تحميل رواية طغيان قلب بقلم فاطمة محمد pdf
بقلم فاطمة محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بأحدى الدول الأوربية، وتحديدًا داخل إحدى الغرف التي يسودها اللون الأسود، تململت بنومها عندما وصل إلى عينيها تلك الإضاءة التي جعلتها تنزعج كثيرًا. رفعت رأسها عن تلك الوسادة لتنظر باتجاه تلك النافذة التي تعلم جيدًا من الذي قام بفتحها. اقتربت منها تلك الفتاة التي كانت تقف بجوار النافذة، وابتسامة جذابة على وجهها، وخصلاتها السوداء الطويلة تنساب على وجهها بنعومة، وهي تغمغم بابتسامة مشاكسة: - صباح الخير. فتحت وجد عينيها بانزعاج وهي تقول بتأفف: - خير، وهيجي منين الخير وأنتي كل يوم تعملي فيا العملة المهب...
رواية طغيان قلب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فاطمة محمد
تنهد "داغر" مغمضًا عينيه لوهلة مستمعًا لتلك الكلمة التي قالها المأذون مباركًا لهم، فأبتلع ريقه مجيبًا عليه وعيناه معلقتان بـ"وجد" التي لا تعلم كيف وافقت على الزواج به.
وسارت خلف قلبها الذي يرغب بوجوده وبشدة.
نهض "داغر" برفقة المأذون والشهود لباب المنزل.
فزفرت "سحر" بتأفف مغمغمة بغيظ:
- أنا مش عارفة عاجبك فيه إيه ده، بقى وافقتي تجوزي ده ورفضتي مجدي اللي كان بيتمناكِ الرضا ترضي، واللي منسكيش بعد ما مات وكتب لكِ كل حاجة.
رمقتها "وجد" ببرود مغمغمة:
- مش هرد عليكي ومش هسمح لكِ تبوظيلي أسعد يوم في حياتي يا سحر هانم.
فحمحمت "وسام" وجذبت "سحر" من ذراعيها قائلة بابتسامة بشوشة:
- طنط سحر مش قصدها يا وجد والله، ده أنتي متعرفيش إحنا مبسوطين إزاي، ده ربنا اللي يعلم.
رفعت الأخرى رأسها ناظرة إليها بنظرة مشتعلة قائلة:
- برضه هتقوليلى طنط، على العموم أنا مش طنط يا حبيبتي واتكلمي عن نفسك، أنا مش راضية عن الجوازة دي.
أنهت كلماتها وهي تغادر من أمامهم غير مبالية بمشاعر ابنتها، والتي تظهر عكس ما بداخلها.
فرغم ما تظهره من برود ولكن من داخلها تشتعل. نعم تعلم بقسوتها وجبروتها، ولكنها كانت تحلم بأن تستمع إلى بعض الكلمات الحانية التي قد تزيدها سعادة وتجعل قلبها يرفرف. ولكن لا بأس، فمن الواضح أن والدتها لن تتغير وستظل كما هي.
كل هذا دار بخلدها، فأخذت نفسًا طويلًا وزفرته على مهلٍ.
ففوجئت به يقف أمامها، فعلمت بأنها قد شردت، فحتى صديقتها قد اختفت من الصالون تاركة إياهم على انفراد.
وما لبثت أن تتحدث متسائلة عن سبب وقوفه أمامها، متطلعًا بها بتلك النظرات العاشقة التي يرمقها بها لأول مرة بتلك الطريقة الصريحة، فوجدته يجذبها من يديها جاعلًا إياها واقفة أمامه، ضاممًا إياها داخل أحضانه ويديه تحاوطها بتملك شديد، مغمضًا عينيه مستمتعًا بتلك اللحظة التي طال انتظارها كثيرًا.
فأخيرًا أصبحت بين أحضانه، أصبح من حقه لمسها، وتأملها. تأمل تلك الملامح الطفولية البريئة التي لا تليق بشخصيتها العنيدة الشامخة القوية.
أما هي، وما أن حاوطها بذلك التملك والاشتياق الذي اتضح من طريقته، ارتجف جسدها وظلت ثوانٍ لا تبادله عناقه، ولكن بذلك التقارب وذلك الاشتياق الذي تبادله إياه، رفعت ذراعيها متشبثة بملابسه، مغمضة عينيها هي الأخرى، ورائحة عطره تتسلل إلى أنفها.
فتحدث داغر بنبرة هامسة متحشرجة:
- بعشقك يا وجد... بعشقك واستنيت اللحظة دي كتير عشان أعترفلك باللي بحسه ناحيتك، بعشقك ومش عايز من الدنيا دي غيرك، غير قربك مني.
أخرجها من أحضانه محاوطًا وجهها بيديه وعيناه تجول على وجهها بلهفة عاشق، مكملًا حديثه:
- بعشقك من أول ما عيني ما شافتك ولمحتك، عشقت كل حاجة فيكي واتعلقت بيكي بسرعة، كنت عارف إنه فيه حاجة اسمها حب وكنت عارف إني هييجي عليا وقت وأحب وقلبي هيدق، بس مكنتش أعرف إنه هيحبك ويعشقك بالسرعة دي. أنتي أول حب في حياتي وآخر حب يا وجد. عرفت قد إيه أنا بحبك لما والدتك قالت إنك اتجوزتي، ساعتها كنت حاسس بسكاكين بتقطع قلبي. أنتي أول واحدة دموعي تنزل عشانها يا وجدي.
أسند جبهته بجبهتها، رافعًا أصبعه مزيلًا تلك الدموع التي انسالت على وجنتيها من اعترافه وحديثه الذي لمس قلبها جاعلًا دموعها تتحرر من مقلتيها.
فرفعت يديها هي الأخرى محاوطة وجهه، لا تصدق بأنها تلمسه وأنه يعترف لها بذلك الحديث الذي يسلب القلوب.
فأكمل بابتسامة على وجهه وعيناه تلمعان من تلك الدموع:
- لما سافرتي مكنتش عارف أعمل إيه، عارفة لما تحسي إن فيه حاجة ناقصة؟ أنا بقى كان ناقصني قلبي لأنك خدتيه معاكي يا وجد، وكنتي سيباني عايش من غيره.
قاطعته عندما وضعت يديها على شفتيه هامسة بخفوت:
- هش، هش، كفاية يا داغر متكملش.
حرك يديه ممسكًا يديها التي وضعتها على شفتيه، مقبلًا إياها بشوق ولهفة، وهو ينظر بعينيها التي لا تتركه، تبادله نظراته العاشقة.
فأقترب منها بخطى هادئة وعيناه لا تنخفض ولا تنزاح من عليها، مقبلًا شفتاها بحنان وهدوء، فأغمضت عينيها باستسلام كامل.
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، متذكرة ما حدث منذ أربع سنوات وظل يعاد أمام عينيها مرارًا وتكرارًا دون أن يتوقف، حتى ابتعدت عنه مبتلعة ريقها، ململمة خوفها قائلة بتوتر تحت نظراته المترقبة لابتعادها:
- مينفعش، ماما أو وسام ممكن يشوفونا، ويلا عشان نتحرك.
أقترب منها ماسحًا على وجهه قائلًا:
- هنتحرك الصبح، بلاش بليل كده.
أومأت له بموافقة وقالت:
- إحنا هنبات هنا النهارده.
أومأ لها برأسه مغمغمًا:
- أيوه.
فابتلعت ريقها بصعوبة بعدما شعرت بجفاف يسري بها، قائلة:
- طب إحنا كده نبات في الأوضة اللي قعدت فيها، أنا أصلًا معيش هدوم أنا.
صمتت عن إكمال حديثها وقالت بتساؤل وشكوك ثارتها:
- إلا صحيح، أنت مش هتسألني أنا بعمل إيه هنا؟
أبتسم بحنان وقال:
- أنا عارف كل حاجة يا وجد.
قطبت ما بين حاجبيها قائلة بسذاجة:
- إزاي؟!
أقترب منها ورفع أصبعه مداعبًا أنفها قائلًا:
- بنفس الطريقة اللي عرفت بيها إنك هنا. ويلا عشان نطلع أوضتنا يا عروستي.
***
بمنزل "حورية":
كانت تجلس على المائدة شاردة بما حدث معها، محاولة الوصول لذلك السبب الذي جعل زوجها ينظر لأخرى. فحتى الآن لا تجد مبررًا لفعله، رغم اعترافها بإهمالها له، ولكن ما الذي كان عليها فعله؟ فأطفالها لا يزالون صغارًا يحتاجون لاهتمامها. نعم أهملته، ولكن ذلك الإهمال لم يكن برضاها.
فكم راجعت نفسها وحاولت الاهتمام به، ولكنها لم تجد سوى السخرية منه، وخاصة من هيئتها ووزنها الذي اكتسبته.
ما الذي كان سيحدث إذا كان حادثها بحنان وليس بسخرية؟ فالمرأة دائمًا تحتاج إلى ذلك الحنان الذي يشعرها بالأمان، تريد أن تشعر بأن من أمامها يحبها بل يعشقها، وليس ساخرًا منها.
أهذا هو الحب والسعادة الذي وعدها بهما؟ فأين هو الحب؟ وأين السعادة؟
فزواجه من أخرى هدم كل شيء بينهم، جعلهيا تشعر بأنها لم تكن شيئًا بالنسبة له، لم يحبها سوى لمظهرها الخارجي.
ارتسمت بسمة بسيطة على محياها بسبب سذاجتها عندما ظنت بأنه لها عاشقًا، فهو أحب تلك الفتاة الجميلة الممشوقة والتي كانت صعبة المنال بالنسبة له.
جلست "ندى" بجوارها متمتمة بهدوء مخرجة إياها من شرودها:
- حورية، أنتي كويسة؟ سرحانة في إيه؟
رفعت الأخرى حاجبيها قائلة بسخرية:
- سرحت يا ندى، وعرفت قد إيه كنت هبلة وساذجة لما فكرت إن عدي ابن الحسب والنسب حبني. مكنتش شايفة إنه مبيحبش غير المظاهر وبس. أنتي لو شوفتي شكل اللي اتجوزها وطريقة لبسها، بستحقره أوي، ده مبسوط بيها وهي جسمها باين بالطريقة دي.
قاطعتها "ندى" بغضب عندما تذكرت إصرارها على شقيقتها لتقص عليها سبب طلاقهم:
- أنتي لسه بتفكري في اللي اسمه عدي ده؟ أنا بجد مبقتش طايقة أسمع اسمه، ده حيوان.
أومأت "حورية" برأسها مغمغمة:
- أنا اتصدمت فيه جامد أوي يا ندى. أنتي عارفة لو كان جه واتكلم معايا براحة وبحنية يقولي إيه اللي غيره من ناحيتي كده، كنت هعمل أي حاجة عشان بس يرجع عدي القديم. كنت طول عمري بكدب نفسي إنه بيعاملني بالطريقة المستفزة دي عشان تخنت شوية.
وضعت "ندى" يديها على يدها قائلة:
- حورية، كفاية بطلي تقولي كده، صدقيني أنا مش شايفة إنتي مليانة للدرجة. إنتي أينعم تخنتي شوية عن الأول، بس ده طبيعي بعد الولادة، وكمان ده إنتي كنتي مكرسة وقتك كله لولادك وليه. بس هو اللي أناني مفكرش غير في نفسه وبس. وصدقيني اللي زيه مبيتزعلوش عليهم، دول بيداس عليهم بالجزمة. وبكرة هيرجعلك حافي وهيبوس رجلك عشان ترجعيله، هتشوفي وهتقولي ندى قالت.
صاحت "حورية" بانفعال وغضب:
- مستحيل ومش هيحصل، مراته واكلة دماغه يا ندى. أنا بس كل اللي قهرني أولادي.
- خلاص كلمي مع أهله، وأكيد مش هيقولهم لأ، بس إنتي حاولي، إحنا مش عايزين الموضوع يوصل للمحاكم.
قاطع حديثهم رنين المنزل، فنهضت "ندى" من مكانها متجهة ناحية الباب وقامت بفتحه، فوجدت أمامها شابًا أقل ما يقال عنه وسيم، فاتسعت عيناها وابتلعت ريقها مغمغمة:
- أنا بحلم مش كده، إنت بجد؟!
ابتسم لها عمر وقال بمرح:
- آه بجد، اقرصيني لو مش مصدقة.
- هاا.
هدأ صوت ضحكته، فنهضت "حورية" من على المقعد بعدما وصل إليها صوت ضحكته التي أصبحت تألفها.
وما أن رأته حتى قالت بدهشة:
- عمر!
ألتفتت إليها "ندى" قائلة بسعادة:
- الزغبي، عمر الزغبي، أفضل مخرج فيكي يا مصر، ده أنا مسبتش فيلم ولا مسلسل إلا وشوفته، أي حاجة يخرجها بتبقى تحفة.
فقال "عمر" بطريقة مسرحية وهو يهندم ياقة قميصه:
- لا كفاية، أنا كده هتغر.
رمقته "ندى" مغمغمة بحب:
- ده إنت بذات تتغر زي ما إنت عايز، ذا مكنتش إنت اتغريت مين اللي هيتغر ها.
وسريعًا ما بللت شفتيها صائحة بتساؤل:
- إنت جاي لمين؟ ما هو مش معقول جاي لنا إحنا.
اتسعت ابتسامته وهو يتطلع بحورية مغمغم:
- لا جاي لكم إنتو.
اتسعت عيناها على آخرهما وقالت:
- يا بركة دعاكي ياما.
جذبتها "حورية" من يديها مدخلة إياها من على الباب متمتمة بخفوت:
- إنتي بتقولي إيه، يخربيتك فضحتيني، اتفضلي خشي أوضتك.
- بس أنا...
- هي كلمة واحدة، اتفضلي على أوضتك.
دبدبت "ندى" على الأرض واتجهت لغرفتها، مغلقة الباب بعنف، وسريعًا ما فتحته بهدوء مرة أخرى مستمعة لحديثهم، تريد أن تعلم ما الذي قد يربط شقيقتها بذلك المخرج المشهور.
زفرت "حورية" وقالت بأسف حقيقي:
- أنا آسفة جدًا على اللي ندى عملته، بس هي مجنونة مسلسلات وأفلام. إلا صحيح، إنت مقلتليش ليه إنك مشهور كده.
ابتسم لها مغمغم بمرح:
- أصلي مبحبش أتكلم عن نفسي كتير.
- يا سلام على التواضع.
ضم شفتيه قائلًا:
- وإنتي لسه شوفتي تواضعي.
تنهدت وقالت:
- خير يا عمر.
- كل خير إن شاء الله، بس هنفضل نكلم على الباب كده كتير.
حركت كتفيها متمتمة باعتذار:
- أنا آسفة، بس إحنا ستات عايشين لوحدنا، ومينفعش أدخلك الناس، ممكن ياكلوا وشنا.
أومأ لها بتفهم وأخرج من جيبه الكارت الخاص به:
- طيب، ده رقم تليفوني، كلميني بكرة ضروري عشان عايزك في شغل.
ابتلعت ريقها وقالت:
- شغل! شغل إيه ده؟
أجابها بابتسامة حنونة مشاغبة:
- لما تيجي بكرة هتعرفي. سلام يا حورية.
ظلت تطلع لأثره بتفكير، فعن أي عمل يتحدث؟ فتنهدت وأغلقت الباب.
فخرجت ندى مهرولة باتجاهها قائلة:
- أنا عايزة أعرف كان بيقولك وإيه شغل إيه ده اللي عايزك فيه.
أجابتها بشرود:
- مش عارفة.
***
ولجت "وجد" برفقة "داغر" إلى الغرفة، فابتلعت ريقها، فلا تزال تلك الرجفة تسري بجسدها. وما كادت أن تلتفت حتى تنظر إليه بعدما أغلق الباب، حتى وجدته يحتضنها من الخلف، ضاممًا إياها إلى أحضانه، فأزدادت خفقاتها وانتفض جسدها بين يديه.
ابتعد عنها بعدما شعر بتلك الرجفة وذلك الخوف الذي طغى عليها، فتنهد ووقف أمامها متطلعًا لها بلهفة، متمتم بخفوت وهو يقترب منها خطوة واحدة:
- مالك، إنتي خايفة مني؟
ابتعدت عنه تلك الخطوة التي تقدمها بتوتر، رامشة بعينيها عدة مرات، فلأول مرة بحياتها تشعر بمثل ذلك الشعور، تريده ولا تريده، فما تعرضت له على يد باسم لا تنساه حتى الآن.
وما أن اقترب منها جاذبًا إياها برفق يريد أن ينالها بعد ذلك الشقاء والعذاب، وبذات الوقت لا يريد الضغط عليها لعلمه بما حدث لها وما تعرضت له، فأراد أن يزيل ذلك الخوف الذي رآه بعينيها وحركات جسدها.
فهمس أمام وجهها وأنفاسه تلفح بشرتها الناعمة مثل بشرة الأطفال:
- متخافيش مني، أنا بحبك يا وجد.
نظرت بعينيه محاولة السيطرة على تلك الذكريات الأليمة التي اقتحمت رأسها، وأخيرًا استطاعت فعل ذلك عندما لاحظت نظراته المهيمنة والمشتاقة لها.
فأستسلمت له ولمساته، فأنخفض بهدوء ناحية ثغرها ملثمًا إياه بهدوء وحنان مفرط، جعلها تذوب بين يديه، مناسيًا إياها ذلك الخوف الذي سيطر عليها.
***
"في صباح اليوم التالي"
بغرفة "عدي" و "مي":
يقف أمام المرآة يهندم ملابسه، متطلعًا على تلك النائمة بانزعاج، محاولًا إثارة الضجة بأنحاء الغرفة حتى تستيقظ من نومها.
فتململت بفراشها وفتحت عينيها بضيق مغمغمة بضيق:
- في إيه يا عدي! إيه الدوشة دي.
استدار الآخر رامقًا إياها بضيق شديد، مغمغم بانفعال ونبرة غير مألوفة بالنسبة لها، فلأول مرة يحدثها بتلك الطريقة وذلك الأسلوب:
- في إيه! إنتي كمان بتسألي يا هانم، يعني مش عارفة إني بنزل بدري والمفروض تبقي صاحية قبلي وتصحيني عشان متأخرش، أهو بسبب إني اعتمدت عليكي راحت عليا نومة واتأخرت وهسمع كلمتين مالهمش لازمة على الصبح، جرا إيه يا مي، إيه اللي جرالك، إنتي هتعملي زي اللي قبلك ولا إيه؟
قطبت ما بين حاجبيها وغمغمت بدهشة:
- أعمل إيه بالظبط؟ ده أنا أول مرة تروح عليا نومة. وبعدين ده حصل غصب عني، أنا مكنتش عارفة أنام امبارح ونايمة وش الصبح. وبعدين تسمع كلمتين ليه؟ دي شركتكم إنت مش شغال عند حد عشان تبقى مقلق من التأخير كده؟
جز على أسنانه وغمغم:
- مي، إنتي عارفة كويس أوي إن مبحبش الطريقة دي، المفروض إني جوزك والمفروض أبقى أول اهتماماتك، مش عشان الهانم طول الليل سهرانه على الموبايل يبقى أنا اتركن على جنب وأتأخر على شغلي. لا، فوقي يا مي واتعدلي من أولها، أنا مش هستحمل تهمليني لأن مش عدي الهلالي اللي يتهمل، إنتي سامعة.
أنهى كلماته وهو يخرج بغضب من الغرفة، دافعًا الباب من خلفه والغضب بادٍ على وجهه.
فغمغمت بضيق مكملة نومها مرة أخرى:
- أووف، ده إنت أوفر أوي بجد.
وصل "عدي" أمام الشركة وترجل من سيارته، وولج الشركة واتجه باتجاه مكتبه.
رمق مكتب السكرتيرة الخالي بنظرة سريعة ودلف المكتب، وزفر بضيق يشعر بغضب شديد يسيطر عليه، فهو لا يحب أن يهمله أحد، يحب أن يكون الأول بكل شيء.
فأخرج هاتفه حتى يهاتف شقيقه، فسمع طرقات على الباب، فأذن للطارق بالدخول، وعيناه معلقة بهاتفه حتى يخرج رقم شقيقه، ولكن أوقفه عما يفعله هو ذلك الصوت الأنثوي غير المألوف، وذلك أرغمه على رفع عينيه عن شاشة هاتفه.
وما أن رفع عينيه حتى وجد أمامه فتاة لا تقل جمالًا عن "مي"، بل تزيدها جمالًا، فأرتسمت بسمة ماكرة على وجهه وعيناه تتفحصها، مغمغم:
- إنتي مين؟
ابتسمت له الفتاة ابتسامة بسيطة مغمغمة:
- أنا السكرتيرة الجديدة بتاعة حضرتك، سلامة بيه عيّني، والنهاردة أول يوم ليا في الشغل.
اتسعت ابتسامته رويدًا رويدًا، مغمغم بنبرة خافتة ذات مغزى وعيناه تتفحصها من رأسها لأخمص قدميها:
- حلو أوي الكلام ده.
***
- وجد، وجد.
تململت وجد بنومها مغمغمة ببعض الكلمات غير المفهومة.
فهمس جانب أذنيها:
- حبيبتي، صحي النوم.
فتحت عينيها وابتسمت له بخفة قائلة بهدوء ممزوج ببعض الخجل:
- صباح الخير.
اقترب منها ملثمًا جبينها:
- صباح النور يا أحلى وجد.
تنهدت مبتلعة ريقها من حنانه اللامتناهي معها والذي لا يكف عن فعله.
- هي الساعة كام؟
- الساعة ١١ يا ستي، يلا بقى قومي عشان نلحق نرجع القاهرة.
أومأت له برأسها مغمغمة بحب:
- ماشي.
بعد مرور عدة ساعات، دلفا إلى القصر ويداه تعانق يديها بتملك، تشعر بتوتر، فلأول مرة سترى والدها بعد كل تلك السنوات.
دلت برفقته، فقابلتهم كل من سعاد وهدى. فرمقت سعاد يديهما المتشابكة بتلك الطريقة، مغمغم بشك:
- إيه اللي بيحصل ده؟
رمق "داغر" وجد بعشق متمتم:
- باركيلي يا ماما، أنا ووجد اتجوزنا امبارح.
مرت ثوانٍ من الصمت يرمقونهم بصمت وصدمة، فتنهدت سعاد وقالت ببرود متناهي:
- مبروك.
وعقب كلماتها صعدت تجاه غرفتها، تاركة إياهم برفقة هدى التي هنأتهم ببرود ومرحبة بعودة وجد.
***
وصلت "حورية" إلى موقع التصوير الذي أخبرها عنه وعن وجوده به عندما هاتفته صباحًا، فكم تريد ذلك العمل الذي لن يجعلها تلجأ أو تحتاج لأحدهم.
فظلت واقفة مكانها عندما رمقته جالسًا خلف الكاميرا يتابع ما يتم تصويره بموقع التصوير، فظلت تتأمل سكونه وطريقة جلوسه، فابتلعت ريقها متذكرة ذلك اللقاء الذي جمعهم وكيف جاء من خلفها وهمس بأذنيها بتلك الكلمات، فتنهدت وعادت من شرودها عندما استمعت إلى صوته موقفًا التصوير متجهًا باتجاهها وابتسامة واسعة جذابة على وجهه:
- أخيرًا جيتي، أنا مستنيكي من بدري.
رمشت بعينيها وقالت:
- واديني جيت أهو، إنت قولتلي امبارح إنك جايبلي شغل، ممكن أعرف إيه هو؟
ابتسم له وعيناه معلقتان بها لا يزيحها عنها، مغمغم:
- هتبقي مديرة أعمالي يا حورية.
رواية طغيان قلب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فاطمة محمد
-هتبقى مديرة أعمالي يا حورية.
رمشت بعينيها عدة مرات متتالية، عقلها لا يستوعب ما سمعته للتو.
ظل "عمر" يتطلع عليها متأملًا سكونها، ذلك فرفع أحد حاجبيه مغمغمًا بتوجس:
- انتي بتفكري ولا إيه؟
حركت رأسها بنفي مغمغم:
- لا مش بفكر، بس مصدومة من العرض بتاعك. يعني أنا عمري ما اشتغلت، كنا بنصرف من معاش بابا. غير إني مش فاهمة إيه المطلوب مني، وهبقى مديرة أعمالك إزاي يعني؟
تنهد طويلًا مجيبًا إياها بهدوء:
- من الناحية دي متشليش هم خالص، الشغل بسيط وهتحبيه. كل ما عليكي هترتبيل لي مواعيدي وتفكريني بمواعيد التصوير وهتبقي معايا في اللوكيشن. ها قولتي إيه؟
زمت شفتيها وعينيها تجول من حولها متطلعة لتلك العيون التي تطلع عليهم، والتساؤلات على وجوههم. فبعض منهم ينظر بغيرة وحقد، وأخرى مندهشة لوقوفه مع تلك الفتاة التي لا تليق به.
فبللت شفتيها، فتابع هو حركاتها العفوية رغمًا عنه، ولاحت ابتسامة جانبية زادته وسامة. فأنتبهت لابتسامته تلك وقالت:
- ممكن أعرف بتضحك على إيه؟
حرك رأسه متمتمًا وهو ينظر لساعة معصمه:
- ولا حاجة. ويلا تعالي ورايا، عشان نبدأ تصوير تاني، وبعد التصوير هروحك وفي الطريق هفهمك كل حاجة والمطلوب منك بالتفصيل.
***
في المساء.
بداخل غرفة "وجد" و"داغر"، كانت جالسة على الفراش تفكر بتلك المواجهة التي ستحدث بعد قليل عقب وصول والدها، وما حدث معها منذ قليل، وكيف استقبلتها كلًا من "سعاد" و"هدى".
فاقترب منها "داغر" بعد دلف من الشرفة، جالسًا بجوارها منتشلًا يديها مقبلًا إياها مغمغمًا بحنان:
- طول ما أنا جنبك مش عايزك تخافي أو تقلقي من حاجة. عايزك تثقي فيا وتعرفي إني على طول جنبك ومعاكي يا وجد. وبالنسبة للي حصل تحت ده من ماما أو مرات عمي، فده عشان اتصدموا شوية مش أكتر. صدقيني بس هما بيحبوكي و...
كزت على أسنانها وانتشلت يديها من بين يديه صارخة به وهي تنهض من جواره:
- بيحبوني!! تصدق صدقتك. أومال لو مكنتش بتحبني كانت عملت معايا إيه ها؟ دي شوية شوية كان هاين عليها تطردني من هنا. انت مش شفتها بصت لي إزاي؟ إذا كانت هي ولا مرات عمك دي.
زفر مطولًا ونهض من مجلسه مقتربًا منها محاولًا تهدئة أعصابه، واعدًا نفسه بألا يصرخ أو يغضب عليها:
- وجد هما مش قصدهم. هما...
قاطعته ذلك الطرق على الباب، فاقترب من الباب و قام بفتحه، فوجد أمامه "رائف" والذي كانت حالته لا ترثى لها، فعينيه كانت شديدة الاحمرار وشعره وملابسه غير مهندمين بالمرة.
فاقترب منه "داغر" بلهفة ووضع يديه على كتفيه، غمغم بقلق بعدما رأى حالته:
- مالك يا رائف؟ فيه إيه؟
أزاح "رائف" يديه مغمغمًا بقسوة سرعان ما تحول لصراخ:
- انت إزاي متقوليش يا داغر؟ إزاي تفضل ساكت بعد ما اللي عرفته ده؟ إزاي ترضالي إني أبقى مختوم على قفايا؟ إزاي تبقى عارف إن مراتي بتحبك وتسكت؟ إزاي؟
أغمض "داغر" عينيه والتفت رامقًا "وجد" التي تتابع ما يحدث بأعين حائرة:
- رائف خلينا نتكلم في أوضة المكتب وأنا هفهمك كل حاجة.
قاطعه "رائف" بشراسة:
- هتفهمني إيه يا شيخ داغر؟ ياللي عارف الحلال من الحرام. هتقول إيه بعد اللي حصل؟ ها؟
اغضب "داغر" وصاح بنبرة منفعلة بعض الشيء:
- رائف أنت هتسمعني ولا لأ؟
اقترب منه "رائف" وصاح بتحدٍ وكراهية أمام وجه:
- لأ مش هسمعك ومش عايز أسمعك يا ... ابن عمي.
قال كلماته الأخيرة وغادر وهو لا يرى أمامه من شدة غضبه، فتوعد لتلك التي لم تحافظ على اسمه، وكذلك ذلك الذي لم يكن له ذنب سوى أن زوجته كانت تذوب به عشقًا دون علمه.
اغلق "داغر" باب الغرفة، فقالت "وجد" بصدمة:
- يا نهارك اللي مش معدي يا داغر. بقى تبقى عارف إن ياسمين بتحبك وتسكت ومتقولوش؟
صاح بها هي الأخرى مغمغمًا:
- أقوله إيه يا وجد؟ أقوله إيه؟ أقوله مراتك بتحبني واعترفت لي بده، وإن الأربع سنين اللي قضاهم معاها كانت كذب في كذب؟
- أيوه تقوله. مش أحسن ما يفضل على عماه؟ كنت نوره وعرفها، مش تسكت.
تنهد "داغر" وقال:
- وده اللي أنا كنت هعمله. كنت ناوي أحكيله لما أرجع. بس كله من مرات عدى هي السبب.
ضيقت عينيها وقالت بدهشة:
- حورية؟
رفع عينيه ونظر بعينيها:
- لأ، مي. عدى طلق حورية.
اتسعت عيناها وضربت على جبهتها قائلة بندم وتأنيب لنفسها:
- يالهوي! أنا إزاي مسألتش عليها لما عرفت إنها اختفت؟ أنا إزاي بجد مفكرتش أسأل عنها وأعرف حصل معاها إيه؟ أنا إزاي نسيت أسأل عنها؟
- متقلقيش. هي كويسة، بس هي وعدي أطلقوا.
اقتربت منه بتوجس قائلة باستفسار:
- أطلقوا ليه؟ مش على أساس بيحبوا بعض؟
ابتسم بسخرية:
- المفروض بقى. بس أظاهر إن عدى باشا ميعرفش يعني إيه حب، وراح اتجوز مي عليها، وحورية لما عرفت صممت تطلق وهو كأنه ما صدق.
كانت تستمع إلى حديثه بعدم تصديق، فقالت بدون وعي:
- يا نهار أبوه أسود ومنيل بستين نيلة. ده أخوك ده هيموت في إيدي هو وعروسة المولد اللي اتجوزها.
ثم نهضت من مكانها مهرولة خارج الغرفة، فهرول داغر خلفها مناديًا باسمها.
أما هي فكانت تصرخ باسم تلك الحية التي خربت زواج كل من عدى وحورية:
- انتي ياللي متتسمي! يا اللي اسمك مي!
لحق بها "داغر" وجذبها من ذراعيها قائلًا بشراسة:
- وجد إنتي بتعملي إيه؟ بطلي جنان!!
- جنان!!! هو انت لسه شفت جنان؟ بقى أخوك يتجوز على البت الغلبانة؟ ده الله يرحم زمان، ده كان بيحفى وراها.
خرجت "مى" من غرفتها ناظرة تجاه وجد التي تصيح وقالت بانزعاج:
- إيه ده؟ فيه إيه؟
بذات الوقت خرجت "آلاء" من غرفتها على صوت شقيقتها والابتسامة على وجهها لا تفارقها، هامسة بخفوت وهي تتأملها باشتياق:
- وجد.
نظرت وجد لتلك الماثلة أمامها من رأسها لأخمص قدميها باشمئزاز وهي ترى ملابسها الفاضحة وعدم خجلها من الخروج من غرفتها بتلك الهيئة.
فرفعت إصبعها مشيرة إليها باشمئزاز:
- بقى هي دي اللي اتجوزها أخوك؟ هي دي اللي استغنى عن حورية عشانها؟
اشتعلت "مى" من حديثها ومن تعمدها للتقليل من شأنها، فوضعت يديها على خصرها قائلة بأستفزاز:
- أيوه يا حبيبتي، أنا مي مرات عدى وحبيبته، وأيوه أنا اللي طلقت مراته عشانها. انتي مين بقى؟
كانت وجد ترمق "داغر" الذي يغض بصره عن "مى"، وما أن أنهت مى حديثها حتى كزت هي على أسنانها مجيبة عليها بنبرة دبت الرعب بقلبها:
- أنا عملك الأسود يا حبيبتي.
وسريعًا ما اقتربت منها جاذبة إياها من خصلاتها بقوة مبرحة إياها ضربًا لم تناله من قبل، فظلت مى تتأوه بوجع مستنجدة بكل من داغر وآلاء المصدومان مما حدث لها.
فضغط "داغر" على شفتيه واقترب منها حاملًا إياها على كتفيه تحت صراخها وتعنيفها له حتى يتركها لتلقن تلك الحمقاء درسًا.
فنهضت "مى" من على الأرض وخصلاتها تؤلمها بشدة، فصعدت سعاد وهدى للطابق، فرأوا ذلك المشهد.
مى تنهض عن الأرضية وخصلاتها مبعثرة، والغضب الممزوج بالألم بادٍ على وجهها.
وداغر يحمل وجد على كتفيه دالفًا بها إلى الغرفة، فصاحت سعاد بدهشة:
- إيه ده؟ فيه إيه؟ إيه اللي بيحصل ده؟
فصرخت مى بها قائلة بعدوانية:
- في إن الحيوانة الهمجية دي ضربتني وهجمت عليا من غير ما أعملها حاجة.
أقتربت "آلاء" منها قائلة بتحذير:
- احترمي نفسك وأنتي بتكلمي يا حلوة. اللي بتكلمي عليها دي تبقى وجد الهلالي، يعني من العيلة، ولما تكلمي عليها تكلمي باحترام وأدب.
داخل الغرفة.
دفعها "داغر" على الفراش، فتمتمت هي نازعة ذلك الحجاب الذي أصبح غير مهندم بالمرة بسبب تلك المعركة التي خاضتها منذ قليل بغضب، صارخة:
- أنا عايزة أعرف بتوحشني ليه؟ دي بت قليلة الأدب، وأخوك ذوقه يقرف ومبيفهمش عشان يبقى متجوز حورية ويجوز الحيوانة دي عليها.
مسح على وجهه واقترب منها بحركة مفاجأة مقبلًا ثغرها بقوة، فاتسعت عيناها من فعلته الغير متوقعة.
وبعد مرور بضعة ثوانٍ ابتعد عنها مغمغمًا أمام شفتيها بهمس:
- لو فتحتي بوقك تاني مش هيحصلك طيب.
ازدردت ريقها بصعوبة ولزمت الصمت أثر فعلته التي جعلتها تتسمر مكانها. وما كاد أن يقترب منها مرة أخرى حتى استمع لتلك الطرقات على الباب، فتأفف بضيق مبتعدًا عنها رغمًا عنه، وفتح باب الغرفة، فوجدها آلاء تلك المرة، فاندهش من وقوفها أمامه، فابتسم لها ابتسامة بسيطة وكاد أن يتحدث، فسبقته هي قائلة:
- هو ينفع أتكلم شوية مع وجد؟
أومأ لها وهو يغادر الغرفة:
- أكيد. اتفضلي.
اقتربت "آلاء" من وجد التي ترمقها بنظرة باردة خالية من الحياة، فابتلعت آلاء تلك الغصة المريرة بحلقها، فهي تعلم جيدًا بأنها محقة في معاملتها بتلك المعاملة، فمتى قامت هي بمعاملتها جيدًا؟ فمنذ أن رأتها وهي تعاملها ببرود يشوبه بعض الغيرة.
تلك الغيرة التي كانت لمن لا يستحق أي شيء. لمعت الدموع في مقلتيها وخرج صوتها متحشرج قائلًا بصدق:
- وحشتيني يا وجد.
حركت "وجد" رأسها ناظرة إليها بصدمة، فآخر ما كانت أن تتوقعه أن تسمع تلك الكلمة وهي تخرج من شقيقتها التي عاملتها ببرود.
رأت "آلاء" تلك الصدمة بعينيها، فأومأت برأسها مؤكدة حديثها:
- أيوه يا وجد، وحشتيني. عارفة إن كلامي مش مقنع ومش ميتصدقش، بس دي حقيقة. انتي وحشتيني وكان نفسي تبقي جنبي الفترة اللي فاتت. أنا ندمانة يا وجد، ندمانة على كل لحظة عاملتك فيها بجفا، ندمانة عشان مختكيش بالحضن أول ما عرفت إنك أختي.
رفعت يديها ممسدة على شعرها بحنان قائلة بأسف وندم:
- أنا آسفة يا وجد، ممكن تسامحيني على كل حاجة وحشة عملتها معاكي؟ وصدقيني ربنا عاقبني كفاية، فارجوكي متقسيش عليا عشان أنا اتعذبت كفاية.
ظلت "وجد" تطلع عليها بصمت تام دون إظهار رد فعلها.
فابتسمت آلاء ابتسامة بسيطة وقالت:
- أظاهر إنك لسه زعلانة مني، ومعاكي حق في أي حاجة، بس أنا مش هيأس عشان أنا مليش غيرك إنتي وإسلام.
فنهضت من جوارها وكادت أن تصل إلى الباب، فوجدت تلك اليد التي تمنع خروجها من الغرفة، فتنهدت براحة والتفتت تنظر لوجد التي ما لبثت أن تتحدث، فوجدتها تعانقها باشتياق وحنان أبوي، حنان لم تحصل عليه وتمنت دائمًا الحصول عليه.
فقالت آلاء وهي لا تزال داخل أحضانها:
- سامحيني يا وجد، أنا آسفة بجد. انتي متعرفيش أنا ندمانة إزاي وبأنب نفسي إزاي عشان كنت عايمة صدق اللي قال إن مراية الحب عامية.
رفعت وجد ذراعيها محاوطة إياها متنهدة براحة شديدة مغمغمة بهدوء ظاهري رغم تلك السعادة داخلها:
- سامحتك يا آلاء، سامحتك ومن زمان قوي.
***
داخل منزل عائلة "ياسمين".
كانت جالسة أمام والديها الذين لا يكفوا عن طرح الأسئلة واستجوابها عن سبب طلاقهم:
- يا بنتي يا بنتي حرام عليكي! قولي لي عملتي لجوزك إيه عشان يطلقك؟ ما أنا عارفاكي.
كانت تلك كلمات "عايدة" والتي كانت تشعر بالأسف تجاه ابنتها التي لم تدرك قيمة زوجها، مهدمة منزلها بنفسها.
فغمغمت "ياسمين" بحنق وتوعد:
- اقفلي يا ماما بقى على الموضوع ده، عشان أنا على أخري بقى بيطلقني أنا. ده اتجنن والله اتجنن. بس أنا هوريه.
كان "حامد" يتابع حديث ابنته بغموض، لازمًا الصمت مما أدهش زوجته كثيرًا، فالصمت والهدوء ليس من عادته.
- انت ساكت ليه يا حامد؟ ما تكلم! قول حاجة لبنتك اللي خربت على نفسها بنفسها دي.
هنا صدح صوت جرس المنزل، فنهض "حامد" من مكانه بوقار وهيبته المعتادة واقترب من الباب وقام بفتحه، فوجد "رائف" يقف أمامه.
فأشار حامد له برأسه حتى يدلف من باب المنزل.
فاستجاب له رائف ولج معه داخل المنزل، وما أن رأته ياسمين حتى نهضت من مكانها بغضب مغمغمة بصياح عدواني:
- ولك عين تيجي هنا بعد ما طلقتني ورميتني من البيت بالطريقة دي؟
صاح بها حامد بلهجة جعلتها تبتلع حديثها بجوفها بخوف، أما رائف فرمقها بنظرة يرمقها بها لأول مرة.
فما الذي تتوقعه بعدما أهانته وأهانت رجولته، معترفة بحبها لابن عمه وصديقه المقرب؟
- أنا اتصلت ب رائف وطلبت منه يجي عشان نفهم إيه اللي حصل، مدام حضرتك مش راضية تكلمي.
ابتلعت ريقها خوفًا من والداها بعدما يقص ما حدث، فخرج صوتها متلعثمًا متوترًا:
- يكلم يقول إيه بس يا بابا؟ د د ده طردني من البيت طردة الكلاب ومعملش احترام لا ليك ولا لماما.
أجابها "حامد" بلهجة صارمة:
- اخرسي يا ياسمين، إحنا سألناكي وإنتي اتهربتي ومرضتيش تقولي الحقيقة، فإنا حابب أسمعها من رائف وأعرف طلقت بنتي ليه.
تشنجت عضلات وجه "رائف" بغضب كلما تذكر حديثها وكيف كانت واقعة بغرامه لـ"داغر"، فأسودت عيناه وقال بنبرة باردة ظاهريًا عكس ما بداخله من نيران:
- بنتك المصونة اكتشفت إني كنت مخدوع فيها وإنها طول السنين اللي عاشتهم معايا كانت بتحب ابن عمي داغر. حط نفسك كده مكانى لما تجيلك مكالمة وتعرف منها إن مراتك مبتحبكش وبتحب أقرب شخص ليك، ولما أروح عشان أواجهها أتفاجئ بيها بتكلمه وبتعترف له بحبها اللي شالته في قلبها سنين وإني المفروض أبوس إيدي وش وضهر عشان قبلت بي.
يبست ساق كل من "حامد" و"عايدة" وهما يستمعان لذلك السبب الذي دمر زواج ابنتهما الوحيدة.
لانت ملامح "رائف" بعض الشيء وقال بفتور:
- أظن إن دلوقتي أقدر أمشي.
ابتلع "حامد" ريقه وإماء له بهدوء شديد.
فأسرع رائف مغادرًا من ذلك المنزل، رامقًا ياسمين بتشفى، والتي ترتجف من الخوف وتتخبط ساقيها ببعضهم، فأغلق الباب من خلفه، تاركًا إياها بين يد والدها الذي يعلم جيدًا بأنه لن يتركها دون عقاب لما فعلته.
ارتعشت شفتاها وخرج صوتها مهزوز:
- ب بابا متصدقوش د ده كداب ا انا انا...
اقترب منها والدها ووقف أمامها ينظر بعينيها بنظرة مصدومة، سرعان ما تحولت لغضب جحيمي، رافعًا يديه مسددًا لها عدة صفعات متتالية متحدثًا بغضب:
- بقى أنا تحطينى في الموقف الزبالة ده؟ جالك قلب تعملي كده في جوزك؟ اتجوزتيه ليه مدام مش عاجبك ها؟ اتجوزتيه ليه يا بنت ال**** انطقي!
وسريعًا ما قبض على خصلاتها بقبضة فولاذية جعلتها تصرخ وتتأوه مستنجدة بوالدتها التي لم تبالي لها، تاركة إياه يفعل بها ما يشاء.
ولج بها "حامد" داخل الغرفة مغمغمًا من بين أسنانه:
- بقى بتحبي ابن عم جوزك؟ أنا مش قادر أصدق. للدرجة دي معرفتش أربيكي؟ انتي إيه؟
هادفعها على الفراش بعنف مغمغم بنبرة لا تقبل النقاش:
- احسبي حسابك هتسافري لأخوكي ألمانيا وهتقعدي معاه وانسى إنك ترجعي البلد دي، انتي سامعة؟
انهمرت دموعها وقالت بنبرة مترجية متوسلة:
- لا يا بابا مش عايزة أسافر أنا.
اقترب منها قابضًا على صدغها مغمغمًا بقسوة:
- ده اللي عندي ومفيهوش نقاش، لأني مبآخدش رأيك، أنا بعرفك اللي هيحصل.
***
داخل المرسم.
دلف إلى المرسم بخطوات هادئة وعينيها تجول بداخله بحثًا عن سارق قلبها، وأخيرًا وجدت عينيها ضالتها.
فنظرت إليه وعلا شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تراقبه جالسًا أمام إحدى اللوحات محاولًا إنهائها، فظلت تتأمله بهدوء دون أن تتفوه بحرف واحد، متأملة عضلات ساعديه والتي كانا يظهران بوضوح، فزمت شفتيها واقتربت منه واقفة بجواره تتأمل تلك الرسمة أمامها قائلة بصوتها الأنثوي بعدم ضربت حديث صديقتها ضرب الحائط مقررة الإعلان عن عشقها الأبدي:
- ياترى بقى كل اللي بيرسموا بيبقوا مركزين أوي كده ومندمجين بالرسمة؟
رفع عينيه ينظر لها عاقدًا ما بين حاجبيه محاولًا تذكرها.
فانتبهت هي إلى نسيانه لها، فاحتل الغضب ملامحها مغمغمة:
- انت نسيتني؟
نهض "حسام" من أمام اللوحة واقفًا بمواجهتها يتطلع لها بدهشة من أسلوبها الغليظ معه، فأكملت هي وهي تقترب منه خطوة واحدة:
- أنا بكلمك، انت نسيتني مش كده؟
رفع حاجبيه مغمغم بحنق:
- افتكرتك بس مش فاكر اسمك.
رفعت حاجبيها بضيق مقتربة منه ممسكة إياه من قميصه بيديها قائلة:
- إزاي يعني مش فكرني؟ يعني انت مبغبش عن بالي لحظة وجاي تقول لي بكل سهولة اه افتكرتك بس مش فاكر اسمك؟
رفع يديه محررًا قميصه من بين قبضتها متحدثًا بدهشة:
- إيه ده اللي انتي بتعمليه ده؟ انتي مجنونة؟
كزت على أسنانها ورفعت يديها مرة أخرى لتعيد الكرة ممسكة بقميصه مرة أخرى، ولكن تلك المرة قامت بجذبه باتجاهها بعض الشيء متمتمة بغضب:
- أيوه مجنونة، بس مجنونة بيك يا حسام يا هلالي. بحبك من أربع سنين وشوية، فاهم يعني إيه بحبك؟ بحبك وهفضل أحبك ولازم تحس بيا وهتحس وهتحبني أضعاف حبي ليك وهتشوف. وبكرة تقول وسام قالت.
ظل يتابعها بدهشة، عقله لا يستوعب حديثها وجرأتها تلك، فلأول مرة بحياته يقابل امرأة بتلك الشخصية.
تركت قميصه محررة إياه مبتلعة ريقها لا تعلم كيف انفجرت به بتلك الطريقة، فرفعت يديها مزيلة تلك الخصلة التي انسابت على وجهها متنهدة قائلة بابتسامة لم تصل لعينيها وهي تغادر من أمامه تاركة إياه بدهشته:
- وأنا اسمي وسام حاليًا، وحرم حسام الهلالي مستقبلًا.
***
بسيارة "عمر".
وبعدما انتهى التصوير واصطحب حورية معه، صدح رنين هاتفه وهي بجواره، فوجده شقيقه فأجاب عليه بابتسامة واسعة:
- إيهاب، أخيراً افتكرت إن ليك أخ يا راجل، ده أنا قلت هستنى والله.
دوت صوت ضحكات إيهاب ذلك الدكتور الجامعي قائلاً:
- نسيتك إيه بس؟ وانت حد يقدر ينساك؟ وأبسط يا عم، أنا هنزل يومين أقعد معاك والولاد جايين معايا.
اتسعت ابتسامته وهو يرمق "حورية" الشاردة بعينيه مغمغم:
- حلو أوي، مستنيكم وأوضتكم هتتحضر. متتأخروش.
- بإذن الله.
أنهى حديثه من شقيقه مناديًا باسم "حورية" مغمغم:
- حورية... حورية.
لم يجد إجابة، فقام برفع نبرة صوته صارخًا باسمها:
- حوووووورية!
اتسعت عيناها ونظرت له بدهشة قائلة:
- إيه ده؟ فيه إيه؟ خضتني يا عمر.
تنهد من صوتها العذب وقال:
- بقالي ساعة بنده عليكي، اللي شاغل عقلك؟
زفرت قائلة:
- هيكون مين يعني غير ولادي.
فعقد حاجبيه وقال:
- انتي مش شفتيهومش النهارده؟
حركت رأسها بنفي:
- لا مش شفتهم. بكرة هعدي عليهم.
فأجابها بابتسامة واسعة وهو يتحرك بالسيارة مرة أخرى:
- وبكرة ليه؟ يلا بينا.
نظرت له بعدم فهم، ولكن سرعان ما استوعبت حديثه عندما وجدته يغير وجهته متجهًا ناحية منزل الهلالي.
رواية طغيان قلب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فاطمة محمد
ولج "محمود" إلى المنزل برفقة أشقائه "سلامة" و"هاني".
وما إن دلفوا داخل المنزل حتى وجدوا "آلاء" تقترب منهم وابتسامتها على وجهها من جديد.
تهللت أسارير محمود وهو يرى ابتسامة ابنته التي فارقتها لسنوات، فارتسمت الابتسامة على وجهه هو الآخر وهو يهتف بعدم تصديق:
- أنا مش مصدق اللي أنا شايفه، معقول رجعتي تضحكي تاني يا آلاء؟
اتسعت عيناها بسعادة وتحدثت بحماس:
- ما هو لما تعرف أنا مبسوطة ليه هتفرح وتنبسط أكتر مني.
تبادل "سلامة" و"هاني" النظرات، فحرك رأسه باستفهام عاقدًا جبينه:
- خير يا آلاء، عندي رغبة أعرف إيه اللي فرحك أوي كده وقدر يعمل اللي أنا معرفتش أعمله.
فصاحت "آلاء" دون مقدمات:
- وجدت يا بابا رجعت، واتجوزت هي وداغر، وداغر راجعها البيت النهاردة. أصلًا أول ما شفتها في البيت فهمت إنهم اتجوزوا. كمان اتكلمت معاها وسامحتني يا بابا، أنا كنت هموت وأشوفها وكان نفسي تسامحني أوي يا بابا، والحمد لله ربنا استجاب لي.
ارتخت ملامحه وهتف بهدوء متسائلًا:
- أنتي بتكلمي جد يا آلاء؟ يعني وجدت موجودة هنا دلوقتي؟
أومات برأسها عدة مرات متتالية مؤكدة حديثها:
- أيوه يا بابا، هي دلوقتي في الأوضة فوق مع داغر.
كادت أن تكمل، ولكنها توقفت عن إكمال حديثها عندما وجدته يهرول من أمامها مسرعًا بسرعة لا تناسب عمره، متخطيًا السلالم الرخامية بسرعة الفهد، مقتربًا من غرفة "داغر" وطرق الباب بطرقات سريعة.
فتح "داغر" الباب و"وجد" تقف خلفه ببضع خطوات، وعيناها معلقة على والدها بعدما استمعت إلى صوت سيارتهم وأخبرها داغر بوصولهم. رفضت الهبوط لملاقاته.
أما "محمود" فكانت عيناه تجول بلهفة على ابنته التي تطل عليه بجمود. فلم يأبه لنظراتها وجمودها الذي تظهره، فما يهمه الآن هو عودتها... عودتها فقط.
ازدرد "محمود" ريقه بعد أن أفسح داغر له. فحافظت "وجد" على ثباتها المزيف، والذي تحاول التمسك به وأصبح على وشك الانهيار مثل قالب الجليد. فظلت متماسكة أمامه، مستعينة بحسها المتبلد، مذكرة نفسها بخذلانه لها واستغنائه عنها في أكثر الأوقات التي كانت احتياجًا له.
اشتاقت له... لملامحه. تأملت خصلاته التي زاد الشيب بها، والتي لم تنقص شيئًا من وسامته، وكذلك لحيته التي أصبحت يكسوها الشعيرات البيضاء.
خرج صوته مهزوزًا متمتمًا باسمها، التي اشتاق لصاحبته مثلما اشتاق لضمها لأحضانه، معوضًا إياها عن خذلانه لها. فهو لم يكن ذلك الأب الذي حلمت به، والذي استغنى عنها بأول الطريق. ولكن أيلوم نفسه الآن؟ أيسينفع ندمه ذلك بشيء؟
- وجد...
اهتزت بشدة عند سماعها لصوته الرجولي الذي خرج بضعف، فظلت دقاتها تتسارع بشدة، شاعرة بأنها تريد أن تلقي بنفسها الآن داخل أحضانه، وتلومه عما فعله معها هي وشقيقها الذي وقف بجوار "باسم".
رفع "محمود" يديه التي ترتجف مرددًا اسمها مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة، انسحب داغر من الغرفة بهدوء شديد، مغلقًا الباب من خلفه، تاركًا إياهم حتى تصلح الأمور بينهم.
نظرت "وجد" ليديه التي تلمس وجنتيها. فنظرت إليه، وما لبثت أن تعنفته، دافعة يديه. ولكن هناك ما أوقفها عن رفع يديها ودفعه... هناك ما منع صوتها من الخروج. والذي لم يكن سوى تلك الدموع ونظرة الترجي التي رأتها بعينيه، والتي لم ترها سوى مرة واحدة. فسبق لها أن رأته بذلك الضعف عندما تأكد أنها ابنته. وها قد تحررت دموعه وانسالت على وجنتيه بحرقة.
عبست بوجهها وخرج صوتها مبحوحًا، قائلة بصوت حاولت إخراجه قويًا، ولكنها لم تستطع فعلها:
- أنت بتعيط!
ابتسم بخفة ودموعه لا تزال تنسال على وجنتيه، مغمغمًا بصوت متحشرج أثر بكائه غير المتوقع بالنسبة لها:
- والمفروض إني أعمل إيه وأنا شايف بنتي اللي بعدت عني سنين؟
وها هو بحركة مفاجأة ضمها داخل أحضانه، متمسكًا بها بقوة، مكملًا حديثه:
- أنتي إزاي تبعدي كده يا وجد من غير ما أعتذر لك على كل اللي حصل؟ أنا قلبي كان بيتقطع عليكِ يا بنتي، كنت بموت في غيابك. أنا عارف إن قلبك أبيض وهتسامحيني على غبائي، بس أنتي حطي نفسك مكاني يا وجد، حطي نفسك مكاني. ده أنا اللي مربيه! أنا اللي خرجت من داخل أحضانه بعدما تلوت واستطاعت تحرير نفسها، صارخة به قائلة:
- ربيت أفعى يا محمود بيه، ده مش بني آدم، ده حيوان، ذئب عايز ينهش أي حتة لحمة قدامه وخلاص. لو قلت إيه مش هسامحك، أنت سامع؟ مش هسامحك!
صمتت ثوانٍ قليلة وصدرها يعلو ويهبط بانفعال، وسريعًا ما أكملت تحت نظراته المتعلقة بها، والتي يرجوها بها بأن تسامحه وأن تعطيه فرصة ثانية:
- في الوقت اللي المفروض أكون فيه معاك، كنت معاه هو. كلهم شافوا حنيتك إلا أنا. أنا عمري ما حد خدني في حضنه وطمني، ولما عملتها متتخيلش كنت عاملة إزاي، كنت حاسة إني طايرة في السما. بس زي ما خلتني طايرة في السما، نزلتني لسابع أرض على جذور رقبتي لما مديت إيدك عليا قدام الكل عشانه. فمتجيش دلوقتي تقولي أسامحك، عشان أنا مش هعرف أسامحك كده عادي ولا كأنه حصل حاجة.
اقترب قائلًا باستفهام لا يعلم لماذا هو بالذات لا تريد مسامحته، رغم مسامحتها لكل من "داغر" و"آلاء":
- اشمعنى أنا يا وجد اللي مش عايزة تسامحيني؟ اشمعنه؟ ما أنتي سامحتي أختك وداغر ووافقتي تتجوزي منه. أنا أولى منهم، أنا أبوكي.
اقتربت منه وتحدثت بنبرة هامسة أمام وجهه:
- بالظبط كده، وعشان أنت الأولى والأقرب، فأنت أكتر حد فيهم جرحني، فاهم ولا لأ يا محمود بيه.
***
داخل حجرة عدى ومي.
كانت جالسة على الفراش وخصلاتها متناثرة حول وجهها نتيجة لما حدث لها اليوم على يد وجد، تلك الفتاة التي تراها لأول مرة والتي قللت من شأنها. فظلت تحرك إحدى قدميها بعنف وهي توعد لها. فهي لا تقل عنها شيئًا، فهي زوجة لأحد أحفاد سيد الهلالي.
كزت على أسنانها وهي تغمغم:
- أنا هوريكِ بقى بتمدي إيدك عليا. أنا وحياة شعري ده ما هسيبك إلا لما أربيكي وأوريكِ مي اللي قللتي منها هتعمل فيكي إيه.
ولج عدى الغرفة وهو يتدندن بإحدى الأغاني، وصورة تلك السكرتيرة الجديدة والتي تدعى هديل لا تغيب عن رأسه، متذكرًا أسلوبها في الحديث وإيماءاتها التي تدعوه ليفعل ما يحلو له. فتنـهـد وابتسامة جانبية تأخذ طريقها على وجهه، متمتمًا بينه وبين نفسه، غير منتبه لتلك التي تشتعل بمكانها، مراقبة هدوئه وسعادته التي ارتسمت رويدًا رويدًا على وجهه.
- من أول يوم وأنا برسم عليك، وأنا مش لازم أضيع صاروخ زي دي.
وقعت عين عدى عليها، فقطب جبينه وقال باستفسار:
- إيه ده؟ مين اللي عمل فيكي كده؟
نهضت مي من على الفراش واقفة أمامه، متحدثة بنبرة حزينة مصطنعة أتقنتها جيدًا، فرفعت يديها مشيرة على خصلاتها وتلك الكدمة على وجهها:
- شايف حصل فيا إيه في غيابك؟ شايف اللي حصل لشعري ولوشي؟ أنا اتبهدلت أوي يا عدى.
اقترب منها عدى محاصرًا ذراعيها، مغمغمًا باستفسار:
- مين اللي عمل فيكي كده؟ انطقي.
أجابته مي وهي تنظر له بحنق على أسلوبه الجاف ذاك:
- معرفهاش. بس اللي عرفته إن اسمها وجد. دي هجمت عليا يا عدى وأنا أول مرة أشوفها ومعرفش ليه. بس هي قالتلي: "بقى انتي اللي عدى ساب حورية عشانك؟"
زفر عدى ورفع يديه وبدأ بفك أزرار قميصه، وكأنه لم يستمع إلى شيء. فاتسعت عيناها وهي تراقب يديه التي بدأت بفك أزراره الخاصة وجلوسه على الفراش، مغمغمًا:
- خلاص يا مي، أنا هكلمها بكرة. هي مدام هنا يبقى رجعت تاني، وأنا بصراحة مش قادر دلوقتي أتكلم أو أتخانق مع حد. وكمان مش عايز عمي يزعل مني.
جحظت عيناها واقتربت منه، رامقة إياه بنظرات مصدومة، فأذنيها لا تستوعب ما يقوله. فأين عدى السابق، ذلك العاشق الذي كان لا يخاف عليها من كل شيء وكان يفعل المستحيل لإرضائها؟ لما تغير الآن؟ لما تغير بين ليلة وضحاها؟
فكزت على أسنانها ترمقه بغيظ وأعين مشتعلة كالجمر، وقالت بعدم تصديق:
- أنا مش قادرة أصدقك! أنت بجد بتغير هدومك ومش هترجعلي حقي من الحيوانة اللي مدت إيدها عليا؟ أنت إيه اللي حصلك يا عدى؟ ما إمبارح كنا كويسين، كل ده عشان راحت عليا نومة؟
قلب عينيه بزهق ونهض من على الفراش وهو يدفع ذلك القميص الذي خلعه على الأرض، قائلًا ببرود:
- هو أنا قولتلك إني هسكت؟ أنا قولتلك بكرة هكلمها. مينفعش تبقى غايبة عن البيت أربع سنين وأول ما ترجع لحضن عمي أتخانق معاها.
ابتسمت بسخرية وأجابته باستنكار:
- فعلًا مينفعش. بس ينفع إنها تمد إيدها وتتطاول عليا بالشكل ده، مش كده؟
تأفف ورفع حاجبيه بملل، فابتعدت عنه بغيظ وهي تكاد تطيحه بأي شيء، فهناك شعور قوي يسيطر عليها وهو تسديد له بعض اللكمات المتتالية، فكم أشعرها بالإهانة برده غير المتوقع ذلك، وهي التي كانت تتوقع بأنه سيقلب المنزل رأسًا على عقب لتطاولها عليها.
انخفضت تجاه قميصه الذي خلعه ودفعته بوجهه بغضب، مشيرة تجاه الباب بسبابتها قائلة:
- اطلع برة، مش هتبات. اطلع برة، لما تبقى تجبلي حقي تبقى تنام هنا يا عدى بيه.
التقط عدى قميصه وتبدلت ملامحه من البرود والزهق إلى غضب ناري، واسودت عيناه واقترب منها بخطوات سريعة كسرعة الذئب الذي يهجم على فريسته، وجذب خصلاتها بقبضته القوية وملامحه متشنجة، هاتفًا بتحذير:
- أول وآخر مرة تتجرأي عليا بالشكل ده، أنتِ فاهمة؟ مش واحدة ست اللي تعلي صوتها عليا، ومش عدى الهلالي اللي يطرد من أوضته، سامعة؟
أنهى كلماته وهو يجذب خصلاتها لأسفل بقوة شديدة، مزمجرًا بها.
فتأوهت بألم قائلة بترجٍ:
- آه آه شعري يا عدى، آه.
زاد الضغط أكثر وأكثر، متمتمًا من بين أسنانه:
- سامعة ولا لأ؟
أغمضت عينيها بألم قائلة:
- سامعة، سامعة.
دفعها بعيدًا عنه، فارتطمت بالأرضية الصلبة، ونظر لها نظرة متفحصة مشمئزة، وخرج من الغرفة دافعًا الباب من خلفه.
تابعت خروجه من الغرفة، فرفعت يديها تلملم خصلاتها، وتتمنى أن تلملم كرامتها التي بعثرها، ولكن صبرًا جميلًا، فستجعله يدفع ثمن ما فعله... وستجعله يركع تحت قدميها، وستتلذذ هي برؤيته بتلك الحالة.
***
دلف داغر إلى الغرفة عقب خروج محمود، الذي كانت ملامحه تعبر عما حدث بينهم، والذي رفض الحديث متمسكًا بصمته.
وجدها تجلس على الفراش والدموع تفيض من عينيها بغزارة. وما إن استمعت لصوت الباب وهو يغلق وصوت خطواته التي تقترب منها، حتى نهضت من مكانها، دافعة نفسها داخل أحضانه، متمسكة به بقوة وكأنه حبل نجاة. فحاوطها بذراعيه بتملك، وهو يشعر بأن قلبه يتمزق إلى أشلاء لبكائها ودموعها التي تنساب دون أن تتوقف.
مرت ثوانٍ لم يحصها وهي لا تزال داخل أحضانه، تأبى الخروج من بين يديه التي جعلتها تهدأ.
وعندما لاحظ هدوء وتيرة تنفسها، والتي كانت تتسابق منذ لحظات، حتى رفع يديه ممسدًا على خصلاتها الحمراء الطويلة، والتي أصبح لها ولونها عاشقًا.
فتحدث بصوت حاول أن يجعله مرحًا بعض الشيء:
- ما كفاية يا وجد، لحسن بعد شوية هعمل حاجات أنا مش مسئول عنها.
خرجت من بين أحضانه ترمقه بعينيها الحمراء مثل لون الدم، ووجنتيها التي اكتست باللون الأحمر القاني عندما وصل إليها المغزى من حديثه.
فابتسم على خجلها وانخفض تجاه وجنتها مقبلًا إياهم بحنان بالغ، مغمغمًا بحب وهو يزيل تلك الدموع بأصبعه برقة بالغة، وكأنها زجاج يخشى أن يجرحه:
- ممكن العيون الحلوة دي تبطل عياط بقى؟ ممكن ولا لأ يا أبو شعر أحمر أنت يا حلو.
رغمًا عنها ارتسمت بسمة بسيطة على وجهها، ورفعت عينيها تنظر له بعشق، وبحركة مباغتة اقتربت منه دافعة نفسها بين أحضانه مرة أخرى. فحاوطها بذراعيه والسعادة تعتلي وجهه.
فصاح بمرح:
- لأ، ده أنتِ خدتي عليا أوي. وبعدين خلي بالك، أنا متجوز ومراتي بتغير عليا أوي.
دفنت وجهها بقميصه، وغمغمت دون وعي بعدما تغلغلتها الراحة والسكينة داخل أحضانه:
- لأ، وبتحبك كمان. بتحبك أوي.
جحظت عيناه وابتعد عنها محاوطًا ذراعيها تحت دهشتها من فعلته وحرمانه إياها من ذلك السكون داخل أحضانه.
فقال بأعين متسعة وأذن تتلهف لسماع اعترافها مرة أخرى:
- أنتي قولتي إيه؟
ازدردت ريقها واتسعت عيناها عندما أدركت فعلتها الحمقاء واعترافها بمشاعرها تجاهه. فكسى التوتر وجهها وحاولت الحديث مرارًا وتكرارًا، ولكن دون فائدة. فلم يستطع لسانها على الحديث بعدما اعترفت بكل سذاجة نتيجة لأقترابهم منذ لحظات.
اقترب منها ووضع إصبعه على شفتيها مانعًا إياها من الحديث، وعيناه تسرح بعينيها، الذي كلما نظر بهما يتذكر المرة الأولى التي رآها بها أمام منزله. فكلما نظر بعينيها يشعر وكأنه يحلق بالسماء، وكأنه طير بلا أي قيود.
فكلما نظر بعينيها يشعر وكأن اتزانه وعقله يذهبان تدريجيًا دون أدنى استئذان.
فكلما وقف أمامها يرتجف قلبه رغمًا عنه، لا يصدق حتى الآن بأنها أصبحت زوجته وملكه، يفعل بها ما يشاء.
أنزل يديه ببطء شديد وعيناه لا تزال معلقة بعينيها، يقترب منها رويدًا رويدًا، يريد إدخالها عالمه. وما كاد أن ينالها حتى صدح رنين هاتفه، فأغمض عينيه وابتعدت هي بعدما شعرت بأنها لم تصبح كما كانت من قبل، فكل شموخها وقوتها يذهبان أمامه... أمام نظرة من عينيه.
تنهد بحرارة وأخرج هاتفه مجيبًا على الطرف الآخر، والتي لم تكن سوى حورية:
- سلام عليكم، إزيك يا حورية؟
وما إن التقطت أذنيها اسم حورية حتى اقتربت منه بلهفة، فأكمل هو حديثه مع حورية التي كانت تخبره بوجودها بالخارج ورغبتها برؤية أبنائها وتريده أن يخرج لها حتى يأخذها للداخل، وبذلك تتفادى أي مواجهة بينها وبين زوجها السابق.
- تمام يا حورية، أنا طالع لك.
أغلق معها، فغمغمت وجد بتساؤل:
- مالها حورية؟
تنهد داغر مجيبًا إياها:
- واقفة بره وعايزاني أطلع آخدها عشان تشوف الولاد، خايفة تقابل عدى ويعمل مشكلة.
قاطعته بحدة وشراسة، مغمغمة:
- لأ، أخوك ده زودها أوي. يعمل مشكلة بتاع إيه؟ إن شاء الله واحدة و عايزة تشوف ولادها.
وضع داغر هاتفه بجيبه، متمتمًا:
- مش وقته الكلام ده، أنا طالع آخدها.
أومات له برأسها وهي تتحرك أمامه، مغمغمة:
- تمام، يلا بينا.
نظره داغر بذهول، مغمغمًا وهو يجذبها من ذراعيها:
- يلا بينا إيه؟ أنتِ رايحة فين بشعرك ده؟ خليكي هنا، أنا هخرج أجيبها وأجي، وشوفيها لما تيجي.
دبدبت بالأرض وهي ترمقه بغيظ، وكادت أن تخبره بأنها ستضع وشاحًا على رأسها، ولكن سبقها وخرج من الغرفة، تاركًا إياها تتآكل من غيظها.
***
التفتت تنظر إليه، وابتسامة بسيطة على محياها. فابتسم لها ابتسامة واسعة، مغمغمًا:
- يلا انزلي وأنا مستنيكي. أول ما تخرجي هتلاقيني واقف مستنيكي. بس على الله متعمليش زي المرة اللي فاتت وتسيبيني ملطوع، وفي الآخر تمشي مع قريب طليقك ده.
اتسعت ابتسامتها تدريجيًا، وقالت بتلقائية:
- ده داغر، ويبقى أخو عدى، يعني عم ولادي. وهو على فكرة خلوق جدًا.
وقاطعه بعدما رمقه بنظرة أدهشتها وجعلت العديد من التساؤلات تدور بخلده. فلما تلك النظرات التي يراها بعينيه؟ فنظراته توحي بالانزعاج والضيق. فظلت تتساءل عما قاله لتتحول ملامحه وتتبدل بتلك السرعة.
أما هو، وما إن رددت اسم رجل آخر حتى شعر بنيران تشعل بصدره، وتشنجت عضلات وجهه، وارتعش صدغه بقوة عندما جز على أسنانه بغيظ وغيره.
فكيف تفكر تلك الفتاة؟ كيف استطاع لسانها نطق اسم كل من داغر وعدي، ذلك الشخص الذي يشعر تجاهه بمشاعر متناقضة؟ فكم يحقد عليه لأنه كان زوجها وكانت ملكًا له، وفي ذات الوقت يشعر بالسعادة لتركه إياها وإعطائه فرصة للوصول إلى قلبها. فمنذ أن رآها لا تغيب عن عينيه. يعلم بأنه سيعاني قليلًا للوصول إليها، ولكن لا بأس، فليحدث ما سيحدث، فهو لن يتركها وسيجلعها تقع في غرامه ويجلعها أسيرة له، مثلما جعلته أسيرًا لها.
توترت قليلًا من نظراته وتشنجه غير المبرر، فابتلعت ريقها وغمغمت وهي تفتح باب السيارة:
- أنا هنزل عشان داغر يشك.
كادت أن تكمل لولا يديه التي جذبتها من ذراعيها، مانعًا إياها من النزول من السيارة، مغمغمًا وعيناه تتعلق بعينيها:
- عارفة لو عملتي زي المرة اللي فاتت ومخلتينيش أوصلك، هعمل فيكي إيه؟
خفضت عيناها تنظر ليديه التي تلمسها، والتي جعلت جسدها ينتفض ودقاتها تزداد وكأنها طبول تقرع. فازدردت ريقها وهي تنظر بعينيه مرة أخرى، قائلة:
- هتعمل إيه؟
ظل يتأملها ثوانٍ، وبعدها قال بنبرة يغلفها الحنان وابتسامة شغوفة ترتسم على وجهه:
- ولا أي حاجة. بس ممكن أضربلك داغر ده بوكسين وأخدك وأجري بيكي، وممكن كمان أخطفك.
ابتسمت رغمًا عنها وضيق عينيها وهي تهتف بتساؤل:
- هو حد قالك قبل كده إنك مجنون؟
ابتعد عنها مجبرًا نفسه على تحرير يديها، قائلًا بمرح:
- يووووه، كتير أوي متعديش.
حركت رأسها بقلة حيلة وترجلت من السيارة مقتربة من بوابة القصر، وظل يتابعها بعينيه يتمنى لو كان أول رجل بحياتها. فذلك الزوج الذي تركها بسهولة لا يستحقها، فمن ذلك الذي يكون لديه مثل تلك الحورية ويتركها؟ فهو بالتأكيد أحمق. يتمنى لو كان بمكانه، فما كان تركها أبدًا.
تجهم وجهه بشدة عندما انتبه لذلك داغر الذي قابلها وسار معه. فظل يتابعها حتى غابت عن عينيه، فتنهد وأغمض عينيه يحاول السيطرة على مشاعره الملتهبة تجاهها، غير مدركًا ما المميز بها ليتعلق بها بتلك السرعة ولتلك الدرجة.
***
- يعني إيه مش موجودة؟ ويعني إيه اتجوزت؟ ويعني إيه منفذتوش اللي أطلب منكم؟ هو إحنا بنهرج ولا إيه؟ اسمعوا بقى اللي قولتلكم عليه هتعملوه، والخطة هتفضل زي ماهي، بس استنوا مني ميعاد التنفيذ، سامعين؟
أغلق الهاتف بوجه ذلك الرجل الذي جلبه صديقه هو ورفاقه لينفذون له مخططه الدنيء، والذي لا يقل عنه دناءة.
دفع جسده على الأريكة، ملتقطًا علبة سجائره، مخرجًا أحدهم، واضعًا إياه بين ثغره، مشعلًا إياه، ينفث بها غضبه.
فكل شيء من حوله ينهار، بدءًا من إيقافه عن عمله لتطاوله على رئيسه وتحويله للتحقيق، حتى قتله لمجدي، والذي ظن بقتله له بأن الحياة ستبتسم له، ولكن ما حدث كان عكس توقعاته، وترك كل شيء لتلك الفتاة التي بات يكرهها، وسيفعل أي شيء ليندمها على أخذها ما لا تستحق.
وهنا انتشل ذلك الكأس أمامه وقام بدفعه، مخرجًا غضبه به، ليرتطم الكأس بالأرض ويهشم لقطع عديدة.
وكز على أسنانه متوعدًا لها:
- هندمك يا وجد، وهوريكي، حتى لو هطلع روحك في إيدي.
***
لا يزال جالسًا مكانه، وصورة تلك الفتاة وجرأتها لا تذهب من عقله. لا يعلم من أين جاءت بتلك الجرأة لتأتي أمامه وتعترف بحبها له وتتحداه بتلك الطريقة، مخبرة إياه بأنه سيصبح لها عاشقًا متيمًا. فمن أين أتت بتلك الثقة؟ فقلبه لا يزال عاشقًا لأخرى. أخرى تركته يعيش مع ذلك الذنب، فهو من جعلها تتحدث أمام باسم معترفة بكل أفعاله، ليته لم يفعل، وليته لم يأخذها لتلك المواجهة التي أدت إلى قتلها دون رحمة أو شفقة. فهناك ما يمنعه من التفكير بأي امرأة سواها.
نهض من مكانه متجهًا ناحية اللوحة الخاصة بها، نازعًا ذلك الوشاح، واقفًا أمامها لعدة ثوانٍ، مغمضًا عينيه بألم. ألم لم يدم طويلًا بسبب رنين هاتفه الذي أخرجه من آلامه ومن عالمه الخاص.
وضع الهاتف على أذنه، وغمغم بصوت متحشرج:
- ألو، مين معايا؟
جاء الرد سريعًا، والذي لم يكن سوى صوتها الذي أصبح مزعجًا بالنسبة له:
- مين معايا؟ لأ، أنت كده زودتها أوي يا بن الهلالي. بقى نسيت صوتي ده؟ ده حتى مبقاليش كام ساعة سايباك.
أغمض عينيه بضيق وأجابها على مضض:
- قولي عايزة إيه بدل ما أقفل في وشك السكة.
اتسعت عيناها وقالت بنبرة مرحة أغاظته وأشعلته:
- لأ، صدمني حقيقي صدمني. بس مش مشكلة، أنا أصلًا بحبك ومش هزعل منك. ولو قفلت في وشي هتصل تاني.
ابتسم بسخرية وغمغم بتهكم، مقاطعًا حديثها:
- ده أنتِ معندكيش كرامة بقى.
قلبت عيناها وأجابته باستفزاز وضحكة عالية:
- عرفتها لوحدك دي؟ لأ، برافو عليك. أنا فعلًا في الحب معنديش كرامة ومستعدة أعمل المستحيل عشان تحبني. وأراهنك يا حسام، وأبصملك بصوابعي العشرة إن من ساعة ما مشيت وأنت بتفكر فيا.
دهت ضحكته العالية، والتي سريعًا ما تحولت لنبرة شرسة:
- بلاش الثقة الزايدة، آخرتها وحشة. وبعدين أنا مبحبش غير واحدة وبس، ومش هحب غيرها، فمتحلميش وتحاولي على الفاضي.
- ومين قالك إنها على الفاضي؟ ما أنا قولتلك هتحبني وهتعشقني وهتتمنالي الرضا، أرضى وهتشوف.
كـز على أسنانه وضم قبضته بغضب، وتمتم بغضب ناري:
- اعملي حسابك، آخر مرة تتصلي عليا. لو اتصلتي تاني هتسمعي كلام مش هيعجبك. أنا مش ناقص لعب عيال.
أنهى كلماته وهو يغلق الهاتف بوجهها، وأنفاسه عالية من شدة غضبه.
فصدح صوت رسالة على هاتفه، ففتحها، وإغاظة محتواها، والذي كان كالآتي:
"متفتكرش إنك لما تقولى الكلمتين دول هخاف وهكش. لا يا حسام، يبقى متعرفنيش. وبعدين أنت قفلت قبل ما أقولك أنا عايزة إيه. أنا بعتلك أدد على الفيس بوك، ياريت تقبله وترد على رسالتي. بحبك........."
رواية طغيان قلب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فاطمة محمد
فتح الباب وظهرت من خلفه "وجد" مرددة اسم تلك الصديقة التي لم ترها أو تتحدث معها منذ سنوات.
"حورية"
التفتت ناظرة باتجاه ذلك الصوت المألوف بالنسبة لها، وما إن رأتها أمامها حتى نهضت من جوار أبنائها الذين كانت تشتاق إليهم، قاطعة تلك المسافة بينها وبين وجد، واحتضنتها.
استقبلتها "وجد" بترحيب حار، متمتمة بفرحة لرؤيتها، نادمة على عدم سؤالها عن أحوالها طوال تلك السنوات.
"عاملة إيه يا حورية، وحشتيني."
خرجت "حورية" من أحضانها، ترمقها بنظرات عتاب وخزي.
"وانتي كمان وحشتيني، بس أنا حقيقي زعلانة منك أوي يا وجد. أتهون عليكي تبعدي بالطريقة دي، وكمان متسأليش عليا ولو لمرة واحدة."
تنهدت "وجد" بضيق.
"حقك عليا، أنا عارفة إني قصرت معاكي، بس صدقيني كان فيا اللي مكفيني. وبعدين انتي متعرفيش انتي جيتي في دماغي كام مرة، وحشني الكلام والفضفضة معاكي."
كادت ترد عليها، فغمغم الصغير من خلفها مناديًا عليها بنبرته الرقيقة الطفولية. فانتبهت وجد لأبنائها، فاتسعت ابتسامتها وقالت وهي تحمل أحدهم:
"يا روحي، إيه الجمال ده، ما شاء الله. الحمد لله إنهم مش شبه أبوهم، كنت كرهتهم. ماهي الدنيا مش هتستحمل اتنين تاني من عدّي."
صدحت صوت ضحكات حورية وهي تتجه تجاه ابنها زين، تحمله هو الآخر. وفي تلك اللحظة، دلف "عدّي" إلى الغرفة بعدما فتح الباب دون استئذان.
فقطبت وجد جبينها وصاحت بغضب:
"في حد يدخل كده؟ مش المفروض تخبط يا أستاذ أنت!"
تجاهلها عدّي وكأنه لم يستمع لصوتها ولا لنبرتها العدوانية تجاهه، فاقترب من حورية بخطوات هادئة، رامقًا إياها بغيظ.
"انتي بتعملي إيه هنا؟ امشي، اطلعِ بره، وإياكي تيجي تشوفيّهم تاني من غير علمي."
وضعت "حورية" الطفل من يديها، واضعة إياه بالفراش بعدما قبلته بحنان. وكذلك اقتربت من وجد التي تحمل ابنها الآخر بين ذراعيها، وفعلت معه مثلما فعلت مع الآخر، مغمغمة:
"الولاد أمانة عندك يا وجد. أنا دلوقتي قلبي هيطمن أكتر بوجودك جنبهم، انتي وطنط سعاد."
رمقت وجد عدّي بنظرة سريعة كارهة غاضبة، وهمهمت بعدما التفتت تجاهها مرة أخرى:
"اسمعي يا حورية، دول ولادك وده بيتك، وأي وقت تحبي تشوفيّهم كلميني، انتي سامعة."
ابتسمت لها حورية بخفة، فصاح عدّي بوجد مقتربًا منها، مزمجرًا بها:
"انتي بتتحديني بقى يا وجد هانم!"
وضعت وجد الطفل من يديها بجوار شقيقه، ووقفت بمواجهة عدّي، مغمغمة:
"شوفها زي ما تشوفها، أنا أصلًا مش عارفة انت إزاي أخو داغر. انت متستاهلش ضفر البني آدمة دي، وأحسن حاجة إنك طلقتها، خليها تشوف نفسها وحياتها، وتقابل راجل بحق وحقيقي."
احتَدّت عيناه وجذب وجد من ذراعيها بعنف، صارخًا بها بعدما لم يستطع التحكم بغضبه لتدخلها فيما لا يعنيها:
"انتي زودتيها أووووي! انتي مين أصلًا بالنسبة لنا؟ انتي ولا حاجة، انتي سامعة؟ ولا حاجة. انتي واحدة رخيصة."
قاطعه ذلك الذي انتشله من ساعديه بالخلف، وتلك اللكمة القوية التي تلاقاها، ومن قوتها أسقطته على الأرضية.
فرفع يديه واضعًا يديه مكان اللكمة، رافعًا عينيه ينظر لشقيقه الذي يتطاول عليه للمرة الأولى.
"أول وآخر مرة تكلم وتتطاول على أي ست بالشكل المهين ده. فرد العضلات ده ميبقاش على الأضعف منك يا عدّي."
اقتربت وجد من داغر، والتي اتسعت ابتسامتها من فعله. داغر، فرمقت حورية التي لم يبدو أي رد فعل على وجهها.
فنهض عدّي من مكانه واقترب من داغر وتحدث من بين أسنانه بغيظ، مشيرًا بإصبعه تجاه وجد:
"انت بتضربني عشان دي؟ عشان اللي عذبتك سنين وكانت عايشة حياتها ولا سائلة فيك ولا عشان دي؟"
وأشار تجاه حورية التي رمقته بدهشة. فأكمل عدّي:
"ولا عشان دي اللي فضلت نفسها على ولادها وصممت على الطلاق وراحت دارت على واحد تاني، بس إيه؟ واحد أغنى وأشهر. لا عرفتي تصطادي يا حورية."
تحركت وجد بضعة خطوات بعدما أصبحت لا ترى أمامها من شدة غضبها، فجذبها داغر ومنعها مما تنوي فعله.
وبحركة سريعة، انتشل عدّي من قميصه بعنف وخرج به من الغرفة متجهًا إلى غرفته، بعدما انتبه بأنهم لا يزالون بغرفة الأطفال الذين يلعبون ويرمقونهم من حين لآخر، غير مدركين لما يحدث أمامهم.
وما إن غادر برفقته، اقتربت وجد من حورية محاولة التخفيف عنها:
"متزعليش يا حورية، هو أصلًا مش عارف هو بيقول إيه، ده متخلف."
تنهدت حورية وهمهمت بهدوء:
"مش زعلانة يا وجد."
قطبت وجد جبينها وضيقّت عينيها وقالت:
"انتي متأكدة يا حورية؟"
أومأت لها "حورية" وقالت بصدق:
"أظن إن اللي بيزعل من حد بيكون بيحبه، ومكنش متوقع منه الحاجة دي عشان كده بيزعل. بس أنا خلاص بقيت متوقعة أي حاجة من عدّي، وخلاص مبقاش ليه جوايا ذرة حب واحدة."
ظلت وجد تطلع عليها، وسريعًا ما ارتسمت ابتسامة بسيطة على محياها سعيدة بما استمعت إليه.
فهمهمت حورية وهي تتحرك من أمامها:
"أنا همشي بقى قبل ما الوقت يتأخر عن كده."
"تمشي إيه؟ استني داغر ونوصلك أنا، وهوب."
بللت حورية شفتيها وقالت بتوتر لاحظته وجد:
"لا مفيش داعي، في صديق مستنيني وهيوصلني. يلا سلام بقى."
وجد بنظرات متفحصة:
"سلام يا حورية."
"أنا عايز أعرف فيه إيه، إيه اللي حصلك، من إمتى وإنت كده يا عدّي؟ ولا انت كده من زمان وإحنا مش واخدين بالنا؟ فهمني."
صاح داغر بتلك الكلمات يحاول الوصول لحل ما، فحال شقيقه لا يعجبه بالمرة.
صرخ به "عدّي" وهمهم بعداء واضح:
"أفهمك إيه بالظبط؟ وبعدين أفهمك إيه بعد ما مديت إيدك عليا؟ وعشان مين؟ عشان اتنين أوسخ."
قاطعه داغر رافعًا إصبعه بتحذير:
"متكملش، متكملش عشان اللي بتغلط فيهم دول. واحدة فيهم كانت مراتك وأم ولادك، والتانية تبقى بنت عمك، والأهم تبقى مراتي، مرات أخوك يا أستاذ."
ابتلع ريقه ورمش بعينيه عدة مرات وقال:
"اتجوزتها!!! ده حصل إمتى الكلام ده؟"
أجابه داغر بعنف ممزوج ببعض الصدمة:
"هو ده اللي يهمك؟ حصل إمتى؟ اسمع يا عدّي، كل اللي هقولهولك إنك لازم تفوق، فوق من اللي انت فيه."
زفر عدّي وارتسمت السخرية على جانب وجهه وهمهم باستنكار:
"أنا اللي أفوق!!! لا طبعًا مش أنا اللي لازم أفوق، انتوا اللي لازم تفوقوا. حضرتك وروحت اتجوزت وجد، وانت لو فيك ذرة عقل مكنتش فكرت تجوزها أصلًا. وبالنسبة لرائف فبرضو طلع مغفل ومراته واخداه سلم. وبالنسبة لحسام اللي عامل فيها حبيب ولسه زعلان على حتة بت متسواش ومتستهلش ضفرها."
وما كاد يكمل، فقاطعه داغر مغمغم بتهكم:
"وانت إيه بقى يا أستاذ عدّي؟ ها؟ أقولك أنا بقى. انت كنت متجوز واحدة أي راجل يتمناها، بس انت طلعت ميملاش عينك غير التراب وسبتها وروحت اتجوزت واحدة مش عارف دماغك كانت فين لما اتجوزتها. بس أحب أقولك إن المظاهر والشكل الخارجي اللي انت مهتم بيهم أوي كده بيروحوا، وكله بيروح إلا الحب الحقيقي هو اللي بيفضل. وعشان كده انت حبيب ست مي. حبيتها عشان شكلها، انت بتاع مظاهر. وأول ما لقيت واحدة أحلى من مراتك عينك زاغت عليها. وأول ما تلاقي الأحلى من مي عينك هتزوغ عليها برضه. وعشان تبقى عارف الطريق اللي انت سلكته ده آخرته وحشة."
وقفت سيارة عمر أمام البناية التي تقطن بها حورية، وما كاد أن يتحدث حتى قالت وهي تتفادى النظر لعينيه، هاتفة بجمود وعيناها تنظر حولها رغم تلك اللهفة التي تعتريها للنظر في حدقتيه:
"بص، انت صممت توصلني لتحت البنت ومرضتش تنزلني بره، فأنا هنزل دلوقتي. مينفعش أفضل معاك ونتكلم قدام أهل الحارة، عشان كده بديهم فرصة عشان يتكلموا عليا، وبذات إني مطلقة. وياريت متزعلش من كلامي، بس أنا آخر مرة هسمحلك توصلني، وشكرًا جدًا يا عمر على كل حاجة."
وسريعًا ما هرولت من السيارة تحت أنظاره، فأخذ نفسًا طويلًا محركًا رأسه قائلًا بحب ووهن، متمنيًا أن يقضي معها المزيد والمزيد، معبرًا لها عما يحدث له بوجودها بجواره وبأنه لن يمل منها.
"شكلك هتتعبيني معاكي يا حورية!!"
في صباح اليوم التالي وتحديدًا السادسة صباحًا.
تململت بفراشها بتكاسل، وفتحت جفونها، وبسمة بسيطة تأخذ مسارها على وجهها، فلأول مرة تشعر براحة كبيرة، ولأول مرة لا يزورها زوجها المتوفى بمنامها، وكم أشعرها ذلك براحة كبيرة وسعادة طاغية تسللتها. فدفعت الغطاء من عليها، وخصلاتها تنساب حول وجهها، تحركت تجاه الشرفة وقامت بفتحها راغبة بأن يلفح الهواء البارد بشرتها الخمريّة وخصلاتها، وكان لها ما رغبت وتمنت.
فخرجت للشرفة الخاصة بها المطلة على الحديقة الخاصة بالقصر، وأغمضت عينيها وأخذت نفسًا طويلًا، وخصلاتها السوداء الفحمية التي أصبحت تصل لمنتصف خصرها تنساب حول وجهها. ففتحت عينيها وعيناها تجول بالحديقة، فوقعت عيناها على ذلك الجسد الواقع على أرضية الحديقة الخضراء. فقطبت جبينها ودلفت من الشرفة، وأخذت وشاحًا لها، وضعته على خصلاتها بإهمال، حامدة ربها على تلك المنامة القطنية الواسعة والتي تستر جسدها ولا تظهر منه شيئًا.
فهبطت درجات السلم ووصلت للأسفل، وحتى الآن لا ترى عيناها أحد، فمن الواضح أن الجميع لا يزال يغط بسبات عميق.
فتنهدت وعقلها يتساءل، فعينها لم تستطع تحديد هوية الساقط، إذا كان حسام أم رائف، فكلاهما يشبهان بعضهما، وذلك البعد لم يسعفها لتحديد الهوية.
خرجت إلى الحديقة واتجهت تجاه الواقع أمامها، وما إن اقتربت منه حتى وجدته "رائف"، فزفرت واقتربت منه، ولكزته بقلق، مغمغمة باسمه:
"رائف، رائف، انت كويس؟"
فتح "رائف" إحدى عينيه ورمقها بنصف عين، قائلًا بتساؤل معدلًا بمكانه:
"فيه إيه؟"
تنهدت براحة وقالت بهدوء:
"إيه اللي نيمك هنا؟"
كز "رائف" على أسنانه وقال ببرود ووقاحة:
"وانتي مالك؟ أنا حر أنام مطرح ما أنا عايز. انتي هتحاسبيني؟"
اتسعت عيناها وقالت بعدم تصديق:
"لا مش هحاسبك ولا حاجة، بس قلقت عليك لما شوفتك واقع كده، وبعدين مكنتش شايفة كويس ومكنتش عارفة أحدد انت حسام ولا رائف."
امتعضت ملامحه وصاح بغلاظة:
"خلصتي؟"
قطبت جبينها ورددت الكلمة وراءه بدهشة:
"خلصتي!!! انت إيه الأسلوب اللي بتكلمني بيه ده؟ هو أنا قتلتلك قتيل؟ ده أنا شوفتك واقع قلقت عليك."
نهض من مكانه مهندمًا ملابسه، مغلقًا أزرار قميصه العلوية، ناظرًا لها بعجرفة:
"ومحدش طلب منك تقلقي عليا، ومش عايز حد يقلق عليا، انتي سامعة."
نهضت هي الأخرى وقالت بهدوء زائف:
"سامعة يا بنت عمي، وأوعدك لو شفتك تاني واقع على الأرض مش هقربلك، وهسيبك زي ما انت حلو كده."
أنهت كلماتها وبعض من خصلاتها تطايرت من خلف الوشاح، فتعلق عين "رائف" على خصلاتها التي تطايرت، فاقترب منها خطوة واحدة، فلفحت أنفاسه الساخنة بشرتها ووصل إلى أنفها رائحة عطره، فابتلعت ريقها بتوتر من ذاك القرب، فصاح رائف وعيناه لا تنزاح من عليها:
"ادخلي جوه يا آلاء، ادخلي جوه بشعرك ولبسك ده. فيه رجالة في البيت وأنا واحد منهم، ومينفعش تمشي بالمنظر ده."
اشتعلت عيناها وقالت بحدة:
"وإيه هو المنظر ده اللي بتتكلم عنه؟ أنا مش لابسة بدلة رقص يا أستاذ رائف، دي بيجامة وواسعة، وفيه على شعري طرحة، ولا انت مبتشوفش كويس."
أنهت كلماتها وهي تتحرك من أمامه بغضب، فرمقه بنفاد صبر ورفع يديه ومسح على وجهه بضيق واتجه لخارج المنزل.
في وقت الظهيرة.
صدحت طرقات على الباب الخاص بغرفة "وجد"، فظلت تهمهم ببعض الكلمات تشعر بعدم قدرتها على النهوض ورغبتها العالية بإكمال نومها، فظلت طوال الليل تتسامر مع داغر وتقص عليه ما فعلته بغيابها، وهو كذلك قص عليها ما حدث معه وكيف تألم بغيابها الذي طال كثيرًا، ولكنه رغم ذلك ظل يتمسك بحبه، مقتنعًا بأنه سينالها وسيحصل عليها، جاعلًا أمرًا أجلًا أو عاجلًا. ونهض باكرًا من جوارها وقام بتقبيلها بنهم مغادرًا دون إصدار أي صوت.
فقررت وجد تجاهل ذلك الطارق وإكمال نومها.
ولكن حدث ما لم تتوقعه، وسمعت ذلك الصوت الذي تألفه بجوار أذنيها يصرخ بها:
"يااااااااا وجد!"
خرجت شهقة خافتة من فمها، ونهضت جالسة على الفراش وهي ترمق وسام الجالسة أمامها:
"انتي بتعملي إيه هنا يا مجنونة انتي؟"
قبلتها وسام بوجنتيها وقالت بمرح:
"بصراحة بصراحة، لسببين. أولًا عشان أشوفك، ثانيًا بقى عشان ابن عمك الجبلة قفل تليفونه ومش عايز يقبل الأد بتاعى، بلس إني ملقتوش في المرسم بتاعه."
اتسعت عين وجد وابتسمت ابتسامة لم تصل لعيناها:
"آه يا بجاحتك يا وسام. وبعدين مش كنا قلنا إنك تقاطعها وسام قائلة:
"بصراحة بقى، محبتش الخطة بتاعتك دي، حسيتها مش هتمشي، وملقتش غير الصراحة والجرأة والبجاحة، هي دي اللي هتجيب نتيجة مع حسام، وإنهاردة لازم يعرف إني صاحبتك الروح بالروح، وصدقيني أول ما يوقع في شوشتي أنا هخليه يعفو عنك."
أجابتها وجد بابتسامتها المصطنعة مشيرة تجاه الباب:
"وسام، شايفة الباب اللي وراكي ده؟"
أومأت لها قائلة:
"أكيد."
"طب كويس، قومي بقى، اطلعِ بره، أنا عايزة أنام، منمتش طول الليل، حرام عليكي."
ضيقت وسام عيناها وقالت بمكر:
"آها، قولي كده بقى. منمتيش طول الليل؟ طيب يا ستي ربنا يهني سعيد بسعيد."
كزت على أسنانها ولكزتها بذراعيها، مغمغمة:
"مش اللي فهمتيه يا كلب البحر انتي. وبعدين عايزة أكمل نوم يا وسام، اطلعِ بره."
"عشان خاطري يا وجد، وبعدين ده أنا مبسوطة أوي، دي حماتي اللي قابلتني ووصلتني لأوضتك هنا، يلا بقى عايزة أشوف ابنها يا وجد، عشان خاطري، انتي مش عايزة تعملي أي حاجة عشانى كده؟ رغم إني عملت كتير عشانك، وأنا السبب في جوازك من حبيب القلب."
ضيقت وجد عيناها بعدم فهم وقالت:
"عملتي إيه يا وسام؟"
ابتلع وسام ريقها وعلمت بأنها قد وقعت بلسانها أمام صديقتها التي لن تتركها دون أن تقص عليها ما فعلته، فصاحت بتوتر:
"بصراحة يعني، أنا اللي بعت لداغر رسالة بسفرك إسكندرية، كنت ببعتله تحركاتنا من أول ما سافرنا إسكندرية، بس طبعًا هو ميعرفش مين اللي بعتله، بس أنا كنت خايفة عليكي من مصطفى، عشان كده دخلت داغر في الموضوع."
جالس خلف مكتبه وهي أمامه تخبره بما عليه اليوم، وبالتأكيد لا يخلو صوتها من دلالها المتعمد، أما هو فكان لا يستمع إلى أي شيء، فعينيه كانت تتفحص كل شبر بها، وابتلع ريقه بتوتر، محررًا أزرار قميصه، فلاحت بسمة سريعة على وجهها، تعلم جيدًا تأثير ما تفعله عليه. فصاحت بتلك النبرة المتعمدة:
"بس كده يا فندم، حضرتك تؤمرني بحاجة تانية؟"
تنهد بحرارة وعاد بظهره للخلف وتمتم بخبث:
"آه، زودي على اللي قولتيه ده كله إننا في عشا عمل النهارده الساعة ٩، وانتي هتحضريه معايا."
أومأت له برأسها قائلة برقة مصطنعة:
"اللي حضرتك تؤمرني بيه."
اتسعت ابتسامته وقال بنبرة ذات مغزى:
"حلو أوي، يبقى أعدي عليكي وأخدك من البيت، إيه رأيك؟"
ابتسمت له بجانبية قائلة:
"مفيش داعي، أنا معايا عربيتي."
"لا، أنا حابب أعدي عليكي يا هديل."
حركت كتفيها بدلال:
"تمام، اللي حضرتك تشوفه. عن إذنك."
تحركت مغادرة من أمامه، وخصرها يتمايل بدلال، فزفر بضيق مبتلعًا ريقه.
كادت أن تخرج من المكتب، فوجدت أمامها من ترمقها بتفحص:
"انتي سكرتيرة عدّي؟"
ابتسمت لها هديل بتحفظ وقالت:
"أيوه يا فندم. ده لسه تاني يوم ليا."
استمع عدّي إلى صوت مي، فصاح بجدية:
"إيه اللي جابك يا مي؟"
تحركت مي من أمام هديل، وبداخلها يشتعل، فها قد فهمت لماذا تغير معها الآن، فجزت على أسنانها وابتسمت له بحب مصطنع، مقتربة من مكانه، مقبلة إياه بحرارة.
فصاح بجمود بعدما رمقتهم هديل بنظرة سريعة، مغلقة الباب من خلفها:
"خير يا هانم، إيه جابك هنا؟ وخرجك من البيت من غير ما تستأذني؟"
سندت على ركبتيها تريد أن ترضي غروره وكبرياءه، ممسكة يديه بحب قائلة بندم مزيف:
"أنا آسفة يا عدّي على اللي حصل امبارح، حقيقي آسفة. وأسفة كمان على عدم اهتمامي بيك، بس صدقني ده مش هيتكرر تاني. وبعدين أنا عندي ليك خبر هيفرحك أوي يا عدّي."
ضيق عينيه منتظرًا منها إكمال حديثها، فصاحت:
"أنا حامل يا عدّي."
رواية طغيان قلب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فاطمة محمد
أنا حامل يا عدى، أنا حامل يا عدى.
ظلت كلماتها تتردد بأذنيه، ينظر لها بأعين متسعة.
فنهض بهدوء، بث الرعب بداخلها، فنهضت من جلستها ووقفت أمامه، مزدرقة ريقها بصعوبة، محاولة استجماع شجاعتها التي ذهبت أمام نظراته التي كانت كالجحيم.
قبض على ذراعيها بقوة و شراسة، مغمغماً:
- أنا مش عايز ولاد، مش عايز. واللي في بطنك ده هينزل، أنا عندي ولدين ومش عايز غيرهم، انتِ سامعة؟ مش عايز غيرهم. ومتفتكريش إن ممكن يخدعني بالحركات دي.
شحب لون وجهها وتجمدت الدماء في عروقها، وتجاهلت قبضته التي ألمتها، وهمهمت بانفعال:
- أنت بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة، أنت بتكلم عن إيه. وبعدين ده بدل ما تفرح إن هيجيلنا ولد ويبقى حتة مني ومنك؟
زاد من قوة قبضته، مغمغماً بقسوة:
- مش عايزاه ومش هيتولد. وتاني مرة متعمليش ناصحة عليا وتفتكري إنك بالطريقة دي بتدبسيني فيكي. كان غيرك أشطر يا حبيبتي، وأديكي شوفتي الهانم اللي قبلك عندي منها ولدين وبرضه مبقتش عليها، أنا مش ببقى على حد.
لمعت عيناها بدموع مزيفة، وقالت بعدم تصديق وهي تشير تجاه نفسها:
- أنت بتقول عني أنا الكلام ده يا عدى؟ أنا؟
أجابها بغلاظة وهو يدفعها بعيداً عنه:
- أكيد، أنتِ شايفة غيرك في المكتب ولا حاجة. ومش عشان بحبك يا مي تفتكري إني ممكن أقبل بطفل منك. وهقولهالك تاني، أنا مش عايز ولاد، عندي اتنين واستكتفيت بيهم.
جلست أمامه مرة، محاولة استعطافه تجاهها، قائلة بترجّي:
- عدى، أنا مراتك ونفسي في ولد منك. أنا...
نفذ صبره، فقبض على خصلاتها، فتأوّهت صارخة بألم:
- أنتِ مبتفهميش يا مي، بقولك مش عايزة. ولحد دلوقتي بحاول أبقى حلو معاكي، فمتخلينيش أتغابى عليكي. وبكرة هنروح لدكتور عشان ينزله.
كزت على أسنانها بعدما ترك خصلاتها، فنهضت من مكانها وهي ترفع يديها تزيح دموعها التي انسابت على وجنتيها، وخرجت من المكتب وهي تتوعد له.
وما أن خرجت من مكتبه، حتى نظر عدى مكان خروجها والغضب يعتريه، مغمغماً بغل:
- غبية، غبية زيك زي حورية، وهتخليني أكرهك زي ما كرهتها.
***
بالحديقة.
كان كل من "وسام" و "وجد" يتسامران وهما يداعبان كل من "زين" و "زياد"، وابتسامتهم تزين ثغرهم. فأقتربت منهم "آلاء" بعدما رأيتهم من الشرفة، فصاحت بابتسامة:
- ينفع أقعد معاكم ولا هأزعجكم؟
رمقت "وسام" وجد التي ابتسمت لشقيقتها وقالت بترحيب:
- تعالي يا آلاء، أنا أصلًا لازم أعرفك على وسام. دي وسام عبدالرحمن، عرفتها لما سافرت واستجدتها في كذا موقف، وبعدين لو قعدتي معاها مش هتبطلي ضحك نهائي.
كانت "وسام" تتابع حديثهم بابتسامة، وما أن قالت وجد كلماتها الأخيرة، حتى تبدلت ملامح وسام، وصاحت بانزعاج ونبرة طفولية:
- ليه يا ست وجد؟ أرجوز أنا قدامك؟
صدحت ضحكات وجد وداعبت وجنتيها بمشاكسة، صائحة:
- فشر يا روحي، أنتِ الأرجوز ميجيش فيكي حاجة.
ما كادت تجيبها، ولكنها ابتلعت حديثها عندما استمعت لصوته الذي يقلب كيانها ويزيد من سرعة خفقاتها.
فاتسعت ابتسامتها، واضعة يديها موضع قلبها، ناظرة لوجد التي توترت من مجيئه وعدم ملاحظته لهم، فآلاء كانت تقف كالستار الحاجز عليهم، ولم يرى سواها.
ظل يقترب منهم بخطوات هادئة، متمتمًا:
- آلاء، مبسوط عشان خرجتي من أوضتك، أيوه كده، مفيش حاجة تستاهل زعلك.
فنهضت وسام من مكانها، فأنتبه حسام لها ولـ وجد التي كانت تتفادى النظر إليه.
- ازيك يا حس؟ أخبارك إيه؟
زاغت عينيه وظل يرمق كل من وجد ووسام بنظرات غاضبة. فصاحت آلاء:
- وجد رجعت يا حسام، واتجوزت هي وداغر امبارح.
ضغط على شفتيه، فكانت رؤية كل من وجد ووسام كفيلة بـ جعله يشتعل وتتأجج نيران الغضب بداخله.
فأكملت آلاء بعدما رأت نظراته المتبادلة بين وسام ووجد:
- ودي وسام صاحبة وجد.
أومأ برأسه عدة مرات، وقال بحدة ممزوجة بغضب ناري وهو يصفق بيديه بسخرية لاذعة:
- يبقى أنتِ اللي مسلطاها عليا، مش كده؟ لا برافو، عايزة تعوضيني عن موت إنجي بصاحبتك دي، مش كده؟ بس للأسف يا وجد هانم، إنجي متتعوضش، ومش دي اللي هتعوضني عن إنجي.
ثم رمق وسام التي ترمقه بلامبالاة، قائلاً بسخرية:
- متتعبيش نفسك على الفاضي يا شاطرة، عشان أنا مفيش في قلبي غير إنجي وبس.
غادر سريعًا من أمامهم، فهرولت وسام خلفه. فألتفتت آلاء تنظر لـ وجد التي حركت رأسها بيأس:
- هو في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
تنهدت وجد وقالت بلامبالاة مصطنعة:
- هبقى أحكيلك بعدين.
بالطرف الآخر.
جذبته من ذراعيه بشراسة، وعينيها تطلق شرار، فألتفت ينظر إليها بأعين غاضبة، وضم قبضته حتى لا يتطاول عليها، فصبره قد نفذ من تلك الفتاة، وخاصة عندما علم منذ لحظات بأنها صديقة مقربة لابن عمّه.
- أنا عايزة أفهم، يعني وجد مسلطاني عليك؟ هو أنا لعبة في إيديها ولا عروسة بتحركها عشان تسلطني عليك وأنا أنفذ؟ لا يا حسام، وجد معملتش كده. وبعدين إيه مصلحتها إنها تعمل كده؟ أنت بتفكر إزاي؟ أنا عايزة أفهم.
أقترب منها صارخاً بوجهها، فأنتفض جسدها من صراخه ذاك:
- مصلحتها إنها فاكرة لما تعمل كده تبقى بتعوضني عن خسارة إنجي اللي هي كانت السبب فيها بسبب عنادها وغرورها باسم قتلها. ماتت موته مافيهاش أي رحمة أو شفقة.
تملكها الغضب، وصاحت بانفعال وهي تحرك رأسها بنفي:
- محصلش، وجد عمرها ما تعمل كده.
ثم أشارت بسبابتها على نفسها:
- أنا اللي اتعلقت بيك وحبيتك وبقى عندي شغف إني أتعرف عليك وأشوفك. من كلامها عليك وجدعنتك معاها، أنت متعرفش هي كانت بتقول إيه عنك وإنت غالي عندها إزاي.
صمتت ثوانٍ لم تخلو من نظراته المصدومة الممزوجة بغضب، ونظراتها الغاضبة لسوء ظنه بصديقتها، فاكملت:
- أحب أقولك إنك مبتحبش إنجي.
جحظت عيناه وتطلع لها بنظرات تبث الرعب بأي امرأة، ولكن نظراته تلك لم تؤثر بها.
- أيوه مبحبهاش، أنا وجد حكتلي على كل حاجة، وأنا عارفة إنك مقعدتش معاها الفترة الكافية اللي تخليك مفتقدها بالشكل ده. أنت كل اللي أنت فيه تأنيب ضمير، ضميرك وجعك، حاسس إنك سبب في موتها، وعشان كده بترمي الجريمة على وجد، مع إن ولا أنت ولا وجد ليكم ذنب أو يد في اللي حصلها. وأنا مقتنعة مليون في المية إن كل بني آدم بيحصد اللي زرعه، وزي ما اتسببت في أذية وجد، ربنا ردها لها وعلى إيد نفس البني آدم اللي اتفقت معاه إنجي اللي أنت زعلان عليها. مكنتش ملاك، ومحدش فينا ملاك، كلنا بشر وبنغلط وهنغلط.
كز على أسنانه وارتعش صدغه، وقال بتحذير:
- مش عايز أشوفك تاني، لو شوفتك مش هيحصلك كويس، أنا مش طايق أشوفك.
تحرك سريعًا من أمامها، فصاحت بنبرة عالية:
- مش بمزاجك يا حسام، أنا حبيتك، ومدام حبيتك يبقى مش هسيبك، واتعود على شوفتي كتير الفترة الجاية.
***
جالساً أمامها بموقع التصوير بعدما أخذا استراحة يسترجعون بها نشاطهم وحماسهم، فالسعادة كانت تعتريه لجلوسها أمامه ورؤية وجهها وملامحها الملائكية. أما هي فكانت دقاتها متزايدة، تشعر بانزعاج شديد من تلك النظرات التي لا تكف عن ملاحقتهم. تراهم يتهامسون وهم ينظرون إليهم، ولكن لا تعلم لما تلك الهمسات عنها وعن عمر، وذلك الأسلوب الفظ الذي جعلها تريد ترك ذلك العمل. فكيف لهم أن يفكرون بأن هناك ما يجمعهم سويًا؟ فاليوم هو اليوم الثاني لها. فما ذنبها بأنه قد اختارها لتعمل معه بذلك العمل الذي لا تراه عملًا من الأساس؟ فهي منذ ليلة أمس لم يكلفها بعمل واحد تفعله، يكتفي بوجودها معه بموقع التصوير وإملاءه بأي مواعيد جديدة.
انتبه عمر لنظراتها وعدم ارتياحها، فترك الكوب الذي بيديه ووضعه على الطاولة الصغيرة أمامه:
- مالك يا حورية؟ إيه اللي مضايقك؟
أشارت له بعينيها تجاه تلك الأشخاص الذين يعملون معه بذاك الفيلم، مغمغمة بانفعال:
- يعني أنت مش شايف بيبصولنا إزاي؟ ده غير الوشوشة بتاعتهم واللي باين أوي من نظراتهم إنها علينا.
رمق عمر هؤلاء الذين يطلعون عليهم بغضب، فاخفضوا نظراتهم بعيدًا عنهم، فعاد ينظر إليها مرة أخرى، قائلاً بحنق:
- سيبك منهم يا حورية، ومتهتميش بحد طول ما أنا معاكي.
ابتلعت ريقها ونظرت له، وهناك شعور قوي بداخلها يخبرها بأن ذلك العمل وذلك الوسط لا يتناسبان معها بأي شكل من الأشكال.
فنهضت من مكانها وهي تحرك رأسها برفض، مغمغمة بأسف:
- أنا آسفة يا عمر، بس أنا مش هقدر أكمل في الشغل ده. أنا مش مرتاحة، وأنا أي حاجة هتسببلي ضرر هسيبها، مش هاجي على نفسي من تاني. عن إذنك.
أنهت حديثها مهرولة من أمامه تريد أن تختبئ منه وتختفي عن أنظاره.
صدم من حديثها ونهض خلفها حتى يلحق بها والغضب يعتريه من ذلك الفريق الذي يعمل معه والذي ظنوا بأن هناك ما يجمعهم، فضم قبضته بغضب متوعدًا لهم.
لحق بها ممسكًا إياها من ذراعيها، قائلًا بأنفاس متسارعة لاهثة:
- رايحة فين يا حورية؟ أنا مش هسيبك تمشي.
نزعت ذراعها من بين يديه، قائلة بسخرية لاذعة:
- يعني إيه مش هتسبني أمشي؟ أنا حرة يا عمر، وبقولك مش عايزة أكمل شغل معاكم.
مسح عمر على وجهه، ولأول مرة تراها بتلك الهيئة، ولكنها لن تتراجع عن قرارها، فهي تريد أن تتفادى ما قد يحدث بينهم. فكلما رأته تشعر بمشاعر غريبة من نوعها لا تعلم سببها، ولكنها تريد أن توقف كل هذا وتمنع نفسها في الوقوع فيما قد يحرمها من أولادها.
- حورية، أرجوكي متمشيش، مينفعش تمشي، أنتِ مكانك جمبي.
أغمضت عينيها لوهلة تحاول كبح مشاعرها التي تريد الاستجابة له وعدم ترك العمل والاكمال معه.
ولكن لن يحدث ذلك، لن تسمح لنفسها بلقائه أكثر من ذلك. لا تريد الوقوع في العشق مرة ثانية. لا ترغب بأن تجرح كرامتها وكبرياؤها كأنثى، فما فعله عدى معها جعلها حطام. إذن فهي لن يكون لديها القدرة لأدخال احدهم لحياتها مرة أخرى. نهرها قلبها معاتبًا إياها عما تفكر به، فكيف تقارن بينهم؟ فهناك فرق كبير بينهم، وذلك الفرق سيكون بصالح عمر الذي يحبها كما هي دون أن يطالبها بتغيير أي شيء. ولكن بذلك الصراع بين القلب والعقل، ربح العقل، ونطق لسانها بكلمات جارحة حتى تبعده عنها.
- همشي يا عمر، ومش عايزة اشتغل معاك، أنا هدّور على شغل تاني، وكمان مش عايزة أشوفك تاني، أنا مش هتحمل إني أخسر ولادي، أنت سامع.
***
تقف أمام المرآة ويديها تمسد على بطنها بهدوء شديد، تتخيل هيئتها بعد مرور عدة أشهر.
فاتسعت ابتسامتها، ضاغطة على شفتيها بحماس، فهي لا تريد التخلي عن ذلك الجنين ولن تتخلى، وستفعل المستحيل لتحافظ عليه، وستضرب حديثه عرض الحائط، وستجعله يعود نادمًا لتطاوله عليها بالفترة الأخيرة، متبدلًا تمامًا وكأنه أصبح شخص آخر لم تعرفه. ولكنها اليوم أصبحت تعلم سر تغيره معها.
تحركت من أمام المرآة وانتشلت هاتفها من على الفراش، واختارت إحدى الأرقام وقامت بوضع الهاتف على أذنها، منتظرة إجابة الطرف الآخر، ولكن طال انتظارها.
فتأففت ونزعت الهاتف من على أذنها، محاولة الاتصال مرة أخرى ولكن دون فائدة، فدفعت الهاتف بعنف على الفراش والشرار يتطاير من عينيها، قائلة بخفوت:
- أنا مش فاهمة أنت فين يا أمير؟ ومبتردش عليا ليه؟ أوووف.
ولكن سريعًا ما اقتربت من الفراش جاذبة الهاتف مرة أخرى، متصلة بأحدهم، فجاء الرد سريعًا، فغمغمت بغموض:
- عبده، عندي ليك مصلحة وهتاخد منها قرشين حلوين أوي. دايس ولا لأ؟
- مدام مصلحة وهتطلعلي بقرشين، يبقى أكيد جاهز.
اتسعت ابتسامتها وقالت بتنهيدة:
- حلوة أوي، جهز كام واحد من عندك واستعدوا عشان هتنفذوا أول ما أديكوا تليفون.
رفع يديه يحك رأسه مغمغمًا:
- طب أفهم بس هنعمل إيه؟
تنهدت قائلة:
- عايزكم تخطفوا عيلين صغيرين.
***
كانا لا يزالون يجلسون بالحديقة، والأطفال من حولهم، وكل منهم يشغل تفكيره شئ ما.
فوسام كان يشغلها حسام الذي لم يغب من أمام عينيها، متمنية أن يفهمها ويصدق حديثها الذي كان بمحله.
أما آلاء فكان الانزعاج هو ما يسيطر عليها بسبب تلك المحادثة التي حدثت بينها وبين رائف، والذي تحدث معها لأول مرة بتلك الفظاظة.
أما وجد كانت تبتسم بخفة وهي تتذكر تلك الأوقات التي قضتها برفقة داغر الذي يعاملها بكل حنان ولا يكف عن بث عشقه وشغفه تجاهها.
قاطع أفكارها رنين هاتفها الذي صدح عاليًا، فنهضت من مكانها وابتعدت عن مكان جلوسها بمسافة كافية، ظنًا منها بأنه داغر الذي لم يتوقف عن مهاتفتها. وما كادت أن تجيب حتى وجدت أنه رقم غير مدون، فأجابت عليه مستمعة لذلك الصوت الغليظ:
- الو.
- أهلاً يا حلوة.
- مين معايا؟
أجابها مصطفى بفتور:
- أنا عملك الأسود في الدنيا يا وجد يا هلالي.
قطبت جبينها قائلة بغيظ:
- مصطفى.
ابتسم بسخرية:
- عليكي نور. المهم بقى يا حلوة اسمعي الكلمتين اللي عندي دول وحطيهم حلقة في ودنك، أنا بصراحة ناويلك على نية مش هتعجبك نهائي، فإيه رأيك ننجز الوقت وتنقذي نفسك مني.
رفعت حاجبيها وأجابته باستنكار وتهكم:
- أنت عبيط مش كده؟ أنت فاكر إنك هتعرف تعملي حاجة؟ بتحلم يا مصطفى.
قاطعها قائلًا بغلاظة:
- لا مش بحلم ولا حاجة، لأنها حاجة مش جديدة عليا، وسبق وعملتها كتير، وأقرب واحدة فيهم خالي حبيبي.
ضيقت عينيها بعدم فهم:
- أنت قصدك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
ابتسم قائلًا بفخر مصطنع:
- هو أنا مقلتلكيش إني أنا اللي قتلت خالي حبيبي وسممته؟ اللي الله يرحمه كتبلك كل حاجة.
جحظت عيناها وقالت بتلعثم غاضب:
- أنت؟ أنت؟
صدحت ضحكاته بالمكان، قائلًا:
- أنا هعمل معاكي اتفاق، تمضيلي على تنازل عن كل حاجة خالي سابهالك، ومقابل ده هسيبك في حالك، ها؟ قولتي إيه؟
صرخت به بغضب قائلة بتوعد:
- أعلى ما في خيلك اركبه، وعملتك السودة دي هتتحاسب عليها، ودم مجدي مش هيروح هدر، أنت سامع.
أغلقت بوجهه وهي تتنفس بعنف، أما هو فتمتم بغيظ:
- أنتِ اللي جبتيه لنفسك يا وجد، اشربي بقى.
أما بالطرف الآخر، فدلف البواب الذي كان يحمل باقة من الورد الحمراء، واقترب من وجد الغاضبة التي جلست مرة أخرى بمكانها، غير مستمعة لحديث آلاء الموجه لها:
- وجد، إسلام عرف إنك هنا وجاي يشوفك.
فصاح البواب وهو يعطيها تلك الباقة من الورود:
- مدام وجد، الورد ده جه عشان حضرتك.
اتسعت عين وسام وانتشلت الباقة من يد البواب الذي غادر سريعًا، قائلة بحماس:
- واو! إيه الورد التحفة ده؟ لا بجد داغر ذوقه تحفة.
وسريعًا ما لفت انتباهها ذلك الكارت مع الباقة، فجذبته وقرأته بصوت مسموع، سريعًا ما تحول لدهشة:
- بحبكككك يا وجد. إمضاء مجهول.
رواية طغيان قلب الفصل السادس عشر 16 - بقلم فاطمة محمد
قطبت جبينها بدهشة وهمست بشرود، منتشلة ذلك الكارت من يد صديقتها.
- مجهول!!!
وسام بأستنكار:
- ده مين المجهول اللي بيحبك ده، ده لو داغر عرف الموضوع مش هيعدي على خير.
أماءت آلاء برأسها وهمست بتأييد على حديث وسام:
- أيوه يا وجد، وسام معاها حق. داغر مش لازم يعرف.
أغمضت وجد عينيها وتنهدت بضيق:
- مفيش غيره، ده أكيد مصطفى.
اتسعت عين وسام وقالت وهي تضرب جبينها:
- إيه الغباء ده، أزاي نسينا مصطفى. مفيش غيره أكيد هو. وجد متريحى نفسك من كل ده وسبيله فلوس خاله يشبع بيها. الفلوس مش هتفيدنا بحاجة لو حصلك حاجة أو اتأذيتي عشان خاطري يا و...
قاطعتها وجد مزمجرة بها بشراسة:
- مستحيل. مجدي مسبليش كل حاجة من فراغ، وبعدين أنا عايزة أرجعله ولو حاجة بسيطة من جمايله عليا.
***
فتح داغر باب مكتب رائف على مصراعيه فوجده جالسًا خلف مكتبه يقلب بهاتف بملامح مقتضبة يشوبها الحزن والألم. فرفع عينيه عن هاتفه رامقًا داغر بنظرات باردة مثل الجليد، متقنًا إخفاء غضبه من رؤيته أمامه. فعاد ينظر لهاتفه مرة أخرى. فأقترب داغر بعدما أغلق الباب من خلفه، مقتربًا منه واقفًا أمامه.
- رائف لازم نكلم.
أجاب دون النظر إليه، باقياً على وضعه:
- مفيش كلام عشان يتقال!!!
انتشل داغر الهاتف من يديه دافعًا إياه على المكتب، متحدثًا بهدوء مصطنع:
- رائف أنا مليش ذنب في اللي حصل، مش أنا اللي قولتلها تحبني. أنا زي زيك بالظبط و...
نهض رائف من مكانه ملتقطًا هاتفه مرة أخرى ووضعه بجيبه بعدم اكتراث، وقطع حديث داغر قائلاً بنبرة تغلفت بالألم:
- متكملش يا داغر، أنا عارف الكلام اللي أنت بتقوله ده. أنا مش زعلان منك، أنا زعلان على نفسي مش أكتر. زعلان على حبي اللي راح لواحدة متستهلش، زعلان على السنين اللي كنت مغفل فيهم فاكرها بتحبني وهي بتحبك أنت، بتحب صاحبي وأخويا. عارف إن مالكش ذنب، بس أنا كمان مليش ذنب. أنا مبقتش عارف أتعامل معاك وكفاية كلام في الموضوع ده.
تحرك مغادرًا من أمامه عقب إنهاء حديثه، فتابعه داغر بعينه يفكر بحل لذلك الجفاء الذي أصبح بينه وبين صديقه والذي كانت زوجته السابقة سببًا به.
***
طرقت الباب وانتظرت استجابة شقيقتها، ففتحت ندى باب المنزل فدَلفت حورية للداخل وارتمت على الأريكة بإنهاك.
أغلقت ندى الباب واقتربت منها مغمغمة بدهشة:
- انتي إيه اللي جابك من الشغل بدري!!!
رفعت حورية يديها وأزالت حجابها الذي يغطي خصلاتها الحريرية قائلة بسخرية:
- مبقاش في شغل خلاص، أنا سبت الشغل مع عمر ده مسموش شغل أصلاً ومش هاخد منه غير وجع القلب.
امتعضت ملامح ندى وقالت بأستنكار:
- انتي بتهرجي مش كده، سبتي الشغل مع عمر بالذمة ده اسمه كلام، انتي بتهرجي يا حورية. ده الواحدة نفسها يجيلها فرصة زي اللي جاتلك دي وانتِ بتسيبيها كده بالساهل.
أغمضت حورية عينيها واضعة وجهها بين يديها قائلة بنبرة ذات مغزى:
- مش هتفهمني يا ندى، مش هتفهمي أنا عملت كده ليه. بس ده أكيد أحسنلي ميت مرة من الشغل معاه، أنا مش ناقصة وجع قلب كفاية اللي أنا فيه.
- أنا فعلًا مش فاهماكي، بس اللي أنا فهمته إنك فقيرة.
رفعت الأخرى ناظرة لها وابتسامة بسيطة ترتسم على محياها مؤكدة حديثها:
- أنا فعلًا فقيرة!!!!
نهضت من مكانها متجهة لغرفة والدتها المريضة والتي نادرًا ما تنهض من فراشها، فأغمضت ندى عينيها تلوم نفسها على حديثها ذلك.
هرولت خلفها ملحقة بها قبل أن تدلف غرفة والدتها متمتمة:
- حورية أنا آسفة، مش قصدي اللي فهمتيه بس زعلانه عشانك وعشان ضيعتي الشغل ده من إيدك.
رفعت حورية يديها تربت على كتفيها مغمغمة بحنان:
- متقلقيش، هلقى غيره. ربنا كبير وأكيد مش هينساني.
***
في المساء
نظر بساعة يديه متأففًا بضيق، ورفع عينيه مرة أخرى يراقب باب البناية الذي ستخرج منه متلهفًا للقائها.
اتسعت عينه وابتلع ريقه بتوتر وهو يراها تتهادى في سيرها مقتربة منه بدلالها المعتاد. فتحت باب السيارة، وجلست بجواره وابتسامة شغوفة على محياها قائلة برقة مصطنعة:
- أتأخرت عليك!!!!!
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهه وعينيه لا تكف عن التطلع عليها وتفحص هيئتها.
- بصراحة آه، أنا مستنيكي بقالي كتير. بس مش مشكلة هعديهالك عشان انتي لسه جديدة ومتعرفنيش ومتعرفيش إن أكتر حاجة بكرهها هي التأخير.
شهقت بصدمة مصطنعة واضعة يديها على فمها بطريقة مسرحية متمتمة:
- يا خبر! أنا حقيقي آسفة وإن شاء الله مش هتتكرر تاني.
تنهد مطولًا مغمغم وهو يشير برأسه تجاه البناية:
- صحيح، انتي عايشة مع أهلك!!
حركت رأسها بنفي قائلة بأسف وحزن يليح على وجهها:
- لا، أنا عايشة لوحدي. يعني تقدر تقول إن أنا يتيمة. بابا وماما ماتوا وأنا عندي ١٥ سنة. وبعد ما ماتوا عشت مع خالتي بس طبعًا جوزها مرحمنييش ومسبنييش في حالي. وأول ما جتلي الفرصة إني أسيب لهم البيت عملتها. وكنت عايشة مع واحدة صاحبتي وبعد كده حبيت أستقل بنفسي وأعيش لوحدي والحمدلله عملتها زي ما أنت شايف كده.
نظر لها عدي بأسف وقال بتأثر زائف وهو يتحرك بالسيارة:
- الله يرحمهم، بس أنا متأكد إن والدتك كانت زي القمر.
اتسعت ابتسامتها مضيقة عينيها قائلة باستفسار:
- اشمعنه؟
قال بمرح:
- يعني عايزها تبقى مخلفاكي ومتبقاش قمر.
ابتسمت له ابتسامة واسعة واكتفت بذلك، وأدارت وجهها تجاه النافذة وهمهمت في سرها وهي تقلب عينيها:
- يخربيت تقل دمك يا شيخ، لا وفاكر نفسك دمك خفيف.
***
ظلت تلك الأصوات الصاخبة تقتحم وحدتها وشرودها، فخرجت من غرفتها بعدما اعتراها الغضب ونفذ صبرها، فوجدت شقيقتها جالسة أمام التلفاز، فصاحت:
- إيه يا ندى!! إيه الدوشة دي مش معقول كده.
أجابتها ندى بلا مبالاة، واضعة تركيزها بأكمله بمشاهدة ذلك الفيلم:
- دي الشقة اللي قدامنا عاملين يشيلوا في العفش ويحطوا في الجديد. وزعقت فيهم من شوية قالولي ربع ساعة بالكتير ويخلصوا، بس أظاهر مفيش فايدة فيهم. اطلعي زعقي فيهم، أنا صدعت ومش عارفة أركز في الفيلم.
تحركت حورية من مكانها وفتحت باب المنزل صائحة بهؤلاء العمال الذين يخلون المنزل من الأثاث:
- إيه يا عم انت وهو، صدعنا خلاص والواحد عايز ينام ومش عارف منكم.
أجابها العامل وهو يرفع يديه ماسحًا حبيبات العرق عن جبينه قائلاً بإنهاك:
- خلاص يا مدام، إحنا نزلنا العفش وهنطلع الجديد وإن شاء الله مش هياخد مننا وقت.
تأففت حورية قائلة:
- طب ياريت بسرعة شوية، أنا أمي تعبانة ومحتاجة راحة.
أماء لها العامل معتذرًا لها:
- إحنا آسفين بس ده شغل يا مدام وهنخلصه ونتوكل على الله. أصلاً الساكن الجديد مستعجل أكتر منك وزي ما انتي شايفة بنحاول ننجز.
تنهدت قائلة:
- ربنا يعينكم. عن إذنك.
أغلقت الباب وهي تتحرك باتجاه شقيقتها:
- حورية تعالي اتفرجي معايا الفيلم، تحفة ولحد دلوقتي معرفناش مين القاتل. بس حاسة إنه هيطلع جوز البطلة.
رمقتها حورية بنظرات نارية، فازدردت ندى ريقها قائلة:
- انتي بتبصيلي كده ليه!! انتي هتتحولي يا حورية ولا إيه.
أغمضت حورية عينيها متنهدة بنفاذ صبر، رافعة رأسها للأعلى مغمغمة:
- يارب صبرني يا رب.
بعد مرور بعض الوقت صدح رنين هاتفها، فصاحت ندى:
- قومي قومي، تليفونك بيرن. شوفي مين بيتصل عليكي.
نهضت من مكانها ملتقطة هاتفها ناظرة به فوجدته عمر، فابتلعت ريقها وبدأ ذلك الصراع بين قلبها وعقلها. فقلبها يخبرها بأن تجيبه وتستمع لصوته الذي يشعرها بالأمان، أما عقلها فنهرها معنفًا إياها على مشاعرها التي تريد الانجراف خلف قلبه.
توقف هاتفها عن الرنين، فزفرت براحة، وما كادت أن تضعه مكانه مرة أخرى حتى بدأ بالرنين مرة أخرى، فزمت شفتيها ورغمًا عنها أجابته، واضعة الهاتف على أذنيها مستمعة إلى صوته الحنون:
- انتي مبترديش علطول ليه؟ أنا عايز أفهم!!!
هدأت من روعها وأستجمعت قواها وقالت ببرود وشراسة:
- وأنا عايزة أفهم، انت بتتصل ليه؟ أنا مش قوللتلك...
قاطعها قائلًا:
- وأنا مسمعتش أي حاجة من اللي قولتيها. وافتحي الباب، أنا على الباب وعايز أتكلم معاكي.
اتسعت عيناها وقالت وهي تنظر تجاه الباب:
- انت بتقول إيه، وباب إيه اللي انت عنده؟
- باب بيتك يا حورية، يلا افتحي عشان عايز أتكلم معاكي.
كزت على أسنانها قائلة بقسوة:
- انت عايز إيه مني بالظبط؟ انت بكده هتسببلي في مشاكل أنا في غنى عنها. امشي يا عمر لو سمحت.
قاطعها بحدة وانفعال طفيف:
- مش ماشي يا حورية، وهتفتحي وهتكلم معاكي.
زفرت وأغلقت الهاتف بوجهه، واقتربت من الباب وفتحت له، فوجدته يقف أمامها يطلع عليها باشتياق وعينيه تلمع ببريق العشق.
ابتلعت ريقها بعدما سارت رجفة طفيفة بجسدها لرؤيته يقف أمامها وابتسامته الجذابة ترتسم على محياه، فقالت:
- انت إيه اللي جابك؟ انت عايز مني!!!
تنهد مسندًا كتفيه على الحائط بجواره:
- عايزك يا حورية، هكون عايز مين غيرك يا وجعة قلبي.
اتسعت عيناها لصراحته أو بالأصح لوقاحته، فكيف يتحدث معها بتلك الطريقة؟ من أين جاء بتلك الجرأة!!!
امتعضت ملامحها بشدة واسودت عيناها قائلة:
- انت إزاي تكلم معايا بالطريقة دي ها!!
اعتدل بوقفته وقال وهو يشير تجاه ذلك المنزل من خلفه:
- هو انتي هتقضيها أسئلة ولا إيه؟ وبعدين أنا عايزك تباركيلي على بيتي الجديد.
جحظت عيناها للمرة الثانية وفرغ فاها وقالت بصدمة:
- هو انت الساكن الجديد!؟
رمش لها بعينيه عدة مرات مؤكدًا حديثها مغمغم بابتسامة ماكرة:
- أيوه أنا. ومدام مبقاش فيها شغل ومبقتيش شغالة معايا، قولت أجي أقعد قدامك وأملى عيني منك، ولا بلاش.
جاءت ندى من خلفها وابتسامة بلهاء على وجهها عندما استمعت إلى صوته، فاقتربت منه قائلة بسماجة:
- وأنا أقول العمارة منورة ليه!!
التفتت حورية تجاهها صارخة بها:
- ندى خشّي على أوضتك ومش عايزة أسمع صوتك. يلا اتحركي.
كزت ندى على أسنانها واتجهت تجاه الصالون مرة أخرى، فكادت أن تتحدث حورية فقطاعها عمر:
- شرسة أوي انتي، براحة على البت شوية.
- امشي يا عمر، امشي من قدامي مش طايقة أشوفك.
رفع حاجبيه وأخرج مفتاح المنزل من جيبه قائلاً بمرح وابتسامة واسعة وهو يقف أمام منزله ويفتح باب المنزل:
- كدابة يا حورية، عينك بتقول غير كده. عينك فضحتك يا حورية.
قال الأخير وهو يغمز لها بعينيه مغلقًا باب المنزل تحت صدمتها التي سريعًا ما تحولت لشبح ابتسامة.
***
تجاهل الجميع وصعد باتجاه غرفته، راغبًا في أخذها سجنًا له ولوحدته، ولكن منعه من استكمال الدرج الرخامي هو صوتها الذي ظل يردد اسمه.
- رائف، رائف.
توقف عن الصعود واستدار رامقًا إياها بنظرة خالية من الحياة قائلاً بجمود:
- نعم!!!
اقتربت وجد منه ووقفت أمامه قائلة بأسف:
- رائف أنا عارفة إن اللي حصل مش سهل وإنك أكيد شايل من داغر، بس أنت لازم تحكم عقلك، وتبص للموضوع من زاوية تانية.
ظهرت بسمة جانبية ساخرة على محياه وقال مضيقًا عينيه عاقدًا يديه أمام صدره:
- وإيه هي الزاوية التانية اللي المفروض أبص منها يا بنت عمي؟ وضحي أكتر.
تنهدت بضيق وقالت:
- بص، أنا هتغاضى عن نبرة السخرية دي، بس أنت المفروض متبقاش زعلان من داغر، لأنه ملهوش أي ذنب. كمان بصيلها من حتة إن ربنا كشفها قدامك، مش أحسن ما تفضل مخدوع فيها.
بذات الوقت رآهم كلاهما هدى وسعاد اللذان كانا يتحركان باتجاه المطبخ لتحضير العشاء، فقالت هدى بخفوت:
- هي وجد عايزة إيه من رائف؟ مش كفاية اللي هو فيه.
حركت سعاد رأسها بضيق ونادت باسم آلاء التي كانت تدلف من الباب للتو، والتي سريعًا ما استجابت لها:
- آلاء روحي شوفي أختك وخليها متقفش كده مع رائف. داغر لو شافها مش هيحصل طيب.
أماءت لها آلاء وتحركت باتجاه وجد ورائف، أما هدى وسعاد فاستكملوا سيرهم.
ولكن لم تستطع آلاء فعل ذلك، فقد رآهم داغر وهم يقفون سويًا أعلى الدرج وحدث ما حدث، وتجمدت الدماء بعروقه والغيرة تتأجج بداخله مثل النيران.
قاطعت آلاء حديثهم وقالت بنبرة عادية:
- وجد بلاش الوقفة دي و...
ابتلعت باقي حديثها بتوتر عندما رأت داغر بجوارها يتحدث بنبرة غاضبة يشوبها بعض من الغيرة:
- إيه اللي موقفك كده يا وجد؟
تنهدت وجد واقتربت منه:
- داغر كويس إنك جيت دلوقتي، أنا كنت بتكلم مع رائف.
كز على أسنانه واقترب منها وقبض على ذراعها بقبضته الفولاذية التي آلمتها. فقطبت جبينها وهي تنظر ليداه التي تؤلمها، كادت أن تتحدث لكنها لم تستطع لجذبه إياها من ذراعيها ومغادرتهم من أمام كل من آلاء ورائف الذي اعتلت شفتاه ابتسامة ماكرة ونظرة ذات مغزى، متناسيًا وجود آلاء، ولكنه سريعًا ما أخفاها.
لاحظت آلاء نظراته وابتسامته التي تبشر عن نواياه الخبيثة وسعادته بما حدث.
ضيقت عينيها قائلة باستفهام:
- أنت بتضحك على إيه؟ أنا عايزة أفهم!!!
رفع إصبعه مشيرًا تجاه شفتاه قائلاً باستنكار:
- هو أنا كده بضحك!!!
عضت على شفتاها وصعدت تلك الخطوة مغمغمة:
- رائف بلاش استهبال، أنا شوفتك وبلاش الحركات دي. أنت وداغر أقرب اتنين لبعض.
حرك كتفيه ووضع يده بجيوبه مغمغم:
- حركات إيه يا آلاء؟ أظاهر كده إن حبسك في الأوضة أثر عليكي.
أجابته بغضب:
- لا يا رائف، أنت عارف إنها ما أثرتش، بس أنا مش عبيطة وعارفة إنك قاصد تضايق داغر عن طريق وجد.
وصمتت عن إكمال حديثها واتسعت عيناها ووضعتها على فمها وهمهمت بعدم تصديق:
- أنت اللي بعت الورد لوجد مش كده؟ أنت المجهول يا رائف صح!؟
زم شفتاه وقلب عينيه وغادر من أمامها دون أن يتفوه بحرف واحد، تاركًا إياها واقفة بمكانها متجهًا لغرفته.
دلف إلى الغرفة مغلقًا الباب من خلفه وبدأ بخلع ملابسه، ولكن أوقفه ذلك الباب الذي فتح على مصراعيه.
فالتفت ينظر تجاه الباب فوجدها آلاء وتقترب منه بخطوات سريعة والشرار يتطاير من عينيها.
وقفت في مواجهته قائلة بخفوت وبنبرة يشوبها التهديد:
- اسمع بقى، أنا مش هسمحلك إنك تأذيهم وتأذي نفسك. وجد وداغر بيحبوا بعض وداغر صاحبك قبل ما يبقى ابن عمك. فحرام تعمل كده في لحظة شيطان.
تنهد مطولًا رافعًا رأسه للأعلى محاولًا تهدئة روعه، فقالت:
- قولي إنك هتبطل اللي بتعمله ده، ده ممكن يخرب اللي بينهم.
كز على أسنانه وانحنى براسه تجاه رأسها وتمتم من بين أسنانه:
- لا يا آلاء، مش هبطل. أنا متأكد من إن وجد بتحبه، بس مفيش مانع إني أضايقه شوية وأشفي غليلي. أنا جوايا نار، فاهمة يعني إيه نار؟ نار مش هيطفيها غير وأنا شايفاه بيجنن ويعرف مين اللي بيعمل كده ويحس إن وجد ممكن تضيع منه ويحس بنار الغيرة اللي حسيت بيها لما عرفت إن مراتي بتحبه ومحبتش غيره.
ولته ظهرها وهي تحرك رأسها بنفاذ صبر وسريعًا ما توجهت ناحية الباب مغادرة الغرفة، رامقة إياه بنظرة سريعة قائلة بخفوت:
- هتندم يا رائف. اللي بتعمله بتعمله عشان واحدة متستاهلش، وكلامي معاك مخلصش.
نفى برأسه مصححًا لها:
- لا، بعمله عشان نفسي وعشان كرامتي مش عشان حد تاني، والكلام خلص بالنسبالي.
خرجت من غرفته مخرجة هاتفها تريد أن تنفض تفكيرها عنه، مهاتفة شقيقها الذي لا يجيب عن هاتفه، ليبدأ القلق ينهش قلبها.
***
بالطرف الآخر
كانت جالسة على الفراش ترمقه بدهشة وهو يأتي ذهابًا وإيابًا كالثور الهائج، لا تعلم ما به، وما سبب تلك العصبية المفرطة التي تراها الآن.
- مالك يا داغر؟ إيه؟ وشدتني كده ليه؟
مسح على وجهه وبسرعة الفهد كان ينحني لمستواها ويديه تحوطها من الجانبين وهمس بغيرة واضحة:
- انتي كمان بتسألي؟ أول وآخر مرة يا وجد أشوفك واقفة بتكلمي مع رائف. ومش رائف بس، لا ده رائف وحسام وحتى عدي أخويا.
احت شبح ابتسامة على وجهها وقالت وهي تنظر بعينيه بتوهان:
- انت بتغير يا داغر!!
اقترب أكثر بوجهه وقال وهو يتكأ على حروف كلماته:
- أكيد، وعشان كده بحذرك يا وجد، أنا مبحبش حد يتكلم معاكي ولا يشوف ضحكتك ولا أي حاجة. انتي مراتي وملكي، والأهم من ده كله حبيبتي يا وجد.
أغمضت عينيها مستمعة بلذة كلماته ورفعت يديها محاوطة عنقه قائلة بهيام:
- وانت كمان حبيبي يا داغر، بس ده مينفعش شوية اختلاط مع كل اللي قلت عليهم دول ولاد عمي برضه، وكمان عايشين في بيت واحد.
اسودت عيناه وزجر بشراسة:
- قولتلك لا يا وجد، مفيش اختلاط. عايزة تختلطي يبقى تختلطي مع ستات البيت وبيا غير كده ممنوع. انتي سامعة؟
تنهدت براحة سعيدة بكلماته وتحكمه ورجولته الطاغية وقالت بهدوء:
- ماشي يا داغر، اللي تشوفه.
***
وقفت السيارة أمام البناية التي تقطن بها بعدما انتهى اجتماعهم الذي لم يخلو من نظراتهم المتبادلة والتي لم يفهمها سواهم. فتنهدت هديل وما كادت أن تترجل من السيارة، فاوقفتها يد عدى التي منعتها من النزول.
فتلفتت ترمقه بنظرات متسائلة، فقال بابتسامة ذات مغزى:
- مش هتعزميني على فنجان قهوة أو حتى كوباية عصير؟ مكنتش أعرف إنك بخيلة يا هديل.
ابتسمت له وهي تنظر بساعة معصمها هاتفة بهدوء:
- مش بخيلة ولا حاجة يا مستر عدى، بس انت مش شايف إن الوقت أتأخر شوية وكده المدام ممكن تقلق.
صدحت صوت ضحكاته وقال من بين ضحكاته:
- لا، المدام زمانها في سابع نومة عشان بكرة ورانا مشوار وأكيد نامت دلوقتي. وحتى لو منمتش ميهمنيش، أنا مبحبش حد يسألني بروح فين وبأجي منين.
ابتسمت له بأعجاب مغمغمة وهي تترجل من السيارة:
- إذا كان كده يبقى معنديش مانع أعزمك على حاجة. يلا بينا.
شعر بسعادة تعتريه وترجل من سيارته وسار برفقتها دالفًا إلى البناية، مقسمًا بينه وبين نفسه بأن يجعلها ملكه اليوم.
رواية طغيان قلب الفصل السابع عشر 17 - بقلم فاطمة محمد
سطعت الشمس و سطع نورها الذي ينير الأجواء. تسلل ليقتحم تلك الغرفة مسلطًا ضوئه على عينيها. فتحت عينيها بتثاقل تنظر بجوارها، فوجدت الفراش فارغًا. جالت بعينيها الغرفة فلم تره أو تلمحه. كادت أن تعود وتستكمل نومها مرة أخرى، ولكنها وجدته يدلف إلى الغرفة وبيديه منشفة يجفف بها خصلاته.
فأعتدلت قليلاً متمتمة بابتسامة:
- صباح الخير.
لاحت ابتسامة لعوبة على جانب وجهه وأجابها بهدوء:
- صباح النور يا جميل.
- صاحي من بدري؟
وقف عدي أمام المرآة ينظر لصورتها بالمرآة، والتقط ساعة معصمه ينظر بالوقت فوجدها تخطت السابعة صباحًا.
- من نص ساعة بس.
اتسعت ابتسامتها ودفعت رأسها على الوسادة وهمهمت بهدوء لا يخلو من نبرتها المدللة:
- عدي أنا مش قادرة أقوم وعايزة أكمل نوم، اديني اجازة انهاردة.
التفت ينظر لها بنظرة متفحصة، منتشل قميصه من على الفراش مرتديًا إياه:
- وماله خدي اجازة انهاردة، مش هقولك لا.
اتسعت ابتسامتها ونهضت من على الفراش بلهفة وهي تسير على ركبتيها مقتربة منه، مقبلة إياه قبلة سريعة على شفتيه:
- حبيبي ربنا يخليك ليا.
حاوطها بذراعيه مقتربًا منها أكثر وأكثر وقال بمكر:
- إيه ده هي دي بس!!!
داعبت أزرار قميصه وتمتمت:
- تعالالي أنت بليل بس وأنا هروق عليك قلت إيه!؟
أماء لها برأسه محررًا إياها:
- وأنا موافق وجداً كمان.
***
جالسة على الفراش وهي على أتم استعداد، تطلع أمامها بغضب تفرك يديها ببعضها البعض، تهز قدميها بقوة مخمنة سبب غيابه عن المنزل. فهي على يقين تام بأنه قضى ليلته داخل أحضان أحدهم. فكم تملكها الغضب بتلك اللحظة وشعرت بمشاعر سوداء تكاد تظلم الدنيا من حولها.
فمن يكون هو حتى يتجرأ على خيانتها بذلك الشكل المهين؟ متذكرة تلك الأيام والليالي التي ظل بها يجري خلفها يتلهف لنظرة من عينيها. والأسوأ عدم رغبته في الإنجاب منها.
و بتلك اللحظة تحديداً تأكدت بأنه شخص هوائي لا يحب سوى نفسه، فكلما رأى فتاة يسعى خلفها، متناسياً من وعدها بالعشق والحب الأبدي.
نهضت من على الفراش واقتربت من الشرفة وهي توعد له، فلن تسمح له بأن يكرر معها ما فعله مع زوجته السابقة. فهي لن تكون كحورية وستسعى لتشفي غليلها، وذلك سيحدث اليوم وسترغب برؤية ألمه على غياب أطفاله.
ولج إلى الغرفة فاستمعت لصوت الباب وهو يغلق، فتجاهلت وجوده. فأقترب منها وصاح بلهجة باردة:
- جاهزة؟
التفتت تنظر له بعدما أخفت غضبها وحل محله حزن وألم، فأماءت له بخفة متمتمة بخفوت شديد:
- جاهزة يا عدي، جاهزة.
***
فتحت جفونها بتثاقل ورفعت رأسها تطلع لذاك الذي يحاصرها بذراعيه. فاخفضت رأسها مرة أخرى وابتسامة ترتسم على محياها وأحداث أمس تتدفق برأسها وغيرته عليها التي أشعرتها بأنوثتها.
لمست يديه ورفعت كفه تجاه فمها مقبلة إياه بحنان وهدوء شديد حتى لا يوقظه من نومه.
رفعت رأسها مرة أخرى تريد أن تملأ عينيها منه ومن ملامحه العاشقة لها منذ أن رأته، راغبة بلمس تلك اللحية التي تزين وجهه وتزيد من وسامته.
شهقت بصدمة عندما وجدتـه مستيقظًا ينظر لها بعينيه المزينة ببريق مشاعره.
ازدردت ريقها وقالت بخفوت:
- أنت صاحي من امتى؟
اقترب من رأسها وقبلها بنهم على جبينها متمتم بصوت حنون دافئ كمشاعره:
- من بدري... من قبل ما أنتي ما تصحي... بتأمل ملامحك... أنا مش عارفة أشبع منك يا وجد... حاسس إني مش عايز أقوم من جنبك... عايز أفضل جنبك... مش عايزك تبعدي عني ولو ثانية... امبارح رجعت بدري عشان أقعد شوية معاكي ولما شفتك واقفة مع رائف مش عارف إيه اللي حصلي... أنا واثق فيه بس بغير عليكي يا وجد.
استمعت لحديثه بشغف ولمعت الدموع بعينيها، فرفعت يديها محاوطة وجهه، وأنفاسه اللاهبة تصفع أعلى وجهها، أسندت جبينها على جبينه مغمغمة بحب صادق:
- أنا مش مصدقة لحد دلوقتي إننا بقينا سوا، أنا حاسة إني بحلم يا داغر، حاسة إني في حلم جميل مش عايزة أصحى منه.
قاطعها قائلاً بهمس:
- مش حلم يا وجد، دي حقيقة وإحنا فعلاً مع بعض.
أنهى كلماته وهو ينحني تجاه شفتيها ملتهمًا إياهم، ينهل منها ما تمناه وتاق إليه كثيرًا.
***
- ندى... ندى.
صدح صوتها وهي تنادي باسم أختها الصغيرة:
- يا ندى تعالي خرجي معايا الفطار، أنا عايزة أنزل عشان عايزة أشوف زين وزياد واتكلم مع جدهم هو اللي ممكن يقدر على عدي ويقنعه ويخلي الولاد معايا.
دَلفت ندى إلى المطبخ مستجيبة لها:
- تصدقي صح، أكيد عمو سلامة اللي هيقدر يقنع عدي، إزاي مكلمتيش معاه لدلوقتي.
زفرت حورية وهمهمت وهي تخرج خارج المطبخ حاملة إحدى الأطباق بيديها:
- مكنتش حابة أدخل حد بس عدي زودها أوي وأنا عايزة ولادي يبقوا في حضني أنا مش مرتاحة وهما بعاد عني، أنا محدش حاسس بيا، أنا يمكن بتكلم وباينة إني عادي بس أنا جوايا نار وهم بعاد كده أنا قلبي بيوجعني من بعادهم.
أنهت كلماتها وهي تضع الطبق على الطاولة ملتفتة تجاه شقيقتها:
- ندى أنا هروح دلوقتي أقابله أنا مش قادرة أستنى.
- طب استني أجي معاكي.
أجابتها برفض قاطع وهي تفتح باب المنزل حتى تغادر:
- لا هروح لوحدي.
شهقت بخوف عندما وجدته أمامها ويداه معلقة، فكاد أن يطرق الباب بتلك اللحظة التي فتحت بها باب المنزل:
- هتروحي لوحدك فين بالضبط!!!
تنفست الصعداء مغمغمة وهي تمر بجواره مغلقة الباب من خلفها بوجهه.
- ملكيش دعوة يا عمر.
قبض على ذراعيها منعها من استكمال سيرها ونزولها من أعلى الدرج:
- هو إيه اللي مليش دعوة، أنا لما أسألك تجاوبي، أنا خايف عليكي!!!
تشتت تفكيرها من كلماته وما يفعله معها واهتمامه بها الزائد عن حده.
فدفعته بعيداً عنها وعيناها تجول من حولها تتأكد من خلو الطابق وتمتمت بخفوت خافت:
- أنت عايز مني إيه؟ بتدخل في حياتي ليه بالطريقة دي؟
رفع يديه ومسح وجهه وقال بغموض:
- انتي لسه مفهمتيش أنا بعمل معاكي كده ليه، ولا انتي فاهمة وبتستعبطي يا حورية؟
كزت على أسنانها وهمهمت:
- أنا بستعبط ولا أنت، أنت عارف إني مطلقة وعندي ولاد وأن...
قاطعـت كلماتها وكان صدرها يعلو ويهبط بقوة.
انزلقت نظراته إلى صدرها الذي يرتفع وينخفض بسرعة شديدة فقال:
- اهدى يا حورية أنا معملتش حاجة لكل اللي انتي عاملاه ده. أنا مش عايز أتسلى ولا عايز أضيع وقت. أنا ناضج كفاية عشان أبقى عارف عايز إيه ومش عايز إيه. وأنا عايزك يا حورية وبحبك، فاهمة يعني إيه بحبك.... يعني عايز أقضي بقية عمري معاكي... عايزك تبقي مراتي حلالي يا حورية.... إنتي مغبتيش عن بالي من يوم ما شوفتك.
قاطعته وهي تشعر بأن قدميها بالكاد تحملها:
- متكملش يا عمر، متكملش أرجوك. أنا مش حابة أسمع أي حاجة منك وهعتبر نفسي مسمعتكش، ويا ريت تبعد عني أرجوك.
تشنجت عضلاته وارتعش صدغه وهو يجيبها من بين أسنانه وعيناه تفضح أمره:
- مقدرش يا حورية، مقدرش. أنا مش بعد ما لقيتك عايزاني أسيبك. أنا آسف يا حورية بس أنا مش هبعد.
احتـدت عيناها وقالت بقسوة:
- يبقى أنا اللي هبعد يا عمر، أنا اللي هبعد وبطل تيجي ورايا في كل حتة. متحسسنيش إنك حارسني، أنت كنت بتخنقني، أنت سامع؟
تحركت من أمامه سريعًا، فأخذ نفسًا طويلًا مغمضًا عينيه يعاهد نفسه ألا يستسلم أبداً.
صدح رنين هاتفه، فأخرجه مجيبًا عليه بعدما وجده شقيقه:
- أيوة يا إيهاب؟
- أنت فين يا عمر، إحنا وصلنا وأنت مش موجود. معقول كده؟
تنهد عمر ورسم ابتسامة بسيطة متمتم:
- لا مينفعش طبعاً، أنا جاي يا إيهاب.
***
جالس بجوار والدته النائمة والتي ارتفعت حرارتها ليلة أمس، وجلب لها الطبيب الذي وصف لها دواءً. فظل طوال الليل بجوارها والقلق ينهش قلبه، يخاف عليها. يخاف أن يفقدها. وبشدة، فمهما كانت أفعالها وأسلوبها، تظل والدته التي يحبها رغم عنه.
التقط مقياس الحرارة وقاس لها الحرارة فوجدها قد انخفضت، فتنهد براحة ورفع يديه يمسح على خصلاته غير المهندمة وعيناه لا تفارقها.
اقترب منها ومسك يديها مقبلًا إياها بحنان، ونهض بجوارها حتى يأخذ حماماً دافئاً. وبعد مرور بعض الوقت خرج من الحمام واتجه تجاه غرفته وهو يبحث عن هاتفه.
كاد أن يمسكه فوجده لا يتوقف عن الرنين، فأجاب على شقيقته التي صاحت بأذنيه والقلق الممزوج بغضب يغلف صوتها:
- أنت بتستعبط يا إسلام، أنا بكلمك من امبارح مش بترد ليه؟ أنا قلقت عليك، وبعدين على أساس هتيجي عشان تشوف وجد.
- اهدى يا آلاء، أنا معرفتش أجي امبارح، ماما كانت تعبانة جداً ومقدرتش أخرج وأسيبها وفضلت قاعد جنبها ومجاش في دماغي خالص إني أكلمك، أنا آسف إني خليتك قلقتي عليا.
دق قلبها بعنف حتى ظنت بأنه سينفجر قائلة بصوت متقطع:
- مالها؟ تعبانة؟ عندها إيه؟
- حرارتها علت مرة واحدة امبارح، جبتلها دكتور قال لي دور برد شديد وكتبلي على أدوية، جبتهالها وفين وفين على ما نزلت حرارتها.
- طب هي أحسن دلوقتي؟
تنهد براحة:
- آه الحمد لله أحسن كتير.
صمتت قليلاً وقالت دون أي مقدمات:
- إسلام أنا جايلكم عشان أطمن عليها وأقعد معاها شوية.
اتسعت ابتسامة إسلام وقالت بحنان:
- آلاء متضغطيش على.
قاطعته قائلة:
- متقلقش عليا يا إسلام، يلا مسافة الطريق وهاكون عندك.
***
جالسة على مضض تشعر بنظرات الجميع المصوبة تجاهها، تلعن نفسها لاستماعها لحديثه وموافقتها على تناول الإفطار مع العائلة.
فصاح سلامة محاولاً تغيير ذلك الجو الذي سيطر عليه التوتر:
- مبتأكليش ليه يا بنت أخويا، ولا أقول يا مرات ابني؟
رمقت وجد داغر بنظرة سريعة وأجابت عمها بابتسامة مكلفة:
- أي حاجة يا عمي، اللي تحبه.
ابتسم لها سلامة، فابتلعت ريقها ونهضت عن الطاولة. فسألها داغر بلهفة:
- رايحة فين يا وجد؟ إنتي مأكلتيش حاجة.
رمقت الجميع بنظرة سريعة وقالت باقتضاب:
- هطلع أجيب ولاد حورية وأطلع في الجنينة شوية.
أماء لها داغر فأرتسمت ابتسامة جانبية على وجهه. رائف الصامت عندما رأى اقتراب الخادمة وبيديها تلك الباقة وتلك العلبة المحتوية على أفخم أنواع الشوكولاتة:
- وجد هانم، الورد والعلبة دي جايين لحضرتك.
ابتلعت وجد ريقها بتوتر وهي تأخذ منها كل من الورد والعلبة، فداغر على وشك أن يكشف ذلك الأمر الذي أخفته عنه.
نهض داغر من مكانه والتقط ذلك الورد بملامح متجهمة، فمن ذلك الذي يرسل ورد لزوجته؟ أخرج ذلك الكارت وسريعاً ما قرقشه داخل قبضته عندما قرأ محتواه الذي لم يختلف عن سابقه. فرمق الخادمة وسألها بعينين مشتعلتين ونار جحيمية بثّت الرعب بقلبها:
- مين اللي بعت الورد والعلبة دي؟
انتفضت الخادمة وأجابته بصدق:
- مش عارفة والله، ده واحد سلمهولي وقال لي إنهم لوجد الهلالي.
انتشل تلك العلبة من يديها واتجه تجاه النافذة تحت مراقبة الجميع، وقامت بدفعهم من النافذة صارخاً بالبواب الذي وصل إليه صوته الغاضب الجهوري:
- بعد كده أي حاجة تيجي لوجد تعدي عليا الأول، أنت فاهم؟
أنهى كلماته وهو يدلف من الشرفة ويحاول تهدئة روعه، يتطلع لوجد المتوترة بنظرات مخيفة تراها لأول مرة.
رأت آلاء التي كانت تهبط درجات الدرج صارخة ذلك، فرمقت رائف بنظرات مشتعلة، فانتبه رائف إليها، فظل يرمقها وابتسامة جانبية على محياه.
ظل يطلعون ببعضهم ثوانٍ وعينيهم لا تنزاح، فكانت نظراتها تعبر عن غضبها، أما نظراته فلم تستطع تمييزها، أهي تحدي، عناد، أم حزن؟
غادرت بصمت من أمامهم مفضلة عدم التدخل بالوقت الحالي، فلحق بها رائف للخارج ونادى عليها:
- آلاء... آلاء.
توقفت آلاء عن الحركة أمام باب المنزل والتفتت تنظر إليه بحركة سريعة قائلة بغضب:
- ورحمة أمي يا رائف، وحياة أمي لو موقفتش اللي بتعمله ده، هقول لوجد وداغر، والعيلة كلها ويشوفوا حركاتك السخيفة دي.
تجاهل تهديدها المباشر وصاح ببرود متأملاً ثورة غضبها:
- إنتي رايحة فين؟
أجابته بتلقائية وهي تغادر من أمامه:
- وانت مالك، خليك في حالك.
كادت أن تخطو خطوة واحدة فوجدته تحرك سريعاً وواقفاً أمامها مباشرة عائقاً حركاتها مغمغماً:
- بقولك رايحة فين؟
أجابته بأنفاس تخرج متهدجة أثر غضبها واقترابه ذلك:
- أظن إني جاوبتك، ولا أنت مب تسمعش؟
بلل شفتيه وقال وهو يتحرك أمامها:
- طب يلا عشان هوصلك وفي الطريق هتقوليلي رايحة فين!
ظلت تطلع له بصدمة لا تستوعب أفعاله الغريبة بالنسبة لها، فتجاهلته محركة رأسها نافضة حديثه وضاربة إياه عرض الحائط.
فوجدته يقبض بشدة على معصمها معتصرًا إياه وجذبها معه وأجبرها على صعود السيارة مغلقاً الباب من خلفها.
صعد بجوارها وأدار السيارة ونظر لها قائلاً:
- قولتيلي بقى رايحة فين؟
رمقته بغيظ وتأففت قائلة:
- اووووف بقى.
***
بسيارة عدي.
كان يرمقها بنظراته من حين لآخر أثر بكائها ونحيبها الذي لا يتوقف، فضرب مقود السيارة بيديه صارخاً بها:
- ما تسكتي بقى، إنتي مش هتبطلي عياط؟ متفكريش إنك هتعرفي تأثري عليا بدموعك دي، أنا محدش يعرف يأثر عليا، وبعدين إنتي عايزاه أوي كده ليه؟
استدارت نحوه تحدق به بترجٍ:
- عدي عشان خاطري، أنا مش عايزة أنزله، وبعدين العمليات دي بتبقى خطر، إنت كده بتضحي بيا، إنت إزاي عايز تعمل فيا كده؟ إنت مفيش في قلبك رحمة يا عدي، بقولك نفسي في الولد. أنا طول عمري عايشة لوحدي، الولد ده هيغير حياتي وهيغيرني، بلاش تعمل فيا كده أرجوك.
ابتسم بسخرية:
- هو أنا مش لسه قايلك إن محدش بيعرف يأثر فيا يا مي؟
- منكرش إني بحبك.
وقاطعته مرددة كلماته بسخرية وهي تشير تجاه نفسها:
- بتحبني؟ إنت كده بتحبني؟ هو ده الحب بالنسبالك يا عدي!!! عايز تموت ابننا وبتعرض حياتي للخطر وبتخوني وبتقولي بتحبني؟
حدق بها بغموض، فاكملت:
- إنت شايفني عبيطة يا عدي؟ أنا عارفة كويس أوي إنت لسه مرجعتش البيت امبارح. مع الأسف كنت فاكراك بتحبني بس إنت طلعت مبتحبش غير نفسك وبس يا عدي.
صدح رنين هاتفه، فوجده داغر، فأجاب عليه قائلاً:
- أيوة يا داغر؟
- عدي زياد وزين اتخطفوا، ومتسألنيش إزاي، أنا كلمت البوليس، إنت فين؟
أوقف السيارة بسرعة الفهد مغمغماً بصدمة وخوف حقيقي:
- إنت بتقول إيه يا داغر؟!!!!
يتبع
رواية طغيان قلب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطمة محمد
ولج مهرولًا داخل المنزل، ومي خلفه تحاول اللحاق به.
أقترب من داغر الذي يلوح على وجهه القلق والخوف على أبناء شقيقه. فصرخ عدّي بعدما التقطت عيناه شقيقه الذي اقترب منه محاولًا أن يواسيه ويهدئ من روعه.
فصرخ عدّي مستفسرًا عما حدث، ودقاته تدق بعنف، غير منتبهًا لبكاء تلك الجالسة بجوار وجد، تبكي بحسرة وشهقات مكتومة لا تستطيع منعها منذ أن خطت قدميها إلى هنا لمقابلة سلامة وتفاجأت باختفاء أطفالها.
"ولادي فين يا داغر؟ إيه اللي حصل؟ أنا عايز أفهم!"
رفع داغر يديه يربت على كتفيه، متحدثًا بنبرة أراد بها أن يطمئنه.
"متقلقش يا عدّي، إن شاء الله هيرجعوا وبخير، وخليك واثق من ده."
نهضت حورية بعنف، مقتربة منه، وتنفسها الهائج يعم الأرجاء، ولون وجهها أصبح باهتًا كمن يوشك على الإغماء.
"ولادك!!! بقى بالذمة مش مكسوف من نفسك؟ أنا مش طايقة أبص في وشك، مش طايقة أشوفك قدامي. أنت السبب، ولادي لو كانوا معايا مكنش حصل اللي حصل. ورحمة أبويا يا عدّي، لو ولادي جرالهم حاجة، عمري ما هسامحك. عمرررري."
صرخ بها عدّي بعدما احمر وجهه من شدة الانفعال واسودت عيناه، وضم قبضته بغضب، صارخًا بها على مرأى من الجميع.
"إنتي تخرسي خالص! أصلًا إنتي السبب في كل ده. لو كنتي أم عدلة كنتي فضلتِ جنبهم، مكنتيش فضلتِ نفسك. بس إزاي؟ لازم تثبتيلي إن كرامتك فوق أي شيء."
وقف داغر بينهم، مبعدًا عدّي عنها بعض الشيء، قائلًا:
"عدّي، حورية، مينفعش اللي بتعملوه ده. ده أصلًا مش وقته خالص."
رفعت مي يديها تربت على كتفيه، مؤيدة حديث داغر:
"داغر معاه حق يا عدّي. وبعدين أنت لازم تهدأ وتهدي أعصابك شوية، وإن شاء الله هيرجعوا بيتهم ولحضننا من تاني."
حدقت بها حورية بعينيها الدامعة لعدة ثوانٍ، وهناك شعور قوي يعتريها مخبرًا إياها بأن من أمامها سببًا لما حدث. فمن غيرها سيكون وراء اختفاء أولادها؟ فمن المؤكد بأنها تريد التخلص منهم، متذكرة مؤامرتها مع أمير لتفرق بينها وبين عدّي.
أومأت برأسها عدة مرات، وهي تقترب منها، وبحركة مفاجئة جذبتها من خصلاتها، تصب جام غضبها فيما تفعله.
"إنتي اللي ورا خطفهم صح... ولادي فين؟ انطقي!"
تأوهت مي بألم، ورفعت يديها محاولة تخليص خصلاتها من قبضتها، هاتفة:
"آه آه شعري يا مجنونة إنتي!"
اقتربت كل من وجد وهدى، محاولين تخليص مي من قبضة حورية. أما سعاد فظلت مكانها ودموعها تنهمر خوفًا من أن يحدث مكروهًا لأحفادها، فقلبها يخبرها بأن هناك كارثة سوف تحدث لهم.
زفر عدّي وجذب يد حورية، وقام بدفعها بقوة لتبتعد عن زوجته، مزمجرًا فيها بشراسة، قائلًا:
"بس بقى، إنتي ظاهر عليكي اتجننتي."
رمقته وجد بغضب، وكذلك داغر الذي دهش من تصرف أخيه الفظ، فمنذ متى وهو يتصرف بذلك الأسلوب الوحشي.
أما حورية فلم تندهش كثيرًا، فهي أصبحت تتوقع منه الأسوأ، ولكن ما زاد غضبها هي تلك الابتسامة الشامتة التي ارتسمت على وجه مي، فارتسم الحنق على وجهها، وصرخت بها وهي تقترب منها مرة أخرى.
"ولادي فين؟ اتكلمي!"
أغمض عدّي عينيه، وصرخ:
"داغر، خليها تمشي من هنا، أنا مش ناقص."
"أمشي!!! إنت أهبل ولا جرا في عقلك حاجة؟ دول ولادي، فاهم يعني إيه ولادي؟ أنا اللي شيلتهم في بطني، أنا اللي كنت مستنياهم بفارغ الصبر، أنا اللي تعبت في حملهم، وكنت بقعد أتكلم معاهم. أنا اللي بفضلهم على نفسي، مش العكس."
أنهت كلماتها وهي تسدد له الضربات على صدره.
كز على أسنانه، وقبض على يديها التي تسدد له اللكمات، معتصرًا إياهم بين قبضته، قائلًا بين أسنانه:
"كفاية، كفاية بقولك."
ابتسمت بوجع، وانتشلت يديها من قبضته، قائلة:
"طب اسمع بقى يا أستاذ عدّي، المفاجأة اللي عندي ليك. شايف الحلوة اللي إنت اتجوزتها دي؟ متسلطة عليك، وعارف من مين؟ من أمير. فاكرة ولا مش فاكرة؟"
ضيق عينيه متذكرًا ذاك أمير الذي لطالما كان غريمًا له، محاولًا الحصول على حورية.
فأسترسلت إكمال حديثها، مغمغمة:
"سلطها عليك عشان يكرهني فيك، وبصراحة أحسن حاجة عاملها عشان أعرفك على حقيقتك. رغم كل اللي عملته معايا ومعاملتك اللي زي الزفت، بس مكنتش عارفة أكرهك. بس بعد ما عرفت حقيقتك وعرفت قد إيه عينك زايغة ومعندكش لا عزيز ولا غالي، كرهتك يا عدّي. كرهتك من كل قلبي. وولادي لما يرجعوا إن شاء الله، أنا مش هسيبهم تاني. ولادي مش هيفارقوا حضني. وانت شوف بقى هتعمل إيه مع الهانم دي، هتكمل معاها ولا هتشوف واحدة غيرها أحلى وأغنى وتعرف تظهر بيها قدام الناس..."
اتسعت عين مي، وسيطر الزعر عليها، وقالت بنبرة منفعلة:
"إنتي بتقولي إيه؟ إنتي وأمير مين ده؟ أنا معرفش واحد اسمه أمير."
التفت عدّي، ورمقه بنظرة بثت الرعب بداخلها، فازدردت ريقها بخوف، فعاد يحدق بحورية مرة أخرى، وصاح وهو يخرج هاتفه، متجاهلًا حديث حورية عن مي:
"أنا أعرف واحد هيقدر يخدمني، هكلمه وأشوف هيعمل إيه. أنا ولادي لازم يباتوا في حضني الليلة دي."
تنهدت مي براحة. فحركت حورية رأسها، وابتسامة سخرية ترتسم على محياها. فهمست وجد:
"مفيش فايدة، ديل الكلب عمره ما هيتعدل."
أجرى عدّي تلك المكالمة، وبعدما أغلق مع صديقه، نظر تجاه داغر متمتمًا وهو يجلس على الأريكة بإنهاك بجوار مي، التي ترمق حورية المتألمة بغل ممزوج بسعادة:
"إنت مقلتليش ولادي اتخطفوا إزاي يا داغر؟"
أجاب داغر على مضض:
"كانوا في الجنينة مع وجد، وسابتهم يلعبوا ودخلت تجبلهم فطار عشان تفطرهم. رجعت ملقتهمش."
عض على شفتيه، ورفع حاجبيه، وظهرت بسمة على جانب وجهه، لاحظتها وجد فقط.
"بيت جبينها قائلة: "إنت بتضحك على إيه؟ هو قال حاجة تضحك؟"
رفع عدّي عينيه ينظر لها، قائلًا بتهكم وهو يشير تجاه وجد وحورية:
"لا، مقالش حاجة تضحك. بس عارفة يا وجد، لو عرفت إن ده ملعوب منكم إنتوا الاتنين، هعمل فيكم إيه."
ضرب داغر على الطاولة بيديه بعدما نفذ صبره مما يفعله شقيقه وتهديده الصريح تجاه زوجته وحورية:
"عدّي، كلمة كمان وهنسى اللي إنت فيه. وجد وحورية ميعملوش كده، إنت فاهم."
فصاحت هدى، التي تربت على يد سعاد، محاولة أن تواسيها بذلك الظرف الذي تتمنى أن لا توضع به:
"خلاص يا ولاد بقى، مش وقته الكلام ده."
***
خرج من أحضان أخيه بعدما رحب به ترحيبًا حار. فغمغم بابتسامة وعيون يشوبها بعض الحزن لما سمعه من كلمات لاذعة خرجت من فوه من عشقها وذاب بها.
"والله وليك وحشة يا إيهاب. أخبارك إيه؟"
ابتسم له إيهاب وقال بنظرات متفحصة بعدما اتجه باتجاه الأريكة وجلسا عليها حتى يتسامرون، يقصون همومهم لبعضهم البعض. فل طالما اعتبره عمر والده وليس شقيقه، وذلك لفارق السن بينهم والذي يتخطى خمسة عشر عامًا.
"مالك يا عمر؟ إيه الحزن اللي أنا شيفاه ده؟ أحكي لي، فيه إيه... من إمتى وإنت كده؟"
تنهد عمر طويلًا، وساد صمت ثقيل، ربما أطول مما ينبغي، ينظر أمامه شاردًا في اللاشيء.
ربت إيهاب على كتفيه مشجعًا إياه على الحديث وإخراج ما بداخله من هموم تلوح على وجهه.
"إتكلم يا عمر، أنا سامعك."
أغمض عمر عينيه بضعة ثوانٍ بعدما خارت قواه، وصاح:
"أخويا... طب ووقع على بوزه يا إيهاب."
لاحت ابتسامة على وجه إيهاب، وقال بهدوء:
"طب وإنت زعلان عشان طحت، ولا في حاجة تانية؟"
حدق به عمر، وزفر بقوة، متمتمًا:
"عايزاني أبعد عنها يا إيهاب، مش عايزة تدي علاقتنا فرصة. أنا بحبها وهفضل أحبها. أنا شفت وقابلت كتير، بس عمر قلبي دق لواحدة فيهم. ومش بعد ما حصل وحبها وعشقها، عايزة تبعد بسهولة كده. أنا مستعد أعمل أي حاجة بس هي توافق."
قاطعه إيهاب بفضول:
"طب اتكلمت معاها؟ عرفت إيه سبب رفضها؟"
أومأ له برأسه، ناظرًا أمامه بعينين خاليتين من الحياة.
"أنا عارف يا إيهاب، عارف من غير ما أسألها. وعارف إنها بتعمل كده عشان ولادها، وده أكتر..."
قاطعه إيهاب بإشارة من يديه، وهمغم بتساؤل:
"لحظة، هي متجوزة؟"
"لأ طبعًا، مطلقة يا إيهاب، بس ده ميعبهاش ولا يعيب أي واحدة."
أومأ له إيهاب بتفهم، وقال بتأييد لحديثه:
"أكيد يا عمر. ومدام إنت بتحبها، يبقى خليك وراها ومتستسلمش وحارب عشان حبك."
أطلق شهيقًا، متمتمًا بإصرار:
"هيحصل يا إيهاب، هيحصل. أنا بحبها ومش هستسلم، ومستعد أحارب وأعافر لحد ما تبقى مراتي وحبيبتي."
***
فتح إسلام باب المنزل، فوجد آلاء أمامه وبرفقتها رائف، فأبتسم ببشاشة وقال:
"يا هلا يا هلا، آلاء ورائف الاتنين جايين يزوروني."
كزت آلاء على أسنانها، ودلفت المنزل جاذبة إسلام من ذراعه، مغمغمة بخفوت وصل لمسامع رائف:
"خليه يمشي، أنا مش طايقة أشوفه. وقولتله الكلام ده وبرضو مصمم و لازق فيا يا إسلام."
ولج رائف المنزل وأغلق الباب من خلفه، واقترب منهم منحنيًا براسه بعض الشيء، يستمع لحديثهم الخافت:
"إنتوا بتقولوا إيه؟"
ابتسمت شفتاها دون عيناها، مغمغمة:
"إنت لسه هنا؟ إيه ناوى تبات ولا إيه؟ مش خلاص وصلتني؟ اتفضل بقى."
طرق أنفه، وتقدم داخل المنزل تحت أنظار آلاء الغاضبة المشتعلة، وإسلام الذي يكتم ابتسامته على أفعالهم الطفولية.
جلس على الأريكة، ومط جسده وهو يحرك منكبه العريض يتثاءب:
"إسلام، اعمل لي فنجان قهوة وحياة أبوك يا شيخ. وإنتي يا آلاء، ادخلي شوفي طنط فاتن."
اقتربت منه آلاء، وصاحت بانزعاج:
"قهوة إيه وبتاع إيه؟ إنت تقوم تمشي! أنا واحدة عايزة تقعد مع أخوها شوية."
تنهد، وقال ببرود:
"وأنا واحد وعايز أقعد مع ابن عمي، يعني مش لوحدك."
زفر إسلام، وقال بجدية مصطنعة:
"ما خلاص بقى، صلوا على النبي. اومال أنا هدخل أعمل قهوة، وإنتي خشي شوفي ماما يا آلاء، أنا متأكد إنها هتفرح أوي لما تشوفي."
هدأت من روعها، وأردفت بنبرة خرجت حادة دون إرادتها:
"يا إسلام، افهم. أنا مش طايقة أشوفه. إنت متعرفش عمل إيه."
قطب إسلام جبينه، وقال بتساؤل وهو يرمق كلاهما بنظراته:
"عمل إيه يا آلاء؟"
ابتلعت ريقها، واستدارت تنظر لها بضيق، فأشار لها بيديه حتى تجيب على تساؤل شقيقها.
أخذت نفسًا طويلًا وزفرته على مهلٍ، وأولته ظهرها، قائلة بحيرة:
"في أنهي أوضة يا إسلام؟"
أشار لها إسلام تجاه إحدى الغرف، فتحركت باتجاهها، دالفة إياها، مغلقة الباب بهدوء، بوجه من ظل يتابعها بنظراته. وما إن أغلقت الباب حتى انفرجت شفتاه عن ابتسامة هادئة.
***
ظلا جالسين مكانهما ينتظرون أي خبر، وتغمرهم حالة من الحزن الشديد. فما زال القلق والخوف هما الذين يسيطران على الأجواء المتوترة، التي لا تخلو من نظرات مي المختلسة تجاه حورية، التي لا تنقطع دموعها.
فكم تراها حمقاء وساذجة، لم تستطع إنقاذ زواجها. وترى نفسها ذات ذكاء خارق. فكيف أوقفته اليوم عما يريد فعله، وستجعل أطفاله يختفون عن الأنظار حتى ينتهي الوقت المحدد لإنزال الجنين، وبعدها ستجعل هؤلاء الرجال يتركون الأطفال، وبذلك ستضعه أمام الأمر الواقع.
صدح رنين هاتف عدّي، فالتقطه بلهفة من على الطاولة، مجيبًا عليه:
"ألو."
"أهلاً عدّي بيه."
"إنت مين؟"
"محسوبك عبده، وأنا اللي خطفت ولادك، ولاد الحسب والنسب."
ابتلع عدّي ريقه، ونهض من مكانه. فنهضت حورية من مكانها، واقفة بجواره، ودموعها الحارة تسيل كما لم تسل من قبل.
"إنت عارف أنا ممكن أعمل فيك إيه؟ أنا ممكن أنسفك."
وقاطعه عبده مزمجرًا فيه بخشونة:
"أعصابك يا بيه، وبلاش الدخلة دي. إنت رقبتك تحت إيدي، وولادك عندي. عايزهم يبقى تدفع. أنا سمعت إنك متريش على الآخر، وبصراحة خليت بالاتفاق اللي كان بيني وبين اللي ليه مصلحة في خطف عيالك. فادفع لي أسلمهم لك."
كز عدّي على أسنانه، وغمغم:
"عايز كام؟"
اتسعت ابتسامة عبده، ورفع يديه يمسح على صدره أسفل قميصه:
"أنا مش هبقى طماع. أنا عايز ٢ مليون، كل محروس فيهم بمليون، ومظنش إنه كتير، ولا إيه؟"
"اديني وقت لحد الصبح، أكون حضرت لك الفلوس."
أومأ برأسه، مغمغمًا بسعادة:
"وماله، استنى مني تليفون الصبح أقولك فيه على المكان. بس عشان تبقى عارف، أي حركة غدر هتقول على ولادك. يا رحمن يا رحيم."
أغلق عدّي الهاتف. فسريعًا ما صاحت حورية بلهفة:
"قولي، قالك إيه؟"
"عايز اتنين مليون ويسلمهم."
تنهدت حورية، ووضعت يدها على فمها، وابتسامة بسيطة تلوح على وجهها، وكذلك الجميع، الذين بدأ يتغلغل شعور طفيف من الراحة بداخلهم.
أما مي، فأرتعدت من داخلها، وكانت حالتها لا توصف، جالسة بمكانها لا تصدق ما حدث، وخيانته وبيعه لها بتلك الطريقة. فبفعلته تلك خرب لها مخططها، فأغمضت عينيها لوهلة، تلعنه وتلعن أمير الذي اختفى ولا تعلم عنه شيئًا.
فأزدردت ريقها، ورفعت يديها تدلك مؤخرة عنقها، تفكر بحل ما لتلك المعضلة.
***
وقفت أمامه وهي تراه جالسًا أمام إحدى لوحاته وفرشاته الملطخة بالألوان القاتمة بين أصابعه. فعقدت يديها، وقالت:
"إنت مبتردش عليا ليه؟ هو أنا مش اتصلت عليك كتير؟ والمفروض تفهم إني عايز _ _ _ _ _ _ _."
تجاهلها حسام، وظل يتطلع بتلك الرسمة أمامه، ولكن لم يغيب عن عينيها غضبه الجام الذي صبه بتلك اللوحة أمامه.
فتنهدت، وتحركت بالمكان من حولها، تراقب رسوماته. ولفت انتباهها تلك اللوحة الموضوعة بإحدى الزوايا ومغطاة بالكامل. فسارت ناحيتها، ومدت يديها منتشلة ذلك الغطاء من عليها، فازدادت خفقاتها عندما وجدتها لغريمتها، والتي لا تزال تنافسها على قلب معشوقها.
فظلت تتأمل اللوحة، فاستدارت تنظر إليه، وهي تغمغم بغيرة واضحة:
"أنا أحلى على فكرة."
رفع عينيه يتطلع لها، وسريعًا ما امتعضت ملامحه، واشتعلت بنيران سوداء تبث الرعب بالقلوب.
تيبست ساقاها، وهي تراه يقترب منها بخفة الفهد الذي يستعد للانقضاض على فريسته.
قبض على ذراعيها، صارخًا بها، وعينيه تطلق شرار:
"إطلعي بررررررره! مش عايز أشوفك. إنتي إيه؟ معندكيش كرامة يا بت انتي؟ مش طايقك، مش عايز أشوفك. لو آخر بني آدمة على وجه الأرض مش هحبك. إنتي متتحبيش، مفيش واحد يحب واحدة فيها مواصفاتك القذرة دي. إنتي فاكرة إنك لما تبينيلى قد إيه إنتي جريئة أنا هنشغل بيكي وهحبك؟ انسى، واطلعي بقى من حياتي، مش عايز أشوفك."
بتلك اللحظة، لم تستطع حبس دموعها، وانهمرت على وجنتيها بشدة، وشهقاتها تعلو رويدًا رويدًا. ورفعت يديها مزيلة دموعها، ناظرة بعينيه التي لاح بها التأثر بدموعها، وقالت من بين شهقاتها بشفتاه مرتعشة:
"بس أنا عايزة أشوفك. أنا بحبك يا حسام. مش هقدر أعيش من غيرك. أنا بنام وأصحى على صورتك. لو قدرت أطلعك من حياتي، مش هقدر أطلعك من قلبي."
سيطر الأندهاش الممزوج بالصدمة على وجهه، وسريعًا ما التوى فمه بابتسامة ساخرة مستنكرة أفعالها، قائلًا:
"مفيش فايدة فيكي برضو يا بنت الحلال. افهمي، أنا مش هقدر أبادلك مشاعرك. إنتي جميلة وأي حد يتمناكي، يبقى ليه تعلقي نفسك بيا؟"
اقتربت منه، وبحركة تلقائية عفوية منها، مسكت يديه محاوطة إياها بتملك، قائلة بحب:
"قولتلك عشان بحبك يا حسام، ومعنديش مانع أفضل مستنياك عمري كله. أنا مش عايزك تحبني بنفس الدرجة، لأنك مش هتقدر توصل لدرجة حبي ليك. بس أنا عايزك تديني وتدي نفسك فرصة يا حسام."
زفر حسام، وابتعد بضع خطوات، شاعرًا بالغضب من نفسه، فكم لمس حديثها قلبه، وهزت تلك اللمسة من يديها كيانه. فأراد الخضوع لها، يريد إعطاءها وإعطاء نفسه فرصة، ولكن لا يزال عشقه الوهمي لإنجي يمنعه من الاعتراف لنفسه بأنه ينجذب لتلك الفتاة.
فنظر لها، وقال بما يخالف قلبه:
"أنا آسف، مش هقدر. مش هقدر."
لم تيأس، ولم تمل، فماءت برأسها، مستعدة للمغادرة:
"وأنا كمان آسفة يا حسام، أنا مش هستسلم."
***
ظلت ترمقها بنظرات مدهوشة، وإمارات التعب ظاهرة على وجهها شاحن اللون. فابتسمت لها آلاء بابتسامة بسيطة:
"مستغربة ليه إني هنا؟ إنتي متوقعة إني ممكن أعرف إنك تعبانة ومأسألش فيكي؟ إنتي متعرفيش أنا بحبك إزاي. ده إنتي اللي مربياني."
رمشت فاتن بعينيها عدة مرات متتالية بعدما خفق قلبها بسبب حديثها. فل طالما كانت تعتبرها ابنتها مثلها مثل باسم وإسلام، رغم مكانة باسم بقلبها والتي تحظى بالنصيب الأكبر. ولولا ما حدث، ما كانت ابتعدت عنها.
فغمغمت آلاء وهي ترفع يديها تتحسس جبينها:
"الحمد لله، حرارتك نزلت. إنتي حاسة نفسك أحسن دلوقتي؟"
أومأت لها فاتن، وسيطر عليها شعور قوي، وهو رغبتها بضمها داخل أحضانها. فابتلعت ريقها، متذكرة تلك الأيام التي اعتنت بها أثناء مرضها.
فصاحت آلاء وكأنها تشعر بما يدور بخلدها:
"فاكرة وأنا صغيرة لما كنت بتعب كنتي بتعملي معايا إيه؟ كنتي بتفضلي قاعدة جمبي ومبتسبنيش. إسلام أول ما قالي إنك تعبتي مقدرتش مجيش وأشوفك."
فقالت فاتن بعتاب:
"لسه فاكرة تسألي عليا؟ ده إنتي معملتيهاش من أربع سنين."
"أقتربت منها، داخلة بأحضانها، دافنة رأسها بصدرها: "كنت تعبانة ومنهارة، مكنتش بخرج من أوضتي. بس من ساعة وجد ما رجعت وأنا اتحسنت."
أسودت عين فاتن، ورددت اسم وجد، متمتمة:
"وجد!!! هي رجعت؟"
رفعت آلاء عينيها تنظر لها، وأومأت برأسها، قائلة بصدق:
"ماما، خلينا ننسى اللي فات. وجد مأذتش باسم ولا أنا ولا إنتي. محدش فينا أذاه. هو اللي أذى نفسه بنفسه. وهو دلوقتي ميجوزش عليه غير الرحمة."
تنهدت الأخرى بوجع، ولمعت الدموع بعينيها. فل طالما أنبها ضميرها، شاعرة بأنها كانت إحدى الأسباب الرئيسية لما وصل إليه باسم. فلو كانت أوقفنه من البداية، لما حدث ما حدث.
نظرت لآلاء، التي ترمقها منتظرة إجابتها، وبداخلها شعور قوي يحسها على أن تتخلى عن حقدها وكرهها لتلك العائلة. فأسترسلت آلاء حديثها، وقالت:
"طيب، تعالي نعكس الأدوار، وخلنا نتخيل إن اللي حصل لوجد حصلي أنا وإني اتعرضت للاعتداء بالوحشية دي. كان هيبقى إيه موقفك يا ماما؟ أنا عارفة سبب كرهك لوجد، عارفة إنك مبتحبيهاش عشان بابا بيحب والدتها. بس ده مش ذنب وجد."
أومأت لها فاتن، ورفعت يديها تمسد على خصلاتها بحنان أموي. فأغمضت آلاء عينيها، وقبعت داخل أحضانها مرة أخرى.
طرق الباب، وصاحب دلف إسلام إلى الغرفة. فأتسعت ابتسامته وهو يرى شقيقته بأحضان والدته، فقال بمرح:
"إيه؟ جيت في وقت غلط ولا حاجة؟"
أشارت له فاتن حتى يقترب منها، وتأخذه بأحضانها هو الآخر، فأستجاب لها ابنها سريعًا، سعيدًا بذلك التغير.
أطل رائف برأسه، ووقف على باب الغرفة، سعيدًا بما حدث. وتعلق عينيه على آلاء، التي ما إن فتحت عينيها حتى امتعضت ملامحها، وقالت بحنق:
"إنت لسه هنا؟"
ابتسم لها، وأجابها على مضض:
"لأ، هناك."
خطى داخل الغرفة، وقال:
"عاملة إيه دلوقتي يا طنط؟"
أومأت له فاتن، وقالت بهدوء:
"الحمد لله."
ابتسم لها، وصاح:
"طيب، أنا وإسلام حضرنا أكل خفيف كده، هنحضر ونأكل كلنا سوا."
***
بتلك الغرفة التي يعمها الظلام الحالك، كان يتسطح على الأرضية الصلبة، ووجهه شاحب اللون، ملئ بالكدمات، ويشعر بإنهاك وتعب لم يشعر به من قبل، وبدأ الرؤية أمامه غير واضحة، وكأنه سيفقد وعيه.
دلف عمر الغرفة بعدما فتح الباب، وخطى بخطوات هادئة، ودنى لمستواه، ومعالم القسوة والبرودة ترتسم على وجهه، وقال:
"ها يا أمير، لسه مصمم على اللي في دماغك؟"
ابتلع أمير ريقه بصعوبة بسبب جفاف حلقه، وغمغم بضعف:
"لأ يا عمر، خلاص مش هقرب ناحيتها تاني. أنا أصلًا معرفش حد بالاسم ده."
ابتسم عمر بإعجاب، وقال:
"لأ، عجبتني. بس يارب تفضل على كلامك ده، ومتتغيرش لما أخرجك من هنا. بس نصيحة مني، بلاش اللعب معايا يا أمير، عشان أنا ممكن أوديك ورا الشمس."
حاول أمير النهوض، وبعد عدة محاولات نجح بذلك، وقال:
"صدقني مش هيتغير، وهبعد عنها. أنا أصلًا كنت ناوي أكسر عينها وأقضي معاها يومين وبعدين..."
قبض على فكه بقبضته الفولاذية، وتمتم من بين أسنانه:
"متكملش يا روح أمك. وحورية مش هي اللي تتسلى بيها. وزي الشاطر كده، عايزك تسافر، تبعد عن هنا خالص، مش عايز ألمحك."
أومأ له أمير باستسلام، وقال:
"من غير ما تقول، أنا كنت هعمل كده. هسيب البلد بحالها."
ابتسم عمر بانتصار، ونهض من مكانه، وخرج خارج الغرفة، وآمر رجاله بأن يتركوه.
***
وفي صباح اليوم التالي.
وفي إحدى البنايات المهجورة، كان عدّي يقف بمواجهة عبده. فصاح عبده بابتسامة:
"أهلاً يا بيه، حضرت الفلوس؟"
أومأ لها عدّي، وقال:
"استلم ولادي الأول، وبعدين تاخد فلوسك."
حك عبده ذقنه، وتمتم:
"وماله، ولا يا حمادة، هات له العيال من جوه."
وسريعًا ما جلب الصبي الطفلين، واقترب بهم من معلمه.
فتنهد عدّي، واقترب من سيارته، وفتح الباب الخلفي، وأخرج تلك الحقائب التي تحوي على الأموال المطلوبة.
فاستلم عدّي أطفاله الذين هللوا لرؤيته، ووضعهم بالخلف، وتأكد من سلامتهم.
استلم عبده الأموال، وما كاد أن يغادر حتى صاح عدّي باسمه، فألتفت لينظر إليه بتساؤل، فصاح عدّي:
"مين اللي أمرك تخطف ولادي؟"
ابتسم عبده ابتسامة جانبية، وقال بخبث:
"المدام يا عدّي بيه."
قطب جبينه، وقال بغضب وهو يضم قبضته:
"حورية؟"
نفى عبده برأسه، وقال:
"معرفش واحدة اسمها حورية، بس أعرف مي، وكويس أوي. ده إحنا ولاد حتة واحدة."
\_\_ يتبع \_\_
رواية طغيان قلب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فاطمة محمد
أوقف السيارة بعدما رمق حورية بنظرة جانبية.
تحركت بلهفة تجاه السيارة راغبة بأن تضم صغارها داخل أحضانها.
ترجل من السيارة بذات الوقت التي فتحت به باب السيارة حاملة أحدهم حاضنة إياه باشتياق شديد.
وسريعاً ما أخرجت ابنها الآخر وضمته داخل أحضانها مستنشقة رائحته وعيناها تذرف الدموع.
عيناها تجول على جسدهم تتأكد من سلامتهم.
"حبايبى انتوا كويسين فيكو حاجة؟"
أجابها عدى مغمغماً:
"متقلقيش كويسين."
اقتربت سعاد وسلامة من أحفادهم وكذلك وجد.
أما داغر، فرّبت على كتف شقيقه مغمغماً:
"حمدالله على سلامتهم."
أماء له عدى متمتماً وعيناه تبحث عن مي:
"الله يسلمك، هى مي فين؟!"
"معرفش."
غادر عدى من أمامه ودلف المنزل وأخذ يصعد السلالم الرخامية بسرعة وكأنه يتسابق مع درجاتها.
وصل أمام باب الغرفة فقام بفتحه وخطى بقدميه داخل الغرفة.
وجدها تأتي ذهاباً وإياباً تفرك يديها ببعضهما البعض.
وجهها شاحب كالأموات.
فأزدرت ريقها عندما استمعت لصوت الباب والتفتت تحدق به راسمًة بسمة مصطنعة لم تصل لعيناها.
مغمغمة بتوتر ملحوظ:
"عدى عملت ايه طمنى الولاد رجعوا؟!"
أغلق عدى الباب بهدوء شديد وظل يقترب منه ببطء شديد جعل ضربات قلبها تتسارع وهي ترى تلك النظرة الغير مألوفة بعينيه.
فظلت تتراجع للخلف بخوف وساقاها تتخبط ببعضهما.
فخرج صوتها مبحوحاً قائلة:
"في ايه يا عدى بتبصلي كده ليه؟!"
وقعت على الفراش من خلفها.
وفجأة وجدته ينقض عليها ممسكاً إياها من خصلاتها واليد الأخرى قبضت على فكها.
متمتم أمام وجهها بنبرة مخيفة دبّت الرعب بقلبها جاعلة جسدها ينتفض.
فقد تأكدت شكوكها فمن المؤكد بأنه علم بكل شيء.
لعنت غباءها فكان عليها الهروب والاختفاء عن الأنظار فهو لن يرحمها ولن يتهاون معها.
"بقى أنا تعملي معايا كده!! ده انتي أمك داعية عليكي ده أنا هوريكي أيام سودة هخليكي تكرهي حياتك وتكرهي اللحظة اللي فكرتي فيها تلعبي معايا يا بنت***"
ارتجفت شفتاها وقالت بكلمات متقطعة:
"ا انت بتقول ايه يا عدى أنا مش فاهمة حاجة."
جذب خصلاتها للأسفل فتأوهت بوجع.
فهتف بوعيد:
"متقلقيش أنا هخليكي تفهمي وكويس أوي كمان قومي معايا، قومي."
جذبها من خصلاتها منتهضاً إياها عن الفراش بعنف.
فارتعدت من داخلها وهي تراه يخرج بها من الغرفة.
"عدى عدى انت بتعمل ايه، اه، عدى أنا بكلمك سيب شعري أنا مش فاهمة حاجة أنا عملتلك ايه."
تجاهلها تماماً وهبط بها للأسفل.
فوصل صوتها لعائلته التي كانت تجتمع حول الصغار والابتسامة لا تفارقهم.
اقترب داغر منه فاستنجدت به قائلة:
"داغر خلي أخوك يسبني ده شكله اتجنن!!!"
صرخ عدى بجانب أذنيها:
"جنان هو انتي لسه شوفتي جنان أنا هوريكي الجنان على أصوله يا بنت***"
نهض والده من جانب زوجته وصاح بابنه بغضب:
"ايه يا زفت اللي انت بتعمله ده، ده بدل ما تقعد مع ولادك اللي لسه راجعين."
تجاهله عدى ورمق حورية الذي ترمقه باستغراب.
فهتف:
"حورية الكلام اللي قولتي مضبوط بنت*** دي متسلطة عليا."
ابتلعت حورية ريقها وقالت رامقة إياه بجمود:
"وأنا هكدب ليه!؟"
أماء لها عدى بتفهم ورمق مي بوعيد واستكمل طريقه مغادراً المنزل وخصلاتها لا تزال بين قبضته.
فيلحقه داغر ومحمود وسلامة:
"عدى سيب البنت مينفعش كده."
دفعها عدى بسيارته وأغلق عليها.
والتفت يصرخ بوجههم:
"محدش يدخل دي مراتي وأنا حرررر."
أنهى كلماته وهو يصعد بجوارها مغمغماً بفحيح كالأفاعي:
"ليلتك سودة يا بنت*** مهو مش عدى الهلالي اللي حتى بت زيك تطلع بتضحك عليا ومقرطساه."
بعد مرور بعض الوقت.
دفعها داخل منزلها لترتطم بالأرضية متأوهة بقوة.
فرفعت رأسها تنظر له رافعة بيديها خلالها التي تناثرت حول وجهها.
متمتمة بقوة منافية لخوفها منذ قليل:
"أنت شكلك اتجننت خلاص أنا حامل في ابنك يا مجنون، أنت إيه مفيش في قلبك رحمة."
انخفض لمستواها قابضاً على فكها وعيناه تطلق شرار:
"جنان انتي لسه شوفتي جنان، اتكلمي يا بت عايز أعرف كل حاجة، سلطتي عبده يخطف ولادي ليه ها وامير زقك عليا ليه."
دفعت يديه بقوة ونهضت من مكانها مزمجرة فيه بشراسة:
"أيوة أنا اللي خليت عبده خطف الولاد، وأيوة أمير اللي زقني عليك بس عارف ليه عشان انت راجل عينك زايغة ميملهاش غير التراب والدليل على كلامي إنك أول ما شفتني ريلت عليا وكأنك أول مرة تشوف واحدة حلوة رغم إني لما شفت مراتك مشفتهاش بالبشاعة اللي تخليك تخونها وتجرحها بالطريقة دي، عارف أنا عمري ما حبيتك انا بكره الرجالة اللي زيك أبويا مكنش يختلف عنك أبويا اللي كرهته طول عمري عشان سبنا وراح اتجوز واحدة تانية على أمي أرحم منك يا عدى، انت زبالة أوي يا عدى."
نزلت صفعة قوية على وجهها جعلت الدماء تخرج من شفتاها.
فوضعت يدها على وجهها مغمغمة بتحدي ونظرة اشمئزاز ترتسم على وجهها:
"أهو ده اللي انت فالح فيه."
اقترب منها ببطء، وسريعاً ما دنا لمستواها ببطء أشد هامساً أمام وجهها:
"ولما انتي بتكرهيني أوي كده متمسكة بالولد أوي كده ليه ها، فاكرة إنك ممكن تاخدي قرشين من وراه مش كده."
حدقت به وبحركة سريعة قبضت على قميصه بقبضتها الصغيرة متمتمة بغضب:
"لا مش كده أنا عايزة عشان عايزة يكون لي سند، مش عايزة أعيش لوحدي، مش عايزة أكبر وحيدة، ابني ده هيكمل حياتي الناقصة، مش حبًا فيك يا عدى، وولادك أنا مكنتش أأذيهم بس كنت هعطلك عشان متجبرنيش أنزل ابني."
ابتسمت شفتاه دون عينيه وهمس بجانب أذنيها بعدما أبعد يداها عنه:
"وابنك ده هخليكي تتحسري عليه، مش هسمح يكون لي ولد من واحدة زيك يا زبالة، ومدام مرضتيش تنزليه بمزاجك هنزله غصب عنك، وده هيكون عقابي ليكي."
ابتعد عنها قليلاً وخلع حزامه.
فجحظت عيناها وهي تراقبه يخلع حزامه وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه.
فأزدرت ريقها وتحركت سريعاً من أمامه مهرولة باتجاه أحد الغرف تريد أن تغلق عليها وتحمي جنينها مما يريد فعله بها.
وما كادت أن تغلق الباب من خلفها حتى وجدت يديه التي تدفع الباب تعيق أغلاقه.
فظلت تحاول دفعه وإغلاقها على نفسها ولكنها لم تفلح بذلك.
ولج إلى الغرفة وظل يقترب منها رويداً رويداً.
فسالت الدموع الحارة من عيناها كما لم تسل من قبل:
"عدى عدى أنا مش عايزة منك حاجة أنا عايزة ابني وبس صدقني هبعد عنك وهخرج من حياتك ومش هتشوفني تاني بس سبني أنا مش عايزة أخسره ارجوكي."
لم يكترث لبكائها فكل ما كان يراه خداعها.
عشقها المزيف.
حورية.
واستغنائه عنها بتلك السهولة.
أطفاله التي كاد أن يفقدهم.
فأمقها بنظرات خالية من الحياة ورفع يديه التي تتمسك بحزامه ونزل به على جسدها صفعة تلو الأخرى.
لم يتوقف عما يفعله.
صراخها.
بكائها.
نحيبها.
وترجيها له بأن يتركها لم يشفع لها.
دفع الحزام من يديه وبدأ بتسديد الضربات بقدميه.
أما هي فقد خارت قواها بعد كل تلك الصرخات المستنجدة.
ولكن لم ينجدها أحدهم من يديه.
استسلمت لذلك الدوران الذي هاجمها عندما شعرت بسائل يسيل بين قدميها.
فأغمضت عينيها بحسرة على فقدانها طفلها التي تيقنت من فقدانه.
صدح رنين هاتفها.
فنهضت من جوارهم وصعدت باتجاه غرفتها لتجيب على صديقتها التي أجابتها بنبرة باكية:
"ألو وجد."
قطبت وجد جبينها وهتفت بقلق:
"مالك يا وسام بتعيطي ليه؟!"
أجابتها وسام من بين شهقاتها:
"مبيحبنيش يا وجد ومش عايز يديني فرصة، بتكلم قدامه بقوة وببجاحة معاه بس كل ده من ورا قلبي يا وجد أنا أول مرة أحس الإحساس ده أنا بموت يا وجد، شايفني من غير كرامة، بس أنا بحبه."
قاطعتها وجد متمتمة:
"مش فاهمة يعني إيه شايفك من غير كرامة انتي عملتي إيه بالظبط."
"قولتله إني بحبه وإني مش هستسلم وعايزاه يديني فرصة حتى لو لسه بيحب إنجي فقال لي: انتي إيه معندكيش كرامة. عارفة إني مكنش ينفع أقول كده بس أنا بحبه يا وجد بحبه أوي وقلبي بيتقطع حاسة إني مش قادرة آخد نفسي، أعمل إيه يا وجد."
صاحت بها وجد وهتفت باستنكار:
"انتي مجنونة يا وسام حد يعمل عملتك دي، الرجالة مبتحبش الست اللي من غير كرامة وعايزة رأيي بقى انسيه يا وسام وكفاية أوي لحد كده، حسام مش ليكي يا وسام."
قاطعتها وسام ببكاء مرير:
"مش هقدر يا وجد أنا بحبه."
قاطعتها وجد بحدة:
"في ستين داهية ده حب يخليكي تتذلي بالشكل ده، مش عايز يحبك براحته انتي مليون واحد يتمناكي يا وسام."
مسحت وسام دموعها التي لا تتوقف وقالت:
"انتي شايفة كده؟!"
تنهدت وجد وقالت:
"أيوه."
أماءت وسام برأسها وقالت:
"ماشي يا وجد بس أنا لازم أسافر أنا مش هعرف هنا أكتر من كده."
ابتلعت وجد ريقها متمتمة:
"هتسيبيني يا وسام."
"أنا آسفة يا وجد بس أنا مش هقدر أقعد هنا أنا خلاص تعبت ياريتني ما كنت حبيته."
"ها يا عمي قلت إيه ينفع آخدهم يقعدوا معايا."
قالتها حورية بترجي ولهفة للاستماع إلى إجابته بعدما صعد الجميع إلى غرفهم تاركين إياها برفقة سلامة التي تريد أن تتحدث معه.
فجاء صوت عدى من خلفها متمتم بحدة:
"لا يا حورية ولادي هيفضلوا هنا في بيت أبوهم عايزاهم يبقى إنتي تيجي وترجعي تقعدي معاهم."
التفتت حورية تنظر إليه بعدما ظهرت معالم خيبة الأمل على وجهها فسلامة كان على وشك الاقتناع بحديثها.
"أرجع إزاي يعني أنت ناسي إننا أطلقنا، أنا مينفعش أعيش هنا."
حرك كتفيه بلامبالاة ظاهرية وهو يقترب منها وأعماقه تموج بالغضب:
"مش صعبة ممكن أرجعك تاني وترجعي تعيشي مع ولادك."
نهضت بعنف من مكانها قائلة بتحدي:
"بتحلم يا عدى أنا مستحيل أرجعلك أنت سامع مستحيل وبعدين أنا ما بطلبش حاجة مستحيلة أو صعبة أنا كل اللي عايزاه ولادي يعيشوا في حضني ومش عايزة لا أكتر ولا أقل يا عدى بيه."
كاد يجيبها ولكن منعه سلامة عندما تحرك من مكانه:
"طيب أنا هسيبكم تتكلموا وتتفاهموا يمكن الأمور تتصلح ما بينكم وشملكم يتلم من تاني."
أماء له عدى برأسه واقترب أكثر من حورية وعيناه معلقة بها.
رفع يديه ممسدًا على وجنتيها مغمغماً:
"طلع معاك حق يا حورية أمير هو اللي زقه عليا."
ابتسمت بتهكم وهي تبعد يديه عنها:
"متلمسنيش، وبركة إنك عرفت لحسن أنت كنت صعبان عليا أوي يا حرام."
امتعضت ملامحه وزفر بنفاذ صبر من سخريتها الواضحة وضوح الشمس:
"طب كفاية بقى تريقة وزي الشاطرة ترجعي البيت هنا وتهتمي بالولاد وأنا هردك تاني."
رمقته بذهول وصرخت به:
"انت إيه مبتفهمش، أنا مش هرجعلك أنت خلاص يا عدى كنت صفحة وقطعتها."
رفع يديه ودلك مؤخرة عنقه بإرهاق متمتم بتهكم وسخرية لاذعة:
"طيب أنا صفحة وقطعتها وبالنسبة لعمر الزغبي إيه ظروفه معاكي ها، انتي فاكرة إني ممكن أسمحلك تتجوزي غيري وغيري يلمسك انتي بتحلمي... انتي بتاعتي ومحدش هياخدك مني، ولو فكرتي مجرد تفكير إنك تتجوزي راجل غيري ولادك مش هتشوفيهم تاني أبداً هحرمك منهم يا حورية."
ظلت تحدق به بصدمة وسريعاً ما غمغمت بغضب:
"انت إزاي بقيت كده!! أنا إزاي كنت بحبك، انت أناني أوي يا عدى، أنا بجد ندمانة إني حبيت واحد زيك، واطمني أنا مستحيل أعمل حاجة تخليني أخسر ولادي."
أنهت كلماتها الحادة وغادرت من أمامه ودموعها تنهمر من وجنتيها نادمة على حبها له وسنواتها التي أهدرتها معه.
أما هو فظهرت بسمة جانبية على وجهه وغمغم بوعيد:
"هترجعلي يا حورية هترجعلي ورجلك فوق رقبتك."
بسيارة رائف.
كنا عائدان إلى المنزل بعدما قضوا ليلتهم بمنزل فاتن.
فصاح رائف الذي كان يجلس خلف المقود:
"لسه بتحبي باسم؟!"
رسمت ابتسامة ضعيفة تغطي ألم مبرح منبثق من أعماقها والتفتت تنظر له:
"مظنش إني لسه بحبه، بس برضو منكرش إنه بيجي كتير أوي في بالي بس تعرف باسم صعبان عليا."
ردد كلماتها بدهشة وشعور غريب يعتريه:
"صعبان عليكي! غريبة."
حركت رأسها بنفي وتنهدت قائلة:
"ولا غريبة ولا حاجة باسم معملش حاجة عدلة في حياته يا رائف ورغم إنه خد نصيبه إلا إنه مات موته بشعة أوي."
وسريعاً ما رفعت عينيها تحدق به محاولة تغيير ذلك الحديث الذي يذكرها بما حاولت نسيانه مراراً وتكراراً:
"وانت لسه بتحب ياسمين؟"
كز على أسنانه واشتعلت عيناه قابضاً بقوة على المقود أمامه:
"متجبليش سيرة البني آدمة دي قدامي أنا مبحبش أسمع اسمها."
أماءت له بموافقة وغمغمت باعتذار:
"أنا آسفة لو ضايقتك، بس أنا عايزة أطلب منك طلب يا رائف."
رمقها بنظرة سريعة يحثها على استكمال حديثها.
فأكملت بشراسة منافية لهدوئها منذ لحظات:
"داغر ووجد أبعد عنهم وإلا والله يا رائف لهيكون ليا تصرف مش هيعجبك."
اتسعت ابتسامته رغمًا عنه وتمتم:
"انتي بتتحولي يا بت ما كنتي لسه كيوت وبتكلمي برقة مرة واحدة قلبتي على الواد برعي."
قطبت جبينها وصاحت بغيظ:
"مين برعي ده."
صدحت ضحكاته وتمتم وهي تتأمل ابتسامته الرجولية:
"ده واحد صاحبي معرفوش."
زادت خفقاتها فابتلعت ريقها واخفضت نظراتها عنه ملتفتة تجاه النافذة.
وما إن فعلت حتى ظل يرمقها بنظرات مختطفة لم تنتبه عليها متناسية سؤالها الذي لم يجاوب عليه.
اقترب منها محيطاً وجهها بين يديه.
فرفعت عينيها الشاردة:
"ها بتقول حاجة يا داغر."
"سارحة في إيه يا وجد!؟"
رفعت يديه ممسكة إياها بيديه مقبلة إياها بحب.
ونهضت من مكانها دالفة داخل أحضانه مغمغمة بنبرة يشوبها الحزن:
"وسام يا داغر وسام."
"مالها وسام!؟"
أغمضت عينيها قائلة بضيق:
"وسام بتحب حسام، وقالتله بس هو رافض حبها يا داغر لسه متعلق بإنجي مش عايز يدي فرصة لوسام."
فتحت عينيها وخرجت من حضنه متمتمة بحنق:
"كلمتني من شوية وكانت منهارة ابن عمك بارد ومعندوش دم وجارح البنت."
زم شفتيه وقال بأسف:
"هو ده اللي مزعلك!؟"
أماءت له مغمغمة:
"أيوه وكمان وسام هتسافر تاني يا داغر أنا مش هعرف أبقى في مكان وهي في مكان هبقى قلقانة عليها وسام هبلة ومبتعرفش تعمل حاجة لوحدها."
"هي ملهاش حد."
"ليها عمتها بس مبتسألش عليها بقالها كام سنة وأهلها متوفين وسام ملهاش غيري."
التوى فمه بابتسامة وتنهد قائلاً ويديه تتغلل بخصلاتها الحمراء:
"هو ده بقى اللي مضايقك، يا ستي اعتبري الموضوع عندي وفكي بقى كده مبحبش أشوفك زعلانة."
اتسعت ابتسامتها تدريجياً وتعالقت برقبته مغمغمة بسعادة تلوح بعينيها:
"بجد يا داغر."
ضمه داغر داخل أحضانه وهتف:
"بجد يا قلب وعيون داغر."
طبعت قبلة على وجنتيه متمتمة بتساؤل:
"طب هتعمل إيه، يعني هتتصرف إزاي."
داعب أنفها بأنفه مغمغماً بمشاكسة:
"ما قولتلك الموضوع عندي خلاص بقى."
تنهدت براحة ونظرت له وسريعاً ما شعرت بالحرارة تتسلل لجسدها من نظراته ولمسة يديه على ظهرها.
فابتلعت ريقها بصعوبة وكادت أن تخرج من أحضانه.
فتمسك بها أكثر مقرباً إياها هامساً أمام شفتيها وحرارة أنفاسه تلفح بشرتها الناعمة:
"أنا هسيبك تهربي بس بمزاجي يا وجد."
وسريعاً ما ابتعد عنها محرراً إياها مغمغماً بأنفاس لاهثة أثر اقترابهم:
"أنا نازل الشغل كام ساعة وراجع في عربية هتتسلم ولازم أتم عليها."
أماءت له فاقترب منها مقبلًا شفتيها بقبلة سريعة مغادراً الغرفة.
وعقب خروجه رفعت يديها على شفتيها تتحسس مكان قبلته وابتسامة واسعة ترتسم على وجهها.
فتحت عينيها بتثاقل شاعرة بآلام تكتسح جسدها.
انكمشت ملامحها وهي تتطلع بتلك الغرفة وسريعاً ما تذكرت ما حدث معها.
فرفعت يديها تلقائياً وقامت بوضعها على بطنها ودموعها تنهمر بلا توقف تناجي ربها بأن لا يكون قد أصاب ابنها شيء.
لا تتذكر سوى ضربة وإهانته اللامتناهية لها.
لا تعلم كيف أتت إلى هنا.
ولج الطبيب إلى الغرفة وتمتم:
"حمد لله على السلامة."
ظلت دموعها تنهمر فهتفت من بين دموعها:
"ابني يا دكتور أنا حامل."
حرك الطبيب رأسه بأسف وغمم:
"أنا آسف بس انتي جيتي متأخر ومقدرناش نعمله حاجة."
أزدادت شهقاتها وظلت تبكي بصوت عالٍ وقلبها يتمزق لموت جنينها الذي لم يرى الشمس.
فدلف بواب البناية التي تقطن بها والذي فتح باب المنزل بذلك المفتاح الاحتياطي التي تركته له عقب مغادرة عدى والذي كانت ملامحه لا تبشر بالخير.
قلق البواب عليها وصعد باتجاه منزلها فوجد جارتها بالمنزل المجاور لها تدق الباب.
ففتح الباب وما إن دلف المنزل وبحث عنها بعينيه وجدها تتسطح على الأرضية والدماء على وجهها وعلى الأرضية.
فقرب منها وقام بحملها ونقلها على أقرب مستشفى لينقذ ما يمكن إنقاذه.
"مالها يا دكتور بتصوت كده ليه؟!"
أجابه الطبيب وهو يعطيها حقنة مهدئة بمساعدة الممرضة التي تحاول تثبيتها.
فاقترب البواب وساعدهم بذلك وبالفعل تم حقنها بالمهدئ.
فهتف الطبيب:
"جالها انهيار عصبي لما عرفت إنها فقدت ابنها."
بعد مرور يومين.
بمكتب عدى.
كانت هديل تحاوط عنقه مغمغمة بحب مزيف:
"هتيجي بليل نسهر سوا."
أجابها وهو يقربها من جسده أكثر وأكثر:
"أكيد ده إحنا هنسهر وهنرقص وهنعمل كل اللي يجي في بالك."
صدحت صوت ضحكاتها فأقترب منها مقبلًا شفتيها بنهم ويديه تتغلل بخصلاتها.
قاطعه صوت رنين هاتفه فأبتعد عنها على مضض متأففاً.
فرفعت يديها تهندم خصلاتها وملابسها مغمغمة:
"رد على تليفونك وهستناك بليل."
أنهت كلماتها بغمزة من عينيها.
فتنهد عدى بحرارة واقترب من هاتفه وأجاب عليه وهو يجلس خلف مكتبه:
"الو."
"عدى."
أسودت عيناه وهو يستمع لصوتها فغمغم بغيظ:
"مي."
ابتسمت مي متمتمة وهي تنظر بمرآة سيارتها:
"اها، مي اللي انت موت ابنها يا عدى بس وحياة ابني اللي حرمتني منه لهحرق قلبك وهخليك تتحسر."
كز على أسنانه واشتعلت عيناه بنيران جحيمية متمتم:
"انتي بتهدديني أنا!!! فكرك إنك هتعرفي تعملي حاجة."
ابتسمت بصخب.
فقطب جبينه من ابتسامتها الصاخبة فقالت من بين ضحكتها:
"أنا مش بهدد أنا نفذت يا عدى ابنك معايا دلوقتي وأنا وهو هنسافر وهيفضل معايا وهعتبره تعويض عن ابني بس مش عايزك تقلق ابنك هيبقى في الحفظ و الصون."
نهض عن مكتبه بعنف وقال بعد تصديق وهو يمسح على وجهه:
"انتي بتقولي إيه، ابني معايا دلوقتي بيعمل إيه."
تنهدت وأجابته الشامتة:
"واحدة من الخدم اللي عندكم دفعتلها مبلغ خلاها استغنت عن خدماتكم وجبتلي واحد من عيالك معاها، شوفت بقى آخرة عمايلك إيه، كان هيجرى إيه لو سبتلي ابني أديني خت زين ابن حورية مبسوط انت كده."
ظل يأتي ذهاباً وإياباً والقلق ينهش قلبه فمن الواضح أن مي ليست بطبيعتها.
فتمتم:
"مي مي ابني لو مرجعش."
قاطعته بتهكم والدموع تفيض من عيناها:
"هتعمل إيه انت فاكر إني ممكن أأذيه أنا مستحيل أعمل كده أنا عايزاه معايا أنا بس هحرمك منه يا عدى."
وانقطع صوتها.
فنظر عدى بالهاتف وظل يهتف باسمها.
فاستمع لصوت صرخاتها وأرتطام قوي عقبه صوت انفجار شديد.
جحظت عيناه وصرخ باسم ابنه وخرج مهرولاً من مكتبه ودموعه تنهمر من عينيه لا يصدق ما حدث للتو.
رواية طغيان قلب الفصل العشرون 20 - بقلم فاطمة محمد
ولج داغر الغرفة ورمق أخيه بأعين دامعة.
أغلق الباب من خلفه بهدوء وسار باتجاه أخيه الجالس على الأرضية يضم ملابس ابنه إلى أحضانه.
فربت على كتفيه قائلًا بنبرة متحشرجة:
- ربنا يرحمه يا عدى، زين دلوقتي في مكان أحسن. وبعدين كلنا هنموت.
رفع عدى عيناه الباكية وهمهم بصوت مبحوح وبكاء مرير:
- ابني مات بسببى يا داغر، ربنا بيعاقبني. موت ابني وهو لسه في بطن مي، عشان كده ربنا عاقبني بموته. أنا مش قادر أتخيل إني مش هشوفه تاني يا داغر.
دهش داغر من حديثه وهمهم بتساؤل:
- هي مي كانت حامل يا عدى؟
حرك رأسه عدة مرات متتالية وأنكمش وجهه أكثر متمتمًا بندم وهو يرفع رأسه مسندًا إياه:
- كانت حامل وأنا بإيدي موتّه. كنت فاكر إني بعاقبها وبنتقم منها، مكنتش أعرف إني هدفع تمن اللي عملته فيها وفي ابني غالي أوي.
ظل داغر يستمع إليه بعدم تصديق، ولكن لزم الصمت. فليس هناك ما يقوله، فالآن قد فات ولن ينفع الحديث أو الندم بشيء.
أما عدى، فلم تتوقف دموعه وجالت عيناه بالغرفة متمتمًا بعدم تصديق:
- أنا إيه اللي عملته في نفسي ده، أنا بوظت وضيعت كل حاجة يا داغر. كان هيحصل إيه لو كنت اتقيت ربنا في حورية ومجرحتهاش ولا بصيت برة واتجوزت مي.
ظل داغر يرمقه بصمت والدموع تلتمع بعينيه تأثرًا بحديث شقيقه الذي يفطر القلوب ويجعلها تتألم.
- عارف كان هيحصل إيه؟ مكنتش حورية ضاعت مني، مكنتش موت ابني بإيدي، مكنتش مي خطفت ابني ومات معاها وهي بتهرب بيه. أنا غبي يا داغر غبي. كان لازم أنا اللي أموت مش هو. أنا اللي أستحق الموت. قول لي هبص إزاي في وش حورية ووش زياد لما يعرف إن أخوه مات بسببى وبسبب نزواتي وعيني الزايغة؟ لما يجي يسألني زين مات إزاي أقوله مات بسبب إن أبوك عينه زايغة ومتقاش ربنا فيكم.
تنهد داغر طويلًا ورفع يديه يمسح دموعه التي تحررت من مقلتيه وتمتم وهو يضمه داخل أحضانه:
- اللي حصل حصل يا عدى، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرًا لكم.
حاوط عدى شقيقه وكأنه حبل النجاة وتمتم بشفتين ترتجف متذكرًا نظرات حورية وانهيارها بين يديه:
- يارتني سمعت كلامك يا داغر يارتني. أنا امبارح مكنتش عارف أبص في وش حورية، كان بيتهيأ لي الأرض تنشق وتبلعني. كنت مكسوف أرفع عيني في عينها.
***
جالسة على الأريكة بملابسها السوداء حدادًا على ابنها فلذة كبدها الذي فارق الحياة وهو لا يزال صغيرًا.
تنظر أمامها بأعين خالية من الحياة، تشعر بأنها قد فقدت روحها مثلما فقدت ابنها.
ما زال خبر وفاته يتردد بأذنيها، حيث جاء داغر برفقة وجد وأخبروها بذلك الخبر المفجع عقب دفنهم له. يعلمون جيدًا بأنه سيكون من الصعب عليها رؤيته جسدًا هامدًا فارقته الروح وغادر الحياة.
《فلاش باك》
دَلفت إلى المنزل وقدماها لا تحملانها، وبجوارها كل من ندى ووجد وداغر.
يصل إلى أذنيها صوت بكاء كل من سعاد وهدى وصوت القرآن الكريم. فأبتلعت ريقها فحتى الآن لا تستوعب ما أخبرها به، لا تستوعب أن ابنها قد فارق الحياة تاركًا إياها.
تشعر بأنه لا يزال حي، تشعر بأنها تستمع لصوت ضحكاته وهي تداعبه.
تتذكر تلك المرة الأولى التي نطق بها مناديًا إياها بما تحب "ماما" بطريقة طفولية جعلتها تبتسم رغمًا عنها.
كل زاوية بالمنزل تذكرها به. سالت دموعها وهي ترى عدى جالسًا برفقة والديه وعائلته.
فاقتربت منه ووقفت بمواجهته، وابتلعت ريقها وهي تحدق بكل من سعاد وهدى الباكيتين.
فتمتمت وشفتاها ترتجف:
- ابني فين يا عدى؟ أخوك ووجد بيقولوا إنه مات. ابني مماتش يا عدى. ابني عايش صح؟ هما بيضحكوا عليا. بيختبروا حبي ليه مش كده. ابني فين يا عدى انطق. هو في أوضته صح؟ أيوه هو أكيد في أوضته.
كادت أن تهرول من أمامه، ولكن لحق بها ممسكًا إياها من ذراعيها، وعيناه لا تجرؤ على النظر بعينيها.
وكيف ينظر لها وهو وراء كل ما حدث.
- أنا آسف يا حورية، أنا السبب في موته.
وضعت يديها على فمه تمنعه من استكمال حديثه، وغمغمت بصدمة وأعين متسعة:
- هش متقولش كده. زين عايش. ابني ميسبنيش ويمشي. أنا لسه مشبعتش منه يا عدى لسه مشبعتش منه.
انهت كلاماتها وهي تسقط على الأرض بانهيار تام.
فلحقها عدى بذراعيه والألم يزداد وينهش قلبه أكثر وأكثر.
اقتربت وجد منها وانحنت لمستواها في محاولة منها للتخفيف عنها:
- أهدي يا حورية عشان خاطري.
صرخت بها حورية ودفعت يد عدى التي تلمسها، وعقلها يستوعب ما حدث:
- أهدي بتقوليلى أهدي؟ أهدي إزاي وأنا حتة مني راحت بسببه، بسبب غلطة اختياري. أهدي إزاي يا وجد وحتة مني راحت ومبقتش موجودة؟ قوليلى أهدي إزاي؟ أنتوا محدش فيكم حاسس بالنار اللي جوايا. أنا حاسة إن روحي انسحبت مني، حاسة إني في كابوس أنا مش قادرة أصدق إنه مات.
اقترب عدى منها خطوة واحدة وكادت يداه أن تتلمسها.
فصرخت به بهستيريا ودموعها تأبى أن تتوقف وتفيض من عينيها كالشلال:
- متلمسنيش. أنا بكرهك يا عدى بكرهك وعمري ما هسامحك. كنت سبهملي أنا كنت هعرف أحافظ عليهم، كنت هعرف أحميهم. مكنتش هسمح لحد يقرب منهم.
رفعت يديها تزيل دموعها وشفتاها لا تزال ترتجف، وتحركت باتجاه الدرج وصعدت درجاته، ووجد وداغر يلاحقان بها.
وصلت أمام غرفة أبنائها وفتحت الباب ودلفت الغرفة.
فوجدت صغيرها يجلس برفقة آلاء التي نظرت لها بشفقة.
فصاح الصغير بنبرة طفولية وهو ينهض من مكانه يقترب منها محتضنًا إياها من قدميها:
- ماما.
ازدادت شهقاتها وانخفضت لمستواه وقامت بحمله وضمه داخل أحضانها مقبلة جبهته وكل انش بوجهه قائلة بمرارة:
- حبيب ماما، أنا جيت يا حبيبي وهأخدك معايا مش هسيبك هنا. مش هستحمل يحصلك حاجة انت كمان.
وسريعًا ما هرولت خارج الغرفة وهي تحمله والجميع يلحق بها.
هبطت به وهي لا تزال تحمله واتجهت به خارج المنزل.
فخرجت آلاء ووجد وداغر من خلفها ليقومون بايصالها ويكونون معها.
أما عدى، فجلس مكانه مرة أخرى. فانتبه لنظرات والده.
فابتلع تلك الغصة ونهض من مكانه باتجاه غرفته لا يتحمل تلك النظرات المؤنبة.
《باك》
اقتربت وجد التي بادلت نظراتها مع وسام وتنهدت متمتمة بحنان:
- وبعدين يا حورية هتفضلي ساكتة كده كتير؟ كده غلط عليكي، انتي كده بتأذي نفسك يا حورية. ولو مش عشانك يبقى عشان زياد، مينفعش يشوفك بالحالة دي، الولد لسه صغير.
نظرت لها حورية بجمود ولزمت الصمت.
فصاحت وسام بعدما اقتربت منها:
- ما انتي لازم تعيطي، مينفعش تفضلي كاتمة جواكي. عيطي يا حورية عيطي.
خرجت آلاء برفقة ندى من إحدى الغرف والصغير برفقتهم ولا يكف عن البكاء.
واقتربوا من حورية التي التقطته عيناها بلهفة ونهضت من مكانها جاذبة إياه لاحضانها مغمضة عينيها تستمع بتلك اللحظة.
فغمغمت ندى بحزن:
- صحي وقعد يعيط، ومافيش في لسانه غير ماما ماما.
قبلته في جبهته وهمهمت وهي تجلس على الأريكة مجلسة إياه على قدميها:
- أنا أهو يا حبيبي أنا أهو معاك وهسيبك.
***
وصل أمام باب منزلها، فأخذ نفس طويلًا وزفره على مهل.
ونظر لشقيقه الذي يقف بجواره راغبًا برؤية من خطفت قلب شقيقه.
أما عمر، فكان يشتاق لرؤيتها فهو لم يراها منذ آخر حديث بينهم تاركًا لها بعض الوقت.
والآن سينهي ذلك الأمر، يريدها أن تعلم بأنه لن يتركها وسيتزوجها عقب انتهاء عدتها من زوجها السابق.
يعلم بأنها ستعترض وكثيرًا، ولكن لن يتراجع وسيظل خلفها وسيسعى للحصول على موافقتها.
فرمُق أخيه بنظرة سريعة، فأومأ له برأسه مشجعًا إياه على تلك الخطوة.
طرق الباب بخفة شديدة وانتظر أن تفتح له ويمتع عينيه من وجهها.
فتحت له آلاء وتمتمت بهدوء وهي ترمقه بنظرة متفحصة له ولشقيقه:
- أيوة!
قطب جبينه وتمتم بهدوء وهي ينظر لملابسها السوداء وصوت القرآن الذي وصل لمسامعه عندما فتحت الباب.
فأزدرق ريقه وتمتم:
- عايز أشوف حورية، هو في حد توفى عندكم؟
أومأت له بهدوء وتمتمت بصوت خافت:
- للأسف حورية مش هينفع تشوفه.
دق قلبه بعنف وقال بقلق نهش قلبه وروحه:
- ليه مالها، ومين اللي مات لو سمحتي اتكلمي، انتي كده بتقلقيني.
امتعضت ملامحها من انفعاله وتمتمت:
- حورية ابنها مات في حادثة وهي دلوقتي منهارة ومش هينفع تشوفه.
جحظت عيناه وتألم قلبه عندما علم ما تعانيه معشوقته.
فلمعت عيناه بالدموع وهمهم بهدوء منافٍ لانفعاله منذ قليل:
- لو سمحتي، أنا عايز أشوفها.
أغمضت آلاء عينيها بأسف وقالت:
- صدقني مش هينفع دلوقتي.
كادت أن تكمل ولكنها وجدته يدلف متخطيًا إياها متجاهلًا اعتراضها.
فنادى إيهاب عليه:
- عمر استنى عمر.
لحقت به آلاء التي لا تزال تحت تأثير الصدمة من فعلته الوقحة:
- يا كابتن مينفعش اللي بتعمله ده.
أقترب عمر من حورية والتي كانت تحتضن ابنها ضامته إياه بقوة رافضة أن تتركه.
فتجمعت الدموع بعينيه ونزف قلبه وهو يراها بتلك الحالة.
رمقته وجد ووسام بنظرات متسائلة.
فانهضت وجد من جوار حورية واقتربت من آلاء التي يقف خلفها إيهاب وتمتم باعتذار:
- أنا آسف جدًا على اللي عمله، بس هو قلقان عليها، اعذريه.
تنهدت آلاء واقتربت من وجد التي كانت ترمق إيهاب بدهشة وهمهمت بهدوء وعدم تصديق:
- دكتور إيهاب، إزاي حضرتك عامل إيه؟
دهش إيهاب من رؤيتها وأومأ لها برأسه وابتسامة جانبية بسيطة ترتسم على جانب وجهه وتمتم بخفوت:
- أخبارك إيه يا وجد، مشفتكيش من زمان.
تنهدت وأومأت له وقالت:
- الحمد لله يا دكتور، مبسوطة إني شفت حضرتك. هو حضرتك تعرفه؟
- أيوه عمر يبقى أخويا.
أومأت له منتهية حديثها وجذبت آلاء من ذراعيها ووقفت بجانبها بإحدى الزوايا.
فظل إيهاب يتابعهم بعينيه.
- انتي تعرفيه؟
- أيوه كان الدكتور بتاعي في الجامعة وخدمته خدمة زمان.
حركت رأسها بتفهم وظلوا يرمقون عمر الذي جلس بجوار حورية ووسام تجلس بجواره.
وسريعًا ما نهضت من مكانها واقتربت من إيهاب وقالت:
- اتفضل اقعد.
حك إيهاب جبهته بإحراج وقال:
- أنا هستنى برة، ويا ريت تسيبوا عمر يكلم معاها، هو أكيد هيخفف عنها.
غادر عقب إنهاء حديثه مستأذنًا منهم معزيًا إياهم.
وفي ذلك الوقت خرجت ندى من غرفة والدتهم فانتبهت لعمر الذي يجلس برفقة شقيقتها.
فتنهدت براحة قليلًا، فهي تعلم جيدًا بأنه سيستطيع التخفيف عن شقيقتها.
فنادت عليها وسام:
- ندى مين اللي قاعد مع اختك ده؟
- ده عمر الزغبي.
- أيوه يعني مين عمر ده وحورية تعرفه منين؟
رمقتها وجد بضيق وهمهمت:
- وده وقته يا وسام.
ثم التفتت تجاه ندى:
- طنط عاملة إيه دلوقتي؟ أكلت ولا لأ؟
- مرضيتش تاكل، بس أكلتها بالعافية عشان تأخد الدوا، والحمد لله. أينعم ما أكلتش أوي بس أحسن من مفيش.
بالطرف الآخر، رفع عمر يديه ومسح على خصلات الصغير وتمتم:
- ابنك زي القمر يا حورية، طالعلك.
زادت من احتضانها له وظلت ملامحها جامدة.
فقال عمر بنبرة يشوبها الحزن:
- حورية انتي أقوى من كده. أنا مش قادر أستحمل وأنا شايفك بالحالة دي. فكري بابنك اللي على إيدك يا حورية. ربنا حرمك من واحد بس، سابلك التاني يا حورية. ولازم تقبلي باللي حصل ده، قضاء وقدر، وده عمره، والبني آدم مبيعش أكتر من اللي مكتوبله.
حركت رأسها باتجاهه وهتفت بنفي:
- عدى السبب يا عمر، هو السبب. حرمني من ابني. أنا كنت هموت وهو بعيد عني، ما بالك دلوقتي وأنا عارفة إنه بقى تحت التراب ومش هشوفه تاني. أنا في سكاكين في قلبي يا عمر، سكاكين بتنهش فيه. أنا مبقيتش ابني، أنا فقدت حتة من روحي وقلبي. ده ابني، عارفة يعني إيه ابني. لا، والأفظع إنه أبوه سبب في موته.
كز على أسنانه في محاولة منه لكبح عبراته، وأخفض عينيه عن عينيها التي زفرت الدموع أخيرًا.
فقال بصوت مبحوح:
- كفاية يا حورية، ومتفكريش إن عدى حالته أحسن منك. هو أكيد منهار، ده مهما كان أبوه، وزي ما اتحرمتي منه هو اتحرم منه.
حركت رأسها بنفي وابتسمت بسمة وجع ساخرة:
- عارف ابني مات إزاي يا عمر؟ مات في حادثة عربية هو والهامسة مراته أبوه خطفته يا عمر وعملت حادثة وهو معاها. يعني لولا عدى دخلها حياتنا مكنش ابني جراله حاجة.
أغمض عينيه بألم وتردد كثيرًا بتلك الخطوة، ولكن استطاع تنفيذها أخيرًا.
ورفع يديه وأخذ يديها تاركًا الأخرى تحاصر جسد ابنها.
ربت على يديها قائلًا:
- أسوأ إحساس على الواحد إنه يعيش بعذاب الضمير وإنه يبقى حاسس إنه ارتكب جريمة في حق أقرب ناس ليه. واللي فهمته من كلامك إنه ربنا عاقبه. وأظن العقاب ده مبعدهوش قومة تاني، وصدقيني كفاية عليه أوي اللي حصل.
جذبت يدها من يديه وقالت بقسوة احتلت قلبها:
- عمري ما هسامحه يا عمر، عمري.
***
بغرفة الصالون.
تنهد رائف وقال وهو يسير تجاه داغر:
- ما تطلع يا داغر تشوف أخوك. العزا هيبدأ والناس هيحبوا يعزوه. هنقولهم إيه؟
أجابه حسام بحنق:
- سيبه يا رائف، سيبه. عدى فيه اللي مكفيه. ربنا يكون في عونه.
- أنا مش قصدي يا ابني، بس عشان نبقى عارفين راسنا من رجلينا.
تنهد داغر وهمهم بحزن دفين:
- مش هينزل يا رائف، مش هيرضى. عدى خلاص ظهره اتكسر ومش هيرضى ينزل. لما سألته قبل ما أسيبه قال لي: "انت وبابا وعمامي ورائف وحسام موجودين وهتحلوا مكاني".
أومأ له رائف وظل يرمق داغر بضعة ثوانٍ يشعر بضيق كلما نظر إليه، خاصة بعد فعلته الحمقاء وإرساله الورود لزوجته.
نفض رأسه من تلك الأفكار مقررًا إنهاء ذلك الأمر.
أما حسام، فكان يعتريه الضيق متذكرًا يوم وفاة إنجي وكيف تألم قلبه لفراقها.
فارتسمت ابتسامة بسيطة على محياه عندما أتت بمخيلته أفعال تلك الفتاة الجريئة التي لا تكف عن اعترافها بعشقها له.
انتبه لنفسه وسريعًا ما أخفى ابتسامته تدريجيًا.
فحمحم قائلًا بصوت خافت متوتر:
- داغر، أنا كنت عايزة أسألك على حاجة كده. عارف إنها مش وقتها بس خطرت في دماغي.
حرك الآخر رأسه باستفهام فغمغم حسام:
- هو مين مع حورية في البيت دلوقتي؟
أجابه داغر بهدوء:
- وجد وآلاء ووسام صاحبة وجد وندى طبعًا.
ازدرق ريقه بعدما علم ما أراده ونهض من مكانه بعدما استأذن بالصعود لغرفته.
أما داغر، فنهض من مكانه متجهًا لغرفة الصغار يريد الاطمئنان على شقيقه.
فتح باب الغرفة وسريعًا ما قطب جبينه عندما وجد الغرفة خالية تمامًا.
فخرج من الغرفة واتجه لغرفته ولكن لم يجده أيضًا.
فهبط لأسفل. فهتف رائف بتساؤل:
- في إيه؟ بتدور على إيه؟
- عدى يا رائف. مش في أوضة زين وزياد، وكمان مش في أوضته.
قطب جبينه وتحرك مغمغم بدهشة:
- إزاي يعني؟ اومال هيكون راح فين؟
- معرفش.
***
فتحت وجد باب المنزل فوجدت أمامها عدى.
فأعتلتها الصدمة لرؤيته بتلك الحالة، فهتف عدى بانكسار يكسوه حزن شديد:
- ينفع أدخل؟ عايز أشوف زياد وعايز أتكلم مع حورية يا وجد.