تحميل رواية طغيان قلب بقلم فاطمة محمد pdf
بقلم فاطمة محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بأحدى الدول الأوربية، وتحديدًا داخل إحدى الغرف التي يسودها اللون الأسود، تململت بنومها عندما وصل إلى عينيها تلك الإضاءة التي جعلتها تنزعج كثيرًا. رفعت رأسها عن تلك الوسادة لتنظر باتجاه تلك النافذة التي تعلم جيدًا من الذي قام بفتحها. اقتربت منها تلك الفتاة التي كانت تقف بجوار النافذة، وابتسامة جذابة على وجهها، وخصلاتها السوداء الطويلة تنساب على وجهها بنعومة، وهي تغمغم بابتسامة مشاكسة: - صباح الخير. فتحت وجد عينيها بانزعاج وهي تقول بتأفف: - خير، وهيجي منين الخير وأنتي كل يوم تعملي فيا العملة المهب...
رواية طغيان قلب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فاطمة محمد
-عدي، أنت بتعمل إيه هنا؟
أزدرق ريقه وقال:
-زي ما قلتلك عايز أشوف ابني، وحابب أتكلم مع حورية.
التفتت وجد ورمقت حورية الشاردة بنظرة سريعة، ودفعته برفق بعيدًا عن الباب وخرجت من المنزل مغلقة الباب من خلفها، مغمغمة بضيق:
-عدي مينفعش يشوفها ولا يزوريها وشك، إحنا ما صدقنا هدينا شوية، ومعندناش استعداد نخلي نفسيتها تتدهور لما تشوفك.
أغمض عينيه بألم وهمس برجاء:
-أرجوكي يا وجد، أنا مش هينفع أمشي من غير ما أشوف زياد ولا أتكلم مع حورية.
قاطعته وجد بحدة دون مراعاة لحالته وهيئته المزرية:
-يا بني آدم افهم واعمل حاجة عدلة في حياتك ولو لمرة.
فتح باب المنزل المجاور وخرج عمر من المنزل بعدما وصل لمسامعه بعض الهمهمات غير المفهومة، فامتخطت ملامحه ما أن رأى عدي أمامه، وكز على أسنانه واقترب منهم:
-خير، فيه حاجة؟
رمقته وجد بعينيها وسريعًا ما التفتت لعدي ينظر له، فانتبه عمر لحالته ورأى بعينيه نظرة انكسار وحزن دفين، فلانّت ملامحه وهمهم بهدوء:
-البقاء لله.
أماء له عدي، والتفت لـ وجد مرة أخرى ونظرة الترجي لا تزال بعينيه، فزفرت وجد بضيق ووجهت حديثها لعمر وتمتمت ببعض الانفعال:
-أستاذ عمر، ممكن تفهم عدي بيه إنه مينفعش يقابل حورية؟
رفع عمر حاجبيه باستنكار وقال بنبرة جعلها هادئة قدر المستطاع رغم تلك الغيرة القاتلة التي نهشت قلبه:
-ما هو فعلاً مينفعش، إحنا عاذرين اللي انت فيه، بس انت كمان المفروض تعذر مدام حورية.
بالداخل
جلست ندى بجوار حورية ورفعت يديها ورّبت على كتفيها وقالت بهدوء:
-حورية، زياد نام، هاتيه نيمه في الأوضة جوه.
أجابتها حورية بسرعة وبتلقائية وهي تزيد من احتضان ابنها:
-لا، زياد هيفضل في حضني يا ندى.
فصاحت ندى بثبات رغم الحزن الذي لاح بعينيها:
-يا حورية، هو مش هيبعد، بس هينام جوه في الأوضة، انتي كدة دراعك هيوجعك.
قاطعتها حورية بقوة وشراسة:
-قلتلك لا، ابني هيفضل نايم في حضني.
أغمضت ندى عينيها تحاول كبح دموعها وتمتمت:
-يا حبيبتي، لو مش عشانك يبقى عشانه هو، أكيد مش مرتاح في النومة، أقولك ادخلي معاه نيميه في السرير ونامي جنبه طيب، وحتى تكوني ريحتي شوية.
ظهر عليها الاقتناع بحديثها، فأكملت ندى حديثها مشجعة إياها على تلك الفكرة:
-يلا يا حورية قومي.
تحاملت حورية على قدميها ونهضت بهدوء شديد تحرص على عدم استيقاظه، وتحركت ساقاها باتجاه الغرفة، وأثناء ذلك وصل لمسامعها ذلك الصوت الذي باتت تبغضه والذي منعها من استكمال طريقها.
توترت ندى التي استمعت لنفس الصوت وتلك المشاحنة الكلامية بالخارج، وكادت أن تتحدث ولكن منعتها حورية عندما وضعت زياد على ذراعيها، مغمغمة بهدوء ما قبل العاصفة:
-خدي زياد وادخلي الأوضة ومتخرجيش منها، ولو حصل إيه متسيبيهوش وتخرجي، انتي سامعة؟
أماءت لها براسها عدة مرات قائلة بخشوع:
-سامعة.
دلفت ندى إلى الغرفة وأغلقت الباب من خلفها، وما أن تأكدت حورية من إغلاقها الباب حتى تقدمت صوب الباب واستجمعت جأشها وفتحته قائلة بغضب ناري وهي تحدق به بعينيها:
-أنت بتعمل إيه هنا؟ أنت ليك عين توريني وشك بعد اللي حصل؟
رمقها الجميع وسيطر التوتر على الأجواء، فتجاهل عدي وجود كل من عمر ووجد واقترب من حورية بسرعة البرق، مغمغم بترجٍ والدموع تتجمع بعينيه من جديد ويداه تكاد تلمسها:
-حورية عايز أتكلم معاكي.
أنا قطعته صارخة به:
-قلتلك قبل كده متلمسنيش، انت لسه ليك عين تيجي لحد هنا، ليك عين تبص في وشي وأنت السبب في إني أتحرم من ابني.
هبطت دموعه الحارة وقال:
-أوعك تفكري إني موته مش فارق معايا أو إني مبسوط باللي حصل، وأنا عارف إني السبب فيه، زين كان ابني أنا كمان وأكيد بحبه، وفكرة إنه مبقاش موجود معذباني.
ظلت دموعه تنهمر بلا توقف أثناء حديثه، فتبادل عمر ووجد النظرات، وللحظات شعرت وجد بالشفقة تجاهه، أما عمر فكان يتابع ما يحدث بترقب وازدادت خفقاته بخوف ودب الرعب به عندما اقتحم تفكيره بأنها من الممكن أن تعود له. تعود له وتتركه وحيدًا بعدما تعلق بها، بعدما أصبحت نفسه وأصبح يتنفس من أجلها هي فقط. فأحتدت عيناه عند تلك الفكرة، فكيف سيكمل حياته إذا غادرتها؟ فمنذ أن رآها لا يتخيل حياته من دونها، دون ابتسامتها، عفويتها، حنانها. حنانها لأطفالها الذي عشقه قبل كل شيء آخر.
أخرجه من أفكاره صوت حورية التي هتفت بعتاب سرعان ما تحول لعصبية مفرطة صاحبها لكمات سددتها لعدي في صدره:
-دلوقتي بتعيط؟ دلوقتي ندمان؟ دلوقتي عرفت قيمتنا، بس بعد إيه؟ بعد ما ابني ما راح مني، ما فوقتش من زمان ليه؟ جاوبني، مفوقتش من زمان ليه؟
اقترب عمر ووجد منهم، فحاوطت وجد حورية محاولة تهدئتها بعدما اجتمع بعض الجيران على أصواتهم وبدأت همساتهم وهمهماتهم، أما عمر فابعد عدي قائلاً ببرود:
-كفاية أوي لحد كده، امشِ لو سمحت.
رفع عدي يديه ومسح عبراته وهو يومئ له وتحرك من مكانه وهبط درج البناية والندم يتأكله.
فصاح عمر بالجيران مغمغم بهدوء:
-يلا يا جماعة، كل واحد على بيته، بتتفرجوا على إيه أنا مش فاهم.
غادر الجيران وقامت وجد بادخال حورية داخل المنزل وهي تسندها، مجلسة إياها على الأريكة، فوقف عمر على باب المنزل يراقبهم، فاقتربت وجد حتى تغلق الباب، فهمس لها عمر بحزن:
-أنا موجود لو حصل أي حاجة واحتجتوني، وارجوكي متسيبهاش لوحدها واعمليها أي حاجة دافية تشربها.
أماءت له وجد وأغلقت الباب، فعاد هو لمنزله المجاور لهم وأغلق الباب.
**********
صاحت حورية بعدما جلست على الأريكة والدموع تذرف من عينيها، تشعر بغضب جحيمي تملكها بعد مجيئه إليها ووقوفه أمامها، فقالت بنبرة متقطعة مبحوحة:
-شفتي.. شفتي جه لحد هنا إزاي؟ هو إزاي تفكيره وصله إنه ييجي لهنا؟ أنا مشفتش بجاحته.
وقفت وجد بمواجهتها ومسحت دموعها بأصابعها وقالت:
-خلاص يا حورية، وبعدين انتي أديتيله اللي فيه النصيب وقسيتي عليه.
رفعت عينيها تنظر لها وأشارت تجاه نفسها قائلة بصدمة:
-أنا اللي قسيت عليه؟ اومال هو إيه بقى؟
حركت الأخرى رأسها بنفي وقالت:
-فهمتيني غلط، والله أنا قصدي إنك أديتيله كلمتين في الجون.
أزاحت حورية يديها ونهضت تجاه الغرفة التي يقطن بها ابنها برفقة شقيقتها.
فتابعتها وجد بعينها وتحركت صوب المطبخ حتى تحضر لها بعض الأعشاب التي قد تساهم في تهدئتها، فصدح رنين هاتفه، فأخرجته من جيبها وأجابت عليه بعدما وجدت أنه داغر الذي صاح بلهفة:
-وجد، عدي مجاش عندك؟
زفرت بضيق وأجبته على مضض قائلة:
-لأ جه يا داغر، ومكنتش هخليه يشوف حورية، بس هو حظه وحش وحورية سمعت صوته وحصل اللي حصل بقى، وأخوكي لسه نازل من شوية.
-نزل راح فين؟
حركت كتفيها وقالت:
-معرفش، هعرف منين يعني، بس أكيد هيرجع على البيت عندكم.
-طيب طيب، اقفلي.
قالها بسرعة وأغلق الهاتف بوجهها، فنظرت بالهاتف بصدمة وهمهمت بضيق:
-انت كمان بتقفل السكة في وشي، ماشي يا داغر.
تنهدت وأخرجت رقم رسام وحادثتها للاطمئنان عليها بعد رحيلها منذ ساعات قليلة، وبذات الوقت بدأت بتحضير المشروب الساخن.
**********
ظل يدور حول نفسه ومن الوقت للآخر ينظر بساعة معصمه، فالخوف والقلق على شقيقه قد تمكن منه، يخاف أن يحدث له مكروهًا، أو يفعل بنفسه شيئًا يفقده حياته ويفقده هو، يلوم نفسه على تركه بمفرده. أما رائف وحسام فكانا يتابعان داغر بأعين قلقة، فصاح داغر وهو ينظر من الشرفة:
-عشر دقايق كمان لو مجاش هنزل أدور عليه.
أؤما له حسام موافقًا على حديثه، أما رائف فزفر وهو يضع رأسه بين يديه يتنهد بتعب وإرهاق وقال بصوت مكتوم يغلبه الندم، مخرجًا رأسه من بين يديه مقتربًا من صديقه، وأعين حسام تتابعهم بصمت:
-داغر، فيه حاجة عايزة أقولهالك. عارف إنها مش وقتها خالص، بس أنت لازم تعرفها.
التفت داغر ينظر له بأعين متربصة كالصقر وحرك رأسه باستفهام وهتف:
-حاجة إيه يا رائف؟
أخذ شهيقًا طويلًا وزفره بهدوء شديد وهمهم:
-أنا بعد ما عرفت بحقيقة مشاعر ياسمين ناحيتك وحبها ليك، وأنا الشياطين مش سايباني وكنت عايز أعمل أي حاجة تخليك تضايقك، فملقتش غير طريقة واحدة.
ضيق داغر عينيه ونهض حسام من مكانه مقتربًا من رائف شقيقه وقال بدهشة:
-عملت إيه يا رائف؟
كاد رائف أن يجيبه ولكن قاطعه صوت داغر الذي خرج غاضبًا مكتومًا:
-أنت المجهول مش كده؟ أنت اللي كنت بتبعت الورد لوجد صح يا رائف؟
كز رائف على أسنانه ندمًا وأغمض عينيه لوهلة وقال مؤكدًا حديثه:
-أيوة يا داغر، أنا.
تشنجت عضلات وجه داغر وكاد أن يطيح به ولكن استطاع كبح غضبه والتحكم به، فضم قبضته وتحرك خطوتين من أمام رائف وضرب الحائط مرتين متتاليتين بعنف مخرجًا غضبه بتلك الضربات.
أما حسام فظل يراقب شقيقه بعدم تصديق وقال بضيق موجهًا حديثه لداغر في محاولة منه للهروب من ذاك الموقف المخجل، فما فعله شقيقه لا يغتفر بالمرة، فبتلك الفعلة كاد أن يهدم زواجهم ويدلف الشكوك والتساؤلات بقلب داغر:
-أنا خارج بره لبابا وأعمامي عشان أقف معاهم، الناس بدأت تيجي تعزي.
عقب خروج حسام من غرفة المكتب، اقترب رائف من داغر وهتف بندم:
-داغر، صدقني وجد بالنسبالي أخت، واستحالة أبصلها بصة مش كويسة، وخصوصًا إنها مراتك، بس أنا كـ راجل اتجرحت وكنت مضايق منك لدرجة متتخيلهاش.
كاد يكمل ولكن منعه تلك القبضة الفولاذية التي قبضت على قميصه بعنف جاذبة إياه بعنف، وقال بأعين قاتمة ونبرة حادة:
-مضايق مني يبقى بيني وبينك مدخلش وجد بينا، تيجي تكلم معايا، اضربني لو حابب، لكن تقرب من البني آدمة اللي بحبها ده اللي مسامحش بيه يا رائف، أنت سامع؟ وبعدين أنا عمري ما اتعرضت لياسمين ولا حتى فكرت إني أبصلها. أنت خيبت ظني فيك يا ابن عمي، كنت فاكرك صاحبي بحق وحقيقي، ولو إيه اللي حصل مفيش حاجة هتفرق بينا وهنفضل ضهر وعزوة لبعض.
-وأنا ندمان يا داغر، وعشان اعترفتلك، ولو حابب ممكن أعتذرلك قدام العيلة كلها وأكفر عن غلطي.
ترك داغر قميصه وداخله بركان من الغضب، فظل رائف يطالعه بتوجس:
-قلت إيه يا داغر؟
أجابه داغر ببرود:
-مش وقته الكلام ده.
وسريعًا ما خرج من الغرفة يريد البحث عن شقيقه، فوجده أمامه ويتجه صوب درجات السلم وحالته تحزن القلب قبل العين. اقترب منه بلهفة:
-عدي، كنت فين؟ قلقتني عليك.
نظر له عدي بتشتت وعيناه حمراء أثر بكائه وانهياره التام الذي حدث له بسيارته عقب ترجله من البناية القاطنة بها حورية:
-أنا كويس، هطلع أوضة زياد وزين ومش عايز حد يدخلي.
-بس يا عدي، مينفعش اللي بتعمله.
-داغر لو سمحت، أنا مش ناقص ضغط وعايزة أقعد مع نفسي، أرجوك.
-عدي، صلي وارجع لربنا، عدي، هو الوحيد اللي هيخرجك من اللي انت فيه.
**********
ولج غرفة أطفاله لا يشعر بقدميه، فحاله انقلب رأسًا على عقب في ليلة واحدة، أسند رأسه للخلف، متذكرًا كلمات شقيقه وظلت تتردد بأذنيه:
-صلي وارجع لربنا يا عدي، هو الوحيد اللي هيخرجك من اللي انت فيه.
تحامل على قدمه ونهض من مكانه وخرج من الغرفة مرة أخرى واتجه باتجاه غرفته ودلف الغرفة قاصدًا المرحاض وبدأ بالوضوء واختلطت دموعه مع ماء الوضوء.
أنهى وضوءه وخرج من الغرفة ينظر لكل زاوية بها لا يطيق المكوث بها، فأبتلع تلك المرارة وخرج من الغرفة مرة أخرى ليعود لغرفة أطفاله التي أصبحت محببة ومفضلة بالنسبة له.
دلف الغرفة وظل يدور حول نفسه لا يعرف مكان القبلة، فضغط على أسنانه بقوة وخرج من الغرفة مرة أخرى ونزل درجات السلم وعيناه تبحث عن شقيقه، فقادته قدمه صوب مكتبه يبعد نفسه عن ذلك الحشد الرجالي، فأنتبهت إليه والدته التي تجلس في عزاء النساء، فظلت ترمقه بحسرة وقلبها يتمزق من أجله، فهي تكره أن تراه بتلك الحالة.
فتح باب غرفة المكتب وأطل برأسه وقال بعدما وجده يقف أمام الشرفة مولياً ظهره له:
-داغر.
التفت داغر ينظر له بلهفة وقال بقلق:
-أيوة يا عدي!
أزدرق ريقه وقال:
-عايز أعرف مكان القبلة وكمان عايز مصلية.
اتسعت ابتسامة داغر ورفع يديه محاوطًا وجهه وقال:
-بس كده؟ ثانية واحدة.
ابتعد عنه وجلب إحدى المصليات وأعطاها له ووضح له مكان القبلة.
أماء له عدي برأسه بهدوء وتحرك من أمامه مغادرًا، فتنهد داغر براحة يشعر بشعاع من الأمل ينبعث مرة أخرى.
بعد مرور عدة دقائق
كان جاثيًا على ركبتيه راكعًا لله عز وجل ودموعه تنهمر كالأنهار يناجي ربه أن يغفر له ويسامحه ويصبر قلبه على فراق ابنه ويغفر له خطاياه.
**********
تحاول الاتصال بها مرارًا وتكرارًا بعدما خرجت من غرفة حورية تاركة إياها نائمة ذاهبة بسُبات عميق وندى بجوارها، فحاولت مرة أخرى ولكن دون فائدة، تقلق من أن يكون قد أصابها شيء.
حركت قدميها بعنف والغضب يعتريها:
-مبتردش ليه بس دي، ماشي يا وسام والله لما أشوفك بس!
حاولت ندى تهدئتها متحدثة بنبرة هادئة:
-أهدي يا وجد ومتقلقيش، تلاقيها بس مش سامعة الموبايل ولا حاجة وأول ما تشوف المكالمات هتكلمك.
حركت وجد رأسها بنفي وهمهمت:
-لأ يا ندى، أنا قلبي متوغوش، حاسة فيه حاجة.
نهضت ندى واقتربت منها وجذبتها من ذراعيها وأجلستها بجوارها وقالت:
-انتي بس عشان بتحبيها أوي بتخافي عليها أوي، بس صدقيني مش هيطلع فيه حاجة وممكن موبايلها يكون صوته واطي.
زمت وجد شفتيها بعدم اقتناع وبدأت الشكوك تتغلغل قلبها، بذات الوقت التي صدح به رنين هاتفها، فنظرت به وسريعًا ما أجابت عندما وجدت أنها وسام:
-انتي فين يا كلب البحر؟ قلقتيني عليكي، حرام عليكي يا وسام والله لما أشوفك بس!
صدح صوت ضحكات رجولية مألوفة بالنسبة لها، فأبتلعت لعابها بخوف عندما خرج صوته الرجولي الغليظ الساخر قائلاً:
-يا حرام، لو كنت أعرف إنك هتتخضي عليها أوي كده كنت كلمتك من بدري، يلا خيرها في غيرها، بس إيه رأيك في المفاجأة دي؟ حلوة مش كده؟
تمتمت وجد بخوف على صديقتها:
-مصطفى، وسام ملهاش أي دخل باللي بيني وبينك، خليك راجل وواجهني، اعمل ما بدالك فيا أنا، بس وسام لأ. أنا ممكن أموتك فيه.
للمرة الثانية تصدح ضحكاته الرجولية وهو يتطلع بتلك المقيدة أمامه بأعين راغبة شهوانية، رافعًا يديه محاوطًا وجهها بيديه التي بدأت بالانزلاق تدريجيًا، فحركت جسدها محاولة إبعاد يديه التي تتجرأ عليها وتتلمس جسدها بطريقة بذيئة وهمهمات بسيطة تخرج من فمها بسبب ذلك اللاصق على فمها.
-اهدأ يا وحش عشان أنا مبخافش، وبعدين مش عايزاني أأذيها يبقى تيجي لحد هنا وتمضيلي على التنازل وتخرجي انتي وهي سالمين غانمين، ها قولت إيه؟
مسحت وجد على وجهها زافرة بضيق وسريعًا ما همهمت دون تفكير:
-اديني العنوان وجاية لك وهمضيلك على اللي انت عايزه.
اتسعت ابتسامته على سذاجتها اللامتناهية وهمهم:
-حلو أوي، مستنيكي يا قطة.
**********
بحديقة منزل الهلالي
كان يسير بلا هوادة يفكر بكل ما يحدث من حوله، وفاة ابن شقيقه وانهيار شقيقه التام، وختمت باعتراف رائف له بما فعله، فكلما تذكر فعلته يشعر بنيران تنهش ما بين أضلاعه.
أخرجه من تفكيره صوت حسام وجذبه إياه من ذراعيه، فنظر له داغر بتساؤل:
-عمال أنادي عليك، مبتردش، سرحان في إيه؟
تنهد داغر وهمهم:
-يعني هيكون في إيه، في كل اللي بيحصل يا حسام، وموضوع أخوك زودها عليا، يعني بصراحة مكنتش متخيل إنه يعمل معايا كده.
مط حسام شفتيه وقال:
-رائف أقرب واحد ليك يا داغر وأنت عارف هو بيحبك قد إيه، وموضوع ياسمين وجعه أوي، وأنت المفروض تعذره، هو اتصرف بغباء، بس أنا عندي عشم فيك إنك تسامحه، ده ربنا بيسامح يا شيخنا، أنت مش عايز تسامح.
ارتسمت بسمة ساخرة على وجه داغر وهمهم باستنكار:
-أنت اللي بتقول كده يا حسام؟
قطب حسام جبينه بدهشة وقال:
-أيوة أنا اللي بقول كده، وبعدين مقولش ليه يعني؟
-يعني المفروض لما تنصح بحاجة تكون بتعمل بيها، وأنت ماشاء الله مزودها أوي، ولا منك سامحت وجد ولا منك نسيت اللي حصل زمان. مع إننا بني آدمين والنسيان ده شيء طبيعي، بس أنت سبحان الله مش عايز تنسى ومش عايز تدي فرصة للغلبانة اللي بتحبك.
احتدمت ملامحه وهتف بحدة:
-داغر، لو سمحت، ده شيء وده شيء. مفيش مقارنة أصلاً.
رفع داغر حاجبيه بسخرية وهمهم:
-أنا خايف تندم بعدين يا حسام.
وسريعًا ما أكمل بخبث وهو يرمقه بترقب:
-على العموم، ريح نفسك، البنت مسافرة ومش هتشوف وشها تاني.
سيطرت الدهشة على وجهه، فهي قد ظهرت له بأنها تلك الفتاة التي لا تستسلم ولن تتركه قبل أن يقع في غرامها، فأين حديثها ذلك الآن ولماذا استسلمت ورضخت لرفضه لها؟
ظل داغر يتابعه بعيون كالصقر، ورن هاتفه الموضوع بجيبه، فأخرجه مجيبًا عليه دون أن يراه، فوصل إليه صوت ندى وهي تغمغم بخوف:
-داغر، وجد نزلت من عندنا ورايحة لواحد اسمه مصطفى، واللي فهمته إنه خاطف وسام صاحبتها.
رواية طغيان قلب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم فاطمة محمد
بعد مرور عام......
أشرقت شمس يوم جديد مليء بأحداث متجددة. تندفع سيل الأشعة باستقامة، لونها الذهبي يعم المكان لتعطي مشهدًا بديعًا دون تدخل أي يد عابثة.
تدلف الغرفة دون استئذان، فيحق لها ذلك إثر الدفء الذي تهبه للجميع دون مقابل. وعلى ذلك الفراش الواسع الوثير كانا متمددين يحتضن كل منهما الآخر. يضعها كاملة داخل أحضانه، يتمسك بها بقوة ساحقًا أي فرصة بالابتعاد عنه. أما هي فكانت تدفن رأسها بعضلات صدره العريض وتذهب بسبات عميق سببه ذلك الأرق الذي تشعر. فطفلتها لم تنم إلا في تمام الخامسة فجرًا، وظل داغر بجوارهم لا يريد أن ينام ويتركهم بمفردهم. يريد أن يقضي جميع أوقاته.
استيقظت الصغيرة والتي كانت النسخة الثانية من سحر، عدا لون خصلاتها التي تمردت عليه وورثت لون خصلات والدها. صدح صوت بكائها وكأنها تعترض على تركهم لها. فكانت وجد أول من استيقظت على بكائها. فخرجت من أحضانه ودفعت الغطاء متحركة باتجاه فراش ابنتها الصغير المتواجد معهم بغرفتهم وقامت بحملها. فلم تتوقف الصغيرة عن وصلة بكائها. فجلست وجد على الأريكة وبدأت بترضيعها. فكان لها ما ظنت، فصغيرتها جائعة حقًا. فاتسعت ابتسامتها وظلت تتأملها وهي بين أحضانها، لا تريد إخراجها.
استيقظ داغر وتململ بالفراش شاعرًا بفراغ الفراش. فمدد يديه يتأكد من شكوكه فوجده خاليًا. فأعتدل بجسده قليلًا، فأنتبه إليها وهي تجلس على الأريكة وقد انتهت من أرضاع صغيرتها للتو. فقال وابتسامة مشاغبة على محياه:
- صحيت إمتى الزقردة دي!
قطب وجد جبينها بانزعاج وقالت وهي تتحرك بالصغيرة لتجلس بجواره واضعة الصغيرة على الفراش:
- زقردة في عينك.
مط داغر شفتيه وانحنى لمستقبل صغيرته وقبلها بهدوء وحنان مفرط متمتمًا بصوت هامس:
- صباح الخير يا حياة. إيه اللي صاحي يا بت أنتي مش كفاية منيمتيناش طول الليل كمان بتصحي بدري. أنتي حد مسلطك علينا يا بت يا زقردة أنتي.
لكزته وجد في ذراعيه بغضب والشرار يتطاير من عينيها:
- بطل زقردة دي بقى بتعصبني يا داغر. متقولهاش لحياة تاني.
أماء لها داغر وقال بمرح وهو ينهض عن الفراش:
- طيب مدام فينا من إني مقولهاش تاني لحياة يبقى أقولهالك انتي.
أستدارت وجد برأسها وقالت من بين أسنانها بشراسة قد اعتاد عليها منذ زمن:
- لا أنا ولا هي. أنا وجد وهي حياة. مفيش زقردة هنا. اديني بقولك أهو. والله يا داغر لو قولتها تاني مهكلمك وهخاصمك.
قلب داغر عينيه وتنهد بمرح وقال:
- ماشي يا ستي مدام بتضايقك مش هنقولها تاني.
تنهدت وجد براحة والتفتت تجاه صغيرتها مرة أخرى. فدلف داغر الحمام ولم تمر ثانية حتى أخرج رأسه من الحمام وهمهم بتفكير وبطريقة مسرحية واضعًا إصبعه على وجنتيه وكأنه يفكر بشيء ما:
- طب أفكرلك في اسم تاني بقى مدام زقردة مش عاجبك. إيه رأيك في...
التقطت وجد المنبه بحركة سريعة والتفتت وهي تمسكها بيديها. فاغلق داغر الباب سريعًا قائلًا من خلفها:
- جرا يا وجد خلى قلبك أبيض شوية. وبعدين أنا بهزر. انت مبتهزرش يا رمضان ولا إيه.
حركت وجد رأسها بقلة حيلة والابتسامة المشرقة تتسع على وجهها من أفعاله المسرحية التي أصبح لا يكف عن فعلها مغمغمة بهمس لطفلتها الصغيرة:
- بابا ده مجنون والله العظيم مجنون وهيجنني معاه.
***
ولجت إلى المنزل بعدما عادت من عيادة الطبيبة التي أجرت لها الفحوصات وأخبرتها بذلك الخبر الذي جعلها تشعر بمزيج من المشاعر. لا تعلم أتسعد أم تحزن. تتذكر اللحظة التي أخبرتها بها الطبيبة بحملها والتي جعلتها الآلام تتغللها مرة أخرى على ابنها الراحل.
أقتربت منها ندى التي كانت تجلس بجوار زياد يشاهدان إحدى الأفلام الكرتونية. فظلت تنادي عليها وهي تقف أمامها ولكن لا حياة لمن تنادي وكأنها في عالم. رفعت يديها تحركها أمام وجهها مرددة اسمها بنبرة أعلى. جذبت انتباه شقيقتها:
- حورية!
رمقتها حورية بنظرة زائغة مشتتة. فقالت ندى وهي تضع يديها على ذراعيها وحالة من الذعر قد تملكتها:
- مالك يا حورية؟ إيه اللي حصل؟ عملتي إيه عند الدكتورة؟ اتكلمي متقلقنيش!
أزدردت حورية ريقها وقالت ببسمة بسيطة ترتسم على وجهها مغمغمة:
- أنا حامل يا ندى.
أتسعت عين ندى بسعادة وضمت حورية بسعادة مغمغمة:
- حبيبتي ألف مبروك. عمر هيفرح أوي.
أخرجتها من أحضانها وقالت وعيناها تجول على ملامحها التي لم تعرف إذا كانت سعيدة أم حزينة:
- أنتي مش فرحانة ولا إيه يا حورية؟
تنهدت حورية وتحركت بخطوات هادئة تجاه ابنها الذي يجلس على الأرضية بجوار الأريكة. فجلست بجواره مقبلة أعلى جبهته ويديها تتلمس خصلاته بحنان وقالت بهدوء دون النظر بعينيها:
- أكيد فرحانة يا ندى. بس لما الدكتورة بلغتني بالحمل افتكرت اليوم اللي عرفت فيه إني حامل في زين وزياد. قلبي وجعني أوي على زين.
رفعت حدقتيها ورمقت ندى قائلة:
- هو أنا وحشة يا ندى؟ يعني غلطت بجوازي من عمر؟
- ليه بتقولي كده يا حورية؟ هو انتي مش مبسوطة مع عمر؟
نفت برأسها سريعًا قائلة:
- لا طبعًا. عمر حنين جدًا وبيحبني أوي وأنا كمان. بس أنا بتكلم في حتة إني طاوعتك إنتي ووجد ووافقت على عرض عمر واتجوزنا بعد عشر شهور بس من وفاة زين.
أماءت لها ندى بتفهم وأقتربت منها وجلست على الأريكة وقالت بهدوء وصدق:
- حورية إنتي معملتيش حاجة غلط ومش معنى إنك اتجوزتي عمر يبقى نسيتي ابنك. الحزن في القلب. زين مدام لسه في بالك وبتفكري فيه يبقى أوعي تحسي بالذنب. وعمر مكنش يستاهل إنك ترفضي عرضه. عمر بيحبك وكان عايز يحتويكي. واديكي شفتي وقف جنبنا إزاي وكان كل يوم بيدخل يطمن عليكي ويكلم معاكي ويخرجك شوية من الحزن اللي كان مالي قلبك. عارفة الغلط كان هيبقى فين فعلاً.
حركت حورية رأسها بتساؤل تنصت لحديث أختها بتركيز. فأكملت ندى:
- لو كنتي رفضتي واحد بيحبك زي عمر.
ثم رفعت يديها ووضعتها موضوع قلبها مغمغمة ببسمة بسيطة على محياها:
- الحزن بجد بيبقى في القلب مش في إنك تعتزلي الحياة.
أبتسمت لها حورية بهدوء مقتنعة بحديثها اقتناع تام. فصاحت ندى:
- يلا بقى يا ستي عايزة أه تحضري نفسك عشان عمر لما يجي تشوفي هتقوليله الخبر الحلو ده إزاي. أنا متأكدة إنه هيموت من الفرحة.
وسريعًا ما نهضت من مكانها تجذب حقيبتها. فصاحت حورية وهي تنهض خلفها:
- رايحة فين!
ألتفتت ندى تنظر إليها بكامل جسدها وهي تعلق الحقيبة على ظهرها وغمغمت بمرح:
- جرا يا حاجة هو أنا موريش غيرك ولا إيه. أنا عندي جامعة ومحاضرات ومسؤوليات وبلاوي سودة. ده كان يوم أخبث يوم ما دخلت تجارة. بلس إنك لازم تفتخري بيا ده أنا شايلة مادة من سنة أولى.
ابتسمت حورية وقالت بسخرية:
- وفرحانة يا فالحة.
- هعمل إيه يعني نصيبي كده. يعني كل صحابي عدوا صافي إلا أنا. جت عند قرمط وشلت. يلا بقى وكفاية رغي. إنتي رغاية كده ليه يابا.
ابتسمت حورية على طريقة ندى العفوية المرحة وأغلقت الباب من خلفها. وسرعان ما ذهبت بجوار ابنها وقامت بحمله مقبلة إياه بجبهته للمرة الثانية على التوالي مغمعمة بحب:
- تعرف إن إنت وحشتني النهارده.
رفع الصغير عيناه ينظر لها وقال بنبرة طفولية بحتة:
- وإنتي كمان يا ماما وحشتي زياد أوي.
قبلته بوجنتيه اليسرى ويدها تداعب وجنتيه اليسرى مغمغمة:
- يا روحي إنت. استنى بقى نكلم عمر نشوف هيرجع إمتى من الشغل.
***
على مائدة الإفطار.
كانت نظراته لا تفارقها. يتطلع لها والشرار يكاد يطلق من عينيه والغيظ يتربع بداخله. أما هي فكانت تشعر بنظراته المصوبة تجاهها. فرفعت عيناها تنظر له وسريعًا ما اخفضت نظراتها بتوتر. فالنظر بعينيه يجعلها ترتبك ويشوش عقلها.
فصاحت سعاد التي انتبهت لنظرات رائف المصوبة تجاه آلاء. حتى سعدت بداخلها. فحمحمت مخرجة إياه من بركان غضبه:
- هو انهاردة أجازتك يا رائف؟
أجابها رائف وهو ينظر بالصحن أمامه مغمغم:
- أيوه يا مرات عمي.
فضربت على جبينها وقالت بكذب:
- والله الواحد ما بقى عارف الأيام من بعضها. طيب أنا هقوم أدخل المطبخ بقى أشوف هنعمل أكل إيه انهاردة بما إن العيلة كلها موجودة. صحيح هو أخوك حسام مش باين من امبارح ليه؟
ابتلع رائف الطعام المتواجد بفمه وقال بهدوء تام:
- حسام سافر بكرة.
غمغم داغر الذي هبط برفقة زوجته وابنته لتناول وجبة الإفطار وقال بدهشة:
- سافر! سافر كده من غير ما يقول.
جلست وجد بجوار شقيقتها وابنتها على المائدة ترفض تركها. فابتسمت لآلاء التي بادلته ابتسامتها بحب. فأكمل داغر وهو يجلس بجوار وجد. فقالت سعاد التي نهضت متحركة تجاه حفيدتها وأخذتها من وجد التي تركتها لها على مضض:
- طب قول صباح الخير الأول يا ماما.
ابتسم لها داغر وهتف بمرح:
- صباح الخير الأول يا ماما.
- خلصي فطارك وتعالى خدي بنتك. هقعد معاها عقبال ما تخلصوا فطور.
أماءت لها وجد وظلت عيناها تتابعها حتى اختفت هي وابنتها عن الأنظار. فأكمل داغر استفساره:
- سافر فين يا رائف وليه؟
حرك رائف كتفيه وقال بلا مبالاة:
- سافر ألمانيا.
أشرقت وجد وظلت تسعل بشدة. فناولها داغر كوبًا من الماء فتجرعته مرة واحدة. فربت داغر على ظهرها وقال بقلق:
- انتي كويسة يا وجد؟
أماءت له برأسها ناهضة من مكانها قائلة وهي تهرول مغادرة المكان:
- هعمل تليفون وجاية تاني.
دلف غرفتها مغلقة الباب من خلفها والتقطت هاتفها الموضوع على الفراش وأسرعت بالاتصال على صديقتها عن طريق (مسنجر). ولكنها لم تجيبها. فحاولت بكل الطرق الوصول إليها ولكنها لم تفلح. فكزت على أسنانها وقالت بضيق:
- أكيد نايمة. يخربيتك يا وسام ده وقت نوم.
دلف داغر الغرفة بعدما لحق بها. فالتفتت تنظر له. فقال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
- في إيه يا وجد؟ إنتي مش عايزة حسام يلاقي وسام ليه؟ ما تسبيه يصلح اللي حصل. ما إنتي شوفتيه كان عامل إزاي بعد ما سافرتي. وكام مرة سأل عليكي. كم مرة سأل عن مكانها. وإنتي عمرك ما قلبك حن عليها.
اقتربت منه وجد وهي تصرخ بحدة وغضب:
- وهي وسام كانت صعبت عليه؟ عمره قلبه حن عليها؟ البت اتخلت عن كرامتها عشان بس يحس بيها وبحبها وهو لا الهوى. ف عايزة أول ما يندم يلاقيها ويصالحها بسهولة. كان لازم ده اللي يحصل عشان يعرف قيمتها ويعرف قد إيه هي غالية ويبطل هبل شوية. كان عايشلي في وهم طول سنين وحملني ذنب أنا مليش علاقة بيه. وربنا يشهد على كلامي. حسام عمره ما حب إنجي. لو كان قلبه حبها مكنش دق لوسام. هو عايش بس في عذاب الضمير.
مسح داغر على وجهه براحة يديه وهمهم:
- وخلاص بقى. أظن سنة كافية أوي ليه. كفاية عذاب حسام. اتعذب وانجرح كفاية.
***
على طاولة الإفطار.
نهض رائف من مكانه عقب رحيل الجميع تاركين إياهم يكملون تناول طعامهم. فجلس بجوارها وهتف وهو يضرب على الطاولة بقبضته:
- اسمعي يا آلاء. العريس اللي جاي لك ده يترفض. وإلا والله العظيم مش هيحصل طيب.
نظرت له وقالت بهدوء تام:
- قصدك إيهاب.
ضرب على الطاولة مرة أخرى وقال:
- أيوه أقصد زفت.
رفعت حاجبيها والتفتت له تنظر بعينيه قائلة:
- طب لمؤاخذة في السؤال. لمؤاخذة إيه في السؤال؟ إنت مالك؟
جحظت عيناه بصدمة لم يتوقع إجابتها تلك. فضم قبضته بغضب وصاح بجراءة غير معتادة منه:
- في إنك مش هتجوزي غيري وإيهاب الزفت ده هترفضيه. عشان أنا النهاردة هكلم عمي وهتجوزك وهتبقي في حضني.
نهضت عن الطاولة بعنف وقالت بغضب:
- إنت قليل الأدب. وإيهاب هأوافق عليه. وأعلى ما في خيالك اركبه.
كادت أن تتحرك من أمامه فجذبها من يديها بقوة معتصرًا يديها بقبضته. فتألمت من قوة القبضة ولكنها تحملت عن نفسها.
فاقترب منها وهتف أمام شفتيها بتحدي وإصرار:
- هتجوزك يا آلاء وبرضو هتبقي في حضني وهتشوفي.
وسريعًا ما تركها مغادرًا من أمامها. وسرعان ما تبدلت ملامحها لابتسامة واسعة سعيدة بتمسكه بها ومشاعره المتبادلة.
***
كانت نائمة بفراشها عندما ظلت تلك الطرقات الصاخبة تزعجها بنومها مسببة لها صداع حاد. فنهضت من الفراش وخصلاتها مبعثرة غير مهندمة مرتدية منامة قطنية طويلة واتجهت تجاه الباب وقامت بفتحه بغضب تنوي الصراخ بوجهه الطارق دون معرفة هويته. ولكن سريعًا ما توقف الحديث بجوفها وجحظت عيناها عندما وجدته أمامها يتطلع لها باشتياق وحالمية.
فنطق لسانه بصوت مبحوح وعينيه ترمقها بنظرات عاشق قد تألم لغياب معشوقته:
- وحشتيني يا وسام.
ظلت تطلع له بعدم تصديق واستيعاب. فسيطرت على مشاعرها الجامحة وإن كان لسانها يكذب فعينيها لا تكذب تلك العينان التي تنظر له باشتياق ولهفة وتدور على وجهه وكأنها تشبع عينيها من رؤيته أمامها:
- إنت إيه اللي جابك؟ أنا مش عايزة أشوفك.
كادت أن تغلق الباب ولكن منعها بيديه دالفًا إلى المنزل مغلقًا الباب من خلفه. يتقدم نحوها بخطوات بطيئة قابلتها هي بخطوات أخرى تعود للخلف قائلة بتوتر ودقاتها لا تكف عن الخفقان بسرعة شديدة وكأنها تريد مغادرة جسدها والذهاب لمعشوقها القاطن أمامها يبثها اشتياقه:
- حسام بقولك مش عايزة أشوفك. امشي أطلع برة.
أجابها ودقاته هو الآخر تدق بعنف. فأنزلقت عيناه تنظر على صدرها الذي يعلو ويعبط بشدة فقال:
- ومدام مش عايزة تشوفيني تقدري تقوليلي ده بيدق بسرعة كده أول ما شفتني وعينك بتبصيلي كده؟
ابتلعت ريقها وبدأت دموعها تتجمع بمقلتيها وهمهمت بصوت يكاد يسمع:
- امشي يا حسام.
انهت حديثها وظهره يلتصق بالحائط. فوقف بمواجهتها وتمتم بنبرات ونظرات متيمة:
- هيحصل بس وإنتي معايا. إحنا هنخرج دلوقتي ونطلع على السفارة ونتجوز هناك. ولو سمعت أي اعتراض مش عارف أنا هعمل فيكي إيه.
دفعته بقبضتها الصغيرة مبعدة إياه عنها وكأنها تحرر نفسها من سحره الذي طغى عليها وصاحت بصوت عالٍ غاضب:
- إنت فاكر نفسك إيه ها؟ أول ما تيجي تقولولي عايز أتجوزك هقولك شوبيك لوبيك. لا يا حسام تبقى بتحلم. وسام اللي أتقلت من نفسها عشانك وعشان حبيتك خلاص مبقتش موجودة. وبعدين هو الموضوع بمزاجك؟ ما أنا ياما فضلت وراك. خليك بقى عايش على ذكريات حبيبة القلب.
أنهت حديثها وهي تدفعه مرة أخرى بصدره تتلوى من داخلها.
فألتقط أحد يديها ووضعها على قلبه متمتمًا بحزن:
- مفيش دلوقتي في القلب غيرك يا وسام. أنا بحبك. أنا من ساعة ما عرفت إنك سافرتي وأنا بحاول أوصلك وحاولت مع وجد كتير بس هي كانت مصممة متقوليش حاجة. وأول ما عرفت أوصلك جيتلك من غير ما أفكر. أنا غبي بعترف أهو. أنا فعلاً غبي عشان ضيعت سنة من عمرنا وسبتك تبعدي عن عيني.
هبطت الدموع من عينيها وهي تستمع لحديثه وحالة من السعادة قد سيطرت عليها. فلم تكن تتخيل بأنها ستسمع ذلك الحديث. ظنته حلمًا وها هو حلمها يتحقق ومعشوقها يقف أمامها يعتذر لها ويعترف بمشاعره لها.
رفع يديه ومسح دموعها التي انهمرت. فحاوطت يديه التي مسحت على وجنتيها وقامت بتقبيلها. فقام بتقريبها منه وقبل وجنتيها مغمعم بنبرة محبة:
- وحشتيني أوي يا وسام. متتخيليش كنت مفتقدك إزاي.
رفعت عينيها وقالت:
- وإنت كمان يا حسام وحشتني أوي.
أتسعت ابتسامته وابتعد عنها على مضض متمتم وهو يمسح على جبينه:
- يلا بينا بقى عشان أكتر من كده ممكن أتجنن.
أتسعت ابتسامتها مدركة ما يقصده. فحرك رأسه قائلًا:
- يلا غيري عشان نطلع على السفارة.
***
في جامعة القاهرة.
وصلت ندى وأخرجت هاتفه محاولة الاتصال على إسلام الذي خلال السنة الماضية علمت بوجوده معها بنفس الجامعة وتوطدت علاقتهم كثيرًا وأصبحا أصدقاء مقربين. وسرعان ما تحولت صداقتهم لعشق كبير لا يليق بعمرهم الصغير.
- فينك يا نودي بقالي ساعة مستنيكي.
- أنا هو في الجامعة. إنت فين؟
- عند المدرج بتاعك. تعالي وهتلاقيني قدامك على طول.
- تمام أنا جاية.
أغلقت معه واتجهت باتجاه المدرج والتقطته عيناها. فاقتربت منه بابتسامة محبة:
- واقف بقالك كتير.
نظر بساعة يديه:
- من ربع ساعة بس. إنتي إيه اللي أخرك كده؟
أماءت له وصاحت قائلة بسعادة:
- مش هتصدق حورية حامل يا إسلام. أنا مبسوطة أوي عشانها.
أتسعت ابتسامته وقال:
- بتكلمي جد؟
- آه جد الجد كمان. إنت مش متخيل بجد أنا عاملة إزاي من ساعة ما عرفت الخبر.
- ألف مبروك. النهارده هكلمها وأبارك لها هي وعمر. وعقبالي أنا وإنتي يارب.
لكزته قائلة بخجل:
- مش لما نخلص الأول يا فالح.
صاح بتهكم واستنكار:
- ن إيه يا عنيا اسمها أخلص. أنا هخلص سنة رابعة دي ونتجوز. وكملي السنتين اللي فاضلين وإنتي مراتي.
تورّدت وجنتاها بخجل أثار إعجابه. فتمتمت بتوتر متفادية النظر بعينيه:
- طيب هشوفك بعد المحاضرة بقى. سلام.
- اهربي اهربي بس هتروحي مني فين يعني.
***
ولجت سعاد غرفة زين وزياد والتي اتخذها عدي غرفة له من بعد استقرار ابنه مع حورية. فوجدته يلملم سجادة الصلاة. فاتسعت ابتسامته المشرقة مغمغم:
- حَرَمًا يا بني.
أجابها عدي الذي ظهرت عليه سبابة الصلاة وتلك اللحية الخفيفة التي تزين وجهه وأجاب على والدته بهدوء وبسمة على محياه:
- جمعًا إن شاء الله. مش هتنزل تقعد معانا؟
أماء لها وهمهم:
- لا طبعًا. هنزل أقرأ بس الورد اليومي وهحصلك علطول.
اقتربت منه سعاد وربت بخفة على ذراعيه قائلة بعيون لامعة:
- إنت مش متخيل فرحتي بيك يا عدي. التغيير اللي حصلك ده مفرح قلبي أوي يا بني.
تنهد عدي ومسك يديها مقبلًا إياهما:
- ربنا يفرح قلبك دائمًا يا أمي.
تهللت أساريرها وقالت:
- وأنا مش هيريح قلبي غير لما أشوفك متجوز. دي الحاجة الوحيدة اللي مضايقاني. نفسك تلاقي بنت الحلال اللي تكمل حياتك.
تنهد طويلًا متذكرًا حورية التي تزوجته منذ ما يقارب من شهران. وعن علمه بذاك الشيء لم يحاول الوقوف أمام سعادتها بل كان مرحبًا جدًا متمنيًا أن يفعل عمر ما لم يستطع هو فعله.
فصاحت سعاد مرة أخرى:
- ها يا عدي هتشوف عروسة يا بني.
مط شفتيه بأسف وقال:
- أنا آسف يا أمي بس أنا مبفكرش في الجواز حاليًا. بس أوعدك أول ما ألاقي نفسي مستعد للخطوة دي مرة تانية هنفذها.
***
ولج عمر المنزل وعيناه تبحث عن حورية. فوجد صغيرها يجلس بالصالون. فارتسمت ابتسامة على وجهه واقترب من زياد قائلًا:
- الجميل عامل إيه النهارده.
رفع الصغير وجهه ينظر لها مغمغم:
- كويس. تعالى يا عمر اتفرج معايا على الكرتون.
- كرتون... كرتون إيه ده؟
ردد الصغير بطفولية:
- توم يا عمر إنت متعرفهوش.
ابتسم عمر بمرح وهمهم:
- وهو في حد ميعرفش توم؟ هي حورية فين؟ سيباك لوحدك ليه؟
- ماما في المطبخ بتعمل عصير لزياد عشان زياد بيحبه.
أماء له وضم شفتيه بطفولية ونهض من جواره متجهًا ناحية المطبخ. وما أن دلف حتى وجدها تتحرك برشاقة مثل الفراشة تُعد لابنها كوبًا من العصير. فجاء من خلفها واحتضنها هامسًا بجوار أذنيها:
- حوريتي وحشتيني.
شهقت بخفوت واضعة يديها على فمها قائلة وهي تلتفت له ليصبح وجهها بمقابل وجهه:
- وبعدين يا عمر بطل تدخل المطبخ من غير صوت. قلبي بيقع في رجلي حرام عليك.
أقترب عمر بوجهه منها مداعبًا أنفه بأنفه قائلًا:
- أنا آسف يا قلب عمر بس حقيقي مش قصدي أخضك. المهم بتعملي إيه؟
أجابته وهي تعود لما كانت تفعله:
- بحضر عصير لزياد.
أماء لها قائلًا:
- طب وعمر حبيبك ملهوش عصير هو كمان.
تنهدت ونظرت له قائلة:
- إزاي طبعًا ليك. ثم إني عايزة أتكلم معاك.
قطب جبينه وقال:
- خير يا حورية.
تركت ما بيدها وابتلعت ريقها وتناولت يديه ووضعتها على بطنها وهتفت:
- أنا حامل يا عمر.
أتسعت عيناه وظل ينظر على بطنها تارة وعلى وجهها تارة أخرى. وسريعًا ما أضمها داخل أحضانه مغمغم:
- ياااااه أنا مش مصدق نفسي. أنا حاسس إني هطير من الفرحة. هيبقى عندي ولد منك حتة منك معايا. أنا مبسوط أوي يا حورية.
ضمته هي الأخرى وقالت:
- إنت بجد مبسوط يا عمر.
أخرجها من أحضانه وهمهم:
- مبسوط وبس. إنتي مش عارفة أنا كنت بتمنى اللحظة دي إزاي يا حورية. وخلي بالك لو ولد هنسميه زين. إنتي سامعة؟
لمعت عينيها وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز. وهمهمت بصدمة احتلت كيانها:
- ده حقيقي يعني إنت معندكش اعتراض؟ أنا كنت خايفة أقولك تضايق.
حاوط وجهها وهمهم:
- أضايق؟ إنتي هبلة يا حورية؟ أنا متعرفيش أنا بحبك إزاي. وبعدين أنا واعدت نفسي من أول ما اتجوزنا إن لو جالنا ولد مش هيتسمى غير زين.
تحررت دموعها واحتضنته بقوة هاتفة:
- أنا بحبك أوي يا عمر. بحبك أوووي.
- وأنا كمان يا روح عمر.
***
في المساء.
دلف محمود غرفة آلاء التي كانت تقرأ إحدى الروايات. وما أن رأته حتى تركت الكتاب من يديها مبتسمة له. فجلس بجوارها وهمهم براحة:
- مقولتيش ليه يا آلاء.
- مقولتيش إيه يا بابا بالظبط.
- إنك إنتي ورائف بتحبوا بعض.
أتسعت عيناها وصاحت بصدمة:
- نعم! أنا ورائف؟
- أيوه رائف حكى لي كل حاجة وقال لي إنكم بتحبوا بعض وإنك بلغت إيهاب برفضك وإنكم حابين تتجوزوا بأسرع وقت.
جعلتها الصدمة تبتلع لسانها ولا تقدر على الحديث. فأكمل محمود بابتسامة:
- أنا بصراحة طاير من الفرحة. يعني أنا مش عايزة حاجة أكتر من إني أطمن عليكي إنتي وإسلام. وجد أنا مطمن طول ما داغر معاها ورائف ميتخيرش عن داغر. الاتنين زي بعض. وحقيقي أنا مبسوطة لك جدًا يا آلاء. وأنا ورائف اتفقنا إن كتب كتابكم هيبقى آخر الأسبوع.
فصاحت بصدمة بعدما خرج صوتها:
- بالسرعة دي يا بابا.
- خير البر عاجله يا بنتي. وبعدين مش أنتوا بتحبوا بعض لازمته إيه التأخير بقى.
ابتلعت ريقها وأومأت له بموافقة قائلة بخفوت:
- معاك حق يا بابا. التأخير ملهوش أي لازمة.
***
خرجت من المرحاض وهي ترتدي منامة قطنية وتجفف خصلاتها بالمنشفة. واقتربت من داغر الذي يداعب ابنته حياة وابتسامة على وجهها. فهتف داغر:
- على فكرة حسام كلمني وهو ووسام اتجوزوا.
- إيه بالسرعة دي! طب مستنوش ليه لما يرجعوا؟
حرك كتفيه قائلًا:
- هما أحرار بقى يا وجد.
انحنت وجد تجاه ابنتها قائلة بمداعبة:
- إنتي لسه منمتيش؟ إنتي مستنية مامي يا روحي. تعالي يا قلبي أنا هنيمك. بابا طلع فاشل ومعرفش ينيمك.
- يا بنتي إنتي لسانك ده متبري منك. أمك كانت بترضعك إيه وإنتي صغيرة.
أتسعت عيناها وقالت وهي تضم ابنتها لأحضانها:
- احيييه يا داغر. سحر بقالها كتير مكلمتنيش.
- وهتكلمك ليه هي فاضيالك دي في هاني مون مع عريسها.
- عريس! ده عريس الندامة. أنا ماما در كل ما تكبر بتخرف أكتر وأكتر. وآخرها راحة تجوز عيل أصغر منها بـ 15 سنة.
- هشششش حياة نامت. اسكت.
تحركت بصغيرتها تجاه الفراش ووضعتها به. ثم تحركت تجاه الفراش. فجذبها داغر من ذراعيها ودفعها على الفراش قائلًا بمكر وهو يقترب منها:
- هو أنا قولتلك إنك وحشتيني النهارده ولا مقولتش؟
ضحكت بخفة وقالت وهي تحاول النهوض:
- أيوه قولت. سبني بقى.
منعها من الحركة بجسده وقال بمرح وصوت خافت:
- بس أنا مش فاكر إني قولت. فمش هيحصل حاجة لو قلت تاني يعني.
***
بنهاية الأسبوع.
هتف المأذون قائلًا:
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
تنهد رائف براحة والجميع من حوله يباركون له يهنئونه على تلك الزيجة من ابنة عمه التي خطفت قلبه وآسرته بفترة قصيرة. وهو أقترب من آلاء هامسًا بأذنيها بعدما انشغل الجميع عنهم:
- مبروك يا عروسة.
عضت شفتيها من الداخل بخجل وهمهمت:
- الله يبارك فيك.
فصاح هو:
- بقولك إيه؟ أنا بقول أنا شوية كده ونخلع ومحدش هياخد باله. أصلها.
هتفت بأنفعال:
- لا طبعًا مينفعش. يقولوا عننا إيه؟
- يقولوا إيه! ما يقولوا اللي يقوله. أقولك هي نونوت في دماغي وهنطلع دلوقتي.
وسريعًا ما جذبها من ذراعيه. فوقف داغر وهمهم بمكر وبراءة مزيفة:
- إيه ده يا رائف رايح فين؟
تعضت ملامح رائف وهتف من بين أسنانه:
- يا عم وإنت مالك وسع.
- أوسع إيه بس رايح فين بجد؟
- هكون رايح فين يعني يا أبو المفهومية.
أخفضت آلاء رأسها بخجل ولم تستطع النظر بعين داغر. فصدحت ضحكات داغر. وكاد رائف أن يتحرك. فغمغم داغر بجانب أذنيه:
- يعم احترمتي. ده أنا حتى هغطي عليك.
حرك رائف رأسه بضيق وصعد للغرفة.
وما أن دلف حتى صرخت به آلاء:
- عجبك كده! أوري وشي لداغر بعد كده إزاي؟ كسفتني الله يكسفك. حد يعمل كده يا مجنون؟
- أنا عملت. وعايز أقولك إني بعشقك يا آلاء. بعشقك.
أما بالأسفل.
فكانت وجد برفقة وسام وحورية. ووسام لا تكف عن مداعبة حياة الصغيرة. فصاحت حورية بعدما رمقت شقيقتها التي تتركها بنفردها واقفة مع إسلام يتسامرون والابتسامة تعلو ثغرهم:
- بنات صحيح نسيت أقولكم.
صاحت وجد:
- خير يا حورية.
- أنا حامل.
شهقت كل من وجد وسام بفرحة واحتضنوها. فصاحت:
- هشش يخربيتكم هتفضحوني.
- إنتي بتكلمي جد؟ أنا مبسوطة أوي. ربنا يكملك على خير يارب.
رفعت حورية يدها تمسد على بطنها مرددة من خلفها:
- يارب يا وجد يارب. عمر عرف؟
أماءت لها قائلة:
- أيوه عرف وكان هيطير من الفرحة.
فصاحت وسام:
- طب. محاش معاكي ليه؟
هزمت شفتيها بأسف وقالت:
- قولتلوا و مرديش. وبعدين الموقف محرج. متنسوش إن إيهاب كان عايز يتجوز آلاء.
وبإحدى الزوايا البعيدة نسبيًا.
كان عدي يضم ابنه لأحضان يتسامر معه. فهو لا يراه سوى يوم في الأسبوع قد حدده مع حورية.
- أخبارك إيه يا بطل.
ابتسم الصغير بطفولية قائلًا:
- كويس يا بابا.
- الأ قول لي يا زياد هو أنا مبوحشكش؟
حرك الصغير رأسه بنفي متمتم:
- لا. بتوحشني. ولما بقول لماما أو أنكل عمر بيخلوني أكلمك.
قبل أعلى جبهته وهمهم بحنان:
- عمر كويس معاك؟
أماء الصغير له برأسه عدة مرات متتالية وقال:
- آه. وبيجيب لي لعب وحاجات حلوة كتير. و بالليل بيحكي لي حدوتة.
لاح الحزن بعينيه ونظر تجاه حورية والندم يعتريه لتركه إياها وإنجرافه خلف شهواته. فما كانت النتيجة سوى حرمانه من عائلته وابنه الذي يتربى بكنف رجل آخر غيره. آخر علم قيمتهم وعاملهم بما يستحقون.
قطع الصغير أفكاره قائلًا بتساؤل:
- صحيح يا بابا مش أنا هيبقى عندي زين تاني؟
قطب جبينه ودق قلبه بعنف وهمهم:
- إزاي يا زياد؟
- ماما بتقول إنها حامل. وأونكل قال لي إنهم هيسموه زياد.
ابتلع تلك الغصة المريرة وقاوم دموعه التي أرادت التحرر. يتمنى لو يعود به الزمن. ما كان يتخلى عنها. فلولا أفعاله لكان الآن يعيش بسعادة معها ومع أبنائه الذي رحل أحدهم ضحية لأفعاله.
تمت بحمد الله.
رواية طغيان قلب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم فاطمة محمد
في إحدى المستشفيات، خرج الطبيب من الغرفة التي تقطن بها آلاء بعدما خسرت جنينها. اقترب من محمود متمتمًا برسمية:
- المريضة فاقت بس من الواضح إنها في حالة صدمة شديدة، لأنها مش راضية تتكلم. فياريت محدش فيكم يضغط عليها عشان متسؤش حالتها.
ابتلع محمود تلك الغصة المريرة بحلقه، وأومأ للطبيب. لا يعلم أيسعد لنزول ذلك الجنين، والذي كان سيحمل اسم عائلة السيوفي، أم يحزن على تلك الحالة التي وصلت إليها ابنته.
تمتم سيد قائلًا:
- متقلقش يا دكتور، محدش فينا هيضغط عليها. ينفع نشوف ونطمن عليها؟
أومأ له الطبيب وغادر سريعًا من أمامهم بعدما شكره داغر وسلامة.
وما كاد سيد أن يهرول تجاه غرفة حفيدته، حتى استدار له محمود واضعًا يديه على صدره، يحثه على عدم التقدم خطوة أخرى. فاخفض سيد نظراته تجاه يده التي وضعت على صدره، فقال محمود بغضب طفيف:
- انت رايح فين؟ لو كنت فاكر إني ممكن اسمحلك تقرب من ولادي مرة تانية، تبقى غلطان يا سيد بيه. أنا استحالة اسمحلك تأذيهم أكتر من كده، كفاية أوي اللي حصل.
رفع إسلام يديه يزيح تلك الدموع التي سقطت على وجنتيه، متحركًا من مكانه دالفًا غرفة شقيقته يريد الاطمئنان عليها. فهو يشعر بتأنيب الضمير، فلولا ما فعله لما كانت خسرت جنينها. فكيف له أن يتناسى أمر حملها؟
عقب دلوفه إلى الغرفة تحت نظرات والديه والجميع، هتف سيد والغضب يعتريه من تصرف ابنه الفظ بنظره:
- يعني إيه يا محمود؟ هتمنعني عن حفيدتي؟ ما أنا قولتلك إني عملت كل ده عشان أحميها. مكنتش عايزها تتصدم في باسم، وأنا على قد ما أقدر حاولت أخلي باسم يتغير.
تبدلت ملامح محمود واشتعلت عيناه بنيران سوداء. وما كاد أن يتحدث حتى اقترب منه داغر متمتمًا بهدوء مزيف:
- عمي، مش وقته. خلينا نطمن على آلاء دلوقتي، وبعدين تبقوا تتكلموا وتتعاتبوا، لكن هنا مينفعش.
فاقترب سلامة وهاني من والديه جاذبين إياه خارج المستشفى لتقليل حدة الموقف، تحت نظرات محمود الذي دلف برفقة داغر ورائف وحسام وعدي.
داخل الغرفة، كان إسلام يجلس بجوارها ممسكًا بيديها يقبلهما بندم، والدموع تتساقط من عينيه، متمتمًا بصوت متحشرج أثر بكائه:
- أنا آسف يا آلاء. عارف إني قسيت عليكي وواجهتك بالموضوع بطريقة غلط، بس أنا كنت مغلول منه وأنا شايفك بدافعي عنه ومتلهفة تروحيله، وهو ميستهلش حبك ده. سامحيني يا آلاء.
أما هي، فكانت مستلقية على فراشها دون نقابها، ولكن هناك حجاب صغير يزين وجهها يغطي خصلاتها، ناظرة لسقف الغرفة لا تستمع لأحد. كل ما يدور بخلدها هو ذلك الفيديو الذي رأته منذ قليل، والذي بسببه علمت حقيقة زوجها الذي اكتشفت بأنها لم تكن تعرفه. وتعرف وجهه الحقيقة. يأتي أمامها ذلك المشهد وأختها تعافر وتتلوى بين يديه، ولكن هو لا يستمع إليها، فرغباته كانت أقوى من إنسانيته. تندم على ذلك الوقت الذي قضت برفقته، وتلك السنين التي لطالما عشقته بها وهو لا يستحق أي من هذا.
دلف محمود برفقة أبناء أخوته إلى الغرفة، وسريعًا ما لمعت عيناه بدموع جارفة لرؤيتها بتلك الحالة. فأين ابتسامتها التي تزيدها جمالًا؟ لا يرى سوى جمود وعيون تائهة لا يعلم ما يدور بخلدها. فكم يريد أن يخفف عنها آلامها وأوجاعها التي كان سببها ابن زوجته. "باسم".
اقترب منها هو الآخر، فصاح أبناء أعمامها:
- حمد الله على السلامة يا آلاء.
لم تجبهم ولم تنتبه لهم، بل الأصح بأنها لا تشعر بمن حولها. ولولا تلك القبلة التي تلقتها على جبهتها ما كانت انتبهت لوجودهم معها بالغرفة.
فتمتم عدى بأسف:
- شدة وتزول يا آلاء، وإن شاء الله ربنا هيعوضك. وكويس إنه نزل عشان ميبقاش في حاجة تربطك بيه.
نظر كل من حسام ورائف بعيون مشتعلة لإخباره بفقدانها جنينها، ولكن على الرغم مما سمعته، فلم تبدي أي رد فعل سوى شبح تلك الابتسامة التي صدمتهم عندما لاحت على وجهها، ولكن سريعًا ما اختفت.
زفر داغر ونظر تجاه رائف وتمتم بصوت خافت:
- أنا خارج أشم هوا. خليكم مع عمي.
أومأ له رائف، فخرج داغر من الغرفة. أما محمود، فاقترب من آلاء ومسد على شعرها بحنان بالغ، مغمغمًا بدموع:
- حبيبتي، مش عايزك تزعلي. إن شاء الله ربنا هيعوضك. مفيش حاجة تستاهل زعلك يا آلاء.
وما لبث أن يكمل حديثه حتى قاطعته قائلة بصوت خافت وملامح لا تزال باردة وعينيها تتطلع لسقف الغرفة:
- أنا مش زعلانة. بالعكس.
تبادل جميع من بالغرفة النظرات، ونهش الخوف قلوبهم. فرد فعلها غير متوقع صدمتهم بشدة. فتمتم محمود بعدما ابتلع ريقه:
- أنا هروح أكلم الدكتور وهشوف هينفع نخرجك ولا لأ.
لم يجد منها إجابة. فطلع إسلام على والده بقلق، فأومأ محمود له بأن يأتي معه بالخارج. فاستجاب إليه ولحق بهم كل من حسام ورائف وعدي.
خارج الغرفة:
- أنا شايف إنك لازم تعرضها على دكتور نفسي، لأن اللي عندها ده نفسي.
صاح رائف بتلك الكلمات، فأومأ حسام برأسه وهو يتطلع إليها ببرود مميت:
- وده رأيي أنا كمان.
حرك محمود رأسه بهدوء والندم يتأكله، مغمغمًا:
- هكلم الدكتور وهشوفه هيقولي إيه.
***
في صباح يوم جديد، كانت سحر جالسة على طاولة الإفطار تتناول طعامها بنهم وشهية. فصدح صوت هاتفها المتواجد على الطاولة أمامها. فنظرت وابتلعت ذلك الطعام بجوفها سريعًا مجيبة على الهاتف:
- صباح الخير يا مجدي.
أجابها مجدي بتنهيدة وهو يخرج من غرفته بعدما ارتدى بدلته مستعدًا للذهاب إلى شركته:
- صباح النور يا سحر. طمنيني، وجد عاملة إيه؟
أجابته سحر بنبرة خبيثة وماكرة:
- كويسة، متقلقش. طمني أنت، البنت اللي بعتهالك امبارح عجبتك؟
ابتسم ابتسامة جانبية وهو يهبط درجات السلم برشاقة لا تليق بسنه:
- مش بطالة يا سحر. المهم، هبعتلك النهارده مبلغ مع السواق عشان تصرفي منه، ومش عايزك تضايقي وجد، سحر، مفهوم؟
ابتسمت قائلة:
- مفهوم يا مجدي بيه.
أغلقت معه وعادت تتناول طعامها مرة أخرى. وما كادت أن تضع إحدى اللقيمات بجوفها حتى وجدت صوت ابنتها يصدح قائلة بسخرية جعلتها تسعل بشدة:
- ها يا سحر هانم، البنت اللي بعتيها له امبارح عجبته ولا لأ؟ طمنيني.
ظلت سحر تسعل متناولة ذلك الكوب من الماء وتجرعته كاملًا. فاقتربت منها وجد جالسة بجوارها ممسكة بقطعة خيار متناولتها بنهم. فظلت سحر ترمقها لا تعلم ماذا تخبرها. فرمقتها وجد بنظرة سريعة:
- مجاوبتيش يا ماما. فين لسانك؟ كلته القطة ولا إيه؟
ابتعلت لعابها وتمتمت بانفعال مصطنع:
- أيوه عجبته. وبعدين بتسألي ليه؟ بتغيري ولا إيه؟
قالت الأخيرة بخبث شديد، فصدح صوت ضحكات وجد بالصالون قائلة من بين ضحكاتها:
- تصدقي ضحكتيني! لا حقيقي مش قادرة بقى أنا أغير.
- ومتغيريش ليه؟ مش هيبقى جوزك؟
ابتسمت وجد ابتسامة جانبية قائلة:
- ورغم ذلك بعتيله واحدة. يعني حقيقة، ونعمة الأم. أتمنى ميكنش في سحر تانية، كانت الدنيا هتبوظ.
ضربت سحر بيديها على الطاولة وتمتمت بغضب وعصبية مفرطة:
- دلوقتي أنا وحشة صح عشان عايزة مصلحتك؟ ابقى وحشة يا عبيطة. افهمي، مجدي قاعد على كنز. وغير كده، لو اتجوزتيه وعلقّتيه بيكي أكتر وأكتر، هيكتبلك كل حاجة بمزاجه.
- خلصتي؟
قالتها وجد بملامح مقتضبة مستعدة لمغادرة المنزل.
زفرت سحر بضيق متيقنة بأن حديثها لم يجدِ نفعًا مع ابنتها العنيدة ذات الرأس اليابسة.
***
عاد محمود أمام مسكنه برفقة ابنته آلاء بعدما سمح لها الطبيب بخروجها مع تحذيرهم من أي حركة وجعلها تسترخي. فدلف الجميع إلى البناية. وكاد عدى أن يدلف هو الآخر حتى وجد من تنادي عليه:
- أنت يا أخ انت يا كابتن!!
التفت عدى وهو عاقدًا ما بين حاجبيه مشيرًا إلى نفسه:
- أنتي بتكلميني أنا؟
وقفت قبالته وهي تتأفف من كتلة الغباء أمامها:
- أكيد يعني بكلمك انت، هو في غيرك؟
تنهد عدى بهدوء مجيبًا إياها بنبرة ليست معتادة عليها:
- نعم يا حورية.
رمشت بعينيها عدة مرات لنطق اسمها، فلأول مرة تنتبه لاسمها وهو يخرج من فوه، فخرج وكأنه نغمة موسيقية. فنفضت تلك الأفكار من رأسها وقالت بتلعثم، فهي قد تناست لما تريده وذهبت الكلمات من جوفها:
- أنا... أنا آه أنا كنت عايزة أسألك على وجد، هي فين؟
بلل عدى شفتيه وقال بهدوء:
- وجد مشيت يا حورية.
- مشيت إزاي يعني؟ البت راحت فين؟
قالتها بصدمة وعيون متسعة رافعة يديها ضاربة على صدرها.
نظر عدى لما فعلته، فزفر من أفعالها الطفولية:
- في شوية مشاكل مع العيلة، بس إن شاء الله تتحل وقريب أوي هترجع.
أومأت له برأسها وهي عاقدة حاجبيها بتفكير قائلة بشرود:
- ماشي. سلام.
أجابها عدى وهو منكس رأسه:
- سلام.
***
في منزل آلاء وباسم:
كان يجلس على الفراش والألام تكتسح جسده، يشعر بأنه لا يستطيع الحركة. فأغمض عينيه بألم عندما حاول أن ينهض من على الفراش، فصرخ على والدته عندما فشل بالنهوض بمفرده:
- ماااااامااااا!
هرولت فاتن داخل الغرفة مقتربة منه بذعر لصراخه ذلك:
- مالك يا باسم؟ عايز حاجة يا حبيبي؟ في حاجة تعباك؟
تمتم من بين أسنانه:
- ولاد الـ... مخلوش حتة في جسمي سليمة. بس وربنا لأوريهم، باسم السيوفي هيعمل فيهم إيه.
اقتربت متمتمة بغل:
- أنت قوم بس بالسلامة، وبعدين نشوف هنعمل معاهم إيه.
جز على أسنانه وتشنجت عضلات وجهه من شدة غضبه:
- أنا هوريهم. وقسمًا بربي ما هرحم حد فيهم. وأولهم الحلوة اللي فرحتلي بنفسها، والتانية اللي كانت فاكرة نفسها هتقعني. أنا هفرجها عشان تبعني بالطريقة دي.
سعدت فاتن من حديث ابنها والذي سيشفي لها غليلها، وقالت:
- أنا هقوم أجيبلك الدوا بتاعك وجايلك تاني يا حبيبي.
أومأ لها وتمتم:
- ناوليني تليفوني قبل ما تمشي يا ماما.
ناولته هاتفه وخرجت من الغرفة تحلب له كوبًا من الماء والدواء الخاص به. أما هو، فجاء برقم زوجته واتصل عليها، ولكنها لم تجيبه. فتأفف بغضب دافعًا الهاتف بجواره.
رن جرس المنزل، فأسرعت فاتن وقامت بفتحه، فصدمت ممن أمامها. وسريعًا ما تحولت لغضب ممسكة إياها من ملابسها:
- أنتي! وليكي عين تيجي هنا بعد ما خربتي بيتي وبيت ابني!
أنزلت وجد يديها بقسوة قائلة وهي تدلف للداخل:
- ايدك بس يا مرات أبويا، ولا نقول مرات أبويا سابقًا.
جزت على أسنانها صارخة بها بصوت وصل لمسامع باسم:
- أعمل فيكي إيه يا بنت سحر؟ أولع فيكي!
- تولعي فيا؟ طب اتكلمي على قدك يا فاتن.
قالتها وهي تتحرك بالمنزل تجول بعينيها باحثة عن ذلك البغيض. وأخيرًا وجدته على فراشه يحاول النهوض والغضب على وجهها بعدما استمع إلى صوتها بالخارج. فرمقته من رأسه لأخمص قدميه:
- والله ما انت متحرك. أنا جيت لحد عندك.
ثم اقتربت منه وفاتن تلحق بها، وباسم قد نجح أخيرًا بالوقوف.
فصاحت وجد بتحدي:
- بصراحة يا باسم، بعد اللي حصلك النهارده، قولت لازمًا و لابد إني أجيلك وأطمن عليك. ده انت يا راجل خدت علقة ما ياخدهاش حمار في مطلعه.
احتدمت ملامحه وصاح بغضب:
- لمي لسانك يا وجد، وبعدين هما اللي خدوني على خوانة واتكاتروا عليا.
رفعت وجد إحدى حاجبيها وقالت:
- أنت هتقولي؟ ما أنا عارفة. المهم، أنا عندي ليكي خبر بمليون جنيه يا باسم.
تبادل كل من فاتن وباسم النظرات، فصاح بتساؤل:
- اتكلمي علطول و خليكي دوغري.
تنهد باسم ورمق داغر وعدي بنظراته، وبعدها رمق سيد وتمتم بفحيح الأفاعي:
- بصراحة، جاي أعترفلكم بحاجة، وخصوصًا لجدّي العزيز.
عقد سلامة حاجبيه بدهشة، فاقترب سيد وقال:
- إيه هي؟
تحرك باسم من مكانه بخطوات هادئة متجاهلًا أوجاعه:
- بصراحة كده، أنا السبب ورا إفلاسكم، وأنا اللي بعتكم للشركة المنافسة ليكم، طبعًا بعد ما خدتلي كام مليون يخلوني ملك زماني، مهو اللي كسبوه من وراكم مكنش شوية.
***
داخل شركة الأسيوطي:
دلف ذلك الشاب الذي في أوائل الثلاثينات، عريض المنكبين، طويل القامة، وعينان بلون القهوة، وأنف مستقيم، وأهداب طويلة، وشعر أسود قصير، ينفث من تلك السيجارة بين يديه بغضب جحيمي، دالفًا إلى غرفة خاله متجاهلًا تلك السكرتيرة الحمقاء التي تحاول منعه من الدلوف. فلحقته داخل الغرفة وهي تعتذر من رئيسها. فالتفت ذلك الشاب الغاضب ينظر إليها بغضب صارخًا بها:
- اطلعى برة يا بت! اطلعى برة بدل قسمًا وربى تلاقي نفسك في الحبس النهارده!
ابتلعت الفتاة ريقها ونظرت تجاه مجدي الذي نهض من خلف مكتبه وأشار إليها للخروج. واقترب من ذلك الشاب والذي لم يكن سوى ابن شقيقته والذي يعمل ضابطًا في الآداب. ويدعى مصطفى.
- أنت عايز إيه تاني؟ وإيه جابك شركتي؟
قالها مجدي بقسوة.
فأجابه مصطفى بصوت غليظ وهو يقترب بوجهه منه:
- شركتك! قصدك شركتنا! أنت ناسى إن أختك اللي هي أمي شريكة معاك فيها؟
- قولتلك مليون مرة أمك كانت محتاجة فلوس وحبت تبيع حصتها وأنا اشتريت منها.
- وهو الكام ألف اللي انت ادتهوملها زمان دول يعتبروا فلوس؟ أنت ضحكت عليها والشركة دي أنا ليا فيها زيك بالظبط.
زفر مجدي ونظر لمصطفى الذي لا يعرف قلبه الرحمة:
- ملكش فيها حاجة يا مصطفى.
رفع مصطفى يديه وحك أنفه وقال بغلاظة:
- طب اسمع بقى، أنا مش هكلم في الموضوع ده كتير، عشان كده كده كل اللي انت فيه ده هيبقى ليا. أصل أنا اللي بقيلك. واعمل حسابك بنتك الست اللي فاتحة بيتها للدعارة دي، تنسى جوازك منها، فإن مش على آخر الزمن الناس تكلم عني. ابعد عنها يا مجدي، وإلا وربي وما أعبد لهكون حبسهالك.
- ده أنت بترقبني بقى؟
قالها مجدي بتهكم واستنكار.
فأجابه مصطفى:
- تقدر تقول حاجة زي كده.
قال كلماته وتحرك من مكانه. وقبل أن يخرج دفع تلك المزهرية على الطاولة وجعلها ترتطم بالحائط ينفث عن غضبه.
فاشتعل مجدي من تهديده ومن أفعاله وضم قبضته متوعدًا له.
***
بمنزل سلامة:
كان داغر يعتزل بغرفته، عينيه تلمع بتلك الدموع الحبيسة التي تأبى أن تتحرر، كلما تذكر بأنهم كان المفترض أن يكونان سويًا يعيشان أجمل أيام حياتهم، يبثها حبه وشوقه، ولكن كل شيء انقلب رأسًا على عقب. لا يطيق النظر بوجهه بالمؤآه، فكلما تطلع على نفسه يتذكر ما فعله بها وجعلها تلجأ لغيره. يرفض حتى الآن الحديث مع جده الذي كان يعلم بأفعاله وصمته.
فاق من تلك الأفكار على ذلك الصوت الذي لطالما كان سببًا بكل ما حدث له. فخرج من غرفته مسرعًا قافزًا من فوق فراشه يريد أن ينهال عليه بالضرب مرة أخرى. وما كاد يقترب منه حتى منعه هؤلاء الرجال الذين جلبهم معه مانعين إياه من التقدم منه.
فصاح به بغضب وعروق بارزة:
- إيه اللي جابك هنا تاني؟ عايز إيه؟ ها!
ابتسم لهم باسم ابتسامة مستفزة وهو ينظر لكل منهم على حدى، قائلًا:
- بصراحة، أنا جاي لحبيبي.
أغمض سيد عينيه وتمتم بنفاذ صبر:
- قول يا باسم عايز إيه.
تنهد باسم ورمق داغر وعدي بنظراته، وبعدها رمق سيد وتمتم بفحيح الأفاعي:
- بصراحة، جاي أعترفلكم بحاجة، وخصوصًا لجدّي العزيز.
عقد سلامة حاجبيه بدهشة، فاقترب سيد وقال:
- إيه هي؟
تحرك باسم من مكانه بخطوات هادئة متجاهلًا أوجاعه:
- بصراحة كده، أنا السبب ورا إفلاسكم، وأنا اللي بعتكم للشركة المنافسة ليكم. طبعًا بعد ما خدتلي كام مليون يخلوني ملك زماني، مهو اللي كسبوه من وراكم مكنش شوية.
رواية طغيان قلب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم فاطمة محمد
تسمر الجميع مكانهم بصدمة مما استمعوا إليه، ونظروا تجاه سيد الذي كان الأكثر صدمة. ظل يتطلع على باسم بعدم تصديق.
أما داغر، فاحتدمت ملامحه وسيطر الغضب عليه. فتحرك من مكانه يريد أن يصل لباسم ويلقنه درسًا مرة أخرى.
فقام رجلان بإمساكه ومنعه من الوصول لباسم. فظلت ضحكات باسم تصدح بسعادة وهو يرى غضبه ذاك.
"سيبوني أوعوا بقولكم أوعوا، وربنا يا باسم لو مسكت ما هخلي فيك حتة سليمة."
ثم جز على أسنانه، رامقًا شقيقه بنظرة سريعة فهمها عدي. فاقترب مهرولًا، لاكمًا أحد الرجال ليحرر داغر أثر تلك اللكمة التي تلقاها. فالتفت داغر للآخر وظل يلكمه تحت صراخ سعاد خوفًا على أولادها.
اتسعت عين باسم ونهش الخوف قلبه وهو يراهم يسقطون أرضًا. فابتلع ريقه وأخرج سلاحه من ملابسه حتى يتحامى به.
وما كاد أن يقترب منه داغر، الذي انتهى هو وعدي من ذلك الرجلين، حتى وجده يشهر بذلك السلاح بوجههم قائلًا:
"مكانك يا حلو، أنت وهو. إلا وربى أصفيلكم العيلة."
فتبادل كل من عدي وداغر النظرات، وصدرهم يعلو ويهبط بغضب. وكان سيد لا يزال على صدمته يتطلع عليه بصمت ولا يتحدث. فالتفت باسم إليه قائلًا:
"مالك يا جدي؟ الصدمة شديدة عليك مش كده؟"
صاح به سلامة قائلًا: "انت عايز ايه مننا يا باسم؟!"
تجاهله باسم وظل يرمق سيد بنظرات متحدية شامته وقال: "ايه رايك فيا بقى؟ عجبتك مش كدة؟"
ظل سيد لازمًا الصمت. فرفع باسم يديه واضعًا إياها على فمه بطريقة مسرحية قائلًا بصدمة مصطنعة:
"لا متقولش إنك زعلان، ده أنا تربيتك يا... جدي."
وأخيرًا خرج صوت سيد من حلقه، يشوبه بعض من الغضب:
"طلعت واطى يا باسم وحقيقي صدمتني فيك. أنا كنت بعتبرك واحد من أحفادي، عمري ما فرقت بينكم، عاملتك زي ما بعاملهم بالظبط. عمري ما حسستك إنك مش من العيلة، صرفنا عليك وعلمناك وفي الآخر ده جزاتنا."
ارتسمت السخرية على وجهه وقال: "معلش بقى، أصل خيرًا تعمل شرًا تلقى يا سيد يا هلالي. وبعدين ما انت عارف إن بعشق الفلوس. المهم خلوني أدخل في الموضوع علطول. أنا مستعد أديكم مبلغ حلو يسندكم شوية بدل ما انتوا على الحديدة كدة، بس ده طبعًا هيبقى ليه مقابل، وهو إنكم تقنعوا وجد تتنازل عن القضية."
صاح داغر به بغضب: "مستحيل! انت سامع؟ مستحيل. والفلوس اللي بتكلم عنها دي متلزمناش في حاجة، خليهالك."
استدار باسم ينظر إليه بغضب من رفضه وقال: "وأنا مبكلمكش، أنا كلامي مع جدك."
وما لبث أن يكمل: "- وجدك مش موافق؟!"
لم يتوقع باسم ذلك الرد من سيد، فهو يعلم جيدًا عشقه وحبه للأموال. فابتلع ريقه وابتسم بتصنع، مغمغمًا:
"طيب، أنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة وهسيبك تفكر تاني يا جدي العزيز."
ثم نهض من مكانه، يرمق رجاله الذين بدأوا ينهضون من على الأرضية، قائلًا بسخرية:
"قوم يا خويا أنت وهو، قوموا. ما أنا مش مشغل رجالة بدفع لكم على الفاضي. يلا قدامي."
وغادر المنزل، ولم يخفض سلاحه إلا بعد خروجه، خوفًا من قدوم أي غدر من ناحية داغر أو عدي.
رن هاتفه فأخرجه مجيبًا إياه، لتتسع ابتسامته مهرولًا للخارج.
***
كانت جالسة على تلك الأريكة تشاهد التلفاز، والحزن بادٍ على وجهها. ومن الحين والآخر تنظر بهاتفها منتظرة أن يحدثها، فهي قد أصبحت متعلقة به، فلا يمر يومها دون أن تستمع إلى صوته المحب الحنون.
وأثناء تفكيرها ذلك، سمعت رنين منزلها. فنهضت من مكانها واتجهت تجاه الباب، وقام بفتحه. وسريعًا ما تملكها الذعر والخوف، وأرادت إغلاق الباب مرة أخرى، ولكن لم يسمح لها، دافعًا الباب بقوة جعلتها تترنح بوقفتها، دالفًا إلى المنزل مغلقًا الباب من خلفه، وابتسامة تعتلي وجهه قائلًا:
"ايه يا إنجي؟ كنتي فاكرة إني مش هعرف أوصلك لما تغيري عنوانك ولا إيه؟ ده أنا باسم السيوفي يا بت."
ابتلعت ريقها وظلت تعود للخلف بظهرها وهي تقول بغضب:
"انت عايز مني ايه؟"
أجابها وهو سعيد بخوفها ذلك، يتلذذ به، مغمغمًا وهو يقترب منها:
"مالك خايفة كده ليه؟"
هما كادت تخطي خطوة أخرى حتى وجدته يجذبها من ذراعها، جاعلًا إياه خلف ظهرها، مما جعلها تتأوه.
"ومكنتيش خايفة ليه يوم ما فكرتي تفضحيني قدام أهل مراتى ها؟ كنتي عملالى فيها البت الشجاعة واللي هتقف بظهر صاحبتها بعد ما بعتيها؟ ولا انتي نسيتي يا إنجي إنك انتي اللي ساعدتيني؟"
صرخت به إنجي متمتمة بوجع:
"لا منستش ومستحيل أنسى، ومستعدة أعمل أي حاجة عشان وجد تسامحني."
اتسعت ابتسامته تدريجيًا وقال:
"حلو أوي الجو ده، و خلينا نشوف صاحبتك بقى ممكن تعمل إيه عشان تنقذك من بين إيديا."
فدفعها بعيدًا عنه، وانتشل ذلك الهاتف الموضوع على الطاولة وقام بالاتصال عليها. فقالت إنجي:
"مش هتسمع منك وجد، مستحيل تعمل حاجة عشاني."
ابتسم باسم بتهكم وأردف:
"مش عشانك بس، عشان حسام العاشق الولهان."
***
كانت بغرفتها، واضعة قلم بفمها تحاول تذكير دروسها وما فاتها. فامتحاناتها على الأبواب وعليها أن تعوض كل ما فاتها. طاردة الجميع من أفكارها، ولكنها لا تريد الخروج من رأسها. فكلما نظرت بالكتاب ترى صورته. فزفرت بضيق، ممسكة بالقلم الذي بين فمها بغضب، تلقيها أمامها بنفاذ صبر، شاغرة بالغضب من نفسها. فرغم ما فعله، لا يزال يقتحم عقلها. فكيف لا يقتحمه وهو لا يزال بقلبها.
أغمضت عينيها بألم لتجد صورته تقتحم مخيلتها مرة أخرى. ففتحت عينيها ناهضة بعنف من خلف طاولتها، متجهة ناحية الشرفة.
فوقفت بها وأخذت شهيقًا طويلًا، زفرته على مهلٍ. فحتى النفس بات يرفض الخروج بسهولة.
رن هاتفها الموضوع على الطاولة، فاستدارت متجهة ناحية الهاتف، فوجدت رقمًا غير مسجل لديها.
فانتشلته من على الطاولة ووضعته على أذنيها:
"أيوة، مين؟"
"حزري فزري، أنا مين؟"
عضت على شفتيها وابتسمت بغيظ:
"هتكون مين يعني؟ واحد حيوان وقريب أوي هخلص منه وحقي هيرجعلي."
اغتاظ واشتعل صدره من كلماتها الساخرة والتي تقلل من شأنه:
"بتحلمي يا وجد. مش هتخلصي مني بالسهولة دي. قولتهالك وهقولهالك تاني، مش باسم السيوفي اللي تخلصي منه بسهولة."
رمق إنجي الواقفة أمامه بنظرة جانبية وابتسامة كبيرة على وجهه، مغمغمًا:
"وبعدين ده أنا عاملك مفاجأة هتعجبك أوي."
تشنجت عضلات وجهها وارتعش صدغها بقوة عندما جزت على أسنانها بغضب. فحتى صوته أصبحت لا تتحمله. فهي تكرهه كما لم تكره من قبل.
"ومفاجآتك متلزمنيش. وحذاري تتصل برقمي تاني، وإلا والله أقتلك وأخلص الناس من شرك."
صدحت صوت ضحكاته بالمنزل ووصلت لمسامع وجد التي اشتعلت أكثر وأكثر، وكأنه يتعمد استفزازها. فأوقف ضحكاته وهو يقترب من إنجي التي تراقب ما يحدث بعيون خائفة على صديقتها.
انحنى أمام وجهها مباشرة، فسارت رجفة خوف بجسدها، لا تعلم ماذا يريد وما الذي سيفعله. فقال بفحيح الأفاعي أمام وجهها:
"أنا دلوقتي في شقة صاحبتك إنجي، اللي كانت فاكرة نفسها ناصحة وإنها لو غيرت عنوانها مش هعرف أوصلها، بس على مين؟ اديني وصلتها. ودلوقتي زي الشاطرة تعالي البيت ومعاكي الفيديو والصور اللي تخصني واللي سرقتيها من شقتي."
رفعت وجد حاجبيها بسخرية قائلة:
"ده إيه الثقة اللي انت فيها دي؟ وبعدين ميهمنيش إذا كنت في شقتها ولا لا، أنا معرفش واحدة اسمها إنجي."
صدم باسم من ردها، ولكن سرعان ما سيطر على صدمته وابتعد عن وجه إنجي وقال بتهديد:
"هقتلها يا وجد لو مجتيش ومعاكي الفيديو. هقتلها وهخلي حسام يتحسر عليها."
عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت بدهشة:
"وحسام دخله إيه بالموضوع؟ مش فاهمة."
حرك باسم رأسه وقال بخبث:
"صحيح، أنا مقولتلكيش. أنا صاحبتك وابن عمك بيحبوا بعض."
تيبست ساقاها من هول ما سمعت واحتلتها صدمة شديدة. فحسام لم يسبق له أن أخبرها عن علاقته ب إنجي، رغم حديثها عنها عدة مرات ومدى تألمها منها وكيف قامت بإيذائها.
فأكمل باسم حديثه قائلًا بانتصار:
"يلا يا وجد، يلا يا حبيبتي. زي الشاطرة كده هاتي حاجتي وتعاليلي. هقولك العنوان."
وما كاد يكمل حتى وجدها تصرخ به بغضب شديد وصوت عالٍ:
"اسمع يا حيوان أنت، لو فاكر إنك هتقدر تهددني تبقى بتحلم. وإنجي اللي بتهددني بيها دي متلزمنيش، ولا حسام كمان. مفيش حاجة ممكن تخليني اتنازل عن حقي. وبصراحة انت طلعت غبي بطريقة مش طبيعية."
ثم أغلقت الهاتف بوجهه، ليشتعل من غضبه. فلم يجد أمامه سوى تلك الواقفة أمامه. فاقترب منها يجذبها من خصلاتها وهو يغمغم بغل:
"مش مشكلة يا بنت الهلالي، أنا هوريكي. أما انتي بقى فهتتعاقبي دلوقتي على خيانتك ليا."
ثم دفعها أمامه منتشلًا ذلك الحزام من حول خصره. فاتسعت عيناها وهي تقول بنبرة مرتجفة وحروف متقطعة من ذعرها:
"ا... انت هتع... هتعمل ايه؟"
تبدلت ملامحه وكأنه شيطان بهيئة إنسان وهو يجيبها قائلًا:
"حالًا هتعرفي."
فرفع يديه التي تحمل ذلك الحزام لينزل به على جسدها.
مرات متتالية سريعة، متغاضيًا عن صراخها الذي دوى بجميع أركان المنزل وآلامها، متلذذًا بتعذيبها. لا يرى أمامه من شدة غضبه، فها قد وجد الطريقة التي ينفث بها عن ذلك الغضب. وليته لم يفعل.
***
تحركت وجد تجاه فراشها، وأنفاسها عالية من شدة غضبها من حسام وخداعه لها. فهو على الرغم من معرفته ب إنجي وحبه لها، لم يخبرها. ولكن مهلًا، لما عليها تصديق ذلك الذئب؟ فل تسمع أولًا من ابن عمها، فماذا لو كان باسم كاذبًا وقاطعت حسام دون سبب؟
جذبت هاتفها وقامت بالاتصال عليه. فأجابها سريعًا، ولم تلاحظ ذلك الحزن الذي يشوب صوته، والذي كان سببه ما حدث مع ابن عمه الكبرى وفقدانها جنينها.
"حسام، هسألك سؤال وعايزة إجابة صريحة. اتفقنا؟"
عقد ما بين حاجبيه بدهشة وقال بهدوء:
"وأنا من إمتى مش صريح معاكي يا وجد؟ ما انتي عارفاني."
قاطعته وجد قائلة بهدوء ما يسبق العاصفة:
"انت تعرف إنجي يا حسام؟"
أغمض عينيه، لا يعلم كيف يخبرها بذلك على الهاتف. كان ينتظر فرصته لإخبارها، لم يكن سيخفي عليها ذلك الأمر.
"تعرفها يا حسام وبتحبها ولا لا؟ أنا عايزة أسمع جوابك."
قالتها وجد بنفس النبرة والهدوء الذي تحدثت به، فأجابها حسام وهو يومئ برأسه:
"أيوة يا وجد، عارفها وبحبها. أنا كنت مستني أي فرصة وكنت هحك..."
"- وكنت هتحكيلي مش كده؟ عبيطة أنا المفروض لما تقول لي إنك تعرف وتحب البنت اللي كانت سبب رئيسي في دمارى، إني المفروض أقولك آه وماله يا حبيبي عيش حياتك وحبها، مش كده يا حسام؟"
خرج حسام من منزله يريد أن يصل إليها، يقص عليها ما حدث وكيف حدث. لا يتحمل سوء ظنها به.
"وجد، ممكن تديني فرصة؟ متحكميش قبل ما تسمعيني."
"اسمعك!! بجد عايزينى أسمعك؟ لا يا حسام مش هسمعك. انت كمان خيبت ظني فيك وطلعت زيك زي كل اللي آذوني. ملقتش غير البني آدمة دي عشان تحبها؟ ليه يا حسام؟ ليه بتعملوا فيا كده؟ انتوا متفقين؟ عايزين تجننوني؟"
قالتها بصراخ جعل والدتها تدلف غرفتها والدهشة تعتريها من صراخها غير المبرر ذلك. فظلت تتطلع عليها بتفحص، تحاول أن تعلم سبب ذاك الغضب.
هبط حسام درجات الدرجات، هاتفه بلهفة:
"وجد، اسمعيني أنا جايالك وهفهمك كل حاجة."
استمع داغر إلى اسمها الذي تردد وخرج من فوه ابن عمه عندما كان يخرج من المنزل يريد فتح الورشة الخاصة به، حتى ينغمس بالعمل، يشغل عقله قليلًا عنها. فقال بلهفة وهو يقترب من حسام:
"مالها وجد يا حسام؟"
أشار له حسام بيديه وخرج من البناية، فلحقه داغر الذي تأكله الخوف والقلق عليها.
"وتفتكر هيتغير حاجة؟ اسمع يا حسام، أنت من النهاردة ملكش بنت عم. اعتبر نفسك معرفتنيش. وشكراً يا سيدي على خدماتك اللي قدمتها لي. ومقابل ده وعشان مبقاش مديونة ليك، باسم في شقتها واتصل بيا بيهددني بيها. ياريت تلحقه."
تسمر حسام مكانه، وكذلك داغر الذي وقف بجواره يريد أن يعلم ما الذي يحدث معهم. فتحدث حسام بتلعثم خوفًا عليها:
"يعني إيه باسم عندها في البيت؟ وجد، كلمي البوليس وروحي ليها البيت، أرجوكي، ده ممكن يأذيها."
"مستحيل أروحلها، انت سامع. وبعدين متخافش أوي كدة، باسم ده واطي وجبان. مستحيل يعملها حاجة، آخره معاها قلمين."
حرك حسام رأسه وهو يهرول قائلًا بترجّي:
"وجد، اسمعي الكلام، أرجوكي. هي قاعدة في بيتها القديم دلوقتي، أرجوكي روحي لها."
"مستحيل." قالتها وجد وأغلقت الهاتف بوجهه.
صعد حسام بإحدى سيارة الأجرة، متجاهلًا حديث داغر المتسائل. كل ما يهمه الآن أن يصل إلى محبوبته التي قد تتأذى على يد ذلك الوغد. فأخرج هاتفه، فانتشله داغر الذي صعد بجواره:
"انت بتعمل ايه يا حسام؟"
"إنجي يا داغر، إنجي. باسم عندها في البيت، هيأذيها يا داغر، هيأذيها."
قالها ودموعه تهبط من عينيه، جاذبًا الهاتف من بين يد داغر ليتصل بالبوليس، معطيًا إياهم عنوانها.
***
"في إيه وجد؟ بتزعقي كده في مين؟"
قالتها سحر بفضول. فأولتها وجد ظهرها، تفكر بحديث حسام، وبدأ القلق يتسلل قلبها. فعلى الرغم من اللامبالاة التي أظهرتها، إلا أن قلبها يتآكلها على تلك الصديقة الغادرة. لا تريد تحمل ذنبها إذا حدث لها، فهي...
هرولت ناحية هاتفها مبلغة عن تواجد باسم بمنزل إنجي، وعن احتمال حدوث شيء لها.
وبعدها اتجهت تجاه الخزانة تخرج بنطلون قماشًا وإحدى الكنزات، وارتدت على عجلة من أمرهم أمام والدتها التي رفعت حاجبيها قائلة:
"انتي رايحة فين يا وجد؟ إيه اللي بيحصل بالظبط؟!"
تجاهلتها وجد وجذبت ذلك الحجاب الصغير ووضعته على خصلاتها، وجذبت حقيبتها وهاتفها وهي تقول:
"مفاتيح عربيتك فين؟"
"عندك بره على السفرة."
خرجت من الغرفة وانتشلت مفاتيح السيارة، وتحركت مغادرة المنزل بسرعة فائقة.
***
وصلت أمام تلك البناية، فترجلت من سيارتها مهرولة، صاعدة ذلك الدور القاطنة به إنجي، وأنفاسها ثائرة من شدة قلقها.
وصلت أمام باب المنزل، وما كادت أن تطرقه بعنف حتى ازدادت خفقاتها بذعر عندما وجدت باب منزلها مفتوحًا. فابتلعت ريقها ودلفت إلى الداخل بخطوات سريعة. وما كادت أن تخطى خطوات أخرى حتى شهقت بصوت عالٍ، واضعة يديها على فمها عندما وجدتها متسطحة على الأرضية، والدماء يغطي جسدها وملابسها ممزقة.
فاقتربت منها بهدوء، وعيناها تلتمع بالدموع من هول ذلك المنظر. فجلست بجوارها على ركبتيها. فمن الواضح بأنه كان يعذبها. فأرتجف شفتاها ورددت اسمها بهمس وصوت خافت:
"إنجي... إنجي."
لم تجد رد، وكأنها جثة هامدة أمامها. فأخرجت حقيبتها واتصلت بسيارة الإسعاف.
فظلت تبكي بجوارها، ممسكة بيديها تحاول أن تجعلها تستيقظ وتفتح جفونها:
"إنجي، انتي سمعاني؟ إنجي ردي عليا."
وبعد مرور بعض الوقت، جاءت عناصر الشرطة والإسعاف ونقلوها إلى أحد المشافي. ووجد قد قدمت إفادتها ولحقت بها إلى المستشفى.
***
وصل داغر وحسام أمام بنايتها ليجدوا عناصر الشرطة لا تزال موجودة. فاقترب حسام مهرولًا باتجاههم متسائلًا عنها:
"لو سمحت، لو سمحت، إيه اللي حصل؟ أنا اللي مقدم بلاغ، ممكن أعرف إيه اللي حصل وإنجي فين؟"
قالها حسام بخوف شديد وداغر بجواره يحاول تهدئته. فأجابه الشرطي:
"مع الأسف، الآنسة إنجي نقلوها المستشفى، ودلوقتي بنرفع البصمات من البيت. والآنسة اللي كانت معاها قدمت إفادتها وراحت معاها المستشفى."
"فين المستشفى؟"
استمع حسام إلى عنوان المستشفى، وداغر لا يزال بجواره. ولاول مرة يرى حسام بتلك الحالة، فهو مشتت، يتملكه الخوف، عينيه تلمع بالدموع.
***
وصلا إلى المستشفى، فوصل أمام تلك الغرفة التي أخبروه بتواجدها به. فوجد وجد جالسة أمام الغرفة، واضعة رأسها بين يديها. فنادى عليها:
"وجد..."
نظرت وجد باتجاه الصوت بلهفة. فاقترب حسام وداغر منها، فقال حسام بخوف مميت:
"طمنيني يا وجد، إنجي فين؟ إيه اللي حصلها؟"
تحررت دموعها من مقلتيها، متمتمة وهي لا تنظر بعينيه:
"الدكاترة لسه بيفحصوها يا حسام."
رفع حسام ووضع يديه على يدها، متمتمًا بقسوة:
"إيه اللي حصل يا وجد؟"
نظر داغر تجاه يده التي تحاوط ذراع وجد بقسوة، فرفع يده وحرر يدها من بين يديه، قائلًا:
"حسام اهدأ، مينفعش اللي بتعمله ده."
ابتلع حسام ريقه، وما كاد يتحدث مرة أخرى حتى خرج الطبيب من تلك الغرفة. فهرولت وجد نحوه متسائلة عن حالة صديقتها:
"طمني يا دكتور، هي كويسة صح؟"
"مع الأسف، إحنا عملنا اللي علينا، بس هي جت خلصانة. لأن جسمها ضعيف مستحملش اللي حصلها. غير أنها نزفت كتير وخسرت دم كتير. الضرب اللي على جسمها غير طبيعي بالمرة، ده أكيد واحد مريض. جسمها متشوه من كتر الضرب."
صدم كل من وجد وداغر وحسام. فابتسم حسام ابتسامة عدم تصديق وهو ينظر تجاه وجد بمرارة:
"انت بتقول إيه يا دكتور؟ لا إنجي مستحيل تسبني، انت أكيد بتهزر."
أما وجد، فجلست مكانها بعدما شعرت بأن قدميها لا تحملانها، بعدما استمعت إلى خبر وفاة صديقتها. لا تصدق بأنها قد فارقت الحياة. فهي لا تزال صغيرة، كيف له أن يفعل بها ذلك ويقتلها بدون رحمة؟ كيف طاوعه قلبه ليفعل بها تلك الفعلة؟ رفعت عينيها تنظر لحسام الذي كان يهديه داغر:
"اهدأ يا حسام، ده قضاء ربنا. ادعيلها بالرحمة."
جلس حسام على الأرضية ودموعه تنهمر من مقلتيه، يشعر باحتراق داخل صدره وقلبه. كان يريد أن يخبرها بمشاعره تجاهها، يريد إخبارها بأنه يتقبلها مثلما هي، سيتغاضى عن أفعالها السابقة، يكفي أن تحبه فقط مثلما أحبها وتعلق بها.
رفع عينيه شديدة الاحمرار، وهو ينظر تجاه وجد بنظرات قاتلة، فهي السبب في موتها، لولا عندها وإصرارها، ما كاد حدث ما حدث. فنهض من على الأرض و...
رواية طغيان قلب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم فاطمة محمد
رفع حسام عينيه شديدة الاحمرار وهو ينظر تجاه وجد بنظرات قاتلة، فهي السبب في موتها. لولا عندها وإصرارها، ما كان حدث ما حدث. فنهض من على الأرض واقترب منها بهدوء، والدموع كالشلالات تذرف من عينيه.
رفعت وجد عينيها تتطلع به عندما انتبهت لاقترابه منها.
فتمتم الطبيب بهدوء وهو يغادر من مكانه:
"البقاء لله يا جماعة، عن إذنكم."
أغمض حسام عينيه لوهلة عندما قام الطبيب بتعزيتهم، مبتلعًا غصة مريرة بحلقه. فتح عينيه فوجدها تنظر إليه، رافعة يديها مزيحة دموعها، قائلة بنبرة باكية بعدما رمقت داغر بنظرة سريعة:
"بتبصلي كده ليه يا حسام؟!"
"أنتي السبب، أيوه أنتي السبب، أنا بكرهك يا وجد، بكرهك."
قالها حسام وهو ينظر لها باشمئزاز، يلعن نفسه على اليوم الذي ساعدها به.
رفع داغر يديه يمسح على وجهه، يعلم بأنه ليس بطبيعته وما يفعله ليس إلا بسبب صدمته الشديدة بوفاتها. فقطع المسافة التي بينهم واضعًا يديه على ذراعيه يربت عليه قائلاً:
"حسام، ده قضاء ربنا، ووجد ملهاش أي ذنب، ده عمرها وده اللي مكتوب لها، والواحد مش بيعيش أكتر من اللي مكتوب له."
تجاهل حسام حديث داغر، أو بالأصح لم يستمع إليه، صاممًا أذنيه وعقله عن الحقيقة، فقلبه وصدره يشتعلان بنيران غاضبة. فغمغمت وجد بعدم تصديق وهي تشير تجاه نفسها:
"أنا يا حسام؟!! أنا السبب؟ بتحملني ذنب موتها؟"
صرخ بها حسام بغضب ونبرة عالية:
"أيوه أنتي السبب، لولاكي باسم ما كان قتلها، هددك إنه هيقتلها ومع ذلك ركبتي دماغك ومرضتيش تساعديها، وبقى السبب ولا مش السبب؟"
كاد داغر أن يتحدث ويفتح فوهه، حتى أشارت له وجد بيديها تمنعه من الحديث، وعينيها لا تفارق حسام الذي صدمها بشدة. لم يأتِ بمخيلتها بأنه سيفعل معها ما يفعله.
فقالت بصوت هادئ بعدما ابتلعت تلك المرارة بحلقها:
"لأ، مش السبب يا حسام، لأن أنا رغم كل اللي عملته معايا وخيانتها ليا، خوفت عليها وجريت على البيت، بس كان مع الأسف اللي حصل حصل. أنا مهنتش عليا أسيبها وأنا فعلاً مسبتهاش، وربنا شاهد عليا إني بعد ما قفلت معاك كلمت البوليس، وبعدها نزلت جري على البيت اللي هي فيه."
ظل حسام يتطلع عليها بنظرات عدم تصديق. فأومأت وجد برأسها وقالت:
"أنا قلت اللي عندي، عايز تصدقني براحتك، مش عايز برضه براحتك، بس من النهاردة مش عايزة أشوفك تاني يا... بن عمي."
قالت كلمتها الأخيرة بسخرية لاذعة، ولا تزال كلماته تؤلمها، ولكنها لم ترد أن تظهر له آلامها ذاك. وتحركت من أمامهم مسرعة بعدما جذبت حقيبتها، موجهة حديثها لكل من داغر وحسام:
"حقيقي أثبتولي إنكم أحفاد سيد الهلالي."
ترجلت وجد من سيارة والدتها بعدما ركنتها أمام البناية التي يقطنون بها، لا تعلم كيف وصلت سالمة بعد تلك السرعة الفائقة التي كانت تسير بها، وكادت أن تفعل أكثر من حادث كاد أن يؤدي بحياتها ويجعلها جثة هامدة. فهي كانت لا ترى أمامها بسبب تلك الدموع المتجمعة بعينيها، كلماته كانت كالخنجر بالنسبة لها. صعدت بالمصعد وجسدها يرتجف، تشعر ببرودة تكتسح جسدها، تريد أن تدخل غرفتها وتذهب بسبات عميق يجعلها تنسى ما عاشته منذ قليل، وتنسى وفاة صديقتها التي موتها قد وجعها بشدة.
خرجت من المصعد ووقفت أمام باب المنزل تبحث بحقيبتها عن المفتاح، فسقطت الحقيبة من بين يديها بتلك اللحظة التي فتحت بها سحر باب المنزل بعدما استمعت لصوت السيارة منذ قليل، فعلمت بوصول ابنتها.
عقدت سحر ما بين حاجبيها وهي تقترب من وجد بعدما رأيتها بتلك الحالة، قائلة بدهشة:
"مالك يا وجد، إيه حالتك دي؟ وماله جسمك بيترعش كده ليه؟"
ينهض وجد من على الأرض بعدما لملمت أشياءها المبعثرة، دالفة داخل الغرفة تحتضن جسدها بيديها، فلحقت سحر بها وهي تكرر سؤالها، فلم تجد ردًا أيضًا هذه المرة. أما وجد، فاتجهت لغرفتها ودلفتها، واضعة حقيبتها على طاولتها الصغيرة التي تتواجد بأحد زوايا الغرفة، متجهة ناحية الفراش، نازعة ذلك الحذاء من قدميها، دالفة أسفل الغطاء، مغمضة عينيها وذكرياتها مع صديقتها تعاد أمام عينيها، تتذكر تلك اللحظات التي جمعتهم، ابتسامتهم، حزنهم. لم يكن لها سواها، لم تكرها ولكنها جُرحت من فعلتها، لم تتمنى موتها، فموتها صدمة بالنسبة لها. فتذكرت ذلك الموقف.
فلاش باك.
استيقظت وجد من نومها وكانت تشعر بسعادة لم تشعر بها منذ فترة طويلة، وذلك بسبب بعدها عن والدتها التي كانت تنغص عليها يومها بسبب عملها وسهراتها المشبوهة. نهضت تجاه الخزانة وأخرجت بنطلون جينز ممزق وتيشيرت بنصف كم. ورفعت خصلاتها وتناولت حقيبتها ووضعت بها كتبها وحملت الحقيبة على ظهرها وخرجت بها. واتجهت ناحية غرفة إنجي التي لا تزال تغط في نوم عميق. فاقتربت منها وجلست بجوارها وقامت بهزها:
"إنجي، إنجي اااااااصحي!"
نهضت إنجي بخوف وذعر وهي تهتف:
"إيه، إيه، في إيه؟!"
صدحت ضحكات وجد عليها، فانزعجت إنجي من سخريتها تلك، فقبّت جبينها وتصنعت الحزن والانزعاج. فأوقفت وجد ضحكاتها وهتفت بأسف:
"آسفة يا إنجي، بس انتي طلعت جباة أوي."
"حضرتك أنا مش جبانة، أنا بس مش متعودة إن في حد قاعد معايا."
"طيب يا ستي، حقك عليا، يلا قومي بقى عشان منتأخرش على الجامعة."
"لأ، انزلي انتي، أنا مش هنزل، أنا نمت امبارح متأخر ومش هبقى فايقة خالص، لا لمحاضرات ولا لغيره."
"اخص عليكي يا إنجي."
"اخص عليكي انتي يا وجد، سبيني أنام بقى، وبعدين هبقى آخد منك المحاضرات، يلا بقى والنبي سبيني أنام."
باك.
دفنت وجد وجهها بالوسادة بعدما تذكرت تلك الذكرى، تكتمت التي خرجت دون إرادتها حزنًا على فراق صديقتها.
***
في صباح يوم جديد.
في مكتب مجدي.
كان يجلس على مكتبه يطفئ تلك السيجارة التي بين أصابعه، وشعره مبعثر وجفونه منتفخة، فهو لم ينم من ليلة أمس، فحديث ابن شقيقته يدور برأسه. ظل طوال الليل يفكر بحل لتلك المسألة، فهو لا يرغب بأن يترك أمواله وأملاكه لذلك الفاسد عديم الرحمة الذي لا يحترم كبيرًا أو صغيرًا. فظل يطرق على المكتب بأصابعه، فتلك حركته المعتادة عندما يكون ذهنه مشغولًا بالتفكير. توصل إلى حل وسينفذه، لن يجعله يطول أي شيء.
انتشل هاتفه من على مكتبه ووضعه على أذنيه منتظرًا إجابة الطرف الآخر.
ظل عدة ثوانٍ حتى جاءه الرد، فلم يمهله أو يعطيه الفرصة حتى يجيبه، قائلاً بصرامة وصوت متحشرج:
"محمد، عايزك تجيلي البيت حالًا، عايزة أكتب وصيتي."
***
كان يغط في نوم عميق على فراشه الوثير، وكأنه لم يفعل شيئًا ليلة أمس. من يراه يظنه ملاكًا، وهو بالحقيقة شيطان. قتل روحًا بدون أي وجه حق، يظن بأنه سيفلت بفعلته.
تملل في فراشه رافعًا يديه ماسحًا عينيه، فرنين هاتفه يزعجه وبشدة. جذب هاتفه الذي لا يكف عن الرنين وفتح إحدى عينيه، فسريعًا ما اعتدل بجلسته عندما وجدها آلاء، فارتسمت ابتسامة جانبية على وجهه وأجابها سريعًا:
"آلاء حبيبتي، وحشتيني أوي."
"وأنت كمان يا باسم، وحشتني أوي."
قالتها بهدوء شديد، فاتسعت ابتسامته تدريجيًا على وجهه وقال بقلق مزيف:
"حبيبتي، أنا عايزك تعرفي إن كل اللي حصل ده افتراء، أختك أصلًا عينها كانت مني، بس أنا والله ما اديتهاش وش عشان بحبك يا آلاء. ومردتش ساعتها أقولك على اللي بتعمله معايا عشان كنت خايف عليكي وعلى ابننا."
وقاطعته آلاء وتمتم بتنهيدة:
"مستحيل أصدقهم يا باسم، أنت عارف أنا بحبك قد إيه ومستحيل أصدق الكلام الفارغ ده."
"آلاء، البيت وحش أوي من غيرك، يا ريت ترجعي، وإن شاء الله نعدي كل ده سوا ونبدأ من جديد عشان ابننا يا آلاء، وننسى كل الكلام الفارغ والاتهامات دي، والقضية اللي أختك رفعاها دي هتخسرها، عايزك تتأكدي من الكلام ده."
قالها باسم بحب مزيف، فأجابته آلاء وهي تؤمأ برأسها:
"معاك حق، عشان كده هحاول أخرج من البيت وأجيلك يا باسم."
زفر باسم براحة مغمضًا عينيه بسعادة، متمتمًا:
"ماشي يا قلبي يا باسم، وأنا مستنيكي."
***
خرج باسم من غرفته باحثًا عن والدته، فوجدها تجلس أمام التلفاز وبيديها كوب من القهوة. فتمتم وهو يناولها إحدى المفاتيح:
"ماما، المفتاح ده بتاع شقتنا القديمة، روحي اقعدي فيها النهاردة وبكرة ارجعي تاني."
تركت فاتن ذلك الكوب من يديها وهي تهتف بامتعاض:
"يعني إيه الكلام؟ وعايزني أمشي ليه النهاردة؟"
تأفف باسم مقلبًا عينيه بملل، مردفًا بزهق:
"عشان آلاء جاية النهاردة، ولازم أخليها في صالحنا ومعانا، متنسيش إنها حامل في ابني."
زفرت فاتن بضيق ونهضت من مكانها قائلة بتهكم:
"طيب يا خويا، ربنا يهني سعيد بشعيدة، وعلى الله بس تصدقك."
"هتصدقني، آلاء دي في جيبي يا حاجة."
ثم دلف إلى غرفته مرة أخرى حتى يجيب على تلك المكالمة، مغلقًا باب الغرفة عليه، قائلاً بشر:
"النهاردة تنفذ، عايزك تجيبلي خبرها، أنت سامع."
أجابه الطرف الآخر قائلاً:
"سامع يا بيه."
فابتسم باسم قائلاً:
"وم تنساش توصلها سلامي، وقولها تسلم لي على صاحبتها إنجي."
***
في تمام الساعة الخامسة مساءً.
وصلت آلاء أمام المنزل، وأخرجت مفتاحها من حقيبتها، وقامت بفتح الباب، دالفة إلى المنزل وعينيها تجول بالمنزل، رافعة يديها نازعة ذلك النقاب عن وجهها. فنادت باسمه بهدوء:
"باسم... باسم."
لم تجد ردًا، فاتجهت داخل غرفتهم فوجدته ممدًا على الفراش يغط في نوم عميق. فظلت تتطلع عليه، وارتسمت ابتسامة جانبية على وجهها، واقتربت منه بعدما أخرجت تلك الأغراض من حقيبتها، والتي لم تكن سوى حبال وسكين حاد.
لتقوم بتثبيت يديه وقدميه بالفراش بحذر شديد لتعجزه عن الحركة، فهي تعلم جيدًا بأنه لا يستيقظ من نومه بسهولة. وقامت بجذب ذلك المقعد وقربته من الفراش، جالسة عليه تنتظر استيقاظه. وكل ما يجول بخاطرها هو خداعه له ولعائلتها طوال تلك السنوات، بل وفعله الذي لا يغتفر مع شقيقتها، وهو اعتدائه عليها.
وعندما طال انتظارها، نهضت من مكانها متجهة ناحية المطبخ، جالبة تلك القنينة من الماء لتعود تجاه الغرفة مرة أخرى، وتقف أمامه مفرغة محتوى القنينة عليه، لتجعله يستيقظ بفزع من نومه.
"إيه ده، إيه ده، إيه اللي بيحصل، فيه إيه؟"
وعندما وجد يديه وقدماه المثبتة بالفراش، تتطلع على آلاء بصدمة، مبتلعًا ريقه بذعر وهو يتمتم:
"آلاء حبيبتي، فيه إيه؟"
اقتربت منه آلاء متمتمة بسخرية:
"حبيبتك!!! مظنش إني حبيبتك يا باسم، اللي بيحب حد مبيعملش معاه كده، ومظنش أصلاً إنك بتحب حد غير نفسك، أنت أناني أوي، وأنا كنت عمياء عن كل ده، معرفتش حقيقتك إلا في وقت متأخر."
ظل باسم يتلوى يحاول الفكاك ولكن دون فائدة، فهي قد أحكمت تلك الحبال جيدًا. فابتلع ريقه وهو يتمتم بخوف:
"حبيبتي، أنتي فاهمة غلط، أنا بحبك والله بحبك يا آلاء، وبحب ابننا."
صدحت ضحكاتها وهي تتحرك تجاه تلك السكين الموضوع بجواره، ولم ينتبه له بسبب حالة الذعر التي تملكتته. فقالت من بين ضحكاتها بعدما تناولت ذلك السكين:
"ابننا!!! وهو فين ابننا ده؟ ما خلاص راح يا باسم، ابنك اللي كان نفسك فيه مات."
"أنت سامع، ابنك مات."
وهنا لم يعرف باسم ما الذي عليه فعله، أيحزن على فقدان وضياع ابنه الذي انتظره كثيرًا، أم يشعر بالذعر بعدما انتشلت ذلك السكين.
اقتربت آلاء منه وهي تقرب ذلك السكين من وجهه، قائلة بهمس:
"قولي يا باسم، نفسك تموت إزاي؟"
اتسعت عيناه بصدمة وتصببت جبينه بالعرق، فمن الواضح بأنها ليست بطبيعتها، وذلك خطر عليه، فمن الممكن أن تفعل به أي شيء بسبب حالتها والتي يراها غير طبيعية بالمرة.
فرفعت آلاء السكين لتسير بها بطول وجهه، فصرخ باسم بصوت عالٍ ونزفت الدماء بطول وجهه، فقالت:
"هششش، صوتك يا باسم، هتلم علينا الجيران يا حبيبي، خليك حلو بقى وبلاش صوتك الجميل ده يطلع."
صرخ بها باسم وعينيه تشتعل بغضب بسبب فعلتها وتشويها لوجهه بتلك السكين، قائلاً:
"أنتي أكيد اتجننتي."
"اتجننت؟ هو انت لسه شفت جنان؟ الجنان لسه مجاش يا باسم، أنت خلاص مش هيطلع عليك نهار."
قالتها بحدة ممزوجة ببعض الصرامة بعدما جزت على أسنانها بغضب.
وما كاد أن يتحدث حتى سمعوا طرقات عالية على الباب، فأزدادت ضربات آلاء، واقتربت من حقيبتها منتشلة ذلك اللاصق، واضعة إياه على فمه بعدما صرخ عدة مرات يطلب المساعدة، ولم يكن وضع اللاصق بأمر سهل.
اقتربت من الباب وهي تهدأ أنفاسها العالية، ونظرت من تلك العين السحرية، فلم تجد سوى سيد الذي ظل يصر على طرق الباب، فلم تجد حلًا آخر سوى الفتح له.
نظر سيد بصدمة لحفيدته التي خرجت دون علمهم، فجذبها من ذراعيها ينهرها على فعلتها، صائحًا بعدما أغلق الباب من خلفه:
"أنتي إيه اللي جابك هنا وإزاي تخرجي من غير ما تعرفي حد فينا ها..."
أما هي، فكانت عينيها على تلك الحقيبة التي يحملها بين يديه، فتجاهلت حديثه وأشارت بعينيها تجاه الحقيبة التي يحملها، متمتمة:
"إيه الشنطة دي؟ فيها إيه؟"
جز سيد على أسنانه وصاح بها:
"آلاء، أنتي هتمشي من هنا ودلوقتي، أنتي سامعة."
"مستحيل، حقي لازم يرجع من الحيوان ده، أنت مش عارف أنا حاسة بإيه، محدش فيكم حاسس بيا، أنا بموت في اليوم ميت مرة، أنا مش هرتاح غير لما أطلع روحه بإيديا وأنتقم منه، أنت سامع يا جدي؟ مش همشي غير لما أموته."
حاوطها سيد بيديه قائلاً بنبرة حنونة:
"وحياتك عندي، لهرجع حقك وحق العيلة كلها، هصلح كل حاجة يا آلاء، أنتي بس اسمعي كلامي وامشي من هنا يا بنتي، أرجوكي."
ظلت صدرها يعلو ويهبط بعنف، فتمتم سيد مرة أخرى محاولًا إقناعها:
"يلا يا آلاء، مضيعيش نفسك، أنتي لسه صغيرة يا بنتي وقدامك حياة لازم تعيشيها."
رفعت عينيها وقالت بإصرار:
"مش همشي يا جدي، مش همشي، أنت سامع."
جز على أسنانه وقال:
"يبقى هتقعدي هنا لحد ما أكمّل معاه. أنتي سامعة."
***
دلف سيد إلى الغرفة، فوجد باسم على فراشه وكل من ذراعيه وقدميه مقيدان بالحبال. فأتسعت ابتسامته واقترب منه وتلك الحقيبة لا تزال بيديه. فظل باسم يهمهم ببعض الكلمات غير المفهومة. فاقترب منه سيد مزيلًا ذلك اللاصق.
فصرخ به باسم قائلاً:
"ده أنا هوديكم في ستين داهية وهوريكم إزاي تعملوا معايا كده وهندمكم يا سيد يا هلالي، أنت سامع؟ هندمكم."
جلس سيد بجواره على ذلك المقعد، واضعًا قدم فوق الأخرى ويديه على وجنتيه، ينصت إليه باهتمام زائف:
"والله دلوقتي هنشوف مين اللي هيندم التاني."
عقد باسم حاجبيه وقال بعدم فهم:
"قصدك إيه؟"
نهض سيد من مكانه وفتح تلك الحقيبة وأخرج منها تلك القنينة التي رفعها وهي بين يديه، مشيرًا بها أمام وجهه:
"عارف القزازة دي فيها إيه؟"
ابتلع باسم ريقه، فاقترب منه سيد وفتح القنينة ووضعها أمام أنفه، ليبعد باسم وجهه بعدما علم محتوى القنينة.
فصاح سيد:
"ها، عرفت فيها إيه؟"
التفت إليه باسم وهو يقول بقوة وشجاعة زائفة:
"أنت فاكر نفسك هتتهدني يا سيد يا هلالي؟ لأ، أنت ولا عشرة زيك."
ابتسم سيد بتهكم وقال:
"ببَهدلك؟ ومين قال إن أنا بهددك؟ أنا مبهددش يا بن السيوفي، أنا بنفذ على طول."
فقام بإفراغ تلك القنينة على جسده، لتتسع عيناه بصدمة وخوف ويقول بنبرة متلعثمة:
"أنت اتجننت؟ إيه اللي بتعمله ده؟"
زفر سيد براحة واقترب من الحقيبة مرة أخرى، وأخرج تلك الأوراق، واقترب من باسم قائلاً:
"ده ورق تنازل عن كل فلوسك وأملاكك يا باسم، وطبعًا هي مش فلوسك ولا حاجة، دي فلوسي وفلوس عيلتي اللي نصبت علينا فيها يا حرامي، فزي الشاطر كده يا تمضي عليها يا عود كبريت صغير يخلصنا منك."
تشتت ذهن باسم، لم يعلم ما الذي عليه أن يفعله، فأغمض عينيه بتفكير وغضبه يزداد بداخله، فاخرج سيد من جيبه علبة كبريت صغيرة، فاتسعت عين باسم وقال بسرعة وتلقائية:
"موافق، موافق، هات الورق أمضيه."
ناوله سيد الورق بعدما شعر براحة كبيرة تتغلغله، وقام بتحرير يده اليمنى، فقام باسم بتوقيع تلك الأوراق والخوف لا يزال يتملكه، وخاصة أن سيد لا يزال بيديه تلك العلبة التي قد تنهي حياته، فقد أخذ حذره من أي غدر قد يأتي من ناحيته، لذلك ابتعد عنه بعض الشيء.
هتف باسم بلهفة:
"اديني عملتلك اللي انت عايزه، فكني بقى، أنا مش عايز أموت، فكني يا جدي."
"جدك؟ وأفكك!!! تصدق ضحكتني، ولما أعمل كده هخلص عيلتي من شرك إزاي ها؟"
ابتلع باسم ريقه ورفع يديه محاولًا تحرير يده الأخرى، فارسمت ابتسامة شامته على وجهه سيد، ليحرك ذلك العود على العلبة ليشتعل بلحظتها، ليقوم بإلقائه على الفراش، ليشتعل جسد باسم بالنيران، لتصدح صرخاته بأركان الغرفة. فدلت آلاء إلى الغرفة بسبب تلك الصرخات، وسريعًا ما صدمت عندما وجدت جسده مشتعلًا بالنيران وصوته يدوي بالغرفة.
***
في المساء.
داخل غرفة وجد.
تسلل ذلك الشاب لداخل المنزل يريد تنفيذ ما أُمر به وهو قتل تلك الفتاة. فدلف إلى المنزل بعدما انتبه لسحر وهي تغادر البناية، فظل يسير بخطوات هادئة وعينيه تجول بالمنزل، فوصل لمسامعه صوت المياه فعلم بأنها داخل المرحاض، فدلف لغرفتها يختبأ بها منتظرًا خروجها لينال منها ويقوم بقتلها.
وبعد مرور بعض الوقت، خرجت وجد من الحمام وهي ترتدي ذلك البورنس وتلك المنشفة تغطي خصلاتها، وما أن دلفت الغرفة وأغلقت الباب حتى وجدت من ينتشلها من خصرها واضعًا سكينًا حادًا على عنقها، متمتمًا بهمس:
"باسم السيوفي بيسلم عليكي وبيقولك وصلي سلامه لإنجي يا حلوة."
رواية طغيان قلب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم فاطمة محمد
بأحدى الدول الأوربية
و تحديدًا داخل أحدى الغرف التي يسودها اللون الأسود تململت بنومها عندما وصل إلى عينيها تلك الإضاءة التي جعلتها تنزعج كثيرًا فرفعت رأسها عن تلك الوسادة لتنظر باتجاه تلك النافذة التي تعلم جيدًا من الذي قام بفتحها.
اقتربت منها تلك الفتاة التي كانت تقف بجوار النافذة وابتسامة جذابة على وجهها وخصلاتها السوداء الطويلة تنساب على وجهها بنعومة وهي تغمغم بابتسامة مشاكسة:
- صباح الخير.
فتحت وجد عينيها بانزعاج وهي تقول بتأفف:
- خير، وهيجي منين الخير وأنتِ كل يوم تعملي فيا العملة المهببة دي.
صدحت صوت ضحكات الفتاة بالغرفة فقالت من بين ضحكاتها وهي تقترب منها جالسة بجوارها على الفراش:
- انتِ عارفة يا وجد يا حبيبتي إن أكتر حاجة بحبها فيكي لسانك اللي بينقط سكر ده.
ابتسمت وجد ابتسامة لم تصل لعيناها وهي تعتدل بجلستها قائلة بسخرية:
- وأنتِ يا وسام يا حبيبتي تعرفي إن أكتر حاجة مبحبهاش فيكي دمك اللي يلطش ده على الصبح، انتِ يا بت مش هتبطلي عملتك المهببة دي بقى.
تأففت وسام وهي تنهض من على الفراش وتضرب بقدميها على الأرض قائلة بتذمر:
- ما انتِ اللي نايمة ولا على بالك أي حاجة، ولا كأننا مسافرين النهاردة.
(وسام هي فتاة في الثانية والعشرون من عمرها ذات ملامح أنثوية رقيقة ناعمة عينيها زيتونية وأهدابها طويلة متوسطة الطول جسدها ممشوق وأنفها صغير وذات شفتين مكتنزتين وبشرتها خمرية)
رمقتها وجد بنظرة سريعة وهي تنهض من على الفراش متجهة ناحية المرحاض:
- ومين قالك إنه مش على بالي يا وسام.
ابتلعت وسام ريقها واقتربت منها محاوطة إياها من الخلف بمرح وتقبلها على وجنتيها علها تنسيها بعضًا من همومها وأحزانها وخاصة أنها تعلمها جيدًا وتعلم كم هي كتومة فقالت بمرح:
- إيه ده إيه ده، إيه التكشيرة دي مش لايقة عليكي خالص على فكرة، القمر ده مينفعش يكشر وبعدين يلا ادخلي الحمام اغسلي وشك كده وفوقي وبعدين تعالي نفطر وبعدين نطير على المطار.
تنهدت وجد وابتسمت ابتسامة مصطنعة تؤنب نفسها على موافقتها للنزول إلى بلدها التي بمجرد أن تصلها سيعاد كل شيء أمامها مرة أخرى.
بالقاهرة
وبداخل قصر عائلة الهلالي
يقف أمام المرآة بغرفته الخاصة يهندم ملابسه يستعد للذهاب إلى عمله وكانت ملامحه مقتضبة كعادته التي اكتسبها منذ سنوات منذ أن غادرته وابتعدت عنه لا أحد يشعر به أو هكذا يظن.
فالجميع على يقين تام بحالته التي كان سببها بعدها ورفضها له ورغم محاولة والدته طوال تلك السنوات حتى تجعله يؤسس عائلة فهي تريد رؤية أحفادها وحملهم بين ذراعيها ولكنها لا يزال يرفض ذلك الموضوع وكلما فاتحته به يعلن رفضه التام وينسحب من ذلك الحديث الذي لا فائدة له فكيف تفكر بأنه سيستطيع الزواج بأخرى وتأسيس عائلة. كيف يقترب من الأخرى وقلبه لا يزال مشغولًا بها لم ينسها ولا تغيب عن عيناه لا يزال يذكر ملامحها وابتسامتها اشتاق لرؤية غمازتيها التي تزين ذلك الوجه الطفولي كيف يفعلها ونيران عشقها لا تزال تضرم بقلبه وصدره.
دلف رائف إلى غرفته بعدما طرق الباب طرقة بسيطة صاحبها دخوله للغرفة متمتمًا باستعجال وهو ينظر بساعة معصمه:
- داغر كل ده بتلبس هنتاخر!
أومأ له داغر دون أن ينظر له متناولًا ساعة يده مغادرًا الغرفة برفقة رائف.
هبط معه وما كادوا يغادروا حتى انتبهوا لذلك الصوت مناديًا على رائف:
- رائف، رايحين فين مش هتفطروا قبل ما تمشوا!
ابتسم لها رائف بحب قائلًا:
- مفيش وقت يا حبيبتي هنتاخر.
أومأت له ياسمين وعيناها ترمق داغر بنظرات سريعة فرغم زواجها من رائف فلا يزال قلبها متعلقًا بصديقه وابن عمه.
ابتلعت ياسمين ريقها واقتربت منه مقبلة إياه على وجنتيه مما أزعج رائف كثيرًا.
أما داغر فانتبه على ما تفعله أمامه فتمتم ببرود وصوت خالٍ من المشاعر:
- هستناك في العربية يا رائف.
جز رائف على أسنانه وهو يرمق ياسمين بغضب قائلًا وهو يغادر برفقة داغر:
- لا يا داغر أنا جاي معاك.
داخل إحدى المراسم وبعدما تسللت أشعة الشمس لتسلط أشعتها ودفئها بداخل المرسم فنجده لا يزال جالسًا أمام تلك اللوحة بشعره الذي طال كثيرًا ولحيته وهيئته المهملة كانت الفرشاة بيده فهو لم ينهيها بعد وبجواره العديد من أكواب القهوة الفارغة بعدما ظل يتجرعها طول الليل حتى يستطيع إنهائها في الصباح الباكر.
فكانت ملابسه ويديه ملطخة بالكثير من الألوان ويغلبها اللون الأسود فالنوم لم يحالفه بفضل تلك الأكواب الفارغة فمعرضه على وشك الافتتاح وعليه تحضير رسوماته التي سيعرضها بذاك المعرض.
وبعد مرور بعض الوقت ترك الفرشاة من يديه وعيناه معلقة على اللوحة فها قد أنهاها للتو فارتسمت ابتسامة جانبية على وجهه سعيدًا بإنجازه ذاك فنهض من مكانه متحركًا باتجاه تلك اللوحة التي يخفيها عن الجميع مزيحًا عنها ذلك الغطاء حتى لا يراها أحد فهو يغار عليها وبشدة.
وقف أمامها وظل يتطلع على ملامحها التي اشتاق إليها واشتاقت عينه لرؤيتها فلمعت عيناه بالدموع كلما تذكر كيف انتهت حياتها على يد ذلك الحقير الذي لطالما كرهه ليته قتله بيديه ليته فعلها منذ زمن.
رفع يديه عندما سالت دموعه من عينيه رافعًا يديه تجاه اللوحة محركًا يديه على وجهها دون أن يلمسه حتى لا يلطخها بيديه المتسخة بالألوان وقال بصوت هامس عاشق متحشرج أثر بكائه الذي يفطر القلوب:
- عارف إن محدش هيحس بيا هيقولوا حبها امتى واتعلق بيها إزاي بس مش هيلاقوا إجابة أنا نفسي مش لاقي إجابة معرفش حبيتك واتعلقت بيكي كده إزاي. نفسي تبقي معايا دلوقتي كان نفسي تبقي نصي التاني.
ظلت الدموع تسيل من عيناه واحمرت عيناه بشدة وقال بصوت متحشرج أثر بكائه ذلك فحتى الآن لا تزال هناك نيران متأججة داخل صدره فتمتم مكملًا حديثه:
- عايزك تعرفي إني لا حبيت ولا هحب غيرك يا إنجي هتفضلي الأولى والأخيرة أوعدك إن قلبي مدقش لحد بعدك عشان انتي مفيش بعدك.
استيقظ من غفوته على صوت رنين هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين من الصباح الباكر فمد يديه بجواره وهو لا يزال نائمًا وقام بأنتشاله ووضعه على أذنيه ليصل إلى مسامعه صوت والده الغاضب وهو يغمغم بانفعال مفرط:
- أنت فين يا عدى عارف الساعة كام ولا لأ الاجتماع فاضل عليه ربع ساعة وأنت لحد دلوقتي نايم! أنت أكيد بتهرج أنت مش عارف الاجتماع ده مهم إزاي للشركة يا عدى.
انتفض عدى من نومته وهو يزيح الهاتف من على وجهه ناظرًا بالوقت فجز على أسنانه ونهض من فراشه مسرعًا وهو يتمتم:
- اقفل يا بابا اقفل عشر دقايق وأكون عندك.
أغلق المكالمة مع والده وهو يهرول باتجاه الحمام والغضب يعتريه من تلك التي من المفترض أنها زوجته ولكن أين هي فهو لا يشعر بوجودها أصبح لا يشعر بأي شيء تجاهها خاصة بعدما وجهت كامل اهتماماتها تجاه أبنائها الذين من المفترض أنهم أبناؤه أيضًا ولكن لا يرى سوى نفسه حتى هيئتها أصبح يسخر منها كثيرًا فمن المفترض عليها أن تهتم بكل شيء ولا تقصر بشيء ولكن ماذا عنه لما لا يرى تقصيره اتجاهها لماذا أصبح أعمى عن أفعاله لماذا.
خرج من غرفته بعدما ارتدى بدلته متجهًا تجاه غرفة تؤامه الذين أصبح عمرهم ثلاث سنوات وفتح الباب دون طرقه ليجدها جالسة أمامهم تقوم بإطعامهم والابتسامة على وجهها لا تفارقه وكأن كل شيء على ما يرام متغاضيًا ومغلقًا عينيه عن الحقيقة وعن آلامها الظاهرة والواضحة بعينيها وضوح الشمس.
دلف الغرفة وأغلق الباب من خلفه بهدوء منافٍ لغضبه فارتعش صدغه بقوة بعدما جز على أسنانه من لامباليتها التي جعلته يشتعل مكانه ويخرج النيران من فمه وأذنه.
اقترب منها وقام بجذبها من ذراعيها وابتسامة مصطنعة على وجهه وهو يتمتم من بين أسنانه:
- مدام الهانم صاحية مصحتينيش ليه!
جذبت حورية ذراعيها من يديه بانزعاج من فعلته وملامحه مقتضبة وقالت بهدوء أثار استفزازه:
- وأنا من إمتى بصحيك يا عدى ما أنت كل يوم بتصحى لوحدك جايلى في الوقت اللي إحنا متخانقين فيه وتقولي مش بتصحيني ليه!
انت تجر شكلي على الصبح صح؟
كور قبضته بغضب من هدوئها وردها عليه وتمتم قبل مغادرته:
- أنا حقيقي ندمان إني اتجوزتك وندمان على الساعة اللي اخترتك فيها، ده كان يوم أسود يوم ما اتجوزتك. ويا ريت تبصي في المرايا تشوفي شكلك بقى عامل إزاي.
قال كلماته التي كانت كالسكين الحاد، فابتلعت حورية تلك الغصة المريرة ورسمت ابتسامة مصطنعة. تمتمت وهو يغلق الباب بوجهها ودموعها تسيل من عينيها، فذلك الوزن الذي اكتسبته جعله ينفر منها وبشدة، فلم يعد يشعر بأنها تلك الفتاة التي وقع بعشقها. تمتمت بخفوت:
- وأنا كمان يا عدي ندمانة... ندمانة عشان حبيتك!
***
أمام المطار...
وصلا كل من وجد ووسام أمام المطار وترجلا من سيارة الأجرة، وكل منهم تحمل حقيبة صغيرة. فإجازتهما وبقاءهما لن يدوم ولن يطول كثيراً.
تأففت وجد وهي تحمل حقيبتها بيديها، فاستدارت وسام تنظر إليها عاقدة حاجبيها، متمتة بضيق مصطنع:
- انت هتقعدي تتأففي كتير يا وجد؟ وبعدين ما أنا قولتلك مش هنطول.
جزت وجد على أسنانها وبدأت خفقاتها بالتزايد، فقالت بضيق وندم شديد:
- لا يا وسام، أنا مش حابة أرجع تاني، أنا لو...
قاطعتها وسام واقتربت منها قاطعة تلك المسافة بينهما، قائلة بنبرة هادئة حاولت بها بث الطمأنينة في صديقتها:
- وجد عشان خاطري، انتي عارفة إني بقالي فترة كبيرة نفسي أنزل، أنا منزلتهاش من سنين. ولو نزلتها لوحدي مش هبقى مبسوطة، لكن وانتِ معايا الموضوع هيختلف، فعشان خاطر وسام عندك لتوافقي. وبعدين دي هي كام أسبوع، خليكي صاحبة جدعة بقى.
لزمت وجد الصمت، فظلت وسام تتفحصها بنظراتها، وعندما طال صمتها غمغمت بخبث:
- أنا بصراحة مش عارفة انتي خايفة من إيه.
رفعت وجد عينيها تنظر إليها بغيظ وقامت بضربها بقبضتها على إحدى ذراعيها قائلة:
- أنا مش خايفة يا كلب البحر انتي، أنا بس مش حابة أنزل مش أكتر، مش حابة أشوف أي حد منهم.
اتسعت عين وسام وصاحت بعدم تصديق من تفكير صديقتها، وبطريقة مسرحية جعلتها تبتسم دون إرادتها:
- نهار أبوكِ أسود يا وجد، بقى خايفة إنك تقابليهم ليه يا حبيبتي؟ هو حد كان قالك إن مصر أوضة وصالة؟ يلا يا وجد، يلا يا ماما، بلاش كلام فاضي ودلع بنات، يلا يلا يا أختي.
اتسعت ابتسامة وجد على حديث صديقتها وقالت والابتسامة لا تزال على وجهها:
- يلا يا أختي، انتي متأكدة إن بقالك سنين منزلتيش مصر؟
قلبت وسام عينيها بتفكير قائلة بمرح:
- شوور يا بيبي، وبعدين الأفلام مخلتش ربنا يخلينا الأفلام المصري، ههه.
ثم قاطعت ابتسامتها وقالت بلهفة:
- يلا وجد الناس بتتفرج علينا، خلينا نخلص، أنا مش مصدقة، ياااااه وأخيراً.
رفعت وجد حاجبيها بسخرية وتحركت معها، وبداخلها تناجي ربها ألا ترى أحد من عائلتها.
***
بعد ذهاب عدي وبعد إلقائه لتلك الكلمات الجارحة لها ولأنوثتها، رفعت يديها وزالت تلك الدموع. فهي لم تكن بالفتاة الضعيفة، لا تعلم ما الذي حدث لها، ولكن كل ما تعلمه أنها لا تزال معه من أجل أبنائه، فلو لم يكونوا متواجدين لكانت تركته منذ زمن.
لا تنكر تغيره وتبدله من عدي الذي كان يتمنى نظرة من عينيها مدافعاً عنها ويحميها من ذلك المدعو أمير الذي لطالما أزعجها وحاول التقرب منها، إلى عدي الحالي الأناني الذي لا يفكر سوى بنفسه وبرغباته. ليتهم لم يعودوا مثلما كانوا، فلو لم يعودوا لذلك الغناء ما كان تغير معها لتلك الدرجة.
هناك شعور يسيطر عليها وهو وجود امرأة أخرى في حياته. رفعت يديها تزيح تلك الدموع التي انسابت دون إرادتها، وبخاطرها شيء واحد... ماذا لو كان بحياته امرأة أخرى؟ فما الذي ستفعله؟ هل ستتقبل بأخرى تشاركها إياه أم تتركه دون عودة؟
انتبهت لذلك الباب الذي فتح على مصراعيه وصاحبه دخول ياسمين إلى الداخل، ونظرة الشماتة بعينيها تتفحصها من رأسها لأخمص قدميها، متمتة بسخرية لاذعة:
- حورية، أنا رايحة النادي، تحبي تيجي معايا؟ وأهو تتحركي شوية لحسن انتي فاضلك كام كيلو ومش هتعرفي تعدي من الباب. وأوعي تزعلي مني، أنا بس بنصحك، أصلي خايفة عليكي لواحدة تانية تدور حوالين عدي.
نهضت حورية من جانب أطفالها الذين يلعبون بتلك الألعاب المخصصة لهم، واقتربت منها وتحدثت بهدوء، فكم جعلتها الأمومة أكثر اتزاناً وهدوءاً:
- متشكرة على النصيحة، بس ياريت نصيحتك خليها لنفسك.
غضبت ياسمين من هدوئها وإجابتها العقلانية، فرسمت ابتسامة مصطنعة لم تصل لعيناها، وغمغمت وهي تغادر الغرفة تاركة الباب على مصراعيه:
- الحق عليا إني بنصحك، صحيح خير تعمل شر تلقى.
***
في منزل سحر.
استيقظت من نومها وفتحت جفونها، والصداع يكاد يفتك برأسها، والفضل يعود لسهرتها ليلة أمس.
نهضت من مكانها واتجهت تجاه المطبخ وهي تسير بهدوء ويديها لا تزال على رأسها، وجلبت كوباً من الماء ودلفت به إلى غرفتها مرة أخرى. وانتشلت ذلك الدواء من الدرج وقامت بتناوله حتى يساعدها لتخطي ذلك الصداع الفتاك.
وبعد مرور بعض الوقت وبعدما زال صداعها، انتشلت هاتفها الموضوع بجوارها فوجدت به العديد من المكالمات.
فأعتدلت بجلستها واتصلت بذاك الرقم الذي اتصل بها كثيراً ولم يتوقف عن الرنين، ولكنها بالطبع لم تستمع إليه.
- الو، أيوه يا مجدي، أنت اتصلت عليا كتير بس مسمعتش الموبايل خالص.
قالتها سحر بأسف، ففاجأها رد مجدي الصارم الساخر قائلاً:
- ما لازم متسمعيهوش يا سحر!!!
ابتلعت ريقها وما كادت تتحدث حتى قاطعها، جاعلاً إياها تبتلع باقي حديثها بجوفها:
- وجد راجعة انهاردة يا سحر.
***
خرج من مكتبه يدور دورية كل يوم، يراقب إصلاح العمال للعطل المتواجد بالسيارات التي قد حان موعد التسليم الخاص بهم بعينيه الحادة كالصقر. انتقل بعينيه تجاه تلك السيارات المصفوفة بجوار بعضها البعض، بدأ بعدهم، ولكن توجد واحدة من بينهم غير موجودة.
بدأ يبحث عن أحد العمال المسؤولين عنها فهتف بصرامة قائلاً:
- في عربية ناقصة، انتوا بتهرجوا مش كده...
هتف أحدهم يجيبه بعدما سمع حديثه، فكان ماراً بجوار:
- لسه بتتصلح يا أستاذ داغر.
عقد داغر حاجبيه بانزعاج وتمتم بحدة وعيونه تطلق شرار:
- يعني إيه لسه بتتصلح؟ وميعاد تسليمها النهارده؟ أومال انتوا لازمتكم إيه؟
وصل صوته إلى مسامع رائف الجالس بمكتبه وأمام بعض من الأوراق يقوم بمراجعتها، فهرول من مكانه حتى يعلم ما الذي حدث واستدعى أن يصرخ بتلك الطريقة، فأسرع حتى ينقذ الأمر قبل أن يحدث مشكلة مع العمال.
- أنا مش قلت ميت مرة مش بحب التأخير في الشغل، بحب المواعيد تبقى مظبوطة والتسليم يبقى في معاده. اللي بتعملوه ده اسمه تهريج، احنا هنا بنشتغل مش بنلعب...
اقترب رائف منه وهو يتسائل عما حدث، فنظر داغر تجاهه صارخاً به هو الآخر لينال جزءاً من عصبيته المفرطة:
- إيه يا رائف ده؟ إزاي يعني عربية ميعاد تسليمها النهاردة ولسه مخلصتش؟
وما كاد أن يتحدث حتى يهدئه، فهو أيضاً ليس على دراية بذلك الأمر، ولكنه قاطعه داغر عندما تحرك من مكانه وهو يشمر تلك الأكمام من قميصه وهو يصرخ بهم:
- رائف تعالى معايا نشوف العربية، العربية لازم تتسلم في ميعادها...
***
صعدت على متن تلك الطائرة وجلست بجوار صديقتها التي لا تكف عن الحديث، فاتسعت عيناها وهي تصرخ بها تنهرها حتى تصمت قليلاً:
- في إيه يا وسام؟ أكلتي دماغي، اهدى شوية أنا جالي صداع.
ضغطت وسام على شفتيها بسعادة وهي تهتف:
- أنا فرحانة أوي يا وجد، انتي بجد مش متخيلة أنا حاسة بإيه.
جزت وجد على أسنانها وقالت:
- طيب ممكن بقى تسبيني أنام شوية؟ وكفاية أوي إنك قلقتيني الصبح وماخدتش كفايتي من النوم.
تنهدت وسام براحة وتمتمت:
- نامي يا ستي، أنا ماسكاكي.
ثم أغمضت عينيها وتمتمت في نفسها بهيام وعشق جارف:
- أخيراً هنزل وأشوفك يا حسام يا هلالي...
أما وجد فاغمضت عينيها وأراحت رأسها بظهر المقعد، متنفّسة الصعداء وذكريات الماضي تجول بعقلها، متذكرة ما حدث معها عندما هاجمها ذلك الشاب بغرفتها محاولاً قتلها، هامساً لها بهوية من يريد قتلها والتخلص منها.
قبل أربع سنوات من الآن...
رواية طغيان قلب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم فاطمة محمد
قبل أربع سنوات من الآن...
"باسم السيوفي بيسلم عليكِ وبيقولك توصلي سلامه لإنجي يا حلوة."
قال ذلك الشاب تلك الكلمات بهمس شديد، وكان من المفترض أن يدب الرعب بقلبها، فحياتها على وشك أن تنتهي، ولكن ما حدث خالف جميع توقعاته، بل الأصح أنه لم يأتِ في خاطره بأنه أمام أنثى شرسة وقوية لن تسمح له بأن يُنهي حياتها.
وما كاد أن يحرك السكين على عنقها منهيًا حياتها حتى وجدها، وبحركة مفاجئة قد بدلت كل شيء.
ليجد نفسه قد جُذب منه ذلك السكين، وأصبح متكورًا على الأرض وهي ترمقه بعينيها التي تطلق شرار.
فابتلع ريقه، فهو يعلمها ويعلم بأن من أمامه ليست عادية، بل إنها تعلم جيدًا كيفية الدفاع عن نفسها. فلعن ذلك المدعو باسم بسره لانصاته إليه وتنفيذ ما أمره به مقابل مبلغ مادي أغراه كثيرًا.
ما كاد أن ينهض من مكانه حتى وجدها التقطت ذلك السكين الذي سقط منه، وبسرعة فائقة وضعتها على عنقه وهي تغمغم بغضب ناري، وقد اسودت حدقتاها.
"عرفتك من صوتك يا ***، فاكر نفسك هتقدر عليا أنت و **** التاني؟ تبقى غلطان يا أمير، وشكلك متربتش من العلقة اللي أدهالك. ياريت بقى تبقى تبلغ سلامي لباسم لما تشوفه في أبو زعبل مشرف معاك."
"باسم السيوفي بيسلم عليكِ وبيقولك توصلي سلامه لإنجي يا حلوة."
ظلت تلك الكلمات تتردد بأذنيها وهي واقفة أمام ذلك المدعو "أمير" بعدما قامت بتقييده جيدًا.
فدَلفت سحر إلى غرفتها، وسريعًا ما جحظت عيناها وهي ترى ذلك الغريب مستلقيًا على الأرض.
"مين ده يا وجد؟!"
التفتت وجد تنظر إليها بعيون خالية من المشاعر.
"حاول يقتلني، باسم السيوفي كان بعته. غير إني على معرفة سابقة بيه، الأستاذ متحرش كبير."
ابتلعت سحر لعابها واقتربت من ابنتها وهي لا تزال ترمق ذلك الشاب بخوف وذعر، وقالت:
"إنتي عملتي فيه إيه وإزاي قدرتي عليه؟!"
حركت وجد كتفيها بلامبالاة قائلة:
"دافعت عن نفسي، أومال أسيبه يقتلني! وبعدين متقلقيش، أنا بلغت البوليس وزمانه جاي عشان يقبضوا عليه، وأكيد هيعترف على الحيوان اللي سلطه يقتلني."
ثم نظرت تجاهه وهي ترمقه بنظرات قاتلة متوعدة.
"ولا إيه؟"
نفى أمير برأسه قائلاً بترجّي:
"لا أبوس إيدك، مضيعيش مستقبلي. سبيني أمشي وأوعدك مش هتشوفي وشي تاني."
ضيقت وجد عينيها وقالت بسخرية:
"أسيبك تمشي؟ إنت عبيط ياض؟ وأضيع فرصة إني أخلص منك انت وزفت باسم؟"
حرك رأسه بنفي قائلاً:
"ولا هضيعها ولا حاجة، إنتي كده كده رافعة قضية عليه، وأكيد حقك هيرجعلك. ولو سبتيني أمشي أوعدك إنك مش هتشوفيني تاني ومش هتعرض لحورية تاني."
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهها.
"زيادة الخير خيرين، وبعدين مضمنش إنك تنفذ كلامي."
جز على أسنانه وقال بتوسل مصطنع:
"أبوس إيدك يا وجد، وأنا والله والله مهظهر في حياتكم تاني. وبعدين أنا لو اعترفت على باسم ممكن ينكر، مفيش إثبات على كلامي، أنا بس اللي هضيع فيها وهو هيطلع منها زي الشعرة من العجينة."
وهنا جاء صوت سحر قائلة:
"هو بيتكلم مظبوط يا وجد، أكيد هيطلع منها بسهولة."
زفرت وجد على أسنانها وأقتربت من أمير ممسكة إياه من ملابسه، وقالت له بنبرة تهديد وتوعد:
"عارف لو شفت خلقتك دي تاني هعمل فيك إيه."
"إيه؟!"
قالها بسذاجة وخوف، فأبتسمت قائلة له وهي تحركه بعنف:
"هعملك بفتيك يا حلو."
***
ولج "سيد" إلى منزل "محمود" بعدما طرق الباب بهدوء شديد، وآلاء بجواره جامدة الملامح، لا تظهر أي تعابير على وجهها، وهذا بالطبع لم يكن إلا نتيجة تلك الصدمة التي تعرضت لها ورؤيتها له والنيران تتآكل بجسده، فظلت تطلع عليه بصدمة لا تستوعب ما تراه.
نعم، أرادت قتله والانتقام منه، ولكن رؤيته بتلك الحالة جعلتها تدخل بحالة صدمة، خاصة وأنه كان لها كل شيء، فهو حبيب طفولتها... ومراهقتها... ذلك الحبيب الذي لا يستحق كل ذلك الحب، فهو لا يعرف شيئًا عن الحب، فهو مخادع.
فتح "محمود" الباب بسرعة شديدة، وإسلام خلفه يلحق به، فالقلق نهش قلوبهم عندما لم يجدوها بغرفتها، فظلت الأفكار تجول بعقولهم... فماذا لو فعلت بنفسها شيئًا؟... ما الذي سيحدث إذا جال بعقلها أن تنتحر وتنهي حياتها؟
وما لبثوا أن يستعدوا للبحث عنها خارج المنزل بعدما أبدلوا ملابس البيت، حتى استمعوا لتلك الطرقات الهادئة.
وما أن رآها "محمود" حتى جذبها داخل أحضانه متنهدًا براحة شديدة، يشكر ربه على رجوعها سالمة غانمة، فهو كاد أن يموت قلقًا عليها.
أخرجها من أحضانه محاوطًا وجهها بيديه الكبيرتين قائلاً بخوف حقيقي:
"حبيبتي، إنتِ كويسة؟ قلقتيني عليكي، كنتي فين؟!"
ظلت آلاء جامدة مكانها، حتى ذلك العناق لم تبادله إياه، وعندما انتبه ولاحظ "محمود" حالتها تلك، رمق والده بنظرات سريعة مبتلعًا ريقه، رامقًا إسلام بنظرات دهشة من حالتها، وقد بادله إسلام تلك النظرات المندهشة.
فغمغم "محمود" بتساؤل موجهًا حديثه لـ "سيد":
"إنتوا كنتوا فين؟!"
وايه الحالة اللي هي فيها دي
تنهد "سيد" وأخرج تلك الأوراق من حقيبته التي كانت لا تزال بحوزته قائلاً بهدوء شديد هو الآخر:
- أنا رجعت حقنا يا محمود
قطب محمود جبينه وقال بدهشة ممزوجة ببعض من القلق وعيناه معلقة بتلك الأوراق:
- يعني إيه رجعت حقنا؟ أنت عملت إيه؟
نظر "سيد" لـ "آلاء" ورفع يديه مربتاً على كتفها قائلاً:
- خلي بالك من آلاء يا محمود، دي الغالية، وأوعاك تزعلها يا محمود
صاح إسلام بدهشة بعدما ساورته الشكوك قائلاً وهو يضيق عينيه:
- أنت ليه بتقول كده؟
رمقه "سيد" وابتسامته تتسع على وجهه قائلاً:
- متخافش يا حبيبي، أنا بس عايزكم تعرفوا إن مفيش حد أغلى منكم عندي.
ثم نظر تجاه ابنه الذي يتابع ابنته الجامدة بصمت يحاول أن يستنتج أي شيء مما يحدث ولكن دون جدوى، فعقله الآن مشتت كثيراً.
رفع "سيد" يديه التي تمسك تلك الأوراق قائلاً:
- خد يا محمود الورق ده فيه تنازل عن فلوس باسم اللي كانت في البنك، واللي طبعاً تبقى بتاعتنا باسمك أنت وإخواتك، وعايزكم تشغلوا الفلوس وتكبروا اسم العيلة من تاني يا محمود.
نفذ صبر "محمود" فجذب آلاء برفق من ذراعيها وأدخلها المنزل وهو يتمتم بهدوء موجهاً حديثه لابنه:
- إسلام، ادخل أختك أوضتها وخليك معاها.
أماء له إسلام وتحرك برفقة آلاء التي تحركت معه بصمت وهدوء تام.
وعقب مغادرتهم، جذب "محمود" والده لداخل المنزل مغلقاً الباب من خلفه قائلاً بصوت عالٍ نسبياً:
- أنا عايز أفهم في إيه بالظبط وإيه الورق ده!
ربت "سيد" على كتف "محمود" راسماً ابتسامة بسيطة على وجهه قائلاً:
- مفيش حاجة أصلاً عشان تفهمها يا محمود.
رفع محمود تلك الأوراق أمامه وغمغم:
- إزاي يعني مفيش حاجة يا بابا؟ عيل أنا قدامك عشان أصدق كلامك ده، أنت عملت إيه بالظبط فهمني.
زفر "سيد" بضيق وقال:
- ما قولتلك مفيش يا محمود، وسيبني دلوقتي عايز أدخل أريح شوية.
وما كاد أن يتحرك حتى صاح به "محمود" بدهشة ممزوجة بغضب:
- تدخل تريح! وتسيبني أنا في حيرتي؟ وبعدين معناه إيه الورق باسم؟ إزاي مضى على التنازل ده؟ وآلاء كانت بتعمل إيه معاك؟ أنت عارف قلقت إزاي لما دخلت أطمن عليها وملقتنيش في أوضتها؟ مليون فكرة جت في دماغي، خوفت يكون جرالها حاجة.
رفع سيد حاجبيه وابتسامة بسيطة تدرجت على وجهه رافعاً يديه يربت على ذراعيه متمتم بغموض:
- بكرة هتعرف كل حاجة يا محمود. تصبح على خير.
وتحرك من أمامه وعين "محمود" تتابعه بدهشة شديدة.
***
في صباح يوم جديد
ترجلت "فاتن" من سيارة الأجرة وسريعاً ما عقدت حاجبيها مضيقة عينيها بدهشة لذلك التجمع وتلك السيارات سواء كانت شرطة أو إسعاف.
فأقتربت من أحد المتجمهرين متسائلة عن سبب وجود تلك السيارات وذلك الازدحام، فأخبرها الشاب قائلاً بما لديه من معلومات:
- ده شاب ساكن في العمارة يا حاجة، ولقوه محروق في شقته، والنار مسكت في الشقة، والبواب اعترف إنه آخر حد كان عند الشاب جد مراته.
ابتلعت "فاتن" ريقها والخوف يتملكها تناجي ربها ألا يكون ابنها، فقالت بلهفة:
- اسمه إيه الشاب اللي مات؟
أجابها الشاب مرة أخرى:
- باسل أو باسم، والله ما عارف يا حاجة، بس الله يرحمه بقى.
اتسعت عيناها وتسمرت مكانها بصدمة، فأبنها أصبح ميتاً، لم يعد على قيد الحياة، مات بأبشع الطرق وتعذب بموته، فذفرت الدموع من عينيها بعدم تصديق، وفجأة دوى صوتها بالمكان صراخاً وقلبها يتمزق من أجل ابنها الذي مات وهو لا يزال بربيع عمره.
ذهل الجميع من صراخها وانهيارها بذلك الشكل، فأقترب منها أحد أفراد الشرطة قائلاً:
- مالك يا حاجة؟ أنتِ تعرفي الشاب اللي مات؟
أماءت له "فاتن" برأسها من بين صراخها ودموعها التي تسيل دون توقف وقلبها يتمزق أشلاءً، فل طالما كان الأقرب والمفضل لديها.
فهو ابنها البكري وفلذة كبدها، فقالت بنبرة مرتجفة بفضل شفتيها التي ترتجف:
- أيوه، ده ابني... ابني ده لسه صغير، لسه في بداية عمره، ملحقش يفرح، وابنه هيسيبه لمين؟ هيسيبه لمين؟
ظلت الهمهمات من حولها متعاطفين معها ومتأثرين بدموعها وبحالتها، فأقترب الضابط منها مساعداً إياها على النهوض وهو يردف:
- إحنا شاكين في جد مراته، البواب شافه وهو طالع عنده، ومع الأسف مشافش حاجة تاني، كان بيساعد بواب العمارة التانية وبيطلع معاه حاجات العمارة، ولما خلص ورجع لاحظ الدخان اللي طالع من الشباك.
رفعت "فاتن" عينيها الباكية شديدة الاحمرار قائلة بنحيب:
- مفيش غيره، أكيد سيد هو اللي قتله، مفيش غيره، انتوا لازم تقبضوا عليه.
***
في غرفة وجد سابقاً
كانت آلاء تتسطح على الفراش جامدة بمكانها، عيناها تتطلع للسقف، عيناها أصبحت خالية من الحياة، وهناك الكثير والكثير يدور بعقلها.
كيف أصبح جدها قاتلاً وقام بقتل "باسم"؟ تتذكر تلك اللحظة التي دلفت بها إلى الغرفة ورأته وهو يشتعل، صرخاته لا تزال تدوي بأذنيها، لم تشعر بأي شيء تجاه فالصدمة قد سيطرت عليها كلياً، لما تنتبه إلا على قبضة "سيد" التي جذبتها خارج المنزل.
أغمضت عينيها تريد طرد صورته من مخيلتها، وما أن أغلقت عينيها حتى جاء أمامها شقيقتها، فكم تتمنى أن يعود بها الزمن مرة أخرى، غما كانت فعلت معها ما فعلته، لكانت فعلت الكثير من الأشياء وامتنعت عن الكثير، وبمقدمتهم حبها وزواجها من باسم.
تتمنى أن تعود لتلك اللحظة التي رأت بها "وجد" لأول مرة بمنزل عمها "سلامة"، فلو عادت تلك اللحظة لكانت ارتمت داخل أحضانها، ذلك العناق الذي حرمت نفسها وشقيقتها منه، فكم تريد تعويض كل ما فاتهم، تريد أن تبثها حبها وحنانها، فأصبحت تعلم ما عانته شقيقتها، فرغم ما مرت به فهو لا يعد شيئاً بجانب ما مرت به "وجد".
أما بالجهة المقابلة وهي بمنزل "سلامة"
وصلت عناصر الشرطة أمام منزل سلامة وطرقوا الباب بطرقات سريعة نوعاً ما.
فتح لهم عدى، فـ قطب حاجبيه بدهشة من رؤية الشرطة أمامهم، فما الذي حدث حتى يأتون إلى هنا؟
وسريعاً ما تحدث ذلك الشرطي بلهجة غليظة:
- سيد الهلالي فين؟
وما كاد أن يجيبه عدى حتى جاء صوت سيد من خلفهم، فالتفت عدى ناظراً له، فأقترب "سيد" من عدى وهو يعلم بأن نهايته أوشكت على الحدوث.
فـ لحق بسيد كل من "سلامة" و "سعاد".
فقال الشرطي بلهجته الغليظة:
- حضرتك مطلوب للتحقيق معاك، لأن حضرتك متهم بقتل باسم السيوفي.
سيطرت حالة من الذهول على الجميع، فرمق بعضهم بنظرات صادمة، فـ تمتم "سلامة" بتلعثم:
- أكيد فيه حاجة غلط، بابا ميعملش.
نفى سيد برأسه قائلاً ببرود مميت:
- مفيش حاجة غلط، أنا اللي قتلت باسم السيوفي، وبعترف بده.
***
بالإسكندرية
كان داغر يتواجد داخل القسم يتابع آخر ما توصل إليه الشرطة منتظراً قراراً بالقبض على باسم بعدما توصلوا إلى تسجيلات المكالمات واستمعوا لحديثه مع وجد وتوعده بقتل إنجي.
أما خارج القسم، فكان حسام واقفاً خارج القسم ووجهه شاحب وعيناه تائهتان، كمن فقد جزءاً من جسده، وبتلك اللحظة لم يأت بخاطره سواه ذلك الذي حرمه منها، حرمه من تلك التي استطاعت أن تخطف قلبه، تلك التي فعلت ما لم تستطع غيرها فعله وهو جعله يقع في عشقها، لا يتخيل أن يومه سيمر من دونها بعد الآن.
فكيف سيمر وهي لم تعد موجودة؟ كيف سيتنفس وسيستمر بحياته كأنه لم يحدث شيء.
رفع يديه يزيح دموعه التي فاضت من عينيه كالشلالات، وتحرك من مكانه. فهو من سيأخذ حقها وثأرها، لن يترك قاتلها على قيد الحياة. سيقتله مثلما قتلها.
فأسرع مهرولاً من مكانه، يريد أن يتحرك قبل أن يراه داغر ويمنعه مما يريد فعله. فأوقف إحدى سيارات الأجرة عازماً على قتله.
خرج داغر من القسم يريد أن يبشر حسام بما علمه، ولكنه لم يجده بالمكان الذي تركه به. ظلت عيناه تجول حوله يبحث عنه، ولكن لم يجده وكأن الأرض قد ابتلعته. فأخرج هاتفه واتصل عليه، ولكن لم يجبه.
زفر داغر بضيق وهو يتمتم:
- روحت فين يا حسام؟
صدح رنين هاتفه باسم والده، فأجابه سريعاً مغمغماً بحزن شديد يغلف نبرته:
- أنت فين يا داغر؟
- أنا في إسكندرية يا بابا. جالي مشوار مهم. في حاجة؟
- في مصيبة يا داغر. جدك قتل باسم!
جحظت عينا داغر وقال بتلعثم:
- أنت بتقول إيه يا بابا؟
رفع يديه يمسح على خصلاته، مغمضاً عينيه بألم. لا يفقه ما الذي يحدث من حوله ولماذا يحدث معهم ذلك. وسريعاً ما جمع قواه التي خارت، ونطق بحزن دفين:
- اقفل يا بابا. أنا راجع. سلام.
أغلق مع والده مغادراً مكانه. فالآن فقط علم إلى أين ذهب حسام، مخمناً ما ينوي عليه.
***
خرج سيد من مكتب الضابط الذي أجرى معه التحقيق برفقة رجلين من العساكر ممسكين به، بعدما أخذ أقواله معترفاً بفعلته وأنه من قام بقتله. ولم يخبرهم بوجود آلاء معه بذلك الوقت حتى يتفادى أي شكوك من الممكن أن تتجه نحوها لوجودها بموقع الجريمة.
فقال سلامة وهو يؤنب والده على فعلته:
- ليه يا بابا كده؟ ليه؟ كنت سايبه ومتلوثش إيدك بدم واحد زي ده.
اسودت عينا سيد وقال بكره شديد ممزوج بغضب، متجاهلاً تلك الآلام التي يشعر بها بصدره:
- مكنش ينفع أسيبه يا سلامة. مكنش هيبعد عنكم وهيستمر في أذيتكم. وزي ما أنا اللي عملته ووصلته لجبروته ده، أنا اللي نهيته. والأيد اللي ربته هي اللي قتلته يا سلامة.
وما إن تحرك سيد معهم بضع خطوات حتى سقط من طوله. فهرول أبناؤه من حوله وعيونهم تفيض بالدموع، ويتم نقله إلى المستشفى.
وبعد فحصه والكشف عليه، خرج الطبيب ليخبرهم بـ:
- مع الأسف عنده سكتة قلبية حادة ومقدرناش نعمله حاجة. البقاء لله.
نزل خبر وفاته كالصاعقة عليهم. وتألم قلبهم لفراق كبيرهم الذي أخطأ كثيراً بحقهم. ولكن فليتناسوا أفعاله المشينة، فهو والداهم. ومهما فعل لن يستطيعوا أن يكرهوه. فهناك نيران متأججة داخل صدورهم، يشعرون بأنهم فقدوا أنفسهم.
***
دلف مجدي إلى المنزل بعدما فتحت له سحر الباب بابتسامة مشرقة مرحبة به، سعيدة بمجيئه ذلك. فبادلها مجدي ابتسامتها، وغمغم وعيناه تحول بكل المنزل باحثاً عنها. فلاحظت سحر عينيه التي تدور بحثاً عنها، فقالت بخبث:
- في أوضتها. قاعدة في أوضتها.
أومأ لها مجدي بعينيه وقال بنبرة غامضة:
- طب ناديها عشان عندي ليها خبر هيخليها تطير من الفرحة.
عقدت سحر حاجبيها وارتسم التساؤل على وجهها قائلة:
- إيه اللي حصل؟ وخبر إيه ده يا مجدي؟
تحرك مجدي ناحية الأريكة جالساً عليها متمتماً:
- لما تناديها هتعرفي.
وبعد لحظات، خرجت وجد واضعة حجاب على خصلاتها بإهمال، مغمغمة بصرامة وهي تقف أمامه:
- خير يا مجدي؟ وخبر إيه ده اللي هيفرحني؟
اتسعت ابتسامته لرؤيتها أمامه، فكم اشتاق إليها. فنهض من مكانه واقفاً بمواجهتها قائلاً:
- باسم السيوفي.
احتدت ملامح وجد عند ذكر اسمه، فكم حاولت الوصول إليه بعدما سمحت لأمير بالمغادرة، ولكنها لم تستطع الوصول إليه. فتوعدت له، فقالت بحدة:
- ماله سي زفت؟
- مات يا وجد. أو بمعنى أصح اتقتل. جدك قتله.
رواية طغيان قلب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم فاطمة محمد
أحتلت الصدمة كياني، لا أصدق ما أستمع إليه. هل ما قاله مجدي منذ لحظات حقيقة؟ هل قتل باسم على يد كبير عائلة الهلالي؟ ذلك الرجل الذي لطالما دافعت عنه.
عقلها لا يستوعب حتى الآن ما نطق به مجدي، وما خرج من فمه. لا تصدق بأن ذلك الذئب البشري لم يعد على قيد الحياة. فمثلما قام بقتل صديقتها، قام جدها بقتله. إن الله يمهل ولا يهمل، فكل إنسان ينال جزاءه ونتيجة أفعاله في الحياة. وتلك النهاية كانت تتوقعها له، ولكن ليس بتلك السرعة، وعلى يد آخر من كانت تتوقع بأن يقوم بقتله.
ترى، هل قتله لأجلها؟ لاحت شبح ابتسامة على وجهها عندما خطر بخاطرها تلك الفكرة، ولكن سريعًا ما نفضت تلك الفكرة من خاطرها. فما تفكر به من سابع المستحيلات. فمن المؤكد بأن هناك سبب آخر لقتله إياه.
خرجت من شرودها على صوت مجدي، الذي كان يتابع تغيرات وتقلبات وجهها، قائلًا:
- بتفكرى فى ايه يا وجد؟ بقولك باسم خلاص مات، مبقاش ليه وجود فى الحياة.
أغمضت عينيها بألم عند ذكر اسمه. فموته بهذا الوقت لم يكن أمنيتها، ولكن عليها التفكير الآن بأن باسم لم يعد له وجود. غادر حياتها... بل غادر الدنيا بأكملها.
فتحت عينيها، والأفكار لا تزال تطاردها، تأبى أن تتركها. فوفاته لا تمحو ما فعله بها وسلبه شرفها.
أخرجها صوت سحر المندهش، وهي تتسائل بعدم تصديق، سرعان ما تحول لفرحة وشماتة:
- معقول يا مجدي، أنت متأكد بأن سيد الهلالي هو اللي قتله؟
أماء لها مجدي برأسه، وابتسامة بسيطة على محياه، متمتمًا:
- أكيد طبعًا متأكد يا سحر، وبعدين عيب لما تسئليني سؤال زي ده، أنا مصادري موثوقة.
خرج صوت وجد بتلك اللحظة، متحشرجًا، قائلة بهدوء وبرود مميت:
- ما تعرفش قتله ليه؟
- لا طبعًا أعرف. السبب يا ستي إنه باسم السبب في تفليس عيلة الهلالي، وطبعًا الإفلاس ده كان لصالحه. بعد ما خد كام مليون من الشركة المنافسة، غير نهبه في الشركة بمعنى اصح. باسم كان معاه ملايين، بس كان مخبي عشان محدش يشك فيه.
صاحت سحر، التي اتسعت عيناها مما استمعت إليه:
- معقوله معاه ملايين؟ بس أنا عايزة أفهم إزاي يبقى السبب في إنهم يفلسوا ويبقى معاه ملايين ويفضل وسطهم؟ ما كان ممكن ينبسط بالفلوس اللي نهبها ويسيبهم بفقرهم.
وما كاد أن يجيبها مجدي مبررًا ما فعله باسم، حتى أجابت وجد، التي ضيقت عينيها بتفكير:
- ومين قالك إنه مكنش هيعمل كده؟ ده واطي ومتستبعديش حاجة عنه. والأكيد إن اللي منعه حمل آلاء. وأكيد بعد ما كانت هتخلف كان هيوريهم وشه الحقيقي.
اتسعت ابتسامة مجدي على ذكاء تلك الفاتنة القابعة أمامه، قائلًا بإعجاب ملحوظ:
- مظبوط كلامك يا وجد.
زفرت وجد براحة، مغمضة عينيها. فاخيرًا قد انتهت منه. ولكن سرعان ما اندهشت من نفسها، فهي حتى الآن لا تعلم أهي سعيدة بوفاته أم أنها ليست كذلك.
ولكن ما تعلمه جيدًا الآن، فهناك شعور من الراحة يغمرها. شعور لم تشعر به منذ فترة طويلة.
ظل مجدي يتأملها ويتأمل كل شيء بها، وعينيه تلمع ببريق مشاعره. فحبها يزيد بداخله كل يوم عن سابقه. لا يعلم ما المختلف بها، ولكنها تجذبه ويحبها كثيرًا. كم يتمنى لو كان أصغر سنًا، أو تكون هي أكبر سنًا، وتنْشأ بينهما قصة حب أسطورية. فهو كان سيكون لها عاشقًا حتى النخاع.
انتبهت سحر على نظراته المصوبة تجاه ابنتها، فحركت حاجبيها بفرحة، قائلة بخبث ومكر:
- طيب بما إننا خلصنا من الزفت ده وموضوعه انتهى، يبقى نبعت نجيب المأذون ويكتب كتابكم، ولا إيه يا مجدي؟
انفرجت أساريره، وما لبث أن يجيبها، مبديًا موافقته على حديثها، حتى قاطعتهم وجد، قائلة وعيناها صوب والدتها:
- انسى يا ماما، جواز مش هتجوز.
حلت الصدمة على وجوههم. فتمتمت سحر بتلعثم، وهي تنظر تجاه مجدي، الذي تبدلت ملامحه لآخرى غامضة:
- يا سلام على هزارك يا وجد! أنتِ.
قاطعتها وجد مرة أخرى، جاعلة إياها تبتلع باقي حديثها، قائلة:
- أنا مبهزرش، أنا بكلم جد. ولو حابين تجيبوا المأذون أوي كده، يبقى مبروك عليكم انتوا الاتنين.
- يعني إيه؟
قالت سحر تلك الكلمات بضيق شديد، فأجابتها وجد باستفزاز، وتولي ظهرها، تنوي المغادرة من أمامهم:
- يعني اتجوزيه أنتِ، ومبروك عليكي مجدي.
أثارت تلك الكلمات غضب سحر، فجذبتها من ذراعيها، صارخة بها:
- يعني إيه الكلام؟ هو إحنا عيال معاكي؟ يعني إيه تبقى وعداه بالجواز وتخلفي بوعدك؟ ها، يعني إيه يا بنت محمود...
جذبت وجد ذراعيها بغضب مماثل لغضب سحر، قائلة بانفعال وصوت عالٍ:
- والله ده اللي عندي. جواز مش هتجوز، أنتوا سامعين.
قالت كلماتها الأخيرة، وهي ترمق مجدي بنظراتها.
وما لبثت سحر أن تصرخ عليها مرة أخرى، حتى منعها مجدي، مهدئًا إياها، قائلًا:
- سحر، ممكن متدخليش بيني وبين وجد.
- بس يا مجدي دي...
قاطعها مجدي، مشيرًا بيديه أمام وجهها، فابتلعت سحر تلك الكلمات في جوفها. فنظر مجدي تجاه وجد، قاطعًا المسافة بينهم، واقفًا أمامها، قائلًا بنبرة محبة:
- أنتِ عارفة إني بحبك. واللي بيحب حقيقي يا وجد، بيحب يشوف حبيبه مرتاح ومبسوط. وعشان كده أنا بحترم قرارك ومش هعاتبك، ومش هقولك أي حاجة، ومش هفاتحك في الموضوع ده تاني.
صدمت وجد بشدة. لم تتخيل أن يخرج هذا الحديث منه. فدائمًا ما كانت تراه ذلك الرجل الذي لم يفكر سوى برغباته وكيفية الوصول إليها. مضايقاته لها وتحرشه بها، لم يكن مثلما كانت تظن، بل كان يفعل ذلك بدافع حبه لها.
ازدرقت ريقها، وقالت بهدوء والصدمة لا تزال تعتليها:
- أنت بتكلم جد؟
ابتسم لها بحب، قائلًا:
- طبعًا بتكلم جد يا وجد.
تنهدت وجد براحة تحت نظرات سحر المشتعلة. فما الذي تفعله تلك الحمقاء؟ أتترك هذا الرجل يضيع من يدها هو ونقوده؟ فمن المؤكد بأنها مختلة. يا ليته وقع في غرامها، وليس غرام تلك الحمقاء العنيدة. فظلت تلعنها بسرها، وعينيها تطلق شرار.
فقالت بعدوانية شديدة، متناسية وجود مجدي:
- والهانم ناوية تقعد معايا هنا كتير من غير ما تساعدني؟ اسمعي يا بت أنتِ، أنتِ من بكرة تنزلي تشتغلي، أنا خلاص معدتش هصرف عليكي تاني، وأظن إنك مش صغيرة وتقدرى تصرفي على نفسك.
لم تفق على نفسها إلا عندما لاحظت نظرات مجدي الحادة الغاضبة. فازدرقت ريقها، لا تعلم كيف قالت ذلك الحديث بوجوده.
فقالت وجد، بعدما تحولت نظراتها من الصدمة إلى السخرية:
- متقلقيش يا ماما، أنتِ مش هتضطري تصرفي عليا. أنا ناوية أسافر، هخلص امتحانات وهسافر ومش هتشوفي وشي تاني. وحطي في بطنك بطيخة صيفي.
ثم نظرت تجاه مجدي:
- عن إذنكم.
وما أن غادرت، حتى اسودت عينا مجدي، وقالت بخفوت:
- عارفة يا سحر، لو الطريقة دي اتكررت مع بنتك تاني، هعمل فيكي إيه.
أجابته سحر بتوتر وكلمات متقطعة:
- غصب عني والله يا مجدي، بس هي نرفزتني.
- أنا لآخر مرة بحذرك يا سحر، أنتِ سامعة؟
- سامعة.
تحرك تجاه الباب، فصدح رنين هاتفه، فأجابه على الاتصال، ولكن سرعان ما وقف مكانه بصدمة من ذلك الخبر الذي وصل إليه:
- أنت متأكد إنه مات؟
- أيوه يا فندم، متأكد.
أغلق مجدي معه، والتفت لسحر، قائلًا:
- سيد الهلالي مات.
وصل حسام أمام البناية التي يقطن بها باسم، وهو ينوي على أذيته. فلن يرحمه ويجعله يندم ندم عمره. فمن لا يرحم لا يُرحم. وما أن ترجل من سيارة الأجرة، حتى رأى بعض الازدحام أمام البناية بفضل هؤلاء البوابين. فكان بواب العمارة يقص لأصدقائه ما حدث اليوم. فوصل إلى مسامع حسام حديثه، وتلك سيارة الشرطة التي لا تزال واقفة.
- يلا ميجوزش عليه غير الرحمة دلوقتي، بس حقيقي يستاهل اللي جراله. كان رافع مناخيره للسما، وفي الرايحة والجاية يشخط وينطر. والله الست آلاء دي كانت خسارة فيه.
أجابه صديقه قائلًا:
- يا جدع حرام عليك اللي بتقوله ده. الراجل خلاص بقى بين إيدين اللي خلقه.
فأجابه البواب:
- وأنا قلت إيه يعني يا عم؟ وبعدين ده حتى جد مراته مكنش طايقه.
- وانت عرفت منين إنه مكنش طايقه يا حدق؟
- باينه يعني. إيه اللي هيخليه يولع فيه، إلا لو كان شايله ومعبيله بقلبه.
أقترب حسام إليهم بعدما استمع لاسم ابن عمه آلاء:
- انتوا بتتكلموا عن مين؟ مين اللي مات؟
أجابه البواب، وهو يبتلع ريقه، فهو يعلم هويته. فدائمًا ما كانوا يترددون على المنزل:
- يعني لمؤاخذة، جد حضرتك قتل أستاذ باسم.
جحظت عينا حسام بصدمة، وقام بإمساك البواب من ملابسه، قائلًا:
- أنت بتقول إيه؟
حاول رفاقه تحريره من قبضة حسام الفولاذية، فلم يستطيعوا، إلا عندما حرره بعدما أخبره البواب بخوف:
- يا بيه، ده اللي حصل. جد جنابك طلع لأستاذ باسم وولع فيه.
حرره حسام، وهرول من مكانه مسرعًا، مخرجًا هاتفه، مهاتفًا داغر.
في المساء، اجتمعت النساء بمنزل سلامة، حتى يقمن بالتعزية. فكانت سعاد وهدى يجلسون وعينيهم تمتلئ بالدموع، والنساء من حولهم يحاولون وتصبيرهم على ما حدث لهم. لم يصدر منهم سوى إيماءة بسيطة من رؤوسهم.
أما بالأسفل، وخارج البناية، كان يجتمع الرجال يأخذون عزاء والدهم. وكان الحاضرين يعدون على الأصابع. وكل من سلامة ومحمود وهاني لا تحملهم قدماهم لما حدث ووفاة والدهم الذي كان سندًا لهم.
وصلت وجد أمام ذلك التجمع، بعدما رفضت أن يدلف معها مجدي وينزلها أمام المنزل. لا تريد لأحدهم رؤيته معها مرة أخرى. فجالت عينيها باحثة عنه، وأخيرًا رأته يقف أمامها بجانب عمه هاني، وبجوار رائف، وبجواره عدى. أما حسام فلم تراه أو تلمحه. فكيف سيكون موجودًا، وهو قرر ترك كل شيء ويكون بجانب محبوبته حتى يأتي أهلها لاستلام جثمانها.
اقتربت منهم وجد بخطى هادئة. فكان أول من رآها رائف، الذي لكز داغر بيديه، مشيرًا برأسه تجاهها.
نظر داغر تجاه ما يشير برأسه، فرآها تتقدم باتجاههم، مرتدية ملابس سوداء، وحجابها يغطي خصلاتها. فطلع عليها بشوق شديد. فحركت عينيها تجاهه، فتقابلت عينهم بنظرة طويلة، فاق منها داغر أولًا، متذكرًا بأن أصبحت لا تحل له، وأصبحت ملكًا لآخر.
وقفت وجد أمام والدها، الذي يضع رأسه بين يديه، فهناك صداع شديد يفتك برأسه. فتمتمت بهدوء:
- البقاء لله يا بابا.
رفع محمود رأسه بلهفة عندما وصل صوتها إلى مسامعه، ونهض من مكانه، محتضنًا إياها بحب واشتياق شديد. وسريعًا ما ذرف الدموع من عينيه.
ازدادت ضربات قلبها، وشعرت بالألم يغزوها لبكائه وانهياره ذلك. فنهض داغر من مكانه، ورائف خلفه، مبعدًا عمه، محاولًا تهدئته، فقال محمود:
- وحشتيني يا وجد، وحشتيني أوي.
ابتلعت وجد ريقها. فنظر داغر تجاهها، متمنيًا أن يفصح عن مشاعره الجامحة، مثلما فعل عمه. فأغمض عينيه بألم، فقالت وجد بنبرة حاولت جعلها جامدة وباردة:
- مش وقته الكلام ده. أنا بس حبيبت إني أقوم بالواجب وباللي عليا، رغم إنكم معملتوش باللي عليكم ناحيتي، بس معلش خليني أنا أحسن.
قال محمود، وهو يعقد حاجبيه، محاولًا تغيير الحديث:
- أومال جوزك فين يا وجد؟
رفعت وجد عينيها، تنظر لوالدها ولداغر، الذي جز على أسنانه غاضبًا من نفسه. فأجابته دون مقدمات:
- أنا متجوزتش يا بابا. مجدي مش جوزي، ده بس صديق مقرب. جائتلي بعد ما بعني أهلي وناسي.
ابتلع داغر ريقه، وقال بدهشة:
- متجوزتيش إزاي يعني؟ يعني إنتي...
قاطعته وجد بحدة، آلمتها قبل أن تؤلمه هو:
- أنا مكلمكش أنت يا ابن عمي، أنا بكلم أبويا وبس. ودلوقتي أنا عملت اللي عليا وقمت بواجبي. عن إذنكم.
تحركت من أمامهم مسرعة، فتحرك داغر خلفها، يريد الحديث معها. لا يصدق بأنها لم تصبح لغيره، فهي معشوقته ووجدُه هو.
فظل يسير خلفها، منتظرًا الخروج من تلك الحارة، حتى لا يصبحون حديثهم. ولكن سرعان ما تملكه الغضب، عندما رآها تستلقي بسيارة ذلك الرجل، الذي ادعت بأنه زوجها، متحركين بسرعة من أمامه.
فركل داغر الأرض بغضب، رافعًا يديه، يمسح على خصلاته بغضب ناري.
ومضى يوم بعد يوم، وداغر لا يريد الضغط عليها، تاركًا لها بعض الوقت حتى تتمكن من مسامحته، مقررًا أن يذهب إليها بعدما تنتهي امتحاناتها ذلك العام. أما محمود، فأخرج تلك الأوراق التي أعطاه إياها والده قبل موته. فرفض داغر، وكذلك رائف، تلك النقود. فهم لا يريدون شيئًا من باسم، مقررين تكوين أنفسهم بأنفسهم. أما آبائهم وعدي، فكان لهم رأي آخر. فهم رأوا بأن تلك النقود حقهم، وبدأوا يضعون خططهم حتى يؤسسوا شركة خاصة بهم من جديد، ويرفعون اسم عائلتهم مرة أخرى.
أما حسام، ورغم مرور عدة أيام، إلا أنه ظل حبيسًا بغرفته، رافضًا الغوص بأي حديث. جالسًا على فراشه، مخرجًا العديد من الأوراق، راسمًا من سلبته عقله وقلبه، معلقًا جميع رسوماته لها بغرفته.
أما ياسمين، فكم حاولت التقرب من داغر، محاولة فتح أي حديث معه، ولكن دائمًا ما كان يصدها بالحديث، متجاهلًا إياها. لتغيير خططها، متجهة ناحية رائف، الذي كان حبه لها واضحًا وضوح الشمس. فتوطدت العلاقة بينهم، راسمًا عليه دور الحبيبة. ليكرر بأنها ستكون زوجته، ولن يدخل قلبه غيرها، وسيفاتح والده بذلك الأمر. ولكن الآن سيركز بعمله مع داغر، ليكبروا تلك الورشة، مؤسسين اسمًا خاصًا بهم.
في صباح يوم جديد، استيقظ عدى من نومه، شاعرًا بتشنجات برأسه. فقام بتحريكها يمينًا ويسارًا.
وسريعًا ما ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه، عندما تذكر ذلك الذي جمعه بحوريته، والذي رأى نفسه بجانبها يزفان بعرسهما.
فاقترب من الخزانة، وأخرج ملابس له، مرتديًا إياها على عجلة من أمره.
ناويًا على فعل شيء ما طال انتظاره كثيرًا. فنزل من منزله، متجاهلًا والدته، ذاهبًا للبناية التي تقطن بها حورية، واقفًا أمام الباب بأنفاسه اللاهثة، يهندم ملابسه، طارقًا الباب بهدوء شديد. وبعد لحظات، فتحت له ندى، الأخت الأصغر لحورية. فابتسم لها هدى، قائلًا:
- حورية فين يا قمر؟
أجابته الصغيرة بامتعاض:
- أنا مش قمر، أنا ندى. وبعدين بتسأل على حورية ليه؟
رفع عدى وحك رأسه، قائلًا بابتسامة مرحة:
- عايزاها في موضوع.
عقدت الصغيرة يديها أمام صدرها، قائلة بنبرة طفولية:
- موضوع إيه ده بقى؟ قول اعترف.
تأفف عدى، وأدخل رأسه من الباب، مناديًا عليها بنفاذ صبر:
- يا حورية، حورية.
خرجت حورية من المطبخ، وبيديها إحدى المعالق، مقتربة منه، مندهشة من وجوده أمامها في ذلك الصباح الباكر، وقلبها يرفرف من السعادة، ولكنها لم تظهر له سعادتها تلك.
- أنت إيه اللي جايبك وعايز إيه؟
ابتسم لها عدى بحب وهيام، قائلًا:
- عايزك في موضوع مهم للغاية.
- للغاية!
ايه غاية دي لمؤاخذه، اتكلم عدل يا حيلتها.
ثم نظرت تجاه أختها:
- خشي جوه يا ندى.
دلفت الصغيرة إلى الداخل مهرولة، من أمامها وقفت حورية فاقترب منها بوجهه قائلًا بجانب أذنيها:
- أنا عايز أتوزجك يا حورية قلبي.
جحظت عينيها وابتلعت ريقها قائلة بصدمة بعدما ابتعد عنها معتدلًا بوقفته:
- أنت قلت إيه؟
ابتسم عدى مقتربًا منها مرة أخرى، متحدثًا بهمس شديد تلك المرة:
- بقولك عايز أتوزجك يا حورية قلبي، جهزي نفسك قريب أوي هتبقي في بيتي وملكِ.
ابتعد عنها غامزًا لها، مغادرًا من أمامها والسعادة لا تسعه ولا تسعها، فحبها ومشاعرها ناحيته متبادلة.
***
وصل داغر الإسكندرية وهو ينوي بألا يتركها تلك المرة، سيقنعها، سيحاول معها بكل الطرق حتى تعود إليه ويبدأون من جديد، يعوضون كل ما فاتهم، سيتزوجها وسينسيها ما فعله وما ارتكبه بحقها، سينسيها خذلانه لها ورفضه تصديقه لها.
وصل أمام المنزل فطرق الباب، ففتحت له سحر، وما إن رأته حتى جزت على أسنانها غاضبة قائلة:
- خير، عاوزين إيه تاني!
أخفض داغر عينيه، فملابسها لا تستر إلا القليل من جسدها، فتمتم بصوت رجولي غليظ:
- لو سمحتي عايز أتكلم، ممكن تبلغيها إني عايز.
- سافرت.
رفع عينيه بصدمة ونطق بصدمة:
- نعم!
- بقولك سافرت، وجد بنتي طفشت منكم ومعرفش راحت فين، روح بقى شوف هي فين، كل اللي أعرفه إنها سافرت...
- سافرت إزاي يعني، لو سمحتي بلغيهالي إني عايز أقابلها.
قالها بصوت غاضب مكتوم، فأجابته سحر بغضب:
- بقولك سافرت، ولو عايز تتأكد، اتفضل البيت قدامك.
أغمض داغر عينيه والآلام تغزو قلبه وصدره، متحركًا من أمامها، وما إن غادر حتى ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهها، دافعة الباب من خلفه.
فخرجت وجد من غرفتها وهي تصفق لها بإعجاب، قائلة بسخرية وحقيبتها بجانبها، فطائرتها ستقلع بعد ساعات وعليها الاتجاه للمطار:
- ولأول مرة تعملي حاجة مفيدة يا سحر هانم.
***
في المساء بغرفة داغر.
جالسًا على فراشه واضعًا رأسه بين يديه، يتنفس بصعوبة، فحتى النفس بات يرفض الخروج بسهولة، والدموع تنهمر من عينيه بشدة كبيرة، وكأنها تؤلمه على فعلته تلك، وهي تركه لها وقت احتياجها له.
ومع كل دمعة كانت الأخرى تتتبعها بشدة، وكأنها لا ترغب بترك حبيبتها مثلما تركها هو.
لا ترغب بالبعاد مثلما فعل.
وكأنها تقول لها: سأكون معكِ أينما تكوني، لن أترككِ يومًا.
لن أبتعد عنكِ، ولن يفرقنا أحد، سنكون معًا في السراء والضراء.
بينما هو يلقي اللوم على نفسه وعلى الأيام وتركه لها بتلك الطريقة، رفع يديه يضعها على موضع قلبه الذي يتألم، وهو يتحدث معه وكأنه يتحدث معها هي، مع حبيبته الآن، تحقق من مشاعره التي كان يعلمها منذ زمن، ولكن منع نفسه بسبب ما حدث، بسبب عقله الباطني الذي صدق كل ما رآه ولم يصدقها، ولم يترك قلبه يصدق حديثها.
ازدادت النغزات في قلبه وكأنها تلومه أيضًا، فهذا القلب عاشق لها.
خذلتها، خذلتها كما خذلها الجميع، ليتني استمعت إليها، صدقتها، ولكنني لم أفعل. ليت الزمن يعود يومًا ما، كنت خذلتكِ ولم أترك دمعة واحدة تفر من عيناكِ الجميلتان، ليتني أعطيتكِ الحق لتكميل باقي حديثك، ليتني صدقت ما سمعته منكِ. أعلم بخذلاني وأنني لم أكن قدوة وسند لكِ مثلما ظننتي.
لم أقف بجانبكِ مثلما حلمتي، بل إنني تركتكِ بكل قسوة وقسوة عليكِ، ولكن ما لا تعلمين أن القسوة قد قتلتني قبل أن تقتلكِ. أرغب بأن نعود لبعضنا، فتلك الأيام والذكريات بيننا ما زالت تمر أمام عيناي، تلك العينان اللتان قست عليكِ كثيرًا.
أعلم بأني لا أستحق أي شفقة منكِ، ولكن فلتسامحيني، فإني أحمق، أحمق كبير.
نهض من مكانه مقتربًا من النافذة، يتطلع على تلك الأمطار التي تهطل بغزارة وذلك الجو الممطر الذي لطالما عشقته وجده وكيانه، فأين هي الآن.
الآن فقط يعلم ما شعرت به، يعلم شعور الخذلان والخزي الآن.
مرت أمام عينيه تلك الذكريات واللقاءات التي جمعتهم سويًا، تلك الأيام التي لم يدرك قيمتها إلا بعدما فقدها.
فقدها! فكم ألمت تلك الكلمة قلبه وجعلته ينزف.
يتمنى أن يعرف أين هي وأين ذهبت.
***
هبطت الطائرة بالمطار وخرجت وجد من المطار، فأغمضت عينيها متخذة نفسًا عميقًا، فأخيرًا ستبدأ من جديد، ستتناسى كل ما عاشته، لن تعود لبلدها مرة أخرى، جائت إلى هنا وستستقر هنا.
وبعد مرور بعض الوقت، ترجلت وجد من سيارة الأجرة أمام البناية التي قامت والدتها باستئجارها لها، فابتسمت ابتسامة ساخرة على محياها، فهي تعلم جيدًا بأن والدتها لن تفعل ذلك من أجلها، فبالطبع مجدي من وراء ذلك، ولكن ليس هناك مانع لديها، فهي من بعد الآن ستفكر في مصلحتها هي. فقط.
لن تفكر بالآخرين ولن تشغل عقلها بهم، فتلك بداية جديدة وستطرد جميع من كان بحياتها، ستدخل أشخاص جدد حياتها، ستتعرف على أصدقاء جدد، ولكن تلك المرة ستحسن الاختيار.
عودة للوقت الحالي.
رواية طغيان قلب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم فاطمة محمد
هبطت الطائرة وخرجا كل من "وجد" و"وسام" من المطار.
وما إن خرجا حتى وجدا من يقترب منهم، وكان رجلاً كبيراً بالسن وقد تخطى عمره الخمسين عاماً.
فابتسم لهم واقفاً أمامهم قائلاً بابتسامة مزيفة لم تصل لعيناه:
- آنسة وجد أنا بعتني مجدي بيه عشان أوصلك مكان ما انتي عايزة وموصيني عليكي.
تنهدت "وجد" ونظرت تجاه وسام التي رفعت حاجبيها لها بإعجاب ومطت شفتيها قائلة:
- جنتل أوي مجدي بيه ده.
لكزتها وجد في ذراعيها ونظرت تجاه السائق وإيماءت له متحركة معه هي و"وسام" بعدما حمل حقائبهم بدلاً عنهم.
فأنحنت "وسام" قليلاً هامسة لها:
- أنا عايزة أفهم الراجل ده عرف منين إننا راجعين وعايزة أفهم ده ميتحبش إزاي يا شيخة حرام عليكي.
جزت "وجد" على أسنانها وصاحت بغيظ:
- يا شيخة حرام عليكي انتي ارحميني يا وسام كلتي دماغي.
زمت "وسام" شفتيها بانزعاج وقالت:
- أعمل إيه يعني يا وجد ما انتي عارفة إني مبعرفش أقعد ساكتة فسبيني بقى وبعدين بطلي كآبة بقى أما إنك بت نكدية صحيح ده الرجالة معاهم حق يقولوا علينا نكدين.
التفتت "وجد" إليها بحركة مفاجئة ممسكة إياها من مرفقيها قائلة من بين أسنانها:
- اسكتي اسكتي وإلا والله لهديكي بظهر إيدي على وشك.
رفعت "وسام" يديها ووضعتها على فمها بخوف مصطنع قائلة بخفوت:
- آسفين يا صلاح.
لاحت شبح ابتسامة بسيطة على وجه "وجد" ولكن سريعاً ما أخفتها وقالت بجدية مصطنعة وهي تتحرك أمامها:
- يلا الراجل مستني في العربية.
وما إن تحركت حتى قالت "وسام" بطريقة مسرحية مقلدة إياها بضيق:
- اسكتي اسكتي وإلا والله هديكي بظهر إيدي نننيي بت كئيبة أوي بجد.
بالسيارة.
كانوا يجلسون بالخلف وعين كل منهم متعلقة بالطريق والشوارع المزدحمة، فكم اشتاقوا لتلك الازدحام وذلك الجو.
أغمضت وجد عينيها وأخذت نفساً عميقاً ورغم عنها وجدت نفسها تتذكر ذلك الموقف الذي حدث بينها وبين داغر بمنزلهم لأول مرة بمنزله، ووقتها رأت سعاد ذلك التقارب وما حدث ليعاد أمامها مرة أخرى، فكم تشتاق إليه رغم ما تظهره من برود وجمود، ولكنها بالنهاية عاشقة وتشتاق لمن سلب قلبها وعقلها، فهو من تغلغل بداخلها رويداً رويداً دون أن تشعر، فأصبحت تتنفسه، تحتفظ بصورته بمحفظتها، وكلما اشتاقت إليه تخرج تلك الصورة وتفيض عينيها بالدموع كلما تذكرت خذلانه لها وتركه لها وحيدة دون سند.
خرجت من شرودها ذلك على صوت "وسام" التي تحركها برفق.
فنظرت إليها بعيون شاردة متسائلة دون أن تهتف بحرف واحد، فقالت "وسام" وهي تشير تجاه السائق:
- السواق بيقولك مجدي بيه عايز يكلمك.
أزدرقت "وجد" ريقها وتناولت ذلك الهاتف الذي كان بيد السائق موجهاً اياه باتجاهها.
فانتشلت الهاتف من يديه بهدوء ووضعت الهاتف على أذنيها ليصلها صوت مجدي الذي لا يزال حتى الآن حنوناً دافئاً:
- وجد حمدالله على السلامة.
لاحت ابتسامة على شفتيها وتمتمت:
- الله يسلمك يا مجدي بس ممكن أعرف عرفت منين إني نازلة مصر.
- أنا أعرف عنك كل حاجة يا وجد سبق وقولتهالك وهقولهالك تاني، أنا جنبك وفي ضهرك وطول ما أنا فيا نفس هفضل أحميكي.
سعدت كثيراً بحديثه ذلك وبدون إرادتها اتسعت ابتسامتها تدريجياً، فانتبهت لتلك القاطنة بجوارها والتي تقترب بأذنيها من الهاتف تريد أن تستمع إلى حديثه الذي جعل صديقتها تبتسم تلك الابتسامة الواسعة.
حركت "وجد" الهاتف من على أذنيها وقالت بسخرية لاذعة ونبرة خافتة هامسة:
- إيه يا وسام ما تاخدي تكلميه انتي.
- أووف بجد عليكي.
نظرت لها "وجد" باستنكار ووضعت الهاتف مرة أخرى على أذنيها وقالت:
- أنا بصراحة مش عارفة أقولك إيه بس انت عملت معايا كتير أوي أنا مش عارفة أقولك إيه وأردلك اللي بتعمله معايا ده إزاي.
قاطعها مجدي الذي كان مغمض عينيه يستمع لصوتها الهادئ:
- متقوليش حاجة يا وجد أنا بس حبيت أقولك حمدالله على السلامة وبصراحة أنا حابب أشوفك قبل ما تسافري تاني ينفع.
تنهدت وجد وقالت بإيماءة:
- أكيد ينفع طبعاً.
ولج "عدي" إلى غرفة مكتبه وما إن دلف وكاد أن يجلس خلف مكتبه حتى وجد والده يدلف خلفه وإمارات الغضب بادية على وجهه، فقلب "عدي" عينيه بملل وقال بضيق:
- بابا لو اتكلم في موضوع إني اتاخرت فقولتلك إني غصب عني.
اقترب "سلامة" من المكتب ووقف أمامه وخبط بيديه على سطح المكتب صارخاً عليه:
- اللي بتعمله اسمه استهتار يا أستاذ عدي، انت عارف كويس أوي إننا في وقت حساس وعايزين نكبر الشركة أكتر وأكتر وكل الناس تكلم عن عيلة الهلالي، بس باللي انت بتعمله ده أحنا.
وما لبث يكمل حتى قاطعه "عدي" قائلاً بغضب:
- انت عارف كويس إني مبلعبش وإني تعبت معاك ومع عمامي عشان نكبر شغلنا، يعني أنا أكتر واحد خايف على اسم العيلة، وافتكر كويس يا بابا إني معملتش زي داغر ورائف وحسام.
رفع "سلامة" سبابته أمام "عدي" مغمغماً بنبرة تحذير:
- آخر مرة يا عدي آخر مرة يبقى في اجتماع مهم زي ده وتتأخر كده انت سامع.
جز على أسنانه وتحرك من خلف مكتبه متمتماً بزهق وضيق:
- لا بقى أنا مش عارف ألقيها منين ولا منين، ما هو مش هيبقى قرف في البيت وفي الشغل.
تحرك باتجاه الباب مغادراً المكتب تحت نظرات "سلامة" التي تتابعه وحاول اللحاق به وهو يتمتم:
- انت رايح فين يا زفت انت، انت يا زفت.
لم يجبه "عدي" وغادر الشركة متجهاً ناحية سيارته مستقلاً إياها مغادراً بسرعة عالية.
وبعد مرور بعض الوقت.
وصل أمام إحدى البنايات وترجل من سيارته مغلقاً الباب بعنف متجهاً لداخل تلك البناية.
وما إن رآه البواب حتى نهض من مكانه مرحباً به، فتجاهله "عدي" وصعد بالمصعد.
خرج من المصعد وتحرك باتجاه ذلك المنزل فطرق الباب وبعد لحظات فتح الباب لتظهر منه تلك الفتاة الفاتنة التي اتسعت ابتسامتها لرؤيته أمامها وصاح بسعادة وهي ترتمي داخل أحضانه:
- حبيبي وحشتني.
اتسعت ابتسامته وبادلها عناقها ذلك وهو يتمتم:
- وانتي كمان.
فخرجت من أحضانه وهي تجذبه من يديه لداخل المنزل، فاغلق "عدي" الباب بقدميه، فقالت بتساؤل:
- صحيح انت مفتحتش بالمفتاح ليه.
تنهد بضيق وارتمى داخل أحضانها وهو يقول بإرهاق:
- أنا تعبان أوي يا مي ومخنوق.
زادت من عناقها له وتمتمت بقلق:
- مالك يا عدي إيه اللي خنقك.
خرج من أحضانها وحاوط وجهها بين يديه وقال بعشق:
- أنا خلاص مبقتش مستحمل تبقى بعيدة عن حضني، أنا عايزك معايا علطول يا مي، عايز الناس كلها تعرف إنك مراتى، عايزك تيجي تعيشي معايا في بيت العيلة.
ابتلعت تلك الغصة المريرة وقالت:
- وحورية يا عدي.
تأفف وأغمض عينيه وجذبها مرة أخرى مستنشقاً رائحة خصلاتها التي أصبح لها عاشقاً أو هكذا يظن.
- حورية أم ابني وبس يا مي، لكن انتي حبيبتي.
ثم اقترب منها يريد أن يشبع اشتياقه لها.
وصلت "وجد" و"وسام" ذلك البيت الذي سيقيمان فيه حتى نهاية تلك الإجازة، وما إن فتحت وجد باب المنزل حتى تحركت "وسام" سريعاً داخل المنزل، فحركت "وجد" رأسها بيأس من تلك الحركات الطفولية التي لا تكف عنها، فنظرت تجاه السائق الذي وضع حقيبتهم داخل المنزل، فابتسمت له وقامت بشكره، فغادر سريعاً، فاغلقت وجد باب المنزل، فخرجت "وسام" من إحدى الغرف وهي تصيح بصوت عالٍ:
- شوفي بقى الأوضة الحلوة دي هتبقى بتاعتي تمام.
- خدي اللي تعجبك يا وسام.
ابتسمت "وسام" واقتربت منها وقامت بتقبيلها على وجنتيها وهتف بلهفة:
- يلا بقى يا حلوة ادخلي عشان ننام ساعتين ونصحى بليل نخرج ونتفسح.
أماءت لها وجد وقالت بتساؤل:
- وانتي هتنامي ولا.
قاطعتها "وسام" وقالت بمرح:
- ولا طبعاً أنا مش بتاعة نوم يا حبيبتي أنا هفضي شنطتي.
- عارفة يا وسام لو عملتي دوشة هعمل فيكي إيه.
أشارت "وسام" على نفسها وقالت بذهول:
- أنا أعمل دوشة عيب عليكي.
- أنا بس بحذرك عشان مترجعيش تعيطي.
حركت "وسام" كتفيها بدلال مصطنع وقالت:
- متقلقيش أنا داخلة أوضتي أهو ومش هتسمعي حسّي، انتي بقى اتفضلي نامي عشان نعرف نخرج بليل.
دَلفت "وجد" الغرفة الثانية وأبدلت ثيابها بأخرى مريحة واتجهت ناحية حقيبتها وأخرجت تلك الصورة الصغيرة التي أخذتها من منزله أثناء فترة خطوبتهم دون أن يدري أحد، فاتجهت للفراش وجلست عليه وهي تطلع على صورته وعينيها تلمع ببريق من الحزن الممزوج باشتياق جارف، فاغمضت عينيها واحتضنت صورته بحب، وبعدما وضعتها أسفل وسادتها وسريعاً ما ذهبت بسبات عميق.
أما بالجهة الأخرى.
دَلفت "وسام" الغرفة وأفرغت حقيبتها ولم يتبقى إلا تلك الصورة، لتتسع ابتسامتها تتذكر كيف وقعت بعشقه وأصبحت قلبها أسيرة له بعدما أصبحت أقرب صديقة لوجد بعدما تعرفت عليها بجامعتها ودرسوا سوياً واستقرت وجد معها بنفس المنزل بعدما شعرت براحة كبيرة تجاهها، تاركة المنزل الذي استأجره مجدي لها.
فلاش باك.
ولجت إلى المنزل بعدما عادت من جامعتها وظلت تنادي على "وجد" ولكنها لم تجيبها، فدَلفت غرفتها فوجدت الإضاءة مشتعلة وصوت الماء قادم من المرحاض، وما كادت أن تخرج حتى انتبهت لذلك اللاب الخاص بوجد مفتوحاً، فاقتربت من الفراش وقامت بفتحه، شاعرة بفضول كبير يتآكلها، وما إن فتحتها حتى وجدت تلك الصورة التي تجمع العديد من الأشخاص، فقبضت جبينها بدهشة وظلت تتطلع بكل منهم حتى وقعت عينيها على ذلك الشاب التي شعرت بوسامته الطاغية ووقعت في غرامة بعد رؤيتها لصورته تلك.
خرجت وجد من المرحاض فوجدتها بذلك الوضع، فاقتربت منها وهي تنهرها صارخة بها بانزعاج:
- إيه يا وسام ده، هو إيه نعيش خصوصية ولا إيه.
نهضت "وسام" بفزع من مكانها وهي لا تجد سبباً لصراخها ذلك:
- في إيه يا وجد إيه اللي حصل عشان تزعقي كدة أنا.
أغلقت وجد اللاب وقالت بحدة:
- أي حاجة تخصني ملكيش دعوة بيها، أنا مبحبش الأسلوب ده ولو اتكررت تاني يا وسام أنا هسيبلك البيت انتي سامعة.
حزنت "وسام" كثيراً من صراخها المبالغ به وقالت بحزن وهي تغادر الغرفة:
- أنا آسفة يا وجد عن إذنك.
وما إن خرجت "وسام" وهدأت "وجد" قليلاً حتى أدركت بأنها لم يكن عليها معاملتها بتلك الطريقة، فخرجت من الغرفة واتجهت لغرفة "وسام" دون أن تطرق الباب.
فوجدتها تبكي وما إن رأتها حتى رفعت يديها مزيلة تلك الدموع بأكمامها مثل الأطفال قائلة بنبرة متذمرة طفولية:
- انتي إيه اللي جايبك أوضتي.
- اطلعي برة مبحبش حد يدخل أوضتي من غير ما يستأذن.
- اتفضلي اطلعي بره.
حركت وجد كتفيها وقالت برفض:
- مش هطلع وبعدين أنا جاية أصالحك.
نظرت لها "وسام" بعيون حمراء تلمع بالحزن:
- وتصالحيني ليه انتي مغلطيش.
- أنا اللي غلطت لما افتكرتك صاحبتي وبقيتي مهمة عندي وأنا بالنسبة لك ولا حاجة.
اقتربت منها "وجد" وقامت باحتضانها تحت تذمر "وسام":
- خلاص بقى يا وسام ميبقاش قلبك أسود كده.
ابتعدت عنها "وسام" وقالت:
- ولا أبيض ولا أسود وابعدي عني بقى عشان أنا بجد زعلانة منك.
تنهدت وجد وقالت بصدق:
- وأنا ميهنش عليا زعلك يا وسام وبعدين سامحيني بقى ما انتي عارفة إني دبش ولساني طويل.
قالت وسام بسخرية:
- ده مش طويل وبس ده عايز قصة كمان.
- ما خلاص بقى يا كلب البحر انتي وبعدين مش عايزة تعرفي مين اللي أنا حاطة صورتهم دول.
ابتلعت "وسام" ريقها وقالت وهي تقترب منها متذكرة ذلك الشاب الوسيم الذي جعل خفقاتها تزداد متمنية أن تراه وتقترب منه:
- لا عايزة أعرف طبعاً قوليلى.
ابتسمت "وجد" على صديقتها واحتضنتها بسعادة وقالت:
- هجيب اللاب وهاجي عشان أوريكي واحد واحد.
أماءت لها "وسام" فتحركت وجد وجلبت اللاب الخاص بها وجلست بجوارها وقامت بوضعه على قدميها ورفعت يديها تشير على كل من والداها وداغر تقص لها ما حدث معها، فكانت وسام تستمع إليها بتركيز وعينيها تتسع لما حدث لصديقتها.
فلمعت الدموع بعينيها واحتضنتها بحب قائلة:
- كل ده حصل معاكي يا وجد وميهنش عليكي تقوليلي هو أنا مش صاحبتك ولا إيه دي مكنتش عشرة ٦ شهور يا شيخة.
اتسعت ابتسامة "وجد" فحتى بذلك الوقت لا تستطع الكف عن المزاح فقالت:
- مكنتش حابة أزعلك لأني مبحبش أصعب على حد يا وسام، المهم خليني أكملك العيلة العزيزة انتي كده عرفتي ده محمود واللي المفروض أبويا وعرفتك على داغر وإسلام أخويا.
ابتلعت "وسام" ريقها تنتظر على أحلى من الجمر أن يأتي الدور على ذلك الذي سلبها تركيزها تريد أن تعرف من هذه مما حكت عنهم وجد، فقاطعت وجد وقالت بلا مبالاة:
- ومين ده فيهم.
تنهدت وجد وقالت:
- ده يا ستي حسام أجدع واحد في عيلة الهلالي.
شعرت بحزن شديد عندما علمت بهويته إذاً، فهذا من ماتت معشوقته، فقلبه ملكاً لأخرى وليست لها مكان بحياته وليس لديها فرصة.
قاطعتها وجد وقالت:
- أنا هقوم أذاكر شوية بقى متيجي تذاكري معايا.
حركت رأسها بنفي وقالت بهدوء:
- لا مش عايزة روحي انتي أنا هنام شوية.
أماءت لها "وجد" وخرجت من الغرفة وما إن خرجت حتى تناولت "وسام" هاتفها وبحثت عن اسمه جالبة له بعض الصور الخاصة بها وظلت كل ليلة تتطلع بصوره تتعلق به كل يوم أكثر من سابقه، فتطور معها الأمر وطبعت له إحدى الصور وأصبحت تحلم بذلك اليوم الذي تنزل به إلى القاهرة مرة أخرى تريد أن تراه تتحدث معه يقع بعشقها ويغرم بها مثلما أصبحت هي عاشقة له.
باك.
احتضنت الصورة والابتسامة على وجهها رافعة يديها ممسدة على ملامحه التي أصبحت تعرفها وتصمها.
وصل "داغر" و"رائف" أمام مرسم "حسام" والذي سيفتتح ليلة غد.
وما إن دلفوا حتى وجدوه جالساً أمام إحدى اللوحات التي يطغى عليها اللون الأبيض والفرشاة بيديه ينهي تلك الرسمة الأخيرة واضعاً لمساته الأخيرة.
اقتربوا منه بعدما رمقهم بنظرة جانبية قائلاً بحدة وهو يكمل تدقيقه بتلك اللوحة:
- نعم.
تبادل كل من "داغر" و"عدي" النظرات السريعة، فارتسمت ابتسامة على وجه داغر ورفع يديه مربتاً على كتفيه قائلاً بابتسامة:
- أنا ورائف خلصنا شغل وقولنا نعدي عليك نشوفك وأهو نروح سوا، انت لسه مخلصتش ولا إيه.
ترك "حسام" الفرشاة من يده ونهض من مكانه بعدما أخذ نفساً عميقاً:
- لا خلصت هدخل أغسل إيدي وجاي معاكم.
ابتسم رائف وقال:
- طب إيه رأيكم نتعشى سوا النهاردة ونكلم عدي وإسلام عشان يتعشوا معانا.
وما كاد أن يوافق "داغر" حتى هتف حسام برفض:
- لا أنا مليش مزاج وعايز أروح أنام عشان عايز أصحى بدري بكرة.
كاد أن يعترض "رائف" فمنعه "داغر" بإشارة من عينيه قائلاً:
- خلاص اللي تشوفه يلا اغسل إيدك عشان نتحرك على البيت.
وذلك المنزل الذي نذهب إليه للمرة الأولى.
نجد "فاتن" و"إسلام" الذي أصبح في عمر العشرين عاماً جالسان أمام التلفاز يتابعان أحد أفلام الأكشن.
وكانت "فاتن" ترمقه بضيق شديد وجزت على أسنانها ونهضت من مكانها مغلقة تلك الشاشة.
فصاح "إسلام" بانزعاج واضح:
- ليه كدة بس يا ماما.
اقتربت منه مرة أخرى وجلست بجواره قائلة بحدة:
- انت لحد امتى هتفضل غبي يا إسلام؟ أنا عايزة أعرف انت بتعمل إيه هنا، انت ليه مش عايز تسمع كلامي؟ أنا عايزة مصلحتك، كل العز والنغنغة اللي هما فيها دلوقتي بفلوس ابني اللي قتلوه بدم بارد وفلوس أخوك يعني كل ده المفروض يبقى ليك لوحدك، بس حضرتك طالع غبي سيب لهم الجمل بما حمل وقاعد معايا هنا.
تشنجت عضلات وجه "إسلام" قال بغضب طفيف:
- أومال أعمل إيه يعني أسيبك تقعدي لوحدك، لو هو ده اللي انتي عايزاه فمش هيحصل يا ماما، أنا مش هسيبك قاعدة لوحدك، انتي مليكيش غيري وبعدين فلوس باسم اللي بتكلمي فيها فلوس من الأول ومتنسيش إن اللي بتتكلمي عليهم دول عيلتي وأي إساءة في حقهم تبقى بتسيء ليا، وكفاية أوي الحالة اللي فيها آلاء بسبب اللي حصل.
نهضت "فاتن" بعنف وقالت بغضب وصياح:
- الحالة اللي آلاء فيها هو ده اللي انت بتفكر فيه يا إسلام؟ طب وبالنسبة أخوك اللي اتقتل وهو لسه في عز شبابه ها؟ وابنه اللي مات قبل ما يشوف الدنيا.
تأفف "إسلام" وقال بنفاذ صبر:
- ماما الكلام ده خلاص مبقاش ليه فايدة، الموضوع عدى عليه سنين وبعدين باسم مكنش ملاك خالص بالعكس، وياريت متفكرنيش عشان كل ما بفتكر دمي بيتحرق.
صاحت بدهشة مرددة كلماته الأخيرة:
- دمك بيتحرق، طب وأنا... أنا أعمل إيه ده أنا ناري لحد دلوقتي مهديتش من اللي حصل.
زفر "إسلام" ونهض من مكانه وهو يقول:
- ماما كفاية أنا بجد زهقت خلاص أنا داخل أنام تصبحي على خير.
فتح "عدي" باب غرفته ودلف لداخلها فوجدها فارغة، فارسمت ابتسامة سخرية على وجهه وبداخله نيران، فرفع يديه وما كاد أن يبدأ بتغيير ملابسه حتى سمع رنين هاتفه فأخرجه وسريعاً ما اتسعت ابتسامته مجيباً إياها:
- تصدقي إنك وحشتيني الشوية دول.
صدحت صوت ضحكاتها الرنانة بالمنزل وقالت بحب:
- وانت كمان وحشتني جداً، طمني روحت ولا لسه.
تنهد وقال وهو يتجه ناحية الفراش ليجلس:
- لسه واصل أهو ودوبك كنت لسه هغير لقيتك بتتصلي.
- حلو أوي قوم بقى غير واتعشى حلو واعمل حسابك المرة الجاية مش هتمشي غير لما تتعشى معايا الأول وتعرفني قبليها إنك هتأكل معايا عشان أكون مجهزة الأكل اللي بتحبه.
- اتفقنا جداً يا قلب عدي، خلي بالك من نفسك، والصبح هكلمك وأنا نازل وطبعاً هعدي عليكي، أنا يومي مبقاش يعدي غير لما لازم أشوفك.
اتسعت ابتسامتها وازدادت خفقاتها وقالت بحب دفين:
- وأنا كمان يا عدي يومي مبيعديش غير لما بشوفك.
ابتسم عدى وكاد يجيبها حتى وجد "حورية" تدلف الغرفة وعينيها معلقة عليه ولا يرمش لها جفن، فقال باقتضاب وابتسامته قد زالت تدريجياً:
- تمام أنا هقفل دلوقتي سلام.
تنهدت "مى" بضيق وقالت:
- سلام يا عدي.
أغلق "عدي" معها، فرفع عينيه ورمق "حورية" الواقفة أمامه وقال وهو ينهض قاطعاً المسافة بينهما واضعاً يديه بجيب بنطاله:
- مالك بتبصيلي كده ليه.
عقدت "حورية" ذراعيها أمام صدرها وقالت بهدوء بعدما تسلل الشك إلى قلبها:
- كنت بتكلم مين يا عدي.
رفع حاجبيه بسخرية وقال:
- واووو حورية هانم مهتمة وبتسأل بكلم مين ومبكلمش مين.
صرخت به حورية باندفاع وقالت بنفاذ صبر:
- متغيرش الموضوع يا عدي وقولي كنت بتكلم مين وكنت فين، كل ده عمي سأل عنك أول ما جه وأنا قولتله إنك لسه مجتش وعرفف منه إنك خرجت من بدري ومكملتش شغلك في البيت، ممكن أعرف بقى كنت فين.
اقترب بوجهه منها لتلفح انفاسه بشرتها وهمس أمام وجهها بنبرة أثارت استفزازها وغضبها في آن واحد:
- كنت مطرح ما كنت، أنا حر يا هانم أنا الراجل وأعمل اللي أنا عايزه، وإياكي يا حورية إياكي تعلي صوتك عليا بالطريقة دي تاني، أنا لو كنت سكت لك زمان فمش هسكت دلوقتي انتي سامعة يا حلوة.
أنهى كلماته وهو يرفع يديه مداعباً خديها البارزين.
فرفعت يديها وقامت بدفعه بغضب بقبضتها الصغيرة.
غضب من فعلتها وضغط على شفتيه بغيظ، فقالت هي و بداخليها نيران تضرم بقلبها:
- بتخونيني يا عدي مش كده؟ اتكلم قول الحقيقة، قول إني في واحدة تانية في حياتك، قول إنك مبقتش تحبني، قول إنك كنت بتحبني عشان شكلي ولما وزني زاد بطلت تحبني، قول إنك عمرك ما حبيبتني.
صرخ بها مؤيداً كلماتها لتنزل كالصاعقة عليها:
- أيوه يا حورية كل اللي قولتيه مظبوط كله، هتعملي إيه بقى.
قال تلك الأخيرة بتحدي مكملاً حديثه غير مبالي بصدمتها:
- ها ردي عليا هتعملي إيه.
لزمت الصمت تطلع عليه بصدمة لم تنتظر منه تلك الإجابة، كانت تنتظر أن ينفي كل كلمة وكل حرف هتفت به، ينفي خيانته ويؤكد لها حبه، ولكن لم يفعل، بل أكد حديثها، أكد شكوكها، كانت تنتظره أن يضمها إلى أحضانه يطمئنها بأنه بجانبها ويحبها ولن يتركها، ولكن صدمها، وبشدة.
- ها يا حورية هتعملي إيه؟ هتلمي هدومك وهتمشي، امشى بس ولادي هيفضلوا هنا، عايزة تمشي امشي لوحدك متفكريش تاخدي ولادي معاكي عشان هما مش هيتحركوا من بيت أبوهم، عايزة انتي ترجعي الحارة لأمك وأختك ارجعي، أنا مش همسك فيكي.
هبطت دموعها رغم عنها، فأزدرق "عدي" ريقه وهو يتساءل عما إذا كان قد قسى عليها، ولكن عليها أن تعلم بما يحدث وأن تعلم بأن قلبه لم يصبح ملكاً لها، بل أصبح ملكاً لمعشوقته وزوجته الأخرى والتي لم تكن سوى "مي".
لم يتحمل دموعها التي تفيض أمامه بصمت، فتحرك من أمامها مغادراً الغرفة تاركاً إياها بصدمتها، نادمة على حبها وقلبها لذلك الذي لا يستحق، غير مدركين بأن ذلك الهدوء هو هدوء ما قبل العاصفة.
رواية طغيان قلب الفصل الثلاثون 30 - بقلم فاطمة محمد
دلف "عدى" الغرفة مرة أخرى بعدما تخطى الوقت منتصف الليل ليأخذ ثيابه ويبدل ملابسه التي يرتديها منذ الصباح، ظنًا منه بأنها قد ذهبت في سبات عميق.
وما إن دلف حتى وجدها لا تزال مستيقظة، شاردة، جالسة على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها، وقد انتفخت جفونها أثر بكائها وانهيارها الشديد بعد خروجه.
فأخذ نفسًا طويلًا وتجاهلها، وكأنها سراب، مولياً ظهره لها، متجهًا ناحية الخزانة مخرجًا له ملابس.
وما لبث أن يخرج خارج الغرفة حتى نادت عليه بنبرة غير مألوفة بالنسبة له.
فاستدار بهدوء شديد، مضيقًا عينيه بتساؤل عما تريده بعد ذلك الحديث الذي حدث بينهم.
فنهضت من مكانها وعيناها معلقة عليه، لا تفارقه، ولا يرمش لها جفن، ووقفت أمامه وقالت بهدوء مزيف، مبتلعة تلك الغصة المريرة المعلقة بحلقها:
- قولي إنه كل اللي قولته كدب ومش حقيقة يا عدى، وإنك قلت كده عشان بس تضايقني عشان أهملت نفسي وأهملتك.
جز على أسنانه وتشنجت عضلات وجهه، ودفع الملابس التي كانت بين يديه بغضب، وعيناه تطلق شرارًا صارخًا عليها.
- لأ يا حورية مش كدب، أنا فعلًا مبقتش بحبك. أنا اتجوزت يا حورية عليكي، والبني آدمة اللي اتجوزتها متتصوريش مريحاني إزاي ومهتمة بيا إزاي.
صمت قليلًا يتطلع عليها بغضب، غير مدركًا بأن كلماته كانت كالسكين الحاد الذي ينغرز بقلبها، ممزقًا إياه دون أي رحمة أو شفقة.
- مش معنى إنك خلفتي إنك تهمليني وتهملي نفسك بالشكل ده يا حورية، وما الستات كلها بتتجوز وبتخلف ومحدش بيعمل اللي بتعمليه. انتِ بإهمالك ده خليتيني أحب غيرك، خليتيني محسش بأي حاجة ناحيتك، كل مشاعري بقت معاها، معاها هي وبس يا حورية.
كانت عيناها تدمي بشدة أمامه، تطلع عليه بعدم تصديق، ورغمًا عنها وجدت نفسها تصرخ به هستيريا وهي تضربه على صدره بعنف وغضب، تشعر باشمئزاز شديد يسيطر عليها تجاهه.
- لو كل الرجالة فكروا نفس تفكيرك ده كانوا كلهم اتجوزوا على مراتتهم. مكنش ينفع تجوز عليا من غير ما تعرفيني، كان لازم تقولي وتسبلي القرار، وأنا اللي أقرر مش انت، مش انت اللي تقرر يا عدى. أنا أقرر، مش تحطني قدام الأمر الواقع. أنا بكرهك، بكرهكككككك.
دفعه "عدى" تجاه الحائط بعنف، مكممًا فمها قائلًا بفحيح الأفاعي:
- صوتك هيصحى كل اللي في البيت.
دفعته بغضب وبقوة، لم تعلم من أين أتتها.
- هو ده اللي همك مش كده؟ مش عايزهم يعرفوا بعمل فيكي وبوس***.
صفعة قوية نزلت على وجهها جعلتها تبتلع حديثها، فوضعت يديها على وجهها ونظرت إليه بخذلان وخزي، ورفع سبابته محذرًا إياها.
- أوعي تنسي نفسك. حذرتك قبل كده من صوتك العالي ومليش فايدة فيكي، ولو اتكرر تاني يا حورية هتشوفي تصرف أسوأ من ده، انتي سامعة يا بنت الحواري.
قال كلماته الأخيرة وخرج من الغرفة، دافعًا الباب خلفه، وما إن خرج حتى وجد "حسام" يقف أمامه، عاقدًا يديه أمام صدره، وتطلع عليه بنظرات ساخرة.
فقطب "عدى" جبينه وقال:
- انت بتعمل إيه عندك يا حسام؟
اقترب "حسام" منه وهو يصفق له بسخرية مغمغمًا:
- برافو يا عدى، حقيقي برافو. اتجوزت على حورية يا عدى؟ اتجوزت على البنت اللي كنت من أربع سنين بس بتحفي وراها، ونفسك تبصلك. لو كنت ناسى أفكرك.
أجابه "عدى" وهو يقطع تلك المسافة بينهما قائلًا بغضب مشيرًا بيديه تجاه الباب:
- اللي جوه دي مش البني آدمة اللي حبيتها، دي واحدة تانية، أنا مبقتش عارفها.
- ما لازم متعرفهاش. ما انت لقيت اللي مريحاك. بس يا ترى إيه اللي مخلي الهانم التانية توافق إنها تتجوزك وهي عارفة إنك متجوز، ولا هي متعرفش؟
قالها "حسام" بتفكير مصطنع، فأجابه "عدى":
- خليك في حالك يا حسام، ومتدخلش في اللي ميخصكش يا بن عمي.
كانت صوت ضحكاتها تصدح بالمنزل بأكمله، لم تستطع إيقاف تلك الضحكات إلا عندما قامت "وسام" بضربها بتلك الوسادة، وبوادر الغضب على وجهها.
كانت صوت ضحكاتها تصدح بالمنزل بأكمله، لم تستطع إيقاف تلك الضحكات إلا عندما قامت "وسام" بضربها بتلك الوسادة، وبوادر الغضب على وجهها.
- ممكن أعرف بتضحكي على إيه؟ أنا مش شايفة حاجة تضحك يا ست وجد.
كادت أن تجيبها "وجد" ولكنها لم تستطع بسبب ضحكاتها التي لم تستطع التحكم، فقالت من بين ضحكاتها:
- يالهوي بطني مش قادرة، لأ وأول ما وصلنا هنصحى وهننزل وهنخرج وهناكل، وفي الآخر قضيناها نوم. يا سلام على الإجازة يا وسام.
نهضت "وسام" ووقفت أمامها، واضعة يديها بمنتصف خصرها، قائلة بغيظ وطريقة طفولية:
- بطلي ضحك بقى، أنا مش عارفة راحت عليا نومة إزاي كده، منك لله يا وجد.
- الله وأنا مالي يا أمي، هو أنا اللي قلتلك نامي ولا حاجة؟ انتي اللي عبيطة، نمتي زي القتيلة، ماشاء الله.
تأففت "وسام" وجلست بجوارها وهي تتنهد وقالت بلامبالاة:
- مش مهم، النهارده خلينا نفكر ببكرة. بصي يا ستي بقى بكرة اليوم كله هيبقى دمار شامل يا معلم، هنروح ناكل كشري وندخل سينما وبعدين ناكل تاني، وبعدين هنطلع على مرسم افتتاحة بكرة.
تنهدت "وجد" ونهضت من مكانها.
- اعملي ما اللي انتي عايزاه يا وسام.
- انتي رايحة فين؟
استدارت لها محركة كتفيها وقالت:
- هكمل نوم طبعًا، اليوم ضرب يا حلوة.
نهضت "وسام" محاولة اللحاق بها قائلة بنبرة طفولية وهي تزم شفتيها:
- نوم إيه يا وجد، انتي مبتشبعيش.
وقفت "وجد" داخل الغرفة وأجابتها وهي تغلق الباب بوجهها:
- لأ، تصبحي على خير.
وما إن أغلقت باب الغرفة حتى جلست "وسام" على الأريكة قائلة بتنهيدة:
- أنا آسفة يا وجد، بس أنا لازم أشوف حسام، وانتي لازم تتواجهي مع عيلتك.
أنا آسفة يا وجد، بس أنا لازم أشوف حسام، وانتي لازم تتواجهي مع عيلتك.
في صباح اليوم التالي...
استيقظت "مى" من نومها وتململت في فراشها، فانتبهت لذلك الذي يتشطح بجوارها. شهقت بصدمة واضعة يديها على صدرها. استيقظ على صوتها قائلًا بغلاظة:
- صباح الخير.
أغمضت "مى" عينيها وقالت:
- حرام عليك يا عدى، خضتني. انت جيت امتى؟
اعتدل "عدى" وأسند ظهره بظهر الفراش وقال بصوت مبحوح:
- جيت بليل، وانتِ كنتِ نايمة. محبتش اقلقك.
اتسعت ابتسامتها واقتربت منه وقامت باحتضانه وقالت بقلق:
- حصل حاجة ولا ايه؟
نهض "عدى" دون أن يبادلها عناقها، شاعرًا ببعض الضيق.
- أيوه. وقومي جهزي نفسك عشان هتتنقلي النهارده على الفيلا.
اتسعت عيناها ونهضت عن الفراش بصدمة واقتربت منه قائلة:
- ازاي يعني؟ ومراتك وعيلتك هتقول لهم ايه؟
رفع "عدى" يديه محاوطًا وجهها وقال:
- حورية عرفت إني متجوزك. أما عيلتي بقى فدول أمرهم سهل. وبعدين إحنا معملناش حاجة حرام. انتي مراتي يا مى، ومن النهارده كل الناس هتعرف إنك مراتي وحبيبتي.
ولج "عدى" برفقة "مى" إلى غرفة الصالون، و"مى" تتشبث بذراعيه، لا تعلم كيف ستكون رد فعلهم على ذلك الخبر.
شعر "عدى" بخوفها ذلك، فرفع يديه مربتًا على يديها يبثها الطمأنينة والأمان.
وما أن ولج حتى وجدهم يتناولون طعام الإفطار.
- صباح الخير.
رفع الجميع رأسهم، وما كادوا أن يجيبوه حتى انتبهوا لتلك الفتاة التي تقف بجواره متعلقة بذراعيه. فقام "حسام" بالجز على أسنانه بغضب، ناهضًا من مكانه دون أن يهتف بحرف واحد. وقبل أن يغادر، رمق "مى" نظرة غاضبة.
فنهض الجميع عن الطاولة بعدما ثارت الشكوك بأنفسهم، فقال "سلامة":
- مين دي يا عدى؟
تنهد "عدى" وقال بدون تردد:
- مى مراتى يا بابا.
قطب "داغر" حاجبيه واقترب منهم والدهشة تعتريه.
- مراتك؟ ازاي يعني؟ انت اتجوزت على حورية يا عدى؟
زفر بضيق وأجابهم باقتضاب:
- أيوه.
اقترب منه "داغر" وقام بإمساكه من ملابسه.
- أيوه ازاي يعني يا عدى؟ متنرفزنيش عليك. أنا صاحي، خلقي ضيق.
اقترب "سلامة" وفرق بينهم صارخًا بهم:
- إيه اللي بتعملوه ده؟ هو أنا إيه؟ خلاص مبقاش ليا لازمة؟
ظل "داغر" يرمق شقيقه بغضب من أفعاله الطائشة وانجرافه ذلك.
فغمغمت "سعاد" بعدم تصديق:
- اتجوزت على حورية يا عدى؟ وكمان جايبها هنا؟ للدرجة دي مبقاش عندك مشاعر؟
وما كاد أن يجيبها حتى جاء صوت "حورية" من خلفهم، مرددة اسم "عدى"، وكان صوتًا خاليًا من الحياة.
- عدى.
التفت "عدى" يرمقها بنظراته، وكذلك "مى" والتي تجاهلتها "حورية" وكأنها لا تراها أمامها.
وما كاد أن ينطق "عدى" حتى سقط عليه ذلك الدلو من الماء البارد، فما نطقت به لم يكن يتخيل بأنها ستطلبه أو ستعزم عليه.
- طلقني يا عدى.
ازدرد ريقه، كان يظن بأنه سيستطيع السيطرة عليها بالضغط عليها عن طريق أولادها، ولكنها صدمته بشدة. فقال بعدما ابتلع ريقه:
- انتِ عارفة معنى كلامك ده إيه؟ معناه إنك مش هتشوفي ولادك تاني.
قاطعته قائلة بحدة وصراخ:
- بقولك طلقني!
اقتربت منها "سعاد" محاولة تهدئتها وإرجاعها عما تريده.
- يا بنتي استهدي بالله، ده شيطان ودخل بينكم والله.
قالت الأخيرة وهي ترمق "مى" بنظراتها.
أما "عدى" فكانت عيناه معلقة عليها، لا يصدق طلبها ذلك. فصرخت مرة أخرى، ولكن تلك المرة وهي تكسر وتحطم كل ما تطوله يديها.
- بقولك طلقني! طلقني! أنا بكرهك، بكرهك يا عدى، بكرهك ومش عايزة أعيش معاك. بقولك طلقني!
- إنتِ طالق.
توقفت عن الحركة وهدأت أنفاسها. فاقترب منها وقد اسودت عيناه.
- من النهارده متفكريش إنك تشوفي ولادك. انتِ سامعة؟
ثم التفت إلى "مى" وجذبها من ذراعيها صاعدًا بها تجاه غرفته القديمة.
أما حورية فجلست على الأرض تبكي بهستيريا، فاقتربت منها "سعاد" وهي تشعر بالشفقة تجاهها.
أما الباقي فكانوا لا يصدقون فعلته الحمقاء تلك واستغنائه عنها بتلك السهولة.
وبذات الوقت، كانت تلاحقها عيون شامته سعيدة بما حدث، والتي لم تكن سوى "ياسمين"، والتي كادت أن تطير من السعادة، فل طالما كرهت "حورية".
بغرفة "عدى" قديمًا.
- مى، دي أوضتي. هتقعدي فيها لحد ما أقول لحد من الخادمين يظبط لنا أوضة جديدة. وعلى بليل ننتقل فيها. وشنطتك هخلي الخادمة تطلعها لكِ وتغيري هدومك وترتاحي شوية. وأنا رايح الشغل وهحاول ما أتأخرش.
قالها ببرود شديد، فأومأت له "مى" بهدوء.
وما أن خرج من الغرفة حتى تبدلت ملامحها وابتسمت ابتسامة خبيثة ماكرة، مخرجة هاتفها من جيب بنطالها واتصلت بأحدهم. سريعًا ما جاء الرد، فقالت بغموض:
- كل اللي انت عايزه حصل، وتقدر تنفذ. العصفورة خرجت من قفصها وبقت حرة خلاص.
وقف "رائف" بالسيارة أمام البناية التي تقطن بها "حورية". وما أن توقف حتى التفت بجانبه ينظر إليها متمتماً بأعتذار.
- حورية أنا مش...
قاطعته "حورية" وقالت بنبرة خالية من الحياة:
- متقولش حاجة يا رائف، لأني مش عايزة أسمع أي حاجة. ابن عمك كان فاكر إنه ممكن يجرح ويوجع فيا وأنا أسكت وأشيل في نفسي عشان ولادي، بس مش أنا يا رائف، مش أنا اللي هتسكت على إن جوزها يجيب لها ضرة ويحطها قدام الأمر الواقع.
زفر "رائف" وهو يشعر بالخجل من تصرفات "عدي" المتهورة.
وقبل أن تترجل من السيارة، لم تقل سوى تلك الكلمات:
- ولادي أمانة عندكم يا رائف لحد ما ابن عمك يبعت لي ورقتي، عشان أنا مش هسيب ولادي له ولمراته.
لزم "رائف" الصمت وترجل من السيارة حاملًا لها حقيبتها.
وصعدت إلى البناية وفتحت لها شقيقتها "ندى" التي صرخت بسعادة لرؤيتها أمامها.
- حورية وحشتيني، أومال فين الولاد؟ مجوش معاكي ولا إيه؟
سريعًا ما انتبهت لرائف الذي ظهر من خلفها حاملًا حقيبتها.
فقطبت "ندى" جبينها وقالت بتساؤل:
- إيه الشنطة دي يا حورية؟
صمتت حورية وظلت ملامحها جامدة باردة أمامها. وتحركت من أمامهم والآلام تكتسحها. فالتفتت "ندى" تجاه رائف الذي أدخل حقيبتها داخل المنزل.
- هو إيه اللي حصل بالظبط؟
ابتلع ريقه ولم يعلم بماذا يجيبها، ولكنها في جميع الحالات ستعلم بما حدث. فقال بأسف شديد:
- مع الأسف عدى وحورية أطلقوا.
اتسعت عيناها ورفعت يديها تضرب على صدرها.
- أطلقوا ليه؟ إيه اللي حصل؟
- هيبقى أفضل لو حورية حكتلك، عن إذنك. ولو عاوزين أي حاجة كلموني، تمام؟
قال كلماته الأخيرة وهو يغادر من المنزل سريعًا، يريد الهروب من أمامها حتى لا يضطر بقص تلك التفاصيل المؤسفة.
وما أن غادر مغلقًا الباب من خلفه بهدوء، حتى تحركت "ندى" بصدمة تجاه غرفة شقيقتها.
ففتحت الباب دون أن تطرقه. وما أن فتحته وكادت أن تتحدث، حتى وجدتها مغشى عليها ساقطة على تلك الأرضية الصلبة.
فاقتربت منها والذعر والقلق يتمكنان منها. ولم تجد نفسها إلا وهي تتحرك من مكانها تجاه الشرفة منادية على "رائف" قبل أن يصعد سيارته مرة أخرى.
وبعد مرور بعض الوقت بإحدى المشافي.
كانت تتسطح على الفراش بإحدى الغرف، وبالخارج يقف الطبيب مع "ندى" و"رائف" يطمئنهم على حالتها، مخبرًا إياهم بأن ما حدث لها سببه هبوط حاد بسبب عدم تناولها لأي شيء، بجانب نفسيتها المدمرة. ونصَحهم بالاهتمام بها وعرضها على إحدى الأطباء النفسيين، مخبرًا إياهم بأنهم قد أعطوها مخدرًا وأنها الآن بسبات عميق.
- متشكرين يا دكتور.
كانت تلك كلمات "ندى". فأومأ لها الطبيب وغادر من أمامهم.
فتنهدت "ندى" ببعض من الراحة، ونظرت تجاه "رائف" معنفة إياه.
- حضرتك ممكن تتفضل دلوقتى، ويا ريت تبلغ ابن عمك باللي أختي وصلتله، خليه يفرح شوية بنفسه.
زم "رائف" شفتيه ورفع إحدى حاجبيه وقال بهدوء:
- أنا حقيقي مش عارف أقولك إيه، بس دي أكيد وزة شيطان وكل حاجة هتتصلح.
جزت على أسنانها وقالت بغضب طفيف:
- تتصلح!!! بعد إيه؟ ابن عمك لو كان بيحبها بصحيح مكنش فكر يستغنى عنها، وبعدين أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل وصلهم بكدة؟ ها، عدى الزفت ده عمل إيه عشان يوصلها لحالتها دي؟
- ها؟
قالها "رائف" بسذاجة مصطنعة لا يريد إجابتها. فصاحت:
- هو إيه اللي ها؟ بقولك عمل إيه؟
نظر "رائف" لساعة يديه وقال بتذكر مصطنع:
- طيب يا ندى، أنا مضطر أمشي دلوقتي لأني سايب داغر لوحده في المصنع، عن إذنك.
وغادر سريعًا من أمامها. فتأففت ودلفت غرفة شقيقتها. فوجدتها نائمة على الفراش، فاقتربت منها تربت على وجهها بحنان.
- يا ترى عملك إيه عشان يوصلك لحالتك دي؟
ثم جلست بجوارها، وسريعًا ما تذكرت والدتها النائمة بالمنزل، فنهضت من مكانها سريعًا مغادرة الغرفة.
وما أن غادرت المستشفى، حتى دلف هو بهيبته ووسامته إلى غرفتها، مغلقًا الباب من خلفه، مقتربًا منها متطلعًا عليها بنظرات عاشق وولهان. فأقترب بيديه ممسدًا على وجنتيها وبشرتها الناعمة كبشرة الأطفال، وابتسامة جانبية ترتسم على وجهه، متمتمًا بحب:
- أخيرًا يا حورية، وأخيرًا هتبقي ملكي.
- أخيرًا يا حورية، وأخيرًا هتبقي ملكي.
فى المساء.
ترجلت "وسام" و"وجد" من تلك السيارة الأجرة أمام ذلك المرسم. فصاحت "وجد" بتأفف:
- ولا ليها أي لازمة حكاية المرسم دي، أنا بتخنق. بزمتك بتتفرجي على إيه؟ على شوية شخابيط؟
- شخابيط يا جاهلة، ده اسمه فن. بس هنقول إيه، ما أنتي معندكيش ذوق.
قالتها وسام بمرحها المعتاد، فاغتاظت وجد منها وأجابتها قائلة:
- ما هو مدام مختاركي صاحبة ليا، يبقى لازم ميكنش عندي ذوق يا وسام هانم.
زم "وسام" شفتيها بحركة طفولية.
- كدة يا وجد.
اتسعت ابتسامة "وجد" وأجابتها:
- كدة يا قلب وجد.
دلفت كل منهما إلى المرسم، وعين وجد معلقة على تلك الرسومات أمامها والتي أثارت إعجابها كثيراً، شاعرة ببعض من العمق والحزن الذي يلوح بتلك اللوحات.
أما "وسام" فكانت عينيها تجول بالمرسم بحثاً عنه، تشتاق لرؤيته، بل لا تريد أن ترى غيره.
ورغم عنهما انفصلا. فابتعدت "وجد" ووقفت أمام إحدى اللوحات التي أعجبتها كثيراً، وكانت ابتسامة بسيطة تلوح على وجهها. ولكن سريعًا ما اختفت عندما وقعت عينيها على ذلك التوقيع، والذي لم يكن سوى باسم "حسام الهلالي"، فتسمرت مكانها من تلك الصدمة وتلك المعضلة التي وقعت بها.
أما "وسام" فازدادت خفقاتها بعدما رأته يقف بجوار كل من "رائف" و"إسلام" و"داغر". فاستجمعت قواها واقتربت منهم، وعيناها لا ترى غيره، وعيناها تلمع ببريق مشاعرها.
- مساء الخير.
أجابها "حسام" بابتسامة بسيطة لم تصل لعينيه.
- مساء النور.
وكذلك أجابها إسلام ورائف، وتجاهلها داغر تماماً. ولكنها لم تستمع سوى لصوته هو.
صوت معشوقها الذي يجعل خفقاتها تزداد.
فمدت يدها باتجاهه وقالت بإعجاب وانبهار شديد:
- أنا وسام وعايزة أبدي إعجابي بلوحاتك، حقيقي لوحاتك تحفة.
وما كادت أن تكمل حتى وصل إلى مسامعها صوت داغر الذي خرج أخيرًا وهو يردد اسم صديقته بعدم تصديق واشتياق سيطر على صوته:
- وجد.
قطب حسام جبينه واسودت عيناه بغضب، أما إسلام فنظر تجاه ما ينظر إليه داغر، فلمحها هو الآخر واتسعت ابتسامته، وسريعًا ما كانت "وسام" تقف بمفردها بعدما هرول كل من إسلام وداغر باتجاهها، وحسام متوعدًا لها بعدما رآها هو الآخر.
أما رائف فشعر بهاتفه الذي يرن، فأخرجه من بنطاله فوجدها "ندى"، ففتح المكالمة وما كاد يتحدث حتى وصل إليه صوتها الباكي وهي تستنجد به:
- رائف الحقني، أنا مش لاقية حورية. حورية اختفت من المستشفى ومحدش شافها وهي بتخرج، أنا خايفة أوي تعمل حاجة في نفسها، أنا مش عارفة أعمل إيه.
أغمض "رائف" عينيه وهو يتابع ما يحدث مع أبناء أعمامه.
- أنا هكلم عدي يا ندى، اقفلي، اقفلي.
أما ناحية وجد، وبعدما انتبهت بأن تلك الرسومات تعود لـ "حسام"، حتى التفتت حولها تبحث عن "وسام" وهي تلعنها بداخلها لوضعها بتلك الموقف، وسريعًا ما أولت ظهرها للجميع وكأنها تطلع على اللوحة، ولم تنتبه لذلك الذي لمحها وعلم هويتها، فكم كانت تشتاق عيناه لرؤيتها، ولم يصدق نفسه عندما رآها، شاعرًا بأن قلبه يكاد يقفز فرحًا وسعادة.
فاخرج هاتفه يريد الاتصال عليها، وما كادت أن تأتي برقمها حتى سمعت لذلك الصوت الغاضب من خلفها:
- إنتي بتعملي إيه هنا؟
التفتت تنظر إليه بعدما أخذت نفسًا طويلًا وأخرجته على مهل، ورمقت بعينيها ذلك الذي لا تزال عاشقة له وهو يطلع عليها بنظرات عاشقة.
وما كادت أن تفتح فمها حتى وجدت "رائف" يقترب منهم:
- شباب، حورية اختفت ومش موجودة، وأختها قالبة عليها الدنيا، أنا كلمت عدي بس هو مبيردش، فخلونا نروح نشوف هنعمل إيه.