تحميل رواية «و بها متيم انا» PDF
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
على صوت القارئ الشجي وهو يتلو آيات الله الكريمة، عبر مذياع الراديو على بكرة الصباح، تململت بفراشها، تُغالب توسلات جسدها التي تطالبها بالراحة، والإستسلام لدفء الفراش، ولو بيوم واحدًا فقط، تنسى به مسؤلياتها والوجبات المطالبة بها، تعيش لنفسها، لنفسها فقط ولو لمرة واحدة، ألن يأتي هذا اليوم؟ "شهد يا شهد، هو انتي لسة مصحتيش؟" "شهد...." "خلاص قومت أهو." هتفت بها مقاطعة وهي تعتدل بجذعها عن الفراش نحو محدثتها نرجس، زوجة أبيها الراحل، والتي ردت ببعض الحرج: "صباح الخير، معلش بقى يا حبيبتي، بس أنا خوفت لتتأ...
رواية و بها متيم انا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم امل نصر
قاعدة نايمة من امبارح، بتهرب من المواجهة.
مش يمكن تكون تعبانة فعلًا يا جدع انت.
يا راجل، يعني انا بقى مش هعرف افرق إن كانت تعبانة ولا بتمثل، يا بني انت لو كنت معايا، كنت هتتأكد من اللي بقوله بنفسك.
طب وبعدين انا بقالي ساعة دلوقتي مستني المواجهة ما بينكم، وبصراحة هموت لو ما حضرتش.
عايز تحضر إيه.
الخناقة يا سيدي، مش ياللا بقى.
عيوني حبيبي.
كان هذا نص الحوار السريع الذي التقطته اسماعها وهي تدعي النوم قبل أن تجفل على ضوء قوي أحرق جفنيها لتفتحهما فجأة ثم أغلقتهم على الفور، لتشيح بوجهها الناحية الأخرى وهي تعتدل بجذعها بعيدًا عن النافذة التي كان يفتح ستائرها حسن، مغمغة بالسباب:
يا ولاد الجزمة انت وهو، عاملين فيها رباطية عليها، في حد كدة يفتح النور من غير استئذان؟
دنى حسن ليقترب برأسه منها مرددًا بابتسامة صفراء:
صباح الفل يا ست الكل، كدة برضوا تسيبيني وتنامي من امبارح، وانا قاعد على نار مستنيكي، كل دا نوم يا ماما؟
عدلت مجيدة الوسادة خلفها لتستند بظهرها عليها وعلى قائم السرير وردت بتحفز:
وماله يا خويا لما اسيبك وافضل نايمة لحد دلوقتي، لهو انت مستنيني احضرلك الرضعة؟
كز حسن على اسنانه وشقيقه أطلق ضحكة مدوية يردد:
ايوة يا مجيدة اديلوا على دماغه وميهمكيش.
حدج شقيقه الذي وقع على نفسه من الضحك، بغيظ يهتف به:
لم نفسك يا امين، خليني اخلص خناقتي مع الست الوالدة وبعدها افضالك.
ردت مجيدة على الفور:
اسم الله عليك يا غالي، وتتخانق معايا ليه بقى ان شاء الله؟ منعت عن مصروفك ولا نيمتك من غير عشا؟
قهقه أمين من الخلف، حتى كتم بكفه على فمه، ليشير إلى حسن بالمتابعة، ليصيح الأخر بوالدته:
انتي عارفة يا ماما سبب الخناقة، فبلاش تسفهي الموضوع بالتريقة، دا اسلوبك لما تتزنقي على فكرة، انا عارفك.
اتزنق!
قالتها باستنكار، لتتابع:
وايه بقى اللي يزنقني يا حبيبي ولا انتي فاكرني خايفة؟ ايوة اتصلت برقم شهد اللي نقلته من تليفونك لتليفوني، ها بقى حد له حاجة عندي؟
زمجر حسن يضرب كف بالاَخر، ليصبح مخاطبًا شقيقه الذي أوقف ضحكاته بصعوبة تقديرًا للموقف؛
طب كلمها انت يا عم الحج، الست الوالدة فتحت التليفون من غير إذني وفتشت في الأرقام ونقلت كمان على تليفونها، يعني دي جزاتي يا ماما اني معرفك الباسورد وبخليكي تقلبي في تليفوني براحتك.
تابعت مجيدة بعند:
ما هو من خيابتك، يعني لو مصاحب ولا خاطب، كنت هتعرف باسورد التليفون لامك يا واد؟
ارحمني يارب.
صرخ بها حسن، فتدخل أمين ملطفًا:
صلوا ع النبي يا جماعة، خلونا نتفاهم، وانتي يا ست ماما، خفي شوية، ابنك على اخره.
رددت خلفه باستهجان:
آخره بقى ولا أوله، انا اتكلمت مع شهد ودي انثى زيي، وانا بقى حبيت اصاحبها، هو ماله بقى؟ يحشر نفسه في كلام الستات ليه؟
سمع حسن ليعود بضرب كفيه ببعضهما، وغضب امتزج بذهوله، مع قلة حيلته مع والدته، والتي حينما تريد تنفيذ امرا ما برأسها، تفعل ولا تبالي. فقال أمين يرتدى بينهم ثوب حمامة السلام:
طب انا معاكي يا ستي، بس معلش يعني؟ انتي لازم تقدري شكل ابنك قدام الناس، وتعملي حساب لمصلحته وشغله وكدا ممكن تضريه فعلًا لو الست المقاول دي، كانت شرانية او فهمت الموضوع غلط.
ردت مجيدة على الفور بإنكار:
لا يا حبيبي، شهد مش شرانية ولا واحدة وحشة، واسأله بنفسك عنها، دي جات على ملا وشها بتجري جري عشان تطمن عليها، هي دي حنية البنات، مش الجلفنة وقلة الإحساس.
صاح حسن مرددًا لها:
جلفنة وقلة إحساس، قصدك عليا انا صح؟
تبسمت مجيدة تشير بإصباعيها السبابة والوسطى نحوهما، ليصرخ أمين:
وانا كمان يا ست ماما؟ طب ليه بقى؟
ردت ببساطة غبر مبالية:
وانت تفرق ايه عنه بقى؟ انتو الاتنين معندكمش إحساس.
***
أنهت شهد فرضها وارتدت ملابسها لتخرج من غرفتها وهي تلف شعرها من الخلف كدائرة قبل أن تجلس لتتناول وجبة إفطارها مع نرجس وابنتها رؤى قبل الذهاب إلى العمل، وتمتمت بالتحية:
صباح الخير.
صباح النور، صباح الورد يا شوشو.
تفوهت بالاَخيرة رؤى، فتبسمت لها شهد بإشراق تردد:
يا قلب يا شوشو انتي، إيه الوشوش اللي تفتح النفس ع الصبح دي، صباحك جميل زيك يا بت.
رفرفت بأهدابها الأخرى، لتفعل بأصابع كفيها وضع القلب صامتة بابتسامة، فضحكت شهد تفعل لها بالمثل قائلة:
قلبي انا كمان والله.
قالتها ثم انتفضت فجأة مجفلة على صوت صفق الباب للغرفة خلفها، لتلتف برأسها وتجد أمامها أمنية تخرج منها بوجه عابس متجهم، فتمتمت شهد وهي تعود لطعامها:
يا صباح يا عليم يا رزاق يا كريم، الخلقة دي انا عارفاها كويس.
سحبت الأخرى المقعد بعنف حتى اصدر صريرًا، ثم سقطت عليه بجســ دها المكتنز، حتى كاد أن يقع بها، فعقبت والدتها بحنق:
ما براحة يا بت هي خناقة؟ مش خايفة الكرسي ليوقع بيكي؟
بنظرة ممتلئة بالغل ردت أمنية وعينيها مثبتة على شهد التي كانت تتجاهلها كالعادة لتهتف بها:
ما اقع ولا اموت حتى، هو انا اهم حد اساسًا في الدنيا دي؟
التوى ثغر نرجس المزموم على جانب واحد، وقد علمت بفرض ابنتها بقولها، حدجتها شهد بغضب بعد أن اجبرتها بأسلوبها المستفز على الرد:
في إيه بالظبط؟ ما تتعدلي يا بت واتكلمي عدل، ولا انتي صاحية تقولي يا شر اشطر؟
تدخلت رؤى تحاول تلطيف الأجواء بالمزاح:
أمنية حبيبتي، روقي كدة وروحي صبحي على أونكل ابراهيم يظبطك بكلمتين حلوين من بتوعه، ولا باينه مقصر اليومين دول ولا إيه؟
كلمات بسيطة قيلت بعفوية كانت بمثابة الكيروسين الذي سُكب كي يشعل الحريق، لتصيح بها غاضبة:
ما هو نبرك ده هو اللي جابلي الفقر، ابراهيم بقالوا يومين لسانه مش بيخاطب لساني، لا في تليفون ولا حتى برسالة ع الوتس، يكش افركش، عشان تفرحوا وتستريحوا اوي.
مرة أخرى توجهت بالأخيرة نحو شهد التي اَلمها الرعب الذي ارتسم على وجه شقيقتها الصغرى، بعد ان اجفلتها هذه المجنونة بصراخها وكلماتها السامة، فنهضت لها مواجهة بحزم وقوة:
ما تاكليها احسن ياختى؟ هي عملت إيه لدا كله؟ دي يدوب بتهزر معاكي.
لا مش بتهزر.
صرخت بها لتتابع على نفس المنوال بنبرة باكية:
هي عارفة كويس ان بقالنا يومين ما بنتكلمش، عشان كدة بتنكشني عشان تزيد عليا الغلب، ما انتو كلكم مش حاسين بيا، منعينه يدخل البيت ولا يجي ويفرحني زي بقية العرسان، انتو قاطعين عليا فرحتي، ومديقين على ابراهيم، عايزينه يطفش ويسيبني، هو دا كان غرضكم من الأول صح، انا دلوقتي بس اللي فهمت.
قالت الأخيرة وانطلقت بنوبة لبكائها بصوت عالي، والتقطتها نرجس داخل احضانها لتزيد من سخط شهد في الرد نحوهن:
انتي كمان بتاخديها في حضنك، جاي على هواكي اوي استعباطها؟
وانا ذنبي إيه بس يا بنتي؟
قالتها نرجس بدفاعية كعادتها، لتصيح بها وبابنتها:
اسمعوا بقى انتو الجوز، انا كلامي كان واضح من الأول، الواد دا ملوش داخلة هنا غير مع اهله وبعد اتفاق معايا انا شخصيا واكون حاضرة كمان، مش عاجبوا تحكمواتي، يبقى يلم نفسه ويخلص شقته وانا بقى لو هشحت يا أمنية، هجوزك عشان اخلص منك ومن قرفك، انتي ملكيش غيره اساسًا، هو يستهالك وانتي تستاهليه...... وع العموم بقى دا اَخر كلام عندي، واللي مش عاجبوا يشرب من مية البحر.
قالتها والتفت لتغادر بغضبها، وتتركهن، انتفضت خلفها رؤى تنناول حقيبتها وفور ان تحركت خطوتين، توقفت لتلقي بكلماتها نحو التي تبكي بحرقة في حضن والدتها:
بتعيطي وعاملة نفسك مظلومة، على اساس ان احنا اغبيا زيك ومش فاهمينك، ولا فاكراني مش عارفة انه بيجيلك واحنا مش موجودين، امال دا لو فاتحين له البيت ده هيعمل ايه؟
قالت الاَخيرة بشراسة اجفلت الاثنتين، قبل ان تغادر بقرف من أمامهن.
***
لمسات حانية صغيرة ناعمة، كانت تدور بعشوائية على ملامح وجهها حتى أصبحت تستمتع بها، مفضلة عدم الأستيقاظ كي لا تنحرم منها، ظنًا منها أنها تحلم، زادت اللمسات مع همهات طفولية وضحكات مكتومة، جعلتها تتيقن انه واقع.
لتفتح جفنيها وتصعق برؤية الوجه الصغير وابتسامة شقية، بمعنى ان، لقد انكشفنا.
ظافر.
قالتها وانتفضت لتعتدل بجذعها عن الفراش، لتخطفه داخل احضانها، فتقبله بفرح وعشق، حتى انتبهت على زهرة الجالسة في الناحية الأخرى من الفراش، متربعة القدمين تتأملهم بابتسامة رائقة، لتصيح بها:
كده برضو يا زهرة، قاعدة انتي مكانك وسايبة العفريت ده شلفطلي ملامح وشي.
قولنا نعمل فيكي مقلب، والاستاذ ظافر استغل الوضع على اكمل ما يكون، واكنه مدرب ع الحركات دي بقالوا سنين.
قالتها زهرة لتنطلق الأخرى في تقبيل الطفل ومداعبته، وهي تصرخ بتهديد ووعيد:
بقى هو كدة، دا انت نهارك النهاردة مش معدي.
قالتها لتدغده بمرح وشر وهو يجلجل مقهقهًا، وظلت زهرة تتأمل اشراق وجهها بصمت، سعيدة بأنها قد تمكنت ولو بشيء بسيط، من رفع الحزن عنها.
جيبتي جوز المتخلفين معاكي ولا لأ؟
سألتها نور، لتناظرها قليلًا باستفهام قبل ان تستوعب سريعًا لتجيبها:
لا يا ستي الحمد لله، عامر الريان النهاردة اتكفل بيهم، وخدهم معاه على مزرعة الخيل، يراقبوا اخوهم وهو بيتدرب.
مجد باشا.
قالتها نور وهي تتوقف قليلًا عن اللعب للتتابع:
اهو دا بقى اللي وحشني بجد، كان نفسي اشوفه، لكن انتي جيتي من امتى؟ وازاي وصلتي لغرفتي هنا اساسًا... يا نهار أبيض...
توقفت لتكمل الحديث بهمس:
هي طنت بهيرة مشفتكيش؟
ضحكت زهرة تنفي بهز رأسها وهي تجيبها بنفس الهمس:
لا الحمد لله مشفتنيش ولا انا شوفتها، بس حتى لو حصل يعني، انا اساسًا دخلت بصحبة مصطفي باشا عزام يعني حماية..
خبئت ابتسامة الأخرى لتعقب بأسى:
يعني هو اللي اتصل بيكي يا زهرة، عشان تجيبي الولد، وتخففي عني، كالعادة برضوا، بيفتكر يفرحني وينسى نفسه.
قالت زهرة في محاولة انكار مكشوفة منها:
وانتي مين قالك بقى ان هو زعلان؟ دا الراجل قالي بنفسه، حصل خلفة او محصلش، انا متمسك بنور، ومش عايز اولاد من واحدة غيرها، افهمي بقى يا مجنونة.
تبسمت لها الأخيرة بضعف، لتطبع قلبة على وجنة الصغير، ثم قالت بغصة مسننة تؤلمها:
ودا اللي مزعلني، بيجي على نفسه عشان ميجرحنيش، انا عارفة ان العيب فيا، وهو نفسه كمان عارف، مش عايز ليه بقى يتجوز ويريحني؟....
ويريح مين يا ست انتي؟
هتفت بها زهرة تقاطعها بعبوس عقد ملامح وجهها، لتتابع بعدم تصديق:
في إيه يا نور؟ هو انتي ليه مُصرة ان العيب فيكي؟ إذا كان الدكاترة نفسهم، برا وجوا، مصرين وأجانب، كلهم أكدوا انك سليمة زيك زيه، ليه بقى الإصرار على إن العيب فيكي؟
ابتعلت وهربت بعينيها من النظر بخاصتي الأخرى، لا تجد من الكلمات ولا الحجة التي تمكنها من الإقناع، هي متأكدة من شيء تعلم حقيقته، وتخجل من البوح به، أو بمعنى أصح، لا تريد النبش في جراح ماضي، هو السبب الرئيسي لما تواجهه الاَن، فخرج صوتها بتحشرج:
كل واحد وعارف بنفسه يا زهرة، وانا تعبت من شيل الذنب، يعني لما اطلب من مصطفى انه يتجوز، مش عشانه وبس، لا دا عشاني انا كمان ارتاح.
همت زهرة ان تتكلم ولكن الأخرى قاطعتها قبل ان تبدأ:
حتى لو الدكاترة أكدو اني سليمة في الخارج، انا عارفة اني معطوبة في الداخل.
طالعتها زهرة بعدم فهم، لتضيف الأخرى بقناعة:
عارفة انك مش مصدقة زيه، بس انا محدش هيعرفني قدي، خليه بقى يريحني....
بشبه ابتسامة ليس لها معنى ردت زهرة بتأكيد هي الأخرى:
جوزك مكدبش لما انك محتاجة دكتور يا نور.
تغضن وجه الأخرى وانتفضت لتنهض من الفراش، حاملة الطفل على ذراعها، لتقول بغضب:
انتي كمان يا زهرة هتقولي زيه؟ هي الرغبة في الأطفال بقت مرض يعني؟
تنهدت زهرة بثقل تنهض خلفها لتقارعها وهي تقف أمامها:
مش الرغبة نفسها يا نور، احنا بنتكلم عن انفعالك ده، والعصبية الزيادة على شيء في علم الغيب، الخلفة دي رزق من عند ربنا، ومحدش ابدًا يقدر يمنع رزق ربنا ساعة ما يريد بيقول كن فيكون، دا لو انتي اصلًا فيكي عيب زي ما بتقولي.
وإذا كان المنع من عند ربنا نفسه.
غمغمت بها داخلها قبل ترسم ابتسامة مغتــ صبة على شفتــ يها، تردد:
ونعم بالله.
***
بتعملي إيه يا صبا؟
سألها لتجيبه بعدم تركيز وانظارها مثبتة على شاشة الحاسوب التي تعمل عليها أمامها:
بشوف الأسئلة اللي بتوصل ع البريد الإلكتروني عشان اجمعهم واجيبهم لحضرتك، بس انا ملاحظة ان تقريبًا معظم الأسئلة زي بعضها......
ناظرها بتساؤل، فتابعت بلهفة:
دول بيسألوا عن حفلة عمر دياب، معقول الفندق هنا هيجيب الهضبة....
قالت الأخيرة بأعين متوسعة من الإنبهار، لتزرع ابتسامة على وجهه، مرددًا خلفها:
اه يا صبا هيجيب الهضبة، بتحبي اغانيه على كدة؟
تبسمت بحرج تجيبه وانظاراها هبطت تبحث في الملفات بعدم تركيز:
يعني مش حكاية احب اغانيه ولا اكرها، بس دا الهضبة، يعني اشهر من النار ع العلم.....
ترك شادي ما كان يعمل به، ليمارس هوايته المعتادة في تأملها، يُشبع انظاره منها ومن خجلها الذي يغلب طبعها مهما ادعت من القوة والجرأة، فقال يناكفها:
شكلك كدة مش طالعة لوالدك، ولا بتحبي الفن الأصيل، دا الراجل ليلاتي يشغل الست في البلكونة جمبي، ويردد وراها.
هذه المرة ابتسمت بملأ فمها، تحاول ان تسيطر على حرجها في الرد عليه:
هو صوت ابويا بيوصلك؟
تبسم بتأكيد يجيبها:
ودخان الشيشية اللي بيكركر فيها، انا تقريبًا بقيت ادخن سلبي وراه، زي ما حفظت كمان الاغاني معاه.
كتمت بكفها على فمها حتى لا تصدر ضحكتها صوتًا، لتقول:
معلش بجى اتحمل، جارك راجل رايق وميحبش السهر بعيد عن بيته، لا على جهوة ولا مع أصحاب، نصيبك كدة.
احلى نصيب.
ود ان ينطق بها، مع انه شيء في علم الغيب، ويقارب المستحيل، ولكنها اخطات مرة أخرى وذلف لسانها بكلمات الجنوب، والتي لم يعلم انها بهذا الجمال سوى الاَن، بعد ان سمعها منها.
صباح الخير يا شادي.
أجفل بها لينتفض عن محله فور رأى صاحب الصوت متفاجئًا بحضوره يقف أمامه بهيئته الراقية والنظارة السوداء تغطي على اللون الأخضر في عينيه، ليتمتم بالتحية ردًا عليه ومعه صبا هي الأخرى والتي وقفت احترامًا لحضوره، رغم احتقانها من هيئته المغرورة وتخايل خطواته وكأنه الطاوس.
عملت إيه في ترتيبات الحفل؟
سأل بها شادي، والذي رد يجيبه رغم دهشته:
حضرتك انا مجهز البيانات، وكنت هجيبهالك على اخر اليوم.
أومأ عدي برأسهِ، وعينيه المختفية تحت اللون القاتم للنظارة، تتابعها في الناحية الأخرى، تقف بتململ، وكأنها غير عابئة به ولا بحضوره، وهو الذي اجبرته قدميه ليأتي كي يراها.
فقال شادي والذي كان مرتابًا من حضوره الغريب:
حضرتك لو عايز تشوف البيانات، انا ممكن اديهالك دلوقتي تشوفها.
رد عدي بعد ان يأس منها ومن لا مبالاتها:
خليها اخر اليوم بقى زي ما قولت، انا اساسًا مش فاضي.
قالها وتحرك مغادرًا بخطواته السريعة، وعاد الاثنان لأماكنهم، فغمغم شادي بشعور غير مريح:
عجيبة يعني، جاي بنفسه يسألني ع التقارير.
***
خرجت مودة من إحدى غرف الفندق التي انهت تنظيفها وترتيبها، تخرج المكنسة الكهربائية الضخمة بغرض ان تضغها على الحامل في الخارج، حتى اجفلت بمن اصطدمت بها:
أسفة معلش مكنش قصدي.
لا ولا يهمك بسيطة.
قالتها مودة بعدم تركيز قبل أن تلتف نحو الفتاة الجميلة، ذات الشعر الطويل والزينة المتقنة على ما ترتديه من ملابس قصيرة، ولكن مهلًا:
هو انتي شغالة معانا هنا في الفندق؟
سألت مودة الفتاة بعد انتباهاها على شعار الفندق المدون على الزي الخاص بها، رغم الاختلاف الكلي لهيئة من تقف أمامها، واجابت الأخرى بابتسامة:
ايوة يا حبيبتي انا شغالة هنا زي زيك؟ لهو انا مش باين عليا؟
ردت مودة تبادلها الابتسام:
بصراحة لا مش باين عليكي، دا انا في الأول افتكرتك من النزلاء قبل ما اخد بالي من اليونيفورم بتاعك، بس انتي ازاي لبسك غريب كدة؟ هو انتي قسم إيه؟
ضحكت الأخرى لترد وهي تساعدها في تحريك الحامل:
قبل ما اقولك انا قسم ايه؟ قوليلي انتي الأول، انا لبسي غريب في إيه بالظبط؟
توقفت قليلًا بتردد قبل ان تجيبها بحرج:
اصله يعني...... متأخذنيش، قصير كدة لفوق الركبة، دا غير انه ضيق فوق وتحت.... بس عسل والله على جســ مك المظبوط.
قالت الأخيرة وكأنها تصحح خطأها مما جعل الأخرى تضحك لها ثم توقفت تقول:
شكلك طيبة اوي يا عسل، وانا بقى استريحتلك اوي، وعايز اصاحبك، إيه رأيك اعرفك بنفسي وانتي تعرفيني بنفسك.
اومأت مودة لها بحماس وضحكة مرتسمة ببلاهة على وجهها لتمد بكفها أمامها تقول:
انا اسمي مودة وشغالة هنا في قسم النظافة، زي ما انتي شايفة كدة.
تقبلت الأخرى لتبادلها المصافحة تأخذ دورها في التعريف:
وانا بقى يا ستي اسمي ميرنا، شغالة هنا برضوا بس في أرقى حتة في الفندق، المكان اللي بيضم البشوات والأجانب الفايف ستار بس.
باعين تبرق بالأنبهار سألتها مودة بفضول:
مكان ايه؟
***
وصل إلى الموقع ليعلم بالصدفة انها كانت حاضرة منذ قليل ولكنها اختفت خلف المبني في الأرض الخالية تقريبًا إلا من أشجار السدر المنتشرة بكثافة في هذه المنطقة الصحراوية، بدون تفكير تحرك على الفور ليبحث عنها، حتى تفاجأ بشبحها جالسة على أحد الاحجار الكبيرة، يبدوا انه كانت شاردة في شيء ما، لدرجة لم تجعلها تنتبه له ولخطواته التي كانت تدعس على الاوراق والفروع الجافة حولها:
مش خايفة على نفسك في المنطقة اللي انتي قاعدة فيها لوحدك دي؟
قالها لتنتبه إليه، وتمسح على جانبي عينيها سريعًا، لترد بصوت حاولت جاهدة على ألا تظهر اضطرابه:
لا طبعًا وايه يعني اللي هيخوفني؟
تعقد جبينه وهو يرى آثار الدموع العالقة على بشرتها التي تلونت بالأحمر على عدة مناطق من وجهها، ليسألها بتوجس:
هو انتي كنت بتعيطي؟
نفت بهز رأسها، ولما شعرت ان كذبتها مكشوفة، ردت بمرواغة:
مش لدرجة البكا يعني او الزعل، بس هو زي ما تقول كدة افتكرت ابويا.
تناول حجر له ليجلس بالقرب منها ويسألها:
اسف ع التدخل، بس انا بصراحة كنت عايز اعرف، ايه اللي فكرك بوالدك عشان تسيبي شغلك وتجيبي هنا في الجو الخلا ده وتعيطي؟
يا عم مش عياط.
قالتها بسأم وهي تكمل شارحة:
انا بقولك افتكرت، ودي حاجة طبيعية عندي، انا عمري ما نسيت ابويا اساسًا، كل حاجة في شغلي بتفكرني بيه، انا معظم وقتي قضيته معاه، اصل انا بكريته وفرحته بيا كانت بتخليه ياخدني في أي حتة معاه، في الشغل، في البيت، في المكتب، ما هو دا اللي خلاني امسك من بعده.
قصدك على شغل المقاولات؟
سألها لتوميء برأسها وتجيبه:
مهانش عليا تعبه وشقاه يروحوا لناس اغراب لما ابيع السجل بتاعه وادفن تاريخه.
سمع منها وظل صامتًا يتأملها بتفكير عميق، حتى رفعت رأسها إليه بتساؤل، فقال:
هتزعلي لو فضولي خلاني أسألك عن الكلمة المحفورة في دلاية الانسيال اللي في إيــ دك ده؟
انتبهت لتنقل بنظرها نحو ما يرمي إليه،
إيه ده انت خدت بالك؟
قالتها بتساؤل ليهز رأسه إليها وكأنها أجابة عادية، وعلى طرف لسانه يود القول بأن هذا الموضوع وهذه الكلمة تشغل حيزًا غير هين برأسهِ منذ أن التقاها اول مرة، وهو يفكر، ان كانا رمزين او كلمة لأسم عزيز عليها، كحبيب مثلا او خطيب او .....
قلب ابوها.
نعم.
خلعت الأنسيال لترفع أمامه الجملة التي يقصدها، شارحة:
دا قلب صغير، ودا اللي الكلمة اللي لازقة فيه( ابوها) يعني قلب ابوها، عملهالي قبل ما يموت، كانت حالتنا حلوة مكنش زي دلوقت، الجاي يدوبك على قد اللي رايح.
قال حسن بتأثر:
دا كان بيحبك اوي بقى.
اوي.
غلبتها مشاعرها لتخرج منها بتحشرج ثم اشاحت بوجهها عنه حتى لا يرى دمعة خائنة غلبتها، ولكنه انتبه:
انا اسف يا شهد لو كنت فكرتك.
عادت إليه بابتسامة قائلة:
بتتأسف على إيه بس؟ انا افتكرته اساسًا قبل ما تيجي، امال انا جيت استخبى ليه هنا تحت شجرالنبق.
بس والله المنظر حلو مش وحش..
منظر ايه؟
سألته باستفهام، لتجده دنى نحو الأرض يتناول حبة نبق ناضجة، مسحها على القميص الذي يرتديه، يردف لها:
على فكرة انا بحب اجي هنا وانقي منهم على كيفي، تحبي تدوقي ولا لازم بقى تقومي وتغسلي.
مد يــ ده بالثمرة الناضجة فردت وهي تتناولتها:
لا طبعًا دا طاهر ومفيش ايــ د لمسته، ولا حتى اتلوث بالكيماوي، انا كمان باجي هنا وانقي براحتي.
اخفى داخله ابتهاجًا يعبث بقوة لمجرد تقبلها لشيء منه، فنهض فجأة ليقول بحماسة:
طب استنى بقى وانا انزلك اللي احلى واحلى.
هتعمل إيه؟
قالتها لتجده امسك بعصا قريبة وعلى احد الفروع، القريبة من مستوى طوله ضرب بضربتين فقط، وافترشت الأرض حولها بالثمار الناضجة، شهقت ضاحكة، لتردد بمرح:
ايه دا كله؟ ومين فينا اللي عنده مرارة ينقي؟
تبسم هو بانتشاء ليجلس على عقبيه ويجيبها وهو يتناول الأطيب والأكبر:
يا ستي احنا ننقي اللي احنا عايزينه والباقي بقى يقعد لصاحب نصيبه.
بوجه تبدل عن الحالة السابقة لها مئة وثمانون درجة، كانت تضحك وعينيها تناظر الخير الذي امتلأت به الأرض حولها لتعقب:
ونسيب الشغل ونقعد ننقي.
نظر لها بأعين تفيض بحنان ذكرها بفعل والدها قديمًا يقول:
لا يا ست المقاول، انتي تقعدي مكانك زي الهانم وانا هنقى الحلو منهم واجيبلك لحد عندك.
صمتت بخجل أصابها من كلماته، فتابع هو ليزيح عنها الحرج:
دا روتين بعمله كل يوم، من ساعة ما استلمت الموقع هنا، مجيدة مدخلنيش البيت لو مرجعتلهاش بمجموعة كبيرة من دول.
ضحكت شهد لتسأله بتذكر عنها:
طب هي عاملة ايه دلوقتي؟ كويسة ولا لسة الضغط تاعبها؟
كويسة.
قالها حسن بابتسامة مستترة وهو منهمك في تجميع الثمار، وهتفت شهد نحوه بقلق:
طب خلي بالك طيب، الأرض هنا كلها شوك، اهو ده بقى العيب الوحيد في الشجرة دي.
رفع راسهِ إليها، ليقول بمغزى وكأنه يوصل إليها رسالة دعم وتشجيع:
أي حاجة حلوة لازم يبقى حوليها شوك يحميها. الحاجة السهلة بتبقى طمع للكل.
***
قالت بهيرة تخاطب ابنها الذي كان يقبل أطفاله بعد ان وصل منذ قليل فقط للقصر الذي هجره لأكثر من اسبوعين:
اخيرًا شوفنا وشك يا عدي، اولادك بيحضونك وكأنك جاي من السفر، مش معاهم هنا في نفس البلد.
داعب شعر رأس ابنه الأكبر ذو الخمس سنوات ليهمس له في اذنيه:
اطلعوا فوق في اوضكم انت واخوك، وشوف الهدايا اللي انا جيبتها.
هلل الطفل ببعض الكلمات الأجنبية ليسحب شقيقه ذى الثلاث سنوات بحماس وفرح نحو غرفهم، فكلام عدي يجيب والدته:
ما انتي عارفة باللي حاصل يا ماما، الهانم مكلفتش نفسها تبعتلي رسالة حتى، زي ما يكون ما صدقت اني سيبتلها البيت ومشيت.
تغضن وجه بهيرة لتقول بعبوس وضيق:
عدي، انت مش شايف انك مزودها اوي مع ميسون؟ هي مهما كانت برضو ست، حتى لو كان الدم التركي بتاعها متقنعر حبتين، لكنها برضوا بتيجي بالكلام الحلو، انت يا بني اللي بقيت مش طايقها وعلى ابسط خناقة بتسيت البيت وتمشي، ودا بيوسع مسافة البعد ما بينكم.
زفر عدي بضيق يضرب بكفه على ذراع الكرسي الذي يجلس عليه، فتابعت هي:
طب اتعلم شوية من اخوك، دا مبيسبش دقيقة يفضى فيها من الشغل، عشان يفسح الهانم ويسافر بيها ويدلعها، مع انها متستهلش.
ردد خلفها بسأم:
ومستاهلش ليه بقى يا ماما؟ مدام بيحبها.
دبت بعصاها على الأرض بقوة لتقول بحقد:
ايوة متستهلش، سنين وهي معاه ومش هاين عليها تفرحه بطفل يشيل اسمه، يعني مش كافية قبلنا بيها وهي مش من وسطنا ولا كانت تليق له من الأساس.
التوى ثغر عدي المغلق، وقد مل من الحديث المكرر على اسماعه، فتابعت والدته:
لكن انت مراتك بنت عيلة مأصلة، وفوق كدة حفظت للعيلة هيبتها لما خلفت اللي يحفظ نسلها.
تبسم ساخرًا لينهض من جوراها مغمغمًا:
ما هو من حظي بقى!....
أوقفته بهيرة سائلة:
رايح تصالحها يا عدي؟
تف إليها برأسهِ يهديها ابتسامة غير مفهومة قبل ان يكمل طريقه.
***
بدون استئذان قام بفتح الباب ليلج بداخل جناحه، فوقعت عينيه على الفور نحوها، وقد كانت جالسة امام المرأة تصفف شعرها البني، والتقت زُرقاوتيها بخاصتيه عبر انعكاس صورته أمامها، وضع كفيه في جيبي بنطاله، يلقي التحية بلهجة عادية خالية من أي مشاعر كالتي تتصارع داخلها من أجل أن تلقي بنفسها داخل احضانها وتعانقه بشوق يمزقها نحوه:
مساء الخير يا ميسون.
ابتعلت لتجيبه بنفس النبرة:
مساء الخير... انتي عامل إيه؟
تبسم بغموض يجيبها باقتضاب وكأنه يبصق الكلمة:
كويس.
تحرك بعد ذلك نحو الغرفة الملحقة كخرانة ضخمة لملابسه، نهضت هي من امام المراَة بحيرة متسائلة، تذهب خلفه ام تنتظر حتى يأتي هو؟ قلبها الذي يضرب بعنف داخلها يحثها للحاق بها، ولكن كرامتها التي تمنعها دائمًا من المبادرة، كالعادة لها الكلمة العليا. توقفت للحظات في انتظاره، حتى تفاجأت به يخرج بعدد من الحُلات الفاخرة ليلقيهما على الفراش أمامها قبل ان يتصل بأحد الخدم:
عزيزة، تعالي هنا بسرعة ع الجناح عايزك توضبي الشنطة.
بتطلب عزيزة توضب الشنطة ليه عدي؟
خرج سؤالها بصدمة وعدم تصديق:
ناظرها بجمود هيئته يجيب بهدوء كاد ان يجلطها:
عشان ماشي وراجع تاني ع الفندق يا ميسون، عندك اعتراض؟
نفت برأسها تدعي عدم الاكتراث، تغالب تشنج جســ دها، والذي يهددها بالسقوط، متأثرًا بخيبة الأمل التي اصابتها في مقتــ ل منه، فقالت بعنجهية تبتغي رد الصفعة:
لا طبعًا معنديش ادنى اعتراض، انت حر.
تبسم بظفر فقد كان يراهن نفسه على ردها هذا، فقال ببرود:
OK يا ميسون، عن اذنك بقى.
قالها وتحرك ذاهبًا على الفور، لتسقط هي اَخيرًا خلفه، تبتلع الإهانة بعزة ترفض التنازل عنها، هو من يخطيء وعليه ان يبادر بالصلح وليست هي!
***
انهت صبا دوام عملها وخرجت من الغرفة تسبق شادي والذي كان مضطرًا للإنتظار، حتى يأتي مالك الفندق عدي عزام، ويطلعه على البيانات والتقارير الخاصة بالحفل الضخم والذي سوف يقام بمناسبة مرور اكثر من خمسين عامًا على تأسيس الفندق. مناسبة هامة وتحتاج لترتيب هام، ومسؤلية عظيمة تلقى على كاهله. رفعت الهاتف لتجيب على من تتصل بها:
ايوة يا ست مودة، انا خلصت اهو انتي قاعدة فين؟..... في الريسبش فين بالظبط؟
قالت الأخيرة لتنتبه نحو الأخرى وهي تلوح لها بكفها، بركن ما تقف به، بجوار امرأة غريبة عنها.
خطت إليها صبا، وفور ان اقتربت منهن، التقطتها مودة قائلة بلهفة:
بقالي ساعة بشاورلك يا مجنونة، توك ما واخدة بالك؟
ردت صبا مستغربة:
واديني خدت بالي وجيت يا ستي، سحباني ورايحة بيا على فين؟ مش احنا ماشين ياما؟
ايوة يا ستي ماشين، بس استني اعرفك الأول.
سألت صبا قبل ان تقف بها الأخرى امام نفس المراة التي رأتها منذ قليل، لتعرفها:
شوفي يا بقى دي صبا صاحبتي، وانتي يا صبا، دي ميرنا صاحبتنا الجديدة هنا في الفندق.
هي دي صبا.
غمغمت بها الأخرى داخلها، وهي ترمقها بأعين خبيرة مقيمة، لتقول بابتسامة تجيدها:
اهلا يا صبا، انا اتشرفت بيكي اوي.
صبا هي الأخرى لم تكن اقل منها، فنظام الملابس التي ترتديها والزينة المبالغ فيها جعلت شعور بعدم الارتياح يكتنفها على الفور من هيئة الأخرى، لتصافحها بأطراف اصابعها على مضض ترد باقتضاب:
اهلا تشرفنا.
تفاجأت ميرنا بعجرفة صبا في التعامل معها، حتى توقفت الكلمات بحلقها، وتولت مودة المهمة:
ميرنا دي يا صبا اجدع واحدة قابلتها في الفندق هنا، طيبة اوي واتصاحبنا بسرعة....
قاطعت استرسالها صبا بحدة سائلة:
شغالة في قسم ايه؟
انا....
شغالة في البار بتاع الفندق هنا.
قالتها مودة لينقلب وجه صبا فقالت بتجهم ملحوظ:
يا اهلا بيكي تشرفنا يا...
انسة ميرنا، مش ياللا بقى.
توجهت بالاخيرة نحو مودة التي تمتمت بإجفال:
هاا.
انا هسبقك عند الاتوبيس.
قالتها صبا على عجالة قبل ان تتحرك وتتركهن بدون استئذان، تطلعت مودة في ظهرها بصدمة لعدة لحظات، قبل ان تستأذن بحرج من الأخرى:
اا معلش يا ميرنا، ما انتي عارفة بقى اتوبيس الفندق، ممكن يمشي ويسبنا، عن اذنك.
اتفضلي يا قلبي طبعًا.
قالتها ميرنا بابتسامة مصطنعة حتى ذهبت الأخرى راكضة تلحق بالمتعالية صديقتها، لتتبعهما بأنظارها، حتى تفاجأت بعدي نفسه والذي كان يدلف الفندق عائدًا من الخارج، وتركزت انظاره على الأولى، فتبسمت هي بسخرية متمتمة:
دا الباشا باينه وقع ولا حدش سمى عليه!....
رواية و بها متيم انا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم امل نصر
كفاية يا إبراهيم، يا إبراهيم كفاية.
يووه وبعدين بقى.
كانت تردد بمقاومة ضعيفة، تحاول فك ذراعيه عنها، تبتعد بوجهها عن مرمى قبلاته والتي كانت تجد طريقها على عنقها وجيدها حتى الزرارين المفتوحين في أعلى العباءة.
مع ازدياد جرأة اللمسات شعرت بالخطر، فاشت「دت قوتها حتى دفعته عنها ليسقط على مجموعة من أشولة الحبوب.
ما قولتلك كفاية يا أخي الله.
بأنفاس لاهثة ووجه متعرق تطلع إليها بذهول وعدم تصديق.
يخرب بيتك، إيه اللي انتي عملتيه ده يا بت؟
هتفت بدفاعية أمامه وهي تعدل من هيئتها التي بعثرها هو.
إيه يا عنيا؟ بوقفك قبل ما تتمادى أكتر من كده، ولا انت عايز تضيعني؟
ابتلع ريقه يلملم شتات نفسه هو الآخر بأن أخرج سيجارة وأشعلها يخرج فيها غيظه، فتابعت إليه بلهجة أخف.
إيه؟ كل ده مكفكاش للصلح؟
ارتفع طرف شفته يناظرها بعدم رضا، قبل أن يقول.
وانتي بقى مسمية إن ده صلح؟
شهقت لتتخصر بعباءتها السمراء تقول مستنكرة.
أمال انت تسميه إيه بقى يا عنيا؟ جايالك برجلي لحد عندك في المخزن اللي في ضهر دكان أبوك، يعني ممكن أي حد يشوفني، وساعتها تضر سمعتي، ده غير ال......
توقفت بقصد ملمحه عما حدث منذ قليل، ثم تابعت.
ولا انت كمان هتنكر.
بنظرة وقحة مرر عينيه على معالم الأنوثة لديها والبارزة بوضوح رغم العباءة السمراء، الشيء الوحيد الذي يجذبه بها، فقال بمكر وهو ينفض رماد سيجارته.
لا مش هنكر يا أمنية، بس ده يجي إيه بقى جنب كرامتي اللي بعترتيها على باب شقتكم، لما خلتيني أروح واقفًا يقمر عيش، واتهمتيني إني عايز أسوء سمعتك، انتي بقى شايفاني كده! وأنا اللي جاي أطمن وأسلم عليكي.
تاني يا إبراهيم!
هتفت بها بسأم لتزفر وتردف بتعب.
واحنا مش أصلحنا خلاص، ده انت زليت أمي عليها وعذبتني عذاب، وأنا أتصل وأترجى وقلبك القاسي غير بجملة وحيدة بعد ده كله: "لو عايزاني تعاليلي المخزن" وأديني جيت و.... أرضيك بإيه تاني؟
على طرف لسانه كان يود أن يخرج ما يدور برأسه ويحتاجه منها الآن، ولكنه تمالك ليجيب بخبث وتروي في انتظار المنفعة.
هو انتي ليه محسساني إني وحش أوي كده؟ مع إنك أكتر واحدة عارفة إني هممني المصلحة، وعارفة إني خطبتك مخصوص عشان أجيبلك حقك من اختك الحرامية اللي سارقاه، عايز أبقالك ضهر بدل ما انتي وأخواتك وخالتك كده عاملين زي الشحاتين عندها، وهي تعبي في كرشها من مال أبوكي، يا بت ده أنتو بتخدموا بلقمتكم عندها.....
أنا مبخدمش حد.
هدرت بها بوجه أظلم بالكره والحقد تتابع.
أنا قاعدة زي الست في بيت أبويا، ولا يهمني شهد ولا حتى ألف غيرها.
رقص حاجبيه ليكيدها بقوله.
بس أمك بقى شغالة خدامة عندها، هي وأخواتك، ولا هتقدري تنكريها دي كمان؟
امتقع وجهها وتبدلت ملامحها للقهر وتصيح به.
انت عايز إيه يا إبراهيم؟
تبسم بشيطانية وقد أسعده تأثير كلماته عليها، فقال.
يعني هعوز إيه يا ختي؟ أنا بس كنت برد عليكي، أديكم شفتوا أهو، خير أبويا زايد ومغطي، المخزن متعبي بالبضاعة يعني مش محتاجلك، أنا بس شفقان عليكي عشان محبش الظلم.
ردت تمتم بمسكنة وهي تعدل بحاجبها.
ربنا موجود بقى، هو اللي بيخلص الحقوق، ما أنا لو أمي ناصحة كانت لمت الليلة من أولها، خدت حقنا منها، لكن تقول إيه بقى....
قاطعها بقوله.
طب ما تشتغلي انتي معاها عشان تعرفي تجيبي حقك وحق أخواتك منها.
اعترضت باستهجان مرددة.
انتي عايزاني أنا أشتغل؟ لا يا حبيبي أنا متحملش شغل ولا قرف، هي ناقصة تعب وهدة حيل وكمان حر وشمس يأثروا على بشرتي ولا جمالي.
بابتسامة جانبية ساخرة، ردد خلفها.
لا وانتي جمالك مقطع الدنيا.
توقفت بنظرة غاضبة تحدجه قائلة.
هو انت قصدك تتريق عليا يا إبراهيم؟
سمع منها واعتدل مستقيمًا ليجيب وهو يتجه نحو الباب الخارجي للمنزل.
لا يا ختي ولا أقول ولا أعيد، أنا بس مستغرب كلامك وخوفك الزيادة ده على نفسك ولا هيئتك، مع إن أختك يعني أهي بقالها سنين في الكار بتاع ده اللي استلمتوا أصغر منك ومع ذلك لسة بخيرها ومتغيرش فيها غير حبه السمار اللي غطوا وشها الأبيض من الشمس وبرضوا حلوة.....
قال الأخيرة مشددًا عليها وهو يحاول في قفل الباب الكبير، حتى انفتح والتف إليها، فوجدها متغضنة تعوج فمها بامتعاض مرددة.
حلوة! بقى بعد كل المرار اللي شايفينه ده منها، بتقول حلوة.
تنهد بغيظ يقول بقرف.
وإيه دخل ده بده؟ أنا بتكلم ع الشكل بطلي غباوة.... ويالا بقى هوينا أطلعي عشان أنا كمان أطلع، قبل ما أتخنق.
ابتعلت الإهانة بمعاملته الجافة معها تلقي بنظرة نحو الشارع الذي كان خاليًا فقالت قبل أن تغادر.
طب متنساش بقى تتصل بيا بعد ما توصل الدكان.
مش هنسى يا ختي.
تمتم بها لتذهب من أمامه ويتابعه بعينيه حتى وصلت إلى الشارع الرئيسي واختفت به، ليأخذ أنفاسه ويخرج هو أيضا، يغمغم بحنق وهو يغلق الباب من الخارج.
قال جمالها وبشرتها، فاكرة نفسها السفيرة عزيزة المحروسة!
في غرفة المكتب الصغير، كانتا الاثنتان على يجلسن على الأريكة القديمة المتهالكة يتناولان بنهم في الأطباق البلاستيكية الطعام الحارق، وأصوات الضحكات تصل إلى خارج الغرفة.
اممم، الله يخرب بيتك وبيت اللي يأمنك على أكله، بوقي اتحرق يا زفتة.
صرخت بها شهد بأعين تدمع وكفها تضرب على جدار الحائط بجوارها، والأخرى تقهقه بتسلية ولا تستطيع التوقف، فصاحت بها متابعة.
يا بت الشطة حرقت بقي، أوقفها إزاي؟
أجابتها لينا من بين ضحكاتها.
أوقفي الأكل يا أمي، وصاحبتك هتقوم بقى بالواجب متخفيش، أنا هتخلص ع الاتنين عادي أوي معايا.
كمان، بجاحة ولكي عين تطمعي في اللي في إيدي، ده انتي على كده قاصدة بقى؟
أجابت بهز رأسها وضحكة منتشية ترتسم على ملامح وجهها وتقول.
آه بصراحة يا صاحبتي، أصل الكشري المرة دي يجنن بجد.
عقبت شهد ساخرة تردد.
كشري! ودا بقى فيه كشري! ده بقى شطة بطعم الكشري، ربنا يحميكي لشبابك، أنا معدتك اتحرقت.
كانت لينا تتناول بتلذذ لتزبد من غيظها وهي التي تتناول ملعقة وتتوقف دقائق، حتى تستطيع تتناول الأخرى، فرغم المعاناة كانت تستمتع هي الأخرى.
أنهت طبقها لينا لتضعه الفارغ في سلسلة المهملات القريبة منها، فقالت لشهد بامتنان على طريقتها.
مرسي إزاي يا شهد ع العزومة الجميلة دي، الواحد كان محتاج جرعة الحرارة، وأنه يشعر بلذة الألم في......
في مصارينه.
قالته شهد مقاطعة لها لتضحك الأخرى وهي تسقط بجسدها بجوارها، وتقول بموافقة.
هو فعلا كده.... عرفتي تعبري ع اللي جوايا يا شهد.
سمعت لتقول بدهشة ترافق ابتسامتها.
أقسم بالله انتي الناس مغشوشة فيكي، اللي يشوفك من برا بشكلك ولا لبسك الخوجاتي ده، ميفتكرش أبدًا إن ذوقك كده على فكرة.
بكفيها الإثنان فركت لينا على شعر رأسها الكستنائي لتسقطه أمامها ثم تعيده للخلف بجنون، قائلة.
أنا عارفة نفسي كويس I am special، (أنا مميزة) حطيها قاعدة في دماغك دي يا صاحبتي.. يعني لازم أكون مختلفة عن كل الناس.
ارتفع حاجبي شهد وانخفضا سريعًا، لتعقب ضاحكة.
انتي مش مميزة يا قلبي، انتي مخك ضارب.
وضعت لينا قدمًا فوق الأخرى لتقول بزهو.
حتى مع دي، برضوا مميزة.
همت شهد أن تستمر بمناكفتها، ولكن صوت الهاتف منعها، تناولته لتجيب بدون أن تركز في الرقم.
الووو... إزيك يا شهد...
سمعت الأخيرة لتجيب بارتباك وقد علمت بهوية المتصل.
أهلًا ست مجيدة عاملة إيه؟
جاءها الرد بصوت عاتب.
كويسة يا ستي، بس لازم يعني أنا أتصل عشان تسأليني.
ردت شهد بحالة شديدة الحرج.
أنا آسفة والله يا ست مجيدة لو كنت مقصرة في السؤال بالتليفون، بس ربنا العالم، أنا كل ما أشوف البشمهندس حسن بسأله عنك وأسأليه بنفسك.
في الناحية الأخرى تبسمت الأخرى بملء فمها، وقد أعجبها ردها، فهمت أن تزيد بدلالها ولكنها توقفت على صوت السعال الخفيف وتبعه قول شهد وهي تخاطب شخصًا ما بجوارها.
لينا، إزازة المية والنبي.
إيه لينا؟!
غمغمت بها مجيدة ثم انتظرت قليلا، حتى ارتشف شهد من الماء، لتخاطبها.
هنيئًا يا قمر.
الله يهينيكي يا حجة.
قالتها شهد لتجفلها مجيدة بقولها.
هو انتي قاعدة فين دلوقتي يا شهد انتي وصاحبتك؟
تطلعت شهد بدهشة نحو صديقتها وهي تجيبها.
أنا قاعدة في مكتب الشغل، وصاحبتي معايا، بس انتي عرفتي منين إن لينا صاحبتي؟
تجاهلت مجيدة الرد ع السؤال، وقالت تزيد من دهشتها.
بقولك إيه أنا ليا عندك حق عرب، عشان قولتلك اعزميني عندك وانتي معبرتيش.
والله يا حجة أنا.....
متكمليش يا شهد، أنا مش بضغط عليكي، أنا بس عايزاكي تصالحيني.
تعرقت شهد بشدة، فكلمات مجيدة المفاجئة لها، مع حرارة الكشري، جعلت الاضطراب يبدوا جليًا على ملامح وجهها، حتى انتبهت لها لينا لتناظرها باستفهام، فهتفت لتلوح لها بكفها للانتظار، قبل أن تجيب.
طب انتي عايزاني أصالحك إزاي يا ست مجيدة؟
ها إيه رأيك بقى؟
قالتها ميرنا وهي تدلف لداخل الملهى والذي كان فارغًا من رواده، سائلة الأخرى التي كانت تجول معها بعينيها بانبهار على شيء حولها لتردد ضاحكة بلهاء.
رأيي في إيه بس؟ ده عامل زي اللي بنشوفه في التلفزيون، لأ ده مش زي، ده أحلى كمان....
ضحكت ميرنا لتجلس على أحد المقاعد واضعة قدم فوق الأخرى تزيد من انبهار مودة لتسألها بفضول.
لكن انتي بتقدمي الخمرا وتقعدي مع الزباين تفتحي أزايز؟
أفتح إيه؟
تفوهت بها الأخرى لتطلق ضحكة مجلجلة، حتى لفتت انتباه رجل البار الأجنبي، قبل أن يعود لمواصلة عمله في ترتيب طاولة البار أمامه وتنظيفها، ثم اردفت.
يا بت افهمي، أنا شغالة نادلة، يعني أقدم الطلبات وبس، انتي في مكان محترم يا بنتي، الحاجات اللي بتقولي عليها دي، تحصل في الأماكن اللي برا مش هنا.
اومأت مودة بتحريك رأسها، فقالت بأسف.
طب معلش بقى سامحيني لو كنت غلطت، أنا مفهمش أوي في الكلام ده.
تبسمت ميرنا وهي تجذبها لتجلس على الكرسي المقابل لها، فقالت.
انتي طيبة أوي يا مودة، وأنا عمري ما أزعل منك عشان الصفة دي اللي عندك بالذات، عكس صاحبتك دوكها، يا ساتر.
قصدك مين؟ صبا؟
آه هي صبا دي، متقنعة ورافعة مناخيرها كده لفوق، بتسلم عليا بطرف صوابعها بقرف، ليه كده يعني؟ بصراحة أنا زعلت منك يا مودة لما عرفتيني عليها.
قالتها بلهجة عاتبة أثرت في الأخرى لتقول.
والله ما متنقعرة، هي بس شايفة نفسها عشان أبوها مدلعها أكمنها آخر العنقود، ده غير إن حالته كويسة مش مخليها محتاجة حاجة، مشافتش الغلب زي حالتنا ولا اتمرمطت من شغلانة لتانية دي حتى الوظيفة اللي مسكتها دي، جاتلها كده بالواسطة من الأستاذ شادي اللي أخته تبقى جارتها.
أردفت الأخيرة ببؤس فقالت الأخرى تدعي الشفقة عليها.
يا حبيبتي، ده انتي باينك شقيتي وتعبتي أوي، لهو انتي معندكيش أخوات ولا أب يصرف عليكي زي المحروسة دي.
مصمصت بشفتيها تصدر صوتًا لتقول.
يا حسرة، إنه أخوات ولا أنه أب؟ ده أبويا مشافش وشي من ساعة ما اتولدت، طلق أمي وهي حامل بيا، المسكينة فضلت تعافر عليا وعلى تربيتي لحد ما ماتت وأنا عمري تلتاشر سنة، وسابتني مع ستي بقى نناقر في بعض، أنا قليلة الحظ في كله أساسًا.
أبدت لها ميرنا ملامح متأثرة بشدة عكس ما كان يدور برأسها، فهذه الفتاة نكاد أن تشبّهها في الظروف، لكن باختلاف الطباع والمظهر، فميرنا رغم كل الظروف التي مرت بها كيتيمة تربت في ملجأ وكان جمالها هو سبب شقائها في البداية نظراً لطمع الرجال بها، لتكن عرضة للاستغلال منذ صغرها، قبل أن تعي جيدًا لتستغل هي هذه الصفة بحنكة تعلمتها مع قسوة الزمن، لتستعمل ذكائها جيداً في جلب المال بعدم الاستهانة بإمكانياتها، فلا تستسلم أو تكن متاحة للجميع، لا بل كانت تترقى في هذا المجال رويداً رويداً، حتى صارت كجارية الملوك، ثمنها غالي وسعرها أغلى.
هو أنا صعبت عليكي لدرجادي؟
قالتها مودة حينما طال الصمت وقد أقنعتها ملامح الأخرى بذلك.
أخفت ابتسامتها ميرنا لتقترب نفسها نحوها قائلة.
بقولك إيه يا مودة، انتي دخلتي قلبي بجد، وأنا بقا عايزاكي تفتحي قلبك معايا وتقولي كل اللي في نفسك، أنا أكبر منك والدنيا علمتني بكتير أوي عنك، يعني هفيدك بجد.
أومات مودة رأسها بلهفة فتابعت الأخرى.
يالا بقى احكيلي عن نفسك أكتر، وقوليلي إزاي اتعرفتي باللي اسمها صبا دي.
خرجتا الاثنتان من خارج المصعد، لتحط أقدامهن على الطابق المنشود، فقالت لينا التي كانت تفور وتغلي بداخلها.
أنا مش فاهمة، إيه اللي خلاني أوافقك وأجي كمان على بيت معرفوش ولا أعرف حد فيه، ده إيه العبط ده؟
تبسمت شهد تجيبها همسًا.
وأنا كمان والله ما فاهمة إيه اللي خلاني أوافقها، بس انتي شوفتي بنفسك زنها، وإزاي قدرت تلفني بذوقها.
ضحكت لينا ساخرة تقول لها.
قال وبيقولوا عليكي مقاول قال، ده انتي طلعتي خيبة.
يمكن أكون خيبة صح، بس بصراحة بقى هي صعبت عليا لما قالت إنها وحيدة ونفسها نيجي ونونسها، أهو نجبر بخاطرها وخلاص.
قالتها شهد وقد اقتربت من باب الشقة، لتوقفها لينا تقول بحذر.
هما دقيقتين وبس، وهمشي وأسيبك بعدها لو فضلتِ قاعدة، أنا مش ناقصة كلمتين في جنابي من طارق ولا يسلط عليا والدتي.
اومأت لها شهد برأسها بموافقة، قبل أن تضغط على الجرس في الخارج، فلم تنتظر كثيراً حتى وجدت مجيدة تفتح لها بابتسامة من الأذن إلى الأذن مرحبة بلهفة.
حمد الله ع السلامة يا قمر، نورتوني.
تبسمت لها شهد تتقبل عناقها والترحيب الحار، قبل أن تتركها وتذهب الأخرى قائلة بأعين متوسعة.
هي دي بقى لينا؟
قالت ولم تكد تكملها حتى أجفلت الأخرى تخطفها بعناق آخر وتقبيل على الوجنتين مرددة.
يا ختي عليكم وعلى حلاوتكم، نورتوني يا بنات، نورتوني.
على مقعده بوسط البهو الضخم يباشر التحضيرات ويمارس عمله بالتحدث عبر الهاتف وبالحاسوب، وعينه تجول بلا هوادة في انتظارها، في انتظار رؤيتها، وقد تيبست قدماه منذ الصباح، ليظل محله، لا هو بقادر على الذهاب إلى عمله ولا هو بقادر على الذهاب نحو الغرفة القابعة بها، رغم أن عملها يحتم عليها الآن عدم الجلوس في مكتبها إلا للضرورة، إذن ماذا يمنعها.
أيوه يا كارم، هاجي يا بني متقلقش........ يا سيدي عارف بميعادنا متقلقش....... يا عم نتابع الشغل من الفندق، ما انت عارف إن عندنا حفلة ضخمة....... لازم أباشر كل حاجة بنفسي طبعًا........ يا سيدي أنا مهتم المرة دي وعايزها تبقى حدث عالمي، أقفل بقى عشان جايلي عميل مهم.
أنهى مكالمته سريعًا فور أن انتبه عليها، وأخيرًا رآها.
كانت قد خرجت على ميعاد البريك الخاص بالموظفين في هذا الوقت بعد أن أنهت جزءًا كبيرًا من العمل، حتى أصاب الصداع رأسها، تبحث عن مودة التي اختفت عنها ولم تتصل كعادتها بها منذ الصباح، وصلت إلى بهو الفندق، فتقابلت عينيها بهذا المتغطرس جالساً في الجهة القريبة منها يرتشف من فنجان قهوته وأمامه الحاسوب على الطاولة الصغيرة، فالتفت رأسها بضيق، وقد أصبحت تراه كثيراً وبشكل متكرر هذه الأيام، في نفس المكان القريب من الجهة التي تذهب وتجيء بها نحو غرفة عملها، تشعر بغربة في هذا الفندق الذي يبدو كمدينة بسكانها، وهي لا تجد راحتها سوى في هذه الغرفة التي تجمعها بجارها الغريب... شادي!
أشرق وجهها بمجرد رؤيتها له يتحدث مع أحد الأشخاص، لم تدري بنفسها وهي تتقدم بخطواتها حتى هتف باسمه منادية.
مستر شادي.
قالتها فالتفتت الرؤوس نحوها، حتى إذا انتبه هو استأذن سريعاً من الرجل ليقابلها في نصف المساء، ثم أشار لها على أحد الزوايا حتى توقفا بها ليجيبها بغيظ.
مالك يا صبا، بتندهي ليه قدام الناس كده؟
أسدلت أهدابها عنه وقالت بحرج.
آسفة لو أحرجتك.
تمتم بالاستغفار يهدأ من فوران صدره الذي يغلي مع انتباهه للنظرات المصوبة نحوها، وتمالك ليرد بلهجة لينة بعض الشيء.
لا مفيش إحراج ولا حاجة، أنا بس استغربتك لما ندهتيني فجأة كده، هو انتي كنتي عايزاني في إيه؟
رفعت عينيها الجميلتين إليه لتأسره في النظر إليهم، فلم ينتبه جيداً لما تقوله.
مش عايزة حاجة شخصية، بس أصل حضرتك مش باين من الصبح ودي مش عادتك.
لوح برأسه أمامها باستفسار حتى تعيد ما قالته وقد ذهب تركيزه بلا رجعة.
يا فندم بسألك، انتي ليه مجتش مكتبك من الصبح؟
ابتسامة جانبية اعتلت ثغره وقد أسعده قولها، حتى ولو كان المقصد يختلف تماماً عما يتمناه بداخله، فتحمحم، ليجيبها برزانة تختلف تماماً عن الصخب الذي يدور بداخله.
أنا مش فاضي من الصبح يا صبا زي ما انتي شايفة كده، بدور زي النحلة في كل حتة عشان ترتيبات الحفل، ما انتي عارفة.
عارفة طبعًا، وده اللي مخليني مضايقة عشان أنا دوري إني أكون معاك في الترتيبات والتعب ده، لكن انت....
لا يا صبا.
هتف بها يقاطعها بحدة متابعاً.
مية مرة أقولك، انتي خليكي في الشغل الإداري، أنا مطلبتش مساعدتك غير في دي وبس؟
طب ليه حضرتك؟
من غير ليه؟
أردف بالآخيرة ملوحاً بكفه أمامه لتقطع الجدال، كتمت زفرة احتقان أمامه، لتتكتف بغيظ مرددة.
تمام يا فندم زي ما تحب.
أخفى داخله بصعوبة ابتسامة بتسلية، وقد بدت أمامه كالطفلة المتذمرة، بعد أن أزاحت بنظارها عنه لا تقوى على أن تخفي ضيقها منه، فقال يناكفها.
هتعملي زي العيال الصغيرين بقى لما يزعلوا؟
عادت لترفع عينيها أمامه، مشيرة بسبابتها نحوها بتساؤل.
أنا برضو بعمل زي العيال الصغيرين؟ ليه بقى؟ عملت إيه إن شاء الله؟
قالتها بانفعال زاد من تسليته، وزادت ابتسامته مع عودتها لكنة الجنوبية، حتى كاد أن ينسى وضعه بوسط البهو، ولكن الأعين الفضولية حولهم جعلته ينتبه، فقال مغيرًا دفة الحديث.
انتي فطرتي النهاردة يا صبا؟
رغم استغرابها لتبدل الحديث فجأة، ولكنها ردت بالنفي بهز رأسها، فتابع هو.
طب بقولك إيه؟ أنا عن نفسي هموت من الجوع، اسبقيني ع المكتب وأنا هجيب لنا كام سندوتش نفطر بيهم.
اعترضت على الفور.
لا طبعًا متجيبش، أنا أساسًا مليش نفس.
طب مش عايزة كوباية شاي تقيلة، زي اللي بتشربيها دي كل يوم؟
تبسمت هذه المرة موافقة، فقال مستطرداً بهدوء.
تمام يا ستي، اسبقيني بقى وأنا هاجي بالسندوتشات والشاي.
تاني سندوتشات.
امشي الله يخليكي.
قالها بحزم مزيف رغم ابتسامته، لتذعن وتنصرف من أمامه بابتسامة هي الأخرى نحو غرفتها بالعمل، لتشعل حريقًا بناحية قريبة، داخل قلب هذا الذي كان يراقب من محله، بتركيز شديد لكل همسة وكل كلمة تتبعها ابتسامة، لينفث غضبه مع دخان السيجارة التي بدلها بفنجان القهوة، فيُشيعها بأنظاره حتى اختفت. رأسه تشتعل بالأفكار التي تجعله يلعن موقعه الذي يقيده عن التصرف بحرية، وما يود فعله الآن.
حسم فجأة ليتناول هاتفه ويتصل عليها.
أيوه يا ميرنا انتي فين؟........ ومرزوعة عندك بتعملي إيه مع البت دي؟........... طب خلصي معاها وتعالي بلغيني بكل حاجة.
تشعر بالفرح، لا بل هي تود الرقص حتى تتعب وتتعب أقدامها، رؤية الفتاتين معها وداخل الشقة وما تلمسه بإحساس الأم نحوهن يجعلها تجزم أن هذا هو الاختيار السليم.
ما تدوقي الكيك يا لينا، مبتأكليش ليه؟ هو انتو مش عاجبكم الطعم يا بنات؟
قالتها بإلحاح لم تكف عنه منذ أن أجلستهم بصحبتها في غرفة المعيشة، التي تقضي بها معظم وقتها.
ردت شهد بابتسامة صادقة.
والله يا ست مجيدة طعمه حلو، احنا بس اللي مش قادرين ناكل أي حاجة دلوقتي؟
قارعتها تقول بعدم تصديق.
ومش قادرين ليه بقى؟ يعني مش كفاية مردتوش تتغدوا معايا، حتى الحلو مش قادرين عليه.
تدخلت لينا هي الأخرى تقول بذوق رغم استغرابها يللموقف كله.
يا حجة احنا اتغدينا قبل ما نيجي، انتي ساعة ما اتصلتي، شهد كانت بترد عليكي وعلبة الكشري في إيدها.
كشري!
قالتها مجيدة بابتسامة، قبل أن تتابع.
ما شاء الله، باين عليكم مرتبطين أوي ببعض، هو انتوا أصحاب من امتى؟ معلش يعني لو بسأل، أصلي بصراحة بقى أنا ارتحتلكم قوي يا بنات.
تبسمت لها الفتاتين وردت شهد تجيبها.
احنا أصحاب من زمان قوي، يعتبر متربيين مع بعض، رغم إن لينا تسكن في حتة راقية شوية، وأنا في منطقة شعبية، لكني بصراحة صداقتنا بدأت من ابتدائي، والست والدتها كان ليها فضل كبير عليا بحنانها بعد وفاة أمي الله يرحمها.
سألتها مجيدة بتأثر.
هي أمك ماتت من امتى يا شهد؟
أجابتها شهد بصلابة اكتسبتها مع مرور السنين.
والدتها توفت وهي في رابعة ابتدائي، متحملتش الولادة، ماتت هي والجنين.
بأعين غائمة تهدد بتساقط الدموع رمقتها مجيدة بإشفاق، فقالت لينا بلهجتها المرحة.
مالك يا ست مجيدة؟ إجمعي كده، أمال لو تعرفي بقى إن أبويا وأخويا حصلوا والدتها بعد كده بشهور في حادثة عربية هتقولي إيه؟
توقفت تناظرها بعدم تصديق تسألها.
معقول! انتي بتتكلمي جد؟
ضحكت لينا ومعها شهد التي خشيت أن تفهم المرأة خطأ.
ودي حاجة هيبقى فيها هزار يا ست مجيدة، احنا بس بنتعايش مع الدنيا، وبنضحك على همنا بدل ما يكسرنا، ما هو كل شيء برضوا بأمر الله.
سمعت مجيدة تردد خلفها.
ونعم بالله يا حبيايبي، ربنا يخليكم لبعض.
تمتمتن خلفها.
أمين يارب.
ثم انتفضت فجأة لينا مستئذنة.
طب احنا يدوبك بقى نمشي يا طننت.
نهضت خلفها شهد أيضا، لتتبعهم مجيدة باعتراض.
كده على طول؟ ودا اسمه كلام؟ هو انتو لحقتوا تقعدوا؟
بررت لها لينا باعتذار.
والله ما أقدر، أنا متأخرة أساساً عن اجتماع ضروري في الشركة اللي بشتغل فيها، ده أنا ممكن آخد جزاء أساساً.
عبست مجيدة لتنقل بأنظاره نحو الثانية.
وانتي كمان يا شهد ممكن تاخدي جزاء؟
ردت شهد بتشتت واحراج.
لا طبعًا مفيش بس لازم أمر وعندي شغل متكوم...
قاطعتها مجيدة بوجه بائس تقول بصوت ضعيف.
ده أنا ملحقتش أقعد معاكم دقيقتين، يعني يا ربي، مكتوب دايماً كده عليا الوحدة.
قالتها بمسكنة أثرت في الفتاتين ليتبادلن حديثاً بالأعين وتفاهم، جعل لينا تقول أخيراً.
خلاص يا خالتي متزعليش، شهد هتقعد معاكي شوية، وأنا بقى أبقى أعوضها بمرة تانية.
بعد قليل
وبعد أن تركت شهد مع المرأة خرجت لينا في المصعد، في الطابق الأرضي وقد كانت في طريقها نحو باب الخروج قبل أن توشك على الاصطدام بأحد الأشخاص، والذي ارتد على الفور مردداً بالاعتذار.
أنا آسف معلش.
رفعت عينيها بغضب مرددة بغيظ.
طب وقبل ما تتأسف بقى، مش تاخد بالك من خطوتك، بدل ما تدخل كده زي القطر السريع.
توقف أمين ليخلع عن عينيه النظارة السوداء، يتحقق جيداً من صاحبة الصوت وقد عرفها من هيئتها، ويبدو أنها هي أيضا عرفته لأنها توقفت تناظره بتحدي، حتى سألها بدهشة.
انتي إيه اللي جابك هنا؟
تخصرت لتجيبه ببرود عكس ما يدور بداخلها نحوه.
وانت مالك؟ كانت عمارتك هي ولا ده بيت أهلك!
رواية و بها متيم انا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم امل نصر
بشعور من الفرح يغمرها، حتى أنها كانت لا تقوى على كبت ابتسامة ارتسمت على ملامح وجهها، لدرجة انتبهت إليها والدتها وهي تتابعها من وقت أن عادت من الخارج لتلج لداخل المنزل حتى جلست بالقرب منها بوسط الصالة، تلقي التحية بنعومة غريبة عنها وهي تتكئ على الوسادة الصغيرة خلفها بأريحية.
"مساء الخير يا ماما، عاملالنا إيه بقى أكل النهاردة؟"
"مساء الخير يا قلب أمك، خرجتي من غير ما تدي خبر، كنتي فين بقى؟"
قالتها نرجس تفيقها من حالمية تكتنف مشاعرها من وقت أن تركته، وأثر لمساته عليها ورائحة عطره التي اختلطت برائحة التبغ مازالت تعبث برأسها فتجعلها وكأنها في عالم آخر، فصدر صوتها بهدوء وعدم تركيز.
"يعني هكون فين يعني؟ عند واحدة صاحبتي طبعًا، لقيت نفسي مخنوقة، وقولت أفك وأغير مودي شوية بدل الحبسة."
عقبت نرجس بلهجة ساخرة ممتزجة بغضبها.
"وفكيتي بقى يا حبيبتي عن خُلقك، ولا زادت عليكي الغلب زي أهلك ما بيعملوا معاكي؟"
انقلب وجهها فجأة واحتدت عينيها لتهتف بغضب نحو والدتها.
"إيه يا ست الحبايب؟ هو انتي هتتريقي عليا ولا إيه؟ ولا يكون صعبان عليكي إنك تشوفيني في مرة فرحانة!"
انتفضت نرجس خشية من فورة غضب ابنتها وعصبيتها المخيفة بالأساس دائمًا معها، وخرج ردها بتردد.
"يا ختي أنا لا بتريق ولا عايزة أنكد عليكي، أنا بس بسألك، تاني مرة متخرجيش من غير ما تقولي، أنا مش ناقصة خوف وقلق، دا غير إن أختك لو عرفت هتعملها حكا..."
قاطعتها أمنية تجفلها بصرختها.
"طب خليها تكلمني بس، عشان أكون مطلعة عليها القديم والجديد، هي فاكرة نفسها راجل البيت بحق ولا إيه؟ قال سكتنالوا دخل بحماره...."
انعقد لسان نرجس وتخشبت محلها بفزع لا تقدر ولا تقوى على الاعتراض، فهذه عادتها مع ابنتها تخشى من غضبها أو أنها أجبن أن من توجهها.
***
"وانت مالك؟ كانت عمارتك هي ولا دا بيت أهلك؟"
سؤالها الحاد بهيئتها النارية المنفعلة أمامه، كان وحده كفيل أن يضحكه، ولكنه تمالك بصعوبة ليقارعها.
"انتي يا بنتي مجنونة؟ مالك انتي إن كنت أنا صاحب العمارة أو حتى من أهل البيت، حضرتك جايا تعملي عندنا بحث اجتماعي بقى؟"
زادت شراستها لتهدر به أمام حارس البناية الذي كان يقف متسمرًا بدهشة بالقرب منهم.
"انت كمان ليك نفس تهزر ولا تقلش يا جدع انت؟ بقولك إيه ابعد عن وشي الساعة دي، أنا خلقي في وروحي مناخيري دا وقت."
حاولت أن تتخطاه ولكنه تصدر بجسدها أمامها، بسماجة ليوقفها قائلًا.
"مش لما تجاوبي على سؤالي الأول، انتي كنتي عند مين في العمارة هنا؟"
صاحت به بتهديد.
"واضح إنك إنسان مستفز، وأنا أقسم بالله لو ما اتحركت دلوقتي لكون مبلغة عنك الشرطة والبسك مصيبة، شاهد يا عم انت؟"
هتفت بالأخيرة نحو حارس البناية الذي هم أن يتكلم ولكن أمين أوقفه بنظرة محذرة، ليتلجم الرجل بعدم فهم، فقال الآخر.
"أنا هبعد يا آنسة من غير تهديد ووعيد، بس سؤال معلش، هو انتي لما تبلغي البوليس عني، إيه بقى التهمة اللي هتلبسهالي؟"
"إنك متحرش، وساعتها بقى أقل ظابط في القسم هيروقك، يكفي ولا تحب أزود أكتر؟"
كبت بصعوبة ابتسامة مستترة وتحرك قليلًا لينزاح من أمامها، قائلًا باستسلام.
"لا وعلى إيه؟ هو أنا ناقص تهم باطلة ولا ظباط يحفلوا عليا، اتفضلي يا آنسة."
رمقته بنظرة متعالية تتمتم قبل أن تذهب وتغادر.
"أيوه كدة، ناس تخاف متختشيش."
تابعها حتى خرجت من البناية نهائيًا، ثم التف نحو الحارس سائلًا.
"متعرفش بقى، دي كانت عند مين في العمارة؟"
نفى الرجل بتحريك رأسه مرددًا.
"لا والله يا باشا ما أعرف، شكلها دخلت وقت ما كنت أنا بصلي."
***
بمزاج رائق، يتبختر بخطواته واضعًا كفيه في جيبي بنطاله القطني، وفمه في الأعلى يصدر صوت صفير بلحن، والده الذي كان جالسًا على كرسيه العتيق خارج وكالته (وكالة الحاج عابد الورداني للعطارة) يدخن من ذراع الشيشة الممسك بها، واليد الأخرى تمسك بالهاتف الذي كان يتحدث به.
"يا ولية بقولك قدامي أهو، راجع وكأن على رجله نقش الحنة، عيل تنح ومعندوش دم........... بس يا ولية مسمعش حسك تاني، اقفلي يلا، خلينا نبص لأكل عيشنا، هو أنا مواريش غير المحروس ابنك ولا إيه؟"
كان إبراهيم قد وصل في الأخيرة وعابد الورداني ينهي المكالمة، فتكلم بتخمين.
"أمي دي اللي بتتكلم معاها صح؟"
كركر عابد في وعاء المياه الزجاجي ثم زفر الدخان من طرف فمه، وهو يضع الهاتف على الطاولة قبل أن يرد بقرف.
"أيوه يا خويا أمك اللي قارفاني ليل ونهار بالسؤال عنك يا حيلتها، وكأنها بتدور على تايه، مش شحط طويل عريض زيك."
من تحت أسنانه التي كان يكز عليها بغيظ، تمتم هامسًا.
"وطي صوتك شوية يا حج عابد، الزباين على باب الوكالة داخلة طالعة، مش كل مرة تسمعهم كلامك ده."
"نعم يا خويا، وأنا بقول إيه بقى؟ هو أنا شتمتك؟ أنا بس برد على سؤالك، وأعلق على سؤال أمك عنك، كنت فين ياد؟ تغيب وتختفي ومحدش يعرفلك طريق، دا بدل ما تمسك ولا تشيل الدكان اللي مشغل فيها الغريب، عشان معنديش اللي يسد عني، وكأني مخلفتش."
زفر إبراهيم باحتقان صدره ليجلس على الكرسي المقابل، معاودًا الرد بتحذير.
"يابا متحرقش دمي الله يخليك، أنا مش عايز أرد ولا أتعصب عليك قدام الناس، ولا هي حكاية وكل يوم هنكررها؟ كل يوم أقولك، مليش أنا في شغل العطارة والكلام اللي ميجبش همه ده، لزومه إيه بقى التقطيم ده؟"
"عندك حق، مالوش لزوم اللت ولا العجن في موضوع منهي أساسًا، الضرب في الميت حرام أساسًا، المهم بقى يا غالي قفل عن كلام الهبل اللي يحرق الدم، أنا مش ناقص ضغطي يعلى ع الصبح، بتتنكر لكار أبوك وتقول ميجبش همه، على أساس إن الصياعة هي اللي هتجيب الفايدة معاك."
"يووه"
هتف بها إبراهيم مقاطعًا، لينهض بعنف جعل الكرسي يرتد للخلف، وهو يتابع.
"أنا ماشي وسايبهالك خالص، عشان تستريح."
مصمص عابد خلف ظهره يغمغم بكلمات مسموعة ومعلومة لأذن الآخر من كثرة سماعها.
"هو دا اللي فالح فيه، تاكل وتشرب وتقعد ع القهوة بخيبتك التقيلة وخيبتني أنا قبلك في الخلفة اللي تعر، قال اسمه واد وشايل اسمي قال! يا ريتها كانت خلفت دكر بط أحسن منك، آه لو كانت شهد هي اللي بنتي، آه دا الخلف صح، بت لكن بمية راجل من عينتك."
سمع منه لتشتد خطوته، ويسرع بالابتعاد عنه متمتمًا بسخطه.
"المحروسة وسيرة المحروسة، مش هخلص أنا من الذل ده بسببها، يكش تولع هي وكل اللي له صلة بيها، عشان أخلص منها وسيرتها بقى."
***
"كل دا مع البنت دي يا ميرنا؟ بتعملي إيه معاها دا كله؟"
هتف نحوها فور أن ولجت إليه بداخل الجناح الخاص به، بنبرة حادة أجفلتها في البداية، قبل أن تستدرك سريعًا لتجيبه بمهادنة.
"يعني هكون بعمل إيه بس يا باشا، مش بتعرف عليها زي ما انت قولتلك."
استشاط غيظًا ليصيح بها، وهو يضرب بكفه على ذراع الكرسي الجالس عليه.
"أنا قولت صبا، صبا، مش الزفتة دي، ما لي أنا بيها دي."
ردت تدافع بتبرير.
"أيوه يا باشا، عارفة والله عارفة، بس إيه اللي هيجيب رجل دي غير دي."
"يعني إيه؟"
سألها باستفهام، وجاء ردها بلكنة تزيد من هدوئها لامتصاص غضبه.
"يعني حضرتك، أنا بصاحب مودة وأتعرف عليها لجل ما أتعرف على صبا وأتعرف على شخصيتها من خلالها، عشان أعرف سكتها وأختار الطريق اللي هدخلها منه، حكم دي بت شايفة نفسها ومش سهلة في التعامل زي مودة، انت مشوفتهاش ما اتعرفتنا على بعض، سلمت عليا بطرف صوابعها، ومدتنيش فرصة حتى أكلمها."
ردد خلفها بتفكير.
"يعني مش سهلة لأي حد!"
لمعة عينيه في نطقها جعلت شعور غير مريح يتسرب إليها، رغم استرسالها والمتابعة.
"دا اللي أنا شوفته وفهمته من حكاوي صاحبتها عنها، لكن بقى الله أعلم، مش يمكن تكون هي بنت واعية وبتعرف تخبي أمورها، أنا أعرف بنات كتير أوي من العينة دي."
عاد لانفعاله مرة أخرى يهدر.
"هي فزورة! ما تخلصيني يا بقى ميرنا في الموضوع ده، ولا أنقلها أنا عندك وأريح دماغي."
رددت من خلفها ضاحكة وكأنه قال مزحة.
"تريح فين يا باشا؟ دي أهلها صعيدة، وقبلوا يوظفوها هنا بالعافية، بوساطة من جارهم اللي اسمه شادي اللي حسب ما سمعت إنهم واثقين فيه."
صمت وصوت أنفاسه الحارقة تهدر بصخب، لينهض عن كرسيه يعطيها ظهره، لقد شعر من البداية أنها مختلفة، حتى جمالها مميز عن غيرها، وكأنه يخصها وحدها، وهذا ما جذبه نحوها، ولكنه في المقابل، يكتشف كل لحظة مدى صعوبة القرب منها، رغم أنها أمام عينيه وتعمل تحت أمره، ولكن وضعه يقيده عن الاقتراب منها، يعلم مدى صعوبة ما يدور برأسه وما يريده، حتى التعارف البسيط لا يجد له فرصة أيضًا معها.
"ما تشغلش نفسك يا باشا، أكيد هنلاقي معاها."
التف إليها سائلًا.
"عندك الطريقة."
"لأ بس كل حاجة بتيجي مع الوقت، وانت عايز كل حاجة في يوم ولا يومين، الصبر شوية يا باشا..."
قالتها لتكمل بمغزى.
"وعلى ما يحصل اللي انت عايزه، إحنا برضو تحت أمرك يا باشا ودايمًا جاهزين."
صمتت تناظره بإغواء وكفها ارتفعت لتلامس ساعده العريض من فوق قماش قميصه، نزعه سريعًا يقول بضيق.
"اطلعي يا ميرنا وسيبني دلوقتي."
همت أن تجادل ولكنه أوقفها.
"بقولك اخرجي يا للا أنا عايز أغير هدومي ورايا شغل مهم."
ابتلعت صدمتها في أول رفض منه لها، لتذعن لأمره وتخرج على الفور، وبداخلها شعور متعاظم، أنه لن يكون الأخير، مدام عقله قد تعلق بهذه الفتاة.
***
"كنتي حلوة أوي النهاردة بلبس الرياضة."
"تجنني."
"أكيد قريتي تعليقي على المنشور النهاردة واستفزك زي ما استفز العديد من معجبينك، واللي دخلوا شتموني كالعادة، بس أنا برضوا هفضل أنتقدك لحد ما تردي زي المرة اللي فاتت."
"ردي."
"عارفك متغاظة ومخنوقة مني، بس أنا برضوا مش هسكت، ما هو أنا ميتحرقش دمي لوحدي، أنا بغلي من جوا كل ما افتكر عدد الناس اللي بتتفرج على المكشوف من جسدك أو جو هدوم لازقة فيه أو محدداه."
"أنا بغير، بغيييير."
"جوزك الغبي مييفهمش معني الكلمة دي؟"
إلى هنا واكتفت من القراءة لنص العدد من الرسائل التي يبعثها هذا المعتوه، ينقدها على العام وفي الرسائل يتحفها بكم الرسائل الملتهبة، منذ أن أخطأت وردت في أول مرة وهو لم يكف بعدها، حتى بعد الحظر، دخل إليها من حساب آخر، إنه جيد جدًا في التكنولوجيا، وهي ضعيفة عن حتى عن الرد بقسوة أو تكرار الحظر، لا ترد ولكن تشاهد رسائله بفضول قاتل، يتغزل بها، يظهر غيرته الشديدة عليها حتى من الملابس التي ترتديها، يشبعها كلمات من الغزل لا تجدها من زوجها، سوى في الأوقات الحميمية، لا تجدها منه بدون عرض، لا تجدها من أجل العشق أو الحب الخالص.
كم هي تعيسة فهذه الكلمة بمعناها الحرفي تبتعد عن محيطها منذ سنوات، من وقت أن ضحت بأسرتها وشقيقتها من أجله.
"سرحانة في إيه؟"
انتفضت مجفلة على فراشها الذي كانت مستلقية عليه بنصف نومة وقد قطع صوته الحاد شرودها، أجلت حلقها لترد التحية وهي تعتدل بجذعها قليلًا، مبعدة الهاتف للناحية الأخرى من التخت.
"مساء النور يا حبيبي."
بوجه جامد متجهم كان يخلع سترته، ثم جلس ليقول وهو يخلع الحذاء أيضًا.
"جهزي نفسك بعد يومين، عدي عزام عامل حفلة كبيرة للفندق، بمناسبة مرور خمسين سنة على إنشاؤه، الحفل هيحضره نجوم المجتمع والفن."
"بس أنا محدش بعتلي دعوة."
"هتيجيلك."
قالها باقتضاب وهو ينهض ليفتح في أزرار القميص الأبيض، بملامح متعبة وكأنه يقاوم النوم، وعقبت هي.
"طيب انت جاي تنام ولا أخلي الشغالة تحضرلك الأكل؟"
أشار بكفه متمتمًا.
"أنا داخل آخدلي شاور وهطلع أغير البدلة عشان عندي مشوار مع عميل مهم."
أوقفنه قبل أن يصل لحمام إلى غرفته.
"كارم، هو انت شوفت الفيديو اللي نزلته النهاردة؟ إيه رأيك في اللي كنت لابساه؟"
التف إليها بملامح نزقة يجيب.
"ماله اللي كنتي لبساه؟ جميل يا رباب جميل."
أنهى كلماته استدار نحو وجهته على الفور، لتظل هي على تختها بتفكير في عبارة قرأتها منذ قليل، وما زالت تتكرر في عقلها.
"أنا بغير، بغيييير."
"جوزك الغبي مييفهمش معني الكلمة دي؟"
***
على سطح مكتبه وصنية صغيرة وضعها فوقه، كان يتناول من أطباقها الطعام وعيناه في الناحية الأخرى لا تمل من مراقبتها مستغلًا تركيزها في العمل، والذي أنساها طعامها هي الأخرى.
"افطري يا صبا الشغل مش هيمشي."
ردت بإصرار خاطفة نظرة سريعة نحوه.
"أنا من الأول جولت مش جعانة، كمل انت فطورك."
"وأنا جيبت أكل يبقى من الزوق إنك تقبلي ومتكسفنيش."
استطاع بجملته البسيطة التأثير بها، لتتوقف عما تفعله، والتفت إليه، تقول بحرج.
"مش موضوع كسوف والله، بس أنا محبش آكل برا البيت."
بابتسامة خفيفة زاد على قوله.
"بس أنا سبت كل حاجة وجيبت أكل ليكي وليا، يعني ع الأقل قدريني ودوقي منه واستطعمي، ولا انتي مبتحبيش أكل الشيف منصور؟"
التمعت عينيها لتشير بسبابتها نحو أطباق الطعام أمامها.
"دا بجد؟ يعني الأكل ده بتاع الشيف منصور فعلاً؟"
أومأ لها بأجفانه مشجعًا.
"أيوه هو فعلاً، دوقي بقى وقولي رأيك، عشان لو عندك انتقاد، أروح أبلغه وأفرح فيه."
بابتسامة رائعة تشجعت لتتناول بالملعقة الصغيرة أحد الأصناف المشهورة عن الرجل، وبداخل فمها استطعمت بها لتقول بمرح.
"جميل، تسلم إيده بجد!"
ختمت لتتبعها بعدة معالق بعدها تتلذذ بالطعم الرائع، وتدخل بقلبه هو البهجة برؤيتها لتقبلها لشيء منه، كما أنها أصبحت تهديه بعض مفرداتها الجنوبية بدون أن تقصد.
بعد لحظات رفع رأسه إليها يسألها.
"صبا هو انتي اتعرفتي على مودة دي إزاي؟ وهي جيرانا في الشارع التاني؟"
أجابت بهزة من كتفيها.
"متعرفتش، دي هي اللي عرفتني بيها، بعد ما جينا وسكنا في المنطقة، كانت شغالة في محل هدايا وأدوات مكياج، وأنا كنت بشتري منها، مرة في مرة الكلام أخد بعضه وزادت معرفتي بيها، خصوصًا لما بجت تزورني في بيتنا."
"طب وانتي مالك بالمكياج؟ هو انتي محتاجة؟"
غمغم بصوت خفيض، قبل أن ينتبه لسؤالها.
"لكن انت بتسأل ليه؟"
تحمحم بصمت لحظات بتفكير وهو يتلاعب في طعامه، قبل يحسم قائلًا.
"مش عايزة أبقى بحشر نفسي، بس أنا بصراحة مستغرب صدقاتكم، فرق الشرق والغرب ما بينكم، وأنا هنا مقصدتش الشكل ولا التعليم، أنا أقصد الشخصية نفسها."
"ما لها الشخصية؟"
سألته بتوجس ليجيبها على الفور وبدون تردد.
"خفيفة يا صبا، مش تقيلة بتعرف توزن الأمور زيك، أي حد يكلمها تهزر معاه وتاخد عليه بسرعة، فهماني يا صبا؟"
"فهماك والله."
قالتها بنبرة أسعدته بداخله، وأضافت.
"يمكن عشان تربيتها وحيدة، وشغلها اللي نزلته من وهي صغيرة، هي طيبة بس عايزة اللي بوشها، وأنا بحاول والله دايمًا، اصل بحس إني مسؤولة عنها."
قاطعها بحدة.
"مفيش حد مسؤول عن حد يا صبا، انتي صاحبتها وواجبك إنك تنصحيها وبس، خدت بالنصيحة يبقى تمام، مخدتش يبقى مع نفسها بقى، وتشوفي انتي نفسك بعيد عنها، ماشي يا صبا."
نصيحة لها بهذه الطريقة لم يكن في مخططه، لكن ما فاجئه وأسعده هو أنها تقبلت لتوميء له برأسها، ولم تعترض على تدخله.
***
على الطاولة المميزة في المطعم الفاخر وبعد انتهى من المفاوضات مع العميل الأجنبي وشريكته، كانا يتناولان معهما عشاء عمل ومائدة ارتصت عليها العديد من الأصناف، ببذخ وإسراف، في جانب وحدهم استغل كارم انشغال الرجل مع شريكته لينفرد بالآخر وحديث بالهمس.
"مالك؟ وشك مقلوب من أول القعدة؟"
زفرة ساخطة كتمها الآخر بصعوبة ليجيب الآخر، وفمه بلوك الطعام بغير شهية.
"مخنوق وقرفان، وحضرت المقابلة دي غصبن عني عشان تعرف."
خطف كارم نظرة نحو الشريكين فالتقت أنظاره بالمرأة التي شيعته بابتسامة وهي ترتشف من كأسها، بادلها بواحدة مثلها، قبل أن يعود للآخر ليرد.
"حتى لو كنت مخنوق برضوا متبينش، دا انت مولود في السوق يا عم عدي، هو أنا اللي هقولك ولا أفهمك."
التوى ثغر الأخير، فمزاج العكر لا يحتمل نصائح أو حتى حديث عادي، فتابع كارم.
"بلاش الوش الجامد ده، أنا مش عايز أخنقك ولا أزيد عليك، أنا عايزك تنبسط يا عم، خلي بالك أنا جاي وأنا تقريبًا جسدي هلكان تعب من الشغل، لكن مع ذلك أهو مع فرحتي بإنجاز صفقة مهمة كدة، بقى عندي طاقة أكمل للصبح، خصوصًا وأنا شايف الترحيب في عيون العملا."
قال الأخيرة بمغزى نحو المرأة التي لا تكف على مغازلته بنظراتها.، انتبه عدي ليخاطبه بتحذير هامس.
"إيه يا كارم، إنت مش بتقول تعبان برضوا ولا أنا سمعت غلط؟"
"يا سيدي مسمعتش غلط بس كمل الجملة، أنا قولت تعبان وبرضوا عندي طاقة أكمل للصبح."
تبسم عدي ساخرًا يعقب.
"مفيش فايدة فيك، قلبك الجامد ده، على قد ما بيعجبني في أوقات كتير، لكن برضوا بيخوفني."
"لا يا باشا متخافش، إحنا بنوطد العلاقات بين الدولتين، وبنعمق جذور التفاهم."
استجاب عدي هذه المرة لمزحته حتى صدر صوت ضحكته، ليتنبه عليه الشريك الآخر، ليوميء له بابتسامة رافعًا كأسه له بتحية، رد الرجل برفع كأسه هو الآخر.
فعقب كارم.
"اديك ضحكت أهو، كمل بقى السهرة معانا وانت تفك وتنسى."
عاد إليه عدي يقول بشرود فيما يشغل عقله.
"أنسى إيه؟ هو أنا لسه ابتديت عشان أنسى؟ دماغي مشغولة في شيء.... مشكلتي إني مش لاقي الطريقة عشان أوصله رغم كل الهيلمان اللي أنا فيه."
***
في اليوم التالي.
خرج حسن بجسد منهك يجر أقدامه جرا حتى جلس يشارك شقيقه على مائدة الإفطار.
"صباح الخير يا سعادة الظابط."
رد أمين التحية بابتسامة رائقة.
"صباح الهنا يا بشمهندس، إيه يا عم؟ نايم للساعة تسعة."
"ولسة برضو ما فوقتش؟"
برأس ثقيل قال حسن.
"أعمل إيه بس يا عم؟ امبارح كان يوم مشحون بالحسابات والتعامل مع المقاولين في المشروع الجديد، يلا بقى مش عايز أزعجك."
بلهجة غامضة أردف الآخر.
"آه وأنا أقول يا عم، إيه سبب التأخير والهدوء الغريب ده، عشان كدة."
ضافت عيني حسن واهتزت رأسه باستفسار، التقطه الآخر ليهمس بخبث مستغلًا غياب مجيدة في هذه اللحظة تسقي النباتات في الشرفة.
"أنا قصدي عشان الخناقة."
"خناقة إيه؟"
سأله حسن ليقترب الآخر منه برأسه يقول.
"أنا بصراحة كنت متوقعك تعمل خناقة مع ماما، بعد ما تعرف إنها اتصلت بشهد امبارح، وجابتها هنا في البيت."
"شهد كانت هنا في البيت امبارح؟"
قالها بعدم تصديق وصوت عالي جعل شقيقه يتابع همسه بتحذير.
"يا جدع اسمع بقى ومدخلنيش في حوار مع مجيدة."
جز حسن على أسنانه يردد بهمس واعصابه تغلي كما البركان.
"ماشي يا أمين، قول، قول يا حبيبي وفهمني."
على الفور استجاب الأخير بابتسامة متسلية يقول.
"أصل أنا يا سيدي عرفت الموضوع ده امبارح بالصدفة، كنت راجع بدري عن ميعاد شغلي، قوم بقى أتفاجأ إن بيتنا الطاهر ده، فيه أنثى غير الست والدتك. أينعم هي لابسة زي الرجالة، بس أنثى."
قال الأخيرة بغمزة بطرف عينه، ليتلقى جزاءه على الفور بقبضة قوية على ساعده من حسن يأمره بصوت خشن.
"لم نفسك وبلاش تفاصيل مستفزة."
"حاضر حاضر."
رددها بطاعة ليردف.
"المهم يا سيدي أنا طبعًا سلمت بكل أدب واحترام والست والدتك عرفتها عليا وعرفتني عليها، ساعتها بس عرفت إن هي دي المقاول شهد، وعرفت وقدرت بصراحة نظرة والدتك."
دفعه حسن بغيظ جعله يقهقه خلفه بضحك، وقد نهض الآخر عن مقعده يهتف مناديًا بصوت عالي.
"يا ماما يا ست الناظرة؟ ممكن تيجي هنا لو سمحتي مش عايز صوتنا يوصل للجيران، يا ماما."
"إيه يا زفت انت مالك في إيه؟"
هتفت بها مجيدة بدورها وهي تخرج إليه من الشرفة، لتكمل بخطواتها حتى وصلت إليهم، ليستقبلها بسؤاله.
"هي شهد كانت امبارح هنا صح يا ماما؟"
ألقت مجيدة نظرة خاطفة نحو أمين الذي ادعى انشغاله في الطعام لتتمتم بتوعد.
"ماشي يا ابن الفتانة."
قالتها ثم التفت لحسن تجيبه بعدم اكتراث كعادتها وهي تجلس على مقعد المائدة.
"آه يا حبيبي كانت هنا امبارح، انت إيه دخلك بقى؟"
ردد إليها باحتقان.
"أنا إيه دخلي يا ماما؟ يعني لما أترفد من شغلي بسبب عمايلك، هيبقى دا برضوا كلامك ساعتها؟"
شهقت أمامه لتقول باستنكار.
"اسم الله يا غالي، وإيه جاب سيرة الشغل بقى؟ أنا كنت قاعدة مع صاحبتي، بتدخل نفسك ليه انت، وشغلك معانا."
"يا ماما بلاش أسلوبك ده، بلاش تعصبيني."
صاح بها بغضب حقيقي وتدخل أمين.
"يا جماعة أنا مش عايزكم تتخانقوا وكل حاجة تيجي بالتفاهم."
"إخرس يا واد."
هتفت بها مجيدة تقاطعه بحدة، ليذعن لها الأخير مرددًا بأدب.
"حاضر يا ست الكل."
صاح بها حسن.
"يا ماما ارجوكى بقى، بلاش تتصرفي من دماغك، عايزة تعزميها أنا مش معترض، بس اللي بطلبه إن منك، إن كل حاجة تبقى بعلمي، متختمش على قفايا كدة كل مرة."
"اسم الله عليك يا حبيبي وعلى قفاك."
عقبت لتزيد من غيظه والآخر بجوارها لم يعد قادرًا على كبت ضحكاته، حتى شاركته هي نفسها الضحك، ليصيح بهم حسن بنفاذ الصبر.
"هتجنوني انتو الاتنين هتموتي ناقص عمر."
"بعد الشر عليك يا قلبي."
عقب بها هذه المرة أمين، فهم أن يهجم عليه لينفس به عن غيظه، ولكن رنين الهاتف منعه، ليضطر للرد مع رؤيته لرقم المتصل باستغراب.
"الو... أيوه يا عبد الرحيم طالبني ليه في حاجة؟"
وصل صوت الآخر بلهفة تثير الجزع.
"الو يا بشمهندس، تعالي بسرعة الحقنا، الموقع حصل فيه مصيبة."
"مصيبة إيه اللي يخرب بيتك؟"
بصوت لاهث قال عبد الرحيم.
"عبيد عامل النصبة حضرتك، كان معدي جمب المبني اللي شغالين فيه العمال يوصل طلبات، العمال كانو لسة بيقولوا يا هادي، فجأة وقع قالب طوب من واحد منهم، نزل على دماغه ومحدش منطق."
"يخرب بيتك يعني مات؟"
"والله ما أعرف، إحنا لميناه من ع الأرض سايح في دمه وجرينا بيه ودلوقتي إحنا في طريقنا للمستشفى، أنا بلغت الست شهد عشان تسبقني ع هناك، وقولت أبلغ حضرتك كمان."
"ماشي يا عبد الرحيم، اقفل دلوقتي وتبعتلي اسم المستشفى في رسالة وأنا جاي حالا وهحصلكم، سلام."
أغلق وخطأ يعدوا سريعًا نحو غرفته، حتى إنه لم ينتبه للإجابة عن أسئلة شقيقه ودعوات والدته التي فزعت برعب.
"هو إيه اللي حصل بالظبط يا حسن؟"
"جيب العواقب سليمة يارب، استر يارب."
***
بخطواته السريعة وصل إلى القسم المذكور وأمام غرفة العمليات التقى عبد الرحيم مع عدد من العمال أتوا بملابس العمل صافحهم على عجالة قبل أن ينفرد به سائلًا.
"إيه آخر الأخبار دلوقتي؟ حصل إيه مع عبيد؟"
أجاب عبد الرحيم.
"لسة على أعصابنا والله يا بشمهندس، إحنا أول ما جينا دخلنا بيه طوارئ، فحوصات وأشعة وبلاوي زرقا، وفي الآخر قرروا يدخلوه غرفة العمليات حالا، الست شهد مضت ع الإقرار، وادينا في انتظار خروجه."
"طب هي فين شهد دلوقتي؟"
"هناك أهي."
قالها عبد الرحيم وهو يومئ بذقنه نحو الجانب الآخر، حيث كانت واقفة مستندة بظهرها على الجدار الأبيض خلفها، بأعين زائغة ووجه مخطوف، وصل إليها سريعًا يبادرها بقوله.
"مالك يا شهد؟ شكلك مش طبيعي."
التفت برأسها إليه صامتة فتابع بقلق.
"هو انتي خايفة لتجراله حاجة لا قدر الله؟ أكيد مسؤوليته مش هتبقى عليكي، دا يبقى قضاء الله وقدره."
"متقولش كدة الله يخليك."
قالتها مقاطعة له، لتكمل بجزع.
"دا عيل صغير، يدوب مكملش سبع عشر سنة، وحيد أمه على بنتين متجوزين."
اصفرار وجهها وهذه الرعب المرتسم عليه، جعله يشعر وكأن يدًا بشربة تقبض على قلبه، بألم يفوق احتماله، قلقًا عليها، يود احتضانها ليمتص خوفها، يزرع داخلها أمانًا تفتقده، وقد زاد عليه هذا الحادث.
"أنا جيت متأخر ومشفتوش وهو غرقان في دمه، قالولي إنه كان شكله يخوف وميبنش أبدًا إنه بخير، يا خوفي ليروح فيها يا خوفي."
ظلت تردد وتغمغم بها عدة لحظات حتى خرج الطبيب من حجرة العمليات، ركضت إليه سريعًا تسأله.
"إيه الأخبار دلوقتي يا دكتور؟ في أمل إنه يعيش؟"
بملامح مجهدة ووجه متعرق، أجابها الطبيب على عجالة قبل أن يكمل طريقه.
"الأمل في الله وحده، ربنا كريم ادعوله."
تسمرت محلها بعدم فهم لتنقل بعينيها نحو حسن الذي حاول طمأنتها بقوله.
"إن شاء خير يا شهد، الحاجات دي بتبقى معقدة وعايزة وقت على ما تبان النتيجة."
فُتح باب الحجرة فجأة ليخرج ممرضي المشفي بالسرير النقال الذي يحمل عبيد بحالته الصعبة، التف أصدقائه حوله وتوقف حسن محله يراقب شهد التي تخشبت محلها وأنظارها معلقة نحو الفتى حتى اختفى من أمامه بذهابه إلى غرفة العناية الفائقة، تكلم حسن خاطبها.
"شهد كفاية كدة وتعالي أروحك."
لم تجيبه بل ظلت على حالها في الشرود وكأنها غائبة عن الوعي، تابع لها بقلق يزداد لحظة بعد لحظة ليرطقع بأصابعه أمامها.
"يا شهد، أنا بكلمك أرجوكي ردي عليا."
في هذه اللحظة التفت إليه لتلتقي عينيها بخاصتيه، بنظرات مشتتة، قبل أن تجفله فجأة بسقوطها الذي تداركه سريعًا ليتقطها قبل أن تصل إلى الأرض، ثم رفعها من أسفل ركبتيها ليحملها على ذراعيه يصرخ على مساعده بجزع.
"شوف لنا دكتور يا عبد الرحيم، هات لنا دكتور بسرعة."
رواية و بها متيم انا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم امل نصر
بالقرب من البناية التي تقطن بها، توقفت سيارة الأجرة الجماعية، لتترجل منها، فوقعت عينيها على مساعد شقيقتها الذي كان خارجًا منها مهرولًا بخطواته.
هتفت به توقفه وقد اقلقها هيئته:
- عبد الرحيم استني هنا.
التف إليها الأخير وتوقف ينتظرها حتى اقتربت لتسأله:
- هو انت كنت عندنا فوق؟
- اه يا ست رؤى، أصلي كنت جاي أطمنكم على الست شهد لا تقلقوا على غيابها.
رددت خلفه بتوجس:
- تطمنا على غيابها! ليه هي مالها شهد؟ وايه اللي يخليها تغيب؟
بدا على وجه عبد الرحيم الحرج، مما زاد على رؤى بالشك لتعيد السؤال بقلق:
- ما تقول يا عبد الرحيم، ما لها اختي؟ أنا خرجت من المدرسة على الدروس، يعني من الصبح غايبة عن البيت، اختي مالها؟
تكلم يخاطبها بمهادنة، حتى لا يزيد عليها:
- اهدي بس اهدي وخليني أفهمك، شهد اختك كويسة والحمد لله، المشكلة حصلت عندنا في الموقع، عامل النصبة اللي شغال معانا بقاله سنين، حصلتله حادثة، وهي بس عشان قلبها رهيف مستحملتش فوقعت من طولها......
- اختي أنا وقعت من طولها؟
هتفت بها مقاطعة فتابع لها يستطرد بعفويته:
- يا ست افهمي، هي بس حصلها تعب في أعصابها...
- اختي أعصابها تعبانة؟
قاطعته للمرة الثانية بجزع ارتسم على ملامح وجهها حتى أشفق عليها، وحاول طمأنتها ولكنها بدت وكأنها تعلم ما حدث بقولها:
- هي شافت الحادثة بعينها عشان كده تعبت صح؟
- لا والله ما حصل، هي بس شافته وهو خارج من أوضة العمليات راحت وقعت من طولها.
قالها بغرض تهدئتها ولكن ما حدث هو أن زاد من ارتياعها، لتصيح به:
- اختي فين دلوقتي؟ وديني عند أختي يا عبد الرحيم.
تنهد بتريث يجيبها:
- يا ست رؤى افهمي أنا جيت أبلغ الست والدتك عشان آخدها معايا على المستشفى لو حبت، بس اختك أمنية قالتلي امشي واحنا هنحصلك، يعني مينفعش آخدك لوحدك، منظرها مش حلو، شوفيهم فوق لو حابين اتصلي بيا وأنا أجيب تاكسي وآخدكم معايا.
توقف ليتحرك قبل أن يستأذن:
- أنا في بيتنا يا ست الكل، هاتشطف بسرعة عشان أغير هدومتي وأكل لقمة، لو عايزة زي ما قولتلك، رني عليا بس، الرقم عندك في التليفون.
ذهب عبد الرحيم والتفت هي مسرعة نحو منزلهم، حتى، إذا وصلت هناك هتفت بوالدتها التي فتحت لها الباب:
- ماما انتي لسة قاعدة بهدوم البيت؟ مخرجتيش ليه مع عبد الرحيم يوديكي عند شهد؟
تلجلجت نرجس قليلاً بتوتر قبل أن تجيبها:
- يا بنتي ما أنا رايحة أهو على ما اختك تجهز وتخلص، هو انتي عرفتي اللي حصل لشهد منين؟
أجابتها رؤى تردف على عجالة وهي تدلف لداخل المنزل:
- أنا قابلت عبد الرحيم وهو نازل من عندكم وقالي، المهم يلا بقى خلصونا، يا أمنية، يلا يا أمنية...
ردت الأخيرة وهي تخرج لها من الغرفة:
- أيوه أيوه، يلا إيه بقى؟ هو إحنا رايحين فسحة؟
تفاجأت رؤى وهي تجدها بملابس المنزل هي الأخرى، تضع الهاتف على أذنها وتتحدث بهدوء، لتصيح بها:
- هو انتي كمان لسة ملبستيش؟ امال امتى هتجهزي زي ما قالت والدتك؟ بلاش برودك ده دلوقتي يا أمنية، عايزين نلحق نطمن على شهد.
بملامح ممتعضة ردت أمنية:
- وأنا يا اختي مانعت ولا اعترضت؟ ما قولنالك رايحين، بس بقى بالأصول، عشان أنا واحدة مخطوبة، ولازم أستأذن خطيبي الأول، قبل ما أتحرك خطوة من البيت، هو محرج عليا في كده.
صرخت رؤى تخرج عن طورها الهادئ:
- تستأذني خطيبك على مشوار اختك اللي وقعت في المستشفى ومحدش فينا معاها؟ ليه؟ كان كاتب كتابه، ده حتى لو كان برضه في حاجة زي دي، مش عليكي حرج.
اهتزت بجسدها المكتنز لتقول بأعين متهربة:
- برضه مينفعش أنا لازم أستأذن.
بوجه محتقن وأعصاب على وشك الانفجار خاطبتها رؤى:
- ماشي يا ست المطيعة خلصينا بقى ونهيلي اتصلي، مستنية إيه؟ ولا التليفون أصلاً على ودانك بيعمل إيه؟
ردت أمنية بصوت مرتبك:
- ما أنا بحاول من ساعة ما مشي الواد ده اللي اسمه عبد الرحيم، بس إبراهيم لسة ما بيرودش، باينه نايم بقى ولا إي.......
- كممممممان.
صرخت بها رؤى لتتابع بعدم احتمال:
- عايزة تنتظري لحد أما يصحى الباشا ولا يتكرم ويرد عليكي، لا بقى ده ما سموش برود، دي التناحة بعينها..
تحركت بخطواته تردف:
- أنا رايحة لعبد الرحيم، رايحة معايا يا ياما؟
اضطربت حدقتي نرجس وذهبت أنظارها نحو أمنية التي ضيقت عينيها بتحذير، لكن رؤى كانت أقوى في صيحتها:
- اتحركي بقى يا ماما، هو انتي لسة هتستني الهبل ده؟ بنتك عايزة تستنى المحروس بتاعها، يبقى مع نفسها، لكن انتي مينفعش قعادك أكتر من كده، يلا يا ماما.
أتى التوبيخ بنتائجه على نرجس التي ركضت بخطواتها سريعًا حتى دلفت لغرفتها مذعنة لأمر رؤى، والتي وقفت تتبادل حرب النظرات مع أمنية الساخطة، بعد أن أفحمتها بحزمها وقوة شخصيتها، رغم صغر سنها، وفرق العديد من السنوات بينهن.
❈-❈❈
صراخ وعويل، رجال ونساء حولها يناظرونها بشفقة، وهمسات وكلمات عديدة لم تفهم منها شيء، وهي مصرة أن تتخطى وتقتحم داخل المنزل المكتظ بالبشر، حتى دلفت لداخل الغرفة الحبيبة فذهبت بعينيها نحو الفراش لتجد أمامها جسد مستلقي عليه دون حراك مغطى نصفه بملاءة بيضاء، والنصف الأعلى مكشوف، لتكمل بأنظارها على الجلباب المغبر، ثم الوجه المغرق بالدماء؛ والأتربة تغطي معظم ملامحه، و..... لقد علمته!.... إنه هو.... هو ... باباااا ......
صرخة قوية شقت حلقها، والصور القبيحة والمؤذية تتداخل أمامها ببشاعة وكأنها بداخل هوة سحيقة تبتلعها، يختفي بها كل شيء إلا من صوت ضعيف يأتي من بعيد ويقوى شيئًا فشيء:
- شهد، فوقي يا شهد، شهد شهد.
خرجت الأخيرة بقوة تتنزعها من ظلمتها، لتجد وجهه أمامها، بجزع يردد لها:
- هو انتي كنتي بتحلمي؟ يا شهد أنا بكلمك.
كانت تتنفس بصعوبة وأعين جاحظة على ملامح ملتاعة، جعلت قلبه يسقط داخل صدره، يردد لها:
- يا شهد فوقي وكلميني ولا أروح أندهلك الدكتور.
- دكتور إيه؟
همست بها لتستعيد وعيها أخيرًا وترى الصورة جيدة، داخل الغرفة ذات الجدران البيضاء، إبرة مغروزة على ظهر كفها، موصولة بأنبوب طويل لمحلول معلق في أعلى العمود الرفيع بجوار التخت النائمة عليه، وهذا المدعو حسن مائلاً بجسده نحوها، ومازال يخاطبها بقلق:
- انتي واعية دلوقتي عشان تكلميني؟ ولا أجيب الدكتور زي ما قولتلك؟
نفت برأسها، واستدركت لتتمالك وتعتدل بجزعها على الفراش الطبي، لتحاول بيأس السيطرة على ارتجافها والذي فضحه صوتها المهزوز:
- هو أنا إيه اللي حصلي؟ وليه المحاليل والرقدة هنا على سرير المستشفى؟
تحمحم حسن بعد أن اطمأن قلبه قليلًا بعودتها وتناول المقعد القريب ليجلس بالقرب من تختها ويجيبها:
- المحاليل والرقدة هنا في المستشفى، ده بأمر من الدكاترة، بعد انتي ما أغمى عليكي.
رددت خلفه متسائلة بعدم تذكر:
- أغمى عليا؟ أنا أغمى عليا طب ليه؟
- الكلام ده حصل بعد ما شفتي عبيد وهو خارج من أوضة العمليات يا شهد.
قالها حسن ليجد انعكاس كلماته على ملامحها التي تغضنت بتأثر تغمض عينيها بألم، وكأن تذكرها لعبيد أعاد عليها ذكرى أبشع....
سألها حسن يجفلها:
- شهد هو انتي إيه اللي خلاكي افتكرتي والدك؟
زادت بإغماض جفنيها لعدة لحظات صامتة، حتى جاء ردها في الأخير برفض:
- ممكن ما تسألنيش السؤال ده؟ عشان بصراحة لا أنا عايزة ولا قادرة أرد.
تطلع بعينيها وهذا الرجاء بهما ليرى جرحها الغائر والذي تحاول جاهدة أن تخفيه خلف قشرة صلبة بهيئة الرجال حتى لا يرى أحد ضعفها، تنهد حسن بثقل ما يشعر به تجاهها في هذه اللحظة، وقال مهونًا:
- خلاص يا شهد مش هسألك، أنا بس هقولك تهدي شوية عشان تقدري تستعيدي صحتك مرة تانية.
- صحتي! ليه هو أنا عندي إيه بالظبط؟
سألته بجزع وعينيها زاغت بتوتر، فقال حسن:
- ميروحش فكرك لبعيد يا شهد، أنا أقصد الضغط على أعصابك، الكلام ده هو اللي خلاكي تقعي من طولك النهاردة، والدكتور اللي فحصك نبه على الحكاية دي، انتي أعصابك تعبانة يا شهد ولازم تستريحي.
تجعد جبينها لتسأله بعدم فهم:
- أستريح إزاي يعني؟ هو أنا مش هقوم دلوقتي بعد ما أخلص المحلول ده.
تحركت رأسه بنفي أمامها يردف:
- لا يا شهد، الدكتور أمر إنك تباتي الليلة في المستشفى، ولما تروحي بكرة تستريحي في بيتكم كمان.
اعترضت وهي تحاول أن تنزع إبرة المحلول من كفها:
- خلاص يا عم يبقى أستريح في بيتنا أحسن، هو الموضوع مستاهل.....
أوقفها بمسك يدها الحرة قبل أن تتمكن من فعل ما برأسها العنيد ليهدر بها بحزم:
- اسمعي الكلام بقى، بلاش استهتار، الدكتور أمر يبقى تنفذي وانتي ساكتة.
برغم توترها من فعلته، وقرب وجهها منه، إلا أنها أصرت على عدم الطاعة بقولها:
- يأمر براحته، وأنا بقى محدش يمشي عليا، سيب إيدي يا حسن.
لأول مرة تلفظ اسمه بدون اللقب المهني له، لأول يعرف بطريقتها الناعمة في نطق الاسم، حتى أنها مرت على أسمعه وكأنها لحن موسيقي، لأول مرة يراها بهذا القرب، الجمال المتخفي خلف هيئة رجولية كاذبة تدعيها ولا تليق بها.
- بقولك سيب إيدي يا حسن.
قالتها مرة أخرى غير دارية بحالته، وهو يجاهد للتماسك أمامها فقال بصوت متحشرج:
- هسيبك يا شهد، بس تبطلي تنشيف الدماغ ده.
أومأت رأسها بمهادنة حتى يتركها، ففعل ولكن بحذر حتى لا تعود لما تفعله مرة أخرى، أما هي فقد ابتلعت ريقها بارتباك واضطراب في مشاعر تستشعرها الآن بعد فترة طويلة من السنوات، وقد ظنت أنها اندفنت مع من دفنوا.
- إيه اللي حصل يا شهد؟
صدرت بدخول أبو ليلية فجأة للغرفة مندفعًا بقلق نحوها، نهض على الفور حسن يستقبله:
- تعالي يا عم مسعود وشوف المجنونة دي، مش برضه انت كبيرها وليك كلمة عليها؟
- ليه يا بوي فيه إيه؟
سأل مسعود وهو يتقدم بخطواته حتى جلس على طرف التخت منتبهًا لحسن الذي أردف:
- المقاول قريبتك دي، الدكتور منبه عليها الراحة التامة الليلة دي في المستشفى وهي راسها والف سيف لتنزع إبرة المحلول وتقوم.
سمع منه أبو ليلة ليلتف إليها بنظرة دافئة رغم مزاحه قائلاً:
- ليه يا بت أخوي؟ وراكي الأبعدية وخايفة عليها تتسرق؟ ولا فاكرة إنهم ميقدروا يسووا أمورهم من غيرك؟ خواتك كبروا يا شهد، ما عدوش صغيرين زي الأول.
تجعدت ملامحها لتقول بسأم:
- مش موضوع أخواتي يا أبو ليلة، أنا نفسي بكره المستشفيات، ده غير إنّي رافضة القعدة على موضوع تافه.
- تافه!
هتف بها حسن باندهاش، فقال مسعود:
- طول ما وجعتي من طولك يا شهد يبقى مفيش حاجة تافهة، أنا أول ما سمعت باللي حصل، جيت على ملأ وشي جري، مش خوف على عبيد وبس، لا ده عليكي انتي كمان، عشان عارفك.
ضيق عينيه حسن بتفكير، وبدا على الاضطراب على ملامح شهد وهي تخاطبه:
- عارفني إزاي يعني؟ فيه إيه يا عم؟ ما أنا زي الفل قدامك أهو.
- بس يا بت، بلا جدامي، بلا وراي، اسمعي كلام الدكتور وبطلي رط على الفاضي.
هتف بها أبو ليلة بحزم جعلها تبتسم بطاعة لأمره، ثم تبادلا الحديث ثلاثتهم حول حالة عبيد وانتظارهم لاستفاقته حتى يطمئنوا عليه، وحسن يحاول الاندماج معهم، حتى أتت رؤى ووالدتها ليطمئنا عليها ويرافقنها، فوجدها فرصة حسن لينفرد بمسعود حتى يعرف ما يود معرفته.
❈-❈❈
في غرفة عملها بالفندق، وهي تتحدث مع والدتها عبر الهاتف، خرج صوتها بجزع:
- شهد!.... انتي متأكدة من كلامك ده ياما؟.............كلمتيها بنفسك واطمنتي؟........... أكيد طبعًا افتكرت حادثة والدها وده اللي جابلها التعب،........ يا أمي أنا هخلص شغلي وأعدي عليها، مش هستناكي........... خلاص يا ستي متزعليش، هعدي عليكي انتي كمان ونروح......
قطعت جملتها مع رؤيتها لهذا الرجل المتغطرس وهو يقتحم الغرفة، أنهت سريعًا وهي تقف لتحيته....
- طب سلام دلوقتي، وبعدين هبقى أكلمك...
- مساء الخير.
قالها مع اقترابه لمكتبها، وردت تجيب التحية بعملية:
- مساء الخير يا فندم، تؤمر بحاجة؟
سؤالها الملاصق لرد التحية أثار بداخله الضيق، لعدم سماحها بإعطائه فرصة التعامل معها بود عادي حتى، تجهم ليسألها متحججًا:
- شادي فين يعني؟ أنا مش شايفه.
قطبت في البداية مستغربة السؤال، ولكنها سريعًا عادت لتجيب بمهنية:
- حضرتك مستر شادي أكيد مشغول دلوقتي في إعداد الحفل مع الناس المختصين.
- وانتي مش معاه ليه؟
سألها بفضول يجعله يحترق بداخله ليعرف، وجاءت اجابتها:
- أنا هنا بنفذ أوامر رئيسي، وهو بيأمرني لتنفيذ الأعمال الإدارية.
- اممم
زم بفمه يفرد جسده واضعًا كفيه في جيبي بنطاله، أنظاره مرتكزة عليها، ليقول بإصرار على المجادلة:
- وليه أعمال إدارية بس؟ معندكيش كفاءة في باقي الأعمال؟
ارتفعت عينيها الجميلة لتحدجه بحدة رغم دبلوماسية الرد:
- والله يا فندم لو مستر شادي شايفني بالمنظور ده، أكيد طبعًا يبقى له الحق في التصرف كما يشاء، ينقلني عن العمل، أو يصرفني حتى، هو حر.
صمت يختزل نظرتها داخل عقله وهذه القوة والتحدي بها، رغم ادعائها الاحترام له، فقال بخبث:
- مش يمكن مقدر الجيرة وبيجامل على حساب راحته، أنا شايف إنه بيجي على نفسه زيادة، ومن رأيي إنه ميدخلش الأمور دي في الشغل، يعني من الأفضل إنك تتنقلي من عنده....
- أتنقل!
هتفت بها بصدمة وعدم تصديق أن يكون قاصدًا هذا بالفعل، تنقل من العمل بهذا القسم وتذهب إلى أين؟ ليس لديها معرفة بأحد ولا تريد الاختلاط بأحد غريب، يناسبها العمل هنا ولا تشعر بأدنى رغبة في تركه.
- سكتي ليه؟
سألها مراقبًا كل همسة منها لمعرفة رد فعلها والذي بدا على تجهم ملامحها، لتقول بتماسك:
- أنا قولت من الأول، مستر شادي حر في أي شيء يعمله، حتى وأنا شايفة إني مقصرتش.
- مش مهم انتي تشوفي، المهم أنا اللي أشوف.
قالها عدي بمقصد ليذكرها إنه هو صاحب القرار، ومن له حق التصرف، وليس هذا المدعو شادي.
- عدي باشا!
قالها الأخير وهو يلج الغرفة بخطوات مسرعة كعادته، فالتفت صبا إليه بنظرة متلهفة وكأنها كانت تنتظر مجيئه، ورد عدي:
- أنا كنت بمر جنبك يا شادي وجيت أسألك عن آخر ترتيبات الحفل.
أجلى شادي حلقه ليجيب باضطراب أقلق صبا، مع بدء حفظها لطبيعته حينما يصيبه التوتر لشيء ما:
- حاجات بسيطة أوي هي اللي فاضلة يا فندم، ودي خاصة بترتيب الحضور وحجز تذاكر الجمهور، وأنا عامل ملف عشان أطلعك على آخر المستجدات.... اا ثواني هجيبهولك.
وقالها وتحرك خلف مكتبه، ولكن عدي أوقفه:
- ابعتهم ورايا يا شادي، أنا مستنيك في الريسيبشن، ولا ابعتهم مع المساعدة بتاعتك أحسن.
قالها وتحرك بتعالي ساهم في ازدياد احتقانها منه، لتغمغم فور مغادرته:
- يا ساتر على تقل دمك... إيه ده؟
التفت نحو رئيسها لتجده يلملم في وضع أشياءه في الحقيبة السوداء، لتسأله بفضول:
- أنت بتلم حاجتك ليه؟
أجاب وهو يحكم إقفال الحقيبة:
- رحمة اتصلت بيا من شوية، بتقولي إن أمي تعبانة ونقلولها المستشفى، أنا وكلت حمدي يتابع بدالي عشان أروح أحصلهم حالًا دلوقتي.
نهضت صبا توقفه قبل أن يغادر:
- طب استنى، أنا كمان جاية معاك.
- وشغلك يا صبا؟ والملف اللي عدي عزام عايز يشوفه؟
ردت غير مبالية وهي تتناول حقيبتها وهاتفها:
- انت مش قولت إنك وكلت حمدي يتابع بدالك، خلاص بقى خليه يوصله بالمرة.
❈-❈❈
بعد قليل
وعلى كرسيه المفضل في الركن الذي اتخذه ملكية خاصة له، كان جالسًا يرتشف قهوته، يدعي العمل على حاسوبه وعقله يسبح في بحر العيون التي سيطرت على مركز الرؤية لديه، فلا تمكنه من مشاهدة الأرقام أو الأشخاص أو العالم الذي يدور كخلية نحل من حوله،
ينتظر مجيئها بفارغ الصبر، على الرغم من عدم مرور وقت منذ مغادرته الغرفة، ناظرها بعينيه، تطل من الجانب الذي تقطعه دائمًا في الذهاب والعودة نحو محل عملها، هم أن ينتشي بالفرح، ولكنه تفاجأ بمجيء شادي خلفها، ثم مرافقته لها وتجاهلهم له، بأن اتخذوا طريقهم نحو باب الخروج بالفندق، ظل على وضعه المصدوم، لعدة لحظات يتابعهم بعدم استيعاب، حتى أجفله حمدي:
- عدي باشا.
التف إليه يجيب بحدة:
- نعم! عايز إيه يا حمدي؟
تحمحم الأخير بحرج وهو يدنو ليُناوله الملف المطلوب قائلًا:
- حضرتك دي البيانات اللي انت طلبتها، شادي كلفني أجيبها لك عشان هو خرج مستعجل.
- شفته.
هتف بها سريعًا ليتابع بغضب:
- ولما هو خرج مستعجل واستأذن منك، مبعتش المساعدة بتاعته ليه؟ ولا هي كمان عندها مشوار مهم عشان تخرج معاه؟
- هي فعلاً خرجت معاه يا فندم، أصل والدة شادي نقلوها المستشفى وهي بحكم إنها جارتهم، استأذنت تروح معاه.
قالها حمدي، ليخرج رد عدي عليه بسخرية امتزجت بغضبه:
- وانت بقى الحنين مرديتش تزعل الاتنين.
تفاجأ حمدي باللهجة الحادة من رئيسه وبدون مبرر، فقال بحرج:
- حضرتك الموضوع هنا ميخصش الحنية، بس ده شيء عارض، والحكاية دي أي حد فينا معرض ليها.
صك على فكه ليصرفه ببعض اللطف، وداخله يحترق بالغيظ، وقد ألجمه المنطق عن صب جام غضبه فيه، أو الانتقام من الاثنين، أو هي على الأخص، بأن ذهبت غير مبالية به أو بأمره، وكأن ليس لديه سلطة عليها أو رئيسها في العمل.
زفرة طويلة أطلقها ليغمغم بتوعد:
- ماشي، ماشي يا صبا.
❈-❈❈
بعد مرور عدة ساعات.
خرجت من المصعد بخطوات مسرعة، لتستدرك وتستدير برأسها لتهتف به من خلفها:
- ما تيلا بقى يا إبراهيم، مد رجلك دي شوية كده، إحنا أساسًا متأخرين.
ناظرها بامتعاض يزيد من تمهله بتخيل في سيره، ليقول باعتراض:
- متأخرين بقى ولا كنا مجيناش أصلًا؟ احمدي ربنا إني وافقت أجيبك، وكمان أجي معاكي عشان أنا راجل وابن أصول.
ابتسامة ساخرة خرجت منها بمرح، لتردف بمغزى:
- لأ فيك الخير يا سي إبراهيم.
توقفت لتكمل هامسة بمغزى:
- اللي يسمعك بتقول كده، يقول إن انت جاي من نفسك، مش بعد محاولات من الزن على راسك لما نشفت ريقي، وبرضه موافقتش غير بعد ما أخدت حق التوصيلة.
قالت الأخرى بغمزة ضاحكة، ليلتف الآخر يمينًا ويسارًا، ليخاطبها بحذر:
- خلي بالك يا بت من كلامك، إحنا في مكان عام، يعني مش ناقصين عبط.
- أنا عبيطة! ماشي يا إبراهيم.
قالتها لتسبقه بخطواتها المسرعة، حتى كان جسدها المكتنز يهتز أمامه في طقم الخروج الذي ترتديه، ليظل هو يمهل بالخطوات خلفها متعمدًا، مغمغمًا بمصمصة من شفتيه:
- الحاجة الوحيدة اللي عجباني فيكي!
❈-❈❈
وفي الجهة الأخرى
خرجت مجيدة من المصعد المقابل، تستند على ذراع أمين الذي أتى بصحبتها، مذعنًا لإلحاحها، بعد أن أصرت على المجيء.
- هو ده الدور اللي فيه أوضة شهد؟
أجاب على مضض، وعينيه تجول يمينًا ويسارًا:
- هو ده الدور فعلاً يا ست ماما، بس أنا بقى مش عارف أوضتها في أي جهة عشان ابنك المحروس مقليش إن المستشفى كبيرة كده.
قالت مجيدة مدافعة:
- يا بني هو فيه إيه ولا إيه بس؟ ده يا حبيبي بيتكلم بالعافية.
توقف بها ليقول بتذمر:
- اه يا ست الكل، هو يتأثر ويزعل وأنا بقى اللي أشيل وأعطل نفسي في اللف والدوران، يعني هما كان من أهلنا.
نهرته مجيدة تلذعه بقبضتها وتقول بتوبيخ:
- بس يا واد متقولش كده، ربنا ما يجيبها لحد يارب، قريب ولا غريب، وإن كان على أخوك اتصل بيه وخليه يجي ياخدنا، هي مش صعبة أوي كده يعني.
زفر أمين يتناول الهاتف بضيق ليتصل على شقيقه.
❈-❈❈
وفي غرفة شهد
وبعد أن خرج حسن ليستقبل شقيقه ووالدته، كانت هي تتلقى العناق والقبلات من شقيقتها، بجمود وعدم راحة:
- الف سلامة عليكي يا أختي، والله ما تعرفي أنا كنت زعلانة قد إيه؟ ولولا إبراهيم كان وراه شغل مهم لكان جابني قبل أمي وأختي كمان.
ألقت شهد بنظرها نحو الأخير، والذي كان واقفًا بالقرب منها، لتردد بعدم تصديق:
- كان وراه شغل!.... ومهم كمان؟
رد إبراهيم رافعًا رأسه أمامها بزهو يدعيه بكذب:
- آه أمال إيه؟ أنا كان ورايا مصلحة مهمة بعملها، مش صايع يعني ولا فاضي.
رمقته شهد بنظرة كاشفة أثارت حنقه من الداخل، فتدخلت نرجس بمداهنة:
- سميرة أختي على طول بتقولي إنك مشغول، روح يا بني ربنا يفتحها عليك، انت وكل الشباب اللي زيك.
خطفت شهد نحوها نظرة سريعة يائسة قبل أن تتجه نحو شقيقتها الصغرى والتي كانت بركن وحدها، تقف متكتفة، توزع انظارها نحو الثلاثة بسخط صامتة، فهمت عليها شهد لتخاطبها:
- انتي يا حلوة، واقفة بعيد عني ليه؟ مش تيجي كده جمبي، ولا انتي خايفة إني أعديكي؟
قالت الأخيرة بتفكه جعل الأخرى تضحك مستجيبة بمرح لتردد وهي تقترب منها:
- أيوه بقى، واتعدي كمان من طبعك، ومدام هتبقى عدوة يبقى نخليها شامل كمان بالشكل، عشان آخد حلاوتك وجمالك.
جذبتها من كفها لتتلقفها بعناق مرددة:
- ده انتي اللي قمر، وأحلانا كلنا، يا آخر العنقود يا سكر معقود انتي.
عوجت أمنية ثغرها بزاوية وهي تشيح بوجهها عنهن، لا تطيق هذه اللحظات المستفزة منهن، التقت عينيها بإبراهيم الذي فهم، ليناظرها بتشفي وكأنه يخبرها بحجم المحبة الفارق بين الشقيقتين، وهي المكروهة منهن، وبينهن كانت تقف نرجس، لا تفقه ولا تعي بحديث الأعين الدائر بحدة، ولكن شهد بفطنتها لم يفُتها ذلك، فسألت تجفلهما:
- مقولتيش يعني، التقيتوا إزاي عشان يوصلك؟ استناكي برا في الحارة ولا روحت انتي بيت خالتك ومشيتي معاه؟ ولا....... مش معقول يعني يكون طلعلك البيت.... ولا طلع؟
على الفور نفت أمنية بهز رأسها، وهي تخفي ارتباكها بالهجوم المضاد:
- لا طبعًا مطلعش، جرا إيه يا شهد؟ ده مبيدخلش البيت وانتوا قاعدين، هسمحله إنه يدخل وانتوا غايبين؟ ما تخلي بالك من كلامك، الله.
أضاف هو أيضًا وقد أعجبه قولها:
- يمكن فاكراني ناقص ولا قليل أصل؟
صمتت شهد ولم تريحهم بأي رد فعل، بل اتجهت نحو شقيقتها الصغرى سائلة:
- وانتي بقى يا ست رؤى قوليلي، عرفتي إزاي تروحي لعبد الرحيم عشان يوصلك؟
همت تجيبها رؤى، ولكنها توقفت على طرق باب الغرفة، وحسن يطل برأسه يقول باستئذان:
- والدتي جاية مع أخويا يشوفك يا شهد، ممكن؟
اعتدلت بجذعها لتردد بترحيب:
- آه ممكن وممكن أوي كمان، خليها تدخل، تعالي يا ست مجيدة.
ابتعد حسن عن المدخل ليُفسح الطريق لوالدته التي ولجت بابتسامة مشرقة من القلب تردف التحية:
- مساء الفل يا قمري.
- مساء الفل يا ست مجيدة اتفضلي.
تقدمت إليها تحتضنها بحنان قبل أن تجلس على طرف التخت مرددة:
- الف سلامة عليكي يا قلبي.
هذا القلق مع دفء المشاعر التي كانت تصدر منها بصدق وصل لشهد حتى خرج صوتها ببحة مجروحة من العمق، فكيف للمحروم مهما بالغ في اعتزازه بنفسه أو التغاضي، ألا يتأثر بلمسة حانية من القلب؟
- الله يسلمك يارب يا ست مجيدة، متحرمش منك.
- يا حبيبتي ولا منك، ده أنا من وقت ما سمعت من حسن باللي حصل، وأنا لا على حامي ولا على بارد، وكنت هتجنن وأنا منتظرة حد من الولاد يجيبني عندك وما صدقت أمين وصل من نبطشيته، قومت ساحباه من قبل حتى ما يغير هدومه.
أضاف الأخير على قولها:
- ولا حتى أدتني فرصة أكل لقمة.... المهم بقى الف سلامة عليكي.
تمتمت شهد بإحراج:
- الله يسلمك يا حضرة الظابط، مكنش فيه لزوم للتعب.
- مين ده اللي ظابط؟
سأل إبراهيم، قبل أن يلتفت إليه حسن يجيبه:
- أخويا هو اللي ظابط، وأنا البشمهندس حسن اللي شغال مع المقاول شهد، ودي الست والدتي، وعلى فكرة بقى إحنا حضرنا خطوبتك.
تدخلت نرجس بتذكر:
- أيوه صح، أنا فاكرة الست مجيدة لما جت سلمت عليا وباركتلي، ازيك يا هانم؟ عاملة إيه؟
قالت وهي تدنو من مجيدة بترحيب مبالغ فيه، وتعرفها على ابنتيها، رؤى، والعروس أمنية والتي كانت مزبهلة بغباء لفت انتباه إبراهيم الذي لكزها يهمس بتحذير:
- مالك يا بت متنحة كده ليه؟ ما تظبطي كده وتعدلي.
أجابت بهمس هي الأخرى مستغلة انشغال والدتها في الحديث مع الأغراب، واستئذان الظابط أمين، ليتناول شيئًا ما في الخارج، قبل أن يعود ليغادر بوالدته، لتقول وانظارها نحو المتبقي:
- معلش يا إبراهيم، بس بصراحة أنا متفاجئة من السهولة اللي ساكنة معانا وهي متصاحبة على ناس نضيفة كده وعاملة علاقات معاهم، يخربيت كده، إيه الحلاوة دي؟
لفظت الأخيرة بحماقة جعلت الآخر يحدجها بنظرة نارية يتمتم من تحت أسنانه:
- بتعاكسي في الرجالة قدام عيني يا بت الجزمة، وحياة أمك لأربيكي عليها دي.
قالها وتحرك مغادرًا دون استئذان ليصفق الباب خلفه بعنف جعل جميع من في الغرفة ينتبهون، قبل أن تجفلهم الأخرى بقولها:
- يا نهار أسود، ده باينه خد على خاطره مني؟ عن إذنكم بقى يا جماعة، إبراهيم، يا إبراهيم.
غادرت هي الأخرى لتترك الجميع يتطلعون في الباب المنغلق باندهاش، قبل أن تتكلم نرجس بتلعثم:
- اا معلش متأخذوناش، أصلهم زي ما انتوا عارفين مخطوبين جداد وكل يوم في حال، البت صغيرة بتعيش سنها والواد مجنون بيها، اهو ده عيب العيال لما يتخطبوا صغيرين..
ختمت بضحكة سخيفة لم يتجاوب معها أحد، مجيدة التي لم يعجبها قولها، فقد انتبهت على وجه شهد الذي تغير، رغم ادعائها عدم الاكتراث، ورؤى الصغيرة، التي أشاحت بوجهها بتنهيدة مثقلة، لا تخرج سوى من كبار، أما حسن فتدخل يغير دفة الحديث من أجلها:
- شفتي يا ماما الانسيال بتاع شهد، ده معمول مخصوص باسمها، (قلب أبوها) اهو ده بقى الدلع اللي على حق.
❈-❈❈
في شقة شادي وبعد أن اطمأن الأطباء على حالة والدته وصرح كبيرهم بخروجها، عاد بها ليضعها على تختها تحت أنظار رحمة شقيقته، والتي كانت تساعد معه في تغطيتها وصبا التي رافقتهم، للنهاية انضم والديها معها.
- الف سلامة عليكي يا ست الحجة.
قالتها زبيدة مخاطبة المرأة التي أومأت لها بتعب تغمض عينيها، فدثرتها ابنتها جيدًا لتخرج مع شقيقها، وشهد ووالدتها، وتلقفهم مسعود بالسؤال، فقد كان منتظر في الصالون.
- ها يا جماعة، عاملة إيه الست كوثر دلوقتي؟
أجابته رحمة وهي تسقط بجسدها على أقرب مقعد وجدته أمامها:
- الحمد لله يا عمي، ربنا نجاها والدكاترة لحقوها، المرة دي النوبة كانت صعبة أوي، بس الحمد لله اهي عدت.
- الحمد لله يا بتي.
تمتم بها مسعود قبل أن يخاطبه شادي ليجلس هو وأسرته، وقال له بامتنان:
- أنا متشكر أوي يا عم أبو ليلة على وقفتكم معانا، والله ما عارف هقدر أرد جميلك انت واسرتك ده إزاي؟
هتف به مسعود مستنكرًا:
- جميل إيه يا واد؟ إحنا جيران يعني أقرب من الأهل، الجميل ده يبقى مع الناس الغريبة، ثم إحنا عملنا إيه يعني؟
تدخلت رحمة تجيبه:
- لا يا عم أبو ليلة عملتوا، الست زبيدة اللي جات على صرختي وسندتها معايا وقت ما وصلت الإسعاف، صبا اللي متأخرتش وجات جري على المستشفى مع شادي، ولا انت اللي سبت حالك وقريبتك المحجوزة في المستشفى عشان تقف معانا برضه، ربنا يبارك فيكم، وما يجيب لكم حاجة وحشة أبدًا.
رد أبو ليلة وهو ينهض واقفًا عن مقعده.
- أمين يا بتي، إحنا وانتوا يارب.
- على فين يا عمي؟
سأله شادي، ورد أبو ليلة وهو يشير بيده نحو زوجته وابنته:
- يعني هيكون فين؟ أدوبك نروح ونسيبكم تريحوا، يلا يا بت انتي وهي.
قالت رحمة:
- طب استنى حتى نشرب مع بعض كوباية عصير.
- في الفرح يا بنتي إن شاء الله.
قالتها زبيدة وهي تتحرك خلف مسعود لتلحق بهما صبا التي توقفت فجأة قبل أن تخرج من الشقة لتسأله:
- هتقدر تروح بكرة الشغل؟
سمع منها ليجيبها بتشتت:
- مش عارف يا صبا، بس أنا لو لقيت والدتي على حالها، هضطر أقعد طبعًا.
وقفت هي متفكرة قليلًا، لتقول:
- خلاص يبقى تبلغني، عشان لو كده، يبقى أنا كمان هقعد.
بعدم استيعاب ردد شادي:
- تقعدي! طب افرضي روحت؟
- يبقى هروح، عشان كده بقولك بلغني.
قالتها ببساطة ألجمته عن المجادلة، حتى خرجت، ليظل متسمرًا محله، ينظر في أثرها بذهول يكتنفه، وكأنه قد فقد حاسة الفهم أو التمييز من عقله.
❈-❈❈
عاد أمين بعد أن سد جوعه بأحد المطاعم القريبة، توجه إلى المصعد حتى يأتي بوالدته ويغادر، وقد يأس من الإلحاح على رأس أخيه الذي يرفض المغادرة حتى يطمئن من الطبيب المناوب على حالة عبيد، والمرتدة بدوره على حالة شهد.
توقف فجأة على الصوت الذي كان يدوي من خلفه، وقد علم بصاحبته من العصبية وانفعالها في الرد:
- إزاي يعني أقعد اليوم كله ومسمعش غير دلوقتي وبالصدفة كمان؟ طب انتي تعبانة، طب وإخواتك، ولا واحدة فيهم تفتكر ترد عليا......... ما تحاوليش تبرري، أنا جاية دلوقتي وهعرف حسابي معاهم..... اقفلي بقى عشان داخلة الأسانسير، اقفلي يا شهد الله يخليكي.
سمع الاسم، واشتعلت رأسه بالأفكار والتخمينات، ليربط الخطوط ببعضها، ويظل على حاله، معطيًا ظهره لها حتى هبط المصعد وانفتح أمامه ليدلف بداخله، وخلفه رجلين، ثم كانت هي الأخيرة ليُغلق إلكترونيًا، ويتحرك بهما، خلف الرجلين وقف يتابعها، فقد كانت شاردة تزفر وتتأفف بملامح عابسة ولذيذة، لتذكره بشجاره معها، وتسليته في استفزاز امرأة جميلة مثلها، خرج الرجلين على أحد الطوابق، ليخلو المصعد عليهما، فانتبهت أخيرًا، لتهتف به:
- إيه ده؟ إنت تاني؟
ناظرها ببرود ليقول مندهشًا:
- أيه ده؟ وانتي كمان؟ ده إيه الصدفة الغريبة دي؟
- صدفة!
هتفت بها لتلتف عنه مغمغة بتذمر:
- هو يوم باين من أوله أساسًا، ناقصني بس خناقة عشان تكمل!
كتم ابتسامته، ليظل على هيئته الجامدة حتى خرجت وخرج خلفها، لتسير نحو الغرفة الموصوفة وهو خلفها، حتى وصلت إلى غرفة شهد، وما أن تمكنت من فتح الباب حتى وجدته خلفها أيضًا، إلى هنا وانفرط عقد حكمتها، لتصيح به:
- انتي جاي ورايا لحد باب الأوضة كمان؟ إيه يا أخينا؟ هو انت مبلبع حاجة ولا توهت في السكة ومش عارف طريقك؟
- أنا اللي توهت في السكة؟ فيه إيه يا آنسة؟
هتف بها بحزم، فخرج على صوته حسن ونرجس وابنتيها، ومجيدة التي سألت مجفلة:
- إيه فيه إيه؟ مالك يا لينا؟ إيه اللي حصل؟
سمعت الأخيرة لتجيبها باحتقان:
- تعالي يا ست مجيدة واحكمي بنفسك، البني آدم الغريب ده كل ما يشوفني نتخانق مع بعض، والنهاردة جاي ماشي ورايا لحد الأوضة هنا زي ما انتي شايفة كده أهو، ده باينه مجنون، ولا متحرش ده ولا إيه؟
- نقي ألفاظك، أنا مش عايز أغلط.
هتف بها أمين وتدخل حسن يخاطبها بلطف:
- يا آنسة لينا، أكيد فيه سوء فهم ما بينكم، أمين ده يبقى أخويا وجاي هنا عشان ياخد والدتي ويروحها، أخويا مش متحرش ولا مجنون، ده ظابط محترم.
- إيه ظابط؟
هتفت بها بعدم تصديق، ليتابع لها حسن موضحًا حتى تفهم، وتوقفت مجيدة بقلب يقفز داخلها تعيد برأسها الكلمات، وتغمغم:
- كل ما يشوفها يتخانق معاها! يعني كذا خناقة، لدرجة إنهم بقوا عارفين بعض، يالهوي، ده باينه بدأ ده اللي اسمه إيه ما بينهم؟ ولا إيه يا مجيدة؟..... يتبع
رواية و بها متيم انا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم امل نصر
بإنهاك شديد كان يجر أقدامه جرًا حتى سقط على أقرب مقعد وجده أمامه ليلقي سلسلة مفاتيحه على الطاولة القريبة منه، ثم يمد ساقيه المتعبان أمامه، وهو يتمتم بوجع:
- ااه، رجلي معدتش حاسس بيها، دا انا لو عدت لشغل الفاعل مش هبجى كدة.
خلفه زبيدة التي كانت تدلف مع ابنتها ربتت بكفيها على كتفيه العريضين تخاطبه بحنان:
- سلامتك من أي وجع يا أبو ليلة، من الصبح مخدتش نفسك، من الشغل للجري ع المستشفى ورا شهد، ومنها على الست ام شادي كمان، ربنا يديك الصحة، تحب اجيبلك ميه وملح وادلكهملك؟
ابتسم بعرض وجهه يتناول كفها يقبلها ليقول متغزلاً:
- حرام اتعب اليد الحلوة.
ضحكت زبيدة بخجل تحذره بعيناها، لينتبه لصبا التي ضيقت عينيها الجميليتين للإثنين تقول بخبث:
- على فكرة اللي لسة معاكم، ولا اختفيت ولا اتبخرت في الهوا.
زم ابو ليلة بفمه يتصنع الإمتعاض وتحركت زبيدة قائلة وهي تنزع كفيه عنها:
- انا رايحة احضرلك حمام سخن تريح فيه جتتك، وعلى ما طلعت تلاجي الوكل جاهز تاكل وتريح على فرشتك بالمرة.
عقب من خلفها وعيناه تتبعها حتى اختفت داخل مطبخها:
- يريح جلبك يا أميرة.
قالها ليعود بانظاره نحو التي جلست على الاَريكة المقابلة له، متكئة على الوسادة تناظره بمكر، فخاطبها:
- مالك يا بت بتبصيلي كدة ليه؟ هتاخديلي صورة يا ختي؟
عادت تضيق عينيها لترسم ابتسامة شقية على ثغرها، بصمت فتابع لها:
- حاببها وواجع فيها كمان عندك مانع يا ست صبا؟
ضحكت نافية بهز رأسها تجيبه:
- لا يا عم وانا اجدر اعترض؟
- أيوة كدة اتعدلي.
قالها ثم استطرد نحو الناحية المعتادة في حديثه لها:
- عجبالك انتي كمان لما ربنا يهديكي وتلاجي اللي يحبك، مع اني عارف ومتأكد انه موجود بس انتي ادي اشارة ونجي على كيفك، من ولاد عمك....
انتفضت لتقف فجأة تقاطعه بتهرب لتتجنب الصدام معه، بحديث منتهي بالنسبة إليها:
- ان شاء الله يا ابو ليلة ادعيلي بس الاَجي واحد زيك، عن إذنك بجى عشان عايزة اروح اغير هدومي واساعد امي في الغدا.
قالتها وركضت على الفور، دون انتظار الرد، فهم عليها هو ليغمغم بسخط في أثرها:
- اه يا بت الفرطوس، برضوا بتهربي كالعادة كل ما افتحلك سيرة الجواز وعيال عمك، براحتك! لكن بجى هتروحي من جدرك فين؟
❈-❈❈-
- نعم! عايزة إيه بروح امك.
هتف بها بأعين مشتعلة نحوها وقد تصدرت بجسدها أمامه توقفه في إحدى الطرقات في المستشفى الضخم، بعد ركض خلفه ومحاولات عدة في محايلته وأرضاءه، فقالت تجيبه لاهثة:
- طب سيبني اخد نفسي الأول، ساعة كاملة وانا الف وادور وراك زي الشحاتة عشان بس تبصلي، إيه يا براهيم؟ هو انت ليه بقيت صعب كدة.
كشر بأنيابه ليباغتها بغرز أصابع كفه الخمسة في لحم ذراعها يقول بشراسة:
- ليكي عين كمان تحكي وتتحاكي معايا بعد غلطك وقلة حياكي وانتي راشقة عينك في الراجل ولا اكنك شوفتي رجالة قبل كدة يا بت الو......
كتمت أمنية شهقة مجفلة وقد فاجئها بلفظه الخارج معها، فقالت بصوت باكي لألم ذراعها وامتهان كرامتها، بهذا اللفظ المهين في وسط الرواق حتى انه وصل لعاملة المشفى الراقي التي كانت تمر بجانبهم وبدا ذلك على نظرة الإزداء التي رمقتهم بها:
- على فكرة يا ابراهيم انا كدة الناس ممكن تفتكرني واحدة من اياهم، بعد اللفظ اللي قولته، وبهدلتك دي ليا.
شعر بحجم تطرفه المبالغ به هذه المرة بالفعل، فتدارك لينزع يده عنها ليهدر متمتمًا:
- ما انتي اللي بتجيبه لنفسك، عشان لو محترمة وعامل حساب للراجل اللي واقف جمبك مكنش دا كله حصل.
تمتمت بضعف وهي تدلك على ذراعها الموجوع:
- تاني برضوا هتقول محترمة والكلام ده، الله يسامحك.
ناظرها بأعين ضيقة للحظات، وقد راقه هذا الضغف منها وهدأ غليله بما فعله معها، فقال ملطفًا:
- انتي عارفة اني راجل حامي وبغير، يعني لازم تقديريها دي.
انتبهت لترفع رأسها مرددة بعدم تصديق:
- بتغير! يعني انتي بتحبني وبتغير عليا بجد يا إبراهيم.
- أمال كدب؟ ولا انا كنت خاطبك ليه من أساسه؟
قالها ليرى في عينيها الوان الفرح بعد الدموع، بابتسامة ارتسمت على وجهها ببلاهة، استغل ذلك ليرمي سمه على أسماعها:
- وكأنك مش مصدقاها، لا يا حبيبتي، صدقي واتأكدي منها دي، أنا بس اللي بحبك، وانا بس اللي يهمه مصلحتك، واديكي شوفتي بعينك، اختك البرنسيسة بتفرق ازاي في معاملتها معاكي ومع اختك الصغيرة، دي مبيناها عيني عينك.
صمتت تزم فمها وقد بدا أن كلماته أتت لتزيد من قناعتها بذلك، فتابع بمكر:
- واضح إنك حاسة باللي بقولوا ولا من رأيك اني فاهم غلط؟
على الفور ردت:
- لا طبعا يا ابراهيم، انت كل كلامك صح، انا مش حمارة عشان مخدتش بالي.
تبسم بانتشاء يجيبها:
- لا طبعًا يا غالية اسم الله عليكي ما تبقي حمارة، دا انتي ست البنات كمان.
تبسمت بفرحة تغمرها فكلمات الغزل منه لا تصدر إلا ندرة، فتلتقطها هي كهلال العيد بالنسبة لها، فتمتمت بلهفة:
- وانا بموت فيك يا ابراهيم، بس لو تخف طبعك القاسي وعصبيتك شوية....
- مقدرش..
هتف بها ليتابع بانفعال:
- مينفعش تقوليها دي لراجل زيي، العصبية والطبع الحامي، دي حاجة مش كل الرجالة تتحملها، ولا انتي عايزاني بارد وخيخة؟
نفت بهز رأسها تعترض:
- لا طبعًا بعد الشر عليك ما تبقى خيخة، دا انت راجل وسيد الرجالة كمان.
تبسم باتساع يكتنفه إحساس السيطرة، ليعوض نقصًا ما بداخله، فقال بحمائية يدعيها:
- خلاص يبقى تخلي بالك على شعوري ومتزعلنيش تاني، قولتلك انا مابتحملش.
قالت بلهفة وقد أنساها السبب الرئيسي لإهانتها منذ قليل:
- من عنيا الجوز، انا تحت امرك في كل اللي تقول عليه.
اومأ برأسه ليقول بزهو:
- وانا كمان رضيت عنك وعشان كدة هنزل اخدك على الكافتبريا تحت نشرب لنا حاجة ساقعة.
نروق نفسنا قبل ما نرجع تاني.
- حبيبي يا ابراهيم.
قالتها بلهفة مبالغة جعلته يحدجها بحذر:
- طب اظبطي كدة شوية، ووطي صوتك، وانجري ياللا قدامي ع الاسانسير، انجري.
سمعت لتعدوا سريعًا مزعنة لأمره كالمغيبة، وبشعور الأنتصار كان يخطو خلفها بتمهل وثقة.
❈-❈❈-
في الغرفة التي امتلأت بعدد الأفراد الجدد بها، وبعد ان هدأت العاصفة قليلًا، كان الحديث الدائر بلطف من مجيدة نحو لينا التي اتخذت مقعدها بجوار شهد على فراشها الطبي:
- ها يا حبيبتي، يارب تكوني اقتنعتي دلوقتي ان أمين ظابط محترم، مش اللي كان في دماغك خالص.
سمع الاَخير واحتدت عينيه يريد الأعتراض عما تتفوه به والدته، لتزيد عليه الأخرى بقولها:
- متزعليش مني يا طنت، بس الموضوع ملوش دعوة بقناعتي ولا اللي بيدور في دماغي، ابنك مش باين عليه أساسًا.
هتف بها الاَخير بانفعال وقد أفقدته حكمته:
- نعم يا حبيبتي، امشيلك بقى بالبدلة والنجوم اللي عليها، ولا أنزل تحت اجيب المسدس الميري، واحطه في وشك عشان تصدقي؟
شهقت بصوت عالي مستنكرة تخاطب مجيدة:
- شايفة يا طنت الجليطة وقلة الزوق، بقى دا ظابط ده؟
- بعامل مجرمين وسوابق يا ماما، عايزاني اجيب الزوق منين؟
قالها بفظاظة زادت من اشتعالها وتسلية مجيدة التى كانت تخفي بصعوبة استمتاعها بمناكفات الإثنان وانفعال ابنها، وخروجه عن طوره الطبيعي الهاديء بفضل هذه المشاكسة.
من جهتها لكزت شهد صديقتها في الخصر بمرفقها، ترمقها بتحذير حتى تتمالك قليلًا، أما حسن ف التزم الهدوء في قوله:
- يا جماعة من غير عصبية، بصراحة انا مش فاهم ايه سبب سوء التفاهم ما بينكم للدرجادي؟
صاحت به لينا تجيبه:
- قوله إيه اللي ميسببش؟ اخينا ده كل ما اشوفه، لازم تحصل ما بينا خناقة.
- والله انا راجل هادي والناس كلها عارفة عني الصفة دي، يبقى الأكيد بقى، إن انتي اللي بتجري شكلي.
قالها ببرود جعلها تشهق شهقة أعلى من سابقتها، حتى بدت كالصرخة لتقول:
- أناااا، أنا اللي بجر شكلك؟ إنت قد كلامك ده؟
تدخلت مجيدة تهادنها بمرونة:
- ميقصدتش والله، صلي ع النبي يا حبيبتي وهدي نفسك.
- اللهم صلي عليك يا نبي.
تمتمت لينا بها ومعظم الأفراد في الغرفة معها، قبل أن تقول شهد متصنعة العتب:
- أيه يا ست لينا؟ من أول ما دخلتي خناق خناق، هو انتي نسيتيني جاية تزورني ليه؟
بشراسة برقت فيروزيتيها نحوها ونحو افراد اسرتها لتهتف بغضب:
- لا يا حبيبتي منستش، ولا نسيت اني جاية اتخانق معاكي، انتي وجماعتك دول.
على الفور خرج رد نرجس بلجلجلة واضطراب:
- ليه بس يا بنتي؟ هو احنا عملنالك ايه كمان؟
- محدش فيكم من الصبح افتكر يبلغني يا ست نرجس، ولولا اني اتصلت بيها وعرفت بالصدفة، مكنتش هعرف اساسا.
قالتها بعفوية وحمائية جعلت رؤى ترد بدفاعية:
- القلق والخوف عليها هو اللي نسانا والله، سامحينا عليها دي يا أبلة لينا.
رقة الصغيرة في الرد جعلت لينا ترتخي قليلًا، حتى شقت ابتسامة صغيرة ثغرها لتقول لها بتسامح:
- هسامحك بس عشان ابلة دي.
ضحكت رؤى، وتبسمت مجيدة قائلة بمزاح:
- بسم الله ما شاء الله، اللي يشوفك دلوقتي، ميصدقش عاصفة الصحراء اللي دخلت علينا من شوية.
استجابت لينا ضاحكة لها، لتزيد من ابتهاج الأخرى بها، مع انتباهاها لردود افعال ابنها وانظارها المصوبة نحو لينا التى بدأت مع صديقتها ومعها حديث ودي، جعله ينتفض فجأة يجفلها:
- طب مش كفاية كدة بقى؟ يا للا بينا يا ماما، احنا يدوب نروح.
عبست مجيدة بوجهها ترد نحوه بامتعاض:
- وليه يا خويا يدوب نروح؟ ورانا الديواان؟
- لا يا ماما ورايا شغلي، عايز اللحق انام لي ساعتين، عندي وردية القسم بالليل.
قالها بجدية جعل مجيدة تنهض مجبرة، تلملم حقيقيبتها وقالت مخاطبة الجميع:
- طب مدام كدة بقى، ناخد الجماعة نوصلهم معانا، هتيجي معانا يا ست نرجس نوصلك مع بناتك؟ ولا انتي يا لينا؟
ردت الاَخيرة:
- لا يا طنت متشغليش نفسك، انا معايا عربيتي، دا غير اني مش هروح اساسًا، أنا هبات جمبها ع السرير نفسه.
ضحكت شهد وتمتمت مجيدة بإعجاب:
- حبيبتي ربنا يخليكم لبعض، بس يعني هما في المستشفى هنا هيرضوا بالكلام ده؟
هتفت بها لينا بانفعال أجفلها:
- طب خلي حد هنا يعترض، إن كانت ممرضة ولا دكتور ولا حتى مدير المستشفى ذات نفسه!
ضحكت مجيدة وبطرف عينيها تخطف النظرة نحو ابنها وهي تغمغم:
- لا دا انتي مشكلة فعلآ يا لينا.
ردت رؤى بالقرب منها:
- أبلة لينا دي العسل كله.
- اه يا حبيبتي عندك حق.
تمتمت بها مجيدة قبل أن تعيد السؤال نحو نرجس:
- ها يا ست نرجس، مش هتيجي معانا بقى؟ ما هو مينفعش كمان يرافقها اكتر من واحد، حسب ما اعرف عن قوانين المستشفى.
بتردد أجابتها:
- ما هي البت أمنية خرجت مع خطيبها، مضطرة استناها ترجع الأول عشان نروح مع بعض، تشكري يا ست ام حسن.
- ست ام حسن!
تمتمت بها مجيدة باستغراب اول مرة تسمعها، قبل أن تتجه نحو المذكور والذي نهض عن مقعده على مضض يقول:
- انا مش متعتع من هنا غير لما اطمن!
بفراسة شاكسته مجيدة:
- على مين بالظبط يا حبيبي؟
ارتبك قليلًا من نظرتها الكاشفة له ليرد بجدية يدعيها:
- على عبيد طبعًا يا ماما، دا في العناية المركزة واحنا في عرض خبر كويس عنه، وشهد برضوا.
غمغم بالاخيرة داخله، ولكنها بدت وكأن مجيدة سمعتها، لتبادله ابتسامة رائعة بلمسة خفيفة من كفها على كتف ذراعه، قبل أن تتركه لتخرج وخلفها ابنها الثاني، والذي لم يفته نظرة أخيرة نحو المجنونة الأخرى، قبل يغادر الغرفة.
❈-❈❈-
- خايفة؟
سألتها زهرة باهتمام وهي تراقب ارتباكها الملحوظ وتوترها بجلستهن في غرفة الإنتظار بعيادة الطبيبة النفسية، فخرج ردها بانفعال:
- مش موضوع خايفة ولا زفت يا زهرة، أنا مش مقتنعة اصلًا، وحاسة انها عطلة ع الفاضي.
- ع الفاضي!
غمغمت بها زهرة لتتابع:
- في إيه يا نور؟ مش احنا برضوا اتفقنا ان الزيارة دي هنعتبرها مجرد تعارف مع الدكتورة، ولو يا ستي معجبكيش الوضع او القعدة إمشي ومتجيش تاني؟
- اَه، ويرجع بقى مصطفى يجيب اللوم عليا اني مصبرتش ولا نفذت رغبته، انا مش فاهمة، هو ليه ميحولش رغبته دي للجواز من واحدة تانية تخلفلوا الطفل اللي بيتمناه؟ ليه موقف حياته مع واحدة مفيش منها رجا، زيي.
عصبيتها المبالغة في الحديث لفتت انظار معظم السيدات المنتظرات حولها، لتثير استياء زهرة التى همست لها بتحذير:
- خلي بالك يا نور، انتي كدة بتلفتي نظر الناس إليكي وانتي واحدة مشهورة ومعروفة، ميغركيش التمويه اللي انتي عملاه بالنظارة السودة ولا الطرحة اللي لفاها على وشك، لا يا حبيبتي، انتي كدة ممكن تتكشفي، والستات دول حتى لو مستوى عالي وراقين، برضوا مش هيتأخروا انهم يشيروا ولا يعمولوها رواية عنك بالاشاعات.
صمتت نور بتأثر، ليصدر صوتها برجاء هامس:
- اديكي قولتيها بنفسك يا زهرة، خليني امشي بقى، انا مش مستريحة.
بدعم منها، قبضت زهرة على كف الأخرى تخاطبها بحنان:
- يا حبيبتي بس اصبري، انا كنت زيك كدة في الأول، وجاسر هو اللي غصبني ع الدكتورة هنا، وكان احسن قرار منه، لأني بصراحة بقيت انسانة تانية معاها، اتخليت عن الخوف وعن كل شيء بيزعجني، اعتبري انك بتتكلمي مع نفسك، انسي انها دكتورة، هو انتي مبتحبيش تتكلمي مع نفسك؟
ابتلعت نور لتصمت عن الرد، وبداخلها تتمنى الصراخ، أنها تكره الحديث مع نفسها، بل هي تكره نفسها، وتكره الحديث والفتح في جراح الماضي المخزي!
- استاذة نورهان، دورك يا فندم..
هتفت بها مساعدة الطبيبة لتقطع عنها شرودها، نهضت زهرة قائلة:
- ياللا يا أستاذة نورهان، خلينا ندخل، قبل ما ترجعي في كلامك ولا تهربي.
❈-❈❈-
في داخل حجرة الطبيبة التي جلسن أمامها هي وزهرة التي تبادلت حديثًا ودي سريع معها قبل أن تعطيها انتباهاها كاملًا وتحدثها بابتسامة رائعة:
- يا أهلا بالنجمة، نورتي عيادتي المتواضعة يا فنانة.
بادلتها نور الأبتسام باضطراب لترد التحية وكفيها تفركهما بعنف أعلى حجرها:
- ميرسي، العيادة منورة بيكي طبعًا يا دكتورة.
رمقتها الطبيبة بصمت قليلًا لتزيد من تورترها قبل أن تسألها بلهجة رقيقة:
- ليه الخوف والقلق دا كله؟
ردت بدفاعية وصوت مهزوز:
- لا طبعُا انا مش خايفة، وإيه اللي يخليني اخاف ولا اقلق يعني؟
تدخلت زهرة قائلة:
- انا من أول ما جينا بفهمها ان الموضوع أبسط بكتير مما تتخيل، بس هي مش مقتنعة.
- انا جيت ضد رغبتي، عشان بس ارضي جوزي.
قالتها نور بحدة قابلتها الطبيبة بهدوء، لتخاطبها بتروي:
- قالتلي زهرة على فكرة، وانا مش هضغط عليكي في أي كلام، اقولك، انتي متتكلميش خالص النهاردة في أي حاجة تخصك، وقت الجلسة ده، انا خليه كلام ستات، بيني وبينك وزهرة.
قطبت نور تطالعها بعدم فهم، والطبيبة لم تعطيها فرصة، فقد تجاهلتها واتجهت مخاطبة الأخرى:
- ها يا ست زهرة، عاملة ايه مع ولادك؟
❈-❈❈-
- إدخلي يا مودة ادخلي، بيت ومطرحك يا حبيبتي.
هتفت بها ميرنا وهي تتقدم الأخرى داخل منزلها، لتشعل الإضاءة، دلفت الأخرى خلفها لتكتم شهقة الإنبهار داخلها، رغم جحوظ عينيها وتدلى فكها بشكل فاضح، تبسمت ميرنا بسعادة داخلها لتجلس واضعة قدمًا فوق الأخرى على الأريكة البيضاء العصرية، لتدعوها:
- إيه يا بنتي؟ هو انتي هتفضلي لازقة كدة على مدخل الشقة؟ ما تحركي رجلك دي وتعالي اقعدي جمبي هنا.
سمعت مودة لتبتلع ريقها في محاولة لإدعاء الرزانة، والتحلي ببعض الزوق في قولها:
- بسم الله ما شاء الله، شقتك حلوة أوي، انا مكنتش اعرف انك غنية كدة.
اطلقت ميرنا ضحكة مدوية لتقول:
- وهو انا لو غنية يا هبلة زي ما بتقولي كدة، كنت قعدت في الشغل وخدمة اللي يسوى واللي ما يسواش؟
- أمال إيه؟
تمتمت بها بعدم فهم، وردت الأخرى بعد أن أشارت لها بيدها كي تجلس على المقعد المجاور لها:
- يا بت افهمي، الشقة دي هي الحاجة الوحيدة اللي استفدت بيها من جوازتي الأولى، يعني مش ورث من بابا ولا ماما، انا وحيدة ومليش حد زيك يا مودة.
رددت مودة من خلفها:
- وحيدة زيي؟ طب ازاي؟ أمك اللي سابتك ولا والدك؟
سؤالها كان به نوعً من الغباء استفز ميرنا ولكنها حافظت على هدوئها حتى لا تنجر للمنطقة الخطرة في تاريخها:
- امي بقى ولا أبويا، المهم اني وحيدة وخلاص يا مودة، انا وانتي بنصارع الحياة بطولنا، أمال انا ليه حبيتك ودخلتي قلبي، عشان ظروفك تشبهني.
بابتسامة مستخفة ردت مودة باستهجان:
- اشبهك فين بس وازاي يا ميرنا؟ انا فين وانتي فين؟ انا ساكنة في اوضة معفنة فوق السطح مع ستي اللي بتعد عليا اللقمة في الأكل، وانتي ما شاء الله في شقة طويلة عريضة، دا حتى في الشكل، انتي جمال وحلاوة وجسم ولا المليكان، وانا جســ مي واقع وقصيرة......
هتفت ميرنا تقاطعها بانفعال تدعيه:
- بطل عبط يا بت، وخلي عندك شوية ثقة في نفسك، اتعلمي يا ختي من المنيلة اللي بتمشي معاها.
- صبا!
- ايوة صبا، شوفي يا ختي التناكة والعنجهية اللي هي فيها.
التوى ثغر مودة باستياء تردف للأخرى:
- وغلاوة النبي عندك يا شيخة بلاش تريقة، وانا اَجي حتى ربعها عشان اقلدها؟
انتفضت ميرنا لتنهض وتنهضها معها لتقول بتحفز:
- بقولك ايه يا بت انتي، انا النبرة دي محبهاش، قومي دلوقتي معايا، هأكلك أكلة معتبرة وبعدها هوضبك واخليكي واحدة تانية، عشان تعرفي ان السر في الاهتمام، مش في الهبل اللي انتي بتقوليه ده.
بلهفة وعدم تصديق قالت مودة:
- انتي بتتكلمي جد يا ميرنا.
ردت تجيبها بثقة:
- وجد الجد يا روحي، دا أنا ميرنا يا بت والأجر على الله.
❈-❈❈-
في اليوم التالي صباحًاخرجت صبا من المصعد في طريقها لمغادرة المبنى، بعد أن اطمأنت صباحًا على والدة شادي ونيته في الذهاب للعمل، لتأخذ قرارها في الفعل مثله، كانت تعدو بخطوات مسرعة، حتى تلحق بأتوببس الفندق، حتى أنها لم تنتبه له وقد كان يتابعها من الجهة الأخرى، جهة الدرج الذي هبط منه، خمس أدوار حتى لا ينضم معها في هذه المساحة الصغيرة، غير عابئُا بتعب أقدامه، يكفيه تعبه الداخلي، والصرعات التي تدور بعقله منذ قولها مساء أمس، وفعلها اليوم، لقد كانت على استعداد للتغيب عن دوام عملها من أجله! أيعقل أن تكون تعلقت به؟ أم هو التعود؟ أم هو إفتقاد للأمان في غيابه؟ أم أنه! يا إلهي يشعر برأسه على وشك الانفجار من كثرة التخمينات والتكهونات، تنهد بثقل شديد، فقلبه لا يحتمل املا كاذبًا يعد نفسه به، هي كالنجمة رغم قربها منه، وهو المثقل بهموم ومسؤولية كبيرة وجد نفسه مزروعًا به ولا يستطيع التنصل منها، هذا بالإضافة إلى العديد من الفروق الهائلة بينهم.
سحب شهيق طويل ليعود لواقعه متمتمًا بالإستغفار قبل أن يخرج من المبنى، حتى يلحق بها، ولكن بسيارته المتواضعة، يتمنى لو يأتي اليوم لتشاركه بها.
❈-❈❈-
استيقظت شهد من نومها على اثر الحركة التي كانت تشعر بها حولها، فتحت عينيها للضوء لتلتقي بفيروزتي صديقتها المشاكسة دومًا والتي اصرت وفعلت بأن باتت ليلتها معها رغم اعتراض التمريض ومسؤلي المشفى.
- صباح الخير يا بيضة انتي صحيتي؟
قالتها لينا وهي تجفف بالمنديل الورقي على وجهها الذي بللته بالماء منذ قليل، اعتدلت الأخرى بجذعها على الفراش الطبي تجيبها بابتسامة:
- يا صباح القلش والأستظراف، العروسة باين نومة الكنبة عجبتها فقايمة مصحصحة بدري بنشاط.
ضيقت عينيها لينا تطالعها بغيظ اثار ابتسامة شقية على ثغر شهد لتهتف بها:
- بذمتك مين فينا اللي بيقلش دلوقتي؟ ولا مين فينا اللي قايم رايق من الأساس؟
تمطعت شهد لتفرد بذراعيها وتثنيهم مصدرة أصوات بدلع وهي تقول:
- يا ستي بقى، مرة من نفسي ابقى رايقة، واهو عشان تتأكدوا اني كويسة واستحق الخروج من امبارح.
تغيرت ملامح لينا لتأخذ وضع الجدية وهي تقترب لتجلس على طرف فراش الأخرى تقول:
- لا انتي مش كويسة يا شهد، وبلاش تكابري....
همت لترد الأخيرة ولكن لينا أوقفتها متابعة:
- بقوولك بلاش تكابري..... انتي بتضغطي على نفسك كتير وانا بفوت، لكن في دي مينفعش، انتي عارفة وانا عارفة كويس قوي، انك تعبانة ولازملك بريك عشان تفصلي شوية، مفيش حد كبير ع التعب.
ردت شهد تدعي التفكه:
- الله يا ست لينا، دا انتي بقيتي محللة نفسية جامدة بقى؟ ايه يا عسل؟ دي مكنتش وقعة دي اللي وقعتها امبارح وخلت الكل يقلق عليا.
لم تستجيب لها لينا وقالت بإصرار:
- متحاوليش تهربي بالهزار ولا تاخذيني في دوكة زي عوايدك، انا مش غبية عشان مكونش فهماكي؟ اللي انتي بتعمليه ده اسمه انتحار.
- انتحار!
- أيوة انتحار، انتي لازم تشوفي نفسك وتفكري فيها، محدش هينفعك لو وقعتي.
عبارتها الأخيرة أصابت شهد في الصميم، لترد بشبه ابتسامة ليس لها معنى قائلة:
- اللي يشوف العقل والرزانة دلوقتي، ميشوفش الجنان بتاع امبارح وانتي ماسكة في خناق الظابط.
- ظابط!
هتفت بها لينا باستنكار لتتابع:
- دا لا يشبه ولا حتى يليق عليه بأسلوبه البيئة المستفز ده.
ردت شهد ساخرة:
- بيئة ومستفز كمان! واسم الله عليكي انتي بقى اللي راقية ومن جاردن سيتي، يا بت دا انتي دخلتي في الراجل امبارح زي القطر، ولولا الست والدته واخوه موجودين، لكنتي لميتي علينا المستشفى بزعيقك.
استشاطت لينا غضبًا لتهدر بها:
- طب والنعمة يا شهد لو ما لميتي لسانك الطويل ده، لكون مطلعة عليكي القديم والجديد ولا يهمني تعبك ولا مستشفى وزفت.
قالت شهد لتزيد من استفزازها:
- بجد! طب ما توريني كدة.
بغيظ وتوعد نهضت لينا تقفز لتحط بكفتيها الباردتين تدعي خنقها، مع علمها الأكيد أن اللمس في هذه المنطقة عند شهد يصلها كدغدغة لا تحتملها لتنطلق ضحكات شهد بصوت عالي ونبرة طفولية بعيدة عن شخصيتها الجادة وهي تتوسلها:
- خلاص يا مجنونة شيلي إيدك اللي عاملة زي التلج دي مش قادرة اتحمل.
بعند طفولي ردت لينا بابتسامة تكتمها:
- لا مش هشيل، عشان تحرمي تتحديني مرة تانية، يا اللي عاملة فيها سبع رجالة انتي.
اصوات الضحكات والمرح بصخب منهن كان يصل لخارج الغرفة حتى تفاجأ به حسن الذي طرق بخفة وهو يدفع الباب ليلج داخل الغرفة، ليصله هذه النبرة الغريبة لشهد في الضحك، نبرة صافية خالية من الهموم، نبرة شقية بأنوثة ناعمة لفتاة تدعي الرجولة والتجهم يعتلي وجهها دائمًا:
- صباح الخير، هو انتو بتتخانقوا ولا بتهزروا؟
قالها قاطبًا بتوجس،على الفور نزعت لينا كفيها بحرج لتعطي الفرصة لشهد تلتقط أنفاسها وتحاول التوازن أمام حسن الذي كان يراقب احمرار وجهها بابتسامات تلملمها بأثر الضحكات السابقة، فقالت:
- لا بشمهندس مفيش خناق ولا حاجة، ربنا ما يجيب خناق.
اضافت لينا على قولها:
- دي حاجة بسيطة يا بشمهندس، عشان بس الهانم تحرم تطول لسانها تاني.
رمقتها شهد مضيفة عينيها بتوعد، ورد حسن يقارعها:
- واضح كدة ان طبعك الحامي دا يا اَنسة لينا مع الكل حتى مع اقرب الناس ليكي، مش بس مع أمين اخويا.
عبست ترفع طرف شفتها بغيظ وتولت شهد تغير دفة الحديث، تجنبًا لبدء مشاجرة أخرى قد تفتعلها صديقتها المجنونة:
- ما قولتليش يا بشمهندس، اخبار عبيد إيه؟
بابتسامة صافية اجاب يطمئها:
- الحمد لله يا ستي، ربنا كتبله عمر جديد، ودلوقتي فاق من الغيبوبة وبقى حاسس بالدنيا.
- بجد؟
هتفت بها وهي تعتدل بجذعها لتتابع باهتمام:
- يعني كدة هيعيش ومش هيموت؟
تعقد حاجبيه يجيبها بدهشة لسؤالها المباشر:
- لا إن شاء الله ما يموتش، ربنا يحفظه لامه واخواته البنات، انا كنت معاهم من شوية، دول كمان مش مصدقين لحد دلوقتي رغم انهم شافينه بعيونهم.
- تمتمت بالحمد وتدخلت لينا تقول:
- اكيد عشان الصدمة صعبة عليهم، دا غير انه محتاج وقت على ما يقدر يتفاعل معاهم، ضربة المخ دي حاجة صعبة اوي وبتحتاج وقت على ما البني ادم يرجع لطبيعته.
أومأ حسن يوافقها:
- فعلا عندك حق، انا عرفت من الدكتور انه هيفضل تحت الملاحظة عشان يعرفوا كمان درجة الوعي عنده.
- انا عايزة اروح اشوفه.
قالتها شهد وهي تنزل بقدميها على الأرض، قبل أن يوقفها حسن على الفور بقوله:
- أوعي تتحركي من مكانك يا شهد، الدكتور بتاعك منبه عليا جامد انك متروحيش هناك ولا تشوفيه أي شيء يأثر على أعصابك.
هتفت به منفعله:
- معني كدة ان حالته لسة خطيرة، أمال بتطمني ليه بقى ومش عايزني اروحله؟
هتف هو الاَخر بدوره حازمًا:
- انا مقولتلكيش انه رجع ووقف على رجليه، احنا اطمنا بس انه رجع للأحياء، ومتفقين ان حالته صعبة، وهتحتاج وقت ورعاية، الدكاترة مش سايبنه، وأهله أنا شرحتلهم عن حالتك، يعني مفيش داعي لزيارتك الكريمة.
- ازاي يعني.......تفوهت بها تنوي الجدال قبل أن تقاطعها لينا بصرامة:
- اسمعي الكلام يا شهد وبطلي عِند بقى، جيتيك هنا من الأول كانت غلط، كان كفاية اوي تهتمي من بعيد لبعيد، وانتي عارفة ومتأكدة إن اعصابك مبتتحملش!
حدجتها بنظرة غاضبة اخرستها عن التكملة، وتدخل حسن بسؤاله:
- عارفة ومتأكدة من إيه؟
ردت شهد بوجه عابس:
- متشغلش نفسك انت يا بشمهندس، انا بس كنت عايزة اسأل الدكتور المسؤل عن حالتي، عشان اخرج بقى.
❈-❈❈-
في انتظارها في داخل الحافلة التي تقل مجموعة كبيرة من موظفي الفندق، تفاجأت صبا بالهيئة الجديدة لصديقتها التي صعدت بثقة وتخايل حتى جلست بجوارها، تلقي التحية بابتسامة:
- صباح الخير يا صبا.
بتأمل شديد ردت تجيبها:
- صباح النور يا حبيبتي، ايه التغير ده؟
قالتها مشيرة على قصة الشعر الجديدة والزينة المتقنة لوجهها، ضحكت الأخرى تقول بلهفة:
- عجبتك التسريحة ولا المكياج، دا لسة كمان لما اقبض، هجننك بالطقمة اللي هاجيبها، ما انا لازم اللبس واهتم بنفسي.
القت صبا نظرة خاطفة نحو بعض الأشخاص الذين انتبهو للحديث لتخاطبها بنظرة محذرة:
- وطي صوتك شوية، الموظفين بقوا مركزين معانا.
- ياختي وما يركزوا.
قالتها ثم توقفت على الفور للنظرة القوية من صبا، فتابعت بصوت خفيض:
- انا بس كنت عايزة اسالك، حلو عليا الشعر القصير، ولا المكياج، مظبوط كدة على بشرتي ولا لسة في أثر بهتان؟
صمتت صبا قليلًا بتفكير ترمقها، قبل أن تجيبها:
- أكيد طبعا التغير كويس، بس انتي مقولتيش انك رايحة الكوافير امبارح، أو عندك مناسبة تخليكي تعملي دا كله.
ضحكت مودة لتقول مبتهجة:
- لا ما انا مروحتش الكوافير، دي واحدة صاحبتي، بس إيه ممتازة، عملت معايا شغل ماسكات وحاجات للبشرة والشعر، ولا شغل الصالونات الكبيرة الغالية.
توقفت لتلتف للأمام بشرود تتمتم:
- بنت حلال أوي! ربنا يخليها.
❈-❈❈-
وصلت الحافلة لمقر العمل، ليترجل منها الموظفون والموظفات، كل فرد في اتجاه قسم عمله، وتفرقت مودة عن صبا، بعد أن ولجتا الإثنتان بداخل الفندق، كل واحدة في اتجاه، صبا والتي كانت في طريقها نحو غرفتها تفاجأت بإحدى العاملات توقفها:
- اَنسة صبا لو سمحتي استني.
التفت إليها باستفسار تسأله:
- نعم، عايزني في حاجة؟
اجابت المرأة بعملية قبل أن تلتف وتتركها:
- مش انا يا اَنسة، دا عدي باشا هو اللي طالبك.
تطلعت صبا نحو الجهة التي أشارت نحوها المرأة قبل أن تغادر، لتجد هذا المتعجرف جالسًا على مقعده، في الركن الذي أصبح خاص به وحده، واضعًا قدم فوق الأخرى يناظر في بعض الأوراق الخاصة بالعمل، زفرت داخلها بضيق قبل أن تجر قدميها عنوة لتقف أمامه ملبية:
- أفندم حضرتك.
رفع عينيه عن الأوارق بنظرة خاطفة قبل أن يجيبها بعد دقيقة من الصمت:
- الناس بيقولوا تحية الصباح الأول وبعدين يتكلموا.
بشبه ابتسامة ليس لها معنى ردت بغيظ تكتمه:
- صباح الخير يا فندم، كنت عايزني في إيه بقى؟
ازاح الأوارق من فوق أقدامه ليضعهم على الطاولة القريبة منه قبل أن يرد:
- مستأذنتيش ليه امبارح قبل ما تخرجي وتكسري أمر مديرك؟
برقت عينيها الجميليتين لتقول باندهاش:
- انا كسرت أمرك ومستأذنتش كمان؟ يا فندم انا مبلغة حمدي وواخدة منه الإذن......
- كان يجب الإذن يبقى مني أنا مش حمدي.
قالها بمقاطعة حادة ليردف:
- أنا اللي أصدرت الأمر، يبقى تيجي لحد عندي وتطلبي، وانا بقى ساعتها اقرر إن كنت هسمح أو لأ، انا رئيس العمل والمالك، مش حمدي.
زاد احتقانها وزاد الغضب المكتوم بداخلها منه، ودت أن تقرعه برد يناسب عنجهيته ولكنها تمالكت لتنهي الأمر بدبلوماسية تعلمتها قريبًا لتجيبه:
- تمام حضرتك، في أي حاجة تاني؟
ردها المبهم وهذه الابتسامة الصفراء وكأنها تقصد التهوين من الأمر لإنهاء الحديث، يزيد من غضبه، ذكائها الحاد يقطع عليه حبل أفكاره وما قرره منذ الأمس لعقابها.
- عايز حاجة تاني يا فندم؟
عادت بقولها له، فلم يجد أمامه سوى أن يصرفها بهزة خفيفة من رأسه، تلقفت الأمر الغير منطوق، حتى تذهب من أمامه على الفور، لتقع عينيها على من ولج للفندق بخطوته السريعة، لتعدو نحوه كطفلة متلهفة تهتف بإسمه:
- مستر شادي، مستر شادي.
توقف هو الاَخر لها بابتسامة يستقبلها ثم يتابعا طريقهما نحو الغرفة التي تجمعهما للعمل.
أمام انظار الاَخر وهو يتابعهما مظلم الوجه مغمغمًا باحتقان:
- ماشي، ماشي يا صبا!..... يتبع
رواية و بها متيم انا الفصل السادس عشر 16 - بقلم امل نصر
بعد أن أنعشت جسدها بحمام دافئ، تغمرها رائحة العطور التي تختلط مع مياه حمامها، وقفت أمام المرآة لتزيح عن رأسها المنشفة الصغيرة وتتغلغل بأناملها داخل الخصلات الفاحمة المبللة. لقد قضت ليلة رائعة بالأمس، بعد أن فاجأها كارم ليدعوها لسهرة خاصة بهما معًا في أرقى المطاعم، ليجعل جميع العمال والمسؤولين به تحت خدمتها بمعاملة ملوكية. جعلتها تحلق معه بسعادة، لتتذكر أنها فائزة به، حتى رغم العيوب الكثيرة بشخصيته، إلا أنه يحاول من أجل إرضائها وهذا يكفي.
تنهدت براحة تغمرها، ثم تحركت بخطواتها لتجلس بروب الحمام الأبيض، لتتناول هاتفها تزيد ابتهاجها، برسائل المتابعين وتعليقاتهم عنها وعن جمالها وروعة ما ترتديه.
قلبت قليلًا، لتفاجأ بمجموعة رسائل من هذا الغريب الذي لا يكف بمحاولته للحديث معها. همت أن تحظر رقمه بعد أن تصالحت مع كارم زوجها، ولكن الفصول جعلتها تفتح لترى ما كتب أولًا قبل أن تفعل، وكانت الصاعقة، حينما تفاجأت بعدد من الصور التي تجمع زوجها بامرأة تبدو من مظهرها أنها أجنبية، يضمها من خصرها وهو يسير معها، ثم يدلف بها داخل مبنى عرفته من أول وهلة. فهو يضم شقة كارم السرية التي كان يجتمع بها مع عشيقاته سابقًا، وآخرهم كانت جيرمين التي أجبرتها عن الابتعاد عنه. ترى من هذه؟ ومتى كان لقاءه بها؟ كانت أسئلة تدور بعقلها قبل أن يرسل لها هذا الغريب وكأنه قرأ أفكارها:
"لو عايزة تعرفي خانك معاها امتى؟ فأنا أحب أقولك إن الميعاد كان أول امبارح. هو الراجل ده إيه؟ أعمى ما بيشوفش عشان يخون واحدة زيك؟"
دفعت الهاتف من يدها لتلقيه بإهمال على الفراش وعدم تحمل. لقد فعل وخانها مرة أخرى، برغم كل ما تفعله من أجله، حتى بعد أن غيرت هيئتها وأصبحت حلم لمعظم الرجال إن لم يكن جميعهم. هو فعلها، فعلها ليهدر كرامتها ويطعن اعتزازها بنفسها، ثم يأتي وبكل بجاحة ليراضيها بليلة كانت كالحلم بالنسبة لها بالأمس، قبل أن يتحول كل ذلك لكابوس بعد أن عرفت ما خلفها.
"حبيبة قلبي سرحانة في إيه؟"
قالها فجأة ليجفلها وهو يقتحم الغرفة بجذعه العاري، بعد أن انتهى من تمرين الصباحي. ظلت صامتة ولم تجبه حتى اقترب يقبلها من وجنتيها قائلًا بوله:
"ريحتك تجنن، بتوزني مسبكش أبدًا النهاردة، لكن يا خسارة مضطر."
أجلت حلقها لتسأله:
"مضطر ليه؟ عندك حاجة مهمة في الشغل؟"
اعتدل ليرد وهو يتناول منشفة نظيفة من خزانة ملابسه:
"هو انتي نسيتي ولا إيه يا قلبي؟ النهاردة الحفل الخمسيني لفندق عزام باشا الله يرحمه، يعني لازم أكون مع عدي."
توقف ليلتف لها قائلًا بتشديد:
"وانتي يا قمر، عايزك تمسحي الكل النهاردة بجمالك. انتي عارفة إن مصطفى أخوه مراته الممثلة أستاذة في الإبهار، ده غير إنه هيجيب شلته اللي انتي عارفاها، عايزك بقى تجننيهم."
قصد بقوله الأخير طارق وجاسر أصدقاء مصطفى، وزوجاتهم زهرة وكاميليا شقيقتها وهو الأعلم بمدى حساسيتها في هذا الأمر. بالطبع هزت برأسها إليه تقول بتحدي:
"أكيد أنا محدش يغلبني في الشياكة ولا الأناقة."
"أنا واثق من ده."
قالها ليختم بقبلة لها في الهواء قبل أن يتحرك نحو حمامه.
أما هي فقد تناولت على الفور هاتفها، فور أن اختفى من أمامها، لتبعت برسالة لشقيقها القريب منها والذي يعمل لدى كارم في شركته:
"مروان، هبعتلك صور دلوقتي، وعايزاك تقولي مين الست اللي مع كارم."
أرسل لها بعدم فهم:
"ست مين؟ في حاجة يا رباب؟"
بعثت بهم قبل أن تصلها الصور، وتوقفت قليلًا قبل أن ترسل ردها:
"دي مدام جاكي، الشريكة الجديدة لشركتنا، كانت هنا أول امبارح هي وشريكها التاني."
"هو انتي مين بعتلك الصور؟"
أغلقت المحادثة ولم تجبه، وقد تأكدت من ظنها وخيانة زوجها لها. اشتعلت رأسها لتمتم بحريق:
"تاني برضو تخوني أنا يا كارم؟"
***
"بتعملي إيه يا مودة؟"
قالتها ميرنا من خلفها لتتوقف عما تفعله وتلتفت نحوها بتعب قائلة:
"يعني هكون بعمل إيه بس؟ ست الريسة النهاردة هلكتني بالأوامر بتاعتها، أنا مش عارفة إيه لزوم الهرجلة دي؟ ما إحنا كل يوم بننضف والفندق آخر حلاوة، ليه بقى الإجراءات الزيادة دي يعني؟"
تبسمت تجيبها الأخرى وهي تجلس على حافة الطاولة القريبة منها في القاعة التي كلفت مودة بتنظيفها:
"يا خايبة النهاردة يوم غير أي يوم، النهاردة الحفل الكبير لذكرى تأسيس الفندق للسنة الخمسين، الفندق كله مقلوب، المسؤولين عايزينها ليلة تاريخية، بالزوار ولا الممثلين والمغنين اللي هيحضروا ويولعوها."
بانتباه شديد سألتها مودة:
"يعني على كده الأسماء اللي بسمعها من الصبح دي، حقيقي هتحضر؟ يا نهار أبيض ده مكنتش مصدقة وكنت فاكرة إنه نُخع من الموظفين."
"لأ يا ختي صدقي وصدقي أوي كمان، ما هو انتي لو شوفتي شكل الزوار اللي بيهلوا في المناسبات دي، تعرفي إن الممثلين والناس المشهورة ميجوش حاجة فيهم. المهم بقى، انتي ناوية تحضري حفل الجمهور لعمر دياب وباقي المطربين اللي معاه؟"
"ها."
"إيه اللي ها؟ بسألك يا بت لو هتحضري؟"
"مش عارفة بصراحة، أصل يعني."
"أصل إيه يا بنتي ما تفهميني."
أطرقت مودة رأسها بحرج وهي تدعي التنظيف في بقعة من الأرض نظيفة من الأساس، لتردف:
"ده سهر يا ميرنا، وأكيد يعني الهدوم اللي باجي بيها الشغل متنفعش، ما هم لو كانوا يستنوا يومين بس على ما أقبض، كانت تبقى حلاوة."
ضحكت ميرنا مرددة خلفها:
"يستنوا إيه يا عبيطة؟ انتي عايزةهم يأجلوا حفل عيد تأسيس الفندق للسنة الخمسين عشان القبض بتاعك، ده انتي غلبانة أوي."
أكملت ميرنا بضحكاتها والأخرى تأثرت لتتمتم بصوت مسموع:
"ما أنا فعلاً غلبانة، غلبانة أوي كمان."
رمقتها ميرنا بامتعاض تغلبت عليه بعد قليل لتخاطبها بسأم تحاول إخفاءه، فهذه الفتاة تثير غضبها في معظم الأوقات بهذا الضعف المبالغ فيه، رغم أنه في مصلحتها هي، كي تتمكن من استغلال هذه النقطة جيدًا بها، ولكنها ورغم ذلك تغيظها، فهي تذكرها ببدايتها قبل أن يدهسها قطار الواقع المر، ثم تفيق لنفسها وتعرف كيف تستغل إمكانياتها جيدًا من أجل مصلحتها وفقط:
"بقولك إيه يا مودة، حاولي تخففي من قولة أنا غلبانة وحظي قليل، والكلام ده ياختي، مش كل الناس عندها مرارة."
"تقصدي إيه؟"
سألتها مودة بعدم فهم، فهتفت الأخرى تجيبها وهي تنهض واقفة عن طرف الطاولة التي كانت تجلس عليه:
"قصدي إن أجيبلك من الآخر يا ست مودة، لو عايزة تسهري يا حبيبة قلبي؟ أنا ممكن أساعدك وأتصرف في فستان، لكن لو مش عايزة..."
قاطعتها مودة بلهفة مرددة:
"عايزة والله عايزة."
بتنهيدة وابتسامة خفية ردت تجيبها قبل أن تلتف لتتركها:
"خلاص اعملي حسابك ع السهر وسيبى الباقي عليا."
قالتها وتحركت قليلًا، ثم استدارت سريعا متابعة:
"وشوفي كمان لو صاحبتك هتنضم معاكي، أنا برضه سدادة معاها حتى لو هي كارهاني من غير سبب."
"تقصدي على صبا؟"
سألتها فردت تجيبها ميرنا بطيبة مصطنعة:
"يعني هيكون مين غيرها يعني؟ عشان تعرفي بس بمعزتك عندي، أنا مستعدة أساعدها وأساعدك وأجيبلك فساتين تليق عليكم، حكم أنا أعرف واحد صاحب أتيليه مشهور هنا بيأجر فساتين، أقدر بقى أتصل بيه وأخليه يبعت لنا هنا كذا فستان واحنا ننقي منهم زي شغل الهوانم بالظبط."
"هوانم!"
صاحت بها مودة لتتابع بلهفة:
"انتي بتتكلمي بجد؟ طب ومين بس اللي هيدفع تمنهم؟ ما انتي عارفة البير وغطاه يا ميرنا."
تخصرت الأخرى لتقول بزهو:
"ما تفهمي يا بت بقى وبطلي عبط، بقولك الراجل معرفة، يعني مش هخليكي تدفعي مليم، ده مراته تبقى صاحبتي، يعني هي اللي هتجيبهم بنفسها كمان."
"كمان!"
"أيوة يا ختي أمال إيه، أنا مش قليلة في البلد دي يا عينيا، وزيادة في الجدعنة كمان، مستعدة أميكجكم انتو الاتنين وأظبطكم على حق."
بغبطة تغمرها رددت مودة:
"يا لهوي ياما، ده انتي كده حليتيها من كله."
تبسمت الأخرى لتقول بانتشاء قبل تلتف وتغادر:
"يالا بقى، عدي الجمايل."
تسمرت مودة تتابعها حتى اختفت لمدة من الوقت استغرقتها لتستوعب، ثم هللت بفرح غامر:
"أيوه بقى."
***
على مكتبها كانت منهمكة بالعمل على أحد الملفات، نظرًا لانشغال رئيسها في الترتيبات النهائية للحفل الكبير في هذا اليوم الاستثنائي. ودت لو تخرج لتشاهد ما يحدث ولكنها لا تجد الفرصة لتراكم المطلوب منها تأديته:
"شفتي اللي حضر من شوية يا صبا."
هتف بها شادي وهو يقتحم الغرفة بخطواته السريعة كالعادة. رفعت رأسها عما تفعل لتسأله:
"مين اللي حضر؟"
بابتسامة صافية شاكسها بفعل تفاجأت به وكأنه يغيظها:
"عمر دياب وأنا سلمت عليه بنفسي."
شهقت بصوت كتمته على الفور حتى جعلته ينطلق بضحكة رجولية مجلجلة لأول مرة تسمعها منه، لدرجة أعجبتها في البداية قبل أن تستدرك لتخاطبه بلوم:
"طب ليه مندهتنيش؟ مش أنا المساعدة بتاعتك برضه؟ مفتكرتنيش ليه ساعتها؟"
أكمل ضحكاته بصوت مكتوم وهو يراقب عبوس وجهها، وغضب حقيقي ارتسم على ملامحها لتطرق رأسها مغمغمة بإحباط:
"ما هو أنا لو كنت بتابع الشغل برا المكتب مكنتش راحت عليا الفرصة دي، أنا كده، عارفة حظي."
أشفق يخاطبها:
"لدرجة دي زعلتي يا صبا؟"
رفعت عينيها تجيبه بتماسك وهي:
"مش حكاية زعلانة يعني، بس أنا بصراحة حاسها فرصة حلوة أوي إني أقابل المطرب المفضل عندي، أنا مبروحش حفلات ولا بخرج، عشان والدي وتحكماته."
"طب واللي يخليكي تسلمي عليه بإيدك وتحضري كمان حفلته."
قالها شادي لتهتف به:
"بجد؟ يعني انت ممكن تعملها صح؟"
بابتسامة رائقة وكأنه شخص آخر، غير جارها الذي تعرفه:
"اه يا صبا ممكن أعملها، هخليكي تسلمي وأعرفه بيكي، وقت الحفل الخاص في الفندق، ولو عايز أكلم والدك وأخليكي تحضري حفل الجمهور برضه ممكن أتصرف وأعملها."
"مش معقول!"
هتفت بها وهي تقف عن مكتبها، لتتابع بلهفة:
"أصل أبويا ممكن يرفض إني أتأخر برا لوحدي، حكم أنا عارفاه."
تبسم لها يقول بلطف:
"ومين قال إن هتبقي لوحدك، أنا ممكن أتصل على رحمة تظبط الدنيا هناك معاه."
هتفت بفرح:
"رحمة!"
تبسم يردد خلفها بمرح وهو يتناول أحد الملفات:
"أه يا ستي رحمة، أنا هروح دلوقتي أشوف اللي ورايا، وانتي كملي اللي معاكي، وإن شاء الله متيسرة، أسيبك بقى."
قالها وخرج ليتركها تنظر في أثره باندهاش، تستعيد بذهنها صوت ضحكته الرنانة، وجهه المضيء وهو يحدثها ويغيظها، ثم رغبته أن يحقق لها أمنيتها، تشعر بأنه ترى شخصًا آخر غير الذي تعلمه، أو ربما هي كانت لا تعلمه، وهذه هي الشخصية الحقيقية لشادي، جارها الذي لم يعد غريبًا بعد الآن.
***
"صباح الخير."
هتفت بها مجيدة وهي تطرق بخفة على باب الغرفة المفتوح، وردت شهد والتي كانت جالسة تتابع مع الممرضة التي تنزع عنها إبرة المحلول من يدها:
"صباح الفل يا ست مجيدة اتفضلي."
خطت الأخيرة لداخل الغرفة مرددة:
"يزيد فضلك يا حبيبتي، عاملة إيه بقى النهاردة؟"
ردت شهد بابتسامة مشرقة:
"الحمد لله بخير أكيد، بس انتي إيه اللي جايباه في إيدك ده؟"
قالتها مشيرة نحو باقة الورود التي تحملها بيدها الأخرى، فاقتربت منها لتقدمها لها قائلة بمرح:
"ده ورد للورد."
تناولت منها بابتسامة تحاول إخفاءها، لتقول بحرج:
"يا نهار أبيض ولزومه إيه تكلفي نفسك بس؟"
ردت مجيدة وهي تجلس على الكرسي القريب منها:
"مفيش تكلفة ولا دياولو، أنا مش شارياه أساسًا، ده زرع إيديا اللي برعاه كل يوم، إن مكنش يطلع للغالين، هطلعه لمين بقى؟"
"غالين!"
رددتها شهد بشعور من الفرح يغمرها، فهذه أول مرة تفاجأ بهدية رائعة كهذه، ومن امرأة كمجيدة التي تذكرها بأفعالها بحنان أبيها الذي تفتقده، وقد كان يعوضها عن افتقاد والدتها، قبل أن يتركها هو الآخر، ثم تأتي مجيدة وتصنفها بالغالية، رغم المعرفة القليلة بها:
"بس الورد ده كذا نوع، ما شاء الله عليكي، ده انتي باينك عاملة جنينة."
قالتها شهد حتى لا تبدو غير طبيعية بلهفتها على الورود، تبسمت مجيدة تجيبها بزهو:
"هي فعلاً جنينة، بس جنينتي أنا اللي على قدي، زارعاهم في البلكونة بتاعة الصالة، أصلها واسعة ومختلفة عن باقي الغرف، إحنا مش أغنيا، بس ولله الحمد حالنا حلو وبنعمل اللي إحنا عايزينه عشان نعيش كويس، وأهم حاجة للعيشة الكويسة هي إن البني آدم يستمتع بهوا نضيف أو ريحة جميلة تعبي صدره ساعة عصريه في الروقان، أو وقت الغضب عشان ينسى همه.....، هي لينا فين صحيح؟ مش شايفاها يعني، ولا يكونش خرجت؟"
"لأ هي مخرجتش ولا حاجة، دي دخلت الحمام عشان تجهز، أصل الدكتور صرح لي بخروج، وأنا دلوقتي رايحة."
قالتها شهد لتعقب مجيدة بارتياح:
"يا ما شاء الله يا قمر، أيوه بقى، هو ده الخبر الجميل."
"الحمد لله على كل حال."
تمتمت بها شهد بعدم تركيز وهي تستنشق رائحة الورود كل واحدة على حدة.
فسألتها بفضول:
"عجبوكي؟"
"أوي، الباقة نفسها شكلها جميل، ومتنسقة حلو بنظام."
"ذوقي يا قمر."
قالتها مجيدة لتتابع بفخر:
"عشان تعرفي بس إن أنا أستاذة في كله.... وخصوصًا في الذوق بعرف أنقي كويس جداً."
قالت الأخيرة بقصد وعينيها تتبع لينا التي كانت تخرج من حمام الغرفة بعد أن عدلت هيئتها. انتبهت لها الأخيرة لتقترب منها وتلقي التحية:
"صباح الخير، عاملة إيه يا ست مجيدة؟"
"صباح الفل، كويسة يا قلبي وعال، ها بقى كنت عايزة أسألك، لو حد من المسؤولين هنا ضايقك بعد ما مشينا؟"
قالتها مجيدة بمكر لتجيبها الأخرى بانفعال كعادتها:
"حد فيهم يقدر يمنعني؟ كلها كانت محاولات على الفاضي، أنا دماغي جزمه أوي لما بصمم على حاجة."
ضحكت مجيدة بصوتها الرنان لتشاكسها:
"انتي مشكلة جامدة يا لينا، بتفكريني بفرسة جامحة، ما يقدر يروضها غير خيال."
قالتها بمغزى لم تفهمه لينا والتي اتجهت بعد ذلك لشهد تخاطبها:
"ها يا قمر، جاهزة بقى عشان نخلص إجراءاتنا ونروح."
"الإجراءات خلصت."
هتف بها حسن وهو يدلف لداخل الغرفة، ليتابع:
"أنا خلصتهم بعد ما فهمت من الدكتور اللي متابع لحالتك كل حاجة."
سألته شهد:
"تقصدي إيه؟"
اقترب يقبل رأس والدته بحركة اعتيادية كتحية لها قبل أن يجيب:
"قصدي الراحة النفسية يا شهد، ريحي أعصابك شوية وخذي وقت مستقطع من الشغل وكل اللي وراكي."
تبسمت صامتة بلغة فهمها على الفور، وهي عدم الانصياع للتعليمات فتوجه بخطابه نحو لينا:
"ما تكلميها انتي، يمكن تسمع كلامك."
رددت الأخيرة بيأس:
"تسمع كلام مين؟ ده أنا لو بأذن في مالطة، يمكن كنت جبت نتيجة، دي مفيش منها فايدة صدقني."
"ربنا يهديها."
عقب بها حسن يشاكس شهد، لتضيف عليه مجيدة:
"ويريح بالها ويرزقها باللي يستاهلها، ساعتها بس هتسمع الكلام."
أطرقت شهد بخجل تحاول إخفاءه، فخرج صوتها بارتباك وهي تنزل بأقدامها على الأرض من التخت الطبي:
"طب إحنا كده يدوب نمشي بقى، هستنى إيه؟ يالا بينا يا لينا."
نهضت مجيدة هي الأخرى تخاطب الاثنين:
"طب متيجوا معانا في العربية نوصلكم في طريقنا، عربية أمين حلوة وشرحة."
"عربية مين؟ لأ طبعًا، مفيش روحة غير في عربيتي."
قالتها لينا بحدة أجفلت مجيدة وحسن أيضًا.
***
في الأسفل
كان متكئًا على جانب سيارته يلوك علكته في انتظار والدته التي ظهرت من مدخل المشفى بصحبة شقيقه، وشهد وهذه المدعوة لينا. فور أن وقعت عينه عليها تحفز ليميل بجسده أكثر على السيارة ليناظرها بتمهل من خلف نظارته السوداء. رمقته بحدة انتبهت عليها مجيدة، وهي تسحب شهد نحو سيارتها، ليتفرقا الأربعة، حسن ووالدته نحو سيارة أمين، وشهد مع لينا في سيارتها.
"ها يا سيادة الظابط، نص ساعة زي ما قولتلك بالظبط ومتأخرتش عليك."
قالتها مجيدة وهي تقترب لتدلف لداخل السيارة، ليرد هو:
"والله لمصلحتك يا ست الكل، لأنك لو أخرتي عشر دقايق بس زيادة، كنت هضطر أسيبك وأروح، أنا بموت أساسًا عشان أنام."
تدخل حسن وهو يلقي بنظرة أخيرة نحو سيارة الفتيات قبل أن ينضم معهما:
"ومين سمعك؟ ده أنا بسقط على نفسي وأنا واقف، حد يوصلني بس للسرير."
عقب أمين ضاحكًا وهو يدير المحرك:
"وحد كان غصبك ع التعب، ما انت اللي عايز كده."
هتف به حسن ساخطًا:
"لم نفسك يا أمين بدل ما أفوقلك وأعرفك مقامك."
"بس يا واد متعصبش أخوك."
قالتها مجيدة لتناظر حسن بخبث وابتسامة مستترة، جعلت حسن يفهمها ليردد خلفها:
"بس يا واد متعصبش أخوك، أقطع دراعي، إن ما كنتوا انتوا الاتنين قضيتوها ليلة في التحفيل عليا، صح ولا لا يا ماما؟"
ببراءة مصطنعة رددت تغيظه:
"أنا، هو انت تعرف عني كده يا بني؟"
"ده انتي أم أبو كده."
قالها حسن ليجلجل أمين بضحكاته، قبل أن يبطئ من سرعة سيارته بالقرب من سيارة الفتيات قائلًا:
"ده باين عربية المحروسة عطلانة ومش راضية تدور."
هللت مجيدة بفرح:
"حمد لله يارب استجابت لدعوتي، وقف يا واد عشان أجيبهم يروحوا معانا."
"تجيبي مين؟"
قالها أمين لتهتف نحوه بحزم:
"بقولك وقف يا واد هجيب البنات يروحوا معانا، إخلاص يالا."
أذعن لأمرها مضطرًا ليغمغم بتذمر:
"اللهم ما أطولك يا روح، مفيش فايدة فيكي يا مجيدة..... ولا انت كمان يا سي حسن."
وجه الأخيرة لشقيقه والذي تبسم بعرض وجهه.
بعد قليل
كانت السيارة تضم الخمسة، مجيدة والفتيات في الكنبة الخلفية، وحسن على الكرسي الأمامي بجوار شقيقه الذي كان يدير السيارة بتحفز نحو التي تناظره عبر المرآة الأمامية بتعالي مقصود، ليزفر مغمغما:
"صبرني يارب."
قالت مجيدة المتابعة بتسلية تشاكسه:
"إحنا هنوصل شهد وبعد كده انت توصل لينا لبيتها."
احتدت عينيه نحوها، ولكن لينا سبقته باعتراضها:
"لأ طبعًا يا طنط أنا مش عايزة حد يوصلني، ولو هسمح، مش يبقى أخينا ده."
"استغفر الله العظيم يارب، هو انتي حد كلمك يا بت انتي."
"بت لما تبتك."
"صلوا ع النبي يا جماعة."
هتف بها حسن ليوقف حربًا على وشك بين الاثنين، وتابع ملطفًا:
"إحنا هنوصل لينا الأول وبعدها نوصل شهد لبيتها، كده اتحلت صح."
هتفت لينا:
"بس أنا كنت عايزة أوصل شهد بنفسي."
ردت الأخيرة:
"خلاص يا لينا، أنا عارفة مصلحتي والله وهريح النهاردة على سريري، ومش هخرج خالص، استريحتِ يا ستي؟"
صمتت لينا مجبرة وعقبت مجيدة بابتهاج بينهن:
"يا ختي ربنا يخليكم لبعض، ويجعلكم انتوا الاتنين تتجوزوا في بيت واحد وما يبعدكم أبدًا يارب."
***
وبداخل القاعة الشهيرة بالفندق، كان عدي يستقبل المدعوين الذي حضروا باكرًا، من الأقرباء ومسؤلي شركاته، ومعه شريكه كارم والذي كان لا يقل عنه حماسًا، حتى ولجت أسرته وفي مقدمتهم كان مصطفى، الذي زفر بداخله بضيق؛ حاول إخفاءه وهو يصافح الرجل الذي لا يطيقه، عكس والدته والتي تلقفت كارم بترحيبها الحار وكأنه من العائلة:
"إيه الشياكة دي يا كارم؟ ما شاء الله عليك، كل مرة كده تبهرني بأناقتك!"
تبسم بزهو وتفاخر يجيبها:
"ده انتي اللي عنيكي حلوة يا هانم، أنا بس بحاول أواكب الموضة."
بادلته الابتسام لتقول بإعجاب:
"جميل جدا يا كارم، ابن أصول حقيقي، أنا كل يوم إعجابي بيك بيزيد، مراتك مجاتش معاك ليه؟ أنا متابعاها عشان جميلة زيك وتستاهل."
زاد تعظمًا بداخله ليرد بمداهنة:
"ده شرف ليها طبعًا إن بهيرة هانم شوكت تكون من معجبينها، عمومًا هي لا يمكن تتأخر عن مناسبة هامة زي دي، بس انتي عارفة تجهيزات الهوانم في المناسبات المهمة بتستغرق قد إيه؟"
"عارفة يا حبيبي عارفة، خليها تاخد راحتها عشان تهل علينا زي الملكة، انتو لازم تقعدوا معانا على طاولة واحدة فاهم يا كارم؟"
"أكيد يا هانم."
قالها والتفت رأسه نحو مصطفى بنظرة ذات مغزى، زادت من احتقان الآخر، وهو يرحب بالضيوف مع شقيقه، حتى دلفت ميسون مع أولادها الاثنين:
"روح استقبل مراتك والأولاد ده يوم العيلة كلها."
قالها مصطفى لشقيقه الذي تفاجأ بطلتها الجديدة، فعقب قائلًا:
"وهي جاية بدري كده ليه؟ مكنتش قادرة تستنى وتيجي متأخر مع مراتك وباقي الضيوف المهمين؟"
رمقه مصطفى بغيظ ليهمسه له بتحذير:
"خلي عندك إحساس وقوم اعمل حركة تبين بيها اهتمامك قدام الكاميرات، الست عملت اللي عليها رغم غضبها منك، قوم بقى مستني إيه؟"
سمع منه لينهض بألية حتى قابلها بنصف المسافة وقد كانت تمشي بتمهل مع أولادها عن قصد لينتبه لها ويرى جمالها الأوروبي بهذا الفستان الكلاسيكي الرائع وقصة الشعر التي اجتهدت مع صاحب الصالون الشهير لتنتقي من قصاته ما يليق بها، لتبدو بإطلالة جديدة تلفت انتباهه:
"أهلا ميسون، نورتي مكانك."
قالها بابتسامة مصطنعة وهو يتناول كفها ويقبلها بفعل جعل كاميرات الصحافة والإعلام تسجله بعدساتها، قبل أن يقبلها على وجنتيها، ثم التفت للأطفال ليسحبهم معه، وهي تسير خلفه بقلب يرتجف بداخلها، تتمنى أن تكون قبلته صدرت باشتياق منه لها، كالذي تحترق به كل ليلة منذ غيابه عنها.
***
بحماس شديد كانت صبا تعمل لتنجز المطلوب منها في أسرع وقت، حيث تحقق المستحيل وحصلت على الموافقة بحضور الحفل بصحبة رحمة التي أقنعت أباها، بل وجعلت والدتها تتطوع لرعاية المرأة المريضة والدة شادي حتى عودتهم.
"انتي لسه شغالة يا صبا؟"
قالتها مودة لتخرجها من تركيزها، تبسمت لها تجيب وهي تعود لما تفعله:
"خلاص هانت، كلها نص ساعة بإذن الله وأخلص."
اقتربت الأخرى لتقف عاقدة كفيها خلف ظهرها بصمت وهي تهتز بوقفتها، بحركة تحفظها صبا جيدًا عنها، حينما تريد إخبارها عن شيء ما، فتركت على الفور ما بيدها لتسألها:
"عايزة إيه يا مودة؟ طلعي اللي في بطنك، أنا حافظاكي، الوقفة الغريبة دي، دايما بيبقى وراها حاجة."
تبسمت لها تقول بمرح يمتزج بترددها:
"بصراحة عايزة أفاتحك في حاجة حلوة أوي، ونفسي توافقي عشان نقضي وقت جميل."
ناظرتها باستفسار سائلة:
"تقصدي إيه مش فاهمة؟"
شجعت نفسها لتجلس على الكرسي المقابل للمكتب تقول بلهفة:
"حفلة عمر دياب يا صبا، نفسي نحضرها أنا وانتي بفستانين حلوين ونهيص بقى في الليلة التاريخية دي، انتي مش شايفة الفندق حاله متشقلب إزاي؟"
تمتمت صبا بتفكير فيها وقد نسيتها منذ قليل، في اتفاقها مع شادي ورحمة:
"أيوه فاهمة ما أنا كنت هقو......"
قاطعتها بتسرع:
"أنا وانتي عندنا فرصة نحضر، ميرنا صاحبتي وعدتني إنها هتجهزنا وتلبسنا أحلى فساتين من واحد صاحب أتيليه قريبها ده غير المكياج وتسريحة الشعر، دي أستاذة في الحاجات دي."
هتفت بها صبا، تخاطبها بحدة:
"ميرنا مين يا مودة، ودي مين اللي جاب سيرتها أساسًا؟ أنا اتفقت مع رحمة ومستر شادي هو اللي هيدخلنا نحضر."
"اتفقّتي مع شادي ورحمة من غير ما تقوليلي؟"
قالتها مودة بصدمة أربكت صبا التي ردت بدفاعية:
"لأ طبعًا أنا كنت هقولك، أنا بس سهي عليا عشان زي ما انتي شايفة، مشغولة جدًا، بس طبعًا مكنتش هتحرك من غيرك."
"كلام."
تمتمت بها وهي تنهض عن مقعدها لتتابع قبل أن تخرج وتترك لها الغرفة:
"مجرد كلام، بعد ما اتفقتي وعملتي حسابك، مع المستر جارك وأخته، عمومًا أنا برضه لقيت اللي توقف جنبي وتفكر فيا من قبل حتى ما أطلب منها، عن إذنك بقى."
زفرت صبا تتبعها بأسف حتى اختفت، ودت لو تخرج خلفها لتحايلها، ولكنها تعلم بطبيعة الأخرى وقت الغضب، لا تقبل التصالح ولا حتى تعطي فرصة للتفاهم.
***
في المساء
كان الحضور من مسؤلي الفندق والفروع ورجال الأعمال والفن المقربين من الأسرة صاحبة الحفل والمناسبة، معظمهم حاضرًا في هذه اللحظة المميزة في القاعة الذهبية للتهنئة بمرور خمسين عامًا لتأسيس الفندق، حيث التقاط الصور مع الكعكة العملاقة، ترافقها ألعاب نارية لتزيد من صخب الأجواء. صور خاصة لأسرة مصطفى وعدي مع زوجاتهن وفي الوسط بهيرة رافعة الذقن بكبرياء وشموخ لتزيد عجرفة فوق عجرفتها، مجرد صور للعامة تخفي من ورائها الكثير. كارم وقد اتخذ وضعه وكأنه من ملائك الفندق، متباهيًا بزوجته التي لم تقصر كالعادة بطلتها المبهرة لهذه المناسبة، حتى لا تقل عن نور التي لم يتركها زوجها ولو دقيقة، عكس ميسون التي ابتلعت غصتها في تجاهل زوجها لما فعلته في مظهرها وهذا التغير الذي أثنى عليه الجميع إلا هو، وكأنه لم يرى ذلك من الأساس، لتجاهد باغتصاب ابتسامتها، حتى يبدوان أمام الناس كزوجين سعيدين مع أطفالهم.
شادي والذي كان يتابع كل صغيرة وكبيرة من اختصاص عمله، وفي ظل انشغاله بما يحدث وقعت عيناه على أميرته وهي تدلف القاعة مع شقيقته، ترتدي فستان يبدو كالحرير أمامه لنعومته، بأناقة لا تعرف العري أو حتى تحديد الجسد، وجهها الفتان تزينه بزينة عادية خالية من المساحيق والأشياء التي تضعها النساء سوى من كحل يحدد جمال العيون المميزة مع بشرتها الخمريّة النضرة المضيئة، لا تبتعد عن جمالها الطبيعي، ولكنها ومع ذلك تبدو أجمل وأروع ما رأت عيناه. ود لو يعود بالوقت ليتراجع عن عرضه بحضورها، حتى لا تلتهمها الأعين وترى ما يراه الآن، ولكنه كان مضطر، حينما رأى الحسرة والحزن عليها، ود تحقيق رغبتها حتى لو على حساب احتراقه كما يحدث الآن، إنها صغيرة وهذه الأشياء تفرحها، وهو قد يفعل المستحيل كي يرى هذه التألق الذي يراه الآن في عينيها.
"إيه يا عم شادي؟ اتأخرنا عليك؟"
قالتها رحمة فور أن وصلتا إليه، فرد بابتسامة يشاكسهن:
"لأ ده العادي بتاعك يا ست رحمة، ولا يهمك."
ردت صبا بلهفتها وهي تنظر نحو الجهة التي يجلس بها مطربها المفضل وسط مجموعة من الرجال والنساء:
"طب إيه بقى؟ هتخليني أسلم عليه زي ما وعدت؟"
ناظرها بابتسامة رائقة لا تصدر إلا لها، فسبقته رحمة بالرد:
"وأنا كمان يا جميل، ده أنا مقعدة الراجل بالعيال ومفهماه إني جاية أحضر ندوة تثقفية لتكريمك."
رد بابتسامة واسعة متمتمًا:
"أقسم بالله انتي مصيبة يا رحمة ومش هتكبري أبدًا، استنوني بقى هنا هخليكم تسلموا وتتصوروا كمان معاه."
قالها وتحرك في الجهة المعاكسة لتوقفه رحمة بقولها:
"طب انت رايح فين يا عسل؟ عمر دياب هناك في الناحية دي."
ردد خلفها بعجالة:
"عارف يا عسل، بس أنا رايح لمدير أعماله، ما أنا مش هقتحم ع الراجل كده."
"تمام."
غمغمت بها رحمة قبل أن تعود إلى صبا التي كانت تلتمع عينيها بالشغف وتتمتم:
"أنا مش مصدقة نفسي، معقول! هحضر الحفلة وكمان أسلم عليه!"
***
وصل جاسر الريان، بصحبة صديقه طارق ومعهم زوجاتهما، زهرة وكاميليا التي التقت عينيها على الفور بشقيقتها التي تحفزت تناظرها بصمت، ليدور حديث مختصر بنظرات اختلطت بلوم واشتياق مكبوت يأبى أن يظهر للعلن، بالإضافة لتوجس وتردد في محاولة القرب أو التصالح. كارم والذي كان منتبهًا لكل ذلك، همس بجانب أذنها يسألها بقصد:
"إيه؟ عندك رغبة تسلمي عليها؟ لو عايزة تمام، أنا ممكن آخدك من إيدك، أنا راجل قلبي أبيض ومتصالح جدًا حتى مع اللي بيأذوني على فكرة."
سمعت رباب لتلف رأسها بحدة نحوه ترمقه بشراسة قائلة:
"وفر قلبك الأبيض لنفسك، لأ أنا عايزة صلح، ولا عايز أسلم على حد."
قالتها والتفت لتتناول مشروبها البارد ترتشف منه قبل أن تلتف نحو ميسون زوجة عدي، لتلهي نفسها بالحديث معها، وقد قررت صرف نفسها عن شقيقتها، ولتكبت حنينًا غبي بزغ داخلها على عكس رغبتها. نقل كارم بأنظاره نحو كاميليا يبتسم لها بانتشاء وقد تمكن بخبثه من إدخال الحزن بقلبها، لتبتلع غصتها وتعطي انتباهها لطارق الذي شعر بها، وكان يضغط بقبضته على كفها بدعم، لتبادله بابتسامة ممتنة على كل ما يفعله معها.
وخلفها زهرة تبادلت أيضًا النظر مع زوجها بغيظ وقد كانت متابعة كل ما قد سبق، ثم انصرفا جميعًا للترحيب الحار من مصطفى وزوجته نور.
أما كارم وبعد أن تحقق غرضه التف نحو شريكه عدي، كي يواصل استعراضه أمام خصومه، ليتفاجأ بهذه النظرة الدعائية منه نحو جهة مطرب الحفل الذي توسط بوقفته لالتقاط الصور مع مدير أحد أقسام الفندق هنا مع امرأة بجواره، وفتاة جميلة تجذب الأنظار نحوها بابتسامتها الرائعة وجمالها الفتان رغم بساطة زينتها وما ترتديه، وعدي لا يرفع أنظاره عنها، بشكل أثار ارتيابه، مما جعله يقترب منه هامسًا ليسأله بفضول:
"هي مين دي اللي انت مش شايل عينك من عليها؟"
زفر عدي بدخان حارق قبل أن يجيبه بصوت خشن وغاضب:
"دي صبا، صبا يا كارم اللي كنت كلمتك عنها قبل كده."
رواية و بها متيم انا الفصل السابع عشر 17 - بقلم امل نصر
التفت بفستانها الجديد أمام المرآة وكأنها طفلة صغيرة في يوم عيدها. نوع جديد عليها لطالما رأته على واجهات المحلات ولم تجرؤ حتى في الحلم أن ترتديه. نوع لا تعرف اسمه ولكنه قصير يظهر رشاقة جسدها بشكل محبب. لونه الفوشيا أضاف على بياض بشرتها توردًا ونضارة. تشعر أنها واحدة أخرى، ليست مودة التي تعرفها. زينة وجهها المتقنة، قصة الشعر القصير وقد فردته مكواة الشعر ليغدو ويطير مع خطواتها. فرحة تغمرها لتجعل أحلامًا وأماني تداعب خيالها، شاعرة أنها على وشك القرب من تحقيقها.
"عجبك الفستان يا مودة؟"
قالتها ميرنا بجوارها، وهي تقف أمام المرآة في غرفة لتبديل الملابس. التفت إليها الأخرى ليفتر فمها وتتوسع عيناها بإعجاب شديد، لما ترتديه الأخرى من فستان أسود وضيق انساب على جسدها، حتى أعلى الركبة البيضاء اللامعة والناصعة بإغراء. فقالت مودة بانبهار:
"يا لهوي، بسم الله ما شاء الله يعني. إيه الحلاوة دي؟"
أطلقت الأخرى ضحكة رنانة وهي تعدل من شعرها الطويل وتقول بزهو:
"يا ختي أنا بسألك عن فستانك انتي مش عني."
"ما انتي حلوة وتعجبي الباشا. معقول ولا حد من الناس دي كلها يقدر الجمال ده ويتجوزك؟ دا انتي حقك تبقي هانم."
"ما انا برضوا هانم يا بت، بس في نفس الوقت."
قالتها ميرنا بتهكم ساخر لتتابع بغمغمة خفيضة مع نفسها:
"قال اتجوز قال."
خاطبتها مودة بامتنان:
"ميرنا، أنا مش عارفة أشكرك على إيه ولا إيه؟ ع الفستان ولا ع المكياج، ولا ع الشفت الإضافي اللي نفذت منه النهاردة بمعجزة من الست الولية الظالمة، والبركة فيكي."
ردت ميرنا بطيبة مصطنعة:
"عيب عليكي يا بت إحنا أخوات متشكرنيش. بس برضوا متقوليش على ريستك ظالمة. الست يا حبيبتي معذورة. النهاردة يوم مش عادي، واديكي شوفتي معظم الموظفين مطبقين. غيرش بس صاحبتك دي اللي جاية تحضر النهاردة بحجز متأنتكة ولابسة، ولا اكنها من الجمهور. والبركة في سي شادي جارها، اللي شايل كل حاجة فوق راسه."
عقبت مودة تمط شفتيها بتحسرة:
"صبا دي مدلعة وحظها ماشي في كله. هتيجي يعني ع الشغل. يالا بقى. المهم يا ميرنا، أنا مش عايزاك تسيبني لوحدي النهاردة، معلش يعني، اصل أنا زعلانة منها، ومش عايزة تفتكرني محتاجة لها، بعد ما طنشتني وسابتني."
ردت الأخرى تطالع صورتها عبر المرآة:
"ولا تشيلي هم فيها دي، أنا هخليكي تقضي الحفلة وتنبسطي آخر انبساط."
تبسمت مودة بانشراح، لينعقد كفها خلف ظهرها وتهتز بسعادة بحركة غريزية تفعلها كالأطفال. ثم توقفت فجأة مستدركة:
"صحيح يا ميرنا، أنا شوفت النايت اللي بتشتغلي فيه من شوية بيشغلوا الناس والضيوف، إزاي مقرطوش عليكي انتي كمان عشان تاخدي إضافي."
ردت ميرنا بعدم اكتراث مع ابتسامة تميل إلى الغرور وهي تنثر عطرها الخاص:
"عشان أنا مش أي حد يا روحي، أنا مميزة عن الكل."
"إزاي يعني مميزة عن الكل؟ مديرك ملوش سلطة عليكي ولا انتي عندك واسطة؟"
سألتها بعفويتها لتجعل الأخرى تنتبه لخطئها، وتلتفت إليها بجدية قائلة بإنكار:
"لا طبعًا مفيش الكلام ده. دا أنا كنت بهزر معاكي. وحكاية إني فلت النهاردة من الشغل الإضافي، فدي عملتها بالتنسيق مع واحدة زميلتي."
أومأت مودة برأسها، وقبل أن تخرج بسؤال آخر، سبقتها الأخرى بقولها:
"إحنا هنقضيها أسئلة وكلام طول الليل، مش يالا بينا بقى ناخد الليلة من أولها."
ردت مودة بلهفة وقد عاد إليها الحماس لتلقي بنظرة أخيرة على طلتها أمام المرآة:
"أيوة بقى يالا بينا."
❈-❈❈
إحساس بالرهبة وفرحة صاخبة تجعلها تكبت رغبة مجنونة كي تصيح بصوتها العالي معبرة عن فرحها. لقد صافحت نجمها المفضل والتقطت عدد لصور تذكارية معه على هاتفها، لازالت تتأملها حتى الآن. وعدد آخر بهاتف رحمة التي كانت تسحبها من مرفقها الآن، للابتعاد عن محيط النخبة المخملية. ثم يقفن بجانب ما بالقرب من المدخل، في انتظار شادي الذي كان يتحدث مع أحد الموظفين بالفندق يعطيه بعض التعليمات.
"أنا مش مصدقة نفسي يا رحمة، سلمت على عمر دياب وهزر وضحك معايا كمان؟"
ردت رحمة تشاكسها:
"مش لوحدك يا اختي، أنا كمان سلمت واتصورت وهزر معايا. اه يعني مش انتي لوحدك اللي حلوة."
تبسمت صبا قائلة:
"مش حكاية حلاوة ولا وحاشة. هو فنان جميل أساسًا مع الكل. أنا بشوف أغانيه وحفلاته ع الفون وشاشة التليفزيون. دايما فرفوش وبيضحك. فنان جميل بجد."
تبسمت رحمة لسعادتها تقول:
"واديكي هتحضري حفلته ع الطبيعة يا ستي. هيصي، بقى."
"حاضر ههيص. بس انتي عارفة أحلى حاجة في الموضوع ده إيه؟"
قالتها صبا لتتوقف ثم تخطف نظرة للخلف شديدة الامتنان نحو شادي مستطردة:
"إن الموضوع ده جه فجأة، والبركة في شادي أخوكي ربنا يحفظه، وينول اللي بيتمناه يارب."
رددت رحمة خلفها وعيناها تتنقل من صبا إلى شادي بتمني داخلها:
"يارب."
❈-❈❈
"جامدة، بس انتي برضوا لازم تمسكي نفسك عن كدة."
قالها كارم بمغزى ليلتف نحوه عدي قائلاً:
"امسك نفسي إزاي ليه؟ هو انتي شايفني قمت عندها يعني؟"
ألقى كارم بنظرة للخلف نحو مجلس النساء الذي يضم زوجته وبهيرة شوكت وميسون زوجة الآخر ليقول هامسًا:
"يا بني خلي بالك، انفعالك في الرد أساسًا غلط. دا غير إنك مش شايل عينك من ع البنت، دي القاعة على آخرها ولا انتي مش واخد بالك؟"
زفر الآخر، ليعود بظهره للأريكة مرددًا:
"واخد بالي طبعًا يا كارم، بس أنا مش عارف إيه اللي بيحصل معايا. محتار ومش لاقي مدخل معاها. انت لو مكاني تعمل إيه؟"
رد كارم رافعًا حاجبه بثقة:
"الفلوس تشتري كل حاجة في الدنيا."
ابتسامة متهمكة اعتلت ثغر الآخر يرد:
"وكأن مستنيك تقولها. أنا، عايز بس مش لاقي الطريقة اللي توصلني. معتزة بنفسها أوي. دا غير إنها زي ما انت شايف كدة، بتشد النظر ناحيتها من غير مجهود. والزفت شادي بيستفزني بعمايله معاها. بيقوم بمعظم الشغل لوحده، واكنه جايب بنت اخته يفسحها."
ألقى كارم بنظرة متفحصة نحو شادي الذي وقف بابتسامة يتحدث مع شقيقته وصبا، ليُعقب قائلاً:
"دي مش نظرة واحد لبنت اخته، ولا حتى لأخته."
"قصدك إيه؟"
قالها عدي والتف نحو الجهة التي ينظر بها كارم والذي تابع له:
"اصل انت مركز مع البنت ومش واخد بالك من الولد."
وصل إلى عدي ما يرمي إليه الآخر، لتضيق عينيه بتفكير مراقبًا الاثنان، ومتابعًا في نفس الوقت أجواء الاحتفال الخاص، قبل احتفال الجمهور.
❈-❈❈
بعد انتهائهم من معظم المجاملات الضرورية مع رجال أعمال ومسؤولين وشخصيات شهيرة بالمجتمع، اجتمع الأصدقاء بجلسة وحدهم، فقال جاسر:
"الليلة تجنن يا مصطفى، تليق فعلاً بالحفل الخمسيني."
رد الأخير بنصف ابتسامة:
"يمكن، بس أنا عن نفسي بتمنى الوقت يمر عشان تخلص، حاسس إني مش مرتاح."
تدخل طارق، وانظاره متجهة نحو كارم:
"ومين سمعك؟ أنا والله ما قاعد غير عشانك."
عقب جاسر بينهم:
"يا جماعة متشغلوش نفسكم بحد، ركزوا في الليلة وانسوا أي حاجة تعكر مزاجكم."
ردت نور:
"إزاي بس يا جاسر واحنا عاملين زي الأغراب؟ طنط بهيرة مقدمة الباشا ومراته مع عدي اللي لازق فيه..... حمد لله بقى مصطفى مش محتاج تعريف."
فقالت زهرة:
"أديكي قولتيها بنفسك، مصطفى عزام اسم اشهر من النار ع العلم، وانتي كمان، دا نص الفنانين هنا جاين مجاملة عشانك، ولا انتي إيه رأيك يا كاميليا؟"
خاطبتها عن قصد لتخرجها من حالة الشرود التي تلبستها منذ مجيئها، فردت الأخرى باقتضاب وضعف:
"طبعًا معاكي حق يا زهرة، مصطفى ونور مش عايزين كلام."
شعرت بها نور، لتخاطبها بتأثر هامسة بصوت خفيض:
"لو تحبي ممكن أنا وزهرة نتوسط ما بينكم ونصلحكم، أنا كمان ملاحظة نظراتها ليكي، رغم تمثيلها والقنطرة اللي راسماها، لكن والله، باينة أوي نظراتها المفضوحة ليكي."
ابتسامة مريرة ارتسمت على ثغرها لتقول:
"ما هو دا اللي مضايقني، دي اختي الصغيرة وأنا حافظاها، حتى بعد ما قلبت شكلها لواحدة تانية، لكن برضوا واصلني الإحساس اللي انتي بتقوليه ده، وكان ممكن أوافقك ع الاقتراح، بس للأسف هي مش عايزة أو بالأصح لسه."
هتف طارق بينهم فجأة:
"لا بقى أنا مبحبش جو الكآبة ده، سيبكم من الرسميات والكلام الفاضي، أنا هروح وكاميليتي نسبقكم على حفلة الجمهور، كدة كدة عمر خرج يجهز."
قال الأخيرة متناولاً كف الأخرى ليوقفها، ويقبلها بجرأة على وجنتيها لتلفت أنظار الجميع نحوهما، ثم حاوط بذراعه على كتفيها باحتواء متابعاً لأصدقائه:
"حد جاي معانا يا شباب؟"
"إحنا يا باشا."
قالها جاسر بابتسامة لفعله وهو ينهض ليمسك بكف زهرته التي وقفت على الفور بجواره، فحاول تقليد الآخر ولكنها ابتعدت مبتسمة بخجل، ترمقه بتحذير حتى لا يفعل ويزيدها حرجاً، فشاكسها بتلاعب حاجبيه، ليعقب مصطفى لزوجته:
"قومي يا ست انتي لنبقى زي عواجيز الفرح، دا الباشوات جاين يعلموا علينا."
ضحكت نور مرددة خلفه باستغراب:
"ست انتي! شكل حبيبي عايز يشرفني الليلادي قدام الجمهور."
ضحك مصطفى ليضمها من خصرها، ويلحق بأصدقائه، غير آبهًا بأي شيء، ولا حتى بالعيون التي تناظر الثلاث أصدقاء وزوجاتهم بحقد.
❈-❈❈
بعد قليل
في وسط القاعة الضخمة كان الحفل الأضخم. طاولات لكبار الزوار في الصف الأول مع من حجزوا بأرقام خيالية ليكونوا بالقرب من المطرب، ليتدرج بعد ذلك أسعار التذاكر في التراجع حتى المقاعد الفردية في الأخير، والتي كانت عليها صبا ورحمة ضمن الجمهور وشادي كالنحلة يجيء هنا وهناك ويطوف عليهن كل دقيقة برعاية وحماية وهن يرددن مع المطرب بمرح.
"عارف إنت الحظ بعينه
كان وشِك حلو عليّ
كُل اللي الناس شايفينه
ما يجيش واحد في المية
من اللي أنا لسه ما قولتهوش
عارف إنت الحظ بعينه
كان وشِك حلو عليّ
كُل اللي الناس شايفينه
ما يجيش واحد في المية
من اللي أنا لسه ما قولتهوش
أنا لو تبقى معايا بيترج القلب ويتهز
أنا لو تاخذ عيني يا نور عيني يا عيني ما تتعز
ده أنا خايف من العين يا حبيبي اللي يغير واللي يِجز، يِجز
عارف إنت الحظ آه
أهو إنت الحظ يا حظ، يا حظ"
تردد مع رحمة خفيفة الظل بحرية ولكن بحساب، تضحك وتستمع باستمتاع، وشادي يراقبها ببهجة تغمر قلبه لسعادتها، رغم ضيقه من العيون التي تتابعها، فهي ورغم كل شيء ملتزمة محلها ولا تقف أو تتقصد لفت النظر إليها كما تفعل صديقتها في ناحية أخرى مع هذه المدعوة ميرنا، والذي لا يعلم سرها ولا هذه الصفة المميزة لها بالفندق، فهو يجدها في كل الأقسام تقريبًا.
"إيه يا عم شادي سرحان فيه إيه؟"
خاطبه حمدي المسؤول العام ورد الآخر يجيبه بإرهاق:
"وليك عين تسألني كمان يا حمدي، أنا هلكت من الصبح يا بني، دا غير إني سايب والدتي تعبانة في البيت، لولا الست جارتنا، والله كنت سيبتك تحتاس لوحدك."
ضحك الآخر يربت على كتفه قائلاً بلطف:
"معلش بقى يا عم شادي، هو يوم واحد في السنة. روح ريح رجلك وانبسط مع عمر وأغانيه، هي خلاص الليلة قربت تنتهي أساسًا، يعني لو عايز تروح برضوا ولا يهمك."
تمتم بارتياح:
"الحمد لله، أخيرًا جات منك."
تحرك خطوتين ليتابع:
"بس انسى إني أجيلك بكرة أساسًا."
ضحك حمدي بمودة قائلاً:
"لا يا حبيبي مش لدرجادي، بس جدعنة مني همشي الدنيا على ما تيجي براحتك، إن شاء الله حتى لو بعد الضهر."
تبسم شادي برضا ليتابع طريقه:
"ماشي يا حمدي، ألف شكر يا سيدي."
ضحك الآخر يقارعه:
"لا شكر على واجب يا حبيبي."
❈-❈❈
خطفت رباب بنظرة سريعة نحو الطاولة السعيدة أو الأصح المحظوظة بوجود الجالسين عليها قبل أن تعود لحديثها مع ميسون التي كانت تثرثر، غير مكترثة بالغناء وحالة الصخب المنتشرة في الأجواء حولهم. وذلك بجلستها على الطاولة الرئيسية لأصحاب الحفل، والتي ضمت عدي وميسون وأبنائهم الصغار وكارم زوجها، وبهيرة شوكت المرأة المتعالية والتي همست بغيظ لابنها الأصغر:
"شايف يا عدي، أخوك وعمايله، بيهيص ويغني زي الرعاع، مع شلة الهم بتوعه، دا بدل ما يقعد معانا، ويتصرف بأصله النبيل ومكانة أهله!"
تبسم عدي بجانبية ساخرة يغمغم:
"عندك حق، هي فعلاً شلة هم، واحنا أولاد الأصول اللي سعداء بالفعل."
قال الأخيرة ليخطف نظرة جانبية نحو ميسون، التي تأبى أن تشعره بلهفتها، أو ضعفها لوصاله، ثم انتقل لآخر القاعدة، وهذه الوردة التي تحاوط نفسها بالأشواك وتتحداه، ويتذكر معها كلمات كارم مع رؤيته لهذا الذي يجلس بجوارها، وقد بدأ يستشعر بالفعل صدق نظرية الآخر.
❈-❈❈
"صاحبتك مودة النهاردة عايشاها ع الآخر."
قالتها رحمة وهي تشير بذقنها نحو الجهة التي تتخذها الأخرى وترقص فيها بحرية مع المدعوة ميرنا، وردت صبا بعد أن ألقت إليها بنظرة خاطفة:
"سيبك منها، دي بت مخها طاقق بتعمل كدة مخصوص عشان تبين نفسها قدامي، لولا بس عارفة إنها هبلة وزعلها غبي لكنت روحت سحبتها من شعرها."
ردت رحمة ضاحكة:
"قلبك أبيض يا صبا، هي بتعمل إيه يعني؟ دي آخرها بترقص، طب أنا ياريت أكون سفيهة كدة زيها وصغيرة، لكنت عملت عمايل، وكنت ساعتها هكتسح الساحة وقعد الكل في بيوتهم."
ضحكت صبا لتندمج معها:
"يا خسارة، أبو الدهون دي اللي خسرت البشرية موهبة خطيرة وخارقة وعابرة للقارات كمان."
بروحها الجميلة ردت رحمة بدرما تدعيها:
"رغم إنك فكرتيني بالدهون ودي حاجة بتضايقني عشان أنا إنسانة مرهفة المشاعر، بس انتي بتفهمي يا بت يا صبا."
ضحك شادي بصوت مكتوم والذي كان مكتف الذراعين وناظراً للأمام لمتابعة فقرات الحفل، وقد سمع بكل الحديث ليسأل بجدية زائفة:
"طب يا مرهفة المشاعر يا خارقة، إحنا يدوب نروح بقى، عشان الوالدة، وقبل الموهبة الخطيرة كمان ما تلح عليكي للظهور."
ضحكت رحمة قبل أن تجيبه:
"طب ما نستنى شوية، أنا اتصلت بوالدة صبا وقالت إنها بتتفرج على فيلم مع ماما وبيتسلوا، حتى جوزي ربنا هداه ونيم العيال."
التف بنظره نحو صبا ليسألها:
"تحبي نمشي ولا نقعد شوية؟"
أجابت بابتسامة خجلة وعينيها الجميلة تشغله عن التركيز:
"يعني لو شوية كمان...."
ابتلع ليزيح أنظاره القريبة عنها وعن سحرها الذي يفقده اتزانه، ليومئ برأسه وبصوت خرج بصعوبة:
"تمام، شوية تاني، بس مش عايزين نتأخر بقى زي ما انتي عارفة."
"متشكرة أوي."
قالتها بفرحة لتلتف نحو الفقرات وعمر يداعب الفنانة وزوجها مالك الفندق مصطفى عزام، دون أن يغفل عن الترحيب بجاسر الريان وصديقه طارق.
❈-❈❈
في اليوم التالي
مع اهتزاز الهاتف المستمر بإصداره صوتًا مكتومًا على الكمود المجاور لرأسها المثقل من الأساس، حتى كاد يزيد عليها بالصداع، مما جعلها تستفيق من غفوة كبيرة، لا تدري كم الوقت مع الإظلام الكامل في الغرفة، عدا إضاءة الهاتف بورود الاتصال به. بصعوبة رفعت جذعها قليلاً ليمتد ذراعها وتتناول وتجيب على الرقم غير المسجل بصوت ناعس رغم معرفتها به:
"الوو..... أيوة."
"الوو.. أيوة! إيه عدم التركيز ده؟ هو انتي نايمة؟"
"أه يعني، بس انت متصل بدري ليه؟ هما العمال لسة ميوصلوش الموقع؟"
"!!!!!! شهد هو انتي نايمة من إمتى؟"
"يعني إيه نايمة من إمتى؟"
رددتها خلفه بعدم فهم، قبل أن تُنزل الهاتف عن أذنها وترى الساعة، فشقهت بصوت عالٍ وصله عبر الأثير، وهي تتمتم بذهول:
"يا نهار أسود أربعة العصر معقول!"
نهضت لتفتح ستائر نافذتها لتتابع:
"إزاي ده يحصل؟ دا أنا عمري ما عملتها."
عقب حسن بروية ليُهدئها:
"إهدي شوية يا شهد، هو حصل إيه يعني لدا كله؟"
"حصل إيه؟ إنت بتسأل يا حسن؟ أكيد وقف حال طبعًا، معلش هقفل معاك، عايز أشوف الشغل...."
قاطعها بحدة، رغم صخب المشاعر الثائرة بداخله، بعد سماع اسمه منها مجردًا للمرة الثانية:
"عبد الرحيم شغال بالعمال يا شهد وكل حاجة عال العال، استريحي بقى."
سمعت منه لتجلس على طرف الفراش صامتة بارتباك، لا تدري كيف حدث ذلك، فتابع هو:
"كنت عايز أسألك، عاملة إيه النهاردة؟"
مسحت بكفها على جانب وجهها تجيبه باستدراك:
"يعني الحمد لله، بس أنا حاسة البرشام ده اللي كتبلي عليه الدكتور هو اللي خلاني نمت زي القتيلة. أنا لحد الآن مش قادرة أصدق عدد الساعات اللي نمتها."
"ليه برضوا؟ نمتي الساعة كام يعني؟"
"مش فاكرة، بس أنا كنت مشغولة بالحسابات امبارح والوقت مر بيا واتأخرت في السهر، بعدها شربت البرشامة ونمت.... ثواني."
قالت الأخيرة وقد انتبهت على دلوف شقيقتها الصغرى بابتسامة مشرقة تلقي التحية:
"صباح الخير، ولا نقول مساء الفل يا ست شهد."
هتفت بها الأخيرة بانفعال:
"ولما انتي عارفة إني اتأخرت يا ست رؤى، سايباني ليه نايمة لحد دلوقتي؟ هو إحنا ناقصين وقف حال؟"
ردت رؤى تقارعها:
"وقف حال ليه يا قلبي؟ ما عبد الرحيم، سحب العمال ودور الدنيا زي ما انتي موجودة واكتر، ثم بالعقل كدة، أصحيكي إزاي وانتي نايمة قريب الفجر بعد سهرك على ملفات الشغل بتاعتك."
"سهرانة لقريب الفجر يا شهد ع الشغل في نفس اليوم اللي خارجة فيه من المستشفى، معقول!"
هتف بها حسن بذهول، عبر الهاتف بعد أن وصله قول رؤى، ليتابع:
"لا انتي مفيش فيكي فايدة أبدًا، يا ريت الدكتور ما صرحلك بخروج."
صمتت بحرج، لا تعرف بما ترد، هذا الاهتمام منه، والذي بدأت تستشعره قريبًا، هي ليست بالغبية لتتغافل عنه، ولكنها لا تعرف صفته إن كانت هذه عادته مع الجميع، أم تعاطف مؤقت وسوف يختفي مع الوقت، أم يكون......
"شهد انتي روحتي فين؟"
هتف بها يسأل حينما طال صمتها وهو يتحدث إليها من جهته، فردت باضطراب تخفيه:
"أه أه يا بشمهندس أنا معاك..... انت كنت بتقول إيه معلش!"
"معايا وبتسألي كنت بقول إيه؟ ماشي يا ستي، ع العموم أنا كنت بس عايز أكلمك عن الست الوالدة، اصلها لما عرفت مني إنك غيبتي النهاردة عن الشغل، زنت عليا عشان تزورك تطمن عليكي، فا أنا كنت عايز أسألك يعني لو ينفع......"
"الست مجيدة تأنس وتشرف يا بشمهندس، مش محتاجة استئذان، دا كفاية إنها هتكلف نفسها وتيجي، ربنا يبارك في صحتها."
قالتها بلهجة مرحبة من القلب وصلت إليه بقوة، ليردد خلفها بلسانه وبداخله تداعبه أفكار أخرى:
"اللهم آمين، ويباركلك انتي كمان في كل حبايبك."
❈-❈❈
"شرم الشيخ! يعني أنا اتنقلت لشرم الشيخ؟"
هتف بها محتدًا نحو حمدي الذي ردد شارحًا:
"دي ترقية يا شادي مش نقل، يا بني بقولك بقيت مدير الفرع هناك."
صاح الأخير غاضبًا:
"وأنا مالي بهناك؟ أنا شغلي هنا وسكني هنا، والدتي هنا، أسيبك والدتي العيانة يا حمدي؟"
"يا حبيبي ومين طلب منك تسيبها؟ خدها معاك، دا انت هتسكن في فيلا وتقدر تجيب اللي يخدمها وانت عايش باشا."
ردد مستنكرًا بغضب:
"مش عايز أبقى باشا، ولا عايز أسكن في فيلل، لو ده هيخليني أسيب امي لناس غريبة تخدمها، يبقى مش عايز. هو المدير اللي هناك قصر في إيه؟"
تنهد حمدي ليردف بمهادنة لصديقه، حتى لا يضيع عليه فرصة يظنها في صالحه:
"يا بني المدير اللي هناك هو كمان اتنقل لفرع تاني. أنا مش فاهم انت ليه معقدها؟ دي فرصة وحرام تضيعها منك، وان كان ع الست الوالدة، أنا ممكن أدورلك بنفسي على واحدة وتبقالها جليسة كمان، يعني مش هنلاقي واحدة تراعيها بما يرضي الله؟"
سمع شادي ليزيد إصرارًا على الرفض مرددًا:
"حتى لو موجودة أنا برضوا رافض. أبعد اختي والدتها في العمر ده، وهي متجوزة في نفس العمارة مخصوص عشان تخدمها، ولا أنقل اختي بجوزها وعيالها معايا كمان؟ وأقلب حياتهم عشان مصلحتي!"
صمت حمدي وقد بدا على وجهه الاقتناع رغم مجادلته، فقال بتعب:
"طب أنا أتصرف إزاي دلوقتي؟ عدي باشا فاجئني النهاردة بالقرارات دي، وقالي إنك كفاءة وتستاهل المنصب هناك."
رد شادي حاسمًا بحزم:
"والله تبلغه برفضي، قبل كان بها تمام، مقبلش يبقى استقالتي أجهزها من دلوقتي."
❈-❈❈
على تختها وهي تطرقع بالعلكة، وتطلي على ظافر قدميها بلون أحضرته جديدًا للتجربة، لترسل للاخر صورة عبر تطبيق الرسائل تطلب رأيه:
"ها بقى يا ابراهيم، إيه رأيك؟"
بعثت بها برسالة صوتية، وكان الرد عبر رسالة مثلها منه هو الآخر ولكن بعصبية:
"وأنا هعرف إزاي إنها رجلك؟ ما يمكن تكون صورة من النت نزلتها عادي، دي حاجة سهلة أوي."
"بعثت له بضحكة رقيقة قائلة:
"يوه عليك يا ابراهيم وعلى كهنك، أنا باخد رأيك ع اللون، مش على رجلي."
رد بوقاحة معتادة منه:
"وأنا يهمني التانية، ميهمنيش لون المناكير يا ختي."
سمعت منه لتضحك لمدة من الوقت، يروقها تطرفه الجريء في الحديث، لتستمر بتسلية في مناكفته، رغم علمها بانفعاله أحيانًا، والذي قد يتطور إلى سبها وشتيمتها، ولكنها بدأت تعتاد على ذلك. همت لتبعث بصورة أخرى ولكن أوقفت مع انتباهها، لدلوف شقيقتها رؤى، متجهة بابتسامة صفراء نحوها، ثم دنت بصمت لتتناول من أسفل التخت عدد من كؤوس الزجاج باهظة الثمن والتي لا تخرج إلا في المناسبات الكبرى، أوقفتها سائلة:
"خدي هنا يا بت انتي، رايحة فين بالكاسات دي."
بسأم ردت رؤى تجيبها:
"بتسألي ليه؟ اديكي شايفاهم قصادك اهو، بتوعنا، مش بتوعك اللي بتحوشيهم لجوازتك!"
"عارفة يا ختي، أنا بس بسأل، مين المهم اللي جه يزورنا عشان تلطعي دول تضيافيهم بيهم؟ أنا سمعت الجرس من شوية."
"ولما سمعتي مخرجتيش ليه تفتحي ولا تشوفي، أو تسلمي ليكون حد قريب، ع العموم اللي جه يزورنا هو البشمهندس حسن وامه، جاين يطمنوا ع شهد، سيبني بقى خليني أقدم لهم عصير المانجا قبل ما تسخن."
قالتها رؤى بسأم لتبتعد مغادرة على الفور، تاركة شقيقتها تغمغم خلفها بمصمصة شفتيها:
"وعصير مانجا كمان! طبعًا، وهو فيه قد البشمهندس ولا امه."
قالتها وانتفضت على اتصاله الهاتفي، لتلتقطه على الفور وتجيبه:
"أيوة يا ابراهيم.."
"أيوة مين يا بت الجزمة؟ عمال أببعتلك في الرسايل وانتي لسة فاتحة، روحتي فين من غير تستأذني؟"
بلبلة ردت تهادن عصبيته:
"يا حبيبي أنا متحركتش من مكاني، دي البت رؤى هي اللي دخلت عليا، وشغلتني بموضوع الضيوف اللي جا لنا."
"ضيوف مين؟"
"بتقول إنه البشمهندس دا اللي اسمه حسن وامه، دول اللي زاروا شهد في المستشفى."
"نعم."
صاح بها لترد بدفاعية على الفور:
"بس أنا قاعدة هنا في الأوضة ومخرجتش والله ولا شوفتهم."
"بصيحة قوية هتف بها: "ومين اللي قاعد معاهم دلوقتي؟"
"هيكون مين يعني؟ شهد طبعًا."
"هي.... وهو.... وفي البيت عندكم، أنا جاي حالا دلوقتي أشوف المسخرة دي."
"مسخرة إيه؟"
تمتمت بها بعدم فهم، لتجفل بإنهاءه المكالمة وقد عزم أمره.
❈-❈❈
في صالة المنزل الذي تزوره لأول مرة مع ابنها، كانت مجيدة تنصت بامتعاض لثرثرة نرجس التي استلمتها من وقت حضورها بترحيب مبالغ فيه، وفتح مواضيع شتى بلهفة وكأنها على معرفة معها منذ زمن، ولكن ما كان يصبر قلبها هو النظرات المتبادلة بين ابنها وشهد الجالسة على المقعد المقابل لهما.
"ساعتها يا ست مجيدة أنا كان عندي يجي عشرين سنة لما اتجوزتوا، حظي بقى اللي خلاني أقبل بواحد متجوز ومعاه بنت، بس كنت هعمل إيه؟ وأنا مطلقة قبله من راجل مكملتش معاه سنتين من غير خلفة، أبويا شكر في والد شهد، وقالي تتجوزي واحد مجرب، أحسن ما تتجوزي واحد بطوله ويطلع بعدها ما بيخلفش زي الأولاني، وأنا مش ناقصة العمر يضيع مني، هو العمر فيه وقت عشان أقعد كام سنة من غير خلفة."
تدخلت مجيدة توقفها قبل أن تخطئ، فهذه المرأة التي تبدو كالبلهاء، لا تراعي ما يتفوه بها لسانها وقد يجرح شهد:
"رزق الأولاد دا بإيد ربنا يا ست نرجس، المهم بقى خلينا في شهد اللي وشها نور النهاردة عن امبارح."
قالتها لتنتبه عليها الأخرى لتتابع موجهة الحديث إليها:
"حسن قالي عن المقلب اللي عملته فيكي رؤى، لما سبتك ومرضيتش تصحيكي، أنا البت دي عجبتني أوي على فكرة."
"عجبتك عشان سابتني نايمة وضيعت عليا اليوم؟"
قالتها شهد لتضحك مجيدة ويشاركها البقية، وحسن يضيف عليها:
"لا والاحلى يا ماما لما اتصلت بيها ولقيتها بتقولي انتي ليه بتكلمي بدري؟"
أطرقت شهد بخجل لتخفي ابتسامتها وقهقهت مجيدة بتسلية لرؤية هذا الوجه الجديد لها، قبل أن تلج رؤى حاملة بيدها صنية العصير بالكؤوس الفاخرة، وتدخلت معهم وهي تتناول المرأة وابنها في أيديهم:
"لو تحبي، أعملها كل يوم يا طنط مجيدة؟"
ردت شهد من محلها:
"دا على أساس إني هعديها المرة دي، استني بس على ما أفوقلك، و هعرف أجيب حقي منك."
قالتها ليُعدن للضحك مرة أخرى، حتى أمسكت مجيدة كأس العصير ترتشف منه، لتسألها نرجس على الفور:
"عجبك العصير يا ست مجيدة؟"
ردت الأخيرة بابتهاج قائلة:
"جميل والله، تسلم إيديها القمر دي."
سمعت نرجس لتنطلق مردفة بحماس:
"لا وما شوفتيهاش كمان لما تفضى من المذاكرة وتاخد الأجازة، طبيخ وغسيل وتنضيف، وترتيب في البيت، مبتخلنيش عايزة حاجة أبداً، دي رؤى دي اللي هياخدها هيبقى يا حظه، أنا نادراها لو لقيت اللي يستاهلها، والنعمة لاطلعها من الدراسة لو حتى في الثانوي كمان."
توقف العصير بحلق مجيدة وقد فهمت على مغزى كلمات المرأة الغبية، لتنقل بأنظارها نحو رؤى التي اظلم وجهها لترمق والدتها بغضب، وحسن الذي ارتكزت أنظاره على شهد التي أطرقت بنظرها لحظات، قبل أن تعود إليهما مدعية التغافل، لتغتصب ابتسامة وتخاطبها بلهجة تبدو طبيعية:
"منورة يا ست مجيدة، زيارتك ليا هنا وفي المستشفى على راسي والله."
على الفور ردت الأخيرة بابتسامة لها:
"يا حبيبتي متقوليش كدة، ربنا يديم المحبة، بس أنا عايزة زيارة منك بقى، مدام خفيتي تيجي وانتي ساحبة المجنونة صاحبتك البت لينا دي عسل."
اندمجت شهد لتضيف إليها:
"وطيبة جدا والله رغم جنانها دا، ووالدتها الست أنيسة، دي كمان تتحط ع الجرح يطيب."
"بجد!"
هتفت بها مجيدة لتتابع بانتباه شديد:
"طب ما تحكيلي عنها الست أنيسة دي."
"تحكي إيه يا ماما؟ إحنا يدوب نمشي كفاية كدة."
قالها حسن لتجادله مجيدة باعتراضها، قبل أن يقطع الحديث صوت جرس المنزل، ويقتحم عليهما إبراهيم الجلسة، بعد أن فتحت له أمنية:
"مساء الخير عليكم."
هتف بها بصوت عالٍ ليجلس أمامهم واضعًا قدمًا فوق الأخرى.
ردت مجيدة وحسن التحية مع باقي الأفراد، إلا شهد التي طالعته هو وأمنية بحنق، ليزيد إبراهيم استعراضًا:
"منورين يا جماعة، معلش اتأخرت عليكم، بس أنا كنت مشغول."
أومأت له مجيدة تهز رأسها بعدم فهم أصابها كالبقية، وتابع هو بقصد:
"أنا صحيح ابن أصول ومبدخلش البيت هنا عشان كله حريم رغم إني خاطب أمنية اللي هي بنت خالتي، بس مدام البيت دخل فيه راجل، يبقى لازمله راجل يقابله، ولا انت إيه رأيك يا بشمهندس؟"
بابتسامة جافة التوى ثغر حسن دون رد، لتتكفل شهد به:
"إنتو هتقعدوا تتعشوا النهاردة معانا يا جماعة، أنا وصيت مرات أبويا من قبل ما تيجوا، يعني دي مسألة مفيهاش هزار."
احتدمت عيني إبراهيم نحوها بنظرة مشتعلة، انتبهت لها مجيدة لتنهض قائلة بذوق قبل أن يتطور الوضع:
"مرة تانية يا حبيبتي، هو إحنا حنروح من بعض فين يعني؟"
"لأ إزاي؟"
هتف بها شهد لتتابع في محاولات مع المرأة وحسن الذي انسحب هو الآخر بخطوات مثقلة بعد أن تشبعت الأجواء بالتوتر، ونظرات هذا المدعو إبراهيم لا تبشر بالخير، ود الا يتحرك ويتركها معه ولكنه لا يريد لها الضرر بوجوده، وقد فهم ما يرمي إليه هذا الملعون.
❈-❈❈
خارج المنزل
وبعد أن دلفت لتجاور ابنها داخل سيارته، لتجد أنظاره معلقة على المبنى الذي خرج منه بقلق، ويده لا تقوى على إشعال المحرك.
"خايف عليها؟"
سألته ليلتف برأسه نحوها ويناظرها باستفهام، فتابعت بتوضيح:
"أنا قصدي على شهد، عشان الواد ده خطيب أختها اللي اقتحم القعدة بكلامه الغريب."
رد حسن بانفعال:
"دا متخلف يا ماما، بيلمح بطريقة غبية، وأنا اللي أعرفه عن شهد إنها شخصية قوية، دي بتحرك رجالة بشنبات في شغلها، ودول رجالة بجد، مش عيال هبلة زيه."
ردت مجيدة تقارعه:
"طيب ولما انت قلبك مطمئن كدة، واقف لسة مستني إيه؟"
شعر بالحرج ليذهب ويتحرك ولكن وما أن أدار المحرك توقف فجأة ليعود إليها قائلاً:
"بصراحة بقى أنا مش مستريح، الواد ده مقلقني يا ماما، وخالته دي كمان، ست مش عارفالها مرسى، البيت ده مفيهوش غير رؤى بس اللي بتحبها."
ختم كلماته ونظر إليها منتظر منها رد، ولكنها ظلت صامتة، ليزفر بضيق قبل أن يعود برأسه للأمام وعجلة القيادة، للخروج من هذه المنطقة بأكملها، فوصله صوت والدته:
"لو هامك أوي كدة، اتجوزها."
التف برأسه نحوها بحدة قائلاً:
"نعم! انتي بتقولي إيه يا ماما؟"
ردت مجيدة بانفعال:
"إيه يا حبيبي؟ بجيبلك من الآخر، ولا دي محتاجة تفكير كمان؟ شاغلك أمر شهد واللي هي فيه اتجوزها."
❈-❈
بعد قليل
وقد غادر المنزل حسن ووالدته، كان الحديث العاصف على أشده، بين شهد وإبراهيم.
"أنا عايزة أفهم بالظبط، إيه معنى كلامك ده مع الناس الغريبة اللي جاية تزورنا؟ ومين اللي اداك صفة إنك تتكلم بالشكل ده أساسًا، انت آخرك خطيب أختي وابن اخت مرات أبويا، لا انت راجل البيت ولا يخصك من أساسه."
"لأ يا حبيبتي أبقى راجل البيت وسيده كمان، انتي آخرك نفر واحد هنا، لكن أنا يخصني التلت ستات اللي فيه، والرابعة اللي متجوزة في الخليج مع جوزها، كلمة ومش هنيها تاني، الواد ده ميعتبش البيت غير بإذن مني وفي حضوري، هتقولولي إن امه معاه والكلام الفاضي، ميكلكش معايا."
هدر بها متبجحًا بغضب، أعينه حمراء وجاحظة بشر. فردت شهد بهدوء غير آبهة بهيئته رغم اشتعال رأسها بالمغزى من خلف كلماته:
"آه بقى، وانت بتأمر وتتأمر على أساس إنك ضمنت وحسبت حسبتك."
صاح صارخًا بحدة أجفلت نرجس التي التصقت بابنتيها المذهولتين بما يحدث:
"ومحسبش ليه يا ماما؟ وانتي بتقفلي عليا أنا اللي خاطب وشابك بشيء وشويات عشان الفتنة صح، طب أنا بقى ماسك عليها دي، وعايز الكلام دا يبقى ع الكل، التلاتة دول يخصوني وسمعتهم تهمني....."
قاطعته بصوت قوي رغم هدوئه:
"وقف عندك وحاسب على كلامك، لعرفك أنا قيمة كل كلمة تغلط بيها وأدفعك تمنها كمان."
صرخ معارضًا:
"يعني إيه يا ست شهد؟ ما تفهميني وطلعي اللي في قلبك من ناحيتك."
"قلب مين؟"
قالتها مبهمة، لتنهض ناظرة في عينيه، متابعة بهدوئها الحازم:
"أنا سيباك تهلفط وتغلط براحتك من ساعة ما دخلت، ملتزمة معاك الأدب، وعاملة حساب إنك في بيتنا، والحساب التاني لوالدك الراجل الكبارة."
"ملكيش دعوة بوالدي."
صرخ بها لترد عليه بقوة حاسمة:
"مش من مصلحتك، لأن تقديري لوالدك، هو الحاجة الوحيدة اللي مصبراني دلوقتي إن مطردكش، ولا أرميلك شبكتك وحاجتك في وشك."
صرخت من الناحية الأخرى أمنية:
"ترمى الشبكة في وش مين؟ هو خطيبي أنا ولا خطيبك انتي؟ شبكتي أنا ولا شبكتك انتي؟ ولا هي النار ماسكة في قلبك عشان ما هي دبلتي بتلمع في إيدي وانتي لأ؟"
صمت إبراهيم يطالع شهد بتشفي، فجاء ردها بازدراء نحو شقيقتها:
"انتي تخرسي ومسمعش نفسك حتى، يا أرميكي معاه بره البيت وبره حياتي خالص، وغوري في داهية واشبعي بيه."
"ليه يا ختي أغور في داهية؟ ضيفة عليكم مثلا؟ ولا مليش حق زيك في كل حاجة؟"
هذه المرة جاء الرد من رؤى:
"لا ملكيش حق يا أمنية، وقسمًا بالله لو ما طلع المحروس بتاعك دلوقتي لكون صارخة بعلو صوتي وأقول إنه جاي يتهجم ع تلت حريم."
توقفت فجأة نحو باب الخروج تنفذ تهديها على الفور:
"يا ناس، يا أهل الشارع. يا جيران."
أجفلت أمنية وشحب وجهها بخضة، وانتاب الزعر والدتها التي كانت تشاهد كعادتها بدون حراك أمام إبراهيم فقد أصابه الجزع لينتفض راكضًا للخروج من المنزل، كالفأر الذي يخرج من المصيدة، يسب ويلعن وقد انتبه بالفعل الجيران وقد خرج بعضهم، يشاهد خيبته.
تابعته رؤى حتى اختفى، متجاهلة الرد عن الأسئلة الفضولية من بعض الأفراد، لتغلق باب الشقة وتواجه بتحدي غضب أمنية مع زهول والدتها، قبل أن تنقل بنظرها نحو شهد التي كانت تقف متجمدة كالتمثال، تناظرها بصمت، وقبل أن تقترب منها لتسألها عن حالها، وجدتها تسقط فجأة على الأرض مغشيًا عليها، فتصرخ عليها بجزع:
"شهد....."
رواية و بها متيم انا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم امل نصر
توقف أخيرًا بدرجاته النارية، لينزع عن رأسه خوذة الحماية وإحساس الاختناق يجثم على أنفاسه وكأن قيدًا يلتف حول عنقه ويمنع دخول الأوكسجين بصفة منتظمة أو عادية لداخل صدره.
اشتياقها الحقيقي له وفرحته به، وكلماتها التي تنعاد بذهنه بشكل مزعج، ثم هيئتها المكسورة حينما وجه انتقاده القاسي لها. لقد أعماه الغضب عن سماعها وقد بدا أنها في حاجة إليه أو إلى أي فرد من العائلة. كان يجب عليه التريث قليلًا.
شقيقته المتهورة التي كانت تشاركه اللعب قديمًا نظرًا لأنها الأقرب إليه في سنوات العمر عن باقي أفراد العائلة. لقد كانت منطفئة، أين ذهب المرح والانطلاق عنها؟ أين هذه الصورة المزيفة التي تبرع في تأديتها على الشاشة؟ أين كان عقله هو ليتغافل عن كل ذلك ويتركها في هذا الوقت من النهار وحدها في المدافن والمقابر.
على خاطره الأخير انتفض مستدركًا خطئه ليضرب بقدمه على إطار الدراجة مصدرًا صوت زمجرة عالية، لاعنًا غباءه. وهذه الصدفة الغريبة التي جعلته يذهب اليوم في زيارة لوالده الراحل، والذي جاءه في المنام برؤية غريبة لم يفهمها.
زفرة قوية بعنف أخرجها، قبل أن يدير محرك الدراجة ليعتليها مرتديًا خوذته مرة أخرى وقد نوى بداخله على العودة، على الأقل يريح ضميره من ناحيتها وحتى وإن لم يلحق بها.
استدار نحو الطريق الذي قطعه منذ دقائق، ليعاود الرجوع به بسرعة تفوق سرعته العادية في القيادة من الأساس، رغم تحذيرات كاميليا الدائمة وتوبيخها له عدة مرات. لكنه اليوم يؤجل التفكير في ذلك، فشيء ما بداخله يجعله غير قادر على تنفيذ هذه النصائح. شعور بعدم الارتياح يدفعه للطيران حتى يكون معها الآن ويخفف من حدته. ربما تكون في حاجة إليه.
وصل إلى المدافن، ليوقف الدرجة ويهبط منها بخطوات مسرعة، مخترقًا طريقه ما بين المقابر مرة أخرى، حتى دخل إلى الجزء الخاص بعائلته. اكتنفه إحباط شديد حينما رأى الفراغ بدونها. تمتم بكلمات حانقة ليعاود ادراجه، وقد باءت محاولته بالفشل بعد ذهابها.
باستياء متعاظم، كان يسير ويدفع الحصى بقدمه، حتى خرج من منطقة القبور فتذكر أنه أخلف طريق عودته إلى الدراجة. غمغم بداخله بكلمات ساخطة لهذه المعاكسات التي تحدث معه بشكل غريب. استدار متوجهًا إلى الناحية الأخرى، لتقع عينه عن بعد بهذا الرجل الضخم الذي يسير ناحية السيارة السوداء حاملًا بين ذراعيه امرأة كالجثة أو ربما تكون مريضة، وذلك من هيئتها الساكنة بلا حراك.
ذلك المشهد أثار فضوله ليقف متابعًا لهما، رغم أن الظهر العريض للرجل لم يمكنه من رؤيتها جيدًا سوى بعد أن فتح باب السيارة ليدخلها في المقعد الخلفي، فتدلت رأسها بشعرها الحريري الطويل المتساقط منها وهو….
جحظت عينه بلا استيعاب وقد رأى صاحبة الوجه…
"رباب."
دمدم الاسم بهلع ليعدو نحو الرجل ليعرف ما بها، وما صفة هذا الرجل إليها. ولكن المسافة كانت بعيدة والسيارة انطلقت بسرعة لم تمكنه من الوصول إلى شقيقته والاطمئنان عليها.
ضرب قدمه بالأرض ليستدير راكضًا نحو دراجته، ليعتليها ويتحرك بها، حتى إذا وصل إلى الطريق الممهد زاد بالسرعة الفائقة وعينه تتطلع أمامه بتمعن شديد بحثًا عن السيارة التي اختفت عن أنظاره، فيبدو أن قائدها هو أيضًا يقودها بسرعة تضاهي سرعته، وربما أكثر.
***
عادت نرجس وابنتيها إلى المنزل، بعد زيارة لمنزل إحدى أقاربهن في مناسبة عائلية وذلك بصحبة شقيقتها سميرة أيضًا. أولاهن كانت رؤى التي هتفت فور ولوجها لداخل الشقة حينما تفاجأت بشهد التي كانت جالسة على الأريكة متكتفة الذراعين وعينيها في الفراغ بحالة من الشرود جعلتها لم تنتبه لمجيئهن إلا على صوتها:
"ايه ده شهد! انتي هنا من امتى؟"
انتفضت الأخيرة بجزع واضعة كفها على صدرها، متمتمة:
"بسم الله الرحمن الرحيم، خضتيني يا رؤى."
"خضيتك ليه؟ ما انتي اللي سرحانة."
قالتها رؤى قبل أن تنتبه على الأكياس المحتلة الأريكة بجوار شقيقتها لتركض نحوها قائلة بفضول وهي تتفحصهم بعد أن جلست بجوارها:
"ايه ده؟ هو انتي جبتي الحاجات دي النهاردة يا شهد؟"
أومأت لها بابتسامة قبل أن تنتبه على تحية زوجة أبيها وأمنية التي رشقت عينيها على الأكياس:
"مساء الخير يا شهد، هو انتي ما روحتيش النهاردة الشغل ولا إيه؟"
قالتها نرجس بإشارة نحو الأشياء التي ابتاعتها، بابتسامة ضعيفة ردت على سؤالها:
"لا يا مرات ابويا، انا روحت الشغل بس كان نص يوم وخرجت بعدها مع حسن ع السوق."
شهقت رؤى بلهفة معقبة:
"يا لهوي ياما يعني انتي النهاردة خرجتي مع حسن؟"
قبل أن تجيبها تدخلت أمنية بفضول قاتل توجه لها السؤال:
"يعني خطيبك هو اللي اشترالك الحاجات دي؟"
تغاضت شهد عن نظرات الأخيرة غير المريحة لها، وردت تجيبها بتسامح:
"ايوة يا أمنية، تعالي شوفيهم مع رؤى، وانتي كمان يا مرات ابويا."
تلقفتا الاثنتان الدعوة بحماس جعلهن يهجمن سريعًا على الأكياس يتفحصن المحتويات دون التغافل عن أي شيء بها.
نرجس وكعادتها تطالع بصمت وبملامح مبهمة غير مقروءة على الإطلاق، إن كانت إعجاب أو شيء آخر. أما رؤى فكانت تهلل بطفولية كلما أعجبتها قطعة اتجهت للأخرى بصيحة أعلى:
"يا لهوي ع الطقم الفوشيا، دا هيهبل عليكي يا شهد، وانا اللي افتكرت ان الفستان الفيروزي يجنن، طلع فيه اللي أجن منه."
"والله ما في حد أجن منك."
قالتها شهد ضاحكة، ثم اتجهت بعينيها نحو أمنية، منتبهة جدًا لهذا التقلص بملامح وجهها وفي نظرتها للمشتريات، حتى لو ادعت العكس أو التعامل بشكل طبيعي، فهي أعلم الناس بها. يلوح برأسها بعض الشفقة عليها، رغم رؤيتها لهذه المنطقة المظلمة بداخلها، شعورها الدائم بالنقص مهما ابتاعت من الأشياء، عينيها على ما يمتلكه الآخرون، مشكلة لا تجد لها حل، وهي التي ظنت رغم كل شيء أن ارتباطها بإبراهيم رغم كل تحفظاتها عليها سيساهم ولو قليلًا في حل معضلتها على اعتبار أنها تحبه، لتجدها الآن توسعت وتشعبت، بعد أن أصبح لهذا المعتوه موطئ قدم له المنزل بسببها، ثم يُظهر وجهه القبيح الآن، حقدًا عليها وعلى خطيبها.
***
خرج بها من المصعد، وفور أن وصل للشقة المقصودة، وجد شريكته التي كانت بانتظاره، تفتح له ليلج بما يحمله لداخل الشقة، وتتقدمه هي بلهفة نحو إحدى الغرف:
"تعالي هنا ورايا بسرعة."
دلف للغرفة ذات الإضاءة الوردية، والفراش المزينة بالورود ليعلق متهكمًا:
"يا حلاوة، دا انتي عاملة جو رومانسي كمان، حلاوتك يا جوجو."
ردت على عجالة وهي ترتد لخارج الغرفة:
"حطها عندك ع السرير، على ما اجيب الحاجة ورجعالك."
"براحتك يا عسل."
علق بها حامد وهو يريح جسد رباب على الفراش، وهي ما زالت بأعين مفتوحة لا ترى شيئًا، وأعضاء مرتخية بعقل غائب تمامًا عن الواقع. تطلع لها بعين مشتعلة، هيئتها بهذه الصورة كادت أن تفقده عقله، ليعتليها كالحيوان يفترس ثغرها، وكل ما يصل إليه بشفتيه على الأنحاء المكشوفة من جسدها، ويده تعبث بحرية وعشوائية، يريد استغلال الفرصة الذهبية في نيل الهانم امرأة الباشا الذي يعمل تحت إمرأته، الجميلة التي تبهر الرجال بمفاتنها البارزة أمام الشاشة، بملابس تحدد منحنياتها بسفور وكأنها خلقت للمشاهدة، والاقتراب فقط من حق المجنون زوجها، ولكن ها هو الآن قد تحققت أمنيته في مشاركته بها، ولن يتركها بعد الآن.
"بتعمل ايه يا غبي؟ مش قولتلك استنى."
قيلت مصحوبة بضربة قوية على ظهره جعلته يرفع رأسه مجفلًا، يهتف بها محتجًا:
"الله في ايه يا بقى؟ هو احنا هنرجع في كلامنا ولا إيه؟"
زادت مرة أخرى بضيق تنهره:
"يا غبي بقولك قوم، عايز تبوظ الشغل اللي انا بعمله، دي حتى لسة بهدومها."
اعتدل حامد يقول بمهادنة لهذه المجنونة:
"يا ستي ودي صعبة يعني؟ اخلعها عنها وبالمرة اقلع انا كمان، وخدي احلى اللقطات براحتك."
مالت برأسها مقربة وجهها من هذا الأحمق تخاطبه كازة على أسنانها علّ عقله الفارغ يعمل ولو مرة واحدة:
"هو انا هفضل افهم فيك لحد امتى؟ بقولك عايزة كل حاجة تبان طبيعية، يعني واحدة بتخون جوزها مع عشيقها، يبقى لازم اظبطها كويس، قوم يالا خليني البسها حاجة تليق."
نظر حامد للقطعة الوردية بيد المرأة ليهلل مصفقًا بكفيه:
"طب يالا بسرعة بقى، وانا كمان هروح اغير هدومي."
قالها وانتفض يفسح لها المكان على الفراش، لتعقب من خلفه بازدراء:
"تغير هدومك برضو ولا تشربلك حاجة؟ غبي."
قالتها ثم التفتت للمستلقية على الفراش بلا حول لها ولا قوة تخاطبها وهي تخلع عنها ملابسها:
"وانتي يا روح قلبي، دا انا هروقك، بحق الليالي اللي خدتها في رعب وخوف يا رباب لخليكي تكلمي نفسك، انتي لسة شوفتي حاجة، دا انا هحولك جارية للاهبل اللي جوا ده."
***
توقف بدراجته أمام السيارة التي كانت تفوقه بالسرعة لدرجة جعلته يتوه عن ملاحقتها عدة مرات، وفي المرة الأخيرة دخل شارع آخر قبل أن يرتد ويدخل المجاور له في هذه المنطقة السكنية الجديدة في العاصمة، والقليلة بعدد السكان، الشيء الجيد في الموضوع، حتى لا يتوه في الشوارع الزحمة. وقف أمام البناية ذات العدد الكثيف من الطوابق، بحيرة تفتك برأسه، ما الذي يجعل الرجل ذا الهيئة المقاربة للحراس الشخصيين، أن يأتي بشقيقته إلى هنا؟ هذا ليس منزلها، ولا هو مشفى لعلاجها.
مما جعل الشك يتسرب لقلبه، فاتجه على الفور إلى حارس البناية، والذي كان جالسًا على أريكته يرتشف الشاي من الكوب الزجاجي بتلذذ، بقلب يضرب كالمطارق في صدره لهذا الشعور الجديد من الخوف. اقترب يسأله بلهث ويده تشير للخلف:
"يا أخ انت، الراجل صاحب العربية السودة أو اللي كان سايقها يبقى مين هنا في العمارة؟"
رد الرجل بسماجة بعد أن ألقى نظرة عابرة نحو ما يشير إليه الآخر:
"راجل مين وعربية سودة ايه؟ ما تفسر يا أخينا."
برود الرجل وطريقة الرد غير المبالية، جعلته يفقد أعصابه ليهدر صائحًا به:
"بقولك اللي كان سايق العربية السودة، البني آدم الضخم، كان شايل اختي فيها، أقسم بالله لو ما قلتوا لبلغ جوزها ابن اللوا حمدي فخر، يجي ياخدك انت معاه ويعلقك من رجليك."
برعب حقيقي وعدم معرفة رد الرجل بدفاعية:
"والله ما اعرف يا ولدي انت تقصد مين بالظبط."
"يقصد حامد يا بابا."
تفوهت بها الفتاة ذات العشر سنوات لتكمل مخاطبة محمد:
"بابا مكانش قاعد ساعة ما حامد خرج من العربية دي وهو شايل ست شكلها زي الهوانم وطلع بيها على شقته."
سألها سريعًا وبلهفة:
"قوليلي اللي اسمه حامد ده ساكن في أي شقة بسرعة."
***
"يا حلاوة المهلبية، ايه الجمال ده يا ناس؟"
هلل بها حامد فور أن اخترق الغرفة، ووجد رباب بهيئتها الجديدة مرتدية المنامة الوردية القصيرة جدًا، والشعر المسترسل حول وجهها وقد مشطته المرأة سريعًا، ف بدت بصورة كاملة للجمال.
تطلعت المرأة باستنكار نحو حامد الذي ولج يفرك بكفيه مرددًا:
"احنا كده بقينا تمام وفل أوي، وسعي بقى خليني اشوف شغلي قبل ما تصحى ولا تفوق، انا عايزة اخد وقتي مع لهطة القشطة دي."
علقت باستهجان وهي تنهض عن التخت، بنظرة من أعلى لأسفل:
"لا اطمن يا خوي هتاخد وقتك وبزيادة كمان، المادة اللي في جسمها بتفضل ساعات، يبقى اصبر بقى دقيقة كمان."
"كمان! ليه بقى؟"
صاح بها بنفاذ صبر وجاء ردها بغيظ يفتك بها وهي تلوح له بالهاتف:
"عشان عايزة اخدلها كام لقطة الأول، افهم بقى ووسع من وشي."
زمجر حامد ليتخصر منتظرًا على مضض، وهي تلتقط عدة صور من عدة جهات، ولسانها يردد:
"انا لسة ما استكفيتش من اللعب معاها، ما انا مش هكشف ورقي مرة واحدة، لازم اسويها على نار هادية الأول."
"لسة كمان فيها لعب، دا انتي دماغك سم."
علق بها حامد قبل أن يصدح صوت جرس المنزل، مع طرق متواصل على الباب الخارجي ف زفر مرددًا بسخط:
"عاجبك كده اهو الباب بيخبط، ناقص عطلة أنا ولا وقف حال."
توقفت المرأة على الصوت المزعج تدمدم بارتياب شديد:
"وانتي مين بيجيلك دلوقتي عشان يخبط عليك بالشكل ده؟"
رد حامد بتخمين من رأسه:
"يعني هيكون مين يعني؟ وانا أساسًا ما حدش يعرفني في العمارة دي، أكيد البواب الزفت، انا هطين عيشته."
قالها وتحرك ذاهبًا، فهتفت عليه ناصحة:
"براحة يا حامد مع الزفت ده، مش عايزين شوشرة في العمارة."
سمع منها واتجه بخطوات مسرعة نحو باب الشقة الخارجي حتى إذا فتحه تفاجأ بفتى في عمر المراهقة يخاطبه بأمر أجفله:
"أختي هنا بتعمل إيه؟ اندهلي عليها خليني اشوفها."
بيده الضخمة دفعه حامد لييتعد عن باب الشقة قائلًا بعنجهية وغشم:
"اختك مين يا شاطر اللي جاي تدور عليها، امشي ياض مش ناقصة شغل عيال."
هم أن يغلق الباب بوجهه، ولكن محمد منعه صارخًا بوجهه:
"انا بتكلم عن اختي رباب اللي جيبتها من المدافن شايلها على إيدك، انا فضلت ماشي وراك لحد اما جيت هنا."
شعر حامد بالخطر ولكنه تعالى عن إظهار الخوف أو الاستسلام، ليدفعه بعنف جعله يبتعد عن الباب وهو ينهره بالقول:
"انا لا اعرف رباب ولا اعرف كباب، غور من وشي هي مش ناقصاك."
لم يستلم محمد، وظل يصرح ضاربًا بكفيه على خشب الباب:
"بقولك افتح يا حيوان انا اتأكدت دلوقتي انك خاطف اختي، طلع لي اختي يا حرامي."
خرجت المرأة من الغرفة إلى حامد تردد بزعر:
"يا نهار أسود إيه اللي بيحصل ده؟ مين اللي ع الباب يا حامد وعايز يعملنا فضيحة؟"
تجاهلها الآخر وقد انتفخت أوداجه بغضب عاصف، ليلتف عائدًا نحو الباب يفتحه مرة أخرى ليسحب محمد من تلابيب قميصه ويجره للداخل بغضب وحشي:
"دا انت باينك جاي على قضاك."
انتفض محمد وهيئته بدت كالعصفور بيد هذا الرجل الضخم، ليعلم أنه يستطيع القضاء عليه بضربة واحدة من يده، فكر سريعًا ليجد الرد المناسب له، بصوت جاهد أن يخفي به ارتجافه:
"قلتلك من الأول اديني أختي، عشان أنا اتصلت أساسًا بجوزها كارم وهو زمانه على وصول عشان يعلمك الأدب من جديد يا أستاذ حامد."
بالطبع كان يكذب في الأخيرة، فهو لا يملك رقم كارم، ولكن الخدعة أتت بثمارها، على حامد الذي اظلم وجهه واستوحشت ملامحه، لتجفله المرأة بصرختها وهي تركض نحو غرفتها كي تتناول أشياءها لتلوذ بالفرار:
"يا نهار أسود، دا بيقولك انه اتصل بكارم، الله يخرب بيتك وبيت معرفتك المهببة."
كذئب بري زأر حامد بشراسة وهو يهزهز محمد يكبح نفسه حتى لا يفتك به، بعد أن استبد به الغضب من فعلته، وقد خرب عليه كل تخطيطه:
"أعمل فيك إيه؟ أقطع من جسمك نساير ولا أخلص عليك بضربة من كف إيدي، وانت مش مستاهل غلوة أساسًا."
برغم الرعب الذي كاد أن يشل أطرافه، والهزهزة بعنف تجعل العظام وكأنها تنخلع من محلها قبل أن تعود في نفس الدقيقة برحلة مؤلمة وقاسية، حاول محمد أن يحافظ على رباطة جأشه، ليرد بثقة أبعد ما تكون عن حالته الآن:
"اعمل اللي انت عايزه، كده كده كارم هيخلص عليك دلوقتي."
وصلت صيحة المرأة مرة أخرى وهي تعدو سريعًا ذاهبة:
"انت لسة واقف مكانك يا غبي؟ عايز تقعد وتستنى قضاك؟"
قالتها لتخرج من باب المنزل على الفور، و زمجر حامد من خلفها بأعين محتارة ما بين المستلقية بداخل الغرفة في انتظاره الآن، وما بين أمنه المهدد بالخطر، وقد أفسد هذا الصغير ما كان يحلم به منذ أيام. وفي الأخير وبعد تيقنه أن لا سبيل أمامه إلا الهروب،
طير محمد بدفعة عنيفة جعلت الأخير يسقط على الأرض ليقع على ذراعه ويصدر صرخة قوية مع سماع صوت العظمة التي كسرت.
شعر حامد ببعض الراحة، ليأخذ طريقه نحو الخروج حتى يلحق بالملعونة التي سبقته، على الأقل يحصل على بقية حقه من المال، يكفيه خسارة الحصول على النجمة الجميلة.
لتخلو الشقة على الشقيقين، حاول محمد النهوض رغم الوجع الرهيب، ليستند على الذراع الآخر متأوهًا:
"آه آه."
"يا بيه يا بيه، حامد هرب ومعاه ست تانية غير اللي جه بيها."
قالتها الصغيرة ابنة الحارس، طالعها محمد صامتًا حتى تمكن من النهوض بسرعة، ممسكًا ذراعه المكسور، ليقول أخيرًا:
"متشكر أوي يا اسمك إيه؟ ممكن تيجي تدوري معايا في الشقة هنا ع الست اللي شوفتيها."
"من عنيا يا بيه، أنا هروح الناحية الشمال ع الأوضة دي والحمام، وانت روح الناحية اليمين."
قالتها الفتاة وذهبت على الفور، ليدمدم محمد من خلفها وأقدامه تتحرك نحو الجهة المقصودة:
"أجدع من أبوكي اللي ما تحركش من مكانه، صحيح الشجاعة مش بالسن."
واصل محمد طريقه متجهًا نحو الغرفة التي دخلتها السيدة الهاربة منذ قليل، وما هم بفتح الباب حتى وجده اندفع بسهولة، ليصعق بالمشهد الذي جعل شعر رأسه يقف، جحظت عينه في البداية قبل يتدارك ليتحرك سريعًا بأنفاس لاهثة يبحث عن أي شيء يستر به شقيقته، وجد سترة بحجم كبير ملقاة بإهمال على الأرض، خمن أنها تخص هذه الضخم الذي خرج. تقدم بها ليلقيها على شقيقته التي كانت في حالة غير متزنة على الإطلاق، هيئة أدخلت الرعب بقلبه، حتى إحساس الألم بذراعه لم يعد يشعر به. جلس على ركبتيه ليربت بكفه على وجنتيها يرى ما بها:
"رباب هو انتي مالك؟ انتي شايفاني ولا حاسة بيا؟ رباب انتي صاحية ولا نايمة؟"
ضغط بكفه على وجنتيها ليجبرها على النظر إليه، ولكن لم يحدث. أمسك بذراعها يرفعه ليجده يرتخي ساقطًا بشكل جعل قلبه يقع تحت قدميه، ليصرخ عليها بدمعة فرت من عينيه:
"رباب الناس دي عملت فيكي إيه؟ رباااا."
دخلت الفتاة ابنة حارس البناية على صرخته لتسأله بعفوية:
"إيه ده هو انت لقيتها؟ طب ما تقومها يالا عشان تروح بيها يا بيه."
تطلع نحوها محمد ليستعيد ذهنه، وتماسك ليتناول هاتفه من جيب سترته، يطلب صاحبة الرقم التي كالعادة لا تتأخر عن الرد عليه:
"ألوو… يا حبيبي عايز إيه؟"
بدون تفكير أو تردد صرخ بها:
"كاميليا، تعالي لحقي أختك يا كاميليا."
***
"ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، شالله ما أشوف فيكي شر أبدًا."
قالتها مجيدة في جلستها مع أنيسة التي كانت تضيفها مع ابنها في منزلها، وردت المرأة ببشاشة معتادة منها:
"تسلمي يا حبيبتي ويسلم حضرة الظابط معاكي، أنا مكسوفة أوي والله إني تعبتكم معايا."
تدخل أمين قائلًا بلطف للمرأة:
"لا يا ست أنيسة مفيش أي تعب طبعًا، أهم حاجة بس تطمنينا عليكي، هو انتي حاسة بنفس الأعراض دلوقتي ولا لسة؟"
بنظرة تحمل بداخلها الكثير كانت أنيسة تطالعه بها، لترد بابتسامة ممتنة:
"الحمد لله يا حضرة الظابط، آه هي الأعراض بتروح وتيجي، واحنا بنقضيها بالعلاج أو الأكل المطلوب وبتعدي، المهم أنا بلغني من مجيدة أن الكيكة عجبتك، صح ولا هي بتجاملني؟"
ألقى أمين بنظرة خاطفة ذات مغزى نحو والدته التي لا تكتم سرًا أبدًا، قبل أن يعود لأنيسة ليرد بحرج يحاول إخفاءه:
"يا ست أنيسة، انتي كل حلوياتك ما شاء الله يعني، لا يعلى عليها، دي أحلى كمان من المحلات والله، أنا راجل زواقة زي ما قالت والدتي، يعني كييف أوي."
ردت أنيسة بابتسامة ازدادت اتساعًا وبهجة تغمرها من الداخل:
"دا من زوقك يا زوق، أنا هدوقك حاجة جديدة عملتها النهاردة…."
قالتها وهمت أن تنهض ولكن مجيدة أوقفتها بالسؤال الذي يداعب ذهنها من وقت مجيئها مع ابنها والذي كان هو الآخر جالسًا بأعين زائغة وتوتر تعلم سببه:
"طب قبل ما ندوق الحلويات، مش تندهي انتي ع الحلويات اللي بجد، ولا هي الست لينا مش عايزة تقابلنا؟"
"لا والله هي مش موجودة أصلًا، دي لسة مرجعتش من الشغل."
"شغل إيه اللي يقعد لحد دلوقتي؟ الساعة داخلة على تسعة."
خرجت من أمين بعفوية لم يقصدها، وغضب لاح على صفحة وجهه، لترتسم ابتسامة خبيثة على وجه مجيدة، أخفتها سريعًا وهي تراقب رد فعل أنيسة التي استدركت لتنظر بساعة هاتفها ثم قالت بقلق، قبل أن تضغط على أحد أرقامه:
"هي بصراحة مش بعادتها تتأخر للوقت ده، ولو حصل بيتجي مع طارق."
غمغم بسخط وحنق لم تنتبه له المرأة:
"ومين طارق ده كمان؟"
زجره مجيدة بنظرة محذرة رغم استمتاعها بغضبه، ليغلق فمه موجهًا انتباهه لرودود المرأة على الهاتف:
"أيوه يا لينا اتأخرتي ليه يا بنتي؟… بتقولي إيه؟ طب وطارق مجابكيش معاه ليه؟… يا نهار أسود، يعني انتي معرفتيش اللي حصل؟… طب شوفيليك صرفة بقى وحاولي تلاقي أي مواصلة."
قاطعها أمين بلهفة سائلًا:
"أنا آسف لو بتدخل، بس هو إيه اللي حصل يعني؟"
أبعدت الهاتف عن أذنها لتشرح الوضع باختصار:
"أصلها بتقول إنها مزنوقة بقالها ساعة في عربيتها ومش عارفة تتحرك بيها، الشارع مسدود عشان في شخصية مهمة بمركز حساس هتعدي فيه، ولما تطلب أوبر برضه مش بيعرف يدخلها."
من تحت أسنانه خرج صوته بانزعاج وتهكم:
"ولما هو كده، استنت ليه لما تتأخر بالشكل ده؟ ولا اللي اسمه طارق اللي بتقولي عليه ده موصلهاش معاها ليه؟"
همت أن تجيبه ولكن صراخ لينا من الناحية الأخرى جعلها تعود إليها قائلة:
"أيوه يا لينا أنا معاكي يا بنتي، أنا بس محتارة هترجعي ازاي دلوقتي؟… يعني هتفضلي مستنية؟"
"تستنى فين؟ معلش يا ست أنيسة اديني التليفون معلش."
فاجأها بطلبه كما صعقت مجيدة لرد فعله وهو يتناول الهاتف من المرأة بسلطة دون انتظار موافقتها ليرد بخشونة نحو المتحدثة من الجهة الأخرى:
"أيوه يا أستاذة خليكي قاعدة في عربيتك واقفلي عليها لحد أما أجلك… انتي لسة هتجادلي؟ أنا بقولك استني مكانك لا توقعي نفسك في مشاكل، وانت اسم الله عليكي متتوصيش… استني بقولك."
قالها لينهي المكالمة بعنف ثم تحول نحو المرأة بتحول أدهشها:
"أنا آسف لو اتعصبت عليكي…."
بنظرة ساهمة طالعته أنيسة بصمت قطعته مجيدة بسؤالها:
"يعني انت بجد رايح تجيبها؟"
تناول علاقة مفاتيحه والهاتف خاصته ليرد بعملية وهو يتحرك بأقدامه ليتركهما:
"يدوبك يا ماما عشان ألحق أروح أجيبها، عن إذنكم بقى."
"إذنك معاك يا حبيبي."
تمتمت بها مجيدة بذهول وهي تتابع أثره حتى اختفى، قبل أن تعود لأنيسة التي ما زالت صامتة بازبهلال تخاطبها بابتسامة متوترة:
"اطمني يا حبيبتي، هو هيعرف يجيبها إن شاء الله ويرجع بيها."
خرج صوتها أخيرًا لتردد بتمني:
"إن شاء الله، يارب."
غمغمت مجيدة بداخلها:
"ربنا يستر بس وما يلبسوش هما الاتنين بجنانهم ده قضية أمن دولة، أو يعكروا صفو العلاقات مع دولة أجنبية."
***
بداخل المشفى وخارج الغرفة التي كانت تُسعف بداخلها شقيقتها، كانت كاميليا تقطع الردهة ذهابًا وإيابًا، تفرك بكفيها مرددة بقلق وصوت باكي، رغم المحاولات المضنية منها للاحتفاظ بقوتها حتى لا تنهار وتسقط، نتيجة هذه الأحداث التي تمس النقطة الحساسة إليها وهي أشقاءها.
"يا رب استر يا رب، نجيلي اختي يا رب، نجيهالي والنبي يا رب."
علقت زهرة بتهوين، فقد كانت جالسة بابنها الصغير على مقاعد الانتظار:
"يا حبيبتي اهدي، اختك هتقوم وتبقى بخير إن شاء الله."
بأعين تسيل منها الدموع بلا توقف، تطلعت إليها تردف بألم:
"أصل انتي جيتي متأخر وما شوفتيهاش يا زهرة، دي كانت عاملة زي العروسة البلاستيك، مفتحة عينيها وفاقدة وعيها في نفس الوقت، لا تعرفيها صاحية ولا نايمة، في حياتي ما شوفت كده، دا أنا هموت لو جارالها حاجة، مكانش لازم أسيبها خالص. ياريتني اتنازلت وبوست على إيديها عشان تصالحني، ياريتني ما كنت سبتها، ياريتني ما كنت سبتها…."
قطعت بالبكاء بحرقة، تغلق فمها بقبضتها لتكتم صوت شهقاتها، فنهضت زهرة بقلب موجوع عليها لتضمها إليه بذراعها الحرة من كتفيها تهون بالكلمات الحانية:
"يا حبيبتي براحة على نفسك، سيبي أمرك لله وهو القادر على رجوعها بخير ولم الشمل من تاني."
"يا رب يا رب."
تمتمت بها بتمني مع استمرار بكاءها، وقد وجدت الآن قلبًا يشاطرها الحزن، وكتفًا تستند عليه في أصعب الأوقات التي تمر بها. ثم ما لبثت أن ترفع رأسها منتبهة على رجوع شقيقها بصحبة طارق الذي رافقه في القسم الآخر من المشفى، لإسعاف ذراعه المصاب، وقد التفت الأربطة الطبية حوله. تحركت لتقصر المسافة بينهما وتحتضنه بكفيها من وجهه سائلة بجزع:
"عامل إيه دلوقتي يا حبيبي؟ لسة برضه دراعك بيوجعك، وليه مجبس؟ هو الدكتور قال إيه؟"
تكفل طارق بالرد يخاطبها بتماسك:
"احمدي ربنا إنه كسر عادي مش مضاعف، لكان زمانه في العمليات دلوقتي، كلها كام أسبوع ويبقى عال، الدكتور طمنا، اطمني انتي كمان."
"أطمن!"
قالتها بعدم تصديق وكأن كلماته جاءتها على الجرح الملتهب عادت للبكاء مرة أخرى لتحتضن شقيقها وتقبله مرددة:
"يا رب يخليك ليا يا حبيبي، ويطمني عليك انت واختك."
تنهد طارق باستياء وعجز يقتله، لعدم قدرته على رفع الحزن عنها، تدخلت زهرة مخاطبة محمد بفخر:
"حمد الله ع السلامة يا بطل، جاسر حكالي ع اللي عملته، هو قاعد دلوقتي في الشقة إياها مع إمام عشان يعرفوا مين حامد ده، ومش هيستريحوا ولا يهدالهم بال غير لما يجيبوه، هو والست اللي كانت معاه."
"بس احنا بلغنا البوليس يا زهرة."
قالها طارق لتقارعه زهرة برغبة قوية في بث الاطمئنان بقلب محمد وصديقتها:
"وماله يا طارق، البوليس يدور واحنا كمان ندور."
ردت كاميليا بعدم اكتراث الآن سوى بصحة شقيقتها:
"أنا المهم عندي دلوقتي اختي، أي حاجة تيجي بعد كده."
همت زهرة أن ترد ولكن خروج الطبيب من الغرفة جعلها تتوقف لتعدو مثل الجميع في اتجاهه لمعرفة الجديد.
"ها يا دكتور طمنا."
نطقت بها كاميليا تسبق ثلاثتهم في السؤال، وجاء رد الطبيب بعملية لا تخلو من اللطف:
"اطمنوا يا جماعة متقلقوش، احنا ولله الحمد قدرنا نتعامل مع الحالة ونتصرف مع المادة اللي دخلت جسمها وسببت كل اللي عليها من أعراض."
سأله طارق بقلق شديد:
"هي إيه المادة دي يا دكتور؟"
زفر الطبيب يخرج كتلة من الهواء بصدره ليجيبه باستياء:
"في الحقيقة يا أستاذ طارق المادة دي خطيرة جدًا، وما حدش بيقدر يجيبها إلا من الخارج ولازم يكون حد واصل كمان، بإذن الله البوليس يقدر يجيب الناس المجرمين اللي عملوا فيها كده ويتحاسبوا على جريمتهم."
سألته زهرة أيضًا:
"طب هي صاحية يا دكتور عشان نقدر ندخلها؟"
"أكيد طبعًا هتشوفها، بس نص ساعة كده على الأقل على ما تفوق، عن إذنكم بقى."
قالها الطبيب وتحرك مغادرًا لتغمغم كاميليا في أثره بغضب:
"أكيد المجرمين دول ليهم علاقة بجوزها، أنا قلبي حاسس، بل أكاد أكون متأكدة من كده."
***
بخطوات مسرعة والغضب يتطاير من عينيه، اقترب حتى وصل إلى سيارته ليفتح بابها بعنف قائلًا بنزق:
"اتفضلي يا ست هانم، اتفضلي يا برنسيسة، خلصينا بقى."
طالعته بأحجار الفيروز الآتي تتوهج نيرانهم بغضبها هي الأخرى لتقول بتأفف:
"كلمني كويس لو سمحت، يا إما والله لكون…."
"تكوني إيه؟"
صاح بها مقاطعًا وقد فاض به ليتابع بهيئة المغلوب على أمره:
"تكوني إيه يا لينا؟ عايزة ترجعي تاني ولا تتخانقي مع أفراد الأمن اللي مضايقينك، اللطم على خدي عشان تستريحي؟ هو انتي لسة ما استكفيتيش؟"
صرخ الأخيرة بأسلوب كوميدي جعلها تتماسك بصعوبة عن الضحك بوجهه، فلانت لهجتها في الرد عليه:
"أنا مبحبش اتخانق مع حد ولا قصدي أعمل مشاكل، وع العموم هركب اهو عشان نقفل خالص ع الكلام."
اعتلت السيارة لتجلس في المقعد الأمامي بجواره، ليتخذ مقعده هو الآخر خلف عجلة القيادة، فخرج صوته بنصح هذه المرة:
"أنا مش بتحشر في اللي ميخصنيش، بس انتي كان لازم تقدمي في انصرافك، التأخير ده هو اللي عك الدنيا معاكي."
عادت لحالتها الأولى في الغضب لترد بشراسة قطة متحفزة لأي كائن حي يمر من أمامها:
"أولًا أنا متأخرتش بخطري ولا عمري قعدت للساعة دي أصلًا، إحنا كان عندنا اجتماع وطارق حصل معاه ظرف وحش خلاه يجري مع مراته ع المستشفى، ف اضطريت أنا أقفل الملفات المطلوبة على قد ما أقدر، وبعدها اتفاجأت بالوقت، ولولا الإجراءات الزفت دي كان زماني في البيت من ساعتين."
اقترب برأسه منها مقربًا وجهه بعدم تردد ليرد ببعض المنطق علّها تفهم:
"الإجراءات دي مش تعسف من الجهات المسؤلة، دا تأمين لشخصية دبلوماسية، ودي حاجة ضرورية، دا غير إنهم محددين طريق بديل، ما رجعتيش فيه ليه؟"
تكتفت تقول بحرج مبتعدة بعينيها عنه:
"الطريق التاني طويل أوي، وأنا النهاردة مكنتش عاملة حسابي في البنزين، يمكن كنت وقفت في نص السكة، ساعتها كانت هتزيد العكة معايا."
ناظرها قليلًا بصمت قبل أن يتركها ليشعل محرك السيارة، ويركز انتباهه على القيادة، وصبت هي اهتمامها على ربط حزام الأمان الذي حاولت به عدة مرات وفشلت في ربطه مما جعل الآخر يصيح بها:
"في إيه؟ مش عارفة تربطي الحزام."
"لأ مش عارفة، ومش فاهمة هو ليه كده بيعك معايا."
"تاني يعك، إحنا مش هنخلص في الليلة دي؟"
قالها ليضرب بقبضته فجأة على عجلة القيادة بسيارته وتوقف فجأة، ثم مال نحوها ليربطه بنفسه، غمره عطرها ليستشعر قربه منها وهذه الهالة من الجمال الآسر، جميلة لدرجة اللعنة، كما أنها مشاكسة بدرجة غير عادية، على قدر ما تستفزه، على قدر ما تجعل الدماء تضخ بأوردته وكأنها تحييه حياة فوق الحياة التي يعيشها. شعر بالأرتباك في البداية، ولكنه استطاع التماسك، ليرد بمناكفة وانفاسه الحارة تشعر بها على بشرتها:
"هو جامد آه وشديد، بس لما تتعاملي معاه بحنية، بيفك بسرعة ويلين."
قالها ليبتعد فجأة وقد نجح فيما فشلت به، ابتلعت ريقها بتوتر شعرت به جراء قربها منها، وكلماته الأخيرة تعاد بذهنها، شاعرة أنها بقصد آخر، ربما يكون غير بريء على الإطلاق.
***
"إيه من الأمانى ناقصنى تانى وأنا بين ايديك
عمرى ما دُقت حنان فى حياتى زى حنانك
ولا حبيت ياحبيبى حياتى إلا علشانك
قابلت آمالى وقابلت الدنيا وقابلت الحبايب
ما قابلتك واديتك قلبى يا حياة القلب
أكتر من الفرح ده ما أحلمش
أكتر من اللى أنا فيه ما أطلبش"
كانت الكلمات تصدح من المذياع الذي يشعله أبو ليلة في هذا الوقت ككل يوم بشرفته، يدخن شيشته ويردد من خلفها، ولا يدري بالجالس في الشرفة المجاورة يردد معه، وكل حرف من المعاني يمس وجدانه بقوة، وصورة أميرته تداعب خياله في سعادة لا ينكرها، حتى لو كان ارتباطه بها دربًا من دروب المستحيل، يكفيه القرب منها، وسماع نفس الشيء الذي تسمعه.
***
وفي الناحية الأخرى كانت هي الأخرى مندمجة مع لحن الكلمات التي بدأت تعجبها هذه الأيام، رغم أنها لم تكن أبدًا من محبي الأغاني القديمة، صدح هاتفها فجأة برقم غريب ومميز قطبت تنظر إليه قليلًا قبل أن تستجيب لفضولها وترد:
"الوو مين معايا؟"
انتفضت مجفلة وقد علمت بهوية المتصل من نبرة الصوت التي أصبحت معروفة لها الآن، ابتعلت لترد برسمية:
"أهلا يا فندم، حضرتك عايزني في حاجة؟"
ضحك يزيد من غيظها قبل أن يرد:
"كده على طول يا صبا حتى من غير ما تردي على سؤالي، ع العموم يا ستي أنا متصل عشان أطمنك."
"تطمني على إيه؟"
"أطمنك على صاحبتك يا صبا، هو انتي نسيتي ولا إيه؟"
صدحت صوته مرة أخرى قبل أن يختم:
"مستنييكي بكرة الصبح عشان تعرفي التفاصيل، تصبحي على خير يا صبا."
قالها وأنهى المكالمة، وقد تجهم وجهها وتعقدت ملامحها بغضب لتعلق:
"والله عال، وكمان عرفت نمرتي عشان تتصل بيا؟ الله يخرب بيتك يا مودة."
رواية و بها متيم انا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم امل نصر
صاحبها عندك بتعملي ايه دلوقتي؟
سألها مجفلاً بعد أن أيقظته برودة الفراش بجواره وقد خلا منها، ليجدها الآن هنا، في شرفتها جالسة بشرود، وكأنها غابت لعالم آخر، حتى أنها لم تشعر بوجوده، سوى بعد أن بادرها بالحديث.
التفتت إليه مغتصبة ابتسامة لتخفي اضطرابها قائلة:
معرفش يا قلبي، بس لقيت نفسي صحيت وبتقلب كتير، خوفت لازعجك، قلت اجي هنا اشم هوا نضيف واستنى الصبح يطلع.
قطب مضيقًا حاجبيه ليجلس جوارها يقول باستغراب:
آه بس انتي مش شايفة إن الوقت بدري أوي ع الصبح، دا الفجر لسه مأدنش يا نور، والضلمة مالية الدنيا؟
– عادي يا حبيبي، ما هو الفجر مش باقي عليه كتير، دا غير إن الجو هنا برضوا جميل، دا كفاية الهدوء.
تكتف بذراعيه ينقل بنظره نحوها ونحو الحديقة التي مازالت مصابيح أنوارها مضيئة حتى الآن. مع شعوره ببرودة قاسية بعض الشيء تجعله يتساءل داخله عن وقت مجلسها بعد هذا الشرود الذي وجدها عليه، فقال:
أنا حاسس إن الجو هنا ساقع، هو انتي مش حاسة بكدة؟
وكأنه قال ليذكرها، مرت بكفيها على ذراعيها، توافقه:
آه تصدق صح، هي فعلًا في الوقت ده بتبرد.
قطب بزيادة من حيرته ليعود للداخل، يتناول لها شيئًا ما تضعه على كتفيها. ردت بامتنان:
متشكرة أوي يا حبيبي، متحرمش منك، بس انت هتفضل رابط نفسك هنا جمبي، ما تدخل كمل نوم.
مسح بسبابته على طرف أنفه يجيبها:
لا ما أنا كمان خلاص النوم طار مني، هقعد جمبك شوية على ما يجي الفجر واصليه.
أومأت بهز رأسها لتعود للنظر للأمام مرة أخرى فتابع سائلًا لها:
إيه أخبارك مع الدكتورة يا نور.
التفت إليه بنظرة مفهومة إليه، فاستطرد بحماس:
جاسر بيشكر فيها أوي، وبيقول إنها لها فضل كبير عليه بشفا زهرة من خوفها.
تنهدت بتفكير، متيقنة من عقم الجدال معه في هذا الأمر الثقيل على قلبها، فقالت بابتسامة خاوية:
كويسة وجميلة كمان، كل كلامها ذوق واكنها بتراضي عيلة صغيرة، مش واحدة كبيرة فاهمة أعيبها.
– وايه هي أعيبها؟
قصدي يعني إنها خبيثة، تسأل السؤال في ناحية، وهي بتجرجرني لناحية تانية خالص.
– وانتي مش عايزة تتكلمي صح؟
أجفلها بسؤاله، فقالت بارتباك:
لأ يعني…..،بس….. اصل انا هتكلم في ايه مثلا؟
يبدو أنها لم تحسن الرد مع انتباهها لهذه النظرة التي يرمقها بها الآن، وكأنها تغوص بداخلها، تستكشف ما يدور بعقلها، لتزيدها توترًا وخوف. أشاحت بوجهها عنه، علّه يمل ويبتعد بنظره هو الآخر، ولكنه فاجأها بقوله:
حاولي تستجيبي مع الدكتورة يا نور، عشان خاطري على الأقل.
قالها وانتفض ناهضًا أمام عينيها يردف:
أنا رايح أراجع على بعض الملفات، اهو استغل الوقت بدل القعدة.
ابتلعت ريقها تتابع خروجه بأسف وتأثر لحالته، يؤلمها الحزن في عينيه، يؤلمها أن يظل متوقفًا عن تقدمه في انتظارها، وهي لا رجاء منها، تعلم بذلك، بل تكاد تكون متأكدة.
***
عاد أمين صباحًا بعد أن انتهى من ورديته الليلية في القسم، ليفاجأ بشبح أحد الأشخاص جالسًا بالشرفة التي تتوسط الصالة. تقدم بخطواته وقد عرفه من ظهره:
صباح الخير يا أبو علي.
رفع رأسه الأخير يجيبه بجمود:
صباح الخير.
استند أمين على إطار مدخل الشرفة يخاطبه:
مش بعادة يعني تصحى بدري.
بصوت مختنق:
أنا منمتش أساسًا، حاولت كتير لكن مفيش فايدة.
زفر أمين ليترك محله متناولا الكرسي الآخر كي يجلس بجوار شقيقه وأمامهما أصايص الزهور التي تزرعها والدتهم. عبقت الأجواء بالروائح الزكية، كما ساهمت الألوان المختلفة لها مع الخضرة لتخلق مشهدًا يسر العين ويشرح القلب، ولكن هذا في وقت آخر، ليس الآن والرأس مشغولة بما يقلقها.
تطلع أمين نحوهم ونحو شقيقه الواجم ليربت بكفه الكبيرة على ركبته بدعم قائلًا:
بتحصل كتير يا أبو علي، بتحصل كتير، دا أنا أحياانًا بقعد باليومين مطبق، حتى ولو كنت كان طالعان عيني في الشغل.
– ليه بتفكر انتي كمان؟
سأله حسن بقصد، تبسم له شقيقه قائلًا بمشاكسة:
قصدك يعني بحب زيك؟
برقت عيني حسن بحدة، ليقول بانفعال:
أنا قولت إني بحب، أنا بقول تفكير، هو انت دماغك دي دايمًا تحدف شمال.
أطلق أمين ضحكة مدوية ليقول بمرح:
يا عم الحج بقولك حب، إيه جاب الحب الطاهر اللي هو فطرة ربنا للشمال، إيه يا أبو علي ما تركز كدة.
عبس الأخير ليُشيح بوجهه عنه بضيق صامتًا، ليتأمله أمين قليلًا باستمتاع. هذه أول مرة يجده على هذه الحالة، حالة الشرود المحببة للعشق. حسن الواقعي المحافظ بمعنى أصح، كان لا يعترف بالمشاعر ولا التأثر حتى بالأفلام الرومانسية. حسن الغاضب الآن ذو القلب الأخضر، يقع أخيرًا وتحرقه نار اللوعة على المحبوب.
نهض فجأة يبتاغته بقبلة فوق رأسه قائلًا:
اطمن، إن شاء الله هتكون بخير.
انتفض حسن يسأله:
مين دي اللي هتكون بخير؟ انت بتتكلم عن مين؟
أطلق أمين ضحكة رنانة أخرى ليقول ساخرًا وهو يترك الشرفة:
قطة الجيران، قصدي على قطة الجيران يا بشمهندس يا حيران.
أكمل ضاحكًا وهو يغادر ليغمغم حسن خلفه بالكلمات الحانقة، قبل أن تفاجئه مجيدة بظهورها أمامه فجأة، بحجاب الصلاة الكبير، ونظارة القراءة على عينيها بعد أن أنهت وردها من قراءة القرآن، لتخاطبه بابتسامة:
غلس عليك الواد ده زي عادته، عامل فيها جامد الباشا، لكن اطمن يا حبيبي، قريب أوي هتفرح فيه.
فكر قليلًا في العبارة، قبل أن يرد بإنكار واضح ليدعي عدم الفهم:
أفرح فيه ليه؟ هو انتي كمان هتتكلمي بالالغاز يا ماما؟
فجأة تبدلت ملامحها من ابتسامة شاردة، لشراسة بغضب، وعقبت بغيظ ضارب بكفها فوق الأخرى المستندة على بطنها:
إحنا برضو اللي بنتكلم بالالغاز، ولا انت البعيد اللي عامل لي فيها من بنها وانت أساسًا مفضوح.
تمتم مجفلا بأعين توسعت بذهول:
أنا مفضوح يا ماما!
– آه مفضوح، واتنيل على عينك بقى واسكت عشان أنا اتعصبت منك ومن خلقتك اللي اصطبحت بيها دي على أول الصبح، جاتك القرف، ماشية وسايبهالك، وانت بقى خليك في استهبالك ده.
بصقت كلماتها وما أن همت لتستدير إلا وقد وجدته يوقفها، ممسكًا بمرفقها يستجديها بعينيه قائلًا:
مش هستهبل يا ماما، بس أنا قلقان عليها ونفسي أطمن.
تبسمت بحنان الأم تضمه إليها، لتقبل وجنته قائلة:
إن شاء الله ربنا هيطمن قلبك عليها، كلنا بتيجي علينا أوقات بنضعف فيها ونقع كمان، ورغم إن مش كل الناس بتقدر تقف من تاني، لكن أنا بقولهالك اهو، شهد قوية وهتقوم.
***
تسير هائمة، تسير واجمة، لا تعرف إلى أين وجهتها، تخطو بقدميها داخل شوارع ومناطق لا تعرفها ولكنها ليست بغريبة عنها، أو دخلتها قبل ذلك ولا تتذكر. تابعت في السير حتى توقفت أمام المبنى غير المكتمل ولكنه كان كخلية نحل بالبشر التي تعمل على إكماله. وقعت عينيها عليه، لقد عرفته من ظهره، واقفًا بطوله المهيب، يشرف على العمال كعادته، بجلبابه البلدي الذي يظهر بقوة عرض منكبيه. إنه هو المثال الأوحد للرجولة الكاملة في نظرها. أسرعت بخطواتها حتى تصل إليه، فاجأها بأن التف إليها بابتسامة أنارت وجهه الخشن الأسمر الجميل ليبدو كالقمر بضيائه. لقد اشتاقت إليه بشدة، اشتاقت إليه بألم، ألم قبض على قلبها بلوعة وهي تتمتم بعدم تصديق:
أبويا، انت جيت يا بويا؟
ظل بابتسامته الساحرة حتى اقتربت منه وهي على وشك البكاء لاهثة تردد:
يعني انت عايش مامتش، إنت عايش وشغال اهو، طب كنت فين، ومبتسألش ليه يعني؟ ليه يا بويا؟ دا انت واحشني أوي، وأنا محتاجالك أوي، أكتر من أي وقت، انت ساكت ليه؟ ما ترد عليا وكلمني.
لم يجيبها بل أشار بعيناه نحو ما يزين رسغها. نظرت إلى ما يشير إليه، لترفع يدها قائلة بلهفة:
دا الإنسيال بتاعك، عمري ما قلعته من إيدي، دا اللي جيبتهولي في أول يوم دخلت فيه الجامعة لما كنت فرحان إني بحقق حلمك، أنا دلوقتي بلمسه وقت الخوف عشان استمد منه الأمان في غيابك عني، دا هديتك اللي أحافظ عليها بعمري.
فاجأها بأن تناول كفها وقام بلف واحد آخر. تطلعت إلى الجديد بلمعته الزاهية تقول بابتهاج يغمرها وهي تتفحصه باهتمام:
دي هديتك الجديدة ليا يا بابا، وفيه قلب هو كمان زي القديم، لكن…. أمال فين الكلمة اللي معاها؟ فين أبوها عشان تبقى قلب أبوها؟
قالت الأخيرة لترفع عينيها إليه، فوجدته تبدل لشخص آخر، ولكن بنفس ابتسامة أبيها. شهقت بهلع مرددة اسمه:
حسن!
انتفضت مستيقظة بإجفال.
جعلها تفتح عينيها بتوسع، لتطالع المكان حولها، في الغرفة التي ليست غرفتها، ولكنها ليست بغريبة عنها. تتأرجح مقلتيها يمينًا ويسارًا في طريق استعادة وعيها. وكأنها عادت إلى الحياة مرة أخرى، هتفت رؤى بفرح وهي تلقي بنفسها عليها:
أخيرًا صحيتي حبيبتي؟ حمد الله ع السلامة يا قمر.
تلقت شهد قبلات شقيقتها بحالة من التيه، لتتمتم سائلة:
يعني أنا كنت نايمة؟
– كنتي نايمة؟! دا أنت بقالك يومين يا شهد موقعة قلوبنا من الخوف عليكي، قومي الله يخليكي، قومي عشان مترجعيش للنوم تاني.
قالت الأخيرة وهي تنهضها عن الفراش لتجلس بجذعها، غمغمت شهد بضيق وقد بدأت تدرك بما تعلمه مسبقًا عن حالتها:
براحة شوية يا رؤى أنا راسي لسة تقيلة…… دا غير إنها خلاص فوقت مش محتاجة مساعدتك يعني.
تبسمت رؤى بفرح لعودة شقيقتها إليها بغضبها وحنقها، انفاعلها وعصبيتها. المهم أنها قد عادت، عادت إليها.
نهضت فجأة تقول بلهفة:
أنا هروح أفرح لينا وطنت أنيسة، دول على أعصابهم والله.
أومأت لها شهد برأسها بتفهم، وقد استعادت ذاكرتها كل ما سبق غفوة نومها الثقيل، ورغبتها أن تبتعد عن المنزل ومصدر الضغط عليها، ثم هذا الحلم الغريب الآن، برؤية والدها، ثم هذا المدعو حسن، كيف لوالدها الذي أوجع قلبها بالاشتياق إليه، أن يتبدل بحسن؟ كيف؟
***
سألتها الطبيبة وقد أتت إليها اليوم وحدها بدون رفقة تعاونها كالمرتين السابقتين:
يعني مفيش زهرة ولا كاميليا المرة دي، جاية باختيارك النهاردة يا نور، ولا برضوا تحت ضغط من جوزك؟
– مش فارقة، سواء برضايا أو بضغط من جوزي مش فارقة، المهم إنني جيتلك يا دكتورة.
قالتها نور لتتكتف بذراعيها، تبدي عدم الاكتراث. طالعتها الطبيبة بابتسامة قائلة:
زي ما تحبي يا نجمة، أنا المهم عندي إني شوفتك النهاردة، وكفاية أوي إنك ادتيني جزء من وقتك.
بادلتها نور بابتسامة باهتة، تقول:
مش لدرجادي يعني، أنا أخري ممثلة لكن انت دكتورة وأفيد مني للبشرية.
– طيب مدام معترفة إني دكتورة، ممكن بقى تهاوديني المرة دي، وتطلعي تريحي ع الشيزلونج.
تطلعت نور نحو ما تشير إليه الطبيبة، باضطراب وتوتر تردف:
بس أنا مش مجنونة أو عندي حالة نفسية أشتكي منها عشان أرغي وأحكي، قدامك اهو، شايفاني إيه؟
– لأ يا نور، انتي مفكيش أي حاجة من اللي انتي بتقوليها دي، ودا موضوع محسوم، بس ممكن بقى تطاوعيني، واعتبرها فضفضة، ولا انتي لسه مش مرتحالي؟
نفت بهز رأسها بحرج، لتخرج تنهيدة مثقلة وطويلة، قبل أن تحسم وتستلقي بتحفز، فنية الاسترخاء وإفراغ ما بقلبها هي آخر شيء قد تقدم عليه.
حينما جلست الطبيبة بجوارها وسألتها في البداية عدة أسئلة بسيطة، فالتُمست عصبيتها في الردود. تابعت بتريث معها علّها تفصح ولو بجزء هين إليها:
يعني انتي شايفة إن جوزك يستحق الخلف بالجواز عليكي، ومستعدة تضحي بالقبول بالضرة عشانه.
ابتلعت بتوتر تدعي التماسك في قولها:
آيوة طبعًا متقبلة، أنا مستعدة أقبل بأي حاجة في سبيل إسعاده، حتى لو جه الحل على حساب سعادتي وحبي ليه.
– بس هو مش موافق يا نور، وشايف إن اقتراحك مبالغ في مثاليته لدرجة الغباء، خصوصًا وهو متأكد إن العيب مش منك.
– لأ مني.
– إزاي يا نور؟
– من غير إزاي؟ أنا واثقة من اللي بقوله.
– إيه اللي يخليكي واثقة أوي كدة؟
– عشان كنت متجوزة قبله وحملت من غيره.
قالت الأخيرة بعصبية وكأنه خرجت على غير إرادتها، ليسود الصمت لعدة لحظات من الوقت ثم تابعت الطبيبة بسؤالها:
حملتي قبل كده ومع ذلك بتنكري إنك تخلفي؟!
اعتدلت بجزعها تقول بعصبية:
آيوة عشان حصل مع كمال مرتين ومحصلش مع مصطفى، حصل في جواز مكملش ٣ سنين، ومع جوازي بمصطفى أكتر من سبع سنين وبرضوا مفيش، حصل مع اللي كنت بكرهه، لكن مع اللي بحبه لأ….
توقفت شاهقة بملامح متغضنة، تطالع الطبيبة برعب قبل أن تخفي ملامح وجهها، وكأنها نادمة على زلة لسانها.
قالت الطبيبة باستفهام:
كمال دا اللي هو جوزك الأولاني واللي كنتي بتكرهيه، طب و…..
– أنا قايمة….
قاطعتها تنهض بعنف متناولة حقيبتها، لتخرج، ولكن الطبيبة أوقفتها:
ياريت تحضري الجلسة اللي جاية، وأوعدك إني مش هضغط عليكي في الأسئلة.
***
بنسخة أخرى من المفاتيح غير التي يمتلكها زوجها، فتحت باب الشقة السرية، لتدلف بقرف، تتأمل الأثاث العصري المختلف بكل قطعة عن الأخرى، بفوضوية لا تمثل شخصيته الظاهرة للعيان على الإطلاق. تتلاعب بسلسلة المفاتيح وخطواتها تسير بتأني وتفحص دقيق. الشقة نظيفة ومعطرة ومرتبة. زوجها العزيز يواظب على دفع الخدم في رعايتها. الخائن يرعى المكان الذي يخون به، أكثر ما يرعى ابنه، الذي يرسله لوالدته، ويحرمها هي من حق الاعتراض في استحواز المرأة على الحفيد.
تنهدت بحريق بما يعتمل بصدرها، لتواصل الضغط على جرحها، بتقدمها والدخول لغرفة النوم، هذه الغرفة التي شهدت على مغامراته وجوالاته قبل الزواج بها وبعده. على هذا التخت كان يخونها مع جيرمين، وهي وضعت له الكاميرا لتسجل ما يفعله، ثم أخذتها حجة لتبعد المرأة عنه، وظنت بعدها أن الصفحة قد طويت، مع مراقبتها له لمدة طويلة من الوقت، وقد شغلته الشراكة مع عدي عزام عن أي شيء آخر. ثم ها هو الآن وقد عاد إلى عادته القديمة مرة أخرى. ترى هذه المرأة كانت إليه ليلة وانتهت أم أنها قد تكون مثل جيرمين، ولابد من اقتلاعها بالتهديد بفضيحة هي الأخرى، ولكن هذه أجنبية، وأمر الفضيحة لن يعنيها بأكثر من فض الشراكة.
تصاعد سعير النيران برأسها، فقد فاض بها ومن ملاحقته وملاحقة عشيقاته، فاض بها أن يهين أنوثتها بالنظر إلى غيرها، فاض بها أن يستكثر عليها وفاءه، وهي التي دفعت من أجله الكثير، وخسرت أقرب الناس إليها بسببه.
اهتز هاتفها فجأة بيدها، لتجده رقم غير مسجل، فتحت بتوجس:
ألوو.. مين معايا؟
– داخلة برجليكي الشقة اللي خانك فيها؟ طب ما كنتي استني لما تظبطيه متلبس.
– إنت مين؟
هتفت بالسؤال غاضبة نحو المتحدث من الجهة الأخرى، والذي رد بهدوء يجيبها:
أنا المعجب المتيم، أنا اللي ببعتلك الرسايل كل يوم.
انتفضت هاتفة به بغضب:
إنت اللي بتستفزني وبتستفز الفانز بتوعي بتعليقاتك السخيفة والمنتقدة ليا ولطريقة حياتي ولبسي؟ انت اللي قارفتي برسايلك؟ جيبت نمرتي منين؟ ازاي تتجرأ وتتصل بيا؟
على نفس النبرة الهادئة، وصلها رده بعدم اكتراث:
ما أنا قولتلك إني معجب، وزيدي عليها إني خايف عليكي، وزعلان لزعلك، ما هو حرام الجمال دا كله، ما ياخدش التقدير اللي يستحقه، حرام عليه يخونك يا رباب.
أغمضت عينيها تقبض على ألم كرامتها، لترد كازة على أسنانها:
وانت مالك؟ يخوني ولا ميخونيش، وانت مين أساسًا؟
– ما قولتلك أنا معجب، لا مش معجب، أنا الولهان بمعنى أصح، سلام دلوقتي يا جميلة الجميلات.
أنهى المكالمة ليزيد من حيرتها وتعب رأسها، وكأنه كان ينقصها هذا المعتوه وأفعاله.
***
– هو أنا للدرجادي قلقتكم عليا؟
قالتها شهد بجلستها في وسط الصالة بين لينا وشقيقتها، وأنيسة التي تحاوطها بالرعاية منذ استيقاظها والتي ردت:
يا حبيبتي ربنا ما يعيدها، إحنا بس كنا خايفين عليكي، أصلها أول مرة تطولي كدة.
أضافت رؤى:
ومتنسيش كمان انتي حالتك كانت إزاي قبلها، انتي تقريبًا كنتي منهارة، وبصراحة عندك حق، البت أمنية وخطيبها الزفت زودوها أوي المرة دي.
تغضنت ملامح شهد بضيق لتطرق برأسها، وقد مر جميع ما حدث أمام عينيها، فتدخلت لينا تقول بمرح:
بس إيه يا بت شهد، البت رؤى دي طلعت تربيتك صح، ما سبتكيش ولا دقيقة، فضلت لازقة جمبك في الأوضة وانتي نايمة، حتى مدرسة ولا درس كانت بتروح.
عبست شهد لتسأل شقيقتها بتوبيخ:
معقول الكلام ده يا رؤى؟ طب ومذاكرتك ومستقبلك، هتحلقي إمتى تلمي اللي فاتك؟ دا انتي ثانوية عامة يا بنتي؟
ردت رؤى بابتسامة تطمئنها:
والله بلم ومسبتش حاجة، كنت بذاكر وكل حاجة وباخدها أون لاين، طمن قلبك يا كبير.
بادلتها شهد الابتسامة بارتياح ومزيد من الإعجاب، فرؤى هي الوحيدة من أسرتها من تثلج صدرها بأفعالها معها، رغم الجحود والنكران الذي تجده من الباقي.
– طب إحنا كده لازم نتصل بالست مجيدة بقى.
قالتها أنيسة لتسألها شهد باستفسار:
ست مجيدة مين؟ هو انتي تعرفي الست مجيدة؟
تولت لينا الإجابة عنها:
ست مجيدة أم البشمهندس يا سيادة المقاول، دي جات مرتين تطمن وتسأل عليكي مع ابنها، دا شكله قلقان عليكي أوي.
قالتها لينا وهي تطالع بمكر شهد التي تغير لونها، لتشوبه حمرة الخجل مع تذكرها للحلم الذي ساهم في استيقاظها.
وقالت أنيسة بمرح:
إيه يا ست شهد نتصل نطمن الست وابنها ولا لأ.
بحرج خرجت كلماتها:
أنا مش همنع طبعًا، بس يعني….. أنا بقول أرجع بيتنا بقى عشان الزيارات اللي من النوع دي.
هتفت بها لينا بحزم:
بس يا بت انتي، انتي مش راجعة البيت غير بعد ما أعصابك تهدى خالص. وإن كان ع الزيارات، ف اطمني يا ستي، إحنا مانعين الكل ما عدا الست مجيدة وعبد الرحيم، دا بيجي يوميا دا كمان.
***
بعصبية كانت تعدو بخطواتها ليصدر كعب حذائها صوتًا مألوفًا، يلفت الأنظار إليها بملابسها اللافتة أصلًا، بضيق قميصها في الأعلى وقصر الجيبة في الأسفل. ولكنها اليوم لم تكن مهتمة، بل لا يعنيها الرجال في أي شيء، وهي مهددة في عملها والأهم من ذلك، هو ابتعادها عنه بعد أن لفظها بعنف رابطًا عودتها إليه بالوصول إلى هذه الفتاة. تبًا لها، لقد أصبحت تكرهها أكثر من أي شيء. ألا يكفي صورتها البراقة وحظها المضاعف من الدلال والجمال ورعاية الأسرة المحافظة لها، لتكون بهذا الغرور تناظرها من علو، وكأنها الصفحة البيضاء والتي تخشى على نفسها التلوث بالاقتراب منها.
توقفت فجأة بأعين الصقر، وقد رأت غريمتها من زجاج الكافتيريا، جالسة مع الأخرى صديقتها، يحتسين المشروبات الساخنة.
بدون تفكير أو تردد اقتحمت وتقدمت حتى وصلت إليهن تلقي التحية:
صباح الخير يا بنات ممكن أقعد.
قالتها وجلست دون انتظار الإذن، تقبلت مودة تجيبها بمرح:
أهلًا بيكي يا ميرنا طبعًا اقعدي.
عقبت صبا متهكمة:
تقعد فين تاني؟ ما هي قعدت يا ست مودة؟
– تقعد فين تاني؟ ما هي قعدت يا ست مودة؟
– لدرجادي انتي مضايقة من وجودي يا صبا؟ أنا واحدة ست عادية على فكرة، مش راجل عشان تكشي ولا تخافي منه، وبرضوا لو مضايقك وجودي؟ حالًا هقوم.
قالتها وهي تنهض بمسكنة أثرت بصبا مع هذه النظرة المائلة في أعين مودة، فقالت ملطفة:
خلاص يا ميرنا، موصلتش لدرجادي، اقعدي بقى.
سمعت الأخيرة لتعاود الجلوس بأعين مترقرقة بالدموع. أجفلت صبا ومودة التي قالت بلهفة:
ليه البكا يا ميرنا؟
رمقتها بحزن لتنقل بانظارها نحو صبا قائلة:
أصل صبا بتبصلي نفس النظرة اللي بشوفها في عيون ناس كتير، بيفتكروني ساهلة أو واحدة مش كويسة عشان متحررة في لبسي حبتين.
قالت مودة بدفاعية:
لا يا ميرنا متقوليش على نفسك الكلام ده، صبا أكيد متقصدتش كده والناس أساسًا ما بتسيبش حد في حاله.
صمتت صبا تطالعها بريبة وعدم فهم، لتردف ميرنا:
اتكلمي عن نفسك يا مودة لأن صبا شكلها بيقول غير اللي انتي بتقوليه خالص.
هزت كتفيها الأخيرة بحرج لتجيب وهي تتناول كوبها وتدعي الانشغال في الارتشاف منه:
أنا طبعًا مقصدتش، وحكاية القبول دي من عند ربنا، بس حتى لو كان يعني، من المؤكد إنك بتبكي لسبب يخصك، أنا مليش دخل بيه.
إجابتها العفوية كانت من الذكاء لتوقف ميرنا عن تصنع البكاء، لتبحث سريعًا عن رد آخر، والذي لم تغلب فيه.
– انتي عندك حق يا صبا، انتي مش السبب الحقيقي ولا حتى نظرة الناس اللي قولت عليها، دي كلها حاجات ورا السبب الحقيقي، أنا اللي واجعني هو الوحدة، يمكن مودة مقالتلكيش، أنا يتيمة الأب والأم، وخالي اللي رباني في بيته، رفع إيديه عني أول أما اتجوزت، ولما جوازي فشل واطلقت مرديش يرجعني لبيته، دا طردني كمان، وحظي القليل خلاني أطلق حتى في جوازتي التانية، عشان أقعد لوحدي في شقة طويلة عريضة، محدش بيسأل عليا، ولما أتعب محدش يحس بيا، ولما أموت برضوا محدش هيعرف بموتي….
ختمت ببكاء خرج هذه المرة حقيقيًا، فبدون أن تقصد، وجدت نفسها تصف حالتها بالفعل.
ظهرت الشفقة على وجه الفتيات، وربتت مودة على كفها بدعم. أما صبا التي طالعتها لأول مرة ببعض التفهم، فهي ليست بحجر حتى لا يؤلمها كلام المرأة، حتى لو كانت بهذه الهيئة التي تصنفها داخلها بالابتذال، فربما هذه الهيئة تعوض النقص بداخلها، نقص الاهتمام بلفت النظر إليها. فقالت برقة:
خلاص يا ميرنا، أنا آسفة لو كنت جرحتك بأسلوبي الناشف، بس دي طبيعتي، تقدري تقولي عليا دبش في كلامي واسألي مودة.
سمعت الأخيرة لتهتف بحماس:
دا صحيح يا ميرنا والله، البت دي ياما ادتني على دماغي، أصلها صعيدية وطبعها زي السيف قاطع من غير رحمة.
عقبت صبا بدهشة:
أنا برضو معنديش رحمة؟ الله يسامحك.
ضحكت مودة بعفوية جعلت صبا تتغاضى عن وصفها، أما ميرنا فعلى الرغم من شعور الانتشاء الذي اكتنفها وقت الاعتذار، إلا أنه قد تلاشى سريعًا عقب كلمات مودة، فقالت لتستغل هذه اللحظة سريعًا:
طب مدام اتصالحنا واتفاهمنا خلاص، ياريت تجبروا بخاطري وتحتفلوا معايا….. أصل أنا النهاردة عيد ميلادي، وكان نفسي أقضيها ولو مرة واحدة مع حد.
هتفت مودة لتهتف بمرح:
ودب فيها كلام، دا إحنا هنحتفل معاكي ونخليها ليلة تحلفي بيها العمر كله، جهزي نفسك انتي بتورتة كبيرة، وزيني البيت بالبلالين……
استني عندك يا مودة، بيت إيه؟ أنا مبروحش بيوت حد.
هتفت بها صبا مقاطعة بحزم جعلها تبتلع الباقي من كلماتها. وجاء الرد من الأخرى:
انتي مش عايزة تيجي صبا؟…… براحتك.
قالتها لتطرق رأسها بمسكنة، كتمت صبا زفرة الحنق بداخلها، ثم لترد مصححة:
أنا مقولتش إني مش عايزة أحضر، بس أنا مواعيدي بحساب، وخطوتي بحساب، يمكن لو في مكان عام..
– يعني هتحتفلي معانا لو في مكان عام؟
صمتت قليلًا بتفكير وقد أجفلها سرعة الرد، لتومئ بهز رأسها، قائلة:
أيوة بس بصراحة لو بعد المغرب يبقى انسي، دا من رابع المستحيلات عندي أبويا الخروج لوحدي في الوقت ده.
عضت ميرنا باطن خدها لتكتم غيظها، وهذه الملعونة لا تكف عن إضافة الشروط التعجيزية لتيأس منها، بعد أن وصلت أخيرًا لنقطة من التفاهم معها، وهي أبداً لن تتراجع للخلف:
خلاص يا صبا، نخليها بعد الشغل وفي مطعم قريب من هنا، واهو يبقى احتفال وخلاص، المهم الذكرى.
***
عادت أخيرًا للحارة التي تقطن بها، عادت بعد أن اطمئنت، لتلج بداخل المبنى، تتلقي تحية الجيران وأسئلتهم عن شقيقتها، فغياب يومين أثار الشكوك والقلق على صحتها، مع هذا الصمت والردود المبهمة من والدتها وأمنية أيضًا. ببشاشة وتسامح كانت تجيب الجميع وتطمئنهم، حتى وصلت إلى المنزل، لتفاجأ به.
بوسط المنزل كان جالسًا بحرية واضعًا قدم فوق الأخرى، وقد أتى اليوم قاصدًا بتحدي للجميع، مواجهًا نظرات الاستنكار والغمز واللمزات من الجيران خلف ظهره، مستغلًا لهفة الأخرى لزيارته، وضعف خالته في الاعتراض:
– انت بتعمل إيه هنا؟
سالته بشجاعة غير آبهة بالنظرة النارية التي رمقها بها فور دخولها المنزل، وجاء الرد من أمنية:
– طب ارمي السلام الأول، بدل ما انتي داخلة أفش كده، تتحفينا بالدبش بتاعك، وانتي غايبة ليلتين عن البيت.
وكأنه الهواء مر بجوار أذنها ولم تشعر به، تابعت رؤى للآخر، بتجاهل تام لشقيقتها:
– أنا بسألك، جاي بيتنا ليه؟ لسه لك عين بعد الفضيحة تدخل البيت ومن غير صحابه كمان؟
إلى هنا وانتفض هاتفًا بغضب نحوها:
– صحابه مين يا بت؟ هي أمك ولا أختك دي مش من صحابه؟ ولا هي المحروسة عملالك غسيل مخ، ومفهماكي إنكم ضيوف؟ طبعًا ما انتو هبل وتستاهلوا الضحك عليكم.
بغضب عاصف صاحت أمنية:
– مين هما اللي يضحك عليهم؟ إيه اللي انت بتقوله دا يا إبراهيم؟ وانتي يا بت انتي لمي نفسك أحسن لك.
ردت هذه المرة رؤى لتواجهها بندية غير متكافئة على الإطلاق بهذا الفرق الشاسع بين الجسدين، في الطول والوزن:
– والم نفسي ليه؟ مش لما تلميها انتي الأول، بقى بعد الفضايح وكل اللي حصل لأختك، توصل بيكي البجاحة، تدخليه البيت وتحطيله الكيك والساقع كمان، طب كنتي اسألي عن اختك التعبانة أولى، ولا هو غاب القط العب يا فار.
– فار في عينك قليلة الأدب.
صرخت بها إمنيه لتخرج والدتها إليهم سريعًا تقول بلهفة وارتباك:
– إيه اللي بتقوليه دا بس يا رؤى؟ ابن خالتك جه يسأل ويطمن، ودول مخطوبين ومش لوحدهم، أنا قاعدة في المطبخ جوا بحضر الغدا.
ردت رؤى باستهجان وقنوط:
– يعني انتي كمان بتحضري له الغدا، أنا خلاص معدتش أستغربك يا ماما، بس كان عندي أمل إنك تراعي حتى نظرة الناس ولا كلامهم بعد اللي حصل.
– واللي حصل دا كان بسبب مين؟ مش بسببك.
هتف بها إبراهيم ليتابع كازًا على أسنانه:
– لو في فضايح يبقى انتي السبب فيها، أنا كنت بدافع عن سمعتكم، وحقكم من اللي أكلوه منكم، لكن انتي اللي لميتي الجيران بصويتك.
قالت رؤى بنظرة كاشفة وبسخرية صريحة:
– وانت بقى يا عم إبراهيم اللي هتدافع عن حقنا ولا سمعتنا، إنت يا إبراهيم؟
استشاط الأخير غضبًا، ليخرج دخان حارق من أذنيه ومن فتحتي منخاره يود القفز بكفيه على رقبة هذه الصغيرة أو تلقينها بالضرب درسها لن تنساه عقابًا للاستهزاء منه، وهي الصورة المصغرة من غريمته. فتدخلت أمنية بحمائية عنه تدافع:
– إبراهيم مكدبش لما قال عنك قليلة التربية، انتي فعلًا عايزة تربية من أول وجديد، ولو ما لميتي نفسك دلوقتي حالا، لعملها واكسب ثواب تربيتك.
قالت الأخيرة وهي تشمر أكمام ذراعيها الغليظان بتهديد أثار ابتسامة متسلية على ثغر رؤى، برد فعل غير مبالي، حتى صاحت والدتها بتوبيخ:
– عيب عليكم يا بنات، إحنا مش ناقصين فضايح أكتر من كده، لموها بقى.
بعدم اكتراث لتزيد من غيظهم بفعل طفولي، تحركت رؤى متمتمة:
– أنا داخلة أوضتي أجيب لي هدمتين عشان أرجع تاني عند أختي حبيبتي، عند لينا العسل ووالدتها، دا كفاية الحلويات اللي بتعملها طنت أنيسة يا ناس.
ب سلبية اعتادت عليها، نفضت نرجس كفيها يسأم، قبل أن تذهب نحو المطبخ، لتراعي إعداد الطعام تاركة أمنية، وقد اشتدت ملامحها وتعقدت بخطوط طويلة لغضب حارق تتابع أثر شقيقتها. فعقب إبراهيم ليزيد عليها بفحيح:
– شايفة الفُجر، بتتكلم كده عشان ضامنة نفسها، حبيبة أختها دي، مش زيك، أهي دقني اهي إن ما طلعتي من المولد بلا حمص.
***
لا تقوى على النظر في عينيه، تخجل من نظراته المصوبة نحوها دون تحفظ كعادته. هذه المرة غير كل مرة، هذه المرة أكثر جرأة أكثر فرحًا بعودتها، وجلوسها أمامه. هذه المرة ترى كلامًا على صفحة وجهه غير منطوق، ولا تعلم تفسيره، وكأنه اتفق مع حلمها اليوم ليزيدها حرجًا، ويزيدها ارتباكًا. ما بالها؟ وما هذا الذي يحدث معها؟ وما صفة هذا الرجل ليأخذ كل هذه المساحة من التفكير بعقلها؟
– شهد.
سمعت بإسمها لتلتف برأسها وتجيب صاحبة الصوت:
– أيوة، أيوة يا لينا.
ردت الأخيرة:
– يا حبيبتي أنا بسألك، لو تحبي تشربي شاي زي الجماعة؟
أجابتها بارتباك:
– لأ يا لينا، بس لو هتعبك، ياريت خليها قهوة.
عقبت مجيدة:
– قهوة! قهوة ليه يا بنتي؟ اشربي عصير ولا حاجة مفيدة لصحتك.
خرج صوتها بضعف:
– لأ ما أنا اتعودت عليها، بحبها وبتعدل مزاجي.
– دي بتدور على مزاجها يا ماما، محدش يلوم المقاول على مزاجه.
قالها حسن بتفكه جعل الجميع يضحكون، لتبتسم هي بخجل أصبح يزداد في حضوره، واستغراب من نفسها بدأت تشعره داخله، حتى أصابها التوتر، وقالت في محاولة لتغير دفة الحديث نحو الجهة الآمنة لها وهي العمل:
– أنا كلمت عبد الرحيم وقالى إن اللي فاضل على استكمال الموقع يدوب أسبوع بكتيره، وتستلمه انت بعدها.
هم أن يرد ولكن أنيسة سبقتها:
– خلاص يا شهد مش قادرة تصبري ع الشغل، يا بنتي ريحي دماغك شوية، خدي بريك على رأي لينا.
سمعت الأخيرة لتدلي بقولها هي الأخرى:
– دي مفيش فايدة منها يا ماما، مخها اتبرمج ع الشغل وبس.
أضاف على قولها حسن:
– عندك حق يا لينا، دي أكيد بتحلم بالأرقام والمساحات وأجور العمال.
على ذكر الحلم برقت عينيها فجأة باستدراك، والصور تتوالى برأسها، لتبتلع ريقها بتوتر، وكأنها في عالم موازي، تتبادل ضحكاتهم ومُزاحهم المتواصل بالابتسام دون تركيز، حتى سألتها مجيدة:
– يعني النهاردة مش شايفة البت رؤى، هي راحت فين؟
ردت تجيبها:
– راحت البيت عندنا، تجيب لي وتجيبلها كام غيار من الهدوم، الظاهر كده إن قعدتنا مطولة.
قالت الأخيرة بمشاكسة جعلت لينا تناظرها بابتسامة مفهومة، فضحكت مجيدة قائلة:
– أقول الحق يا شهد، بصراحة أنا من ساعة ما دخلت هنا وأنا حاسة البيت ده انتي جزء منه، واكنهم عيلتك بالدم، مش مجرد صحاب.
– دا حقيقي والله، أنا بحس كده فعلًا.
قالتها شهد لتضيف على قولها أنيسة:
– شهد اتربت هنا مع لينا، يوم بيوم وسنة بسنة بتكبر قدامي، دي كانت هتبقى مرات ابني، ورمزي كان بيموت فيها.
– رمزي مين؟
خرجت من حسن الذي اشتعلت الدماء برأسه واحتدت عينيه بشكل ظاهر. ردت لينا بعفوية:
– رمزي ده يبقى أخويا.
أضافت على قولها أنيسة بتسلية تشير على الإطار المعلق على الحائط:
– شايف صورة الواد الحليوة أبو عيون فيروزي وشبه لينا ده، اهو ده بقى رمزي.
بوجه شاحب تطلع لصاحب الصورة الوسيم بحقد، وقبل أن يتابع أسئلته سبقته مجيدة التي انتابها القلق هي الأخرى:
– طب وإيه اللي حصل؟ ليه مكملتش الجوازة يعني؟
– اتوفى.
قالتها أنيسة بابتسامة باهتة أجفلت حسن ومجيدة التي أصبحت تردد بالكلمات الروتينية الداعمة والمترحمة بتأثر، قبل أن تنتبه على الوقت لتنهض باستئذان:
– طب إحنا نقوم بقى يا جماعة كفاية كده.
قالت أنيسة بمودة حقيقية للمرأة:
– وتمشي ليه يا ست مجيدة؟ ما تخليكي قاعدة ومونسانا، دا انتي عشرية وأنا ارتحتلك بجد والله.
كلمات المرأة أثلجت قلب مجيدة لتبتسم لها بابتهاج قائلة:
– مش أكتر مني يا ست أنيسة، أنا بقيت حاسة إني أعرفكم بقالي سنين.
تدخل حسن الذي نهض على غير إرادته لكن مضطر:
– ربنا يديم الود ما بينكم، بس إحنا لازم نمشي مدام اطمنا على شهد.
نطق اسمها لتلتقي عينيها بخاصتيه بعناق سريع، قبل أن يتابع بتنهيدة من العمق:
– أنا عندي اجتماع مهم في المصلحة ولازم أحضره.
– مكشوف مكشوف مكشوف.
غمغمت بها مجيدة داخلها وعينيها تتابع ملامح أنيسة المبتسمة بمكر، قبل أن تجفل على قول لينا:
– طب هو وراه المصلحة، انتي وراكي إيه طنت مجيدة؟ خليكي معانا اتغدي دي ماما أكلها يجنن وتموت في اللمة، واهو يا ستي نردلك العزومة بتاعتك ولا انتي نسيتي؟
المجنونة، المتقلبة المزاج، من يراها في الشجار مع ابنها كالقطة الشرسة، لا يصدق هذه الرقة والوجه الصبوح الآن.
كان هذا الحديث الدائر داخل مجيدة، بعد أن استجابت لطلبهم قائلة:
– لأ يا حبيبتي ولا عمري أنسى، خلاص يا حسن روح انت.
ذهب الأخير ليترك والدتها مع هذه الثلاث نساء، لينا وشهد وأنيسة التي لم تكف عن الترحيب بها وإدهاشها بكم الحلويات التي تجيدها، لتقضي معهن وقتًا لا يستهان به من المرح، وعقلها الدائر بالأفكار يتساءل كالمنبه يذكرها:
– ماذا بعد؟ ماذا بعد؟
تدراكت فجأة لتقول بمكر:
– يا لهوي صحيح، أنا قاعدة معاكم وناسية نفسي، عندي دوا لازم أخده قبل الغدا.
تطوعت أنيسة تجيبها:
– قولي اسمه يا ست مجيدة وأنا أتصلك بالصيدلية تجيبه.
باعتراض سريع ردت مجيدة:
– وأجيب غيره ليه، ما أنا أتصل بابني يجيبه معاه في طريقه وهو رايح على شغله، حكم دا ميعاده، تقبلي يا لينا بحضرة الظابط يجيب لي الدوا؟
أجفلتها بالسؤال كما فاجأت أنيسة أيضًا لتجيبها باستسلام وهي ترتب الطاولة مع شهد:
– اتصلي بيه يا طنت، أكيد طبعًا مينفعش تأخري الدوا بتاعك.
بابتسامة النصر، تناولت مجيدة الهاتف على الفور تتصل بابنها:
– ألوو يا حضرة الظابط ممكن خدمة؟
رواية و بها متيم انا الفصل العشرون 20 - بقلم امل نصر
في غرفة المكتب التي كانت تضمهم بعد الانتهاء من مناقشة عدد من الموضوعات الهامة والمطلوبة لشراكتهم، ترك كل شيء ليجلس في الركن الخاص من المكتب كي يحتسي مشروبًا باردًا، بذهن شارد، يستجيب بردود مقتضبة على أسئلة كارم التي لا تنتهي، حتى مل الآخر ليعبر عن اعتراضه:
- في أي يا عدي؟ ما تركز معايا يا اخي، احنا بنتناقش يا بني، يعني تاخد وتدي معايا، دي صفقات بملايين.
زفر الآخر بقوة قائلًا بسأم:
- ملايين ولا ملاليم، ما تتصرف يا كارم بالسلطة اللي في إيدك، انا واثق فيك يا سيدي.
- حتى لو واثق فيا، انا برضوا عايز رأيك وخبرتك في العمل مع مصطفى أخوك، دا جينيس يا بني، بيتكسح في أي موضوع يدخله.
بابتسامة غير مبالي:
- يا عم ما يكتسح زي ما هو عايز، طالما بعيد عن مجالنا، إحنا مالنا.
- مالنا بيه ازاي؟
هتف بها كارم ليتابع وهو ينهض عن مكتبه لينضم معه في الركن الخاص:
- إنت ناسي إنه مشارك جاسر الريان والمجموعة بتاعتهم في المعمار بننافس أكبر الشركات في البلد، ولا أكمن إحنا لسة صغيرين مش حاسبها دي.
قلب عينيه عدي قائلًا بعدم احتمال وقد فاض به:
- يادي جاسر الريان، يا كارم اهدى شوية إحنا مش صغيرين يا حبيبي، بالنسبة للوقت القليل اللي اشتغلنا فيه، والصفقات اللي خدناها، إحنا مش قليلين على الإطلاق، بس مش في يوم وليلة يعني هنوصل للمنافسة قدامهم، مجموعة الريان سابقانا بزمن.
رد كارم بقنوط وهو يدفع القلم من يده ليعود بظهره على الكرسي:
- عارف ياسيدي عارف، أنا بس الحماس هو اللي واخدني، وعايز أحصلهم بقى.
- هتحصلهم وتسبقهم كمان يا حبيبي اطمن.
قالها عدي وهو يعود لمشروبه بشرود، مما جعل كارم الذي انتبه عليه، أن يسأله بفضول:
- شكل دماغك مش رايقة خالص النهاردة، أنا مش فاهم يا بني، هو إنت إيه اللي شاغلك بس؟
تطلع إليه بنظرة فهمها كارم ليتابع بفراسة:
- البنت أياها صح؟ يا بني إرسالك على حل معاها بقى، انجز عشان تفوقلي، النسوان بتروح وتيجي، أهم حاجة الشغل.
سمع منه عدي وتغيرت ملامحه بنظرة مبهمة، وكأن الكلمات لا يتقبلها، أو هي عكس ما يريده!
❈❈-❈
قالت ميرنا وهي تدفع الباب الزجاجي للمطعم الذي حجزت به مسبقًا للاحتفال بعيد ميلادها المزمع، بصحبة الفتيات مودة وصبا التي ترافقهن على مضض:
- ادخلوا يا بنات ادخلوا، خلونا نلحق ترابيزتنا.
عقبت مودة بالإنبهار كعادتها:
- يا لهوي يا ميرنا، دا المكان باين عليه غالي أوي هندفع تمنه منين؟
بابتسامة واثقة ردت ميرنا:
- يا حبيبتي متشليش هم فيها دي، أنا متكلفة بكل الفلوس، انتو بس عليكم تنبسطوا وتروقوا نفسكم.
صبا والتي كانت تتفقد المكان حولها بتفحص أثناء السير، سألتها بتوجس:
- وإنتي هتجيبي منين؟ أنا أعرف إن الأماكن دي، بتبقى الأسعار فيها خيالية، وإنتي بتقولي حاجة.
- أيوة حاجة ودافعة كمان، دي هي ليلة، شالله محد حوش.
قالتها ميرنا لتهلل مودة بمرح:
- أيوة بقى خلينا نهيص كده ونفرفش يا قمر.
برد سريع من ميرنا، وهي تضمها من كتفيها:
- فرفشي انبسطي على كيفك يا قلبي إنتي، أنا بعتبركم زي خواتي يا بنات، ربنا يخليكم ليا.
اغتصب صبا نحوهن ابتسامة بصعوبة لتعلق بنصح:
- حلو جو الأخوة ده، بس يا ريت نقلل العواطف شوية واحنا داخلين، الناس عيونهم علينا.
أجفلت ميرنا لفعل صبا الصارم رغم ابتسامتها، لتذعن مضطرة تاركة مودة التي قالت متفكهة:
- اه صحيح يا ميرنا، خلي بالك، العسكري صبا معندهاش الكلام ده.
بابتسامة جانبية رمقتها الأخيرة، لتغمغم ميرنا داخلها نحو الأعين المصوبة نحوهن، بتركيز نحو صبا:
- عسكري! وهو في عسكري بيخطف عيون الناس كده!
❈-❈❈
أمام باب المنزل وقف متأففًا ليزفر بضيق وهو يضغط على الجرس، بعد أن أخبرته والدته بضرورة الدواء، رافضة كل الحلول المقدمة لأن يأتي به أحد غيره، إن كان عسكري الخدمة في سيارته، أو حتى حارس البناية هنا، وفي كل مرة لا تغلب في حجة حتى اضطرته للمجيء بنفسه.
وصل لأسماعه الصوت المألوف من داخل المنزل وهي تهتف من قريب:
- خلاص يا ماما هشوف أنا من الباب حاضر.
وصلت إليه العبارة قبل فتح الباب مباشرةً ليجدها أمامه بهيئتها اللعينة الجميلة، رافعة شعر رأسها لأعلى بفوضوية، لتظهر طول عنقها وملامحها الأوروبية الفاتنة بملابس بيتية راقية، تبًا لها، لقد كانت تتحداه بوقفتها صامتة حتى على باب منزلها:
- أهلًا.
قالتها باقتضاب ليناظرها من تحت أجفانه من علو مرددًا خلفها:
- أهلًا.
- اتفضل يا حضرة الظابط.
قالتها بتمهل تتكئ على أحرف الكلمات بشكل لم يعجبه، ليرد عليها بنفس الوتيرة:
- شكرًا.. يا آنسة.
- هو أمين اللي وصل عندك يا لينا؟
صدرت بصوت والدته من الداخل، ليسبق الأخرى بالرد:
- أنا جبتلك الدوا يا ماما تعالي خديه.
- كدة ع الباب! ميصحش يا حضرة الظابط، اتفضل.
قالتها لينا وهي تتزحزح من أمامه لتُعطيه المساحة كي يدلف، خطا خطوتين بعجرفة دون النظر إليها، ليُخفي حرجه، حتى إذا وقعت عينيه على والدته التي كانت جالسة بوسط الردهة لوح لها بالكيس البلاستيكي الذي يحتوي على علب الدواء، لتهتف إليه بصوت واضح وهي تترك طبق المسليات من يدها على ذراع الأريكة:
- عايزني أجي عندك، طب استنى دقيقة على ما أقدر أقوم.
قالتها لتهم بالنهوض ولكن أنيسة التي كانت خارجة من المطبخ، تحمل بيدها طبقًا كبيرًا من الطعام أوقفتها:
- تقومي فين يا ست مجيد؟ ما تقدم يا بني برجلك شوية هو إنت غريب؟ اتفضل يا حضرة الظابط.
تطلع نحو المرأة الشقراء ليستنتج مع هذا الشبه القوي بدون تفكير صفتها، تحمحم يقول بحرج:
- يزيد فضلك يا هانم، بس معلش خليها مرة تانية.
اقتربت أنيسة باعتراض تجادله:
- لا طبعًا مرة تانية دا إيه؟ اتفضل يا بني حتى ولو دقيقة، أنا أنيسة والدة لينا.
قالت الأخيرة وقد امتدت يدها لتصافحه، على الفور بادلها المصافحة بابتسامة قائلًا:
- أنا عرفتك أساسًا من الشبه، تشرفنا يا هانم.
- الشرف لينا يا حضرة الظابط، اتفضل بقى مينفعش التعارف ع الواقف.
ود تكرار اعتراضه وقد انتقلت أنظاره نحو والدته التي كانت جالسة بأدب، تدعي البراءة، ليضطر ويستجيب لإلحاح المرأة.
عقبت لينا من خلفه بلهجة متهكمة:
- البيت نور يا حضرة الظابط.
رمقها بنظرة حانقة قبل أن ينتبه على شهد التي كانت جالسة بالقرب ليسألها بمودة صادقة:
- عاملة إيه النهاردة يا شهد؟
برقة أجابته مبتسمة:
- الحمد لله كويسة، ألف شكر على سؤالك.
- لا العفو يا ستي، هو السؤال محتاج شكر؟
قالت أنيسة وهي تأتي بإناء زجاجي يحتوي على الماء، وفي اليد الأخرى الكوب الذي أعطته لمجيدة لتتناول علاجها:
- بسم الله ما شاء الله، مؤدب وسمح، متفرقش عن أخوك المهندس، ربنا يفرح والدتكم بيكم يارب.
رددت مجيدة خلفها سريعًا:
- يارب يا حبيبتي يارب.
تبسم لها أمين ببشاشة قائلًا:
- كل شيء بأوان إن شاء الله...... طب أقوم أنا.
- أقوم فين يا بني؟ هو انت لحقت تقعد؟ دا حنا لسة بنتعرف عليك يا حضرة الظابط.
قالتها أنيسة لتتضامن معها مجيدة بخبث:
- هو كده، أصله بيتكسف بقى.
رددت خلفها لينا ساخرة وقد اتخذت مكانها على مائدة السفرة:
- بيتكسف! وهو في ظابط بيتكسف يا طنط؟
كبتت مجيدة ابتسامة ملحة وهي تراقب وجه ابنها الذي تلون بالأحمرار غيظًا من لينا، مع تحفظه في الرد عليها بوجود والدتها والتي تابعت بزوق:
- بقولك إيه يا بني، إنت هتاكل لقمة سريعة معانا، الأكل بيحب اللمة، وزي ما إنت شايف، كل حاجة جاهزة قدامك.
اعترض سريعًا بتشنج:
- لا لا أكل فين؟ أنا مستعجل ورايح شغلي أساسًا، دا غير إني أكلت في البيت عن أذن...
- بلاش طيب دووق الحلويات.
هتفت بها مجيدة بمقاطعة أجفلته لتتابع نحو أنيسة:
- هو أصلًا أكلته سفيفة وبيشبع بسرعة، لكن بقى في الحلويات، ما يشبعش منها أبدًا، دا أستاذ في التذوق.
- أستاذ في التذوق!
غمغم بها بداخله مستهجنًا أفعال والدته الغير مفهومة، ليفاجأ بأنيسة تخاطبه بحماس:
- خلاص مدام مش هياكل، يبقى يقول رأيه في الكيك ده.
قالتها وهي ترفع له طبقًا يحتوي على عدة أنواع لقطع الكيك بأشكال مختلفة، لتقدمه إليه.
بحرج شديد هم أن يرفض ولكن المرأة تابعت بأدب جم:
- متكسفش الزاد، حتى عشان تقولي رأيك في اللي بعمله.
باستسلام للألحاح ورقة المرأة في الحديث، امتدت يده للطبق قائلًا:
- يا خبر أبيض، أخجلتيني بزوقك والله، أنا هاخد واحدة عشان خاطرك، لأني فعلاً عايز أمشي.
قالها ليقضم من القطعة وفي باله يهم بالنهوض ولكنه أجفل بالطعم الرائع، ليقول بتلذذ:
- دي مش جميلة وبس، دي تجنن تسلم إيدك.
عقبت شهد من مكانها بجوار لينا المنتظرة بدء الطعام على مضض:
- طنط أنيسة تاخد الجايزة الذهبية في الحلويات، أنا باجي وأطلب بنفسي منها.
ناظرها أمين يهز رأسه موافقًا، لتقول أنيسة بحماس لهواية تعشقها:
- خلاص يبقى تدوق من النوع التاني كمان وتقول رأيك برضوا.
هذه المرة لم يعترض، وامتدت يده على الفور متناولًا القطعة في قضمتين بنهم للطعم الرائع، ووالدته تتطالعه بانتشاء، مغمغمة داخلها:
- أيوة كده، الحلو يجيبه الحلو.
❈-❈❈
- على الطاولة التي تم الحجز عليها مسبقًا، قالب من الحلوى الشيكولاتة توسطها والذي تم التوصية عليه أيضًا مع الطلب، مغروز به عدد من الشموع التي كانت تطفئها في هذا الوقت ميرنا بالنفخ من فمها، لتنطلق ضاحكة بعد ذلك، تشاركها مودة التي هللت بفرح طفلة صغيرة:
- هاااي، كل سنة وإنتي طيبة يا أحلى ميرنا.
قبلتها الأخيرة بوجنتيها لتحتضنها مرددة:
- وإنتي بألف خير وصحة يا حبيبتي، تسلميلي يا مودة.
بابتسامة رزينة أخرجت صبا هدية مغلفة من حقيبتها لتضعها أمام صاحبة الاحتفال قائلة:
- كل سنة وإنتي طيبة، دي حاجة بسيطة مني.
شهقت ميرنا متفاجئة وهي تتناول العلبة قائلة بفرحة حقيقية:
- إيه ده؟ إزاي طيب؟
توقفت لتشهق بعدم تصديق:
- وسلسلة فضة كمان؟ دي شكلها غالي أوي دي، إمتى جبتيها؟
- جيبتها أون لاين يا ستي، والطلب وصلني قبل ما أخلص الشفت بتاعي.
قالتها صبا لتتذكر رد فعل شادي حينما تفاجأ برجل الأمن قائلًا:
- آنسة صبا، في واحد عايزك؟
- واحد مين؟ مين اللي عايز صبا؟
خرج السؤال من شادي بحدة يسبق ردها، ليصحح له الرجل:
- دا مندوب شركة للشحن، بيقول إن صاحبة الاسم طلبته على هنا......
- آه يا عبد الرحمن، خليه يدخل هنا.
قالتها صبا ليخرج رجل الأمن على الفور، ويدلف خلفه رجل الشحن والذي بدا من هيبته أنه شابًا في بداية العشرينات من عمره:
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضل.
قالتها صبا وقد نهضت عن مقعدها لاستقباله، ليتوقف الشاب فجأة مرددًا بأعين توسعت بإعجاب واضح:
- إنتي الآنسة صبا؟
انتبه شادي ليقف هو الآخر تاركًا ما يعمل به ليرد بالنيابة عنها:
- أيوة هي الآنسة صبا، إنت بقى فين بطاقتك عشان نتأكد إن إنت مندوب الشحن؟
أجفل الشاب من حدته ليخرج له البطاقة من محفظته على الفور بارتباك، أمام صبا الذي استغربت هذه الهيئة منه، وتدخله أيضًا ولكنها انتظرت حتى تأكد ليعود إليها قائلًا بعصبية:
- هو إنتي كنتي طالبة إيه؟
باضطراب ردت وعينيها تتنقل منه وإلى الشاب بحرج:
- طلبت سلسلة فضة.
- وأنا جبتها أهو، أكيد ذوقها يجنن زيك.
خرجت من الشاب المتحمس ببلاهة جعلت شادي يخرج عن شعوره، ليحط بكفه الكبيرة على طرف قماش القميص الذي يرتديه الشاب، يردد له بشراسة:
- هي إيه اللي ذوقها يجنن زيها؟ هو إنت جاي توصل ولا جاي تشعر في صاحبة الطلب؟
بخوف شديد ردد الشاب:
- يا عم أنا مش قصدي حاجة والله، دي دعابة عادية.
- هي إيه اللي عادية؟
- هو أكيد مش قصده حاجة وحشة.
صاحت بها صبا خشية على الشاب، لينقل بغضبه إليها:
- وإنتي إش عرفك قصده ولا مش قصده، اقعدي مطرحك يا صبا.
بزعر تملكها جلست مزعنة حتى انتهى من الشاب الذي سلمها طلب الشحن بعد ذلك بالأدب، دون التفوه بكلمة زائدة عن التعامل برسمية تحت مراقبة مشددة من شادي، الذي لم يتمالك فضوله في السؤال فور ذهاب الفتى:
- ولما إنتي عايزة تشتري سلسلة، ما رحتيش ليه مع رحمة أو والدتك ع المحلات في السوق عشان تنقي براحتك؟
للمرة الثانية يتدخل وهي تتقبل غير معترضة، لتجيبه:
- أنا مكنش عندي وقت، دا حاجة جات كده فجأة، عيد ميلاد واحدة معرفة، وعزمتني عليه النهاردة، بصراحة اتكسفت أحضر وإيدي فاضية.
سألها باستفسار:
- مين صاحبة عيد الميلاد؟ مودة؟
- لأ مش مودة، دي ميرنا.
قالتها لتتبدل ملامحه على الفور بعبوس جعله يشيح بوجهه في البداية قبل أن يعود إليها محتدًا:
- هو إنتي تعرفي ميرنا منين عشان تحضري عيد ميلادها، أنا مش عايز أتدخل، بس إنتي بتجيبلها هدايا ليه؟
- كل ده ومش عايز تدخل؟
غمغمت بها داخلها، قبل أن تجيبه بتروي:
- مش صاحبتي ولا حتى معرفة شخصية، بس كلمتني مع مودة وأحرجتني، عشان ما هي يعني واحدة وحدانية، ومعندهاش حد يحتفل معاها في اليوم ده.
- ميرنا وحدانية، إزاي يعني؟ معندهاش أصحاب ولا أهل؟
نفت بهز رأسها:
- لأ معندهاش أهل غير خالها، أبوها وأمها متوفين واتجوزت مرتين وفشلت، لا خلفت ولا عندها أصحاب، دا حسب كلامها، دا غير إنها بتقول إن الناس فاهماها غلط عشان ما هي منفتحة في اللبس حبتين ونفسها تلاقي حد يصاحبها بجد.
سألها بتجهم:
- وإنتي صدقتيها، مش يمكن تكون بتكدب؟
فكرت قليلًا قبل أن تجيبه بصدق:
- مش عارفة، بس بصراحة هي صعبت عليا لما بكت على حالها، فلقيت نفسي بهاودها، رغم إني رفضت أروح بيتها واتحججت بغضب أبويا لو غيبت لبعد المغرب، بس هي سهلتها وجالت إنها عزمانا في مطعم قريب من هنا.
صمت يطالعها بإعجاب متزايد لصراحتها في الرد لترتخي ملامحه؛ في سؤاله لها بهدوء مع تركيزه في كل لفظ يخرج بلهجتها الجنوبية المحببة:
- أبوكي عارف بالمشوار؟
أومأت بهز رأسها، ليتابع بأمر:
- طب اكتبيلي اسم المطعم بالكامل وعنوانه، وابقى اتصلي بيا أوصلك لو حسيتي إنك مش مرتاحة أو لقيتي أي حاجة معجبتكيش.
- سرحتي في إيه يا صبا؟ ما تقولي رأيك.
استفاقت على صوت ميرنا التي هتفت بها، لتتحمحم قائلة باضطراب:
- لا عادي يعني، مش لدرجة السرحان، بس هو يعني... إنتي كنتي عايزة رأيي في إيه؟
قلبت عينيها ميرنا لتقول بسأم:
- يا ستي بقولك كلمي صاحبتك، اللي عملاها حكاية، وفاكراني زعلانة عشان مجبتليش هدية زيك، أنا بقولها مش مهم، وهي بتقول إنها لازم تردها لما تقبض.
سمعت منها لتنقل بعينيها نحو الأخرى قائلة برقة:
- لو هامك قوي، اشتري بعد ما تقبضي، بس أنا من رأيي إن الموضوع مش مستاهل، أنا سديت عنك وعني، والأكيد يعني، هو إن الجيات أكتر من الريحات، ماشي يا ست مودة.
باقتناع رددت خلفها الأخرى، شاعرة برفع هم سوف يثقل ظهرها، وينقص من مرتب أول قبض لها.
- ماشي.
عقبت ميرنا ضاحكة:
- يا سلام، كده من مجرد كلمتين، هو إنتوا مين فيكم الصغيرة؟
ردت مودة بابتسامة:
- بصراحة أنا، فرق بيني وبين صبا أكتر من سنة تقريبًا، بس أعملها إيه بقى؟ بتعرف تقنعني، وعقلها أكبر مني، بنت أبو ليلة بجد.
- يا دي أبو ليلة وبنت أبو ليلة.
غمغمت بها ميرنا داخلها بحنق قبل أن ترتفع أنظارها لتُجفل الفتيات بشهقة تدعي المفاجأة بقولها:
- يا نهار أبيض، عدي باشا، وهنا معانا في المطعم؟
التفتت صبا بانتباه لتجد المذكور يقف أمامها بالقرب منهم، لا تدري متى جاء وكيف وصل إليهم، لتهلل ميرنا باستقباله، وهو يجيبها بعجرفته المعتادة:
- أهلًا يا ميرنا، إنتوا عاملين عزومة هنا ولا إيه؟
ردت مودة بلهفة وعدم تصديق:
- أصل النهاردة عيد ميلاد ميرنا واحنا بنحتفل معاها كده ع الضيق.
أومأ برأسه ليلتفت نحو صبا التي أُذهلت بحضوره، وقال يخاطبها:
- عاملة إيه يا صبا؟
أومأت برأسها وهي ما زالت بجلستها ولم تنهض كالأخريات:
- الحمد لله، كويسة.
قالت ميرنا:
- شكلك كده متعود ع المطعم يا باشا، ما تجبر بخاطري، وتدوق من التورتة بتاعتي.
نقل بأنظاره نحو ما تقصد ليفاجئ الفتيات بسحب كرسي يجلس عليه قائلًا بموافقة:
- تمام يا ميرنا، كل سنة وإنتي طيبة.
- وإنت بألف صحة وسلامة يا باشا، ربنا يجبر بخاطرك يارب.
كانت تهلل مدعية عدم التصديق، متجاهلة صدمة صبا ومودة التي ظلت على وقفتها ببلاهة، وقد نسيت الجلوس في حضرته، ليخاطبها:
- اقعدي يا بنتي هتفضلي، إنتي واقفة؟
- هاا.
تفوهت بها بعدم تركيز قبل أن تجفلها صبا بقولها القوي:
- اقعدي يا مودة.
سمعت منها لتجلس على الفور، وتتابع ميرنا التي كانت تتحدث بحماس:
- ما تستغربوش يا بنات، عدي باشا مفيش أطيب منه، دا أفضاله عليا من ساسي لراسي، أنا صحيح يدوب موظفة عنده، بس هو عمره ما ردني في طلب، ربنا يبارك فيه.
- بلاش الكلام ده يا ميرنا.
قالها يدعي التواضع، لتتابع الأخرى في المدح بصفاته، حتى هتفت مودة بمبالغة تعقب:
- دا على كده إحنا كنا واخدين فكرة غلط عنه، صدق اللي قال صحيح، باشا ابن باشا.
بابتسامة خفيفة لم تصل لعينيه استجاب لها، وقد بدأ ينتابه شعور بالضيق لعدم اندماج صبا معهم، وهي تتململ بجلستها وانظارها متجهة نحو مخرج المطعم، ويدها على حقيبتها وكأنها تنتظر الفرصة للإستئذان، إلى هنا ولم يستطع الإحتمال أكثر من ذلك، توجه لميرنا بنظرة فهمتها للتصرف سريعًا:
- يا لهوي ياما الطقم.
هتفت بها مودة وقد تفاجأت بالبقعة الكبيرة التي توسطت الجيبة التي ترتديها في الأسفل لتزيد بتوسع جراء سقوط العصير عليها من الكوب الذي كانت تمسك به ميرنا رفيقتها، والتي شهقت تكمل دورها:
- يا نهار أبيض، أنا آسفة يا مودة، دا أنا كنت بمسكه عشان أشرب منه، معرفش إيه اللي خلاه سقط من إيدي.
- سقط من إيدك، يبقى ينزل على فستانك إنتي مش فستانها هي.
خرجت من صبا بحدة أجفلت الأخرى، لدرجة جعلتها تتعلثم في الرد، قبل أن تسعفها مودة بسذاجة أذهلتها:
- مكنش قصدها يا صبا، هي مسكته وهي سرحانة أساسًا أكيد يعني مخدتش بالها.
همت لتقرعها لهذا الرد المستفز ولكن عدي سبقها:
- خلاص يا بنات روحوا على حمام المطعم وصلحوه.
- لا حمام إيه؟ إحنا ماشيين أساسًا.
قالتها صبا بحزم وهي تنهض وتلملم أشياءها بعنف لتضعهم في حقيبتها اليدوية، قبل أن توقفها ميرنا:
- لا طبعًا مينفعش الكلام ده، إنتي عايزة الناس تضحك عليها ولا إيه؟ تعالي يا ميرنا معايا ع الحمام وأنا هتصرف وأخليه ينشف بسرعة.
قالتها وهي تسحب الأخرى سريعًا وتتحرك بها، وتصعق صبا بقولها:
- استنينا هنا مع عدي باشا وخلي بالك من حاجتنا واحنا مش هنعوق عليكي.
بأعين متوسعة تابعت عدوهن السريع ليختفين عن أنظارها في لمح البصر، وهي متسمرة محلها بعدم استيعاب:
- هتفضلي واقفة كده كتير؟ مينفعش تجري وراهم، وأقعد أنا أرعى حاجتهم، هيبقى شكلي وحش أوي.
- وإنت إيه اللي مقعدك؟
ودت أن تبصقها بوجهه ولكن تمالكت لتمسك بزمام أمرها ثم تعود لمقعدها مرة أخرى بجمود ملحوظ جعله يسألها:
- مضايقة ولا متوترة يا صبا؟
- لا مضايقة ولا متوترة، أنا بس مستعجلة عشان واعدة أبويا متأخرش عليه، والوقت قرب ع المغربية.
قالتها وهي ترفع طرف كمها لتكشف عن الساعة التي ترتديها، وتلقي نظرة عليها، ثم تنهدت بضيق تكتمه، فقال عدي مع نظرة متمعنة بها وهذا ما كان يزيد عليها:
- قوليلي يا صبا إنتي مستريحة في الشغل عندنا؟
- نعم!
قالتها كسؤال ليرد بابتسامة:
- بسألك عن شغلك، يمكن تفكي شوية لما تتكلمي، أنا عدي عزام يا صبا لو تاخدي بالك، يعني مينفعش الموظفة عندي تنفخ وهي قاعدة قصادي في مطعم أنا أملكه.
جحظت عينيها بصدمة ومقلتاها تحركت في الأجواء كرد فعل طبيعي ليستطرد بثقة:
- أيوة يا صبا يبقى ملكي، وأنا جاي هنا مخصوص بعد ما شوفتك مع البنات، أنا عايزك يا صبا.... أنا عايزك تشتغلي معايا.
❈-❈❈
- الجيبة خلصت ولا لسة؟
هتفت مودة من داخل الغرفة الصغيرة بالحمام النسائي الكبير، لتجيبها الأخرى بنزق وقد كان تركيزها منصبًا نحو الطاولة التي تركتها لعدي كي ينفرد بهذه المحظوظة، وتنحشر هي على مدخل الطرقة الفاصلة، تصطدم بالنساء التي تدخل وتخرج من الحمام، لتعطل هذه الغبية حتى وهي ممسكة بالجيبة، وقد أتت بها الفتاة العاملة وجففتها منذ لحظات:
- ما تتصلي ع البت الساعية بقى يا ميرنا، أنا زهقت، دا غير إني بدأت أقلق، لتكون البت دي عملت فيها حاجة أو حرقتها كمان، عشان تبقى وقعة.
صدر مرة أخرى الصوت المتذمر، لتتجعد ملامح وجهها بسخرية مغمغمة:
- تعمل فيها حاجة! دا على أساس إنها محسوبة لبس أساسًا؟
مصمصمت بامتعاض، قبل أن تدارك بتذكرها للهاتف، الذي تناولته لترفعه أمامها، وتبدأ التصوير!
❈-❈❈
- أشتغل معاك فين؟
سألت بحدة تجاوز عنها من أجل الوصول لهدفه، ليتابع بهدوء:
- بغض النظر عن عصبيتك في الرد، بس أنا هعديها عشانك، أنا طالبك تشتغلي عندي في الشركة، دي الشركة الخاصة بيا بعيد عن المجموعة ولا شركاتي مع كارم ابن اللوا حمدي فخر، هتبقي السكرتيرة لمكتبي، هتاخدي مبلغ خيالي، دا غير إنك هتبقي واجهة للشركة بمنصب متحلمش بيه أي واحدة متخرجة جديد زيك.
برغم النيران التي اشتعلت برأسها ولكنها استطاعت التحكم في انفعالها لتسأله بفضول:
- اشمعنى أنا؟
- نعم!
- بسألك يا فندم، اشمعنا أنا اللي اخترتني دونًا عن كل الكفاءات الموجودة في الفندق وغير الفندق في أملاكك، وأملاك الأسرة الكريمة؟ رغم إني خريجة جديدة زي ما قلت؟
- عشان مش عايز غيرك.
ود لو يقولها بصوت واضح لها، أو يدخل في الموضوع مباشرةً، بأنه يريدها، ولو طلبت منه الملايين سوف يعطيها في سبيل الحصول عليها، ولكن لعمله الأكيد لصعوبة الأمر، قال كاذبًا:
- أكيد عشان كفاءتك يا صبا، دا غير إنك زي ما قلت من شوية واجهة مشرفة.
- كفاءتي دي اللي اتريقت عليها من مدة لما قلت إن مستر شادي مدلعني، وبييقوم بمعظم الشغل عني؟
فاجئته بفطنتها والذاكرة السريعة التي أسعفتها لتقرعه بشجاعة تزيده إعجابًا بها رغم غضبه منها، بابتسامة حقيقية اعتلت قسمات وجهه قال:
- شكلك لسة زعلانة مني، على العموم يا صبا يعني عشان تعرفي، أنا صارم أوي في الشغل ودي طريقتي في الشد على الموظفين، المهم بقى إيه رأيك؟
ناظرته بتحدي لتقول بقوة وغير مبالية:
- في الحقيقة يا فندم أنا قبل ما أتوظف في الفندق، اتعرض عليا نفس المنصب وفي شركة كبيرة برضو، فكان ردي، هو نفس اللي هقوله لك دلوقتي، لأ يا باشا، عشان أنا آخر همي إن أبقى واجهة.
تجمد أمامها، وبدا بملامحه التي تعقدت أمامها كتمثال بلا حراك، فتابعت بذكاء:
- أنا شايفة إن البنات اتأخروا، وبما إنك صاحب المطعم، ف أنا بطلب منك يا فندم يعني لو تتكرم، ممكن تبعت حد من العمال يستعجلهم، أبويا لو زودت عن كده في التأخير، مش بعيد يقطع عيشي من الفندق ويرجعني الصعيد عشان يجوزني هناك، يعني دا لو مش هتطردني إنت كمان؟
أفحمته بطريقة لم يتوقعها ليجد نفسه يلتف للناحية الأخرى نحو إحدى العاملات مستشيط من الغضب يهدر باسمها:
- سمر.
انتفضت الفتاة مجفلة حتى انتبه بعض الرواد بجوارها، واستطرد عدي بنزق غير آبهٍ وهو ينهض عن طاولة عيد الميلاد:
- تعالي شوفي الآنسة عايزة إيه؟
قالها وخطا ذاهبًا بغضبه، تشيعه صبا بنظرها وبقلبها شعور غير مريح على الإطلاق ينتابها نحو هذا الرجل.
❈-❈❈
- كنتي فين يا رباب؟
تفاجأت بها وهي تدلف لداخل غرفتها، لتنتبه عليه، وقد كان واقفًا بتحفز واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله داخل الشرفة، وقد بدا أنه ينتظرها منذ مدة من الوقت، كظمت لتكتم صيحة الغضب بوجهه، حتى يخرج صوتها بنبرة تبدو طبيعية وهي ترفع قبعة من أعلى رأسها، لتلقيها بإهمال، ثم بيدها كانت تفك حزام المعطف الذي كانت ترتديه لتخلعه:
- طب استنى على ما أدخل وأخد نفسي حتى يا كارم، كده على طول.... أسئلة!
بغضب تملكه خطا ليقترب منها قائلًا بتحذير مشددًا على أحرف الكلمات:
- أنا بسألك يا رباب، كنتي فين؟ مشيتي الحارس وخرجتي بعربيتك من غير السواق، عشان ترجعيلي دلوقتي الساعة ٧ الليل!
زفرت لتسقط بجسدها على طرف التخت قائلة بضيق:
- يعني هكون روحت فين يعني؟ اتسوقت شوية مع واحدة صاحبتي، وأنا لابسة الكاب عشان آخد حريتي وأقضي وقت حلو معاها، وناكل كمان وننبسط.
بتهكم ساخر:
- تاخدي حريتك طبعًا عشان المعجبين، دا على أساس إن إنتي نجمة مشهورة وصورك محتلة الشاشات، مش كده يا بيبي؟
احتقنت لترد بتمالك تحسد عليه رغم الحريق الذي شب بداخلها:
- مش لازم أكون نجمة تمثيل ولا غنا، أنا بلوجر مشهورة برضو ولا إنت مش عارف عدد متابعيني؟
احتدت عينيه بشراسة يرمقها ورأسه تميل نحوها ليبث بقلبها الرعب بقوله:
- عارف ولا مش عارف، ميت مرة أقولك ما تتحركيش خطوة من غير ما تبلغيني، وحركة إنك تمشي الحارس والسواق دي، عشان تمشي لوحدك، متتكررش تاني.
بشجاعة زائفة خرج صوتها تقارعه:
- ما إنت بتقول إني مش مشهورة، إيه لازوم الحارس بقى؟
- عشان حراستك.
- لا دا مش عشان حراستي، دا عشان تفضل مراقبني ومغيبش عن عينك.
دنا حتى أصبح وجهه لا يفصل عن وجهها سوى سنتيمترات قليلة، بأعين مشتعلة، تلفح أنفاسه الحارة بشرتها، ليزيد على جزعها بتهديده:
- دا حقيقي، وتاني مرة لو اتكرر منك الفعل ده، ما تلوميش إلا نفسك.
بصق كلماته واستقام بجسده يتركها مغادرًا الغرفة، ليدخل الأكسجين أخيرًا صدرها، وقهر يشل أطرافها عن الحركة، بإحساس بالعجز، وقيوده الحريرية باتت تخنقها.
دوى صوت الهاتف لتتناول وتجيب بدون تركيز:
- الوو...
- ألوو يا ملكة الجمال عاملة إيه؟
سمعت الصوت الذي عرفته مع التكرار، لتتحفز كل خلاياها في الرد عليه بحدة:
- إنت تاني؟ هو أنا مش حظرت رقمك وعملتلك بلوك ع الصفحة كمان، بتجيب رقمي منين عشان تكلمني كل شوية من رقم شكل؟
تجاهل عنفها ليجيب بهدوء:
- يا قلبي بلاش تتعصبي وإنتي أساسًا جاية تعبانة، بعد ما انهارتي جمب قبر والدك ووالدتك، واتفلقِتي من العياط جمبهم.
- يخرب بيتك، دا إنت بتراقبني بجد بقى.
صاحت بها وهي تنتفض واقفة بغضب، فما كان منه إلا أن أجابها بهدوء:
- مش مراقبة، سميها مراعية لحبيبة قلبي، ملكة الجمال وحبيبة الملايين.
ختم بصوت قبلة وصلتها قبل أن ينهي المكالمة، وتسقط هي بانهيار لا تدري ما الذي يحدث معها.
❈❈-❈
- قاعدة لوحدك هنا في الضلمة ليه يا ميسون؟
قالتها نور وهي تخطو نحو مدخل المنزل عائدة من عملها، وقد تفاجأت بالأخيرة، جالسة بركن مظلم في الحديقة، بعيدًا عن الإضاءة وأعين الحراس والعمال، وباقي أسرتها، رمقتها المذكورة بهدوء لتجيب بلهجته العربية الغير متقنة:
- ولا حاجة، عادي.
- ولا حاجة عادي!
رددتها نور من خلفها لتغير مسارها، متجهة نحوها، لتتناول كرسي وتقربه لتجلس جوارها، فقالت ميسون بفظاظة:
- بتقعدي جمبي ليه؟ أنا قولتلك اقعدي.
تقبلت نور لتخفي حرجها بابتسامة قائلة:
- لا يا ستي ما قولتيش، بس أنا عزمت نفسي أقعد معاكي، ينفع؟
بتجهم اعتادت عليه، حتى أصبح من السمات الرئيسية بشخصيتها، طالعت نور للحظات صامتة ثم تمتمت بغمغمة وهي تشيح بوجهها:
- خلاص بقى مدام قعدتي.
في وضع آخر كانت ستضطر نور إلى الإنسحاب بحرج لتتلافاها وتتلافى الجلوس معها، ولكنها لم تقوى على التحرك، ولم يطاوعها قلبها على تركها، وقد تسرب إليها شعور غريب بالإشفاق عليها، رغم هذا الجمود الذي تدعيه، والصلف المعتاد منها دائمًا في التعامل مع الجميع سوى بهيرة شوكت التي تدللها على الدوام، فقالت تخاطبها:
- ميسون هو إنتي حد زعلك في حاجة؟
اعتدلت لتواجها بحدة قائلة:
- وإنتي بتسألي ليه؟ يهمك أوي تعرفي باللي مزعلني؟
- طبعًا يهمني يا ميسون، هو إنتي فاكراني جبلة مبحسش؟ أو مش هتأثر لزعلك مثلا؟ ليه بقى هو أنا عدوتك؟
قالتها بصدق وصل للأخرى لتتمتم بالرد:
- لا يا نور إنتي مش عدوتي، بس كمان مش صاحبتي ولا عمرك هتحسي بيا، عشان مش في مكاني.
طالعتها باستفهام سائلة:
- يعني إيه؟ وضحي يا ميسون.
ردت بصراحة أجفلتها:
- يعني إنتي معاكي جوزك اللي بيحبك وبييعشقك، دا غير جمهورك اللي بيعمل مهرجان في أي مكان تروحي، لكن أنا واحدة مسكينة، سيبت بلدي وأهلي عشان اتجوز هنا وأخلف من واحد ما بيحبنيش، وفي الآخر سايبني كده، وحدي أربي الولاد، كل يوم أضحك وأهزر معاهم عشان أشحت نظرة حب في عيونهم، مش بلاقيها بصدق غير منهم.
تفاجأت، لا بل هي صعقت لقسوة ما تحمله الكلمات التي اردفت بها الأخرى، ابتعلت نور ريقها الذي جف بحرج، لا تعلم بما ترد، تهون عليها أو تلوم صراحتها الفجة بأن تحسدها في الشيء الوحيد المتبقي لها، وهو حب زوجها والجمهور، وقد حرمت من نعمة الأطفال التي تتنعم بها هي.
خرج صوتها أخيرًا بعد تنهيدة مثقلة:
- سامحيني يا ميسون لو مقصرة معاكي، إنتي عارفة بقى الشغل أخد كل وقتي، بس كنت عايزة أقولك على حاجة، أنا الدنيا مش حلوة معايا كده زي ما إنتي شايفاها، بس كمان هعذرك.....
صمتت برهة ثم تابعت:
- أنا متأكدة إن في نقطة وصل بينك وبين عدي، أكيد لو حاولتوا إنتوا الاتنين هتلاقوها، وترجع المية لمجاريها، يعني ما تنتظريش إنه ييجي لوحده، لازم إنتي كمان تحاولي.....، عن إذنك.
قالتها ونهضت لتذهب دون انتظار رد؛ تعلم بقرارة نفسها أنه لن يعجبها، لعلمها الأكيد بشخصية ميسون المتعالية عن النصيحة.
❈❈-❈
على مدخل غرفة نومه، كانت واقفة لمدة من الوقت تراقب شروده بابتسامة حالمة، تعلم أنه يفكر بها، هو ابنها الذي تفهمه أكثر من نفسه، وتحفظ خطوط وجهه والتعابير التي ترمز بها لكل انفعالاته، إن كان بالفرح أو بالحزن أو العشق، كما تراها الآن وبكل وضوح، طرقت بخفة على الباب ليشعر بها أخيرًا ويعتدل بجلسته على الفراش منتبهًا لها وهي تتقدم بخطواتها حتى جلست بجواره قائلة:
- عامل إيه يا بشمهندس؟
تناول الطبق الذي كانت تحمله بيدها وقد سهت عن تقديمه في غمرة شرودها به، ليقول بابتهاج:
- زي الفل يا ست الكل، بس إيه الجمال ده.
قالها ليتناول بالملعقة منه قائلًا بتلذذ:
- الله يا ماما، حلو أوي الرز باللبن ده، عملتيه إزاي؟
تبسمت بمرح تجيبه:
- دا طريقة جديدة، عملتها بوصفة من الست أنيسة، مش معقولة بجد الست دي، أستاذة حقيقي في الحلويات.
- لا دي تستاهل جايزة بقى، مدام عرفتِك تعملي بالطريقة اللي تجنن دي.
قالها حسن وهو مندمج في إسقاط ملاعق الحلو داخل فمه بنهم، لتغزوا ابتسامة سعيدة وجه مجيدة قائلة:
- شهد برضو قالت حاجة زي كده، دا باين القلوب عند بعضها.
توقف ليردد خلفها باستفسار سائلًا:
- شهد قالت كده؟ إزاي يعني؟
طالعته بمكر قائلة:
- وإنت لازم تعرف باللي قالته بالظبط؟ أهي قالت زي ما قالت حاجات كتير معايا، ما إنت عارف أنا قضيت معاهم نص النهار، والست أنيسة الله يبارك لها، مكنتش عايزة تسيبني.
لوك بفمه ليعود للطبق بعدم تركيز يتلاعب بالملعقة، فقالت تلاعبه:
- تحب أعرفك قالت إيه؟
- إيه؟
- مش هقولك.
قالتها لتطلق ضحكة مدوية، بتسلية لهيئته الحانقة بغيظ من فعلها، وتابعت بمناكفته:
- ما إنت لو تطلع اللي في قلبك وتقول الصراحة، أنا كمان هقول حكاوي.
هذه المرة لم ينفعل أو يغضب، بل طالعها صامتًا لعدة لحظات بتفكير قبل أن يجيبها:
- طب لو قولتلك إني موافق على عرضك، هتعرفي تتصرفي؟
- عرض إيه؟
سألته متناسية، ليقول على الفور:
- أنا فعلاً عايز أتزوج شهد، بس بصراحة مش عارف أدخلها إزاي؟
هللت بفرح مرددة:
- يا صلاة النبي أحسن، يا صلاة النبي، أيوة كده خليني أفرح.
هتف بها حازمًا يوقفها:
- يا ماما بقولك مش عارف أدخلها إزاي؟ يعني لازم أعرف مشاعرها ناحيتي الأول، وإنها ممكن توافق ع الارتباط ولا لا؟ ولا إنتي نسيتي ظروفها واللي بتمر بيه مع أخواتها وعيلتها؟
باستدراك متأخر فهمت مجيدة قصده، لتخبو ابتسامتها، مرددة بحيرة:
- آه صحيح دا إنت عندك حق....... مكدبش عليك أنا كان كل همي عليك إنت والحلوف التاني أخوك...... نسيت أمر البنات نفسهم...... دا كده عايزة تخطيط من أول وجديد ..... يتبع