تحميل رواية طغيان قلب بقلم فاطمة محمد pdf
بقلم فاطمة محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بأحدى الدول الأوربية، وتحديدًا داخل إحدى الغرف التي يسودها اللون الأسود، تململت بنومها عندما وصل إلى عينيها تلك الإضاءة التي جعلتها تنزعج كثيرًا. رفعت رأسها عن تلك الوسادة لتنظر باتجاه تلك النافذة التي تعلم جيدًا من الذي قام بفتحها. اقتربت منها تلك الفتاة التي كانت تقف بجوار النافذة، وابتسامة جذابة على وجهها، وخصلاتها السوداء الطويلة تنساب على وجهها بنعومة، وهي تغمغم بابتسامة مشاكسة: - صباح الخير. فتحت وجد عينيها بانزعاج وهي تقول بتأفف: - خير، وهيجي منين الخير وأنتي كل يوم تعملي فيا العملة المهب...
رواية طغيان قلب الفصل الأول 1 - بقلم فاطمة محمد
بأحدى الدول الأوربية، وتحديدًا داخل إحدى الغرف التي يسودها اللون الأسود، تململت بنومها عندما وصل إلى عينيها تلك الإضاءة التي جعلتها تنزعج كثيرًا. رفعت رأسها عن تلك الوسادة لتنظر باتجاه تلك النافذة التي تعلم جيدًا من الذي قام بفتحها.
اقتربت منها تلك الفتاة التي كانت تقف بجوار النافذة، وابتسامة جذابة على وجهها، وخصلاتها السوداء الطويلة تنساب على وجهها بنعومة، وهي تغمغم بابتسامة مشاكسة:
- صباح الخير.
فتحت وجد عينيها بانزعاج وهي تقول بتأفف:
- خير، وهيجي منين الخير وأنتي كل يوم تعملي فيا العملة المهببة دي.
صدحت صوت ضحكات الفتاة بالغرفة، فقالت من بين ضحكاتها وهي تقترب منها جالسة بجوارها على الفراش:
- أنتي عارفة يا وجد يا حبيبتي إن أكتر حاجة بحبها فيكي لسانك اللي بينقط سكر ده.
ابتسمت وجد ابتسامة لم تصل لعيناها وهي تعتدل بجلستها قائلة بسخرية:
- وأنتي يا وسام يا حبيبتي تعرفي إن أكتر حاجة مبحبهاش فيكي دمك اللي يلطش ده على الصبح. أنتي يا بت مش هتبطلي عملتك المهببة دي بقى.
تأففت وسام وهي تنهض من على الفراش وتضرب بقدميها على الأرض قائلة بتذمر:
- ما أنتي اللي نايمة ولا على بالك أي حاجة، ولا كأننا مسافرين النهاردة.
رمقتها وجد بنظرة سريعة وهي تنهض من على الفراش متجهة ناحية المرحاض:
- ومين قالك إنه مش على بالي يا وسام.
ابتلعت وسام ريقها واقتربت منها محاوطة إياها من الخلف بمرح، وتقبلها على وجنتيها علها تنسيها بعضًا من همومها وأحزانها، وخاصة أنها تعلمها جيدًا وتعلم كم هي كتومة، فقالت بمرح:
- إيه ده إيه ده، إيه التكشيرة دي مش لايقة عليكي خالص على فكرة، القمر ده مينفعش يكشر. وبعدين يلا ادخلي الحمام اغسلي وشك كده وفوقي، وبعدين تعالي نفطر وبعدين نطير على المطار.
تنهدت وجد وابتسمت ابتسامة مصطنعة تؤنب نفسها على موافقتها للنزول إلى بلدها التي بمجرد أن تصلها سيعاد كل شيء أمامها مرة أخرى.
بالقاهرة، وبداخل قصر عائلة الهلالي، يقف أمام المرآة بغرفته الخاصة يهندم ملابسه يستعد للذهاب إلى عمله. كانت ملامحه مقتضبة كعادته التي اكتسبها منذ سنوات منذ أن غادرته وابتعدت عنه، لا أحد يشعر به أو هكذا يظن.
فالجميع على يقين تام بحالته التي كان سببها بُعدها ورفضها له. ورغم محاولة والدته طوال تلك السنوات حتى تجعله يؤسس عائلة، فهي تريد رؤية أحفادها وحملهم بين ذراعيها، ولكن لا يزال يرفض ذلك الموضوع، وكلما فاتحته به يعلن رفضه التام وينسحب من ذلك الحديث الذي لا فائدة له. فكيف يفكر بأنه سيستطيع الزواج بغيرها وتأسيس عائلة؟ كيف يقترب من الأخرى وقلبه لا يزال مشغولًا بها؟ لم ينسها ولا تغيب عن عينيه، لا يزال يذكر ملامحها وابتسامتها، اشتاق لرؤية غمازتيها التي تزين ذلك الوجه الطفولي. كيف يفعلها ونيران عشقها لا تزال تضرم بقلبه وصدره.
دلف رائف إلى غرفته بعدما طرق الباب طرقًا بسيطة صاحبها دخوله للغرفة، متمتمًا باستعجال وهو ينظر إلى ساعة معصمه:
- داغر كل ده بتلبس؟ هنتأخر!
أومأ له داغر دون أن ينظر له، متناولًا ساعة يده مغادرًا الغرفة برفقة رائف.
هبط معه، وما كادوا يغادرون حتى انتبهوا لذلك الصوت مناديًا على رائف:
- رائف، رايحين فين؟ مش هتفطروا قبل ما تمشوا!
ابتسم لها رائف بحب قائلًا:
- مفيش وقت يا حبيبتي، هنتأخر.
أومأت له ياسمين وعيناها ترمق داغر بنظرات سريعة، فرغم زواجها من رائف، فلا يزال قلبها متعلقًا بصديقه وابن عمه.
ابتلعت ياسمين ريقها واقتربت منه مقبلة إياه على وجنتيه، مما أزعج رائف كثيرًا. أما داغر فانتبه على ما تفعله أمامه، فتمتم ببرود وصوت خالٍ من المشاعر:
- هستناك في العربية يا رائف.
جز رائف على أسنانه وهو يرمق ياسمين بغضب قائلًا وهو يغادر برفقة داغر:
- لا يا داغر، أنا جاي معاك.
داخل إحدى المراسم، وبعدما تسللت أشعة الشمس لتسلط أشعتها ودفئها بداخل المرسم، فنجده لا يزال جالسًا أمام تلك اللوحة بشعره الذي طال كثيرًا ولحيته وهيئته المهملة. كانت الفرشاة بيده، فهو لم ينهيها بعد، وبجواره العديد من أكواب القهوة الفارغة بعدما ظل يتجرعها طول الليل حتى يستطيع إنهاءها في الصباح الباكر.
كانت ملابسه ويداه ملطخة بالكثير من الألوان، ويغلبها اللون الأسود. فالنوم لم يحالفه بفضل تلك الأكواب الفارغة، فمعرضه على وشك الافتتاح وعليه تحضير رسوماته التي سيعرضها بذاك المعرض.
وبعد مرور بعض الوقت، ترك الفرشاة من يديه وعيناه معلقة على اللوحة، فها قد أنهاها للتو. فارتسمت ابتسامة جانبية على وجهه سعيدًا بإنجاز ذاك. فنهض من مكانه متحركًا باتجاه تلك اللوحة التي يخفيها عن الجميع، مزيحًا عنها ذلك الغطاء حتى لا يراها أحد، فهو يغار عليها وبشدة.
وقف أمامها وظل يتطلع على ملامحها التي اشتاق إليها واشتاقت عينه لرؤيتها. فلمعت عيناه بالدموع كلما تذكر كيف انتهت حياتها على يد ذلك الحقير الذي لطالما كرهه. ليته قتله بيديه، ليته فعلها منذ زمن.
رفع يديه عندما سالت دموعه من عينيه، رافعًا يديه تجاه اللوحة محركًا يديه على وجهها دون أن يلمسه حتى لا يلطخها بيديه المتسخة بالألوان، وقال بصوت هامس عاشق متحشرج أثر بكائه الذي يفطر القلوب:
- عارف إن محدش هيحس بيا، هيقولوا حبها إمتى واتعلق بيها إزاي، بس مش هيلاقوا إجابة. أنا نفسي مش لاقي إجابة، معرفش حبيتك واتعلقت بيكي كده إزاي. نفسي تبقي معايا دلوقتي، كان نفسي تبقي نصي التاني.
ظلت الدموع تسيل من عينيه واحمرت عيناه بشدة، وقال بصوت متحشرج أثر بكائه ذلك، فحتى الآن لا تزال هناك نيران متأججة داخل صدره، فتمتم مكملًا حديثه:
- عايزك تعرفي إني لا حبيت ولا هحب غيرك يا إنجي. هتفضلي الأولى والأخيرة، أوعدك إن قلبي ميدقش لحد بعدك، عشان أنتي مفيش بعدك.
استيقظ من غفوته على صوت رنين هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين من الصباح الباكر. فمد يديه بجواره وهو لا يزال نائمًا، وقام بانتشاله ووضعه على أذنيه ليصل إلى مسامعه صوت والده الغاضب وهو يغمغم بانفعال مفرط:
- أنت فين يا عدى؟ عارف الساعة كام ولا لأ؟ الاجتماع فاضل عليه ربع ساعة وأنت لحد دلوقتي نايم. أنت أكيد بتهزر، أنت مش عارف الاجتماع ده مهم إزاي للشركة يا عدى.
انتفض عدى من نومته وهو يزيح الهاتف من على وجهه ناظرًا بالوقت، فجز على أسنانه ونهض من فراشه مسرعًا وهو يتمتم:
- اقفل يا بابا، اقفل. عشر دقايق وأكون عندك.
أغلق المكالمة مع والده وهو يهرول باتجاه الحمام والغضب يعتريه من تلك التي من المفترض أنها زوجته، ولكن أين هي؟ فهو لا يشعر بوجودها. أصبح لا يشعر بأي شيء تجاهها، خاصة بعدما وجهت كامل اهتماماتها تجاه أبنائها الذين من المفترض أنهم أبناؤه أيضًا، ولكن لا يرى سوى نفسه. حتى هيئتها أصبح يسخر منها كثيرًا، فمن المفترض عليها أن تهتم بكل شيء ولا تقصر بشيء، ولكن ماذا عنه؟ لما لا يرى تقصيره تجاهها؟ لماذا أصبح أعمى عن أفعاله؟ لماذا؟
خرج من غرفته بعدما ارتدى بدلته متجهًا تجاه غرفة تؤامه، الذين أصبح عمرهم ثلاث سنوات، وفتح الباب دون طرقه ليجدها جالسة أمامهم تقوم بإطعامهم والابتسامة على وجهها لا تفارقه، وكأن كل شيء على ما يرام، متغاضية ومغلقة عينيها عن الحقيقة وعن آلامها الظاهرة والواضحة بعينيها وضوح الشمس.
دلف الغرفة وأغلق الباب من خلفه بهدوء منافٍ لغضبه، فارتعش صدغه بقوة بعدما جز على أسنانه من لامباليتها التي جعلته يشتعل مكانه ويخرج النيران من فمه وأذنه.
اقترب منها وقام بجذبها من ذراعيها، وابتسامة مصطنعة على وجهه، وهو يتمتم من بين أسنانه:
- مدام الهانم صاحية؟ مصحتنيش ليه!
جذبت حورية ذراعيها من يديه بانزعاج من فعلته وملامحه مقتضبة، وقالت بهدوء أثار استفزازه:
- وأنا من إمتى بصحيك يا عدى؟ ما أنت كل يوم بتصحى لوحدك. جايلى في الوقت اللي إحنا متخانقين فيه وتقول لي مش بتصحيني ليه! أنت بتجر شكلي على الصبح صح؟
كور قبضته بغضب من هدوئها وردها عليه، وتمتم قبل مغادرته:
- أنا حقيقي ندمان إني اتجوزتك وندمان على الساعة اللي اخترتك فيها. ده كان يوم أسود يوم ما اتجوزتك. ويا ريت تبقي تبصي في المرايا تشوفي شكلك بقى عامل إزاي.
قال كلماته التي كانت كالسكين الحاد، فابتلعت حورية تلك الغصة المريرة، ورسمت ابتسامة مصطنعة، وتمتمت وهو يغلق الباب بوجهها ودموعها تسيل من عينيها، فذلك الوزن الذي اكتسبته جعله ينفر منها وبشدة، فلم يعد يشعر بأنها تلك الفتاة التي وقع بعشقها، فتمتمت بخفوت:
- وأنا كمان يا عدى ندمانة... ندمانة عشان حبيتك!
أمام المطار.
وصلا كل من وجد ووسام أمام المطار، وترجلا من سيارة الأجرة وكل منهم تحمل حقيبة صغيرة. فإجازتهما وبقاؤهما لن يدوم ولن يطول كثيرًا.
تأففت وجد وهي تحمل حقيبتها بيديها، فاستدارت وسام تنظر إليها عاقدة حاجبيها، متمتة بضيق مصطنع:
- أنتي هتقعدي تتأففي كتير يا وجد؟ وبعدين ما أنا قولت لك مش هنطول.
جزت وجد على أسنانها وبدأت خفقاتها بالتزايد، فقالت بضيق وندم شديد:
- لا يا وسام، أنا مش حابة أرجع تاني. أنا لو...
قاطعتها وسام واقتربت منها قاطعة تلك المسافة بينهم، قائلة بنبرة هادئة حاولت بها بث الطمأنينة بصديقتها:
- وجد عشان خاطري، أنتي عارفة إني بقالي فترة كبيرة نفسي أنزل، أنا منزلتهاش من سنين. ولو نزلتها لوحدي مش هبقى مبسوطة، لكن وأنتي معايا الموضوع هيختلف. فعشان خاطر وسام عندك لتوافقي. وبعدين دي هي كام أسبوع، خليكي صاحبة جدعة بقى.
لزمت وجد الصمت، فظلت وسام تتفحصها بنظراتها، وعندما طال صمتها غمغمت بخبث:
- أنا بصراحة مش عارفة أنتي خايفة من إيه!
رفعت وجد عينيها تنظر إليها بغيظ، وقامت بضربها بقبضتها على إحدى ذراعيها قائلة:
- أنا مش خايفة يا كلب البحر أنتي، أنا بس مش حابة أنزل مش أكتر. مش حابة أشوف أي حد منهم.
اتسعت عين وسام وصاحت بعدم تصديق من تفكير صديقتها، وبطريقة مسرحية جعلتها تبتسم دون إرادتها:
- نهار أبوكِ أسود يا وجد! بقى خايفة إنك تقابليهم؟ ليه يا حبيبتي؟ هو حد كان قالك إن مصر أوضة وصالة؟ يلا يا وجد، يلا يا ماما، بلاش كلام فاضي ودلع بنات، يلا يلا يا أختي.
اتسعت ابتسامة وجد على حديث صديقتها، وقالت والابتسامة لا تزال على وجهها:
- يلا يا أختي. أنتي متأكدة إنك بقالك سنين منزلتش مصر؟
قلبت وسام عينيها بتفكير قائلة بمرح:
- شاور يا بيبي. وبعدين الأفلام مخلتش ربنا يخلينا الأفلام المصري، ههه.
ثم قاطعت ابتسامتها وقالت بلهفة:
- يلا وجد، الناس بتتفرج علينا، خلينا نخلص. أنا مش مصدقة، ياه وأخيرًا.
رفعت وجد حاجبيها بسخرية وتحركت معها، وبداخلها تناجي ربها ألا ترى أحدًا من عائلتها.
بعد ذهاب عدى، وبعد إلقائه لتلك الكلمات الجارحة لها ولأنوثتها، رفعت يديها وزالت تلك الدموع. فهي لم تكن بالفتاة الضعيفة، لا تعلم ما الذي حدث لها، ولكن كل ما تعلمه أنها لا تزال معه من أجل أبنائه، فلو لم يكونوا متواجدين لكانت تركته منذ زمن.
لا تنكر تغيره وتبدله من عدى الذي كان يتمنى نظرة من عينيها مدافعًا عنها ويحميها من ذلك المدعو أمير الذي لطالما أزعجها وحاول التقرب منها، إلى عدى الحالي الأناني الذي لا يفكر سوى بنفسه وبرغباته. ليتهم لم يعودوا مثلما كانوا، فلو لم يعودوا لذلك الغناء ما كان تغير معها لتلك الدرجة.
هناك شعور يسيطر عليها، وهو وجود امرأة أخرى في حياته. رفعت يديها تزيح تلك الدموع التي انسابت دون إرادتها، وبخاطرها شيء واحد: ماذا لو كان بحياته امرأة أخرى؟ فما الذي ستفعله؟ هل ستتقبل بأخرى تشاركها إياه أم تتركه دون عودة؟
انتبهت لذلك الباب الذي فتح على مصراعيه، وصاحبه دخول ياسمين إلى الداخل، ونظرة الشماتة بعينيها تتفحصها من رأسها لأخمص قدميها، متمتمة بسخرية لاذعة:
- حورية، أنا رايحة النادي، تحبي تيجي معايا؟ وأهو تتحركي شوية لحسن أنتي فاضلك كام كيلو ومش هتعرفي تعدي من الباب. وأوعي تزعلي مني، أنا بس بنصحك، أصلي خايفة عليكي لواحدة تانية تدور حوالين عدى.
نهضت حورية من جانب أطفالها الذين يلعبون بتلك الألعاب المخصصة لهم، واقتربت منها وتحدثت بهدوء، فكم جعلتها الأمومة أكثر اتزانًا وهدوءًا:
- متشكرة على النصيحة، بس ياريت نصيحتك خليها لنفسك.
غضبت ياسمين من هدوئها وإجابتها العقلانية، فرسمت ابتسامة مصطنعة لم تصل لعيناها، وهمهمت وهي تغادر الغرفة تاركة الباب على مصراعيه:
- الحق عليا إني بنصحك، صحيح خير تعمل شر تلقى.
في منزل سحر.
استيقظت من نومها وفتحت جفونها، والصداع يكاد يفتك برأسها، والفضل يعود لسهرتها ليلة أمس. نهضت من مكانها واتجهت تجاه المطبخ وهي تسير بهدوء ويداها لا تزال على رأسها، وجلبت كوبًا من الماء ودلفت به إلى غرفتها مرة أخرى، وانتشلت ذلك الدواء من الدرج وقامت بتناوله حتى يساعدها لتخطي ذلك الصداع الفتاك.
وبعد مرور بعض الوقت، وبعدما زال صداعها، انتشلت هاتفها الموضوع بجوارها، فوجدت به العديد من المكالمات. فأعتدلت بجلستها واتصلت بذاك الرقم الذي اتصل بها كثيرًا ولم يتوقف عن الرنين، ولكنها بالطبع لم تستمع إليه.
- الو، أيوه يا مجدي. أنت اتصلت عليا كتير بس مسمعتش الموبايل خالص.
قالتها سحر بأسف، ففاجأها رد مجدي الصارم الساخر قائلًا:
- ما لازم متسمعيهوش يا سحر!
ابتلعت ريقها وما كادت تتحدث حتى قاطعها جاعلًا إياها تبتلع باقي حديثها بجوفها:
- وجد راجعة النهاردة يا سحر.
خرج من مكتبه يدور دورية كل يوم، يراقب إصلاح العمال للعطل المتواجد بالسيارات التي قد حان موعد التسليم الخاص بهم بعينيه الحادة كالصقر. انتقل بعينيه تجاه تلك السيارات المصفوفة بجوار بعضها البعض، بدأ يعدهم، ولكن توجد واحدة من بينهم غير موجودة. بدأ يبحث عن أحد العمال المسؤولين عنها، فهتف بصرامة قائلًا:
- في عربية ناقصة؟ أنتوا بتهزروا مش كده؟
هتف أحدهم يجيبه بعدما سمع حديثه، فكان مارًا بجواره:
- لسه بتتصلح يا أستاذ داغر.
عقد داغر حاجبيه بانزعاج وتمتم بحدة وعيونه تطلق شرار:
- يعني إيه لسه بتتصلح وميعاد تسليمها النهاردة؟ أومال أنتوا لزمتكم إيه؟
وصل صوته إلى مسامع رائف الجالس بمكتبه وأمام بعض من الأوراق يقوم بمراجعتها، فهرول من مكانه حتى يعلم ما الذي حدث واستدعى أن يصرخ بتلك الطريقة، فأسرع حتى ينقذ الأمر قبل أن يحدث مشكلة مع العمال:
- أنا مش قولت ميت مرة مش بحب التأخير في الشغل. بحب المواعيد تبقى مظبوطة والتسليم يبقى في ميعاده. اللي بتعملوه ده اسمه تهريج. إحنا هنا بنشتغل مش بنلعب.
اقترب رائف منه وهو يتساءل عما حدث، فنظر داغر تجاهه صارخًا به هو الآخر لينال جزءًا من عصبيته المفرطة:
- إيه يا رائف ده؟ إزاي يعني عربية ميعاد تسليمها النهاردة ولسه مخلصتش؟
وما كاد أن يتحدث حتى يهدئه، فهو أيضًا ليس على دراية بذلك الأمر، ولكنه قاطعه داغر عندما تحرك من مكانه وهو يشمر تلك الأكمام من قميصه وهو يصرخ بهم:
- رائف، تعالى معايا نشوف العربية. العربية لازم تتسلم في ميعادها.
صعدت على متن تلك الطائرة وجلست بجوار صديقتها التي لا تكف عن الحديث. فاتسعت عيناها وهي تصرخ بها تنهرها حتى تصمت قليلًا:
- في إيه يا وسام؟ أكلتي دماغي. اهدى شوية، أنا جالي صداع.
ضغطت وسام على شفتيها بسعادة وهي تهتف:
- أنا فرحانة أوي يا وجد. أنتي بجد مش متخيلة أنا حاسة بإيه.
جزت وجد على أسنانها وقالت:
- طيب ممكن بقى تسبيني أنام شوية؟ وكفاية أوي إنك قلقتيني الصبح وماخدتش كفايتي من النوم.
تنهدت وسام براحة وتمتمت:
- نامي يا ستي، أنا ماسكاكي.
ثم أغمضت عينيها وتمتمت في نفسها بهيام وعشق جارف:
- أخيرًا هنزل وأشوفك يا حسام يا هلالي.
أما وجد فاغمضت عينيها وأراحت رأسها بظهر المقعد، متنفثة الصعداء، وذكريات الماضي تجول بعقلها متذكرة ما حدث معها عندما هاجمها ذلك الشاب بغرفتها محاولًا قتلها، هامسًا لها بهوية من يريد قتلها والتخلص منها.
قبل أربع سنوات من الآن.
رواية طغيان قلب الفصل الثاني 2 - بقلم فاطمة محمد
قبل أربع سنوات من الآن.
- باسم السيوفي بيسلم عليكي وبيقولك توصلي سلامه لإنجي يا حلوة.
قال ذلك الشاب تلك الكلمات بهمس شديد، وكان من المفترض أن يدب الرعب بقلبها، فحياتها على وشك أن تنتهي، ولكن ما حدث خالف جميع توقعاته، بل الأصح أنه لم يأتِ في خاطره أنه أمام أنثى شرسة وقوية لن تسمح له بأن ينهي حياتها.
وما كاد أن يحرك السكين على عنقها منهيًا حياتها حتى وجدها، وبحركة مفاجأة قد بدلت كل شيء.
فوجد نفسه قد جُذب منه ذلك السكين وأصبح متكورًا على الأرض، وهي ترمقه بعينيها التي تطلق شرار.
فابتلع ريقه، فهو يعلمها ويعلم بأن من أمامه ليست عادية، بل إنها تعلم جيدًا كيفية الدفاع عن نفسها. فلعن ذلك المدعو باسم بسره لانصاته إليه وتنفيذ ما أمره به مقابل مبلغ مادي أغراه كثيرًا.
ما كاد أن ينهض من مكانه حتى وجدها التقطت ذلك السكين الذي سقط منه، وبسرعة فائقة وضعتها على عنقه وهي تغمغم بغضب ناري وقد اسودت حدقتاها.
- عرفتك من صوتك يا ***، فاكر نفسك هتقدر عليا انت و **** التاني تبقى غلطان يا أمير، وشكلك متربتش من العلقة اللي أدهالك، ياريت بقى تبلغ سلامي لباسم لما تشوفه في أبو زعبل مشرف معاك.
- باسم السيوفي بيسلم عليكي وبيقولك توصلي سلامه لإنجي يا حلوة.
ظلت تلك الكلمات تتردد بآذنيها وهي واقفة أمام ذلك المدعو "أمير" بعدما قامت بتقيده جيدًا.
فدَلفت سحر إلى غرفتها، وسريعًا ما جحظت عينيها وهي ترى ذلك الغريب مستلقى على الأرض.
- مين ده يا وجد؟
التفتت وجد تنظر إليها بعيون خالية من المشاعر.
- حاول يقتلني باسم السيوفي كان بعته، غير أني على معرفة سابقة بيه، الأستاذ متحرش كبير.
ابتلعت سحر لعابها واقتربت من ابنتها وهي لا تزال ترمق ذلك الشاب بخوف وذعر، وقالت:
- انتي عملتي فيه إيه وإزاي قدرتي عليه؟
حركت وجد كتفيها بلامبالاة قائلة:
- دافعت عن نفسي، أومال أسيبه يقتلني! وبعدين متقلقيش، أنا بلغت البوليس وزمانه جاي عشان يقبضوا عليه، وأكيد هيعترف على الحيوان اللي سلطه يقتلني.
ثم نظرت تجاهه وهي ترمقه بنظرات قاتلة متوعدة.
- ولا إيه؟
نفى أمير برأسه قائلًا بترجّي:
- لا، أبوس إيدك مضيعيش مستقبلي، سيبيني أمشي وأوعدك مش هتشوفي وشي تاني.
ضيقت وجد عينيها وقالت بسخرية:
- أسيبك تمشي؟ انت عبيط ياض، وأضيع فرصة إني أخلص منك انت وزفت باسم.
حرك رأسه بنفي قائلًا:
- ولا هضيعيها ولا حاجة، انتي كده كده رافعة قضية عليه، وأكيد حقك هيرجعلك، ولو سبتيني أمشي أوعدك إنك مش هتشوفيني تاني، ومش هتعرض لحورية تاني.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهها.
- زيادة الخير خيرين، وبعدين مضمنش إنك تنفذ كلامي.
جز على أسنانه وقال بتوسل مصطنع:
- أبوس إيدك يا وجد، وأنا والله والله ما هظهر في حياتكم تاني، وبعدين أنا لو اعترفت على باسم ممكن ينكر، مفيش إثبات على كلامي، أنا بس اللي هضيع فيها وهو هيطلع منها زي الشعرة من العجينة.
وهنا جاء صوت سحر قائلة:
- هو بيكلم مظبوط يا وجد، أكيد هيطلع منها بسهولة.
زفرت وجد على أسنانها واقتربت من أمير ممسكة إياه من ملابسه، وقالت له بنبرة تهديد وتوعد:
- عارف لو شفت خلقتك دي تاني هعمل فيك إيه.
- إيه؟
قالها بسذاجة وخوف، فأبتسمت قائلة له وهي تحركه بعنف:
- هعملك بفتيك يا حلو.
***
ولج "سيد" إلى منزل "محمود" بعدما طرق الباب بهدوء شديد، وآلاء بجواره جامدة الملامح لا تظهر أي تعابير على وجهها، وهذا بالطبع لم يكن إلا نتيجة تلك الصدمة التي تعرضت لها ورؤيتها له والنيران تتآكل بجسده، فظلت تطلع عليه بصدمة لا تستوعب ما تراه.
نعم، أرادت قتله والانتقام منه، ولكن رؤيته بتلك الحالة جعلتها تدخل في حالة صدمة، خاصة وأنه كان لها كل شيء، فهو حبيب طفولتها... ومراهقتها... ذلك الحبيب الذي لا يستحق كل ذلك الحب، فهو لا يعرف شيئًا عن الحب، فهو مخادع.
فتح "محمود" الباب بسرعة شديدة، وإسلام خلفه يلحق به، فالقلق نهش قلوبهم عندما لم يجدوها بغرفتها، فظلت الأفكار تجول بعقولهم، فماذا لو فعلت بنفسها شيئًا؟ ما الذي سيحدث إذا جال بعقلها أن تنتحر وتنهي حياتها؟
وما لبثوا أن يستعدوا للبحث عنها خارج المنزل بعدما بدلوا ملابس البيت، حتى استمعوا لتلك الطرقات الهادئة.
وما أن رآها "محمود" حتى جذبها داخل أحضانه متنهدًا براحة شديدة يشكر ربه على رجوعها سالمة غانمة، فهو كاد أن يموت قلقًا عليها.
أخرجها من أحضانه محاوطًا وجهها بيديه الكبيرتين قائلًا بخوف حقيقي:
- حبيبتي، انتِ كويسة؟ قلقتيني عليكي، كنتي فين؟
ظلت آلاء جامدة مكانها، حتى ذلك العناق لم تبادله إياه. وعندما انتبه ولاحظ "محمود" حالتها تلك، رمق والده بنظرات سريعة مبتلعًا ريقه، رامقًا إسلام بنظرات دهشة من حالتها، وقد بادله إسلام تلك النظرات المندهشة.
فغمغم "محمود" بتساؤل موجهًا حديثه لـ "سيد":
- انتوا كنتوا فين؟ وإيه الحالة اللي هي فيها دي؟
تنهد "سيد" وأخرج تلك الأوراق من حقيبته التي كانت لا تزال بحوزته، قائلًا بهدوء شديد هو الآخر:
- أنا رجعت حقنا يا محمود.
قطب محمود جبينه وقال بدهشة ممزوجة ببعض من القلق وعيناه معلقة بتلك الأوراق:
- يعني إيه رجعت حقنا؟ انت عملت إيه؟
نظر "سيد" لـ "آلاء" ورفع يديه مربتًا على كتفها قائلًا:
- خلي بالك من آلاء يا محمود، دي الغالية، وأوعاك تزعلها يا محمود.
صاح إسلام بدهشة بعدما ساورته الشكوك قائلًا وهو يضيق عينيه:
- انت ليه بتقول كده؟
رمقه "سيد" وابتسامته تتسع على وجهه قائلًا:
- متخافش يا حبيبي، أنا بس عايزكم تعرفوا إن مفيش حد أغلى منكم عندي.
ثم نظر تجاه ابنه الذي يتابع ابنته الجامدة بصمت يحاول أن يستنتج أي شيء مما يحدث، ولكن دون جدوى، فعقله الآن مشتت كثيرًا.
رفع "سيد" يديه التي تمسك تلك الأوراق قائلًا:
- خد يا محمود الورق ده فيه تنازل عن فلوس باسم اللي كانت في البنك، واللي طبعًا تبقى بتاعتنا بأسمك أنت وأخواتك، وعايزكم تشغلوا الفلوس وتكبروا اسم العيلة من تاني يا محمود.
نفذ صبر "محمود"، فجذب آلاء برفق من ذراعيها يدخلها المنزل وهو يتمتم بهدوء موجهًا حديثه لابنه:
- إسلام، دخل أختك أوضتها و خليك معاها.
أومأ له إسلام وتحرك برفقة آلاء التي تحركت معه بصمت وهدوء تام.
وعقب مغادرتهم، جذب "محمود" والده لداخل المنزل مغلقًا الباب من خلفه قائلًا بصوت عالٍ نسبيًا:
- أنا عايز أفهم، فيه إيه بالظبط وإيه الورق ده؟
ربت "سيد" على كتف "محمود" راسمًا ابتسامة بسيطة على وجهه قائلًا:
- مفيش حاجة أصلًا عشان تفهمها يا محمود.
رفع محمود تلك الأوراق أمام وجهه وغمغم:
- إزاي يعني مفيش حاجة يا بابا؟ عيل أنا قدامك عشان أصدق كلامك ده، انت عملت إيه بالظبط فهمني.
زفر "سيد" بضيق وقال:
- ما قولتلك مفيش يا محمود، وسبني دلوقتي عايز أدخل أريح شوية.
وما كاد أن يتحرك حتى صاح به "محمود" بدهشة ممزوجة بغضب:
- تدخل تريح؟ وتسبني أنا في حيرتي؟ وبعدين معناه إيه الورق؟ باسم إزاي مضى على التنازل ده؟ وآلاء كانت بتعمل إيه معاك؟ انت عارف قلقت إزاي لما دخلت أطمن عليها وملقتهاش في أوضتها، مليون فكرة جت في دماغي، خوفت يكون جرالها حاجة.
رفع سيد حاجبيه وابتسامة بسيطة تدرجت على وجهه، رافعًا يديه يربت على ذراعيه متمتمًا بغموض:
- بكرة هتعرف كل حاجة يا محمود، تصبح على خير.
وتحرك من أمامه وعين "محمود" تتابعه بدهشة شديدة.
***
في صباح يوم جديد.
ترجلت "فاتن" من سيارة الأجرة، وسريعًا ما عقدت حاجبيها مضيقة عينيها بدهشة لذلك التجمع وتلك السيارات، سواء كانت شرطة أو إسعاف.
فأقتربت من أحد المتجمهرين متسائلة عن سبب وجود تلك السيارات وذلك الازدحام، فأخبرها الشاب قائلًا بما لديه من معلومات:
- ده شاب ساكن في العمارة يا حاجة، ولقوه محروق في شقته، والنار مسكت في الشقة، والبواب اعترف إنه آخر حد كان عند الشاب، جد مراته.
ابتلعت "فاتن" ريقها والخوف يتملكها، تناجي ربها ألا يكون ابنها، فقالت بلهفة:
- اسمه إيه الشاب اللي مات؟
أجابها الشاب مرة أخرى:
- باسل أو باسم، والله ما عارف يا حاجة، بس الله يرحمه بقى.
اتسعت عيناها وتسمرت مكانها بصدمة، فأبنها أصبح ميتًا، لم يعد على قيد الحياة، مات بأبشع الطرق وتعذب بموته، فذفرت الدموع من عينيها بعدم تصديق، وفجأة دوى صوتها بالمكان صراخًا وقلبها يتمزق من أجل ابنها الذي مات وهو لا يزال في ربيع عمره.
ذهل الجميع من صراخها وانهيارها بذلك الشكل، فأقترب منها أحد أفراد الشرطة قائلًا:
- مالك يا حاجة؟ انتِ تعرفي الشاب اللي مات؟
أومأت له "فاتن" برأسها من بين صراخها ودموعها التي تسيل دون توقف وقلبها يتمزق أشلاءً، فلطالما كان الأقرب والمفضل لديها، فهو ابنها البكرى و فلذة كبدها، فقالت بنبرة مرتجفة بفضل شفتاها التي ترتجف:
- أيوه ده ابني... ابني ده لسه صغير، لسه في بداية عمره، ملحقش يفرح، وابنه هيسيبه لمين؟ هيسيبه لمين؟
ظلت الهمهمات من حولها متعاطفين معها ومتأثرين بدموعها وبحالتها، فأقترب الضابط منها مساعدًا إياها على النهوض وهو يردف:
- أحنا شاكين في جد مراته، البواب شافه وهو طالع عنده، ومع الأسف مشفش حاجة تاني، كان بيساعد بواب العمارة التانية وبيطلع معاه حاجات العمارة، ولما خلص ورجع لاحظ الدخان اللي طالع من الشباك.
رفعت "فاتن" عينيها الباكية شديدة الاحمرار قائلة بنحيب:
- مفيش غيره، أكيد سيد هو اللي قتله، مفيش غيره، انتوا لازم تقبضوا عليه.
***
في غرفة وجد سابقًا.
كانت آلاء تتسطح على الفراش جامدة بمكانها، عينيها تتطلع بسقف الغرفة، عينيها أصبحت خالية من الحياة، وهناك الكثير والكثير يدور بعقلها.
كيف أصبح جدها قاتلًا وقام بقتل "باسم"؟ تتذكر تلك اللحظة التي دلفت بها إلى الغرفة ورأته وهو يشتعل، صرخاته لا تزال تدوي بآذنيها، لم تشعر بأي شيء تجاه، فالصدمة قد سيطرت عليها كليًا، لما تنتبه إلا على قبضة "سيد" التي جذبتها خارج المنزل.
أغمضت عينيها تريد طرد صورته من مخيلتها، وما أن أغلقت عينيها حتى جاء أمامها شقيقتها، فكم تتمنى أن يعود بها الزمن مرة أخرى، غما كانت فعلت معها ما فعلته، لكانت فعلت الكثير من الأشياء وامتنعت عن الكثير، وبمقدمتهم حبها وزواجها من باسم.
تتمنى أن تعود لتلك اللحظة التي رأت بها "وجد" لأول مرة بمنزل عمها "سلامة"، فلو عادت تلك اللحظة لكانت ارتمت داخل أحضانها، ذلك العناق الذي حرمت نفسها وشقيقتها منه، فكم تريد تعويض كل ما فاتهما، تريد أن تبثها حبها وحنانها، فأصبحت تعلم ما عانته شقيقتها، فرغم ما مرت به فهو لا يعد شيئًا بجانب ما مرت به "وجد".
أما بالجهة المقابلة وهي بمنزل "سلامة".
وصلت عناصر الشرطة أمام منزل سلامة وطرقوا الباب بطرقات سريعة نوعًا ما.
فتح لهم عدّي، قطب حاجبيه بدهشة من رؤية الشرطة أمامهم، فما الذي حدث حتى يأتون إلى هنا؟
وسريعًا ما تحدث ذلك الشرطي بلهجة غليظة:
- سيد الهلالي فين؟
وما كاد أن يجيبه عدّي حتى جاء صوت سيد من خلفهم، فالتفت عدّي ناظرًا له، فأقترب "سيد" من عدّي وهو يعلم بأن نهايته أوشكت على الحدوث.
فَلَحِق بسيد كل من "سلامة" و "سعاد".
فقال الشرطي بلهجته الغليظة:
- حضرتك مطلوب للتحقيق معاك لأن حضرتك متهم بقتل باسم السيوفي.
سيطرت حالة من الذهول على الجميع، فرمق بعضهم بنظرات صادمة، فتمتم "سلامة" بتلعثم:
- أكيد في حاجة غلط، بابا ميعملهاش.
نفى سيد برأسه قائلًا ببرود مميت:
- مفيش حاجة غلط، أنا اللي قتلت باسم السيوفي وبعترف بده.
***
بالإسكندرية.
كان داغر يتواجد داخل القسم يتابع آخر ما توصل إليه الشرطة منتظرًا قرارًا بالقبض على باسم بعدما توصلوا إلى تسجيلات المكالمات واستمعوا لحديثه مع وجد وتوعده بقتل إنجي.
أما خارج القسم، فكان حسام واقفًا خارج القسم ووجهه شاحب وعيناه تائهتان، كمن فقد جزءًا من جسده، وبتلك اللحظة لم يأتِ بخاطره سواه ذلك الذي حرمه منها، حرمه من تلك التي استطاعت أن تخطف قلبه، تلك التي فعلت ما لم تستطع غيرها فعله وهو جعله يقع في عشقها، لا يتخيل أن يومه سيمر من دونها بعد الآن.
فكيف سيمر وهي لم تعد موجودة؟ كيف سيتنفس وسيستمر بحياته كأنه لم يحدث شيء؟
رفع يديه يزيح دموعه التي فاضت من عينيه كالشلالات، وتحرك من مكانه، فهو من سيأخذ حقها وتارها، لن يترك قاتلها على قيد الحياة، سيقتله مثلما قتلها.
فأسرع مهرولًا من مكانه يريد أن يتحرك قبل أن يراه داغر ويمنعه مما يريد فعله، فأوقف حِدي سيارات الأجرة عازمًا على قتله.
خرج داغر من القسم يريد أن يبشر حسام بما علمه، ولكنه لم يجده بالمكان الذي تركه به، ظلت عيناه تجول حوله يبحث عنه، ولكن لم يجده، وكأن الأرض قد ابتلعته، فأخرج هاتفه واتصل عليه، ولكن لم يجبه.
زفر داغر بضيق وهو يتمتم:
- روحت فين يا حسام؟
صدح رنين هاتفه باسم والده، فأجابه سريعًا مغمغمًا بحزن شديد يغلف نبرته:
- أنت فين يا داغر؟
- أنا في إسكندرية يا بابا، جالي مشوار مهم، في حاجة؟
- في مصيبة يا داغر، جدك قتل باسم!
جحظت عين داغر وقال بتلعثم:
- أنت بتقول إيه يا بابا؟
رفع يديه يمسح على خصلاته، مغمضًا عينيه بألم، لا يفقّه ما الذي يحدث من حوله ولماذا يحدث معهم ذلك، وسريعًا ما جمع قواه التي خارت ونطق بحزن دفين:
- اقفل يا بابا، أنا راجع... سلام.
أغلق مع والده مغادرًا مكانه، فالآن فقط علم إلى أين ذهب حسام، مخمنًا ما ينوي عليه.
***
خرج سيد من مكتب الضابط الذي أجرى معه التحقيق برفقة رجلين من العساكر ممسكين به، بعدما أخذ أقواله معترفًا بفعلته وأنه من قام بقتله، ولم يخبرهم بوجود آلاء معه بذلك الوقت حتى يتفادى أي شكوك من الممكن أن تتجه نحوها لوجودها بموقع الجريمة.
فقال سلامة وهو يؤنب والده على فعلته:
- ليه يا بابا كده؟ ليه؟ كنت سيبه ومتلوثش إيدك بدم واحد زي ده.
اسودت عين سيد وقال بكره شديد ممزوج بغضب متجاهلًا تلك الآلام التي يشعر بها بصدره:
- مكنش ينفع أسيبه يا سلامة، مكنش هيبعد عنكم وهيستمر في أذيتكم، وزي ما أنا اللي عملته ووصلته لجبروته ده، أنا اللي نهيته، والأيد اللي ربته هي اللي قتلته يا سلامة.
وما أن تحرك سيد معهم بضع خطوات حتى سقط من طوله، فهرول أبناؤه من حوله وعيونهم تفيض بالدموع، ويتم نقله إلى المستشفى.
وبعد فحصه والكشف عليه، خرج الطبيب ليخبرهم بـ:
- مع الأسف، عنده سكتة قلبية حادة، ومقدرناش نعمله حاجة، البقاء لله.
نزل خبر وفاته كالصاعقة عليهم، وتألم قلبهم لفراق كبيرهم الذي أخطأ كثيرًا بحقهم، ولكن ليتناسوا أفعاله المشينة، فهو والداهم، ومهما فعل لن يستطيعوا أن يكرهوه، فهناك نيران متأججة داخل صدورهم يشعرون بأنهم فقدوا أنفسهم.
***
دلف مجدي إلى المنزل بعدما فتحت له سحر الباب بابتسامة مشرقة مرحبة به، سعيدة بمجيئه ذلك، فبادله مجدي ابتسامتها وغمغم وعيناه تجول بكل المنزل باحثًا عنها، فلاحظت سحر عينيه التي تدور بحثًا عنها، فقالت بخبث:
- في أوضتها، قاعدة في أوضتها.
أومأ لها مجدي بعينيه وقال بنبرة غامضة:
- طب ناديها عشان عندي ليها خبر هيخليها تطير من الفرحة.
عقدت سحر حاجبيها وارتسم التساؤل على وجهها قائلة:
- إيه اللي حصل وخبر إيه ده يا مجدي؟
تحرك مجدي ناحية الأريكة جالسًا عليها متمتمًا:
- لما تناديها هتعرفي.
وبعد لحظات خرجت وجد واضعة حجابًا على خصلاتها بإهمال، مغمغمة بصرامة وهي تقف أمامه:
- خير يا مجدي، وخبر إيه ده اللي هيفرحني؟
اتسعت ابتسامته لرؤيتها أمامه، فكم اشتاق إليها، فنهض من مكانه واقفًا بمواجهتها قائلًا:
- باسم السيوفي.
احتدمت ملامح وجد عند ذكر اسمه، فكم حاولت الوصول إليه بعدما سمحت لأمير بالمغادرة، ولكنها لم تستطع الوصول إليه، فتوعدت له، فقالت بحدة:
- ماله سي زفت؟
- مات يا وجد، أو بمعنى أصح اتقتل، جدك قتله.
رواية طغيان قلب الفصل الثالث 3 - بقلم فاطمة محمد
احتلت الصدمة كياني، لا أصدق ما أستمع إليه. هل ما قاله مجدي منذ لحظات حقيقة؟ فهل قُتل باسم وعلى يد كبير عائلة الهلالي؟ ذلك الرجل الذي لطالما دافع عنه.
عقلي لا يستوعب حتى الآن ما نطق به مجدي وما خرج من فمه. لا أصدق بأن ذلك الذئب البشري لم يعد على قيد الحياة. فمثلما قام بقتل صديقتها، قام جدها بقتله. إن الله يمهل ولا يهمل، فكل إنسان ينال جزاءه ونتيجة أفعاله في الحياة. وتلك النهاية كانت تتوقعها له، ولكن ليس بتلك السرعة. وعلى يد آخر من كانت تتوقع بأن يقوم بقتله.
ترى، هل قتله لأجلها؟ لاحت شبح ابتسامة على وجهها عندما خطر بخاطرها تلك الفكرة. ولكن سريعًا ما نفضت تلك الفكرة من خاطرها، فما تفكر به من سابع المستحيلات، فمن المؤكد بأن هناك سبب آخر لقتله إياه.
خرجت من شرودها على صوت مجدي، الذي كان يتابع تغيرات وتقلبات وجهها قائلًا:
"بتفكري في إيه يا وجد؟ بقولك باسم خلاص مات، مبقاش ليه وجود في الحياة."
أغمضت عينيها بألم عند ذكر اسمه. فموته بهذا الوقت لم يكن أمنيتها، ولكن عليها التفكير الآن بأن باسم لم يعد له وجود. غادر حياتها، بل غادر الدنيا بأكملها.
فتحت عينيها، والأفكار لا تزال تطاردها، تأبى أن تتركها. فوفاته لا تمحو ما فعله بها وسلبه شرفها.
أخرجها صوت سحر المندهش وهي تتسائل بعدم تصديق، سريعًا ما تحول لفرحة وشماتة:
"معقول يا مجدي؟ أنت متأكد إن سيد الهلالي هو اللي قتله؟"
أومأ لها مجدي برأسه وابتسامة بسيطة على محياه، متمتمًا:
"أكيد طبعًا متأكد يا سحر. وبعدين عيب لما تسأليني سؤال زي ده، أنا مصادري موثوقة."
خرج صوت وجد بتلك اللحظة متحشرجًا، قائلة بهدوء وبرود مميت:
"ما تعرفش قتله ليه؟"
"لأ طبعًا أعرف. السبب يا ستي إنه باسم السبب في تفليس عيلة الهلالي، وطبعًا الإفلاس ده كان لصالحه. بعد ما خد كام مليون من الشركة المنافسة، غير نهبه في الشركة بمعنى أصح. باسم كان معاه ملايين بس كان مخبي عشان محدش يشك فيه."
صاحت سحر، التي اتسعت عيناها مما استمعت إليه:
"معقولة؟ معاه ملايين؟ بس أنا عايزة أفهم إزاي يبقى السبب في إنهم يفلسوا ويبقى معاه ملايين ويفضل وسطهم؟ ما كان ممكن ينبسط بالفلوس اللي نهبها ويسيبهم بفقرهم."
وما كاد أن يجيبها مجدي مبررًا ما فعله باسم، حتى أجابت وجد، التي ضيقت عينيها بتفكير:
"ومين قالك إنه مكنش هيعمل كده؟ ده واطي، وما تستبعديش حاجة عنه. والأكيد إن اللي منعه حمل آلاء. وأكيد بعد ما كانت هتخلف، كان هيوريهم وشه الحقيقي."
اتسعت ابتسامة مجدي على ذكاء تلك الفاتنة القابعة أمامه، قائلًا بإعجاب ملحوظ:
"مظبوط كلامك يا وجد."
زفرت وجد براحة، مغمضة عينيها. فاخيرًا قد انتهت منه. ولكن سريعًا ما اندهشت من نفسها. فهي حتى الآن لا تعلم أهي سعيدة بوفاته أم أنها ليست كذلك. ولكن ما تعلمه جيدًا الآن، فهناك شعور من الراحة يغمرها. شعورًا لم تشعر به منذ فترة طويلة.
ظل مجدي يتأملها ويتأمل كل شيء بها، وعينيه تلمع ببريق مشاعره. فحبها يزيد بداخله كل يوم عن سابقه. لا يعلم ما المختلف بها، ولكنها تجذبه ويحبها كثيرًا. كم يتمنى لو كان أصغر سنًا، أو تكون هي أكبر سنًا وتنُشأ بينهما قصة حب أسطورية. فهو كان سيكون لها عاشقًا حتى النخاع.
انتبهت سحر على نظراته المصوبة تجاه ابنتها، فحركت حاجبيها بفرحة، قائلة بخبث ومكر:
"طيب، بما إننا خلصنا من الزفت ده وموضوعه انتهى، يبقى نبعت نجيب المأذون ويكتب كتابكم، ولا إيه يا مجدي؟"
انفرجت أسراره، وما لبث أن يجيبها مبديًا موافقته على حديثها، حتى قاطعتهم وجد قائلة وعينيها صوب والدتها:
"انسوا يا ماما، جواز مش هتجوز."
حلت الصدمة على وجوههم، فتمتمت سحر بتلعثم وهي تنظر تجاه مجدي، الذي تبدلت ملامحه إلى أخرى غامضة:
"يا سلام على هزارك يا وجد."
قاطعتها وجد مرة أخرى، جاعلة إياها تبتلع باقي حديثها، قائلة:
"أنا مبهزرش، أنا بكلم جد. ولو حابين تجيبوا المأذون أوي كده، يبقى مبروك عليكم انتوا الاتنين."
"يعني إيه؟"
قالت سحر تلك الكلمات بضيق شديد. فأجابتها وجد باستفزاز وتوليها ظهرها، تنوي المغادرة من أمامهم:
"يعني اتجوزيه انتي، ومبروك عليكي مجدي."
أثارت تلك الكلمات غضب سحر، فجذبتها من ذراعيها صارخة بها:
"يعني إيه الكلام؟ هو إحنا عيال معاكي يعني؟ إيه تبقى وعدتيه بالجواز وتخلفي بوعدك؟ ها؟ يعني إيه يا بنت محمود؟"
جذبت وجد ذراعيها بغضب مماثل لغضب سحر، قائلة بانفعال وصوت عالٍ:
"والله ده اللي عندي، جواز مش هتجوز. أنتوا سامعين؟"
قالت كلماتها الأخيرة وهي ترمق مجدي بنظراتها.
وما لبثت سحر أن تصرخ عليها مرة أخرى، حتى منعها مجدي مهدئًا إياها، قائلاً:
"سحر، ممكن متدخليش بيني وبين وجد."
"بس يا مجدي دي..."
قاطعها مجدي مشيرًا بيديه أمام وجهها، فابتلعت سحر تلك الكلمات في جوفها. فنظر مجدي تجاه وجد، قاطعًا المسافة بينهم، واقفًا أمامها، قائلًا بنبرة محبة:
"أنتِ عارفة إني بحبك، واللي بيحب حقيقي يا وجد، بيحب يشوف حبيبه مرتاح ومبسوط. وعشان كده أنا بحترم قرارك ومش هعاتبك ومش هقولك أي حاجة، ومش هفاتحك في الموضوع ده تاني."
صدمت وجد، وبشدة. لم تتخيل أن يخرج هذا الحديث منه. فدائمًا ما كانت تراه ذلك الرجل الذي لم لا يفكر سوى برغباته وكيفية الوصول إليها. مضايقاته لها وتحرشه بها، لم يكن مثلما كانت تظن، بل كان يفعل ذلك بدافع حبه لها.
ازدرقت ريقها، وقالت بهدوء والصدمة لا تزال تعتليها:
"أنت بتكلم جد؟"
ابتسم لها بحب، قائلًا:
"طبعًا بتكلم جد يا وجد."
تنهدت وجد براحة تحت نظرات سحر المشتعلة. فما الذي تفعله تلك الحمقاء؟ أتترك هذا الرجل يضيع من يدها، هو ونقوده؟ فمن المؤكد بأنها مختلة. يا ليته وقع في غرامها، وليس غرام تلك الحمقاء العنيدة. فظلت تلعنها في سرها وعينيها تطلق شرارًا.
فقالت بعدوانية شديدة، متناسية وجود مجدي:
"والهانم ناوية تقعد معايا هنا كتير من غير ما تساعدني؟ اسمعي يا بت انتي، انتي من بكرة تنزلي تشتغلي. أنا خلاص معدتش هصرف عليكي تاني، وأظن إنك مش صغيرة وتقدرى تصرفي على نفسك."
ما تفق على نفسها إلا عندما لاحظت نظرات مجدي الحادة الغاضبة. فأزدرقت ريقها، لا تعلم كيف قالت ذلك الحديث بوجوده.
فقالت وجد بعدما تحولت نظراتها من الصدمة إلى السخرية:
"متقلقيش يا ماما، انتي مش هتضطري تصرفي عليا. أنا ناوية أسافر، هخلص امتحانات وهسافر ومش هتشوفي وشي تاني. وحطي في بطنك بطيخة صيفي."
ثم نظرت تجاه مجدي.
"عن إذنكم."
وما أن غادرت حتى اسودت عينا مجدي، وقالت بخفوت:
"عارفة يا سحر، لو الطريقة دي اتكررت مع بنتك تاني، هعمل فيكي إيه."
أجابته سحر بتوتر وكلمات متقطعة:
"غصب عني والله يا مجدي، بس هي نرفزتني."
"أنا لاخر مرة بحذرك يا سحر، انتي سامعة."
"سامعة."
تحرك تجاه الباب، فصدح رنين هاتفه، فأخرجه مجيبًا على الاتصال. ولكن، سرعان ما وقف مكانه بصدمة من ذلك الخبر الذي وصل إليه:
"انت متأكد إنه مات؟"
"أيوه يا فندم، متأكد."
أغلق مجدي معه، والتفت لسحر، قائلًا:
"سيد الهلالي مات."
***
وصل حسام أمام البناية التي يقطن بها باسم، وهو ينوي على أذيته. فلن يرحمه ويجعله يندم ندم عمره. فمن لا يرحم لا يرحم. وما إن ترجل من سيارة الأجرة، حتى رأى بعض الازدحام أمام البناية بفضل هؤلاء البوابين. فكان بواب العمارة يقص لأصدقائه ما حدث اليوم.
فوصل إلى مسامع حسام حديثه، وتلك سيارة الشرطة التي لا تزال واقفة.
"يلا، ميجوزش عليه غير الرحمة دلوقتي. بس حقيقي يستاهل اللي جراله. كان رافع مناخيره للسما، وفي الرايحة والجاية يشخط وينطر. والله الست آلاء دي كانت خسارة فيه."
أجابه صديقه قائلًا:
"يا جدع، حرام عليك اللي بتقوله ده. الراجل خلاص بقى بين إيدين اللي خلقه."
فأجابه البواب:
"وأنا قلت إيه يعني يا عم؟ وبعدين ده حتى جد مراته مكنش طايقه."
"وانت عرفت منين إنه مكنش طايقه يا حدق؟"
"باينه يعني، إيه اللي هيخليه يولع فيه إلا لو كان شايله ومعبيله بقلبه."
اقترب حسام إليهم بعدما استمع لاسم ابن عمه آلاء:
"انتوا بتتكلموا عن مين؟ مين اللي مات؟"
أجابه البواب، وهو يبتلع ريقه، فهو يعلم هويته. فدائمًا ما كانوا يترددون على المنزل:
"يعني لمؤاخذة، جد حضرتك قتل أستاذ باسم."
جحظت عينا حسام بصدمة، وقام بإمساك البواب من ملابسه، قائلًا:
"انت بتقول إيه؟"
حاول رفاقه تحريره من قبضة حسام الفولاذية، فلم يستطيعوا، إلا عندما حرره بعدما أخبره البواب بخوف:
"يا بيه، ده اللي حصل. جد جنابك طلع لأستاذ باسم وولع فيه."
حرره حسام، وهرول من مكانه مسرعًا، مخرجًا هاتفه، هاتِفًا داغر.
***
في المساء.
اجتمعت النساء بمنزل سلامة حتى يقمن بالتعزية. فكانت سعاد وهدى يجلسون وعينيهم تمتلئ بالدموع، والنساء من حولهم يحاولون وتصبيرهم على ما حدث لهم. لم يصدر منهم سوى إيماء بسيطة برأسهم.
أما بالأسفل وخارج البناية، كان يجتمع الرجال يأخذون عزاء والدهم. وكان الحاضرين يعدون على الأصابع. وكل من سلامة ومحمود وهاني لا تحملهم أقدامهم لما حدث ووفاة والدهم الذي كان سندًا لهم.
وصلت وجد أمام ذلك التجمع، بعدما رفضت أن يدلف معها مجدي وينزلها أمام المنزل. لا تريد لأحدهم رؤيته معها مرة أخرى. فجالت عينيها باحثة عنه، وأخيرًا رأته يقف أمامها بجانب عمه هاني، وبجوار رائف، وبجواره عدي. أما حسام، فلم تره أو تلمحه. فكيف سيكون موجودًا وهو قرر ترك كل شيء ويكون بجانب محبوبته حتى يأتي أهلها لاستلام جثمانها.
اقتربت منهم وجد بخطى هادئة. فكان أول من رآها رائف، الذي لكز داغر بيديه مشيرًا برأسه تجاهها.
نظر داغر تجاه ما يشير برأسه، فرآها تتقدم باتجاههم، مرتدية ملابس سوداء وحجابها يغطي خصلاتها. فتطلع عليها بشوق شديد. فحركت عينيها تجاهه، فتقابلت عينيهم بنظرة طويلة. فاق منها داغر أولًا، متذكرًا بأن أصبحت لا تحل له، وأصبحت ملكًا لآخر.
وقفت وجد أمام والدها، الذي يضع رأسه بين يديه. فهناك صداع شديد يفتك برأسه. فتمتمت بهدوء:
"البقاء لله يا بابا."
رفع محمود رأسه بلهفة عندما وصل صوتها إلى مسامعها. ونهض من مكانه محتضنًا إياها بحب واشتياق شديد. وسريعًا ما ذرف الدموع من عينيه.
ازدادت ضربات قلبها، وشعرت بالألم يغزوها لبكائه وانهياره ذلك. فنهض داغر من مكانه، ورائف خلفه، مبعدًا عمه، محاولًا تهدئته. فقال محمود:
"وحشتيني يا وجد، وحشتيني أوي."
ابتلعت وجد ريقها. فنظر داغر تجاهها، متمنيًا أن يفصح عن مشاعره الجامحة مثلما فعل عمه. فأغمض عينيه بألم. فقالت وجد بنبرة حاولت جعلها جامدة وباردة:
"مش وقته الكلام ده. أنا بس حبيبت إني أقوم بالواجب وباللي عليا، رغم إنكم معملتوش باللي عليكم ناحيتي، بس معلش خليني أنا أحسن."
قال محمود وهو يعقد حاجبيه، محاولًا تغيير الحديث:
"أومال جوزك فين يا وجد؟"
رفعت وجد عينيها تنظر لوالدها ولداغر، الذي جز على أسنانه غاضبًا من نفسه. فأجابته دون مقدمات:
"أنا متجوزتش يا بابا. مجدي مش جوزي، ده بس صديق مقرب. جائتلي بعد ما بعني أهلي وناسي."
ابتلع داغر ريقه، وقال بدهشة:
"متجوزتيش إزاي يعني؟ يعني انتي..."
قاطعته وجد بحدة آلمتها قبل أن تؤلمه هو:
"أنا مبكلمكش انت يا ابن عمي، أنا بكلم أبويا وبس. ودلوقتي أنا عملت اللي عليا وقمت بواجبي، عن إذنكم."
تحركت من أمامهم مسرعة. فتحرك داغر خلفها يريد الحديث معها. لا يصدق بأنها لم تصبح لغيره، فهي معشوقته ووجدُه هو. فظل يسير خلفها منتظرًا الخروج من تلك الحارة حتى لا يصبحون حديثهم. ولكن، سريعًا ما تملكه الغضب عندما رآها تستلقي بسيارة ذلك الرجل الذي ادعت بأنه زوجها، متحركين بسرعة من أمامه.
فركل داغر الأرض بغضب، رافعًا يديه يمسح على خصلاته بغضب ناري.
***
ومضى يوم بعد يوم، وداغر لا يريد الضغط عليها، تاركًا لها بعض الوقت حتى تتمكن من مسامحته. مقررًا أن يذهب إليها بعدما تنتهي امتحاناتها ذلك العام. أما محمود، فأخرج تلك الأوراق التي أعطاه إياها والده قبل موته. فرفض داغر وكذلك رائف تلك النقود، فهم لا يريدون شيئًا من باسم، مقررين تكوين أنفسهم بأنفسهم.
أما آبائهم وعدي، فكان لهم رأي آخر، فهم رأوا بأن تلك النقود حقهم، وبدأوا يضعون خططهم حتى يؤسسون شركة خاصة بهم من جديد، ويرفعون اسم عائلتهم مرة أخرى.
أما حسام، ورغم مرور عدة أيام، إلا أنه ظل حبيسًا بغرفته، رافضًا الغوص بأي حديث. جالسًا على فراشه، مخرجًا العديد من الأوراق، راسمًا من سلبته عقله وقلبه، معلقًا جميع رسوماته لها بغرفته.
أما ياسمين، فكم حاولت التقرب من داغر، محاولة فتح أي حديث معه. ولكن،ه دائمًا ما كان يصدها بالحديث، متجاهلًا إياها. لتغيير خططها، متجهة ناحية رائف، الذي كان حبه لها واضحًا وضوح الشمس. فتوطدت العلاقة بينهم، راسمًا عليه دور الحبيبة، ليكرر بأنها ستكون زوجته، ولن يدخل قلبه غيرها. وسيفاتح والده بذلك الأمر، ولكن،ه الآن سيركز بعمله مع داغر ليكبرون تلك الورشة، مؤسسين اسمًا خاصًا بهم.
في صباح يوم جديد.
استيقظ عدي من نومه، شاعرًا بتشنجات برأسه. فقام بتحريكها يمينًا ويسارًا. وسريعًا ما ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه عندما تذكر ذلك الذي جمعه بحوريته، والذي رأى نفسه بجانبها يزفون بعرسه.
فاقترب من الخزانة وأخرج ملابس له، مرتديًا إياها على عجلة من أمره، ناويًا على فعل شيء ما طال انتظاره كثيرًا. فنزل من منزله، متجاهلًا والدته، ذاهبًا للبناية التي تقطن بها حورية. واقفًا أمام الباب بأنفاسه اللاهثة، يهندم ملابسه، طارقًا الباب بهدوء شديد.
وبعد لحظات، فتحت له ندى، الأخت الأصغر لحورية. فابتسم لها عدي قائلًا:
"حورية فين يا قمر؟"
أجابته الصغيرة بامتعاض:
"أنا مش قمر، أنا ندى. وبعدين بتسأل على حورية ليه؟"
رفع عدي وحك رأسه، قائلًا بابتسامة مرحة:
"عايزها في موضوع."
عقدت الصغيرة يديها أمام صدرها، قائلة بنبرة طفولية:
"موضوع إيه ده بقى؟ قول اعترف."
تأفف عدي وأدخل رأسه من الباب، مناديًا عليها بنفاذ صبر:
"يا حورية، حورية."
خرجت حورية من المطبخ، وبيديها إحدى المعالق، مقتربة منه، مندهشة من وجوده أمامها في ذلك الصباح الباكر. وقلبها يرفرف من السعادة، ولكنها لم تظهر له سعادتها تلك:
"انت إيه اللي جايبك وعايز إيه؟"
ابتسم لها عدي بحب وهيام، قائلًا:
"عايزك في موضوع مهم للغاية."
"للغاية؟ إيه غاية دي لمؤاخذة؟ متكلم عدل يا حيلتها."
ثم نظرت تجاه أختها:
"اخشي جوه يا ندى."
دلف الصغيرة إلى الداخل مهرولة من أمامها. فوقفت حورية قبالته، فاقترب منها بوجهه، قائلًا بجانب أذنيها:
"أنا عايز أتوزجك يا حورية قلبي."
جحظت عينيها، وابتلعت ريقها، قائلة بصدمة بعدما ابتعد عن وجهها معتدلًا بوقفته:
"انت قلت إيه؟"
ابتسم عدي مقتربًا منها مرة أخرى، متحدثًا بهمس شديد هذه المرة:
"بقولك عايز أتوزجك يا حورية قلبي. جهزي نفسك، قريب أوي هتبقي في بيتي وملكِ."
ابتعد عنها غامزًا لها، مغادرًا من أمامها، والسعادة لا تسعه ولا تسعها. فحبها ومشاعره تجاهه متبادلة.
***
وصل داغر الإسكندرية، وهو ينوي بألا يتركها هذه المرة. سيقنعها، سيحاول معها بكل الطرق حتى تعود إليه ويبدأون من جديد. يعوضون كل ما فاتهم. سيتزوجها، وسينسيها ما فعله وما ارتكبه بحقها. سينسيها خذلانه لها ورفضه تصديقه لها.
وصل أمام المنزل، فطرق الباب، ففتحت له سحر، وما إن رآه حتى جزت على أسنانها غاضبة، قائلة:
"خير، عاوزين إيه تاني؟"
أخفض داغر عينيه، فملابسها لا تستر إلا القليل من جسدها. فتمتم بصوت رجولي غليظ:
"لو سمحتي، عايز أتكلم. ممكن تبلغيها إني عايز..."
"سافرت."
رفع عينيه بصدمة ونطق بصدمة:
"نعم؟"
"بقولك سافرت وجد بنتي. طفشت منكم ومعرفش راحة فين. روح بقى شوف هي فين، كل اللي أعرفه إنها سافرت."
"سافرت إزاي يعني؟ لو سمحتي بلغيها إني عايز أقابلها."
قالها بصوت غاضب مكتوم. فأجابته سحر بغضب:
"بقولك سافرت، ولو عايز تتأكد اتفضل، البيت قدامك."
أغمض داغر عينيه، والآلام تغزو قلبه وصدره، متحركًا من أمامها. وما أن غادر، حتى ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهها، دافعة الباب من خلفه.
فخرجت وجد من غرفتها، وهي تصفق لها بإعجاب، قائلة بسخرية وحقيبتها بجانبها، فطائرتها ستقلع بعد ساعات وعليها الاتجاه للمطار:
"ولأول مرة تعملي حاجة مفيدة يا سحر هانم."
***
في المساء بغرفة داغر.
جالسًا على فراشه، واضعًا رأسه بين يديه، يتنفس بصعوبة. فحتى النفس بات يرفض الخروج بسهولة، والدموع تنهمر من عينيه بشدة كبيرة، وكأنها تؤلمه على فعلته تلك، وهي تركه لها وقت احتياجها له.
ومع كل دمعة، كانت الأخرى تتتبعها بشدة، وكأنها لا ترغب بترك حبيبتها مثلما تركها هو. لا ترغب بالابتعاد مثلما فعل. وكأنها تقول لها: سأكون معكِ أينما تكوني. لن أترككِ يومًا. لن أبتعد عنكِ، ولن يفرقنا أحد. سنكون معًا في السراء والضراء.
بينما هو يلقي اللوم على نفسه وعلى الأيام وتركه لها بتلك الطريقة. رفع يديه يضعها على موضع قلبه الذي يتألم، وهو يتحدث معه، وكأنه يتحدث معها هي، مع حبيبته الآن. تحقق من مشاعره التي كان يعلمها منذ زمن، ولكن منع نفسه بسبب ما حدث، بسبب عقله الباطني الذي صدق كل ما رآه ولم يصدقها، ولم يترك قلبه يصدق حديثها.
ازدادت النغزات في قلبه، وكأنها تلومه أيضًا، فهذا القلب عاشق لها.
خذلتها. خذلتها كما خذلها الجميع. ليتني استمعت إليها، صدقتها، ولكنني لم أفعل. ليت الزمن يعود يومًا ما. كنت خذلتكِ ولم أترك دمعة واحدة تفر من عيناكِ الجميلتان. ليتني أعطيتكِ الحق لتكميل باقي حديثك. ليتني صدقت ما سمعته منكِ. أعلم بخذلاني وأنني لم أكن قدوة وسند لكِ مثلما ظننتي. لم أقف بجانبكِ مثلما حلمتي، بل إنني تركتك بكل قسوة وقسوة عليكِ. ولكن ما لا تعلمين، أن القسوة قد قتلتني قبل أن تقتلكِ. أرغب بأن نعود لبعضنا. فتلك الأيام والذكريات بيننا ما زالت تمر أمام عيناي. تلك العينان اللتان قست عليكِ كثيرًا.
أعلم بأني لا أستحق أي شفقة منكِ، ولكن فلتسامحيني، فإني أحمق، أحمق كبير.
نهض من مكانه، مقتربًا من النافذة، يتطلع على تلك الأمطار التي تهطل بغزارة، وذلك الجو الممطر الذي لطالما عشقته وجده وكيانه. فأين هي الآن؟
الآن فقط يعلم ما شعرت به. يعلم شعور الخذلان والخزي. الآن.
مرت أمام عينيه تلك الذكريات واللقاءات التي جمعتهم سويًا، تلك الأيام التي لم يدرك قيمتها إلا بعدما فقدها.
فقدها! فكم ألمت تلك الكلمة قلبه وجعلته ينزف. يتمنى أن يعرف أين هي وأين ذهبت.
***
هبطت الطائرة بالمطار، وخرجت وجد من المطار، فأغمضت عينيها، متخذة نفسًا عميقًا. فاخيرًا ستبدأ من جديد. ستتناسى كل ما عاشته. لن تعود لبلدها مرة أخرى. جائت إلى هنا وستستقر هنا.
وبعد مرور بعض الوقت، ترجلت وجد من سيارة الأجرة أمام البناية التي قامت والدتها باستئجارها لها. فابتسمت ابتسامة ساخرة على محياها. فهي تعلم جيدًا بأن والدتها لن تفعل ذلك من أجلها. فبالطبع مجدي من وراء ذلك. ولكن ليس هناك مانع لديها، فهي من بعد الآن ستفكر في مصلحتها هي. فقط.
لن تفكر بالآخرين، ولن تشغل عقلها بهم. فتلك بداية جديدة، وستطرد جميع من كان بحياتها. ستدخل أشخاص جدد حياتها، ستتعرف على أصدقاء جدد. ولكن هذه المرة ستحسن الاختيار.
رواية طغيان قلب الفصل الرابع 4 - بقلم فاطمة محمد
هبطت الطائرة وخرجا كل من "وجد" و"وسام" من المطار.
وما إن خرجا حتى وجدا من يقترب منهما، وكان رجلًا كبيرًا في السن وتخطى عمره الخمسين عامًا.
فابتسم لهما واقفًا أمامهما قائلًا بابتسامة مزيفة لم تصل لعينيه:
- آنسة وجد، أنا باعتني مجدي بيه عشان أوصلك مكان ما أنتِ عايزة وموصيني عليكي.
تنهدت "وجد" ونظرت تجاه وسام التي رفعت حاجبيها لها بإعجاب ومطت شفتيها قائلة:
- جنتل أوي مجدي بيه ده.
لكزتها وجد في ذراعيها ونظرت تجاه السائق وأومأت له متحركة معه هي و"وسام" بعدما حمل حقائبهما بدلًا عنهما.
فأنحنت "وسام" قليلًا هامسة لها:
- أنا عايزة أفهم الراجل ده عرف منين إننا راجعين، وعايزة أفهم ده ميتحبش إزاي يا شيخة حرام عليكي.
جزت "وجد" على أسنانها وصاحت بغيظ:
- يا شيخة حرام عليكي، أنتِ أرحميني يا وسام، أكلتي دماغي.
زمت "وسام" شفتيها بانزعاج وقالت:
- أعمل إيه يعني يا وجد، ما أنتِ عارفة إني مبعرفش أقعد ساكتة، فسبيني بقى، وبعدين بطلي كآبة بقى، أما إنك بت نكدية صحيح، ده الرجالة معاهم حق يقولوا علينا نكدين.
التفتت "وجد" إليها بحركة مفاجئة ممسكة إياها من مرفقيها قائلة من بين أسنانها:
- اسكتي اسكتي، وإلا والله لهديكِ بظهر إيدي على وشك.
رفعت "وسام" يديها ووضعتها على فمها بخوف مصطنع قائلة بخفوت:
- آسفين يا صلاح.
لاحت شبح ابتسامة بسيطة على وجه "وجد"، ولكن سرعان ما أخفتها وقالت بجدية مصطنعة وهي تتحرك أمامها:
- يلا، الراجل مستني في العربية.
وما إن تحركت حتى قالت "وسام" بطريقة مسرحية مقلدة إياها بضيق:
- اسكتي اسكتي، وإلا والله هديكِ بظهر إيدي، نننيي بت كئيبة أوي بجد.
بالسيارة.
كانوا يجلسون بالخلف وعين كل منهم متعلقة بالطريق والشوارع المزدحمة، فكم اشتاقوا لتلك الازدحام وذلك الجو.
أغمضت وجد عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، ورغم عنها وجدت نفسها تتذكر ذلك الموقف الذي حدث بينها وبين داغر بمنزلهم لأول مرة بمنزله، ووقتها رأت سعاد ذلك التقارب، وما حدث ليعاد أمامها مرة أخرى، فكم تشتاق إليه رغم ما تظهره من برود وجمود، ولكنها بالنهاية عاشقة وتشتاق لمن سلب قلبها وعقلها، فهو من تغلغل بداخلها رويدًا رويدًا دون أن تشعر، فأصبحت تتنفسه، تحتفظ بصورته بمحفظتها، وكلما اشتاقت إليه تخرج تلك الصورة وتفيض عينيها بالدموع كلما تذكرت خذلانه لها وتركه لها وحيدة دون سند.
خرجت من شرودها ذلك على صوت "وسام" التي تحركها برفق، فنظرت إليها بعيون شاردة متسائلة دون أن تهتف بحرف واحد، فقالت "وسام" وهي تشير تجاه السائق:
- السواق بيقولك مجدي بيه عايز يكلمك.
أزدرقت "وجد" ريقها وتناولت ذلك الهاتف الذي كان بيد السائق موجهًا إياه باتجاهها، فانتشلت الهاتف من يديه بهدوء ووضعت الهاتف على أذنيها ليصلها صوت مجدي الذي لا يزال حتى الآن حنونًا دافئًا.
- وجد، حمدالله على السلامة.
لاحت ابتسامة على شفتيها وتمتمت:
- الله يسلمك يا مجدي، بس ممكن أعرف عرفت منين إني نازلة مصر.
- أنا أعرف عنك كل حاجة يا وجد، سبق وقولتهالك وهقولهالك تاني، أنا جمبك وفي ضهرك، وطول ما أنا فيا نفس هفضل أحميكي.
سعدت كثيرًا بحديثه ذلك وبدون إرادتها اتسعت ابتسامتها تدريجيًا، فانتبهت لتلك القاطنة بجوارها والتي تقترب بأذنيها من الهاتف تريد أن تستمع إلى حديثه الذي جعل صديقتها تبتسم تلك الابتسامة الواسعة.
حركت "وجد" الهاتف من على أذنيها وقالت بسخرية لاذعة ونبرة خافتة هامسة:
- إيه يا وسام، ما تاخدي تكلميه أنتِ.
- أووف بجد عليكي.
نظرت لها "وجد" باستنكار ووضعت الهاتف مرة أخرى على أذنيها وقالت:
- أنا بصراحة مش عارفة أقولك إيه، بس أنت عملت معايا كتير أوي، أنا مش عارفة أقولك إيه وأردلك اللي بتعمله معايا ده إزاي.
قاطعها مجدي الذي كان مغمض عينيه يستمع لصوتها الهادئ:
- متقوليش حاجة يا وجد، أنا بس حبيت أقولك حمدالله على السلامة، وبصراحة أنا حابب أشوفك قبل ما تسافري تاني، ينفع؟
تنهدت وجد وقالت بإيماءة:
- أكيد ينفع طبعًا.
ولج "عدي" إلى غرفة مكتبه، وما إن دلف وكاد أن يجلس خلف مكتبه حتى وجد والده يدلف خلفه وإمارات الغضب بادية على وجهه، فقلب "عدي" عينيه بملل وقال بضيق:
- بابا لو اتكلم في موضوع إني اتأخرت، فقولتلك إني غصب عني.
اقترب "سلامة" من المكتب ووقف أمامه وخبط بيديه على سطح المكتب صارخًا عليه:
- اللي بتعمله اسمه استهتار يا أستاذ عدي، أنت عارف كويس أوي إننا في وقت حساس وعايزين نكبر الشركة أكتر وأكتر وكل الناس تتكلم عن عيلة الهلالي، بس باللي أنت بتعمله ده أحنا...
ما لبث يكمل حتى قاطعه "عدي" قائلًا بغضب:
- أنت عارف كويس إني بلعب، وإني تعبت معاك ومع عمامي عشان نكبر شغلنا، يعني أنا أكتر واحد خايف على اسم العيلة، وافتكر كويس يا بابا إني معملتش زي داغر ورائف وحسام.
رفع "سلامة" سبابته أمام "عدي" مغمغم بنبرة تحذير:
- آخر مرة يا عدي، آخر مرة يبقى في اجتماع مهم زي ده وتتأخر كده، أنت سامع؟
عض على أسنانه وتحرك من خلف مكتبه متمتمًا بزهق وضيق:
- لا بقى، أنا مش عارف ألاقيها منين ولا منين، ما هو مش هيبقى قرف في البيت وفي الشغل.
تحرك باتجاه الباب مغادرًا المكتب تحت نظرات "سلامة" التي تتابعه وحاول اللحاق به وهو يتمتم:
- أنت رايح فين يا زفت أنت، أنت يا زفت.
لم يجبه "عدي" وغادر الشركة متوجهًا ناحية سيارته، مستقلًا إياها مغادرًا بسرعة عالية.
وبعد مرور بعض الوقت.
وصل أمام إحدى البنايات وترجل من سيارته مغلقًا الباب بعنف متجهًا لداخل تلك البناية.
وما إن رآه البواب حتى نهض من مكانه مرحبًا به، فتجاهله "عدي" وصعد بالمصعد.
خرج من المصعد وتحرك باتجاه ذلك المنزل فطرق الباب وبعد لحظات فتح الباب لتظهر منه تلك الفتاة الفاتنة التي اتسعت ابتسامتها لرؤيته أمامها وصاح بسعادة وهي ترتمي داخل أحضانه:
- حبيبي وحشتني.
اتسعت ابتسامته وبادلها عناقها ذلك وهو يتمتم:
- وأنتي كمان.
فخرجت من أحضانه وهي تجذبه من يديه لداخل المنزل، فاغلق "عدي" الباب بقدميه، فقالت بتساؤل:
- صحيح، أنت مفتحتش بالمفتاح ليه؟
تنهد بضيق وارتمى داخل أحضانها وهو يقول بإرهاق:
- أنا تعبان أوي يا مي، ومخنوق.
زادت من عناقها له وتمتمت بقلق:
- مالك يا عدي؟ إيه اللي خنقك؟
خرج من أحضانه وحاوط وجهها بين يديه وقال بعشق:
- أنا خلاص مبقتش مستحمل تبقى بعيدة عن حضني، أنا عايزك معايا علطول يا مي، عايز الناس كلها تعرف إنك مراتي، عايزك تيجي تعيشي معايا في بيت العيلة.
ابتلعت تلك الغصة المريرة وقالت:
- وحورية يا عدي؟
تأفف واغمض عينيه وجذبها مرة أخرى يستنشق رائحة خصلاتها التي أصبح لها عاشقًا أو هكذا يظن.
- حورية أم ابني وبس يا مي، لكن أنتِ حبيبتي.
ثم اقترب منها يريد أن يشبع اشتياقه لها.
وصلت "وجد" و"وسام" ذلك البيت الذي سيقيمان فيه حتى نهاية تلك الإجازة، وما إن فتحت وجد باب المنزل حتى تحركت "وسام" سريعًا داخل المنزل، فحركت "وجد" رأسها بيأس من تلك الحركات الطفولية التي لا تكف عنها، فنظرت تجاه السائق الذي وضع حقيبتهما داخل المنزل، فابتسمت له وقامت بشكره، فغادر سريعًا، فاغلقت وجد باب المنزل.
فخرجت "وسام" من إحدى الغرف وهي تصيح بصوت عالٍ:
- شوفي بقى الأوضة الحلوة دي هتبقى بتاعتي تمام.
- خدي اللي تعجبك يا وسام.
ابتسمت "وسام" واقتربت منها وقامت بتقبيلها على وجنتيها وهتفت بلهفة:
- يلا بقى يا حلوة، ادخلي عشان ننام ساعتين ونصحى بليل نخرج ونتفسح.
أماءت لها وجد وقالت بتساؤل:
- وأنتي هتنامي ولا؟
قاطعتها "وسام" وقالت بمرح:
- ولا طبعًا، أنا مش بتاعة نوم يا حبيبتي، أنا هفضّي شنطتي.
- عارفة يا وسام لو عملتي دوشة هعمل فيكي إيه.
أشارت "وسام" على نفسها وقالت بذهول:
- أنا أعمل دوشة؟ عيب عليكي.
- أنا بس بحذرك عشان مترجعيش تعيطي.
حركت "وسام" كتفيها بدلال مصطنع وقالت:
- متقلقيش، أنا داخلة أوضتي أهو ومش هتسمعي حسّي، أنتِ بقى اتفضلي نامي عشان نعرف نخرج بليل.
دَلفت "وجد" الغرفة الثانية وأبدلت ثيابها بأخرى مريحة واتجهت ناحية حقيبتها وأخرجت تلك الصورة الصغيرة التي أخذتها من منزله أثناء فترة خطوبتهم دون أن يدري أحد، فاتجهت للفراش وجلست عليه وهي تطل على صورته وعينيها تلمع ببريق من الحزن الممزوج باشتياق جارف، فاغمضت عينيها واحتضنت صورته بحب، وبعدما وضعتها أسفل وسادتها وسرعان ما ذهبت بسبات عميق.
أما بالجهة الأخرى.
دلفت "وسام" الغرفة وأفرغت حقيبتها ولم يتبقى إلا تلك الصورة لتتسع ابتسامتها تتذكر كيف وقعت بعشقه وأصبحت قلبها أسيرًا له بعدما أصبحت أقرب صديقة لوجد بعدما تعرفت عليها بجامعتها ودرسوا سويًا واستقرت وجد معها بنفس المنزل بعدما شعرت براحة كبيرة تجاهها تاركة المنزل الذي استأجره مجدي لها.
فلاش باك......
ولجت إلى المنزل بعدما عادت من جامعتها وظلت تنادي على "وجد" ولكنها لم تجيبها، فدَلفت غرفتها فوجدت الإضاءة مشتعلة وصوت الماء قادم من المرحاض، وما كادت أن تخرج حتى انتبهت لذلك اللاب الخاص بوجود مفتوحًا، فاقتربت من الفراش وقامت بفتحه شاعرة بفضول كبير يتآكلها، وما إن فتحتها حتى وجدت تلك الصورة التي تجمع العديد من الأشخاص، فقبّت جبينها بدهشة وظلت تتطلع بكل منهم حتى وقعت عينيها على ذلك الشاب التي شعرت بوسامته الطاغية ووقعت في غرامة بعد رؤيتها لصورته تلك.
خرجت وجد من المرحاض فوجدتها بذلك الوضع، فاقتربت منها وهي تنهرها صارخة بها بانزعاج:
- إيه يا وسام ده؟ هو إيه؟ نعيش خصوصية ولا إيه؟
نهضت "وسام" بفزع من مكانها وهي لا تجد سببًا لصراخها ذلك.
- في إيه يا وجد؟ إيه اللي حصل عشان تزعقي كده؟ أنا...
أغلقت وجد اللاب وقالت بحدة:
- أي حاجة تخصني ملكيش دعوة بيها، أنا مبحبش الأسلوب ده ولو اتكررت تاني يا وسام أنا هسيبلك البيت، أنتِ سامعة؟
حزنت "وسام" كثيرًا من صراخها المبالغ به وقالت بحزن وهي تغادر الغرفة:
- أنا آسفة يا وجد، عن إذنكم.
ما إن خرجت "وسام" وهدأت "وجد" قليلًا حتى أدركت بأنها لم يكن عليها معاملتها بتلك الطريقة، فخرجت من الغرفة واتجهت لغرفة "وسام" دون أن تطرق الباب.
فوجدتها تبكي وما إن رأتها حتى رفعت يديها مزيلة تلك الدموع بأكمامها مثل الأطفال قائلة بنبرة متذمرة طفولية:
- أنتِ إيه اللي جايبك أوضتي؟ اطلعي بره، مبحبش حد يدخل أوضتي من غير ما يستأذن، اتفضلي اطلعي بره.
حركت وجد كتفيها وقالت برفض:
- مش هطلع، وبعدين أنا جاية أصالِحك.
نظرت لها "وسام" بعيون حمراء تلمع بالحزن:
- وتصالحيني ليه؟ أنتِ مغلطيش، أنا اللي غلطت لما افتكرتك صاحبتي وبقيتي مهمة عندي وأنا بالنسبة لك ولا حاجة.
اقتربت منها "وجد" وقامت باحتضانها تحت تذمر "وسام":
- خلاص بقى يا وسام، ميتبقاش قلبك أسود كده.
ابتعدت عنها "وسام" وقالت:
- ولا أبيض ولا أسود، وابعدي عني بقى عشان أنا بجد زعلانة منك.
تنهدت وجد وقالت بصدق:
- وأنا ميهنش عليا زعلك يا وسام، وبعدين سامحيني بقى، ما أنتِ عارفة إني دبش ولساني طويل.
قالت وسام بسخرية:
- ده مش طويل وبس، ده عايز قصة كمان.
- ما خلاص بقى يا كلب البحر أنتِ، وبعدين مش عايزة تعرفي مين اللي أنا حاطة صورتهم دول؟
ابتلعت "وسام" ريقها وقالت وهي تقترب منها متذكرة ذلك الشاب الوسيم الذي جعل خفقاتها تزداد متمنية أن تراه وتقترب منه:
- لا، عايزة أعرف طبعًا، قوللي.
ابتسمت "وجد" على صديقتها واحتضنتها بسعادة وقالت:
- هجيب اللاب وهاجي عشان أوريكي واحد واحد.
أماءت لها "وسام" فتحركت وجد وجلبت اللاب الخاص بها وجلست بجوارها وقامت بوضعه على قدميها ورفعت يديها تشير على كل من والداها وداغر تقص لها ما حدث معها، فكانت وسام تستمع إليها بتركيز وعينيها تتسع لما حدث مع صديقتها.
فلمعت الدموع بعينيها واحتضنتها بحب قائلة:
- كل ده حصل معاكي يا وجد، وميهنش عليكي تقوليلي؟ هو أنا مش صاحبتك ولا إيه؟ دي مكنتش عشرة ٦ شهور يا شيخة.
اتسعت ابتسامة "وجد"، فحتى بذلك الوقت لا تستطع الكف عن المزاح فقالت:
- مكنتش حابة أزعلك لأني مبحبش أصعب على حد يا وسام، المهم خليني أكملك العيلة العزيزة، أنتِ كده عرفتي ده محمود واللي المفروض أبويا، وعرفتك على داغر وإسلام أخويا.
ابتلعت "وسام" ريقها تنتظر على أحر من الجمر أن يأتي الدور على ذلك الذي سلبها تركيزها تريد أن تعرف من هذا، مما حكت عنهم وجد، فقاطعت وجد وقالت بلا مبالاة:
- ومين ده فيهم؟
تنهدت وجد وقالت:
- ده يا ستي حسام، أجدع واحد في عيلة الهلالي.
شعرت بحزن شديد عندما علمت بهويته، إذا فهذا من ماتت معشوقته، فقلبه ملكًا لأخرى وليست لها مكان بحياته وليس لديها فرصة.
قاطعتها وجد وقالت:
- أنا هقوم أذاكر شوية بقى، متيجي تذاكري معايا.
حركت رأسها بنفي وقالت بهدوء:
- لا، مش عايزة، روحي أنتِ، أنا هنام شوية.
أماءت لها "وجد" وخرجت من الغرفة، وما إن خرجت حتى تناولت "وسام" هاتفها وبحثت عن اسمه، جلبة لها بعض الصور الخاصة بها، وظلت كل ليلة تتطلع بصوره تتعلق به كل يوم أكثر من سابقه، فتطور معها الأمر وطبعت له إحدى الصور وأصبحت تحلم بذلك اليوم الذي تنزل به إلى القاهرة مرة أخرى تريد أن تراه تتحدث معه، يقع بعشقها ويغرم بها مثلما أصبحت هي عاشقة له.
باك.
احتضنت الصورة والابتسامة على وجهها رافعة يديها ممسدة على ملامحه التي أصبحت تعرفها وتضمها.
وصل "داغر" و"رائف" أمام مرسم "حسام" والذي سيفتتح ليلة غد.
وما إن دلفوا حتى وجدوه جالسًا أمام إحدى اللوحات التي يطغى عليها اللون الأبيض والفرشاة بيديه ينهي تلك الرسمة الأخيرة واضعًا لمساته الأخيرة.
اقتربوا منه بعدما رمقهم بنظرة جانبية قائلًا بحدة وهو يكمل تدقيقه بتلك اللوحة:
- نعم!!!
تبادل كل من "داغر" و"رائف" النظرات السريعة، فارتسمت ابتسامة على وجه داغر ورفع يديه مربتًا على كتفيهم قائلًا بابتسامة:
- أنا ورائف خلصنا شغل وقولنا نعدي عليك نشوفك، وأهو نروح سوا، أنت لسه مخلصتش ولا إيه؟
ترك "حسام" الفرشاة من يده ونهض من مكانه بعدما أخذ نفسًا عميقًا:
- لا، خلصت، هدخل أغسل إيدي وجاي معاكم.
ابتسم رائف وقال:
- طب إيه رأيكم نتعشى سوا النهاردة ونكلم عدي وإسلام عشان يتعشوا معانا.
وما كاد أن يوافق "داغر" حتى هتف حسام برفض:
- لا، أنا مليش مزاج وعايز أروح أنام عشان عايز أصحى بدري بكرة.
كاد أن يعترض "رائف" فمنعه "داغر" بإشارة من عينيه قائلًا:
- خلاص اللي تشوفه، يلا اغسل إيدك عشان نتحرك على البيت.
وبهذا المنزل الذي نذهب إليه للمرة الأولى.
نجد "فاتن" و"إسلام" الذي أصبح في عمر العشرين عامًا جالسين أمام التلفاز يتابعان أحد أفلام الأكشن.
وكانت "فاتن" ترمقه بضيق شديد وجزت على أسنانها ونهضت من مكانها مغلقة تلك الشاشة.
فصاح "إسلام" بانزعاج واضح:
- ليه كده بس يا ماما؟
اقتربت منه مرة أخرى وجلست بجواره قائلة بحدة:
- أنت لحد امتى هتفضل غبي يا إسلام؟ أنا عايزة أعرف أنت بتعمل إيه هنا، أنت ليه مش عايز تسمع كلامي؟ أنا عايزة مصلحتك، كل العز والنغنغة اللي هما فيها دلوقتي بفلوس ابني اللي قتلوه بدم بارد وفلوس أخوك، يعني كل ده المفروض يبقى ليك لوحدك، بس حضرتك طالع غبي سيب لهم الجمل بما حمل وقاعد معايا هنا.
تشنجت عضلات وجه "إسلام" قال بغضب طفيف:
- أومال أعمل إيه يعني؟ أسيبك تقعدي لوحدك؟ لو هو ده اللي أنتِ عايزاه فمش هيحصل يا ماما، أنا مش هسيبك قاعدة لوحدك، أنتِ مليكيش غيري، وبعدين فلوس باسم اللي بتتكلمي فيها فلوس من الأول، ومتنسيش إن اللي بتتكلمي عليهم دول عيلتي، وأي إساءة في حقهم تبقى بتسيء ليا، وكفاية أوي الحالة اللي فيها آلاء بسبب اللي حصل.
نهضت "فاتن" بعنف وقالت بغضب وصياح:
- الحالة اللي آلاء فيها هو ده اللي أنت بتفكر فيه يا إسلام؟ طب وبالنسبة أخوك اللي اتقتل وهو لسه في عز شبابه ها، وابنه اللي مات قبل ما يشوف الدنيا؟
تأفف "إسلام" وقال بنفاذ صبر:
- ماما الكلام ده خلاص مبقاش ليه فايدة، الموضوع عدى عليه سنين، وبعدين باسم مكنش ملاك خالص، بالعكس، وياريت متفكرنيش عشان كل ما بفتكر دمّي بيتحرق.
صاحت بدهشة مرددة كلماته الأخيرة:
- دمّك بيتحرق؟ طب وأنا... أنا أعمل إيه؟ ده أنا ناري لحد دلوقتي مهديتش من اللي حصل.
زفر "إسلام" ونهض من مكانه وهو يقول:
- ماما كفاية، أنا بجد زهقت خلاص، أنا داخل أنام، تصبحي على خير.
فتح "عدي" باب غرفته ودلف لداخلها فوجدها فارغة، فارتسمت ابتسامة سخرية على وجهه وبداخله نيران، فرفع يديه وما كاد أن يبدأ بتغيير ملابسه حتى سمع رنين هاتفه فأخرجه وسريعًا ما اتسعت ابتسامته مجيبًا إياها.
- تصدقي إنك وحشتيني الشوية دول.
صدحت صوت ضحكاتها الرنانة بالمنزل وقالت بحب:
- وأنت كمان وحشتني جدًا، طمني روحت ولا لسه؟
تنهد وقال وهو يتجه ناحية الفراش ليجلس:
- لسه واصل أهو، ويدوبك كنت لسه هغير لقيتك بتتصلي.
- حلو أوي، قوم بقى غير واتعشى حلو، واعمل حسابك المرة الجاية مش هتمشي غير لما تتعشى معايا الأول وتعرفني قبليها إنك هتأكل معايا عشان أكون مجهزة الأكل اللي بتحبه.
- اتفقنا جدًا يا قلب عدي، خلي بالك من نفسك، والصبح هكلمك وأنا نازل، وطبعًا هعدي عليكي، أنا يومي مبقاش يعدي غير لما لازم أشوفك.
اتسعت ابتسامتها وازدادت خفقاتها وقالت بحب دفين:
- وأنا كمان يا عدي، يومي مبيعديش غير لما بشوفك.
ابتسم عدى وكاد يجيبها حتى وجد "حورية" تدلف الغرفة وعينيها معلقة عليه ولا ترمش لها جفن، فقال باقتضاب وابتسامته قد زالت تدريجيًا:
- تمام، أنا هقفل دلوقتي، سلام.
تنهدت "مى" بضيق وقالت:
- سلام يا عدي.
أغلق "عدي" معها، فرفع عينيه ورمق "حورية" الواقفة أمامه وقال وهو ينهض قاطعًا المسافة بينهما واضعًا يديه بجيب بنطاله:
- مالك بتبصيلي كده ليه؟
عقدت "حورية" ذراعيها أمام صدرها وقالت بهدوء بعدما تسلل الشك إلى قلبها:
- كنت بتكلم مين يا عدي؟
رفع حاجبيه بسخرية وقال:
- واو، حورية هانم مهتمة وبتسأل بكلم مين ومبكلمش مين؟
صرخت به حورية باندفاع وقالت بنفاذ صبر:
- متغيرش الموضوع يا عدي وقولي كنت بتكلم مين وكنت فين كل ده؟ عمي سأل عنك أول ما جه وأنا قلتله إنك لسه مجتش، وعرف منه إنك خرجت من بدري ومكملتش شغلك في البيت، ممكن أعرف بقى كنت فين؟
اقترب بوجهه منها لتلامس أنفاسه بشرتها وهمس أمام وجهها بنبرة أثارت استفزازها وغضبها في آن واحد:
- كنت مطرح ما كنت، أنا حر يا هانم، أنا الراجل وأعمل اللي أنا عايزه، وإياكي يا حورية، إياكي تعلي صوتك عليا بالطريقة دي تاني، أنا لو كنت سكت لك زمان فمش هسكت دلوقتي، أنتِ سامعة يا حلوة.
أنهى كلماته وهو يرفع يديه مداعبًا خديها البارزين.
فرفعت يديها وقامت بدفعه بغضب بقبضتها الصغيرة.
غضب من فعلتها وضغط على شفتيه بغيظ فقالت هي و بداخله نيران تضرم بقلبها:
- بتخونيني يا عدي، مش كده؟ اتكلم، قول الحقيقة، قول إن في واحدة تانية في حياتك، قول إنك مبقتش تحبني، قول إنك كنت بتحبني عشان شكلي ولما وزني زاد بطلت تحبني، قول إنك عمرك ما حبيتي.
صرخ بها مؤيدًا كلماتها لتنزل كالصاعقة عليها:
- أيوه يا حورية، كل اللي قولتيه مضبوط، كله، هتعملي إيه بقى؟
قال تلك الأخيرة بتحدي مكملًا حديثه غير مبالٍ بصدمتها:
- ها، ردي عليا، هتعملي إيه؟
لزمت الصمت تطلع عليه بصدمة لم تنتظر منه تلك الإجابة، كانت تنتظر أن ينفي كل كلمة وكل حرف هتفت به، ينفي خيانته ويؤكد لها حبه، ولكن لم يفعل، بل أكد حديثها، أكد شكوكها، كانت تنتظره أن يضمها إلى أحضانه يطمئنها بأنه جانبها ويحبها ولن يتركها، ولكن صدمها.
- ها يا حورية، هتعملي إيه؟ هتلمي هدومك وهتمشي؟ امشي بس، ولادي هيفضلوا هنا، عايزة تمشي أمشي، لوحدك، متفكريش تاخدي ولادي معاكي عشان هما مش هيتحركوا من بيت أبوهم، عايزة أنتِ ترجعي الحارة لأمك وأختك، ارجعي، أنا مش همسك فيكي.
هبطت دموعها رغمًا عنها، فأزدرق "عدي" ريقه وهو يتساءل عما إذا كان قد قسى عليها، ولكن عليها أن تعلم بما يحدث وأن تعلم بأن قلبه لم يصبح ملكًا لها بل أصبح ملكًا لمعشوقته وزوجته الأخرى والتي لم تكن سوى "مى".
لم يتحمل دموعها التي تفيض أمامه بصمت، فتحرك من أمامها مغادرًا الغرفة تاركًا إياها بصدمتها نادمة على حبها وقلبها لذلك الذي لا يستحق، غير مدركين بأن ذلك الهدوء هو هدوء ما قبل العاصفة.
رواية طغيان قلب الفصل الخامس 5 - بقلم فاطمة محمد
دلف "عدى" الغرفة مرة أخرى بعدما تخطى الوقت منتصف الليل، ليأخذ ثيابًا له ويبدل ملابسه التي يرتديها منذ الصباح. ظنًا منه بأنها قد ذهبت في سبات عميق.
وما إن دلف حتى وجدها لا تزال مستيقظة، شاردة جالسة على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها، وقد انتفخت جفونها أثر بكائها وانهيارها الشديد بعد خروجه.
فأخذ نفسًا طويلًا وتجاهلها، وكأنها سراب، مولّيًا ظهره لها متجهًا ناحية الخزانة مخرجًا له ملابس.
وما لبث أن يخرج خارج الغرفة حتى نادته بنبرة غير مألوفة بالنسبة له.
فاستدار بهدوء شديد، مضيقًا عينيه بتساؤل عما تريده بعد هذا الحديث الذي حدث بينهما.
فنهضت من مكانها وعيناها معلقة عليه لا تفارقه، ولا يرمش لها جفن. ووقفت أمامه وقالت بهدوء مزيف، مبتلعة تلك الغصة المريرة المعلقة بحلقها:
- قولي إنه كل اللي قولته كذب ومش حقيقة يا عدى، وإنك قلت كده عشان بس تضايقني عشان أهملت نفسي وأهملتك.
جز على أسنانه وتشنجت عضلات وجهه، ودفع الملابس التي كانت بين يديه بغضب، وعيناه تطلق شرار صارخًا عليها:
- لا يا حورية مش كذب، أنا فعلًا مبقتش أحبك. أنا اتجوزت يا حورية عليكي، والآدمية اللي اتجوزتها متتصوريش مريحاني إزاي ومهتمة بيا إزاي.
صمت قليلًا يتطلع عليها بغضب، غير مدركًا بأن كلماته كانت كالسكين الحاد الذي ينغرز بقلبها ممزقًا إياه دون أي رحمة أو شفقة.
- مش معنى إنك خلفتي إنك تهمليني وتهملي نفسك بالشكل ده يا حورية. وما الستات كلها بتتجوز وبتخلف ومحدش بيعمل اللي بتعمليه. أنتِ بأهمالك ده خليتيني أحب غيرك، خليتيني محسش بأي حاجة ناحيتك، كل مشاعري بقت معاها، معاها هي وبس يا حورية.
كانت عيناها تدمي بشدة أمامه، تطلع عليه بعدم تصديق. ورغمًا عنها وجدت نفسها تصرخ به هستيريا وهي تضربه على صدره بعنف وغضب، تشعر باشمئزاز شديد يسيطر عليها تجاهه.
- لو كل الرجالة فكروا نفس تفكيرك ده كانوا كلهم اتجوزوا على مراتهم. مكنش ينفع تجوز عليا من غير ما تعرفيني، كان لازم تقولي وتسبلي القرار. وأنا اللي أقرر مش أنت، مش أنت اللي تقرر يا عدى، أنا أقرر مش تحطني قدام الأمر الواقع. أنا بكرهك، بكرهكككككك.
دفعها "عدى" تجاه الحائط بعنف مكممًا فمها قائلًا بفحيح الأفاعي:
- صوتك هيصحى كل اللي في البيت.
دفعته بغضب وبقوة لم تعلم من أين أتتها:
- هو ده اللي همك مش كده، مش عايزهم يعرفوا بعمل لك إيه وبوسـ...
صفعة قوية نزلت على وجهها جعلتها تبتلع حديثها. فوضعت يديها على وجهها ونظرت إليه بخذلان وخزي. ورفع سبابته محذرًا إياها:
- أوعي تنسي نفسك. حذرتك قبل كده من صوتك العالي ومليش فايدة فيكي، ولو اتكرر تاني يا حورية هتشوفي تصرف أسوأ من ده. أنتِ سامعة يا بنت الحواري.
قال كلماته الأخيرة وخرج من الغرفة، دافعًا الباب خلفه. وما إن خرج حتى وجد "حسام" يقف أمامه عاقدًا يديه أمام صدره، وتطلع عليه بنظرات ساخرة.
فقبض "عدى" جبهته وقال:
- أنت بتعمل إيه عندك يا حسام.
اقترب "حسام" منه وهو يصفق له بسخرية مغمغمًا:
- برافو يا عدى، حقيقي برافو. اتجوزت على حورية يا عدى، اتجوزت على البنت اللي كنت من أربع سنين بس بتلهف وراها، ونفسك تبص لك. لو كنت ناسى أفكرك.
أجابه "عدى" وهو يقطع تلك المسافة بينهما قائلًا بغضب مشيرًا بيديه تجاه الباب:
- اللي جوه دي مش البني آدمة اللي حبيتها، دي واحدة تانية. أنا مبقتش عارفها.
- ما لازم متعرفهاش، ما أنت لقيت اللي مريحاك. بس يا ترى إيه اللي مخلي الهانم التانية توافق إنها تتجوزك وهي عارفة إنك متجوز؟ ولا هي متعرفش؟
قالها "حسام" بتفكير مصطنع. فأجابه "عدى":
- خليك في حالك يا حسام ومتدخلش في اللي ميخصكش يا بن عمي.
كانت صوت ضحكاتها تصدح بالمنزل بأكمله. لم تستطع إيقاف تلك الضحكات إلا عندما قامت "وسام" بضربها بتلك الوسادة، وبوادر الغضب على وجهها.
- ممكن أعرف بتضحكي على إيه؟ أنا مش شايفة حاجة تضحك.
- يا ستي، وجد.
كادت أن تجيبها "وجد" ولكنها لم تستطع بسبب ضحكاتها التي لم تستطع التحكم، فقالت من بين ضحكاتها:
- يالهوي بطني مش قادرة. لا، وأول ما وصلنا هنصحى وهننزل وهنخرج وهنأكل، وفي الآخر قضيناها نوم. يا سلام على الإجازة يا وسام.
نهضت "وسام" ووقفت أمامها واضعة يديها في منتصف خصرها قائلة بغيظ وبطريقة طفولية:
- بطلي ضحك بقى، أنا مش عارفة راحت عليا نومة إزاي كده. منك لله يا وجد.
- الله وأنا مالي يا أمي، هو أنا اللي قلت لك نامي ولا حاجة. أنتِ اللي عبيطة، نمتي زي القتيلة ما شاء الله.
تأففت "وسام" وجلست بجوارها وهي تتنهد وقالت بلامبالاة:
- مش مهم. النهارده خلينا نفكر ببكرة. بصي يا ستي بقى بكرة اليوم كله هيبقى دمار شامل يا معلم. هنروح ناكل كشري وندخل سينما وبعدين ناكل تاني وبعدين هنطلع على مرسم افتتاحة بكرة.
تنهدت "وجد" ونهضت من مكانها:
- اعملي ما اللي أنتِ عايزاه يا وسام.
- أنتِ رايحة فين؟
استدارت لها محركة كتفيها وقالت:
- هكمل نوم طبعًا. اليوم ضايع يا حلوة.
نهضت "وسام" محاولة اللحاق بها قائلة بنبرة طفولية وهي تزم شفتيها:
- نوم إيه يا وجد، أنتِ مبتشبعيش.
وقفت "وجد" داخل الغرفة وأجابتها وهي تغلق الباب بوجهها:
- لا. تصبحي على خير.
وما أن أغلقت باب الغرفة حتى جلست "وسام" على الأريكة قائلة بتنهيدة:
- أنا آسفة يا وجد، بس أنا لازم أشوف حسام وأنتِ لازم تتواجهي مع عيلتك.
في صباح اليوم التالي...
أيقظت "مى" من نومها وتململت في فراشها، فانتبهت لذلك الذي يتشطح بجوارها، فشهقت بصدمة واضعة يديها على صدرها. فاستيقظ على صوتها قائلًا بغلاظة:
- صباح الخير.
أغمضت "مى" عينيها وقالت:
- حرام عليك يا عدى، خضتني. أنت جيت امتى.
اعتدل "عدى" وأسند ظهره بظهر الفراش وقال بصوت مبحوح:
- جيت بليل وأنتِ كنتي نايمة. محبتش أقلقك.
اتسعت ابتسامتها واقتربت منه وقامت باحتضانه وقالت بقلق:
- حصل حاجة ولا إيه؟
نهض "عدى" دون أن يبادلها عناقها، شاعرًا ببعض الضيق:
- أيوه. وقومي جهزي نفسك عشان هتتنقلي النهارده على الفيلا.
اتسعت عيناها ونهضت عن الفراش بصدمة واقتربت منه قائلة:
- إزاي يعني؟ ومراتك وعيلتك؟ هتقوليلهم إيه؟
رفع "عدى" يديه محاوطًا وجهها وقال:
- حورية عرفت إني متجوزك. أما عيلتي بقى فدول أمرهم سهل. وبعدين إحنا معملناش حاجة حرام. أنتِ مراتي يا مى، ومن النهارده كل الناس هتعرف إنك مراتي وحبيبتي.
"ولج" عدى برفقة "مى" إلى غرفة الصالون، و"مى" تتشبث بذراعيه، لا تعلم كيف ستكون رد فعلهم على ذلك الخبر.
شعر "عدى" بخوفها ذلك، فرفع يديه مربتًا على يديها يبثها الطمأنينة والأمان.
وما إن ولج حتى وجدهم يتناولون طعام الإفطار:
- صباح الخير.
رفع الجميع رأسهم، وما كادوا أن يجيبوه حتى انتبهوا لتلك الفتاة التي تقف بجواره متعلقة بذراعيه. فقام "حسام" بالجز على أسنانه بغضب ناهضًا من مكانه دون أن يهتف بحرف واحد، وقبل أن يغادر رمق "مى" نظرة غاضبة.
فنهض الجميع عن الطاولة بعدما ثارت الشكوك بأنفسهم. فقال "سلامة":
- مين دي يا عدى؟
تنهد "عدى" وقال بدون تردد:
- مى مراتى يا بابا.
قبض "داغر" حاجبيه واقترب منهم، والدهشة تعتريه:
- مراتك إزاي يا عمي؟ أنت اتجوزت على حورية يا عدى؟
زفر بضيق وأجابهم باقتضاب:
- أيوه.
اقترب منه "داغر" وقام بإمساكه من ملابسه:
- أيوه إزاي يعني يا عدى؟ متنرفزنيش عليك، أنا صاحي خلقي ضيق.
اقترب "سلامة" وفرق بينهم صارخًا بهم:
- إيه اللي بتعملوه ده؟ هو أنا إيه خلاص مبقاش ليا لازمة؟
ظل "داغر" يرمق شقيقه بغضب من أفعاله الطائشة وانجرافه ذلك.
فغمغمت "سعاد" بعدم تصديق:
- اتجوزت على حورية يا عدى؟ وكمان جايبها هنا؟ للدرجة دي مبقاش عندك مشاعر؟
وما كاد أن يجيبها حتى جاء صوت "حورية" من خلفهم مرددة اسم "عدى" وكان صوت خالي من الحياة:
- عدى.
التفتت "عدى" يرمقها بنظراته، وكذلك "مى" والتي تجاهلتها "حورية" وكأنها لا تراها أمامها.
وما كاد أن ينطق "عدى" حتى سقط عليه ذلك الدلو من الماء البارد. فما نطقت به لم يكن يتخيل بأنها ستطلبه أو ستعزم عليه:
- طلقني يا عدى.
ازدرد ريقه، كان يظن بأنه سيستطيع السيطرة عليها بالضغط عليها عن طريق أولادها، ولكنها صدمته وبشدة. فقال بعدما ابتلع ريقه:
- أنتِ عارفة معنى كلامك ده إيه؟ معناه إنك مش هتشوفي ولادك تاني.
وقاطعته قائلة بحدة وصراخ:
- بقولك طلقني.
اقتربت منها "سعاد" محاولة تهدئتها وإرجاعها عما تريده:
- يا بنتي استهدي بالله، ده شيطان ودخل بينكم والله.
قالت الأخيرة وهي ترمق "مى" بنظراتها.
أما "عدى" فكانت عيناه معلقة عليها، لا يصدق طلبها ذلك. فصرخت مرة أخرى، ولكن تلك المرة وهي تكسر وتحطم كل ما تطوله يديها:
- بقولك طلقني، طلقني أنا بكرهك، بكرهك يا عدى، بكرهك ومش عايزة أعيش معاك. بقولك طلقني.
- أنتِ طالق.
توقفت عن الحركة وهدأت أنفاسها. فاقترب منها وقد اسودت عيناه:
- من النهارده متفكريش إنك تشوفي ولادك. أنتِ سامعة.
ثم التفت لـ "مى" وجذبها من ذراعيها صاعدًا بها تجاه غرفته القديمة.
أما حورية، فجلست على الأرض تبكي بهستيريا. فاقتربت منها "سعاد" وهي تشعر بالشفقة تجاهها.
أما الباقي، فكانوا لا يصدقون فعله الحمقاء تلك واستغناءه عنها بتلك السهولة.
وبذات الوقت، كانت تلاحقها عيون شامته سعيدة بما حدث، والتي لم تكن سوى "ياسمين" التي كادت أن تطير من السعادة، فل طالما كرهت "حورية".
بغرفة "عدى" قديمًا:
- مى، دي أوضتي. هتقعدي فيها لحد ما أقول لحد من الخدمين يظبط لنا أوضة جديدة، وعلى بليل ننتقل فيها. وشنطتك هخلي الخدامة تطلعها لك وتغيري هدومك وتريحي شوية، وأنا رايح الشغل وهحاول متأخرش.
قالها ببرود شديد. فإيماءت له "مى" بهدوء.
وما أن خرج من الغرفة حتى تبدلت ملامحها وابتسمت ابتسامة خبيثة ماكرة، مخرجة هاتفها من جيب بنطالها واتصلت بأحدهم. سريعًا ما جاءها الرد فقالت بغموض:
- كل اللي أنت عايزه حصل، وتقدر تنفذ. العصفورة خرجت من قفصها وبقت حرة خلاص.
وقف "رائف" بالسيارة أمام البناية التي تقطن بها "حورية". وما إن توقف حتى التفت بجانبه ينظر إليها متمتمًا باعتذار:
- حورية، أنا مش...
قاطعته "حورية" وصالت بنبرة خالية من الحياة:
- متقولش حاجة يا رائف، لأني مش عايزة أسمع أي حاجة. ابن عمك كان فاكر إنه ممكن يجرح ويوجع فيا وأنا أسكت وأشيل في نفسي عشان أولادي. بس مش أنا يا رائف، مش أنا اللي هتسكت على إن جوزها يجيب لها ضرة ويحطها قدام الأمر الواقع.
زفر "رائف" وهو يشعر بالخجل من تصرفات "عدى" المتهورة.
وقبل أن تترجل من السيارة لم تقل سوى تلك الكلمات:
- أولادي أمانة عندكم يا رائف لحد ما ابن عمك يبعت لي ورقتي، عشان أنا مش هسيب أولادي له ولـ...
لزم "رائف" الصمت وترجل من السيارة حاملًا لها حقيبتها.
وصعدت إلى البناية وفتحت لها شقيقتها "ندى" التي صرخت بسعادة لرؤيتها أمامها:
- حورية! وحشتيني. أومال فين الولاد؟ مجوش معاكي ولا إيه؟
سريعًا ما انتبهت لـ "رائف" الذي ظهر من خلفها حاملًا حقيبتها.
فقبضت "ندى" جبينها وقالت بتساؤل:
- إيه الشنطة دي يا حورية؟
صمتت حورية وظلت ملامحها جامدة باردة أمامها. وتحركت من أمامهم، والآلام تكتسحها. فالتفتت "ندى" تجاه "رائف" الذي أدخل حقيبتها داخل المنزل:
- هو إيه اللي حصل بالضبط؟
ابتلع ريقه ولم يعلم بماذا يجيبها، ولكنها في جميع الحالات ستعلم بما حدث، فقال بأسف شديد:
- مع الأسف، عدى وحورية أطلقوا.
اتسعت عيناها ورفعت يديها تضرب على صدرها:
- أطلقوا ليه؟ إيه اللي حصل؟
- هيبقى أفضل لو حورية حكت لك عن إذنك. ولو عاوزين أي حاجة كلموني تمام.
قال كلماته الأخيرة وهو يغادر من المنزل سريعًا يريد الهروب من أمامها حتى لا يضطر بقص تلك التفاصيل المؤسفة.
وما إن غادر مغلقًا الباب من خلفه بهدوء، حتى تحركت "ندى" بصدمة تجاه غرفة شقيقتها.
ففتحت الباب دون أن تطرقه. وما إن فتحته وكادت أن تتحدث حتى وجدتها مغشى عليها، ساقطة على تلك الأرضية الصلبة. فاقتربت منها والذعر والقلق يتمكنان منها، ولم تجد نفسها إلا وهي تتحرك من مكانها تجاه الشرفة منادية على "رائف" قبل أن يصعد سيارته مرة أخرى.
وبعد مرور بعض الوقت، وبإحدى المستشفيات،
كانت تتسطح على الفراش بإحدى الغرف، وبالخارج يقف الطبيب مع "ندى" و"رائف" يطمئنهم على حالتها، مخبرًا إياهم بأن ما حدث لها سببه هبوط حاد بسبب عدم تناولها لأي شيء بجانب حالتها النفسية المدمرة. ونصحهم بالاهتمام بها وعرضها على أحد الأطباء النفسيين، مخبرًا إياهم بأنهم قد أعطوها مخدر وأنها الآن بسبات عميق.
- متشكرين يا دكتور.
كانت تلك كلمات "ندى"، فإيماء لها الطبيب وغادر من أمامهم.
فتنهدت "ندى" ببعض من الراحة ونظرت تجاه "رائف" معنفة إياه:
- حضرتك ممكن تتفضل دلوقتي، ويا ريت تبلغ ابن عمك باللي أخته وصلت له، خليه يفرح شوية بنفسه.
زم "رائف" شفتيه ورفع إحدى حاجبيه وقال بهدوء:
- أنا حقيقي مش عارف أقولك إيه، بس دي أكيد وزة شيطان وكل حاجة هتتصلح.
جزت على أسنانها وقالت بغضب طفيف:
- تتصلح!!! بعد إيه؟ ابن عمك لو كان بيحبها بصحيح مكنش فكر يستغنى عنها. وبعدين أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل وصلهم بكده؟ ها، عدى الزفت ده عمل إيه عشان يوصلها لحالتها دي؟
- ها.
قالها داغر بسذاجة مصطنعة، لا يريد إجابتها. فصاحت:
- هو إيه اللي ها؟ بقولك عمل إيه؟
نظر رائف بساعة يديه وقال بتذكر مصطنع:
- طيب يا ندى، أنا مضطر أمشي دلوقتي لأن أنا سيب داغر لوحده في المصنع. عن إذنكم.
غادر سريعًا من أمامها. فتأففت ودلفت غرفة شقيقتها، فوجدتها نائمة على الفراش. فاقتربت منها تربت على وجهها بحنان:
- يا ترى عملك إيه عشان يوصلك لحالتك دي؟
ثم جلست بجوارها، وسريعًا ما تذكرت والدتها النائمة بالمنزل، فنهضت من مكانها سريعًا مغادرة الغرفة.
وما إن غادرت المستشفى حتى دلف هو بهيبته ووسامته إلى غرفتها، مغلقًا الباب من خلفه، مقتربًا منها متطلعًا عليها بنظرات عاشق وولهان. فأقترب بيديه ممسدًا على وجنتيها وبشرتها الناعمة كبشرة الأطفال، وابتسامة جانبية ترتسم على وجهه متمتمًا بحب:
- أخيرًا يا حورية، وأخيرًا هتبقي ملكي.
في المساء
ترجلت "وسام" و"وجد" من تلك السيارة الأجرة أمام ذلك المرسم، فصاحت "وجد" بتأفف:
- ولا ليها أي لازمة حكاية المرسم دي. أنا بتخنق. بذمتك بتتفرجي على إيه؟ على شوية شخابيط.
- شخابيط يا جاهلة، ده اسمه فن. بس هنقول إيه؟ ما أنتِ معندكيش ذوق.
قالتها وسام بمرحها المعتاد، فاغتظت وجد منها وأجابتها قائلة:
- ما هو مدام مختاركي صاحبة ليا يبقى لازم ميكنش عندي ذوق يا وسام هانم.
زم "وسام" شفتيها بحركة طفولية:
- كده يا وجد.
اتسعت ابتسامة "وجد" وأجابتها:
- كده يا قلب وجد.
دخلت كل منهما إلى المرسم، وعين وجد معلقة على تلك الرسومات أمامها والتي أثارت إعجابها كثيرًا، شاعرة ببعض من العمق والحزن الذي يلوح بتلك اللوحات.
أما "وسام"، فكانت عيناها تجول بالمرسم بحثًا عنه، تشتاق لرؤيته، بل لا تريد أن ترى غيره.
ورغم عنهما انفصلا، فابتعدت "وجد" ووقفت أمام إحدى اللوحات التي أعجبتها كثيرًا، وكانت ابتسامة بسيطة تلوح على وجهها، ولكن سريعًا ما اختفت عندما وقعت عينيها على ذلك التوقيع والذي لم يكن سوى باسم "حسام الهلالي"، فتسمرت مكانها من تلك الصدمة وتلك المعضلة التي وقعت بها.
أما "وسام"، فازدادت خفقاتها بعدما رأته يقف بجوار كل من "رائف" و"إسلام" و"داغر"، فأستجمعت قواها واقتربت منهم، وعيناها لا ترى غيره، وعيناها تلمع ببريق مشاعرها:
- مساء الخير.
أجابها "حسام" بابتسامة بسيطة لم تصل لعينيه:
- مساء النور.
وكذلك أجابها إسلام ورائف، وتجاهلها داغر تمامًا. ولكنها لم تستمع سوى لصوته هو... صوت معشوقها الذي يجعل خفقاتها تزداد.
فمدت يدها باتجاهه وقالت بإعجاب وانبهار شديد:
- أنا وسام، وعايزة أبدي إعجابي بلوحاتك. حقيقي لوحاتك تو...
كادت أن تكمل حتى وصل إلى مسامعها صوت داغر الذي خرج أخيرًا وهو يردد اسم صديقته بعدم تصديق واشتياق سيطر على صوته:
- وجد.
قبض حسام جبهته واسودت عيناه بغضب. أما إسلام فنظر تجاه ما ينظر إليه داغر، فلمحها هو الآخر واتسعت ابتسامته، وسريعًا ما كانت "وسام" تقف بمفردها بعدما هرول كل من إسلام وداغر باتجاهها، وحسام متوعدًا لها بعدما رآها هو الآخر.
أما رائف، فشعر بهاتفه الذي يرن، فأخرجه من بنطاله فوجدها "ندى". ففتح المكالمة وما كاد يتحدث حتى وصل إليه صوتها الباكي وهي تستنجد به:
- رائف، الحقني! أنا مش لاقية حورية، حورية اختفت من المستشفى ومحدش شافها وهي بتخرج. أنا خايفة أوي تعمل حاجة في نفسها. أنا مش عارفة أعمل إيه.
أغمض "رائف" عينيه وهو يتابع ما يحدث مع أبناء أعمامه:
- أنا هكلم عدى. يا ندى، اقفلي. اقفلي.
أما ناحية وجد، وبعدما انتبهت بأن تلك الرسومات تعود لـ "حسام"، حتى التفتت حولها تبحث عن "وسام" وهي تلعنها بداخلها لوضعها بذلك الموقف. وسريعًا ما أولت ظهرها للجميع، وكأنها تطلع على اللوحة. ولم تنتبه لذلك الذي لمحها وعلم هويتها، فكم كانت تشتاق عينيه لرؤيتها ولم يصدق نفسه عندما رآها، شاعرًا بأن قلبه يكاد يقفز فرحًا وسعادة.
فأخرج هاتفه يريد الاتصال عليها، وما كادت أن تأتي برقمها حتى سمعت لذلك الصوت الغاضب من خلفها:
- أنتِ بتعملي إيه هنا؟
التفتت تنظر إليه بعدما أخذت نفسًا طويلًا وأخرجته على مهلٍ، ورمقت بعينيها ذلك الذي لا تزال عاشقة له وهو يطلع عليها بنظرات عاشقة.
وما كادت أن تفتح فمها حتى وجدت "رائف" يقترب منهم:
- شباب! حورية اختفت ومش موجودة، واختها قالبة عليها الدنيا. أنا كلمت عدى بس هو مبيردش، فخلونا نروح نشوف هنعمل إيه.
رواية طغيان قلب الفصل السادس 6 - بقلم فاطمة محمد
التفت "حسام" عاقدًا حاجبيه قائلًا بدهشة:
-يعني إيه اختفت؟ هتكون راحت فين يعني؟
حرك "رائف" كتفيه مغمغمًا:
-مش عارف، أنا آخر مرة سبتهم في المستشفى، أكتر من كده معرفش.
كل هذا تحت نظرات "وجد" التي تتبعهما وتتبع حديثهما، حتى تهرب من تلك النظرات التي تلاحقها.
فصاح "حسام" وهو يزفر بضيق:
-طيب يلا اتحركوا، أنا مش هعرف آجي معاكم.
أومأ له "رائف" ورمق "داغر" المنشغل بتلك الواقفة أمامه، والذي لم يستطع أبعاد نظراته عنها، وكيف يبعد ويمنع عينيه عنها؟ ألا تعلم كم يشتاق إليها؟
فالتفت "إسلام" تجاهها، رامقًا إياها بتأثر ممزوج باشتياق، وبحركة غير متوقعة اقترب منها ضاممًا إياها داخل أحضانه.
ضم "داغر" قبضته، ورفع يديه جاذبًا خصلاته بعنفوان. فكم يشتاق ويتمنى أن يضمها لأحضانه وألا يخرجها أبدًا.
فغمغم "إسلام" بهمس:
-وحشتيني يا وجد، ومبسوط عشان رجعتي. متتصوريش وحشتيني إزاي.
ظلت جامدة بين أحضانه، وعيناها تطلع بداغر الذي تقابلت عيناهما بنظرة طويلة، نظرة اختلطت بالعديد من المشاعر، سواء كانت ندم، اشتياق، ترجّي، غضب، أو عشق جارف مزق قلوبهم تمزيقًا.
ابتعدت "وجد" عن أحضانه مخفضة نظراتها عنه، زافرة بضيق.
فقال "رائف" بانزعاج:
-إيه يا شباب؟ هنفضل واقفين كده كتير؟ مش يلا ولا إيه؟
فصاح "داغر" وعيناه تائهة، لامعة ببريق مشاعره التي سيطرت عليه بتلك اللحظة:
-إسلام، روح مع رائف.
رفع "حسام" حاجبيه وقال:
-وانت؟
-أنا هتكلم مع وجد.
تشنجت عضلات وجهها واقتربت منه قائلة بتحدٍ وإصرار، جعل ابتسامة بسيطة تلوح على وجهه:
-وأنا مش عايزة أتكلم معاك.
وسريعًا ما التفتت تجاه "حسام" الذي يرمقها بكره، قائلة:
-وانت، أنا مكنتش أعرف إنه المعرض بتاعك، لو كنت أعرف مكنتش عتبته.
فقال "رائف" بنفاذ صبر:
-إسلام، يلا بينا.
تردد "إسلام" كثيرًا، لا يريد أن يغادر خوفًا من ألا يراها مرة أخرى. فنظر تجاه "داغر" الذي أومأ له برأسه بحركة بسيطة.
فتنهد طويلًا وقال باستسلام:
-يلا بينا.
وسريعًا ما تحرك "إسلام" برفقة "رائف" مغادرين المرسم، متجهين ناحية المنزل.
أما "وسام" فكانت تراقب ما يحدث بتوتر وقلق شديد. وعقب مغادرة "إسلام" و"رائف" أقتربت بخطى هادئة من كلا من "وجد" و"داغر" و"حسام".
وما إن اقتربت وكادت أن تتحدث حتى رمقتها وجد بغضب جحيمي، جعل الخوف يدب بقلبها. فتحركت "وجد" باندفاع مغادرة المرسم، و"داغر" خلفها يلاحقها. فهو لن يتركها تلك المرة، لن يكرر خطأه السابق ويجعلها ترحل بتلك السهولة. فعليه تعويضها وإسعادها.
وما لبثت أن تغادر "وسام" خلفها حتى توضح لها ما حدث، ولكن منعها التفات "حسام" لها قائلًا بابتسامة مصطنعة استطاعت تمييزها:
-قولتيلي بقى اسمك إيه؟
ابتلعت ريقها وعيناها زائغة، تطلع على المكان الذي ذهبت منه "وجد"، وبين "حسام" معشوقها الذي تلهفت لرؤياه والذي يقف أمامها مستفسرًا عن اسمها.
فأجابته بابتسامة بسيطة:
-وسام، اسمي وسام.
أما بالخارج، لحق "داغر" بها واقفًا أمامها، وأنفاسه لاهثة متسارعة، مغمغمًا:
-انتي رايحة فين يا وجد؟
أغمضت عينيها، فظن أنها تنزعج منه، جاهلًا باشتياقها إليه ولصوته الهادئ الحنون.
فتحت عينيها وقالت بغضب مزيف:
-داغر، أنا مش عايزة أتكلم ومش عايزة أشوف حد فيكم. وزي ما قلت جوة، لو كنت أعرف إني هشوفكم هنا مكنتش جيت.
اقترب منها بخطى هادئة محافظًا على بعض المسافة بينهم، محاولًا تفادي النظر إليها مثلما كان يفعل، ولكن تلك المرة يشعر بعدم قدرته على النظر إليها. فبعد غيابها تلك السنوات ازدادت مشاعره تجاهها، فكيف تكون أمامه ولا يشبع عيناه منها؟ ولكن استطاع السيطرة على تلك المشاعر وتلك الرغبة، مغلقًا عينيه لوهلة محاولًا استجماع قوته وشجاعته، قائلًا بنبرة غير مألوفة بالنسبة لها:
-اسمعيني، لو كنتي فاكرة إني ممكن أسيبك تمشي المرة دي تبقي غلطانة. أنا مش هسيبك يا وجد، مش هسيبك. مش هكرر غلطي تاني وأسيبك.
صمت قليلًا، فأبتلعت ريقها رافعة عينيها للسماء تناجي ربها أن يعطيها القوة والتحمل، فهي على وشك البكاء. وكيف لا وهو أمامها مخبرًا إياها بذلك الحديث.
فأكمل "داغر" حديثه بصدق قائلًا بحزن دفين، ويداه تتحرك مع حديثه محاولًا بثها مشاعره التي يظن بأنها لا تشعر بها:
-انتي متعرفيش أنا إيه اللي حصل معايا في غيابك. أنا مكنتش عايش يا وجد، مكنتش عايش. النفس اللي بتنفسه كان بيخرج بصعوبة، عارفة يعني إيه بصعوبة؟ عارفة يعني إيه أرجع كل يوم من الشغل نص الليل عشان مش عايز أروح بدري وأقعد أفكر فيكي؟ طول الأربع سنين كنت بلهي نفسي في الشغل يا وجد، وياريته كان نافع ياريته. ياريت قدرت أنساكي بس أنا مقدرتش.
ضغط على شفتيه وتحرك ذهابًا وإيابًا وهو يشدد من الضغط على خصلاته بيديه قائلًا:
-عارفة كام مرة طلبوا مني إني أنساكي وأتجوز وأعيش حياتي؟ بس أنا اللي مكنتش عايز، عشان أنا مش عايز غيرك. أنا وإنتي مقسومين لبعض يا وجد، ومن زمان بس إنتي اللي بعدتي.
قال كلماته الأخيرة وهو يتطلع لها بلهفة، منتظرًا إجابتها على حديثه. ولكن رد فعلها صدمة وكثيرًا. فتحدثت بانفعال ممزوج بغضب شديد:
-والمفروض إنك لما تقوللي الكلام ده كله أقولك خلاص أنا سامحتك ونسيت كل اللي عملته؟ زعلان من رد فعلي اللي هو نتيجة لأفعالكم انتوا؟ انتوا اللي خذلتوني مش أنا. والمفروض لما تيجي وتقولي أنا آسف وأنا ندمان، إني أقولك: "وماله يا حبيبي محصلش حاجة" ولا كانك عملت حاجة؟ أصل أنا قلبي بزرار، أول ما أدوس عليه هنسى كل حاجة، مش كده؟ انسوا، سامع؟ انسوا إني أسامحكم. وانت أولهم يا داغر.
أنهت كلماتها وهي تتحرك أمامه مستقلة إحدى سيارات الأجرة التي أوقفتها، تاركة إياه بندمه الذي ينهشه.
وما إن رآها مغادرة حتى هرول تجاه سيارته، مستقلاً بها يسير خلف السيارة التي استقلتها، واعدًا نفسه بأنه يتركها وسيجلعها تنسى كل شيء. ولكن صبرًا، فمسامحتها لن تأتي بسهولة. فحبيبته ذات رأس يابسة.
***
ترجل "رائف" و"إسلام" من السيارة ودلفا إلى الفيلا، فرحب بهم كل من "سلامة" و"هاني" و"سعاد" و"هدى" الذين كانوا يجلسون بالصالون.
فقالت سعاد باستفسار:
-الله! انتوا إيه اللي رجعكم بدري؟
فأجابها "رائف" وهو يزفر غير مبالٍ بحديثها:
-هو عدى فينا.
متعضت ملامحها وقالت:
-قاعد فوق مع السنيورة، هيكون فين يعني؟
أومأ لها وعيناه تبحث عن "ياسمين" الغائبة والتي لم ترد الذهاب معهم. أما الباقي فلم يخبرهم "حسام" لكي يحضروا معه.
صعد "رائف" إلى الطابق العلوي، وبقي "إسلام" معهم. فقال باستفسار وعيناه تبحث عن والده:
-أومال بابا فينا؟
أجابته "هدى":
-فوق في أوضة آلاء قاعد معاها.
أومأ لها بتفهم، فمنذ ما حدث مع شقيقته وهي تعتزل الجميع ولا تفارق غرفتها، رغم جلساتها مع العديد من الأطباء، ولكن لا يوجد تحسن بحالتها. فأصبحت فتاة غير الفتاة التي كانت عليها سابقًا، فهي تخرج من غرفتها من حين لآخر.
أراد "إسلام" إخبار والده بعودة "وجد"، ولكن من الواضح أنه لن يتمكن من إخباره بالوقت الحالي.
بالطابق العلوي، خرج "عدي" من غرفته وابتسامة ساخرة على وجهه، متمتمًا بسخرية:
-خير يا أستاذ رائف؟ يا ترى إيه هي الحاجة المهمة اللي تخليك تجيلي في الوقت ده وسايب معرض حسام؟
مسح "رائف" على وجهه وقال:
-حورية.
قلب "عدي" عينيه بملل وزهق قائلًا بتهكم:
-مالها؟ انتحرت ولا إيه؟
ضيق "رائف" عينيه وقال بدهشة مرددًا كلماته:
-انتحرت!!! انت متأكد إنك بتحبها يا عدي؟
قاطعه "عدي" بغلظة مغمغمًا:
-كنت، واخد بالك من "كنت" دي؟ هي دلوقتي ولا حاجة بالنسبة لي غير إنها أم ولادي، أكتر من كده مفيش. الوحيدة اللي في قلبي دلوقتي هي مي.
وقاطعه "رائف" بعدم تصديق:
-انت بتقول إيه يا عدي؟ أنا مش مصدق وداني. بقى انت اللي بتقول كده؟
التفت "عدي" ناظرًا حوله، وبعدها قال بابتسامة سذاجة:
-أنا مش شايف حد غيري، وأه أنا اللي بقول كده. فـ أنجز بقى وقول في إيه ومالها ست زفت دي.
فأجابه "رائف" بانفعال دون أي مقدمات:
-حورية اختفت يا عدي. بعد ما وصلتها البيت النهاردة وجيت أمشي، تعبت واغمى عليها ونقلتها أنا وأختها المستشفى، ودلوقتي هي مش موجودة وأختها منهارة.
رفع "عدي" حاجبيه وقال بتفكير مصطنع:
-أيوه، عايز إيه بقى؟
غضب "رائف" من بروده:
-انت إيه البرود اللي انت فيه ده؟ بقولك مراتك اختفت تقوللي عايز إيه بقى؟ انت إيه اللي حصلك بالظبط بس عشان نبقى فاهمين؟
صاح به "عدي" صارخًا به:
-بقولك إيه يا عم رائف؟ متزعقش ومتعليش صوتك عليا، أنا مش عيل صغير. وبعدين أيوه عايز إيه مني؟ واحدة عاملة حبتين عليكم وبتشتغلكم، ولو دخل عليكم الكلام ده مهو يدخلش عليا. ولما تلاقوها قولها: "قديمة أوي الحركة دي يا مدام حورية". ولا حورية إيه دي؟ مبقتش حورية خالص، دي بق...
ما كاد يكمل حتى قام "رائف" بلكمة على وجهه قائلًا بغضب أعمى وهو يغادر من أمامه:
-انت بني آدم مش محترم و*** عشان تكلم عليها بالطريقة دي.
***
تململت "حورية" بذلك الفراش الوثير الواسع. فتحت عينيها ببطء شديد، فكانت رؤيتها مشوشة قليلًا. فأعتدلت بالفراش رافعة يديها ماسحة على عينيها المنتفخة. وسريعًا ما انتبهت لتلك الغرفة الغير المألوفة لها، فقطبت جبينها وازدرقت ريقها، ونهضت من على الفراش نازعة ذلك الغطاء، مقتربة من الباب محاولة فتحه، ولكن لم يفتح معها. فظلت تطرق على الباب بعنف:
-افتحولي الباب ده، أنا فين؟ حد يفتحلي يا اللي هنا، افتحولى.
سمعت صوت خطوات قادمة، فزادت من طرقها على الباب متمتمة:
-افتحولي الباب، أنا فين؟
سمعت صوت المفتاح وهو يدور بالباب، فابتعدت عن الباب. وما إن ابتعدت حتى فُتح، وظهر منه ذلك الشاب مفتول العضلات وسيم الوجه وخصلاته طويلة.
عادت بظهرها للخلف عدة خطوات وهو يرمقها بنظرات متسائلة عن هويته وما الذي يريده منها. فقالت بشفتيها المرتجفة:
-انت مين؟ وأنا بعمل هنا إيه؟ عايز مني إيه؟
اقترب منها الشاب بخطوات هادئة وعيناه تromقه بعشق وحب دفين واشتياق جارف. فظلت تعود بخلفها خوفًا منه ومن نظراته التي تكاد تلتهمها وتفتك بها.
أشارت له بيدها حتى يتوقف عن اقترابه المريب ذلك قائلة:
-انت بتقرب كده ليه؟ خليك مكانك، والله أصوت وألم عليك الناس.
ارتسمت ابتسامة بسيطة على ثغره وقال بحب وهو يمد يديه ممسدًا لوجنتيها:
-لسه شرسة زي ما انتي يا حورية.
جحظت عيناها وظلت ترمقه بعدم تصديق، محركة رأسها بعدم تصديق. فها قد علمته من صوته، وكيف لها أن تنسى ذلك الصوت الذي لازمها لسنوات طويلة، محاولًا سلبها أعز ما تملك، وكانت تكرهه مثلما تكره أحدهم من قبل، والذي اختفى من حارتهم عدة سنوات ولم يعلم أحد إلى أين ذهب وماذا فعل.
فقالت اسمه بصدمة:
-أمير!!!!!!!!!!!!!!
أومأ لها ولا تزال يديه تمسد على وجنتيها باشتياق. أما هي فظلت تنظر له والصدمة تعتريها، فكيف تغير مظهره وهيئته لتلك الدرجة؟ فكم أصبح وسيمًا.
فاتسعت ابتسامته بسعادة وهو يراقب عينيها التي تتفحصه بعدم تصديق. فغمغم:
-اتغيرت مش كده؟ شوفتي عمليات التحميل بتعمل إيه، بس إيه رأيك بقيت أحلى من جوزك صح؟
أغمض عينيه لوهلة وبعدها نطق مصححًا ذلك الخطأ وهو يبتعد عنها متجهًا ناحية الأريكة المتواجدة بالغرفة وجلس عليها واضعًا قدم فوق الأخرى:
-قصدي طليقك.
خرجت من صدمتها وقالت بترقب:
-وانت عرفت منين إننا طلقنا؟
دوت ضحكته العالية بالغرفة وقال:
-هيكون من مين يعني؟ من حبيبة القلب مراته التانية اللي فضلها عليكي، مي يا حورية.
اقتربت منه وأنفاسها تتسارع، وبدأ صدرها يعلو ويهبط من شدة انفعالها:
-وانت تعرف مي منين؟
اختفت ابتسامته وقال بفحيح الأفاعي:
-أعرف مي منين؟ دي مي دي أنا اللي زقيتها على جوزك المحترم، والشهادة لله مخدش في إيدها غلوة.
نهض من مكانه مقتربًا منها مرة أخرى وعيناه تجول على ملامحها وتفاصيلها قائلًا بغيظ:
-شوفتي بقى اللي فضلتيه عليا عمل فيكي إيه، وباعك بالرخيص إزاي؟ تعرفي إنه كان بيكلم عنك بطريقة وحشة وهو مع الهانم التانية وقال إيه مكسوف يطلع معاكي قدام الناس، مكسوف من شكلك؟ بني آدم غبي، أنا لو كنت مكانه مكنتش عملت معاكي زي ما جنابه عمل، عشان أنا حبيتك بجد يا حورية، بس هو محبكيش، هو حب شكلك، ملامحك الحلوة، لكن حورية ذات نفسها محبهاش.
لمعت عيناها بالدموع، شاعرة بالخزي مما فعله بها. تعلم أنه لا يستحق أي من تلك الدموع، ولكن الأمر ليس بيدها. ورغمًا عنها هبطت دموعها على وجنتيها. فرفع يديه مزيلًا تلك الدموع وقال بغلاظة:
-بتعيطي يا حورية؟ بتعيطي عشان ال***؟ ده ميستحقش.
ثم جذبها من ذراعيها بعنف قائلًا بعنف:
-أنا بس اللي أستحقك، أنا بس يا حورية، انتي سامعة؟ ومن انهاردة انتي بقيتي ملكي، وبعد تلت شهور هنتجوز، وخلال الفترة دي هسيبك تتعودي على شكلي الجديد اللي أنا واثق إنه عجبك وهييعجبك أكتر وأكتر.
قال كلماته وهو ينحني باتجاهها يريد أن ينال ما لم يناله، ولكن سرعان ما انتبهت إليه، فقامت بدفعه عنها بغلاظة وحدّة قائلة:
-ابعد عني يا حيوان.
أنجز على أسنانه مرددًا كلماتها:
-حيوان!!! وماله؟ أنا هخرج دلوقتي، وأهو هسيبك تهدّي شوية.
وما كاد أن يخرج حتى ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه، فالتفت إليها وقال:
-حورية.
نظرت له بكره، فتمتم هو قبل مغادرته الغرفة:
-الكل دلوقتي عارف إنك اختفيتي وبيدوروا عليكِ وقلقانين عليكي، ماعدا هو قاعد في حضن السنيورة. ولما عرف إنك اختفيتي، كان رده إن ده اشتغالة منك وإنه مبيحبش غير مي وبس.....
***
ولجت "وسام" إلى المنزل ووضعت المفتاح على تلك المنضدة، وعيناها تبحث عن "وجد" مرددة اسمها بصوت خافت:
-وجد، وجد.
خرجت "وجد" من غرفة "وسام" وملامح وجهها لا تبشر بالخير.
فابتلعت "وسام" ريقها واقتربت منها وهي تغمغم بتلعثم:
-مالك يا وجد؟ بتبصيلي كده ليه؟
اقتربت منها "وجد" بخطى هادئة رافعة أمام عينيها تلك الصورة التي وجدتها في غرفتها بين أغراضها، فقالت بصوت هامس غاضب:
-صورة حسام، بتعمل إيه معاكي يا وسام؟
ابتلعت "وسام" ريقها بصعوبة، تعلم جيدًا ما الذي سيواجهها الآن، ولكن ليس هناك فائدة من الكذب، فعليها أن تعترف لها بكل شيء وتبرر لها ما فعلته الليلة.
-وجد، ممكن تهدّي وأفهمك كل حاجة.
دفعت "وجد" تلك الصورة من يديها وقالت:
-مش عايزة أفهم حاجة يا وسام، مش عايزة. أنا عايزة أفهم إيه لازمة كل التمثيلية السخيفة اللي عملتيها دي؟
بللت "وسام" شفتيها وابتلعت تلك الغصة وقالت بتوتر:
-كنت عايزة أواجهك مع أهلك يا وجد، وكمان كنت عايزة أشوف حسام. كان نفسي أقابله.
أمسكتها "وجد" من ذراعيها بعنف وقالت بصراخ وصوت غاضب:
-وانتي مالك أواجه معاهم ولا لأ؟ بتتدخلي ليه؟ وبعدين إيه عايزة تشوفي حسام دي؟ أوعي تكوني فاكرة إنه ممكن يحبك؟ وبذات لما يعرف إنك صاحبتي.
دفعتها تاركة ذراعيها قائلة بنبرة وعيد:
-اسمعي يا وسام، حسام تنسيه خالص، وتشليه من دماغك، انتي سامعة؟
صرخت بها "وسام" والدموع تذرف من عينيها قائلة بنبرة تفطر القلوب:
-مقدرش، مقدرش يا وجد. أنا بحبه، مقدرش أبعد عنه. من لما عيني وقعت عليه وأنا بحبه، مبقتش شايفة غيره. قولتلك وكلمتك كتير إني عايزة أنزل مصر، وكان كله بسببه. أنا بحبه يا وجد، بحبه.
ضغطت "وجد" على شفتيها، مغمضة عينيها وذهبت ذهابًا وإيابًا أمامها تحاول كبح مشاعرها التي تأثرت بدموع رفيقتها التي لن تجد مثلها.
ورغمًا عنها اقتربت منها وقامت بضمها داخل أحضانها، ممسدة على خصلاتها قائلة بنبرة أشبه بالترجي:
-عشان خاطري يا وسام، خلينا نرجع تاني. انسى حسام وصدقيني هتقابلي غيره.
وخرجت "وسام" من أحضانها وقالت بسخرية:
-أقابل غيره وأحب غيره، صح؟ ولما الموضوع سهل أوي كده، محبتيش غير داغر ليه؟ عينك ليه لمعت النهاردة لما شفتيه؟ أوعي تكوني فاكرة إني مخدتش بالي، لا تبقي غلطانة، أنا خدت بالي وأوي كمان يا وجد. وزي ما أنا ما بحب حسام، انتي بتحبي داغر، بلاش تنكري. وكفاية بقى عذاب، أظن إنك عقبتيه كفاية أوي بغيابك أربع سنين.
وصرخت بها "وجد" باندفاع وقالت:
-لا مش كفاية! الكلام سهل، لكن لو انتي كنتي مكاني مكنتيش هتقولي كده. وانتِ حبك لحسام حاجة، واللي بيني وبين داغر حاجة تانية. الاتنين مش شبه بعض يا وسام عشان تحطيهم في كفة واحدة.
رفعت "وسام" يديها جاذبة خصلاتها بعنف تفكر بحل ما. فاستدارت "وجد" ووقفت بجوارها وقالت بتنهيدة:
-انتي بتحبي حسام بجد يا وسام؟
تركت "وسام" خصلاتها وأومأت لها برأسها عدة مرات متتالية قائلة بنبرة عاشقة متلهفة:
-بحبه أوي يا وجد، أوي.
أومأت لها "وجد" وقالت ما جعل "وسام" تتسمر بمكانها متفاجأة بحديثها ذلك:
-يبقى مقدامكيش غير حل واحد، بما إنه مش شايف غير إنجي لغاية دلوقتي.
اقتربت منها بلهفة وازدادت ضربات قلبها قائلة باستفسار:
-وانتي عرفتي منين إنه لسه بيحب إنجي؟
زفرت وجد بضيق واتجهت ناحية الأريكة وجلست عليها وقالت:
-مشفتيش كلمني إزاي ده، غير الحزن اللي باين في عينيه يا وسام. أنا متأكدة إنه لسه بيحبها.
هرولت "وسام" باتجاهها وجلست بجوارها وقالت بألم:
-طب أعمل إيه؟ أنا بعشقه يا وجد ومش هستحمل إنه ميبادلنيش بمشاعره.
نظرت لها "وجد" وقالت وهي تحرك كتفيها:
-مقدمكيش غير حل واحد زي ما قولتلك.
ازدرقت "وسام" لعابها وقالت بقلق:
-وايه هو؟
-هتعملي معاه اللي عملته إنجي، وهتبتدي معاه زيها بالظبط، والأهم إنه ميعرفش إنك صاحبتي.
نهضت "وسام" وعيناها متسعة وقالت:
-لا لا مستحيل! لو عملت كده أبقى بخدعه وعمره ما هيسامحني يا وجد. وبعدين لو عملت كده ما برضه هييجي الوقت وكدبتنا هتبان فيه.
نهضت "وجد" هي الأخرى وقالت بتنهيدة وهي تشير بإصبعها تجاه "وسام":
-أكيد هييجي وقت هيعرف كل حاجة، بس ساعتها هيكون حبك انتي، وأكيد هيسامحك. ممكن ياخد شوية وقت، بس أنا متأكدة إنه هيسامحك. ها، قولتي إيه؟
ظلت "وسام" تفكر بتلك الطريقة التي ستقربها من "حسام" وستجعله يبادلها مشاعرها، فلن تظل مشاعرها من طرف واحدًا، بل سيبادلها عشقها ومشاعرها.
-موافقة يا وجد.
***
في الإسكندرية وبداخل قصر مجدي الأسيوطي، كان جالسًا على تلك المائدة بمفرده يتناول عشائه. وأثناء ذلك وجد من يدلف عليه حجرة الصالون، والذي لم يكن سوى "مصطفى" ابن شقيقته.
فابتلع "مجدي" الطعام الذي بفمه وقال بسخرية:
-خير يا مصطفى؟ إيه اللي جابك دلوقتي؟ ما أنا عارفك مبجيش غير لما بتبقى عامل مصيبة، يا إما جاي تزعقلك شوية وتمشي.
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه "مصطفى" وقال بنفي وهو يجلس بجواره وعيناه معلقة عليه وهو يتناول طعامه:
-لا اطمن، لا ده ولا ده.
رفع "مجدي" حاجبيه ينظر له بجانب عينيه وقال:
-طيب أشجيني جاي ليه يا مصطفى؟
اقترب منه "مصطفى" وقال بسعادة:
-جاي عشان أشوفك لآخر مرة.
قطب "مجدي" حاجبيه وترك طعامه وصاح به بعنف:
-تقصد إيه بكلامك ده؟
رمق "مصطفى" الطعام الذي تناول منه "مجدي" بنظرة جعلت "مجدي" يفهم مقصده.
فأبتلع ريقه وهو ينظر تجاه الطعام متمتمًا بصدمة ناهضًا عن الطاولة ممسكًا إياه من ملابسه:
-انت عملت إيه يا حيوان؟
دفعه "مصطفى" بعيدًا عنه وقال:
-معملتش غير الصح. أنا استنيتك كتير أوي، بس انت ماسك في الحياة بإيدك وسنانك، بس خلاص فاض بيا. وبذات بقى لما عرفت إن السنيورة بتاعتك رجعت من برة، فقلت أعجل بقى من موتك قبل ما تضحك عليك وتخليك تكتبلها كل حاجة. وبصراحة بقى أنا بخطط لك من فترة، وخلاص جه الوقت. وبعدين متقلقش، ده سم من النوع الفاخر، وكلها دقيقتين وتودع الحياة.
وابتسم بسعادة وهو يرى "مجدي" أمامه يختنق والنفس بات يخرج بصعوبة وقال:
-سلام يا خالي، ومتقلقش فلوسك وكل ما تملك في الحفظ والصون.
رواية طغيان قلب الفصل السابع 7 - بقلم فاطمة محمد
كان كل من "إسلام" و"رائف" يقفان مع "ندى" التي تنساب الدموع من عينيها دون توقف، وقلبها يكاد يتمزق من أجل شقيقتها التي اختفت ولا يعلمون لها مكانًا، فصاحت بهم من بين دموعها:
- أنا عايزة أفهم بس هي راحت فين؟ أنا مكملتش ساعة، دي هي ساعة بس اللي غبتها ولما أرجع ألاقيها.
تبادل كل من "رائف" و"إسلام" النظرات، فتحدث رائف بحنق:
- أنا بصراحة مش عارف هي راحت فين، دي كأن الأرض انشقت وبلعتها.
ازداد بكاء "ندى" مع كلمات رائف التي زادت من خوفها على شقيقتها، فلكزه "إسلام" بذراعيه وعيناه معلقة على تلك القابعة أمامهم، مشيرًا له بعينيه وقال بنبرة حنونة محاولًا بثها بعض الاطمئنان:
- متقلقيش يا ندى، إن شاء الله مش هيبقى فيها حاجة وهترجع لوحدها، هي ممكن تكون حابة تقعد لوحدها شوية.
رفعت "ندى" عينيها الباكية الحمراء ووجهها الذي اصطبغ باللون الأحمر قائلة:
- أنا خايفة عليها، خايفة تكون عملت في نفسها حاجة، أنا مليش غيرها هي وماما، لو جرالها أنا حاجة أنا ممكن أضيع.
أخذ "إسلام" نفسًا طويلًا واقترب منها واقفًا أمامها، ورغمًا عنه رفع يديه مزيلًا تلك الدموع مغمغمًا بحنان:
- متقلقيش بإذن الله هتظهر.
قاطعته وعيناها تتطلع بعينيه:
- ولو مظهرتش؟
صاح "رائف" هذه المرة وهو يرمق "إسلام" بنظرات غامضة:
- لو مظهرتش خلال أربعة وعشرين ساعة هنبلغ البوليس.
عاد "داغر" إلى المنزل وصعد إلى غرفته بعدما لاحظ أن الجميع قد ذهب بسبات عميق. ولج إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء زافرًا براحة تغلغلته بعض الشيء منذ أن رآها اليوم. فأرتسمت شبح ابتسامة على وجهه كلما تذكر كلماتها وانفعالاتها، وحركة يديها، فكم كان يشتاق لها ولغضبها ذلك. لا يصدق بأنه رآها بعد مرور تلك السنوات. فدفع جسده على الفراش مغمضًا عينيه عاقدًا ذراعيه خلف رأسه متناسيًا اختفاء حورية وغيابها، كل ما يريده الآن هو ألا تغيب صورتها من مرأى عينيه. ولم ينتبه لذلك الباب الذي فُتح بهدوء شديد وتلك الخطوات النسائية تقترب منه بحذر شديد رامقة إياه بحب وعشق جارف.
فأقتربت منه جالسة بجواره بهدوء شديد وعيناها تكاد تلتهمه.
فرفعت أصابعها وغلغلتها بين خصلاته الطويلة الناعمة.
انتفض "داغر" من مكانه عندما شعر بتلك اليد التي تتلمسه بطريقة غريبة.
ضيق عينيه وقال بلهجة حادة صارمة وهو يخفض نظراته، لا ينظر إليها:
- انتي بتعملي إيه هنا؟
نهضت "ياسمين" من على فراشه الوثير وهي ترتدي ذلك القميص بروب خاص، ولكن يكشف بعضًا من جسدها وبشرتها. اقتربت منه بخطوات هادئة متحدثة بدلال ويدها تحاول لمسه مرة أخرى:
- هكون بعمل إيه يعني، جاية أشوفك. إيه بلاش.
اسودت عيناه بغضب وهو يفهم غايتها وما الذي تحاول الوصول إليه، وما كاد أن يتحرك تجاه الباب وهو يغمغم بغضب:
- أنا خارج، ويا ريت أرجع ملقكيش، وإلا هيكون ليا تصرف مش هيعجبك.
جذبته من ذراعيه قبل أن يتحرك، فانتشل يديه التي لمستها بعنف من بين أصابعها، فغمغمت هي بخبث ونبرة متحدة:
- هتعمل إيه يعني؟ هتروح تقول لرائف إني دخلتلك الأوضة؟ طيب هو ساعتها هيعمل إيه؟ أول حاجة هيعملها هييجي يسألني إنتي عملتي كده ليه وإزاي أدخل أوضتك وإنت عازب؟ بس يا ترى بقى أنا جوابي هيكون إيه.
ضيق "داغر" عينيه محاولًا فهم حديثها ذلك، فقالت هي بهمس:
- أنا هقولك هقوله إيه، هقوله إني بحبك إنت يا داغر ومن زمان، من ساعة أول يوم شفتك فيه، بس إنت مكنتش شايف غير حبيبة القلب اللي سابتك واختفت، وإنت لحد دلوقتي عايش على ذكراها. بس يا ترى هي تستاهل حبك ده.
كاد أن يتحدث صارخًا بها، فقاطعته هي قائلة بغل وحقد:
- الإجابة هتكون لأ يا داغر، محدش يستاهل حبك غيري. بس إنت غبي مشفتش غيرها، وزي ما إنت مش شايف غيرها أنا كمان مش شايفة غيرك. أنا صبرت كتير، حاولت ألمحلك كتير، بس إنت غبي، أو عامل نفسك مش فاهم مشاعري ناحيتك. بس خلاص أنا فاض بيا أربع سنين وأنا جنبك وإنت مش حاسس بيا، بس خلاص لازم تعرف إني بحبك وهفضل أحبك.
أنهت حديثها وهي تتحرك من أمامه بدلال مغادرة الغرفة، تاركة إياه تحت صدمته. أما هو، فكان يستمع إليها والصدمة تعتريه، لا يعلم ما الذي عليه فعله الآن. كيف له أن يخبر صديقه وابن عمه عن حقيقة تلك الزوجة التي تملكها الشيطان وتمكن منها؟ كيف لها أن تفكر بغير زوجها؟ ألا تشعر بمشاعره تجاهه؟
رفع يديه ماسحًا على وجهه، لا يصدق ما حدث معه منذ لحظات. فتحرك باتجاه الباب مغلقًا إياه بالمفتاح، وجلس على الفراش يحاول الوصول لحل لتلك المعضلة التي وقع فيها.
بالجهة الأخرى، وعقب خروج "ياسمين" من غرفة "داغر" دالفة إلى غرفتها هي و"رائف"، خرجت "مى" من ذلك الظلام وابتسامة خبيثة ماكرة ترتسم على وجهها بعدما رأت دخول "ياسمين" غرفة "داغر" بتلك الهيئة، فاقتربت من الباب واسترقت السمع إلى حديثهم.
وسريعًا ما أخفت تلك الابتسامة ودلفت غرفتها وبيديها ذلك العصير واقتربت من "عدي" الممدد على الفراش وقالت بابتسامة:
- حبيبي جبتلك العصير.
اعتدل "عدي" ونظر لها وقال ببعض الضيق:
- اتأخرتي ليه يا مى؟
ابتلعت ريقها ووضعت العصير بجواره وقالت بابتسامة:
- حبيبي كنت بعصر لك العصير بإيدي.
نظر لها بمكر وكاد أن يقترب منها، فأوقفته بيديها وقالت بدلال:
- العصير الأول.
ماء لها وانتشل ذلك الكوب من العصير وتجرعه مرة واحدة، وبعدما انتهى وضعه بجواره مقتربًا منها مرة أخرى قائلاً بلهفة ويداه تغلق إضاءة الغرفة:
- ودلوقتي العصير خلص.
في صباح يوم جديد وبعدما تسللت أشعة الشمس لغرفتهم، نجده ينام بجوارها يراقبها أثناء نومها متأملًا ملامحها التي أصبح لها عاشقًا. وكلما تعمق بتأملها، اتسعت ابتسامته رافعًا يديه مداعبًا خصلاتها مغمضًا عينيها متذكرًا اللقاء الأول بينهم.
فلاش باك...
خرج من شركته واستقل سيارته وهاتفه على أذنه محاولًا الوصول لزوجته التي لا تجيب على هاتفها، فتأفف وهو يضرب مقود السيارة بعنف أمامه ودافعًا الهاتف من يديه وتحرك بالسيارة شاردًا بتلك التي أصبحت مهملة به ومهملة بنفسها. كم يتمنى أن يعود به الزمن وما كان فعل ما فعله، فتلك الحورية لم تعد تشبه اسمها وأصبحت لا تليق به وبمكانته الجديدة، فهيئتها أصبحت تحرجه وكثيرًا. فغمغم بغضب من نفسه:
- بني آدم غبي، أيوه غبي عشان استعجلت واتجوزتها.
ظل يلعن ويسب نفسه على اختياره لها من بين تلك النساء الفاتنات التي رآهم بحياته، وبدون أن ينتبه لتلك التي تسير خلفه بسيارتها منتظرة تلك اللحظة التي ستصدم سيارتها بسيارته لتحقق لقائهم وتنفذ مخططهم.
وما أن قام بتهدئة سرعته حتى يبحث عن هاتفه التي لا تتوقف عن الرنين، حتى شعر بذلك الاصطدام الذي حدث لسيارته، فجحظت عيناه وقام بتوقيف السيارة بإحدى الزوايا والغضب يتملكه. وبذات الوقت قامت "مى" بإيقاف سيارتها خلفه.
وترجلت من السيارة بهيئتها الفاتنة وملابسها التي تحدد مفاتنها. أما عدي، فترجل قبلها ناظرًا على السيارة، وما أن التفت حتى يصرخ على ذلك الغبي كما نعته والذي صدم سيارته، حتى وجدها أمامه قائلة بنبرة أنثوية بحتة:
- أنا آسفة جدًا بس إنت اللي فرملت مرة واحدة.
تبدلت ملامحه سريعًا واتسعت ابتسامته لجمالها القاتل والذي أسر قلبه، ممدًا يديه يريد مصافحتها قائلًا بابتسامة ساذجة:
- ولا يهمك يا جميل، الغلط عندي أنا.
ابتسمت له ابتسامة جذابة خطفت قلبه، فقال مبتلعًا ريقه:
- أنا عدي، وإنتي...
لاحت السعادة بعينيها، فها هو مخططها يسير كما أرادت، وقالت بصوت هادئ وبرقة مفرطة:
- مي، اسمي مي.
باك...
اتسعت ابتسامته وانحنى لمستواها مقبلًا جبهتها مغمضًا عينيه مستمتعًا برائحتها متنهدًا براحة، ناهضًا من جوارها بهدوء شديد حتى لا يزعجها.
خرج من الغرفة متجهًا ناحية غرفة أطفاله، وفتح الباب ووجد والدته تقوم بإطعامهم، فغمغم بمرح:
- صباح الخير يا ماما.
تجاهلته "سعاد" ولزمت الصمت، فقلب عينيه بملل وبزهق واقترب منها مغلقًا الباب من خلفه قائلًا بحنق:
- ممكن أعرف مبترديش عليا ليه؟ أنا مغلطتش يا ماما، أنا حبيبي.
جذبته "سعاد" بهدوء وبداخلها يشتعل من غباء ابنها:
- حبيبي على مراتك اللي صانك وشايلة ولادك في عينها. حورية عملتلك إيه عشان تعمل فيها كده؟ إيه ذنب ولادك إنهم يتحرموا من أمهم وهما لسه حتة لحمة حمرا.
رمق "عدي" أطفاله الذين يبتسمون ويهمهمون ببعض الكلمات غير المفهومة، وصاح بنبرة منفعلة:
- أنا معملتش حاجة حرام يا ماما، أنا اتجوزت على سنة الله ورسوله، وأظن إني راجل ومن حقي أتجاوز بدل الواحدة أربعة. أما بالنسبة لأمهم فهي اللي اختارت وبعدت عنهم، أنا مضربتهاش على إيديها.
قطبت "سعاد" جبينها وقالت بنفاذ صبر:
- أنت الكلام معاك مالهوش فايدة، ومدام إنت شايف إنك مغلطتش يبقى خلاص، بس كل واحد بيتحمل نتيجة أفعاله. وعلى فكرة أنا مرتحتش للهانم الجديدة.
وقاطعها بغضب قائلًا قبل مغادرته للغرفة:
- مش لازم ترتاحلها، كفاية أنا مرتاح لها، وعلى فكرة مي اللي مش عاجباكي دي برقبة مية زي حورية.
عقب خروجه، حركت رأسها بقلة حيلة وهمست مع نفسها:
- ربنا يستر عليك يا عدي، ربنا يستر، أنا قلبي مش مطمن.
بغرفة داغر، دلفت "عدي" الغرفة دون أن يطرق الباب، فوجد شقيقه يستعد للخروج والذهاب لعمله، فصاح بغضب:
- أنا عايز أفهم، هو إنتوا مع مين بالظبط؟ معايا ولا مع حورية؟
تمتم "داغر" بنبرة هادئة ولكنها مخيفة بذات الوقت:
- صوتك يا عدي، صوتك.
تشنجت عضلات وجهه وقال:
- بلا صوتي بلا بتاع يا عم، أنا عايز أعرف إيه اللي أنا عملته غلط؟ كلكم محسسيني إني ارتكبت جناية، متقولي يا شيخنا يا اللي عارف ربنا، هو حرام أتجاوز تاني ولا إيه؟
التفت إليه "داغر" وتمتم ببرود:
- لأ مش حرام، بس إنت مش شايف فرق السما والأرض بين الاتنين. إنت إزاي تقبل تتجوز واحدة بالمنظر ده.
زفر بحنق وأجاب ببرود:
- أنا حر، دي مراتي وأنا حر، سامع؟ أنا حر.
زم "داغر" شفتيه وقال:
- طيب ما دام إنت حر يبقى استحمل النتيجة.
وما كاد أن يخرج من الغرفة تاركًا "عدي" بها، حتى صاح عدي بسخرية:
- صحيح، لقيتوا الحلوة اللي بتشتغلكم ولا لسه؟
استدار إليه ينظر له بعدم فهم مضيقًا عينيه متمتمًا:
- إنت بتقول إيه؟ إنت فاكر إنها ممكن تكون بتشتغلنا؟ إنت مجنون يا عدي؟
ارتسمت ابتسامة ساخرة على جانب فمه وقال:
- أنا مش مجنون بس فاهم حركات الستات دي. هي بتعمل كل ده عشان تصعب عليا وأردها لعصمتي، بس بعينها.
أغمض "داغر" عينيه وقال بغضب مكتوم:
- أنا همشي بس عشان مرتكبش جناية فيك يا عدي.
***
داخل تلك الغرفة القاطنة بها "حورية"، ولج "أمير" إلى الغرفة وبين يديه تلك الصينية المحملة بأشهى أنواع الطعام، واقترب منها يرمقها بدهشة بعدما وجدها مستيقظة جالسة على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها ووجهها شاحب اللون وعينيها شاردة.
جلس بجوارها وهو يضع تلك الصينية بجوارها وابتسامة جذابة على وجهه:
- صباح الخير يا حبيبتي، إيه اللي صحاكي بدري كده؟ أنا كنت حابب أنا اللي أصحيكي، بس مش مشكلة، الأيام جاية كتير.
لم تجبه وظلت تنظر له بحنق شديد، فانتبه على نظراتها تلك، ورفع يديه مبعدًا تلك الخصلة التي انسابت على وجهها وقال:
- أنا عايز أعرف هتفضلي قالبة وشك كده لمتى ها؟
أجابته ببرود:
- لحد ما تمشيني من هنا. أنا عايزة أشوف ولادي، عايزة أطمن عليهم.
- متقلقيش، ولادك كويسين وجدا كمان، حماتك مش سيباهم، وأبوهم مش ساب مراته الجديدة.
أغمضت عينيها بوجع وصرخت به قائلة:
- متجبش سيرة الحيوان ده قدامي!!!
اتسعت ابتسامته وقال بسعادة:
- بس كده، عيوني يا حبيبتي، إنتي تؤمريني.
ثم أشار لها باتجاه تلك الصينية التي تحمل ما لذ وطاب وقال:
- أنا جبتلك تفطري، يلا يا حبيبتي افطري، وأنا هخلص اجتماعي وهجيلك، ومتقلقيش لو اتأخرت، اتفقنا يا حبيبتي؟
جزت على أسنانها تشعر بالغضب يعتريها كلما تحدث واستمعت لصوته البغيض ذلك، وخاصة عندما يردد تلك الكلمة "حبيبتي". فرفع يديه ممسكًا بذقنها قائلًا بغلاظة وهو ينظر لثغرها:
- لما أكلمك تردي عليا، إنتي سامعة؟
انحنى لمستوى ثغرها يريد أن يلتهمهم بقبلة عميقة، ولكنها استطاعت بلحظة الأخيرة إبعاده وعيناها تطلق شرار قائلة:
- إياك تفكر إنك ممكن تلمس مني شعرة، إنت سامع...
ضغط على شفتيه وقال:
- وماله، على العموم عشان متزهقيش ورفقًا بيكي، الفيلا قدامك، اعملي ما بدالك، تمام يا حبيبتي.
لم تجبه هذه المرة أيضًا، فجز على أسنانه من عندها وإصرارها اللامتناهي.
فخرج من الغرفة دافعًا الباب من خلفه، وما أن خرج حتى اقتربت من الباب تسترق السمع من خلاله تتأكد من ذهابه، وإن انتهى صوت حذائه حتى فتحت الباب وهي تتلفت حولها، متحركة للأسفل بسرعة شديدة ولكن بحذر، تريد أن ينتهي كل ذلك. فاتجهت ناحية الباب وهي تناجي ربها حتى تستطيع الهرب منه، فقامت بفتح الباب فابتلعت ريقها وعيناها تجول على كل ما حولها، وكل ما رأته بتلك اللحظة هم تلك الرجال عراض البنية والذين يقفون سويًا يتسيرون، وتلك السيارة التي تقف أمامها، فابتلعت ريقها للمرة الثانية، مخفضة جسدها فاتحة شنطة السيارة ودلفت بداخلها.
أما بداخل القصر وبعدما خرج "أمير" من غرفة مكتبه، نادى على الخادمة التي أجابته على الفور:
- أؤمرني يا أمير بيه.
- خلي بالك من حورية وعينك عليها، وشوية كده وطلعي لها وهدي صينية الأكل، ولو عرفتي خرجيها من الأوضة بس عينك تفضل عليها، سمعاني.
- سمعاك يا بيه.
غادر من أمامها ووقف أمام سيارته صارخًا بهؤلاء الرجال الذين لا يقومون بعملهم ويتسامرون:
- جري يا جحش إنت وهو، هو أنا جايبكم تتسایروا يا بهيم منك له، ما كل واحد في مكانه.
خاف الجميع من نبرته الحادة المخيفة متخذين أماكنهم، وصعد هو بسيارته متحركًا بها متجهة لفيلا شريكه بالعمل.
***
بالاسكندرية.
وبعدما قام "مصطفى" بتسريع إجراءات الدفن حتى لا تكتشف جريمته، تم دفن "مجدي"، وكم شعر مصطفى بذلك الوقت بأن الحياة قد ابتسمت له، فموته ذلك سيورث كل شيء.
دلف إلى القصر وهو يمتع عينيه بكل شيء، فأخيرًا حدث ما أراده، فاتسعت ابتسامته وظل يجول بكل زاوية بالمنزل والابتسامة تزداد على وجهه، وما إن انتهى حتى تمتم بخفوت:
- بقى عايش في كل العز ده ومستخسر تمتعني معاك، يلا تستاهل والله مش خسارة فيك السم اللي اتحط لك في الأكل.
ثم تنهد براحة وتحرك باتجاه الباب حتى يجلب أغراضه وينتقل للعيش بذاك القصر، فوجد المحامي بوجهه.
فامتعضت ملامحه وهتف بسخرية:
- أهلا.
أجابه محمد بهدوء واحترام شديد:
- أهلا بحضرتك، والبقاء لله، أنا لسه عارف من شوية وأول ما عرفت قولت لازم أعزي حضرتك.
ماء له "مصطفى" متمتمًا بلامبالاة:
- شكرًا.
وما لبث أن يتحرك حتى نادى عليه "محمد" مغمغمًا بأسف:
- مصطفى بيه، أنا عارف إنه مش وقته بس إنت لازم تعرف.
جز "مصطفى" على أسنانه وحك أنفه وقال بنفاذ صبر:
- سمعك، اتكلم.
تنهد المحامي وقال:
- مجدي بيه من أربع سنين كتب وصيته.
ضيق "مصطفى" عينيه وقال:
- معناه إيه الكلام ده والوصية دي فيها إيه؟
- الوصية لازم تتفتح بوجود آنسة وجد.
جحظت عين "مصطفى" واقترب من المحامي بهدوء مخيف:
- يعني إيه تتفتح وهي موجودة؟ انطق وقول الحقيقة.
ابتلع المحامي ريقه وتمتم:
- أنا مش هقدر أتكلم غير لما آنسة وجد تحضر بناءً على رغبة مجدي بيه الله يرحمه.
فتمتم "مصطفى" بسره:
- الله يرحمه، ده الله يجحمه، يا ترى عملت إيه من ورايا يا خالي.
***
بمنزل "وجد" و"وسام".
تأففت وسام بضيق وصاحت بصراخ:
- أنا عارفة إني فقيرة، بعتاله الرسالة من امبارح ولسه مردش عليا، بالذمة ينفع كده.
أجابتها "وجد" التي تتجرع من ذلك المشروب الساخن بين يديها وقالت بهدوء:
- هيرد، متقلقيش، بس خليكي تقيلة.
- إمتى بس، أنا بعتاله من امبارح، ناوي يرد عليا إمتى؟ بعد سنة؟
تركت "وجد" الكوب من يديها وهي تغمغم:
- جرى إيه يا وسام، مستعجلة كده ليه؟ أنا قولتلك لما يفتح ويشوف الرسالة هيرد.
تنهدت "وسام" وقالت باستسلام:
- طيب اديني صابرة أهو، لما نشوف آخرتها مع ابن عمك اللي شكله مش هيجيبها البر ده.
ابتسمت "وجد" ابتسامة بسيطة وهي ترى تلك اللهفة بعين صديقتها، وبتلك اللحظة رن هاتفها، فانتشلته من جوار ذلك الكوب وأجابت عليه قائلة باستنكار:
- أهلا سحر هانم، عاش من سمع صوتك.
- وجد، مش وقت كلامك ده، اسمعيني إنتي ضروري تيجي اسكندرية.
رفعت "وجد" حاجبيها وهي تستمع لوالدتها وقالت:
- ليه ضروري؟
أجابتها "سحر" بنبرة فرحة بعض الشيء:
- مجدي مات امبارح بليل، والمحامي بتاعه كلمني وقال لي إنك لازم تيجي اسكندرية.
اتسعت عين "وجد" وقالت بصدمة:
- مات!!!!!!
اقتربت "وسام" منها وهي تغمغم بفصول وقلق:
- مين اللي مات يا وجد؟ مين؟
تجاهلتها "وجد" وهي تستمع لحديث "سحر":
- أيوه، وعلى بليل لازم تبقي هنا، إنتي سامعة؟
زفرت "وجد" وهي تمسح على وجهها وقالت:
- بليل هكون عندك، سلام.
أغلقت معها، فصاحت "وسام" بفضول:
- مين اللي مات يا وجد؟
- مجدي.
***
في المساء، وصلت "وجد" و"وسام" و"سحر" أمام الفيلا، ففتحت لهم الخادمة وهي تشير لهم ناحية الصالون.
فتحركوا معها ووجدوا كل من المحامي ومصطفى بانتظارهم، ومصطفى يرمقهم بنظرات قاتلة نارية، فتمتم المحامي بعدما نهض مرحبًا بـ "وجد":
- البقاء لله يا آنسة وجد.
ابتلعت "وجد" ريقها وعين "مصطفى" تتفحصها من رأسها لاخمص قدميها، وقالت:
- ونعمة بالله، ربنا يرحمه ويغفر له.
ماء لها المحامي وأشار لها حتى تجلس هي ووسام وسحر، فجلسا منتظرين سماع ما لديه، فقال وبدون أي مقدمات:
- آنسة وجد، مجدي بيه من أربع سنين كتب وصيته، والوصية بتقول إنه سايب لك كل حاجة بلا استثناء.
نهض "مصطفى" بغضب ويكاد يطيح بكل شيء أمامه:
- نعممممم!!!!!! إنت بتهزر ولا إيه؟
رواية طغيان قلب الفصل الثامن 8 - بقلم فاطمة محمد
-نعممممم!!!! انت هتهرج ولا ايه،انت فاكر انى ممكن اصدق التخاريف دى
وسريعًا ما التفت تجاه "وجد" التى لا تزال أثار الصدمة على وجهها و اقترب منها و عينيه تكاد تطلق شرار صائحًا بغضب ناري وهو يجذبها من ذراعيها بعنف و بحركة مفاجئة بالنسبة لها قائلًا
-لا ما انا مش عبيط عشان يدخل دماغى التهريج ده ،انتوا اكيد مضبطينها مع بعض،بس مش عليا فوقى يا بت ده انا ممكن اسويكى بالأرض انتى و عيلتك كلهم
دفعته "وجد"بعيدًا عنها و بقوة أثارت دهشته صارخة به قائلة
-انت مجنون و لا ايه و بعدين كل اللى بيحصل ده انا معرفش بيه انا مصدومه بجد
نهضت "سحر" التى تكاد تطير من سعادتها و بسمة بسيطة على محياها و قالت و هى تقترب من المحامى
-الكلام ده حقيقى،يعنى مجدى الأسيوطى كل حاجة ليه بقت ل وجد
أماء لها "المحامى" بعدما ابتلع ريقه بخوف من رد فعل "مصطفى" و قال بهدوء
-دى وصيته و منقدرش نعمل حاجة
التفت "مصطفى" ناحية "سحر" و هو يصرخ بصوته الصاخب العالى
-بتحلمى يا روح امك انتى وهى و الوصية دى ولا ليها اى لازمه انا اللى قريبه انا اللى المفروض اورثه
صرخت به "سحر" بغضب مماثل و قالت
-جرا يا استاذ انت ما قالك ان دى وصيته عافية هى و لا ايه
-اعتبروها زى ما تعتبروها الفلوس دى فلوسى و الأملاك دى املاكى و أنا يا قاتل يا مقتول،مهو مش على اخر الزمن واحدة زى دى تيجى تأخد كل حاجة على الجاهز
جزت "وجد" على اسنانها و تمتمت من بين اسنانها
-اتكلم عدل يا جدع انت ،ايه واحده زى دى
أقترب منها و الشر يرتسم على وجهه قائلًا بفحيح الأفاعي
-يعنى واحدة زيك يا *** اوعى يا بت تكونى فاكرة انى معرفش عنك حاجة و مش عشان قعدتي معاه كام يوم و بسطيه تبقى تفتكرى هتشيل الجمل بما حمل لا يا روح امك انسى ده انا مصطفى
قاطعته "وجد" و اقتربت منه و الغيظ يتملكها من كلامه المسئ إليها واتهامه لها بأشياء لم تفعلها يومًا و قالت بنبرة مماثلة لنبرته
-طب اسمع بقى عند بعند هنفذ الوصية و من النهاردة هنقل هنا ايه رايك بقى
ضغط على شفتيه بغيظ ضاممًا قبضته بغضب و قال بتوعد
-هتندمى ...و هتقولى يارتنى ما وافقت اخد الفلوس و هتتمنى الزمن يرجع بيكى هعيشك ايام سودة ،هخليكى متتهنيش بنومتك !! فأحسن لك كده تتراجعي من البداية
صاحت "وجد"بتحدى و برود لا متناهي
-مستحيل و اعلى ما فى خيلك اركبه ودلدل رجلك كمان
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهها و لعق شفتيه و قال
-الوصية دى هتأكد اذا كانت سليمة ولا لا و بعدين هوريكى هعمل فيكى ايه بس خليكى جدعة بقى و استحملى يا حلوة ،مش مصطفى حسين اللى يسيب حقه و خصوصًا لواحدة شم** زيك
اتسعت ابتسامتها و قالت بتحدى
-ما انا قولتلك و لا انت سامعك تقيل و لا ايه حكايتك بضبط ،بس عادى ممكن اقولهالك تانى ....اعلى ما فى خيلك اركبة و دلدل رجلك يا مصطفى يا حسين
تحرك من امامها وهو يحرك راسه بتوعد مغادرًا القصر و ما ان غادر حتى أقترب المحامى منها مخرجًا ظرف صغير قائلًا
-انسه وجد استاذ مجدى سايبلك الرسالة دى !!!
قطبت جبينها و انتشلت الرسالة من بين يديه و ابتلعت ريقها فأقتربت "وسام" التى كانت تلزم الصمت تتابع ما يحدث باندهاش و خوف شديد تجاه صديقتها
-انا مش مطمنة يا وجد انا بجد خوفت انتى شوفتيه كان بيكلم ازاى انا خايفة عليكي يا وجد
اجابتها "سحر" و قالت بتحدى
-ولا هيقدر يعمل حاجة، و بعدين مش ده اللى نشغل بالنا بيه فى الاهم من كده
عقدت "وجد"ذراعيها امام صدرها و قالت بتساؤل
-وايه بقى الاهم بالنسبة سحر هانم
ابتسمت سحر و تنهدت بسعادة و عينيها تجول بكل زاوية
-هتعملى ايه بكل الفلوس دى ،انا لحد دلوقتى مش مصدقة ان مجدى سابلك كل حاجة للدرجة دى كان بيحبك
اماءت "وسام" موافقة على حديث "سحر و غمغمت
-بصراحة و انا كمان مصدومة انا افتكرت انه ممكن يكون كاتبلك حاجة لما المحامى طلبك انما كل حاجة دى مجتش فى بالى خالص
تنهدت "وجد" و شردت بتلك الرسالة التى بين يديها متمتمة بسرها
-يا ترى عملت كدة ليه يا مجدى انا مش حمل هموم تانيه انا فيا اللى مكفينى و مش ناقصة
_____________________________
خرج من باب القصر بعدما طال أجتماعهم فتنهد وهو يحرر أزرار قميصه مخرجًا هاتفه الصامت فوجد العديد و العديد من المكالمات فقطب جبينه و سريعًا ما عاود الاتصال عليهم و الشكوك تتغلغله
-فى ايه ،ايه اللى حصل ،حورية كويسة
اجابة الحارس قائلًا بتلعثم ممزوج بخوف شديد
-معرفش ،الهانم اختفت
صاح بهم و هو يقطب جبينه و قال بصدمة
-نعم!!!! اختفت ازاى يعنى
-جنابك احنا بنكلمك من بدرى اوى و حضرتك اللى مكنتش بترد هى زينب جاتلى و قالت انها طلعت عشان تاخد
صينيه الاكل و تاخد بالها منها زي ما حضرتك ما طلبت بس هى ملقتهاش فى اوضتها و قلبنه عليها الدنيا و برضو مفيش فايدة
صعد "أمير"بسيارته بسرعة البرق و هو يتمتم
-ارجعوا لكاميرات المراقبة يا بهايم و شوفوها راحت فين بسرعة
ابتلع "الحارس" ريقه و قال بتوتر
-حاضر حاضر
اغلق معه "امير" و خرج من تلك الفيلا و ساق بأقصى سرعة
وبداخل ذلك القصر
كانت "حورية" تجلس كالقرفصاء بذلك الظلام الحالك و تنفست الصعداء لرحيله ،و لكن ما الذي ستفعله الآن و هؤلاء الحرس لا يتحركون من مكانهم فتنهدت بضيق و لكن هناك ما جعل دمائها تتجمد وانسحب اللون من وجهها و ازدرقت ريقها بصعوبة شديدة وهى تستمع لذلك الصوت الهامس بجانب اذنيها متمتم بهمس
-انتى مين و بتعملى ايه هنا فى مملكتى !!
نهضت "حورية" ببطء شديد من جلستها وحبست انفاسها بخوف والتفتت تنظر اليه ببطء فوجدته ينهض من مكانه بعدما جلس مثلها و همس بأذنها
فاقترب منها و عينيه معلقه عليها فنظرت له بنظرة سريعة جعلت خفقاتها تزداد رغمًا عنها و بعنف شديد فأشاحت عينيها بعيدًا عنه وهي تشعر بأن قلبها يكاد يخرج من مكانه
فتحدث هو أولًا و قال بصوت متسائل
-مش ناوية تجاوبي و لا ايه
ازدرقت ريقها و قالت بتلعثم ممزوج ببعض الخجل
-اا انا انا
ضيق عينيه و اقترب منها خطوة واحدة قائلًا
-انتى ايه!!!
رفعت عينيها و نظرت بعينيه و قال بترجى ممزوج ببعض الخوف وهى تضع يديها على يده
-انا اسفة جدا انا هنا غصب عنى و بعدين انا كنت عايزة امشى والله بس معرفتش من اللى الرجالة اللى على البوابة و
قاطعها عندما اقترب منها قاطعًا المسافة بينهم فاتسعت عيناها و ابتعدت شاهقة للخلف و هى تتمتم
-ما قلت اسفة يا عم أنت ،أنت بتقرب كدة ليه
خرج صوته غليظًا و عينيه تتابع توترها وخجلها الذي جعل وجنتيها تصطبغ باللون الأحمر القاني
-دخلتى هنا ازاى!!!
وما كادت ان تجيبه حتى قاطعها صوت تلك السيارة التي دلفت إلى القصر فالتفتت تنظر تجاه السيارة فوجدتها سيارة "أمير" فجحظت عيناها و سريعًا ما جلست بالأرض مرة أخرى و الخوف يعتريها
اما هو فظل يطلع عليها بدهشة شديدة و التفتت هى تطلع له قائلة بنبرة خافتة خائفة
-ارجوك ارجوك خليه يمشى مش عايزة ارجع معاه ارجوك ساعدنى
رمقها بدهشة و تحرك من مكانه واقترب من "أمير" الذى ترجل من سيارته فقال بتوجس
-خير يا امير ايه اللى رجعك نسيت حاجة ولا ايه
ابتلع "أمير" ريقه و عينيه تجول بكل زاوية بحثًا عنها بعدما علم من رجاله بأنها هربت بسيارته فقال
-عمر رجالتك ممسكوش واحدة هنا
قطب "عمر"جبينه و قال بتفكير
-لا مسكه يا امير
اتسعت عيناه و اقترب من بلهفة و قال
-راحت فين
حرك كتفيه بلامبالاة و قال
-سبوها و مشيت طبعًا يا امير انا معرفش هى دخلت ازاى اصلا ،انت تعرفها!؟
اغمض "أمير"عينيه وولاه ظهره ضاربًا سقف السيارة بقبضته الغليظة بغضب لازمًا الصمت فعاد "عمر" سؤاله مرة أخرى و قال بصوت غليظ
-مين دى يا امير
جز "امير" على اسنانه بغضب و التفت ل "عمر" و قال
-بعدين بعدين
و استقل سيارته و هو يتوعد لها و تحرك بالسيارة خارج القصر
تنفست براحة بعدما رأت ما فعله فنهضت من مكانها واقتربت منه حتى تشكره و ما كادت أن تفتح فوها حتى وجدته يلتفت إليها و يجذبها من ذراعها دالفًا بها داخل القصر
وما ان ولج بها داخل القصر حتى تركها محررًا ذراعيها و قال
-انا عايز افهم ايه اللى بيحصل بضبط و انتى ايه علاقتك ب امير و بيدور عليكي ليه و ازاى دخلتى هنا
ظلت تطلع عليه و هو يتحدث و عقب انتهائه ابتلعت ريقها بصعوبة بسبب جفاف حلقها و قالت
-انا هقولك و ده عشان انت ساعدتنى بس
عقد يديه أمام صدره فبرزت عضلات يديه فهبطت عينيها تجاهم رغمًا عنها و ابتلعت ريقها عندما لاحظت ضئالة حجمها بجواره فتمتمت بتلعثم
-ا امير كان جارى و كان علطول يضايقنى و مرة واحدة اختفى و كان بقالى اربع سنين مشفتوش ،ومش عارفة عمل كل ده ازاى وبقى كدة ازاى بس كل اللى اعرفة انه خطفني و عايز يتجوزنى بعد عدتى ما تخلص
ضيق عينه و قال مرددًا كلمتها الاخيرة بدهشة
-عدتك!!!!
اماءت له براسها مفادية النظر إليه فتمتم هو بدهشة
-يعنى خطفك و عايز يجوزك من غير موافقتك
اماءت له مرة أخرى فمط شفتاه و قال بتساؤل
-وانتى ليه مش موافقة عليه بتحبى طليقك
رفعت عينيها و قالت بأندفاع
-مش حكاية بحب و لا مبحبش هو لو على الحب فانا اكتشفت انى اللى حبيته ميستاهلش حبى ده بنى آدم خاين و ميستاهلش اى حاجة ،الحكاية كلها ان امير ده لو اخر راجل انا مستحيل اوافق عليه ده كان معروف فى الحته انه بيبع استروكس و كان عيل سيس و هوزق وزى ما قولتلك مكنش حيلته حاجة و متأكده انه ليه اعمال مشبوهه وبعدين انا مش عايزة اعيد تجربتى تاني انا عايزة ولادى بس
اتسعت عيناه و قال بترقب و كأنه لم يستمع سوى لتلك الكلمة
-اعمال مشبوهه
حركت راسها عدة مرات متتالية مؤكدة حديثها و لكن سريعًا ما جحظت عيناها و قالت و هى تضرب على صدرها
-احييييه
رفع أحد حاجبيه مرددًا تلك الكلمة بدهشة
-احييه !!!!!
-ايوة احييه انا بكلم مع مين ده انت شريكة ومش بعيد تكون الرأس الكبيرة
هنا و لم يستطع عمر ايقاف ضحكاته و ظلت ضحكاته الرجولية تدوى بالمكان فابتلعت ريقها للمرة التى لا تعلم عددها مراقبة تلك الضحكة الرجولية التي جعلت خفقاتها تزداد بعنف
فاوقف "عمر"ضحكاته تلك عندما رأى نظراتها المنزعجة و قال
-انا اسف بس انتى حقيقى فظيعة ،الا صحيح اسمك ايه
-حورية
ردد اسمها ببطء شديد يتامل جماله و نظر اليها و لأول مرة ينتبه لذلك الجمال القاتل أمامه فرغم زيادة وزنها و لكنه لم ينقص من جمالها ،فثبت عينيه على عينيها التى لا تريد ان ان تنظر له فقال بهدوء
-حورية
نظرت اليه بتساؤل و أخيرًا تقابلت عينيهم وكان له ما أراد فأبتسم لها ابتسامة جذابة و قال
-تحبى تأكلى
حركت راسها بنفي و قالت و هى تقترب منه متشبثة بذراعه وقالت بترجي دون أن تنتبه لملامستها له
-لا مش عايزة انا عايزة اشوف ولادى ممكن تخلينى امشى
اخفض نظراته وعينيه البنية لموضع يديها الصغيرة على ذراعيه الفولاذية فأزدادت ضربات قلبه و تطلع لعينيها الساحرة مبتلعًا ريقه قائلًا بدون وعى
-تعالى معايا انا هوصلك و هوديكى تشوفى ولادك
اتسعت ابتسامتها بشدة و قالت بفرحة كالاطفال
-بتكلم جد يعني انت هتوصلنى و مش هتعرف أمير بحاجة
ارتسمت ابتسامة على شفتاه الغليظة وقال
-اظن انى لو كنت عايز اعمل كدة كنت عملتها و لا ايه
ابتسمت له وقالت لاعنه غبائها
-ولا ايه يلا بينا بقى
_______________________________
ولجت "مى"داخل غرفة "ياسمين" دون ان تطرق الباب فنهضت تلك الجالسة على الفراش و الانزعاج بادى على وجهها تاركة الهاتف من يديها دافعه اياه على الفراش و هى ترمق "مى"بدهشة ممزوجه ببعض الغضب
اقتربت "مى" من "ياسمين" و وقفت أمامها فقالت "ياسمين" بأنزعاج
-ايه قلة الذوق دى محدش علمك انك المفروض تخبطى قبل ما تدخلى و لا ايه
عقدت "مى" يديها و رمقتها بنظرات ساخرة من رأسها لأخمص قدميها قائلة
-لا محدش علمنى انى المفروض اخبط بس علمونى انى مدام متجوزه واحد، عينى متزوغش على غيره وخصوصًا لو كانوا صحاب و قرايب،و لا ايه يا ...ياسمين ،مش ياسمين برضو
ابتلعت "ياسمين" ريقها و تحدثت بقوة زائفة رغم ذلك الخوف الذى تملك منها فهى ليست بحمقاء و تدرك جيدًا بانها المقصودة بذلك الحديث لاعنه تلك الواقفة أمامها ف "حورية" كانت ملاكًا بالنسبة لها
-انتى تقصدى ايه بكلامك ده بلاش لف و دوران
ابتسمت "مى" و قالت بتهكم مشيرة الى نفسها
-انا بلف وبدور انا !؟
قلبت "ياسمين" عينيها بملل و قالت
-انتى عايزة ايه يا حلوة اتكلمى علطول
اتسعت ابتسامتها حتى ظهرت اسنانها و قالت
-هتكلم على طول وماله
فاقتربت بخطوات هادئة و اقتربت بوجهها منه و قالت بهمس
-انا شوفتك امبارح وانتى داخلة اوضة داغر و سمعت كل حاجة
شحب لون وجهها و تجمدت الدماء بعروقها و سريعًا ما استجمعت شجاعتها و قوتها و قالت بقوة زائفة
-وحتى لو اللى بتقوليه مضبوط ،تقدرى تثبته ،و فاكرة ان حد هيصدقك محدش طايقك هنا و انتى بصراحة غبية بدل ما تشغلى دماغك بيا ،روحى شوفيلك حل و خليهم يقبلوكي شوية بدل ما شوية و هيطردوكى من البيت يا حلوة
-ملكيش دعوة بيا خليكى فى نفسك و شوفى هتعملى ايه فى مصيبتك دى لانى انا مش هسكت غير لما الكل يعرف كل حاجة عنك
قطبت جبينها و جذبتها من ذراعيها بعنف وهي تصرخ بها قائلة
-انتى عايزة ايه بضبط و بتعملى كده ليه ها !!
دفعتها "مى" بعدما تأوهت من قوة قبضتها و قالت
-كل شئ فى أوانه حلو يا ياسمينه
_______________________________
بالصالون بقصر الاسيوطى
كانت كل من "وجد" و "وسام" يجلسان و الصمت ثالثهما فقالت "وسام" بنبرة قلقة
-وجد !!
نظرت لها "وجد" بتساؤل منتظرة اكمال حديثها فأكملت مغمغمة
-انتى مش قلقانه
زفرت "وجد" بضيق
-وبعدين يا وسام هنفضل نتكلم فى الموضوع ده كتير وبعدين ما انا قولتله اعلى ما فى خيلة يركبه
قاطعتها "وسام" بخوف
-ايوة يا وجد بس هو شكله شرانى انا مش مرتحاله بجد و بعدين مشفتيهوش كان بيتكلم ازاى انا خايفة عليكى يا وجد و بعدين احنا كلها كام يوم و المفروض هنسافر تانى و نسيب البلد
رفعت "وجد" حاجبيها بتهكم و قالت
-نسافر و ازاى كل ده لمين ،لا طبعا السفر خلاص اتلغى
ضيقت "وسام" عينيها وقالت بأستفسار
-انا عايزة افهم الرسالة اللى سبهالك مجدى ده فيها ايه انتى متغيرة من بعد ما قرتيها
ابتلعت "وجد" ريقها و هى تتذكر تلك الرسالة و محتواها التى جعل عيناها تدمى بلا توقف
"وحشتينى يا وجد ،وحشتينى بجد ،انا الرسالة دى بكتب ليها بعد سفرك علطول و برغم من انى مكنتش بشوفك كل يوم بس فكرة انك مش موجودة فى البلد معذبانى يا وجد ،انا بحبك يا وجد ،بحبك حقيقى و مظنش انى حبيت حد بالطريقة اللى حبيتك بيها ،من اول ما شوفتك وانا بتمنى انى ابقى اصغر من كده عشان كان نفسى تحبيبنى و تبادلينى مشاعرى ناحيتك ،يمكن فرق السن اللى بينا مكنش العائق الوحيد بس كان اكبرهم ،انا عايزك تعرفى انى مش هلاقى غيرك ائمنه على كل اللي بنيته ،انا عايزك تاخدى مكانى يا وجد ،مصطفى مش كويس يا وجد مصطفى ده شيطان بهيئة انسان ،عارف انى هعمله ده مش صح و انى بحطك فى وش المدفع بس زى ما انا عارف الكلام ده عارف برضو انك قدها و قدود ،ارجوكى يا وجد ارجوكى تخلى بالك من نفسك ،و متديش قرش واحد لمصطفى مهما كان شايف ان ده حقه بس ده مش حقه يا وجد انا اديتهم زمان حقهم و زيادة كمان هو بس اللى طمع عامى عينه ،و كمان عايز اطلب منك طلب بتمنى تعمليه ،و طلبى انك تعيشى حياتك يا وجد انسى كل اللى حصل زمان ،انسى اللي عشتيه وانسى اللى حصلك و ابدئى مع البنى آدم اللى بيحبك بجد و انا و انتى عارفين كويس هو مين ،عيشى يا وجد عشان العُمر ميجريش بيكى و ترجعى تقولى يا رتنى ،عيشى حياتك يا وجد و خلى بالك من نفسك "
ضمت الرسالة الى احضانها لا تعلم لما تأثرت بحديثه و انسابت الدموع من عينيه بغزارة و لكن ما تعلمه انها قست عليه و كثيرًا.........
باك.....
-وجد،وجد روحتى فين يا حاجة ركزى معايا
تأففت "وجد"بانزعاج مصطنع و ما كادت تتحدث حتى قاطعهم صوت "سحر" فنظروا باتجاهها و سريعًا ما اتسعت عينيهم مما ترتديه فنهضت "وجد" من مكانها مهرولة ناحية "سحر"
-ايه اللى انتى لبساه ده
ابتسمت "سحر" و دارت حول نفسها متمتمه
-مايوه بكينى ايه وحش
ابتسمت "وسام" وقالت بمرح
-وحش ازاى بس ده انتى قمر اقسم بالله و
لكزتها "وجد"في ذراعيها بغضب وصرخت بوالدتها قائلة
-والله انا عارفة اسمه بس عايزة اعرف لابس الزفت ده ليه
زفرت "سحر" من غباء ابنتها اللامتناهى
-هيكون ليه يعنى هنزل البسين طبعًا
-تنزلى الايه سمعيني كده تانى يلا يا ماما غيرى القرف اللى لابساه و اتمسى عشان عفاريت الدنيا بتتنطط فى وشى و مش ناقصة
جزت "سحر" على اسنانها و التفتت تجاه "وسام" مشيرة تجاه "وجد" بسبابتها
-شايفة يا وسام شايفة صاحبتك
زمت "وسام" شفتيها و قالت
-شايفة يا طنط والله بس
قاطعتها "سحر" بغضب
-طنط انا طنط
نظرت "وسام"ل وجد بتوتر
فصاحت وجد صارخة بنبرة منفعلة مما جعل "سحر" تخاف من نبرتها تلك و تنتفض بمكانها
-ايوة طنط اومال عايزاها تقولك ايه ما تقولي يا ماما ده انتى داخلة فى الخمسين يا حاجة
رمقتهم "سحر" بغضب و تحركت من مكانها دون أن تتحدث بكلمة واحدة
وما ان صعدت حتى صدح رنين هاتف "وجد" الموضوع على الطاولة ف تحركت من مكانها و انتشلته من مكانه فوجدته رقم غير مسجل فأجابت عليه بنبرة باردة
-الو
فاجأها صوته متمتم
-اسمها السلام عليكم مش الو يا وجد هانم
ازدادت خفقاتها لسماع صوته الساحر و زاغت عينيها فلاحظت "وسام"حالتها تلك فاقتربت منها قائلة بخفوت
-مين يا وجد
ابتلعت ريقها و قالت
-بتتصل ليه عايز ايه !!
فتمتم بغيرة شديدة أثارت إعجابها
-بتعملى ايه فى اسكندرية يا وجد
رفعت حاجبيها و قالت بابتسامة بسيطة لاحت على شفتيها
-ده انت مراقبنى بقى
-متغيريش الموضوع و قوليلى بتعملى ايه فى اسكندرية
اختفت ابتسامتها و سمت قناع البرود على وجهه و قالت
-ملكش دعوة انت ملكش حاجة عندى انت سامع
وأغلقت الهاتف في وجهه فغمغمت "وسام"
-مين يا وجد
-اوف يا وسام هو انتى معندكيش غير مين مين زهقتيني !!!
______________________________
امام قصر "الهلالى"
بسيارة "عمر"
ابتسمت له "حورية" و قالت بامتنان
-بجد مش عارفة اقولك ايه لولاك النهاردة كان زمانى لسه محبوسة مع امير بجد متشكرة اوى
ابتسم لها "عمر" و قال بعيون لامعة
-بتشكرينى على ايه بس انا معملتش ده و اى حد مكانى كان هيعمل كده
بللت شفتيها و قالت قبل أن تترجل من السيارة
-لا طبعا مش اى حد كان هيعمل كده و بعدين انت شريك امير و بينكم شغل و كان ممكن اوى تساعده و ترجعني ليه بس انت معملتش كدة و انا بجد ممنونه ليك
تنهد "عمر" و قال بنبرة دافئة
-طيب بما انك ممنونه ليا اسمحيلى بقى نبقى على تواصل انا حابب نبقى اصدقاء
ابتلعت ريقها و عينيها معلقة عليه لا تعلم لما ذلك الارتباك و التوتر يتملكانها كلما تحدث بنبرته الدافئة تلك وما لبثت أن تجيبه حتى وجدت باب السيارة يفتح و يد قوية تجذبها خارج السيارة و لكنها علمت صاحب تلك القبضة من نبرته الغاضبة و التى تعلمها جيدًا
-حلو اوى اللى بيحصل ده يا محترمة ،و هو ده بقى اللى اختفيتى ،مصدقونيش لما قولت انك بتشتغليهم يا فا*** ،لحقتى لفيتي على واحد تانى يا رخيصة
أما "عمر" فسريعًا ما ترجل من السيارة مقتربًا من "عدى" جاذبًا "حورية"خلفه لاكمًا "عدى"بوجهه بسبب تطاوله بالالفاظ عليها قائلًا
-بعد كده لما تيجى تتكلم معاها تتكلم بأدب يا حيلتها!!!!!!
__يتبع__
رواية طغيان قلب الفصل التاسع 9 - بقلم فاطمة محمد
-بعد كده لما تيجى تتكلم معاها تتكلم بأدب يا حيلتها!!!!!!
وضع "عدي" يديه موضع تلك اللكمة التي تلقاها ناظراً باتجاه "عمر" وعينيه تطلق شرراً.
وما لبث أن يقترب منه حتى يرد له تلك اللكمة مغمضاً بغضب وغل.
-انت بتمد ايدك عليا يا حيوان طب انا هوريك.
وما كادت يديه أن تلمس وجهه "عمر" حتى قام "عمر" بلوى يديه خلف ظهره مجلسه إياه على ركبتيه متأوهًا بألم من تلك الحركة المفاجئة.
فاتسعت عين "حورية" بصدمة وابتلعت لعابها مقتربة منه بعدما ابتعد عنها حتى يلقى "عدي" درساً لن ينساه.
فاقتربت منه جاذبة إياه من ذراعيه قائلة بنبرة توسل منادية باسمه الذي علمته من أمير عندما صاح باسمه عندما عاد مرة أخرى.
-عمر لو سمحت سيبه، عمر أرجوك.
ما إن سمعها تترجاه من أجله ومن أجل أن يتركه رغم تجاوزه عليها حتى ازداد غضبه مزيداً وضغط يديه على ذراعيه فتمتم "عدي" الذي يتألم وبشدة.
-وديني وما أعبد لهوريكي يا حورية جيبالي بلطجي معاكي.
وبذات الوقت وصل "داغر" فرأى أخيه بتلك الحالة فأوقف السيارة وترجل من السيارة مهرولاً باتجاههم.
مفرقاً بينهم دافعاً "عمر" عن أخيه قائلاً بصوت عالٍ بغضب.
-إيه اللي بيحصل ده فين إيه!؟
اقتربت "حورية" من "داغر" مبتعدة عن "عمر" فقال "داغر" بتساؤل.
-فينك يا حورية ندى قلبة عليكي الدنيا قلقتينا عليكي.
فقال "عدي" الذي كانت عينيه معلقة على "عمر" محاولاً أن يتذكر من أين يعرفه وكذلك "عمر" الذي كان يرمقه بغضب.
-انت لسه بتسألها يعني مش باين كانت فين، أكيد كانت بتتسرمح مع الاستاذ اللي بيستعرض عضلاته قدامها.
رفع "داغر" عينيه تجاه "عمر" الذي لن يصمت عن ذلك الحديث الذي يثير استفزازه، وضيق عينيه محاولاً تذكره يشعر بأنه رآه من قبل ولكن ذاكرته لا تسعفه هو الآخر.
-إيه بتتسرمح دي متكلم عدل بدل والله أجيبك تحت رجلي.
تنهدت "حورية" وتجاهلت حديثهم ومشاجرتهم تلك فكل ما يهمها في ذلك الوقت هو أن ترى أولادها الذين اشتاقت إليهم واشتاقت لضمهم داخل أحضانها فقالت بترجي موجهة حديثها تجاه "داغر".
-داغر لو سمحت عايزة أشوف زين وزياد.
أومأ لها "داغر" بموافقة قائلاً.
-أكيد يا حورية هنخليكي تشوفيهم دول ولادك.
قاطعه "عدي" بصياح متمتم.
-لا مش هتشوفهم، دول افتكرت إنهم ولادها مفكرتش فيهم ليه لما اختارت تسيبهم وصممت تطلق.
التفتت "حورية" رامقة إياه بكره وبغض شديد.
-يا بجاحتك يا أخي يعني عايز بعد كل اللي عملته أفضل معاك ليه حد قالك إني معنديش كرامة.
جز على أسنانه وقال بتحدي.
-مش هتشوفيهم يا حورية.
قطبت جبينها بغضب وأسودت عينيها صارخة به في منتصف الشارع كما لم تصرخ من قبل مخرجة كل تلك الآلام والأوجاع الدفينة بداخلها قائلة.
-أنت إيه، أنت عايزززز مني إيه ارحمني بقى أنت معندكش دم، مبتحسش أنا بكرهك.
صُدم كل من "عمر" و"داغر" و"عدي" من صراخها ذلك فظل "عدي" يطلع عليها بصدمة.
اقترب "عمر" منها جاذباً إياها من ذراعيها بحنان محاولاً تهدئتها وإصعدتها بالسيارة ولكنها لم تتحرك معه وظلت واقفة بمكانها ترمق "عدي" بنظرات أربكته وجعلته يتجه تجاه سيارته مستقلًا إياها دالفاً إلى الفيلا.
أما "داغر" فمسح على وجهه واقترب منها.
-تعالي يا حورية معايا.
ارتسمت ابتسامتها تدريجياً على وجهها وقالت وهي تتحرك من أمام "عمر".
-هتخليني أشوف ولادي.
أومأ لها متمتم.
-أيوة يلا اركبي معايا.
أومأت له بامتنان واتجهت تجاه سيارة "داغر" تاركة "عمر" مكانه وما إن لبثت أن تستقل السيارة بجانب "داغر" حتى ابتلعت ريقها وتمتمت.
-ثواني بس يا داغر وراجعه.
أومأ لها بعينيه فتحركت من مكانها عائدة لـ"عمر" الذي يتابعها بعينيه فوقفت أمامه وتلاقت عينيهم فتحدث هو أولاً مسبقاً لها.
-ادخلي شوفي ولادك وأنا مستنيكي هنا عشان أوصلك.
ازدادت خفقاتها رغماً عنها وظلت تطلع له بصمت لا تعلم ما الذي يحدث لها ولكن هناك شيء يحدث لها خاصة بوجوده، أرادت أن ترفض ذلك العرض فهي لم تعرفه جيداً بعد، لكنها وجدت نفسها تؤمئ له برأسها عدة مرات وشبح ابتسامة يرتسم على وجهها فابتسم لها ابتسامته الجذابة وسريعاً ما هرولت من أمامه متجهة لسيارة "داغر" وما إن صعدت بجواره حتى نظرت باتجاه "عمر" مرة أخرى والذي بادلها تلك النظرة.
___________________________
دلفت "حورية" غرفة أولادها والابتسامة على وجهها والفرحة لا تسعها فأشار "داغر" لوالدته برأسه التي تجلس برفقة الأطفال حتى تخرج من الغرفة فقالت "سعاد" بابتسامة بسيطة على محياها.
-ازيك يا بنتي عاملة إيه.
اقتربت "حورية" من أطفالها حاملة أحدهم محتضنة إياه بأشتياق مستنشقة رائحته الطفولية وتطلعت بالآخر حاملة إياه مقبلة إياه وعينيها تلمع ببريق السعادة.
فانسحب كل من "داغر" و"سعاد" من الغرفة فتمتم "داغر".
-ماما خلي بالك وسبيها مع ولادها شوية ومتخليش عدي يدخلها ويضايقها بكلمتين تمام، ولما تخلص ناديني عشان أوصلها.
أومأت له بتنهيدة مغمضة.
-ماشي يا داغر.
ابتسم لها وقال بدون مقدمات.
-ماما أنا هسافر إسكندرية كام يوم وهرجع على طول.
قطبت جبينها وتمتمت بدهشة.
-إسكندرية!!! هتعمل إيه هناك يا داغر.
ابتلع ريقه فليس من عادته الكذب فقال بصدق.
-وجد رجعت يا ماما.
جحظت عيناها وقالت.
-رجعت!! ده إمتى الكلام ده وعايز منها إيه يا داغر مش خلاص الصفحة دي اتقفلت أنت نسيت عملت فيك إيه من أربع سنين.
قاطعها "داغر" ببرود.
-مش هي اللي عملت يا ماما احنا اللي عملنا مش هي، ولو سمحتي متندمنيش إني قولتلك، عن إذنك.
غادر سريعاً من أمامها دالفاً غرفته حتى يحضر حقيبته.
بغرفة "عدي" و"مي" كان يدور بالغرفة ذهاباً وإياباً ماسكاً بيديه قطعة ثلج كبيرة على تلك اللكمة، وكل ما حدث منذ قليل لا يذهب من عقله يشعر بالغضب يعتريه بسبب ذلك البغيض الذي تطاول عليه وقام بوضعه بذلك الموقف أمام زوجته السابقة.
ظلت "مي" تطلع عليه بنظرات متسائلة تريد أن تعلم سبب غضبه الذي يلوح على وجهه وسبب تلك اللكمة على وجهه فنهضت من على الفراش بعدما فاض بها واقتربت منه موقفة إياه عن الحركة برقة بالغة.
-في إيه يا عدي مالك يا حبيبي ومين الحيوان اللي عمل في وشك كده.
ضغط على شفتيه بغيظ وأزال الثلج وأولاها ظهره واقترب من المرآة يتطلع عليها فازداد غضبه عندما رآها واضحة وضوح الشمس.
هرولت "مي" خلفه قائلة بقلق.
-ما تكلم يا عدي في إيه.
التفت "عدي" وقال بغضب مفرط.
-كله بسببها، أنا ازاي كنت مخدوع فيها كده، ازاي مش شوفتش وساخ، أنا عايز أفهم ازاي مفهمتهاش، لا وكلهم كانوا قلقانين عليها يا حرام وهي دايرة على حل شعرها مقضيها مع البياع اللي جراه وراها.
رفعت حاجبيها وابتلعت ريقها متمتمة.
-انت بتكلم عن حورية طليقتك.
أومأ لها مغمغم.
-أيوة بتكلم عن ست زفت بس أنا هوريها وحياة عيالي لأوريها هي واللي اتحاملها وعاملي فيها بطل أنا هوريهم مين هو عدي الهلالي.
وشرد طويلاً محاولاً تذكر ذلك الشخص الذي رآها معه والذي يدعى "عمر".
__________________________
خرجت "حورية" من الفيلا بعدما جلست وقت طويل مع أولادها وكان "داغر" برفقتها فتملكها التوتر فماذا ستخبر "داغر" وما لبث أن يصعد بالسيارة حتى نادت باسمه.
-داغر، أنا مش عايزة أتعبك معايا، وبعدين عمر مستنيني برة وهيوصلني.
أغلق "داغر" باب السيارة بعدما وضع حقيبته بالمقعد الخلفي وقال بلهجة صارمة.
-مينفعش يا حورية، مينفعش أسيبك تمشي معاه في الوقت ده، وبعدين أنا عايز أعرف أنتي تعرفيه منين.
تنهدت وقالت.
-متقلقش يا داغر عمر هو اللي أنقذني من أمير.
وقاطعها "داغر" مردداً الاسم من خلفها.
-أمير!!!
أومأت له وأغمضت عينيها قائلة.
-أيوة أمير، بص هو الموضوع طويل ويطول شرحه وفي أقرب وقت هحكيلك كل حاجة بس أنا زي ما قولتلك مش عايزة أتعبك معايا وبعدين عمر مستنيني بره عيب بعد ما استناني أمشي وأسيبه ولا إيه.
فتح باب السيارة وهو يتمتم بصرامة.
-اركبي يا حورية عشان أوصلك...
صعدت بجواره بقلة حيلة تنوى الاعتذار ممن ينتظرها بالخارج.
_____________________________
ولج "عمر" داخل القصر بعدما رآها برفقة ذلك الشاب واعتذارها منه، فزفر واتجه ناحية غرفة الضيوف وما إن دلف حتى وجد مدير أعماله "طارق" والذي يكون صديقه بذات الوقت يقف له متمتم بتساؤل.
-خير يا عمر قلقتني في إيه!!!
أشار له "عمر" حتى يجلس مرة أخرى.
-اقعد يا طارق أنا اتصلت بيك عشان عايز في موضوع.
-خير يا عمر.
أخذ نفساً طويلاً وجلس أمامه وعقله شارداً بتلك الحورية فقال بصوت رخيم.
-في بنت اسمها حورية هي تبع أمير غريب يعني عرفتها عن طريقه.
قاطعه "طارق" قائلاً.
-أمير غريب اللي هيدخل شريك معاك في الشركة الجديدة.
أومأ له وقال بتأكيد.
-أيوة هو، المهم أنا عايزك تشوفلي إيه حكاية أمير مع البيت وعايز كل المعلومات عنها.
-طيب أنا هعرف أجيب المعلومات دي منين على الأقل قولي اسمها.
نهض "عمر" من مكانه وصورتها تقتحم مخيلته لا تريد مفارقتها وقال بانفعال.
-معرفش اسمها بالكامل إيه يا طارق... أنت اطقس عن أمير ومن ورا هتعرف هي مين هما ولد منطقة واحدة وقالتلي إنه كان على طول بيضايقها، وبعدين أنا عايز أتأكد من كلامها ده.
أومأ له "طارق" ونهض من مكانه مربتاً على كتفه قائلاً.
-تمام اللي أنت عايزه هيحصل بس أنت دلوقتي لازم تنام عندك بكرة تصوير يا عم المخرج.
أومأ له "عمر" بشرود فرمقه الآخر بتوجس يشعر بأن هناك شيئاً لا يعلمه.
-أنت كويس يا عمر.
رمقه "عمر" وسريعاً ما تحولت نظراته للبرود.
-أنا كويس وخلاص هطلع أنام عشان أعرف أصحى بكرة وأبقى فايق ومصحصح.
ابتسم له صديقه ابتسامة ذات مغزى فمن سيفهمه أكثر منه وبالتأكيد هناك شيء يخفيه عنه ولكنه سيعلمه عاجلاً أم آجلاً.
غادر "طارق" منزل صديقه فتنهد "عمر" طويلاً مغمضاً عينيه وصورتها لا تفارقه وكذلك صوتها الذي أسره وجعله يشعر وكأنه يحلق بالسماء.
فعاد برأسه للوراء مسنداً رأسه على المقعد مردداً اسمها بخفوت.
-حورية.
_____________________________
في منزل "مصطفى" كان يسير كالثور الهائج يشعر بأنه يريد أن يفتك بها فكيف لها أن تتحداه بتلك الطريقة.
فمن هي حتى تتحداه وتطاول عليه!! فهي بنظره ليس إلا مجرد فتاة سمعتها مشبوهة بسبب عمل والدتها.
يعلم جيداً بأن خاله لم يطولها ولم ينال منها شيء!!!
ولكنه أراد استفزازها ولكن ما تلك المرأة التي كانت أمامه فهي كانت شامخة باردة كجبل الجليد... صدح رنين هاتفه فانتشلها من على الطاولة بلهفة مجيبا بسرعة الفهد. -ها يا بنى وصلت ايه اخلص. -حضرتك عملت تحريات دقيقة عنها زي ما حضرتك طلبت والشئ الوحيد اللي حضرتك متعرفوش إنها كانت مخطوبة لابن عمها وبعديها سابوا بعض ولجأت لمجدي بيه عشان يساعدها تاخد حقها. صاح به "مصطفى" معنفا إياه بشراسة. -انت لسه هتكلم بألغاز ما تنجز يا بنى وقول ساعدها إزاي وليه. -حضرتك هي اتعرضت من أربع سنين لحادثة اغتصاب والموضوع كان مؤثر عليها جدا لدرجة إن خال حضرتك كان بيبعتها للدكتور نفسي عشان تخرج من اللي هي فيه وتقريبا عندها عقدة بسبب الموضوع ده. لمعت عينيه ببريق الانتصار مغلقا الهاتف بوجه الطرف الآخر وهناك فكرة تدور بخلده ويعزم على تنفيذها فجاء برقم صديق مقرب له ووضع الهاتف على أذنه منتظر إجابة الطرف الآخر وجاء الرد بعد عدة ثواني فغمغم بمكر وتفكير شيطاني. -جاسم عايزك تشوف لي كام واحد كده عندي ليهم عملية لوز اللوز. فابتسم "جاسم" بخبث قائلا. -طب ما تعرفني نوع العملية ده أنا حتى صديقك يا أخي. ابتسم "مصطفى" وتمتم بفحيح كالأفاعي. -لا متقلقش عملية من النوع اللطيف عايزهم يعلموا على واحدة ويخلوها تعيش ذكريات قديمة. _____________________________ فتحت "ندى" الباب بعدما صدح جرس المنزل وما أن فتحت بعينيها الحمراء من أثر البكاء والتي لا تزال تخفي اختفاء شقيقتها عن والدتها خوفا عليها جحظت عينيها وفاضت الدموع من عينيها وهي تراها أمامها فهرولت دالفة داخل أحضانها متمتمة بصوت مبحوح. -كنتي فين يا حورية قلقتيني عليكي، حرام عليكي أنا كان هيجرالي حاجة. خرجت "حورية" من أحضانها وهي تقبل يديها مغمغمة بنبرة حانية هادئة وهي تدلف إلى المنزل. -متقلقيش أنا كويسة. تحركت "حورية" تجاه الأريكة وجلست عليها متنهدة بوجع فللحقت "ندى" بها جالسة بجوارها. -مقلقش إزاي بس أنا عايزة وبعدين إيه اللي حصل واختفيتي فين وإيه اللي حصل بينك وبين عدي عشان تطلقوا. كزت على أسنانها وتمتمت بغضب. -متجبليش سيرة الحيوان ده يا ندى واللي حصل مش عايزة أتكلم فيه، أما بقى اختفيت إزاي فأنا مش فاكرة أي حاجة غير إن صحيت لقيت واحد شكله غريب بشوفه لأول مرة بس لما بكلم عرفته من صوته. قالت "ندى" بتوجس. -مين. -أمير يا ندى فكراه!!!! ضربت "ندى" على صدرها وتمتمت بصدمة. -نهار أسود أمير يا حورية وده إيه اللي رجعوا تاني مش كان غار في داهية، إيه اللي فكروا بيكي. حركت كتفيها قائلة بسخرية وتهكم. -قال إيه عايز يتجوزني الحيوان بس وديني لوريه، يظاهر كده إن حورية القديمة هترجع تاني يا ندى. -حورية القديمة مينفعش ترجع لأنها موجودة أصلا بس أنتي مش عارفة إيه اللي كان جرالك يا حورية، أنتي مكنتيش سلبية كده. مطت شفتيها قالت بصدق. -مش عارفة يا ندى بس يمكن لأني كبرت ونضجت وفهمت الدنيا أكتر غير أسلوب عدي اللي بقى زي الزفت واللي كان دايما محسسني دايما إني قليلة وإنه كتير عليا، وإنه عمل ليا جميل بجوازه بيا. -فشر قليلة مين دي أنتي أي واحد يتمناكي يا حورية أنتي مش عارفة قيمة نفسك ولا إيه. تنهدت وهي تنهض من جلستها قائلة. -أنا هدخل أنام شوية لأني محتاجة أريح جسمي وجعني أوي. أومأت لها "ندى" وقالت بمرح. -نامي يا ستي للصبح وليكي عندي حته فطار الصبح هتأكلي صوابعك وراه. _____________________________ في صباح يوم جديد وبعدما تسللت أشعة الشمس لتسلط ضوئها على نافذتها لتتسلل من خلف الستار مزعجة إياها بنومها فتململت في الفراش وفتحت عينيها وإذا بالباب يفتح فجأة على مصراعيه دالفة منه "وسام" التي كان الضيق والانزعاج يتمكنان منها بتلك اللحظة. -الحقي يا وجد الحقي. غمغمت وجد بضيق وانزعاج. -في إيه وسام على الصبح، إيه اللي حصل. -ابن عمك الحليوة شاف الرسالة ومردش عليا، ده كان يوم أسود يوم ما سمعت كلامك يا شيخة. انتشلت "وجد" الوسادة من جانبها وقامت بتصويبها تجاه "وسام" قائلة بضيق. -يا بنتي أنتي حرام عليكي أنتي عايزة تموتيني ناقصة عُمري. اقتربت منها وهي تغمغم بغيظ. -أنتي إيه ما بتفهميش بقولك شاف الرسالة ومردش، أنا خلاص هتشل، هتشلوني أنتي وابن عمك. -يا ستي وأنا مال أمي هو أنا اللي قولتله ميردش عليكي، متبقيش بت أوفر يا وسام، وبعدين أي يعني مردش هنلاقي فكرة غيرها مش هنغلب يعني وبعدين هو ممكن يكون بيفكر يرد ولا. غضت "وسام" شفتيها بتفكير وقالت. -تفتكري. نزعت "وجد" الغطاء ونهضت عن الفراش وخصلاتها الحمراء الكثيفة تنساب حول وجهها قائلة. -حلي عني يا وسام أنا جعانة وهنزل أكل تيجي معايا تاكلي ولا أنتي ملكيش نفس. -لا هاجي مجيش ليه يلا بينا. هبطت "وجد" برفقة "وسام" وعينيها تجول بحثا عن والدتها فتمتمت وسام من خلفها. -نايمة، أمك لسه نايمة. أجابتها وجد بلا مبالاة. -وانتي شوفتيني سالت عليها يعني. وما كاد أن يتوجهوا باتجاه المطبخ لتحضير الإفطار حتى سمعوا رنين المنزل فرمقوا بعضهم بنظرات متبادلة وقالت وسام بتساؤل. -تفتكري مين اللي بيخبط، معقولة يكون مصطفى. حركت "وجد" كتفيها واقتربت من الباب وقامت بفتحه وما إن فتحته حتى جحظت عيناها وهي تراه واقفا أمامها نازعا نظارته الشمسية متمتم بنبرة حانية ممزوجة ببحة رجولية بحتة خطفت قلبها. -صباح الخير يا وجد. ازدرقت ريقها بصعوبة شديدة وقالت بتلعثم فآخر ما كانت تتوقعه هو مجيئه إليها بذلك الصباح الباكر. -انت عرفت إزاي إني هنا. ابتسم لها بحنان فطري وقال. -بنفس الطريقة اللي عرفت بيها إنك في اسكندرية. صاحت به بانفعال وغضب مصطنع. -انت إزاي دخلت هنا والبواب اللي على البوابة ده إيه أهبل ولا أهبل عشان يدخل أي حد كده. جاءت "وسام" من خلفها محاولة تهدئتها. -ما تهدي يا وجد كده وصلي على النبي اتفضل يا كابتن. لم يستطع "داغر" منع ابتسامته من الظهور أمام تلك المرحة والتي استطاعت رسم ابتسامة على وجهه. اقتضبت ملامح "وجد" تدحرج الغضب والغيظ فيها بسبب ابتسامته التي لاحت على وجهه بسبب صديقتها فالتفتت تنظر لوسام بنظرات تطلق شرار. -ملكيش دعوة أنتي!!! فصاح "داغر" وهو يخطو بقدمه داخل القصر. -في إيه يا بنت عمي، مهي بتكلم صح وبعدين هتسبيني واقف على الباب كده كتير ده مكنش عيش وملح حتى. عقدت ما بين حاجبيها بدهشة من مرحه الغير معتاد وقالت بحدة وصرامة والغيرة لا تزال تنهش قلبها فقالت بانفعال خرج رغما عنها نتيجة لغيرتها التي لمعت بعينيها واستطاع تمييزها بسهولة. -ما أنت حلو وبتعرف تهزر اهو، أومال كان إيه الوش الخشب اللي أنت مصدرهولي ده. ابتسم لها ابتسامة واسعة وقال بصوت رجولي. -وهو حد قالك إني مبعرفش أهزر ولا إيه. -اخلص يا داغر وقول عايز إيه مني. اختفت الابتسامة من على وجهه وتمتم بإصرار لاح بعينيه تراه لأول مرة. -جاي عشان نتفق على ميعاد كتب الكتاب يا وجد عشان أنا قررت أتجوزك وهتجوزك... اتسعت عيناها وابتسمت وسام بسعادة غير قادرة على إخفاء سعادتها لأجل صديقتها فصاحت وجد به بعدما ضايقها ثقته الزائدة بنفسه وتحديه لها بتلك الطريقة، فصاحت وجد بغضب وصراح متمتمة من بين أسنانها. -ده إيه الثقة دي، نفسي أعرف جايبها منين. زفر "داغر" وعينيه تجول بجميع زوايا المنزل محاولا تفادي النظر لعينيها القاتلة. -أنا قولتلك اللي عندي أنا مش همشي من هنا غير وأنتي مراتي. -ده أنت بتتحداني بقى!؟ -اعتبريها زي ما تعتبريها وبرضو هنتجوز يا وجد ونرجع القاهرة وأنتي مراتي حلالي ها تحبي نكتب الكتاب دلوقتي ولا نخليها بكرة.
رواية طغيان قلب الفصل العاشر 10 - بقلم فاطمة محمد
اجابته "وسام" بسعادة:
- لا بكرة ايه ده حتى خير البر عاجلة، انا بقول تجيب المأذون دلوقتي.
استدارت "وجد" تجاه صديقتها والغضب يليح على وجهها صارخة بها:
- مأذون ايه وكلام فاضي ايه، وبعدين انتي مالك بتتكلمي ليه، هو كان حد خد رأيك؟
مط "داغر" شفتيه قائلًا بجدية مصطنعة:
- وانا شايف كده برضو.
وما كاد أن يتحرك من مكانه حتى نادت "وجد" باسمه، فألتفت ناظرًا إليها بعيون متسائلة عما تريده.
- داغر.
- نعم!
أقتربت منه بخطى هادئة مقاومة تلك الابتسامة التي تكافح للظهور على شفتاها، فقلبها يكاد يخرج من مكانه، خفقاتها بتزايد مستمر لا يتوقف، تشعر بأن صوت خفقاتها يصل إليه، لا تريده أن يشعر بسعادتها وقلبها الذي يقفز لوقوفه أمامها وإصراره على الزواج بها.
فكم تتلهف للفصح عن مشاعرها الجامحة والتي لن تخبره إياها بذلك الوقت، فهي لم تسترد حقها منه بعد.
فلتلقنه درسًا أولًا، وبعدها ستغمره بحبها معبرة له عما يعتريها من عشق وجنون به، ستخبره كيف لم تغيب صورته من أمام عينيها، وكيف كان يقتحم أحلامها، تلك الأحلام التي كانت تصبرها قليلًا.
فقالت بجمود مصطنع رغم لهفتها لسماع إجابته على سؤالها:
- انا عايزة افهم انت عايز تتجوزني ليه! عايز مني ايه؟
رمش بعينيه عدة مرات مبتلعًا ريقه، عينيه معلقة عليها، لن يجيبها بالآن، وسيفعل مثلما كان يخطط منذ أربع سنوات.
فستعلم مدى حبه لها عقب عقد قرانهم، سيخبرها بشوقه واحتياجه إليها ما إن تصبح داخل أحضانه، قريبة من قلبه.
قلبه الذي لا يزال يخفق حتى الآن لأجلها... هي فقط.
سيخبرها بأنها الأنثى الوحيدة على وجه الأرض التي استطاعت سلبه عقله وقلبه.
فهي حبه الأول والأخير والذي لن يتنازل عنه مرة أخرى، يعترف بأنه كان أحمقًا، ولكن لن يعيد الكرة مرة أخرى.
كل هذا دار بخلده، فظلت هي تتابع عينيه التي تفضحه وتفضح عشقه لها، تريد منه أن يقولها ويعترف بمشاعره، فغمغمت باستفزاز:
- هتفضل ساكت كده كتير، انا عايزة إجابة، عايز تتجوزني ليه يا داغر؟ مش سبق وكنا هنعملها وساعتها استغنيت عني، عايزاني أوافق المرة دي كمان، عشان تسيبني من تاني مش كده، انطق، اتكلم ورد عليا، متفضل ساكت كده.
قاطعها مغمغمًا بخفوت:
- مش هيحصل يا وجد، مش هيحصل. كل اللي حصل وكل اللي فات هنسهولك، هعوضك، هخليكي أسعد واحدة، انتي بس وافقي وربنا شاهد على كلامي يا وجد.
تيممت عين "وسام" واقتربت من وجد التي كانت تنظر إليه بحيرة، لا تعلم أتوافق، أم ترفض، تشعر بتشتت يغمرها لأول مرة، فقلبها يحثها على الموافقة، وعقلها يرفض ويأبى الخضوع له.
غمغمت "وسام" من خلفها:
- وافقي يا وجد عشان خاطري، نفسي أفرح بيكي، وبعدين انتوا الاتنين بتحبوا بعض، يبقى كفاية عند، كفاية اللي حصل، أرجوكم الواحد مش عارف هيعيش قد إيه، فبلاش تضيعوا أحلى سنين قسا وبعد، كفاية أرجوكم، عدى أربع سنين يا وجد، وأظن مدة كفاية أوي، غير أنه لو مش شاريكي بجد وعايزك مكنش استناكي لحد دلوقتي، غيره كان ممكن يجوز ويعيش حياته ويأسس عيلة، بس هو معملش كده.
تنهد "داغر" براحة بعدما استمع لحديث "وسام" ورأى نظرة الحنين والتأثر بعين "وجد"، عالمًا بأن حديث صديقتها أثر بها.
مرت عدة ثوانٍ من الصمت تسارعت خلالها وتيرة أنفاسه، رامقًا "وسام" بنظرة سريعة، والتي كانت عينيها معلقة على صديقتها تنتظر إجابتها على أحر من الجمر.
فابتلع ريقه ضاغطًا على شفتيه بقسوة، متحدثًا بحزم محاولًا الثبات وعدم إظهار توتره الذي اعتلاه، منتظرًا موافقتها على الزواج به، ولكن جاءت إجابتها التي جعلته يتحول من ذلك الشخص العاقل إلى شخص مجنون متهور مندفع، كل ما يفكر به هو عدم ضياعها من بين يديه.
- مش موافقة يا داغر، سامعني، مش موافقة.
ضم قبضته بغضب متمتمًا من بين أسنانه بلهجة صارمة متحدية لا تليق سوى به:
- مش بمزاجك يا وجد، سمعاني، مش بمزاجك، وبليل هجيب المأذون وهنكتب الكتاب.
أنهى كلماته وهو يتحرك سريعًا من أمامها مغادرًا القصر وهو يكاد يطيح بأي شيء أمامه.
فاقتربت وسام التي تملكها الغيظ مما تفعله تلك البلهاء، فصاحت بها:
- انا عايزة افهم ايه اللي انتي بتعمليه ده بالظبط، انتي بتفكري إزاي بس عشان ابقى فاهمة.
رمقتها "وجد" بنظرات جامدة باردة، سريعًا ما تحولت لـ ابتسامة... ماكرة خبيثة.
فعقدت "وسام" ما بين حاجبيها بدهشة من ابتسامتها تلك، مغمغمة بعدم فهم:
- ايه الضحكة دي يا وجد، انتي بتضحكي بالطريقة دي ليه، انتي في حاجة في دماغك صح، والله العظيم حرام عليكي، انتي مش شايفة هو متشحفط عليكي إزاي يا باردة يالي معندكيش ريحة الدم انتي.
دوت ضحكات "وجد" بالمكان بأكمله، فجذبتها وسام بانفعال من ذراعيها:
- انتي بتضحكي على ايه، انا عايزة افهم، ورفضتيه ليه مدام بتحبيه ها.
أجابتها بابتسامتها الماكرة صاعدة باتجاه غرفتها:
- اومال أوافق بسهولة وأريحه بالساهل كده، لازم يتعب شوية، ده انا وجد برضو.
***
ولج "أمير" داخل مكتب "عمر" مغمغم بصوت مبحوح متحشرج بعدما أوصلته الخادمة مستأذنة بالرحيل:
- صباح الخير يا عمر، خير طلبتني ليه؟
كان "عمر" جالسًا خلف مكتبه، فأغلق الورق أمامه رامقًا "أمير" بنظرات ذات مغزى وغير مألوفة بالنسبة لأمير الذي اندهش من اتصاله المبكر ومطالبته بالمجيء.
زم "عمر" شفتيه وتمتم:
- قولي يا أمير لقيت البنت اللي كنت بدور عليها امبارح ولا لسه؟
توتر "أمير" وغمغم:
- لا لسه ملقتهاش، بس هلاقيها، هتروح مني فين يعني.
وما كاد يكمل حتى قاطعه عمر مغمغم ببرود:
- قولي بقى مين دي وبدور عليها ليه وهربت منك ليه؟
ابتلع أمير ريقه، لا يريد الإفصاح عن حقيقة الأمر، فـ "عمر" إذا علم ما يفعله وطبيعة عمله سيلغي تلك الشراكة قبل أن تبدأ، وهو يحتاج تلك الشراكة وكثيرًا، فهي ستكون كالستار على أعماله المشبوهة والتي جعلته يصل لتلك المكانة المرموقة بمساعدة بعض الرجال من نفس نوعيته والذي قد يفعلون أي شيء من أجل الحصول على المال.
- ايه يا أمير، هو القط أكل لسانك ولا إيه؟
فتمتم أمير بتلعثم ملحوظ:
- دي مراتي، متجوزها عرفي وعايزة تطلق، وأنا بحبها ومش حابب إننا ننفصل، أنا مش متخيل حياتي من غيرها، أنا هتجنن وأعرف راحت فين دي، كأن الأرض انشقت وبلعته.
رفع "عمر" حاجبيه وابتسامة جانبية ساخرة ترتسم على وجهه، ونهض من خلف مكتبه مقتربًا من أمير منصتًا إلى أكاذيبه، فتوتره وتلعثمه جعلاه يكشفه بسهولة.
- متقلقش، حورية في الحفظ والصون.
جحظت عين "أمير" ورمقه بصدمة سيطرت على كيانه، شاعرًا بأنه لا يستطيع أن يتفوه بحرف واحد.
فقال عمر بسخرية لاذعة:
- مالك مصدوم كده ليه؟
وسريعًا ما تحولت سخريته إلى غضب عارم وأعمى، ممسكًا إياه من ملابسه مغمغم بغضب من بين أسنانه:
- هو حد قالك قبل كده إن عمر الزهبي مختوم على قفاه ياااض؟ ده أنا أسيح من عشرة زيك، وبعدين مالك خرع كده وبتتت في الكلام، انشف ياااض.
تنهد "أمير" وصاح بغضب زائف رغم ذلك الخوف الذي تسلل إليه، محاولًا التحرر من قبضته الفولاذية:
- ايه اللي انت بتقوله ده، أنا مش فاهم انت بتتكلم عن إيه، وبعدين إيه الطريقة اللي بتكلمني بيها دي، هو أنا شغال عندك؟
ازداد غضب "عمر" وتمتم بصياح ممزوج بغضب بركاني:
- مستنضفش إني أشغلك عندي يالا، وبالنسبة للشراكة فخلاص بح يا روح أمك، أنا ميشرفنيش أشتغل مع أشكالك يا بتاع الاستروكس.
انتابتلع ريقه زافرًا بضيق بعدما دفعه عمر محرراً إياه:
- استروكس إيه وزفت إيه، انت جبت الكلام ده منين؟
- من حورية يا روح أمك، وبصراحة أنا ممنون ليها إنها فقتني وخلتني أشوف حقيقتك قبل ما أدبس في أي شغل معاك.
فتحرك عمر من مكانه وتناول ذلك الورق من على الطاولة ممزقاً إياه إلى أشلاء أمام نظرات أمير مغمغم:
- وادي الورق أهو، ودلوقتي تطلع بره، وحورية متقربلهاش، انت فاهم؟
وهنا لم يتحمل أمير ما يحدث وذلك الأسلوب الحاد الذي يتحدث به عمر معه، فهو ليس بأقل منه بل يعتبر نفسه الأفضل والأذكى، فصاح بغضب لا يليق به:
- طب وديني وما أعبد وحياة حورية عندي لدفعك التمن وغالي أوي يا عمر يا زهبي عشان تكلمني بالأسلوب ده، وبالنسبة حورية فهي متخصكش، حورية دي بتاعتي أنا، فمش انت اللي هتقولي أعمل إيه ومعملش إيه، ومتقلقش هعزمك على فرحنا.
أنهى كلماته وما كاد يتحرك حتى قام عمر بإمساكه من الخلف والغضب يتطاير من عينيه، متمتم بجانب أذنه:
- تعزمني دي مش حلوة، عندي الأحلى منها، وهي إني أزورك في المستشفى وأنت مدشدش وجسمك كله مش قادر تحركه، عشان تعرف وتتعلم إزاي تتعامل معاها يا حيوان، أصلك مش هتخرج من هنا غير على المستشفى، أصل رجالتي هيقوموا معاك بالواجب وزيادة، وابقى سلملي على العيانين والدكاترة يا أمير استروكس.
***
بمكتب "رائف"
وما أن دلف المكتب وكاد أن يبدأ يومه ويحل مكان "داغر" الذي هاتفه مخبرًا إياه بسفره للإسكندرية محاولًا إرجاع وجد.
زفر "رائف" وحرك رأسه بيأس متمتم بخفوت:
- أنا مش عارف وجد دي عملت فيك يا داغر!
صدح رنين هاتفه فاخرجه من جيبه مجيبًا عليه بعدما وجده رقم غير مسجل، فأجابه الطرف الآخر والذي كان صوت أنثوي مغمغمة:
- ازيك يا رايف.
عقد ما بين حاجبيه وتمتم:
- مين معايا؟
تنهدت وقالت بلهجة ساخرة:
- مش مهم مين، المهم إني عرفاك وعارفة مراتك كويس أوي وعارفة بتعمل إيه من وراك.
رفع حاجبيه وقال بلهجة صارمة حادة:
- آه، انتي شكلك بتسلي وقتك وأنا مش فاضي للكلام ده.
وما كاد يغلق حتى تمتمت الأخرى مهرولة:
- اسمعني بس، ده أنا عندي ليك كلام هيخليك تبقى عايز تجيبها تحت رجلك الخايبة دي....
تمتم مرددًا تلك الكلمة بدهشة، سريعًا ما تحولت لغضب عارم:
- خاينة! ما تحترمي نفسك.
وقاطعته مغمغمة ببرود:
- مراتك مبتحبكش، مراتك بتحب ابن عمك داغر ومن زمان أوي ولحد دلوقتي لسه بتحبه، وهو عارف الكلام ده كويس ومش راضي يقولك حقيقتها عشان يا حرام عارف إنك بتحبها، بس بصراحة أنا مش هاين عليا أسيبك مخدوع فيها وانت بتحبها الحب ده كله، ولو مش مصدقني روح قولها الكلام ده في وشها وانت هتعرف تميز وقتها إذا كان كلامي كذب ولا حقيقة.
أغلق "رائف" الهاتف في وجهها وخرج من مكتبه مهرولًا باتجاه سيارته.
بالطرف الآخر، كانت بغرفتها تحاول الوصول لداغر منذ وقت طويل، تحاول إخباره بما حدث وتهديد "مي" المباشر لها، ولكنه لا يجيبها.
فتأففت بغيظ وصاحت بغضب:
- لا مش وقت إنك متردش عليا خالص.
وعضت على شفتيها بتفكير، وسريعًا ما أرسلت له رسالة نصية مذكور بها ما يلي:
- داغر رد عليا ضروري الموضوع مهم، مي مرات عدي شافتني وأنا خارجة من أوضتك وسمعت كلامي معاك ودلوقتي بتهددني، انت لازم تتصرف.
وما إن أرسلت الرسالة حتى انتظرت عدة ثوانٍ وقامت بمهاتفته مرة أخرى، فأجابها تلك المرة متمتم:
- نعم!
- هو إيه اللي نعم! انت مقرتش الرسالة ولا إيه؟ بقولك مي عرفت كل حاجة، شافتني خارجة من أوضتك، وسمعتني وأنا بعترف لك بحبي ليك يا داغر، انت لازم تتصرف وتطلعني من المصيبة دي، وإلا عليا وعلى أعدائي، ولو حصل الكلام ده هقول إنك انت كمان بتحبني وبتبادلني مشاعري وشجعتني على كده.
صاح بها "داغر" متمتم بانفعال:
- انتي هبلة يا بت ولا في دماغك حاجة عشان ابقى فاهم، وبعدين انتي فاكرة إيه، ده حتى لو هي مقالتش أنا كنت هقول لرائف، أنا مش هسيبه على عماه، لازم يعرف حقيقتك، هو يستاهل واحدة أحسن منك تحبه بجد وتقدره، لكن انتي متستاهليش راجل زي رائف.
صاحت به بجنون:
- يعني إييييييه، ها فاكرين إنكم ممكن تخلصوا مني بسهولة، وبعدين رائف مستحيل يصدقكم، رائف بيحبني مجنون بيا، بيبوس إيده وش وضهر عشان وافقت عليه، ده ياما حفى ورايا عشان وأنا مكنتش بعبره عشانك، بس أنا هوريك يا داغر وهتشوف.
ما لبثت أن تكمل حتى وجدت الباب يفتح على مصرعيه ودلف منه "رائف" وصدره يعلو ويهبط من الغضب، وكيف لا بعدما استمع لحديثها الذي جعله يشعر بأن حياته انقلبت رأسًا على عقب.
فمن عشقها منذ أن وقعت عينه عليها متيمة ومغرمة بآخر... آخر لا يكون سوى ابن عمه.
ولم يكفيه ما فعلته بل تتحدث عنه، ترى حبه وعشقه لها ليس إلا ضعف.
فكم هي غبية، تحب من لا يشعر بها، جارحة من كان يتمنى رضاها.
لا تعلم بأن أفعاله معها ما هي إلا عشق جارف لها، فهو ليس ضعيف الشخصية ولن يكون ذلك الشخص الذي قد يذل من أجل الحب.
فليذهب حبه إلى الجحيم وكذلك هي، فلن يكون لها مكان بقلبه من بعد الآن، فما سمعه يكفي بأنه يجعله نافراً كارهاً لها.
اقترب منها بهدوء مخيف جعل الذعر والهَلَع يتمكنان منها، مستنتجة استماعه لحديثها من ملامحه الغاضبة، فأغلقت الهاتف بوجه داغر وحاولت الحديث فخرج حديثها متقطعًا متمتمة:
- ر رائف انت فاهم غلط، أنا...
اسودت عيناه وجذب إياها من ذراعيها بعنف وقسوة متمتم:
- انتي طالق يا ياسمين، طالق، طالق.
أنهى كلماته وصفعة قوية من يديه تدوى على وجهها جعلتها تترنح من مكانها بصدمة، مغمغم بصراخ عنيف:
- ودلوقتي مبقاش ليكي مكان هنا، لمي هدومك وروحي على بيت أبوكي، مش عايز أشوفك تاني.
ارتجفت شفتاه وتطلعت إليه بنظرات مشتعلة مغمغمة وهي تقترب منه رويدًا رويدًا:
- همشي يا رائف، بس قبل ما أمشي لازم تعرف إني عمري ما حبيتك ولا حسيت ناحيتك بحاجة، وانت كنت مغفل كبير فاكراني واقعة لشوشتك وأنا أصلاً كنت بعشق داغر، أنا عمري ما حبيتك، أنا محبتش غير داغر.
مسألتش نفسك مخخلفتش منك ليه لحد دلوقتي؟
قاطعها وهو يجذبها من خصلاتها بعنف، ومن قوة قبضته كاد أن يخرج خصلاتها بين يديه فتأوهت بوجع شديد:
- ااااااااااه يا حيوان شعري.
لم يتأثر بصراخها وتأوها الشديد ولزم الصمت مكتفياً بجذب خصلاتها مخرجاً إياها من غرفتها، فتجمعت كل من سعاد وهدى ومي وآلاء التي خافت من تلك الصرخات.
أما مي فارتسمت ابتسامة ساخرة شامتة سريعًا ما أخفتها، فصاحت سعاد وهدى واللذين حاولوا تحرير خصلاتها من بين يديه:
- سيبها يا رائف في إيه؟
تجاهلهم رائف منزلاً إياها من على الدرجات مغمغم بغضب وصراخ عال:
- متدخلوش، دي واحدة خاينة متستاهلش، محدش ليه دعوة.
اقترب بها من الباب وقام بفتح الباب دافعاً إياها أمام الباب مغمغم:
- هو ده مكانك وده اللي تستحقيه وتستحقه أي واحدة خاينة، وابقي قولي لأبوكي رائف طلقني عشان بحب راجل غيره يا ***.
***
في المساء
دلف "إسلام" غرفة آلاء وغمغم بمرح:
- سامو عليكم.
تنهدت "آلاء" وغمغمت بضيق وهدوء:
- أهلاً يا إسلام، تعالى.
اقترب منها إسلام وأغلق الباب من خلفه وغمغم:
- عاملة إيه دلوقتي يا علاء؟
قطبت جبينها وقالت بدهشة:
- علاء!
أومأ لها "إسلام" مؤكداً حديثه:
- أيوه علاء، انتي مش شايفة بقيتي عاملة إزاي يا حاج علاء.
ارتسمت ابتسامة بسيطة على محياها مغمغمة:
- انت مفيش فايدة فيك وفي طولة لسانك دي.
أخرج إسلام لسانه بطريقة مسرحية وغمغم بعدما انتهى من تلك الحركة:
- أهو شوفتي مش طويل يا حاج علاء، وعارفة هفضل أقولك علاء لحد ما تخرجي من أوضتك وتفرفشي بقى، عايز أشوفك أحسن من الأول وتعيشي حياتك، ده انتي لسه في عز شبابك.
رفعت حاجبيها وابتسمت بسخرية قائلة بتهكم:
- ومين قالك إني مبقتش كويسة؟ أنا الحمد لله أحسن وعاجبني نفسي كده وعاجباني وحدتي.
- عاجباكي! ده من أنهي ناحية لمؤاخذة، وبعدين انتي لازم تخرجي من أوضتك اللي بقت زي السجن دي.
تنهدت طويلًا مغمغمة:
- ريح نفسك يا إسلام عشان أنا مش هتغير ومش ناوية أرجع آلاء القديمة، الآء القديمة خلاص مبقاش ينفع ترجع، مينفعش بعد كل اللي مريت بيه أعيش وأكمل حياتي عادي ولا كأن حصل حاجة، انت متعرفش إيه اللي بيحصلي، ده كل يوم بيجيلي عايز ياخدني معاه عايز يموتني يا إسلام.
رمقها بعدم فهم من حديثها الغامض وقال باستفسار:
- مين ده يا آلاء؟
فغمغمت بتلقائية:
- باسم يا إسلام، كل يوم بيجيلى في المنام مش عايز يسبني بقاله أربع سنين، كل يوم بشوفه.
وقاطعه "إسلام" مغمغم:
- آلاء كل اللي بيحصلك ده كوابيس مش أكتر، صدقيني وسببه اللي انتي عملاه في نفسك ده. طب عارفة عندي ليكي خبر هيفرحك جدا ومش بعيد تقوليلي أخرجك كمان.
نظرت له باستفهام فاكمل مغمغم:
- وجد رجعت يا آلاء، واللي أنا عارفة إن داغر مش ناوي يسبها ترجع المرة دي وتسبنا تاني وهيتمسك بيها ومش بعيد تلاقيها جاية تعيش معانا.
اتسعت عيناها وابتسمت بسعادة تزورها للمرة الأولى مغمغمة:
- انت بتكلم جد يا إسلام؟
- الا جد ده جد الجد كمان.
***
بالإسكندرية وبداخل منزل "مجدي الأسيوطي"
وأثناء مشاهدة "سحر" و"وسام" للتلفاز شعروا بأصوات غريبة آتيه من الخارج، وكذلك "وجد" التي كانت تقف بالمطبخ تحضر لها شيئاً دافئاً لتشربه بعدما رحلت الخادمة.
خرجت "وجد" من المطبخ مغمغمة بدهشة:
- إيه الأصوات دي؟
فصاحت "وسام" بخوف:
- مش عارفة، أنا خايفة.
فصاحت وجد:
- ما تنشفي يا بت مالك طرية كده ليه، إيه اللي كل شوية خايفة خايفة.
ابتلعت وسام ريقها ونظرت لسحر التي لا تقل عنها خوفاً وغمغمت بخفوت وصل لمسامع وجد:
- لا ده انتي مش طبيعية، وهو المفروض إني مخافش واحنا مهددين من واحد زي مصطفى ده، ده أنا كنت هعملها على نفسي وهو بيكلم معاكي.
بذات الوقت كانت قد تحركت "وجد" باتجاه الباب وما كادت أن تفتحه فصاحت بها "سحر" بذعر:
- انتي هتعملي إيه؟ متفتحيش الباب يا مجنونة انتي، افرضي باعت مجرمين ولا حاجة هيخلصوا علينا.
تنهدت "وجد" متجاهلة حديثها وفتحت الباب، وما إن فتحته حتى شهقت بخوف عندما وجدته يقف أمامها وابتسامة على وجهه.
فابتلعت ريقها محاولة إعادة ثباتها مرة أخرى، فغمغمت وهي تجز على أسنانها:
- هو انتا.
ابتسم لها مجيباً إياها:
- أيوا أنا هو، انتي مستنية غيري ولا إيه؟ مش قولتلك هجى بليل وهنكتب الكتاب.
جاءت "سحر" و"وسام" من خلفها بعدما وصل صوته إليهم.
فصاحت سحر بضيق:
- إيه ده، حد يعمل كده؟ خضتنا يا شيخ، وبعدين فين البواب وإيه الأصوات اللي بره دي؟ انت بتعمل إيه؟
أومأت "وجد" بغضب متمتمة:
- البواب ده مفيش فايدة فيه، دي مش أول مرة، أنا هوريه.
وما إن غادرت باب القصر وكادت تخطو بقدميها عدة خطوات حتى وقفت مكانها مدهوشة منبهرة مما تراه عيناها، وكذلك وسام وسحر، فكل منهم جحظت عيناها بانبهار.
فتلفتت "وجد" إليه قائلة بصوت مبحوح خرج بصعوبة:
- إيه اللي انت عامله ده؟
ابتسم لها بحنان مغمغم:
- عجبك!
أولته ظهرها متحركة من مكانها وعينيها تجول بالحديقة، فقد جعلها بأكملها مليئة بالورود الحمراء والشمع وإضاءة خافتة جعلت الحديقة أكثر رومانسية، تجعل أي امرأة تذوب بعشقها.
فاتسعت ابتسامتها رغمًا عنها وغمغمت بدون وعي:
- كل ده عشانى انا؟
أجابها وهو يقف وراءها تاركاً بعض المسافة بينهم والسعادة تلوح على وجهه لرؤية سعادتها:
- أكيد عشانك يا وجد.
ابتلعت ريقها من صوته الحنون الذي يبثها الراحة والأمان، فلتفتت إليه حتى تنظر بعينيه، فوجدته جالساً على إحدى ركبتيه مخرجاً إحدى العلب القطيفة الحمراء والتي بداخلها أحد الخواتم باهظة الثمن، قائلاً بحب مناجياً ربه بسره أن توافقه ولا تكسر بقلبه الذي لا يريد سواها بقربه:
- توافقي تتجوزيني يا وجد وتكوني مراتي وحلالي وأم ولادي؟
لمعت الدموع بعينيها وظلت تتطلع لكل انش به متأملة إياه، وخاصة تلك اللحية التي تزين وجهه وتلك السبابة التي تضيء وجهه، وما كادت أن تجيب حتى اقتربت منهم وسام مهرولة قائلة بتحذير مخربة تلك اللحظة:
- وحياة أمي لو رفضتي لهجيبك من شعرك، الواد تاعب نفسه وعاملك جو شاعري، يلا بقى وافقي.
وكزتها "وجد" بذراعيها مغمغمة بابتسامة:
- مليكيش دعوة انتي، ومين قالك إني هرفض؟
ثم نظرت تجاه "داغر" الذي لمعت عينيه ببريق من السعادة مغمغمة:
- موافقة يا داغر، بس الخاتم تلبسهولي بعد ما نكتب الكتاب.
ابتسم لها ناهضاً من مكانه يتمنى ضمها داخل أحضانه بتلك اللحظة، ولكنه استطاع تمالك نفسه ومشاعره المتأججة المشتعلة، فستكون بين أحضانه الليلة مخبراً إياها بمشاعره منذ رآها، فغمغم وقلبه يكاد يخرج من بين أضلعه:
- والمأذون برة وكمان اتنين شهود حضرتهم، هنكتب الكتاب ونرجع القاهرة.
أومأت له بسعادة موافقة على حديثه.
وبعد مرور بعض الوقت، غمغم المأذون بتلك الكلمات:
- بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.