تحميل رواية «و بها متيم انا» PDF
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
على صوت القارئ الشجي وهو يتلو آيات الله الكريمة، عبر مذياع الراديو على بكرة الصباح، تململت بفراشها، تُغالب توسلات جسدها التي تطالبها بالراحة، والإستسلام لدفء الفراش، ولو بيوم واحدًا فقط، تنسى به مسؤلياتها والوجبات المطالبة بها، تعيش لنفسها، لنفسها فقط ولو لمرة واحدة، ألن يأتي هذا اليوم؟ "شهد يا شهد، هو انتي لسة مصحتيش؟" "شهد...." "خلاص قومت أهو." هتفت بها مقاطعة وهي تعتدل بجذعها عن الفراش نحو محدثتها نرجس، زوجة أبيها الراحل، والتي ردت ببعض الحرج: "صباح الخير، معلش بقى يا حبيبتي، بس أنا خوفت لتتأ...
رواية و بها متيم انا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم امل نصر
من وقت عودتها من زيارة الطبيبة وهي داخل غرفتها ولم تبارحها قط.
تضم بذراعيها نفسها وكأنها تلمس حنانًا تفتقده، محتجزة داخل ماضيها القبيح والذكريات المؤلمة تتوالى متكررة دون رحمة.
كانت تظن نفسها نجت، حتى وهذه اللعنة لا تفارقها، على الأقل نجت بجسدها، رغم خسائرها الفادحة.
يكفيها سنوات العذاب والمحاولات الحثيثة منها في التخلص من هذا الزواج البائس.
يكفيها الأطفال التي ضحت بهم لأجل الخلاص، وهي الآن تتمنى ظفر أحدهم.
حتى وهي نجمة محاطة بمحبة الجمهور وقد من الله عليها بأعظم الرجال وتقريبًا أنجحهم.
بكاء عنيف لا تستطيع التوقف عنه، مع كل لمحة سوداء تمر بعقلها، من تعنيف وجرح في الكرامة وتلذذ بعذابها.
ثم هذا الصراخ الذي يفتك بأسماعها:
- زي ما حرمتيني من ولادي، هتعيشي انتي كمان محرومة منهم.
- أنا هخرج من الدنيا وحيد من غيرهم، وانتي كمان.
- هتفضلي كدة يا نورهان، مش أنا بس، انتي كمان يا نورهان.
زاد صوت شهقاتها بنشيج حارق، حتى لم تعي بالغرفة التي انقشع ظلامها وهذا الذي دلف فجأة ليقتلعها من الهاوية التي كانت ماكثة بها.
وقد ضمتها ذراعيه بعنف يشدد عليها تستفيق وتعود إليه:
- نور، نوور، فوقي يا نور أنا معاكي، فوقي يا حبيبتي.
- أسف إني كنت السبب في اللي انتي فيه دلوقتي، سامحيني يا حبيبتي سامحيني.
ظلت على بكائها، وهو يزيد بضمها لمدة ليست قليلة من الوقت، حتى توقف، وقد اكتنفها دفئه، غمرها عطر أنفاسه التي كانت تلفح وجهها في كل قبلة على جبهتها أو بين بصيلات شعرها في الأعلى.
وكلماته الرقيقة تطن في أذنها:
- بس يا قلبي أنا معاكي، اهدي يا نور عيوني.
- مفيش حاجة تزعلك تاني طول ما أنا موجود، أنا جمبك يا روحي، أنا جمبك.
تنهدت ببعض الراحة وذراعيها التفت حول خصره، ليخرج صوتها أخيرًا:
- أنا بحبك أوي يا مصطفى، وعمري ما أزعل منك.
- انت نعمة ربنا عليا ورحمته رغم كل ذنوبي.
تنهيدة طويلة خرجت من العمق، سبقت رده على كلماتها:
- محدش فينا خالي من الذنوب يا نور، إحنا مش ملايكة ماشية على الأرض.
صمتت قليلًا داخل أحضانه، ثم قالت بدون أن ترفع عينيها إليه:
- الدكتورة قالتلك على اللي الكلام اللي حكتهولها؟
أبعدها بيده ليواجها قائلًا:
- لأ يا نور مقالتش، الدكتورة ست محترمة مبطلعش أسرار المرضى بتوعها، حتى لأقرب ماليهم، إلا إذا كان في تفاهم عن كدة.
- يعني انت ميهمكش تعرف؟
سألته والشك يدور برأسها، وكان رد قاطعًا:
- عمر ما هسأل ولا هبحث عن حاجة انتي مش عايزة تقولي عليها، كل كلامي مع الدكتورة بيتلخص في المطلوب، واللي انتي محتاجاه.
- كانت شكوتها دايما إنك رافضة العلاج وبتعتبري الجلسات فرض مكروه عليكي.
بنظرة خاوية اعتدلت تعقب بلمحة من السخرية ومعالم الغضب تعتلي قسماتها:
- ودلوقتي بعد ما اتكلمت وجعلتني أرجع لذكريات... أنا مش طايقاها، رأيها بقى إني كدة حلو.
ندمت على اندفاعها فور رؤيتها لتغيرًا سريعًا يطفو على تعبيراته، ليقول بعتاب:
- للمرة الألف بقولك لو مش عايزة تكملي مع الدكتورة انتي حرة، أنا مش بغصبك على حاجة يا نور.
- تحبي أتصلك بالدكتور حالًا أبلغها قرارك؟
- لا يا حبيبي متعلمش.
توقفت برهة، ثم تابعت وكأنها تحدث نفسها:
- برغم كل الوجع اللي حسيته بعد ما اتكلمت بس أنا... بقى عندي شيء غريب جوايا دلوقتي بيدفعني أكمل، حتى والكلام بيتعبني برضوا عايزة... أففضفض.
- على الرغم إن الكلمة دي مكنتش مقتنعة بيها نهائي قبل كدة.
❈-❈-❈
بخطوات متسارعة وكأنهن في سباق من تهبط الدرج أولاً لتلحق بهذان المتناحران وصوت شجارهم يصل إلى خارج المنزل:
- احترم نفسك يا كارم، وراعي إن مستقبلك في بيتي ومش عايز أغلط فيك.
هتف بها طارق يواجه خصمه الذي كان يقف متخصرًا، بشر يفوح من كل خلية بجسده، ورد بلهجة تفيض بالكره:
- وأنا مش طالب استقبالك، ولا عايز أدخل بيتك من أساسه، أنا عايز مراتي، أقولها كام مرة عشان تفهم.
وصلت كاميليا، فكان صوتها بقوة لم تغب عنها حتى بعد مرور هذا العدد من السنوات:
- مراتك تبقى أختي يا أستاذ أنت، يعني مهياش في بيت غريب ولا مع ناس غربا عشان تتعامل معانا بالشكل ده.
رد موجهًا كلماته لها بتهكم واستفزاز:
- كدة في يوم وليلة بقت أختك وصاحبة بيت كمان!
هذه المرة جاءه الرد منها نفسها:
- إيه لزوم الخناق يا كارم؟ أختي وجوزها محدش فيهم غلط فيك.
- إنتي كمان هتقولي أختك وجوزها؟
صاح بها بصوت عالي كالزئير، ليجفلها بهذه النظرة العدائية نحوها، وكأنه لا يصدق قولها، لا يطيق أن تصدر العبارة منها هي، بعد كل ما فعله من أجلها.
ارتدت بأقدامها للخلف خوفًا وهلعًا منه، حتى التفت كفي شقيقتها حول أكتفاها بحماية ترد على كلماته:
- أيوة أختها يا كارم، ومهما حصل وفرقتنا الأيام كان مسرينا برضوا هنرجع لبعض، رابطة الدم أقوى من أي شيء في الدنيا، مهمها انت أنكرت وبالغت في تضخيم الفرقة ما بينا.
سمع منها وازداد تطرفه حتى اندفع فجأة يجذبها من كفها قائلًا بتملك:
- تعالي يا رباب نتفاهم في بيتنا وسيبك من الكلام الفارغ ده......
هتفت به كاميليا وبيديها أمسكت بشقيقتها توقفه:
- سيب البنت، دي مش طريقة تفاهم دي.
طارق هو الآخر تصدر بجسده ليصير حاجزًا بينه وبين رباب قائلًا بخشونة:
- أنا لحد دلوقتي ملتزم معاك ضبط النفس، ما تخلينش أعاملك باللي تستاهله.
- طب وريني هتعمل إيه؟
هدر بها يخرج سلاحه الناري المرخص من جيب بنطاله الخلفي يصوبه للأعلى مهددًا:
- ما تخلونيش أعمل مجزرة دلوقتي، وانتوا عارفينني مجنون ولا ها يهمني.
- مجنون على نفسك.
صرخت بها كاميليا وهم زوجها أن يرد بغشم يماثل فعل الآخر ولكن رباب كانت الأسبق بترويضه، رغم الرعب الذي زحف بقلبها:
- بلاش يا كارم العنف، مفيش حاجة تستدعي أساسًا.
رد بغضب وطاقة العنف بداخله تنشر ذبذباتها في الأجواء:
- خلاص يبقى تعقلي وتيجي معايا من غير كلام.
لهجته المتسلطة استفزت كاميليا حتى جعلتها على وشك الهجوم لتقتص منه غير مبالية بالتوابع ولكنها تفاجأت بفعل شقيقتها التي ردت برقة تقارب الرجاء:
- يا كارم أنا أعصابي تعبانة، عايزة أغير جو يمكن أعود لطبيعتي، ولا انت ناسي اللي حصلي، ولا باللي كان هيجرالي؟
بلهجتها اللينة استطاعت التأثير به، حتى ارتخت يده عن مسكها ورد بلهجة خفت حدتها عن السابق:
- وان شاء الله تغير الجو ده هياخد قد إيه؟ خلي بالك أنا معنديش صبر.
خرج الرد من كاميليا التي كانت على وشك الانفجار:
- هي جارية اشتريتها، افهم بقى بتقولك تعبانة، يعني تخلي عندك دم وتديها وقتها على الأقل.
عاد لشراسته مرة أخرى، حتى هم أن يستعيد عنفه السابق ولكن زوجته منعت نشوب الحرب من أولها، وخاطبته بمهادنة:
- هحاول متأخرش يا كارم، بس انت كمان متضغطش عليا، وابقى شاكرة أوي لو تجيبلي الولد.
ردد خلفها بحدة متسائلًا:
- انتي كمان عايزاني أجيب الولد هنا يا رباب؟
ردت كاميليا تزيد من حنقه:
- وماله هنا بقى؟ هو داخل عند ناس أغراب؟ دا بيت خالته على فكرة.
أضاف على قولها طارق ببعض اللطف مرحبًا:
- وأنت برضوا لو حبيت تزورها، البيت مفتوح لك في أي وقت يا كارم.
بقول الأخير كانت نهاية النقاش، نفض كارم سترته بعنف بعد أن وزع أنظاره على الثلاثة، ليذهب ساحبًا شياطين غضبه معه، وتبقت رباب برفقة طارق وشقيقتها التي خرج صوتها بغضب نحوها:
- ممكن أفهم بقى، إيه الضعف اللي بتتكلمي بيه مع الراجل ده؟ هو اشتراكي؟ ما تفوقي يا بنتي وخليكي قوية قدامه.
صمتت قليلًا رباب قبل أن تفاجأها بردها:
- كارم مش وحش هياكلني، دا جوزي، وعلى فكرة بقى، هو مش سيء أوي لدرجادي يعني.
بللت شفتيها تراقب رد فعل كلماتها على وجه شقيقتها التي عصف بها الذهول حتى لجم لسانها عن الرد، وطارق الذي غلفت صفحة وجهه لتصبح غير مقروءة على الإطلاق، وتابعت مخاطبة الاثنين رغبة في الذهاب:
- عن إذنكم بقى أروح أريح شوية في أوضتي.
ردد طارق من خلفها:
- ماشي يا رباب، روحي ارتاحي على ما يجي وقت العشا نندهلك بقى عشان تدوقي أكلنا.
أومأت له برأسها وغادرت بعد أن خطفت بنظرة نحو شقيقتها التي تسمرت محلها، ثم ظلت تراقبها وهي تصعد الدرج اللولبي المؤدي للطابق الثاني من المنزل حتى اختفت، لتوجه سؤالها نحو زوجها:
- دي لسة بتدافع عنه؟
رد بابتسامة تخلو من المرح وهو يستدير عنها نحو مقاعد البهو:
- بتقولك إنه مش وحش ولا هياكلها، خلاص بقى يا كاميليا.
❈-❈-❈
- سامية! سامية مين؟
قالتها صبا مرددة الاسم بتساؤل، وعينيها تمشط الفتاة من حجاب رأسها في الأعلى الذي كان عائدًا لنصف شعرها الناعم، ثم زينة وجهها المتقنة بحرفية جعلتها تبدو غاية في الجمال، ثم ملابسها العصرية بأناقة لا تخلو من ضيق على بعض المناطق من جسدها، لتظهرها بوضوح فج، حتى وصلت لحذاء قدمها في الأسفل، بتأمل مكشوف؛ جعل الفتاة تميل برأسها لتسألها بضيق:
- وانتي مالك؟ بتسألي ليه، انتي مين أصلًا؟
اندفعت الدماء برأس صبا، شاعرة بالإهانة فهذه الفتاة تعاملها بعجرفة وكأنها وارثة مع أهل المنزل، همت أن تقارعها بعنف، لتريها من هي صبا، ولكن الآخر كان قد أتى على الصوت، يحمل ابنة شقيقته فوق ذراعه، فقال مرحبًا بوجهه البشوش كعادته:
- صبا، واقفة ليه عندك؟ ما تدخلي.
انتهزتها فرصة لتصب سخطها نحو هذه الفتاة:
- الهانم اللي واقفة معوجة قدامك دي، هي اللي منعتني وبترد عليا من فوق مناخيرها.
شهقت الفتاة ضاربة بكفها على صدرها تخاطب شادي بدفاعية:
- والله ما عملت حاجة، دا هي اللي واقفة متنحة قدامي، وأنا بسألها عن اسمها.
سمعت منها لتبرق عينيها بشراسة جعلت لسانها ينطق بلكنة الجنوب وبانفعال قلما يصدر منها:
- يخرب بيت أبوكي، مين يا بت اللي متنحة؟
- يا لهوي ياما، هو انتي هتاكليني ولا إيه؟
هتفت بها المدعوة سامية، أما عن شادي فقد أخفى بصعوبة ابتسامته ملحة، ليتصنع الجدية في قوله:
- مفيش داعي للنرفزة يا صبا، ادخلي الأول بدل وقفة الباب.
ردت بتحدي أدهشه:
- مش قبل ما أعرف مين دي؟
تخصرت الفتاة ترد بميوعة قاصدة كيدها؛
- لتاني مرة بقولك، أنا سامية يا حبيبتي، انتي بقى اللي مين؟
تحول غضبها نحوه هو متسائلة ببعض من الحلم قبل أن تفتك بها:
- شايف الاستفزاز، يعني أخلص عليكي دلوقتي؟
هذه المرة لم يقوى على كبتها، فتبسم بعرض فمه، ليزيح بخفة سامية عن المدخل، قبل أن يجذب الأخرى من كفها حتى أدخلها وأغلق الباب، ثم رد يجيبها:
- دي تبقى سامية، بنت خالي وبنفس الوقت تبقى عمة ولاد أختي.
قالها قبل أن يصل صوت الأخرى:
- متقولش كده يا شادي لتفتكرني كبيرة وأنا أصلًا تلاقيني أصغر منها.
افتر فاه شادي لثانية وقد كان على وشك الرد ليفحمه، فهو الأعلم بعمر كل واحد منهن، ولكنه عاد لعقله محدثًا صبا التي كانت على حافة الانفجار:
- بقولك إيه يا صبا، انتي جاية تسألي على رحمة صح؟ ادخلي هتلاقيها في أوضتها.
خطفت نظره حانقة نحو الفتاة قبل أن تذعن لقوله مرددة:
- عشان خاطر رحمة بس، عن إذنكم.
❈-❈-❈
- ألف سلامة عليكي يا رحوم، مالك بس؟
قالتها صبا ممسكة بيد الأخرى، والتي كانت مستلقية على ظهرها فوق الفراش، وردت ممازحة رغم تعبها:
- اتقلب حالي يا ختي، أهي دي جزاء الست اللي تقل عقلها وتحمل بعد ما تخلف عيلين.
بضحكة شقية من صبا ردت تناكفها:
- بجى على عيلين وفرقك، أمال أمي أنا اللي مخلفة ستة قبلي تعمل إيه، ولا عمتي فوزية، اللي أبو جوزها مات النهاردة، دا دي لوحدها مخلفة تسعة ما شاء الله يسدوا عين الشمس.
- يا أختي اللهم بارك، بس ناس زمان كان عندها صحة، مش زي صاحبتك، اللي من عيلين بس فرهدت وسلمت نمر، بقى من الشهر الأول أنام على ضهري، وأنا لسة قدامي شهور.
قالت صبا بمشاكسة وابتسامة تداعب ثغرها:
- ولما انتي عارفة كده مش كنتي تاخدي بالك، حرصي بقى ع العيل المتعب ده، وخلي بالك لا تعمليها تاني.
هتفت رحمة بصوت أضحكها:
- يا ختيييي أعمل فين تاني كمان؟ توبة من دي النوبة أسمع لكلام المنيل جوزي، كل اللي عليه، عايزين نخاوي العيال، ووقت الجد بشيل أنا الهم وحدي.
ربتت صبا على كفها برقة تدعمها:
- معلش يا ستي ربنا يقدرك ويقومك بالسلامة، ما هي العيال رزق برضوا.
أومأت رحمة باقتناع ولكن قد خبأت ابتسامتها لتقول:
- مكدبش عليكي أنا بهزر آه، بس ربنا بس هو اللي عالم بحالي، أصلي رقدتي دي زودت على أخويا، يعني مش كفاية مسؤولية أمي عشان أزود عليه أنا بهمّي.
- متقوليش كده، بعد الشر عليكي من الهم.
قالتها صبا ثم عادت بإدراك مردفة:
- طب معلش يعني في السؤال، هي البت اللي اسمها سامية دي، لازمتها إيه هنا في البيت؟
رحمة وابتسامة عابثة لاحت على صفحة وجهها مع تفكير أفقدها تركيزها في الرد:
- هي ملهاش لازمة... قصدي يعني... خلتيني أتلخبطت يا صبا، سامية بتيجي تطل عليا وعلى ولاد أخوها، أصلها بقت تقريبًا ساكنة مع جوزي في شقتنا، توضب الشقة تحت وتحضر حاجته، قبل ما تطلع هنا وتطل عليا، وكثر خيرها يعني بتحاول تشوف اللي محتاجاه.
رددت صبا خلفها متسائلة بامتعاض:
- وأيه بقى اللي انتي محتاجاه والهانم بتعملهولك؟
زاد اتساع ابتسامتها في الرد بمكر:
- يعني مثلًا في مشاوير الدكتور، ورعاية الولاد ولو عاملة أكلة حلوة تيجي تجيبها وتدوقني.
خرج صوت صبا بحدة على غير إرادتها:
- مشاوير الدكتور دي حاجة واجب عليها على فكرة، مش أخت جوزك، وحتى حكاية الولاد برضوا، رغم إني شايفة شادي دلوقتي هو اللي شايل البت مش هي.
زادت رحمة بخبثها:
- لا ما هي مش فاضية دلوقتي، أصلها دخلت المطبخ تروق المواعين بعد العزومة، أصلها جابت صنية أكل عملها كلها بنفسها.
- عزومة وصنية أكل كمان؟ ليه هي كانت عاملة إيه بالظبط؟
تسائلت بفضول وملامح وجهها تقلصت بغيظ، وردت رحمة بابتسامة مستترة:
- لا هي كانت عاملة كتير صراحة، رقاق باللحمة المفرومة وفرخة مشوية، ده غير المحاشي.
غمغمت صبا تردد داخلها الأصناف المذكورة، وشيء من الحقد يكتنفها، أن تجيد هذه الفتاة صنع ما تفشل فيه دائمًا، بالإضافة لهيئتها المبالغ فيها من الاهتمام بالنفس، وكأنها...
- ساكتة ليه يا صبا؟
سألتها رحمة حين طال صمتها، وتححت هي تجلي حلقها، في محاولة للرد بذوق لتخفي هذا الشعور بداخلها:
- لا يعني... أصلك لما جبتي سيرة الأكل فتحتي نفسي إنا كمان، أقوم أحصل أبويا زمانه وصل عشان أتغدى معاه أنا وأمي.
- يا ريتك قدمتي، كنتي أكلتي معانا.
قالتها رحمة بتسلية وقد أعجبها الوضع، وكان رد صبا أن أومأت لها بابتسامة صفراء زادت من مرح الأخرى، وقالت على مضض:
- معلش ماليش نصيب أدوق أنا الأكل الحلو ده، بألف هنا وشفا.
ضحكت رحمة مرددة قبل أن تلتفت على طرق باب الغرفة:
- الله يهنيكي.
همت صبا أن تغادر ولكن أقدامها توقفت فور ولوجه الغرفة حاملًا الابنة الصغرى لشقيقته، يردد بمزاج رائق:
- تعالي يا رحمة شوفي بنتك، بتقول إنها هتعيش معايا دايمًا وخلاص استغنت عنكم.
استجابت رحمة تشهق متصنعة العبوس مرددة:
- اخص عليكي بت، بقى بتبيعي أمك وأبوكي في أول ملف.
ضحكت الصغيرة تدفن رأسها في حضن خالها، حتى اقتربت منها صبا تداعبها بعفوية:
- اخص عليكي انتي يا ست رحمة، دي شوشو دي أحلى فيها قلة الأصل، ولا إيه يا شموسة، تيجي معايا شوية نلعب مع بعض على التليفون.
سمعت الطفلة لتومئ رأسها بحماس وارتمت بعفوية على صبا التي تلقتها من ذراع شادي الذي انتفض وكأن ماس كهربائي صعقه فور أن تلامست كفيه بكفيها دون قصد، ومن هذه المسافة بهذا القرب، ارتد على الفور عن الاثنان متحمحمًا حتى يجلي حلقه عائدًا للمزاح:
- يعني خلاص يا ست شمس، نسيتي خالك.
تطلعت إليه الصغيرة مبتسمة بدلال قبل أن تريح رأسها على كتف صبا التي ضحكت لعفوية الطفلة، فعقبت والدتها:
- شوفت أهي باعتك، عشان متشوفش نفسك عليا تاني.
تطلع شادي نحو الصغيرة ذات الثلاث سنوات، متجاهل النظر نحو من تحملها، ليمرر كفه الكبيرة على شعرها القصير بحنان قائلًا:
- معلش يا ستي أنا راضي، حبيبة خالها بتلف تلف وترجعله.
قطبت صبا مندهشة العبارة، ثم التفتت للطفلة الصغيرة وشددت بضمتها قائلة بحب حقيقي لها:
- شموسة بتدلع عشان عارفة غلاوتها عندنا كلنا، واللي يلاقي الدلع ميدلعش ليه؟
- على رأيك والله.
قالتها رحمة قبل أن تفاجأ بشقيقة زوجها تقتحم الغرفة، بعد طرقها للباب على عجالة، لتلج حاملة بيدها صنية عليها عددًا من أطباق الحلوى قائلة:
- أنا جيت أدوقوا بسبوستي، ما هو الأكل ميحلاش من غير الحلو، ولا إيه يا شادي يا ابن خالي؟
قالتها وهي تقترب منه بالطبق الممتلئ، ف ارتد بجزعه يعترض بزوق:
- متشكرين يا سامية على ذوقك، بس للأسف، أنا مليش في الحلو أوي، عن إذنك أشوف الشغل اللي ورايا.
قالها وخرج سريعًا، لتلتف هي نحو رحمة تقول بعتب:
- عاجبك كده، طب حتى يجاملني بحتة صغيرة.
ردت رحمة بابتسامة ضعيفة:
- ما انتي عارفة أكله خفيف أساسًا، يعني مش هيتحمل تاني على الأكل التقيل.
أضافت صبا على قولها باستغلال للموقف:
- ده غير إنه جالك إن ملهوش في الحلو، هيبلع بعافية يعني؟!
❈-❈-❈
وفي إحدى الكافيهات كان جالسًا على طاولة وحده في انتظارها، وقد اتخذ موقعه مقابلًا للمدخل، حتى لا تجد صعوبة في البحث عنه، بوقاره المعتاد، واضعًا قدمًا فوق الأخرى بأريحية، غير آبهًا بأي شيء، يغمره الحماس لمقابلة هذه المجنونة ومشاكستها، بعد أن استطاع بحيلة ماكرة منه أن يتخذ موعدًا معها.
صدح الهاتف بمكالمة واردة، اعتقد أنها منها قبل أن يخيب ظنه ويجد الاسم الآخر، تناوله بيأس يستجيب بالرد هامسًا بغيظ:
- أيوه يا ماما، عايزة إيه؟
- أيوه يا نور عيني عايزة أعرف هي معاك ولا لسة؟
- لا إله إلا الله، موصلتش يا مجيدة اهدي بقى.
- لييييه بقى؟ يكونش رجعت في كلامها؟
- يا ستي لو رجعت كانت هتبلغني، اقفلي بقى يا ماما، أنا مش عايز صوتي يعلى.
- ماشي يا أمين هقفل بس بشرط، تبلغني بكل اللي يحصل بعد ما تخلص المقابلة.
- ويعني انت حد يقدر يخبي عنك يا ماما، ده انت استدرجتيني ولا أجدعها وكيل نيابة، وسحبتي مني كل اللي انتي عايزاه.
- لا يا حبيبي لسة فيه حاجة ناقصة.
- إيه تاني يا ماما؟
- عايزة أسألك، ناوي تديها حاجتها النهاردة ولا هتأجل؟
- أأجل ليه؟ طبعًا هديها حاجتها.
- يا بن الخايبة كده على طول؟ مش تصبر شوية على ما تاخد وتدي معاها.
- آخد ولا أدي إيه بس يا ماما؟ هو انتي تعرفي عني الأخلاق دي برضوا؟ اقفلي الله يخليكي، ولا أقولك هقفل أنا.
أنهى المكالمة ثم أغلق الهاتف مدمدمًا:
- وادي التليفون كله كمان يا ست مجيدة عشان أجنانك أكتر، ست مفترية بجد.
قال الأخيرة ورأسه ارتفعت نحو التي ولجت لتستحوذ على اهتمام معظم الموجودين من أشخاص حوله، من رواد وحتى عمال، على الرغم من هيئتها العملية بملابس محتشمة كموظفة عائدة من عملها، تسير غير مبالية وشعرها يتطاير معها متناغمًا مع خطوتها، تتقدم باتجاهه بصورة تحبس الأنفاس في الصدر، ليتمتم على غير إرادته قبل أن تصل إليه:
- يا وعدي.
- مساء الخير يا حضرة الظابط.
وقف يستقبلها مرحبًا وقد امتدت كفه لمصافحتها:
- مساء الخير يا لينا عاملة إيه؟
- حمد لله.
دمدمت بها وهي تجلس على المقعد المقابل له، وعاد هو لمحله وشعور بالارتباك المفاجئ طفى عليه، ليردف بعدم تركيز:
- ااا يارب تكوني بخير، تحبي بقى أطلبلك حاجة تشربيها؟
ردت بحدة تجفله:
- هو الطبيعي إن أخد حاجتي وأمشي، بس أنا راجعة من شغلي مفرهدة، اطلبلي أي حاجة بقى أبل بيها ريقي، عصير ولا مية حتى عشان ما أكلفكش.
بانشداه لقولها المباغت، ظل فاهه مفتوحًا لعدة لحظات قبل أن يستجمع نفسه، ليرد بأريحية وقد رفعت عنه شعور الحرج:
- لا يا ستي ما يهمكيش، الجيب عمران والحمد لله، اطلبي اللي انتي عايزاه يا لينا.
أومأت برأسها، قبل أن تلتف إلى النادل تشير إليه ليصل إليها وتأمره بالمشروب الخاص بهذا المقهى المشهور، وهو يراقبها صامتًا وكأنه يدرسها، حتى إذا انتهت من مطلبها وذهب الشاب التفت إليه قائلة:
- ها بقى فين حاجتي؟
عقب ساخرًا وقد أدهشه عمليتها:
- كده على طول؟ طب خدي نفسك الأول حتى.
طالعته صامتة لبرهة ثم تبسم ثغرها تقول بنبرة حيرته بعض الشيء:
- وادي نفسي وخدته خلاص، ياللا بقى طلع السلسلة.
بادلها الإبتسام ليوميء برأسه لها مستجيبًا:
- ماشي يا لينا هطلعها.
أدخل يده في جيب بنطاله ليخرجها بعد ذلك بالسلسال الذهبي، ليرفعه أمام عينيها قائلًا:
- هي دي حاجتك يا لينا.
شهقت تختطفه من يده هاتفة بزعر:
- هي دي آه سلسلتي، بس غايب منها أهم شيء.
بوجه مقلوب يدعي المفاجأة قائلًا بدفاعية:
- إزاي يعني؟ إنتي قولتي على السلسلة عيار واحد وعشرين واهي قدامك أهي، بالكف الفضي والعين الزرقا عشان الحسد زي ما أنا شايف، إيه اللي ناقص بقى؟
- ناقص القلب، ده أهم حاجة فيها.
- يا نهار أبيض، هي فيها قلب كمان؟
- أيوة طبعًا، ده أحلى حاجة فيها.
- امممزم بفمه متصنعًا العبوس ليقول بتفهم:
- أيوه بس أنا دورت في العربية ف لقيتهم متنطورين، جمعتهم وافتكرت إن كده تمام.
بتأثر ملحوظ اعتلى قساماتها، رددت مرة أخرى بحزن:
- طب والقلب يا أمين؟
- أدورلك عليه من تاني يا لينا.
قالها بشهامة يدعيها قبل أن يشير للنادل ويده على الشيء المفقود في جيب بنطاله، قائلًا:
- يا بني هاتلي أنا كمان عصير زي الآنسة.
❈-❈-❈
في الملهى الذي يجتمعان به كلما سنحت الفرصة للقائهما، ولج كارم بوجه متجهم ليأخذ مكانه على الطاولة المخصصة لهما، ألقى التحية على عجالة، يعلو الوجوم ملامحه، وهيئته المتخفزة لا تبشر أبدًا بالخير.
أنهى عدي حديثه السريع مع إحدى مدراء فندقه يلقي عليه بعض التعليمات قبل أن يصرفه ويعطي انتباهه للآخر:
- إيه يا كارم، شكلك ولا أكنك خارج من خناقة.
شبك الآخر كفيه ليطقطق أصابعه بعنف قائلًا:
- إنت بتقول فيها، دي بتوجعني أساسًا عشان كده، عايز أفش غليلي وأستريح بقى.
فهم عدي مقصده، فسأله بصوت جعله منخفضًا:
- هو انت لسة ملقتش الواد إياه ولا الست اللي كانت معاه؟
رد كازًا على أسنانه:
- ابن الكلب اختفى ولا أكنه فص ملح وداب، لا عند قرايبه ولا أي واحدة من اللي كان ماشي معاهم، ولا الحقيرة التانية كمان، طفشت وسابت أولادها لجوزها وأخته يراعوهم، بس مسيريهم هيقعوا في إيدي، أنا مش ههدي غير لما أخلص عليهم.
أومأ عدي رأسه بتفهم قبل أن يبوح عما يفكر به:
- حقك طبعًا تعمل فيهم اللي انت عايزه، بس أنا اللي مستغربله، اللي اسمها جيرمين دي تعمل معاك كده ليه؟ عايزة تنتقم من مراتك بالشكل البشع ده، هي لدرجادي كانت بتحبك ولا انت هببت معاها إيه بالظبط؟
تغير وجه كارم ليردف بأنفعال غير قادر على السيطرة عليه:
- يعني هكون عملت إيه بس يا عدي؟ أنا مكانش بيني وما بينها علاقة حب، وحتى لو كان، هي كانت عارفة بآخرها عندي، ولا عمري عشمتها بحاجة، ده غير إنه أصلًا ما ينفعش عشان هي متجوزة نجيب؛ اللي هو أساسًا بحالة صحية مش ولا بد، يعني في أي لحظة ممكن يموت وتورث بقى فلوس مالها عدد، وساعتها تتجوز من تاني بشاب يناسبها وأصغر كمان.
أربت عدي بكفه على ذراع كارم في محاولة لتهدئته:
- خلاص متحرقش أوي كده في نفسك، اللي انت عايزه هيكون، الست دي أو الراجل اللي معاها مهما اختفوا أكيد هيتجابوا، إن مكانش من رجالتك، يبقى بالبوليس، أو رجالة جاسر وطارق.
- لا طبعًا أنا مش عايز حد يجيبهم غيري.
هتف بها مقاطعًا بحدة، ليردف مشددًا على كلماته:
- ما حدش هيجيبهم غيري، أنا بس اللي يخصني الأمر، لا جاسر ولا طارق، ولا أي زفت في الكون.
هذه المرة تناول المشروب الذي أمامه يخاطبه بمهادنة:
- ماشي يا سيدي زي ما تحب، خد بس اشرب وأنا هطلب لي واحد تاني.
تناول منه ليرتشف محتويات الكأس بجرعة واحدة ثم يدفعها على سطح الطاولة بعنف قائلًا:
- واطلب لي واحد تاني كمان، أنا لسة دمي بيغلي وعايز أهدى عشان أفكر كويس.
أذعن عدي ليشير للنادل حتى يأتي بطلبهم، ثم عاد إليه سائلًا:
- طيب ورباب، هي عاملة إيه دلوقتي؟
اشتدت ملامحه ليرد كازًا على أسنانه:
- رباب افتكرت إن ليها أخت دلوقتي يا عدي، بتقولي إن أعصابها تعبانة وعايزة تقعد عندها، بتسيبني أنا في الظرف الزفت ده.
رفر عدي واهتزت رأسه بسأم يعقب على كلماته:
- طب وفيها إيه بس؟ ما هو شيء طبيعي إن أعصابها تتعب، اللي اتعرضتلوا مش هين برضوا، خليها تبعد شوية على ما تهدى.
هتف بعصبية ازدادت حدتها:
- وما تهدى وهي معايا، تبعد عني ليه؟ أنا اللي أقدر أهديها وأنا اللي أقدر أجيب لها كل اللي هي عايزاه، أنا أكتر واحد فاهمها، دي مش مراتي وبس يا عدي....... دي .......
توقف يمرر بكفه على شعر رأسه للخلف، مغمضًا عينيه بتعب، رمقه الآخر لعدة لحظات صامتًا، يرى الجانب المخفي من كارم، هذا الجانب الذي لا يستطيع الفرد كبته مهما حاول ومهما كان متحكمًا أو حتى مستبدًا، تفضحه مشاعره مع أول اختبار، جانب ذكره بأمره وهذه الفتاة التي استحوذت على كل تفكيره، فجعلت كل تركيزه منصبًا حول الوصول إليها مهما كان الثمن، طرد كتلة كثيفة من الهواء من صدره ليعاود النظر في سجل هاتفه، والحيرة تعصف برأسه، لماذا التأخير في الرد حتى الآن؟ ألم يعد يهمها أمر صديقتها؟!
❈-❈-❈
في اليوم التالي صباحًاخرجت شهد من غرفتها بعد أن تجهزت للذهاب إلى عملها كالعادة، ألقت تحية الصباح نحو المجتمعين على مائدة السفرة بدون انتباه وقد كان ذهنها مشتت ما بين اتصالاتها بمساعدها للاطمئنان على حالة العمل، والإتمام بحقيبتها على بعض الأوراق الهامة التي سوف تحتاجها اليوم في المقابلة بخصوص التقديم لإحدى المشروعات الحكومية، بمساعدة حسن الذي لا يكف عن استعجالها الآن:
- يا عم والله نازلة أهو، روح أنت المصلحة بتاعتك واسبقني....... أيوه ما أنا بقولك تسبقني هناك عند المدير المسؤول عن المشروع، ظبط معاه لحد أما أجيلك......
قطعت بضحكة مرحة كعادتها كلما ألقى على أسماعها كلمات الغزل بخفة ظله التي باتت تعشقها، لتعقب بيأس:
- انت مفيش فايدة فيك، الست مجيدة دي طلعت فاشلة في تربيتها معاك......... ماشي ماشي يا مؤدب، طب استناني بقى مش هتأخر عليك.
أنهت المكالمة والتفت نحو الجالسات أمامها يتناولن وجبة الفطور، لتبادرها رؤى بغمزة وتشاكسها:
- أيوه يا عم المشغول، عقبالنا يارب.
استجابت لها بابتسامة قبل أن ينعقد حاجبها متسائلة بفضول:
- دي أمنية كمان لابسة النهاردة، وراكِ مشوار؟
ضحكت المذكورة لتنهض عن مقعدها قائلة:
- هو انتي نسيتي ولا إيه؟ مش أنا قولالك إن أنا جاية أشتغل معاكي، وهامسكلك الحسابات بصفتي خريجة تجارة.
- انتي بتتكلمي بجد؟
سألتها شهد بعدم تصديق، فهي الأعلم بطبيعة شقيقتها الكسولة والاتكالية في كل ما يخصها من أمور، وعلى نفس القناعة تدخلت رؤى أيضًا قائلة بتهكم:
- يا نهار أبيض، أختي أمنية هتشتغل، ده باين الدنيا اتقلبت حالها يا جدعان.
- اخرسي انتي.
هتفت بها أمنية نحو شقيقتها قبل أن توجه خطابها لشهد:
- لما اتكلمت امبارح معاكي مكنتش بهزر، عشان أنا مصممة أتحمل المسؤولية زيك، ولا انتي فاكرانا هنتسنى لما تتجوزي ونتوحل في الهم لوحدنا، أو نستنى فضلتك علينا.
ليست كلماتها ولا تفكيرها، هذا ما استنبطته شهد على الفور، وهذا التحفز من ناحية الأخرى نحوها بتصميم على فعل ما تريد، بالطبع لو واجهتها الآن بما يدور بعقلها، سوف تستغل بغبائها وتضخم الأمر، وهي ليست بالحمقاء حتى تعطيها الفرصة هي ومن يدفعها لذلك.
أثناء صمتها تدخلت نرجس تلطف كعادتها:
- معنى كده إنها عايزة تساعدك يا شهد، ربنا يخليكم لبعض ما انتوا أخوات وهي عايزة تشيل عنك.
بابتسامة جانبية ساخرة ردت توزع أنظارها بين الاثنين:
- فعلًا، يعني انتي هتشيلي عني المسؤولية بجد يا أمنية؟
ردت بثقة الحافظ بعدم فهم:
- أيوه طبعًا أمال إيه؟ لا اهو انتي فاكراني غبية يعني، ولا مقدرش أتحمل زيك مثلًا.
- لا العفو طبعًا يا حبيبتي.
قالتها شهد لتتابع بتحدي:
- وأنا قبلت يا قلب أختك، ومش هشغلك معايا في الحسابات وبس، لا ده أنا هدخلك معايا في كله.
- يعني إيه؟
سألتها وقد ارتسمت علامة استفهام كبيرة على ملامحها، تجاهلت شهد لتردف بحسم وحزم:
- البسي شنطتك يا للا وحصليني، أنا هسبقك تحت أسخن العربية، ياللا.
❈-❈-❈
في مقر عملها بداخل الحجرة التي تجمعها برئيسها في القسم، والذي لا تعلم سر تغيره هذه الفترة معها، كانت تعمل وعينيها تتجه نحوه كل دقيقة، صامتًا بوجوم، بتركيز شديد على حاسوبه أو الملفات الورقية التي أمامه على سطح المكتب، كأنه لا يراها، حتى إن تطوعت وسألته يجيبها باقتضاب بدون أن يكلف نفسه حتى بالنظر إليها، لا ترى منه هذا الاهتمام الذي كانت تلتمسته على أقل شيء، تدخله الدائم في أي أمر يشغلها بحماية منه، تتقبلها منه بترحاب لا تعلم سببه، ترى ما الذي غيره نحوها؟
- سامية؟
لم تشعر أنها أردفت بالاسم بصوت واضح سوى بعد أن التفت إليها سائلًا:
- انتي بتكلميني يا صبا؟
نفت بهز رأسها:
- لا لا ده أنا افتكرت حاجة كده.
أومأ ليعود لعمله وكأن شيئًا لم يكن، وتعود هي لإحباطها قبل أن يلتفت الاثنان على اقتحام إحدى العاملات بالفندق، تنادي باسمها:
- آنسة صبا.
- نعم.
قالتها كسؤال وجاء رد المرأة:
- مستر عدي رئيس الفندق عايزك.
- إيه؟
- بقولك مستر عدي مستنيكي في مكتبه، عن إذنك.
قالتها المرأة وخرجت، تتركها في تخبطها، وقد أجفلتها بهذا الأمر المستفز أمام شادي رئيسها والذي ادعى انشغاله دون أن يهتم بسؤالها حتى، لتبتلع ريقها باضطراب، ثم تنهض صاغرة، تردف بالإذن قبل أن تذهب:
- أنا هروح أشوف المدير عايز إيه؟ عن إذنك يا مستر.
- تمام.
قالها ويده تدون بالقلم سريعًا على أحد الملفات، بارتباك شديد تحركت تجبر أقدامها لتنهي هذا الأمر الثقيل، مقررة عدم تكرار خطئها والتدخل في هذه الشئون مرة أخرى.
وظل الآخر على وضعه حتى إذا اختفت من الغرفة، خرج عن شعوره ليدفع القلم بطول ذراعه، ثم يضرب بكف يده على سطح المكتب بقوة جعلت معظم الأوراق تسقط على الأرض، زافرًا بخشونة وحريق قد شب بصدره، لا يعلم كيف له أن يطفئه.
❈-❈-❈
وفي الجهة الأخرى بداخل قسم الشرطة وقد كان جالسًا مع زميله يتباحث في أحد الأمور الخاصة بعملهم، ليفاجأ بإجابة السؤال الذي شغله بالأمس، بعد رؤيته الغريبة لابن عمه في طريق مغادرته، قبل أن ينشغل بموضوع صبا وصديقتها، ثم الآن وقد علم الأمر برمته، بشيء من صدمة اعتلت ملامحه عاد بالسؤال مرة أخرى:
- انت متأكد من الكلام ده يا عصام؟
رد الأخير بثقة كاملة:
- يا فندم ما انت عارف أنا مش بجيب حاجة من دماغي، دي كلها تحريات وشهادة شهود أولهم أخو الضحية، ده غير الكاميرات، وهروب الست المتهمة والراجل الحارس، كلها دلائل مُثبتة.
باضطراب غير عادي مرر كفه على أطراف فكه بتفكير عميق، عقله لا يستوعب أن يحدث هذا الشيء مع فرد من عائلته الكريمة، خصوصًا هذا الشق المتعجرف بها، فرع الأغنياء والمناصب الهامة، لا بل وأهمهم على الإطلاق، كارم رجل الأعمال ابن اللواء حمدي فخر، والأكثر من هذا هو أن الأمر يخص زوجته، أول فتاة أحبها وأول من جرحته في كرامته، بعد أن استهانت به وكأنه لا يستحق حتى النظر إليه، هذا الأمر الذي جعله يظل لفترة طويلة من الوقت صارفًا النظر عن النساء والزواج عامة، الأمر الذي ذهب بظن والدته وشقيقه أن عقدته كان بحبها، ولم يصل إليهم أن الجرح كان في كرامته، عزة نفسه التي منعته حتى بشرح وجهة نظره لهم، كاتمًا ما يألمه داخل صدره، حتى لا يزيد عليهم.
- أمين باشا، هو انت سرحت ولا إيه؟
قالها عصام ليقتلعه من أفكاره البائسة، فرد ممازحًا:
- يعني وما أسرح يا سيدي براحتي، هو انت مراتي وهتشك فيا؟
ضحك الأخير قائلًا بأدبه المعتاد:
- لا يا باشا طبعًا وأنا أقدر، تحب نكمل اللي علينا.
اعترض ينهض عن مكتبه منهيًا الجلسة بقوله:
- لا بقى خليها وقت تاني، أنا معايا مشوار مهم.
- مشوار إيه؟
تسائل عصام قبل أن يفاجأ برئيسه الذي هتف على أحد الرجال العاملين معهم:
- عسكري مدبولي، تعالي هنا بسرعة.
دخل الرجل على الفور يؤدي التحية العسكرية، قبل أن يأمره أمين:
- روح ع الحجز وهاتلي السجينة اللي اسمها مودة، وجهز نفسك عشان انت رايح معانا مشوار.......
يتبع
•
رواية و بها متيم انا الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم امل نصر
وصلت إلى مقر المصلحة على حسب الميعاد المتفق عليه وقد كان ينتظرها من خلف شرفة الحجرة التي يعمل بها، حتى إذا رأى خيال السيارة المتواضعة تحرك سريعًا ليتلقفها من قبل حتى أن تصل للبناية:
- اخيرًا وصلتي يا شهد.
كتمت شهقة كادت أن تصدر منها وقد أجفلها بفعلته، لترد بعتب:
- اخص عليك يا حسن، طب قول صباح الخير الأول.
تبسم بمكر ليتناول يدها ويسحبها بخطواته السريعة لداخل الردهة الواسعة:
- هنسلم ونصبح بعدين براحتنا، المهم بقى، جهزتي كل الأوراق اللي قولتلك عليها؟
قالت بحالة من القلق تكتنفها نتيجة لهذه المغامرة التي على وشك الإقدام عليها:
- ايوة يا سيدي جهزتها زي ما قولت، بس انا خايفة لتطلع حاجة اكبر من مقدرتي، وانت عارف اللي فيها.
وصل بها إلى المصعد ثم ضغط على زر الأحمر ينتظر هبوطه وقال يطمئنها:
- يا بنتي بقولك متقلقيش، دا مشروع صغير، انا عارف التكلفة وعارف كل حاجة فيه، عايزة يبقى بداية ليكي في الشغل الصح، مش انتي عايزة تكبري شغلك برضوا؟
رددت بقلب تسارعت دقاته وقد ذكرها بأجمل أحلامها:
- اه يا حسن، دا كان حلم ابويا، قبل الزمن ما يغدر بيه ويروح عند ربنا من غير ما يحققه.
انفتح الباب الألكتروني ليجعلها تدلف أولا قبل أن يلحق بها، ليضغط على زر الطابق المنشود ثم قال بحماس:
- حلم الوالد هتحققيه انتي، وانا واثق من كدة.
أمّنت من خلفه:
- يارب يا حسن يا رب، يسمع منك ويخليك ليا.
ضغط على كفها بابتسامة عذبة تراقص بها كل مشاعر العشق نحوها، ثم ما لبث أن يسألها بتذكر:
- مقولتيش صح، اختك امنية سربتيها فين؟
ردت بابتسامة خبيثة:
- اخص عليك يا حسن متقولش كدة، اختي دي بتشيل المسؤلية بدالي النهاردة.
ملتصقة بأحد الحوائط القريبة من الموقع الذي يدور بحركة العمل دون توقف، لتستظل بالجزء البسيط المتبقي بظله من أشعة الشمس التي توغلت على كل المساحة الفضاء من حولها، لتلعن هذا الجنون وعقلها الأحمق في اتباع وتنفيذ أوامر من يملك فؤادها:
- أيوة يا ابراهيم، انا معدتش مستحملة وعايزة أمشي بقى.
هتفت بها بعد رده عن الاتصال أخيرًا، فوصل إليها قوله بحده:
- تمشي فين يا بت الهبلة؟ هو ايه اللي حاصل؟
ردت بنبرة توشك على البكاء:
- الست المحروسة بدل ما تاخدني ع المكتب لما أصريت أروح وأشتغل معاها، خدتني ع الموقع اللي شغالين فيه رجالتها، قال إيه، عشان أفهم الشغل كله على بعضه، الدنيا صحرا والشمس سخنة أوي، انا قولت عايزة أروح، لكن الزفت عبد الرحيم بيقول لازم أنتظر مندوب الشركة عن المشروع كله، عشان أحِل محل أختي في مقابلته، قال، آخذ منه التعليمات الجديدة، انا تعبت أوي يا ابراهيم، حاسة نفسي هقع ولا يغمى عليا، آه.
صرخ بها من جهته بحزم:
- ما تجمدي يا بت وبطلي مياعة، الساعة تسعة دلوقتي، يعني ملحقتيش تكملي ساعة حتى.
تابعت بتذمر وسخط:
- وهي الساعة دي هينة؟ الدنيا هنا صحرا والشمس من ستة الصبح مبهدلة الدنيا، الجو حر هموت، انا في الوقت ده أساسًا بكون نايمة.
- يا بت ال......
قطع يمنع سبة وقحة كانت على وشك الأفلات من فمه، قبل أن يتمالك ليردف كأنه على أسنانه:
- يا بت الهبلة اجمدي بقى متقرفنيش في زنك، المحروسة وافقت تدخلك معاها، يبقى تتحملي شوية، وتفتحي عينك كويس عشان تفهمي، متخليهاش تتريق عليكي، احنا عايزين نحط ايدينا ونعرف كل قرش داخل ولا خارج في المكتب، هي قاصدة تتعبك، بس انتي بقى لازم تبقي شاطرة وتعرفي كل المعلومات عن المشروع ده والمكسب اللي هيجيلك من وراه، مش عايز أي حاجة تفوتك.
- منين يا ابراهيم؟ أعرف منين كل الحاجات دي؟ هو انت ليه مش حاسس بيا؟ بقولك مش قادرة، مش قادرة، عايزة أمشي.
هدر بها بصوت وحشي جفف الدماء في عروقها:
- تلاتة بالله العظيم يا أمنية لو عملتيها وروحتِ لكون مربيكي عليها دي، ان شاء الله حتى أفسخ الخطوبة.
- تفسخ الخطوبة ابراهيم؟
- أيوة افسخ الخطوبة يا أمنية، مش ناقص أنا دلع نسوان مرق، اقفلي يا بت متقرفتيش أكتر من كدة اقفلي.
تطلعت بصدمة إلى الهاتف الذي تم إغلاقه بوجهها، ليعود إليها السخط بإحساس القهر وقلة الحظ التي تلازمها حتى مع خطيبها.
- ست أمنية.
هتف بها عبد الرحيم، فانتفضت مجفلة إليه، قبل أن تتدارك لترد محتدة بضيق:
- إيه؟ عايز إيه؟
بتسلية بدت بصورة واضحة على تعبيراته، رد يجيبها:
- يعني هكون عايز إيه بس؟ دا أنا جاي أسألك لو تحبي تشربي شاي معانا؟ أصل أنا والعمال سوينا براد كبير زي ما انتي شايفة.
التفت برأسها نحو ما يقصد، لتجد الإبريق المتفحم من أثر نيران الموقد المصنوع حديثًا ببعض الأحجار، وأكواب الشاي يغسلها واحد منهم من دلو مياه مكشوف يستخدم لهذا الغرض خصيصًا، فتقلصت ملامحها بالرفض محتجة:
- لأ طبعًا مش عايزة، بتشربوا فيه إزاي ده؟
القت التحية فور ولوجها الغرفة برسمية كعادتها، وذلك وبعد أن توقفت أمام مكتبه بمسافة ليست بالقليلة:
- السلام عليكم يا فندم.
- وعليكم السلام يا صبا.
دمدم بها وهو يترك الأوراق التي كان يدعي الانشغال بها فور حضورها، ليتابع ترحيبه:
- اتفضلي اقعدي، هتفضلي واقفة؟
- ليه يا فندم؟ هو انت عايزني في حاجة؟
ردها المباغت أثار بداخله الريبة، ليعود بجسده للخلف قائلًا بتعالٍ حتى لا يظهر لهفته:
- مش أنا اللي عايز يا صبا، انتي اللي جيتي وطلبتي مساعدة زميلتك، وأنا بلغتك بشرط صاحبة الخاتم، يبقى إيه لازمة التأخير في شيء هام زي ده؟
ردت بسهولة صعقته:
- عشان خلاص يا فندم.
- خلاص إيه؟
- خلاص الموضوع خلص.
- موضوع إيه اللي خلص؟
هتف بالأخيرة ناهضًا عن مكتبه، وقد زحفت بعقله شكوك وهواجس حول كشف الحقيقة التي يعلمها هو جيدًا، فجاء ردها بخبث تقصده:
- يعني حضرتك أنا كلمت مودة عن وصل الأمانة وردها كان لأ، يبقى إيه اللي يجبرني أنا أضمنها؟ كل واحد يشيل شيلته.
ردد خلفها بعدم استيعاب:
- يشيل شيلته!
- أيوة يا فندم زي ما بقولك كدة، هي حرة بقى وربنا معاها.
راقبت التجهم الذي اعتلى وجهه، ليثبت بعقلها كلمات الظابط أمين الذي حدثهم أن هذه القضية بها أمر غير طبيعي، وقد جاء ردها الغير مبالي الآن، بناءً على تعليماته، لتزيد على الآخر قولها بابتسامة مصطنعة:
- على العموم يا فندم الف شكر على مساعدتك لينا.
- دا أنتي كمان بتشكريني؟
قالها ليفرد جسده واضعًا كفيه بجيبي بنطاله أسفل سترته ليتابع وكأن الأمر لا يعنيه:
- من غير شكر يا صبا، أنا اتدخلت في الأمر ده عشان خاطرك انتي بس على فكرة، ولأجل ما يضيعش مستقبل البنت صاحبتك.
- عشان خاطري؟
غمغمت بها داخلها بعدم ارتياح، خصوصًا وقد انتبهت لهذا الوميض الغريب بعينيه، وهذا القرب من المسافة بينهم، باهتمام غير عادي من رئيس عمل مع مرؤوسيه.
يبدو أنها كانت غافلة ولا بد لها الآن أن تستفيق، نفضت رأسها لتستأذنه:
- على العموم يا فندم أنا بجدد شكري من تاني، عن إذنك بقى عشان أشوف شغلي.
أومأ بجفنه فتحركت تستدير ذاهبة ولكن وقبل أن تصل لباب الغرفة أوقفها بقوله:
- ما تنسيش تطمنيني عليها، عشان أحدد وضعها في الفندق بعد كدة.
أومأت له برأسها قبل أن تغادر نهائيًا، يكتنفها قلق عظيم، شكوك وهواجس تدور برأسها، تتمنى من كل قلبها ألا تثبت صحتها.
على طرف مكتبه كان جالسًا بتحفز، وقد فاض به، ولم يعد لديه قدرة على الصمت أكثر من ذلك، ولا حتى ادعاء جمود يزيد على حرق أعصابه المرهقة من الأساس، عقله على وشك الانفجار، وقد ذهبت عنه حكمته ورزانته المعتادة، كان يعلم من البداية بخطر اقترابه منها، ومع ذلك غامر، ف ناله من العذاب ما فاق كل مقدرته، جاهد لإخفاء هذا الألم المتعاظم بداخله، لتزيد عليه الآن نيران الغيرة.
ارتفعت رأسه فجأة نحو مدخل الباب حينما شعر بها، وقد بدا على ملامحها الإندهاش لجلسته الغريبة تلك، وازداد شعورها حينما ظلت أنظاره ثابتة عليها ولم تتزحزح، فخرج سؤالها بتردد:
- في حاجة؟
نزل بأقدامه عن الأرض يجيب سؤالها بسؤال:
- عدي عزام عايز منك إيه يا صبا؟
كان السؤال مباغتًا لها حتى ارتدت للخلف مجفلة قبل أن تتدارك لتجيبه بارتباك:
- ااا طلب كدة يعني...... أنا كنت طلباه....
- طلب إيه يا صبا؟
لمست من لهجته حدة على غير عادته معها دائمًا، مما استفزها لترد باندفاع:
- في إيه يا مستر؟ دي أول مرة تكلمني باللهجة دي؟
بغضب فاق قدرته على التحمل، تقدم نحوها بهدوء خطر:
- بغض النظر عن حدتي يا صبا، أنا عايز أعرف دلوقتي إيه اللي يدخلك عند واحد زي عدي عزام؟ أي طلب ده اللي يخليكي تدخلي عنده كذا مرة.
كـذا مرة هتفت لتتابع بدفاعية:
- اقسم بالله ما دخلت عنده غير عشان طلب محدد، مودة في ضيقة، وهو الوحيد اللي يملك يساعدها.
توقفت فجأة باستدراك سريع لتسأله:
- لكن انت عرفت منين اني دخلت عنده كذا مرة؟
بابتسامة جانبية جافة أظهرت حجم خيبة أمله فيها:
- من واحد زميلنا هنا في الشغل يا صبا، وقفني قبل ما اجي النهاردة، وقالي وهو بيستهزأ: ايه حكاية الموظفة اللي عندك؟ بتدخل عند عدي عزام رئيس الفندق، يكونش عايزة ترقية؟ خدتي بالك يا صبا من التلميح؟
شهقت بجزع لتردد بدفاعية وسخط:
- اقطع لسان اللي يجول عليا أي كلمة شينة، هي حصلت كمان.
توقفت بدموع حارقة انسابت على وجنتيها، لتتابع بسؤال له:
- إنت تعرف عني كدة؟
رد مقرباً وجهه منها:
- وهو انا لو عندي شك ولو واحد في المية، كنت سألتك اساساً؟ بس دا ما ينفيش خيبة املي فيكي يا صبا، أنا معرفتش ارد ع المتخلف ده بإيه، واثق فيكي وفي اخلاقك، لكني برضوا غضبان. بتقولي انك عايزة تساعدي صاحبتك اللي هي مختفية بقالها فترة عن الفندق، مجتيش ليه وقولتيلي انا عن مشكلتها يا صبا؟
بشهقات أصبحت تزداد وتيرتها ردت من بين بكاءها:
- عشان كنت اظن ان هو اللي عنده الحل، مودة ورطت نفسها في مصيبة كبيرة بسبب غباءها، وانا مجدرتش اتخلى عنها عشان ملهاش حد غيري، لو اتخليت عنها ومستقبلها ضاع، ساعتها انا هعيش حياتي ازاي؟
رد بغضب متصاعد:
- ويعني عشان تنفذيها انتي تجيبي على نفسك الكلام يا صبا؟ مفيش اي طريقة تانية لمساعدتها غير عند عدي عزام.
انهارت لتسقط بثقلها على الكرسي خلفها، ليزداد نشيج بكاءها، هذه أول مرة تتعرض لهذا الموقف، لأول مرة تجد أحد ما يشكك في اخلاقها، وهي التي تترفع بعزة عن التحدث مع أي فرد من الرجال، سوى بكل احترام وأدب، هذا ما تربت عليه، ان يأتي هذا اليوم، ويحدث هذا في مقر عملها، وأمام شادي!
- صبا.
رفعت رأسها إليه لتجده يقول:
- ممكن تقوليلي عن نوع المساعدة اللي طلبتيها من عدي عزام؟
اومأت برأسها تجيبه:
- انا هحكيلك عن الموضوع من أوله، وانت تحكم لعد كدة.
على الباب الخشبي المتهالك كان الطرق عليه بعنف يكاد أن يقتلعه من محله، عنف أزعج المرأة العجوز لتنهض عن محلها مجبرة حتى تفتح خوفاً على ملكها، وحتى تعطي الفاعل درس قاسي بالتوبيخ والسباب إن استدعى الأمر.
صارخة على الطارق في الخارج:
- ايه ايه في إيه؟ ما تكسر الباب أحسن.
قطعت الباقي من كلماتها فور أن وقعت عينيها على حفيدتها الملعونة المتغيبة منذ أيام:
- مودة!
- أيوة يا ستي أنا مودة، اتفضل يا باشا اتفضل.
قالتها الأخيرة وهي تتزحزح عن موقعها ليلج أمين بخطوته السريعة داخل المنزل متخطيًا المرأة وخلفه رجل الأمن والحفيدة التي صاحت عليها جدتها:
- مين البهوات دول اللي جراهم معاكي يا موكوسة؟ بقى بتغيبي يومين وبعدها ترجعيلي بجوز رجالة؟ اشتغلتي في الحرام يا بت الكلب؟
- يخربيتك
دمدم بها أمين مبهوتًا لقول المرأة التي قد تسبب له ولحفيدتها بفضيحة بحماقتها، ليحدج مودة بنظرة نارية حتى تسكتها، فلا يضطر لإسكاتها هو بطريقته، والتي من جهتها استجابت بصوت مرتجف تصلح لها ولكن بتهديد حتى تستوعب سريعاً:
- يا ستي خلي بالك من كلامك، الباشا ظابط قد الدنيا وممكن يخلي العسكري اللي معاه يحط الكلبشات في إيديكي دلوقتي ويحبسك.
طالعته جدتها بتشكك تجادلها:
- وايه اللي يخلي الباشا الظابط يجي بيتنا؟ دا أكيد ملعوب منك يا ملعونة، انا مش مصدقاكي ولا بالعة الملعوب بتاعك.
- طب كدة تقتنعي؟
هتف بها ملوحاً بسلاحه الميري أمام وجهها بعد أن اخرجه سريعاً، ليردف بشراسة لا تصدر سوى في أصعب الأوقات:
- كلمة تانية يا ست انتي وهتلاقيني سأحبك ع البوكس، وفي التخشيبة تبلطي فيها كام يوم، عشان تبقى تصدقي براحتك.
تجمدت المرأة برعب فاغرة فمها، بهيئة تقارب التمثال وكأن القط قد أكل لسانها.
اطمئن أمين من جانبها، ليتلتف نحو مودة يأمرها بحسم:
- ادخلي بسرعة يالا يا مودة دوري ع الحاجة، وانت يا مدبولي ساعدها خلينا نخلص من المشوار الزفت ده.
انصياعاً لأمره تحركت على الفور نحو غرفتها، ليلحق بها رجل الأمن، وتبقى أمين مواجهاً للمرأة التي غمغمت بتساؤل غبي:
- هما دخلوا الأوضة يعملوا ايه؟
زمجر بصوت مرعب افزعها عن التكملة:
- امممممم
أنكمشت المرأة على نفسها بخوف منه ومن تهديده، فخطا ليجلس على الكنبة القريبة من المدخل، ليجلس واضعاً قدم فوق الأخرى ثم يأمرها:
- اقعدي.
تحركت بتردد ثم افترشت الأرض متربعة بقدميها، لتزيد على جلبابها المهترئ بالأتربة والغبار، فصاح يجفلها بصيحته:
- قعدتي ع الأرض ليه؟ قومي اقعدي على أي نيلة ولا كرسي قدامك، ما تقومي.
في غرفة مكتبه التي لم يكن قد فارقها بعد، كما أنه كان متوقفاً عن العمل والتفكير في أي شيء آخر، سوى حسم هذا الأمر، لقد سأم من الألتفاف حولها وهي لا تعطيه فرصة للتقرب، حادة ولا يصلح معاها غير الطريق المباشر، هذا ما عرفه وتأكد منه الان.
ارتفعت رأسه فجأة على اثر طرقة خفيفة على باب الغرفة وقبل أن يعطي الأذن بالدخول وجد الأخرى تطل برأسها بابتسامة ناعمة تلقي التحية قبل أن تدلف بكليتها للداخل:
- مساء الخير يا باشا.
مالت رأسه بتهكم في الرد عليها:
- أفندم يا ست ميرنا، بتدخلي كمان من غير ما تاخدي الإذن؟
تفاجأت بجفاء استقباله الغير متوقع، فردت بابتسامة مضطربة تدعي الأدب:
- لا العفو طبعاً يا باشا، أنا بس دخلت من عشمي.
- عشمك!
قالها بحدة وعينيه تمشطها بازدراء جعلها تخرج عن صمتها بمخاطبته بجرأة:
- في إيه يا باشا؟ معلش يعني، حتى لو ماعدتش بتطيقني، حاول تفتكر الود القديم اللي ما بينا ع الأقل.
- الود اللي ما بينا!
خرجت منه عاليه وللمرة الثانية لا يخفي نظرته المتدنية لها، بشكل أشعل مراجل الحقد بداخلها ليزيد عليها بعجرفته، واضعاً قدم فوق الأخرى، مستطرداً:
- كلمة الود والعشم دي تتقال مع أي علاقة متكافئة الأطراف يا ميرنا، أما اللي كان ما بيني وبينك، فدا اسمه هات وخد، انا كنت باخد مزاجي منك وفي المقابل بعطيكي المقابل، واظن ان المقابل بتاعي كان كويس اوي معاكي، ولا هتنكري؟
بابتسامة مصطنعة تخفي من خلفها الكثير، ارتعشت شفتها في الرد عليه:
- لا طبعاً يا باشا، هنكر ازاي يعني؟ دا انت أفضالك مغطياني من ساسي لراسي، كفاية بقى ان انت لسة مشغلني.
- امممم.
زام بفمه وعينيه على أحد الأوراق يعقب على عبارتها الأخيرة:
- فكرتيني بالنايت اللي انتي لسة شغالة فيه؟ ياريت تحاولي تمشي ع التعليمات زي باقي زمايلك، انا مش عايز سمعة الفندق تضر بسببك، مش هقدر اسكت مديرك أكتر من كدة.
اشتعلت عينيها واوغر صدرها بالضغينة نحوه، تتمتم بعدم تصديق:
- كماان النايت؟ الحاجة الوحيدة اللي بقيالي مع الأجانب، هو ايه اللي حصل؟
سألها بتسلط وكأنه ينتظر منها هفوة:
- يعني سكتي يا ميرنا؟
ردت وهي تحافظ على تماسكها لتقول بطاعة:
- ويعني عايزني اقول ايه يا باشا؟ طبعاً اللي تؤمر، هو انا اقدر اكسر كلامك برضوا.
اوما برأسه يدعي الرضا، ليردف:
- كويس اوي انك فاهمة الكلام ده، تقدري تروحي على شغلك دلوقتي، وياريت ما شوفش وشك هنا في المكتب او حتى في أي حتة تخصني، غير لو انا طلبتك، يعني الدخلة من شوية دي متكررش.
- أكيييد.
قالتها عن ثقة داخلها وقد تحولت لهجتها للغموض، لتردف بانصياع تام:
- يبقى انا كدة بعتذر يا باشا لو كنت ازعجتك، تحب تأمر بحاجة تانية.
نفى بهز رأسه، يكتنفه شعور بعدم الاطمئنان، استذنت لتخرج ولكنه اوقفها قبل أن تستدير عنه:
- ميرنا...... حاولي تشوفي صرفة في موضوع الخاتم، انا شايف ان مفيش منه فايدة.
بغليل متعاظم وقد وضحت الصورة جلياً أمامها، ردت بفحيح:
- يعني قصدك إنه يرجع؟
أومأ بهزة خفيفة من رأسه، قائلاً:
- يعني زي ما عقدتيها حاولي بذكائك ده تحليها.
***
صفقت باب الغرفة التي غادرتها لتسرع بخطواتها حتى وصلت إلى جزء مختصر عن الأعين، لتتوقف ضاربة بكف يدها على الحائط، بزمجرة مكتومة بحلقها، تود التعبير عما يجيش بصدرها بصرخة عالية تهز أركان الفندق وما يحاوطه من مباني، لقد فاق الأمر توقعها، وخرج كل شيء عن سيطرتها، بعد أن كانت كالملكة بين أقربائها، بمكانة تحسدها عليها الفتيات من زميلاتها، سلطة تدعمها حتى أمام مديرها، مكاسب خيالية بالعملة الصعبة كانت تنهمر عليها بأقل جهد، حتى لقبت نفسها بجارية الملوك، التي تأخذ من المنافع المادية، وعلاقات السلطة مما يسهل عليها كل أمر صعب يواجهها، لقد صدق إحساس الخطر بداخلها منذ أن رأت هذه الفتاة، عدي عزام أصبح يحيد عن طريقه المعتاد لنيل امرأة تعجبه، بل إنه يتجه لناحية أخرى، لو سلكها سوف تكون الخسائر وقتها، أكبر من ذلك كثيراً.
زاد بعينيها التحدي ووعيد يصدح داخلها بقوة، أنها لن تنتظر أو تسمح لهذا اليوم أن يأتي، وأن حدث، لن تكون الخاسرة الوحيدة.
- عليا وعلى أعدائي.
***
خرج مدبولي بوجه متجهم والعرق يغطي جبهته وأعلى قميصه في الأمام والخلف، وقد بدا عليه الإجهاد بشدة، لوح كفيه بيأس جعل أمين يدمدم بتساؤل:
- معقول؟ يعني ملقتهوش خالص.
خرج صوت الرجل بجدية:
- يا فندم إحنا قلبنا الأوضة ومخليناش حتة، لدرجة إني كنست الأرضية بالمقشة، وبرضه مفيش أي أثر.
تدخلت العجوز بينهما سائلة:
- لهو إنتوا بتدوروا على إيه؟
تجاهلها أمين لينهض ذاهباً نحو الغرفة التي كانت مقلوبة رأسًا على عقب نتيجة البحث المضني، ومودة على الأرض تغطي بسترتها على عينيها، وجسدها يهتز من فرط بكائها المكتوم.
بعادة اكتسبها على مدار سنوات عمله، أخفى أمين تعاطفه ليهتف بها بصرامة:
- مودة، كفاية بقى خلينا نمشي.
كشفت عن عينيها التي احتقنت بأثر الدموع لتقول بصوت مبحوح باستجداء:
- والله العظيم كنت حطاه هنا، والله ما خرجته من الجيب ده ولا شوفته بعدها، هموت وأعرف هو راح فين؟ دا ملهوش أثر في أي حتة، روحتِ في داهية يا مودة، روحتِ في داهية.
كتلة كثيفة من الهواء طردها أمين بزفرة مشبعة بإحباطه، يزداد يقينه بأن هذا الأمر به شيء ما، وقد ساهم غباء هذه الفتاة في إيقاعها.
خرج من شروده على صوت المرأة جدتها، والتي صاحت تولول وهي تتأمل محتويات الغرفة:
- يجيكي ويحط عليكي يا بعيدة، قلبتي الأوضة من فوقيها لتحتها ليه يا بت؟ يكونش بتدوري على كنز؟ أنا قلبي حاسس من الأول، دخلة الرجالة الغريبة دي، أكيد وراها مصيبة.
- يخربيتك بجد يا شيخة.
غمغم بها للمرة الثانية فهذه المرأة بأفعالها، قادرة على جعله يرتكب جريمة في حقها، وهو الذي كان يحترم قبل ذلك كبار السن، هذا قبل أن يراها، تخلى عن أفكاره السيئة، ليسألها بعملية، ربما يأتي من خلفها بفائدة ما:
- بقولك إيه يا حجة؟ طب أنا كنت عايز أسألك، لتكوني لقيتي خاتم مرمي هنا ولا في أي حتة من الشقة؟
شهقت بصوت جعله يعتقد أنها على حافة خروج روحها قبل أن تلتف نحو مودة صارخة:
- يا بت الكلب، لهو إنتي اشتريتي خاتم دهب كمان وضيعتيه؟ طب كنتِ ادهولي عشان أشيلهولك.
بغيظ شديد التف نحو مدبولي يأمره بحزم وقد فاض به من مهاترات المرأة:
- يا للا يا مدبولي اسحب مودة خلينا نمشي، اسحبها يا بني قبل ما تطلع أرواحنا إحنا.
***
- هو دا كل اللي حصل.
ختمت بهذه العبارة بعد أن قصت عليه كل ما حدث من البداية حتى دخولها منذ قليل لغرفة عدي عزام، وظل صامتاً على وضعه لمدة من الوقت، قبل أن يخرج صوته ويسألها بهدوء مريب:
- روحتي قابلتي عدي عزام في المطعم لوحدك يا صبا؟
- ما أنا قولتلك السبب.
- سبب إيه؟
هتف بها ليستطرد وكأنه تحول لشخص آخر:
- كان لازم تشوريني الأول، مينفعش تتصرفي من دماغك، حتى لو كان غرضك شريف، على الأقل كنت روحت معاكي، إنتي غلطتي، غلطتي يا صبا.
- عشان عايزة أساعد صاحبتي.
- محدش طلب منك تتخلي عنها، رغم إن مفيش داعي نعفيها من مسؤولية المصيبة اللي حطت نفسها فيها، أحيانًا بتكون أخطاء صغيرة وإحنا بنعتبرها تافهة، ومع ذلك ممكن توصل بينا لحبل المشنقة لما نستهون بيها.
كطفلة مذنبة، لم تقوى على مجادلته، وقد علمت أن بصحة قوله، لتطرق برأسها غير قادرة على المواجهة، فتابع بتأنيب:
- وكمان بتدخلي قسم الشرطة يا صبا؟ أبوكي لو عرف..
قاطعته سريعًا بارتياع:
- هيقطع علاقتي بيها نهائي، ومش بعيد يرجعني البلد.
ضرب بكفه على سطح المكتب ورأسه دارت للأعلى، يستجدي صبرًا وتماسكًا حتى لا ينفجر بها، فتابعت هي بتبرير:
- وعلى فكرة بقى أنا جبت المحامية النسوية دي مخصوص عشان تتكفل بالدفاع عن مودة وبالمرة تعرف رأيها في عرض الست دي صاحبة الخاتم، من غير ما أدخلها أنا.
لكن ساعتها بقى قابلنا حضرة الظابط أمين الله يخليه، سهل علينا الدنيا وخلانا......
- أمين مين؟
صرخ مقاطعًا للمرة الثانية لتنتبه هي على انقلابه المفاجئ مرة أخرى، وكان ردها بعفوية:
- حضرة الظابط أمين، أخو حسن خطيب شهد، ما هو شافني يوم الخطوبة وعرفني.
ظل متسمرًا أمامها بهيئته الغير طبيعية لمدة من الوقت أثارت قلقها قبل أن يشعر بنفسه وينهض عن مقعده، يفاجئها باستئذانه:
- أنا ريقي نشف ورايح أشرب ميه.
طالعت أثره حتى اختفى لتغمغم بتساؤل مع نفسها:
- هو ماله اتعصب جوي كده لما جبت سيرة الظابط أمين؟
***
في منزل أنيسة وقد اجتمعت بنصفها الثاني مجيدة التي زارتها اليوم خصيصًا بحجة الاطمئنان على صحتها:
- ها يا حبيبتي وعاملة إيه النهاردة بقى؟
- بابتسامة عذبة لا تفارقها ردت:
- الحمد لله يا حبيبتي، ربنا ما يحرمني منك ولا من دخلتك عليا، أقسم بالله أنا بفرح من قلبي لما بتجيني، بحس إن أعرفك من زمان يا مجيدة.
ردت الأخيرة بصدق ما تشعر:
- نفس اللي بشعر بيه والله، إنتي طيبة أوي يا أنيسة، وشكلي أنا كمان طيبة عشان اتلميت عليكي.
بضحكة من القلب رددت من خلفها:
- أوي، أوي يا مجيدة، بس بصراحة بقى إنتي عفريتة، بتعرفي توصلي للي إنتي عايزاه.
- أنااا.
قالتها مشيرة بكفها نحوها، لتردف ببراءة:
- طب دا أنا حتى غلبانة وربنا.
للمرة الثانية رددت من خلفها وكأن عدوى الفكاهة أصابتها:
- أوي غلبانة أوي يا مجيدة.
أطلقت الأخيرة ضحكة رنانة لتعلق عليها:
- الله يا أنيسة، هو إنتي اتعلمتي الشقاوة ولا إيه؟
- أكيد منك.
قالتها لتشارك الأخرى بالضحك من قلبها، حتى خرجت إليهم لينا من الغرفة بملابس العمل لتعلق بابتسامة لهما:
- يا ما شاء الله، ضحككم جايب لآخر الشارع، ما تبسطونا معاكم يا بشر.
ردت مجيدة بابتسامة لرؤيتها التي تبهج القلب:
- يا ختي ربنا يبسطك وتنولي اللي بتتمنيه، يا لينا يا قمر إنتي، مقولتيش بقى عاملة إيه؟
ردت وهي تعلق الحقيبة على كتفها:
- بخير والحمد لله يا طنط، ربنا يخليكي، مضطرة أسيبكم عشان الشغل.
- روحي يا بنتي ربنا يباركلك.
قالتها وانظارها اتجهت نحو السلسال الذي ترتديه في الأعلى، وظلت صامتة حتى غادرت لتسأل أنيسة بمكر:
- حلوة أوي السلسلة اللي لابساها لينا دي، كف وخزرة زرقا، أكيد عشان تحميها من الحسد.
أنيسة والتي لم تكن منتبه هذه المرة ردت بعفوية وهي تتناول فنجان قهوتها:
- آآه طبعًا، ما هي كانت بتجمعهم من مرتب شغلها، أيام الجامعة، ابتدت بالسلسلة وبعدها الكف والعين الزرقا و..... أي ده؟ تصدقي إن أول مرة آخد بالي إن القلب مش موجود، أنا لازم أسألها لما تيجي.
- يا ختي وتسأليها ليه؟ ما براحتها.
قالتها مجيدة لتقارعها الأخرى ضاحكة:
هو إيه اللي أسيبها براحتها؟ أنا هسألها عن حاجة غايبة منها يا ست.
ردت تزيد من ذهولها:
- وأنا بقولك أهو، هي أدرى باللي غايب منها، وأكيد طبعًا هتلاقيه، دا سهل أوي على فكرة.
قالتها لتعود لترتشف من فنجانها هي الأخرى، وابتسامة عابثة تتلاعب على ثغرها بانتعاش يسري بداخلها، تغمغم:
- هانت يا مسهل يا رب.
***
عادت شهد بعد انتهاء الجلسة مع مسؤلي المشروع الذي تسعى للحصول عليه، في خطوة قد تساهم كبداية جيدة في دفعها للأمام، بمساعدة حسن الذي لا يدخر جهدًا في ذلك، بل ويفعل المستحيل في هذا من أجلها، تبسمت براحة تغمرها، تملي عينيها منه وقد كان يقود السيارة بجوارها، تشعر بأن الله قد من عليها أخيرًا بنعمة السند التي كانت تفتقدها، بل وكانت تقنع نفسها أنها استغنت ولا تحتاج، أن تستغني عن النعمة التي تفتقدها، هو الحل الوحيد للشخص اليائس البائس.
هذا قبل أن تراه ويجدد بها الأمل بالحياة والعيش بها.
- الحقي يا شهد أمنية على آخرها.
قالها حسن لتنتبه على شقيقتها التي كانت واقفة في المكان المحدد الذي وصفته لها، وجهها المكفهر، خير دليل على قرب انفجارها.
عقبت بتوجس:
- تصدق يا حسن لو حد اداها ولعة، مش هتتردد ولو ثانية تولع فينا.
سألها حسن بفضول، قبل أن يقترب من الأخرى بسيارته:
- ولما هي كدة إيه اللي جبرها؟
تبسمت تجيبه بسخرية:
- المسؤلية، حب المسؤلية هو اللي جبرها يا حسن.
- يا شيخة.
قالها بابتسامة ساخرة هو الآخر، قبل أن يتوقف أمام شقيقتها التي حطت سريعًا لتنضم معهم في المقعد الخلفي، تلقي التحية بفظاظة:
- السلام عليكم.
ردد حسن يجيب تحيتها رغم تحفظه على قلة ذوقها.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. عاملة إيه يا أمنية؟
- كويسة.
بصقت الكلمة من فمها والتفت رأسها نحو النافذة. لا تطيق النظر إليهم. مما جعل شهد على تقوى على كبت ما بجوفها:
- براحة شوية يا ست أمنية. أول يوم ليكي وتعبانة فيه. نديكي عذرك. بس مش لدرجادي يعني. دا انتي مكملتيش نص يوم.
سمعت الأخيرة وقد كانت لها كالشرارة لتنطلق بمظلومية محتجة:
- نص يوم. وليكي عين كمان تألسي وتدي حكم. بعد ما خلتيني أتحمس في الشمس. قال إيه عشان أسد عنك. أفهم إيه أنا عشان أقابل مسؤول الهباب بتاعكم. ولا لجنة المهندسين اللي طبت فجأة. مكنتيش عاملة حسابهم. عشان ما تصدقي بقى وتسبيني أنا في الوحلة دي لوحدي. طبعًا ما انتي مع خطيبك. اتسرمحي بقى على كيفك. مدام في الحمارة اللي تسد.
تفاجأ حسن، لا بل صعق. لا يستوعب هذا الأسلوب المتدني في الحديث. بل وتبجحها المبالغ فيه. بلع ريقًا قاسي كان يود تقريعها به. إكرامًا فقط لشهد. والتي من جانبها تمالكت رغم الحرج الذي انتابها أمام خطيبها. لتقول بقوة:
- مش هرد ع الأخيرة عشان أنا لسة محتفظة بألأدب معاكي. حتى لو انتي متعرفيهوش. بس لو هتيجي ع الشغل. ف أنا بقولهالك أهو يا ختي، محدش غاصبك.
أفحمها ردها القاطع لتلتف نحو النافذة مغلقة فمها عن التكملة. فتبدل المرح بمحيط السيارة إلى جو من الكآبة بفضلها. بعد أن صمتت شهد هي الأخرى. وحسن من داخله يلعن هذه الفتاة التي تحتاج للأدب والتقويم من جديد. ليته يملك السلطة لذلك. أو ربما هو الزمان قد يكون كفيلاً بها وبأمثالها.
- حبيب مامي.
قالتها رباب وهي تتلقف ابنها الذي ركض نحوها. فور ولوجه المنزل ورؤيتها. لترفعه عن الأرض وتضمه بقوة. تقبله باشتياق شديد. مرددة:
- يا قلب مامي. وحشتني. وحشتني. قد الدنيا وقد الكون كله.
- وانتي كمان يا مامي.
قالها الصغير لتزيد باحتضانه مشددة بذراعيها.
علق كارم والذي جاء من خلفه:
- براحة شوية ع الولد. لدرجادي واحشك؟
قبلت الصغير عدة قبلات على وجنته لتردد بحب:
- أوي أوي يا كارم.
- هو بس.
قالها بصوت متحشرج وفمه يحط على أعلى رأسها بقبلة هو الآخر وأنفاسه الساخنة تلفحها. انتفضت لتبتعد سريعًا مرددة بارتباك:
- اا طب انت هتفضل واقف هنا في مدخل الفيلا. مش تدخل معايا وتقعد حتى دقيقتين.
قالتها وتحركت بالطفل تسبقه. لحق بها ولسانه يردد بتهكم:
- يا ما شاء الله. وبقيتي صاحبة بيت كمان عند اختك وجوزها. لا وكمان بتعزميني عشان أضايف في ملكهم.
بنبرة مثقلة التفت له برأسها تطالعه بقنوط قبل أن تجلس على أقرب المقاعد وترد:
- يا كارم الوضع اتغير خلاص. مفيش داعي للتريقة يعني. ثم إن اختي وجوزها في الشغل دلوقتي. مين بقى اللي هايضايفك؟
اتخذ مقعدًا هو الآخر بجوارها ليضع قدمًا فوق الأخرى. ليرد وهو يتأمل كل ركن من حوله:
- زوق المكان ولا أروع. بصراحة اتفاجأت. يا ترى دا زوق اختك ولا جوزها؟
صمت برهة ليتابع بمغزى يقصده:
- أنا برجح كاميليا. احساسي بيقولي كدة. أصل الزوق العالي ده ما يبعدش عنها.
ردت بفراسة وقد فهمت إلى ما يرمي إليه:
- بلاش السكة دي يا كارم. أنا قولتلك إن الوضع اتغير. خلينا نعيش في سلام الله يخليك.
أشاح بوجهه عنها. فلم تعجبه كلماتها. وقعت عينيه على الطفلة الصغيرة ذات الجمال الملائكي. وقد كانت واقفة بأحد الأركان بخوف منه كرجل غريب لأول مرة يدخل إليهم.
انتبهت رباب نحو ما يتطلع إليه. فهتفت بمرح نحو الطفلة:
- فريدة. تعالي يا قلب خالتو.
- فريدة!
ردد كارم الاسم وعينيه تتابع الصغيرة التي خطت نحوهما حتى تلقفتها رباب لتعرفها على أسرتها:
- دا يبقى عمار ابن خالتو. ودا جوز خالتو. سلمي عليها يا كارم.
سمع منها وامتدت يده تصافح الصغيرة. يشهد بداخله أن هذا الجمال الرائع. لا يبتعد عن والدتها. فهي تشبهها كثيرًا.
بعد أن انتهى الترحيب. وانصرفت فريدة مع ابن خالتها حتى يعرفه على ألعابها. لتخلو الجلسة على الزوجين. قال كارم بوجه متجهم:
- متفتكريش إني ساكت. أنا قالب الدنيا على الزفت حامد وشريكته جيرمين.
أومأت له بابتسامة مضطربة. فقال متابعًا:
- تصدقي إنها هربت وسابت أولادها وجوزها العجوز كمان؟
ابتلعت تردد بتوتر:
- أكيد خايفة منك. أو من الشرطة بعد الكاميرات ما بينتها كاملة. بس الغريبة إن الأمر ما انتشرش. ولا شوفت أي جريدة أو صفحة ع السوشيال ميديا كاتبة عنه.
أجابها بتسلط تعلمه جيدًا عنه:
- عشان أنا كتمت ع الخبر يا قلبي. مارست سلطتي مع سلطة ناس من العيلة وقدرت أسير ع الوضع.
- طب كويس.
قالتها بإعجاب حقيقي. فبرغم كل شيء. هي لا تنكر أن سيطرته وتصميمه. كثيرًا ما تبهرها.
سكت فجأة ليجفلها بسؤاله:
- لكن انتي مش مستغربة فعل جيرمين؟ إيه اللي يخليها تعمل معاكي كدة يا رباب؟
سؤاله كان مباغتًا لها. حتى جعلها تتلعثم قليلًا في البحث عن رد.
- اا مش عارفة. هعرف منين يعني؟
تعلم أن إجابتها غير مقنعة. ففي الحالة العادية وهي المجني عليها. كان يجب أن تصب غضبها على هذه المرأة التي تجرأت على فعل ذلك. لكن وهي تعلم السبب وراء ذلك. كيف لها أن تفعل؟
ترى ما تفكر به الآن يصل إلى كارم. حاد الذكاء من الأساس. أم أنها تتوهم وتضخم الأمر مع نفسها؟
رواية و بها متيم انا الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم امل نصر
على أطراف أصابعها كانت تسير بخفة داخل الحجرة التي احتوت شقيقتها. والآن اكتملت بطفلها أيضًا، بابتسامة حانية اقتربت من الفراش الذي كان يضم الاثنين. وبصوت خفيض خاطبتها برقة:
- رباب يا رباب.
استيقظت الأخيرة على أثر الصوت، رغم ضعفه، لتناظرها بتساؤل. تبسمت كاميليا لها قائلة:
- لسه نومك خفيف برضو؟
اعتدلت لتفك ذراعها عن ابنها الذي ظل طول الليل بأحضانها ولم يغب عنها. وردت بصوت متحشرج وهمس:
- أنا تقريبًا مبنامش، أو يمكن بخطف ساعة ولا ساعتين بالعافية. لكن انتي بتصحيني ليه؟ عايزة مني حاجة؟
تجاهلت كاميليا الجزء الأخير لتسألها بقلق:
- ليه يا حبيبتي قلة النوم؟ هو انتي مش مستريحة في الأوضة؟
لعقت شفتيها بتوتر، وحيرة تكتنفها بشدة. تريد الأفصاح أو التحدث في هذا الأمر الثقيل على صدرها. فعواقب ما ارتكبته على وشك الوقوع، وزوجها لا يرحم.
طال صمتها في التفكير العميق مما جعل القلق يعصف بكاميليا لتعيد سؤالها بتوجس:
- أنتي في حاجة مخبياها عني يا رباب؟
مررت بكف يدها على جانبي رأسها لتزيح الشعيرات المتبعثرة. حتى تعيدها للخلف وعقلها ما زال يدور بتفكير مضني. حسمته فجأة بقرارها:
- أنا عايزة أقولك على سر.
❈-❈-❈
بخطوات واسعة كان يخترق بقدميه لداخل القصر، بعد استجابته للاتصال الذي وصله من والدته، وهي تخبره بضرورة الحضور حالًا وفورًا. وقد سبقه مجموعة من الاتصالات والرسائل التي غفل عنهم في غمرة نومه الذي، والصدفة، تأخر اليوم.
- إيه في إيه؟
صدر منه السؤال فور أن وقعت عينه نحو الجالستين في بهو المنزل وكأنهن في انتظاره. أشاحت بهيرة بأنظارها عنه، وتكلفت نور برد خرج كتأنيب:
- اتأخرت ليه يا عدي؟ ده احنا من الصبح قالبين الدنيا عليك؟
اقترب بوجه ازداد غرابة، يجيب سؤالها بسؤال:
- وليه تقلبوا الدنيا بقى؟ إيه المهم أوي عشان يستدعي اتصالاتكم الكتيرة أوي دي؟
طرقت بهيرة بالعصا التي تتحامل عليها هذه الأيام كثيرًا، بعد اشتداد وطأة المرض عليها، لتصدر صوتًا مزعجًا على الأرضية. وهدرت بوجه ممتقع لم يألفه عدي من قبل ذلك نحوه، لتهدر به:
- ولك عين كمان تسأل وتتحاكى؟ سايب مراتك وولادك وهربان في أحضان عشيقاتك، من غير ما تعرف باللي بيجرالهم ولا اللي حاصل معاهم؟
زفر دفعة كبيرة من الهواء، يقلب عينيه بسأم. فقد وضح بعقله الآن أن ما يحدث معه قد يكون بسبب ميسون، التي بدأت تفتعل المشاكل هذه الأيام. فقال باستخفاف:
- طيب ما تجيبوا من الآخر، وقولوا الهانم عملت إيه؟ بدل الفوازير دي.
زاد الغضب بوجه والدته حتى اشتعلت عينيها بحريق نحوه، فقالت نور بلهجة آسفة:
- الموضوع مش محتاج فوازير يا عدي، ميسون خدت الولاد وسافرت على تركيا بيهم، وبتبلغك تبعتلها ورقة الطلاق، يا إما تحصلها على هناك وتفترقوا باتفاق قانوني.
- إيه؟ انتي بتقولي إيه؟
تفوه بها بعدم تصديق، بل هو لا يستوعب. حتى أنه أعاد السؤال بصيغة أخرى:
- إزاي يعني تاخد الولاد إزاي وتسافر بيهم؟ هما ولادها لوحدها؟
- أيوة ولادها لوحدها.
هتفت بها بهيرة لتردف بتشفي:
- وانت إيه دورك في حياتهم غير ضيف؟ بتيجي تقضي وقت حلو معاهم، كل فترة بتعدي بالأسابيع.
احتدمت أنفاسه في الصعود والهبوط بتسارع، وقد بدأ يستفيق للصدمة التي لم يعمل لها حساب قبل ذلك. وتوجه بخطابه لزوجة أخيه:
- هو الموضوع بجد ولا إيه يا نور؟ إزاي جوزك يسمح بكده؟ سيبتوها خرجت إزاي من القصر بيهم؟ ده مصطفى عزام بجلالة قدره.
بانفعال لم تقوى على كتمانه هتفت به هي الأخرى:
- وكنت عايزة يعمل إيه يعني؟ جدها بعت واحد من طرفه عشان ياخدها هي والولاد، ولما اتصلت بيه مصطفى، معرفش يلاحق في الرد على الراجل. ميسون كانت مخبية عن أهلها كل اللي بيحصل ما بينكم وهجرك ليها بالشهور، لكن بقى لما فاض بيها بلغتهم بكل شيء وهما بقى ما تحملوش على بنتهم، ودول ناس مش قليلين، وانت أدرى.
- وما بلغتونيش ليه؟ أنا كنت اتصرفت مع الناس دي، أنا أولي بيهم.
صاح بها بصوت عالٍ وقد خرج عن طوره الهادئ، ردت نور بعصبية هي الأخرى:
- ما إحنا بنتصل بيك من الفجر وانت مبتردش، كنت عايزنا نعمل إيه؟
استمر بانفعاله يوزع النظرات بينها وبين والدته التي ظلت تطالعه بتجهم:
- إزاي يعني معرفتوش تتصرفوا يا نور؟ الهانم تخرج من البلد بولادي، قيمتنا إيه على كده في البلدة دي؟
- إحنا قيمتنا أكبر من الأفعال الخسيسة دي يا أستاذ عدي.
هتف بها مصطفى والذي كان عائدًا من الخارج، ليتلقفه شقيقه محتجًا:
- ليه يا مصطفى تسيب الست دي تخرج بولادي؟
ناظره الأخير بقوة قائلاً:
- ده أنا مش سيبتها وبس، لا ده أنا كمان وصلتهم المطار.
وكأنها صاعقة ضربته بقوة ليعود مرتداً للخلف بخطوة، وقد ظن أنه على وشك الترنح، قبل أن يتماسك ليرد بصدمة امتزجت بلومه:
- إنت يا مصطفى، وهان عليك أخوك ولا أولاده اللي انت مربيهم أكتر مني.
حافظ على رباط جأشه ولم يظهر تأثرًا في قوله:
- أديك قولت بنفسك، يعني مش محتاج توصية عليهم، ولادك مكنش ينفع أبدًا يستمروا على الوضع ده، ومراتك اللي انت فضلت راميها، كان لازم يجي عليها اليوم اللي تنفجر وفيه، وإحنا ولاد أصول، ومنرضاش بالظلم.
برفض للواقع وعدم تقبل لما حدث، انتقض صارخًا:
- ده كلام فارغ أنا لا يمكن أقبل بيه، الهانم خيرتها، يبقى تروح في داهية، مش تهرب بولادي لدولة تانية. إن كنت انت سكت ووافقتها، أنا لا يمكن أسكت، فاهم يا خويا يا كبير، لا يمكن أسكت.
ظل يردد بها حتى غادر القصر نهائيًا، تاركًا شقيقه الذي كان يتبادل النظرات بأسى مع زوجته ووالدته، التي بدا عليها الحزن الشديد لفراق الأحفاد والكنة المفضلة إليها.
❈-❈-❈
بتثاقل شديد كانت ترفع رأسها عن الوسادة بصعوبة، لتطفئ صوت الهاتف الذي كان يدوي باستمرار مزعجًا لورود المكالمات، حتى أجبرت نفسها تتناوله لترى من المتصل. انتفضت بانتباه فور أن وقعت عينها على اسمه، لتجيبه على الفور:
- ألوو يا إبراهيم، صباح الخير يا حبيبي.
- صباح الخير يا ختي.
قالها بقرف، ثم استطرد بغيظ:
- هو انتي لسه نايمة يا بت؟
اعتدلت بجذعها لتجيبه بارتباك وقد ذهب عنها النوم إلى غير رجعة:
- وفيها إيه يعني لما أنام يا إبراهيم؟ هو انت كنت طالب مني حاجة وأنا نسيتها؟
صاح بها بصوته العالي:
- حاجة إيه يا بت الهبلة؟ أنا بتكلم عن شغلك اللي اتأخرت عليه، ده الساعة داخلة على تسعة دلوقتي، ولا تكوني عملتي اللي في دماغك، وصرفتي نظر عنه يا أمنية؟ عشان تبقى ليلتك طين.
زفرت ببعض الارتياح رغم ضيقها من تهديده المستمر لها في هذا الأمر، بالإضافة إلى التوبيخ المتعمد، فردت بهدوء:
- لا يا إبراهيم، لا أنا صرفت نظر، ولا هو في شغل أساسًا، المحروسة واخدة إجازة النهاردة، وعبد الرحيم بيتابع الشغل في الموقع مع نفسه.
سألها باستغراب شديد:
- ليه بقى الإجازة؟ لا إحنا في آخر الأسبوع ولا هي إجازة رسمية؟
- لأ يا إبراهيم، مهياش إجازة رسمية، بس يا حبيبي النهاردة هي مش فاضية، المحروس وأمه هيعدوا عليها بعد شوية، عشان يجيبولها الشبكة، واخد بالك يا حبيبي.
- يعني هتلبس دبلته؟
دمدم بها وكأنه يحدث نفسه، تكتنفه حالة من عدم التوازن، لا يستوعب بل لا يتقبل من الأساس. أوغر صدره بحقد دفين، ومراجل الغليل بداخله، قادرة على إحراق الأخضر واليابس، حتى أنه أغلق ينهي المكالمة، بعدم اكتراث أو استئذان، ليترك غرفته متوجهًا إلى الشرفة؛ والتي وقف بها، يمرر بأطراف أصابعه على جانبي فكه، شاردًا بنقطة ما في الفراغ، وقد عاد بذاكرته لعدة سنوات مضت، وقت الوعود، ثم الإخلال بها، وقت أبيها، العم ناصر الدكش، والذي دفع حياته ثمنًا لعدم الوفاء بوعده!
❈-❈-❈
في جلستها معها وقد تركت صغيرها على فراشها في غرفتها، ليتم الحديث بأريحية على انفراد بينهما هنا في غرفة المعيشة، فتحدث اللسان بما عجز عنه طوال الفترة الماضية، لتسرد أمامها كل ما حدث، فكان رد كاميليا المباشر:
- يا نهار أسود يا رباب، يا نهار أسود يا نهار أسود، عملتيها إزاي دي؟ معقول؟
ردت مطرقة رأسها بخزي وعينيها لا تجرؤ على النظر بخاصة شقيقتها تقر بخطأها:
- عارفة إني غلطت، وغلطي لا يغتفر كمان، بس أنا ساعتها كنت فاكرة إني بجيب حقي، أو بمعنى أصح بنتقم لكرامتي.
- كرامة إيه؟
تفوهت بها كاميليا وشعور بالعجز أمام هذه المعضلة يجعلها على وشك البكاء، وهي تتابع:
- الانتقام الحقيقي مكانش يجب إنه يتاخد من الست وحدها يا رباب، جوزك عيبه أخطر منها، ده كان بيتسغل ضعفها قدام وسامته وشبابه، مقابل جوزها العجوز اللي اتظلمت ودفنت شبابها معاه، مهما مثلت قدام الناس إنها مبسوطة والفلوس بتسعدها.
خرج صوتها بدفاع واهٍ:
- هي مظلومة وأنا كرامتي راحت فين؟ لما واحدة زي دي ترخص نفسها وتدي له كل اللي هو عايزه منها، قيمتي أنا إيه ما بينهم؟
على صوت كاميليا في الرد بانفعال نحوها:
- اديكي قولتيها بنفسك ما بينهم...... كان يجب تواجهيه وهو ساعتها يختار، ما بين الانغماس في خطيئته وما بينك، مش تصوري وتسجلي وكمان تبتزيها.... قدرتي إزاي تعمليها دي؟ إزاي يا رباب؟
بصوت ازداد ارتعاشه وإحساس اختلط ما بين الندم والقهر الذي كانت مكتومًا داخلها، ردت تجيبها:
- انتي عارفة كارم أكتر مني، المواجهة معاه معناها الخسارة، لا كنت هقدر آخد حقي منه، ولا كنت هقدر أبعد وأسيبه، بعد ما اخترته وبعت الكل.
تابعت بصوت مس شغاف قلب شقيقتها:
- أنا كنت وحيدة يا كاميليا، وهو جبار مبيرحمش، نار الخيانة كانت بتحرقني وأنا واقفة مشلولة قدام سكوتي ومش عارفة أتصرف إزاي معاه؟ فكرت كتير أظبطه متلبس بالخيانة، لكن خوفت، خوفت يكسرني ويستغل ضعفي لو اتحديتوا، وساعتها كان هيجبرني أعيش معاه بالقانون بتاعه، أنا عارفة كويس وشّه التاني، عشان كده كنت بتجنبه قدر الإمكان.
- ومع ذلك شكلنا هنشوفه قريب.
قالتها كاميليا، وزفرت تطرد دفعة كثيفة من الهواء المحبوس بصدرها، تغمض عينيها بتعب، ثم التفتت نحو شقيقتها التي كانت تموت من الرعب أمامها. منكمشة على نفسها، تخشى القادم المجهول. رق قلبها لتسحبها إليها وتضمها بقوة مرددة:
- إحنا معاكي وفي ضهرك، مش هنسيبك أبدًا، انتي خلاص معدتيش لوحدك.
خرج صوتها برجاء تخاطبها:
- أنا نفسي جاسر يوصلهم الأول، يمكن ساعتها نعرف نلم الموضوع.
دمدمت كاميليا بجدية:
- في كل الحالات إحنا لازم ناخد حذرنا، مينفعش أبدًا نسيب حاجة للظروف.
استلت نفسها منها لتسألها بتوجس:
- يعني إيه؟
تطلعت لها بقوة تجيبها:
- في كل الحالات جوزك هيعرف، ف أنا من رأيي إنها تيجي منك أحسن.
جحظت عينيها وانسحبت الدماء من وجهها لتردد برعب وعدم تصديق:
- عايزاني أعترف له يا كاميليا؟
ردت بابتسامة جانبية تخلو من أي مرح:
- للأسف أنتي معندكيش اختيار تاني.
❈-❈-❈
- حمد الله على السلامة يا أبو ليلة.
قالتها زبيدة بلهفة أصابت صدرها بنهاج خفيف، وهي تستقبله من مدخل المنزل كطفلة صغيرة، لا تعرف المكر في إخفاء مشاعرها، ليتلقفها هو بقبلة على أعلى رأسها، بعد أن ضمتها ذراعه القوية، بابتسامة مشرقة لرؤية مهجة قلبه، مرددًا:
- يسلمك ويحفظك ليا يا غالية.
تدخلت صبا بسماجة تقصدها، وقد حضرت المشهد من أوله:
- طب افتكروا طيب إنكم قاعدين في الصالة، ومعاكم آنسة كعذراء الربيع واقفة تتفرج، ومستنية دورها.
ضحكت لها زبيدة بخجل تنحي بوجهها للناحية الأخرى، لتجعل زوجها يتقدم بغيظ نحو ابنته:
- كسفتيها يا بت الفرطوس، وانتي يعني محتاجة عزومة عشان تستقبليني.
- لا ما أنا لازم آخد فرصتي كاملة ومحدش يشاركني فيك.
قالتها صبا وهي تلقي بنفسها عليه وتلف ذراعيها حول عنقه، تتملق به كالعلقة متابعة:
- وحشتني يا أبو ليلة يا حبيبي.
حاول فك ذراعيها عنه مرددًا بحنق يدعيه:
- يا بوي على التناحة، خفي يدك عني يا بت هتخنقيني.
ضحكت بدلال لتقبله فوق وجنته باستمرار في غيظه:
- أنا أكتر واحدة بحبك يا بوي، مش أي حد تاني.
- وه.
تفوه بها أبو ليلة وعينيه انتقلت نحو زوجته التي كانت تخفي بيدها ابتسامتها وقد وصلها ما ترمي إليه ابنتها، ليشاركها الضحك غامزًا:
- البت دي مش معدلة، ونيتها مش صافية يا زبيدة.
خرج صوتها بصعوبة لتندمج في مزاحهم:
- إهي بتك وانت حر فيها عاد.
- آه والله عندك حق، أنا بقول أخلص منها وأجوزها، كده كده ربنا مسهلها وشكلنا كده هنفرح بيها قريب.
قالها أبو ليلة وقد نزل بعينيه نحو ابنته التي انتبهت على هذا التغير في نبرته، لتستل عنه باضطراب، تشعر أن به شيئًا ما، وتأكدت من نيته مع قوله التالي:
- المرة دي ملكيش حجة، العريس كامل ومكمل، لا هو ساكن في البلد، ولا هو ولد عم من نفس البطن.
❈-❈-❈
على كرسيه الذي كان يلتف به يمينًا ويسارًا كالأرجوحة، بعقل شارد في هذه القضية الغريبة، وهذه الفتاة التي تثير بداخله الشفقة نحوها، رغم غضبه منها وتحميلها مسؤولية كل ما حدث وما تسببت به لنفسها، ولكن لا يتمنى لها العقاب بضياع مستقبلها، خصوصًا وقد رأى بنفسه المستوى المتدني الذي تعيش به، ومعاشرتها لامرأة كجدتها، نفس الإحساس الذي يجعل فتاة كصبا تتمسك بمساعدتها رغم علمها الأكيد بعيوبها، ولكن لما يوبخه حدسه أن هذا الموضوع يدور حول الأخيرة بصفة أو بأخرى؟
زفر يخرج كتلة من الهواء ليجلي عقله قليلًا من أفكاره، وتناول هاتفه من فوق سطح المكتب، حتى يجري اتصالًا قد يغير من مزاجه ولو قليلًا:
وصله الصوت الناعم الحاد.
- الوو يا حضرة الظابط.
- الوو يا لينا عاملة إيه؟
قالها بابتسامة اتسعت حينما سمع تذمرها:
- الحمد لله يا سيدي، أنا كويسة وبمارس حياتي عادي، بس ده مينفعش إني مدايقة طبعًا عشان الحاجة اللي غايبة مني.
رد بتسلية لا تخلو من المكر:
- قصدك يعني على القلب اللي ضاع في عربيتي يا لينا؟ مكنتش أعرف إنه غالي أوي عندك كده، ده شكله له ذكرى جميلة معاكي.
ردت بعفوية وقد غاب عقلها عن مقصده:
- ذكرى إيه؟ هو انت فاكرني واخدها هدية، ده أنا جايباها من كدي وشقايا أيام ما كنت بشتغل وبدرس في نفس الوقت أيام الجامعة.
- طب براحة شوية يا ستي هو إحنا هنتخانق؟ ده بس مجرد سؤال يعني.
قالها مشاكسًا، ولم يرى الإبتسامة الجميلة التي لاحت على محياها وهي ترد ببعض اللطف:
- لا يا سيدي مش خناقة ولا حاجة، وأنا كمان كنت برد عادي يعني، لكن انت بقى بتاخد كل حاجة على أنها خناق.
- أيوه بقى.
تمتم بها داخله وقد أعجبه ردها، يشعر ببدء استجابة أو تغير من ناحيتها نحوه، ورد ضاحكًا:
- ما هو برضوا لازم تعذريني يا لينا، هو انتي ناسيه تاريخنا من أول مقابلة كان إزاي؟
وصله ردها بنعومة كادت أن تذهب بعقله:
- لا طبعًا مش ناسيه، وأنسى إزاي يعني؟...
توقفت برهة، وكأنها لا تريد الانزلاق أكثر من ذلك في هذا الحديث الخاص بينها وبينه، لتردف بتذكر:
- المهم بس حاول تشوف ولا تدور من تاني على القلب، ممكن يا حضرة الظابط؟
لم يجيبها على الفور بل انتظر لحظات من الترقب، بابتسامة شملت كل ملامحه، ليرد أخيرًا بخبث:
- من عيوني الاتنين يا لينا، هحاول بقى ألاقي وقت أدورلك فيه براحتي، أصل بصراحة اليومين دول مشغول جدًا في الشغل، ده غير كمان خطوبة حسن على صاحبتك، ناوية بقى تيجي الخطوبة يا لينا؟
- طبعًا لازم أجي، هي دي محتاجة سؤال؟ شهد دي أختي مش صاحبتي.
قالتها بتأكيد قابله برده الواثق:
- كويس أوي ده، وأهو بالمرة لو لقيت القلب أديتهولك في المناسبة الحلوة دي.
- تمام.
أنهى المكالمة وقد اكتنفه ابتهاجًا لا ينكره، يعجبه حالة الشد والجذب، ثم المهادنة والتوقف قليلًا قبل العودة لطبيعتها المناكفة، والتي كانت أكثر ما جذبه نحوه.
- سعادة الباشا.
أجفله عصام بقولها، قبل أن يتذكر ويطرق بخفة على باب الغرفة الذي كان مفتوحًا من الأساس، ليستأذن معتذرًا:
- أنا آسف سعادتك، ممكن دقيقة؟
رد بتريث لا يخلو من الاندهاش:
- ادخل يا بني، بس خد نفسك الأول، ليه اللهفة دي؟
سمع عصام ليتقدم نحوه على الفور، واضعًا إحدى المستندات الهامة ليرد مفسرًا:
- ما أنا جايلك بمعلومات مهمة أوي، البنت اللي كنت كلمتك عنها قبل كده في قضية مودة، طلع لها تاريخ مذهل، وملف قديم في الآداب.
قلب أمين سريعًا في الأوراق ليغمغم بصحة ما يؤكده زميله:
- دي كانت متربية في ملجأ كمان، رغم إن خالها كان عايش؟ أي ده؟ أي ده؟ تلت قضايا تدخلهم وتطلع منهم زي الشعرة من العجين؟
رفع أنظاره إليه متابعًا:
- دي مش سهلة ولا هينة بقى؟
- ما أنا قلتلك يا فندم، شكلها معجبنيش.
قالها عصام متفاخرًا بعض الشيء، بصدق حدسه، فجاءه قول الآخر الحازم:
- طب اسمعني كويس بقى، تجيب مودة وتعرف منها خط سيرها مع البنت دي من ساعة ما خرجوا في اليوم ده واتفسحوا ولفوا على المحلات لحد أما روحت بيتها، وانت بشطارتك تجيب تسجيلات الكاميرات من المول وأي حتة تانية راحوها.
❈-❈-❈
- أيوة حاضر أنا جاية.
صدر الصوت المستفز من داخل المنزل قبل أن يفتح الباب فتطل بهيئتها التي تشعل الدماء بالرأس، لتزيد عليها بوقفتها المائلة، ترمقها من تحت أجفانها، ثم ليخرج الصوت من بين تلويكها للعلكة بداخل الفم:
- إيه ده؟.... هو انتي؟
اهدتها صبا ابتسامة صفراء وهي تجيبها:
- آه أنا يا آنسة سامية، عندك مانع أدخل أطمن على جارتنا وبنتها التعبانة.
ردت بميوعة وبصوت يطرقع ليثير القشعريرة على أسماعها:
- لا طبعًا معنديش وبنفس الوقت مقدرش أقولك ادخلي كده من نفسي، دقيقة بقى أروح أستأذن أهل البيت، عن إذنك.
قالتها وتحركت للداخل بحركات بطيئة بتمايل، لتريها جمال قدها في هذه العبائة القطنية التي تقسم جسدها لمناطق منعزلة، كل جزء يمثل خريطة مع نفسها. اندمجت صبا معها حتى اختفت بداخل إحدى الغرف لتمتم بحنق مع نفسها:
- يخربيتك، دي سابينها إزاي كده؟ ما حد يلمها ويتجوزها؟
- واقفة عندك بتعملي إيه يا صبا؟
هتف بها شادي وقد كان خارجًا من غرفة والدته، سمعت هي لترسم على وجهها العبوس قائلة:
- أنا مقفيتش كده من نفسي، البت دي بنت خالك هي اللي جالتلي استنى على ما تستأذن حد منكم يدخلني، عشان بقولها عايز أطمن على جارتنا.
قالتها بنبرة لائمة جعلته يقترب على حرج مرحبًا بلطف:
- طب وانتي برضوا محتاجة استئذان من حد؟ ادخلي يا صبا ادخلي.
فور ولوجها لداخل المنزل، أغلق الباب ليتبعها، فقد بدا من هيئتها تغيرًا لم يخفى عليه، حتى وهي ترفع رأسها إليه بسؤالها العادي:
- رحمة النهاردة عاملة إيه؟ هي والست الوالدة؟
أجاب بلهجة عادية رغم تحرقه للسؤال عما بها:
- رحمة كويسة والحمد لله.
أومأت بشبه ابتسامة جانبية ليس لها معنى، أدخلت في قلبه القلق، فهذا الغموض وهذا التردد أبعد ما يكون عن شخصية صبا، لذلك لم يقوى على منع نفسه من سؤالها:
- أنتي كويسة يا صبا؟
ردت بصوت كان أشبه بالهمس، وبكلمات متقطعة:
- الحمد لله.... كويسة......... أنا بس كنت عايز أسأل عن رحمة.
- ما قلت لك كويسة، ولا هو تكرار وخلاص.
قالتها سامية التي خرجت من غرفة الأطفال على صوت حديثهم، التفت إليها صبا بنظرة مغتاظة واكتفت بالصمت حينما تولى شادي الرد عنها:
- في إيه يا سامية وانتي مالك؟
احتقن وجهها بعد إفحامه لها، حتى كادت أن تجادله برد قوي، ولكن صبا لم تنتظر، وتحركت باستئذان نحو غرفة رحمة، لتتبقى هي مع شادي الذي أجفلها بسؤاله:
- هو انتي لما قولتي لصبا استني أستأذن أصحاب البيت، كنتي داخلة عند الأطفال تاخدي منهم الإذن.
سهمت بوجهها أمامه، لتردد بعدم تركيز وقد طارت من رأسها كل الحجج.
- هااا.
❈-❈-❈
- يعني إيه من بطن تانية؟
سألتها رحمة باستفسار ملح، وقد كانت جالسة على طرف التخت بجوارها مطرقة الرأس، كالذي يحمل فوق ظهره همًا ثقيلًا، حتى إجابتها صدرت بخواء:
- يعني من نفس البدنة، بس مش نفس الجد، أو بمعنى أصح ولد عمي من بعيد.
- لكن من نفس العيلة.
- هو فعلاً من نفس العيلة.
- امال أبوكي عمل إيه بقى؟ ما هو نفس الأمر.
- لأ مش نفس الأمر.
قالتها صبا لتتوقف دقيقة زافرة بقنوط، قبل أن تتابع:
- المرة دي العريس مش ساكن في البلد، ولا هيسكن فيها، ده غير إنه شغال مهندس في شركة بترول على حسب كلام أبويا، وأبوه مأصل من كبارات العيلة، يعني على الفرازة زي ما بيقولوا.
بتفرس شديد في ملامحها وكل رد فعل يصدر منها، سألتها رحمة:
- طب وانتي إيه مزعلك؟ مش يمكن لما تشوفيه يعجبك، ما هو طول ما والدك بيتكلم بالحماس ده، يبقى أبوكي، اتأكد إنه هيعجب.
- يعجبه هو مش أنا.
قالتها بعصبية جعلت رحمة عادت لتسألها بنفس المنطق:
- وانتي إيه اللي يعجبك يا صبا؟
تلخبطت باضطراب تبحث عن إجابة في عقلها المتشتت من الأساس، حتى خرج ردها:
- مش عارفة، بس أنا حاسة نفسي مش عايزة.
- مش عايزة تتجوزي يا صبا؟
للمرة الثانية تسألها بشكل مباشر، وازدادت هي اضطرابًا في قولها:
- ما أنا جلتلك مش عارفة....... ومش لاقية رد يرجع أبويا عن قراره، يعني مضطرة أحضر المقابلة دي اللي حددها مع العريس وأهله، وربنا يستر بقى.
- يستر في إيه يا صبا؟ إنه يطلع مش حلو عشان ترفضيه بقلب جامد، ولا يطلع كويس عشان تراضي أبوكي؟
حيرة ارتسمت على صفحة وجهها بشكل واضح، مع شيء آخر، بدا في نظرتها غامضًا وغير مقروء، جعل رحمة تشاركها الصمت، في انتظار رد مقنع لها علّها تفهم.
قطع شرودها صوت هاتفها، قبل أن تستجيب في الرد:
- ألوو يا مدام صفاء.......... ازيك انتي عاملة إيه؟.......... نعم مالها مودة؟.......... إيه؟ يا نهار أسود........... لا طبعًا وهعرف منين.
أنهت المحادثة لتنتفض بحزن زاد على توترها:
- عن إذنك يا رحمة أنا ماشية.
اعترضت توقفها بقلق:
- قلقتيني يا صبا، إيه اللي حاصل مع صاحبتك؟
أشارت بكف يدها، تقول بصوت مختنق:
- صاحبتي مستقبلها ضاع، الله يكون في عونها بقى.
نهضت تود الذهاب، ولكن توقفت على دخول شادي يحمل ابنة اخته يداعبها كالعادة وهي تطلق الضحكات بصوت عالٍ، ظلت لبعض الوقت ترمقه بصمت، قبل أن تجبر قدميها على التحرك مردفة:
- عن إذنكم يا جماعة.
قالتها وذهبت على الفور، نظر في أثرها باستغراب، قبل أن يعود لشقيقته متسائلًا:
- إيه الحكاية؟ مالها صبا؟
❈-❈-❈
على الكرسي الذي ظل مقيدًا به لعدة أيام، هتف العم كريم فور رؤية رئيسه الذي ولج إليه الآن، يستعطفه، علّ قلبه القاسي يستجيب:
- مش ناوي بقى تسيبني يا بيه؟ ربنا يخليك أنا عندي عيال.
اقترب كارم مع بعض رجاله ليجلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى، يقول بلطف زائف:
- يا عم كريم أنا عايز أساعدك، بس كمان انت لازم تساعدني.
- والله يا باشا لو أعرف مش هتأخر، أنا قلت على كل اللي أعرفه، أساعدكم بإيه تاني بس؟
لم يتأثر أو تهتز به شعرة لهيئة الرجل المزرية واستجدائه له، يعلم ببراءته، ومع ذلك لا يطمئن له، كما أنه يريد الحصول على أي معلومة منه قد تفيده، لا يصدق أن كل هذه الفترة من مرافقة الآخر، لم يرى بها ولو مرة واحدة شيء لفت انتباهه.
اهتز هاتفه في جيب السترة، ليوقف الرجل عن الكلام بكف يده، وباليد الأخرى، وضع الهاتف على أذنه ليجيب محدثه من الجهة الأخرى:
- أيوه يا عدي أنا معاك أهو......... إيه؟ امتى حصل الكلام ده؟........ يعني انت مسافر دلوقتي؟........... لا يا سيدي ما تشلش هم الشغل، روح انت شوف مصلحتك.
تروح وترجع بالسلامة إن شاء الله.
أنهى المكالمة ينهض عن مقعده سريعًا وقد حسم أمره:
- سعادة الباشا، انت هتسبني وتمشي تاني برضوا؟ أبوس إيدك افرج عني بقى.
ألقى بنظره نحو الرجل ليأمر إحدى الرجال المرافقين له:
- فكوا عم كريم، وخلوه يرجع لبيته.
سمع الرجل ليهلل بكلمات الشكر والامتنان نحوه:
- ربنا يعمر بيتك يا بيه، إلهي يا رب ما يحطك في ضيقة أبدًا وينصرك على مين يعاديك.
حدجه بنظرة مخيفة يحذره:
- مش عايز أوصيك يا عم كريم، اليومين اللي قضتهم معانا يتمحوا من ذاكرتك، تمام ولا أحب أفهمك؟
بجزع شديد ردد من خلفه بإذعان:
- والله العظيم فاهم، دي مش محتاجة وصاية، ده أنا أبقى راجل غبي لو عملت غير كده.
رمقه بابتسامة جافة لا تخلو من التهديد:
- برافوا يا عم كريم، وأنا هوصي الرجالة يقبضوك قرشين حلوين، تروق بيهم عن نفسك وعن ولادك، مش هما بنتين والولد برضوه؟
ربنا يخليهملك.
❈-❈-❈
أمام الصائغ الذي كان ينتقي أجمل القطع، ويضعها أمام العروس بتشكيلة راقية، تجعلها تحتار في الاختيار.
- ها يا عروسة، نقيتي إيه؟
سألها حسن مشجعًا حتى تتكلم بدون حرج، فتدخلت نرجس تسبقها بأعين كادت أن تخرج من محجريها من الانبهار:
- هتنقي إيه ولا إيه؟ دي كلها حاجات تهبل، يا ريتنا جينا هنا يوم بنت أمنية، إبراهيم الخايب دخلنا عند واحد سكة، كل حاجته أي كلام.
صعق حسن من رد المرأة التي أحرجت شهد كما، أحرجته هو ووالدته، فجاء رد الصائغ بذوق يخفي ضيقه:
- معلش يا هانم دي أرزاق، ربنا يوسع على الجميع، خلينا إحنا مع عروستنا القمر.
قال الأخيرة مخاطبًا شهد التي امتقع وجهها من فعل زوجة أبيها المستفز، تشتت تركيزها، عن الاختيار الأمثل، حتى كادت أن تشير على أي واحدة، لولا مجيدة التي قالت بمزاح تقصده:
- عروستنا القمر تنقي براحتها يا عم جورج، بلاش تستعجلها، وتعالى انت ركز معايا أنا.
بفعلتها الذكية في سحب الرجل نحوها، لتتبادل معه الحديث ومع هذه المدعوة نرجس في بعض الأمور الخاصة بعمل الحلي، والأنواع الجديدة والقديمة منها، تركت المجال للعشيقين، حتى يتم الاختيار بدون ضغط، بعد هذا التوتر الذي انتشر في الأجواء، وقال حسن ملطفًا:
- اللي يشوفك وانتي كيوت كده ومش عارفة تردي على الراجل، ما يصدقش إن دي سيادة المقاول اللي بتتحكم في رجالة بشنبات.
استطاع بخفته زرع ابتسامة جميلة على ثغرها، لتقول باعتراض:
- ما بلاش، لاطلعلك بالمقاول اللي جوايا، وانتي حرة ساعتها بقى، محدش هيتكسف غيرك.
ضحك بتوسع يقارعها:
- والله ولو عملتيها في الشارع حتى، هعرف برضوا أتصرف وأرجعك لأصلك، رقيقة وكيوت من تاني، أنا خلاص بقيت مالك مفاتيحك، عرفتيها دي، ولا تحبي أقنعك بيها؟
باندهاش شديد ردت تجادله بمرح:
- تقنعني بإيه يا مجنون؟
- أقنعك بالمفاتيح.
- مفاتيح إيه؟
- مفاتيح قلبك، هي دي محتاجة ذكاء يا شهد.
قالها بانفعال مصطنع، جعلها تنطلق بضحك مكتوم، لا تعرف التوقف عنه، وقد استطاع أن يجبرها بخفة ظله على الاندماج معه، الأخذ والرد بأريحية دون التعب بالتفكير مضني، فيما يصح أو لا يصح، يعلم ما يحزنها، وما يضحكها، وكأنه بالفعل قد ملك مفاتيحها..... يتبع
رواية و بها متيم انا الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم امل نصر
تفوه بها وقد اعتلى ملامحه شحوب مفاجئ، وجوم غطى على تعابيره، زاغت عينيه، أم أنه شرد لعالم آخر، هذا ما شعرت به شقيقته، بعد أن أخبرته بهذا الأمر عن قصد، فتابعت:
- ما هو دا الطبيعي، أمال يعني كانت هتقعد كدة من غير جواز العمر كله؟
دفعة قوية من الهواء الذي انحبس داخل صدره، طردها بزفير طويل؛ ليخرج صوته بإحباط متعاظم، يردف الكلمات الثقيلة على لسانه بصعوبةٍ جمة:
- لا طبعًا، مين قال كدة؟ دي سنة الحياة.
- ومالك بتقولها كدة وكأنها هتموت مش هتتجوز؟
تطلع إليها بإجفال يسألها:
- ليه بتقولي كدة يا رحمة؟
بأنفعال بدا جليًا في كلماتها:
- إنت عارف انا اقصد ايه يا شادي، بلاش يا بن ابويا وامي نلف على بعض، هتفضل لحد إمتى ساكت؟
ابتلع ليردد مستنكرًا باضطراب:
- ساكت عن إيه بالظبط؟ ما تخلي بالك من كلامك يا رحمة.
واصلت شقيقته ضغطها لتكشفه أمام نفسه:
- واخلي بالي ليه؟ غلطت فيك مثلًا؟ يا خويا جيب م الاَخر، دا انت هتموت ع البت......
انتفض كالملسوع يقاطعها عن المواصلة:
- اموت على مين يا رحمة؟ إنتي اتجننتي ولا إيه؟ دي عيلة.
- لا مش عيلة.
هتفت بها لتتابع بإصرار:
- إنت اللي شيل المسؤلية خلاك تنسى نفسك وسنك الحقيقي، مش اللي كبرتوا الهموم، انت لسة في عز شبابك يا شادي وهي معدية سن الرشد يبقى ايه المانع؟
اعترض يقاطعها للمرة الثانية ولكن بحدة، وكأنه كان في انتظار الفرصة ليطلق سراح وحش الكتمان المحبوس بداخله:
- المانع فيا أنا يا رحمة، مش هقولك على القيود اللي حاططها أبوها، بس هفكرك بحالي.... مش عايز اشيلها فوق طاقتها عشان انا حملي كبير، وهي زي الوردة عايزة اللي يرعاها والدلع اتخلق للي زيها، عشان هي تستاهله، لكن انا بقى هقدملها إيه؟
ردت برغبة قوية امتزجت بحماسها:
- إن كان على أمي أنا معاك ومش هسيبك، هي بس شهور الحمل تعدي وهتلاقيني ان شاء الله بشيل عنك أكتر من الاول.....
قطعت فجأة تتطلع إلى هذا الحزن الذي كسى عينيه، فقالت بجزع:
- ليه يا شادي الحزن دا كله؟ لدرجادي إنت معندكش الثقة في نفسك.
- مش موضوع ثقة يا رحمة.
- أمال موضوع إيه؟
رد بتنهيدة مثقلة خرجت من العمق:
- مش عارف اشرحهالك ازاي؟ بس أنا...... خايف يا رحمة.
- انت خايف!
نهض عن مقعده، واتجهت أبصاره لخارج نافذة الغرفة التي كان يخطو نحوها، يفرج لها عما يجيش بصدره:
- خايف اواجهها باللي جوايا ومتقبلش، ساعتها مش هتحمل اقعد ثانية قصادها في الشغل، أو حتى ابقى جيرانها هنا في العمارة، مش هتحمل ابعد عنها بعد ما دوقت قربها، بنظرة منها بحس بسعادة في حياتي ما عرفتها، يوم ما بتضحك الدنيا كلها بتضحك قدامي، أنا مش قادر ابعد ولا قادر اقرب، الشوق جوايا بيقتلني ليها، وبنفس الوقت خايف لصورتي تتهز في عنيها، ع الأقل دلوقتي شايف احترامها ليا، مين عالم بقى لو واجهتها هشوف إيه؟
- حب.
قالتها رحمة بأعين ترقرت بها الدموع، وقد أوجعها الألم الذي ارتسم جليًا على صفحة وجهه، لتردف بما لمسته بحاسة المرأة منها، التف إليها يطالعها باستفسار، لا يصدق ما التقطته أذنيه، ولكنها عادت تؤكد بيقين نبت بداخلها:
- أيوة حب يا شادي، انا شايفة كدة وانت كمان شايف بس مش مصدق.
لم يرد ولكن ظل على نظرته الساهمة لها، علّه يستوعب ما تفوهت به، يداعبه الأمل في التصديق، وتصدمه صخرة الواقع أن ما يتحدث الاَن هو شقيقته، نفض رأسه ليقول برجاء يشوبه الضيق:
- يااارحمة، الله يرضى عنك بلاش الكلام ده، انا مش حمل اتعلق بحبال دايبة.
تبسمت تشاكسه بثقة:
- لا ما انت اتعلقت واللي كان كان، بس هي مش حبال دايبة، انا متأكدة منها دي، وانت كمان هتتأكد بنفسك، وبكرة تقول اختي قالت.
رسم على ملامح وجهه العبوس، يتصنع السأم من قولها، رغم حفلات الصخب التي كانت تدور بداخله، يتمنى أن يحدث.
انتفضا الإثنان فجأة على طرق باب الغرفة وصوت سامية يهتف:
- قافلين الباب عليكم ليه يا ولاد خالي، انا حضرت العشا، هاكل لوحدي يعني ولا إيه؟
التف نحو شقيقته يلوح كفيه أمامها معترضًا بسخط، طالعته بضحكة مكتومة، قبل أن ترد بصوت عالي:
- حاضر يا سامية، حضري السفرة عندك وانا شادي هيسندني ونخرجلك.
- طب ما تتأخروش بقى لا الأكل يبرد، دا حلاوته وهو سخن وموللع.
قالتها بنبرتها المائعة، تشدد على الأحرف، حتى جعلته، يزبهل بانشداه نحو شقيقته، والتي لم تكن قادرة على التوقف في الضحك.
❈-❈-❈
من شرفة المنزل التي كانت جالسة بها، تستذكر من كتابها الدروس المقررة عليها هذا العام، وبنفس الوقت تتابع الحركة الدائرة في الشارع من مارة وسيارات تخترق المنطقة وتخرج منها، على أحر من الجمر، تنتظر بلهفة وترقب، حتى إذا ما وقعت عينيها على طيف السيارة التي تقلهم من أول دخولها الحارة، انتفضت عن مقعدها تركض للداخل مرددة:
- وصلوا وصلوا، العرايس وصلوا.
أمنية والتي كانت مارة بالصدفة في الصالة بعد خروجها من المطبخ وتناول وجبة إفطارها، عقبت تطالع لهفتها بضيق:
- وافرضي وصلوا، بتجري كدة ليه زي الهبلة؟ هتتكنفلي على بوزك.
ضحكت رؤى وهي تتناول اسدالها لتسقطه عليها وترتديه، ثم لفت طرحته سريعًا قائلة:
- عشان اللحق اسلم على عريس اختي قبل ما يمشي.
قالتها وتحركت من أمامها مغادرة من باب المنزل على الفور، مصمصت أمنية بشفتيها لتردد بحنق خلفها:
- إللي ما شوفت حتى ربع الفرحة دي يوم خطوبتي، انا اللي ابقى شقيقتها من امها وابوها، لكن اقول إيه؟ أصناف وسخه.
وفي الخارج، واصلت رؤى ركضها حتى وصللت إلى مدخل البناية لتتلقف والدتها والتي كانت حاملة بعض الأكياس الكبيرة تقول بلهاث، شيليهم مني يا ختي وخففي عني شوية.
ردت رؤى بابتهاج متعاظم وهي تتفقد بنظرها سريعًا محتويات الأكياس:
- ما شاء الله، كل دي هدوم وهدايا.
التوى ثغر نرجس وهي تتخطاها معلقة بسخط:
- ايوة يا ختي زي انت شايفة كدة، ابعدي بقى خليني اروح اريح، قطيعة اتهد حيلي في اللف والدوران.
واصلت غمغمتها وهي تصعد الدرج:
- يا عيني عليكي يا أمنية يا بنتي، إللي ما شوفتي حتى نصهم.
خبئت الإبتسامة على وجه رؤى، وفتر الحماس الذي كان متقدًا منذ قليل، فهذه النبرة من والدتها وشقيقتها لا تعجبها، بل وتعتبره جحود سافر، في حق من هي تستحق أكثر من ذلك، بعد طول صبرها وشقائها معهن.
التفت بيأسها نحو العروسين الذين مازلا في السيارة حتى الاَن يتناقشان في أمر ما يخصهم، لوحت بكفها تحية لهما، لتقابلها شهد بقبلة في الهواء وحسن ايضًا كان يدعوها بكفه لتأتي، ولكنها تحججت بحمل الأشياء وضرورة الصعود بهم، حتى تترك المجال لهما.
❈-❈-❈
وفي داخل السيارة، كان الجدال على أشده بعد أن فاجئها بقراره:
- كان لازم تبلغني من الأول يا حسن، ازاي يعني عايز الخطوبة في قاعة، انا عملت حسابي على حاجة ع الضيق في شقتنا.
- وانا كمان كنت عامل حسابي على كدة، بس مكدبش عليكي بقى لما حسبناها أنا ووالدتي، لقينا ان الموضوع هيبقى مرهق، احنا قرايبنا كتير ومينفعش نعزم حد ونسيب حد.
زفرت تشيح بوجهها للناحية الأخرى ولكنه لاحقها بقوله:
- الأمر مش مستاهل العصبية ولا الضيقة دي كلها يا شهد.
طالعته ببعض الضيق، ولسانها يعجز عن قول السبب الحقيقي لرفضها، فمن أين ستأتي بالمال الذي يغطي هذه الليلة بهذا الفعل المفاجئ، خرج صوتها تجادله بعتب؛ علّ هذه الطريقة تثنيه عن هذا الأمر:
- إنت شايفه أمر مش مستاهل، لكن انا شايفاه العكس، هي الحاجات دي سلق بيض، دا لازملها تجهيز وحجز القاعة، حتى الفستان هنا في الشقة، غير ما هيبقى هناك في القاعة، إمتى هلحق اعمل دا كله؟
بابتسامة عذبة رد ببساطة أذهلتها:
- ولا تحملي أي هم، القاعة اتحجزت من امبارح، اخويا أمين اتصرف مع واحد معرفة والراجل قام بالواجب وجامله، أما بقى عن الفستان والبيوتي سنتر، فدول أمرهم سهل يا شهد، نقي اللي انتي عايزاه اون لاين وانا سداد يا ستي.
هتفت معترضة بانفعال:
- تاني مصاريف يا حسن؟ هو احنا لحقنا من الشبكة ولا الهدايا، عشان تفتح في الحاجات الفارغة دي؟
ضحك يزيد بغيظها ليرد بتسلية أدهشتها:
- الله يا شهد، انتي بقيتي زوجة مصرية أصلية، واحنا لسة ع البر، أمال لما ندخل في الجد هتعملي إيه؟
قاومت بصعوبة ضحكة ملحة، حتى لا تضعف أمامه، فبدت مرتسمة على ملامحها كابتسامة مستترة، رأى هو ذلك فامتد طرف سبابته يداعب أنفها، لتحدجه بنظرة محذرة بهمس:
- خلي بالك يا عم الناس واخدة بالها، مش كفاية قعدتنا في العربية كدة مكشوفين قدامهم.
رد مشاكسًا:
- واعملك إيه طيب؟ ما انتي اللي عاملة تحذيراتك عشان مدخلش في عدم وجود راجل في البيت.
- أيوة طبعًا، اللي محرماه على اختي وخطيبها لا يمكن اعمل عاكسه.
قالتها بإصرار زاده إعجابًا بها، قبل أن تُغير لتعود للنقاش مرة أخرى:
- نرجع لمرجعونا، ياريت يا حسن ترجع عن قرارك، وتخلي الكلام ده لليلة الكبيرة، اهي ليلتك وانت حر فيها، أما ليلة الخطوبة دي على أهل العروسة، يعني.....
- ليلة مين اللي ع العروسة؟
قالها بمقاطعة مستفسرًا، وكان ردها بعفوية:
- ما انا قولتلك يا حسن، دي عادتنا من زمان.
ارتفعت رأسه يهزهزها بتفهم قائلًا:
- ااه يعني هي الحكاية كدة، لا ستي احنا معندناش الكلام ده، يعني سيبك من الرغي بقى واقتنعي، ياريتني سيبت مجيدة معايا وموصلتهاش قبل ما نيجي، عشان كانت سبتتك في ثواني.
فتحت فاهاها، وهمت ان تواصل بعندها ولكنه اوقفها:
- قفلي بقى يا شهد، لاتصلك بيها، وهي تشوف شغلها معاكي.
❈-❈-❈
كان حسن في طريقه لمغادرة المنطقة بأكملها حينما تفاجأ بهذا المعتوه حينما تصدر بجسده أمام السيارة التي كانت تسير ببطء نظرا للكثافة السكانية بها.
- ابو نسب.
هتف بها ليجبر الاَخر على التوقف مدمدًا بضيق:
- ودا ماله ده؟
تحرك ابراهيم ليلتف إليه ناحية النافذة واقترب يخاطبه بود غريب عنه:
- ماشي على طول، طب سلم يا سيدي، دا احنا حتى هنبقى عدايل.
- عدايل!
أيوة عدايل امال ايه؟ ازيك يا بشمهندس، نورت الحارة.
هتف بها ابراهيم وامتدت كفه إليه يريد مصافحته، ف اضطر أن يخرج له ذراعه من النافذة التي انفتح زجاجها، مرددًا ببعض المجاملة رغم انزعاجه من هذا الأسلوب الغريب:
- اهلا يا ابراهيم، عامل ايه؟
هتف بصوت عالي باعتراض:
- لا يا سيدي، انا مينفعش معايا السؤال كدة من باب العربية، انت تنزل معايا ع القهوة ناخد فنجانين ولا كوبايتين شاي، ساعتها بقى هقولك عامل ايه؟ وكل اللي انت عايزه.
طالعه حسن صامتًا بازبهلال فهذا اللطف المبالغ فيه، لم يألفه منه على الإطلاق، واصل ابراهيم استعراضه:
- ايه يا عم البشمهندس سكت ليه؟ ولا يكونش هتتكبر على اهل المنطقة، دا احنا حتى كلنا ولاد تسعة، وعروستك ست الحارة مننا.
زفرة سريعة اطلقها حسن قبل ان يرد على كلماته:
- تكبُر ايه يا عم انت كمان؟ انا بس مستعجل، من الصبح برا وعايز اريح شوية.
بإصرار أكبر اردف بمزيد من الطف:
- والله عارف انك من الصبح مع العروسة بتنقي الشبكة، وانا بقى بالمناسبة دي عايز افتح صفحة جديدة مع بعض، دا احنا خلاص هنبقى عيلة عايز أصاحبك يا سيدي.
أمام هذا الإلحاح، اضطر حسن ان يوافق، ليصطف سيارته في احدى الأماكن القريبة، وجلس معه على طاولة صغيرة في خارج المقهى الشعبي.
وكان الطلب كوبين من الشاي، بناء على رغبة حسن الذي كان يرتشف به ساخنًا على مضص، حتى ينتهي من هذا اللقاء الثقيل، والاَخر لا يتوقف عن أدهاشه بهذه الترحاب الغير عادي:
- عارفك مقلق مني، بس حقك عشان المشاكل والخناقات اللي تمت ما بينا في أول تعارف، بس انت لازم تعذرني يا عم الحج، دي خالتي وبناتها وبنت جوزها، يعني كلهم حريم، لو انت مكاني، لازم هتخاف وتقلق من أي دكر يقرب منهم.
- دكر!
قالها حسن بازدراء ليواصل استنكاره:
- 'ما تنقي الفاظك يا أستاذ ابراهيم.
ضحك المذكور بصوت عالي وكأنه قد سمع منه مزحة ليردد بتفكه:
- معلش بقى، اصلك مش متعود على لغتنا، يبقى نديك عذرك.
رد حسن بابتسامة خالية من المرح:
- ماشي يا سيدي الله يحفظك، ع العموم انا مش شايل منك ولا حاجة، انت بنفسك قولت اننا هنبقى عيلة، يعني عفا الله عما سلف.
وضع كفه على صدره مرددًا بتفاخر:
- تشكر يا عم البشمهندس، واحنا كمان رجالة ونعجبك.
اومأ له بحركة من رأسه مع هذه الابتسامة المصطنعة، ليرشف الشاي من كوبه، وارتشف ابراهيم ايضًا، قبل أن يتابع بالحديث:
- وحاجة تانية عشان نبقى على نور، خالتي وبناتها وشهد معاهم، دول أمانة في رقبتي، مش بس عشان خطيبتي منهم، لااا، دا عشان مسؤليتهم عليا انا وابويا من قبلي كمان، يعني من ساعة ما عم ناصر مات مقتول.......
- مقتول!
تفوه بها حسن كتساؤل، فردد الاَخر مصححًا:
- يعني مش مقتول بالظبط.... بصراحة مش عارف، بس دا اللي اتقال وقتها يعني عشان الطار اللي عليه.
- للمرة الثانية يقاطعه حسن:
- طار كمان؟ انت بتقول ايه؟
متصنعًا الندم ردد إبراهيم يدعي الأسف:
- يا نهار أبيض، أنا بايني لبخت ولا ايه؟ بس اقولك، بصراحة بقى إنت لازم تعرف، ما هي لو شهد مقالتلكش، يبقى عندها حق، اصلها حاجة تكسف يعني.
زجره حسن بانفعال:
- حاجة ايه اللي تكسف يا جدع انت؟ هو في ايه بالظبط؟
اطرق برأسه ليطلق تنهيدة مطولة قبل أن يجيبه:
- شوف يا عمنا انا هقولك ع الناهية، انت طبعًا ملاحظ ان شهد وأخواتها مقطوعين، مسألتش نفسك في مرة هما ازاي كدة؟ ملهمش عم ولا ايها صنف راجل في عيلة ابوهم؟
ظل حسن بصمته وقد عبس وجهه وتجهمت ملامحه بشدة، لينطلق الاَخر في حديثه:
- انا بقى هقولك ع السبب.
❈-❈-❈
كالعادة حينما يغلب في البحث عنها عندما تغيب، تسحبه قدميه نحو الغرفة التي تبعُد تقريبًا عن كل الصخب في المنزل، حيث تحتل جهة وحدها، لتكون كالمأوى الاَمن لها، بذكرياتها مع الكتب القيمة والأشياء الأخرى التي ضمتها مكتبة والدها قديمًا.
طرق بخفة قبل أن يدفع الباب ويلج إليها ، فوجدها أمام النافذة الزجاجة الضخمة، والتي تحتل جزءًا كبيرًا من الحائط، حيث تطل على الحديقة وما تحتويه من اشجار خضراء وزهور تبعث بالروائح المختلفة في الأجواء، بمشهد يريح العين ويسر القلب، هذا في الحالة العادية، وليس في هذا الظرف، حيث يعصف بها القلق والحيرة، كما يراها الاَن.
انتبهت إليه ف التفتت تطالع خطواته وهو يقترب، حتى إذا وصل إليها، وبدون التفوه بأدنى حرف، القت نفسها عليه لتضم خصره بذراعيها، وتريح رأسها المتعب على موضع قلبه، شدد عليها هو الاَخر ليحتويها ويغمرها بدفئه، علّه يخفف عنها ولو قليلًا، ظلا على هذا الوضع لمدة من الوقت، لا يصدر سوى صوت أنفاسهم، حتى قالت اَخيرًا بعد فترة طويلة من الصمت:
- يا ترى هيعمل فيها لما يعرف منها؟ ولا المصيبة كمان لو كشف الموضوع لوحده.
زفر يطرد دفعة كثيفة من الهواء، ليرد شاردًا في اللون الأخضر أمامه وكأنه يحدث نفسه:
- مش هيعمل حاجة.
استلت نفسها منه لتنظر إليه بتمعن سائلة:
- هو مين اللي مش هيعمل حاجة؟ هو انت ناسي ان احنا بنتكلم عن مين؟
نفى برأسه ليردف بتصميم:
- لأ مش ناسي، وعارفه كويس كمان، وبرغم كدة بقولك انه مش هيقدر يأذيها.
بنظرة ساهمة كانت تتطلع إليه، لتقول بعدم اقتناع:
- لا دا انت باينك نسيت بجد يا طارق، ولا يمكن مش مقدر حجم المصيبة اللي عملتها رباب؟ دا كارم اللي ممكن يقتل قتيل لو حد فكر بس يمس صورته.
واصل يجيبها بالنبرة الواثقة:
- برضوا أنا لسة على رأيي، دا إحساسي يا كاميليا، كارم بكل جبروته دا، لكن برضوا عنده قلب مش وحش زي ما قالت اختك، انا شوفت نظرته ليها، شوفت دراعه اللي ارتخى بسلاحه بمجرد ما سمع كلمتين منها، ونفذ لها رغباتها كمان، انا راجل عاشق، وافهم كويس في حالة الراجل لما يبقى زيي، هو ممكن الغضب يعميه في البداية....
- ما هو دا اللي انا خايفة منه.
هتفت بها مقاطعة بتشدق، ورد محافظًا على هدوئه:
- حتى لو دا حصل، برضوا هيلين في الاَخر، هي بس عايزة شوية حرص وصبر، وزي ما قولتي انتي، لازم الحقيقية تيجي منها هي، الاعتراف مهما كانت خسايره في البداية واضحة، لكن ع الأقل بيقصر مسافات كتير من البحث والحيرة.
❈-❈-❈
- يعني هو قالك انه كان هربان من الطار، ولا الطار اتاخد منه.
سألته مجيدة بعد أن سرد أمامها الحديث الذي دار بينه وبين هذا المدعو ابراهيم، وجاءت إجابته بفتور قد حل على كل خلية من جسده:
- مش عارف يا ماما حكاية اتاخد منه دي ولا لأ، بس هو أكدلي، ان بلدهم مشهورة برفع السلاح ووالد شهد هرب من دورو في الطار اللي كان مطلوب فيه من عيلة تانية، وجه واستوطن هنا مع مراته والدة شهد قبل ما ربنا ياخد أمانته ويتجوز بعدها اللي اسمها نرجس دي، ويعيش معاها كام سنة قبل ما يلاقوه مقتول في مبنى تحت الإنشاء من ضمن المقاولات اللي كان بياخدها.
صمتت قليلًا متمعنة النظر في ملامحه، قبل أن يخرج صوتها:
- طب وانت إيه اللي مزعلك؟ خايف يعني لا يعايروك بأهل ابوها؟ هما فينهم دول؟ انت ليك البنت، مالك بيهم؟
اطلق زفيرًا خشنًا بيأس، قبل أن يجيب سؤالها:
- يا ماما افهمي، الكلام اللي قالوا الولد ده خطير، دا بيقولك ان أهلها دول كانوا هياخدوها هي واخواتها بعد ابوها ما مات، بس ابوه هو اللي وقفلهم، وجعلهم في حمايته، وانهم لحد دلوقتي متربصين للبنات عشان يستولوا على ملك ابنهم والبنات يجوزوهم في البلد هناك.
بانفعال حاد هدرت به والدته:
- إزاي يعني؟ هي سايبة اوي لدرجادي؟ ثم ايه اللي يأكد ان كلامه صح؟ مش يمكن بيألف من مخه.
- لا يا ماما الكلام ده حقيقي، مش بيألفه من مخه.
قالها أمين والذي كان حاضرًا الجلسة بينهم، على اَريكة وحده، وتابع منشغلا في التلاعب على هاتفه:
- انا بعت لواحد صاحبي بيخدم هناك في البلد اللي قال عليها ابنك، هي فعلا بلد خطيرة والعيلة دي تقريبًا ليها تاريخ طويل في القتل والسجن بين افرادها وأفراد العيلة التانية.
بقلب الأم خرج صوت مجيدة بلوعة على حياة ابنها:
- يعني ايه؟ هو كدة في خطر على اخوك.
رد أمين بحمائية غاضبًا:
- دا مين دا اللي يقدر يقربله؟ الكلام دا أبعد من خيالك يا ماما، احنا عيلتنا مش هينة، دا غير ان لو هنفكر بالعقل كدة وبهدوء، ايه اللي يخلي الناس دي تقرب من حسن، هما ما بياخدوش الطار من البنات، هياخدوا من جوازهم اللي برا العيلة؟ هما اخرهم يعملوا مشاكل.
رددت خلفه تريد تأكيدًا:
- الكلام دا بجد يا أمين؟ ولا انت بتقول كدة بس عشان تهديني؟
بابتسامة مطمئنة رد يجيبها:
- والله زي ما بقولك كدة يا ست الكل، دا اخويا على فكرة، يعني هخاف عليه زيك.
خاطبه حسن بتساؤل:
- طب ايه هي نوعية المشاكل دي عشان اخد حرصي؟
ترك أمين الهاتف من يده، ليردف بجدية حازمًا:
- قبل ما اقول على أي شيء، بعد الكلام اللي سمعته من الواد ده، عندك استعداد تكمل، ولا ناخدها من قاصرها يا بن الناس وندور على واحدة تانية، ونريح دماغنا بقى من القلبان ولا تعب القلب.
- لا طبعًا، انا مقدرش استغنى عن شهد.
قالها على الفور وبدون تردد، ابتسم أمين ثم توجه بنظراته نحو والدته ليعرف رأيها، وردت هي الأخرى عن ثقة:
- شهد ممتازة من كل النواحي، دا كفاية انها حركت قلب اخوك، بس برضوا انا لازم اطمن.
تنقل بنظراته نحو الاثنين قبل أن يعرض عليهم قائلُا:
- عشان نريح نفسنا من الأول كدة، يبقى منعًا للأخد والرد، شهد تبقى في حمايتنا رسمي، ساعتها اهل ابوها لا هيقدروا يقربوا منها، ولا حتى هيبقالهم عين يواجهونا بيها.
❈-❈-❈
في اليوم التالي
وقد كانت في طريقها نحو المغادرة، بعد ان تجهزت وارتدت ملابسها، للذهاب إلى العمل، تفاجأت بهذا الطرق العنيف على باب منزلها، فتحت لتصعق بهذه المجموعة المتجهمة من الرجال، يتقدمهم الظابط عصام، قائلًا بحزم:
- مدام ميرنا، عندنا أمر بتفتيش المنزل.
وقبل أن تستوعب، وجدت مجموعة الرجال يندفعون لداخل منزلها، وورقة الأمر المكتوب توضع في كفها، خطفت نظرة نحوها قبل ان ترفع رأسها للرجل سائلة بعدم فهم:
- أمر إيه؟ وليه؟ انتوا جايين عندي تدوروا على مين بالظبط؟
رد يجيبها بهدوء:
- حضرتك احنا مش بندور على شخص، احنا بندور على حاجة مسروقة، ومجموعة من الأدلة وصلتنا ليكي.
هتفت بغضب تدافع عن نفسها:
- ايه الكلام الفارغ ده؟ أنا موظفة محترمة في أرقى فندق في البلد، يبقى ايه اللي يخليني اسرق؟ انا عايزة اعرف ايه الحاجة اللي بتدوروا عليها بالظبط؟
- الخاتم الألماظ بتاع مدام ناهد.
قالها عصام، ليتابع انسحاب الدماء من وجهها، وعينيها التي برقت بعدم تصديق، ثم تحول هيئتها للجزع، مع نداء أحد الرجال وهو يقترب بخطواته السريعة منهما:
- لقينا الخاتم ده يا سعادة الظابط، كان وسط مجموعة من المجوهرات في دولاب الهدوم.
تناوله الاَخير بابتسامة متسعة وهو يرفعه أمام عينيها قائلًا:
- وكمان وسط مجموعة من المجوهرات، دا انتي جامدة اوي بقى يا ميرنا.
❈-❈-❈
على صوت المنبه المزعج، استيقظ ليرتفع برأسه وامتدت ذراعه ليتناوله من أعلى الكمود قبل أن يغلقه، ظل لمدة من الوقت على وضعه هذا حتى استعاد كامل وعيه ليعتدل بجزعه، يزفر أنفاسه بخشونة، ممررًا كفه يده على شعر رأسه المتناثر، فوقعت عينيه على صورتها الملتصقة بالحجم الكبير على الحائط أمامه مباشرةً، ليتذكر فراشه البارد من دونها، وهذا الروتين الممل لأيامه التي مضت وهي غائبة عنه، رغم قصر عددها، إلا أنه يشعر بمرورهم كالرهر عليه، اكثر من خمس سنوات مضت ولم تفارقه اكثر من يوم أو يومين بالأكثر في أصعب الظروف نتيحة سفره أو ازدحام أعماله الكثيرة، لقد اشتاقها واشتاق قربها، اشتاق الحياة بوجودها، بل هي الحياة نفسها، هي الوحيدة التي التمس منها العشق الحقيقي له، حتى أنسته حقده على من سبقتها وما قبلها ايضًا.
تنهد ليتحامل على بؤسه ونهض ليرى كم الأعمال التي تنتظره في غياب عدي، ثم بحثه المتواصل على من تسببوا بهذه الفرقة بينهما، حتى يجد الإجابة عن السؤال الذي ارق نومه:
- ما السر وراء فعلتهم هذه؟
قبل ان يغادر الغرفة صدح هاتفه بالرقم المميز، تراجع ليتناوله على الفور ليجيب محدثه:
- الوو يا عدي صباح الخير......... الحمد لله يا سيدي، المهم انت ايه أخبارك؟......... معقول! لدرجادي جدها صعب؟....... طب يا بني ما تكلم اخوك خليه يشوفلك صرفة، انت عارف مصطفى جامد قد ايه هناك؟....... يعني رافض التعاون معاك! انا كنت متوقع كدة...... لا طبعا متسلسمش ولادك من حقك...... خلاص يبقى متريحمش، ولا تطلق غير لما ترسوا على اتفاق يكون في صالحك، الأمور دي ملهاش الاستعجال.
❈-❈-❈
كان في انتظار المصعد حينما شعر بحضورها الطاغي، وقد هلت الرائحة المسكية لتدلل أنفه، ليتنشقها بنهم حتى اقتربت لتلقي تحية الصباح بصوتها الرقيق:
- صباح الخير.
التفت بوجهه إليها يرد إليها تحيتها:
- صباح الخير يا صبا، عاملة ايه؟
اومأت بهز رأسه تجيبه بفتور ازعجه:
- الحمد لله تمام.
تركزت ابصاره عليها ولم يقوى على رفع عينيه سوى بعد ان توقف المصعد وانفتح الباب الأليكتروني، لتلج بداخله هي اولا ومن بعدها هو.
نظرت إليه باستغراب وهو يضغط على الرقم الأرضي، لتساله بفضول لم تقوى على كتمانه:
- إنت هتنزل عادي في الأنساسير؟
تبسم يجيبها باندهاش:
- وفيها ايه يا صبا؟ هي دي اول مرة ان انزل في الأسانسير؟
اهتز كتفيها لتردف:
- بصراحة انا كنت فاكراك بتخاف من الأماكن المغلقة، عشان كذا مرة اشوفك بتنزل السلم على رجليك، خمس ادوار، كنت بتصعب عليا بجد.
افتر ثغره باتسامة عريضة حتى ظهرت غمزة صغيرة على وجنته اليسرى، كانت لاول مرة تراها من هذا القرب، فتابعت بسؤاله:
- ايه اللي كان مانعك عنه؟
اطرق برأسه، والابتسامة ما زالت تزين ثغره، بماذا يجيبها؟ ايخبرها بأنها كانت السبب الدائم في الإبتعاد عنها، حتى لا يحترق بوهجها الجذاب، أما الاَن وقد صار ما قد صار، حتى اصبح يسلتذ عذابه في قربها، لم يعد فارقًا له أي شيء.
حينما طال انتظار إجابته، استسلمت صبا لإحباطها، للأ تزيد عليه في الإلحاح، وخيم الصمت بينهما، حتى خرجا من المبني، فتوقفت هي في انتظار الحافلة التي كانت على وشك الوصول، وتوقف هو بجوار سيارته، مستندًا بذراعه على سطحها يتابعها بعينيه، وهذا السؤال الملح برأسه، بعد حديث شقيقته يجعله في حالة من عدم الاتزان على الإطلاق، يداعبه الأمل، ويقتله شعور اليأس؛ أن يكون كل ذلك مجرد أوهام برأسها هي، تمتم الاستغفار يناجي من الله الصبر، في انتظار الرأي الأكيد من شقيقته، والتي وعدته ان تفاتحتها بأسلوب غير مباشر حتى تعرف رأيها.
وصلت الحافلة التي تقلها نحو جهة عملهم، وتنفس هو الصعداء، ليرفع رأسه نحو السماء متمتمًا:
- يااارب.
❈-❈-❈
وفي داخل قسم الشرطة
كانت ميرنا تهتف بشراسة المدافع عن نفسه، ولو حتى ضبط متلبسًا بجرمه:
- الكلام دا كله غش، انا مش هسكت، انا لا سرقت ولا اعرف أي حاجة عن الخاتم ده، دا أكيد واحد من المخبربن حطهولي.
ضرب الظابط المكلف بالتحقيق معها ليضرب بكفه على سطح المكتب بعنف، ليسكت مهاتراتها:
- احترمي نفسك يا بت انتي، وخلي بالك من كلامك، بدل ما ازود عليكي بتهمة تانية.
ردت بعنف غير اَبهة:
- زود يا باشا على كيفك، ما هي بانت لبتها، المحروسة اللي لابساها القضية، أكيد ليها واسطة جامدة ولا تبع حد فيكم، عايزين تخرجوها هي وتلبسوهاني انا؟
كز عصام على أسنانه، يكبح نفسه على التلفظ بلفظ قبيح، ردًا على تبجح هذه المرأة، وتكلف قائلًا بصعوبة جمة:
- انا مش هفضل ماسك نفسي كتير على قلة أدبك دي، خلي بالك عشان دا كله بيكوم عليكي.
قالها وانتفض فجأة على دخول رئيسه، وهو يردد بمرح:
- صوتك طالع ليه يا عصام؟ براحة يا حبيبي لأعصابك تتعب.
وقف الاخير يقول باحترام وهو يبتعد عن كرسيه خلف المكتب، ليحل محله الاَخر:
- اتفضل يا أمين باشا وشوف بنفسك، الهانم طايحة في الكل ولا اكن مالي عينها حد.
القى الاَخير بنظره نحوها وهو يفتح في الحاسوب الذي قد دخل به، يناكفها بتلاعب:
- ليه يا ميرنا تزعلي عصام وتطلعيه عن شعوره؟ هو ذنبه انه بيتعامل معاكي بأدب يا بنتي.
صاحت تواصل استعراضها:
- انا بدافع عن نفسي يا باشا، البت مودة هي اللي اتظبطت بالخاتم والكاميرا جابتها في المحل وهي بتصورها، يبقى اشيل عنها ليه؟
- عشان انتي كمان الكاميرا صورتك.
قالها وهو يلف نحوها الشاشة ليتابع بحزم:
- مش دي برضوا مودة اللي خدتيها على مطعم التيك اواي بعد ما لففتيها ع المحلات، عشان تلطشي منها الخاتم، اول اما قامت بس وسابت الترابيزة عشان تدخل الحمام، انتي دي ولا واحدة غيرك.؟
جحظت عينيها تناظر الشاشة التي أتت بصورتها من زاوية بعيدة، ولكن بفعل التكنلوجيا الحديثة قد قربت المشهد لتبدوا واضحة بشكل جلي، وهي التي ظنت ان هذا الجانب من المطعم يخلوا من أي كاميرات، وقد كان كذلك، ولكن هذان الملعونان قد كشفا الأمر بالبحث وراءها هي عن قصد.
- ساكتة ليه يا ميرنا ما تردي؟
عقب بالسؤال عصام حينما طالت في المشاهدة، رفعت رأسها إليه، تطالعه ببغض وكره استفز أمين ليعلق هو أيضًا:
- براحة ع الراجل لتحرقيه، الأولى دلوقتي انك تفكري في حل للمصيبة اللي وقعتي نفسك فيها.
هتفت باستمرار في الإنكار:
- برضوا انا مصرة على رأيي، ومش هتكلم بأي حرف تاني غير لما يجي المحامي بتاعي.
- زي ما تحبي.
قالها أمين ببساطة وهو ينهض عن مقعده ينادي على رجل الأمن:
- مدبولي، تعالى خد البت ووديها الحجز.
❈-❈-❈
- ادخلي يا بت.
هتف بها الرجل وهو يدفعها بعنف لتلج بداخل الغرفة الممتلئة بالسجينات، توقفت بجوار الباب تلقي بنظرها على زمرة النساء التي كانت تفتحصها بتمعن، كعادة متبعة مع كل وارد جديد، خصوصًا إن كانت امرأة بهيئتها الأنيقة وملابسها النظيفة.
- يا أهلا بالروايح الحلوة.
عقبت بها إحداهن وقد كانت متكئة على وسادتها القطنية بابتسامة اظهرت سنة مكسورة في الأمام.
طالعتها ميرنا بقرف قبل ان تتجه بأنظارها نحو الأخرى والتي أتت تقترب منها بسيجارة تدخن بها:
- شكلنا كدة هنتسلى ولا إيه؟
زمجرت بعنف تنهرها قائلة:
- تتسلي مع مين يا بت؟ لا إصحي ياما، دا احنا على قديمه، ميغركيش اللبس النضيف، دا أكل عيش يا عنيا.
خبئت الإبتسامة بوجه المرأة وبدا على هيئتها التوجس، فتابعت لها بتوحش:
- حاولي يا بت تقربي، عشان اشوهك واخليكي تتحصري على اعز ما ليكي.
على الفور تراجعت المرأة من تهديدها، لتعود إلى الأخرى والتي ظلت على ابتسامتها الغريبة تناظرها ببرود، وحدجتها هي بتحدي، فهي الأعلم بالتعامل مع هذه الأصناف بخبرة اكتسبتها منذ صغرها.
ولكنها التفتت فجأة، وقد شعرت باقتراب واحدة أخرى، لترتد مجفلة بأقدامها للخلف، فور أن تبينت بصاحبة الهيئة الصغيرة، وقد كانت تطالعها بعدم تصديق لتتمتم بذهول:
- إيه ده معقول؟ ميرنا؟
❈-❈-❈
ترجلت من سيارتها لتعدو بخطوات مسرعة نحوه، وقد كان ينتظرها في أحد المواقع الخالية والتي تم الانتهاء منها وتسليمها إليه، اعتدل في وقفته ليتلقفها من وسط المسافة:
بادرته بالحديث سائلة:
- صباح الخير يا حسن قلقتني.
بابتسامة مشرقة استقبلها مرحبًا:
- صباح الفل يا روح حسن، ليه القلق بس؟
ردت وصدرها ينهج بلهاث لم يهدأ حتى الاَن:
- ازاي يعني مقلقش وانت بتقولي لازم وحالًا تيجيني عشان نتكلم على انفراد، وفي يوم زي ده، وانت عارف بالبلاوي اللي ورايا.
- بس متقوليش بلاوي.
قالها مناكفًا وهو يسحبها من يدها ويسير بها مستطردًا:
- سمحيني لو كنت خضيتك، بس انا فعلًا والله عايزك في موضوع مهم.
توقف بها اسفل مظلة شمسية ليُجلسها على احد المقاعد وهو انضم على الاَخر مقابلها، سألته بقلق:
- الموضوع ده بخصوص الخطوبة؟
نفى برأسه يجيبها:
- لا طبعًا، مالوش دعوة، بس هو في حاجة تخصها.
سألته بفضول يكاد أن يفتك بها:
- إيه بقى هي الحاجة دي اللي تخص الخطوبة؟
تنهد بتفكير عميق، يبحث عن مدخل جيد للحديث في هذا الأمر الصعب، يشفق عليها من مجرد الذكرى، فكيف له أن يناقشها به، حبيبته القوية التي تتلبس هيئة الرجال وتتعامل معهم بندية، مر عليها من الماَسي ما يكسر الظهر ويثبط الهمة، ويقتل الروح، حتى صار من الطبيعي أن تستلم، ولكنها قاومت وجابهت بشجاعة تفوق اعظم المحاربين.
عادت للسؤال مرة أخرى لتخرجه من شروده:
- حسن انت ساكت ليه؟ قد كدة الموضوع صعب؟
اقترب منها ليتناول كفها يخاطبها بهدوء، وقد حسم أمره:
- شهد من البداية كدة انا كنت عايز أسألك، انتي واثقة فيا؟
قطبت تناظره بدهشة تبادله السؤال بسؤال:
- ليه بتسأل يا حسن؟ انت وقعت قلبي على فكرة.
- سلامة قلبك.
تفوه بها، يلثم اعلى كفها بقبلة رقيقة، مستطردًا:
- يا حبيبتي انا بسألك عشان بس اتشجع وافتح قلبي معاكي، اطمني بقى ومتقلقيش.
ناظرته بحيرة لبعض اللحظات، قبل ان تجيبه بصدق:
- وانا لو عندي ذرة شك واحدة فيك كنت قبلت بيك وبخطوبتك؟ انا واثقة فيك يا حسن، ومش بس ثقة، لا دا اضمنك بعمري كله كمان.
كلمات قليلة لكن أتت عليه بفعل السحر، ارتخت اعصابه ليرد بابتسامة متسعة، وقد غمر قلبه الراحه نحوها:
- مدام طمنتي قلبي كدة، يبقى هتفهمي اللي هقوله وهتريحيني!.....
رواية و بها متيم انا الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم امل نصر
في ذاك المطعم القريب من منزلهم، وذلك في البلدة التي يسيطر عائلتها على معظم المنشآت التجارية الهامة بها، كان جالسًا حول طاولة وحده ينتظرها، بعدما ضاقت به كل سبل التفاهم مع جدها المُصر على رأيه، في الاحتفاظ بحضانة الأطفال، بغضب شديد كان يرتشف قهوته، وقد أهلكه كثرة المفاوضات والتعنت في فرض الشروط القاسية حتى على حق الرؤية، يساعدهم امتياز المسافة الكبيرة بين الدولتين.
ارتفعت عيناه نحو المدخل يطالع هيئتها الجديدة وهي تخطو بثقة أمامه، ترتدي فستانًا من اللون الأزرق، انساب على جسدها الرشيق حتى بدت كعارضات الأزياء، والشعر الحريري المصفف بعناية على زينة وجهه الرقيقة، لتبدو في غاية الجمال.
ابتسم ساخرًا بزاوية فمه، يتذكر أن هذا الانبهار بمظهرها؛ قد كان سببًا رئيسيًا لموافقته لوالدته في الارتباط بها، قبل أن يرهقه صقيع العيش معها في زواج استمر لعدد من السنوات، أثمر في إنجاب طفلين، وهي على حالها لم تتغير، بل وساهم برودها في اتساع الهوة بينهم، حتى صار كبعد البلدين.
- مساء الخير.
قالتها فور أن توقفت أمام الطاولة، نهض عن مقعده أتباعًا لقواعد الإتيكيت التي يحفظها عن ظهر قلب، ليستقبلها بابتسامة مصطنعة في رد التحية ومصافحتها؛ قبل أن يدعوها لتجلس مقابله، ثم بدأ في الأسئلة الروتينية المحفوظة:
- عاملة إيه يا ميسون؟ وعاملين إيه الولاد؟
ردت بلغتها التركية رافعة ذقنها للأمام:
- أنا بخير يا عدي كما تراني الآن.
كز على أسنانه يحجم الانفعال من البداية معها، فدمدم بتحذير:
- كلميني عربي يا ميسون، مش عشان ما انتي في بلدك دلوقتي، هتنسي اللغة اللي اتعودتي عليها بقالك سنين؟
ظهر الحنق على قسماتها لتردف بقهر مكتوم:
- وماله لما أكلمك بلغة بلدي أو حتى أمشيك على قواعدها، ما أنا بقالي سنين معاك في بلدك وبتكلم بلغتك، وبتبع كل أوامر والدتك، حتى وأنت هاجرني بالشهور، مرمية زي الكرسي اللي قاعدة عليه دلوقتي.
أشاح بوجهه عنها يزفر أنفاسًا متسارعة كي يهدأ من عواصفه، يمنع نفسه عن التلفظ برد قاسٍ، وكي يمتص غضبها قليلًا، فهذه البداية غير مبشرة على الإطلاق.
بعد لحظات قليلة استعاد توازنه، ليقول بلهجة هادئة نوعًا ما:
- ميسون أنا اتصلت بيكي وطلبت أننا نتقابل عشان نلاقي حل وسط، مش عشان نتخانق؟
على نفس الوتيرة التي لم تهدأ داخلها، ردت بتحفز:
- وماله لما نتخانق، هتصدق لو قولتلك أني ياما اتمنيتها دي، ما هو معنى أننا نتخانق يا عدي، يبقى في فرصة للصلح والتفاهم بعدها.
عادت بجذعها للخلف على مقعدها تتابع:
- لكن أنت مش عايز كده صح؟ عايز الحياة ما بينا تبقى مستمرة على حالها في الجمود، لحد ما أزهق أنا وأقول حقي برقبتي، زي ما حصل فعلًا.
قلب عينيه بسأم، وافتر فاهه يهم بالتحدث، ولكنها أوقفته بقولها:
- أنت ليه ما حنتش يا عدي؟
فاجأته بالسؤال حتى لاح على ملامحه الاضطراب، ولكنها واصلت في البوح بما يجيش بصدرها:
- شايفني وحشة ولا باردة؟ طب لو وحشة أو مش عاجباك ليه اتجوزتني؟ أو لو باردة مسألتش نفسك أنا ليه كده؟
تلقف سؤالها الأخير وكأنه وجد الثغرة، ليبادل سؤالها بسؤال:
- حلو أوي، قوليلي بقى يا ست ميسون، ليه أنتِ كده؟
امتدت رأسها نحوه، واضعة عينيها بخاصتيه تجيبه بقوة:
- عشان أنت اللي وصلتني لكده، أنا عارفة أني كنت الاختيار الأمثل لوالدتك، وأنت وافقت تنفيذًا لرغبتها، لكن أنا وافقت بيك عشان كنت بحبك، أيوه كنت بحبك.
على قدر اللحظات القليلة اللي قابلتك فيها وأنت عازب في الحفلات اللي جمعت بين العيلتين، ده ما منعش أني أحبك.
أجفل لهذا الاعتراف المباغت، وللمرة الثانية تربكه بصراحتها الغريبة عن طبعها المتحفظ في العادة، ظل على صمته وهي واصلت:
- مستغرب كلامي صح، وأكيد بتسأل نفسك، هي ليه عمرها ما قالت الكلام ده واحنا مع بعض، أنا برضه هرد وأقولك أنك السبب....... عشان أنت أناني، عايز اللي قدامك بس هو اللي يعطي، أنا لو حسيت بربع الحب اللي في قلبي منك، كنت رميت نفسي في حضنك من غير انتظار، أنا كنت بموت على كلمة حلوة تقولها، كنت بتقهر لما أشوف الحب في عيون مصطفى لمراته، وأنا نفسي ألاقي منك أي اهتمام يا عدي.
خرجت الأخيرة بضعف لم تقو على كتمانه، وقد أسقطت كل حصونها أمامه، فلم يعنيها أي شيء الآن، أما هو فقد ابتلع ليُحاول الرد بلطف، يبتغي من خلفه المساومة:
- أنتِ أكيد إنسانة رائعة يا ميسون، وأنا لو كنت قصرت في حقك، فده بيحصل كتير، ياما جوازات بتفشل الأيام دي، ودي مش نهاية الدنيا، أهم حاجة دلوقتي الأولاد، لازم نراعي البعد النفسي للمرحلة دي من سنهم، مينفعش يتقلعوا كده من جذورهم مرة واحدة، أنا والدهم وعمري ما هبعدهم عنك، لو عايزة أجيبهم كل شهر ويقضوا الإجازات معاكي بالشهور، أكيد مش همنع.
تبسمت ساخرة، فلم يفاجئها رده الصادر من أنانية بحتة، جعلته حتى لا يتأثر بقولها، وما باحت به منذ قليل، وهي لن تكون ضعيفة أو تستجدي عطفه عليها، انتفضت فجأة لتقف متلبسة ثوب الامبالاة، سلاحها المتبقي للحفاظ على كرامتها، وقالت بتعالي:
- أنا شايفة المقابلة لحد دلوقتي مفيش منها جدوى، أنت مصمم تاخد الولاد معاك، وأنا خلاص سيبت الأمر في إيد جدي، واظنك عرفت قراره كويس.
نهض هو الآخر سائلًا بانفعال:
- يعني إيه يا ميسون؟ جدك أصدر فرمانه، ومفيش منه رجوع.
مطت شفتيها وهي ترفع النظارة الشمسية لتضعها على عينيها مرددة بعدم اكتراث، قبل أن تنسحب وتذهب:
- والله أنا بلغتُك إني سيبت الأمر في إيده، يعني مفيش فايدة من الكلام معايا، عن إذنك.
***
استيقظ من نومه، شاعرًا بحرارة الشمس التي اخترقت الغرفة من نافذة الشرفة التي كانت مفتوحة على مصراعيها، حتى وصلت إلى فراشه، زفر ساخطًا، وهو ينهض بجذعه بضيق، ليتناول الهاتف كي يرى الساعة عليه، زوى ما بين حاجبيه مستغربًا حينما رآها تعدت الثانية عشر ظهرًا، هو في الطبيعي يتأخر في الاستيقاظ، لكن ليس إلى هذه الدرجة، نهض عن سريره بخفة ليخرج مناديًا على والدته:
- أما، أنتِ فين ياما؟
وصله صوتها من المطبخ وهي تخرج إليه سريعًا:
- أنا هنا يا نور عيني، صباح الخير.
جلس على كرسي مائدة السفرة التي استند بمرفقيه عليها، يرد تحيتها بنزق:
- صباح الفل ياما، كده برضو تخلي الشمس تحرق في عيني؟
بلهجة متأسفة ردت تستجدي رضاه:
- سامحني يا قلب أمك، دخلت لميت الغسيل من البلكونة، ونسيت أقفلها، تحب بقى أحضرلك الفطار.
رفع رأسه المثقل ليقول بتهكم:
- يعني مش بعادة يعني السيد الوالد يسبني أنام براحتي، إيه ناوي يرضى عني النهاردة ويديني إجازة؟
جلست تقول بتنهيدة ساخطة:
- ما هو فعلاً عاملها إجازة، بس إجازة على الجميع، أصله بيجمع الرجالة وعايز يعمل عزوة للمحروسة النهاردة في خطوبتها.
انتبه ليرفع رأسه لها سائلًا بتحفز:
- قصدك مين؟ شهد؟
- أيوه يا خويا هيكون من غيرها يعني؟
تابعت غير آبهة بالتجهم الذي اعتلى ملامح ابنها، والشرر الذي كان يقدح من عينيه:
- أصلها هتعمل الخطوبة في قاعة وعازمين لوءات وظباط زمايله وقرايبهم قال، أتاري المنيلة وقعت واقفة، واتلمت على ناس كبارات، طبعًا تخطيط على العالي، دي أختي نرجس بتحكي على الهدايا اللي جابها البيه خطيبها، ولا الهدوم اللي دفع فيها شيء وشويات، وكله كوم والشبكة كوم تاني، دي بعتتلي الصورة على الواتس، يالهوي يا إبراهيم، حاجة كده الأفرنكا، مش بلدي زي اللي إحنا جبناها لأمنية، فاكر يا إبراهيم إحنا دفعنا في الشبكة كام؟
- خلاص ياما.
هتف بها مقاطعًا بحدة وعدم تحمل، ليصيح متابعًا بأمر:
- قومي حضري الفطار بقى، معدتي نشفت من الجوع.
- يا حبيبي يا بني.
هتفت بها سميرة وهي تنهض عن مقعدها سريعًا تردد وهي ذاهبة:
- حالًا هتلاقي فطورك جاهز، حقك عليا، ما أنت اللي اتأخرت في نومك.
انتظرها حتى اختفت بداخل مطبخها، ليستل هاتفه من جيب بنطاله البيتي، وضغط على الرقم المعروف، فجاءه الرد سريعًا كالعادة:
- الوو يا هيما، صباح الخير يا قلبي.
هتف بخشونة يوبخها:
- صباح الزفت، ما اتصلتيش بيا ليه تبلغيني بآخر الأخبار؟
- أخبار إيه؟
قالتها بعدم فهم، قابل قولها بغضب:
- أنتِ هتستعبطي يا روح أمك؟ أنا بتكلم عن خطوبة المحروسة، ما قولتيش ليه إنها هتتعمل في قاعة؟
ردت بصوت مهتز:
- يا حبيبي ما أنا معرفتش غير الصبح، بعتلك كذا رسالة، أستأذنك عشان أخرج، ولما مردتش.....
صاح يقاطعها بصوت عالٍ:
- تخرجي ولا تزفتي، أنا بتكلم في إيه؟ وأنتِ بتتكلمي في إيه؟
- يا إبراهيم افهمني، ما هو أنا مضطرة دلوقتي أرجع فستاني وأجر واحد أحلى، بعد ما فاجأتني المحروسة بعملتها، وكأنها قاصدة تبيني أقل منها.
- بس يا زفتة.
صاح بعنف يوقف إسهابها، فانتفضت تغلق فمها في انتظاره.
التقط أنفاسه ليفرغ طاقة غضبه في بث السموم كالعادة:
- اللي عايز أعرفه دلوقتي، هي جابت منين أجرة القاعة؟ هي البت دي هتفضل كده تعمل عمايلها وأنتم زي الهبل ساكتين؟
- لأ يا إبراهيم، ما هي بتقول إن المهندس هو اللي متكفل باللّية، وعاملها قال مخصوص عشان قرايبه، شوفت بقى الحظ، متكفل بالخطوبة كلها، ومش هامه العوايد اللي ماشيين عليها، بيحبها يا سيدي.
قالتها أمنية بمغزى وصله على الفور، ليزيد من غليل حقده، يضغط على شفته بأسنانه حتى كاد أن يدميها، بأنفاس متسارعة، الحمقاء تردف الكلمات بقصد إشعال غيرة المنافسة بداخلها، ولا تعلم بأنه محترق من الأساس، لا يرى نتيجة ملموسة لكل ما يخطط له، ولكنه لن يقف مكتوف الأيدي.
حين طال صمته، وصله صوتها:
- سكت ليه يا إبراهيم؟
تمالك كي يسيطر على مراجل الغضب بداخله، ورد بلهجة جعلها هادئة بعض الشيء:
- مسكتش ولا حاجة، أنا بس كنت بفكر في كلامك، روحي دوري على فستان عدل لخطوبة أختك، وأنا كمان هاجر بدلة كويسة أحضر بيها.
صاحت مهللة من محلها:
- حبيبي يا إبراهيم، يعني أنا وأنت هندخل، وحاطين إيدينا في إيدين بعض.
- آه أمال إيه؟ ونرقص رومانسي كمان.
في وقت آخر لو سمعتها لذهب ظنها للسخرية، ولكن اللهفة بداخلها الآن جعلتها تتلقف قوله بالتصديق مرددة:
- يا لهوي عليا، أنا حاسة قلبي هيوقف، ربنا ما يحرمني منك يا هيما القلب كله.
رد يجاريها حتى ينهي المحادثة:
- ماشي يا ستي اقفلي بقى عشان ما أقلبش.
- يا نهار أبيض، تقلب دا إيه؟ ده أنا ما صدقت، سلام بقى، وهقفل من عندي.
ألقى الهاتف على سطح المائدة، وهو يتوعد بداخله:
- يعني برضه المحروس هيمشي ويتم الخطوبة، تمام...... أما نشوف إيه آخرتها بقى؟ ولا مين اللي هيضحك في الآخر.
***
في المنطقة الساحلية
وفي ذاك المنزل الخالي من جميع السكان إلا منها، وقد أصبح لها المأوى الآمن منذ هروبها، كانت بداخل المطبخ المفتوح، حينما شعرت بدخول أحدهم، وخرجت إلى البهو لتتبين أنها صديقتها؛ مالكة المنزل التي تختفي بداخله من أعين الشرطة، وحراس كارم، وعقاب زوجها.
- صباح الخير، عاملة إيه النهاردة؟
قالتها المرأة الأربعينية وهي تضع الأكياس الممتلئة على الأرض قبل أن تقترب منها وتقبلها سريعًا على وجنتها كتحية قبل أن تسقط على أقرب المقاعد لاهثة، تنهج من الحمل الذي كانت تحمله، لحقتها لتجلس على الأريكة المجاورة لها، تقول بحرج وأعينها مازلت منصبة على الأشياء الكثيرة التي احتلت الأرضية:
- كل ده أكل وطلبات يا سوزي، هو أنا لحقت أخلص اللي في التلاجة؟
قيمتها المرأة بنظرة سريعة، من شعر رأسها المشعث في الأعلى، ثم هذه البيجامة الصيفية بقماشها الخفيف، بنصف كم، وبنطال قصير حتى ركبتها، ثم هذا الخف الملتصق بقدميها، فقالت بعدم رضا:
- إنتي مالك مبهدلة في نفسك كده؟ مش عادتك دي يا جيرمين؟
التوى ثغر الأخيرة لترد بتهكم ظاهر:
- وهتزوق ولا أتعدل لمين يا حسرة؟ للحيطان؟
- مش لأي حد، لنفسك يا جيرمان.
قالتها المرأة لتصيح بها الأخرى محتجة:
- لنفسي كمان؟ هو أنا بقى عندي نفس أساسًا؟ سيبيني في حالي الله يخليكي.
قالتها الأخيرة واستلقت رأسها بتعب للخلف، فعقبت الأخرى بمؤازرة كي تخفف عنها:
- معلش يا حبيبتي، نعمل إيه بقى؟ نصيبك كده، يعني نفضل نخطط ونظبط، وأجيبلك المادة التمام معايا من أمريكا نفسها، وعلى الأخير كل حاجة تبوظ بسبب عيل.
ضربت بكفيها على فخذيها تردد بغيظ يقارب الولولة:
- عشان حظي الهباب، بدل ما آخد حقي من بت الجزمة دي اللي كانت حاطة السكينة على رقبتي، ينقلب الوضع وتبقى هي الضحية في عيون جوزها والناس كلها، وأخسر أنا كل الفلوس والعز اللي كنت عايشة فيه، وعليهم جوزي والولاد اللي لبسوا فضيحة بسببي، آه يا أنا يا ناري.
وافقتها الأخرى مرددة خلفها:
- بصراحة عندك حق، ده أنا كل ما أراجعها في دماغي مخي يشت، بس أقول إيه؟ خلينا بقى في اللي جاي، وأنا بظبطلك الورق المضروب اللي اتفقنا عليه مع الواد اياه، وهسفرك في أقرب وقت، وابقى سوزي قالت.
ردت تطالعها بامتنان شديد:
- تعيشي يا حبيبتي وما ننحرم منك أبدًا، مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه؟ صاحبتي الغالية من أيام الفقر والمرمطة.
نهضت المرأة تقول بعملية وهي تخلع عنها سترتها:
- أيام الفقر، أيام الزفت، خلينا في المهم، الواد حامد الأبله، كل يوم مصدعني بسؤاله عنك، ابن المجنونة مش مكفيه الفلوس اللي أخدها، بيقولي عايز تعويض قال عن الوظيفة اللي خسرها، والبوليس اللي بيدور عليه.
- جاته مصيبة تاخده، هو مش مكفيه اللي حصلي؟
هتفت بها جيرمين وهي تتبع صديقتها، والتي دخلت المطبخ بالأشياء التي ابتاعتها لتضع بعضها في الثلاجة، والباقي في درفة الخزين، وتابعت بشرود وهي تتناول إحدى ثمار الفاكهة من التفاح:
- آه يا سوزي، ياما كان نفسي على الأقل حتى أنشر صورها بالقميص العرياني، دي كانت هتبقى فضيحة بجلاجل، على الأقل كانت هتبرد ناري.
تركت المذكورة ما بيدها لترفع سبابتها أمامها محذرة:
- إياكي تعمليها يا جيرمين وتفتحي التليفون، أنا مفهمش في التكنولوجيا، بس أعرف كويس إن تليفونك بمجرد ما هيتفتح هتلاقي البوليس طب فوق راسك، ما تودينيش في داهية الله يخليكي.
رددت سريعًا تطمئنها:
- لا طبعًا متخافيش، أنا لا يمكن أضرك....
توقفت فجأة لتردف:
- بس أنا ناري قايدة يا سوزي، أعمل إيه في القهرة دي؟ يعني تأذيني وفي الآخر برضه. هي اللي كسب كل حاجة.
ضيقت المرأة عينيها وبدا على وجهها التفكير بعمق، لتجاريها باهتمام قائلة:
- سيبها للظروف يا جيرمين، مش يمكن تلاقي الفرصة اللي تخليكي تنتقمي فيها على حق.
***
في الركن الذي اتخذته مكانًا لها منذ سجنها في هذه الغرفة الكبيرة مع عدد من النساء المحتجزات على ذمة قضايا، ما بين مذنب أو غير مذنب، أو متهمة مثلها، كانت مودة مفترشة الأرضية منزوية مع نفسها كالعادة، وأنظارها مرتكزة على من كانت السبب الرئيسي فيما حدث لها، وقد علمت بكل التفاصيل من محاميتها التي تبذل الجهد المضاعف لإخراجها من محنتها الآن، تلعن غباءها كل لحظة، لقد ثبت لها بالدليل القاطع الآن أن هذه الملعونة، خبيرة ومعتادة على دخول السجون، لقد فرضت شخصيتها منذ دخولها، بل وجعلت عدد من النساء لخدمتها، حتى من كن متربصات بها، لم تتمكن واحدة منهن في الاقتراب منها.
- أبلتي أبلتي، هي البت دي مش ناوية تشيل عينها من علينا ولا إيه؟
قالتها إحدى الفتيات الصغيرات ممن يجلسن بجوار فراشها الذي كانت مستلقية عليه على الأرض.
رفعت ميرنا رأسها نحو ما تقصد، لتنفث دخانًا كثيفًا من سيجارتها، ثم عادت لوضعها الأول تجيبها:
- معلش يا سكسكة، سيبها لحالها دي على الله حكايتها.
- هي مين دي اللي حكايتها على الله؟
هتفت بها الفتاة ذات العشرين ربيعًا تتابع بسخط:
- دي بت كهينة وشكلها لافقة على واسطة كبيرة، دي من وقت ما هلت علينا هنا، وما حد فينا قدر يقربلها، الظابط عصام موصي عليها بالقوي، يعني حتى استقبال المعلمة متتعملش معاها، ولا طالها اللي طالنا كلنا...
قالت الأخيرة ويدها تتلمس موضع الضرب على ذراعيها وضهرها، استدركت لتصحح على الفور بهمس خفيض حتى لا يصل الصوت للناحية الأخرى:
- إلا أنتِ طبعًا يا ست ميرنا، سكّتِ الكل ولبستيهم طرح.
أظلم وجه الأخيرة، وهذه الحقائق التي تتضح أمامها دون بذل الجهد، الأخرى أخذت تعاطف الجميع، لينصب البحث عليها هي؛ حتى تم الإيقاع بها، ألقت بنظرة نحو الأخرى بطرف عينيها مدمدمة:
- والله عال يا ست مودة، واحدة هبلة تلبسني قضية وأدخل فيها السجن، على أساس إن أبقى كبش فدا، لكن وديني ومقصوصي ده ما يحصل.
***
في حديقة المنزل كانت الجلسة التي تجمع زهرة وابناءها مع رباب التي اشتاقت إليها في ضيافة كاميليا، والتي كانت لا تكف عن الحديث في مواضيع شتى، سعيدة بجمعتهم:
- طارق خلص الاجتماع من هنا وأنا جريت على الحمام بسرعة، رجعت كل اللي في معدتي، وفضلت على الحال ده، أروح وأجي على الحمام، لحد ما لميت نفسي وجيت على البيت من غير ما أكمل اليوم.
- ما يمكن تكوني حامل يا كاميليا؟
قالتها رباب بتخمين منها، أيدتها زهرة هي أيضًا:
- آه والله، وليه لا؟ طب ياريت.
ضحكت تردد بشعور مختلط ما بين الرفض وعدم الرفض:
- ياريت إيه أنتِ كمان؟ أنا أساسًا محصنة نفسي يعني....
قاطعتها زهرة بتصميم:
- يعني ولا ما يعنيهوش، ربنا لو رايد، والله لو تعملي إيه؟ هيحصل يعني هيحصل.
عقبت شقيقتها بابتهاج:
- حقه لو طلع تخمينا صح، تشدي حيلك بقى وتجيبي لنا بنت تاني زي فريدة، أنا الإنتاج ده عاجبني أوي بصراحة.
ألقت زهرة بنظرة خاطفة نحو الصغيرة التي كانت تلعب بالكرة المطاطية حول أكبر ابنها مجد والذي كان جالسًا بهيبته، يتقبل دعابتها بصدر رحب، لتقول بفخر:
- ديدة دي حبيبة قلبي، عروسة ابني غصب عن والدها ووالدتها.
- طب وغصب ليه بس؟ ما إحنا سلمنا أمرنا لله بعد الفرمان اللي أصدره عامر باشا، وقولنا آمين، هو إحنا نقدر نعترض.
قالتها كاميليا وانطلقت ضحكات الاثنين قبل أن تقاطعهم رباب سائلة بعدم فهم:
- فرمان إيه اللي أصدره عامر الريان؟
تولت زهرة الإجابة وهي تطعم صغيرها الذي كان يتعلم السير حولها:
- ما تفهمي بقى يا رباب، عامر باشا أصدر أمره، إن فريدة لمجد، ومجد لفريدة.
سمعت منها لتهلل ضاحكة:
- الله حلو أوي القرار ده، عشان كده بقولك يا كاميليا، أنا كمان عايزة الإنتاج ده عشان أجوزها لابني.
- نعم يا أختي.
هتفت بها الأخيرة باستنكار ضاحك لتنطلق عدة تعليقات مختلفة في المزاح والضحك بين الثلاثة، قبل أن ينتفضن على صرخة عالية من أحد الصغار.
نهض ثلاثتهن بارتياع نحو الجهة التي صدر منها الصوت، حيث كان يتشاجر التوأم أبناء زهرة بجانب عمار الذي كان ما زال على حالته في الصراخ برعب، متفاجئًا بعنف الاثنين.
كانت كاميليا هي الأسبق في فض الاشتباك لتمسك بالولد وزهرة تمسكت بالبنت، ليفصلاهما بصعوبة، أما رباب فاحتضنت ابنها لتهدئته:
- بس يا حبيبي دول بيهزروا.....
صرخ رامي قاطعًا إياها والذي كان يقاوم بين يدي كاميليا:
- مكنش هزار، أنا كنت بربيها.
ردت رنا توأمته لتزيد من اشتعال غضبه:
- أنا اللي انتصرت عليك على فكرة، حتى بالأمارة طلعت شعرك في إيدي.
قالت الأخيرة رافعة كف يدها الصغيرة أمامه، والتي التف حول أصابعها بعض الشعيرات الطويلة من شقيقها، والذي ما إن وقعت عيناه عليهم حتى جن جنونه ليصرخ، ويحاول الإفلات بكل قوته، حتى يستطيع أن يفتك بها:
- هموتك يا رنا، هقطعلك شعرك كله يا رنا.
صرخت زهرة على المربية التي أتت هي أيضًا مجفلة على الصوت:
- يا دادة، خديه الله يخليكي ونظفيه جوا.
انصاعت المرأة لتحمله بصعوبة، نحو مدخل المنزل، وتوجهت زهرة لابنتها قائلة:
- حرام عليكي، هتجيبي جلطة لأخوكي من قبل ما يدخل الابتدائي حتى، تعالي أما أغيرلك أنتِ كمان ونشوف طريقة نصالح بيها أخوكي.
حملتها على يديها قبل توجه خطابها لصديقتها:
- كاميليا خلي بالك من ظافر.
ردت الأخيرة وهي تتناول كف الصغير:
- روحي يا قلبي متقلقيش، هي دي أول مرة يعني؟
- لا طبعًا مش أول مرة.
غمغمت بها زهرة وقبل أن تتحرك لفت نظرها عمار الذي كان ما زال يرتجف في حضن والدته، لتعقب بإشفاق:
- يا عيني يا ابني، أول مرة فيها يشوف المناظر البشعة دي.
ضحكت كاميليا هي الأخرى تضيف على قولها بسخرية:
- أول مرة يشوف فيها خناقة على حق، معلش يا قلبي بكرة تتعود وتبقى زيهم.
***
عاد أخيرًا بعد أن أنهى جولته الميدانية اليومية، وقد مر على جميع الأقسام، ليجمع البيانات والمتطلبات الناقصة لهم، بخطواته السريعة كالعادة، حتى يأخذ مكانه على المكتب المقابل لها، جارته القمر التي أرقت ليله، وأطاحت بحكمته نهارًا، ليصبح كمراهق صغير، نظرة واحدة من محبوبته تروي ظمأ اشتياقه، وتعطيه جرعة من السعادة تدفعه لحب الحياة والعيش من أجلها.
دخل الغرفة ليتفاجأ بها تتحدث في الهاتف ويدها تعمل في لملمة الملفات التي أمامها:
- بتتكلمي جد؟...... يعني هي خلاص على كده هتخرج ببراءة؟...... خلاص بقى يا مدام صفاء شدي حيلك معاها.
انتبهت لترفع رأسها إليه وتهديه ابتسامة ما أجملها، رغم انصباب تركيزها مع محدثتها على الهاتف:
- وماله يا مدام لما تخرج بكفالة؟ شدي حيلك أنتِ بس معاها، واحنا ربنا يقدرنا إن شاء الله وندفعها، أهم حاجة بس إن ميضعش مستقبلها..... تمام ربنا يباركلك.
أنهت لتلتفت إليه، والابتسامة الساحرة ما زالت تزين ثغرها، بادرها بسؤاله الفضولي:
- شكلك كده في أخبار حلوة عن صاحبتك؟
- صح.
تفوهت بها بغبطة تغمر قلبها لتردف مستطردة:
- أصلهم لقوا الخاتم، بعد ما ظبطوه عند ميرنا، أتاريها هي اللي كانت سرقاه من شنطة مودة.
- معقول! أنتِ بتتكلمي جد؟
قالها شادي بعدم استيعاب، ورددت هي بتأكيد ويدها تضع الملفات التي رتبتها منذ قليل بداخل أدراج المكتب:
- والله زي ما بقولك كده، ربنا وجعها في شر أعمالها، الست دي أنا عمري ما استريحت لها.
لم يغب عن شادي أن يذكرها بخطأ الأخرى:
- والله وأنا كمان، بس عشان نبقى حقانيين، غلط صاحبتك هو اللي وصلها لكده، ياريت تاخد عبرة من اللي حصل وتتعلم بقى.
- أكيد، وأنا كمان معاملتي معاها هتبقى غير، ومش بعيد أقطع معاها، بس هي تطلع من مصيبتها.
علق بإعجاب ظاهر:
- برافو عليكي، هو ده الصح، هي دي صبا اللي أنا عارفاها.
دمدم بالآخيرة، قبل أن يسألها باستغراب:
- طيب بتلمي الملفات وتعلقي شنطتك على كتفك ليه؟ هو أنتِ وراكِ مشوار؟
ردت تجيبه بفرح أنار وجهها وهي تتحرك للذهاب:
- أصل النهاردة خطوبة شهد في القاعة، عايزة أروح أجف معاها، ويدوب أحصل ميعادي معاها في البيوتي سنتر.
رغم حزنه لمغادرتها السريعة إلا أن السعادة التي كانت بادية على ملامح وجهها كانت تكفيه في هذه اللحظة ليحتفظ بها في مخيلته لباقي يومه، لذلك كان رده السريع معها بود وأمنية يتمنى تحقيقها بداخله:
- ألف مبروك لشهد وعقبالك أنتِ كمان.
***
في المساء
دلف لداخل القاعة بصحبته كما وعدها، وقد كان مرتديًا حلة كاملة بدون ربطة عنق، يتبختر بتباهي قاصدًا أن يلفت النظر إليه، وهي تلف يدها حول ذراعه بفرحة تجعل قلبها يتراقص داخل قفصها الصدري، لا تصدق ما يفعله معها اليوم، لقد نفذ أكبر رغباتها وهي أن تسير متأبطة ذراعه أمام جمع المدعوين من أقربائها أو عائلة العريس، والتي يبدو من هيئاتهم حجم الرقي والثراء، لقد كان كريمًا معها اليوم لدرجة جعلته يتغزل في فستانها الحريري، الذي أظهر جسدها الملفوف بروعة، كما انعكس لونه النبيتي على زينة وجهها ليزيدها بياضًا كما قال لها ووصفها "ببطته"، ثم أخذها في سيارة صاحبه ليكمل فرحتها.
رغم بداية اليوم التي كانت بالسباب والتوبيخ منه، إلا أنها تشعر أن هذا هو أفضل أيامها، مع انتظار أن القادم يحمل بجعبته الكثير لها مع إبراهيم حبيب طفولتها الذي سوف يصير ملكها عن قريب حينما تتزوجه:
- نقعد فين بقى؟
سألها بنبرته الخشنة لتستفيق من شرودها، وجاءت إجابتها بلهفة:
- إحنا ممكن نقعد مع خالتي وأمي اللي قاعدين على طاولة لوحدهم، أو ممكن نقعد لوحدنا، إنت إيه رأيك؟
نظر لها بطرف عينيه من مستوى طوله الذي يفرق عنها كثيرًا ليقول:
- إيه ما كفاكيش اللف بالعربية؟
نفت بهز رأسها تردد بمرح:
- لا، أنا عمري ما أشبع منك يا إبراهيم، ولا من القعدة لوحدنا.
تصنع ابتسامة بزاوية فمه، قد فعلها كثيرًا طوال اللحظات التي مضت، ليدعي لطفًا زائفًا:
- وأنا كمان عمري ما أشبع منك يا بطتي، بس كفاية بقى، خلينا دلوقتي نقعد معاهم، ليبقى منظرنا وحش.
قالها وتحرك بعدم انتظار رأيها، ليسحبها معه نحو الطاولة التي تضم والدته ووالدته، أخفت انزعاجها وغمغمت بتبرم:
- ويعني إحنا كل يوم بنخرج، ولا هما هيخافوا لما يقعدوا لوحدهم؟ ياللا بقى بلا هم.
***
وفي الجهة الأخرى
حيث تجلس نرجس بجوار شقيقتها التي لا تكف عن الحديث عن مظهر المدعوين وحجم الحفل وتكلفته وعمل المقارنات:
- شايفة يا نرجس، القاعة مليانة رتب عالية، يالهوي، مش ده الراجل اللي بيطلع في التليفزيون، وبيظهر مع المذيع اياه يتكلم عن حالة الأمن في البلد، يا مصيبتك يا سميرة، أنا جسمي بقى يتلبش.
- جسمك يتلبش ليه ياما؟ مطلوبة في قضية؟
علق بها إبراهيم وهو ينضم ليجلس معهن ومعه أمنية، فردت نرجس مؤيدة لها:
- متلومش عليا يا ابن اختي، ده أنا نفسي بصراحة مستعجبة الناس النضيفة دي.
قال من تحت أسنانه وقد استفزته العبارة:
- نضيفة ده إيه؟ على أساس إن إحنا وسخين مثلًا.
ردت نرجس بدفاعية مبررة:
- لأ يا بني أنا مش قصدي كده، هو إحنا فيه أنضف مننا؟ ما هو بصراحة يعني.. إحنا اتفاجئنا بالمستوى.
تدخلت أمنية بردٍ متوازن بعض الشيء، نظرًا لمزاجها الرائق:
- يا جدعان ما تتعبوش نفسكم في إزاي واتفاجئنا والحاجات دي دلوقتي، خلونا نعيش اللحظة، هو أنتوا قاعدين لوحدكم ليه صحيح؟
مصمصت سميرة بشفتيها لتقول بتهكم:
- عمك عابد يا أختي عامل نفسه كبير العروسة، قاعد يرحب مع اللي اسمه أبو ليلة ده بقرايب العريس، ولا كأنه أبوها والتاني عمها.
زفر إبراهيم بحريق يكتمه ليردد خلفها:
- معلش ياما، ما هو بيقف مع الجميع في الحارة، حتى مع اللي مالهمش أصل، جت عليها يعني.
جملته كانت قاسية، لدرجة انتبهت لها أمنية لتخبت ابتسامتها، وقد شعرت بأن الوصف قد مسها هي أيضًا، ولكن كالعادة تغاضت حتى لا تفتعل مشاكل وتعكر صفو ليلتها، فعادت بسؤال والدتها:
- طب والست زبيدة ياما، مش بعادة يعني متبقاش معاكي؟
عادت سميرة للمصمصة بشفتيها لتردد ساخرة:
- ما هي دي كمان يا نور عيني شافت نفسها، مرات الصعيدي أبو قصعة، عاملة نفسها هانم ودخلت في زواريق اللي اسمها مجيدة، وقاعدين على طاولة واحدة، ومعاهم أم البت الأجنبية صاحبة أختك.
- آه قصدك لينا، بس دي مش أجنبية يا خالتي.
- أجنبية ولا زفت، ما تخلصونا بقى في أم السيرة دي.
قالها إبراهيم ليقطع سير حديثهم، فقد غلبه طبعه الحاد في إخفاء ضيقه أكثر من ذلك.
***
- هما العرسان هييجوا إمتى؟
صدر السؤال من أنيسة وقد أزعجها تأخرهم، لم تنتبه لها مجيدة فقد كانت منشغلة بالحديث مع إحدى النساء من أفراد العائلة، وتكفلت بالرد زبيدة:
- هما خلاص على وصول، صبا بنتي بلغتني في اتصال من شوية.
ظهر الارتياح على وجه أنيسة، لتردف بعد ذلك بغيظ، حينما التفت لها مجيدة:
- أنتِ يا ست أنتِ مقعدانا جمبك ليه؟ وأنتِ مشغولة عننا كده.
سمعت منها لتردد ضاحكة بمرح:
- وفيها إيه يا أختي لما أنشغل عنك، مش أم العريس ويحقلي الله.
ضحكت بالتبعية لها الأخرى، تشاركها القول زبيدة أيضًا:
- أيوه يا أختي من حقك أمال إيه؟ ده إحنا عندنا في الصعيد بنطلع لها أغاني أم العريس.
هلتلت مجيدة بمرح مرددة لها:
- طب ما تسمعيني يا ولية أنتِ، أنا عايزة أحفظها وأدلع نفسي.
رددت زبيدة ضاحكة:
- وه، دلوك.
- أيوه دلوك.
قالتها مجيدة قبل أن تجفل مع الجميع على دخول العروسين بتغير الأضواء وانطلاق الأغنية الافتتاحية.
ليدلفا الاثنان من المدخل، بهيئة تخطف الأنفاس.
العريس كان يرتدي حلة من اللون الأبيض بمظهر شبابي حتى بدا كنجم سينمائي، وعروسه التي كانت مفاجأة الجميع بهذا الفستان السماوي والمطرز بحبات لامعة، تظهرها الإضاءة كفصوص الألماس، ابتسامتها الرائعة ملأت شدقيها، باندماج واضح معه، توقفا الاثنان فجأة في ساحة الرقص، لتشتعل الساحة بأغنية رومانسية هما وحدهما، يتمايلا على أنغامها كما تتمايل الطيور على أغصانها، بسعادة تطل من العيون وتترجمها الخطوات المتناسقة، بقرب جعل معظم الحضور وقفوا صفوف حولهم متابعين ومشجعين، تاركين الجمب الآخر مقهورين.
- إبراهيم، يا إبراهيم بص لي.
هتفت بها أمنية بجواره لتجذب انتباهه نحوها، بعد أن تسمرت رقبته على وضعها الجانبي منذ دخولهما، فالتف نحوها، ليحدجها بنظرة نارية أرعبتها لتعقب سائلة:
- إبراهيم أنت بتبصلي كده ليه؟
استدرك ليرخي ملامحه قليلًا قبل أن يجيبها بانفعال:
- أنا مش قصدي عليكي أنتِ يا أمنية، أنا بس مستغرب قلة الحيا في الرقص والأحضان، عاجبك كده يا خالتي؟
التوى ثغر نرجس كإجابة واضحة لرفضها وسميرة كان ردها بمصمصة الشفتين التي لم تتوقف عنها، فقالت أمنية بحماقة:
- أنا فاكرة يوم خطوبتنا كانت بتعيب علينا، وتقول ما يصحش وعيب، وأهي دلوقتي بتقلدنا.
رمقها بنظرة خطرة يحجم نفسه عن الانفعال عليها، فخرج صوت نرجس تعبر عن ضيقها:
- أنا اللي غايظني إن محدش بيجيب عليها عيب، يعني البت رؤى أهي بتهيص وكأنه فرحها، وجنبها أبو ليلة الراجل الصعيدي بيصقف بكفوفه، ولا حتى نقح عليه الدم الصعيدي.
علقت سميرة من خلفها:
- أنتِ شوفتي بس أبو ليلة، ما شوفتيش يا حبيبتي جوز أختك وهو بيهيص لهم من مطرحه اللي قاعد فيه.
تطلع إبراهيم نحو الجهة التي أشارت إليه والدته ليجد والده، يتابعهم بابتسامة متسعة، وكأنه يزوج ابنته البكر، فخورًا بها.
زفر مطولًا، يحاول التماسك والتحلي ببعض الصبر الذي وعد به نفسه، كي يبدو طبيعيًا أمام الجميع، مخفيًا ما يكنه صدره.
***
وإلى صبا التي اقتربت من الطاولة التي تجلس عليها والدتها بطلتها البهية كالعادة، بل وتزيد عليها اليوم بزينة أخت العروس، كما وصفت نفسها لكل من سألها عن جهة القرابة بينهم، مرتدية فستانًا من اللون الجملي، أضفى على بشرتها الخمري الضياء، واللون المميز لعيناها أظهر جماله الصارخ برسمة للعين ما أروعها، مما جعل والدتها تردد الأدعية الحافظة فور أن وصلت إليهن، لتقلدها مجيدة لكن بصوت عالٍ:
- بسم الله ما شاء الله، إيه القمر اللي طل علينا ده؟
ضحكت بمرح:
- أمر بالستر، ربنا يحفظك يا ست مجيدة، مبروك للعريس.
- الله يبارك فيكي يا حبيبتي، عقبالك يا رب.
قالتها مجيدة لتردد من خلفها زبيدة:
- إن شاء الله قريب، وهنجيبك تحضري معانا، ما أنتِ بجيتي من أهل البيت خلاص.
ردت بمحبة خالصة وهي تشير بسبابتها أسفل عينيها:
- من عنيا الجوز، بس أنتوا شكلكم في موضوع، وأنا مش هحشر نفسي وهستنى الدعوة.
صمتت صبا تاركة لوالدتها التفسير الذي خمنته من البداية، لتخبر مجيدة عن موضوع الساعة في منزلهم، وذلك لقدوم هذا العريس المزمع غدًا في جلسة التعارف المتفق عليها كما هو معلن، لكن كما ترى من والديها، يبدو أن الأمر محسوم.
أخرجتها أنيسة من شرودها بالسؤال عن ابنتها:
- هو أنا ليه مش شايفة لينا من ساعة ما وصلتوا؟
انزاحت قليلاً من أمام المرأة لتشير لها نحو إحدى الزوايا من القاعة قائلة:
- لينا حضرت وجات معانا، أهي هناك دي، اللي بتهزر مع حضرة الظابط.
تطلعت مجيدة هي الأخرى بتدقيق، لتجد اندماجًا بين الطرفين النقيضين، في الحديث والمزاح بل والضحك، لتقطب مغمغمة بذهول:
- إيه هو ده؟ هو أنتوا كنتوا في سيشن التصوير مع العرسان ولا كنتوا فين بالظبط؟
رواية و بها متيم انا الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم امل نصر
في جنح الظلام وعلى أطراف أصابعه كان يتسلل بخفة، داخل المنطقة العشوائية القديمة، مستغلًا انطفاء معظم أعمدة الإنارة بها نتيجة الإهمال، أو عمليات التخريب التي تحدث للمصابيح في كل معركة لمعتادي الإجرام من سكان هذه الأماكن وما يشبهها.
استمر بحرصه حتى اقترب من وجهته، بالقرب من المنزل الموصوف، والذي كانت أنوار نوافذه خير دليل على استيقاظ السكان بداخله، ولم يأت ميعاد نومهم بعد.
ألقى بنظرة سريعة على ساعته، والتي كانت لم تتعد الحادية عشر بعد، ليدفع ببعض الزفير من أنفه وفمه، وقد ارتدت قدماه للخلف حتى وصل إلى المنزل المهجور، والذي سقط معظمه فيما سبق؛ حتى أصبحت الجدران للنصف وأقل، تخفى خلف أحدهم، ليجلس منتظرًا مجيء من أتى من أجله مخصوص، بجلبابه الأسود وغطاء الوجه الذي التف حوله ولم يترك سوى عينيه، ليتساوى مع الظلام، فلا يلفت إليه الأنظار من أهل المنطقة، وإن حدث ورآه أحدهم، فسوف يظنه صاحب الحظ السئ شبحًا.
❈-❈-❈
انتهت الرقصة الرومانسية بين العروسين ليذهبا إلى مقرهم الأساسي في الحفل وهو اعتلاء المنصة التي كانت مصممة بأناقة على هيئة تاج لتناسب الأمير وعروسه.
استغلت رؤى لتعدو بخطوات مسرعة نحو طاولة العائلة، لتبادرهم القول بتلهف:
- ماما يا ماما، شوفتي الفرح، شوفتي العرسان يا خالتي، دا كمان لو روحتوا معانا السيسشن، كان يجنن.
التوى ثغر الأخيرة لترمقها صامتة بسخط، وردت نرجس:
- شوفنا يا اختي، وشوفنا كمان تنطيطك ولا اكنك عيلة صغيرة ومش عاملة حساب حد، مش عروسة وعلى وش جواز.
رددت خلفها بعدم استيعاب، مشيرة بسبابتها نحوها:
- أنا على وش جواز يا ماما؟
- أيوه عروسة وعلى وش جواز، يعني ترسي كدة عشان لو شافك حد من الناس اللي هنا وحط عينه عليكي، ميقولش هبلة.
قالتها أمنية بتصنع الجدية، أمام نظرات خطيبها والذي كان جالسًا يتابع بصمت مريب، ولكن الفضول دفعها لتردف بتساؤل:
- ثم إيه حكاية السيشن دي كمان اللي اتأخرتوا فيه، هو مش منظر طبيعي وخلاص، يتنيلوا ياخدوا فيه لقطتين الكاميرا!
تبسمت بشقاوة تحرك رأسها أمامها مغيظة لتقول:
- مش هقولك، هسيبك كدة تتفاجئي وانتي بتتفرجي عليهم دلوقتي ع الشاشة، واعرفي لوحدك.
ختمت بإخراج لسانها لتزيد بعدم اكتراثها:
- وهروح بقى أكمل رقص مع أصحابي، عشان لما يشوفني عريس زي ما بتقولي، ياخد ديله في سنانه ويجري.
قالتها وذهبت كما أتت لتعقب في أثرها أمنية بغيظ:
- إيه بت الهبلة دي؟ هي بتكلمني كدة ليه؟
عاد إبراهيم ليحدقها بثاقبتيه مرددًا بتحذير:
- سيبك منها يا أمنية واقفلي بوقك دا شوية، ولا انتي كان عندك غاية تروحي معاهم؟
نفت على الفور مرددة:
- لا لا لا طبعُا، أنا كفاية إني جيت معاك، دي تسوى الدنيا بحالها.
صمت يطالعها رافعًا حاجبه بتشكيك، قبل أن يلتفت نحو والدته التي وقفت فجأة تقول على مضض:
- أنا رايحة أسلم وأبارك، مش ناقصة أبوك يعملها حكاية.
- وأنا كمان رايحة معاكي.
قالتها نرجس، فاتجهت أمنية له سائلة:
- واحنا يا إبراهيم، هنروح معاهم ولا نروح لوحدنا؟
ضيق عينيه قليلًا بتفكير، قبل أن يجيبها:
- خليهم يسبقونا، واحنا نبقى نحصلهم.
❈-❈-❈
على المنصة وقد كانت جالسة بجواره بذهن شارد، أعينها تدور يمينًا ويسارًا وفي الأنحاء حولها، بعدم تركيز؛ تتلقى التهاني من المدعوين والتصوير معهم، هي وعريسها، ودائرة الفكر برأسها لا تتوقف.
انتهى حسن من الترحيب بأحد المباركين من أصدقائه، قبل أن يعود إليها متغزلًا:
- طب برضوا دا كلام! حد يبقى زي القمر كدة ويسرح؟
التفت إليه تطالعه باستفهام، فعاد بمشاكساتها:
- إيه اللي واخدك مني يا قمر؟
أهدته ابتسامة ساحرة سلبت فؤاده كالعادة، لتنفي بهز رأسها مردفة بالجملة الروتينية بهمس:
- عادي يعني.
كان من حسن حظها، أنه التهى مرة أخرى مع أحد أقربائه من الشباب، والذي امتدت كفه لمصافحتها قبل يتبادل معه المزاح، وعادت هي إلى شرودها، وذلك الذي حدث معها منذ بداية اليوم، حينما واجهها بما علمه عن مقتل والدها وتاريخ عائلتها:
- إيه اللي انت بتقوله دا يا حسن، جيبت منين الكلام ده؟
- هتفت بها بصدمة ناهضة عن مقعدها، وقف هو الآخر، ليقابلها بوقفته أمامها أسفل المظلة الشمسية، يتابع بإصرار:
- مش مهم جيبته منين يا شهد، المهم دلوقتي إزاي نتصرف؟ أنا مش عايز أعرضك لأي خطر ولا عايزك تدخلي في أي مشاكل وصراعات مع الناس دي، أمين أخويا جاب كل المعلومات عنهم، وعرف إن والدك كان معاه حق لما بعد عنهم.
لاح على وجهها توتر وحرج فهمه جيدًا، حبيبته الأبية ترفض الظهور أمامه بمظهر الضعف، كما أنها تخجل من هذه النقطة السوداء والتي تمس عائلتها، لتزيد من تأكيد الفكرة برأسه.
عادت تسأله بإلحاح، ورأسها تضج بالأفكار السيئة:
- يا حسن أنا لازم أعرف المصدر اللي وصلك الكلام ده من الأول، دي أول مرة أنت تكلمني فيها، وكمان في يوم مهم زي ده، أنا بصراحة الشكوك ملت مخي، وعايزة أفهم عشان أتجوب معاك، ولو عندك نية يا بن الناس للفركشة أو حتى متردد....
قطعت مجبرة بحضوره الطاغي حينما اقترب بجسده منها ليقلص المسافة بينهم، واضعًا أنظاره نصب عينيها، ليرد بصوت مفعم بالعاطفة نحوها:
- أنا مقدر عصبيتك وعارف بكل اللي بيدور في دماغك، بس كمان برجوا منك تركزي كويس في كلامي، أنا بفاتحك عشان معايا الحل اللي ينهي أي اشكال من بدايته، أنا بحبك يا شهد، ولا يمكن أفرط فيكي حتى لو بعمري كله.
صمتت تبتلع ريقها، تأسرها عينيه، يجذبها الحنان المتدفق بهما، يغمرها عطره الرجولي بدفء جعلها كالمغيبة تستمع بإذعان وهو يستطرد:
- لو ليا عندك معزة يا شهد اسمعي كلامي المرة دي، وبلاش تغلبي العند ما بينا عشان بفاجئك بقراري، قراري ده مأخدتهوش من فراغ، دا جه بعد ما سألت واتأكدت من صحة المعلومات اللي اتقالتلي، هل هتنكري إن عيلة والدك حاولوا معاكي انتي وإخواتك بعد وفاة الوالد عشان ياخدوكم وياخدوا مكتب المقاولات بتاعه، واللي أسسه بعرقه وشقاه؟
غامت عينيها مع تذكرها للحروب التي واجهتها، من جهة نرجس السلبية وأفراد عائلتها وأطماعهم، ومن جهة أخرى هؤلاء الأشخاص من عائلة أبيها والذين ظهروا فقط بعد رحيله، وقد كانت تظنهم السند قبل أن تفاجأ بغدرهم ونيتهم السيئة بكل وقاحة للاستيلاء على ورثها وورث أخواتها، وعليهن أيضًا، قبل أن تنتفض وتخرب كل الخطط والمؤامرات التي كانت تحاك حولها، بمساعدة أبو ليلة والحج عابد....
استدركت فجأة لتباغته بسؤالها:
- حسن، هو إبراهيم اللي بلغك بالحواديت دي؟
لم ينكر صحة تخمينها ليرد بعملية:
- رغم إني مبحبوش وبرضوا مضمنش حسن نيته، لكن اللي يهمني دلوقتي الحل، هتثقي فيا يا شهد وتوافقي على عرضي؟
اشتدت ملامحها، واحتدت عينيها بوميض مشتعل، هذا المعتوه لا يزال ينخر كالسوس من خلفها، عقله الخبيث لن يرتاح سوى بتخريب حياتها، كما فعل قديمًا وأفسد العديد من الفرص، لقد ظنت بالموافقة على خطوبته من شقيقتها، رغم معارضتها الشديدة في البداية، إلا أنها تأملت أن يكون قد أزاحها من تفكيره، ويتخطى التعلق المريض بها، ولكنها كانت مخطئة.
- كل ده تفكير يا شهد؟
قالها حسن لتسفيق من شرودها، وتجيبه بالرد الحاسم:
- أنا موافقة على عرضك، من قبل حتى ما أعرفه.
عادت لواقعها الجديد على صوت نرجس وهي تخاطبها بود زائف:
- الف مبروك يا شهد، الف مبروك يا حبيبتي.
تلقت العناق والقبلات منها تغتصب ابتسامة بصعوبة، ردًا عليها؛
- الله يبارك فيكي يا مرات أبويا، تسلمي.
- تسلمي انتي يا حبيبتي من كل شر.
قالتها نرجس قبل أن تفسح المجال لشقيقتها، وتتجه بمباركتها نحو حسن الذي كان يبادلها الود رغم عدم ارتياحه لها، أما سميرة فهي كالعادة لا تخفي كرهها، وذلك ما يبدو جليًا في ابتسامتها الصفراء.
انسحبا الاثنان لتأتي مجيدة بصخبها وضحكة من القلب تشرق وجهها بالفرحة، تردد بمرح:
- العرسان عاملين إيه؟
قالتها لتتلقى عناق ابنها على الفور، لتربت بكفيها على ظهره ضاحكة، وابتسامة صافية بود حقيقي تطالع بها شهد، تحمل في طياتها السلام والإطمئنان؛ لتبدد سنوات من الغيوم والضباب.
❈-❈-❈
من النافذة إلى المقعد المجاور لشقيقته، ثم إلى النافذة مرة أخرى، ينظر إلى الشارع يترقب انتظارها، ويطالع الساعة بتوتر يعصف به، حتى هتفت به رحمة:
- ما تهدى بقى يا بني خايلتني.
التف إليها والقلق يصدر مع كل حرف يخرج بين كلماته:
- أهدى إزاي بس يا رحمة؟ وانتي بتقولي العريس دا جاي بكرة، أنا عايز أعرف رأيها قبل ما تشوفه، مش عايز أدخل في دوامة الانتظار المر لمعرفة قرارها في الجوازة، عايز أرسى حل، هتفتحلي باب جنتها، ولا أهج وأسيب البلد كلها.
دب الرعب بقلبها تأثرًا بكلماته، لتبلغه اعتراضها علّه يعود لعقله:
- يا لهوي يا شادي، انت واعي للي انت بتقوله؟
أومأ يوافقها الرأي يهز رأسه قائلًا:
- أيوة يا رحمة واعي للي بقوله، بس أعمل إيه؟ ما انتي اللي عشمتي قلبي بكلامك امبارح، أنا طول الوقت بكبت إحساسي جويا، لكن دلوقتي وبعد ما عرفت كمان إنها ممكن تروح مني، معدتش قادر أسكت، مش قادر يا رحمة.
زحفت بجسدها على الفراش حتى اقتربت من الطرف، وامتدت ذراعها نحوه لتربت بكفها على ساعده مهونة بحنان:
- سيبها على الله وربك يساويها، قادر ربنا يجعلك نصيب فيها، من هنا للصبح يعدلها المولى.
ردد خلفها باستنكار اختلط بإحباطه:
- وأنا لسه هستني للصبح؟ بقولك مش قادر.....
قطع يستل هاتفه، ليضغط على أحد الأرقام ويهاتفها، سألته رحمة بفضول:
- طب هتتصل بمين؟
أشار إليها بكفه لتتوقف عن الكلام، وانتظر حتى أتته الإجابة من الطرف الآخر:
- الوو السلام عليكم، مين معايا؟
أربكه صوتها الناعم الرقيق، حتى جعله يتلعثم في البداية، باحثًا عن رد ليبرر سبب اتصاله بها، فهذه أول مرة يفعلها:
- ااا صبا، ممعلش لوو بتصل بيكي في وقت متأخر.
- لا ولا يهمك يا مستر، مفيش تأخير ولا حاجة، أنا أصلًا لسه في الفرح.
قالتها بتسامح وعفوية جعلت أعصابه ترتخي بعض الشيء، فجاء رده بفضول لم يقوى على كبحه:
- هي مش خطوبة عادية يا صبا، ليه التأخير ده كله؟
ردت بابتهاج وصل إليه عبر صوتها:
- لا ما هي بقت كتب كتاب، والليلة احلوت جوي حتى أبويا بيرقص بالعصاية.
- ضحك من جهته ليرد مستمتعًا بحديثها:
- يااه دا بين شهد دي غالية أوي عند أبو ليلة عشان ينزل من هيبته ويرقص لها.
- جوي جوي والله، دا أنا حاسة إن فرح أختي النهاردة.
- ربنا يفرحك كمان وكمان.
حديثهما كان مفعمًا بالتباسط، حتى أنه نسي السبب الأساسي لاتصاله، ولم ينتبه سوى بعد أن ذكرته:
- بس انت مجولتش سبب الاتصال يا مستر.
- السبب! اَه السبب، ااا أنا كنت بتصل عشان أبلغك يعني..... رحمة، رحمة عايزاكي ضروري.
زهلت الأخيرة تضرب كفًا بالأخرى، لا تصدق ما يفعله شقيقها والذي فاجئها بجراته في الاتصال، يبدو أن الحب يفعل المعجزات كما تسمع دائمًا، حينما أنهى المكالمة، بادرته بالسؤال على الفور:
- ها سي يا شادي، ردت وقالتلك إيه بقى؟
استفاق ليلتف إليها متحمحمًا بادعاء الجدية:
- اا بتقول إنها هتيجي الصبح تطل عليكي.
ظلت تطالعه صامتة، محافظة على ابتسامتها الماكرة، لتزيد من اضطرابه، انتفض فجأة يهتف بها معترضًا:
- في إيه يا بنتي؟
❈-❈-❈
- طنت مجيدة وماما، مش شايلين عيونهم من علينا.
قالتها لينا وعينيها تختطف النظرات نحوهن، التف هو نحو الجهة التي تقصدها، ليعود إليها معقبًا:
- اعذريهم يا ستي ما هم لازم يستغربوا، دول ياما شاهدوا خناقتنا.
زَمت شفتيها لترد بابتسامة مستترة ودلال يليق بها:
- وهما شافونا دلوقتي بقينا حبايب يعني؟ عشان بس واقفة معاك هيعملوها حكاية.
توسع ثغره بابتسامة عذبة، يطالعها بإعجاب وانبهار، رائعة بكل خصالها، حتى وهي مجنونة تنفعل على أتفه الأسباب، تتشاجر بحدة غير آبهة بأي شيء أو صفة الذي يقف أمامها، ولكن في المقابل، تملك من سمات الجمال ما ينصبها ملكة، ومع ذلك تتصرف بطبيعتها دون تصنع، تذكر حينما أتى متأخرًا ليصطحب شقيقه والعروس خطيبته لموقع التصوير، وقعت عينيه عليها وقد كانت خارجة من صالون التجميل كأميرة يونانية من إحدى أساطير الخيال، لقد توقف قلبه عن النبض لحظات قبل أن يستعيد خفقانه مرة أخرى، كي يملك رباط جأشه حتى يستطيع التعامل معها بثبات.
المناكفة الشرسة، لها قدرة عجيبة على تحريك الماء الراكد حتى يصبح حمم بركان مشتعلة، وقد أحيت فؤاده بعد سنوات عديدة من سباته.
طال في تأمله لها، حتى جعلها تخرج عن صمتها قائلة:
- مالك يا عم ساكت ليه؟ أنا بكلمك على فكرة.
عاد للضحك مرددًا:
- طب ما أنا عارف إن انتي بتكلميني، لازم يعني أرد على كل سؤال؟
افتر فاهاها باندهاش لتضرب كفًا بالأخرى تقول:
- مفيش فايدة فيكم انتوا يا ظباط، التناكة بتجري في دمكم، أموت وأعرف، هي الصفة دي بتاخدوها في المناهج، ولا انتوا بتتولدوا بيها يعني ولا إيه؟
عقب ساخرًا يضيف عليها:
- لا وانتي الصادقة، دي بتبقى من أساسيات المعايير اللي بيتم اختيارنا عليها.
- كمااان.
بنصف شهقة تفوهت بها ضاحكة، قبل أن تلتف رأسها مع الجميع نحو الشاشة التي كانت تعرض الصور التي تم التقاطها للعروسين منذ قليل، بعدة أوضاع، وعدة أماكن مع موسيقى تصويرية، تجذب انتباه الحضور، وتأسر أسماعهم.
وقفا الاثنان يتطلعان كالبقية بقلوب مبتهجة وحالمة، عدة دقائق زيادة من فرح المحبين، وغيظ الآخرين، حتى إذا انتهت توقف حسن بالميكروفون معلنًا:
- مساء الخير يا جماعة، أنا عارف إن ناس كتير كانت فاكراها خطوبة عادية بس إحنا حبينا نعملها مفاجأة، اتفضل يا عم الشيخ.
قالها متجهًا بأنظاره نحو مدخل القاعة، والتفت رؤوس الحاضرين بالتبعية خلفه، نحو رجل الدين الذي كان يتقدم بخطواته، بصحبة مسعود أبو ليلية، لتنطلق الزغاريد القوية من زبيدة وأنيسة ومجيدة التي كانت تردد بالأدعية الحافظة، واضعة كف يدها على موضع قلبها تخشى أن يتوقف من الفرحة.
أمام الذهول الذي اكتنف المدعوين، تحرك فريق من عمال القاعة، بطاولة عقد القران في الوسط، والتي كانت مجهزة من قبل ذلك باتفاق مسبق، حتى إذا وصل الشيخ جلس على كرسيه دون انتظار، هلل أبو ليلة بصوت عالي:
- ما تزغرتوا يا جماعة، زودوا فرحتنا.
انطلقت دفعة قوية لعدد من النساء يشاركن أهل العروسين فكان الصخب على أشده.
❈-❈-❈
وفي الجهة الأخرى تسمر واقفًا لمدة من الوقت لا يستوعب الصدمة، رغم كل ما يحدث ويراه من دلائل من حوله، وكأنه في عالم آخر، يكذب عينيه التي كانت تجول وتتنقل دون هوادة عليها وعلى الملعون الذي يسحبها بحمائية نحو طاولة عقد القران، استعاد وعيه على احتجاج والدته من خلفه:
- كتب كتاب يا نرجس وكنتوا مخبين علينا، ليه يا حبيبتي هنحسدكم؟
هتفت الأخيرة تجيب بدفاعية:
- والله ما أعرف يا أختي، أنا زي زيك.
- نعم.
تفوه بها وهو يستدير بجسده نحوهن يردف بهدوء مريب:
- انتي بتقولي إيه؟ يعني المأذون هيعقد ع المحروسة وانتي متعرفيش يا خالتي؟ إزاي يعني؟
ملامحه كانت مظلمة، مخيفة حتى لأمنية التي ارتعبت من هيئته، لتضيف هي الأخرى بلجلجة، رغم سلامة موقفها:
- إحنا متفاجئين زينا زيكم والله، ما كنتش أتخيل إنها تطلع بالندالة دي وتخبي عن أهلها كمان.
- عشان كرديات وهبل.
تلفظ بها كسبة بوجهها قبل أن يستدير عنها، وسعير الغضب بداخله، يحرضه على افتعال جريمة متكاملة الأركان لإيقاف هذا المهزلة، حتى لو أدى لقتل هذا الداهية وقتلها، كي لا تكون لأحد غيره، ولكنه ليس بالأحمق ليفضح نفسه أمام هذا الجمع من البشر، وعلى رأسهم هذه المناصب الهامة من رجال الأمن، لو كان الأمر في الحارة لتمكن بحيلة ما؛ أن يفسد الحفل من مكانه جالسًا، لكن هنا يقف كالعاجز مقيدًا، وقد بوغت بالضربة الموجعة، التف بغليله نحو النساء يفرغ سم حلقه بهن، فهو لن يتوجع وحده:
- انتي هتفضلوا كدة ساكتين وسايبين المسخرة دي تحصل، عندها حق بقى تعاملكم كدة، مدام معندكمش كرامة، دي العيلة الصغيرة عملت لها قيمة عنكم، وقالت لها، ولا انتوا مش واخدين بالكم؟
ذهبت أنظارهم نحو رؤى التي التصقت بشقيقتها العروس هي ولينا وصبا وبعض الفتيات الأخريات، بفرح يقفز من أعينهن، دليل علمهم سابقًا بما يحدث.
عاوَد إبراهيم يقول بفحيح:
- لو انتوا هترضوها على نفسكم، تبقوا تستاهلوا اللي يجرالكم، أنا راجل دمي حُر.
- يعني هنعمل إيه؟
سألته أمنية بعدم فهم قبل أن تتفاجأ به، وهو يتناول هاتفه من فوق سطح الطاولة ليضعه بجيبه، ومفاتيح السيارة التي أتى بها، موجهًا حديثه نحوهن:
- هتخرجوا معايا انتوا التلاتة دلوقتي، البت دي لازم تشوفكم وانتوا خارجين وبتحرجوها، عشان مترفعش عينها في عين الناس دي اللي فرحانة بيهم.
انصاعت أمنية كالمغيبة لتنفيذ أمره، أما نرجس، فكانت مترددة بجبن منها، في مواجهة شهد، وبنفس الوقت تريد الذهاب معه وتركها، لتثأر لنفسها بعد أن همشتها بهذه الطريقة، وكأنها غريبة وليست من أهل المنزل، تطلعت نحو شقيقتها تود المؤازرة منها، ولكن الأخرى كانت غير منتبهة وقد بدا التوتر عليها، وهي تقول:
- بقولك إيه يا إبراهيم، الناس بقت تاخد بالها مننا، وأبوك زي ما انت شايف، رايح يشهد مع الراجل الصعيدي على عقد المحروسة، لم الدور يا بني أحسن، إحنا مش قد غضبه، دا باينه دا كمان مطبخها معاهم.
للمرة العاشرة تتوالى معه الصدمات وقد تيقن من صحة ما تتردف به والدته حينما أبصر بعينيه المذكور وقد اتخذ مكانه على طاولة عقد القران، زاد المرار بحلقه فلم يعد قادرًا على الصمود أكثر من ذلك.
التف بحدة نحوهن قائلًا:
- خليكم مرزوعين، وأنا ماشي وسيبهالكم.
قالها وتحرك بخطواته السريعة مغادرًا، وتبعته أمنية غير آبهة بأي شيء غيره، ضربت سميرة بقبضتيها على فخذيها أسفل الطاولة تقول بحسرة:
- يا عيني عليك يا بني حاسة بيه، بس مش قادرة أحصله ليتخرب بيتي كمان.
طالعتها نرجس بأسف لم تتقبله الأخرى، لتأخذ دور ابنها في الحقد مرددة:
- انتي لازم تعملي لك كرامة، فاهمة ولا؟ البت دي لازم تعرف إن عندك عزة نفس، مش بهيمة ولا خيبة.
❈-❈-❈
بعد انتهاء عقد القران والذي تم في أجواء من المرح بفضل التعليقات التي كان يطلقها رجل الدين (المأذون) والرد عليه من العريس المعروف أصلاً بخفة ظله؛ والتي كانت تجبر العروس على الضحك، لتتغلب على خجلها الفطري، لتشتعل الساحة بعد ذلك بالرقص وتصفيق الأحباب الذين التفوا حولهم بمشاركة فعالة، تنبع من فرح حقيقي لارتباط الاثنين.
مجيدة والتي كانت على حالة من الغبطة فاقت التصور، بعد أن أكرمها الله أخيرًا بالزوجة الصالحة لابنها الأصغر، وحالة من الأمل تزداد كل لحظة بفك عقدة الآخر، مع استشعارها بالكيمياء التي حلت جديدًا بين أمين ولينا التي بدأت ترى تجاوبها بوضوح.
لم تنسى ولو لحظة ترديد الأدعية الحافظة من كل شر، خصوصًا وقد انتبهت جيدًا لجمود نرجس وعدم تقدمها لمباركة شهد على عقد القران، هي وشقيقتها الأخرى، والتي لم يُخفى الحقد الظاهر على قسماتها، بالإضافة إلى الانصراف المخزي من طرف شقيقتها، وهذا المدعو إبراهيم خطيبها فور البدء في إجراءات عقد القران:
وتساؤل يدور بذهنها:
- لما كل هذا الكره نحو شهد؟
❈-❈-❈
- وبعدين بقى؟
هتف بفصل كدة ساكت لحد إمتى يا إبراهيم؟
سألته بتوجس وقد طال انتظارها لدرجة زرعت بقلبها الشكوك، فحقيقة الوضع حتى ولو كان يحق له الغضب والاعتراض، لا تستوجب كل هذا الجمود والتجهم بشرود، وكأن الأمر.......
هذه المرة خرج قولها بانفعال حينما لم تجد تجاوبًا منه:
- على فكرة بقى، هي مش مستاهلة الزعل دا كله، إيه قيمتها دي كمان عندك؟ دا أنا اللي هي أختي مش هاممني، وعلى يدك سيبتها وخرجت عشان خاطرك..
التفت رأسه بحدة نحوها يحدقها بشرار عينيه، وللمفاجأة، وجدها تواجه بتحدي، بل وزاد بعينيها شك جعله يعيد التفكير سريعًا في الرد عليها بخبث:
- انتي شايفة إنه ميستحقش، بس أنا اللي هاممني الكرامة، البت دي قلة قيمتنا كلنا لما فاجأتنا بعملتها ولا كأننا ناس غريبة عنها، دي عمرها ما حصلت في الدنيا، العروسة تعقد في يوم خطوبتها من غير ما تبلغ أهلها، إلا إذا كانت مش معترفة إنهم أهلها.
استطاع التأثير بالضغط على هذه النقطة الحساسة، حتى بدا الاعتراض يعلو تعابيرها، لتردف بكبرياء زائف:
- في ستين داهية، أنا كمان مش معتبرها أختي.
أصدر صوتًا بزاوية فمه، يبدو كنصف ضحكة ساخرة ليردف لها:
- ما هو دا اللي هي عايزاه يا أختي، عشان بعد كدة لما تقش الجمل بما حمل، ما يبقالكمش حق تطالبوا بيه.
حمق تفكيرها يساعده كثيرًا في التفريغ عن غضبه، بل ويجعله يكتشف مواهبه الخارقة في برمجتها لصالحه، لذلك لم يفاجئه ردها:
- دا أنا كنت أطبق في زمارة رقبتها لو حصل، أنا صاحيالها قوي.
قابل انفعالها بضحكة مستهزئة زادت من غيظها لتباغته القول:
- بس عشان كمان نبقى عادلين، أبوك هو اللي مشجعها مع الراجل الصعيدي، طيب أبو ليلة وأهو غريب ومش مننا، إنما أبوك بقى يعمل كدة ليه؟
ضغط بقبضتيه حتى ابيضت مفاصله، ليردف كازًا على أسنانه:
- أبويا راجل كبير، وهي بتدخلوا من ناحية الصحبة اللي كانت بينه وبين أبوها، عقله ميجبش لؤمها معاه، ومع ذلك أنا لا يمكن أفوتها المرة دي، لازم آخد موقف يعرفه إنّي مش موافق على عمايله دي، ع الأقل عشان يقدر خاطركم بعد كدة.
سألته بفضول:
- يعني هتعمل إيه؟
أجابها بنزق:
- مش محتاجة سؤال، أنا النهاردة مش بايت فيها، وبكرة لما أقابله مش هسكت له، إن شاء الله حتى أتخانق معاه.
تطلعت أمامها نحو المنطقة التي توقفت بها السيارة منذ قليل لتردف بتفهم:
- اه عشان كدة بقى انت واقف قصاد المخزن الخلفي للدكان.
- أيوه يا أختي فهمتيها لوحدك؟
قالها ثم انتبه عليها، ليمشط بعينيه على وجهها بزينته المتقنة ثم هذا الفستان المحكم على منحنياتها المكتنزة، رغم شعورها بوقاحة النظرات لكن ذلك لم يمنع أن تكتنفها دغدغة لذيذة تعطيها الثقة بأنوثتها التي تؤثر به، حاولت نهره فخرج صوتها مهتزًا:
- شيل عينك يا إبراهيم عيب.
ابتسامة خبيثة ارتسمت على ملامحه، وقد كانت أمامه كصفحة كتاب مفتوح، فقال مستغلًا ضعفها أمامه:
- بقولك إيه، لسه محدش رجع من الخطوبة الزفت دي، تعالي اقعدي معايا الشوية دول ونسيني على ما يجوا.
باعتراض واهٍ هزت رأسها تقول:
- لا يا إبراهيم مينفعش، الدنيا ليل دلوقتي، أخاف لتزودها معايا، ما أنا فاهمة أوي انت عايزني معاك ليه.
نهض فجأة مترجلًا من السيارة يأمرها بحسم قائلًا:
- مدام عارفة إيه لزوم الرغي؟ اخلصي يالا هما دقيقتين مش هيزيدوا.
❈-❈-❈
توقفت سيارة الأجرة على جانب الطريق، ليترجل منها العم كريم بعد انتهاء نوبة عمله، تاركًا السيارة الفخمة لأصحابها، كان حاملًا على يديه متطلبات المنزل من فواكه وخضروات وبقالة، يخترق الطرقات الملتوية الصغيرة من زقاق لآخر، مسافة ليست ببعيدة، ولكن ما يصعب الأمر هو الصعود والهبوط على الأرض غير السوية، بالإضافة إلى الظلام الذي يقابله كثيرًا في عودته ليلاً، مما قد يجعله عرضة لقطاعي الطريق ومعتادي الإجرام.
يخطو بتسارع، وقد أصبح على مقربة من منزله ولكن وقبل أن يصل إليه، بوغت بيد قوية تسحبه بسرعة البرق ليجد نفسه داخل منزل جاره المتوفي منذ سنوات عديدة، والذي تصدعت جدرانه وتهدمت معظمها، ليصبح مسكنًا للأشباح.
- بسم الله الرحمن الرحيم، انت مين؟
تمتم بها بصوت مرتعش، يشعر ببوادر أزمة قلبية من الرعب الذي شل أطرافه، وعقله يخبره أنه من أحدهم، تكلم الآخر وهو يكشف عن وجهه الملثم:
- أنا حامد يا عم، اهدى بقى.
شهق العم كريم يسحب أنفاس كثيفة بخشونة، ليستعيد ثباته قبل أن يتمالك، ليدفعه بكفيه محتجًا:
- روح يا شيخ الله يلعنك، كنت هتجيبلي سكتة قلبية بعبطك ده، إنت اتجننت؟
ضحك بسماجة وهو يرخي قبضته عنه يقول باستظراف:
- معلش يا اسطا، جات شديدة عليك دي، بس أعملك إيه بقى؟ ما أنا ملقتش طريقة تانية عشان أقابلك، ولا انت كنت هتوافق يعني لو دخلت استنيتك في بيتك.
- بيت مين؟
هتف بها ليتابع موبخًا، رغم الزعر الذي كاد يشل أطرافه:
- طب كنت أعملها يا حامد، عشان كنت بلغت عنك وخلصت من خلقتك، انت إيه اللي جايبك أساسًا؟
- الهوا هو اللي جابني.
أردف بها حامد ساخرًا ليضيف:
- دي برضوا مقابلة يا عم كريم تقابلني بيها، وأنا اللي اديتك الأمان عشان أجي أقابلك وأبلغك باللي طالبه منك.
ازداد انفعال الرجل ليهتف بسخط:
- اسم الله عليك وعلى جمالك، يعني انتي جاي تقطعني الخلف، وليك عين كمان تطلب مني؟
تغيرت نبرة الأخير، ليرد بلهجة راجية:
- أيوه جاي أطلب منك يا عم كريم، عشان بصراحة بقى أنا معنديش حد أثق فيه يوصل الأمانة دي لأهلي.
ارتد الرجل للخلف برعب، فور أن وقعت عينه على الظرف الممتلئ بالنقود، ليزداد ارتجافه حتى خرج صوته بلعثمة وارتعاش:
- الله يخرب بيتك، انت انت اا عايزني أروح برجلي لبيت أهلك اللي متراقب وألبس مصيبة، انت طلعتلي منين يا واد انت؟
ضحك بخشونة مرددًا:
- طلعتلك من الضلمة، ولا انت مش واخد بالك؟
أكمل بضحكه الساخر، ليزيد من حنق الرجل، والذي يأس منه، فتحركت أقدامه للخلف ينوي المغادرة قائلًا:
- طب يا خويا خليك في الضلمة اللي جيت منها، أنا معايا عيال عايز أربيهم.
هم حامد أن يقطع عليه طريقه، ولكنه تفاجأ بمجموعة من الرجال الضخام تشبه فرقة الموت، تقتحم فجأة وتحاوطه هو والعم كريم، والذي صرخ برجاء:
- أنا مليش دعوة بالواد ده، أنا راجع لولادي.....
أوقفه كبيرهم بإشارة من كفه قائلًا:
- إحنا عارفين ومراقبين من بدري، زوق عجلك انت يا عم كريم، وبرضوا لا شوفت ولا سمعت بأي حاجة.
- ابدأ والله ما هتكلم، عمري ما هتكلم.
ردد بالكلمات الرجل وهو ينسحب من البيت المظلم، ليهرول هاربًا إلى منزله، والذي توقف بمدخله فور أن دلف إليه، ليشرئب برأسه نحو الخارج، بفضول دفعه للمعرفة، ليصعق برؤية حامد محمولا على كتف أحد الرجال كخرقة بالية، يذهبون به نحو سيارتهم التي كانت مركونة في مكان قريب، مشهد اقشعر له بدنه، وهو يعلم بما ينتظره.
❈-❈-❈
- تعالى اقعدي يا مودة.
تفوه بها الضابط عصام آمرًا بلطف، فاستجابت له باحترام لتجلس على الكرسي المقابل لمكتبه، والذي أشار عليه بيده، منكسة الرأس بخوف أو ربما خجل، تأملها قليلًا قبل أن يقول:
- ارفعي راسك وردي عليا لما أكلمك، انتي خلاص كلها يوم ولا يومين وتخرجي، مدام صفاء المحامية بتعمل المستحيل عشان تخرجك.
ردت بصوت خرج كالهمس:
- عارفة يا فندم.
خاطبها بلهجة تميل للنصح:
- مش مهم تعرفي وبس، المهم تاخدي بالك بعد كدة، الأخطاء الصغيرة في الحاجات بتجر وراها مصايب، مش عيب إن البني آدم ينشأ في ظروف وحشة، العيب إنه ياخدها حجة عشان يمشي في طريق الغلط.
رفعت رأسها تقول بدفاعية:
- بس أنا والله ما كنت أعرف بقيمة الخاتم.......
- خلاص يا مودة.
قالها مقاطعًا وبحزم يتابع:
- أنا مش بتكلم ع اللي راح، أنا بتكلم ع اللي جاي، حاولي تصبري شوية عشان ما يتكررش معاكي اللي حصل، حتى لو هيتعبك الحرمان، أكيد في يوم هتشبعي، وتلاقي كل اللي اتحرمتي منه، فاهماني يا مودة؟
أومأت برأسها وكلماته رست في قلبها قبل عقلها:
- أكيد يا باشا فهمت.
❈-❈-❈
انتهى من حمامٍ دافئ أرخى به عضلات جسده المتشنجة، نتيجة الإجهاد في عمله المتواصل طوال اليوم دون توقف، دلف إلى الغرفة بالمنشفة الصغيرة يجفف شعر رأسهِ، ولكنه انتبه على الإضاءة التي كانت تصدر من هاتفه على الكمود المجاور لفراشه، تناوله سريعًا، ليفتر ثغره بابتسامة، فور علمه بهوية المتصل، رد على الفور دون انتظار:
- قلبي بقى، عاملة إيه يا بيبي؟
جاءه الرد بصوتها الرقيق:
- كويسة يا حبيبي والحمد لله، وانت عامل إيه؟
طرد دفعة من الهواء الساخن ليرد وهو يقف أمام المرآة ليمسح على النقاط المتبقية من الماء على أطراف وجهه:
- يعني عايزاني أبقى إزاي بس في بعدك؟ مش ناوية تحني وترجعي بقى؟
تلجلجت قليلًا وخرج قولها بارتباك:
- ااا يا كارم ما أنا كنت عايزة أجيلك الأول عشان نقعد مع بعض، بس انت مبتجيش.
استدار بجسده ليعود لفراشه قائلًا:
- ما أنا قولتلك يا بيبي إن شغل الشركة كله كان متكوم فوق راسي اليومين اللي فاتوا، على العموم عدي راجع الليلة، يعني أعدي بالمرة بقى آخدك انتي والولد، ولا انتي موحشكيش كوكي حبيبك؟
قال الأخيرة بتمهل وإغواء وصوت أنفاسه الساخنة وصلت إليها، ليذكرها بسحر لمساته الخبيرة وتأثيرها عليها، اعترضت تصيح به:
- يووه يا كارم، ما بلاش لعيبي دي بقى وكلمني جد.
أطلق ضحكة انتشاء وتسلية ليقول بثقة:
- ماشي يا رباب هتكلم جد، بس انتي مش شايفة إن زيارتي لبيت ناس بيكرهوني منظرها مش حلو؟ يا بيبي تعالي البيت وافتحي براحتك معايا مية موضوع، كفاية بقى أنا صبري بدأ ينفذ.
شاب قوله لمحة من السيطرة والتهديد رغم محاولاته الدائمة في معاملتها بلطف، ابتلعت ريقها الجاف لتردف بإلحاح ورجاء:
- يا حبيبي افهمني بقى، البيت أساسًا هيبقى فاضي، ما انت عارف كاميليا وجوزها بيبقوا في الشغل لحظة الصبحية، يعني أنا وانت هنبقى براحتنا.
صمت قليلًا قبل أن يجيبها على مضض، برغبة قوية منه لعدم الضغط عليها، تقديرًا لما مرت به:
- ماشي يا رباب، هعدي عليكي عشرة الصبح، نتكلم شوية قبل ما أروح شغلي، كدة كويس؟
- كويس طبعًا، كويس يا كارم.
قالتها بنبرة قلقة رغم إذعانه لرغبتها، فما ينتظرها من مواجهة معه، ليست بالهينة.
ولحسن الحظ أو سوءه بالأصح، لم ينتبه هو جيدًا لنبرتها، وقد وصله اتصال آخر على نفس الهاتف، ونظرًا لأهمية الأمر طلب منها إنهاء المكالمة من جانبها ليرد على المتصل الآخر:
- أيوه يا بني، وصلتوا لحاجة؟
أجابه الآخر بمغزى:
- كان عندك حق يا باشا لما خلتنا نراقب كريم السواق، الأمانة دلوقتي معانا.
- بتقول إيه؟
هتفت بها بعدم تصديق في البداية، قبل أن يتدارك سريعًا ليأمر رجله بحزم:
- الواد دا يجي الفيلا عندي في الحال، وخلو بالكم، مش عايز أي حد يحس بيكم.
❈-❈-❈
بداخل المخزن وقد استجابت لرغبته، ليقتطف القبلات واللمسات الجريئة منها، يساعده ضعفها لتبدو في يده كالعجينة يشكلها كيفما يشاء، تطيعه كالمغيبة ولكن حينما يصل إلى نقطة ما؛ تقربها من خطر الوقوع في المحظور، توقفه على الفور، وهذا ما كان يحدث الآن:
- كفاية، كفاية، خليني أمشي بقى.
وكأنه لم يسمع بل زاد بضمها يلثمها بحرارة قاربت العنف؛ أزعجها بشدة لتتشجع في إبعاده عنها بقوتها المعهودة قبل ذلك.
- يا إبراهيم بقولك كفاية، كفاية يا أخي.
مع قولها الأخيرة، استطاعت تدفعه بغشم جعله يقع أرضًا، فصاح بها ناهجًا بأنفاس لاهثة:
- انتي بتكرريها تاني معايا يا بت؟ مش مالي عينك أنا؟
زَمت شفتيها تقول بدلال، وهي تلملم ما بعثرته يداه على ملابسها:
- ليه يا حبيبي؟ عايزني أسيبلك نفسي لحد ما تضيعني؟
رمقها ببغض شديد، ليشيح بوجهه عنها زافرًا بحنق، وقد أفسدت مزاجه، بعد أن نسي بها قليلًا همه، ولكنها عاودت:
- أنا بحبك أه وبعملك اللي انت عايزه عشان واثقة فيك يا إبراهيم، لكن مش هبلة عشان أسلملك كدة واحنا لسه ع البر.
التف إليها رافعًا طرف شفته العليا باستنكار، ليتحرك بخطواته حتى وصل إلى أحد أجولة الحبوب جلس عليه، ليخرج من جيب قميصه علبة السجائر، سحب واحدة يضعها بفمه، قبل أن يشعلها بعود الثقاب الذي كتم نيرانه أسفل حذائه، واستمر على صمته، لتستطرد راغبة في مشاكسسته:
- انت زعلت مني يا إبراهيم؟
رد بصوت خشن:
- وانتي مالك أزعل ولا أتفلق حتى، مش خايفة على نفسك يا ختي؟
تبسمت بابتهاج داخلها، وظن خادع بتأثيرها عليه، فقالت بمغزى:
- والله إن كنت هماك أوي كدة، اهو المأذون موجود، وأنا موجودة، ولا هي المحروسة وخطيبها كانوا أحسن مننا لما شبكوا وكتبوا الكتاب في ليلة واحدة.
الحمقاء الغبية ضغطت على زر الخطر دون قصد، وبغفلة منها أكملت وهي ترتدي حجابها، بدون أن تنتبه على ملامحه التي توحشت حتى نهض ليقف مستمعًا لها بتحفز وهو على حافة الانفجار:
- اهو دلوقتي البشمهندس بقى جوزها رسمي، يعني لو طلب منها أي شي، هتسلمه من غير جدال، لا دا تلاقيه بترحيب منها كمان، ما هي قاعدة بقالها سنين عطشانة، وفجأة لقت البحر اللي تغرق فيه.......
قطعت متفاجئة به أمامها، ونظرة من قعر الجحيم أدخلت في قلبها الرعب، وقبل أن يخرج السؤال منها، باغتها بصفعة قوية بكفه الكبيرة، سقطت على الجهة اليمنى من وجهها لتهتز بعدم اتزان حتى كادت أن تقع، أو يحدث برأسها ارتجاج، قبل أن تتماسك لتطالعه بذهول، وخيط دماء سال من جانب فمها، ترافقه دمعة ساخنة، بشفاه مرتعشة وكأن الكلمات اختنقت بجوفها، وبدون أدنى ذرة من ندم، مد ذراعه يشير بسبابته أمامها، بصوت شرس:
- امشي اخرجي حالًا، غوووري من وشي.
يتبع
•
رواية و بها متيم انا الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم امل نصر
برأس مثقل وملابس ارتدتها سريعًا، خرجت من غرفتها تجر قدميها جرًا، ومحاولات جاهدة لمقاومة النعاس من أجل أن تستفيق جيدًا لبداية يومها.
نرجس وانتي كانت خارجة من المطبخ، تحمل طبق الشطائر التي صنعتها، عقبت بتهكم ساخر فور أن وقعت عينيها عليها:
- يا الف مبروك، اخيرًا يا اختي اتهز بيكي السرير وقومتي!
اقتربت رؤى تتناول الشطائر لتضعها في الحقيبة، وعبوس وجهها خير دليل على المعاناة التي تكتنفها هذه اللحظة، بتأثير متأخر لما فعلته بالأمس، لتزيد من غيظ الأخرى والتي بلغ بها الحنق لتلكزتها بقبضة يدها على ساعدها.
فخرج صوتها متأوهة بألم:
- اَه، ليه كدة يا ماما؟
اقتربت نرجس برأسها منها، تهمس كازة على أسنانها:
- ما هو كله من التنطيط ورقص الجنان بتاع امبارح، اللي ما ريحتي رجلك ساعة على بعضها، تستاهلي كل اللي يجرالك، اياك يارب المُدرسة بتاعة المجموعة تفوقك بالعصاية على نفوخك لما تلاقيكي مبلمة معاها زي البهيمة كدة.
كلماتها السامة مع استعادة ما حدث بالأمس من أفعال مخزية جعلها تنتفض بوجهها مرددة:
- وفيها ايه لما ارقص ولا اتنطط حتى؟ مش فرح اختي، ولا احنا كل يوم بيجينا الفرح؟
قالتها رؤى لتتفاجأ بفعل والدتها التي لوكت فمها بتنمر صريح وعدم قدرة على إخفاء مشاعر الغضب بداخلها مرددة:
- لأ يا اختي مبيجيش كل يوم الفرح، بس لما يكون فرحنا بجد، يعني فرح اختك شقيقتك، مش المحروسة اللي داست على كرامة امك برجليها، لما كتبت الكتاب من غير ما تبلغنا، طب اعملي خاطر لزعلي ولا قهرتي حتى.
مازال الهمس هو سيد الموقف، رغم حدة الشجار الدائر بينهما، نرجس بجبن منها كالعادة، ورؤى تخشى على مشاعر شقيقتها لو سمعت، فجاء ردها بحزم:
- قالت بقى ولا مقالتش، هو انتي بيهمك أوي مصلحتها، ولا بتدخلي برأيك في أي شيء يخصها؟ انا مش فاهمة والله، ايه لزوم القلبة الكبيرة دي، يعني مش كفاية منظر بتك اللي يكسف امبارح؛ لما اتسحبت تمشي ورا خطيبها قدام كل المدعوين في القاعة، وقت كتب كتاب اختها، على فكرة بقى، منظركم كان مكشوف أوي.
كالعادة وحينما تغلبها بالمنطق رغم صغر سنها، زجرتها نرجس تنهي الحوار:
- امشي يا بت، امشي غوري روحي على الدرس بتاعك، يا للا غوري.
استلمت رؤى لتذهب، مكتفية بهذه القدر من الكره على بكرة الصباح، وكي تلحق موعدها مع المجموعة.
طالعتها نرجس حتى غادرت ثم تحركت نحو ابنتها المفضلة، والتي تلزم غرفتها منذ الأمس، مغلقة عليها بابها، في أمر لا يحدث إلا نادرًا، طرقت بخفة على الخشب المثقل منادية:
- بت يا أمنية، قافلة على نفسك ليه؟ لسة مصحتيش؟
حينما لم تجد ردًا واصلت نرجس الهتاف:
- انتي يا بت، ما تفوقي يا منيلة كل دا نوم؟
خرج صوت الأخرى بعد قليل بتأفف:
- في ايه؟ ما تسبيني يامة في حالي، عايزة انام، عايزة انام الله.
- طيب خلاص متتعصبيش، انا بس كنت عايزة اطمن عليكي، نامي براحتك يا عين امك.
قالتها نرجس قبل أن تعود لأدرجاها، تاركة الغرفة وصاحبتها، والتي كانت بداخلها مكومة على سريرها، متكتفة الذراعين، بأعين متوسعة، وذهن واعي تعيد برأسها مشاهد من الماضي وما يحدث معها الاَن في الحاضر، لقد أذلها بالفعل هذه المرة، ضربها وطردها دون وجه حق، ماذا فعلت ليسحق كرامتها هكذا؟ وهي التي تعطيه بلا مقابل وتنفذ كل أوامره.
تعلم أن العشق لطالما أعماها عن عيوبه، وكم تغاضت عما يفعله معها من سباب او انفعال على أتفه الأسباب، دائمًا ما تجد له المبرر، لكن الاَن أين هو مبرره؟ أم يظنها غبية ولن يصل لذهنها السبب الأساسي لكل هذه العاصفة الهوجاء منه؟ لقد كان مجرد شك، والأن أصبح تأكيد.
ما كان قديمًا لم يكن كذبًا، ما سمعته في ذلك اليوم كان هو الحقيقة، ذلك حينما كانت في عمر الثانية عشر، وقد كانت عائدة من دوامها الدراسي، فلم تجد أي فرد من العائلة، وقبل أن تهتف منادية على والدتها، وصلتها رائحة الطعام الشهي، لتعلم أين هي؟
توجهت متحركة بأقدامها نحو المطبخ، لتتوقف على مدخله صامتة، حينما رأت النقاش المحتدم بين والدتها وخالتها سميرة والتي كانت تتحدث بنبرة اتهام:
- انتي لو كان هامك ابن اختك بجد، كنتي أقنعتي جوزك يا نرجس، ع الأقل ياخد وقته في التفكير، مش يقلب ع الولد القلبة السودة دي.
دافعت الأخيرة عن نفسها تقسم:
- وحياة ربنا يا شيخة كلمته، حاولت معاه مرة واتنين وتلاتة، لكنه مقفل على دماغه بقفل مصدي، دا بقى كاره يسمع اسمه حتى.
شهقت تتخصر باستهجان قائلة:
- اسم الله يا ختي، ومش طايقه ليه بقى؟ هو الراجل ده كان يطول واحد زي ابني؟ ولا اكمنه مدلع المحروسة هيستكترها عليه؟ لا يا عنيا دا الغالي وألف واحدة تتمناه.
ضربت نرجس بكف على الأخرى مرددة:
- أديكي قولتيها بنفسك، أنا بقى في إيدي إيه؟
زفرت سميرة لترد مشددة على ألكلمات:
- اتصرفي يا ختي، مش انا اسعى واجيبلك جوازة لوز، بدل البخيل القيحة اللي كنتي متجوزاه في الأول، وتيجي انتي على طلب صغير زي ده وتقولي معرفش، حاولي تليني دماغه، الواد مطين عيشتي، هيموت عليها المنيل.
همت نرجس أن تهادنها ببعض الكلمات، ولكنها انتبهت لوجود ابنتها والتي كانت ملتصقة بجانبها على إطار الباب، لتهتف بها سائلة:
- واقفة عندك ليه يا بت؟
- أنا رجعت من المدرسة وكنت عايزة اكل يامة.
قالتها كرد على السؤال قبل ان تنهرها خالتها:
- روحي على اوضتك الأول واتشطفي، على ما امك حضرت الغدا، ياللا يا أمنية.
انصاعت للأمر، لتخرج وتتركهما يكملون الباقي من الحديث، وقد اكتفت هي بما سمعته، لتظل الذكرى برأسها، طوال السنوات التي مرت بأحداثها المختلفة، لتنقلب الاَية، ويصبح ابراهيم هو من نصيبها، بعد أن كبرت، وقد أقنعت نفسها بأنه نسي الأخرى، مع أنها هي نفسها لم تنسى، وقد كانت شهد هي منافسها الرئيسي على قلب الرجل الوحيد الذي ملك قلبها.
بمجرد أن فتحت له الخادمة باب المنزل، دلف بخطواته السريعة، يسالها على عجالة بدون انتظار:
- جاسر باشا فين؟ روحي اندهيلوا بسرعة.
كان قد وصل إلى البهو الداخلي، ليفاجأ بزهرة تهبط الدرج حاملة ابنها الصغير، وبادرته القول:
- جاسر لسة صاحي من شوية، هو انتوا رايحين الشغل النهاردة الجمعة كمان؟!
حاول الرد ببعض التريث حتى لا يثير ارتيابها:
- صباح الخير الأول يا زهرة هانم، في الحقيقة احنا مش رايحين الشغل، انا بس كنت عايزة في حاجة تانية، هو فين؟
قال الأخيرة بلهفة لم يقدر على كبتها، وجاء ردها بتوجس:
- ايه الحكاية يا امام؟ هو لدرجادي الموضوع مهم.
اومأ باستسلام يجيبها، فليس لديه وقت للمرواغة:
- بصراحة اه، معلش لو هزعجك، ممكن تستعجليه بنفسك، وسامحيني لو مش هقولك، عشان بصراحة مفيش وقت.
بعد قليل
ولج إليه جاسر بداخل غرفة المكتب التي فضل انتظاره بها، يسأله بقلق:
- ايه الحكاية؟
رد مباشرةً ودون انتظار:
- الراجل اللي زارعه وسط رجالة كارم، بلغني النهاردة انهم لقوا حامد، وهو دلوقتي محبوس في بدروم الفيلا، يعني يا نلحقه يا منحلقهوش.
الحركة الغير عادية بالشقة جعلتها تخرج من غرفتها مبكرًا عن ميعادها الاساسي في يوم أجازتها من العمل، والتي تقضي معظمه في النوم، كانت زبيدة تنظف بقطعة قماش قديمة وتمسح على الزجاج وأطراف الخشب في الصالون، وكل ما تقع عليه عينيها، رغم استبناطها للسبب الذي يدفع والدتها لهذا الأمر، نبهتها لوجودها بالسؤال الساخر:
- ايه يا ست الكل الهمة والنشاط دا على أول الصبح، احنا جاينا ضيوف اياك؟
طالعتها بنظرة كاشفة لتجيبها بنفس الأسلوب:
- اه يا غالية تصدجيها دي؟ بس ايه عاد، ضيوف زينة وحاجة تشرف كدة.
تقلص وجهها بامتعاض لم تخفيه أمام والدتها، والتي أضافت بعدم اكتراث:
- وياللا انتي كمان يا حبيبتي، افطري بسرعة عشان تشوفي وراكي ايه؟
صاحت صبا باعتراض وعدم تقبل لهذه التحضيرات المبالغ فيها:
- ورايا انا كمان؟! ما انتي مخلية البيت بيلمع اها،دا غير الفاكهة والحلويات اللي جابها ابويا امبارح وعبت التلاجة جوا، ولا جلابية الصوف اللي خلاني اكويها من عشية عشان المجابلة الهامة، هو احنا جاي لنا رئيس الجمهورية يعني وانا مش عارفة ولا ايه بالظبط؟
أوقفت زبيدة ما تقوم بفعله لتلتف إليها قائلة ببساطة أذهلتها:
- لا يا حبيبتي مش رئيس الجمهورية، بس دا عريس متجدم لبتي، يعني لازم اشرفها انا وابوها بالضيافة الزينة، وهي بجى تشرف نفسها بنفسها.
زوت ما بين حاجبيها بعدم فهم وصل للأخرى، فتابعت لها بتشديد:
- يعني تهتمي بنفسك يا صبا، انا مش طالبة منك حاجة تانية، تلبسي، تتزوجي، تشوفي الحاجات دي اللي بتعملها البنتة في الأوقات اللي زي دي، فهمتي يا زينة البنات.
ردت تجاريها بابتسامة صفراء:
- فهمت طبعًا، حاضر يا ست زبيدة، اروح بس اشوف رحمة عايزاني في ايه؟ وهاجي اعمل كل اللي انتي عايزاه.
قالتها وتحركت على الفور، عقبت والدتها من خلفها بتوتر:
- ودا وجته يا صبا تروحي بيوت الناس وفي يوم زي ده؟
ردت متابعة السير نحو باب الخروج دون أن تلتفت لها:
- احنا في اول اليوم يا ست الكل، لسة عريس الهنا جدامه وجت طويل على ما ياجي.
انتظرت زبيدة حتى تخرج لتتمتم بعدم رضا:
- ولزوموا ايه الروح والمجي، ولا تعب الجلب اساسًا...... وانتي طريجك معروف يا بت بطني.
التوتر، والقلق الذي كان يعصف به، ليلة طويلة قضاها في الفكر والسهد، حتى اشرقت شمس الصباح، ليبدأ مرحلة العذاب في الأنتظار والترقب كل دقيقة لباب المنزل، متوقعًا ظهورها، صداع يفتك برأسه وهو على حاله من افكار متلاحقة، وتساؤلات وهواجس، لا يستطيع التوقف عنها، لقد حسم الأمر، ولابد من العثور مرسى لتحط سفنه بالقرب منه، لم يعد يملك رفاهية التمهل أو التأجيل، لابد أن يعرف رأيها اليوم والاَن، حتى يحدد أمره بعد ذلك، إما معركة الدفاع عن حقه بها، وإما البحث عن مأوى آخر له بعيدًا عن محيطها، سواء في العمل او حتى المسكن.
صدر صوت جرس الباب، لينتفض من مقعده قرب المدخل، وبلهفة فتح، ف ارتدت أقدامه للخلف بإحباط وقد خاب أمله بالزائر؛ والتي ردد اسمها بصدمة:
- سامية.
- اه سامية، صباح الخير يا شادي عامل ايه؟
قالتها وهي تدفع بنفسها لداخل المنزل، وتغلق الباب بعد أن أعطاها ظهره عائدًا أدراجه، فرد إليها التحية بصوت ميت:
- صباح الخير اتفضلي يا سامية.
عقبت من خلفه بتذمر، وهذه اللهجة المائعة التي تتعمد التحدث بها هذه الأيام لتزيد من حنقه:
- ومالك كدة بتقولها من غير نفس، هي دي مقابلة برضوو.
إلتف نحوها يجلس بتعب على كرسيه، وليرد بتأسف متجنبًا الجدال معها:
- معلش متاخديش عليا، اصلي صاحي مصدع.
ردت بجرعة زائدة من النعومة:
- صاحي مصدع، سلامتك الف سلامة، تحب اعملك حاجة سخنة تخفف ولا انزل الصيدلية اجيب لك برشامة؟
رفض العرض هاتفًا بحزم:
- لا دي ولا دي يا سامية، فنجان القهوة في ايدي والبرشامة جوا في الأجازخانة هروح اتناولها بنفسي واشربها، ريحي نفسك انتي.
مطت شفتيها تلوك داخل فكيها العلكة التي لا تغادر فمها تقول:
- خلاص يا عم بس من غير زعيق، هو انا قولت حاجة غلط يعني.
زفر يشيح بوجهه عنها، يقلب عينيه بتعب، ليس لديه أدنى طاقة لها، وحين لم تجد هي ردًا منه مصمصت بشفتيها تتابع:
- يا سيدي ولا تزعل نفسك، انا اصلاً جاية لرحمة مرات اخويا اقعد معاها شوية.
قالتها وتحركت نحو غرفة شقيقته، ضعف تركيزه جعله لا يستدرك سوى بعد أن دخلت إليها، لينتفض مرددًا:
- يا نهار اسود ودا وقته.
وليكتمل أحباطه، دوى صوت جرس المنزل وكانت هذه المرة صبا.
- صباح الخير.
القت التحية بوجهها الصبوح وصوتها الرقيق، ليتلجم عن الرد، طاردًا من صدره كتلة كثيفة من الهواء المشبع بيأسه، لاعنًا حظه البائس دومًا، فقد كان ينقصه سامية في هذا الوقت الحساس، لتقطع عليه الفرصة التي كان يترجاها منذ الأمس، لا بل قبل ذلك بكثييير.
اربكها فعله الغريب وهذا الصمت حتى عن رد التحية، فقالت باضطراب:
- انا كنت جاية لرحمة على فكرة، لو لسة نايمة خلاص اجي في وجت تاني....
- استني يا صبا.
هتف بها قبل أن تستدير عنه ذاهبة فقال مبررُا:
- رحمة صاحية، بس المشكلة هي ان سامية عندها دلوقت.
- اممم.
زامت بها بتفهم، لترد بابتسامة ساخرة:
- يبجى كدة انا هجيها في وجت تاني برضوا، لأن بصراحة سامية دي ما بيطجنيش.
حينما التفت هذه المرة وفور أن تحركت خطوتين، تفاجأت به، يهتف بحزم يوقفها:
- صبا ممكن دقيقة؟
انتظرته حتى خطأ الخطوتين ليقابلها قائلًا بحسم ما يدور بداخله:
- بصراحة انا اللي عايزك في كلمتين مش رحمة، وبما ان البيت مش فاضي مضطر اعرض عليكي تقابليني برا.
ارتدت للخلف تنظاره باندهاش، فتابع مستطردًا:
- عارف ان طلبي غريب، بس والله ما عندي فرصة، لازم اخد رأيك في حاجة ضروري ودلوقتي حالًا....
ظلت على صمتها بحيرة، لا تعرف إجابة جيدة للرد عليه، ليضيف هو:
- انا نازل دلوقتي انتظرك في الكافيه اللي في اخر الشارع، بتمنى لو عندك ذرة ثقة فيا، تيجي وتسمعي مني، ولو رفضتي طبعا انتي حرة، مع إني اتمنى متكسفنيش.
ليلة كاملة قضاها تحت التحقيق من رجال لا يعرفون الرحمة، ولا حرمة العيش والملح فقد كان زميلهم والبعض منهم كانوا أصدقائه، ولكن لما الاستغراب فهو أيضًًا لو كان محلهم لفعل أكثر من ذلك.
جسده قوي ويتحمل الضربات رغم قسوتها، هذا ما كان يردده بداخله من أجل الا يستسلم، قبل أن ينزل إليه صاحب الأمر نفسه.
بخطوات متأنية وقد بات ليلته على الفراش بكل برود، واجهة لامعة لشخص مخيف، لا يعلم بطبيعته سوى من اقترب منه وعرفه جيدًا، يتقدم رجاله كفهد يترأس مجموعة من الوحوش.
اقترب حتى وصل إليه، ليجلس على الكرسي المقابل للكرسي المقيد به، جلس وضاعًا قدمًا فوق الأخرى، يطالعه بصمت ليزيد من بث الرعب بقلبه، تمعن في هيئته من شعر رأسه حتى حذاء قدمه في الأسفل، قبل أن يخرج صوته اَخيرًا:
- لسة جامد زي ما انت، ليلة كاملة من الضرب فيك ويدوب بس علموا بشلفطة على الوش وكام تعويرة ع الجسم، اصدر صوت طقطقة غير راضية بفمه قبل أن يرفع رأسه مخاطبًا لهم جميعًا:
- طب ما هو عنده حق طيب يلف ويحور معاكم، من غير ما يديكم معلومة مفيدة، رجالة ورق، انا لازم اغيركم على فكرة.
نكس الرجال رؤسهم بخزي، ودافع حامد عن موقفه برعب:
- ما انا قولت على كل حاجة يا سعادة الباشا، الست دي هي اللي ضحكت عليا والختمة الشريفة انا ما اعرف اي حاجة عنها، دي رسمت عليا خطة عشان اصدقها، تحب احكيلك.
اطلق كارم ضحكة عالية، خالية من أي مرح، ليقول ساخرًا:
- قصدك ع التمثلية الهبلة دي اللي عمال تعيد وتزيد فيها من امبارح، انك كنت فاكرها صاحبة الهانم وهي ادتك حاجة اصفرة خلتك زي السكران ومش واعي للي بتعمله.... يا بني طب احبُك الرواية عشان اصدقها.
حاول حامد ان يبتلع في ريقه الذي جف ليجدد الكذب علّه يجد المخرج:
- والنعمة يا باشا زي ما بقولك كدة، طب تحب احلفلك ع المصحف.
حافظ كارم على ضحكاته الغريبة ليردد بهدوء مريب:
- لا لا يا حامد من غير ما تحلف، انا هعرف دلوقتي بنفسي، فكوه يا رجالة.
قال الاخيرة ونهض يفاجئه بخلع سترته، وهؤلاء الرجال التفوا حوله، من أجل حل القيد الشديد على نصفه الأعلى، اثناء خلع الاخر لقميصه بعد ان فتح ازراره، ليجده أمامه عاري الجزع، لا يرتدي سوى البنطال، وبعد أن تحرر من قيوده هتف عليه بحزم:
- اقف ياللا ووريني شجاعتك.
انصاع حامد للأمر ولكنه تسمر محله بعدم فهم، فصاح الاخر بصوت جهوري:
- بقولك اتحرك واقرب مني، خلينا نعمل مواجهة متكافئة بين راجل لراجل.
ظل حامد على موقفه مذهولاً لا يصدق ما يردف به هذا المعتوه، وفرق القوة بينهم سوف تكون لصالحه على الأكيد.
هذا قبل أن يباغته الاَخر بضربة قوية بالقدم التي طوحها في الهواء لتقع على ركبتيه اسقطته ارضًا، وقبل أن يستوعب وجد سيلا من الضربات الموجعة، يتلقفها جسده بعشوائية وسرعة، لا تمكنه من الصد او الوقوف، فاستمر كارم مستغلاً خبرته السابقة في السيطرة على خصومه مهما كان احجامهم، وقد حصد العديد من البطولات اثناء دراسته.
ولكن ما سبق كان تمهيدًا، قبل أن يهجم مرة واحدة ليجثم بجسده عليه، فجلس بثني ركبتيه ، واحدة على نصف ظهره، والثانية على الرقبة من الخلف، ليصبح وجه حامد متساويًا بالتراب الذي دخل لحلقه مع الصرخات التي كانت تصدر بصوت عالي، بعدم احتمال لألم الذراع الذي لفه كارم نحوه للأعلى، ليصبح نقطة ضعف جيدة بيده للضغط عليها، مع بدأ تحقيقه:
- عرفت جيرمين منين من غير لف ولا دوران؟
خرج صوت حامد برجاء:
- والله ما كنت اعرفها، دي واحدة رقاصة اسمها سوزي هي اللي دلتني عليها، انا اخري كنت بروح الكباريه عندها.
رد كارم بخشونة وقسوة:
- تقول على مكانها بالظبط، هي والكلبة التانية اللي هربت معاها، جيرمين كات عايزة تعمل كدة في مراتي ليه؟
صرخ حامد بدفاعية:
- والله ما اعرف مكان جيرمين فين، ولا اعرف سر العداوة اللي ما ببنها وبين الهانم مراتك، الحاجة الوحيد اللي سمعتها بالصدفة هي ان في فيدوهات ما بينهم، لكن هي ايه الفيدوهات دي، برضوا معرفش.
- ردد كارم يغمغم بتساؤل خطر:
- فيدوهات ايه دي اللي ما بين مراتي وجيرمين؟
تابع حامد استعطافه:
- روحوا عند سوزي، هي اللي جابتلي باقي الفلوس، يبقى أكيد تعرف مكانها مش انا.
نفض كارم رأسه مؤجلًا البحث في الإجابة عن السؤال الهام الاَن، ليستفيق سريعا، ويواصل التحقيق مردفًا بحدة:
- سيبنا من جيرمين وسوزي، خلينا في الهانم مرات واللي نعمتك، بتحط ايدك عليها لييييه؟
زاد من الضغط على عظم الساعد حتى اصبح على وشك الكسر، لتخرج تأوهات الاَخر ببكاء، وهذا يستمر بدون رحمة مستطردًا بشراسة:
- اختارلك حاجة من الاتنين، افقع عينك اللي بصت لها ولا اكــسر ايدك اللي لمستها؟ اختااار.
لم يقوى حامد على الاختيار وكان بكاءه هو الرد، فجاء فعل الاَخر مرافقًا لقوله:
- انا بقول نبتدي بالإيد وبعدها نفقع العين.
صدرت صرخة قوية خرجت من القبو لتصل حتى حراس المنزل في الخارج، وقد تمكن من كسرها بدون تهاون، قبل أن يجفله أحد الحراس بقوله:
- كارم باشا في ناس عايزينك.
- ناس مين؟
سأله قبل أن يتفاجأ بحضور مجموعة من رجال اغرباء يتقدمهم، جاسر الريان برفقة حارسه الشخصي إمام، وكانت المفاجأة هو الرجل الثالث، والذي هتف يأمره حازمًا بحكم وظيفته:
- ارفع ايدك عنه يا كارم، متأزمش الموقف اكتر من كدة.
نهض عن الرجل ليغمغم بعدم تصديق:
- امين ابن عمي! انت يا أمين!
تدخل جاسر متكفلًا بالرد:
- امين ابن عمك جايلك بصفة شخصية عشان نلم الموضوع، خليه يقبض عليه ويجيب منه كل المعلومات اللي عايزينها، مفيش داعي تأذي نفسك بأذيته.
علق أمين هو الاَخر بعدم رضا:
- وايه اللي فاضل تاني؟ دا كسر دراعه، ورقده زي الجثة، سيبني اخده يا كارم قبل ما يموت في إيدك ، على الأقل نلاقي منه فايدة.
- اخيرًا جيتي يا نور، دا انا افتكرت خلاص استغنيتي؟
قالتها الطبيبة ببعض العتب اللطيف، وجاء ردها برقة كعادتها:
- لا والله يا دكتورة، دي شوية ظروف كدة حصلت في البيت عندنا، هي اللي عطلتني.
سألتها الطبيبة بمغزى:
- أرجوا متكونش الظروف دي تخص الاعتراف اللي فات، دا احنا حتى مكملناش.
ردت بابتسامة ضعيفة تنفي:
- لا اطمني.... الحمد لله مصطفى متفهم، ياريت كل الناس زيه.
- ربنا يحفظكم لبعض.
قالتها الطبيبة بتمني قبل أن تتابع قائلة:
- طب كدة بقى نخش ع الجلسة، اتفضلي معلش، ومددي ع الشليزلونج.
نهضت مزعنة لطلبها دون مجادلة، وبعد لحظات قليلة من الاسترخاء، بدأت الجلسة بسؤال الطبيبة:
- احنا كنا وقفنا في المرة اللي فاتت عند كمال عز الدين، جوزك السابق والأطفال اللي......
- سقطهم.
تفوهت بها بشرود وقد عادت بذاكرتها، داخل هذه الحقبة السوداء من عمرها، فقالت الطبيبة:
- بس انا عندي فضول أسألك وياريت تجاوبي المرة دي، كمال عز الدين، كان بيعرف بتسقطي الأطفال ولا لأ؟
صمتت قليلًا قبل أن تجيبها:
- أنا كنت فاكرة انه ميعرفش، لأني مكنتش بجيب سيرة الحمل من أساسه، اول اما اعرف اجري بخوفي على واحدة صاحبتي في المجال، كانت دايمًا بتطمني وبعدها تاخدني من إيدي على دكتور قريبها، ويتم الأمر في سرية تامة.
سألتها الطبية:
- مفيش مرة راجعتي نفسك فيها يا نور وقعدتي تفكري انك تحتفظي بالبيبـ...
دمعة ساخنة سقطت على جانب وجهها وخرج صوتها باختناق:
- مكنش ينفع حتى التفكير، انا كنت بحارب عشان اخرج من عيشته اللي كان غاصبني عليها، ودا طبعا بفضل الأوراق اللي مضتها بغبائي مع عقد الفيلم، حمل وجنين معناها ورقة جديدة للضغط عليا، وفي كل الأحوال مكنش ينفع.
- اتخلصتي منه ازاي؟
سألتها الطبيبة بتأثر، فخرجت منها تنهيدة مطولة يتخللها الارتجاف ثم قالت:
- فرصة العمر اللي كنت بحلم بيها اتحققت لما قابلت مخرج كبير اَمن بموهبتي، وعرض عليا دور مهم في بطولة جماعية، انا ساعتها اخدتها حياة أو موت، كتمت ع الخبر ولاعبت كمال لحد اما قدرت اوصل للأوراق اللي كان ماسكها عليا وسرقتها وحرقتها، بعدها خرجت من عنده واخدة حريتي بالفستان اللي عليا ورفعت قضية طلاق وكسبتها، والدنيا زهزهت معايا، الفيلم نجح واتعرفت انا وانفتحت ابواب الشهرة قدامي، واما افتكرت الدنيا ضحكتلي خلاص، حصلت الحادثة......
توقفت لتثير فضول الأخرى في متابعة الأسئلة:
- حادثة ايه اللي حصلت معاكي؟
التفت رأسها نحوها لترد بوجه غلفه الغموض:
- الحادثة حصلت لكمال مع ابنه الوحيد من مراته الأولى.
قالتها وعادت مرة أخرى لشرودها تتابع:
- عربية انقلبت بيهم، الولد مات ووالده تقريبًا اتشل او حصل حاجة في ضهره منعته من المشي، المهم اني لما سمعت قولت اعمل بأصلي واروح ازوره في المستشفى، ويارتني ما روحت.
- جاية ليه يا نورهان؟
هتف بها بأعين مشتعلة فور ولوجوها لداخل الجناح الخاص به في المشفى، وقد كان ممدًا على سريره الطبي، يغطي نصف جسده ملاءة بيضاء، وجروح متفرقة في الوجه، بالإضافة لكسر واضح بذراعه الأيمن.
باغتها بهذا التحفز المبالغ فيه رغم صعوبة وضعه بهذه الحالة، حتى خرج صوتها باضطراب:
- يعني هكون جاية ليه؟ أكيد عشان اطمن واعمل الواجب، ربنا يصبر قلبك على الفقيد.
صرخ غير ابهًا بخطورة الانفعال على صحته:
- تطمني برضوا ولا تفرحي؟ يعني مكفاكيش اللي عملتيه فيا، وولادي اللي موتيهم في بطنك، عشان تيجي دلوقتي وتشمتي في اللي راح، اطمني اوي يا نجمة يا مشهورة، أنا اتقطعت ذريتي من الدنيا خالص بفضلك، يعني هفضل كدة وحيد لحد ما اموت وانتي السبب.
صراخه اجبر الممرضات على الدخول فورًا لرعايته ومهادنته، مع استدعاء الطبيب المكلف بعلاجه:
- كمال بيه، براحة على نفسك، انت مش حمل الجهد المضاعف ده.
واصل أمام حالة الذهول والفزع التي بدا جليًا على ملامحها، وكأنه لم يسمع شيئًا:
- كنتي فاكرة اني مش هعرف باللي عملتيه، لكن ربنا فضحك عشان اعرف جحودك، يا ناكرة الجميل، زي ما حرمتيني من ولادي، انتي كمان ربنا هيجازيكي، الولاد اللي موتيهم بإيدك ولا هتشوفي ريحتهم تاني يا نور، هتخرجي منها وحيدة، زي ما هخرج انا منها وحيد، منك لله، منك لله.
على صوت بكاءها الحارق ولسانها يتمتم بنبرة تخللتها الندم والحسرة:
- مكانش بيكدب، مكانش بيكدب، انا ربنا بيجازيني زي ما قال، انا ربنا بيجازيني.
اغلقت الطبيبة دفترها، وتوقفت تتابعها، مرجئة التحدث حتى تنتهي وتهدأ، وقد وضعت اخيرًا يدها على موضع الجرح.
بداخل الجناح الذي خلى من أفراد اسرته الصغيرة بالقصر، قضى ليلته السابقة على فراش أحد اطفاله، وقد باءت جميع المحاولات في استردادهم بالفشل، مع هذا التعنت التركي والعنجهية المتأصلة، ولكنه لن يستسلم، ولن يعطيها حريتها في الانفصال، الا وابناءه في حوزته، انها الاَن مجرد استراحة ليرتب أولوياته، والأولى له في هذه اللحظة يعلمه جيدًا، ويسعى لتحقيقه، وقد ساهمت زوجته العزيزة في تسهيل الأمر.
خرج بكامل أناقته، بخطوات مسرعة نحو الهبوط للطابق الأول، في طريقه للخروج، ولكنه توقف فجأة على نداء شقيقه من خلفه:
- عدي.
اجبر نفسه على الإلتفاف ليرد بابتسامة مصطنعة:
- نعم.
القى مصطفى بنظرة شاملة على هيئته، وهذه الحيوية، بمظهر مضاد تمامًا عن المتوقع، لر فشل في نجاح المهمة التي سافر من أجلها في استعادة أطفاله، ليثير بداخله الإرتياب وهو يخاطبه:
- حمد الله ع السلامة الأول، انا جيت امبارح متأخر من الشغل وما شوفتكش لما وصلت من السفر.
- الله يسلمك.
تمتم بها باقتضاب متململًا في وقفته، مما جعل الاَخر يردف ساخرًا:
- واضح ان معطلك عن مشوارك المهم، بس بصراحة انا كنت عايز اعرف وصلت لايه مع جد ميسون.
زفر يمسح بأطراف أصابعه على جانبي فكيه يردف كلماته بقصد:
- انا فعلا مستعجل، بس دا ما يمنعش اني اقولك عن صلف الراجل وتعتنه المبالغ فيه معايا، والشروط التعجيزية اللي فرضها عليا في رؤية الولاد.... فاكرني مدام لوحدي ومن غير ضهر مش هعرف اتصرف.
ابتسامة جانبية لاحت على وجه مصطفى واضعًا كفه في جيب بنطاله، ليرد بثقة وقد وصله مغزى كلماته:
- واضح انك جاي معبي، مع ان شكلك يا أخي، ميدلش أبدًا انك زعلان.
رد عدي بتحدي:
- عشان مش هسيب نفسي قصاد التنازل او اقعد تحت رحمتهم واعطل خططي، هعيش حياتي وانفذ اللي في مخي، واهي بركة انها جات منهم.
- يعني ايه؟
سأله بنبرة قلقلة تغاضى الاَخر عنها ليلتف بجسده عنه قائلًا:
- ما انا قولتلك اني هعيش حياتي، سلام بقى وبكرة تفهم قصدي.
نظر مصطفى في أثره وهو يغادر من أمامه، يغمغم بعدم ارتياح:
- واضح اوي ان الموضوع المرة دي مش مجرد نزوة، وباين ميسون كان عندها حق.
بتوتر شديد وحيرة من الأمر تعصف بها، ولجت بداخل المقهى الذي ذكره لها، تقدم قدم وتؤخر الأخرى، لا تعرف من أين أتتها الجرأة لتفعل؟
اشار إليها بكفه من موضعه، لتنتبه على وجوده في جانب منزوي الى حد ما عن باقي الرواد
خطت نحوه، حتى إذا وصلت إليه، أجلسها بإشارة من كفه قبل أن يعود إلى مقعده:
- اتفضلي يا صبا، الف شكر انك لبيتي الدعوة.
قالها بنبرة ممتنة بشدة، وجاء ردها بخفوت وخجل:
- بصراحة انا نزلت بالعافية، بعد ما جولت لأمي اني نازلة اجيب من المكتبة كريمات وحاجات للبنات، يعني عشان المناسبة اللي عندنا.
اطرق برأسه يخفي انفعاله لمجرد ذكر الأمر أمامه، حاول استجماع شجاعته، للدخول في الموضوع مباشرةً، ولكن كيف يبدأ؟
- مستر شادي انا مستعجلة والله....
- عشان العريس....
أجفلها بمقاطعته، ليزيد من دهشتها حينما تابع:
- انتي عندك استعداد توافقي عليه يا صبا بناءً على الموصفات اللي قالها والدك؟
قطبت تطالعه بعدم فهم، لا تستوعب تدخله في هذا الشأن الخاص، ثم ابتلعت ريقها تجيبه ببعض الزوق رغم احتجاجها:
- انا اسفة يا مستر، بس بصراحة انا مستغربة السؤال،.... وحضرتك يعني جولت ان انك عايزني في موضوع مهم.....
قالتها لتسبل اهدابها عنه بحرج، ترجو الا تكون بالغت في اعتراضها، ولا تعلم ان ردها كان سببًا في حثه على الدخول مباشرة في حديثه:
- ما هو دا الموضوع يا صبا.
رفعت رأسها إليه باستفهام، ف التقط نظرتها ليردف:
- عشان انا عايز اتجوزك يا صبا.
برقت عينيها وتوسعت بذهول، لا تصدق ما وصل لاسمعاها، فتابع يطلق سراح الكلمات المحبوسة بداخله:
- ايوة يا صبا انا بحبك، حتى وانا عارف بفرق السن اللي ما بينا، حتى وانا عارف انك تستاهلي واحد اصغر واحلي مني، واحد يدلعك ويعيشك العيشة اللي تستاهليها، تقدري تعتبريه جنون، او أي حاجة في دماغك، بس دا اللي انا بشعر بيه من ساعة ما شفتك اول مرة خارجة من بيتكم بعد ما سكنتوا جديد جمبنا، احساس اتطور معايا لحد ما بقى زي الوحش جوايا......
الى هنا ولم تملك ادنى شجاعة لمواجهته، وهذا البريق الخاطف بعينيه كصرخات ألم، اسبلت أهدابها عنه وقد زحفت سخونة غير طبيعية لوجنتيها، ما هذا الرجل؟ وما هذا الذي يحمله بداخله نحوها؟
انها حتي لا تقوى على النظر إليه، وهو يتابع الاَن بصوت صدر بتحشرج:
- انا كان لازم اقولك الكلمتين دول يا صبا، عارفك مخضوضة، بس انا مش عايز منك رأي دلوقتي، انا بس كان لازم ابلغك باللي جوايا وانتي حرة في كل الحالات، حتى لو رفضتيني أنا مديكي عذرك.
اومات برأسها وبصعوبة جمة ملكت صوتها لترد بكلمات متقطعة:
- طب... انا عايزة امشي دلوقتي، ممكن؟
اخرج تنهيدة متعبة يقول:
- طبعا تقدري تمشي يا صبا، بس ارجو ان ميكونش هزيت صورتي جواكي، انا كل اللي طالبه هو حلال ربنا، وانتي طبعا ليكي حرية الاختيار.
ترجل من سيارته بعد أن اصطفها في مكان قريب، قبل أن يتقدم بخطواته داخل الموقع الجديد، والذي كانت تقف به بجوار مساعدها عبد الرحيم، تلقي عليه بعض التعليمات من اجل التحضير لبدء العمل باكرًا به.
كانت مندمجة في النقاش بتركيز شديد، حتى أنتبهت على هتافه من خلفها بجرأة ممازحًا:
- في الصحرا ولوحدكم تاني يوم بعد ما كتبنا الكتاب كمان! بتخونيني يا شهد؟
حطت كفها على فمها لتكتم شهقة الحرج امام عبد الرحيم الذي لم يخفي ضحكاته، ليستقبل مصافحة الاخر بعد ذلك بكل ترحاب؛
- عامل ايه يا عبد الرحيم؟
- تمام يا بشمهندس، تشكر وتسلم ع السؤال.
اوما له بابتسامة قبل ان ينقل نحوها قائلًا:
- وزوجتي العريزة بقى عاملة ايه؟
ردت بجدية تحذره بعيناها:
- الحمد لله كويسة، روح انت يا عبد الرحيم ومتنساش اللي قولناه من شوية.
تحرك الاَخير على الفور ليغادر مستشعرًا حرج الموقف، بصفته كالعزول بينهما، وردد بطاعة:
- ولا يكون عندك فكر، كل هيبقى تمام وفل الفل كمان، سلام يا بشمهندس.
قال الاَخيرة وهو يعتلي الدراجة النارية خاصته، بادله الرد حسن ملوحًا بكفه، قبل ان يلتف نحو زوجته، يجفلها بقبلة سريعة على وجنتها.
هذه المرة لم تكتم شهقتها والتي صدرت بصوت عالي محتجة بقولها:
- ايه ده يا حسن انت اتجننت؟
لف ذراعه حول كتفيها مرددًا بسماجة:
- طب وفيها ايه لما اديكي بوسة بريئة على خدك البريء، مش انتي زوجتي برضوا؟
استلت نفسها من تحت ذراعه لتردد وهي تبتعد عنه مغادرة:
- لا يا خويا، لا زوجتك ولا اعرفك حتى.
تحرك خلفها يلاحقها بقوله:
- وكتب الكتاب اللي تم امبارح يا مفترية كان إيه؟
ردت تغيظه وهي تعدو بخطوات سريعة:
- كان خطوبة وبس، يعني اعتبرها ورقة ملهاش أي لازمة.
- نعم يا اختي.
هتف بها قبل ان يوقفها عنوة بعد أن اعترض طريقها يتابع بحزم محبب:
- كرري كلامك كدة من تاني يا حلوة.
تصنُع الجدية على وجه مشرق بابتسامة مستترة جعلها لم تقوى على كبت ضحكتها وهو تلكزه بقبضتها ليبتعد:
- إنت باينك قايم فايق وعايز تهزر، ما تبعد يا عم خليني اعدي.
قبض على كفها الصغيرة يردف بمكر:
- انتي قد الضربة دي يا شهد؟
جلجلت بضحكتها تنفي باستسلام:
- لا مش قدها طبعًا، سيب إيدي بقى وبطل غلاسة.
صمت بتسلية رافضًا تركها، فقاومت تحاول نزعها بنفسها، متمتمة:
- انا اللي عايزة افهمه دلوقت، انت ايه اللي جابك ورايا؟ جايلي ع الموقع ليه يا حسن؟
- قلبي اللي جابني.
- سلامة قلبك، جيب من الاَخر طيب.
اجاب اخيرًا بعد فترة أخرى من الصمت، مستمتعًا بمناكفتها:
- تمام يا ستي انا مش هتقل عليكي أكتر من كدة، انا جاي اساسًا بصفة رسمية، الست الوالدة هي اللي بعتاني، اصلها عاملة عزومة كدة، وعايزة العيلتين يتجمعوا.
تبسمت بفرح مرحبة، ثم ما لبثت أن تخبت ابتسامتها سريعًا لتردف باستدراك:
- مجيدة عاملة كدة مخصوص عشان مرات ابويا صح؟ دا طبعا بعد ما شافتها مكشرة في الفرح.
عقب على قولها بتسامح:
- وماله يا شهد، ما هي يمكن تكون الست واخدة على خاطرها، واحنا دلوقتي بقينا عيلة، يعني لازم المودة تفضل ما بينا.
اومأت تبستم له بامتنان شديد، فتابع لها بالأمر الاَخر:
- وعشان كمان الموضوع اللي لمحتلك عليه امبارح، مش فاكرة.
- موضوع ايه؟ فكرني يا حسن.
رد بجيبها غامزًا بطرف عينيه:
- امين ولينا يا قلبي، مش اَن الأوان بقى نلم شملهم على بعض، واهو نبقى عملنا خير يقعد لنا في عيالنا.
ضحكت ضاربة كفيها بعضهم، ثم قالت بحماس:
- تمام يا حسن، واهو يبقى وفقنا راسين في الحلال.
رواية و بها متيم انا الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم امل نصر
بوجه انسحبت منه الدماء ليحل محله شحوب الخوف والرعب مما قد يحدث معها، رددت تعيد طرح السؤال، وكأن ما وصل إليها هو شيء أخطأت بسماعه:
- انت بتتكلم بجد؟ يعني حامد دلوقتي في السجن بعد ما قبض عليه كارم كمان.
فهم طارق سبب الجزع الذي اعتلى قسماتها، فقال ملطفًا:
- هو بس، لكن جيرمين لا، أصله بيحلف انه ميعرفش مكانها.
أومأت رأسها تبتلع الباقي من الكلمات، شاعرة بالدوار يكتنفها حتى سقطت على الكرسي من خلفها، فاقدة التوازن.
استفز ضعفها كاميليا لتهدر بها بحزم:
- جرا ايه يا رباب؟ ما تفوقي واثبتي كدة شوية، انتي لازم تقوي موقفك عشان تعرفي تواجهي.
رددت خلفها بصوت مهزوز، ورجفة تزحف على طول سلسة ظهرها:
- اقوي موقفي ازاي بس؟ دا بيقولك قضى ليلة في التحقيق معاه، انا كنت عايزة اعرفه بطريقتي، مش يعرف من الزفت دا، كدة لازم اخاف من رد فعله.
- بس هو مقالش حاجة مفيدة.
تفوه بها طارق، ليتابع إخبارها بما توصل إليه:
- جاسر بيأكد ان حامد ميعرفش مكان جيرمين، الراجل اللي تبع إمام كان مع المجموعة اللي بتحقق معاه الليلة اللي فاتت، هو بيقول على واحدة اسمها سوزي، كانت حلقة الوصل ما بين الاتنين، يعني الحكاية كانت فلوس وبس، وبالذكاء كدة، لو هنفكر بهدوء، هي مش بالغباء ده يعني اللي يخليها تتكلم مع واحد متخلف زي ده، وتأمنه عن سرها الخطير كمان، دا ممكن يمسكه زلة عليها.
طالعته كاميليا بانتباه، مستدركة هذه النقطة الخطيرة والتي وضع يده عليها، لتردف ببارقة من الأمل:
- تصدق عندك حق، انت تفكيرك صح يا طارق، احنا فعلا مكناش واخدين بالنا منها دي، جيرمين كان هدفها الانتقام عشان ليها اسبابها، اما حامد فدا كل اللي هامه كان الفلوس، أو الاغراء..... في إنه يوصلك، ومدام لسة مقبضوش عليها، اظن ان في فرصة.
رفرفت بأهدابها تستوعب قليلًا ثم ما لبثت أن تردف بتساؤل مرة أخرى:
- طب انا اضمن منين انه ميلاقيهاش زي ما لقى حامد، انا كدة برضوا مطمنتش..
هتف بها طارق يهادنها ببعض الحزم:
- الأمر دلوقتي بقى في إيد الشرطة يا رباب، اللي عمله جوزك مع حامد، هيخليه يتريث شوية، قبل ما يواصل البحث عن الزفتة دي.
أضافت على قوله كاميليا:
- يبقى كدة انتي لازم تستعجلي جلسة الاعتراف ما بينكم، وياريت يبقى في أسرع وقت كمان، عشان نحسم بقى امرنا في اللي جاي.
أومأت رأسها بتفهم، وقبل أن تلتقط انفاسها جيدًا، أجفلها اهتزاز الهاتف بيدها، فصعقت حينما رأت هويته:
- يا نهار ابيض دا هو اللي بيتصل؟
حفزتها كاميليا بقولها:
- طب ومستنية ايه؟ ردي بقى وخلي كلامك بلهجة عادية.
استجابت بيد مرتعشة، ترفع الهاتف إلى إذنها لتسحب شهيقًا كثيفًا، ثم تطرده قبل أن تجيب ببعض الثبات:
- ايوة يا حبيبي، عامل ايه.
وصلها صوته بنبرة طبيعية جعلتها تطمئن:
- ايوة يا قلبي انا بتصل بس عشان ابلغك باَخر الاخبار، وعشان تعرفي ان حبيبك مش ساكت على حقك!
***
- نننعم! انت بتتكلم جد ولا بتنهزر؟
هتفت مستنكرة بوجه غاضب لا يمت للتفاهم بشيء، مجبرة المحامي خاصتها ليرد على قولها بانفعال:
- لأ مبهزرش يا ميرنا، عشان انا مبجبش حاجة من عندي، دي قوانين ومحدش يقدر يتخطاها.
شهقت بصوت عالي، تردد خلفه باستهجان غير مبالية:
- اسم الله يا قوانين! يعني البت الهبلة تخرج منها زي الشعرة من العجين، والبس انا السجن، اشحال ما كانت الزفتة صاحبة الخاتم اتنازلت عن القضية، كان اتعمل فيا ايه؟ كنتوا شنقتوني؟
زفر الرجل بتعب، يضرب بكفه على ذراع الكرسي الجالس عليه، يحاول استجداء الحكمة في التعامل مع امرأة لا تقدر، ولا تتوانى عن أي شيء أمام مصلحتها، أشار بيده إليها، برجاء أن تسمعه:
- افهمي يا ميرنا، انتي مقبوض عليكي متلبسة بالسرقة عشان وجدوه عندك في البيت، ووسط حاجتك، يعني حتى لو مدام ميرنا اتنازلت عن القضية، فدا حقها، لكن حق المجتمع بيفرضه القانون بحبس السارق، أما بقى عن مودة، فدي مدام صفاء لعبت على موضوع ظروفها المعيشية، وان الحالة اللي عندها نوع من انواع المرض النفسي، وقدمت شهادة بكدا عشان تخرجها بكفالة، لكن عشان تتطمني، انا هحاول بكل مقدرتي اخفف الحكم لاقل مدة.
وكأن الكلمات قد طارت في الهواء ولم تصل إليها، تابعت ميرنا بإصرار وتعنت:
- لكن برضوا هتحبس وهتبقى قضية في السجل بتاعي، انا مليش في الكلام ده، انا عايزة اخرج.
فاض بالرجل لينهض من أمامها، منهيًا الجدال بقوله:
- انا كدة قولت كل اللي عندي، انا مش محامي تحت التمرين، لا دا انا راجل ليا اسمي كمان، يعني لو حابة تغيري وتجيبي محامي تاني، انتي حرة، عن اذنك.
خرج الرجل منهيًا اللقاء قبل انتهاء موعد الزيارة، ليتركها تضرب الأرض بأقدامها، وتصميم على عدم الاستسلام.
***
أمام المراَة، وقد كانت جالسة من أجل التزين والتجهيز لمقابلة العريس المرتقب، ولكن بعقل شارد، بل توقف هناك، في هذا المقهى وعلى الطاولة التي ضمتها معه، لقد اخبرها بعشقه، وهي لم تعترض او تعنفه كرد فعل طبيعي منها، بحكم طبيعتها المتحفظة، والتي لا تقبل التهاون في هذا الأمر، انه لم يكن اعترافًا، بل هو صرخات من العمق، هي ليست عمياء حتى لا تعرف بصدق من يحدثها أم كذبه، حتى وهي قليلة الخبرة، ولم تختبر مشاعرها قبل ذلك، سوى ببعض الإعجاب اللحظي بهذا أو ذاك، ولكن معه........
- لسة مخلصتيش يا صبا؟
هتفت بها والدتها وهي تقتحم الغرفة، لتنتشلها من حالة الشرود التي تلبستها، وخرج ردها يسبقه حمحمة خفيفة، في محاولة منها لاستجداء التركيز:
- لااا ما انا مخلصة اساسًا اها وجاهزة، هو العريس وصل؟
ردت زبيدة بصوت يتخلله الحماس والبهجة:
- هو وابوه كمان، بس ايه يا صبا، بسم الله ما شاء الله، طول وعرض وحاجة تفرح، جومي ياللا عشان تحضري وتشوفيه بنفسك، أكيد هيعجبك.
نهضت عن مقعدها تلتف إليها مرددة باستهجان:
- أكيد هيعجبني! على طول كدة يامة ومن أول نظرة كمان؟
شددت زبيدة على الكلمات بقصد قائلة:
- وايه اللي يمنع؟ انتي بس افتحي جلبك ونضفي مخك من الفكر اللي مالوش فايدة وهي تسلك يا بت بطني.
أومأت رأسها بتفهم، رغم استشعارها بمغزى خفي خلف حديث الأخرى، والتي تحركت تسبقها قائلة:
- تعالي ياللا وريا حصليني.
توقفت خلفها قليلًا تسحب شهيقًا كثيفًا من الهواء ثم تطرده، لتتحكم بعض الشيء في توترها، ثم تبعتها حتى غرفة الاستقبال التي يجتمع بها الضيوف، مطرقة الرأس بخجل ووالدها ينهض عن مقعده ويقدمها برزانة:
- وادي العروسة وصلت اهي، ومعاها أمها كمان.
- يا ما شاء الله بعيلتك اللي تفرح يا ابو ليلة.
تفوه الرجل الكبير وقد نهض يستقبلهما بترحيبه، ليصافح زبيدة في البداية، قبل أن يأتي دورها، ليهلل بغبطة أخجلتها:
- يا اهلا يا اهلا بست الحسن والجمال، باه يا ابو ليلة يا عفش، عرفت تخلف البنتة الزينة دي كيف يا واض؟
قالها وانطلقت ضحكات الجميع، حتى صبا لم تكبت ابتسامتها، ثم استلت كفها منه تصافح العريس المذكور بدون ان ترفع رأسها إليه.
وعلق الرجل مرة أخرى:
- وكمان مش رافعة عينها من الأرض، لا يا عروسة احنا معندناش الكلام ده، دا واد عمك تبصي وتملي عينك منه زين، عشان لو معجبكيش تجولي على طول ومتتكسفيش.
للمرة الثانية ينجح الرجل بمزاحه لتخفيف التوتر بالضحكات بين الجميع، وتبادل معه مسعود الرد بألفة هو الاخر يناطحه بالمفردات الجنوبية بقصد ترك المجال لتعارف الشباب.
- مخلصة كلية ايه يا صبا؟
سألها الشاب بقصد فتح حديث ودي معها، وجاء ردها بروتينة، وقد تحققت من رؤية جيدة له، لم تكذب والدتها حينما وصفته بالعريس اللقطة، وسيم الوجه بهيئة مبهرة، يرتدي ملابس المدينة، ويتحدث بلباقة، كما أنه مناسب لها في نفس العمر، فلم يتعدى الثلاثون ربيعًا بعد، إذن ماذا تبقى لها من عيوب حتى تأخذها حجة وترفضه؟....
***
- مساء الخير يا جماعة عاملين ايه؟
ألقت بالتحية وهي تضع من يدها الأكياس الممتلئة باحتياجات المنزل اعلى الطاولة التي تتوسط الردهة، قبل أن تقترب بخطواتها من مجلسهن أمام شاشة التلفاز المعلقة على الحائط، في متابعة لإحدى المسلسلات الدرامية الجديدة، والتي ادعت نرجس التركيز في مشاهدتها، كي ترد بعدم انتباه:
- مساء الخير.
تغاضت شهد عن تجاهلها وتوجهت لشقيقتها التي كانت مختفية منذ الأمس في غرفتها:
- ازيك يا أمنية، مش ظاهرة من الصبح يعني، هو انتي كنتي تعبانة؟
تطلعت لها الأخرى بملامح مبهمة لمدة من الوقت قبل ان تجيب بهز رأسها وصوت خفيض خرج كالهمس:
- حمد لله، كان صداع وراح لحاله.
بلفتة مهتمة اقتربت لتجلس على ذراع الكرسي المقابل لها تخاطبها بقلق:
- كان صداع بس ولا فيه حاجة تانية معاه؟ انتي شكلك متغير اساسا.
قبل أن تجيبها خرج الرد من نرجس بمغزى:
- لا متشغليش نفسك بقى يا شهد، ما هي قالتلك شوية صداع وراحوا لحالهم، مش مستاهل يعني الموضوع تزعلي نفسك وانتي عروسة جديدة.
رفعت رأسها نحوها، وقد فهمت إلى ما ترمي إليه بهذه اللهجة الملتوية، قاصدة بجبن تذكيرها بعقد زواجها بالأمس، فجاء ردها بقوة:
- ولو كنت عروسة وعلى الكوشة كمان، برضوا هسأل واطمن واراعي عشان هما خواتي...... حتى لو هما مقدروش ولا كسفوني قدام ألناس بخروجهم وقت فرحتي.
قالت الأخيرة موجهة النظر نحو شقيقتها التي ابتعلت ريقها بحرج ترد:
- انا خرجت عشان كنت تعبانة....
قاطعتها نرجس تواصل إظهار الغضب تنفيذا لتعليمات سميرة شقيقتها:
- لهو انتي خدتي بالك من خروجها يا شهد وزعلتي كمان؟! معلش بقى يا حبيبتي، اصل المفاجأة خضيتها.
رددت خلفها وكأنها تراها لأول مرة:
- المفاجأة خضيتها....... ايه لزوم تلقيح الكلام يا مرات ابويا؟ ما انتي لو عايزة تفهميني انك زعلتي بموضوع كتب الكتاب المفاجئ، قوليها وبصراحة وانا مش هلومك، عشان عارفة ان معاكي حق، بس انتي بقى لو كان هامك اوي كنتي تيجي تعاتبيني في وشي عتاب الحبايب، وانا ساعتها هفهمك السبب اللي خلاني عملت كدة، لكن الأسلوب ده يزرع الفرقة ما بين الأخوات.
أفحمتها بالرد حتى تقصلت عضلات وجهها بحنق جعلها تبتعد بنظرها نحو المسلسل الذي تتابعه، تتهرب من المواجهة كعادتها، أما شهد فحينما عادت للأخرى تفاجأت بهذا التغير الذي يغلف ملامحها، صامتة، هاديدة، وقد اختفت هذه الشراسة التي تدعيها طوال الوقت، وكأن بها شيئًا ما.
عادت لتسألها مرة أخرى:
- انتي كويسة؟
ردت بشبه ابتسامة اعتلت ثغرها:
- ما انا قولتلك يا شهد، كان صداع وراح لحاله.
- طب براحتك.
تمتمت بها، لتزفر ناهضة من أمامها مردفة:
- ع العموم انا كنت عايزة ابلغكم بالعزومة اللي عملاها طنت مجيدة اصلها كانت عايزة رقمك يا خالتي نرجس عشان تبلغك بنفسها.
شددت شهد على الأخيرة بقصد فهمته الأخرى لتدعي عدم الاكتراث في الرد عليها:
- ما هو رقمي عندك ادهولها، وانا هقول لأ يعني؟
- تمام.
قالتها شهد وما همت أن تستدير عنهما ذاهبة، حتى تفاجأت بقول شقيقتها:
- الف مبروك يا شهد.
بابتسامة من القلب ردت بكلمات مقصودة:
- الله يبارك فيكي وعقبالك انتي كمان....... مع اللي يستاهلك.
قالتها ثم استدارت ذاهبة لتتركها تنظر في أثرها بصمت، قطعته والدتها بمصمصة من بين شفتيها مغمغمة:
- ايوة بقى عيبي على كيفك، ما انتي خدتي المهندس وعبيتي ايدك منه كمان.
لم تشاركها التعقيب، بل انتبهت لتخرج هاتفها تنظر بسجل الاتصالات التي زادت بعدد آخر منه، وعلمت أنه ما زال يحاول، تنهدت بعدم اكتراث، لتعيده مرة أخر بجيبها وعلى نفس وضعه الصامت، ثم اندمجت مرة أخرى في مشاهدة المسلسل.
***
عادت ميرنا بعد انتهائها من زيارة المحامي المكلف بالدفاع عنها، وراسها المشتعل على وشك الإنفجار، لا تصدق ما يحدث وما ورطت نفسها به، كانت تظن أنها الذكية التي تتلاعب بالجميع من أجل كل ما يصب لمصحتها، لقد عاهدت نفسها أن تأخذ من الدنيا ما يكفيها ويزيد عن حاجتها ايضًا، ونجحت بخططها، لتتغلب على الظروف والبشر وكل ما وقف امام طريقها، لتدور بها الدوائر الآن وتدخل السجن محل هذه التافهة الصغيرة؟ يوسوس لها الشيطان بأذيتها، ولكن عقلها يأمرها بالتريث قليلًا حتى تجد الطريقة، وهي لن تغلب.
توقف بها الحارس أمام باب الحجز وقبل أن يفتح ليدخلها، أوقفته قائلة:
- بس انا كنت عايزة منك خدمة يا شويش.
زجرها الرجل باستنكار:
- نعم يا عين امك؟ عايزاني انا اخدمك كمان؟
- فشر دا احنا اللي نخدموك.
تفوهت بها بنعومة لتضع يدها بداخل جب صدرها في الأعلى، مخرجة لفة محترمة من النقود، لتضعها بيده قائلة:
- انا كان غرضي بس فيد واستفيد.
ارتخت ملامح الرجل، ليضع المال بجيب قميصه، ثم ما لبث ان يرد بصوت يدعي فيه الخشونة:
- قولي عايزة ايه؟ وبسرعة.
***
- أبلتي أبلتي، التليفون اهو يا أبلتي.
تفوهت بالكلمات الفتاة سكسكة زميلتها في الحجز وهي تقتحم كابينة المرحاض، لتنحشر معها داخله، وقد أتت بما طلبته منها.
تناولت ميرنا تتفحص الهاتف الصغير ذو الشاشة المتهشمة لتردد بقرف:
- ايه يا بت العدة المعفنة دي؟ ودي بينفع فيها كلام اساسًا؟
دافعت الفتاة بلهفة مبررة:
- طبعًا امال ايه؟ هي أينعم مبهدلة زي ما انتي ما بتقولي، بس فيه رصيد للكلام والنت كمان، دي البت سهير مرديتش تدهوني غير لما عكشت عشرين جنيه، بنت المحظوظة، اكمنها الوحيدة اللي معاها عدة وسطنا.
لوت ثغرها ميرنا لتقلبه بغيظ قبل أن تستلم لتضغط على الشاشة تفتحه بصعوبة، جمعت الأرقام المميزة التي تحفظها كأسمها، لتضغط على زر الاتصال بالشخص المقصود، انتظرت استجابة من جانبه والذي لم تحدث في المرة الأولى، ولكن مع اعادة المحاولة وصلها الرد بنزق:
- الوو مين معايا؟
ردت على الفور بلهفة يشوبها لمحة من الفرح:
- الوو.. انا ميرنا يا سعادة الباشا.
- ميرنا.
تمتم بها بعدم تصديق، فتابعت مردفة:
- ايوة يا باشا، ازيك انت عامل ايه؟ انا فرحانة اوي اني وصلتلك....
قاطعها بحدة يوقف استرسالها:
- استني عندك...... هو انتي مش في السجن يا بت انتي؟ بتتصلي بيا ليه؟
رده كان مباغتًا لها، لدرجة جعلتها تتوقف لبرهة تستوعب قبل أن تغلف صوتها بنبرة مترجية؛ يتخللها بعض تهديد:
- ايوة انا في السجن يا باشا، وبتصل بيك عشان تخرجني، عشان انا اتظلمت من غير سبب وكله عشان انفذ اوامرك.
استفزه تصريحها المباشر في توجيه اصابع الاتهام نحوه، فصاح بعنجهية كي يعرفها بقدرها:
- وقفي عندك يا بت انتي، ومتخليش العشم ياخدك اوي كدة، انا اللي بيعملي خدمة بياخد المقابل، وانتي خدتي تعويض بمبلغ محترم، رغم اني محذرك من الأول ترجعي الخاتم، يبقى اتحملي نتيجة غلطك ومسمعش صوتك تاني.
فقدت ميرنا الباقي من تحكمها لترد غير آبهة:
- لا يا عدي باشا مش هسكت، ما هو انا مش ارسم واخطط لاجل ما اوقعلك البت وصاحبتها، وتيجي انت على اخر لحظة وتبوظ كل حاجة، انا معملتش كدة بمزاجي، انت اللي كنت هتموت على صبا وعايزني اوقعها، وانا مكنش قدامي غير مودة عشان تجيب رجلها، يبقى مشلش انا الليلة في الاخر.
بتبجحها الأخير كان قد وصل بغضبه للذروة، لينهي بلهجة حازمة صارمة:
- اسمعي يا بت انتي، الرقم دا تمسحيه من ذاكرتك نهائي، لأن لو حصل مرة تانية واتصلتي او حاولت توصليلي يبقى متلمويش الا نفسك، وعشان تبقي عارفة، انتي علاقتك بالفندق وبكل ما يخص عدي عزام انتهت.
صعقت ميرنا تترنح محلها حتى كادت أن تسقط على ارضية المرحاض، لولا سكسكة التي امسكتها تسندها من مرفقها تردد بقلق:
- حاسبي يا أبلتي لا احسن تقعي.
تطلعت إليها لاهثة لعدة لحظات حتى تستعيد توازنها، ثم ما لبثت أن تستقيم وكأن شيئًا لم يكن، تتناول الهاتف، لتتلاعب على شاشته مرة أخرى، سألتها الفتاة باستغراب:
- هتتصلي بمين تاني يا أبلتي؟
ردت بابتسامة جانيية قاسية:
- لا يا حبيبتي دا مش اتصال، دا انا بس بخش بالباسورد بتاعي على حسابي، اصلي بعيد عنك، عندي شوية صور كدة حفظاهم في حتة لوحدهم، انما ايه لوز، ودا عز وقتهم.
هرشت سكسكة بطرف سبابتها على جانب رأسها بعدم فهم مرددة:
- وقت ايه يا أبلتي بالظبط انا مش فاهمة حاجة.
نهرتها بجدية وتجهم:
- بعدين افهمك يا سكسكة، سيبيني انفذ اللي بعمله دلوقتي.
صمتت الفتاة تتركها لما تفعله، غافلين عمن سمعت بكل الحديث، وقد تواجدت بالصدفة داخل المرحاض المجاور، بغرض الاغتسال وتبديل ملابسها من أجل المغادرة، وقد صدر أمر اخلاء سبيلها، واتمت الإجراءات منذ قليل.
وفي الجهة الأخرى، وبعد ان انتهائه من مكالمتها، دمدم بسبة وقحة على غير عادته، وقد أخرجته هذه الفتاة ببجاحتها عن طوره الطبيعي الهادئ، فبدلت مزاجه الرائق لاَخر منزعج.
زفر يعود لتفحص الملف الذي ما زال بين يديه، يعيد على قراءة المعلومات الخاصة بها باهتمام شديد، وقد حسم أمره الآن، منهيًا فترة الاخذ والرد مع نفسه، طريقها مباشر ولا يقبل الالتفاف، ليته ملك الشجاعة لهذا الأمر من البداية، لكان اختصر كثيرًا من الوقت، متجنبًا التورط مع هذه الملعونة التي تجرأت على تهديده منذ قليل.
***
بهيبة تليق به، كان جالسًا يتابع اعماله على الحاسوب الذي وضعه أعلى الطاولة المجاورة له، واضعًا قدم فوق الأخرى، والنظارة الطبية أعلى عينيه بوسامة كادت أن توقف قلبها، وهي تتابعه بوله، في وقفتها صامتة على مدخل الغرفة، من وقت عودتها من الخارج، يساعدها اندماجه الشديد في ممارسة هوايتها المفضلة في تأمله، لكن مع الوقت انتبه عليها اخيرًا ليهديها ابتسامة عذبة بسؤاله لها:
- انتي واقفة عندك هنا من امتى؟
دلفت تطوح بحقيبتها اليدوية، لتبادله ابتسامة رائعة بردها:
- انا هنا من زمان يا سيدي، واقفة وبراقب الجميل وهو مندمج في شغله.
اعتدل بجلسته وجذبها لتجلس على قدميه ليتغزل بها هامسًا:
- ولما انا ابقى جميل، تبقى انتي ايه يا ساحرة الفن والجمهور كله؟
ختم قوله ليلثم بشفتيه على جيدها ورقبتها كتحية تعبر عن شوقه إليها الذي لا ينضب ولا يتوقف،، يتنشق عبير رائحتها الذي يعيد إليه الروح، بل هي الحياة نفسها، يعشقها لدرجة تجعل الأنفاس بقربها ترياق لكل أوجاعه وآلامه، نعم فهي زوجته والتي لن يرضى لها بديلاً لحمل أبناءه، بخاطره الأخير، رفع رأسه بانتباه يسألها:
- انتي كنتي عند الدكتورة النهاردة صح؟
أومأت برأسها كإجابة فتابع استفساره بتمعن:
- وايه الأخبار بقى؟ انا شايفك رايقة شوية رغم ان عيونك دبلانة، انتي عيطتي معاها كتير؟
أجابته برقتها التي تذيبه كالجليد وكفها تداعب جانب وجهه:
- وفيها ايه لما اعيط يا حبيبي؟ مش بيقولوا برضوا ان البكا بيريح.
سألها بإلحاح، وعينيه لا تغفل عن أي تفصيلة منها:
- يعني انتي ارتحتي دلوقتي يا نور؟
مطت شفتيها ومقلتيها تتراقص حوله قليلًا بتفكير، ثم ما لبثت أن تقول:
- اممم، يعني هي مش راحة بالأكيد، بس ع الأقل هديت شوية، يمكن لأني خرجت اللي في قلبي اخيرا، أو يمكن عشان الكلام اللي سمعته منها بعد كدة، بس في كلا الحالتين انا خارجة من عندها ومقررة ان احكيلك انت كمان يا مصطفى.
- بس انا عارف كل حاجة يا نور.
فاجأها بالقول، لتبتعد برأسها عنه تسأله بعدم تصديق:
- عارف ايه بالظبط؟ انا مش فاهمة.
رد بثبات وعينيه تأسر خاصتيها:
- عارف بمعاناتك في جوازك الأول مع كمال عز الدين، ومحاولاتك في اسقاط كل جنين كنتي بتحملي بيه منه ودا مش من النهاردة، لا دا من قبل ما اتجوزك، تحديدًا في الخطوبة.
- يعني انت عارف بكل ده من زمان ومخبي عليا....
قالتها بأنفعال، وقد أظلم وجهها بالغضب، همت لتنهض، ولكنها شدد عليها بذراعيه متابعًا بحزم:
- اسمعي ومتفهميش غلط يا نور، انا الموضوع ده عرفت بيه من طليقك نفسه، كان قابلني صدفة في حفلة فنية، واتعصب عليا يهرتل بكلام عن انك جاحدة واني واخد فيكي مقلب جامد واني مانخدعش بصورتك الحلوة واقع في نفس الفخ اللي وقع فيه، وذكر حكاية الحمل بالاطفال وانك كنتي بتسقطيهم من غير علمه، عشان كل اللي هامك الفلوس.....
همت لتتكلم ولكنه أوقفها بوضع السبابة على فمها مستطردًا:
- وعمري ما اتأثرت ولا صدقت اي كلمة من كلامه، بل بالعكس انا سألت كويس وعرفت من والدتك الله يرحمها عن معاناتك معاه واللي كان بيعملوا وياكي، بس طبعا احترمت رغبتك في انك تخبي حاجة زي دي عني، مع اني كنت بموت وانا نفسي اسمع منك عن اللي كان بيتعبك، كنت عايزك تفتحيلي قلبك يا نور.
تأثرت بكرمه البالغ حتى ترقرت عينيها بالدموع وصدر صوتها ببحة باكية:
- انا بحبك أوي يا مصطفى.
قالتها لتضمه بقوة إليها، فاستجاب يبادلها عناقًا أقوى.
***
عاد إلى المنزل يجر أقدامه جرًا من التعب، بعد قضائه اليوم بأكمله في التحقيق والملاحقات الخاصة بهذه القضية الهامة، والتي تمس جزءًا هامًا من عائلته، حتى لو كان هذا الجزء يتعالى حتى عن النصيحة.
القي التحية برفع كفه نحو والدته التي كانت تنقي الأرز في جلستها على مائدة السفرة الفارغة، واضعة النظارة الطبية على عينيها،
- مساء الفل.
- مساء الخير.
قالتها ثم انتظرت برهة حتى جلس على الكرسي المقابل لها فتابعت سائلة:
- كل ده تأخير يا أمين؟ اليوم كله في الشغل يا بني؟
زفر يجيبها بإجهاد شديد:
- أه والله يا ماما، هو كان يوم صعب جدا، انا مش قادر ارفع عيوني وعايز احط راسي على المخدة وانام على طول، بس كمان جعان والله، هو انتي لسة معملتيش أكل يا مجيدة؟
- لا يا حبيبي الأكل جاهز، الرز ده لعزومة بكرة.
- عزومة ايه؟
تسائل بها قبل أن يأتيه الجواب مع خروج شقيقه من غرفته يهتف بمرح:
- زوجتي العزيزة يا عسل، هتشرف بكرة مع عيلتها على الغدا.
عقب أمين بادعاء التذمر، رغم ابتهاجه للفرح الذي يشرق بوجه أخيه:
- كدة على طول بقت زوجتك؟ تكتب كتابك عليها امبارح، وتاني يوم تعزمها ع الغدا، هو انت معندكش دم يا عم انت، هنكفيك مصاريف من فين؟
تدخلت مجيدة قائلة بدعم:
- يا خويا خليه يصرف ويدلع مراته، شالله ما حد حوش.
- حبيبتي يا مجيدة.
هتفت بها حسن يقبل رأس والدته قبل ان يجلس ويرافقهم على الطاولة.
ضحك شقيقه بصمت فقد كانت طاقته على المناكفة على وشك النفاذ، قبل أن تباغته والدته بالباقي من أخبارها السارة:
- دا احنا كمان عازمين أنيسة وبنتها لينا.
فجأة تجددت به الحيوية ليرد بغضب مصطنع:
- والست لينا تعزميها ليه بقى؟ كانت اخت العروسة ولا من قرايبها؟
رد حسن بالنيابة عن والدته:
- يا بني احنا عازمين انيسة عشان غرض مخصوص، وهو الحلويات اللي بتعملها، ولا انت مبتحبش حلوياتها؟
ادعى الامتعاض في رده على السؤال:
- لا طبعا بحبها، دي استاذة حلويات يا بني، خلاص يا أمي، أنا موافق عشان حلويات الست انيسة، والبت لينا تيجي معاها زي بعضه.
رددت مجيدة خلفه ساخرة وهي تنهض عن مقعدها بجوارهما:
- زي بعضه كمان، يا خويا كتر خيرك.
أضاف حسن هو ايضًا:
- انت كريم اوي يا أمين؟
اندمج يستجيب لمزاحهم قائلًا:
- اهو بقى عشان ما تقولوش عليا وحش ولا متعندها؟
- لا اطمن مش هنقول.
قالها حسن وانطلقت ضحكاتهما الاثنين.
***
في اليوم التالي.
دلت صبا في موعدها الاعتيادي في هذا الوقت من الصباح لممارسة عملها بداخل الفندق، تسير بطبيعتها المستقيمة لا تلتفت إلى النظرات او الهمسات من حولها، لكنها اليوم تشعر انها مختلفة عن كل يوم، وهذا ليس الآن فقط، بل هو منذ خروجها من باب المبنى الذي تقطن به، لفتات غريبة من بعض الشباب في الحارة كالتفوه بتعليقات لم تفهمها، حتى في استقلال الحافلة، لاحظت بعض الهمزات واللمزات، ولكنها تجاهلت مخمنة ألا تكون المقصودة، لتأتي الآن بداخل الفندق، لتجد نفس الشيء بل أكثر، جميع الرؤوس تلتف نحوها، مجموعات أو أفراد، في نفس الاتجاه أو عكسه، موظفين أو نزلاء، ونظرات متفحصة بشعور غير مريح جعلها توقف أول فتاة من عمال النظافة وجدتها بالردهة المؤدية الى قسمها:
- استني يا مريم ثواني هنا.
انتظرتها الفتاة حتى اقتربت لتخاطبها بلهفة:
- آنسة صبا، ازيك عاملة ايه؟ هي مودة مجاتش معاكي النهاردة برضوا؟
- لا بصراحة مجتش.
ردت تجيبها بعجالة، قبل تتابع بالسؤال بكلمات غير مترابطة:
- معلش يعني اا.... بصي بصراحة، اصل انا ملاحظة حاجة كدة بتحصل معايا من الصبح.... حاسة الناس كدة بتبصلي وو... هو انا فيا حاجة غلط النهاردة في لبسي ولا حجابي..
ردت مريم بعفوية، وكأنها تخبرها عن أخبار الطقس:
- لا انتي لبسك حلو وزي القمر كعادتك، بس هو في كلام طالع عليكي من امبارح عشية.
سألتها بقلب وقع بين قدميها:
- كلام ايه اللي طالع عليا يا مريم؟
رفعت لها الفتاة هاتفها لتوضح لها بالصورة:
- هو مش كلام، هو خبر كدة منتشر وبينزل بوستات عليه وبقى ترند عن جوازك بعدي باشا ولا خطوبتك باين مش عارفة، شوفي كدة.
بأيد مرتعشة تمعنت بالشاشة تقرأ الكلام المدون أعلى الصورة الملتقطة لها مع هذا الشيطان بمطعمه، وتخمين بخبث عن علاقة رجل الأعمال العظيم بالفتاة التي سرقت عقله، وجعلته ينسى زوجته والأولاد، بسعيه خلفها، وسؤال يطرح، عن قرب زواجهم، أم هي نزوة جديدة.
***
خرجت من المنزل بعد اتصاله لتجده ينتظرها بداخل السيارة وبدون حراسه الشخصين، تلقف طفله الذي سبقها ليرفعه إليه ويقبله:
- حبيب بابي، يا قلبي انت وحشني وحشني وحشني.
- هو بس؟
قالتها فور أن وصلت إليه، قربها بذراعه الأخر ليقبلها على وجنتيها مرددًا:
- لا طبعًا مامته أكتر.
انتفضت لتبتعد عنه بحرج معترضة:
- احنا في الشارع يا كارم، خلي بالك.
اقترب برأسه منها هامسًا حتى لا يسمع الطفل:
- اعملك ايه طيب؟ ما انا هتجنن في بعدك.
استجابت بابتسامة يزينها الدلال، جعلته يزوم بحنق أثار ضحكتها، قبل أن تتوقف مرة واحدة حينما تفاجأت به يفتح باب السيارة الخلفي ويضع به الطفل، ثم يثبت عليه بحزام الأمان، فسألته بخوف انتابها على الفور:
- انت بتعمل ايه؟ هتاخد عمار يا كارم؟
التف إليها بضحكة مطمئنة قائلًا:
- ايه يا مجنونة؟ هو انتي بتكلمي حد غريب؟ دا انا باباه، ثم انتي أساسًا رايحة معانا.
ارتدت للخلف تقول برفض:
- اروح معاك فين؟ هو احنا مش متفقين اني لسة مفيش مرواح، لحد اما تهدى اعصابي؟
لوح بكفه إليها يخاطبها بلهجة هادئة:
- براحة شوية يا رباب، انا بس عايز افرجك ع المفاجأة اللي محضرهالك، وبعدها هرجعك تاني، هنعدي الاول على ماما اللي اشتاقت لحفيدها، وانا وانتي هنعمل مشوارنا، واما نرجع هناخده من تاني يروح معاكي يا ستي، مش انتي طالبة نتكلم مع بعض، أدينا هنتكلم ونتفسح كمان؟
أومأت توافقه بقلق:
- اه طبعًا، بس منتأخرش كتير؟ ولا تضحك عليا وتروح ع البيت.
أطلق ضحكة مجلجلة ليفتح باب السيارة الأمامي لها مرددًا:
- اطمني يا مجنونة، مش هنتأخر، ولا اخدك ع البيت واغرر بيكي.
***
بداخل السيارة وبعد أن اوصلا طفلهما إلى جدته، كان يقود سريعًا بتركيز شديد ولكن مع مرور الوقت وازدياد المسافة، دخل بقلبها الريبة لتسأله:
- هو انت رايح بينا فين بالظبط؟ ناوي تخرج بينا من القاهرة يا كارم؟
التفت يجيبها بابتسامة زادت من وسامته:
- ما انا قولتلك محضرلك مفاجأة، واطمني يا ستي، كلها ساعات وهرجعك.
علقت باستهجان وعدم تقبل:
- ويعني هي المفاجأة ما تنفعش في القاهرة؟ ولا لازم نطلع براها؟
رد يتنقل بنظراته من الطريق وإليها:
- لا طبعا متنفعش عشان دي حاجة مكانها لازم يبقى ع البحر، ولا انتي مخدتيش بالك اني مغير النهاردة.
ضحكت وعينيها تمشط على ملابسه بانبهار:
- لا طبعا خدت بالي، القميص الأبيض على البنطلون الأبيض، الاتنين يجننوا عليك، بس انا بصراحة انشغلت أسألك عشان يعني تفكيري كله كان في المشوار، بس انت مقولتيش برضوا احنا رايحين فين؟
هزهز برأسهِ بالرفض مبتسمًا بمكر ليزيد من تشويقها، ويجعلها تردف بفضول طفولي:
- ماشي يا كارم، اما اشوف مشوارك دا رايح بينا على فين.
ظل على ابتسامته يدعي اندماجه في القيادة، ليجعلها تتحرق للمعرفة، فساهم ذلك في التخفيف من توترها ليعطيها الأمان، وعاد هو لأفكاره السوداء، وقت أن اخبره هذا الوضيع بالأمس وأمام رجاله عن وجود فيديوهات بين الاثنين، الجملة نفسها جعلت رأسه يشتعل، كي يعلم بالإجابة الكاملة، لقد أرسل رجاله سريعًا نحو عنوان المرأة المسماة بسوزي، ولكن للأسف، لم يتوصل إليها هو، أو حتى الشرطة، وقد تمكنت الملعونة من الهرب، يبدوا انها حية كصاحبتها، ولكنه لم ييأس، وقد قاده عقله سريعًا ليبحث داخل غرفتها بقصره، تلك التي كانت تخصصها لعمل الفديوهات والبث المباشر بصفتها بلوجر مشهورة ولها متابعين، أمسك بحاسوبها يحاول به، وحينما يأس من الدخول بكلمة السر التي غيرتها، بعث لأحد الرجال المخضرمين في هذا المجال، وتمكن من فتحه، ليدخل ويجد ضالته، شرائط مصورة تجمعه على الفراش مع جيرمين، والتصوير قد تم من زاوية قريبة جدا وواضحة بداخل شقته التي كان يظن أنها سرية، ومخفية عن أعين الجميع، وسؤال من الأمس يطارده ويلح على ذهنه، كيف فعلتها؟
ضغط ليكبح جماح نفسه عن أذيتها في السيارة، ليتريث كي ينتظر الوقت المناسب، وها قد اقترب.
بعد قليل
دلف بها في داخل القرية السياحية ليتوقف عند مرفأها، فترجل سريعًا يقول بحماس:
- وادينا وصلنا اخيرًا للمفاجأة يا برنسس.
ترجلت من خلفه، لتتطلع حولها باستغراب سائلة:
- فينها المفاجأة دي يا كارم؟ انا مش فاهمة حاجة.
تبسم يلاعبها بثقة:
- هو انتي مش كان نفسك في يخت يتقدملك هدية في عيد ميلادك وانا اعملك فيديوا وانا بقدمه برومانسية.....
- شهقت تخمن بعدم تصديق:
- لا متقولش، معقول يا كارم عملتها؟
أشار بكفه بسبابته نحو احد اليخوت المصطفة امامها، ليجيب عن سؤالها:
- وسميته بإسم الدلع بتاعك كمان ريري.
هذه المرة لم تشعر بنفسها، لتلقي بثقلها عليه، وتلف بذراعيها حول رقبته قائلة بعشق حقيقي وأعين ترقرت بدموع الفرح:
- انا بحبك اوي يا كارم، مفيش حاجة حلمت بيها الا وحققتهالي، ربنا يخليك ليا بجد.
ربت بكفيه على ظهرها ليقول:
- وانتي تستاهلي يا قلب كارم، خلاص خلي الاحضان دي بعدين بقى عايزين ناخد لنا لفة بيه.
استدركت وضعها في هذه المنطقة المفتوحة، لتفك ذراعيها عنه سريعًا، تتمتم بحماس:
- عندك حق، احنا نخلي الاحضان بعدين.....
توقفت بتذكر، لتقول بابتسامة خبئت فجأة:
- بس انا كان غرضي الأساس من الخروجة اننا نتكلم مع بعض.
رد وهو يتناول نظارته الشمسية السوداء ليضعها اعلى عينيه بابتسامة ظل محافظًا عليها:
- وماله يا قلبي، ناخد لفتنا في البحر بس، وبعدها نتكلم براحتنا ......يتبع.
رواية و بها متيم انا الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم امل نصر
- ايوة يا بني انا دخلت عندها اهو.
تفوهت بها نرجس نحو محدثها في الهاتف، وهي تلج لداخل غرفة ابنتها التي كانت غارقة في النوم، تحتضن وسادتها. جلست على طرف السرير بجوارها، تهزهزها بيدها مرددة:
- بنت يا أمنية، انتي يا بت، يا بت قومي.
رفعت رأسها عن الوسادة تبصرها بنصف أعين مفتوحة، وخرج صوتها متحشرجًا من أثر النوم:
- ايه يا ماما؟ بتصحيني ليه؟
لكزتها لتضع بيدها الهاتف قائلة بتشديد:
- قومي وفوقي كدة كلمي ابن خالتك، دا بيتصل عليكي من الصبح وانتي قاعدة مخمودة لسة، ايه يا ختي النوم ده كله.
رددت بالاخيرة وهي تنهض تاركة الفراش لتذهب وتتركها. نظرت أمنية في أثرها حتى غادرت، لتنتبه اخيراً على صوته وهو يهتف عليها عبر الاثير:
- ما تردي يا أمنية، ولا كمان مش عايزة تردي؟
استدركت اخيراً لوضعها مع هذا الذي يحدثها، لتعتدل بجذعها وتجيبه بصوت فقد حماسته المعتادة:
- ايوة..... انا صحيت اهو.
- نعم يا اختي وبتكلميني من غير نفس كمان؟ بعد ما لطعتيني باليومين من غير ما تردي عليا في أي اتصال يا روح امك؟
زمت شفتيها تقلب عينيها بسأم، تكبح لسانها برد يناسب وقاحته بعد ما فعله منذ يومين معها، حينما امتدت يده عليها وضربها، ليأتي الان ويحدث بنبرة عادية وكأن شيئاً لم يكن.
وصلها قوله متسائلاً:
- هو انتي لسة زعلانة يا أمنية؟ انا كنت متعصب على فكرة ومش في حالتي الطبيعية، لازم تقديرها دي.
- ليه؟
- ليه إيه؟
ردت مشددة على أحرف الكلمات بانفعال ظاهر:
- مكنتش في حالتك الطبيعية ليه؟ انا عايزة اعرفها دي يا ابراهيم.
صمت قليلاً يستوعب حدتها، وهذه القوة الجديدة في مخاطبته، لتجبره على تخفيف لهجته في الحديث معها، ومحاولة الرد بإجابة مقنعة:
- يا أمنية افهمي بقى، انا خدت الموضوع على كرامتي، وبصراحة اتقهرت لما لقيت البت دي بتكتب كتابها وبيحطونا قدام الأمر الواقع عشان يسبقونا ويتجوزوا قبلنا، ولا انتي مش واخدة بالك ان بعملتها الخبيثة دي وقفت حالنا؟ بصراحة بقى غيران وعايز دخلتنا تبقى قبلهم، عشان دا عدل ربنا.
راوده بعض الثقة حينما لم يأتيه ردها على الفور، ظناً منه أنها اقتنعت، قبل أن تباغته بقولها:
- ولما دا هو رأيك والسبب الرئيسي في غضبك زي ما بتقول، انا كنت غلطت في إيه لما جيبتلك سيرة المأذون وجوازنا؟ كان فين غلطي لما ضربتني بالقلم اللي شق شفتي وسال منها الدم؟ وبعدها طردتني من المخزن زي الكلبة...... ليه يا ابراهيم؟ انت عارف ان دي اول مرة انضرب فيها، لا ابويا الله يرحمه عملها قبل ما يموت، ولا امي، ولا حتى اختي اللي شالت من بعده وربيتنا عملتها.
اكملت بصوت اختنق بالدموع التي سالت بحرقة على وجنتيها:
- انا مش رخيصة عشان تعاملني بالمنظر ده يا ابراهيم، بتتعصب على اتفه الأسباب وبتشتم وانا بفوت، ولا يمكن يكون هو دا السبب! اني بطيعك في كل حاجة ودا خلاك تفتكرني من غير كرامة، هي دي فكرتك عني يا ابن خالتي؟
ختمت ليصله صوت نهنات مكتومة منها، جعلته ينفي على الفور كي ينقذ المتبقي من عشقها له، وقد بدا جليا له الان حجم غباءه، حينما استخف بما فعله في المرة الاخيرة معها:
- اوعي تقولي الكلام دا مرة تانية يا أمنية، دا انتي حبيبتي يا بت والغرام كله، ازاي تظني فيا كدة بس؟ بقولك ايه، انا لازم اقابلك عشان اصالحك بجد، أجيلك البيت النهاردة مع أمي، ولا اعزمك برا في احلى كازينو ع الكورنيش؟
مسحت بطرف ابهامها أثر الدموع من وجنتيها، لترفض عرضه الكريم بثبات ادهشه:
- للأسف أنا مش فاضية النهاردة، عندنا خروجة انا واخواتي وامي، اصلنا معزومين على الغدا عند نسايبنا الجداد، في بيت جوز اختي واهله.
- اسم الله على جوز اختك واهله.
صاح بها متناسياً منهجه الجديد معها، وقد استفزته بقوله، وكأنها قاصدة كشفه، ليتابع بوقاحة ليست غريبة عن خصاله المعروفة:
- جوز مين يا بت ال...... بتتسرمحي على كيفك ولا اكن ليكي خطيب تشاوريه؟ وعايزة تروحي بيت رجالة غريبة وتاكلي وتشربي معاهم يا كمان؟
هتفت بعدم تقبل لكل ما تلفظ به:
- خلي بالك من كلامك يا ابراهيم، انا مش رايحة عند ناس غريبة، بقولك نسايبنا الجداد وجوز اختيي، يعني خلاص بقى واحد من العيلة، دا الجديد ولازم كلنا نتقبله.
كلماتها المقصودة بلغة التحدي، تجعله يود القفز من محله ليفتك بها، ولكنه لا يصح له الان فعل ذلك، فالعصفورة قد نبت لها أنياب، بعد أن كان خبيراً في قص أجنحتها وضمان ولائها له، ونسي أن كثرة الضغط يولد الانفجار وهذا ما يحدث الان.
حمحم يخشن من صوته ليتراجع عن رفضه قائلاً بمهادنة:
- انا مش هحاسبك على عصبيتك ولا غلطك معايا دلوقتي يا أمنية، عشان مقدر زعلك مني، ومعلش بقى هاجي على نفسي المرة دي ومش هدقق، اخرجي يا ستي وانبسطي، وبعدها يبقى لينا كلام تاني.
- كتر خيرك.
قالتها ساخرة، قبل أن تنهي المكالمة وتعود بجذعها للفراش، واضعة رأسها على ذراعها الذي مددته كوسادة، لتغرق في تفكيرها وتحليل موقفه المتراجع منذ قليل حينما واجهته بخطئه، ثم مقارنة ذلك بأفعاله السابقة معها، بعيداً عن العاطفة العمياء، وكأن عقلها أصبح اخيراً يعمل.
جاحظ العينين، وجهه المظلم كاللون السترة الرمادية التي يرتديها، لا يستوعب ما اردف به زميل عمله وصديقه منذ سنوات عديدة، ليهدر به متسائلاً بخطر:
- بتقول إيه يا حمدي؟ انت واخد بالك من اللي بتهلفط بيه؟
رد الاخير بعتب يغلف نبرته:
- اهلفط دا ايه بس يا شادي؟ هو انت شايفني عيل صغير قدامك؟ انا بقولك ع اللي حصل....
- إيه هو اللي حصل؟
صاح بها كالمجنون يقاطعه بشراسة مخيفة:
- الكلام دا ينقال على أي حد في الدنيا، إلا صبا، انا لا يمكن هقبل بحد يمس طرفها، الناس كلها في كوم، وصبا في كوم تاني، فاهم ولا لأ؟
ارتد حمدي برأسه للخلف بخوف غريزي زحف لقلبه، رغم علمه بسلامة موقفه، ليردف بدافعية:
- بس انا مغلطتش فيها شادي، انا بقولك ع اللي حصل واتنشر على صفحات النت وبقى ترند عشان اسم عدي عزام، البنت اية في الجمال والأدب، وانا اشهد بكدة...
ردد خلفه يضيف بانفعال:
- وكل اللي في الفندق من عاملين ونزلا يشهدوا بكدة، الناس اللي ماشية في الشارع، والعيل اللي مولود من بطن امه يشهد بكدة، انا عايزة اعرف، مين اللي طلع الاشاعة دي، عشان اروح اقتله واشرب من دمه.
لوح حمدي بكف يده، بغرض التريث، وقد تأكد الان بصدق إحساسه في أن صديقه غارقاً في عشق الفاتنة الصغيرة، وتكلم بهدوء حتى يمتص غضبه:
- براحة بس، براحة، انا معاك ومقدر والله انفعالك، الاشاعة مالية الدنيا، ومحدش عارف مين اللي طلعها، ابن حرام ولا بنت حرام، المهم ان صبا سابت الشغل وقدمت استقالتها من الفندق كله....
للمرة الثانية يقاطعه بعقل على وشك الانفجار:
- انت بتقول إيه؟ يعني هي فعلا سابت الشغل؟ وانت ازاي تقبل باستقالتها يا حمدي؟ صبا لازم ترجع وتواجه الكل، انا أكتر واحد عارف ببرائتها، انا هقف جمبها، واللي يجرحها بنظرة هخزأ عنيه الاتنين.
اومأ له حمدي يهز رأسه، وبمهادنة يخاطبه:
- تمام يا سيدي، والله انا فاهمك، بس انا ايه في إيدي؟ دي رمت الطلب على سطح المكتب قدامي، وخرجت تروح من غير انتظار الرد ولا حتى عشان امضيلها عليها.
تمتم يحدث نفسه بجزع متسائلاً:
- يعني هي دلوقتي روحت؟ طب ووالدها لو عرف، دا ممكن يقتلها....... وانا لا يمكن اسكت.
تفوه بالآخيرة ليستدير مغادراً بخطواته السريعة، بدون استئذان، ولا عابئاً بقلق صديقه وندائه عليه:
- طب انت رايح فين دلوقتي وسايب الشغل يا شادي؟ يا شادي.
بملابس العمل التي عادت بها كما خرجت، كانت متكومة على الفراش تبكي مصيبتها بصمت، الهمزات واللمزات التي كانت تدور خلفها وأينما تسير، نظرات خبيثة تمشطها بشكل جارح، هي لم تفعل شيء خاطئ لتستحق ذلك، هي التي تحافظ على اسم والدها اكثر من الحفاظ على روحها، والتي قد تضحي بها إذا لزم الامر فداءً له، كيف سيكون وضعه إذا علم بهذا الافتراء على ابنته؟ وكيف هي ستواجه وتدافع عن نفسها في شيء لم تفعله؟ ليتها ماتت قبل أن يأتي هذا اليوم، ليتها قبلت بما قبلت به شقيقاتها، ولتدفن احلامها، وكل هذه الخيلات الغبية، لتعي جيداً بوضعها في هذا العالم القاسي، الذي لا يرحم ولا يتوانى عن الخوض في الشرف والعرض.
- انتي لسة نايمة يا صبا؟
تفوهت بها زبيدة وهي تقتحم الغرفة، تضغط على القابس الكهربائي لتشعل زر الإضاءة، وتابعت بخطواتها نحو الفراش حاملة بيدها كوب لمشروب ساخن مرددة:
- جومي يا بتي اشربي كوباية الاعشاب دي وهي سخنة عشان بطنك تخف.
قالتها زبيدة بناءً على الحاجة التي اخبرتها بها ابنتها، فور عودتها من العمل مبكرًا عن أي يوم، والتي حاولت أسفل الغطاء تجفيف دمعاتها جيدًا، قبل أن تعتدل لتتناوله منها غير قادرة على التفوه بكلمة.
تمعنت زبيدة بها النظر لتعلق بارتياب:
- هو انتي كنتي بتبكي ولا إيه؟ لدرجادي انتي موجوعة يا بتي؟ طب ما نطلبلك دكتور يشوفك ولا أروح بيكي المستشفى......
قاطعتها صبا سريعًا:
- يامة أنا هخف من غير ما أروح لدكتور، بس انتي سيبيني أريح دلوك الله يخليكي.
تراجعت زبيدة قائلة باستسلام تنفيذًا لرغبتها:
- طيب يا بتي، مع إنّي مش مستريحة لمنظرك ده، دا انتي حتى مغيرتيش هدمتك اللي رجعتي بيها.
اومأت بمهادنة حتى تنهي الجدال:
- حاضر هقوم واغير دلوك إن شاء الله، بعد ما أشرب الاعشاب اللي سوتيها، روحي انتي شوفي وراكي إيه، متربطيش نفسك بيا.
زفرت مذعنة لطلبها على مضض، ولكن وقبل أن تصل لباب الغرفة، التفت مرة أخرى على نداءها:
- هو أبويا لسة في الشغل يامة؟
ردت زبيدة وهي تضع يدها على عتلة الباب قبل فتحه:
- لا ما هو جاي بدري النهاردة، أصل خواتك الولاد اتصلوا بيه وجالوا إنهم ركبوا ع الفجر ونازلين، سبحان الله، جاين كده فجأة ومن غير ميعاد كمان، يتحسدوا.
قالتها بعفوية وخرجت من الغرفة، تاركة صبا تردد بقلب يرتجف:
- حجازي وفراج نازلين كمان، كملت يا صبا، كملت يا بت أبو ليلة.
بجناحه الخاص بالقصر، وقد كان على وشك الخروج لعمله بعد أن أتم ارتداء ملابسه وتأنق أمام المرآة كطاووس مغتر بجماله وهيئته البراقة، يمني نفسه بالسعادة، وقد وضع بعض الخطط التي سوف يسير على نهجها من اليوم في طريق تحقيق غايته، أجفل فجأة باندفاع باب الغرفة بعنف ليلج إليه شقيقه بهيئة تختلف تمامًا عن طبيعته الراقية:
- إيه ده يا مصطفى؟ في حد يفتح على بني آدم بالشكل ده؟ دي مش عوايدك دي؟
تسائل بها مندهشًا قبل أن يباغته الآخر بصيحة غاضبة:
- وأراعي ليه الأصول مع واحد مبيفهمش في الأصول؟
ليه أمشي بأخلاقي مع واحد معندوش أخلاق؟
ردد بذهول، لا يستوعب هذا السباب الغير مبرر على بكرة الصباح وبدون أدنى ذنب:
- إيه يا بني الشتيمة دي كلها؟ جرا إيه لدا كله؟ هو انت حلمت بيا بشتمك ولا بقتلك قتيل؟
- لا يا حبيبي مكانش حلم، دا كان حقيقة زي الزفت وصحيت عليها، تقدر تفهمني مين البت دي اللي معاك في المطعم؟
هتف الآخر، رافعًا شاشة الهاتف أمام أنظاره، فتوسعت عيني الآخر مصعوقًا بما يراه، وما دون من كلمات أعلى الصورة كان يقرأها سريعًا بعدم استيعاب، قبل أن يجفله الآخر بسحب الهاتف مستطردًا:
- أنا كان قلبي حاسس على فكرة، بس مكنتش اتصور إنها توصل بيك لدرجادي، كان بيوصلني أخبار عن نزواتك وعلاقاتك مع مومس وستات زي الزفت، بس أنا كنت بفوت وأديلك العذر، عشان اتجوزت على مزاج الست الوالدة، واتحملت المسؤولية صغير، ملحقتش تعيش المغامرة ولا تعمل زي باقي الشباب.
أنا كنت بصبر نفسي ومنتظر إنك تفوق وترجع لولادك، مش تعمل زي العيال المراهقين، توعد البنات الصغيرين وبعدها تخلف زي الجبان.
توبيخه القاسي أثار استفزازه ليردد بغضب وعدم تحمل:
- مين دا اللي يخلف زي الجبان؟ أنا هتجوز صبا بجد، ومش هسمح لأي حد يمسها بكلمة.
افتر ثغر الآخر بضحكة خالية من أي مرح يعقب ساخرًا:
- لسة مش هتسمح؟ دا مصر كلها ماسكة سيرتها النهاردة، ع العموم أحسن عشان اللي تسمح لنفسها تشاغل واحد متجوز تستاهل كل اللي يجرالها.
- متقولش عليها كدة يا مصطفى، أنا مسمحلكش.
صرخ بها بملامح مشتدة، ارتسم عليها الغضب بقوة، أثار انتباه شقيقه ليطالعه سائلًا:
- ومراتك وولادك، هتسيبهم في تركيا؟ خلاص البنت دي ضحكت عليك وخليتك تنسى لحمك كمان؟
تغلف وجهه بغموض ليردف بلهجة لم يفهمها شقيقه:
- إن كان على مراتي فهي اختارت لوحدها وقصرت عليا المسافة، أما عن ولادي فدول هيبقوا عندي في غضون أيام، من غير تنازل ولا مساعدة من حد، أنا هتجوز الإنسانة اللي حبيتها، وأعيش حياتي معاها ومعايا ولادي كمان.
ضاقت عيني مصطفى يرمقه بعدم ارتياح، هذه الثقة المبالغ فيها، تنذر بمصيبة خلف تدبير ما، يبدوا أن الأمر أسوء كثيرًا مما كان يتصور، تحركت أقدامه بيأس، يشعر بثقل يضاف على كاهله، فالبحث في هذا الأمر أصبح ضرورة ملحة، لدرء الخطر قبل وقوعه.
استدرك فجأة ليعود إليه سائلًا:
- طب أنا نسيت أسألك، هتعمل إيه مع الست الوالدة لما تلاقيك بتستبدل ميسون بنت الأصل العريق، بموظفة غلبانة بالفندق عندك؟ ولا الناس اللي مسكت سيرتها، هتوقفهم إزاي؟
بتفكير سريع وعنجهية متوارثة يستحضرها بقوة حينما يضيق الخناق عليه:
- لو كان على الست الوالدة، فدي تعبانة أصلاً، ومش بتابع أي أخبار غير عن طريق الجليسة بتاعتها، يعني سهل أمرها، أما بقى لو على الناس، فدول أساسًا بينسوا أي حاجة بسرعة، هي مدة من الزمن أخفي فيها جوازي، وبعدها أظهروا للعلن بعد ما أخليها تبقى حاجة تاني ومناسبة لعيلة عزام.
- يعني تتجوزها في السر.... وأنا اللي ظنيت لدقيقة إنك اتغيرت.
قالها مصطفى بخيبة أمل، ثم ذهب مغادرًا الغرفة والقصر كله.
على سطح اليخت وخلف السياج المعدني، كانت تقف مولية له ظهرها، ممدة ذراعيها للهواء الطلق، والمشهد الساحر يخطف قلبها لتنسى معه هواجسها، والمخاوف التي كانت تكبلها وتمنع عنها الحياة بصورة طبيعية، ثم تعود إليها الآن بأجمل صورها، تركت لنفسها العنان في الاستمتاع بهذه اللحظات القليلة، مرجئة الحديث عن أي شيء يقلقها.
من خلفها كان خارجًا من باب المقصورة يحمل بيده كأسين من مشروب فاخر، ككل شيء من حولهما، يسير بتمهل ويطالعها كالفهد بنظرة ثابتة، يكمن خلفها العديد من الوعيد، هتف يواصل تمثيل دوره:
- قلبي بقى، ملكة جمال واقفة في مملكتها.
التفت إليه بوجهها الذي كان مشرقًا بالفرح، تطالعه بامتنان شديد، حتى إذا اقترب لفت ذراعيها حول خصره وظهره، تضمه إليها باشتياق وعشق مرددة:
- أنا بحبك أوي يا كارم، انت أحلى حاجة في حياتي.
ضحك يدعي متفاجئًا بتهورها الذي كاد أن يسقط منه الكأسين:
- طب حاسبي شوية المشروب هيدلق على هدومك.
تراجعت لتتناول كأسها، وتردد ضاحكة بعدم اكتراث:
- مش مهم، أنا النهاردة مش هيهمني ولا هزعل على أي شيء، مهما حصل.
ارتشف من مشروبه يعلق على قولها:
- لو أعرف إن اليخت هيبسطك لدرجادي، كنت عملتها من زمان.
هي أيضًا حاولت الارتشاف، ولكنها أبعدت الكأس سريعًا عن فمها، لتقول بمرح:
- حراق أوي....
قالتها ثم عادت الكرة باحتساء المزيد، تتابع بشقاوة:
- بس لذيذ، وأنا بحب أوي طعم المغامرة في الحاجات دي. Thank you, my life، دايمًا فاهم دماغي.
أومأ برأسه يلعق بلسانه المتبقي على شفتيه، يتقبل دلالها عليه بصدر رحب، ليميل بعد ذلك هامسًا بإغواء:
- بقولك إيه ما تيجي أفرجك على باقي الغرف جوا.
تبسمت بمكر، تطالعه بأعين كاشفة لتقول:
- تفرجني برضوا!
غمز بطرف عيناه قبل أن يقبض على كفها، متحركًا بها دون انتظار، استجابت لسحبها تقول محذرة:
- بس خلي بالك مش هنتأخر، أنا عايزة أكون في القاهرة قبل المغرب.
بعد قليل
وبداخل إحدى الغرف المخصصة للنوم كان معها على التخت يقبلها ويداعبها بلمساته الجريئة حتى استجابت معه، واندجت في سحر اللحظة، قبل أن ينتفض فجأة لينهض من جوارها، قائلًا بمرح:
- عندي ليكي فيديو يجنن، هتنبسطي أوي لما تشوفيه.
- فيديو إيه؟
تسائلت بها وهي تجده يتناول جهاز التحكم بشاشة التلفاز الكبيرة والملتصقة بالجدار المقابل للتخت، نظرت نحو المعروض أمامها، لتصعق جاحظة العينين، برعب ارتعدت له فرائصها، وكأن الشلل أصاب قدميها والباقي من أعضائها، فقد تمكنت بصعوبة من تحريك رقبتها نحوه، تطالعه بوجه شاحب كشحوب الموتى، لسانها التصق بسقف حلقها الذي جف، فاقدة القدرة على النطق، وبهدوء ما يسبق العاصفة، غمز لها بابتسامة مريبة يقول:
- إيه رأيك؟ جامد صح؟ مكنتش أعرف إن الفرجة كمان ليها متعة.......
توقف يراقب وقع المفاجأة والجزع الذي ارتسم جليًا على ملامحها ليتابع مائلًا بجسده نحوها:
- واضح إن انتي كمان كنتي بتتسلي بالفرجة، يا ترى عندك فيديوهات تانية مسجلة فيها إنجازات حبيبك؟
ابتلعت لتجسر نفسها وقد أجبرها الموقف على مواجهة مناقضة على الإطلاق لكل ما كانت تخطط له طوال الأيام السابقة، فخرج صوتها بصعوبة قائلة:
- ما انت فتحت اللاب بتاعي وخدت منه الفيديو، يعني أكيد لو في حاجة تانية.... كنت هتعرفها.
ذهب عن ملامحه العبث وحل محلها الصورة المخيفة. يذكرها بالذي يحدث في الروايات الشهيرة، عندما يتحول الوجه الوسيم لذئب بشري في ليلة اكتمال القمر.
وبدون استئذان باغتها بأن انقض فجأة يقبض بكفه على عنقها، لتعود بظهرها مستلقية على الفراش مجبرة وهو اعلاها يزأر كالوحش:
- بتصوريني أنا يا رباب؟ كارم ابن اللوا فخر، يتسجلوا فيلم اباحـي من مراته؟ أنا يا رباب.
لم تكن قادرة على الرد وهو واصل بوعيده:
- دلعتلك وعيشتك ملكة، عملتلك قيمة قدام الناس كلها وانتي بتعلبي بوساخة من ورا ضهري، مع انك عارفة اوي بحجم الخطورة في اللعب مع واحد زيي، حفرتي قبرك بإيدك. أنا هدوقك من العذاب ألوان بس اعرف الأول عملتيها ازاي ومين اللي ساعدك. قولي بسرعة قبل ما اخلص عليكي او ارميكي حية في البحر تصارعي الامواج مع سمك القرش. ما انا جيبتك مخصوص في المنطقة المحظورة يا قلبي عشان كدة. قولي...
بصيحته الأخيرة صرخت تجيبه بقهر:
- خلص عليا واحرم ابني مني يا كارم. ما انت ظالم ما بتشوفش غير نفسك وصورتك اللي بتخاف عليها. بتعاقبني عشان صورتك في وضع مخل، والوضع ده كان في خيانتك ليا. أنا صورتك وانتي بتخوني يا استاذ. بتسأل مين ساعدني؟ وأنا بقولك اهو عملتها لوحدي.
من قبل ما اتجوزك وانا عارفة بعلاقتك بيها من كاميليا. وبعد الجواز اتأكدت بنفسي لما راقبت وشوفت بعيني المكان اللي بيجمعكم.
انخفض صوتها لتردف بألم الذكرى:
- أنا عملت نسخة بمفتاح الشقة وكنت في كل مرة بوعد في نفسي ان اطب عليكم واكشفكم. ارجع زي الجبانة وافتكر وضعي معاك وانا وحيدة ومليش سند وانت مبترحمش. النار كانت بتحرقني وانا واقفة عاجزة عن ممارسة ابسط حقوقي في ان اعترض عن خيانتك ليا. وفي الاخر ملقتش قدامي غيرها. عرفت الميعاد اللي هتتقابلوا فيه. وسبقتكم وحطيت الكاميرا في اوضة النوم في مكان مداري......
توقفت لتجهش ببكاء حارق، فكان صوتها يخرج باختناق أثر به حتى كانت يديه ترتخي لا شعوريا، رغم احتفاظه بجموده وهو يتابعها تردف:
- عارف يعني ايه اشوف خيانتك ليا وانا بوقي مقفول ومش قادرة انطق ولا اتكلم؟ يستحيل هتعرف بالاحساس ده عشان عمرك ما كنت مكاني. أنا كنت هموت لو فضلت كدة ساكتة. ملقتش قدامي غيرها. واجهتها وخليتها تشوف عملتها بعينها. امرتها تبعد عنك يا إما هفضحها. دا غير ان ابتزاتها وخدت منها فلوس.
ردد بعدم تصديق:
- خدتي منها فلوس كمان؟ دا انا نايم على وداني بقى.
عادت لتصرخ به بقوة ما يجيش بداخلها:
- ايوة خدت فلوس عشان اعورها زي ما عورتني. اخليها تعيش ايام سودة زي اللي انا عيشتها. عارفة اني غلطانة. بس دي كانت الطريقة الوحيدة قدامي عشان اخد حقي منها.
انهت حديثها لاهثة، مستنفذة تماما، وقد افضت بكل ما كان يعتمل بصدرها. وظل هو على وضعه، لا هو بقادر على الاستمرار في ما كان يخطط له في عقابها، ولا بقادر عن التغاضي. تمنعه طبيعته المتعالية وكبرياءه عن أظهار الضعف او اعطائها الحق في شيء شنيع كهذا.
وتبقى حديث الأعين هو سيد الموقف لبعض الوقت، قبل أن ينتفض رافعا كفيه عنها، لينهض بغضبه ويتركها على تختها، تغرق في موجة عنيفة أخرى من البكاء.
***
للمرة الألف يحاول في الاتصال بها، وهاتفها المغلق يزيد من صعوبة الأمر عليه. لقد حسم امره، وتحرك تارك الفندق ويوم عمله ليعود بسيارته سريعًا إلى البناية التي تجمعه بها كجيران. خرج من المصعد وابصاره تركزت على باب شقتها. يريد الوصول إليها. كيف له أن يفعل؟ ولا يوجد أدنى صلة قرابة تمكنه من ذلك. أين يجد الحجة التي يأخذها ذريعة لاقتحام المنزل؟
ليتها انتظرت قليلا. ليته لحق بها قبل أن تغادر الفندق والعمل كله. يموت من القلق والخوف عليها ولا يجد الطريقة التي تمكنه ليطمئن.
كان واقفًا بوسط الطرقة الفاصلة بين الشقتين، وعقله المشتت يدور في كل الإتجاهات. لابد له من طريقة. وبفكرة مجنونة تحرك نحو شقتها. وضع يده على الجرس، ضاغطا عليه بدون تفكير. وانتظر لحظات مرت كالدهر حتى فتحت له زبيدة، تخاطبه باستغراب:
- شادي! يا اهلا يا ولدي، مرحب.
رد بأعين زائغة تبحث من خلفها عنها او حتى ظلها:
- يا اهلا يا خالتي زبيدة. عاملين ايه؟ هو عمي مسعود موجود؟
هيئته الغريبة ادخلت الريبة في قلبها لترد سائلة بمزيد من الدهشة والقلق:
- عمك مسعود زين والحمد لله. بس هو في الشغل دلوك. ولا انت عايزه في حاجة مهمة؟ لتكون الست الوالدة تعبانة ولا حاجة؟
نفى سريعا برأسه يجيب بصوت واضح الأخرى تسمع:
- لا لا يا خالتي متقلقيش. ماما كويسة والحمد لله. بس هي.... رحمة. رحمة اختي كانت طالبة تشوف صبا في حاجة مهمة تخصها. وزي ما انتي عارفة هي مش قادرة تقوم من مكانها. مش هي برضوا رجعت من شغلها بدري.
اومأت بتفهم لتجيبه بعفوية:
- ايوة يا ولدي فهمتك. بس صبا لسة تعبانة. دي رجعت بدري ولساها متلخمدة جوا على سريرها. أول ما ترفع رأسها وتقوم هجولها تروحها على طول. متشغلش نفسك.
تغاضى عن كل ما سبق ليردد بقلق:
- تعبانة؟ يعني هي بجد تعبانة؟ ايه تاعبها؟
تخضب وجه زبيدة بحمرة الخجل، غير متحمسة على الإطلاق لاجابة السؤال المحرج. فقد ذهب ظنها ان ما اصاب ابنتها هو بفضل عادتها الشهرية. ولكن مع اصراره وهذه البلاهة التي اعتلت تعابيره، اضطرت لمهادنته بتهرب حتى تصرفه:
- خير يا ولدي ان شاء الله. متجلجش نفسك. بلغ رحمة اني هخليها تجيلها اول ما تجوم.
زفر متراجعا بيأس وقد افحمته السيدة، متفهمًا امتعاضها من الحاحه. ابتلع ريقه يقول بقنوط:
- طيب ياريت ما تنسيش. أو حتى خليها تفتح التليفون على الأقل.
- من عنيا الجوز يا ولدي ولا يكون عندك فكر. انا كمان لولا بس مشغولة النهاردة لكنت جيت معاك دلوك حالًا واطمنت.
قالتها زبيدة وهي تتحرك بالباب لتغلقه، لتردف اخيرا بابتهاج وكأنها تبشره:
- اصل النهاردة ولادي الجوز نازلين من الصعيد. وبعملهم لجمة يرموا بيها عضمهم.
نزل عليه الخبر كالصاعقة، ودوار قد لف رأسه على الفور، ليرد بقلة حيلة مستنبطا سبب الزيارة المفاجئة:
- الله يسلمهم.
قالها وتحرك يجر اقدامه، ليبتعد بخاطره عن الشقة، قبل أن تطرده المرأة بنفسها. لتظل روحه معلقة بمن ملكت فؤاده داخلها. الأمر يزداد سوءًا وهو كالعاجز، ينهشه الخوف عليها كوحش مفترس. رفع رأسه للسماء يبتغي الوسيلة والدعم من خالقه. ثم ما لبث أن يتغير كل ذلك مع فتح باب المصعد وخروج من كانت سببًا في العقدة اولا، كما يبدو الآن أن بيدها الحل ايضًا.
برؤيتها شعر بالأكسجين يدخل اخيرا صدره ليتمتم كالغريق الذي وجد طوق نجاته بعد معاناة:
- موددة.
***
بداخل السيارة التي كانت تجمعه بها، بعد ان اصطحبها لمصلحته الحكومية، حتى تنهي اجراءات عقد استلام المشروع الجديد، هتفت باستهجان يشوبه الغضب، بعد ان فتحت هاتفها ورأت الخبر:
- يا نهار اسود هي حصلت؟ دا ايه المصيبة دي؟
عقب مجفلا لما تفوهت به:
- مصيبة ايه يا شهد كف الله الشر؟ ايه اللي حصل؟
ردت ترفع الهاتف امام أنظاره مرددة باستنكار:
- اتفضل شوف بنفسك. بقى صبا اللي كل الناس تحلف بجمالها وأدبها ينقال عليها كدة؟ دا عم ابو ليلة لو عرف مش بعيد تجراله حاجة. يا نهار اسود لو حاجة زي دي وصلتله بجد.
بنظرة خاطفة نحو الشاشة فهم ما تقصده، ليرد وبرأسه يعود للقيادة والنظر للطريق الذي تقطعه السيارة:
- أكيد دا تخريف طبعًا. البنت دي في منتهى الاحترام. دا كفاية انها بنت ابو ليلة.
- انا خايفة عليها وعلى والدها أوي يا حسن. دول جماعة صعايدة وميتحملوش حاجة زي دي.
قالتها بصدق ما تشعر به نحو الرجل الذي لطالما غمره برعايته، وابنته التي لطالما كانت بمثابة الشقيقة الأخرى لها.
خاطبها حسن مهونًا:
- أكيد ربنا هيقف جمبها يا شهد. كوني واثقة من كدة.
اومأت بقلق لتتناول هاتفها مرة أخرى قائلة:
- أنا هتصل بابو ليلة. لازم اشوف اخباره ايه؟
تركها حسن مستمرًا في قيادته، يتابع محاولاتها التي تكررت مرتين في الاتصال به دون إجابة، لتطالعه بشك مرددة:
- مرتين اتصل بيه وميردوش يا حسن. معقول يكون عرف؟
تحركت رأسه بدون معنى، لينكر رغم الشك الذي اصابه هو الاخر:
- أكيد مش فاضي. مش لازم ظننا يروح لحاجة وحشة يا حبيبتي.
سمعت منه لتبتلع ريقها بعدم ارتياح، ومقلتيها تدور بتوتر وحيرة قبل أن تحسم:
- بقول ايه يا حسن؟ أنا مش هطمن غير لما اشوف بنفسي. كمل جميلك ووصلني لبيت ابو ليلة.
اعترض يذكرها:
- طب والعزومة يا شهد؟ هو انتي ناسية اننا رايحين دلوقتي على بيت اهلك نوصل الجماعة.
ردت بحزم وعدم قدر على الصبر:
- تتأجل ساعة ولا ساعتين يا حسن. سوق بينا الله يخليك محدش ضامن الظروف.
اطلق تنهيدة مطولة ليردف باستسلام:
- امرك يا ستي. تستنى العزومة وانا هتصل بماما ابلغها.
***
تسائل حمدي يردد بالسؤال مندهشًا لطلب رئيسه، يناظره بشك لم يقوى على إخفائه:
- نعم! بتقول مين يا باشا؟
زفر عدي يعيد القول رغم انزعاجه لمجادلة الآخر له:
- انت سمعت كويس. فبلاش تستعبط يا حمدي. انا عايزك توصلني لبيت صبا. اكيد انت تعرف الاماكن دي بحكم صداقتك لشادي.
بضغط شديد كان الأخير يكبح جماح نفسه عن الرد بما قد يتسبب في قطع عيشه، يستفزه هذا الإصرار غير المبرر لزيارة الفتاة، متجاهلاً بغباء بما قد يضر بسمعتها في يوم كهذا والاشاعات والأقاويل التي تحاك ضدها.
أطال بصمته حتى جعل الآخر يهدر بغضب:
- في إيه يا حمدي؟ واقف مبلم كده ليه؟ هي القطة أكلت لسانك؟ ما ترد.
زفر بداخله ليرد بنوع من المنطق عله يسمع أو يفهم:
- يا عدي باشا افهمني، إحنا مينفعش نطب ع الناس كده من غير ميعاد ولا سابق معرفة، طب هنروح بسبب إيه؟ متأخذنيش يعني، حضرتك باشا وليك اسمك، وزيارتك ليها ألف حساب.
ابتلع لينفي عنه الحرج، يدعي المروءة بقوله:
- كلامك معقول طبعًا، بس أنا عايز أروح لأهل البنت وأبين حسن نيتي، أنت أكيد وصلك الضجة اللي ع الصفحات عني وعنها من امبارح، البنت ما عملتش حاجة وأنا عايز أرفع عنها أي إساءة.
- تبين حسن نيتك؟
غمغم حمدي بالكلمات الغريبة بداخله ليخرج سؤاله بتوجس:
- طب أنا آسف حضرتك في السؤال، بس أنت هتبين حسن نيتك إزاي يعني؟
سأله بنوع من الحدة لم يغفل عنها عدي، ولكنه تغاضى ليرد بتعالي:
- وانت مالك؟ أنت آخرك توصلني البيت هناك، وأنا بقى أتصرف معاهم، إن شاء الله حتى أطلب إيديها للجواز.
زاد الحنق بقلب الأخير، وقد وضحت أمامه الصورة كاملة، ليرد بتهكم مقصود، ورفض قاطع في أن يشارك هذا العبث وأذية أعز الناس إليه بهذا الفعل، صديقه شادي:
- تطلب إيديها للجواز كمان؟ دا كرم بالغ منك يا فندم، بس للأسف أنا مش هقدر أحضر معاك، عشان عندي ظرف قهري يمنعني، بس ممكن أرشحلك حد يوصلك طبعًا، أنت تأمر.
الانتظار هو أصعب ما يمر به الإنسان، بتوقع السوء أو المصيبة التي على وشك الحدوث، وهي انتظرت وانتظرت كثيرًا، رغم علمها بطول المسافة التي يستغرقها القطار من الصعيد إلى القاهرة، ولكن اليأس والشعور بالظلم جعلها مستسلمة لكل ما هو آتٍ، هي حرة ولا تقبل أن يمس جلبابها طرف غبار، ترفع اسم والدها معها أينما ذهبت كتاج يزين رأسها ولابد أن تحافظ عليه، تحمل نفسها الخطأ بثقتها في البشر، وهذه الأحلام الغبية بحياة أفضل، كانت تظن بسذاجة أنها قد تحدث، ونست أن الحظ لم يكن أبدًا حليفها.
رفعت رأسها منتبهة لهذا الطرق الغريب على باب غرفتها، والذي اندفع للداخل ببطء، حتى أطلت عليها برأسها، وهذه الابتسامة البريئة رغم كل الأخطاء بشخصيتها:
- مساء الخييير.
شهقت متمتمة بمفاجأة وعدم تصديق:
- مودة! معقول؟
خطت لتلج إليها مرددة:
- وليه مش معقول؟ لدرجادي كان مستحيل يعني؟
قالت الأخيرة لترمي بثقلها على السرير بجورها، ثم تضمها بعناق قوي تعدى الصداقة، حتى صار كالآخوة بعد فعلتها الأخيرة ووقوفها معها في أصعب محنة مرت بها، على طول سنوات عمرها القصيرة.
تلقفت صبا الدعوة وكأنها وجدت المأوى لإفراغ الدموع مع من سيتفهم وضعها.
أجهشت بالبكاء المرير، حتى رفعت مودة رأسها إليها بدعم قائلة:
- ليه العياط والدموع دي يا صبا؟ أنتي قوية ومحدش يقدر يمسك بكلمة، متخليش كلام الهبل ده يأثر فيكي.
رد بضعف وصوت مهزوم من بين دموعها:
- لأ فيه يا مودة، ومدام دخلتي في الموضوع على طول، يبقى انتي كمان عارفة، إمتى طلعتي من السجن؟ وإمتى عرفتي بخيبة صاحبتك؟
اقتربت تقبلها أعلى رأسها، قبل أن تعتدل لتضمها بذراعها على كتفيها تخاطبها بمؤازرة:
- ما اسمهاش خيبة، دي اسمها غيرة وحقد، من ناس لا يعرفوا ربنا ولا الدين، صفحتك بيضة يا صبا، ومحدش أبدًا هيقدر يلوثها، واللي عملت كده ربنا بيجازيها ولسه ياما هتشوف.
- انتي قصدك على مين؟
سألتها صبا وقد انتبهت جيدًا لما تفوهت به الأخرى، والتي تابعت تضيف:
- مش محتاجة ذكاء يا صبا، أنا دلوقتي بس فهمت كل حاجة والملعوب اللي اترسم عليا وعليكي، وانتي بنقاءك ده ربنا نجاكي وحفظك من كل شر.
احتلت صبا بالنظر إليها، وكل ما تردف به، يزيد من دهشتها وارتيابها، فخرج سؤالها بشيء من الانفعال:
- مودة، لو عارفة حاجة جوليها، ما تسبنيش كده أنا على أخري.
وعلى عكس المتوقع، ردت الأخيرة بابتسامة تزين ثغرها:
- هقولك وأفهمك على كل حاجة، بس المهم دلوقتي هو الرسالة اللي لازم أوصلهالك......
طالعتها باستفسار، فتابعت لها بمزيد من المرح:
- مستر شادي، بيبلغك إنه معاكي وفي ضهرك، دا غير إنه وصاني أبلغك بالكلام اللي هترودي بيه قدام أبوكي وإخواتك لما يجوا يسألوكي.
أصابها الذهول حتى رددت بكلمات غير مترابطة:
- انتي بتجولي إيه؟ شادي جارنا! أخو رحمة! جالك كده وعارف كمان بموضوع خواتي؟
توسعت ابتسامة مودة لتقسم لها مؤكدة:
- والله زي ما بقولك كده، دا بيتصل بيكي من الصبح عشان يكلمك بنفسه، وما صدق شافني دلوقتي وأنا جيالك عشان يخليلني أوصلك كلامه وأفهمك.
رواية و بها متيم انا الفصل الأربعون 40 - بقلم امل نصر
على الأريكة التي تحتل جزءًا كبيرًا في جانب الشرفة الخاصة بغرفة نومه، بنصف جلسة كان متكئًا على الوسادة القطنية بما يقارب النوم، ينفخ الدخان الرمادي من السيجارة، لتشكل سحبًا من حوله، وقد كان شاردًا في أفكاره السوداء، بعد أن تجرأت هذه الهبلاء في تحديه، وكأنه فقد السلطة عليها، وأصبح أمره لا يعنيها، وهذا نتاج تهوره ورد فعله المبالغ فيه.
لقد أخطأ حينما ضربها، ولكنها لم تترك له خيارًا، حينما ضغطت بكل غباء تذكره بزواج الأخرى وحق الآخر في لمسها. لقد غلى الدم في عروقه، واشتعلت رأسه بلهيب الغيرة. لا يتصور ولن يتقبل بحدوث ذلك. مرّ حلقه من شيء بوغت به كالصاعقة التي نزلت عليه لتفقده اتزانه. لقد كان على وشك ارتكاب جريمة ولولا احتفاظه بالقليل من عقله لكان فعلها وخسر معها حياته. قرار الانسحاب ومغادرة الحفل جاء في الوقت المناسب، قبل أن يتهور ويحدث ما لا يحمد عقباه.
"كل ده دخان يا إبراهيم؟ إيه يا بني حريقة سجاير؟"
تمتمت بالكلمات سميرة وهي تدلف للشرفة من خلفه ويدها تلوح في الهواء بسعال خفيف، ليعقب لها مستنكرًا:
"بتكحي ليه؟ ده إحنا حتى في الهوا، مش في مكان مقفول."
"أيوه يا خويا بس أنا صدري ما بيستحملش."
أردفت بالأخيرة تسحب السيجارة من بين أصابعه، ثم تدعسها تحت قدمها مستطردة:
"وأنا عايزاك في موضوع مهم."
"موضوع ولا هباب؟ إنتي إزاي تعملي كده أساسًا وتدوسي على النعمة؟"
اقتربت سميرة بكرسيها لتجلس مردفة بعدم اكتراث:
"هما دقيقتين وهكلمك فيهم، اتصبرهم شوية وبعدها نيل اللي عايز تنيله."
تقلص وجهه بامتعاض ليرضخ مستسلمًا لإلحاحها، والتقطت هي الإشارة لتدخل في حديثها مباشرةً:
"بقولك إيه؟ أبوك كلمني دلوقتي، وعايزك تتلم أنت وأمنية في أقرب وقت، هيخلص الباقي من شقتك وهيكمل الناقص من جهاز البت عشان نخلص بقى."
"نعم يا غالية؟"
تفوه بها ومال بوجهه نحوها يطالعها بنظرة كاشفة، ليتابع بفراسة:
"ده مش كلام أبويا يا أمي، ده اقتراحك اللي إنتي أقنعتيه بيه، صح ولا أنا غلطان؟"
ارتفع حاجبها لترد على سؤاله بإصرار وتصميم:
"لأ يا خويا مش غلطان، وأنا عاملة كده مخصوص عشان نختصر بقى ونقفل الصفحة دي، اللي أنت عارفها كويس."
قلب عينيه بسأم، وقد فهم ما ترمي إليه وهو قصته مع شهد، لينكر بكذب مفضوح يدعي عدم الفهم:
"هتقولي بقى صفحة ونحزر ونفزر، قاعدين في فوازير شريهان إحنا!"
بحنق يسري بداخلها فاجأته بأن امتدت يدها لتقبض على ذقنه بعنف، فتضع عينيه نصب خاصتيها وتردد بغضب:
"بقولك إيه يا واد، متلفش وتدور عليا، إنتي فاهمني وأنا فاهماك، لازم تشيل البت دي من دماغك يا إبراهيم، كفاية اللي حصل زمان وربنا ستر عليه، مش نقلب في المدفون من تاني، فوق بقى واصحى لنفسك، ولا أنت عايز الميت يصحى من قبره؟"
نزع يدها ليهدر بغضب عاصف، كازًا على أسنانه بهمس حذر:
"ميت مين اللي يخرب عقلك؟ إنتي عايزة توديني في داهية يا أمي؟"
استدركت لوضعهما بداخل الشرفة وخوف ابنها المبرر، إذا سمعهم أحد ما من الجيران، فتنقلت أنظارها للخارج بقلق، لتعود إليه بمهادنة، بعد أن فقدت حكمتها منذ قليل، تعطيه الحق في غضبه منها، لتربت بكفها على صدره مرددة:
"معلش يا حبيبي سامحني، أنا بس هاممني مصلحتك، عايز أطمن عليك يا بني، ريح قلبي ووافق بقى، نفرح بيك مع بنت خالتك، تتهنى معاها وتخلف عيال، دي بتتمنالك الرضا ترضى يا حبيبي."
ظل على تجهم وجهه يناظرها بصمت وسخط، غير متقبلًا لما تفوهت به، وزلة لسانها التي كادت أن تفصح بها لتكشف عن المستور، وما دفن بسره منذ سنوات.
***
بداخل غرفتها وقد كان يصلها صوت والدتها وهي ترحب مهللة بمجيء شقيقيها الاثنان، تصيح بعفويتها وفرح الأم برؤية الأبناء بعد فترة طويلة من الغياب.
"يا نور عيني يا حجازي، عامل إيه يا حبيبي أنت وعيالك؟ وأنت يا فراج، بناتك كبروا ولا لسه صغيرين يا واد؟"
أغلقت صبا فتحة الباب الصغيرة لتعود إلى صديقتها التي ما زالت تلازمها في الغرفة، تتمتم بهمس حذر:
"أبويا حسه مش طالع، وخواتي نفسهم حسهم واطي مع أمي، مش بيهزروا زي عادتهم."
عقبت مودة تخاطبها بدعم:
"قوي قلبك وخليكي واثقة في نفسك زي ما قال مستر شادي، وافتكري هو موصيكي وقايلك إيه؟"
أومأت برأسها تتذكر النصائح التي كان يشدد بها على اسماعها منذ قليل حينما حدثته في الهاتف، بناءًا على رغبته كما قالت لها مودة، ليعطيها شحنة مكثفة من الدعم والمؤازرة، ودفعة من الكلمات المشجعة، كي تنفض عنها غبار الضعف وتأثرها بما تناقلته الصفحات المغرضة من بهتان وإثم في حقها، فتستعيد شخصيتها الواثقة، وتجهز نفسها لمواجهة الإعصار القادم.
"يا صبا، بت يا صبا تعالي سلمي على خواتك."
جاءها الصوت البعيد كمحفز لخلاياها العصبية ومنشط قوي لذهنها تحضيرًا للنزال الشرس، تمتمت بالأدعية قبل أن تتوجه بالسؤال نحو مودة:
"طب أنتي هتمشي ولا هتستني؟"
ردت بجرأة جديدة على طبيعتها المسالمة:
"أنا معاكي ومش همشي غير لما أطمن عليكي، وحتى لو فيها طردي برضه مش ماشية."
ابتسامة ابتهاج ارتسمت على وجه صبا، مع زفرة مطولة تسحب به شهيق مكثف ثم تطرده لتخفف به توترها، وتعيد التمتمة بالأدعية وهي تفتح الباب ذاهبة نحو تحديد مصيرها:
"أنت المعين يارب."
***
كما كانت تتوقع، حينما خرجت لتستقبلهم مرحبة، كانت الهيئة الظاهرة لهم، لا تبتعد أبدًا عن الجمود والتجهم وقد ذهب عنهما المرح المعتاد، ليحل خلفه عبوس بتماسك واهي وأعصاب على وشك الانفجار، كما بدا وقع الخبر على والدها جليًا وبوضوح، وبسكون ما يسبق العاصفة:
"مساء الخير، حمدلله على السلامة يا حجازي، حمد على السلامة يا فراج."
جاء رد الأخير بلهجة متهكمة:
"يا أهلا بست الحسن والجمال، اللي مشرفانا ورافعة راسنا في الدنيا كلها."
تغاضت صبا عن الرد عليه، وتركزت أبصارها نحو والدها، تخاطبه بألم يحز بقلبها رؤيتها له هكذا خاليًا من حيويته:
"مالك يا بوي؟ جاعد ليه ساكت؟"
تدخل حجازي متكفلًا بالرد عليها:
"بتسألي وتتعبي نفسك ليه؟ ده حتى الراجل فرحان بيكي، مش أنتي برضه يا ست صبا أثبتي وجودك دلوقتي وبقيتي حاجة يفتخر بيها، زي ما كنتي بتوعديه دايمًا."
فردت ظهرها وامتدت ذقنها للإمام، لترد بثقة وشجاعة في مواجهة الموقف:
"بقولك إيه يا حجازي، خوش في الموضوع على طول وبلاها منه تلجيح الكلام يا واد أبوي."
"وه دي حسها عالي وعينها قوية كمان؟"
تفوه بالكلمات مندهشًا فراج شقيقها، والذي لا يفرق سوى سنوات قلائل عنها، أي أنه قريبًا إلى حد ما من عمرها، ليجعلها تواجه بندية، على عكس حجازي الأخ الأكبر، والذي تكن له احترامًا كأبيها:
"وميبقاش عيني قوية ليه وأنا صاحبة حق، أنا مغلطتش يا فراج؟ ولا أنت عندك شك في تربية أبو ليلة؟"
تمتمت زبيدة بارتياب وعدم فهم لما يحدث من نقاش محتدم:
"وهو فيه إيه؟ مالها صبا ولا عملت إيه؟"
"استنى يا أمي معلش دلوقتي، بعدين هنفهمك."
تفوه بها حجازي، أما فراج فقد صفق بكفيه ساخرًا ليرد على شقيقته محتدًا، وقد نهض عن مقعده ليقابلها:
"الله عليكي وعلى تربيتك يا بت، ده أنتي النهاردة اسمك مسمع في مصر كلها، بتتجابلي مع رجالة غريبة في المطاعم وتتصوري كمان يا صبا، هي دي شغلتك يا بت أبو ليلة؟"
قابلت تهكمه بصيحة المظلوم تدافع عن موقفها:
"خلي بالك من كلامك يا فراج، وافتكر كلام ربنا على المحصنات، ده أنا أختك، إن ما كنتش أنت تدافع عني قِصاد الغريب مين هيدافع؟"
"يدافع عن مين يا بت؟"
هدر بها غاضبًا وقد كان على وشك الفتك بها، لولا صوت أبيه الذي منعه بسلطة قائلًا:
"اجف عندك يا واض، هتضربها قدامي ولا إيه؟"
صوته الدافئ رغم ما يغلفه من غضب، فقد كان كالنجدة لها، تطلعت إليه باستجداء قائلة:
"شوفت يا بوي، فراج مصدق وعايز يفش غليله فيا، بيصدق على أخته؟"
ظل صامتًا لبعض الوقت يرمقها بغموض أثار بها الارتياب، رغم وجود نبتة الأمل بداخلها في إقناعه، ليجهد كل ذلك ويفاجئها بقراره:
"روحي لمي خلجاتك عشان تروحي معاهم يا صبا."
شهقت صارخة بخيبة أمل:
"بتقول إيه يا بوي؟ عايزني أروح مذلولة مع أخواتي، ده أنا الموت أهون لي، اسمعني يا بوي وبلاش تحكم عليا إخواتي في عز ما أنا محتاجاك."
تجمد والدها عن الرد، واللوم بنظرته يخبرها بحجم خطئها، وأنها لم تترك له خيار، ليتكفل حجازي بالرد حازمًا:
"اسمعي كلام أبوكي يا صبا، إحنا مش واخدينك ندبحك، إحنا هنروح بيكي نسترك مع أي حد من عيال عمك، فضيها بقى، إحنا مش ناقصين فضايح."
صدرت هذه المرة صيحتها بانهيار، وقد لاح أمامها مستقبلها وما قد تواجه بناءًا على هذا البهتان:
"على موتي ما يحصل، حتى لو فيها جواز من واد عمي، لا يمكن أقبل أعيش مكسورة العين قدامه، أنا غالية وتوبي أبيض مفيهوش بقعة توسخه."
هم فراج بالرد عليها ولكنه توقف على دخول هذا الرجل الغريب بغير استئذان فور أن فتحت له والدته:
"مساء الخير يا عم أبو ليلة، أنا آسف على الدخول في وقت حساس زي ده يا جماعة، بس بصراحة مقدرتش أقعد واقف مستني، أنا عارف بالموضوع كله من أوله، وأكيد ده سبب الخناق اللي واصلني من عندكم."
تطلع الشابين إليه بحاجبان مقلوبان وكأن من يحدثهم بمجنون ولا يعي بخطورة الأمر، وتكلم أبو ليلة يفصح له عن اعتراضه رغم تقديره لشخصه:
"يا شادي يا ولدي أنت ليك كل الاحترام، بس اعذرنا بقى، ده موضوع عائلي."
احتج باستماتة في الدفاع عنها، غير آبهًا بصورته أمامهم، ولا بما قد يحدث بتدخله:
"لأ يا عم أبو ليلة، الكلام ده يخصني معاكم، صبا مش تبقى جارتي وبس، ولا أكمنها شغالة في القسم عندي في الفندق، لأ يا جماعة، اللي حصل وياها ظلم بين، وأنا لا يمكن أفضل ساكت عن الحق، حتى لو على موتي."
فراج الغاضب هم أن يعنفه لتدخله، ولكن شقيقه الأكبر أوقفه بنظرة محذرة، ليتكفل هو بالرد أمام صمت أبيه:
"يا أستاذ شادي الله يرضى عنك، إحنا لا عايزين كلام ولا حديث، بتنا وعارفينها زينة وتمام التمام كمان، بس منعًا للاحراج يا واد عمي، وعشان نقفل باب اللت والعجن عليها، هناخدها من جعرها تيجي معانا، ولا هي سترة البت في جوازها بقت عيبة؟!"
سمع الأخيرة ليردف بانفعاله متشنجًا:
"أبدا وربنا ما يحصل، صبا مش هتعتب باب الشقة دي ولا هتخرج معاكم إلا إن كان بخطرها، وبعد أنتم ما تسمعوا بالحقيقة كلها."
"تاني برضه هيجولي حقيقة، يخرب مطنك، إيه النصيبة دي يا بوي؟"
هتف بها فراج قبل أن يلتفت مع الآخرين نحو شهد التي دلفت بزوجها هي الأخرى مقتحمة الشقة، لتلقي التحية على عجل، قبل أن تتلقى انهيار صبا على صدرها:
"شوفتي اللي بيحصل معايا يا شهد؟ أبويا عايز يسفرني على الصعيد وعلى ذنب أنا ما عملتوش، يرضيكي يا شهد؟"
أردف شادي مخاطبًا لها هو الآخر:
"أرجوكي يا آنسة يا شهد، كلمي الحج خليه يسمع مننا، ده إحنا معانا الدليل، والبنت اللي شاهدة على الحكاية كلها، مودة تعالي يا مودة."
خرجت المذكورة على النداء من غرفة صبا التي ظلت حبيسة بها تنفيذًا لتعليماته المسبقة لتعلق زبيدة بذهن مشتت، وعقلها لا يستوعب حتى سبب ما يدور حولها:
"وإيه دخل مودة؟ هو إيه اللي حاصل؟ أنا مش فاهمة حاجة."
عاد شادي في مخاطبته للجميع:
"مودة هتفهمك وهتفهم كلهم بالمكيدة اللي اتدبرت لصبا، عشان تشوه سمعتها، بس جوزك يسمح لها الأول."
تدخلت شهد في مؤازرة واضحة تناجيه:
"خليها تتكلم يا عم أبو ليلة واسمع منها، وحياة غلاوتي عندك يا شيخ."
حسن أيضًا لم يقبل على نفسه أن يظل سلبيًا أو مكتوف الأيدي وأضاف على قولها:
"لو ملهاش غلاة عندك، يبقى على الأقل اعمل حساب دخلتي أنا عندك لأول مرة، هو أنا مليش أي معزة عندك يا راجل؟"
***
أغلقت مجيدة على فرن الموقد الغازي، بعد أن تأكدت من قرب نضوج الطعام الذي تعده للمأدبة التي تجهز لها منذ أمس.
أنيسة والتي أتت لها مبكرًا عن الجميع من أجل مساعدتها، كانت تخرج صواني الحلوى التي صنعتها هي الأخرى، وتنزع عنها الأغلفة التي كانت تحفظها بها، فقالت مشفقة بعد أن رأت حجم المجهود الذي قامت به الأخرى:
"بس أنتي كان لازم تبعتيلي من امبارح، المساعدة في الظرف دي لازم، هو أنتي حمل شقا ولا وقفة على رجلك يا ست انتي."
ضحكت مجيدة لترد وهي تخلع عن يدها القفاز القماشي والمخصص للإمساك بالأشياء الساخنة:
"يا حبيبتي وأنا تعبت في إيه يعني؟ ولادي ربنا يخليهم، كانوا بيساعدوني من امبارح تقطيع الخضار، والتنضيف والذي منه، يعني الباقي مش متعب قوي يعني."
توسعت بوجه أنيسة ابتسامة رائعة لتعلق بعدم تصديق:
"يا لهوي يا مجيدة، يعني أفهم من كده، أنك بتخلي المهندس وحضرة الظابط يقطعوا بصل ولا يخرطوا الملوخية، ده أنتي قادرة؟"
أضافت تبادلها ابتسامة ماكرة:
"ويعصروا طماطم وينقوا الرز ويمسحوا ويكنسوا كمان، هي دي أول مرة، دول متعودين على كده يا حبيبتي، ولا أنتي فاكراني دلعتهم ولا جايبة خدامة تخدمهم."
تركت أنيسة ما بيدها لتضرب كفًا بكف مرددة بذهول:
"ده على كده أنتي جبارة بجد، بقى يا مفترية بتشغلي الرجالة اللي ليهم وضعهم في شغل البيت، أمّال لو خلفتي بنت كنت هتعملي معاها إيه؟"
"لأ لو خلفت بنت كنت هدلعها واخليهم هما يخدموها."
"يا شيخة."
"والنعمة زي ما بقولك كده، طب يعني أمرمط بنتي واخليها تخدم جوز الشحوطة دول، بالذمة ده عدل؟"
"لأ طبعًا."
أردفت أنيسة بالأخير لتنطلق في موجة من الضحك المستمر بعدم قدرة على التوقف، حتى تذكرت لتسألها:
"مقولتليش صح، هما فين؟ أنا مش شايفة حد فيهم."
عبس وجه مجيدة تجيب عن سؤالها بقلق:
"ما هو أمين لسه مرجعش من ورديته، وحسن مع شهد في زيارة لبيت أبو ليلة عشان المشكلة دي بتاعة النت وصورة صبا والكلام عليها، اتصل بيا من شوية وقالي إنهم هيتأخروا على الغدا، ربنا يستر بقى."
رددت أنيسة خلفها بالدعاء لتردف بحزن هي الأخرى:
"وأنا كمان لينا اتصلت بيا قبل ما أجي، وقالتلي إنها هتعدي على أخوات شهد ومرات أبوها تجيبهم معاها على هنا، يلا بقى ربنا يعديها على خير."
***
في جلسة ضمت الجميع على مقاعد الصالون العتيق، وقد بدا على هيئاتهم الإنصات والاستماع الجيد مجبرين بأمر الرجل الكبير، والذي رضخ بعد فترة من الإلحاح المزعج لشادي، والضغط من شهد، باستغلال لمعزتها المعروفة إليه.
كانت مودة توضع بالدلائل عما تردف به:
"وادي الصور اهي، صور عيد الميلاد اللي حضرناه مع البت دي اللي كانت زميلتنا، معلش التليفون قديم بس حمد لله شاشته كويسة، أنا خدت اللقطات بالكاميرا بتاعته، قبل ما يطب علينا عدي باشا صاحب الفندق اللي بنشتغل فيه، ويفاجئنا إنه صاحب المطعم كمان."
تناول شادي منها الهاتف ليضيف موضحًا قبل أن يمرره على البقية، ويردد أثناء تقليبه، بالمقارنة مع الصورة الأخرى بهاتفه:
"واخدين بالكم يا جماعة، ده نفس اللبس بتاع صبا، ودي نفس الزوايا بتاعة المطعم، والطرابيزة والتورتة اللي عليها، وحتت الجاتوه في التلت أطباق اللي ظاهرة."
"ولما هو كده، كيف اتاخدلها الصورة لوحديها مع البيه بتاعكم؟ تركيب صور يعني ولا إيه؟ أنا مش فاهم."
بذهن صاحي تساءل بها حجازي، فكان الرد من مودة:
"لأ مش تركيب صور، بس هو اللي حصل إن البنت صاحبة عيد الميلاد، وقعت كوباية العصير على الجيبة اللي كنت لابساها، فغصب عني قمت وسيبت الطرابيزة عشان أنشفها في الحمام، والبت الزفتة دي قامت معايا، بغرض إنها تساعدني، فخليت الطرابيزة على صبا والبه الكبير، وده مكان عام زي ما أنتم عارفين، هي أتحرجت ما تقوم وتسيبه، مجاش في بالها إن بنت الحرام دي هتلقط لها صورة من بعيد، عشان تشوه سمعتها، ربنا يجازيها."
بحمائية تصدر من قلب أم موجوعة على ابنتها، سألتها زبيدة بغضب:
"و بت الحرام دي تأذي بتي ليه؟ إيه ما بينهم عشان تعمل معاها كده؟"
قبل أن تجيبها، جاء التساؤل الآخر من مسعود بعقله اليقظ:
"وجبل ده كله، أنا اللي عايز أعرفه دلوقتي، أنتي عرفتي الكلام ده كله منين؟"
صبا التي ما زالت تضمها شهد برعاية ودعم، تبادلت النظر بقلق، مع من تعلقت عينيها عليه منذ بداية الجلسة بل ومنذ دخوله المنزل مستميتًا في الدفاع عنها بإصرار لم يفتر ولو لحظة، ليبث إليها الاطمئنان مع كل لفتة أو كلمة تخرج من فمه في هذه المعركة الشرسة في تحديد مصيرها.
عادت تنتبه إلى صديقتها والتي ارتدت اليوم ثوب الشجاعة، في إظهار الحقيقة بشكل ذكي وموجز وقد تم قص الجزء الخاص بعدي عزام بناءًا على اتفاق مسبق معها، منعًا لزيادة الأضرار، فهي الأعلم بطبيعة أشقائها ووالدها:
"شوف يا عم أبو ليلة، لو هجاوبك أنا عرفت منين، فلازم تعرف إن الموضوع ده كله يخصني أنا، البنت المؤذية دي ورطتني في قضية سرقة واتحبست وكان هيضيع مستقبلي، لولا إن ربنا وقف جمبي واتقبض عليها هي متلبسة بالمسروقات، أنا بقى خدت براءة بفضل صبا اللي جابتلي محامية الله يسترها دافعت عني ببلاش، وهي اللي لبست مصيبتها في الآخر، فقررت تنتقم من بنتكم وطلعت الصورة دي ونشرتها وهي في السجن، أنا سمعتها والله بوداني قبل ما أخرج، ربنا يجازيها."
رددت خلفها زبيدة تدعو بحرقة على من تسببت في كل ما حدث:
"يجازيها، ويوقف لها اللي ياخد حق بتي منها، ربنا عليها وعلى كل ظالم ما يراعي شرف ولا عرض بنات الناس."
"هوني على نفسك يا حجة زبيدة، ربنا أكيد هيجيب حق بنتك والتشهير بيها."
عقبت بها شهد ليضيف على قولها حسن:
"ونحمد ربنا بقى إن مودة عرفت اللي حصل بالصدفة، عشان نفهم إحنا وإخواتها قبل ما يحصل ما لا يحمد عقباه."
خرج صوت فراج مجادلًا بعدم اقتناع رغم كل ما يراه من دلائل:
"وإيه الفايدة، بريئة ولا معاها الحق، ما هو كده وكده، الضرر ماسكنا بالكلام اللي اتشاع عنها، الشباب كلها في البلد ماسكة تلفونات وعارفة مين هي صبا، النسب الزين في واد كبيرنا وكبير العيلة، فض على كده ومفيش منه رجا، عشان كانت بتتجلع، أهي تحمد ربنا لو لاقت أي حد يرضى بيها."
انتفضت بغضب حانق، ترفض بإباء غير مبالية:
"وأنا كمان مش عايزاه، ولا عايزة أي حد يجي مني ولو بنص نظرة حتى."
صاح هو الآخر يقابل غضبها باستهجان:
"شايف بتك وجلة أدبها يا بوي، كل اللي حاصل ولسه عينها قوية."
هتف شادي يسبق والدها والجميع بعصبية وانفعال لم يقوى على كبته:
"ما تفهم بقى يا أخ فراج، إحنا الأهم عندنا دلوقتي، هو إننا أثبتنا براءتها قدامكم، عشانك أنت وأخوك ووالدك، وأي حد هنا في القعدة، يعرف يرد كويس أوي على أي حد يجيب سيرتها، أما بقى عن موضوع الجواز، فصبا جوهرة وأي حد يتشرف إنه يمشي في ضيها، مش يمتلكها ويتجوزها."
تلاشت الأصوات وخيم الصمت على الرؤوس التي، توقفت بنظرات ساهية نحوه، هذا الانفعال وهذه المبالغة في رد الفعل، لم تكن من الغباء أن تمر مرور الكرام على من فهم الدنيا واختبرها على رجل مثل أبو ليلة، أو العاشق الذي يرى بعين المحب سهم العشق الذي أصاب غيره؛ كشهد وزوجها حسن، أما زبيدة فهي ليست بحاجة لتأكيد أو تخمين، ليتبقى الشقيقين، حجازي والذي كان يرمقه بتمعن وتسائل عنه، وفراج الذي استفزه وقوف هذا الرجل كسد منيع ضد رغبته في عودة شقيقته إلى الصعيد، والتي كانت في حالة من التضخم لهذه المشاعر الجديدة عليها، انبهار أو إعجاب أو هو شيء آخر، يملأ العين ويسر القلب، حتى يكتفي به عن أي شيء آخر.
دوى جرس المنزل لينتبه الجميع إلى الطارق، والذي تبين بعد فتح باب المنزل وإدخاله أنه صاحب المشكلة الأساسية، عدي عزام!
***
بكت كثيرًا حتى غفت لتظل متكومة محلها على الفراش، ولم تستيقظ سوى بعد أن أصدر صوتًا بأن ضرب بقبضته على الجدار القريب من المدخل، فانتفضت ترفع رأسها إليه، ثم جلست بجزعها وقلبها يضرب بين جنباتها من الخوف، تنتظر فعل آخر منه، وقد تسمر بجمود يطالع هيئتها المزرية، شعرها الجميل الذي تشعث بالنوم، بشرتها الناعمة، والتي تناثرت بها البقع الحمراء من كثرة البكاء، حتى انتفخ أسفل عينيها، والتي التهبت هي الأخرى كذلك لنفس السبب.
خشن صوته لإصدار الأمر بتجهم:
"قومي اغسلي وشك ونضفي نفسك."
قالها وهم أن يتحرك ولكنها أوقفته بتساؤلها:
"هتعمل فيا إيه يا كارم؟ خلاص قررت تتخلص مني؟"
تجعدت ملامحه ونظرة حانقة تطل من عينيه ليرد على قولها بغضب:
"حد قالك إني قتال قتلة؟ أنا بعاقب بس اللي يغلط، وأنتي بقى مليش نفس أعاقبك دلوقتي."
التقطت إجابته لتردد بلهفة وعدم تصديق:
"بجد يا كارم، يعني مش هتموتني ولا هترميني لسمك القرش؟ يعني هرجع لابني من تاني..."
قطعت لتجهش في البكاء مرة أخرى، وقد بلغ بها الرعب من هيئته السابقة حتى سلمت بموتها على حق.
بنهنهات ضعيفة، تخشى حتى أن تخرج بصوت فتثير غضبه، وهي لا تعلم بتأثيرها عليه في تلك الحالة، وهذه الطريقة التي تهزم غروره ووحشيته، تجعله على وشك أن يخر راكعًا أمامها ليطلب منها الصفح، أن يحتضنها ليهدئ من روعها، أن يطمئنها كطفلته، ولكن هذا أبدًا لن يحدث، وغضبه منها حتى الآن ما زال مشتعلاً.
"اخلصي قومي يا رباب وبطلي عياط، أنا أساسًا وجهت اليخت على الرجوع، وكلها نص ساعة ولا أقل ونبقى على البر."
***
حينما عاد من عمله الذي تأخر فيه اليوم على غير العادة لأمر ضروري وهام، فوجد المنزل ممتلئًا بالأفراد المدعوين لمأدبة الغداء، كانت والدته وحولها الفتيات رؤى والأخت الأخرى لشهد في جانب، وهذه المدعوة نرجس والسيدة أنيسة في جانب آخر، ألقى التحية مرحبًا وعينيه تبحث عنها:
"مساء الخير يا جماعة منورين."
ردد الجميع من خلفه التحية وزادت والدته بقولها:
"أخيرًا جيت يا أمين؟ روح غير هدومك يلا وتعالى عشان ناكل، أخوك وخطيبته زمانهم على وصول."
قطب متسائلًا باستغراب:
"إيه ده؟ هو أنتم لسه ما أكلتوش، ده ميعاد الغدا عدى من زمان، إيه يا مجيدة؟ أنتي جايبة الناس تجوعيهم؟"
ضحك الجميع وارتفع حاجبها بذهول لتغمغم بحرج قبل أن تجيبه:
"شوفي يا أختي الواد، حصل ظرف طارئ يا حضرة الظابط، والعرسان اللي معمولة العزومة على حسهم اتأخروا، يعني مينفعش ناكل من غيرهم يا ناصح."
مال بوجهه أمامها بابتسامة مشاكسة فضحكت كالبقية، لتعقب رؤى بمرح:
"متقلقش يا حضرة الظابط، إحنا أساسًا من ساعة ما جينا بقنا متقفلش، طنط مجيدة قايمة معانا بالواجب، إشي فاكهة، إشي مسليات، يعني مفيش مكان للجوع أساسًا."
تبسّم ليعود لمناكفة والدته بخبث:
"إخص، يعني كده مش هياكلوا بنفس مفتوحة على السفرة."
شهقت مجيدة لتأمره بغيظ:
"امشي يا واد من وشي، امشي."
"خلاص يا ستي ماشي أهو متزقيش."
قالها وهو يبتعد من أمامها بدراما، وقد أمسكت له إحدى الأطباق بتهديد لدفعها نحوه، وأصوات النساء حولها تصدر بضحكات مقهقهة.
انتعش هو الآخر ليستدير ذاهبًا نحو غرفته، ولكن برؤيته لظل خيالها في الشرفة، غير وجهته على الفور ليصل إليها وقد كانت جالسة على مقعد خشبي وحدها، متكتفة الذراعين بجوار الأزهار المتنوعة، تطالعهم باستمتاع، حتى ارتفعت عينيها إليه، فور أن انتبهت لوجوده، فخاطبها قائلًا:
"مكنتش أعرف إنك بتحبي الزهور كده؟"
تبسمت تجيبه بدلال فطري وهذه النعومة بشخصيتها رغم تقلبها الدائم:
"والله ده طبع فيا من الأول، بس أنت بقى اللي فهمت غلط المرة اللي فاتت......"
ضحك متذكرًا:
"قصدك يوم الخناقة، لما رؤى كسرت القصرية اللي أمي دفعتني تمنها بعد كده؟"
ضحكت هي الأخرى معقبة على قوله:
"معقول! يعني طنط مجيدة دفعتك تمنها؟"
"أه وربنا دي ست قادرة أساسًا وده من أعز ممتلكاتها، استني هنا، هو أنتي فرحانة فيا؟"
سألها الأخيرة باستدراك متأخر، لتؤكده بهز رأسها، وهذه الشقاوة التي تفقده صوابه، ليدعي الامتعاض بقوله:
"ده أنتي قلبك أسود أوي."
"أوي وجدًا كمان، عشان تستاهل."
قالتها ليشاركها الضحك قبل أن تتوقف فجأة وتذكره:
"آه صحيح، أنا نسيت أما أسألك، لسه برضه ملقتش القلب؟"
رمقها بنظرة حانية وابتسامة غير مفهومة، ليجعلها منتظرة عدة لحظات قبل أن يجيبها:
"لأ ما أنا لاقيته خلاص، بس معلش بقى نسيته في درج المكتب في الشغل، أبقى فكريني أقابلك وأدهولك."
التف ليغادر من أمامها، وصوتها يردد من خلفه:
"يعني لسه كمان عايزني أفكرك تاني يا أمين؟"
هم ليرد عائدًا لها مرة أخرى ولكنه توقف مثلها على دلوف شقيقه يسحب بيده شهد للداخل مرددًا بتهليل:
"إحنا جينا يا جدعان، فين الأكل يا مجيدة؟ هنموت من الجوع."
***
"منور يا سعادة الباشا."
هتف بها مسعود مرحبًا بالرجل الغريب وزيارته الغريبة، بحضور أبناءه الاثنان، وابنته صاحبة الشأن على حسب ظنه، والتي ظلت جالسة بلفتة غريبة بالقرب من رئيسها في العمل، شادي جاره في السكن والذي فاجئه بفعله هذا اليوم.
تحمحم عدي بحرج، مانعًا نفسه من تقييم المنزل المتواضع مقارنة بالمستوى الذي نشأ عليه دائمًا، يدعي الدماثة بقوله:
"ده نورك يا حج مسعود، البيت منور بأهله."
تساءل فراج بعفوية يومئ بذقنه غير مباليًا:
"على كده أنت البيه اللي طالع في الصورة مع صبا، اللي معمول عليها الكلام والحديث من امبارح؟"
تعرق بحرج متزايد، شاعرًا وكأن دلوًا من الماء البارد القي في وجهه، فقال مصححًا:
"أنا عدي عزام صاحب الفندق اللي شغالة فيه صبا وشادي كمان، أما بقى عن حكاية الصورة، فده سوء تفاهم أنا كنت حابب أوضحه."
"وصل يا مستر عدي، وأهلي خلاص فهموا اللي فيها."
خرجت منها بحدة ملفتة، رغم مجاهدتها في كبت الغضب بداخلها نحوه، بعد أن علمت بكل الحقائق الخفية من صديقتها.
انتبه على قولها ليردف بدهشة يشوبها الفضول:
"فهموا اللي فيها! طب كويس والله، أنا كنت فاكر غير كده بحكم البيئة المتحفظة عندكم يعني."
تدخل حجازي الشقيق الأكبر، ليدلي بدلوه:
"دي ملهاش دعوة بالبيئة ولا ناس البندر ولا القرى، ده سيرة بنات الناس، وكلام في العرض، يعني أمور تودي في داهية، بس إحنا الحمد لله متأكدين من بتنا، ده غير إن صاحبتها حكت الموضوع كله، وعرفنا بت الحرام السبب في كل اللي حصل."
"بنت حرام مين؟"
تساءل بها بعدم فهم، فجاءه الرد من شادي، والذي كان هادئًا بسكون مريب، رغم سريان الحمم بأوردته، ورغبة قوية تدفعه لتهشيم الوجه الوسيم، ولكن تقديرًا لها التزم ضبط النفس، ليرد على السؤال بمغزى صريح:
"مودة يا سعادة الباشا، عرفت بكل اللي عملته ميرنا، أصلها كانت في السجن معاها قبل ما تطلع براءة، ده غير إنها سمعت بمكالمتها..."
توقف يرى انسحاب الدماء من وجهه، وهلع جلي ابتسم على ملامحه، ليرد بعد فترة من الوقت:
"قصدي لما اتفقت مع شريكتها وشيرت الصورة اللي كانت لاقطاها قبل كده في عيد الميلاد اياه، أثناء ما كانت هي في الحمام، فاكر يا عدي باشا؟"
ابتلع ليومئ برأسه بتشنج، ثم تدارك ليهدر بانفعال مبالغ:
"البنت دي أنا لازم أربيها، مكنتش إنها بالأخلاق دي، قسمًا بالله ما كنت أعرف إنها السبب في الملعب الخطير ده، إزاي جتلها الجرأة تعمل كده؟"
أثناء قوله كان يتنقل موزعًا أنظاره نحو الجميع، حتى اصطدمت عينيه بها، وهذا الجمود الظاهر على هيئتها بشكل أثار توجسه، فكان رد والدها برزانة كعادته:
"مفيش داعي نحرجوا في دمنا ولا نتعصب، وهي أساسًا في السجن، ربنا يجازيها بعملها."
"أمين يارب، هي وكل اللي يتسبب في أذية بتي."
هتفت بها زبيدة وهي تقترب حاملة صنية المشروبات، قبل أن ينتفض فراج يتناولها منها، ليضعها على الطاولة في المنتصف، وقال عدي ردًا عليها:
"أكيد يا حجة أنتي معاكي حق، بس أنا كنت جاي لغرض تاني النهارده."
التف الجميع نحوه باستفسار، وتساؤل خرج من مسعود:
"غرض إيه تاني؟ أؤمر يا بيه."
ألقى عدي بنظره نحو صبا ليجيب الرجل قائلًا:
"أنا كنت جاي وعشمان في كرمك يا حج أبو ليلة، إنك تجوزني صبا."
بذهول شديد تطلع إليه الجميع، فاستغل الصمت من جهتهم، ليردف مستطردًا:
"أنا عارف إنكم مستغربين الأمر، بس أنا راجل دوغري ومليش في اللف ولا الدوران، صبا بنت ممتازة وأنا مستعد أتقالها بالدهب، هو بس الأمر في البداية هيبقى غير معلن على ما أظبط نفسي."
"الكلام ده حضرتك مش لما يبقى فيه موافقة الأول؟"
هتفت بها مقاطعة استرساله ليرد بصدمة لا تقل صدمة الباقين:
"قصدك إيه يا صبا؟"
رمقته بنظرة متحدية، أثارت بداخلها التعجب عن سببها، قبل أن تفاجئه وتفاجأ الجميع قائلة:
"قصدي إني أوافق إزاي؟ وأنا مخطوبة أصلًا، هو أنت متعرفش يا عدي باشا، إني مخطوبة لمستر شادي؟"
***
توقف بالسيارة في جانب الطريق وبالقرب من إحدى محلات الأطعمة الشهيرة، فخاطبها متسائلًا ليخفف قليلًا من توتر الأجواء حولهما:
"تحبي أجيبلك حاجة تاكليها؟"
رفضت بهز رأسها وبدون صوت، استفزه عدم الرد منها، وهذا الانكماش على كرسيها المجاور له، بابتعادها حتى كادت أن تلتصق بالباب، لتجعله يهدر بها فاقدًا التحكم في أعصابه:
"وبعدين بقى، يعني أموتك بجد عشان تستريحي."
رمقته بجزع وأعين ترقرت بها الدموع، لتزيد عليه بشعور الندم، زفر يقلب عينيه بسأم، قبل أن يتدارك وضعها وخوفها الطبيعي منه، فقال ملطفًا:
"أهدي شوية ده كان كلام عادي، أنتي عرفاني لما بتعصب."
همست تجيبه بصوت ضعيف:
"عارفة طبعًا، بس أنا بصراحة دلوقتي أعصابي مش متحملة أي انفعال."
اومأ بتفهم، فقال نازعًا عنه حزام الأمان:
"عشان كده بقولك لازم تاكلي حاجة، أنا هروح أجيب شوية عصاير، وكام حاجة تيك اواي."
عادت لصمتها بدون اعتراض تلتزم الطاعة، وترجل هو يتركها ليأتي بما نوه عنه، ولم ينسى طبعًا أن يغلق السيارة.
وفي الناحية الأخرى كانت سيارة أخرى تجمع سيدتين بملابس سوداء تغطي على جميع الجسد، ثم نقاب في الأعلى لا يظهر سوى العينين، كانتا المرأتان وحدهن، في طريق عودتهما من القاهرة بعد زيارة سريعة للرجل الذي سوف يدبر لهن أوراق السفر إلى الخارج، وحديث لم يهدأ بعد:
"آه يا ناري، كل دي فلوس هبشها ابن الكلب عشان كام ورقة، بيستغل الظرف."
عقبت الأخرى والتي كانت متكفلة بالقيادة:
"طبعًا لازم يستغل، ده لو معملش كده يبقى أهبل، دي فرصته يا حبيبتي."
"أيوه يا أختي، فرصته عشان ياكلنا ابن الجزمة."
قالتها المرأة قبل أن تفاجئها الأخرى بقولها:
"إيه ده إيه ده؟ أنتي شايفة اللي أنا شايفاه يا جريمين؟"
سألتها بعدم تركيز:
"شايفة إيه؟ أنا مش واخدة بالي."
أشارت لها بذقنها للأمام قائلة:
"حبيبة قلبك، قاعدة في عربية لوحدها، ولا كأنها مستنياكي حتى."
نظرت الأخيرة نحو الجهة التي أشارت لها الأخرى، فاشتعلت عينيها بغضب متأجج ونيران مستعرة بداخلها، تصاعدت أنفاسها الهادرة، كي توجه شريكتها قائلة:
"سوزي، دي فرصتنا الأخيرة، يعني لو راحت منا، هنفضل طول العمر بعد كده متحسرين عليها."
التفت له الأخرى بتساؤل خطر:
"قصدك يعني..."
"أيوه هو اللي فهمتيه بالظبط... جمدي قلبك بقى ودوسي."
يتبع
طب بذمتكم، يعني كده الفصل ما يستاهلش منكم لايك ولا تعليق حلو يشجع
•