تحميل رواية «ثأر الحب» PDF
بقلم زينب سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في سكون الليل، يرتفع صوت طلق ناري خرج من فوهة المسدس أسقط جسده أرضًا جثة هامدة. نهضت الفتاة سريعا وهي تحاول مداراة جسدها بملابسها الممزقة التي مزقها هذا الوغد وكاد أن يدنس شرفها، إلا أن أرسل الله لها يد العون الذي ظهر لها من العدم. فاقت من شرودها على صوته الجاش وهو يأمرها: "أمشي يلا قبل ما حد يجي ويشوفك." تطلعت له بتيه وقالت بتوتر: "طيب وهو؟" تطلع في الاتجاه الآخر كي لا يراها بهذه الحالة المزرية وردد بأمر: "اهربي يا بنت الناس، لو حد جه وشافك هتبقي فضيحتك على كل لسان." هزت رأسها بإيجاب وفرت هاربة...
رواية ثأر الحب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم زينب سعيد
رمقته بمكر وقالت:
- وه دودي؟ ودود كأنك اتجننت وعايز طلقتين في نفوخك يفوجوك يا أبو عمو.
جحظت عين الآخر بصدمة وكاد فاهه أن يلامس الأرض، أغلق عينه وفتحها عدة مرات متمتما بتساؤل:
- يخربيتك، أنتي مين ووديت نايا البسكوتة فين؟
ابتسمت بخفة وقالت:
- وه يا أبو عمو، ما أنا قدامك أهو.
ردد بعدم تصديق ونبرة أشبه بالبكاء:
- قدامي إيه بس، ارجعي لطبيعتك كده، بتفكريني بشريف ابن عمك وده وشه عامل زي خميرة البيت، هيطلع لي في كوابيسي.
لم تتمالك نفسها وضحكت بصوت مرتفع جعل قلب الآخر يرفرف من السعادة وهو يصقف بيده ويقول:
- الصلاة على النبي أحسن، أيوه كده ضحكتي يعني، قبلها مال يا قطتي مخبية الضحكة الحلوة دي فين؟
توقفت عن الضحك فجأة وقالت بإحترام:
- على فكرة كده مينفعش، أنا لو بتكلم معاك أو بتعامل معاك، فده عشان أنت أخو جوز أختي وفضلت هنا مع أختي لما يوسف أصر، بس مش معنى ده إني واحدة سهلة وملهاش حد تتسلي بيها، ما هي قاعدة في بيتكم لازم تدفع التمن.
أنهت آخر كلمتها وانهارت باكية، ودلفت سريعا إلى الداخل.
وقف هو مصدوم من حالتها، فماذا تقول هذه؟ ولماذا تفوهت بهذا الحديث؟ هو أحبها بالفعل وهذا سبب حديثه معها كي يقترب منها ويتقدم لخطبتها، لكن لو كان الأمر مختلف لم يكن ليتحدث معها بهذه الأريحية من الأساس، وهو لم يخطئ معها وتعامل معها أمام الجميع هكذا، ماذا حدث الآن؟
ظل واقفا في الشرفة يستمع إلى صوت شهقاتها وبكاءها وهو يشعر أن نصل حاد ينغرس داخل طيات قلبه.
لم يقدر أن يظل واقفا، صعد فوق سور شرفته وقفز للجهة الأخرى. ألقى نظرة عليه وجدها مازالت بحجابها، تنهد براحة وتحرك تجاهها هاتفا بأسف:
- أنا آسف والله، كنت بهزر معاكي بس...
ليتك لم تأتي إلى هنا.
نهضت بفزع ما أن رأته وضمت نفسها بخوف ورددت بخوف وإنهيار:
- أنت بتعمل إيه هنا؟ عايز مني إيه؟ اطلع بره.
ظلت تتراجع إلى أن اصطدم جسدها في الجدار من خلفها.
اقترب منها بحذر وهو يقول بحنان:
- اهدي بس، والله ما هعمل حاجة، أنا بس كنت عايز أقولك إني مقصدتش حاجة من اللي انتي قولتيها، ولو حابة مهزرش معاكي تاني أوعدك مش هعمل كده تاني، وده بيتك يا نايا وأنا اللي ضيف فيه، ولو حابة أسيب البيت خالص عشان خاطرك مش هتأخر.
تطلعت له برهبة، فهي لم تستمع لحديثه من الأساس، فعقلها عاد إلى ذكرى مماثلة. عادت بذاكراتها إلى الخلف منذ سنوات مضت.
أنهت مذاكرتها في الحديقة وصعدت إلى غرفتها، تمددت على الفراش بحزن، فهي اشتقت إلى نورسيل ولكنها مازالت في القاهرة تخضع لامتحانها في الجامعة. تنهدت بأسي، فهي في أشد الحاجة لها، فشهاب وشريف لا ينفكان عن إذلالها وإشعارها أنها عالة عليهم، سابقاً كانت ترمي هي وشقيقتها أحزانهم على بعضهم، لكن الآن هي بمفردها دونها. حاولت إغلاق عينيها كي تنعم ببعض النوم من أجل أن تستيقظ مبكراً تراجع مذاكرتها، فآخر مادة بالغد وبعدها ستدخل الجامعة وتمكث بالقاهرة برفقة شقيقتها، هذا ما كانت تمني نفسها به.
ما كادت أن تسقط في نوم عميق إلا واستمعت إلى صوت فتح باب الغرفة وغلقه ببطء، لم تفتح عينها، ظنتها زوجة عمها أتت كي تطمئن عليها، أكملت تظاهراً بالنوم. وما هي إلا ثوان وشعرت بأنفاس دافئة تلفح بشرتها البيضاء ويد خبيثة تتسلل فوق الغطاء تقوم برفعه وتتحسس جسدها بتقزز. إلى هنا وفتحت عينها، وجدته هذا الحقير شهاب. حاولت الصراخ أو النهوض لكنه فطن ذلك ووضع يده على فمها واقترب من أذنها هامساً بفحيح ورائحة الخمر تفوح منه جعلها تشعر بالنفور والغثيان:
- أوعاكي عقلك يوزك يا جطة وتصرخي، وجتها هدبحك بيدي، سمعاني؟ هشيل يدي ولو صوتك طلع متلوميش غير حالك.
رفع يده بحذر.
شدت هي الغطاء على جسدها وتحدثت بدموع:
- أنت عايز مني إيه يا شهاب؟ حرام عليك، ابعد عني واطلع بره؟
حرك هو يده على وجهها هاتفا بخبث:
- هكون عايز منك إيه يا جطة؟ عايز مزاجي، هكون عايز إيه؟ ولا انتي فاكرة قعدتك انتي وخيتك قاعدين شاربين واكلين ببلاش؟ لأ يا حلوة، يبقى لازم تدفعوا.
نظر لها بتفحص وهتف بخبث وبصراحة:
- مفيش حاجة أخدها منك أحسن من كده.
استمعت إلى حديثه وهي تشعر بالغثيان من حديثه القذر ورائحة الخمر التي تفوح منه، تحدثت برجاء:
- سيبني في حالي يا شهاب، أنا بنت عمك لحمك ودمك، يعني عرضك، إذا كان على قعدنا هنا هنسيب البيت.
التعت عينا الآخر بخبث وهو يقترب منها:
- حتى لو هتسيبي البيت يبقى تدفعي تمن اللي فات يا حلوة.
في لمح البصر كان يمسك يدها ويقترب منها بجوع ووحشانية، ينهل من جسدها بدونية غير عابئ بشرفه الذي يدنسها ولا الفتاة التي سيدمر حياتها.
عادت من ذكرياتها الأليمة وهي تضع يدها على أذنها وتحرك رأسها بهذيان.
وقع قلب الآخر من حالتها واقترب منها محاولاً تهدأتها، ولكن بدل من أن تهدأ ازداد الأمر سوءاً، سقطت أرضاً وبات جسدها يتشنج وهي تهذي بكلمات غريبة بإنهمار:
- لا حرام عليك، هسيب البيت والله، سيبني أبوس إيدك.
لا يدري ماذا يفعل، قرر المغادرة سريعا لعلها تهدأ، إلى أن تفوهت بشيء واحد جعله يفيق أنها ليست خائفة منه بل تسارع شيء مضى سابقاً.
- ابعد عني يا شهاب ابوس إيدك، سيبني بلاش تعمل فيا كده حرام عليك.
مهلاً على دوي صوت انكسار قلب الآن، نعم فقلبه قد انشطر إلى نصفين وأصبح قاب قوسين أو أدنى بعد أن علم ما عانته صغيرته. هل ما سمعه حقيقة أم أنه يتوهم؟ هل حاول هذا الحقير أن يعتدي عليها؟ ولكن كيف وهو كان سيتزوج شقيقتها بالفعل؟ ظل واقفا مكانه لا يدري ماذا يفعل، يود أن يتجه إليه ويضمها داخل أحضانه حتى تهدأ وتستكين، ولكن ليست تحل له الآن وهو لن يغضب ربه مهما حدث، حتى لو أنها ستكون امرأته على كتاب الله وسنته في يوم من الأيام. ظل واقفا يتطلع لانتفاض جسدها وهذيانها، إلى أن لمعت في ذهنه فكرة، أخرج هاتفه سريعا وقام بتشغيل سورة البقرة ووضع هاتفه جوارها أرضاً وابتعد عنها وخرج إلى الشرفة في مكان منعزل حتى لا يراها أحد، حتى لاحظ استكانة جسدها على صوت القرآن الكريم. دقائق مرت كالدهر وسكنت تماماً ووقعت في ثبات عميق. نهض هو بحذر واتجه لها، اطمأن من نومها رغم انتفاضة جسدها، سب في سره هذا الحقير واتجه إلى الفراش وأحضر الغطاء ووضعه عليها بحرص دون أن تلامس يده جسدها، وآخذ هاتفه من جوارها ونظر إليها نظرة أخيرة وبداخله عازماً على أن يمسح نظرة الحزن من عينيها إلى الأبد وغادر الغرفة سريعاً بخفة من الشرفة كما دخل بعد أن قام بإغلاق الباب من الداخل بالمفتاح حتى لا تدخل شقيقتها صباحاً وتراها هكذا.
دلف إلى غرفته وبداخله بركان ناري لا يستطيع إخماده، لم يجد حلاً سوى أن يهبط إلى الأسفل يركض قليلاً في الحديقة لعل الرياضة تستطيع إخماد النيران في قلبه لو ذرة، يشعر أنه بركان نشط على وشك الانفجار، ألا يزال هذا الحقير على قيد الحياة؟ يقسم أنه سيقتله بيده لا محالة على ما فعله بصغيرته.
صباحاً هبط الدرج بخفة مرتدياً نظارته الشمسية تخفي عينيه من شدة الغضب، فهو لم ينم من الأساس طوال الليل يشعر بالغليان داخل قلبه، جلس في الصالون بشرود تام.
بعد قليل هبط شقيقه واتجه له عندما لاحظ شروده متمتماً بتساؤل:
- مالك يا عدي؟ أنت كويس؟
أومأ عدي بهدوء:
- كويس الحمد لله.
قطب يوسف جبينه وقال:
- متأكد؟ شكلك مش كويس خالص، عمتاً لم تحب تتكلم أنا موجود، يلا نفطر؟
هز رأسه بإيجاب ونهض برفقة شقيقه متجهاً إلى طاولة الطعام ريثما يجهز الإفطار.
طرق عدي على باب الغرفة أيقظها من نومها، فتحت عينيها بضعف وهي تشعر بألم بثائر جسدها، اعتدلت في جلستها ونظرت حولها بحيرة وإلى هذا الغطاء الذي يحيط جسدها.
ثوان وعاد إلى ذهنها ما حدث أمس، انتفضت بفزع وتحسست حجابها وملابسها وتنهدت براحة، لكن مهلاً، هل ظل بالغرفة واستمع إلى هذيانها وعلم حقيقة ما حدث معها هنا؟ وابتلعت ريقها بمرارة، ولكن فاقت على صوت شقيقتها القلق من الخارج. نهضت على الفور ووضعت الغطاء على الفراش وفتحت الباب، قابلها وجه نورسيل القلق وهي تتفحصها:
- أنتِ بخير؟ وشك ماله وقافلة الباب ليه؟
تحدثت نايا بارتباك:
- اهدي متقلقيش، افتكرت بابا وماما وكمان مكان جديد قلقت وقافلت الباب عليا.
تنهدت نورسيل براحة وعقبت:
- اطمني، هما كويسين هنا. على فكرة وعدي متزعليش منه، هو بيحب يهزر مش أكتر، لكن من معاملتي معاه محترم جداً.
ابتلعت ريقها بتوجس وصمتت. لكن عاجلتها نورسيل متسائلة:
- أنتِ لسه مغيرتيش من امبارح؟ نمتي بملابسك؟
هتفت بتهرب:
- هغير، هدخل أهو، استنيني.
أومأت لها نورسيل بصمت ودلفت الغرفة وجلست في انتظارها. بينما أخذت نايا ملابسها واتجهت إلى المرحاض تأخذ حماماً بارداً تنعش به جسدها وتزيل عنه التشنجات وما عاشته بالأمس.
خرجت بعد قليل مرتدية ملابسها وأدت صلاة الصبح، فلم تستطع أن تؤدي صلاة الفجر في وقتها. وما أن انتهت هبطوا سوياً وهي تدعو بداخلها أن يكون عدي غادر إلى عمله، فهي ليست في حالة تسمح لها بمواجهته.
ارتسمت خيبة الأمل على محياها بوضوح ما أن وجدته يجلس يتناول إفطاره بصمت مرتدياً نظارته الشمسية السوداء.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
- صباح الخير.
رد الجميع عليها الصباح بما فيهم هو، جلست بجوار شقيقتها تتناول الإفطار وهي تتحاشى النظر له، فهي تشعر أنها محاصرة بنظراته من أسفل نظارته السوداء.
تطلعت صفاء إلى الجميع وهتفت ضاحكة:
- إيه يا جماعة وحدوه مالكم ساكتين ليه؟
ضحك الجميع بخفة وعقب يوسف بنبرة ذات معنى:
- هو في العادي كلنا نبقي ساكتين ودودي هو اللي بيتكلم، لكن النهاردة ساكت كده مش عارف ليه؟
رد عدي بهدوء:
- عادي يا چو، تغيير.
ابتسم يوسف وقال:
- حلو التغيير برضه، بس يبقى للأفضل ولا إيه؟
أومأ عدي بإيجاب وقال:
- أنا خلصت، هتمشي ولا أسبقك أنا؟
رد يوسف بإيجاب:
- آه يلا بينا، محتاجين حاجة؟
هزت والدتها رأسها نافية:
- لا يا حبيبي تسلم.
نهض عدي ويوسف وتحركوا إلى الخارج بصمت تام.
هنا استطاعت نايا أخيراً أن تتنهد براحة بعد أن هربت من حصار نظرات عدي.
بعد قليل انتهى الإفطار ونهضت صفاء صعدت إلى غرفتها تستريح قليلاً.
بينما جلست نايا ونورسيل في الحديقة، بعد قليل حضرت عليا وأطفالها وتعرفت على نايا، وكذلك حضرت عهد وجلسوا البنات سوياً تبادلوا أطراف الحديث.
مساء عادت عهد مبكراً برفقة عليا فقد أوصلتها بسيارتها بعد أن أخبرت شادي بذلك.
دلفت إلى المطبخ وأعدت الغداء بعناية ببعض المأكولات التي يفضلها شادي وعلمتها هي من نورسيل ونايا.
انتهت من إحضار الغداء واتجهت إلى غرفتها وانتقت دريس من اللون الموف بحمالات رفيعة من قماش الدانتيل به تطريز من منطقة الصدر، أخذت حماماً دافئاً وقامت باستشوار شعرها وارتدت الدريس بدون بودي أو طرحة وأطلقت العنان لشعرها وقامت بوضع الطعام في غرفة النوم وقامت بإشعال بعض الشموع وجلست في انتظاره تقلب في التلفاز بملل كي تقلل من ارتباكها.
عاد هو من عمله بحث عنها في المطبخ لم يجدها، دلف إلى غرفة النوم وما أن دلف ورأها وشاهد تجهيزاتها التي أعدتها من أجله، صفر بإعجاب شديد متمتماً بإعجاب وهو يتجه لها، مسك يدها وجعلها تدور وسط خجلها:
- الجمال ده كله بتاعي أنا يا ناس؟
ابتسمت بخجل وقالت:
- بجد؟
نظر لها بعدم فهم وقال:
- بجد إيه؟
هتفت بخجل:
- أنا حلوة؟
ضحك الآخر ملء فمه وقال:
- أنتي حلوة؟ ده سؤال أصلاً يا روحي، أنتي تقولي للقمر أقوم وأنا أقعد مكانك، بس سيبك انتي، إيه الدلع ده كله؟ أنتي زي القمر زيادة والأكل اللي بحبه، إيه الرضا ده كله؟ هو النهاردة العيد ولا إيه؟
ابتسمت بخجل ولم تتحدث، ضحك هو الآخر وضمها إلى أحضانه متمتماً بخفة:
- ربنا يديمك ليا يا حياتي يا روح قلبي.
انتهى العشاء ودلف يوسف إلى مكتبه، وجلس عدي في الحديقة بمفرده، بينما جلست نايا برفقة نورسيل وصفاء أمام التلفاز بضجر، تود أن تنهض وتذهب إليه تسأله ماذا قالت هي في هذيانها، فشتان بين عدي المرح الذي قابلته أمس وهذا الشخص الغامض الذي قابلته هي اليوم.
فاقت من شرودها على صوت صفاء، التفتت لها بلهفة وأجابت:
- أيوة يا طنط، معاكي. حضرتك بتقولي إيه؟
ابتسمت صفاء بحنان:
- بقول شكلك زهقانة ومش حابة تتفرجي على التلفزيون، ممكن تقومي تتمشي شوية.
كادت أن ترفض ولكن وجدتها فرصة فقالت:
- تمام، كملوا انتوا المسلسل وأنا هتمشي شوية.
هتفت نورسيل بتساؤل:
- تحبي أجي معاكي؟
ردت نايا نافية:
- لأ يا حبيبتي خليكي انتي مع طنط شوية وجاية بعد إذنكم.
تحدثت صفاء بابتسامة:
- اتفضلي يا حبيبتي.
جلس مستنداً على ظهر مقعده ناظراً للسماء فوقه يتأملها بشرود تام، يفكر في حوريته الصغيرة، فيبدو أن خلف ابتسامتها الجميلة حزن يغلف قلبه، لكنه يقسم داخله أنه سيمحي هذا الحزن مهما كلف الأمر.
- ممكن أقعد معاك؟
جملتها قالتها نايا بتوتر جعلته يعتدل ويشير لها على المقعد الآخر قائلاً:
- آه طبعاً اتفضلي.
جلست على استحياء واعتدل هو في جلسته مستنداً بمنكبيه على الطاولة التي أمامه يتأملها بصمت.
تحدثت بارتباك:
- بتبص لي كده ليه؟
ابتسم بهدوء وقال:
- مستنيكي تسألي، شكلك عايزة تقولي حاجة صح ولا غلط؟
هزت رأسها بحرج وقالت:
- أيوة، هو إيه اللي حصل امبارح؟ أنا قولت حاجة؟
تطلع لها قليلاً وتنهد بهدوء وقال:
- لأ، فضلت تترعشي وبعدين وقعتي على الأرض، شغلت لكِ قرآن لغاية ما نمتي وحطيت الغطاء فوق وقعدت الباب عشان نورسيل متشوفكيش كده وبعدين مشيت. صمت قليلاً ثم أكمل بصدق: لما نطيت من البلكونة عشان سمعتك بتعيطي كنت عايز أقولك اهدي، أنا كنت بهزر معاكي وأوعدك مش هيتكرر تاني، واطمني يا نايا، أنا بصلي وعارف ربنا كويس وعارف حدودي إيه، ولما نطيت من البلكونة عشان خوفت عليكي.
رواية ثأر الحب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم زينب سعيد
تنهدت نايا براحة وتحدثت بإمتنان:
- شكراً ليك بجد.
إبتسم بخفة وقال:
- مفيش شكر بينا.
صمت كلاهما إلي أن تحدث عدي بحذر:
- أنا لو قولتلك إني معجب بيكي وحابب ارتبط بيكي هتوافقي؟
تطلعت له بعدم تصديق وقالت:
- معجب بيا؟ إزاي؟ أنت أصلاً لسه شايفني إمبارح!
عاد بظهره للخلف مستنداً على ظهر مقعده بأريحية، مغمغماً بإبتسامة عابثة:
- ومين قالك إني أول مرة أشوفك إمبارح؟ أنا بقالي شهرين صورتك مش مفارقة خيالي.
قطبت جبينها بعدم فهم وتسألت:
- شوفتني إمتي وإزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة.
إبتسم بهدوء وأجاب:
- شوفتك يوم ما جيت عندكم البلد أنا ويوسف، وقتها شوفت بنوتة جميلة ماسكة ورد أبيض، وقتها خطفتي قلبي وعقلي وروحي كمان، ومن وقتها وأنا مش قادر أشيلك من دماغي.
إشتعلت وجنتاها بخجل ونهضت بإرتباك:
- أنا هدخل جوه بعد إذنك..
نهض هو الآخر بلهفة ووقف أمامها قاطعاً عليها الطريق هاتفا بتساؤل:
- لو أتقدمت ليكي توافقي تتجوزيني؟
تصنم جسدها ونظرت له بعدم تصديق، فهذا آخر سؤال قد يخطر على بالها أن يسألها أحد عنه في يوم من الأيام. فاقت من شرودها على صوته وهو يتحدث برجاء.
هتف برجاء:
- قولي يا نايا، ريحي قلبي، لو أتقدمت ليكي توافقي؟
سالت دموعها بصمت، فهي لا تدري بما تجيبه من الأساس، فهي أصبحت لا تصلح له ولا لغيره من الأساس.
ردد بقلق:
- بتعيطي ليه بس؟ ردي عليا، ريحي قلبي.
إبتلعت ريقها بمرارة وهتفت بإنكسار:
- أنت تستاهل اللي أحسن مني يا عدي، أنا منفعكش. أكملت داخلها: ولا أنفع غيرك.
تطلع لها متحدياً وقال:
- لا يا نايا، أنا مش عايز اللي أحسن منك، أنا عايزك أنتي وبس. طالما ما فيش حد غيري في قلبك يبقى أنتي هتكوني ليا وبمزاجك كمان يا قلبي. وده وعد من عدي المغربي، في أقرب وقت هكون عند عمك في الصعيد وهطلب إيديك منه.
ألقى جملته وتحرك من أمامها. وقفت هي مكانها بصدمة مما يتفوه به ولا تجرؤ على التحرك.
***
وقف خلف زجاج مكتبه يشاهد شقيقه وهو يتحدث مع نايا، وكذلك بكاء الآخر، يبدو أن هناك خطب ما بها. فهي وشقيقه ليسوا على ما يرام منذ أمس. تنهد بضيق وتحرك خارج مكتبه متجهاً إلى الحديقة تزامناً مع دخول عدي من الباب الخارجي بوجه عابث.
وقف في مقابلته هاتفا بتساؤل:
- خير، مالك؟ وهي بتعيط ليه؟
مسح عدي على وجهه بضيق وقال:
- مفيش حاجة.
رمقه يوسف محذراً وقال:
- متأكد؟
تنهد عدي بقلة حيلة وأجاب:
- أنا قولت ليها إني معجب بيها وعايز أتقدم لها.
تطلع يوسف إلى شقيقه بصدمة من هذا المختل. إذا كان يعرفها هو سابقاً، فبالنسبة لها لم تلقاه سوى أمس، فمن المؤكد سوف ترفضه. تنهد بقلة حيلة وقال:
- طيب بلاش تتكلم معاها كام يوم كده، ممكن؟
أومأ عدي إلى شقيقه بقلة حيلة وتحرك متجهاً إلى الداخل، بينما خرج يوسف ليطمئن على الأمانة التي في بيته.
***
جلست على الأرجوحة ودموعها تتساقط بصمت. فاليوم الذي تحلم به الكثير من الفتيات أصبح يوم هلاكها. أغمضت عيناها بحزن تتمنى بداخلها أن ما عاشته لم يكن سوى كابوس وتوفيق منه آجلاً وغير عاجل.
إقترب منها ووقف أمامها وحمحم بخشونة كي تنتبه له.
فتحت الأخرى عيناها بلهفة ونهضت على الفور.
إبتسم بهدوء وقال:
- وقفتي ليه؟ أقعدي.
جلست بخجل. أكمل هو ضاحكاً:
- ينفع أقعد أتمرجح معاكي؟
إبتسمت بخجل:
- آه طبعاً، أتفضل.
إبتسم بوقار وجلس على الطرف الآخر من الأرجوحة يحركه بقدمه بصمت تام إلى أن قرر أن يقطع هذا الصمت:
- مرتاحة معانا هنا ولا في حد ضايقك؟
هزت رأسها نافية وأجابت على الفور:
- لأ طبعاً مفيش حد ضايقني. هتصدقني لو قولتلك إني مرتاحة هنا أكتر من بيت عمي؟
إبتسم براحة وقال:
- طيب الحمد لله، ريحتيني. أصل شوفتك واقفة مع عدي دلوقتي خوفت يكون ضايقك؟
هزت رأسها نافية وقالت:
- لأ أبداً.
تنهد براحة وغمغم متسائلاً:
- طيب هو قالك إيه؟ ليه كنتي بتعيطي؟ أظن إني قولتلك إنك أختي الصغيرة زي زي عهد، أتمنى بقى إنتي كمان تعتبريني أخوكي الكبير وتردي عليا.
عضت على شفتيها بخجل وقالت:
- هو عايز يتقدم ليا.
أومأ بتفهم مغمغماً:
- طيب وإيه اللي يزعل في كده؟ بصي يا نايا، عدي معجب بيكي فعلاً، ولو أنتي موافقة ده شيء هيسعدنا طبعاً، ولو رفضتي أنا بنفسي هقف في صفك متقلقيش، بس أعرف أنتي رافضة عدي فعلاً؟ وإيه السبب لده؟ في حد تاني مثلاً ولا أنتي اللي محتاجة وقت تفكري!
ردت هي بحزن:
- لأ، أنا رافضة بس مش رافضة عدي ذات نفسه، رافضة الجواز بصفة عام.
صمت مطبق من كلا الطرفين، حتى أخذ يوسف نفس عميق وألقى نظرة حوله وجد الحرس على بعد منهم وتحدث بصوت خافت:
- الحيوان ده قرب منك؟
تطلعت له بصدمة وقالت:
- أنت قصدك مين؟
رد بإيجاز:
- الحقير اللي إسمه شهاب؟
جحظت عين الأخرى بعدم تصديق وتطلعت حولها بإرتباك وقالت:
- ليه بتقول كده؟
أجاب ببساطة:
- لأنه حقير. اللي يفكر ينهش في أي بنت في الشارع، ما بالك في واحدة في قلب بيته.
نظرت له بعدم فهم وتسألت:
- قصدك إيه؟ مش فاهمة.
تغاضى عن سؤالها وهتف بإصرار:
- ردي عليا، قرب منك؟
تطلعت له قليلاً وتذكرت ما حدث معها سابقاً.
بدأ جسدها يفقد قواه شيئاً فشيئاً حتى شعرت أنها على حافة الهاوية، لكن ألهمها عقلها واستطاعت فك أثر إحدى ذراعيها وجذبت الأباچورة الصغيرة وقامت بخبطه في رأسه.
إتسعت عين الآخر بصدمة وإبتعد عنها وهو يتحسس الدماء التي تسيل من رأسه. نظر لها متوعداً وقال:
- عايزة تقتُليني يا بت الرفضي؟ طيب جسماً بالله ما هرحمك. غادر سريعاً وهو يحاول كتم نزيف رأسه وغادر الغرفة. نهضت هي على الفور وقامت بإغلاق الباب بالمفتاح عليها من الداخل وأنهارت باكية على ما كان سيحل بها.
ظلت على وضعها إلى أن أذن الفجر. نهضت بتثاقل ودلفت إلى المرحاض ووقفت أسفل الماء البارد تدلك جسدها بقسوة كي تنزع لمسات هذا الحقير من فوق جسدها. خرجت بعد فترة من المرحاض وأدت صلاة الفجر وجلست بعدها تراجع مادتها قبل أن تذهب إلى الامتحان. وما أن أشرقت الشمس ارتدت ملابسها وفرت هاربة إلى مدرستها. ومنذ ذلك الوقت تتحاشى التواجد مع شهاب في مكان واحد وتغلق الباب عليها بالمفتاح باستمرار. وإذا صادف ورأته ترى نظرات ذئب ضارٍ يتوعد لها بالهلاك في عينه. وعندما تقدم لخطبة نورسيل كانت الصدمة الكبرى لها. حاولت إفساد تلك الخطبة لكن هددها هذا الحقير بصور قد قام بفبركتها لها أنه سيقوم بإفساحها وتدمير مستقبلها هي وشقيقتها، فاختارت أن تصمت. فهما يتيمتان قد تركهما والداهما بمفردهما في غابة ذئاب تنهش بهما، ليس لهما سوى الله.
فاقت من شرودها على صوت يوسف القلق. ألتفت له بإنتباه:
- معاك.
هتف يوسف بقلق:
- ردي عليا، قرب منك؟
إبتسمت بهدوء وقالت:
- أطمئن، ربنا سترها معايا.
تنهد براحة وأكمل:
- طيب الحمد لله. ليه بقي رافضة الجواز بقي؟
ردت بإنكسار:
- لأني مليش ضهر، مليش حد يقف جنبي ويبقى سند ليا.
نظر لها بعتاب وقال:
- بجد؟ طيب أنا أخوكي إزاي بقى طالما كده؟
ردت بلهفة:
- مش قصدي والله بس...
قاطعها أمراً:
- ما بسش، أنا أخوكي يا نايا وأتمنى تتعاملي على الأساس ده. فكري في موضوع عدي لأنه بيحبك بجد، ولو وافقتي أنا اللي هبقى في ضهرك قدامه. ولو رفضتي وجه الوقت اللي ترتبطي بيه بحد تاني برضوا هبقى في ضهرك.
تطلعت له بإمتنان وهتفت بإبتسامة:
- متشكره أوي يا يوسف ليك وعلى وقفتك جنبي. ويا بخت نورسيل بيك وبحنيتك، هي محظوظة بيك جداً وواثقة إنها سعيدة معاك.
ضحك الآخر بشدة حتى أدمعت عيناه قائلاً:
- يا ريت أختك تبقى نص عقلك ده يا نايا، لكن أعمل إيه؟ نصيبي أتزوج واحدة هبلة.
ردت بدفاع:
- هبلة بس طيبة.
أومأ ساخراً وقال:
- بس دبش.
ردت نايا معترضة:
- لأ، طيبة.
ضحك وهو ينظر إلى يده المضمدة وقال:
- أوي؟ هتقوليلي.
نظرت بصدمة وقالت:
- هي اللي؟
هز رأسه ضاحكاً. ثوانٍ وانفجروا ضاحكين من صدمتها مما فعلته شقيقتها به.
***
وقفت تطالع شقيقتها هي والمدعو زوجها وهم يجلسون على الأرجوحة ويضحكون بصوت مرتفع. لا تعلم لما شعرت بنيران تشتعل داخل قلبها. ظلت قليلاً تتأمل ملامح وجهه الرجولية الجذابة. لا تنكر أنه رجل بالفعل في زمن أصبح الرجال فيه قليلون، وأي فتاة تتمناه بما فيهم هي. ولكن وليس في تلك الظروف التي هي بها. فهو ليس سوى قاتل من كان سيكون زوجها، ولهذا السبب تزوجته. من أجل هذا تزوجته. فاقت من شرودها على صوت ضحكاتهم. إمتعض وجهها واتجهت لهم ووقفت أمامهم واضعة يدها بخصرها مغمغة بغيرة استشرها هو بصوتها:
- ممكن أعرف إيه سبب الضحك ده كله؟ طيب ما تضحكوني معاكم؟
ردت نايا ضاحكة:
- مفيش يا ستي، بنضحك عليكي.
رمقتهم نورسيل بغيظ وقالت:
- بتضحكوا عليا ليه؟ هو أنا ضحكة ولا إيه؟
نهضت نايا هاتفة بمكر وهي تقترب من شقيقتها:
- لا يا قلبي، أصل يوسف كان بيقولي الجو حلو ياريت أختك تيجي تقعد معايا تحت النجوم، وفجأة أنتي جيتي. يلا بقى أقعدي مع جوزك وأنا همشي. ألقت آخر كلمتها وقامت بدفع الأخرى على الأرجوحة في أحضان الآخر الذي ابتسم باتساع.
تحدثت نايا بإبتسامة:
- تصبحوا على خير.
رد يوسف بإبتسامة:
- وأنتي من أهله.
غادرت نايا وحاولت نورسيل أن تبتعد عنه ولكن شدد من احتضانها وهتف بمكر:
- راحة فين بس؟ أقعدي معايا يا نوري نستمتع بضوء القمر ونعد النجوم.
إبتعدت عنه وهتفت ساخرة:
- لأ شكراً ليك. أنا بعد النجوم في عز الظهر، سلام. تحركت من أمامه حتى أوقفها سؤاله.
- كنتي غيرانة؟ كنتي تتمنين إنك أنتي قاعدة جنبي؟
ألتفتت له وهتفت بعدم فهم:
- قصدك إيه؟ مش فاهمة؟ هغير من إيه ولا من مين ولا على مين؟
نهض هو الآخر واضعاً يده بجيبه واقترب منها هامساً في أذنها:
- غيرتي من أختك وأني بهزر معاها وأتمنيتي تكوني أنتي اللي قاعدة جنبي بس في حضني يا قطتي. أنا مش معترض، لا ده أنا هكون أكتر من سعيد بده يا قلبي.
رمقته شزراً وتحركت إلى الداخل. وقف هو مكانه متنهداً بقلة حيلة:
- ربنا يهديكي يارب وتعقلي. صبري بدأ ينفد عليكي، ياريت تعرفي حقيقة الحقير ده، لكن مع الأسف مقدرش أتكلم في عرض ناس.
***
خطت بخطى مترددة إلى الشرفة. وجدته يقف يحتسي فنجان قهوة ويضع سماعات الأذن بأذنه. وقفت تتأمله قليلاً، لا تنكر أنها ارتاحت إليه، لكن ما باليد حيلة، فبسبب هذا الوغد جعلها تفقد الثقة بجنس آدم بأكمله. تحركت إلى الداخل متجهة إلى المرحاض عازمة على أن تتوضأ وتؤدي صلاة استخارة، لعل الله يلهمها ماذا تفعل. فهي قد تركت أمرها لله، فهو القادر على أن يرشدها إلى الصواب.
قررت عدم إغلاق الشرفة ولا باب الغرفة بالمفتاح كسابقة عهدها. فهي تشعر بالأمان هو، وإذا كان يدبر لها عدي سواءاً، لكن استغل وضعها بالأمس.
***
دلفت إلى الجناح وجلست على الفراش واضعة يدها على قلبها الذي يطرق بعنف. هل ما شعرت به حقيقة وأصبحت تغار على هذا المغرور؟ من المؤكد لا. فكيف ستحب من جاءت كي تثأر منه؟ هل من الممكن أن يتحول الثأر إلى حب؟ ولكن كيف؟ بالتأكيد لا، هي لم تحبه بل تكرهه وعصبيتها تجاهه بسبب تقرب شقيقته منه لا أكثر، وهي لا تود ذلك.
هذا ما أوصله إليها عقله. تنهدت بقلة حيلة وقررت أن تخلد إلى النوم، فهو الشيء الوحيد الذي تريده الآن.
***
في صباح يوم جديد تململت عهد في نومها. فتحت عينيها بنوم وجدت وجه زوجها يقابلها وعلى وجهه ابتسامة.
أغمضت عينيها بخجل. ضحك هو بخفة وقال:
- غمضتي عينك ليه يا قلبي؟ فتحي عينك، شوفتك خلاص.
فتحت عينيها بخجل وهتفت بهمس:
- صباح الخير.
رد بإبتسامة:
- صباح الورد والفل والياسمين على أجمل عروسة في الدنيا.
إبتسمت بخجل وغمغمت بتساؤل:
- هي الساعة كام؟
مد يده ورفع هاتفه ونظر للساعة ووضعه مرة أخرى باللامبالاة:
- الساعة 11.
إنتفضت الأخرى بفزع:
- 11! أنت كده اتأخرت أوي على شغلك. ثواني أقوم أحضرلك الفطار.
أعادها مرة أخرى وقال نافياً:
- خليكي يا قلبي، أنا مش رايح الشغل النهاردة. حابب آخد بريك ونسافر أي مكان نروح نقضي يومين فيه.
إبتسمت بفرحة وقالت:
- بجد؟
رد ضاحكاً:
- بجد يا قلبي. حابة نسافر فين؟
مطت شفتيها بحيرة وقالت:
- بره مصر ولا جوه مصر؟
ضحك بخفة وقال:
- لأ، جوه مصر طبعاً يا قلبي. صعب بره مصر حالياً.
أومأت برأسها موافقة وقالت:
- خلاص يبقى نسافر شرم، إيه رأيك؟
رد بإيجاب:
- أوك يا روحي، قومي يلا نجهز. قدامنا طريق طويل يا حبيبتي.
إبتسمت بخفة ونهض كليهما استعداداً للسفر إلى شرم الشيخ.
***
دلفت إلى غرفة ابنتها وجدتها تجلس واضعة يدها على خدها كمن سكب طعامها. اقتربت منها متسائلة وقالت:
- كيفك يا بتي؟ شاردة في إيه؟
ردت حنين بضجر:
- مفيش حاجة يا أماي، أنا زينة أهو.
تنهدت والدتها بحزن وقالت:
- زينة إزاي بس يا بتي؟ دخالتك كمان أسبوعين ولسه ما جبتيش قشاية في شارك يا بتي. إكده ما يصحش، عريسك شيع فلوس من عشية.
زفرت حنين وقالت:
- أنا مش هاخد حاجة يا أماي من الفلوس دي واصل، رجعيها ليه.
ضربت الأخرى على صدرها بصدمة هاتفة بإستنكار:
- وإيه يا بتي؟ كأنك اتجننتي! إياك يا بتي رايدة أرجع الفلوس لعريسك يا بتي؟ بزيدك وكفاياكي وشوفي راسك دي كلها أيام وتبقى مرته. أتجي شره، إحنا غلابة وملناش غير ربنا. قومي يا بتي أتسبحي وروحي شوفي رايدي تجيبي إيه. قومي يا بت الله يرضي عنيكي.
رواية ثأر الحب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم زينب سعيد
حنين بضجر وقالت بضيق:
- حاضر يا أماي، أمري لله.
تنهدت والدتها براحة وربتت على ظهرها بحنان:
- ربنا يرضي عنيكي يا بتي. هروح أشوف أبوكي، بالإذن يا بتي.
أومأت الأخرى بصمت وعادت لشرودها مرة أخرى من جديد.
ثوانٍ واستمعت إلى صراخ والدتها. نهضت بفزع تركض لتري ماذا هناك، وجدت والدها جثة هامدة، ساكنًا لا يتحرك.
***
بعد ساعتين في إحدى المستشفيات الحكومية، تجلس والدة حنين أرضًا بحسرة، وجوارها حنين تقف مستندة على الجدار ودموعها تتساقط هي الأخرى في انتظار الطبيب أن يطمئنهم عن حالة والدهم بعد أن تم نقله إلى هنا بمساعدة الجيران.
وصل إلى المشفي وترجل من سيارته ودلف سريعًا إلى الداخل بعد أن استمع إلى ما حل بحماه المنتظر. بحث عنهم حتى وجد ضالته. ركض تجاههم هاتفا بلهفة:
- خير، أيه اللي حصل لعم سليمان؟
رمقته حنين بضيق ولم تتحدث، بينما أجابت والدتها بحسرة:
- والله ما عارفة يا ولدي، لقيته واجع من طوله، لا حس ولا حركة.
أومأ بتفهم وقال:
- اطمني، إن شاء الله خير.
تطلع إلى عروسه المصون التي تجاهلته عن عمد وهتف بحنان:
- خير إن شاء الله، ادعي له انتي بس. أنا أول ما جالي خبر من الغفير جيت طوالي.
التفتت له بحزن وهمهمت بدعاء:
- يارب.
وقف على بعد منها، ودقائق وفتح الباب. ركضت حنين وشريف تجاهه بلهفة.
تحدث الطبيب بعملية:
- اطمنوا، هو بخير، هي غيبوبة سكر مش أكتر.
تنهدوا براحة وهتفت حنين متسائلة:
- يعني هو زين يا دكتور؟
أجاب بهدوء:
- بخير، بس من الأفضل يفضل معانا هنا في المستشفى عشرة أيام نضبط فيهم السكر والضغط.
امتعض وجه شريف، فمعنى حديثه سيتم تأجيل زواجهم بالتأكيد، فهتف بلهفة:
- طيب ما ينفعش ننقله على داره ومرته وبيته يراعوه؟
هز الطبيب رأسه بأسف:
- لأ، الأفضل له الرعاية الصحية هنا. السكر كان عالي جدًا ومحتاج أكل وعلاج طبي يمشي عليه لغاية ما يتظبط تاني.
تنهد شريف بقلة حيلة:
- اللي حضرتك شايفه صح، اعمله يا دكتور. طيب، هتيجي معاه مرافقة ولا لحاله؟
رد الطبيب بعملية:
- لا، الأفضل مرافق طبعًا، بعد إذنكم.
غادر الطبيب ونظر هو لحنين متمتمًا:
- طيب، محتاجين تجيبوا حاجة من الدار؟
هزت حنين رأسها نافية وهتفت بضجر:
- لأ، متشكرين. بس كان عندي رجاء عندك، نأجل الفرح شوية، أديك شايف الظروف.
تنهد بقلة حيلة:
- أكيد طبعًا، نأجله قد إيه؟
ردت على الفور:
- شهر.
رمقها بصدمة:
- شهر إيه؟ الحكيم قال عشرة أيام، تقولي انتي شهر.
مسح على وجهه بضيق وقال:
- تمام. أنا هقعد في عربيتي تحت، تحتاجى حاجة هتلاقيني.
ردت ببرود:
- لا، شكرًا. روح أنت ارتاح.
رمقها بتحذير:
- أنا قاعد تحت، بالإذن.
التفت إلى والدتها التي تراقب الحوار الدائر بصمت:
- بالإذن يا خالة.
ردت بحزن:
- اتفضل يا ولدي.
غادر شريف ونظرت إلى حنين بعتاب:
- ليه كده يا بتي؟ الراجل عدّى العيب وقالنا لحد هنا، وهيبيت في عربيته كمان عشان يبقى جارنا.
زفرت بحنق:
- يعني أنا كنت قلت له إيه يعني.
صمتت والدتها، وكذلك صمتت هي، متنهدة براحة رغم حزنها لمرض والدها، لكن بداخلها سعيدة لتأجيل تلك الزيجة.
***
مر أسبوعان حدث بهما الكثير. تحسنت حالة والد حنين وغادر من المستشفى، وكان شريف معهم باستمرار رغم مقاطعة حنين له ورفضها لتواجده. وكذلك جاء سالم وصفية لزيارتهم بالمستشفى وأعطى والدة حنين بعض الأموال كواجب الزيارة رغم رفض حنين هذا الأمر.
ويوم عودة سليمان إلى المستشفى، وصل شريف لهم مبكرًا وقام بدفع تكاليف الإقامة والعلاج رغم رفض حنين هذا، لكن نظرة من عينه جعلتها تصمت.
وكذلك قام بتوصيلهم إلى المنزل وغادر بعد أن اطمأن عليهم. وعاد بعد فترة محملًا بالخضروات والفاكهة والأرز واللحوم والدواجن وكافة الزاد. وكالعادة لم يعجب هذا الأمر حنين، ولكنه لم يعبئ بحديثها كالعادة.
***
بينما في القاهرة، عاد عهد وشادي من سفرتهم إلى شرم الشيخ والسعادة والفرحة بادية على وجههم. فبراءة عهد وشقاوتها الفطرية استطاعت أن تخرج شادي من صومعته وجعلت منه إنسانًا جديدًا، عاشقًا ومحبًا للحياة.
***
بينما نايا، فقد توطدت علاقتها بصفاء وعليا كثيرًا. فقد أحبوا طيبتها وخفة دمها. أما عن علاقتها بعدي، فأصبح يتحدث معها بحذر، تاركًا لها المجال كي تفكر مليًا بأمر زيجتهم. فعدي لن يتركها تكون لغيره، شاءت أم أبت، لكن فضل أن تكون برضاها. لا يرغب أن تكون نسخة أخرى من نورسيل وشقيقه. لكن رغم هذا، لا ينفك عن مشاكساتها في بعض الأحيان، وعلى الرغم من أنها تغضب منها كثيرًا، لكن داخلها سعيدة بذلك.
***
القط والفأر، يوسف ونورسيل. علاقتهما كما هي. يوسف يترك لها المجال والحرية تفعل ما تشاء، رغم أن أفعالها مازالت هوجاء، لكن كان هو يتحمل هذا بطيب خاطر ويشاكسها في بعض الأحيان.
أما عن نورسيل، فهي أصبحت تميل إلى يوسف بالفعل، فهي انجذبت له وإلى شخصيته. فهو ناجح بعمله، بار بأمه، سند لأشقائه، لا يتوانى في مساعدة أحد، حنون مع الجميع، متواضع لأبعد حد. رأته أكثر من مرة يتحدث مع حرسه والعاملين لديه بأخوة، ليست رب عمل وحاشيته. كل هذا جعلها تنظر له نظرة أخرى كانت تجهلها به، بعد أن رأت الجانب الإيجابي به. ولكن مع ذلك، لم تتراجع عما تنوي فعله به، فسيظل قاتلًا بعينها، لا أكثر.
***
في أحد الأيام، يلتف الجميع على السفرة يتناولون الإفطار. هتفت صفاء متسائلة:
- يوسف، أيه رأيك نعزم عهد وشادي وعامر وعليا النهاردة على الغداء؟
تطلع لها وقال:
- ماشي يا أمي، واعزمي معاهم على بيت عمي، بقالنا كتير ما عزمناهمش.
ابتسمت صفاء بهدوء:
- حاضر يا حبيبي، كويس والله نتجمع كلنا زي زمان. ومعايا بناتي الحلوين دول اللي نفسي أسمع منهم كلمة "ماما" أوي منهم. بس سايباها تيجي منهم.
هتفت نايا بلهفة:
- يا خبر! بس كده، لو أعرف كده كنت قلت لكِ "ماما" من زمان. يا ماما.
ضحكت صفاء بحب:
- أحلى "ماما" سمعتها يا قلب ماما.
ظلت نورسيل تتناول إفطارها بصمت. لا تنكر أنها تحب هذه السيدة وشعرت بحنانها عليها وعلى شقيقتها، ولكن كيف تناديها بأمي وهي تخطط لقتل ابنها.
بينما يتابع عدي الحديث الدائر وعلى وجهه ابتسامة رضا، وكذلك يوسف الذي مال على أذن زوجته هاتفا بهمس:
- أيه يا شويش عطية، مفيش أي إحساس، سنس أي حاجة يا حظي؟
رمقته بتهكم وهتفت ساخرة بصوت خافت هي الأخرى:
- فيه محشي، أغرف لك؟
نظر لها باشمئزاز:
- محشي، لا، أطفحيه يا حياتي.
مسح فمه بالمنديل الورقي ونهض هاتفا بابتسامة موجهًا حديثه إلى نايا:
- نايا، عمي ومراته، بلاش تركزي معاهم ولا مع كلامهم، ولا تفكري تزعلي من حد. عايزة تزعلي في البيت ده، تزعلي مني أنا وبس، تمام؟
أجابت بابتسامة:
- اطمن يا يوسف، أنا عاقلة وبقدر أمتص غضب اللي قدامي، متقلقش عليا.
ابتسم ساخرًا وهو يلقي نظرة ذات مغزى إلى زوجته المصون:
- ربنا يكملك بعقلك يا نايا، وعقبال ناس.
رمقته نورسيل شذرًا. وتحدث عدي مستفسرًا:
- هتروح المصنع النهاردة؟
أومأ بهدوء:
- آه، هاخد جولة على المصانع وبعدين هطلع على الشركة. خلي الحرس والسواق يروحوا على الشركة، هسوق أنا.
تحدث عدي بتفهم:
- تمام، يلا، هاجي معاك.
هتفت صفاء بقلق:
- سوق على مهلك يا يوسف يا حبيبي.
التفت إلى والدته مقبلًا رأسها بحنان:
- متقلقيش يا ست الكل، الرب واحد والعمر واحد. سلام عليكم.
ردت صفاء بحنان:
- وعليكم السلام.
غادرا. وتحدثت نورسيل بلهفة:
- هو يوسف بيروح المصنع من غير السواق والحرس ليه؟
ردت صفاء بعفوية:
- لأ، لأنه بيمر على كل المصانع ومش بيحب يتحرك بالحرس، يعني بيروح لوحده. بتبقى مرة في الشهر، بيفضل قلبي بيتنفض من الخوف.
تحدثت نايا بابتسامة:
- اطمني يا ماما، إن شاء الله خير.
ابتسمت صفاء بحب:
- يارب يا روح ماما. يلا بقي نقوم نجهز للعزومة.
التفتت إلى نورسيل الشاردة:
- يلا يا حبيبتي؟
انتبهت نورسيل لها ونهضوا سويًا ليعدوا الطعام من أجل العزومة المنتظرة.
***
مساء، وصل يوسف وعدي مبكرًا من أجل استقبال الضيوف. وبعد فترة وصل الجميع وترأس يوسف السفرة. ولم تمر الزيارة مرور الكرام.
نظر عوني إلى نورسيل ونايا شذرًا وقال موجهًا حديثه إلى يوسف ساخرًا:
- شايف بيتك بقى ملجأ لعائلة الشافعي ولا إيه؟
تطلع يوسف إليه نظرة تحذيرية وقال:
- عمي، بلاش كلام ملوش لازمة.
تحدث علي مهدئًا:
- اهدي يا يوسف، بابا ميقصدش.
ابتسم يوسف بثقة وقال:
- عارف طبعًا يا علي، عمي وهزاره.
رمقه عوني بضيق وصمت، لكن زوجته تحدثت بمكر:
- أيه عهد يا حبيبتي، أنتي ويوسف، مفيش حاجة جاية في الطريق تفرحنا؟
ردت صفاء معاتبة:
- كله بأوانه يا أم علي، أكيد لما يبقى فيه حاجة هنعرفكم. أكيد إحنا أهل.
اندَمَج الجميع في طعامهم الشبه كارثي، ومرت الأمسية على خير وغادر الجميع إلى منازلهم.
***
وصل عهد وشادي إلى شقتهم. وضع شادي مفاتيحه واتجه إلى غرفة النوم بصمت تام.
تحركت عهد خلفه متمتمة بحيرة:
- مالك يا شادي، ساكت ليه؟
رد باقتضاب:
- مفيش حاجة.
قطبت جبينها بحيرة وهتفت متسائلة:
- إزاي مفيش حاجة؟ من وقت العزومة وأنت ساكت، وكمان مكملتش أكلك. أنت اتضايقت من عمي ومراته؟ بس يوسف وقفهم. عمي طبعه كده، وكمان مراته حشرية شوية، بس عادي، هي سألت سؤال وماما ردت عليها.
إلى هنا والتفت إليها صائحًا بغضب:
- بس مش عايز أسمع كلمة تانية في الموضوع ده، سامعة ولا لأ.
تطلعت له بصدمة وترقرقت الدموع بعينها مما استمعت إليه وغضبه الغير مبرر.
ردت بدموع:
- أنا آسفة، مقصدتش أضايقك.
رمقها بضيق وغادر الغرفة متجهًا إلى الغرفة الأخرى، صافعًا الباب خلفه بعنف.
تهاوت هي أرضًا تبكي بصمت، لا تدري ما أغضبه من حديثها من الأساس.
***
في جناح يوسف.
تجلس نورسيل ونايا في الشرفة يتناولون بعض الفاكهة ويتحدثون سويًا بمرح.
هتفت نورسيل ضاحكة:
- بس الست دي فظيعة الصراحة، حساها كده عقربة.
تطلعت نايا حولها وهتفت موبخة:
- يا بت، وطي صوتك، حد يسمعنا. وبعدين عيب كده، وهي سألت سؤال عادي جدًا على فكرة، بس بطريقة خبيثة.
تنهدت نورسيل بملل وقالت:
- سيبك أنتي، عارفة القاعدة دي ناقصها شوية شيبسي ولب وشوكولاتة ونسهر في الجنينة.
ابتسمت نايا بحماس:
- عندك حق، بس المشكلة هنجيب الحاجات دي إزاي؟
ردت نورسيل ضاحكة:
- مش عارفة الصراحة، مش متخيلة إني آخد العربية والسواق وأقول له عايزة أجيب شيبسي.
ضحكوا كلتيهما، لكن توقفوا عندما رأو يوسف الذي تحدث بأسف:
- خبطت على الباب كتير، بس أنتوا مسمعتوش، فدخلت.
نهضت نايا بخجل:
- لا، ولا يهمك والله. قولت لنورسيل نقعد في أوضتي عشان لما تطلع ترتاح، بس قالت إنك سهران بتشتغل.
هز رأسه بإيجاب ورد بوهن:
- فعلًا، المفروض كنت قعدت أخلص شغلي، بس دماغي مصدعة.
أومأت بتفهم:
- ألف سلامة عليك. تصبحوا على خير بعد إذنكم.
رد عليها بوهن:
- وأنتي من أهله.
غادرت نايا، بينما دلف هو إلى الداخل وجلس على الفراش واضعًا رأسه بين كفيه بألم.
نهضت هي واقتربت منه متسائلة:
- مالك، في إيه؟
رفع رأسه بألم وقال:
- صداع جامد، حاسس إني دماغي هتنفجر. اليوم كان صعب وطويل، وختم بعزومة عمي.
غمغمت بتساؤل:
- أخدت أسبرين؟
هز رأسه نافيًا:
- لا، مش بحب آخد حاجة.
أنهى جملته وتمدد على الفراش بوهن شديد وهو يدعك رأسه بألم.
إقتربت منه هاتفة بحذر:
- تحب أعملك مساج لرأسك، يمكن الألم يقل؟
تطلع لها بأمل:
- ياريت. تعالي.
جلست على الفراش واعتدل هو على الفراش واضعًا رأسه على فخذها.
إنتفض جسدها على حركته، لكن هدأت عندما وجدته أغمض عينيه ويأن بألم.
تنهدت بقلة حيلة وقربت يدها من رأسه ووضعت يدها بين خصلات شعره الأسود الغزير وبدأت في تدليكها برفق وهي تقرأ بعض آيات الذكر الحكيم. ظلت هكذا إلى أن مر نصف ساعة وهو يطلق أنات ألم تدل على راحته نوعًا ما، إلى أن هدأ واستكان جسده تمامًا وترخى جسده فوق فخذها وسقط في نوم عميق.
"الحب ليس كل ما نشعر به يُسمى حبًا، فإذا أحببت مرة، ووقعت في الحب مرة ثانية، فاعلم أن الحب الأول لم يكن حبًا من الأساس."
ظلت هي تتأمله بصمت وتتأمل ملامحه الرجولية الجذابة وهتفت بهمس:
- عارف إنك راجل كويس وابن حلال، وألف واحدة تتمناك وتتحب يا يوسف. أيوة، تتحب. وأنا حبيتك، إزاي وإمتى مش عارفة. إزاي قدرت تخليني أنسى حبي لشهاب وأحبك. بس الحب ده مش هينفع، أنا كده خائنة لشهاب ولحبه ليه. لو مكنتش قتلته، كان زمانه عايش وعايشين أجمل أيام حياتنا. لكن أنت قتلته وحرقت قلبي عليه. بس إزاي شخص بطباعك وقربك لربنا، تقتل كده؟ أنا بحس بيك وأنت بتقوم تصلي الفجر وتقرأ قرآن كمان. إزاي تعمل كده؟
تنهدت بألم وأنزلت رأسه بخفة من فوقها ونهضت متجهة إلى الشرفة. جذبت هاتفها وكتبت رسالة إلى شريف فحواها إخباره بموعد خروج يوسف كل شهر في نفس هذا اليوم. ضغطت على زر الإرسال بأيدي مرتعشة واتجهت مرة أخرى للداخل تتطلع إليه بأعين دامعة، لا تدري من أين أتتها الجرأة أن تتمدد جواره وتضع رأسها فوق صدره مستمتعة بنبضات قلبه التي تستمع لها بوضوح وتشَبثت بأحضانه كطفلة صغيرة تتشبث بوالدها خوفًا من المجهول. ولأول مرة تشعر براحة وأمان هكذا وتسقط في نوم عميق.
شعر هو بثقل فوقه، فتح عينيه بوهن، وجدها هكذا. ابتسم بفرحة ومد يده ضمها إلى أحضانه بقوة وسقط هو الآخر في نوم عميق.
"عندما يطرق الحب قلبًا، لا يختار شخصًا، ولا مكان، ولا زمان. فهو يطرق عندما يشعر بالراحة والأمان، فليس على القلب سلطان."
"الأمان، كلمة نستمع لها كثيرًا، لكن القليل منا من يحظى بها. فإذا وجدت من تشعر معه بالأمان، فتمسك جيدًا به، لأنك إذا فرطت به، لن يعود لك مرة أخرى."
***
ظل يجلد حاله في الغرفة الأخرى على غضبه لها ولم يستطع تحمل هذا. نهض على الفور متجهًا إلى الغرفة الأخرى، وجدها تتمدد أرضًا ودموعها مازالت على وجنتيها. سب نفسه بداخله واقترب منها واضعًا إياها برفق على الفراش وقام بفك حجابها برفق وتمدد جوارها ضامًا إياها بقوة خوفًا من أن تتركه وتهرب منه.
"تمسك بمن تحب فلا تقسو إليه وتجعله يحاول الفرار منك، وإذا حاول فأتركه. إن عاد إليك فما زال قلبه ينبض إليك، وإذا لم يعد، فقد أصبح نبضه طليقًا من أسرك."
يتبع...
رواية ثأر الحب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم زينب سعيد
تمدد علي العشبة الخضراء واضعاً يده أسفل رأسه يتأمل النجوم في السماء. يفكر في ذات النقاب التي أصبحت تشغل باله كثيراً بتلك الفترة. لا يدري لماذا أصبحت محل تفكيره هكذا. هو قرر فقط أن يتزوجها حتى يتسنى له أن ينجب طفلاً يكون وريثاً له وكبيراً لعائلته، قبل أن تنجب تلك الحقيرة طفلاً لشقيقه ويكون كبير العائلة نسلاً من تلك العائلة.
فاق من شروده على صوت رسالة. أخرج هاتفه بملل وتطلع إلى الاسم، وسرعان ما اعتدل وفتح تطبيق الواتساب. رأى محتوى رسالة نورسيل التي تخبره: "ما يحين وقت اصطياد الفريسة".
***
يقف في الشرفة يدخن سيجاره بشرود تام، حتى أنه لم ينتبه إلى تلك التي خرجت إلى الشرفة الخاصة بها هي الأخرى. وقفت تتأمله.
اقتربت منه على حين غفلة، واستندت على الحديد الفاصل بين الجناحين. قامت بمد يدها وشدت السيجار من بين أصابعه.
انتفضت بفزع والتفت لها، تري سيجاره الذي بين أصابعها تارة أخرى. قامت بإطفائها ومدت يدها لها مرة أخرى. نظر لها بإستنكار وهتف قائلاً:
"نعم، إيه ده؟"
ردت ببساطة وهي ترفع كتفيها لأعلى باللامبالاة:
"السجاير مضرة، ما بالك بصباع البقسماط ده؟ يا راجل روح سقيه في كوباية شاي بحليب أفضل."
ضحك عدي ملء فمه وهو يهز رأسه بيأس. أخذها منه وقام بوضعها في الباسكت جواره. ووقف كلاهما بصمت بعض الوقت، إلى أن قرر أن يقطع هذا الصمت.
هاتفها بتساؤل:
"قررتي إيه يا نايا؟"
تطلعت له بخجل وتهربت من نظراته لها، لا تدري بما تجيب عليه. هي بالفعل موافقة عليه، ولكن ما يؤرق عقلها عقدتها النفسية. فاقت من شرودها على صوته.
هتف بإصرار جعل الآخر تنظر له بإستنكار:
"ردي يا نايا، بس خليني صريح. وافقتي أو رفضتي هتجوزك يعني هتجوزك. مش هسمح تكوني لراجل غيري مهما كان الثمن."
تطلعت له بإستنكار وغمغمت ضاحكة:
"بجد؟ يعني هتتجوزني غصب عني؟ هتقبل على نفسك ده؟"
أومأ مؤكداً وقال:
"المهم تكوني مراتي، وبعدها أنا قادر أخليكي تحبيني وأكتر ما بحبك كمان وتحسي معايا بالأمان كمان."
نظرت له قليلاً وردت بحذر:
"ماشي يا عدي، موافقة."
تطلع لها بعدم تصديق وهتف:
"بتتكلمي بجد؟ موافقة كده عادي؟"
رمقته بغيظ وتمتمت بأسف:
"تصدق أنا غلطانة أني وافقت. أنا مش موافقة."
دلف إلي داخل الغرفة صافعة الباب خلفها.
لم يستمع إلى ما قالته من الأساس، لم يستطع سوى إلى موافقتها فقط لا غير.
***
تململت في نومها صباحاً، وجدت نفسها مكبلة داخل أحضانه. انتفضت بهلع وكادت أن تعنفه، ولا تذكرت أنها هي من توجهت لأحضانه كي تنعم ببعض الأمان. لكن هذا الأمان ستفارقه هي بالقريب العاجل، عندما تتخلص منه وتقتله وتأخذ بثأر شهاب.
ظلت تتأمله عن كثب. ملامحه توحي بالخير والقرب إلى الله. يكفي صوته العذب في تلاوة القرآن الكريم وخشوعه في صلاته. هي رأت كل هذا بعينها، وأيضاً بره ومعاملته لوالدته وأشقائه ومعاناته معهم. كيف له أن يكون قاتل؟ وإذا لم يكن هو القاتل، فلماذا اعترف عن نفسه وقتها وقام بإبلاغ الشرطة؟ فكان بإمكانه أن يفر هارباً، فلم تكن له أي بصمات، إنما كانت بصمة شهاب فقط.
تنهدت بأسى وهي تحرك يدها على جبينها بقلة حيلة. لا تدري بما يجب أن تفعله. فبعد أن يقوم شهاب بقتلها، ماذا سيحل بها هي ونايا وقتها؟ هل سيعودا مجدداً إلى معاناة الذل من شريف في بيتهم مرة أخرى؟ أم سيقومون بتزويجها عنوة مرة أخرى لشقيق زوجها مراعاة للتقاليد.
هنا وجحظت عيناها بصدمة. تتزوج من؟ لن يحدث هذا حتى لو اضطرت هذه المرة أن تفر هاربة. منه، عدي في مثابة شقيق لها، وهي ترى بعينها مدى إعجابه بنايا. عليها أن تهرب إلى بعيد، فهذا الحل الأمثل. فقلبها لم يعد ملكها الآن كي تسلمه إلى رجل آخر. فقد ملك قلبها هذا القاتل وانتهى الأمر. لا تدري كيف أحبته؟ ولا متى؟ فهو آخر شخص يفترض أن تكون له أية مشاعر حب. والأغرب أنها كانت تحب شهاب بالفعل. عندي هذه النقطة تألم قلبها. فهي وافقت على خطبة شهاب بعد أن رأت تغير معاملته معها إلى اللطف وإطراب أذنها بالكلام المعسول، فما كان بيدها وقتها إلا أن توافق على هذه الزيجة.
والآن اتضحت الرؤية. فهي لم تر الحب ولم تعشه سوى مع هذا يوسف. تطلعت إليه نظرة أخيرة ونهضت هاربة كي لا تضعف الآن وترتمي في أحضانه من جديد وتتراجع عما تنوي فعله. فقد فات الأوان وبدأ العد التنازلي. شهر لا أكثر وينتهي يوسف من حياتها إلى الأبد، وتعود مرة أخرى يتيمة ذليلة بدون سند بدون ظهر. فهي لم تشعر بالأمان والحماية إلا بكنف عدوها.
***
شعر هو باستيقاظها وتأملها به، لكن ظل نائماً حتى يترك لها المجال أن تفكر وتأخذ هي خطواتها بمفردها. يعلم جيداً أنها مشوشة. لو كان بيده لكان أخبرها بحقيقة هذا الحقير الذي تدافع عنه، لكن ما باليد حيلة. فلن يذكر شيئاً عن تلك الفتاة حتى لو كان لا يعلم هويتها ولا أي شيء عنها. هو على يقين أنها مع الوقت ستنسى أفكارها الهوجاء تلك ويعيشون حياة عائلية خالية من المشاحنات تلك.
***
بعد ساعة على طاولة الطعام، يتناول الجميع الطعام بصمت، باستثناء عدي الذي لم يهبط حتى الآن. وثوانٍ واختفى هذا الصمت عندما هبط عدي بمرحه المعتاد واتجه إلى والدته مقبلاً جبينها قائلاً بمرح:
"باركوا لي يا ست الكل."
تطلعت له صفاء بحيرة وقالت:
"أبارك لك على إيه بس يا دودي؟"
ابتسم باتساع وهو يلقي نظرة على التي تنظر في طبقها ووجهها يشع حمرة من كثرة الخجل:
"هخطب نايا يا ست الملا بعد إذنك واذن الكبير طبعاً."
ابتسمت بفرحة، وكذلك يوسف ويا للعجب نورسيل كذلك.
نظرت والدته له بلهفة وكذلك نايا وهتفت بلهفة:
"بجد يا عدي؟"
رد بإيجاب:
"بجد يا ست الكل."
نهضت صفاء وضمته بحب متمتة بحنان:
"ألف مبروك يا حبيبي، مبروك."
واتجهت كذلك إلى نايا التي نهضت احتراما لها:
"مبروك يا حبيبتي ألف مبروك، متعرفيش فرحتي بيك قد إيه. من أول مرة شوفتك فيها أتمنيتك لعدي فعلاً."
ابتسمت بخجل وقالت:
"الله يبارك في حضرتك يا رب."
جلست صفاء مرة أخرى، وكذلك عدي ونايا بعد أن تبادلا المباركات والتحية من يوسف ونورسيل.
هتف يوسف بهدوء:
"نايا كده المفروض ترجع عند عمها مؤقتاً."
تطلع الجميع له بصدمة. عقب هو موضحاً:
"مينفعش أخطبك لأخويا من عمك وأنتي في بيتنا. فهمتي يا نايا؟ ومتقلقيش، بكرة الصبح هنسافر وأنتي معانا ونخطبلك من عمك. متقلقيش. هتقعدي فترة صغيرة. حابين الميعاد إمتي؟"
تحدث عدي بلهفة:
"بكرة لو حبيت."
رمقه يوسف ساخراً:
"بجد؟ أروح أقول له الفرح بكرة؟ كده عادي؟ مينفعش طبعاً. ممكن أسبوعين، شهر."
رد عدي بلهفة:
"حلو أسبوعين ده."
تطلع يوسف إلى نايا متسائلاً:
"موافقة يا نايا؟"
هتفت بخجل:
"إلى تشوفه وإلى عمي يوافق عليه."
ابتسم يوسف براحة:
"تمام، على خيرة الله."
***
استيقظت من نومها وتفاجأت بنفسها فوق الفراش. قطبت جبينها بحيرة، فمن أحضرها إلى هنا؟ فهي كانت تنام أرضاً. ألتفت إلى جوارها، وجدته نائماً. الآن اتضحت الرؤية. هو من أحضرها إلى هنا. نهضت بحذر وقامت بتغيير ملابسها واتجهت إلى خارج الغرفة وقامت بتحضير الإفطار ووضعته على السفرة بصمت تام.
تململ هو في نومه أثر رنين هاتفه. فتح عينيه بنوم، وجد الفراش خالياً بجواره. نهض متثاقلاً واتجه إلى المرحاض كي ينعم بحمام بارد ينعش جسده. خرج بعد قليل مرتدي ملابسه العملية وآخذ أغراضه واتجه إلى الخارج. وجد الإفطار على السفرة، بينما هي غير موجودة. بحث عنها، وجدها تجلس في المطبخ بمفردها ودموعها تنساب على وجنتيها.
سب حاله بداخله. واقترب منها مربتاً على ظهرها بحنان وقبل جبينها بأسف:
"حقك عليا يا حبيبتي، أنا آسف. غصب عني، كنت مخنوق شوية وجت فيكي."
رمقته بعتاب ولم تتحدث. رد بمرح:
"كده بقي؟ أنتي زعلانة مني أوي؟ طيب يرضيكي إيه طيب؟ وأنا أعمله عشان تسامحيني ومش أشوف الدموع الحلوة دي نازلة من عيونك تاني؟"
ردت بإقتضاب:
"مش زعلانة، بس بعد إذنك حابة أروح أقعد عند ماما شوية."
وقع قلبه أرضاً واستقام قائلاً بجفاف:
"لأ يا عهد، مفيش بيات بره البيت ولا هتروحي كمان عند مامتك. النهاردة أظن أنا جيت أراضيكي وأنتي إلي رفضتي، يبقي الموضوع انتهى. بعد إذنك."
تركها وترك الشقة بأكملها وهي في حالة ذهول مما قاله. بدلاً من أن يواسيها، تركها تفعل ما تشاء وتضرب رأسها بالجدار إذا أرادت حتى.
***
مساء، عاد يوسف من عمله حاملاً مجموعة من الأكياس البلاستيكية المغلفة. ورفض إعطاءها للخدم. قام هو بنفسه بوضعها بغرفته. وجد والدته ونايا يجلسون أمام التلفاز. اقترب منهم متسائلاً عن نايا. أخبروه أنها بالمطبخ.
اتجه إلى المطبخ ودلف، وجدها منهمكة في إعداد شيء ما بداخل الفرن الكهربائي. أشار إلى الخادمتين بالخروج.
خرجوا على الفور، حتى أنها لم تنتبه لهم. اقترب منها مغمغماً بتساؤل:
"بتعملي إيه؟"
انتفضت بفزع واضعة يدها على قلبها وهي تتمتم:
"بسم الله الرحمن الرحيم."
تحدث بأسف:
"آسف، خضيتك."
رمقته بضيق ولم تتحدث. هتف هو بفضول:
"مالك بقي مركزة مع إيه أوي كده؟"
زفرت بملل وقالت:
"بعمل بسبوسة، نفسي فيها. عندك مانع؟"
هز رأسه نافياً وغمغم بخبث:
"لأ طبعاً، ألف هنا يا جميل. بس بلاش نفسي فيها دي يا حياتي، ليفتكروا إنك حامل ولا حاجة."
تطلعت شزراً ولم تتحدث. وقامت بفتح الفرن وأخرجت الصينية بالقفازات السيليكون. قامت بوضعها على المطبخ ووضع السيرب الخاص فوقها. وقف هو يتأملها بصمت.
انتهت وقامت بتقطيع قطعة ووضعها في الطبق وبدأت في تناولها بالملعقة بنهم شديد.
رمقه هو بحيرة:
"استني لما تبرد وكليها."
ردت بإستمتاع:
"بالعكس، طعمها كده جنان."
وضعت المعلقة بفمها تتناول ما بها بتلذذ، وأشارت له: تحب تدوق؟
أومأ بابتسامة:
"يا ريت."
قامت بقطع قطعة صغيرة بمعلقتها وقامت بإطعامه إياها بيدها.
فتح فمه يتناول ما بها بتلذذ شديد، ليس تلذذاً بطعم البسبوسة، وإنما بطعم المعلقة التي تناولت بها قبله. يبدو أنها حركة عفوية لم تنتبه لها.
هتفت بفضول:
"حلو صح؟"
أجاب كالمسحور:
"تحفة جداً، ممكن تاني؟"
أومأت بتأكيد:
"وبدأت أطعمه تارة وهو تارة أخرى."
ظلوا على وضعهم هذا إلى أن انتهت صينية البسبوسة كاملة دون أن ينتبهوا حتى. وكلاهما مسحور بسحر اللحظة التي تمنى كلاهما أن لا تنتهي من الأساس.
لكن ثوانٍ وشهقت نورسيل بصدمة:
"الصينية خلصت؟"
***
ابتسم يوسف وهو يضع يده على بطنه:
"طبيعي تخلص، أصلاً طعمها كان تحفة. أنا رايح أشوف شغلي. خلي حد من الخدم يعمل واحدة غيرها. كفاية سكريات عليكي عشان صحتك. صحيح، في شنط فوق ليكي، اطلعي شوفيها. أتمنى تعجبك."
ألقى جملته وغادر، تاركاً إياها تقف واضعة يدها على قلبها الذي ينبض بقوة. عضت على شفتيها بخجل ونظرت إلى الصينية الفارغة والمعلقة التي بيدها. وهنا وتوقف عقلها تماماً. فقد تناولوا البسبوسة بنفس المعلقة. احمرت وجنتيها عندما ظل عقلها إلى هذه النقطة وغادرت المطبخ سريعاً بعد أن غسلت وجهها بالماء البارد يخفف من شدة خجلها.
***
غادرت إلى الخارج وجلست بجوار شقيقتها وحماتها بصمت. تحدثت نايا متسائلة:
"فين البسبوسة؟"
ردت بعفوية:
"خلصت، أكلتها أنا ويوسف."
تطلعت لها صفاء بعدم تصديق:
"يوسف؟"
أومأت نورسيل بإيجاب:
"أيوة."
مطت صفاء شفتيها بحيرة:
"يوسف مش بياكل البسبوسة أصلاً، ملوش في الحلويات غير الكيك وبس، وخصوصاً الكيك الشوكولاه."
تطلعت له نورسيل بعدم استيعاب:
"إزاي دي؟ عجبته جداً؟"
ابتسمت صفاء ضاحكة:
"يبقى عجبته عشان من إيد مراته حبيبته أكيد."
عضت على شفتيها بخجل ونهضت مستأذنة:
"طيب هطلع آخد شاور بعد إذنكم."
فرت هاربة من أمامهم وصعدت إلى غرفتها، بينما ابتسمت صفاء براحة داعية الله أن يهدي سر ابنها وزوجها ويرزقهم الذرية الصالحة.
***
ولجت إلى غرفتها سريعاً وعلى وجهها ابتسامة لا تدري مصدرها من الأساس. لفت نظرها الأكياس البلاستيكية المغلفة. اتجهت لها سريعاً تقوم بفتحها. فهو أخبرها أنها خاصة بها. ابتسمت بسعادة ما أن علمت محتواه. وجدت العديد من أنواع الشيبسي بأطعمة مختلفة، وكذلك أنواع مختلفة من الشوكولاتة واللب والسوداني. ابتسمت بسعادة وقامت بآخذهم وتناولت إلى الأسفل متجهة إلى مكتبه.
دقت على الباب وانتظرت إذنه بالدخول، وبعدها دلفت الغرفة.
رفع رأسه عن أوراقه مغمغماً بتساؤل:
"خير يا نورسيل؟"
ردت بابتسامة لأول مرة تبادله إياها:
"شكراً على الحاجة."
ابتسم بهدوء وقال:
"عجبوكي؟"
أومأت بإيجاب وقالت:
"مين اللي جابهم؟"
رمقه بعدم فهم:
"أنا اللي جبتهم."
هزت رأسها نافية:
"عارفة، بس قصدي مين اللي راح اشتريهم؟"
أشار إلى نفسه وقال ببساطة:
"أكيد أنا اللي هنزل اشتريهم من نفسي وأجيب لمراتي اللي نفسها فيه، مش أغلى واحد غيري يشتري ليها."
ردت بابتسامة عفوية ونطقت بما لا يحمد عقباه:
"بجد؟ تعرف إن لما كنت بطلب من شهاب كان بيتريق عليا ويرفض يقولي: انتي فاكرة نفسك عيلة ولا فكراني عيل عشان أجيبلك الهبل ده؟ أنا راجل. وكان بيرفض يشتري ليا ومانعني أجيبه، بس كنت بجيب لنفسي الصراحة."
لم تري هذا الذي أصبح وجهه لا يبشر بالخير. وتحدث بحزم:
"أظن قولت سيرته متحيش على لسانك يا نورسيل تاني؟ كمان بتقارنيني معاه؟"
ردت بإرباك:
"أنا..."
***
رد بمقاطعة:
"مفيش اسم راجل تاني يجي على لسانك يا نورسيل، طول ما أنتي على ذمتي. سمعاني؟ وخصوصاً شهاب ده، انسيه يا نورسيل أحسنلك وأحسنلي. أكيد طبعاً بتصلي وعارفة ذنب اللي تفكر في واحد غير جوزها، ولا إيه؟"
تطلعت أرضاً بخزي ولم تتحدث. هي تعرف هذا بالتأكيد، ولكن ما باليد حيلة.
تحدث هو بهدوء:
"شكراً على المساچ إمبارح، الصداع مشي فعلاً وإرتحت."
ردت بهدوء:
"ألف سلامة عليك. بعد إذنك."
نهض وأمسك يدها. وردد هو بمشاغبة:
"إيه؟ هتمشي كده من غير ما تشكريني على الحاجة؟"
تطلعت له بإرتباك وتراجعت للخلف:
"انت عايز إيه؟ وأشكرك إزاي؟ وبعدين عمال بتقرب كده ليه؟"
ضحك بخفة:
"إهدي يا ستي، بهزر معاكي يا ستي. مش عايز غير فنجان قهوة سادة من إيدك الحلوة، ينفع؟"
تنهدت براحة وقالت:
"تمام، وقعت قلبي."
ابتسم بخبث وقال:
"إيه بس؟ أنتي دماغك راحت فين؟ أوعي تفهميني صح."
ابتسمت بخجل وغادرت سريعاً. تنهد براحة وقال:
"ربنا يهديكي وينور بصيرتك يا نوري."
جلس مرة أخرى يكمل عمله. وبعد قليل قامت بتقديم القهوة له وفرت هاربة سريعاً.
***
وقف أمام باب الشقة يطالع باقة الزهور تارة والباب تارة أخرى. تنهد بحذر وقام بفتح باب الشقة ودلف. وجدها تجلس على الأريكة وعيناها كتورمة بشدة. جلس جوارها وأمسك يدها مقبلاً إياهم بحب وهتف بأسف:
"حقك عليا يا حبيبتي، أوعدك اللي حصل ده مش هيحصل تاني."
رمقته بعتاب. رد بأسف:
"حقك عليا بقي يا روح قلبي، أسف. ممكن بقي سمو البرنسس عهد نقبل اعتذاري وتقبل الورد ده؟ مش قادر أقولك كان شكلي عامل إزاي وأنا ماشي شايل ورد أحمر في إيدي، بس كله يهون عشان ضحكة حلوة من عيون عهد. روح قلبي."
قالها وهو يحمل باقة الزهور ويمد يده لها.
ابتسمت بخفة وأخذت الباقة منه تشم عبيرها بحب.
رواية ثأر الحب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم زينب سعيد
رنين هاتف شادي أخرجهم من حالتهم. أخرج الهاتف ونظر لها:
- ده يوسف.
قطبت جبينها بحيرة:
- رد، يمكن في حاجة.
أومئ لها وأجاب:
- ألو، أيوة يا يوسف أخبارك؟ الحمد لله. بجد، طيب ألف مبروك مقدماً، بكرة إن شاء الله. تمام، خلاص مسافر معاكم. ماشي، الله يسلمك وعليكم السلام.
ردت عهد بفضول:
- في إيه؟ بتبارك ليه؟ ليه؟
شادي بتوضيح:
- مش ليه، عدي هيخطب نايا.
صفقت عهد بفرحة:
- بجد! ده أحسن خبر، أنا كنت شاكة أنه معجب بيها.
شادي ساخراً:
- رقمها، شادي. متجوز المفتش كرمبوا يا ناس.
خبطته في صدره بخفة:
- إيه؟ مش عاجبك ولا إيه؟
ضحك بتراجع:
- لأ، عاجبني الصراحة، إيدك تقيلة أصلاً.
تطلعت له عهد بغيظ:
- بقي كده؟ طيب شوف مين هيحضرلك العشاء.
أمسك شادي يدها بلهفة:
- خلاص يا وحش، حقك عليا. ها، عاملة ليا عشاء إيه؟
ابتسمت ساخرة وقالت:
- بطاطس وبتنجان وبيض.
جحظت عين شادي وهتف قائلاً:
- نعم؟ بطاطس إيه يا اختي، بتهزري صح؟
هزت رأسها نافية:
- توء توء، بتكلم جد عشان تبقي تزعلني تاني.
رمقه بإستعطاف:
- دودوي حبيبتي، أنا شادي حبيبك. عشان خاطري قومي اعملي أي حاجة تانية. أنا قعدت خمس سنين مش بأمل غيرهم، ما صدقت أنتي جيتي تجيبي ليا بطاطس وبتنجان أنتي كمان.
مطت شفتيها بحيرة:
- تصدق صعبت عليا، خلاص هقوم اعمل ليك مكرونة وبانية، إيه رأيك؟
ابتسم ساخراً:
- موافق يا روحي، هو أنا عندي اختيار.
***
جلست بأريحية على الأرضية الخضراء وأمامها أكياس الشيبسي وبعض الفواكه والعصائر التي أحضرتها من المطبخ. جلست جوارها نايا يتناولونها بنهم.
دقائق واقترب منهم عدي بعد أن أشار للحرس بإخلاء المساحة التي يجلسون بها. اقترب منهم بمرحه المعتاد:
- الله، عاملين حفلة من غيري؟
هتفت نورسيل ضاحكة:
- حفلة إيه دي، شوية شيبسي وتسلية.
نظر تجاه نايا وقال:
- وأنا بعشق الشيبسي جدااااا.
ضيقت نورسيل عيناها وقالت:
- طيب تعالي كل معانا، واقف ليه.
أذعن على الفور وجلس مربعاً قدميه جوار نايا وسقف بمرح:
- في شيبسي خل وملح؟
أومئت نورسيل بإيجاب:
- آه، أخوك جايب كل الأطعمة.
رمقها عدي بخبث:
- مممممم، أخويا قولتيلي بقي؟ يجيب شيبسي ويأكل صنية بسبوسة؟ لا كده نقول بركاتك يا شيخة نورسيل.
رمقته بغيظ وقامت برميه بكيس الشيبسي الذي تلقاه بخفة وهتف باستفزاز:
- تسلم إيدك يا مرات أخويا.
***
كان يشاهدهم بابتسامة بشوشة من وراء زجاج مكتبه. عندما وجد عدي يجلس معهم، خرج هو الآخر متجهاً لهم هاتفا بابتسامة:
- تسمحوا ليا أقعد معاكم؟
رد عدي ونايا في نفس واحد:
- أكيد طبعاً، اتفضل.
لم ترد نورسيل وانشغلت بما تتناوله. جلس هو جوارها ومد يده يتناول من الكيس الذي تأكل منه:
- بتحبي الشطة؟
هزت رأسها بإيجاب:
- أيوه.
أومي برأسه:
- مممم، اعملوا حسابكم تصحوا بدري. هنتحرك 6 الصبح. هنروح نريح وبالليل نروح لعمكم. صحيح، عهد وشادي جايين معانا.
ردت نايا بعفوية:
- كويس إنك كلمته، بس هو وافق يجي؟ هو أصلاً يوم الفرح لما اتخانق مع شريف وعهد اغمى عليها، قال مش رايح هناك تاني.
أظلمت عين يوسف ونظر إلى شقيقه الذي امتعض وجهه هو الآخر وهتف باقتضاب:
- إيه اللي كان حصل من سي زفت ده؟ خلي عهد يغمى عليها؟
عضت نايا على شفتيها بخجل وهي تعنف نفسها على ما قالته.
هتف عدي بإصرار:
- إيه اللي حصل يا نايا؟ انطقي.
تطلعت نايا إلى نورسيل باستنجاد. فتنهدت الأخرى واقتربت الآخرى من أذن زوجها بخجل تسرد عليه ما سردته نايا لها سابقاً.
احمر وجه يوسف وهتف بتوعد:
- آه يا خسيس يا واطي، الواد ده شكله عايز يتربى من جديد.
تحدثت نايا برجاء:
- يوسف لو سمحت، الموضوع خلص وشادي اتخانق معاها والدنيا كانت بايظة. عشان خاطري بلاش.
تنهد يوسف بضيق:
- اطمني يا نايا ومتقلقيش، مش هتدخلي أنتي في حاجة.
هتف عدي مستنكراً:
- طيب، ممكن أفهم أنا كمان لو سمحتم؟
نظر يوسف إليه بحزم:
- خلاص يا عدي، أنا هتصرف.
زفر الآخر بضيق وصمت ثوانٍ وصرخت نورسيل:
- إيه يا ابني، في إيه؟ خلصت الكيس بتاعي، كل واحد تاني.
رد يوسف باستفزاز:
- يا روحي، أنا عندي 31 سنة. آخر مرة أكلت فيها شيبسي كان عندي 14 سنة ومش هقعد أكتشف الأطعمة، فأنا واثق في ذوقك وهاكل اللي هتاكلي منه.
ردت ساخرة:
- بجد؟ إيه مكنش معاك تمن كيس شيبسي ساعتها؟
توقف عن تناول الشيبسي وتركه في الكيس مرة أخرى:
- آه، وقتها مكنش معايا حقه وورايا مسؤوليات كبيرة أكبر من أني طفل نفسه في كيس شيبسي. تصبحوا على خير.
نهض يوسف وغادر.
وكذلك نهض عدي بضيق:
- بعد إذنكم، هطلع أنام.
رمقته نايا نورسيل معاتبة:
- ليه عملتي كده يا نورسيل؟ أحرجتيه قدامنا، الشيبسي كتير أهو.
لا تعلم سر هذا الألم الذي تملك من قلبها. نهضت وقامت بآخذ ثلاثة أطعمة مختلفة وهتفت قائلة:
- لمي باقي الحاجة يا نايا، تصبحي على خير.
تنهدت نايا بقلة حيلة:
- وأنتي من أهله يا نورسيل. ربنا يهديكي يا رب يا حبيبتي.
نهضت هي الأخرى تقوم بلم الأغراض. عاد إليها عدي هتفت بحيرة:
- أنت مطلعتش؟
حرك رأسه نافياً:
- لأ، يلا خليني أساعدك.
***
دلف إلى الغرفة وألقى بثقل جسده على الفراش مغمضاً عيناه بألم. ثوانٍ وفتح الباب، وجدته كذلك. وضعت ما بيدها جانباً وجلست جواره بخجل وربتت على ذراعه بخفة:
- أنا آسفة، مقصدتش والله، كنت بقولها كده هزار.
رد ومازال على وضعه مغمض العينين:
- حصل خير.
هتفت بخجل:
- طيب ممكن تقوم، أنا جبت شيبسي بالأطعمة اللي بحبها، ممكن تقوم تأكل معايا؟
رد نافياً:
- لأ، شكراً، بالهنا ليكي.
نهضت وقامت بإمساك يده وتجره. فتح عينه بحيرة هتفت بإصرار:
- هتقوم. يلا عشان مش هسيبك، قوم يلا.
رمقها بتسلية وقام بشدها هو لتسقط فوق الفراش جوارها. نهض هو فوقها وأشرف عليها بجسده يداعب وجهها بإصبعه هاتفه بهمس:
- فارق معاكي زعلي أوي كده؟
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهتفت:
- أنت اللي جايب الحاجات دي أصلاً، أنا كنت بهزر بس.
غمغم بإصرار:
- ردي على سؤالي الأول، فارق معاكي زعلي؟
تطلعت في عينه وانهارت حصونها وقالت بإستسلام:
- أيوه، فارق معايا.
ابتسم بهدوء وابتعد عنها مفسحاً المجال كي تنهض. نهضت على الفور.
تحدث بإبتسامة:
- تعالي نأكلهم في البلكونة، أوك؟
ردت بإرتباك:
- أوك.
جلسوا سوياً في الشرفة يتناولون الشيبسي بنهم شديد وهم يتبادلون الأحاديث حتى انتهت الأمسية وخلدوا كلاهما إلى النوم وسعادة يوسف لا توصف باعتذار نورسيل منه.
***
في صباح يوم جديد يقف الجميع بالخارج أمام السيارات. تحدث يوسف:
- نورسيل ونايا هيركبوا معايا، وأنت وماما في العربية التانية.
رد عدي متسائلاً:
- شادي وعهد هيقابلونا فين؟
أجاب يوسف وهو يضع يده في جيب بنطاله:
- على مدخل البلد هناك.
هز عدي رأسه متفهماً واقترب منه هامساً في أذن شقيقه:
- اعزم شادي يجيي معانا عندنا، بلاش عدي يقعد هناك عشان إلي اسمه شادي ده.
مسح يوسف على وجهه وهتف بهمس مماثل:
- مش هينفع كده، هيعرف إننا عرفنا وده مش هينفع. واطمئن، نايا معاهم. + أننا نقول ليك كده أننا مش مأمنينه عليها ولا أنه قادر يحميها وده تقليل منه، فهمت يا خفيف.
أومئ عدي بفهم:
- فهمت.
صاحت صفاء متسائلة:
- إيه يا ولاد، في إيه؟
التفت يوسف إلى والدته بابتسامة:
- مفيش يا ست الكل. روح يلا لماما.
هز عدي رأسه بإيجاب:
- تمام.
تحرك عدي تجاه والدته بعد أن غمز نايا بخفة. ركب جوار والدته.
فتح يوسف الباب الخلفي ودلفت نايا وإلى جوارها نورسيل. كاد أن يغلق الباب وهتفت نورسيل بلهفة:
- أنت هتسيبنا نركب لوحدنا؟
كاد أن يخبرها أنه سيركب في الأمام، لكن لا بأس، يا لها من فرصة ذهبية يجب أن يغتنمها:
- لا، هركب معاكم.
دلف هو الآخر وجلس جوارها.
تحدث السائق باحترام:
- اتحرك يا باشا؟
هز يوسف رأسه بإيجاب:
- اتحرك يا عم صالح.
***
على الجانب الآخر يقود شادي سيارته وإلى جواره عهد. تحدث شادي متسائلاً:
- محتاجة نجيب حاجة؟ الطريق طويل.
مطت شفتيها بحيرة:
- ممكن نجيب شوية تسالي بس عشان الطريق.
أومئ شادي بإيجاب:
- تمام، هقف في أي سوبر ماركت نجيب اللي انتي عايزاه يا حبيبتي.
هتفت عهد بخجل:
- هو ينفع لو هبات أفضل مع ماما وأخواتي؟
التفت لها مغمغماً بتساؤل:
- يعني إيه؟ مش حابة تفضلي معايا؟
هزت رأسها نافية على الفور:
- لأ، مش قصدي بس أخوك بصراحة خايفة منه.
ابتسم بهدوء وأمسك يدها قبلها بخفة:
- متخفيش من حاجة يا عمري طول ما أنا موجود، لأن خوفك ده بيقلل مني، ممكن؟
أومئت بابتسامة:
- حاضر، أوعدك مش هيتكرر تاني.
ابتسم بحبور:
- يسلملي الفهمان.
***
بعد مرور خمس ساعات من القيادة المتواصلة في سيارة يوسف، غفت نايا مستندة على زجاج السيارة ونورسيل مستندة على كتفها، بينما يوسف يتابع عمله على الأيباد الخاص به.
وصلت السيارات إلى مدخل البلد وقابلهم شادي وكانت برفقته عهد النائمة هي الأخرى. سلم على يوسف وعدي وأخبرهم أنه سيذهب إلى منزل عائلته يمهد لهم بالزيارة.
وبعدها غادر بسيارته وهم غادروا بسيارتهم متجهين إلى قصرهم.
***
توقفت السيارات وقام بهز نورسيل برفق. فتحت عينها ببطء.
هتف بحنان:
- اصحي وصحي نايا لأن المفروض تروح لعمها. شادي سبق على هناك.
هزت رأسها بإيجاب وعقبت:
- طيب، أنا هروح معاها.
تنهد بقلة حيلة:
- تمام، زي ما تحبي. هنزل أقول للجماعة وهاجي أوصلكم. صحي نايا.
أومئ بإيجاب وقامت بإيقاظ نايا وترحل هو وعاد بعد دقائق.
في غضون خمسة عشر دقيقة توقفت سيارة يوسف أمام منزل سالم شافعي. هبط يوسف أولاً وهبطت نايا ونورسيل الباب الآخر. اقترب منهم يوسف متسائلاً:
- أنا ماشي، محتاجين حاجة؟
هزت نورسيل رأسها نافية:
- شكراً.
اومئ يوسف بتفهم وقال:
- اعملي حسابك نورسيل هترجعي معايا بالليل. يلا سلام عليكم.
نايا ونورسيل:
- وعليكم السلام ورحمة الله.
***
في الداخل تضم وصفية عهد وشادي بلهفة. تحدث سالم مداعباً:
- بزيداًكي عاد يا حاجة وأجعدي.
ابتسمت وصفية وجلست جوار عهد مربتة على ظهرها بحنان:
- الدار نورت بيكي يا عروستنا.
تحدثت عهد بخجل:
- ده نورك حضرتك يا طنط.
هتف سالم معترضاً:
- بس ليه مجولتش من عشية إنك چاي يا ولدي؟ كنا جهزنا الدار لإستقبالك أنت وعروستك.
غمغم شادي بهدوء:
- الزيارة چت فچأة يا أبوي.
ردت وصفية بابتسامة:
- وآحلي مفاجأة يا ولدي. أنا هجوم أجهز ليك كل الوكل اللي بتحبه أنت وعروستنا الجمر دي.
رد شادي بلهفة:
- استني يا أماي، في حديت لازم أجوله وتسمعيه.
جلست وصفية مرة أخرى بحيرة:
- خير يا ولدي.
أجلّ حلقه وقال:
- خير يا أماي، هو الموضوع بخصوص نايا.
على ذكر اسمها رن جرس الباب. صمت الجميع وذهبت الخادمة تفتح الباب.
***
فتحت الخادمة الباب ودلفت نايا برفقة نورسيل. نهضت وصفية على الفور تضمهم بلهفة وترحب بهم وكذلك سالم. ونايا، لكن نورسيل اكتفت بسلام عابر معه، فهي لم تنس ما فعله معها يوم زفافها. جلسوا سوياً.
تحدث سالم متسائلاً:
- خير يا ولدي، يخص نايا في إيه؟ وليه ما جولتش إنها چاية هي ونورسيل؟
رد شادي:
- هجولك يا حاج بصراحة أكده، نايا چاي ليها عريس.
انتبه سالم متسائلاً:
- صوح يا ولدي؟ مين ده وزين يعني أنت تعرفه؟
نظر عدي إلى زوجته ثم إلى والده وقال:
- أيوه يا أبوي، عدي خي عهد مرتي. لما شاف نايا وأدبها وأخلاقها أصروا يدخلوا البيت من بابه. وچاين الليلة بعد العشاء عشان يخطبوها رسمي منك.
تطلع سالم إلى شادي وإلى نايا الخجلة وغمغم متسائلاً:
- إيه رأيك يا بتي؟
ردت نايا بخجل:
- اللي حضرتك شايفه يا عمي.
أومئ سالم بإيجاب:
- تمام يا بتي.
نهض مستنداً على عصاه وقال:
- تعالي يا ولدي، رايدك شوية في مكتبي.
نهض شادي باحترام:
- أوامرك يا أبوي.
***
دلف شادي برفقة والده إلى المكتب، وكذلك نهضت وصفية تعد لهم الغداء بكل ما لذ وطاب، فاليوم ليلة عيد لديها بتجمع الأحباب.
ظل الثلاثة فتيات بمفردهن يتبادلون الأحاديث إلى أن فتح باب وولج هادم اللذات الذي رمقهم ساخراً:
- الله الله، وأنا بحول الدار منورة ليه؟ بنات عمي ومرت أخوي إهنه في دارنا أشرقت الأنوار.
ردت نورسيل باقتضاب:
- نورك يا شريف.
ابتسم ساخراً وقال:
- أمال وينه ديك البرابر؟ وينه؟
زفرت نايا بحنق:
- قصدك مين؟
أجاب ساخراً:
- خيي شادي؟
أجابت نورسيل:
- مع عمي في المكتب.
أومئ بتفهم وقال:
- رايدك في كلمتين يا بت عمي.
نهضت نايا ووقفوا جانباً هاتفه بضيق:
- خير؟
تطلع حوله وهتف بصوت خافت:
- متأكدة من الرسالة اللي بعتيها؟
انقبض قلبها وانجلى عليها غصة مريرة ابتلعتها بصعوبة:
- متأكدة.
ضيق عينه وهتف ساخراً:
- شايف الحزن ملئ عيونك يا بت عمي، حبتيه ولا أيه؟ نسيتي اللي عمله فيكي، نسيتي قتله لشهاب حبيبك ليلة كتب كتابكم؟ وسلمتي لولد المغربي؟ عاد يا خسارة يا بت عمي يا ألف خسارة، خنتي حبك لشهاب.
ردت بضيق:
- أظن إني بساعدك أهو، عايز إيه تاني؟ أنا ولا خونتك ولا خونت شهاب.
ابتسم ساخراً:
- ماشي يا بت عمي، هعمل نفسي مصدجك. بالإذن.
تحرك شريف وترك نورسيل تقف وعينها بها غمامة من الدموع هاتفة بهمس:
- مع الأسف، هخون جوزي مهما عمل. الحقيقة واحدة.
***
ما أن دلف شريف واستمع إلى الحديث الدائر حتى صاح مستنكراً:
- نعم؟ بتجول إيه؟ مين دي اللي هتتجوز في العيلة دي تاني؟ أنتوا چنيتوا ولا إيه؟
ضرب سالم على مكتبه بعنف:
- اتأدب يا ولد، طول ما أنا فيا نفس أني بس اللي أجول إيه اللي ينفع وأيه اللي مينفعش. وطالما البنت موافجة والواد أخلاقه زينة، أنا موافج ومفيش حديت تاني بعد حديتي.
خرج من المكتب كالطوفان. وجد نورسيل تقف في انتظاره. نظر لها بشر، لو كانت النظرات تقتل لوقعت صريعة الآن.
تحدث بشر:
- رايدة إيه يا شؤم؟ أنتي أكيد أنتي اللي مخططة لإكده؟
ردت نورسيل باقتضاب:
- وافق على الجوازة، يوسف لو مات وقتها في عرفنا هيجوزني أخوه، يبقي أسلم حل يتجوز نايا. شريف.
يتبع.
رواية ثأر الحب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم زينب سعيد
تطلعت لها شريف قليلاً وأردف:
- ماشي يا بت عمي ماشي هسمع حديتك الماسخ ديه وهوافق لكن وربي ما أعبد لو فكرتي تلعبي بديلك وياي مش هيكفيني فيكي روحك وآنتي خبراني زين بت عمي.
ردت نورسيل بإقتضاب:
- أعملك أيه تاني بساعدك أهو عايز مني ايه تاني؟
إبتسم ساخراً وقال:
- عايزك تفضلي عاقلة يا بت عمي ومتلعبيش بديلك واصل بلاش تخليني أعرفك مين هو شريف الشافعي صوح بالإذن.
تحرك تاركاً نورسيل تنظر في آثره بإزدراء فهي على يقين أن هذا المعتوه سيوصلها إلى ما لا يحمد عقباه ولكن ما باليد حيلة فقد إنتهي الوقت وفات الأوان وأصبح لا يوجد مجال للتراجع.
***
مساء وصل يوسف وعائلته ومعهم العديد من الحقائب بها كل ما لذ وطاب وكان في إستقبالهم شادي وسالم ووصفية رحبوا بهم بحرارة وجلسوا سوياً.
تحدث سالم معاتباً:
- ايه إلي جايبه ده كله يا ولدي عيب أنت جاي دارك.
أجابه يوسف وهتف بحنكة:
- ميجيش من بعد خيرك يا شيخ سالم أحنا أهل.
ربت سالم على فخذه:
- تعيش يا ولدي تعيش.
إبتسم يوسف بهدوء وقال:
- أنا جاي النهاردة يا شيخ سالم أنا وعائلتي عشان نطلب إيد الأنسة نايا لأخويا عدي.
رد سالم:
- شادي خبرني يا ولدي.
ردد يوسف بحذر:
- طيب كويس رأي حضرتك إيه؟
تنهد سالم وهتف بتعقل:
- الرأي مش رأي يا ولدي الرأي رأي العروسة وهي وافقت.
إبتسم عدي بإتساع بينما تحدث يوسف متسائلاً:
- خير وبركة طيب طلبات حضرتك إيه؟
أجاب سالم معترضاً:
- أخص عليك يا ولدي أحنا مفيش بنا بنتنا الكلام ده.
هتف يوسف بإصرار:
- لأ يا حاج ده حقها ولازم تاخده.
تنهد سالم بقلة حيلة:
- خلاص يا ولدي زي ما اتعمل لأختها وخيتك مع أني واثق فيك يا ولدي إنك مهتظلمهاش واصل.
أرجع يوسف رأسه إلى الخلف هاتفا بصدق:
- نايا بالنسبة ليا زي عهد يا شيخ سالم اطمن ولو في يوم حصل أي سوء فهم لا قدر الله بينها وبين عدي أنا إلي هقف ليه.
***
إبتسم سالم بثقة:
- عارف يا ولدي ومعنديش شك في كده أنت راجل من ضهر راجل يا ولدي.
تحدث عدي بلهفة:
- طيب خلونا في المهم الفرح أمتي؟
ضحك الجميع وتحدث سالم مداعباً:
- مستعجل إياك يا عريس إياك؟ طيب يا سيدي حابب الفرح ميتي؟
رد عدي بلهفة:
- بكرة لو حابب أنا جاهز.
نظر له الجميع بإستنكار وقال سالم:
- بكرة إيه يا ولدي اتكلم كلام ناس عاقلة إن كنت رايد متاخرشي ممكن تدخلوا مع شريف آخر السبوع ويبقي الفرح فرحين.
نظر عدي إلى يوسف الذي تحدث معارضاً:
- هو إيه أكيد بالنسبة لينا مفيش مانع لكن بالنسبة لشريف إبن حضرتك مظنش هيوافق.
***
وه وأنا أطول نايا بت عمي وأختي صغيرة تتجوز وايي في نفس اليوم وأرفض والله لو أجدر كنت أتنتطت من الفرحة بس ضهري بيوجعني قالها شريف ساخراً وهو يدلف إلى الغرفة وجلس واضعاً ساق فوق ساق دون احترام لأحد.
وضع يوسف هو الآخر ساق فوق ساق وهتف ساخراً:
- بجد سلامة ضهرك كده ليه شد حيلك أنت داخل على جواز رأي لو فضل ضهرك واجعك أجل الجوازة أحسن.
إبتسم شريف ساخراً وهتف بنبرة ذات معنى:
- لاه أطمئن عليا أنا زين قوي وإلي بيته من جزاز ميخبطش الناس بالطوب.
قطب الآخر جبينه فحديثه المبطن هذا لم يخف عليه كاد أن يتحدث ولكن صوت سالم الحازم جعله يصمت احتراماً.
تحدث سالم بحزن منعاً للتشاحنات فهو على يقين أن ولده لم يمرر الأمر مرور الكرام:
- تمام يبقى ليلة واحدة.
تحدث يوسف بهدوء وقال:
- مفيش مشكلة بس الفرح يا حاج يبقى في الساحة الكبيرة ويكون مناصفة.
رمقه سالم معاتباً:
- ليه بس يا ولدي أحنا مش حولنا واحد؟
أومأ يوسف مؤكداً وقال:
- أكيد طبعاً يا حاج بس الحق حق يا حاج ها قولت إيه؟
تنهد سالم بقلة حيلة:
- اللي تشوفه يا ولدي.
إبتسم شادي وتمتم:
- طيب هطلع أنادي لعهد والبنات بعد إذنكم.
تحرك متجهاً إلى الأعلى وعاد بعد قليل وبرفقته زوجته وإبنتي عمه سلموا على الجميع وجلست نايا جوار وصفية وعهد جوار زوجها ونورسيل كذلك جلست جوار يوسف مضطرة فلم يكن هناك مكان فارغ سوى جواره على الأريكة وضع يوسف يده على كتفها ضاماً إياه بتملك داخل أحضانه رامقاً شريف بنبرة ذات معنى.
***
دلف يوسف الباب وهي خلفه وما أن أغلق الباب أمسكها من ذراعها بعنف صاحت هي بألم:
- آآآه إيدي في إيه؟
تطلع لها بجمود وقال:
- هو سؤال واحد يا نورسيل وعايز إجابته منك وفوراً.
أجابته بألم:
- سؤال إيه سيب إيدي دراعي هينكسر.
ترك يدها وجلست هي على الفراش تدلكه بألم وقف هو أمامها مشرفاً عليها بطوله:
- في حد يعرف طبيعة علاقتنا؟
تطلعت له بحيرة:
- مش فاهمة؟
صمت قليلاً وهتفت بإستنكار:
- نعم؟ قصد لأ طبعاً تفتكر إنّي أقدر أقول لعمي ولا مراته على الكلام ده ولا حتى نايا!
ردد بإصرار:
- متأكدة مفيش حد؟ كلام شريف إبن عمك ميقولش كده؟
على ذكر اسم شريف ابتلعت ريقها وهتفت كاذبة:
- نعم شريف لا انت أكيد بتهزر فاكرني إيه عشان أتكلم في حاجة زي دي.
تنهد براحة وأرجع خصلات شعره إلى الخلف وأردف:
- تمام.
جلس جوارها يتفحص يدها مغمغماً بتساؤل:
- بتوجعك؟
ظلت تنظر له بحيرة فهو مزيج غريب عصبي حنون رقيق مجموعة من الصفات لم تمر عليها من قبل فاقت من شرودها على صوته القلق:
- إيه يا نورسيل ردي عليا بتوجعك؟
رمقته بحيرة وقالت:
- لأ مش أوي.
قبل يدها برقة متمتماً بأسف:
- آسف حقك عليا.
كل دقيقة يجعلها تشعر بالدونية مما تخطط له فاقت على هزة خفيفة منه تطلعت له.
تحدث هو بحيرة:
- مالك كل شوية بتسرحي في إيه؟
هزت نورسيل رأسها نافية:
- مفيش حاجة هقوم آخد شاور بعد إذنك.
مط شفتيه بحيرة وقال:
- اتفضلي.
فرت من أمامه متجهة إلى المرحاض بينما هو نهض يجري اتصالاً بعلي وعامر يخبرهم بزواج عدي وفي النهاية هاتف عمه فهو على يقين أن المكالمة لن تمر مرور الكرام فإذا كان الأمر بيد عمه لكان حرق الأخضر واليابس.
أنهى المكالمة مع عمه وهو يتنهد براحة كأن جبلاً قد أُزاح من فوق قلبه.
نهض مغيراً ملابسه وتمدد جوار تلك النائمة التي أنهت حمامها وغفت بينما ظل هو مستيقظاً ينهي مكالماته تمدد هو الآخر كي ينعم ببعض الراحة فليس أمامهم سوى أسبوع واحد لن يستطيع السفر إلى القاهرة ليقوموا بالاستعداد لحفل الزفاف المنتظر.
***
تمدد على الفراش وعلى وجهه ابتسامة عريضة فأسبوع واحد هو ما يفصله عن مالكة قلبه يقسم أنه سيمحي كل الألم الوجع الذي عاشته بفعل هذا الحقير مهما كلفه الأمر.
***
في صباح اليوم التالي ذهبت نورسيل برفقة عدي إلى منزل عمها من أجل أخذ نايا وعهد لكي يسافروا إلى القاهرة يقومون بانتقاء ما يريدونه بينما ظل يوسف ووالدته يتابعون الاستعدادات.
في المساء عادوا وكذلك حضرت عليا وعامر وبرفقته عائلة عمه لم يتوانى عمه عن إطلاق كلامه اللاذع لكنه لم يهتم به ولا يعبأ بما يقوله فحكمه دائماً ما يكون معترضاً على كل شيء.
***
عند حنين علمت بالزيجة المنتظرة وانتفض قلبها عندما علمت أنها ستقابل منقذها تخشى أن يتذكرها ويفضح أمرها ولكن ما يريح قلبها أنها الآن منقبة.
لم ترغب بشراء شيء ولا الاستعداد لهذه الزيجة وتركت زمام الأمور لوالدتها التي لم تتوانى عن شراء كل ما يلزمها بطيب خاطر بأموال زوجها المنتظر.
أما فستان زفافها فقد اشتراه هو بناءً على اختياره هو ولم تكلف هي نفسها العناء كي تراه حتى.
***
أما عدي ونايا فقد اختاروا الفستان الخاص بها أثناء ما كانوا في القاهرة وكذلك قاموا باختيار البدلة الخاصة بعدي.
***
مرت الأيام بسرعة البرق وجاء يوم الحناء فقد قام سويف بعمل حفل حناء كبير خاص بعدي في قصرهم.
وكذلك فعل سالم المثل أقام حفل حناء كبير لبكره ولإبنة أخيه وها قد جاء اليوم المنتظر يوم الزفاف.
***
في منزل حنين.
قد أحضر لها شريف خبيرة تجميل خصيصاً من القاهرة كما فعل هذا عدي مع إبنة عمه المصون رغم أن حنين منقبة ولن تتخلى عن نقابها لكنه لن يترك إبنة عمه أن تكون أفضل منه في شيء.
جلست حنين أمامها على مضض وتركتها تعبث كما تشاء بوجهها فاليوم زفافها وانتهى الأمر.
بعد مرور بعض الوقت كانت تقف والدتها أمامها وبعض النساء يطلقون الزغاريد والتسمية.
اقتربت منها والدتها وأنزل النقاب على وجهها وجلست وسط النساء حتى يأتي عريسها المنتظر ليأخذها.
***
في منزل سالم الشافعي.
لم يختلف الأمر عند نايا ولكن الفرق كان برفقتها عهد ونورسيل التي أصرت أن تبقى معها.
تألقت نايا في فستانها وكانت ملكة متوجة بالفعل وكذلك عهد بفستانها الموف بينما تألقت نورسيل بفستان أحمر ناري جعل منها حورية وزاد بشرتها البيضاء جمالاً فوق جمالها.
***
في قصر المغربي.
استعد بقية النساء لاستقبال العروس المنتظرة فعدي سيأتي بعروسه إلى هنا ثم يعود إلى الساحة المقام بها الزفاف وكذلك نفس الوضع لدى شريف سيقوم بإيصال عروسه إلى منزله ويعود إليهم…….
***
تم عقد القران في المسجد تم عقد قران شريف أولاً وكان يرتدي جلباب صعيدي وعباءة، وكان والده وشقيقه الشهود.
بينما على الطرف الآخر تألق عدي في بدلته السوداء وكان سالم وكيل العروس ويوسف وعلي إبن عمهم الشهود.
انتهى عقد القران وتوجه سالم والرجال إلى ساحة الزفاف التي تضم العائلتين بينما ذهب الشباب لإحضار عروس شريف أولاً وبعدها نايا.
***
توقفت السيارات أمام منزل عائلة حنين ودلف والدها وحضر بعد دقيقة وبرفقته العروس.
بينما وقف في انتظارها شريف وإلى جواره شادي.
اقترب شريف وأخذ عروسه وتحرك بها وما أن رفعت رأسها ورأت شهاب أمامها جحظت عيناها بصدمة وتوقفت لاحظ الجميع هذا وكذلك والدتها التي تحدثت بصدمة وهي تشير إلى شادي:
- مين ده بسم الله الرحمن الرحيم؟
تحدث شريف بتوضيح:
- ده خيي شادي توفى شهاب الله يرحمه.
تنهدت براحة وقالت:
- متأخذناش يا ولدي مكناش عارفين إنكم توفيتوا.
رد شادي ببساطة:
- ولا يهمك يا خالة.
جثتها والدتها إلى التحرك لكن جابت عينها تبحث عن شخص آخر وعيناها تتحرك على الوجوه من حولها حتى وجدته عندها ابتلعت ريقها بتوجس فنظرة عيناه التي تابعت ما حدث يبدو أنه علم هويتها.
ركب الجميع السيارات متجهين إلى منزل سالم الشافعي.
***
وصلت السيارات وهبط الجميع وكان في استقبالهم وصفية وبعد النساء الذين أطلقوا الزغاريد ما أن هبطت العروس أدخل شريف العروس إلى مدخل السيدات دلف شادي أحضر إبنة عمه وسلمها إلى عدي الذي تمالك نفسه بصعوبة ألا يأخذها في أحضانه واكتفى بتقبيل جبينها برقة وعاونها على صعود السيارة وركب جوارها.
بينما في السيارة الأخرى ركبت عهد جوار زوجها.
بينما وقف يوسف في انتظار زوجته التي خرجت أخيراً بفستانها الأحمر الناري وخطف لبه اقترب منها هاتفا بهمس:
- زي القمر.
إبتسمت بخجل ولم تتحدث شبك يده في يدها متجهين إلى سيارة يوسف.
لم يخف هذا عن أعين هذا الذئب الجائع الذي يترصد لفرسته.
***
وصلت السيارات إلى قصر المغربي في الصعيد ودلفت العروس والنساء وعاد الرجال مرة أخرى إلى ساحة الزفاف.
ظل الزفاف قائماً حتى ساعات الصباح الأولى وعاد كل عريس لعروسته.
توقف شادي مع يوسف مغمغماً بتساؤل:
- هترجعوا القاهرة إمتى؟
رد يوسف:
- هرجع الصبح إن شاء الله.
شادي بتوضيح:
- والجماعة؟
هتف بتفكير:
- يومين كده عشان أهلك لو حابين يباركوا أنا أصلاً هسيبك نورسيل تبقي هنا جنب أختها.
أومأ شادي مفكراً:
- خلاص خلينا أنا كمان هنا وابقى أرجع معاهم هروح مع شريف والحاج وأرجع آخد عهد.
أومأ بإبتسامة:
- تمام.
إبتسم شريف بإنتشاء بعد سماعه إلى حديثهم فيبدو أن فرحته ستكون فرحتين اليوم زفافه وأخذ ثأره من هذا الحقير.
***
وصل شريف واتجه إلى الداخل هو ووالده وانسحب شادي كي يحضر زوجته فالعروس منقبة ومن المؤكد والده سوف يراها فيجب أن يسحب هو حتى لا يسبب لهم الإحراج.
ولج شريف ووالده ووالد عروسه ووجد النساء قد غادروا ولم يتبق سوى والدته ووالدة عروسه.
ضمت وصفية شريف بحنان:
- مبارك يا ولدي مبارك.
قبل جبينها بحب:
- الله يبارك فيكي يا أمي.
سلمت عليه والدة حنين:
- مبارك يا ولدي.
رد شريف بابتسامة:
- الله يبارك فيكي يا خالة.
هتفت وصفية بحنان:
- عروستك فوق بجوضتك اطلع لها.
واقتربت منه هامسة:
- أوعاك تتجنن وتفكر تعمل بعروستك اللي كنت رأيك أخيك يعمله بمرته.
رد بهدوء:
- حاضر يا أمي بالإذن.
صعد عدي واستأذن والدي حنين بالمغادرة ولكن أصر سالم أن يقوم السائق بإيصالهم.
***
صعد إلى غرفته وبداخله سعادة وفرحة كبيرة لا يدري لما لكن كل ما يعرفه أنه سعيد لامتلاكه لحنينه التي باتت تشغل حيزاً من تفكيره الفترة الماضية.
فتح الباب ودلف وجدها تجلس على الفراش ونقابها مازال يغطي وجهها وعلى ما يبدو من انتفاضة جسدها أنها خائفة.
أغلق الباب خلفه فتحملت انتفاضة هي ونهضت اقترب منها هاتفا بدعابة:
- وه أنتي خايفة يا عروسة لو مكنتيش عملتي اللي عملتيه وياي في الأرض كنت قلت خايفة مني.
تنهد وقال بصي يا بت الناس أنا يمكن في عيوب كتير قوي ومتعديش كمان لكن عمر ما أفكر أزي مرتي واللي هتكون في يوم من الأيام أم عيالي.
لا تنكر أن كلامه هذا بث الراحة داخلها قليلاً ولكن مع صوت أقدامه التي تقترب منها ظلت هي تتراجع إلى الخلف إلى أن اصطدم جسدها بالجدار خلفها.
ضحك وقال:
- وه هتفضلي ترجع بضهرك لوين خلاص حيطة سد.
وقف أمامها ورفع يده ممسكاً بطرفي نقابها رافعاً إياه عن وجهها رويداً رويداً إلا أن رأى وجهها الملائكي تمتم بصوت خافت ولكن وصل إلى مسامع الأخرى:
- بسم الله ما شاء الله تبارك الرحمن فيما خلق.
هز رأسه سريعاً وتحدث بتوتر:
- غيري خلاجاتك واتسبحي عشان نصلي ركعتين أنا داخل الحمام ولم تخلصي خبطي على الباب بالإذن.
ألقى جملته وغادر سريعاً هي زوجته بالفعل لكن لا يريد أن ينساق وراء قلبه فالقلب إذا غرق بالحب يجعلك شخصاً ضعيفاً….
رواية ثأر الحب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم زينب سعيد
تنهدت براحة وجلست على الفراش دقائق تسترد أنفاسها.
ونهضت تنزع حجابها وتغير فستان الزفاف.
بعد دقائق كانت قد انتهت وارتدت إسدالها.
اتجهت إلى المرحاض وطرقت الباب.
فتح هو بعد أن غير ملابسه مرتدياً جلباباً بيتي.
"عايزة أتوضى."
أومأ لها وغادر من المرحاض.
دلفت هي وخرجت بعد قليل بعد أن توضأت.
أدوا ركعتين يبدأون بها حياتهم.
***
وصل عدي والرجال، وجد والدته تجلس وجوارها عروسه وشقيقتها وشقيقاته يجلسون معهم وبرفقتهم زوجة عمه وزوجة علي.
لم يبالِ بأحد واتجه إلى نايا وأمسك يدها يساعدها على النهوض.
نهضت هي وكذلك نهض الجميع وباركوا له.
تلقى التهاني وبعدها حمل عروسه بلهفة.
ضحك الجميع وشهقت نايا بخجل ودفنت وجهها في صدره.
فتح الجناح بكوعه ولج داخل الغرفة، مغلقاً الباب بقدمه.
واتجه إلى الفراش وقام بوضعها عليه برقة، كأنها قطعة من الزجاج يخاف أن تنخدش.
"النهاردة أنا أسعد راجل في الدنيا كلها، اتجوزت أجمل بنت في الدنيا كلها."
"أجمل بنت في الدنيا كلها مرة واحدة؟ مش للدرجة دي."
"بالنسبة لي عيوني مشفتش أجمل منك، ولا هتشوف غيرك من الأساس. نايا أنا مش بس بحبك، أنا بعشقك من يوم ما شوفتك وأنا متيم بيكي."
نهضت بخجل مبتعدة عنه وقالت بتوتر:
"أنا جعانة."
نهض هو الآخر بصدمة:
"نعم؟ جعانة؟"
"أيوه."
تنهد بحسرة وقال:
"طيب نغير هدومنا وناكل. الآكل أهو."
لاحظ خوفها، اقترب منها مغمغماً بصدق:
"ممكن تهدي ومتخافيش لو سمحتي. إيه رأيك نغير ونتوضى ونصلي ركعتين ونقعد نتعشى؟ أنا كمان جعان أوي."
أومأت بخفة.
"تحبي تدخلي الحمام ولا أدخل أنا وأخليكي أنتي هنا؟"
"خليني أنا هنا."
ابتسم بهدوء وقال:
"على راحتك. مش هخرج غير لما تنادي عليا بعد إذنك."
دلف هو إلى المرحاض يغير ملابسه.
وتنهدت هي براحة وهي تحمد الله داخلها أن المولى عز وجل من عليها برجل حنون ويحبها بصدق مثله.
***
بعد مرور نصف ساعة، لاحظ تأخرها.
شعر بالخوف عليها، تحدث من الداخل:
"نايا؟ انتي كويسة؟ اخرج."
جاء صوتها الخافت أخيراً، تنهد براحة وخرج من المرحاض.
فتح الباب وجدها مرتدية إسدال الصلاة وتقف في انتظاره.
ابتسم بخفة واقترب منها مغمغماً بتساؤل:
"طالما خلصتي، ليه منادتيش عليا؟"
"اتكسفت."
ابتسم عدي بهدوء وقال:
"طيب نصلي؟ ولا مش متوضية؟"
هزت رأسها بإيجاب:
"لا، متوضية."
ابتسم وقام بفرش سجادتين الصلاة وأمها.
وصلوا ركعتين.
وما إن انتهى من الصلاة، وضع يده فوق رأسها، مما جعل جسدها ينتفض أسفل يده.
شعر بغصة داخل قلبه وهو على يقين أن هذا الوغد هو السبب في حالتها تلك.
تنهد بأسى وقال بصوت عذب:
"اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه."
أنزل يده وتحدث بمرحه المعتاد:
"ممكن أعرف القمر بتاعي ماله؟ مكسوفة كده ليه؟ عارف إنك مكسوفة مني ولو بإيدك هتقومي تهربي مني كمان، بس أنا عايز أعرفك حاجة يا نايا، أنتي مراتي وأنا جوزك، يعني أنا الشخص الوحيد اللي متفكريش تتكسفي منه، لأنه مخلوقة من بين ضلوعي يا نايا. عارفة لو أنتي عريانة وقدامك أنا وأبوكي وأخوكي هتستخبي فيا أنا، فهمتي؟"
رفع وجهها بأطراف أصابعه وباليد الأخرى يمسح دموعها بخفة.
ظلت صامتة ودموعها تنساب، إلى أن ألقت بنفسها داخل أحضانه تبكي وتشهق وهي تتذكر كل ما مرت به سابقاً من هذا الوغد.
رأف هو بحالتها وضمها إلى أحضانه بقوة، هاتفا بأذنها بهمس:
"إهدي يا قلبي، متخافيش من حاجة طول ما أنا جنبك ومفيش حاجة هتحصل غير برضاكي وموافقتك يا عمري. أنا بحبك وأهم حاجة عندي راحتك وسعادتك يا عمري."
"موافقة."
أبعدها عنه بعدم تصديق.
أومأت هي برأسها بإيجاب.
ولما لا؟ هو فهي تزوجت رجلاً جعلها تشعر بالأمان والسند من أول دقيقة يقفان بباب واحد.
"الحب، الأمان، الراحة، السند، كلها وجهات لعملة واحدة لرجل أحب بصدق، وصدق ما عاهد الله عليه."
"رفقاً بالقوارير يا ابن آدم، إذا أردت أن تملك قلب حواء، فعليك أن تجعلها تشعر بالأمان والحب تجاهك، وقتها ستملك قلبها."
***
جلس على الفراش بوهن، يفرق عنقه بألم، فالأسبوع الماضي كان مرهقاً عليه بشكل كبير.
وليس هذا فحسب، فعليه في الصباح الباكر أن يسافر إلى القاهرة كي يباشر عمله.
فتح باب الجناح ودلفت بصعوبة وهي تحمل طبقين بيدها، أحدهما طعام عادي والآخر حلوى ومشروب غازي.
أغلقت الباب بقدمها ووضعت الطعام على الطاولة تتناوله بنهم أسفل نظراته المنصدمة من كمية الطعام التي معها.
رفعت رأسها ووجدته يطالعها.
رددت بغيظ:
"في إيه بتبص ليا كده ليه؟ مشوفتش حد بياكل قبل كده؟"
غمغم بحيرة:
"لا شوفت، بس أنتي في العادة أكلك قليل أصلاً."
أومأت بتأكيد وهتفت:
"أنت مش فاهم، أنا مأكلتش من إمبارح."
رمقها بحيرة:
"نعم؟ مأكلتيش من إمبارح ليه؟"
هتفت بتذمر:
"عشان الفستان."
بدل نظره بينه وبين فستانها وقال:
"ماله الفستان؟ مش فاهم؟"
ردت بتوضيح:
"الفستان ده كان عاجبني ولبسته. المشكلة إن السوسة مكنتش بتقفل للآخر. البياعة وعهد اقترحوا إني مأكلش قبل الفرح بيوم ويوم الفرح. وهو يقف وكلامهم صح."
أغمض عينه وفتحها أكثر من مرة بعدم تصديق وهو يضرب كفاً بكف وقال:
"ما ينحرق الفستان، شوفي غيره، لكن تفضلي يومين من غير أكل؟ وفكرة الهبلة عهد كمان؟ والله أنتوا يا بنات عليكم حاجات غريبة والله."
لم تعبأ به وظلت تأكل بشراهة وهو يجلس على الفراش واضعاً يده أسفل ذقنه بتسلية.
انتهت من الطبقين وأصبحت بطنها ممتلئة وأصبح لا يوجد مجال للنفس.
حاولت النهوض كي تخلع فستانها، فأصبح يطبق عليها بشدة.
ولكن ما أن نهضت حتى دوى صوت انفجار سوسة الفستان وتدلى على أكتافها.
حمدت الله في داخلها أنها ترتدي بضياً أسفله.
ظل يوسف ينظر لها إلى أن انفجر ضاحكاً وهي تقف بخجل.
توقف أخيراً عندما لاحظ هذا ونهض وقف أمامها هاتفا بتعقل:
"زعلانة ليه؟"
غمغمت بحزن:
"عشان الفستان اتقطع وكان غالي أوي."
هتف باللامبالاة وهو يربت على ذراعها بحنان:
"وأيه يعني غالي؟ مفيش حاجة تغلى عليكي أصلاً، فداكي. وبعدين عايز أعرف عقلك فين وإنتي مأكلتيش امبارح ولا النهارده؟ قدر كان حصلك حاجة. على فكرة الفستان مش حلو أوي."
رفعت رأسها بصدمة.
أكمل هو بصدق:
"أنتي اللي محلية الفستان أصلاً."
ابتسمت بخجل.
تحدث هو بوهن:
"يلا غيري الفستان وأنا هاخد شور وأصلي الفجر وألحق أنام ساعتين. هسافر الصبح."
هتفت بحيرة:
"إحنا هنسافر الصبح؟"
هز رأسه نافياً:
"لا، أنا عشان أتابع الشغل. إنتوا بعد يومين."
لا تعلم لما شعرت بنغزة داخل قلبها.
تحدثت بلهفة:
"خليك."
التفت لها متسائلاً.
رددت بإرتباك:
"خليك هنا جنب عدي وكمان عمي وأهلي لو جم. قدر عمك ضايقهم، خليك ونسافر كلنا سوا."
تنهد بقلة حيلة وقال:
"تمام، هخليني عشان خاطر عيونك الحلوين."
تنهدت براحة وتحركت من أمامه وهي متمسكة بفستانها الممزق كي لا يتساقط من فوق جسدها.
***
صباحاً، فتحت نايا عينيها وجدت نفسها مكبلة داخل أحضانه.
حاولت أن تبتعد عنه بخجل، ولكن جاءها صوته الحنون:
"متحاوليش، خلاص بقيتي أسيرتي للأبد يا قطة."
"انت صاحي؟"
تمدد على ظهره ويده تكبلها والأخرى أسفل رأسه وغمغم بصدق:
"أنا منمتش أصلاً يا قلب عدي. بعد ما أنتي نمتي فضلت أتأمل فيكي خايف لتكوني حلم وأفوق منه."
ابتسمت نايا بخجل:
"للدرجة دي؟"
هتف بحب:
"للدرجة دي وأكتر يا روح قلبي كمان."
"ربنا يخليك ليا حبيبي وميحرمنيش منك أبدا."
رد الآخر بحب:
"ولا يحرمني منك يا روح قلب وعشق عدي."
قطع وصلتهم طرق على باب الغرفة.
نظروا إلى بعضهم وهتف عدي ضاحكاً:
"كده مش هنام أصلاً. المباركات بدأت. هقوم أفتح وأنتي يا روحي أجهزي."
أومأت بإيجاب:
"حاضر."
انتظر حتى دلفت إلى غرفة الملابس وبعدها إلى المرحاض.
نهض هو يفتح الباب وجد والدته وزوجة عمه والخادمة.
وما إن فتح باب ألقت الزغاريد دفعة واحدة.
ضمته والدته بحب وزوجة عمه باركت له.
أخذ هو صينية الطعام من الخادمة ودلف بها بعد أن أخبر والده أنهم سيهبطون بعد قليل إليهم.
وضع الصينية على الطاولة وخرجت نايا من المرحاض مرتدية عباءة استقبال من اللون الأبيض مطلقة العنان لخصلات شعرها الحريرية.
أطلق صفير بإعجاب.
خجلت الأخرى.
هتف بمرح:
"لا، أنا أروح أهد حمام وأجهز عشان نفطر وننزل للناس اللي تحت دول."
***
استيقظ يوسف ونورسيل إثر صوت زغاريد الخادمة.
نهض يوسف بتثاقل ونظر إلى نورسيل قائلاً:
"هتكملي نوم ولا هتنزلي؟"
غمغمت بوهن:
"لا، هقوم أكيد. نايا صحيت."
أومأ بإيجاب:
"تمام."
ارتدوا ملابسهم واستعدوا وهبطوا سوياً إلى الأسفل.
وجدوا الجميع مستيقظين، جلسوا معهم.
هتف يوسف متسائلاً:
"أنا صحيت على صوت الزغاريد، قولت عدي نزل."
ردت صفاء بإيجاب:
"أه يا حبيبي، هيفطروا فوق ونازلين عشان يسلموا على الجماعة، لأن عمك مصمم يسافر دلوقتي، وعلي كمان."
تطلع لهم يوسف بحيرة:
"مستعجلين ليه يا عمي؟"
تحدث عوني بغلاظة:
"مستعجلين والله، أنا الود ودي ما كنتش أحضر الفرح ده، بس لأجل عيون عدي وأنا كبيركم مكنش ينفع محضرش. هصغر منكم قدام الناس."
قلب يوسف عينه بملل من حديث عمه الذي لا قيمة له من الأساس.
همهمت نورسيل بصوت خافت لم يسمعه سوى يوسف:
"بتفكرني يا عم حبظلم بكلام تيمون في كرتون سيمبا. ده مش ملك، ده شبل بزمبلك. أنت بقي الزمبلك ده."
لم يستطع يوسف تمالك ضحكاته أكثر من ذلك على حديث زوجته على طريقة حديث عمه.
تطلع له الجميع بحيرة، بينما شحب وجه نورسيل.
توقف عند الضحك وهتف معتذراً:
"سوري يا جماعة، افتكرت حاجة تضحك."
التفت إلى علي وقال:
"وأنت يا علي مسافر ليه؟ خليك؟"
غمغم عوني ساخراً:
"أصل الهانم مراته تعبانة ومحتاجاه عشان تعبانة من الحمل. دلع بنات مرئ."
هتف علي بضيق:
"بابا بعد إذنك بلاش تتكلم عن مراتي كده."
رمقه عوني بضيق وصمت.
بعد قليل، هبط عدي ونايا ونهض الجميع يرحبون بهم ويباركون لهم.
وكالعادة، عوني ظل جالساً بغرور.
اضطر عدي أن يذهب إليه احتراماً لعمره لا أكثر.
مر الوقت وغادر عوني وزوجته وعلي.
***
استيقظت حنين على طرق على باب الغرفة.
التفتت إلى شريف كي تقوم بإيقاظه من أجل أن يفتح الباب.
على الرغم من غلاظته ولسانه الحاد، لا تنكر حنيته معه واحتوائه لها.
فتح عينه بوهن ونظر لها بتيه.
تحدثت بصوت خافت:
"الباب بيخبط."
أومأ لها ونهض بتثاقل وقال:
"قومي روحي الحمام واتسبحي، تلاقيها أمي والستات جايبين فطور الصبحية."
نهضت سريعاً ونفذت ما قال.
اتجه هو إلى الباب وجد والدته وزوجة شقيقه ووالدة حنين ومعهم بعض النساء.
تنحى لهم جانباً ودلفوا وهم يطلقون الزغاريد.
باركوا لهم.
وبعد قليل خرجت حنين من المرحاض مرتدية عباءة وحجاب.
سلمت على والدتها أولاً وحماتها، والتي عرفتها بدورها على عهد، يليها باقي النساء.
بعد قليل هبط شريف إلى مجلس الرجال.
***
بعد مغادرة المباركين، جهزت وصفية زيارة عامرة وذهبت برفقة سالم وشادي وعهد من أجل المباركة إلى نايا.
وجلسوا معهم، ولكن بعد أن سلمت نورسيل عليهم، تحججت وتركتهم وصعدت تجلس في غرفتها تبكي على حالها.
فلما لم يفعل معها عمها وزوجته هكذا، فيوسف وعائلته قاموا بالمثل مع عهد، ولكن هي لم تعبأ بهم من الأساس.
هي لا تغار من شقيقتها، لا بل بالعكس، هي سعيدة من أجلها، ولكنها تشعر أنها رخيصة ولا قيمة لها لديهم.
راقب يوسف نظراتها إلى عائلة عمها وكذلك انسحابها.
استأذن الآخر وصعد خلفها وفتح الباب ودلف، وبالفعل وجدها تبكي كما كان يشك.
يعلم جيداً فيما تفكر، فهو الآخر حزن لأجلها.
عندما رأته مسحت دموعها بكف يدها كالأطفال.
اقترب هو وجلس جوارها وضمه عنوة داخل أحضانه وهتف بهمس:
"إهدي، عارف انتي بتفكري في إيه، بس احنا ظروف جوازنا غير، وكمان سافرنا القاهرة في نفس اليوم، مكانش في مجال يجوا يباركوا لينا من الأساس، فهمتي؟"
"محدش كلمني أصلاً غير نايا، كأنهم خلصوا مني على أساس مش هما اللي ورطوني في الجوازة دي."
آلمته كلمتها، لكن تركها تخرج ما بها إلى أن هدأت تماماً وسكنت داخل أحضانه.
بعد أن تأكد من نومها، مدها على الفراش وتأملها قليلاً وتنهد بقلة حيلة.
فيبدو أن الطريق معها ما زال طويلاً، لكن صبراً، آل ياسر فهو صبور إلى أقصى حد، وسيترك لها المجال كما تشاء حتى تأتي هي له خاضعة برضاها.
فسيجعلها تحبه وتهواه كما يحبها هو ويهواها.
***
غادرت عائلة نايا.
واستأذن عدي كي يصعد هو وعروسه كي ينعموا ببعض الراحة.
وافقت صفاء بالطبع وصعدت هي الأخرى كي ترتاح، بينما خرج عامر وعليا في نزهة بالسيارة.
عاد شادي وعهد برفقة والديه وصعدوا كذلك إلى غرفتهم كي يخلدوا للنوم، فالجميع متعب من الأسبوع الماضي الذي قضوه عملاً دؤوباً استعداداً للزفاف.
بينما في غرفة شريف، بعد أن تأكد من نوم زوجته، توجه إلى الشرفة بحذر كي لا تستيقظ وقام بطلب بعض الأرقام وانتظر حتى أتاه الرد:
"أيوه، طمني يا مرغني، إيه الأخبار؟ يعني إيه واقف من امبارح مخرجش ولد عمه وأهله وهو لسه جوه؟ خليك واقف ولما يسافر خليك زيه ضله. سام يا واد المركوب، إنت سلام."
أغلق المكالمة.
هتف الآخر وهو يهتف متوعداً:
"هانت جوي يا ولد المغربي وهخلص منك للأبد وترتاح في جبرك يا خيي. وأنت يا نورسيل الكلب نهايتك على يدي. لو لعبتي في ديلك، أينعم هاخد حتتك محمل الجد، لكن إن همشي بدماغي مش همشي ورا حتة حرمة."
ولج إلى الداخل بعد أن قام بإغلاق الشرفة وتمدد جوار زوجته يتأملها بشرود تام حتى غفى هو الآخر وسقط في نوم عميق.
يتبع...
رواية ثأر الحب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم زينب سعيد
بعد مرور شهر كامل استقرت الأوضاع. سافر الجميع إلى القاهرة، وبعدها سافر عدي ونايا لقضاء شهر العسل الخاص بهما في شرم الشيخ ولم يعودا بعد.
العلاقة بين حنين وشريف مستقرة نوعًا ما، فهو عكس ما تتخيل. رغم غضبه وشرّه الذي يظهر للجميع، لكنه طيب القلب. وما جعله يرتفع في نظرها أكثر أنه خصص لعائلتها راتبًا شهريًا ضعف ما كانت تأخذه هي، ولم يخبرها بهذا الأمر، وإنما والدتها هي من أخبرتها.
وكذلك اندمجت مع وصفية وعوّضتها عن فراق نايا ونورسيل وملأت الفراغ بعد مغادرتهما. وكذلك توطدت علاقتها مع عهد رغم رفض وتحذيرات شريف منها. فهي رأت كيف يتعامل معها، لكن هذا لا يهمها، فستظل مدينة لشقيقها بعمرها طوال عمرها.
وكذلك سالم كان يعاملها بحنان، وأبوه استشعرت معاملته. وكذلك شادي، الذي رغم مقاطعته لها في البداية لأنه يتشابه في الشكل مع هذا الحقير، إلا أن شتان بينه وبينه، فهو لم يرفع عينه عليها قط.
بينما عند شادي وعهد، فالأمور بينهما مستقرة كما هي، لم يعكر صفوهما شيء حتى الآن. كما قام بشراء سيارة لها كما وعدها سابقًا.
أما نورسيل ويوسف، فعلاقتهما لم تتقدم شيئًا حتى الآن رغم تقاربهم من بعضهم واستمالة نورسيل ليوسف. ولكن ما زالت في مرحلة تأنيب الضمير فيما يجب أن تفعله. وما أراحها أن العمل بأكمله الآن على يوسف، ولا يستطيع الخروج بمفرده دون حراسه.
ثنائي الحب نايا وعدي، فهما يقضيان أسعد أيام حياتهما الآن. فاستطاع عدي بحبه وحنانه أن يمحو الحزن من قلب نايا ويضمد جراحها. فما زالت تستيقظ كل ليلة على هذا الكابوس، ولكن في كل مرة تفيق بها تجد عدي مستيقظًا ويأخذها داخل أحضانه، مربتًا على ظهرها. حتى أنها باتت تشعر أنه قد يكون قد فهم شيئًا من هذيانها.
***
في قصر المغربي.
في صباح يوم جديد، استيقظ يوسف ووجد الفراش بجواره خاليًا. نهض بتكاسل وآخذ حمامه وارتدى ملابسه متوجهًا إلى الأسفل. هبط بخفة ووجد الإفطار على السفرة، لكن لا يوجد أثر لوالدته أو لنورسيل. قطب جبينه بحيرة واتجه إلى المطبخ بحثًا عنهما، فمن المؤكد أنهما بالداخل.
وقد صدق حدسه، وجدهما بالداخل منهمكين في إعداد الطعام. وضع يده في جيبه مغمغمًا بتساؤل:
- أنتِ بتعملي أيه؟
التفتت له صفاء بابتسامة:
- أنت ناسي ولا إيه؟ العرسان جايين النهاردة.
أومأ بإيجاب:
- لأ طبعًا عارف، بس ليه ده كله؟
هتفت بتوضيح:
- أنا كمان عازمة أخواتك.
ابتسم بخفة وقال:
- ماشي يا ست الكل، بس مش الصبح كده؟
رمقته صفاء بغيظ:
- لأ يا حبيبي، ولا بدري ولا حاجة. بدري من عمرك، يا دوب نحشي الماشي ونتبل اللحوم ونعمل حلويات وعصاير.
ألتمعت عينه بمكر وردد بلهفة:
- هتعملوا بسبوسة؟
تطلعت له والدته بحيرة وقالت:
- مش عارفة، نورسيل هي اللي هتعمل.
التفت إلى نورسيل التي تتحاشى النظر إليه ومندمجة في تقوير الباذنجان:
- هتعملي يا بنتي بسبوسة؟
أومأت بإيجاب:
- أه.
تحدث بمكر:
- ممكن تعملي صنيتين يا نور؟
التفتت له بحيرة:
- ليه؟
ابتسم بخفة:
- صنية للضيوف وصنية ليا أنا وأنتي ناكلها سخنة زي المرة اللي فاتت.
ما أن لاح بذهنها ما حدث المرة الأخرى، خجلت ونظرت لما بيدها بارتباك.
ابتسمت صفاء وقالت:
- ماشي يا حبيبي، روح افطر أنت.
هز رأسه نافيًا وتمتم:
- لأ يا أمي، مليش نفس. يلا سلام، محتاجين حاجة؟
تطلعت له صفاء معاتبة:
- لأ يا حبيبي، سلامتك.
غادر يوسف وعادت صفاء ونورسيل إلى ما كانوا يفعلونه من جديد.
***
وضعت الإفطار على السفرة بعد أن ارتدت ملابسها استعدادًا للذهاب إلى والدتها.
دلفت المرحاض وجدت زوجها يقف في المرحاض يقوم بحلاقة ذقنه. وقفت تتأمله بخفة مستندة على باب المرحاض.
رمقها بنصف عين وهتف قائلاً:
- إيه يا قلبي، بتبصي ليا كده ليه؟
ألتمعت عيناها بطفولة وقالت:
- نفسي أحلق ليك دقنك أوي، ممكن؟
نظر لها بتردد، ينظر لها تارة وإلى ماكينة الحلاقة تارة أخرى، هتف بحذر:
- هتعرفي؟ عهد حبيبتي، ده وشي، مفيش لعب؟
ابتسمت بخفة وهتفت بغرور:
- اطمئن، الحلاقة سهلة أوي.
تنهد بقلة حيلة ومد يده إليها بالماكينة. أخذتها بفرحة وهتفت بطفولة:
- طيب، وطي شوية عشان أطولك.
ضحك بخفة وقام بحملها وأجلسها على الحوض أمامه. ابتسمت بخجل وبدأت في حلاقة ذقنه. وما مر سوى دقيقة واحدة وصرخ شادي بألم وانتفضت هي مكانها، وقفزت من فوق الحوض تتفحص وجه الذي ينزف بغزارة. تحدثت بدموع:
- آسفة، والله ما قصدتش.
فتح صنبور الماء وبدأ بغسل وجهه من الدماء وهي تقف بجواره بحزن.
وضع المحرمة الورقية على ذقنه والتفت لها بحنان عندما رآها تبكي، مربتًا على ظهرها بحنان:
- اهدى يا حبيبتي، أنا بخير، اطمني.
هتفت بصوت خافت مختنق بالدموع:
- أنا آسفة، ما قصدتش والله.
ضحك بهدوء:
- طيب، بتعيطي ليه بس؟ حصل خير يا عمري، بطلي عياط بقي لو سمحتي وتعالي عقّمي ليا الجرح، ممكن؟
أومأت بإيجاب على الفور.
بعد فترة، كان يجلس على السفرة وبيده مرآة صغيرة ينظر إلى وجهه الملئ بالخربشات وهذا الجرح الكبير بأسفل ذقنه، كما لو كان طابع حسن.
هتفت بحذر:
- أنت كويس صح؟
ابتسم بحسرة:
- بخير يا روحي، اطمني. حطي اللاصق الطبي، أنا مش مشكلتي مع الجروح، مشكلتي هقول للناس إيه؟ مراتي كانت بتلعب باليه في وشي؟
لم تستطع كتم ضحكاتها، وضحك. رَمقها هو بغيظ ووضع المرآة أمامه وقام بحملها فوق قدمه ويدغدغها بتوعد، وضحكاتها ترتفع رويدًا رويدًا وهي تمسك ببطنها بألم من كثرة الضحك.
***
في الصعيد، في منزل سالم الشافعي تحديدًا في غرفة شريف وحنين. تقف في المرحاض تطلع تلك العصا البلاستيكية بعينين جاحظتين بعد أن قرأت تعليمات الاستخدام. ظهر خطين باللون الأحمر، هذا يعني أنه إيجابي، وهي تحمل داخل أحشائها جنينًا بالفعل. ألقت العصا أرضًا وضمت أحشاءها مرددة بعدم استيعاب:
- معقول، أنا حامل بجد؟
فهي لم تكن تظن أنه تحمل جنينًا بهذه السرعة، فقد تزوجت فقط من شهر. لكن منذ أسبوع وهي تشعر بانقباضات داخل رحمها وتأخر موعد عادتها. وعندما أخبرت والدتها، أصرت عليها أن تذهب إلى الطبيب، فمن الممكن أن تكون حاملًا بالفعل. لكنها رفضت ذلك وقامت بشراء هذا الاختبار بعد أن مر الأسبوع دون جديد، وها هي تحمل طفلًا داخل أحشائها بالفعل. دمعت عيناها إراديًا وهي تفكر في ردة فعل شريف وعائلة زوجها. هل سيفرحون به؟ لكن إذا كشف أمرها يومًا، هل سيغفرون لها من أجل هذا الطفل أم سيكون لهم رد آخر؟ فاقت من شرودها على طرق على باب المرحاض. مسحت دموعها سريعًا وقامت بإلقاء الاختبار في سلة القمامة وخرجت سريعًا. وجدت شريف يقف أمام الباب بقلق:
- اتأخرتي كده ليه يا حنين؟ قلقت عليكي.
تحدثت بارتباك:
- مفيش حاجة، أنا كويسة أهو.
رمقها بحيرة:
- مالك يا حنين؟ أنتي بتبكي عاد ولا إيه؟
تطلعت له قليلًا وحسمت أمرها وقررت إخباره، فهو يجب أن يعلم. إذا لم يكن اليوم، فغدًا:
- أنا حامل.
تطلع لها بعدم تصديق، فهذا الغرض الأساسي من أن يتزوج أن ينجب هو طفلًا قبل شقيقه، فهو لن يسمح أن يكون أول حفيد لعائلتهم، تلك الشمطاء أمه، وليس بهذه السرعة. هتف غير مصدق:
- أنتي بتجولي إيه؟
رددت مرة أخرى:
- أنا حامل.
ضحك بصوت مرتفع:
- صح، أنتي حبلى؟
أومأت بإيجاب، ضمها بلهفة داخل أحضانه وابتعد عنها سريعًا وهو يهبط ويصيح:
- يا أبوي، يا أماي، شهاب الصغير جاي.
تطلعت له بصدمة وتحركت خلفه. لم تتوقع ما فعله، توقعت فرحته، ولكن ليس لهذه الدرجة.
هبطت إلى الأسفل وجدت والديه يضمونه بفرحة شديدة. اقتربت منهم بخجل شديد. اقتربت منها صفية بلهفة:
- مبروك يا بتي، مبروك.
ابتسمت بخجل وقالت:
- الله يبارك في حضرتك يا ماما.
ابتعدت عنها وقبل سالم رأسها بحنان:
- مبارك يا بتي.
هتفت بامتنان:
- الله يبارك في حضرتك.
غمغمت صفاء بدعاء:
- ربنا يقومك بالسلامة يا بتي، ويمن عليكي يا عهد أنتي كمان بالخلف الصالح.
امتعض وجه شريف ولمعت في ذهنه فكرة خبيثة:
- أنا لازم أحدّث خيي، أخبره بنفسي.
***
يقود سيارته وعهد بجواره. يرمقها من حين لآخر بغيظ وهي تضحك. زفر بحنق:
- بطلي ضحك بقي.
ابتسمت هاتفة:
- بصراحة، شكلك حلو كده.
رمقها بغيظ:
- حلو، أنتي اللي حلوة يا أختي.
ضحكت أكثر. قطعهم رنين هاتفه. نظر إلى الرقم. ردت متسائلة:
- مين؟
رد بحيرة:
- شريف.
مطت شفتيها بحيرة:
- غريبة، بيتصل بدري ليه؟ رد بسرعة، ليكون في حاجة.
أومأ لها ورد:
- السلام عليكم ورحمة الله، كيفك يا خيي، وكيف أبوي وأمي ومرتك بخير؟ طيب، زين. خير يا أخوي، خبر إيه؟
ما إن ألقى على مسامعه الخبر حتى توقف شادي فجأة، مما جعل عهد تصطدم بالأمام. تطلعت له بحيرة وهتف هو باقتضاب:
- ألف مبروك، سلامي للجميع، سلام.
أغلق الهاتف والتفت إلى زوجته مغمغمًا بتساؤل وهو يتفحصها:
- أنتي كويسة؟
أومأت بوهن:
- أيوة، بخير، اطمن.
تنهد بارتياح:
- تمام.
هتفت متسائلة:
- خير، في حاجة حصلت؟
هز رأسه نافيًا وردد باقتضاب:
- مفيش، شريف كان بيقولي أن مراته حامل.
صاحت بفرحة:
- بجد؟ طيب لازم نسافر نبارك لهم.
تمتم برفض:
- أبقي كلميها باركي ليها وخلاص.
ردت نافية:
- لأ، مين…
هتف بحزم:
- عهد، أظن سمعتي قولت إيه.
صمتت عهد بحزن وأكمل هو قيادته من جديد حتى أوصلها إلى منزل عائلتها وغادر هو سريعًا بسيارته كأنه يسابق الريح.
***
دلفت عهد بوجه عابث بسبب ما حدث، لكن ما إن رأت والدتها ونورسيل، رسمت ابتسامة على وجهها وجلست معهم تساعدهم في إعداد الطعام. وبعد قرابة الساعة، وصلت عليا هي الأخرى برفقة طفليها الذين جلسوا يلعبون ويدورون حولهم، مما جعل هناك بهجة للمكان.
تمنت صفاء بداخلها أن يمن الله على أولادها بالذرية الصالحة وترىهم أمام عينها مثلهم.
مساءً، عاد الرجال وجلسوا معًا في انتظار عودة عدي ونايا الذين وصلا قرابة آذان العشاء واستقبلهم الجميع بفرحة وسعادة. وجلسوا سويا تناولوا العشاء الذي كان به كل ما لذ وطاب، فصفاء والبنات قد تفنن في تحضير كل وجبة يفضلها كل منهم. وبعد العشاء، قاموا بتوزيع الهدايا وتناولوا العشاء، وظل الجميع ساهرين في أمسية حتى استأذن عامر وعليا للمغادرة، وكذلك شادي وعهد. ولم يتبق سوى صفاء وعدي ونايا ونورسيل ويوسف. استأذنت صفاء لكي تصعد إلى غرفتها كي تستريح، وكذلك صعد عدي ونايا إلى جناحهم، وكذلك صعد يوسف. بينما ذهبت نورسيل إلى المطبخ.
***
وصلوا إلى شقتهم ودلفوا سويا. ولج هو إلى غرفة النوم وهي خلفه. جلست على الفراش وقام هو بتغيير ملابسه وتمدد بصمت تام.
رمقته بحيرة:
- ممكن أفهم، في إيه؟
تطلع لها باقتضاب وقال:
- هو إيه اللي فيه إيه؟ مش فاهم؟
غمغمت بحيرة:
- أنت مضايق ليه؟ في حاجة ضايقتك؟
هز رأسه نافيًا وهتف بحنان:
- مفيش حاجة يا حبيبتي، اطمني. شوية مشاكل في الشغل.
قطبت جبينها بحيرة وتمتمت بقلق:
- مشكلة إيه؟ قولي أساعدك.
ابتسم بخفة واعتدل مداعبًا أنفها برقة:
- تسلمي يا قلبي، محتاج دعواتك وبس، ممكن؟
ردت بصدق:
- بدعيلك يا حبيبي من غير ما تقول.
ابتسم بحب مقبلاً يدها:
- ربنا يبارك ليا فيكي يا روح قلبي، وما يحرمنيش منك يا رب.
هتفت بحب:
- ولا يحرمني منك يا روح قلبي.
***
جلس يوسف على الأريكة وأمامه حاسوبه الخاص باندماج شديد. فتح باب الغرفة بعد ما يقارب الساعة، تفاجأ بنورسيل تدلف الغرفة وبيدها صينية متوسطة الحجم وتصرخ بألم:
- شيل اللي على الترابيزة بسرعة.
تطلع لها بصدمة وحمل اللاب توب سريعًا وابتعد. وضعت هي مفرش سيليكون عازل للحرارة وقامت بوضع الصينية فوقه وتنهدت براحة:
- أخيرًا.
نظر هو لها وإلى الصينية الموضوعة وما بها. وجدها صينية بسبوسة بالفعل والأبخرة تتصاعد منها، من المؤكد أنها أخرجتها من الفرن الكهربائي الآن. هتف متسائلاً:
- أنتي كنتي بتعملي بسبوسة دلوقتي؟
أومأت بإيجاب:
- أيوة، أنت مأكلتش من الحلويات بعد العشاء، دُقت حتة وما عجبتكش وسيبت الطبق.
وضع حاسوبه على الكومدينو واقترب منها ضامًا خصرها بتملك. حاولت هي فك أثره لكن لم يترك لها المجال هاتفا بمكر:
- هو الجميل مركز معايا ولا إيه؟
ابتعدت عنه وهتفت متهربة:
- البسبوسة لسه ما بردتش، مش هتعرف تاكلها.
جلست على الأريكة. تنهد هو الآخر وجلس جوارها. مدت يدها إليه بمعلقة وهي معلقة أخرى. ترك ملعقته وهتف بحب:
- أنا حابب نأكل بنفس المعلقة، ممكن؟ بيبقى طعمها أفضل.
تطلعت له بتردد. تفهم هو ومد يده ليأخذ معلقته، لكن هتفت بخفوت:
- ماشي.
ابتسم باتساع. بدأت هي تأكل معلقة بفمها والمعلقة الأخرى تضعها بفمها، والآخر يأكلها بتلذذ ونهم شديد.
بعد فترة، انتهوا من الصينية كاملة وغمغمت نورسيل بتخمة:
- مش قادرة، بطني اتنفخت، مش قادرة آخد نفسي. خايفة لأتخن، أنا بتخن من الهوا، أشمعنى أنت؟ بتاكل وعادي؟
أجاب ببساطة:
- أنا بفطر معاكم وساعات مش بفطر، واليوم كله شغل، فجسمي بيحرق ومحتاج طاقة، فهمتي؟
غمغمت بإحباط:
- يا بختك، يارتني أشتغل أنا كمان، شغلني عندك، ينفع؟
ضحك بخفة وقال:
- لأ طبعًا مينفعش يا نوري، لأني في شغلي حازم جدًا وأي غلطة هتبقى بفورة، وثانيًا والأهم، شغلنا فيه تعاملات خارجية كتير، وبصفتك مترجمة ده هيبقى أساس شغلك، وممكن حد يبص ليكي بصة مش لطيفة يكلمك أو يطاول عليكي، ووقتها ممكن أرتكب جريمة.
رمقته بعدم فهم:
- أنت بتعمل كده مع كل الستات اللي بتشتغل معاك؟
هز رأسه نافيًا وقال بحب:
- أكيد طبعًا. أه، بس بخلي معاه عميل راجل لو فعلًا العميل يستاهل، لكن لو عميل مش مهم بنقطع معاه التعامل، لأن البنات دي أمانة عندي، بس أنتي مراتي حبيبتي غير، مش بعيد أقطعه بسناني كمان. يلا يا حبيبتي، تصبحي على خير.
نهض مقبلًا جبينها بحب وتوجه إلى الفراش وتمدد بصمت.
تطلعت له بحيرة. كل يوم يؤكد لها أنه رجل بمعنى الكلمة ويعلم الله جيدًا. لكن كيف وهو قاتل؟ كيف أن يقتل رجلًا دون ذنب؟
تنهدت بقلة حيلة ونهضت تتمدد بجواره هي الأخرى. ظلت تتأمل ملامح وجهه الرجولية حتى غلبها النوم هي الأخرى. كان ما زال مستيقظًا ويشعر بها، وما أن شعر بسكونها ونومها، قام بأخذها بأحضانه وغفى في نوم عميق، غافلاً عما يخبئه له المجهول.
يتبع...
رواية ثأر الحب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم زينب سعيد
مع ظلام الليل والسكون هو الشئ الوحيد المسموع نهض بفزع وهو يشهق بقوة ويتنفس بصوت عالي.
إستيقظت الآخري بفزع وأشعلت الضوء تنظر له بترقب.
وعندما لاحظت تنفسه العالي دلالة علي ما يعانيه نهضت من جواره وأحضرت كأس ماء وأعطته إليه.
نظر لها قليلا وآخذه منها وتجرعه دفعة واحدة وأعطاه لها مرة آخري.
وضعته علي الكومدينوا مغمغة بتساؤل:
- يوسف أنت كويس؟
رفع رأسه متمتما بوهن:
- الحمد لله.
مطت شفتيها بحيرة وعقبت متسائلة:
- طيب أيه إلي حصلك؟
تنهد بضعف وقال:
- كابوس صعب أوي.
أومئت بتفهم وقالت:
- خير إن شاء الله. أستعيذ بالله ونام إن شاء الله خير.
حرك رأسه نافيا:
- لأ، هقوم آخد شور وأصلي ركعتين وأقعد أقرأ قرآن للصبح. حاسس أن مخنوق أوي.
هتفت مازحة كي تخفف عن كاهله فهذة آول مرة تراه هكذا:
- يا عم متقلقش كده عشان أنت بس تقلت في البسبوسة.
رمقها بإبتسامة وصمت.
غمغمت بهدوء:
- هنزل أعمل ليك كوباية لبن بالعسل عقبال ما تاخد شور تمام؟
أومئ بضعف:
- تمام.
تحركت هي متجهه الي الأسفل.
ظل هو يتأمل آثرها قليلا ونهض بتثاقل متجها الي المرحاض.
❈-❈-❈
بعد قليل خرج من المرحاض وقام بفرش سجادة الصلاة وأدي صلاة قيام الليل.
وما أن إنتهي جلس أرضا وأحضر مصحفه الشريف وجلس يرتل بصوته العذب.
فتح الباب ودلفت نورسيل وهي تحمل كأس الحليب.
وضعته جواره وجلست أرضا في مقابلته.
صدق هو وقال:
- تحبي أطلع في البلكونة عشان تعرفي تنامي؟
هزت رأسها نافية وتمتمت بلهفة:
- لأ، حابة أقعد أسمع صوتك وأنت بتقرأ القرآن. صوتك حلو أوي.
إبتسم بخفة:
- ماشي يا ستي.
مدت يدها إليه بكوب الحليب:
- أشرب يلا اللبن هيبرد.
آخذه من يدها وتجرعه ببطئ وهي تتأمله بشرود.
أنهى الكأس ووضعه جانبا وهتف متسائلا:
- سرحانة في آيه؟
رفعت كتفيها بالامبالاة وقالت:
- مفيش حاجة.
هز رأسه بإيجاب وأكمل تلاوة سورة البقرة وهي تستمع إليه بإنصات شديد.
ما أن إنتهي حتي هتفت بلهفة:
- ممكن تقرأ ليا سورة يوسف؟
تطلع لها بحيرة:
- سورة يوسف؟ أشمعني؟
أجابت ببساطة:
- بصراحة بحب سورة سيدنا يوسف أوي. هتقرأها؟
أومئ بإبتسامة:
- حاضر.
بدأ تلاوة سورة يوسف.
ومع آذان الفجر كان قد إنتهي من تلاوتها.
صدق وقام بوضع المصحف جانبا وقال:
- قومي أتوضي يلا عشان نصلي الفجر.
أومئت بإيجاب ونهضت لتتوضئ وعادت بعد قليل وأمها.
وبعد أداء صلاة الفجر جلسوا يسبح وهتف بحنان:
- قومي نامي يلا وأنا هفضل قاعد للصبح.
هزت رأسها نافية:
- لأ، مش جاي ليا نوم. هحيب مصحف وأقرأ معاك.
وبالفعل نهضت وأحضرت مصحف آخر وجلسوا يتلون القرآن الكريم إلي أن غلبها النوم وهي تقرأ.
صدق وقام بآخذ المصحف منها ووضعه جانبا وقام بحملها برفق ووضعها علي الفراش ودثرها علي الفراش جيدا وجلس يتأملها بحب.
تنهد بأسي وتمتم بهمس:
- حاسس أنه مش مجرد كابوس يا نورسيل، بس حاسس أن خلاص النهاية. أنا حبيتك أوي، حبيت طفولتك براءتك كل حاجة فيها. بتمني ليكي السعادة حتي لو مش معايا.
إقترب منها مقبلا رأسها بحنان وإستقام بعدها يكمل تلاة القرآن الكريم في الشرفة حتي لا تستيقظ حتي يمر الوقت ويأتي موعد عمله.
“إنشق القمر وأصبح قاب قوسين أو أدني معلنا عن شمس يوم جديد قد تكون بداية جديدة لأحدهم ونقطة تحول بحياته، إما نهاية أذلية لآخر تكون نهاية المطاف”
“القلب عندما يهوي لا يختار من يهواه بل يهوب من يشاء بغير ميعاد ولا حساب، فلا تقف أنت حجرة عثر أمامه فقد هوي من هوي وإنتهي الأوان”
❈-❈-❈
مع إشراقة شمس الصباح رن منبه هاتفه.
نهض سريعا ودلف الي الداخل وقام بإغلاقه ثم خرج الي الشرفة مرة يتنفس نسمات الهواء الباردة.
ظل علي وضعه قليلا ودلف بعدها.
إرتدي ملابسه الرسمية وإتجه الي نورسيل.
ألقي عليها نظرة أخيرة مقبلا جبينها بحب وإتجه الي الأسفل.
وجد والدته تجلس علي السفرة برفقتها شقيقه وزوجته.
إقترب منهم ملقيا التحية وجلس برفقتهم مغمغما بداعبة:
- أيه النشاط ده؟ العريس بذات نفسه صحي بدري؟ هتنزل الشغل؟
إبتسم عدي بخفة وقال:
- أه هنزل. كفاية كده شهر وشوية أجازة وأنت شايل الليلة كلها. كفاية كده وأنزل معاك إن كان حبيبك عسل.
أردف يوسف بصدق:
- لا يا حبيبي خليك النهاردة كمان. الشغل مش هيطير ويا سيدي خلص برطمان العسل كله، أنا معنديش أغلي منك.
إبتسم عدي بإمتنان:
- ربنا يخليك ليا يا غالي ومنحرمش منك يااااارب.
رد يوسف بحنان:
- ولا يحرمني منك يا حبيبي.
هتفت صفاء بحنان:
- وربنا يخليكم ليا يارب وميحرمنيش منكم.
رودوا الإثنين علي الفور:
- ولا يحرمنا منك يا حبيبتي.
غمغم عدي بإصرار:
- بس أنا خلاص صحيت وهروح الشغل. أطلع أنت خد يوم نفسك أجازة وأرتاح شوية.
هز يوسف رأسه نافيا:
- راحتي في شغلي. إذا كانت السمكة بتموت بره المياه أن أموت من غير شغلي.
هتفت صفاء بلهفة:
- بعد الشر عنك يا قلب أمك.
إبتسم بهدوء مقبلا يد والدته:
- الموت مش شر يا امي. الموت حقيقة أزلية كلنا هنمر بيها.
تمتمت نايا مغيرة ضفة الحديث:
- خلاص يا جماعة فيه أيه؟ صلوا علي النبي بس.
ردد الجميع الصلاة علي النبي وهتفت هي بدعابة:
- أيوة كده قلبتوها نكد ليه كده؟
تطلعت الي يوسف هاتفة بتساؤل:
- هي نورسيل فين؟
أجاب بهدوء:
- نايمة.
قطبت جبينها بحيرة وغمغمت متسائلة:
- غريبة مش من عادتها. هطلع أصحيها.
تحدث يوسف بلطف:
- خليها نايمة يا نورسيل. أنتي عارفة أختك عاملة زي زعابيب أمشير.
ضحكة علي مزحته:
- أنت هتقولي عليها بس. أن جيت للحق طيبة.
أومئ مؤكدا:
- فعلا طيب جدا. ومع الأسف دي مش ميزة، ده عيب سهل جدا يضحك عليها ويتلعب في دماغها.
تنهد وقال:
- طالما أنت هتنزل الشغل هاخد جولة في المصنع الجديد أشوف التشطيبات وأرجع. يلا يا عدي ولا قاعد؟
نهض عدي مقبلا رأس زوجته ووالدته:
- لأ جاي معاك. محتاجة حاجة يا ماما؟ محتاجة حاجة يا حبيبتي؟
هزت نايا رأسها نافية:
- لأ سلامتك يا حبيبي.
صفاء:
- لا يا حبيبي منحرمش منك.
غمز عدي الي زوجته بخفة:
- طيب تعالي وصليني لغاية بره يا قلبي.
نهضت بخجل وتمسكت بيده كي توصله إلي باب المنزل وهم يتحدثون بصوت غافت.
تطلع لهم يوسف بفرحة أن يعطي شقيقة السعادة التي لم يحظي بها هو يوما ويعطيها له.
تنهد براحة وقبل جبين والدته وهو يلقي نظرة أخيرة عليها وعلي المنزل الذي شهد بها حياته بأكملها.
خرج وجد شقيقه بإنتظاره بعد أن ولجت زوجته الي الداخل.
إقترب منها وهتف بإبتسامة:
- محتاج حاجة يا حبيبي؟
هز عدي رأسه نافيا وقال:
- لأ يا حبيبي. أيه هتروح بعربيتك؟
أومئ بتأكيد:
- اه. بقالي كتير مسوقتش وكمان مفيش داعي آخد حرس ساعتين وراجع.
تنهد عدي وقال:
- تمام يا حبيبي.
إقترب يوسف منه وضمه بقوة مما جعل الآخر يتعجب ولكن ضمه هو الآخر.
إبتعد عنه وقال بحنان:
- عدي أنت عارف أنا بحبك قد ايه؟ صح أنت أخويا وأبني وأغلي ما عندي. عايزك تبقي راجل دايما في ضهر أمك وأخواتك ومراتك. خد بالك منها نايا بنت جدعة بجد وتعبت في حياتها كتير تستهالك. وكمام نورسيل بقت أختك خلي بالك منها.
تطلع له عدي بقلق وقال:
- ليه بتقول كده؟
تحدث يوسف بإبتسامة:
- عادي يا حبيبي متشغلش بالك. يلا خد بالك من نفسك سلام.
أنهى جملته وإتجه الي سيارته بعد أن أشار للحرس أن يبتعدوا.
ركب سيارته وتحرك سيارته.
حك عدي جبينه بحيرة:
- يا تري فيك أيه يوسف؟ كلامك قلقني مش طمني.
تنهد بقلة حيلة وركب السيارة هو الآخر أمرا السائق أن يتحرك.
❈-❈-❈
يجلس في الديوان الخاص بالأراضي الزراعية يدون بعض الحسابات.
قاطعه رنين هاتفه.
تطلع الي الهاتف بالمبالاة حتي رأي إسم المتصل رد علي الفور:
- أيوة يا مرغني خير؟
نهض بفرحة وقال يتجول:
- أيه خرچ لحاله زين جوي خلاص عليها. عايز الطلجة تيچي في جلبه يا مرغني. عايز أسمع خبره الليل. سامع وأطمئن فلوسك چاهزة تمام سلام.
أغلق الهاتف وجلس بإنتشاء وأرجع ظهره الي الخلف مغمغما براحة:
- والله وهتدخل جبرك يا ولد المغربي وآخد تار أخوي بيدي. لكن معلش المهم عندي روحك وبس. وعن جريب نورسيل ترچع من تاني أرملة ونايا مطلجة. بعد ما أعرفهم أن نورسيل هي الي مخططة لجتله. واه لو السنيورة تطلج من شادي يبجي خلصنا من ولد المغربي للأبد. جبر يلمهم كلاتهم ما يساوا ضوفر واحد منيك يا شهاب. أتمني تكون مرتاح في جبرك يا خيي.
❈-❈-❈
تملمت في الفراش ونهضت بتثاقل.
وجدت نفسها ممدة علي الفراش.
قطبت جبينها بحيرة فآخر ما تتذكره هو أنها كانت تجلس تقرأ وردها برفقة يوسف.
ولكن علي ما يبدوا أن النوم غلبها وغفت ومن المؤكد حملها هو.
تنهدت بأسي وهي تمتم داخلها:
- كم أنت حنون أيها اليوسف. أصبحت لا أدري هل أنت طيب القلب أما شرير؟ ما سمعته عنك يؤكد إنك شخص ماكر وخبيث. وما رأيتك بك إنك طيب القلب وتخاف الله. ولكن من تصدق عقلها وقلبها وما رأت بعينه، أما تصدق ما سمعته فحسب.
تنهدت بقلة حيلة ونهضت بتثاقل وهي تضع يضعها علي قلبها فهو ينبض بسرعة كبيرة وتشعر بثقل كبير يجتاح صدرها.
روادها هذا مرة واحدة وبها توفي شهاب. فماذا ينتظرها الأن؟ هل يوسف أصابه مكروه؟
عند هذه النقطة استعاذت بالله علي الفور وحاولت إسترداد أنفاسها الثائرة كي تهدئ حالها متجهه الي الأسفل تجلس برفقتهم قليلا وهي تصر أن الأمور علي خير ما يرام ولا داعي الي القلق الذي تشعر به الأن.
“لا تصدق كل ما يقال ، فالأقوال كثيرة ، والآراء أكثر ، صدق ما تراه بعينك ويستشعره قلبا فقد بات العقل والقلب هما منبع الصدق الأن في زمن لم يبقي به سوي مكر وخداع البشر”
❈-❈-❈
هبطت للأسفل وجدت صفاء ونايا يجلسون وبرفقتهم عهد التي حضرت هي الآخري.
سلمت عليهم وجلست جوارهم تستمع الي حديثهم.
هتفت صفاء بحنان:
- قومي أفطري يا نورسيل.
هزت رأسها نافية:
- تسلمي يا طنط مش جعانة.
أومئت لها بإيجاب وحل الصمت الي أن قطعته نايا ضاحكة:
- عهد هو شادي كان متشلفط كده ليه؟
هتفت بخجل:
- الصراحة كنت بحلق ليه دقنه.
أنهت جملتها وانفجروا ضاحكين وهتفت نايا ساخرة:
- يا شيخة حرام عليكي. أنا قولت عمل حادثة بعد الشر.
وضعت صفاء يدها علي قلبها بقلق:
- بعد الشر يا نايا. أنا ناقصة قلق. أنا قلقانة علي يوسف خلقة.
ألتفت لها نورسيل بقلق:
- ليه يوسف ماله؟
هتفت بتوضيح:
- خرج لوحده وهو سايق بقلق عليه أوي.
إنقبض قلبها بقوة أن ينف شريف مخطته.
لكن ما أراح ان هذا ليس الموعد المعتاد. فمن المؤكد ان شريف لا يعلم هذا.
تنهدت براحة رغم أنها تشعر أنها هناك شئ علي غير ما يرام.
لكن مهلا فإستبشروا خيرا تجدوه.
تحدثت عهد بتذكر:
- صحي صحيح مش حنين حامل؟
رددت نايا بإبتسامة:
- بسم الله ما شاء الله. مين الي قالك؟
هتفت بتوضيح:
- شريف الي كلم شادي يبلغه.
غمغمت نايا ساخرة:
- قصدك وأنتي الصادقة يغيظ شادي.
رمقتها بحيرة:
- يغيظوا ايه يا بنتي حرام عليكي. الخلفة بإيد ربنا رزق.
أومئت بإيجاب وقالت:
- أسمعي مني أنا. دي دماغ شريف إبن عمي. أنا حفظاه صم يا أختاه. ولا ايه رايك يا نورسيل.
ألتفت لها نورسيل بإنتباه:
- بتقولي ايه؟ مش مركزة.
ضحكت نايا بخفة:
- لا الموضوع طويل الصراحة.
رمقتها نورسيل بضيق:
- نايا مصدعة مش وقت هزارك. هقوم أعمل قهوة بعد إذنكم.
نهضت نورسيل وتطلعوا الي بعضهم بحيرة.
هتفت عهد بعدم فهم:
- هي نورسيل مالها؟ مش مظبوطة كده؟
رفعت نايا كتفيها بحيرة:
- مش عارفة بس بتقول مصدعة.
❈-❈-❈
ظل الوضع مستقر قرابة الساعة.
إلي أن وصل بسيارته إلي الطريق الصحراوي خاص بالوصول إلي المناطق الصناعية خال من السيارات.
إلا من سيارتين لفتوا إنتباهه يحاوطه من كلا الطرفين.
وأكمل قيادة السيارة حتي تجاوزته إحدي السيارتين وقطعت طريقه والآخري في الخلف.
أصبح هو محاصرا في المنتصف.
إضطر التوقف وهبط من السيارة ليري ماذا يريدون منه.
لم يهبط سوي شخص واحد الذي أوقف سيارته أمامه.
وقف في مقابلته.
لاحظ يوسف من جلبابه أنه شخصاً صعيدي.
قطب جبينه بحيرة وقال:
- خير يا بلدينا قاطع طريقي ليه؟ محتاجة مساعدة؟
تحدث الآخر ساخرا وقال:
- لاه مش محتاچ مساعدة منيك. أنا رايد حاچة تانية.
رمقها يوسف بعدم فهم:
- حاجة تانية إلي هي أيه؟ أنت مين يا راجل أنت وعايز مني أيه؟ أنت مش عارف أنا مين ولا أيه؟
تحدث الآخر متهكما:
- لاه عارف زين أنت مين يا ولد المغربي وأنا چاي ليه؟ چاي أخد روحك.
لم يترك المجال كي يستعب ما قاله.
في لمح البصر كان أخرج مسدسه وقام بإطلاق طلقة مدوية إستقرت في صدر الآخر وجعله يتهاوي أرضاً علي ركبيته.
لم يكتف عند هذا الحد بل قام بإطلاق طلقة آخري بكتفه.
وكركب السيارة سريعاً وقادها وخلفه السيارة الآخري فارين كالفئران الهاربة.
تهاوي علي ظهره أرضاً والدماء تسيل من صدره وكتفه بغزارة.
إبتسم بآلم فها قد جاء موعد النهاية.
مر علي عقله شريط حياته علي عقله.
فقد أتم حياته علي أكمل وجه وعبرة سفينته إلي بر الأمان.
إبتسامة بريئة تلوح علي وجهه.
تمتم بصوت خافت فها قد جاء موعد صعود الروح إلي بارئها:
- أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمداً رسول الله.
أنهي الشهادة مع زفر أنفاسه الأخيرة.
“الموت حقيقة أزلية سنطرق لها جميعاً لكن بدون موعد مسبق، فهي محطة نتوقف بها ونغادر ويأتي الدور ليحيى بها غيرنا”
” إبتسامة لاحت من فاهه وهو يطالع أعالي السماء كأنه يري ملائكة الرحمن تهلل في إستقباله وروحه تفارق جسده وترفر بعيدا لاستقبالهم مستبشرا بمكانته التي عدت له في جنات الخلد يحيي بها ويتمتع كما يشاء والملائكة من حوله تزفه إلي مقعده في چنات الخلد عند مليك مقتدر”
“لحظة صعود الروح إلي بارئها أما يستقبله ملائكة الرحمن إذا كان عمله صالحاً، أما أن يستقبله ملائكة النار إذا كان عمله سيئا، فبيدك أنت من تصنع مقعدك بيدك “
رواية ثأر الحب الفصل الثلاثون 30 - بقلم زينب سعيد
أطفئت الموقد على القهوة وانسكبت في الفنجان وحملتها كي تتجه بها إلى الخارج. سقط من يدها أرضًا مهشمًا إلى قطع صغيرة. شهقت هي ووضعت يدها على قلبها وشهقت بعنف.
اقتربت منها الخادمة بلهفة:
"أنتِ بخير يا هانم؟"
وضعت يدها على قلبها وهتفت بتوتر:
"الحمد لله."
تحدثت الخادمة الكبيرة بالسن نوعًا ما:
"اخرجي يا هانم ارتاحي، شكلك تعبانة وأنا هعمل لحضرتك واحدة غيرها."
هزت نورسيل رأسها نافية:
"لأ مفيش داعي خلاص مش عايز."
تحركت متجهة إلى الخارج. جلست معهم بصمت تام مما جعلهم ينظرون إليها بحيرة.
هتفت نايا متسائلة:
"فين القهوة؟"
ردت نورسيل بشرود:
"الفنجان وقع من إيدي."
آومأت بتفهم:
"حصل خير، تحبي أعمل لكِ غيرها؟"
هزت رأسها نافية:
"لأ يا حبيبتي مش عايزة خلاص."
ربتت نايا على ظهرها بتفهم:
"زي ما تحبي يا حبيبتي."
عادوا إلى حديثهم من جديد وهي شاردة في ملكوتها الخاص، إلى أن رن هاتف نورسيل. نظرت إليه بالمبالاة حتى رأت الاسم الذي جعلها تنتفض بفزع.
تطلعوا إليها بحيرة وهمهمت نايا متسائلة:
"في إيه يا نور، انتفضتي كده ليه؟"
هتفت بارتباك:
"مفيش، دي واحدة صاحبتي، هرد عليها وأرجع لكم."
لم تنتظر ردًا منهم، بل أخذت هاتفها وركضت متجهة إلى الأعلى.
***
ولجت جناحها سريعًا وأغلقت الباب خلفها وجلست على الفراش وأجابت على الهاتف بحذر:
"ألو يا شريف خير."
الطرف الآخر بنبرة ساخرة:
"خير يا بت عني، المحروس خرج لحاله وأنتي مجلتيش ليا ليه؟"
انتفضت بفزع وهمت واقفة، هاتفت بتردد:
"إنت عرفت منين إنه خرج لوحده إذا كان أنا نفسي معرفش."
تحدث الآخر متهكمًا:
"عرفت كيف يا بت ميخصكيش، بس خلاص الموضوع انتهى، متشغليش بالك."
صمتت قليلًا وابتلعت ريقها بتوجس:
"قصدك إيه؟ بأنه انتهى."
أجاب الآخر بتشفي:
"قصدي البقاء لله يا بت عمي، ولد المغربي خلاص مات، وجلت أفرحك. يلا سلام يا بت عمي عشان أجهز حالي للعزا."
ألقى جملته دفعة واحدة مما جعل الأخرى تتهاوى أيضًا على ركبتيها غير مصدقة أن يوسف خلاص رحل وتركها. كل هذا الألم الذي تشعر به في قلبها منذ الصباح من أجله، هو فلما لا، فهو مالك قلبها. لم تدرِ بنفسها إلا وهي تبكي وتشهق بصوت مرتفع يقطع نياط قلبها. فيوسف قد رحل ولم تراه مجددًا. مر عليها شريط حياتهم سويًا وهي غير مصدقة أنه قد فات الأوان ويوسف رحل إلى الأبد، وهي من ساهمت بقتله.
***
يجلس على مكتبه، يتحرك بمقعده الهزاز يمينًا ويسارًا بقلق شديد وهاتفه بيده. يحاول الاتصال بشقيقه للمرة التي لا يعلم عددها والنتيجة واحدة، ينتهي الرنين دون إجابة. حتى أنه قام بالاتصال بالمسؤول عن المصنع والذي أخبره أن يوسف لم يصل بعد، مما جعل قلقه يزيد. كلام شقيقه في الصباح لم يريحه البته، بل جعل القلق ينهش في قلبه.
استعاذ بالله من وساوس الشيطان وهو يمني نفسه أن شقيقه على خير ما يرام، رغم أن هذا مخالف لما يشعر به، لكن يرى أن هذا الصواب. "استبشروا الخير تجدوه."
مسح على وجهه وأرجع خصلات شعره إلى الخلف وحاول الاتصال مرة أخرى عله يجيب. وبالفعل فتح الخط رد على الفور معاتبًا:
"حرام عليك، وقعت قلبي، مش بترد لي."
قطع حديثه عندما وجد صوت رجل غير شقيقه. ابتلع ريقه بتوجس وقال:
"أيوة مين حضرتك ويوسف أخويا فين؟"
تصنم جسده ووقف بفزع كالملسوع هاتفًا بصدمة:
"مستشفى إيه؟ أخويا ماله؟"
أخبره الطرف الآخر أن شقيقه وصل إلى المستشفى في حالة حرجة، أو بالأصح قلبه متوقف. استطاع المسعفون إنعاش قلبه في اللحظة الأخيرة، وهو الآن يخضع إلى عملية جراحية لإخراج الطلقة من صدره وحالته حرجة.
أخذ منه عدي عنوان المستشفى وأغلق الهاتف سريعًا وآخذ أغراضه وهو يركض سريعًا كي يطمئن على شقيقه وأبيه الروحي الذي يصارع الموت الآن. داعيًا الله أن يمد الله بعمره ويكون على خير ما يرام.
بعد ما يقارب النصف ساعة كان يركض داخل أروقة المستشفى بعد أن علم مكان غرفة العمليات. ولحسن حظه وجد طبيبًا يهرول خارج غرفة العمليات. تحرك اتجاهه سريعًا هاتفًا بقلق:
"يوسف أخويا يا دكتور، حالته إيه؟"
تحدث الطبيب بأسف:
"الوضع حرج جدًا، أخو حضرتك وصل لينا بطلق ناري، رصاصة جنب القلب بـ 2 سم ورصاصة بالكتف. اللي في الكتف قدرنا نشيلها، لكن اللي في القلب فيه صعوبة، ادعوا له."
تحرك الطبيب سريعًا وتهاوى عدي أرضًا، واضعًا وجهه بين كفيه يبكي بحسرة على أبيه الروحي الذي يركض بالداخل لا حول له ولا قوة يصارع الموت.
ظل على وضعه قليلًا حتى تذكر وصية شقيقه. نهض بصلابة وقام بالاتصال بأولاد عمه وشادي. أبلغهم بالحدث وأن يأتوا بوالدته إلى هنا.
***
توقف شادي أمام قصر المغربي وهبط من السيارة ودلف إلى الداخل بعد أن فتحت له الخادمة.
نهضت عهد بقلق واقتربت منه:
"خير يا شادي، في إيه؟"
نظر لها وإلى والدته وابنة عمه الذين يتطلعون له بترقب. تنهد بحزن وقال:
"نورسيل فين؟"
ردت نايا بحيرة:
"فوق في أوضتها."
تحدث بحذر:
"طيب ممكن تجهزوا."
رمقته صفاء بعدم فهم وهي تقترب منه بحذر تخشى أن يكون أصاب يوسف مكروهًا:
"في إيه يا شادي؟ يوسف كويس؟"
جحظت عين شادي بصدمة، كيف علمت أن الأمر يخص يوسف؟ ولكن إنها الأم يا سادة.
وجه أنظاره أرضًا وتحدث بأسف:
"يوسف في العمليات وعدي بلغني أجيبكم."
شهقت نايا وعهد بصدمة، بينما تحدثت صفاء بصدمة:
"عمليات ابني؟ حصله إيه؟"
اقتربت منه تهزه بعنف:
"رد عليا ابني ماله؟"
ضمها بحنان مهدئًا إياها:
"والله ما أعرف أكتر من أنه في العمليات، إهدي بس إن شاء الله خير. اجهزوا عشان منتأخرش عليه."
نظرت له بتيه واقتربت منها عهد التي تبكي على شقيقها، تأخذ بيدها متجهة بها إلى غرفتها كي تغير ملابسها. وكذلك نهضت عهد سريعًا إلى الأعلى كي تخبر شقيقتها.
***
ولجت غرفة نورسيل وحدتها تجلس أرضًا وتبكي في حالة يرثى لها.
ركضت تجاهها بقلق تحدثت نورسيل بحسرة:
"يوسف مات يا نايا، يوسف مات."
تطلعت لها نايا بحيرة من أين علمت بحالة يوسف من الأساس، ولكن حاولت تخطي الأمر وتحدثت بلهفة:
"اطمئني، يوسف عايش وهو في العمليات، لازم نروح له."
تطلعت لها بأمل:
"بجد عايش؟"
أومأت بإيجاب:
"أيوة، وشتدي جه ياخدنا نروح المستشفى. قومي يلا بسرعة."
نهضت بلهفة وهي تدعو بداخلها أن يكون على قيد الحياة بالفعل.
بعد ساعة توقفت سيارة شادي أمام المستشفى وهبط الجميع متجهين إلى مكان تواجد يوسف. وجدوا عدي وبرفقته عوني وعامر وعلي. وعليا التي ركضت إلى أحضان والدتها تبكي على ما حل بشقيقها.
ابتعدت عنها واقترب من عدي وتحدثت بدموع:
"أخوك يا عدي؟"
ضم والدته بحنان وهتف بصلابة يحسد عليها، ولكن هو الآن مكان شقيقه وعليه أن يكون سندًا للجميع:
"يوسف بخير يا ست الكل، ادعيله أنتي بس."
نظرت له بأمل:
"بجد يعني أخوك عايش؟"
أومأ بإيجاب:
"عايش يا ست الكل، اطمني."
تنهدت براحة وأجلسها عدي على المقعد وتطلع حوله. وجد عليا بأحضان زوجها يحاول تهدئتها. وكذلك شادي، ونايا تقف بعيدًا تضم نورسيل تحاول تهدئتها.
نهض واتجه لهم تحدث بحنان:
"إهدي يا نورسيل، يوسف هيبقي بخير بإذن الله. تعالوا اقعدوا جمب ماما يلا."
تحركت نايا برفقة زوجها وهي تجر نورسيل التي تتحرك كالمغيبة وجلسوا جوار صفاء.
نظرت صفاء إلى نورسيل بحنان وضمتها إلى أحضانها تحاول أن تواسيها، ولكن كيف لها أن تواسيها وهي التي تحتاج إلى من يواسيها.
ابتعد عنهم عدي ووقف بعيدًا مستندًا بجسده على الجدار مغمض العينين يحاول جلد نفسه على الصبر. لو كان الأمر بيده لأنهار باكيًا مثلهم الآن.
تطلعت نايا إلى زوجها بإشفاق ونهضت اتجهت له مربتة على ذراعه بحنان.
فتح عينيه وتطلع لها بتيه. هتفت بصوت خافت:
"إهدي يا حبيبي، إن شاء الله يوسف هيبقي بخير ويقوم بالسلامة."
رمقه بأمل وقال:
"يارب يا نايا، يارب. أنا مقدرش أعيش من غير يوسف."
همهمت بتفهم:
"اطمئن وادعيله أنت بس وهو هيبقي كويس، هو مش محتاج مننا إلا الدعاء وبس."
تطلع لها بأمل وضمها داخل أحضانه يحاول أن يستمد منها القوة.
جلس على جوار والده بحزن على رفيق دربه وابن عمه. ربت عوني على كتفه:
"إهدي يا علي، إن شاء الله هيبقي بخير."
هتف بترجٍّ:
"يارب يا بابا، يسمع منك ربنا."
***
في الصعيد. وتحديدًا في منزل سالم الشافعي. يتمدد شريف على الفراش بتشفي، فهم مخططته تمت على أكمل وجه.
ولجت حنين الغرفة وهي تحمل فنجان القهوة الذي طالبه. وضعته على الكومدينو وتطلعت له بحيرة:
"القهوة أهه، اتفضل."
ابتسم بإنتشاء واعتدل يحمل فنجان قهوته يحتسيه بتلذذ:
"تسلم يدك يا حنين، فنجان القهوة مظبوط على الشعرة."
هزت رأسها بتفهم:
"تسلم من كل شر."
جلست جواره هامسة بفضول:
"هو أنت رجعت بدري من الشغل ليه؟"
ابتسم بغموض:
"جيت أريح وكمان سمعت أسعد خبر بحياتي كمان."
نظرت له بعدم فهم:
"خبر إيه؟ مش فاهمة؟"
أنهى احتساء قهوته ووضعها جانبًا ونهض هاتفًا بابتسامة:
"مش وقته يا أم شهاب، هتعرفي بوقتُه."
امتعض وجهها عند ذكر هذا الاسم وهتفت بضيق:
"أم شهاب؟ أنت خلاص جزمت أنه ولد وكمان هتسميه شهاب؟ كمان ما يمكن يبقى بنت."
صاح بعنف:
"لأ هيبقي ولد وهيبقي شهاب."
هزت رأسها بيأس:
"أنا نازلة أساعد ماما بعد إذنك."
تحركت من أمامه وغادرت. زفر هو بحنق وجلس يتمتم ساخرًا:
"قال بت قال، عكننتي مزاجي يا بت سليمان."
لكن سريعًا رسم ابتسامة عريضة على وجهه:
"وأيه يعني لم تبقي بت مش هتفرق وياي، كفاية عندي إني أخدت روح ابن المغربي خلاص. وأنتي يا نورسيل، صبرك عليا يا بت عمي، من خلعتك عليها ظاهر زين إنك حبتيه، صبرك عليا. معاملتي ليكي زمان كوم وإلي جايه كوم تاني، هطلع عليكي الجديد والقديم ومبقاش إني شريف ولد سالم الشافعي إن مندمتكش على اليوم اللي اتخلقتي فيه. أنتي والعجربة التانية اللي راحت تجري تتجوز خيه، صبركم عليا ترجعي ليا وأنتي أرملة وأختك مطلقة، وجتها ولا أبوي وأخوي هيقدروا يقفوا جدامي، وأجوازكم أنا اللي هختارهم على كيفي. لو واحد رجله والجبر ولا كلاف مواشي ولا غفير. صبركم عليا عشان تبقوا تمرمغوا عرضا زين لأولاد المغربي."
تنهد براحة ونهض متجها إلى الأسفل كي يجلس مع والده وينتظر الخبر اليقين.
***
مرت ثلاثة ساعات كاملين، مروا وكأنهم ثلاثة سنوات وأكثر عليهم، وأنظارهم مسلطة على غرفة العمليات التي لم يفتح بابها حتى الآن ولم يخرج أحد من الغرفة. يدلف أطباء وممرضون فقط. ولا يشعرون بها، مما جعل الرعب والخوف يستوطن قلب الجميع.
نهض عدي وأصبح يتحرك ذهابًا وإيابًا بقلق شديد. فتح الباب أخيرًا وخرج الطبيب.
ركض الجميع تجاهه وتحدث عدي بلهفة:
"خير يا دكتور، طمني أخويا بخير؟"
تطلع لهم الطبيب بأسف:
"مش هخبي عليكم، الحالة مش أحسن حاجة. الرصاصة لولا ستر ربنا كانت دخلت في القلب من أي حركة في العملية. وزي ما قلت لحضرتك لما وصل هنا القلب كان واقف وأنعشناه. ووقف للأسف مرتين في العملية وقدرنا نرجعه. والرصاصة قدرنا نخرجها بدون أي مضاعفات وقدرنا نسيطر على النزيف. ولحسن حظه كان متوفر في المستشفى كيسين دم لفصيلته لأنها كانت هتبقى مشكلة تانية تواجهنا لأنه فصيلته نادرة ومع الأسف ما كانش هيتحمل."
تنهد الجميع براحة وهتفت صفاء بلهفة:
"بجد يا دكتور؟ يعني ابني بقى بخير؟"
هز الطبيب رأسه نافيًا وقال:
"عشان أقدر أجاوب على السؤال ده مش قبل 48 ساعة. لو مرت والحالة مستقرة وقتها أقدر أطمنك."
تحدثت بحزن:
"طيب ينفع أشوفه يا دكتور؟"
رد الطبيب بعملية:
"لأ، الزيارة ممنوعة في حالته دي."
صمت قليلًا وتمتم بتذكر:
"صحيح، مين نورسيل؟"
تطلع الجميع إلى نورسيل التي شحب وجهها وقالت بصوت مهتز:
"أنا يا دكتور."
تحدث عدي بحيرة:
"نورسيل تبقى مراته يا دكتور."
أومأ الطبيب بتفهم وقال:
"شكله بيحب حضرتك أوي، ما نطقش غير باسمك طول العملية. عمومًا ممكن أسمح لكم تدخلوا له بس بكرة الصبح، حاليًا الأفضل تروحوا لأن وجودكم ملوش داعي بعد إذنكم."
تحرك الطبيب وتنهد الجميع براحة نوعًا ما متأملين أن يكون يوسف على خير ما يرام.
تحدث عدي بهدوء:
"يلا يا جماعة عشان تروحوا زي ما قال الدكتور، أنا هفضل هنا."
رفض الجميع ولكن مع إصرار عدي، أرضخ الجميع لقراره باستثناء نورسيل التي أصرت على البقاء هنا.
غادر الجميع وظل عدي جالسًا برفقة نورسيل أمام غرفة العناية المركزة.
تطلع لها وجدها ما زالت مستمرة في البكاء. رمقها بعتاب وقال:
"بردوا بتعيطي؟ أحنا قولنا إيه؟ مش قولنا ندعيله وبس؟"
أومأت بإيجاب وتحدثت بصوت مبحوح من البكاء:
"ممكن الفون بتاعك أقرأ عليه قرآن عشان سبت فوني في البيت."
هز رأسه بإيجاب وأخرج هاتفه من جيبه بعد أن قام بفتحه وأعطاه لها:
"اتفضلي."
أخذته باستحياء وفتحت تطبيق القرآن الكريم على الهاتف وبدأت بتلاوة القرآن الكريم.
تحدث هو مستأذنًا:
"هنزل أجيب قهوة وجاي. محتاجة حاجة؟"
هزت رأسها نافية. تحرك هو وتركها بمفردها.
***
وصل علي إلى منزله قابله طفلتيه مريم ومليكة. ضم بحب وبعدها جلس جوار زوجته بحزن.
ربتت على فخذه بحنان:
"اطمئن، إن شاء الله هيقوم بالسلامة."
ردد بدعاء:
"يارب يا اميرة، يارب يسمع منك ربنا. ادعي له، أنتي حامل ودعوتك مستجابة."
أومأت بإيجاب وعقبت:
"حاضر يا حبيبي. قوم خدلك شور عقبال ما أحضر لك العشاء، وقبل ما ترفض، انت لازم تأكل عشان تقدر تفضل واقف جنبه تمام؟"
هز رأسه بقلة حيلة.
نهضت هي بتثاقل وما كادت أن تدلف المطبخ إلا وامسكت أسفل بطنها وهي تصرخ بألم:
"آه!"
نهض بلهفة واتجه لها:
"مالك يا حبيبتي؟ في إيه؟"
أنت بألم:
"مش قادرة يا علي، شكلي بولد."
أغمض عينيه بألم، فهذا آخر ما ينقصه الآن. هاتف والديه سريعًا وآخذها إلى المستشفى بعد ترك طفلتيه برفقة المربية.
بعد ساعتين كان يقف أمام غرفة العمليات يحمل طفله الرضيع الذي ولد للتو. يكبر في أذنه. وما أن انتهى حتى هتف بأذنه بحنان:
"اسمك يوسف، اسمك يوسف."
قبل جبينه بحب وأعطاه إلى الممرضة كي تأخذه إلى الحضانة.
يتبع...