تحميل رواية طغيان قلب بقلم فاطمة محمد pdf
بقلم فاطمة محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بأحدى الدول الأوربية، وتحديدًا داخل إحدى الغرف التي يسودها اللون الأسود، تململت بنومها عندما وصل إلى عينيها تلك الإضاءة التي جعلتها تنزعج كثيرًا. رفعت رأسها عن تلك الوسادة لتنظر باتجاه تلك النافذة التي تعلم جيدًا من الذي قام بفتحها. اقتربت منها تلك الفتاة التي كانت تقف بجوار النافذة، وابتسامة جذابة على وجهها، وخصلاتها السوداء الطويلة تنساب على وجهها بنعومة، وهي تغمغم بابتسامة مشاكسة: - صباح الخير. فتحت وجد عينيها بانزعاج وهي تقول بتأفف: - خير، وهيجي منين الخير وأنتي كل يوم تعملي فيا العملة المهب...
رواية طغيان قلب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم فاطمة محمد
التفت "حسام" عاقدًا حاجبيه قائلًا بدهشة:
- يعني إيه اختفت؟ هتكون راحت فين يعني؟
حرك "رائف" كتفيه مغمغمًا:
- مش عارف، أنا آخر مرة سبتهم في المستشفى، أكتر من كده معرفش.
كل هذا تحت نظرات "وجد" التابعة لهم ولحديثهم، حتى تهرب من تلك النظرات التي تلاحقها.
فصاح "حسام" وهو يزفر بضيق:
- طب يلا اتحركوا، أنا مش هعرف آجي معاكم.
أماء له "رائف" ورمق "داغر" المنشغل بتلك الواقفة أمامه، والذي لم يستطع أبعاد نظراته عنها، وكيف يبعد ويمنع عينيه عنها؟ ألا تعلم كم يشتاق إليها؟
فالتفت "إسلام" تجاهها، رامقًا إياها بتأثر ممزوج باشتياق، وبحركة غير متوقعة اقترب منها ضاممًا إياها داخل أحضانه.
ضم "داغر" قبضته ورفع يديه جاذبًا خصلاته بعنفوان، فكم يشتاق ويتمنى أن يضمها لأحضانه وألا يخرجها أبدًا.
فغمغم "إسلام" بهمس:
- وحشتيني يا وجد، ومبسوط عشان رجعتي، متتصوريش وحشتيني إزاي.
ظلت جامدة بين أحضانه، وعيناها تطلع بداغر الذي تقابلت عيناهما بنظرة طويلة، نظرة اختلطت بالعديد من المشاعر، سواء كانت ندم، اشتياق، ترجى، غضب، أو عشق جارف مزق قلوبهم تمزيقًا.
ابتعدت "وجد" عن أحضانه، مخفضة نظراتها عنه، زافرة بضيق.
فقال "رائف" بأنزعاج:
- إيه يا شباب؟ هنفضل واقفين كده كتير؟ مش يلا ولا إيه؟
فصاح "داغر" وعيناه تائهة، لامعة ببريق مشاعره التي سيطرت عليه بتلك اللحظة:
- إسلام، روح مع رائف.
رفع "حسام" حاجبيه وقال:
- وأنت؟
- أنا هتكلم مع وجد.
تشنجت عضلات وجهها، واقتربت منه قائلة بتحدٍ وإصرار جعل ابتسامة بسيطة تلوح على وجهه:
- وأنا مش عايزة أتكلم معاك.
وسريعًا ما التفتت تجاه "حسام" الذي يرمقها بكره، قائلة:
- وأنت، أنا مكنتش أعرف إنه المعرض بتاعك، لو كنت أعرف مكنتش عتبته.
فقال "رائف" بنفاذ صبر:
- إسلام، يلا بينا.
تردد "إسلام" كثيرًا، لا يريد أن يغادر خوفًا من أن لا يراها مرة أخرى، فنظر تجاه "داغر" الذي أومأ له برأسه بحركة بسيطة.
فتنهد طويلًا وقال بأستسلام:
- يلا بينا.
وسريعًا ما تحرك "إسلام" برفقة "رائف" مغادرين المرسم، متجهين ناحية المنزل.
أما "وسام" فكانت تراقب ما يحدث بتوتر وقلق شديد، وعقب مغادرة "إسلام" و"رائف" أقتربت بخطى هادئة من كلا من "وجد" و"داغر" و"حسام".
وما أن اقتربت وكادت أن تتحدث حتى رمقتها وجد بغضب جحيمي جعل الخوف يدب بقلبها.
فتحركت "وجد" بأندفاع، مغادرة المرسم، و"داغر" خلفها يلاحقها، فهو لن يتركها تلك المرة، لن يكرر خطأه السابق ويجعلها ترحل بتلك السهولة، فعليه تعويضها وإسعادها.
وما لبثت أن تغادر "وسام" خلفها حتى توضح لها ما حدث، ولكن منعها التفات "حسام" لها، قائلًا بابتسامة مصطنعة أستطاعت تمييزها:
- قولتيلي بقى اسمك إيه؟
ابتلعت ريقها وعيناها زائغة، تطلع على المكان الذي ذهبت منه "وجد"، وبين "حسام" معشوقها الذي تلهفت لرؤياه، والذي يقف أمامها مستفسرًا عن اسمها.
فأجابته بأبتسامة بسيطة:
- وسام، اسمي وسام.
أما بالخارج.
لحق "داغر" بها واقفًا أمامها، وأنفاسه لاهثة متسارعة، مغمغمًا:
- انتي رايحة فين يا وجد؟
أغمضت عينيها، فظن أنها تنزعج منه، جاهلًا بأشتياقها إليه ولصوته الهادئ الحنون.
فتحت عينيها وقالت بغضب مزيف:
- داغر، أنا مش عايزة أتكلم ومش عايزة أشوف حد فيكم، وزي ما قلت جوة، لو كنت أعرف إني هشوفكم هنا مكنتش جيت.
اقترب منها بخطى هادئة، محافظًا على بعض المسافة بينهم، محاولًا تفادي النظر إليها مثلما كان يفعل، ولكن تلك المرة يشعر بعدم قدرته على النظر إليها، فبعد غيابها تلك السنوات ازدادت مشاعره تجاهها، فكيف تكون أمامه ولا يشبع عيناه منها؟ ولكن استطاع السيطرة على تلك المشاعر وتلك الرغبة، مغلقًا عينيه لوهلة، محاولًا استجماع قوته وشجاعته، قائلًا بنبرة غير مألوفة بالنسبة لها:
- اسمعيني، لو كنتي فاكرة إني ممكن أسيبك تمشي المرة دي تبقي غلطانة، أنا مش هسيبك يا وجد، مش هسيبك، مش هكرر غلطي تاني وأسيبك.
صمت قليلًا، فأبتلعت ريقها، رافعة عينيها للسماء تناجي ربها أن يعطيها القوة والتحمل، فهي على وشك البكاء، وكيف لا وهو أمامها مخبرًا إياها بذلك الحديث.
فأكمل "داغر" حديثه بصدق، قائلًا بحزن دفين، ويداه تتحرك مع حديثه، محاولًا بثه مشاعره التي يظن بأنها لا تشعر بها:
- انتي متعرفيش أنا إيه اللي حصل معايا في غيابك، أنا مكنتش عايش يا وجد، مكنتش عايش، النفس اللي بتنفسه كان بيخرج بصعوبة، عارفة يعني إيه بصعوبة؟ عارفة يعني إيه أرجع كل يوم من الشغل نص الليل عشان مش عايز أروح بدري وأقعد أفكر فيكي؟ طول الأربع سنين كنت بلهي نفسي في الشغل يا وجد، وياريته كان نافع، ياريته، ياريت قدرت أنساكي، بس أنا مقدرتش.
ضغط على شفتيه وتحرك ذهابًا وإيابًا، وهو يشدد من الضغط على خصلاته بيديه، قائلًا:
- عارفة كام مرة طلبوا مني إني أنساكي وأتجوز وأعيش حياتي؟ بس أنا اللي مكنتش عايز، عشان أنا مش عايز غيرك، أنا وانتِ مقسومين لبعض يا وجد، ومن زمان، بس انتي اللي بعدتي.
قال كلماته الأخيرة وهو يطلع لها بلهفة، منتظرًا إجابتها على حديثه، ولكن رد فعلها صدمة وكثيرًا، فتحدثت بأنفعال ممزوج بغضب شديد:
- والمفروض إنك لما تقول لي الكلام ده كله أقول لك خلاص أنا سامحتك ونسيت كل اللي عملته؟ زعلان من رد فعلي اللي هو نتيجة لأفعالكم أنتوا، أنتوا اللي خذلتوني مش أنا، والمفروض لما تيجي وتقول لي أنا آسف وأنا ندمان، إني أقول لك، وماله يا حبيبي محصلش حاجة، ولا كانك عملت حاجة، أصل أنا قلبي بزرار، أول ما أدوس عليه هنسى كل حاجة، مش كده؟ انسوا، سامع، انسوا إني أسامحكم، وأنت أولهم يا داغر.
أنهت كلماتها وهي تتحرك أمامه، مستقلة إحدى سيارات الأجرة التي أوقفتها، تاركة إياه بندمه الذي ينهشه.
وما إن رآها مغادرة حتى هرول تجاه سيارته، مستقلًا بها يسير خلف السيارة التي استقلتها، واعدًا نفسه بأنه يتركها وسيُجعلها تنسى كل شيء، ولكن صبرًا فمسامحتها لن تأتي بسهولة، فحبيبته ذات رأس يابسة.
ترجل "رائف" و"إسلام" من السيارة ودلفا إلى الفيلا، فرحب بهم كل من "سلامة" و"هاني" و"سعاد" و"هدى" الذين كانوا يجلسون بالصالون.
فقالت سعاد باستفسار:
- الله، أنتم إيه اللي رجعكم بدري؟
فأجابها "رائف" وهو يزفر غير مبالٍ بحديثها:
- هو عدي فين؟
امتعضت ملامحها وقالت:
- قاعد فوق مع السنيورة، هيكون فين يعني.
أماء لها وعيناه تبحث عن "ياسمين" الغائبة والتي لم ترد الذهاب معهم، أما الباقي فلم يخبرهم "حسام" ليحضروا معه.
صعد "رائف" إلى الطابق العلوي، وبقي "إسلام" معهم، فقال باستفسار وعيناه تبحث عن والده:
- أومال بابا فين؟
أجابته "هدى":
- فوق في أوضة آلاء قاعد معاها.
أماء لها بتفهم، فمنذ ما حدث مع شقيقته وهي تعتزل الجميع ولا تفارق غرفتها، رغم جلساتها مع العديد من الأطباء، ولكن لا يوجد تحسن بحالتها، فأصبحت فتاة غير الفتاة التي كانت عليها سابقًا، فهي تخرج من غرفتها من حين لآخر.
أراد "إسلام" إخبار والده عن عودة "وجد"، ولكن من الواضح أنه لن يتمكن من إخباره في الوقت الحالي.
بالطابق العلوي.
خرج "عدي" من غرفته وابتسامة ساخرة على وجهه، متمتمًا بسخرية:
- خير يا أستاذ رائف، يا ترى إيه هي الحاجة المهمة اللي تخليك تجيلي في الوقت ده وسايب معرض حسام؟
مسح "رائف" على وجهه وقال:
- حورية.
قلب "عدي" عينيه بملل وزهق قائلًا بتهكم:
- مالها؟ انتحرت ولا إيه!!!!!
ضيق "رائف" عينيه وقال بدهشة مرددًا كلماته:
- انتحرت!!! أنت متأكد إنك بتحبها يا عدي؟
قاطعه "عدي" بغلظة مغمغمًا:
- كنت… واخد بالك من كنت دي… هي دلوقتي ولا حاجة بالنسبة لي، غير إنها أم ولادي، أكتر من كده مفيش… الوحيدة اللي في قلبي دلوقتي هي مي…
قاطعه "رائف" بعدم تصديق:
- أنت بتقول إيه يا عدي؟ أنا مش مصدق وداني، بقى أنت اللي بتقول كده؟
التفت "عدي" ناظرًا حوله، وبعدها قال بابتسامة سذاجة:
- أنا مش شايف حد غيري، وأه أنا اللي بقول كده، فأنجز بقى وقول فيه إيه، ومالها ست زفت دي؟
فأجابه "رائف" بانفعال دون أي مقدمات:
- حورية اختفت يا عدي، بعد ما وصلتها البيت النهاردة وجيت أمشي، تعبت واغمى عليها، ونقلتها أنا وأختها المستشفى، ودلوقتي هي مش موجودة وأختها منهارة.
رفع "عدي" حاجبيه وقال بتفكير مصطنع:
- أيوه، عايز إيه بقى؟
غضب "رائف" من بروده:
- أنت إيه البرود اللي أنت فيه ده؟ بقولك مراتك اختفت، تقول لي عايز إيه بقى؟ أنت إيه اللي حصلك بالظبط بس عشان نبقى فاهمين!!
صاح به "عدي" صارخًا به:
- بقولك إيه يا عم رائف، متزعقش ومتعليش صوتك عليا، أنا مش عيل صغير، وبعدين أيوه عايز إيه مني؟ واحدة عاملة حبتين عليكم وبتشتغلكم، ولو دخل عليكم الكلام ده، مهو ما يدخلش عليا، ولما تلاقوها، قولها قديمة أوي الحركة دي يا مدام حورية… ولا حورية إيه دي، مبقتش حورية خالص… دي بق…
ما كاد يكمل حتى قام "رائف" بلكمه على وجهه قائلًا بغضب أعمى وهو يغادر من أمامه:
- أنت بني آدم مش محترم و***** عشان تكلم عليها بالطريقة دي.
تململت "حورية" بذلك الفراش الوثير الواسع، فتحت عينيها ببطء شديد، فكانت رؤيتها مشوشة قليلًا، فاعتدلت بالفراش رافعة يديها ماسحة على عينيها المنتفخة، وسريعًا ما انتبهت لتلك الغرفة غير المألوفة لها، فعبست جبينها وازدرقت ريقها، ونهضت من على الفراش نازعة ذلك الغطاء، مقتربة من الباب محاولة فتحه، ولكنها لم يفتح معها، فظلت تطرق على الباب بعنف.
- افتحولى الباب ده، أنا فين؟ حد يفتحلي ياللي هنا، افتحولى.
سمعت صوت خطوات قادمة، فزادت من طرقها على الباب متمتمة:
- افتحولى الباب، أنا فين؟
سمعت صوت المفتاح وهو يدور بالباب، فابتعدت عن الباب، وما إن ابتعدت حتى فُتح وظهر منه ذلك الشاب مفتول العضلات، وسيم الوجه، وخصلاته طويلة.
عادت بظهرها للخلف عدة خطوات وهو ترمقه بنظرات متسائلة عن هويته وما الذي يريده منها، فقالت بشفتيها مرتجفة:
- أنت مين؟ وأنا بعمل هنا إيه؟ عايز مني إيه؟
أقترب منها الشاب بخطوات هادئة وعيناه ترمقها بعشق وحب دفين واشتياق جارف، فظلت تعود بخلفها خوفًا منه ومن نظراته التي تكاد تلتهمها وتفتك بها.
أشارت له بيدها حتى يتوقف عن اقترابه المريب، ذلك قائلة:
- أنت بتقرب كده ليه؟ خليك مكانك، والله أصوت وألم عليك الناس.
ارتسمت ابتسامة بسيطة على ثغره وقال بحب وهو يمد يديه ممسدًا إلى وجنتيها:
- لسه شرسة زي ما أنتِ يا حورية.
جحظت عيناها وظلت ترمقه بعدم تصديق، محركة رأسها بعدم تصديق، فها قد علمته من صوته، وكيف لها أن تنسى ذلك الصوت الذي لازمها لسنوات طويلة، محاولًا سلبها أعز ما تملك، وكانت تكره مثلما تكره أحدهم من قبل، والذي اختفى من حارتهم عدة سنوات، ولن يعلم أحد إلى أين ذهب وماذا فعل.
فقالت اسمه بصدمة:
- أمير!!!!!!!!!!!!!!
أماء لها ولا تزال يديه تمسد على وجنتيها باشتياق، أما هي فظلت تنظر له والصدمة تعتريها، فكيف تغير مظهره وهيئته لتلك الدرجة، فكم أصبح وسيمًا……
فاتسعت ابتسامته بسعادة وهو يراقب عينيها تتفحصه بعدم رضا. فغمغم:
- اتغيرت مش كده؟ شوفتي عمليات التحميل بتعمل إيه؟ بس إيه رأيك بقيت أحلى من جوزك صح؟
أغمض عينيه لوهلة، وبعدها نطق مصححًا ذلك الخطأ وهو يبتعد عنها متجهًا ناحية الأريكة المتواجدة بالغرفة وجلس عليها واضعًا قدمًا فوق الأخرى.
- قصدي طليقك.
خرجت من صدمتها وقالت بترقب:
- وانت عرفت منين إننا اتطلقنا؟
دوت ضحكته العالية بالغرفة وقال:
- هيكون من مين يعني؟ من حبيبة القلب مراته التانية اللي فضلها عليكي. مي يا حورية.
أقتربت منه وأنفاسها تتسارع، وبدأ صدرها يعلو ويهبط من شدة انفعالها.
- وانت تعرف مي منين؟
اختفت ابتسامته وقال بفحيح الأفاعي:
- أعرف مي منين؟ دي مي دي أنا اللي زقتها على جوزك المحترم، والشهادة لله مخدش في إيدها غلوة.
نهض من مكانه مقتربًا منها مرة أخرى وعينيه تجول على ملامحها وتفاصيلها قائلًا بغيظ:
- شوفتي بقى اللي فضلتيه عليا عمل فيكي إيه؟ وباعك بالرخيص إزاي؟ تعرفي إنه كان بيكلم عنك بطريقة وحشة وهو مع الهانم التانية، وقال إيه مكسوف يطلع معاكي قدام الناس، مكسوف من شكلك. بني آدم غبي، أنا لو كنت مكانه مكنتش عملت معاكي زي ما جنابه عمل، عشان أنا حبيتك بجد يا حورية، بس هو محبكيش، هو حب شكلك، ملامحك الحلوة، لكن حورية ذات نفسها محبهاش.
لمعت عينيها بالدموع، شاعرة بالخزي مما فعله بها. تعلم أنه لا يستحق أي من تلك الدموع، ولكن الأمر ليس بيدها. ورغمًا عنها هبطت دموعها على وجنتيها، فرفع يديه مزيلًا تلك الدموع وقال بغلاظة:
- بتعيطي يا حورية؟ بتعيطي عشان ال**ده؟ ده ميستحقش.
ثم جذبها من ذراعيها بعنف قائلًا بعنف:
- أنا بس اللي استحقك. أنا بس يا حورية، انتي سامعة؟ ومن النهاردة انتي بقيتي ملكي. وبعد تلت شهور هنتجوز، وخلال الفترة دي هسيبك تتعودي على شكلي الجديد اللي أنا واثق إنه عجبك وهييعجبك أكتر وأكتر.
قال كلماته وهو ينحني باتجاهها يريد أن ينال ما لم يناله، ولكنها سرعان ما انتبهت إليه فقامت بدفعه عنها بغلاظة وحدّة قائلة:
- ابعد عني يا حيوان انت.
جز على أسنانه مرددًا كلماتها:
- حيوان؟ وماله، أنا هخرج دلوقتي، وأهو هسيبك تهدّي شوية.
وما كاد أن يخرج حتى ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه، فالتفت إليها وقال:
- حورية.
نظرت له بكره، فتمتم هو قبل مغادرته الغرفة:
- الكل دلوقتي عارف إنك اختفيتي وبيدوروا عليكي وقلقانين عليكي، ما عدا هو قاعد في حضن السنيورة. ولما عرف إنك اختفيتي، كان رده إن ده اشتغالة منك وإنه مبيحبش غير مي وبس.
***
ولجت "وسام" إلى المنزل ووضعت المفتاح على تلك المنضدة وعينيها تبحث عن "وجد" مرددة اسمها بصوت خافت:
- وجد، وجد.
خرجت "وجد" من غرفة "وسام" وملامح وجهها لا تبشر بالخير.
فابتلعت "وسام" ريقها واقتربت منها وهي تغمغم بتلعثم:
- مالك يا وجد بتبصيلي كده ليه؟
اقتربت منها "وجد" بخطى هادئة رافعة أمام عينيها تلك الصورة التي وجدتها في غرفتها بين أغراضها، فقالت بصوت هامس غاضب:
- صورة حسام بتعمل إيه معاكي يا وسام؟
ابتلعت "وسام" ريقها بصعوبة، تعلم جيدًا ما الذي ستواجهه الآن، ولكن ليس هناك فائدة من الكذب، فعليها أن تعترف لها بكل شيء وتبرر لها ما فعلته الليلة.
-وجد ممكن تهدى و هفهمك كل حاجة.
دفعت "وجد" تلك الصورة من يديها وقالت:
-مش عايزة أفهم حاجة يا وسام، مش عايزة. أنا عايزة أفهم إيه لازمة كل التمثيلية السخيفة اللي عملتيها دي، ها؟
بللت "وسام" شفتيها وابتلعت تلك الغصة وقالت بتوتر:
-كنت عايز اكي تتواجهي مع أهلك يا وجد. وكمان كنت عايزة أشوف حسام، نفسي أقابله.
أمسكتها "وجد" من ذراعيها بعنف وقالت بصراخ وصوت غاضب:
-وإنتي مالك أتواجه معاهم ولا لأ؟ بتتدخلي ليه؟ وبعدين إيه عايزة تشوفي حسام دي؟ أوعي تكوني فاكرة إنه ممكن يحبك، وبذات لما يعرف إنك صحبتي.
دفعتها تاركة ذراعيها قائلة بنبرة وعيد:
-اسمعي يا وسام، حسام تنسيه خالص، وتشيليه من دماغك، إنتي سامعة؟
صرخت بها "وسام" والدموع تذرف من عينيها قائلة بنبرة تفطر القلوب:
-مقدرش، مقدرش يا وجد. أنا بحبه، مقدرش أبعد عنه. من لما عيني وقعت عليه وأنا بحبه، مبقتش شايفة غيره. قولتلك وكلمتك كتير إني عايزة أنزل مصر، وكان كله بسببه. أنا بحبه يا وجد، بحبه.
ضغطت "وجد" على شفتيها مغمضة عينيها وذهبت ذهاباً وإياباً أمامها تحاول كبح مشاعرها التي تأثرت بدموع رفيقتها التي لن تجد مثلها.
ورغم عنها اقتربت منها وقامت بضمها داخل أحضانها ممسدة على خصلاتها قائلة بنبرة أشبه بالترجي:
-عشان خاطري يا وسام، خلينا نرجع تاني. إنسي حسام وصدقيني هتقابلي غيره.
خرجت "وسام" من أحضانها وقالت بسخرية:
-أقابل غيره وأحب غيره، صح؟ ولما الموضوع سهل أوي كده، محبتيش غير داغر ليه؟ عينك ليه لمعت النهاردة لما شفتيه؟ أوعي تكوني فاكرة إني مأخدتش بالي؟ لأ، تبقي غلطانة. أنا خدت بالي وأوي كمان يا وجد. وزي ما أنا بحب حسام، إنتي بتحبي داغر. بلاش تنكري. وكفاية بقى عذاب. أظن إنك عاقبتيه كفاية أوي بغيابك أربع سنين.
صرخت بها "وجد" باندفاع وقالت:
-لأ، مش كفاية. الكلام سهل. لكن لو إنتي كنتي مكاني مكنتيش هتقولي كده. وإنتي حبك لحسام حاجة، واللي بيني وبين داغر حاجة تانية. الاتنين مش شبه بعض يا وسام عشان تحطيهم في كفة واحدة.
رفعت "وسام" يديها جاذبة خصلاتها بعنف تفكر بحل ما.
فاستدارت "وجد" ووقفت بجوارها وقالت بتنهيدة:
-إنتي بتحبي حسام بجد يا وسام؟
تركت "وسام" خصلاتها وأومأت لها برأسها عدة مرات متتالية قائلة بنبرة عاشقة متلهفة:
-بحبه أوي يا وجد، أوي.
أومأت لها "وجد" وقالت ما جعل "وسام" تتسمر بمكانها متفاجئة بحديثها ذلك:
-يبقى مقدامكيش غير حل واحد. بما إنه مش شايف غير إنجي لغاية دلوقتي.
اقتربت منها بلهفة وازدادت ضربات قلبها قائلة باستفسار:
-وإنتي عرفتي منين إنه لسه بيحب إنجي؟
زفرت وجد بضيق واتجهت ناحية الأريكة وجلست عليها وقالت:
-مش شفتيه كلمني إزاي ده، غير الحزن اللي باين في عينيه يا وسام. أنا متأكدة إنه لسه بيحبها.
هرولت "وسام" باتجاهها وجلست بجوارها وقالت بألم:
-طب أعمل إيه؟ أنا بعشقه يا وجد ومش هستحمل إنه ميبادلنيش بمشاعره.
نظرت لها "وجد" وقالت وهي تحرك كتفيها:
-مقدمكيش غير حل واحد زي ما قولتلك.
ازدرقت "وسام" لعابها وقالت بقلق:
-وايه هو؟
-هتعملي معاه اللي عملته إنجي وهتبتدي معاه زيها بالظبط. والأهم إنه ميعرفش إنك صاحبتي.
نهضت "وسام" وعينيها متسعة وقالت:
-لأ لأ، مستحيل. لو عملت كده أبقى بخدعه وعمره ما هيسامحني يا وجد. وبعدين لو عملت كده ما برضه هيجي الوقت وكدبتنا هتبان فيه.
نهضت "وجد" هي الأخرى وقالت بتنهيدة وهي تشير بإصبعها تجاه "وسام":
-أكيد هيجي وقت هيعرف كل حاجة. بس ساعتها هيكون حبك إنتي، وأكيد هيسامحك. ممكن ياخد شوية وقت. بس أنا متأكدة إنه هيسامحك. ها، قولتي إيه؟
ظلت "وسام" تفكر بتلك الطريقة التي ستقربها من "حسام" وستجعله يبادلها مشاعرها. فلن تظل مشاعرها من طرف واحد، بل سيبادلها عشقها ومشاعرها.
-موافقة يا وجد.
في الإسكندرية وبداخل قصر مجدي الأسيوطي.
كان جالسًا على تلك المائدة بمفرده يتناول عشائه. وأثناء ذلك وجد من يدلف عليه حجرة الصالون والذي لم يكن سوى "مصطفى" ابن شقيقته.
فابتلع "مجدي" الطعام الذي بفمه وقال بسخرية:
-خير يا مصطفى، إيه اللي جابك دلوقتي؟ ما أنا عارفك مبجيش غير لما بتبقى عامل مصيبة. يا إما جاي تزعقلك شوية وتمشي.
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه "مصطفى" وقال بنفي وهو يجلس بجواره وعينيه معلقة عليه وهو يتناول طعامه:
-لأ، اطمن. ولا ده ولا ده.
رفع "مجدي" حاجبيه ينظر له بجانب عينيه وقال:
-طيب، أشجينى جاي ليه يا مصطفى؟
اقترب منه "مصطفى" وقال بسعادة:
-جاي عشان أشوفك لآخر مرة.
قطب "مجدي" حاجبيه وترك طعامه وصاح به بعنف:
-تقصد إيه بكلامك ده؟
رمق "مصطفى" الطعام الذي تناول منه "مجدي" بنظرة جعلت "مجدي" يفهم مقصده.
فابتلع ريقه وهو ينظر تجاه الطعام متمتمًا بصدمة ناهضًا عن الطاولة ممسكًا إياه من ملابسه:
-إنت عملت إيه يا حيوان؟
دفعه "مصطفى" بعيدًا عنه وقال:
-معملتش غير الصح. أنا استنيتك كتير أوي، بس إنت ماسك في الحياة بإيدك وسنانك. بس خلاص، فاض بيا. وبذات بقى لما عرفت إن السنيورة بتاعتك رجعت من برة، فقلت أعجل بقى من موتك قبل ما تضحك عليك وتخليك تكتبلها كل حاجة. وبصراحة بقى، أنا بخطط لك من فترة، وخلاص جه الوقت. وبعدين متقلقش، ده سم من النوع الفاخر، وكلها دقيقتين وتودع الحياة.
وابتسم بسعادة وهو يرى "مجدي" أمامه يختنق والنفس بات يخرج بصعوبة وقال:
-سلام يا خالي، ومتقلقش. فلوسك وكل ما تملك في الحفظ والصون.
رواية طغيان قلب الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم فاطمة محمد
كان كل من "إسلام" و"رائف" يقفان معها "ندى" التي تنساب الدموع من عينيها دون توقف، وقلبها يكاد يتمزق من أجل شقيقتها التي اختفت ولا يعلمون لها مكانًا. فصاحت بهم من بين دموعها:
- أنا عايزة أفهم بس هي راحت فين؟ أنا مكملتش ساعة، هي ساعة بس اللي غبتها ولما أرجع ألاقيها.
تبادل كل من "رائف" و"إسلام" النظرات، فتحدث رائف بحنق:
- أنا بصراحة مش عارف هي راحت فين، دي كأن الأرض انشقت وبلعتها.
ازداد بكاء "ندى" مع كلمات رائف التي زادت من خوفها على شقيقتها، فلكزه "إسلام" بذراعيه وعيناه معلقة على تلك القابعة أمامهم، مشيرًا له بعينيه وقال بنبرة حنونة محاولًا بثها بعض الاطمئنان:
- متقلقيش يا ندى، إن شاء الله مش هيبقى فيها حاجة وهترجع لوحدها. هي ممكن تكون حابة تقعد لوحدها شوية.
رفعت "ندى" عينيها الباكية الحمراء ووجهها الذي اصطبغ باللون الأحمر قائلة:
- أنا خايفة عليها، خايفة تكون عملت في نفسها حاجة. أنا مليش غيرها هي وماما، لو جرالها حاجة أنا ممكن أضيع.
أخذ "إسلام" نفسًا طويلًا واقترب منها واقفًا أمامها، ورغم عنه رفع يديه مزيلًا تلك الدموع مغمغمًا بحنان:
- متقلقيش باذن الله هتظهر.
قاطعته وعيناها تتطلع بعينيه:
- ولو مظهرتش؟
صاح "رائف" هذه المرة وهو يرمق "إسلام" بنظرات غامضة:
- لو مظهرتش خلال أربعة وعشرين ساعة هنبلغ البوليس.
***
عاد "داغر" إلى المنزل وصعد إلى غرفته بعدما لاحظ أن الجميع قد ذهب بسبات عميق. ولج إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء، زافرًا براحة تغلغلته بعض الشيء منذ أن رآها اليوم. فارسمت شبح ابتسامة على وجهه كلما تذكر كلماتها وانفعالاتها، حركة يديها. فكم كان يشتاق لها ولغضبها هذا. لا يصدق بأنه رآها بعد مرور تلك السنوات. فدفع جسده على الفراش مغمضًا عينيه، عاقدًا ذراعيه خلف رأسه، متناسيًا اختفاء حورية وغيابها. كل ما يريده الآن هو ألا تغيب صورتها من مرأى عينيه. ولم ينتبه لذلك الباب الذي فُتح بهدوء شديد وتلك الخطوات النسائية تقترب منه بحذر شديد، رامقة إياه بحب وعشق جارف.
فاقتربت منه جالسة بجواره بهدوء شديد وعيناها تكاد تلتهمه.
فرفعت أصابعها وغلغلتها بين خصلاته الطويلة الناعمة.
انتفض "داغر" من مكانه عندما شعر بتلك اليد التي تتلمسه بطريقة غريبة.
ضيق عينيه وقال بلهجة حادة صارمة وهو يخفض نظراته لا ينظر إليها:
- انتي بتعملي إيه هنا؟
نهضت "ياسمين" من على فراشه الوثير وهي ترتدي ذلك القميص بروبه الخاص، ولكن يكشف بعضًا من جسدها وبشرتها. اقتربت منه بخطوات هادئة متحدثة بدلال ويداها تحاول لمسه مرة أخرى:
- هكون بعمل إيه يعني؟ جايه أشوفك، إيه بلاش؟
أسودت عيناه بغضب وهو يفهم غايتها وما الذي تحاول الوصول إليه.
وما كاد أن يتحرك تجاه الباب وهو يغمغم بغضب:
- أنا خارج، ويا ريت أرجع ملقكيش، وإلا هيكون ليا تصرف مش هيعجبك.
جذبته من ذراعيه قبل أن يتحرك، فانتشل يديه التي لمستها بعنف من بين أصابعها، فغمغمت هي بخبث ونبرة متحدية:
- هتعمل إيه يعني؟ هتروح تقول لرائف إني دخلتلك الأوضة؟ طيب هو ساعتها هيعمل إيه؟ أول حاجة هيعملها هييجي يسألني إنتي عملتي كده ليه وإزاي أدخل أوضتك وإنت عازب؟ بس يا ترى بقى أنا جوابي هيكون إيه؟
ضيق "داغر" عينيه محاولًا فهم حديثها هذا، فقالت هي بهمس:
- أنا هقولك، هقوله إيه؟ هقوله إني بحبك إنت يا داغر، ومن زمان، من ساعة أول يوم شفتك فيه. بس إنت مكنتش شايف غير حبيبة القلب اللي سابتك واختفت، وإنت لحد دلوقتي عايش على ذكراها. بس يا ترى هي تستاهل حبك ده؟
كاد أن يتحدث صارخًا بها، فقاطعته هي قائلة بغل وحقد:
- الإجابة هتكون لأ يا داغر، محدش يستاهل حبك غيري. بس إنت غبي مشفتش غيرها، وزي ما إنت مش شايف غيرها أنا كمان مش شايفة غيرك. أنا صبرت كتير، حاولت ألمحلك كتير، بس إنت غبي، أو عامل نفسك مش فاهم مشاعري ناحيتك. بس خلاص، أنا فاض بيا أربع سنين وأنا جنبك وإنت مش حاسس بيا، بس خلاص لازم تعرف إني بحبك وهفضل أحبك.
أنهت حديثها وهي تتحرك من أمامه بدلال، مغادرة الغرفة تاركة إياه تحت صدمته.
أما هو فكان يستمع إليها والصدمة تعتريه، لا يعلم ما الذي عليه فعله الآن. كيف له أن يخبر صديقه وابن عمه عن حقيقة تلك الزوجة التي تملكها الشيطان وتمكن منها. كيف لها أن تفكر بغير زوجها؟ ألا تشعر بمشاعره تجاهه؟
رفع يديه ماسحًا على وجهه، لا يدري ما حدث معه منذ لحظات. فتحرك باتجاه الباب، مغلقًا إياه بالمفتاح، وجلس على الفراش يحاول الوصول لحل لتلك المعضلة التي وقع فيها.
بالجهة الأخرى.
وعقب خروج "ياسمين" من غرفة "داغر" دالفة إلى غرفتها هي و"رائف".
خرجت "مي" من ذلك الظلام وابتسامة خبيثة ماكرة ترتسم على وجهها بعدما رأت دخول "ياسمين" غرفة "داغر" بتلك الهيئة. فاقتربت من الباب واسترقت السمع إلى حديثهم.
وسريعًا ما أخفت تلك الابتسامة ودلفت غرفتها وبيديها ذلك العصير. واقتربت من "عدي" الممدد على الفراش وقالت بابتسامة:
- حبيبي جبتلك العصير.
اعتدل "عدي" ونظر لها وقال ببعض الضيق:
- اتأخرتي ليه يا مي؟
ابتلعت ريقها ووضعت العصير بجواره وقالت بابتسامة:
- حبيبي كنت بعصر لك العصير بإيدي.
نظر لها بمكر وكاد أن يقترب منها، فأوقفته بيديها وقالت بدلال:
- العصير الأول.
أومأ لها وانتشل ذلك الكوب من العصير وتجرعه مرة واحدة. وبعدما انتهى وضعه بجواره، مقتربًا منها مرة أخرى قائلًا بلهفة ويداه تغلق إضاءة الغرفة:
- ودلوقتي العصير خلص.
***
في صباح يوم جديد وبعدما تسللت أشعة الشمس لغرفتهم، نجده ينام بجوارها يراقبها أثناء نومها، متأملًا ملامحها التي أصبح لها عاشقًا. وكلما تعمق بتأملها، اتسعت ابتسامته، رافعًا يديه مداعبًا خصلاتها، مغمضًا عينيه متذكرًا اللقاء الأول بينهم.
فلاش باك...
خرج من شركته واستقل سيارته وهاتفه على أذنه محاولًا الوصول لزوجته التي لا تجيب على هاتفها، فتأفف وهو يضرب مقود السيارة بعنف أمامه ودافعًا الهاتف من يديه وتحرك بالسيارة شاردًا بتلك التي أصبحت مهملة به ومهملة بنفسها. كم يتمنى أن يعود به الزمن وما كان فعل ما فعله. فتلك الحورية لم تعد تشبه اسمها وأصبحت لا تليق به وبمكانته الجديدة، فهيئتها أصبحت تحرجه وكثيرًا. فغمغم بغضب من نفسه:
- بني آدم غبي، أيوه غبي عشان استعجلت واتجوزتها.
ظل يلعن ويسب نفسه على اختياره لها من بين تلك النساء الفاتنات التي رآهم بحياته، وبدون أن ينتبه لتلك التي تسير خلفه بسيارتها منتظرة تلك اللحظة التي ستصدم سيارتها بسيارته لتحقق لقائهم وتنفذ مخططهم.
وما أن قام بتهدئة سرعته حتى يبحث عن هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين، حتى شعر بذلك الاصطدام الذي حدث لسيارته، فجحظت عيناه وقام بتوقيف السيارة بإحدى الزوايا والغضب يتملكه. وبذات الوقت قامت "مي" بإيقاف سيارتها خلفه.
وترجلت من السيارة بهيئتها الفاتنة وملابسها التي تحدد مفاتنها. أما "عدي" فترجل قبلها ناظرًا على السيارة وما أن التفت حتى يصرخ على ذلك الغبي كما نعته والذي صدم سيارته، حتى وجدها أمامه قائلة بنبرة أنثوية بحتة:
- أنا آسفة جدًا بس إنت اللي فرملت مرة واحدة.
تبدلت ملامحه سريعًا واتسعت ابتسامته لجمالها القاتل الذي أسر قلبه، ممدًا يديه يريد مصافحتها قائلًا بابتسامة ساذجة:
- ولا يهمك يا جميل، الغلط عندي أنا.
ابتسمت له ابتسامة جذابة خطفت قلبه، فقال مبتلعًا ريقه:
- أنا عدي، وإنتي؟
لاحت السعادة بعينيها، فها هو مخططها يسير كما أرادت، وقالت بصوت هادئ وبرقة مفرطة:
- مي، اسمي مي.
باك...
اتسعت ابتسامته وانحنى لمستواها، مقبلًا جبهتها، مغمضًا عينيه مستمتعًا برائحتها، متنهدًا براحة، ناهضًا من جوارها بهدوء شديد حتى لا يزعجها.
خرج من الغرفة متجهًا ناحية غرفة أطفاله، وفتح الباب ووجد والدته تقوم بإطعامهم، فغمغم بمرح:
- صباح الخير يا ماما.
تجاهلته "سعاد" ولزمت الصمت، فقلب عينيه بملل وبزهق واقترب منها مغلقًا الباب من خلفه قائلًا بحنق:
- ممكن أعرف مبترديش عليا ليه؟ أنا مغلطتش يا ماما، أنا حبيبت.
أجابته "سعاد" بهدوء وبداخلها يشتعل من غباء ابنها:
- حبيبت على مراتك اللي صناك وشايلة ولادك في عينها. حورية عملتلك إيه عشان تعمل فيها كده؟ إيه ذنب ولادك إنهم يتحرموا من أمهم وهما لسه حتة لحمة حمرا ها؟
رمق "عدي" أطفاله الذين يبتسمون ويهمهمون ببعض الكلمات غير المفهومة، وصاح بنبرة منفعلة:
- أنا معملتش حاجة حرام يا ماما، أنا اتجوزت على سنة الله ورسوله، وأظن إني راجل ومن حقي أتزوج بدل الواحدة أربعة. أما بالنسبة لأمهم فهي اللي اختارت وبعدت عنهم، أنا مضربتهاش على إيدها.
قطبت "سعاد" جبينها وقالت بنفاذ صبر:
- إنت الكلام معاك ملوش فايدة، ومدام إنت شايف إنك مغلطتش يبقى خلاص. بس كل واحد بيتحمل نتيجة أفعاله. وعلى فكرة أنا مرتحتش للهانم الجديدة و...
قاطعه بغضب قائلًا قبل مغادرته للغرفة:
- مش لازم ترتحلها، كفاية أنا مرتحلها. وعلى فكرة مي اللي مش عاجباكي دي برقبتي مية زي حورية.
وعقب خروجه، حركت رأسها بقلة حيلة وهمست مع نفسها:
- ربنا يستر عليك يا عدي، ربنا يستر. أنا قلبي مش مطمن.
***
وبغرفة داغر.
دلف "عدي" الغرفة دون أن يطرق الباب، فوجد شقيقه يستعد للخروج والذهاب لعمله، فصاح بغضب:
- أنا عايز أفهم، هو إنتوا مع مين بالظبط؟ معايا ولا مع حورية ها؟
تمتم "داغر" بنبرة هادئة ولكنها مخيفة بذات الوقت:
- صوتك يا عدي، صوتك.
تشنجت عضلات وجهه وقال:
- بلا صوتي بلا بتاع يا عم، أنا عايز أعرف إيه اللي أنا عملته غلط؟ كلكم محسسني إني ارتكبت جناية. متقولي يا شيخنا يا اللي عارف ربنا، هو حرام أتجوز تاني ولا إيه؟
التفت إليه "داغر" وتمتم ببرود:
- لأ مش حرام، بس إنت مش شايف فرق السما والأرض بين الاثنين. إنت إزاي تقبل تتجوز واحدة بالمنظر ده؟
زفر بحنق وأجابه ببرود:
- أنا حر، دي مراتي وأنا حر، سامع؟ أنا حر.
زم "داغر" شفتيه وقال:
- طيب ما دام إنت حر يبقى استحمل النتيجة.
وما كاد أن يخرج من الغرفة تاركًا "عدي" بها، حتى صاح عدي بسخرية:
- صحيح، لقيتوا الحلوة اللي بتشتغلكم ولا لسه؟
استدار إليه ينظر له بعدم فهم، مضيقًا عينيه متمتمًا:
- إنت بتقول إيه؟ إنت فاكر إنها ممكن تكون بتشتغلنا؟ إنت مجنون يا عدي؟
ارتسمت ابتسامة ساخرة على جانب فمه وقال:
- أنا مش مجنون، بس فاهم حركات الستات دي. هي بتعمل كل ده عشان تصعب عليا وأردها لعصمتي، بس بعينها.
أغمض "داغر" عينيه وقال بغضب مكتوم:
- أنا همشي، بس عشان مرتكبش جناية فيك يا عدي.
***
داخل تلك الغرفة القاطنة بها "حورية".
ولج "أمير" إلى الغرفة وبين يديه تلك الصينية المحملة بأشهى أنواع الطعام، واقترب منها يرمقها بدهشة بعدما وجدها مستيقظة جالسة على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها ووجهها شاحب اللون وعينيها شاردة.
جلس بجوارها وهو يضع تلك الصينية بجوارها، وابتسامة جذابة على وجهه.
"صباح الخير يا حبيبتي. إيه اللي صحاكي بدري كده؟ أنا كنت حابب أنا اللي أصحيكي، بس مش مشكلة، الأيام جاية كتير."
لم تجبه، وظلت تنظر له بحنق شديد. فانتبه على نظراتها تلك، ورفع يديه مبعدًا تلك الخصلة التي انسابت على وجهها، وقال:
"أنا عايز أعرف هتفضلي قالبة وشك كده لأمتى ها؟"
أجابته ببرود:
"لحد ما تمشيني من هنا. أنا عايزة أشوف ولادي، عايزة أطمن عليهم."
"متقلقيش، ولادك كويسين وجدًا كمان. حماتك مش سايباهم، وأبوهم مش سايب مراته الجديدة."
أغمضت عينيها بوجع وصرخت به قائلة:
"متجبش سيرة الحيوان ده قدامي!!!"
اتسعت ابتسامته وقال بسعادة:
"بس كده، عيوني يا حبيبتي، إنتي تؤمريني."
ثم أشار لها باتجاه تلك الصينية التي تحمل ما لذ وطاب، وقال:
"أنا جبتلك تفطري، يلا يا حبيبتي افطري. وأنا هخلص اجتماعي وهجيلك، ومتقلقيش لو اتأخرت، اتفقنا يا حبيبتي."
جزت على أسنانها تشعر بالغضب يعتريها كلما تحدث واستمعت لصوته البغيض ذلك، وخاصة عندما يردد تلك الكلمة "حبيبتي".
فرفع يديه ممسكًا ذقنها قائلاً بغلاظة وهو ينظر لثغرها:
"لما أكلمك تردي عليا، إنتي سامعة؟"
انحنى لمستوى ثغرها يريد أن يلتهمهم بقبلة عميقة، ولكنها استطاعت بلحظة الأخيرة إبعاده وعيناها تطلق شرارًا قائلة:
"إياك تفكر إنك ممكن تلمس مني شعرة، إنت سامع..."
ضغط على شفتيه وقال:
"وماله، على العموم عشان متزهقيش ورفقًا بيكي، الفيلا قدامك، اعملي ما بدالك. تمام يا حبيبتي."
لم تجبه هذه المرة أيضًا. فجز على أسنانه من عندها وإصرارها اللا متناهي.
فخرج من الغرفة دافعًا الباب من خلفه. وما إن خرج حتى اقتربت من الباب تسترق السمع من خلاله تتأكد من ذهابه. وإن انتهى صوت حذائه حتى فتحت الباب وهي تتلفت حولها، متحركة للأسفل بسرعة شديدة ولكن بحذر، تريد أن ينتهي كل ذلك. فاتجهت ناحية الباب وهي تناجي ربها حتى تستطيع الهرب منه. فقامت بفتح الباب فابتلعت ريقها وعيناها تجول على كل ما حولها. وكل ما رأته بتلك اللحظة هم تلك الرجال عراض البنية والذين يقفون سويًا يتسايرون، وتلك السيارة التي تقف أمامها. فابتلعت ريقها للمرة الثانية، مخفضة جسدها، فاتحة شنطة السيارة، ودلفت بداخلها.
أما بداخل القصر، وبعدما خرج "أمير" من غرفة مكتبه، نادى على الخادمة التي أجبته على الفور:
"اؤمرني يا أمير بيه."
"خلي بالك من حورية وعينك عليها، وشوية كده وهطلعيلها وهدي صينية الأكل، ولو عرفتي خرجيها من الأوضة بس عينك تفضل عليها، سمعاني."
"سامعاك يا بيه."
غادر من أمامها ووقف أمام سيارته صارخًا بهؤلاء الرجال الذين لا يقومون بعملهم ويتسامرون:
"جرى يا جحش إنت وهو، هو أنا جايبكم تتسايروا يا بهيم منك له، ما كل واحد في مكانه."
خاف الجميع من نبرته الحادة المخيفة، متخذين أماكنهم. وصعد هو بسيارته متحركًا بها متجهة لفيلا شريكه بالعمل.
بالاسكندرية
وبعدما قام مصطفى بتسريع إجراءات الدفن حتى لا تكتشف جريمته، تم دفن مجدي. وكم شعر مصطفى بذلك الوقت بأن الحياة قد ابتسمت له، فموته ذلك سيورث كل شيء.
دلف إلى القصر وهو يمتع عينيه بكل شيء، فأخيرًا حدث ما أراده. فاتسعت ابتسامته وظل يجول بكل زاوية بالمنزل والابتسامة تزداد على وجهه. وما إن انتهى حتى تمتم بخفوت:
- بقى عايش في كل العز ده ومستخسر تمتعني معاك؟ يلا تستاهل والله مش خسارة فيك السم اللي اتحط لك في الأكل.
ثم تنهد براحة وتحرك باتجاه الباب حتى يجلب أغراضه وينتقل للعيش بذاك القصر، فوجد المحامي بوجهه.
فامتعضت ملامحه وهتف بسخرية:
- أهلاً.
أجابه محمد بهدوء واحترام شديد:
- أهلاً بحضرتك، والبقاء لله. أنا لسه عارف من شوية وأول ما عرفت قولت لازم أعزي حضرتك.
أماء له مصطفى متمتمًا بلامبالاة:
- شكرًا.
وما لبث أن يتحرك حتى نادى عليه محمد مغمغمًا بأسف:
- مصطفى بيه، أنا عارف إنه مش وقته بس أنت لازم تعرف.
جز مصطفى على أسنانه وحك أنفه وقال بنفاذ صبر:
- سمعك اتكلم.
تنهد المحامي وقال:
- مجدي بيه من أربع سنين كتب وصيته.
ضيق مصطفى عينيه وقال:
- معناه إيه الكلام ده؟ والوصية دي فيها إيه؟
- الوصية لازم تتفتح بوجود آنسة وجد.
جحظت عين مصطفى واقترب من المحامي بهدوء مخيف:
- يعني إيه تتفتح وهي موجودة؟ انطق وقول الحقيقة.
ابتلع المحامي ريقه وتمتم:
- أنا مش هقدر أتكلم غير لما آنسة وجد تحضر بناءً على رغبة مجدي بيه الله يرحمه.
فتمتم مصطفى بسره:
- الله يرحمه؟ ده الله يجحمه. يا ترى عملت إيه من ورايا يا خالي؟
بمنزل وجد ووسام
تأففت وسام بضيق وصاحت بصراخ:
- أنا عارفة إني فقريّة. بعتاله الرسالة من امبارح ولسه مردش عليا. بالذمة ينفع كده؟
أجابتها وجد التي تتجرع من ذلك المشروب الساخن بين يديها وقالت بهدوء:
- هيرد متقلقيش، بس خليكي تقيلة.
- إمتى بس؟ أنا بعتاله من امبارح. ناوي يرد عليا إمتى؟ بعد سنة؟
تركت وجد الكوب من يديها وهي تغمغم:
- جرا إيه يا وسام مستعجلة كده ليه؟ أنا قولتلك لما يفتح ويشوف الرسالة هيرد.
تنهدت وسام وقالت باستسلام:
- طيب اديني صابرة أهو. لما نشوف آخرتها مع ابن عمك اللي شكله مش هيجيبها البر ده.
ابتسمت وجد ابتسامة بسيطة وهي ترى تلك اللهفة بعين صديقتها. وبتلك اللحظة رن هاتفها فانتشلته من جوار ذلك الكوب وأجابت عليه قائلة باستنكار:
- أهلاً سحر هانم. عاش من سمع صوتك.
- وجد مش وقت كلامك ده. اسمعيني أنتِ ضروري تيجي اسكندرية.
رفعت وجد حاجبيها وهي تستمع لوالدتها وقالت:
- ليه ضروري؟
أجابتها سحر بنبرة فرحة بعض الشيء:
- مجدي مات امبارح بليل والمحامي بتاعه كلمني وقالي إنك لازم تيجي اسكندرية.
اتسعت عين وجد وقالت بصدمة:
- مات!!!!!!
اقتربت وسام منها وهي تغمغم بفصول وقلق:
- مين اللي مات يا وجد؟ مين؟
تجاهلتها وجد وهي تستمع لحديث سحر:
- أيوه، وعلى بليل لازم تبقي هنا، أنتِ سامعة؟
زفرت وجد وهي تمسح على وجهها وقالت:
- بليل هكون عندك. سلام.
اغلقت معها، فصاحت وسام بفضول:
- مين اللي مات يا وجد؟
- مجدي.
في المساء
وصلت وجد ووسام وسحر أمام الفيلا، ففتحت لهم الخادمة وهي تشير لهم ناحية الصالون.
فتَحركوا معها ووجدوا كل من المحامي ومصطفى بانتظارهم. ومصطفى يرمقهم بنظرات قاتلة نارية. فتمتم المحامي بعدما نهض مرحبًا بوجد:
- البقاء لله يا آنسة وجد.
ابتلعت وجد ريقها وعين مصطفى تتفحصها من رأسها لاخمص قدميها، وقالت:
- ونعمة بالله. ربنا يرحمه ويغفر له.
أماء لها المحامي وأشار لها حتى تجلس هي ووسام وسحر.
فجلسا منتظرين سماع ما لديه، فقال بدون أي مقدمات:
- آنسة وجد، مجدي بيه من أربع سنين كتب وصيته. والوصية بتقول إنه سايب لك كل حاجة بلا استثناء.
نهض مصطفى بغضب ويكاد يطيح بكل شيء أمامه:
- نعمممممم!!!! أنت هتهرج ولا إيه؟
رواية طغيان قلب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم فاطمة محمد
نعممممم!!!! انت هتهرج ولا إيه؟ انت فاكر إني ممكن أصدق التخاريف دي؟
وسريعاً ما التفت تجاه "وجد" التي لا تزال آثار الصدمة على وجهها، واقترب منها وعينيه تكاد تطلق شراراً، صارخاً بغضب ناري وهو يجذبها من ذراعيها بعنف وبحركة مفاجئة بالنسبة لها، قائلاً:
لا، ما أنا مش عبيط عشان يدخل دماغي التهريج ده! انتوا أكيد مظبطينها مع بعض، بس مش عليا. فوقي يا بت، ده أنا ممكن أسويكي بالأرض انتي وعيلتك كلهم!
دفعته "وجد" بعيداً عنها وبقوة أثارت دهشته، صارخة به قائلة:
انت مجنون ولا إيه؟ وبعدين كل اللي بيحصل ده أنا معرفش بيه، أنا مصدومة بجد!
نهضت "سحر" التي تكاد تطير من سعادتها، وبسمة بسيطة على محياها، وقالت وهي تقترب من المحامي:
الكلام ده حقيقي؟ يعني مجدي الأسيوطي كل حاجة ليه بقت لوجد؟
أومأ لها "المحامي" بعدما ابتلع ريقه بخوف من رد فعل "مصطفى"، وقال بهدوء:
دي وصيته، ومنقدرش نعمل حاجة.
التفت "مصطفى" ناحية "سحر" وهو يصرخ بصوته الصاخب العالي:
بتحلمي يا روح أمك انتي وهي! والوصية دي ولا ليها أي لازمة، أنا اللي قريبة، أنا اللي المفروض أورثه!
صرخت به "سحر" بغضب مماثل، وقالت:
جرى إيه يا أستاذ؟ ما قالك إن دي وصيته، عافية هي ولا إيه؟
اعتبروها زي ما تعتبروها، الفلوس دي فلوسي والأملاك دي أملاكي، وأنا يا قاتل يا مقتول! ما هو مش على آخر الزمن واحدة زي دي تيجي تاخد كل حاجة على الجاهز!
جزت "وجد" على أسنانها وتمتمت من بين أسنانها:
اتكلم عدل يا جدع انت! إيه "واحدة زي دي"؟
أقترب منها والشر يرتسم على وجهه، قائلاً بفحيح الأفاعي:
يعني واحدة زيك يا ***. أوعي يا بت تكوني فاكرة إني معرفش عنك حاجة، ومش عشان قعدتي معاه كام يوم وبسطيه، تبقى تفتكري هتشيل الجمل بما حمل. لا يا روح أمك، انسى، ده أنا مصطفى!
قاطعته "وجد" واقتربت منه والغيظ يتملكها من كلامه المسيء إليها واتهامه لها بأشياء لم تفعلها يوماً، وقالت بنبرة مماثلة لنبرته:
طب اسمع بقى، عند بعند، هنفذ الوصية ومن النهاردة هنقل هنا، إيه رأيك بقى؟
ضغط على شفتيه بغيظ، ضاماً قبضته بغضب، وقال بتوعد:
هتندمي... وهتقولي يا ريتني ما وافقت آخد الفلوس، وهتتمني الزمن يرجع بيكي. هعيشك أيام سودة، هخليكي متتهنيش بنومتك! فأحسن لك كده تتراجعي من البداية.
صاحت "وجد" بتحدٍ وبرود لا متناهي:
مستحيل! وأعلى ما في خيلك اركبه، ودلدل رجلك كمان!
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهه، ولعق شفتيه، وقال:
الوصية دي هتتأكد إذا كانت سليمة ولا لا، وبعدين هوريكي هعمل فيكي إيه. بس خليكي جدعة بقى واستحملي يا حلوة! مش مصطفى حسين اللي يسيب حقه، وخصوصاً لواحدة *** زيك.
اتسعت ابتسامتها وقالت بتحدٍ:
ما أنا قولتلك، ولا أنت سامعك تقيل ولا إيه حكايتك بالظبط؟ بس عادي، ممكن أقولهالك تاني... أعلى ما في خيلك اركبه ودلدل رجلك يا مصطفى يا حسين!
تحرك من أمامها وهو يحرك رأسه بتوعد، مغادراً القصر. وما إن غادر حتى اقترب المحامي منها، مخرجاً ظرفاً صغيراً، قائلاً:
آنسة وجد، أستاذ مجدي سايبلك الرسالة دي!
قطبت جبينها وانتشلت الرسالة من بين يديه، وابتلعت ريقها. فأقتربت "وسام" التي كانت تلزم الصمت تتابع ما يحدث باندهاش وخوف شديد تجاه صديقتها:
أنا مش مطمنة يا وجد، أنا بجد خوفت. انتي شوفتيه كان بيكلم إزاي؟ أنا خايفة عليكي يا وجد!
أجابتها "سحر" وقالت بتحدٍ:
ولا هيقدر يعمل حاجة. وبعدين مش ده اللي نشغل بالنا بيه، في الأهم من كده!
عقدت "وجد" ذراعيها أمام صدرها، وقالت بتساؤل:
وايه بقى الأهم بالنسبة سحر هانم؟
ابتسمت سحر وتنهدت بسعادة، وعينيها تجول بكل زاوية:
هتعملي إيه بكل الفلوس دي؟ أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إن مجدي سابلك كل حاجة للدرجة دي، كان بيحبك!
أومأت "وسام" موافقة على حديث "سحر"، وغمغمت:
بصراحة، وأنا كمان مصدومة. أنا افتكرت إنه ممكن يكون كاتبلك حاجة، لما المحامي طلبك، إنما كل حاجة دي مجتش في بالي خالص.
تنهدت "وجد" وشردت بتلك الرسالة التي بين يديها، متمتمة بسرها:
يا ترى عملت كدة ليه يا مجدي؟ أنا مش حمل هموم تانية، أنا فيا اللي مكفيني ومش ناقصة.
***
خرج من باب القصر بعدما طال اجتماعهم، فتنهد وهو يحرر أزرار قميصه، مخرجاً هاتفه الصامت، فوجد العديد والعديد من المكالمات. فقطب جبينه وسريعاً ما عاود الاتصال عليهم والشكوك تتغلغله:
إيه؟ إيه اللي حصل؟ حورية كويسة؟
أجابه الحارس قائلاً بتلعثم ممزوج بخوف شديد:
معرفش، الهانم اختفت!
صاح بهم وهو يقطب جبينه، وقال بصدمة:
نعم!!!!
اختفت ازاى يعنى
-جنابك احنا بنكلمك من بدرى اوى و حضرتك اللى مكنتش بترد هى زينب جاتلى و قالت انها طلعت عشان تاخد
صينيه الاكل و تاخد بالها منها زي ما حضرتك ما طلبت بس هى ملقتهاش فى اوضتها و قلبنه عليها الدنيا و برضو مفيش فايدة
صعد "أمير"بسيارته بسرعة البرق و هو يتمتم
-ارجعوا لكاميرات المراقبة يا بهايم و شوفوها راحت فين بسرعة
ابتلع "الحارس" ريقه و قال بتوتر
-حاضر حاضر
اغلق معه "امير" و خرج من تلك الفيلا و ساق بأقصى سرعة
وبداخل ذلك القصر
كانت "حورية" تجلس كالقرفصاء بذلك الظلام الحالك و تنفست الصعداء لرحيله ،و لكن ما الذي ستفعله الآن و هؤلاء الحرس لا يتحركون من مكانهم فتنهدت بضيق و لكن هناك ما جعل دمائها تتجمد وانسحب اللون من وجهها و ازدرقت ريقها بصعوبة شديدة وهى تستمع لذلك الصوت الهامس بجانب اذنيها متمتم بهمس
-انتى مين و بتعملى ايه هنا فى مملكتى !!
نهضت "حورية" ببطء شديد من جلستها وحبست انفاسها بخوف والتفتت تنظر اليه ببطء فوجدته ينهض من مكانه بعدما جلس مثلها و همس بأذنها
فاقترب منها و عينيه معلقه عليها فنظرت له بنظرة سريعة جعلت خفقاتها تزداد رغمًا عنها و بعنف شديد فأشاحت عينيها بعيدًا عنه وهي تشعر بأن قلبها يكاد يخرج من مكانه
فتحدث هو أولًا و قال بصوت متسائل
-مش ناوية تجاوبي و لا ايه
ازدرقت ريقها و قالت بتلعثم ممزوج ببعض الخجل
-اا انا انا
ضيق عينيه و اقترب منها خطوة واحدة قائلًا
-انتى ايه!!!
رفعت عينيها و نظرت بعينيه و قال بترجى ممزوج ببعض الخوف وهى تضع يديها على يده
-انا اسفة جدا انا هنا غصب عنى و بعدين انا كنت عايزة امشى والله بس معرفتش من اللى الرجالة اللى على البوابة و
قاطعها عندما اقترب منها قاطعًا المسافة بينهم فاتسعت عيناها و ابتعدت شاهقة للخلف و هى تتمتم
-ما قلت اسفة يا عم أنت ،أنت بتقرب كدة ليه
خرج صوته غليظًا و عينيه تتابع توترها وخجلها الذي جعل وجنتيها تصطبغ باللون الأحمر القاني
-دخلتى هنا ازاى!!!
وما كادت ان تجيبه حتى قاطعها صوت تلك السيارة التي دلفت إلى القصر فالتفتت تنظر تجاه السيارة فوجدتها سيارة "أمير" فجحظت عيناها و سريعًا ما جلست بالأرض مرة أخرى و الخوف يعتريها
اما هو فظل يطلع عليها بدهشة شديدة و التفتت هى تطلع له قائلة بنبرة خافتة خائفة
-ارجوك ارجوك خليه يمشى مش عايزة ارجع معاه ارجوك ساعدنى
رمقها بدهشة و تحرك من مكانه واقترب من "أمير" الذى ترجل من سيارته فقال بتوجس
-خير يا امير ايه اللى رجعك نسيت حاجة ولا ايه
ابتلع "أمير" ريقه و عينيه تجول بكل زاوية بحثًا عنها بعدما علم من رجاله بأنها هربت بسيارته فقال
-عمر رجالتك ممسكوش واحدة هنا
قطب "عمر"جبينه و قال بتفكير
-لا مسكه يا امير
اتسعت عيناه و اقترب من بلهفة و قال
-راحت فين
حرك كتفيه بلامبالاة و قال
-سبوها و مشيت طبعًا يا امير انا معرفش هى دخلت ازاى اصلا ،انت تعرفها!؟
اغمض "أمير"عينيه وولاه ظهره ضاربًا سقف السيارة بقبضته الغليظة بغضب لازمًا الصمت فعاد "عمر" سؤاله مرة أخرى و قال بصوت غليظ
-مين دى يا امير
جز "امير" على اسنانه بغضب و التفت ل "عمر" و قال
-بعدين بعدين
و استقل سيارته و هو يتوعد لها و تحرك بالسيارة خارج القصر
تنفست براحة بعدما رأت ما فعله فنهضت من مكانها واقتربت منه حتى تشكره و ما كادت أن تفتح فوها حتى وجدته يلتفت إليها و يجذبها من ذراعها دالفًا بها داخل القصر
وما ان ولج بها داخل القصر حتى تركها محررًا ذراعيها و قال
-انا عايز افهم ايه اللى بيحصل بضبط و انتى ايه علاقتك ب امير و بيدور عليكي ليه و ازاى دخلتى هنا
ظلت تطلع عليه و هو يتحدث و عقب انتهائه ابتلعت ريقها بصعوبة بسبب جفاف حلقها و قالت
-انا هقولك و ده عشان انت ساعدتنى بس
عقد يديه أمام صدره فبرزت عضلات يديه فهبطت عينيها تجاهم رغمًا عنها و ابتلعت ريقها عندما لاحظت ضئالة حجمها بجواره فتمتمت بتلعثم
-ا امير كان جارى و كان علطول يضايقنى و مرة واحدة اختفى و كان بقالى اربع سنين مشفتوش ،ومش عارفة عمل كل ده ازاى وبقى كدة ازاى بس كل اللى اعرفة انه خطفني و عايز يتجوزنى بعد عدتى ما تخلص
ضيق عينه و قال مرددًا كلمتها الاخيرة بدهشة
-عدتك!!!!
اماءت له براسها مفادية النظر إليه فتمتم هو بدهشة
-يعنى خطفك و عايز يجوزك من غير موافقتك
اماءت له مرة أخرى فمط شفتاه و قال بتساؤل
-وانتى ليه مش موافقة عليه بتحبى طليقك
رفعت عينيها و قالت بأندفاع
-مش حكاية بحب و لا مبحبش هو لو على الحب فانا اكتشفت انى اللى حبيته ميستاهلش حبى ده بنى آدم خاين و ميستاهلش اى حاجة ،الحكاية كلها ان امير ده لو اخر راجل انا مستحيل اوافق عليه ده كان معروف فى الحته انه بيبع استروكس و كان عيل سيس و هوزق وزى ما قولتلك مكنش حيلته حاجة و متأكده انه ليه اعمال مشبوهه وبعدين انا مش عايزة اعيد تجربتى تاني انا عايزة ولادى بس
اتسعت عيناه و قال بترقب و كأنه لم يستمع سوى لتلك الكلمة
-اعمال مشبوهه
حركت راسها عدة مرات متتالية مؤكدة حديثها و لكن سريعًا ما جحظت عيناها و قالت و هى تضرب على صدرها
-احييييه
رفع أحد حاجبيه مرددًا تلك الكلمة بدهشة
-احييه !!!!!
-ايوة احييه انا بكلم مع مين ده انت شريكة ومش بعيد تكون الرأس الكبيرة
هنا و لم يستطع عمر ايقاف ضحكاته و ظلت ضحكاته الرجولية تدوى بالمكان فابتلعت ريقها للمرة التى لا تعلم عددها مراقبة تلك الضحكة الرجولية التي جعلت خفقاتها تزداد بعنف
فاوقف "عمر"ضحكاته تلك عندما رأى نظراتها المنزعجة و قال
-انا اسف بس انتى حقيقى فظيعة ،الا صحيح اسمك ايه
-حورية
ردد اسمها ببطء شديد يتامل جماله و نظر اليها و لأول مرة ينتبه لذلك الجمال القاتل أمامه فرغم زيادة وزنها و لكنه لم ينقص من جمالها ،فثبت عينيه على عينيها التى لا تريد ان ان تنظر له فقال بهدوء
-حورية
نظرت اليه بتساؤل و أخيرًا تقابلت عينيهم وكان له ما أراد فأبتسم لها ابتسامة جذابة و قال
-تحبى تأكلى
حركت راسها بنفي و قالت و هى تقترب منه متشبثة بذراعه وقالت بترجي دون أن تنتبه لملامستها له
-لا مش عايزة انا عايزة اشوف ولادى ممكن تخلينى امشى
اخفض نظراته وعينيه البنية لموضع يديها الصغيرة على ذراعيه الفولاذية فأزدادت ضربات قلبه و تطلع لعينيها الساحرة مبتلعًا ريقه قائلًا بدون وعى
-تعالى معايا انا هوصلك و هوديكى تشوفى ولادك
اتسعت ابتسامتها بشدة و قالت بفرحة كالاطفال
-بتكلم جد يعني انت هتوصلنى و مش هتعرف أمير بحاجة
ارتسمت ابتسامة على شفتاه الغليظة وقال
-اظن انى لو كنت عايز اعمل كدة كنت عملتها و لا ايه
ابتسمت له وقالت لاعنه غبائها
-ولا ايه يلا بينا بقى
_______________________________
ولجت "مى"داخل غرفة "ياسمين" دون ان تطرق الباب فنهضت تلك الجالسة على الفراش و الانزعاج بادى على وجهها تاركة الهاتف من يديها دافعه اياه على الفراش و هى ترمق "مى"بدهشة ممزوجه ببعض الغضب
اقتربت "مى" من "ياسمين" و وقفت أمامها فقالت "ياسمين" بأنزعاج
-ايه قلة الذوق دى محدش علمك انك المفروض تخبطى قبل ما تدخلى و لا ايه
عقدت "مى" يديها و رمقتها بنظرات ساخرة من رأسها لأخمص قدميها قائلة
-لا محدش علمنى انى المفروض اخبط بس علمونى انى مدام متجوزه واحد، عينى متزوغش على غيره وخصوصًا لو كانوا صحاب و قرايب،و لا ايه يا ...ياسمين ،مش ياسمين برضو
ابتلعت "ياسمين" ريقها و تحدثت بقوة زائفة رغم ذلك الخوف الذى تملك منها فهى ليست بحمقاء و تدرك جيدًا بانها المقصودة بذلك الحديث لاعنه تلك الواقفة أمامها ف "حورية" كانت ملاكًا بالنسبة لها
-انتى تقصدى ايه بكلامك ده بلاش لف و دوران
ابتسمت "مى" و قالت بتهكم مشيرة الى نفسها
-انا بلف وبدور انا !؟
قلبت "ياسمين" عينيها بملل و قالت
-انتى عايزة ايه يا حلوة اتكلمى علطول
اتسعت ابتسامتها حتى ظهرت اسنانها و قالت
-هتكلم على طول وماله
فاقتربت بخطوات هادئة و اقتربت بوجهها منه و قالت بهمس
-انا شوفتك امبارح وانتى داخلة اوضة داغر و سمعت كل حاجة
شحب لون وجهها و تجمدت الدماء بعروقها و سريعًا ما استجمعت شجاعتها و قوتها و قالت بقوة زائفة
-وحتى لو اللى بتقوليه مضبوط ،تقدرى تثبته ،و فاكرة ان حد هيصدقك محدش طايقك هنا و انتى بصراحة غبية بدل ما تشغلى دماغك بيا ،روحى شوفيلك حل و خليهم يقبلوكي شوية بدل ما شوية و هيطردوكى من البيت يا حلوة
-ملكيش دعوة بيا خليكى فى نفسك و شوفى هتعملى ايه فى مصيبتك دى لانى انا مش هسكت غير لما الكل يعرف كل حاجة عنك
قطبت جبينها و جذبتها من ذراعيها بعنف وهي تصرخ بها قائلة
-انتى عايزة ايه بضبط و بتعملى كده ليه ها !!
دفعتها "مى" بعدما تأوهت من قوة قبضتها و قالت
-كل شئ فى أوانه حلو يا ياسمينه
_______________________________
بالصالون بقصر الاسيوطى
كانت كل من "وجد" و "وسام" يجلسان و الصمت ثالثهما فقالت "وسام" بنبرة قلقة
-وجد !!
نظرت لها "وجد" بتساؤل منتظرة اكمال حديثها فأكملت مغمغمة
-انتى مش قلقانه
زفرت "وجد" بضيق
-وبعدين يا وسام هنفضل نتكلم فى الموضوع ده كتير وبعدين ما انا قولتله اعلى ما فى خيلة يركبه
قاطعتها "وسام" بخوف
-ايوة يا وجد بس هو شكله شرانى انا مش مرتحاله بجد و بعدين مشفتيهوش كان بيتكلم ازاى انا خايفة عليكى يا وجد و بعدين احنا كلها كام يوم و المفروض هنسافر تانى و نسيب البلد
رفعت "وجد" حاجبيها بتهكم و قالت
-نسافر و ازاى كل ده لمين ،لا طبعا السفر خلاص اتلغى
ضيقت "وسام" عينيها وقالت بأستفسار
-انا عايزة افهم الرسالة اللى سبهالك مجدى ده فيها ايه انتى متغيرة من بعد ما قرتيها
ابتلعت "وجد" ريقها و هى تتذكر تلك الرسالة و محتواها التى جعل عيناها تدمى بلا توقف
"وحشتينى يا وجد ،وحشتينى بجد ،انا الرسالة دى بكتب ليها بعد سفرك علطول و برغم من انى مكنتش بشوفك كل يوم بس فكرة انك مش موجودة فى البلد معذبانى يا وجد ،انا بحبك يا وجد ،بحبك حقيقى و مظنش انى حبيت حد بالطريقة اللى حبيتك بيها ،من اول ما شوفتك وانا بتمنى انى ابقى اصغر من كده عشان كان نفسى تحبيبنى و تبادلينى مشاعرى ناحيتك ،يمكن فرق السن اللى بينا مكنش العائق الوحيد بس كان اكبرهم ،انا عايزك تعرفى انى مش هلاقى غيرك ائمنه على كل اللي بنيته ،انا عايزك تاخدى مكانى يا وجد ،مصطفى مش كويس يا وجد مصطفى ده شيطان بهيئة انسان ،عارف انى هعمله ده مش صح و انى بحطك فى وش المدفع بس زى ما انا عارف الكلام ده عارف برضو انك قدها و قدود ،ارجوكى يا وجد ارجوكى تخلى بالك من نفسك ،و متديش قرش واحد لمصطفى مهما كان شايف ان ده حقه بس ده مش حقه يا وجد انا اديتهم زمان حقهم و زيادة كمان هو بس اللى طمع عامى عينه ،و كمان عايز اطلب منك طلب بتمنى تعمليه ،و طلبى انك تعيشى حياتك يا وجد انسى كل اللى حصل زمان ،انسى اللي عشتيه وانسى اللى حصلك و ابدئى مع البنى آدم اللى بيحبك بجد و انا و انتى عارفين كويس هو مين ،عيشى يا وجد عشان العُمر ميجريش بيكى و ترجعى تقولى يا رتنى ،عيشى حياتك يا وجد و خلى بالك من نفسك "
ضمت الرسالة الى احضانها لا تعلم لما تأثرت بحديثه و انسابت الدموع من عينيه بغزارة و لكن ما تعلمه انها قست عليه و كثيرًا.........
باك.....
-وجد،وجد روحتى فين يا حاجة ركزى معايا
تأففت "وجد"بانزعاج مصطنع و ما كادت تتحدث حتى قاطعهم صوت "سحر" فنظروا باتجاهها و سريعًا ما اتسعت عينيهم مما ترتديه فنهضت "وجد" من مكانها مهرولة ناحية "سحر"
-ايه اللى انتى لبساه ده
ابتسمت "سحر" و دارت حول نفسها متمتمه
-مايوه بكينى ايه وحش
ابتسمت "وسام" وقالت بمرح
-وحش ازاى بس ده انتى قمر اقسم بالله و
لكزتها "وجد"في ذراعيها بغضب وصرخت بوالدتها قائلة
-والله انا عارفة اسمه بس عايزة اعرف لابس الزفت ده ليه
زفرت "سحر" من غباء ابنتها اللامتناهى
-هيكون ليه يعنى هنزل البسين طبعًا
-تنزلى الايه سمعيني كده تانى يلا يا ماما غيرى القرف اللى لابساه و اتمسى عشان عفاريت الدنيا بتتنطط فى وشى و مش ناقصة
جزت "سحر" على اسنانها و التفتت تجاه "وسام" مشيرة تجاه "وجد" بسبابتها
-شايفة يا وسام شايفة صاحبتك
زمت "وسام" شفتيها و قالت
-شايفة يا طنط والله بس
قاطعتها "سحر" بغضب
-طنط انا طنط
نظرت "وسام"ل وجد بتوتر
فصاحت وجد صارخة بنبرة منفعلة مما جعل "سحر" تخاف من نبرتها تلك و تنتفض بمكانها
-ايوة طنط اومال عايزاها تقولك ايه ما تقولي يا ماما ده انتى داخلة فى الخمسين يا حاجة
رمقتهم "سحر" بغضب و تحركت من مكانها دون أن تتحدث بكلمة واحدة
وما ان صعدت حتى صدح رنين هاتف "وجد" الموضوع على الطاولة ف تحركت من مكانها و انتشلته من مكانه فوجدته رقم غير مسجل فأجابت عليه بنبرة باردة
-الو
فاجأها صوته متمتم
-اسمها السلام عليكم مش الو يا وجد هانم
ازدادت خفقاتها لسماع صوته الساحر و زاغت عينيها فلاحظت "وسام"حالتها تلك فاقتربت منها قائلة بخفوت
-مين يا وجد
ابتلعت ريقها و قالت
-بتتصل ليه عايز ايه !!
فتمتم بغيرة شديدة أثارت إعجابها
-بتعملى ايه فى اسكندرية يا وجد
رفعت حاجبيها و قالت بابتسامة بسيطة لاحت على شفتيها
-ده انت مراقبنى بقى
-متغيريش الموضوع و قوليلى بتعملى ايه فى اسكندرية
اختفت ابتسامتها و سمت قناع البرود على وجهه و قالت
-ملكش دعوة انت ملكش حاجة عندى انت سامع
وأغلقت الهاتف في وجهه فغمغمت "وسام"
-مين يا وجد
-اوف يا وسام هو انتى معندكيش غير مين مين زهقتيني !!!
______________________________
امام قصر "الهلالى"
بسيارة "عمر"
ابتسمت له "حورية" و قالت بامتنان
-بجد مش عارفة اقولك ايه لولاك النهاردة كان زمانى لسه محبوسة مع امير بجد متشكرة اوى
ابتسم لها "عمر" و قال بعيون لامعة
-بتشكرينى على ايه بس انا معملتش ده و اى حد مكانى كان هيعمل كده
بللت شفتيها و قالت قبل أن تترجل من السيارة
-لا طبعا مش اى حد كان هيعمل كده و بعدين انت شريك امير و بينكم شغل و كان ممكن اوى تساعده و ترجعني ليه بس انت معملتش كدة و انا بجد ممنونه ليك
تنهد "عمر" و قال بنبرة دافئة
-طيب بما انك ممنونه ليا اسمحيلى بقى نبقى على تواصل انا حابب نبقى اصدقاء
ابتلعت ريقها و عينيها معلقة عليه لا تعلم لما ذلك الارتباك و التوتر يتملكانها كلما تحدث بنبرته الدافئة تلك وما لبثت أن تجيبه حتى وجدت باب السيارة يفتح و يد قوية تجذبها خارج السيارة و لكنها علمت صاحب تلك القبضة من نبرته الغاضبة و التى تعلمها جيدًا
-حلو اوى اللى بيحصل ده يا محترمة ،و هو ده بقى اللى اختفيتى ،مصدقونيش لما قولت انك بتشتغليهم يا فا*** ،لحقتى لفيتي على واحد تانى يا رخيصة
أما "عمر" فسريعًا ما ترجل من السيارة مقتربًا من "عدى" جاذبًا "حورية"خلفه لاكمًا "عدى"بوجهه بسبب تطاوله بالالفاظ عليها قائلًا
-بعد كده لما تيجى تتكلم معاها تتكلم بأدب يا حيلتها!!!!!!
__يتبع__
رواية طغيان قلب الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم فاطمة محمد
-بعد كده لما تيجي تتكلم معاها تتكلم بأدب يا حيلتها!!!!!!
وضع "عدي" يديه موضع تلك اللكمة التي تلاقاها ناظرًا باتجاه "عمر" وعينيه تطلق شرار.
وما لبث أن يقترب منه حتى يرد له تلك اللكمة مغمغمًا بغضب وغل:
-انت بتمد إيدك عليا يا حيوان؟ طب أنا هوريك.
وما كادت يديه أن تلمس وجه "عمر" حتى قام "عمر" بلوى يديه خلف ظهره، جالسًا إياه على ركبتيه، متأوهًا بألم من تلك الحركة المفاجئة.
فاتسعت عين "حورية" بصدمة وازدرقت لعابها، مقتربة منه بعدما ابتعد عنها حتى يلقى "عدي" درسًا لن ينساه.
فاقتربت منه جاذبة إياه من ذراعيه قائلة بنبرة توسل، منادية باسمه الذي علمته من أمير عندما صاح باسمه عندما عاد مرة أخرى:
-عمر لو سمحت سيبه، عمر أرجوك.
ما إن سمعها تترجاه من أجله ومن أجل أن يتركه، رغم تجاوزه عليها، حتى ازداد غضبه، مزيدًا ضغط يديه على ذراعيه. فتمتم "عدي" الذي يتألم وبشدة:
-وديني وما أعبد، لهوريكي يا حورية، جايبة لي بلطجي معاكي؟
وبذات الوقت وصل "داغر"، فرأى أخيه بتلك الحالة، فأوقف السيارة وترجل من السيارة مهرولًا باتجاههم.
مفرقًا بينهم، دافعًا "عمر" عن أخيه قائلًا بصوت عالٍ بغضب:
-إيه اللي بيحصل ده؟ في إيه؟
اقتربت "حورية" من "داغر" مبتعدة عن "عمر". فقال "داغر" بتساؤل:
-فينك يا حورية؟ ندى قلبت عليكي الدنيا، قلقتنا عليكي.
فقال "عدي" الذي كانت عينيه معلقة على "عمر" محاولًا أن يتذكر من أين يعرفه، وكذلك "عمر" الذي كان يرمقه بغضب:
-انت لسه بتسألها؟ يعني مش باين كانت فين؟ أكيد كانت بتتسمر مع الأستاذ اللي بيستعرض عضلاته قدامها.
رفع "داغر" عينيه تجاه "عمر" الذي لن يصمت عن ذلك الحديث الذي يثير استفزازه، وضيق عينيه محاولًا تذكره، يشعر بأنه رآه من قبل، ولكن ذاكرته لا تسعفه هو الآخر.
-إيه بتتسمر دي؟ متتكلم عدل بدل ما أجبك تحت رجلي.
تنهدت "حورية" وتجاهلت حديثهم ومشاجرتهم تلك، فكل ما يهمها في ذلك الوقت هو أن ترى أولادها الذين اشتاقت إليهم واشتاقت لضمهم داخل أحضانها. فقالت بترجٍ موجهة حديثها تجاه "داغر":
-داغر لو سمحت، عايزة أشوف زين وزياد.
أومأ لها "داغر" بموافقة قائلًا:
-أكيد يا حورية، هنخليكي تشوفيهم، دول ولادك.
قاطعه "عدي" بصياح متمتم:
-لا مش هتشوفهم، افتكرت إنهم ولادها؟ مفكرتش فيهم ليه لما اختارت تسيبهم وصممت تطلق؟
التفتت "حورية" رامقة إياه بكره وغيظ شديد:
-يا بجاحتك يا أخي، يعني عايز بعد كل اللي عملته أفضل معاك ليه؟ حد قالك إني معنديش كرامة؟
جز على أسنانه وقال بتحدٍ:
-مش هتشوفيهم يا حورية.
قطبت جبينها بغضب واسودت عينيها، صارخة به في منتصف الشارع كما لم تصرخ من قبل، مخرجة كل تلك الآلام والأوجاع الدفينة بداخلها قائلة:
-انت إيه؟ انت عايزززز مني إيه؟ ارحمني بقى، انت معندكش دم؟ مبتحسش؟ أنا بكرهك.
صدم كل من "عمر" و"داغر" و"عدي" من صراخها ذلك، فظل "عدي" يحدق عليها بصدمة.
اقترب "عمر" منها جاذبًا إياها من ذراعيها بحنان، محاولًا تهدئتها وإصعادها بالسيارة، ولكنها لم تتحرك معه وظلت واقفة بمكانها، ترمق "عدي" بنظرات أربكته وجعلته يتجه تجاه سيارته، مستقلاً إياها، دافعًا إلى الفيلا.
أما "داغر" فمسح على وجهه واقترب منها:
-تعالي يا حورية معايا.
ارتسمت ابتسامتها تدريجيًا على وجهها وقالت وهي تتحرك من أمام "عمر":
-هتخليني أشوف ولادي؟
أومأ لها متمتمًا:
-أيوة، يلا اركبي معايا.
أومأت له بامتنان واتجهت تجاه سيارة "داغر"، تاركة "عمر" مكانه. وما إن لبثت أن تستقل السيارة بجانب "داغر" حتى ابتلعت ريقها وتمتمت:
-ثواني بس يا داغر وراجعة.
أومأ لها بعينيه، فتحركت من مكانها عائدة لعمر الذي يتابعها بعينيه. فوقفت أمامه وتلاقت عينيهم، فتحدث هو أولًا، مسبقًا لها:
-ادخلي شوفي ولادك وأنا مستنيكي هنا عشان أوصلك.
ازدادت خفقاتها رغمًا عنها، وظلت تحدق له بصمت، لا تعلم ما الذي يحدث لها، ولكن هناك شيء يحدث لها خاصة بوجوده، وأرادت أن ترفض ذلك العرض، فهي لم تعرفه جيدًا بعد، لكنها وجدت نفسها تؤمئ له برأسها عدة مرات وشبح ابتسامة يرتسم على وجهها. فابتسم لها ابتسامته الجذابة، وسريعًا ما هرولت من أمامه متجهة لسيارة "داغر"، وما إن صعدت بجواره حتى نظرت باتجاه "عمر" مرة أخرى، والذي بادلها تلك النظرة.
***
دلفت "حورية" غرفة أولادها والابتسامة على وجهها والفرحة لا تسعها. فأشار "داغر" لوالدته برأسه التي تجلس برفقة الأطفال حتى تخرج من الغرفة. فقالت "سعاد" بابتسامة بسيطة على محياها:
-إزيك يا بنتي، عاملة إيه؟
اقتربت "حورية" من أطفالها حاملة أحدهم، محتضنة إياه باشتياق، مستنشقة رائحته الطفولية، وتطلعت بالآخر حاملة إياه، مقبلة إياه، وعينيها تلمع ببريق السعادة.
فانسحب كل من "داغر" و"سعاد" من الغرفة. فتمتم "داغر":
-ماما خلي بالك، وسبيها مع ولادها شو
ده امتى الكلام ده وعايز منها إيه يا داغر، مش خلاص الصفحة دي اتقفلت؟ انت نسيت عملت فيك إيه من أربع سنين؟
قاطعها داغر ببرود:
- مش هي اللي عملت يا ماما، إحنا اللي عملنا. مش هي. ولو سمحتي متندمينيش إني قولتلك. عن إذنك.
غادر سريعًا من أمامها، دلف إلى غرفته حتى يحضر حقيبته.
بغرفة عدي ومي:
كان يدور بالغرفة ذهابًا وإيابًا، ماسكًا بيديه قطعة ثلج كبيرة على تلك اللكمة. وكل ما حدث منذ قليل لا يذهب من عقله، يشعر بالغضب يعتريه بسبب ذلك البغيض الذي تطاول عليه وقام بوضعه بذلك الموقف أمام زوجته السابقة.
ظلت مي تطلع عليه بنظرات متسائلة، تريد أن تعلم سبب غضبه الذي يلوح على وجهه وسبب تلك اللكمة على وجهه. فنهضت من على الفراش بعدما فاض بها، واقتربت منه، موقفة إياه عن الحركة برقة بالغة.
- في إيه يا عدي؟ مالك يا حبيبي؟ ومين الحيوان اللي عمل في وشك كده؟
ضغط على شفتيه بغيظ وأزال الثلج، أولاها ظهره واقترب من المرآة يتطلع عليها. فازداد غضبه عندما رآها واضحة وضوح الشمس.
هرولت مي خلفه قائلة بقلق:
- ما تتكلم يا عدي، في إيه؟
التفت عدي وقال بغضب مفرط:
- كله بسببها، أنا إزاي كنت مخدوع فيها كده؟ إزاي مشوفتش وسا**؟ أنا عايز أفهم إزاي مفهمتهاش؟ لأ، وكلهم كانوا قلقانين عليها يا حرام، وهي دايرة على حل شعرها مقضيها مع البيه اللي جرى وراها.
رفعت حاجبيها وابتلعت ريقها متمتمة:
- أنت بتكلم عن حورية، طليقتك؟
أومأ لها مغمغمًا:
- أيوه، بتكلم عن ست زفت. بس أنا هوريها، وحياة عيالي لا أوريها هي واللي اتجاملها وعاملة فيها بطل. أنا هوريهم مين هو عدي الهلالي.
وشرد طويلاً، محاولاً تذكر ذلك الشخص الذي رآها معه والذي يدعى بعمر.
__________________________
خرجت حورية من الفيلا بعدما جلست وقتًا طويلاً مع أولادها، وكان داغر برفقاتها. فتملكها التوتر، فماذا ستخبر داغر؟ وما لبث أن يصعد بالسيارة حتى نادت باسمه.
- داغر، أنا مش عايزة أتعبك معايا. وبعدين عمر مستنيني بره وهيوصلني.
أغلق داغر باب السيارة بعدما وضع حقيبته بالمقعد الخلفي، وقال بلهجة صارمة:
- مينفعش يا حورية، مينفعش أسيبك تمشي معاه في الوقت ده. وبعدين أنا عايز أعرف إنتِ تعرفيه منين.
تنهدت وقالت:
- متقلقش يا داغر، عمر هو اللي أنقذني من أمير و...
قاطعها داغر مرددًا الاسم من خلفها:
- أمير!!!
أومأت له وأغمضت عينيها قائلة:
- أيوه أمير. بص هو الموضوع طويل ويطول شرحه، وفي أقرب وقت هحكيلك كل حاجة. بس أنا زي ما قولتلك مش عايزة أتعبك معايا. وبعدين عمر مستنيني بره، عيب بعد ما استناني أمشي وأسيبه ولا إيه.
فتح باب السيارة وهو يتمتم بصرامة:
- اركبي يا حورية عشان أوصلك...
صعدت بجواره بقلة حيلة، تنوي الاعتذار ممن ينتظرها بالخارج.
_____________________________
ولج عمر داخل القصر بعدما رآها برفقة ذلك الشاب واعتذارها منه. فزفر واتجه ناحية غرفة الضيوف. وما إن دلف حتى وجد مدير أعماله طارق، والذي يكون صديقه بذات الوقت، يقف له متمتمًا بتساؤل:
- خير يا عمر؟ قلقتني في إيه؟
أشار له عمر حتى يجلس مرة أخرى:
- اقعد يا طارق، أنا اتصلت بيك عشان عايزك في موضوع.
- خير يا عمر؟
أخذ نفسًا طويلاً وجلس أمامه، وعقله شارد بتلك الحورية، فقال بصوت رخيم:
- في بنت اسمها حورية، هي تبع أمير غريب، يعني عرفتها عن طريقه.
قاطعه طارق قائلاً:
- أمير غريب اللي هيدخل شريك معاك في الشركة الجديدة؟
أومأ له وقال بتأكيد:
- أيوه هو. المهم أنا عايزك تشوف لي إيه حكاية أمير مع البيت وعايز كل المعلومات عنها.
- طيب، أنا هعرف أجيب المعلومات دي منين؟ على الأقل، قولي اسمها.
نهض عمر من مكانه وصورتها تقتحم مخيلته، لا تريد مفارقتها، وقال بانفعال:
- معرفش اسمها بالكامل إيه يا طارق. أنت اتقصى عن أمير ومن ورا هتعرف هي مين. هما ولد منطقة واحدة وقالت لي إنه كان على طول بيضايقها. وبعدين أنا عايز أتأكد من كلامها ده.
أومأ له طارق ونهض من مكانه، مربتًا على كتفه قائلاً:
- تمام، اللي أنت عايزه هيحصل. بس أنت دلوقتي لازم تنام، عندك بكرة تصوير يا عم المخرج.
أومأ له عمر بشرود، فرمقه الآخر بتوجس، يشعر بأن هناك شيء لا يعلمه.
- أنت كويس يا عمر؟
رمقه عمر وسريعًا ما تحولت نظراته للبرود:
- أنا كويس، وخلاص هطلع أنام عشان أعرف أصحى بكرة وأبقى فايق ومصحصح.
ابتسم له صديقه ابتسامة ذات مغزى، فمن سيفهمه أكثر منه؟ وبالتأكيد هناك شيء يخفيه عنه، ولكن سيعلمه عاجلاً أم آجلاً.
غادر طارق منزل صديقه، فتنهد عمر طويلاً، مغمضًا عينيه وصورتها لا تفارقه، وكذلك صوتها الذي أسره وجعله يشعر وكأنه يحلق بالسماء.
فعاد برأسه للخلف، مسندًا رأسه على المقعد، مرددًا اسمها بخفوت:
- حورية.
_____________________________
في منزل مصطفى:
كان يسير كالثور الهائج، يشعر بأنه يريد أن يفتك بها. فكيف لها أن تتحداه بتلك الطريقة؟ فمن هي حتى تتحداه وتطاول عليه؟ فهي بنظره ليس إلا مجرد فتاة سمعتها مشبوهة بسبب عمل والدتها. يعلم جيدًا بأن خاله لم يطولها ولم ينل منها شيئًا.
ولكنه أراد استفزازها، ولكن ما تلك المرأة التي كانت أمامه؟ فهي كانت شامخة، باردة كجبل الجليد.
صدح رنين هاتفه، فانتشله من على الطاولة بلهفة مجيبًا بسرعة الفهد.
"ها يا ابني، وصلت إيه؟ اخلص."
"حضرتك عملت تحريات دقيقة عنها زي ما حضرتك طلبت، والشئ الوحيد اللي حضرتك متعرفوش إنها كانت مخطوبة لابن عمها، وبعديها سابوا بعض ولجأت لمجدي بيه عشان يساعدها تاخد حقها."
صاح به "مصطفى" معنفًا إياه بشراسة.
"انت لسه هتتكلم بالألغاز؟ ما تنجز يا ابني وقول، ساعدها إزاي وليه؟"
"حضرتك، هي اتعرضت من أربع سنين لحادثة اغتصاب، والموضوع كان مؤثر عليها جدًا لدرجة إن خال حضرتك كان بيبعتها للدكتور نفسي عشان تخرج من اللي هي فيه، وتقريبًا عندها عقدة بسبب الموضوع ده."
لمعت عيناه ببريق الانتصار، مغلقًا الهاتف بوجهه. وهناك فكرة تدور بخلده، ويعزم على تنفيذها. فجاء برقم صديق مقرب له، ووضع الهاتف على أذنه منتظرًا إجابة الطرف الآخر. وجاء الرد بعد عدة ثوانٍ، فغمغم بمكر وتفكير شيطاني.
"جاسم، عايزك تشوف لي كام واحد كده عندي ليهم عملية لوز اللوز."
فابتسم "جاسم" بخبث قائلًا.
"طب ما تعرفني نوع العملية دي؟ أنا حتى صديقك يا أخي."
ابتسم "مصطفى" وتمتم بفحيح كالأفاعي.
"لأ، متقلقش. عملية من النوع اللطيف، عايزهم يعلموا على واحدة ويخلوها تعيش ذكريات قديمة."
***
فتحت "ندى" الباب بعدما صدح جرس المنزل، وما إن فتحت بعينيها الحمراء من أثر البكاء، والتي لا تزال تخفي اختفاء شقيقتها عن والدتها خوفًا عليها.
جحظت عيناها وفاضت الدموع من عيناها وهي تراها أمامها. فهرولت دافئة داخل أحضانها متمتمة بصوت مبحوح.
"كنتي فين يا حورية؟ قلقتيني عليكي. حرام عليكي، أنا كان هيجرالي حاجة."
خرجت "حورية" من أحضانها وهي تقبل يديها، مغمغمة بنبرة حانية هادئة وهي تدلف إلى المنزل.
"متقلقيش، أنا كويسة."
تحركت "حورية" تجاه الأريكة وجلست عليها متنهدة بوجع. فلحقت "ندى" بها جالسة بجوارها.
"متقلقيش إزاي بس؟ أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل واختفيتي فين؟ وإيه اللي حصل بينك وبين عدي عشان تطلقوا؟"
كزت على أسنانها وتمتمت بغضب.
"متجبليش سيرة الحيوان ده يا ندى، واللي حصل مش عايزة أتكلم فيه. أما بقى اختفيت إزاي، فأنا مش فاكرة أي حاجة غير إن صحيت لقيت واحد شكله غريب بشوفه لأول مرة، بس لما بتكلم عرفته من صوته."
قالت "ندى" بتوجس.
"مين؟"
"أمير يا ندى، فكراه؟!"
ضربت "ندى" على صدرها وتمتمت بصدمة.
"نهار أسود! أمير يا حورية؟ وده إيه اللي رجعه تاني؟ مش كان غار في داهية؟ إيه اللي فكره بيكي؟"
حركت كتفيها قائلة بسخرية وتهكم.
"قال إيه عايز يتجوزني الحيوان. بس واديني لأوريه. أظاهر كده إن حورية القديمة هترجع تاني يا ندى."
"حورية القديمة مينفعش ترجع، لأنها موجودة أصلًا، بس انتي مش عارفة إيه اللي كان جرالك يا حورية. انتي مكنتيش سلبية كده."
مطت شفتيها قالت بصدق.
"مش عارفة يا ندى. بس يمكن لأني كبرت ونضجت وفهمت الدنيا أكتر، غير أسلوب عدي اللي بقى زي الزفت، واللي كان دايما محسسني إني قليلة وإنه كتير عليا، وإنه عمل ليا جميل بجوازه بيا."
"فشر! قليلة مين دي؟ انتي أي واحد يتمناكي يا حورية. انتي مش عارفة قيمة نفسك ولا إيه؟"
تنهدت وهي تنهض من جلستها قائلة.
"أنا هدخل أنام شوية لأني محتاجة أريح، جسمي وجعني أوي."
أومأت لها "ندى" وقالت بمرح.
"نامي يا ستي للصبح، ولكي عندي حتة فطار الصبح هتأكلي صوابعك وراه."
***
في صباح يوم جديد، وبعدما تسللت أشعة الشمس لتسلط ضوئها على نافذتها لتتسلل من خلف الستار مزعجة إياها بنومها. فتململت في الفراش وفتحت عينيها، وإذا بالباب يفتح فجأة على مصراعيه، دافئة منه "وسام" التي كان الضيق والانزعاج يتمكنان منها بتلك اللحظة.
"الحقي يا وجد، الحقي!"
غمغمت وجد بضيق وانزعاج.
"في إيه يا وسام على الصبح؟ إيه اللي حصل؟"
"ابن عمك الحليوة شاف الرسالة ومردش عليا. ده كان يوم أسود يوم ما سمعت كلامك يا شيخة."
انتشلت "وجد" الوسادة من جانبها وقامت بتصويبها تجاه "وسام" قائلة بضيق.
"يا بنتي انتي حرام عليكي، انتي عايزة تموتيني ناقصة عمر."
اقتربت منها وهي تغمغم بغيظ.
"انتي إيه؟ ما بتفهميش؟ بقولك شاف الرسالة ومردش. أنا خلاص هتشل. هتشلوني انتي وابن عمك."
"يا ستي وأنا مالي أمي؟ هو أنا اللي قولتله ميردش عليكي؟ متبقيش بت أوفر يا وسام. وبعدين أي يعني مردش؟ هنلاقي فكرة غيرها، مش هنغلب يعني. وبعدين هو ممكن يكون بيفكر يرد ولا إيه؟"
غضت "وسام" شفتيها بتفكير وقالت.
"تفتكري؟"
نزعت "وجد" الغطاء ونهضت عن الفراش، وخصلاتها الحمراء الكثيفة تنساب حول وجهها قائلة.
"حلي عني يا وسام، أنا جعانة وهنزل آكل. تيجي معايا تاكلي ولا انتي مالكيش نفس؟"
"لأ، هاجي. مجيش ليه؟ يلا بينا."
هبطت "وجد" برفقة "وسام" وعينيها تجول بحثًا عن والدتها. فتمتمت وسام من خلفها.
"نايمة؟ أمك لسه نايمة."
أجابتها وجد بلا مبالاة.
"وانتي شوفتيني سألت عليها يعني؟"
وما كاد أن يتوجهوا باتجاه المطبخ لتحضير الإفطار حتى سمعوا رنين المنزل، فرمقوا بعضهم بنظرات متبادلة وقالت وسام بتساؤل.
"تفتكري مين اللي بيخبط؟ معقولة يكون مصطفى؟"
حركت "وجد" كتفيها واقتربت من الباب وقامت بفتحه. وما إن فتحته حتى جحظت عيناها وهي تراه واقفًا أمامها، نازعًا نظارته الشمسية، متمتمًا بنبرة حانية ممزوجة ببحة رجولية بحتة خطفت قلبها.
"صباح الخير يا وجد."
ازدرقت ريقها بصعوبة شديدة وقالت بتلعثم، فآخر ما كانت تتوقعه هو مجيئه إليها بذلك الصباح الباكر.
"انت عرفت إزاي إني هنا؟"
ابتسم لها بحنان فطري وقال.
"بنفس الطريقة اللي عرفت بيها إنك في إسكندرية."
صاحت به بانفعال وغضب مصطنع.
"انت إزاي دخلت هنا؟ والبواب اللي على البوابة ده إيه أهطل ولا أهبل عشان يدخل أي حد كده؟"
جاءت "وسام" من خلفها محاولة تهدئتها.
"ما تهدى يا وجد كده وصلّي على النبي. اتفضل يا كابتن."
لم يستطع "داغر" منع ابتسامته من الظهور أمام تلك المرحة والتي استطاعت رسم ابتسامة على وجهه.
أقتضبت ملامح "وجد" تدحرج الغضب والغيظ فيها بسبب ابتسامته التي لاحت على وجهه بسبب صديقتها، فالتفتت تنظر لوسام بنظرات تطلق شرار.
"ملكيش دعوة انتي!!!"
فصاح "داغر" وهو يخطو بقدمه داخل القصر.
"في إيه يا بنت عمي؟ ماهي بتكلم صح، وبعدين هتسبيني واقف على الباب كده كتير؟ ده مكنش عيش وملح حتى."
عقدت ما بين حاجبيها بدهشة من مرحه غير المعتاد، وقالت بحدة وصرامة، والغيرة لا تزال تنهش قلبها، فقالت بانفعال خرج رغما عنها نتيجة لغيرتها التي لمعت بعينيها واستطاع تمييزها بسهولة.
"ما انت حلو وبتعرف تهزر اهو، أومال كان إيه الوش الخشب اللي انت مصدرهولي ده؟"
ابتسم لها ابتسامة واسعة وقال بصوت رجولي.
"وهو حد قالك إني مبعرفش أهزر ولا إيه؟"
"اخلص يا داغر وقول عايز إيه مني."
اختفت الابتسامة من على وجهه وتمتم بإصرار لاح بعينيه تراه لأول مرة.
"جاي عشان نتفق على ميعاد كتب الكتاب يا وجد، عشان أنا قررت اتجوزك وهتجوزك..."
اتسعت عيناها وابتسمت وسام بسعادة غير قادرة على إخفاء سعادتها لأجل صديقتها، فصاحت وجد به بعدما ضايقها ثقته الزائدة بنفسه وتحديه لها بتلك الطريقة، فصاحت وجد بغضب وصراح متمتمة من بين أسنانها.
"ده إيه الثقة دي؟ نفسي أعرف جايبها منين."
زفر "داغر" وعينيه تجول بجميع زوايا المنزل محاولًا تفادي النظر لعينيها القاتلة.
"أنا قولتلك اللي عندي، أنا مش همشي من هنا غير وانتِ مراتي."
"ده انت بتتحداني بقى!"
"اعتبريها زي ما تعتبريها، وبرضو هنتجوز يا وجد وهنرجع القاهرة وانتي مراتي حلالي. ها تحبي نكتب الكتاب دلوقتي ولا نخليها بكرة؟"
رواية طغيان قلب الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم فاطمة محمد
أجاب "وسام" بسعادة:
- لا بكرة إيه ده، حتى خير البر عاجله. أنا بقول تجيب المأذون دلوقتي.
استدارت "وجد" تجاه صديقتها والغضب يليح على وجهها، صارخة بها:
- مأذون إيه وكلام فاضي إيه، وبعدين إنتي مالك بتتكلمي ليه؟ هو كان حد خد رأيك؟
مط "داغر" شفتيه قائلاً بجدية مصطنعة:
- وأنا شايف كده برضه.
وما كاد أن يتحرك من مكانه حتى نادت "وجد" باسمه، فألتفت ناظراً إليها بعيون متسائلة عما تريده.
- داغر.
- نعم!
أقتربت منه بخطى هادئة، مقاومة تلك الابتسامة التي تكافح للظهور على شفتاها. فقلبها يكاد يخرج من مكانه، خفقاتها بتزايد مستمر لا يتوقف، تشعر بأن صوت خفقاتها يصل إليه. لا تريده أن يشعر بسعادتها، وقلبها الذي يقفز لوقوفه أمامها وإصراره على الزواج بها.
فكم تتلهف للفصح عن مشاعرها الجامحة، والتي لن تخبره إياها بذلك الوقت. فهي لم تسترد حقها منه بعد.
فل تلقنه درسًا أولاً، وبعدها ستغمره بحبها، معبرة له عما يعتريها من عشق وجنون به. ستخبره كيف لم تغب صورته من أمام عينيها، وكيف كان يقتحم أحلامها. تلك الأحلام التي كانت تصبرها قليلاً.
فقالت بجمود مصطنع، رغم لهفتها لسماع إجابته على سؤالها:
- أنا عايزة أفهم إنت عايز تتجوزني ليه؟ عايز مني إيه؟
رمش بعينيه عدة مرات، مبتلعاً ريقه، عينيه معلقة عليها. لن يجيبها بالآن، وسيفعل مثلما كان يخطط منذ أربع سنوات.
فسـتعلم مدى حبه لها عقب عقد قرانهم. سيخبرها بشوقه واحتياجه إليها، ما إن تصبح داخل أحضانه، قريبة من قلبه.
قلبه الذي لا يزال يخفق حتى الآن لأجلها، هي فقط.
سيخبرها بأنها الأنثى الوحيدة على وجه الأرض التي استطاعت سلبه عقله وقلبه.
فهي حبه الأول والأخير، والذي لن يتنازل عنه مرة أخرى. يعترف بأنه كان أحمقًا، ولكن لن يعيد الكرة مرة أخرى.
كل هذا دار بخلده، فظلت هي تتابع عينيه التي تفضحه وتفضح عشقه لها، تريد منه أن يقولها ويعترف بمشاعره، فغمغمت باستفزاز:
- هتفضل ساكت كده كتير؟ أنا عايزة إجابة، عايز تتجوزني ليه يا داغر؟ مش سبق وكنا هنعملها، وساعتها استغنيت عني؟ عايزاني أوافق المرة دي كمان؟ عشان تسبني من تاني مش كده؟ انطق! اتكلم ورد عليا، متفضل ساكت كده.
قاطعها مغمغماً بخفوت:
- مش هيحصل يا وجد. مش هيحصل. كل اللي حصل وكل اللي فات هنساهولك. هعوضك، هخليكي أسعد واحدة. إنتي بس وافقي وربنا شاهد على كلامي يا وجد.
أدمعت عين "وسام" وأقتربت من "وجد" التي كانت تنظر إليه بحيرة، لا تعلم أتـوافق أم ترفض، تشعر بتشتت يغمرها لأول مرة. فقلبها يحثها على الموافقة، وعقلها يرفض ويأبى الخضوع له.
غمغمت "وسام" من خلفها:
- وافقي يا وجد عشان خاطري، نفسي أفرح بيكي. وبعدين إنتوا الاتنين بتحبوا بعض، يبقى كفاية عند. كفاية اللي حصل، أرجوكم. الواحد مش عارف هيعيش قد إيه، فبلاش تضيعوا أحلى سنين عمركم، وبعد كفاية أرجوكم. عدى أربع سنين يا وجد، وأظن مدة كفاية أوي. غير إنه لو مش شاريكي بجد وعايزك، ما كان استناكي لحد دلوقتي. غيره كان ممكن يتجوز ويعيش حياته ويأسس عيلة، بس هو معملش كده.
تنهد "داغر" براحة بعدما استمع لحديث "وسام" ورأى نظرة الحنين والتأثر بعين "وجد"، عالمًا بأن حديث صديقتها أثر بها.
مرت عدة ثوانٍ من الصمت، تسارعت خلالها وتيرة أنفاسه، رامقاً "وسام" بنظرة سريعة، والتي كانت عينيها معلقة على صديقتها، تنتظر إجابتها على أحر من الجمر.
فابتلع ريقه، ضاغطاً على شفتيه بقسوة، متحدثاً بحزم، محاولاً الثبات وعدم إظهار توتره الذي اعتلاه، منتظراً موافقتها على الزواج به. ولكن جاءت إجابتها التي جعلته يتحول من ذلك الشخص العاقل إلى شخص مجنون متهور مندفع، كل ما يفكر به هو عدم ضياعها من بين يديه.
- مش موافقة يا داغر. سامعني؟ مش موافقة.
ضم قبضته بغضب، متمتماً من بين أسنانه بلهجة صارمة متحدية لا تليق سوى به:
- مش بمزاجك يا وجد. سمعاني؟ مش بمزاجك. وبالليل هجيب المأذون وهنكتب الكتاب.
أنهى كلماته وهو يتحرك سريعاً من أمامها، مغادراً القصر وهو يكاد يطيح بأي شيء أمامه.
فاقتربت "وسام" التي تملكها الغيظ مما تفعله تلك البلهاء، فصاحت بها:
- أنا عايزة أفهم إيه اللي إنتي بتعمليه ده بالضبط؟ إنتي بتفكري إزاي بس عشان أبقى فاهمة.
رمقتها "وجد" بنظرات جامدة باردة، سريعاً ما تحولت لابتسامة.
ماكرة خبيثة
"وسام" عقدت ما بين حاجبيها بدهشة من ابتسامتها تلك، مغمغمة بعدم فهم.
- ايه الضحكة دي يا وجد؟ انتي بتضحكي بالطريقة دي ليه؟ انتي في حاجة في دماغك صح؟ والله العظيم حرام عليكي، انتي مش شايفة هو متشحفط عليكي ازاي يا باردة يا اللي معندكيش ريحة الدم انتي.
دوت ضحكات "وجد" بالمكان بأكمله، فجذبتها "وسام" بانفعال من ذراعيها.
- انتي بتضحكي على ايه؟ انا عايزة افهم. ورفضتيه ليه مدام بتحبيه ها؟
أجابتها بابتسامتها الماكرة صاعدة باتجاه غرفتها.
- اومال أوافق بسهولة وأريحه بالساهل كده؟ لازم يتعب شوية، ده انا وجد برضو.
***
ولج "امير" داخل مكتب "عمر" مغمغم بصوت مبحوح متحشرج، بعدما أوصلته الخادمة مستأذنة بالرحيل.
- صباح الخير يا عمر. خير طلبتني ليه؟
كان "عمر" جالسًا خلف مكتبه، فأغلق الورق أمامه، رامقًا "امير" بنظرات ذات مغزى وغير مألوفة بالنسبة لأمير، الذي اندهش من اتصاله المبكر ومطالبته بالمجيء.
زم "عمر" شفتيه وتمتم.
- قولي يا أمير، لقيت البنت اللي كنت بدور عليها امبارح ولا لسه؟
توتر "امير" وغمغم.
- لـ لسه ملقتهاش، بس هلاقيها، هتروح مني فين يعني.
وما كاد يكمل حتى قاطعه عمر مغمغمًا ببرود.
- قولي بقى مين دي وبدور عليها ليه وهربت منك ليه؟
ابتلع امير ريقه، لا يريد الإفصاح عن حقيقة الأمر، فـ "عمر" إذا علم ما يفعله وطبيعة عمله، سيلغي تلك الشراكة قبل أن تبدأ، وهو يحتاج تلك الشراكة وكثيرًا، فهي ستكون كالستار على أعماله المشبوهة، والتي جعلته يصل لتلك المكانة المرموقة بمساعدة بعض الرجال من نفس نوعيته، والذين قد يفعلون أي شيء من أجل الحصول على المال.
- ايه يا أمير؟ هو القط أكل لسانك ولا ايه؟
فتمتم أمير بتلعثم ملحوظ.
- دي مراتي، متجوزها عرفي وعايزة تطلق، وأنا بحبها ومش حابب إننا ننفصل، أنا مش متخيل حياتي من غيرها، أنا هتجنن وأعرف راحت فين دي، كأن الأرض انشقت وبلعتها.
رفع "عمر" حاجبيه وابتسامة جانبية ساخرة ترتسم على وجهه، ونهض من خلف مكتبه مقتربًا من أمير، منصتًا إلى أكاذيبه، فتوتره وتلعثمه جعلاه يكشفه بسهولة.
- متقلقش، حورية في الحفظ والصون.
جحظت عين "امير" ورمقه بصدمة سيطرت على كيانه، شاعرًا بأنه لا يستطيع أن يتفوه بحرف واحد.
فقال عمر بسخرية لاذعة.
- مالك مصدوم كده ليه؟
وسريعًا ما تحولت سخريته إلى غضب عارم وأعمى، ممسكًا إياه من ملابسه، مغمغمًا بغضب من بين أسنانه.
- هو حد قالك قبل كده إن عمر الزغبي مختوم على قفاه يااض؟ ده أنا أسيح من عشرة زيك، وبعدين مالك خرع كده وبتتهته في الكلام؟ انشف يااض!
تنهد "امير" وصاح بغضب زائف، رغم ذلك الخوف الذي تسلل إليه، محاولًا التحرر من قبضته الفولاذية.
- ايه اللي انت بتقوله ده؟ أنا مش فاهم انت بتكلم عن ايه؟ وبعدين إيه الطريقة اللي بتكلمني بيها دي؟ هو أنا شغال عندك؟
ازداد غضب "عمر" وتمتم بصياح ممزوج بغضب بركاني.
- مستنضفش إني أشغلك عندي يالا، وبالنسبة للشراكة فخلاص بح يا روح أمك، أنا ميشرفنيش أشتغل مع أشكالك يا بتاع الاستروكس انت.
ابتلع ريقه زافرًا بضيق، بعدما دفعه عمر محررًا إياه.
- استروكس ايه وزفت ايه؟ انت جبت الكلام ده منين؟
- من حورية يا روح أمك، وبصراحة أنا ممنون ليها إنها فوتتني وخلتني أشوف حقيقتك قبل ما أتدبس في أي شغل معاك.
فتحرك عمر من مكانه وتناول ذلك الورق من على الطاولة، ممزقًا إياه إلى أشلاء أمام نظرات امير، مغمغمًا.
- وادي الورق أهو، ودلوقتي تطلع بره، وحورية متقربلهاش، انت فاهم؟
هنا ولم يتحمل أمير ما يحدث، وذلك الأسلوب الحاد الذي يتحدث به عمر معه، فهو ليس بأقل منه، بل يعتبر نفسه الأفضل والأذكى، فصاح بغضب لا يليق به.
- طب وديني وما أعبد وحياة حورية عندي لدفعك التمن وغالي أوي يا عمر يا زغبي عشان تكلمني بالأسلوب ده، وبالنسبة لحورية فهي متخصكش، حورية دي بتاعتي أنا، فمش انت اللي هتقولي أعمل إيه ومعملش إيه، ومتقلقش، هعزمك على فرحنا.
أنهى كلماته، وما كاد يتحرك حتى قام عمر بإمساكه من الخلف، والغضب يتطاير من عينيه، متمتمًا بجانب أذنه.
- تعزمني دي مش حلوة، عندي الأحلى منها، وهي إني أزورك في المستشفى وأنت مدشدش وجسمك كله مش قادر تحركه، عشان تعرف وتتعلم إزاي تتعامل معاها يا حيوان، أصلك مش هتخرج من هنا غير على المستشفى، أصل رجالتي هيقوموا معاك بالواجب وزيادة، وابقى سلملي على العيانين والدكاترة يا أمير استروكس.
***
بمكتب "رائف".
وما أن دلف المكتب وكاد أن يبدأ يومه ويحل مكان "داغر"، الذي هاتفه مخبرًا إياه بسفره للإسكندرية، محاولًا إرجاع وجد.
زفر "رائف" وحرك رأسه بيأس، متمتمًا بخفوت.
- أنا مش عارف وجد دي عملت فيك يا داغر!!!!!
صدح رنين هاتفه، فاخرجه من جيبه مجيبًا عليه بعدما وجده رقمًا غير مسجل، فأجابه الطرف الآخر، والذي كان صوتًا أنثويًا مغمغمًا.
- ازيك يا رائف.
عقد ما بين حاجبيه وتمتم.
- مين معايا؟
تنهدت وقالت بلهجة ساخرة.
- مش مهم مين، المهم إني عارفاك وعارفة مراتك كويس أوي وعارفة بتعمل إيه من وراك.
رفع حاجبيه وقال بلهجة صارمة حادة.
- أه، انتي شكلك بتسلي وقتك وأنا مش فاضي للكلام ده.
وما كاد يغلق حتى تمتمت الأخرى مهرولة.
- اسمعني بس، ده أنا عندي ليك كلام هيخليك تبقى عايز تجيبها تحت رجلك الخايبة دي....
تمتم مرددًا تلك الكلمة بدهشة، سرعان ما تحولت لغضب عارم.
- خاينة!!!
ما تحترمي نفسك.
قاطعته مغمغمة ببرود:
- مراتك مبتحبكش، مراتك بتحب ابن عمك داغر ومن زمان قوي، ولحد دلوقتي لسة بتحبه، وهو عارف الكلام ده كويس ومش راضي يقولك حقيقتها عشان، يا حرام، عارف إنك بتحبها. بس بصراحة أنا مش هاين عليا أسيبك مخدوع فيها وأنت بتحبها الحب ده كله. ولو مش مصدقني، روح قولها الكلام ده في وشها وأنت هتعرف تميز وقتها إذا كان كلامي كدب ولا حقيقة.
أغلق "رائف" الهاتف في وجهها وخرج من مكتبه مهرولاً باتجاه سيارته.
بالطرف الآخر.
كانت بغرفتها تحاول الوصول لداغر منذ وقت طويل، تحاول إخباره بما حدث وتهديد "مي" المباشر لها، ولكنه لا يجيبها. فتأففت بغيظ وصاحت بغضب:
- لا مش وقت إنك متردش عليا خالص.
وعضت على شفتيها بتفكير، وسريعاً ما أرسلت له رسالة نصية مذكور بها ما يلي:
- داغر رد عليا ضروري، الموضوع مهم. مي مرات عدي شافتني وأنا خارجة من أوضتك وسمعت كلامي معاك، ودلوقتي بتهددني. أنت لازم تتصرف.
وما إن أرسلت الرسالة حتى انتظرت عدة ثوانٍ وقامت بمهاتفنه مرة أخرى، فأجابها تلك المرة متمتماً:
- نعم!
- هو إيه اللي نعم! أنت مقرتش الرسالة ولا إيه؟ بقولك مي عرفت كل حاجة، شافتني خارجة من أوضتك وسمعتني وأنا بعترف لك بحبي ليك يا داغر، أنت لازم تتصرف وتطلعني من المصيبة دي، وإلا عليا وعلى أعدائي. ولو حصل الكلام ده، هقول إنك أنت كمان بتحبني وبتسادلني مشاعري وشجعتني على كده.
صاح بها "داغر" متمتماً بانفعال:
- إنني هبلة يا بت ولا في ف دماغك حاجة عشان أبقى فاهم؟ وبعدين أنت فاكرة إيه؟ ده حتى لو هي مقالتش، أنا كنت هقول لرائف. أنا مش هسيبه على عماه، لازم يعرف حقيقتك، هو يستاهل واحدة أحسن منك تحبه بجد وتقدره، لكن أنتِ متستاهليش راجل زي رائف.
صاحت به بجنون:
- يعني إييييييه! فاكرين إنكم ممكن تخلصوا مني بسهولة؟ وبعدين رائف مستحيل يصدقكم، رائف بيحبني، مجنون بيا، بيبوس إيده وش وضهر عشان وافقت عليه، ده ياما حفر ورايا عشان وأنا مكنتش بعبره عشانك. بس أنا هوريك يا داغر وهتش...
ما لبثت أن تكمل حتى وجدت الباب يُفتح على مصراعيه ودلف منه "رائف" وصدره يعلو ويهبط من الغضب، وكيف لا بعدما استمع لحديثها الذي جعله يشعر بأن حياته انقلبت رأساً على عقب. فمن عشقها منذ أن وقعت عينه عليها متيمة ومغرمة بآخر... آخر لا يكون سوى ابن عمه. ولم يكفيه ما فعلته بل تتحدث عنه، ترى حبه وعشقه لها ليس إلا ضعف. فكم هي غبية، تحب من لا يشعر بها. جارحة من كان يتمنى رضاها. لا تعلم بأن أفعاله معها ما هي إلا عشق جارف لها. فهو ليس ضعيف الشخصية ولن يكون ذلك الشخص الذي قد يُذل من أجل الحب. فليذهب حبه إلى الجحيم، وكذلك هي، فلن يكون لها مكان بقلبه من بعد الآن. فما سمعه يكفي بأنه يجعله نافراً، كارهاً لها.
اقترب منها بهدوء مخيف جعل الذعر والهَلَع يتمكنان منها، مستنتجة استماعه لحديثها من ملامحه الغاضبة. فأغلقت الهاتف بوجه داغر وحاولت الحديث، فخرج حديثها متقطعاً متمتمة:
- ر... را... رائف، أنت فاهم غلط، أنا...
اسودت عيناه وجذبها إليه من ذراعيها بعنف وقسوة متمتماً:
- أنتِ طالق يا ياسمين، طالق، طالق.
أنهى كلماته وصفعة قوية من يديه تدوي على وجهها جعلتها تترنح من مكانها بصدمة، مغمغماً بصراخ عنيف:
- ودلوقتي مبقاش ليكي مكان هنا، لمي هدومك وروحي على بيت أبوكي، مش عايز أشوفك تاني.
ارتجفت شفتاه وتطلعت إليه بنظرات مشتعلة، مغمغمة وهي تقترب منه رويداً رويداً:
- همشي يا رائف، بس قبل ما أمشي لازم تعرف إني عمري ما حبيتك ولا حسيت ناحيتك بحاجة، وأنت كنت مغفل كبير، فاكراني واقعة لشوشتك، وأنا أصلاً كنت بعشق داغر. أنا عمري ما حبيتك، أنا محبتش غير داغر. مسألتش نفسك خلفتش منك ليه لحد دلوقتي، ها؟
قاطعها وهو يجذبها من خصلاتها بعنف، ومن قوة قبضته كاد أن يخرج خصلاتها بين يديه، فتأوهت بوجع شديد:
- ااااااااه يا حيوان شعري.
لم يتأثر بصراخها وتأوهها الشديد، ولزم الصمت مكتفياً بجذب خصلاتها، مخرجاً إياها من غرفتها، فتجمعت كل من سعاد وهدى ومي وآلاء التي خافت من تلك الصرخات.
أما مي، فارسمت ابتسامة ساخرة شامته، سريعاً ما أخفتها. فصاحت سعاد وهدى، واللذان حاولا تحرير خصلاتها من بين يديه:
- سيبها يا رائف، في إيه؟
تجاهلهم رائف، منزلاً إياها من على الدرج، مغمغماً بغضب وصراخ عالٍ:
- متدخلوش، دي واحدة خاينة، متستاهلش، محدش ليه دعوة.
اقترب بها من الباب وقام بفتح الباب، دافعاً إياها أمام الباب، مغمغماً:
- هو ده مكانك، وده اللي تستاهليه، تستاهلي واحدة خاينة، وابقي قولي لابوكي رائف طلقني عشان بحب راجل غيره يا ***.
في المساء.
دلف "إسلام" غرفة آلاء، وغمغم بمرح:
- سااامو عليكم.
تنهدت "آلاء" وغمغمت بضيق وهدوء:
- أهلاً يا إسلام، تعالي.
اقترب منها إسلام، وأغلق الباب من خلفه، وغمغم:
- عاملة إيه دلوقتي يا علاء؟
قطبت جبينها وقالت بدهشة:
- علاء!
أومأ لها "إسلام" مؤكداً حديثه:
- أيوه علاء، أنتِ مش شايفة بقيتي عاملة إزاي؟ يا حاجة علاء.
ارتسمت ابتسامة بسيطة على محياها، مغمغمة:
- أنت مفيش فايدة فيك وفي طولة لسانك دي.
أخرج إسلام لسانه بطريقة مسرحية، وغمغم بعدما انتهى من تلك الحركة:
- اهو شوفتي مش طويل، يا حاجة علاء، وعارفة هفضل أقولك علاء لحد ما تخرجي من أوضتك وتفرفشي بقى، عايز أشوفك أحسن من الأول وتعيشي حياتك، ده أنتِ لسه في عز شبابك.
رفعت حاجبيها وابتسمت بسخرية، قائلة بتهكم:
- ومين قالك إني مبقتش كويسة؟ أنا الحمد لله أحسن وعاجبني نفسي كده وعاجباني وحدتي.
- عاجباكي!
ده من انهي ناحية لمؤاخذة، وبعدين انتي لازم تخرجي من أوضتك اللي بقت زي السجن دي.
تنهدت طويلًا مغمغمة:
- ريح نفسك يا إسلام، عشان أنا مش هتغير ومش ناوية أرجع آلاء القديمة. آلاء القديمة خلاص مبقاش ينفع ترجع. مينفعش بعد كل اللي مريت بيه أعيش وأكمل حياتي عادي ولا كأن حصل حاجة. انت متعرفش إيه اللي بيحصلي. ده كل يوم بيجيلي عايز ياخدني معاه، عايز يموتني يا إسلام.
رمقها بعدم فهم من حديثها الغامض وقال باستفسار:
- مين ده يا آلاء؟
فغمغمت بتلقائية:
- باسم يا إسلام، كل يوم بيجيلي في المنام مش عايز يسيبني بقاله أربع سنين، كل يوم بشوفه.
قاطعها إسلام مغمغم:
- آلاء، كل اللي بيحصلك ده كوابيس مش أكتر، صدقيني وسببه اللي انتي عملاه في نفسك ده. طب عارفة عندي ليكي خبر هيفرحك جدًا ومش بعيد تقوليلي أخرجك كمان.
نظرت له باستفهام، فأكمل مغمغم:
- وجد رجعت يا آلاء، واللي أنا عارفة إن داغر مش ناوي يسيبها ترجع المرة دي وتسيبنا تاني، وهيتمسك بيها ومش بعيد تلاقيها جاية تعيش معانا.
اتسعت عيناها وابتسمت بسعادة تزورها للمرة الأولى، مغمغمة:
- انت بتكلم جد يا إسلام؟
- الا جد ده جد الجد كمان.
بالإسكندرية وبداخل منزل مجدي الأسيوطي.
وأثناء مشاهدة سحر ووسام للتلفاز، شعروا بأصوات غريبة آتية من الخارج، وكذلك وجد اللي كانت واقفة بالمطبخ تحضر لها شيئًا دافئًا تشربه بعدما رحلت الخادمة.
خرجت وجد من المطبخ مغمغمة بدهشة:
- إيه الأصوات دي؟
فصاحت وسام بخوف:
- مش عارفة، أنا خايفة.
فصاحت وجد:
- ما تنشفي يا بت، مالك طرية كده ليه؟ إيه اللي كل شوية خايفة خايفة؟
ابتلعت وسام ريقها ونظرت لسحر اللي لا تقل عنها خوفًا، وغمغمت بخفوت وصل لمسامع وجد:
- لا ده انتي مش طبيعية، وهو المفروض إني مخافش واحنا مهددين من واحد زي مصطفى ده. ده أنا كنت هعملها على نفسي وهو بيكلم معاكي.
بذات الوقت كانت قد تحركت وجد باتجاه الباب، وما كادت أن تفتحه، فصاحت بها سحر بذعر:
- انتي هتعملي إيه؟ متفتحيش الباب يا مجنونة انتي، افرضي بعت مجرمين ولا حاجة هيخلصوا علينا.
تنهدت وجد متجاهلة حديثها وفتحت الباب، وما إن فتحته حتى شهقت بخوف عندما وجدته يقف أمامها وابتسامة على وجهه.
فابتلعت ريقها محاولة إعادة ثباتها مرة أخرى، فغمغمت وهي تجز على أسنانها:
- هو انت.
ابتسم لها مجيبًا إياها:
- أيوا أنا، هو انتي مستنية غيري ولا إيه؟ مش قولتلك هتيجي بليل وهنكتب الكتاب.
جاءت سحر ووسام من خلفها بعد ما وصل صوته إليهم.
فصاحت سحر بضيق:
- إيه ده؟ حد يعمل كده؟ خضتنا يا شيخ، وبعدين فين البواب، وإيه الأصوات اللي بره دي؟ انت بتعمل إيه؟
أومأت وجد بغضب متمتمة:
- البواب ده مفيش فايدة فيه، دي مش أول مرة، أنا هوريه.
وما إن غادرت باب القصر وكادت تخطو بقدميها عدة خطوات حتى وقفت مكانها مدهوشة منبهرة مما تراه عيناها، وكذلك وسام وسحر، فكل منهم جحظت عيناها بانبهار.
فالتفتت وجد إليه قائلة بصوت مبحوح خرج بصعوبة:
- إيه اللي انت عامله ده؟
ابتسم لها بحنان مغمغم:
- عجبك؟
أولته ظهرها متحركة من مكانها وعيناها تجول بالحديقة، فقد جعلها بأكملها مليئة بالورود الحمراء والشمع وإضاءة خافتة جعلت الحديقة أكثر رومانسية تجعل أي امرأة تذوب بعشقها، فاتسعت ابتسامتها رغمًا عنها وهمهمت بدون وعي:
- كل ده عشاني أنا!
أجابها وهو يقف وراءها تاركًا بعض المسافة بينهم والسعادة تلوح على وجهه لرؤية سعادتها:
- أكيد عشانك يا وجد.
ابتلعت ريقها من صوته الحنون الذي يبثها الراحة والأمان، فالتفتت إليه حتى تنظر بعينيه، فوجدته جالسًا على إحدى ركبتيه مخرجًا إحدى العلب القطيفة الحمراء والتي بداخلها أحد الخواتم باهظة الثمن، قائلًا بحب مناجي ربه بسره أن توافقه ولا تكسر بقلبه الذي لا يريد سواها بقربه:
- توافقي تتجوزيني يا وجد وتكوني مراتي وحلالي وأم ولادي؟
لمعت الدموع بعينيها وظلت تتطلع لكل شبر متأملة إياه، وخاصة تلك اللحية التي تزين وجهه وتلك السبابة التي تضيء وجهه، وما كادت أن تجيب حتى اقتربت منهم وسام مهرولة قائلة بتحذير مخربة تلك اللحظة:
- وحياة أمي لو رفضتي لهجيبك من شعرك، الواد تاعب نفسه وعاملك جو شاعري، يلا بقى وافقي.
وكزتها وجد بذراعيها مغمغمة بابتسامة:
- ملكيش دعوة انتي، ومين قالك إني هرفض؟
ثم نظرت تجاه داغر الذي لمعت عيناه ببريق من السعادة، مغمغمة:
- موافقة يا داغر، بس الخاتم تلبسهولي بعد ما نكتب الكتاب.
ابتسم لها ناهضًا من مكانه يتمنى ضمها داخل أحضانه بتلك اللحظة، ولكن استطاع تمالك نفسه ومشاعره المتأججة المشتعلة، فستكون بين أحضانه الليلة مخبرًا إياها بمشاعره منذ رآها، فغمغم وقلبه يكاد يخرج من بين أضلعه:
- والمأذون برة واتنين شهود حضرتهم، هنكتب الكتاب ونرجع القاهرة.
أومأت له بسعادة موافقة على حديثه.
وبعد مرور بعض الوقت.
غمغم المأذون بتلك الكلمات:
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
رواية طغيان قلب الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم فاطمة محمد
تنهد "داغر" مغمضًا عينيه لوهلة مستمعًا لتلك الكلمة التي قالها المأذون مباركًا لهما، فابتلع ريقه مجيبًا عليه وعيناه معلقتان بـ"وجد" التي لا تعلم كيف وافقت على الزواج به، وسارت خلف قلبها الذي يرغب بوجوده وبشدة.
نهض "داغر" برفقة المأذون والشهود لباب المنزل.
فزفرت "سحر" بتأفف مغمغمة بغيظ:
- أنا مش عارفة عاجبك فيه إيه ده؟ بقى وافقتي تجوزي ده ورفضتي مجدي اللي كان بيتمنالك الرضا ترضي واللي ما نسيكي بعد ما مات وكتب لك كل حاجة.
رمقتها "وجد" ببرود مغمغمة:
- مش هرد عليكي ومش هسمحلك تبوظي لي أسعد يوم في حياتي يا سحر هانم.
فحمحمت "وسام" وجذبت "سحر" من ذراعيها قائلة بابتسامة بشوشة:
- طنط سحر مش قصدها يا وجد والله، ده أنتي متعرفيش إحنا مبسوطين إزاي، ده ربنا اللي يعلم.
رفعت الأخرى رأسها ناظرة إليها بنظرة مشتعلة قائلة:
- برضو هتقولي لي طنط؟ على العموم أنا مش طنط يا حبيبتي واتكلمي عن نفسك، أنا مش راضية عن الجوازة دي.
أنهت كلماتها وهي تغادر من أمامهم غير مبالية بمشاعر ابنتها، والتي تظهر عكس ما بداخلها. فرغم ما تظهره من برود، ولكن من داخلها تشتعل. نعم تعلم بقسوتها وجبروتها، ولكنها كانت تحلم بأن تستمع إلى بعض الكلمات الحانية التي قد تزيدها سعادة وتجعل قلبها يرفرف، ولكن لا بأس، فمن الواضح أن والدتها لن تتغير وستظل كما هي.
كل هذا دار بخلدها، فأخذت نفسًا طويلاً وزفرته على مهل.
ففوجئت به يقف أمامها، فعلمت بأنها قد شردت. فحتى صديقتها قد اختفت من الصالون تاركة إياهما على انفراد.
وما لبثت أن تتحدث متسائلة عن سبب وقوفه أمامها، متطلعًا إليها بتلك النظرات العاشقة التي يرمقها بها لأول مرة بتلك الطريقة الصريحة. فوجدته يجذبها من يديها جاعلاً إياها واقفة أمامه، ضامًا إياها داخل أحضانه ويديه تحاوطها بتملك شديد، مغمضًا عينيه مستمتعًا بتلك اللحظة التي طال انتظارها كثيرًا.
فأخيرًا أصبحت بين أحضانه، أصبح من حقه لمسها وتأملها. تأمل تلك الملامح الطفولية البريئة التي لا تليق بشخصيتها العنيدة الشامخة القوية. أما هي، وما أن حاوطها بذلك التملك والاشتياق الذي اتضح من طريقته، ارتجف جسدها وظلت ثوانٍ لا تبادله عناقه، ولكن بذلك التقارب وذلك الاشتياق الذي تبادله إياه.
رفعت ذراعيها متشبتة بملابسه، مغمضة عينيها هي الأخرى، ورائحة عطره تتسلل إلى أنفها.
فتحدث داغر بنبرة هامسة متحشرجة:
- بعشقك يا وجد... بعشقك واستنيت اللحظة دي كتير عشان أعترف لك باللي بحسه ناحيتك. بعشقك ومش عايز من الدنيا دي غيرك، غير قربك مني.
أخرجها من أحضانه محاوطًا وجهها بيديه، وعيناه تجول على وجهها بلهفة عاشق، مكملًا حديثه:
- بعشقك من أول ما عيني ما شفتك ولمحتك. عشقت كل حاجة فيكي واتعلقت بيكي بسرعة. كنت عارف إنه فيه حاجة اسمها حب وكنت عارف إني هيجي عليا وقت وأحب وقلبي هيدق، بس ما كنتش أعرف إنه هيحبك ويعشقك بالسرعة دي. إنتي أول حب في حياتي وآخر حب يا وجد. عرفت قد إيه أنا بحبك لما والدتك قالت إنك اتجوزتي، ساعتها كنت حاسس بسكاكين بتقطع قلبي، انتي أول واحدة دموعي تنزل عشانها يا وجدي.
أسند جبهته بجبهتها، رافعًا إصبعه مزيلًا تلك الدموع التي انسلّت على وجنتيها من اعترافه وحديثه الذي لمس قلبها، جاعلًا دموعها تتحرر من مقلتيها.
فرفعت يديها هي الأخرى محاوطة وجهه، لا تصدق بأنها تلمسه وأنه يعترف لها بذلك الحديث الذي يسلب القلوب.
فأكمل بابتسامة على وجهه وعيناه تلتمع من تلك الدموع، فكم تعذب وتألم حتى وصل لتلك اللحظة:
- لما سافرتي ما كنتش عارف أعمل إيه. عارفة لما تحسي إن فيه حاجة ناقصة؟ أنا بقى كان ناقصني قلبي لأنك خدتيه معاكي يا وجد وكنتي سايباني عايش من غـ...
قاطعته عندما وضعت يديها على شفتيه هامسة بخفوت:
- هشششششش كفاية يا داغر متكملش.
حرك يديه ممسكًا بيديها التي وضعتها على شفتيه، مقبلًا إياها بشوق ولهفة وهو ينظر بعينيها التي لا تتركه، يبادله نظراته العاشقة.
فأقترب منها بخطى هادئة وعيناه لا تنخفض ولا تنزاح من عليها، مقبلًا شفتاها بحنان وهدوء. فأغمضت عينيها باستسلام كامل له.
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، متذكرة ما حدث منذ أربع سنوات وظل يعاد أمام عينيها مرارًا وتكرارًا دون أن يتوقف، حتى ابتعدت عنه مبتلعة ريقها، ململمة خوفها قائلة بتوتر تحت نظراته المترقبة لابتعادها:
- مينفعش ماما أو وسام ممكن يشوفونا، ويلا عشان نتحرك.
أقترب منها ماسحًا على وجهه قائلًا:
- هنتحرك الصبح بلاش بليل كده.
أماءت له بموافقة وقالت:
- إحنا هنبات هنا انهاردة.
أماء لها برأسه مغمغمًا:
- أيوه.
فابتلعت ريقها بصعوبة بعدما شعرت بجفاف يسري به، قائلة:
- طب إحنا كده نبات في الأوضة اللي قعدت فيها أنا أصلًا معيش هدوم أنا.
صمتت عن إكمال حديثها وقالت بتساؤل وشكوك ثاورتها:
- إلا صحيح انت مش هتسألني أنا بعمل إيه هنا؟
ابتسم بحنان وقال:
- أنا عارف كل حاجة يا وجد.
قطبت ما بين حاجبيها قائلة بسذاجة:
- إزاي؟
أقترب منها ورفع إصبعه مداعبًا أنفها قائلًا:
- بنفس الطريقة اللي عرفت بيها إنك هنا، ويلا عشان نطلع أوضتنا يا عروستي.
بمنزل "حورية"
كانت تجلس على المائدة شاردة بما حدث معها، محاولة الوصول لذلك السبب الذي جعل زوجها ينظر لأخرى. فحتى الآن لا تجد مبررًا لفعله، رغم اعترافها بإهمالها له، ولكن ما الذي كان عليها فعله؟ فأطفالها لا يزالون صغارًا يحتاجون لاهتمامها. نعم أهملته، ولكن ذلك الإهمال لم يكن برضاها. فكم راجعت نفسها وحاولت الاهتمام به، ولكنها لم تجد سوى السخرية منه، وخاصة من هيئتها ووزنها الذي اكتسبته.
ما الذي كان سيحدث إذا كان حادثها بحنان وليس بسخرية؟ فالمرأة دائمًا تحتاج إلى ذلك الحنان الذي يشعرها بالأمان. تريد أن تشعر بأن من أمامها يحبها بل يعشقها، وليس ساخرًا منها.
أهذا هو الحب والسعادة الذي وعدها به؟ فأين هو الحب؟
و أين السعادة؟
فزواجه من أخرى هدم كل شيء بينهم، جعلها تشعر بأنها لم تكن شيئًا بالنسبة له، لم يحبها سوى لمظهرها الخارجي.
ارتسمت بسمة بسيطة على محياها بسبب سذاجتها عندما ظنت بأنه عاشق لها، فهو أحب تلك الفتاة الجميلة الممشوقة والتي كانت صعبة المنال بالنسبة له.
جلست "ندى" بجوارها متمتمة بهدوء، مخرجة إياها من شرودها.
- حورية، انتي كويسة؟ سرحانة في إيه؟
رفعت الأخرى حاجبيها قائلة بسخرية:
- سرحت يا ندى، وعرفت قد إيه كنت هبلة وساذجة لما فكرت إن عدي ابن الحسب والنسب حبني، مكنتش شايفة إنه مبيحبش غير المظاهر وبس، انتي لو شوفتي شكل اللي اتجوزها وطريقة لبسها، بستحقره أوي، ده مبسوط بيها وهي جسمها باين بالطريقة دي.
قاطعتها "ندى" بغضب عندما تذكرت إصرارها على شقيقتها لتقص عليها سبب طلاقهم:
- انتي لسه بتفكري في اللي اسمه عدي ده؟ أنا بجد مبقتش طايقة أسمع اسمه ده، حيوان!
أومأت "حورية" برأسها مغمغمة:
- أنا اتصدمت فيه جامد أوي يا ندى، انتي عارفة لو كان جه واتكلم معايا براحة وبحنية، يقولي إيه اللي غيره من ناحيتي كدة، كنت هعمل أي حاجة عشان بس يرجع عدي القديم، كنت دايماً بكدب نفسي إنه بيعاملني بالطريقة المستفزة دي عشان تخنت شوية.
وضعت "ندى" يديها على يدها قائلة:
- حورية، كفاية بطلي تقولي كدة، صدقيني أنا مش شايفة إنتي مليانة للدرجة، إنتي أي نعم تخنتي شوية عن الأول، بس ده طبيعي بعد الولادة، وكمان إنتي كنتي مكرسة وقتك كله لولادك وليه، بس هو اللي أناني مفكرش غير في نفسه وبس، وصدقيني اللي زيه مبيتزعلش عليهم، دول بيداس عليهم بالجزم، وبكرة هيرجعلك حافي وهيبوس رجلك عشان ترجعيله، هتشوفي وهتقولي ندى قالت.
صاحت "حورية" بانفعال وغضب:
- مستحيل ومش هيحصل، مراته وأكله دماغه يا ندى، أنا بس كل اللي قهرني ولادي.
- خلاص، كلمي مع أهله، وأكيد مش هيقولهم لأ، بس إنتي حاولي، إحنا مش عايزين الموضوع يوصل للمحاكم.
قاطع حديثهم رنين المنزل، فنهضت "ندى" من مكانها متجهة ناحية الباب، وقامت بفتحه، فوجدت أمامها شابًا أقل ما يقال عنه وسيم، فاتسعت عيناها وابتلعت ريقها مغمغمة:
- أنا بحلم مش كده، انت بجد!
ابتسم لها عمر وقال بمرح:
- آه بجد، اقرصيني لو مش مصدقة.
- هااا!
دوت صوت ضحكته، فنهضت "حورية" من على المقعد بعدما وصل إليها صوت ضحكته التي أصبحت تألفها.
وما أن رأته حتى قالت بدهشة:
- عمر!
ألتفتت إليها "ندى" قائلة بسعادة:
- الزغبي، عمر الزغبي أفضل مخرج فيكي يا مصر، ده أنا مسبتش فيلم ولا مسلسل إلا وشوفته، أي حاجة يخرجها بتبقى تحفة.
فقال "عمر" بطريقة مسرحية وهو يهندم ياقة قميصه:
- لا، كفاية، أنا كده هتغر.
رمقته "ندى" مغمغمة بحب:
- ده إنت بذات تتغر زي ما إنت عايز، لو مكنتش إنت اتغريت مين اللي هيتغر ها؟
وسريعًا ما بللت شفتيها صائحة بتساؤل:
- انت جاي لمين؟ ما هو مش معقول جاي لنا إحنا.
أتسعت ابتسامته وهو يتطلع بحورية مغمغم:
- لا، جايلكم أنتم.
أتسعت عيناها على آخرهما وقالت:
- يا بركة دعاكي ياما!
جذبتها "حورية" من يديها، مدخلة إياها من على الباب، متمتمة بخفوت:
- إنتي بتقولي إيه؟ يخربيتك فضحتيني، اتفضلي خشي أوضتك.
- بس أنا...
- هي كلمة واحدة، اتفضلي على أوضتك.
دبدبت "ندى" على الأرض واتجهت لغرفتها، مغلقة الباب بعنف، وسريعًا ما فتحته بهدوء مرة أخرى، مستمعة لحديثهم، تريد أن تعلم ما الذي قد يربط شقيقتها بذلك المخرج المشهور.
زفرت "حورية" وقالت بأسف حقيقي:
- أنا آسفة جدًا على اللي ندى عملته، بس هي مجنونة مسلسلات وأفلام، أصلًا إنت مقلتليش ليه إنك مشهور كدة؟
ابتسم لها مغمغم بمرح:
- أصلي مبحبش أتكلم عن نفسي كتير.
- يا سلام على التواضع.
زم شفتيه قائلاً:
- وإنتي لسه شفتي تواضع.
تنهدت وقالت:
- خير يا عمر.
- كل خير إن شاء الله، بس هنفضل نكلم على الباب كده كتير.
حركت كتفيها متمتمة باعتذار:
- أنا آسفة، بس إحنا ستات عايشة لوحدنا، ومينفعش أدخلك، الناس ممكن تاكل وشنا.
أومأ لها بتفهم وأخرج من جيبه الكارت الخاص به:
- طيب، ده رقم تليفوني، كلميني بكرة ضروري عشان عايزك في شغل.
أبتلعت ريقها وقالت:
- شغل! شغل إيه ده؟
أجابها بابتسامة حنونة مشاغبة:
- لما تيجي بكرة هتعرفي، سلام يا حورية.
ظلت تطلع لأثره بتفكير، فعن أي عمل يتحدث؟ فتنهدت وأغلقت الباب، فخرجت ندى مهرولة باتجاهها قائلة:
- أنا عايزة أعرف كان بيقولك وإيه الشغل اللي عايزه فيك.
أجابتها بشرود:
- مش عارفة.
ولجت "وجد" برفقة "داغر" إلى الغرفة، فابتلعت ريقها، فلا تزال تلك الرجفة تسري بجسدها، وما كادت أن تلتفت حتى تنظر إليه بعدما أغلق الباب، حتى وجدته يحتضنها من الخلف، ضاممًا إياها إلى أحضانه، فأزدادت خفقاتها وأنتفض جسدها بين يديه.
ابتعد عنها بعدما شعر بتلك الرجفة وذلك الخوف الذي طغى عليها، فتنهد ووقف أمامها، متطلعًا لها بلهفة، متمتم بخفوت وهو يقترب منها خطوة واحدة:
- مالك! إنتي خايفة مني!
ابتعدت عنه تلك الخطوة التى تقدمها بتوتر، رامشة بعينيها عدة مرات. فلأول مرة بحياتها تشعر بمثل ذلك الشعور، تريده ولا تريده. فما تعرضت له على يد باسم لا تنساه حتى الآن. وما إن اقترب منها جاذبًا إياها برفق، يريد أن ينالها بعد ذلك الشقاء والعذاب. وبذات الوقت لا يريد الضغط عليها لعلمه بما حدث لها وما تعرضت له، فأراد أن يزيل ذلك الخوف الذي رآه بعينيها وحركات جسدها.
فهمس أمام وجهها وأنفاسه تلفح بشرتها الناعمة مثل بشرة الأطفال.
"متخافيش مني، أنا بحبك يا وجد."
نظرت بعينيه محاولة السيطرة على تلك الذكريات الأليمة التي اقتحمت رأسها. وأخيرًا استطاعت فعل ذلك، عندما لاحظت نظراته المهيمنة والمشتاقة لها.
فاستسلمت له ولمساته، فانخفض بهدوء ناحية ثغرها، ملثمًا إياه بهدوء وحنان مفرط جعلها تذوب بين يديه، مناسيًا إياها ذلك الخوف الذي سيطر عليها.
***
"في صباح اليوم التالي"
بغرفة "عدي" و "مي"
يقف أمام المرآة يهندم ملابسه، متطلعًا على تلك النائمة بانزعاج، محاولًا إثارة الضجة بأنحاء الغرفة حتى تستيقظ من نومها.
فتململت بفراشها وفتحت عينيها بضيق، مغمغمة بضيق.
"في إيه يا عدي!! إيه الدوشة دي؟"
استدار الآخر، رامقًا إياها بضيق شديد، مغمغمًا بانفعال ونبرة غير مألوفة بالنسبة لها. فلأول مرة يحدثها بتلك الطريقة وذلك الأسلوب.
"في إيه!!! انتي كمان بتسألي يا هانم؟ يعني مش عارفة إني بنزل بدري والمفروض تبقي صاحية قبلي وتصحيني عشان متأخرش؟ أهو بسبب إني اعتمدت عليكي، راحت عليا نومة واتأخرت وهسمع كلمتين ملهمش لازمة على الصبح. جرا إيه يا مي؟ إيه اللي جرالك؟ انتي هتعملي زي اللي قبلك ولا إيه؟"
قطبت ما بين حاجبيها وغمغمت بدهشة.
"أعمل إيه بالضبط؟ ده أنا أول مرة تروح عليا نومة. وبعدين ده حصل غصب عني، أنا مكنتش عارفة أنام امبارح ونايمة وش الصبح. وبعدين تسمع كلمتين ليه؟ دي شركتكم انت مش شغال عند حد عشان تبقى مقلق من التأخير كده."
جز على أسنانه وغمغم.
"مي انتي عارفة كويس أوي إني مبحبش الطريقة دي. المفروض إني جوزك والمفروض أبقى أول اهتماماتك، مش عشان الهانم طول الليل سهرانه على الموبايل يبقى أنا اتركن على جنب وأتأخر على شغلي. لا، فوقي يا مي واتعدلي من أولها. أنا مش هستحمل تهمليني، لأن مش عدي الهلالي اللي يتهمل، انتي سامعة؟"
أنهى كلماته وهو يخرج بغضب من الغرفة، دافعًا الباب من خلفه، والغضب بادٍ على وجهه.
فغمغمت بضيق مكملة نومها مرة أخرى.
"أووف ده انت أوفر أوي بجد."
وصل "عدي" أمام الشركة وترجل من سيارته، وولج الشركة واتجه باتجاه مكتبه.
رمق مكتب السكرتيرة الخالي بنظرة سريعة ودلف المكتب، وزفر بضيق، يشعر بغضب شديد يسيطر عليه. فهو لا يحب أن يهمله أحد، يحب أن يكون الأول بكل شيء.
فأخرج هاتفه حتى يهاتف شقيقه، فسمع طرقات على الباب. فأذن للطارق بالدخول، وعيناه معلقة بهاتفه حتى يخرج رقم شقيقه. ولكن أوقفه عما يفعله هو ذلك الصوت الأنثوي غير المألوف، وذلك أرغمه على رفع عينيه عن شاشة هاتفه.
وما إن رفع عينيه حتى وجد أمامه فتاة لا تقل جمالًا عن "مي"، بل تزيدها جمالًا. فأرتسمت بسمة ماكرة على وجهه وعيناه تتفحصها، مغمغمًا.
"أنتي مين؟"
ابتسمت له الفتاة ابتسامة بسيطة، مغمغمة.
"أنا السكرتيرة الجديدة بتاعت حضرتك، سلامة بيه عاينى، وانهاردة أول يوم ليا في الشغل."
اتسعت ابتسامته رويدًا رويدًا، مغمغمًا بنبرة خافتة ذات مغزى، وعيناه تتفحصها من رأسها لأخمص قدميها.
"حلو أوي الكلام ده."
***
"وجد، وجد."
تململت وجد بنومها، مغمغمة ببعض الكلمات غير المفهومة.
فهمس جانب أذنيها.
"حبيبتي، صحي النوم."
فتحت عينيها وابتسمت له بخفة، قائلة بهدوء ممزوج ببعض الخجل.
"صباح الخير."
اقترب منها ملثمًا جبينها.
"صباح النور يا أحلى وجد."
تنهدت مبتلعة ريقها من حنانه اللامتناهي معها، والذي لا يكف عن فعله.
"هي الساعة كام؟"
"الساعة ١١ يا ستي، يلا بقى قومي عشان نلحق نرجع القاهرة."
أومأت له برأسها، مغمغمة بحب.
"ماشي."
بعد مرور عدة ساعات.
دلفا إلى القصر ويداه تعانق يديها بتملك. تشعر بتوتر، فلأول مرة سترى والدها بعد كل تلك السنوات.
دلت برفقته، فقابلتهم كل من سعاد وهدى. فرمقت سعاد أياديهما المتشابكة بتلك الطريقة، مغمغمة بشك.
"إيه اللي بيحصل ده؟"
رمق "داغر" وجد بعشق، متمتمًا.
"باركيلي يا ماما أنا ووجد اتجوزنا امبارح."
مرت ثوانٍ من الصمت، يرمقونهم بصمت وصدمة. فتنهدت سعاد، وقالت ببرود متناهٍ.
"مبروك."
وعقب كلماتها صعدت تجاه غرفتها، تاركة إياهم برفقة هدى، التي هنأتهم ببرود ومرحبة بعودة وجد.
***
وصلت "حورية" إلى موقع التصوير الذي أخبرها عنه وعن وجوده به عندما هاتفته صباحًا. فكم تريد ذلك العمل الذي لن يجعلها تلجأ أو تحتاج لأحدهم.
فظلت واقفة مكانها عندما رمقته جالسًا خلف الكاميرا، يتابع ما يتم تصويره بموقع التصوير. فظلت تتأمل سكونه وطريقة جلوسه. فأبتلعت ريقها متذكرة ذلك اللقاء الذي جمعهم، وكيف جاء من خلفها وهمس بأذنيها بتلك الكلمات. فتنهدت وعادت من شرودها عندما استمعت إلى صوته، موقفًا التصوير، متجهًا باتجاهها، وابتسامة واسعة جذابة على وجهه.
"أخيرًا جيتي، أنا مستنيكي من بدري."
رمشت بعينيها وقالت.
"واديني جيت أهو، انت قولتلي امبارح إنك جايبلي شغل، ممكن أعرف إيه هو؟"
ابتسم له وعيناه معلقة بها، لا يزيحها عنها، مغمغمًا.
"هتبقي مديرة أعمالي يا حورية."
رواية طغيان قلب الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم فاطمة محمد
-هتبقى مديرة اعمالي يا حورية
رمشت بعينيها عدة مرات متتالية عقلها لا يستوعب ما سمعته للتو
فظل "عمر" يتطلع عليها متأملًا سكونها ذلك فرفع احد حاجبيه مغمغم بتوجس
-انتى بتفكرى و لا ايه!!!
حركت رأسها بنفي مغمغم
-لا مش بفكر بس مصدومة من العرض بتاعك يعنى انا عمرى ما اشتغلت كنا بنصرف من معاش بابا،غير انى مش فاهمة ايه المطلوب منى ،و هبقى مديرة اعمالك ازاى يعنى
تنهد طويلًا مجيبًا إياها بهدوء
-من الناحية دى متشليش هم خالص الشغل بسيط و هتحبيه كل ما عليكى هترتبيلى مواعيدى وتفكرينى بمواعيد التصوير وهتبقى معايا فى اللوكيشن،ها قولتى ايه
زمت شفتيها و عينيها تجول من حولها متطلعة لتلك العيون التى تطلع عليهم و التساؤلات على وجوهم فبعض منهم ينظر بغيرة و حقد و اخرى مندهشة لوقوفه مع تلك الفتاة التى لا تليق به
فبللت شفتيها فتابع هو حركاتها العفوية رغمًا عنه و لاحت ابتسامة جانبية زادته وسامة فأنتبهت لابتسامته تلك و قالت
-ممكن اعرف بتضحك على ايه
حرك راسه متمتم و هو ينظر بساعة معصمه
-ولا حاجة ،و يلا تعالى ورايا ،عشان نبدأ تصوير تانى و بعد التصوير هروحك و فى الطريق هفهمك كل حاجة و المطلوب منك بالتفصيل
_______________________________
فى المساء
بداخل غرفة "وجد" و "داغر"
كانت جالسة على الفراش تفكر بتلك المواجهة التي ستحدث بعد قليل عقب وصول والدها و ماحدث معها منذ قليل و كيف استقبلتها كلًا من "سعاد" و "هدى"
فاقترب منها "داغر" بعد دلف من الشرفة جالسًا بجوارها منتشلًا يديها مقبلًا إياها مغمغم بحنان
-طول ما انا جمبك مش عايزك تخافى أو تقلقى من حاجة عايزك تثقى فيا و تعرفى انى على طول جمبك و معاكى يا وجد و بالنسبة للى حصل تحت ده من ماما او مرات عمى فده عشان اتصدموا شوية مش اكتر صدقينى بس هما بيحبوكى و
كزت على اسنانها و انتشلت يديها من بين يديه صارخة به و هى تنهض من جواره
-بيحبونى!! تصدق صدقتك ،اومال لو مكنتش بتحبنى كانت عملت معايا ايه ها دى شوية شوية كان هاين عليها تطردنى من هنا انت مشفتهاش بصتلى ازاى اذا كانت هى و لا مرات عمك دى
زفر مطولًا ونهض من مجلسه مقتربًا منها محاولًا تهدئة اعصابة واعدًا نفسه بألا يصرخ أو يغضب عليها
-وجد هما مش قصدهم هما
قاطعة ذلك الطرق على الباب فاقترب من الباب و قام بفتحه فوجد أمامه "رائف" و الذي كانت حالته لا ترثى لها فعينيه كانت شديدة الأحمرار و شعره وملابسه غير مهندمين بالمرة
فاقترب منه "داغر" بلهفة و وضع يديه على كتفيه غمغم بقلق بعدما رأي حالته
-مالك يا رائف فى ايه
أزاح "رائف" يديه مغمغم بقسوة سريعًا ما تحول لصراخ
-انت ازاى متقوليش يا داغر ،ازاى تفضل ساكت بعد ما اللى عرفته ده ،ازاى ترضالى انى ابقى مختوم على قفايا ،ازاى تبقى عارف ان مراتى بتحبك و تسكت ،ازاى!!!!!!!
أغمض "داغر " عينيه و التفت رامقًا "وجد" التى تتابع ما يحدث بأعين حائرة
-رائف خلينا نكلم فى اوضه المكتب وانا هفهمك كل حاج
قاطعة "رائف" بشراسة
-هتفهمنى ايه يا شيخ داغر ياللى عارف الحلال من الحرام ،هتقول ايه بعد اللى حصل ها
غضب "داغر" و صاح بنبرة منفعلة بعض الشئ
-رائف انت هتسمعنى و لا لا
اقترب منه "رائف" و صاح بتحدى و كراهية امام وجه
-لا مش هسمعك و مش عايز اسمعك يا ...ابن عمى
قال كلماته الأخيرة و غادر و هو لا يرى أمامه من شدة غضبه فتوعد لتلك التي لم تحافظ على اسمه و كذلك ذلك الذى لم يكن له ذنب سوى ان زوجته كانت تذوب به عشقًا دون علمه........
اغلق "داغر" باب الغرفة فقالت "وجد" بصدمة
-يا نهارك اللى مش معدى يا داغر بقى تبقى عارف ان ياسمين بتحبك و تسكت و متقولوش
صاح بها هي الآخرى مغمغم
-اقوله ايه ياوجد اقوله ايه اقوله مراتك بتحبنى و اعترفت لي بده و ان الاربع سنين اللى قضاهم معاها كانت كدب ف كدب
-ايوة تقوله مش احسن ما يفضل على عماه كنت نوره و عرفه مش تسكت
تنهد "داغر" و قال
-وده اللى انا كنت هعمله كنت ناوى احكيله لما ارجع بس كله من مرات عدى هي السبب
ضيقت عينيها و قالت بدهشة
-حورية
رفع عينيه و نظر بعينيها
-لا مى ،عدى طلق حورية
اتسعت عيناها و ضربت على جبهتها قائلة بندم و تانيب لنفسها
-يالهوى انا ازاى مسألتش عليها لما عرفت انها اختفت انا ازاى بجد مفكرتش اسال عنها و اعرف حصل معاها ايه انا ازاى نسيت اسأل عنها
-متقلقيش هى كويسة بس هى و عدى أطلقوا
اقتربت منه بتوجس قائلة باستفسار
-أطلقوا ليه مش على اساس بيحبوا بعض
ابتسم بسخرية
-المفروض بقى بس اظاهر ان عدى باشا ميعرفش يعنى ايه حب و راح اتجوز مى عليها و حورية لما عرفت صممت تطلق و هو كأنه ما صدق
كانت تستمع الى حديثه بعدم تصديق فقالت بدون وعى
-يا نهار ابوه اسود و منيل بستين نيلة ده اخوك ده هيموت فى ايدى هو وعروسة المولد اللى اتجوزها
ثم نهضت من مكانها مهرولة خارج الغرفة فهرول داغر خلفها مناديًا باسمها
اما هى فكانت تصرخ باسم تلك الحية التى خربت زواج كل من عدى و حورية
-انتى ياللى ما تتسمى يا اللى اسمك مى
لحق بها "داغر" و جذبها من ذراعيها قائلًا بشراسة
-وجد انتى بتعملى ايه بطلى جنان !!
-جنان!!!
هو انت لسه شفت جنان بقى اخوك يتجوز على البت الغلبانة ده الله يرحم زمان ده كان بيحفى وراها.
خرجت "مى" من غرفتها ناظرة تجاه وجد التى تصيح وقالت بانزعاج:
- ايه ده في ايه؟
بذات الوقت خرجت "آلاء" من غرفتها على صوت شقيقتها والابتسامة على وجهها لاتفارقها هامسة بخفوت وهي تتأملها باشتياق:
- وجد.
نظرت وجد لتلك الماثلة امامها من راسها لأخمص قدميها باشمئزاز وهي ترى ملابسها الفاضحة و عدم خجلها من الخروج من غرفتها بتلك الهيئة.
فرفعت اصبعها مشيرة إليها باشمئزاز:
- بقى هي دي اللي اتجوزها اخوك؟ هي دي اللي استغنى عن حورية عشانها؟
اشتعلت "مى" من حديثها ومن تعمدها للتقليل من شأنها فوضعت يديها على خصرها قائلة بأستفزاز:
- ايوة يا حبيبتي انا مى مرات عدى و حبيبته و ايوة انا اللي طلق مراته عشانها. انتي مين بقى؟
كانت وجد ترمق "داغر" الذى يغض بصره عن "مى" و ما ان انهت مى حديثها حتى كزت هي على اسنانها مجيبة عليها بنبرة دبت الرعب بقلبها:
- أنا عملك الاسود يا حبيبتي.
وسريعاً ما اقتربت منها جاذبة إياها من خصلاتها بقوة مبرحة إياها ضرباً لم تناله من قبل فظلت مى تتأوه بوجع مستنجدة بكل من داغر و آلاء المصدومان مما حدث لها.
فضغط "داغر" على شفتاه و اقترب منها حاملاً إياها على كتفيه تحت صراخها و تعنيفها له حتى يتركها لتلقن تلك الحمقاء درساً.
فنهضت "مى" من على الأرض و خصلاتها تؤلمها بشده فصعدت سعاد و هدى للطابق فرأوا ذلك المشهد.
مى تنهض عن الارضيه و خصلاتها مبعثرة و الغضب الممزوج بالألم بادى على وجهها.
وداغر يحمل وجد على كتفيه دالفاً به الى الغرفة فصاحت سعاد بدهشة:
- ايه ده في ايه؟ ايه اللي بيحصل ده؟
فصرخت مى بها قائلة بعدوانية:
- في ان الحيوانه الهمجية دي ضربتني و هجمت عليا من غير ما اعملها حاجة.
أقتربت "آلاء" منها قائلة بتحذير:
- احترمى نفسك و انتى بتكلمى يا حلوة اللى بتكلمى عليها دى تبقى وجد الهلالى يعنى من العيلة و لما تكلمى عليها تكلمي باحترام وأدب.
داخل الغرفة.
دفعها "داغر" على الفراش فتمتمت هي نازعة ذلك الحجاب الذي أصبح غير مهندم بالمرة بسبب تلك المعركة التي خاضتها منذ قليل بغضب صارخة:
- أنا عايزة اعرف بتوحشنى ليه دي بت قليلة الادب و اخوك ذوقه يقرف و مبيفهمش عشان يبقى متجوز حورية ويجوز الحيوانه دي عليها.
مسح على وجهه و اقترب منها بحركه مفاجأة مقبلاً ثغرها بقوة فاتسعت عيناها من فعلته الغير متوقعة.
وبعد مرور بضعة ثوانٍ ابتعد عنها مغمغم أمام شفتيها بهمس:
- لو فتحتي بوقك تاني مش هيحصلك طيب.
ازدردت ريقها بصعوبة و لزمت الصمت اثر فعلته التي جعلتها تتسمر مكانها و ما كاد ان يقترب منها مرة أخرى حتى استمع لتلك الطرقات على الباب فتأفف بضيق مبتعداً عنها رغم عنه و فتح باب الغرفة فوجدها آلاء تلك المرة فاندهش من وقوفها امامه فابتسم لها ابتسامة بسيطة وكاد أن يتحدث فسبقته هي قائلة:
- هو ينفع اتكلم شوية مع وجد؟
اماء لها وهو يغادر الغرفة:
- اكيد اتفضلي.
أقتربت "آلاء" من وجد التي ترمقها بنظرة باردة خالية من الحياة فابتلعت آلاء تلك الغصة المريرة بحلقها فهى تلعم جيداً بأنها محقة فى معاملتها بتلك المعاملة فمتى قامت هي بمعاملتها جيداً فمنذ أن رأتها وهي تعاملها ببرود يشوبه بعض الغيرة.
تلك الغيرة التي كانت لمن لا يستحق اى شئ، لمعت الدموع في مقلتيها و خرج صوتها متحشرج قائلاً بصدق:
- وحشتيني يا وجد.
حركت "وجد" رأسها ناظرة إليها بصدمة فآخر ما كانت أن تتوقعه ان تسمع تلك الكلمة وهي تخرج من شقيقتها التي عاملتها ببرود.
رآت "آلاء" تلك الصدمة بعينيها فأماءت براسها مؤكدة حديثها:
- ايوة يا وجد وحشتيني عارفة اني كلامي مش مقنع و ميتصدقش بس دي حقيقة انتي وحشتيني و كان نفسي تبقى جمبي الفترة اللي فاتت. انا ندمانه يا وجد ندمانه على كل لحظة عاملتك فيها بجفا. ندمانة عشان مختكيش بالحضن اول ما عرفت انك اختي.
رفعت يديها ممسدة على شعرها بحنان قائلة بأسف و ندم:
- أنا اسفة يا وجد ممكن تسامحيني على كل حاجة وحشة عملتلها معاكي و صدقينى ربنا عاقبنى كفاية فارجوكى متقسيش عليا عشان انا اتعذبت كفاية.
ظلت "وجد" تطلع عليها بصمت تام دون اظهار رد فعلها.
فابتسمت آلاء ابتسامة بسيطة وقالت:
- اظاهر انك لسه زعلانه منى و معاكى حق في اى حاجة بس انا مش هيأس عشان انا مليش غيرك انتي و إسلام.
فنهضت من جوارها وكادت ان تصل الى الباب فوجدت تلك اليد التي تمنع خروجها من الغرفة فتنهدت براحة و التفتت تنظر لوجد التي ما لبثت أن تتحدث فوجدتها تعانقها باشتياق و حنان أموى حنان لم تحصل عليه و تمنت دائم الحصول عليه.
فقالت آلاء و هى لا تزال داخل احضانها:
- سامحينى يا وجد انا اسفة بجد انتي متعرفيش انا ندمانه ازاى و بأنب نفسي ازاى عشان كنت عاميه صدق اللى قال ان مراية الحب عاميه.
رفعت وجد ذراعيها محاوطه إياها متنهدة براحة شديدة مغمغمة بهدوء ظاهري رغم تلك السعادة داخلها:
- سامحتك يا آلاء سامحتك و من زمان اوى.
داخل منزل عائلة "ياسمين".
كانت جالسة أمام والديها الذين لا يكفوا عن طرح الأسئلة و استجوابها عن سبب طلاقهم.
- يا بنتى يا بنتي حرام عليكى قوليلى عملتى لجوزك ايه عشان يطلقك ما انا عارفاكى.
كانت تلك كلمات "عايدة" و التى كانت تشعر بالأسف تجاه ابنتها التى لم تدرك قيمة زوجها مهدمة منزلها بنفسها.
فغمغمت "ياسمين بحنق و توعد:
- قفلى يا ماما بقى على الموضوع ده، عشان انا على اخرى بقى بيطلقني انا، ده اتجنن والله اتجنن بس انا هورية.
كان "حامد" يتابع حديث ابنته بغموض لازم الصمت مما ادهش زوجته كثيراً فالصمت و الهدوء ليس من عادته.
- انت ساكت ليه يا حامد ما تكلم قول حاجة لبنتك اللى خربت على نفسها بنفسها دي.
هنا و صدح صوت جرس المنزل فنهض "حامد" من مكانه بوقارة و هيبته المعتاده و اقترب من الباب و قام بفتحه فوجد "رائف" يقف أمامه.
فاشار حامد له برأسه حتى يدلف من باب المنزل.
فاستجاب له رائف و ولج معه داخل المنزل وما أن رأته ياسمين حتى نهضت من مكانها بغضب مغمغمة بصياح عدواني:
- ولك عين تيجي هنا بعد ما طلقتني و رمتني من البيت بالطريقة دي.
صاح بها حامد بلهجة جعلتها تبتلع حديثها بجوفها بخوف اما رائف فرمقها بنظرة يرمقها بها لأول مرة.
فما الذي تتوقعه بعدما أهانته و أهانت رجولته معترفه بحبها لابن عمه وصديقه المقرب.
- أنا اتصلت ب رائف و طلبت منه يجى عشان نفهم ايه اللى حصل مدام حضرتك مش راضية تكلمى.
ابتلعت ريقها خوفاً من والداها بعدما يقص ما حدث فخرج صوتها متلعثم متوتراً:
- يكلم يقول ايه بس يا بابا د د ده طردنى من البيت طردة الكلاب و معملش احترام لا ليك و لا لماما.
اجابها "حامد" بلهجة صارمة:
- اخرسى يا ياسمين احنا سألناكى و انتى اتهربتى و مرضتيش تقولى الحقيقة فانا حابب اسمعها من رائف و اعرف طلقت بنتى ليه.
تشنجت عضلات وجه "رائف" بغضب كلما تذكر حديثها و كيف كانت واقعه بغرامه ل "داغر".
فأسودت عيناه و قال بنبرة باردة ظاهرياً عكس ما بداخله من نيران:
- بنتِك المصونة اكتشفت اني كنت مخدوع فيها و انها طول السنين اللي عاشتهم معايا كانت بتحب ابن عمي داغر. حط نفسك كده مكانى لما تجيلك مكالمة و تعرف منها ان مراتك مبتحبكش و بتحب اقرب شخص ليك و لما اروح عشان اواجهها اتفاجئ بيها بتكلمه و تعترف له بحبها اللي شالته في قلبها سنين و انى المفروض ابوس ايدي وش و ضهر عشان قبلت بيا.
تيبست ساق كل من "حامد" و "عايدة" و هما يستمعان لذلك السبب الذي دمر زواج ابنتهم الوحيدة.
لانت ملامح "رائف" بعض الشئ و قال بفتور:
- اظن ان دلوقتى اقدر امشى.
ابتلع "حامد" ريقه و إماء له بهدوء شديد.
فأسرع رائف مغادراً من ذلك المنزل رامقاً ياسمين بتشفى و التى ترتجف من الخوف و تتخبط ساقيها ببعضهم فأغلق الباب من خلفه تاركاً إياها بين يد والدها الذي يعلم جيداً بأنه لن يتركها دون عقاب لما فعلته.
ارتعشت شفتاها و خرج صوتها مهزوز:
- ب بابا متصدقوش د ده كداب ا انا انا.
أقترب منها والدها و وقف أمامها ينظر بعيناها بنظره مصدومة سريعاً ما تحولت لغضب جحيمى رافعاً يديه مسدداً لها عدة صفعات متتالية متحدثة بغضب:
- بقى انا تحطينى فى الموقف الزبالة ده؟ جالك قلب تعملى كده فى جوزك اتجوزتيه ليه مدام مش عجبك ها؟ اتجوزتيه ليه يا بنت ال**** انطقي.
وسريعاً ما قبض على خصلاتها بقبضة فولاذية جعلتها تصرخ و تتأوه مستنجدة بوالدتها التى لم تبالى لها تاركة إياه يفعل بها ما يشاء.
ولج بها "حامد" داخل الغرفة مغمغم من بين أسنانه:
- بقى بتحبيه ابن عم جوزك انا مش قادر اصدق للدرجة دي معرفتش اربيكى انتي ايه ها.
دفعها على الفراش بعنف مغمغم بنبرة لا تقبل النقاش:
- اعملى حسابك هتسافرى لأخوكى ألمانيا وهتقعدى معاه وانسى انك ترجعى البلد دي انتي سامعه.
انهمرت دموعها و قالت بنبرة مترجية متوسلة:
- لا يا بابا مش عايزة اسافر انا.
اقترب منها قابضاً على صدغها مغمغم بقسوة:
- ده اللى عندى و مفيهوش نقاش لانى مبأخدش رأيك أن بعرفك اللى هيحصل.
داخل المرسم.
دلفت إلى المرسم بخطوات هادئة و عينيها تجول بداخله بحثا عن سارق قلبها و أخيراً وجدت عينيها ضالتها.
فنظرت اليه و علت شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تراقبه جالساً أمام إحدى اللوحات محاولاً انهائها فظلت تتامله بهدوء دون أن تتفوه بحرف واحد متأملة عضلات ساعديه و التى كانا يظهران بوضوح فزمت شفتيها و اقتربت منه واقفة بجواره تتأمل تلك الرسمة أمامها قائلة بصوتها الأنثوي بعدم ضرب حديث صديقتها ضرب الحائط مقررة الإعلان عن عشقها الأبدي:
- ياترى بقى كل اللى بيرسموا بيبقوا مركزين اوى كده و مندمجين بالرسمة.
رفع عينيه ينظر لها عاقداً ما بين حاجبيه محاولاً تذكرها.
فانتبهت هي الى نسيانه لها فاحتل الغضب ملامحها مغمغمة:
- انت نسيتني.
نهض "حسام" من امام اللوحة و واقفاً بمواجهتها يتطلع لها بدهشة من اسلوبها الغليظ معه فأكملت هي و هى تقترب منه خطوة واحدة:
- انا بكلمك، انت نسيتني مش كده.
رفع حاجبيه مغمغم بحنق:
- افتكرتك بس مش فاكر اسمك.
رفعت حاجبيها بضيق مقتربة منه ممسكة اياه من قميصه بيديها قائلة:
- ازاى يعنى مش فاكرنى، يعنى انت مبتغبش عن بالي لحظة وجاى تقولى بكل سهولة اه افتكرتك بس مش فاكر اسمك.
رفع يديه محررًا قميصه من بين قبضتها متحدثاً بدهشة:
- ايه ده اللى انتى بتعمليه ده انتي مجنونه!!!!
كزت على أسنانها ورفعت يديها مرة أخرى لتعيد الكرة ممسكة بقميصه مرة اخرى ولكن تلك المرة قامت بجذبه باتجاها بعض الشئ متمتمة بغضب:
- ايوة مجنونه، بس مجنونه بيك يا حسام يا هلالى بحبك من اربع سنين و شوية فاهم يعنى ايه بحبك، بحبك وهفضل احبك ولازم تحس بيا و هتحس و هتحبنى اضعاف حبى ليك و هتشوف وبكرة تقول وسام قالت.
ظل يتابعها بدهشة عقله لا يستوعب حديثها و جرئتها تلك فلاول مرة بحياته يقابل أمراه بتلك الشخصية.
تركت قميصه محررة اياه مبتلعه ريقها لا تعلم كيف انفجرت به بتلك الطريقة فرفعت يديها مزيلة تلك الخصلة التى انسابت على وجهها متنهدة قائلة بابتسامة لم تصل لعينيها وهي تغادر من أمامه تاركة اياه بدهشته:
- و اه انا اسمى وسام حالياً و حرم حسام الهلالى مستقبلاً.
بسيارة "عمر".
و بعدما انتهى التصوير و اصطحب حورية معه صدح رنين هاتفه و هى بجواره فوجده شقيقه فأجاب عليه بابتسامة واسعه:
- إيهاب اخيراً افتكرت ان ليك اخ يا راجل ده انا قلت نستنى والله.
دوت صوت ضحكات إيهاب ذلك الدكتور الجامعى قائلاً:
- نسيتك ايه بس و انت حد يقدر ينساك وابسط يا عم انا هنزل يومين اقعد معاك و الولاد جايين معايا.
اتسعت ابتسامته و هو يرمق "حورية" الشاردة بعينيه مغمغم:
- حلو اوى مستنيكوا و اوضكم هتتحضر متتاخروش.
- بأذن الله.
انعى حديثة من شقيقه منادياً باسم "حورية" مغمغم:
- حورية...حورية.
لم يجد إجابه فقام برفع نبرة صوته صارخاً باسمها:
- حوووووورية.
اتسعت عيناها و نظرت له بدهشة قائلة:
- ايه ده في ايه خضتنى يا عمر.
تنعد من صوتها العذب و قال:
- بقالى ساعة بنده عليكى اللى شاغل عقلك.
زفرت قائلة:
- هيكون مين يعنى غير ولادى.
فعقد حاجبيه و قال:
- انتى مشفتيهومش النهاردة.
حركت راسها بنفي:
- لا مشفتهمش بكرة هعدى عليهم.
فأجابها بابتسامة واسعة و هو يتحرك بالسيارة مرة اخرى:
- وبكرة ليه يلا بينا.
نظرت له بعدم فهم و لكن سريعاً ما استوعبت حديثه عندنا وجدته يغير وجهته متجهًا ناحية منزل الهلالى.
رواية طغيان قلب الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم فاطمة محمد
ولج "محمود" إلى المنزل برفقة أشقائه "سلامة" و "هاني".
وما إن دلفوا داخل المنزل حتى وجدوا "آلاء" تقترب منهم وابتسامتها على وجهها من جديد، فتهللت أسارير محمود وهو يرى ابتسامة ابنته التي فارقته لسنوات. فأُرتسمت الابتسامة على وجهه هو الآخر وهو يهتف بعدم تصديق:
- أنا مش مصدق اللي أنا شايفه، معقول رجعتي تضحكي تاني يا آلاء.
اتسعت عيناها بسعادة وتحدثت بحماس:
- ما هو لما تعرف أنا مبسوطة ليه، هتفرح وتنتبسط أكتر مني.
تبادل "سلامة" و "هاني" النظرات، فحرك رأسه باستفهام عاقدًا جبينه:
- خير يا آلاء، عندي رغبة أعرف إيه اللي فرحك أوي كده وقدر يعمل اللي أنا معرفتش أعمله.
فصاحت "آلاء" دون مقدمات:
- وجد يا بابا رجعت واتجوزت هي وداغر، وداغر راجعها البيت النهاردة. أصلاً أول ما شوفتها في البيت فهمت إنهم اتجوزوا. كمان اتكلمت معاها وسامحتني يا بابا. أنا كنت هموت وأشوفها وكان نفسي تسامحني أوي يا بابا، والحمد لله ربنا استجاب لي.
ارتخت ملامحه وهتف بهدوء متسائلًا:
- أنتي بتكلمي جد يا آلاء؟ يعني وجد موجودة هنا دلوقتي؟
أومأت برأسها عدة مرات متتالية مؤكدة حديثها:
- أيوه يا بابا، هي دلوقتي في الأوضة فوق مع داغر.
كادت أن تكمل ولكنها توقفت عن إكمال حديثها عندما وجدته يهرول من أمامها مسرعًا بسرعة لا تناسب عمره، متخطيًا السلالم الرخامية بسرعة الفهد، مقتربًا من غرفة "داغر" وطرق الباب بطرقات سريعة.
فتح "داغر" الباب و"وجد" تقف خلفه ببضع خطوات وعيناها معلقة على والدها بعدما استمعت إلى صوت سيارتهم وأخبرها داغر بوصولهم، ورفضت الهبوط لملاقاته.
أما "محمود" فكانت عيناه تجول بلهفة على ابنته التي تطلع له بجمود، فلم يأبه لنظراتها وجمودها التي تظهره، فما يهمه الآن هو عودتها... عودتها فقط.
ازدرد "محمود" ريقه بعد أن أفسح داغر له. فحافظت "وجد" على ثباتها المزيف، والتي تحاول التمسك به والذي أصبح على وشك الانهيار مثل قالب الجليد، فظلت متماسكة أمامه مستعينة بحسها المتبلد، مذكرة نفسها بخذلانه لها واستغنائه عنها في أكثر الأوقات التي كانت تحتاجًا له.
اشتاقت له...
تأملت خصلاته التى زاد الشيب بها و التى لم تنقص شيئًا من وسامته، وكذلك لحيته التي أصبحت يكسوها الشعيرات البيضاء.
خرج صوته مهزوزًا، متمتمًا باسمها التي اشتاق لصاحبته مثلما اشتاق لضمها لأحضانه، معوضًا إياها عن خذلانه لها.
فهو لم يكن ذلك الأب الذي حلمت به، والذي استغنى عنها بأول الطريق.
ولكن أيلوم نفسه الآن؟ أسينفع ندمه ذلك بشيء؟
اهتزت بشدة عند سماعها لصوته الرجولي الذي خرج بضعف، فظلت دقاتها تتسارع بشدة، شاعرة بأنها تريد أن تلقي بنفسها الآن داخل أحضانه.
وتلومه عما فعله معها هو وشقيقها الذي وقف بجوار "باسم".
رفع "محمود" يديه التي ترتجف، مرددًا اسمها مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة، انسحب داغر من الغرفة بهدوء شديد، مغلقًا الباب من خلفه، تاركًا إياهم حتى تصلح الأمور بينهم.
نظرت "وجد" ليديه التي تلمس وجنتيها، فنظرت إليه، وما لبثت أن تعنفه، دافعة يديه، ولكن هناك ما أوقفها عن رفع يديها ودفعه، هناك ما منع صوتها من الخروج.
والذي لم يكن سوى تلك الدموع ونظرة الترجي التي رأتها بعينيه، والتي لم ترها سوى مرة واحدة، فسبق لها أن رأته بذلك الضعف عندما تأكد أنها ابنته.
وها قد تحررت دموعه وانسالت على وجنتيه بحرقة.
عبست بوجهها وخرج صوتها مبحوحًا، قائلة بصوت حاولت إخراجه قويًا، ولكنها لم تستطع فعلها.
"انت بتعيط!"
ابتسم بخفة ودموعه لا تزال تنسال على وجنتيه، مغمغمًا بصوت متحشرج أثر بكائه الغير متوقع بالنسبة لها.
"والمفروض اني أعمل إيه وأنا شايف بنتي اللي بعدت عني سنين ها؟"
وبحركة مفاجئة ضمها داخل أحضانه، متمسكًا بها بقوة، مكملًا حديثه.
"انتي إزاي تبعدي كده يا وجد من غير ما أعتذر لك على كل اللي حصل؟ أنا قلبي كان بيتقطع عليكي يا بنتي، كنت بموت في غيابك. أنا عارف إن قلبك أبيض وهتسامحيني على غبائي، بس انتي حطي نفسك مكاني يا وجد، حطي نفسك مكاني. ده أنا اللي مربي، أنا اللي..."
خرجت من داخل أحضانه بعدما تلوت، واستطاعت تحرير نفسها، صارخة به قائلة.
"ربيت أفعى يا محمود بيه، ده مش بني آدم، ده حيوان، ذئب عايز ينهش أي لحمة قدامه وخلاص. لو قلت إيه مش هسامحك، انت سامع؟ مش هسامحك."
صمتت ثوانٍ قليلة وصدرها يعلو ويهبط بانفعال، وسريعًا ما أكملت تحت نظراته المتعلقة بها، والتي يرجوها بها بأن تسامحه وأن تعطيه فرصة ثانية.
"في الوقت اللي المفروض أكون فيه معاك، كنت معاه. كلهم شافوا حنيتك إلا أنا. أنا عمري ما حد خدني في حضنه وطمني، ولما عملتها، متتخيلش كنت عاملة إزاي، كنت حاسة إني طايرة في السما. بس زي ما خليتني طايرة في السما، نزلتني لسابع أرض على جذور رقبتي لما مديت إيدك عليا قدام الكل عشانه. فمتجيش دلوقتي تقولي أسامحك، عشان أنا مش هعرف أسامحك كده عادي ولا كأنه حصل حاجة."
اقترب قائلًا باستفهام، لا يعلم لماذا هو بالاخص لا تريد مسامحته، رغم مسامحتها لكل من "داغر" و"آلاء"، فغمغم بحيرة.
"اشمعنى أنا يا وجد اللي مش عايزة تسامحيني؟ اشمعنى؟ ما انتي سامحتي أختك وداغر ووافقتي تتجوزي منه، أنا أولى منهم، أنا أبوكي."
اقتربت منه وتحدثت بنبرة هامسة أمام وجهه.
"بالظبط كده، وعشان انت الأولى والأقرب، فأنت أكتر حد فيهم جرحني، فاهم ولا لأ يا محمود بيه؟"
***
داخل حجرة عدى ومي.
كانت جالسة على الفراش وخصلاتها متناثرة حول وجهها نتيجة لما حدث لها اليوم على يد وجد، تلك الفتاة التي تراها لأول مرة والتي قللت من شأنها، فظلت تحرك إحدى قدميها بعنف وهي توعد لها.
فهي لا تقل عنها شيئًا، فهي زوجة لأحد أحفاد سيد الهلالي.
كزت على أسنانها وهي تغمغم.
"أنا هوريكي بقى بتمدي إيدك عليا أنا، وحياة شعري ده ما هسيبك إلا لما أربيكي وأوريكي مي اللي قللتي منها هتعمل فيكي إيه."
ولج عدى الغرفة وهو يدندن بإحدى الأغاني، وصورة تلك السكرتيرة الجديدة والتي تدعى هديل، لا تغيب عن رأسه، متذكرًا أسلوبها في الحديث وإيماءاتها التي تدعوه ليفعل ما يحلو له.
فتنهد وابتسامة جانبية تأخذ طريقها على وجهه، متمتمًا بينه وبين نفسه، غير منتبه لتلك التي تشتعل بمكانها، مراقبة هدوئه وسعادته التي ارتسمت رويدًا رويدًا على وجهه.
"من أول يوم وأنا برسم عليك، وأنا مش لازم أضيع صاروخ زي دي."
وقعت عين عدى عليها، فقطب جبينه وقال باستفسار.
"إيه ده؟ مين اللي عمل فيكي كده؟"
نهضت مي من على الفراش واقفة أمامه، متحدثة بنبرة حزينة مصطنعة أتقنتها جيدًا، فرفعت يديها مشيرة على خصلاتها وتلك الكدمة على وجهها.
"شايف حصل فيا إيه في غيابك؟ شايف اللي حصل لشعري ولوشي؟ أنا اتبهدلت أوي يا عدى."
اقترب منها عدى، محاصرًا ذراعيها، مغمغمًا باستفسار.
"مين اللي عمل فيكي كده؟ انطقي."
أجابته مي وهي تنظر له بحنق على أسلوبه الجاف ذاك.
"معرفهاش، بس اللي عرفته إن اسمها وجد. دي هجمت عليا يا عدى وأنا أول مرة أشوفها، ومعرفش ليه، بس هي قالتلي: 'بقى انتي اللي عدى ساب حورية عشانك'."
زفر عدى ورفع يديه وبدأ بفك أزرار قميصه، وكأنه لم يستمع إلى شيء، فاتسعت عيناها وهي تراقب يديه التي بدأت بفك أزراره الخاصة وجلوسه على الفراش، مغمغمًا.
"خلاص يا مي، أنا هكلمها بكرة. هي مدام هنا يبقى رجعت تاني، وأنا بصراحة مش قادر دلوقتي أتكلم أو أتخانق مع حد، وكمان مش عايز عمي يزعل مني."
جحظت عيناها واقتربت منه، رامقة إياه بنظرات مصدومة، فأذنيها لا تستوعب ما يقوله. فأين عدى السابق، ذلك العاشق الذي كان لا يخاف عليها من كل شيء، وكان يفعل المستحيل لإرضائها؟ لما تغير الآن؟ لما تغير بين ليلة وضحاها؟
فكزت على أسنانها، ترمقه بغيظ وأعين مشتعلة كالجمر، وقالت بعدم تصديق.
"أنا مش قادرة أصدقك! انت بجد بتغير هدومك ومش هترجعلي حقي من الحيوانة اللي مدت إيدها عليا؟ انت إيه اللي حصلك يا عدى؟ ما امبارح كنا كويسين، كل ده عشان راحت عليا نومة؟"
قلب عينيه بزهق ونهض من على الفراش وهو يدفع ذلك القميص الذي خلعه على الأرض، قائلًا ببرود.
"هو أنا قولتلك إني هسكت؟ أنا قولتلك بكرة هكلمها. مينفعش تبقى غايبة عن البيت أربع سنين وأول ما ترجع لحضن عمي أتخانق معاها."
ابتسمت بسخرية وأجابته باستنكار.
"فعلاً مينفعش، بس ينفع إنها تمد إيدها وتتطاول عليا بالشكل ده، مش كده؟"
تأفف ورفع حاجبيه بملل، فابتعدت عنه بغيظ وهي تكاد تطرحه بأي شيء، فهناك شعور قوي يسيطر عليها وهو تسديد له بعض اللكمات المتتالية، فكم أشعرها بالإهانة برده الغير متوقع هذا، وهي التي كانت تتوقع بأنه سيقلب المنزل رأسًا على عقب لتطاولها عليها.
انخفضت تجاه قميصه الذي خلعه ودفعته بوجهه بغضب، مشيرة تجاه الباب بسبابتها، قائلة.
"اطلع برة، مش هتبات. اطلع برة، لما تبقى تجبلي حقي، تبقى تنام هنا يا عدى بيه."
التقط عدى قميصه وتبدلت ملامحه من البرود والزهق إلى غضب ناري، واسودت عيناه، واقترب منها بخطوات سريعة كسرعة الذئب الذي يهجم على فريسته، وجذب خصلاتها بقبضته القوية وملامحه متشنجة، هاتفًا بتحذير.
"أول وآخر مرة تتجرأي عليا بالشكل ده، انتي فاهمة؟ مش واحدة ست اللي تعلي صوتها عليا، ومش عدى الهلالي اللي يطرد من أوضته، سامعة؟"
أنهى كلماته وهو يجذب خصلاتها لأسفل بقوة شديدة، مزمجرًا بها.
فتأوهت بألم قائلة بترجّي.
"آه آه شعري يا عدى آه."
زاد الضغط أكثر وأكثر، متمتمًا من بين أسنانه.
"سامعة ولا لأ؟"
أغمضت عينيها بألم قائلة.
"سامعة، سامعة."
دفعها بعيدًا عنه، فارتطمت بالأرضية الصلبة، ونظر لها نظرة متفحصة مشمئزة، وخرج من الغرفة، دافعًا الباب من خلفه.
تابعت خروجه من الغرفة، فرفعت يديها تلملم خصلاتها وتتمنى أن تلملم كرامتها التي بعثرها، ولكن صبرًا جميلًا، فستجعله يدفع ثمن ما فعله، وستجعله يركع تحت قدميها، وستتلذذ هي برؤيته بتلك الحالة.
***
دلف داغر إلى الغرفة عقب خروج محمود، الذي كانت ملامحه تعبر عما حدث بينهم، والذي رفض الحديث، متمسكًا بصمته هذا.
وجدها تجلس على الفراش والدموع تفيض من عينيها بغزارة، وما إن استمعت لصوت الباب وهو يغلق وصوت خطواته التي تقترب منها، حتى نهضت من مكانها، دافعة نفسها داخل أحضانه، متمسكة به بقوة وكأنه حبل نجاة، فحاوطها بذراعيه بتملك، وهو يشعر بأنه قلبه يتمزق إلى أشلاء لبكائها ودموعها التي تنساب دون أن تتوقف.
مرت ثوانٍ لم يحصها، وهي لا تزال داخل أحضانه، تأبى الخروج من بين يديه التي جعلتها تهدأ.
وعندما لاحظ هدوء وتيرة تنفسها والتي كانت تتسابق منذ لحظات، حتى رفع يديه ممسدًا على خصلاتها الحمراء الطويلة، والتي أصبح لها ولونها عاشقًا.
فتحدث بصوت حاول أن يجعله مرحًا بعض الشيء.
"ما كفاية يا وجد، لحسن بعد شوية هعمل حاجات أنا مش مسئول عنها."
خرجت من بين أحضانه، ترمقه بعينيها الحمراء مثل لون الدم، ووجنتيها التي اكتست باللون الأحمر القاني عندما وصل إليها المغزى من حديثه.
فابتسم على خجلها وانخفض تجاه وجنتها، مقبلًا إياهم بحنان بالغ، مغمغمًا بحب وهو يزيل تلك الدموع بأصبعه برقة بالغة، وكأنها زجاج يخشى أن يجرحه.
"ممكن العيون الحلوة دي تبطل عياط بقى؟ ممكن ولا لأ يا أبو شعر أحمر انت يا حلو؟"
رغمًا عنها ارتسمت بسمة بسيطة على وجهها، ورفعت عينيها تنظر له بعشق، وبحركة مباغتة اقتربت منه، دافعة بين أحضانه مرة أخرى، فحاوطها بذراعيه والسعادة تعتلي وجهه.
فصاح بمرح.
"لا ده انتي خدتي عليا أوي، وبعدين خلي بالك أنا متجوز ومراتي بتغير عليا أوي."
دفنت وجهها بقميصه، وغمغمت دون وعي بعدما تغلغلتها الراحة والسكينة داخل أحضانه.
"لا وبتحبك كمان، بتحبك أوي."
جحظت عيناه وابتعد عنها، محاوطًا ذراعيها تحت دهشتها من فعلته وحرمانه إياها من ذلك السكون داخل أحضانه.
فقال بأعين متسعة وأذن تتلهف لسماع اعترافها مرة أخرى.
"انتي قولتي إيه؟"
ازدردت ريقها واتسعت عيناها عندما أدركت فعلتها الحمقاء واعترافها بمشاعرها، فكسى التوتر وجهها، وحاولت الحديث مرارًا وتكرارًا، ولكن دون فائدة، فلم يستطع لسانها على الحديث بعدما اعترفت بكل سذاجة نتيجة لأقترابهم منذ لحظات.
اقترب منها ووضع إصبعه على شفتيها، مانعًا إياها من الحديث، وعينيه تسرح بعينيها، الذي كلما نظر بهما يتذكر المرة الأولى التي رآها بها أمام منزله، فكلما نظر بعينيها يشعر وكأنه يحلق بالسماء، وكأنه طير بلا أي قيود.
فكلما نظر بعينيها يشعر وكأن اتزانه وعقله يذهبان تدريجيًا دون أدنى استئذان.
فكلما وقف أمامها يرتجف قلبه رغمًا عنه، لا يصدق حتى الآن بأنها أصبحت زوجته وملكه، يفعل بها ما يشاء.
أنزل يديه ببطء شديد وعينيه لا تزال معلقة بعينيها، يقترب منها رويدًا رويدًا، يريد إدخالها عالمه، وما كاد أن ينالها حتى صدح رنين هاتفه، فأغمض عينيه، وابتعدت هي بعدما شعرت بأنها لم تصبح كما كانت من قبل، فكل شموخها وقوتها يذهبان أمامه، أمام نظرة من عينيه.
تنهد بحرارة وأخرج هاتفه مجيبًا على الطرف الآخر، والتي لم تكن سوى حورية.
"سلام عليكم، ازيك يا حورية؟"
وما أن التقطت أذنيها اسم حورية حتى اقتربت منه بلهفة، فأكمل هو حديثه مع حورية التي كانت تخبره بوجودها بالخارج ورغبتها برؤية أبنائها، وتريد منه أن يخرج لها حتى يأخذها للداخل، وبذلك تتفادى أي مواجهة بينها وبين زوجها السابق.
"تمام يا حورية، أنا طالع لك."
أغلق معها، فغمغمت وجد بتساؤل.
"مالها حورية؟"
تنهد داغر مجيبًا إياها.
"واقفة بره وعايزاني أطلع آخدها عشان تشوف الولاد، خايفة تقابل عدى ويعمل مشكلة معاها."
قاطعته بحدة وشراسة، مغمغمة.
"لا أخوك ده زودها أوي، يعمل مشكلة بتاع إيه إن شاء الله؟ واحدة وعايزة تشوف ولادها."
وضع داغر هاتفه بجيبه، متمتمًا.
"مش وقته الكلام ده، أنا طالع آخدها."
أومأت له برأسها وهي تتحرك أمامه، مغمغمة.
"تمام، يلا بينا."
رمقها داغر بذهول، مغمغمًا وهو يجذبها من ذراعيها.
"يلا بينا إيه؟ انتي رايحة فين بشعرك ده؟ خليكي هنا، أنا هخرج أجيبها وجاي، وشوفيها لما تيجي."
دبدبت بالأرض وهي ترمقه بغيظ، وكادت أن تخبره بأنها ستضع وشاحًا على رأسها، ولكن سبقها وخرج من الغرفة، تاركًا إياها تتآكل من غيظها.
***
ألتفتت تنظر إليه وابتسامة بسيطة على محياها، فابتسم لها ابتسامة واسعة، مغمغمًا.
"يلا انزلي وأنا مستنيكي، أول ما تخرجي هتلاقيني واقف مستنيكي، بس على الله متعمليش زي المرة اللي فاتت وتسيبيني ملطوع، وفي الآخر تمشي مع قريب طليقك ده."
اتسعت ابتسامتها تدريجيًا، وقالت بتلقائية.
"ده داغر ويبقى أخو عدى، يعني عم ولادي، وهو على فكرة خلوق جدًا و..."
قاطعها بعدما رمقه بنظرة أدهشتها وجعلت العديد من التساؤلات تدور بخُلدها، فلما تلك النظرات التي تراها بعينيه؟
فنظراته توحي بالانزعاج والضيق، فظلت تتساءل عما قالته لتتحول ملامحه وتتبدل بتلك السرعة.
أما هو، وما إن رددت اسم رجل آخر حتى شعر بنيران تشعل بصدره، وتشنجت عضلات وجهه، وارتعش صدغه بقوة عندما جز على أسنانه بغيظ وغيره.
فكيف تفكر تلك الفتاة؟ كيف استطاع لسانها نطق اسم كل من داغر وعدي، ذلك الشخص الذي يشعر تجاه بمشاعر متناقضة، فكم يحقد عليه لأنه كان زوجها وكانت ملكًا له.
وبذات الوقت يشعر بالسعادة لتركه إياها وإعطائه فرصة للوصول إلى قلبها، فمنذ أن رآها لا تغيب عن عينيه، يعلم بأنه سيعاني قليلًا للوصول إليها، ولكن لا بأس، فليحدث ما سيحدث، فهو لن يتركها وسيُجعلها تقع في غرامه ويجعلها أسيرة له مثلما جعلته أسيرًا لها.
توترت قليلًا من نظراته وتشنجه غير المبرر، فابتلعت ريقها، وغمغمت وهي تفتح باب السيارة.
"أنا هنزل عشان داغر يش..."
كادت أن تكمل لولا يديه التي جذبتها من ذراعيها، مانعًا إياها من النزول من السيارة، مغمغمًا وعينيه تتعلق بعينيها.
"عارفة لو عملتي زي المرة اللي فاتت ومخلتنيش أوصلك، هعمل فيكي إيه."
اخفضت عينيها تنظر ليديه التي تلمسها، والتي جعلتها جسدها ينتفض ودقاتها تزداد، وكأنها طبول تقرع، فأزدردت ريقها وهي تنظر بعينيه مرة أخرى، قائلة.
"هتعمل إيه؟"
ظل يتأملها ثوانٍ، وبعدها قال بنبرة يغلفها الحنان وابتسامة شغوفة ترتسم على وجهه.
"ولا أي حاجة، بس ممكن أضربلك داغر ده بوكسين وأخدك وأجري بيكي، وممكن كمان أخطفك..."
ابتسمت رغمًا عنها، وضيقَت عينيها وهي تهتف بتساؤل.
"هو حد قالك قبل كده إنك مجنون؟"
ابتعد عنها، مجبرًا نفسه على تحرير يديها، قائلًا بمرح.
"يووووه كتير أوي، متعديش."
حركت رأسها بقلة حيلة، وترجلت من السيارة، مقتربة من بوابة القصر، وظل يتابعها بعينيه، يتمنى لو كان أول رجل بحياتها، فهذا الزوج الذي تركها بسهولة لا يستحقها، فمن ذلك الذي يكون لديه مثل تلك الحورية ويتركها؟ فهو بالتأكيد أحمق، يتمنى لو كان بمكانه، فما كان تركها أبدًا.
تجهم وجهه بشدة عندما انتبه لذلك الداغر الذي قابلها وسارت معه، فظل يتابعها حتى غابت عن عينيه، فتنهد وأغمض عينيه يحاول السيطرة على مشاعره الملتهبة تجاهها، غير مدرك ما المميز بها ليتعلق بها بتلك السرعة وتلك الدرجة.
***
"يعني إيه مش موجودة؟ ويعني إيه اتجوزت؟ ويعني إيه منفذتوش اللي أطلبه منكم؟ هو إحنا بنهرج ولا إيه؟ اسمعوا بقى اللي قولتلكم عليه هتعملوه، والخطة هتفضل زي ما هي، بس استنوا مني ميعاد التنفيذ، سامعين؟"
أغلق الهاتف بوجه ذلك الرجل الذي جلبه صديقه هو ورفاقه لينفذون له مخططه الدنيء، والذي لا يقل عنه دناءة.
دفع جسده على الأريكة، ملتقطًا علبة سجائره، مخرجًا أحدهم، واضعًا إياها بين ثغره، مشعلًا إياها، ينفث بها غضبه.
فكل شيء من حوله ينهار، بدءًا من إيقافه عن عمله لتطاوله على رئيسه وتحويله للتحقيق، حتى قتله لمجدي، والذي ظن بقتله له بأن الحياة ستبتسم له، ولكن ما حدث كان عكس توقعاته، وترك كل شيء لتلك الفتاة التي بات يكرهها، وسيفعل أي شيء ليندمها على أخذها ما لا تستحق.
وهنا انتشل ذلك الكأس أمامه، وقام بدفعه، مخرجًا غضبه به، ليرتطم الكأس بالأرض ويهشم لقطع عديدة.
وكز على أسنانه، متوعدًا لها.
"هندمك يا وجد، وهوريكي، حتى لو هطلع روحك في إيدي."
***
لا يزال جالسًا مكانه، وصورة تلك الفتاة وجرأتها لا تذهب من عقله، لا يعلم من أين جاءت بتلك الجرأة لتأتي أمامه وتعترف بحبها له وتتحداه بتلك الطريقة، مخبرة إياه بأنه سيصبح لها عاشقًا متيمًا. فمن أين أتت بتلك الثقة؟ فقلبه لا يزال عاشقًا لأخرى، أخرى تركته يعيش مع ذلك الذنب، فهو من جعلها تتحدث أمام باسم، معترفة بكل أفعاله، ليته لم يفعل، وليته لم يأخذها لتلك المواجهة التي أدت إلى قتلها دون رحمة أو شفقة.
فهناك ما يمنعه من التفكير بأي امرأة سواها.
نهض من مكانه، متجهًا ناحية اللوحة الخاصة بها، نازعًا ذلك الوشاح، واقفًا أمامها لعدة ثوانٍ، مغمضًا عينيه بألم.
ألم لم يدم طويلًا بسبب رنين هاتفه الذي أخرجه من آلامه ومن عالمه الخاص.
وضع الهاتف على أذنه، وغمغم بصوت متحشرج.
"الو، مين معايا؟"
جاء الرد سريعًا، والذي لم يكن سوى صوتها الذي أصبح مزعجًا بالنسبة له.
"مين معايا؟"
لا أنت كده زودتها قوي يا بن الهلالي، بقى نسيت صوتي ده، حتى مبقاليش كام ساعة سيباك.
أغمض عينيه بضيق وأجابها على مضض.
- قولي عايزة إيه بدل ما أقفل في وشك السكة.
اتسعت عيناها وقالت بنبرة مرحة، أغاظته وأشعلته.
- لا، صدّمتني حقيقي صدّمتني، بس مش مشكلة، أنا أصلاً بحبك ومش هزعل منك، ولو قفلت في وشي هتصل تاني.
ابتسم بسخرية وهمهم بتهكم، مقاطعًا حديثها.
- ده انتي معندكيش كرامة بقى.
قلّبت عيناها وأجابته باستفزاز وضحكة عالية.
- عرفتها لوحدك دي، لا برافو عليك، أنا فعلاً في الحب معنديش كرامة ومستعدة أعمل المستحيل عشان تحبني، وأراهنك يا حسام، وأبصملك بصوابعي العشرة إنّي من ساعة ما مشيت وانت بتفكر فيا.
دوّت ضحكته العالية، والتي سريعًا ما تحولت لنبرة شرسة.
- بلاش الثقة الزايدة، آخرتها وحشة، وبعدين أنا مبحبش غير واحدة وبس ومش هحب غيرها، فمتحلميش وتحاولي على الفاضي.
- ومين قالك إنها على الفاضي؟ ما أنا قولتلك هتحبني وهتعشقني وهتتمنالي الرضا، ارضي وهتشوف.
كزّ على أسنانه وضم قبضته بغضب وتمتم بغضب ناري.
- اعملي حسابك، آخر مرة تتصلي عليا، لو اتصلتي تاني هتسمعي كلام مش هيعجبك، أنا مش ناقص لعب عيال.
أنهى كلماته وهو يغلق الهاتف بوجهها، وأنفاسه عالية من شدة غضبه.
فصدح صوت رسالة على هاتفه، ففتحها، وإغاظة محتواها والذي كان كالآتي:
"متفتكرش إنك لما تقولي الكلمتين دول هخاف وهكش، لا يا حسام، يبقى متعرفنيش، وبعدين انت قفلت قبل ما أقولك أنا عايزة إيه، أنا بعتلك ادد على الفيس بوك، ياريت تقبله وترد على رسالتي. بحبك..."
رواية طغيان قلب الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم فاطمة محمد
فتح الباب وظهرت من خلفه "وجد" مرددة اسم تلك الصديقة التي لم ترها أو تتحدث معها منذ سنوات.
- حورية
التفتت ناظرة باتجاه ذلك الصوت المألوف بالنسبة لها، وما إن رأتها أمامها حتى نهضت من جوار أبنائها الذين كانت تشتاق إليهم، قاطعة تلك المسافة بينها وبين وجد داخل أحضانها.
استقبلتها "وجد" بترحيب حار، متمتمة بفرحة لرؤيتها، نادمة على عدم سؤالها عن أحوالها طوال تلك السنوات.
- عاملة إيه يا حورية، وحشتيني.
خرجت "حورية" من أحضانها، ترمقها بنظرات عتاب وخزي.
- وأنتي كمان وحشتيني، بس أنا حقيقي زعلانة منك أوي يا وجد، أهون عليكي تبعدي بالطريقة دي وكمان متسأليش عليا ولو لمرة واحدة.
تنهدت "وجد" بضيق.
- حقك عليا، أنا عارفة إني قصرت معاكي، بس صدقيني أنا كان فيا اللي مكفيني، وبعدين انتي متعرفيش انتي جيتي في دماغي كام مرة، ووحشني الكلام والفضفضة معاكي.
كادت ترد عليها، فغمغم الصغير من خلفها منادياً عليها بنبرته الرقيقة الطفولية، فانتبهت وجد لأبنائها، فاتسعت ابتسامتها وقالت وهي تحمل أحدهم.
- يا روحي، إيه الجمال ده، ما شاء الله، الحمد لله إنهم مش شبه أبوهم، كنت كرهتهم، ماهي الدنيا مش هتستحمل اتنين تاني من عدّي.
صدحت صوت ضحكات حورية وهي تتجه تجاه ابنها زين، تحمله هو الآخر، وبتلك اللحظة دلف "عدي" إلى الغرفة بعدما فتح الباب دون استئذان.
فقطبت وجد جبينها وصاحت بغضب.
- في حد يدخل كده؟ مش المفروض تخبط يا أستاذ أنت.
تجاهلها عدي وكأنه لم يستمع لصوتها ولا لنبرتها العدوانية تجاهه، فاقترب من حورية بخطوات هادئة، رامقاً إياها بغيظ.
- انتي بتعملي إيه هنا؟ امشي، اطلعِ برة، وإياكي تيجي تشوفيهم تاني من غير علمي.
وضعت "حورية" الطفل من يديها، واضعة إياه بالفراش بعدما قبلته بحنان، وكذلك اقتربت من وجد التي تحمل ابنها الآخر بين ذراعيها، وفعلت معه مثلما فعلت مع الآخر، مغمغمة.
- الولاد أمانة عندك يا وجد، أنا دلوقتي قلبي هيطمن أكتر بوجودك جنبهم، انتي وطنط سعاد.
رمقت وجد عدي بنظرة سريعة كارهة غاضبة، وغمغمت بعدما التفتت تجاهها مرة أخرى.
- اسمعي يا حورية، دول ولادك وده بيتك، وأي وقت تحبي تشوفيهم كلميني، انتي سامعة.
ابتسمت لها حورية بخفة، فصاح عدي بوجد مقترباً منها، مزمجراً بها.
- انتي بتتحديني بقى يا وجد هانم؟
وضعت وجد الطفل من يديها بجوار شقيقه، ووقفت بمواجهة عدي، مغمغمة.
- شوفيها زي ما تشوفيها، أنا أصلاً مش عارفة انت إزاي أخو داغر، انت متستاهلش ضفر البني آدمة دي، وأحسن حاجة إنك طلقتها، خليها تشوف نفسها وحياتها وتقابل راجل بحق وحقيقي.
احتدمت عيناه، وجذب وجد من ذراعيها بعنف، صارخاً بها بعدما لم يستطع التحكم بغضبه لتدخلها فيما لا يعنيها.
- انتي زودتيها أوي، انتي مين أصلاً بالنسبة لنا، انتي ولا حاجة، انتي سامعة؟ ولا حاجة، انتي واحدة رخيصة.
قاطعه ذلك الذي انتشله من ساعديه بالخلف، وتلك اللكمة القوية التي تلاقاها، ومن قوتها أسقطته على الأرضية.
فرفع يديه واضعاً يديه مكان اللكمة، رافعاً عينيه ينظر لشقيقه الذي يتطاول عليه للمرة الأولى.
- أول وآخر مرة تكلم وتتطاول على أي ست بالشكل المهين ده، فرد العضلات ده ميبقاش على الأضعف منك يا عدي.
اقتربت وجد من داغر، والتي اتسعت ابتسامتها من فعله، داغر فرمقت حورية التي لم يبدُ أي رد فعل على وجهها.
فنهض عدي من مكانه واقترب من داغر، وتحدث من بين أسنانه بغيظ، مشيراً بإصبعه تجاه وجد.
- انت بتضربني عشان دي؟ عشان اللي عذبتك سنين وكانت عايشة حياتها ولا سائلة فيك ولا عشان دي.
وأشار تجاه حورية، التي رمقته بدهشة، فأكمل عدي.
- ولا عشان دي اللي فضلت نفسها على ولادها وصممت على الطلاق وراحت دارت على واحد تاني، بس إيه؟ واحد أغنى وأشهر، لا عرفتي تصطيادي يا حورية.
تحركت وجد بضعة خطوات بعدما أصبحت لا ترى أمامها من شدة غضبها، فجذبها داغر ومنعها مما تنوي فعله.
وبحركة سريعة انتشل عدي من قميصه بعنف، وخرج به من الغرفة، متجهاً إلى غرفته، بعدما انتبه بأنهم لا يزالون بغرفة الأطفال الذين يلعبون ويرمقونهم من حين إلى آخر، غير مدركين لما يحدث أمامهم.
وما إن غادر برفقته، اقتربت وجد من حورية، محاولة التخفيف عنها.
- متزعليش يا حورية، هو أصلاً مش عارف هو بيقول إيه، ده متخلف.
تنهدت حورية وغمغمت بهدوء.
- مش زعلانة يا وجد.
قطبت وجد جبينها وضيقَت عينيها وقالت.
- انتي متأكدة يا حورية؟
أومأت لها "حورية" وقالت بصدق.
- أظن إن اللي بيزعل من حد بيكون بيحبه، ومكنش متوقع منه الحاجة دي، عشان كده بيزعل، بس أنا خلاص بقيت متوقعة أي حاجة من عدي، وخلاص مبقاش ليه جوايا ذرة حب واحدة.
ظلت وجد تطلع عليها، وسريعاً ما ارتسمت ابتسامة بسيطة على محياها، سعيدة بما استمعت إليه.
فغمغمت حورية وهي تتحرك من أمامها.
- أنا همشي بقى قبل ما الوقت يتأخر عن كده.
- تمشي إيه؟ استني داغر ونوصلك أنا وهو.
بللت حورية شفتيها وقالت بتوتر لاحظته وجد.
- لا مفيش داعي، في صديق مستنيني وهيوصلني، يلا سلام بقى.
وجد بنظرات متفحصة.
- سلام يا حورية.
---
- أنا عايز أعرف إيه فيه؟ إيه اللي حصلك؟ من إمتى وإنت كدة يا عدي؟ ولا انت كدة من زمان وإحنا مش واخدين بالنا؟ فهمني.
صاح داغر بتلك الكلمات، يحاول الوصول لحل ما، فحال شقيقه لا يعجبه بالمرة.
صرخ به "عدي" وغمغم بعداء واضح.
- أفهمك إيه بالظبط؟ وبعدين أفهمك إيه بعد ما مديت إيدك عليا؟ وعشان مين؟ عشان اتنين وسخ.
قاطعه داغر رافعاً إصبعه بتحذير.
- متكملش، متكملش، عشان اللي بتغلط فيهم دول، واحدة فيهم كانت مراتك وأم ولادك، والتانية تبقى بنت عمك، والأهم تبقى مراتي، مرات أخوك يا أستاذ.
ابتلع ريقه ورمش بعينيه عدة مرات وقال.
- اتجوزتها!!! ده حصل إمتى الكلام ده؟
أجابه داغر بعنف ممزوج ببعض الصدمة.
- هو ده اللي يهمك؟ حصل إمتى؟ اسمع يا عدي، كل اللي هقولهولك إنك لازم تفوق، فوق من اللي انت فيه.
زفر عدي، وارتسمت السخرية على جانب وجهه، وغمغم باستنكار.
- أنا اللي أفوق!!!
لا طبعا مش أنا اللي لازم أفوق، أنتوا اللي لازم تفوقوا. حضرتك روحت اتجوزت وجد، وأنت لو فيك ذرة عقل ما كنتش فكرت تجوزها أصلًا. وبالنسبة لرائف، فبرضه طلع مغفل ومراته واخداه سُلّم. وبالنسبة لحسام اللي عامل فيها حبيب ولسه زعلان على حتة بت متسواش ولا تستاهل ضفره.
وما كاد يكمل فقاطعه داغر مغمغم بتهكم:
- وأنت إيه بقى يا أستاذ عدي؟ ها أقولك أنا بقى، أنت كنت متجوز واحدة أي راجل يتمناها، بس أنت طلعت ميملاش عينك غير التراب وسبتها وروحت اتجوزت واحدة مش عارف دماغك كانت فين لما اتجوزتها. بس أحب أقولك إن المظاهر والشكل الخارجي اللي أنت مهتم بيهم أوي كدة بيروحوا وكله بيروح، إلا الحب الحقيقي هو اللي بيفضل. وعشان كده أنت حبيت ست مي، حبيتها عشان شكلها. أنت بتاع مظاهر، وأول ما لقيت واحدة أحلى من مراتك عينك زاغت عليها، وأول ما تلاقي الأحلى من مي عينك هتزوغ عليها برضه. وعشان تبقى عارف، الطريق اللي أنت سلكته ده آخره وحشة.
---
وقفت سيارة عمر أمام البناية التي تقطن بها حورية، وما كاد أن يتحدث حتى قالت وهي تتفادى النظر لعينيه، هاتفة بجمود وعيناها تنظر حولها رغم تلك اللهفة التي تعتريها للنظر بحدقتاه:
- بص، أنت صممت توصلني تحت البيت ومرضتش تنزلني بره، فأنا هنزل دلوقتي. مينفعش أفضل معاك ونتكلم قدام أهل الحارة عشان كده بديهم فرصة عشان يتكلموا عليا، وبذات إني مطلقة. ويا ريت متزعلش من كلامي، بس أنا آخر مرة هسمحلك توصلني، وشكراً جداً يا عمر على كل حاجة.
وسريعاً ما هرولت من السيارة تحت أنظاره، فأخذ نفساً طويلاً محركاً رأسه قائلاً بحب ووهان متمنياً أن يقضي معها المزيد والمزيد، معبراً لها عما يحدث له بوجودها بجواره وبأنه لن يمل منها...
- شكلك هتتعبيني معاكي يا حورية!!
---
في صباح اليوم التالي وتحديداً السادسة صباحاً.
تململت بفراشها بتكاسل وفتحت جفونها، وبسمة بسيطة تأخذ مسارها على وجهها، فلأول مرة تشعر براحة كبيرة، ولأول مرة لا يزورها زوجها المتوفى بمنامها، وكم أشعرها ذلك براحة كبيرة وسعادة طاغية تسللتها. فدفعت الغطاء من عليها وخصلاتها تنساب حول وجهها، تحركت تجاه الشرفة وقامت بفتحها راغبة بأن يلفح الهواء البارد بشرتها الخمرية وخصلاتها، وكان لها ما رغبت وتمنت.
فخرجت للشرفة الخاصة بها المطلة على الحديقة الخاصة بالقصر، وأغمضت عينيها وأخذت نفساً طويلاً، وخصلاتها السوداء الفحمية التي أصبحت تصل لمنتصف خصرها تنساب حول وجهها. ففتحت عينيها وعيناها تجول بالحديقة، فوقعت عيناها على ذلك الجسد الواقع على أرضية الحديقة الخضراء، فعبست وحمدت ربها على تلك المنامة القطنية الواسعة والتي تستر جسدها ولا تظهر منه شيئاً.
فهبطت درجات السلم ووصلت للأسفل، وحتى الآن لا ترى عيناها أحد، فمن الواضح أن الجميع لا يزال يغط بسبات عميق.
فتنهدت وعقلها يتساءل، فعينها لم تستطع تحديد هوية الساقط، إذا كان حسام أم رائف، فكلاهما يشبهان بعضهما، وذلك البعد لم يسعفها لتحديد الهوية.
خرجت إلى الحديقة واتجهت تجاه الواقع أمامها، وما أن اقتربت منه حتى وجدته "رائف"، فزفرت واقتربت منه ولَكَزته بقلق مغمغمة باسمه:
- رائف رائف، أنت كويس؟
فتح "رائف" إحدى عينيه ورمقها بنصف عين قائلاً بتساؤل معتدلاً بمكانه:
- في إيه!!!
تنهدت براحة وقالت بهدوء:
- إيه اللي نايمك هنا؟
كز "رائف" على أسنانه وقال ببرود ووقاحة:
- وأنت مالك؟ أنا حر أنام مطرح ما أنا عايز، أنتِ هتحاسبيني؟
اتسعت عيناها وقالت بعدم تصديق:
- لا مش هحاسبك ولا حاجة، بس قلقت عليك لما شوفتك واقع كدة، وبعدين مكنتش شايفة كويس وكنت مش عارفة أحدد أنت حسام ولا رائف.
امتعضت ملامحه وصاح بغلاظة:
- خلصتي؟
قطبت جبينها ورددت الكلمة وراءه بدهشة:
- خلصتي!!!
انت إيه الأسلوب اللي بتكلمني بيه ده؟ هو أنا قتلت لك قتيل؟ ده أنا شوفتك واقع قلقت عليك.
نهض من مكانه مهندمًا ملابسه، مغلقًا أزرار قميصه العلوية، ناظرًا لها بعجرفة.
- محدش طلب منك تقلقي عليا، ومش عايز حد يقلق عليا، انتي سامعة؟
نهضت هي الأخرى وقالت بهدوء مزيف.
- سامعة يا بنت عمي، وأوعدك لو شفتك تاني واقع على الأرض مش هقرب لك، وهسيبك زي ما انت حلو كده.
أنهت كلماتها وبعض من خصلاتها تطايرت من خلف الوشاح، فتعلقت عين "رائف" على خصلاتها التي تطايرت، فاقترب منها خطوة واحدة، فلفحت أنفاسه الساخنة بشرتها ووصل إلى أنفها رائحة عطره، فابتلعت ريقها بتوتر من ذاك القرب، فصاح رائف وعيناه لا تنزاح من عليها.
- ادخلي جوه يا آلاء، ادخلي جوه بشعرك ولبسك ده، في رجالة في البيت وأنا واحد منهم، ومينفعش تمشي بالمنظر ده.
اشتعلت عيناها وقالت بحدة.
- وإيه هو المنظر ده اللي بتتكلم عنه؟ أنا مش لابسة بدلة رقص يا أستاذ رائف، دي بيجامة وواسعة، وفي على شعري طرحة، ولا أنت مبتشوفش كويس؟
أنهت كلماتها وهي تتحرك من أمامه بغضب، فرمقها بنفاذ صبر ورفع يديه ومسح على وجهه بضيق واتجه لخارج المنزل.
***
في وقت الظهيرة.
صدحت طرقات على الباب الخاص بغرفة "وجد"، فظلت تهمهم ببعض الكلمات تشعر بعدم قدرتها على النهوض ورغبتها العالية بإكمال نومها، فظلت طوال الليل تتسایر مع داغر وتقص عليه ما فعلته بغيابها، وهو كذلك قص عليها ما حدث معه وكيف تألم بغيابها الذي طال كثيرًا، ولكن رغم ذلك ظل يتمسك بحبه مقتنعًا بأنه سينالها وسيحصل عليها، جاعلًا إما أجلًا. ونهض باكرًا من جوارها وقام بتقبيلها بنهم مغادرًا دون إصدار أي صوت.
فقررت وجد تجاهل ذلك الطارق وإكمال نومها.
ولكن حدث ما لم تتوقعه وسمعت ذلك الصوت الذي تألفه بجوار أذنيها يصرخ بها.
- يااااااااا وجد!
خرجت شهقة خافتة من فمها ونهضت جالسة على الفراش وهي ترمق وسام الجالسة أمامها.
- انتي بتعملي إيه هنا يا مجنونة انتي؟
قبلتها وسام بوجنتيها وقالت بمرح.
- بصراحة بصراحة، لسببين، أولًا عشان أشوفك، تانيًا بقى عشان ابن عمك الجبلة قفل تليفونه ومش عايز يقبل الأدد بتاعي، بلس إني ملقيتوش في المرسم بتاعه.
اتسعت عين وجد وابتسمت ابتسامة لم تصل لعيناها.
- أه يا بجاحتك يا وسام، وبعدين مش كنا قلنا إنك تـ...
قاطعتها وسام قائلة.
- بصراحة بقى محبتش الخطة بتاعتك دي، حسيتها مش هتمشي، وملقتش غير الصراحة والجرأة والبجاحة، هي دي اللي هتجيب نتيجة مع حسام، وانهاردة لازم يعرف إني صاحبتك الروح بالروح، وصدقيني أول ما يوقع في شوشتي أنا هخليه يعفو عنك.
أجابتها وجد بابتسامتها المصطنعة مشيرة تجاه الباب.
- وسام، شايفة الباب اللي وراكي ده؟
أومأت لها قائلة.
- أكيد.
- طب كويس، قومي بقى اطلعي برة، أنا عايزة أنام، منمتش طول الليل، حرام عليكي.
ضيقت وسام عيناها وقالت بمكر.
- اهاا، قول لي كده بقى، منمتيش طول الليل؟ طيب يا ستي ربنا يهني سعيد بسعيدة.
كزت على أسنانها ولكزتها بذراعيها مغمغمة.
- مش اللي فهمتيه يا كلب البحر انتي، وبعدين عايزة أكمل نوم يا وسام، اطلعي برة.
- عشان خاطري يا وجد، وبعدين ده أنا مبسوطة أوي، دي حماتي اللي قابلتني ووصلتني لأوضتك هنا، يلا بقى عايزة أشوف ابنها، يا وجد عشان خاطري، انتي مش عايزة تعملي أي حاجة عشاني كده، رغم إني عملت كتير عشانك وأنا السبب في جوازك من حبيب القلب.
ضيقت وجد عيناها بعدم فهم وقالت.
- عملتي إيه يا وسام؟
ابتلعت وسام ريقها وعلمت بأنها قد وقعت بلسانها أمام صديقتها التي لن تتركها دون أن تقص عليها ما فعلته، فصاحت بتوتر.
- بصراحة يعني، أنا اللي بعت لداغر رسالة بسفرك إسكندرية، كنت ببعتله تحركاتنا من أول ما سافرنا إسكندرية، بس طبعًا هو ميعرفش مين اللي بعتله، بس أنا كنت خايفة عليكي من مصطفى، عشان كده دخلت داغر في الموضوع.
***
جالس خلف مكتبه وهي أمامه تخبره بما عليه اليوم، وبالتأكيد لا يخلو صوتها من دلالها المتعمد، أما هو فكان لا يستمع إلى أي شيء، فعينيه كانت تتفحص كل إنش بها، وابتلع ريقه بتوتر، محررًا أزرار قميصه، فلاحت بسمة سريعة على وجهها تعلم جيدًا تأثير ما تفعله عليه، فصاحت بتلك النبرة المتعمدة.
- بس كده يا فندم، حضرتك تؤمرني بحاجة تانية؟
تنهد بحرارة وعاد بظهره للخلف وتمتم بخبث.
- أه، زودي على اللي قولتيه ده كله إننا في عشا عمل النهارده الساعة ٩، وأنتي هتحضريه معايا.
أومأت له برأسها قائلة برقة مصطنعة.
- اللي حضرتك تؤمرني بيه.
اتسعت ابتسامته وقال بنبرة ذات مغزى.
- حلو أوي، يبقى أعدي عليكِ وأخدك من البيت، إيه رأيك؟
ابتسمت له بجانبية قائلة.
- مفيش داعي، أنا معايا عربيتي.
- لا، أنا حابب أعدي عليكِ يا هديل.
حركت كتفيها بدلال.
- تمام، اللي حضرتك تشوفوه، عن إذنك.
تحركت مغادرة من أمامه وخصرها يتمايل بدلال، فزفر بضيق مبتلعًا ريقه.
كادت أن تخرج من المكتب فوجدت أمامها من ترمقها بتفحص.
- انتي سكرتيرة عدى؟
ابتسمت لها هديل بتحفظ وقالت.
- أيوه يا فندم، ده لسه تاني يوم ليا.
استمع عدى إلى صوت مي فصاح بجدية.
- إيه اللي جابك يا مي؟
تحركت مي من أمام هديل وبداخلها يشتعل، فها قد فهمت لما تغير معها الآن، فجزت على أسنانها وابتسمت له بحب مصطنع مقتربة من مكانه مقبلة إياه بحرارة.
فصاح بجمود بعدما رمقتهم هديل بنظرة سريعة، مغلقة الباب من خلفها.
- خير يا هانم، إيه جابك هنا وخرجك من البيت من غير ما تستأذني؟
سندت على ركبتيها تريد أن ترضي غروره وكبرياءه، ممسكة يديه بحب قائلة بندم مزيف.
- أنا آسفة يا عدى على اللي حصل امبارح، حقيقي آسفة، وأسفة كمان على عدم اهتمامي بيك، بس صدقني ده مش هيتكرر تاني، وبعدين أنا عندي لك خبر هيفرحك أوي يا عدى.
ضيق عينيه منتظرًا منها إكمال حديثها، فصاحت.
- أنا حامل يا عدى.
رواية طغيان قلب الفصل الأربعون 40 - بقلم فاطمة محمد
أنا حامل يا عدي، أنا حامل يا عدي.
ظلت كلماتها تتردد بأذنيه، ينظر لها بعينين متسعتين.
فنهض بهدوء، بث الرعب بداخلها. فنهضت من جلستها ووقفت أمامه، مزدرقة ريقها بصعوبة، محاولة استجماع شجاعتها التي ذهبت أمام نظراته التي كانت كالجحيم.
قبض على ذراعيها بقوة وشرسة، مغمغماً:
- أنا مش عايز ولاد، مش عايز. واللي في بطنك ده هينزل، أنا عندي ولدين ومش عايز غيرهم، انتي سامعة؟ مش عايز غيرهم. ومتفتكريش إن ممكن يخلي عليا الحركات دي.
شحب لون وجهها وتجمدت الدماء في عروقها. تجاهلت قبضته التي ألمتها، وهمهمت بانفعال:
- انت بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة، انت بتكلم عن إيه؟ وبعدين ده بدل ما تفرح إن هيجيلنا ولد ويبقى حتة مني ومنك.
زاد من قوة قبضته، مغمغماً بقسوة:
- مش عايزة ومش هيتولد، وتاني مرة متعمليش ناصحة عليا وتفتكري إنك بالطريقة دي بتدبسيني فيكي. كان غيرك أشطر يا حبيبتي، وأديكي شوفتي الهانم اللي قبلك عندي منها ولدين وبرضو مبقتش عليها، أنا مش ببقى على حد.
لمعت عيناها بدموع مزيفة، وقالت بعدم تصديق وهي تشير تجاه نفسها:
- أنت بتقول عني أنا الكلام ده يا عدي؟ أنا؟
أجابها بغلاظة وهو يدفعها بعيداً عنه:
- أكيد، انتي شايفة غيرك في المكتب ولا حاجة. ومش عشان بحبك يا مي تفتكري إني ممكن أقبل بطفل منك، وهقولهالك تاني: أنا مش عايز ولاد، عندي اتنين واستكفيت بيهم.
جلست أمامه مرة أخرى، محاولة استعطافه تجاهها، قائلة بترجّي:
- عدي، أنا مراتك ونفسي في ولد منك، أنا...
نفذ صبره، فقبض على خصلاتها، فتأوهت صارخة بألم:
- انتي مبتفهميش يا مي؟ بقولك مش عايزة، ولحد دلوقتي بحاول أبقى حلو معاكي، فمتخلينيش أتصابى عليكي، وبكرة هنروح لدكتور عشان ينزله.
كزت على أسنانها بعدما ترك خصلاتها. فنهضت من مكانها وهي ترفع يديها تزيح دموعها التي انسابت على وجنتيها، وخرجت من المكتب وهي توعد له.
وما أن خرجت من مكتبه، حتى نظر عدي لمكان خروجها والغضب يعتريه، مغمغماً بغل:
- غبية، غبية زيك زي حورية، وهتخليني أكرهك زي ما كرهتها.
***
بالحديقة.
كان كل من "وسام" و"وجد" يتسامران وهما يداعبان كل من "زين" و"زياد"، وابتسامتهم تزين ثغرهم. فأقتربت منهم "آلاء" بعدما رأيتهم من الشرفة، فصاحت بابتسامة:
- ينفع أقعد معاكم ولا هزعجكم؟
رمقت "وسام" "وجد" التي ابتسمت لأختها، وقالت بترحيب:
- تعالي يا آلاء، أنا أصلاً لازم أعرفك على وسام. دي وسام عبدالرحمن، عرفتها لما سافرت، واستجدعتها في كذا موقف. وبعدين لو قعدتي معاها مش هتبطلي ضحك نهائي.
كانت "وسام" تتابع حديثهم بابتسامة، وما إن قالت "وجد" كلماتها الأخيرة، حتى تبدلت ملامح "وسام" وصاحت بانزعاج ونبرة طفولية:
- ليه يا ست وجد؟ أرجوز أنا قدامك؟
صدحت ضحكات "وجد" وداعبت وجنتيها بمشاكسة، صائحة:
- فشر يا روحي، انتي الأرجوز ميجيش فيكي حاجة.
ما كادت تجيبها، ولكنها ابتلعت حديثها عندما استمعت لصوته الذي يقلب كيانها ويزيد من سرعة خفقاتها.
فأتسعت ابتسامتها، واضعة يديها موضع قلبها، ناظرة لـ"وجد" التي توترت من مجيئه وعدم ملاحظته لهم. فآلاء كانت تقف كالستار الحاجز عليهم، ولم يرى سواها.
ظل يقترب منهم بخطوات هادئة، متمتماً:
- آلاء، مبسوط عشان خرجتي من أوضتك؟ أيوه كده، مفيش حاجة تستاهل زعلك.
فنهضت "وسام" من مكانها، فأنتبه "حسام" لها ولـ"وجد" التي كانت تتفادى النظر إليه.
- إزيك يا حس؟ أخبارك إيه؟
زاغت عينيه، وظل يرمق كل من "وجد" و"وسام" بنظرات غاضبة. فصاحت آلاء:
- وجد رجعت يا حسام، واتجوزت هي وداغر امبارح.
ضغط على شفتيه، فكانت رؤية كل من "وجد" و"وسام" كفيلة بـه تجعله يشتعل وتتأجج نيران الغضب بداخله.
فأكملت آلاء بعدما رأت نظراته المتبادلة بين "وسام" و"وجد":
- ودي وسام صاحبة وجد.
أماء برأسه عدة مرات، وقال بحدة ممزوجة بغضب ناري، وهو يصفق بيديه بسخرية لاذعة:
- يبقى انتي اللي مسلطاها عليا، مش كده؟ لا برافو، عايزة تعوضيني عن موت إنجي بصاحبتك دي، مش كده؟ بس للأسف يا وجد هانم، إنجي متتعوضش، ومش دي اللي هتعوضني عن إنجي.
ثم رمق "وسام" التي ترمقه بلامبالاة، قائلاً بسخرية:
- متتعبيش نفسك على الفاضي يا شاطرة، عشان أنا مفيش في قلبي غير إنجي وبس.
غادر سريعاً من أمامهم، فهرولت "وسام" خلفه. فألتفتت آلاء تنظر لـ"وجد" التي حركت رأسها بيأس.
- هو في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
تنهدت "وجد" وقالت بلامبالاة مصطنعة:
- هبقى أحكيلك بعدين.
***
بالطرف الآخر.
جذبته من ذراعيه بشراسة، وعينيها تطلق شراراً. فألتفت ينظر إليها بأعين غاضبة، وضم قبضته حتى لا يتطاول عليها، فصبره قد نفذ من تلك الفتاة، وخاصة عندما علم منذ لحظات بأنها صديقة مقربة لابن عمه.
- أنا عايزة أفهم، يعني وجد مسلطاني عليك؟ هو أنا لعبة في إيديها ولا عروسة بتحركها عشان تسلطني عليك وأنا أنفذ؟ لا يا حسام، وجد معملتش كده، وبعدين إيه مصلحتها إنها تعمل كده؟ انت بتفكر إزاي؟ أنا عايزة أفهم.
أقترب منها صارخاً بوجهها، فأنتفض جسدها من صراخه ذاك:
- مصلحتها إنها فاكرة لما تعمل كده تبقى بتعوضني عن خسارة إنجي، اللي هي كانت السبب فيها بسبب عنادها وغرورها باسم قتلها. ماتت موتة مفيهاش أي رحمة أو شفقة.
تملكها الغضب، وصاحت بانفعال وهي تحرك رأسها بنفي:
- محصلش، وجد عمرها ما تعمل كده.
ثم أشارت بسبابتها على نفسها:
- أنا اللي اتعلقت بيك وحبيتك، وبقى عندي شغف إني أتعرف عليك وأشوفك من كلامها عليك وجدعنتك معاها، انت متعرفش هي كانت بتقول إيه عنك وانت غالي عندها إزاي.
صمتت ثوانٍ لم تخلو من نظراته المصدومة الممزوجة بغضب، ونظراتها الغاضبة لسوء ظنه بصديقتها. فأكملت:
- أحب أقولك إنك مبتحبش إنجي.
جحظت عيناه، وتطلع لها بنظرات تبث الرعب بأي امرأة، ولكن نظراته تلك لم تؤثر بها.
- أيوه مبحبهاش، أنا وجد حكتلي على كل حاجة، وأنا عارفة إنك مقعدتش معاها الفترة الكافية اللي تخليك مفتقدها بالشكل ده. انت كل اللي انت فيه تأنيب ضمير، ضميرك وجعك، حاسس إنك سبب في موتها، وعشان كده بترمي الجريمة على وجد، مع إن ولا انت ولا وجد ليكم ذنب أو يد في اللي حصلها. وأنا مقتنعة مليون في المية إن كل بني آدم بيحصد اللي زرعه، وزي ما اتسببت في أذية وجد، ربنا ردها لها، وعلى إيد نفس البني آدم اللي اتفقت معاه إنجي اللي انت زعلان عليها، مكنتش ملاك، ومحدش فينا ملاك، كلنا بشر وبنغلط وهنغلط.
كز على أسنانه وارتعش صدغه، وقال بتحذير:
- مش عايز أشوفك تاني، لو شفتك مش هيحصلك كويس، أنا مش طايق أشوفك.
تحرك سريعاً من أمامها، فصاحت بنبرة عالية:
- مش بمزاجك يا حسام، أنا حبيتك، ومدام حبيتك يبقى مش هسيبك، واتعود على شوفتي كتير الفترة الجاية.
***
جالساً أمامها بموقع التصوير، بعدما أخذا استراحة يسترجعون بها نشاطهم وحماسهم. فالسعادة كانت تعتريه لجلوسها أمامه ورؤية وجهها وملامحها الملائكية. أما هي فكانت دقاتها متزايدة، تشعر بانزعاج شديد من تلك النظرات التي لا تكف عن ملاحقتهم. تراهم يتهامسون وهم ينظرون إليهم، ولكن لا تعلم لما تلك الهمسات عنها وعن عمر، وذلك الأسلوب الفظ الذي جعلها تريد ترك ذلك العمل. فكيف لهم أن يفكرون بأن هناك ما يجمعهم سوياً؟ فاليوم هو اليوم الثاني لها، فما ذنبها بأنه قد اختارها لتعمل معه بذلك العمل الذي لا تراه عملاً من الأساس؟ فهي منذ ليلة أمس لم يكلفها بعمل واحد تفعله، يكتفي بوجودها معه بموقع التصوير، وإملائه بأي مواعيد جديدة.
انتبه عمر لنظراتها وعدم ارتياحها، فترك الكوب الذي بيديه ووضعه على الطاولة الصغيرة أمامه:
- مالك يا حورية؟
ايه اللي مضايقك؟
أشارت له بعينيها تجاه الأشخاص الذين يعملون معه في الفيلم، مغمغمة بانفعال:
- يعني أنت مش شايف بيبصولنا إزاي؟ ده غير الوشوشة بتاعتهم واللي باين قوي من نظراتهم إنها علينا.
رمق عمر هؤلاء الذين ينظرون عليهم بغضب، فاخفضوا نظراتهم بعيدًا عنهم، فعاد ينظر إليها مرة أخرى قائلًا بحنق:
- سيبك منهم يا حورية، وما تهتميش بحد طول ما أنا معاكي.
ابتلعت ريقها ونظرت له، وهناك شعور قوي بداخلها يخبرها بأن هذا العمل وهذا الوسط لا يتناسبان معها بأي شكل من الأشكال.
فنهضت من مكانها وهي تحرك رأسها برفض، مغمغمة بأسف:
- أنا آسفة يا عمر، بس أنا مش هقدر أكمل في الشغل ده، أنا مش مرتاحة. وأي حاجة هتسبب لي ضرر هسيبها، مش هاجي على نفسي من تاني، عن إذنك.
أنهت حديثها مهرولة من أمامه، تريد أن تختبئ منه وتختفي عن أنظاره.
صُدم من حديثها ونهض خلفها حتى يلحق بها، والغضب يعتريه من هذا الفريق الذي يعمل معه، والذين ظنوا بأن هناك ما يجمعهم. فضم قبضته بغضب، متوعدًا لهم.
لحق بها ممسكًا إياها من ذراعيها، قائلًا بأنفاس متسارعة لاهثة:
- رايحة فين يا حورية؟ أنا مش هسيبك تمشي.
نزعت ذراعها من بين يديه، قائلة بسخرية لاذعة:
- يعني إيه مش هتسبني أمشي؟ أنا حرة يا عمر، وبقولك مش عايزة أكمل شغل معاك.
مسح عمر على وجهه، ولأول مرة تراه بتلك الهيئة. ولكنها لن تتراجع عن قرارها، فهي تريد أن تتفادى ما قد يحدث بينهم. فكلما رأته تشعر بمشاعر غريبة من نوعها، لا تعلم سببها، ولكنها تريد أن توقف كل هذا وتمنع نفسها من الوقوع فيما قد يحرمها من أولادها.
- حورية، أرجوكي ما تمشيش. مينفعش تمشي، أنتِ مكانك جنبي.
أغمضت عينيها لوهلة، تحاول كبح مشاعرها التي تريد الاستجابة له وعدم ترك العمل والإكمال معه.
ولكن لن يحدث ذلك، لن تسمح لنفسها بلقائه أكثر من ذلك. لا تريد الوقوع في العشق مرة ثانية.
لا ترغب بأن تجرح كرامتها وكبرياؤها كأنثى، فما فعله عدي معها جعلها حطام.
إذن، فهي لن يكون لديها القدرة على إدخال أحدهم لحياتها مرة أخرى.
نهرها قلبها، معاتبًا إياها عما تفكر به، فكيف تقارن بينهم؟ فهناك فرق كبير بينهم، وهذا الفرق سيكون بصالح عمر، الذي يحبها كما هي دون أن يطالبها بتغيير أي شيء. ولكن بذلك الصراع بين القلب والعقل، ربح العقل ونطق لسانها بكلمات جارحة حتى تبعده عنها.
- همشي يا عمر، ومش عايزة اشتغل معاك. أنا هدور على شغل تاني، وكمان مش عايزة أشوفك تاني. أنا مش هتحمل إني أخسر ولادي، أنت سامع.
***
تقف أمام المرآة، ويداها تمسد على بطنها بهدوء شديد، تتخيل هيئتها بعد مرور عدة أشهر، فاتسعت ابتسامتها، ضاغطة على شفتيها بحماس. فهي لا تريد التخلي عن هذا الجنين، ولن تتخلى، وستفعل المستحيل لتحافظ عليه. وستضرب حديثه عرض الحائط، وستجعله يعود نادمًا لتطاوله عليها بالفترة الأخيرة، متبدلًا تمامًا، وكأنه أصبح شخصًا آخر لم تعرفه. ولكنها اليوم أصبحت تعلم سر تغيره معها.
تحركت من أمام المرآة، وانتشلت هاتفها من على الفراش، واختارت إحدى الأرقام، وقامت بوضع الهاتف على أذنها، منتظرة إجابة الطرف الآخر، ولكن طال انتظارها.
فتأففت، ونزعت الهاتف من على أذنها، محاولة الاتصال مرة أخرى، ولكن دون فائدة. فدفعت الهاتف بعنف على الفراش، والشرار يتطاير من عينيها، قائلة بخفوت:
- أنا مش فاهمة أنت فين يا أمير، ومبتردش عليا ليه؟ أوووووف.
ولكن سريعًا ما اقتربت من الفراش، جاذبة الهاتف مرة أخرى، متصلة بأحدهم. فجاء الرد سريعًا، فغمغمت بغموض:
- عبده، عندي لك مصلحة وهتاخد منها قرشين حلوين قوي. دايس ولا لأ؟
- مدام مصلحة وهتطلع لي بقرشين، يبقى أكيد جاهز.
اتسعت ابتسامتها وقالت بتنهيدة:
- حلوة قوي. جهز كام واحد من عندك، واستعدوا عشان هتنفذوا أول ما أديكوا تليفون.
رفع يديه يحك رأسه، مغمغمًا:
- طب، أفهم بس هنعمل إيه.
تنهدت قائلة:
- عايزاكم تخطفوا عيلين صغيرين.
***
كانوا لا يزالون يجلسون في الحديقة، والأطفال من حولهم، وكل منهم يشغل تفكيرها شيء ما.
فوسام كان يشغلها حسام، الذي لم يغب من أمام عينيها، متمنية أن يفهمها ويصدق حديثها، الذي كان بمحله. أما آلاء، فكان الانزعاج هو ما يسيطر عليها بسبب تلك المحادثة التي حدثت بينها وبين رائف، والذي تحدث معها لأول مرة بتلك الفظاظة. أما وجد، فكانت تبتسم بخفة وهي تتذكر تلك الأوقات التي قضتها برفقة داغر، الذي يعاملها بكل حنان، ولا يكف عن بث عشقه وشغفه تجاهها.
قاطع أفكارها رنين هاتفها الذي صدح عاليًا، فنهضت من مكانها وابتعدت عن مكان جلوسها بمسافة كافية، ظنًا منها بأنه داغر الذي لم يتوقف عن مهاتفتها. وما كادت أن تجيب حتى وجدت أنه رقم غير مدون، فأجابت عليه، مستمعة لذلك الصوت الغليظ.
- الو.
- أهلاً يا حلوة.
- مين معايا؟
أجابها مصطفى بفتور:
- أنا عملك الأسود في الدنيا يا وجد يا هلالي.
قطبت جبينها قائلة بغيظ:
- مصطفى.
ابتسم بسخرية:
- عليكي نور. المهم بقى يا حلوة، اسمعي الكلمتين اللي عندي دول وحطيهم حلقة في ودنك. أنا بصراحة ناويلك على نية مش هتعجبك نهائي، فـ إيه رأيك ننجز الوقت وتنقذي نفسك مني؟
رفعت حاجبيها وأجابته باستنكار وتهكم:
- أنت عبيط مش كده؟ أنت فاكر إنك هتعرف تعملي حاجة؟ بتحلم يا مص.
قاطعها قائلًا بغلاظة:
- لأ، مش بحلم ولا حاجة، لأنها حاجة مش جديدة عليا، وسبق وعملتها كتير. وأقرب واحدة فيهم، خالي حبيبي.
ضيقت عينيها بعدم فهم:
- أنت قصدك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
ابتسم قائلًا بفخر مصطنع:
- هو أنا مقلتلكيش إن أنا اللي قتلت خالي حبيبي وسممته؟ اللي الله يجحمه كتب لك كل حاجة.
جحظت عيناها وقالت بتلعثم غاضب:
- أنت، أنت...
صدحت ضحكاته بالمكان قائلًا:
- أنا هعمل معاكي اتفاق. تمضلي على تنازل عن كل حاجة خالي سبهالك، ومقابل ده هسيبك في حالك. ها، قولتي إيه؟
صرخت به بغضب قائلة بتوعد:
- أعلى ما في خيلك اركبه، وعملتك السودة دي هتتحاسب عليها، ودم مجدي مش هيروح هدر، أنت سامع.
أغلقت بوجهه وهي تتنفس بعنف، أما هو فتمتم بغيظ:
- أنتِ اللي جبتيه لنفسك يا وجد، اشربي بقى.
أما بالطرف الآخر، فدلف البواب الذي كان يحمل باقة من الورد الحمراء.
واقترب من وجد الغاضبة التي جلست مرة أخرى بمكانها، غير مستمعة لحديث آلاء الموجه لها.
- وجد، إسلام عرف إنك هنا وجاي يشوفك.
فصاح البواب وهو يعطيها تلك الباقة من الورود:
- مدام وجد، الورد ده جه عشان حضرتك.
اتسعت عين وسام وانتشلت الباقة من يد البواب الذي غادر سريعًا، قائلة بحماس:
- واو! إيه الورد التحفة ده؟ لأ بجد، داغر ذوقه تحفة.
وسريعًا ما لفت انتباهها ذلك الكارت مع الباقة، فجذبته وقرأته بصوت مسموع، سريعًا ما تحول لدهشة.
- بحبكككك يا وجد. إمضاء مجهول.