تحميل رواية طغيان قلب بقلم فاطمة محمد pdf
بقلم فاطمة محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بأحدى الدول الأوربية، وتحديدًا داخل إحدى الغرف التي يسودها اللون الأسود، تململت بنومها عندما وصل إلى عينيها تلك الإضاءة التي جعلتها تنزعج كثيرًا. رفعت رأسها عن تلك الوسادة لتنظر باتجاه تلك النافذة التي تعلم جيدًا من الذي قام بفتحها. اقتربت منها تلك الفتاة التي كانت تقف بجوار النافذة، وابتسامة جذابة على وجهها، وخصلاتها السوداء الطويلة تنساب على وجهها بنعومة، وهي تغمغم بابتسامة مشاكسة: - صباح الخير. فتحت وجد عينيها بانزعاج وهي تقول بتأفف: - خير، وهيجي منين الخير وأنتي كل يوم تعملي فيا العملة المهب...
رواية طغيان قلب الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم فاطمة محمد
قطبت جبينها بدهشة مغمغمة بشرود منتشلة ذلك الكارت من يد صديقتها.
- مجهول!!!!!
وسام بأستنكار:
- ده مين المجهول اللي بيحبك ده؟ ده لو داغر عرف الموضوع مش هيعدي على خير.
أماءت آلاء برأسها مغمغمة بتأييد على حديث وسام:
- أيوه يا وجد وسام معاها حق داغر مش لازم يعرف.
أغمضت وجد عينيها وتنهدت بضيق:
- مفيش غيره ده أكيد مصطفى.
اتسعت عين وسام وقالت وهي تضرب جبينها:
- إيه الغباء ده؟ أزاى نسينا مصطفى مفيش غيره أكيد هو. وجد متريحى نفسك من كل ده وسبيله فلوس خاله يشبع بيها. الفلوس مش هتفيدنا بحاجة لو حصلك حاجة أو اتأذيتي عشان خاطري يا و...
قاطعتها وجد مزمجرة بها بشراسة:
- مستحيل مجدي مسبليش كل حاجة من فراغ. وبعدين أنا عايزة أرجعله ولو حاجة بسيطة من جمايله عليا.
***
فتح داغر باب مكتب رائف على مصراعيه فوجده جالسًا خلف مكتبه يقلب بهاتف بملامح مقتضبة يشوبها الحزن والألم. فرفع عينيه عن هاتفه رامقًا داغر بنظرات باردة مثل الجليد متقنًا إخفاء غضبه من رؤيته أمامه. فعاد ينظر لهاتفه مرة أخرى. فأقترب داغر بعدما أغلق الباب من خلفه مقتربًا منه واقفًا أمامه.
- رائف لازم نكلم.
أجابه دون النظر إليه باقيًا على وضعه:
- مفيش كلام عشان يتقال.
انتشل داغر الهاتف من يديه دافعًا إياه على المكتب متحدثًا بهدوء مصطنع:
- رائف أنا مليش ذنب في اللي حصل مش أنا اللي قولتلها تحبني أنا زي زيك بالضبط و...
نهض رائف من مكانه ملتقطًا هاتفه مرة أخرى ووضعه بجيبه بعدم أكتراث وقطع حديث داغر قائلًا بنبرة تغلفت بالألم:
- متكملش يا داغر أنا عارف الكلام اللي انت بتقوله ده. أنا مش زعلان منك أنا زعلان على نفسي مش أكتر. زعلان على حبي اللي راح لواحدة متستهلش. زعلان على السنين اللي كنت مغفل فيهم فاكرها بتحبني وهي بتحبك انت. بتحب صاحبي وأخويا. عارف إن ملكش ذنب بس أنا كمان مليش ذنب. أنا مبقتش عارف أتعامل معاك وكفاية كلام في الموضوع ده.
تحرك مغادرًا من أمامه عقب إنهاء حديثه. فتابعه داغر بعينه يفكر بحل لذلك الجفاء الذي أصبح بينه وبين صديقه والذي كانت زوجته السابقة سببًا به.
***
طرقت الباب وانتظرت استجابة شقيقتها. ففتحت ندى باب المنزل فدلفت حورية للداخل وارتمت على الأريكة بأنهاك.
أغلقت ندى الباب واقتربت منها مغمغمة بدهشة:
- إنتي إيه اللي جابك من الشغل بدري؟
رفعت حورية يديها وأزالت حجابها الذي يغطي خصلاتها الحريرية قائلة بسخرية:
- مبقاش في شغل خلاص. أنا سبت الشغل مع عمر ده مسموش شغل أصلًا ومش هاخد منه غير وجع القلب.
امتعضت ملامح ندى وقالت بأستنكار:
- إنتي بتهرجي مش كده؟ سبتي الشغل مع عمر بالذمة ده اسمه كلام؟ إنتي بتهرجي يا حورية. ده الواحدة نفسها يجيلها فرصة زي اللي جاتلك دي وأنتي بتسيبيها كده بالساهل.
أغمضت حورية عينيها واضعة وجهها بين يديها قائلة بنبرة ذات مغزى:
- مش هتفهمني يا ندى مش هتفهمي أنا عملت كده ليه. بس ده أكيد أحسنلي ميت مرة من الشغل معاه. أنا مش ناقصة وجع قلب كفاية اللي أنا فيه.
- أنا فعلًا مش فهماكي بس اللي أنا فهمته إنك فقرية.
رفعت الأخرى ناظرة لها وابتسامة بسيطة ترتسم على محياها مؤكدة حديثها:
- أنا فعلًا فقرية.
نهضت من مكانها متجهة لغرفة والدتها المريضة والتي نادرًا ما تنهض من فراشها. فأغمضت ندى عينيها تلوم نفسها على حديثها ذلك.
هرولت خلفها ملحقة بها قبل أن تدلف غرفة والدتها متمتمة:
- حورية أنا آسفة مش قصدي اللي فهمتيه بس زعلانة عشانك وعشان ضيعتي الشغل ده من إيدك.
رفعت حورية يديها تربت على كتفيها مغمغمة بحنان:
- متقلقيش هلاقي غيره ربنا كبير وأكيد مش هينساني.
***
في المساء.
نظر بساعة يديه متأففًا بضيق ورفع عينيه مرة أخرى يراقب باب البناية الذي ستخرج منه متلهفًا للقائها.
اتسعت عينه وابتلع ريقه بتوتر وهو يراها تتهادى في سيرها مقتربة منه بدلالها المعتاد. فتحت باب السيارة وجلست بجواره وابتسامة شغوفة على محياها قائلة برقة مصطنعة:
- أتاخرت عليك؟
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهه وعينيه لا تكف عن التطلع عليها وتفحص هيئتها:
- بصراحة أه أنا مستنيكي بقالي كتير. بس مش مشكلة هعديهالك عشان إنتي لسه جديدة ومتعرفنيش ومتعرفيش إن أكتر حاجة بكرهها هي التأخير.
شهقت بصدمة مصطنعة واضعة يديها على فمها بطريقة مسرحية متمتمة:
- يا خبر أنا حقيقي آسفة وإن شاء الله مش هتتكرر تاني.
تنهد مطولًا مغمغمًا وهو يشير برأسه تجاه البناية:
- صحيح إنتي عايشة مع أهلك؟
حركت رأسها بنفي قائلة بأسف وحزن يلوح على وجهها:
- لا أنا عايشة لوحدي يعني تقدر تقول إني يتيمة. بابا وماما ماتوا وأنا عندي ١٥ سنة وبعد ما ماتوا عشت مع خالتي بس طبعًا جوزها مرحمنيش ومسبنيش في حالي وأول ما جتلي الفرصة إني أسيب لهم البيت عملتها وكنت عايشة مع واحدة صاحبتي وبعد كدة حبيت أستقل بنفسي وأعيش لوحدي والحمد لله عملتها زي ما إنت شايف كده.
نظر لها عدي بأسف وقال بتأثر زائف وهو يتحرك بالسيارة:
- الله يرحمهم بس أنا متأكد إن والدتك كانت زي القمر.
اتسعت ابتسامتها مضيقة عينيها قائلة باستفسار:
- اشمعنه؟
قال بمرح:
- يعني عايزها تبقى مخلفاكي ومتبقاش قمر؟
ابتسمت له ابتسامة واسعة واكتفت بذلك وأدارت وجهها تجاه النافذة وهمهمت في سرها وهي تقلب عينيها:
- يخربيت تقل دمك يا شيخ. لا وفاكر نفسك دمك خفيف.
***
ظلت تلك الأصوات الصاخبة تقتحم وحدتها وشرودها. فخرجت من غرفتها بعدما اعتراها الغضب ونفذ صبرها. فوجدت شقيقتها جالسة أمام التلفاز فصاحت:
- إيه يا ندى!
إيه الدوشة دي مش معقول كده.
أجابته ندى بلا مبالاة، واضعة تركيزها بالكامل بمشاهدة ذلك الفيلم.
"دي الشقة اللي قدامنا، عاملين يشيلوا في العفش ويحطوا في الجديد، وزعقت فيهم من شوية قالولي ربع ساعة بالكتير ويخلصوا، بس أظاهر مفيش فايدة فيهم. اطلعي زعقي فيهم، أنا صدعت ومش عارفة أركز في الفيلم."
تحركت حورية من مكانها وفتحت باب المنزل صائحة بهؤلاء العمال الذين يخلون المنزل من الأثاث.
"إيه يا عم أنت وهو، صدعنا خلاص والواحد عايز ينام ومش عارف منكم."
أجابها العامل وهو يرفع يديه ماسحًا حبيبات العرق عن جبينه قائلاً بإنهاك:
"خلاص يا مدام، إحنا نزلنا العفش وهنطلع الجديد، وإن شاء الله مش هياخد مننا وقت."
تأففت حورية قائلة:
"طب ياريت بسرعة شوية، أنا أمي تعبانة ومحتاجة راحة."
أومأ لها العامل معتذرًا لها:
"إحنا آسفين، بس ده شغل يا مدام وهنخلصه ونتوكل على الله. أصلًا الساكن الجديد مستعجل أكتر منك، وزي ما أنتِ شايفة بنحاول ننجز."
تنهدت قائلة:
"ربنا يعينكم. عن إذنك."
أغلقت الباب وهي تتحرك باتجاه شقيقتها.
"حورية تعالي اتفرجي معايا، الفيلم تحفة ولحد دلوقتي معرفناش مين القاتل، بس حاسة إنه هيطلع جوز البطلة."
رمقتها حورية بنظرات نارية، فأزدردت ندى ريقها قائلة:
"إنتي بتبصيلي كده ليه؟"
انتي هتتحولي يا حورية ولا ايه.
أغمضت حورية عينيها متنهدة بنفاذ صبر، رافعة رأسها للأعلى مغمغمة:
- يارب صبرني يارب.
وبعد مرور بعض الوقت، صدح رنين هاتفها، فصاحت ندى:
- قومي قومي، تليفونك بيرن، شوفي مين بيتصل عليكي.
نهضت من مكانها ملتقطة هاتفها، ناظرة به فوجدته عمر، فأبتلعت ريقها، وبدأ ذلك الصراع بين قلبها وعقلها، فقلبها يخبرها بأن تجيبه وتستمع لصوته الذي يشعرها بالأمان، أما عقلها فنهرها معنّفًا إياها على مشاعرها التي تريد الانجراف خلف قلبها.
توقف هاتفها عن الرنين، فزفرت براحة، وما كادت أن تضعه مكانه مرة أخرى حتى بدأ بالرنين مرة أخرى، فزمّت شفتيها، ورغمًا عنها أجابته، واضعة الهاتف على أذنيها، مستمعة إلى صوته الحنون:
- انتي مبترديش علطول ليه؟ أنا عايز أفهم!
هدأت من روعها، واستجمعت قواها، وقالت ببرود وشراسة:
- وأنا عايزة أفهم أنت بتتصل ليه؟ أنا مش قولتلك مـ...
قاطعها قائلًا:
- وأنا مسمعتش أي حاجة من اللي قولتيها، وافتحي الباب، أنا على الباب وعايز أتكلم معاكي.
اتسعت عيناها، وقالت وهي تنظر تجاه الباب:
- أنت بتقول إيه؟ وباب إيه اللي أنت عنده؟
- باب بيتك يا حورية، يلا افتحي عشان عايز أتكلم معاكي.
كزّت على أسنانها قائلة بقسوة:
- أنت عايز إيه مني بالظبط؟ أنت بكده هتسبب لي مشاكل أنا في غنى عنها، امشي يا عمر لو سمحت.
قاطعها بحدة وانفعال طفيف:
- مش ماشي يا حورية، وهتفتحي وهتكلم معاكي.
زفرت وأغلقت الهاتف بوجهه، واقتربت من الباب وفتحت له، فوجدته يقف أمامها، يطلع عليها باشتياق، وعيناه تلمعان ببريق العشق.
ابتلعت ريقها بعدما سارت رجفة طفيفة بجسدها لرؤيته يقف أمامها، وابتسامته الجذابة ترتسم على محياه، فقالت:
- أنت إيه اللي جابك؟ أنت عايز مني؟
تنهد مسندًا كتفيه على الحائط بجواره:
- عايزك يا حورية، هكون عايز مين غيرك يا وجعة قلبي.
اتسعت عيناها لصراحته، أو بالأصح لوقاحته، فكيف يتحدث معها بتلك الطريقة؟ من أين جاء بتلك الجرأة؟
امتعضت ملامحها بشدة، واسودت عيناها قائلة:
- أنت إزاي تكلم معايا بالطريقة دي ها!
اعتدل بوقفته، وقال وهو يشير تجاه ذلك المنزل من خلفه:
- هو أنتِ هتقضيها أسئلة ولا إيه؟ وبعدين أنا عايزك تباركيلي على بيتي الجديد.
جحظت عيناها للمرة الثانية، وفرغ فاها، وقالت بصدمة:
- هو أنت الساكن الجديد!
رمش لها بعينيه عدة مرات مؤكدًا حديثها، مغمغمًا بابتسامة ماكرة:
- أيوه أنا، ومدام مبقاش فيها شغل ومبقتيش شغالة معايا، قولت أجي أقعد قدامك وأملى عيني منك، ولا بلاش.
جاءت ندى من خلفها، وابتسامة بلهاء على وجهها عندما استمعت إلى صوته، فاقتربت منه قائلة بسماجة:
- وأنا أقول العمارة منورة ليه!
التفتت حورية تجاهها صارخة بها:
- ندى، خشي على أوضتك ومش عايزة أسمع صوتك، يلا اتحركي.
كزّت ندى على أسنانها واتجهت تجاه الصالون مرة أخرى، فكادت أن تتحدث حورية فقطاعها عمر:
- شرسة أوي أنتِ، براحة على البت شوية.
- امشي يا عمر، امشي من قدامي، مش طايقة أشوفك.
رفع حاجبيه، وأخرج مفتاح المنزل من جيبه، قائلًا بمرح وابتسامة واسعة، وهو يقف أمام منزله ويفتح باب المنزل:
- كدابة يا حورية، عينك بتقول غير كده، عينك فضحاكي يا حورية.
قال الأخيرة وهو يغمز لها بعينيه، مغلقًا باب المنزل تحت صدمتها التي سرعان ما تحولت لشبَح ابتسامة.
***
تجاهل الجميع، وصعد باتجاه غرفته، راغبًا في أخذها سجنًا له ولوحدته، ولكن منعه من استكمال الدرج الرخامي هو صوتها الذي ظل يردد اسمه:
- رائف، رائف.
توقف عن الصعود، واستدار، رامقًا إياها بنظرة خالية من الحياة، قائلًا بجمود:
- نعم!
أقتربت، وجد منه، ووقفت أمامه قائلة بأسف:
- رائف، أنا عارفة إن اللي حصل مش سهل، وإنك أكيد شايل من داغر، بس أنت لازم تحكم عقلك، وتبص للموضوع من زاوية تانية.
ظهرت بسمة جانبية ساخرة على محياه، وقال مضيقًا عينيه، عاقدًا يديه أمام صدره:
- وإيه هي الزاوية التانية اللي المفروض أبص منها يا بنت عمي؟ وضحي أكتر.
تنهدت بضيق، وقالت:
- بص، أنا هتغاضى عن نبرة السخرية دي، بس أنت المفروض متبقاش زعلان من داغر، لأنه ملوش أي ذنب، كمان بص لها من حتة إن ربنا كشفها قدامك، مش أحسن ما تفضل مخدوع فيها.
بذات الوقت، رآهم كلًا من هدى وسعاد، الذين كانوا يتحركون باتجاه المطبخ لتحضير العشاء، فقالت هدى بخفوت:
- هي وجد عايزة إيه من رائف؟ مش كفاية اللي هو فيه.
حركت سعاد رأسها بضيق، ونادت باسم آلاء التي كانت تدلف من الباب للتو، والتي سرعان ما استجابت لها:
- آلاء، روحي شوفي أختك، وخليها متقفش كده مع رائف، داغر لو شافها مش هيحصل طيب.
أومأت لها آلاء، وتحركت باتجاه وجد ورائف، أما هدى وسعاد فاستكملوا سيرهم.
ولكن لم تستطع آلاء فعل ذلك، فقد رآهم داغر وهم يقفون سويًا أعلى الدرج، وحدث ما حدث، وتجمدت الدماء بعروقه، والغيرة تتأجج بداخله مثل النيران.
قاطعت آلاء حديثهم، وقالت بنبرة عادية:
- وجد، بلاش الوقفة دي و...
ابتلعت باقي حديثها بتوتر عندما رأت داغر بجوارها، يتحدث بنبرة غاضبة يشوبها بعض من الغيرة:
- إيه اللي موقفك كده يا وجد؟
تنهدت وجد، واقتربت منه:
- داغر، كويس إنك جيت دلوقتي، أنا كنت بتكلم مع رائف و...
كزّ على أسنانه، واقترب منها، وقبض على ذراعها بقبضته الفولاذية التي آلمتها، فقبّت جبينها وهي تنظر ليداه التي تؤلمها، كادت أن تتحدث لكنها لم تستطع لجذبه إياها من ذراعيها ومغادرتهم أمام كل من آلاء ورائف، الذي اعتلت شفتاه ابتسامة ماكرة ونظرة ذات مغزى، متناسيًا وجود آلاء، ولكنه سرعان ما أخفاها.
لاحظت آلاء نظراته وابتسامته التي تبشر عن نواياه الخبيثة وسعادته بما حدث.
ضيقت عيناها قائلة باستفهام:
- أنت بتضحك على إيه؟ أنا عايزة أفهم!
رفع إصبعه مشيرًا تجاه شفتاه، قائلًا باستنكار:
- هو أنا كده بضحك!
عضت على شفتيها، وصعدت تلك الخطوة، مغمغمة:
- رائف، بلاش استعباط، أنا شوفتك، وبلاش الحركات دي، أنت وداغر أقرب اتنين لبعض.
حرك كتفيه، ووضع يده بجيوبه، مغمغمًا:
- حركات إيه يا آلاء؟ أظاهر كده إن حبستك في الأوضة أثرت عليكي.
أجابته بغضب:
- لا يا رائف، أنت عارف إنها ماثرتش، بس أنا مش عبيطة، وعارفة إنك قاصد تضايق داغر عن طريق وجد، و...
صمتت عن إكمال حديثها، واتسعت عيناها، ووضعتها على فمها، وهمهمت بعدم تصديق:
- أنت اللي بعت الورد لوجد، مش كده؟ أنت المجهول يا رائف، صح!
زمّ شفتيه، وقلب عينيه، وغادر من أمامها دون أن يتفوه بحرف واحد، تاركًا إياها واقفة بمكانها، متجهًا لغرفته.
دلف إلى الغرفة، مغلقًا الباب من خلفه، وبدأ بخلع ملابسه، ولكن أوقفه ذلك الباب الذي فتح على مصراعيه.
فالتفت ينظر تجاه الباب، فوجدها آلاء، وتقترب منه بخطوات سريعة، والشرار يتطاير من عينيها.
وقفت في مواجهته، قائلة بخفوت، وبنبرة يشوبها التهديد:
- اسمع بقى، أنا مش هسمحلك إنك تأذيهم، وتأذي نفسك، وجد وداغر بيحبوا بعض، وداغر صاحبك قبل ما يبقى ابن عمك، فحرام تعمل كده في لحظة شيطان.
تنهد مطولًا، رافعًا رأسه للأعلى، محاولًا تهدئة روعه، فقالت:
- قولي إنك هتبطل اللي بتعمله ده، ده ممكن يخرب اللي بينهم.
كزّ على أسنانه، وانحنى برأسه تجاه رأسها، وتمتم من بين أسنانه:
- لا يا آلاء، مش هبطل، أنا متأكد من إن وجد بتحبه، بس مفيش مانع إني أضايقه شوية وأشفي غليلي، أنا جوايا نار، فاهمة يعني إيه نار؟ نار مش هيطفيها غير وأنا شايفة هيجنن ويعرف مين اللي بيعمل كده، ويحس إن وجد ممكن تضيع منه، ويحس بنار الغيرة اللي حسيت بيها لما عرفت إن مراتي بتحبه ومحبتش غيره.
أولته ظهرها، وهي تحرك رأسها بنفاذ صبر، وسرعان ما توجهت ناحية الباب، مغادرة الغرفة، رامقة إياه بنظرة سريعة، قائلة بخفوت:
- هتندم يا رائف، اللي بتعمله بتعمله عشان واحدة متستاهلش، وكلامي معاك مخلصش.
نفى برأسه، مصححًا لها:
- لا، بعمله عشان نفسي وعشان كرامتي، مش عشان حد تاني، والكلام خلص بالنسبالي.
خرجت من غرفته، مخرجة هاتفها، تريد أن تنفض تفكيرها عنه، مهاتفة شقيقها الذي لا يجيب عن هاتفه، ليبدأ القلق ينهش قلبها.
***
بالطرف الآخر.
كانت جالسة على الفراش، ترمقه بدهشة، وهو يأتي ذهابًا وإيابًا كالثور الهائج، لا تعلم ما به، وما سبب تلك العصبية المفرطة التي تراها الآن.
- مالك يا داغر؟ فيه إيه؟ وشدتني كده ليه؟
مسح على وجهه، وبسرعة الفهد كان ينحني لمستواها، ويداه تحاوطها من الجانبين، وهتف بغيرة واضحة:
- انتي كمان بتسألي؟ أول وآخر مرة يا وجد أشوفك واقفة بتكلمي مع رائف، ومش رائف بس، لا ده رائف وحسام، وحتى عدي أخويا.
لاحت شبح ابتسامة على وجهها، وقالت وهي تنظر بعينيه بتوهان:
- أنت بتغير يا داغر!
أقترب أكثر بوجهه، وقال وهو يتكئ على حروف كلماته:
- أكيد، وعشان كده بحذرك يا وجد، أنا مبحبش حد يتكلم معاكي، ولا يشوف ضحكتك، ولا أي حاجة، انتي مراتي وملكي، والأهم من ده كله حبيبتي يا وجد.
أغمضت عيناها، مستمعة بلذة كلماته، ورفعت يديها محاوطة عنقه، قائلة بهيام:
- وانت كمان حبيبي يا داغر، بس ده ميمنعش شوية اختلاط مع كل اللي قلت عليهم دول، ولاد عمي برضو، وكمان عايشين في بيت واحد.
اسودت عيناه، وزجر بشراسة:
- قولتلك لا يا وجد، مفيش اختلاط، عايزة تختلطي يبقى تختلطي مع ستات البيت وبيا، غير كده ممنوع، انتي سامعة.
تنهدت براحة، سعيدة بكلماته وتحكمه ورجولته الطاغية، وقالت بهدوء:
- ماشي يا داغر، اللي تشوفه.
***
وقفت السيارة أمام البناية التي تقطن بها، بعدما انتهى اجتماعهم الذي لم يخلو من نظراتهم المتبادلة، والتي لم يفهمها سواهم، فتنهدت هديل، وما كادت أن تترجل من السيارة، فأوقفتها يد عدى التي منعتها من النزول.
فالتفتت ترمقه بنظرات متسائلة، فقال بابتسامة ذات مغزى:
- مش هتعزميني على فنجان قهوة، أو حتى كوباية عصير؟ مكنتش أعرف إنك بخيلة يا هديل.
ابتسمت له، وهي تنظر لساعة معصمها، هاتفة بهدوء:
- مش بخيلة ولا حاجة يا مستر عدى، بس أنت مش شايف إن الوقت اتأخر شوية، وكده المدام ممكن تقلق.
صدحت صوت ضحكاته، وقال من بين ضحكاته:
- لا، المدام زمانها في سابع نومة، عشان بكرة ورانا مشوار، وأكيد نامت دلوقتي، وحتى لو منمتش، ميهمنيش، أنا مبحبش حد يسألني بروح فين وبآجي منين.
ابتسمت له بإعجاب، مغمغمة، وهي تترجل من السيارة:
- إذا كان كده، يبقى معنديش مانع أعزمك على حاجة، يلا بينا.
شعر بسعادة تعتريه، وترجل من سيارته، وسار برفقتها، دالفًا إلى البناية، مقسمًا بينه وبين نفسه بأن يجعلها ملكه اليوم.
رواية طغيان قلب الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم فاطمة محمد
سطعت الشمس و سطع نورها الذي ينير الأجواء، وتسرب ليقتحم تلك الغرفة مسلطًا ضوءها على عينيها. فتحت عينيها بتثاقل تنظر بجوارها، فوجدت الفراش فارغًا. جالت بعينيها الغرفة فلم تره أو تلمحه. كادت أن تعود وتستكمل نومها مرة أخرى، ولكنها وجدته يدلف إلى الغرفة وبيديه منشفة يجفف بها خصلاته. فاعتدلت قليلاً متمتمة بابتسامة.
- صباح الخير.
لاحت ابتسامة لعوبة على جانب وجهه وأجابها بهدوء.
- صباح النور يا جميل.
- صاحي من بدري؟
وقف عدي أمام المرآة ينظر لصورتها بالمرآة والتقط ساعة معصمه ينظر بالوقت، فوجدها تخطت السابعة صباحًا.
- من نص ساعة بس.
اتسعت ابتسامتها ودفعت رأسها على الوسادة وهمهمت بهدوء لا يخلو من نبرتها المدللة.
- عدي أنا مش قادرة أقوم وعايزة أكمل نوم، اديني إجازة النهارده.
التفت ينظر لها بنظرة متفحصة، منتشلًا قميصه من على الفراش مرتديًا إياه.
- وما له؟ خدي إجازة النهارده، مش هقولك لأ.
اتسعت ابتسامتها ونهضت من على الفراش بلهفة وهي تسير على ركبتيها مقتربة منه، مقبلة إياه قبلة سريعة على شفتيه.
- حبيبي ربنا يخليك ليا.
حاوطها بذراعيه مقتربًا منها أكثر وأكثر وقال بمكر.
- إيه ده؟ هي دي بس؟
داعبت أزرار قميصه وتمتمت.
- تعالالي انت بليل بس وأنا هروق عليك، قلت إيه!
أومأ لها برأسه محررًا إياها.
- وأنا موافق وجدًا كمان.
**********
جالسة على الفراش وهي على أتم استعداد، تطلع أمامها بغضب تفرك يديها ببعضها البعض، تهز قدميها بقوة مخمنة سبب غيابه عن المنزل. فهي على يقين تام بأنه قضى ليلته داخل أحضان أحدهم. فكم تملكها الغضب بتلك اللحظة وشعرت بمشاعر سوداء تكاد تظلم الدنيا من حولها.
فمن يكون هو حتى يتجرأ على خيانتها بذلك الشكل المهين؟ متذكرة تلك الأيام والليالي التي ظل بها يجري خلفها يتلهف لنظرة من عينيها. والأسوأ عدم رغبته في الإنجاب منها.
و بتلك اللحظة تحديدًا تأكدت بأنه شخص هوائي لا يحب سوى نفسه، فكلما رأى فتاة يسعى خلفها، متناسيًا من وعدها بالعشق والحب الأبدي.
نهضت من على الفراش واقتربت من الشرفة وهي توعد له، فلن تسمح له بأن يكرر معها ما فعله مع زوجته السابقة. فهي لن تكون كحورية وستسعى لتشفي غليلها. وذلك سيحدث اليوم وسترغب برؤية ألمه على غياب أطفاله.
ولج إلى الغرفة فاستمعت لصوت الباب وهو يغلق، فتجاهلت وجوده. فأقترب منها وصاح بلهجة باردة.
- جاهزة؟
التفتت تنظر له بعدما أخفت غضبها وحل محله حزن وألم، فأومأت له بخفة متمتمة بخفوت شديد.
- جاهزة يا عدي، جاهزة.
**********
فتحت جفونها بتثاقل ورفعت رأسها تطلع لذاك الذي يحاصرها بذراعيه. فاخفضت رأسها مرة أخرى وابتسامة ترتسم على محياها، وأحداث أمس تتدفق برأسها، وغيرته عليها التي أشعرتها بأنوثتها. لمست يديه ورفعت كفه تجاه فمها مقبلة إياه بحنان وهدوء شديد حتى لا يوقظه من نومه.
رفعت رأسها مرة أخرى تريد أن تملأ عينيها منه ومن ملامحه العاشقة لها منذ أن رأته، راغبة بلمس تلك اللحية التي تزين وجهه وتزيد من وسامته.
شهقت بصدمة عندما وجدتـه مستيقظًا ينظر لها بعينيه المزينة ببريق مشاعره.
ازدردت ريقها وقالت بخفوت.
- انت صاحي من امتى؟
اقترب من رأسها وقبلها بنهم على جبينها متمتمًا بصوت حنون دافئ كمشاعره.
- من بدري... من قبل ما انتي ما تصحي... بتأمل ملامحك... أنا مش عارفة أشبع منك يا وجد... حاسس إني مش عايز أقوم من جنبك... عايز أفضل جنبك... مش عايزك تبعدي عني ولو ثانية... امبارح رجعت بدري عشان أقعد شوية معاكي ولما شوفتك واقفة مع رائف مش عارف إيه اللي حصلي... أنا واثق فيه بس بغير عليكي يا وجد.
استمعت لحديثه بشغف ولمعت الدموع بعينيها، فرفعت يديها محاوطة وجهه، وأنفاسه اللاهبة تصفع أعلى وجهها. أسندت جبينها على جبينه مغمغمة بحب صادق.
- أنا مش مصدقة لحد دلوقتي إننا بقينا سوا، أنا حاسة إني بحلم يا داغر، حاسة إني في حلم جميل مش عايزة أصحى منه.
قاطعها قائلاً بهمس.
- مش حلم يا وجد، دي حقيقة وإحنا فعلاً مع بعض.
أنهى كلماته وهو ينحني تجاه شفتيها ملتهمًا إياهم، ينهل منها ما تمناه وتاق إليه كثيرًا.
*********
- ندى... ندى.
صدح صوتها وهي تنادي باسم أختها الصغيرة.
- يا ندى تعالي خرجي معايا الفطار، أنا عايزة أنزل عشان عايزة أشوف زين وزياد وأتكلم مع جدهم، هو اللي ممكن يقدر على عدي ويقنعه ويخلي الولاد معايا.
دَلفت ندى إلى المطبخ مستجيبة لها.
- تصدقي صح؟ أكيد عمو سلامة اللي هيقدر يقنع عدي، إزاي مكلمتيش معاه لدلوقتي؟
زفرت حورية وهمهمت وهي تخرج خارج المطبخ حاملة إحدى الأطباق بيديها.
- مكنتش حابة أدخل حد، بس عدي زودها أوي وأنا عايزة ولادي يبقوا في حضني أنا، مش مرتاحة وهما بعاد عني، أنا محدش حاسس بيا، أنا يمكن بتكلم وباينة إني عادي، بس أنا جوايا نار وهما بعاد كده، أنا قلبي بيوجعني من بعدهم.
أنهت كلماتها وهي تضع الطبق على الطاولة ملتفتة تجاه شقيقتها.
- ندى أنا هروح دلوقتي أقابله، أنا مش قادرة أستنى.
- طب استني أجي معاكي.
أجابتها برفض قاطع وهي تفتح باب المنزل حتى تغادر.
- لا، هروح لوحدي.
شهقت بخوف عندما وجدته أمامها ويديه معلقة، فكاد أن يطرق الباب بتلك اللحظة التي فتحت بها باب المنزل.
- هتروحي لوحدك فين بالظبط؟
تنفست الصعداء مغمغمة وهي تمر بجواره، مغلقة الباب من خلفها، بوجه ندى التي كانت تراقبهم بنظراتها.
- ملكش دعوة يا عمر.
قبض على ذراعيها مانعًا إياها من استكمال سيرها ونزولها من أعلى الدرج.
- هو إيه اللي مليش دعوة؟ أنا لما أسألك تجاوبي، أنا خايف عليكي!
تشتت تفكيرها من كلماته وما يفعله معها واهتمامه بها الزائد عن حده.
فدفعته بعيدًا عنها وعينيها تجول من حولها تتأكد من خلو الطابق وتمتمت بخفوت خافت.
- انت عايز مني إيه؟ بتدخل في حياتي ليه بالطريقة دي؟
رفع يديه ومسح وجهه وقال بغموض.
- انتي لسه مفهمتيش أنا بعمل معاكي كده ليه؟ ولا انتي فاهمة وبتستعبطي يا حورية؟
كزت على أسنانها وهمهمت.
- أنا بستعبط، ولا انت... انت عارف إني مطلقة وعندي ولاد و...
قاطعت كلماتها وكان صدرها يعلو ويهبط بقوة.
انزلقت نظراته إلى صدرها الذي يرتفع وينخفض بسرعة شديدة، فقال.
- اهدى يا حورية، أنا معملتش حاجة لكل اللي انتي عملاه ده، أنا مش عايز أتسلى ولا عايز أضيع وقت، أنا ناضج كفاية عشان أبقى عارف عايز إيه ومش عايز إيه، وأنا عايزك يا حورية وبحبك، فاهمة يعني إيه بحبك... يعني عايز أقضي بقية عمري معاكي... عايزك تبقي مراتي حلالي يا حورية... انتي مغبتيش عن بالي من يوم ما شوفتك أنا.
قاطعته وهي تشعر بأن قدميها بالكاد تحملها.
- متكملش يا عمر، متكملش، أرجوك، أنا مش حابة أسمع أي حاجة منك، وهعتبر نفسي مسمعتكش، ويا ريت تبعد عني، أرجوك.
تشنجت عضلاته وارتعش صدغه وهو يجيبها من بين أسنانه وعينيه تفضح أمره.
- مقدرش يا حورية، مقدرش، أنا مش بعد ما لقيتك عايزاني أسيبك، أنا آسف يا حورية، بس أنا مش هبعد.
احتدت عيناها وقالت بقسوة.
- يبقى أنا اللي هبعد يا عمر، أنا اللي هبعد، وبطل تيجي ورايا في كل حتة، متحسسنيش إنك حارسني، انت كنت بتخنقني، انت سامع؟
تحركت من أمامه سريعًا، فأخذ نفسًا طويلاً مغمضًا عينيه، يعاهد نفسه ألا يستسلم أبدًا.
صدح رنين هاتفه، فأخرجه مجيبًا عليه بعدما وجده شقيقه.
- أيوه يا إيهاب.
- انت فين يا عمر؟ إحنا وصلنا وانت مش موجود، معقول كده.
تنهد عمر ورسم ابتسامة بسيطة متمتمًا.
- لا مينفعش طبعًا، أنا جاي يا إيهاب.
**********
جالس بجوار والدته النائمة والتي ارتفعت حرارتها ليلة أمس، وجلب لها الطبيب الذي وصف لها دواءً، فظل طوال الليل بجوارها والقلق ينهش قلبه، يخاف عليها... يخاف أن يفقدها... وبشدة، فمهما كانت أفعالها وأسلوبها، تظل والدته التي يحبها رغم عنه.
التقط مقياس الحرارة وقاس لها الحرارة، فوجدها قد انخفضت، فتنهد براحة ورفع يديه يمسح على خصلاته غير المهندمة وعينيه لا تفارقها.
اقترب منها ومسك يديها مقبلًا إياها بحنان ونهض بجوارها حتى يأخذ حمامًا دافئًا.
وبعد مرور بعض الوقت خرج من الحمام واتجه تجاه غرفته وهو يبحث عن هاتفه.
كاد أن يمسكه فوجده لا يتوقف عن الرنين، فأجاب على شقيقته التي صاحت بأذنيه والقلق الممزوج بغضب يغلف صوتها.
- انت بتستعبط يا إسلام؟ أنا بكلمك من امبارح مش بترد ليه؟ أنا قلقت عليك، وبعدين على أساس هتيجي عشان تشوف وجد.
- اهدى يا آلاء، أنا معرفتش أجي امبارح، ماما كانت تعبانة جدًا ومقدرتش أخرج وأسيبها وفضلت قاعد جنبها، ومجاش في دماغي خالص إني أكلمك، أنا آسف إني خليتك قلقتي عليا.
دق قلبها بعنف حتى ظنت بأنه سينفجر قائلة بصوت متقطع.
- مالها؟ تعبانة؟ عندها إيه؟
- حرارتها علت مرة واحدة امبارح، جبتلها دكتور، قالي دور برد شديد وكتبلها على أدوية، جبتهالها وفين وفين على ما نزلت حرارتها.
- طب هي أحسن دلوقتي؟
تنهد براحة.
- آه الحمدلله، أحسن كتير.
صمتت قليلًا وقالت دون أي مقدمات.
- إسلام أنا جايلكم عشان أطمن عليها وأقعد معاها شوية.
اتسعت ابتسامة إسلام وقالت بحنان.
- آلاء متضغطيش على.
قاطعته قائلة.
- متقلقش عليا يا إسلام، يلا مسافة الطريق وأكون عندك.
*********
جالسة على مضض تشعر بنظرات الجميع المصوبة تجاهها، تلعن نفسها لاستماعها لحديثه وموافقتها على تناول الإفطار مع العائلة.
فصاح سلامة محاولًا تغيير ذلك الجو الذي سيطر عليه التوتر.
- مبتأكليش ليه يا بنت أخويا؟ ولا أقول يا مرات ابني؟
رمقت وجد داغر بنظرة سريعة وأجابت عمها بابتسامة مكلفة.
- أي حاجة يا عمي، اللي تحبه.
ابتسم لها سلامة، فابتلعت ريقها ونهضت عن الطاولة، فسألها داغر بلهفة.
- رايحة فين يا وجد؟ انتي مكلتيش حاجة.
رمقت الجميع بنظرة سريعة وقالت باقتضاب.
- هطلع أجيب ولاد حورية وأطلع في الجنينة شوية.
أومأ لها داغر، فأرتسمت ابتسامة جانبية على وجهه. رائف الصامت عندما رأى اقتراب الخادمة وبيديها تلك الباقة وتلك العلبة المحتواة على أفخم أنواع الشوكولاتة.
- وجد هانم، الورد والعلبة دي جايين لحضرتك.
ابتلعت وجد ريقها بتوتر وهي تأخذ منها كل من الورد والعلبة، فداغر على وشك أن يكشف ذلك الأمر الذي أخفته عنه.
نهض داغر من مكانه والتقط ذلك الورد بملامح متهجمة، فمن ذلك الذي يرسل ورد لزوجته؟
أخرج ذلك الكارت وسريعًا ما قرمشه داخل قبضته عندما قرأ محتواه الذي لم يختلف عن سابقه، فرمق الخادمة وسألها بعينين مشتعلتين ونار جحيمية بثت الرعب بقلبها.
- مين اللي بعت الورد والعلبة دي؟
انتفضت الخادمة وأجابته بصدق.
- مش عارفة والله، ده واحد سلمهولي وقال لي إنهم لوجد الهلالي.
انتشل تلك العلبة من يديها واتجه تجاه النافذة تحت مراقبة الجميع، وقامت بدفعهم من النافذة صارخًا بالبواب الذي وصل إليه صوته الغاضب الجهوري.
- بعد كده أي حاجة تيجي لوجد تعدي عليا الأول، انت فاهم؟
أنهى كلماته وهو يدلف من الشرفة ويحاول تهدئة روعه، يتطلع لوجد المتوترة بنظرات مخيفة تراها لأول مرة.
رأت آلاء التي كانت تهبط درجات الدرج صراخه ذلك، فرمقت رائف بنظرات مشتعلة، فانتبه رائف إليها، فظل يرمقها وابتسامة جانبية على محياه.
ظل يطلعون ببعضهم ثوانٍ وعينيهم لا تنزاح، فكانت نظراتها تعبر عن غضبها، أما نظراته فلم تستطع تمييزها، أهي تحدٍ، عناد، أم حزن؟
غادرت بصمت من أمامهم مفضلة عدم التدخل بالوقت الحالي، فلحق بها رائف للخارج ونادى عليها.
- آلاء... آلاء.
توقفت آلاء عن الحركة أمام باب المنزل والتفتت تنظر إليه بحركة سريعة قائلة بغضب.
- ورحمة أمي يا رائف، وحياة أمي لو موقفتش اللي بتعمله ده لهقول لوجد وداغر، والعيلة كلها ويشوفوا حركاتك السخيفة دي.
تجاهل تهديدها المباشر وصاح ببرود متأملًا ثورة غضبها.
- انتي رايحة فين؟
أجابته بتلقائية وهي تغادر من أمامه.
- وانت مالك؟ خليك في حالك.
كادت أن تخطو خطوة واحدة فوجدته يتحرك سريعًا ويقف أمامها مباشرة عائقًا حركاتها مغمغمًا.
- بقولك رايحة فين!
أجابته بأنفاس تخرج متهدجة أثر غضبها واقترابه ذلك.
- أظن إني جاوبتك، ولا انت ما بتسمعش.
بلل شفتيه وقال وهو يتحرك أمامها.
- طب يلا عشان هوصلك وفي الطريق هتقوليلي رايحة فين!
ظلت تطلع له بصدمة لا تستوعب أفعاله الغريبة بالنسبة لها، فتجاهلته محركة رأسها نافضة حديثه وضاربة إياه عرض الحائط.
فوجدته يقبض بشدة على معصمها معتصرًا إياه وجذبها معه وأجبرها على صعود السيارة مغلقًا الباب من خلفها.
صعد بجوارها وأدار السيارة ونظر لها قائلاً.
- قولتيلي بقى رايحة فين؟
رمقته بغيظ وتأففت قائلة.
- أوووف بقى.
*********
بسيارة عدي.
كان يرمقها بنظراته من حين لآخر أثر بكائها ونحيبها الذي لا يتوقف، فضرب مقود السيارة بيديه صارخًا بها.
- ما تسكتي بقى؟ انتي مش هتبطلي عياط؟ متفكريش إنك هتعرفي تأثري عليا بدموعك دي، أنا محدش يعرف يأثر عليا، وبعدين انتي عايزاه أوي كده ليه؟
استدارت نحوه تحدق به بترجٍ.
- عدي عشان خاطري أنا مش عايزة أنزله، وبعدين العمليات دي بتبقى خطر، انت كده بتضحي بيا، انت إزاي عايز تعمل فيا كده؟ انت مفيش في قلبك رحمة يا عدي؟ بقولك نفسي في الولد. أنا طول عمري عايشة لوحدي، الولد ده هيغير حياتي وهيغيرني، بلاش تعمل فيا كده أرجوك.
ابتسم بسخرية.
- هو أنا مش لسه قايلك إن محدش بيعرف يأثر فيا يا مي؟ منكرش إني بحبك و...
قاطعته مرددة كلماته بسخرية وهي تشير تجاه نفسها.
- بتحبني؟ انت كده بتحبني؟ هو ده الحب بالنسبالك يا عدي؟
عايز تموت ابننا و بتعرض حياتى للخطر و بتخونى و تقولى بتحبنى
حدق بها بغموض فاكملت
-انت شايفنى عبيطة يا عدى أنا عارفة كويس أوي انت لسه مرجعتش البيت امبارح. مع الأسف كنت فكراك بتحبني بس انت طلعت مبتحبش غير نفسك و بس يا عدى.
صدح رنين هاتفه فوجده داغر فأجاب عليه قائلاً:
-أيوه يا داغر.
-عدي زياد و زين اتخطفوا و متسألنيش إزاي أنا كلمت البوليس انت فين !!!!!!!
أوقف السيارة بسرعة الفهد مغمغم بصدمة و خوف حقيقي:
-انت بتقول إيه يا داغر !!!!!!
رواية طغيان قلب الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم فاطمة محمد
ولج مهرولاً داخل المنزل، ومي خلفه تحاول اللحاق به. أقترب من داغر الذي يلوح على وجهه القلق والخوف على أبناء شقيقه. فصرخ عدّي بعدما التقطت عيناه شقيقه الذي اقترب منه محاولاً أن يواسيه ويهدأ من روعه.
فصرخ عدّي مستفسراً عما حدث، ودقاته تدق بعنف، غير منتبهٍ لبكاء تلك الجالسة بجوار وجد، تبكي بحسرة وشهقات مكتومة، لا تستطيع منعهم منذ أن خطت قدميها إلى هنا لمقابلة سلامة وتفاجأت باختفاء أطفالها.
"ولادي فين يا داغر؟ إيه اللي حصل؟ أنا عايز أفهم!!!"
رفع داغر يديه يربت على كتفه، متحدثاً بنبرة أراد بها أن يطمئنه.
"متقلقش يا عدّي، إن شاء الله هيرجعوا وبخير، وخليك واثق من ده."
نهضت حورية بعنف، مقتربة منه، وتنفّسها الهائج يعم الأرجاء، ولون وجهها أصبح باهتاً كمن يوشك على الإغماء.
"ولادك!!! بقى بالذمة مش مكسوف من نفسك؟ أنا مش طايقة أبص في وشك، مش طايقة أشوفك قدامي. أنت السبب، ولادي لو كانوا معايا مكنش حصل اللي حصل. ورحمة أبويا يا عدّي لو ولادي جرالهم حاجة، عمري ما هسامحك. عمرررري."
صرخ بها عدّي بعدما احمر وجهه من شدة الانفعال واسودت عيناه، وضم قبضته بغضب، صارخاً بها على مرأى من الجميع.
"أنتِ تخرسي خالص، أصلّي أنتِ السبب في كل ده. لو كنتِ أم عدلة كنتِ فضلتِ جنبهم، مكنتيش فضلتِ نفسك، بس إزاي؟ لازم تثبتيلي إن كرامتك فوق أي شيء."
وقف داغر بينهم، مبعداً عدّي عنها بعض الشيء، قائلاً.
"عدّي، حورية، مينفعش اللي بتعملوه ده، ده أصلاً مش وقته خالص."
رفعت مي يديها تربت على كتفه، مؤيدة حديث داغر.
"داغر معاه حق يا عدّي، وبعدين أنت لازم تهدأ وتهدي أعصابك شوية، وإن شاء الله هيرجعوا بيتهم ولحضننا من تاني."
حدقت بها حورية بعينيها الدامعة لعدة ثوانٍ، وهناك شعور قوي يعتريها مخبراً إياها بأن من أمامها سبباً لما حدث، فمن غيرها سيكون وراء اختفاء أولادها. فمن المؤكد بأنها تريد التخلص منهم، متذكرة مؤامرتها مع أمير لتفرق بينها وبين عدّي.
أومأت برأسها عدة مرات، وهي تقترب منها، وبحركة مفاجئة جذبتها من خصلاتها، تصب جام غضبها فيما تفعله.
"أنتِ اللي ورا خطفهم صح... ولادي فين؟ انطقي!"
تأوهت مي بألم، ورفعت يديها محاولة تخليص خصلاتها من قبضتها، هاتفة.
"آه آه شعري يا مجنونة انتي!"
اقتربت كل من وجد وهدى، محاولين تخليص مي من قبضة حورية، أما سعاد فظلت مكانها ودموعها تنهمر خوفاً من أن يحدث مكروه لأحفادها، فقلبها يخبرها بأن هناك كارثة سوف تحدث لهم.
زفر عدّي وجذب يد حورية، وقام بدفعها بقوة لتبتعد عن زوجته، مزمجراً فيها بشراسة، قائلاً.
"بس بقى، انتِ الظاهر عليكي اتجننتي."
رمقته وجد بغضب، وكذلك داغر الذي دهش من تصرف أخيه الفظ، فمنذ متى وهو يتصرف بذلك الأسلوب الوحشي.
أما حورية فلم تندهش كثيراً، فهي أصبحت تتوقع منه الأسوأ، ولكن ما زاد غضبها هي تلك الابتسامة الشامتة التي ارتسمت على وجه مي، فارتسم الحنق على وجهها، وصرخت بها وهي تقترب منها مرة أخرى.
"ولادي فين؟ اتكلمي!"
أغمض عدّي عينيه وصرخ.
"داغر خليها تمشي من هنا، أنا مش ناقص."
"أمشي!!!"
انت اهبل ولا جرا في عقلك حاجة دول ولادي فاهم يعني ايه ولادي أنا اللي شلتهم في بطني أنا اللي كنت مستنياهم بفارغ الصبر أنا اللي تعبت في حملهم وكنت بقعد أتكلم معاهم أنا اللي بفضلهم على نفسي مش العكس
أنهت كلماتها وهي تسدد له الضربات على صدره.
كز على أسنانه وقبض على يديها التي تسدد له اللكمات معتصرًا إياهم بين قبضته قائلًا بين أسنانه:
- كفاية كفاية بقولك.
ابتسمت بوجع وانتشلت يديها من قبضته قائلة:
- طب اسمع بقى يا أستاذ عدي المفاجأة اللي عندي ليك. شايف الحلوة اللي أنت اتجوزتها دي متسلطة عليك وعارف من مين؟ من أمير. فاكرة ولا مش فاكرة؟
ضيق عينيه متذكرًا ذاك الأمير الذي لطالما كان غريمًا له محاولًا الحصول على حورية.
فأسترسلت أكمال حديثها مغمغمة:
- سلطها عليك عشان يكرهني فيك وبصراحة أحسن حاجة عاملها عشان أعرفك على حقيقتك. رغم كل اللي عملته معايا ومعاملتك اللي زي الزفت بس مكنتش عارفة أكرهك، بس بعد ما عرفت حقيقتك وعرفتي قد إيه عينك زايغة ومعندكش لا عزيز ولا غالي كرهتك يا عدي. كرهتك من كل قلبي. وولادي لما يرجعوا إن شاء الله أنا مش هسيبهم تاني، ولادي مش هيفارقوا حضني. وأنت شوف بقى هتعمل إيه مع الهانم دي، هتكمل معاها ولا هتشوف واحدة غيرها أحلى وأغنى وتعرف تظهر بيها قدام الناس...
اتسعت عين مي وسيطر الزعر عليها وقالت بنبرة منفعلة:
- أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ وأمير مين ده؟ أنا معرفش واحد اسمه أمير.
ألتفت عدي ورمقها بنظرة بثت الرعب بداخلها فازدردت ريقها بخوف. فعاد يحدق بحورية مرة أخرى وصاح وهو يخرج هاتفه متجاهلًا حديث حورية عن مي:
- أنا أعرف واحد هيقدر يخدمني. هكلمه وأشوف هيعمل إيه. أنا ولادي لازم يباتوا في حضني الليلة دي.
تنهدت مي براحة. فحركت حورية رأسها وابتسامة سخرية ترتسم على محياها فهمست وجد:
- مفيش فايدة، ديل الكلب عمره ما هيتعدل.
أجرى عدي تلك المكالمة وبعدما أغلق مع صديقه نظر تجاه داغر متمتمًا وهو يجلس على الأريكة بإنهاك بجوار مي، التي ترمق حورية المتألمة بغل ممزوج بسعادة:
- أنت مقلتليش ولادي اتخطفوا إزاي يا داغر؟
أجابه داغر على مضض:
- كانوا في الجنينة مع وجد وسابتهم يلعبوا ودخلت تجبلهم فطار عشان تفطرهم. رجعت ملقتهمش.
عض على شفتيه ورفع حاجبيه وظهرت بسمة على جانب وجهه لاحظتها وجد فقط. بيت جبينها قائلة:
- أنت بتضحك على إيه؟ هو قال حاجة تضحك؟
رفع عدي عينيه ينظر لها قائلًا بتهكم وهو يشير تجاه وجد وحورية:
- لا مقالش حاجة تضحك، بس عارفة يا وجد لو عرفت إن ده ملعوب منكم أنتم الاتنين هعمل فيكم إيه.
ضرب داغر على الطاولة بيديه بعدما نفذ صبره مما يفعله شقيقه وتهديده الصريح تجاه زوجته وحورية:
- عدي كلمة كمان وهنسى اللي أنت فيه. وجد وحورية ميعملوش كده، أنت فاهم.
فصاحت هدى التي تربت على يد سعاد محاولة أن تواسيها بذلك الظرف الذي تتمنى أن لا توضع به:
- خلاص يا ولاد بقى، مش وقته الكلام ده.
*************
خرج من أحضان أخيه بعدما رحب به ترحيبًا حارًا فغمغم بابتسامة وعيون يشوبها بعض الحزن لما سمعه من كلمات لاذعة خرجت من فوه من عشقها وذاب بها:
- والله وليك وحشة يا إيهاب. أخبارك إيه؟
ابتسم له إيهاب وقال بنظرات متفحصة بعدما اتجه باتجاه الأريكة وجلسا عليها حتى يتسامرون يقصون همومهم لبعضهم البعض، فلطالما اعتبره عمر والده وليس شقيقه وذلك لفارق السن بينهم والذي يتخطى خمسة عشر عامًا:
- مالك يا عمر؟ إيه الحزن اللي أنا شايفه ده؟ أحكيلي في إيه... من امتى وأنت كده؟
تنهد عمر طويلًا وساد صمت ثقيل، ربما أطول مما ينبغي، ينظر أمامه شاردًا في اللاشيء.
ربت إيهاب على كتفيه مشجعًا إياه على الحديث وإخراج ما بداخله من هموم تلوح على وجهه:
- اتكلم يا عمر، أنا سامعك.
أغمض عمر عينيه بضعة ثوانٍ بعدما خارت قواه وصاح:
- أخويا طب ووقع على بوزه يا إيهاب.
لاحت ابتسامة على وجه إيهاب وقال بهدوء:
- طب وأنت زعلان عشان طبيت ولا في حاجة تانية؟
حدق به عمر وزفر بقوة متمتمًا:
- عايزاني أبعد عنها يا إيهاب، مش عايزة تدي علاقتنا فرصة. أنا بحبها وهفضل أحبها. أنا شوفت وقابلت كتير بس عمر ما قلبي دق لواحدة فيهم، ومش بعد ما حصل وحبها وعشقها عايزها تبعد بسهولة كده. أنا مستعد أعمل أي حاجة بس هي توافق.
قاطعه إيهاب بفضول:
- طب اتكلمت معاها؟ عرفت إيه سبب رفضها؟
أماء له برأسه ناظرًا أمامه بعينين خاليتين من الحياة:
- أنا عارف يا إيهاب، عارف من غير ما أسألها. وعارف إنها بتعمل كده عشان ولادها. وده أكتر...
قاطعه إيهاب بإشارة من يديه وغمغم بتساؤل:
- لحظة، هي متجوزة؟!
- لا طبعًا. مطلقة يا إيهاب، بس ده ميعيبهاش ولا يعيب أي واحدة.
أماء له إيهاب بتفهم وقال بتأييد لحديثه:
- أكيد يا عمر. ومدام أنت بتحبها يبقى خليك وراها ومتستسلمش وحارب عشان حبك.
أطلق شهيقًا متمتمًا بإصرار:
- هيحصل يا إيهاب، هيحصل. أنا بحبها ومش هستسلم ومستعد أحارب وأعافر لحد ما تبقى مراتي وحبيبتي.
**********
فتح إسلام باب المنزل فوجد آلاء أمامه وبرفقتها رائف فأبتسم ببشاشة وقال:
- يا هلا يا هلا. آلاء ورائف الاتنين جايين يزوروني.
كزت آلاء على أسنانها ودلفت المنزل جاذبة إسلام من ذراعيه مغمغمة بخفوت وصل لمسامع رائف:
- خليه يمشي. أنا مش طايقة أشوفه وقولتله الكلام ده وبرضو مصمم ولازق فيا يا إسلام.
ولج رائف المنزل وأغلق الباب من خلفه واقترب منهم منحنيًا براسه بعض الشيء يستمع لحديثهم الخافت:
- انتوا بتقولوا إيه؟
أبتسمت شفتاها دون عيناها مغمغمة:
- أنت لسه هنا؟ إيه ناوي تبات ولا إيه؟ مش خلاص وصلتني، اتفضل بقى، طرقنا.
حك أنفه وتقدم داخل المنزل تحت أنظار آلاء الغاضبة المشتعلة وإسلام الذي يكتم ابتسامته على أفعالهم الطفولية:
جلس على الأريكة ومط جسده وهو يحرك منكبه العريض يتثاءب:
- إسلام اعملي فنجان قهوة وحياة أبوك يا شيخ، وأنتِ يا آلاء ادخلي شوفي طنط فاتن.
اقتربت منه آلاء وصاحت بانزعاج:
- قهوة إيه وبتاع إيه؟ أنت تقوم تمشي. أنا واحدة عايزة تقعد مع أخوها شوية.
تنهد وقال ببرود:
- وأنا واحد وعايز أقعد مع ابن عمه. يعني مش لوحدك.
زفر إسلام وقال بجدية مصطنعة:
- ما خلاص بقى، صلوا على النبي. أومال أنا هدخل أعمل قهوة، وأنتِ خشي شوفي ماما يا آلاء، أنا متأكد إنها هتفرح أوي لما تشوفك.
هدأت من روعها وأردفت بنبرة خرجت حادة دون إرادتها:
- يا إسلام افهم، أنا مش طايقة أشوفه. أنت متعرفش عمل إيه.
قطب إسلام جبينه وقال بتساؤل وهو يرمق كلاهما بنظراته:
- عمل إيه يا آلاء؟
ابتلعت ريقها واستدارت تنظر لها بضيق، فأشار لها بيديه حتى تجيب على تساؤل شقيقها:
أخذت نفسًا طويلًا وزفرته على مهل، وأولته ظهرها قائلة بحيرة:
- في أنهي أوضة يا إسلام؟
أشار لها إسلام تجاه إحدى الغرف، فتحركت باتجاهها دالفت إياها، مغلقة الباب بهدوء بوجه من ظل يتابعها بنظراته، وما إن أغلقت الباب حتى انفجرت شفتاه عن ابتسامة هادئة.
**********
ظلا جالسين مكانهما ينتظرون أي خبر وتغمرهم حالة من الحزن الشديد، فما زال القلق والخوف هما اللذان يسيطران على الأجواء المتوترة التي لا تخلو من نظرات مي المختلسة تجاه حورية التي لا تنقطع دموعها.
فكم تراها حمقاء وساذجة لم تستطع إنقاذ زواجها، وترى نفسها ذات ذكاء خارق. فكيف أوقفته اليوم عما يريد فعله، وستجعل أطفاله يختفون عن الأنظار حتى ينتهي الوقت المحدد لإنزال الجنين، وبعدها ستجعل هؤلاء الرجال يتركون الأطفال، وبذلك ستضعه أمام الأمر الواقع.
صدح رنين هاتف عدي فالتقطه بلهفة من على الطاولة مجيبًا عليه:
- الو.
- اهلا عدي بيه.
- أنت مين؟
- محسوبك عبده. وأنا اللي خطفت ولادك، ولاد الحسب والنسب.
ابتلع عدي ريقه ونهض من مكانه، فنهضت حورية من مكانها واقفة بجواره ودموعها الحارة تسيل كما لم تسل من قبل:
- أنت عارف أنا ممكن أعمل فيك إيه؟ أنا ممكن أنسفك و...
قاطعه عبده مزمجرًا فيه بخشونة:
- أعصابك يا بيه وبلاش الدخلة دي. أنت رقبتك تحت إيدي وولادك عندي. عايزهم يبقى تدفع. أنا سمعت إنك متريش على الآخر. وبصراحة، خليت بالي من الاتفاق اللي كان بيني وبين اللي ليه مصلحة في خطف عيالك. فادفع لي أسلمهم لك.
كز عدي على أسنانه وغمغم:
- عايز كام؟
اتسعت ابتسامة عبده ورفع يديه يمسح على صدره أسفل قميصه:
- أنا مش هبقى طماع. أنا عايز 2 مليون. كل محروس فيهم بمليون. ومظنش إنه كتير، ولا إيه؟
- اديني وقت لحد الصبح أكون حضرت لك الفلوس.
أماء برأسه مغمغمًا بسعادة:
- وماله. استنى مني تليفون الصبح أقولك فيه على المكان. بس عشان تبقى عارف، أي حركة غدر هتقول على ولادك يا رحمن يا رحيم.
أغلق عدي الهاتف، فسريعًا ما صاحت حورية بلهفة:
- قولي، قالك إيه؟
- عايز اتنين مليون ويسيبهم.
تنهدت حورية ووضعت يدها على فمها وابتسامة بسيطة تلوح على وجهها، وكذلك الجميع الذين بدأ يتغلغل شعور طفيف من الراحة بداخلهم.
أما مي فأرتعدت من داخلها، وكانت حالتها لا توصف، جالسة بمكانها لا تصدق ما حدث وخيانته وبيعه لها بتلك الطريقة، فبفعله ذلك خرب لها مخططها. فأغمضت عينيها لوهلة تلعنه وتلعن أمير الذي اختفى ولا تعلم عنه شيئًا.
فازدردت ريقها ورفعت يديها تدلك مؤخرة عنقها تفكر بحل ما لتلك المعضلة.
**********
وقفت أمامه وهي تراه جالسًا أمام إحدى لوحاته وفرشاته الملطخة بالألوان القاتمة بين أصابعه، فعقدت يديها وقالت:
- أنت مبتردش عليا ليه؟ هو أنا مش اتصلت عليك كتير والمفروض تفهم إني عايزاك.
تجاهلها حسام وظل يتطلع بتلك الرسمة أمامه، ولكن لم يغب عن عينيها غضبه الجام الذي صبه بتلك اللوحة أمامه.
فتنهدت وتحركت بالمكان من حولها تراقب رسوماته، ولفت انتباهها تلك اللوحة الموضوعة بإحدى الزوايا ومغطاة بأكملها، فسارت ناحيتها ومدت يديها منتشلة ذلك الغطاء من عليها، فأزدادت خفقاتها عندما وجدتها لغريمتها والتي لا تزال تنافسها على قلب معشوقها.
فظلت تتأمل اللوحة، فأستدارت تنظر إليه وهي تغمغم بغيرة واضحة:
- أنا أحلى على فكرة.
رفع عينيه يتطلع لها، وسريعًا ما امتعضت ملامحه واشتعلت بنيران سوداء تبث الرعب بالقلوب.
تيبست ساقاها وهي تراه يقترب منها بخفة الفهد الذي يستعد للانقضاض على فريسته.
قبض على ذراعيها صارخًا بها وعينيه تطلق شرار:
- أطلعي برررررره! مش عايز أشوفك. أنتِ إيه معندكيش كرامة يا بت انتي؟ مش طايقاك، مش عايز أشوفك. لو آخر بني آدمة على وجه الأرض مش هحبك. أنتِ متحبيش، مفيش واحد يحب واحدة فيها مواصفاتك القذرة دي. أنتِ فاكرة إنك لما تبينلي قد إيه أنتِ جريئة أنا هشتغل بيكِ وهحبك؟ انسى واطلعي بقى من حياتي. مش عايز أشوفك.
بتلك اللحظة لم تستطع حبس دموعها وانهمرت على وجنتيها بشدة وشهقاتها تعلو رويدًا رويدًا، ورفعت يديها مزيلة دموعها ناظرة بعينيه التي لاح بها التأثر بدموعها وقالت من بين شهقاتها بشفتاه مرتجفة:
- بس أنا عايزة أشوفك. أنا بحبك يا حسام، مش هقدر أعيش من غيرك. أنا بنام وبصحى على صورتك. لو قدرت أطلعك من حياتي مش هقدر أطلعك من قلبي.
سيطر الأندهاش الممزوج بالصدمة على وجهه، وسريعًا ما التوى فمه بابتسامة ساخرة مستنكرة أفعالها قائلًا:
- مفيش فايدة فيكي برضو يا بنت الحلال. افهمي، أنا مش هقدر أبادلك مشاعرك. أنتِ جميلة وأي حد يتمناكِ يبقى ليه تعلقي نفسك بيا؟
اقتربت منه وبحركة تلقائية عفوية منها، مسكت يديه محاوطة إياها بتملك قائلة بحب:
- قولتلك عشان بحبك يا حسام. ومعنديش مانع أفضل مستنياك عمري كله. أنا مش عايزك تحبني بنفس الدرجة لأنك مش هتقدر توصل لدرجة حبي ليك. بس أنا عايزك تديني وتدي نفسك فرصة يا حسام.
زفر حسام وابتعد بضع خطوات شاعرًا بالغضب من نفسه، فكم لمس حديثها قلبه وهزت تلك اللمسة من يديها كيانه، فأراد الخضوع لها، يريد إعطاءها وإعطاء نفسه فرصة، ولكن لا يزال عشقه الوهمي لإنجي يمنعه من الاعتراف لنفسه بأنه ينجذب لتلك الفتاة.
فنظر لها وقال بما يخالف قلبه:
- أنا آسف، مش هقدر. مش هقدر.
لم تيأس ولم تمل، فماءت برأسها مستعدة للمغادرة:
- وأنا كمان آسفة يا حسام. أنا مش هستسلم.
**********
ظلت ترمقها بنظرات مدهوشة وإمارات التعب ظاهرة على وجهها شاحب اللون، فابتسمت لها آلاء بابتسامة بسيطة:
- مستغربة ليه إني هنا؟ أنتِ متوقعة إني ممكن أعرف إنك تعبانة ومأسألش فيكي؟ أنتِ متعرفيش أنا بحبك إزاي. ده أنتِ اللي مربياني.
رمشت فاتن بعينيها عدة مرات متتالية بعدما خفق قلبها بسبب حديثها، فل طالما كانت تعتبرها ابنتها مثلها مثل باسم وإسلام، رغم مكانة باسم بقلبها والتي تحظى بالنصيب الأكبر، ولولا ما حدث ما كانت ابتعدت عنها.
فغمغمت آلاء وهي ترفع يديها تتحسس جبينها:
- الحمد لله حرارتك نزلت. أنتِ حاسة نفسك أحسن دلوقتي؟
أماءت لها فاتن وسيطر عليها شعور قوي وهو رغبتها بضمها داخل أحضانها، فابتلعت ريقها متذكرة تلك الأيام التي اعتنت بها أثناء مرضها، فصاحت آلاء وكأنها تشعر بما يدور بخاطرها:
- فاكرة وأنا صغيرة لما كنت بتعب كنتي بتعملي معايا إيه؟ كنتي بتفضلي قاعدة جنبي ومبتسبنيش. إسلام أول ما قالي إنك تعبت مقدرتش مجيش وأشوفك.
فقالت فاتن بعتاب:
- لسه فاكرة تسألي عليا؟ ده أنتِ معملتيهاش من أربع سنين.
- أقتربت منها داخلة بأحضانها دافنة رأسها بصدرها:
- كنت تعبانة ومنهارة. مكنتش بخرج من أوضتي، بس من ساعة وجد ما رجعت وأنا اتحسنت.
اسودت عين فاتن ورددت اسم وجد متمتمة:
- وجد!!!
هى رجعت
رفعت آلاء عينيها تنظر لها وأومأت برأسها قائلة بصدق:
- ماما خلينا ننسى اللي فات، وجد ما أذتش باسم ولا أنا ولا أنتي، محدش فينا اتأذى، هو اللي أذى نفسه بنفسه، وهو دلوقتي ميجوزش عليه غير الرحمة.
تنهدت الأخرى بوجع، ولمعت الدموع بعينيها، فلطالما أنبها ضميرها، شاعرة بأنها كانت إحدى الأسباب الرئيسية لما وصل إليه باسم، فلو كانت أوقفته من البداية لما حدث ما حدث.
نظرت لآلاء التي ترمقها منتظرة إجابتها، وبداخلها شعور قوي يحسها على أن تتخلى عن حقدها وكرهها لتلك العائلة، فاسترسلت آلاء حديثها وقالت:
- طيب تعالي نعكس الأدوار، خلينا نتخيل إن اللي حصل لوجد حصلي أنا، وإني اتعرضت للاعتداء بالوحشية دي، كان هيبقى إيه موقفك يا ماما؟ أنا عارفة سبب كرهك لوجد، عارفة إنك مبتحبيهاش عشان بابا بيحب والدتها، بس ده مش ذنب وجد.
أومأت لها فاتن، ورفعت يديها تمسح على خصلاتها بحنان أمومي، فأغمضت آلاء عينيها وقبعت داخل أحضانها مرة أخرى.
طرق الباب وصاحب دخوله إسلام إلى الغرفة، فاتسعت ابتسامته وهو يرى شقيقته بأحضان والدته، فقال بمرح:
- إيه جيت في وقت غلط ولا حاجة؟
أشارت له فاتن حتى يقترب منها، وتأخذه بأحضانها هو الآخر، فاستجاب لها ابنها سريعاً، سعيداً بذاك التغير.
أطل رائف برأسه ووقف على باب الغرفة، سعيداً بما حدث، وتعلقّت عيناه على آلاء، التي ما إن فتحت عينيها حتى امتعضت ملامحها، وقالت بحنق:
- أنت لسه هنا؟
ابتسم لها وأجابها على مضض:
- لا، هناك.
خطى داخل الغرفة وقال:
- عاملة إيه دلوقتي يا طنط؟
أومأت له فاتن وقالت بهدوء:
- الحمد لله.
ابتسم لها وصاح:
- طيب، أنا وإسلام حضرنا أكل خفيف كده، هنحضر وناكل كلنا سوا.
**********
بتلك الغرفة التي يعمها الظلام الحالك، كان يتسطح على الأرضية الصلبة، ووجهه شاحب اللون، مليء بالكدمات، ويشعر بإنهاك وتعب لم يشعر به من قبل، وبدأ الرؤية أمامه غير واضحة، وكأنه سيفقد وعيه.
دلف عمر الغرفة بعدما فتح الباب، وخطى بخطوات هادئة، ودنى لمستواه، ومعالم القسوة والبرودة ترتسم على وجهه، وقال:
- ها يا أمير، لسه مصمم على اللي في دماغك؟
ابتلع أمير ريقه بصعوبة بسبب جفاف حلقه، وهمهم بضعف:
- لا يا عمر، خلاص مش هقرب ناحيتها تاني، أنا أصلًا معرفش حد بالاسم ده.
ابتسم عمر بإعجاب وقال:
- لا عجبتني، بس يارب تفضل على كلامك ده، ومتتغيرش لما أخرجك من هنا، بس نصيحة مني، بلاش اللعب معايا يا أمير، عشان أنا ممكن أرميك ورا الشمس.
حاول أمير النهوض، وبعد عدة محاولات نجح بذلك، وقال:
- صدقني مش هيتغير، وهبعد عنها، أنا أصلًا كنت ناوي أكسر عينها وأقضي معاها يومين وبعدين...
قبض على فكه بقبضته الفولاذية وتمتم من بين أسنانه:
- متكملش، يا روح أمك، وحورية مش هي اللي تتسلى بيها، وزي الشاطر كده، عايزك تسافر تبعد عن هنا خالص، مش عايز أشوفك.
أومأ له أمير باستسلام وقال:
- من غير ما تقول، أنا كنت هعمل كده، هسيب البلد بحالها.
ابتسم عمر بانتصار، ونهض من مكانه وخرج خارج الغرفة، وأمر رجاله بأن يتركوه.
**********
وفي صباح اليوم التالي.
وفي أحد البنايات المهجورة، كان عدى يقف بمواجهة عبده، فصاح عبده بابتسامة:
- أهلاً يا بيه، حضرت الفلوس.
أومأ له عدى وقال:
- استلم ولادي الأول، وبعدين تاخد فلوسك.
حك عبده دقنه وتمتم:
- وماله، ولا يا حمادة، هاتله العيال من جوة.
وسريعاً ما جلب الصبي الطفلين، وأقربهم بهما من معلمه.
فتنهد عدى، واقترب من سيارته، وفتح الباب الخلفي، وأخرج تلك الحقائب التي تحوي على الأموال المطلوبة.
فاستلم عدى أطفاله، الذين هللوا لرؤيته، ووضعهم بالخلف، وتأكد من سلامتهم.
استلم عبده الأموال، وما كاد أن يغادر حتى صاح عدى باسمه، فألتفت ينظر إليه بتساؤل، فصاح عدى:
- مين اللي أمرك تخطف ولادي؟
ابتسم عبده ابتسامة جانبية، وقال بخبث:
- المدام يا عدى بيه.
قطب جبينه وقال بغضب وهو يضم قبضته:
- حورية؟
نفى عبده برأسه وقال:
- معرفش واحدة اسمها حورية، بس أعرف مي، وكويس أوي، ده إحنا ولاد حتة واحدة.
رواية طغيان قلب الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم فاطمة محمد
اوقف السيارة بعدما رمق حورية بنظرة جانبية. فتحركت بلهفة تجاه السيارة راغبة بأن تضم صغارها داخل أحضانها.
ترجل من السيارة بذات الوقت التي فتحت به باب السيارة، حاملة أحدهم حاضنة إياه باشتياق شديد.
وسريعًا ما أخرجت ابنها الآخر وضمته داخل أحضانها، مستنشقة رائحته وعيناها تذرف الدموع، وعيناها تجول على جسدهم تتأكد من سلامتهم.
"حبايبى انتوا كويسين فيكو حاجة؟"
أجابها عدى مغمغمًا:
"متقلقيش كويسين."
أقتربت سعاد وسلامة من أحفادهم، وكذلك وجد.
أما داغر، فربت على كتف شقيقه مغمغمًا:
"حمدالله على سلامتهم."
أماء له عدى متمتمًا وعيناه تبحث عن مي:
"الله يسلمك، هى مي فين؟!"
"معرفش."
غادر عدى من أمامه ودلف المنزل، وأخذ يصعد السلالم الرخامية بسرعة وكأنه يتسابق مع درجاتها.
وصل أمام باب الغرفة، فقام بفتحه وخطى بقدميه داخل الغرفة. فوجدها تأتي ذهابًا وإيابًا، تفرك يديها ببعضهما البعض. وجهها شاحب كالأموات. فازدرقت ريقها عندما استمعت لصوت الباب والتفتت تحدق به، راسمًة بسمة مصطنعة لم تصل لعيناها، مغمغمة بتوتر ملحوظ:
"عدى، عملت ايه؟ طمنى الولاد رجعوا؟"
أغلق عدى الباب بهدوء شديد، وظل يقترب منه ببطء شديد جعل ضربات قلبها تتسارع. وهي ترى تلك النظرة غير المألوفة بعينيه، فظلت تتراجع للخلف بخوف وساقاها تتخبط ببعضهما. فخرج صوتها مبحوحًا قائلة:
"في ايه يا عدى؟ بتبصلي كده ليه؟"
وقعت على الفراش من خلفها. وفجأة وجدته ينقض عليها، ممسكًا إياها من خصلاتها، واليد الأخرى قبضت على فكها، متمتمًا أمام وجهها بنبرة مخيفة دبّت الرعب بقلبها جاعلة جسدها ينتفض. فقد تأكدت شكوكها، فمن المؤكد بأنه علم بكل شيء. لعنت غباءها، فكان عليها الهروب والاختفاء عن الأنظار، فهو لن يرحمها ولن يتهاون معها.
"بقى أنا تعملي معايا كده! ده انتي أمك داعية عليكي، ده أنا هوريكي أيام سودة، هخليكي تكرهي حياتك وتكرهي اللحظة اللي فكرتي فيها تلعبي معايا يا بنت***"
ارتجفت شفتاها وقالت بكلمات متقطعة:
"ا انت بتقول ايه يا عدى؟ أنا مش فاهمة حاجة."
جذب خصلاتها لأسفل فتأوهت بوجع، فهتف بوعيد:
"متقلقيش، أنا هخليكي تفهمي، وكويس أوي كمان. قومي معايا، قومي."
جذبها من خصلاتها، منفضًا إياها عن الفراش بعنف. فأرتعدت من داخلها وهي تراه يخرج بها من الغرفة.
"عدى، عدى، انت بتعمل ايه؟ آه، آه. عدى، أنا بكلمك، سيب شعري، أنا مش فاهمة حاجة، أنا عملتلك ايه؟"
تجاهلها تمامًا وهبط بها لأسفل. فوصل صوتها لعائلته التي كانت تجتمع حول الصغار والابتسامة لا تفارقهم.
اقترب داغر منه، فاستنجدت به قائلة:
"داغر، خلي أخوك يسيبني، ده شكله اتجنن!"
صرخ عدى بجانب أذنيها:
"جنان، هو انتي لسه شوفتي جنان؟ أنا هوريكي الجنان على أصوله يا بنت***"
نهض والده من جانب زوجته وصاح بابنه بغضب:
"ايه يا زفت اللي انت بتعمله ده؟ ده بدل ما تقعد معا ولادك اللي لسه راجعين؟"
تجاهله عدى ورمق حورية الذي ترمقه باستغراب، فهتف:
"حورية، الكلام اللي قولتي مضبوط؟ بنت*** دي متسلطة عليا؟"
ابتلعت حورية ريقها وقالت، رامقة إياه بجمود:
"وأنا هكدب ليه؟"
أماء لها عدى بتفهم ورمق مي بوعيد، واستكمل طريقه مغادرًا المنزل، وخصلاتها لا تزال بين قبضته. فلحق به داغر ومحمود وسلامة.
"عدى، سيب البنت، مينفعش كده."
دفعها عدى بسيارته وأغلق عليها، والتفت يصرخ بوجههم:
"محدش يدخل، دي مراتي وأنا حرررر!"
أنهى كلماته وهو يصعد بجوارها، مغمغمًا بفحيح كالأفاعي:
"ليلتك سودة يا بنت***، مهو مش عدى الهلالي اللي حتة بت زيك تطلع بتضحك عليا ومقرطساه."
بعد مرور بعض الوقت.
دفعها داخل منزلها لترتطم بالأرضية متأوهة بقوة. فرفعت رأسها تنظر له، رافعة بيديها خلالها التي تناثرت حول وجهها، متمتمة بقوة منافية لخوفها منذ قليل:
"انت شكلك اتجننت خلاص، أنا حامل في ابنك يا مجنون. أنت ايه مفيش في قلبك رحمة؟"
أنخفض لمستواها، قابضًا على فكها وعيناه تطلق شرار:
"جنان، انتي لسه شوفتي جنان. اتكلمي يا بت، عايز أعرف كل حاجة. سلطتي عبده يخطف ولادي ليه؟ ها؟ وأمير زقك عليا ليه؟"
دفعت يديه بقوة ونهضت من مكانها، مزمجرة فيه بشراسة:
"أيوة أنا اللي خليت عبده خطف الولاد، وأيوة أمير اللي زقني عليك، بس عارف ليه؟ عشان أنت راجل عينك زايغة، ميملهاش غير التراب. والدليل على كلامي إنك أول ما شفتني ريلت عليا، وكأنك أول مرة تشوف واحدة حلوة، رغم إني لما شفت مراتك مشفتهاش بالبشاعة اللي تخليك تخونها وتجرحها بالطريقة دي. عارف أنا عمري ما حبيتك، أنا بكره الرجالة اللي زيك، أبويا مكنش يختلف عنك، أبويا اللي كرهته طول عمري عشان سابنا وراح اتجوز واحدة تانية على أمي، أرحم منك يا عدى. أنت زبالة أوي يا عدى."
نزلت صفعة قوية على وجهها جعلت الدماء تخرج من شفتيها. فوضعت يدها على وجهها، مغمغمة بتحدٍ ونظرة اشمئزاز ترتسم على وجهها:
"أهو ده اللي انت فالح فيه."
أقترب منها ببطء، وسريعًا ما دنا لمستواها ببطء أشد، هامسًا أمام وجهها:
"ولما انتي بتكرهيني أوي كده، متمسكة بالولد أوي كده ليه؟ ها؟ فاكرة إنك ممكن تاخدي قرشين من وراه، مش كده؟"
حدقت به، وبحركة سريعة قبضت على قميصه بقبضتها الصغيرة، متمتمة بغضب:
"لا مش كده، أنا عايزاه عشان عايزة يكونلي سند، مش عايزة أعيش لوحدي، مش عايزة أكبر وحيدة. ابني ده هيكمل حياتي الناقصة، مش حبًا فيك يا عدى. وولادك أنا مكنتش هأذيهم، بس كنت هعطلك عشان متجبرنيش أنزل ابني."
ابتسمت شفتاه دون عينيه، وهمس بجانب أذنها بعدما أبعد يديها عنه:
"وابنك ده هخليكي تتحسري عليه، مش هسمح يكونلي ولد من واحدة زيك يا زبالة. ومدام مرضتيش تنزليه بمزاجك، هنزله غصب عنك. وده هيكون عقابي ليكي."
ابتعد عنها قليلًا وخلع حزامه، فجحظت عيناها وهي تراقبه يخلع حزامه وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه.
فازدرقت ريقها وتحركت سريعًا من أمامه، مهرولة باتجاه أحد الغرف تريد أن تغلق عليها وتحمي جنينها مما يريد فعله بها. وما كادت أن تغلق الباب من خلفها حتى وجدت يديه التي تدفع الباب تعيق إغلاقه، فظلت تحاول دفعه والإغلاق على نفسها، ولكنها لم تفلح بذلك.
ولج إلى الغرفة وظل يقترب منها رويدًا رويدًا. فسالت الدموع الحارة من عينيها كما لم تسل من قبل:
"عدى، عدى، أنا مش عايزة منك حاجة، أنا عايزة ابني وبس، صدقني هبعد عنك وهخرج من حياتك ومش هتشوفني تاني، بس سبني أنا مش عايزة أخسره، أرجوك."
لم يكترث لبكائها، فكل ما كان يراه خداعها، عشقها المزيف، حورية، واستغناءه عنها بتلك السهولة، أطفاله التي كاد أن يفقدهم.
فأمقها بنظرات خالية من الحياة، ورفع يديه التي تتمسك بحزامه، ونزل به على جسدها صفعة تلو الأخرى. لم يتوقف عما يفعله. صراخاتها، بكائها، نحيبها، وترجيها له بأن يتركها لم يشفع لها.
دفع الحزام من يديه وبدأ بتسديد الضربات بقدميه.
أما هي، فقد خارت قواها بعد كل تلك الصرخات المستنجدة، ولكن لم ينجدها أحدهم من يديه. استسلمت لذلك الدوران الذي هاجمها عندما شعرت بسائل يسيل بين قدميها، فأغمضت عينيها بحسرة على فقدانها طفلها التي تيقنت من فقدانه.
صدح رنين هاتفها، فنهضت من جوارهم وصعدت باتجاه غرفتها لتجيب على صديقتها التي أجابتها بنبرة باكية:
"ألو؟"
قطبت وجد جبينها وهتفت بقلق:
"مالك يا وسام؟ بتعيطي ليه؟"
أجابتها وسام من بين شهقاتها:
"مبيحبنيش يا وجد ومش عايز يديني فرصة. بتكلم قدامه بقوة وببجح معاه، بس كل ده من ورا قلبي يا وجد، أنا أول مرة أحس الإحساس ده، أنا بموت يا وجد. شايفني من غير كرامة؟ بس أنا بحبه و..."
قاطعتها وجد متمتمة:
"مش فاهمة يعني إيه شايفك من غير كرامة، انتي عملتي إيه بالظبط؟"
"قولتله إني بحبه وإني مش هستسلم وعايزاه يديني فرصة، حتى لو لسه بيحب إنجي. فقال لي: انتي إيه معندكيش كرامة؟ عارفة إني مكنش ينفع أقول كده، بس أنا بحبه يا وجد، بحبه أوي وقلبي بيتقطع، حاسة إني مش قادرة آخد نفسي. أعمل إيه يا وجد؟"
صاحت بها وجد وهتفت باستنكار:
"انتي مجنونة يا وسام! حد يعمل عملتك دي؟ الرجالة مبيحبوش الست اللي من غير كرامة، وعايزة رأي بقى، انسيه يا وسام وكفاية أوي لحد كده. حسام مش ليكي يا وسام."
قاطعتها وسام ببكاء مرير:
"مش هقدر يا وجد، أنا بحبه و..."
قاطعتها وجد بحدة:
"في ستين داهية! ده حب يخليكي تتذلي بالشكل ده؟ مش عايز يحبك براحته، انتي مليون واحد يتمناكي يا وسام."
مسحت وسام دموعها التي لا تتوقف وقالت:
"انتي شايفة كده؟"
تنهدت وجد وقالت:
"أيوه."
أماءت وسام برأسها وقالت:
"ماشي يا وجد، بس أنا لازم أسافر، أنا مش هعرف هنا أكتر من كدة."
ابتلعت وجد ريقها متمتمة:
"هتسبيني يا وسام؟"
"أنا آسفة يا وجد، بس أنا مش هقدر أقدر هنا، أنا خلاص تعبت، يارتني ما كنت حبيته."
"ها يا عمي، قلت إيه؟ ينفع أخدهم يقعدوا معايا؟"
قالتها حورية بترجٍ ولهفة للاستماع إلى إجابته بعدما صعد الجميع إلى غرفهم، تاركين إياها برفقة سلامة التي تريد أن تتحدث معه. فجاء صوت عدى من خلفها متمتمًا بحدة:
"لا يا حورية، ولادي هيفضلوا هنا في بيت أبوهم. عايزاهم، يبقى انتي تيجي وترجعي تقعدي معاهم."
التفتت حورية تنظر إليه بعدما ظهرت معالم خيبة الأمل على وجهها، فسلامة كان على وشك الاقتناع بحديثها.
"أرجع إزاي يعني؟ أنت ناسي إننا اتطلقنا؟ أنا مينفعش أعيش هنا."
حرك كتفيه بلامبالاة ظاهرة، وهو يقترب منها وأعماقه تموج بالغضب:
"مش صعبة، ممكن أرجعك من تاني وترجعي تعيشي مع ولادك."
نهضت بعنف من مكانها، قائلة بتحدٍ:
"بتحلم يا عدى، أنا مستحيل أرجعلك، أنت سامع؟ مستحيل. وبعدين أنا ما بطلبش حاجة مستحيلة أو صعبة، أنا كل اللي عايزاه ولادي يعيشوا في حضني ومش عايزة لا أكتر ولا أقل يا عدى بيه."
كاد يجيبها، ولكن منعه سلامة عندما تحرك من مكانه:
"طيب، أنا هسيبكم تتكلموا وتتفاهموا، يمكن الأمور تتصلح ما بينكم وشملكم يتلم من تاني."
أماء له عدى برأسه واقترب أكثر من حورية وعيناه معلقة بها. رفع يديه، ممسدًا على وجنتيها، مغمغمًا:
"طلع معاكي حق يا حورية، أمير هو اللي زقها عليا."
ابتسمت بتهكم وهي تبعد يديه عنها:
"متلمسنيش، وبركة إنك عرفت، لحسن أنت كنت صعبان عليا أوي يا حرام."
أمتعضت ملامحه وزفر بنفاذ صبر من سخريتها الواضحة وضوح الشمس:
"طب كفاية بقى تريقة، وزي الشاطرة ترجعي البيت هنا وتهتمي بالولاد، وأنا هردك من تاني."
رمقته بذهول وصرخت به:
"انت إيه مبتفهمش؟ أنا مش هرجعلك أنت خلاص يا عدى، كنت صفحة وقطعتها."
رفع يديه ودلك مؤخرة عنقه بإرهاق، متمتمًا بتهكم وسخرية لاذعة:
"طيب، أنا صفحة وقطعتيها، وبالنسبة لعمر الزغبي إيه ظروفه معاكي؟ ها؟ انتي فاكرة إني ممكن أسمحلك تتجوزي غيري وغيري يلمسك؟ انتي بتحلمي... انتي بتاعتي ومحدش هياخدك مني. ولو فكرتي مجرد تفكير إنك تتجوزي راجل غيري، ولادك مش هتشوفيهم تاني أبدًا، هحرمك منهم يا حورية."
ظلت تحدق به بصدمة، وسريعًا ما غمغمت بغضب:
"انت إزاي بقيت كده؟"
أنا إزاي كنت بحبك؟ أنت أناني أوي يا عدي. أنا بجد ندمانة إني حبيت واحد زيك.
واطمن، أنا مستحيل أعمل حاجة تخليني أخسر ولادي.
إنهت كلماتها الحادة وغادرت من أمامه، ودموعها تنهمر من وجنتيها نادمة على حبها له وسنواتها التي أهدرتها معه.
أما هو، فظهرت بسمة جانبية على وجهه وهمهم بوعيد:
"هترجعيلى يا حورية، هترجعيلى ورجلك فوق رقبتك."
بسيارة رائف.
كانا عائدان إلى المنزل بعدما قضيا ليلتهما بمنزل فاتن. فصاح رائف، الذي كان يجلس خلف المقود:
"لسه بتحبي باسم؟"
رسمت ابتسامة ضعيفة تغطي ألم مبرح منبثق من أعماقها، والتفتت تنظر له:
"مظنش إني لسه بحبه، بس برضو منكرش إنه بيجي كتير أوي في بالي. بس تعرف، باسم صعبان عليا."
ردد كلماتها بدهشة وشعور غريب يعتريه:
"صعبان عليكي!"
حركت رأسها بنفي وتنهدت قائلة:
- ولا غريبة ولا حاجة. باسم معملش حاجة عدلة في حياته يا رائف. ورغم إنه خد نصيبه إلا إنه مات موته بشعة أوي.
وسريعًا ما رفعت عينيها تحدق به، محاولة تغيير ذلك الحديث الذي يذكرها بما حاولت نسيانه مرارًا وتكرارًا.
- وانت لسه بتحب ياسمين؟
كز على أسنانه واشتعلت عيناه، قابضًا بقوة على المقود أمامه.
- متجبليش سيرة البني آدمة دي قدامي. أنا مبحبش أسمع اسمها.
أومأت له بموافقة وهمهمت باعتذار.
- أنا آسفة لو ضايقتك، بس أنا عايزة أطلب منك طلب يا رائف.
رمقها بنظرة سريعة يحثها على استكمال حديثها، فأكملت بشراسة منافية لهدوئها منذ لحظات.
- داغر ووجد يبعدوا عنهم، وإلا والله يا رائف لهيكون ليا تصرف مش هيعجبك.
اتسعت ابتسامته رغمًا عنه وتمتم:
- انتي بتتحولي يا بت. ما كنتي لسه كيوت وبتكلمي برقة، مرة واحدة قلبتي على الواد برعي.
قطبت جبيتها وصاحت بغيظ:
- مين برعي ده؟
صدحت ضحكاته وهمهم وهي تتأمل ابتسامته الرجولية.
- ده واحد صاحبي معرفوش.
زادت خفقاتها، فابتلعت ريقها واخفضت نظراتها عنه، ملتفتة تجاه النافذة. وما إن فعلت حتى ظل يرمقها بنظرات مختطفة لم تنتبه عليها، متناسية سؤالها الذي لم يجب عليه.
***
أقترب منها محاوطًا وجهها بين يديه، فرفعت عينيها الشاردة.
- ها، بتقول حاجة يا داغر؟
- سرحانة في إيه يا وجد؟
رفعت يديه ممسكة إياها بيديها، مقبلة إياها بحب، ونهضت من مكانها دالفة داخل أحضانه، مغمغة بنبرة يشوبها الحزن.
- وسام يا داغر، وسام.
- مالها وسام؟
أغمضت عينيها قائلة بضيق.
- وسام بتحب حسام، وقالتله، بس هو رافض حبها يا داغر. لسه متعلق بإنجي، مش عايز يدي فرصة لوسام.
فتحت عينيها وخرجت من حضنه متمتمة بحنق.
- كلمتني من شوية وكانت منهارة. ابن عمك بارد ومعندوش دم وجرح البنت.
زم شفتيه وقال بأسف.
- هو ده اللي مزعلك؟
أومأت له مغمغمة.
- أيوه، وكمان وسام هتسافر تاني يا داغر. أنا مش هعرف أبقى في مكان وهي في مكان، هبقى قلقانة عليها. وسام هبلة ومش بتعرف تعمل حاجة لوحدها.
- هي ملهاش حد؟
- ليها عمتها بس مب تسألش عليها بقالها كام سنة. وأهلها متوفين. وسام ملهاش غيري.
إلتوى فمه بابتسامة وتنهد قائلًا، ويديه تتغلل بخصلاتها الحمراء.
- هو ده بقى اللي مضايقك؟ يا ستي اعتبري الموضوع عندي، وفكي بقى كده. مبحبش أشوفك زعلانة.
اتسعت ابتسامتها تدريجيًا وتعلقَت برقبته، مغمغمة بسعادة تلوح بعينيها.
- بجد يا داغر؟
ضمها داغر داخل أحضانه وهتف.
- بجد يا قلب وعيون داغر.
طبعت قبلة على وجنتيه متمتمة بتساؤل.
- طب هتعمل إيه يعني؟ هتتصرف إزاي؟
داعب أنفها بأنفه مغمغم بمشاكسة.
- ما قولتلك الموضوع عندي خلاص بقى.
تنهدت براحة ونظرت له، وسريعًا ما شعرت بالحرارة تتسلل لجسدها من نظراته ولمسة يديه على ظهرها، فابتلعت ريقها بصعوبة وكادت أن تخرج من أحضانه، فتمسك بها أكثر مقربًا إياها، هامسًا أمام شفتيها وحرارة أنفاسه تلفح بشرتها الناعمة.
- أنا هسيبك تهربي بس بمزاجي يا وجد.
وسريعًا ما ابتعد عنها محررًا إياها، مغمغمًا بأنفاس لاهثة أثر اقترابهم.
- أنا نازل الشغل كام ساعة وراجع. في عربية هتتسلم ولازم أتم عليها.
أومأت له، فاقترب منها مقبلًا شفتيها بقبلة سريعة مغادرًا الغرفة. وعقب خروجه رفعت يديها على شفتيها تتحسس مكان قبلته وابتسامة واسعة ترتسم على وجهها.
***
فتحت عينيها بتثاقل، شاعرة بآلام تكتسح جسدها، انكمشت ملامحها وهي تتطلع بتلك الغرفة. وسريعًا ما تذكرت ما حدث معها، فرفعت يديها تلقائيًا وقامت بوضعها على بطنها، ودموعها تنهمر بلا توقف تناجي ربها بأن لا يكون قد أصاب ابنها شيئًا. لا تتذكر سوى ضربة وإهانته اللامتناهية لها، لا تعلم كيف أتت إلى هنا.
ولج الطبيب إلى الغرفة وتمتم.
- حمدلله على السلامة.
ظلت دموعها تنهمر، فهتفت من بين دموعها.
- ابني يا دكتور، أنا حامل.
حرك الطبيب رأسه بأسف وهمهم.
- أنا آسف، بس انتي جيتي متأخر ومقدرناش نعمله حاجة.
أزدادت شهقاتها وظلت تبكي بصوت عالٍ وقلبها يتمزق لموت جنينها الذي لم يرَ الشمس.
فدلف بواب البناية التي تقطن بها، والذي فتح باب المنزل بذلك المفتاح الاحتياطي التي تركته له عقب مغادرة عدى، والذي كانت ملامحه لا تبشر بالخير. قلق البواب عليها وصعد باتجاه منزلها، فوجد جارتها بالمنزل المجاور لها تدق الباب، ففتح الباب. وما إن دلف المنزل وبحث عنها بعينيه، فوجدها تتسطح على الأرضية والدماء على وجهها وعلى الأرضية. فاقترب منها وقام بحملها ونقلها إلى أقرب مستشفى لينقذ ما يمكن إنقاذه.
- مالها يا دكتور بتصوت كده ليه؟
أجابه الطبيب وهو يعطيها حقنة مهدئة بمساعدة الممرضة التي تحاول تثبيتها، فاقترب البواب وساعدهم بذلك، وبالفعل تم حقنها بالمهدئ.
فهتف الطبيب.
- جالها انهيار عصبي لما عرفت إنها فقدت ابنها.
***
بعد مرور يومين.
بمكتب عدى.
كانت هديل تحاوط عنقه مغمغمة بحب مزيف.
- هتيجي بليل نسهر سوا.
أجابها وهو يقربها من جسده أكثر وأكثر.
- أكيد، ده إحنا هنسهر وهنرقص وهنعمل كل اللي يجي في بالك.
صدحت صوت ضحكاتها، فأقترب منها مقبلًا شفتيها بنهم ويديه تتغلل بخصلاتها.
قاطعه صوت رنين هاتفه، فأبتعد عنها على مضض متأففًا، فرفعت يديها تهندم خصلاتها وملابسها مغمغمة.
- رد على تليفونك، وهستناك بليل.
أنهت كلماتها بغمزة من عينيها، فتنهد عدى بحرارة واقترب من هاتفه وأجاب عليه وهو يجلس خلف مكتبه.
- الو.
- عدى.
اسودت عيناه وهو يستمع لصوتها، فغمغم بغيظ.
- مي.
ابتسمت مي متمتمة وهي تنظر بمرآة سيارتها.
- أها، مي اللي انت موت ابنها يا عدى. بس وحياة ابني اللي حرمتني منه، لهحرق قلبك وهخليك تتحسر.
كز على أسنانه واشتعلت عيناه بنيران جحيمية متمتم.
- انتي بتهدديني أنا؟
فكرك إنك هتعرفي تعملي حاجة.
ابتسمت بصخب، فقبض جبينه من ابتسامتها الصاخبة، وقالت من بين ضحكتها:
- أنا مش بهدد، أنا نفذت يا عدي. ابنك معايا دلوقتي وأنا وهو هنسافر، وهيفضل معايا وهعتبره تعويض عن ابني، بس مش عايزة حد يقلق. ابنك هيبقى في الحفظ والصون.
نهض عن مكتبه بعنف وقال بعد تصديق وهو يمسح على وجهه:
- إنتي بتقولي إيه؟ ابني معاكي؟ بيعمل إيه؟
تنهدت وأجابته الشامته:
- واحدة من الخدم اللي عندكم دفعت لها مبلغ خلاها استغنت عن خدماتكم، وجبت لي واحد من عيالك معاها. شفت بقى آخرة عمايلك إيه؟ كان هيجرى إيه لو سبت لي ابني؟ أديني خدت زين ابن حورية، مبسوط إنت كده؟
ظل يأتِ ذهابًا وإيابًا، والقلق ينهش قلبه، فمن الواضح أن مي ليست بطبيعتها.
فتمتم:
- مي، مي، ابني لو مرجعش هـ...
قاطعته بتهكم والدموع تفيض من عيناها:
- هتعمل إيه؟ إنت فاكر إني ممكن أأذيه؟ أنا مستحيل أعمل كدة، أنا عايزاه معايا أنا بس، هحرمك منه يا عدي.
انقطع صوتها. فنظر عدي في الهاتف وظل يهتف باسمها، فاستمع لصوت صرخاتها وارتطام قوي عقبه صوت انفجار شديد.
جحظت عيناه وصرخ باسم ابنه، وخرج مهرولًا من مكتبه ودموعه تنهمر من عينيه. لا يصدق ما حدث للتو.
رواية طغيان قلب الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم فاطمة محمد
ولج داغر الغرفة ورمق أخيه بأعين دامعة، أغلق الباب من خلفه بهدوء وسار باتجاه أخيه الجالس على الأرضية يضم ملابس ابنه لأحضانه، فربت على كتفيه قائلًا بنبرة متحشرجة:
- ربنا يرحمه يا عدي، زين دلوقتي في مكان أحسن، وبعدين كلنا هنموت.
رفع عدي عينيه الباكية وغمغم بصوت مبحوح وبكاء مرير:
- ابني مات بسببى يا داغر، ربنا بيعاقبنى، موت ابنى وهو لسه في بطن مي، عشان كده ربنا عاقبني بموته، أنا مش قادر أتخيل إنّي مش هشوفه تاني يا داغر.
دهش داغر من حديثه وغمغم بتساؤل:
- هي مي كانت حامل يا عدي؟
حرك رأسه عدة مرات متتالية وأنكمش وجهه أكثر متمتمًا بندم وهو يرفع رأسه مسندًا إياه:
- كانت حامل وأنا بإيدي موته يا داغر، كنت فاكر إني بعاقبها وبنتقم منها، مكنتش أعرف إني هدفع تمن اللي عملته فيها وفي ابني غالي أوي.
ظل داغر يستمع إليه بعدم تصديق، ولكنّه لزم الصمت، فليس هناك ما يقوله، فالآوان قد فات ولن ينفع الحديث أو الندم بشيء.
أما عدي، فلم تتوقف دموعه، وجالت عيناه بالغرفة متمتمًا بعدم تصديق:
- أنا إيه اللي عملته في نفسي ده؟ أنا بوظت وضيعت كل حاجة يا داغر، كان هيحصل إيه لو كنت اتقيت ربنا في حورية ومجرحتهاش ولا بصيت برة واتجوزت مي؟
ظل داغر يرمقه بصمت والدموع تلتمع بعينيه تأثرًا بحديث شقيقه الذي يفطر القلوب ويجعلها تتألم.
- عارف كان هيحصل إيه؟ مكنتش حورية ضاعت مني، مكنتش موت ابني بإيدي، مكنتش مي خطفت ابني ومات معاها وهي بتهرب بيه، أنا غبي يا داغر غبي، كان لازم أنا اللي أموت مش هو، أنا اللي أستحق الموت. قول لي هبص إزاي في وش حورية ووش زياد لما يعرف إن أخوه مات بسببى وبسبب نزواتى وعيني الزايغة؟ لما يجي يسألني زين مات إزاي أقوله مات بسبب إن أبوك عينه زايغة ومتقاش ربنا فيكم.
تنهد داغر طويلًا ورفع يديه يمسح دموعه التي تحررت من مقلتيه وتمتم وهو يضمه داخل أحضانه:
- اللي حصل حصل يا عدي، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.
حاوط عدي شقيقه وكأنه حبل النجاة وتمتم بشفتاه ترتجف متذكرًا نظرات حورية وانهيارها بين يديه:
- ياريتني سمعت كلامك يا داغر، ياريتني، أنا امبارح مكنتش عارف أبص في وش حورية، كان بتمنى الأرض تنشق وتبلعني، كنت مكسوف أرفع عيني في عينها.
***
جالسة على الأريكة بملابسها السوداء حدادًا على ابنها فلذة كبدها الذي فارق الحياة وهو لا يزال صغيرًا، تنظر أمامها بأعين خالية من الحياة، تشعر بأنها قد فقدت روحها مثلما فقدت ابنها.
مازال خبر وفاته يتردد بأذنيها، حيث جاء داغر برفقة وجد وأخبروها بذلك الخبر المفجع عقب دفنهم له، يعلمون جيدًا بأنه سيكون من الصعب عليها رؤيته جسدًا هامدًا فارقته الروح وغادر الحياة.
دلفت إلى المنزل وقدماها لا تحملانها، وبجوارها كل من ندى ووجد وداغر، يصل إلى أذنيها صوت بكاء كل من سعاد وهدى وصوت القرآن الكريم، فابتلعت ريقها، فحتى الآن لا تستوعب ما أخبرها به، لا تستوعب أن ابنها قد فارق الحياة تاركًا إياها، تشعر بأنه لا يزال حي، تشعر بأنها تستمع لصوت ضحكاته وهي تداعبها، تتذكر تلك المرة الأولى التي نطق بها مناديًا إياها بما تحب "ماما" بطريقة طفولية جعلتها تبتسم رغمًا عنها.
كل زاوية بالمنزل تذكرها به، سالت دموعها وهي ترى عدي جالسًا برفقة والديه وعائلته، فأقتربت منه ووقفت بمواجهته، وابتلعت ريقها وهي تحدق بكل من سعاد وهدى الباكيتان، فتمتمت وشفتاها ترتجف:
- ابني فين يا عدي؟ أخوك ووجد بيقولوا إنه مات... ابني ممتش يا عدي.. ابني عايش صح.. هما بيضحكوا عليا... بيختبروا حبى ليه مش كده؟ ابني فين يا عدي انطق؟ هو في أوضته صح؟ أيوه هو أكيد في أوضته.
كادت أن تهرول من أمامه ولكنّه لحق بها ممسكًا إياها من ذراعيها، وعيناه لا تجرؤ على النظر بعينيها، وكيف ينظر لها وهو وراء كل ما حدث.
- أنا آسف يا حورية، أنا السبب في موته، أنا...
وضعت يديها على فمه تمنعه من استكمال حديثه وغمغمت بصدمة وأعين متسعة:
- هششش متقولش كده، زين عايش، ابني ميسبنيش ويمشي، أنا لسه مشبعتش منه يا عدي، لسه مشبعتش منه.
أنهت كلماتها وهي تسقط على الأرض بانهيار تام، فلحقها عدي بذراعيه والألم يزداد وينهش قلبه أكثر وأكثر.
أقتربت وجد منها وانحنت لمستواها في محاولة منها للتخفيف عنها:
- أهدي يا حورية عشان خاطري.
صرخت بها حورية ودفعت يد عدي التي تلمسانها وعقلها يستوعب ما حدث:
- أهدي بتقوليلى أهدى.. أهدى إزاي وأنا حتة مني راحت بسببه؟ بسبب غلطة اختيارى؟ أهدى إزاي يا وجد وحتة مني راحت ومبقتش موجودة؟ قوليلى أهدى إزاي؟ انتوا محدش فيكم حاسس بالنار اللي جوايا، أنا حاسة إن روحي انسحبت مني، حاسة إني في كابوس، أنا مش قادرة أصدق إنه مات.
اقترب عدي منها خطوة واحدة وكادت يداه أن تتلمسها، فصرخت به بهستيريا ودموعها تأبى أن تتوقف وتفيض من عينيها كالشلال:
- متلمسنيش، أنا بكرهك يا عدي، بكرهك وعمري ما هسامحك. كنت سبهوملي أنا، كنت هعرف أحافظ عليهم، كنت هعرف أحميهم. مكنتش هسمح لحد يقرب منهم.
رفعت يديها تزيل دموعها وشفتاها لا تزال ترتجف، وتحركت باتجاه الدرج وصعدت درجاته، ووجد وداغر يلاحقان بها.
وصلت أمام غرفة أبنائها وفتحت الباب ودلفت الغرفة، فوجدت صغيرها يجلس برفقة آلاء التي نظرت لها بشفقة، فصاح الصغير بنبرة طفولية وهو ينهض من مكانه يقترب منها محتضنًا إياها من قدميها:
- ماما...
ازدادت شهقاتها وانخفضت لمستواه وقامت بحمله وضمه داخل أحضانها مقبلة جبهته وكل شبر بوجهه قائلة بمرارة:
- حبيب ماما، أنا جيت يا حبيبي وهأخدك معايا، مش هسيبك هنا، مش هستحمل يحصلك حاجة انت كمان.
وسريعًا ما هرولت خارج الغرفة وهي تحمله والجميع يلحق بها.
هبطت به وهي لا تزال تحمله واتجهت به خارج المنزل، فخرجت آلاء ووجد وداغر من خلفها ليقوموا بإيصالها ويكونوا معها.
أما عدي، فجلس مكانه مرة أخرى، فانتبه لنظرات والده، فابتلع تلك الغصة ونهض من مكانه باتجاه غرفته لا يتحمل تلك النظرات المؤنبة.
اقتربت وجد التي بادلت نظراتها مع وسام وتنهدت متمتمة بحنان:
- وبعدين يا حورية هتفضلي ساكتة كده كتير؟ كده غلط عليكي، انتي كده بتأذي نفسك يا حورية، ولو مش عشانك يبقى عشان زياد، مينفعش يشوفك بالحالة دي، الولد لسه صغير.
نظرت لها حورية بجمود ولزمت الصمت، فصاحت وسام بعدما اقتربت منها:
- ما انتي لازم تعيطي، مينفعش تفضلي كاتمة جواكي، عيطي يا حورية، عيطي.
خرجت آلاء برفقة ندى من إحدى الغرف والصغير برفقتهم ولا يكف عن البكاء، واقتربوا من حورية التي التقطته عيناها بلهفة ونهضت من مكانها جاذبة إياه لأحضانها مغمضة عينيها تستمع، بتلك اللحظة غمغمت ندى بحزن:
- صحي وقعد يعيط ومفيش في لسانه غير ماما ماما.
قبلته في جبهته وغمغمت وهي تجلس على الأريكة، مجلسة إياه على قدميها:
- أنا أهو يا حبيبي، أنا أهو معاك، وهسيبك.
***
وصل أمام باب منزلها، فأخذ نفسًا طويلًا وزفره على مهل، ونظر لشقيقه الذي يقف بجواره راغبًا برؤية من خطفت قلب شقيقه، أما عمر فكان يشتاق لرؤيتها، فهو لم يرها منذ آخر حديث بينهم تاركًا لها بعض الوقت، والآن سينهي ذلك الأمر، يريدها أن تعلم بأنه لن يتركها وسيتزوجها عقب انتهاء عدتها من زوجها السابق، يعلم بأنها ستعترض وكثيرًا، ولكنّه لن يتراجع وسيظل خلفها وسيسعى للحصول على موافقتها، فرمق أخيه بنظرة سريعة، فأماء له برأسه يشجعه على تلك الخطوة.
طرق الباب بخفة شديدة وانتظر أن تفتح له ويمتع عينيه من وجهها.
فتحت له آلاء وتمتمت بهدوء وهي ترمقه بنظرة متفحصة له ولشقيقه:
- أيوة!
قطب جبينه وتمتم بهدوء وهي ينظر لملابسها السوداء وصوت القرآن الذي وصل لمسامعه عندما فتحت الباب، فأزدرق ريقه وتمتم:
- عايز أشوف حورية، هو في حد توفى عندكم؟
أماءت له بهدوء وتمتمت بصوت خافت:
- مع الأسف حورية مش هينفع تشوفها.
دق قلبه بعنف وقال بقلق نهش قلبه وروحه، وخرج صوته منفعلًا بعض الشيء:
- ليه مالها؟ ومين اللي مات لو سمحتي اتكلمي، انتي كده بتقلقيني.
امتعضت ملامحها من انفعاله وتمتمت:
- حورية ابنها مات في حادثة وهي دلوقتي منهارة ومش هينفع تشوفها.
جحظت عيناه وتألم قلبه عندما علم ما تعانيه معشوقته، فلمعت عيناه بالدموع وغمغم بهدوء منافي لانفعاله منذ قليل:
- لو سمحتي أنا عايز أشوفها.
أغمضت آلاء عينيها بأسف وقالت:
- صدقني مش هينفع دلوقتي.
كادت أن تكمل ولكنها وجدته يدلف متخطيًا إياها متجاهلًا اعتراضها، فنادى إيهاب عليه:
- عمر استنى عمر.
لحقت به آلاء التي لا تزال تحت تأثير الصدمة من فعلته الوقحة:
- يا كابتن مينفعش اللي بتعمله ده.
أقترب عمر من حورية التي كانت تحتضن ابنها ضاممة إياه بقوة رافضة أن تتركه، فتجمعت الدموع بعينيه ونزف قلبه وهو يراها بتلك الحالة.
رمقه وجد ووسام بنظرات متسائلة، فنهضت وجد من جوار حورية واقتربت من آلاء التي يقف خلفها إيهاب وتمتم باعتذار:
- أنا آسف جدًا على اللي عمله، بس هو قلقان عليها، اعذريه.
تنهدت آلاء واقتربت من وجد التي كانت ترمق إيهاب بدهشة، وغمغمت بهدوء وعدم تصديق:
- دكتور إيهاب إزاي حضرتك عامل إيه؟
دهش إيهاب من رؤيتها وأماء لها برأسه وابتسامة جانبية بسيطة ترتسم على جانب وجهه، وتمتم بخفوت:
- أخبارك إيه يا وجد؟ مشفتكيش من زمان.
تنهدت وأماءت له وقالت:
- الحمد لله يا دكتور، مبسوطة إني شفت حضرتك، هو حضرتك تعرفه؟
- أيوه عمر يبقى أخويا.
أماءت له منهية حديثها، وجذبت آلاء من ذراعيها ووقفت بجوارها بإحدى الزوايا، فظل إيهاب يتابعهم بعينيه.
- انتي تعرفيه؟
- أيوه كان الدكتور بتاعي في الجامعة وخدمته خدمة زمان.
حركت رأسها بتفهم، وظلوا يرمقون عمر الذي جلس بجوار حورية ووسام تجلس بجواره، وسريعًا ما نهضت من مكانها واقتربت من إيهاب وقالت:
- اتفضل اقعد.
حك إيهاب جبهته بأحراج وقال:
- أنا هستنى برة، ويا ريت تسيبوا عمر يكلم معاها، هو أكيد هيخفف عنها.
غادر عقب إنهاء حديثه مستأذنًا منهم، معزيًا إياهم، وفي ذلك الوقت خرجت ندى من غرفة والدتهم، فانتبهت لعمر الذي يجلس برفقة شقيقتها، فتنهدت براحة قليلًا، فهي تعلم جيدًا بأنه سيستطيع التخفيف عن شقيقتها.
فنادت عليها وسام:
- ندى مين اللي قاعد مع أختك ده؟
- ده عمر الزغبى.
- أيوه يعني مين عمر ده وحورية تعرفه منين؟
رمقتها وجد بضيق وغمغمت:
- وده وقته يا وسام.
ثم التفتت تجاه ندى:
- طنط عاملة إيه دلوقتي؟ كلت ولا لأ؟
- مرضيتش تاكل، بس أكلتها بالعافية عشان تاخد الدوا، والحمد لله، أينعم ما أكلتش أوي بس أحسن من مفيش.
بالطرف الآخر.
رفع عمر يديه ومسح على خصلات الصغير وتمتم:
- ابنك زي القمر يا حورية، طالعلك.
زادت من احتضانها له وظلت ملامحها جامدة.
فقال عمر بنبرة يشوبها الحزن:
- حورية انتي أقوى من كده، أنا مش قادر أستحمل وأنا شايفك بالحالة دي، فكري بابنك اللي على إيدك يا حورية، ربنا حرمك من واحد بس، سابلك التاني يا حورية، ولازم تقبلي باللي حصل ده، قضاء وقدر وده عمره، والبني آدم مبيعش أكتر من اللي مكتوبله.
حركت رأسها باتجاهه وهتفت بنفي:
- عدي السبب يا عمر، هو السبب، حرمني من ابني، أنا كنت هموت وهما بعاد عني، ما بالك دلوقتي وأنا عارفة إنه بقى تحت التراب ومش هشوفه تاني، أنا في سكاكين في قلبي يا عمر، سكاكين بتنهش فيه، أنا مبقتش ابني، أنا فقدت حتة من روحي، وقلبي ده ابني، عارفة يعني إيه ابني؟ لا، والأفظع إنه أبوه سبب في موته.
كز على أسنانه في محاولة منه لكبح عبراته، واخفض عينيه عن عينيها التي زفرت الدموع أخيرًا، فقال بصوت مبحوح:
- كفاية يا حورية، ومتفكريش إن عدي حالته أحسن منك، هو أكيد منهار، ده مهما كان أبوه، وزي ما اتحرمتي منه هو اتحرم منه.
حركت رأسها بنفي وابتسمت بسمة وجع ساخرة:
- عارف ابني مات إزاي يا عمر؟ مات في حادثة عربية هو والهانم مراته أبوه خطفته يا عمر وعملت حادثة وهو معاها، يعني لولا عدي دخلها حياتنا مكنش ابني جراله حاجة.
أغمض عينيه بألم وتردد كثيرًا بتلك الخطوة، ولكنّه استطاع تنفيذها أخيرًا، ورفع يديه وأخذ يديها، تاركًا الأخرى تحاصر جسد ابنها، ربت على يديها قائلًا:
- أسوأ إحساس على الواحد إنه يعيش بعذاب الضمير وإنه يبقى حاسس إنه ارتكب جريمة في حق أقرب ناس ليه، واللي فهمته من كلامك إنه ربنا عاقبه، وأظن العقاب ده مبعدهوش قومة تاني، وصدقيني كفاية عليه أوي اللي حصل.
جذبت يدها من يديه وقالت بقسوة احتلت قلبها:
- عمري ما هسامحه يا عمر، عمري.
***
بغرفة الصالون.
تنهد رائف وقال وهو يسير تجاه داغر:
- ما تطلع يا داغر تشوف أخوك، العزا هيبدأ والناس هيحبوا يعزوه، هنقولهم إيه؟
أجابه حسام بحنق:
- سيبه يا رائف، سيبه، عدي فيه اللي مكفيه، ربنا يكون في عونه.
- أنا مش قصدي يا ابني، بس عشان نبقى عارفين راسنا من رجلينا.
تنهد داغر وغمغم بحزن دفين:
- مش هينزل يا رائف، مش هيرضى، عدي ظهره اتكسر ومش هيرضى ينزل، لما سألته قبل ما أسيبه قالي انت وبابا وعمامي ورائف وحسام موجودين وهتحلوا مكاني.
أماء له رائف وظل يرمق داغر بضعة ثوانٍ يشعر بضيق كلما نظر إليه، خاصة بعد فعلته الحمقاء وإرساله الورود لزوجته، نفض رأسه من تلك الأفكار مقررًا إنهاء ذلك الأمر.
أما حسام، فكان يعتريه الضيق متذكرًا يوم وفاة إنجي وكيف تألم قلبه لفارقها، فارتسمت ابتسامة بسيطة على محياه عندما أتت بمخيلته أفعال تلك الفتاة الجريئة التي لا تكف عن اعترافها بعشقها له.
انتبه لنفسه وسريعًا ما أخفى ابتسامته تدريجيًا، فحمحم قائلًا بصوت خافت متوتر:
- داغر أنا كنت عايزة أسألك على حاجة كده، عارف إنها مش وقتها بس خطرت في دماغي.
حرك الآخر رأسه باستفسار، فغمغم حسام:
- هو مين مع حورية في البيت دلوقتي؟
أجابه داغر بهدوء:
- وجد وآلاء ووسام صاحبة وجد وندى طبعًا.
أزدرق ريقه بعدما علم ما أراده ونهض من مكانه بعدما استأذن بالصعود لغرفته، أما داغر فنهض من مكانه متجهًا لغرفة الصغار يريد الاطمئنان على شقيقه.
فتح باب الغرفة وسريعًا ما قطب جبينه عندما وجد الغرفة خالية تمامًا، فخرج من الغرفة واتجه لغرفته ولكنّه لم يجده أيضًا، فهبط لأسفل، فهتف رائف بتساؤل:
- في إيه؟ بتدور على إيه؟
- عدي يا رائف، مش في أوضة زين وزياد وكمان مش في أوضته.
قطب جبينه وتحرك مغمغمًا بدهشة:
- إزاي يعني، أومال هيكون راح فين؟
- معرفش.
***
فتحت وجد باب المنزل فوجدت أمامها عدي، فأعتلتها الصدمة لرؤيته بتلك الحالة، فهتف عدي بانكسار يكسوه حزن شديد:
- ينفع أدخل؟ عايز أشوف زياد وعايز أتكلم مع حورية يا وجد.
رواية طغيان قلب الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم فاطمة محمد
-عدى أنت بتعمل إيه هنا!!
أزدرق ريقه وقال:
-زي ما قولتلك عايز أشوف ابني وحابب أتكلم مع حورية.
التفتت وجد ورمقت حورية الشاردة بنظرة سريعة ودفعته برفق بعيداً عن الباب وخرجت من المنزل مغلقة الباب من خلفها مغمغمة بضيق:
-عدى مينفعش تشوفها ولا تزوريها وشك. إحنا ما صدقنا هدينا شوية ومعندناش استعداد نخلي نفسيتها تتدمر لما تشوفك.
أغمض عينيه بألم وهمس برجاء:
-أرجوكي يا وجد. أنا مش هينفع أمشي من غير ما أشوف زياد ولا أتكلم مع حورية.
قاطعته وجد بحدة دون مراعاة لحالته وهيئته المزرية:
-يا بني آدم افهم واعمل حاجة عدلة في حياتك ولو لمرة.
فتح باب المنزل المجاور وخرج عمر من المنزل بعدما وصل لمسامعه بعض الهمهمات غير المفهومة، فامتخطت ملامحه ما إن رأى عدى أمامه وكز على أسنانه واقترب منهم:
-خير في حاجة؟
رمقته وجد بعينيها وسريعاً ما التفتت عدى ينظر له، فانتبه عمر لحالته ورأى بعينيه نظرة انكسار وحزن دفين، فلانّت ملامحه وهمهم بهدوء:
-البقاء لله.
أماء له عدى والتفت لـ وجد مرة أخرى ونظرة الترجي لا تزال بعينيه، فزفرت وجد بضيق ووجهت حديثها لعمر وتمتمت ببعض الانفعال:
-أستاذ عمر ممكن تفهم عدى بيه إنه مينفعش يقابل حورية.
رفع عمر حاجبيه باستنكار وقال بنبرة جعلها هادئة قدر المستطاع رغم تلك الغيرة القاتلة التي نهشت قلبه:
-ما هو فعلاً مينفعش. إحنا عاذرين اللي انت فيه، بس انت كمان المفروض تعذر مدام حورية.
بالداخل
جلست ندى بجوار حورية ورفعت يديها ورّبت على كتفيها وقالت بهدوء:
-حورية زياد نام، هاتيه أنيمه في الأوضة جوه.
أجابتها حورية بسرعة وبتلقائية وهي تزيد من احتضان ابنها:
-لا زياد هيفضل في حضني يا ندى.
فصاحت ندى بثبات رغم الحزن الذي لاح بعينيها:
-يا حورية هو مش هيبعد بس هينام جوه في الأوضة. إنتي كده دراعك هيوجعك و...
قاطعتها حورية بقوة وشراسة:
-قولتلك لا، ابني هيفضل نايم في حضني.
أغمضت ندى عينيها تحاول كبح دموعها وتمتمت:
-يا حبيبتي لو مش عشانك يبقى عشانه هو أكيد. مش مرتاح في النوم. أقولك ادخلي معاه نيميه في السرير ونامي جنبه طيب، وحتى تكوني ريحتي شوية.
ظهر عليها الاقتناع بحديثها فأكملت ندى حديثها مشجعة إياها على تلك الفكرة:
-يلا يا حورية قومي.
تحاملت حورية على قدميها ونهضت بهدوء شديد تحرص على عدم استيقاظه، وتحركت ساقيها باتجاه الغرفة، وأثناء ذلك وصل لمسامعها ذلك الصوت التي باتت تبغضه والذي منعها من استكمال طريقها.
توترت ندى التي استمعت لنفس الصوت وتلك المشاحنة الكلامية بالخارج، وكادت أن تتحدث ولكن منعتها حورية عندما وضعت زياد على ذراعيها مغمغمة بهدوء ما قبل العاصفة:
-خدي زياد وادخلي الأوضة ومتخرجيش منها، ولو حصل إيه متسيبيهوش وتخرجي إنتي. سامعة؟
أماءت لها برأسها عدة مرات قائلة بخشوع:
-سامعة.
دَلفت ندى إلى الغرفة وأغلقت الباب من خلفها، وما إن تأكدت حورية من إغلاقها الباب حتى تقدمت صوب الباب واستجمعت جأشها وفتحته قائلة بغضب ناري وهي تحدق به بعينيها:
-إنت بتعمل إيه هنا! إنت ليك عين توريني وشك بعد اللي حصل؟
رمقها الجميع وسيطر التوتر على الأجواء، فتجاهل عدى وجود كل من عمر ووجد واقترب من حورية بسرعة البرق مغمغم بترجٍّ والدموع تتجمع بعينيه من جديد ويديه تكاد تلمسها:
-حورية عايز أتكلم معاكي. أنا...
قاطعته صارخة به:
-قولتلك قبل كده متلمسنيش. إنت لسه ليك عين تيجي لحد هنا؟ ليك عين تبص في وشي وأنت السبب في إني أتحرم من ابني.
هبطت دموعه الحارة وقال:
-أوعك تفكري إني موته مش فارق معايا أو إني مبسوط باللي حصل، وأنا عارف إني السبب فيه. زين كان ابني أنا كمان وأكيد بحبه، وفكرة إنه مبقاش موجود معذباني.
ظلت دموعه تنهمر بلا توقف أثناء حديثه، فتبادل عمر ووجد النظرات، وللحظات شعرت وجد بالشفقة تجاهه. أما عمر فكان يتابع ما يحدث بترقب وازدادت خفقاته بخوف ودب الرعب به عندما اقتحم تفكيره بأنها من الممكن أن تعود له.
تعود له وتتركه وحيداً بعدما تعلق بها... بعدما أصبحت نفسه وأصبح يتنفس من أجلها هي فقط... فأحتدت عيناه عند تلك الفكرة، فكيف سيكمل حياته إذا غادرتها... فمنذ أن رآها لا يتخيل حياته من دونها... دون ابتسامتها... عفويتها... حنانها... حنانها لأطفالها الذي عشقه قبل كل شيء.
أخرجه من أفكاره صوت حورية التي هتفت بعتاب سرعان ما تحول لعصبية مفرطة صاحبها لكمات سددتها لعدى بصدره:
-دلوقتي بتعيط! دلوقتي ندمان... دلوقتي عرفت قيمتنا... بس بعد إيه... بعد ما ابني ما راح مني... ما فوقتش من زمان ليه... جاوبني، مفوقتش من زمان ليه؟
اقترب عمر ووجد منهم، فحاوطت وجد حورية محاولة تهدئتها بعدما اجتمع بعض الجيران على أصواتهم وبدأت همساتهم وهمهماتهم. أما عمر فأبعد عدى قائلاً ببرود:
-كفاية أوي لحد كده. امشي لو سمحت.
رفع عدى يديه ومسح عبراته وهو يومئ له وتحرك من مكانه وهبط درج البناية والندم يتأكله.
فصاح عمر بالجيران مغمغماً بهدوء:
-يلا يا جماعة كل واحد على بيته. بتتفرجوا على إيه؟ أنا مش فاهم.
غادر الجيران وقامت وجد بإدخال حورية داخل المنزل وهي تسندها، مجلسة إياها على الأريكة. فوقف عمر على باب المنزل يراقبهم، فاقتربت وجد حتى تغلق الباب، فهمس لها عمر بحزن:
-أنا موجود لو حصل أي حاجة واحتجتوني. واروجوكِ متسيبيهاش لوحدها واعملي ليها أي حاجة دافية تشربها.
أماءت له وجد وأغلقت الباب، فعاد هو لمنزله المجاور لهم وأغلق الباب.
**********
صاحت حورية بعدما جلست على الأريكة والدموع تذرف من عينيها، تشعر بغضب جحيمي تملكها بعد مجيئه إليها ووقوفه أمامها، فقالت بنبرة متقطعة مبحوحة:
-شوفتي... شوفتي جه لحد هنا إزاي؟ هو إزاي تفكيره وصله إنه يجي لهنا؟ أنا مشفتش بجاحته.
وقفت وجد بمواجهتها ومسحت دموعها بأصابعها وقالت:
-خلاص يا حورية، وبعدين إنتي اديله اللي فيه النصيب وقسيتي عليه.
رفعت عينيها تنظر لها وأشارت تجاه نفسها قائلة بصدمة:
-أنا اللي قسيت عليه!
اومال هو ايه بقى
حركت الأخرى رأسها بنفي وقالت:
- فهمتيني غلط والله، أنا قصدي إنك أدتي له كلمتين في الجون.
أزاحت حورية يديها ونهضت تجاه الغرفة التي يقطن بها ابنها برفقة شقيقتها.
فتابعتها وجد بعينيها وتحركت صوب المطبخ حتى تحضر لها بعض الأعشاب التي قد تساهم في تهدئتها، فصدح رنين هاتفه، فأخرجته من جيبها وأجابت عليه بعدما وجدت أنه داغر الذي صاح بلهفة:
- وجد، عدّي مجاش عندكم؟
زفرت بضيق وأجابته على مضض قائلة:
- لأ، جه يا داغر، ومكنتش هخليه يشوف حورية، بس هو حظه وحش وحورية سمعت صوته وحصل اللي حصل بقى، وأخوك لسه نازل من شوية.
- نزل راح فين؟
حركت كتفيها وقالت:
- معرفش، هعرف منين يعني؟ بس أكيد هيرجع على البيت عندكم.
- طيب طيب، اقفلي.
قالها بسرعة وأغلق الهاتف بوجهها، فنظرت بالهاتف بصدمة وغمغمت بضيق:
- انت كمان بتقفل السكة في وشي؟ ماشي يا داغر.
تنهدت وأخرجت رقم رسام وحادثتها للاطمئنان عليها بعد رحيلها منذ ساعات قليلة، وفي ذات الوقت بدأت بتحضير المشروب الساخن.
***
ظل يدور حول نفسه، ومن الوقت للآخر ينظر بساعة معصمه، فالخوف والقلق على شقيقه قد تمكن منه، يخاف أن يحدث له مكروه أو يفعل بنفسه شيئًا يفقده حياته ويفقده هو، يلوم نفسه على تركه بمفرده.
أما رائف وحسام فكانا يتابعان داغر بأعين قلقة، فصاح داغر وهو ينظر من الشرفة:
- عشر دقايق كمان، لو مجاش هنزل أدور عليه.
أومأ له حسام موافقًا على حديثه، أما رائف فزفر وهو يضع رأسه بين يديه، يتنهد بتعب وإرهاق، وقال بصوت مكتوم يغلبه الندم، مخرجًا رأسه من بين يديه مقتربًا من صديقه، وأعين حسام تتابعهما بصمت:
- داغر، في حاجة عايزة أقولها لك، عارف إنها مش وقتها خالص، بس أنت لازم تعرفها.
التفت داغر ينظر له بأعين متربصة كالصقر، وحرك رأسه باستفهام وهتف:
- حاجة إيه يا رائف؟
أخذ شهيقًا طويلًا وزفره بهدوء شديد، وغمغم:
- أنا بعد ما عرفت بحقيقة مشاعر ياسمين ناحيتك وحبها ليك، وأنا الشياطين مش سيباني، وكنت عايز أعمل أي حاجة تخليك تضايقك، فملقتش غير طريقة واحدة.
ضيق داغر عينيه، ونهض حسام من مكانه مقتربًا من رائف، شقيقه، وقال بدهشة:
- عملت إيه يا رائف؟
كاد رائف أن يجيبه، ولكن قاطعه صوت داغر الذي خرج غاضبًا مكتومًا:
- إنت المجهول مش كده؟ إنت اللي كنت بتبعت الورد لوجد، صح يا رائف؟
كز رائف على أسنانه نادمًا، وأغمض عينيه لوهلة، وقال مؤكدًا حديثه:
- أيوه يا داغر، أنا.
تشنجت عضلات وجه داغر، وكاد أن يطيح به، ولكن استطاع كبح غضبه والتحكم به، فضم قبضته وتحرك خطوتين من أمام رائف وضرب الحائط مرتين متتاليتين بعنف، مخرجًا غضبه بتلك الضربات.
أما حسام فظل يراقب شقيقه بعدم تصديق، وقال بضيق موجهًا حديثه لداغر في محاولة منه للهروب من ذاك الموقف المخجل، فما فعله شقيقه لا يغتفر بالمرة، فبتلك الفعلة كاد أن يهدم زواجهم ويدخل الشكوك والتساؤلات بقلب داغر:
- أنا خارج بره لبابا وأعمامي عشان أقف معاهم، الناس بدأت تيجي تعزي.
عقب خروج حسام من غرفة المكتب، اقترب رائف من داغر وهتف بندم:
- داغر، صدقني، وجد بالنسبالي أخت، واستحالة أبصلها بصة مش كويسة، وخصوصًا إنها مراتك، بس أنا كرامتي اتجرحت وكنت مضايق منك لدرجة متتخيلهاش، و...
كاد يكمل، ولكن منعه تلك القبضة الفولاذية التي قبضت على قميصه بعنف، جاذبة إياه بعنف، وقال بأعين قاتمة ونبرة حادة:
- مضايق مني؟ يبقى بيني وبينك مدخلش وجد بينا. تيجي تكلم معايا، اضربني لو حابب، لكن تقرب من البني آدمة اللي بحبها، ده اللي مسامحش بيه يا رائف، أنت سامع؟ وبعدين أنا عمري ما اتعرضت لياسمين ولا حتى فكرت إني أبصلها... إنت خيبت ظني فيك يا ابن عمي، كنت فاكرك صاحبي بحق وحقيقي، ولو إيه اللي حصل مفيش حاجة هتفرق بينا وهنفضل ضهر وعزوة لبعض.
- وأنا ندمان يا داغر، وعشان اعترفت لك، ولو حابب ممكن أعتذر لك قدام العيلة كلها وأكفر عن غلطي.
ترك داغر قميصه وداخله بركان من الغضب، فظل رائف يطالعه بتوجس:
- قلت إيه يا داغر؟
أجابه داغر ببرود:
- مش وقته الكلام ده.
وسريعًا ما خرج من الغرفة يريد البحث عن شقيقه، فوجده أمامه ويتجه صوب درجات السلم، وحالته تحزن القلب قبل العين.
اقترب منه بلهفة:
- عدّي، كنت فين؟ قلقتني عليك.
نظر له عدّي بتشتت، وعينيه حمراء أثر بكائه وانهياره التام الذي حدث له بسيارته عقب ترجله من البناية القاطنة بها حورية:
- أنا كويس، هطلع أوضة زياد وزين ومش عايز حد يدخلي.
- بس يا عدّي، مينفعش اللي بتعمله.
- داغر، لو سمحت، أنا مش ناقص ضغط وعايزة أقعد مع نفسي، أرجوك.
- عدّي، صلي وارجع لربنا يا عدّي، هو الوحيد اللي هيخرجك من اللي انت فيه.
***
ولج غرفة أطفاله لا يشعر بقدماه، فحاله انقلب رأسًا على عقب في ليلة واحدة، أسند رأسه للخلف، متذكرًا كلمات شقيقه وظلت تتردد بأذنيه:
- صلي وارجع لربنا يا عدّي، هو الوحيد اللي هيخرجك من اللي انت فيه.
تحامل على قدمه ونهض من مكانه وخرج من الغرفة مرة أخرى، واتجه بأتجاه غرفته، ودلف الغرفة قاصدًا المرحاض وبدأ بالوضوء، واختلطت دموعه مع ماء الوضوء.
أنهى وضوءه وخرج من الغرفة ينظر لكل زاوية بها، لا يطيق المكوث بها، فأبتلع تلك المرارة وخرج من الغرفة مرة أخرى ليعود لغرفة أطفاله التي أصبحت محببة ومفضلة بالنسبة له.
دلف الغرفة وظل يدور حول نفسه لا يعرف مكان القبلة، فضغط على أسنانه بقوة وخرج من الغرفة مرة أخرى ونزل درجات السلم، وعينيه تبحث عن شقيقه، فقادته قدمه صوب مكتبه يبعد نفسه عن ذلك الحشد الرجالي، فأنتبهت إليه والدته التي تجلس في عزاء النساء، فظلت ترمقه بحسرة وقلبها يتمزق من أجله، فهي تكره أن تراه بتلك الحالة.
فتح باب غرفة المكتب وأطل برأسه وقال بعدما وجده يقف أمام الشرفة مولياً ظهره له:
- داغر.
التفت داغر ينظر له بلهفة وقال بقلق:
- أيوه يا عدّي!
ازدرق ريقه وقال:
- عايز أعرف مكان القبلة، وكمان عايز مصلية.
اتسعت ابتسامة داغر ورفع يديه محاوطًا وجهه وقال:
- بس كده؟ ثانية واحدة.
ابتعد عنه وجلب إحدى المصليات وأعطاها له، ووضح له مكان القبلة.
أومأ له عدّي برأسه بهدوء وتحرك من أمامه مغادرًا، فتنهد داغر براحة يشعر بشعاع من الأمل ينبعث مرة أخرى.
بعد مرور عدة دقائق، كان جاثيًا على ركبتيه راكعًا لله عز وجل، ودموعه تنهمر كالأنهار، يناجي ربه أن يغفر له ويساهمه ويصبر قلبه على فراق ابنه ويغفر له خطاياه.
***
تحاول الاتصال بها مرارًا وتكرارًا بعدما خرجت من غرفة حورية، تاركة إياها نائمة ذاهبة بسبات عميق وندى بجوارها، فحاولت مرة أخرى ولكن دون فائدة، تقلق من أن يكون قد أصابها شيء.
حركت قدميها بعنف والغضب يعتريها:
- مبتردش ليه بس دي؟ ماشي يا وسام، والله لما أشوفك بس!
حاولت ندى تهدئتها متحدثة بنبرة هادئة:
- اهدّي يا وجد، ومتقلقيش، تلاقيها بس مش سامعة الموبايل ولا حاجة، وأول ما تشوف المكالمات هتكلمك.
حركت وجد رأسها بنفي وغمغمت:
- لأ يا ندى، أنا قلبي متوغوش، حاسة فيه حاجة.
نهضت ندى واقتربت منها وجذبتها من ذراعيها وأجلستها بجوارها وقالت:
- إنتي بس عشان بتحبيها أوي بتخافي عليها أوي، بس صدقيني مش هيطلع فيه حاجة، وممكن موبايلها يكون صوته واطي.
زمت وجد شفتيها بعدم اقتناع، وبدأت الشكوك تتغلغل قلبها، بذات الوقت الذي صدح به رنين هاتفها، فنظرت به وسريعًا ما أجابت عندما وجدتها وسام:
- إنتي فين يا كلب البحر؟ قلقتيني عليكي، حرام عليكي يا وسام، والله لما أشوفك بس.
صدح صوت ضحكات رجولية مالوفة بالنسبة لها، فابتلعت لعابها بخوف عندما خرج صوته الرجولي الغليظ الساخر قائلًا:
- يا حرام، لو كنت أعرف إنك هتتخضي عليها أوي كده كنت كلمتك من بدري، يلا خيرها في غيرها، بس إيه رأيك في المفاجأة دي؟ حلوة مش كده؟
تمتمت وجد بخوف على صديقتها:
- مصطفى، وسام ملهاش أي دخل باللي بيني وبينك، خليك راجل وواجهني، اعمل ما بدالك فيا أنا، لكن وسام لأ، أنا ممكن أموتك فيها.
للمرة الثانية تصدح ضحكاته الرجولية وهو يتطلع بتلك المقيدة أمامه بأعين راغبة شهوانية، رافعًا يديه محاوطًا وجهها بيديه التي بدأت بالانزلاق تدريجيًا، فحركت جسدها محاولة إبعاد يديه التي تتجرأ عليها وتتلمس جسدها بطريقة بذيئة، وهمهمات بسيطة تخرج من فمها بسبب ذلك اللاصق على فمها.
- اهدا يا وحش عشان أنا مبخافش، وبعدين مش عايزاني أذيها يبقى تيجي لحد هنا وتمضيلي على التنازل وتخرج انتي وهي سالمين غانمين، ها؟ قولتي إيه؟
مسحت وجد على وجهها زافرة بضيق، وسريعًا ما غمغمت دون تفكير:
- اديني العنوان وجاية لك، وهمضيلك على اللي انت عايزه.
اتسعت ابتسامته على سذاجتها اللامتناهية وغمغم:
- حلو أوي، مستنيكي يا قطة.
***
بحديقة منزل الهلالي.
كان يسير بلا هوادة يفكر بكل ما يحدث من حوله، وفاة ابن شقيقه وانهيار شقيقه التام، وختمت باعتراف رائف له بما فعله، فكلما تذكر فعلته يشعر بنيران تنهش ما بين أضلعه.
أخرجه من تفكيره صوت حسام وجذبه إياه من ذراعيه، فنظر له داغر بتسأل:
- عمال أنادي عليك، مبتردش، سرحان في إيه؟
تنهد داغر وتمتم:
- يعني هيكون في إيه؟ في كل اللي بيحصل يا حسام، وموضوع أخوك زودها عليا.. يعني بصراحة مكنتش متخيل إنه يعمل معايا كده.
مط حسام شفتيه وقال:
- رائف أقرب واحد ليك يا داغر، وأنت عارف هو بيحبك قد إيه، وموضوع ياسمين وجعه أوي، وأنت المفروض تعذره، هو اتصرف بغباء، بس أنا عندي عشم فيك إنك تسامحه، ده ربنا بيسامح يا شيخنا، أنت مش عايز تسامح؟
ارتسمت بسمة ساخرة على وجه داغر وغمغم باستنكار:
- أنت اللي بتقول كده يا حسام؟
قطب حسام جبينه بدهشة وقال:
- أيوه أنا اللي بقول كده، وبعدين مقولش ليه يعني؟
- يعني المفروض لما تنصح بحاجة تكون بتعمل بيها، وأنت ماشاء الله مزودها أوي، ولا منك سامحت وجد ولا منك نسيت اللي حصل زمان، مع إننا بني آدمين والنسيان ده شيء طبيعي، بس أنت سبحان الله مش عايز تنسى ومش عايز تدي فرصة للغلبانة اللي بتحبك.
احتدت ملامحه وهتف بحدة:
- داغر، لو سمحت، ده شيء وده شيء، مفيش مقارنة أصلًا.
رفع داغر حاجبيه بسخرية وغمغم:
- أنا خايف تندم بعدين يا حسام.
وسريعًا ما أكمل بخبث وهو يرمقه بترقب:
- على العموم، ريح نفسك، البنت مسافرة ومش هتشوف وشها تاني.
سيطرت الدهشة على وجهه، فهي قد ظهرت له بأنها تلك الفتاة التي لا تستسلم ولن تتركه قبل أن يقع في غرامها، فأين حديثها ذلك الآن ولماذا استسلمت ورضخت لرفضه لها؟
ظل داغر يتابعه بعيون كالصقر، ورن هاتفه الموضوع بجيبه، فأخرجه مجيبًا عليه دون أن يراه، فوصل إليه صوت ندى وهي تغمغم بخوف:
- داغر، وجد نزلت من عندنا ورايحة لواحد اسمه مصطفى، واللي فهمته إنه خاطف وسام صاحبتها.
رواية طغيان قلب الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم فاطمة محمد
أشرقت شمس يوم جديد مليء بأحداث متجددة.
تندفع سيل الأشعة باستقامة لونها الذهبي يعم المكان لتعطي مشهدا بديعا دون تدخل أي يد عابثة.
تدلف الغرفة دون استئذان فيحق لها ذلك إثر الدفء الذي تهبه للجميع دون مقابل.
وعلى ذلك الفراش الواسع الوثير كان متمددين يحتضن كل منهما الآخر.
يضعها كاملة داخل أحضانه يتمسك بها بقوة ساحقاً أي فرصة بالابتعاد عنه، أما هي فكانت تدفن رأسها بعضلات صدره العريض وتذهب بسبات عميق سببه ذلك الأرق الذي تشعر به، فطفلتها لم تنم إلا في تمام الخامسة فجراً وظل داغر بجوارهم لا يريد أن ينام ويتركهم بمفردهم، يريد أن يقضي جميع أوقاته.
استيقظت الصغيرة والتي كانت النسخة الثانية من سحر عدا لون خصلاتها التي تمردت عليه وورثت لون خصلات والدها.
صدح صوت بكائها وكأنها تعترض على تركهما لها، فكانت وجد أول من استيقظت على بكائها.
فخرجت من أحضانه ودفعت الغطاء متحركة باتجاه فراش ابنتها الصغير المتواجد معهم بغرفتهم وقامت بحملها.
فلم تتوقف الصغيرة عن وصلة بكائها، فجلست وجد على الأريكة وبدأت بترضيعها، فكان لها ما ظنت، فصغيرتها جائعة حقاً.
فاتسعت ابتسامتها وظلت تتأملها وهي بين أحضانها لا تريد إخراجها.
استيقظ داغر وتململ بالفراش شاعرًا بفراغ الفراش، فمد يديه يتأكد من شكوكه فوجده خالياً.
فأعتدل بجسده قليلاً فأنتبه إليها وهي تجلس على الأريكة وقد انتهت من إرضاع صغيرتها للتو.
فقال بابتسامة مشاغبة على محياه:
- صحيت امتى الزقردة دي!!
قطب وجد جبينها بانزعاج وقالت وهي تتحرك بالصغيرة لتجلس بجواره واضعة الصغيرة على الفراش:
- زقردة في عينك.
مط داغر شفتيه وانحنى لمست صغيرته وقبلها بهدوء وحنان مفرط متمتمًا بصوت هامس:
- صباح الخير يا حياة. إيه اللي صاحي يا بت أنتي مش كفاية منيمتيناش طول الليل كمان بتصحي بدري انتي حد مسلطك علينا يا بت يا زقردة انتي.
لكزته وجد في ذراعيه بغضب والشرار يتطاير من عينيها:
- بطل زقردة دي بقى بتعصبني يا داغر متقولهاش لـ حياة تاني.
أومأ لها داغر وقال بمرح وهو ينهض عن الفراش:
- طيب مدام فينا من إني مقولهاش تاني لحياة يبقى أقولهالك انتي.
استدارت وجد برأسها وقالت من بين أسنانها بشراسة قد اعتاد عليها منذ زمن:
- لا أنا ولا هي أنا وجد وهي حياة مفيش زقردة هنا اديني بقولك اهو والله يا داغر لو قولتها تاني ما هكلمك وهخاصمك.
قلب داغر عينيه وتنهد بمرح وقال:
- ماشي يا ستي مدام بتضايقك مش هنقولها تاني.
تنهدت وجد براحة والتفتت تجاه صغيرتها مرة أخرى، فدلف داغر الحمام ولم تمر ثانية حتى أخرج رأسه من الحمام وهمهم بتفكير وبطريقة مسرحية واضعًا إصبعه على وجنتيه وكأنه يفكر بشيء ما:
- طب أفكرلك في اسم تاني بقى مدام زقردة مش عاجبك إيه رأيك في.
التقطت وجد المنبه بحركة سريعة والتفتت وهي تمسكها بيديها، فاغلق داغر الباب سريعاً قائلاً من خلفه:
- جرى يا وجد خلي قلبك أبيض اومال وبعدين أنا بهزر انت مبتهزرش يا رمضان ولا إيه.
حركت وجد رأسها بقلة حيلة والابتسامة المشرقة تتسع على وجهها من أفعاله المسرحية التي أصبح لا يكف عن فعلها، مغمغمة بهمس لطفلتها الصغيرة:
- بابا ده مجنون والله العظيم مجنون وهيجنني معاه.
***
ولجت إلى المنزل بعدما عادت من عيادة الطبيبة التي أجرت لها الفحوصات وأخبرتها بذلك الخبر الذي جعلها تشعر بمزيج من المشاعر... لا تعلم أتسعد أم تحزن.
تتذكر اللحظة التي أخبرتها بها الطبيبة بحملها والتي جعلتها الآلام تتغلغل مرة أخرى على ابنها الراحل.
اقتربت منها ندى التي كانت تجلس بجوار زياد يشاهدان إحدى الأفلام الكرتونية، فظلت تنادي عليها وهي تقف أمامها ولكن لا حياة لمن تنادي وكأنها بعالم.
رفعت يديها تحركها أمام وجهها مرددة اسمها بنبرة أعلى جذبت انتباه شقيقتها:
- حورية!!!
رمقتها حورية بنظرة زائغة مشتتة، فقالت ندى وهي تضع يديها على ذراعيها وحالة من الذعر قد تملكتها:
- مالك يا حورية إيه اللي حصل عملتي إيه عند الدكتورة اتكلمي متقلقنيش!!!
ازدردت حورية ريقها وقالت بابتسامة بسيطة ترتسم على وجهها مغمغمة:
- أنا حامل يا ندى.
اتسعت عين ندى بسعادة وضمت حورية بسعادة مغمغمة:
- حبيبتي ألف مبروك عمر هيفرح أوي.
أخرجتها من أحضانها وقالت وعيناها تجول على ملامحها التي لم تعرف إذا كانت سعيدة أم حزينة:
- انتي مش فرحانة ولا إيه يا حورية!!
تنهدت حورية وتحركت بخطوات هادئة تجاه ابنها الذي يجلس على الأرضية بجوار الأريكة، فجلست بجواره مقبلة أعلى جبهته ويديها تتلمس خصلاته بحنان وقالت بهدوء دون النظر بعينيها:
- أكيد فرحانة يا ندى بس لما الدكتورة بلغتني بالحمل افتكرت اليوم اللي عرفت فيه إني حامل في زين وزياد قلبي بيوجعني أوي على زين.
رفعت حدقتيها ورمقت ندى قائلة:
- هو أنا وحشة يا ندى يعني غلطت بجوازي من عمر!!
- ليه بتقولي كده يا حورية هو انتي مش مبسوطة مع عمر.
نفت برأسها سريعاً قائلة:
- لا طبعاً عمر حنين جداً وبيحبني أوي وأنا كمان بس أنا بتكلم في حتة إني طاوعتك انتي ووجد ووافقت على عرض عمر واتجوزنا بعد عشر شهور بس من وفاة زين....
أومأت لها ندى بتفهم واقتربت منها وجلست على الأريكة وقالت بهدوء وصدق:
- حورية انتي معملتيش حاجة غلط ومش معنى إنك اتجوزتي عمر يبقى نسيتي ابنك... الحزن في القلب... زين مدام لسه في بالك وبتفكري فيه يبقى أوعي تحسي بالذنب. وعمر مكنش يستاهل إنك ترفضي عرضه عمر بيحبك وكان عايز يحتويكي وأديكي شوفتي وقف جنبنا إزاي وكان كل يوم بيدخل يطمن عليكي ويكلم معاكي ويخرجك شوية من الحزن اللي كان مالي قلبك. عارفة الغلط كان هيبقى فين فعلاً.
حركت حورية رأسها بتساؤل تنصت لحديث أختها بتركيز، فأكملت ندى:
- لو كنتي رفضتي واحد بيحبك زي عمر.
ثم رفعت يديها ووضعتها موضع قلبها مغمغمة ببسمة بسيطة على محياها:
- الحزن بجد بيبقى في القلب مش في إنك تعتزلي الحياة....
ابتسمت لها حورية بهدوء مقتنعة بحديثها اقتناع تام، فصاحت ندى:
- يلا بقى يا ستي عايزة كِ تقومي تحضري نفسك عشان عمر لما يجي تشوفي هتقوليله الخبر الحلو ده إزاي أنا متأكدة إنه هيموت من الفرحة.
وسريعاً ما نهضت من مكانها تجذب حقيبتها، فصاحت حورية وهي تنهض خلفها:
- رايحة فين!!
التفتت ندى تنظر إليها بكامل جسدها وهي تعلق الحقيبة على ظهرها وهمهمت بمرح:
- جرى يا حاجة هو أنا موريش غيرك ولا إيه أنا عندي جامعة ومحاضرات ومسؤوليات وبلاوي سودة ده كان يوم آخر يوم ما دخلت تجارة بلس إنك لازم تفتخري بيا ده أنا شايلة مادة من سنة أولى.
ابتسمت حورية وقالت بسخرية:
- وفرحانة يا فالحة.
- هعمل إيه يعني نصيبي كده يعني كل صحابي عدوا صافي إلا أنا جت عند قرمط وشيلت يلا بقى وكفاية رغي انتي رغاية كده ليه يابا.
ابتسمت حورية على طريقة ندى العفوية المرحة وأغلقت الباب من خلفها، وسرعان ما ذهبت بجوار ابنها وقامت بحمله مقبلة إياه بجبهته للمرة الثانية على التوالي مغمعمة بحب:
- تعرف إن انت وحشتني النهاردة.
رفع الصغير عيناه ينظر لها وقال بنبرة طفولية بحتة:
- انتي كمان يا ماما وحشتي زياد أوي.
قبلته بوجنتيه اليسرى ويدها تداعب وجنتيه اليسرى مغمعمة:
- يا روحي انت. استنى بقى نكلم عمر نشوف هيرجع إمتى من الشغل.
***
على مائدة الإفطار....
كانت نظراته لا تفارقها يتطلع لها والشرار يكاد يطلق من عينيه والغيظ يتربع بداخله.
أما هي فكانت تشعر بنظراته المصوبة تجاهها، فرفعت عيناها تنظر له وسريعاً ما أخفضت نظراتها بتوتر، فالنظر بعينيه يجعلها ترتبك ويشوش عقلها.
فصاحت سعاد التي انتبهت لنظرات رائف المصوبة تجاه آلاء حتى سعدت بداخلها، فحمحمت مخرجة إياه من بركان غضبه:
- هو انهاردة أجازتك يا رائف؟
أجابها رائف وهو ينظر بالصحن أمامه مغمغم:
- أيوه يا مرات عمي.
فضربت على جبينها وقالت بكذب:
- والله الواحد ما بقى عارف الأيام من بعضها. طيب أنا هقوم أدخل المطبخ بقى أشوف هنعمل أكل إيه انهاردة بما إن العيلة كلها موجودة. صحيح هو أخوك حسام مش باين من امبارح ليه!!
ابتلع رائف الطعام المتواجد بفمه وقال بهدوء تام:
- حسام سافر بليل.
فغمغم داغر الذي هبط برفقة زوجته وابنته لتناول وجبة الفطور وقال بدهشة:
- سافر!!! سافر كده من غير ما يقول.
جلست وجد بجوار شقيقتها وابنتها على المائدة ترفض تركها، فابتسمت لآلاء التي بادلتها ابتسامتها بحب، فأكمل داغر وهو يجلس بجوار وجد.
فقالت سعاد التي نهضت متحركة تجاه حفيدتها وأخذتها من وجد التي تركتها لها على مضض:
- طب قول صباح الخير الأول يا ماما.
ابتسم لها داغر وهتف بمرح:
- صباح الخير الأول يا ماما.
- خلصي فطارك وتعالى خدي بنتك هقعد معاها عقبال ما تخلصوا فطور.
أومأت لها وجد وظلت عيناها تتابعها حتى اختفت هي وابنتها عن الأنظار، فأكمل داغر استفساره:
- سافر فين يا رائف وليه.
حرك رائف كتفيه وقال بلا مبالاة:
- سافر ألمانيا.
شرقت وجد وظلت تسعل بشدة، فناولها داغر كوب من الماء فتجرعته مرة واحدة، فربت داغر على ظهرها وقال بقلق:
- انتي كويسة يا وجد.
أومأت له برأسها ناهضة من مكانها قائلة وهي تهرول مغادرة المكان:
- هعمل تليفون و جاية تاني.
دلف غرفتها مغلقة الباب من خلفها والتقطت هاتفها الموضوع على الفراش وأسرعت بالاتصال على صديقتها عن طريق (مسنجر).
ولكنها لم تجيبها، فحاولت بكل الطرق الوصول إليها ولكنها لم تفلح.
فكزت على أسنانها وقالت بضيق:
- أكيد نايمة يخربيتك يا وسام ده وقت نوم.
دلف داغر الغرفة بعدما لحق بها، فالتفتت تنظر له، فقال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
- في إيه يا وجد!
إنتِ مش عايزة حسام يلاقي وسام ليه!
ما تسبية يصلح اللي حصل، ما انتي شوفتيه كان عامل إزاي بعد ما سافرت؟ وكم مرة سألتك على مكانها؟ وانتي عمرك ما قلبك حن عليه.
اقتربت منه وجد وهي تصرخ بحدة وغضب:
- وهي وسام كانت صعبة عليه؟ عمره قلبه حن عليها؟ البت اتخلت عن كرامتها عشان بس يحس بيها وبحبها، وهو لا الهوى! فعايزة أول ما يندم يلاقيها ويصالحها بسهولة؟ كان لازم ده اللي يحصل عشان يعرف قيمتها ويعرف قد إيه هي غالية ويبطل هبل شوية. كان عايشلي في وهم طول سنين وحملني ذنب أنا مليش علاقة بيه، وربنا يشهد على كلامي. حسام عمره ما حب إنجي، لو كان قلبه حبها مكنش دق لوسام. هو عايش بس في عذاب الضمير.
مسح داغر على وجهه براحة يديه وهمغم:
- وخلاص بقى، أظن سنة كافية أوي ليه؟ كفاية عذاب حسام اتعذب وانجرح، كفاية.
**********
على طاولة الإفطار.
نهض رائف من مكانه عقب رحيل الجميع تاركين إياهم يكملون تناول طعامهم، فجلس بجوارها وهتفت وهو يضرب على الطاولة بقبضته:
- اسمعي يا آلاء، العريس اللي جاي لك ده يترفض، وإلا والله العظيم مش هيحصل طيب.
نظرت له وقالت بهدوء تام:
- قصدك إيهاب؟
ضرب على الطاولة مرة أخرى وقال:
- أيوه، أقصد زفت.
رفعت حاجبيها والتفتت له تنظر بعينيه قائلة:
- طب لمؤاخذة في السؤال، لمؤاخذة في إيه في السؤال؟ إنت مالك؟
جحظت عيناه بصدمة لم يتوقع إجابتها تلك، فضم قبضته بغضب وصاح بجراءة غير معتادة منه:
- في إنك مش هتجوزي غيري، وإيهاب الزفت ده هترفضيه؟ عشان أنا النهاردة هكلم عمي وهتجوزك وهتبقى في حضني.
نهضت عن الطاولة بعنف وقالت بغضب:
- إنت قليل الأدب، وإيهاب هوافق عليه، وأعلى ما في خيلك اركبه.
كادت أن تتحرك من أمامه فجذبها من يديها بقوة معتصرًا يداها بقبضته، فتألمت من قوة القبضة ولكنها تحملت عن نفسها.
فاقترب منها وهتف أمام شفتيها بتحدٍ وإصرار:
- هتجوزك يا آلاء، وبرضه هتبقى في حضني وهتشوفي.
وسريعًا ما تركها مغادرًا من أمامها، وسرعان ما تبدلت ملامحها لابتسامة واسعة سعيدة بتمسكه بها ومشاعره المتبادلة.
**********
كانت نائمة بفراشها عندما ظلت تلك الطرقات الصاخبة تزعجها بنومها مسببة لها صداعًا حادًا، فنهضت من الفراش وخصلاتها مبعثرة غير مهندمة، مرتدية منامة قطنية طويلة، واتجهت تجاه الباب وقامت بفتحه بغضب تنوي الصراخ بوجهه الطارق دون معرفة هويته، ولكن سريعًا ما توقف الحديث بجوفها وجحظت عيناها عندما وجدته أمامها يتطلع لها باشتياق وحالمية، فنطق لسانه بصوت مبحوح وعيناه ترمقها بنظرات عاشق قد تألم لغياب معشوقته:
- وحشتيني يا وسام...
ظلت تطلع له بعدم تصديق واستيعاب، فسيطرت على مشاعرها الجامحة، وإن كان لسانها يكذب، فعينيها لا تكذب، تلك العينان اللتان تنظر له باشتياق ولهفة وتدور على وجهه وكأنها تشبع عينيها من رؤيته أمامها.
- إنت إيه اللي جابك؟ أنا مش عايزة أشوفك.
كادت أن تغلق الباب ولكن منعها بيديه، دالفًا إلى المنزل، مغلقًا الباب من خلفه، يتقدم نحوها بخطوات بطيئة، قابلتها هي بخطوات أخرى تعود للخلف قائلة بتوتر ودقاتها لا تكف عن الخفقان بسرعة شديدة وكأنها تريد مغادرة جسدها والذهاب لمعشوقها القاطن أمامها يبثها اشتياقه.
- حسام، بقولك مش عايزة أشوفك، امشي اطلع بره.
أجابها ودقاته هو الآخر تدق بعنف، فأنزلقت عيناه تنظر على صدرها الذي يعلو ويعبط بشدة، فقال:
- ومدام مش عايزة تشوفيني، تقدري تقولي لي ده بيدق بسرعة كده أول ما شفتني وعينك بتبص لي كده؟
ابتلعت ريقها وبدأت دموعها تتجمع بمقلتيها، وهمغمت بصوت يكاد يسمع:
- امشي يا حسام.
أنهت حديثها وظهره يلتصق بالحائط، فوقف بمواجهتها وتمتم بنبرات ونظرات متيمة:
- هيحصل بس وإنتي معايا، إحنا هنخرج دلوقتي ونطلع على السفارة ونتجوز هناك، ولو سمعت أي اعتراض مش عارف أنا هعمل فيكي إيه.
دفعته بقبضتها الصغيرة مبعدة إياه عنها، وكأنها تحرر نفسها من سحره الذي طغى عليها، وصاحت بصوت عالٍ غاضب:
- إنت فاكر نفسك إيه ها؟ أول ما تيجي تقولي عايز أتجوزك هقول لك شوبيك لوبيك؟ لأ يا حسام، تبقى بتحلم. وسام اللي اتقلبت من نفسها عشانك وعشان حبيتك خلاص مبقتش موجودة. وبعدين هو الموضوع بمزاجك؟ ما أنا ياما فضلت وراك، خليك بقى عايش على ذكريات حبيبة القلب.
أنهت حديثها وهي تدفعه مرة أخرى بصدره، تتلوى من داخلها.
فالتقط أحد يديها ووضعها على قلبه متمتمًا بحزن:
- مفيش دلوقتي في القلب غيرك يا وسام، أنا بحبك. أنا من ساعة ما عرفت إنك سافرتي وأنا بحاول أوصلك، وحاولت مع وجد كتير بس هي كانت مصممة متقوليش حاجة. وأول ما عرفت أوصلك، جيت لك من غير ما أفكر. أنا غبي، بعترف أهو، أنا فعلًا غبي عشان ضيعت سنة من عمرنا وسبتك تبعدي عن عيني.
هبطت الدموع من عينيها وهي تستمع لحديثه، وحالة من السعادة قد سيطرت عليها، فلم تكن تتخيل بأنها ستسمع ذلك الحديث، ظنته حلمًا، وها هو حلمها يتحقق، ومعشوقها يقف أمامها يعتذر لها ويعترف بمشاعره لها.
رفع يديه ومسح دموعها التي انهمرت، فحاوطت يديه التي مسحت على وجنتيها وقامت بتقبيلها، فقام بتقريبها منه وقبل وجنتيها مغمغمًا بنبرة محبة:
- وحشتيني أوي يا وسام، متتخيليش كنت مفتقدك إزاي.
رفعت عينيها وقالت:
- وإنت كمان يا حسام، وحشتني أوي.
اتسعت ابتسامته وابتعد عنها على مضض متمتمًا وهو يمسح على جبينه:
- يلا بينا بقى عشان أكتر من كده ممكن أتجنن.
اتسعت ابتسامتها مدركة ما يقصده، فحرك رأسه قائلًا:
- يلا، غيري عشان نطلع على السفارة.
**********
في جامعة القاهرة.
وصلت ندى وأخرجت هاتفها محاولة الاتصال على إسلام، الذي خلال السنة الماضية علمت بوجوده معها بنفس الجامعة، وتوطدت علاقتهم كثيرًا وأصبحا أصدقاء مقربين، وسرعان ما تحولت صداقتهم لعشق كبير لا يليق بعمرهم الصغير.
- فينك يا نودي؟ بقالي ساعة مستنيكي.
- أنا في الجامعة، إنت فين؟
- عند المدرج بتاعك، تعالي وهتلاقيني قدامك على طول.
- تمام، أنا جاية.
أغلقت معه واتجهت باتجاه المدرج، والتقطته عيناها، فاقتربت منه بابتسامة محبة:
- واقف بقالك كتير.
نظر بساعة يديه:
- من ربع ساعة بس. إنت إيه اللي أخرك كده؟
أومأت له وصاحت قائلة بسعادة:
- مش هتصدق، حورية حامل يا إسلام! أنا مبسوطة أوي عشانها.
اتسعت ابتسامته وقال:
- بتكلمي جد؟
- آها، جد الجد كمان. إنت مش متخيل بجد أنا عاملة إزاي من ساعة ما عرفت الخبر.
- ألف مبروك، النهارده هكلمها وأبارك لها هي وعمر، وعقبالي أنا وإنتي يارب.
لكزته قائلة بخجل:
- مش لما نخلص الأول يا فالح.
صاح بتهكم واستنكار:
- نخلص إيه يا عنيا؟ اسمها أخلص أنا. هخلص سنة رابعة دي ونتجوز، وكملي السنتين اللي فاضلين وإنتي مراتي.
تورّدت وجنتيها بخجل أثار إعجابه، فتمتمت بتوتر متفادية النظر بعينيه:
- طيب، هشوفك بعد المحاضرة بقى، سلام.
- اهربي اهربي، بس هتروحي مني فين يعني.
**********
ولجت سعاد غرفة زين وزياد، والتي اتخذها عدى غرفة له من بعد استقرار ابنه مع حورية، فوجدته يلملم سجادة الصلاة، فاتسعت ابتسامته المشرقة مغمغمًا:
- حرمت يا بني.
أجابها عدى، الذي ظهرت عليه سبابة الصلاة وتلك اللحية الخفيفة التي تزين وجهه، وأجاب على والدته بهدوء وبسمة على محياه:
- جمعت إن شاء الله.
- مش هتنزل تقعد معانا؟
أومأ لها وهمغم:
- لا طبعًا، هنزل أقرأ بس الورد اليومي وهحصلك على طول.
اقتربت منه سعاد ورتبت بخفة على ذراعيه قائلة بعيون لامعة:
- إنت مش متخيل فرحتي بيك يا عدى، التغيير اللي حصل لك ده مفرح قلبي أوي يا بني.
تنهد عدى ومسك يديها مقبلًا إياهما:
- ربنا يفرح قلبك دايمًا يا أمي.
تهللت أساريرها وقالت:
- وأنا مش هيريح قلبي غير لما أشوفك متجوز. دي الحاجة الوحيدة اللي مضايقاني، نفسك تلاقي بنت الحلال اللي تكمل حياتك.
تنهد طويلًا متذكرًا حورية التي تزوجته منذ ما يقارب من شهرين، وعن علمه بذاك الشيء لم يحاول الوقوف أمام سعادتها، بل كان مرحبًا جدًا، متمنيًا أن يفعل عمر ما لم يستطع هو فعله.
فصاحت سعاد مرة أخرى:
- ها يا عدى؟ هتشوف عروسة يا بني؟
مط شفتيه بأسف وقال:
- أنا آسف يا أمي، بس أنا مبفكرش في الجواز حاليًا، بس أوعدك أول ما ألاقي نفسي مستعد للخطوة دي مرة تانية هنفذها.
*********
ولج عمر المنزل وعيناه تبحث عن حورية، فوجد صغيرها يجلس بالصالون، فارتسمت ابتسامة على وجهه واقترب من زياد قائلًا:
- الجميل عامل إيه النهارده؟
رفع الصغير وجهه ينظر لها مغمغمًا:
- كويس، تعالى يا عمر اتفرج معايا على الكرتون.
- كرتون؟ كرتون إيه ده؟
ردد الصغير بطفولية:
- توم، يا عمر إنت متعرفهوش؟
ابتسم عمر بمرح وهمغم:
- وهو في حد ميعرفش توم؟ هي حورية فين؟ سايباك لوحدك ليه؟
- ماما في المطبخ بتعمل عصير لزياد عشان زياد بيحبه.
أومأ له وزم شفتيه بطفولية، ونهض من جواره متجهًا ناحية المطبخ، وما إن دلف حتى وجدها تتحرك برشاقة مثل الفراشة، تعد لابنها كوبًا من العصير، فجاء من خلفها واحتضنها هامسًا بجوار أذنيها:
- حوريتي، وحشتيني.
شهقت بخفوت واضعة يديها على فمها قائلة وهي تلتفت له ليصبح وجهها بمقابل وجهه:
- وبعدين يا عمر، بطل تدخل المطبخ من غير صوت، قلبي بيقع في رجلي، حرام عليك.
أقترب عمر بوجهه منها مداعبًا أنفه بأنفها قائلًا:
- أنا آسف يا قلب عمر، بس حقيقي مش قصدي أخضك. المهم، بتعملي إيه؟
أجابته وهي تعود لما كانت تفعله:
- بحضر عصير لزياد.
أومأ لها قائلًا:
- طب وعمر حبيبك ملهوش عصير هو كمان؟
تنهدت ونظرت له قائلة:
- إزاي طبعًا ليك. ثم إني عايزة أكلم معاك.
قطب جبينه وقال:
- خير يا حورية.
تركت ما بيدها وابتلعت ريقها وتناولت يديه ووضعتها على بطنها وهتفت:
- أنا حامل يا عمر.
اتسعت عيناه وظل ينظر على بطنها تارة وعلى وجهها تارة أخرى، وسريعًا ما ضمها داخل أحضانه مغمغمًا:
- يااااه، أنا مش مصدق نفسي، أنا حاسس إني هطير من الفرحة. هيبقى عندي ولد منك، حتة منك معايا، أنا مبسوط أوي يا حورية.
ضمته هي الأخرى وقالت:
- إنت بجد مبسوط يا عمر؟
أخرجها من أحضانها وهمغم:
- مبسوط وبس؟ إنت مش عارفة أنا كنت بتمنى اللحظة دي إزاي يا حورية، وخلي بالك لو ولد هنسميه زين، إنتي سامعة؟
لمعت عينيها وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز وهمغمت بصدمة احتلت كيانها:
- ده حقيقي؟ يعني إنت معندكش اعتراض؟ أنا كنت خايفة أقول لك تضايق.
حاوط وجهها وهمغم:
- أضايق؟ إنت هبلة يا حورية؟ أنا متعرفيش أنا بحبك إزاي، وبعدين أنا واعد نفسي من أول ما اتجوزنا إن لو جالنا ولد مش هيتسمى غير زين.
تحررت دموعها واحتضنته بقوة هاتفة:
- أنا بحبك أوي يا عمر، بحبك أوي.
- وأنا كمان يا روح عمر.
**********
في المساء.
دلف محمود غرفة آلاء التي كانت تقرأ إحدى الروايات، وما إن رأته حتى تركت الكتاب من يديها مبتسمة له، فجلس بجوارها وهمغم براحة:
- مقولتيش ليه يا آلاء؟
- مقولتلش إيه يا بابا بالضبط؟
- إنك إنتي ورائف بتحبوا بعض.
اتسعت عيناها وصاحت بصدمة:
- نعم!!
أيوة رائف حكى لي كل حاجة وقال لي إنكم بتحبوا بعض وإنك بلغت إيهاب برفضك وإنكم حابين تتجوزوا بأسرع وقت.
جعلتها الصدمة تبتلع لسانها ولا تقدر على الحديث، فأكمل محمود بابتسامة:
أنا بصراحة طاير من الفرحة، يعني أنا مش عايزة حاجة أكتر من إني أطمن عليكي انتي وإسلام وجد. أنا مطمن طول ما داغر معاها، ورائف ما يتخيرش عن داغر، الاتنين زي بعض. وحقيقي أنا مبسوطالك جداً يا آلاء. وأنا ورائف اتفقنا إن كتب كتابكم هيبقى آخر الأسبوع.
فصاحت بصدمة بعدما خرج صوتها:
بالسرعة دي يا بابا؟
خير البر عاجله يا بنتي، وبعدين مش انتوا بتحبوا بعض، لازمته إيه التأخير بقى؟
ابتلعت ريقها وأومأت له بموافقة قائلة بخفوت:
معاك حق يا بابا، التأخير مالهوش أي لازمة.
***
خرجت من المرحاض وهي ترتدي منامة قطنية وتجفف خصلاتها بالمنشفة، واقتربت من داغر الذي يداعب ابنتها حياة بابتسامة على وجهه، فهتف داغر:
على فكرة حسام كلمني وهو ووسام اتجوزوا.
إيه بالسرعة دي!!! طب ما استنوش ليه لما يرجعوا؟
حرك كتفيه قائلاً:
هما حريين بقى يا وجد.
انحنت وجد تجاه ابنتها قائلة بمداعبة:
انتي لسه منمتيش، انتي مستنية مامى يا روحي، تعالي يا قلبي أنا هنيمك، بابا طلع فاشل وما عرفش ينيمك.
يا بنتي انتي لسانك ده متبري منك، أمك كانت بترضعك إيه وانتي صغيرة؟
اتسعت عيناها وقالت وهي تضم ابنتها لأحضانها:
احيييه يا داغر، سحر بقالها كتير ما كلمتنيش.
وهتكلمك ليه، هي فاضيالك دي في هاني مون مع عريسها؟
عريس!! ده عريس الندامة، أنا ماما كل ما تكبر بتخرف أكتر وأكتر، وآخرتها رايحة تجوز عيل أصغر منها بـ 15 سنة.
هشششش حياة نامت، اسكت.
تحركت بصغيرتها تجاه الفراش ووضعتها به، ثم تحركت تجاه الفراش، فجذبها داغر من ذراعيها ودفعها على الفراش قائلاً بمكر وهو يقترب منها:
هو أنا قلت لك إنك وحشتيني انهاردة ولا ما قلتش؟
ضحكت بخفة وقالت وهي تحاول النهوض:
أيوة قلت، سيبني بقى.
منعها من الحركة بجسده وقال بمرح وصوت خافت:
بس أنا مش فاكر إني قلت، فمش هيحصل حاجة لو قلت تاني يعني.
**********
بنهاية الأسبوع
هتف المأذون قائلاً:
بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير.
تنهد رائف براحة والجميع من حوله يباركون له يهنئونه على تلك الزيجة من ابنة عمه التي خطفت قلبه وآسرته بفترة قصيرة.
وأقترب من آلاء هامساً بأذنيها بعدما انشغل الجميع عنهم:
مبروك يا عروسة.
عضت شفتيها من الداخل بخجل وهمهمت:
الله يبارك فيك.
فصاح هو:
بقولك إيه، أنا بقول أنا شوية كدة ونخلع، وما حدش هياخد باله أصلاً.
هتفت بأنفعال:
لا طبعاً مينفعش، يقولوا عننا إيه؟
يقولوا إيه!!!
ما يقولوا اللي يقوله، أقول لك هي نوت في دماغي وهنطلع دلوقتي.
***
وسحبها بسرعة من ذراعيه فوقف داغر وغمغم بمكر وبراءة مزيفة:
- إيه ده يا رأيف، رايح فين؟
امتعضت ملامح رائف وهتف من بين أسنانه:
- يا عم وانت مالك، وسع.
- أوسع إيه بس، رايح فين بجد؟
- هكون رايح فين يعني يا أبو المفهمومية.
خفضت آلاء رأسها بخجل ولم تستطع النظر في عين داغر، فصدحت ضحكات داغر وكاد رائف أن يتحرك، فغمغم داغر بجانب أذنيه:
- يعم احترمتي، ده أنا حتى هغطي عليك.
حرك رائف رأسه بضيق وصعد للغرفة.
وما أن دلف حتى صرخت به آلاء:
- عجبك كده؟ أوري وشي لداغر بعد كده إزاي؟ كسفتني، الله يكسفك، حد يعمل كده يا مجنون.
- أنا عملت وعايز أقول لك إني بعشقك يا آلاء، بعشقك.
أما بالأسفل، فكانت وجد برفقة وسام وحورية، ووسام لا تكف عن مداعبة حياة الصغيرة، فصاحت حورية بعدما رمقت شقيقتها التي تتركها منفردة واقفة مع إسلام يتسامرون والابتسامة تعلو ثغرهم:
- بنات صحيح، نسيت أقول لكم.
صاحت وجد:
- خير يا حورية؟
- أنا حامل.
شهقت كل من وجد وسام بفرحة واحتضنوها، فصاحت:
- هشش، يخربيتكم هتفضحوني.
- إنتي بتكلمي جد؟ أنا مبسوطة أوي، ربنا يكملك على خير يارب.
رفعت حورية يدها تمسد على بطنها مرددة من خلفها:
- يارب يا وجد، يارب. عمر عرف؟
أماءت لها قائلة:
- أيوه عرف، وكان هيطير من الفرحة.
فصاحت وسام:
- طب ما حكاش معاكي ليه؟
زمت شفتيها بأسف وقالت:
- قولته ومرضيش، وبعدين الموقف محرج، متنسوش إن إيهاب كان عايز يتجوز آلاء.
وبإحدى الزوايا البعيدة نسبيًا، كان عدي يضم ابنه لأحضانه يتسامر معه، فهو لا يراه سوى يوم في الأسبوع قد حدده مع حورية.
- أخبارك إيه يا بطل؟
ابتسم الصغير بطفولية قائلاً:
- كويس يا بابا.
- إلا قول لي يا زياد، هو أنا مبوحشكش؟
حرك الصغير رأسه بنفي متمتم:
- لا، بتوحشني، ولما بقول لماما أو أنكل عمر بيخلوني أكلمك.
قبل أعلى جبهته وغمغم بحنان:
- عمر كويس معاك؟
أماء الصغير له برأسه عدة مرات متتالية وقال:
- أها، وبيجيب لي لعب وحاجات حلوة كتير، وبالليل بيحكي لي حدوتة.
لاح الحزن بعينيه ونظر تجاه حورية والندم يعتريه لتركه إياها وانجرافه خلف شهواته، فما كانت النتيجة سوى حرمانه من عائلته وابنه الذي يتربى بكنف رجل آخر غيره. آخر علم قيمتهم وعاملهم بما يستحقون.
قطع الصغير أفكاره قائلاً بتساؤل:
- صحيح يا بابا، مش أنا هيبقى عندي زين تاني؟
قطب جبينه ودق قلبه بعنف وغمغم:
- إزاي يا زياد؟
- ماما بتقول إنها حامل، وأنكل قال لي إنهم هيسموه زين.
ابتلع تلك الغصة المريرة وقاوم دموعه التي أرادت التحرر، يتمنى لو يعود به الزمن، ما كان يتخلى عنها، فلولا أفعاله لكان الآن يعيش بسعادة معها ومع أبنائه الذي رحل أحدهم ضحية لأفعاله.