في نفس الوقت.
رمقها بنظرة غريبة لم تفهمها، ليطرد من صدره زفيرًا حارقًا، قبل أن ينزع يدها فجأة ويستدير مغادرًا، تصحبه شياطينه.
فالتفت نحو والدتها بقهر يملأ صدرها، لتذهب نحو غرفتها غير مبالية بأي شيء حولها.
وتوقفت نرجس بسلبيتها المعهودة، تشاهد بصمت كالعادة.
***
عودة إلى رباب التي كانت جالسة أمام المرآة بحالة من الشرود تلبستها، حيرة تفتك برأسها من وقت أن أخبرها هذا المدعو حامد عن السائق وصلته بالذي يراقبها.
ماذا تفعل؟ وكيف تصدق وهي لا تملك الدليل؟ وإن ثبت صحة ما ردفه الرجل، ماذا سيكون رد فعلها معه؟
والسؤال الأهم والذي يراودها بقوة الآن، لماذا لا يكن حامد أصلًا له ضلع بما يحدث؟ أو ربما على العكس هو فعلًا يساعدها، ويبتغي كشف الحقيقة أمامها.
رأسها على وشك الانفجار، وجزع يزداد بداخلها من الاثنان، فكيف يتسنى لها الشعور بالأمان وهي مجبرة على مرافقتهم لها في كل خطوة؟
- رباب.
صدرت من خلفها فجأة لتنتفض مجفلة على رؤية انعكاس وجهه المتجهم في المرآة، يخطو لداخل الغرفة بهيئة أنبأتها بصحة ما توقعته، وقد جهزت نفسها إليه.
تبسمت لتنهض عن مقعدها وتلتف لاستقباله ملبية النداء بنعومة تجيدها:
- نعم يا بيبي، حمد الله ع السلامة.
ارتباك طفيف طغى سريعًا على ملامحه، بعد أن جالت عينيه عليها مجبرًا، مع انتباهه لما ترتديه من منامة قصيرة جدًا، كاشفة عن معظم جسدها بإغراء، وقد زينت نفسها، لتقف بميل ودعوة صريحة للفتنة تناظره بوداعة في انتظار رده.
ابتلع ريقه ليجلي حلقه أولًا، يستدعي الجدية في قوله:
- منعتي الولد عن ماما ليه النهاردة؟ وقفلتي في وشها السكة؟
- أنااا.
تفوهت بها تشير بكف يدها على نفسها، لتعيد أنظاره إلى ما ترتديه.
واقتربت بخطواتها المتمايلة لتزيد من تشتيته، فتقف أمامه تقول ببرائة:
- إن شاء الله يارب أموت لو عملت كدة، دي هي اللي زعقتلي عشان بقولها إني عايزة أروح بابني التمرين وأحضره، وأسألها حتى إن كنت غلطت فيها.
استغلت تركيزه معها لتزيد من اقترابها أكثر، ورائحة العطر الباريسي الذي أغرقت به نفسها يذهب بعقله.
لتتمد يدها وتتلاعب بزرائر قميصه الأسود، تتابع:
- الولد هو اللي أصر إني أروح معاه النهاردة يا كارم، وأنا صعب عليا ومقدرتش أزعله.
ظل على وضعه صامتًا تحت تأثيرها المغوي، بهذه النظرة التي تعلمها جيدًا منه، لتكتنفها حالة من الانتشاء لنجاحها في ذلك.
فزادت لتتسطيل بجسدها، رافعة نفسها على أطراف أصابعها، لتطبع قبلة فوق خده، لتقول:
- هو أنا أقدر يا قلبي على زعلك ولا زعل مامي.
بفعلها الأخير ازداد اشتعال عينيه، ليطبق فجأة على كفه يدها يأمرها بأنفاس ساخنة وتسلط لا يفارقه:
- اطلبي مني الأول قبل ما تتصرفي من مخك تاني.
أومأت بهز رأسها، لتكن كالقطة المطيعة، وتجاريه بعد ذلك في رغباته بحرارة تجيدها من أجل ترويض غروره، والحصول على ما تبتغيه منه.
***
في اليوم التالي.
استيقظت مودة بين كوم الملابس والأشياء التي ابتاعتها بالأمس لتنام ليلتها بينهم كطفلة في ليلة العيد، تنتظر الشروق حتى ترتدي الجديد، بسعادة طالعتهم وقد افترشوا الفراش بجوارها على التخت.
قبل أن تنهض بهمة ونشاط دؤوب، لتغتسل سريعًا في حمام منزلها القديم.
ثم تناولت شطيرة من الجبن بالخبز البلدي، قبل أن تعدوا عائدة بمرح لتبدل العباءة المنزلية، بهذه الفستان الرائع، والذي ظلت تلتف به أمام المرآة لفترة طويلة من الوقت، تتحرق داخلها لترى نظرة زملائها لها في الفندق بهذا الفستان المفتن بنقوشه الزاهية والتي تذكرها بألوان الربيع، حتمًا ستتغير نظرتهم إليها.
تنهدت بحالمية لترتدي الحذاء الجديدة، ثم تنثر رائحة العطر وقد أجادت بحرفية وضع المساحيق على وجهها، فلم يتبقى سوى الذهاب إلى العمل، باطلالتها الجديدة الجاذبة للنظر.
تناولت حقيبتها تبحث عن مفتاح المنزل، لتتذكر وضعه بالسترة القديمة التي عادت بها من التسوق.
بحثت عنها لتجدها وسط كوم الملابس المتسخة والتي رمتها دون تركيز أثناء خلعها بالأمس، نظرًا لانشغالها في تحضير الطعام لجدتها، ثم انشغالها بتجربة الأشياء الجديدة أمام المرآة حتى نامت بينهم.
أخرجت المفتاح لتتذكر فجأة الخاتم الذي وجدته في محل الملابس، وشكله الرائع.
بحثت سريعًا داخل الجيب والجيب الآخر ولم تجده.
عادت للبحث مرة أخرى تلعن غباءها، كيف لها أن تنسى شيئًا كهذا.
حينما يأست، ألقت السترة لتبحث بين بقية الملابس، لربما وجدته بينهم.
وقبل أن تتفحصهم بدقة تفاجأت بصوت الجرس المزعج القديم وطرق عنيف على باب المنزل، جعل جدتها تردف بالسباب عليها وعلى الطارق، لتنهض مجبرة حتى ترى من القادم.
فتحت لتتفاجأ بعدد من الوجوه، شكلها لا ينبئ بخير على الإطلاق.
- آنسة مودة.
قالها الرجل الأول ذو الهيئة الجامدة والباعثة على الرعب، لتجيبه على الفور:
- أيوة حضرتك أنا مودة، بس انتو مين؟
جاءها رد الرجل بنبرة قاطعة:
- إحنا قوة أمنية مكلفة بالقبض عليكي، بتهمة سرقة خاتم ألماس ثمنه ربع مليون جنيه.....
رواية و بها متيم انا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم امل نصر
تقلبت يمينًا ويسارًا عدة مرات بمقاومة غريزية لعدم الاستيقاظ، وهذا الصوت المزعج لا يتوقف، دوي مكتوم من هاتفها الذي لا تعي أين وضعته بعد أن غلبها النوم أثناء محادثة الأمس.
توقف فجأة الصوت لتتنفس براحة باعتقاد ساذج أن الضجيج قد انتهى، قبل أن يعود مرة أخرى لتنتفض مجبرة على الاعتدال تبحث أسفل الوسادة وبجوارها على الفراش، تريد العثور عليه حتى تغلقه نهائيًا.
أخيرًا عثرت عليه، وقد كان على حافة الفراش وعلى وشك أن يقع.
تناولته سريعًا وقبل أن تهم بغلقه، تفاجأت بالاسم المدون، "سون سون💗 My Love" يتصل بك.
"يا مصيبتي."
دمدمت بها مرفرفة بأهدابها بعدم استيعاب قبل أن يعود إليها وعيها جيدًا وتتذكر وضعها الجديد، وخطيبها المزعج الذي لم يرحمها منذ الأمس باتصالاته، وقد دون بنفسه هذا اللقب المخجل لها على الهاتف الذي تناوله منها في جلسته معها، بجرأة لم تعتاد عليها من أحد قبل ذلك.
همت لتنفيذ ما نوت عليه بإغلاق الهاتف ولكن قلبها لم يطاوعها، وفتحت تجيبه رغم تعب الرأس الذي يفتك بها.
"الوووو... صباح الخير."
"صباح الورد والفل والياسمين، أخيرًا القمر حن ورد عليا، وحشتيني."
قال الأخيرة بحرارة جعلتها تبتلع ريقها بتفكير مضني للبحث عن كلمات تناسب رقته، فجاء ردها بتعلثم.
"ااا وانت كمان... وانت كمان وحشتني يا... حسن."
"أحلى حسن دي ولا ايه؟ حبيبي يا مقاول حياتي انت."
أبعدت الهاتف عن أذنها مغمغمة بصوت خفيض يشوبه الاستغراب.
"دا شارب ع الصبح دا ولا ايه؟"
"شهد!"
"أيوة يا حسن أنا معاك هو."
قالتها وقد عادت بالهاتف ملبية النداء، لتتابع بحرج.
"بس يعني..... هي الساعة كام معاك دلوقت؟"
"الساعة سبعة، بتسألي ليه؟"
قالها ببساطة وكأنه يخبرها بأخبار الطقس، أغمضت عينيها لتتمالك حتى لا تخطئ في الرد، فخرج صوتها أخيرًا برجاء.
"يا حسن أنا بسأل عشان مستغربة، إمتى لحقت تنام؟ عشان تصحي بدري كدة؟ دا احنا فضلنا ع الشات لقريب الفجر."
جاء رده بمكر مشاكسًا.
"اَه لما نمتي مني...."
ضغطت على شفتها بحرج، ولم تستطع الرد عليه ليزيد عليها بضحكه مستطردًا.
"يا قاسية يا ام قلب جامد، دا انا فضلت اهاتي وابعت في الرسايل انده عليكي لما تعبت وفي الآخر استسلمت وودعتك مجبر، بس بصراحة بقى، أنا معرفتش انام غير يدوب ساعتين خطف، وصحيت بسرعة عشان اكلمك واتصبح بصوتك، ها بقى عاملة إيه؟"
"هاا"
قالتها لينطلق بموجة من الضحك مرة أخرى، فتغضنت ملامحها بحنق حقيقي هذه المرة حتى كادت أن تبكي في ردها عليه.
"إنت بتضحك عليا يا حسن عشان مش مركزة، وانت فايق ومروق، ربنا يسامحك."
بمهادنة سريعة منه، رد بصوت جمع بين اللطف والحنان.
"لا لا لا من غير زعل يا قلبي، انا بس بناكفك عشان تفوقي وتصحيلي، الساعة سبعة وانا قايلك من امبارح هعدي عليكي بالعربية عشان نتفسح."
"طب والشغل يا حسن؟"
قالتها متحججة لتتنصل قليلًا من حصاره وهذه الشبكة من المشاعر التي يحاوطها بها، في وضع جديد لم تعتاد عليه قبل ذلك، فحياتها الجافة وداومة العمل والمسؤولية جعلتها وكأنها أسلوب حياة في الوحدة والتكيف معها، ولكنه كان لها بالمرصاد.
"مجاتش على يوم يا شهد، ثم اعملي حسابك يا قمر، احنا من هنا ورايح هنبقى مع بعض على طول، حتى الشغل هحاول انظمه معاكي، عشان نخلق وقتنا الخاص بينا، على ما نجتمع في بيتنا لوحدنا يا قلب سون سون."
"يا لهوي تاني سون سون."
تمتمت بها بعدم انتباه لتصل إليه، فقال حازمًا يجفلها.
"أيوة يا شهد، هتدلعيني بسون سون أو سونة، وأنا هقولك يا شوشو، دي مفيهاش جدال ما بينا، عشان يبقى في علمك يعني، تمام يا شوشو."
"تمام يا سون سون."
قالتها بابتسامة جميلة ارتسمت على ثغرها، وقد نجح في استدراجها لتجاريه فيما يريد.
❈❈-❈
ليلة طويلة من السهد والتفكير المقلق قضتها، رغم ادعائها السعادة والتصنع معه بذلك، لتضيف على إرهاق ذهنها بمعلومات الأمس التي زادت عليها بأضعاف، حتى أنها لم تحتمل مرافقته الغرفة إلى الصباح، وتركته فور شعورها باستغراقه في نوم عميق، لتأتي إلى غرفتها الخاصة بالتصوير والبث المباشر لمتابعينها، وجلست بشرفتها حتى غفت على كرسيها، ولم تستيقظ سوى على لمساته في الصباح الباكر.
"صباح الخير."
قالها بصوت متحشرج بأثر النوم، شعر رأسه المبعثر بعدم اهتمام، عاري الجذع بهيئة طبيعية كباقي البشر، قبل أن يرتدي حلته، ويرتدي معها ثوب القوة والسلطة المتمسك بها منذ نشأته العسكرية مع والده، بوسامة غير متكلفة، هذا الوجه الذي كانت تعشقه قديمًا، قبل أن تكبر وتعي بالعيوب القوية بشخصيته، والغير قابلة على الإطلاق لتغيرها.
"صباح النور."
تمتمت بها بعد فترة من تأملها الصامت له، مع استرخائها للمسات أصابعه الحانية على بشرتها، فعاد بمخاطبتها.
"صحيت وملقيتكيش جمبي، قومتي ليه وسيبتني؟"
اعتدلت هذه المرة لتجيبه بارتباك.
"ممعلش، بس أنا بصراحة مكنش جايلي نوم، خوفت لازعجك، واقلق نومك إنت كمان معايا."
بحنان نادرًا ما يصدر منه، تفاجأت به يقترب يقبلها على وجنتها، يجفلها بقوله.
"وماله يا قلبي كنت صحيت معاكي عادي يعني."
قالها ثم توقف برهة ليخيب ظنها البريء بقوله.
"ساعتها كنا هنستغل الوقت بقى في أي حاجة، شغل، رياضة، نكمل ليلتنا الحلوة، المهم اننا نتعب وننام بعدها، بدل ما تقعدي لوحدك."
أخفت بصعوبة عدم رضاها، لتومي برأسها تدعي الاقتناع مغتصبة ابتسامة كرد له، فنهض فجأة مررًا كفه الكبيرة على شعر رأسها قائلًا بمداعبة.
"يا للا فوقي بقى واصحي، يا تفردي ضهرك ع السرير، بدل نومة الكرسي المتعبة دي."
بفعل كانت غير مخططة له على الإطلاق، اعتدلت تمسك بكفه توقفه، قبل أن يبتعد لتسأله.
"كارم هو انت بتحبني؟"
ألقى نظرة على كفها المطبق على يده، ليطالعها بابتسامة متسلية ورد غير مفهوم.
"أنت شايفة إيه؟"
ودت أن تخرج ما في صدرها وتصارحه بكل مخاوفها وهواجسها، بالإضافة لجرح قلبها من خياناته المستمرة لها، ولكن غموض نظراته وتلاعبه المقصود حتى في الرد عن هذا السؤال الهام لها، جعلها تتراجع بتصميم أكبر على المضي قدمًا في النهج الجديد معه، وهو التعويض عما كسر بداخلها أو خسرته، بالحصول على أكبر قدر من المكاسب منه، فقالت بابتسامة متلاعبة.
"مش بالشوف يا كارم، بالأثبات يا قلبي، اثبتلي انك بتحبني."
أطلق ضحكة مجلجلة ليقرصها في خدها قائلًا.
"حبيبتي الطماعة، كل حاجة عندها بتمن..... لكن أنا برضو سداد."
ختم بتقبيل الجزء الذي قرصه، قبل أن يتركها ذاهبًا، ولكنها استدركت تهتف لتوقفه مرة أخرى قبل أن يمسك بمقبض الباب.
"طب أنا عندي ليك طلب يا كارم."
طرد من صدره زفير كثيف قبل أن يلتف نحوها يقول بسأم.
"عايزة ايه تأني يا رباب؟"
"عايزة اغير السواق والحارس."
سألها باهتمام مستغرب الطلب.
"ليه يعني؟"
كان من الممكن أن تخبره بالسبب الحقيقي وهو التشكيك في الاثنان، ولكن بعند منها، فضلت عدم الإفصاح، قائلة بكذب.
"هو كدة أنا عايزة اغيرهم، مش انت بتحبني وبتنفذ كل رغباتي، أنا بقى بقولك اهو اني مش طايقة الاتنين."
رمقها لمدة من الوقت صامتًا بتفكير، ثم ما لبث أن يأخذ القرار وهو يتحرك ذاهبًا.
"حاضر يا رباب، اصبري بس على ما الاقي اللي يحل مكانهم."
"يعني اصبر لأمتى بالظبط؟"
هتفت بها خلفه، ولكن لم يستجيب وتابع طريقه نحو الوجهة التي يقصدها، لتسقط هي على الكرسي من خلفها، ودائرة من الحيرة تبتلعها.
❈❈-❈
خرج من غرفته يتخايل بخطوات متأنية مقصودة في طريقه ليتناول وجبة افطاره على المائدة التي ارتصت بالإطعمة الخفيفة بعدة انواع، وكان في انتظاره والدته وشقيقه الذي كان يرمقه بامتعاض معلقًا.
"اهو خرج اهو المحروس، بقالنا ساعة ننده ومنتظرين طلتك البهية يا سي الحبيب."
ناظره حسن من طرف أجفانه ليدنو من والدته طابعًا قبلة على خدها قائلًا بتجاهل متعمد للآخر.
"صباح الخير يا ست الحبايب، سامحيني لو اتأخرت عليكي، بس انتي عارفة بقى المشغوليات."
ضحكت مجيدة تنقل بنظرة ماكرة نحو ابنها الأكبر، قائلة باندماج معه.
"صباح الخير يا قلب ماما، عارفة يا حبيبي ومقدرة، طول الليل سهران، أنا خدت بالي من نور الأوضة اللي ما انطفى غير بعد الفجر."
تنهيدة طويلة خرجت من حسن وهو يجلس ورأسه تهتز بدراما مستهبلًا.
"حقيقي بجد السهر تعبني أوي يا ماما."
"يا قلب امك يا خويا."
عقب بها أمين متهمكمًا بغيظ، لتباغته مجيدة بتوبيخها.
"ولد عيب، هي الالفاظ اللي بتتقال هناك في القسم، هتتقال هنا كمان في البيت؟"
صاح بها أمين منفعلًا يستنكر قولها.
"امال عايزاني اقول ايه بس يا ماما مع فقع المرارة ده، يعني المحروس يفضل يحب طول الليل في التليفون، وجاي معانا احنا الصبح يعملي فيها التعبان، وانتي كمان بتجاريه في الدلع المرئ بتاعه ده؟"
تخصرت مجيدة تقارعه بقولها.
"ومادلعوش ليه يا حبيبي ان شاء الله؟ مدام مراضيني وهيريح قلبي بجوازه...."
"وهجيبلك أحفاد يا ماما."
قالها حسن بإضافة دغدغت مشاعرها وزادت من حنق الآخر، وهو يتابع تأثر والدته.
"يا نور عيني يا حبيبي انت، ربنا يرضى عنك يارب زي ما مراضيني."
قالتها وتناولت طبقًا كبيرًا من البيض المقشر لتضعه أمامه، بتدليل صريح، تقبله منها بابتسامة ممتنة، طابعًا قبلة أخرى على كف يدها، ليصيح بينهم أمين معترضًا.
"الله بقى، دا احنا دخلنا كمان في التفرقة، بتفرقي بين ولادك يا مجيدة، تزغطي في الباشا وتدعيلوا، وانا بقى اتفلق."
بهزة برأسها التي التفت نحوه، أومأت بتأكيد وإصرار.
"اعمل زيه وانت تتساوى في المعاملة، بسيطة أهي."
لوك أمين اللقمة في فمه، وتعبير الحنق يعلو قسماته، ثم جاء دوره في اصطناع الدراما لينكر بكذب مفضوح.
"يعني بتذليني يا مجيدة، عشان ملقتش بنت الحلال اللي ترضا بيا، عكس المحروس اللي ربنا وفقه في اللي البنت اللي بيحبها، محظوظ."
"الله اكبر."
هتف بها حسن مكبرًا، وفمه ممتلئ بالطعام، لينهض فجأة، رافعًا طبقه معه قائلًا.
"يا ناس يا شر كفاية قر، أنا نفسي اتسدت يا ماما، هروح اريح في أوضتي بقى عشان حاسس اني فرهدت، طاقة الجو هنا مش مبشرة خالص يا ماما على مشاعر الواحد وأحاسيسه، عن اذنك بقى......."
قالها والتف مغادرًا، غمغمت من خلفه مجيدة بنزق نحو الآخر.
"كده برضوا تسد نفس اخوك، اخص."
"اسم الله على اخويا اللي نفسه اتسدت، دا هبش طبق البيض كله."
قالها أمين ردًا عليها، قبل أن ينتبه لقول الآخر، والذي التف إلى والدته يخاطبها قبل دخول غرفته.
"متنسيش بقى يا ست الكل تجيبلي كوباية الشاي وحتة كيك معاهم، ماشي."
"ماشي يا روح قلبي."
قالتها مجيدة ليباغتها أمين بسؤاله.
"كيك إيه؟ هو انتي عملتي كيك؟"
ردت مجيدة تدعي الانشغال في الطعام.
"لا يا حبيبي، دي الست أنيسة ادتني صنية من اللي عملتهم هدية امبارح في الخطوبة وانا حطيتها في التلاجة عشان اخوك لما يحب ياكل منها....."
"على جثتي......"
هتف أمين يقاطعها ليتابع وهو ينهض ملوحًا بسبابته، وبتهديد صريح.
"يعني هو يحب في التليفون وياكل كيك كمان، على جثتي يا مجيدة، الصنية في التلاجة محدش هيهوب ناحيتها، ولو حصلت أخدها معايا القسم، هعملها يا مجيدة، وان شاء الله حتى افرقها ع المساجين."
قالها ونهض مغادرًا من أمامها، لتعقب من خلفه.
"دا انت بقيت صعب اوي يا أمين."
رمقها مضيقًا عينيه بشر قبل أن يختفي داخل الطرقة المؤدية للمطبخ، لتنطلق هي بضحك مكتوم من خلفه متمتمة.
"يا ولاد المجنونة."
❈❈-❈
"والله ما سرقت، والله ما سرقت حاجة، جيبولي المصحف احلف لكم لو عايزين، أنا مسرقتش وربنا اعمل ايه عشان تصدقوني..."
"بــــــس، وقفي بقى الله يخرب بيتك."
هدر بها ضابط التحقيق بعد أن فاض به من ثرثرتها المستمرة من وقت أن دلفت إليه.
افتر فاهها لتفتح مرة أخرى في وصلة البكاء والتنديد بظلمها، فأشار الضابط يوقفها بكف يده التي لوح بها أمامها، ليفاجئها بجهاز الحاسوب الذي تلاعب به قليلًا، ليخرج لها دليل إدانتها.
"إيه ده؟"
لوح لها بسبابته كي تقترب من سطح المكتب؛ الذي ثبت عليه الحاسوب لمستوى نظرها، كي تشاهد المعروض على شاشته.
دنت برأسها لتجد نفسها في موقع أظهرها بالكامل وكأن كاميرا مخصوصة وضعت لها في زاوية مختفية، لتظهر بوضوح صورتها من وقت أن جلست على الكرسي الخشبي بجوار المكتب الزجاجي لصاحبة المحل، ثم جلسة التأمل في كل ما حولها حتى أتتت على الخاتم الذي كان على الأرض، وتناولته لتتأمل به بانشداه قبل أن تضعه بجيب سترتها؛ الذي أخذ نصف الشاشة، قبل أن يظهر طول جسدها بالكامل وهي تغادر مع ميرنا، بصدمة جعلت رجفة من الزعر تزحف على طول سلسلة ظهرها، بنظرة ساهمة تسمرت مودة عدة دقائق تبتلع ريقها قبل أن تصيح بإنكار مكشوف وسيل من الدموع يبلل وجنتيها.
"دي واحدة غيري والنعمة يا باشا، مش أنا، مش أنا والنعمة........"
أوقفت لتبكي بحرقة أفقدتها الباقي من حجج كاذبة تخلقها لتنجي نفسها، مما جعل الضابط يفقد أعصابه، ليضرب بكف يده على سطح المكتب صائحًا بعنف ونفاذ صبر على رجل الأمن خارج الغرفة.
"يا مدبولي، انت يا مدبولي، دخل الست اللي عندك."
على الفور دلف الرجل ليمتثل بتحية عسكرية ملوحًا له، وبصوت جهوري.
"تمام با فندم."
ثم بنصف استدارة التف برأسه للخلف قائلًا.
"اتفضلي هانم."
قالها لينحي نفسه من أمام السيدة التي دلفت بهيئة ملوكية، تلقي نظرة ازدراء نحو مودة التي جف ريقها وانسحبت الدماء منها لتبدو بهيئة كانت ستبدو مثيرة للشفقة نحوها، لو في وضع آخر غير هذا الوضع المدانة فيه.
"اتفضلي اقعدي يا هانم."
قالها الضابط مبادرًا بالحديث مع المرأة التي جلست على المقعد، لتقول وعينيها عادت مرة أخرى لمودة.
"الف شكر يا سعادة الظابط، انتو جيبتو الحرامية؟"
صاحت مودة مستهجنة بإصرار غبي على الإنكار.
"حرامية مين يا ست؟ هو أنا أعرفك؟"
بهدوء قاتل، رددت ناهد من خلفها ترمقها بنظرة كاشفة.
"يعني انتي متعرفنيش يا مودة ولا حتى اشتريتي مني الفستان اللي انتي لابساه ده؟"
ابتعلت مودة لتنزل بنظرها نحو ما ترتديه، وقد ضُحضت منها جميع الحيل، في جريمة سقطت بها من رأسها حتى أخمص قدميها، بدون قصد منها، أنها لم تدخل المحل بغرض السرقة أصلا، لقد كانت تبتغي شراء الفستان وفقط، من أين ظهر لها هذا الخاتم لتتعامل معه بطبيعتها وتضعه بجيب السترة بدون تفكير، ليتها علمت بقيمته كي تُشغل عقلها قبل أن تأخذه كما تأخذ زجاجات الروائح والأشياء الخفيفة التي تسعدها من غرف رواد الفندق، والتي لا تعني لهم شيء، لكن بالنسبة لها، هو السعادة نفسها.
"فوقي يا مودة، انتي سرحانة في إيه؟"
صدرت من الضابط بصوت عالي أجفلها لتنتفض مزعورة على واقعها الأليم، ثم تتابع قول الضابط للمرأة.
"يعني انتي كدة يا ناهد هانم، بتأكدي إن البنت دي هي اللي سرقت؟"
"أنا متأكدة مية المية يا باشا."
قالتها المرأة بثقة قبل أن تُجفل بسقوط مودة مغشيًا عليها على الأرض الصلبة أسفلها.
ليصيح على أثرها الضابط منزعجًا.
"يا مدبولي، انت يا مدبولي، تعالى شوف البنت دي ولا جيبلها أي زفت يفوقها."
❈❈-❈
بداخل الغرفة التي تعمل بها، وبقلق يتعاظم مع كل دقيقة وكل اتصال تجريه على هاتف الأخرى ولا يأتيها الرد غمغمت صبا بضيق.
"استغفر الله العظيم يارب، دي مالها دي؟"
التفت شادي هذه المرة ليسألها بعد فترة من التريث مع انتباهه لهذا التغير الملحوظ بها.
"مالك يا صبا؟ ومين دي اللي طلعتك عن شعورك؟"
وكأنها كانت في انتظار سؤاله، ومشاركة أحد ما خوفها.
"قصدي ع البت مودة، أصلها غايبة عن الشغل النهاردة وبتصل بيها من الصبح لكن مفيش أي رد، دا حتى سواق الأتوبيس بتاع الشغل، لما سألته عنها قالي انه قعد فترة طويلة في انتظارها، وهي حتى مكلفتش نفسها تبلغه غيابها أو تأخيرها، أنا مش فاهمة، البت دي أول مرة تعملها."
في غمرة استرسالها في هذا الأمر الهام لها، كان هو يركز مع كل كلمة توافق تعبيرات وجهها القلقة بصورة ضايقته لحزنها، فقال بنبرة مهدئة.
"طيب براحة على نفسك طيب، ما يمكن التليفون فاصل شحن ولا حصل معاها ظرف طارئ، مش لازم تكون حاجة وحشة حصلت معاها يعني؟"
بعدم اقتناع حركت رأسها، وازدادت ملامحها وجومًا، لتردف.
"مش مطمنة، الغياب المفاجئ ده وهروبها امبارح قبل ميعاد الانصراف، دي غير أنها متصلتش بيا تاني من وقت ما قالت انها عاملالي مفاجأة."
بابتسامة ودودة رد يطمئنها بكلماته.
"طب مش يمكن كل اللي بيحصل منها ده، من ضمن خطتها في المفاجأة اللي عملاها، اصبري شوية يا صبا، وتوقعي الخير، عله يكون كذلك."
تنهيدة مثقلة صدرت منها بامتثال لقوله، لتردف وهي تفكر بصوت عالٍ معه.
"يمكن يكون صح زي ما بتقول، خصوصًا يعني ان انا نفسي كنت مشغولة عنها امبارح، في خطوبة شهد، رغم أنها كانت ع الضيق، بس كانت ليلة جميلة اوي."
"شهد دي اللي تبقى بنت صاحب أبوكي زي ما قولتي امبارح؟"
قالها بتذكر جعل ابتسامة ساحرة تزين ثغرها، لتعقب بمرح.
"إيه ده؟ ما شاء الله، دا انت عندك ذاكرة قوية في انك تفتكر حاجة زي دي، أنا نفسي قولتها من غير تركيز."
"أنا عمري ما أغفل عن أي تفصيلة تقوليها أو شيء يخصك."
ود أن يقولها بصوت واضح لها، ولكن الجزء اليقظ بداخله، جعله يتراجع، ليخرج بقول روتيني في هذه المواقف.
"المهم انك فرحتي يا صبا، عقبالك انتي كمان."
خبئت ابتسامتها المبتهجة ليحل محلها واحدة أخرى، ليس لها معنى، مما جعلها ترتد عليه بضيق، يسألها بريبة.
"ليه يا صبا التغير ده؟ هو أنا قولتلك حاجة وحشة؟"
بدا على وجهها الحرج وهي تتهرب بعينيها نحو الملفات المرصصة على سطح المكتب أمامها، وجاء ردها بغمغمة.
"لا طبعًا انت مقولتش حاجة وحشة، دي حاجة بتتمناها كل البنات، بس...."
توقفت فجأة وتوقفت النبضات بقلبه في انتظار ردها الذي جاء متأخرًا، بعد أن ارتفعت أنظارها إليه، فيُقابل بهذا الوميض الغريب بعينيها.
"بس للأسف أبويا مش سايبلي فرصة للحلم، حاصر خياراتي في البلد وولاد عمي، وحكاية أقنعه إن الدنيا براح وولاد الحلال في كل حتة، مش بس في البلد وولاد عمي، حاجة أشبه بالمستحيل."
غصة مؤلمة شقت حلقه ومرارة الحزن بصوتها شعر بها بداخل جوفه، مع شيء آخر بنظرتها لا يجد له تفسير، بصعوبة حاول تجاوز الألم بصدره، ليسألها بفضول.
"طب وانتي رافضة البلد والجواز من ولاد عمك ليه؟"
أجابته بسهولة وجرأة المدافع عن حقه في الحياة.
"مش عيب في ولاد عمي ولا البلد، بس أنا مش عايزة أبقى نسخة من خواتي البنات، ولا حريم خواتي اللي هما برضوا بنات عمي، أنا رافضة جواز الجرايب من الأساس، ورافضة العيشة في القرية، أنا حبيت المدينة ودا حقي."
ردد من خلفها بتأييد ومؤازرة، بنبرة تبدو عادية، ولكن صداها بداخله كان يصدح بصراخ.
"طبعًا حقك يا صبا، وحقك تختاري اللي انتي عايزاه كمان."
"طب ادعيلي."
قالتها بلهجة تقارب دلالها الفطري الذي بات معتادٌ عليه منها، وهي تنهض فجأة عن كرسيها، تجفله بقولها.
"أنا رايحة قسم مودة، أشوفها جات ولا لسة، ولا أعرف حتى إيه الأخبار؟ لتكون وصلت أو بلغت غياب."
ظل صامتًا ولم يرد، حتى غادرت الغرفة ليتمتم من خلفها.
"يارب يحصل يا صبا، يارب."
❈❈-❈
في المخزن الخلفي لدكان المعلم عابد الورداني، فتح العامل الباب على مصراعيه بغرض تناوله لبعض الأجولة المخزنة، وما أن دلف بخطوتين للداخل حتى تفاجأ بسبة وقحة أجفلته منتفضًا، ليدمدم بخوف غريزي، قبل أن ينتبه على صاحب الصوت.
"بسم الله الرحمن الرحيم، مين؟"
"معلم إبراهيم."
اعتدل الأخير عن نومته فوق الأريكة الخشبية الوحيدة، ليجلس زافرًا بنعاس، عينيه لم يفتحها جيدًا بعد، بشعر أشعث ووجه متجهم، أثار القلق بقلب العامل ليردد له باعتذار لا يخلو من الريبة.
"أنا آسف يا معلم إبراهيم لو كنت صحيتك، بس يعني.... هو انت من امتى نايم هنا؟"
ازداد تجهم إبراهيم لينفر من أنفه وفمه زفرة حانقة، وأصابعه تهرش في سمانة القدم الذي رفعها على الأريكة بجواره، متمتمًا بفظاظة ليست بغريبة عنه.
"وانت مال أهلك؟ أنام هنا ولا هناك، دا شيء يخصني."
أومأ العامل برأس مطرقًا بحرج، ليتابع طريقه نحو الداخل يدمدم باعتذار آخر.
"حقك يا معلم حقك....."
"استنى هنا ياض."
هتف بها إبراهيم مقاطعًا الفتى ليوقفه أمرًا.
"استنى قبل ما تدخل جوا ولا تاخد حاجة، روح ع القهوة اللي في آخر الشارع، هاتلي كوباية شاي أتصبح بيها."
"بس أنا مقدرتش أتأخر، المعلم عابد مستني الطلبية في الدكان عشان نظبط الحسابات والدنيا هناك."
قالها الفتى باعتراض على تخوف من نوبة غضب إبراهيم، والذي ثار على التوقع هادرًا بشراسة ووجه مقلوب.
"ما تولع الطلبية ولا تتنيل تستنى، اخلص ياض هات كوباية الشاي وبعدها اعمل اللي انت عايزه، أنا أساسًا قايم مخنوق ونفسي أفش خلقي في حد."
انتفض الفتى ليذعن صاغرًا على غير إرادته، وذهب لتنفيذ أمره مغمغمًا بكلمات حانقة وغير مفهومة.
تبع أثره حتى اختفى ليتناول من جيب بنطاله علبة السجائر والقداحة، ليضع واحدة بطرف فمه يشعلها، يسحب الأنفاس منها بنهم، ثم ينفث الدخان الكثيف في الهواء، متذكرًا سبب نومه هنا.
لقد كانت ليلة بشعة بكل ما فيها، ليلة أعادت عليه ذكريات سوداء، كان يظن أنه تجاوزها وتناساها، كلمة حريق، هي أقل وصف لهذا الذي شعر به وقت رؤيتها بصحبة المتحذلق خطيبها المزعوم، ملعونة وجميلة كسابق عهدها قديمًا، مدللة أبيها التي كان يفتخر بها، ويتسابق الجميع لنيل رضاها، حينما كانت حلم شباب المنطقة!
وقد كان أبلهًا بولهه بها كالبقية، تحركه مشاعر غبية وأحلام مراهقة، وقد ظن أنه على وشك الفوز بها، قبل أن تصدمه بعنجهيتها عليه، وتقلب أيامه بجحيم رفضها......وكانت القاسمة بعد رحيل والدها.....
"الشاي يا معلم إبراهيم."
هتف بها العامل يقطع عنه استرسال ذكرياته، ليقترب منه واضعًا الكوب الساخن ومعه قنينة ماء، فاعتدل ينثر بطرف سبابته رماد التبغ المحترق من السيجارة، وتناول الهاتف يفتحه أخيرًا ليرى كم الرسائل والاتصالات المهولة من خيبته الأخرى أمنية، بعدم اكتراث ضغط على الشخص الوحيد المهم إليه، ليصله الاستجابة السريعة منها.
"ايوة يا إبراهيم انت فين يا بني؟ أبوك قالب الدنيا عليك."
"الو وو ياما، أنا معاكي اهو بخير اطمني، إيه الأخبار بقى؟"
❈❈-❈
بداخل غرفة بأحد المستشفيات الحكومية القريبة من القسم، تم تحويلها برفقة رجلين من الأمن، بعد أن فشلو في إفاقتها، وخشي الضابط أن يتحمل مسؤولية الإهمال عنها، ليأمر بنقلها حتى يتم فحصها من قبل الأطباء اللذين قيموا حالتها بالضعف الشديد، ويتم الأمر بحجزها حتى تستعيد عافيتها، مع الاعتناء بها جيدًا.
فكانت ميرنا أول الزائرين لها بعد الإفاقة، بحجة الاطمئنان عليها مع وصلة من التوبيخ بلوم متقن.
"كدة برضوا يا مودة؟ هي دي عملة تعمليها فيها؟ ولا دي جزاء تعبي معاكي؟ تخلي وشي في الأرض، ليه بس يا مودة حرام عليكي."
على سريرها الطبي الذي كانت جالسة عليه بنصف نومة، ونصف جلسة متكئة على الوسادة القطنية من خلفها، تضغط على عينيها ببكاء حارق ومستمر صامتة، لتهتف بها الأخرى بعدم اكتراث لحالها.
"ما تردي يا مودة، سيباني أتكلم وأهاتي مع نفسي، إيه بقى، هي القطة أكلت لسانك؟"
جاء رد الأخيرة، وهي تمسح بطرف كوم فستانها الجديد، لتلطخه بالدموع العالقة على وجنتيها، وما ينزل من أنفها وقد ذهبت زهوته وفرحتها به بما وصلت إليه الآن بسببه.
"يعني عايزاني أقولك إيه بس يا ميرنا؟ والله ما كنت أقصد، ولا كنت عايزة أسرق من الأساس."
قاطعتها ميرنا لتقول متهكمة، بتصنع الانفعال في قولها.
"يا سلام... ولما هو كدة، مين بقى اللي جابتها الكاميرات وهي بتحط خاتم الست في جيبها؟ ألماس يا مودة، بتسرقي خاتم ألماس."
"يا ستي والله ما أعرف إنه ألماس."
صرخت بها، لتتابع بحرقة.
"دا أنا حتى حطيته في جيبي ونسيته، روحت البيت وقلعت الجاكت وسط الغسيل ونمت وما افتكرتش غير تاني يوم، وحتى ملحقتش أدور عليه وألقاه، على الأقل كنت نجدت نفسي وخلصت."
بانتباه شديد ادعت ميرنا لهفتها في حديث الأخرى لتجد لها حلاً سريعًا.
"طب ما احنا فيها اهو، ابعتي لستك تدور وتجيبوا وتنقذك."
ابتسامة مريرة ارتسمت على ملامحها، ليخرج صوتها بأنين موجع.
"ستي مين اللي أقولها؟ ستي مين بس؟ دي لو عرفت مش بعيد تاخده وتكتم عليه، انتي متعرفيهاش، دا حتى لو كلفت حد يروح ويدور هناك، مش بعيد تعمله فضيحة وتلم الشارع، مينفعش حد يدخل الأوضة غيري."
"اااه."
أومأت بها ميرنا بهز رأسها، لتطرق برأسها تدعي تفكيرًا عميقًا في هذه المعضلة، قبل أن ترفع رأسها إليها قائلة.
"طب معنى كلامك كدة يا مودة، ان انتي لازم تخرجي، ودي متنفعش غير بتنازل الست ناهد، بس دي بقى هنعملها إزاي؟"
علقت مودة بلهفة الغريق الذي يتعلق بقشة.
"كلميها يا ميرنا، وقوليها ان مودة هتقلب الدنيا وتخرجه."
عوجت المذكورة ثغرها لتحدجها بنظرة لائمة تردد.
"أكلم مين يا مودة، هو انتي سبتيلي فرصة مع الست اللي طول عمرها بتحلف بأخلاقي وبأني زبونة مميزة عندها، دي بعد اللي حصل جات عندي وهزأتني إن جيبتلها واحدة حرامية، لدرجة إنها كانت هتلبسني في المصيبة معاكي، ولا انتي فاكرة إن قضيتك ما لطتنيش، دا أنا اتحقق معايا من قبل ما يجيبوكي، ولولا الظابط شاف الفيديو وعرف اني بريئة، لكان زماني دلوقتي مشرفة معاكي."
بخيبة أمل ويأس شل تفكيرها، دمدمت مودة بسذاجة تتأسف لها.
"أنا آسفة يا ميرنا إني عرضتك لكل المشاكل دي، سامحيني."
تنهيدة كبيرة طردتها ميرنا من صدرها، تدعي الأسى لحال الأخرى قبل أن تجفلها فجأة بقولها.
"على فكرة صح يا مودة، مدام ناهد دي مجرد مستأجر للمحل، لكن المول نفسه بالهيلمان دا كله، ملك عدي باشا."
بعدم فهم ناظرتها مودة باستفهام.
"عدي باشا بتاعنا...... طب إيه يعني؟ هو ممكن يطردني لو عرف؟..... ولو انتي قصدك إيه بالظبط؟"
تراقصت مقلتاها بحركات غير متزنة لتجيبها بمكر.
"بصراحة مش عارفة، أنا بفكر معاكي اهو...... الا صحيح، هي صبا معرفتش بموضوعك؟"
قالت الأخيرة بنبرة مختلفة عن الباقي لم تنتبه لها مودة التي أجابتها بعفوية وعدم تركيز.
"لا طبعًا، وهتعرف إزاي يعني؟ هو أنا شوفت حد من الصبح غير الظباط والدكاترة."
❈❈-❈
في طريقها نحو الذهاب، بعد أن سألت عن مودة وعلمت بأن الوضع على ما هو عليه في حالة الغموض المحيطة بغيابها، كان القلق ينهش قلب صبا التي كانت لا تكف عن المحاولات البائسة في الاتصال بها، حتى كادت أن تصطدم بأحدهم، قبل أن تملك زمام أمرها متراجعة في الوقت المناسب، لتردد بالاعتذار قبل حتى أن تنظر عينيها الرجل.
"أنا آسفة."
"مفيش داعي للاعتذار محصلش حاجة أصلًا."
بلكنته الراقية وهذه النبرة التي أصبحت تعلمها، رفعت رأسها إلى صاحب الصوت، لتلتقي عينيها الجميلتين بعينيه المتصيدة، خضراء لكن عميقة، على قدر صفاء اللون بها، على قدر الغموض في عمقها وجرأتها، يخاطبها وكأنه على صلة بها منذ سنوات عديدة.
"عاملة إيه يا صبا؟"
تمتمت ترد باقتصاب بغرض اختصار الحديث كي تذهب.
"الحمد لله يا فندم عن......"
"عامل إيه شادي معاكي؟ مستريحة في الشغل معاه؟"
مقاطعتها المقصودة وسؤاله المباغت لها جعلها تجيب بتحفز غير مبالية.
"الحمد لله يا فندم، مستر شادي من أحسن المديرين هنا، يارب بس أكون أنا على قدر المسئولية معاه."
بشبه ابتسامة جانبية رمقها بها، ولم تعرف تفسيرها لتشعر بعدم الارتياح، حتى تدخلت رئيسة القسم التي أتت فجأة، وبصوت ظهر فيه الاهتزاز، ذلك لدهشتها بحضور رجل الأعمال وصاحب الفندق بنفسه إليها.
"يا أهلا يا فندم، نورت القسم كله، اا تؤمر بأي شيء يا عدي باشا."
أومأ لها برأسه، وقبل أن يهم بالرد عليها سبقته صبا من أجل أن تنصرف.
"طب عن إذنكم."
"استني يا صبا."
أوقفها من قبل أن تتحرك، ليباغتها بقوله الغير متوقع.
"كنت عايز أهنئك بثقة مستر شادي أنه اعتمد عليكي أخيرًا في تجميع البيانات."
توسعت عينيها بإجفال، غير مصدقة تركيزه معها في هذا الأمر، وفي هذه النقطة بالذات، فكان رد رئيسة القسم هو الأسبق لها.
"لا يا باشا، شادي مغيرش النظام، دي صبا كانت جاية تسألني عن واحدة صاحبتها."
"اممم صاحبتها."
قالها بلهجة ساخرة متهكمة لتثير بداخلها الحنق لفعله الغير مبرر.
فاض بها، فتحركت على الفور تكرر استئذانها للاثنين كي تغادر، تاركة في المكان أثر عطرها الرقيق، فتظل عينيه معلقة بطيفها حتى اختفت، غير منتبهًا لحديث المرأة التي كانت تموت في جلدها خوفًا من هذه الزيارة الغريبة.
❈❈-❈
انتهت أخيراً من تجهيز نفسها بعد فترة طويلة من البحث بين أكوام ملابسها حتى اختارت شيئًا قديمًا من خزانتها، يناسب خروج آنسة مع خطيبها، بنطال جينز مناسب وعليه سترة نسائية لم ترتديها منذ فترة طويلة، ولكنها كانت رقيقة لتظهر قدها الممشوق بنعومة كانت تدفنها أسفل ملابس الرجال، والتي لا يصح ارتدائها الآن على الإطلاق، هي ليست بقليلة الذوق حتى لا تعرف التعامل في مثل هذه المواقف المستجدة معها، حتى تعتاد على الأمر، أو بالأصح تعود لعهدها القديم.
أطلقت شعرها لخلف ظهرها، متخلية عن الربطة الكئيبة، بشرة وجهها لم تفعل بها الكثير، سوى أنها وضعت كريم الأساس الذي علمتها عليه صبا ليلة أمس، وخط الكحل الرقيق، ثم لون الشفايف وضعته بصعوبة، بالكاد يظهر عن اللون الطبيعي، كانت ترى نفسها مرضية إلى حد ما حتى فاجئتها رؤى التي اقتحمت الغرفة مهللة.
"ايه الحلاوة دي؟"
على أثر الصوت المفاجئ انتفضت شهد مجفلة، لترد بتوبيخ.
"اخص عليكي، كدة برضوا تدخلي الأوضة هجم وتخضيني، مش عوايدك دي يا رؤى؟"
تبسمت الأخيرة لترد وهي تتقدم نحوها بابتهاج خالطه الانبهار والإعجاب.
"إنا آسفة يا قمر لو كنت خضيتك، بس الباب كان مفتوح والله وأنا دخلت عشان أندهلك، يعني داخلة على غرض، بس إيه الجمال ده؟ أقسم بالله أنا كنت عارفة إنك طلقة وصاروخ أرض جو كمان."
"ياااه."
تمتمت بها شهد بخجل تخفيه لتتابع بإنكار.
"مش لدرجادي يعني! قولي كويسة وخلاص."
"كويسة وخلاص!"
قالتها رؤى بابتسامة خبيثة تتلاعب على محياها، لتلتف حولها تتأملها يمينًا ويسارًا، وتردد بمرح.
"يا باشا ما هي لو كانت كويسة وخلاص أو عادية، مكانتش طلعت من قلبي كدة، دا انتي هتقلبي الشارع برا لما تخرجي والناس تشوفك، لكن البلوزة دي متهيألي ما بتلبسيهاش خالص قبل كدة، كذا مرة أشوفها في الدولاب عندك وأفتكرها ضيقة ولا مش عجباني وعشان كدة سايباها، دا غير البنطلون كمان...... إيه ده يا عم!"
بارتباك ملحوظ ظهر في حركة يدها المضطربة ردت شهد وهي تمررها داخل خصلات شعرها المسترسل كالحرير معها.
"اا هي فعلا كانت معايا من فترة طويلة، ويمكن أكثر من سنة كمان، كنت اشتريتها في مرة كدة لكن مجاتش فرصة ألبسها، ما انتي عارفة، أنا معظم مشاويري شغل..."
لم ترد رؤى وظلت تتمعن بها بأعين تلمع بالفرح، سعيدة بهذا التغير المفاجئ لشقيقتها، والتي عبست بوجهها كي تسألها بجدية مصطنعة.
"مقولتش بقى، إيه اللي دخلك هجم كدة؟ وكنت جاية تندهيلي على إيه؟"
استدركت فجأة لتضرب بكف يدها على جبهتها بتذكر قائلة.
"يا نهار أبيض، اَه صحيح دا أنا نسيت أقولك، أصلي البشمهندس وصل برا ومستنيكي في عربيته، وشاورلي في البلكونة عشان أندهلك."
"وتوكي اللي فاكرة يا رؤى؟"
قالتها بلهجة موبخة، لتستل هاتفها وحقيبتها لتعلقها على كتف ذراعها تطالعها بغيظ لتردف لها وهي ذاهبة.
"دا انتي المرقعة والمياصة تنسيكي اسمك."
لحقت بها رؤى متمتمة من خلفها.
"وماله لما أبقى مايصة، دي حتى كلمة جميلة وفيها عبر."
كانت شهد قد وصلت لنصف المنزل حينما سمعت قول شقيقتها لتلتف إليها بتوعد ضاحكة.
"خلص بس مشواري، وأنا هخليكي تشوفي العبرة بحق للمياصة اللي عجباكي دي."
قالتها ثم التفت نحو زوجة أبيها التي تسمرت مزبهلة لرؤيتها كما فعلت أمنية أيضًا، فقد كانت جالسة في الجهة الأخرى حينما تفاجأت بها.
"لو عاوزة أي حاجة اطلبيها ع التليفون، أنا هحاول متأخرش إن شاء الله."
أومأت نرجس رأسها بتشنج، وعقبت رؤى بشقاوة.
"يا ستي ومتتأخري براحتك، فيها إيه يعني؟ دا انتي حتى طالعة مع خطيبك أه."
للمرة الثانية التفت لها، غير قادرة على منع الضحك لكن بمزيد من الوعيد.
"هقتلك والنعمة هقتلك، اهدي بقى واتبطي خليني أخرج بقيمتي قبل ما أرتكب جريمة معاكي."
أومأت رؤى مذعنة بطاعة وابتسامة لم تفارقها، حتى إذا خرجت شهد ركضت نحو الشرفة مدمدمة.
"هروح أشوفها وهي بتركب العربية مع خطيبها."
بصدمة وعدم تحمل التفت أمنية تحدج والدتها بنظرات حارقة لتضرب بكف يدها على فخذها ثم على صفحة وجهها، وتغمغم بغليل وقهر.
"يعيني على بختك القليل يا أمنية......"
رواية و بها متيم انا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم امل نصر
بعشق تملكها حتى تغلغل في الأعماق وصار يجري في عروقها كمجرى الدم، تحيا به؛ وقد أضحى النفس الذي تتنفسه، عبير الروح التي ارتقت بعشقه، لتصبح امرأة أخرى تليق برجل مثله، يُبهجها ولو ابتسامة صغيرة تعلو ثغره، ويحزنها ألا تكون هي السبب بها.
ما أصعب هذا العشق حينما يعجز المُحب عن إسعاد المحبوب بما يستحق ويتمنى.
هذا ما كانت تشعر به نور في وقفتها الاَن بوسط الدرج، تراقب زوجها المنشغل دائمًا على حاسوبه حتى في وقت استراحته بالمنزل، لكم الأعمال التي لا تنتهي معه، في جلسته بوسط البهو الكبير على اَريكته الاَثيرة وأبناء شقيقه يلعبن من حول بألعابهم، ويشاكسنه بالعبث بأشياءه كعلاقة المفاتيح والهاتف، وهو بكل ود وروية يجيب عن أسئلتهم التي لا تنتهي، رغم انشغاله، وكأنه يعوض الأطفال ولو قليلًا عن غياب أبيهم عنهم.
"هتجيبلي عربية اسوقها لوحدي زي عربيتك يا عمو؟"
"حاضر من عيوني يا إياد، تكبر انت بس ويشتد عضمك وانا ليك عليا اجيبلك أحسن عربية."
"طب وانا يا عمو هتجيبلي واحدة كمان؟"
قالها الطفل الاَخر والذي كان منشغلًا باللعب على الهاتف، وكان رد مصطفى بحزم لا يخلو من اللطف:
"هجيبلك اللي انت عايزه بس لما تخف من اللعب شوية ع التليفون، انت قولت شوية صغيرين واحنا دلوقتي عدينا النص ساعة."
بتذمر وسخط اعتلت الملامح الصغيرة، هتف زياد:
"ما انا اعمل ايه بس يا أنكل؟ ماما مانعة عننا العاب البلاي ستيشن بقالها كام يوم، وشايلة مننا التليفونات بتاعتنا، بصراحة بقى زهقت."
"شايلة عنكم التليفونات ليه؟"
سأله مصطفى بانتباه وقد ترك ما يعمل عليه، فجاء الرد من الطفل الأكبر:
"أنا اقولك يا عمو، اصلها كذا مرة تنبه علينا نبطل نتصل ببابا، بس زياد ما بيسمعش الكلام، بيتصل بيه وبيبلغه كل حاجة حصلت معاه في اليوم بتاعه."
قاطعه مصطفى بسؤاله الاَخر وقد اعتلى الغضب ملامحه:
"طب وانت يا إياد ما بتتصلش انت كمان ولا هو واخد العقاب لوحده؟"
"لا يا أنكل انا كبير على اني اتصل بيه كل شوية، زياد واخد العقاب لوحده بس انا ماما مضيقة عليا وبتديني الفون لما بطلبه منها بس وتعرف انا عايزه في ايه!"
الكلمات العفوية من الطفل جعلت مصطفى يتناسى ما كان يعمل عليه، ليزداد تجهمه بحالة من الشرود في هذا الأمر البغيض بغياب شقيقه عن ابناءه وزوجته، والتي من الواضح أن البرود الذي تدعيه أمامهم، جعله يغفل عن الشعور الحقيقي لامرأة يهجرها زوجها وهو بنفس المدينة معها، حتى لو كانت هذه المرأة هي ميسون، العرق التركي المتأصل بعنجهية متوارثة، تجعلها تتعالى حتى عن إظهار ما يعتمل بصدرها.
"زياد."
صدرت بقوة جعلته ينتفض مجفلًا ليرى انفجار ميسون هذه المرة على الطبيعة، وقد تخلت عن الواجهة الباردة لتخطو نحوهم بغضب، وتختطف الهاتف من يد ابنها قائلة بتوبيخ متعمد:
"أنا مش منبهة إن مفيش لعب في الفون غير بمواعيد منظمة مني انا شخصيًا، ولا انت قاصد تكسر تعليمات مامتك؟"
ألقت الهاتف بعنف على الاَريكة التي كان جالس عليها مصطفى لتحدجه باتهام مقصود، مما اضطره للرد:
"في إيه يا ميسون؟ دول يدوب عشر دقايق اخدهم الولد بس في اللعب، ما انت منعاه بقالك أيام ومحدش اعترض."
مقارعته لها باعتراض واضح أمام أبناءها، ارتد بأثره عليها، لتكفهر تعابيرها ويعلو صوتها ولأول مرة بوجهه وبغضب مكبوت:
"عشان محدش له حق فيهم قدي، أنا امهم واخاف عليهم من تأثير الحاجات دي، ولا انت متعرفش بخطورة الأجهزة دي على الأطفال ع اللي في سنهم، ولا صحيح انت هتعرف منين؟"
قالت الاَخيرة بقصد وضح تأثيره جليًا على وجه مصطفى الذي وجم صامتًا ولجم لسانه عن الرد عليها، فلم تتحمل نور التي كانت تتابع من جهتها، لتجفلها بصيحتها الغاضبة:
"مفيش داعي للكلام ده يا ست ميسون، ولادك اهم قدامك، جوزي مقربش منهم، دا هما اللي بيتلزقوا فيه عشان بيحبوه، وهما اللي بيمسكوا حاجته بإرادتهم، ولا يعني عشان هو مبيكسفهومش."
"خلاص يا نور."
هدر بها بمقاطعة هو الاَخر لينهي الجدال من أوله، ثم نهض فجأة ململمًا أشياءه في يده، ليغادر المنزل، منسحبًا في هدوء، وتحركت ميسون بدورها ممسكة بولديها نحو مخدع جدتهم؛ المساندة لها على الدوام، فتبقت نور وحدها لتسقط بانهيار جالسة على درجة السلم التي كانت تقف عليها، فهي الأعلم الاَن بجرح حبيبها، وما يعانيه في هذه اللحظة بالذات.
❈❈-❈
ترجلت صبا من حافلة العمل، وفور أن وصلت لداخل المبنى التي تقطن به، توقفت محلها غير قادرة على المواصلة، وقلبها يأكلها من القلق، لهذا الغياب المريب من صديقتها وجارتها، مودة.
شيء يحثها على الخروج نحو منزلها في الشارع الاَخر، لتسأل وتطمئن بنفسها، وشيء اَخر، يدفعها نحو التجاهل حتى تظهر لها، فغياب يومًا ليس بالأمر المهم، ولكن غلق الهاتف وعدم الرد على المكالمات يجعلها تعود لنقطة الصفر في تشتت الفكر.
زفرت بضيق وهي تلمح الرقم المجهول الذي يطلبها للمرة الخامسة من وقت استقلالها حافلة العمل بعد انتهاء نوبة عملها.
همت للتجاهل كالمرات السابقة ولكنها استدركت فجأة مع تذكرها لغياب مودة، لربما تكون هي، استجابت هذه المرة لحدسها وتوقفت قبل أن تضغط على زر مصعد البناية لتجيب باحتراس:
"الو، السلام عليكم."
"الوو يا صبا اخيرًا رديتي."
صدر الصوت المتلهف من الجهة الأخرى لتتنبه كل حواس الأخيرة معها وتسألها بتخوف:
"ايه ده معقول! هو انتي اللي بتتصلي يا مودة؟"
سمعت الاَخيرة لتجيبها بصوت باكي:
"ايوة يا صبا، دا انا اللي جرالي النهاردة يتكتب في الحواديت، انا بكلمك م المستشفي."
قاطعتها صبا هاتفة بقلق متعاظم:
"يا نهار اسود، مستشفى كمان؟ هو انتي إيه اللي حصل معاكي؟ حادثة لا قدر الله ولا إيه بالظبط؟"
"هقولك على كل حاجة يا صبا، بس لما تيجي وانا هفهمك كل شيء، ارجوكي يا صبا متتأخريش عني."
بحمائية ومروءة ليست بالغريبة عنها، ارتدت صبا للتحرك والخروج من المبنى، فقالت وهي تشير بيدها نحو سيارة أجرة تقلها:
"أنا جيالك على طول، جوليلي اسم المستشفى اللي انتي فيها."
❈❈-❈
وإلى أمين الذي أنهى بتلذذ واستمتاع بالطعم؛ اَخر قطعة كانت متبقية من كيك الشكولاتة، ضمن المجموعة التي قد أتى بها في مقر عمله بداخل علبة بلاستيكية نكاية في شقيقه الذي خرج الاَن ليلهو ويمرح مع خطيبته، بعد أن تفنن في كيده مع مجيدة، باتفاق على اخراجه عن شعوره، فكان رده الحازم، أن حرم الأثنان من تذوق حلوى السيدة أنيسة، وبرغبة غريبة بداخله تجعله يشعر في الاستحواذ على كل ما يأتي من المرأة وكأنه يخصه، لا يعلم من أين استمد هذه الفكرة، ولكنها تكبر وتترعرع معه بدون سبب منذ معرفته بها.
على خاطره الاَخير، تناول الهاتف ليطلب الرقم الذي حصل عليه مؤخرًا عن طريق معرفه شخصية بأحد الأصدقاء المختص بالآتصالات والشبكات في مجال عملهم، وبفضول استبد به طلب صاحبة الرقم برغبة شريرة في مناكفتها، وكانت المفاجأة ان جاءه الرد على الفور ودون انتظار:
"الو مين معايا؟"
ردها كان بعملية بحتة ولكن صوتها الناعم اللعين رغم حدته، جعله يعض بأسنانه على شفته السفلى ليكبح لجام لسانه عن قصفها بتوبيخ قاسي حتى لا ترد على كل من هب ودب.
يبدوا ان صمته قد طال ليصله هتافها بنزق:
"الو مين معايا بقول؟. ما ترد يا بجم. ما ترد يا لوح. هي الرزالة وقلة الأدب بقت هواية ولا إيه؟ دا إيه القرف ده؟."
قالت الاَخيرة لتنهي المكالمة بعنف جعله يردد بسخط خلفها:
"أهو انتي. بقى كل دي شتيمة عشان بس واحد طلبك ومردش، امال لو رد ولا عاكسك كنتي عملتي إيه؟"
القى الهاتف على سطح مكتبه بإهمال ليغمغم بغيظ:
"اه يا ناري لو بس الاقي فرصة وافش غليلي فيها، ماشي يا لينا، ماشي."
"أمين باشا ممكن ادخلك."
قالها احد الضباط الصغار ويدعى عصام، مصحوبة بطرق خفيف على باب المكتب المفتوح من الأساس، أوما له سامحًا بالدخول، ليدلف الشاب ملقيًا تحية عادية بدون رسميات، وبادله الاَخر بود معتاد منه، قبل أن يأمره بالجلوس امامه، يتناولان الموضوعات المطروحة في العمل، ومن أبرزها كان ملف مودة، والذي تناوله امين سائلًا بعدم فهم:
"مالها يعني البنت دي؟ دي واحدة سارقة يا عصام والجريمة لابساها من كل جهة، مش بس تصوير الكاميرا."
رد الاَخير بحدسه البوليسي:
"معرفش ساعتك، بس انا حاسس ان الموضوع في حاجة غريبة مش مفهومة، وكأنها متلفقة رغم ان القضية ثابتة عليها، اصل بصراحة كمان البنت اللي كانت معاها معجبتنيش."
"ليه يعني معجبتكش؟ مالها البنت؟"
سأله أمين باستفهام وكان رد الاَخر حازمًا رغم تشتته:
"من الاَخر كدة يا فندم انا حاسس ان في حاجة مش مظبوطة."
بدا الاهتمام جليًا على وجه أمين، ليتناول الملف يقلب في أوراقه بتمعن وتركيز، ثم سأله بانتباه:
"هي البنت دي قاعدة في اي قسم في المستشفى؟"
❈❈-❈
توقف بالسيارة أمام إحدى الكافيهات المشهورة بالمدينة، ليلتف إليها سائلًا بمرح:
"سيدتي الجميلة تسمح تنزل معايا هنا ولا نغير على مكان تاني يناسب جلالتها؟"
رددت خلفه ساخرة رغم الدهشة التي اعترتها للوصف المبالغ فيه من وجهة نظرها:
"كمان جلالتها! شالله يجبر بخاطرك يارب."
"أمين يارب."
قالها بلهفة ليتابع بخبث امتزج ببهجته:
"فاكرة لما قولتيها قبل كدة تحت شجرة النبق، وانتي عاملة نفسك مش واخدة بالك من مشاعري رغم انها كانت بتبوظ من عيوني، وأي عيل صغير يقدر يكشفها لوحده."
"تبوظ من عيونك؟"
قالتها بعدم مقدرة على كبت ضحكها، ليردف بحماس لم ولن يفتر في شرح ما يشعر به تجاهها:
"ايوة يا شهد، انا كان باين عليا اوي على فكرة، لأني بجد اتعلقت بيكي اوي وكنت هموت لو الدنيا فرقتنا من غير ما نرتبط."
رغم فرحها بكلماته التي تدغدغ مشاعرها من الأعماق، إلا انها لم تقوى على كبت سؤالها الملح:
"ليه يا حسن؟"
"ليه إيه؟"
"ليه حبتني؟ إيه اللي جذبك في واحدة زي؟"
"تقصدي إيه بواحدة زيك؟"
صدر سؤاله عن قصد رغم فهمه لما ترمي اليه، ولكنه يريد المزيد من المعرفة عنها، انتابها الحرج في البداية ولكن الفضول القاتل داخلها جعلها تجيب بكل صراحة:
"إنت فاهم يا حسن أنا اقصد ايه بكلامي، ولا تكون فاكرني مكنتش واخدة بالي من نفسي ولا الإهمال المقصود في شكلي."
"أيوة بقى."
تفوه بها وكأنه قد عثر على ما يبتغيه ليسألها مباشرةً:
"ليه الإهمال المقصود واللبس الرجالي الأوفر؟ انتي قمر يا شهد وانا بشوف ان إهدار حقك في الظهور كبنت، دا ملوش أي لازمة مع واحدة في شخصيتك."
لاحت فجأة ابتسامة خفيفية على ثغرها، كبتتها على الفور قبل أن تجيبه:
"انت بتتكلم عن شخصيتي اللي انت شايفها دلوقت، لكنك متعرفش شخصيتي القديمة زمان، دلوعة ابوها دي الصورة اللي الناس كانت واخداها عني."
"احكيلي عنها يا شهد."
قالها حسن وقد اقترب برأسه منها يتابع بإلحاح:
"أنا نفسي اعرف كل حاجة عنك يا شهد، وبتمنى منك تفتحيلي قلبي وتقولي."
توقفت أمام رغبته بأعين زائغة، تدور في كل الجهات، نحوه وحوله، بتفكير عميق، قبل أن تحسم أمرها، لترد بالمزاح:
"يعني انت عايزانى احكي كدة من اول خروجة وكمان في العربية، طب حتى بل ريقي بكوباية مية الأول."
"يا سلام، يعني انتي جيتي في جمل."
قالها حسن وهو يترجل من السيارة سريعًا، ثم التف نحو جهتها ليفتح الباب المجاور لها، قائلًا بفعل مسرحي:
"ممكن تتفضل سيدتي وتدخل معايا الكافيه المتواضع ده."
بخجل شديد انزلت قدميها على الارض الخارجية، لتعقب خلف غلقه للباب:
"طب كنت اعملها وانا لابسة فستان، على الأقل كانت لاقت شوية عني وانا نازلة كدة معاك بالبنطلون."
اثني ذراعه امامها بحركة مكشوفة لتتأبطه وتتشبث فيه بيدها، فعلت على حرج، ليسير بها نحو وجهتهم ورد على كلماتها:
"عمر الأنوثة ما كانت بالفستان ولا الرجولة كانت بالجلبية البلدي ولا البدلة الرجالي، دي حاجة بتبقى طبع في البني ادم نفسه، وانتي خير مثال يا شهودتي، برغم الوش الخشب وكل البهدلة اللي كنت عاملاها في نفسك، إلا اني كشفتك من أول مرة وعرفت انك موزة جامدة كمان."
هتفت من خلفه ساخرة، حتى تخفى خجلها:
"موزة جامدة كمااان! انا كنت فاكراك طيب وبريء يا حسن."
ضحك بصوت عالي يردد خلفها:
"طيب وبريء! طب ازاي بس يا شهد؟ دا انا ابن مجيدة."
عقبت تقارعه بمشاكسة:
"ابن مجيدة، وكمان بتقولها قدامي، طب انا فتانة يا حسن وهنقل لها الكلام ده."
ضحك باندماج واضح معها يقول:
"قولي يا غالية، وانا هبلغها اني فعلا انحرفت ولازم بقى تلمني وتجوزني بسرعة، واهو تبقي كسبتي ثواب فيا بالمرة."
اكمل بضحكاته فلم تملك أمامها سوى أن تفرغ غيظها به بضربة بقبضة يدها الصغيرة على ساعده، وكان رده بميوعة جعلتها هي الأخرى تضحك:
"اه يا دراعي، إيدك تقيلة اوي شهد."
❈❈-❈
بداخل المشفى الحكومي، والذي دلفته صبا على الوصف، لزيارة صديقتها الموجودة به في غرفة وحدها، وبحراسة رجل الأمن والذي وللمفاجأة لها، بمجرد أن أفصحت له عن هويتها ورغبتها في زيارة المريضة، سمح لها بالدخول بدون جدال او حتى مناقشات عادية، لتكتشف حقيقة الوضع بعد رؤيتها لها وسرد ما حدث:
"بتقولي ايه؟"
"بقولك اللي حصل يا صبا. بس والله ما كنت اقصد."
بازبهلال خلى من الاندهاش او أي شيء اَخر، تجمدت تطالعها وهذه الموجة من البكاء التي غرقت بها، لتزيد على بؤسها، وتزيد من شعور الغيظ الذي ينمو داخلها نحوها، حتى انفجرت بها:
"يعني ايه مكنتيش تقصدي؟ دا انتي بنفسك بتقولي ان الكاميرا صورتك بالحجم الطبيعي وانتي بتحطي الخاتم في جيبك، يبقى ازاي بقى متقصديش؟"
ضغطت مودة بقوة على عينيها وهذه السيل من الدموع الذي لا يتوقف لتجيبها:
"يا صبا افهميني الله يخليكي، انا الخاتم لقيته ع الأرض، يعني لا دورت في ادراج ولا حتى مديت ايدي في جيب الست، غلطت اني حطيته في جيبي، لكن والله ما كنت اعرف ان قيمته غالية كدة، كنت فاكراه انتيكة ولا تقليد زي اللي بجيبها وبشتريها."
"انتيكة إيه ولا زفت ايه؟"
هدرت بها صبا مقاطعة، لتتابع بشدة غير مبالية لحالتها:
"دي سرقة يا مودة، ومش سرقة حاجة هينة، لا دا الماظ يا غالية، يعني لو بعتي بيتكم والعمارة اللي انتي ساكنة فيها برضو مش هتجيبي تمنها."
ردت مودة بتشدق عن قناعة ترسخت داخلها بوجود الحل:
"بس اقدر أجيبه هو نفسه لو هما خرجوني، لأنه أكيد وسط هدومي اللي قلعتها أو حتى اتنتر تحت الدولاب أو السرير، انا بس اخرج وهقلب الاوضة واطلعه ان شاء الله."
التوى ثغر صبا بحنق وضيق من سذاجة مودة التي أصبحت ترهقها ذهنيا بالفعل، لتوجه سؤالها لها بسأم:
"ودا هيحصل ازاي بقى يا ناصحة، والقضية لابساكي لابساكي؟ هتقنعيهم ازاي يعمولها دي ويخرجوكي؟ ولا يكونش فاكرة ان الست صاحبة الخاتم هترضى تتنازل ولا تعمل معاكي صلح، على أمل انك ترجعيلها الخاتم."
"لا ما انا عرضت الفكرة ع الست واتحايلت عليها، لكنها مرديتش."
قالتها مودة لتصدمها صبا بردها:
"ما هو دا الطبيعي على فكرة، مين هيصدق اساسًا واحدة بتقول هروح ادور، دي عاملة زي حين ميسرة كدة."
صمتت مودة فجأة لتطالعها بنظرات غير مفهومة، أثارت الريبة بقلب صبا، قبل أن تخرج ما في جعبتها:
"بس انا اعرف حل تاني يا صبا، واحد لو اتدخل بتقله مع الست دي، هيخليها ترضى بالصلح."
انتظرت صبا باقي الحديث بأعين متسائلة، لتردف لها الأخرى:
"صاحب المول اللي مأجرة فيه الست دي محلها، يبقى عدي باشا، مالك الفندق بتاعنا."
رغم تفاجئها بالأسم وموقعه في هذا الشيء القاسم في مستقبل صديقتها، إلا أنها ما زالت لم تفهم بعد غرض الأخرى من ذكره، وسألتها مباشرةً:
"أيوة يعني ودا هيحلها ازاي؟ دا مش بعيد يطردك لو عرف باللي حصل."
"ممكن."
دمدمت بها مودة وملامحها ازدادت غموضًا لتبتلع ريقها بتردد وتفكير، قبل أن تحسم امرها قائلة:
"صبا انا واقعة في عرضك تساعديني."
"اساعدك في إيه؟ والله لو في إيدي مش هتأخر، ولو ستك تسمحلي هدخل البيت واقلبه لحد ما الاَقي الخاتم."
قالتها صبا بعفوية ونية صادقة في نجدتها، مما شجع الأخرى على المواصلة:
"لأ يا صبا، انا مش هطلب منك تدفعي ولا تروحي لستي، لأن انا عارفاها وعارفة طبعها كويس، دي ممكن تعمل فضيحة في العمارة كلها وتجرسني لو عرفت باللي حصل، انا بس هطلب منك تكلمي عدي بيه يخلي الست تتناز."
"أكلم مين؟ هو انتي اتجننتي؟"
هتفت بها صبا بمقاطعة حادة وعدم تقبل للفكرة من الأساس، ولكن الأخرى انهارت تستجديها بالبكاء:
"يا صبا انا مليش حد غيرك يساعدني في الموضوع ده، ابوس إيدك اقفي معايا، انا مش طالبة منك غير تقولي الحقيقية، يمكن قلبه يحن ويديني فرصة."
فاض بها لتمسك بكفيها على جانبي رأسها تردد بعدم تحمل:
"الله يخرب بيتك، الله يخربيتك يا شيخة، هو انتي فاكرة اللي بتقوليه ده سهل اوي كدة، ولا انا اساسًا ليا معرفة بيه اوي الراجل ده عشان يقبل وساطتي، ثم تعالي هنا، انتي مش قولتي ان اللي اسمها ميرنا كانت معاكي في المحل بتنقي هدوم هي كمان، ما تغور بقى تكلمه ولا تستعطفه، مش برضوا ليها كلام معاه."
بنظرة منكسرة بواقع المغلوب على أمره، خرج صوت مودة بدمدمة متحشرجة بألم:
"قولتلها بس هي مارضيتش، وقالتلي كفاية انك ورطتني معاكي وكنت هروح في داهية بسببك، يعني مليش غيرك يا صبا، لو سيبتيني محدش هيلومك، بس انا ساعتها هروح في داهية ومش هلاقي حتى حد يسأل عني، وحتى لو مت في السجن برضو محدش هيحس بيا."
زفرت صبا، لتطرد حزمة كثيفة من الهواء مشبعة بمشاعر الحنق والغضب منها ومن هذه الصداقة التي جمعتها بها، وكأنه الحمل الثقيل التي ابتليت به، ومع ذلك لا تقدر على كرهها او حتى منع التأثر بما أصابها، لتردد في الاَخير بيأس وقنوط:
"انا كان مالي ومالك بس، دا كان يوم مهبب يوم ما تعرفت عليكي."
❈❈-❈
" لدرجادي كنتي بتحبيه؟"
سألها حسن وقد توقف عن تناول الطعام وعن الانتباه لأي شيء آخر دونها، وقد احتلت تركيزه، مع تمعنه بكل تعبير من ملامح وجهها التي كانت متألمة الاَن بتذكرها للماضي الذي حفر الجراح بداخلها، حتى أصبحت ندوبًا يصعب اندمالها، وجاء ردها على سؤاله:
"ابويا كان دنيتي الحلوة، بعد ما توفت أمي ولما اتجوز مراته التانية، دايمًا كان بيعوضني ويحسسني اني نمرة واحد عنده، عشان متأثرش بفرحته بأي واحدة اتولدت من اخواتي، فضل يدلعني ويفتخر بيا قدام الناس، لحد ما في يوم وقع وراح مني في غمضة عين، عشان أصحى ع الكابوس الكبير، تعبه وشقاه في تأسيس مكتب المقاولات، مسؤلية اخواتي ووالدتهم معاهم، واحنا ملناش قرايب من طرف ابويا غير في البلد."
قاطعها بتخمينه الطبيعي في هذه اللحظة:
"عشان كدة نزلتي مكانه ولبستي لبس الرجالة؟"
بضحكة خالية من أي مرح عقبت:
"ياه يا حسن انت مستعجل أوي، دي كانت اَخر مرحلة على فكرة."
قطب باستفهام سائلًا:
"ليه بقى؟ هما كانوا مراحل؟"
"أينعم."
تفوهت بها، لتردف متابعة بالعد على أصابعها:
"اول حاجة كانت مرحلة الحزن الشديد واحساس اني هموت من غيره؟ تاني حاجة كانت مرحلة التخبط في دنيا انا مش فاهمة هكمل فيها ازاي؟ تالت حاجة كانت الفوقان بقى."
قالت الاَخيرة لتتوقف برهة بملامح اشتدت فجأة، ليردف هو متسائلًا:
"فوقان من إيه بالظبط يا شهد؟"
ردت ولمحة من القسوة والتصميم اعتلت تعابيرها:
"فوقان على الدنيا الصعبة وغدر البشر، الناس اللي كانت محاوطانا من كل جهة وانا فاكرة انهم حبايبنا اللي بيواسونا، اكتشف انهم بيعملوا لمصلحتهم، وبيقسموا الورثة، لا وكمان جايبين اللي يشتري المكتب والمقاولات، حتى الشقة اللي احنا قاعدين فيها."
"دول كانوا من أهل مرات ابوكي صح؟"
قالها حسن بفراسة وذهن صاحي، وكان ردها بإماءة برأسها لتردف:
"كانوا فاكرينها ميغة، ياخدوا بنتهم بالعيال وانا بقى اشوف نصيبي واتجوز بابن الحلال اللي يشيل."
ضغطت في الاَخيرة لتكظم غضبها، متذكرة ابن الحلال المقصود هذا. ثم ما لبث أن تمالكت لتكمل:
"ساعتها قلبت الطرابيزة على راس الكل ووقفت وقولت اللي لو شبر في ملك ابويا، يجي ويدب رجله فيه."
"برافو يا شهد."
قالها حسن بنبرة قوية امتزجت بالفخر، وجاء ردها بسخرية:
"برافو على ايه يا عم؟ دا انا طلع عيني اول ما دخلت الكار الزفت ده، دا غير ان الكل كانوا بيستهزئوا بيا ومفتكريني لقمة طرية عشان بنت، وياما اتضحك عليا لدرجة اني كرهت نفسي وكنت هحلق شعري واعمل راجل بحق، عشان اغير صورتي قدام العمال وأصحاب العمل ويحترموني، لكن ابو ليلة ربنا يخليه كان معايا خطوة بخطوة، هو اللي وقف جمبي، وكان سندي وسط الديابة والكار الصعب ده، اكيد يا بشمهندس انت على علم بالبلاوي الزرقا اللي فيه."
تناول كف يدها التي كانت باردة في هذا الوقت، لينقل دفئه إليها، وطبع قبلة تفخيم واجلال لها قائلًا:
"اللي انا عارفه كويس دلوقتي يا شهد، هو اني بحبك، وربنا يقدرني أعوضك عن كل سنين الشقا اللي شوفتيها في حياتك، وبكرة الأيام تثبتلك إني سندك."
❈❈-❈
ظلت ساهرة محلها في الشرفة تنتظره بقلق يعصف بها، وبرغم التأخير والبرودة التي اشتدت قسوتها في الليل، لفت جسدها بشال من الصوف وثبتت محلها دون كلل أو ملل حتى وصل والساعة تقترب من الثانية والنصف، بقلب متلهف تلقفته بالعناق فور دلوفه الغرفة مهونة بالكلمات:
"الف حمد الله على سلامتك يا حبيبي، انا كنت هموت من القلق عليك."
نزع يديها عن عنقه قائلًا بجمود:
"ليه يعني؟ ما انا كل يوم بتأخر، ايه اللي جد؟"
تلبكت باضطراب، وخرج صوتها بتلعثم:
"اا أنا قصدي يعني عشان."
الكلام اللي قالته مي.
"قصدك يعني لما عايرتني بعدم الخلفة."
باغتها بالرد، لتنتبه هي لهذه القسوة التي غلفت ملامحه، بواجهة ثلجية يحدثها وقد اختفى الدفء بعينيه الذي كان يحاوطها في كل نظرة منه لها، ابتلعت غصتها مقدرة حالته، لتسحبه من ذراعه قائلة بتهوين:
"معلش يا حبيبي اعذرها، هي برضوا فراق عدي عنها مأثر فيها ومخليها زي القطة اللي عايزة تهبش في أي حد يقرب منها ومن ولادها."
أجلسته على الاَريكة الاَثيرة، لتجلس بجواره متغاضية عن النظرات الحادة التي كان يحدجها بها، مرجعة السبب لغضبه من ميسون قبل أن يفاجئها بقوله:
"طب هي واديها عذرها، انما انتي يا نور إيه عذرك؟"
رفرفرت بأهدابها تستوعب وتعيد برأسها، معتقدة أنها سمعت خطأ، حتى سألته بعدم تصديق:
"أنا إيه يا حبيبي؟ انا نور حبيبتك."
مال بجسده نحوها، يخترق بسهام عينيه خاصتيها، وكأنه يصل بكل سهولة إلى اغوارها، وما تخبئه بهذا البئر العميق داخلها، فخرج صوته بخواء:
"انتي فعلًا حبيبتي، بس بتعملي إيه عشان ترضيني؟ بتطبطبي، بتدلعي، بتحسسيني بحبك وخوفك عليا، تمام، لكن في المقابل بقى، بتحاولي مثلا تتخطي ولا تخرجي الصندوق الأسود اللي حفظاه جواكي، والمسبب الرئيسي لكل المشاكل اللي احنا فيها؟ لا يا نور، انتي لما تتزنقي بتاخدي الطريق السهل، وتقوليلي اتجوز وخلف، وكأن انا راجل متاح كدة لأي واحدة تخش حياتي اتجوزها واخلف منها على طول، طب مفكرتيش الست دي لو جمعتني بيها مشاعر، ولا افرضي مجمعتش، ومرت كدة في حياتي، الطفل أو الطفلة، هربيهم ازاي من غير امهم؟ ولا اسيب امهم في حياتي بدون محل للاعراب؟"
توقف برهة يراقب الدموع التي تدفقت على وجنتيها، ليردف اخيرًا وهو ينهض بما يزيد على ألمها:
"إنتي مش حاسة بيا يا نور."
❈❈-❈
في اليوم التالي وفي مقر عملها، بعد أن ذهبت إلى قسم النظافة، وبررت غياب مودة بحجة مرض شديد الزمها البقاء في منزلها، حتى لا يضيع عملها، بتمسك واهي لمستقبل على وشك الضياع هو الاَخر.
كانت صبا على حالة من الشرود منذ الأمس، تعصف بها حيرة قاتلة، لا تدري ماذا تفعل؟ اتذهب لهذا الرجل تطلب منه المساعدة في واقعة مؤسفة كهذه؟ أم تتجاهل الرجاء والبكاء وتتركها لنصيبها، ولكن كيف؟
حتى وهي مخطئة بغباءها، لكنها الأعلم بهذا العيب الخطير بها، ف السبب الرئيسي هو الحرمان الشديد والظروف القاسية التي نشأت عليها، حتى وان كان هذا ليس بالمبرر، ولكن المحك الرئيسي الاَن هو مستقبلها، بدخول السجن سيضيع مستقبلها، وقد تركت الأمر بيدها في انقاذ مستقبلها، طردت من صدرها تنهيدة مثقلة ومشبعة بهم كانت هي في غنا عنه، ولكنها ورغم ذلك لا تجد خلاص منه.
" مالك يا صبا؟"
سألها شادي بقلق لحالها ارتد عليه، وقد توقف عن العمل متذ فترة طويلة، مركزًا انتباهه عليها، فهيئتها لا تقترب أبدًا من المعتاد منها، فجاء ردها باضطراب:
"لااا مفيش حاجة، متشغلش نفسك انت."
بإنكارها المتعمد ازداد تجهمه ليعاود السؤال مرددًا بعصبية هذه المرة:
"إزاي يعني مخدتش في بالي؟ انتي شكلك بيقول ان في مصيبة حصلت."
نفت بهز رأسها، وقبل أن تتفوه بكلمة سبقها بتخمينه:
"هو ابوكي فاتحك تاني في موضوع الجواز من ابن عمك؟"
فاجئها بقوله لتزبهل لبعض الوقت، باضطراب واضح عن رد مفيد له، فتابع بانفعال أكثر:
"ما تردي يا صبا، انتي ساكتة ليه؟"
"طب يعني عايز ارد اجولك ايه؟ اهو موضوع وخلاص شاغل بالي، لازم تعرفه؟!"
خرجت منها بعصبية لم تحسبها حسابها، فالتحقيق معها الاَن كان آخر ما ينقصها، مع وجع الرأس الذي يفتك بها من التفكير، ولم تدري بخطئها سوى بعد رؤية تأثير كلماتها عليه، وقد تبدلت ملامح وجهه، ليرمقها بنظرة لم ولن تنساها أبدًا قبل أن يتنحى عن جهتها، موجهًا انظاره نحو الحاسوب الذي يعمل عليه بصمت مهيب، جعلها تتراجع على الفور قائلة:
"أنا أسفة والله مش جصدي بس."
قاطعها بحدة ضاربًا بكفه على سطح المكتب.
" أنتي حرة."
كان يصلها صوت أنفاسه الهادرة وإظلام وجهه كان خير دليل، ليثبت لها خطئها في حقه، ابتعلت لتحاول مرة أخرى على استحياء:
"يا مستر انا."
أوقفها هذه المرة ملوحًا بكفه أمامه لتصمت وتبتلع الباقي داخل جوفها، وبنظرة نارية مشتعلة بحالة الغضب الذي كان ينضح منها، أنتبهت أيضًا على الألم الذي رأته به، لينهض فجأة منهيًا الحديث متناولًا أحد الملفات التي يعمل بها، وخرج دون استئذان ليتركها محلها، ينتفض جسدها تأثرًا بما حدث، ليس خوفًا منه، ولكن كان شيئًا اَخر لا تعلم له أسم، شيئًا حفر بقلبها وجعًا، شيئًا جعل الدموع العزيزة من عينيها الجميلة تسقط.
❈❈-❈
" تحبي نروح فين يا هانم؟"
سألها العم كريم سائقها المخصوص، بعد أن تنازلت اليوم لتخرج بصحبته وبصحبة الحارس المكلف بها، وقد يأست من تغيرهم في نفس اليوم من قبل كارم، فاضطرت على مضص أن تقبل مرافقتهم حتى يأتي لها بمن هم أكفأ على حسب قوله، ردت باستعلاء تقصده:
"روح ع النادي بتاع العيلة ولو طقت في دماغي اغير السكة هقولك."
قالتها والتفت نحو النافذة موجهة انظارها نحو الطريق، علها تزيح عن رأسها بعض التوتر الذي اصبح ينتابها بحضور هذان الرجلين، تلهي نفسها بتصفح الصفحات المنافسة، واخبار التريندات الجديدة على وسائل التواصل الإجتماعي، النظارة السوداء على عينيها لم تخلعها، متعمدة الظهور بمظهر القوة أمامهم، حتى لا يظن أحدهم أنها تخشى شيء، ولكن كان هذا ظنها، قبل أن تصلها رسالة هذا المجهول مرة أخرى:
" كدة برضوا للمرة التانية بتلبسي الطقم الضيق ده، طب أنا مش منبه عليكي ان البلوزة ضيقة اووي، وانا أعصابي من ساعة ما شوفتك بقت سايبة اوووووووي."
"يا ولا ال."
تفوهت بها بغيظ تحدج الأثنان من ظهروهم بنظرات نارية، لتصرخ فجأة بعدم احتمال:
"وقف العربية بسرعة، وقف العربية بسرعة إنت وهو ، اقف بقولك."
" نعم يا هانم في إيه؟"
قالها السائق، ليضيف الحارس أيضًا:
"في حاجة يا رباب هانم؟"
صرخت بشراسة بالإثنان ضاربة بقدمها المقعد المقابل لها:
"في ولا مفيش، ملكش دعوة، اقف انت كمان، مش عايزة اشوف خلقة أي حد فيكم، اقف بقولك."
توقف السائق صاغرًا لأمرها في وسط الطريق، فترجلت بسرعة تأمره للخروج من محله كما لوحت بيدها للاَخر، لتتولى القيادة بنفسها، قائلة بتهديد:
"أنا هقول لكارم يتصرف معاكم إنتوا الاتنين، وديني لخليه يربيكم."
قالتها وانطلقت بالسيارة ليضرب السائق كفًا بالاَخر مدمدمُا:
"لا حول ولا قوة الا بالله، هي الست دي جرا في عقلها ايه بس؟ ولا هي ناقصة يعني دلع نسوان كمان ع الصبح."
ضحك حامد يردد له:
"أديك قولت بنفسك دلع نسوان، تلاقيها عايزة تعمل نمرة على جوزها، تجر من وراها فايدة."
عقب السائق وهو يخرج هاتفه:
"انا هتصل بكارم بيه، يشوف صرفة معاها."
تحرك حامد يلوح لسيارة أجرة أن تقف له، قائلًا:
"وانا هروح له الشركة بنفسي، مش ناقص انا تحميل مسؤلية، الست هي اللي طردتنا، ايه ذنبنا إحنا؟"
وبداخل السيارة ضغطت رباب تقود بالسرعة الفائقة، فغضبها كان قد وصل لاَخره، وطاقتها قد نفذت، فلم تعد لديها قدرة على التحمل، حتى حينما اتصل بيها كارم وقد خمنت بذكائها ان أحد الملعونين قد أبلغه بأمرها، تجاهلت عن عمد لتغلق الهاتف بوجهه، وبوجه الحقير الذي يرسل لها الرسائل، وقد احتل عقلها التمرد، غيرت طريقها عن النادي الذي كانت تقصده، متجهة لناحية أخرى، علها تجد السكينة بصحبة من فارقوها، لتغمغم بغل:
"وانت بقى يا كارم خليك كدة، دوق شوية من القلق، يمكن تحس."
❈❈-❈
خرجت صبا تبحث بعينيها عنه، في جميع الأرجاء حولها، فقد طال انتظارها له، وزاد القلق الذي ينهش قلبها، ذهبت في الأماكن المعروف تواجده بها الاَن، كمطبخ الفندق مثلًا ليجمع البيانات المطلوبة، كما عادت الكرة لقسم النظافة وغيرها من الأماكن ولكن لم تصل لشيء، وقد أكد لها الجميع عدم حضوره اليوم من الأساس، ليزيد صداع رأسها، بشعور الذنب أيضًا، وهي التي لم تنتهي بعد من موضوع مودة والمشكلة التي تطوق رقبتها بها، شعور بالاختناق، يحجب عن صدرها الهواء، وهذا الحمل الثقيل لا تجد منه مهرب.
تنهيدة متعبة صدرت منها حينما وقعت عينيها على غرفة هذا الرجل مالك الفندق، ماذا ستفعل؟ وبماذا تخبره؟ عقلها توقف على الإطلاق، حتى تحركت يدها على غير إرداتها وبجرأة لم تتخيل أن تصدر منها قبل ذلك، في الاتصال برقم رجل غير أباها واخوتها الرجال، بقلب وجل كانت تنتظر الرد حتى انتهت نغمة الاتصال دون رد، همت لتعاود الكرة لتفاجأ هذه المرة بإغلاق الهاتف.
أغمضت عينيها لتفتحهم على وسعهم بعد ذلك وقد حسمت أمرها، فلا داعي للإنتظار أكثر من ذلك في أمر منهي، وهي تعرف من البداية انه لا مناص من التهرب أو التأجيل.
سحبت شهيقًا طويلًا حتى تتمالك وتفكر بعقلانية في خطاب هذا الرجل، سارت ببعض الثقة وقد أجمعت أمرها أن نيتها الأساسية هي المساعدة في فك كرب صديقتها، ومن قصد الخير ف الله المستعان في توفيقه.
رواية و بها متيم انا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم امل نصر
على مقعد له وحده جلس خلف السور الحديدي لشاطئ النيل، بعد أن تعب من سير طويل دون تحديد وجهة له، من وقت أن تركها وترك العمل بعدم تحمل وهو على هذه الحالة من الوجوم والشرود، يلوم نفسه، لا يلومها، فتصرفها كان طبيعيًا لتدخله في شأن خاص بها، بعصبية وانفعال جعل مخزون اللطف لديها نحوه ينفذ لتضع الحد الفاصل حتى يعود لصوابه، وقد بدا أنه نسي نفسه ونسي الفارق الذي يمنعه من التقرب، هو المتعوس المبتلى بالمسؤولية من وقت بلوغه، وهي الصغيرة الجميلة التي لم ترى من هموم الدنيا سوى شجار الرجال من ابناء عمومتها للفوز بها، وإصرار أبيها على العودة إلى القرية التي تكرهها وتكره أن تكون نسخة مكررة من أخواتها.
زفرة متعبة اخرج بها كتلة كثيفة من الهواء من صدره، وعينيه اتجهت نحو المياه الزرقاء الراكدة بهدوء، يتمنى أن يجد السكينة ليستريح، لقد تشعب هذا الوباء الخطير بقلبه حتى جعله لا يرى من النساء غيرها، رغم كل التحذيرات التي يتخذها على نفسه، لا هو بقادر على المضي قدمًا بحياته واختيار امرأة أخرى تشاركه رحلته، ولا هو يملك الجرأة لاقتحام حصونها، لو كان الأمر مرتكزًا على المواجهة مع أبيها فقط، لاستطاع التحدي بكل قوة للدفاع عن حقه بها، وحقها في الحياة باختيار الشريك المناسب لها، هذا لو كان مناسبًا، فهو الأعلم أنه أبعد ما يكون عن هذه الصفة، حتى وقلبه يحدثه أحيانًا بوجود مشاعر تطل من عينيها نحوه، فتجعله ينتشي بسعادة وقتية قبل أن يستعيد عقله، مذكرًا نفسه، أنها مجرد خيالات يرسمها من الا شيء، حتى لا يصدم بواقع يخشاه كالذي حدث صباح اليوم، نزل بعينيه نحو الهاتف الذي يمسكه بيده، وقد فتحه بعد غلقه، علّها تعاود الكرة والاتصال به، هذه المرة سوف يرد حتى وهو يعلم انها تتصل بدافع بعيدًا تمامًا عما يتمناه، ترى هي الاَن ماذا تفعل في غيابه؟ أتكون حزينة لحزنه ام أنها تتابع عمل رئيسها الذي اهمله برعونته؟
يا لهذا العذاب الذي لا ينتهي، ارتفعت عينيه للسماء برجاء مدمدمًا لرب الكون علّه يجد الخلاص:
- يارب، يااارب.
***
- إدخلي يا صبا.
قالها عدي بلهجة تبدوا طبيعية ولكنها تخفي من وراءها، سعادة ممتزجة ببهجة لا مثيل لها، لا يصدق أنه نجح هذه المرة لتأتي إليه بقدميها، رغم عدم استحسانه لهذا الأسلوب الرخيص في البداية، إلا أن النتيجة تستحق، هذه العنيدة المتمردة تدخل إليه الاَن، طالبة المساعدة وهو لن يتأخر معها، يتابعها بعينيه وهي تخطو بتردد، ويجاهد بكل قوة حتى لا تخونه تعابير وجهه، جميلة وبهية لدرجة تحبس الأنفاس بالصدر، فتجعل رؤياها قبلة للنظر.
توقفت فجأة وقبل أن تصل للمكتب على وسط السجادة التي تغطي الأرضية، لتجعله يجفل بخوف أن تغير رأيها وتعود أدراجها، فقال مشجعًا:
- نعم يا صبا، كنتي عايزاني في إيه بقى؟
همت لتتكلم، ولكنه سبق بقوله:
- طب اتفضلي اقعدي الأول وبعدها اتكلمي، انتي مش هتاخدي اوامرك مني وتمشي، دا انتي طالبة رؤيتي في طلب على حسب كلامك ولا إيه؟
أومأت برأسها صامتة وتقدمت تقطع الخطوتين لتجلس أمامه خلف المكتب، فعاد بجسده للخلف يبادرها بالحديث حتى يسهل عليها المهمة:
- اتفضلي يا ستي، انا سامعك كويس اهو
رفعت عينيها الجميلة إليه بتشتت في اختيار بداية مناسبة للحديث، وهو يتابعها بوله صامتًا، حتى همست قائلة:
- يا فندم انا طالبة حضرتك في أمر... يخص واحدة صاحبتي
- صاحبتك مين يا صبا؟ اتكلمي انا سامعك، ولا اقولك ثواني لحظة.
انتظرت لتجده يتصل بأحدهم قائلًا:
- ايوة يا بني، اتنين عصير لو سمحت، تحبي تشربي إيه يا صبا؟
قال الأخيرة بسؤال مباشر لها، وكان ردها باعتراض واضح:
- لا ما انا مش عايزة اشرب حاجة.
تجاهل حدتها وتابع لمحدثه في الهاتف:
- هات اتنين لمون.
- بس انا حضرتك قولت مش عايزة.
انهى المكالمة ليرد بحزم:
- وانا مطلبتش غدا، دا مجرد عصير يا صبا.
ادهشها هذا الهدوء المبالغ فيه، وهذه الأريحية في خطابها، قبل حتى أن يعرف السبب الحقيقي لقدومها، وكأنه شخص عادي ومتفرغ، لديه من الوقت ليستضيف موظفيه ويطلب العصائر لهم أيضًا.
- ها يا صبا، كنتي عايزاني في إيه بقى؟
سألها لتستفيق من شرودها متذكرة أمرها الجلل، فخرجت إجابتها هذه المرة بشكل مباشر ودون مماطلة، حتى تنهي هذه الزيارة:
- حضرتك انا كنت طلباك في أمر مودة.
رد مستهبلًا يدعي عدم المعرفة:
- مودة دي اللي البنت بتاعة النظافة صاحبتك، مالها بقى؟
اشاحت عينيها عنه بحرج، تلعن الأخيرة لتسببها في هذا الوضع المخزي الذي وضعتها به، فخرج صوتها بصعوبة تجيبه:
- بصراحة انا مش عارفة اقولهالك ازاي بس هو أصل......
توقفت تبحث عن كلمات فتابع يحفزها وعينيه تنهل عن قرب من جمالها، فلا يفصله عنها سوى مسافة المكتب:
- قولي يا صبا متتكسفيش، لو صاحبتك عايزة أجازة مرضية ولا سلفة انا على استعداد...
- لأ هي مش عايزة سلفة ولا أجازة مرضية.....
قالتها سريعًا لتبتلع ريقها قبل أن تتابع وهي تنهج بانفعال:
- حضرتك مودة طالبة مساعدة مختلفة خالص، وانت ممكن ترفض عادي على فكرة، دا شيء انا متوقعاه، بس انا جيتلك بناءًا عن رغبتها.
تقلصت تعابير وجه ليبدوا أمامها مفكرًا بحيرة قبل أن يسألها:
- صبا جيبي م الاَخر، بجد أنا مش فاهم حاجة.
عاد بها لنفس النقطة التي تجعلها تكره مودة وتكره اليوم الذي عرفتها به، ظهر الإضطراب على قسماتها، ورأسها مطرق نحو الأرض بضيق وانزعاج، فقال ملطفًا ليخفف عنها:
- ليه التفكير الكتير ده يا صبا، قولي عن مشكلة صاحبتك وانا مستعد للمساعدة مهما كان الأمر، كفاية انها من جهتك.
قال الاَخيرة لترفع عينيها إليه غير مستسيغة الجملة، مما جعل الرد هذه المرة يكون بسؤال:
- صحيح هو انت ازاي حضرتك مش عارف بالمشكلة وهي تمت في المول بتاعك؟
ببراعة اخفى ارتباكه، ليرد بلهجة عادية قاربت الإقناع:
- المول دا مجرد رقم في أملاك العيلة يا صبا، وانا راجل بدير مية حاجة تانية معاه، يعني مش بتابعه يومي زي الفندق مثلا عشان اعرف كل اللي بيحصل فيه، المهم دلوقتي بقى، ايه المشكلة اللي عملتها صاحبتك في المول بتاعي؟
عبارته الاخيرة كانت مستفزة لتجعلها ترد على الفور:
- صاحبتي معملتش مشكلة في المول، دي هي اللي اتحطت فيها بغبائها، م الاَخر كدة هي كانت بتشتري فستان من محل هناك، وعلى حسب كلامها يعني، هي لقت خاتم مكنتش تعرف بقيمته، حطيته في جيبها، وتاني يوم الست صاحبة المحل بلغت عنها.
- يعني هي سرقته يا صبا.
قالها بلهجة ماكرة منتبهًا لهذا التجهم الذي غطى معالم وجهها لترد بقوة:
- ممكن يكون هو كدة زي ما انت بتقول، بس المهم بقى في الموضوع، هو أنها عايزة ترجعه ومش عارفة لانها مسجونة طبعًا، ودا اللي هي قصداك فيه، انك لو تقبل يعني، تستخدم نفوذك أو علاقتك مع الست وتخليها تخرجها، عشان تروح بيتها وتدور على الخاتم بنفسها.
انشق ثغره فجأة بابتسامة أثارت توجسها، قبل أن يفصح لها قائلًا:
- صاحبتك دي جريئة اوي يا صبا، يعني تسرق وعايزاني أنا صاحب المول كمان اتدخل لها.
إلى هنا وقد فاض بها، نهضت تفاجئه برد فعلها قائلة:
- تمام يا عدي باشا، انا كدة عملت اللي عليا، وع العموم صاحبتي كان طلبها منك انساني مش جراءة ولا حاجة، لكن طبعًا انت معاك حق، عن إذنك.....
- استني هنا.....
هدر بالاَخيرة ليوقفها قبل أن تغادر نهائيًا، فهذه المجنونة كادت أن تضيع فرصته بفعلها، ونهض منفعلًا ليلتف حول المكتب فيقابلها بقوله:
- إنت ماشية كدة على طول، هو انا لسة اديت رأيي؟
وترها هذا القرب وهذه النظرات التي لا تريحها منه، ولكنها تغاضت لترد بعزة من شيم شخصيتها المعروفة:
- سعادتك انا عارفة من الأول ان الموضوع صعب، وأدخلت فيه مضطرة تحت إلحاح مودة وخوفي على مستقبلها، ولتاني مرة بقولك، أنت لك حرية الأختيار، في أنك تقبل أو ترفض، المهم ان انا عملت إللي عليا.
أنهت جملتها ونزلت بعينيها على الأرض، متكتفة الزراعين في انتظار قراره، ولا تعلم أنه قد سرح في ملامحها، بعد أن تقلصت المسافة بينهم، لتزيده انبهارًا بها، مميزة وفريدة في كل شيء، ليته قابلها منذ زمن.
حينما طال شروده رفعت عينيها إليه بتساؤل جعله يتحمحم مستجمعًا نفسه ليرد برسمية لا تخلو من المماطلة:
- خلاص يا صبا، انا هبحث الموضوع ده بنفسي واشوف اتصرف فيه ازاي؟
أومأت برأسها لتخرج تنهيدة مثقلة، وكأنها أزاحت همًا من صدرها، لتستأذن خارجة، فتتركه يراقب سيرها حتى خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها، فاستطاع التحرك اخيرًا، ليجلس على حافة مكتبه بانشداه ظل ملازمه لعدة لحظات، وهو يعيد برأسه اللقاء من أوله، ليردد بعد ذلك بذهول مع ابتسامة ارتسمت على ملامحه:
- دي حتى مدتنيش فرصة عشان اشد ولا ارخي، يا نهار أبيض، قال وانا اللي كنت راسم وحاطط خطط.
***
توقفت بسيارتها في مكان قريب من المدافن، لتكمل الباقي سيرًا على أقدامها، حتى وصلت للجزء المخصص لمقابر العائلة، طربت أسماعها بالصوت الملائكي الذي كان يصدح بترتل أيات القرآن الكريم وكانت المفاجأة حينما علمت بهوية القارئ الذي كان جالسًا بالقرب من قبر أبيه يتلو اَخر ألأيات من سورة ألرحمن، فظلت واقفة محلها تتابعه بقلب يخفق بقوة تقارب القفزات في صدرها، لا تصدق أن شقيقها الصغير كبر وتغير في هذه السنوات القلائل التي غابتها عنه ليصبح بهذه الصورة الرائعة وهذه النضج الأخلاقي والديني ايضًا، لقد اضحى شخصًا اخر رغم سنوات عمره الصغيرة يسر العين ويسعد القلب.
يبدوا أنه قد شعر بها، وذلك لالتفاف رأسه نحوها فور انتهائه من القراءة، فكانت فرصتها لتهجم عليه بشوقها وفرحها، تعانقه بذراعيها وتقبله على وجنتيه مرددة:
- ميدو يا روح قلبي، بسم الله ما شاء الله عليك، ايه الجمال ده، ربنا يحفظك يا حبيبي، ربنا يحفظك
حينما انتبهت اخيرًا على جموده، وقد كان كالتمثال يطالعها متوسع العينين بجزع، فابتعدت بإجفال تسأله:
- إيه يا قلبي، هو انت هتعمل زي المرة اللي فاتت ولا إيه؟ مش معقول كمان تكون المرة دي معرفتنيش.
رده خرج بفظاظة لم يقصدها:
- لا يا رباب عرفتك، بس للأسف بعد ما اتخضيت في البداية من هيئة الست الغريبة اللي هجمت عليا تحضني وتبوسني
ابتلعت ريقها بحرج تستنكر قوله باستهجان:
- يااه ست غريبة كمان! مش لدرجادي يعني، انا اه اتغيرت، بس انت أكيد عارفني يا ميدو، لو مش بشكلي ولا حتى صوتي، يبقى ع الأقل تعرفني بشهرتي، ولا انت هتنكر دي؟
نهض فجأة ليحدثها من مستوى طوله المقارب لطولها الاَن:
- لا يا رباب مش هنكر انك مشهورة حسب ما بسمع، بس بصراحة أنا مش متابع حساباتك، لأن المحتوى اللي فيها لا هو هادف عشان يعجبني، ولا حتى هينفعني في دراستي، يبقى اضطر اتابعه ليه؟
- هو صغير ولا يعلم بتأثير كلماته الحادة عليها.
هذا ما كانت تردده بداخلها لتعطيه المبرر لتسامحه، شقيقها الصغير الذي تربى على يديها، يقرعها بكلمات قاسية والاَن يزيد عليها بنظرات غير مريحة تشمل ملابسها حتى ما ترتديه في قدميها في الأسفل، ليفاجئها بقوله:
- ايه اللي انتي لابساه وجاية بيه دا يا رباب؟
بتعالي مقصود سألته:
- وماله بقى لبسي؟ ما هو دا استايلي اللي مشهورة بيه، ما انت لو متابع هتعرف.
- ومش عايز اعرف؟
قالها بحدة وأعين مشتعلة متابعَا:
- يا ست يا مشهورة، إستيالك ده ع الشاشة، مش ع الأرض، وفي حتة طاهرة زي دي، طب قدري حتى رهبة المكان، جيالي ببنطلون تحت الركبة، وبلوزة محددة معالم.......
- استغفر الله العظيم يارب.
تمتم بالاَخيرة يتنحى بوجهه عنها ليزيد على حزنها، فردت بأعين دامعة:
- على فكرة انت اخويا الصغير، وانا اللي مربياك مش انت اللي مربيني.
تجعد وجهه بامتعاض وتهكم واضح لجملتها، فهتفت بدافعية:
- ويكون في علمك بقى، انا جيت على غفلة من غير تحضير، حسيت نفسي مخنوقة وسوقت عربيتي على هنا، يعني مكنش عندي وقت افكر في اللي لابساه.
عاد برأسه إليها وملامح وجهه ما زالت معقدة ليردف في حنق:
- انتي حرة يا رباب، يعني انا ما ليش حق احاسبك.
دنى ليتناول حقيبة مدرسته، فتح السحاب ليضع المصحف الشريف بداخلها، قبل أن يغلقها ويعلقها خلف ظهره قائلًا اَخيرًا:
- ارجو منك بس المرة الجاية تديني تنبيه وانتي جاية تسلمي، على ما اتعود ع الشكل الجديد يعني.
تحرك خطوتين ثم التف برأسهِ نحوها قائلًا:
- حاجة اَخيرة أحب افكرك بيها للمرة الثانية، انا أسمي محمد، معدتش ينفع معايا دلع ميدو، عن اذنك.
ختم بالاَخيرة ليغادر نهائيًا، وتسقط هي على عقبيها منهارة بالبكاء بجوار قبر والدتها، وحيدة، منبوزة، لا تجد أحد بجوارها يؤازرها بقلب المحب في محنتها، إلى من تلجأ؟ وقد ضيعت نفسها، بعد ان استبدلت دفأ الأسرة بمال وعشق مزيف، هانت عليها نفسها، فهانت في أعين الجميع.
***
بوجه ناعس، خرج من غرفته يبحث عن والدته بعد أن استيقظ قرب العصر، وقد قرص الجوع معدته، ويريد سد حاجته بأي لقيمة من الطعام، وصله صوتها من داخل غرفة المعيشة، ليحدد وجهته نحوها، تلتقط أسماعه ما تتفوه به:
- حلو اوي الطقم الفوشيا يا حسن، اشتريه يا حبيبي، مهيمكش من اعتراضها........ وهي عايز تجيب إيه؟........ لا لا يا حسن، بلاش الالوان الكاتمة والغامقة، متطاوعهاش على جنانها.
دلف إليها متعقد الحاجبين باندهاش، ليجلس بالقرب منها بوجه متسائل رغم أثر النوم عليه، يدلك بكفه على خلف عنقه، تجاهلته مجيدة عن عمد لتتابع مكالمتها باهتمام:
- أيوة يا روح قلبي، وهاتلها كمان فساتين، البت المجنونة دي، جسمها مظبوط وبيليق عليه....
- جسمها!
خرجت من أمين باندهاش، لتحدجه مجيدة بشراسة، تبرق عينيها نحوه بتحذير، بعد أن التقط هفوتها، ليعقب متهكمًا:
- وانا مالي يا ست، ما تنقي انتي كلامك الله.
زفرت بقنوط لتنهي المكالمة على عجالة حتى تفرغ له:
- تمام يا حسن، أي جديد بلغني وابعتلي الصور ع الوتساب، اعتبرني ماشية معاكم في السوق....... إيه الحاجات التانية دي ال......؟
قطعت لتطلق ضحكة رنانة أثارت اهتمام أمين ليتيقن من حدسه بعد قولها:
- مش دلوقتي يا منيل اصبر شوية، للبت تكش منك، دا احنا مصدقنا انها فكت شوية...
ختمت بضحكة قبل أن تلتفت نحو الاَخر، فوجدته يرمقها باستنكار رافعًا طرف شفته، غارزًا سبابته في وسط وجنته، كادت هيئته أن تضحكها، ولكنها تماسكت لتخاطبه بجدية:
- نعم يا حليوة، وشك مقلوب كدة ليه؟
بغيظ شديد كان يصدر مع كل حرف يتفوه به، رد يجيبها:
- على فكرة بقى، أنا صاحي أوي ووصلني الجزء الأخير من المكالمة، قولي لابنك السافل قليل الأدب يلم نفسه، دا احنا لسة ملبسناش دبل، أمال لما نكتب الكتاب هيحصل إيه؟ اللي كنا فاكرينه مؤدب وبيتكسف، طلع مية من تحت تبن.
كبح طيف ابتسامة عابثة كادت أن تفضحها لتتخصر قائلة بمقارعة:
- اسم الله يا حبيبي واقوله ليه بقى يلم نفسه؟ ما هو قاري فاتحة، وكدة كدة هنلبس دبل الأسبوع اللي جاي، ووعد عليا يا حسن لاكون كاتبة كتابك في أسرع وقت، ثم كمان يعني الشقاوة مطلوبة بين كل اتنين مخطوبين، عشان ياخدوا على بعض وكدة.
ردد صائحًا خلفها باستهجان:
- ايه؟ ياخدوا على بعض من دلوقتي! في إيه يا ست الناظرة، دا انتي كنتي شديدة زمان، ليه بقى جايا ترخي دلوقتي وابنك في سن خطر والوضع ميسمحش.
هذه المرة لم تقوي على الكبت أكثر من ذلك، لتضحك ملء فمها مرددة له:
- لأ يا حبيبي يسمح، مش هيتجوز ويخلصني من مسؤليته، يبقى يعمل اللي هو عايزه، قال يسمح قال.
قالت الأخيرة لتنهض مكتفية بهذه الجرعة، وقد اعتلى الحنق قسماته، لتتمتم ببرائة تدعيها:
- ها عقبال يارب كل اتنين بيحبوا بعض.
تحركت خطوة لتلتف إليه سائلة:
- أحضرلك غدا يا أمين؟ اكيد يا حبيبي جعان، امال يعني قايم كدة بخلقتك المقلوبة دي ليه؟
اكتفى بالصمت مضيقًا عينيه، وزفير سخطه يخرج الدخان من إذنيه وفتحتي منخاريه.
ادعت التغافل لتكمل في الخروج مرددة:
- هروح احضر غدا، بس انت افرد وشك شوية.
وصلت لنصف المسافة لتعود إليه مرة أخرى قائلة:
- اه صحيح يا أمين، انا خارجة بعد شوية، لو مش فاضي توصلني معاك، اتصلي بتاكسي يجي ياخدني.
- ليه رايحة فين؟
سألها بخشونة يظهر انزاعجه، وردت تجيبه بتنهيدة أسى:
- مشوار مهم والنبي يا بني، حكم الست أنيسة لما اتصلت بيها من شوية، بلغتني ان ضغطها واطي وحاسة ان عضمها متكسر.
علق على الأمر وكأنه حدث جلل:
- يا نهار أبيض، ضغطها واطي وحاسة كمان ان عضمها متكسر... لا انا هروح معاكي اطمن ع الست، ميصحش برضوا.
أومأت بابتسامة جانبية وهي تستدير عنه مدمدمة:
- اه يا حبيبي ميصحش امال ايه، دا كفاية صنية الكيكة اللي هبشتها لوحدك
***
- بسسسس اوقف هنا.
قالتها شهد ليذعن حسن لطلبها ويوقف السيارة بالقرب من الشارع المتواجد به منزلها، قائلًا:
- طب ما احرك العربية شوية واوقفها قصاد البيت، ولا هو الشارع ضيق ومش هينفع اخرج منه يعني؟
بابتسامة ردت وهي تتناول الأكياس الممتلئة عن أخرها بالملابس:
- لا يا حبيبي الشارع يسمح طبعًا، بس انا مش عايزة الفت نظر الجيران، ويمسكوا سيرتي بقى، راحت مع خطيبها، رجعت مع خطيبها.
اوقف محرك السيارة والتف لها يقول باستهجان:
- طب وفيها ايه يعني يا شهد؟ ما يقولوا اللي يقولوه.
- مش انا خاطبك وقاري فاتحة قدامهم كلهم.
تنهدت تشيح بوجهها وابتسامة عزبة تزين ثغرها، قبل أن تعود إليه شارحة:
- يا حسن افهمني، انا بتكسف والله من تعليقاتهم، يعني مش كفاية منظري النهاردة قدام العمال لما سحبتني من أيدي قدامهم، قال إيه، عشان ابعد عن الشمس لا تحرقني، انا كدة هبان طرية في نظرهم يا حسن.
بابتسامة عبثية ارتسمت على ملامحه علق بمكر زاد من خجلها:
- ومالوا بقى لما تبقي طرية، هي دي صفة وحشة يا شهد؟
ضحكت لتخبئ بكفها على عينيها فجعلته يضحك هو الاخر، لتعلق بقلة حيلة:
- يا عم ارحمني بقى، اقسم بالله انا بجد مستغرباك، هو انت كدة من الأول ولا انا اللي مكنتش واخدة بالي منك ولا إيه بالظبط؟
رد بضحكة مشاكسة:
- ما انا قولتلك يا ست البنات، أنا ابن مجيدة، يعني تتوقعي مني أي حاجة.
اضزداد اتساع ابتسامتها لترد ببهجة تغمرها كل ما ذكر لها اسم والدته، والتي منذ أن تمت خطبتها به، وهي تحاوطها بحنانها والسؤال الدائم عنها وعن أخبارها، باهتمام في أقل تفاصيل يومها، حتى في انتقاء الملابس الاَتي تخصها، وذلك بإصرار من حسن ليعيدها إلى عهدها القديم في الدلال الذي تناسته برحيل والدها:
- ماشي يا بن حضرة الناظرة، هنفوت لك لاجل خاطرها بس.
همت أن تترجل، ولكنه أوقفها فور أن وضعت يدها على عتلة الباب قائلًا:
- طب مش تخلي عندك دم بقى، وتعزميني حتى على كوباية شاي.
طالعته بتحذير تهز رأسها قائلة:
- ما احنا قولنا مينفعش، دا غير ان احنا اساسًا معظم اليوم مع بعض، وبالليل بنبقى ع التليفون، خليها قريب بقى نعزم ابلة مجيدة على عشا او غدا.
يفهم وجهة نظرها التي تزيد من قدرها في قلبه ولكنه يصر على منكافتها بقوله:
- ماشي يا ست شهد، نصبر على ما تيجي ميعاد العزومة،
قرب رأسه منها متابعًا بهمس ومرح:
- حتى عشان بالمرة نستعجل بميعاد الجواز، ما هو انا لازم الاقيلي منفعة.
ابتعدت برأسها عنه لتترجل على الفور قبل أن تلقي قولها الاَخير:
- خلاص يبقى هنأجل العزومة يا حسن.
اغلقت الباب ليتمتم من محله خلف عجلة القيادة:
- دا على أساس ان أبلة مجيدة هتسيبك، غلبانة والله يا شهد.
***
تركته وسارت بقلب يخفق بسعادة تحاول جاهدة للملمة ابتساماتها مع تذكرها لكل كلمة جميلة أو مشاكسة منه لها، تلقي التحية على هذا، وتتلقى سلام هذا من أهل المنطقة، برزانة تخشى اهتزازها، بسبب ابن مجيدة الذي يدهشها كل يوم بأفعاله المجنونة معها.
حمدت الله أنها وصلت المبنى لتدلف إليه بخطوات مسرعة وما همت أن تضع قدمها على أول درجة من سلم البناية حتى تفاجأت بذراع قوية تجذبها بقوة، وقبل أن تستوعب وجدت نفسها في الجزء المظلم المطل على المنور.
شهقت بفزع بعد أن تفاجأت بصاحب الوجه البغيض أمامها يحادثها:
- إزيك يا سيادة المقاول ولا نقول يا عروسة أحسن؟
قال الاَخيرة وعينيه هبطت على الأكياس الممتلئة بيده
بنظرة كارهة حدجته، غير مبالية بهذا الغضب الذي يشتعل بعينيه لترد:
- عروسة ولا مش عروسة، انت مالك؟ لا انا عايزة كلامك ولا عايزة سلامك، والحركة الزبالة دي أنا هحاسبك عليها.
قرب وجهها منها وعينيه العميقة تصدح بالتحدي وأشياء أخرى لم تفهمها ليقول:
- طب ما تحاسبيني دلوقتي على طول يا شهد، مستنية إيه؟
توقف وعينيه تجول على ملامحها قائلًا بنبرة متمهلة:
- يعني لو عايزة تضربي مثلًا اضربي، ولو عايزة تصرخي وتلمي عليا الجيران، برضوا اعمليها، انا مشتاق أوي لحسابك يا شهد.
لأول مرة ينتابها الخوف منه، لقد رأت به تحفزًا لأقل هفوة منها وكأنه على استعداد، أو بالأصح مرحبًا لغرض ما في نفسه، هي منذ البداية تعلم بطبيعته الغير سوية، لكنها لم تتخيل أن تطرفه يبلغ إلى هذا الحد من العداء نحوها، أو ربما هو الشيء الاَخر، والذي ترفضه بشده من شخص مثله.
تحركت فجأة تريد تجاهله وتركه ولكنه سبق بوضع ذراعه أمامها يمنعها من المضي، فهدرت هامسة به بغضب:
- ابعد عن وشي يا إبراهيم، انا لا فاضيالك ولا فاضلة للعته بتاعك.
- امال فاضية لمين؟
قالها ليعدل من وقفته ويصبح أمامها متابعًا:
- للمهندس اللي بيتسرمح بيكي ويشتريلك هدايا وبعدها يقف على اول الشارع زي الحرامية وينزلك.
برقت عينيها بإجفال غير مستوعبة لمراقبته لها، استغل صمتها ليردف:
- هو انتي مش كنتي حالفة انك مش هتتجوزي يا شهد، رديتي يمينك بكفارة، ولا هو مكانش فيه حلفان أصلًا؟
قال الاَخيرة ليزداد اشتعال عينيه، واظلام وجهه بإجرام كان يبث بقلبها الرعب في هذه اللحظة، وهو يذكرها بإهانتها له قديمًا حينما رفضت الإرتباط به، بأسلوب جاف يقارب الطرد، ابتلعت ريقها متجنبة الخوض في هذه الواقعة، لتتبادل معه حرب النظرات دون رد حتى وصل إلى أسماعها صوت إحدى الجارات تنزل على الدرج لتستغل هفوته في النظر لأعلى، فأزاحته لتسرع الخطا وتقابل المرأة التي كانت تقترب من وسط الدرج، والتي من جهتها قابلتها بابتسامة مرحبة:
- يا أهلا يا ما شاء الله بالعروسة، شكل المقاول بتاعنا بتجهز نفسها، صح ولا أنا بكدب؟
باضطراب جاهدت لأخفائه، ردت شهد تدعي الإندماج مع المرأة:
- صح يا أم مروة، عقبال مروة يارب.
توقفت لتتبادل معها المزاح وظل إبراهيم محله في هذا الجزء المظلم، بيده سيجارة كان يهم بإشعالها، ولكن الحريق بداخله جعله، يلقيها على الأرض ويدعسها بعنف، وكأنه يفرغ بها طاقة غضبه.
***
عاد اَخيرًا من الخارج، ليدخل بخطواته السريعة نحو مكتبه، متجاهلًا النظر نحوها، وقد انتفضت واقفة بمجرد رؤيته، لتبادره القول:
- هو انت كنت فين من الصبح؟ أنا جلجلت عليك.
أجفلته لهفتها وهذه الرقة في استقبالها له، ابتلع ريقه، ليجيبها بنبرة عادية متجنبًا النظر نحوها على قدر ما يستطيع:
- عادي يعني كان واريا مشوار مهم.
- مشوار مهم في إيه بالظبط؟ دا انت سيبت الشغل فجأة من غير حتى ما تبلغ بسبب انصرافك.
جلست على الكرسي المقابل لمكتبه لتصعقه بفعلها، وتزيده توترًا، طرد من صدره كتلة من الهواء مشبعة بإحباطه، يعيد بذهنه بمجموعة الوعود التي قطعها على نفسه، ليتماسك في الرد عليها وهو يشغل نفسه بالعمل على الحاسوب:
- ما انا قولتلك يا صبا، كان مشوار مهم، يعني مكنش عندي وقت استئذن ولا اقول لحد.
ردت بيقين ترسخ داخلها:
- لأ هو مكانش مشوار، انت زعلت مني، بس انا والله.....
- خلاص يا صبا، الموضوع دا انتهى، ارجوكي متفتحيش فيه تاني
قاطعها بقوله، لينهي هذا الحديث الثقيل على قلبه من بدايته، ولكنها لم تستسلم وتابعت بلهجة نادمة:
- حتى لو كان خلص زي ما بتجول، دا ما يمنعش اني غلطت معاك وانت رئيسي وو.......
توقفت وتوقف عقله هو بانتظار القادم منها، لتردف:
- والله العظيم انا من ساعة ما طلعت وانا لا على حامي ولا على بارد، كنت منتظرة عودتك على نار عشان اجولك، أنا أسفة يا مستر شادي، حجك على راسي من فوج.
قالها بلهجتها الجنوبية لتنزل على أسماعه بمفعول السحر، لم يشغله اعتذارها، على قدر ما شغله الرقة التي تتحدث بها، مجبرًا لا مخيرًا، ارتخت تعابير وجهه ليرد مهونًا وقد أشفق أن يجعلها بهذا الحزن، وهو المخطيء من وجهة نظره:
- خلاص يا صبا، مفيش داعي لدا كله، انسي ارجوكي.
تابعت تستجديه أعينها برجاء:
- يعني انت مش زعلان مني؟
ماذا يفعل؟ تطلب منه الصفح وهو المتيم، تناجي غفرانه، وهو المذنب في حق نفسه بعشقه المستحيل لها، ماذا يفعل وسحرها يكاد أن يذهب بعقله، ويفقده اتزانه؟ ماذا يفعل وبنظرة واحدة منها تجعله ينسى عهودًا ووعود، بل وتجعله ينسى تاريخه؛ إن ترك نفسه لهواها، في الإنسياق خلف الوهم الذي ينسجه خياله، أن تكون قد تعلقت به.
نفض رأسه فجأة من أفكارها لينهي الحديث:
- خلاص يا صبا مش زعلان منك والله، قومي بقى خليني استغل الساعة دي واكمل الشغل اللي ورايا.
قال الاخيرة، واتجه عائدًا ينكفئ على العمل به باندماج جعلها تنهض بحرج لتجلس على مكتبها، واحساس الذنب في حقه ما زال يحزنها.
***
بعد أن فرغت من بكاءها تمكنت رباب من قراءة الفاتحة على والديها لتخرج بعد ذلك مغادرة، تسير بين القبور سريعًا باستحياء وقد اثرت فيها كلمات شقيقيها، بعد نقده لما ترتديه وكان رأيه صوابًا هي فعلا أخطأت وكان يجب عليها أن ترتدي شيئًا ما فوق ملابسها المكشوفة تلك، لتراعي على الاقل حرمة المكان.
كانت منشغلة بحالها، غافلة عن ثلاثة شبان خلفها يلاحقنها بخفة حتى تفاجأت بهم يعترضون طريقها، في منطقة خالية تقريبًا من البشر، وقبل أن تصل لسيارتها التي كانت مصطفة خارج المدفن، فصرخت بهم بغضب:
- ايه يا بني آدم انت وهو؟ أبعدوا عن طريقي أحسن لكم، انا مش ناقصة قرف.
الثلاثة كانت هيئاتهم غير متزنة على الإطلاق، بالإضافة إلى اتساخ ملابسهم بشكل جعل معدتها تنقلب، مع قرفها الواضح لتشوه وجوههم بندبات وحفر، دب،بقلبها الرعب وهي تجد أوسطهم يضحك لها بابتسامة قميئة أظهرت أسنانه البارزة باعوجاج، وهو يخبرها بأعين مشتعلة تطوف على جسدها باشتهاء:
- لو قرفانة نستحما يا قمر، ولا يكون عندك فكر.
عقبت بعدم فهم:
- تستحمى ولا تقعد بوسخك، انا مالي يا زفت انت، إبعد عن وشي ياللا انت والأوباش اللي معاك دول، خليني اعدي بقولك.
بسخرية واضحة خاطب الشاب زملائه:
- إللحق، دي بتقول عليكم أوباش.
استجاب الأثنين الآخرين لاستظراف صاحبهم بضحكات بلهاء لتكمل الصورة الغبية عنهم، طالعتهم رباب بعدم احتمال لتصيح بهم:
- يخرب بيتك غبائكم، إبعد يا بني انت وهو خلوني اروح.
عاد أوسطهم بالضحك مرددًا لها:
- في إيه يا عروسة، ما احنا قولنالك هنستحمى، يعني هتنبسطي معانا متخافيش، فكي كدة دا احنا هنروقك.
صعقت بجزع وهي ترى الرغبة الظاهرة في أعين الثلاثة بتصميم واضح، فكانت ترتد بأقدامها للخلف، تبحث بعينيها في الأرجاء حولها عن أي بشري، إن كان رجل أو امرأة، لا تصدق أن تكون هذه نهايتها، تلعن غباءها في طرد الحارس والسائق، تلعن تهورها ان تأتي إلى هنا في هذا الوقت.
شجعت نفسها حتى لا تبدوا بهذا الضعف أمامهم، فقالت بقوة تدعيها، رغم اهتزاز صوتها:
- اقسم بالله لو ما اختفيتوا من قدامي دلوقتي لا اكون مبلغ جوزي وهو اللي هايخفيكم ورا الشمس، انتوا مش عارفين أنا متجوزة مين؟ وجوزي من عيلة مين؟
أصدر أحدهم صوت شخرة ساخرة ليقول بتهكم:
- طب ما تعرفينا طب يا مرات المهم، خلينا نتأنس معاه هو كمان.
صاحت به تخرج الهاتف من حقيبتها:
- ماشي خلي الشجاعة دي تنفعك، انا هاعرفكم من هي رباب، مرات كارم رجل الأعمال، ابن اللوا حمدي فخر.
- شيلاه يا لوا.
هتف بها أحدهم وهو يختطف منها الهاتف بقفزة أذهلتها، وقبل ان تصرخ عليه، وجدت نفسها محاصرة بين ذراعي احدهم من الخلف والاَخر أطبق على قدميها يهم برفعها معه، لتخرج منها صرخة عليه شقت حلقها، مفضلة الموت على هذا المصير، قطعها صوت عياري ناري اطلق بالقرب منهما، جعل الثلاث يتركونها لتقع على الأرض وتفاجأ بالجسد الضخم لحارسها، يطلق واحدة أخرى وهو يركض نحوها ونحو الثلاثة الفارين يردد بالسباب والتهديد والوعيد عليهم، بأعين خاوية كانت تطالع حالة الكر والفر أمامها، شهقات مستمرة بتقطع، وقد دمر الفزع اعصابها، لتظل على جلستها على الأرض الترابية التي لوثت ملابسها الفاخرة، ممسكة بكوع يدها الذي اصيب من الوقعة.
وصل إليها حامد اَخيرًا، ليطمئن عليها ويسألها:
- العيال ولا الكلب هربوا وسط المقابر، انتي عاملة إيه دلوقتي يا هانم؟
بصوت خرج بصعوبة ردت وهي ترفع يدها إليه:
- ساعدني يا حامد، ساعدني اقوم.
اعطى لها كفه لتنسند عليها وتحرك اقدامها بصعوبة تجرها جرًا حتى اقترب بها ليجلسها على نصف حائط غير مكتمل البناء، يصلها ظل شجرة قديمة في المنطقة، وعاد ليخاطبها:
- سامحيني يا هانم اني جيت متأخر، بس انا روحتلك ع النادي ملقتكيش، ولولا الباشا، قالي ادور عليكي هنا مكنتش هعرف طريقك، بس الحمد لله قدر ولطف.
استوعبت الكلمات لتسأله:
- يعني هو كارم اللي قالك تجيني على هنا، طب هو مجاش ليه؟ انا عايزة اكلمه خليه يجيني دلوقتي ويربي الاوباش دول، خليه يجيني يا حامد.
- ماشي يا هانم، بس هو انتي فين تليفونك طيب؟
سألها لتجيبه ببكاء مختنق:
- خدوه مني يا حامد وكانوا هياخدوني أنا كمان، ياريتني ما جيت هنا، ولا طردتكم من العربية، الحيونات دول اتحرشوا بيا ورموني ع الأرض......
واصلت ببكاء حارق، وأقترب حامد يقول مهونًا:
- معلش يا هانم، نحمد الله انها جات على قد كدة، بقولك ايه، خدي اشربي العصير ده، انا كنت جايبوا لنفسي وهشربوا قبل ما اتفاجأ بالعيال الهبلة دي.
رفعت رأسها تقول رافضة:
- لا انا مش عايزة اشرب حاجة، انا عايزة اروح.
لوح لها بالعلبة المغلفة ليغزر الأنبوب المجوف الصغير داخله، ويعطيه لها قائلًا بحزم ولطف:
- يا هانم اشربي وخدي نفسك عشان تتمالكي اعصابك وتقدري تمشي الخطوتين دول لحد العربية، وانا من جهتي، هاشوف أي طريقة اجيبلك بيها تليفونك من العيال دي.
تناولت منه وتخاطبه برجاء قبل أن تضع الأنبوب في فمها وترتشف منه العصير:
- اتصل بكارم الأول، انا عايزة كارم.
أومأ لها ليتلاعب على شاشة الهاتف ثم يضعه على أذنه، يتابعها وهو ترتشف بنهم، وقد أثر فيها الخوف والعطش مجتمعين. حتى أذا توقفت وطالعته بتساؤل، رد عليها بعجالة:
- بتصل يا هانم بس هو مبيرودش، ححاول تاني.
كان التوتر والألم مبلغ مبلغه منها، فقالت وهي تهم بالنهوض:
- طب خلاص بقى، أنا تعبانة أوي....... و..... مش هستني .... انا.....
قطعت لتطالعه بجزع فسألها باستفهام:
- مالك يا هانم؟
زاد هلعها وهي تحاول تحريك القدمين التي لم تعد تشعر بهم، لتتدمدم بعدم استيعاب:
- رجلي......
- مالها رجلك يا هانم؟
قالها حامد وهو يجلس بجوارها على نصف الحائط، وهي تشعر بخذر ينتشر من أسفل الأقدام لأعلى حتى وقعت علبة العصير منها، وترنحت بجلستها حتى كادت أن تسقط بظهرها للخلف، لولا ذراع حامد التي تلقفتها، ليربت بكفه على خديها:
- حاسة بأيه يا رباب هانم؟
وكأن لسانها اصابه الشلل كما أصاب باقي اعضائها، ولم يتبقى سوى عينيها التي ترفرف بأهدابها برؤية مشوشة، تبسم حامد ليزيد بضمها إلى صدره قائلًا بنبرة تغيرت عن سابقيها:
- ايه اللي حصلك يا رباب هانم؟ ما ترودي يا رباااب.
دوى الهاتف ليضعه على أذنيه يجيب المتصل:
- أيوة يا جميل كله تمام وعال العال.
خطف قبلة من وجنتها بصوت عالي وصل للمتحدث من الجهة الأخرى قائلًا:
- جهزي كل حاجة عندك، الليلة دخلتي ع العروسة.
رواية و بها متيم انا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم امل نصر
توقف أخيرًا بدرجاته النارية، لينزع عن رأسه خوذة الحماية. إحساس الاختناق يجثم على أنفاسه وكأن قيدًا يلتف حول عنقه ويمنع دخول الأوكسجين بصفة منتظمة أو عادية لداخل صدره. اشتياقها الحقيقي له وفرحته به، وكلماتها التي تنعاد بذهنه بشكل مزعج. ثم هيئتها المكسورة حينما وجه انتقاده القاسي لها. لقد أعماه الغضب عن سماعها. وقد بدا أنها في حاجة إليه أو إلى أي فرد من العائلة. كان يجب عليه التريث قليلًا. شقيقته المتهورة التي كانت تشاركه اللعب قديمًا نظرًا لأنها الأقرب إليه في سنوات العمر عن باقي أفراد العائلة. لقد كانت منطفئة. أين ذهب المرح والإنطلاق عنها؟ أين هذه الصورة المزيفة التي تبرع في تأديتها على الشاشة؟ أين كان عقله هو ليتغافل عن كل ذلك ويتركها في هذا الوقت من النهار وحدها في المدافن والمقابر.
على خاطره الأخير انتفض مستدركًا خطئه. ليضرب بقدمه على إطار الدراجة مصدرًا صوت زمجرة عالية. لاعنًا غباءه وهذه الصدفة الغريبة التي جعلته يذهب اليوم في زيارة لوالده الراحل، والذي جاءه في المنام برؤية غريبة لم يفهمها. زفرة قوية بعنف أخرجها. قبل أن يدير محرك الدراجة ليعتليها مرتديًا خوذته مرة أخرى وقد نوى بداخله على العودة. على الأقل يريح ضميره من ناحيتها وحتى وإن لم يلحق بها.
استدار نحو الطريق الذي قطعه منذ دقائق، ليعاود الرجوع به بسرعة تفوق سرعته العادية في القيادة من الأساس. رغم تحذيرات كاميليا الدائمة وتوبيخها له عدة مرات. لكنه اليوم يؤجل التفكير في ذلك. فشئ ما بداخله يجعله غير قادر على تنفيذ هذه النصائح. شعور بعدم الارتياح يدفعه للطيران حتى يكون معها الآن ويخفف من حدته. ربما تكون في حاجة إليه.
وصل إلى المدافن، ليوقف الدرجة ويهبط منها بخطوات مسرعة. مخترقًا طريقه ما بين المقابر مرة أخرى. حتى دخل إلى الجزء الخاص بعائلته. اكتنفه إحباط شديد حينما رأى الفراغ بدونها. تمتم بكلمات حانقة ليعاود أدراجه. وقد باءت محاولته بالفشل بعد ذهابها. باستياء متعاظم. كان يسير ويدفع الحصى بقدمه. حتى خرج من منطقة القبور فتذكر أنه أخلف طريق عودته إلى الدراجة. غمغم بداخله بكلمات ساخطة لهذه المعاكسات التي تحدث معه بشكل غريب. استدار متوجهًا إلى الناحية الأخرى. لتقع عينه عن بعد بهذا الرجل الضخم الذي يسير ناحية السيارة السوداء حاملًا بين ذراعيه امرأة كالجثة أو ربما تكون مريضة. وذلك من هيئتها الساكنة بغير حراك. ذلك المشهد أثار فضوله ليقف متابعًا لهما. رغم أن الظهر العريض للرجل لم يمكنه من رؤيتها جيدًا سوى بعد أن فتح باب السيارة ليدخلها في المقعد الخلفي. فتدلت رأسها بشعرها الحريري الطويل المتساقط منها وهو...
جحظت عينه بعدم استيعاب وقد رأى صاحبة الوجه...
"رباب."
دمدم الاسم بهلع ليعدو نحو الرجل ليعرف ما بها، وما صفة هذا الرجل إليها. ولكن المسافة كانت بعيدة والسيارة انطلقت بسرعة لم تمكنه من الوصول إلى شقيقته والاطمئنان عليها.
ضرب قدمه بالأرض ليستدير راكضًا نحو دراجته. ليعتليها ويتحرك بها. حتى إذا وصل إلى الطريق الممهد زاد بالسرعة الفائقة وعيناه تتطلع أمامه بتمعن شديد بحثًا عن السيارة التي اختفت عن أنظاره. فيبدو أن قائدها هو أيضًا يقودها بسرعة تضاهي سرعته. وربما أكثر.
***
عادت نرجس وابنتيها إلى المنزل، بعد زيارة لمنزل إحدى أقاربها في مناسبة عائلية وذلك بصحبة شقيقتها سميرة أيضًا. أولاهن كانت رؤى التي هتفت فور ولوجها لداخل الشقة حينما تفاجأت بشهد التي كانت جالسة على الأريكة متكتفة الذراعين وأعينها في الفراغ بحالة من الشرود جعلتها لم تنتبه لمجيئهن إلا على صوتها:
"إيه ده شهد! إنتي هنا من إمتى؟"
انتفضت الأخيرة بجزع واضعة كفها على صدرها، متمتمة:
"بسم الله الرحمن الرحيم، خضتيني يا رؤى."
"خضيتك ليه؟ ما انتي اللي سرحانة."
قالتها رؤى قبل أن تنتبه على الأكياس المحتلة الأريكة بجوار شقيقتها لتركض نحوها قائلة بفضول وهي تتفحصهم بعد أن جلست بجوارها:
"إيه ده؟ هو انتي جبتي الحاجات دي النهاردة يا شهد؟"
أومأت لها بابتسامة قبل أن تنتبه على تحية زوجة أبيها وأمنية التي رشقت عينيها على الأكياس:
"مساء الخير يا شهد، هو انتي مروحتيش النهاردة الشغل ولا إيه؟"
قالتها نرجس بإشارة نحو الأشياء التي ابتاعتها، بابتسامة ضعيفة ردت على سؤالها:
"لا يا مرات أبويا، أنا روحت الشغل بس كان نص يوم وخرجت بعدها مع حسن ع السوق."
شهقت رؤى بلهفة معقبة:
"يا لهوي ياما يعني انتي النهاردة خرجتي مع حسن؟"
قبل أن تجيبها تدخلت أمنية بفضول قاتل توجه لها السؤال:
"يعني خطيبك هو اللي اشترالك الحاجات دي؟"
تغاضت شهد عن نظرات الأخيرة غير المريحة لها، وردت تجيبها بتسامح:
"أيوة يا أمنية، تعالي شوفيهم مع رؤى، وانتي كمان يا مرات أبويا."
تلقفتا الاثنتان الدعوة بحماس جعلهن يهجمن سريعًا على الأكياس يتفحصن المحتويات دون التغافل عن أي شيء بها.
نرجس وكعادتها تطالع بصمت وبملامح مبهمة غير مقروءة على الإطلاق، إن كانت إعجاب أو شيء آخر. أما رؤى فكانت تهلل بطفولية كلما أعجبتها قطعة اتجهت للأخرى بصيحة أعلى:
"يا لهوي ع الطقم الفوشيا، دا هيهبل عليكي يا شهد، وأنا اللي افتكرت ان الفستان الفيروزي يجنن، طلع فيه اللي أجن منه."
"والله ما في حد أجن منك."
قالتها شهد ضاحكة، ثم اتجهت بعينيها نحو أمنية، منتبهة جدًا لهذا التقلص بملامح وجهها وفي نظرتها للمشتريات، حتى لو ادعت العكس أو التعامل بشكل طبيعي، فهي أعلم الناس بها. يلوح برأسها بعض الشفقة عليها، رغم رؤيتها لهذه المنطقة المظلمة بداخلها، شعورها الدائم بالنقص مهما ابتاعت من الأشياء. عينيها على ما يمتلكه الآخرون، مشكلة لا تجد لها حل. وهي التي ظنت رغم كل شيء أن ارتباطها بإبراهيم رغم كل تحفظاتها عليها سيساهم ولو قليلًا في حل معضلتها على اعتبار أنها تحبه، لتجدها الآن توسعت وتشعبت، بعد أن أصبح لهذا المعتوه موطئ قدم له المنزل بسببها، ثم يُظهر وجهه القبيح الآن، حقدًا عليها وعلى خطيبها.
***
خرج بها من المصعد، وفور أن وصل للشقة المقصودة، وجد شريكته التي كانت بانتظاره، تفتح له ليلج بما يحمله لداخل الشقة، وتتقدمه هي بلهفة نحو إحدى الغرف:
"تعالي هنا ورايا بسرعة."
دلف للغرفة ذات الإضاءة الوردية، والفراش المزين بالورود ليعلق متهكمًا:
"يا حلاوة، دا انتي عاملة جو رومانسي كمان، حلاوتك يا جوجو."
ردت على عجالة وهي ترتد لخارج الغرفة:
"حطها عندك ع السرير، على ما أجيب الحاجة وأرجعالك."
"براحتك يا عسل."
علق بها حامد وهو يريح جسد رباب على الفراش، وهي ما زالت بأعين مفتوحة لا ترى شيئًا، وأعضاء مرتخية وعقل غائب تمامًا عن الواقع. تطلع لها بأعين مشتعلة. هيئتها بهذه الصورة كادت أن تفقده عقله، ليعتليها كالحيوان يفترس ثغرها، وكل ما يصل إليه بشفتيه على الأنحاء المكشوفة من جسدها، ويده تعبث بحرية وعشوائية. يريد استغلال الفرصة الذهبية في نيل الهانم امرأة الباشا الذي يعمل تحت إمرأته، الجميلة التي تبهر الرجال بمفاتنها البارزة أمام الشاشة، بملابس تحدد منحنياتها بسفور وكأنها خلقت للمشاهدة، والاقتراب فقط من حق المجنون زوجها. ولكن ها هو الآن قد تحققت أمنيته في مشاركته بها، ولن يتركها بعد الآن.
"بتعمل إيه يا غبي؟ مش قولتلك استنى."
قيلت مصحوبة بضربة قوية على ظهره جعلته يرفع رأسه مجفلًا، يهتف بها محتجًا:
"الله في إيه يا بقى؟ هو إحنا هنرجع في كلامنا ولا إيه؟"
زادت مرة أخرى بضيق تنهره:
"يا غبي بقولك قوم، عايز تبوظ الشغل اللي أنا بعمله، دي حتى لسة بهدومها."
اعتدل حامد يقول بمهادنة لهذه المجنونة:
"يا ستي ودي صعبة يعني؟ أخلعها عنها وبالمرة أقلع أنا كمان، وخدي أحلى اللقطات براحتك."
مالت برأسها مقربة وجهها من هذا الأحمق تخاطبه كازة على أسنانها علّ عقله الفارغ يعمل ولو مرة واحدة:
"هو أنا هفضل أفهم فيك لحد أمتى؟ بقولك عايزة كل حاجة تبان طبيعية، يعني واحدة بتخون جوزها مع عشيقها، يبقى لازم أظبطها كويس، قوم يالا خليني ألبسها حاجة تليق."
نظر حامد للقطعة الوردية بيد المرأة ليهلل مصفقًا بكفيه:
"طب يالا بسرعة بقى، وأنا كمان هروح أغير هدومي."
قالها وانتفض يفسح لها المكان على الفراش، لتعقب من خلفه بازدراء:
"تغير هدومك برضو ولا تشربلك حاجة؟ غبي."
قالتها ثم التفتت للمستلقية على الفراش بلا حول لها ولا قوة تخاطبها وهي تخلع عنها ملابسها:
"وانتي يا روح قلبي، دا أنا هروقك، بحق الليالي اللي خدتها في رعب وخوف يا رباب لخليكي تكلمي نفسك، انتي لسة شوفتي حاجة، دا أنا هحولك جارية للأهبل اللي جوا ده."
***
توقف بدراجته أمام السيارة التي كانت تفوقه بالسرعة لدرجة جعلته يتوه عن ملاحقتها عدة مرات. وفي المرة الأخيرة دخل شارع آخر قبل أن يرتد ويدخل المجاور له في هذه المنطقة السكنية الجديدة في العاصمة، والقليلة بعدد السكان. الشيء الجيد في الموضوع، حتى لا يتوه في الشوارع الزحمة. وقف أمام البناية ذات العدد الكثيف من الطوابق، بحيرة تفتك برأسه. ما الذي يجعل الرجل ذا الهيئة المقاربة للحراس الشخصيين، أن يأتي بشقيقته إلى هنا؟ هذا ليس منزلها، ولا هو مشفى لعلاجها. مما جعل الشك يتسرب لقلبه، فاتجه على الفور إلى حارس البناية، والذي كان جالسًا على أريكته يرتشف الشاي من الكوب الزجاجي بتلذذ. بقلب يضرب كالمطارق في صدره لهذا الشعور الجديد من الخوف. اقترب يسأله بلهث ويده تشير للخلف:
"يا أخ انت، الراجل صاحب العربية السوداء أو اللي كان سايقها يبقى مين هنا في العمارة؟"
رد الرجل بسماجة بعد أن ألقى نظرة عابرة نحو ما يشير إليه الآخر:
"راجل مين وعربية سوداء إيه؟ ما تفسر يا أخينا."
برود الرجل وطريقة الرد غير المبالية، جعلته يفقد أعصابه ليهدر صائحًا به:
"بقولك اللي كان سايق العربية السوداء، البني آدم الضخم، كان شايل اختي فيها، أقسم بالله لو ما قلتوا لبلغ جوزها ابن اللوا حمدي فخر، يجي ياخدك انت معاه ويعلقك من رجليك."
برعب حقيقي وعدم معرفة رد الرجل بدفاعية:
"والله ما أعرف يا ولدي انت تقصد مين بالظبط؟"
"يقصد حامد يا بابا."
تفوهت بها الفتاة ذات العشر سنوات لتكمل مخاطبة محمد:
"بابا مكنش قاعد ساعة ما حامد خرج من العربية دي وهو شايل ست شكلها زي الهوانم وطلع بيها على شقته."
سألها سريعًا وبلهفة:
"قوليلي اللي اسمه حامد ده ساكن في أي شقة بسرعة."
***
"يا حلاوة المهلبية، إيه الجمال ده يا ناس؟"
هلل بها حامد فور أن اخترق الغرفة، ووجد رباب بهيئتها الجديدة مرتدية المنامة الوردية القصيرة جدًا، والشعر المسترسل حول وجهها وقد مشطته المرأة سريعًا، فبدت بصورة كاملة للجمال.
تطلعت المرأة باستنكار نحو حامد الذي ولج يفرك بكفيه مرددًا:
"إحنا كده بقينا تمام وفل أوي، وسعي بقى خليني أشوف شغلي قبل ما تصحى ولا تفوق، أنا عايزة آخد وقتي مع لهطة القشطة دي."
علقت باستهجان وهي تنهض عن التخت، بنظرة من أعلى للأسفل:
"لا اطمن يا خوي هتاخد وقتك وبزيادة كمان، المادة اللي في جسمها بتفضل ساعات، يبقى اصبر بقى دقيقة كمان."
"كمان! ليه بقى؟"
صاح بها بنفاد صبر وجاء ردها بغيظ يفتك بها وهي تلوح له بالهاتف:
"عشان عايزة آخدلها كام لقطة الأول، افهم بقى ووسع من وشي."
زمجر حامد ليتخصر منتظرًا على مضض، وهي تلتقط عدة صور من عدة جهات، ولسانها يردد:
"أنا لسة ما اكتفيتش من اللعب معاها، ما أنا مش هكشف ورقي مرة واحدة، لازم أساويها على نار هادية الأول."
"لسة كمان فيها لعب، دا انتي دماغك سم."
علق بها حامد قبل أن يصدح صوت جرس المنزل، مع طرق متواصل على الباب الخارجي فزفر مرددًا بسخط:
"عاجبك كده أهو الباب بيخبط، ناقص عطلة أنا ولا وقف حال."
توقفت المرأة على الصوت المزعج تدمدم بارتياب شديد:
"وإنتي مين بيجيلك دلوقتي عشان يخبط عليك بالشكل ده؟"
رد حامد بتخمين من رأسه:
"يعني هيكون مين يعني؟ وأنا أساسًا ما حدش يعرفني في العمارة دي، أكيد البواب الزفت، أنا هطين عيشته."
قالها وتحرك ذاهبًا، فهتفت عليه ناصحة:
"براحة يا حامد مع الزفت ده، مش عايزين شوشرة في العمارة."
سمع منها واتجه بخطوات مسرعة نحو باب الشقة الخارجي حتى إذا فتحه تفاجأ بفتى في عمر المراهقة يخاطبه بأمر أجفله:
"أختي هنا بتعمل إيه؟ اندهلي عليها خليني أشوفها."
بيده الضخمة دفعه حامد لييتعد عن باب الشقة قائلًا بعنجهية وغشم:
"أختك مين يا شاطر اللي جاي تدور عليها، امشي ياض مش ناقصة شغل عيال."
هم أن يغلق الباب بوجهه، ولكن محمد منعه صارخًا بوجهه:
"أنا بتكلم عن أختي رباب اللي جبتها من المدافن شايلها على إيدك، أنا فضلت ماشي وراك لحد أما جيت هنا."
شعر حامد بالخطر ولكنه تعالى عن إظهار الخوف أو الاستسلام، ليدفعه بعنف جعله يبتعد عن الباب وهو ينهره بالقول:
"أنا لا أعرف رباب ولا أعرف كباب، غور من وشي هي مش ناقصاك."
لم يستلم محمد، وظل يصرح ضاربًا بكفيه على خشب الباب:
"بقولك افتح يا حيوان أنا اتأكدت دلوقتي إنك خاطف أختي، طلع لي أختي يا حرامي."
خرجت المرأة من الغرفة إلى حامد تردد بزعر:
"يا نهار أسود إيه اللي بيحصل ده؟ مين اللي ع الباب يا حامد وعايز يعملنا فضيحة؟"
تجاهلها الآخر وقد انتفخت أوداجه بغضب عاصف، ليلتف عائدًا نحو الباب يفتحه مرة أخرى ليسحب محمد من تلابيب قميصه ويجره للداخل بغضب وحشي:
"دا انت باينك جاي على قضاك."
انتفض محمد وهيئته بدت كالعصفور بيد هذا الرجل الضخم، ليعلم أنه يستطيع القضاء عليه بضربة واحدة من يده، فكر سريعًا ليجد الرد المناسب له، بصوت جاهد أن يخفي به ارتجافه:
"قلتلك من الأول اديني أختي، عشان أنا اتصلت أساسًا بجوزها كارم وهو زمانه على وصول عشان يعلمك الأدب من جديد يا أستاذ حامد."
بالطبع كان يكذب في الأخيرة، فهو لا يملك رقم كارم، ولكن الخدعة أتت بثمارها، على حامد الذي اظلم وجهه واستوحشت ملامحه، لتجفله المرأة بصرختها وهي تركض نحو غرفتها كي تتناول أشياءها لتلوذ بالفرار.
"يا نهار أسود، دا بيقولك إنه اتصل بكارم، الله يخرب بيتك وبيت معرفتك المهببة."
كذئب بري زأر حامد بشراسة وهو يهزهز محمد يكبح نفسه حتى لا يفتك به، بعد أن استبد به الغضب من فعلته، وقد خرب عليه كل تخطيطه:
"أعمل فيك إيه؟ أقطع من جسمك نساير ولا أخلص عليك بضربة من كف إيدي، وانت مش مستاهل غلوة أساسًا."
برغم الرعب الذي كاد أن يشل أطرافه، والهزهزة بعنف تجعل العظام وكأنها تنخلع من محلها قبل أن تعود في نفس الدقيقة برحلة مؤلمة وقاسية، حاول محمد أن يحافظ على رباطة جأشه، ليرد بثقة أبعد ما تكون عن حالته الآن:
"اعمل اللي انت عايزه، كده كده كارم هيخلص عليك دلوقتي."
وصلت صيحة المرأة مرة أخرى وهي تعدو سريعًا ذاهبة:
"انت لسة واقف مكانك يا غبي؟ عايز تقعد وتستنى قضاك؟"
قالتها لتخرج من باب المنزل على الفور، وزمجر حامد من خلفها بأعين محتارة ما بين المستلقية بداخل الغرفة في انتظاره الآن، وما بين أمنه المهدد بالخطر، وقد أفسد هذا الصغير ما كان يحلم به منذ أيام، وفي الأخير وبعد تيقنه أن لا سبيل أمامه إلا الهروب.
طير محمد بدفعة عنيفة جعلت الأخير يسقط على الأرض ليقع على ذراعه ويصدر صرخة قوية مع سماع صوت العظمة التي كسرت.
شعر حامد ببعض الراحة، ليأخذ طريقه نحو الخروج حتى يلحق بالملعونة التي سبقته، على الأقل يحصل على بقية حقه من المال، يكفيه خسارة الحصول على النجمة الجميلة.
لتخلو الشقة على الشقيقين، حاول محمد النهوض رغم الوجع الرهيب، ليستند على الذراع الآخر متأوهًا:
"آه آه."
"يا بيه يا بيه، حامد هرب ومعاه ست تانية غير اللي جه بيها."
قالتها الصغيرة ابنة الحارس، طالعها محمد صامتًا حتى تمكن من النهوض بسرعة، ممسكًا ذراعه المكسور، ليقول أخيرًا:
"متشكر أوي يا اسمك إيه؟ ممكن تيجي تدوري معايا في الشقة هنا ع الست اللي شوفتيها."
"من عنيا يا بيه، أنا هروح الناحية الشمال ع الأوضة دي والحمام، وانت روح الناحية اليمين."
قالتها الفتاة وذهبت على الفور، ليدمدم محمد من خلفها وأقدامه تتحرك نحو الجهة المقصودة:
"أجدع من أبوك اللي ما تحركش من مكانه، صحيح الشجاعة مش بالسن."
واصل محمد طريقه متجهًا نحو الغرفة التي دخلتها السيدة الهاربة منذ قليل، وما هم بفتح الباب حتى وجده اندفع بسهولة، ليصعق بالمشهد الذي جعل شعر رأسه يقف. جحظت عينه في البداية قبل يتدارك ليتحرك سريعًا بأنفاس لاهثة يبحث عن أي شيء يستر به شقيقته. وجد سترة بحجم كبير ملقاة بإهمال على الأرض، خمن أنها تخص هذا الضخم الذي خرج. تقدم بها ليلقيها على شقيقته التي في كانت حالة غير متزنة على الإطلاق، هيئة أدخلت الرعب بقلبه، حتى إحساس الألم بذراعه لم يعد يشعر به. جلس على ركبتيه ليربت بكفه على وجنتيها يرى ما بها:
"رباب هو انتي مالك؟ انتي شيفاني ولا حاسة بيا؟ رباب انتي صاحية ولا نايمة؟"
ضغط بكفه على وجنتيها ليجبرها على النظر إليه، ولكن لم يحدث. أمسك بذراعها يرفعه ليجده يرتخي ساقطًا بشكل جعل قلبه يقع تحت قدميه، ليصرخ عليها بدمعة فرت من عينيه:
"رباب الناس دي عملت فيكي إيه؟ ربااااب."
دخلت الفتاة ابنة حارس البناية على صرخته لتسأله بعفوية:
"إيه ده هو انت لقيتها؟ طب ما تقومها يالا عشان تروح بيها يا بيه."
تطلع نحوها محمد ليستعيد ذهنه، وتماسك ليتناول هاتفه من جيب سترته، يطلب صاحبة الرقم التي كالعادة لا تتأخر عن الرد عليه:
"ألوو... يا حبيبي عايز إيه؟"
بدون تفكير أو تردد صرخ بها:
"كاميليا، تعالي الحقي اختك يا كاميليا."
***
"ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، شالله ما أشوف فيكي شر أبدًا."
قالتها مجيدة في جلستها مع أنيسة التي كانت تضيفها مع ابنها في منزلها، وردت المرأة ببشاشة معتادة منها:
"تسلمي يا حبيبتي ويسلم حضرة الظابط معاكي، أنا مكسوفة أوي والله إني تعبتكم معايا."
تدخل أمين قائلًا بلطف للمرأة:
"لا يا ست أنيسة مفيش أي تعب طبعًا، أهم حاجة بس تطمنينا عليكي، هو انتي حاسة بنفس الأعراض دلوقتي ولا لسة؟"
بنظرة تحمل داخلها الكثير كانت أنيسة تطالعه بها، لترد بابتسامة ممتنة:
"الحمد لله يا حضرة الظابط، أهي الأعراض بتروح وتيجي، واحنا بنقضيها بالعلاج أو الأكل المطلوب وبتعدي، المهم أنا بلغني من مجيدة إن الكيكة عجبتك، صح ولا هي بتجاملني؟"
ألقى أمين بنظرة خاطفة ذات مغزى نحو والدته التي لا تكتم سرًا أبدًا، قبل أن يعود لأنيسة ليرد بحرج يحاول إخفاءه:
"يا ست أنيسة، انتي كل حلوياتك ما شاء الله يعني، لا يعلى عليها، دي أحلى كمان من المحلات والله، أنا راجل زواقة زي ما قالت والدتي، يعني كيف أوي."
ردت أنيسة بابتسامة ازدادت اتساعًا وبهجة تغمرها من الداخل:
"دا من زوقك يا زوق، أنا هدوقك حاجة جديدة عملتها النهاردة...."
قالتها وهمت أن تنهض ولكن مجيدة أوقفتها بالسؤال الذي يداعب ذهنها من وقت مجيئها مع ابنها والذي كان هو الآخر جالسًا بأعين زائغة وتوتر تعلم سببه:
"طب قبل ما ندوق الحلويات، مش تندهي انتي ع الحلويات اللي بجد، ولا هي الست لينا مش عايزة تقابلنا؟"
"لا والله هي مش موجودة أصلًا، دي لسة مرجعتش من الشغل."
"شغل إيه اللي يقعد لحد دلوقتي؟ الساعة داخلة على تسعة."
خرجت من أمين بعفوية لم يقصدها، وغضب لاح على صفحة وجهه، لترتسم ابتسامة خبيثة على وجه مجيدة، أخفتها سريعًا وهي تراقب رد فعل أنيسة التي استدركت لتنظر بساعة هاتفها ثم قالت بقلق، قبل أن تضغط على أحد أرقامه:
"هي بصراحة مش بعادتها تتأخر للوقت ده، ولو حصل بتيجي مع طارق."
غمغم بسخط وحنق لم تنتبه له المرأة:
"ومين طارق ده كمان؟"
زجره مجيدة بنظرة محذرة رغم استمتاعها بغضبه، ليغلق فمه موجهًا انتباهه لردود المرأة على الهاتف:
"أيوة يا لينا اتأخرتي ليه يا بنتي؟........... بتقولي إيه؟ طب وطارق مجابكيش معاه ليه؟............ يا نهار أسود، يعني انتي معرفتيش اللي حصل؟........... طب شوفيليك صرفة بقى وحاولي تلاقي أي مواصلة."
قاطعه أمين بلهفة سائلًا:
"أنا آسف لو بتدخل، بس هو إيه اللي حصل يعني؟"
أبعدت الهاتف عن أذنها لتشرح الوضع باختصار:
"أصلها بتقول إنها مزنوقة بقالها ساعة في عربيتها ومش عارفة تتحرك بيها، الشارع مسدود عشان في شخصية مهمة بمركز حساس هتعدي فيه، ولما تطلب أوبر برضه مش بيعرف يدخلها."
من تحت أسنانه خرج صوته بانزعاج وتهكم:
"ولما هو كده، استنت ليه لما تتأخر بالشكل ده؟ ولا اللي اسمه طارق اللي بتقولي عليه ده موصلهاش معاها ليه؟"
همت أن تجيبه ولكن صراخ لينا من الناحية الأخرى جعلها تعود إليها قائلة:
"أيوة يا لينا أنا معاكي يا بنتي، أنا بس محتارة هترجعي إزاي دلوقتي؟......... يعني هتفضلي مستنية؟"
"تستنى فين؟ معلش يا ست أنيسة اديني التليفون معلش."
فاجأها بطلبه كما صعقت مجيدة لرد فعله وهو يتناول الهاتف من المرأة بسلطة دون انتظار موافقتها ليرد بخشونة نحو المتحدثة من الجهة الأخرى:
"أيوة يا أستاذة خليكي قاعدة في عربيتك واقفلي عليها لحد أما أجيلك......... انتي لسة هتجادلي؟ أنا بقولك استني مكانك لا توقعي نفسك في مشاكل، وانت اسم الله عليكي متتوصيش....... استنى بقولك."
قالها لينهي المكالمة بعنف ثم تحول نحو المرأة بتحول أدهشها:
"أنا آسف لو اتعصبت عليكي......"
بنظرة ساهمة طالعته أنيسة بصمت قطعته مجيدة بسؤالها:
"يعني انت بجد رايح تجيبها؟"
تناول علاقة مفاتيحه والهاتف خاصته ليرد بعملية وهو يتحرك بأقدامه ليتركهما:
"يدوبك يا ماما عشان ألحق أروح أجيبها، عن إذنكم بقى."
"إذنك معاك يا حبيبي."
تمتمت بها مجيدة بذهول وهي تتابع أثره حتى اختفى، قبل أن تعود لأنيسة التي ما زالت صامتة بازبهلال تخاطبها بابتسامة متوترة:
"اطمني يا حبيبتي، هو هيعرف يجيبها إن شاء الله ويرجع بيها."
خرج صوتها أخيرًا لتردد بتمني:
"إن شاء الله، يارب."
غمغمت مجيدة بداخلها:
"ربنا يستر بس وما يلبسوش هما الاتنين بجنانهم ده قضية أمن دولة، أو يعكروا صفو العلاقات مع دولة أجنبية."
***
بداخل المشفى وخارج الغرفة التي كانت تُسعف بداخلها شقيقتها، كانت كاميليا تقطع الردهة ذهابًا وإيابًا، تفرك بكفيها مرددة بقلق وصوت باكي، رغم المحاولات المضنية منها للاحتفاظ بقوتها حتى لا تنهار وتسقط، نتيجة هذه الأحداث التي تمس النقطة الحساسة إليها وهي أشقاءها.
"يا رب استر يا رب، نجيلي أختي يا رب، نجيهالي والنبي يا رب."
علقت زهرة بتهوين، فقد كانت جالسة بابنها الصغير على مقاعد الانتظار:
"يا حبيبتي اهدي، أختك هتقوم وتبقى بخير إن شاء الله."
بأعين تسيل منها الدموع بعدم توقف، تطلعت إليها تردف بألم:
"أصل انتي جيتي متأخر وما شوفتيهاش يا زهرة، دي كانت عاملة زي العروسة البلاستيك، مفتحة عينيها وفاقدة وعيها في نفس الوقت، لا تعرفيها صاحية ولا نايمة، في حياتي ما شوفت كده، دا أنا هموت لو جرالها حاجة، مكانش لازم أسيبها خالص. ياريتني اتنازلت وبوست على إيديها عشان تصالحني، ياريتني ما كنت سبتها، ياريتني ما كنت سبتها......"
قطعت بالبكاء بحرقة، تغلق فمها بقبضتها لتكتم صوت شهقاتها، فنهضت زهرة بقلب موجوع عليها لتضمها إليه بذراعها الحرة من كتفيها تهون بالكلمات الحانية:
"يا حبيبتي براحة على نفسك، سيبي أمرك لله وهو القادر على رجوعها بخير ولم الشمل من تاني."
"يا رب يا رب."
تمتمت بها بتمني مع استمرار بكاءها، وقد وجدت الآن قلبًا يشاطرها الحزن، وكتفًا تستند عليه في أصعب الأوقات التي تمر بها، ثم ما لبثت أن ترفع رأسها منتبهة على رجوع شقيقها بصحبة طارق الذي رافقه في القسم الآخر من المشفى، لإسعاف ذراعه المصاب، وقد التفت الأربطة الطبية حوله. تحركت لتقصر المسافة بينهما وتحتضنه بكفيها من وجهه سائلة بجزع:
"عامل إيه دلوقتي يا حبيبي؟ لسة برضه دراعك بيوجعك، وليه مجبسه؟ هو الدكتور قال إيه؟"
تكفل طارق بالرد يخاطبها بتماسك:
"احمدي ربنا إنه كسر عادي مش مضاعف، لكان زمانه في العمليات دلوقتي، كلها كام أسبوع ويبقى عال، الدكتور طمنا، اطمني انتي كمان."
"أطمن!"
قالتها بعدم تصديق وكأن كلماته جاءتها على الجرح الملتهب عادت للبكاء مرة أخرى لتحتضن شقيقها وتقبله مرددة:
"يا رب يخليك ليا يا حبيبي، ويطمني عليك انت واختك."
تنهد طارق باستياء وعجز يقتله، لعدم قدرته على رفع الحزن عنها، تدخلت زهرة مخاطبة محمد بفخر:
"حمد الله ع السلامة يا بطل، جاسر حكالي ع اللي عملته، هو قاعد دلوقتي في الشقة اياها مع إمام عشان يعرفوا مين حامد ده، ومش هيستريحوا ولا يهدالهم بال غير لما يجيبوه، هو والست اللي كانت معاه."
"بس إحنا بلغنا البوليس يا زهرة."
قالها طارق لتقارعه زهرة برغبة قوية في بث الاطمئنان بقلب محمد وصديقتها:
"وماله يا طارق، البوليس يدور واحنا كمان ندور."
ردت كاميليا بعدم اكتراث الآن سوى بصحة شقيقتها:
"أنا المهم عندي دلوقتي أختي، أي حاجة تيجي بعد كده."
همت زهرة أن ترد ولكن خروج الطبيب من الغرفة جعلها تتوقف لتعدوا مثل الجميع في اتجاهه لمعرفة الجديد.
"ها يا دكتور طمنا."
نطقت بها كاميليا تسبق ثلاثتهم في السؤال، وجاء رد الطبيب بعملية لا تخلو من اللطف:
"اطمنوا يا جماعة متقلقوش، إحنا ولله الحمد قدرنا نتعامل مع الحالة ونتصرف مع المادة اللي دخلت جسمها وسببت كل اللي عليها من أعراض."
سأله طارق بقلق شديد:
"هي إيه المادة دي يا دكتور؟"
زفر الطبيب يخرج كتلة من الهواء بصدره ليجيبه باستياء:
"في الحقيقة يا أستاذ طارق المادة دي خطيرة جدًا، وما حدش بيقدر يجيبها إلا من الخارج ولازم يكون حد واصل كمان، بإذن الله البوليس يقدر يجيب الناس المجرمين اللي عملوا فيها كده ويتحاسبوا على جريمتهم."
سألته زهرة أيضًا:
"طب هي صاحية يا دكتور عشان نقدر ندخلها؟"
"أكيد طبعًا هتشوفها، بس نص ساعة كده على الأقل على ما تفوق، عن إذنكم بقى."
قالها الطبيب وتحرك مغادرًا لتغمغم كاميليا في أثره بغضب:
"أكيد المجرمين دول لهم علاقة بجوزها، أنا قلبي حاسس، بل أكاد أكون متأكدة من كده."
***
بخطوات مسرعة والغضب يتطاير من عينيه، اقترب حتى وصل إلى سيارته ليفتح بابها بعنف قائلًا بنزق:
"اتفضلي يا ست هانم، اتفضلي يا برنسيسة، خلصينا بقى."
طالعته بأحجار الفيروز الآتي تتوهج نيرانهم بغضبها هي الأخرى لتقول بتأفف:
"كلمني كويس لو سمحت، يا إما والله لكون...."
"تكوني إيه؟"
صاح بها مقاطعًا وقد فاض به ليتابع بهيئة المغلوب على أمره:
"تكوني إيه يا لينا؟ عايزة ترجعي تاني ولا تتخانقي مع أفراد الأمن اللي مضايقينك، اللطم على خدي عشان تستريحي؟ هو انتي لسة ما اكتفيتيش؟"
صرخ الأخيرة بأسلوب كوميدي جعلها تتماسك بصعوبة عن الضحك بوجهه، فلانت لهجتها في الرد عليه:
"أنا مبحبش أتخانق مع حد ولا قصدي أعمل مشاكل، وع العموم هركب اهو عشان نقفل خالص ع الكلام."
اعتلت السيارة لتجلس في المقعد الأمامي بجواره، ليتخذ مقعده هو الآخر خلف عجلة القيادة، فخرج صوته بنصح هذه المرة:
"أنا مش بتحشر في اللي ميخصنيش، بس انتي كان لازم تقدمي في انصرافك، التأخير ده هو اللي عك الدنيا معاكي."
عادت لحالتها الأولى في الغضب لترد بشراسة قطة متحفزة لأي كائن حي يمر من أمامها:
"أولًا أنا متأخرتش بخطري ولا عمري قعدت للساعة دي أصلًا، إحنا كان عندنا اجتماع وطارق حصل معاه ظرف وحش خلاه يجري مع مراته ع المستشفى، ف اضطريت أنا أقفل الملفات المطلوبة على قد ما أقدر، وبعدها اتفاجأت بالوقت، ولولا الإجراءات الزفت دي كان زماني في البيت من ساعتين."
اقترب برأسه منها مقربًا وجهه بعدم تردد ليرد ببعض المنطق علّها تفهم:
"الإجراءات دي مش تعسف من الجهات المسؤولة، دا تأمين لشخصية دبلوماسية، ودي حاجة ضرورية، دا غير إنهم محددين طريق بديل، ما رجعتيش فيه ليه؟"
تكتفت تقول بحرج مبتعدة بعينيها عنه:
"الطريق التاني طويل أوي، وأنا النهاردة مكنتش عاملة حسابي في البنزين، يمكن كنت وقفت في نص السكة، ساعتها كانت هتزيد العكة معايا."
ناظرها قليلًا بصمت قبل أن يتركها ليشعل محرك السيارة، ويركز انتباهه على القيادة، وصبت هي اهتمامها على ربط حزام الأمان الذي حاولت به عدة مرات وفشلت في ربطه مما جعل الآخر يصيح بها:
"في إيه؟ مش عارفة تربطي الحزام."
"لأ مش عارفة، ومش فاهمة هو ليه كده بيعك معايا."
"تاني يعك، إحنا مش هنخلص في الليلة دي؟"
قالها ليضرب بقبضته فجأة على عجلة القيادة بسيارته وتوقف فجأة، ثم مال نحوها ليربطه بنفسه، غمره عطرها ليستشعر قربه منها وهذه الهالة من الجمال الآسر، جميلة لدرجة اللعنة، كما أنها مشاكسة بدرجة غير عادية، على قدر ما تستفزه، على قدر ما تجعل الدماء تضخ بأوردته وكأنها تحييه حياة فوق الحياة التي يعيشها. شعر بالأرتباك في البداية، ولكنه استطاع التماسك، ليرد بمناكفة وانفاسه الحارة تشعر بها على بشرتها:
"هو جامد آه وشديد، بس لما تتعاملي معاه بحنية، بيفك بسرعة ويلين."
قالها ليبتعد فجأة وقد نجح فيما فشلت به، ابتلعت ريقها بتوتر شعرت به جراء قربها منها، وكلماته الأخيرة تعاد بذهنها، شاعرة أنها بقصد آخر، ربما يكون غير بريء على الإطلاق.
***
"إيه من الأماني ناقصني تاني وأنا بين إيديك
عمري ما دقت حنان في حياتي زي حنانكو
لا حبيت ياحبيبي حياتي إلا علشانكو
قابلت آمالي وقابلت الدنيا وقابلت الحبايب
ما قابلتك وأديتك قلبي يا حياة القلب
أكتر من الفرح ده ما أحلمش
أكتر من اللي أنا فيه ما أطلبش"
كانت الكلمات تصدح من المذياع الذي يشعله أبو ليلة في هذا الوقت ككل يوم بشرفته، يدخن شيشته ويردد من خلفها، ولا يدري بالجالس في الشرفة المجاورة يردد معه، وكل حرف من المعاني يمس وجدانه بقوة، وصورة أميرته تداعب خياله في سعادة لا ينكرها، حتى لو كان ارتباطه بها دربًا من دروب المستحيل، يكفيه القرب منها، وسماع نفس الشيء الذي تسمعه.
***
وفي الناحية الأخرى كانت هي الأخرى مندمجة مع لحن الكلمات التي بدأت تعجبها هذه الأيام، رغم أنها لم تكن أبدًا من محبي الأغاني القديمة. صدح هاتفها فجأة برقم غريب ومميز قطبت تنظر إليه قليلًا قبل أن تستجيب لفضولها وترد:
"الوو مين معايا."
"الوو يا صبا عاملة إيه؟"
انتفضت مجفلة وقد علمت بهوية المتصل من نبرة الصوت التي أصبحت معروفة لها الآن، ابتعلت لترد برسمية:
"أهلاً يا فندم، حضرتك عايزني في حاجة."
ضحك يزيد من غيظها قبل أن يرد:
"كده على طول يا صبا حتى من غير ما تردي على سؤالي، ع العموم يا ستي أنا متصل عشان أطمنك."
"أطمن على إيه؟"
"أطمنك على صاحبتك يا صبا، هو انتي نسيتي ولا إيه؟"
صدحت صوت ضحكته مرة أخرى قبل أن يختم:
"مستنييكي بكرة الصبح عشان تعرفي التفاصيل، تصبحي على خير يا صبا."
قالها وأنهى المكالمة، وقد تجهم وجهها وتعقدت ملامحها بغضب لتعلق:
"والله عال، وكمان عرفت نمرتي عشان تتصل بيا؟ الله يخرب بيتك يا مودة ....."
رواية و بها متيم انا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم امل نصر
على الكرسي المجاور للسرير الطبي المستلقية عليه شقيقتها منذ الأمس، وكأنها التصقت به، فقد طالت جلستها في السهر عليه حتى سقطت رأسها على الفراش حينما غلبها النُعاس، وقد أصرت على المكوث بجوارها حتى تطمئن عليها جيدًا، رغم استفاقتها بالأمس والتي لم تدم إلا دقائق معدودة، فلم تكن فترة كافية لتريح قلبها الملتاع عليها.
كان لضوء النهار الذي اخترق النافذة الزجاجية الفضل في استيقظها لتحرك رأسها يمينًا ويسارًا، حتى تفك التشنج الذي قلص عضلات الرقبة، توقفت فجأة عن الحركة، وقد وقعت عينيها بخاصتي الأخرى والتي كانت مستندة بجسدها على الوسادة خلفها بنصف نومة، ومتابعة لها بوعي واضح، منصب كل تركيزها عليها، على تخوف وتردد اقتربت منها تخاطبها:
- رباب، انتي معايا؟
بصوت مبحوح يرافقه دمعه ساخنة سالت على جانب وجهها:
- معاكي يا كاميليا، انا من امبارح وانا معاكي، حتى لما فوقت بنص وعي ومقدرتش اتكلم ولا ارد على حد منكم، برضوا كنت معاكي قبل التعب ما يغلبني واعود للنوم من تاني، عشان اصحى من الفجر والاقيكي جمبي بالوضع ده، واعرف قد ايه انا كنت غبية.
نهضت كاميليا لتقبلها على أعلى رأسها ووجنتيها، قائلة بصوت متأثر هي الأخرى امتزج بحنانها:
- الحمد لله انك فوقتي يا حبيبتي، انا كنت خايفة قوي عليكي امبارح، حتى وانا شايفة عيونك مفنجلة دلوقتي، والله ما كنت مصدقة غير بعد ما سمعت صوتك كويس.
- ليه يا كاميليا؟
ردت على سؤالها بسؤال:
- ليه إيه؟
- ليه تتعبي نفسك وتسهري مع واحدة باعتك وباعة أهلها عشان نفسها، دا غير انها رمت كل اللي عملتيه معاها ورا ضهرها؟
الصدق الذي كان ينبع من فحوى كلماتها جعل كاميليا تنتبه لهذا التغير المفاجيء من شقيقتها، حتى وهي تعلم انه ربما يكون عرض وقتي نتيجة ما حدث، وربما يعود كل شيء لوضعه السابق بمجرد الوقوف على قدميها، ولكنها ومع ذلك رحبت مستبشرة الخير لتجيبها بابتسامة:
- السؤال ده ما ينفعش اساسًا يا قلبي، لأن انتي مهما عملتي أو أي حد من خواتك عمل، أو حتى مهما يحصل ما بينا؟ ف احنا ف الأول والآخر اخوات، والضفر عمره ما يطلع من لحمه.
هذه المرة كانت المفاجأة أكبر من توقعها، طالعت كاميليا شقيقتها وهذا الصمت المطبق، النظرة الكسيرة بعينيها، ارتعاش شفتيها مع دموع لم تنتظر الإذن لتنهمر على وجنتيها، هيئة ادخلت الروع بقلبها، لتردف بنظرة استجداء اَلمتها:
- انا عارفة اني غلطانة وكلي عيوب، لكني بشر والبشر خطاء........ انااا.....
تابعت بلهجة راجية اوجعتها بحق:
- ما تسبنيش يا كاميليا، والنبي ما تبعدوني تاني عنكم.
إلى هنا وانفلت زمام امرها، اطبقت الأخيرة بذراعيها، لتضمها بلوعة واشتياق مرير مرددة:
- والله ما هاسيبك، عمري ما هاسيبك تاني، حتى لو انتي مش عايزة كمان، انا هفرض نفسي عليكي، ومش هبعد عنك تاني أبدًا.
قالتها بدموع حارقة كانت تسيل منها هي الأخرى، يعتريها اندهاش غير عادي لهذا الضعف، لقد كانت تظنها سعيدة وغير مهتمة، تظنها استغنت عن العلاقة الأخوية بالمال والشهرة، وذلك لمتابعتها لكل فيدو وكل صورة تصدر منها عبر وسائل التواصل الإجتماعي، وقد نست أن العالم الأفتراضي ليس هو المقياس الحقيقي لواقع الشخص.
- إيه ده؟ إيه ده؟ طب براحة طيب وسيبولنا شوية يا شباب.
تفوه بها طارق والذي حضر في غمرة الأحضان بين الشقيقتين بصحبة محمد اللذي قال هو الاَخر فور أن ارتفعت رؤسهما إليه:
- على رأي طارق، سيبولنا شوية طيب، عاملة إيه يا رباب.
أجابته بوجه مشرق رغم التعب:
- كويسة يا حبيبي، يا ريتك ما كنت مشيت، مكنش كل كل ده حصل.
قالتها لينتبه إليها طارق فيسألها بفضول:
- هو انتي فاكرة كل اللي حصل يا رباب؟
ردت تعصر بذهنها:
- لأ طبعا انا عايزاكم تحكولي عشان افهم، أنا كل اللي متذكراه دلوقتي؛ هو الأولاد اللي حاولوا يخطفوني وحامد أنقذني منهم وبعدها اداني عصير....
- اولاد مين تاني كمان؟
صاح بها محمد بعصبية جعلتها تستدرك منتبهة لتسأله أيضًا:
- هو انت ايه اللي كسرلك دراعك؟
وقبل أن يجيبها اندفع الباب بقوة أجفلت الجميع، ليلج إليهم كارم بوجه متجهم، مظلم بغضب جحيمي، وقف أمامهم متخصرًا يوزع النظرات المشتعلة على أربعتهم، ليتوقف عند رباب بأنفاس خشنة يصدر صوته:
- ممكن افهم ايه اللي بيحصل؟ والقصة الغريبة اللي سمعتها من البوليس عن خطف الهانم حرمنا.... ايه أصلها؟
❈-❈-❈
أمام الموقد الذي كانت تقف عليه لتسوية الفول بالشكل الذي اعتادت، كطبق رئيسي لوجبة الفطور التي تعدها الاَن في وقت الصباح، دوى هاتفها الذي كانت تسنده على الرخامة بالقرب منها، تناولته لترد بعدم انتباه لصاحب الرقم:
- الوو... مين معايا؟
- الوو صباح الخير يا طنت.
قطبت مجيدة لتبعد الهاتف عن اذنها لتتأكد من صاحبة الصوت، قبل ان تجيبها باستغراب:
- صباح الفل يا لينا عاملة ايه انتي؟
- كويسة يا طنت والحمد اا.....
قالتها وقبل أن تكمل قاطعتها بسؤال فضولي نبع من خوف حقيقي ان يكون خلف الاتصال هو حدوث شيء ما:
- طب ماما هي كمان كويسة يا حبيبتي، ولا يكونش التعب زاد عليها؟
فهمت لينا المغزى من خلف السؤال فردت على الفور تدخل في الموضوع مباشرةً:
- كويسة والله طنت والحمد لله، انا كنت بتصل بس عشان اكلم حضرة الظابط ابنك.
- حضرة الظابط ابني أنا؟
قالتها مجيدة بعدم تصديق فاغرة فمها، بأعين اتسعت على اَخرها وهي تسمع رد الأخرى:
- أيوة يا طنت طبعًا، أمين ابن حضرتك، كنت عايزة اسأله سؤال بس.
بلهفة مكشوفة تحركت من امام الموقد لتخرج من المطبخ نحو غرفة الاَخر مرددة:
- سؤال واحد، قولي اتنين تلاتة زي ما تحبي دا انتي تسألي مجموعة اسئلة يا حبيبتي ولا يغلي عليكي الظابط ولا ام الظابط كمان.
ردت لينا ضاحكة بحرج من جهتها:
- مرسي يا طنت ربنا يخليكي، يكفي السؤال، مش عايزين اكتر من كدة.
سمعت منها مجيدة وهي تلج إلى الاَخر، والذي كان واقفًا يصفف شعر رأسه أمام المراَة بعد ان ارتدى ملابسه للذهاب إلى العمل، ليفاجأ بوالدته، وهي تهزهز كتفيها بما يشبه الرقص الغريب، بضجكات مكتومة تلوح له بالهاتف، ليردد لها بعدم فهم:
- إيه في إيه؟
اقتربت تهمس له بصوت واضح:
- دي لينا بت ام لينا، عايزاك في سؤال.
- لينا مين؟
خرجت منه بصوت عالي جعل والدته تلكزه بالقبضة التي ما زالت ممسكة بملعقة التقليب، والتي كان بها من اثر الطعام الذي لوث كم القميص المنشي، مما جعل الاَخر يصيح بها بنزق:
- يا ماما حسبي بقعتي القميص الله.
عضت مجيدة على شفتها السفلى تردف من تحت أسنانها لابنها ثقيل الفهم كما جاء برأسها في هذا الوقت:
- كلم البت واعرف مين لينا؟ وان كان ع القميص غيره بواحد تاني، وانا رايحة اشوف أكلي اللي ع النار، جاتك نيلة.
قالت الأخيرة وهي تحدجه بنظرة حانقة، قبل أن تتركه وتذهب، رفع الهاتف لمستوى اذنه مغمغمًا:
- هي مالها اتنفرزت اوي كدة ليه؟ الوو....
جاءه الرد من الناحية الأخرى بلهجة متهكمة:
- الوو يا حضرة، انا لينا اللي وصلتها امبارح بنت الست أنيسة يارب تفتكرني؟
رغم حالة التعجب التي انتابته مع سماع نبرة صوتها الناعمة بحدتها كالمعتاد، والتي جعلته لا يصدق في البداية أنها صاحبة الاتصال بالفعل، إلا أنه تمالك سريعًا ليرد بمناكفة مستهبلًا:
- أيوة أيوة يا شاطرة افتكرتك، انا مش نساي أوي لدرجادي يعني؟
قالها ليفاجأ برد لم يتوقعه على الإطلاق:
- طبعًا أكيد ما هو باين من سؤالك فاكرني أوي.....
لهجتها الساخرة جعلت حاجبًا واحدًا منه يرتفع بشك قطعته بجملتها متابعة:
- المهم بقى أنا كنت بتصل عشان أسألك، اصلي بدور على سلسلة كانت في رقبتي وانا راجعة من الشغل امبارح، ودلوقتي بدور عليها في كل حتة مش لقياها...
قاطعها باستظراف يستفزها رغم علمه بما تقصده:
- اه بقى، وانتي دلوقتي متصلة عشان اعملك محضر ولا اخلي الشرطة تبحث عنها.
- هه هه هه.
ضحكة سخيفة اطلقتها بغيظ جعلته يضحك بصوت مكتوم بعدم مقدرة على التوقف، فمشاكستها أصبحت من أحب الهوايات لديه، ف استطردت بسأم:
- يا حضرة الظابط انا قصدي تشوف العربية، لتكون سقطت مني وانا مش واخدة بالي اثناء توصيلك ليا.
- امممم
زام بها بفمه، ليكمل بلمحة من الجدية يتصنعها عن قصد:
- خلاص يا لينا فهمت قصدك، على الرغم اني مش مقتنع بس حاضر، هدور واشوف.
تنهيدة نزقة خرجت منها لتصله عبر الاثير أنفاس حاده قبل أن تنهي بما يشبه الإمتنان:
- ماشي يا حضرة الظابط، ع العموم لو لقيتها يبقى شاكرين افضالك.
ردد خلفها بتشدق:
- لو لقيتها يا لينا هتصل واقولك ؟!
- لو لقيتها يا سيدي اتصل وبلغني، سلام بقى
- سلام .
انهى المكالمة ليضع كف يده داخل جيب بنطاله، ثم يخرج هذا الشي الأنيق والذي وجده منذ الأمس بالصدفة بعد رجوعه للمنزل بعد زيارتهم، على المقعد الذي كانت تحتله، سلسال ذهبي يتدلى منه قلب مع عين زرقاء وكف فضي أيضًا لمنع الحسد، غمغم بمرح وهو يتأمله ويلفه حول سبابته:
- ودا هندور عليه ازاي بقى؟ دا انا كدة لازم ادور بضمير عشان القاه.
❈-❈-❈
خرج من الغرفة ليجد والدته وشقيقه على مائدة السفرة في انتظاره، القى التحية على عجالة بدت كغمغمة وهو يسرع الخطا ليقترب ويجلس سريعًا، حتى سبقهم في تناول الطعام، عقب حسن محتجًا لوالدته:
- بقالك ساعة لطعاني استنى الحليوة عشان نجتمع وناكل مع بعضينا، اديه خرج يحف من غير ما يستنا ولا يقول بسم الله حتى.
- والله العظيم سميت.
قالها أمين يلوك في الطعام الذي يمتلأ به فمه، لتعلق مجيدة وهي ترمقه بابتسامة خبيثة:
- معلش يا حبيبي اصل ما بينش عليك ابدًا انك نطقتها، اللي يشوفك ما شاء الله عليك يعني، يقول انك بتاكل لناس تانية معاك.
تقلصت تعابير وجهه يدعي الضيق ليلوك ببعض التمهل حتى يسلم من السنتهم، ولكن مجيدة لم ترحمه:
- لينا بتتصل عايزة تسألك في إيه يا أمين؟
توقف فجأة عن المضغ، وبدا وكأنه يفكر، قبل يعود للطعام مرة أخرى، يدعي إجابة بدون تركيز:
- عادي يا ماما، بتسأل على حاجة كدة، هبقى اقولك عليها بعدين.
ردت مجيدة بلهجة يملأها الإصرار:
- وبعدين ليه بقى؟ ما تقول دلوقت.
حاصرته بقولها، وهو لا يريد الرد لأنه لا يضمن فعلها، ولكن وفي رحلة بحثه عن رد مناسب تدخل حسن قائلًا:
- يعني سبب التأخير في الخروج م الأوضة عشان انت بتتكلم في التليفون مع لينا؟
استغل أمين ليبعد تركيز والدته عنه فصاح بمبالغة:
- وما اتكلم يا سيدي زي ما انا عايز اتكلم، ما انت بتحب طول الليل في التليفون مع خطيبتك، جات على العبد الغلبان يعني، انا قايم وسايبهالكم، دا انتوا بقيتوا غلسين اوي.
وصل الى الباب الخارجي ليلقي بعبارته الأخيرة، قبل أن يغادر نهائيًا ويتركهما:
- عالم غريبة والله.
ردد حسن باستهجان وهو يطالع اثر الباب الذي صفقه شقيقه:
- دا بيقول علينا احنا عالم غريبة يا ماما، هو الواد ده ماله؟
تبسمت مجيدة بمكر تجيبه:
- معلش يا حبيبي، هو فاكر انه كدة هرب من سؤالي، ولكن حياتك عندي يا غالي، لاعرف منه هو نفسه كل حاجة، استنى عليا بس لما يرجع.
❈-❈-❈
بأعين متوسعة على وجه شاحب كشحوب الموتي، بتخيلها لما كان سيحدث بها وما حيك حولها من خطة غريبة للإيقاع بها، تسبقها شواهد هي وحدها من كانت تعاني منها ولا يشعر بها أحد.
- انا كان هيتعمل فيا كدة؟ ومن مين؟ من حامد اللي بيشتغل عندي كمأن؟
صرخت بها بعدم استيعاب ليضيف على قولها كارم بحدة، وبدون تصديق نحو محمد الذي كان يسرد على عجالة:
- ازاي يعني؟ دا راجلي اللي شغال تحت إيدي بقالوا سنين، يجي دلوقتي ويخوني بالطريقة الدنيئة دي؟ وانت..... وانت اللي تقدر على بغل زيه وتنقذ اختك؟ ايه الفيلم الهندي ده؟
تدخلت كاميليا بدفاعية عن شقيقها برد حازم وموجز:
- والله الأسئلة دي انت اللي تحاول تلاقي اجابتها من نفسك، ولو تروح القسم اللي بلغنا فيه وتتأكد، واهو وبالمرة تعرف لنا مين الست اللي كانت معاه، أكيد ليها علاقة بيك يا كارم .
قولها الاَخير اثار بقلبه الضغينة ليهدر بها والشرر يتطاير من عينيه:
- انتي تخرسي خالص ومدخليش نفسك في الموضوع ده احسنلك.
- إحترم نفسك يا أخ انت، انا مش هسمحلك تعلي صوتك على مراتي.
قيلت بقوة قاطعة من طارق الذي كان واقفًا بتأهب لأي رد فعل منه، ليزيد على حنق الاَخر، يحدجه ببغض، قبل أن يرد له:
- وانا إيش ضمني ان الموضوع ده ما يبقاش لعبة منك ولا من مراتك، بعد ما فشلت كل محاولات الصلح معانا أنا ومراتي.
بحالة من الذهول الغير عادي رددت كاميليا بعدم استيعاب:
- إنت مجنون؟ يعني انت بعد كل اللي قولناه ده عقلك برضوا بيفكر بنظام المؤامرة، وان كل اللي حصل دا لعبة مننا، انت مصدق نفسك؟
- أه مصدق نفسي.
قالها بتحدي يثير التعجب، ليأتيه الرد المفاجئ من رباب نفسها:
- بس انا مصدقة يا كارم، عشان كنت شاكة فيه بقالي فترة ونبهت عليك تغيره.
تقلصت تعابيره بارتباك ملحوظ لقولها المباغت له أمام اعدائه، فخرج رده بدفاعية:
- انتي قولتي انك عايزة تغيري السواق والحارس عشان مش عاجبينك، ما وضحتيش سبب منطقي عشان انفذ طلبك.
- عشان مكانش معايا دليل.
صرخت بها بأعين باكية وبقهر تتابع:
- دايما كانت بتجيني رسايل مريبة من معجب مجهول، في الأول كنت بطنش، لكن لما زادت عن حدها اشتكيت لمروان اخويا، بس قالي متخديش في بالك، لكن الرسايل دي زادت حدتها لما بقى المجهول يوصف اللي لابساها ويحدد الأماكن اللي بروحها بالتفصيل عشان يجنني، كل ده كان بيخليني اشك في الاتنين حامد والسواق.
مع قولها الصادم وهذه الحقيقية التي رمتها بوجهه وسط هذا الظرف وامام هولاء، اربد وجهه بظلام دامس، براكين الغضب في عينيه تقدح شررًا، عروقه اصبحت بارزة، يضغط على قبضته حتى ابيضت مفاصله، فخرج سؤاله من قعر الجحيم، يجاهد بكل قوته حتى لا يفتك بها أمامهم:
- ولما انتي بيحصل معاكي دا كله، مقولتليش ليه؟
ردت بصيحة غير مبالية، وقد سقطت الأقنعة ولم يعد لديها ادنى طاقة للمواربة:
- عشان كنت خايفة منك، لأن كنت متأكدة أن عمرك ما هتصدقني، السنين اللي عيشتها معاك خلتني عرفتك كويس، إنسان ظالم، والنية السيئة بتسبق عندك في أي شيء، كنت هتحط اللوم عليا، ومش بيعيد تقتلني من غير بينة.
- أنا كنت هعمل كدة؟
تفوه بها، يعتبرها إهانة في حقه، رغم زحام الأفكار التي كانت تدور كالرحا برأسه الاَن في هذه اللحظة، وبموقف القوة التي لا يتخلى عنها، تابع ينهي النقاش رافعًا سبابته أمامها بتهديد:
- انا خارج دلوقتي حالا اتأكد من صحة الكلام ده، وسواء كان طلع صح ولا غلط، الحساب ما بينا وع الكلام اللي اتقال دلوقتي مش هيعدي بالساهل يا رباب.
تحرك بعضبه وقبل أن يصل لنصف المسافة استدار مؤكدًا:
- وحطيها قاعدة في دماغك.
قالها متوجها لفتح باب الغرفة والذي تفاجأ باندفاعه للداخل فجأة، ليلج منه جاسر الريان وخلفه مدير امنه الشخصي إمام، تواجهت الأعين بحديث سريع ومقتضب، قبل ان يبادر جاسر بإلقاء التحية:
- مساء الخير يا جماعة، عامل ايه يا كارم؟
أخرج كتلة من الهواء ليبدوا متماسكًا ومسيطرًا كعادته في الرد بلهجة تبدوا عادية:
- أنا تمام وفل الفل يا باشا، بس مضطر اَسفًا إني أسيبك دلوقتي، عشان عندي مشوار ضروري لازم اعمله، عن أذنكم.
❈-❈-❈
ترجلت صبا من حافلة العمل الخاصة بموظفي الفندق وكانت في طريقها نحو وجهتها تتبع رئيسها الذي كان بالصدفة يمر أمامها، ولكنه لم ينتبه عليها خلفه، همت لتناديه حتى يقف وينتظرها لترافقه إلى القسم ولكن رنين الهاتف منعها، توقفت لتنظر من المتصل، فتقلصت تعابير وجهها بالضيق وهي ترى الرقم المميز على شاشة الهاتف أمامها، لتستجيب مضطرة للرد على صاحبه وقد تذكرت كلماته بالأمس عن وضع مودة:
- الوو السلام عليكم.
- السلام عليكم يا صبا، عاملة ايه بقى؟
سألها بنبرته الهادئة والتي دائمًا ما تثير عصبيتها، تمالكت لترد بجديتها المعهودة:
- تمام والحمد لله يا فندم، كنت عايزة أسألك بقى عن مودة.
- كدة ع التليفون يا صبا.
قالها ليصدر صوت طقطقة بفمه قبل أن يتابع:
- أنا منتظرك تجيني عشان افهمك الوضع كويس.
اومأت برأسها ترد سريعًا:
- تمام تمام يا فندم، يعني انا دلوقتي لو جيت المكتب هدخل على طول.
- لأ.
قالها لترد بعدم فهم:
- لأ ليه؟
ردد يؤكد لها:
- بقولك لأ يا صبا، عشان انا مش موجود في الفندق النهاردة، انا عندي اعمال تانية بتابعها، لكن عشان خاطرك مخصوص اضطريت اوقف النهاردة ساعة وانتظرك في المطعم.
باستنكار احتلط بعدم التصديق رددت خلفه:
- مطعم ايه اللي عايزيني اجيلك فيه؟
اجابها محافظًا على هدوئه المستفز،
- المطعم اللي جتيه المرة اللي فاتت يا صبا في عيد الميلاد ولا انتي مش فاكرة؟
افتر فمها وهمت أن تجيب برد غبي وليحدث ما يحدث بعدها، ولكن صوت الحكمة بداخلها لجم لسانها في اَخر لحظة، ليخرج صوتها وبصعوبة شديدة تجاهد لكبح انفعالها:
- يا فندم مينفعش انا المرة اللي فاتت روحت على عزومة كلها بنات، لكن دلوقتي بقى اروح ليه على مطعم غريب مع راجل غريب، مع احترامي طبعًا لحفظ الألقاب مع حضرتك، بس دا مينفعش معايا، دا......
- صبا انا مش تحت أمرك انتي وصاحبتك.
قالها بحزم وقد تخلى عن بروده ليردف:
- عارف ان تقاليدك تمنعك بس انا مش طالبك في شقة خصوصي، دا مكان عام وانتي جاية بصفتك موظفة عند رئيسك صاحب العمل بخصوص مشكلة تخص زميلتك في العمل.
توقف برهة يصله صوت أنفاسها، ليتابع بصرامة:
- قدامك ساعة تحصليني فيها قبل ما امشي واسيب المطعم، دا لو عايزة حل لصاحبتك، لكن لو مش عايزة انتي حرة، أنا مش راجل فاسد ولا سيء السمعة عشان تخافي مني، عن أذنك يا صبا.
قالها وأنهى المكالمة، ليتركها في تخبطها وقد فاز في هذه الجولة بتكبيلها ونزع الخيارات عنها، لتوافق مجبرة، فلا مناص من التهرب او التراجع لقد بدأت طريق ومن الواجب أن تنهيه، ضربت بقدمها على الأرض لتستدير مغادرة نحو المطعم البائس، مغمغمة بالكلمات الحانقة عليه وعلى اليوم الذي رأت فيه مودة واليوم الذي طلبت فيه من شادي مرافقة هذه الفتاة للعمل معها هنا في الفندق.
❈-❈-❈
- وايه تاني كمان؟ كملي.
قالها ابراهيم في جلسته مع أمنية على إحدى الكافيهات الشعبية والمنتشرة على كورنيش النيل بكثرة، لتتابع له الأخرى بأسلوب يقارب الولولة، وهو يستمع بانتباه شديد دون كلل أو ملل:
- أكمل ايه تاني؟ بقولك جايبلها هدايا ياما وكلهم حاجة فاخر من الاَخر زي ما بيقولوا، دا انا صورت الطقم الفوشيا بس وسألت على تمنه في جروب ع الفيس، عرفت انه غالي نار، عارف يعني ايه غالي نار؟ يعني الطقمة اللي اشتريتهم كلفوا العريس مبلغ وقدره وهو لسة حتى مكتبش كتابه، ولا حتى لبس دبل، واخد بالك بقى من الكلام ده يا براهيم؟
نثر بطرف سبابته الرماد المحترق من السيجارة التي يدخنها ليسألها بهدوء مريب:
- قصدك إيه يا أمنية؟ مش فاهمك.
ضربت بكفتيها على فخذيها مرددة بغباء أعماها عن هيبته الغير مطمئنة:
- لأ انت فاهم يا ابراهيم، يعني متعملهمش عليا، دا انت يدوب لبستني الشبكة وكأنها خلصت على كدة، مفيش مرة جيبلتي فيها شنطة ولا جزمة ولا بوك حتى، مش هدووم بالكوووم، كدة مرة واحدة.
بابتسامة جانبية جافة رمقها وهو يدخن من سيجارته بنهم، لينفث الدخان في الهواء، قبل أن يفاجئها بقوله:
- عينك زاغت ع البشمهندس ابن الناس يا أمنية، ومبقتش انا مالي عينك صح؟
بوجه انسحبت منه الدماء، وقد وعت لنفسها بعد هذا الإسهاب الأحمق منها، لتردد نافية على الفور برعب، تخشى رد فعله العنيف:
- لا والله يا ابراهيم، أنا عمري ما اقصد الكلام ده، دا انا بس بقول ع الهدايا، ااا أصلها عجبتني بصراحة، وبنفس الوقت اضايقت، عشان انا الصغيرة، يبقى انا الأول بالدلع ده كله، مش هي.
على نفس الوتيرة أردف بلغة النصح ليزيد على جزعها:
- يا بت خالتي انا مش غريب عنك، انتي عرفاني وعارفة حالي م الأول، أينعم ابويا مقتدر، بس انا اخري باخد اجرتي زي أي عامل عنده في الدكان، يعني هاجي اي بقى جمب البشمهندس خطيب اختك ولا اخوه الظابط، ولا والدته اللي عاملة فيها الست المتواضعة، وهي راشقة في عيلة تسد عين الشمس بالبهوات رجال الأعمال ولا الرتب العالية فيها.
- إنت جيبت المعلومات دي منين؟
سألته وقد اعتراها اندهاش شديد من كم المعلومات التي يلقيها عليها مرة واحدة وبدون تمهيد، فجاء رده بنبرة تقارب الإقناع:
- طبعًا سألت عشان اعرف أصلهم وفصلهم، ولا انتي فاكراني هعديها كدة؛ ان واحد غريب يدخل على خالتي وبنات خالتي، من غير ما اعرف هو مين ولا عيلته ايه؟
كالعادة وبدون تفكير أو تدقيق، صدقت حجته لتردف بغليلها:
- عشان كدة بقى، شايفة نفسها وبتقول يا أرض انهدي ما عليكي قدي، طبعًا من حقها، فضلت تستعبط وتقول انا مش عايزة اتجوز، وهي بتنمر ع الجوكر اللي يقش، ااه.
خرجت الأخيرة منها بحرقة تعض على قبضتها المضمومة من الغيظ، عقب على هيئتها بابتسامة ماكرة:
- محروقة منها أوي انتي يا أمنية.
ردت موافقة بتحسر:
- أوي يا ابراهيم أوي، اصلك متعرفش هي اتغيرت وبقت ازاي؟ دي بقت مهتمة أوي بنفسها، بتحط كريمات ومكياج، وتلبس الجديد، لو شوفتها النهاردة وهي نازلة الشغل هتصدق كلامي.
- شوفتها.
دمدم بها بداخله وبذهنه يعيد الصورة الجديدة لها، أو بمعنى أصح، تستعيد أمجادها القديمة، في الجمال والأناقة التي كانت تتميز بها، دونًا عن كل فتيات المنطقة، الحلم الذي كان يؤرق لياليه طويلاً.
- سرحت في إيه يا براهيم؟
قالتها أمنية لينتبه لها، فنظر لها بمكر قائلًا:
- في حالكم طبعا يا أمنية، اصلي يعني جوازة عليوي زي دي، أكيد لازمها جهاز عليوي من اختك، ودا طبعا هيكلف أضعاف.
رددت بسخط وقد تلون وجهها بالغضب:
- يكلف أضعاف، ودي هتجيب منين ان شاءالله؟ ولا هي فالحة بس تعملهم عليا وتقول ان مفيش فلوس لجهازي؟
مط بشفتيه يردف بفحيح:
- يبقى لازم تخلي بالك يا أمنية وتبقي عينك على كل قرش داخل أو خارج، دي ممكن تشتري عمارة وانتوا بهبلكم مش حاسين.
وقع قلبها تحت قدميها لتصيح بعدم احتمال تخيل الفكرة نفسها:
- يا نهار اسود، يعني ممكن تعملها صح؟ طب انا هعرف ازاي يا ابراهيم؟
أخرج من فمه دخان كثيف بانتشاء وقد وصل إلى مبتغاه ليردف:
- انا هقولك يا أمنية هتعملي إيه؟
❈-❈-❈
وصلت إلى الطابق الثاني من المطعم، بعد سؤالها عنه في الأسفل فور ولوجها بداخله، لتجد إحدى النادلات تسحبها من يدها بعد أن عرفت عن هويتها، ثم تأتي بها إلى هنا، في هذه القاعة الفاخرة، والمحاطة بالزجاج الشفاف من كل الجهات، بإضاءة طبيعية، نتيجة الشمس التي تحدها من جميع النواحي، ومع برودة المكيف المركزي، لتجعل جوًا مميزًا من الرقي والرفاهية المبالغ فيها، وصاحب المطعم جالسًا على طاولة مستديرة وحده، ارتصت أمامه العديد من الأصناف الخاصة بالمطعم، يتابعها بعينيه وهي تقترب بخطوات مترددة، وشعور بعدم الراحة يطبق على أنفاسها مع هذا الهدوء المريب وخلاء المطعم من الرواد.
- السلام عليكم.
القت التحية فور أن وصلت إليه، لتجده انتفض واقفًا بزوق أجفلها، لتمتد كفه إليها بغرض المصافحة قائلًا:
- وعليكم السلام، إزيك يا صبا؟
بفعل طبيعي اضطرت لمبادلته المصافحة، مع إحساس بعدم الجدوي لذلك، الا تكفي التحية الشفهية:
- اهلا يا فندم.
قالتها باقتضاب وقد تمكنت من سحب كفها سريعًا، ادهشه فعلها فابتسم ليجلس ويدعوها:
- اقعدي يا صبا.
خرج ردها سريعًا بانفعال:
- اقعد فين يا فندم؟ المطعم فاضي.
زاد اتساع ابتسامته وهو يستريح بجلسته على المقعد قائلًا بتسلية:
- فاضي فين يا صبا؟ امال انا قاعد هنا بعمل إيه؟ ولا الجرسونات اللي واقفين ورايا دول، شفافين أوي لدرجادي يعني عشان متشوفيهمش؟
نظرت صبا نحو ما يقصد لعدد من الندلاء فتيات وفتيان واقفين بتأهب، لخدمة السلطان المعظم، والذي كان يستفزها بعنجهيته وهذا التعالي المبالغ فيه، رغم تكرار دعوته بلطف:
- يا صبا اقعدي، هو انتي هتفضلي واقفة؟
أخرجت كتلة من الهواء محتجزة داخل صدرها، لتجلس وتنهي هذا المشوار الثقيل.
انتشى بداخله ليبادره بقوله:
- اتفضلي بقى افطري معايا؟
باستنكار اعتلى ملامحها ردت بالرفض محتجة:
- لا طبعا مينفعش افطر حضرتك، افطر انت بألف هنا وشفا.
قابل رفضها بمناكفة قائلًا:
- ومالك بتقوليها وانت متعصبة كدة، دا فطار يعني حاجة بسيطة، ثم انا كمان محبش اكل لوحدي.
بدت الشراسة تتراقص على صفحة وجهها بشكل زاد من تسليته لترد بانفعال يقارب الفظاظة:
- يا فندم بقولك مينفعش، دي عادة واتعودت عليها، أخري كباية شاي بلبن وفيها بسكوتة، أكتر من كدة مقدرش.
- طب ما هي دي عادة غلط على فكرة يا صبا، لازم الفطار يبقى متكامل عشان صحة الفرد.
قالها ببرود كاد أن يصيبها بجلطة دماغية، بعدم قدرة على التحمل تنحت بوجهها عنه، حتى لا يزلف فمها بحماقة قد تضرها، ثم ما لبثت أن تعود بابتسامة صفراء تجيبه:
- ماشي يا فندم، لو قدرت اغير العادة الزفت دي، هغيرها ان شاء الله، المهم دلوقتي انا عايزة اسألك عن موضوع مودة، انا سايبة شغلي ولسة ممضتش حضور.
كان بوده المماطلة أكثر من ذلك ولكنها حاصرته بقولها المباشر فلم يجد أمام سوى الرد، تاركًا طعامه، ليركز كل حواسه معها:
- ماشي يا صبا هجاوبك عشان متتأخريش، ما انا برضوا مرضاش بأذيتك....
ركزت اهتمامها بشكل كامل معه، ليتابع بحرص حتى لا يتوه ببحر عينيها التي انعكس الضياء عليها، ليزيدها بهاءًا وروعة:
- شوفي يا ستي أنا كلمت مدام ناهد صاحبة الخاتم، هي في الأول كانت معترضة، بس انا لما ضغطت وافقت اخيرا بس بشرط:
- شرط إيه؟
- الشرط هو انها تمضي على وصل أمانة بتمن الخاتم، لضمان رجوعه.
دمدمت بعدم استيعاب:
- إيه؟ وصل أمانة، يا نهار اسود، وافترض ملقتهوش هيحصل إيه؟
رد يمط شفتيه بعدم اكتراث:
- دا كلام الست وحقها على فكرة، انها تملك ضمان في إيديها، ولا انتي مش ضامنة صاحبتك ترجعه؟
ردت عن قناعة أدهشته:
- انا لو مش واثقة فيها رغم كل عيوبها مكنتش هتدخل لها، ولا كنت هتجرأ واكلمك عشانها.
عاد بجسده للخلف بتفكير عميق وعينيه لا تحيد عن تفاصيلها على الإطلاق، ليردف بعرض آخر:
- خلاص يا صبا مدام انت واثقة فيها اوي كدة، ما تضمنيها انتي عند الست، انا شايف انك شكلك ثقة، ولو اتدخلت انا بتقلي كمان ممكن اخليها توافق على كدة.
❈-❈-❈
جيرمين!
ضرب الأسم برأسها كصاعق كهربائي دفعها بعنف عليًا فجأة قبل أن يوقعها مغروزة لسابع طبقة في الأرض، على الفور اكتنفها دوار جعلها تميل للخلف برأسها، مغمضة عينيها بتعب، انتبهت عليها كاميليا لتتلقفها سائلة بخوف:
- ايه مالك يا رباب؟ حاسة بتعب ولا حاجة؟
تطلع الجميع لها بانتباه، ف استدركت كي لا تزيد أمرها سوءًا مرددة بلهجة مطمئنة:
- اطمنوا يا جماعة مفيش حاجة، انا بس استغربت من الأسم، دي جوزها يبقى ابن عم كارم، راجل كبير ومحترم......و... هو انتوا متأكدين من الكلام ده.
- أيوة طبعًا متأكدين.
قالها حامد ليتابع شارحًا:
- كاميرات العمارة والشارع، جايبة الست بطولها من ساعة ما دخلت الشقة اياها ولحد ما خرجت بتجري تركب عربيتها، إحنا مجيبناس حاجة من عندنا.
اضافت على قوله كاميليا بظن رأسها لما تعلمه قديمًا بوجود علاقة وثيقة لهذه المرأة مع كارم:
- الست دي بتنتقم من جوزك فيكي، أنا عارفة من الأول إن في علاقة تجمعها بيه.
اومأت لها بهز رأسها وقد جف ريقها لهذه المصيبة الغير متوقعة على الإطلاق، ماذا تقول؟ والحقيقة المخزية لفعلتها في تصوير المرأة في علاقتها مع زوجها، هي المسبب الرئيسي لكل ما حدث.
وصلها صوت طارق بحنو يطمئنها:
- متقلقيش من حاجة يا رباب، ولا تشيلي هم جوزك المجنون ده، احنا كلنا حواليكي بقلبنا، ندافع عليكي بروحنا.
اضاف جاسر على قوله:
- دا غير ان اللي عملوا كدة هيتجابوا من قفاهم، البوليس شغال واحنا كمان شغالين ومش هنهدى غير لما يتحاسبوا وياخدوا جزاءهم.
إمام هو الاَخر خرج قوله بتفاخر وأعين مشبعة بأعجاب نحو محمد:
- وراكي رجالة يا ست رباب، واديكي شوفتي بنفسك اصغر فرد في العيلة حلها لوحده من غير بوليس ولا مساعدة، بطل على حق.
تبسم الجميع ردًا على قوله، كما ضحك محمد مرددًا له:
- واحنا نيجي فيك ايه بس يا عم تايسون.
اطلق إمام ضحكة عالية قبل أن يرد بجدية هذه المرة:
- حلوة تايسون دي، بس عشان منبقاش اللي بنهيل بزيادة للبطل قبل ما يتغر ويقع على راسه، انت غلطت يا محمد.
بصدمة وتحول مفاجئ من الفرح إلى شعور بعدم الفم سأله مندهشًا:
- أنا غلطت طب في إيه؟
جاءه الرد من جاسر هو الاَخر:
- مكانش لازم تدخل شقة غريبة وتتواجه مع واحد بالحجم ده، دا ممكن كان قتلك ساعتها، او كان عمل فيك حاجة بشعة لا قدر عشان يكتم نفسك.
رد محمد بدفاعية مبررًا:
- ما انا مكنتش فاهم حاجة والله، كل اللي كان في دماغي هو إني اطمن عليها، تفكيري ساعتها مكنش موصل انها عملية خطف نهائي.
رد إمام بابتسامة مشاكسة غامزًا:
- دا عشان كان حظك حلو، بالك انت لو كبير شوية كنت أكيد هتفكر قبل ما تخطي خطوة وتعمل حسابك كمان، بس برضوا دا كان كرم من ربنا، خطوتك الغير محسوبة دي عجلت بإنقاذ اختك قبل ما يحصل فيها حاجة على ما يجي البوليس.
- الحمد لله.
تمتم بها الجميع بارتياح، مترافقة مع دمعات ساخنة سقطت على وجنتي صاحبة الأمر، وقد أثرت فيها الكلمات التي عنت لها الكثير الاَن.
توقفت على طرق على باب الغرفة، قبل أن يلج لداخل الغرفة رجل غريب موجهًا حديثه للجميع:
- هي دي غرفة مدام رباب؟ أنا الظابط المكلف بالتحقيق معها في قضيتها.
❈-❈-❈
بداخل قسم الشرطة وعلى الكرسي المقابل لحضرة الضابط المتابع لقضية زوجته، كان يتناول منها الصور التي انطبعت من كاميرات التسجيل في المبني والشارع، يشرح له بإيجاز عما تم التوصل إليه:
- زي ما انت شايف حضرتك، دي صورة الراجل اللي اتعرف عليه اخو المدام وقال ان اسمه حامد من كلام حارس العمارة وبنته، واللي قالوا كمان، انه صاحبنا ده كان مأجر الشقة من شهور بس، فكان بيتردد عليها لوحده والست دي اللي ظهرت معاه امبارح، كانت اول مرة تزور الشقة، دخلت بنسخة من المفتاح وفضلت مستنياه على ما وصل بالمدام، زي انت شايف كدة يا فندم، وهو شايلها متخدرة بمادة قوية مستوردة من الخارج، على حسب كلام الطبيب اللي اسعفها.
بدم يغلي كسيل الأسيد الحارق في أوردته، كان يتأمل الصورة وهذا الحيوان الذي يضع يده على زوجته ويحملها حتى يفعل بها ما يشاء، وبمشاركة من جيرمين، عشيقته السابقة والتي تركته من نفسها، بعد مدة قصيرة من زواجه، الكلب الخائن والعشيقة الفاسدة، ترى ما الذي جمع بينهما، ليتفقا عليه؟ وينتقما منه في زوجته؟
إجابة السؤال سيعرفها قريبًا بعد أن يأتي بهم كالبهائم، ليذيقهما من الوان العذاب شهورا وايام، حتى يكتفي، قبل أن يتخلص منهما.
- كارم باشا.
هتف بها الضابط حينما طال تأمله في بعض الصور، رفع رأسه بتماسك يحسد عليه، ناظرًا إليه بتساؤل، فتابع له:
- كنت عايزة اسألك يعني لو تعرف الست دي، زي ما اتعرفت على حامد الحارس بتاع المدام بصفحة ثلجية شملت ملامحه، رسم الجمود يجيب بإنكار محكم:
- طبعا اعرفها، دي تبقى مرات ابن عمي اللوا نجيب، بس انا اللي اعرفه انه راجل محترم، متخيلتش ابدًا أن مراته تطلع بالأخلاق دي....
رواية و بها متيم انا الفصل الثلاثون 30 - بقلم امل نصر
منكفئة على بعض الحسابات والأوراق الهامة التي تعمل عليها، كانت تجاهد وبصعوبة في التركيز لإنهاءهم.
فنظراته المصوبة نحوها بهذا القرب، وقد كان جالسًا مقابلًا لها على الطرف الآخر من المكتب، مستندًا بمرفقه يطالعها برأس مائل يشاكسها بتلاعب حاحبيه، حتى لم تعد قادرة على كبت الضحك أكثر من ذلك لتهتف به محتجة:
- ما كفاية بقى يا عم، هو انت حد مسلطك عليا؟
بنظرة البريء المتهم بالظلم، أشار بسبابته على صدره قائلًا:
- أنااا، أنا يا شهد متسلط عليكي؟ طب ليه؟ دا انا حتى قاعد بريء ومؤدب.
- أووي.
قالتها ساخرة لتتابع مرددة بضحك مكشوف:
- مؤدب اوي بصراحة يعني، أموت واعرف، هي لو مكنتش أبلة مجيدة شديدة وصعبة في تربيتك على حسب كلامك، ساعتها كانت اخلاقك هتبقى ازاي يا حسن؟
رد مضيقًا عينيه يقارعها بمناكفة:
- يعني انتي شايفاني مش متربي؟ ليه يا شهد واخدة عني الفكرة الوحشة دي؟ ايه اللي أوحالك بكدة؟
ضربت بكفيها ضاحكة بملأ فمها مرددة خلفه بسخرية:
- إيه اللي أوحالي؟ انت كمان بتسأل وعايز إجابة؟ يا حسن اعقل عايزة اخلص الحسبة المنيلة دي، بقالي ساعة بعيد وازيد على نفس البند من أفعالك.
- تاني برضوا هتقولي أفعالك؟
دمدم بها ليباغتها فجأة بخطف المستند قائلًا بعملية:
- طب هاتي بقى وخلينا نشوف الحسبة دي، حتى عشان نروح بقى كفاية.
ردت معترضة بعند محبب:
- طيب ما تروح انت يا سيدي حد ماسكك؟
رد غامزًا بعينيه:
- الهوى هو اللي ماسكني ومثبتني، اعمل ايه بقى في قلبي؟
- سلامة قلبك.
قالتها بدلال الأنثى، وقد ابهجتها كلماته ومزاحه اللطيف الذي ينزل على قلبها كنسمة رقيقة مرطبة في عز حر الصيف القاسي، أو كغيث يسقط على الأرض القاحلة، لتُزهر وتخضر بألوان مختلفة للورود.
وجاء رده بزوق لا يخلو من المداعبة:
- شالله يسلمك يارب ويحفظك، وينولك اللي في بالك، وتتجوزيني.
- وايه؟
تفوهت بها لتنطلق بموجة أخرى من الضحك المتواصل، حتى تخضب وجهها بالحمرة التي كانت تجعلها شهية في عينيه كقطعة فروالة طازجة، لتعلق اخيرًا:
- إنت مشكلة يا حسن، أقسم بالله ملكش حل.
- لا والله في حل، اتجوزيني وانا اقولك الحل فين.
قالها متابعًا لمزاحه الذي لا ينتهي، وقبل أن تتمكن شهد من الرد عليه، تفاجأت بالصوت القبيح:
- بسم الله ما شاء، منورييين.
توقفت عن الضحك والتفت رأسها نحوه لتتفاجأ به ساحبًا معه همها الثقيل شقيقتها، والتي ألقت تحيتها بابتسامة ماكرة:
- مساء الخير عليكم يا جماعة؟
ردد حسن خلفها التحية، ولكن شهد انتفضت تسألها بقلق:
- خير يا أمنية في حاجة؟
تولى ابراهيم الرد وهو يقترب مصافحًا حسن بمودة كاذبة:
- هيكون في إيه بس يا شهد؟ عامل ايه يا بشمهندس؟ كويس؟
بادله حسن المصافحة بابتسامة صفراء:
- كويس ولله الحمد، أزيك انت؟
- وانا كمان اشطة.
قالها ليتجه نحو شهد التي كانت تطالعهم بتوجس، وشعور بعدم الارتياح يكتنفها بمجيئهم، فقالت امنية مخاطبة لها:
- احنا كنا بنتفسح قريب من هنا، طأت في دماغي اجي اشوف مكتب ابويا الله يرحمه، انتي بتشتغلي فيه لوحدك يا شهد؟
قالتها بنظرة خاطفة نحو حسن أيضًا لتثير حفيظتها، فهمت شهد على خبث تلميحها المبطن، وحدجتها بنظرة محذرة تقول مشددة على أحرف الكلمات:
- احنا في مكتب شغل، يعني الباب مفتوح لأي حد يدخل، زي ما دخلتي كدة انتي وخطيبك، من غير احم ولا دستور حتى، هو انتوا كنتوا فين بالظبط؟
رد ابراهيم وعينيه تتجول في انحاء المكتب، لتقف على الصورة المؤطرة الكبيرة على أحد الحوائط لوالد شهد:
- ما قالتلك كنا قريبين من هنا يا شهد، الله يرحمك يا عمي ويبشبش الطوبة اللي تحت راسك، كنت طيب وأمير، وبتموت فيا.
قال الأخيرة موجهًا أنظاره نحو حسن الذي ردد خلفه هو الآخر:
- كان بيموت فيك! ...... طب كويس.
قالها بعدم اكتراث ليزيد من احتقان الآخر، وعلقت شهد وهي تنهض لتلملم الملفات والأوراق الهامة من فوق سطح المكتب:
- معلش هنقطع عليك حبل ذكرياتك مع الوالد الله يرحمه ويحسن إليه، عشان يدوب عشان ميعاد المرواح أزف.
تدخلت أمنية قائلة:
- كدة على طول ماشين، هو احنا لحقنا نقعد عشان تمشوا وتسيبونا؟
صاحت بها شهد وقد كانت على حافة الانفجار:
- تقعدوا فين، احنا هنمشي كلنا، بقولك ميعاد المرواح أزف.
قالتها وهي تضع الملفات في أحد أدراج المكتب، لتغلقها جيدًا بالقفل، قبل أن ترفع رأسها على قول الأخرى:
- ربنا يعينك يا أختي، بكرة بقى لما اساعدك، هشيل عنك كتير اوي.
- نعم؟
تفوهت بها شهد كسؤال، وقد ظنت أنها سمعت خطأ، لتردف لها بتأكيد:
- بقولك هساعدك يا حبيبتي، يعني تتشطري كدة وتجبيلي مكتب في الأوضة الصغيرة اللي جوا دي، أو حتى جمبك هنا، عشان امسكلك الحسابات، واشيل عنك بقى.
افت فاهها في محاولة لاستيعاب ما تقوله، وحركت رأسها باستنكار يقارب السخرية لتردد:
- نعم يا ختي؟ سمعيني تاني؟
❈-❈-❈-
- باباااا.
هتف بها الأطفال بلسان واحد وهم يركضون نحو مدخل باب القصر الذي ولج منه بغتةً، ليرفعهم إليه ويقبلهم.
ميسون التي تفاجأت بحضوره تسمرت على أريكتها باضطراب أفقدها توزانها، فبرغم غضبها والقهر الذي يشق قلبها منه، إلا أنها لا تنكر هذا الصخب الدائر بصدرها الآن، لوعة الاشتياق التي فاقت ألم الفراق، تجاهد لضبط أنفاسها المتلاحقة حتى لا تفضحها، وهو يقترب منها بحضوره الطاغي والأطفال، حتى بلغ منها الإرتباك أن تشعر ببرودة طفيفة بأطرافها ترقبًا لتحيته، أو ربما عودته، أو ربما مصالحتها.
- هاي ميسون.
قالها بإيماءة خفيفة برأسه نحوها، أصابتها بخيبة أمل بدلت بها كل المشاعر التي داعبت خيالها منذ قليل، أنه حتى لم يكلف نفسه عناء مصافحتها، أن تعانق كفه كفها، أن تشعر ولو لثواني قليلة بدفء قربه الذي حرمها منه منذ شهور، جلس أمامها على أحد المقاعد وهو ما زال يحتضن طفلها الأصغر، واليد الأخرى تناكف الآخر بالتمرير على شعر رأسه الكستنائي القصير، يتجاهلها عن عمد وكأنها جماد كالأريكة التي تجلس عليها، جاف وقاسي معها، ومع ذلك يمارس دور الأب الحنون مستغلًا عدم نضج الأطفال في السؤال عن بعده.
ابتلعت غصتها وقد تصلب جسدها، لترتدي هذا القناع الصقيعي في ادعاء عدم الاكتراث ردًا لكرامتها المهدرة، لتهتف بتجهم:
- إياد، زياد، روحوا انتوا الاتنين على أوضكم وكفاية لعب.
بدا على وجه الأول الاعتراض ولكن الأصغر كان أكثر جرأة في التعبير عن احتجاجه:
- انا عايز أفضل مع بابي، مش عايز اروح أوضتي.
زادت بحدة وشراسة يحركها العند:
- أنا قولت روحوا دلوقتي...... عايزة اكلم بابا في موضوع مهم.
سمع الأخير لينزل بطفله على الأرض، يهادنه ويطالب الآخر لاتباع الأمر:
- اطلعوا دلوقتي على أوضكم واجهزوا، عشان نص ساعة كدة وهنخرج نتفسح.
هلل الاثنين بكلمات المرح، قبل أن يركضا سريعًا لتبديل ملابسهم في انتظاره، وحين خلى المكان عليهما سألها:
- نعم يا ميسون عايزة إيه؟
أردف بسهولة زادت من سخطها لترد بانفعال متخلية عن واجهة القوة التي تتصنعها:
- عايزة اعرف ايه أخرتها؟ اخرة الهجران ده إيه يا عدي؟
مط بشفتيه يضع قدمًا فوق الأخرى ليجيبها ببرود:
- السؤال ده تجاوبي عليه انتي يا ميسون.
سألته بخفوت وقد توجست من إجابة تُحزنها:
- يعني إيه؟ وضح أكتر.
بلهجة المسيطر الواثق، نهض فجأة عن مقعده يصعقها بقوله:
- لا انتي فاهمة كويس يا ميسون، حددي انتي عايزة ايه وانا تحت أمرك في كل اللي تطلبيه، عن إذنك بقى اروح اشوف والدتي في جناحها.
بصق كلماته وتحرك ذاهبًا نحو مقصده، غير عابئًا بأثر القرار عليها، وقد توقف النفس بصدرها، أو هو مفعول الصدمة التي أصابت قلبها فنسي أن يعمل.
بهذه السهولة يخيرها على الفراق! بهذه السهولة يلفظها من حياته، وكأن ما بينهم لم يكن شيء ذا قيمة يستدعي المحاولة لإصلاحه، وان كان هو كذلك فكيف سيكون وضع الأطفال؟
❈-❈-❈-
وفي داخل مقر عمله بقسم الشرطة، وبعد أن عاد من مأمورية سريعة لم تستغرق منه وقتًا كبيرًا أو جهد مضاعف، في القبض على أحد المجرمين المبلغ عنهم في إحدى المدن الساحلية، وكأن مزاجه الرائق بهت أيضًا على حظه اليوم حتى في العمل، جلس بأريحية على مكتبه ليتناول الهاتف لإجراء المكالمة التي يؤجلها منذ الصباح،، فجاء الرد بعد فترة وليس على الفور كالمرة السابقة:
- ألوو مين معايا؟
- ألوو أنا أمين يا لينا، عاملة ايه بقى؟
صمتت لبرهة قبل أن يصله ردها:
- اَه.... هو انت اتصلت بيا قبل كدة من الرقم ده، عشان حاسة ان الأرقام دي مش غريبة عني.
أبعد الهاتف عنه قليلًا، ليغمغم بصوت خفيض لم يصل إليها:
- من مرة واحدة وحفظتي الأرقام، دا انتي اروبة وحقنة كمان.
- ألوو يا حضرة الظابط، روحت فين؟
هتفت بها من الناحية الأخرى حينما طال صمته، ورد يجيبها على الفور:
- أيوة يا لينا أنا معاكي،، ااه انا كنت بتصل بخصوص السلسلة اللي قولتي عليها.
ردت بلهفة:
- أيه ده بجد؟ لقيتها يا أمين.
تبسم بمكر يجيبها:
- انا لقيت واحدة، بس انتي لازم تقولي عن المواصفات عشان اتأكد.
- مواصفات ايه؟ هي لدرجادي العربية عندك سداح مداح، ولا هما كتير أوي كدة.
فهم مقصدها فتابع بخبث دون أن يصحح لها الخطأ:
- الله يا لينا، كتير ولا قليلين بقى، مش تقولي عن مواصفات سلسلتك عشان لو مش مطابقة ادور بقى على صاحبة النصيب.
زفرت بصوت عالي كاد أن يثقب أذنه، لتردف بحنق:
- السلسلة دهب واحد وعشرين، وو....
- خلاص يا لينا انا واثق فيكي، خلي بقية المواصفات لما اقابلك وتشوفيها بنفسك.
- تقابلني فين؟
- هبلغلك ع المكان بس قوليلي انتي بتخرجي امتى من الشغل؟
❈-❈-❈-
- جيتي لوحدك يعني المرة دي يا نور، دا حتى قبل ميعاد الجلسة.
تفوهت بها الطبيبة التي كانت جالسة أمامها، تطالعها بتمعن، وقلمها الذي تدون به الملاحظات داخل دفترها تتلاعب به، شاعرة بأن بها شيئًا ما متغير.
لترد الأخرى بعد أن ارتفعت أنظارها إليها، بنبرة خاوية:
- يمكن عشان اختصر واخلص بقى، بدال ما احنا بندور في دايرة مفرغة كدة، مفيهاش أي نتيجة.
تبسمت المرأة ترد عن قناعة:
- انتي بتقولي مفيش، بس انا متأكدة ان في نتيجة بدليل قعدتك قدامي دلوقت.
بسخط لم تقوى على كبته وشراسة المضطر لفعل شيئًا ما مرغمًا، هتفت بها:
- عشان انا اللي قررت اتكلم بعد ما تعبت وفاض بيا، هتكلم عشان تعرفي اني على حق.
حافظت الطبيبة على هدوئها وزادت في اللطف كي تمتص غضب الأخرى:
- طيب براحة على نفسك، لو انتي حاسة إن الكلام هيتعبك، بلاها منه.
صاحت بها معترضة:
- لأ مش بلاها، ومتكررهاش تاني عشان ممكن اخرج دلوقتي وساعتها مفيش رجوع عن قراري.
بكل سهولة قارعتها الطبيبة:
- براحتك يا نور للمرة الألف بقوهالك، أنتي حرة.
- لأ مش حرة.
قالتها لتصمت برهة تبتلع الغصة التي تشق حلقها من الألم، ثم أردفت رافعة راية الاستسلام، مسبلة أهدابها بتوتر جعل ارتعاش طفيفًا يغلف صوتها:
- أنا عمري ما كنت حرة، ولا عمري كنت الشخصية اللي انا عايزاها، أنا واحدة بائسة ابتدت حياتها بحلم جميل كنت عايزة أحققه، لكن للأسف تمن تحقيق الحلم ده كان غالي غالي أوي، تمنه كان اللعنة اللي هتفضل مرافقاني وتمنع عني أجمل أمنية تتمناها واحدة، وهي إنجاب طفل....
توقفت وكأن الكلمات اختنقت بجوفها، شعرت بمعاناتها الطبيبة، ولكنها ظلت صامتة تعطيها المجال كاملا دون تشوش لتخرج ما في صدرها، فخرج صوتها بعد فترة من الشرود جعلتها تبدو وكأنها داخل الذكرى:
- أنا هحكي من البداية.
❈-❈-❈-
بداخل السيارة التي كان يقودها حسن، تجاوره شهد على المقعد الأمامي، وقد احتلت شقيقتها وخطيبها ابراهيم المقعد الخلفي، بعد أن تطوع حسن بدعوتهم ليُقلهم للمنزل، وياليته ما فعل.
- عارفة يا شهد، ابراهيم النهاردة خدني على أحلى كازينو ع الكورنيش، دا غير الهدية الغالية اللي جابها لي، بوكس كبيرة مليان بكل حاجة بحبها.
هتفت بها أمنية في رغبة لإظهار نفسها، وبثرثرة لم تكف عنها من وقت دخولها السيارة بصحبة المذكور والذي انتفش ريشه يوزع الأنظار بين من يحتلان الكرسيين الأماميين، ليضيف بزهو لا يليق به:
- تعيشي وتدلع أحبيبتي، انتي اؤمري بس وكل اللي تشاوري عليه يا نونتي يُجاب.
رددت شهد خلفه بعدم استساغة لدلاله السمج:
- نونتي؟
بانتشاء مستفز ردت أمنية:
- اه نونتو، ما انا صغيرة ومن حقي ادلع ولا انت ايه رأيك يا بشمهندس؟
تفاجأ حسن بخطابها له في شيء خاص كهذا، فقال بحرج:
- اه طبعًا من حقكم، ربنا يهنيكم ببعض.
قالها ليزفر بسأم، يشعر بانسحاب الهواء من السيارة، فهذه الفتاة تملك موهبة غير عادية في السماجة وثقل الدم، بالإضافة لخطيبها صاحب سابقة الشجار معه قبل ذلك يشعر أن به شيء غريب لا يعلمه، وقد تدخل سائلًا له:
- طب وانت يا بشمهندس، بتدلع خطيبتك ولا هي اللي بتدلعك؟
هم أن يجيبه ولكنه انتبه على رفض شهد الصامت، وهي تحذره بعينيها، بشكل أثار استغرابه، فرد ينهي بذكائه:
- والله يا استاذ ابراهيم، دي حاجة بيني وما بين خطيبتي، تقدر تعتبرها كدة أسرار، محبش يطلع عليها غيرنا.
رده كان قاطعًا لدرجة أجفلت أمنية التي تبادلت نظرة ساخطة مع خطيبها الذي أفحمه الرد وزاد من ظلام قلبه وعينيه تتابع الجهة الظاهرة من وجه شهد، ونظرات الوله في أعين هذا الأحمق خطيبها المزعوم، وتلاعب كف يده الخبيثة في الأمام، والتي تحط على كفها كلما حانت الفرصة.
- وقف هنا خلاص.
هتفت بها شهد تفيقه من شروده، لتتابع موجهة الحديث نحوه:
- ابراهيم هينزل هنا عشان بيتهم آخر الشارع.
أجفلته بفعلتها ليضطر مجبرًا للترجل فور توقف السيارة، تدخلت أمنية بإصرار على حرق دمها:
- وينزل ليه؟ طب ما يجي يتغدى معانا، واهو بالمرة البشمهندس يدوق أكلنا.
قالت الأخيرة بمكر أشعل رأسها، همت أن تنفعل عليها، ولكن حسن كان الأسبق بحكمته:
- الفرص جاية كتير ان شاء الله، بس احنا نكتب الكتاب الأول.
قال الأخيرة ليقفز ابراهيم على الفور بعدم تحمل، مودعًا بقوله:
- عن إذنكم.
نظرت في أثره أمنية بقهر، تود القفز من خلفه لتلحق به، وظلت تحدج شقيقتها بنظرات نارية من مرآة السيارة، حتى إذا توقف حسن بالقرب من بنايتهم، ترجلت على الفور بعد أن ردفت بجلافة:
- حمد لله وصلنا، سلام يا بشمهندس.
طالعت شهد مرورها وهي تخرج زفيرًا من العمق بقنوط، مما جعل حسن المنتبه على تبدل حالها أن يسألها:
- مالك يا شهد؟
تطلعت إليه بحيرة المغلوب على أمره، تريد البوح عما يقلقها، وبنفس الوقت تخشى القادم، ابراهيم وما أدراك ما ابراهيم، شقيقتها المجنونة وما أغبى منها إن تحدثت هي عن حقيقة خطيبها المتلون ورغبته الدفينة بها وفي أذيتها، تعلم أنها لن ترحمها، إن لم تسبب لها فضيحة من الهواء، فكيف السبيل للخلاص مع عقلية كهذه؟ والنجاة ممن يتربص بها؟
- يا شهد اتكلمي، مالك يا ماما؟
عاد حسن يسألها بإلحاح على المعرفة، فتبسمت برقة تنكر بدلال تأثيرها عليه:
- مفيش يا سيدي، مفيش يا سي سون سون.
❈-❈-❈-
حينما خرج وقد كان في طريقه للمغادرة، وقعت عينيه على ابن عمه رجل الأعمال الهمام زوج البلوجر الشهيرة، التي رفضته قبل ذلك ولم تبالي بمشاعره نحوها.
وقد كان كارم يسبقه في الخروج نحو سيارته والحرس الخصوصي، الرجال الأشداء الذين تلقفوه كشخصية هامة ومؤثرة في المجتمع، ولكنه كان خارجًا من القسم، ترى ما الذي أتى به إلى هنا؟ أهي زيارة ودية لأحد الأقرباء من العائلة الكريمة؟ أم هي زيارة بغرض مصلحة ما يبتغيها؟ يرجح الأخيرة ولكن الفضول بداخله، يدفعه للتأكد، توقف فجأة ينتوي العودة للداخل، حتى يبحث ويسأل، ولكنه تفاجأ من ناحية أخرى بوجه مألوف، هذه الجميلة ابنة الرجل الصعيدي التي كانت حاضرة خطبة أخيه وشهد، تقف من مسافة ليست بالبعيدة، بجوار امرأة يعرفها من كثرة التردد على القسم بصفتها..... محامية حقوقية في قضايا النساء.
بدون أي تردد أو تفكير في أسئلة تحرك باتجاههما ليرى ما المشكلة.
❈-❈-❈-
كانت تقف بجوار سيارة المرأة التي عثرت على عنوانها من إحدى الجروبات وناقشتها بالأمس عن موضوع مودة وظرفها المادي الضعيف عن توكيل ما يدافع عنها، تفهمت المرأة الوضع وتطوعت للدفاع عنها، الفرصة التي تلقفتها صبا بكل ترحاب، رغم يأسها من نتيجة تذكر بعد هذه الشروط التي وضعتها المرأة على لسان عدي عزام.
كانت في هذا الوقت تتناقش معها عن بعض النقاط قبل دخول القسم:
- يا مدام انا فاهمة اني وضعها صعب، لكن مع ذلك لجأتلك يمكن تلاقي حل، بصراحة انا احترت واحتار دليلي وصعبان عليا يضيع مستقبلها.
جاء رد المرأة يسبقه تنهيدة بقنوط:
- والله يا صبا انا متطوعة عشان خاطرك وداخلة ادافع بضميري المهني رغم صعوبة القضية بعد حالة التلبس، لكن احنا بنعمل اللي علينا وربنا عليه التوفيق.
- السلام عليكم.
قالها لتلتف نحوه صبا فتوسعت أعينها بجزع، لظهوره المفاجئ لها، تمتمت ترد التحية بارتباك ملحوظ:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اهلا يا سعادة الظابط.
إنتبه أمين على حالة الإجفال التي انتابتها، مع انسحاب الدماء من وجهها بزعر يتفهمه، فقال ملطفًا بلهجة بدت عادية، وقد امتدت يده لتصافحها:
- جايبة في إيدك مدام صفاء، أكيد جاية تدافع عن قضية نسائية كعادتها.
ضحكت المرأة معقبة وهي تبادله المصافحة:
- ومالها القضايا النسائية يا باشا، دا حتى هي اللي مشغلة القسم.
ضحك أمين بملأ فمه مع المرأة ليذهب عن صبا بعض التوتر، فتابع بمزاحه:
- لا بصراحة عندك حق، دا حتى المثل بيقول ابحث عن المرأة.
قالها بمناكفة للمرأة التي ردت رافعة حاجبها بتحفز:
- اشعر ان خلف جملتك الاخيرة بعض التلميح المبطن، والغير مريح يا سعادة الباشا.
تابع بضحكه للمرأة حتى لمح طيف ابتسامة على وجه صبا جعلته يتشجع ليسألهما:
- يعني الموضوع فيه واحدة ست، طب قولولي بقى يمكن اساعد.
تراقصت مقلتي صبا تتنقل بين الاثنين بتردد وقد تلجم لسانها من الحرج، رغم رغبتها القوية لتقبل مساعدته، فهي في أشد الحاجة إليها، لكن جرأة المرأة قصرت عليها الطريق:
- بصراحة هي فعلا قضية نسائية، بس دي حالة انسانية واحنا داخلين فيها بقلبنا تطوع، على أمل اننا نلاقي حل.
ظهر الاهتمام على وجهه ليتوجه بخطابه نحو الاثنتين قائلًا بجدية:
- خلاص مدام كدة، تعالوا معايا المكتب جوا عشان اعرف منكم بالتفصيل.
❈-❈-❈-
بعد قليل
وباهتمام غير عادي كان يطالع الأوراق التي في الملف، وبنفس يستمع إلى حديث مودة وتعقيب المرأة الحقوقية، مع تذكره لملاحظات الضابط المكلف بالقضية، زميله عصام، حتى تكتمل الصورة برأسه، ليردف بسؤال سبقه العديد من الأسئلة الأخرى:
- يعني انتي متأكدة انك لقيتيها على الأرض، مش انتي اللي فتشتيش ولا سرقتيه؟
ردت مودة بدفاعية جعلت صوتها يخرج ببحة مختلفة:
- والله ما كنت قاصدة اسرق، دا انا كنت قابضة مبلغ حلو وعايزة أشبرق نفسي، طلعت مع ميرنا اللي دخلتني ع المول وسهلت عليا اشتري حاجات كتير بعلاقتها مع اصحاب المحلات، وانا كنت هطير من الفرحة والله لحد اما شوفت الفستان ده اللي لابساه دلوقتي في فترينة العرض، راحت مدخلاني ع الست النحس دي.......
قطعت لتستطرد ببكاء حارق:
- انا عارفة اني غلطت لما حطيته في جيبي، بس وحياة ربنا ما كنت اعرف ان قيمته غالية اوي بالشكل ده.
تحمحمت صبا التي كانت جالسة بالقرب منها أمام أمين لتقول بحرج مداعبة رغم كل شيء:
- انا آسفة في اللي هقوله، بس دي خصلة في مودة، ممكن نقول عليها زي المرض كدة، هي بتاخد الحاجات الخفيفة، ودا لظروفها المادية الصعبة والحرمان اللي عاشت فيه، أنا مش ببرر، لكن هي عمرها ما خدت حاجة غالية، لأنها ما تقدرش.
علقت المرأة بلمحة من الفراسة:
- بس انت مش واخد بالك يا فندم، ان خاتم بالقيمة دي ويكون مرمي ع الأرض، إنها حاجة غريبة ومش مفهومة، يعني فرضنا وقع من صاحبته؟ محستش بيه؟
اهتزت رأسه بإيماءة خفيفة معبرة عن اقتناعه، ليضيف عليها:
- لا دا كمان الهانم مكتشفتش السرقة غير بعد ساعات!
خيم الصمت على ثلاثتهن بتفكير جاد في جملته، فتابع بسؤاله لصبا:
- إنتي قولتي من شوية إن الست عايزة ضمان من مودة عشان تتنازل وتخليها تخرج تدور عليه، هو انتي اتفاوضتي معاها؟
هذه المرة جاء ردها مباشر دون تردد وقد توسمت فيه الخير:
- مش انا اللي بتفاوض، دا انا كلمت مدير الفندق بتاعنا، اصلي عرفت انه يبقى صاحب المول من كلام مودة.
قاطعتها ميرنا تتدخل في قولها:
- دي ميرنا هي اللي قالتلي، انا مكنتش اعرف إن يملكه.
- ميرنا دي هي نفس البنت اللي دخلت معاكي المحل.
قالها بتركيز شديد، لتضيف على قوله مودة:
- ايوة، ما هي اللي قالتلي اخلي صبا تكلم عدي باشا يضغط ع الست.
- عدي مين؟
- عدي عزام.
- عدام عزام يدخل لك انتي؟
قالها بريبة وصلت في البداية كإهانة لها، فتابع يصحح قوله غير المقصود:
- انا مش قصدي اقل منك انا بس مستغرب.
بزفرة مشبعة بالإحباط قالت صبا توضح:
- ما احنا شغالين موظفين عنده في نفس الفندق، انا بصراحة رغم ان الطلب كان تقيل على قلبي، اضطريت افاتحه وهو حر بقى لو مش عايز يوافق، لقيته بيقولي ان الست عايزة مودة تمضي على وصل بتمن الخاتم، يا اضمنها أنا.
- نعم!
- والله زي ما بقولك كدة.
- طب وانتي إيه دخلك؟
قالها باستهجان ورأسه تدور بالأفكار المتناطحة بحيرة من هذا الأمر، وردت صبا بعدم معرفة:
- بصراحة مش عارفة ايه وجهة نظرها في انها تورطني معاها، دي صاحبتي وانا عايزة اساعدها، ايه المشكلة في كدة؟
- وانت كان رأيك ايه يا صبا؟
سألها مباشرة أمام مودة التي احتجت بعفويتها المعتادة:
- لا طبعا، مينفعش صبا تتحمل المسؤولية معايا، أنا ممكن امضي على الوصل عشان اخرج، وان شاء الله هقلب البيت لحد اما الاقيه، ما هو بالعقل كدة هيكون راح فين يعني؟
- ربنا يستر وتلاقيه، لتزيد عليكي مصيبة الوصل كمان.
عقبت بها المحامية المدافعة، فجاء رده بحزم:
- لا هي هتمضي ولا صبا هتضمنها، أنا هلاقيلها صرفة.
- صرفة إيه؟
خرجت بلهفة على ألسنة الثلاثة في نفس الوقت، فرد يذهلهن بعرضه:
- انا هخرجها واروح معاها البيت على مسؤوليتي، مع فرد أمن تبعي يدور معاها كمان، عشان نشوف الخاتم ده اللي قالب الدنيا يا ست مودة.
ابتسامة سعيدة ارتسمت على وجوه الثلاثة، وقد استطاع بحنكته رفع الهم الذي أثقل ظهورهن، وهللت مودة ببهجة الشعور بقرب الفرج:
- ربنا يخليك يا سعادة الباشا، اللهي يارب ما يوقعك في ضيقة أبدًا، ويرزقك بكل اللي بتتمناه.
❈-❈-❈-
- أنا كنت بنت وحيدة لوالدتي، مكانتش امي مثالية وبرضوا مكنتش وحشة، ربتني لوحدها ودا لأنها كانت زوجة تانية، لراجل ميعرفش واجباته غير في الصرف على البيت وتأدية حقه الشرعي معاها وكأنه واجب مفروض عليه، يعني حاجة تجرح كرامة أي ست، مهما كانت قوية وادعت اللا مبالاة بتكسرها، لذلك انا كنت بغفر لها كل قسوتها معايا ومهما عملت كنت بديها عذرها، لكن عمري ما سامحت والدي رغم انه مكانش مؤثر معايا نهائي كأب.
كنت بتقهر لما اشوف نظرة الحب في عيونه لمراته التانية، وشّه اللي بينور مع كل كلمة تقولها، يسمع منها ويشاركها الرد بحماس، عكس امي اللي كان بيستخسر فيها حتى النظرة العادية، أو بالأصح ما بيطقش يقعد ولا يسمع لها، لدرجة انه لما كان يقعد معانا ع السفرة، بُقه مكانش بيتحرك غير للأكل، ونادر أوي ما تطلع منه كلمة.
ذنبها الوحيد هو انها كانت بنت عمته اللي فرضوها عليه بحكم انها اتربت في بيتهم.
شعور الفرض والغصب بيجعلك تكره الشيء حتى لو كنت بتحبه، الشعور ده أنا فهمته كويس أوي لما عشت التجربة.
لما اتجوزت جوزي الأول، كمال عز الدين، منتج الأفلام المعروف واللي شافني وسط مجموعة من الوجوه الجديدة اللي كان بيختبرها المخرج، انا كنت ساعتها متخرجة جديد من المعهد وكلي أمل أحقق طموحي في التمثيل، لو حد بس اداني فرصة، كل اللي كنت محتاجاه كان فرصة، والفرصة مع واحدة في حالتي عمرها ما كانت بتيجي غير بدفع الثمن، أو واسطة معروفة تزوقك في المجال، مكنتش أملك الواسطة ولا الحظ النادر في ان الاقي اللي يقتنع بيا، يعني مكانش قدامي غير دفع الثمن، يا إما من كرامتي وشرفي ودي حاجة كنت أفضل أموت ولا انها تحصل، لا إما بزوجة تانية من المنتج اللي عمره كان وقتها خمسين وأنا يدوب ثلاثة وعشرين، على أمل الفرصة وافقت أن أكرر دور أمي كزوجة تانية بعد البيبان ما اتقفلت في وشي من كل ناحية.
أجبرت نفسي على واحد مكنتش شايفة فيه أي قبول، إحساس تطور بعد الجواز لكره وبغض شديد لما اكتشفت عيوبه، إنسان مقرف لا يعرف إنسانية ولا أي رحمة في التعامل مع واحدة ست من وجهة نظره هي أداة للمتعة اشتراها بفلوسه......
توقفت فجأة لتبكي لأول مرة بتذكرها للجحيم الذي عايشته مع هذا الرجل، ظلت الطبيبة صامتة تتابع نهنهاتها الموجعة بتأثر تخفيه بجمودها حتى تمكنت من إخراج الكلمات بصورة صحيحة مخاطبة الطبيبة:
- عارفة يعني إيه تكرهي إنسان مغصوبة عليه وع العشرة معاه؟...... يعني تكرهي السرير اللي بيشاركك فيه، تكرهي الطبق اللي أكل منه، تكرهي هدومه تختلط بهدومك، تكرهي نفسك وتتمني الموت بعد ما يتقفل قدامك كل طريق للخلاص.
حتى الفرصة اللي كنت بحلم بيها اكتشفت انها كانت الخدعة عشان أقع في المصيدة، الدور اللي أخدته في الفيلم اللي دفعت تمن فرصته من عمري كان دور واحدة تافهة، فرحانة بجمالها ولبسها، يعني حاجة كدة تعدي قدام الناس من غير ما يحسوا بيها، التمثيل الحقيقي كان مني أنا قدام المخرج وجمع الممثلين، أضحك وأنا بحترق جويا من القهر.
صبرت على أمل ان ألاقي الحل بس أثناء الصبر ده حصل اللي ما كنت اتمناه أبدًا:
التفت فجأة برأسها نحو الطبيبة قائلة:
- تعرفي بقى اني حملت وسقطت نفسي من كمال تلت مرات.
- تلت مرات يا نور؟
قالتها الطبيبة كاستفسار لتجيبها الأخرى بإيماءة من رأسها ودموع أصبحت تنهمر كالسيل دون توقف وهي تردف بحرقة:
- مكانش ينفع احتفظ بطفل يربطني في العذاب مع بني آدم زي ده ويدفع معايا تمن غلطتي، أنا جربت إحساس الكره بين أبويا وأمي، يعني عارفة كويس بالماساة اللي كان هيعيشها ابني أو بنتي، طفل يجي بالغصب من جوازة بالغصب، دا لا يمكن يبقى سوي.......
سألتها الطبيبة لاستفسار أكثر:
- وكنتي بتسقطي الجنين بعلمه؟
حركت برأسها نافية وقد تقلصت تعابيرها لتردف بصوت مبحوح:
- لأ، أو كنت أظن.... مش عارفة، لكن اللي كنت متأكدة منه، هو انه مكانش بيهتم غير بالعلاقة اللي برضوا كان بيجبرني عليها، بس........
قطعت وصوت أنفاسها ازدادت حدتها، مع الصعود والهبوط بصدرها بتسارع مريب جعل الطيبة تعاود بسؤالها:
- بس إيه يا نور كملي.
التفت رأسها فجأة بحدة تقول:
- ممكن أكمل في وقت تاني عشان مش قادرة.
❈-❈-❈-
في مخزن القصر الذي جعله مقر له بصحبة رجال حراسته، الذي زاد بعددهم لمواكبة الظرف الجديد في البحث وتأديب من تجرأ على أسرته، وقد كان في هذا الوقت يتحدث على هاتفه بانفعال:
- يعني ايه مش لاقينه؟ يعني ايه مش لاقينه؟....... مش عايز أعذار، الواد ده يتجاب زي البهيمة ولو من تحت طقاطيق الأرض......... وزع رجالتك، شوية في البحث في الأماكن اللي كان بيروحها، وشوية تراقب سكنه وسكن اهله، متسيبش خرم إبرة من غير ما تدور، تقب وتغطس تجيبه....... مش عايز رغي تاني واقفل بقى؟
أنهى ليتخصر زافرًا أنفاسه بخشونة، قبل أن يستدير بجسده نحو الرجل المقيد على كرسيه، وهو يكاد أن يموت من الرعب، ورجال بأجسام مخيفة تحيطه من كل جهة، تقدم نحوه ليضع قدمه على الكرسي المقابل له يتابع التحقيق معه:
- كمل بقى وقولي يا عم كريم، ايه كان بيحصل وانتوا بتوصلوا الهانم؟
بجسد يرتجف وصوت يخرج بارتعاش ردد الرجل برجاء يقارب البكاء:
- والله يا باشا أنا ما كنت فاهم ايه اللي بيحصل، أنا كنت بلاقيها فجأة توقفنا وتزعق من غير سبب ان في حد بيراقبها، ينزل الزفت حامد يدور ويرجع يقول مفيش، انما ايه اللي بيحصل والله ما اعرف.
قرب رأسه بأعين صقرية زادت من جزع الرجل ليسأله بهدوء مريب:
- يعني انت مشوفتش أي تصرف من اللي اسمه حامد ده وخلاك تشك فيه؟
اهتزت رأس الرجل بتشنج ينفي:
- لا والله، أو يمكن مكنتش فاهم، واحد متولي حراسة الهانم بنفسها، أنا هشك فيه ازاي بس؟ وانت الباشا اللي مأمنه على حياتها وحياة البيه الصغير.
ارتدت رأسه للخلف بإجفال، فكلمات السائق البسيط على قدر عفويتها، على قد ما أصابت الهدف بداخله، هو من أخطأ، وعليه الآن تصويب الخطأ.
- كارم باشا.
هتفت بها أحد الرجال من خلفه قبل أن يقترب منه هامسًا:
- الهانم مرديتش تروح معانا.
هدر به معنفًا بغضب:
- يعني ايه مرديتش تروح معاكم؟ ما اديتهاش ليه التليفون اللي باعته معاك؟ انت نفسك متصلتش بيا ليه تبلغني؟
- يا باشا ما هي مرديتش تاخد التليفون، كنت هاوقفها ازاي بس وامنعها؟
زمجر بوحشية يدفع الرجل من أمامه، ليخرج ذاهبًا بخطواته السريعة مغمغمًا:
- بتتحداني وتتحامى في اختها وجوز اختها، على أساس اني هسمح ولا اديها فرصة للبعد أصلًا!
❈-❈-❈-
- نورتي أوضتك يا رورو.
قالتها كاميليا وهي تضغط على قابس المصباح الكهربائي، ليُضيء الغرفة بأكملها، دلفت بداخلها رباب لتفاجأ بكم الصور الكثيرة لها بأحجام مختلفة تزين الحوائط، مع العديد من متعلقاتها القديمة كالدمى، والهديا العديدة لها، اقتربت من إحدى الزوايا، تتناول دمية قماشية كانت الهدية الأولى من شقيقتها بعد اول راتب تحصلت عليه من عملها، ضمتها بتأثر لتنقل بنظرها نحو كاميليا قائلة:
- هو انتي كنتي عارفة اني راجعالك؟
ردت شقيقتها التي كانت متكتفة بذراعيها، بابتسامة واثقة:
- وكنت متأكدة كمان، ولا انتي فاكرة يعني ان الأوضة دي جهزتها للذكريات وبس.
- طب ازاي؟ إذا كنت نفسي......
توقفت فجأة بأعين غائمة تناظرها باضطراب وتردد، فتابعت كاميليا تكمل لها:
- انتي نفسك مكنتش مقررة ولا عاملة حسابك على ده، اننا نرجع تاني لبعض.
اكتنفها شعور بالخزي حتى لم تقوى على مواجهتها حتى بالنظر، لتطرق برأسها نحو الدمية، أشفقت كاميليا لتلطف الحديث بحكمتها:
- هوني على نفسك يا قلبي، أنا قولتلك ان مهما حصل ما بينا، عمر الدم ما هيبقى مية، ومهما انتي بعدتي ولا سافرتي، برضوا مكانك هيفضل وسطنا، والأوضة دي هتفضل على حالها مستنياكي.
تعلم أنها صادقة في محبتها ولن تحنث بوعد حتى لو غير منطوق، وهذا ما يزيد عليها، ويجعلها ساخطة على كل السنوات التي مرت عليها وهي منبوذة باختيارها، وحيدة، حمقاء، دمية كالتي تحملها الآن.
شعرت بها كاميليا فلم تنتظر الإذن لتقترب منها وتضمها إليها، تلقفت الأخرى الدعوة لتضغط بذراعيها حولها، تذرف الدموع بلوعة اشتياق كانت تنكره؛ خلف كبرياء زائف، الحاجة المؤلمة للدفء وحنان الأشقاء، وقد افتقدته كثيرًا، كثيرًا جدًا.
قبلتها كاميليا على جبهتها قبل أن تتنبه معها على طرق باب الغرفة والخادمة تقول بلهث:
- طارق باشا بيتخانق مع واحد تحت بيقول انه جوز الهانم.
❈-❈-❈-
حينما عادت صبا إلى منزلهم وقد غمر قلبها بعض الارتياح، بعد تأكيد الضابط أمين على اخراج مودة والذهاب بها الى منزلها، للبحث عن الخاتم، رافعًا من ظهرها هم لا قبل له، كانت شاردة لدرجة جعلتها لم تشعر بهدوء المنزل سوى بعد فترة من الوقت، هتفت بصوتها تنادي علّ أحدًا يجيبها:
- يا أهل الدار، انتوا فين يا جماعة؟
خرج إليها صوت زبيدة والدتها من غرفة النوم:
- تعالي هنا يا بت أنا قاعدة.
دلفت إليها على الفور، لتتفاجأ بها جالسة على ركبتيها فوق الفراش، تحاول غلق سحاب حقيبة السفر المفتوحة، بعد أن حشرتها بالملابس الكثيرة.
- بتكومي في شنطة سفر أبوي ليه ياما؟
قالتها من قبل حتى إلقاء التحية، مما جعل زبيدة ترد بغيظ:
- طب ارمي سلام ربنا الأول، معلموكيش خالص في المدارس؟
ضحكت لها معقبة بمزاح:
- لا يا ست زبيدة معلمونيش، المهم بس جاوبني، هو أبويا عنده سفر ولا ايه؟
ردت والدتها وهي تهبط بقدميها عن السرير، لتبحث في أدرجة الكمود عن جوارب القدم لزوجها:
- أبو جوز عمتك فوزية اتوفى، أبوكي مسافر يحضر العزا وبالمرة يطل على اخواتك.
رددت صبا خلفها بعدم استيعاب:
- أبو جوز عمتي! يا لهوي ياما الراجل اللي عنده مية سنة ده، ما ماتش غير النهارده؟
- يخرب مطنك.
تفوهت بها زبيدة باستهجان لتردف بتوبيخ:
- عيب عليكي يا بت، دا عند ربنا دلوقتي، اترحمي عليه تاخدي ثواب.
بابتسامة لم تقوى على كتمها:
- ماشي يا ست الكل، الله يرحمه، المهم بجى، حضرتي الغدا ولا لسة؟
تقلص وجهها بضيق تجيبها:
- حضرته يا جلعة، روحي غيري هدومك على ما خلصت اللي في يدي يكون أبوكي جه، وناكل احنا التلاتة مع بعض.
بتفكير سريع استدارت عنها لتقول بعجالة:
- طب مدام كدة، يبجى اروح اطمن انا على رحمة اصلها كانت تعبانة امبارح.
قالتها وتحركت على الفور لتغادر نحو الشقة المقابلة، ضغطت على جرس المنزل بخفة، وانتظرت قليلًا قبل أن ينفتح الباب أمامها، تخيلت أن تجده، ولكنها تفاجأت بامرأة غريبة تقف أمامها تسألها، وكأنها من أهل المنزل:
- نعم مين حضرتك؟
ردت بسؤال اندفع بريبة منها:
- انا صبا، انتي اللي مين؟
وقبل أن تجيبها المرأة أتى صوت شادي من الداخل يهتف سائلًا:
- مين اللي ع الباب يا سامية؟ .... يتبع