تحميل رواية «ثأر الحب» PDF
بقلم زينب سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في سكون الليل، يرتفع صوت طلق ناري خرج من فوهة المسدس أسقط جسده أرضًا جثة هامدة. نهضت الفتاة سريعا وهي تحاول مداراة جسدها بملابسها الممزقة التي مزقها هذا الوغد وكاد أن يدنس شرفها، إلا أن أرسل الله لها يد العون الذي ظهر لها من العدم. فاقت من شرودها على صوته الجاش وهو يأمرها: "أمشي يلا قبل ما حد يجي ويشوفك." تطلعت له بتيه وقالت بتوتر: "طيب وهو؟" تطلع في الاتجاه الآخر كي لا يراها بهذه الحالة المزرية وردد بأمر: "اهربي يا بنت الناس، لو حد جه وشافك هتبقي فضيحتك على كل لسان." هزت رأسها بإيجاب وفرت هاربة...
رواية ثأر الحب الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم زينب سعيد
جلس أرضًا بجوارها بلهفة، يضرب على وجهها برفق:
- عهد حبيبتي فوقي، سمعاني.
جاهدت وفتحت عيناها بضعف وتمتمت بتقطع:
- قولتك.. وقت ما هتتأكد أنه ابنك هتخسره وهتخسرني أنا كمان.
هز رأسه بجنون وضمها بلهفة:
- لأ يا عهد لأ، مش هقدر أعيش من غيرك يا عمري، سامحيني.
نهض بلهفة وقام بإحضار إسدال صلاة وألبسها إياه، وقام بحملها سريعًا وركض بها إلى أسفل متجهًا إلى أقرب مشفى.
بعد ما يقارب الساعة، يقف أمام غرفة العمليات وقلبه يكاد أن يخرج من محجريه. جلس على المقعد ينظر ليده المغرقة بالدماء، طفله وبكى ندمًا، فطفله الذي حلم به كثيرًا سيرحل حتى قبل أن يرى النور.
فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب، نهض سريعًا وركض تجاهه:
- خير يا دكتور، طمني؟
تحدث الطبيب بعملية:
- الحمد لله قدرنا نوقف النزيف ونلحق المدام، كان عندها هبوط في الدورة الدموية، علقنا لها محاليل والوضع أفضل.
ابتلع شادي ريقه بحذر وقال:
- والجنين؟
ابتسم الطبيب وقال:
- الحمد لله الجنين بخير، لو كنت اتأخرت أكتر من كده كنا خسرناه، بس الوضع لسه مش مستقرة، الحمل لسه في أوله، لازم راحة وتغذية، إحنا أديناها حقن تثبيت المفروض هتمشي عليها خمس شهور بإذن الله.
تنهد شادي بفرحة وقال:
- الحمد لله، طيب ينفع أشوفها؟
أومأ الطبيب بخفة:
- أيوة ينفع، هي في الإفاقة دلوقتي، بعد إذنك.
شعر شادي بتراخي قدماه، جلس على المقعد براحة:
- الحمد لله، الحمد لله، ألف حمد وشكر ليك يارب.
نهض بعزم متجهاً إلى المرحاض وقام بخلع جاكيت بدلته وغسل يده جيدًا، وتوضأ وغادر متجهاً إلى مصلى المشفى ليصلي ركعتي شكر للمولى عز وجل على نعمته التي أنعم بها عليه ودوام نعمته عليه بحفظ الله ورعايته لزوجته وطفله.
***
أنهت تحضير الطعام والشوي، وبعدها صعدت إلى غرفتها. قامت بأخذ حمام بارد وخرجت إلى غرفة الملابس، لمع في عينيها لعبة ماكرة وأخرجت سولبت من الجينز الكحلي وقامت بارتدائها وأسفلها بضي أحمر، ولفّت حجاب أحمر ووضعت بعض لمسات من الميك أب.
وهبطت إلى الأسفل سريعًا، هي على يقين أن عاد يوسف لن يسمح لها بالنزول هكذا.
تطلعت لها صفاء بإنبهار:
- بسم الله ما شاء الله، إيه القمر ده يا نورسيل؟
ابتسمت بخجل وهي تنظر إلى نفسها:
- بجد حلوة يا ماما؟
ضحكت صفاء بخفة:
- زي القمر يا قلب ماما، بس تقريبًا يوسف مش هيسكت على اللبس ده يا قلبي.
امتعض وجهها ورددت بعبث:
- البركة فيكي يا ماما.
جحظت عين الأخرى وعقبت:
- يا سلام، عايزة تلبسيني أنا معاه؟
جلست جوارها تتمسح في أحضانها برفق:
- عشان خاطري يا ماما.
أومأت بخفة:
- ماشي يا قلبي، ربنا يستر.
قبلتها نورسيل في وجنتيها بخفة:
- حبيبتي، يخليكي ليا.
ربتت صفاء على ظهرها بحنان:
- ويخليكم ليا يا حبيبتي ويرزقك بالذرية الصالحة يا رب.
أمنت نورسيل على حديثها بتمني:
- يارب يا ماما، يارب.
ابتسمت صفاء بحنان:
- كله بأوانه يا بنتي، متزعليش إنك اتأخرتي ولا حاجة، كل حاجة وليها وقتها.
ضحكت نورسيل ساخرة داخلها على حماتها الطيبة، آه لو تعلم الحقيقة من المؤكد لن تعاملها بكل هذه الطيبة.
صوت السيارات توقف في الخارج، ابتلعت ريقها بريبة ونهضت لتكمل باقي خطتها.
فتح الباب ودلف يوسف حاملاً چاكيت بدلته على يده، وخلفه إيمي وعدي ممسكاً بيد زوجته.
ركضت تجاه زوجها بدلال ملقية نفسها داخل أحضانه برقة:
- وحشتني يا بيبي.
وقف مصدومًا مما ترتديه تلك الحمقاء، وضع يده على خصرها وشد بعنف مما جعلها تتأوه بصوت منخفض وتحدث في أذنها بهمس:
- وحش إما يلهفك يا هانم، سنتك سودة، إيه اللي انتي لبساه ده.
حاولت رسم ابتسامة على وجهها وضحكت بخجل:
- ميرسي يا بيبي، أنت الي عيونك حلوة يا حبيبي.
ابتعدت عنه سريعًا كي تهرب من براثنه وتحدثت بلهفة:
- اطلع غير يا بيبي بسرعة، عاملة ليك الأكل اللي بتحبه.
قالتها وركضت سريعًا، بينما نظر لها متوعدًا هذه الصغيرة الماكرة.
رمقتهم إيمي بضيق وصعدت إلى غرفتها سريعًا.
عند عدي ونايا، كانوا يراقبون ما يحدث بابتسامة تسلية.
اتجه يوسف إلى والدته وقبل جبينها بحب:
- أخبارك يا ست الكل؟
ابتسمت صفاء برضا:
- بخير يا قلبي، طول ما أنت بخير.
رمقها بعتاب وقال:
- عاجبك اللي هي عملاه ده؟
ضحكت بخفة:
- يا سيدي بقي، سيبها تدلع شوية، الله، يعني هي عاملة ده كله عشانك أنت، وبعدين فاكر أخوك ممكن يبص ليها ولا إيه؟
هز رأسه سريعًا بلا:
- إطلاقا طبعًا يا ماما، بس بردوا.
ربتت على كتفه بحنان:
- معلش يا حبيبي، عشان خاطري أنا، يلا اطلع أوضتك بقي خد شور وغير هدومك، نورسيل عاملة النهاردة مشاوي وبسبوسة لوحدها عشان خاطر عيونك، اطلع يلا.
أومأ بابتسامة وقال:
- حاضر يا ست الكل، عشان خاطر عيونك انتي بس.
ربتت صفاء على ظهره بحنان:
- ماشي يا حبيبي، ربنا يرضى عنك يارب.
***
ضحك عدي بمرح:
- أختك هتولع من إيمي، وبصراحة عندها حق، البت صروخ.
شهقت نايا بصدمة ووضعت يدها بخصرها ورددت بغيظ:
- نعم يا حبيبي، صاروخ؟ هي عاجباك للدرجادي؟
ردد عدي بلهفة:
- إهدي يا قلبي، والله ما أقصد، وبعدين حبيبي مالي دنيتي وحياتي كلها كمان.
ابتسمت بخفة وهتفت بدلال:
- أيوة كده، شطور يا دودي.
ضحك بغزل وهو يغمز لها بعبث:
- قلب دودي أنتي والله يا جميل أنت.
صمتت نايا وهي تستنشق رائحة الطعام بتلذذ:
- شامم؟
نظر لها بحيرة وقال:
- شامم إيه؟
رددت بجوع:
- ريحة الأكل حلوة أوي.
ابتسم بخفة وقال:
- طيب تعالي نغير هدومنا وننزل عشان تعرفي تاكلي.
أومأت بخفة، اتجهوا إلى صفاء سلموا عليها، وبعدها اتجهوا إلى غرفتهم بالأعلى.
***
أغلقت باب الغرفة بعنف وجلست على الفراش تبكي بحسرة على حبيباً لم يحبها يوماً، عشقته عن ظهر قلب لكن دائماً كان يرفض، هو هذا الحب.
نهضت ووقفت أمام المرآة، تطلع إلى نفسها في المرآة، كيف له ألا يعشقها ويعشق تلك البلهاء المسماة زوجته.
مسحت دموعها بعنف واتجهت إلى حقيبتها ووضعتها على الفراش وبدأت في ضم ملابسها، فهي ستغادر هذا المنزل، فلن تقدر على البقاء وقلب حبيبها ملكاً لآخر. ستحفظ ما تبقى من ماء وجهها وتغادر.
انتهت من ضم أغراضها وقامت بالاتصال بشركة الطيران وحجزت أول طائرة ستقلع في الغد لتذهب إلى موطنها وعائلتها مرة أخرى، وستتزوج من أحبها ويتمنى قربها، ليس من أحبته، فالذل مهانة في حد ذاته يذل صاحبه ويكسر قلبه، ولكن لا، ليست هي من تذل، فقبل أن يحدث هذا ستخرج قلبها من محجريه وتحطمه بيدها قبل أن يكسر منه.
هبطت بثقة، وجدت خالتها تجلس، جلست جوارها ورددت بهدوء:
- أخبارك يا أنطي.
تحدثت صفاء بابتسامة:
- أخبارك يا قلب خالتو، عملتي إيه في الشركة؟
رددت ببرود:
- الحمد لله، أنا حجزت وهسافر الصبح.
رمقته صفاء بحيرة:
- ليه يا بنتي؟ حد ضايقك؟
هزت رأسها نافية وردت:
- لأ، بس خلاص اطمنت على يوسف ولازم أرجع بقي.
أومأت صفاء بتفهم:
- ماشي يا حبيبتي، مع إنّي كان نفسي تفضلي معانا، بس زي ما تحبي.
نهضت إيمي مستأذنة:
- أنا هطلع بعد إذنك يا أنطي، خليهم يطلعوا الغداء ليا فوق، ممكن؟
تنهدت صفاء بقلة حيلة:
- ماشي يا حبيبتي، زي ما تحبي.
***
هبط الدرج بخفة واتجه إلى والدته وجلس برفقتها مغمغماً بتساؤل:
- مالك يا ماما؟ في إيه؟ شكلك مش طبيعي.
تنهدت بحزن وقالت:
- مش عارفة يا حبيبي، قلبي مقبوض شوية، وكمان إيمي هتمشي بكرة.
أومأ بتفهم ورد:
- كده أفضل لها يا أمي، تمشي وتشوف حياتها بدل ما تعلق نفسها بحاجة استحالة تحصل.
هزت رأسها بإيجاب:
- في دي عندك حق.
تطلع حوله متسائلاً:
- نورسيل فين؟
ردت بابتسامة:
- في المطبخ بتجهز الأكل عشان نقعد في الجنينة، بلاش تزعلها ممكن يا حبيبي؟
ضحك ساخراً وقال:
- والله أنتي طيبة يا ست الكل، المفروض توصيها هي عليا مش العكس.
هتفت باستنكار:
- ليه يا ابني، دي طيبة.
ضحك يوسف بعبث:
- والله ما في طيب غيرك يا ست الكل، الطيبة دي مطلعة عيني والله.
ضحكت صفاء بحنان:
- ربنا يخليكم لبعض يا حبيبي وأفرح بيكم وبعيالكم يا حبيبي.
أمن على دعائها:
- يارب يا أمي، يسمع منك ربنا، يلا هقوم أشوفها بتعمل إيه، في حد في المطبخ؟
هزت رأسها نافية:
- لا يا حبيبي، الخدم خرجوا يتغدوا هما كمان، هي اللي حضرت الأكل للكل النهاردة.
أومأ بتفهم:
- تمام، هروح أشوفها.
نهض واتجه إلى المطبخ، وجدها مندمجة في تجهيز الأطباق، اقترب منها ووضع يده على خصرها.
انتفضت بفزع وتطلعت خلفها ووضعت يدها على قلبها براحة:
- خضتني يا حبيبي، حرام عليك.
غمز لها بعبث:
- مين هيتجرأ يحضنك كده يا قلبي؟ أكيد حد مستغني عن عمره، صحيح، أنا هعدي اللي انتي لبساه ده عشان خاطر أمي، اتدخلت بس ياريت متتكررش تاني، فاهمة؟
ضحكت بخفة وردت بمشاغبة:
- لا مش فاهمة.
رمقها بتوعد:
- بقي كده، ماشي، حسابنا بعيدين، بس إيه الروايح الجامدة دي؟
ابتسمت بفرحة وقالت:
- بجد؟
داعب أنفها بخفة:
- بجد يا قلب يوسف، مش هتدوقني؟
صقفت بحماس:
- عيوني، قعدني بس على الرخامة وأدوقك.
حملها برفق ووضعها على الرخامة، مسكت هي صابع من الكفتة ووضعته في فمه ونظرت له بترقب.
لوكها في فمه بتلذذ وقال بإعجاب:
- تسلم إيدك، تحفة.
ابتسمت بفرحة:
- استنى أدوقك الفراخ والكريب والحواوشي و...
صاح يوسف مهدئاً:
- إهدي يا قلبي، كفاية كده، هدوق بره معاهم، صحيح البسبوسة عملتيها؟
رددت بدلال وهي تلاعب خصلات شعره:
- عملت صنيتين وجهزتهم ليهم، لكن الصينية بتاعتنا هسويها بالليل ونطلع ناكلها فوق لوحدنا.
قبل يدها برقها وتمتم بعبث:
- يسلم لي حبيبي الفهمان، طيب يلا أساعدك نخرج الأكل سوا؟
صققت بحماس:
- يلا بينا، صحيح العقربة بنت خالتك بعتت عشان يطلع ليها أكل فوق.
رمقها محذراً:
- نورسيل، البنت خلاص ماشية بكرة، إهدي بقي لو سمحتي، ويا ريت تبطلي هبل وتعامليها كويس.
ضحكت بفرح وتمتمت بلهفة:
- بجد هتمشي بكرة؟
هز رأسه بيأس وعقب:
- بجد، سيبتي كل الكلام ومسكتي في دي، قومي يلا نجهز الأكل، أنا جعان.
قفزت بخفة وقالت:
- هوا يا قلبي، أيوة كده، فتحت نفسي على الأكل.
هتف ساخراً:
- بجد؟ وأنتي ما شاء الله عليكي، نفسك مسدودة أوي.
وضعت يدها بخصرها مرددة بدلال:
- يا قلبي أنا، أكل براحتي، أنا قاعدة في قلبك ومربعة بكل حالاتي.
ضحك بخفة وقال:
- ماشي يا قدري، يلا إنجزي، أنا عصافير بطني صوتت.
دبت نايا متسائلة:
- إنتوا بتعملوا إيه؟
تطلع لها الإثنين بخضة.
ردت نايا بارتباك:
- آسفة والله، مقصدتش، أصلي جعانة الصراحة وأنتم اتأخرتوا.
أومأ يوسف بخفة وعقب:
- ولا يهمك، يلا تعالي ساعدي أختك وأنا خارج.
دبت على الأرض بطفولة:
- مش هتساعدني.
ردد بعبث:
- أختك هتساعدك يا حبيبي، سلام.
غادر يوسف، وذهبت نايا تساعد نورسيل في تحضير الطعام في الأطباق، وبدأوا في إخراجها إلى الجنينة ووضعوها على الطاولة الموجودة في الحديقة.
وخرجت صفية ويوسف وعدي وجلسوا في انتظارهم.
انتهوا من وضع الطعام وجلست كل منهم جوار زوجها وبدأوا في تناول الطعام بتلذذ شديد بمرح شديد، وكل منهم يداعب زوجه بمشاغبة، وصفاء تطلع لهم بابتسامة وفرح، فها قد رأت كل أولادها السعادة التي تمنتها لهم في السابق.
وخاصة يوسف الذي تمنت له السعادة والفرح سابقاً، فهو قد عانى كثيراً بحياته، ولكن كل ما تتمناه الآن أن يرزقه هو وعهد بالذرية الصالحة، وقتها ستكتمل فرحتها.
تشعر بألم في قلبها، لا تدري لما، اطمئنت على عليا، لكن لا تستطيع الوصول إلى عهد وشادي كي تطمئن أنهم على خير ما يرام ليرتاح قلبها من هذا الألم الذي يراودها.
***
ولج إلى الغرفة بخطى بطيئة، يعلم أنها فاقت الآن، لا يدري كيف سيواجهها؟ ولا ماذا يقول لها حتى؟ فهو قد كسرها وحطم قلبها منذ أن وطئت قدمها إلى حياته، وقد تحولت حياته إلى منحنى جذري، أصبح يحيا معها بسعادة لم يذقها من قبل، وها هي تتوج سعادته بطفل منه ينبت داخل أحشائها، ولكن ماذا قدم هو لها؟ لم يقدم سوى الحزن والذل والمهانة، لكن ليس بيده، سيخبرها كل شيء من البداية لتعلم أن ما كان بيده شيء هو ذل من قبل وعاش مكسوراً، لا ينكر أن سبب موافقته على هذه الزيجة أنها من أجل الثأر، ولن تصدق بعدها ليضمن أنها ستظل زوجته رغماً عنها وترضى به وبوضعه مجبرة عليه، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، وقع صريعاً في حبها وأصبح يخشي فقدانها، وها ما قد فعله في النهاية لتكون القشة التي قسمت ظهر البعير، وستصر أن تذهب إلى أخواتها وتخبرهم لا محالة، لكن لا، سيبذل قصارى جهده ليسترجعها له من جديد، هو لم يكن ليتخلى عنها بمفردها، فماذا الآن وهي تحمل ثمرة حبهم وعوض الله له.
فاق من دوامة أفكاره واتجه لها، وجدها مستيقظة بالفعل وتنظر لسقف الغرفة بشرود.
وقف أمامها بخزي وانكسار لا يجرؤ على التفوه بحرف واحد حتى.
كانت شاردة فيما كانت تقترفه بحالها وطفلها، كانت ستقضي روحاً بريئة بغير وجه حق، لا ذنب لها، تحمد الله أنه نجى طفلها، فلو كان مات الطفل وقتها كانت ستحيا بذنبه طوال حياتها. فاقت من شرودها على أوجه الوجوه التي تبغضه الآن، أشاحت وجهها جانباً.
آلمه قلبه وانحنى على جبينها مقبلاً إياها بحزن:
- آسفة يا قلبي، سامحيني، أقسم بالله غصب عني يا عمري، والله سامحيني، وأوعدك أني هعوضك عن كل اللي عملته، سامحيني.
التفتت له وضحكت بكسرة:
- بجد أسامحك على إيه؟ على إنك اتهمتني بشرفي؟ ولا أسامحك في ده وإهانتك ليا ولا حبسك ولا تهديدك بقتلي ولا إنك هترميي لأخواتي عشان ياخدوا تارهم صح؟ جاي ليه دلوقتي؟ صدقت أنه ابني صح؟ طيب ازاي؟ أنت أول واحد يلمسني، كنت بتكسف منك، أنت تشك فيا؟ أنا رفضت أروح لأخواتي عشان خايفة على يوسف التعبان اللي واثقة وقتها أنه مكنش هيرحمك أنت، ودلوقتي خلاص كل حاجة انتهت، وأنا اللي هروح لأهلي بنفسي يجيبوا ليا حقي منك، وأعمل حسابك الطفل ده، أنا كنت هرتكب جريمة، هفضل طول عمري ندمانة عليه لو مات، بس ربنا لطف بيا، ابني مش هتشوفه يا شادي طول عمرك، هحرق قلبك عليه وهطلق منك غصب عنك، وحقي وحق ابني من اللي عملته فيا هيرجعلي.
ابتلع حديثها بغصة، فهي معها كل الحق، هو أخطأ وعليه أن يجني ثمار خطئه، تحدث برجاء:
- عارف إني غلطت، وإن كل كلمة قولتيها أنا أستاهلها، لكن هطلب منك طلب واحد بس، اديني فرصة واحدة أحكيلك كل حاجة من البداية وأنتي احكمي في النهاية.
عهد……
رواية ثأر الحب الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم زينب سعيد
قلبي تحطم بين ضلوعي مصدراً آهات ألم، وليس أي ألم بل ألم على حب ظننته هو بداية سعادتي، ويا لأسفاه لم يكن سوى تعاستي.
تطلعت له ساخرة وقالت بكسرة:
تفتكر ينفع؟ شادي أنت كسرتني ودبحتني بسكينة باردة. عارف يعني إيه فرحانة بحملي وعمالة أجهز أفاجأك إزاي؟ وأنت هتفرح إزاي؟ هتشلني وتلف بيا؟ ولا هتحط إيدك على بطني تحس بيه؟ ولا ولا كمان. لكن مع الأسف أنت كسرتني، كرهتني فيه وخليتني أحاول أقتله وأشيل ذنب هفضل عايشة بيه طول عمري ومقدرش أسامح نفسي. خلاص يا شادي كل اللي بينا انتهى، حتى لو مينفعنش نطلق عشان الثأر، أنا مش هرجع لك. كل واحد من طريق، وابني استحالة تشوفه حتى في حياتك، مش تفكر تلمسه. روح اجري اتجوز واحدة رابعة وخامسة، أنت خلاص بقيت راجل وتقدر تخلف وعيش حياتك بعيد عني.
آهات ألم وتمزق روح يستمع لها وداخله يحترق من الألم، لا يدري ماذا يقول لها؟ ولا يدافع عن حاله حتى، فهي معها كل الحق، فهو من أوصلها لذلك، لكن كان وقتها عقله مغيب. يقسم لو أن هذا الحقير شهاب ما زال على قيد الحياة لقتله بيده، لكن الحسنة الوحيدة التي تشفع له زواجه بملاكه، هو يعشقها لا يستطيع العيش بدونها. لكن صبرًا، فما فعله بها ليس بالهين، يحتاج إلى بعض الوقت لاسترجاعها إليه مرة أخرى.
أخذ نفسًا عميقًا ودلك جبينه برفقة وقال:
عندك حق في كل اللي قولتيه، واستاهل أكتر من كده، بس يا عهد مقدرش أعيش من غيرك. أنا من غيرك أموت.
ضحكت ساخرة ورددت متهكمة:
بجد؟ على أساس لما كنت عايز تخلص عليا عشان تغسل عارك كان إيه؟ شادي الكلام انتهى. لو سمحت اتفضل بره، أنا عايزة أرتاح، ويا ريت تمشي خالص من هنا. أنا هكلم عدي يجي لي.
مط شفتيه بضيق وأرجع خصلات شعره إلى الخلف، مربعًا يده قائلاً بمهادنة:
هخرج وهسيبك ترتاحي يا عهد. وهفضل قاعد بره، تجيبي عدي تجيبي يوسف، الحن الأزرق مفيش أقوى في الدنيا هتبعدك عني. فهماني يا عهد؟ أنتِ لغاية دلوقتي متعرفيش شادي كويس. مش أنا اللي أسيب حاجة تخصني، ما بالك بمراتي حب عمري وابني. ارتاحي يا عهد، عايزة تكلمي أخواتك كلميهم، وأنا هقبل كل اللي هيعملوه لأنه حقهم وحقك أنتي كمان. لكن اللي مش هقبله إنك تبعدي عن حضني ليوم واحد حتى. عارف إنك اتظلمتي، لكن أنا اتظلمت قبلك واتذبحت بسكينة باردة بإيد توأمي، اللي المفروض أحنا قلب وروح واحدة. لو عرفتي الحكاية من البداية، عارف إنك هتعذريني. تصبحي على خير، أنا قاعد بره لو احتاجتي حاجة ناديني.
غادر الغرفة وأغلق الباب خلفه، وانهار قناع الجمود لديها، وأنهارت باكية على ما آلَت به حياتها.
لا تدري أتخبر أشقائها بما حدث، أم أن يوسف لن يرحمه ومن الممكن أن يفكر في قتله حقًا على ما فعله بها، وقتها ستخسر الاثنين بالفعل وهي لا تستطيع العيش بدون أحدهم حتى. هل تستمع له وتعطيه فرصة من أجل هذا الطفل؟ وقتها تقرر ما عليها فعله. وقتها هذا ما أهداه لها عقلها، وضعت يدها فوق أحشائها بحنان وأغمضت عينيها وهي تضم أحشائها بحنان، كأنها تستمد منه هو القوة.
بينما هو جلس على المقعد أمام غرفتها مستندًا بظهره على جدار الغرفة التي بداخلها نبض قلبه، كأنه يتسمد الأمان والسكينة من قربهما.
"الحب كلمة تسمعها وتشعر بأن قلب يتراقص، ماذا إذًا إذا تذوقتَه وتذوقت حلاوته؟ وقتها ستندم أنك لم تحظَ به سابقًا، وستلعن الحد العاثر الذي سيبعدك عنه لاحقًا."
انتهى العشاء وصعدت صفاء إلى غرفتها، وكذلك عدي ونايا، بينما ذهب يوسف إلى مكتبه كي يعمل قليلاً، وذهبت نورسيل إلى المطبخ.
بعد قليل خرجت من المطبخ وهي تحمل صينية البسبوسة الساخنة متجهة إلى غرفة المكتب. فتحت الباب وولجت إلى الغرفة.
رفع رأسه عن أوراقه مغمغمًا بابتسامة:
حبيبي خلص؟
ابتسمت برقة وهي تضعها على المكتب بخفة:
آه خلصت، وأنت لسه مخلصتش؟ قدامك كتير؟
هز رأسه بإيجاب ورد:
ساعة بالكتير يا حبيبي.
صاحت معترضة:
لأ كده البسبوسة هتبرد.
صمتت قليلاً وصقفت بحماس:
عندي فكرة، هقعد على رجلك وأكلك وأنت بتشتغل، إيه رأيك؟
ضحك ساخرًا وهتف متهكمًا:
بجد تفتكري يا روحي هعرف أشتغل وأنتي في حضني ولا هعرف أركز أصلاً؟
رددت بدلال:
الله طيب أعمل طيب؟
هز رأسه بيأس وقال:
ماشي يا حبيبي.
ابتسمت بسعادة وتراجع هو بمقعده إلى الخلف وجلست هي على قدمه برفق، وضمه هو وبدأ يعمل في حاسوبه، وهي تطعمه بالشوكة الخاصة بهم، هو مرة وهي مرة، وعلى وجههم معالم الراحة والسعادة التي انتظروها، ولكن هل ستدوم السعادة أم للقدر رأي آخر.
مع انتهاء آخر شوكة كان انتهى هو الآخر من عمله وأغلق حاسوبه وتراخى للخلف براحة:
خلصت.
ضحكت نورسيل بخفة:
والبسبوسة خلصت كمان.
داعب وجنتيها بخفة:
تسلم إيدك يا قلبي، الأكل كان تحفة والبسبوسة كمان.
صقفت يدها بحماس:
بجد يعني أطبخ لك كل يوم؟
هز رأسه نافيًا وقال:
لأ يا قلبي كده كتير عليكِ، كفاية بتنضفي الجناح وبتغسلي الهدوم كمان. أنا مش فاهم ده كله ليه؟
ردت بضيق:
يا حبيبي أنا مش بحب حد يمد إيده في حاجة تخصني، ما بالك هدومي وحاجاتي الخاصة. سيبني على راحتي ممكن؟
ضحك بعبث:
ممكن، وممكن كمان كده.
نهض حاملاً إياها برقة مما جعل الأخرى تشهق:
يوسف نزلني، الجرح.
ابتسم بعبث:
متقلقيش يا قلب يوسف، الجرح خف خلاص.
رددت بتذمر:
أفرض حد شافنا؟
رفع كتفيه باللامبالاة:
إيه يعني؟ اللي يشوفنا يشوفنا، أنتي مراتي يا هبلة، محسساني إني شقطك.
ضربته في صدره بخفة:
شقطك إيه الألفاظ دي؟ فين يوسف الوقور الخلوق؟ بقيت بيئة خالص يا بيبي.
جحظت عين الآخر بصدمة ورمقه بتوعد:
بقي أنا بيئة يا ست نورسيل؟ صبرك عليا.
رددت بدلال:
هتعمل فيا إيه يا چو؟ ده أنا نوري يا بيبي.
غمز لها بعبث:
هو بعد بيبي دي أقدر أعمل حاجة يا نوري أصلاً.
تقف نايا في الشرفة شاردة ودموعها تتساقط بصمت، بينما يتمدد عدي على الفراش في الداخل غافيًا.
شعر ببرودة الفراش جواره، تململ في الفراش، فتح عينيه وجد الفراش خاليًا جواره. نهض من على الفراش مرتدياً روبه الستان وخرج إلى الشرفة. ضمها من ظهرها مما جعل الأخرى تنتفض.
وضع رأسه على كتفه وردد بحنان:
حبيبي صاحي ليه وبتعيط؟
ألتفت له ورددت بتهرب:
مفيش حاجة.
ردد بإصرار:
لأ فيه، إيه اللي يخليكي تعيطي كده؟ عهد صارحيني لو سمحتي، مالك؟
ضغطت على شفتيها بقوة وقالت:
هحكيلك يا عدي، هحكيلك، محتاجة أتكلم بجد.
أمسك يدها بحنان ودلف إلى الداخل وجلسوا على الفراش وسردت له كل شيء عن شهاب وعن تحراشه بها.
وجه عدي كان لا يفسر بالمرة، لا يظهر عليه سوى الجمود.
أنهت حديثها ورددت بدموع:
عدي أنت ساكت ليه؟ زعلان مني صح؟ عارفة إني كان المفروض أقولك قبل ما نتجوز ومتتدبسش فيا.
صاح بعنف:
بس مش عايز أسمع حاجة.
نهض ووقف أمامها وأنهضها وردد بفحيح:
بطلي هبل يا هانم، إيه اتدبست فيكي دي؟ أنتي مراتي وتاج راسي كمان. أما الكلب ده انسيه خالص، لأني من وقت ما عرفت ودمي بيغلي.
تطلعت له بصدمة وقالت:
أنت بتقول إيه؟ أنت عرفت منين؟
تنهد بألم:
لما جيتي هنا أول مرة وانهارتي وأنا بكلمك، وقتها قعدتي تقولي كلام، وقتها أنا فهمت إنه عمل لي حاجة.
هتفت بحزن:
يعني كنت عارف من قبل ما نتجوز ومع ذلك اتجوزتني؟ طيب ليه مقلتش وواجهتني؟ قدر كان فعلاً عمل فيا حاجة؟ كنت وقتها هتعمل إيه؟
تحدث بحنان وهو يقبل رأسها:
حتى لو عمل حاجة فيكي، أنتِ بالنسبة لي فرحة عمري. أنسي اللي فات يا قلبي، أنسي وخلينا نبدأ من جديد، أنا وأنتي ويوسف الصغير.
ابتسمت براحة:
ربنا يخليك ليا ويديمك في حياتي يارب. طيب في حاجة عايزة أقولها كمان.
ألتفت لها بإنتباه:
خير يا قلبي؟
رددت بحذر:
حاجة تخص نورسيل ويوسف.
تحدث نافيًا:
لأ متقوليش حاجة، يوسف ونورسيل حياتهم ومشاكلهم تخصهم هما، ملناش دخل فيها تمام؟
تنهدت بقلة حيلة:
تمام.
غمغم بعبث:
ممكن ننام بقى يا قلبي لأني عندي شغل الصبح بدري؟
ابتسم بخفوت:
حاضر يا حبيبي.
ما أن تسلل ضوء الشمس من النافذة الزجاجية وداعبت الشمس أشعتها على عينه، فتح شادي عينيه. اعتدل بوهن وهو يدلك رقبته بألم، نهض بوهن ووقف أمام غرفتها وداخله يحترق من الألم عليها.
فتح الباب وولج بحذر دون إصدار أي صوت، وجدها ما زالت نائمة. تطلع لها بحنين وانحنى مقبلاً جبينها بحب، وابتعد عنها متأملاً أحشاء التي تضمها بحنان.
اقترب من أحشائها ووضع يده متحسسًا إياها برفق، وبداخله قشعريرة تسري في جسدها كأنه يشعر بطفله.
شعرت هي به وبأنفاسه الثائرة، فتحت عينيها ببطء، وجدته يتحسس أحشائها بأعين دامعة.
تنهدت بحزن وانتظرت حتى ابتعد عنها وألتف بظهره كي يغادر، لكن أوقفه صوتها.
تحدثت بنبرة باردة خالية من أية مشاعر:
كنت عايز تقول إيه؟
ألتفت لها بإنتباه وردد بحنان:
أنتي صحيتي يا حبيبتي؟
تجاهلت حديثه وهتفت بضيق:
قول اللي عندك لو سمحت.
تنهد بحزن وجلس على المقعد وقال:
حاضر يا عهد، هحكيلك كل حاجة.
مسح على وجهه وأرجع خصلات شعره إلى الخلف وسرد لها كل شيء منذ معرفته بزوجته وحتى الآن.
وما أنهى حديثه ردد بأسى:
عارف إني أذيتك، بس غصب عني. أنا حكيت لكِ، لكن وقتها متعرفيش أنا كنت مكسور إزاي يا عهد.
ابتسم بألم:
واللي عملته معايا أنا صعب أنساه يا شادي.
شحب وجهه وردد بحذر:
قصدك إيه؟
أخذت نفسًا عميقًا وردت بقوة:
يعني كل شيء بينا انتهى يا شادي. هخرج من هنا على بيت أهلي، وأسيب اللي بينا تداويه الأيام. أنا مش هحكي اللي حصل معايا لحد، مش عشانك لأ، عشان ابني لما يجي ويتولد ميجيش اليوم اللي حد يعايره بيه.
هز رأسه نافيًا عدة مرات وهتف برجاء:
لأ يا عهد، مش هقدر أبعد عنك. اديني فرصة، كل اللي بطلبه منك فرصة واحدة بس. اقعدي عند أهلك براحتك لوقت ما تهدي، لكن متحرمنيش منك ولا أني أشوفك وأسمع صوتك، عشان خاطري لو لسه ليا خاطر عندك.
تنهدت بقلة حيلة:
ماشي يا شادي، عشان بس محدش يعرف إن حاجة حصلت. أنا عايزة أمشي من هنا لو سمحت.
أومأ شادي بارتياح:
حاضر يا حبيبتي، هروح أشوف الدكتور بعد إذنك.
تطلعت في أثره بألم، لا تدري ما فعلته صواب أم خطأ. هي تحبه بالفعل، لكن ما فعله بها ليس بالسهل نسيانه أو تجاهله.
بعد ساعة ونصف توقف شادي بسيارته أمام قصر المغربي. هبط من سيارته واتجه إلى الجهة الأخرى وفتح الباب لها كي يساعدها على الهبوط.
تجاهلت يده الممدودة وترجلت بمفردها وهي تتكئ على السيارة، فلم تسترد قوتها حتى الآن.
ابتلع غصة مريرة بفمه واتجهوا إلى الداخل، ورحبت بهم صفاء بفرحة شديدة، ولكن ما أن رأت وجه عهد حتى انقبض قلبها.
ولكن شادي طمأنها أنها على ما يرام وأنها حامل وهي لا تعرف، وكادت أن تفقد الجنين، وأحضرها إلى هنا كي تبقى برفقة والدتها تعتني بها، فهذا ما اتفق عليه مع عهد سابقًا بعد خروجهم من المستشفى.
ظل جالسًا معها رغم مقاطعتها وغضبها، لكن لا تستطيع الحديث. وفي المساء رحل بعد أن اطمأن عليها، وعاد أخويه وعلموا بحملها، وكانت فرحة كبيرة بهم، وخاصة يوسف، طفلته ستكون أماً.
بعد مرور ثلاثة أشهر والوضع كما هو مستقر، يوسف ونورسيل يعيشون أجمل أيام حياتهم.
وكذلك عدي ونايا التي أصبحت في شهرها الخامس وتحمل في أحشائها ولدًا، وأصروا على تسميته يوسف، ولكن لم يخبروه بعد.
أما ثنائي القطب الثالث في شد وجذب، كل يوم يأتي في الصباح قبل ذهابه إلى عمله، وفي المساء بعد عودته يطمئن عليها وعلى طفلها، فهي على مشارف شهرها الخامس، يفصلها عن نايا أسبوعين فقط. يجلس يستسمحها قليلاً علها تحن، لكن لم تعفو عنه بعد.
أما شريف وحنين، وأصبحت في شهرها الخامس هي الأخرى، أما علاقتهما كما هي، ولا يزال يفكر كيف يتخلص من يوسف هذه المرة. ورجلُه يراقب يوسف من بعيد حتى تحين اللحظة المناسبة، ولكن ما زاد غضبه هو تهرب نورسيل منه وحظر مكالماته، أقسم أن لن يرحمها هي الأخرى إذا وقعت بيده.
في الصعيد.
تحديدًا في جناح شريف، استيقظ مبكرًا وأدى صلاة الفجر وارتدى ملابسه، عازمًا على السفر إلى القاهرة. عليه أن يقابل تلك النورسيل التي قامت بحظر رقمه، لن يرحمها هي الأخرى، وإن وصل به الأمر سيقتلها بيده هي الأخرى.
ما أن شعرت بحركته في الغرفة فتحت عينيها بوهن، وجدته يرتدي ملابسه.
اعتدلت على الفراش مغمغة بتساؤل:
أنت خارج بدري كده ليه؟
ألتفت لها ورمقها باللامبالاة:
ورايا مشوار لازم أقضيه. في البداية إكده، كملي نومك أنتي عشان الواد.
زفرت بملل وقالت:
أنزل أجهز لك الفطار؟
هتف بضجر:
لأ، كملي نومي أنتي بزادك رط. يلا سلام عليكم.
أخذ أغراضه وغادر سريعًا أسفل نظراتها القلقة، تشعر أن شيئًا على غير ما يرام سوف يحدث.
في قصر المغربي.
يقف يوسف أمام المرآة يمشط شعره وينثر عطره، بينما نورسيل تجلس على الفراش بضجر.
ترك الفرشاة واتجه لها متسائلاً:
مالك يا قلبي، في إيه؟
ردت بضيق:
مفيش، مخنوقة، زهقت من القاعدة في البيت، وكمان مضايقة ليه؟ أنا مش حامل أنا كمان زي نايا وعهد.
ضحك بخفة:
زهقانة دي مقدور عليها يا ستي، إيه رأيك آخد إجازة ونسافر نقضي شهر العسل المتأخر ده؟
صقفت بحماس:
بتتكلم جد؟ إمتي وفين؟
ردد بتفكير:
إمتي؟ بكرة. هسافر أو حجز بكرة لشرم، إيه رأيك؟
أومئت بفرحة:
موافقة طبعًا.
لكن لم تدم الفرحة وعبث وجهها مرة أخرى.
ردد بقلة حيلة:
إيه تاني يا حبيبي؟
هتفت بحزن:
والحمل؟
تنهد بقلة حيلة:
طيب لو محصلش حمل الشهر ده، نروح نكشف. مع أني شايف إنه لسه بدري، بس عشان تطمني.
تنهدت براحة:
تمام يا حبيبي.
ضحك بخفة وعقب:
خلاص كده مشاكلك اتخلت؟ اضحكي بقى وريني ضحكتك الحلوة.
ابتسمت بخفة ونهضت وأرتمت في أحضانه:
ربنا يخليك ليا يا حبيبي وميحرمنيش منك يارب.
شدد من ضمها بحب:
ولا يحرمني منك يا قلب حبيبك.
ابتعد عنها يكمل تجهيز نفسه من أجل الذهاب إلى عمله، وهي تجلس مرة أخرى تشعر بضيق وانقباضة في قلبها، لا تدري مصدرها.
انتهى يوسف وهبطوا سويًا، تناولوا الإفطار سويًا، وغادر يوسف وعدي إلى عملهم.
بعد الظهيرة رن جرس الفيلا وذهبت الخادمة لتفتح وعادت بعد قليل.
هتفت صفاء متسائلة:
مين يا هند؟
ردت هند بأدب:
ده واحد بيقول اسمه شريف بيه، ابن عم مدام نورسيل.
انقبض قلب نورسيل ونظرت هي ونايا إلى بعضهما بتوتر.
تحدثت صفاء بحيرة:
خليه يتفضل يا بنتي؟
ردت الخادمة:
لأ هو رفض وطالب مدام نورسيل تخرج ليه.
نهضت نورسيل بارتباك:
هتلاقيه محرج يدخل عشان يوسف وعدي مش هنا، هخرج له بعد إذنكم.
لم تنظر ردها بل ركضت سريعًا للخارج.
رواية ثأر الحب الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم زينب سعيد
سريان الدماء توقف داخل أوردتي، شعرت أن الزمن توقف لدي وأنا على حافة الهاوية. قلبي تهشم كقطع الزجاجة الصغيرة، ولم يتبق منه سوى قطع صغيرة لا تجعلني أحيا لو قليلاً، ولكن كيف وقد تحطم على يد من عشقتها وسلمتها مفتاح قلبي.
انتهى من توقيع الأوراق التي أمامه وأرجع ظهره إلى الخلف متنهداً براحة.
آخذ عدي الأوراق مردداً بمرح:
مالك يا كبير في إيه؟
فرك جبينه بإرهاق وعقب:
مصدع شوية من ساعة ما جيت، طالع عيني.
تحدث عدي مازحاً:
أعلش يا شق، مش أنت اللي عايز تاخد إجازة؟ اشرب بقي.
ضحك يوسف ساخراً وهو يشير بيده:
ده هو أسبوع يتيم نورسيل، ممكن يحصل ليها حاجة لو عرفت.
مط عدي شفتيه مغمغماً بتفكير:
أنا رأي تقولها آخر يوم في الإجازة، ويا حبذا لو آخر ساعة وأنتم راجعين عشان متنكدش عليك.
تنهد بيأس وعقب مؤكداً:
في دي عندك، نورسيل عاشقة النكد.
ضحك عدي بخفة وردد بإشفاق يواسي أخاه:
الله يعينك عليها يا بص، الصراحة مش عارف دي أخت نايا إزاي، لا وكمان الكبيرة. شتان ما بينهم، نايا عاقلة ونورسيل مجنونة.
ابتسم يوسف بحب وهتف بإشتياق:
جنانها ده اللي حببني فيها أصلاً. انتبه إلى حاله وتحدث متسائلاً:
صحيح، محتاج حاجة تاني؟
ضم عدي حاجبيه بحيرة:
لأ، أنت ماشي ولا إيه؟
هز رأسه بإيجاب ورد:
أه، هروح أريح شوية. السفر الفجر بإذن الله.
أومآ عدي بتفهم:
تمام يا حبيبي، عايز سلامتك.
نهض يوسف مرتدياً جاكيت بدلته وأخذ أغراضه، مربتاً على كتف شقيقه بحنان:
تسلم يا حبيبي، يلا سلام عليكم.
رد عدي بابتسامة:
وعليكم السلام.
***
بعد ما يقارب الساعة، وصلت بسيارته وتحدث إلى السائق أمراً:
دخل العربية الجراج يا عم عزمي.
تحدث عزمي باحترام:
حاضر يا فندم. هو حضرتك مش هترجع الشغل تاني؟
هز رأسه نافياً:
لأ. روح أنت لولادك يا راجل يا طيب، اتغدى معاهم.
ابتسم السائق برضا:
حاضر يا باشا، ربنا يبارك في عمرك يارب.
توقفت السيارة في الجراج، يليها سيارتين الحرس. هبط هو من السيارة متجهاً إلى الباب الداخلي من الفيلا سيراً على الأقدام دون أن يشعر أحد بوصوله.
لفت نظره هذا الحقير شريف وهو يقف مع زوجته دون وجوده. اشتعلت النيران داخل طيات قلبه ويذهب له ويعنفه، ولكن لا يدري لما قرر الاقتراب منهم ليعلم فيم يتحدثون. أي سر سيكون بين زوجته وهذا الحقير؟
ولكن مهلاً، وجد الآخر يقترب من زوجته ويمسكها من ذراعها بعنف. هنا تحول إلى شخص آخر وركض إلى هذا الحقير ليخلص زوجته من براثنه ويلقنه درساً لن ينساه. لكن ما أن اقترب منها توقف مكانه متصنماً من صدمته مما استمع إليه.
***
خرجت نورسيل على الفور، وجدت شريف يقف أمام سيارته وينفث دخان سيجاره بتعالي.
زفرت بحنق واتجهت له متمتمة بضيق:
خير يا شريف، عايز إيه مني؟
أخذ نفساً من سيجاره ونفث دخانه في وجهها، مما جعل الأخرى تسعل بشدة.
تحدث ساخراً:
وه يا بت عمي، أخص عليكي. ده حدِيت تجوليه ليا بدل ما ترحبي بولد عمك.
وضعت يدها على أنفها بضيق وعقبت:
شريف، بطل لف ودوران وقولي عايز إيه مني. يوسف لو رجع وشافك هنا مش هيسكت.
ابتسم باتساع ورد:
وه زين جوي يوسف حاف إكده وعينك عم تلمع كأنك حبتيه إياك.
ردت بتحدي:
أه، حبيته. مش جوزي.
جحظت عين الآخر وتحدث ساخراً:
وه وبتجوليها إكده من غير خشي؟ ونسيتي حبك لشهاب إياك؟ وتاره، مش ده كان خطتنا عشان تتجوزي ولد المركوب إكده؟ آيه اللي حصل يا بت عمي؟ مش ده اللي مكتوب قبل إنه يجرب منكِ.
هتفت بندم وانكسار:
كنت غبية ودفعت تمن غبائي. وأبعد عن يوسف يا شريف. لإ أقسم بالله هروح لعمي وأفضحك وأقوله إنك أنت اللي حاولت تقتل يوسف.
في لمح البصر كان يمسك ذراعها خلف ظهرها مردداً بفحيح:
تفضحي مين يا بت المركوب؟ لاه أنا اللي هفضحك وهجول لأبوي وهجول ليوسف بتاعك إنك كنتي موالفة معايا في ضربه بالنار وإنك كنتي مخططة وياي كل حاجة. مسجلا صوت وأسكرينات الرسايل يا حلوة. وكمان هخبره إنك كنتي رايدة تفضحيه وتجولي عليه مش راجل كومان. وجتها هو اللي هيدفنك حية بيده.
تصنم جسده من هول ما يستمع إليه. اقترب منهم وفي لمح البصر ظهر من العدم ووقف أمامهم.
ترك شريف يدها بصدمة وهو يتطلع خلف نورسيل، غير مدركاً من أين ظهر من الأساس، وعلى ما يبدو أنه استمع إليهم.
تطلعت له نورسيل بارتباك:
على ماذا ينظر خلفها؟ من المؤكد أن أحداً خلفها. ألتفت خلفها بحذر، وليتها لم تفعل. فلم يكن سوى يوسف.
ابتلعت ريقها بتوجس واقتربت من يوسف مرددة بقلق:
يوسف.
رفع يده وأشار أن تتوقف ونظر لها باذدراء:
أنتي طالق.
صدمة بكل المقاييس لها. حاولت أن تقترب منه تتحدث بدموع:
يوسف، اسمعني. أنت فاهم غلط.
صاح بغضب جعل من بالداخل يركضون ليروا ما حدث:
أخرسي. مش عايز أسمع صوتك. فاهم إيه غلط؟ فاهم إيه وأنا مربي حنش في بيتي. قاعدة في بيتي وخيري ملكي. استحملتك واتغاضيت عن كل حاجة تعمليها، وفي الآخر نائمة في حضني وأنتِ بتخططي تقتليني؟
هز رأسه بانهيار وقال بحسرة:
كنت قاعدة جنبي في المستشفى عشان تطمئني أني هموت عشان خطتك تنجح.
جلست على الأرض تبكي بحسرة، لا تستطيع أن تدافع عن نفسها حتى. فماذا تقول؟
بينما شريف أخذ دور المتفرج بإستمتاع. هو لم يخطط لذلك، لكن طالما حدث لا مانع.
حاولت نايا الاقتراب منها هي وعهد، لكنه صرخ بهم بعنف:
على جوه، محدش يقرب منها.
تحدثت نايا برجاء:
إهدي بس يا يوسف، أكيد في حاجة غلط.
دمعت عيناه وتحدث بحسرة:
حاجة غلط؟ لأ يا نايا، أختك كانت متفقة مع البيه على قتلي.
شهقت عهد ووضعت يدها على فمها بصدمة، وكذلك صفاء التي رددت بعدم استيعاب:
أنت بتقول إيه يوسف؟ لأ، محصلش. دي كانت هتجنن عليك يا ابني لما انضربت بالنار!
تنهد بألم وابتلع غصة مريرة بفمه وهو يرمقها بإستحقار:
أنتِ تمثيلية يا أمي عشان تضمن تفضل هنا، مترجعش للمكان اللي اتذلت فيه قبل كده.
انحنى بجزعه عليها وأمسكها من خصلات شعرها بعنف وتحدث بفحيح:
عايز تعرفي إيه اللي حصل ما بيني أنا وشهاب خلاه يرفع سلاحه عليا؟
رغم ألمها التي تعصف داخل قلبها، لكن تحدثت بصدق:
مش عايزة أعرف، ولا فارق معايا من الأساس. مش فارق معايا غيرك أنت وبس. أنا بحبك أنت يا يوسف، وميهمنيش غيرك والله عظيم. الكلام اللي قاله ده كان أول ما اتجوزنا، قبل ما أعرفك وأحبك. والفضيحة اللي بتتكلم عنه هو اللي كان بيخطط ليها، لكن أما رفضت، والله العظيم رفضت. صدقني يا يوسف، أنا نورسيل.
لم يكن رده سوى أنه بصق على وجهها بإشمئزاز وأكمل بفحيح:
وأنا مش هصدقك ولا هثق فيكي، عشان أنتي نورسيل فعلاً اللي مشفتش منها غير الكره والغدر من أول يوم دخلت بيتي.
تركها ونهض ووقف أمام شريف متأكداً:
عايز تعرف أخوك مات إزاي؟ أخوك الوسخ كان بيحاول يعتدي على واحدة وأنقذتها من إيده، وهو اللي رفع سلاحه عليا. كل اللي عملته إني بعدت سلاحه وهو صاب نفسه. كان ممكن أفضح أخوك وأخلي البنت تعترف، لكن رفضت وخليتها ترفض وسترت على أخوك في تربيته وعلى البنت الغلبانة.
ضحك شريف ساخراً:
وه، وفاكر إنك مصدق، ومصدق حدِيتك الماسخ ده؟ أخويا كان راجل يعرف ربنا.
رمقه بإستخفاف واقترب منه هامساً في أذنه:
ابقى روح اسأل مراتك، وهو تقولك الحقيقة.
اشتعلت عين شريف بغضب.
ابتعد عنها وهو يشير إلى نورسيل بإشمئزاز:
وأتفضل خد الحثالة دي وبره بيتي. مش عايز أشوف خلقكم تاني. وقتها مش هرحمكم.
انتفضت كالملسوعة وتمسكت بيده برجاء:
لأ يا يوسف، متسبنيش. أنا مليش غيرك.
نفض يدها بعنف وتبسم ساخراً:
لا، ليكي اللي كنتي هتعمليه لما أموت. أعمليه دلوقتي، متقلقيش. حقك هتاخديه. مش أنا أكل حق حد.
بينما شريف ركب سيارته وغادر وقاده بسرعة عالية مما جعلها تصدر صريراً، وذهب كي يعلم معنى حديث هذا اليوسف، وترك نورسيل لل حول ولا قوة.
التفت إلى والدته وعهد ونايا وتحدث أمراً:
يلا على جوه.
تحدثت نايا برجاء:
شريف سابها ومشي. اديها فرصة واحدة بس يا يوسف، عشان خاطري اسمعها.
رد بصوت حاد يخفي في طياته آلام قلبه:
الكلام انتهى. كلمي شادي ييجي يوديها مكان ما هي عايزة. روحي حضري ليها هدومها وحاجتها. مش عايز أي حاجة تخصها في بيتي.
ألقى جملته ودلف إلى الفيلا وولج داخل مكتبه وأغلقه خلفه بعنف وتهاوى بجسده أرضاً واضعاً يده على أذنه.
***
تطلعت صفاء لنورسيل بخزي:
يا خسارة يا نورسيل، يا ألف خسارة. ليه يا بنتي تعملي فينا كده؟ أنتي من يوم ما دخلتي البيت ده فوق الراس وأنا عاملتك كبناتي وأكتر، وتبقي دي آخرتها؟ عايزة تقتلي جوزك؟
تحركت هي الأخرى بحزن إلى الداخل وتبعتها عهد.
بينما ظلت نايا تنظر إلى نورسيل بأسى:
وشفتي وصلتي نفسك لفين يا نورسيل؟ قولتلك هتندمي وهتخسري كل حاجة. وأديكي فضلتِ ماشية في طريقك وخسرتي كل حاجة. خسرتي يوسف وخسرتي حبه. وهترجعي لذل شريف، والمرّة دي مش هيرحمك يا نورسيل. أنا هروح أجهز حاجتك.
أمسكت نورسيل يدها برجاء:
عايزة أكلم يوسف. خليه يسامحني. والله العظيم ده كان اتفاق قديم. خليه يسامحني يا نايا. يوسف طلقني. أنا مش هقدر أعيش من غيره.
تنهدت نايا بحزن وهتفت بتريث:
لا يا نورسيل. يوسف محتاج يهدي. أي كلام دلوقتي مش هيبقى في صالحك. أنا هروح أكلم عدي ييجي، يمكن يقدر يعمل حاجة.
ولجت هي الأخرى، تاركة نورسيل تجلس على الأرض بخزي. ليتها استمعت إلى نايا من البداية، واستمعت إلى حديث قلبها. كيف ستحيا دون يوسف؟ كيف ستعيش دون قلبها؟
في الداخل…
تجلس صفاء تبكي بصمت وجوارها عهد تحاول تهدئتها:
أهدي بس يا ماما عشان خاطري.
ردت صفاء بدموع:
مش قادرة أصدق يا بنتي. مش مصدقة. بقي نورسيل هي السبب في اللي حصل ليوسف؟ دي كانت بنت تالتة ليا، تغدر بينا وتعمل كده.
ابتسمت عهد ساخرة:
ماذا لو علمت ما فعله شادي هو الآخر بها؟
أكملت صفاء بانكسار:
مش واجع قلبي غير يوسف دي يا قلب أمه. كان بيحبها وبيتمنى ليها الرضا. ترضي؟ صعبان عليا. ملوش حظ وهي كسرته ودبحته بسكينة باردة يا حبيبي.
تحدثت عهد بحزن:
اطمئني يا أمي، أبيه أوي وهيقدر يعدي اللي حصل بإذن الله.
تنهدت بحسرة:
وأنا اللي قلت خلاص الدنيا بدأت تضحك ليه وهيعيش حياته. كل ده طلع سراب. ربنا يصبر قلبك يا حبيبي.
هبطت نايا الدرج وخلفها خادمتين يحملون حقائب. وقفت نايا أمامهما بإحراج:
أنا جهزت حاجة نورسيل زي ما يوسف قال، وكلمت شادي ييجي ياخدها.
أومأت صفاء بحزن:
ماشي يا بنتي. خلي شادي يمشيها من هنا. بلاش يدخل ليوسف دلوقتي، خلوه يهدي لوحده أفضل.
ردت نايا بحذر:
بس أنا كلمت عدي وقولت ليه ييجي، بس ما قولتش ليه اللي حصل.
تنهدت صفاء بحزن:
ماشي يا بنتي، كويس إنك عملتي كده.
هتفت نايا بإحراج:
بعد إذنك يا ماما، هخرج ليها أفضل معاها.
تحدثت صفاء بكسرة:
مهما عملت فينا هتفضل أختك يا بنتي، روحي ليها.
هزت نايا رأسها بإيجاب وتحركت للخارج وداخلها حزن على ما فعلته شقيقتها الحمقاء. فرغم ما فعلته بهم، لم يأخذوها بذنب شقيقتها.
***
وضعت الخادمتين الحقائب وهم ينظرون لها بإزدراء، مما علموا بتسببها في ما حدث لرب عملهم الحنون الذي لم يروا منه سوى كل الخير.
خرجت نايا وجلست جوارها تربت عليها بحزن. لا تدري أتهديها من حالتها تلك أم تعاتبها على ما اقترفته بيدها. انتشلها من أفكارها.
وصول عدي بسيارته تزامناً مع وصول شادي. هبط كلاهما من السيارة وركضوا تجاههم، فهم لا يعلمون ماذا حدث.
تحدث عدي بلهفة:
خير، في إيه؟ يوسف حصله حاجة يا نايا؟ نورسيل بتعيط ليه؟
ردت نايا بحزن:
يوسف طلق نورسيل.
التفت إلى شادي المصدوم مما تفوهت به وهتفت برجاء:
خد نورسيل، روحها البلد. شريف سابها وهنا.
هتف عدي بصدمة:
طلقها إمتى وإزاي؟ أنتي بتستهزري صح! ده خلص شغله النهاردة وراجع مستعجل وفرحان عشان مسافرين. أكيد في حاجة غلط.
رد شادي بترقب:
شريف كان هنا بيعمل إيه؟ أوعى يكون هو سبب الطلاق؟
لم ترد نايا وازداد بكاء نورسيل.
صاح عدي بغضب:
اتكلمي يا نايا، انطقي! إيه اللي حصل؟
تحدثت نايا بخزي:
شريف قال إن نورسيل كانت متفقة معاه على قتل يوسف، وهو سمعهم وطلق نورسيل.
جحظت عين عدي مردداً بعدم استيعاب:
أنتي بتقولي إيه؟
التفت عدي إلى نورسيل بصدمة:
إيه الكلام ده يا نورسيل؟ الكلام ده صح؟
ظلت تبكي بصمت. صاح هو بعنف:
انطقي! الكلام ده صح؟
ردت نورسيل بصوت مبحوح من البكاء:
صح، بس ده كـ...
قطع حديثها بصدمة:
صح؟
التفت إلى شادي الذي يقف مصدوماً هو الآخر وتحدث:
خد بنت عمك، اتصرف فيها، لأن لو فضلت دقيقة واحدة قدامي أنا اللي هخلص عليها بإيدي.
اتجه إلى نايا وشدها من ذراعها بعنف:
قومي أدخلي جوه. قاعدة بطبطبي على مين؟ على الزبالة دي؟ خاينة اللي تتفق مع راجل غيره تبقى خاينة وملهاش أمان.
أخذ زوجته وولج بها إلى الداخل، صافعاً الباب خلفه بعنف.
رمق نورسيل بأسى واتجه إلى الحقائب ووضعها في سيارته وردد بقلة حيلة:
يلا يا نورسيل.
نهضت بخزي وهي تلقي نظرة على القصر وعلى جناحها هي ويوسف، وركبت السيارة وهي تجر أذيال الخيبة. فهي من أوصلت نفسها لذلك. ندمت بالفعل كما أخبرها الجميع. ندمت ولكن بعد أن فات الأوان.
"عجباً لك يا بن آدم، تقترف أخطائك بيدك وفي نهاية المطاف أنت من تعود نادماً. ولكن يا لأسف، تندم في وقت لا ينفع فيه الندم، فقد فات الأوان ورفعت الأقلام."
***
نهض يوسف وخرج من مكتبه متجهاً إلى جناحه. دلف إلى داخل الغرفة، ظل واقفاً يتأمل الغرفة يستعيد ذكرياته برفقتها، ضحكاتهم سوياً، مرحهم ولهوهم. ثوان وصرخ بصوت مرتفع وبدأ بتكسير كل ما تطوله يده، غير عابئ بجروح يده ولا الدماء التي بدأت تسيل من يده.
رواية ثأر الحب الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم زينب سعيد
كشراع المركب نحن تسيرنا الرياح كما تهوي
وتمر بنا الأيام كأنما لم تمر
لا شئ يتغير الزمن يمضي
والعمر يفني ونظل كما نحن
جلس يتأمل زوجته وشقيقته والأطفال وهما يتناولون طعامهم بنهم شديد.
تسأل يزن ببراءة:
- مش بتأكل معانا ليه يا خالو؟
ابتسم يوسف بحب وقال:
- فطرت يا حبيبي أيه بقي رأيك الأكل عجبك؟
حرك الطفل رأسه بطفولة:
- حلو أوي هات لينا منه كل يوم.
ابتسم بخفة واسترسل ساخراً:
- أنت عايز نانا صفاء تقيم علينا الحد ولا أيه؟
تسأل الطفل ببراءة:
- يعني نانا هتعقبك زي مامي لما تعرف بالأكل ده.
ضحك يوسف بصوت مرتفع وتبعه الجميع. تمالك نفسه اخيرا وتحدث بدعابة:
- لأ ما تيتة مش هنا ومش هتعرف ولا أنا أنت بقي هتفتن علي خالو حبيبك؟
حرك الصغير رأسه نافياً وهتف ببراءة:
- لأ بس هتجبلي تاني ماشي؟
صمت يوسف قليلاً وتحدث ساخراً:
- بتسومني يا شبر ونص ماش يا سيدي هجبلك.
تسألت نورسيل بلهفة:
- هنروح لنايا؟
حرك رأسه نافياً وعقب:
- هما راجعين بعد الضهر.
أومأت بتفهم وقالت:
- تمام.
صاح الصغير ببراءة:
- هيجي معاهم النونو الصغير؟
ابتسم يوسف بحب وقال:
- أيوة يا حبيبي.
صقف الصغير بحماس وتسأل:
- هو إسمه أيه يا خالو؟
رد يوسف ضاحكاً:
- خالو عدي سماه يوسف.
تسأل الطفل ببراءة:
- ايه ده ازاي مش أنت يوسف هو كمان يوسف كده عندنا أتنين يوسف ونتلخبط ما بينهم.
ابتسمت عليا وتحدثت موضحة:
- لأ لأن ده خالو يوسف هو هنقول ليه يا يوسف بس.
ابتسم يوسف إلي الطفل الآخر "يزن" وجد أنه يتناول طعامه بصمت. ألتفت إلي شقيقته تسأل:
- هو يزن ساكت ليه نلاحظ أنه هادي بقاله فتره؟
داعبت شعر طفلها بحزن شديد وأخبرته موضحة:
- مع الأسف من وقت ما شاف إلي حصل وهو كده.
امتعض وجه يوسف وسب في عقله وتنهد بسأم وقال:
- طيب وهنعمل أيه؟ هيفضل كده الولد محتاج دكتور نفسي.
انخلع قلب عليا وهتفت بتبرير:
- لأ أن شاء الله مش يحتاج حاجة شوية ويبقي كويس ده لسه صغير مش فاهم حاجة يا يوسف.
تنهد يوسف وقال:
- هو لسه صغير بس فاهم ومدرك كويس كل إلي بيدور حواليه يا عليا.
تدخلت نورسيل في الحديث مؤيدة:
- يوسف معاه حق يا عليا خلينا نطمن علي يزن وهو صغير افضل لقدر الله ممكن يأثر علي نفسيته لما يكبر.
تطلعت لطفلها بحزن وأجابت:
- حاضر يا حبيبي.
داعب يوسف لحيته الحليقة وتحدث بعملية:
- طيب بعد الفطار ممكن يا نورسيل تطلعي تجهزيهم.
تسألت عليا بعدم فهم:
- تجهزهم ليه؟
رد يوسف بإختصار:
- هخرجهم شوية يغيروا جو.
ردت نورسيل مبتسمة:
- حاضر يا حبيبي.
تحدثت عليا بلطف:
- لأ يا قلبي متتعبيش نفسك أنا هجهزهم.
رد يوسف بحزم:
- لأ نورسيل محتاج أتكلم أنا وأنتي يا عليا.
ابتلعت عليا ريقها بمرارة وأجابت:
- حاضر يا يوسف.
نهضت نورسيل وأخذت الطفلين واستأذنت منهم وغادرت. تتبعهم يوسف وعليا بنظراتهم وبعدها استدار يوسف إلي عليا متسائلاً:
- خلصتي فطار؟ عجبك؟
أماءت مبتسمة:
- اه يا حبيبي تسلم ايدك.
ابتسم يوسف وقال:
- الف هنا علي قلبك ممكن بقي فنجان قهوة من إيدك الحلوة وتحصليني علي المكتب؟ محتاج نتكلم سوا يا عليا لازم نقفل الدفاتر القديمة قبل ما نفتح الجديد ولا ايه؟
ردت عليا بإيجاب:
- حاضر يا يوسف إلي تشوفه.
مع كل تكة يصدرها المفتاح يتأجج معها مشاعر كثيرة داخل قلبه. هنا عاش أسعد أيام عمره. هنا كانت أول لياليه مع محبوبته. هنا أرتوي من عشقها واستمع لصرخة طفله وصياحته الطفولية. سعادته تكمن في هذا المكان كما تكمن تعاسته. فتح باب الشقة أخيراً وقابله الظلام. رغم أن الظلام يحيط كل شئ لكن يقسم أنه يريد كل معالم الشقة بعينه الأن. آخذ نفس عميق ملئ به رئتيه محاولا تهدئة أنفاسه الثائرة ودقات قلبه المتعالية.
تحرك بخطي بطيئة وضغط علي مكبس الكهرباء مما جعل الإنارة تشتعل وتضئ الشقة بأكملها. أغلق باب الشقة بقدمه واستند بظهره علي الباب يتأملها بأسي. يتذكر حل شئ يشعر بأنفاس زوجته وطفله هنا. رغم مرور الزمن لكن الشقة كما هي نفس المعالم حتي بعد أنا ملاها الغبار. فبعد أن كانت منبع الدفئ والراحة أصبحت منبع الجفاء والبرودة.
تحرك بصعوبة يتأمل كل ركن بها. هنا كان يتمدد علي الأريكة وزوجته جواره تطعمه الفواكه في فمه وهما يشاهداه التلفاز. وهنا كان يجلس أرضاً يلاعب طفله الصغير.
صار بخطوات واهنة يتأمل المطبخ وكل ركن به. يتذكر ومضات طريفة مرت عليهما هنا وهما يتشاكسان في تحضير الطعام. عليا أه منها عليا بعد أن كانت سعادته تلخص بها. إنتهي كل شئ وأصبحت هي سبب تعاسته الأبدية.
أخذته قدماه إلي غرفة النوم. ظل يتأمل الفراش غرفة الملابس طاولة الزينة. كل شئ بها. تحرك قليلاً وتوقف أمام المرآة ينظر لإنعكاس صورته. وجه متجهم. عين حمراء كالجمر. يشعر كأن بركان ناري يعصف داخل رأسه الأن. تأمل طاولة الزينة وجد قنينة زجاجية تحوي علي عطر فواح كان تفضله عليا لأنه من إختيار. والأن هو هنا. طاولة الزينة فارغة من كل شئ إلا هو. مد يده وعلي شفتيه إبتسامة مستهزئة فيبدوا أنها تركت كل شئ يذكرها به.
تراجع إلي الخلف وقام بقذف الزجاجة في منتصف المراءة فتهشم الزجاج إلي أشلاء صغيرة وتناثر أرضاً. لم يعبئ بها وأكمل سيره إلي غرفة الملابس. وكما توقع ملابسها مازالت هنا. لم يدري بنفسه سوي وهو يغادر الغرفة متجها إلي المطبخ مخرجا سكين حاد وعاد به إلي الغرفة مرة أخرى. وجلس أرضا بعد أن ألقي جميع الملابس أرضا وبدأ بتمذيقها بجنون. ولم يكتفي عند هذا الحد اتجه إلي الفراش وبدأ بطعن المراتب وتمزيق الفرش.
ألقي السكين أرضاً واتجه إلي الغرفة الاخري والقي بثقل جسده علي فراش صغيره محاولا أن يشتم عبيره. فسابقا حان يغفي هنا علي هذا الفراش وصغيره داخل أحضانه.
طرقت باب المكتب وادرات المقبض ودلفت الغرفة وعلي شفتيها إبتسامة عذبة. وضعتها أمامه وتحدثت مداعبة:
- لأ أشوف بقي قهوتي إلي تكسب ولا قهوة نورسيل.
ابتسم يوسف وقال:
- الأتنين حلوين اقعدي يا عليا خلينا نتكلم.
جلست بحزن وتسألت:
- أنا فعلاً لسه مرات عاصم؟
هز رأسه بإيجاب عدة مرات متتالية وغمغم موكدا:
- لسه علي ذمته طالما تم الإجبار علي الطلاق وده إلي هيتم في المحكمة هيتثبت إنك لسه مراته. انتي بقي ناوية علي أيه؟
تسألت بعدم فهم:
- ناوية علي أيه في أيه؟
أرخي يوسف ظهره علي ظهر المقعد وتحدث بنبرة ذات معني:
- يعني ناوية تكملي مع عاصم؟ اولا عاصم برئ وده هثبته ليكي الفترة الجاية ولا أنتي ناوية تطلقي؟
ابتلعت ريقها بصمت ولم ترد.
تنهد يوسف وقال:
- أسمعيني يا عليا هخليني صريح معاكي أنتي وعاصم حصل شرخ كبير أوي ما بينكم. الشرخ ممكن يتصلح لكن هيفضل ليه أثر بمعني حبك أنتي وعاصم قادر يتغلب علي إلي حصل لكن دايما هيبقي فيه نقطة سودة في حياتكم دي حاجة. الحاجة التانية أن عاصم مبقاش عاصم بتاع زمان لا الزمن غيره قوي تقدري تقولي من كتر ما اتوجع بقي إنسان بارد وفاتر وكمان رفض يقدم إستقالته بره يعني الموضوع هنا هيخلص وهيرجع تاني هناك. أنتي هتتقبلي تسافري معاه؟ أنا كده وضحت ليكي الصورة كاملة ومش عايز رد منك يا حبيبتي دلوقتي معاكي أسبوع تكوني فكرتي فيه كويس وقررتي أنتي هتعملي أيه. نيجي بقي للمهم يزيد ويزن.
تسألت بعدم فهم:
- مالهم؟
تحدث يوسف مفسرا:
- مش أن الأوان يعرفوا مين أبوهم؟ ولادك دلوقتي مشتتين وأنا شايف أنهم بدأوا يتخطوا عامر خلاص. لازم نعرفهم أن عاصم يبقي ابوهم. كل لما يعرفوا بدري هيكون أفضل ليهم وغير كده عاصم هيبقي معاهم وقريب منهم قادر يساعدهم يتخطوا ده.
تنهدت بأسي علي طفليها وقالت:
- مش عارفة يا يوسف أعمل ايه في الموضوع ده ولا عارفه حتي أقول لهم أزاي.
اومأ بتفهم وعقب:
- عارف أن الموضوع صعب ومعقد بس كل لما كان تسرع كل ما كان افضل.
تنهدت بقلة حيلة وقالت:
- إلي ربنا عايزه هيكون يا يوسف.
رد يوسف موضحا:
- ونعم بالله. علي فكرة أنا واخد الولاد ورايح لعاصم يخرجهم معايا.
اتسعت عيناها مرددة بعدم إستيعاب:
- نعم واخد مين لفين؟ لا طبعاً يا يوسف لسه معرفوش وكمان عاصم هيتعامل معاهم إزاي؟ لا يوسف بلاش.
قطب يوسف جبينه متسائلاً:
- أنتي خايفة علي ولادك من عاصم؟
نظرت إلي الأسفل بصمت. كرر سؤاله مرة آخري بحدة أكبر:
- ساكته ليه؟ ردي عليا؟
ردت بصوت خافت:
- أيوة يا يوسف عاصم ممكن يفكر ياخد ولادي مني أو يأذيهم عشان يوجعني.
رفع إحدي حاجبيه متهكما وتسأل:
- يأذيهم؟ أنتي أتجننتي يا عليا ولا ايه؟ في آب يأذي عياله؟
تحدثت بتبرير:
- أنت نفسك بتقول عاصم اتغير وعاصم إلي أنا شوفته امبارح واحد تاني غير عاصم إلي كنت متجوازه.
ابتسم بعدم إستيعاب وتسأل:
- أنتي بجد بتهزري؟ أنا مش مصدق عاصم طبيعي ده يكون رد فعله. ولازم تبقي عارفة أن ده شخص تاني غير عاصم جوزك بتاع زمان. أنتي متعرفيش هو مر بأيه ولا حصل معاه أيه عشان تحكمي عليه. أنا بقي ولاده فهو أب يا عليا أب يعني يخاف عليهم أكتر مني ومنك. اهدي كده وبطلي هبل.
تحدثت بعصبية:
- لأ يا يوسف هو اه أبوهم لكن بالاسم بس مفيش كشاعر أبوه جايز يزيد اه لكن يزن عمره ما شافه من الأساس.
صمتت قليلاً واكملت بغيرة:
- وبعدين اكيد اتجوز وخلف وعنده أطفال تانين وولادي مش مهمين عنده.
هز رأسه بيأس من غريبة الأطوار التي أمامه وتحدث بنفاذ صبر:
- مشاعر الأبوة فطرية يا ست عليا دي حاجة. وثانيا بقي يا هبلة عاصم ولا اتجوز ولا خلف.
لمعت عيناها وتسألت:
- هو إلي قالك؟
رد متهكما:
- لأ مقلش حاجة لأني مسألتوش أصلاً. بقولك ايه قومي شوفي نورسيل عملت ايه مع الولاد يلا عشان ألحق أرجع قبل ما عدي يرجع بالجماعة.
نهضت عليا وهتفت برجاء:
- يوسف خد بالك منهم اوعي تسيبهم معاه لوحدهم.
هز رأسه بيأس من هذه المعتوها وتحدث بنفاذ صبر منهيا الجدل:
- حاضر يا عليا حاضر روحي يلا ربنا يهديكي.
غادرت عليا وضرب هو مف بكف مرددا بسخرية:
- عليه العوض ومنه العوض يا يوسف في حريم العيلة يعني نورسيل وهبلة وكمان عليا أتهبلت علي اخر الزمن.
اغلق الهاتف واقترب من عائلته مبتسما:
- الخير علي جدوم الواردين نايا ولدت.
تسألت عهد بلهفة:
- بجد ولدت إمتي؟
رد شادي مبتسماً:
- إمبارح.
ابتسم سالم وقال:
- ما شاء الله خير خير اللهم بارك.
تسألت وصفية بحنان:
- چابت أيه يا ولدي؟
رد شادي مبتسماً:
- يوسف.
صقفت عهد بحماس شديد وتسألت:
- بجد اول مرة اعرف أنهم هيسموا يوسف حبيب عمتو الصغنن ده هنروح ليهم أمتي؟
ألتفت إلي عائلته متسائلاً:
- هنروحوا ميتي يا أبوي؟
تحدث سالم بإبتسامة:
- وجت ما تحب يا ولدي.
تحدث شريف مبتسما:
- مبارك عليهم.
ابتسمت حنين من أسفل نقابها وقالت:
- مبارك يا عهد.
ردت عهد مبتسمة:
- الله يبارك فيكي يا حنين عقبالك.
ربتت حنين علي أحشائها بحب وقالت:
- هانت أهو بإذن الله.
رد شادي بإيضاح:
- ايه رأيكم نروح لهم بالليل تكون رجعت البيت وبقت كويسة.
اومأت عهد مبتسمة:
- تمام يا حبيبي هقوم أنا حضر الغداء.
نهضت حنين بوهن وقالت:
- هاجي أساعدك.
هزت عهد رأسها سريعاً بلا:
- لأ خليكي مرتاحة أنا مجهزة كل حاجة.
غمغمت حنين بإصرار:
- لأ هاجي أساعدك.
تنهدت عهد بقلة حيلة وعقبت:
- علي راحتك يا حبيبتي.
نهض شريف وهو يطالع شقيقه غامزا:
- بجولك يا أخوي ما تاچي نشوف مشورانا.
أومأ شادي بإيجاب وقال:
- ماشي يلا يا أخوي محتاچين حاچة من تحت؟
ردت عهد نافية:
- لأ يا حبيبي سلامتك.
فتح عينه بضعف وحاول اغلاقها مرة آخري لكن رنين جرس الباب المتواصل جعله يتحامل علي حاله وينهض ليري من الطارق. لكن مؤكد سيكون يوسف لا محالة فلا أحد يعلم أنه هنا سواه.
أتجه إلي الباب وقام بفتحه بهون وأعين مغلقة. وسرعان ما اتسعت عيناه وأغلقها وفتحها عظة مرات يتأكد مما يراه. هل شوقه لهم جعله يتوهم رؤيتهم أم هم أمامه بالفعل.
آفاقه من حالته تلك يوسف الذي تحدث ممازحا:
- أيه يا صاحبي هتفضل واقفين علي الباب كده الكتاكيت دول مش متعودين علي كده.
تراجع إلي الخلف ومازالت الصدمة مؤثرة عليه حتي الأن. دخل يوسف وهو يصطحب الصغيرين بيده. اتجه يوسف إلي اقرب أريكة وأجلسهم عليها بحنان واستدار إلي عاصم الذي لا يزال يقف كما هو.
تنهد يوسف بأسي علي حاله وتحدث بنبرة ذات معني:
- أيه يا عاصم هتفضل واقف كده تعالي سلم يلا.
اغلق عاصم الباب وهو يطالع يوسف معاتبا. اقترب من الصغار وجلس علي ركبتيه أمامها.
تمسك الصغار بخالهم بخوف مما جعل الأخر يتألم. يكاد يشعر بسكين حاد تمزق قلبه.
ربت يوسف علي الصغار بحنان وقال:
- متخافوش يا حبايبي أيه يا يزيد مش كنت بتسأل ماما أنا ليه أسمي يزيد عاصم؟
هز الصغير رأسه بطفولة:
- اه.
رد يوسف مبتسماً:
- ده بقي عاصم يبقي بابا.
طالعه الصغير بعدم إستيعاب:
- وبابا عامر يبقي أيه؟
ليتك لم تتفوه يا صغيري كم ود أن يكون أصم الأن ولم يتسمع لهذا. رمق يوسف معاتبا وهو يحدثه بنظراته لما فعال بي هذا يا رفيقي لما استعجلت في ذبحي هكذا.
رد يوسف بتريث:
- بص يا يزيد ده بابا عاصم مش محمد ابن خالتو عهد اسمه محمد شادي وباباه اسمه شادي. أنت ويزن إسم بابكم عاصم بس هو كان مسافر وعشان أنتوا متزعلوش عشان مش معاكم بابا عمو عامر اخو بابا بقي بابكم لغاية ما بابا عاصم يرجع وخلاص. بابا عاصم رجع وبابا عامر بقي عمو عامر من تاني.
همهمات الصغير يزن هي من جعلت قلبي يرفرف من جديد وهو يردد ببراءة:
- بابا بابا.
ألتفت له يوسف مبتسماً وقال:
- أيوة يا يزن بابا.
أشار عاصم بعينه لصغيره وهو يستطرد مداعبا:
- أيه بابا مش هتشيل يزن وتديله بوسة وحضن كبير؟
كأن كلمة يوسف هي الإشارة الحمراء لعاصم الذي ألتقف الصغير بين أحضانه بفرحة شديد مقبلاً كل انشئ يقابله به ودموعه تسيل بغزارة.
ظل يتأمل شقيقه وهو في أحضان من يدعي والده هذا بغيرة شديدة ويقارن بعقله الطفولي ما يفعله والده الجديدة ومعاملته تلك ومعاملة والدهم عامر لهم سابقاً.
ضغط علي يد خاله وتحدث ببراءة:
- خالو عايز اروح.
إستدار له يوسف معاتبا وقال:
- طيب مش هتسلم علي بابا؟
رد الصغير بعند:
- عايز ماما.
ابتعد عاصم عن يزن وتطلع إلي طفله الآخر بحزن وبعدها تطلع إلي يوسف وقال:
- روحه يا يوسف زي ما هو عايز كفاية كده عليه المرة دي.
تنهد يوسف بقلة حيلة وقال:
- حاضر يا صاحبي مع أني كنت حابب أننا نخرجهم أيه رايك يا يزيد أنا وبابي ناخدكم الملاهي؟
وقف الصغير ودب علي الأرض بطفولة وقال:
- أنا عايز ماما.
قطع حديثهم رنين جرس. تبادل يوسف وعاصم النظرات المتعجبة ونهض عاصم وفتح باب الشقة وتفاجئ ب ……
رواية ثأر الحب الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم زينب سعيد
ضغط علي يد خاله وتحدث ببراءة:
- خالو عايز اروح.
إستدار له يوسف معاتبا وقال:
- طيب مش هتسلم علي بابا ؟
رد الصغير بعند:
- عايز ماما.
ابتعد عاصم عن يزن وتطلع إلي طفله الآخر بحزن وبعدها تطلع إلي يوسف وقال:
- روحه يا يوسف زي ما هو عايز كفاية كده عليه المرة دي.
تنهد يوسف بقلة حيلة وقال:
- حاضر يا صاحبي مع أني كنت حابب أننا نخرجهم أيه رايك يا يزيد أنا وبابي ناخدكم الملاهي ؟
وقف الصغير ودب علي الأرض بطفولة وقال:
- أنا عايز ماما .
قطع حديثهم رنين جرس تبادل يوسف وعاصم النظرات المتعجبة ونهض عاصم وفتح باب الشقة وتفاجئ بآخر شخص يتوقع رؤيته أو يريد رؤيته الأن.
"عامر"
تطالعه عاصم بإحتقار ولم يتحدث لكن تجاهله الآخر ومر من جانبه متجها إلي الداخل وتفاجئ بيوسف والأطفال.
ابتسم ساخرا وإستدار إلي عاصم بتحدي وبعدها إتجه بنظراته إلي الأطفال وتحدث مبتسما وهو يجلس أرضا وفاتحا ذراعيه لضمهم:
- حبايب بابي أيه مفيش حضن كبير لبابا عامر؟
ظل عاصم واقفا مكانه وداخل صدره يحترق ينتظر رد فعل الأطفال من المؤكد سيركضون له هذا ما يسعي عامر إليه ليؤكد له انه أنتصر عليه مرة آخري.
لكن طال إنتظارهم فالصغار لم يحركوا ساكنا وتمسكوا بخالهم بخوف ضمهم يوسف لآحضانه بحنان بينما نهض عامر بغل والتفت الي عاصم واسترسل بغل:
- ما تفتكرش إنك ممكن تنتصر عليا تاني يا عاصم قدامك يومين وترجع ما كان ما كنت وإلا بقي متلومش غير نفسك.
ألتفت عاصم الي يوسف وتحدث بحزم:
- يوسف لو سمحت دخل الأولاد آوضة الأطفال.
آونأ يوسف بإيجاب ونهض بالفعل وآخذ الأطفال متجها الي غرفة الأطفال أجلس الطفلين بها واغلق الباب عليهم وخرج مرة أخري ليري ما سيحدث فمن المؤكد ما سيحدث الان لا يحمد عقباه.
اطمئن عاصم أن أولاده بالداخل ولم يكون رده علي عامر سوي لكمة قوية علي وجه الآخر أسقطته أرضا.
اقترب يوسف سريعا للفصل بينهم لكن صاح عاصم بأمر:
- خليك مكانك يوسف ده تار بايت مع الكلب ده ولازم يخلص.
رفع يوسف يده مستسلما وظل واقفا كما هو نهض عامر وهو يتحسس الدماء التي تسيل من أنفه واتجه الي عاصم وهو يصيح بغل:
- هقتلك يا عاصم هقتلك .
تشابك الإثنين بالفعل ولكن كان التفوق من نصيب عامر ليس لقوة عاصم الجسمانية فقط ولكن الأسد وقوة جرحه يكون أشد قوة من وهو في كامل قوته .
إحتد بينهم الشجار حتي وقع عامر ارضا وعاصم فوقه ويضع يده بقوة علي عنق عامر بغل لا يري شئ سوي بما مر به فقط لا يشعر بأنفاس عامر التي شارفت علي التوقف وهو يذرف أنفاسه الأخيرة عند هذا الحد لم يستطيع يوسف أن يتوقف وهو يري مقاومة عامر الضعيفة والتي كادت أن تتوقف بالفعل.
ركض نحوهم وقام برفع عاصم عنه بصعوبة فعاصم مغيب لا يري شئ غير سووات عمره التي سلبت منه دون وجه حق.
بعد ان إبتعد عاصم عن عامر بدأ الاخر يسعل بعنف وهو يضع يده علي عنقه يحاول إسترداد أنفاسه بصعوبة.
حاول عاصم الفكاك من يوسف مرة للفتك بهذا المختل لكن لم يستطيع مما جعلع يزمجر بحقد:
-وسع يا يوسف ابعد عني خليني أخلص علي الحيوان ده وأخلص الناس من شره.
استهزء يوسف بحديثه وقال:
- اهدي كده وآعقل لما تخلص عليه ايه الي هيحصل هتكمل الباقي من عمرك في السجن وعيالك دول هيروحوا فين اعقل بقي مش هتضيع نفسك في الاخر عشان كلب ولا يسوي.
استرد أنفاسه أخيرا ونهض مستندا علي الحائط بصعوبة وهو ينظر الي عاصم بغل واخبره بتوعد:
- مش هرحمك يا علصم سامع مش هرحمك وإلي عملته ده هدفعك تمنه غالي أوي.
ابتسم عاصم بتوعد واسترسل بإيضاح:
- أنت بدأت اللعبة يا شاطر أنا بقي الي هحط شارة النهاية .
رمقه عامر بإستهزاء وقال:
- الأيام وما بينا سلا يا أخويا.
غادر عامر وأغلق يوسف الباب خلفه بعنف واستدار يوسف الي عاصم معاتبا.
تنهد عاصم بضيق وقال:
- بتبصلي كده ليه انا لو أقدر كنت قتلته بإيديا بس انت الي لحقته من ما بين ايديا.
زفر يوسف بحنق وتسأل:
- وبعدين تتسجن وتكمل الباقي من حياتك في السجن ده الي انت عايزه.
مسح عاصم علي وجهه بضيق وجلس علي الأرض بصمت مستندا بظهره علي باب الشقة التفت الي يوسف وقال:
- روح شوف الولاد وروحهم ياريتك ما جبتهم يا يوسف.
تسأل يوسف بإقتضاب:
- يارتني ما جبتهم ليه ان شاء الله يزن اتقبلك ويزيد محتاج وقت وكون انهم يرفضوا عامر ويخافوا منه ده يفرحك يا يوسف.
تنهد عاصم بأسي وقال:
- مكنتش حابب يعرفوا بالشكل ده ولا ان ده يكون اول لقاء ما بينا يا يوسف.
ربت يوسف علي ظهره بحنان وقال:
- متقلقش خير ان شاء الله فوق كده عشان هنروح نقابل الشباب.
تسال عاصم بحيرة:
- طيب والأولاد؟
رد يوسف بعبث:
- والله كنت ناوي نخرجهم ربعدين نقابل الشباب لكن الوقت عدي وبعد الي حصل ده ما أظنش ينفع.
صمت عاصم قليلا مفكرا في أمر ما مما آثار تعجب يوسف وتسأل:
- مالك يا صاحبي سرحان في أيه ؟
رد عاصم بإقتضاب:
- يوسف محتاج اقعد مع الاولاد لوحدي ؟
تعجب يوسف واستطرد بحذر:
- تقعد معاهم لوحدك ليه ؟ مش فاهم الصراحة ؟
تنهد عاصم باسي وآجاب:
- حابب اتعرف عليهم اكتر واقربهم مني.
أومأ يوسف بتفهم وقال:
- تمام يا يوسف لكن معلش يا صاحبي مش وقته خليني ندي الولاد مساحتهم يهدوا روح يلا أغسل وشك وفوق وانا هطمئن علي الولاد وننزل نروحهم البيت الآول وبعدين نروح مشوارنا.
تنهد عاصم بقلة حيلة وقال:
- ماشي يا يوسف تمام.
نهض عاصم متجها إلى المرحاض أسفل نظرات يوسف الحزينة مسح علي وجهه وبعدها اتجه الي الغرفة وجد يزن قد غفي علي الفراش بالفعل بينما يزيد يقف في ركن صغير ويمسك شئ بين يديه.
قطب يوسف جبينه بحيرة واقترب منه ليري ما بيده تفاجئ ببرواز صغير يحتوي صورة عاصم وعليا وبرفقتهم يزيد وهو صغير.
جلس جوار الطفل وتسأل بحب:
- واقف كده ليه يا حبيبي ؟
التفت له الصغير وتحدث ببراءة:
- مش الي في الصورة دي انا وأنا صغير ومعايا مامي وإلي بره ده
رمقه معاتبا وقال:
- إسمه بابا ده يا يزيد هو الي في الصورة عيب كده.
تحرك يزيد ووضع البرواز مرة آخري علي الكومدينوا وجلس علي الفراش جوار شقيقه النائم.
تنهد يوسف بقلة حيلة ونهض متهجا له حمل يزن برفق وتحدث بحنو:
- يلا يا حبيبي عشان اروحكم.
نهض الصغير بصمت تام واتبع خاله.
خرج عاصم من المرحاض تزامنا مع خروج يوسف والأطفال من الغرفة .
ابتسم بحب وقبل يزن الغافي بحب وانحني بعدها الي هذا العنيد كي يقبله هو الآخر لكنه تراجع إلي الخلف وتمسك بظهر خاله.
تنهد عاصم بقلة حيلة ونهض قائلا:
- هنروحهم الاول ؟
أومأ يوسف بإيجاب وقال:
- أيوة يلا بينا.
،اقترب عاصم منه ومد يده لآخذ يزن ابتسم يوسف بتفهم وأعطاه الطفل آخذه عاصم بين أحضانه وهو يشعر أنه إمتلك العالم أجمع آنفاس طفله الباردة التي تلفح وجهه بمثابة ترياق الحياة له.
هبط يوسف وعاصم برفقة الأطفال فتح لهم الحارس سريعا المقعد الخلفي ركب عاصم آولا والصغير بأحضانه وجواره يوسف بينما يزيد ورفض أن يركب جوار والده وانزوي داخل أحضانه والده.
مر الوقت ووصلوا إلي القصر وهبط يوسف بالطفلين ادخلهم إلي الداخل وخرج مرة آخري عائدا إلى السيارة متجهين الي وجهتهم.
منذ عودة طفليها ويزيد لا يتحدث يجلس بصمت تام اقتربت منه عليا وجلست جواره بقلق شديد وتسألت:
- مالك يا حبيبي ساكت ليه ؟
تحدث الصغير بطفولة:
- هو عاصم ده يبقي بابا فعلاً وبابا عامر مش بابا ؟
تنهدت بقلة حيلة فقد حدث ما لم يكن في الحسبان كانت تنتظر المواجهة بينهم ولكن ليس بهذه السرعة ليت تمهلت قليلاً يا أخي وأعطيتني مهلة كي أستطيع إخبارهم أنا إبتسمت بهدوء وردت:
- أيوة يا حبيبي عاصم يبقي بابا وعامر يبقي أخوه يعني عمك.
تحدث الصغير بسؤال لا يليق مع طفل في عمره لما يتجاوز الخامسة من عمره:
- وطالما هو بابا ليه مش وسابنا وليه دلوقتي رجع وليه ساب بابا عامر مكانه أنا مش عايزه عشان مش بيحبنا لو كان بيحبنا مكنش سابنا وكمان بابا عامر مبقتش أحبه عشان زعقلك حتي لما جه النهاردة مروحتش أنا ويزن نسلم عليه يزن خاف منه وأنا مروحتش.
أنصت له ولا تدري ما تجيبه من الأساس لكن توقف عقلة عند سؤال واحد " أين رأو عامر " ألتفت إلي صغيرها وعاجلته بسؤال:
- أنت شوفت عامر فين ؟
رد الصغير ببراءة:
- جه لينا هناك في بيت عاصم.
رمقته معاتبه وقالت:
- اولا اسمه بابا عاصم وبعدين بيت مين بيت عمو علي؟
هز الصغير رأسه نافياً وقال:
- لأ بيت تاني وشوفت صورتي أنا صغير أنا وأنتي وهو.
أغمضت عيناها بألم وهتفت بهمس:
- شقتنا.
تسأل يزيد بفضول:
- بقتولي أيه يا مامي أنا مش سامع حاجه ؟
حاولت رسم ابتسامة بسيطة علي وجهها وقالت:
- مفيش حاجة يا حبيبي يلا قوم عشان تغير خالو عدي زمانه جاي ولا أنت مش عايز تستناهم عشان تشوف يوسف الصغنن؟
صقف يزيد بحماس وقال:
- لا عايز أشوفه يلا بسرعة يلا بينا علي مرينا.
ابتسمت علي براءة طفلها وضمته إلي أحضانها مقبلة راسه بحب.
يجلس الخماسي علي الطاولة بشكل دائري يتبادلوا أطراف الحديث حتي تسائل جاسر بإنتباه:
- صحيحة هو فين علي ؟
تنهد يوسف وقال:
- يعني في المستشفى وهو معاه.
أومأ جاسر بتفهم وقال:
- ألف سلامة عليه خير ان شاء الله.
رد يوسف بإختصار:
- الله يسلمك.
تحدث جاسر بعملية:
- طبعا أنت عرفت هنعمل ايه يا عاصم المسجل الصغير ده يفضل في هدومك دايما إلي حصل النهاردة في مواجهة عامر دي كانت البداية أكيد كان في دماغه يهددك لكن في وجود يوسف والأولاد اعتقد سكت.
تسأل شادي بفضول:
- هو مش ممكن يقدم الورق إلي معاه ؟
حرك جاسر رأسه بلا وعقب:
- حتى لو هيقدمه هيصبر شوية وجود علي ويوسف جنب عاصم مبرجله هو دلوقتي مشتت عايز يعرف هما عرفوا أيه بس علي العموم ما تقلقوش هانت.
ألتفت إلي شادي وتحدث بنبرة ذات معني وعقب:
- بس محتاج منك مساعدة يا شادي تقدر ؟
اومأ شادي بإيجاب:
- أكيد طبعاً.
ابتلع شادي ريقه بصعوبة وقال:
- الموضوع مش سهل وإلي هتعرفه دلوقتي واثق إنك مش هتكون تعرفه.
قطب شادي جبينه بعدم فهم وتسأل:
- عارف أيه مش فاهم حاجة ؟
تطلع لهم جاسر بإحراج وقال:
- الكلام إلي هقوله يفضل يكون بيني أنا وأنت بس لو حابب تحكيه أنت ليهم بعد كده مفيش مشكلة هو خاص بالقضية لكن يخص شادي من جهة تانية.
تعجب الجميع وتحدث شادي بإصرار:
- ثول يا جاسر قدام الكل مفيش أسرار ولا حاجة في أيه كلامك مش مريحني خالص؟
تنهد جاسر بقلة حيلة:
- أحم طليقتك.
تسأل شادي بعدم فهم:
- مالها ؟
"من الأخر كده هي معاهم في المنظمة دخلت فيها قبل ما تتجوزك بمساعدة أخوك ومازالت معاهم حتي الأن"
ألقي كلامه دفعة واحدة وصمت وكذلك صمت الجميع فقد صوت أنفاسهم هي التي تعلوا.
حتي قطع شريف هذا الصمت متسائلاً بغباء:
- وه كيف ده طليجة مين ؟ أنا مفهمتش حاچة واصل ؟ لاه لاه يا چاسر شادي متچوزك غير مرته ام ولده خيت يوسف.
رفع جاسر يده بإستسلام وقال:
- أنا قولت إلي عندي أخوك يفهمك أنا هستأذن أنا ولقينا قاعدة مرة تانية لما شادي يهدي ونقدر نتكلم.
نهض يوسف هو الآخر وقال:
- وأنا عاصم كمان شادي محتاج يبقي لوحده تعالي يا شريف توصلك في طريقنا.
نهض شريف وهو لا يفقه شئ من الأساس غادر الجميع بعد أن ودعوا شادي وتركوه بمفرده لا حول له ولا قوة هل كان ساذج إلي هذه الدرجة كي يقع في هذا الفخ؟ هل تأمر شقيقته وزوجته عليه ؟ ولكن لما ماذا فعل كي يفعلوا به هذا؟
مر اليوم وحل المساء ولم يعود شادي حتي الأن مما أقلق الجميع عليه خاصة وعلي وهو يعلم سبب غيابه لا ينكر صدمته مما علمه من يوسف هل أخاه كان متزوج سرا بالفعل لما فعل ذلك ولما لم يخبرهم علامات استفهام كثيرة لا يعلم لها إجابة لها من الأساس.
تحدث شريف عندما لاحظ قلق الجميع:
- هو زين يا چماعة أطمني زي ما حولت ليكم سابج هو هنديه شغل مهم وجالي هيتأخر يلا أحنا بينا نروحوا مشاورنا وهو لما يرچع هياچي لينا متجلجوش.
تسألت عهد بقلق:
- طيب تليفونه مقفول ليه ؟ وشغل أيه إلي ظهر فجأة كده أنا مش فاهمة حاجة.
تسأل سالم بقلق هو الآخر:
- ما تريح جلبنا وتجول يا ولدي هتفضل ساكت إكده أخوك زي ولا فيه حاچة شين ؟
تحدث شادي بصدق:
- بخير والله متجلجوش .
تنهد سالم بقلة حيلة وقال:
- ماشي يا ولدي ماشي الأمر لله يلا عشان نلحج نروح للچماعة وناچي تاني.
نهض الجميع وغادروا ومازال القلق ينهش قلب عهد.
بعد ساعة وصلوا إلي قصر المغربي ومعهم كل ما لذ وطاب لزيارة إبنتيهم رحب بهم صفاء وأبناؤها وجلس الرجال بالأسفل برفقة يوسف بينما صعد النساء إلي الأعلي برفقة صفاء وعليا.
بينما ظلت نورسيل بغرفتها ولم تهبط منها مما جعل خيوسف يستاء منها وينهض مستئذنا منهم.
فتح باب الغرفة وجدها تجلس علي الفراش وبيدها طبق فاكهة تتناول منه بنهم اقترب منها وتحدث معاتبا:
- منزلتيش ليه؟
ردت نورسيل بالامبالاة:
- وأنزل ليه ؟
رمقها يوسف بنفاذ صبر وقال:
- تسلمي علي أهلك يا نورسيل.
وضعت حبات العنب في فمها وتحدثت بملل:
- يوسف هما جايين عشان نايا مش عشاني أنا .
تنهد يوسف بنفاذ صبر:
- أنتي وأختك أيه اتفضلي قومي روحي للناس مرات عمك وحنين في أوضة نايا.
انتفضت من علي الفراش ورمت الطبق من يدها وأقتربت منه واضعه يدها حول عنقه.
أتسعت عيناها بصدمة وتسال:
- بتعملي أيه يا مجنونه أنتي؟
تحدثت بغيرة وجنون:
- يوسف متجبش إسمها علي لسانك فاهم ولا ؟
تطلع لها بعدم فهم وتسأل:
- اسم مين مش فاهم حاجة ؟
ابتعدت عنه ودبت بقدميها علي الأرض بطفولة وقالت:
- حنين هانم ؟
زفر بملل وقال:
- اه الجنونة اشتغلت نور قلبي يلا الناس مستنية اتفضلي يلا ولا اقولك انزلي الاول سلمي علي عمك وشريف عايز يعتذرلك.
تسألت بفضول:
- لأ أنا عايزة أفهم بقي أنت إزاي سمحت شريف كده بسهولة افهم بقي عشان هتجنن؟
قرص وجنتيها بخفة وعقب:
- فيه مثل قديم بيقول المصالح بتتصالح سمعتي عنه قبل كده ؟
طالعته بعدم فهم وتسألت:
- اه بس ليه ؟
ابتسم يوسف بدعابة وقال:
- هو المثل ده بقي يا قلبي سبب أني اكلم شريف فهمتي ؟
حركت رأسها نافية فابتسم بمرح وقال:
- علي خيرة الله يلا بينا ننزل للناس يا قلبي.
رواية ثأر الحب الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم زينب سعيد
انتهت الأمسية وغادروا متجهين إلى شقة شادي مرة أخرى.
دخلت عهد سريعاً إلى غرفة النوم تبحث عن زوجها، فسيارته بالأسفل.
فتحت باب غرفة النوم، وجدت النور مغلقاً. قطبت جبينها بحيرة وأضاءت الغرفة.
تفاجأت بزوجها يجلس في الظلام بوجه مقتضب.
أغلقت باب الغرفة واتجهت إلى فراش صغير وقامت بوضعه برفق.
اتجهت إلى زوجها متسائلة:
"شادي قاعد كده ليه؟"
رد باقتضاب:
"مفيش."
مطت شفتيها بحيرة وتساءلت:
"مفيش إزاي؟ أنت كنت فين وإيه الشغل المفاجئ؟ ومجاش هناك ليه؟"
رد بنفاذ صبر:
"كان ورايا شغل مهم وتعبان. مقدرتش أجي. إيه، خلاص كده ولا فيه استجواب تاني؟"
رمقته بضيق وأغلقت الإضاءة وغادرت الغرفة بصمت تام.
زفر هو بحنق ومسح على وجهه عدة مرات بضيق شديد. هو لم يقصد ما فعله معها، يعلم أن لا ذنب لها. لكن الآن في حالة لا تسمح له أن يتحدث من الأساس. حاول أن يغمض عينيه ليغفو قليلاً، لكنه قرر أن ينتظر حتى تعود ويعتذر منها.
مرت ساعة كاملة ولم تعد بعد. السكون بالخارج يدل أن الجميع غفى، ولكن أين هي؟
نهض بحيرة، ألقى نظرة على طفله أولاً، وجده يغفو بسلام. ابتسم بحب وانحنى بجذعه مقبلاً جبينه بحب.
اعتدل هو وغادر بصوت خافت حتى لا يستيقظ.
بحث عنها في الريسبشن لم يجدها. قطب جبينه واتجه إلى المطبخ، بحث عنها بعينه لم يجدها.
دب القلق في قلبه وغادر المطبخ سريعاً كي يهاتفها ويبحث عنها. لكن لمح بعينيه باب الشرفة مفتوحاً.
اتجه سريعاً وهو يزرع الأرض بلهفة. تنهد براحة ما أن وجدها تغفو فوق المقعد.
شعر بحزن يسري بسائر جسده. عنف نفسه على غبائه وما فعله معها، لتغفو في هذا البرد في الشرفة.
اقترب منها وحملها برفق. ولكن ما أن شعرت، فتحت عينيها بفزع وتحدثت باقتضاب:
"سيبني لو سمحت."
تنهد بحزن وقال:
"حقك عليا يا قلبي، متزعليش مني."
هتفت بإصرار:
"نزلتِ يا شادي وسيبتني لوحدي؟ لأ، أقسم بالله أدخل آخد ابني وأسيبلك البيت وأمشي."
اتسعت عين شادي وأنزلها مرة أخرى مردداً بعدم استيعاب:
"عهد، أنتي بتقولي إيه؟"
ربعت ساعديها على صدرها وتحدثت بحزم:
"إلى سمعته يا شادي. كفاية أوي لغاية كده. هفضل مستحملة لغاية إمتى؟ أنا تعبت يا شادي. كل مرة تغلط وأسامح، لكن للأسف الغلط بيتكرر تاني. كأنك اتعودت على كده وعلى العبيطة اللي بتسامحك، لكن خلاص المرة دي خلاص خلصت الحكاية."
وقع قلبه بين قدميه وتحدث بعدم استيعاب:
"حكاية إيه يا عهد اللي خلصت؟ أنا عارف إنك زعلتي مني، غصب عني إني اتعصبت عليكي يا حبيبتي، بس ده ميديكييش الحق إنك تعملي كده."
تنهدت عهد بيأس وقالت:
"لأني خلاص مبقتش قادرة استحمل بجد. لو سمحت ادخل نام يا شادي، مش قادرة أتكلم في حاجة واحتراماً للناس الموجودة."
ابتسم ساخراً وعقب:
"أنتي شايفة بعد اللي قولتي ده ممكن أنام؟ عهد، في إيه بالظبط؟ كلامي ضايقك كده ليه؟ مش فاهم."
صاحت عهد بعصبية:
"أنت مصمم بقي صح؟ إيه لسه بتفكر في حبيبة القلب لما عرفت إنها بتلعب عليك؟"
اتسعت عيناها وأمسكها من ذراعها بعنف وصاح مستنكراً:
"أنتي جبتي الكلام ده منين؟ انطقي!"
أبعدت ذراعها من براثنه وهمست بأسى:
"يعني فعلاً الكلام صح وهي فارقة معاك يا شادي؟ يا خسارة يا شادي يا خسارة."
أخذت نفس عميق تسحب به ماء أنفها وتحاول منع دموعها من التساقط، وتحدثت ببرود مصطنع:
"كلامنا مش دلوقتي يا شادي. أهلك يمشوا من هنا وأنا كمان هاخد ابني وأمشي. للأسف كنت فاكراك هتتغير وتنضف، لكن للأسف الوساخة في دمك يا شادي."
رفع يده عالياً ليقوم بصفعها، وتأهبت هي لذلك وتراجعت إلى الخلف وأغمضت عينيها بخوف.
لكن ظلت يده معلقة في الهواء قليلاً وأنزلها جواره وتحدث بفحيح:
"ادخلي أوضتك يا مدام جنب ابنك، ولما أهلي يمشوا كلامي مش معاكي أنتي، هيبقي مع كبيرك."
ظلت واقفة مكانها، لكنه صاح بها بعنف:
"يلا على جوه، أخفي من قدامي السعادة دي."
رمقته بعتاب وغادرت سريعاً، بينما ألقى هو بثقل جسده على المقعد يتنفس بعصبية شديدة. مما تفوهت به هذه المعتوهة، من أين لها أن تعلم بهذا الحديث؟ حتى لو علمته، كيف يخطر في بالها أنه مازال يفكر في تلك الحقيرة؟ هو لا يفكر بها من الأساس. كل ما يؤلم قلبه لما فعله شقيقه. كل هذا، لما جعله كدمية بالية تتقاذفها الأيادي؟ ليته يعلم سبب كره شقيقه له لهذا الحد، وكيف هذا من الأساس؟ فهما توأمان، جسدين بقلب واحد، كيف أن يكره القلب نصفه الآخر؟
وصل عامر إلى المشفي بعد أن أجاب على اتصال والدته وعلم ما حدث. وجدها تجلس على أحد المقاعد بينما شقيقه الأكبر يجلس على بعد منها. اقترب من والدته سريعاً وجلس جوارها وتسأل بلهفة:
"خير يا ماما؟ إيه اللي حصل؟"
نظرت إلى علي بغيظ واسترسلت بحقد:
"معرفش إيه اللي حصله، راح يشوف سي عاصم وجالي تليفون من سي زفت أخوك على هنا."
ضغط على أسنانه بغيظ وقال:
"يعني ابنك والبيه الثاني السبب في اللي حصله؟ وعنده إيه بقى؟"
ردت بسأم:
"ذبحة صدرية."
تسأل عامر بفضول:
"الدكتور قال إيه؟"
ردت باقتضاب:
"حالته مستقرة، لو عدى 48 ساعة على خير يبقى تمام ويقدر يخرج."
امتعض وجه عامر واستطرد متهكماً:
"آه، وأحنا المفروض نقعد جنبه الـ 48 ساعة؟ غير لما يخرج من المستشفى المفروض نفضل قاعدين جنبه نرعاه؟ ده هبل اللي حضرتك بتقولي عليه، هبل في هبل."
التفت له والدته وتسألت بعدم فهم:
"هو إيه اللي هبل في هبل؟ أنا مش فاهمة حاجة."
تطلع إلى شقيقه بغل وقال:
"مش ابنك والبيه الثاني السبب؟ خلاص بقى يشيلوا هما شيلتهم."
اتسعت عيناها بعدم استيعاب وقالت:
"إزاي؟ وضح كلامك."
رد عامر بإيجاز:
"يعني ابنك، وهو والبيه الثاني اللي يشيلوا الشيلة. ملناش إحنا دعوة. يلا قومي نروح."
ردت والدته بتوتر:
"لأ يا عامر، مينفعش نسيب أبويا ونمشي."
التفت إلى والدته وتحدث بغيظ:
"مش هو اللي اختار صفه؟ وفي الآخر إيه؟ مرمي هنا في المستشفى ومكلفش خاطره يفضل معاه؟ قومي يا ماما قومي. لما يفوق ويقف على رجليه ويرجع البيت بالسلامة نبقى جنبه ونخدمه، لكن هنا لأ، هما يشيلوا الشيلة."
تطلعت له بقلق وتسألت:
"بس أبوك لما يفوق وميلاقناش جنبه أكيد هيزعل."
اغتاظ عامر من ردها وتهكم:
"خايفة أوي من زعله يا ماما؟ وهو مخافش على زعلنا ليه لما اختار صفهم؟"
اقتنعت بحديثه إلى حد ما وقالت:
"عندك حق."
ابتسم عامر باتساع وقال:
"طيب يلا بينا أروحك ترتاحي."
أومأت بإيجاب، لكن انتبهت إلى وجهه وتسألت بقلق:
"إيه ده؟ وشك ماله؟"
تحسس عامر وجهه وغمغم بحقد:
"مفيش حاجة، متشغليش. يلا بينا."
نهضت معه وغادروا دون أن يلقوا السلام حتى على علي، الذي ظل يتأملهم بصمت تام.
تنهد بألم وأغمض عينيه محاولاً أن يبحث عن النوم ولو قليلاً. لكن ما أن سقط في النوم، شعر بأحد جواره. فتح عينيه وتفاجأ بعاصم إلى جواره. اعتدل سريعاً في جلسته وتسأل بقلق:
"إيه ده؟ في إيه؟ مال وشك؟"
ربت عاصم على قدمه بحنان وقال:
"ما تشغلش بالك."
اتجه بنظراته إلى غرفة الرعاية وتسأل:
"مفيش أخبار؟"
هز علي رأسه نافياً وعقب:
"لأ، لسه زي ما هو. أنت رجعت ليه؟"
تنهد عاصم بأسى وعقب:
"رجعت أطمئن عليه وأفضل معاك."
أومأ علي بامتنان:
"شكراً يا عاصم."
جعد عاصم ما بين حاجبيه وتسأل:
"شكراً على إيه؟"
رد علي بإحراج:
"إنك هنا يا عاصم، واحد غيرك مكنش جه."
رمقه عاصم معاتباً وعقب بتعقل:
"مهما يحصل بينا، هو أبويا يا علي وهيفضل أبويا. دي حقيقة مفيش منها مفر."
ابتسم علي بحب وقال:
"ربنا يبارك فيك يا حبيبي."
صمت علي قليلاً يبتلع غصة بفمه، يود أن يتسأل عما حدث لكن لا يدري كيف.
شعر عاصم بحاجته إلى الحديث، فتحدث بتفهم:
"شكلك عايز تقول حاجة يا علي. عايز تقول إيه؟ عايز تعرف اللي حصل صح؟"
تنهد عاصم وقال:
"اتخنقنا وكان ماشي، فجأة وقف وحالته كانت كده، ووقتها أنت جيت."
التفت عاصم بنظراته وتحدث:
"هي مامتك فين؟"
زفر بسأم وأجاب:
"عامر جه قعد جنبها شوية وبعدين أخدها ومشي."
تسأل عاصم بإستفهام:
"اتكلم معاك؟"
هز علي رأسه نافياً وعقب:
"لأ، هو حصل حاجة ما بينكم ولا إيه؟"
حرك عاصم رأسه بإيجاب وسرد له ما حدث.
مما جعل عامر يضرب كفاً بكف من تصرفات هذا المعتوه، لكن تنهد بقلة حيلة وقال:
"معلش يا عاصم، حقك عليا. أنا سيبك منه. المهم، الولاد عرفوا إنك باباهم صح؟"
أومأ عاصم بإيجاب واستطرد قائلاً:
"يزيد مش متقابلني يا علي؟"
ابتسم علي بتفهم وعقب:
"يزيد رغم صغر سنه، لكن هو ذكي جداً لأبعد حد كمان ومحتاج وقت براحته يا عاصم. أديهم وقتهم."
تنهد عاصم بأسى:
"حاضر يا علي، حاضر."
وأخيراً، بعد ليلة شاقة لم ير فيها طعم النوم، ألقى جسده على الفراش لكي يحصل على بعض من النوم والراحة. تفاجئ بزوجته تقف أمامه بضيق شديد.
قلب عينيه بضجر وتسأل:
"مالك يا حبيبتي؟ في حاجة؟"
مطت شفتيها بضيق وقالت:
"أنت هتنام؟"
ابتسم ساخراً واجاب:
"أنتي شايفة إيه يا قلبي؟"
ردت بحزن:
"يعني مش هتقعد معايا شوية؟ يوسف، أنت واحشني. عايزة أقعد معاك زي زمان. تعالي ننزل نقعد في الجنينة شوية."
اعتدل علي الفراش بوهن وامسك يدها بخفة وأجلسها إلى جواره وتحدث بنوم:
"يا قلبي، أنتي واحشاني فوق ما تتخيلي، ونفسي أسهر معاكي، بس أنا تعبان جداً. محتاج أرتاح لو ساعة واحدة."
تنهدت بقلة حيلة وقالت:
"بكرة اليوم بتاعي كله، أنت سامع؟"
قبل يدها بحب وقال:
"العمر كله بين إيديكي يا قلبي. ممكن أنام بقى؟ وحبيبي، اعملي لي مساج لرأسي، حاسس إنها هتنفجر."
ابتسمت بخفة وهزت رأسها بإيجاب، ووضع يوسف رأسه على قدمها وبدأت هي بتحريك يدها بفروة رأسه برفق. ولم يمر دقائق إلا ووقع في نوم عميق.
نظرت له بإشفاق وقامت بوضع رأسه برفق على الوسادة، وأغلقت الضوء وتمددت جواره ورأسها فوق صدره، مستمتعة بسماع دقات قلبه التي تطرب أذنها.
في الجناح المجاور، يقف أمام فراش الصغير يتأمله بحب. ما زال لا يصدق حتى الآن أن أصبح أب. فرحته لا توصف وهو يرى كائناً صغيراً قطعة منه أمام عينيه.
ابتسمت زوجته بوهن وقالت:
"يا حبيبي، تعالي نام بقى وسيبه."
رفع رأسه عن صغيره وتحدث بتذمر:
"مستنية يصحي أشيله ألعبُه. هو نايم على طول ليه؟"
ضحكت بخفة وعقبت:
"لسه صغنن على اللعب، ومتقلقش. بكرة يعيط وتزهق منه كمان يا حبيبي. متستعجلش على رزقك."
ابتسم بهدوء واتجه إلى الجهة الأخرى من الفراش وتمدد جوارها وتحدث بحب:
"لسه لغاية الآن مش مصدق إني خلاص بقيت أب. عارف أول لما شلته بين إيديا حسيت إني ملكت الدنيا بما فيها. إحساس حلو أوي، رغم إني كنت خايف أشيله صغنون أوي."
ابتسمت نايا بحب وقالت:
"شبهك أوي."
غمز لها بخفة وعقب:
"ده إن دل على شيء يدل، إنك بتحبيني."
رمقته معاتبة وتسألت:
"هو أنت كان عندك شك في كده ولا إيه؟"
داعب وجنتيها بخفة وعقب مازحاً:
"بهزر معاكي يا قطتي. روقي بقى، متبقيش قفوشة كده."
ابتسمت بدلال:
"لأ، أنا قفوشة وزعلت وعندي شرط عشان أصالحك."
أجاب على الفور وهي يشير بأصبعه على عينيه:
"من عيوني يا قلبي."
ابتسمت بخبث وقالت:
"هتغير أنت للبيبي؟ إيه رأيك؟"
اشمأز وجهه وتحدث مستنكراً:
"نعم يا حبيبتي؟ أغير له؟ لأ طبعاً، أنسي. لأ لأ، كله إلا كده."
رمقته معاتبة وقالت:
"يا سلام، هو مش ابنك حبيبك ولا إيه؟"
رد بغيظ:
"ابني حبيبي طبعاً ونور عيوني كمان يا ستي. أشيله، ألعبُه، أنيمه، أكله، لكن أغير له لأ، يعني لأ."
رمقته نايا متوعدة:
"بقي كده. ماشي يا عدي، ماشي. أطفئ بقى النور لو سمحت عشان أنام."
اتسعت عين عدي بعدم استيعاب وتسأل:
"أطفي النور إيه؟ قدر الولد خاف من الضلمة. وبعدين ثانية واحدة، أنتي هتنامي؟"
تطلعت له بعدم فهم وتسألت:
"آه، هنام. في مشكلة؟"
رد عدي بغيظ:
"فيه أم تنام؟ المفروض تسهري جنب ابنك يا هانم. قدر عيط، جاع، تسبيه لوحده."
رمقته ساخرة وقالت:
"أسيبه لوحده فين؟ سرير ابنك لازق في سريري. نام يا عدي نام واطفي النور. أنا والدة وخلقي في مناخيري."
مر يومين بسرعة البرق، لم يحدث بهما الكثير سوى تحسن عوني بالفعل وغادر المشفي برفقة علي وعاصم. وأصر أن يمكث في شقة علي، فبعد اكتشافه عدم وجود زوجته وعامر ومكوثهم بجواره، قرر أن ينأى بعيداً عنهم.
رغم وجود عاصم مع علي على جواره بالمشفي، لم يدلف لرؤيته سوى مرة واحدة ولم ينطق سوى جملة واحدة فاترة: "حمد الله على سلامتك."
تفاجأ عامر ووالدته مما فعله والده، ولكن ضغط على والدته أن يتركوه كما يريد، فهو من اختار الاتجاه المعاكس، فليتحمل عواقب اختياره.
بينما شادي وعهد، فكل منهم يتجاهل الآخر، وهذا لاحظه الجميع ولم يتحدثوا معهم في شيء. تركوهم على راحتهم، فطالما لم يقولوا شيئاً فعليهم احترام رغبتهم.
انتهى شريف وزوجته من شراء كل ما يلزم طفلهم، وبعدها ودعوهما وغادروا متجهين إلى الصعيد مرة أخرى. ودعهم شادي وعهد.
بعد مغادرة عائلة زوجها، اتجهت إلى غرفتها وعادت بعد قليل وهي تحمل صغيرها على يد وحقيبة ملابسها على اليد الأخرى.
كان يجلس بالخارج، ما أن رآها تخرج من الغرفة بهذا الوضع، نهض من مكانه بعصبية شديدة كأن شياطين الإنس والجن قد تلبسته. وقف أمامها يطالعها بنفاذ صبر وصاح بأمر:
"خدي ابنك وادخلي أوضتك يا بنت الناس، واعقلي، خليني ساكت أحسن. لسه متحاسبناش على الكلام اللي قلتيه."
رمقته بضيق وقالت:
"لأ يا شادي، هاخد ابني وأمشي. كفاية كده. عايز تفتح في اللي فات؟ فهو خلاص خلص وانتهى، وأنا مغلطش في حاجة عشان نتحاسب عليها. أنا عند كلامي، هطلق يعني هطلق."
ربع شادي ذراعيه وتحدث بنبرة متهكمة:
"بجد مغلطيش في حاجة؟ إنك تعلي صوتك على جوزك ده مش غلط، إنك تشتمي جوزك ده مش غلط، وكمان في وجود أهلي اللي من رحمة ربنا إنهم كانوا في أوضهم، والله أعلم سمعوا ولا لأ. وده كله مغلطيش وعايزة تطلقي؟ غبية يا عهد، غبية. وشكلك عايزة تعيدي تجربة أختك تاني اللي دفعت وما زالت بتدفع تمنها لغاية دلوقتي. شوفي يا بنت الناس، طلاق مش هطلق. زي الشاطرة كده، اعقلي واهدي. بلاش يا عهد تشوفي وشي التاني. بلاش تصحي الوحش اللي جوايا، لأنك وقتها متلوميش غير نفسك."
اتسعت عيناها وهتفت بعدم استيعاب:
"أنت بتهددني يا شادي؟"
ابتسم شادي باستخفاف وهز رأسه نافياً واسترسل بثقة:
"توء توء توء يا قلب شادي. أنا مش بهدد، أنا بنفس."
أخذ نفس عميق واستطرد قائلاً:
"شوفي يا عهد، كلمتين تحطيهم حلقة في ودنك كويس أوي، لأني مش هعيدهم تاني. أنا مش عارف جبتي كلامك اللي قولتيته منين، ولا عايز أعرف. من أول يوم اتكتبت فيه اسمك على اسمي، ويعلم ربنا إن ما بقى في قلبي غيرك، أنتي وبس، وعمر ما هيبقي فيه غيرك. انسيه يا عهد، أنسي. عيني مش هتشوف غيرك، وقلبي مش هيحب بعدك."
رواية ثأر الحب الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم زينب سعيد
غادر علي تاركاً والده في صدمته. عقله لا يستوعب حتى الآن ما استمع له. هل وصل الحال بأولاده إلى هذا الحد؟ لا يصدق حتى الآن لما يفعل عامر. هل يولد الكره كل هذه العداوة؟ لكن لما يكره شقيقه عاصم؟ بعيد كل البعد عنهم، لم يحظَ بربع ما حظوا عليه هم. لما؟ هل أصبحت الدماء بالماء؟ هل خرج الظفر من اللحم؟
دائماً ما كان يغار من شقيقه الأكبر ويحقد عليه. هل انتقل هذا الحقد لأبنائه ليكرهوا بعضهم هكذا؟
***
منذ حديثهم الحاد، وهي تجلس بالغرفة برفقة طفلها متجاهلة الكلام معه. لا تصدق كلامه حتى الآن. لو كان كلامه صحيحاً، لما هذا الغضب؟ عندما استمعت إلى حديث شقيقها الخافت برفقة شقيق زوجها، استمعت لسبب اختفاء زوجها. رغم أنها لم تفقه باقي الحديث، لكن يكفي عليها الجزء الخاص بزوجها.
فاقت من شرودها على فتح الباب ودخول شادي باقتضاب، ملقياً السلام عليها:
"سلام عليكم ورحمة الله."
تجاهلت الرد عليه، مما جعله يشتظ غضباً ويتحدث مستهزئاً:
"السلام لله. مش ليا رد. السلام فرض يا مدام."
ردت بإيجاز:
"وعليكم السلام."
أخذ الطفل من بين يديها يقبله بحب، وهو يرمقها باستفزاز:
"قلب بابا أنت يا مودي. حبيبي أنت. إيه العسل ده؟ بتضحك. طالع فرفوش زي بابا، مش نكدي زي ناس."
زفرت بحنق وقالت:
"أنا نكدية؟"
ابتسم باستفزاز ورد:
"هو أنا كلمتك يا ستي؟ أنا بكلم ابني حبيبي."
ردت ساخرة وعقبت:
"يا سلام. على أساس أن الكلام مش عليا ولا إيه؟"
ابتسم شادي ساخراً وعقب:
"يا سلام. اللي على راسه بطحة يا حبيبتي يحسس عليها."
رمقته بضيق وتساءلت:
"أنت متأكد إنك مهندس ولا راجل أعمال أصلاً؟"
لاعب حاجبه بمكر وقال:
"أيوة يا أختي. مش مصدقة؟ تحبي أطلعك البطاقة؟"
ابتسمت ساخرة وعقبت:
"يمكن ضارب البطاقة يا حبيبي."
"الله الله. حبيبك؟ اعترفتي أخيراً." قالها مداعباً إياها بخفة.
رمقته بغيظ ولم تتحدث.
تنهد بيأس وجلس جوارها والصغير بأحضانه وتحدث بتعقل:
"هتفضلي زعلانة كده كتير؟"
ردت بحزن:
"أنت لسه بتحبها فعلاً يا شادي؟"
"يا لهوي! يا شيخة أرحمي أمي. مش بحبها، مش بحبها. بكرهها. هي أكتر إنسان بكرهه في حياتي. مش بحب غيرك أنتِ وبس يا عمري. عارفة لو فتحتي قلبي ده هتلاقيه بيقول عهد... عهد... عهد. مش بيدق يا قطتي."
ابتسمت بدلال وتساءلت:
"بجد ولا بتضحك عليا؟"
عانقها بحنان وقال:
"إحنا فيها. افتح قلبك وتشوفي."
هتفت بلهفة:
"بعد الشر عنك يا حبيبي."
تنهد براحة وقال:
"أخيراً يا قلبي. أخيراً ربنا هداكي والكلام الحلو رجع تاني أهو."
صمت قليلاً وتساءل:
"أنتي جبتي الكلام اللي قولتيه ده منين؟"
هتفت بخجل:
"سمعت يوسف وهو بيتكلم مع شريف."
شدها بخفة من أذنها وعقب:
"كده بقي يا عهد؟ بتتصنتي؟ يا قطتي. محدش قالك أن كده عيب؟ آه لو يوسف عرف هيملص لك ودانك دول."
ضحكت بخفة وقالت:
"خلاص خلاص. حقك عليا بقي. وداني هتكبر."
ابتسم بخفة وترك أذنها وقال:
"ماشي يا ستي. سماح المرة دي عشان عيونك. المهم الفيلا قربت تخلص وهنروح هناك."
صقفت بحماس وقالت:
"بجد يا حبيبي؟"
أومأ بإيجاب وعقب:
"بجد يا قلبي."
تنهد براحة وضم زوجته وطفله إلى أحضانه وتمدد على الفراش متنعماً بقربهم.
***
مرة بقية الأيام وجاء اليوم المنتظر. يوم قضية عليا وعامر في قاعة المحكمة. تجلس عليا في جهة، وجوارها يوسف والمحامي الخاص بها. وعلى الجهة الأخرى يقف عامر وجواره محاميه. وفي الجهة الأخرى يقف عاصم وإلى جواره يقف شيخ من دار الإفتاء.
وقف الجميع منصتين إلى حديث القاضي والمفتي.
وبعدها ترك القاضي الأمر بيد المفتي، الذي استمع إلى حديث عاصم بالكامل. وسأل عاصم عن نيته وقتها. وبعدها طلب منه أن يقسم بأن الطلاق تم تحت الإكراه والتهديد.
وبعدها أوضح المفتي أنها زوجة لعاصم وأن زواجها من عامر باطل.
أنهى القاضي الجلسة وخرج الجميع من القاعة. ونظرات الشر تقطر من عامر.
في الخارج.
وقف عامر في مواجهة عاصم وتحدث بفحيح:
"لسه مخلصناش يا عاصم. والأيام ما بينا."
ألقى نظرة نارية على عليا وغادر.
تحدث المحامي مبتسماً:
"ألف مبروك يا يوسف باشا. ألف مبروك يا دكتور عاصم."
رد يوسف بإيجاز:
"الله يبارك فيك يا متر. بكرة بإذن الله عايزك تعدي عليا في المجموعة."
أومأ المحامي بإيجاب:
"تمام يا باشا. بعد إذنكم."
غادر المحامي. ووقفت عليا جوار يوسف تطلع إلى عاصم متسائلة بنبرة ذات معنى:
"مش يلا نروح ولا إيه يا عاصم؟ ولا مش هتيجي تشوف ولادك؟"
أومأ عاصم بإيجاب وقال:
"تمام."
التفت إلى شقيقته وربت على ظهرها بحنان وغادروا سوياً. وكل منهم عقله شارد. عليا تفكر في ما سيحدث فيما بعد. هل ستعود هي وعاصم لسابق عهدهم أم له هو ترتيب آخر؟ والحال نفسه عند عاصم. يفكر في عليا وأطفاله. هل يستطيع أن يسامحها وتستحق فرصة أخرى أم لا تستحق؟ ولكن كيف يأمن لها من جديد بعد أن ذبحته بسكين بارد من قبل؟ وطفليه. هل سيستطيع أن يحيا بدونهما؟ ويتركهم ويسافر من جديد؟ أم يأخذهم معه؟ أسئلة كثيرة تدور بعقله لا يعلم إجابة لها. لكن عليه أن يتمهل حتى ينتهي أمر عامر للأبد، وبعدها يفكر فيما سيفعله.
***
يجلس في الكافيه يحتسي قهوته وينظر كل حين وآخر لساعته. ابتسم ما أن وقع نظره على من ينتظره وهو يقترب منه.
نهض مرحباً:
"أهلا يا وحش."
ابتسم الآخر وقال:
"أهلا يا باشا. أخبارك إيه؟"
ابتسم شادي بهدوء ورد:
"بخير يا جاسر. أخبارك أنت؟"
رد جاسر مبتسماً:
"بخير يا شادي."
تنهد جاسر واسترسل بالإيضاح:
"أنا طلبت منك أننا نتقابل لوحدنا عشان عارف أن يوسف أخو مراتك والوضع هيبقى حساس."
رجع شادي ظهره إلى الخلف وتساءل:
"خير يا جاسر. عايز تقول إيه؟"
"شادي محتاج مساعدتك. عارف أن وضعك صعب، بس صدقني لو مكنتش مضطر ما كنتش طلبت منك الطلب ده. طليقتك دلوقتي هي مكان شهاب أخوك الله يرحمه. وكل شغله المشبوه هي اللي بتقوم بيه هي وعامر." ألقى جملته دفعة واحدة وانتظر يرى رد فعله. وبعدها أكمل حديثه بتريث: "دورك يا شادي…"
سرد جاسر خطته وسط صدمة شادي.
اتسعت عينا شادي وتساءل بصدمة:
"أنت اتجننت؟ لا طبعاً. استحالة ده يحصل يا جاسر."
تنهد جاسر بأسف وعقب:
"غصب عني إني أطلب منك كده، لكن أنا معنديش غيرك يا شادي أثق فيه ويقوم بالمهمة دي وأطمئن. هيبقي اتفاق بينا إحنا الاتنين وبس. إيه رأيك يا شادي؟ ساكت ليه؟"
شادي…
رواية ثأر الحب الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم زينب سعيد
آخذ شادي نفسًا عميقًا وأجاب:
- ماشي يا جاسر أنا موافق.
ابتسم جاسر وعقب:
- مش عارف أقولك إيه يا شادي، وجودك معانا هيفرق.
أشار له شادي محذرًا:
- الموضوع ده ما بيني وما بينك، مش عايز حد يعرف عنه حاجة وبالتحديد يوسف.
أومأ جاسر بتفهم وقال:
- ماشي يا شادي، اطمن، أنا من البداية كنت هخلي الموضوع ده سري ما بينا، بس للأسف أنت اللي خليتني أتكلم وقتها.
تنهد شادي بأسى وعقب:
- مكنتش أتصور إن توصل بيهم الحقارة لكده، ربنا ينتقم منهم ويخلصني من شرهم.
آمن جاسر على دعائه:
- اللهم آمين، اطمن، هما خلاص حفروا قبرهم بإيديهم.
***
تطلع عاصم إلى يوسف الحالي على المقعد الخلفي جوار شقيقته وقال:
- كنت عايز مكان كويس أجيب منه عربية يا يوسف، شكل قعدتي في مصر هتطول.
تحدث يوسف بهدوء:
- وتشتري ليه؟ خد العربية اللي تعجبك من الجراج.
رمقه عاصم معاتبًا وعقب:
- وتفتكر أنا هأوافق بكده؟
ضحك يوسف بخفة وعقب:
- لأ، بس أعزم عليك برضه.
ابتسم عاصم ساخرًا وعقب:
- عزومة مركبية يعني، ماشي يا صاحبي مقبولة. بتتعاملوا مع مين حاليًا؟
صمت يوسف مفكرًا وقال:
- هاخدك بكرة المكان اللي بتتعامل معاه وشوف اللي يناسبك.
حرك عاصم رأسه بإيجاب:
- تمام يا صاحبي.
جلست جوار شقيقه في الخلف تستمع إلى الحديث الدائر بصمت تام، تفكر فيما سيحدث فيما بعد. عاصم لم يكشف عن نواياه بعد، لكن من حديثه الآن استشفت أن وجوده في مصر مجرد وقت لا أكثر، ويسافر من جديد، لكن ما سيحل بها هي وأطفالها.
انتبهت إلى شيء من زجاج النافذة والتفتت إلى شقيقه بتذكر:
- يوسف، خلي العربية تقف عند محل آيس كريم، عايزة أجيب للولاد، كانوا عايزينه.
ابتسم يوسف بتفهم ورد:
- حاضر، بس لو خدناه هيسيح، هبقى أخرجهم يأكلوه في المحل أفضل.
أومأت بإيجاب وعادت تنظر للخارج من جديد، تحاول إشغال عقلها بأي شيء حتى لا تفكر في هذا الجالس أمامها الآن.
لكن حديث يوسف معها جعلها تنصت باهتمام تام.
تسأل يوسف بحذر:
- روحت زورت عمي تاني بعد اللي حصل؟
هز عاصم رأسه نافيًا وعقب:
- لأ.
رمقه يوسف بضيق وقال:
- كده مينفعش.
ألقى نظرة على السائق جواره وإلى عليا التي تتابعهم باهتمام وتحدث بنبرة حادة:
- هنتكلم في الموضوع ده بعدين، مش وقته يا يوسف.
زفر يوسف بحنق وقال:
- ماشي يا عاصم، ماشي.
قطع حديثهم رنين هاتف يوسف، نظر إلى شاشة هاتفه ثم إلى عاصم الذي يجلس أمامه وقال:
- ده علي.
رد عاصم باختصار:
- هتلاقيه عايز يعرف اللي حصل.
رد يوسف على علي، وبالفعل كان يتساءل عن ما حدث في المحكمة اليوم، استرسل له يوسف ما حدث اليوم وحكم القاضي بالمحكمة.
***
يجلس على الفراش على أحر من الجمر ينتظر معرفة ما حدث في المحكمة، وهو يرى ابنه يتحدث في الهاتف أمامه، وها قد أنهى مكالمته وتحدث عوني بلهفة:
- ها يا علي، إيه اللي حصل؟
رد علي موضحًا:
- القاضي حكم إنها لسه مرات عاصم.
تنهد عوني براحة نفسية وقال:
- الحمد لله.
تسأل علي بفضول:
- أنت فرحان كده ليه؟
رمقه عوني معاتبًا وقال:
- ومفرحش ليه؟ أنا عمري ما كرهت عاصم ولا هكرهه، فهمني، عاصم حتة منه زيكم بالظبط، ويمكن أكتر كمان، هو أول فرحتي يا ابني.
قبل علي جبين والده بحب وقال:
- ربنا يبارك لنا فيك يا حاج.
تسأل عوني بفضول:
- عاصم هيعمل إيه مع عليا؟ خلاص هيرجعوا لبعض من تاني؟
جلس علي جوار والده بحيرة وقال:
- دي بقى مش عارف هيعملوا فيها إيه يا بابا.
تنهد عوني بضيق وقال:
- منك لله يا عامر، أنت السبب في كل المصايب دي.
ابتسم علي ساخرًا، فبالنسبة لوالده هذه مصائب، ماذا سيفعل إذن عندما يعلم حقيقة ابنه الأحمق وأنهم يسعون إلى أن يتم القبض عليه، مؤكد وقتها سيكون هذا الأمر صعب على والديه تقبله، وخاصة والدته، فطالما كان عامر هو طفلها المدلل الذي لا تتحمل عليه نسمة الهواء من الأساس.
فاق من شروده على صوت والده، انتبه له وتسأل:
- نعم يا بابا، بتقول إيه؟
رمقه عوني بقلق وتسأل:
- مش عارف ليه حاسس إنكم مخبين حاجة لسه، والموضوع أكبر من حكاية عاصم وعليا؟
تحدث علي متهربًا:
- حاجة إيه بس يا بابا، مفيش حاجة.
ضيق عوني عينيه بعدم تصديق وتحدث بإصرار:
- طريقتك بتقول غير كده يا علي، أنتوا مخبين إيه عني يا علي؟ مش كفاية لغاية كده؟
نهض علي متهربًا وهو يقول:
- صدقني مفيش حاجة يا بابا، لو فيه حاجة هقول لحضرتك أكيد، أنا معرفش حاجة أكتر من اللي اتقالت من يوسف وعاصم.
رمقه عوني بعدم تصديق وقال:
- ماشي يا علي، هعمل نفسي مصدقك، وأتمنى يطلع كلامك صح.
***
ألتفت عاصم إلى السائق وتحدث:
- أقف على جنب معلش.
نظر السائق ليوسف الذي تسأل بدوره:
- إيه، في حاجة ولا إيه؟
أومأ عاصم بإيجاب:
- آه، ورايا مشوار صغير وهحصلكم.
تنهد يوسف بقلة حيلة وقال:
- زي ما تحب، أقف يا عم أحمد.
توقف السائق جانبًا وهبط عاصم من السيارة، ثم أكمل السائق قيادة السيارة من جديد.
ألتفت عليا إلى يوسف متسائلة:
- مشوار إيه ده؟
مط يوسف شفتيه بحيرة وقال:
- مش عارف يا عليا، عاصم تصرفاته بقت غريبة.
تنهدت عليا بشرود وقالت:
- مش غريب وبس، هو بقى إنسان تاني.
أومأ يوسف بإيجاب ورد:
- طبيعي، اللي مر به مش قليل.
صمت قليلاً وأغلق الشباك الفاصل بينهم وبين السائق وتحدث بتعقل:
- ناوي على إيه؟ عاصم من كلامه زي ما أنت شايف إن وجوده هنا في مصر مؤقت، هتقدري تسافري معاه؟
ابتسمت باستخفاف واسترسلت متهكمة:
- يوسف، عاصم مش بيفكر يرجع لي، وفي أقرب وقت هيطلقني كمان.
اتسعت عينه بعدم استيعاب وتسأل:
- ليه بتقولي كده؟ بعد الوجع والحرمان السنين دي، هيتخلى عنك تاني؟
ابتسمت بألم وقالت:
- لأنه عاصم شايف إني من ضمن أسباب وجعه يا يوسف، يمكن لو مكنتش اتجوزت عامر مكنش ده كله حصل من الأساس، وده كان شفع لي عند عاصم، لكن دلوقتي أظن أن عاصم شايف إني زي زي عامر واشتركت في أذيته، مش بعيد يطلقني ويتجوز عشان يوجعني زي ما وجعته.
***
تحدث يوسف مفسرًا:
- بس أنتي وجعتيه من غير قصد يا عليا، يمكن اللي أنتي عملتيه غلط هو جوازك من عامر، وأظن كلنا كنا ضد الزواج ده، وأنتي اللي أصرتي.
دمعت عيناها بألم وقالت:
- هو اللي لعب عليا يا يوسف، وإنه هيقف جنبي يحميني من عاصم.
هز يوسف رأسه بأسف وتسأل:
- هو أنا ووعدي كنا أصرنا معاكي في حاجة يا عليا؟ لو كان كلامه صح أو حتى كان ممكن نسمح أن شعرة واحدة أو من ولادك تتمس؟ مع الأسف يا عليا، أنتي رميتي نفسك في أحضان ثعلب مكار.
بكت بصمت مما أثار ضيقه وعانقها برفق، مربتًا على ظهرها بحنان وقال:
- اهدي يا عليا، أنسي اللي فات، بلاش نفتح فيه.
رفعت رأسها بأمل وتسألت:
- تفتكر عاصم هيسامحني؟
تنهد بحزن وقال:
- مش عارف يا عليا، مش عارف، بس الحاجة الوحيدة اللي أعرفها إن اللي بيحب بيسامح، وعاصم فعلاً لسه بيحبك، يمكن هو دلوقتي بيحاول يبين العكس، لكن دي حقيقة مفيش منها مفر يا حبيبتي، عايزة رأيي؟
هزت رأسها بإيجاب وردت:
- أيوه؟
ابتسم بمكر وعقب:
- شغلي عليه كيد النساء يا قلب أخوكي وتخليه يقر ويعترف.
تسألت بحيرة:
- كيد النساء؟ وده أعمله إزاي؟
حرك يوسف رأسه بيأس وعقب:
- أنتي خايبة أوي يا قلبي، يعني تتقلي عليه، تخليه يغير عليكي، تستفزيه، تعصبيه، بس بعقل.
أومأت بإيجاب وتسألت:
- قصدك زي نورسيل كده؟
***
ابتسم ساخرًا وعقب:
- لأ يا حبيبتي، اللي بتعمله نورسيل ده غباء وجنان، ربنا يهديها.
ضحكت عليا بقوة حتى أدمعت عيناها وهتفت بعدم استيعاب:
- آه، لو نورسيل سمعتك؟ أنت بتحب نورسيل يا يوسف؟
ابتسم بحنين وقال:
- صعب ما أحبش نورسيل يا عليا، شقاوتها، جنانها، ده كله أنا بعشقه.
ابتسمت عليا حبًا وقالت:
- عارف يا يوسف، أنا عمري ما تخيلت إنك عمرك ما هتحب في يوم من الأيام، غير كمان كنت خايفة ده يحصل.
قطب جبينه بحيرة وتسأل:
- ليه ما أحبش؟ وإيه اللي يخوفك من حبي؟
استرسلت بتوضيح:
- عشان طول عمرك حياتك ملخصة فينا وفي مشاكلنا وبس، وكنت خايفة اللي تتجوزها تبعدك عنها.
تنهدت بسأم وقالت:
- ومع الأسف، إحنا اللي واخدينك منها بمشاكلنا اللي مش بتنتهي.
قبل جبينها بحب وقال:
- أنتم مش إخواتي، أنتوا ولادي، حتة مني، مش هستحمل أي حاجة تحصلكم.
ابتسمت مازحة وقالت:
- بس أنت صغير أوي إنك تكون بابا، ده على كده بقى أنت جد يزيد ويزن؟
ضحك بخفة وعقب:
- بجد مرة واحدة، قولي أبقى أب بس.
ابتسمت بحب وقالت:
- عن قريب يا حبيبي، ربنا يقوم لك نورسيل هي والبيبي بالسلامة.
أمن على دعائها وقال:
- يارب يا حبيبتي، يارب.
تسألت عليا بفضول:
- تفتكر نورسيل لو جابت بنت هتعمل معاها إيه؟
رد يوسف ضاحكًا:
- هتحبها وجدًا كمان، وهتعوضها بكل ما تقدر عليه من اللي هي حرمت منه.
أتسعت عيناها مرددة بعدم استيعاب:
- لأ طبعاً، إزاي ده؟ لما حد هتجيب بنوتة بتتجنن.
أومأ مؤكدًا وقال:
- إنها تعمل شيء أو تبينه للناس حاجة، ووقت لما تيجي حاجة تانية يا قلبي، أنتي مثلاً ممكن تكرهي ولادك أوي تأذيهم أو تسمحي إن حاجة تأذيهم.
هزت رأسها سريعًا بلا:
- لا طبعاً، ده اللي يقرب منهم أكلهم بسناني.
ابتسم يوسف بثقة وقال:
- أظن كده عرفتي نورسيل هتبقى إزاي مع أولادها.
***
تحمل نورسيل الصغير الباكي، تتحرك به ذهابًا وإيابًا دون فائدة، ألتفتت إلى حماتها متسائلة:
- هو بيعيط ليه يا ماما؟ رضعة ورضعت، غيرت وغيرنا، ومشيت، إيه عايز إيه تاني؟
ضحكت صفاء بخفة وعقبت:
- يا حبيبتي، هما وهما صغيرين بيبقوا كده، عياط على طول، هاتي يا حبيبتي هاتيه عنك، كفاية عليكي كده.
وضعته نورسيل على قدم صفاء برفق وجلست جوارها بوهن، ووضعت يدها على أحشائها بحنين.
تطلعت صفاء على الساعة بقلق، انتبهت لها نورسيل وتحدثت بحنان:
- خير يا ماما، متقلقيش، إن شاء الله.
تنهدت صفاء بقلق شديد وقالت:
- هما اتأخروا أوي، يا ترى إيه اللي حصل؟ كمان نايا وعدي اتأخروا عند الدكتور؟
أومأت نورسيل بإيجاب:
- هما اتأخروا فعلاً، بس الغايب حجته معاه يا ماما.
تسألت صفاء بحيرة:
- طيب نتصل بيهم؟
مطت شفتيها بحيرة وقالت:
- لأ، نستنى شوية، يمكن في الطريق.
ألتفتت إلى الصغير ووجدته غفى على قدم جدته، ضغطت على شفتيها بغيظ:
- نمت دلوقتي؟ أنا بقالي ساعة بنيم فيك، نمت دلوقتي؟
نظرت صفاء للصغير وقالت بحنان:
- يا قلبي، ده نام حبيبي، تيتة، ده شكل عدي أوي وشقي زيه.
وضعت يدها على أحشائها بحنين وقالت:
- يارب البيبي يبقى شكل يوسف وزيه في كل حاجة.
***
قطع حديثهم وصول سيارة بالخارج، تبعها رنين جرس الباب ودخول عدي ونايا.
تسألت صفاء بلهفة:
- حمد الله على السلامة يا ولاد، اتأخرتم ليه؟
رد عدي مبتسمًا وهو يأخذ طفله من والدته بحرص:
- كان عنده حالة ولادة، حبيب بابا نايم ليه؟
صاحت نورسيل بغيظ:
- نايم ليه؟ ابنك طلع عيني عقبال ما أنام يا أخويا.
ربتت نايا على ظهرها بحنان وقالت:
- يلا عقبال ما تشيلي ابنك يا قلبي.
قطع حديثهم وصول سيارة أخرى، وبعدها دخلت عليا برفقة يوسف.
اتجه عدي لهم بلهفة وتسأل:
- خير يا يوسف، إيه اللي حصل؟
ابتسم يوسف بهدوء وقال:
- خلاص القضية خلصت، وعليا لسه على ذمة عاصم.
تنهد الجميع براحة، جلس يوسف جوار والدته، بينما تسألت عليا بقلق:
- هما الولاد فين؟
ردت نورسيل مبتسمة:
- كنت عاملة لهم كيك بالشوكولاتة، بياكلوه في المطبخ.
ابتسمت عليا ممتنة وتحدثت:
- تسلم إيدك يا نورسيل، أكيد جننتوكي.
ابتسمت مازحة وقالت:
- بالعكس، ولادك قمرات أوي وأنا بحب ألعب معاهم.
ابتسمت عليا بحب:
- تسلمي يا قلبي، هروح أجيبهم.
تحركت إلى المطبخ من أجل الاطمئنان على أطفالها، وتطلعت صفاء إلى يوسف بقلق بالغ، فهم نظراتها وهتف بتعقل:
- خير يا ماما، متقلقيش، صحيح عاصم جاي كمان شوية يشوف ولاده.
أومأت صفاء بتفهم:
- ماشي يا ابني.
تسألت نورسيل بفضول:
- هو هيفضل هنا مع عليا ولا عليا هتروح معاه شقته؟
سؤال نورسيل كان يدور في عقل الجميع بما فيهم عليا ويوسف، ولكن لا أحد منهم يعلم إجابته من الأساس.
ظنت نورسيل أنها أخطأت بسؤالها فهتفت معتذرة:
- أنا أسفة، مكنش قصدي أتدخل والله، بس كنت حابة أطمئن على عليا والأولاد.
***
ابتسم يوسف بهدوء واسترسل بإيضاح:
- بتعتذري ليه بس؟ أنتي مغلطيش في سؤالك ده يا حبيبتي، بس مع الأسف محدش يعرف إجابة السؤال ده غير عاصم وبس.
انتبه إلى شيء وقال:
- آه، اعملوا حسابكم عاصم هيتغدى معانا، وياريت تعملوا كام صنف من اللي بيحبه يا ماما.
ابتسمت صفاء بحنان وقالت:
- من عنيا يا حبيبي، هعمل له المكرونة البشاميل وفتة بالخل والتوم واللحمة الضاني.
ابتلعت نورسيل ريقها بنهم وقالت:
- ما تزودي معاها يا ماما صنية رقاق بالسمنة البلدي وطاجن ورق عنب بالريش وكفتة مشوية.
كتم الجميع ضحكاتهم وتحدثت صفاء بحنان:
- حاضر يا حبيبتي، عنيا ليكي.
ابتلعت ريقها بإحراج وقالت:
- ها، لأ مش قصدي إنهم ليا، بس يبقوا على السفرة.
ألتفت لها يوسف معاتبًا وقال:
- وفيها إيه إنهم ليكي يا نورسيل؟ ده بينك يا ماما وتأكلي براحتك كل اللي نفسك فيه، أنتي تتمتعي في خيرك وخير جوزك يا نورسيل.
أكدت صفاء على كلامه:
- بالظبط يا بنتي.
وبعدين يلا قومي معايا ساعديني.
تحدث عدي بلهفة:
- ساعديها بس يا نورسيل، لكن هناكل سوا يا ماما.
رمقته بضيق فتحدث يوسف مازحًا:
- مراتي براحتها يا حبيبي وتاكل اللي نفسها فيه.
ألتفت إلى والدته وتحدث برجاء:
- معلش يا ماما، زودي في الأكل اللي نفسها فيه عشان تاكل منه بالليل كمان.
صقفت بحماس وهي تخرج لسانها من فمها، تضايق عدي وهي تقول:
- ربنا يخليك ليا يا يوسف يا حبيبي، وربنا ما يحرمني منك أبداًااا يا جوزي يا حبيبي.
تحدث عدي بإستهزاء:
- خلاص يا حاجة، هي الرومانسية عندك طفحت فجأة كده ليه علينا.
ابتسم يوسف ساخرًا وعقب:
- اللي غيران مننا يعمل زينا يا حبيبي.
نظر عدي إلى زوجته نصف عين وقال:
- عجبك كده، جايبة لنا الكلام دايما.
انتبه إلى شيء وتسأل:
- صحيح يا يوسف، شادي وعهد مجوش ليه بعد ما أهله ما سافروا الصعيد؟
تحدث يوسف مفسرًا:
- أنت عارف إن شادي مش حابب يفضل هنا، نفسه عزيزة جدًا، أنا كلمته وقال خلاص هما هينقلوا فيلتهم قريب أوي.
ابتسمت صفاء براحة وعقبت:
- الحمد لله عشان تبقى بنتي جنبي، ربنا يهديلك حالك يا عليا يا بنتي أنتي كمان.
على ذكر سيرة عليا خرجت من المطبخ وملابس طفليها ملطخة بالشوكولاتة.
أتسعت عين نورسيل وتسألت:
- إيه اللي حصل؟ أنا كنت سايباكم فلة؟
تحدث يزيد بطفولة:
- صوص الشوكولاتة وقع على هدوم يزن وعيط عشان ميزعلش، وقعت على هدومي أنا كمان.
ضحك الجميع على براءة الطفلين وأخذتهم عليا واستأذنت لتغير ملابسهم.
يتبع……
رواية ثأر الحب الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم زينب سعيد
توقف أمام بوابة القصر الداخلية وهو ينظر إلى الحقائب التي بيده. فقد قرر أن يذهب لشراء بعض الأغراض لأطفاله، وأيضاً شراء هدية لمولود عدي، فهذه هي المرة الأولى التي سوف يراهم بها. وذوقياً يجب أن يحضر هدية لصغير. كما أحضر علبة شوكولاتة من النوع المفضل. لا يعلم لم اشتري هذا النوع بالتحديد من الأساس، كان بإمكانه أن يشتري أي نوع، لكن لما اختار هذا؟ هل ما زال يتذكر ما تحبه وما تبغضه؟ تنهد بإستياء ووضع يده على جرس الباب.
في الداخل تجلس نورسيل تتناول بعض الفواكه بعد مغادرة الجميع وذهاب زوجها وعدي إلى المكتب لمتابعة بعض الأعمال. زفرت بحنق ما أن استمعت إلى جرس الباب ولم تجد أحد يأتي ليفتح الباب. قامت لتفتحه هي وطبق الفاكهة بين يديها. فتحت الباب وتفاجأت بهذا الطارق الذي يتشابه مع زوجها في الملامح.
تحدث عاصم بحيرة:
- هفضل واقف كده كتير؟
انتبهت إلى حالها وتساءلت:
- ها آسفة. اتفضل. هو حضرتك عايز مين؟
ضيق عينيه متسائلاً بغباء:
- هو أنتي خدامة جديدة هنا؟
وقع الطبق من بين يدها ليتهشم لقطع صغيرة وهي تطالعه بغيظ وتشير على نفسها بصدمة وصياح:
- نعم خدامة؟ أنت متعرفش أنا مين يا بتاع أنت؟
❈-❈-❈
قبل وقت سابق، في مكتب يوسف، أرجع ظهره إلى الخلف بإرهاق.
رمقه عدي معاتباً وقال:
- حرام عليك يا ابني، أيه نفسك أرتاح شوية؟
تنهد يوسف بسأم وتساءل:
- ولما أرتاح آخرة الراحة أيه؟ مين هيسد مكاني؟ عدي الدنيا كلها بايظة يا حبيبي، لازم أقدر أقف قبل ما تتعك أكتر من كده.
أومأ عدي بتفهم وعقب:
- عارف يا يوسف، بس أنت محتاج ترتاح يا حبيبي، إن لبدنك عليك حق.
تنهد يوسف بقلة حيلة وقال:
- أخلص من موضوع عاصم وعليا، وبعدها بفكر آخد إجازة من كل حاجة وآخد نورسيل ونسافر أي بلد نغير جو.
ابتسم عدي ساخراً وهتف بصوت خافت:
- متأكد أن نورسيل وهي معاك هتغير جو، لا دي أي أكيد هتعكر جو.
تساءل يوسف بعدم فهم:
- أنت بتقول حاجة؟
حرك عدي رأسه نافياً وتحدث بابتسامة مصطنعة:
- لأ ولا أي حاجة يا حبيبي، بقولك إجازة سعيدة مقدماً.
رمقه يوسف بعدم استيعاب وتساءل بحيرة:
- يا راجل مش مرتاح ليك. المهم خلينا في المهم بقي، ناوي على إيه؟
تساءل عدي بعدم فهم:
- هعمل إيه في إيه؟
ابتسم يوسف معقباً:
- يعني هنعمل سبوع ليوسف الصغير ولا عقيقة؟
ابتسم عدي بحماس وقال:
- حابب الأتنين يا حبيبي.
ابتسم يوسف بتفهم وقال:
- ماشي يا حبيبي، نعمل السبوع على اليوم التاسع والعقيقة نتأخر شوية، يبقى نايا والبيبي شدوا حيلهم شوية.
أومأ عدي بحماس وقال:
- ماشي يا حبيبي، عقبال ابنك أو بنتك يارب يا حبيبي.
أمن على دعائه بتمني:
- يارب يا حبيبي يا رب.
قطع حديثهم صراخ نورسيل بالخارج. تطلعوا إلى بعضهم بقلق ونهضوا راكضين إلى الخارج بلهفة.
❈-❈-❈
ظل عاصم واقفاً مكانه غير مصدق ما حدث أمامه من هذه المعتوهة. هو لم يخطئ، لم يقل سوى أنها خادمة جديدة، لما غضبت هكذا؟
فتح باب المكتب وركض يوسف وعدي إلى الخارج. اتجه يوسف إلى زوجته بلهفة وهو يتفحصها بقلق:
- نورسيل أنتي كويسة يا حبيبتي؟
حركت رأسها بلا ود ودبت على الأرض بغيظ وقالت:
- البيه بيقولي أني خدامة يا يوسف، مين الكائن ده؟
كتم عدي ضحكته بصعوبة وهو يتجه إلى عاصم يضمه بلهفة واشتياق:
- وحشتني أوي يا عاصم، أخبارك.
ربت عاصم على ظهره بحنان واسترسل:
- وأنت كمان يا حبيبي وحشني.
ابتعد عنه ونظر إلى نورسيل بعدم فهم وتساءل:
- هي مين دي؟
اقترب عدي منه هامساً في أذنه:
- هي مش في حضن يوسف بيهديها، يبقى إيه؟ أكيد مراته يا ناصح؟
نظر له عاصم ونظر إلى نورسيل بعدم استيعاب وتساءل:
- أنت بتتكلم جد؟ دي مرات يوسف؟
انتبهت إلى جملته وتطلعت إلى زوجها بغل:
- سامع يا يوسف بتقول إيه؟ سامع؟
ضمها يوسف برفق وقال بصبر وهو يرمق عاصم بغيظ:
- إهدي يا قلبي إهدي، ده عاصم بيهزر معاكي، مش صح ولا إيه يا عاصم؟
❈-❈-❈
رد عاصم باختصار:
- مش قصدي والله، بس يعني أنت يوسف هادي وراسي يا حبيبي، أنت فهمني، وهي مختلفة تماماً عنك.
تحدثت نورسيل بغيظ:
- بيقول عليا مجنونة يا يوسف، سامع مين الكائن ده؟
مسح على جبينه عدة مرات وتحدث بتعقل:
- خلاص بس أنتوا الأتنين بقي لو سمحتوا، اعرفكم على بعض. ده عاصم ابن عمي وجوز عليا.
ردت بضيق:
- أهلاً.
أكمل حديثه:
- ودي نورسيل مراتي.
ابتسم عاصم ساخراً:
- أهلاً بيكي.
ألتفت يوسف إلى زوجته وتحدث برفق:
- حبيبي روحي بلغي ماما أن عاصم جه.
تنهدت بضجر وقالت:
- حاضر يا يوسف، بعد إذنكم.
غادرت نورسيل ورفع عاصم يده مستسلماً:
- آسف بجد يا يوسف، مكنتش أعرفها الصراحة.
أومأ يوسف بتفهم وقال:
- حصل خير، ادخل يا عاصم، ادخل.
انتبه يوسف إلى الأغراض التي يحملها وهتف معاتباً:
- أيه إلي أنت شايله ده بس يا عاصم؟
ابتسم عاصم وتحدث بتبرير:
- حاجة بسيطة.
جلسوا سوياً وبعد قليل جاءت صفاء من المطبخ وخلفها نورسيل. ضمت عاصم لأحضانها بلهفة وشوق وبادلها هو العناق، فطالما كانت هي الأم الروحية له. ابتعد عنها بعد فترة وجلست برفقتهم وتحدثت معاتبة:
- أخص عليك يا عاصم، بقالك أسبوع هنا ولسه فاكر تيجي هنا تسلم عليا؟
حاول التحدث مبرراً بإحراج:
- أنتي عارفة الظروف.
هتفت بحزم:
- أنا مليش دعوة بالظروف اللي أنت بتتكلم عنها دي، أنت ابني وليا فيك زيهم بالظبط، ولا أنت مش بتعتبرني أمك؟ ده بقي شيء تاني.
رمقها معاتباً وعقب:
- بزمتك ده سؤال؟ أنتي أمي اللي مخخلفتنيش، ربنا يعلم معزتك عندي قد إيه والله.
ظلت نورسيل تقف بغيظ. انتبه لها زوجها وأجلسها جواره برفق. لم تقدر أن تصمت وتحدثت بغيظ موجهة حديثها إلى والدة زوجها:
- ماما أنتي قولتيلي هتاخدي حقي منه.
ابتسمت صفاء بخفة وعقبت وهي تمسك أذن عاصم تشده منها مازحة:
- أخص عليك يا عاصم، كده تزعل نورسيل منك؟ اعتذر لها يلا.
ابتسم بهدوء واعتذر قائلاً:
- آسف يا نورسيل، بس سوري بجد، واحدة بتفتح ليا ومعاها طبق فاكهة شايلاه، توقعت أنها خدامة. آسفة مرة تانية.
ابتسم يوسف بتفهم وقال:
- حصل خير ولا إيه يا حبيبتي؟ عاصم زي أخوكي وبيهزر معاكي.
زفرت بحنق وقالت:
- تمام.
❈-❈-❈
هبطت على الدرج بخفة وأطفالها بيدها. يزن ما أن رأى عاصم ترك يدها وأكمل هو هبوط الدرج بمفرده واتجه صوب والده. نهض عاصم سريعاً وجثى على الأرض يتقبله في أحضانه مقبلاً جبينه بحب وكل إنشئ بوجهه. بينما ظل يزيد يتمسك بيد والدته وتوقف مكانه. انتبهت عليا له وتساءلت بقلق:
- إيه يا حبيبي؟ وقفت ليه؟
تحدث يزيد بعند:
- عايز أطلع أوضتي.
رمقته عليا معاتبة وقالت:
- عيب كده يا يزيد، ويلا ننزل نسلم على بابي.
دب على الأرض بطفولة وقال بصياح:
- ده مش بابي، حتى لو بابي، أنت مش عايزاه ومش بحبه ولا هحبه.
ترك الصغير يدها وغادر سريعاً متجهاً إلى غرفته. انتبه الجميع لما حدث وتوقف عاصم وهو يحمل يزن بصمت تام. التفت إلى يوسف وتحدث مستئذنا:
- يوسف هطلع للولد.
أشار له يوسف معاتباً:
- براحتك يا عاصم، بيتك.
أعطى يزن إلى جدته وغادر متجهاً إلى أعلى ليرى طفله. تحرك من جوار عليا التي ستتحرك هي الأخرى لأعلى لطفلها، لكن أوقفها بصوته الحازم:
- عايز أقعد مع ابني لوحدنا.
حاولت الاعتراض لكن تحدث بأمر:
- بقول عايز عايز أقعد مع ابني لوحدنا. أنا مش بأخد إذنك يا مدام، أنا بعرفك.
تخطاها وصعد إلى أعلى، بينما هبطت هي إلى الأسفل بصمت تام وجلست جوار والدتها. ربت يوسف على كتفها بحنان وقال:
- عليا ده أبوه، أكيد مش هيأذيه؟
تنهدت بسأم وقالت:
- أكيد، معنديش ذرة شك يا يوسف أن عاصم ممكن يأذي يزيد، بس انت عارف يزيد عنيد وعاصم مش هيقدر يتعامل معاه.
تساءلت نورسيل بحيرة:
- ليه بتقولي كده؟ بالعكس هيقدر جداً. يزيد محتاج اهتمام عاصم به، وعشان كده بيظهر نفسه. يا عليا ومحتاج فعلاً يبقوا سوا لوحدهم، لأنك طول ما أنتي معاهم هيتجاهل أبوه أصلاً وهيتحامي فيكي أنتي.
ابتسم يوسف بإعجاب وقال:
- ما شاء الله، جبتي العقل ده منين يا قلبي؟
رفعت نورسيل حاجبيها متهكمة وتساءلت:
- حد قالك أني غبية؟
ابتسم بخفة وعقب:
- مقصدتش يا أم لسان ونص، قصدي حللتي شخصية يزيد إزاي؟
رفعت كتفيها باللامبالاة:
- أي حد مر بالظروف اللي هو مر بيها، هيبقي ده تصرفه. فعلاً بيحتاج يظهر نفسه عشان يلاقي اهتمام من الكل.
أومأ يوسف بتفهم وتساءل:
- ماما عزمتي عهد وشادي؟
ضربت صفاء على جبينها بخفة وقالت:
- لأ يا حبيبي نسيت، هقوم أكلمها.
نهض عدي وقال:
- لأ خليكي، هقوم أطمن على نايا ويوسف وأكلمهم.
ابتسمت صفاء بخفة وعقبت:
- وأنا هقوم أكمل تجهيز الأكل.
❈-❈-❈
وقف أمام باب الغرفة وتنهد بإشتياق وهو يتذكر ومضات من ماضيه مرت في هذا القصر وهذه الغرفة بالتحديد. ليت هذه الأيام لم تمضِ وظل يحيى بها، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يحدث.
فتح باب الغرفة وجد هذا العنيد يجلس على الفراش بصمت تام. رفع الصغير رأسه وما أن رآها حتى هبط من على الفراش متجهاً إلى الخارج، لكن أمسك عاصم يده ومنعه من الخروج.
صاح الصغير بعند:
- سيبني، أنا عايز مامي.
ابتسم عاصم ساخراً وعقب:
- مامي؟ أظن أنت كبير بما فيه الكفاية إنك تقعد من غير مامي.
أخذ الطفل عنوة وأجلسه فوق الفراش، وبعدها ذهب ليغلق الباب بالمفتاح وعاد إلى طفله ووقف مربعاً ساعديه على صدره وتحدث بنبرة حادة:
- ممكن أفهم فيه إيه؟ بتتعامل معايا كده ليه؟ فيه طفل يتعامل كده مع بابي؟
صاح الصغير بعند وهو يقف على الفراش وجه لوجه مع والده:
- أنت مش بابي.
تحدث عاصم محذراً:
- اقعد مكانك ووطي صوتك يا محترم.
رد الصغير بعناد أكبر:
- لأ، وأنت مش بابي عشان أسمع كلامك.
لم يستطع أن يظل واقفاً هكذا وأمسك يزيد وأجلسه بقوة وصاح بأمر:
- حتى لو مش أبوك لازم تحترمني وتسمع الكلام.
ابتعد عاصم عنه وهو يضرب كفاً بكف:
- تربية عامر هتبقى إيه؟
تحدث يزيد بعند أكبر لا يتماشى مع سنه بتاتاً:
- وأنت ليه سبته يربينا؟ ليه جاي دلوقتي وعايز تقرب منا؟ أنا بحب بابا عامر مش بحبك أنت، على الأقل هو كان جنبي في كل حاجة وأي حاجة كنت عايزها هو بيجيبها ليا، أنت بقي جاي دلوقتي ليه؟ أنا مش عايزك.
❈-❈-❈
ضحك عاصم باستخفاف واسترسل متهكماً:
- بابي عامر اللي أنت كنت خايف منه أنت وأخوك صح؟
تنهد عاصم وجلس جوار صغيره وتحدث بشرود:
- أنت ما شاء الله عليك يا يزيد سابق سنك، يمكن متفهمش كلامي، لكن هقوله ليك يا ابني، أنا عمري، سامع، عمري ما فكرت أبعد عنكم. لو فاكر أني كنت سعيد وأنا بعيد عنكم، لأ، أنا كنت بتعذب وبتكوي بنار فراقكم يا ابني. أنا مفيش حاجة في حياتي غيرك انت واخوك وبس.
رد يزيد بحزن:
- طيب ليه سبتنا ومشيت وليه رجعت؟ ليه خليتنا نتعلق ببابا عامر؟ كنت أسأل مامي دايماً إزاي اسمي يزيد عاصم وبابي اسمه عامر؟ مكنتش بلاقي منها إجابة.
تنهد عاصم وقام بحمل الصغير وأجلسه بأحضانه واستند برأسه على رأس صغيره وتحدث بشرود:
- لو بإيدي أحكيلك هحكيلك يا حبيبي، بس مش بإيدي. أنت لسه صغير، أصغر من إنك تفهم كل اللي بيدور حواليك، لكن أوعدك إنك لما تكبر هفهمك كل حاجة وهتعرف وقتها أني مظلوم، لكن كل اللي أقدر أقدمه ليك دلوقتي يا قلب أبوك، أني أعوضك عن السنين اللي فاتت وأنت بعيد عنك.
تساءل يزيد ببراءة:
- يعني هتفضل موجود معايا فعلاً لغاية لما أكبر وتحكيلي، ولا بتضحك على عقل عيل صغير؟
ضحك عاصم ضحكة مجلجلة وعقب ساخراً:
- وأنت شايف نفسك عيل صغير يا قلب أبوك؟ ده أنت عصرتني يا واد أنت، بزمتك يا حبيبي ده منظر طفل؟ أنت متأكد إن عندك خمس سنين؟
ابتسم يزيد ببراءة وقال:
- هما بيقولوا كده.
ضحك عاصم باستخفاف واسترسل موضحاً:
- أكيد بيضحكوا عليك يا صغنن. أنت أكيد عندك ٥٠ سنة، أنت طفل مصخوت.
ضحك يزيد بطفولة وقال:
- مصخوت زي مصاخيط بابا عامر.
توقف عاصم عن الضحك وتساءل بعدم فهم:
- مصاخيط إيه؟
رفع الصغير كتفيه لأعلى دلالة على عدم معرفته وتحدث ببراءة:
- هو كان بيكلم واحد في التليفون وقاله إن المصاخيط بقت في المخزن خلاص.
أومأ عاصم رأسه بشرود وقال:
- تمام.
قبل جبين صغيره بحب وقال:
- تعالي بقي ننزل لأخوك وأوريك جبت ليكم إيه.
ابتسم يزيد بحماس وقال:
- موافق، بس على شرط؟
قطب عاصم جبينه وتساءل بحيرة:
- شرط؟ شرط إيه؟ أنت هتتشرط عليا يا فسل أنت؟
ضحك يزيد بطفولة وقال:
- اه هتشرط، موافق ولا لأ؟
هز عاصم رأسه بيأس وعقب:
- موافق يا ابن عليا، موافق.
صفق يزيد بحماس وقال:
- تشلني بقي فوق كتافك، موافق؟
ابتسم عاصم بحب وما كانت إجابته سوى أنه نهض وحمله فوق أكتافه والصغير يصفق بحماس. واتجه به إلى الأسفل والصغير يتمسك برأسه بفرحة شديدة وعاصم كذلك بداخل قلبه فرحة عارمة. هل عاد الفرح لقلبه من جديد أم سيكون للقدر رأي آخر؟
❈-❈-❈
استمعت عليا لصوت طفلها، نهضت بقلق لتطمئن عليه، لكن تنهدت براحة وعلت الابتسامة وجهها وهي ترى عاصم يهبط من الأعلى حاملاً يزيد فوق أكتافه. هبط يزن هو الآخر من فوق أقدام جدته واتجه إلى والده يتشبث به يريده أن يحمله هو الآخر.
ابتسم عاصم بحب وقال:
- حبيبي هشيلك أنت كمان، بس أنزل أخوك الأول، ماشي؟
بكى الصغير وهو مازال يتمسك بقدم والده يريده أن يحمله هو الآخر مثل شقيقه. حاول عاصم إنزال شقيقه لكن تمسك يزيد رأسه نافياً وقال:
- لأ مش هنزل.
اقتربت عليا منهم وتحدثت بأمر:
- يزيد انزل يلا.
تحدث يزيد بعند:
- لا مش هنزل. بابي أنت عايزني أنزل؟
ابتسم عاصم وقال:
- هو أنا مش عايزك تنزل، بس ده أخوك الصغير وبيعيط، لازم أشيله عشان يسكت.
يزيد بعند:
- ماشي، بس هتشلني تاني.
ابتسم عاصم ساخراً وعقب:
- من عنيا.
أنزله عاصم برفق وحمل الآخر بين أحضانه بحب وبعدها رفعه على كتفه. حمله قليلاً وبعدها أنزله وذهب ليجلس مع البقية وأعطى لأطفاله الحقائب التي أحضرها لهم بها الحلوي والمفروشات وكذلك بعض الألعاب.
بينما أمسك حقيبة معينة ومد يده إلى عدي بها:
- اتفضل يا عدي، دي حاجة بسيطة ليوسف الصغير.
رمقه يوسف معاتباً وقال:
- كلفت نفسك ليه بس؟
ابتسم عاصم بهدوء ورد:
- دي حاجة بسيطة يا حبيبي، ربنا يبارك لك فيه.
بعد فترة جاء شادي وعهد وتبادل السلام مع عاصم، وبعدها جلس الجميع يتناولون الطعام سوياً في جو من الألفة والمحبة. وظل عاصم برفقتهم إلى أن حل المساء وتأخر الوقت، نهض عاصم وقال:
- الوقت اتأخر ومضطر أستأذن يا جماعة.
تمسك طفليه به وتطلعت له عليا بأمل.
يتبع.
رواية ثأر الحب الفصل الخمسون 50 - بقلم زينب سعيد
بعد فترة جاء شادي وعهد وتبادل السلام مع عاصم، وبعدها جلس الجميع يتناولون الطعام سوياً في جو من الألفة والمحبة. ظل عاصم برفقتهم إلى أن حل المساء وتأخر الوقت.
نهض عاصم وقال:
- الوقت أتأخر ومضطر أستأذن يا جماعة.
تمسك طفليه به وتطلعت له عليا بأمل. تحدث يزيد بحزن:
- هتمشي وتسيبنا تاني؟
حرك عاصم رأسه نافياً، وانحنى بجزعه يداعب أنفها بأصبعه برقة وقال:
- مين قالك كده بس؟
تسأل يزيد بحزن:
- أنت أهو مش انت ماشي؟
أومأ عاصم بإيجاب وعقب:
- أيوه مروح بيتي.
رد يزيد بإصرار:
- يبقي أحنا نيجي معاك.
تسأل عاصم بعدم فهم:
- تيجي معايا؟
رد يزيد بعند:
- مش أنت رايح بيتك وانت بابا يعني المفروض أنا ويزن وماما نيجي معاك بيتك صح ولا غلط؟
تطلع عاصم له بترقب، فطفله ليس كأي طفل من أقرانه، بالفعل ذكي ولماح لأبعد حد. تطلع عاصم بنظراته إلى يوسف، لكن يوسف رفع يده بإستسلام بمعني أن هذا الأمر لا يعنيه.
ابتسم عاصم بهدوء وتسأل:
- أنت حابب تيجي معايا؟
أومأ يزيد بحماس شديد وقال:
- أيوه وأنام في حضنك.
داعب عاصم شعره برفق وقال:
- طالما أنت حابب كده أنا موافق، يلا أطلع جهز نفسك.
صقف يزيد بحماس وركض إلى أعلى، وخلفه شقيقه الأصغر يركض خلفه هو الآخر بحماس شديد.
نهض عاصم واستقام واقفاً، والتفت إلى عليا واستطرد قائلاً:
- أنا هاخد الولاد وهرجعهم ليكي بكرة.
انمحي الأمل من على وجهها وغابت الابتسامة وحل محلها الجمود، تشعر بأن قلبها تهشم كقطع الزجاج وأصبح فتات صغيرة لا قيمة لها. فاقت من شرودها على صوته، انتبهت له وردت بجمود:
- يزن لسه صغير محتاج إلى يأكله ويغير له، خد يزيد بس.
رد عاصم بإختصار:
- هاخد الاتنين، اتفضلي اطلعي جهزي حاجتهم، أظن أنا دكتور وهقدر أتعامل مع الأطفال كويس أوي.
التوى فمه بابتسامة ساخرة وعقب:
- أظن يزيد وهو صغير كنت بغير له وأكله يا مدام.
زفرت بحنق وغادرت متجهة إلى أعلى، بينما لم تستطيع نورسيل أن تصمت وتسألت بفضول:
- هو أنت مش هتاخد عليا معاك ليه؟ هي مش لسه مراتك؟
ضغط يوسف على يدها كل تصمت، لكن ألتفت إلى زوجها بعدم فهم وتسألت:
- مالك في إيه؟ أنا قولت حاجة غلط؟ أنا قولت الصح إلي المفروض يحصل فعلاً.
رد عاصم بإختصار:
- عليا لو حابة تيجي براحتها، ده بيتها.
ردت نورسيل بإستفزاز:
- مممم، أنت ماشي بالمثل إلي بيقول عيني فيه ويقول أخيه.
تطلع لها بعدم إستيعاب وتسأل:
- نعم مش فاهم؟
ابتسمت نورسيل ساخرة وأجابت:
- يعني أنت بتحبها وبتموت فيها وعايزها تيجي معاك امبارح قبل النهاردة، لكن كبرياء حضرتك مانعك وعايزها تعمل ده بنفسها، صح ولا غلط؟ عارفة انك هتقول غلط وأنا كلامي فاضي، بس مش عشان هو كده، لا عشان أنت عايز تثبت كده بس، أقولك حاجة أنت بتغلط أوي وبدل ما بتبني بتهد، هتفضل تعاند معاها وهي تعاند معاك وتضيعوا سنين من عمركم تاني في فراق ووجع القلب وفي الآخر ترجعوا تندموا.
نهضت مستئذنة:
- سوري لو تطفلت عليك، بس قولت انصحك، بعد إذنكم.
غادرت نورسيل، بينما تحدث عاصم بهدوء:
- يوسف محتاج عربية معلش عشان الولاد معايا.
أومأ يوسف بتفهم وقال:
- تمام يا عاصم، شوف العربية إلي تناسبك وخدها.
هبطت عليا بعد قليل وبرفقتها أطفالها وتحمل حقيبة صغيرة. أخذ عاصم منها الحقيبة وتحدث لأطفاله بحماس:
- جاهزين يا أبطال؟
ابتسم الطفلين وتسأل يزيد بفضول:
- هي مامي مش هتيجي معانا؟
حرك عاصم رأسه نافياً وعقب:
- لأ يا حبيبي مش هتيجي معانا، لو حابة تيجي براحتها.
رمقته عليا بغيظ وقالت:
- لأ يا زيزو مش هينفع اجي وبكره بإذن الله بابي هيرجعكم، صح يا بابي؟
ابتسم عاصم ساخراً وعقب:
- لو هما حابين يرجعوا بكرة هجبهم، لو عجبهم القاعدة معايا هيفضلوا لحد ما يقرروا ده.
رفعت حاجبيها بإستهجان وتسألت:
- قصدك إيه هتاخد ولادي مني؟
ألتفت إلى شقيقها وتسألت:
- أنت سامع يا يوسف بيقول إيه؟
تنهد يوسف وقال:
- أيوه سامع، هو قال وقت ما يحبوا يرجعوا هيجبهم، لو مرجعوش تقدري أنتي تروحي ليهم يا عليا، ده جوزك ودول عيالك.
نظر إلى عاصم بنبرة ذات معني وعقب:
- ولا عندك مانع يا عاصم؟
رفع عاصم يده بإستسلام وقال:
- زي ما أنت قولت، دول عيالها وبيتها كمان، يلا بعد إذنكم.
ودع الجميع وأخذ أطفاله وغادر، وكذلك نهض شادي وعهد وغادروا. جلست عليا جوار والدتها وألقت نفسها داخل أحضانها تبكي على حالها. ضمتها صفاء إلى أحضانها وقالت:
- إهدي يا قلبي، إهدي، ولادك هيبقوا بخير، ده أبوهم.
وضع يوسف ساق فوق ساق وقال:
- خايفة عليهم، كنتي روحتي معاهم عليا، متنتظريش عاصم يطلب منك ده لأنه مش هيحصل، ولو فكرتي تستني ده يحصل هتستني كتير، مع الأسف عاصم عنيد وأنتي عنيدة وهتفضلوا في حيطة سد، تصبحوا على خير.
صعد إلى أعلى بوهن يريد أن ينعم ببعض الراحة والاسترخاء، فتح باب الجناح وليته لم يفعلها حتى، وجد زوجته تجلس أرضاً وحولها كل ما لذ وطاب من طعام الغداء. اقترب منها وتسأل بعدم إستيعاب:
- إيه دي يا نورسيل؟
ابتلعت ما في جوفها وتحدثت بنهم:
- جعانة يا حبيبي.
قطب يوسف جبينه متسائلاً:
- نورسيل، انتي شايفة ده طبيعي؟
انتبهت له وتسألت بغباء:
- هو إيه ده إلي طبيعي؟
جلس يوسف القرفصاء أمامها وتحدث بنبرة ذات معني:
- أولاً أنا مش قصدي حاجة وألف هنا على قلبك كمان، بس انتي بتأكلي بزيادة أوي!
تركت ما بيدها وتحدثت بحيرة وتسألت بقلق:
- ودي فيها إيه؟ مش حامل؟
تنهد يوسف بقلة حيلة وقال:
- عليا كانت حامل وعهد ونايا، وبصراحة محدش فيهم كان زيك كده، كأنك حامل بقبيلة يا قلبي؟
رمقته معاتبة وصمتت، تنهد هو بقلة حيلة وقال:
- نورسيل، أنا خايف عليكي يا قلبي، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ثلث لطعامك وثلث لشرابك وثلث لنفسك، وضعك كده مش طبيعي، ممكن عندك نقص عندك في حاجة هو إلي مخليكي على طول جعانة كده ليه؟ ما ندورش على المشكلة ونعرف سببها، آخر مرة عملتي إيه عند الدكتورة؟
مطت شفتيها بحيرة وقالت:
- مروحتش أصلاً من آخر مرة روحنا.
هز رأسه بيأس:
- وطبعاً مسألتيهاش عن موضوع الأكل ده؟ ولا عملتي التحاليل إلي طلبتها؟
أومأت نورسيل بإيجاب. زفر بحنق وعقب:
- بكرة بإذن الله نروح ليها.
ردت نورسيل بتذمر:
- هقولها إيه؟ جايين عشان بأكل كتير؟ هتضحك علينا.
صمتت قليلاً واكملت بمشاكسة:
- وممكن تقول جوزها مستخسر فيها الأكل؟
رفع إحدى حاجبيه متهكماً وقال:
- مستخسر فيكي الأكل؟ تصدقي بالله أنتي مستفزة، أنا قايم أنام.
نهض ولكن إقترب منها وشدها من أذنها بغيظ وغيرة:
- عدي أخويا وجوز أختك عشان كده مش بتكلم في نقطة إنطلاقك في الكلام معاه، لكن عاصم لسه ميعرفكيش وعفويتك معاه غلط ومتنفعش.
ابتسمت بدلال وقالت:
- وأنت بقي غيران؟ عشان كده قالب وشك؟
استقام بجسده وأشرف عليها بطوله الفاره وتحدث بثقة:
- طبيعي أغير على مراتي، لأن لو حتى مش بحبك محبس حد يبص لحاجة تخصني يا قطتي، تصبحي على خير أنتي ومائدة الإفطار إلي قدامك دي.
غادر تاركاً إياها تتأكل غيظاً، بينما هو ارتسمت على شفتيه ابتسامة نصر.
وصل إلى باب الشقة وفتحه وأشار إلى أطفاله بالدخول، دخل الأطفال وهو يحمل الحقائق خلفهم، أغلق الباب ووضع الحقائب جانباً، وأجلس طفليه أمام التلفاز وآخذ الحقائب ودخل إلى المطبخ يفرغ محتوياتها في الثلاجة، فهو قد مر على السوبر ماركت وأحضر طعام وما يلزم من أجل الأطفال. بدأ بصناعة بعض السندوتشات وأعد لهم الحليب واتجه لهم، وجدهم مازالوا يجلسون أمام التلفاز. جلس في منتصفهم وتحدث بدعابة:
- يلا بقي يا حلوين نتعشى ونام عشان بكرة ورانا يوم طويل.
تسأل يزيد بفضول:
- هنروح فين يا بابي؟
ابتسم عاصم بهدوء ورد:
- أول حاجة هنروح عند عمو علي نشوف جدوا عشان هو تعبان وقاعد عنده، وبعدها هنروح الملاهي، إيه رأيك بقي؟
صقف الصغير بحماس وقال:
- ونتغدا في ماك؟
ابتسم عاصم وقال:
- هو ماك مقاطعة، ممكن نشوف أي مطعم تاني مصري، إيه رأيك؟
أومأ يزيد بإيجاب:
- موافق طبعاً، بس مامي هتيجي معانا؟
امتعض وجهه وتسأل:
- أنت حابب ترجع لماما؟ أنت عايزني؟
حرك يزيد رأسه سريعاً بلا:
- لأ، عايزك، بس كمان عايز مامي معانا.
ابتسم عاصم بتفهم:
- ومامي لو حابة تيجي معانا هتيجي، ها نأكل بقي عشان أخوك ده لسه هغير ليه البامبرز قبل ما ينام.
ضحك يزيد ووضع يده على أنفه بإشمئزاز:
- يا ياي، هتغير ليه الكاكيه؟
ضربه عاصم بخفة على رأسه وعقب:
- أه يا خفيف، زي ما كنت بغيره ليك وأنت صغير، يلا يلا نأكل.
بدأ يزيد تناول طعامه وشرب الحبيب، بينما حمل عاصم يزن على قدمه يطعمه برفق ويساعده على شرب كأسه. بعد ساعة كان يتمدد عاصم على الفراش في غرفة الأطفال وطفليه في أحضانه، ولأول ليلة منذ عامين يغفو براحة وسلام، كأن ضمه لأطفاله بمثابة الأمان والأمان لقلبه، فهو من يحتاج إلى ضمهم وليس هم.
صرخة قوية شقت سكون الليل، جعلت شريف ينتفض بفزع وهو يرى وجه زوجته المتعرق وصراخها يملأ المكان، وطرق على باب غرفته، نهض سريعاً وفتح لوالديه اللذان تسألان بقلق عن ما يحدث، ولكن حالة حنين كانت تغني عن أي سؤال، فيبدو أنه حان موعد ولادة طفلهم.
ومع ساعات النهار الأولى وشعاع الشمس المضيء، كان معه صرخة طفلهم الأول الذي أصر أن يأتي في هذا الوقت، ولم يعطي فرصة لوالدته أن تذهب إلى المشفي حتى، فولدت بالبيت بعد أن أحضر والده الطبيب. أعطى الطبيب الطفل إلى شريف الذي حمله بين يديه بشعور غريب ومختلط، يشعر بفرحة وحزن وخوف، بفرحة لرؤيته وحزن على الآلام التي شعرت بها والدته وخوف عليه وعليها. قبل جبين طفله بحب وآذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى، وأطلق عليه إسم "سالم" وسط صدمة وتعجب والديه، لكن ابتسم سالم لولده ممتناً.
بعد عدة ساعات كانت حالة حنين أفضل وتجلس على فراشها ورضيعها بين أحضانها، والغرفة تعج من حولها زوجها ووالديه ووالديها هي الأخرى والخدم اللذان يعملان في القصر، فرحين بهذا المولود الجديد ويطلقون الزغاريد فرحة وإبتهاجاً به. ابتسمت حنين براحة وفرحة لم تظن يوماً أنها ستفرح هكذا، أو أن الله سيعوضها خيراً كهذا بعد ما مرت به. زوجها أهداه الله لها ووضع محبته في قلبه وقلب والديه ووالدها، تحسنت صحته وها هو يجلس جوارها هو ووالدته سعيدين بحفيدهما الأول من ابنتهما الوحيدة. كانت تظن أن النهاية كانت مع موت شهاب، ولكن لم تدري أنها كانت نقطة البداية والتحول لها. كلما يشتد بنا الضيق فهذا مؤشر أن الفرج بات قريباً، فما بعد الضيق إلا وسع وراحة، فقط أحسن الظن في الله، هو يدبرها لك بما يرضيك أنت، فأرضى بما هو لك، فوالله سترضى بقدر ما رضيت بما رضاك به ربك.
يحتسي القهوة بشرود وملل، فعلي غادر لمتابعة أعماله بينما ظل هو بمفرده، قطع جلسته رنين جرس الباب، وضع الفنجان على الطاولة ونهض ليفتح الباب، تفاجئ بعاصم أمامه، ولكن صراخ الصغيرين باسمه جعله ينظر أرضاً ليلتفت لهم. انتبه لهم وانحنى سريعاً ليصل إلى مستواهم وعانقهم بشوق وحنين، نهض بعد فترة حاملاً يزين بيد واليد الأخرى يمسك بها يزيد، اتجه على الأريكة وأجلسهم بأحضان.
أغلق عاصم الباب وجلس على المقعد بجوارهم بصمت تام، قطع هذا الصمت عوني الذي تحدث بإنكسار لم يعهده من قبل:
- ما تتخيلش فرحتي النهاردة قد إيه يا عاصم وأنت داخل عليا بعيالك، كان نفسي اليوم ده يجي من زمان، سامحني يا ابني لو كنت السبب أنهم يبعدوا عنك ويفترقوا في يوم من الأيام.
تنهد عاصم بأسى وقال:
- خلاص إلي حصل حصل، أنسي إلي فات، بلاش ننبش في الماضي لأنه لا هيقدم ولا هيأخر، بالعكس هيوجعنا وبس.
نظر له عوني بأسف وصمت. تحدث يزيد بتساؤل:
- هو أنت كمان يا جدو كنت تعرف أن بابا يبقي عاصم مش عمو عامر؟
أومأ عوني بإيجاب:
- أه.
امتعض وجه الصغير وتسأل:
- طيب ليه مش قولت ليزيد؟
ابتسم عوني بتعقل وقال:
- كنت مستني بابا هو إلي يجي ويقول ليكم بنفسه يا حبيبي.
نهض عاصم وهتف في أطفاله:
- كفاية كده يا يزيد، جدو تعبان ومحتاج يرتاح.
تحدث عوني بلهفة:
- رايح فين؟ أقعد ملحقتش أشبع منك ولا من الولاد.
تنهد عاصم وقال:
- الولاد حابين يروحوا يقضوا اليوم بره، مرة تانية بإذن الله.
صمت عاصم قليلاً. انتبه له عوني وتسأل بفضول:
- عايز تقول إيه يا عاصم؟
طالع عاصم بحيرة فأكمل عوني بجدية:
- حاجة لو أنت طول عمرك بعيد عني يا عاصم هتفضل ابني، الي اعرفه من نظرة عين واعرف هو عايز يقول إيه، فهمت يا ابني؟ اطمئن أنا هروح بكرة للمحامي ألغي التوكيل، مش ده إلي أنت عايز تقوله يا حبيبي؟
أومأ عاصم بإيجاب وعقب:
- أيوه.
ابتسم عوني بهدوء ورد:
- اطمئن، هيحصل.
استأذن عاصم وأخذ أطفاله وغادر، بينما ظل عوني جالساً كما هو ينظر في أثره بندم، فيما وصل إليه هو وأطفاله لن يسامح نفسه طوال حياته على ما اقترفه في حقهم، حتى لو كان دون إرادتهم، فما حدث حدث وهو ضلع مشترك به.
لم تنم ليلتها طوال الليل، تشعر بأشواك تخترق جسدها من الفراش أو كرات من الجمر أسفل جسدها، فهذه أول ليلة يبتعد بها أطفالها عنها، كيف ستحيا من دونهم أو كيف تستطيع أن تقضي ليلة أخرى من دونهم. فاقت من شرودها على صوت طرق على باب الغرفة والخادمة تخبرها أن عاصم وأطفالها في انتظارها في الأسفل. انتفضت على الفور وارتدت ملابسها على عجالة وهبطت إلى الأسفل، وفور أن وقع عينيها على طفلها ركضت إليهم وضمتهم إلى أحضانها بلهفة واشتياق. تنهد عاصم بأسى وعقب:
- من كام ساعة وحشوكِ؟
رفعت رأسها وتحدثت والدموع تنهمر من عينيها:
- لو دقايق بس بعيد عني مقدرش أعيش من غيرهم، دول النفس إلي بتنفسه.
تنهد عاصم وقال:
- قومي ألبسي، أنا والولاد خارجين وحابين إنك تبقي معانا.
ردت بكبرياء:
- لأ مفيش داعي، مش حابة أبقى عزول معاكم.
رمقها بنفاذ صبر وقال:
- اتفضلي غيري هدومك يلا عشان منتأخرش.
زفرت بحنق وغادرت متجهة إلى غرفتها وهبطت بعد نصف ساعة وهي بكامل أناقتها وغادرت بصحبته هو وأطفالها، وهذه أول مرة يخرجوا بها كأسرة واحدة.
تتمدد نورسيل على الفراش الطبي ويوسف يقف جوارها ممسكاً يدها بحب. بينما الطبيب ينظر إلى الشاشة أمامه بترقب والتفت لهم فجأة وتسأل:
- انتوا كنتوا متابعين مع مين؟
رد يوسف بقلق:
- دكتور..... ليه في حاجة يا دكتور؟