تحميل رواية «و بها متيم انا» PDF
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
على صوت القارئ الشجي وهو يتلو آيات الله الكريمة، عبر مذياع الراديو على بكرة الصباح، تململت بفراشها، تُغالب توسلات جسدها التي تطالبها بالراحة، والإستسلام لدفء الفراش، ولو بيوم واحدًا فقط، تنسى به مسؤلياتها والوجبات المطالبة بها، تعيش لنفسها، لنفسها فقط ولو لمرة واحدة، ألن يأتي هذا اليوم؟ "شهد يا شهد، هو انتي لسة مصحتيش؟" "شهد...." "خلاص قومت أهو." هتفت بها مقاطعة وهي تعتدل بجذعها عن الفراش نحو محدثتها نرجس، زوجة أبيها الراحل، والتي ردت ببعض الحرج: "صباح الخير، معلش بقى يا حبيبتي، بس أنا خوفت لتتأ...
رواية و بها متيم انا الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم امل نصر
يعني كدة الموضوع اتحل؟
تساءلت مجيدة بعد انتهاء وجبة الطعام، وسرد حسن وشهد لسبب تأخرهما، وذلك في الجلسة العائلية التي ضمت الجميع.
جاء الرد من الأخيرة:
تقدري تقولي الدنيا هديت شوية، بعد ما انكشفت الحقيقة قدامهم. عم أبو ليلة وولاده كانوا مصممين يرجعوا بيها ع الصعيد، وطبعًا محدش يقدر يلومهم، دي ناس طبعها حامي ولا يمكن يتحملوا حد يجيب سيرة بنتهم.
عقب حسن بابتسامة ماكرة وبيده يعطيها طبقها من الحلوى:
لا بس صبا لقت اللي يدافع عنها بشراسة. الجدع جارهم دا ما بيتحملش عليها كلمة، جايب صاحبتها تشهد باللي سمعته وعمال يدقق ويفند في الدلائل، وكأنه بيحاضر في قضية حياته. دي أول مرة أشوفه، بس بصراحة عجبني.
تبسمت شهد وقد فهمت ما يقصده، وقد وصلها هي أيضًا نفس الشعور، فتدخلت أنيسة قائلة:
عشان بنت ناس وطيبة، ربنا وقف لها ولاد الحلال. هي دي برضوا حد يصدق عليها كلام زي ده؟!
عقبت نرجس لتظهر شخصيتها بينهم، بينما فمها ممتلئ بقطع الحلوى التي كانت تأكل منها:
بيصدقوا يا أختي وبيقولوا أكتر من كده. طول ما الصورة تنزل على النت، لازم البت يمسكوا سيرتها ويعيدوا ويزيدوا عليها. بس هي برضوا غلطانة، مكنتش اتصورت مع الراجل ده من الأول، أهي جابت لنفسها المشاكل.
قالتها ببساطة أزعجت شهد، حتى تقلصت ملامحها وبدا عليها حرج ممتزج بحنقها. فقال حسن مصححًا بحلم:
يا ست نرجس، هو انتي ما خدتيش بالك ولا إيه؟ ما إحنا شرحنا وقلنا إن الموضوع كله كان لعبة من واحدة عايزة تأذي البنت. ولا انتي ما خدتيش بالك من بداية الكلام؟
ناظرته بعدم تركيز تجيبه بتلجلج:
هاا، يمكن أكون ما خدتش بالي صح.
قالتها وعادت لطبقها وكأن شيئًا لم يكن، لتزيد من استياء الأخرى، بالإضافة إلى الحرج الذي اكتنف ابنتيها، حتى أمنية شعرت به. فردت رؤى:
الحاجات دي بتحصل كتير يا ماما. دا أنا عرفت واحدة كانت زميلتي في المدرسة، رقصت في فرح ابن خالتها عادي يعني، تاني يوم لقت الفيديو بتاعها متشير ع النت وفضيحة بجلاجل.
يا ساتر يا رب، ربنا يكفينا شر ولاد الحرام.
دمدمت بها مجيدة والآخرون. فعادت شهد للموضوع الأصلي موضحة:
عندك حق طبعًا يا رؤى، بس على فكرة بقى لو مكنتش صبا على حق، مكنش عدي عزام بجلالة قدره راح لها البيت بنفسه عشان ياخد بخاطرها.
بتقولي مين؟
قالها أمين بإجفال حتى إن الطبق اهتز من يده بشكل لفت الأنظار إليه، وبالأخص لينا التي رمقته باندهاش، وهو يتابع سؤال الأخرى بفضول يشوبه الاستنكار:
انتي متأكدة إنه عدي عزام نفسه يا شهد؟ طب إزاي؟ هو لدرجادي متواضع كدة عشان يروح بنفسه لبيت موظفة ويراضيها؟
قالها بحدة زادت من ارتياب الأخرى. وأجاب على أسئلته، رد شقيقه بتخمين:
مش لازم يكون عشانها، يمكن بص لسمعته هو مثلًا. عموماً، إحنا سيبناه ومشينا، وأكيد أبو ليلة هيبقى عنده تفسير لما نسأله.
تكلمت مجيدة لتنهي الجدال:
خلاص يا جماعة سيبونا من السيرة دي وخلونا في القعدة الحلوة. ولا الحلو اللي عمل الحلو، تسلم إيدك يا أنيسة. انتي بتعملي الحاجات دي إزاي يا ولية انتي؟
قالتها وانطلقت كلمات الإستحسان من الجميع نحو المرأة وما صنعته من أطباق رائعة المذاق، وهي تبادلهم الرد بذوق. حتى انتبهت على انشغال أكبر مشجعيها عنها، فقالت بمشاكسة:
آه بس ظاهر كده قصرت في حاجة ومش كل الناس عجبها الحلو. إيه يا حضرة الظابط دي مش عوايدك يعني؟
انتبه من شروده لينفي بحرج قائلًا:
لا إزاي بس؟ يا نهار أبيض، دا انتي حلوياتك تجنن ولا يعلى عليها. أنا بس دماغي لفت في حاجة كده شغلتني لحظات.
سلامة دماغك يا حضرة الظابط.
صدرت من لينا بتهكم لا يخفي حنقها، وبهيئة لفتت الأنظار حولها، لتغزو محياه ابتسامة مشاكسة في الرد عليها:
الله يسلمك يا رب يا حنينة.
ردت بضحكة سخيفة رافعة طرف شفتها بامتعاض جعله يبادلها مقهقهاً.
مجيدة والتي كانت تراقب بصمت وبقلب يخفق بالفرح، تشعر بقرب ما تتمناه دون جهد منها، فضلت عدم التدخل والانتباه لباقي ضيوفها حتى وقعت عينيها على أمنية والتي كانت هادئة ساكنة، على عكس الفكرة التي أخذتها عنها سابقاً. فاقتربت لتجلس بجوارها، وتقدم لها طبقاً آخر قائلة:
إيه يا قمر مبتاكليش ليه زيهم؟ ولا انتي كمان مش عاجبك الحلويات.
تبسمت تجيبها بامتنان:
لا طبعاً إزاي بس؟ أنا أخدت حتة صغيرة، عشان بس مش عايزة أزود السكر، وأزيد أكتر ما أنا زايدة.
لكزتها بخفة لتعطيها الطبق قائلة بغمزة بطرف عينيها وبتباسط يقرب المسافات:
يا عبيطة خدي وأجلي الرجيم بعدين، القعدة الحلوة بين الحبايب ما بتتعوضش. دوقي واتمتعي بعمايل خالتك أنيسة، هو إحنا كل يوم بنلاقي حاجة كده. خدي بقى ومتبقيش عبيطة.
لم تقوى على الرفض، فتناولت منها، مستجيبة لعرضها المغري، تتذوق بشهية واستمتاع قائلة:
حلو قوي.
والنبي انتي اللي حلوة.
تفوهت بها وهي تباغتها بقبلة على وجنتها بعفوية، وكأنها شيء عادي بالنسبة لها، ولا تعلم بتأثير فعلتها البسيطة على الأخرى، فقد كانت في أشد الحاجة للفتة اهتمام بصدق، تشعرها أنها محبوبة بحق، بعيداً عن محيطها العائلي من والدتها وشقيقاتها.
***
بابتسامة تعلو ثغرها ورأسها تتحرك بعدم تصديق، تطالع بمرح شقيقها الذي كان في حالة من الشرود اللذيذ بالنسبة لها، فتعيد عليه السؤال للمرة الثانية بإلحاح:
انت بتتكلم بجد، أوى تكون بتضحك عليا يا شادي، أزعل وربنا.
نظر إليها وافتر ثغره بضحكة مقهقهة، ضاربًا كفاً بالآخر، ليرد:
يا بنتي انتي مجنونة؟ أحلفلك يعني عشان تصدقي؟ ما هو دا اللي حصل بالفعل والله. إيه بس اللي يخليني أكذب؟
فردت كفيها أمامه بإشارة مفهومة لتقول:
ما انت لازم تعذرني برضوا، كون صبا قالتها بالجرأة دي دا معناه......
توقفت لتزيل دمعة من طرف عينيها، صدرت مع نبرتها المشبعة بالفرح:
معناه إنها حبتك يا شادي، أنا خلاص بقيت متأكدة منها دي. بس المشكلة دلوقتي بقت في أبو ليلة، تفتكر هيوافق؟
اهتزت كتفاه أمامها مع مط شفتيه بعدم معرفة بسكوت قلق، قبل أن تستعيد النفس سكينتها بتذكر ما حدث منذ قليل حينما غادر عدي عزام، لتخلو الجلسة على أربعتهم في مواجهتها وشادي الذي كان في حالة من الذهول الشديد لدرجة جمدته على كرسيه كالتمثال بأعين ثابتة لم تحيد عنها مطلقاً، من وقت أن ألقت قنبلتها بوجه الجميع. ليأتي الآن وقت الحساب من والدها وشقيقيها بعد التزامهم أقصى درجات ضبط النفس حتى انصراف الآخر، وكان فراج هو المبادر بسؤاله بلهجة متهكمة:
نفهم من كده يا أستاذ شادي إنك خاطب المحروسة واحنا مش دريانين؟
ها.
تمتم بها بتركيز منعدم، وتكلفت هي بالرد:
متكلموش هو، خلي كلامك معايا، أنا اللي جولت، الراجل مذنبوش حاجة.
خرج حجازي عن حكمته ليعقب بغضب:
نعم يا عين أخويا؟ انت اتخبلتي ولا اتجنيتي يا بت؟
ليه وأنا عملت إيه لدا كله؟
قالتها بتساهل جعل والدها يهدر عليها بحزم يوقفها:
اتعدلي يا صبا، واتكلمي عدل مع إخواتك، ولا انتي مش دريانة بالنصيبة اللي عملتيها؟
أضاف عليه حجازي ساخراً:
دي كمان بتسأل عملت إيه يا بوي؟
ردت ع الراجل في حضورنا ومن غير ما تعمل لحد منا احترام، وادعت نفسها مخطوبة لواحد غريب عنينا. أنا اللي عايز أعرفه دلوك، الراجل دا اللي جاعد وسطنا وكأنه واحد من العيلة، صفته إيه ما بينا؟
قالها بإشارة نحو شادي الذي بدأ يستعيد توازنه ليرد نافياً بحرج، لهذا الموقف الذي بوغت به:
أنا مليش صفة وسطكم، أنا جاركم وبس والله، والكلام اللي قالته صبا ده أنا متفاجئ بيه زي زيكم.
عشان مألفاه من مخي.
قالتها بثبات تحسد عليه، وكأنها غير مبالية بعواقب فعلها، فالتفت جميع الرؤوس نحوها، بأعين نارية وأخرى متسائلة. فتابعت بتماسك ينبع من غضب مكتوم بداخلها:
أنا عملت كده عشان أقطع عليه الطريق من أولها، متأخذنيش يا بوي ولا تعتبره تعدي عليك أنت ولا إخوتي، بس الراجل اللي كان هنا ده متجوز ومعاه ولدين، وبيقولك جاي يخطبني بعد الكلام والحديث اللي اتذاع عليا وعليه. يعني الموضوع اللي إحنا بجالنا ساعات بنلت ونعجن فيه، أنا بجى مجبلتهاش لنفسي مع واحد من عيال عمي زي ما كان إخواتي مخططين من شوية، يبجى هجبلها مع ده؟
حديثها كان به شيء من المنطق خفف من حدة التوتر قليلاً، مع بدأ استيعابهم لوجهة نظرها. فجاء الرد هذه المرة من والدتها والتي رمقتها بأعين كاشفة وقد ترستخ الفكرة بداخلها:
حتى لو كان يا صبا، برضوا مكنش يصح تدخلي اسم الراجل في حاجة محرجة زي دي، ولا انتي مش واخده بالك من غلطك في حاجة كمان.
ذكاء المرأة لا يقل إطلاقاً عن ابنتها، هذا ما استنبطه بعقله، وقد رأى بأم عينيه حجم الارتباك والاضطراب الذي انتاب صبا في بحث عن رد مناسب. ليستغل هو وقد جاء دوره الآن بالتقاط الفرصة الذهبية، والتي أتت على طبق من ذهب بفضل لباقته المدهشة في ضرب عدة عصافير بحجر واحد.
أنا مكنش قصدي أورطه طبعًا، بس هي جات كده معايا لما لقيته جدامي. ما هو مش معقول يعني هقول إن مخطوبة لحد من خواتي طبعًا؟
قالتها بطريقة بدت كالمزحة، أثارت امتعاض شقيقيها لتتابع بجدية موجهة الحديث نحوه:
أنا آسفة يا مستر شادي.
أخفى بصعوبة ابتسامته، رغم إشراق وجهه الذي بدا ظاهراً بوضوح أمامهم، ليرد على قولها:
مفيش داعي للاعتذار يا صبا أنا مش زعلان أساساً، بل بالعكس.
توقفت ليردف نحو والدها وشقيقها:
أنا عارف إن الوقت ممكن يبقى مش مناسب، بس بصراحة بقى مينفعش أنتظر أكتر من كده. عم مسعود، أنا بطلب منك إيد صبا رسمي وأتمنى من كل قلبي إنكم توافقوا على طلبي، ودا بغض النظر طبعاً عن أي كلام أو شيء حاصل. أنا يبقى ليا الشرف لو ناسبتكم.
***
دلف لداخل جناحه بخطوات وئيدة متثاقلة، حتى وصل لأريكته، فارتمى بجسده عليها بانهزام، ألقى بسلسلة مفاتيحه على المنضدة الصغيرة بجواره، ليتمدد مستلقياً بإحباط، أنفاسه تخرج بخشونة، وقد نال منه شعور التعاسة حتى أفقدته كل معاني الأشياء الجميلة من حوله. هذه الصفعة التي تلقاها منها وأمام الجميع حينما رفضته وبكل ثقة، مفضلة هذا النكرة عنه، هو من يحرك بطرف إصبعه الصغير جيوشاً من الرجال والنساء التي تعمل تحت إمرته، يأتي هذا اليوم فيتساوى بمن هو أقل منه في كل النواحي.
ما الذي يميزه عنه؟ ما الذي جذبها في شخص عادي مثله، حتى يغشى بصرها عمن هو أعظم مكانة، وأوسم خلقة، بل وأصغر سناً، والأهم من كل ذلك؛ نظرة البغض والكره التي كانت تطل من عينيها اليوم، هو ليس بالغبي حتى يغفل عن إشارات العداء في نظرة موجهة نحوه، النبرة المحددة في حديثها إليه...
انتفض فجأة متذكراً ما تفوه به هذا الملعون عن ذكر مكالمة سمعتها الملعونة الصغيرة الأخرى من...
ميرناااا، يا بت ال.......
دمدم بسبة وقحة مع استدراكه المتأخر، أنها المتسببة في ما حدث بالإضافة إلى هذه الشائعة المغرضة والتي زادت من تضخيم الأمر سوءاً.
عاد يغمغم متوعداً:
أقسم بالله لاربيكي وأندمك عليها.
***
انتي كنتي عارفة إن الواد ده هيتجملك يا بت؟
سألها بنظرة ثاقبة متمعناً في النظر إليها، بشكل كان يثير بقلبها الجزع، ورغم هذا تمكنت من الرد بتماسك مذهل:
وأنا كنت هعرف منين يعني؟ ما على يدك يا بوي، كل حاجة جأت على غفلة.
عاد بظهره للخلف وتفحص النظرات بريبة ما زال قائماً، فتدخل حجازي قائلاً:
بس دا شكله كان مستنيها يا جلب أخوكي، ما صدج وجاتله الفرصة. عموماً هو كان باين عليه من الأول، ما هي الحمجة اللي كان بيتكلم بيها دي، تبين جوي إنها مش مسألة جيرة ولا شغل وبس.
عقبت تنفي التلميح المبطن من خلف كلماته:
الكلام ده هو اللي يتسأل عنه، أما أنا بجي عارفة نفسي زين، لا عمري عشمت حد ولا حتى اتلونت بنص كلمة، ولا انتوا مش عارفين بتكم؟
لا عارفينها يا ست صبا، عارفينها زين جوي.
قالها والدها بلهجة لم تريحها، وتابع يزيد من توترها:
لكن اللي عايزين نعرفه دلوك، إيه رأيك انتي بقى فيه؟
ردت مستهبلة، تدعي عدم الفهم:
رأيي في إيه؟
استفزه الرد فقال محتدًا:
ردي ع السؤال عدل يا بت، انت عارفة قصدي.
ابتلعت ريقها بتوتر غلف ملامحها الجميلة، ممتزجاً بخجل تجاهد لإخفائه، وتعلثمت قليلاً حتى استطاعت إخراج صوتها، متصنعة عدم الاكتراث:
أنا مليش رأي طبعاً، الرأي رأيك أنت.
يعني مرفضتيش على طول يا ست صبا زي ما بتعملي كل ما نجيبلك سيرة أي حد من عيال عمك؟
هتف بها فراج يجفلها، وقد أتى فجأة من الداخل لينضم معهم وبدون سابق، أثار بفعله حنقها. فردت كازة على أسنانها:
ويعني شوفتني دلوك وافجت؟ ثم انت عارف من الأول كمان مشكلتي من الجواز في البلد أو لأي فرد من عيال عمي.
جادل يصيح غاضباً بها:
ومالهم عيال عمك يا بت؟ دا انتي تحمدي ربنا لو لجيتي حد منهم يرضى بيكي؟
قابلت صيحته بأخرى ساخطة، وقد استفزها بقوله:
عن ما حد فيهم رضي، ولا انت فاكرني هتأثر بالحكيوة اياها دي؟ لا يا حبيبي، طول ما أنا واثقة في نفسي زين، ميهمنيش أي حد.
وطي صوتك يا بت.
هدر بها حجازي وتابع بأمر للآخر كي ينهي الشجار من أوله:
وانت كمان يا فراج، جفل على كده خلينا في اللي إحنا فيه.
وايه هو اللي إحنا فيه يا واد أبوي؟ دي رفضت عدي عزام، عارف بجى ده يبقى مين؟ ده يبقى أخو مصطفى عزام اللي بإشارة منه يجدر يشتري بلدنا والمحافظة بحالها، ولا انت متسمعش عنه؟
ردد خلفه والده باستنكار ينهي الجدال بحزم:
يسمع ولا ما يسمعش، الموضوع ده خلص وانتهى على كده. أنا أساساً كنت هرفض على طول من غير تردد ولا حتى خدت مشورة منيكم، يروح هو لمرته ولا لصاحبة النصيب، وخلونا إحنا في اللي إيدينا.
وايه هو اللي في إيدينا دلوك يا بوي، هتوافق ع المحروس اللي اسمه شادي، ولا نرجع لمرجوعنا الأساسي، ونجوزها لحد من عيال عمنا؟
قالها حجازي بتساؤل، واعترضت هي قائلة:
تاني هتجول عيال عمي، ما جولنا فضيناها يا واد أبوي، وانتوا عارفين رأيي من الأول .....
قاطع فراج استرسالها وبصراحته الفجة سألها:
يعني عايزة شادي؟
أجفلها حتى تخضب وجهها بحمرة الخجل، ومع ذلك حافظت على واجهتها اللا مبالية، لتنهض عنه بسأم قائلة:
أنا جاية وسايباها لكم خالص، أصل شكل فراج مش عايز يجيبها لبر معايا النهاردة واصل.
تركتهم وذهبت لغرفتها، فعاد حجازي لسؤال والده:
وبعدين يا بوي رسيت على إيه؟
زفر يطرد كتلة كثيفة من الهواء مشبعاً بحيرته، وظل صامتاً لعدة لحظات بتفكير حتى ارتفعت رأسه نحو زوجته التي تتابع منذ البداية دون تدخل، فقرر توجيه السؤال إليها:
وانتي رأيك إيه يا زبيدة؟
رمقته بنظرة يفهمها جيداً، حينما دخل لعقله وتعلم ما يدور بداخله، لترد بعدها بإجابة مبهمة:
الرأي رأيك يا أبو حجازي، ومدام مرفضتش من أولها كعادتك مع أي واحد غريب، يبجى خد وجتك في التفكير زين عاد!
***
على المقعد المجاور للسرير الطبي المستلقية عليه بلا حول لها ولا قوة، كان جالساً بترقب موجع، لا ينفك عن النظر إليها أو السهو عن مراقبتها ولو لحظة. لقد كاد أن يفقدها منذ ساعات قليلة، ولولا حكمة القدر التي جعلته يحضر ويرى بنفسه نتاج الإثم الذي يفعله، ثم يلحق بإنقاذها على آخر لحظة، وإلا كانت ذهبت للعالم الآخر، كي يعيش بذنبها ولتعاسته محرومًا منها.
فرق دقائق، لا بل ثواني، ثواني فقط هي التي فصلت بين الحياة أو الموت.
عاد بذاكرته قبل عدة ساعات.
وقد كان مغادراً من مطعم الوجبات السريعة، وفي طريقه إلى العودة، وإذا به يجفل بسيارة غريبة، تقطع الطريق الذي حادت عن مساره الطبيعي وبالسرعة الفائقة متجهة نحو سيارته، لقد ظن في البداية أن قائدها مخمور، أو به شيء ما، ولكن مع استشعاره للخطر، ألقى ما كان يحمله بيده من طعام أو مشروبات ليركض نحوها، وقبل أن يستوعب أو تصدر صرخته، صعق مذهولاً وهو يرى السيارة المعتدية تضرب بقوة جانب السيارة التي داخلها زوجته، بدفعة غاشمة جعلتها تتدحرج أمامه وكأنه بمشهد سينمائي. جحظت عيناه وقد وقع قلبه بين قدميه متخيلًا نهايتها، ولكن مع صرخات البشر من حوله، والصرخات على قائد السيارة الذي كان يتحرك للهرب وقد أنجز مهمته، استفاق سريعاً ليتناول سلاحه الناري المرخص أسفل سترته من الخلف، والذي يستعين به عادة كحماية في غياب رجال حراسته، ليصوب به سريعاً نحو العجلات في الأسفل حتى استطاع بمهارة أن يوقفها ويترك أمرها للبشر التي التفت حول الجناة من أجل الإمساك بهم. وبقلب وجل ذهب نحو الأهم، وهو زوجته، وقد اتجهت إليها مجموعة أخرى من أجل إخراجها.
كيف له أن يصف شعوره وقتها؟ وقد كاد أن يموت من الرعب والخوف عليها، وحين رآها سالمة بصورة ظاهرية حينما أخرجها الرجال وهو معهم من نافذة السيارة المقلوبة، لم يصدق نفسه وهو يحتضنها بجنون وذهول أنها بخير، وقد اقتنع أن حزام الأمان كان له الفضل في حمايتها من هذا الحادث الغاشم، ليتفاجأ بعد ذلك بغيابها عن الوعي وإصابات أخرى غفل عنها في غمرة الوهم بنجاتها. لقد أوشك أن يفقد عقله في الصراخ ومحاولاته الحثيثة لنجدتها، حتى تبرع أحد الأشخاص ليقلهما داخل سيارته، الأمر الأهم الذي كان يشغله في هذا الوقت هو نجاتها وفقط، حتى أنه لم يشغل نفسه بأمر المجرمتين بعد أن قبض عليهما الرجال، جيرمين والأخرى التي كان يبحث عنها؛ سوزي، ترك أمر تسليمهما للشرطة وظل هو محتضناً زوجته داخل سيارة الرجل الغريب، يترجاها لتستفيق حتى وصل بها إلى المشفى، ليتولى أمرها الأطباء.
كارم.
عاد من ذكراه المؤلمة على صوت والدته والتي ولجت إليه داخل الجناح الذي يضم زوجته في المشفى، نهض يستقبل عناقها كالغريق الذي وجد أحد ما يشجعه على المقاومة للنجاة.
شدت عليه بذراعيها تمرر كفها على ظهره بحنان، وتربت بالأخرى على كتفه، حتى انسلت عنه بصعوبة، غير قادر على الكلام. ألقت بنظرها نحوها بتمعن قبل أن تعود إليه سائلة:
هي عاملة إيه دلوقتي؟
أومأ برأسه يجيب بصوت كالهمس:
أحسن من الأول.
عادت بتأملها مرة أخرى لتضيف بتقليل:
أنا شايفاها كويسة، هي راسها بس اللي متعورة، وباينها حاجة بسيطة كمان، ليه انت بقى الخوف ده كله؟ مش لدرجادي يعني؟
حدجها بنظرة حادة وقد تغيرت ملامح التعب لأخرى غاضبة، فتحرك يشير لها لتتبعه إلى خارج الجناح.
وفي الخارج وقف لها متحفزاً بتجهم يعلو قسماته، ليثير بقلبها الريبة في سؤاله:
إيه مالك؟ بتبصلي كده ليه؟
أجاب على سؤالها بسؤال:
ماما هو انتي مش متأثرة لحادثة رباب ولا باللي جرالها؟
تغير وجه المرأة لترد على قوله باستهجان:
إيه اللي انت بتقوله ده؟ هو انت شايفني قلبي حجر؟ أكيد طبعاً متأثرة، أنا بس صعبان عليا حالتك. إنت مش شايف نفسك إزاي؟ وشك أصفر زي اللمونة، وهيئتك بعفارك وترابك. طب على الأقل استحمي وغير هدومك على ما فاقت.
كل اللي هامك منظري؟
هدر بها منفعلًا ولكن بصوت مكتوم حتى لا يلفت إليهما الأنظار، ليتابع مفرغاً شحنة غضبه:
مراتي أهم من أي شكل وأي حاجة في الدنيا، لو جرالها أنااااا..... لا منصب ولا أي شيء له لازمة من غيرها.
توقفت تطالع هذا الجانب المفاجئ منه، وكأنها تكتشف ابنها من جديد، ليخرج صوتها بعدها بلحظات بابتسامة جانبية ضعيفة:
يااااه، أنا ما كنتش أعرف إنك بتحبها أوي كده. يالا بقى ربنا يقومهالك بالسلامة، وتبقى هي قد الحب ده.
عاد بانفعاله غير قادر عن التغاضي عن تلميحها:
ومتبقاش قد الحب ليه؟ انت شايفاها متتساهلش عشان طول الوقت بتقارني بينها وبين كاميليا أختها، واللي ما زالتي لحد الآن شايفاها فرصة عمري اللي ضيعتها من إيدي بغبائي، صح يا أمي؟
رغم غضبها من الهجوم الغير مبرر منه في هذا الوقت الحساس، وفي مكان عام كالمشفى، ولكن سؤاله المباشر جعلها تجيب على الفور غير قادرة على الصمت:
بصراحة بقى أه، أنا عارفة إن مش وقته، بس انت اللي أجبرتني. الفرق بينها وبين كاميليا فرق السما والأرض، وأنا هنا مش بتكلم عن الجمال، لأن مراتك ما شاء الله عليها، بس أنا بتكلم عن الشخصية، فين دي من دي؟...
لكن ابنك مش ملاك.
هتفت مقاطعة لها بحدة، واستطرد:
عارفة عيوبي وأنا عارف عيوبها، استوعبتها واستوعبتني. إحنا عيشنا مع بعض أكتر من خمس سنين، هي الوحيدة اللي حبتني وهي الوحيدة برضو اللي خلتني أحبها بجد ومقدرش أستغنى عنها.....
توقف بأنفاس هادرة ووالدته تتابعه بتأثر، ليفاجئها متابعاً:
وعشان تبقي عارفة، كل اللي بيجرالها ده بسببي، الحادثة دي والحادثة اللي قبلها بسبب خيانتي ليها. أنا المجرم في الحالتين، يبقى أنا أستاهل العقاب..... مش هي.
أنهى كلماته ليسقط بجسده على مقعد الانتظار من خلفه، وجلست خلفه على المقعد المجاور، لتربت على ذراعه قائلة بدعم لا يخلو من ندم:
خلاص يا حبيبي ولا يهمك، إن شاء الله ربنا هيقومها بالسلامة عشان خاطرك. أنت أكيد ربنا بيحبك مدام نجاها في الحالتين. بس انت مقولتش، هي عندها إيه بالظبط؟
مسح بكفه الكبيرة على صفحة وجهه يجيبها مغتماً:
عندها ارتجاج في المخ، ورضوض شديدة في كل أعضاء جسمها.
يا حبيب قلبي برضوا إحنا نحمد ربنا إن موصلش لكسور ولا حاجة أصعب من كده، وإن شاء الله تكون بخير.
قالتها تزيد من ضمها له، وقد وصلها الآن حجم ما يشعر به من خوف.
انتبهت على اهتزاز الهاتف بجيب سترته، فتناولته لتطلع على الشاشة قبل أن تخاطبه:
دي كاميليا أختها هي اللي بترن، هترد عليها.
ردي انتي، أنا مش قادر أتكلم أساساً.
***
في اليوم التالي.
دَلفت كاميليا بخطوات مسرعة تقطع الرواق الطويل في المشفى بمرافقة زوجها طارق، وفمها يغمغم بالتوعد والسباب:
يوم كامل بليلته وأنا هموت من الرعب على أختي، ولما أتصل بالباشا ميكلفش نفسه حتى بالرد عليا، عشان أعرف في آخر الليل من والدته عن حادثة أختي، إن ما كنت أربيك يا كارم مبقاش أنا، وديني لو طلع له يد في اللي حصل لها ما هرحمه.
دمدم طارق بجوارها مهدئاً:
بلاش الظن السوء يا كاميليا، إحنا لسة مش عارفين إيه بالظبط اللي حصل، أهم حاجة دلوقتي نطمن عليها.
أكيد، أكيد يا طارق.
تفوهت بها وتابعت الطريق نحو شقيقتها، وفمها يردد بالدعاء، حتى إذا وصلت لرقم الجناح المذكور، فتحت على الفور ودون استئذان، لتصعق بآخر شيء تتوقع حصوله، كارم كان جالساً بوسط السرير الطبي يضم شقيقتها إليه من الخلف حيث كانت مستريحة برأسها المتعب على صدره العضلي، وبيده يطعمها بروّية وصبر وكأنها طفلته. اقترب طارق برأسه مستغرباً تسمرها الغريب دون حراك، ولكن مع النظر نحو ما تنظر إليه، مال برأسه نحوها بنظرة ذات مغزى ولسان حاله يقول:
صدقتي كلامي.
***
استيقظت على صوت الهاتف بجوارها أسفل الوسادة كما تضعه دائماً حينما يغشاها النعاس ليلاً، تناولته لتجيب المتصل، فتفاجأت بصوته الدافئ ولأول مرة تسمعه صباحاً وعلى بداية اليوم:
الو، صباح الخير.
تلجلجت تعتدل جالسة لتبادله رد التحية:
ألو، صباح النور، أهلًا يااا مستر شادي.
تاني مستر برضوا؟
دمدم بالجملة بشيء من السخرية ثم أردف:
أنا كنت بتصل عشان أطمن عليكي، حد من إخواتك ولا والدك، زعلك مرة تانية بخصوص الموضوع اياه.
هزت براسها تنفي وكأنه أمامها، ثم استدركت سريعاً لتجيبه:
لا الحمد لله، الليلة مرت على خير، هي بس كانت شوية مناوشات ومشادات بسيطة مع فراج أخويا، أصله عصبي ودي طبيعتنا أساساً مع بعض، عشان ما أنا نازلة فوق راسه يعني ودا شيء طبيعي.
إيه يا صبا؟ يعني إيه؟
وصلها صوت ضحكاته الرجولية النادرة، على قدر ما أسعدها البحة الجميلة بها، على قدر أشعرها بالحرج لتضيف بنوع من التصحيح:
أنا قصدي إن آخر نمرة بعده.
عارف يا صبا والله فهمت من غير ما تقولي.
قالها ثم توقف ليسألها باهتمام:
طيب أنا كنت عايز أعرف لو رايحة الشغل النهاردة، ولا مكملة في استقالتك؟
ردت بثقة وبنية تامة على عدم التراجع:
لا طبعاً أنا مصممة ع الاستقالة، المكان ده لا يمكن أرجعله تاني غير عشان أنهي الإجراءات والم متعلقات.
وصلها صوته، يشوبه لمحة من رضا، ليعقب قائلاً:
برافو يا صبا، وأنا كمان هستقيل، وأجري على الله.
سألته بجزع، محتجة على قراره:
ليه طيب تقطع عيشك انت كمان؟ إيه ذنبك؟
مفيش ذنب يا صبا، بس أنا كمان كرهت الشغل هناك، دا غير إني بصراحة يعني، مش هتحمل أقعد في مكان انتي مش فيه.
هل هذا غزل؟ أم هو شيء أجمل من الكلمات، لفتة صغيرة منه، جعلت ابتسامة رائعة تغزو قسماتها، لتنثر بذور الفرح بداخلها، صمتت ولم تجد من الردود ما يناسب رِقته، فتابع لها:
طب أنا هقفل دلوقتي، بس كان نفسي أطمن يعني لو في أي معلومة بخصوص الطلب اللي طلبته امبارح من السيد الوالد.
ردت بابتسامة متوسعة:
للأسف ياريت كنت أعرف، أبو ليلة محدش يقدر يعرف اللي في رأسه.
إجابة ماكرة تعلقه بالأمل ولا تروي عطشه، ولكنه استمرار في محاولاته بسؤالها مباشرةً:
طيب وإجابتك انتي بقى؟
انتظرها لحظات حتى جاءه ردها على نفس النمط السابق:
لا طبعاً أنا مليش رد، ردي هيكون مع أبويا.
ضحك بصوت مكتوم يهزهز رأسه بقلة حيلة، وقد فقد حكمته، وعجز بتفكيره السليم عن الدخول لعقلها الماكر، ليخرج صوته أخيراً:
اممم ماشي يا صبا، نستنى ونصبر إن شاء الله العمر كله حتى، بس بقى ربنا يقرب البعيد.
يارب.
تمتمت بها بصوت خفيض كالهمس مع نفسها، والابتسامة مازالت تزين ثغرها.
***
بداخل المكتب الذي أصبح مكانها منذ أيام، حيث كانت تعمل بجد واجتهاد على مجموعة من الملفات التي وضعتها أمامها شقيقتها لتحسب ميزانيتها والمصروفات التي تحتاجها، باندماج شديد حتى أنها لم تنتبه على من دلف إليها متبخترًا بخطواته، حتى وقف يتابعها بصمت وحينما طال انتظاره خرج صوته بإلقاء التحية نحوها:
صباح الخير يا أمنية.
رفعت رأسها إليه مجفلة، لتجيبه بنبرة فاترة عادية:
صباح النور، أهلًا يا ابراهيم.
لم يعجبه ردها فاقترب ليجلس أمامها دون استئذان مردداً خلفها باستنكار:
أهلًا يا ابراهيم، إيه يا بت السلام البارد ده؟ خلاص يا ختي نفسك مسدودة حتى عن رد عدل؟
أغلقت الملف بيدها، واضعة كفها بعنف عليه تقول:
وعايزني أرد بنفس إزاي؟ أرقص مثلاً وأنا بنطقها؟ فيه إيه يا ابراهيم؟ انت جاي تتخانق معايا ع الصبح؟
ضغط يكبح لجام لسانه عن الرد بسبة وقحة أو شتيمة قاسية تعيد هذه المعتوهة لصوابها، وتذكرها بمن هو إبراهيم، ولكنه تراجع حتى لا يزيد الأمر سوءاً، فقال ملطفاً بعتب:
كده برضوا يا أمنية؟ وأنا اللي جايلك مخصوص عشان أصالحك، وجايب عربية الواد حوكشة عشان أفسحك بيها، هي دي معاملتك ليا؟ انت قلبك أسود أوي.
حبست بصعوبة دمعة حارقة مع تذكيره لضربها واهدار كرامتها بالطرد المهين والمذل، ليخرج صوتها بارتجاف مع احتداد أنفاسها:
اعذرني يا بن خالتي، ما أنا فعلاً جاحدة وقلبي أسود، وبيني أستاهل الضرب صح؟
ضرب بكفه على سطح المكتب بسأم، وزفر حانقاً يقول مشدداً على كلماته:
وايه لزوم تلقيح الكلام ما أنا جاي أصالحك أهو، مستلف عربية صاحبي وعامل حسابي بمبلغ حلو، أفسحك وأشتري حاجة حلوة.
قابلت عصبيته ببرود أدهشه، لتفاجئه بردها:
كتر خيرك والله وتشكر، بس المشكلة بقى إن الوقت غير مناسب، أختي اتصلت بيا من شوية، وعايزيني أروح أسد مكانها، عشان في لجنة جاية تعاين الموقع الجديد اللي هي شغالة فيه.
ولما تروحي انتي تسدي مكانها؟ ست الحسن والجمال هتروح فين؟
قالها بتهكم لا يخفي حقده، فردت بما جعل حمم الدماء تغلي بأوردته:
أختي وراها مشوار مهم مع خطيبها، تبع المصلحة اللي شغالة فيها، الله يكرمه، بيعمل المستحيل عشان يكبرها ويكبر شغلها، ابن أصول.
ابن أصووول.
نطق بها وغليل صدره يدفعه لخنقها وتكسير عظامها، أو قطع لسانها الغبي حتى يخرسها للأبد، وقد تأكد الآن من ظنه بهذه الحمقاء التي تردف حديثها عن قصد أمامه، وكأنه تكيده أو توضح الفرق الهائل بينه وبين الآخر، ثم هذه النظرة التي تطل من عينيها بتحدي في انتظار انفعاله واستشكاف المزيد عنه.
نهضت فجأة تلملم الملفات لتضعها داخل درج المكتب، لتقول بعملية تنهي الجلسة:
أنا مضطرة أسيبك دلوقتي يا ابراهيم، يدوبك ألحق مشواري في الشغل.
نهض هو الآخر وبحنق يسألها:
والخروجة بتاعتنا يا أمنية؟
ردت ببساطة وهي تبحث في حقيبتها عن سلسلة المفاتيح:
أجلها يا ابن خالتي، أو براحتك عادي يعني.
قالتها وتحركت نحو الباب ذاهبة، ومن خلفها قبض على كفه بعنف حتى ابيضت مفاصله، ولكنه استدرك فجأة ليسألها:
وهاتروحي إن شاء الله لوحدك بقى؟
أكيد طبعاً بالمواصلات العادية، بس دا لحد أول الطريق هناك، وبعدها هتصل بشهد تيجي تاخدني بعربيتها توصلني ع الموقع ما قبل تروح هي مشوارها.
اها.
أومأ برأسه يدعي التفهم قبل أن يصدر قراره بحسم:
خلاص بقى يبقى أوصلك في طريقي، وأهو يبقى العربية عملت لها فايدة وخلاص.
بعد قليل.
كانا الاثنان يستقلان السيارة المذكورة بقيادته، يخترق بها الطريق الخالي في المناطق السكنية الجديدة، أبنية غير مكتملة وأبنية اكتمل بناؤها، ولكنها ما زالت لم تسكن بعد، فخرج صوته متسائلاً بفضول:
أمال أختك وعمالها بيشتغلوا فين؟
ردت وعيناها منشغلة في مراقبة الطريق:
أختي في المنطقة اللي بعد دي، ما هي مدينة متكاملة وأخدها المصلحة، وبينتهوا منها جزء جزء قبل التسليم والتشطيب.
الهدوء الشديد وخلاء المنطقة المريب إلا من أعداد قليلة جداً تمر سريعاً وتختفي في طريقها نحو الوجهات التي تقصدها، جعل عقله يومض بفكرة شيطانية، اكتملت ونضجت معالمها حتى توقف فجأة وبدون سابق إنذار أمام إحدى الأبنية النصف مكتملة، فخرج صوتها بتساؤل:
وقفت هنا ليه؟
التف إليها برأسه وملامح مبهمة يغلفها الغموض، يرمقها بصمت أثار بقلبها الارتياب لتعود إليه سائلة مرة أخرى:
وقفت ليه يا ابراهيم؟
***
وفي مكان آخر.
وقد انتظرها اليوم في سيارته بناءً على طلبها، حينما اتصلت كي تخبره عن رغبتها في استرداد الشيء المفقود منها، كان بجوار المبنى الذي تعمل به على الميعاد، وصلت لتصطف سيارتها في المكان المخصص، قبل أن تترجل منها بخطواتها الرشيقة حتى وصلت إليه لتنضم في المقعد الأمامي بجواره، مبادرة بإلقاء التحية على عجالة:
صباح الخير يا حضرة الظابط، عامل إيه؟
صباح النور يا ست لينا، عاملة إيه انتي كمان؟ بما إننا بندخل على طول ع الأسئلة.
قالها بلمحة ساخرة لم تستجب لها حتى ولو بنصف ابتسامة وردت بجفاء:
كويسة أوي، ممكن بقى تديني القلب اللي ما بين حاجبيه مستغرباً طريقتها المتعجرفة، ليرد بتساؤل:
على طول كده، طب خدي نفسك الأول، هو انتي زعلانة من حاجة يا لينا؟
برقت فيروزيتيها كحجر ناري، تردف بانفعال يخفي من خلفه غضب مكتوم:
وأيه اللي يخليني زعلانة؟ ومين دا اللي يقدر يزعلني أصلاً؟
طالعها مشدوهاً بعدم فهم، فهذه المجنونة المتقلبة على الرغم من استمتاعه بشراستها، إلا أنها تثير حيرته في البحث عن السبب.
بتؤدة شديدة أشار بكفه يخاطبها بهدوء:
طيب ممكن بس تهدي شوية وانتي بتكلميني؟ انتي جامدة أكيد ومحدش يقدر يزعلك.
أخفت بصعوبة ابتسامة لاحت على ملامحها بشكل واضح لتردف:
ما تحاولش تاخذني على قد عقلي يا أمين، أنا مش مجنونة، وهات القلب بتاعي ياللا، ياللا هاتوه.
ضحك مجلجلاً بصوته ليتناول العلبة المغلقة من جيب سترته، ثم قدمها لها قائلاً:
اهو، اهو القلب يا ست العاقلين، انتي مش مجنونة، دا أنا اللي ستين مجنون كمان، وحياتك عندي يا شيخة.
ظلت زامة شفتيها حتى وهي تتناولها باستغراب ازداد أكثر حينما فتحت العلبة، لتفاجأ بسلسال كامل من الذهب، يتدلى القلب منه، رفعته أمام عينيه متسائلة:
إيه ده يا أمين؟ إنت حطيته في سلسلة تانية ليه؟
توقف عن الضحك يجيبها:
عشان دا مكانها الصح، غلط يتحط وسط مجموعة ويبقى مهمل وسطهم وكأنه شيء عادي، قلبك ده غالي أوي، مينفعش معاه شريك.
رفعت عينيها عن تأمل السلسال وقد وصلها المغزى الصريح، فقالت بتوجس:
هو أنا ليه حاسة إن ورا كلامك ده، فيه معنى مبطن.
رد معترفاً ببساطة أذهلتها:
ما هي دي الحقيقة يا زكية، ولا انتي فاكراني يعني برمي فلوسي في الأرض، وهجيب دهب كده لأي واحد تعدي في حياتي.
شهقة عالية صدرت منها، أعقبها التساؤل بانفعال:
قصدك إيه يا سعادة الظابط؟ لتكون نيتك رايحة لحاجة غلط؟
أشار بسبابته نحوها بثقة:
انتي عارفة كويس قصدي إيه؟ فبلاش تلفي وتحوري عليا، قولي بقى رأيك؟
تسائلت تدعي عدم الفهم:
في إيه؟
الله، اتعدلي يا لينا.
قالها بانفعال أثار ضحكاتها الشقية، رغم مسحة الخجل بها، وظل هو يراقبها باستمتاع حتى انقلبت فجأة ثائرة به:
آه بس دا مكنش باين امبارح، لما اتغيرت خلقتك فجأة أول أما سمعت باللي عمله عدي عزام عشان يراضي صبا بنت عم أبو ليلة، كنت غيران عليها بقى ولا إيه؟
ضرب كفاً بالآخر رادداً بعدم تصديق، وقد فهم الآن سبب ثورتها:
يخربيت دماغك، بقى كل القلبة دي عشان السبب ده، ومطلعاني أنا كمان اللي بغير.؟
قال الأخيرة بضحكة زادت من حنقها، ولكنه تابع بجدية:
افهمي بقى، مشكلة صبا والفخ اللي كان منصوب لها، أنا عارف بيه من فترة، دي حكاية طويلة وقضية كنت ماسكها أنا وزميلي.
عقبت بما يشبه الأمر:
خلاص يبقى احكيها.
تبسم بمكر يفرض شروطه:
تمام أوي، ومستعد أحكيها بالتفاصيل كمان، بس الأول أسمع رأيك وآخد منك ميعاد نزوركم فيه أنا والست الوالدة.
نننعم كل ده عشان تحكيلي؟
مش انتي عايزاني أعرف الحقيقة، يبقى لازم بقى يبقالك عندي صفة رسمية عشان أحكيلك بيها، ولا إيه؟
... يتبع
•
رواية و بها متيم انا الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم امل نصر
أسفل المظلة التي تعمل على حمايتها من أشعة الشمس الحارقة، في هذه المنطقة الساخنة بعمل العمال المتواصل لإنجاز المطلوب والإنتهاء من الوحدات السكانية الجديدة، كانت هي لم تكف بعد عن محاولات الإتصال بشقيقتها، لمعرفة السبب في تأخرها حتى الآن.
رفعت رأسها فجأة على نداء مساعدها:
- ست شهد تحبي نجيبلك غدا معانا؟
نفت بهز رأسها تقول بعدم تركيز:
- لالا متجيبش حاجة يا عبد الرحيم، أنا أساسًا ماشية، بس انت زود السندوتشات، وجيب كام علبة كانز ساقعة عشان اللجنة اللي على وصول واعمل حساب أمنية معاهم.
- طيب هي فينها؟ مجاتش ليه لحد دلوقتي؟
سؤاله المباشر أعادها لنفس النقطة وهذا القلق الذي بدأ يتزايد بالوقت الذي يمر في انتظارها، بعد أن أخبرتها بقرب الوصول منذ فترة تقارب الساعة.
زفرت لتجدد المحاولة، فجاء هذه المرة الرد ولكن بصوت اخر:
- الوو يا شهد.
قطبت في البداية تكذب الصوت، ثم ما لبثت أن تستعيد شراستها في الرد باستهجان:
- بترد ع التليفون ليه يا أستاذ انت؟ في أمنية أختي؟ خليني اكلمها البت دي؟
- ما هو انا بكلمك عشان كدة يا شهد، أمنية أغمى عليها معايا في السكة وانا مش عارف اتصرف ازاي؟
وصلها الرد بنبرة بدا فيها الجزع، مما جعلها تردد خلفه بارتياع وعدم تصديق:
- اختي أنا اغمي عليها؟ انت بتقول ايه؟
عاد يضيف لها مؤكدًا:
- والنعمة زي ما بقولك كدة، احنا كنا قربنا نوصلك أصلا، بس انا اتفاجأت بيها بتسخسخ من جمبي، وقفت العربية على ناحية اشوف مالها، لقيتها بتشهق ومش عارفة تاخد نفسها، خرجت بيها من العربية لتكون مخنوقة من الحر والسخونة، ودخلت بيها في عمارة مبنية جديد عشان الضلة والهوا يعني، بس بقالي فترة جمبها بهوي بالورقة وافوق فيها، لكن برضوا مفيش فايدة.
بلغ بها الرعب حتى تحركت قدميها نحو سيارتها بدون تفكير، ولسانها يردد بالتوبيخ والاستنكار:
- يخرب عقلك وقاعد ساكت محلك؟ طب روح بيها على أي مستشفى، مستني يجرالها حاجة؟ انت ايه يا أخي؟
واصل يردد بدفاعية:
- واعملها ازاي دي بس يا شهد؟ وانا بصراحة ما اعرفش اي حاجة عن المنطقة الجديدة بتاعتكم دي؟
دلفت لداخل السيارة تشعل محركها لتنهي الجدال قائلة:
- خلاص فوضها، وقولي انتوا فين دلوقتي وانا جاية اخدها، بس اخرج واقف لي في الطريق عشان اعرف مكانكم.
***
في داخل الحجز النسائي بغرف المراحيض الخاصة، خرجت تجفف شعرها الذي تبلل مع اخذها حمام صباحي، بميزة تتمتع بها عن باقي المسجونات، بفضل النقود التي توزعها بدون حساب على الجميع من أجل خدمتها وتسهيل الأمر لها حتى تخرج من هذا المكان، وقد منحها التعويض السخي من عدي عزام الأمل في نيل الحياة التي تتمناها بعد قضاء العقوبة، التي فرضت عليها قصرًا.
تفاجأت بهدوء غريب يعم المكان، ف ارتفعت رأسها تلقائيًا تبحث عن رفيقتها المطيعة:
- بت يا سكسكة انتي روحتي فين؟
حينما لم تجدها، طرقت على عدد من الكابينات المجاورة وحين لم تجد ردًا منها أو من أي صنف من النساء الأخريات زاد الارتياب بقلبها بشعور غير مريح على الإطلاق، ابتعلت لتأخذ القرار سريعًا بالخروج لتستكشف الأمر، ولكنها لم تتمكن فقد تفاجأت بزوج النساء الغبيات الاَتي حاولن معها في بداية دخول السجن ولكنها أوقفتهن بقوتها وبخبرتها في التعامل مع مخضرمات قبلهن من عتاة الإجرام، وذلك ما شجعها لتقابلهن الاَن بصيحة ساخرة، رغم الخوف الذي زحف بقلبها بوجودها وحيدة معهما في المكان الخالي من الجميع على غير العادة.
- اسم الله يا حلوة انتي وهي، واقفين متصدرين قدامي كدة ليه؟ عايزين تاخدولي صورة؟
لم يتفوهن ببنت شفاه، بل ظللن على حالة من الصمت المريب يطالعنها بنظرة فهمتها جيدًا، لا تبشر بالخير أبدًا، يتقدمن نحوها بخطوات متأنية تزيد من رعبها، ولأنها ذكية وتعلم انها الخاسرة لو حدث واشتركت معهما في الشجار الغير متكافئ على الإطلاق، حزمت أمرها للهروب تكتيكيًا.
- دا باين فطار الفول تربس دماغكم، بلا خيبة.
قالتها وهي تتحرك ببطء بعيدًا عن محيطهما، حتى كادت تتخاطهم لتعدوا هاربة، ولكنها تفاجأت بالمرأة البدينة تباغتها بأن حاوطتها من خصرها لترفعها كطفلة بيدها قائلة:
- على فين يا حلوة؟ هتهربي برضوا قبل ما نرحب بيكي؟ ولا انتي فاكرانا نسينا الواجب؟
قاومت تضربها بمرفقها، وترفس بقدميها في الهواء مرددة:
- اوعي يا بت، مين دي اللي تناوليها ترحيبك؟ هو انتي خيبتي ولا ايه؟ أوعي كدة بدل ما اضيعك.
التفت لتقابلها المرأة الأخرى قائلة بتشفي:
- ما احنا برضوا كنا فاكرينك كبيرة ع الترحيب، لكن دا كان الأول، قبل ما تيجي الإشارة، دا انتي متوصي عليكي بالجامد.
- مين دا اللي موصي عليا بالجامد؟
سألتها ميرنا بجزع، قبل أن تجفلها المرأة البدينة بدفعة قوية جعلت ظهرها يصطدم بقوة بحائط الحمام الرخامي، فصرخت على أثرها متأوهة:
- ااااه، انتوا مجانين؟
ضحكتا الاثنتان، لتعلق احداهن:
- هو انتي لسة شوفتي جنان؟ واديكي زي ما انتي شايفة اهو، الساحة خالييية، يعني التظبيط هيبقى ع الكيف.
دمدمت بشفاه مرتعشة وقد علمت بصدق نواياهن الخبيثة، وما قد دبر في الخفاء لها:
- بقولكم إيه؟ انا مستعدة اديكم الفلوس اللي انتوا عايزينها، بس بلاش تأذوني، دا انا اللي بيقرب مني بيكسب اوي، تحبوا تشوفوا.
قالت الأخيرة وهي تضع يدها في جب صدرها في الأعلى، لتخرج مجموعة من الأوراق المالية، فتطلعت لها المرأة البدينة تجلجل بضحكة عالية لتردف بحسم:
- هو انتي لسة هتعزمي علينا؟ ما احنا هنشوف بنفسنا.
قالتها كإشارة بدء لتهجم هي والأخرى، يكيلن لها باللكمات والضربات الموجعة في كل انحاء الجسد، وهي غير قادرة على تفادي ما تتلقاه من الاثنتان، وصوت ضرخاتها يصل لخارج المبني، ولكن لا أحد يستطيع المساعدة، حتى رفيقتها سكسكة كانت تستمع بقلة حيلة، ولا تجرؤ على الاقتراب، حتى لا ينالها هي الاخرى نصيب من الضربات.
***
توقف بسيارته بالقرب من الموقع الذي يعمل به الرجال، وظلت عينيه تبحث في كل الأنحاء عنها حينما لم يجدها أسفل المظلة الشمسية التي وضعها هو مخصوصًا لها كي يخفف عنها من مشقة المتابعة اليومية في هذا الحر الشديد، انتبه عليه عبد الرحيم فخطا سريعًا نحوه يستقبله بزوق مرحبًا:
- منور يا هندسة، شرفت الموقع وانستنا.
- اهلا يا عبد الرحيم، هي شهد فين؟
سأله بلهفة امتزجت بتوتره، فجاءه الرد سريعًا من الاَخر:
- الست شهد اخدت عربيتها وميشت حالًا، أكيد هتجيب اختها الست أمنية.
تطلع نحو الساعة التي تزين رسغه فخرج صوته بضيق:
- دلوقتي؟ دي اللجنة زمانها على وصول؟ هي إيه اللي أخرها كدة؟
مط شفتيه بعدم معرفة قائلًا:
- الله أعلم حضرتك.
اومأ له حسن لينصرف، وتناول هاتفه يتلاعب بشاشته بغرض الاتصال بها، ولكن وقبل أن يضغط على اسمها، أجفله الاَخر بنداءه:
- اللجنة يا بشمهندس.
نظر نحو ما يشير اليه عبد الرحيم فتأكد من صدق ما أخبره به، مما اضطره لتأجيل الاتصال حتى ينوب عنها في استقبالهم الاَن.
***
توقفت شهد بسيارتها أمام المبنى الذي كان يقف وينتظرها أمامه، ترجلت منها، لتعدو بخطوات مسرعة نحوه قبل أن تصل إليه وتسأله:
- اختي فين؟
مال برأسه نحو مدخل المبني ليسبقها بالدخول بهدوء مستفز، فلحقت به لتدلف داخله بقلب وجل تبحث بعينيها يمينًا ويسارًا مرددة:
- هي فين؟
سمع منها وتابع يصعد الدرج الأسمنتي الخالي من الحواجز، ثم خرج صوته كتمتمة:
- تعالي ورايا على فوق، انا طلعت بيها على الدور التاني عشان الهوا، الجو هنا كتمة.
تقلصت ملامحها بضيق لتصعد هي الأخرى وتلحق به، دلف لإحدى الغرف ودلفت خلفه تجول بعينيها في أنحاء الغرفة:
- هي فين بالظبط؟ انا مش شايف......
توقفت الكلمات على طرف لسانها فجأة، وقد راودها الشك، فالتفت رأسها إليه بحدة لتفاجأ به يغلق مدخل الغرفة بإحدى البراميل الثقيلة، والتي يستخدمها العمال عادة في محارة الحوائط والسقف، وذلك بأن أسقطه أمامها.
احتدت عينيها بنظرة نارية نحوه وقد استدركت للفخ ألذي أوقعها فيه، ولكنها ابدًا لن تكون ضعيفة لشخص جبان مثله، ولذلك خرج صوتها بازدراء تخاطبه:
- ايه قصدك م اللي انت بتعمله دا يا ندل؟ يعني كل اللي حاصل ده وقصة اختي وتعبها لعبة منك؟
ضحك يتكئ على البرميل من خلفه ليرد بسخرية:
- لا وحياة عيونك الحلوة ما لعبة، اختك فعلا مختفية ومحدش يعرف بمكانها غيري.
انتفضت والغضب يعصف بها، لتهدر قائلة بعنف:
- بقولك ايه يا ابراهيم، أمور الهبل والشغل اياه ده بتاع الزمان ما يخيلش عليا، فوق لنفسك واصحى كدة للي بيكلمك، اختي فين ياض؟
جلجل بضحكاته ليرد بسخرية:
- لا خوفتيني يا بت، وكشيت في جلدي من الرعب منك، ايه يا معلم يا شهد؟ دا انا المعلم ابراهيم برضوا؟ لتكوني نسيتي يعني؟
رمقته بنظرة متدنية تقارعه بصيحة:
- معلم مين ياض؟ وهي دي برضوا عمايل معلمين؟ ما تفوضك من الوهم بتاعك دا ابراهيم، ووسع من طريقي، عشان انا لا عندي مرارة ولا عندي وقت.
ضحك بخشونة وتحشرج اثار تقززها، لينهض فجأة بوجه تحول لطبيعته المتجهمة يعقب قائلًا:
- يعني هتمشي وتسيبي اختك اهو؟ امال ايه حكاية دور الخوف ده اللي رسماه من ساعة ما جيتي ع المحروسة.
- عايز ايه يا ابراهيم؟
صاحت بها سائلة بانفعال قابله بابتسامة جافة قائلًا:
- عايز نتحاسب يا شهد.
دار حولها يستطرد بفحيح:
- عايز حق الوعد اللي خدته من ابوكي واخلف بيه، حق السنين اللي فضلت مستني فيها وبتمنى نظرة رضا، وفي الاَخر ضاع عمري بلاش في انتظارك، أناا عايز حقي فيكي يا بنت المعلم ناصر.
دفعته في الاخيرة بكفيها على صدره ليرتد بأقدامه للخلف وتحركت لتتخطاه وتخرج ولكنه كان الأسبق بأن قبض على مرفقها يهدر غاضبًا:
- عايزة تهربي زي كل مرة وتنفذي اللي في مخك، طب المرة الاَخيرة وروحتي كتبتي كتابك على البقف اللي بتتحامي فيه هو وعيلته، المرة دي عايزاني اضيع الفرصة عشان ترجعي بعيل.
حاولت نزع ذراعها تنهره كازة على أسنانها:
- سيب إيدي يا حيوان، واللي انت بتقول عليه بقف ده، بكرة هخليه يأدبك.
- دا لو سيبتك تقعدي لبكرة.
قالها ثم التفت ذراعه الأخرى حول خصرها يقربها إليه عنوة، يريد السيطرة عليها، ولكنها باغتته بضربة بركبتها اسفل معدته، أجبرته ليتراجع متأوهًا بألم، يدمدم بسبة وقحة، استغلت الفرصة لتُبعد البرميل لمسافة سمحت لها بالخروج، فهتف مناديًا من خلفها يوقفها:
- طب بلاش اختك مدام مستغنية عنها، مش عايزة تعرفي ابوكي مات ازاي؟
حدجته بنظرة كارهة بوسط الدرج لتردف بتصحيح:
- اختي مش هسيبها وهجيبها من عينك يا حيوان، بس ايه حكاية ابويا ده؟ ماله ابويا؟
ضحك يتمخطر بخطواته يردد بتأني متسليًا بالقلق الذي يرتسم على ملامحها:
- ما هو ده انا اللي عايز افهمولك يا حبيبة قلبي، ان انتي لو خرجتي من المبنى ده، اختك هيتعمل فيها اللي اتعمل في ابوكي، الحج ناصر الدكش، الراجل اللي كان طول وعرض قد الحيطة، لما وقع من سلم الدور الخامس في المبني اللي كان بانيه جديدة وفرحان بيه، لأ ومن سلم زي ده، مفهيوش دربزين.
توقف يقهقه بضحكة، زادت من فزعها، وإحساس الخطر بداخلها يخبرها ان القادم منه ليس بالخير، فأكد لها غامزًا بطرف عينه:
- ايوة يا شهد، اللي في بالك هو اللي حصل؟ ابوكي ماوقعش عشان داخ فجأة وفقد اتزانه زي ما اتشاع يوميها، لا يا قلبي، دا انا اللي زقيته من ضهره عشان اخلص عليه، بعد قفلها في وشي وهددني انه هيجوزك لأي فرد من عيلتك في الصعيد، ولا إنك تجوزيني، ايه رأيك بقى اعيد الكرة من تاني مع اختك، وبرضوا الحجة موجودة والشهود مفيش أكتر منهم.........
- يا ابن ال.......
صرخت بها تعود مرة أخرى لتهجم عليه بقبضتيها، أو تفتح كفيها لتنهش جلد وجهه بأظافرها، مرددة بانهيار:
- أنا هموتك، أنا هاخد حق ابويا منك يا جاحد يا عديم الرحمة، يا حيوااان.
وكأنه كان في انتظارها، تلقف كفيها الاثنان ليديرهم لخلف ظهرها، ليقبض على الاثنان بين قبضته القوية، فتكلم بنية واضحة للغدر، وذراعه الاَخر يجاهد للسيطرة على تشنج جسدها الذي يقاومه بعنف:
- المرة دي مش هسيبك يا شهد غير وانا واخد حق كل السنين اللي فاتت، وبعدها ليكي القرار، يا ترجعي لعقلك معايا وتتجوزيني، يا تروحي للمهندس بعد انا ما اخد غرضي منك.
صرخت تضرب بقدميها وتهاجمه بكل خليه من أعضائها، تناشد من ربها القوة تريد الأخذ بثأر أبيها من هذا القاتل الذي يحاول الاَن سلبها أعز ما تملك، مستغلًا قوة بدنه الهائلة عنها، وصراخها يصدر بزمجرة لبوة شرسة محبوسة في قفصها:
- أنا هخلص عليك، هندمك عمرك له يا ابراهيم.
ضغط ليرفعها من فخذها، فيحملها ويسير بها نحو الغرفة التي وجدها أمامه، مرددًا بعزم:
- متحاوليش يا شهد، انا النهاردة يا قاتل يا مقتول.
- مقتول.
صدرت فجأة مع ضربة على رأسهِ بقالب من الطوب، وخر على أثرها صريعًا على الأرض مضرجًا في دمائه أسفل أقدامها.
تطلعت إليه برعب ثم ارتفعت عينيها خلفه لتفاجأ بشقيقتها، تهتز بوقفتها بعدم اتزان وكأنها مضروبة على رأسها هي الأخرى وقبل ان تسألها ما بها، وجدتها تسقط امامها على الارض فاقدة للوعي، صرخت عليها بجزع:
- أمنية،، مالك؟ عمل فيكي ايه الزفت ده؟
حينما لم تجد منها ردًا، تناولت هاتفها تتصل عليه، وكان رده كالعادة سريعًا:
- أيوة يا شهد انتي فين؟ انا بقالي ساعة بتصل بيكي.
- الوو يا حسن، تعالي اللحقني.
***
في وقت لاحق فتحت جفنيها للنور اخيرًا، ووعيها يعود تدرجيًا، فتتضح الصورة رويدًا رويدًا، والدتها تخبئ وجهها بطرحتها ولا تكف عن البكاء، شهد على أحد المقاعد يضمها زوجها بذراعه وكأنه يخفف عنها، شقيقتها الصغرى من الناحية الأخرى جالسة بالقرب منها، وقد كانت الاولى التي تنتبه عليها:
- أمنية انتي فوقتي؟
قالتها رؤى، فنهض الجميع ليلتفوا حولها، وأولهم كانت شهد التي جلست على طرف التخت سائلة بقلق:
- عاملة ايه دلوقتي؟ دماغك لسة تعباكي؟
بذكر الأخيرة، تذكرت لترفع يدها إلى جبهتها تتحسس الرباط الطبي فخرج تأوهًا منها:
- اه.
- يا بت متلمسيهاش عشان متتعابيش.
هتفت بها نرجس، فخرج السؤال من أمنية:
- هو انا لسة دماغي تعبانة؟
- الف سلامة عليكي يا أمنية، احمدي ربنا انها جات على كدة وربنا نجاكي.
قالها حسن، لتضيف عليه رؤى بسؤالها:
- هو انتي ايه اللي حصلك؟ الزفت ابراهيم عمل ايه معاكي؟
بسؤالها المباشر عادت أمنية لتنشيط ذاكرتها من الأفكار المتزاحمة حتى وصلت لنقطة البداية وقت ما كانت بداخل السيارة معه في الأمام حينما توقف بها أمام احدى الأبنية الجديدة.
- وقفت ليه يا ابراهيم؟
عادت بسؤاله مرة أخرى والريبة تتسرب داخلها منه، ليفاجأها باقتراب رأسه منها يتطلع لها بتمعن قائلًا:
- هو انتي عنيكي حلوة النهاردة؟ ولا الشمس هي اللي منوراكي؟
- ها.
أربكها بقوله فمن من الإناث لا تتأثر بكلمات الغزل؟ تلجلجت وزحفت السخونة لوجنتيها وقد أخجلها هذا القرب المفاجئ، وقبل أن تتمكن من تجميع كلمة مفيدة باغتها بضربة غادرة من رأسه القوية بجبهتها أفقدتها الوعي على الفور، فلم تشعر بنفسها، إلا بعد وقت لا تذكره.
لتجد نفسها نائمة على أرض قاسية، بغرفة غريبة، ومكشوفة، لا بها نافذة ولا باب يستر، رفعت رأسها ولكن الألم اشتد بها، متأوهة بوجع صعب الاحتمال، عادت لتحاول مساعدة نفسها بالأستناد على مرفقها وذراعيها ولكن الدوار الشديد كان يعود بها لنفس الوضع، حتى وصلها صوت حديث رجل وامرأة، ركزت بنصف وعي فعلمت أنها شهد والملعون ابن خالتها، همت بالنداء ولكن مع الانتباه لذكر السبب خلف موت والدها، أنصتت جيدًا لكل حرف اردف به هذا المعتوه بدم بارد حول قتله للرجل مع سبق الاصرار والترصد.
غلت الدماء برأسها الموجوع وغامت عينيها بدموع القهر، ثم عجزها في الرد ومساندة شقيقتها التي كانت تصرخ بنار الانتقام، ومحاولة هذا المهوس للنيل منها، فكانت الفرصة حينما شعرت باقترابه من غرفتها، وبإرادة لم تعرف أين أتتها رفعت نفسها، تمسك قالبًا من الطوب كان ضمن مجموعة بالقرب منها، وما أن دلف إليها غير منتبها لها، فقد كان منشغلًا بشهد بتهديده ووعيده، حتى امتدت ذراعيها بالقالب تستقبله بضربه على خلف رأسه، تأخذ ثأر أبيها منه.
- سكتي ليه يا أمنية؟ هو انتي مش فاكرة اللي حصل؟
سألتها شهد تنتشلها من شرودها، فرمقتها هي لمدة من الوقت بنظرات مشبعة بالندم، قبل أن تتمالك وتجيبها:
- لأ فاكرة طبعًا، وهحكي بكل اللي حصل، بس كنت عايزة اعرف الأول، جراله إيه؟
أجابتها نرجس باكية، وبنبرة مكذبة لرواية شهد عما حدث:
- ابن خالتك بين الحيا والموت، في مستشفى تبع البوليس اللي متحفظ عليه، عشان لما يقوم منها يحبسووه.
أشاحت شهد بوجهها عنها تزفر بقنوط وعدم تحمل لغباء هذه المرأة، وارتفعت عينيها الى حسن تنشد منه الدعم كالعادة وهو لا يتأخر، قبل أن ينتبه معها على قول أمنية الحاسم:
- ابن خالتي كان بيتهجم على اختي ياما، بعد ما اعترف لها بنفسه انه قتل ابويا، واخدة بالك ياما؟ انا كنت هتجوز اللي قتل ابويا.
***
بملامح مشتدة، مبتعدًا تمامًا عن هدوءه المعتاد، هدر غير اَبهًا بهيئته وبوضعه كمدير الفندق وصاحب الأملاك الغير معلوم عددها:
- ازاي يعني مجاتش؟ هي فوضى؟ أي موظف في الفندق هنا يغيب على كيفه، ويجي وقت ما يحب.
كظم حمدي بصعوبة يخفي حنقه من هذا الهجوم الغير مبرر، ليرد بلهجة عملية:
- حضرتك هي قدمت استقالتها امبارح يعني......
قاطعه بعنف متابعًا:
- بس انت قولت انك لسة مقابلتهاش.
- دا كان امبارح.
هتف بها بعجالة قبل أن يتابع بما زاد من حقد الاَخر:
- انا كنت فعلًا مقرر مقبلش، بس النهاردة لما جه شادي خطيبها وقدم استقالته هو راخر ومعاها المبررات، اضطريت اقبلهم هما الاتنين.
احتدت عينيه ليتابع بصياحه بغضب لم يعد يخفيه:
- كماان، دي بقت فوضى بجد بقى؟ في ايه يا استاذ انت؟ بتمضي للغبي ده من قبل حتى ما نلاقي اللي يسد مكانه؟ لا دا انتوا متفقين عليا بقى، هو يعمل اللي كيفه ويخلق سلطة من الهوا تمكنه انه يمشي من الفندق ومعاه صبا، وانت تنفذ مغمض عنيك من غير ما تراعي المصلحة العليا للمكان اللي بتاكل منه عيش.
بالغ في افراغ سخطه في الاخر والذي فاض به، ليرد مكفهر الوجه غير عابئًا بمركزه:
- عدي باشا ارجوك، انا مش موظف صغير ولا تحت التمرين عشان تعاملني بالأسلوب ده، على العموم انا اتصرفت في حدود السلطة اللي بتمناهالي وظيفتي، ولو حضرتك شايف ان في تعدي أو تقصير مني، تقدر اوي ترفدني، عن اذنك.
قالها وذهب مغادرًا دون استئذان، زمجر عدي من خلفه ليدفع بيده مجموعة من الأوراق والملفات ويسقطها أرضًا، وغليل صدره يجعله يود إحراق الفندق بمن فيه، استدرك ليتناول هاتفه سريعًا متصلًا بأحد الأرقام، وجاء الرد سريعًا:
- عدي باشا، دا انا كنت حالا هتصل بيك، وابشرك، اللي انت أمرت بيه تم وتمام التمام، المحروسة أدبوها صح.
زفر بشعور يقارب الارتياح والتشفي قائلًا:
- كويس كويس أوي.
***
على مقاعد الانتظار في الردهة الشاسعة بالمشفى كانت مستريحة واضعة رأسها على كتف ذراعه، وكفها داخل كفه، يغمرها دفئه، وصوته الحنون يبث بداخلها الأمان:
- مش عايزك تخافي من أي شيء تاني يا شهد، انا جمبك وعمري ما هسمح لأي حاجة تاني تأذيكي، بس كمان انتي لازم تثقي فيا!
اعتدلت برأسها تخاطبه باستغراب:
- ليه بتقول كدة يا حسن؟ هو انت شايفني مش واثقة فيك؟
زم شفتيه وبنظره تحمل بداخلها العتب، رد يجيبها:
- بلاش اتكلم يا شهد وانتي لسة في الحالة دي؟ انا ماسك نفسي بالعافية.
- لا يا حسن متمسكهاش، اتكلم وطلع اللي في قلبك.
قالتها بأسلوب أجبره على الرد، فقال يكبح بصعوبة مشاعر الغضب المتأججة بداخله:
- لو ع اللي في قلبي، ف انا زعلان منك يا شهد، عشان كان لازم تبلغيني قبل ما تتحركي، أو على الأقل كنتي ادتيني فكرة، يعني لو مكنتش أمنية موجودة في الوقت ده لا قدر الله، الله أعلم وقتها كان هيحصلك ايه مع الحيوان ده. انا كل ما دماغي تتخيل السيناريو الأسوء، بحس بنار بتاكل في جسمي، ماسك نفسي معاكي بالعافية يا شهد عشان مش عايز ازود عليكي.
وصلها مقصده، واستدركت اخيرًا لما غفلت عنه في غمرة الأحداث المتوالية، لديه كل الحق في أن يغضب، وهي من واجبها الاعتذار، يكفيها لحظات الدعم التي لم يبخل بها عنها ولو لحظة من وقت قدومه لنجدتها سابقًا رجال الشرطة، ورغم كل ما يحمله من عتب نحوها.
فخرج صوتها بأسف كي تراضيه:
- سامحني يا حسن، بس انا دماغي وقفت ساعتها عن التفكير، وكل اللي كان هامنني هو اختي.
تقبل أسفها بتفهم قائلًا:
- شيء طبيعي إن يبقى دا إحساسك، بس اللي مش طبيعي هو صفة الاستقلالية اللي لسة متمسكة بيها حتى بعد مابقينا واحد انا وانتي، افهمي بقى ان كل اللي يهمك يهمني واللي يسعدك يسعدني واللي يحزنك يحزني انا كمان، اقتنعتي بقى يا شهد؟
- اقتنعت يا عيون شهد وفهمت كل كلمة قولتها، ربنا ما يحرمني منك.
قالتها ثم لفت ذراعيها حول ساعده، لتعود إليه وتريح رأسها على حصن أمانها، ومصدر السعادة الذي كان مخزنًا في انتظارها.
***
بداخل الشرفة التي دخلتها خلسة، وقفت تنتظره على حسب الاتفاق، بعد أن اتصل بيها يريد رؤيتها ضروري، لم تُكمل دقيقة حتى أتى إليها مسرعًا ليتوقف فجأة ينظر لوجهها البهي والذي اشتاق إليه بصورة موجعة طوال الساعات الماضية بعد أن حرم من رؤياها.
القى التحية بقلب يضرب كمطارق في صدره:
- مساء الفل والورد والياسمين.
تبسمت بخجل لتزيد من عذابه بصوتها الذي يهمس برقة:
- مساء الخير، عامل ايه بجى؟
رد بوجه عابس كطفل:
- أناا، أنا في حالة ما يعلم بيها غير ربنا يا صبا، قاعد على نار مستني كلمة من والدك، يا يحيني يا يموتني.
- بعد الشر عليك.
تمتمت بها بدون تفكير، واستدركت حين رأت ابتسامته لتتراجع سريعًا مردفة:
- انا جصدي يعني متفولش على نفسك.
زاد اتساع ابتسامته مع انتباهه للمحة الخجل التي اعتلت تعابيرها فقال بنفاذ صبر:
- وبعدين بقى، الله يرضى عنك حاولي معاه خليه يريحني، خليني أدخل البيت من بابه بدل ما انا عامل كدة زي العيال المراهقين.
بابتسامة مستترة عادت لمكرها تلاعبه:
- وه واحاول كيف معاه يعني؟ ما انا جولتلك من الأول، الرأي رأي ابويا، أنا مليش كلمة.
صدرت الاخيرة بدلال جعله يردد خلفها بتسلية:
- يا شيخة، اه صح ما انا مصدقك، بس برضوا يا صبا، مفيش ضرر تحاولي مع السيد الولد او الست زبيدة، وتحنوا على جاركم الغلبان، دا انا حتى ابويا ميت والله، وامي ست تعبانة.
اومأت تحرك رأسها بتفاهم، وهي تضحك بصوت مكتوم حتى ظهرت أسنانها البيضاء، وهو يشاركها بابتهاج يكاد يوقف قلبه من السعادة، حتى انتفضا الاثنان على الصوت القريب لوالدها فارتد للخلف بظهره يومئ لها بكف يده لتعود هي الأخرى قبل أن يدخل والدها، اذعنت لأمره، ولكن وقبل أن تخرج من الغرفة تفاجأت به يدفع الباب ويلج اليها، ليخاطبها متفاجئًا هو الاخر ويسألها:
- صبا، بتعملي ايه يا بت هنا في أوضتي؟
أخفت ارتباكها لتجيبه بلهجة تبدوا عادية:
- ولا حاجة يا بوي، انا كنت بس بطبق الهدوم واحطها في الدولاب، عن اذنك.
هربت على الفور من أمامه، وظل هو يطالع اثرها لفترة من الوقت، قبل أن ينتبه على ستائر الشرفة المفتوحة، ليعض على لسانه ويغمغم بفراسة اختلطت بغيظه:
- اه يا بت ال... الفرطوس.
***
بعد تناول وجبة الغذاء، وفي جلسة عائلية ضمت الأبناء مع والديهم، لارتشاف الشاي الذي أعدته صبا، والذي أثنى عليه شقيقها الأكبر قائلًا بمزاح:
- الله يا بت يا صبا، كوباية حبر تعدل المزاج صح، هو دا بس اللي فالحة يا مضروبة الدم.
ضحك الجميع وردت هي تقارعه بشقاوة:
- حرام عليك يا حجازي، يعني هي دي فكرتك عني، طب مخدتش بالك من طبق السلطة اللي عملته، والا اللحمة اللي حمرتها لحد السمنة ما نترت على يدي.
قهقه خلفها مع الباقين ليعلق ساخرًا:
- لا كتر خيرك يا ستي، ظلمتك انا يا بت ابوي، مكنتش اعرف انك اتطورتي كدة.
تدخل فراج يردد بمناكفة لا يتخلى عنها ابدًا في التعامل معها:
- انا من يومي اجول عليها خايبة ولا عمرها هتفلح، اهي دي نتيجة الجلع.
سمعت منه واحتدت ترد على قوله بغيظ رغم الابتسامة الذى غزت افواه الجميع:
- لم نفسك يا فراج وبطل غلاستك، ولا انت تموت لو ناكشتني؟
ضحك يكيدها مرددًا:
- اديكي جولتيها بنفسك، انا بستمخ لما انكشك، بس كمان انا مغلطتش، انتي لازم تتعلمي حتى عشان لما تروحي بيتك تخدمي نفسك وجوزك، الحلا والجمال، مش كل حاجة يا بت أبوي.
التوى ثغرها بحنق، لا تقوى على الجدال معه في هذه النقطة التي اقتنعت بها منذ فترة طويلة، ولكن تعلمها يسير بصورة بطيئة، مع محاولات الفشل المتكررة منها.
تدخل حجازي يلطف بدعابة:
- لا ما هي لو خدت اللي بيحبها هيصبر عليها ويفوتلها يا واد ابوي، مش جالك المثل، حبيبك يبلعلك الظلط، وعدوك يتمنالك الغلط.
اومأت زبيدة تدلي بدلوها هي الأخرى لكن بمكر:
- ايوة يا ولدي، خصوصًا كمان لما يكون عارف الصفة دي عنها من الأول، ومع ذلك راضي وموافق.
أومأ حجازي بغمزة بطرف عيناه مرددًا بمغزى:
- ايوة بجى يا ست زبيدة، وكمان لما يبجى واجع على بوزه، هتعك كد ما تعك برضوا هيجول الله.
رمقته باندهاش اختلط بخجلها الذي كان واضحًا كضوء الشمس رغم محاولاتها إنكار ما وصل بذهنها من تلميح:
- في إيه يا حجازي؟ انت بتتكلم كدة وكأنه موجود، مش لما ياجي صاحب النصيب.
اندمج فراج في اللعبة يسألها:
- يعني انتي شايفة انه مجاش؟
ردت على سؤاله بسؤال متحفزة:
- قصدك إيه فراج انت كمان؟
ضحك يزيد من غيظها مع نظرات الاَخرين الكاشفة لها، حتى تدخل والدها بحزم قائلًا:
- فوضها انت وهو وجيبوا معاها من الاَخر، انتي يا بت موافقة ع اللي اسمه شادي ده ولا لأ؟
- ها.
تمتمت بها في البداية مجفلة من السؤال المباشر، قبل أن تستعيد شخصيتها العنيدة في الرد:
- وانا مالي بالكلام ده يا بوي، ما انا جولتلك من الأول ان الرأي رأيك؟
اقترب برأسهِ منها يخاطبها بخبث:
- يعني لو رفضته مش هتزعلي يا عين ابوكي؟
بهتت وانسحبت الدماء من وجهها، وطالعته برعب لم يخفى عليهم حتى نهضت بكبرياء زائف:
- انا جاية وسايبهالكم يا بوي وانتوا حرين.
جرت اقدامها لتنسحب تاركة الأمر لهما، واندست خلف جدار الطرقة الفاصلة المؤدية للحمام والمطبخ، وبقلب وجل كانت تراقب الحديث الذي دار من خلفها، والذي بادر ببدايته فراج بصراحته الفجة:
- ما تفوضها يا بوي ورد ع الواد ده، ان كان بأيوة ولا لأ.
ردت والدته برفض:
- ولاه ليه بجى؟ ما الراجل زين وتمام التمام.
- بس غريب يا زبيدة.
هتف بها زوجها ضاربًا بكفه على فخذه، فقارعه حجازي بقوله:
- يعني هو كان غريب ع الملة يا بوي، ما كلنا ولاد تسعة ومدام راجل زين ايه عيبه يا بس؟ راضي بيها ومجدر الظروف.
زفر يشيح بوجهه للجهة الأخرى باعتراض، فتابعت زوجته بصوتها الهادئ تخاطبه برقة:
- خلاص يا ابو لية، متحبكهاش، هي الناس كل يوم بتلاجي عريس زين لبنتتها، ومدام راجل وبيشيل المسؤلية، دا غير ان أخلاجه عالية وهيصون بتك، دي نعمة وحرام نرفصها برجلنا.
نظر إليها بملامح ممتعضة، فزاد حجازي من ضغطه:
- جول أمين يا ابو ليلة وخلينا نلزها البت دي، انت عارفاها دماغها مركوب جديم، ومش هترضى بأي حد، زيحها بجى عشان تبجى خلصت رسالتك وتروح الحجة الكبيرة مع زبيدة حبيبتك.
تبسمت زبيدة بخجل وجاء رد مسعود الذي أحرج هو الاَخر، متمتمًا بسبة:
- اه يا بن الكلب....
ضحك الجميع خلفه ليأخذ وقته قليلًا في التفكير، قبل يرد اخيرًا من تحت أسنانه:
- خلاص غوروا واعملوا اللي عايزين تعملوه.
سمع منه فراج ليهلل بفرح:
- الله أكبر، خلونا نفرح.
تبسم حجازي برضا، وغمغمت زبيدة بغبطة تغمرها:
- هاين عليا ازغرط والله.
- أوعي يا مرة، خلي كل حاجة لما تبجى في وجتها، لا يجولوا علينا مدلوجين.
قالها مسعود لينهيها بحزم، وفي الناحية الأخرى خلف الجدار كان قلبها يتراقص بفرح حقيقي، وقد تحقق اخيرًا مبتغاها، في الارتباط برجل يعشقها وتعشقه.
***
وفي المساء كانت الجلسة التي جمعت الأسرتين، مجيدة وابنائها الاثنان، في ضيافة طارق الذي حضر اليوم كرجل العائلة؛ الذي يختص معه التحدث في أمر شقيقته والتي كانت جالسة بأدب بجواره والدتها التي لم تتوقف عن الترحيب:
- انتوا نورتونا والله.
- يا حبيبتي دا نورك، عشان تعرفي بس، انا الزيارة دي كنت متأكدة انها هتحصل يعني هتحصل.
قالتها مجيدة فضحكت لتثير الابتسام على وجه الجميع وعلقت أنيسة ضاحكة:
- انتي هتقوليلي، ما انا عارفاكي، اللي في دماغك، بتنفذيه يعني بتنفذيه.
شهقت تعترض ببرائة:
- وانا برضوا عملت حاجة يا اختي؟ دي كلها امور نصيب، بس اقولك، كفاية النسب الحلو، والجدع الامير ده اللي حاضر معانا، احنا اتشرفنا بيك يا استاذ طارق.
بابتسامة صادقة رد يجيبها:
- الشرف لينا يا ست مجيدة، حضرة الظابط تاريخ مشرف، والمهندس اكيد ميتخيرش عنه، انا بس لولا عندي ظروف خاصة لكنت خليت المدام تحضر هي كمان وترحب بيكم، دي فرحت اوي اول اما جيبتلها سيرة عن حضرة الظابط، فاكرها يا أمين؟
رد يجيبه بمودة خالصة:
- طبعًا فاكرها، مدام كاميليا من أكتر الشخصيات المحترمة اللي قابلتها في حياتي.
تدخل حسن قائلًا بمرح:
- طيب انا شايف ان الأجواء حلوة والعرسان ما شاء الله عليهم، انا بقول نقرا الفاتحة بقى، واي حاجة بعد كدة في الاتفاقات المعروفة مش هنعترض عليها، ولا انتوا رأيكم؟
- التف طارق نحو انيسة التي أومأت موافقة بابتسامة، وردت لينا برقة أذهلته:
- اللي تشوفه يا أبيه طارق.
رفع شفته مغمغمًا باستغراب لرقتها المفاجئة:
- ابيه!
استدرك بعد ذلك ليرد بابتهاج حقيقي:
- أكيد طبعًا مش هنختلف، نقرأ الفاتحة.
رواية و بها متيم انا الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم امل نصر
في غرفة المكتب الخاصة بوالده قديمًا، والتي أصبحت مقره الدائم الآن، يتابع أعماله الكثيرة من خلالها، كي لا يبتعد عن زوجته في هذه المرحلة الهامة من علاجها بعد الخروج من المشفى منذ عدة أسابيع. حتى وهي في كنف والدته، والتي أصرت على مجيئهم منزل العائلة من أجل مساعدته أيضًا في رعايتها ورعاية الطفل الصغير عمار، ومع ذلك أبى أن يقصر في حقها، ولذلك فضل مباشرة العمل من هنا، ومن يريده يأتي إليه.
كعدي عزام الذي كان يراجع معه عددًا من العقود في هذا الوقت.
"كده كل حاجة تمام، يعني نخش المناقصة بقلب جامد."
قالها مخاطبًا عدي بحماس، والذي رد بفتور أصبح من أهم سماته الشخصية هذه الأيام.
"خلاص، يبقى أنا هبتدي في الإجراءات من بكرة."
ختم عبارته وهو يدفع الملف الذي كان بيده على سطح المكتب بضيق. انتبه له الآخر ليترك هو أيضًا ما كان يعمل عليه، ويرمقه عدة لحظات بتفحص. ثم ما لبث أن يسأله بفضول استبد به:
"هو أنت لسه برضوا متأثر بموضوع البت أيّاها؟"
تجمد يطالعه بنظرة خاوية، وأعين فقدت لمعة الشغف والحياة الصاخبة، ليزفر طاردًا كتلة كثيفة من الهواء المشبع بإحباطه، قبل أن يقول أخيرًا:
"وإيه الفايدة؟ اتأثر ولا متأثرش، ما خلاص....."
سأله مرددًا باهتمام:
"خلاص إيه؟"
زاد عبوس الآخر، ليطرق بأطراف أصابعه على السطح، طرقات رتيبة مملة، والكلمات تخرج بصعوبة منه:
"أنا عرفت إنها كتبت كتابها امبارح على الزفت جارها، شادي اللي ساب الشغل عندي وراح اشتغل في فندق منافس، بوظيفة أعلى، نظرًا لكفائته اللي أنا عارفاها كويس."
اكتنف كارم شعور جارف بالأسف، فخاطبه بما يشبه الاعتذار:
"أنا مكنتش أعرف إن الموضوع اتطور معاك للدرجه دي؟ بس يعني... دي مش آخر الدنيا، والستات على قفا من يشيل."
"لا يا كارم، عمر الموضوع ما كان كده."
قالها عدي بصدق ما يعتمل بصدره، ليستطرد بصوت طغى عليه الشجن:
"أنا دلوقتي بس اتأكدت إن امتلاك سيدات العالم كله، بملكات الجمال اللي فيه، ما يساويش نظرة واحدة من ست أنت بتحبها وتحبك بجد.
وإن إحساس الكره لما تشوفه في عيون الست الوحيدة اللي حركت مشاعرك، مفيش في الدنيا أبشع منه."
ابتلع مرارة حلقه متذكرًا حديثه الأخير معها، حينما علم بحضورها في أحد الأيام، كي تنهي إجراءات فسخ العقد مع الفندق، فركض بخطواته السريعة كي يلحق بها قبل أن تغادر وكأنه يتشبث بفرصته الأخيرة معها.
دفع بقوة باب الغرفة لدرجة أخافت حمدي، لينتفض ناهضًا عن مقعده خلف المكتب مرددًا بجزع:
"عدي باشا، إيه؟ في حاجة؟"
لم يلتفت له، بل انصب تركيزه على من كانت جالسة مقابله، تناظره بتحدي ولم تتحرك بها شعرة واحدة، فرد يجيب الآخر، وعينيه لم تتزحزح عن عنها:
"سيبنا لوحدنا دلوقتي يا حمدي."
اعترض الأخير بعدم تقبل:
"أسيبكم إزاي يعني؟ صبا أساسًا بتخلص ورقها وماشية."
هم أن يوبخه بعدم اكتراث لمكانته ولا منصبه، ولكن صبا كانت الأسبق:
"عادي يا أستاذ حمدي، ما فيهاش حاجة......... ده مهما كان برضه، كان رئيسي وصاحب الشغل اللي كنت باكل منه عيش."
كلماتها المنتقاة بذكاء؛ ألجمت حمدي عن المعارضة، وساهمت في ارتخاء الآخر، وقد اتخذه بادرة جيدة منها، ثم بالطبع استجاب الأول، ليخرج محترمًا رغبتها، وثقة تامة في رجاحة عقلها.
فور اختلاء الغرفة عليهما بادرها بالسؤال الملح:
"إنتي بجد مخطوبة لشادي يا صبا؟"
ردت بهدوء وصراحة أيضًا:
"هي لسه مبقتش خطوبة رسمي، يدوبك كلام في بدايته."
توسعت عينيه بذهول، ودائرة الأمل تتوسع بداخله، ليردف:
"طب كويس أوي، يعني ينفع يا صبا تقبلي طلبي، مدام لسه مفيش اتفاق ولا خطوبة رسمي، قولي آه وأنا مستعد أنفذ كل اللي تقولي عليه، أكيد عرفتي كويس أوي دلوقتي، إن أنا محتاجالك قد إيه وعايزك إزاي؟"
سألته بما يشبه الاختبار:
"في السر برضه ولا عرفي؟"
نفى سريعًا، وقد تغلب الشوق على العجرفة التي كان يتمسك بها:
"زي ما تحبي يا صبا، لو عايزة إشهار والدنيا كلها تعرف أنا مستعد."
"دلوقتي؟"
تمتمت بها، فطالعها بعدم فهم، قبل أن تردف نحوه بانفعال:
"حضرتك جاي دلوقتي تعرض عليا الجواز؟ بعد ما زقيت ميرنا عليا أنا وصاحبتي؟"
احتج بعنف، ينكر بكذب مكشوف:
"يا صبا البت دي كدابة، بلاش تصدقيها، دي أكيد بتألف من دماغها، أنا لو مش عايزك في الحلال، مكنتش جيت أعرض عليكي الجواز من تاني أهو."
تكتفت بذراعيها، ترمقه بتتمعن لتزيد من توتره، قبل أن يخرج ردها:
"عارف يا عدي باشا، أنا ممكن أصدق كلامك، في إني عجبتك أو ممكن تكون حبيتني على فكرة، مع إن دي مش متأكدة منها، بس اللي أنا متأكدة منه، هو إنك شفتني واحدة زي أي واحدة تقدر تجيبها بفلوسك، طبعًا عشان الفرق الخرافي في المستوى، ودي مقدرش ألومك عليها، بس أنا كمان محدش يلوم عليا لما أبقى معتزة بنفسي ومبقلش بواحد يشوفني أقل منه، حتى لو كان بيعشقني بجد، مش كمان كل محاولاته في القرب مني كانت بالغلط........ يا باشا ده انت حتى لما حاولت تصلح، جيت واتقدمت لأهلي إنك تتجوزني في السر وغرورك صور لك إننا ما هنصدق ونتمسك بالفرصة."
للمرة الأولى يتمكن شخص ما؛ من جعل عدي عزام يشعر بالخزي، لقد كانت قوية لدرجة جعلته يسبل أهدابه عن مواجهتها في إحدى المرات، قبل أن يتمسك بغروره الواهي في الإنكار، رغم فشله. لقد كانت رحيمة حينما أنهت لقاءه بها سريعًا، وقد استغنى عن هذا الكم من الحقيقة التي ألقتها بوجهه.
على قدر رزانتها في الحديث، على قدر قسوة الكلمات التي كانت تلسعه كالسياط لعلمه التام أنها محقة، في كل حرف تلفظت به. لقد كان يبتغي التغير والتمرد، ونسي أن التغير لابد أن يكون بداخله.
"عدي انت سرحت؟"
تساءل بها كارم لينتشله من دوامته، قبل أن يجفله رنين الهاتف أيضًا، فتناوله سريعًا يجيب الاتصال الغريب من زوجته:
"الوو.... أهلا يا ميسون."
وصله صوتها بصراخ:
"عدي، الحقني يا عدي."
❈-❈-❈
بخطوات وئيدة، حريصة، خرجت من حمام الغرفة، تلف رأسها بالمنشفة البيضاء، بعد أن أنعشت جسدها بالماء الدافئ، والمعبأ بالروائح العطرية التي تعشقها، كي تستعيد بعض من روحها القديمة، بجرعة من الرفاهية والدلال، فقد سأمت المشفى وملازمة الفراش طوال الفترة الماضية. ما زال الدوار يكتنفها على أقل حركة، رغم اختفاء بعض الأعراض الأخرى مثل الرنين في الأذن والإرهاق الدائم وكثرة النوم، والحساسية من الضوضاء وضعف التركيز والذاكرة، وغيرها من الأشياء التي كانت تفقدها صوابها في بعض الأوقات. وتبقى معه الصداع الذي يأتي ويجيء، رغم كل الاحتياطات والعلاجات.
"حاسبي يا رباب."
تفوه بها مرافقًا لذراعيه التي تلقفتها فور أن اهتزت بسيرها، وتابع بسؤاله بعد أن تفحص وجهها جيدًا:
"لسه برضه الدوخة؟"
رفرفت بأهدابها قليلًا ثم أومأت رأسها بخفة. لم ينتظر مزيدًا من الشرح، دنا بذراعه الآخر يحملها من أسفل ركبتيها، والمئزر الأبيض الذي كانت ترتديه، ثم ذهب بها إلى الفراش يريحها عليه بكل حذر، وقال معاتبًا:
"ما استنتيش ليه على ما أطلع لك؟ مكانش ليه لزوم أبدًا تعملي أي مجهود من غيري."
أشرق وجهها بابتسامة ضعيفة لترد:
"ويعني أنا عملت إيه بس؟ أنا أقصى حاجة بس غطست في البانيو."
"برضه كان لازم تستنيني وأنا أساعدك."
قالها منشغلًا بشد الغطاء على جسدها، فضحكت بصوت مكتوم، لتردف بمشاكسة:
"انت باينك استحلتها يا كارم، وأنا اللي فاكرة إنك بتساعدني لكرم أخلاق منك، مش لأغراضك الدنيئة."
بادلها هو الآخر الضحك ليندس بجوارها أسفل الغطاء، الذي غطى نصفه، وقد استلقى بنصف نومة، وقال معترفًا:
"بصراحة آه منكرش، دي كانت من أجمل المهمات على قلبي."
خبأت ابتسامتها مع تذكرها للمجهود الخرافي الذي قام به، طوال الفترة الماضية، ليوفق بين رعايتها ومزاولة عمله بالمنزل. فالتفت ذراعها حوله لتريح رأسها في عناقه، وتمتمت بهمس:
"أنا تعبتك أوي معايا يا كارم، حملتك فوق طاقتك، بصراحة مكنتش اتخيل إن عندك روح المساعدة والصبر ده كله عليا."
قبلها فوق رأسها بخفة متقبلًا نقدها، ليقول:
"فاهمك أنا على فكرة، بس اللي عايزك تفهميه إنتِ، هو إني عمري ما اتعرضت للمواقف دي مع الناس اللي بحبهم، والدي لما تعب مخدتش يوم بليلة واتوفى، وماما ربنا يخليها لسه موضعتنيش في موقف اختبار زي اللي اتحطيت فيه معاكي، أنا لو بإيدي كنت شلت كل الألم منك وخدته ليا بعيد عنك."
زادت من التشبث به، متنعمة بدفئه ورائحته التي تعشقها، تردف ردًا على كلماته:
"بعد الشر عليك يا حبيبي، حمد لله أنا متقبلة اختبار ربنا."
تبسم بمكر يبعد رأسها بخفة ليطالع وجهها الجميل قائلًا:
"بس بيني وبينك يعني، فين الصعوبة اللي بتتكلمي عليها دي؟ ده أنا بشتغل يدوب ساعتين، وبعدها أطلع عندك، أدلع نفسي بقعدة حلوة معاكي، يا في الجنينة تحت، أو في الأوضة هنا، آخد لي حضن، أو بوسة من خدود القمر.... أو شفايفه."
قالها ودنى برأسه يقتطف قبلة متمهلة شغوفة رغم حرصه الشديد، حتى لا يؤذيها، فرأسها لم تستعد حالتها العادية بعد، ليتبعها عدد آخر على أنحاء وجهها، يبث بها عشقه الكامن بين أضلعه، داخل هذا الصغير الذي أصبح يضخ الدم من أجلها، ومن أجل أسرته الصغيرة.
"كارم."
أجفل فجأة على صوت والدته، يتبعه طرق على باب الغرفة، تسحبت من جوارها بهدوء، حتى فتح للأخرى، والتي دلفت خلف طفله الصغير:
"بابي."
"يا قلب بابي."
قالها وهو يتلقفه بين ذراعيه، ثم قام برد التحية لوالدته بقبلة على جانب وجهها، قبل أن تسبقه للداخل قائلة:
"عاملة إيه مراتك النهاردة؟ إيه أخبارك يا حبيبتي؟"
همت لتعتدل بجذعها ولكن المرأة أوقفتها:
"أوعي تتحركي خليكي زي ما انتي، أنا أساسًا كلمتين وماشية على طول."
"ليه طنط؟ هو انتي لسه قعدتي؟"
أضاف كارم هو الآخر:
"أيوه يا ماما اقعدي الأول، وبعدها اتكلمي براحتك."
"يا حبيبي أنا مش تعبانة، أنا بس كنت عايزة آخد رأيك في مشوار كده، أصل الست مجيدة كلمتني بنفسها، ده غير الدعوة اللي وصلت من أيام، هتقدر تحضر النهاردة فرح أولاد عمك، أمين وحسن؟"
سهم بنظرته نحوها، ثم انتقل نحو زوجته بشيء من التوتر، وقبل أن يعترض سبقته هي:
"مش أمين ده اللي هيتجوز لينا سكرتيرة طارق؟ دي زهرة وجوزها كمان هيحضروا مع كاميليا، خلينا نروح مع طنط يا كارم."
احتج قائلًا بحدة:
"إزاي يعني؟ هو انتي حمل سهر ولا أغاني وزيطة، ثم أمين نفسه ده أنا مش قابل أروح فرحه، لو كان أخوه بس كنت عديتها."
أشاحت بوجهها عنه تتمتم بكلمات غير مفهومة، جعلته يردف سائلًا بحنق:
"بتبرطمي تقولي إيه يا رباب؟"
ردت بهمس وكذب:
"مبقولش حاجة، واعمل اللي أنت عايزه."
كز على أسنانه بضيق فتدخلت والدته تأخذ حفيدها منه:
"براحتكم انتوا الاتنين، أنا هاخد عمار ونروح لوحدنا، على الأقل يتعرف على الأطفال اللي زيه من العيلة."
تحركت ذاهبة وقبل أن تصل للباب أوقفها بقوله:
"استني يا ماما."
التفت تجيبه:
"نعم."
ألقى بنظرة خاطفة نحو التي ما زالت على صمتها، تكظم غيظها، وتنظر في أي جهة إلا نحوه.
فقال زافرًا بسخط:
"إحنا كمان رايحين معاكي."
تطلعت إليه بلهفة فتابع حازمًا:
"ساعة بالكتير ونكون راجعين."
قالها وتحرك يسبق والدته في المغادرة، والتفت إلى كنتها تبادلها ابتسامة النصر وقد نجحت خطتهما.
❈-❈-❈
في منزل ناصر الدكش.
خرجت من غرفتها القديمة، بعد أن أرضعت صغيرتها، تهتف بأسماء أهل المنزل من شقيقاتها الفتيات:
"يا رؤى، يا أمنية، انتوا فين يا بنات؟"
"احنا هنا في أوضة شهد يا فريال."
تحركت على الصوت لتلج إليهم، وتتسمر على مدخل الغرفة ترمقهم بدهشة:
"يا ما شاء الله، فاتحين درج الفلوس بتاع اختكم، وبتندهوا عليا كده عادي؟ طب أنا هفتن عليكم."
ضحكت أمنية معقبة وهي تحصي عدد الأوراق النقدية التي في يدها:
"روحي افتني يا اختي، هي عالم بكل شيء، أنا أساسًا واخداهم لعبد الرحيم عشان يلف بيهم ع العمال ويقبضهم، ما انتي عارفة يا عسل، اختك في الصالون دلوقتي ومش فاضية."
"أنا كده معايا ست آلاف."
هتفت بها رؤى، قبل أن تتناولهم من أمنية لتضعهم على الحزمة التي معها، لتردف:
"ع الثمانية اللي معايا، يبقى كده أربعتاشر، حلو أوي على أجرة العمال، إحنا لسه ورانا مصاريف كتير."
رمقتها شقيقتها الكبرى بإعجاب، لتكمل بخطواتها حتى وصلت لتجاورهم على الفراش قائلة بفخر:
"ما شاء الله عليكي يا أمنية، خدتي ع الوضع وبقيتي تتكلمي زي شهد بالظبط، باين الشغل نفعك."
أبت الأخيرة أن تتطرق للماضي المخزي بنظرها، وردت بقوة جديدة عليها:
"طبعًا أكيد، الشغل للست أحسن من أي شيء، وأي راجل حتى، وأنا الحمد لله مش بشتغل عند حد، أنا بشتغل في ملك أبويا الله يرحمه، وبكرة المكتب بتاعه، يبقى أكبر مكتب مقاولات فيكي يا جمهورية بإيد بناته إن شاء الله، أسيبك بقى."
قالت الأخيرة وهي ترفع الحقيبة التي امتلأت بالنقود أعلى كتف ذراعها، ثم لفت حجابها على عجالة وخرجت على الفور. عقبت فريال في أثرها:
"أختك يا رؤى اتغيرت وبقت شخصية تانية، دي حتى في شكلها الخارجي، عودها خس وبقت مظبوطة."
ردت رؤى بابتسامة مبتهجة:
"ومتخسش ليه؟ وهي استلمت تقريبًا معظم الشغل مع الشهد، وطول النهار على رجليها، ما هي الانتخة زمان هي اللي كانت متخناها."
أومأت فريال تهزهز في ابنتها بتفهم، قبل أن تقول:
"سبحان الله، بعد ما فاقت من الوهم بتاع الحب مع الزفت إبراهيم، اللهي ربنا ياخده، أختي حست بنفسها، ياريتها انصدمت بحقيقته من زمان."
"كل حاجة بتيجي في وقتها."
تفوهت رؤى بالعبارة، ثم تناولت منها الصغيرة تداعبها وتشاكسها وسألتها أثناء ذلك:
"ماما فين؟ مش سامعة صوتها يعني؟"
مصمصة فريال بشفتيها، لتقول بامتعاض:
"آه هي اللي عايزة الصدمة صح؛ هي أمك، تصدقي بالله الست دي لحد الآن بتكلم خالتك، وحزينة ع اللي حاصلها هي وابنها."
سمعت رؤى وامتعض وجهها بضيق تتمتم:
"ربنا يهدي."
❈-❈-❈
بداخل المحل الذي افتتح حديثًا، خطت حتى توقفت بجوار العارض الزجاجي، تستند عليه بمرفقها، مستغلة انشغال الأخرى بترتيب بعض البضائع من هدايا وأغلفة وعلب أدوات مكياج مختلفة، تأملتها قليلًا بتسلية، قبل أن تجفلها بصيحتها ممازحة:
"عندكم شامبو يا آنسة؟"
شهقت مودة بخضة، قبل أن تلتف إليها بوجه مذعور، لكن سرعان ما استعادت توازنها، لترد مستجيبة للمزاح وتهتز بجسدها، مقلدة للمشهد المشهور:
"لأ يا ختي، عندنا دباديب."
ضحكت صبا بملء فمها، حتى ظهرت أسنانها البيضاء، لتردف بمرح:
"أموت أنا في قفشات الأفلام."
رمقتها مودة بتفحص، يعجبها هذا الإشراق الذي يزين ملامح صديقتها، فقالت بمشاكسة:
"أنا شايفة الحلوة مزاجها عالي النهاردة، إيه؟ ناوية تحققي أمل الأستاذ شادي وتخرجي معاه؟"
أطلقت شهقة تصنعت بها الصدمة، لتنكر قائلة:
"أطلع مع مين يا ست مودة؟ عايزة بت أبو ليلة تطلع مع عريسها؟ اللي كتب كتابه عليها بس امبارح كمان؟ مش كفاية إنه رضي بيه وسلمه جوهرته النفيسة؟ كمان عايزاه يسمح بالسرمحة والكلام الفارغ ده؟"
"يا شيخة!"
قالتها بتهكم، قبل أن تتابع وتسألها بفراسة وتوجس:
"بت انتي، كلامك مش راكب على بعضه معايا، إيه اللي وراكي؟....."
"قلم يا مودة."
انتفضت مذعورة، وخرجت هذه المرة شهقتها بغير افتعال، لتستدير إليه وتجده أمامها مباشرةً، يرمقها بأعين مشتعلة، يعتلي تعابيره الغيظ مكررًا نحو مودة التي أردفت تحييه:
"أهلًا يا أستاذ شادي نورت المحل."
"أهلًا بيكي يا مودة، ناوليني قلم حبر لو تسمحي."
أردف بالكلمات وأبصاره لم تحيد عنها، فقد كانت شهية بشكل موجع، وجهها المشرق بابتسامة ساحرة كشمس أخرى تضيء المكان من حوله، تلهث بابتهاج طفلة انتهت من الركض واللعب، اللون المميز بعينيها، يشع بشقاوتها المحببة، حتى وهي تجعله يدور حول نفسه بأفعالها.
"إيه بتبصلي كده ليه؟"
سألته تدعي عدم الفهم وقد امتدت يده على العارض الزجاجي وكأنه يحاصرها، ليجيب بتحفز:
"هي مين اللي مينفعش تخرج مع خطيبها؟ حتى وهو كاتب كتابه عليها امبارح؟ وعشان ما هي جوهرة نفيسة؟"
توسعت عينيها تتصنع الإجفال لتردف:
"يا نهار أبيض، هو انت سمعت الكلمتين اللي قولتلهم من شوية؟...... ده كانوا هزار."
طالعها بتشكك، يجسر نفسه حتى لا يتأثر، وقد كانت كقطعة السكر أمام عينيه، فتابعت تزيده:
"وعلى فكرة الهزار مكنش مع مودة، ده كان معاك انت، عشان كنت متأكدة إنك جاي ورايا، بعد ما عديت قصادك، وعملت نفسي مش واخدة بالي منك وانت بتفتح باب العربية، قبل ما تمشي على شغلك."
كالعادة تأخذه بيدها إلى البحر وتعيده عطشان، كما يقال في الفلكلور الشعبي، زمجر بوعيد وتشكيك يتمتم:
"عارفة يا صبا لو ما بطلتي عمايلك دي هيحصل إيه؟"
بتحدي نابع من ثقتها في عشقه، رددت بلهجة يغمرها الدلال:
"يعني هتعمل إيه يا أستاذ شادي؟ أنا مغلطتش فيك، أنا بت مؤدبة وماشية في طوع أبويا اللي قاعد في بيته، فيها حاجة دي؟"
لم يرد على الفور، بل ظل على تواصله البصري معها عدة لحظات بملامح مبهمة، قبل أن يغلبه طبعه وابتسم ليردف متوعدًا:
"خليكي في طوع أبوكي اللي مطلع عيني ده، ومحرم عليا حتى القعدة معاكي، كلها تلت أسابيع، شايفة؟"
رفع كف يده أمامها ليشير على الأصابع الأخيرة مرددًا:
"التلاتة دول بس يعدوا يا صبا، وأنا هطلع عليكي انتي وأبوكي القديم والجديد."
"خلاص على ما يعدوا يعدلها ربنا، عن إذنك."
قالتها وتحركت مغادرة على الفور، لتختفي كالزئبق في كل مرة يلتقي بها، زفر أنفاس خشنة وظلت أبصاره معلقة بأثرها، يضغط بأسنانه على شفته السفلى مغمغمًا:
"ماشي يا صبا، ماشي."
حينما التف نحو الأخرى وجدها ممسكة بالقلم صامتة، وقد بدا أنها كانت مندمجة في المشاهدة، امتدت ذراعه نحوها، ليفيقها بقوله:
"القلم يا مودة."
"ها."
"بقولك القلم يا مودة."
"آه آه خد اهو."
تناوله منها، ثم أخرج ورقة نقدية أعلى من سعرها، وضعها أمامها، ثم غادر على الفور.
"طب استنى خد الباقي طيب."
حينما لم يتراجع أو يلتف، جعدتها لتضعها في جيب سترتها، وابتسامة غزت محياها تردد:
"الله يخرب عقلك يا صبا، جننتي الراجل."
عادت لترتيب المتبقي من بضائعها، تلقي بنظرة شاملة على مملكتها الصغيرة، بعد أن تمكنت أخيرًا من الحصول بمساعدة من صبا التي أصبحت شريكتها بالسر وشادي معها، بالإضافة إلى النقود التي حصلت عليها من جدتها بمجهود مضني، ليصبح مشروعها الصغير، بداية لحياة جديدة لها، وقد وجدت أملها به، كل أشياء الفتيات بحوزتها، بالإضافة للعائد الجيد الذي يمكنها من حياة كريمة، والأهم من كل ذلك، أنها حلال.
❈-❈-❈
"مزعل عروستك ليه يا أمين؟"
قالها حسن ويده على مقبض الباب الذي كان يغلقه، ليدلف إليه بداخل الغرفة التي اقتحمها دون استئذان:
التفت إليه الآخر من أمام مرآته، يهتف بضيق:
"يا عم ما تزعل ولا تتلفق، هي حرة."
طقطق حسن بفمه، يصدر صوتًا مستنكرًا ليخاطبه بمهادنة:
"يا بني براحة بس، هو إيه اللي حاصل بالظبط لكل ده؟ أنا شهد لما كلمتني، مفهمتش منها حاجة، وبصراحة الخناق في اليوم ده بالذات مينفعش."
أجفله بهتافه الساخط:
"لأ ينفع، مع المجنونة دي ينفع أوي، طب هي متوترة وبتخانق دبان وشها، أنا إيه ذنبي؟ كل دقيقة اتصال، الوو شوفت يا أمين اللي حصل مع البنت اللي بتظبط الفستان؟ شكلها مش هتلحق تظبطه، أنا بقول نأجل الفرح أحسن يا أمين، الوو مبترودش ليه يا أمين؟"
ضرب بكفيه أمام شقيقه الذي كان يضحك، غير قادر على التوقف، واستطرد بغيظه:
"حتى لما روحت أوصلها على صالون التجميل، اتخانقت مع الراجل اللي بيضرب ولد صغير في الشارع، وكانت عايزة تسلمه للبوليس، ولما اتدخلت معاها اكتشفت إنه أبوه، والولد نفسه اتخض لما سمع حكاية القسم، وبرضه مش مقتنعة، فين على ما قعدت أحايلها عشان تسيبه، وبعد ما وصلتها ما ارتحتش ساعة، ولقيتها بتتصل بيا وتصرخ، الحقني يا أمين، اتاريها اتخانقت مع الست اللي صبغت شعرها بدرجة لون مش عاجبها، وخد عندك بقى، أنا شعري باظ ومش هينفع أكمل الليلة، أنا بقول نأجل يا أمين."
"من غير حلفان لو كانت قصادي، لكنت طبقت في زمارة رقبتها."
ضحك شقيقه حتى بانت نواجذه، فتناول ذراعه ليجلسه على التخت بجواره يخاطبه بلهجته الهادئة:
"طب صلي على النبي كده واهدى، أنت عارفاها أكتر مني، قلبها أبيض، بتقوم تقوم وتنزل على مفيش، ده غير إنها متوترة زي أنت ما قولت بنفسك، وده حقها، عشان يعني ما كل حاجة تمت بسرعة، والخطوبة والجواز في شهر واحد، قدر ده يا عم."
طرد من صدره زفرة متعبة، ليفرك كفيه ببعضهما، ثم تمتم بتفهم:
"اللهم صلي عليك يا نبي، ما هو ده اللي مصبرني عليها، مجنونة وبتقلب في ثانية، دلوعة ولذيذة، وفي نفس الوقت حرشة وبتلسع."
أسْهب في الوصف بعدم انتباه، وقد غفل عن الآخر، والذي تبسم باتساع فمه، يستدرجه بمرح:
"حلو أوي ده، وإيه تاني كمان؟"
استدرك ليناظره بقرف مرددًا:
"هو إيه اللي حلو أوي، امشي يللا من جنبي، امشي وروح اشغل نفسك بعروستك، مالك أنت ومالنا يا بارد؟"
❈-❈-❈
وفي صالون التجميل، كانت بحالة من البكاء الذي لا يتوقف، حتى بتوسلات المرأة مديرة المكان لها، كي تهدأ وتعمل على إصلاحه بلون آخر، على الرغم أنه نال استحسان الجميع، من عاملات أو زبائن مثلها، وكلمات الثناء تنصب عليها وعلى العروسة الهادئة بجوارها كما تم تصنيف شهد اليوم، والتي لم تكف عن تهدئتها:
"اهدي يا لينا، ربنا يسعد قلبك، كل ده بكاء؟ بتجيبي الدموع دي منين بس؟"
بنهنهات عالية والمحارم الورقية التي كانت تمسح بها على وجهها، قد ملأت الأرضية أسفلها، ردت بصوت عاتب:
"هو السبب يا شهد، مش معبرني، وكأنه زهق مني، ده إحنا لسه متجوزناش رسمي، أمال نبقى في بيت واحد هيعمل معايا إيه؟"
ختمت بوصلة بكاء عالية جعلت شهد تضرب بكفها على ذراع المقعد الجلدي الذي تجلس عليه بتعب، لتعود إلى محدثها في الهاتف:
"أيوه يا حسن، لسه زعلانة ومش راضية تهدى....... إيه؟"
خاطبتها تعيد ما أخبرها به:
"بيقولك افتحي الفون وشوفي الرسايل عليه."
سمعت منها لتستجيب لطلبها على مضض، ثم رفعت رأسها إليها بدهشة قائلة:
"إيه ده؟ ده أمين باعت صورتي ع الواتس وبيقول إنه يجنن، صورتي باللون الجديد وصلت له إزاي؟"
ردت شهد بانفعال:
"أنا اللي صورتك يا لينا عشان آخد رأيه، وأهو بيقول إنه عاجبه، ردي بقى عليه دلوقتي، أكيد هو اللي بيرن عليكي."
قالتها وقد نبهها صوت الهاتف، فردت الأخرى بزهول اكتنف ببهجة تخفيها:
"ده هو اللي بيرن بجد..... أنا هروح أكلمه جوه في غرفة اللبس براحتي."
أشارت لها بكفها لتخرج تنهيدة قوية، تغمرها الراحة، ثم عادت لزوجها:
"أيوه يا حبيبي، أهي قامت ترد عليه، عشان يصالحها براحته."
❈-❈-❈
وفي مكان آخر خارج مصر، وفور أن حطت طائرته العاجلة على أرض البلدة التي بها زوجته وأولاده، دلف داخل القصر المهيب بقلب وجل، أول ما التقاه بعينيه كانت هي وقد كانت تنتحب على أحد المقاعد في البهو الكبير، بجوار جدتها، تحتضن طفلها الأكبر إياد.
"إيه اللي حصل يا ميسون؟"
قالها وألقى التحية باللغة التركية نحو المرأة العجوز، قبل أن يتلقف صغيره الذي ركض إليه على الفور، ليرفعه على ذراعيه، ويضمه ويقبله.
هتفت به زوجته بانهيار:
"زياد يا عدي، زياد اتخطف يا عدي."
سهم بنظراته لها بعدم استيعاب، ليجد الصغير يؤكد له بقوله:
"بابا الناس اللي أخدوا زياد كانوا عايزين ياخدوني أنا كمان، واحد فيهم قالي تعالى معايا هوصلك لبابا."
زاد اتساع عينيه وانظاره اتجهت نحو مجموعة الرجال الضخام في الجهة الأخرى، كانوا ملتفين حول جد ميسون في اجتماع لأمر جلل، فدارت رأسه باستدراك متأخر، وقد تنبه أخيرًا للخطأ الذي تسبب به، بفضل رعونته وغروره.
❈-❈-❈
في المساء.
وبداخل القاعة التي امتلأت عن آخرها بالمدعوين لهذا الحفل الصاخب، بزواج الشقيقين، على أجمل صديقتين، شهد ولينا، وقد جمع بينهما القدر كما تمنوها بليلة ما في الطفولة، وكانت الصدفة أن تحققت بالفعل الآن.
كل أسرة أو مجموعة ضمتها طاولة، والفرح اعتلى جميع الوجوه المحبة.
جاسر وطارق يقومان بمهامهما على أكمل وجه، كشقيقان للعروس لينا، شقيقات شهد الثلاث يملأن الأجواء حولهن حيوية وصخب، وقد تجمعت قلوبهن المتشتتة أخيرًا بامتنان نحو شقيقتهن الكبرى. أما صبا وعائلتها من رجال ونساء التفوا على طاولة واحدة يرأسها والدهم، مسعود أبو ليلة وزوجته، فكانت تقتنص النظرات بخبث نحو من احتل طاولة أخرى بالقرب منهما مع شقيقه الوحيدة، وقد أتى بدعوة مخصوص من المهندس حسن، يرمقها بغيظ في انتظار الاختلاء بها بعيدًا عن والدها، وكل دقيقة يرسل لها بإشارة الثلاثة أصابع كتهديد لها، لتتقبلها بالضحك غير مبالية، لتزيد من تصميمه.
❈-❈-❈
وعلى الطاولة التي جمعت عائلة الريان، كانت زهرة تزفر بسخط متمتمة بلوم نحو عمها عامر والد زوجها وجد الأحفاد.
"استغفر الله العظيم يارب، ياريتني ما جبتهم، أنت يا عمي اللي جبرتني، دول يباتوا في البيت من المغرب، ما يجوش أفراح، ولا يخرجوا أساسًا."
قالتها بإشارة نحو التوأم المزعج، واللذان لم يكفا عن المناوشات الخطرة كل دقيقة فيما بينهما، وهي كالعادة تحاول درء الشجار من أوله، إما بخطابهم بلين ورجاء، أو نظرة محذرة بالعقاب، ولكن لا فائدة.
تبسم لها الرجل كالعادة ليرد بهدوئه المعتاد:
"طب وأنا مالي يا زهرة، أنا يا حبيبتي لما صممت على مجيء الأولاد، كان قصدي على البرنس الكبير، مجد حبيب جدو، وأصغر نمرة قلب جدو ده كمان."
قالها وهو يهدهد ظافر الصغير.
افتر ثغرها بابتسامة صفراء تنقل أنظارها بين الاثنين الذان أصبحا يتابعان الحديث دون فهم جيد، لتردد خلفه:
"يعني الكبير حبيب جدو، والصغير قلب جدو، وجوز المصايب دول، إيه محلهم من الإعراب؟"
تولت لمياء بالنيابة عنه الإجابة قائلة بلوم:
"اخص عليك يا عامر أنت وزهرة، رامي ورنا دول حبايب تيتيه من جوه، رامي اللي هيبقى بطل في الكاراتيه، ورنا اللي هتبقى ملكة جمال، بس هما هيسمعوا الكلام ويبقوا شاطرين النهارده، مش كده يا ولاد؟"
"صح يا تيتة."
قالها رامي بخشونة أكبر من سنه، وتلاعبت توأمته بقصة شعرها، وقد أعجبها الوصف، لتسألها بدلال:
"يعني أنا حلوة يا تيتة؟"
ردت متغزلة بها:
"يا قلبي انتي قمر، وطالعة شبهي كمان، بس خليكي أمورة زي البنات الحلوين، وسيبي الخناق للولاد الوحشين."
أومأت الصغيرة برأسها بابتسامة منتشية، وكأنها استجابت للنصيحة وظهرت عليها الطاعة. عقبت والدتها بتهكم:
"يا حبيبتي دي ما صدقت، طب يا ريت بس تحافظ على فستانها سليم النهاردة من أي خناق ولا بقع أكل."
ضحك ثلاثتهم، يتبادلون المزاح، حتى اقتربت أنيسة تصافحهم ومعها مجيدة التي جاءت ترحب بهم كذلك، بمودة صافية توزع الابتسامات على ثلاثتهم حتى تناولت الصغير تقبله، مخاطبة والدته:
"قمور ما شاء الله عليه، ده أصغر الأحفاد مش كده؟"
توجهت بالأخيرة نحو عامر، والذي رد يجيبها بفخر:
"أيوه طبعًا، والتوأم دول يبقوا إخواته، ده غير البطل الكبير كمان مجد أكبرهم، بس ده مشغول مع والده وعمو طارق في استقبال المدعوين، ما هي لينا دي تبقى بنتنا احنا كمان."
تبسمت مجيدة بمودة صافية للرجل، لتضيف على قوله أنيسة بزهو داخلها، وقد أسعدها ما تفوه به:
"طبعًا ده مفيش جدال، بنتك زي ما هي بنتي."
تدخلت لميا أيضًا تشاركهم:
"ربنا يتمم لها بخير يا أنيسة، وانتِ يا ست مجيدة ربنا يفرحك بأحفادك قريب."
"ياختي يسمع منك ربنا."
تمتمت بها الأخيرة بتمني، تدعو الله أن يكمل عليها فرحتها بمجموعة تملأ البيت صخبًا ومرح.
❈-❈-❈
في خارج القصر، تحديدًا في الحديقة الأمامية، وبعيدًا عن أنظار الجميع، يحاول مرارًا وتكرارًا في الاتصال على مجموعة الحمقى التي اتفق بغباء معهم منذ فترة، للقيام بهذا الفعل، والذي لم يقدر شناعته إلا الآن، بعد أن التمس نتائجه المزرية بنفسه، يشعر بأن قلبه يكاد أن يتوقف من الرعب لمصير طفله، فهذا الاختفاء الغريب، وعدم توصله إلى أي طرف منهم، حتى وبعد أن ذهب إلى مسكنهم في المنطقة الفقيرة ولم يجد أحد، زاد من إحساس الذنب لديه، وفزع شديد بداخله، خشية السيناريو الأسوأ إن حدث، من أشخاص لا يعلمهم، ولا تربطه بهم سوى صلة المال، أي من الممكن استبداله إن وجدوا من يدفع أكثر، يا إلهي...... كيف غفل عن هذه النقطة.
"يارب احفظ لي ابني."
تضرع بها داعيًا بخشوع إلى ربه، قبل أن يجفل على صوتها:
"عدي."
التف إليها، ليبصرها تتقدم بخطواتها المنهزمة أمامه، وجهها الشاحب، وشعرها المبعثر بعدم اهتمام، عينيها الذابلة من كثرة البكاء، منكسرة وهشة؛ لدرجة جعلته يشعر بقبضة قاسية تعتصر قلبه، كيف لهيئتها المزرية تلك إن تحرك الحمائية بداخله نحوها، يلعن غروره وعنجهيته المتوارثة، وقد كانت أهم أسباب فشله، حتى في زواجه بامرأة كانت تعجبه حقًا قبل ذلك، بل وكان يراها أميرة من قصص الخيال، قبل أن يتزوجها ويزهد فيها وكأنه انتهى منها، رغم وجود الأطفال بينهم.
"عايزة إيه يا ميسون؟"
تفوه بالسؤال فور أن توقفت أمامه، رفعت رأسها المطرقة لتطالعه بحزن شديد وشفاه مرتعشة تخرج الكلمات منها بصعوبة:
"أنا عارفة إن عندك حق، لأني فعلًا زوجة مستحقة، كنت بتهمك بالأنانية، وأنا نفسي مكنتش بعمل اللي يقربني منك....."
قطعت بشهقة بكاء كتمتها بقبضة يدها، فتدخل لإيقافها:
"مش وقته الكلام ده يا ميسون..."
"لأ وقته."
قاطعته بحدة لتفصح عما يعتمل بصدرها الآن:
"كان لازم أعرف إن العلاقة بين الراجل والست، لازم يبقى فيها تنازل من الطرفين، حتى لو الطرف الأول معملهاش، من الواجب إن الثاني يجرب، أنا ولا مرة جربت، كل مرة كنت بستناك انت اللي تيجي وتبادر، بإيدي خليت المسافة تكبر بينا، أنا ست مستحقة."
خرجت الأخيرة ببحة مخنوقة جعلته يزرف دمعة من طرف عينيه، ليضمها إليه بوجع ينخر بين أضلعه مرددًا:
"لا يا ميسون متقوليش كده، متقوليش كده يا ميسون، انتي تستحقي واحد أحسن مني كمان."
نزعت رأسها لتنفي بها:
"لأ يا عدي أنا عرفت نفسي، وعشان كده بقولهالك أهو، موافقة ع الطلاق، وموافقة تاخد الأولاد مني، لأني أستاهل كل اللي يجرالي."
جذبها بعنف ليهدر بها بصرامة:
"مفيش أولاد هيبعدوا عنك، هنلاقي زياد، والاتنين هيتربوا معايا ومعاكي."
قالها ليزيد من ضم رأسها على صدره، حتى بللت قميصه بدموعها، وقد كانت ترتجف بين يديه، وهو أيضًا معها حتى أجفل الاثنان على صوت صغير قريب منهما!
صرخت ميسون فور أن رأت طفلها يخترق الباب الخشبي الصغير للحديقة ويتقدم بخطواته نحوهما:
"مامي وبابي أنا جيت."
"زياااد."
ركضت لتعتصره بين ذراعيها تشدد عليه بلوعة أم كادت أن تفقد طفلها، فتوقف عدي يطالعه بعدم تصديق، ينتظر دوره في العناق والتقبيل، وتزامنًا مع ذلك تفاجأ بآخر شخص يتوقعه، يخترق الحديقة خلف طفله الذي كان يهمس لوالدته:
"عمو هو اللي جابني يا ماما."
"مصطفى."
دمدم بها نحو المذكور، والذي توقف يرمقه بنظرة مظلمة، وملامح مغلفة أنبأته بحقيقة ما توصل إليه شقيقه.
يتبع في الجزء الثاني من الخاتمة.
ياريت بقى تعليق يبين حبكم لرواية.
الخاتمة الجزء الثاني.
بداخل الحديقة، وبعد مغادرة الجميع، وقف الشقيقان في مواجهة غير محسوبة من جهة الطرف الثاني وهو عدي، فلم يكن يتصور في أقصى خيالاته أن يصل الأمر إلى شقيقه الأكبر؛ فيتصرف بحنكته المعتادة ويأتي هو بالطفل، بنجاح يلازمه كالعادة، وهو الحامي والمسيطر، رافع رأس العائلة بنزاهته وعقليته الفريدة في التفكير السليم، عكسه هو في كل شيء، فاشل حتى في تدبير الخطط!
"مش ناوي تسألني، جبت الولد إزاي؟"
كان السؤال كفخ شعر به عدي، أو بالأصح، هو بداية لجره نحو الحديث المتوقع، ولكنه تجاهل يدعي عدم الفهم بقوله:
"وهسألك ليه تاني؟ ما انت جبت الفايدة لما شرحت من شوية لميسون عن علاقاتك المتشعبة في البلد واللي مكنتك من معرفة مكان الولد في أسرع وقت، بجد أنا مش عارف أشكرك إزاي؟"
جمود جسده والتعابير المنغلفة على ملامحه، لم تتغير ولو حتى بشبه ابتسامة ساخرة، بل كان يطالعه بهدوء ما يسبق العاصفة، حتى تكلم أخيرًا:
"بتلف وتدور معايا في الكلام معايا يا عدي، حتى وانت عارف إني وصلت للحقيقة بنفسي، يعني مش محتاج تأكيد منك ولا سؤال."
علم عدي أنه لا مناص من التهرب والإنكار، طالما شقيقه يحدثه بهذا الهدوء الخطر، وجميع الطرق سوف تذهب به لنفس النتيجة، فخرج سؤاله بفضول ملح:
"طب مدام كده يبقى تقولي انت عرفت إزاي؟ ما هو مش معقول يعني في ظرف ساعات قليلة تنزل من مصر وتيجي بالولد على هنا، وكأنه كان مستنيك في المطار."
رمقه مصطفى بتعجب قبل أن يفتر فاهه بابتسامة جانبية ساخرة لم تصل لعينيه قائلًا:
"مشكلتك يا عدي إنك دايمًا بتاخد بالظاهر زي الست والدتنا بالظبط، ما بتركز في بواطن الأمور، ولا في تحليل الشخصية اللي بتكلمك، يعني أنا مثلًا لما أقولك بإني عرفت بموضوع الولد منك انت شخصيًا مش هتصدقني، لأنك متأكد إنك ما اعترفتش بحاجة قدامي، وهو ده فعلًا اللي حصل، لكنك ناسي إني فاهمك وحافظ أكتر من خطوط إيدي، يعني عارف بطريقة تفكيرك."
توقف برهة يراقب تعقد ملامح الآخر، وهذا الصمت منه دون أي اعتراض أو مجادلة على غير عادته، وكأنه متقبل تقريعه، فتابع:
"كان ممكن أقدر موقفك، رغم اعتراضي على الطريقة الكارثية، بس ده لو كنت هتحافظ عليهم وتعوضهم عن افتقاد والدتهم، مش تتجوز وتعيش حياتك وتدمرهم."
زفر عدي يخرج دفعة من الهواء المشحون بإحباطه، ورد مصححًا:
"معدتش في جواز خلاص يا مصطفى، دي كانت فكرة وراحت لحالها، أهم شيء عندي دلوقتي هو الأولاد."
"مش فاهم، يعني خلاص قررت تسيبهم لميسون؟"
سأله بتوجس، رغم ارتيابه لهذه النبرة المنهزمة، وأتت الإجابة تزيد من حيرته:
"لا يا مصطفى، مش هسيبهم ولا هسيب مراتي، طمن قلبك."
تحرك بخطوتين ليقف بجوار إحدى أشجار الحديقة، يضع كفه على جزعها، ليردف بتنهيدة خرجت من العمق:
"أنا خلاص عرفت نصيبي، وحمد لله نصيبي مش وحش للدرجة اللي تخليني أهرب ولا أصر على الفراق، أينعم أنا كنت نفسي في الحب..... أعيش المشاعر اللي كنت بشوفها دايمًا في عينيك انت ومراتك...... بس خلاص بقى."
وضحت الرؤيا جلية أمامه الآن، ليستنبط بعقله الراجح؛ أن شقيقه بدأ يستفيق من غفوته، فرد بنبرة تجلى فيها الحنان الأخوي:
"إنت قولت إن نصيبك مش وحش، وأنا شايف إن دي كلمة قليلة عليه، لإنك في نعمة يا عدي، مراتك وولادك من أروع ما يكون، ولو ع المشاعر اللي نوهت عنها، فدي تقدر تخلقها مع ميسون بكل سهولة، خصوصًا وإني عارف كويس إنها بتحبك، يعني في انتظار إشارة بس منك، وتلاقيها فكت جمودها، بل وسلمت كل حصونها ليك، ولو بتثق في رأيي، فده شيء أنا متأكد منه."
لاح على وجه الآخر الاقتناع، ولكنه ظل صامتًا، ليرتب الأفكار برأسه جيدًا هذه المرة، كي يصلح ما فات بنهجه الجديد، ناسيًا عنجهيته القديمة وتعاليه حتى على أقرب الأشخاص إليه.
أما مصطفى وبعد أن اطمئن لجانب شقيقه، استل هاتفه من جيبه، ليتصل بالقطعة الغالية من قلبه، حبيبته وزوجته:
"الوو يا مصطفى، انت أخيرًا اتصلت؟"
هتفت بها عبر الأثير بنبرة أجفلته، ليجيبها على الفور بتبرير:
"أيوه يا حبيبة قلبي ما انتي عارفة اللي حصل، وع العموم آسف لو اتأخرت باتصالي عليكي، المهم بقى انتي عاملة إيه؟"
ردت بصيحة أعلى من سابقتها، وكأن الأمر جلل:
"أنا محتاجالك بسرعة يا مصطفى، عايزة أحضنك أووي،"
❈-❈-❈
وعودة إلى الوطن.
وبالتحديد داخل القاعة مع أجواء حفل الزفاف، وهذه الأغنية الرومانسية، التي كانت تصدح بقلبها، وزوج العروسان يتراقصان عليها.
"هادي اللي في بالي بالمليقمر ومن السما نزل ليدي بِاسم الله ما شاء الله تشوفها تسمي وتصلي"
"ما دي اللي في بالي بالمليقمر ومن السما نزل"
"يدي بِاسم الله ما شاء الله تشوفها تسمي وتصلي"
"عشان أوصفها مالهاش حلكلام اغانيا كله اقلدي"
"خير في حياتي جاني وهل ومن حظي انه متشالي"
"عشان أوصفها مالهاش حلكلام اغانيا كله اقلدي"
"خير في حياتي جاني وهل ومن حظي انه متشالي"
المهندس حسن، وشهد العسل عروسه.
تتمايل برقة استعادتها على يده، وأناقة لم تغب عنها حتى وهي بملابس الرجال التي كانت تخفي بها أنوثتها، كي لا تكون مطمع لأي كان، أما اليوم فقد كانت ترتدي فستانها الأبيض، بهيئة ملكية تليق بها، حيث كان ضيقًا حتى الخصر، ثم يتسع بعد ذلك بطبقاته العديدة من الشيفون، والدانتيل المزين بالنقوش الدقيقة، وزينة الوجه الرقيقة كطبيعتها التي كانت تدفنها سابقًا، بين يدي حبيبها والذي لا يمل من تأملها، حتى والعينان منصبة نحوهما، يجعلها تخجل مهما حاولت الإنكار:
"بتبصي على إيه؟ ركزي معايا."
قالها بهمسة محذرًا حينما التفت نحو شقيقاتها تبادلهم الابتسامة حينما لوحوا لها بطريقة كوميدية، لتعود إليه مرددة باضطراب:
"أركز فين تاني يا حسن؟ إنت زهقتش تركيز؟"
ضحك ينفي بهز رأسه:
"لأ طبعًا، هو انتي لسه شوفتي زهقان؟ ده إحنا لسه مدخلناش في الجد، أمال لما ندخل بجد بقى، هيحصل إيه؟"
قال الأخيرة بنبرة موحية جعلتها تستدرك على الفور، لتنهيه:
"خلي بالك يا حسن، الناس فاتحة عيونها أوي معانا، بتلقط كل إشارة، يعني أظبط كده."
ضحك بملء فمه، ليزيد بتصميم:
"لأ ما أنا مبيهمنيش، أصلي قلعت برقع الحيا من زمان، وأمي وأخويا عارفين عني أوي الحكاية دي، ناقص بس انتي تعرفي، وهعرفك؟"
ختم جملته بغمزة بطرف عينيه فاجأتها، لتكتم شهقة الإجفال، مع ضحكة لم تقوى على كتمها، مرددة بيأس:
"إنت مفيش فايدة منك يا حسن، ناوي تفضحنا."
شاركها الضحك يومئ رأسه يؤكد تخمينها.
❈-❈-❈
وبالجوار كان الزوج الآخر، الضابط أمين، وعروسه لينا، والتي كانت آية من الجمال هي الأخرى، بفستان لا يفرق عن ما ترتديه شهد سوى أنه كان عاري الذراعين وجزء مكشوف في الأمام مما جعل هذا الأمر سببًا في عدد من المشاجرات والمناوشات بينها وبينه، فقد كان على حافة الانفجار، يكبح شياطين غضبه بصعوبة في عدم الفتك بها أمام الجميع، وكان هذا ما يظهر جليًا في لمساته والكلمات الموجهة إليها:
"آه، ما براحة يا أمين، إيدك ضاغطة أوي على ضهري."
بأعين يكسوها الاحمرار المخيف، وغضب يقطر مع كل كلمة يردف بها، همس مهددًا بوعيد:
"احمدي ربنا إنها ضاغطة بس، يعني ما ترفعتش ونزلت على وشك بقلم، ولا طيرت صف سنانك بلوكامية."
"يا عم بقى، هي توصل لدرجة دي يعني؟"
قالتها ببعض العشم متغاضية عن تهديداته الصريحة، ولكنه عاد مؤكدًا دون تراجع:
"آه لدرجة دي وأكتر كمان، تحبي تجربي لينا؟"
أخفت بصعوبة ابتسامتها، فبرغم طبيعتها الحادة دائمًا في الشجار معه، إلا أنها هذا اليوم كانت متفاهمة بعض الشيء، لانفعاله المبالغ فيه منذ أن رآها، بصالون التجميل، حينما دخل ليأخذها منه، فهذا الفستان الذي غيرته في آخر لحظة بالأمس، لم يتسنى له رؤيته على الإطلاق سوى عليها اليوم، وقد كانت مفاجأة له بكل ما تحمل الكلمة، حتى أنها خشيت من أن يقتلها بحق أمام مديرة المكان التي جاهدت معه وشهد في فض الاشتباك، والذي انتهى بعد مدة من الوقت والمحايلة للتقبل حتى وافق على تكملة اليوم بشرط تغطية المكشوف، تصرفت المرأة بذكائها لتغطي على الذراعين بكومين من الشيفون، ولكن تبقى الجزء الذي في الأمام والذي لم يجدا له حالًا على الإطلاق، حتى وافق به على مضض، مع تهديد ووعيد طوال الوقت.
ردت بلهجة يشوبها الدلال:
"لأ يا سيدي مش عايزة أجرب، مدام أنت صعب أوي كده، كل ده ومكفيكش؟"
وكأن بكلماتها تصب بالوقود لتزيد من اشتعاله، احمرت عينيه يدفعها بغلظة نحو صدره يهدر بصوت خفيض كازًا على أسنانه:
"بلاش تختبري صبري أكتر من كده، أنا على آخري، سبيني ماسك نفسي بالعافية دلوقتي."
دب الخوف بداخلها من هيئته ولكن طبيعتها العنيدة لم تثنها عن المواصلة بعتاب:
"ما أنت لو كنت فضيت نفسك شوية معايا امبارح، أو حتى بصيت ع الصور اللي كنت ببعتهم عشان تختار منهم، كنت نقيت على كيفك كمان، بدل ما تتفاجئ بزوقي."
هم أن يزيد بانفعاله، ولكنه انتبه على صياح الجميع مع حمل شقيقه لشهد ليدور بها مع قرب انتهاء الأغنية، وجاء صوت لينا معقبة:
"ده بيشلها وبلف......."
قطعت بشهقة مذعورة فور أن شعرت بنفسها هي الأخرى وكأنها تطير، وقد ارتفعت قدماها عن الأرض، بعد أن باغتها هو الآخر وحملها بذراع واحدة، ليدور بها مثل شقيقه، وسط الصياح والصفير وزغاريد النساء حولهم، لفت ذراعيه حول عنقه بابتسامة ساحرة تهديها له، وكأنها ميثاق تصالح، كي يرضى عنها، اهتز قلبه لها، رغم الجمود الذي يدعيه، فعقله الخبيث ما زال متمسكًا بالانتقام، ولكن بعد انتهاء الحفل.
❈-❈-❈
مشهد هما أبهر الجميع وأثر بهم، خاصة تلك التي كانت تتابع بحالمية هي الأخرى وأنظارها معلقة بمن كان يناظرها في الجهة المقابلة لها، وعيونه منصبة عليها من جهته، قبل أن تنتهي الفقرة، فيلوح لها بيده كي تترك مقعدها وتأتي خلفه، مستغلًا انشغال والدها مع ضيوف الحفل، وابتعاده بمسافة كافية.
أذعنت مستأذنة من والدتها، بحجة الذهاب إلى المرحاض، ثم تسحبت تتبع أثره حتى انتهى بها المطاف بأن وجدت نفسها بالحديقة الخلفية للقاعة، تطلعت في الظلام تهتف منادية باسمه، بعد أن اختفى عن عينيها:
"شادي يا شادي."
ظهر فجأة من خلف العمود القريب، ليصبح أمامها على الفور، فلا يفرق عنها سوى سنتيمترات قليلة، طوله المهيب وحضوره الطاغي يبعث بقلبها ذبذبات لذيذة من الخوف والترقب، وقد بدا أنه على حافة الانفجار:
"إيه بتبصلي كده ليه؟"
تفوهت بها وهي ترتد بأقدامها للخلف، وهو على نفس خطواتها محتفظًا بالقرب المهلك، ليردف بتسلٍ اختلط بغيظه:
"تفتكري هعمل فيكي إيه؟ وأنا جايبك من القاعة على المكان الضلمة هنا؟"
توسعت عينيها الجميلة لتردف بدراما:
"يا نهار أبيض، لتكون هتموتني يا شادي؟"
أومأ برأسه، وابتسامة ارتسمت على ملامحه الخشنة، فجعلته أوسم الرجال بعينيها، ليستمر تراجعها مع خطواته في القرب منها حتى اصطدم ظهرها بالجدار خلفها، فاستند بذراعه عليه ليكمل حصارها، ودنى برأسه ليقارب مستوى طولها، فيسألها أخيرًا:
"إيه؟ خايفة يا صبا؟"
بأعين إلتمع فيها الشغف، ردت بثقة ودون تردد:
"عمري..... عمري ما أخاف منك يا شادي."
ضحك بدون صوت، قبل أن يعود لانفعاله ضاربها بكفه على الجدار بجوارها قائلًا:
"حتى وأنا عايز أخنقـ ك بإيدي دلوقتي ع العمايل اللي بتعمليها فيا يا صبا انتي وأبوكي؟"
ضحكت تزيد من حنقه مرددة:
"طب وأنا عملت إيه طيب؟"
قاطعها يقبض على كفها التي كانت تلوح بها أمامه:
"متقوليهاش الجملة دي قدامي تاني، سامعة؟ عشان دي أكتر جملة بقيت أسمعها منك، إنتي عايزة تشليني صح؟"
"يدِي يا شادي."
قالتها ليستدرك بضغطه على كفها التي احتجزت بيده الضخمة، تطلع بها، ثم رفع أبصاره نحوها، قائلًا بانتشاء:
"ومالها إيدك بقى؟ مش أنا جوزك برضه ويحق لي إن أمسكها وأقرب كمان لو حبيت..."
"أها."
خرجت منها لتتابع بلهجة ماكرة:
"يبقى الحج أبو ليلة بقى معاه حج؟"
وكأنها تعزف على أوتار نبضات قلبه التي تصرخ بمحبتها، يتقبل منها كل شيء حتى وهي تتعمد إغاظته، بألعابها المستمرة، وكأنها طفلة في ثوب امرأة كاملة الأنوثة.
زاد بضغطه يكبح ابتسامة ملحة تجاهد للظهور، وردد بتوعد:
"العبي وهيصي على كيفك يا صبا، بس خلي أبو ليلة بقى ينفعك لما تبقي تحت إيدي وفي بيتي."
همت لتنزع يدها عنه، ولكنه لم يسمح فقالت بتحذير:
"خلي بالك، لو حد طب فوق راسنا دلوقتي هتبقى وجعة، وأبويا ما هيصدق، عشان تبقي تتوعدلي بقى براحتك بعد كده."
ظل صامتًا، يأسر السحر بعينيها الجميلة، وقد ساهمت الإضاءة الخفيفة، لإضافة مزيدًا من الهالة العجيبة حولها، حتى خرج صوته بتأثر:
"انتي طلعتيلي منين يا صبا؟"
توقف برهة ثم أردف:
"قلبتي حالي وزرعتي في قلبي الحب اللي بيتقال عنه في الحواديت، وأنا اللي طول عمري بقول عنه كلام فارغ ويصلح بس للروايات."
لم ترد ببنت شفة وقد جذبها الصدق في عينيه، لتظل صامتة تبتغي المزيد، مزيدًا من عشقه الذي يعيد تشكيلها من جديد، فإن كان هو يتعجب من حالته نحوها، فهي الأخرى متفاجئة من حجم المشاعر التي تكتشفها يوميًا في التعلق به.
❈-❈-❈
وفي خارج القاعة حيث التقت أمنية بمساعد شقيقتها سابقًا ويدها اليمنى هي حاليًا، عبد الرحيم، بعد أن أخبرها عن أمر ما في العمل، يجب الإسراع في البت فيه، ألقت عليه ببعض التعليمات كي ينفذها صباحًا، قبل أن يتركها عائدًا إلى منزله، وتعود هي إلى حفلها.
كانت تسير شاردة، وقد أصابها ما كان يحدث مع شقيقتها الكبرى، تفكير وقلق، مع كل بداية عمل تتولى أمره، وقد أصبحت الآن هي المسؤولة الوحيدة حتى عودة شهد.
"حاسبي يا آنسة."
صدرت من أحد الأشخاص، فقد كانت على وشك الاصطدام به، استدركت لتتراجع على الفور مرددة باعتذار:
"معلش معلش أنا آسفة مخدتش بالي والله."
ردد خلفها مصححًا بجرأة ينتقدها:
"لأ انتي كنتي سرحانة، مش موضوع مخدتيش بالك."
لم يعجبها قوله، فانتصبت بوقفتها رافعة حاجبها، تردف بشراسة:
"سرحانة ولا مش سرحانة، انتي مالك؟ ما أنا اعتذرت وفضيناها على كده."
لم يأبه لفظاظتها، بل فاجأها بأن اقترب برأسه نحوها، مضيقًا عينيه بتركيز يسألها:
"هو أنا ليه حاسس إني شوفتك قبل كده؟ هو انتي جيتي عندنا القسم من قريب."
تفاجأت حتى ارتدت رأسها للخلف تبتلع ريقها بحرج قائلة:
"قسم مين؟ وانت إيه دخلك بالاقسام أساسًا؟"
ذاكرته القوية تنشطت حتى علم بهويتها ليجيب عن سؤالها بتركيز شديد، غير منتبهًا للإصفرار الذي غزا ملامحها، مع انسحاب الدماء من وجهها، وذلك بنبش هذا الغريب وتذكيره لها، بهذا الأمر المخجل:
"أنا النقيب عصام، بس مش انتي برضه البنت اللي فتحت دماغ خطيبها اللي حاول يتهجم على اختها."
ارتفعت وتيرة أنفاسها، وقد بلغ الحنق بداخلها آخره، فقالت بلهجة معتزة رغم الألم الذي كان ينخر بعظامها، في عودتها لماضي تكرهه، وتتمنى طمسه من تاريخها لتنسى معه هذه الحقبة من الحمق والغباء وغياب العقل:
"أيوه أنا اللي فتحت دماغ خطيبي، وعندي استعداد أعملها مية مرة تانية، لو حد حاول يتحرش بيا بكلمة واحدة حتى، أنا أو أي حد يخصني، عن إذنك بقى."
قالتها وتحركت تتخطاه ذاهبة بعدم انتظار، غافلة عنه، وقد توقف محله يطالع انصرافها بإعجاب شديد، فهي لا تعلم أنه كان متابعًا للقضية، بحكم صداقته لأمين وذلك لأن الأمر يخص زوجة شقيقه، رآها مرة أو مرتين أثناء التحقيقات وكانت في حالة مزرية، ليست هي من يراها الآن على الإطلاق، معتزة بنفسها، ورأسها مرفوعة رغم خجلها من عمل يشرف أعظم العائلات، وفوق كل هذا جميلة بحق.
❈-❈-❈
"أخيرًا جيتي يا كاميليا؟"
هتفت بها زهرة فور اقتربت منها الأخيرة لتجلس بجوارها وتأخذ مكانها حول طاولة العائلة، أشارت لها بالانتظار قليلًا حتى تلتقط أنفاسها، فقد كانت تلهث بتعب. أثار القلق بقلب لمياء لتسألها:
"حبيبتي ليه كده؟ هو انتي كنتي بتجري ولا إيه؟"
نفت برأسها وتولت زهرة مهمة الرد عنها:
"لأ طنط مش جري، بس هي الحمل بتاعها صعب المرة دي، وأي مجهود بيأثر عليها."
"يا قلبي، ربنا يعينك ويكمل حملك على خير، ده أنا فرحت قوي لما قالي طارق."
قالتها لمياء بتأثر، فتدخل زوجها يقول بمرح:
"أيوه يا بت يا كاميليا، شدي حيلك بقى وهات لنا قمورة لظافر كمان، عشان مجد وأخوه يبقوا عدايل."
قالها عامر وانطلقت ضحكات الجميع حتى أتى على أثرها جاسر وطارق الذي التصق بزوجته ليعلق سائلًا:
"إيه يا جماعة؟ ما تضحكونا معاكم."
أجابته زهرة تنقل أنظارها منه وإلى جاسر:
"أصل إنكل عامر بيحجز من دلوقتي، عايز مراتك تجيب بنت تانية لظافر، بعد ما خلاص ضمن مجد لفريدة."
سمع زوجها ليضرب كفًا بالآخر معلقًا بدهشة:
"انتي كمان يا زهرة بتقولي ضمن؟ في إيه يا جدعان؟ ده العيال لسه مكبروش، ولا يفهموا أي حاجة من الكلام ده."
رد عامر بتصميم مخالفًا له:
"وانت مالك انت؟ كبروا ولا مكبروش أنا قررت وخلاص، ولا انت عندك اعتراض يا سي طارق انت كمان؟"
نفى الأخير بهز رأسه:
"لأ يا عم وأنا أقدر، خد البت واللي جاي في السكة كمان، إن كان ولد ولا بنت حتى، انت تؤمر يا باشا."
"أيوه كده."
قالها عامر، لتضج الطاولة بضحكاتهم، حتى زوج الأطفال، مجد الذي كان واقفًا برزانة كعادته، وفريدة التي كانت تضحك بخجل وكأنها تعي المقصود من الكلمات.
❈-❈-❈
بطاولة بعيدة شيئًا ما على الحفل الصاخب، والأصوات القوية للسماعات، حيث كانت تتابع الأجواء الرائعة بابتسامة تزين محياها، بجوار زوجها الذي كان جالسًا على مضض، يحصي الدقائق والثواني حتى تكمل ساعة، ثم يذهب بها مغادرًا كما اشترط عليها مقدمًا.
عقبت بحالمية تلفت انتباهه:
"الله يا كارم، شكلهم يجنن وهما بيرقصوا مع بعض، وولاد عمك دول طلع ذوقهم يجنن، البنات قمامير."
ناظرها من طرف عينيه بامتعاض، وظل على حاله من الصمت، فاستطردت هي:
"ولا كاميليا، اللي يشوفها يقول أخت العروسة، واقفة مع لينا هي وطارق، ولا كأنهم أهلها بجد، ولا العروسة التانية مرات المهندس أخوه، بصراحة الفرح كله يجنن يا كارم."
التف إليها وقد فاض به، ليهمس بضيق لا يقوى على إخفاءه:
"في إيه يا ستي؟ عمالة توصفي وتشعري ولا كأنك حضرتي أفراح، يجي إيه ده في فرحنا، اللي مصر كلها تشهد بيه."
ذهب عنها العبث، وطغى ملامحها شيء من حزن دفين داخلها، حتى ظهر في ردها له:
"أنا مش بتكلم على قيمة في الفرح ولا اللي اتصرف فيه، أنا بتكلم على العفوية، الفرحة اللي طالعة من القلب وبتظهر على الوشوش، إحنا فرحنا كان أسطوري يا كارم، وانت مقصرتش معايا في أي حاجة ربنا يخليك، بس أنا كان ناقصني أوي الحتة دي."
وصله مقصدها الصريح، وعلى الرغم من تأثره بوجهة نظرها، إلا أنه رد بفظاظة باختلاف تام عما يدور بداخله من شفقة نحوها:
"مفيش حد بياخد كل حاجة يارب، وعمر السعادة ما كانت كاملة مع أي بني آدم، ولا انتي كمان مش شايفة نفسك سعيدة؟"
شعرت بغيرة مستترة خلف غلظة كلماته، فلطفت قائلة بابتسامة عذبة تعلم جيدًا بتأثيرها عليه:
"وهو ده سؤال برضه يا روح قلبي، ده انت فرح عمري كله، مش سبب سعادتي وبس."
ارتخت عضلات وجهه المتقلصة، وتحرك جفنيه بحركة بسيطة جعلتها تدرك حجم اضطرابه، على عكس فعله، حينما أظهر تجاهلًا ليلتف نحو متابعة الحفل، دون الرد بكلمة، وزادت هي من سحرها، بأن أطبقت بكفيها على ذراعه المستند أعلى الطاولة، لتريح برأسها عليه، وكي تذكره باحتياجها الدائم إليه.
رق قلبه لفعلتها، ودنى بوجهه طابعًا قبلة خفيفة على أعلى رأسها، قابلتها بابتسامة، قبل أن تنتبه لزوج السيدات الآتي يقتربن مع والدة زوجها:
"مين دول يا كارم؟"
سألته فانتصبت رأسه يجيبها بهمس حذر:
"دي الست مجيدة والدة العرسان والتانية باينها والدة لينا عروسة أمين."
اعتدلت بجذعها وشعور بالحرج ظل يكتنفها لا تعلم سببه، ولكن سرعان ما تبدد كل ذلك مع اقتراب مجيدة ترحب بود وابتسامة عذبة بها وبكارم:
"حمد الله على