تحميل رواية ظل السحاب بقلم آية حسن pdf
بقلم آية حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دفع الأطباق بيده بعيدًا ثم زمجر: أنا قر*فت منكم ومن أكلكم... ولا حاجة بتطبخوها عجباني، والأكل مالوش أي طعم، وكل الأصناف اللي بتعملوها شبه بعض، بديكم وصفات لأكلات معينة عشان تعملوها، بلاقي عك وقرف وخلاص، والنهاردة الأكل كله محر*وق! عماد «مدير الشؤون ب الشركة»، تمتم بتوتر بعد أن قام بتذوق الطعام: بس الأكل طعمه حلو يا مراد باشا مش مح-روق ولا حاجة! حدق إليه شزرًا وهو يلقي بالخِرقة على السفرة بعن ف ثم نهض من المقعد وهتف حانقًا: يعني أنا مبعرفش أدوق سيادتك! ولا شايفني غبي وحمار عشان معرفش أفرق بين الأ...
رواية ظل السحاب الفصل الأول 1 - بقلم آية حسن
دفع الأطباق بيده بعيدًا ثم زمجر:
أنا قر*فت منكم ومن أكلكم... ولا حاجة بتطبخوها عجباني، والأكل مالوش أي طعم، وكل الأصناف اللي بتعملوها شبه بعض، بديكم وصفات لأكلات معينة عشان تعملوها، بلاقي عك وقرف وخلاص، والنهاردة الأكل كله محر*وق!
عماد «مدير الشؤون بـ الشركة»، تمتم بتوتر بعد أن قام بتذوق الطعام:
بس الأكل طعمه حلو يا مراد باشا مش محـ-روق ولا حاجة!
حدق إليه شزرًا وهو يلقي بالخِرقة على السفرة بعنـ ـف ثم نهض من المقعد وهتف حانقًا:
يعني أنا مبعرفش أدوق سيادتك! ولا شايفني غبي وحمار عشان معرفش أفرق بين الأكل اللي طعمه حلو واللي طعمه وحش!!
هز عماد رأسه نافيًا بعد أن ابتلع لعابه من نبرة مراد الغاضبة، ثم قال:
لا يا باشا طبعًا مقصدش، اهدى حضرتك وأنا هطلبلك أكل من برة.
صاح بضيق:
مش عايز زفت .. يعني عندي شيفات وأروح أجيب أكل من برة، ما كنت روحت كلت ف أي مطعم وخلاص.
طب حضرتك عايز ايه وأنا أنفذه.
هتف وهو يشير بيده:
تمشي الطباخ دة، وهاتلي حد بيفهم وخبير ف المطبخ، مش عايز شهادات كدابة، فاهم؟
أومأ برأسه:
فاهم، أنا بس عايز حضرتك تهدى واللي عايزه هيحصل.
صعد مراد الدرج دون أن يضع لقمة بفمه؛ بعد أن شعر بالضجر، وبالغيظ الشديد من جميع الطباخين..
لم تكن المرة الأولى التي يفعل بها هذا، فـ منذ السنة تقريبًا ومراد لا تعجبه أيًا من الطبخات التي يصنعها أفضل الطباخين الذين يعملون لديه، فهذه المرة المائة التي يطلب فيها تغيير الطباخ الخاص به، لا أحد يفهم ماذا يريد؛ فكل ما يفعله كلما يضع أحدهم الأكل ع الطاولة، هو الزمجرة والإنفعال ورمي الأطباق كما فعل هو الآن ...
باليوم التالي ذهب مراد إلى الحديقة العامة، ليرفه عن نفسه ويستنشق بعض الهواء العليل، جلس بأحد المقاعد ثم أخرج سيجارة ليضعها في فمه ويشعلها بالقدّاحة.
تنهد وهو ينظر للا مكان قبل أن يشم رائحة شهية للغاية، لا يعرف من أين تأتي، ظل يستشم بأنفه بحثًا عنها، ثم التفت خلفه بعد أن شعر بتلك الرائحة قريبة منه، وجد فتاة تقوم بفرد مفرش ع الأرض، لتضع حافظة للطعام فوقه، وبعض الأرغفة، ودورق صغير للعصير، وبعد أن انتهت من إعداد المائدة؛ ذهبت لتترك تلك الوليمة الصغيرة.
مراد لم يكن ليصبر ع تلك الرائحة الزكية، فالفضول جبره لينهض ويكتشف ما ف القدر من طعامٍ، جلس على الأرض وأمسك بالحافظة ليفتحها، إذ بالرائحة تزداد انتشارًا لتندفع داخل أنفه ويستنشقها بنشوة.
حرضه عقله ليتذوق من الطعام، هذه فرصة جيدة الفتاة غير موجودة ولا أحد يراه، سيلتقم لقمة ويذهب من المكان سريعًا...
بعد عدة دقائق قام مراد بمسح فمه بمنديل ورقي، بعد أن انتهى من الطعام .. لم يكن ليدرك أنه قد التهم كل ما بداخل القدر، حتى العصير قد شربه بأكمله دون أن يدري.
تنهد وكاد أن ينهض قبل أن يتفاجأ بصوتها خلفه لتردف:
والله يا شيخ مانت قايم، أنا معايا تفاح إنما إيه يستاهل حنكك عشان تحلي، بعد الله أكبر عليك ما افتر*ست الأكل بتاعي!
وقف مراد لينظر لها بحرج من نبرتها الساخرة، ثم حمحم:
أنا ماكنش قصدي أخلص ع الأكل، كنت بس بدوقه!
هتفت باستهجان:
تدوقه؟ دة انت لهطه، سفـ-حته! منك لله يا شيخ، حتى العصير اللي هنبل بيه بوقنا...
أشارت بيدها وأردفت:
قربعته ع بُق واحد.
صاح مراد حانقًا:
ما خلاص إنتي هتذليني ع لقمتين كلتهم!
: لقمتين يا طفس، دة انت لمعت العِلب، ايه مش لاقي تاكل ! أمال عاملي فيها شيخ الحارة ولابسلي سينييه وانت حـ-رامي أكل!
صك فكيه وهو يقبض على كفه محاولًا السيطرة على غضبه، كاد أن يرد ولكن فوجئ بسيدة تقترب من الفتاة لتسألها:
مالك يا فريدة واقفة بتزعقي مع مين؟
ردت بوجه باكٍ:
الأكل يا تيتة اللي كنا هناكله، أكَله تعلب مكار.
: بت انتي احترمي نفسك، وإذا كان ع الأكل بتاعك؛ أنا هديكي تمنه ع الـ...
قاطعته فريدة مندفعة:
ع ايه يا نجيب ساويرس، كمل عشان أفضحك ف الجنينة كلها، وأقول الحرامي اللي بيس-فح أكل الناس أهو، وأخلي اللي ما يشتري يتفرج.
أمسكتها جدتها من ذراعها:
خلاص يا فريدة، حصل خير يا بنتي، أكيد الشاب كان جعان، اعتبري كإنك اطعمتي مسكين وربنا هيبارك لك ف عفيتك.
رفع حاجبيه مندهشًا من كلام العجوز، فهل أصبح مسكينًا الآن لأكله الطعام؟
أردفت فريدة معترضة:
لا يا تيتة دة مش مسكين، المفروض كان استأذن قبل ما ياكل حاجة مش بتاعته.
هتف مراد بحنق:
ويعني انتي حد قالك سيبي الأكل مرمي ع الأرض وامشي!
ردت ساخرة:
منا ماكنتش أعرف ان في قرود مطلوقة ف الجنينة.
قضم شفته السفلى من لسانها السليط:
القرد هو اللي بيستخسر ف الناس الأكل بتاعه، وع فكرة انتي تقدري تعملي غيره بكل سهولة وكمية أكتر من اللي انا كلتها!
أخرج رزمة من النقود ورمى بها ع المفرش، ليرمقها باحتقار قبل أن يذهب مغادرًا، انفرجت شفتيها بدهشة وهي تتابعه بعينيها غير مصدقة ما فعل.
حولت نظرها لأسفل لتلتقط النقود وتحاول إيقافه:
إنت يا استاذ، اقف هنا.
التفت لها مراد ثم أمسكت بيده ووضعت بها النقود لتردف حانقة:
أنا مش ببيع الأكل عشان ترميلي تمنه بالطريقة دي، كنت فاكرة إن الناس اللي فوق عندهم احترام وذوق، بس طلعت المظاهر خداعة وان مهما كان معاك مش هتقدر تشتريهم، صدق اللي قال «ياما ناس كتير لابسة بس قليلة الر*باية».
رمقته من أعلى لأسفل بقرف ثم تابعت:
هو مش الرفق بالحـ-يوان واجب إنساني برضو؟ أنا هعتبر إني عطفت ع حـ-يوان جعان؛ عشان أدخل الجنة زي الراجل اللي سقى كـ-لب وهو عطشان!
رسمت ابتسامة جانبية على ثغرها وهي تذهب، كانت تشتعل النا*ر بداخله مع كل كلمة، بدى وجهه معقودًا بشده وصوت أنفاسه تعلو بقوة، كاد أن ينـ-فجر غضبًا.
هذه الملعو*نة لقبته بالحـ-يوان، وشبهته بالكـ-لب!! من هي حتى تحادثه بتلك الفظاظة، لقد أهانته وسخرت منه، مراد الحديد الذي يبجله كل من يراه، تقف فتاة مثلها تهزأه؟ وكل هذا من أجل ماذا؟ قطعة خبز وبعض الطعام البسيط!!!!
تبًا لها لقد أفسدت عليه تلك اللحظة التي لم يكد ينعم بها، بعد أن أشبع رغبة بطنه..
تحرك لسيارته مسرعًا قبل أن يفقد أعصابه ويخرج المسد*س -الذي يظل في حزامه دائمًا- ويفـ*جر رأسـ-ها اللـ-عين.
بعد أيّام استيقظ مراد ع نغمة جواله، مد يده ليلتقطه ويرد بصوت مبحوح:
ألو! .. ف إيه يا عماد؟
: الحق يا باشا، المعدات اللي تبع شركة القصاص موصلتش، وهو هنا قالب الدنيا وشكله مش هيعديها ع خير!
.: طب اقفل أنا جاي حالًا..
أغلق الخط ثم نهض ودلف إلى المرحاض، وبعد عدة دقائق خرج وهو يحيط خصره بمنشفة، ويجفف شعره بأخرى، وقف أمام المرآة يمشط شعره الأسود كالليل، ثم أمسك بالمعطر وقام برش جسده القوي الذي يبدو عليه اللياقة البدنية العالية، ولكن يوجد أثار وعلامات لجروح، ع صدره وبجانب بطنه...
وبعد، ارتدى ملابسه ليظهر ف كامل أناقته، ثم ينزل ويخرج من الڤيلا ويصعد سيارته، لينطلق نحو الشركة استعدادًا لممارسة يوم عمله..
وقف مراد بالسيارة أمام «الشركة الهندسية للإنشاءات»، ثم دلف إلى الداخل بكل هيبة وشموخ، ليقفوا الموظفين إجلالًا لحضوره الطاغي ...
سمع مراد صوت صياح داخل مكتبه، فوجد حشد من الموظفين يحاولون إيقاف وتهدأة الذي يدعى بـ شوكت القصاص ..
صاح مراد بهم:
هو ف ايه؟ ايه اللي بيحصل هنا؟
انتبه الجميع لوجوده، ثم اقترب عماد منه لكي يرد، لكن اندفع شوكت مشيرًا لـ مراد:
اللي بيحصل إن حضرة البيه المحترم بيخلف معاده، وموقفلي كل شغلي، ومفيش ولا حتة حديدة اتحطت ف الموقع لغاية دلوقتي، بعد ما أخدت نص الدفعة.
صاح مراد ف الجميع:
كله يخرج برة، مش عايز حد ف المكتب.
انسحب الجميع فورًا ما عدا عماد والقصاص .. تحرك مراد نحو مقعد المكتب ليخرج سيجارة ثم يرمي بالعلبة أمامه، ويردف بهدوء:
لما تكون ف مكتبي، توطي صوتك وأنت بتتكلم، ولما تحصل مشكلة ف الشغل تتصل بيا وأنا أشوف إذا كانت تستدعي انك تيجي أو لأ، ثم استطرد وهو يهتف من تحت أسنانه: إنما دخولك مكتبي من غير استئذان وأنا مش موجود دة ما يمشيش معايا خالص...
: يا مراد أنـ...
كاد شوكت أن يتحدث لكن قاطعه الآخر بحدة:
اسمعني ومتقاطعنيش .. حسك عينك تكرر اللي حصل النهاردة وإلا... زعلي هيبقى وحش أوي!
هدده، ثم أومأ برأسه عدة مرات ارتباكًا من نظرات مراد.
ثم أشار إليه:
اتفضل، واللي اتسبب ف التأخير دة أنا هعرف شغلي معاه.
ذهب شوكت دون أن ينطق بحرف آخر ..
نظر مراد إلى عماد بجمود:
مين اللي منع العمال يبدأوا شغل عند القصاص؟
: مـ.. معرفش.
صاح به:
نعـــم؟!
انتفض من نبرته ثم تمتم بصوت مرتعش:
أقصد.. أكيد ماحدش يستجري يعمل كدة، يمكن غلطة.
هز رأسه ساخرًا:
أه صحيح يمكن غلطة فعلًا، لأ برافو إنك قدرت تعرف أصل المشكلة إيه بـ احتمالات، انت حقيقي مثال للموظف العبقري، أنا فخور بيك.
اتسعت ابتسامة عماد لتلمع عينيه بفرحة، كاد ليرد ولكن صوت صياح مراد افزعه:
انت واقف تضحكلي!
: مهو حضرتك قولت المشكلة اتحلت، وكمان بتمدحني؟
: أنا عمري مدحتك من يوم ما اشتغلت عندي؟
هز رأسه نافيًا:
لأ.
هتف بحنق:
أمال فاشخ بوقك ع الجنبين ليه بقا! .. روح شوفلي مين المهندس المشرف ع المشروع.
عندها أدرك عماد استهزاءه، ثم ذهب مغادرًا إلى المصنع.
تمتم لنفسه:
مشغل معايا شوية أغبيا.
بعد ساعتين أتى عماد بالمهندس المسؤول..
وقف مراد غاضبًا وهو يضرب بيده فوق المكتب:
نعــم؟ اضراب إيه اللي عاملينينه؟ ومين اللي حر*ضهم يعملوا كدة؟
عماد:
عز.. واحد من العمال اسمه عز الدين يا باشا.
المهندس:
ودي مش أول مرة يعملها ويحر*ضهم.
هتف بضجر:
أيوة يطلع مين يعني دة؟
المهندس:
واحد منهم بس معتبرينه ريسهم وكبيرهم، وبيفضل يهاتف فيهم يعملوا اضراب ويطالبوا بحقوقهم.
صاح مستنكرًا:
حقوق ايه دي، هو أنا بقصر معاهم ف حاجة!!
أخرج زفيرًا حانقًا، ثم التقط مفاتيحه وتحرك متذمرًا، إلى خارج المكتب، بل خارج الشركة بأكملها، وخلفه عماد.
بالمصنع وتحديدًا بالإستراحة الخاصة بالعمال، كانوا جميعهم جالسين حول الطاولات يتناولون وجبة الغداء بعد انتهاء عمل نصف اليوم ...
تفاجأ الجميع بدخول مراد عليهم بوجه متجهم يحمل معاني الغضب والسخط بعد علمه بامتناعهم عن العمل، فهو يكره التقصير والتهرب من تأدية الواجب، ومع ذلك فإنهم يأكلون الطعام وكأنهم منهكين طيلة النهار ...!
توقف العمال عن مضغ الطعام ثم نهض بعضهم تلو الآخر.
هتف مراد بصوت رخيم:
سمعت إنكم عاملين اضراب عن العمل، قولت آجي أشوف الكلام دة بنفسي.
أحد العمال:
مراد باشا احنا ...
تصنع الهدوء:
أيوة؟ عايز اعرف انتوا عاملين اضراب ليه؟ بتتهربوا من شغلكم ليه؟
عامل آخر:
يا باشا احنا مش بنتهرب.
بعصبية:
أمال اللي بتعملوه دة تسموه إيه؟
: حقنا...
انتبه الجميع لرجل ف العقد السادس، شعره أبيض، عيناه زرقاوتين، طوله متوسط.
عقد مراد حاجبيه:
حقكم؟
همس عماد له:
هو دة عز اللي مقويهم.
رمقه بحده ليرجع عماد للخلف، ليردف عز وهو يتقدم إلى الأمام:
أيوة يا باشا، احنا عملنا كدة عشان نجيب حضرتك هنا؛ ونقولك ع طلباتنا، مش عشان نتهرب من شغلنا.
ابتسم مراد وأردف باستنكار:
أول مرة أعرف إن الإضراب من غير سبب مسميهوش تهرب؟
بضيق:
مش من غير سبب، احنا مش عيال ف مدرسة عشان نتهرب، كل واحد هنا بيشتغل بإيده واسنانه عشان يعيل نفسه وعيلته اللي شابكة ف رقبته، مش معقول هنسيب شغلنا كدة إلا إذا كان ف طلبات مهمة لازم تدرسها، ولا هو انتوا تقعدوا ف مكاتبكم وتحطوا رجل ع رجل، واحنا هنا بنطفح التراب؟!
عماد صح بتذمر:
انت ازاي تتجرأ...
كاد أن يتابع لولا يد مراد التي رفعها بسرعة مشيرًا إليه بالصمت.
لم يصدق جرأة وشجاعة هذا العامل، ألا يخشى الطرد من وظيفته؟ فلم يتخطى أيًا من الموظفين المرموقين بالشركة حدوده معه قط، أو حتى يتفوه أمامه بهذا الأسلوب الساخر! غير تلك الـ...،
تنهد مراد ثم هتف متسائلًا:
وليه ماحدش فيكم حاول يكلمني الأول قبل ما تاخدوا خطوة زي دي ؟
:احنا بقالنا أكتر من شهر بنحاول نتواصل معاك، بس ماحدش عايز يخلينا نقابلك، حتى أسأل الاستاذ عماد!
حرك مراد رأسه باندفاع إلى كتفه، ليبتلع عماد، لعابه من خلفه..
: وأديني جيت، إيه هي طلباتكم؟
فتح عز فمه ليتحدث ولكن قاطعه فجأة صوت أحدهم يهتف بمرح:
جماعة مش هتصدقوا، أنا عملت إيه ليكم.. تورته كبيرة تستاهل معدتكم، وخلي صاحب الشركة الحـ_مار دة شغله يقف أكتر ماهو واقف.
مراد قطب جبينه بشده ليراها تقف وراء صفوف من الأوعية الزجاجية، الموضوعه فوق طاولة مستطيلة لتقديم الأكل، وتضع ع رأسها القبعة الخاصة بـ الطباخين، هي نفسها تلك الفتاة التي استهزأت به ف الحديقة عندما أكل طعامها، هي الآن تقف أمامه ف قلب مصنعه تسـ-به، قبل ذلك شبهته بالكـ_لب والآن تنعته بالحما*ر؟..
تعجبت فريدة من سكوتهم فاستطردت قائلة:
إيه يا جماعة واقفين كدة ليه؟ اللاه!!
لم تدرك وجود مراد، ثم نزلت من فوق المنصة الصغيرة وتحركت نحو العمال لترى ماذا يحدث، دخلت من بينهم فوقعت عينيها ع مراد الذي كان يقف بجمود والشرار يخرج من بؤبؤ عينيه.
صاحت بدهشة:
يا نهار مُشمس بالألوان، الولا بتاع الجنينة حـ-رامي الأكل؟!!!!!.......
رواية ظل السحاب الفصل الثاني 2 - بقلم آية حسن
بغضب: مين دي، وبتعمل إيه في المصنع بتاعي؟
سأل بعد أن دخل مكتبه وهو في قمة التذمر، وكان الدم يغلي في عروقه ويكاد ينفجر من عينيه المحمرتين.
عماد: دي تبقى بنت عز.
صرخ في وجهه: وإيه اللي دخلها المصنع، هو إحنا فاتحينها تكية، ولا جنينة للفسح؟
انتفض من صياحه، ثم تمتم بتلعثم: مـ.. مهي بتشتغل طباخة للعمال.
قطب جبينه ليهتف: نعم يا حيلتها، شغالة عندي وأنا معرفش، إزاي؟
ارتبك عماد ثم أجاب: أبوها.. هو اللي شغلها، أنا ماعرفش حاجة.
زاد غضب مراد أكثر حتى تطاير الشرر من عينيه: كمان! بتاخدوا قرارات من نفسكم من غير ما حد يرجع لي؟
: والله يا باشا أنا معرفتش غير من مدة بسيطة، وفكرت حضرتك عندك خبر.
صاح بنفاذ صبر: عندي خبر إزاي يا بني آدم، هو المصنع ده بيشتغل فيه بنات أصلاً؟
ببلاهة: منا مش عارف، أنا والله لو أعرف هقول على طول!
أردف من بين أسنانه بحنق: امشي شوف لي مين المسؤول عن المهزلة اللي حصلت دي.
أومأ برأسه ثم تحرك مسرعًا للخارج وهو يتمتم تأففًا: هو مفيش غيري اللي يشوف المسؤول عن اللي حصل، ميتين دي شغلانة بقى.
اصطدم عماد بشخص دون أن ينتبه، ليسأله بتعجب: إيه يا عماد انت ماشي تكلم نفسك؟
تنهد ثم قال: اسكت يا عم شفيق، عشان أنا على آخري.
: ليه، ف إيه؟
: مراد باشا متعصب أوي، وشكله مش هيعدي اليوم ع خير، راح المصنع ولقى العمال ممتنعين عن الشغل، ده غير أنه شاف بنت هناك بتشتغل وهو مايعرفش.
بدهشة: بنت مين؟ تقصد فريدة بنت عز الدين؟
ارتفع حاجبيه: انت كنت عارف؟
: أيوة.. روح انت دلوقتي وأنا هدخله.
يجلس مراد أمام مكتبه وهو يشبك كفيه ببعضهما، ويفكر بما فعلته فريدة وتطاولها عليه للمرة الثانية، ولكن هذه المرة قد سبته علنًا أمام حشد كبير من العمال في وجوده.
ناهيك عن أبيها الذي كان يحادثه ويوجه له الاتهامات بالتقصير في حق العمال، ولم يكتفي بذلك بل جعل ابنته تعمل بالمصنع من وراءه دون أدنى حق له بمعرفة هذا!
تبًا لهم لقد تخطوا حدودهم؛ وحان الآن ليرد عليهم جميعًا.
دخل العم شفيق الذي يبلغ من العمر ثمانية وخمسون عامًا، إلى المكتب ويردف: تسمح لي أدخل يا مراد باشا؟
رفع مراد وجهه ثم قام وأشار له: طبعاً يا عم شفيق اتفضل.
تحرك نحو المقعد وجلس: سمعت إنك مضايق؛ قولت آجي أتكلم معاك.
جلس مراد ثم ملأ صدره بالهواء ليزفر بقوة: الظاهر إن معاملتي الكويسة خلت الناس تهمشني، وتركنوني على جنب.
: ما عاش ولا كان اللي يركنك... كل ده عشان فريدة اشتغلت في المصنع يعني؟
نظر له عاقد الحاجبين: انت مين اللي قالك؟
تنهد ليردف: عشان أنا اللي شغلتها.
وقف مراد بملامح وجه مقتطبة ليهتف محاولًا جعل نبرة صوته هادئة: وإزاي تعمل كده من ورايا؟
وقف شفيق لينطق: اهدى وأنا هفهمك، أصلاً الحكاية كلها حصلت صدفة، وأنا صدقني ماقصدتش أعمل كده من وراك.
حرك رأسه مستنكرًا، ثم جلس بضجر وأردف شفيق: أنا عارف إنك زعلان، بس صدقني الموضوع ده جه مصلحة للعمال.
: مش فاهم؟
بدأ بسرد الحدث بعد تنهيدة صغيرة: من كام شهر قبل ما أسيب الشغل هناك وأستقر هنا، العمال كانوا بيشتكوا من الطباخ إنه أكله مكانش كويس، وأنا كنت هقولك لما طلبوا مني أبلغك.
لكن عز اقترح عليا إن بنته تعملهم الأكل في البيت ويبعت حد يجيبه، طبعًا الموضوع كان هيبقى صعب أوي، ف أنا قولتهالها تيجي ونجربها، لو نفعت هقولك وتخليها تشتغل.
البنت الحقيقة شاطرة جدًا، والكل شكر في أكلها وذوقها، فهي اتطوعت تساعد الطباخ بعد ما أبوها قالها، وابتدت تعلمه وياخد منها وصفات لأكلات، عشان ماحدش ييجي ويشتكيلك وتطرده، والعمال وافقوا ومشي الحال.
لكن والله ما كنت أعرف أنها لسه موجودة وأنا بقالي كتير متواصلتش مع حد من العمال، ولسه عارف دلوقتي من عماد.
هدأ مراد قليلًا ثم أشار إليه بالجلوس بعدما لاحظ وقفته: أنا برضه استغربت لما قالي عماد إن أبوها هو اللي شغله.
بتهكم: عماد ده ما يعرفش حاجة غير اللي بيتقاله، المهم انت متضايقش من اللي عملته بدون قصد.
: خلاص يا عم شفيق محصلش حاجة، بس البنت دي مش هيبقى لها وجود في مصنعي بعد كده، لا هي ولا أبوها.
اعتلت الصدمة وجهه: إيه؟!!!!
: الـ...لاه وأنا ايش عرفني بس إنه كان واقف وسطكم!
تمتمت بها فريدة لأبيها الذي كان ينهرها بشدة على ما فعلته: حتى لو مكنتيش عارفة، يصح برضه تشتميه قدامنا؟
ثم أردف مستفسرًا: وبعدين خدي هنا، انتي ليه مقولتيش إنك قابلتيه قبل كده وكمان هزأتيه؟
رفعت كتفيها: منا معرفش إنه، ولو كنت أعرف برضه كان هزأته، أصله مستأذنش قبل ما ياكل!
بضيق: من امتى يا فريدة وانتي بتتعاملي مع حد غريب كده! أنا علمتك تشتمي في الناس؟
رسمت ملامح باكية: والله يا بابا هو اللي قال عليا قردة، ورمالي الفلوس في وشي حتى اسأل.
انخرت باكية ليقترب منها ويربت على كتفها: خلاص اللي حصل حصل، روحي على أوضتك.
أعطته ظهرها لتتحرك نحو غرفتها وهي تتمتم بخفوت: شكلي كده وقعت في مصيدة، وأكيد الجدع ده هيرفدني!
وصل مراد بيته ليصعد إلى غرفته ويرمي بالسترة على الفراش بضيق، ما زال يتذكر تلك اللحظة التي جمعته مع الفتاة الحمقاء -كما وصفها هو- تمنى لو لم يلتقيها ذلك اليوم، فمنذ رؤيته لها، وقد عكرت عليه صفوه.
طُرق باب غرفته، وتحرك ليفتحه وكانت السيدة عفاف «مديرة المنزل».
: الأكل جاهز يا مراد باشا.
باقتضاب: أنا نازل.
بعد دقائق هبط لكي يتناول طعامه، جلس على المقعد أمام الطاولة، ثم وضع النادل أمامه قطعة من اللحم النضج، بعد أن أشارت له عفاف.
وبدأ مراد بتقطيع اللحم ثم بمضغه، لكن لم يشعر بلذة، لم يعطِ بالًا كثيرًا فقد تعود هو على هذا الأكل الغير مرغوب فيه بالنسبة له.
تذكر لوهلة حين أكل من طعام فريدة، وكيف أنه لم يشعر بنفسه وهو يبتلع لقمة خلف الأخرى حتى نفذت الصحون، قد توقف عقله تمامًا لبعض الوقت.
استفاق من شروده على صوت عفاف: تحب أحطلك شوية كمان؟
أشار بيده: لا شكراً، أنا شبعت.
مسح فمه بعد انتهائه، ثم نهض وخرج نحو الساحة الصغيرة الموجودة بالحديقة، ثم جلس على الأريكة، ليرفع رأسه وينظر نحو السماء التي يشوبها السحاب الأبيض، لتنمو ابتسامة صغيرة على ثغره.
في صباح اليوم التالي ذهبا عز وابنته للمصنع لبدء دوام عملهم كعادتهم.
دلفا كلًا منهما لعمله، فريدة في الاستراحة بدأت بتغيير ملابسها وألقت السلام على «شعيب» رئيس الطباخين.
: ازيك يا عم شعيب؟
: يا أهلاً بأمهر طباخة وملكة الاختراعات الأكلية.
ضحكت لإطرائه الطريف: مش للدرجة يعني.
: وأكتر، ده لولاكي كنا اطردنا من زمان!
همست في عقلها: "إحنا اللي هنطرد دلوقتي، بس متقاطعش".
فهي تشعر بأن مراد لن يسمح لها بالاستمرار بالعمل، بعد أن قامت بإحراجه وسبه علني.
عماد وصل المصنع ومعه حافظة ورقية، ونادى على عز الدين وفريدة.
أخرج منها ظرفان وأردف: دي مكافأة مالية ليك انت وبنتك... مكافأة نهاية الخدمة، مراد باشا طلعك معاش، وفصل بنتك.
اندهشت فريدة لتهتف حانقة: نعــم يا عنيا؟
فهي كانت تتوقع أن يطردها هي وليس أباها.
ثم أردف عماد: هو ده اللي حصل، اتفضلوا يلا خدوا مستحقاتكم!
مد يده ليعطيهم الأظرف، ثم ذهب مغادرًا.
جاءهما بعض العمال وسأل أحدهم:
: في إيه يا عم عز، الأستاذ عماد كان عايزكم في إيه؟
فريدة بحنق: جاي يقولنا إن سي مراد باشا استغنى عن خدماتنا.
ليردف نفس العامل وكان يدعى أسامة: إيه السبب طيب؟
همس أحدهم لآخر: أكيد عشان شتمته قدامنا، بس ذنب أبوها إيه؟
ليهمس آخر: يا عيني يا عم عز، متستاهلش والله.
ظل الجميع بالتهامس لبعضهم البعض، شفقة على عز الدين الذي يقف وعلامات التجهم تعلو وجهه.
اقتربت منه فريدة:
: بابا متزعلش، هما اللي خسرانين أصلاً.
حرك رأسه باندفاعٍ نحوها، ثم أمسك بيدها ليجرها خلفه بتذمر.
هرول وراءه أسامة الذي ظل ينادي عليه، لكنه لم يعطه بالًا، وتابع طريقه.
وقفت سيارة أجرة أمام شركة مراد، ونزلا منها عز الذي ما زال ممسك بيد فريدة التي تحاول إيقافه.
: يا بابا استنى بس، انت واخدني على فين؟
رد بحنق وهو يتحرك: واخدك للأستاذ مراد عشان تعتذري له على اللي هببتيه!
أردفت باستنكار: يعني أنا لو اعتذرت هو هيرجعنا الشغل من تاني!!
وقف عز والتفت ليترك يدها بتذمر: أنا مش جايبك هنا تعتذري؛ عشان يرجعنا تاني! انتي غلطتي ولازم تصلحي اللي عملتيه.
: طالما هو رفضنا يبقى مش عايز اعتذار.
ثم استطردت قائلة بعد أن عقدت حاجبيها: وبعدين من الواجب هو اللي يعتذر منك؛ لأنه رفضك، وخدك بذنبي!
قال مستهجنًا: يعني إحنا اللي غلطانين في حقه وعايزاه كمان يعتذر؟
: أيوة.
رفع قبضته باندفاعٍ: جاتك قرف، مش عايز أسمع كلمة منك، إحنا هنخش عنده تتأسفي له، ونخرج على طول، سامعة!
تمتمت في نفسها ببعض السباب، ثم دخلا لموظف الاستقبال، ليقول بأن مراد غير موجود، لكن عز لم يصدقه، وأخذ يناقر معه.
تمتمت لأبيها: يا بابا يلا نمشي، الراجل بيقولك مش موجود!
نظر لها ليهتف: لا أنا متأكد إنه موجود، هما بس اللي مش عايزين ندخله.
كان العم شفيق يخرج من أحد الغرف وسمع صوت أحدهم يجادل مع الموظف، ثم ذهب إليه.
بدهشة: عز؟ انت إيه اللي جابك هنا؟
حرك رأسه لينتبه إليه: عم شفيق، كويس إني شفتك.
: مالكم! ... تعالوا معايا خلينا نتكلم.
دخل بهم إلى مكتبه الذي هو في الطابق الأرضي، وأشار إليهما بالجلوس.
: ها بقى اللي جايبكم على ملا وشكم كده؟
كاد عز أن يرد لكن أوقفته فريدة: أنا هقولك يا عمو شفيق.. البيه اللي الموظف بيقولنا إنه مش موجود، واللي فاكر نفسه رئيس مراجيح مولد النبي، رفضني أنا وبابا من غير أي أسباب.
ابتسم العم شفيق رغمًا عنه، لردها العفوي، ثم أومأ برأسه تفهمًا ما فعله مراد.
: أنا كنت عارف إنه هيعمل كده، بس أنا عايزكم تطمنوا أنا هحاول معاه، وإن شاء الله هترجعوا.
عز: ما يهمش، أنا عارف إن فريدة غلطت؛ وأنا جايبها هنا تعتذر عن الكلام اللي قالته.
عقد حاجبيه متسائلًا: كلام إيه!
كاد عز أن ينطق، لكن أجابت فريدة بسرعة: مفيش يا عم شفيق، سوء فهم مش أكتر.
أومأ برأسه: خلاص تمام، روحوا انتوا وأنا لما أشوف مراد هكلمه عشانكم!
وقفت فريدة بسرعة: تمام تمام، هنسيبلك إحنا الموضوع ده، يلا يا بابا عشان ورايا مجموعة.
تحركت فريدة قبله لأنها لا تريد الاعتذار من الأساس، فسعدت عندما علمت بعدم وجوده في الشركة.
همّ الاثنان بالمغادرة، لكن لسوء حظ فريدة، كانت سيارة مراد تقف أمامها مباشرة لتراه ينزل منها و.....
رواية ظل السحاب الفصل الثالث 3 - بقلم آية حسن
نزل مراد من سيارته ليرفع وجهه، ثم يخلع نظارته الشمسية، فـ هذه اللحظة قد أمسكت بيد أبيها وهربت من أمامه قبل أن يراهما، أو يراه عز ويرغمها عـ الإعتذار منه.
"إيه يا فريدة بتشديني كدة ليه؟"
توترت: "أصل.. أصل اتأخرت عـ المجموعة."
"ماشي، يلا اطلعي قدام."
تنفست الصعداء، ثم ذهبت مغادرة المكان بأكمله مع أبيها.
***
دخل مراد مكتبه لـ يليه عماد، ثم يسأله:
"فين اللي هيتكلم بإسم العمال، ويقول طلباتهم؟"
رد عماد وهو يرفع كتفيه: "مفيش."
"نعم؟"
"مهو اللي كان هيقولك، حضرتك طلعته معاش!"
لم يفهم: "تقصد إيه؟"
"ماحدش من العمال هيقدر يتكلم بعد ما رفدت عز الدين، هو اللي كان بيشجعهم ويقولهم يعملوا ايه ومايعملوش ايه!"
صاح بحدة: "يعني إيه، هو مفيش فـ المصنع عُمال غير عز الدين!"
ليشير بسبابته: "اسمع، انت تجيبلي حد من العمال يكون لبق فـ الكلام ويعرف يقول عـ المشاكل؛ اللي بسببها حضراتهم امتنعوا عن بعض الأعمال، وكمان عايز رئيس المهندسين يجيني معاك."
"تحت أمرك."
أشار إليه بالمغادرة: "اتفضل انت دلوقتي."
خرج عماد، وبعد قليل دخل العم شفيق عند مراد.
"مراد باشا... انت فاضي؟"
رفع رأسه قليلًا: "ولو ماكنتش فاضي أفضالك!"
اقترب من المكتب ثم قال: "انت صحيح رفدت عز وبنته؟"
أجاب ببساطة: "أيوة."
"ليه بس يابني، هم كانوا عملوا ايه يعني؟"
"اتعدوا حدودهم، وأنا متعودتش أسكت أو اطنش اللي بيستهتر بيا، وباللي ممكن أعمله!"
"منا فهمتك اللي حصل."
بلا مبالاة: "متشغلش بالك انت، أنا مطردتوش، وهيبقاله معاش."
أومأ برأسه عندما خاب رجاءه فـ إقناع مراد، فهو لن يفعل إلا ما في رأسه.
***
جلست فريدة بجانب والدها لتتحدث قائلة: "بابا أنا آسفة عـ اللي حصل بسببي، والله ما فكرت انه ممكن يطلعك معاش بالطريقة الغبية دي، أقصى حاجة توقعتها أنه هيطردني أنا!"
اعتلى الضيق وجهه: "خلاص يا فريدة، مفيش داعي للإعتذار."
قوست شفتيها لأسفل: "بس انت زعلان مني!"
"مش زعلان!"
أجاب باقتضاب، فيما كانت تحاول هي أن يجعله يتبسم.
بينما خرجت «الجدة فريدة» ثم قالت: "ما خلاص بقا يا عزو ما تبقاش قفوش، البت بقالها ساعة بتصالحك."
قهقهت فريدة عاليًا، لكلمة جدتها العفوية، فضحكتها جعلت عز أيضًا يبتسم، لكونها تضحك بطريقة غريبة.
بمرح: "أيوة بقا، يا عزو فرفش كدة.. واحنا فريش وفرافيش، احنا فريش ونحب نعيش."
أخذت تقفز بمرح وهي تتغنى وتدور حول نفسها، ثم ضمت والدها وجدتها بحب.
***
كان أسامة ورئيس المهندسين بالمصنع يقفان أمام مراد الذي يكرر سؤاله بصرامة: "انطقوا إيه اللي بيحصل فـ المصنع من ورايا؟!"
حرك أسامة مقلتيه للمهندس الذي بدى وكأنه يتهرب من الإجابة، ليرد المهندس بعد ثوان من التفكير: "مفيش حاجة يا مراد باشا، العمال كلهم كانوا ماشيين ورا اللي اسمه عز، وخلاهم اتحرضوا ضدك وهو أصلاً عمل دة كله طمع فـ زيادة مرتبه مش أكتر."
قطب أسامة جبينه: "عم عز عمره ما فكر فـ كدة، بالعكس دة طول عمره راجل خيره عـ الكل واللي فـ جيبه مش ليه."
هتف مراد بجمود: "طب قول انت ايه المخالفات اللي بتحصل جوة المصنع؟"
صمت أسامة لبرهة، بعد أن تشتت نظراته، ليلاحظ مراد ذلك ثم يقول بنبرة ماكرة: "طيب إيه رأيكم اللي هقوللي عـ الحقيقة، أنا هديه مكافئة كبيرة."
استعمل مراد أسلوب الإغراء حتى يعرف سبب تمرد العمال، فبالتأكيد هناك أمرًا مريبًا جعلهم يمتنعون عن العمل.
قد لمعت عيني أسامة وقرر التكلم، وليس فقط لأمر المكافئة، بل ليخبر فريدة عـ ما فعل وتعجب بشجاعته، لأنه يعلم مدى حبها للرجل القوي الشجاع.
"أنا هقولك عـ كل حاجة يا باشا."
ابتسم مراد لنجاح خطته، فلقد علم أن الحافز سيجعلهم يخضعون.
***
انطلق مراد نحو فرع آخر من شركاته، ليدلف باندفاع كالإعصار لأحد المكاتب، ثم أمسك بياقة الذي يجلس عـ المقعد ويصرخ به: "أنت ازاي تتجرأ وتسرقني يا معتز، بتضحك عـ العمال الغلابة وتاكل حقهم يا واطي! انطق عملت كدة ليه!"
ليصيح الآخر: "هو فـ إيه، داخل عليا بزعابيبك من غير استئذان!"
هزه بقوة أرقصت جسده: "عايزني استأذن فـ ملكي! ... انت بتدخل فـ شئون المصنع ليه؟"
تخلص من قبضته ليردف بغرور: "أنا حر، المصنع دة زي ما ليك فيه، أنا كمان ليا.. وبعدين أنا مباخدش غير حقي!"
دفعه بحنق، ليهتف بعصبية مفرطة: "حق ايه يابو حق، انت ليك إيه عندي عشان تقولي حقك! انت زيك زي أي موظف بيشتغل عندي، ليك مرتب آخر الشهر تاخده، لكن تتطاول عليا وتسرق حق العمال؛ يبقى تغور من الشركة ومتورنيش وشك!"
نهض من مكانه باندفاع ليقف مقابلًا لوجهه والحقد يكمن بعينيه: "أنت بتطردني من شركتي؟"
هتف ساخرًا: "شركتك؟ انت صدقت نفسك ولا إيه؟ الشركة دي أنا اشتريتها من أبوك، بعد ما كانت هتتباع فـ مزاد علني، وأنت عشان ابن عمي خليتك فيها، وعملتك المدير، مع انك فاشل وبتاع نسوان، ومتستاهلش اللي انت فيه..."
ثم أمسكه من مقدمة ثيابه: "لكن يا حيلتها، تيجي وتعملي فيها شبح الليل وتلعب بديلك، أقطعهولك.."
ليخفف من خشونة نبرته: "ما عاش ولا كان اللي يفكر يديني عـ قفايا، وأوعى تفتكر اني معرفش انت لاهف من ورايا قد ايه! أنا بس ساكت بمزاجي، وزي ما قولتلك، سايبك هنا عشان ابن عمي."
تركه بتذمر ليتحرك بعيدًا عن المكتب معطيًا ظهره له ويردف: "اللي زيك يا معتز مكانه مش عـ مكتب، لأ انت لازم تنزل تشتغل وتفحت الأرض بسنانك عشان تعرف قيمة القرش الحلال، وقد إيه البني آدم بيتعب عشان يوصل للمكانة اللي هو فيها!"
أردف معتز معقدًا حاجبيه: "تقصد إيه؟"
استدار له بجسمه: "أقصد لو عايز تشتغل معايا يبقى تنزل المصنع كواحد من العمال.."
هتف مزمجرًا: "انت أكيد اتجننت."
صاح بحدة هزت جسده: "معتز..."
ابتلع لعابه بصعوبة بالغة، ليرفع مراد يده محذرًا بعينين حادتين: "إياك ترفع صوتك عليا مرة تانية سامع؟، والكلام اللي قولته دة نهائي، ولو مش عاجبك تقدر تطرقني، بس الشركة دي متعتبهاش تاني!"
لم يلبث إلا أن تحرك نحو الخزنة وأدخل الرقم السري، لتفتح الخزنة أمام معتز الذي امتعض وجهه -لأنه كان يظن لا أحد غيره يستطيع فتحها- أخرج مراد بعض الأوراق والمستندات، وأيضًا الرزمات النقدية ووضعهم فـ حقيبة سوداء صغيرة ثم صاح بخشونة..
"محمــود...!"
جاءه فور سماع إسمه ليردف بلهجة آمرة: "اقفل المكتب بعد ما البيه يخرج، ومتخليش أي حد يدخله تاني من غير إذن."
نقل محمود نظره لـ معتز، الذي صك فكيه بقوة، ليصيح الآخر به: "سامعني ولا لأ!"
انتفض بفزع: "حاضر حاضر."
ثم غادر المكتب مع الحقيبة بعد أن أعطى لـ معتز نظرة ساخطة، والذي بادله إياها.
***
دخل عماد الشركة يبدو شاحب اللون، وعلامات الضجر تعتريه، لقد بحث عن الطباخ الذي يريده مراد، فلم يجد. وكيف يجده وهو يعجزه بالمواصفات المتعثرة الغير موجودة إلا فـ كوكب الأحلام والخيالات فقط.
تبًا لقد سئم العثور على ما يريده، والآن عليه مواجهة ذلك النمر البري. نمنم بشفتيه ببعض الكلمات البائسة وهو يخطو نحو الدرج.
"هو أنا كل ما أشوفك ألاقيك بتكلم نفسك يا عماد!"
استدار برأسه ليجد العم شفيق يقترب منه، وع ثغره ابتسامة ساخرة، عاد أدراجه إليه، ليردف بيأس: "مش عارف ألاقيها منين ولا منين، كل مرة الباشا بيطلب مني حاجة، آجي أعملها متعجبهوش ويتنرفز عليا!"
تعجب العم شفيق: "ليه! هو طلباته صعبة للدرجة دي؟"
"أوي، دة عايزله فانوس سحري عشان نعرف نلاقيها... تصور مفيش ولا طباخ من اللي جبتهم قبل كدة عجبوه، الشهر دة يمكن عاشر طباخ يمشيه، ع الرغم ان كل الطباخين ماهرين وأكلهم يجنن، لكن هو عايز حد متفصل .. يبقى متعمق فـ فن الطبيخ، بيطبخ بروحه مش بإيده، يعمله الحاجة اللي بيتمناها من قبل ما يقول، وانا مش عارف الاقي الشخص دة فين!"
سكت العم شفيق لبرهة ليلاحظ عماد شروده، ويلوح بيده أمام عينيه: "إيه يا عم الناس روحت فين؟"
يفكر في شئ يعلم تمام العلم، بأنه لن يُقبل به، لكن هذا ما جال في خاطره عند حديث عماد عن مواصفات الطباخ الفريد، وهي تنطبق على شخص واحد فقط، يثق تمامًا بأنه لن يُسمح له بالدخول إلى منزل مراد ولو ظل بقية عمره يبحث عن مراده!
"اسمع يا عماد، أنا أعرف حد كويس، وتقريباً هو اللي بيدور عليه مراد."
اتسعت عينيه: "بجد؟ طب لايمني عليه!"
رد ببساطة: "فريدة!"
أردف مستنكرًا ببلاهة: "فريدة مين يا عم شفيق! انت عايزه يبلعنا؟"
رد مؤكدًا: "اسمع بس، أنا عارف بقولك إيه."
"وانا كمان عارف، إن دي آخر واحدة ممكن يوافق بيها."
"عارف، بس هي الوحيدة اللي بينطبق عليها كل المواصفات اللي مراد عايزها!"
ليهمس بشرود، مؤيدًا كلام العم شفيق: "تصدق وتؤمن بالله! عندك حق، دة حتى هي قالت إنه خلص عـ أكلها!!"
ابتسم العم شفيق ثم هز عماد رأسه نفيًا: "بس برضو هو مش هيرضى انها تشتغل عنده، خصوصاً بعد التاتش اللي حصل ما بينهم."
وضع يده عـ منكبه: "ولا هي كمان هترضى، عشان كدة مهمتك انك تقنعه وأنا هقنع فريدة!"
"طب ما تاخد انت مراد وسيبلي أنا طلعة فريدة!!"
"هو احنا هننقي يا عماد، اخلص اعمل اللي بقولك عليه!"
انفض سترته بضجر ليهمس من تحت أسنانه: "حاضر، لما نشوف أخرتها."
***
تضع سماعة الرأس، وهي تتصفح الانترنت عـ اللاب توب. تحاول إيجاد طريقة لحل سؤال متعثر فـ الفرنساوي، قبل أن تضغط عـ الترجمة بعد أن فقدت الأمل في حله.
دُق جرس الباب، ثم وضعت الجهاز جانبًا بعد أن خلعت السماعة، وتحركت نحو الباب لتفتحه، وتفاجئت بالطارق.
"عمو شفيق!"
اتفضل.
تمتم وهو يدلف للداخل: "ازيك يا فريدة يا بنتي؟"
أجابت بابتسامة: "الحمد لله."
ليجلس عـ أقرب أريكة ويسأل: "أمال عز مش موجود ولا إيه؟"
"بابا بيدور عـ شغل، ربنا يجازي اللي كان السبب!"
همست من تحت أسنانها، ليقهقه العم شفيق. هي مازالت غاضبة، فما بال إذا عرفت بما ينوي قوله، حتمًا هي سترفض!
خرجت الجدة فريدة لتنتبه لوجود شفيق، وتلقي السلام عليه. ثم تمتم العم شفيق بعد ملاحظته وجه الشبه بينها وبين ابنة ابنها، لأول مرة: "وأنا أقول انتي طالعة حلوة لمين يا فريدة، اتاري جدتك هي الجمال الأصلية."
همست فريدة بالقرب منه: "إيه يا عم شفيق انت جاي تعاكس تيتة قدامي؟"
حمحم بحرج متفادي النظر لهما، بينما احمرت وجنتي الجدة فريدة، لتعقد الثالثة حاجبيها، وهي تنقل نظرها بينهما.
بعد لحظات دخل عز الدين البيت، ليهرول إلى العم شفيق، ويحتضنه: "لقيت شغل ولا لسة يا عز؟"
أومأ برأسه وهو يخرج تنهيدة، ثم تابع شفيق: "طب أنا جاي فـ طلب صغير منكم يا عز انت وفريدة..."
***
نهض مراد من مكانه بعينين تطلق شرارًا، وتعلن عن انفجار قادم، جعلت ركبتي عماد تتخبط ببعضها!
همس بصوت يتخلله الغضب: "انت أكيد جرا لمخك حاجة؟"
ابتلع عماد لعابه ليهمس بصوت مبحوح يكاد يخرج من فمه: "مهو مفيش غيرها!"
ضرب المكتب بيده بقوة، ثم أردف بصرخة هزت أوصال الآخر: "عماد..."
***
اتسعت عينيها لتهتف باستهجان: "بقـا أنا عايزني أشتغل عند الجلنف دة؟"
***
همس من تحت أسنانه: "يستحيل أسمح بالقردة دي تخطي عتبة بيتي!"
***
أعطته ظهرها: "آسفة يا عم شفيق، شوفلك حد غيري."
***
هتف بحنق: "شوف حد غيرها."
***
ليقف كلًا من العم شفيق وعماد حائرين أمام هذين العنيدين، اللذان جعلاهما كالأبلهين، لتصعب المهمة عليهما.
رواية ظل السحاب الفصل الرابع 4 - بقلم آية حسن
دخل عز الدين حجرة فريدة التي كانت نائمة في سلام وهدوء، ليجلس على طرف الفراش ويهزها برفق.
"فريدة! انتي نايمة؟"
غمغمت بنعاس: "لا باخد غطسة ف الجونة! سيبني بقا لحسن أغرق."
لكزها ليهتف: "فريدة...!"
رفعت رأسها بفزع: "بابا؟ .. ف إيه؟"
نهضت من اضطجعها لتعتدل، ثم أردف عز: "كنت عايز اتكلم معاكي بخصوص اللي قاله عم شفيق."
جعدت جبينها لتنظر للساعة الموضوعة أعلى الحائط، ثم تتمتم باستنكار: "جاي تكلمني ف موضوع عمو شفيق الساعة واحدة ونص يا والدي؟ هو طلب إيد تيته منك ولا إيه، ع العموم الراجل ما يتعيبش وبنتنا عبرت عن موافقتها بعينيها!"
قالت مازحة، فنهرها بضيق: "انتي هتهزري يا فريدة، انتي ناسية اللي بتتكلمي عنها دي تبقى أمي، وجدتك؟"
رفعت يدها على فمها لتغمغم بتثاءب: "وأنا أعمل ايه بس، مهو حضرتك داخل عليا، وشكلك قلقان ومتوتر!"
"مش قلقان، بس كنت بفكر فـ إنك ليه متروحيش تشتغلي عند مراد!"
قال، فجحظت عينيها: "إيه؟ عاوزني أروح اشتغل تاني عنده بعد ما طردنا؟"
"أيوة، وبعدين هو طردك إنتي مش أنا..."
رد بغرور مصطنع، لتمط شفتيها وهي تعقد وجهها بحنق، ليتابع: "ها قولتي ايه يا بنت عز؟!"
أزاحت الغطاء ثم نهضت عن الفراش، لتتحرك خطوتين إلى الأمام متجهمة الوجه، غير راضية تمامًا عما يفكر فيه والدها.
"اسمعي يا فريدة، أنا شايف إن دة انسب حاجة عشان تعتذري عن غلطك!"
استدارت بدهشة، أما زال مصممًا لكي تعتذر منه!
أردفت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: "ولو قولتلك يا بابا إني مش حابة أروح، ولا حتى عايزة أعتذر؛ عشان مش انا بس اللي غلطت، هو كمان اتصرف بتكبر!"
"تصرفه دة كان رد ع اللي عملتيه!"
أجاب بحدة ليمتعض وجهها، ثم تنهدت لتجيب بهدوء عكس ما يكمن بداخلها: "هحاول أشوف مواعيدي."
"مش تحاولي، انتي هتشوفي فعلاً .. يلا تصبحي ع خير."
تبعها مغادرًا، لترمي بجسدها ع الفراش بيأس، وهي ترسم ملامح باكية وتغمغم بقهرة، ثم أغلقت عينيها مستسلمة للنوم العميق.
***
يجلس بالمكتب أمام اللاب توب، منشغلًا ف عمله. ليدلف رجل ع حين غرة، وينتبه إليه مراد ينظر له بعيون مستنكرة، ووجه عابس ينبع منه اللهيب.
وقف مراد ليهم بقول شئ لكن قاطعه صياح ذلك العجوز: "انت بتطرد ابني من الشركة يا مراد!!"
رد مراد محركًا جسده بلا مبالاة: "أه طردته."
امتعض وجهه، ثم تقدم بالقرب من المكتب ويسأل في عصبية: "ليـه؟ انت هتتنطط علينا اكمنك اشتريت الشركة يعني؟"
صاح الآخر محذرًا إياه: "عمي! .. أنا عملت اللي بيملاه عليا ضميري .. وبعدين دة أنا كنت فاكرك جاي تشكرني، عشان بربيهولك!"
هز عنقه ليردف مستهجنًا: "ليه شايفه قليل تربية؟"
ليتابعه بهتاف حانق: "وصايع وعايش عالة ع كل اللي حواليه."
زم عثمان الحديدي شفتيه، ثم قال: "انت بتذلنا يعني ع الكام ملطوش اللي بناخدهم منك!"
عقد مراد حاجبيه بضيق: "بتقول ايه يا عمي؟ أنا عمري ما ذليت حد، ولا عمري بتعالى عليكم.. لكن ابنك اتعدى حدوده، وكمان عمل مخالفات اتسببت ف أذية العمال، عشان كدة أمرته منه ينزل المصنع، وأنت المفروض تنصحه يتراجع عن اللي بيعمله، مش تيجي تعاتبني!"
تنهد متأففًا ليقول: "ماشي يا مراد .. اعمل اللي عايزه، بس ابني مش هينزل يشتغل عامل ف مصنع؛ لأن ابن الأكابر حقه يقعد ع عرش والناس تديله تعظيم، مش يوسخ إيده ف الشغل مع العمال اللي المفروض شغالين عنده!"
انهى حديثه ثم غادر المكتب غاضبًا. حرك مراد رأسه باستهجان. كان يظن الأب جيدًا، وسيتفهم الأمر، ويوبخ ابنه ع ما فعل، لكن بان أن شجرة الشوك لن تطرح إلا شوكًا!!
***
"لو سمحتي مكتب مراد بيه فين؟"
كانت فريدة السائلة، جاءت بقدمها لحجره، ترى ما الذي تفكر فيه هذه الهوجاء.
ردت إحدى الموظفات بالشركة: "فوق ف الدور التاني!"
شكرتها. ثم تحركت فريدة لتصعد الدرج، وتبدأ بالبحث عن مكتب مراد.
همهمت وهي تدور بعينيها ف الطابق: "يا ترى فين مكتبك يا بعبوع أفندي!"
"بتدوري ع حاجة يا آنسة؟"
فوجئت بهذا الصوت أمامها، لتضع يدها ع قلبها فور فزعتها.
"خضتيني يا اسمك إيه!"
تحدثت الفتاة: "انتي بتعملي إيه عندك؟ شايفاكي بتتلفتي حواليكي كتير!"
ردت بحنق: "يعني هكون بعمل ايه، بدور ع مكتب مدير المخروبة دي!"
شهقت: "مخروبة؟ .. وبعدين المكتب قدامك أهو، إيه مش شايفاه؟"
قالت وهي تشير إلى مدخل بالجهة اليمنى، لتتابع فريدة إشارتها وترسم ابتسامة صفراء ع ثغرها، ثم تعود ببصرها إليها: "شكراً يختي."
تتركها وتذهب تجاه المدخل، لم تجد أحدًا يجلس ع المكتب، فلم تهتم بل تحركت نحو الباب وفتحته ع مصراعيه. ليندهش ذلك الجالس ع المقعد بوجودها أمامه.
وقف باندفاع وهو يدب قدمه أرضًا ويهتف: "انتي ازاي تدخلي كدة! ومين سمحلك أصلاً تخطي عتبة شركتي؟"
تقدمت خطوتين للداخل: "ومين هيمنعني أصلاً؟"
قالت ببساطة، ليصك أسنانه بغيظ ويتمتم: "أنا اللي همنعك! اتفضلي أخرجي برة."
أشار بيده بعنف، لتقترب أكثر وتجلس ع المقعد أمامه غير عابئة، وتتحدث بهدوء زائف: "بص يا بشمهندس، أنا مش جاية أشحت عشان تطردني، ولا أنت واخدها هواية! أهدى كدة وقول هديت عشان نعرف نتفاهم كناس متحضرة."
نظر لها غير مصدق. أهذه مجنونة أم ماذا؟ عن أي هدوء تتكلم، وهي دائمًا ما تسبب بهيجانه.
تنفس محاولًا التمسك ببعض الصبر: "مفيش بينا تفاهم، عشان كدة بقولك خدي بعضك وأخرجي أحسن."
ضغطت على أسنانها بقوة لتقف وتهتف بحنق: "بقولك ايه، طالما انت مش طايقني كدة، عايزني أشتغل عندك ليه؟"
رد باستنكار: "إيه؟ أنا عايزك انتي تشتغلي عندي؟ .. طب دة لو انتي آخر واحدة ف الدنيا مستحيل أفكر في كدة!"
لتنعر: "نـعم؟ أمال مين اللي بعتلي عمو شفيق عشان يقنعني أوافق؟"
عقد حاجبيه: "عم شفيق جالك انتي!!"
"أيوة استهبل ومثل عليا!"
صاح بحدة أجفلتها: "اخرسي، انتي مين عشان أخاف منك وأمثل عليكي!"
دار بعينه يفكر كيف للعم شفيق أن يفعل هذا دون علمه، حاول جمع الخيوط ببعضها. عماد رشحها له، والعم شفيق ذهب ليقنع إياها. لم يعد غيرها حتى يحاولان تدبيسها له!
رفع ببصره ليقول: "اسمعي اعتبري كل الكلام اللي قالهولك عم شفيق، كإنه ماتقالش؛ لأني أصلاً مش عايزك تشتغلي عندي!"
لتعلُ ابتسامة مرحة ع ثغرها: "بجد؟ يعني انت خلاص شيلت الفكرة من دماغك؟"
تعجب من فرحتها، ليجيب بحنق: "أنا أصلاً مافكرتش فيها عشان أشيلها، ثم إني لو عاوزك؛ ماكنتش طردك من المصنع، زي العِرسة."
تمتمها من تحت أسنانه لتتسع عينيها: "بقا أنا عرسة يا جلنف يا حرامي الأكل!"
صاح بجمود: "بـــرة.."
أشاحت بيدها بلا اهتمام، ثم ذهبت مغادرة. جلس مراد بتأفف من فعلتها. لا يصدق أن هناك فتاة بهذه الحماقة، لكن جل ما يفكر به هو لمَ العم شفيق حاول إقناعها لتعمل عنده؟
***
"والله يا عم عز هو دة اللي حصل، وسمعنا كمان إنه طرد معتز بيه من الشركة!"
هتف أسامة الذي يجلس مع عز الدين بمنزله. ليقول عز بوجه متبسم: "أنا كنت متأكد إنه هيحل المشكلة، وانت برافو عليك يا أسامة إنك ما سكتش وقولت الحقيقة!"
توسعت ابتسامته ليسأل باهتمام: "أمال فين فريدة، من ساعة ما جيت وهي مش باينة؟"
"راحت عند واحدة صحبتها، زمانها راجعة..."
لينظر أمامه ويجدها تدخل من الباب: "أهي جات!"
لتظهر ابتسامة جلية ع وجه أسامة. وألقت هي عليهم السلام: "ازيك يا أسامة؟"
تبسم: "الحمد لله! انتي عاملة إيه؟"
"بخير."
عز: "شوفتي يا فريدة أسامة عمل إيه! راح لـ مراد وقاله ع كل المخالفات اللي كنا بنشتكي منها ف المصنع، وعرف مين وراها، وكمان زودله المرتب بتاعه."
لم تهتم كثيرًا، لتتمتم مع نصف ابتسامة: "مبروك."
عقد أسامة حاجبيه: "إيه مش مبسوطة ولا إيه؟"
بطريقة محمد هنيدي ف فيلم «عسكر في المعسكر»، تمتمت بها فريدة وهي ترفع أحد حاجبيها: "وأني مالي!"
أسامة: "إيه؟"
قال ف تعجب لتصحح بسرعة: "أقصد أكيد مبسوطة..."
ثم أردفت مع ابتسامة صفراء: "ياااه يا أسامة دة أنا هطير ف الفرحة يا راجل، عمل بطولي بجد!"
شعر بالسخرية منها، لكن ع أي حال هو قد فعل شئ يثير دهشتها.
"استأذن أنا يا عم عز .. سلام يا فريدة."
نهض معه عز ليوصله للباب، لتهتف هي بتهكم: "ابقى تعالى كل يوم!"
***
هبط مراد لبهو الشركة وتقدم نحو مكتب العم شفيق، ثم دخل بعد أن طرق الباب.
"أهلاً يا مراد يابني، منور المكتب."
قالها بابتسامة، ليقابله الآخر بابتسامة صفراء ويردف: "أنا كنت عايز أقولك إني طردت اللي اسمها فريدة دي للمرة التانية .. ومتشكر أوي إنك بتدور ع مصلحتي، بس أنا عارف إيه اللي عايزه وإيه اللي مش عايزه."
احتقنت الدماء ف وجه العم شفيق، ليتابعه تحرك مراد نحو الباب ف حنق. أوقفه العم شفيق بصوته: "استنى يا مراد..."
تحرك من خلف المكتب ليقترب منه خطوتين، ويديره إليه ممسكًا بمعصمه: "أنا مش فاهم انت بتعمل كدة ليه؟"
لتنفلت منه صيحة جعلت أعين العم شفيق تتسع بدهشة: "انا اللي مش عارف، انت بتعاندني ليه؟"
أدرك مراد نفسه ليردف بهدوء: "لو سمحت يا عم شفيق، بلاش تجبرني ع حاجة أنا مش عايزها."
ليسأل بحيرة: "وهي فريدة عيبها إيه بس، مهي كل المواصفات اللي عايزها فيها!"
نفى بحنق: "لا مش المواصفات اللي عايزها، وهي كمان مش حابة تشتغل عندي."
"وانت عرفت منين؟"
"هي كانت عندي، وقالتلي انك روحت تقنعها .. واضايقت بجد من تصرف حضرتك؛ اللي عملته من غير ما ترجعلي!"
مسح ع ذراعه: "سامحني يابني، ما فكرتش الموضوع ممكن يزعلك للدرجة دي!"
أمسك مراد بيده ليمسد عليها: "متقولش كدة، أنا عارف انك بتعمل كدة عشان تريحني، سامحني انت ع انفعالي غصب عني."
ثم قبل رأسه، ويربت الآخر ع منكبه بلطف.
***
تجلس فوق الفراش عاقدة ساقيها، وهي تتصفح الحاسوب المحمول الموضوع أمامها. ليذهب عقلها ف مكانٍ آخر، حيث اليوم الذي ذهبت فيه لـ مراد.
لقد ثارت عليه عوضًا عن الاعتذار له، برغم أنها كانت تود فعل ذلك حقًا، بعدما أدركت فداحة ما فعلت، لكن هو السبب فقد تسبب ف انفعالها عندما قام بطردها للمرة الثانية.
نعم هي معترفة الآن أنها قد أخطأت بحقه مرتين، لكن كان من المفترض أن يستقبلها بلطف وصدر رحب، خاصةً أنها ذهبت إليه غير واضعة لنية سيئة ف قلبها له!!
اللعنة عليه أساسًا لا تريد رؤية وجهه ثانيةً، من يظن نفسه هذا المتكبر المغرور. لم تفكر فيه بالأساس فليذهب للجحيم هو وعمله.
***
"مراد باشا، أنا بجد مش عارف أقولك إيه، بس مش لاقي طباخ ينفع!"
قال عماد الواقف أمام مراد الذي يجلس بالردهة أمام حاسوبه، ليرد في جفاء: "مش عايز من وشك حاجة، روح من قدامي!"
كاد ليتحدث لكن قاطعه بإشارة منه لكي يغادر. تحرك ذاهبًا، لينصدم بوجود فريدة.
اتسعت عينيه ليتمتم: "انتي؟"
رفع مراد بصره ليتفاجأ بوجودها أمامه، ثم وقف بجمود، والغيظ يفر من زمردتيه.
اقتربت هي نحوه بخطوات واهية، ليعقد مراد حاجبيه بضيق: "انتي ازاي..."
"أنا آسفة."
بترت هي حديثه بالإعتذار فورًا قبل أن يثور غضبًا، وجعلت الكلمة تنحبس في حلقه. ليتعجب هو بل يندهش منها. أما سمع حقًا أم يخيل إليه!
وضعت ع الطاولة الزجاجية القدر الحافظ للطعام، ثم بدأت بالحديث متبسمة.
"الأكل دة أنا لسة عاملاه، أنا متأكدة إنه هيعجبك."
عقد حاجبيه ثم ما لبث أن أردف: "ودة بمناسبة إيه؟"
"من غير مناسبة، اعتبرها فتح صفحة جديدة!"
قالت ببساطة وهي ترفع كتفيها. ليتلعثم مراد قليلًا: "أنا... مش محتاج فتح صفحات... أو يعني..."
قاطعته بنبرة هادئة: "بس النبي قبل الهدية!"
لا يقدر على قول شئ. كان حديثها هذه المرة رزينًا مرتبًا، لقد ثبتته كما يقولون. ناهيك عن هذا الأبله الواقف خلفها ينقل نظره بينها وبينه كأن لم يفهم.
لينتبه إليه مراد ويهتف به: "عماد!"
فزع ثم هز رأسه وهو يرفع حاجبيه باذبهلال ويهمهم. تحاول فريدة كبح ضحكتها من شكله التائه.
مراد: "هممم إيه؟ أنا مش قولتلك تروح؟"
عماد: "يعني خلاص هي اللي اخترتها؟"
عقد حاجبيه ليهتف: "مالكش دعوة انت، روح يلا."
تحرك مغادرًا، وهمس بمرح: "وأخيراً هرتاح من رحلة البحث عن الطباخ المميز .. يس يس."
"مش هتاكل؟"
سألت فأجاب: "لما أجوع."
بل هو جائع والرائحة اللذيذة تغريه أكثر، لكنه تريث. ثم سأل.
"انتي عرفتي منين العنوان! هو عمي شفيق كلمك تاني؟"
"لا هو مكلمنيش، بس أنا عرفت وخلاص."
ضحك بداخله لبلاهتها، فمعرفة العنوان ليس بالأمر الصعب، ثم أنها كانت تعمل بالمصنع عنده، لابد أنها عرفت من أحد الموظفين! إنها حقًا غبية.
"تمام."
"استأذن أنا، وأتمنى ما يبقاش فيه بينا تتش!"
كادت الالتفات لكن رفع بيده عفويًا، يوقفها: "استني!!"
نظرت له ثم هز كتفيه: "رايحة فين؟"
"ماشية."
قالت ببساطة، ثم تمتم: "هو مش خلاص مفيش تتش؟"
استعار كلمتها، فأومأت برأسها ليكمل: "لو مش هتمانعي ممكن..."
بتر حديثه لينظر إليها، والتي عقدت حاجبيها دون فهم. كاد ليردف لكن قاطعه صوت أنثوي صاخب من خلفهما: "مــراد!.........."
رواية ظل السحاب الفصل الخامس 5 - بقلم آية حسن
انت مربي معيز عندك؟
سألت حين سمعت ذلك الصوت من ورائها ينادي، ليرى مراد فتاة تقترب منهما وتقول بنبرة رقيقة: مراد، وحشتني.
نظرت فريدة إليها من منبت شعرها إلى أخمص قدميها باشمئزاز واستنكار.
همست من بين أسنانها: وحش لما يلهف ودانك!
لتقترب منه أكثر وتهتف بدلال: معقول أغيب فترة متسألش عني!
مراد بجمود: جرا إيه يا بسنت، مالك ف إيه؟
لتعدل من نبرتها: مفيش، جاية أطمن عليك مش انت ابن خالتي ومن حقي أسأل عنك برضو؟
تلوي فريدة فمها وتهمس باستهجان: حِكَم!
لتنتبه بسنت لوجودها وتسأل: مين دي يا مراد؟
لم يعر سؤالها اهتمامًا بل نظر لفريدة وأردف: خلاص إنتي يعتبر اتعينتي ومن بكرة تستلمي عملك.
عقدت حاجبيها متعجبة، عن أي عمل يتحدث!!
ليكمل: هكلم عماد يكلمك ويفهمك نظامي.
لم يعطها فرصة لتسأل، بل جلس وتابع تصفحه ع الحاسوب، دون حتى الاهتمام بتلك المتبرجة الواقفة بجواره.
ذهبت فريدة من منزل مراد، ثم صعدت إلى سيارة أجرة ف طريقها إلى الدورة التدريبية.
جلست بسنت لتردف بابتسامة: أخبار شغلك إيه يا مراد؟
: اشمعنى؟
أجاب دون النظر إليها، لترد قائلة: أصلي كنت عايزة آجي أشتغل عندك. أنا سمعت إنك طردت معتز، وأكيد انت دلوقتي محتاج حد ف الشركة بداله، وانا مستعدة أقوم بالمهمة دي!
قالتها مبتسمة، ثم رفع ببصره لها، ليهمهم ويقول: وانتي بقا هتقدري ع شغلي؟
أجابت بحماس: طبعاً، صدقني الموضوع مش صعب للدرجة، كل حاجة بتيجي بالممارسة!
تنهد: ع العموم أنا عامل اختبار قدرات، واللي يستحق المنصب دة هينجح فيه. فلو حابة تقدمي معنديش مانع.
عضت وجهها لتقول باغتياظ: بس أنا مش هدخل مع حد اختبارات، وأنا بنت خالتك يعني أكيد استحق، وانت مش هتآمن لحد أكتر مني؟
نهض ليهتف بصرامة: والله دة اللي عندي، والموضوع مالوش علاقة بصلة قرابة، وانتي لو واثقة من نفسك مش هتقولي كدة!
وقفت ثم علقت حقيبتها وهي تردف بوجه منتفخ بعد أن خاب أملها: ماشي يا مراد، وافتكر إنك كدة بتخسر قرايبك، سلام.
لم يعبأ بها، ليحول عينيه ع الطعام الذي وضعته فريدة ع الطاولة الزجاجية، ثم ينادي ع عفاف ليأمرها بتحضيره ع السفرة حتى يتناوله.
***
: وانتي بقا روحتي اعتذرتيله عشان مقتنعة إنك غلطانة، ولا ف حاجة ف دماغك؟
سألت الجدة فريدة، وهي تضع الطنجرة فوق العين المشتعلة ع البوتجاز، لتجيب بهدوء: بصي يا ريدة مش هنكر إني اتماديت معاه، وكمان بابا طلب مني أعتذر، وأنا ماحبتش أرفض له طلب.
ضيقت الجدة عينيها وهي تتفحصها بتمعن، لتتعجب فريدة: ف إيه يا تيتة مالك بتبصيلي كدة ليه؟
بحيرة: مش عارفة، شكلك ناوية ع حاجة.
كادت لترد، لكن قاطعها نغمة هاتفها، لترفعه ع أذنها وترد: ألو!
...: آنسة فريدة!
معاكي عماد جابر، مدير الشؤون عند مراد باشا الحديدي.
: أهلاً يا استاذ عماد، في حاجة؟
: كنت بكلمك عشان أبلغك مواعيد العمل.
تعجبت: عمل إيه معلش؟
حمحم: مش إنتي وافقتي تبقي الطباخة الخاصة لمراد باشا؟
هتفت مستنكرة: نعــم؟ امتى دة بقا؟
: من يومين، إنتي لحقتي تنسي؟ المهم يا ريت من بكرة الساعة 7 ونص تكوني عنده ف الڤيلا، سلام.
أغلق الخط ثم نظرت فريدة ف اللا مكان معقدة الحاجبين، لتنكزها الجدة بكوعها من الخلف وهي تضع الكبده المقطعة بالطنجرة: إيه روحتي فين؟ ومين اللي كان بيكلمك؟
التفت لها: دة واحد شغال عند مراد، بيقوللي إني لازم أروحله بكره الصبح عشان أستلم الشغل عنده.
: يلا مبروك عليكي، أديكي رجعتي تشتغلي تاني.
هتفت بحنق وهي تمسك بالمعلقة الخشبية من الجدة: مبروك إيه بس يا تيتة، أنا أصلاً مردتش عليه إذا كنت موافقة أو لأ!
رمقتها بطرف عينها بنظرة لعوب: اطلعي من دول، دة انتي تلاقيكي ما صدقتي.
: تيتة...!
هتفت بها وهي تعقد وجهها كالأطفال، لتتابعها الجدة بضحكة، ثم رجعت فريدة لتقليب الكبدة بحنق.
***
: وأخيراً يا عم شفيق، مراد باشا اقتنع بفريدة.
صاح بها عماد بمرح ف ردهة الشركة، ليتعجب شفيق: ازاي!! دة كان رافض تماماً الموضوع خصوصاً بعد ما جاتله الشركة؟
: حصل، بس الغريب بقا، إنها جات عنده الڤيلا واعتذرت وهو سمحلها تشتغل، وزمانها عنده دلوقتي بتعمله أول أكله عشانه.
هتف العم شفيق بدهشة أكبر: معقولة؟ دي لو عملت كدة يبقى بنت أبوها بصحيح.
قالها متبسمًا.
***
عند الساعة التاسعة صباحًا، هبطت فريدة من سيارة أجرة، لتمر من خلال البوابة الرئيسية بعد أن عرفها البواب.
ثم تحركت نحو الباب لتجد سيارة مراد تتحرك من الجراچ، ليراها هو وينزل من سيارته قبل أن يصفع بابها، ويتقدم نحوها بوجه عابس.
هتف بتذمر: انتي إيه اللي أخرك! انتي مش عارفة ان معادك الساعة سبعة ونص؟
تعجبت من انفعاله، لترد قائلة: هو انت بتزعقلي؟
هتف بنبرة جلية: أيوة. ودي آخر مرة تتأخري فيها، أنا مبحبش حد يعارض كلامي، مفهوم؟
: لا مش مفهوم...
عارضت بشدة لتردف: انت مشترتنيش عشان تديني أوامر وأنفذها، أنا لما كنت ف المصنع...
قاطعها بحدة هزت بدنها: المصنع حاجة، وهنا حاجة تاني. انتي هناك كنتي بتشتغلي من غير ما أعرف، إنما هنا أنا اللي معينك، يبقى تسمعي كلامي من غير مناقشة.
اغتاظت ثم صاحت: لا مش هسمع كلام حد، ومتزعقليش كدة.
رفعت سبابتها، ليعقد جبينه، وشعلة الغضب تلمع من عينيه.
همس بهدوء أربكها: انتي بتعلي صوتك عليا؟
ابتلعت لعابها، ثم أردف بنفس نبرته: ادخلي جوة، واستنيني لما أرجع من الشغل، وحذاري لما آجي وألاقيكي مش موجودة!!
انهى كلامه ليتحرك ويصعد السيارة ثم ينطلق ذاهبًا لعمله.
تقف هي كالصنم غير واعية مما حدث توًا.
متمتمة: دة باينله هيبقى مرار طافح يا ولاد...
لتدق جرس الباب، وتدلف بعد أن فتحت إحدى العاملات، ثم تتقدم نحوها عفاف وتسأل: إنتي الطباخة الجديدة!
لترد محذرة: لا مهو شوفوا هتبتدوها كدة من أولها، اقسم بالله آخد بعضي وأمشي.
توترت عفاف بعدما تذكرت تحذيرات مراد الصارمة بعدم التعرض لها حتى بالكلام المزعج، رغم كونها لم تقصد الإساءة.
حمحمت: بعتذر، تسمحيلي أتشرف بإسمك؟
ابتسمت: فريدة عز الدين.
: طب تعالي هاخدك المطبخ، اللي هيكون شغلك فيه.
قالت وهي تتحرك تجاه المكان، وتابعتها فريدة من خلفها.
ليدخلان غرفة واسعة محاطة برفوف المطبخ، وأجهزته.
لقد أثار انبهارها شكله جميل ومرتب، نظيف، به كامل ما تحتاجه هي لتجهيز أفخم وألذ طهية.
أشارت عفاف للذين يعملون بالمنزل معرفة إياهم واحدًا تلو الآخر، خصوصًا المساعدين.
الآن أصبح لديها مساعدين بعدما كانت هي ف المصنع مجرد مساعدة ليس إلا!
لن تنكر أن هذا جعلها تشعر بالغرور قليلًا، ضحكت بداخلها عما تفكر فيه.
حتى أنها نسيت صياح مراد لها.
ألقوا التحية عليها، مع نظرات استغراب لصغر سنها وحجمها أيضاً، فهي ليست بسمينة ولا طويلة، بل طولها متوسط، ووزنها معتدل.
: بصوا يا جماعة بالصلاة ع النبي كدة، عايزين نتعاون مع بعضينا، وما يبقاش فيه نقط سودة جوة قلوبنا من ناحية بعض. وع رأي الاستاذ اللمبي «اللي منك مني وانت مني يا عم» قشطة!
الجميع نظر لها بعدم فهم، لكنها تابعت: أوعوا تفتكروا عشان بقيت ريسة عليكم كدة ممكن اتكبر وأتقنعر. ابسليوتلي، احنا شعارنا ف الحياة «من تواضع لله رفعه»، وعشان كدة أنا هنا!
قالتها وهي ترفع بيدها بفخر، حتى جعلت أحدهم يضحك عليها.
فردت نفسها ثم حمحمت وقالت لعفاف: بينا يا حاجة عفاف نشوف شغلنا.
***
: هي فريدة هتتأخر؟
سأل عز وهو جالس يتناول طعامه.
الجدة: مقالتش. هو صحيح اللي اسمه مراد دة مرجعكش انت ليه؟
التقط لقمه واضعًا إياها في فمه: ويرجعني ليه؟ أنا الحمد لله دلوقتي بشتغل ف ورشة ومبسوط.
: بس كان أقلها، طلب انك ترجع بعد ما فريدة اشتغلت عنده! بدل البهدلة اللي انت فيها دي.
: لا، انا مش متبهدل كدة أنا مرتاح أكتر!
تنهد الجدة وهي تنظر لإبنها باستنكار.
***
انتهت فريدة من إعداد الطعام ناظرة إلى ساعة يدها، لتندهش.
: يا نهار ورد أحمر، الساعة 3 العصر!
خلعت المريلة التي كانت ترتديها، ثم خرجت من المطبخ، وضبطت ملابسها ثم تهم بالذهاب.
ليدخل مراد من الباب ليراها قبل أن تغادر.
مراد: انتي رايحة فين!
: ماشية. وأنا جهزتلك الغدا مش باقي غير يتحط ع السفرة.
كادت أن ترحل لولا أن أوقفها بيده: هتمشي ازاي! أنا مش قولتلك تستني لغاية ما أرجع!
عقدت يدها: وأنا قولتلك لأ، ولا هو انت عايزني أأكلك ف بوقك!
قالت ساخرة ليصطك فكيه بحنق: اسمعي أنا أكره ما فيا أن حد يتلامض معايا، ف الأحسن ليكي تسمعي وانتي ساكتة!
هتفت بضيق: انت عايز إيه، دة انت بني آدم غريب.
دخل إلى الردهة، لتتابعه وتتحرك خلفه بتذمر، ثم يجلس قبالها ويقول: أي حد بيشتغل هنا، المفروض إنه ما يخرجش من غير إذني، والمفروض حضرتك زيك زيهم.
تنهد ليتابع بعملية: خلينا نتكلم عن مرتبك. خمس آلاف جنيه كويس؟
انفرجت شفتيها بذهول: بتقول كام!! خمسة عشان أطبخ بس؟
رد متعجبًا: أه، قليل؟
استنكرت: قليل!! دة كتير أوي، أنا لو كنت باخد فلوس بالشكل دة من يوم ما اتعلمت الطبخ كان زماني بنافسك.
: أي واحد ممكن يوصل للي هو عاوزة طالما بيجتهد ف عمله!
ابتسمت بإعجاب، من الواضح أنه اجتهد كثيرًا حتى وصل لما هو عليه الآن.
هتف متسائلًا وهو يميل للخلف ع ظهر الأريكة: ها كويس المبلغ ولا تحبي أزوده؟
: كويس.
: تمام. نيجي بقا للمواعيد. هيبقى من الساعة 8 الصبح للساعة 8 بالليل.
انكمش وجهها استنكارًا وهي واضعة يدها ف خصرها: نعم نعم نعم؟؟؟؟ قول تاني كدة عشان مسمعتش!!، طب ما بات عندك بالمرة جات ع سواد الليل يعني!
قالت ساخرة ليرد ببساطة: معنديش مانع.
: نعم يا روح أ...
ابتلعت بقية كلمتها حينما رأت نظرة حادة بعينيه، لتردف قائلة بحنق: انت بتغريني بالفلوس عشان تضغط عليا يعني؟ .. طب انا مش موافقة ومش عايزة أشتغل عندك، جبلك بقا حد يرضى يقيم عندك ف البيت.
التفتت لتذهب لكنه أوقفها بصرامة: استني هنا... آخر مرة تحاولي تمشي وأنا بكلمك، سامعة!!
صرخ بها لتنظر له بصدمة، ثم همهمت: أنا فعلًا غلطت لما جيت عشان أعتذرلك، كان لازم أسيبك تخبط راسك ف الحيط. وغلطت أكتر لما جيت أشتغل هنا.
يغور شغلك لو هتستعبدني، أنا بنت ناس مش واحدة واقعة ف عرضك وهموت ع الكام ملطوش اللي هتديهم ليا!
صاحت بقوة حتى انتبه جميع العاملين.
قبض مراد ع راحة يده، ليتجهم وجهه، وازداد تنفسه بشكل أرعبها، فتراجعت هي للخلف بخوف من نظراته.
هل يجب أن تركض فورًا؟
عم السكوت بالمكان، هناك فقط نظرات بينهما، لتقطعها هي بصياحها الباكي كالأطفال قبل أن تقول.
: والله حرام اللي بتعمله ف بنات الناس دة، ربنا مش هيسامحك.
يتعجب الآخر، ثم يصيح بها بانزعاج من أنينها: خلاص، روحي دلوقتي من هنا.
أعطته ظهرها، وهي تبتسم بمكر أنها أخيرًا استطاعت أن تفلت من فيضانه.
همست لنفسها وهي تتحرك مغادرة: قال 8 بالليل قال، تمن عفاريت يلبسوا اللي جايبينك.
رواية ظل السحاب الفصل السادس 6 - بقلم آية حسن
احنا داخلين ع مشروع كبير، مناقصة تمنها يزيد عن 200 مليون دولار.
قال مراد الواقف أمام مجموعة من المهندسين والموظفين لديه، في غرفة الإجتماعات.
ليرد أحدهم: أعتقد مشروع زي دة هيبقى عليه منافسات كتير من شركات كبيرة.
: بالظبط، وعشان كدة أنا عايزكم تضغطوا ع نفسكم، وتكثفوا جهودكم عشان ترسي علينا!
كان حديثه عمليًا يتخلله بعض الصرامة، حتى لا يتباطأ إحداهم.
كانت خارجة من المبنى الذي فيه المجموعة خاصتها، للتتفاجأ به أمامها.
: أسامة؟ انت إيه اللي جابك هنا؟
حمحم ليرد: كنت معدي من هنا صدفة، قولت آخدك ف طريقي.
: هممم، أنا بحب اتمشى فلو هتتعب اتفضل خد أي مواصلة!
كانت تتوقع رفضه لكن خاب ظنها بعدما أجاب مسرعًا: أنا كمان بحب أمشي، دة حتى بيقولوا المشي رياضة.
همست بخفوت بتهكم: لا وانت رياضي أوي!
: أفندم؟؟
: لا مفيش، يلا عشان متأخرش.
تحرك الإثنان ف طريقهما للعودة إلى منازلهم.
فات كم من الوقت لم يكف أسامة عن الحديث.
ينتهي من موضوع ويتطرأ للآخر، حقًا إنه ثرثار للغاية لقد أكل أذنها.
إنها كانت تعود بمفردها، ما الذي جعله يأتي لها ويزعجها بهذا الشكل.
كف عن الكلام أيها الأبله لقد تورمت رأسي!
يقود سيارته بعد يوم عمل شاق.
من شركة إلى أخرى إلى المصنع.
كان يومًا متعبًا، يريد الراحة قليلًا.
أن يرمي بجسده ع الفراش وينعم بالغوص ف نوم هادئ حتى الصباح.
تنهد مراد ليرى فريدة تتجول مع شاب، ليعقد حاجبيه متعجبًا، ثم نظر إلى ساعة يده.
ما الذي تفعله ف هذا الوقت المتأخر من الليل؟
انها الساعة التاسعة والنصف مساءً.
أبطأ من المحرك ليقف بالقرب منها، ثم تراه هي ويهبط من سيارته.
: انت بتعمل ايه هنا؟
قطب وجهه مستنكرًا: أنا برضو؟
ليهتف أسامة مبتسمًا: أستاذ مراد، ازيك!
ضيق عينيه كأنه لا يتذكره ليردف الآخر: أنا أسامة اللي شغال ف مصنعك، مش فاكرني؟
هز رأسه ثم نظر لفريدة ليتساءل: انتي بتعملي إيه ف الشارع ف الوقت دة؟
: أصل كنت فـ...
كادت لتجيب لكنها صمتت لوهلة.
لمَ يسألها! هل يحقق معها!
كانت لترد بإجابة مختلفة لكن اقتحم حديثهما أسامة ليقول: احنا كنا مروحين دلوقتي، بس هي أصرت نتمشى بدل ما ناخد تاكس!
لتتسع عينيها وتهمس من بين أسنانها: الله يخربيتك يا أسامة الزفت.
: تمام، كملوا انتوا ف طريقكم.
بعد إذنكم.
رد ببساطة ثم تحرك لعربته، وهي رفعت شفتها العليا احتجاجًا ع ما فعل.
كانت تظن أنه سيطلب توصيلها لكن تركها مع هذا الثرثار، وهذا يعني عليها تحمل هرتلته وقتًا إضافيًا، ولا يزال هناك مسافة ليست بقريبة ريثما تصل إلى البيت.
كاد يتحرك بالسيارة لكن هرولت أمامها بسرعة لتهتف: استنى، انت هتسيبني وتمشي؟ مش تاخدني معاك؟
رفع حاجبه: انتي مش قولتي عايزة تتمشي؟
: لا أنا رجلي وجعتني، ولو فضلت اتمشى مش هقدر آجي الشغل بكرة!
تعجب أسامة من ذكرها العمل، ألم يقم بطردها!!
همهم وهو يومئ برأسه، ثم أشار إليها بالصعود: طب يلا بسرعة عشان مستعجل.
علت ابتسامة ع محياها، وتحركت صوب الباب الخلفي وصعدت.
ثم هم أسامة ليصعد لكن أوقفه صوت مراد الخشن والصارم: تعالى اركب انت قدام!!
رن هاتف فريدة ثم ترد: ألو يا بابا... معلش أصل الزفتة نرمين أخرتني.
ليمتعض وجه مراد.
أتكذب ع والدها أيضًا؟
: ماشي يا حبيبي، أنا خلاص قربت أوصل.
باي.
أغلقت الخط، لتلاحظ ف المرآة عيني مراد معلقة عليها.
تعجبت من نظراته التي تطلق شرارة غاضبة، ليقطعها صوت أسامة متسائلًا: هو أنا سمعتك يا فريدة بتقولي هتتأخري ع شغلك بكرة! انتي اشتغلتي؟
: أيوة، عند البشمهندس.
أجابت متهكمة وهي تشير له، ليندهش أسامة: معقوله! ومتقوليش ليا!
نظرت له باستنكار.
أما عن مراد فقد كان صامتًا آخذًا عن فريدة فكرة ليس بجيدة ع الإطلاق.
ليستفيق ع صوت أسامة مشيرًا له بالوقوف: ع إيدك هنا يا باشا.
ليستعد بالنزول: متشكر أوي ع التوصيلة.
اكتفى مراد بالإيماءة برأسه، ثم أردف أسامة: سلام يا فريدة، سلميلي ع عم عز لغاية ما أشوفك.
ابتسمت بسماجة، لينطلق مراد بسرعة مندفعة، حتى كادت أن تصطدم بالمقعد الأمامي.
صرخت متألمة: أه، مش تحاسب كنت هتخبطني.
هتف بسخرية: معلش بقا، أصل أنا المفروض عليا أمشي تكة تكة عشان سيادتك مش عارفة تسند نفسها.
: وانت مالك مضايق أوي كدة ليه؟ ما قولتش ليه انك مش عاوز توصلني؟ أحسن مانت مش طايقني كدة.
رمقها ف المرآة بحدة، ثم سألها ف هدوء مزيف: بيتك فين؟
: نزلني ع أول الشارع، وأنا هكمل.
وشكراً ع كدة.
قالت باقتضاب.
ليحاول هو السيطرة ع نفسه ثم يقف بالسيارة عند بداية الشارع كما قالت له.
هبطت من السيارة بوجه متجهم، ثم ترد: متشكرين، نردهالك ف زنقة إن شاء الله.
لم يرد وهذا ما جعلها تشعر بالغيظ.
دبت قدمها بالأرض ثم تحركت ذاهبة.
: إيه يا فريدة التأخير دة؟
هتف بها عز عقب دخولها من الباب، لترد قائلة: اتأخرت ف المجموعة، وكمان لأجل الحظ لقيت أسامة ف وشي، وأنا ماحبتش أركب معاه تاكس ويا ريتني كنت ركبت وخلصت من رغي أهله، طول الطريق مفصلش لولا مراد ما شافني وأنقذني، وبرضو ندمت اني ركبت معاه!
تعجب: مراد؟
: أه وصلني لغاية الشارع، ومشي.
: فيه الخير، يلا ادخلي غيري هدومك وتعالي نتعشى سوا، بقالي كتير مرغتش معاكي.
: حاضر يا حبيبي.
صباح اليوم التالي وصلت فريدة ڤيلا مراد، وكالعادة متأخرة عن معادها.
فتحت لها العاملة.
لتفتح فريدة ذراعيها وتهتف بمرح: تيرارارا.
لتهمس لها العاملة وهي تضع إصبعها أمام فمها محذره إياها: ششش، وطي صوتك، مراد باشا هنا.
لتتمتم بتوتر: هو مستنيني ولا إيه!
: لأ أجازته النهاردة، أدخلي.
قالت بعد أن أغلقت الباب، ثم توجهت مع فريدة إلى المطبخ.
: كويس إنك جيتي، حضري الفطار لمراد باشا، عشان هو لسة مفطر.
أومأت برأسها، ثم بدأت بتجهيز الفطار.
بعد عشر دقائق تقريبًا نزل مراد الدرج ليراها تقف بالمطبخ.
لم يتفوه أو يزعق لتأخيرها، بل خرج للساحة ينتظر فطوره.
وضعت العاملة الأطباق ع الطاولة الصغيرة أمام مراد، ثم يقول لها بعد أن انتهت: اعملي قهوة وجيبيها هنا.
: تحت أمرك.
ذهبت ثم جاءت فريدة حاملة كوب الحليب ف يدها، لتضعه أمامه.
: قال قولت عايز قهوة مش لبن!
تمتم بحنق، لترد: مش حلوة القهوة ع الصبح كدة!
هتف بضيق: وانتي مالك، ثم أنا مبحبش اللبن.
: هو اللي ما بيحبكش!
صححت فرفع ببصره صوبها: نعم؟
: تيتة قالتلي كدة، حرام نقول إننا مش بنحب اللبن.
وبعدين ازاي واحد مهتم بصحته زيك مش بيشرب اللبن اللي كله فوايد وكالسيوم؟
: انتي جاية تديني محاضرة ف العناصر الغذائية؟
: ليه لأ، طالما مش عارف أقولك أنا.
قالتها بثقه وهي ترفع أحد حاجبيها، ليقول دون اهتمام: طب شيلي الأكل، وابعتي يعملولي قهوة.
: مفيش قهوة، واشرب اللبن!
قالت بحزم طفيف، ليصيح بها متأففًا: جرى إيه! هو انتي هتديني أوامر!
: أه.
ثم حمحمت لتصحح بعد أن تهيأ لينفعل: أقصد يعني مش معقول أتعب ف التحضير وانت ف الآخر مش عايز تاكل او تشرب؟
: شئ مايخصكيش، طالما بتاخدي مرتبك آخر الشهر يبقى مالكيش دعوة.
أشاحت بيدها: انت هتذلني يا عمنا بـ أم المرتب دة!
قالت دون وعي لكلماتها، ليقف هو ويهمس بنبرة أقلقتها: قولتي إيه؟
ابتلعت ريقها ثم تمتمت بعدما رسمت ملامح طفولية: هو انت بتخوفني ليه! والله إنك معدوم الإنسانية.
: نعم؟؟؟؟
صاح لترد بنبرة مهتزة: يعني يرضيك كدة طفلة بريئة زيي، تقف زي الفار المبلول قدام شوال خرتيت؟
هتف مستنكرًا: طفلة؟ وبريئة؟
... ليدرك كلمتها: وبعدين أنا خرتيت؟
نفت بسرعة: لالا دي كناية عن الموقف.
: موقف إيه وزفت إيه، روحي من قدامي.
تمتم من تحت ضرسه، لتذهب بسرعة من أمامه.
دخل عماد الڤيلا متوجهًا صوب الساحة التي فيها مراد.
: صباح الخير يا باشا.
رمى الصباح بتلهف، ثم جلس بجواره دون أن يأذن له الآخر ليلتقط بعض الخبز ويبدأ بتناول الطعام، تحت نظرات مراد المستنكرة.
ليسأل: عرفت مين داخل قصادنا ف المناقصة؟
تمتم بصوت منغلق أثناء مضغه: أربع شركات منافسة.
وعندي إحساس أننا هنخسر.
قال بسخرية: طب والله دي حاجة جميلة أوي!
ليبتسم الآخر ببلاهة والطعام ف فمه.
ليحذره مراد بقوة: عماد!
ابتلع الطعام: آسف يا باشا.
هم برفع كوب الحليب ليمسك مراد معصمه: انت هتعمل إيه؟
: هشرب اللبن؟
: اللي هو بتاعي؟!!!!!
: منا عارف إن حضرتك مبتحبوش!
: لا حبيته قوم يلا امشي.
أمسكه منه ثم أشار إليه بالذهاب، ليردف: طب أبلّع الأكل اللي وقف ف بلعومي طيب؟
: يلا يا عماد!
تمتم من تحت أسنانه، ليتنهد الآخر متوجهًا للخارج.
الساعة 2 بعد الظهر رن هاتف فريدة ثم سارت صوب الطاولة الموجودة بالردهة لتلتقط حقيبتها وتخرج هاتفه.
لترد: ألو.. إيه يا نرمين؟.. المعاد اتغير ولا إيه؟.. لا ماحدش كلمني! .. جروب إيه وزفت إيه أنا مافتحتش واتس أصلاً.. يا ساتر عليكي وع برودك.. غوري اقفلي أنا جاية!
أغلقت الهاتف ثم عادت لتضعه ف الحقيبة.
التفتت لـ مراد الذي دخل توًا من الباب، ثم ذهبت إليه.
: بقولك إيه أنا همشي!
قال معقدًا حاجبيه: تمشي ازاي، لسة معادك!
: معلش بقا تتعوض!
قالتها ببساطة، لتلتفت نحو الحقيبة وتأخذها، ليردف: إنتي بتتكلمي بجد؟
: أه، عندي معاد!
: نعم يختي؟
هتف بها ثم وضعت يدها ف خصرها: إيه!
: معاد إيه دة بقا!
: وانت مالك؟
زم شفتيه بحنق، ثم خطى للأمام مختصرًا المسافة بينهما، ليهمس بتذمر: أوعي تاني مرة أسمعك تقولي الكلمة دي!
ليقشعر بدنها بتوتر.
ثم يعطِها ظهره.
ثم صاحت: مهو شوف بقى أنا ماشية يعني ماشية، حتى لو انت طردتني.
لتلتفت مندفعًا صوبها بنظره جمدتها وزادت من نبضات قلبها.
ليهمس بصوت مخملي: معاد إيه دة اللي مصرة إنك تسيبي شغلك عشانه؟
انفلتت منها شهقة متقطعة.
لترد ف تلعثم وصوت متقطع: مجـ.. موعة.
: إيه؟
همس لتجيب: مجموعة.
تعجب: مجموعة إيه دي؟
: كورسات تدريبية ولغات.
ليرفع أحد حاجبيه ويهمهم: اممم، بس المعاد دة ماينفعش عشان متوافق مع شغلك!
: مهو المعاد مكانش دلوقتي المفروض بالليل، وكمان بكرة.. بس اتغير لدلوقتي، ناس هطلة بقا نعملهم إيه!
: يعني انتي كنتي امبارح ف المجموعة؟
سأل لتومئ برأسها بإيجاب.
يا لأفكاره لقد ظن فيها السوء وأنها كانت تكذب ع والدها.
لما يهتم بشأنها من الأساس، فهي مجرد موظفة لديه؟!.
حمحم: طب خلاص أنا هسمحلك تروحي المرة دي، بس بعد كدة تنظمي نفسك.
ابتسمت ببرود ثم غادرت وهي تتمتم: ع أساس إني هعمل كدة! وحياتك لخليهم يقدموا المعاد عندًا فيك!
وصلت المبنى وصعدت للطابق المقصود.
ف ظل عجلتها قد اصطدمت بفتاة بوجهها، ليسقط جوالها متناثرًا ع الأرض أشلاءًا.
لتقول معتذرة: آسفة ماخدتش بالي!
: انتي غبية انتي كسرتي التليفون!
صاحت بها مزمجرة، لتهتف الأخرى: وأنا مالي، مانتي اللي وقفتي قصادي!
.: انتي كمان بتبجحي!
: لا بقولك إيه، لمي نفسك، أنا ممكن آخد دماغك وأعملها لحمة راس!
لتحتقن الدماء غيظًا منها، ثم تلتقط بقايا هاتفها، لترمقها بقرف ثم تقول: Vulgar.
لتتركها وتذهب.
لم تعرف معنى الكلمة ثم أخرجت قاموسها وبحثت عن المعنى لتشهق بصدمة.
: أهو انتي اللي فلجر وستين فلجر يا بنت الفلجر !!!!
صاحت بأعلى صوتها ولكنها قد غادرت.
رواية ظل السحاب الفصل السابع 7 - بقلم آية حسن
لا مؤاخذة يا مِستر، ممكن الدرس النهاردة يبقى عن الردح!
كانت تجلس ع الدكة ف وسط زملائها، وأمامهم المدرس.
تعجب: ردح؟
ثم استنكر كلماتها: وبعدين إيه مستر دي؟ وكمان درس؟ جرا إيه يا فريدة، من امتى ف الـ English Class بنتكلم عربي أصلاً؟
: اللاه! أمال عايزنا نتبرى من أصلنا يا أستاذ؟
زم شفتيه: طب انتي عايزة إيه دلوقتي !!
: علمنا كلمات سوقية، عايزة فيفي عبده أوربا لما بتردح.
قهقه الطلاب الموجودين بالصف، ليرد المدرس باستهجان: هو انتي فاكرة نفسك ف حارة الجرابيع؟
وقفت: أيوة ... قصدي علمنا وخلاص.
: ماينفعش، ثم إن الأجانب مش بيردحوا.
استنكرت: نعم ياخويا؟!
رفع حاجبيه مندهشًا، لتردف بسرعة: لا مؤاخذة .. بس معلش خلي الموضوع خاص بالشليح!
أشار إليها: ماشي يا فريدة، اقعدي بقا خلينا نخلص.
لتجلس ثم تهمس لها نرمين الجالسة بالقرب منها: عايزة تشوحي لمين يا فيري؟
: هقولك لما نخرج من كهف المجانين دة.
حاولت كتم ضحكاتها، ليحذرها المدرس: نرمين.
حمحمت ثم اعتدلت ف جلستها وبدأت بالإنصات والتركيز.
***
بالنادي الرياضي ارتدى مراد ملابس رياضية، متوجهًا صوب الحلبة. ارتدى معصمًا أسودًا ف يديه ثم وقف أمام المدرب الياباني المختص بالفنون القتالية. ليبدآن بالمعركة التدريبية.
: هل تريد اليوم تعلم الدفاع عن النفس؟
: لا، بل حركات التفتيت.
قالها بحزم ثم رفع يديه إشارة له بالبدأ. تحركا الإثنان ف حركة دائرية، ليدفع المدرب مراد ف صدره ع حين غفلة، دون توقع منه، حتى اصطدم بحديدة الحلبة ليسقط متألمًا.
: هل أنت بخير؟
أومأ برأسه. ثم مد المدرب يده ليساعده ع النهوض، لكنه أبى، ووقف مرة أخرى ع قدميه.
مراد: لنكمل!
المدرب رفع يده حتى يمسك بعنقه، لكن مراد كان أسرع وأمسك ذراعه وقام بلويه واضعًا إياه ع كتفه بعد أن استدار بظهره.
لينكزه بكوعه بقوة حتى تراجع المدرب للخلف.
همس مراد بين أنفاسه المتسارعة: هل أنت بخير؟
لينهض بسرعة ويبدآن اللعب بحركات أسرع. مراد يحاول الدفاع، حتى لا يلمسه لكن الآخر أقوى ومهاراته أعلى، يلمسه بين الحين والآخر.
كاد ليغلب لكن مراد قد عرقله ف قدمه أوقعه أرضًا.
ابتسم مراد ليقول: أنت خاسر!
: ليس بعد عزيزي.
نهض مرة أخرى، وقد لمس جزء من رقبته بطرف إصبعه الإبهام، وقبل أن يضغط عليها قال: أنا ع استعداد تام أن أنهي حياتك الآن!
ليعقد مراد حاجبيه بتعجب، ويعتدل من قامته ليشرح الآخر: هذه الحركة تسمى بـ «بوشي كين»، عندما توكز أحدهم بطرف هذا الإصبع ف رقبته، فإنك ع وشك أن تدمر العصب الموصول بهذا الجزء. أي من الممكن أن تسبب شلل أو حتى تؤدي إلى الموت!!
اقترب منه ليهمس: وأنا حقًا أود ذلك.
ليهبط من الحلبة ويهتف: ألقاك في المرة القادمة، جاكي!
: بانتظارك.
***
تجلس بالساحة الخارجية وهي تقوم بتقشير البطاطا، أمام حاسوبها، مشغلة الناطق اللغوي لبعض الكلمات مرددة إياهم.
: انتي بتعملي إيه؟
رفعت بصرها لتراه أمامها، لتقف وتهتف: trivial, sucker, Foolish.
: نعــم؟؟؟!
صاح بحنحرة منفتحة بعد أن سبته، لترد بنبرة مرتعشة: لا دة أنا كنت بحفظ الكلمات وكدة.
: وهم بقا بيعلموكي ف الكورس ازاي تشتمي؟
تهكم ثم قالت: أه .. لا .. بص احنا لازم نعرف كل الكلام بتاع البلاد التانية عشان لو حد منهم فكر يشتمنا نعرف نرد، ولا إيه؟
ابتسمت ببلاهة وهي تشير إلى رأسها، ثم تمتم: ماشي يا ناصحة. إيه كل اللي عاملاه ف التراس دة؟
سأل بعد أن انتبه الخضروات والعلب البلاستيكية تملأ المكان حولها.
جلست وهي تتابع التقطيع: أنا بحب اشتغل ف الفَسَحة عشان أشم هوا، ولا عايزني أتصنم ف قلب المطبخ عشان يجيلي كرشة نفس؟
: ولزومه إيه العك دة كله؟
وقفت مرة أخرى وهي ترفع بالسكين أمامه: لا علمك تجرح قلبي مسمحلكش!
استهجن: أجرح قلبك؟
أماءت: أيوة، مش بتوصف طبخي بالعك، كدة انت بتغلط فيا وممكن أوريك العك اللي بجد.
قالت محذرة، ليرفع أحد حاجبيه وهو ينظر للسكين، لتنزلها بسرعة ويقول: خلصي بسرعة اللي ف إيدك، عشان معاد الغدا.
: أنا قدامي ساعتين، تلاتة، أربعة كدة لغاية ما أخلصه.
تف: والله؟
: أيوة، وغير كدة الساعة مجاتش 1 أصلاً. انت إيه اللي رجعك بدري؟
صاح بحنق: انتي هتشاركيني؟!!!!
دق هاتفه لتشيح الأخرى بيدها متمتمة ببعض الكلمات الغير مفهومة. رد مراد ع جواله الذي لم يكف عن الرنين.
: أيوة يا عم شفيق.
: سلملي عليه.
قالت ببلاهة، ليرمقها بنظرة أسكتتها.
: ازاي الكلام دة! .. كمان هجم ع محمود. طب انا جاي حالاً، سلام.
: ف حاجة؟
سؤال فضولي سرى ع لسانها دون استيعاب، ليعقد حاجبيه: متسأليش ف اللي مايخصكيش!
: جاتك نيلة عليك وع شكلك.
همست من تحت أسنانها، ثم قال..
: بعد ما تخلصي نضفي مكانك، عشان مابحبش اقعد ف مكان متوسخ.
أنهى أمره ثم رحل. تمتمت مقلدة أياه بطريقة مضحكة. ثم جاءت إليها إحدى العاملات: تحبي أساعدك؟
: جاية بعد ما خلصت.
سخرت لتردف الأخرى: مش انتي اللي طلبتي ماحدش يعمل معاكي حاجة!
: تقوموا ما تصدقوا كدة! .. شيلي خلينا نخلص ورانا حاجات كتير.
***
وصل مراد الشركة ثم صعد للطابق العلوي، والدماء صاعدة ع وجهه، بملامح منتفخة، تقول بأن اليوم لن يمرق ع خير.
عماد يحاول منع معتز مما يفعله: معتز بيه، اللي بتعمله دة غلط، ومراد باشا مش هيعديهالك! وبعدين انت بتدور إيه عندك ف الأدراج؟
ليصرخ ف وجهه: مالكش دعوة، وأنا مش بخاف من حد.
العم شفيق: يابني عيب، دة مهما كان ابن عمك!
قال من بين أسنانه: ابن عمي هو اللي طردني، ثم إنت بالذات متدخلش، عشان كل اللي حصل دة أكيد بسببك! طبعاً مهو معينك جاسوس علينا.
هتف بحدة ليدفع مراد بالباب بقوة حتى كسره. يقف بملامح يضخ فيها الدماء، ويخرج من أذنيه الدخان غضبًا.
سار باندفاع حتى أمسك بمقدمة ثيابه، وجره من خلف المكتب ليتمتم بنبرة جعلت دماغ معتز تقف عن الوعي: انت بترفع صوتك ع عم شفيق؟ يعني انت كبرت لدرجة تفرد جناحك ع اللي أكبر منك؟ .. أنا مش قولتلك متعتبش المكتب دة تاني؟
ازدادت نبضات قلبه بربكة. ثم دفعه ف صدره دفعة ليست قوية، كاد ان يقع ع الأرض لكنه استند إلي مقعد خلفه.
معتز نحيلًا بالنسبة لـ مراد الذي كان ضخمًا وطويلًا قباله.
هتف بصرخة هزت بدنه: أنا هفضل قصاد عمايلك وهرتلتك دي كل يوم! مفيش غيرك انشغل بيه!!
العم شفيق: هدي نفسك يا مراد، لسة صغير.
: أنا مش صغير.
صاح، ثم مقه مراد بطرف عينيه، ليتوتر من نظرته: طب أقسم بالله، لو لمحتك ف أي حتة سواء ف الشركة أو المصنع لكون كاسر رجلك الاتنين عشان تقعد ف بيتكم محترم نفسك. غور يلا من هنا.
صرخ به لينهض بسرعة من مكانه مغادرًا ف الحال، قبل أن يعطه نظرة حاقدة.
: انت لازم تقول لأبوه ع اللي حصل دة!
نمت ابتسامة ساخرة ع جانب ثغره ليردف: إذا كان أبوه بيشجعه ع عمايله دي، وفاكر إن له حق هنا!
تنهد مراد ليعطِ إشاره لـ عماد: شوف إيه موجود عندك يا عماد مخليه يدور عليه!
فتح عماد ادراج المكتب ليخرج بعض المستندات، ويتقدم مراد ثم يقرأها.
ضحك بسخرية: معتز طلع بيسرقني فعلاً.
ثم قلب بباقي الأوراق: دة كمان عامل صفقات مشبوهة ع حسي. وعمي زعلان أوي اني غلطت ف تربيته!
العم شفيق بدهشة بعد أن تطلع إلى المستندات: دي مصيبة يا مراد، لو حد شاف الورق دة هيدينك انت!
: دي غلطتي إني اعتمدت ع عيل زيه، وسمحتله يتصرف ف الشركة كإنها ملكه!
تمتم مراد ناظرًا للفراغ بحزن، ليربت شفيق ع كتفه.
: ما تضايقش نفسك، أكيد معتز مكانش داري باللي بيعمله، وزي ما قولت دلع أبوه فيه هو اللي عمل كدة، وخلاه مش عارف يفرق ما بين الصح والغلط.
أومأ برأسه ويقول لـ عماد: لم كل حاجة هنا يا عماد، متخليش ولا ورقة تخصه أو تخصني، لأني ما اضمنش إنه ما يرجعش يدور تاني عليهم! .. اقولك فضي المكتب كله!
: تحت أمرك، بس سؤال بسيط.
وقف ليسمعه ثم أردف بسؤاله: هو انت ايه خلاك تمضي ع الصفقات المشبوهة دي؟
ملأ صدره بالهواء ثم زفره بقوة مستنكرًا هذا السؤال الأحمق، ليقول بحالمية:
عماد: نعم!
ابتسم ليتمتم مراد: مش عايز.. أسمع صوتك مرة تانية!
أربكته تلك النظرة ثم هز رأسه بسرعة، ليكمل توضيب باقي الأوراق.
: اتفضل يا عم شفيق أوصلك ف طريقي!
أشار له ثم خرجا سويًا من المكتب.
***
: مدام عفاف، احنا نضفنا الدور اللي فوق كله، ما عدا طبعاً أوضة مراد باشا!
صاحت بها واحدة من طاقم العاملين، ثم تقول عفاف: كويس، روحي بقا نضفي التراس مكان ما اشتغلت فريدة!
امرتها ثم خرجت لتلبي طلبها. كانت فريدة بالمطبخ تتابع حديثهما، لتخرج وتسأل عفاف: بقولك يا ست عفاف، ألا قوليلي إيه حكاية أوضة مراد دي؟
لترد ببساطة: ولا حكاية ولا حاجة، هو محرج ع أي حد من الشغالين ينضفوها، أو حتى يدخلها!
: وه...!
اندهشت لتجيب الأخرى: هو دة اللي حصل!
همست ف عقلها: يا ترى ليه مش عايز حد يخشها! يكونشي شغال ف الممنوعات!
***
تجلس بالردهة بـ بيتها مع جدتها أمام التلفاز يشاهدون مسرحية «العيال كبرت».
قهقها سويًا ع مشهد كوميدي من "سعيد صالح". ثم رن هاتف فريدة، ليظهر اسم نرمين ع الشاشة.
تأففت: رخمة أوي، نرمين.
أخذته ثم دخلت حجرتها لترد: بتتصلي ليه دلوقتي؟
: ومالك يختي مضايقة كدة؟
: عشان فصيلة، كنت بتفرج ع مسرحية!
: طب يختي اقفلي التلفزيون، وروحي ذاكري فيه امتحان.
زمت شفتيها: مش بقولك فصيلة! .. امتحان دة إيه بقا؟
: هادي عامل امتحان مفاجئ تقييمي يشوف مستوانا!
: أه يا جزمة يا معفنة، وتلاقيكي عارفة من بدري ومقولتيش!
: والله أبداً دة هو متصل بيا من شوية كدة والكلام جاب بعضه، فقولت اتصل أقولك!
: طبعاً مانتي الجو بقا، دة كمان تلاقي باعتلك الامتحان كله.
ضحكت: مش للدرجة. يلا سلام يا بتاعة الردح.
قهقهت نرمين بقوة ثم أغلقت الأخرى الخط بحنق.
***
تقف أمام الدرج شاردة، حائرة تود الصعود لـ غرفة مراد. الفضول يأكلها تريد أن تعرف هذا السر الذي يجعله يحذر أي أحد بالتقرب منها. ترى ماذا يوجد بها حتى يمنع الجميع من دخولها. عقلها يحرضها ع الصعود واقتحامها فورًا حتى يهدأ من تفكيره!
اللعنة ما هذا الفضول، حتمًا سيجعلها تقع في المصائب. حسمت أمرها لتصعد، مهما يحدث لن تعبأ. إن أمسكها ستقول له أنها لم تكن تعرف، فهي لا تتحمل كثرة الأسئلة التي تدور برأسها، ثم أن هذه فرصة مناسبة الجميع مشغولون وهو ليس بالمنزل، ستلقي نظرة بسرعة وتهبط دون علم أحد.
وضعت قدمها ع الدرج وبدأت بالصعود منصتة لعقلها فقط، ضاربة بتحذيرات العاملين عرض الحائط.
وصلت عند الحجرة المقصورة ثم قبضت ع المقبض وتفتح الباب.
وما أن انفتح الباب توسعت عينيها بشدة.
رواية ظل السحاب الفصل الثامن 8 - بقلم آية حسن
وما أن انفتح الباب توسعت عينيها بشدة لتردف:
Lord, what am I seeing
"رباه! ما الذي أراه؟!"
نطقت باللغة الإنجليزية دون وعي، مذهولة من المنظر الغريب أمامها! الغرفة واسعة للغاية، والجدران مدهونة باللون الأبيض، وأثاثها قديم.. ليس كباقي المنزل الذي أثاثه من أحدث الطراز. بها سرير، وخزانة للملابس، ومرآة.. كلهم من قطعة خشبية واحدة تعد رخيصة الثمن، كأنها مصممة لغرفة لأحد الأشخاص أقل من المحدود الدخل! وليس لرجل ثري مثل مراد.
تتجول بعينيها الغرفة بأكملها، وكلما وقعت عينيها على شيء بها تعجبت أكثر.. الأتربة والعنكبوت تسلقا الجدار، والديكور، والمفروشات.. كيف ينام هنا بهذه الغرفة العفنة! رغم حرصه على النظافة دائمًا. نعم، لن تنكر أن لها رائحة مميزة، ومع ذلك هي لا تطيق الوقوف بها، هذه الدقائق القليلة.
تقدمت خطوتين للأمام، ثم أمسكت بإطار موضوع بجوار الفراش، صورة لفتاة لم ترها من قبل، انعقد حاجبيها متسائلة في عقلها عن هويتها! تنهدت ثم وضعتها بمكانها. أعطت نظرة أخيرة ثم كادت أن تهم بالذهاب، لكن لا تدري ما الذي أوقفها فجأة وجعلها تمسك بقماشة وتبدأ بتوضيبها وتنظيفها. أزالت الفراش القديم، والسجاد الموضوع بالأرض، وأزالت العنكبوت وانفضت التراب. نظفتها جيدًا، حيث تغير شكلها بالكامل، لترتسم ابتسامة على محياها، تنمو عن سعادتها بعد أن جعلت منها غرفة ملكية.. هكذا أجمل من ذي قبل!
انتهت من التنظيف، لتخرج سريعًا قبل أن يدركها أحد، لكن يبقى سؤال واحد في ذاكرتها... من تكون هذه الفتاة الموضوعة صورتها بالغرفة؟!!!
"فريدة! انتي كنتي فين؟ ومال شكلك مترب كدة؟"
سألت عفاف حين رأت الغبار يشوب تنورتها وسترتها. اخفضت رأسها لتنظر لذاتها ثم أجابت بربكة:
"أبداً دة أنا... كنت بتفرج على الڤيلا، وكان فيه أوضة ضلمة وماخدتش بالي إنها مهجورة!"
ضيقت عفاف عينيها بشك، لكن لم تحاول استجوابها، وهزت رأسها ثم قالت:
"طيب انتي خلصتي الأكل؟"
"أيوة، هروح أتمم على كل حاجة قبل ما أمشي."
قالت وهرولت بسرعة من أمامها، وقلبها يخفق بشدة، لا تريد أن يعرف أحد عن تنظيف الحجرة قبل مراد، تود رؤية وجهه حين يراها بالشكل الجديد. بالتأكيد سيسعد كثيرًا، لا تطيق الانتظار.. لا تعرف لم هي متوترة هكذا، شعور غريب لأول مرة يزورها.
جهزت الغداء وقامت بوضعه على الطاولة بمساعدة العاملة. وبعد خمس دقائق دق جرس الباب ودخل مراد ثم ألقى السلام.
تحركت فريدة صوبه، وعلى وجهها ابتسامة جلية:
"غريبة يعني، اتأخرت أوي النهاردة!!"
تعجب من سؤالها ليقول:
"هو أنا لازم أخرج بمعاد وأرجع بمعاد؟!"
"زي ما تحب، دة زي بيتك برضه!"
قالت مازحة، لكن لم يبتسم حتى، لتقول:
"اتفضل غير هدومك عقبال ما تجهز السفرة."
ابتسمت ثم تنهد وهو يومئ إيجابًا. وصعد للأعلى لكي يبدل ملابسه. ضمت يدها بمرح وهي تحادث نفسها:
"أكيد هو دلوقتي لما يدخل ويشوف اللي عملته هينزل يشكرني، ويقول لي 'فريدة انتي أحسن واحدة أنا شفتها في حياتي'."
ضحكت بمرح وهي تقفز بسعادة. لكن توقفت عندما سمعت صوت صراخه يأتي من الأعلى. تلاشت ابتسامتها فورًا لتتمتم:
"أكيد دي صرخة فرحة، أو أنثى حاجة في الرينج ده!!"
ليتجمع كل من بالمنزل على صوته الجعر.
"ف إيه؟"
"ده صوت مراد باشا بيزعق!"
تجمعوا أمام الدرج، ليخرج هو إليهم وشرارات السخط تفر من عينيه كالنار، سار بخطوات بطيئة، تحت نظرات أعينهم المحدقة به، بخوف ودون فهم. نزل الدرج بأكمله حتى وقف أمام عفاف التي قد انتفض قلبها بين ضلوعها عندما رأت بياض عينيه تحول للحمرة.
"مين دخل الأوضة بتاعتي ونضفها؟"
همس بصوت مبحوح هز كيانها ثم صرخ:
"ميـــن!!!"
ارتعد الجميع بما فيهم فريدة التي أحست ببعض الدوار من صرخته.
"مـ.. ماحدش يا مراد... باشا، مافيش حد دخلهالي."
ليصرخ مجددًا:
"يعني إيه! عفريت دخل نضفها وهرب! أنا مش قايل ماحدش يهوب ناحيتها."
"والله ما أعرف، بس ماحدش من الشغالين دخلها، حتى اسألوهم!"
لينظر لجميعهم ويردف بنبرة تحذيرية قوية:
"اقسم بالله لو ماحد فيكم اتكلم، وقال مين اللي دخلها وعمل فيها كده ليكون عقابي ليكم كلكم... انطقوووا."
صرخ بهم ليسمع صوتها تقول:
"أنا... أنا اللي دخلت أوضتك ونضفتها."
أردفت وهي تحاول صوتها ألا يهتز. ليجحد مراد عينيه. ليسير صوبها متجهم الوجه، تعابير الغضب والكره، وكل مشاعر البغض تكمن في حدقتيه.
"مين طلب منك تعملي كده!"
صاح بحدة أجفلتها، لتجيب دون النظر لمقلتيه:
"ماحدش، أنا لوحدي دخلتها من ورا مدام عفاف."
وضعت عفاف يديها على فمها بصدمة. الآن هي في موقف لا تحسد عليه، مراد لن يفوت هذا الأمر على خير، تحذيراته كانت صارمة بخصوص تلك الغرفة، وقد علمتها فريدة، حين أخبرتها هي بذلك. لكن لا تدري لم فعلت هذا!
قبض مراد على ذراعيها بقوة حتى تألمت بشدة. ثم أردف بنبرة يتخللها القهر والحزن:
"انتي اتجرأتي وتدخلتي بخصوصياتي بدون علمي.. سمحتي لنفسك تلمسي حاجات متخصكيش.. بسببك ضيعتي ذكريات حلوة كنت كل يوم بعيشها بين التراب والفرش القديم.. انتي مش نضفتي الأوضة انتي نجستيها بإيدك اللي مسحت كل ركن فيها وضيعت لمسات كانت بتطبطب على جروح روحي."
ليدفعها بقوة حتى تقع أرضًا متأوهة. هي لم تكن تعرف أنه سيستاء لهذه الدرجة، أو حتى للغرفة ذكريات كالتي يتحدث عنها والتي لا تفهم منها شيء!
صدره يعلو ويهبط بسرعة، أنفاسه تتسارع، كادت مقلتيه يخرجان من مكانهما، وهو يحدقها بغل كأنه يريد ابتلاعها:
"أنا مش عايز أشوف وشك تاني.. اطلعي بره.. غوري من هنا."
صرخ بعصبية مفرطة حتى انتفخ عرقه، واحمر وجهه بشدة. حاولت النهوض وهي تقاوم دموعها التي تكونت في عينيها. لتتمتم بصوت ضعيف ونبرة تجهش بالبكاء والتي حاولت أن تجعلها طبيعية:
"أنا بجد مش فاهمة أنا عملت إيه مخليك مضايق بالشكل ده.. لو كنت أعرف... لو كنت أعرف إنك هتزعل ما كنتش فكرت أدخلها."
"وانتي دخلك إيه أصلاً! بتتصرفي من دماغك ليه.. انتي كنتي وصية عليا! انتي مجرد شغالة متعمليش أكتر من اللي أنا أأمرك بيه!"
بكت بصوت لأنها لم تتحمل صرخاته وإهاناته، حتى جعلت عفاف والعاملات يشعرن بالحزن تجاهها. لتردف بأسف:
"أنا آسفة بجد."
"أسفك ده هيرجع إيه! إيــــــه؟؟؟؟؟؟"
ظل يثور، ثم بدأ بتكسير وتهشيم أي شيء أمامه وهو يصرخ بوحشية. حطم كل ما كان حوله حتى الطعام، غير واعي كأنه مغيب. ظللن جميعهن يبكين على حاله، هذا المرة الأولى التي يصل فيها غضبه لهذه الدرجة. هن لا يعلمن كم الألم الذي يسكن في داخله. رفع بمعصميه ثم نزل بقوته على الطاولة الزجاجية محطمًا إياها إلى أشلاء، حتى سال دمه بعد أن دخلت إحدى القطع في يده.
لصرخ عليه هي بخوف:
"مراد..."
ليدخل عماد في هذه اللحظة ويرى الدم ينفر من كفه ليصيح عليه:
"مراد باشا."
جرت عليه هي بلهفة لكنه صاح بها بقوة:
"ابعدي عني."
تلقف مكانها والدموع تسيل من عينيها.
"ف إيه يا باشا، إيه اللي حصلك؟ مدام عفاف إسعافات أولية بسرعة."
استعجلها حتى يوقف النزيف. لكن مراد قد ضعفت قوته ليسقط مغشيًا عليه.
"مراد باشا..."
بعد ساعة...
خرج الطبيب من الحجرة التي بها مراد ليسأله عماد في قلق:
"طمني يا دكتور!"
"انهيار عصبي حاد، واضح من منظر البيت إنه اتعرض لصدمة نفسية شديدة! هو إيه اللي حصل؟"
"والله يا دكتور ما أعرف، أنا جيت لقيته بالمنظر ده."
هز الطبيب رأسه ليردف:
"على العموم أنا أديته حقنة مهدئة، وكتبتله على شوية أدوية هيريحوه.. بس لازم يبعد عن أي ضغوط."
"حاضر.. اتفضل يا دكتور."
ليأخذ الطبيب ويوصله للخارج بعد أن أعطاه الروشتة.
"انتي رايحة فين يا فريدة؟"
سألت عفاف عندما وجدتها تقترب من الدرج، لتقول بضعف:
"رايحة أطمن على مراد."
"بلاش يا بنتي، انتي سمعتي الدكتور قال إيه، بلاش يتعرض لزعل!"
"أنا بس هشوفه وأخرج بسرعة."
قالتها بنبرة مبحوحة للغاية وعيون لامعة بالدموع. ليدخل عماد ويقاطعهما:
"ممكن أعرف اللي حصل بالظبط؟"
لينكمش وجه فريدة بملامح بكاء، ثم تجري مسرعة من أمامهما. مغادرة المكان بأكمله. لن تتحمل نظرات عتاب على ما سببته له، فبالطبع الجميع سيلومها هي وليس سواها. الآن تلعن نفسها كثيرًا. نادمة على ما فعلت!
في نفس اليوم بالمساء..
نائمًا على الفراش يحرك رأسه بضعف، ويفتح عينيه ببطء شديد ليهمس بإعياء:
"مية..."
نهض عماد بسرعة من المقعد الذي يقبع بجانب السرير، ويعطيه كوب الماء بعدما ساعده على الاعتدال قليلًا.
ارتشف الماء مرة واحدة.. ظمآن كمن كان يمشي لساعات تحت أشعة الشمس الحارة.
أخذ عماد الكوب وقال:
"حمد لله على سلامتك! تحب أجبلك أكل؟"
نفى برأسه:
"لا امشي انت."
"مش هينفع أسيبك وانت تعبان!"
بضيق وضعف:
"بقولك امشي.. مش عايز حد!"
هز رأسه بسرعة لأنه لا يريد أن يتعب أكثر، يكفي ما حدث له.
"حاضر، انت بس متتعصبش."
أعطاه ظهره ليسير تجاه الباب قبل أن يمسح دمعة حزينة كادت تهبط على وجنته.
أغلق عماد الباب خلفه.. ليسند مراد ظهره للخلف، مغلقًا جفنيه بقوة. بمحاولة منه ألا يتذكر ما حدث. إنه متعب للغاية. يشعر بوخزة بقلبه. جسده يتناثر كالأشلاء. ما فعلته فريدة قد أيقظ ذكريات لم تخمد بعد. تنهشه بعقله كالأسد الذي يهتك بلحم فريسته. ظل يكبح تلك الأفكار حتى غلبه النعاس من كثرة التعب.
تجلس على فراشها حزينة، تشعر بالخذلان مما جرى. لم تتوقع أبدًا ردة فعله العنيفة تلك. صرخاته تؤلمها حين تذكرتها. تشعر بالألم نحوه، لا تعلم ما مر به سابقًا حتى يصل لهذه الدرجة العالية من الغضب. يا ليتها لم تدخل وتسبب تلك الفوضى العارمة. تمنت وبشدة ألا تفعل. أغلقت جفنيها وبدأت بالبكاء والنحيب.
"أستاذ عماد...! يا أستاذ!"
كان نائمًا على الأريكة منذ الأمس. نكزته عفاف بخفة لتوقظه من النوم، ليستفيق بفزع ويسأل بخوف:
"مراد باشا جراله حاجة؟"
أردفت بسرعة:
"لا لا اهدى، هو كويس وأنا طلعتله الفطار."
تنهد الصعداء ثم قال:
"طب أنا هطلع أطمن عليه."
"تحب أعملك حاجة تشربها؟"
"يا ريت شوية قهوة عشان دماغي تتظبط."
ثم صعد للأعلى عند مراد.
خرجت فريدة من الفصل بعدما انتهت من الامتحان التقييمي. ثم نادت عليها نرمين صديقتها، لكن لم تكن منتبهة.
"بت يا فريدة! بقالي كتير بنادي عليكي، ف إيه؟"
نظرت لها بتيه ثم أجابت:
"مفيش حاجة، مصدعة شوية."
"سلامتك، طب عملتي إيه ف الامتحان؟"
هزت رأسها بضعف:
"صدقيني مش عارفة أنا كتبت إيه!"
لتلاحظ نرمين مدى تغير فريدة وتقترب منها وتسألها في حنو:
"مالك يا بت! حصلت حاجة لجدتك؟"
نفت برأسها لتسأل مرة أخرى:
"طب انتي ف إيه، شكلك مش مظبوط!"
فورًا ارتمت بين أحضانها، وشرعت في البكاء مع شهقات عالية. كأنها كانت تود أن يسألها أحدهم لتفرغ الطاقة السلبية التي تكونت في قلبها.
مسحت على شعرها:
"اهدي يا فريدة... تعالي احكيلي مضايقة من إيه.."
ليخرجان سويًا من المبنى، ذاهبتان إلى مكان هادئ ليتحدثا.
مراد في حجرة ثانية غير غرفته الخاصة، ليدخل عماد بعد أن طرق الباب. ثم سأل وع وجهه ابتسامة:
"يا صباح العناب، النفسية حلوة ولا هباب؟"
تعمد أن يشاكسه بطرافة. لكن لم يستجب لمزحه ثم قال:
"شيل الأكل ده، أنا مش جعان."
"ماينفعش يا مراد باشا، ده الدكتور كتبلك على أدوية ولازم تتغذى."
"قلت مش عايز."
"خلاص اللي يريحك."
قال ليريحه وحتى لا يغضبه ثم أردف:
"أنا هروح أتصل وأبلغهم في الشركة إنك مش رايح، وراجع تاني."
خرج عماد وهو يحمل صينية الطعام. ليستلقي الآخر على ظهره، ويميل على جنبه بضيق.
بعد يومان...
سيارة تقف خارج فيلا الحديدي، وتهبط منها سيدة تبدو صغيرة السن، ويظهر عليها الحيوية. وملابسها أنيقة ومهذبة. ليهرول إليها البواب ويهتف بسعادة:
"ست نيرة! يا مرحب، حمد لله على السلامة."
مدت يدها بالسلام، وارتسمت على وجهها ابتسامة:
"ازيك يا عم بركات يا راجل يا طيب."
ثم تدخل من البوابة والعم بركات خلفها بالحقائب:
"والله الڤيلا نورت، يا أهلاً يا أهلاً.. مراد باشا هيفرح قوي لما يشوفك."
"هو فين! ده وحشني أوي، أكيد في الشغل!"
"لا، ده بقاله يومين مش بيخرج من البيت، لأنه تعبان."
استدارت بسرعة ثم قالت في قلق:
"تعبان؟ ليه ماله؟"
سألت بخوف، ليجيب:
"الدكتور قال انهيار عصبي."
"انهيار!"... دلفت مسرعة داخل الڤيلا وهي تهتف باسمه بلهفة:
"مراد! ... يا مراد."
صعدت الدرج بثوانٍ حتى وصلت أمام الحجرة التي بها مراد. وتفتح الباب سريعًا، تجري نحوه ليهتف عند رؤيتها باندهاش:
"نيرة!"
لتحتضنه في لهفة وشوق يصحبهم قلق. ثم تهمس وهي تحتضن وجنتيه بين كفيها:
"مراد، مالك يا قلبي حصلك إيه؟"
تمتم بهدوء:
"متخافيش أنا كويس.. المهم انتي عاملة إيه؟ ومقولتيش ليه إنك جاية!!"
"ماكنتش عايزني آجي وأشوفك تعبان مش كده! طب الحمد لله إني متصلتش بيك وإلا كان زماني ماعرفش!!"
"مش حكاية ما تعرفيش، بس مش عايز أقلقك!"
مسحت على وجنته برفق، لتقول في حنو:
"ولو ما كنتش أقلق عليك انت، هقلق على مين!!"
نمت ابتسامة صغيرة على ثغره، ثم سألت:
"احكيلي إيه اللي حصل وخلاك تتعب كده."
انعقد حاجبيه بعبس شديد، ثم قال:
"أنا مش عايز افتكر اللي حصل، ويا ريت انتي كمان متسأليش."
تنهدت بقوة، وعملت أنه لن يقول. لكن فضولها وقلقها عليه جعلها تنزل إلى العاملين وتسألهم.
"أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل لـ مراد بالتفصيل!"
أمرت نيرة عفاف بالتحدث، لترتبك الأخرى من سؤالها. جعدت نيرة جبينها من سكوتها وعلامات التوتر تكسو وجهها.
"ف إيه يا مدام عفاف! مالك واقفة مش على بعضك كده!"
تلعثمت:
"لا لا أبدًا."
ثم بدأت بسرد الأحداث لها. عفاف تعرف جيدًا أن نيرة لا تحتمل أن يمس مراد سوءًا أو أحدًا يضايقه مهما كان.
عقدت يديها على صدرها وقالت بحزم:
"طب أنا عايزة أعرف عنوان أو تليفون البنت دي!"
ابتلعت عفاف لعابها. الآن فريدة في موضع محرج حقًا.
رواية ظل السحاب الفصل التاسع 9 - بقلم آية حسن
وانتي إيه اللي خلاكي تعملي كدة يا فريدة!!
صاحت بها نرمين الجالسة بجوار فريدة، في أحد الكافيهات، لتضع فريدة يدها على فمها بسرعة وتهمس:
ـ وطي صوتك يا بنت الهبلة، إحنا قدام الناس.
غمغمت نرمين من تحت راحة يدها، ثم رفعتها عنها:
ـ بتقولي إيه؟
ـ بقولك الراجل أكيد عنده أسبابه اللي تخليه يمنعهم من دخول الأوضة، قومي انتي بقا تعملي إيه تخشيها من وراه، وكمان تنضفيها!
ـ على فكرة أنا معملتش كدة بمزاجي!
قالت بوجه طفولي عابس وهي تعقد ذراعيها بضيق، وترد الأخرى بتهكم:
ـ أمال عملتيه بجزمتك؟
وكزتها بظهر يدها في كتفها، وتردف بحنق:
ـ انتي هتستخفي دمك عليا! .. وبعدين أنا اتهزأت أوي منه.
همهمت بتكشيرة، لترد نرمين:
ـ عشان دخيلة، وتستاهلي كل اللي عمله.
ـ يعني ده جزائي بعد ما روقتله الزريبة اللي عايش فيها؟
هتفت بحنق ثم أردفت الأخرى بحالمية:
ـ انتي مالك، ما ان شاء الله يعيش تحت الجاموسة، حد قالك إنك الدادة بتاعته!
تأففت:
ـ أوف بقا .. معرفش إيه اللي خلاني أعمل كده، فجأة لقيت صوت في دماغي بيقول لي ما تخرجيش من هنا إلا لما تلمعي الأوضة!
ـ طب ريحي بقا.. أهو طردك للمرة التانية، عشان تحرمي تمشي ورا دماغك اللي مودياكي في داهية.
زمجرت:
ـ داهية لما تاخد مناخيرك!
***
يقف أمام المرآة بعدما ارتدى ملابسه الرسمية كالعادة، لتدلف نيرة داخل الحجرة، ثم تقترب منه وتسأله في تعجب حين رأته قد جهز حاله للخروج:
ـ انت نازل الشغل ولا إيه؟
ـ أيوه.
أجاب ببساطة وهو يضع بعض العطر، لتردف هي:
ـ بس انت شكلك لسه تعبان!
استدار لها ثم قال:
ـ لا الحمد لله، أنا بقيت أحسن .. وكمان ورايا شغل كتير متعطل، مش هينفع أأجز أكتر من كده.
مسحت على ذراعه، ثم قالت متبسمة:
ـ ربنا معاك يا حبيبي.
ليطبع قبلة رقيقة على شعرها ثم يذهب، وتهتف:
ـ خد بالك من نفسك..
ثم أخرجت هاتفها المحمول وتتمتم وهي تبحث عن رقم معين داخل جهات الاتصال:
ـ أما نشوف بقا مين الست فريدة!
***
ـ فريدة...
صاح عز باسمها وجاءته مسرعة:
ـ نعم يا بابا!
سأل في غرابة:
ـ انتي بقالك يومين مش بتروحي الشغل في حاجة؟
ابتلعت لعابها عند سؤاله الذي لا تعلم أي إجابة تصلح أن تقال! .. فهي لا تستطيع أن تخبره بما جرى من طرد مراد لها للمرة الثانية، وإلا ستلقى ملامة أخرى منه، ناهيك عن شكه بها إن عرف بدخولها حجرة مراد..
ـ هو... أصل.. أه صح واخدة أجازة عشان الامتحان اللي في الكورس.. صح هو الامتحان.
تعثرت كلماتها بالأول، لكن استطاعت بسرعة بديهية أن تجد إجابة مناسبة، متحججة بالامتحان.
هز رأسه ثم قال:
ـ طيب أنا رايح الورشة محتاجة حاجة أجبهالك وأنا جاي؟
ـ حبيبي يا بوب، تسلملي.
لتقترب منه وتضع قبلة على وجنته، ويبادلها هو بأخرى على جبينها.. ثم يلتفت مغادرًا.. وعقب خروجه تعلى نغمة رنين جوالها، بداخل حجرة جدتها التي جاءها صوتها..
ـ فريدة تعالي تليفونك بيرن!
بصوت هتاف:
ـ أيوه حاضر جاية.
دَلفت للغرفة والتقطت الهاتف من الجدة وهي تردف:
ـ مين اللي بيتصل!
ـ مش عارفة، رقم مش متسجل عندك.
تنظر للشاشة ويظهر رقم لا تعرفه ثم ضغطت على العلامة الخضراء وتقول..
ـ ألو؟ .. أيوه أنا فريدة مين حضرتك؟
تجلس نيرة فوق الأريكة وتقول:
ـ أنا اسمي نيرة، يا ريت نتقابل في أي مكان عشان عاوزاكي في موضوع مهم.
عقدت جبينها بتعجب:
ـ موضوع إيه؟ وبعدين إزاي أصلاً أقابلك وأنا معرفكيش!!
ـ لما نتقابل هتعرفي كل حاجة، بس يا ريت أشوفك النهاردة.. الساعة 5 كويس؟
ـ ماشي ... أه عارفاه .. سلام.
ـ مين يا فريدة؟
سألت الجدة لتجيب الأخرى:
ـ دي واحدة عايزاني أقابلها!
تعجبت:
ـ واحدة مين!
فتحت فريدة فمها لترد لكن قاطعها رنين آخر، اخفضت رأسها لترى اسم نرمين .. ثم قالت:
ـ ثانية يا تيتة أشوف نرمين، عايزة إيه.
خرجت من الحجرة وهي تضع الهاتف على أذنها...
***
ـ منور مكتبك من تاني يا مراد باشا.
قال عماد بابتسامة، ليتدخل العم شفيق مستنكرًا، وهو يضرب خلفية رأس عماد:
ـ وهو أصلاً امتى سابه عشان يبقى من تاني!، دي إجازة عادية عشان يرتاح من قرف الشغل.
ضحك عماد ثم حك برأسه قائلًا:
ـ صح، صح.
ـ بلغ كل المهندسين الجداد اللي بالشركة إن فيه اجتماع بعد ربع ساعة، عشان أشوف النماذج اللي عملوها ونختار منهم واحد للمناقصة الجديدة.
قال مراد، ثم تابعه عماد:
ـ تحت أمرك.
خرج عماد ثم أردف العم شفيق بتعجب:
ـ هو انت هتختار من نماذج المهندسين الصغيرين ليه؟ مـ إحنا عندنا غيرهم متميزين وخبرا، ليه بتخاطر بمناقصة كبيرة زي دي؟
رد بعملية:
ـ عشان أشجعهم على التقدم ويعرفوا إنهم مش مهمشين، وبعدين هما الخبرا اللي عندنا نازلين من بطن أمهم كده، ما هو من كام سنة كانوا لسه خريجين برضو!
فهم العم شفيق، ما يحاول قوله، وحالت ابتسامة على محياه، لأن دائمًا يحس الجميع على التميز، من أصغر عامل لديه إلى أكبرهم، وهذا ما يتميز به عن باقي الشركات..
***
تجلس نيرة بالمقهى العام تنتظر فريدة على طاولة ما .. نظرت للساعة فوجدتها اقتربت للخامسة.
فريدة دخلت إلى المقهى تتلفت يمينًا ويسارًا بحثًا عن نيرة التي لا تعرف شكلها من الأساس..
رفعت نيرة ببصرها لترى فتاة تدور بعينيها بالمكان.. أهذه هي فريدة؟ .. وقفت ورفعت بيدها مشيرة لها، فاقتربت منها وسألت:
ـ حضرتك أستاذة نيرة؟
ـ أيوه اتفضلي.
جلست أمامها ثم قالت معرفة بنفسها:
ـ أنا نيرة الحديدي، أبقى لـ مراد...
هتفت مقاطعة:
ـ مراد؟
نعم تقربه فهي تشبهه كثيرًا بالعيون الزمردية، غير أنها ناصعة البياض، وملامحها جميلة جدًا، أنثى بكامل معنى الكلمة ..
قطبت جبينها ثم أردفت بتساؤل:
ـ هو اللي بعتك؟
ـ لا مش هو، هو مايعرفش أصلاً إني جايلك!
قالت نافية ثم أردف فريدة مندفعة:
ـ أه وتلاقيقي عرفتي باللي حصل وجاية تكملي عليا، مهو أنا هزؤ العيلة بتاعتكم!
ضحكت لتعجلها لمعرفة سبب استدعائها ثم تفوهت:
ـ اهدي طيب .. أنا معرفش غير إنك كنتي بتشتغلي عنده وبعد كدة سبتي الشغل عشان عرف إنك نضفتي الأوضة بتاعته!
ـ ويا ريت طمر فيه، ده قلب الحلقة كلها دراما، وخلاني أعيط وبهدلني آخر بهدلة .. عيل مأفوري.
قهقهت نيرة رغمًا عنها فتعجبت الأخرى، لتقول من بين ضحكاتها:
ـ مش قادرة خالص، انتي فظيعة.
انكمش وجهها بضيق لتقول:
ـ طب انتي عاوزة إيه دلوقتي؟
ثم عادت لتسأل سؤال آخر قبل أن تجيب نيرة:
ـ هو انتي حبيبته؟
همست بالسؤال بحنق، لتجحظ عيني نيرة ثم شرعت في الضحك:
ـ انتي بتضحكي على إيه؟
قالت بتذمر، ثم أجابت الأخرى بعد كبح ضحكتها:
ـ على سذاجتك، وبعدين انتي مدتنيش فرصة أعرفك أنا أقرب له إيه!
نفخت الهواء من فمها بنفاذ صبر لتقول:
ـ تقربيله إيه!!
ـ عمته!
ردت ببساطة، لتفتح فريدة فمها باندهاش ثم تهتف باستنكار شديد:
ـ نعـــم يا عنيا!! عمته ده إيه يا قلب أمك، انتي جاية تلعبي عليا يا ولية انتي! عمته إزاي ده انتي أصغر مني!!!
هذه المرة قد على صوتها للغاية دون قصد، حتى دمعت عينيها..
تمتمت:
ـ يا بنتي اهدي عليا حرام عليكي!
ثم أكملت في الضحك، وهذا جعل وجه فريدة يحتقن الدماء غيظًا..
ثم استطردت:
ـ هو إزاي مراد قدر يستغنى عنك، ده انتي نكتة.
ـ مهو على رأي المثل ما بيقول «القمر تواضع ونزلك، وانت بتتكيف على ذُلّك!»
عادت لتقهقه:
ـ يا نهار أبيض عليكي .. يعني مراد دلوقتي مذلول!
ـ طبعاً، هو أكيد بيدور على حد بيعرف يطبخ، زي نفسي كده، ومش هيلاقي!
قالت بغرور لتردف نيرة:
ـ فعلاً، هو في موضوع الأكل صعب شوية.
ـ انتي هتقوليلي!
صمتت لوهلة ثم تمتمت:
ـ قوليلي بجد، انتي عمته إزاي!
ـ والله عمته، تحبي أوريكي الباسبور عشان تتأكدي؟
حمحمت ثم قالت:
ـ لا مش داعي .. بس انتي موزة أوي ما تجيش عمة الشحط ده!
ضحكت:
ـ أصل الفرق بينا مش كبير أوي، يدوب... عشر سنين كده!
ـ اممم قولتيلي، طيب وحضرتك عايزة مني إيه! هتعاقبيني عشان ضايقت ابن أخوكي؟
بصوت يتخلله السعادة:
ـ بالعكس، ده أنا مبسوطة أوي إنك قدرتي تعملي كده!
اندهشت من ردها لتقول:
ـ انتي فرحانة بتعب ابن أخوكي؟
ثم همست وهي تشير بسبابتها:
ـ يبقى انتي العمة الشريرة! آه أنا كنت حاسة .. إخص على الأخلاق.
تقوست شفتيها بقرف لترد الأخرى:
ـ يا بنتي افهمي، أنا مش فرحانة إنه تعب، أنا مبسوطة عشان اقتحمتي الكراكيب اللي جواه واللي عايش فيها من زمان، وانتي بعملتك دي قدرتي تخرجي الطاقة المكبوتة، حتى لو كان على هيئة غضب أو زعيق!!
ـ ده كان ناقص يديني بوكس في وشي! ثم إني معملتش جريمة أصلاً عشان يطردني!
ـ عارفة، بس هو بالنسباله أكبر من أي جريمة!
قالت بحزن ثم أردفت:
ـ انتي مش هتصدقي لو قولتلك إنه حتى أنا مكانش يخليني أدخلها غير كل فين وفين، وده كمان بيحصل صدفة !! مراد موجوع أوي من جواه يا فريدة، هو انتي فكرك هو كان كده؟
ـ أمال إيه يعني! .. أكيد ده لما اتولد ما عيطش ده طلع نار من بوقه!
ضحكت بحزن:
ـ بالعكس ده مراد كان شخص مرح أوي، وبيضحك ويهزر وبيحب الناس والخروجات...
تنهدت:
ـ اللي هو فيه دلوقتي مش بإيده ! حياته في غمضة عين اتقلبت وبقى شخص جامد وعصبي، وعشان كده أنا عايزاكي ترجعي الشغل من تاني!
صاحت معترضة:
ـ لا ممكن أبداً، ده طردني مرتين، وقدام كل الشغالين، ده أنا كده أبقى بلا كرامة!!
ـ حتى لو قولتلك إنه أنا محتاجة ليكي عشان نرجعه زي الأول!
همست بنبرة شبيهة بالرجاء لتعقد حاجبيها دون فهم:
ـ إزاي يعني؟
تنهدت ثم تابعت:
ـ هو انتي مش لما دخلتي أوضته لقيتي صورة بنت موجودة جنب السرير؟
أومأت برأسها، ثم انتظرت حتى تكمل لتعرف من هي ..
ـ دي حبيبته.
ـ حـ.. بـ.. ـيبته.
همست بضياع، والصدمة صعدت إلى ملامحها......
رواية ظل السحاب الفصل العاشر 10 - بقلم آية حسن
صدمة! .. حبيبته؟
كانت تظن أنها أخته أو... أو ماذا؟
هذا المراد اتضح أنه عاشق، لا تدري لماذا شعرت بنكزة في قلبها أوجعتها.
تعجبت نيرة من سكوتها:
"إيه يا فريدة؟"
مسحت دموعها -والتي كادت أن تسقط- بيديها بسرعة، وردت بنبرة مبحوحة:
"مفيش.. المهم قوليلي إيه اللي مطلوب مني دلوقتي؟"
"زي ما قولتلك ترجعي تشتغلي عند مراد تاني."
"أنا آسفة، مش هينفع."
قالتها بهجوم خفيف، لتسأل الأخرى:
"ليه!"
عقدت حاجبيها:
"عشان هو رفدني ومش حاببني في بيته."
"ملككيش انتي دعوة، أنا هفهمه إنك راجعة عشاني مش عشانه!"
نهضت بتأفف:
"وليه كل دة، أنا أصلاً مش عايزة أرجع."
لتقف نيرة وتردف:
"هحكيلك كل حاجة بعدين، بس هسيبك تمشي دلوقتي عشان متتأخريش، وهنتكلم تاني، ها؟"
أومأت برأسها.. لتردف نيرة:
"تحبي أوصلك؟"
"لا مفيش داعي، أصل رايحة المجموعة."
"مفيش مشكلة، تعالي هاخدك في طريقي."
ثم ذهبا الاثنان معًا.
***
يجلس بالردهة يشاهد التلفاز، وتدخل هي من الباب، ثم يراها وينهض ليسألها:
"كنتي فين يا نيرة!"
سارت صوبه ثم أجابت:
"كنت بشم شوية هوا، من ساعة ما جيت وأنت مطنشني خالص، مش هاين عليك تاخدني في أي حتة!"
قالت بتكشيرة طفولية، ليردف بابتسامة باهتة:
"إن شاء الله هنخرج، بس أروق من ضغط الشغل دة."
اقتربت منه ومسحت بلطف على وجنتها.. ثم تحركت وجلست على الأريكة وأردفت:
"بمناسبة الشغل، أنا بفكر آجي أشتغل عندك، إيه رأيك؟"
"تشتغلي عندي؟"
ردد مستنكرًا، ثم أردف:
"في حد يطلب يشتغل في ملكه؟"
ضحكت:
"ملكي إيه بس! مانت عارف ورثي كله ضيعته على السفر! حتى المشروع اللي عملته هناك فشل، إنما دة مجهودك انت."
"كل حاجة بملكها هي ليكي يا نيرو.. وتعالي هنا، انتي خلاص مش هترجعي أمريكا تاني؟"
قالت بتردد:
"والله... اممم، مش عارفة، بس حتى لو مجرد أجازة مش حابة أقضيها من غير شغل."
"خلاص، اعتبري نفسك مكان رئيس مجلس الإدارة والشركة كلها تحت أمرك، عيني نفسك اللي تحبيه."
وضعت يدها على كتفه ثم قالت بمزحة:
"هختار أعلى منصب طبعاً، المدير."
ثم قهقهت ليكتفي الآخر بابتسامة طفيفة.
***
"شوري عليا أعمل إيه يا نرمين؟"
هتفت فريدة، التي تقف أمام محل عصائر، لترد الأخرى بعد ثوان، بسبب انشغالها في شفط العصير..
"والله أنا من رأيي ترجعي، كدة كدة أبوكي ما يعرفش إنك مرفودة يا مفرودة، وبالمرة أنا متأكدة فضولك هيموتك عشان تعرفي سر مراد الخطير اللي غيره بالشكل دة."
أردفت بتنهيدة:
"مش هنكر! بس بصراحة أنا مضايقة من الأسلوب الزفت اللي عاملني بيه، دة بعتر بكرامتي الأرض."
قالت ساخرة وهي تطيل النظر في الكوب الممسكة به:
"ومين فينا كرامته متقرصتش، وبعدين دة عمل إنساني، وربنا يشفي كل مريض."
تذمرت:
"أبو استظرافك يا شيخة.. وبعدين أنا باخد رأيك ليه أساساً، دة انتي هادية عاملك عقب سيجارة في إيده، هتحسي إزاي بالحيرة اللي أنا فيها!"
أشاحت بيدها بلا مبالاة لتتابع بحنق:
"جاتك نيلة عليكِ وع قلة ذوقك."
أكلت تأخذ منها العصير باغتياظ وتضعه على الرخامة، ثم تتركها وتذهب.
تهتف:
"بت استني مش معايا فلوس منك لله."
صاحب المحل:
"الحساب يا آنسة."
لتقف نرمين كالصنم دون إعطاء أي رد فعل.
***
جاءت إلى الشركة ثم صعدت مكتب مراد ودلفت للداخل..
بابتسامة:
"صباح الخيــر!"
وقف لها ثم تقدم منها وهو ينظر للساعة:
"صباح! الساعة 11 يا هانم."
ضحكت ثم تمتمت:
"يوه بقا هنبتديها من دلوقتي؟"
أردف مؤكدًا:
"طبعاً، النظام أهم حاجة في الشغل."
رفعت يدها بالتمام:
"تحت أمرك يا فندم.. المهم هشتغل إيه؟"
وقبل أن يجيب تابعت بتعجب:
"أنا لاحظت إن مفيش عندك سكرتيرة."
"أيوة، مهو عماد يعتبر دراعي اليمين، وماسك كل الشغل."
قالت بمداعبة:
"مبتثقش في أي حد انت!"
داعب أنفها:
"طول عمري."
ضحكت بخفة، ثم سألت:
"طب إيه هتخليني سكرتيرتك؟"
"لأ، دة شغل تقيل عليكي، أنا هحطك في مكان خفيف كدة عشان متمليش، وف نفس الوقت تشوفي الوضع ماشي إزاي."
داعبت وجنتيه بحب:
"حبيب عمته يا ناس."
ثم أخذها معه ليريها مكتبها الجديد.
***
في منزل آخر، يجلس عثمان على أحد الأرائك وبجواره معتز ولده..
"عرفت إن عمتو نيرة جات من أمريكا!"
هتف بها معتز، وهو يفرك بيديه اغتياظًا، ثم رد عثمان بعد تنهيدة قوية:
"أيوة، بس طبعاً هي مش هتيجي ولا تسأل عني!"
حرك جسمه نحوه:
"مش مهم، أساساً العيلة دي كلها أنا مش بطيقها."
"محسسني إنك ابن حد من برة العيلة دي."
تهكم، ثم أردف بنبرة يتخللها الاستهزاء:
"أنا ماخدتش منكم غير الاسم أصلاً.. اتطردت من الشركة، ودلوقتي الست نيرة وصلت، وهتكش على كل حاجة."
بنبرة ماكرة:
"مانت اللي خايب قولتلك خليك ذكي وأدخله في سكة الطيبة والبراءة، كان زمانك طالعلك بمصلحة، دة حتى الفلوس اللي في خزنة الشركة ماعرفتش تاخدها."
انهض مندفعًا ليهتف في عصبية:
"وأنا أعرف منين إنه ممكن يطردني، ما أدتش خوانة لكل دة."
ليتحرك خطوتين ويهمس لنفسه وهو يجز على أسنانه:
"دة أكيد شاف ورق الصفقات اللي عملتها من وراه، وعرف إني بسرق اسمه.. بس أنا لازم أرجع المستندات دي بأي طريقة عشان آخد بقية فلوسي من الشركة وإلا مش هطول مليم أحمر."
زفر بقوة ثم طالت نظراته للفراغ، متوعدًا في نفسه ألا يترك ذلك الورق مهما كان الثمن.
***
"أنا مش فاهمة هرجع إزاي أنا دلوقتي، الشغالين هياكلوا وشي!"
هتفت فريدة بزمجرة طفولية، وهي تجلس بجوار نيرة التي تقود عربتها، ثم تقول بعد أن ضحكت:
"شوفي يا ستي، انتي هترجعي في حمايتي أنا، ماحدش يقدر ياكل وشك ولا حاجة."
"دة أنا كنت طردتهم."
قهقهت بقوة على برائتها، تظن أن هذه الكلمة تعني الاعتداء بالضرب المبرح أو ما شابه.
تعجبت نيرة:
"بتضحكي على إيه!"
نظرت لها:
"ولا حاجة.. المهم هنعمل إيه لو مراد موافقش بيا!"
قبل أن تجيب سألت:
"انتي قولتي لأهلك زي ما قولتلك امبارح في الفون؟"
"أيوة، وبعدين هم ما يعرفوش اللي حصل، فاكريني واخدة أجازة عادي، وبابا عارف إني هرجع النهاردة."
"تمام أوي، شوفي يا ستي.. احنا أول ما ندخل كدة......."
***
هبط الدرج ثم هتف ينادي على السيدة عفاف لتأتيه:
"أمال نيرة فين؟"
"خرجت من شوية، بس مقالتش رايحة فين."
"طب اتفضلي انتي."
أشار إليها بالذهاب ثم خرج للحديقة.. وبعد لحظات وجدها تدلف من البوابة الرئيسية فتقدم صوبها يهتف قائلًا..
"كنتي فين يا نـ...."
كاد أن يتابع لولا أن رآها تقف خلفها، جعد جبينه بشدة حتى تكونت خطوط رئيسية بجبهته..
"انتي جايبة البنت دي معاكي ليه!"
صاح بتساؤل ناظرًا لها، ويشير إلى فريدة.. قبل أن تجيب نيرة، هتفت فريدة بدهشة مصطنعة:
"هو حضرتك جايباني أشتغل هنا؟ يعني انتي كنتي بتتفقي معايا على شغل وانتي قريبة البيه."
أشارت إليه بقرف، ليصيح الآخر بحدة:
"نعم!!.. أنا مش حذرتك إنك متعتبيش البيت ده تاني؟"
قال وهو يرفع سبابته، لتلاحظ فريدة القماش الملفوف حول كفه الذي جرح في ذاك اليوم.
رفعت بجفنيها لترى الشرر يخرج من عينيه، خافت لوهلة أن ترجع له نوبة الغضب.
عاد صاح لـ نيرة:
"انتي تعرفي البت دي منين؟"
"بت أما تبتك ياض، هو أنا عشان سكتلك المرة اللي فاتت، خلاص هتاخد عليا!!"
نعرت ثم عوجت جانبي فمها، رفع بقدمه حتى يتحرك ناويًا أن يفعل شيئًا حتى يخرس لسانها اللعين، لكن أوقفته نيرة بسرعة..
"أهدى بس يا مراد أنا هفهمك."
زمجر:
"تفهمني إيه وزفت إيه! انتي إزاي تتصرفي من دماغك يا نيرة."
"أخص على التربية، بيقول لعمته نيرة حاف!"
همست من بين أسنانها، ثم أمسكت نيرة معصمه وقالت:
"تعالى بس وأنا هقولك.."
سحب ذراعه بضيق ثم سار أمامها بحنق وهي خلفه..
تنفست الصعداء ثم تمتمت:
"شكلنا مش هنخلص من المشاكل."
***
"إزاي يا نيرة تسمحي بدخول البنت دي تاني، وكمان من غير ما تقوليلي!!"
صاح وهو يدخل أحد الغرف ثم أردفت نيرة بتمثيل:
"يا مراد أنا... أنا معرفش اللي حصل بينكم."
استدار لها لأنه يعلم بأنها سألت وعرفت سبب مرضه.
هتف بخفة محذرًا:
"نيرة!"
"طب خلاص، بصراحة أعرف، بس أنا كنت عايزة حد بيطبخ كويس، وف نفس الوقت مضمون، بدل ما أنا مقضياها أكل من برة، وأنا سألت وكلهم شكروا في فريدة، فيها إيه بقا لما ترجع تاني!"
صاح:
"فيها إنها اتعدت حدودها، وفكرت نفسها واحدة من البيت وتعمل اللي هي عايزاه، وأنا طالما حاطط قواعد هنا يبقى الكل يمشي عليها!"
ربعت يديها أمام صدرها:
"كل ده عشان خاطر إنها دخلت أوضتك!"
"أيوة."
صرخ في عصبية، ثم تابع:
"ومش عايز كلام تاني."
اقتربت منه، ووضعت يدها على صدره ثم تمتمت بهدوء:
"طب اهدى.. وعايزة أقولك أن البنت مكانتش تعرف حاجة، يعني ملهاش أي ذنب، كان المفروض تنبه عليها هي كمان!"
حاول ألا ينفعل:
"هي حضرتها بتشتغل إيه؟ طباخة ولا بتنضف أوض؟"
"يمكن هي لاحظت إن الشغالين مدخلوش أوضتك، فقالت تساعدهم! أكيد نيتها مكانتش وحشة؟"
حاولت أن تجد مبررًا حتى يوافق على عودتها..
تنهد محاولًا ألا يفقد آخر ذرة صبر.. لكن مع إصرار نيرة، قد تمهل في قراره، بالفعل هي لم تكن تعلم بشأن الغرفة، ولم يخبرها بألا تقترب منها، كما هو الحال مع باقي العاملين..
تعجب هو لنسيانه أمر كهذا، فهو حقًا أي فرد جديد يدخل الفيلا، الأمر الأول يعطيه يكون خاص بتلك الغرفة..
لكن ومع هذا لن يستطيع نسيان ما جرى، ولن يسامحها..
تنهد مراد لينظر لها ويردف في هدوء وهو:
"بصي يا نيرة، أنا مش هقدر اتقبل وجودها مرة تانية في البيت، لو كنتي عاوزاها يبقى أمشي أنا.."
كان سيذهب لولا أوقفته بسرعة:
"مراد، إيه اللي بتقوله ده، معقول يعني مش طايق وجودها لدرجة إنك هتسيب البيت!!"
رد ببساطة:
"أيوة.. عشان أنا متعودتش أرفضلك حاجة انتي عايزاه."
تتوسله بعيونها:
"مراد أرجوك بلاش تعمل كده.. انت كده بتحيرني أوي، وبتحطني في موقف وحش في النص ما بينكم انتوا الاتنين."
مسح على ذراعها وقال بنبرة هادئة:
"مفيش حيرة ولا حاجة، أنا عارف إنك محرجة تمشيها، عشان كده أنا هسيب البيت."
فتح الباب وخرج لتصيح نيرة وراءه:
"مراد استنى عشان خاطري."
"والله وحشتينا اليومين دول يا فريدة."
قالت إحدى العاملات لتردف فريدة:
"حبيبتشي يا سماح."
"ناوية ترجعي تاني؟"
سألت عفاف، وقبل أن تجيب رأت نيرة تجري خلف مراد لتتمتم:
"شكلها كده مش باينلها رجوع."
لتتحرك نحو الدرج وتصعده ثم تسأل:
"فيه إيه؟ ماله الأخ؟"
بدموع:
"مراد عايز يسيب البيت ويمشي يا فريدة، شوفتي عمايله؟"
لتزم فريدة شفتيها بحنق:
"والله إنه شخص معدوم الإحساس..."
ثم تربت على كتفها:
"متزعليش، أنا همشي عشان مسببلكيش إحراج أكتر من كده."
مسحت دموعها وقالت بحزم:
"لا يا فريدة انتي مش هتمشي، هو حر.. بس انتي مش هتخرجي من هنا!"
نظر الاثنان أمامهما ليجدانه يخرج ويسحب خلفه حقيبة كبيرة.. وقف وأعطى نظرة سخط لفريدة، ثم هبط لأسفل آخذًا طريقه للذهاب..
لتصيح نيرة وهي تهرع خلفه:
"مراد......."