تحميل رواية ظل السحاب بقلم آية حسن pdf
بقلم آية حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دفع الأطباق بيده بعيدًا ثم زمجر: أنا قر*فت منكم ومن أكلكم... ولا حاجة بتطبخوها عجباني، والأكل مالوش أي طعم، وكل الأصناف اللي بتعملوها شبه بعض، بديكم وصفات لأكلات معينة عشان تعملوها، بلاقي عك وقرف وخلاص، والنهاردة الأكل كله محر*وق! عماد «مدير الشؤون ب الشركة»، تمتم بتوتر بعد أن قام بتذوق الطعام: بس الأكل طعمه حلو يا مراد باشا مش مح-روق ولا حاجة! حدق إليه شزرًا وهو يلقي بالخِرقة على السفرة بعن ف ثم نهض من المقعد وهتف حانقًا: يعني أنا مبعرفش أدوق سيادتك! ولا شايفني غبي وحمار عشان معرفش أفرق بين الأ...
رواية ظل السحاب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم آية حسن
صاح ليوقفها قبل أن تضغط على الزر وينغلق الباب، ليهرول مسرعًا حتى يلحق بالمصعد.
دلف بداخله وانغلق المصعد الكهربائي تلقائيًا، فهتفت فريدة بحنق:
إيه اللي جابك هنا؟
أجاب بابتسامة وهو يضغط على أحد أزرار التحكم الخاصة بالمصعد:
مش يمكن رجلي جابتني ع هنا، وفي الوقت دة بالذات، عشان أشوفك مرة تانية؟
ضحكت ساخرة بخفة، ثم أردفت:
وهو انت ليك عين تيجي بعد اللي عملته أصلاً؟
قطب جبينه:
عملت إيه؟
اندفعت قائلة وهي تضغط على أسنانها:
أيوة ياخويا استعبط واعمل نفسك مش عارف، مش انت سرقت المستندات، وبسببك مراد...
بترت حديثها تحت نظراته المتعجبة، لينفتح باب المصعد بعد بلوغه الطابق المقصود، وترمقه فريدة من أعلى لأسفل باستهانة ثم تترجل وتسير بالمرر متوجهة نحو مكتب مراد، ليليها معتز في مسارها.
***
وضعت يديها على فمها وعينيها تتسعان بذهول عما صدر منها دون إدراك، تتمنى لو أن الأرض في هذه اللحظة انشقت وبلعتها.
لتقول بلجلجة وتلعثم من شدة إحراجها:
أنا...أنا لازم أمـ...شي حالًا.
ركضت مسرعة من أمامه وهي تفر بعينيها هاربة بعد الإضطراب الذي أصاب كيانها من خجلها، ليهرول خلفها وهو يصيح مناديًا عليها حتى يوقفها، لكنها كانت أسرع لتصعد عربتها وولت مدبرةً.
ليقف عز يراقب سرعتها المهولة حتى اختفت عن الشارع تمامًا، لم يكن يعلم أنها سترتبك لتلك الدرجة بعد تفوهها بتلك الكلمات التي اندفعت من فمها كالسهم المنطلق دون حسبان.
لكن على أي حال هو شعر بالسعادة تغمره وازداد الشوق بقلبه إليها.
***
لقد بلغت الدور الذي يقطن فيه مكتب مراد، لتمر بغرفة السكرتارية والتي بالتحديد تجلس بها نانسي، تلك السارقة التي سرقت منها هذا المنصب.
حتى وإن كانت لم تفكر بأن تصير سكرتيرة له؛ فجعلتها سارقة لكونها أصبحت هي قريبة من مراد بدلًا عنها، ولا تدري لما هو متمسك بها لهذا الحد!
اقتربت وقفت أمامها وهي تفكر بإستفزازها.
أسندت يديها على حافة المنضدة واقتربت بجذعها وهي ترفع أحد حاجبيها لتهتف وهي ترمقها بنظرة لعوب:
خشي قولي لـ مراد إني برة يا اسمك إيه!
نهضت بجمود وهي تضرب بيديها على سطح المكتب بخفة فتهتف حانقة:
انتي ازاي تيجي الشركة تاني؟
شهقت معترضة وهي تفرد كفها:
نعـم يا عمري!! وانتي مين عشان تقوليلي آجي ولا لأ يا بت؟
ازمت نانسي شفتيها ثم قالت وهي تشير لنفسها رافعة شفتاها العلوية باستهجان:
أنا بت؟ انتي إنسانة قليلة ذوق، والمرة دي أنا هطلبلك الأمن يرموكي ف الشارع لأن دة مقامك!
رمقتها بقرف وهي تشير بسبابتها إليها من أعلاها لأسفلها باستهزاء.
اتسعت حدقتي فريدة لتصعد الدماء إلى معالمها ثم بدأت تتحول مقلتيها إلى لون أسود قاتم، لتستمتع نانسي إلى صوت زئير خفيض يخرج من بين ثغرها الذي يتحرك وكأنها تستعد للهجوم.
فتتراجع نانسي للخلف وهي تترقب نظرات فريدة، وبعد أن اعتراها الرعب وعلا وجهها الشحوب، فاصطدمت بالمقعد دون انتباه، ثم استدارت خلفه وأمسكت به بارتياع وهي تتطلع بتلك التي تنظر لها بوجه مخيف.
لتردف نانسي برجفة في نبرتها:
ع فكرة إنتي لو قربتي مني أنا هصوت وألم عليكي الشركة كلها، خليكي مكانك أحسنلك!
حذرتها ليزيد هذا من غضبها فتجدها تندفع كالذئب وتصعد فوق المقعد ثم تعلو فوق سطح المكتب بغير تفكير، لتمسك بـ نانسي التي شرعت صارخة بعدما أصابها الهلع.
***
: يعني أنت عايز تفهمني إنك مساعدتش معتز عشان يطلع منها!
سأل تميم بمكر وهو يتطلع إلى مراد بنظرات يفهمها الآخر جيدًا، الذي يريح ظهره للخلف بأريحية، ويضع ساقًا فوق الأخرى، ويميل بزاويه حادة.
فيرد بعملية وهو يمسح على أنفه مسحة طفيفة:
شوف يا شامي، معتز أه ابن عمي وأه طلبت منك تحاول متورطهوش ف القضية بعد ما حكيتلك عن العك اللي بيعمله، لكن دة صدر مني بحكم إني عارفه شخص مضحوك عليه حتى لو كان مأمن نفسه، وكمان شوفت خوف ف عينيه وهو بيطلب أرجعله المستندات.
لكن برضو هو مذنب ولازم يتحاسب زيه زي غيره، أنا مش هتستر على جريمته، بدليل إني جيت وحكيتلك وكنت ناوي أديلك المستندات قبل ما تتسرق!!
بس لو فيه ثغرة صغيرة ممكن يصلح بيها اللي عمله من غير ما أخسر نزاهتي أو أأذي بيها ناس تانية، ليه ما أساعدهوش فيها؟ كإنسان قبل ما اكون رجل مسؤول.
هو مش فيه حاجة اسمها ”روح القانون“ احنا درسناها؟ أنا طبقتها وفـ نفس الوقت برضو أديله درس مهم، لأن أنا وهو ف النهاية من دم واحد وعاوزه يكون شخص نضيف!!
ارتسمت بسمة على محيا تميم، تنم عن إعجاب وإكبار بصديقه فيردف:
طول عمرك راجل موزون وعندك ذمة وضمير .. ياخي أنا مش عارف إزاي وافقوا على استقالتك، دة حتى اللي زيك قليلين ف الداخلية!
قال بطرافة ليرد عليه مازحًا:
كفاية عليهم جنانك انت وعاطي، مشوفتش زيكم ف الدنيا بحالها مش ف الداخلية وبس، ومعاكم عماد كمان.
قهقه تميم عاليًا ثم تساءل:
صحيح الجدع دة فين؟ وحشني هزاره ابن الإيه كان عاملنا جو ف الجهاز!
: مشغول لشوشته معايا.
أجاب وهو يحرك يده بعشوائية فيردف تميم وهو يرصد تلك العلامة التي تحددت على طرف كفه، بفضل فريدة:
هو جدع أوي... بس إيه العضة اللي ف إيدك دي؟
سأل باهتمام لينظر تلقائيًا ليده، فتح فمه ليختلق قولًا مصطنعًا، فبالطبع لن يخبره أن فريدة من قامت بعضه!
وقبل أن يجيب سمع صوت صياح عالي يأتي من الخارج، انكمش وجه الإثنان في غرابة.
: انتوا فتحتوا عيادة نسا وتوليد هنا؟
سأل تميم ببلاهة ثم نهض مراد من مقعده وتحرك مترجلًا للخارج على صوت ارتفاع الصرخات ويتبعه الآخر.
عند خروجه وجدها تعتلي المنضدة وتحاول محاصرة نانسي التي تقف في زاوية ترتعش ذعرًا وهي تطلق صرخات من خوفها.
هدرت بصياح:
وربنا النهاردة ما هسيبك، I will cut you to pieces and throw every piece of you into the Amazon!
„سوف أقطعكِ إربًا إربًا، وأرمي كل قطعة منكِ في بلاد الأمازون„
أردفت وهي تصطك على أسنانها وتضرب بحافة كفتها على راحة يدها الأخرى بغل، لترتعد أوصال نانسي أكثر فتصيح بنبرة مبحوحة ووجه باكِ يعتريه الإصفرار:
انتي مجنونة، الحقني يا مراد.
صرخت مستنجدة، لتجد فريدة بالذي يجذبها من القمة وهو يقبض على ذراعها بقوة ولولا أنه يمسكها بإحكام لكانت قد سقطت.
: إيه اللي بتعمليه دة؟ فاكرة نفسك ف حوش مدرسة؟!
صاح بعصبية وهو يهزها بقوة تحت نظرات مترقبة من الموظفين الذين قد هرعوا مسرعين على صوت صراخ نانسي المربك لهم، وكأن شخصًا لدغته النار.
أكمل متذمرًا:
هو أنتي كل شوية هتعمليلك مشكلة؟ مفيش مرة بشوفك فيها غير لما تتسببي ف كارثة! واضح إنك جيتي الدنيا دي عشان تزعجيني وبس!
اغرورقت عينيها بدموع هزت كيانه قبلها. بالطبع هو لم يقصد المعنى الحقيقي لكلماته، لكنه صدر من ثغره لغضبه العارم منها. انحبس صوتها داخل حنجرتها، واحتبست الدماء بوجهها من إهانته لها، فحاولت التملص منه بهدوء لكنه كان يكمش على ذراعيها بإحكام.
حرك رأسه ليجد حشد من الموظفين يشاهدون ما يحدث باهتمام كأنهم يتفرجون على مشهد تلفزيوني. فصرخ فيهم بحدة:
بتتفرجوا على إيه؟ كل واحد يروح على مكتبه وإلا هتكونوا كلكم مرفودين، يلا!
لم يكن مجرد تهديد بل يستطيع فعلها بسهولة. ففي ظرف ثلاث ثواني لم يبقى ولا شخصًا بالمكان بل هرولوا جميعًا إلى أماكنهم.
لينتبه عماد لركضهم بعد بلوغه الطابق فتساءل في نفسه عن سبب هرعهم بهذا الشكل. توجه نحو المدخل الرئيسي لـ مكتب مراد ليتحقق من الأمر. وقف مكانه فجأة ويجد مراد ممسكًا بكلتا ذراعي فريدة، جحظت عيناه بذهول.
ليتمتم في عقله «هو مراد باشا مستقصد البنت دي ولا إيه؟ معرفش يسلب منها أعز أشيائها، قالك اتحركش فيها!، الباشا طلع نوتي أوي».
تقدم نحوهم ليسمع تميم يتحدث قائلًا:
خلاص يا مراد بقا سيبها مش كدة!
ليصيح مراد به:
متدخلش يا شامي.
حمحم عماد ليردف ببلاهة:
السلام عليكم، شكلي جيت ف وقت مش مناسب، ولا إيه؟!
حدج مراد به ليبتلع عماد لسانه، ثم يرى مراد يسحب فريدة ويزيح تميم عن طريقه لكي يدخل المكتب.
لتصيح هي باكية وهى تحاول شد يدها عنوة:
ابعد عني بقا.
لم يستمع إليها بل دفعها إلى الداخل وأغلق الباب بقوة في وجه الذين بالخارج.
استدار إليها مندفعًا بوجه تنفر الدماء منه، لتنتفض بفزع وهي ترى غشاوة من اللهيب تلامس مقلتيه. يقترب منها بخطوات بطيئة جعلتها تتراجع إلى الخلف بساقين متثاقلتين، ليختصر هو المسافة بينهما ويقبض على ذراعيها، فتصيب القشعريرة بدنها فورًا، ليشعر هو بتلك الهزة تصعد إلى قلبه.
ليهمس قائلًا وهو يضغط على أسنانه:
انتي مش هتبطلي جنانك دة؟ مش عايزة تعقلي أبدًا! هتفضلي غبية كدة وتتصرفي بطيش ع طول؟!
لينكمش وجهها بحزن وتنهمر العبرات على وجنتيها ثم تبدأ بالبكاء بصوت عالي، وتهتف من بين بكائها الحارق:
أنا كنت عارفة إنك هتغير معاملتك معايا، وترجع لطبعك القاسي زي عادتك .. يا ريتني ما كنت جيتلك عشان انت بني آدم متستاهلش، سيب إيدي ومتلمسنيش مرة تانية، أوعى بقولك.
صرخت وهي تسحب ذراعها بعنف، ليجذبها إليه بقوة ويهمس مستنكرًا بأنفاس حارة:
يعني إنتي زعلانة أوي عشان بقسى عليكي! ومش شايفة سبب للي بعمله معاكي؟
صاحت بزمجرة وهي تنصل ذراعيها منه:
أيوة مفيش سبب، دة طبعك ومش هتغيره .. كل مرة عايز تطلعني أنا اللي غلطانة، من غير ما تدي نفسك فرصة تسألني عن اللي حصل ،وبتحكم عليا من خلال الصورة اللي شايفها عليا من ساعة ما عرفتني!!
لم يصدق أنها قد رسمت تلك الفكرة الخاطئة عنها لديه، وكل هذا لأنه صاح بها بعبارات لم يعنيها بتاتًا!
: فريدة بطلي عياط، واسمعيني!
قال بهدوء، لتمسح بأنفها ثم تردف بنبرة متحشرجة:
مش عايزة أسمع .. أنا جيتلك عشان لما قولتلي إنك هتصالحني، ولما طلبت منها تدخلني رفضت وهزأتني، وقالتلي إن مكاني الشارع! وأنا متعودتش أسكت عن حقي، لولا كدة أنا ما كنتش اتعرضتلها.
اصطك على فكيه وهو يقبض على راحة يده اليمين بقوة حتى هربت الدماء منها. كيف لها أن تتحدث إليها بتلك الفظاظة؟ كان يظن أن فريدة من بدأت بالشجار كونه يعلم مدى كرهها له، حتى أنها ودت لو يطردها.
سوف يكون رد فعله قاسيًا مع تلك الحمقاء التي تجرأت على إهانتها هكذا.
همس بلطف ونبرة مخملية تحمل معنى الإستياء لدموعها التي لا يتحمل هبوطها على وجنتيها الصافيتين:
فريدة متضايقيش، أنا هاخدلك حقك!
: ومين هياخدلي حقي منك أنت!
زمجرت فتبسم لها وأخرج محرمة من جيب سترته الداخلي، واقترب منها يمسح تلك اللآلئ المهلكة له.
أشاحت بوجهها عنه، فهمس:
يلا بقا امسحي وشك.
: لا مش همسح، وملكش دعوة بيا.
زمجرت بطفولية ليقترب ويضم وجنتيها بين كفتيه بحنو ثم يزيح بإصبعيه الإبهام الدموع برفق:
مش عايز أشوف الدموع نازلة على خد السحاب تاني، سامعة؟
همس فتعجبت هي من هذا اللقب لكنه أعجبها، ستعتبر هذا عربون محبة منه.
أردفت ببسمة:
أعتبر إنك كدة بتصالحني؟
نفى برأسه:
تؤتؤ، لسة في مفاجئة.
قال هامسًا، فتحمست وشعرت بالفرح يساور قلبها:
هي إيه؟ بالله قوللي!
قفزت وهي تتساءل بمرح:
لو عرفتيها متبقاش مفاجئة، اسمعي الكلام وانتي هتعرفيها قريب!
لا تدري لم أحست بلغز يحاوط نبرته، لكن على كلًا هي متحمسة جدًا لكي تعرف بما سيفاجئها أو سيعطيها خازوقًا، لا تعلم!
***
تجلس فوق فراشها تضم ركبتيها لبعضهما وتحاوطهما بذراعيها، تشهق بدموع تتناثر كاللهيب على خديها، تشعر بالضعف وهي تتذكر عبارتها التي انطلقت من فمها دون وعي.
اللعنة، ماذا سيفكر بها عز الآن؟ لقد كانت تعتز بكرامتها طيلة هذه السنوات لأجل الاحتفاظ بكبرياء أنوثتها، فمهما كانت هي جيدة وتسامح الجميع، ولا تضمر الخبث لأحدهم، إلا أنها لا يمكن أن تبيع حالها لهواها فكان يجب عليها التمهل قليلًا إلى أن يقولها هو كما فعل سابقًا.
الذي فعلته أصبح كمن يرمي نفسه على الآخرين، حتى وإن لم تكن هذه الفكرة وصلت لرأس عز، ولكن تبقى هذه هي الحقيقة!
إن علم مراد بالأمر سيستاء كثيرًا، وسيسخط عليها فالبنسبة له الكبرياء والغرور أهم شئ في حياته، وإن لامسها أحدهم، سيودي بحياته، لقد منعها قبل ذلك من رؤيته لأجل عزتها، والآن لقد بعثرتها أرضًا.
انخرطت في بكاء مرير حتى أذبلت ملامح وجهها، وأصبحت شاحبة.
***
يقف بالمرحاض أسفل الصنبور، وتساقط المياه على خلفية رأسه وعنقه وتسيل على جميع بدنه، يشعر باضطراب يصيب عقله ورغم تيقن قلبه بذلك الإحساس الذي تمكن منه، هناك صوت يصرخ بعقله ويتهمه أن ما يفعله مع فريدة هو ليس سوى خيانة لـ رغد.
كالذي ليس لديه الحق في الحصول على طريق منسجم يسلكه لمتابعة سير حياته، إما أن يبقى هكذا مثل الحجر، يراقب عمره يركض أمامه ف الضياع، وإما أن يعيش ما بقي منه ويصير خائنًا؟
ترى هل سينتصر ذلك الظل الخفي الذي يقف خلفه دائمًا، أم أن اللهيب الحار المحاصر له، والذي أجبره على الوقوف ف نقطة سوداء تمنعه من المرور عداها، سيحرقهما معًا؟!
يتمنى ألا يؤذي تلك السحابة الرقيقة معه وهو يحارب لأجل العبور لمهتداه.
أغلق صنبور الإستحمام ثم التقط المنشفة الموضوعة خلف باب المرحاض وحاوط بها خصره ثم ترجل منه، ليستمع إلى نغمة هاتفه تعلن عن وصول رسالة جديدة، أمسك الجوال وفتح الرسالة ليقرأ النص التالي.
"مراد باشا، اتمنى تكون بخير، أكيد دلوقتي بتسأل نفسك مين اللي باعتلك، متفكرش كتير عشان مش هتعرفني، برغم إني قريب منك أوي، لكن مع ذلك صعب عليك تكتشف مين أنا .. مبروك عليك جايزة أحسن رجل أعمال لسنة 2020، بتحاول تعيش أيامك انت دلوقتي وبتجمع عيلتك حواليك مش كدة؟ شئ جميل، بس يا ترى هتقدر تكمل ولا... ؟مش عاوز أسبق الأحداث، ولا عاوز أحبطك، لكن حاول تستمتع بكل لحظة حاضرة، لأن ماحدش عارف الأيام الجاية فيها إيه!"
قطب وجهه متعجبًا عقب انتهاءه من قراءة نص الرسالة، ولا يعرف مَن من الممكن أن يبعث تلك الرسالة المجهولة؟ وفي هذا الوقت بالتحديد؟
لم يهتم للأمر كثيرًا بل رمى الجوال بإهمال على الفراش وذهب للخزانة لمتابعة إرتداء ملابسه.
***
اتصلت عليها مِرارًا وتكرارًا فما من رد! اعتراها القلق، هل حدث معها مكروه؟ أنفضت رأسها عن تلك الفكرة، لكن ما زالت لا تعرف لم لا تجيب عليها.
لقد تذكرت انها أخبرتها عما صدر من والدها من كلام، هل استاءت لهذا؟ لا فهي عادة شخص متفهم وتفصل بين الأمور جيدًا، أيعقل أن أباها تحدث إليها وحذرها من أن ترد؟
اتسعت عينيها في هول، لتهبط من فوق السرير وتتوجه نحو حجرة عز الدين فورًا، أخذت تقرع الباب بهلع وهي تردد.
: افتح يا بابا، افتح ياللي هتجلطني.
جعلت عز يهرع من مجلسه بفزع ليفتح الباب، فيهتف متسائلًا بذعر للخبط المريع:
ف إيه، مالك يا فريدة؟
لتدلف للغرفة وتهتف:
الحقني يا بابا، نيرة مش بترد عليا، انت زعلتها ف حاجة؟
تنفس الصعداء، ويردف وهو يضع يده ع موضع قلبه:
حرام عليكي يا بنتي خضتيني، فكرت حصلت حاجة معاكي!
: لا، بس هيحصلي لو معرفتش نيرة مش بترد ليه!
قالت بوجه باكِ، ليعطيها ظهره ويجيب بنبرة متلعثمة:
مهو أكيد مش هترد بعد اللي حصل!
ضربت صدرها واعتلت الدهشة معالمها فهمست:
حصل إيه؟
استدار عز لها وهو لا يدري كيف سيخبرها عما حدث، لقد أصبح الوضع محرجًا حقًا، شعر أنه شابًا ف الخامسة والعشرون من عمره وليس رجلًا يافعًا قد لحق البياض شعره، لكنه تنهد وحكى لها كي يهدئ من روعتها.
بعد دقائق معدودة من محاكاته، صمتت لوهلة وكأن الأمر صدمها لكن تفاجأ بعد ذلك بضحكاتها تصدح بالحجرة، حتى أن عينيها قد أدمعت من كثر الضحك.
فتعجب:
انتي بتضحكي على إيه دلوقتي؟
ما زالت تضحك، قفزت بقدميها وهي تخبئ وجهها براحتي يديها، ليصيح عز متذمرًا:
فريدة، خلاص بطلي ضحك بقا!
لتتوقف عن القهقهة وتقترب منه وهي تضع يديها على صدره، وتتساءل:
يعني هي مبتردش عليا عشان مكسوفة مني؟
: أكيد.
يرد بضيق، لتبدأ بالقفز مجددًا:
أنا مش مصدقة، وأخيراً انت ونيرة هتتجوزوا، هيــه!
عقد حاجبيه ليهتف بحنق:
يا فريدة، متاخديش الأمور بهزار، هي أكيد مكانتش تقصده.
أكدت:
لا تقصده، وأنت هتتمسك بالكلمة، عشان دة حقك انت وهي، كفاية فراق لغاية كدة!
وقبل أن يرد تحركت هي خطوات بسيطة مبتعدة عنه وتعض إبهامها وهي تنظر للفراغ بتفكير، لتهمس في عقلها بحسم:
أنا بكرة هكلم مراد، وأجس نبضه كدة وإن شاء الله جوازتك يا بابا ع إيدي!
***
كان يتحدث عبر الهاتف المحمول وهو يعبث بقلمه، ثم تدلف نانسي إلى المكتب وقبل أن تتحدث يشير لها بالصمت إلى أن ينهي مكالمته.
: تمام، الله يبارك فيك، مع السلامة.
أغلق الهاتف فهتف هي متحدثة:
طلبتني يا مرا... قصدي يا أستاذ مراد؟
عدلت من جملتها بعد أن تذكرت تنبيهاته، ليرد عليها بخشونة وهو ينهض:
أيوة طلبتك .. تقدري تقوليلي إيه اللي عملتيه مع فريدة امبارح؟
سأل وهو ينظر لها بحدة، فترد بصوت مرتفع مستنكرة:
أنا عملت؟ دي هي الـ...
بتر كلامها بصوت غليظ وهو يضرب بيده على سطح المكتب جعل جسدها يهتز ارتياعًا:
ماتعليش صوتك! ثم إن هي معملتش كدة من نفسها، انتي اللي استفزتيها بكلامك السخيف!
ابتلعت لعابها وهي تحاول اختلاق كذبة حتى تسلم من نظراته الشرسة:
مراد، صدقني أنا اللي قولته رد فعل للي هي قالته!
تلعثمت فصاح بها:
مش عايز كدب! .. ثم إني مش بسألك عشان تبرري .. أنا طلبتك عشان أنبهك لأول وآخر مرة، فريدة لما تيجي هنا تتكلمي معاها كويس، وإياكي تزعجيها بكلامك اللي مالوش عازة!
رفع بسبابته محذرًا تلك المرة بهدوء ممزوج بجمود حتى لا تقدم على هذا مجددًا، لترد عليه من بين أسنانها:
حاضر، أي أوامر تانية؟
: اتفضلي على شغلك.
أشار إليها بالذهاب بجمود، لتضرب بقدمها بالأرض ثم تخرج فتجلس على المقعد وهي في قمة غيظها مما فعله معها لأجل تلك الطباخة السوقية! لتقسم بداخلها أنها ستريها مقامها الحقيقي!
أخرجت مستندًا من أحد الأدراج لتضعه أمامها بحنق، وتقلب صفحاته بعنف وتأفف، ليدخل عليها معتز ويتعجب من طريقتها لتحريك الأوراق بهذه الشراسه:
في إيه يا نانسي، مالك طايحة في الورق اللي قدامك ليه؟
سألها ساخرًا لترد وهي تجز على أسنانها:
ابعد عني السعادي يا معتز، أنا بجد مش طايقة حد!
جلس ع المقعد فتساءل عن سبب انزعاجها:
ليه؟ مين زعلك يا قمر؟
لترد بتهكم:
الاستاذ مراد، قال إيه مش عايزني اتكلم مع واحدة ما تسواش جنيه بأسلوب وحش، هي مين دي عشان يزعقلي عشانها!
هتفت باستهجان وسخط ليسأل معتز مؤكدًا:
أيوة فعلاً هي مين دي؟
تأففت وهي تشيح بيدها:
يووه ملكش دعوة يا معتز بقا.
أشار بيده:
طيب طيب، أنا هدخل عند مراد، هو عنده حد؟
: لأ.
أجابت بحنق، ليرفع معتز كتفيه ثم يدلف لحجرة المكتب، أغلق الباب واقترب وهو يرسم ابتسامة صافية على ثغره، فيهتف:
ازيك يا مراد؟
رفع مراد رأسه ورد عليه دون ابتسامة، ثم أشار له بالجلوس، فأردف معتز بعد أن جلس:
أنا عارف إنك مشغول، بس أنا جيتلك امبارح عشان اتكلم معاك ف موضوع، وعم شفيق مسكني وفضلنا نرغي سوا.
سأل مراد وهو يتكئ على ظهر المقعد ويضم أنامله ببعض هم:
خير؟
رد متبسمًا:
أكيد خير، أنا عايز أرجع أشتغل... ومن قبل ما ترد، أنا موافق أشتغل ف المصنع مع العمال.
نمت ابتسامة طفيفة على محيا مراد:
والله دي حاجة كويسة، أنا موافق...
ليضبط من سترته ويردف:
من بكرة لو حبيت تستلم الشغل معنديش مشكلة!
انبسطت ابتسامة عريضة على وجه معتز ثم نهض مسرعًا وقال:
أنا مش هعطلك أكتر من كدة، وشكرًا ليك يابن عمي، بجد شكرًا.
ليغادر مكتبه في سعادة غامرة تحيط بأساريره. شعر مراد وكأنه يندفع للإتجاه الصحيح، كان يعلم أن معتز ليس شخصًا سيئًا بل أسلوب تربيته الخاطئ من جعله شخصًا مستهترًا.
***
عادت فريدة إلى الشركة لتسير بالبهو وتحرك رأسها يمينًا وشمالًا كأنها تبحث عن أحد، ليراها عماد وتتسع ابتسامة صفراء على ثغره فيتمتم وهو يتطلع إليها.
: شكلها حبت موضوع التحمرش أوي، عشان كدة رجعت تاني هنا...
ليرفع بكفيه وجهه ويهمس داعيًا:
يا رب بقا يخطفها وأبوها يجبره يتجوزها، هي طيبة وتستاهل كل خير.
انتهى من الدعاء ثم سار متوجهًا إليها، فهتف متسائلاً:
إيه يا آنسة فريدة مؤقتًا، بتدوري ع حاجة؟
انتبهت له ثم أجابت:
أه، ممكن تروح تنادي على مراد ينزلي!
رفع حاجبيه مندهشًا:
أعمل إيه؟
: تناديلي مراد.
قالت بحنق وهي تكتف ذراعيها، ليسألها بنظرة لعوب:
طب ليه أنتي متطلعيش له؟
: وانت مالك الله! هتطلع ولا أشوف حد غيرك؟
صاحت بزمجرة ليحمحم:
هطلع حاضر.
فيهمس في عقله ”مانتي الزوجة المستقبلية للباشا“.
ليبتسم وينحني قليلًا وهو يقول برسمية وكأنه يحادث ملكة:
تحت أمر سعادتك، خمس دقايق والباشا ياخد خبر بوجود معاليكي، بعد إذنك.
هرول مسرعًا عبر الدرج وهي متعجبة من تلك المعاملة الغريبة لها.
***
: باشا، يا باشا، الحق.
اندفع عماد بسرعة لداخل غرفة المكتب وهو يصيح مناديًا، لينهض مراد بذعر من مجلسة، فيسأل بقلق:
ف إيه؟
: ملكة النحل مستناك تحت!
أجاب وهو يحاول التقاط أنفاسه، ليضيق مراد ما بين حاجبيه:
نحل؟
: قصدي انثى النمر!
ليعود ويجيب بغموض ثم يجز مراد على أسنانه محذرًا:
عماد!
: الآنسة فريدة تحت، آخر إجابة!
همس متعجبًا:
فريدة!!!
***
هبط مراد إلى أسفل ووجد فريدة تجلس على أحد الأرائك في صالة الاستقبال الكبيرة، ليسير صوبها مباشرة بسرعة فيهتف.
: فريدة.
ثم اقترب منها وأمسك بكتفيها سائلًا إياها في قلق:
مالك، فيكي حاجة؟
لترد نافية:
لأ، متخافش أنا كويسة.
: أمال مالك، ومطلعتيش ليه؟
أشبكت يديها في خصرها، وتهتف بحنق:
عايزني أطلع عشان سكرتيرتك تهزأني تاني؟
أردف بجمود طفيف:
بطلي هبل، ماحدش يقدر يعملك حاجة، تعالي يلا اطلع.
تفترد بنعومة:
لا خلينا نتكلم هنا، مش عايزة أطلع مكتبك.
همس من تحت أسنانه:
مش هينفع، الناس بتبص علينا!
لم يحبذ أبدًا أن يراها الموظفين بصورة غير لائقة، خصوصًا أن ما جرى بينهما ف الأيام الماضية ليس بالقليل، فبالتأكيد ستصعد إلى رؤوسهم أفكارًا غير جيدة عنها، وهو لن يسمح لأي أحد أن يتطلع لها بنظرات وقحة.
صمت لهنيهة ثم تنهد:
طب تعالي نخرج ف أي حتة، بس مترغيش عشان ورايا شغل!
حذرها مازحًا لتهمس بغرور وهي ترمي بشعرها للخلف:
براحتي، انت لسة مصالحتنيش!
ابتسم وهو يهز رأسه مستنكرًا ثم يشير لها أن تسرع في سيرها، ليخرجا معًا ويصعدا السيارة ثم ينطلق بها في مكان هادئ حتى تتمكن من التحدث إليه.
ومضى أكثر من ربع ساعة يجلسان أمام بعضهما على أحد الطاولات، تتطلع إليه بشرود دون التفوه بأي شئ.
: فريدة أنا عندي شغل كتير، يا ريت تخلصي وتقولي عايزة إيه، بقالنا كتير قاعدين ومش بتتكلمي!
هتف مراد يحثها على التكلم.
كادت أن تحادثه بشأن زواج أبيها ونيرة، لكنها شردت عن مقصدها دون التمعن في التفكير، قبل أن تقدم على هذا السؤال الأحمق:
انت لسة بتحب رغد؟
رواية ظل السحاب الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم آية حسن
تجلس بمكتبها، تستند بظهرها على ظهر المقعد ووجهها لأعلى تتأمل السطح بشرود.
لم ترد على اتصالات فريدة، ولا عز الذي استمر في الرنين أكثر من عشرين مرة بالمساء فقط، غير تلك الرسائل التي بعثها في محاولة للاطمئنان عليها.
أحست بالاستياء من نفسها كونها لم تجب عليهما، ولأول مرة تفعلها.
طرق الباب أخرجها من سرحانها، لتنصب جذعها العلوي باعتدال وتهتف بإذن وهي تسند مرفقيها فوق سطح المكتب:
"ادخل!"
لينفتح الباب ويدلف عماد الممسك بباقة ورد أحمر كبيرة، ويضعها فوق المكتب بجوارها.
لتتساءل هي مستغربة:
"لمين الورد ده يا عماد؟"
أجاب ببسمة لعوب وهو يغمز بأحد عينيه:
"ليكي انتي!"
أشارت لنفسها بتعجب:
"أنا! ومين اللي بعته؟"
مال بجذعه للأمام قليلًا وهمس بمكر:
"أكيد من حد بيفهم في الذوق، افتحي خلينا نشوف مين!"
طلب منها وهي يشير إلى الباقة:
"لالا، روح انت وأنا هبقى أشوفه لوحدي!"
قالت بتلعثم وباهتزاز في مقلتيها.
ثم رد عليها بابتسامة صفراء مرسومة على فمه:
"ماشي يا عم، بس قلّب لي كدة يمكن تلاقي شوكولاتة ولا حاجة حلوة الواحد نفسه مجزعها!"
ضحكت برقة ليهتف عماد بمرح عاليًا:
"يا وعدي!"
ليتحرك مغادرًا المكتب.
ثم تنهض هي لتبحث عن الورقة أو الرسالة من باعث تلك الأزهار الجميلة التي انتشرت رائحتها العبير بالغرفة.
فتجد ظرف صغير باللون الأصفر ملتصقًا بين الورود، وتقوم بفتحه بلطف وتخرج ورقة منه لتبدأ بالقراءة.
"مش عارف أبدأ منين وازاي، بس اللي عايزك تعرفيه إني عمري ما فكرت ولا هفكر فيكي بشكل وحش يخليكي تبعدي ومترديش.
انتي نجمة عالية صعب حد يطولها بسهولة، لسه بتلمعي ومحتفظة ببريقك المضيء.
اللي زيك انتي، تاخد الحاجة اللي عايزاها من غير استئذان أو طلب، ومن غير ما تحسي أو تفكري إنها بتذل.
أنا عارفك وحافظك يا نيرة، رقيقة من جواكي ونفسك عزيزة.
رغم كل السنين اللي مرت، إلا إنك شخص غير متجدد، محافظ على طبعك وقلبك النضيف.
أنا عمري ما ندمت إني في يوم حبيتك، ولا عمري هندم.
وهفضل أقولهالك لغاية آخر نفس، انتي روح فؤادي، انتي النبضة اللي رجعت بعد طول غياب واستقرت في مكانها الحقيقي.
يا ريت تقبلي الورود الجميلة اللي شبه خدودك، كاعتذار مني للكلام السخيف اللي أنا قولته لفريدة عنك.
عز الدين"
لتتهلل أسارير نيرة، وتعلو وجهها علامات الغبطة.
يا لها من مفاجأة غير متوقعة قشعت عنها شعورها بالبؤس واليأس لتشعر بالنشوة وكأن الدنيا تتحول إلى نغم ساحر، بعد اللون القاتم الذي ساد ظلامه حولها.
التقطت وردة ببسمة استقرت ثغرها لتستنشق طيبها الفواح بقوة وهي مغمضة الجفنين، تنغمس في أحلام اليقظة الجميلة التي تتمنى أن تصبح حقيقة قريبًا.
***
قذفت سؤالها في وجهه كالسهم المشتعل بلهيب من بركان ستحرق من حولها.
لم يكن مجرد سؤال بل كان كزر الإطلاق، كلغم موضوع أسفلها وضغطت عليه بإرادتها دون إجبار.
لطالما كان لسانها السليط يوقعها في مشاكل، هذه المرة ستحدث كارثة مهولة بالتأكيد.
لم يجب عليها التحاذق في هذا الحين، كان يلزم أن تتريث قبل أن تقبل على حماقة أخرى.
لا أحد يدري ما الذي تفكر فيه هذه الفتاة.
وضعت نفسها في مأزق وحصار من عينيه التي بدأت تشوبها لون من نار.
لن ينفعها هوجها تلك المرة.
ورغم أنها رأت وميض اللهيب يتألق مقلتيه إلا أنها تابعت حديثها وكأنها لم تكتفِ بسؤالها.
وأيضًا لن يحدث فرق كبير إن صمتت، فرد فعله لن يتغير.
لتهمس سائلة ببطء وبنبرة متحشرجة:
"لسه عايز تحتفظ بذكرياتها في قلبك؟ مكفكش العمر اللي ضيعته في حبك اللي عدى أي منطق؟ قلبك اللي سلمتهولها وملكته ما تعبش من الجفا بعدها؟ مش عايز إيد تنفض التراب اللي غطاه بالكوم، زي أوضتك اللي حارم الكل يدخلها أو يلمس عفشها القديم؟ مش عايز تنساها؟"
هدرت بأسئلة اعتصرت قلبها بسلسلة من نار قبل أن تهز كيانه وتشعل الحرب بداخله من جديد.
"فريدة!"
صرخ بها بحدة جعلتها تغمض عينيها بقوة وتهبط دمعة منكسرة على وجنتيها، وجعلت الموجودين بالمطعم يندفعون برؤوسهم متطلعين إليه.
لينهض ويدفع المقعد بقوة حتى وقع للخلف.
مضخته الثائرة تجعل صدره ينتفخ ويهبط بشكل سريع ومرعب كمن كان في سباق للعدو.
فتحت جفنها ببطء وهي تستمع لأنفاسه المتأججة.
ثم ترفع ببصرها إليه ليسقط قلبها هرعًا من تقاسيمه التي بدت وكأن الدماء تنضح منها، وترى العرق النافر ينبض بقوة، فهالها عسر الموقف وبدأت أعصابها بالانفلات وهي تتطلع لذلك الوهيج الذي سينفجر من بؤبؤ عينيه.
مرت تلك الدقائق متثاقلة حتى سمعته يهمس بصوت غليظ جعلها ترتجف:
"اتعديتي حدودك، وأديتي نفسك أكبر من حجمها، تدخلتي في شئ أبعد ما يكون عن خيالك.
كل مرة بتغلطي معايا يا فريدة لغاية ما هتخليني أندم إني اتعاملت معاكي بلطافة، بتغوصي في مكان مش من حقك..."
"لأ من حقي!"
ورغم الحيرة ورغم الألم الذي لحق بروحها صرخت فيه بقوة جاهدت لكي تصبح طاغية.
فأردفت وهي تهتف بإصرار، ودموع حارقة تذرف بشجن:
"أنا من حقي أعرف كل حاجة عنك، من حقي أخطفك من الوهم والضياع اللي انت عايش فيه، ورافض كل إيد تتمدلك وتنشلك منه.
لكن مش هسمحلك يا مراد ترفضني أنا، وهفضل وراك زي ضلك، وانت مش هتعرف تعترضه أو تهرب منه!"
همست في جملتها الأخيرة بحزم وهي تشير بسبابتها.
هي لم تعد تخشى فيضانه الهائج، ولن تكترث لأي كان، ستسير وتسلك طريقها الذي اختارته بإرادتها مهما رأت من عقبات، فستفوز على ذلك الظلام الدامس ويسود نورها الساطع حياة هذا العنيد الذي تلبس روحه جسدها كالجني.
قطب جبينه مندهشًا من أسلوبها الجديد والصارم معه كمن نصبت نفسها سلطانة على حياته، ويفترض عليه الطاعة والانصياع لأوامرها دون حق الاعتراض.
لكن لا.. هذا الوضع لن يجدي نفعًا معه، فهو ما زال مراد الحديدي الذي لا يجرؤ أحد على إلقاء الأوامر عليه.
أطبق فوق فكيه بقوة لتستمع هي إلى اصطكاك عنيف أدى إلى أن تبتلع لعابها بارتباك.
ظنت أنه سيقتلع لسانها عما صدر منها من حماقة، فحاولت أن تظهر الشجاعة متجاهلة تلك الرعشة التي أصابت جزء من قلبها بسبب تحديقه المرعب.
لكنها تفاجئت به يخرج بعض النقود من جيبه بتأفف ويلقيها على الطاولة بحنق ثم يذهب من أمامها فورًا بتشنج قبل أن يهتك بها.
تنفست الصعداء عقب مغادرته، فتجلس هي على المقعد بأريحية وتضيع يدها على قلبها الذي ينبض في اضطراب.
لم تدري كيف تلبستها تلك الحالة واستطاعت أن تصمد أمام هذا الوحش تأييدًا لنعت نرمين.
تبًا لغضبه الذي لا ينتهي أبدًا، لكنها شعرت بلذة فانفرج ثغرها ببسمة انتصار.
***
يجلس بالساحة الخارجية يتصفح في حاسوبه باهتمام بالغ وكأنه ينتظر نتيجة امتحانه.
فيبتر انهماكه وتركيزه إقبال نانسي عليه.
جلست على الأريكة على أحد الجوانب بخمول.
ليتعجب عثمان من حالتها فيبادر بالسؤال بعد أن أغلق الحاسوب:
"مالك يا نانسي؟ شكلك متوتر ليه؟"
ردت بضجر:
"زهقت يا دادي، مراد شخص صعب أوي أوي، إنسان جادي للنهاية، مهما أحاول أتقرب منه مش مديني فرصة، بسمع كلامه برضو بيشخط فيا!"
"حصل إيه لكل ده؟"
سأل في استغراب تام، وهو ينهض ويجلس بجوارها.
لتجيب بحنق وهي تجز فوق أسنانها:
"بنت يا دادي اسمها فريدة، تربية شوارع، لا تطاق بجد، حطاني في دماغها معرفش ليه!"
"وتطلع مين البنت دي؟"
سأل لتجيب:
"كانت بتشتغل عند مراد طباخة، ورجعت تاني عايزة تشتغل في الشركة، كإنها بتحاول تتقربله بكل الطرق وبتتعامل معاه بطريقة غريبة ومش مرتاحة لها، ده غير أنها قريبة جدًا من عمتو نيرة!"
"إزاي يعني؟ وليه محاولتيش تطفشيها؟"
هتف بتأفف ثم نهض ليردف:
"هتضيعي لي كل شغلي يا نانسي، حتة بت ولا تسوى مش عارفة تطيرها من قدامك!!"
حرك رأسه باندفاع نحوها، لتنهض وتهتف بخيبة:
"أعمل إيه يعني؟ ده عشان هزأتها وكنت هطردها، سمعني كلام بارد أوي، وحذرني مقربش منها ولا حتى أضايقها!"
تعجب عثمان فهمس في عقله: «يا ترى مين دي؟ وإيه سر تمسكه بيها كده؟ حب جديد ولا إيه؟»
زم شفتيه بغيظ، لا يعرف ما سر عشقه لهؤلاء الفتيات الحقيرات أمثال رغد وتلك الجديدة التي تدعى فريدة، والتي لا يدري من تكون وماذا تفعل.
***
تقف بالمطبخ تقوم بإعداد وتحضير بعض الأطعمة الخفيفة وذهنها يطيح في عالمها الخاص الذي نشبت فيه بمشيئتها.
لا تعرف هل مراد سيلين معها، أم سيفتعل حماقة كعادته! لكي يبعدها عن حياته.
مجرد الفكرة زلزلت قلبها وأحست بثقل في أنفاسها.
هزت رأسها لتنفضها بعيدًا، وأغلقت باب التفكير القبيح بلا أقفلت على عقلها كله.
أمسكت بالصحنين لتتحرك باتجاه الطاولة وتضعهم برفق فوقها، ثم تهتف بصوت عالي منادية على أبيها:
"يلا يا بابا الأكل جهز، بقالك ساعة بتعمل إيه في الأوضة؟"
خرج عز من الحجرة وهو يضبط من قميصه الجديد فيسألها:
"إيه رأيك بقى؟"
لتطلق صفيرًا عاليًا بإعجاب:
"إش إش يا زيزو، ده انت ولا أحمد عز في زمانه!"
ليضحك فيقول مستنكرًا:
"يا شيخة؟ ده انتي بتفشري أوي!"
"لأ وربنا انت أحلى منه كمان، دي البت نرمين بتفضل تمدح وتعكس فيك كل ما نجيب لك سيرة.
ياكش بس الشعرتين البيض اللي في راسك وربنا تنافس توم كروز!"
قهقه عز فأمسك بخدها يقرصها ثم أردف باستنكار ساخر:
"توم كروز كمان؟ طب شوفي حاجة قريبة أصدقها!"
"يا جدع ما تقولش كده، أمال هي نيرة وقعت في غرامك إزاي! مهو عشان ابننا جامد!"
قالت بهزلية ومشاكسة ليحذرها عز بلطافة:
"يا بنت عيب، بطلي لماضة!"
لتحتضنه وهي تربت على ظهره ثم تبتعد لتقول بهزل:
"مبروك يا بوب، عقبال كده بدلة فرحك، قول آمين!"
ضحك ثم ضمها لأحضانه بحنان وطبع قبلة رقيقة فوق شعرها:
"ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا فريدة، وأشوفك أحلى عروسة في الدنيا!"
همس بمخملية لتبتعد قليلًا وترد مازحة كعادتها:
"مش لما أفرح بيك الأول؟"
ضغط على أنفها بخفة ثم هتف:
"طب يلا يا لمضة الأكل برد!"
***
بالنادي الرياضي، يقف هو أمام كيس الملاكمة، يرتدي ملابسه المخصصة المكونة من بنطال أسود به خطان من اللون الأبيض، وفانلة بحمالتين من نفس لون البنطال، تبرز عضلاته المفتولة بشكل جذاب.
والعرق يتناثر من جبهته ويهبط على وجهه حتى منكبيه، يتنفس بصوت عالي من أثر المجهود.
يلكم الكيس بغل شديد يود صب جم غضبه المتراكم في اللعبة، حتى يفصل عقله عن التفكير المتسلط عليه.
اللعنة لم يعد الأمر يحتمل، يضرب بقوة وشراسة، بيديه الاثنتين بترتيب متناسق وسريع.. يمين، يسار، حتى قام بلكمه فاندفع الكيس للخلف من شدة الضربة.
ليقف ثابتًا وهو يلهث بسرعة كبيرة يحاول التقاط أنفاسه.
واضطراب شديد بنبضات قلبه جعلته يجثو على الأرض بإنهاك وتعب، ثم نكس وجهه لأسفل وهو يضع يديه على مؤخرة رأسه.
أن تحاول إجبار نفسك على تجاهل شعور بداخلك أصبح جزءًا مهمًا يسكن قلبك عذاب قاسٍ، وأن تصبح صامتًا رغمًا عنك، في حين أنك تريد احتضان شخصًا تأمنه على نفسك، والبكاء على صدره مثل الطفل الذي خلق على الفطرة، عند شعوره بالألم يجري ليضم أمه ويبوح بكل ما يكنه في فؤاده لها.
الماضي ينهش به كالوحش، يود قهره والتغلب على قوته، ترى هل يستسلم له بتلك السهولة؟
لطالما يخفي هذا الألم والوجع خلف عصبيته وتذمره، لكن كفى الآن صمتًا، كفى هروبًا، حان الآن المواجهة.
نهض مراد بعزيمة كبرى كيفما هو دائمًا، ليسير باتجاه حجرة التبديل وهو حاسمًا أمرًا واحدًا، أن يقابل فريدة والآن مهما كلف الثمن.
دلف إلى أحد المراحيض يأخذ حمامًا باردًا يزيل ويطرد بها هذا الشعور اللعين الذي كاد يفجر عقله ويهزمه.
وبعد عدة دقائق خرج وارتدى ملابسه المعتادة المكونة من بنطال وقميص وسترة ثم هرول مسرعًا وصعد عربته، لينطلق بها بسرعة إلى واجهته.
التقط هاتفه بعد أن بحث على رقمها وضغط اتصال بينما يتطلع للساعة التي بيده فوجدها الثانية عشر مساءً.
ليس مهمًا لن يقدر على الانتظار ولو لساعة واحدة إضافية، يجب أن يقابلها الآن وفورًا.
وبعد الرنين جاءه صوتها الناعس:
"ألو!"
ليهتف بحزم:
"فريدة أنا مراد، انزلي قابليني دلوقتي حالًا، حالًا يا فريدة."
رواية ظل السحاب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم آية حسن
كانت تغوص في نوم عميق إلى أن سمعت هتافه الحازم عبر الجوال.
فتحت جفنيها لتتمتم باسمه، ثم تطلعت إلى الرقم وهمست لنفسها: هو أنا بحلم ولا إيه!
لتستمع إلى هتافه من السماعة: فريدة! انتي سمعاني؟
وضعته على أذنها فتقول متعجبة بصوت مبحوح: مراد انت بتكلمني بجد ولا تهيؤات؟
: مش وقته، أنا عاوز أقابلك ضروري، اجهزي عشان جاي آخدك.
ردت سريعًا، لتهب بفزع من مضجعها بعد أن أدركت أنها لا تحلم: انت بتتكلم منين؟
سألته ليجيب عليها سريعًا: أنا سايق العربية وفـ طريقي لـ بيتك.
عبثت بشعرها بسبب التشوش الذي أصاب عقلها، وهي لا تفهم ما الذي يعنيه بأنه في طريقه إليها؟
لتستمع إلى صياحه: إيه يا فريدة سكتي ليه؟
: هي الساعة كام دلوقتي؟
سألت بتثاءب وهي تضع يدها على فمها ليرد: الساعة 12 وحاجة، انزلي يلا عشان أنا قربت أوصل!
: انت مجنون! عايزني أنزل دلوقتي عشان أبويا يقتلني؟
قالت باستنكار ليرد عليها مصرًا: أيوة ولو منزلتيش أنا هطلعلك، سلام.
أغلق الخط، لترخي يدها عن أذنها وهي ممسكة بالهاتف ببلاهة لجنون هذا الشاب!
مضى دقائق وهو يقود سيارته بسرعة، والتي مرت وكأنها ساعات متثاقلة، وكأن الطريق لا تريد أن تنتهي كما هي حياته البائسة.
وبعد قليل قد بلغ غايته، ولا يدري كيف قد قطع كل تلك المسافة يتحمل الثقل الذي بقلبه.
أبطأ السيارة أمام بيت عز الدين، ينتظر خروجها بفارغ صبره، يحاول تهدئة اضطراب قلبه.
لتسكن روعته قليلًا حين رآها تترجل من الباب وتقترب من السيارة، ترتدي ملابس بيت فضفاضة، عليهم معطفًا صوف يحميها برد الليل، وشعرها أشعث قليلًا لكنه ما زال جميلًا على وجهها.
مد ساعده يمسك بالمقبض ليفتح لها الباب، وهتف لها: اركبي!
لتقول باستهجان: اركب فين يا مراد؟ بابا نايم جوة، ولو صحي ملقنيش هتبقى مشكلة. وبعدين انت إيه اللي جابك هنا ف الوقت المتأخر دة؟
: موضوع مهم ولازم نتكلم فيه دلوقتي، اركبي يلا لأن الوضع كدة ما ينفعش!
قال بصرامة طفيفة، لتتمتم مستنكرة بنبرة خافتة وهي تصعد بجواره: يعني جايلي ف نص الليل وكمان بتتأمر عليا؟ دة انت غريب!
نعم يا سيدي عايز إيه؟
سألته، لتراه يدير سيارته وينتقل بها لمكان آخر فتسأله متعجبة: انت واخدني على فين يا مراد؟
كانت نبرتها مهزوزة بعض الشئ، ورغم ذلك لم يعطيها إجابة.
ابتلعت ريقها وهي تتطلع إليه، تعابير وجهه لا تبرز أي مشاعر تستطيع ترجمتها.
هي لا تعرف ما الذي يفكر به نحوها، وأيضًا ما حدث اليوم في الصباح ليس بالقليل، انتابها القلق حيث أنه ابتعد مسافة كبيرة عن بيتها بل خرج عن الشارع ليدخل في زقاق منفصل يسوده الظلام ويركن به السيارة.
عبر إلى أوصالها الرعب واتسعت عيناها هلعًا وبالأخص عندما أغلق نوافذ السيارة اتوماتيكيًا، ثم لامس أزرار قميصه، لتصيح فورًا بذعر: انت هتعمل إيه يا مراد؟ عاوز تنتقم مني؟ وبالطريقة المقرفة دي؟
ليندفع رأسه نحوها وهو يتطلع إليها بنظرات شرسة، فيصيح بها استهجانًا: انتي هبلة! انتقم إيه وقرف إيه؟
ارتجفت منه فتسائلت بصوت مهزوز يكاد يخرج من فمها: أمال جايبني ف المكان دة ليه؟
: عشان...
همس لها وهو يمط حروفه مترددًا، ثم هتفت متسائلة وهي تنتظر إجابته متلهفة بعد أن رأت بعينيه إشارة للنور: عشان إيه يا مراد؟
استجمع قوته وتنهد ثم فرد كفه إليها، ليهمس بأريحية بعد تيقن قلبه بما يريد قوله: عشان أقولك إني عايزك تمسكي إيدي، عايزك تخرجيني من وسط النار اللي محاوطاني، وتشديني لجنتك، عاوز أفوق لنفسي.
تصنمت لبرهة وهي لا تقدر على استيعاب وإدراك ما سمعت لتوها.
لتهبط ببصرها على راحة يده وقد تسللت الفرحة والبهجة عينيها التي ترقرقت بالدمع، كاد قلبها يرقص فرحًا.
فبعد كل تلك الفترة التي مضت في الجهود المبذولة خلفه ليحادثها بلطف ويبث ما في قلبه لها.
أخيرًا قد أتى إليها بقدمه، وأخيرًا سينتهي الوجع وكاد أن ينهكها التعب منه، وستكلل كل مجهوداتها اتجاهه بالنجاح.
لتسمعه يقول: مش هتخطفيني زي ما قولتيلي؟ ولا غيرتي رأيك؟
لتسرع فريدة وتمسك بكفه بقدر المستطاع عندها، فيضغط هو على أناملها الصغيرة حتى يستمد قوته بها.
نعم، فقد أصبحت هي نقطة قوة له، تلك الهوجاء المتهورة قد انتصرت وجعلت ذلك النمر الشرس يخضع لها.
: احكيلي كل حاجة يا مراد عايزة أسمعك!
سمع همسها وهي تطلب منه التحدث فأومأ برأسه وهو يطلق تنهيدة قوية.
ترك يدها ثم بدأ يهيئ نفسه للمضي داخل فجوة عميقة حتى يردمها بنفسه: بصي هي أكيد نيرة حكتلك شوية تفاصيل، بس أنا أفضّل إني أحكيلك من الأول بمنظوري أنا!
تبسمت: وأنا عايزة أسمع الحكاية منك.
انتبدأ مراد بسرد القصة، عن كيف تعرف على رغد وكل تلك التفاصيل التي قد كشفت عنها نيرة ولكن بتوسع، وعن حياته الشخصية، وبعض التفاصيل الخاصة بعائلته وعمله السابق، وبرغم سرية الأمر إلا أنه لم يتردد في الحكي.
وقد أصر أن يبوح بكل ما يكنه في صدره بأريحية، ومع كل حرف ينطقه كان يفر الهم منه بعيدًا، يطرد ذلك الألم الدفين لسنوات عديدة داخل وجدانه.
وشعور الثقل يُرفع عن قلبه رويدًا رويدًا.
ظل ما يقرب من الساعة وهو يتحدث ويتحدث، بأنفاس مشتعلة وهو يعترف بما يجويش به صدره، دون تعب منه أو تعبأ هي، بل بالعكس كانت تستمع له بوجدانها قبل آذانها.
تهتم بأصغر التفاصيل التي يتمتم بها.
حتى انتهى حديثه عما تعرفه هي، وآخر شيء قد قامت بسرده نيرة، وهو عندما قام مراد بـ طلب يد رغد.
وبعد ذلك تطرق إلى متابعة ما حدث بعدها لـ فريدة التي ظهر على وجهها الحماس أن تعرف بقية التفاصيل.
تمسك بمرآة صغيرة للغاية، وترفعها بيديها لترى وجهها الصغير والطفولي التي تكاد تظهره.
ثم سمعت طرق الباب فألقت المرآة على الفراش وتحركت وفتحت الباب، لينفرج عن ثغرها ابتسامة مشرقة حين رأته أمامها يحمل باقة زهور ملونة وهو يخفي وجهه ورآها.
فتسمعه يقول بصوت جعله مختلفًا: حضرتك الورد دة وصلك من واحد عاشق، يا تقبليه يا ترفضيه، اختاري بسرعة!
خطفته من يده بسرعة واحتضنت الباقة، فضحك هو لتصرفها الطفولي، ليدلف للداخل ويغلق الباب، فيهمس بصوت يكسوه الشوق: امتى بقا تبقي مراتي وف بيتي!
مش عارف أنا الأيام واقفة ليه بعد ما كانت بتجري بسرعة!
قال مستنكرًا بسخرية، لتضحك هي فيتبسم لها ويسألها: كنتي بتعملي إيه؟
: ببص ف المراية.
أجابت بعفوية، ليتصنع الاندهاش: معقول؟ وشوفتي إيه؟ أكيد شوفتي قمر طبعاً!
ضحكت ساخرة: لا يخويا مشوفتش قمر، شوفت فسفوسة طالعة ف خدي أهي!
انكمش وجهها بطفولية وهي تشير إلى بقعة حمراء بارزة في وجنتها.
ليضحك هو فيقول مازحًا وهو يداعب وجنتها: والله ما حد فسفوس إلا انتي...
لينتبه لشيء: ثانية واحدة، انتي قولتي أخويا؟ انا أخوكي؟
استنكر وهو يرفع أحد حاجبيه، فتقترب منه وتحاوط عنقه، لتهمس بنعومة ودلال: انت أخويا، وأبويا، وكل حاجة ليا.
حمحم من قربها المربك له ليردف وهو يبعدها بلطف: طب ما تيجي تعيشي عندنا، بدل ما أنا متشحطط كدة!
وأهو أبقى أبوكي وكل حاجة لغاية ما نتجوز!
قال مشاكسًا وهو يغمز بعينه، فترد عليه بعفوية: لا أنا مش حابة أقيم في بيتك غير لما أبقى على ذمتك.
هاودها وهو يتلمس وجنتها بحنو: اللي يريحك، يا قمر.
طال الصمت قليلًا بينهما وهما يتأملان ببعضهما بتيهان، إلى أن قطع تلك النظرات والصمت، صوت رنين جوال مراد.
أخرج الهاتف ليجد عماد المتصل، ثم ضغط ع زر الرد.
: ارغي!
ليستمع إلى هتافه: اللوا سميح طالبك حالًا، في اجتماع ضروري ولازم تكون حاضر.
زفر مراد ثم قال: نص ساعة وأكون ف الجهاز.
ليغلق الخط ثم تتساءل رغد عندما وجدت ملامحه تغيرت: في حاجة يا مراد؟
رفع ببصره نحوها وأردف: الظاهر في حاجة حصلت، همشي وهبقى أكلمك!
غادر مراد سريعًا واتجه نحو جهاز المخابرات، ليصل ف غضون نصف ساعة أو أكثر، طوال الطريق يتساءل في نفسه عن سبب الإجتماع المفاجئ هذا.
ليدلف إلى المصعد ويضغط على رقم الطابق الذي يقصده، ثم يقف بعد أن بلغ الدور، ويترجل منه بعد ذلك، ويسير نحو غرفة الإجتماعات ويدلف إليها.
فيجد مجموعة من الضباط يجلسون حول طاولة مستطيلة، من بينهم تميم ومحمد عاطي، وزملاءه القدامى، وعلى رأسهم اللواء سميح.
أعطى مراد التحية العسكرية ثم جلس معهم.
ليبدأ اللواء سميح بالتكلم فيقول بعملية: طبعًا انتوا مستغربين أنا جمعتكم بالسرعة دي ليه؟ بس حصلت حاجة ف قضية "شمس" خلتنا نجمعكم ونقولكم على الإجراءات الأمنية المشددة اللي اتاخدت ضده!
تعجب مراد فسأل: حصل إيه يا فندم!
عاد اللواء سميح برأسه نحو مراد فأجاب: في معلومات وصلتنا إن في جاسوس وسطنا متعاون مع جماعة شمس الإرهابية، وناوين يهربوه!
اعتلت صوت همهمات وعلامات الدهشة صعدت إلى وجوههم، لينهض مراد ويهدر وهو يعقد حاجبيه: جاسوس؟ ومين اللي ممكن يعمل كدة؟
: لغاية دلوقتي مفيش حاجة ظاهرة، وعشان كدة عملنا خطة مدروسة؛ حرصًا على تسليمه للسجن المشدد.
سار اللواء باتجاه منضدة فوقها بعض المستندات والأوراق، ثم التقط مرفقًا لونه أخضر وعاد به ليضعه على الطاولة، ثم يخرج منه ظرفًا أحمر ويرفعه.
: الظرف دة فيه الخطة بالكامل، وكمان رمز أمني يقدر يدخلك على موقع كشف المعلومات اللي حطناها، يعني ازاي هيخرج شمس، ومنين، والطريق اللي هيمشي فيه، مع مجموعة من الظباط والأمناء المُختارين.
والرمز دة مش هيبقى غير مع واحد منكم بس، واللي أنا اخترته وهو... مراد.
قال وهو يمد بساعده له، لينظر مراد إلى الظرف ثم إلى اللواء الذي هز برأسه لكي يستمله.
تطلع معظمهم إلى بعضهم بعضًا وعلى وجوههم أسئلة كثيرة تغني عن التحدث.
كون أن مراد ليس الضابط القائد، بل يوجد من هم أكثر خبرة منه، لكنهم على معرفة تامة بأن اللواء سميح يثق به ثقة عمياء.
لكن قام واحدًا منهم ليردف مستهجنًا: واشمعنى بقا مراد هو اللي يستلمه! ما فيه العقيد حامد مثلاً؟ مش هو القائد؟ أو المقدم صهيب!
: أو انت مثلاً؟
انتبه الجميع على عاطي الذي وقف وهتف ساخرًا، فيردف مؤكدًا: مش دة اللي عايز توصله يا عبسلام؟
ليزم "وليد عبد السلام" فمه بحنق وينظر له بسخط ثم يقول ببرود: لا يا حضرة الظابط مش دة قصدي، ثم إني موجهتش ليك كلمة!
ليرفع بشفتيه العلوية وينظر له مستهجنًا بسخرية: هو انت فاكر نفسك فـ حضانة؟ ما تكبر يابني!
حدج بعينيه، ليصيح به والدماء تحتقن وجهه: اتلم يا عاطي، ولا عشان هو صاحبك يعني؟
كانت ستحدث بينهما مشاجرة لولا أن منعهم صوت ضرب اللواء سميح على الطاولة بقوة، ويصيح بهما بحدة: اخرسوا انتوا الاتنين, فاكرين نفسكم ف الشارع!!!!
: شوية أوباش!
ليتطلعوا إلى تميم الذي قام فجأة وزعق فيهما.
عقد حاجبيه وهو يحدق بهما بشراسة، ويتابع بصوت مرتفع وهو يشير إليهم: اقعد ياض منك له .. ماحدش مالي عينيكم ولا إيه؟ طب احترموا وجودي يا جزم مقطوعة...
فيشزره اللواء بطرف عينه، ثم يحمحم تميم ويتابع مصححًا بهدوء: قصدي يعني احترموا الراجل الكُّبرة اللي واقف معانا دة .. قال ظباط قال، عليا النعمة ظباط إيقاع!
همس بها، ثم حدج إلى وليد بطريقة مضحكة شبيهة لطريقة عادل إمام، ثم جلس بجوار عاطي الذي حرك فمه ليهمس له ساخرًا: ولما احنا ظباط إيقاع، انت الرقاصة اللي وصلت متأخر؟
اندفع بوجهه نحوه وهو يجحظ عينيه، فتتسع ابتسامة عاطي الصفراء.
فيهتف اللواء وهو يعطي المرفق لـ مراد: اتفضل يا مراد، وربنا معاك يا بطل.
ضغط اللواء على آخر الكلمة المشجعة وهو يتطلع إلى وليد الذي عصره الغيظ.
ليستلم مراد الظرف وينتبه على تميم وعاطي اللذان افترّت ثغورهم عن ابتسامات مشاكسة.
انتهى الإجتماع ثم خرج الجميع من الحجرة ليسأل تميم مراد متعجبًا: هو انت ليه مردتش على أخينا اللي جوة دة؟
ليجيب مراد بثقة: أصلي متعودتش أهدر وقتي ف الكلام مع عقول ناقصة، وبعدين الرغي دة بتاع الحريم مش لينا!
قال متطلعًا في حدقتي وليد بنظرة ثاقبة، ليضع تمتم يده فوق موضع قلبه ويتصنع الألم: استنى كدة، عشان القذيفة كانت هتخبط فيا وهي رايحة لهدفها!
قهقه عاطي وبعض الزملاء، ليقبض وليد على راحة يده بقوة وهو يصطك على فكيه بحنق، ثم ذهب من أمامهم قبل أن يرتكب حماقة وينفجر بهم.
ارتدى مراد نظارته الشمسية ثم تحرك مع أصدقائه متوجهين خارج الجهاز، ثم صعدوا إلى سياراتهم وانطلقوا حيث يودون.
عاد مراد من ماضيه وذكرياته التي اختلطت مع حاضره، ليأخذ هنيهة من الوقت، ورغم صعوبة الموقف والجروح التي انفتحت من جديد تزمانًا مع نزيف روحه، إلا أنه استطرد قائلًا بصوت مختنق: خدت الظرف واحتفظت بيه معايا، لغاية ما جه معاد نقل الإرهابي "شمس" للسجن، و...
ارتد إلى حيث تلك النقطة، وهو يمسك بجهاز الإرسال، يسير خارج أحد المواقع ويهتف به: دقيقتين بالظبط وتخرجوا بالهدف المطلوب تأمينه، استعدوا.
أعطى إشارة ثم استمع إلى الإجابة: علم وينفذ .. على وشك الانطلاق متوجهين إلى تسليم الهدف.
ليصعد إلى عربته ثم انطلق متوجهًا صوب جهاز المخابرات.
استمع إلى رنين هاتفه الشخصي ليجد رغد المتصلة، ألغى اتصالها فعاودت الاتصال مجددًا وأيضًا لم يجيب بل قام بإغلاق هاتفه كليًا.
من طابعه الشخصي أنه لا يرد على مكالمات شخصية أثناء ممارسة مهامه؛ حتى لا يشوش هذا على عمله، فهو شخص نزيه ضميره يقظ دائمًا، حرصًا منه على القيام بواجباته الوطنية على أكمل وجه.
كان سيبعث لها رسالة لكن الضغط الذي يعيشه في تلك اللحظات جعله مضطربًا.
وصل إلى المبنى بعد وقت بسيط ودلف إلى داخل الجهاز ليجد حشد من الضباط متجمهرون حول بعضهم وعلامات الذهول احتلت وجوههم.
ليراه عماد ويركض إليه هاتفًا بهلع: إلحق يا مراد باشا، حصلت كارثة!
ليندفع مراد متسائلًا بذعر: كارثة إيه؟
انتبه إليه ثم يقترب منه والشر يغزو قلبه صوبه، وعلامات الشماتة تستقر حدقتيه، فيصيح وليد عاليًا حتى يجذب انتباه الجميع: فيه إن القوات الأمنية اللي رايحة تنقل شمس، اتهاجمت من مجهولين وخلصوا على معظم العساكر والظباط اللي معاه، وهو هرب!!!!
جحظت عيني مراد في ذهول تام، لم يصدق ما يسمع، ليهمس بتيهان: ازاي الكلام دة؟
هتف بصوت أجش ونبرة تكمن في طيها الاتهام: إسأل نفسك يا حضرة الظابط.
ليرفع ببصره نحوه مندفعًا وهو يشتم رائحة غير مريحة، فيهدر متسائلًا: تقصد إيه؟
: أقصد إنك بعت الرمز يا خاين.
صاح وليد بقوة، لتجحظ أعين بقية الزملاء بسبب هذا الاتهام الصريح من وليد وضد من؟ مراد الحديد؟
اصطك على فكيه بقوة ومقلتيه ينضحان وهيج نارية، ثم هجم عليه بلا وعي وعروقه المنتفخة تنفر من رقبته، وأمسكه من حلقه بكف يده ويصرخ به بصوت مخيف.
: انت بتتهمني انا يا زبالة يا واطي!
ليهرع عليهم الضباط ويحاولون فض النزاع بينهم، وإفلاته من يد مراد الحديدية التي تقبض عليه كالكماشة، حتى احتقنت الدماء بوجه وليد مختنقًا.
حاوط تميم خصر مراد من الخلف حتى يبعده عنه، وآخرون قد أمسكوا معصمه كي يرخيه عن رقبة وليد الذي ثوانٍ بسيطة وستنتقل روحه إلى الأعلى.
وبعد محاولات شاقة من الجميع، أبعدوا وليد عن مراد حيث أنه قد لغى عقله تمامًا فور سماع تلك التهمة الشنعاء من هذا الأخرق.
من الممكن التغاضي عن جميع الأخطاء، لكن أن يُتهم بالخيانة؟ كلا لن يسمح لأحد أن يوجه له مثل هذه التهم الحقيرة، سحقًا إنها وصمة عار على الجبين وهو ليس خائنًا.
ليس خائنًا، ولن يكون!
يجلس مستندًا بظهره على أحد المقاعد، ويضع كفتيه على وجهه بجزع، أمام منضدة مكتب اللواء سميح الذي نهض وتحرك ببطء يجلس قباله ليقول بنبرة أسى وضعف.
: أنا عارف إنك مضايق عشان الهجوم اللي حصل لقوات الحماية، واللي راح ضحيتها أمناء وظباط شرطة، بس دة مش ذنبك!
: أمال ذنب مين يا فندم، ذنب مين!!
قال بتأنيب ضمير، ثم أردف: كان لازم أكون مع عربية الترحيل الوهمية، أنا مش عارف إزاي قدروا يقتحموا الموقع بعد كل الأمن المشدد دة، ناس كتير راحت ضحية... وبسببي.
لينهض اللواء مندفعًا: بلاش تحمل نفسك فوق طاقتها يا مراد، اللي حصل دة مش ذنب حد، احنا كنا واخدين احتياطاتنا كويس، لكن هم اللي خالفوا كل توقعاتنا، وفجروا عربيات الشرطة من غير ذرة ضمير، دة غير إنهم لما اكتشفوا إن شمس مش ف عربية الترحيل وقبل ما وحدة التدخل السريع تاخد خبر كانوا هربوا الجبنا ومش سايبين وراهم أي أثر!
ليضع يده على منكبه فيقول بهدوء: مراد، احنا لغاية دلوقتي ما اكتشفناش مين الخاين اللي ف وسطنا!
وبعد مرور يوم صعب وشاق على مراد، وبرغم نجاح الخطة البديلة التي وضعها مراد مع اللواء سميح، عندما اكتشف أن شخصًا داخل الجهاز يشي بهم ويعمل لصالح الأعداء.
فلقد ذهب مراد إلى اللواء سميح ذات ليلة واتفق معه على خطة وهمية أمام الجميع حتى يبرزوا الخائن العميل من وسطهم، وأيضًا ترحيل شمس للسجن المشدد بأمان.
وهي أن يجمعهم اللواء ليصارحهم بأنه على علمه بالخائن، وبخطتهم الدنيئة في تهريب شمس، فيوهم الجميع بالرمز الخاص بالخطة الوهمية، والتي بها كل المعلومات عن عربة الترحيل المموهة والتي ليس بداخلها شمس، فأعطاها لمراد، لتشتيت انتباه العدو ويجعله يفعل خطأ بسيط يكشفه وهو يحاول اكتشاف الرمز لمعرفة الطريق الذي سيسلكوه فيساعدهم في تهريب ذلك الإرهابي الملعون.
لكن ما حدث اليوم غير متوقع بالمرة، ف الرمز كان بحوزة مراد ولا أحد اطلع عليه أبدًا، بل إلى اليوم كان يحتفظ به جيدًا، ولم يشك أيضًا بأحد، فكيف اكتشفوا طريق سيرهم، وهاجموا عربات الشرطة؟!!!! اللعنة رأسه ستنفجر.
وصل مراد بعد ذلك إلى مفترق القصة، إلى النقطة التي حولت حياته إلى جحيم.
وصل إلى بيت رغد ثم ترجل من عربته، فهو منذ الأمس لم يطمئن عليها.
طرق الباب بهدوء فلم تجيب، ليكتشف أن الباب مفتوح، ليعتريه القلق فيدلف بسرعة ليجد الغرفة خالية ليهتف باسمها مناديًا: رغـد، يا رغد انتي فين؟
لا يسمع لها حسًا، ارتعدت أوصاله وهو لا يعرف أين ذهبت، لينتبه على ورقة ملقاه على الفراش، فيلتقطها بسرعة ويقرأها.
«لو عايز السنيورة بتاعتك، تعالى خدها، بس هات شمس معاك وإلا قول عليها يا رحمن يا رحيم.»
وكأن ضربة وقعت على نصف رأسه شلت جسده، ليحاول أن يستجمع ويستوعب ما يحدث سريعًا، ضغط على الورقة التي بيده بغل وملامح وجهه أصبحت مخيفة.
ليركض هرعًا ويصعد عربته متوجهًا نحو العنوان الموجود بالورقة.
يقود عربته كالمجنون لا يفكر سوى بحبيبته التي خُطفت، خفقات قلبه بدأت بالاضطراب، كآبة عبرت فؤاده، وهو حتى الآن لا يعرف هل سيجدها هناك أم لا، شكوكه الوهمية تتسع فجوتها بعمق.
إلى أن بلغ ذلك العنوان بعد ساعتين تقريبًا، ليهبط من السيارة ومعه ذلك الإرهابي مكبل اليدين والقدمين، فأمسكه من كتفه ودفعه بقوة وهو يزعق به.
: يلا قدامي يا زبالة.
ليدخل بهو واسع شبيه بمرآب السيارات ولكنه ذو مداخل وطرق متعددة، فيصيح بصوت أجش وهو يطوف بعينيه بالمكان.
: أنا جيت وجبت شمس معايا، انتو فين؟
ليخرج شخصًا يعرفه تمام المعرفة، شخصًا لم يتوقع أنه الخائن.
لتجحظ عيناه بذهول، فيهمس هدرًا: حامد بيه؟ هو انت؟
توسعت ابتسامة جانبية على ثغره: مفاجأة مش كدة؟
ليخرج مراد سلاحه بسرعة ويسحب أجزائه، ويصوب نحو شمس، فيشير للحراس أن يتأهبوا، ثم يمسك بـ شعر رغد، ووجه المسدس نحو رأسها، لتصرخ هي بهلع.
لتتسع عيني مراد ذعرًا مما رأى، تسمر بمكانه وشعر بتجمد في أطرافه.
فيستمع لتهديد المقدم حامد: نزل سلاحك يا مراد وإلا فجرت دماغها!
تطلع إلى وجه رغد الباكي وملامح الرهبة والخوف تعتريها.
ليهبط مسدسه عن شمس ببطء وقلة حيلة.
فهتف له: أيوة كدة خليك عاقل! سيبه يقرب بقا.
حرك شمس رأسه نحو مراد الذي تجمد الدم في عروقه وينظر بلا استيعاب، ليرسم شمس ابتسامة صفراء ماكرة.
ثم يعود مراد برأسه ويهتف بصرامة: سيب رغد يا حامد وأنا أسيبلك شمس!
أحس حامد أنه في مأذق وحصار ثم قال من بين أسنانه: ماشي.
ثم يبدأ شمس بالسير ببطء وبالمقابل رغد الذي تركها حامد لتذهب إلى مراد.
حدقتيه عليها تمر الثواني ببطء شديد، يشجع خطواتها في نفسه بخوف.
فتسير هي في مسارها بجسد مرتجف، وقدما مضطربة لتأتي عند المنتصف بجوار الآخر.
ليدفعها بيده على جانبًا فتنزل هي ساقطة أرضًا ليصرخ مراد بصوت هز أرجاء المكان.
: رغـــد...!
ليبدأ تبادل إطلاق النار من الطرفين، فيحاول شمس الهرب لكن مراد الذي اختبأ خلف أحد الأعمدة أطلق رصاصة استقرت في ساقه فعرقلته ووقع أرضًا.
ليعود برأسه إلى رغد التي كانت قريبة منه لكنها منكمشة في نفسها بسبب الهلع الذي أصابها، ليركض إليها بسرعة ويرفعها بسرعة عن الأرض ويحتضنها، ويهمس بحنو: متخافيش يا قلبي، أنا معاكي.
حاوطته بذراعيها بقوة، فيشعر برعشة بدنها، فيمسد على ظهرها بلطف، ثم يسير في هرولة حتى يتفادى ضرب النار.
بعث رسالة لعماد بأن يأتي بفرقة الانقاذ فورًا.
وضع رغد بمكان آمن وهمس لها محذرًا: خليكي هنا وإياكي تتحركي يا رغد سامعاني!
أومأت برأسها باضطراب ثم هرع هو مسرعًا، حينما رأى شمس يحاول الهرب، فرفع بمسدسه وقفز بمهارة ليطلق النار على الوغد اللعين برصاصة أنهت حياته.
في تلك اللحظة رآه حامد لتصعد الدماء إلى وجهه، وبينما مراد مشغول ف الاشتباك مع الحراس، قد لاحظ رغد تسير خلسة وتبتعد عن مكانها، ليهرول بسرعة وهو ممسك السلاح ويصوب اتجاهها بحزم.
لينتبه مراد عليه فينطلق بصرخة صدعت كيانه: حاااااااسبي يا رغـــد!
لتستقر رصاصة الغدر في صدرها، فيقف الوقت عندئذ، وكل شئ من حول مراد قد تحول إلى السكون.
رواية ظل السحاب الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم آية حسن
هذيان! ما يراه ليس إلا مجرد هاجس. كابوسًا وحشيًا عبر إلى عقله. بالتأكيد هو كذلك وسيفيق بعد لحظات. سيجدها بالقرب منه توقظه من هذا الجاثوم الذي شل بدنه عن الحركة، وعقل لسانه وقلبه.
لكن... مرت ثانية وراء الأخرى ينتظر هزة منها، تجعله يعي ويعود لواقعه فضلًا عن الكابوس المرعب الذي يعيشه هذا. لكن لا جدوى، هي أمامه يحدق بها بلا استيعاب، مطروحة أرضًا كالجثة الهامدة. جسدها الذي تلطخ بدمائها المُراقة.
كل هذا يجعله يقاوم عقله بقوة أن يفيق من حالة تيبسه، كي يلحق بها. هي لم تمت، فقط هي تحتاج إليه لتنهض.
انتشل نفسه من تجمده، ليهرول إليها مسرعًا ويحاول رفع رأسها برفق عن الأرض. فهمس بنبرة متقطعة وضربات قلبه تكاد تكسر عظام صدره وهو يمسك برسغها:
"ر... غـ... د"
مرر راحة يده فوق جبهتها بحنو، يزيل بعض الخصلات عن وجهها الذي سيطر عليه الشحوب. ترقرت عيناه من حالة السكون المؤلمة وهي بين يديه. حنايا روحه بدأت تتبعثر، وسيسقط جسده منهارًا بجوارها.
إذ فجأة يشعر بنبض عرقها يتحرك في كفه، فتشب الفرحة قلبه من جديد، وتبدأ روحه بالمقاومة. همس متلهفًا بصوت يحمل الأمل:
"رغد، انتي سمعاني يا قلبي؟"
ليرى جفنيها يتحركا ببطء شديد ثم تبدأ بالرمش بأهدابها، ويستمع إلى تأوهها الضعيف، ثم تهمس باسمه بإعياء:
"مراد..."
فيمنعها أن تتحدث بصوت شجن مرتجف:
"متتكلميش، أنا هتصل بالإسعاف فورًا."
أخرج هاتفه بيد مرتعشة وقبل أن يضغط على زر الاتصال، وجد ذراعًا يلتف حول عنقه بقوة ويسحبه للخلف، فتقع رأس رغد على الأرض الذي كان يسندها مراد على فخذه.
يضغط حامد على أسنانه بغل وهو قبض ذراعه على رقبة مراد الذي بدا على وجهه الاختناق. يمسك بساعد حامد يشدها حتى يوسع قبضته عنه وهو يفرك بقدميه على الأرض. إلى أن استجمع شجاعته ورفع بقدمه ليضربه في وجهه بضربة قوية دفعته للخلف.
يسعل مراد دون توقف في محاولة لتنظيم أنفاسه، ثم نهض بإنهاك بصدره الذي يعلو ويهبط، ينظر إلى حامد بأعين تفيض من النار. تزامنًا مع تطلعات شر حامد، ليهجم الاثنان على بعضهما.
لكن مراد كان قويًا كفاية حتى يحمله بذراعيه الفولاذية للأعلى، ثم يرمي به أرضًا بقوة فصرخ متألمًا. لم يكتف مراد بل كمش على رقبته بعنف، ثم أخذ يسحبه زحفًا على الأرض بظهره وضرب رأسه بعمود.
إنه من أصاب حبيبته برصاصة كادت تودي بحياتها. ليمسكه من تلابيبه ورفعه ثم بدأ يضرب وجهه بلكمات قوية، وقد اختفت ملامحه كليًا من الدماء الكثيفة. حاول حامد أن يقاوم ضربات مراد لكن أصبح جسده وقوته خارةً.
ليتركه مراد والدماء تغلي بعروقه كاللهيب. ثم يجوب المكان بحثًا عن شيئًا، فيجد حديدة ملقاة على الأرض. تحرك صوبها ثم مال بجذعه والتقطها، فعاد مرة أخرى إلى حامد وانقض عليه بضربات كمن يجلده، تحت صرخات من حامد.
ليتوسله ببكاء أن يرحمه:
"أرجوك كفاية، انت مش هتستفاد لما تموتني."
لم يكف أو يستمع إليه، هاج دمه وهو يرى مشهد إطلاقه النار عليها. ودون إدراك قد غرز طرف الحديدة بحلقه لتخترق لحم رقبته على الفور. دفعه بالحديدة حتى سقط ميتًا.
وقبل أن يلتف مراد لرغد كي يأخذها إلى المشفى... ضربة قوية قد هبطت على خلفية رأسه، ليضع يديه تلقائيًا عليها. التفت ببطء حتى يرى الفاعل، لكن قد تشوشت الرؤية عن بصره، ليغلق جفنيه بقوة ثم فتحهما ولم يرى سوى وجه شخص لأقل من الثانية بتذبذب، ثم تتحول تلك الغشاوة إلى ظلام معتم يسقط إثرها مغشيًا عليه.
بعد وقت قصير كان أم طويل، يجلس على مقعد مكبل بإحكام. ينكس وجهه لأسفل، تظهر بعض الدماء الخاثرة متجمدة على خلفية رأسه وعنقه. يُقذف عليه دلو من الماء البارد يوقظه من إغماءه وهو يشهق بقوة.
"فوق يا حضرة الظابط."
ظل لوهلة ثم بدأ يرفع رأسه بضعف ليكمش وجهه وهو يحاول رؤية شخصًا ملثمًا يقف أمامه، فيهمس متسائلًا بتعب:
"انت مين؟ وعايز إيه؟"
ليجيب بصوت غليظ يفوح منه الغموض والشر:
"أنا قدرك الجحيمي. انت خلصت على شمس وحامد، جه دورك دلوقتي... هاتوها."
صرخ آمرًا بشراسة، ليرى مراد رجلين يخرجان من مكان ما، ممسكين بـ رغد التي بين يديهم كقطعة هلامية ضعيفة، تقاوم ألمها. ليرموها أرضًا فيصيح:
"رغــد... انتوا هتعملوا فيها إيه؟"
صرخ بذعر وهو يفرك بيديه محاولًا فك أسره، ليقترب الملثم منه ويهمس بصوت فحيح الأفعى:
"هموتك بالبطيء... كبوا الجاز عليها."
هتف لتضطرب ملامح مراد بهول وهو يرى أحد الرجال يقترب بدلو الزيت نحوها ثم يسكبه عليها. هز رأسه بجنون وعلامات الخوف تحيط به.
ليتركه الشخص الملثم ويسير صوب رغد، ليقف بجوار جسدها. شمر أكمام ثوبه فيظهر الوشم على ذراعه، ثم أخرج علبة ثقاب من جيبه، وأمسك بأحد الأعواد وحكها بالعلبة لتشتعل، وكل هذا تحت نظرات مراد الهالعة.
"ابعد عنها، لأاااا، سيبها، لو قربت منها هولع فيك، هقطع من جتتك نساير."
ظل يصرخ بهستيريا وهو يضرب بقدمه أرضًا ويحاول أن يقترب بالمقعد الذي يجلس عليه مكتوفي اليدين وهو يرى عشقه الأول يحاوطه الخطر، يعجز عن إنقاذها. اللعنة على هذا العجز وقلة الحيلة اللذان حاصراه رغمًا عنه. انتشر الفزع والرعب في قلبه وجميع أوصاله ارتعدت.
ومع محاولته لتحرير نفسه من الأحبال قد وقف بالمقعد مقامًا ذلك التكتف، وسار مهرولًا بقدر أمكانه يضربه بأحد الأعمدة حتى كسره. جحظت أعين المجرمين الأشرار مما فعل لتوه، وما أن اندفع برأسه، بوجه محمر بشدة، ومقلتين يفر الشرار منهما تكاد تقتلهم في مكانهم رعبًا.
فيحرك ساقيه بسرعة لإنقاذ محبوبته والفتك بهؤلاء الأوغاد. لكن حركة الملثم كانت أسرع بكثير منه وهو يسحب مسدسه، ليرفعه صوب مراد ويضغط على الزناد فتنطلق منه رصاصة تمر ببطن مراد.
جعلته يفقد اتزانه ويقع جاثيًا على ركبتيه متألمًا. مرر يده على الدم الذي سال فورًا، ثم رفع ببصره إليه بحدقتين يكسوها وهيج بركاني، وبجسد تلبسته الشياطين. لينبض وهو يقاوم ذلك الألم الذي أصابه لتوه، ليس أقوى من السهم الذي لحق بقلبه منذ أن علم بخطف رغد إلى أن أصبحت تحت رحمة هؤلاء.
أصر على النهوض ثم تحرك بشكل ملتوي صوبهم وهو يضغط على جرحه. ليصوب الملثم سلاحه نحوه ويهتف مهددًا:
"خليك مكانك يا حضرة الظابط وإلا... الرصاصة الثانية هتكون ف قلبك!"
قال حازمًا، لكن مراد لم يعبأ واستمر في مساره، ليشير الملثم لرجاله برأسه، فيهموا مسرعين إليه ليتشابكوا معه، ويمنعوه من التقرب من رغد أو الملثم. ليهجم الحراس عليه وأحدًا منهم لكزه بلكمة قوية في مكان الطلقة، فيهدر بصرخة ضعيفة حاول أن يكتمها قبل أن تنطلق وتصدح.
ثم أمسك بذراع الشخص الذي لكمه وقام بلويه حتى ارتمى متألمًا، وبدأ الالتحام بينه وبين بقية الرجال، يلكم هذا ويضرب الآخر، ليحاول ثلاثة منهم أن يعجزوا حركة مراد. فانضم بعضهم البعض وحاوطوه بذراعيهم، لكن كان يقاوم ويضرب بقدمه ورأسه.
وعندما أحس الملثم أن مراد سيتغلب عليهم، غلت الدماء بداخله والغضب اشتعل برأسه، فقام برفع سلاحه ضده وأطلق عليه النار دون تفكير، لتستقر الرصاصة داخل صدره. ليتفرق الرجال من حوله ويقع مراد بسقوطًا حرًا. خده ملتصق بالأرض يتطلع نحو رغد التي لا تحرك ساكناً.
يمد ساعده لها لا يريد أن يفقدها يجبر نفسه على القيام لكنه تلك المرة عجز تمامًا عن القيام، وهو يرى الملثم يشعل عود الثقاب مرة ثانية وينوي على فعل شئ جعل قلبه يعزف لحنًا شجن. ثم بدأ مراد بغلق جفنيه بضعف رغمًا عنه.
ويفتحها بإعياء شديد مرة أخرى ليجد النار تضرم في جسد رغد ببصره المشوش تمامًا، فتهبط الدموع من عيناه ببطء ثم يغفى عن الدنيا إلى عالم آخر معتم.
***
ليرتد مراد إلى حاضره تاركًا العقل الباطن يغلق ماضيه وذكرياته المؤلمة بلحن كئيب يتسلل فؤاده عند انتهائه من آخر شيء حكاه وكأنه يرى المشهد من جديد أمامه. أغلق جفنيه بقوة محاولًا كبح الجروح التي بدأت بالنزيف مجددًا وتحرق روحه.
تتطلع إليه بأعين تفيض من الدمع، حزنًا على ذلك الحبيب الذي عانى كثيرًا حتى أصبح الحجر ألين منه. الآن لقد عذرته في كل مرة كان يعاملها بسوء عند تدخلها بحياته. لديه كل الحق، لا أحد يمكن أن يكون بموقفه ويصمد كل تلك السنوات. كان يجب أن ينهار ويستسلم للواقع المرير الذي أفزعه دون إنذار.
لتضع أناملها الصغيرة على كتفه بحنو، وتهمس بصوت خافت متقطع:
"كنت حاسة إن انت شايل كتير جواك، كنت حاسة إنك عشت أسوأ فترة في حياتك، كان قلبي بيقوللي دايمًا إنك هتيجي وتحكي وتفضي اللي جواك ليا وأنت مطمن، بس عمري ما توقعت أبدًا إنك اللي هتحكيه هيكون بالقسوة والشر ده. انت إنسان قوي إنك قدرت تستحمل المرار اللي اتغرزت فيه غصب عنك. جبل، مقدرتش توقعك كمية العواصف اللي خبطتك. أه انت اتهزيت من جواك، وأه قلبك حس بزلزلة قوية بس لسة واقف زي ما أنت على رجلك، لسة ماحدش قدر يدمرك أو يهدك. ارجع تاني يا مراد، ارجع للدنيا واضحك لها من جديد عشان هي كمان تضحك لك، أوعدني إنك تخليني أداوي جروحك كلها، أمحي لك كل الآلام والمعاناة اللي عشتها وسمحت لها تبقى جزء كبير من حياتك. سيبني أنا أطردها وأحط لك ذكريات جميلة تخلدها!"
عاد برأسه إليها وعلى وجهه علامات الاندهاش، لم يصدق أنها بعد كل هذا تصر على أن تقف بجانبه ولا تتركه. لتهتف متسائلة ببسمة صافية:
"مالك بتبصلي كده ليه؟"
أجاب وهو يتطلع إليها بنظرات غامضة:
"انتي فريدة أوي فعلاً، وغريبة برضه."
عضت على شفتيها السفلية بخجل وهي تحاول فهم المغزى وراء قوله. ليحمحم هو عندما شعر بربكة من تلك النظرة الملوعة له، وقبل أن ينطق صدح صوت رنين جوالها، لتضرب على وجنتها بدهشة وتهتف:
"يا ليلة مربربة أبويا بيتصل بيا، أكيد عرف إني مش في البيت!"
رفعت بصرها نحوه بلون مصفر بادي على تقاطيعها الهادئة، ليطمئنها مراد بعينيه ويده تربت على كتفها:
"متخافيش، أنا هاجي معاكي."
أدار سيارته وعاد للخلف بها يخرج من الزقاق ثم ينطلق متوجًا إلى منزلها. لم يقصد أن يؤخرها كل هذا الوقت، ولكن كان يجب أن يتكلم وأن يخرج ما يكنه وإلا انفجرت رأسه بسبب الكبت المخزن لأيام عدة منذ أن بدأت فريدة بالتدخل في شؤونه الخاصة لكنه كان يكابر.
وصل مراد أمام البيت ثم ترجل من السيارة وصعدا درجات السلم البسيطة وقبل أن تقرع الباب لتجد هذا الذي يقف بوجه عابس منتفخ بشدة، والشرر يتطاير من عينيه. سحبها من معصمها فجأة وهو ينفجر بها بصوت غليظ:
"كنتي فين يا فريدة؟ وبتعملي إيه مع ده لغاية الساعة 4 ونص الفجر؟"
نظر لمراد بسخط والذي أغلق الباب حتى لا أحد يستمع للصوت المرتفع. ليهزها بقوة وهو يزعق:
"ردي عليا، إزاي خرجتي من ورايا!"
احتبست الحروف داخل حنجرتها ولا تدري بماذا تجيب. ليردف عز بنبرة شجن:
"عمري ما توقعت أبدًا إنك تستغفيني وتتسحبي من ورايا عشان تقابليه!"
ليفلت ذراعها وهو يقطب وجهه بحزن، فتقول بوجه باك:
"يا بابا والله حضرتك فاهم غلط."
ليصرخ بصوت أجش جعلها تنتفض:
"أمال إيه الصح؟ راجعة لي وش الصبح مع واحد وعايزاني مفهمكيش غلط؟"
صاح مستهجنًا بقلب منفطر وعينين دامعتين. لتبدأ شهقاتها ترتفع، وعبراتها الشجية تنهمر على وجنتيها بضعف.
لم يتحمل مراد تلك الدموع التي أصابت قلبه بجرح عميق ليهتف قائلًا بهدوء:
"اسمع يابو فريدة، أنا اللي طلبت منها تنزل تقابلني."
ليندفع نحوه وهو يهتف بصوت غليظ ونظرات احتقار:
"وليه؟ عايزها في إيه؟ أنا مش جيتلك واترجيتك تبعد عن طريقتها! مش حكيتلك اللي حصل وخلاني ابعد عن طريق نيرة؟ ليه بتجري وراها؟ عايز منها إيه تاني بعد ما ضربتها؟"
صاح سخطًا في آخر هدره، فتتعجب فريدة من حديثه، عن أي حكي يتحدث أبوها؟ وهل ذهب لمراد؟
تنهد مراد محاولًا ألا ينفعل، ثم قال بهدوء مزيف:
"أولاً أنا مش بجري وراها ومش عايز حاجة منها. ثانيًا يا ريت بلاش نبرة الكره اللي في صوتك دي، عشان أنت متأكد إني يستحيل أأذي فريدة ولا بأي طريقة، حتى لو كان لسة جوايا شك من ناحيتك. أنا عارف إني غلطت عشان نزلتها من البيت في وقت زي ده، بس الموضوع مكانش يحتمل أي تأجيل. مفيش داعي إنك تلومها وتحملها ذنب، لو عايز تتخانق مع حد قدامك أنا قول اللي عايزه."
تطلعت إليه فريدة بهيام، ولم تصدق ما سمعت لتوها إنه يدافع عنها أمام أبيها. ليتنهد عز ويهز رأسه مستنكرًا بيأس، فيقول وهو يعقد حاجبيه:
"ولما أنت مش في نيتك أذى ليها، مفكرتش في منظرها قدام الجيران، لو حد شافك وانت بتاخدها بالبيجامة البيت؟ لو أنت عندك أخت ترضالها واحد غريب يكلمها ويخليها تنزل تقابله؟"
ليقطب مراد تقاسيم وجهه بعبس كونه نعته بالغريب، فيجيب مراد وهو يضغط على راحة يده وأسنانه:
"لا طبعاً مرضاش، وبعدين أنا مش غريب."
اندفع عز قائلًا يضرب سطح يده:
"لا غريب، بالنسبالي أنا غريب!"
اندهشت فريدة من صراحة والدها فتهتف:
"بابا...!"
اندفع عز برأسه نحوها بعينين محدقة، فيتمتم من بين أسنانه:
"اسكتي انتي!"
ليعود برأسه إلى مراد الذي بعد قليل سيفقد سيطرته، فيقول:
"اسمع يابني، أنا فريدة بنتي دي أغلى حاجة في حياتي، وهي اللي فضلت لي من الدنيا بعد ما الحبايب كلهم راحوا، يا ريت يعني متحاولش تقرب منها تاني، أنت عارف دي سمعة بنت!"
بنبرة باكية وهي تتوسله:
"بابا أرجوك!"
ليقترب مراد من عز بنظرة خارقة ويهمس له بنبرة أخافت فريدة:
"انت دلوقتي مضايق عشان قابلت بنتك من وراك وده حقك، طب زمان لما كنت بتحب نيرة وكنت برضو بتقابلها من ورا أهلها، مخوفتش على سمعتها ليه؟"
اتسعت حدقتي عز وشعر ببرودة في جسمه ثم هدر بعبس:
"بس أنا عمري ما فكرت أمس سمعة نيرة بحاجة وحشة، وكنت ناوي آخد خطوة، وعشان سمعتها أنا اتخليت عن حبي!"
"وهربت! لكن أنا طلعت مع فريدة عشان ما أسيبهاش هي في وش المدفع."
قال مراد بنبرة ذات مغزى قوي، ثم همس عز مستنكرًا بتأفف:
"انت بتقارن رجوعك بفريدة متأخر، بهجراني لنيرة؟"
"لا أنا مش بقارن، أنا بس بقولك إني مبحاولش أتقرب لفريدة عشان انتقام أو غيره، وإذا كنت معتبرني غريب فانت كنت غريب برضو!"
كانت نبرته مخلوطة بلغز غريب لا يقدر عز على فهمه، فيردف مراد بعد أن استمع لتكبيرات المؤذن وردد في نفسه ألفاظ الآذان:
"تصبحوا على خير، الفجر وجب."
التفت مراد مغادرًا لتتحرك فريدة خلفه، ثم استدار بجسده قليلاً ليعطيها ابتسامة جذابة افترت ثغره، ثم راقبته وهو يصعد عربته وينطلق بها ذاهبًا. لتغلق الباب وتدلف فتجد أباها ينظر لها بعبس واستياء، وقبل أن يعطيها فرصة للتحدث، أشار إليها بنفور:
"روحي نامي عينيكي وارمة من السهر."
أشاح بوجهه ثم أعطته قبلة سريعة على وجنته وذهبت مسرعة إلى حجرتها.
__________
"أخبار الشغل في الموقع إيه؟"
سأل مراد، عماد الذي يتفحص بعض الأوراق أمامه، فأجاب:
"عالي، ده حتى ابن عمك راح مع العمال، وحقيقي شغال بضمير، اللي مش عارف جابه منين ده!"
اندفع مراد ناصبًا جذعه العلوي وهو يرمق عماد بحدة:
"يعني إيه جابه منين؟"
حمحم:
"أقصد العيلة دي كلها غريبة، واضح إنهم مرضعوش من لبن الأم كويس!"
قال هاترًا ثم نهض مراد من مجلسه بتذمر:
"عماد بطل هبد، وروح على شغلك!"
وقف عماد وكاد يهم بالذهاب لكن أوقفه مراد:
"صحيح شوف لي منظم حفلات كويس عشان..."
قاطعه عماد باندهاش مرح:
"ما تقولش؟ هتعملنا حفلة وتجيب حمو بيكا؟ دي البت فاتن هتفرح قوي."
أضاق مراد عينيه وهو يزم شفتيه بحنق ثم أشار إليه بهدوء مزيف:
"شايف الباب ده؟"
تطلع عماد خلفه وأجاب ببلاهة:
"لأ."
هتف من بين أسنانه:
"اطلع برة يا عماد."
__________
"خير يا نيرة، طلبتيني ليه؟"
سأل عز بجفاء طفيف وهو ما زال يتذكر كلام مراد المقصود، فترد بصوت ناعم:
"فريدة حكت لي ع اللي حصل امبارح بينك وبين مراد."
ابتلع عز ريقه، وشعر بالاضطراب في ساقيه التي بدأت تهتز أسفل الطاولة. هل فريدة قالت لها على أنه يوجد سبب وراء انسحابه من العلاقة ماضيًا، ليسمعها تسأل باستياء:
"ليه يا عز مش عايز مراد وفريدة يقربوا من بعض؟"
تنفس الصعداء، ثم أجاب بهدوء:
"عشان ما ينفعش اللي عمله ابن أخوكي، وفريدة في حد اتكلم عليها."
قالت بإصرار:
"بس هي مش بتحبه ولا عايزاه. إزاي أنت تفرض عليها حاجة هي مش عايزاها؟؟"
سألت دون معرفة لما يفكر به عز، فهتف بغلظة:
"عشان خايف عليها يا نيرة. دي حتة مني، قلبها ناعم أوي مش هتتحمل جرح زي ده. أنا أب ومستحيل أشوف بنتي بتدخل بحر غويط قدامي وأسيبها تغرق."
همس شجيًا ثم أردف بنبرة تكاد تكون باكية:
"فريدة تبان قوية قدامك بس هي أضعف مما تتخيلي. أمها تعبت من وهي عندها 12 سنة، اتخلت عن طفولتها عشان تراعيها، كانت شايلة البيت كله ع حملها، حتى مدرستها يا نيرة مكملتش فيها ودخلت دبلوم لأنها مكانتش تلاقي وقت تذاكر، وأمي الله يرحمها مكانتش تقدر تخدمها، فاضطرت هي تشيل الهم بدري وتاخد بالها منهم هم الاتنين، من غير ما تشتكي ولا تتعب ولا تمل بالعكس دايمًا راسمة البسمة الجميلة على وشها، ومهما حصل معاها بتقول الحمد لله. بنتي مهما يحصل معاها من صعوبات، بتقدر تقوم وتكمل، وترجع تضحك ضحكة بترد روحي ليا، مش هتحمل أشوفها ضعيفة قصاد الحب اللي هياخد طاقتها كلها!"
لمعت عيني نيرة حزنًا، فهي لم تكن تعرف ما مرت به فريدة، فدائمًا كما يقول عز تضحك ولا تظهر الحزن أبدًا. يا له من محظوظ مراد، أن تكون تلك الغمامة بحياته تظله طول العمر.
وضعت راحة يدها فوق ظهر كفه بحنو، ثم تضغط بأناملها الرقيقة عليه، وتهمس بسكينة:
"اطمن يا عز، ومتخافش على فريدة، مراد يستحيل يأذيها أبدًا، مراد اتغير أوي من يوم ما فريدة دخلت حياته، صدقني هو أكتر حد ممكن تأمنه عليها. والخلاف اللي ما بينكم ده، مسيره في يوم يتمحي، وفريدة ملهاش علاقة باللي حصل زمان بيني أنا وأنت، وأكيد مراد متفهم ده! لو سمحت بلاش تضيعها بسبب خوفك عليها، سيبها هي تختار تعيش حياتها اللي نفسها فيها... أرجوك!"
همست بأعين مترقرقة ومتوسلة، ليغمض عز جفنيه متمنيًا أن ما تقوله نيرة هو الحقيقة، وألا تتعذب ابنته مثلما تعذب هو.
__________
بالمساء دخل مراد إلى غرفته القديمة واغلق الباب ثم جلس فوق الفراش وأمسك بـ إطار صورة رغد يتأمل ملامحها الصغيرة ثم هدر هامسًا:
"عمري ما كنت اتصور إن حد تاني غيرك يسكن بقلبي! حياتي وقفت من يوم ما بعدتي عن دنيتي، روحي اتحرقت معاكي."
قال وهو ينظر بعيدًا ثم عاد ببصره للصورة وتنهد:
"بس جات هي صاحبة أجمل نظرة وخطفتني."
أومأ برأسه وهو يضحك بوجع:
"أيوة يا رغد عشقتها، عشقت فريدة. معادش ينفع أخبي أكتر من كده، أنا متعودتش أهرب وأنتِ عارفاني كويس. وأكيد دي مش خيانة، انتي كنتي وما زلتي جزء من حياتي، بس هي كمان ليها الحق فيا بعد ما أحيت روحي من جديد. بتمنى تسامحيني."
ليضع الإطار بمكانه فوق المنضدة، ويلمس ملامحها المطبوعة بأنامله ثم نهض وترجل من الغرفة قبل أن يغلقها بالمفتاح.
__________
كانت تهبط من المبنى وتضحك مع صديقتها نرمين بوجه مشرق إذ فجأة تجد بوجهها أسامة فتندهش:
"أسامة؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟"
"جيت عشان أتكلم معاكي!"
أجاب بابتسامة تظهر بإمعان على ثغره ثم قالت بحنق:
"تتكلم معايا في إيه؟ إحنا مفيش بينا كلام!"
لتسمع نرمين هادي يناديها فتشير له أن ينتظر، ثم تقول:
"بقولك يا أسامة امشي انت عشان ما ينفعش الوقفة دي."
"ليه يا نرمين؟ أنا كلمت عمي عز وهو قال لي إنه موافق عليا، يبقى ما ينفعش إزاي؟"
صاحت فريدة ونرمين بصوت واحد مندهش:
"إيـــه؟"
ليصحح أسامة وهو ينظر لفريدة:
"قصدي يعني معترضش وقال لي هيقولك عشان تفكري، يبقى أكيد هو موافق!!"
"يا شيخ منك لله وقعت قلبي!"
قالت بأنفاس مضطربة وهي تضع يدها على قلبها، لتقول نرمين بابتسامة بلهاء:
"انت عبيط ولا إيه يا أسامة؟ امشي يابني من هنا."
"لأ لو سمحتي يا فريدة خلينا نتكلم!!"
قال مصرًا ثم زمت فريدة شفتيها بغيظ، فكرت قليلاً في نفسها، وقالت أن تتركه يتحدث حتى تقول له أنها غير موافقة به وأنها تحب شخصًا آخر كي يتركها بحالها، فبالتأكيد سينسى الموضوع.
حركت رأسها لنرمين وقالت:
"طب خلاص يا نرمين روحي انتي مع هادي وأنا هحصلك."
"متأكدة؟"
أومأت برأسها ثم احتضنتها نرمين وغادرت، لتتساءل في برود:
"ها عايز إيه؟"
-------
يقود سيارته حيث يريد أن يرى فريدة فمنذ الأمس لم يتحدثا، لا يعرف هل سيعترف بما يشعر به أم لا، فبالتأكيد لن يعترف بتلك السهولة ولكن اشتاق إليها لن ينكر، ثم أنها بالتأكيد بمفردها تنتظر سيارة بعد أن تركتها صديقتها نرمين وغادرت مع حبيبها هادي، وهو لن يدعها تقف بمفردها، ناهيك على أنها ستستغرق وقتًا حتى تجد سيارة. لذلك سيذهب كي يقلها إلى المنزل بسلام ومأمن.
وصل هو إلى المكان المحدد وترجل من سيارته سريعًا وعلى وجهه ابتسامة عريضة تعبر عما في داخله، وقلبًا قد وجد مهدأته. ليرفع برأسه وحين غرة يجدها تقف مع أسامة تلاشت ابتسامته تدريجيًا، ثم تيبس جسده ولم يبدي أي ردة فعل سوى أنه يحدق بكليهما. اعترت ملامحه السخط، فبدى وجهه مقتضبًا بشدة، وبدأت عروقه تنتفخ وعضلاته تصلبت، خصوصًا أنه رأى أسامة يخرج علبة صغيرة ويفتحها ثم يخرج منه خاتمًا يقدمه لها.
رواية ظل السحاب الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم آية حسن
عقدت فريدة حاجبيها وهي تقطب وجهها بتجهم لتستمع إلى همسه وهو يرسم ابتسامة على محياه:
"تقبلي تتجوزيني يا فريدة؟"
كادت أن تزجره بقسوة شديدة، وأن ترمي بتلك العلبة في وجهه. كيف تجرأ وطلب يدها هكذا بالشارع العام وكأن بينهما قصة حب مشيدة؟ كف عن تلك البسمة المزعجة أيها الأبله اللعين، قبل أن أقتلع فمك!
فتحت فمها وهي مستعدة للصياح لكن تفاجئت بالذي يمسك بـ عنق أسامة ويدفعه بعيدًا عنها حتى وقع في الأرض. سقط فك فريدة من أثر الدهشة. ترى مراد يحدق بـ أسامة بشراسة، ثم اندفع برأسه نحوها شزرًا، فاهتز بدنها من تلك النظرة الحادة. عندما وجدته يقترب منها بدأت هي بالتراجع للخلف بساقين مضطربة، ليختصر المسافة بينهما بخطوة واحدة مندفعة فيمسك بذراعها وتقاسيم وجهه بدأت بالتشنج، ليهتف بخشونة مستهجنًا:
"بتعملي ايه يا فريدة؟"
"مراد، هفهمك."
همست متلعثمة وهو تترجاه بعينيها ألا يتهور.
لينهض أسامة من الأرض ويرفع برأسه نحو مراد الذي يمسك بـ فريدة، ثم تحرك إليه وهتف متذمرًا:
"حضرتك إيه اللي عملته دة يا مراد باشا؟ ازاي تزقني وتوقعني كدة، وليه ماسك فريدة؟ ابعد إيدك عنها، وكلمني أنا!"
لتتمتم فريدة في نفسها عندما رأت شعاع اللهيب الحارق يعود لحدقتي مراد:
"الله يخربيتك يا أسامة."
ليعود مراد برأسه إلى أسامة، ثم يرسم بسمة صفراء على ثغره، ويترك فريدة بهدوء، فتتعجب منه، لكنها تعرفه جيدًا وأن هذا الهدوء ليس إلا مجرد ستار لما يخفيه من غضب.
"أديني سبتها."
قال مراد بنبرة هادئة وبنفس الابتسامة.
ليعود أسامة ببصره ويهتف بتلجلج:
"تعالي هنا يا فريدة، متخافيش."
فور قوله شعر بالنار تسري في جسده، وبدون تردد التحمت يد مراد بوجه أسامة بلكمة قوية، جعلته يترنح بساقيه إلى الخلف، ثم يسقط على الأرض وهو يضع يده على فكه، وتأوه متألمًا.
غطت فريدة فمها بصدمة لما فعله مراد وهي تنظر لوضع أسامة، ثم حركت بصرها نحو الآخر الذي أمسكها من معصمها وسحبها معه، وقف فجأة ونظر أسفله ليدعس علبة الخاتم بقدمه بحنق.
***
بعد وقت مراد أقلّ فريدة إلى بيتها، ولم يحاول أن يحادثها أو يتفوه بحرف، حتى هي طوال الطريق وما بين الثانية والأخرى، كانت تخطفه بنظرة سريعة، فترى العبس يسكن بوجهه، فلم تود أن يحدث شجار بينهما الآن.
***
يجلس في مكتبه، يستلقي بظهره للخلف على المقعد، يتطلع ببصره إلى الأعلى، يفكر بالذي حدث بالأمس، يتذكر حبيبته التي يتقدم إليها شخصًا آخر في عرض الطريق أمام عينيه وهو يقف كالأحمق. كان يود كسر عنقه وإلقاءه في أقرب صندوق مهملات هذا الأرعن. ألا يعرف أنها تخصه ولا يجب أن يتعدى حدوده معها. شعور بشع أن ترى من يهمك يقف مع غريب يحادثه برومانسية.
ليستفيق على فتح الباب وتدلف نانسي إليه، لتقول وهي تقلب عينيها بلهجة ملتوية:
"الاستاذ عماد برة، تحب أدخله ولا أقوله مشغول!"
نهض مراد من مكانه وهو يضيق عينيه محاولًا استيعاب ما سمع:
"بتقولي إيه؟"
حمحمت وقالت باضطراب من همسه الغامض:
"بقولك إن الاستاذ عماد موجود برة وعايز يدخلك!"
انتفخ وجهه بعبوس ثم خرج من خلف المنضدة ليخرج له فيجده يجلس على المقعد معطيًا ظهره، فيهتف:
"عماد...!"
نهض مسرعًا وقال:
"نعم يا باشا؟"
أشار إليه:
"تعالى."
عَاد مراد مكتبه تحت نظرات غرابة من نانسي، ثم يتحرك خلفه عماد، فيقول مراد محذرًا أثناء رجوعه لمقعده:
"آخر مرة اشوفك داخلة عندي عشان تاخدي إذن بدخول عماد، سامعة؟"
رفع سبابته إليها متذمرًا، لتبتلع لسانها من نظرته.
فيقول عماد:
"خلاص يا باشا، مفيش مشكلة هي بتعمل شغلها!"
جزت نانسي أسنانها بحنق وهي ترمقه بغيظ، فيقول مراد بغلظة وهو يجلس:
"اتفضلي على مكتبك، ومش عايز غلطات تانية عشان أنا صبري له حدود."
خرجت وهي تشعر بالغيظ، لتجلس على مكتبها وتنفخ الهواء من فمها بقوة وتتمتم في عقلها ساخرة بحنق:
"خلصنا من الست زفتان، جالنا سي عماد.. أنا قرفت منك يا مراد وكرهتك أوي بسبب المعاملة الزفت اللي بشوفها منك.. كل مرة بتزعقلي قدام اللي ميسووش، بس أنا خلاص مش هسكتلك تاني!"
كانت تصطك على فكيها وتضم كفيها لبعضهم، وهي تشعر بالغليل يسري في قلبها اتجاه مراد.
***
تسير في البهو ثم تذهب لتسأل موظف الإستقبال عن شيء، وبعد ذلك تتوجه نحو الممر الموصل لمكاتب الموظفين. فتدلف داخل حجرة كبيرة بها مناضد كثيرة، وكل منضدة عليها حاسوب لوحي، جابت بعينيها تنظر للعاملين بحثًا عن نرمين، لتجدها تجلس ف المنتصف منهمكة ف العمل، فتصيح عليها بمرح، جعلت الموظفين يقومون برفع رؤوسهم بحركة واحدة.
"نرمين...!"
تنهض بفرحة وتركض إليها تحتضنها:
"فريدة، إيه اللي جابك هنا يا بت!"
قالت بضجر:
"زهقت من قعدة البيت، قولت آجي أناغشك شوية."
وكزتها بخفه ف ذراعها وهي تهمس بنبرة ماكرة:
"بقالي جاية عشاني؟ ولا عشان تناغشي صاحب الشركة!"
رمقتها بنظرة لعوب وهي تبتسم، فتقرصها فريدة، وتهمس وهي تجز على أسنانها:
"بطلي استفزاز يا حيوانة.. وبعدين منا لو جياله كنت طلعتله ع طول!"
نفت وهي ترفع بكتفيها، بنبرة ناعمة مصطنعة، فتؤكد نرمين ساخرة:
"لأ صح، لو كنتي عايزة، كنتي طلعتي ع طول!"
زفرت فريدة بضجر وحنق لينتبه الإثنان وباقي الموظفين الموجودين بالغرفة، على أحدهم وهو يقول:
"شباب.. تعالوا، مراد باشا عايزكم."
لينهض الجميع من مناضدهم ويترجلوا خارج الحجرة، فتتساءل فريدة بابتسامة عريضة:
"بت، هو هيرفدكم ولا إيه؟"
": ومالك يختي فرحانة كدة ليه، وكإنه هيكافئنا؟"
استنكرت نرمين وهي تعوج فمها بسخرية، فتنكزها فريدة بمرفقها بغيظ ثم تخرج أمامها لتجد مراد يقف عند آخر الدرج من الأعلى حتى يستطيع الجميع رؤيته وسماعه، ويقف بجواره عماد.
فيبدأ بالهتاف بكل هيبة:
"أنا جمعتكم عشان أعزمكم كلكم بلا استثناء على حفلة عاملها، بمناسبة أننا حققنا نجاحات عظيمة السنة دي، وآخرهم المناقصة اللي رسيت على شركتنا، وكمان هيكون فيها جوايز ومكافآت لكل الموظفين المميزين اللي اشتغلوا بجدية طوال السنة، و..."
ليلمحها تقف من بينهم تتطلع إليه باهتمام كبير، شاردة في ملامحه الجذابة وبهيبته الطاغية. حاول عدم التحديق بها والتركيز على ما يقول، فحمحم وأردف:
"وطبعًا النجاح دة لينا كلنا لأن انتوا اللي وصلتوا الشركة أنها تاخد لقب أفضل شركة إنشاءات، والحفلة دي كتقدير للجهد اللي عملتوه، بتمنى تشرفوني.. شكرًا."
انتهى من حديثه وكاد أن يذهب لولا أن أوقفه صوت عماد وهو يصيح:
"سقفة يا بت انتي وهو!"
ليبدأ الجميع بالتصفيق الحار تقديرًا وإكبارًا له، بما فيهم عماد ونيرة، والعم شفيق، الذين افتر ثغورهم بابتسامات فخر، ليهبط مراد ببصره نحو فريدة، فيجدها ناكسة وجهها لأسفل ويبدو عليه العبوس. ليذهب كلًا من الموظفين لأعمالهم، فينتبه لقول عماد:
"ألف مبروك يا بشابيشو."
": تاني يا عماد؟"
قال متأففًا ليؤكد عماد يبلاهة:
"وتالت ورابع."
"مبروك يا مراد، بجد فرحتلك أوي."
قالت نانسي بنبرة رقيقة وهي تتقرب إليه بمكر كونها رأت فريدة، ليرد بجمود كي يوقفها عن التدلل بهذا الشكل المقزز:
"متشكر يا نانسي."
فينتبه على فريدة مرة أخرى.. والتي كانت تصطك على فكيها بقوة لأنها قد انتبهت على حركات نانسي اللعوب، فتستمع إلى قول نرمين:
"الله يا جدعان أخيرًا هنحضر حفلة من بتوع الأكابر."
قالت بمرح، ثم تابعت:
"تعالي ارغي معايا شوية بقا."
أمسكت بيدها لكي تعود بها إلى المكتب، لتوقفها فريدة بوجه كشر:
"لأ يا نرمين، أنا اتأخرت ولازم أمشي."
": ليه؟ انتي مش قولتي إنك جايالي؟"
تساءلت نرمين متعجبة، وهي ترى علامات الاستياء بادية على معالمها.
لتصيح فريدة مزمجرة:
"وعايزة أمشي يا نرمين فيه إيه!!"
لتهم مغادرة بتأفف دون أن تلتف لذلك الذي يتابعها بعينيه، ويود أن يذهب ورائها لكن ما يمنعه هو استياءه لما رآه بالليلة الماضية.
***
تجلس فوق الفراش، تضم ركبتيها لبعضهما وتدفن رأسها بهما وتبكي باستياء شديد. لم تتحمل نظرة نانسي لـ مراد ولا غنجها عليه، وهي لم تستطع أن توقفها عند حدها، فهو لها، وفقط هي من لها الحق أن تتدلل عليه.
اللعنة على نانسي قد جعلت قلبها يشتعل بنار الغيرة، ألا يكفي أن رغد قد أخذت ما أخذت منه؟ ألا يكفي أنها ليست أول أنثى بحياته؟ هل ستظل طوال حياتها وهي تحاول أن ترغمه على حبها؟ أليس لها الحق به؟ حتى هو لم يقلها، لم يقلها على الإطلاق فقط هي تتوهم ذلك!
شرعت في بكاء مرير ودموعها الكثيفة قد أغرقت ملامحها الصغيرة، لتستمع إلى صوت جرس الباب، وتهبط من السرير وهي تمسح عبراتها الهابطة، ثم تخرج من غرفتها وتسير صوب الباب تفتحه.
"فـريـدة."
صاحت نيرة بابتسامة مرحة، واحتضنتها:
"وحشتيني يا فيري يا حبيبتي."
لتلاحظ سكوتها، فابتعدت عنها قليلًا وتساءلت عن صمتها:
"مالك؟"
": مفيش."
أجابت باقتضاب والوجوم يظهر على ملامحها، فتمسك نيرة بذقنها وترفع وجهها قليلًا إليها، فتهمس متسائلة:
"انتي كنتي بتعيطي؟"
أرسلت دموعًا في صمت على خديها الرقيق، لتندهش نيرة:
"يا نهار أبيض، إيه كل الدموع دي، مين مزعلك يا فيري؟"
سارت خطوتين وقالت وهي تمسح دموعها:
"ماحدش أصلاً يقدر يزعلني!"
استشمت نيرة من نبرتها الحانقة، رائحة مراد، ومن غيره يجعل دموعها تسيل بهذا الشكل؟ لتقترب منها وتهمس:
"هو مراد كلمك؟"
فتندفع برأسها نحوها وتحاول ألا تتذمر فقالت بهدوء مزيف:
"لأ، وهو فاضي من الست نانسي أصلاً عشان يكلم حد؟"
": شامة ريحة غيرة يا فيري!"
قالت نيرة وهي تغمز، لتندفع فريدة نافية:
"لأ طبعاً."
ابتسمت نيرة وهي ترمقها بخبث، ثم أخرجت ظرفان من حقيبتها وقالت:
"على العموم، مراد باعت الدعوتين دي ليكي انتي وباباكي، عشان الحفلة اللي عاملها!"
أعطتها الدعوات ثم أردفت فريدة وهي تكتم غيظها:
"ويا ترى دي فكرة نانسي؟"
قهقت نيرة:
"انتي حاطة نانسي ف دماغك ليه؟ وبعدين هو مراد بياخد أفكار من حد؟"
نفت نيرة ثم أردفت:
"انتي بس البسي واتشيكي كدة زي عادتك الجميلة، وتعالي انتي وعز الحفلة وملكيش دعوة لا بنانسي ولا بحد تاني.. وع فكرة الدعوتين دول خاصين جدًا."
قالت ببسمة لعوب، ثم تطلعت فريدة بعينيها بعيدًا وهي تكتف يديها، ومثلت أن الأمر لا يهمها.
***
عادت نيرة إلى المنزل لتنتبه على مراد وهو يجلس بالردهة أمام الحاسوب، فتتقدم نحوه وتلقي السلام عليه وهي تجلس بجواره، فرد عليها:
"أهلاً يا نيرو، إيه التأخير دة؟"
سأل كعادته مستفسرًا، ثم أجابت هي:
"أبدًا فضلت أنا وفريدة نرغي، وأدتها الدعوات!"
ابتسم بحب عند ذكرها اسمها ثم أخفاها وقال بجمود طفيف:
"وقابلتي أبوها؟"
": لأ، مكانش موجود، بس هي كانت بتعيط."
وعلى إثر قولها نهض مراد وكأن هزة أصابت قلبه، ليسأل وهو يعقد حاجبيه:
"بتعيط؟ ليه؟"
": زعلانة جدًا منك..."
ليندفع برأسه إليها، فتردف:
"هي مقالتش صراحة يعني، بس أنا خمنت كدة من كلامها عن نانسي وطريقتها معاك، وكمان مكانتش عايزة تاخد الدعوات وقالتلي خلي نانسي تشبع بيهم!"
أخبرته نيرة بنبرة خبيثة، وهي ترمقه بنظرة لعوب. اختلقت كذبة مناسبة حتى ترى ردة فعله عندما يعلم برد فريدة الذي هو افتراءً منها.
": هي قالتلك كدة؟"
سأل بهمس وهو يضيق عينيه، لترد بنفس نبرتها:
"أه، وكمان قالت إنها مش هتيجي."
زم شفتيه وهو يحاول كبح جماحه، ثم هتف متأففًا وهو يشيح بيده:
"إن شالله عنها ما جات."
ثم صعد إلى غرفته، وأطلقت نيرة ضحكة وهي تقفز بانتصار. الآن صرت تهتم أيها الأحمق، لن تنام الليلة وستظل تفكر بها طوال الليل، وتسأل نفسك عن سبب قولها ذلك، ذق ما كنت تسقيها!
***
خرج عز من حجرة وطرق باب غرفة فريدة ثم أذنت بالدخول. ليدلف لها ويجدها تقلب في أحد المذكرات، ويقترب ليجلس بجوارها على حافة السرير.
"لسة بتذاكري؟"
سأل عز فأجابت بملل:
"الكورس قرب يخلص والامتحان على الأبواب، وحاسة الدنيا داخلة في بعض."
"ما تضغطيش على نفسك، حاولي تريحي دماغك."
قال بحنو لتمسد فريدة على ذراعه بامتنان، ثم تقبل يده.
"ع فكرة، انا اتكلمت مع أسامة وعرفته غلطه، وهو اعتذرلي."
"يا ريت يا بابا، يكون قولتله إني مش عايزاه، عشان متعشموش على الفاضي."
قالت وهي تشبك ما بين حاجبيها، ثم قال عز وهو يتنهد بقلة حيلة:
"قولتله يا فريدة، قولتله!"
يا لها من مفاجأة سارة، قفزت من مجلسها مهللة بفرحة عارمة:
"الله الله على الأخبار اللي تفرح دي."
دلتندفع داخل حضنه وقلبها ينبض بانشراح لهذا الخبر السعيد.
": للدرجة دي يا فريدة مش عايزة غيره؟"
سأل عز لتبتعد عنه قليلًا، وتخفض عينيها حرجًا، فتضع بعض الخصلات خلف أذنها باضطراب:
"بابا، حضرتك بتتكلم عن مين؟"
سألت وهي تتحاشى النظر إلى مقلتيه، ليمسح على شعرها برفق ثم همس بهدوء:
"ولا حاجة، نامي يا حبيبتي."
اقترب بجذعه ليطبع قبلة رقيقة على جبينها، ثم يرفع اللحاف ويجعلها تنام على ظهرها ليغطيها.
فهم بالنهوض لتمسك يده وتسأل:
"هنروح الحفلة بكرة؟"
هز رأسه وقال:
"ربنا يسهل، تصبحي على خير."
تحرك ليذهب ثم أغلق مفتاح المصباح وترجل من الغرفة. لم يستطع عز أن يخالف رغبة ابنته، فكان يجب عليه أن يرفض أسامة كما هي طلبت، لأنه يعلم أن قلبها قد تعلق بآخر. كل ما يتمناه الآن هو السعادة لها وفقط السعادة تحاوطها.
***
يجلس بمكتبه يزفر أنفاسًا متأففة، يقلب رأسه يمينًا ويسارًا. لم ينم الليلة الماضية ولم تغفى عينيه، بل ظل يتقلب فوق الفراش بأرق. يفكر فيما قالته نيرة. أن فريدة لن تأتي، ولمَ؟ هل تضايقت لأنه لم يكلمها منذ أن رآها تقف مع أسامة؟ ومن عليه الاستياء، هي أم هو؟ اللعنة على الحيرة والاضطراب.
نهض وهو يشعر بالاختناق ثم التقط مفاتيحه وهاتفه وترجل من المكتب، بل من الشركة بأكملها.
***
أتى المساء، في وقت الحفل. بالحديقة الخاصة بفيلا مراد الحديدي، الجو مهيأ والأنوار ساطعة بشكل جميل، بدأ الناس والمعازيم يقدمون إلى الحفل، حتى امتلأت الحديقة بكل الوجوه.
مراد بالأعلى في غرفته يبدأ بتجهيز نفسه، ارتدى قميص أبيض فوقه صدرية سوداء وأسفله بنطال أسود، لتكتمل البدلة بسترة نفس لون البنطال، فأصبح بكامل أناقته.
تحرك نحو الباب ثم خرج ليجد نيرة قد أنهت ملابسها، فيطلق صفيرًا عند رؤيتها:
"إيه الشياكة دي؟"
ضحكت:
"مش أشيك منك."
ليفتح ذراعه وهو يثني مرفقه لها، فأشبكت ذراعها به ثم هبطت الإثنان على الدرج حتى خرجا إلى الحديقة. ليرى معظم العاملين بالشركة قد جاءوا، وأيضًا عمه عثمان وأبناءه. فقط هي لم تظهر بعد!
زفر مراد بضجر وكاد أن يعود إلى الفيلا، لولا أنه استنشق عبيرًا مميزًا قد أفضى إلى قلبه وجعل نبضاته تستكن بعد أن اضطربت وتذبذبت. لتقع عينيه على صندلًا ذات كعب عالي، فيرفع بصره تدريجيًا وببطء ليراها ترتدي فستانًا ذات ألوان مختلفة، به مطاط من المنتصف، طويلًا إلى الأسفل، لذلك كانت ممسكة به حتى كشف عن قدميها.
لكنه يكشف عن كتفيها وذراعيها، وتفرد شعرها الغجري الطويل، ويقع على كلتا وجنتيها، وتضع أحمر شفاه يبرز خاصتيها بطريقة أستفزت رجولته، وكونها لم تضع غيره. إلا أنها كانت فاتنة للغاية مع بشرتها البيضاء. هيئتها هذه كانت كفيلة أن تجعل الدماء تحترق داخل عروقه، والنيران تشتعل صدره. قبض على راحة يده بقوة وازداد اضطراب أنفاسه الثائرة وهو يتطلع إليها بشرارات من لهب.
رواية ظل السحاب الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم آية حسن
كانت ترحب بالضيوف بطريقة لطيفة، حتى أنها لاحظت وجود أخيها الجاحد الذي ما أن انتبه لوجودها قد جفل بوجهه بعيدًا.
اعتصر قلبها ألمًا على نفوره منها، ولا تدري لما يفعل كل هذا معها، هي لم تخطئ بحقه أبدًا، بل كانت تكن له بالغ الاحترام والتقدير.
تنهدت ثم تابعت سيرها صوبه، بعد أن تغلبت عليها طهارة قلبها.
لتصل إليه ثم تهمس بتأسي: إزيك يا عثمان؟
رفع رأسه إليها لوهلة ثم قال بجفاء ظاهر في نبرته الغليظة: أهلاً.
تجاهلت إعراضه، ثم جلست بجواره وقالت بقلبٍ مفطور، وملامة: من يوم ما جيت من السفر وانت مسألتش عني يا عثمان، ولا كإن ليك أخت متغربة!
: ومسألتيش انتي ليه؟ ولا فالحة تعاتبيني وخلاص!
استمعت إلى رده البارد، لتهمس وهي تجاهد ألا تسقط دموعها: أنا طول الوقت بتصل بيك، وببعتلك سلام، لكن انت عمرك ما رديت عليا، وكنت خايفة أجيلك تقابلني وحش!
رد ساخرًا: لا والله فيكي الخير.. ع العموم أنا مش محتاج سؤالك عليا أو انتي حتى محتاجاني، كدة كدة أنا ماعدتش أفرق معاكي من زمان!
كان كلامه يحمل ضنين المشاعر، أصاب قلبها الصغير بالحبوط والاضطراب، فنهضت بسرعة قبل أن تضعف وتنهمر الدموع أمامه، وتفسد على مراد فرحته.
تتلفت بالمكان تنظر حولها ثم رجعت برأسها لأبيها الذي هتف متسائلًا: وقفتي ليه يا فريدة؟
: عشان تسندني يا بابا، مش عارفة أمشي!
ردت بوجه طفولي عابس، ليضحك عز الدين عليها ثم يمسك بيدها.
ألقت شعرها للخلف ثم بدأت تسير بتململ وخطوات غير متزنة، كونها أول مرة ترتدي كعبًا مرتفعًا.
تنظر لأسفل وهي تترقب الطريق خوفًا أن تقع، أو شيئًا يعرقلها.
رافعة فستانها الطويل قليلًا فانكشف عن ساقيها دون أن تنتبه.
لكنه كان منتبهًا لكل حركة تفعلها بإمعان.
عضها على شفتيها المكتنزة الذي يثير جنونه.
عبثها بشعرها الذي يتساقط بين الثانية والأخرى على عينيها ويمنعها من رؤية الطريق.
إلى أن أوقفهما العم شفيق الذي رحب بعز بحرارة: أهلا يا عز، منور انت وفريدة.
: شكرًا يا عمو شفيق.
ردت بابتسامة رقيقة، ثم قال العم شفيق: تعالى يا عز عشان في ناس حبايبك عايزين يسلموا عليك، وانتي يا فريدة روحي لـ نيرة.
ترك عز يدها برفق ثم قال بحذر: خدي بالك أحسن تقعي يا فريدة.
: ربنا يستر.
همست ليسير والدها مع العم شفيق لداخل الحفل.
لتتابع هي طريقها ببطء وحذر شديد وهي ما زالت تنظر لمكان قدميها.
لتضطرب حركتها فجأة وظلت تتململ في محاولة منها أن تتزن، لكن التوى كاحلها ومالت بجذعها للخلف ساقطة.
لتجد من يحاوط خصرها ويلحقها قبل أن تقع على الأرض.
كان المشهد رومانسيًا وهو تتشبث بتلابيب سترته بضربات قلبٍ مرتفعة.
لتتقابل عيناهما في نظرة طويلة.
ثم أقام لينصب جذعها برفق وهي تكمش براحة يدها على السترة.
حاوط بيده الأخرى خصرها لتشعر بقشعريرة تصيب بدنها من لمسته الرقيقة.
تأمل في أحمر شفاهها الحارة، ثم رفع جفنيه عن شفتيها ليثبت بصره على مقلتيها المعلقة عليه.
حرك مراد يديه عشوائيًا على جانبي مقعدها دون قصد، ليُصعق جسدها فورًا، فأحس هو بتذبذبها ليسحب يده عنها تلقائيًا، وهو ينظر لها في استهجان تام.
أما هي فانكمش وجهها بتجهم بعد أن أزالت يدها عنه.
كاد أن يتكلم لكن قاطعه صياح ذلك الذي لم ولن يكف عن مرحه الصاخب.
: بــاشــا يا بــاشــا، إيه الحلاوة والجمال دة.
تقدم عماد نحوه وعانقه بحرارة ثم ألقى السلام على فريدة التي بادلته السلام بابتسامة خافتة.
سحب يد فتاة تبدو في منتصف العشرينات ترتدي ملابس بسيطة، تناسب شكلها وبشرتها.
ليشير عماد معرفًا: أحب أعرفك يا مراد باشا، فاتن، مراتي إلا ربع.
كزته فاتن وهي تشزره، لتهتف فريدة متسائلة في دهشة: إيه دة انت متجوز يا أستاذ عماد؟
لترد عليها فاتن: لأ ياختي، هو لو متجوز كان دة بقا حاله!
قالت مستهجنة وهي تضرب فوق ظهر يدها الأخرى بتأفف، فتردف: احنا مقري فاتحتنا من 8 سنين، والحمد لله فاضلنا كام شهر ونخش موسوعة غينيس لأطول فترة قراية فاتحة ف التاريخ!
سخرت، لتشهق فريدة بصدمة: 8سنين؟ ليه؟ ناويين تحضروا ماجستير في الخطوبة؟
تهكمت لتردف: طب ليه مش جابلك شبكة؟
كان مراد يقبض على راحة يده، يحاول أن يسيطر على تلك النار التي في صدره.
فهو لا يريدها أن تقابل أحدًا بتلك الهيئة المثيرة.
: أنا لا عايزة شبكة ولا زفت، أنا عايزة أتجوز وأخلف.
اندفعت بزمجرة، لتهمس فريدة بهيام دون إدراك: وأنا كمان.
ليندفع مراد برأسه وهو يرمقها بحدة، ثم يهتف عماد: جرا إيه يا فاتن، ما تلمي الدور.
أشاحت بيدها بتأفف منه، ثم رمقها وسحبها للداخل وهو يقول: بعد إذنك يا باشا!
ضحكت برقة ثم تمتمت: مجانين!
لتنتبه على نظرات مراد الغامضة، فتجفل بعينيها لتهم مغادرة، لكنه أوقفها بيده، ثم وجذبها من معصمها بعنف، فتصيح متأوهة: ايدي يا مراد.
لم يكترث واستمر في سيره دون العبء لخطواتها المتعثرة، ثم هتفت بزمجرة: بالراحة طيب مش عارفة أجري وياك.
لينتبه لصياح تميم الذي قد أتى لتوه مع محمد عاطي، فيفتح ذراعيه على الأخير وهو يتقدم نحوه بابتسامة مرحة.
: الغالـ...
فيقوم مراد بإزاحة يده عن الطريق ويتابع مساره، متجاهلًا إياه.
فتنطلق ضحكات عاطي، ثم يهتف بشماتة وسخرية: واحد اتكبس، دمه اتحبس، شم الهوا، جاله تسمم.
ثم تابع مقهقهًا بشدة وهو يرى تميم يقف كالأبله، وهو لم يدرك إلى الآن ما حدث لتوه!
وصل مراد أمام باب الفيلا ثم فتحه، ودفع بها للداخل بغيظ، فتتذمر من معاملته هذه: انت اتجننت، ازاي تسحبني زي الجاموسة كدة.
: انتي مش جاموسة وبس، انتي حمارة وبقرة وكل حاجة معندهاش عقل!!
صرخ، فانفرج فمها بصدمة، فتشير لنفسها وتتسائل بنبرة مختنقة: أنا حمارة وبقرة يا مراد؟
صاح بعصبية: أيوة.. تقدري تقوليلي إيه اللي انتي عاملاه ف نفسك دة؟
قال مستهزءًا وهو يشير لها بامتعاض.
فبدأت هي تشهق بالبكاء، والدموع تنحدر على وجنتيها بسبب طريقته الجارحة معها.
يقف يتطلع إليها وهو يضخ أنفاسًا مضطربة، بتلك الدموع التي تتسبب في ذوبان قلبه.
ليهتف بتذمر: بطلي عياط.
: مالكش دعوة بيا، أنا أعمل اللي أنا عايزاه.
صرخت بزمجرة من بين بكائها، وظلت تمسح دموعها بطريقة عنيفة حتى لطخت وجهها بأحمر الشفاه دون انتباه.
ثم أزالت يدها عنه ليرى مراد ما فعلت، فدفعه هذا إلى القهقهة.
: انت بتضحك على إيه؟
تذمرت، ليرد أثناء ضحكه: شكلك بقا وحش أوي.
زمت شفتيها بحنق، لتصرخ: مهو انت السبب خلتني أعيط!
: اهدي طيب ومتعليش صوتك!
قال بهمس وهو يرمقها بنظرة جعلتها تبتلع ريقها بتوتر: تعالي اغسلي وشك.
أشار إليها، فأجفلت وهي تتحرك كي تخرج: لا مش عايزة.
أدارها من ذراعها بنفاذ صبر: هتخرجي ازاي بالمنظر دة؟
صاح عليها باستنكار متذمر، لتنفض يدها بسخط: وانت مالك بيا، خليك ف حالك!
اصطك على فكيه بقوة، ثم شدها إلى مرآة معلقة على أحد الجدران، فيهتف مزمجرًا وهو يهزها ويشير بعينيه على صورتها المنعكسة.
: بصي شوفي وشك عامل ازاي، عايزة تخرجي كدة قدام الناس!!
لطمت على خديها: أحيه! دة أنا اتبهدلت خالص!
هتف باستهجان ساخر: لسة هتتبهدلي؟ بصي كويس يا فريدة على نفسك، دي إنتي؟ دي البنت الشقية البريئة اللي أنا أعرفها؟
شدد على كل كلمة بحنق، ثم رفعت ببصرها إليه وهتف بتذمر: كل دة عشان حطيت روج؟
: ولبسك يا فريدة اللي أول مرة اشوفك بيه؟
صاح بغلظة، ثم أردف: تقدري تقوليلي عاجبك منظرك بجسمك اللي مكشوف دة، ولا الكعب المقرف اللي مش عارفة تمشي بيه.. إيه خلاكي تيجي بيهم؟
ارتفعت صيحاته، وزاد تقطيب وجهه بشدة.
ثم نظرت له لتقول وهي ترفع بأكتاف الفستان: هو بيتزحلق والله، يعني أنا أقصد أنزله؟
نفت بضيق، ثم استطردت: وأنا حرة أصلاً، ألبس كعب، أحط روج، أنا حرة.
وع إثر آخر كلمة أشبكت ذراعيها في خصرها.
تلك الطريقة هيجت الدم في شرايينه، حتى اشتشاط رأسه غضبًا.
لكنه كبح كل هذا وحاول أن يتجاهله، لتستمع لرده الزائف: أه طبعاً حرة، بس يعني انتي طباختي والمفروض إنك تمشي على حسب قواعدي!
لتزمجر: أنا مش طباختك ياض انت!
نفرت بتكشيرة، ليندفع بصياح: يـــاض؟
اهتز جسدها، واضطرب عقلها مع عدم ثبات مقلتيها اللتان تطوفان بخاصتيه المحدقة لها بحدة.
فلم تفكر في فعل شيئ سوى أنها تكمش وجهها وتبدأ ببكاء طفولي: بس...!
زمجر بخشونة، ثم أخرج منديل ورقي واقترب منها وأمسك ذقنها وبدأ يمحي أحمر الشفاه الملطخ على أنفها، وعلى باقي وجهها برفق حتى لا يؤذي بشرتها الناعمة.
لتغمض هي جفنيها مستسلمة تمامًا للمساته المنصهرة لقلبها، والتي تجعلها كقطعة هلامية يحركها كيفما يشاء.
فيهبط مراد على شفتيها المنتفخة بالمنديل ويزيل كل أحمر شفاهها بلطف، فتظهر لونها الطبيعي والفاتح.
شارف على الانتهاء.
ليهمس: كدة أجمل وأرق بكتير، وكمان شعرك لازم تلميه عشان حلو أوي، وأنا مش عايزه يتحسد.
كانت مغيبة تمامًا، غارقة في تيهان وحالة من الذوبان.
وضع المنديل في جيبه ثم أدخل كفيه بجانبي شعرها فجمعهم للخلف في ربطة واحدة كذيل حصان.
ثم مال بجذعه للأسفل يلتقط سترة صوف مشغولة باليد، قد وقعت منها حينما دفعها، ليقترب منها ويبلسها إياها، ثم يذهب بها باتجاه المرآة ويقف خلفها وهو يهمس بلين: شايفة قد ايه إنك جميلة ع طبيعتك، أجمل واحدة ف الدنيا.
استدارت ببطء له فهمست بصوت معاتب وهي تعبث بأزرار سترته: أنا زعلانة منك أوي، كنت فاكرة هكون أول واحدة تعزمها ع حلفتك!
ليقترب بوجهه ويقول بنبرة رقيقة أمام شفتيها: انتي مش غريبة عشان تتعزمي.
بزمجرة: لا بس أنا...
قاطعها وهو يقترب بشفتيه ويطبع أول قبلة على جبينها بطريقة فاجأتها.
فأخفض جفنيه ليتطلع بعينيها بشرود، فازدادت وتيرة أنفاسها، وهي لا تستطيع السيطرة على خفقات قلبها التي توترت.
ليغمض عينيه رغمًا عنه، ثم اقترب ولامس وجهها الساخن بطرف فمه الذي يلفح حرارة ملتهبة إليه، لتشعر بقشعريرة جعلتها تقبض على سترته بقوة.
فطبع قبلة فوق جفنها الأيسر، وأخرى فوق الأيمن.
لم تعد قادرة على تحمل شئ بعد، لقد انهار قلبها أمام هذا النمر، حتى هو تاه في محيط العشق، فذهب كبريائه وغطرسته في أدراج الرياح.
نعم تلك الصغيرة قد حطمت جميع الحصون المحاصرة لقلبه، زالت جميع القواعد التي وضعها لسنوات برمشة واحدة من عينيها.
لن يستطيع الهروب بعد يجب عليه الاعتراف والآن.
ليهمس باسمها: فريدة!
همهمت بضعف، ثم أردف بنبرة مخملية يغلفها الهيام: أنا بـ...
وقبل أن ينطقها سمع صوتها من خلفه وهي تصيح باسمه، لتجعل فريدة تنتفض، فالتفت إليها مندفعًا وهتف وهو يعقد حاجبيه: انتي بتعلي صوتك ليه؟ وإيه دخلك هنا؟
اقتربت نانسي منهما ببطء وهو ثغرها ابتسامة خبيثة، لتجيب وهي ترمق فريدة بنظرة لعوب: فيه حد برضو يسيب حفلته وييجي يقضيها هنا؟
رفعت فريدة بصرها نحوها باندهاش، بينما مراد صرخ محذرًا بشراسة: نانسي! بلاش وقاحة.
رفع سبابته بصرامة، لتقول بنفس طريقتها اللعوب: على العموم أنا جيت أقولك إن فيه ناس بتسأل عنك.
: أمشي.
تمتم وهو يجز على أسنانه ويأمرها بالمغادرة، لتزم نانسي شفتيها وتستدير كي تترجل للخارج بغيظ شديد.
زفر مراد بضجر ثم التفت إلى فريدة ليقول وهو يضبط سترته: يلا نطلع للناس.
ضغطت على أسنانها بحنق وهي تسب وتلعن نانسي في عقلها، ثم همت وتحركت نحو الباب لكنها تعرقلت بفستانها مرة أخرى، ليسندها بسرعة وهو يساعدها أثناء سيرها دون أن ترفع ثوبها.
أعجبها هذا الأسلوب الراقي منه.
دلفا الإثنان إلى الحفل فما أن رأتها نرمين هرولت إليها تأخذها ف اتجاه بعيد، بينما توجه مراد نحو الضيوف.
فتقدم إليه رجل ف الخمسين من عمره يحمل سيجارة بين إصبعيه ومعه بعض الحراس فيهتف لينتبه مراد عليه: مراد باشا!
التفت برأسه فضيق ما بين حاجبيه تعجبًا، ثم استأذن قليلًا ليتقدم صوبه ويمد الرجل يده يسلم عليه، ويقول: عبد العزيز التهامي، أكيد انت متعرفنيش!
فرد مراد: لا ازاي يعني، أسمع عنك طبعاً.
قال وهو ينفخ الدخان من فمه وأنفه: أنا جيت أبارك لك بنفسي على النجاح اللي حققته.. براڤو.
: متشكر...
همس باقتضاب ثم أشار مراد بيده لأحد الندُل، فيقترب منه ليردف: ضيف الباشا ... منور يا باشا.
تركه مراد عندما لاحظ في نبرته الاستهجان عليه، خصوصًا أن عماد قد أخبره قبل ذلك أنه كان يعتبر المناقصة تلك ملكه، ناهيك على أنه يعلم بعمله الغير قانوني في سلب المشاريع لأجل الحصول عليها عنوة!
بجانب آخر كانت تقف تتطلع إليه بين الحين والآخر بابتسامة خجلة، ليبادلها هو تلك ابتسامة بحب.
كانت فريدة تراقب بعينيها تلك النظرات العاشقة، فارتسمت علامات السرور على محياها.
جلس مراد على طاولة مرتفعة بجوار أصدقائه، فضرب تميم على خلفية رأسه مشاكسًا إياه: مكشر ليه؟
أجاب بعبوس: ملكش دعوة بيا، أنا مخاصمك.
أشاح بوجهه بعيدًا، ليضحك مراد على طريقته، وضربه على خده بظهر كفه، ليقول بمداعبة واستنكار: مش هتبطل طريقتك دي بقى!
: طبعًا يخويا مانت دلوقتي بقيت مرتبط بحد تاني، ونسيتني.
قالها بصوت أنثوي وهو يمثل الاستياء، ليزجره مراد: خلاص يا شامي بطل أسلوبك البايخ دة!
اتسعت عيني تميم بدهشة مصطنعة ليقول: خضتني ياسمك إيه!
بجوارهم عاطي الذي يحاول كتم قهقهاته بضحكة خافتة وهو يأكل قطعة الكعكة، ليستمع إلى رد مراد المزمجر وهو يلقي في وجه تميم خِرقة بتأفف ويهم بالوقوف: متخلف!
تركهم، ليمصمص تميم بشفتيه، ورمقه بطرف عينه وهو يهمس مستنكرًا: حِكم!
ضربه عاطي من أسفل الطاولة برأس حذاءه في ساقه، ليقول متأوهًا: إيه يا جدع، رجلي فيه إيه!
ضغط على أسنانه يهمس له من بينهم: لم نفسك أنا مش عايز أطرد من الأُبهة دي، العيال مستنيين أدخلهم بحتتين جاتوه!
: طفسين زي أبوهم...
صمت لبرهة مفكرًا، ثم نظر حوله بترقب ليهمس: بس تصدق فرصة والناس مشغولة ناخد عشا ليهم، معايا كيسين بلاستيك واحد ليا وواحد ليك.
قال في عجلة: طب يلا بسرعة أحسن نتقفش، وتبقى فضيحتنا بجلاجل!
هم عاطي بالنهوض لكن أوقفه هتاف تميم: الحق ياض، مش دة الواد وليد؟
نظر نحو إشارة تميم فوجد وليد يقف مع عبد العزيز التهامي يتحادثا.
ليردف تميم متسائلًا: إيه جابه هنا، ومين الراجل اللي واقف معاه دة؟
قال عاطي وهو يعلق نظره عليهم: معرفوش.. يلا تعالى.
ذهبا الإثنان في طريقهم.
بينما مراد يتقدم نحو تلك التي سيطرت عليه كليًا، وقف بجانبها ليهمس: قاعدة لوحدك ليه؟
انفلتت شهقة خافتة منها بسبب فزعها، فقالت بنبرة رقيقة: خضتني يا مراد.
: ليه؟ بتفكري ف إيه؟
استدارت بجسدها، فتجيب ببسمة: بفكر ف بابا ونيرة.. مراد لو بابا اتقدم لنيرة توافق؟
سألت بعفوية دون تردد.
فرفع مراد مقلتيه وحركها يمينًا ويسارًا دون الرد وهي تترقبه، فتسائلت: إيه؟ سكت ليه؟
تنهد ثم قال: عاوزاني أرد أقولك إيه؟
: تقوللي إذا كنت هتوافق أو لأ!
قالت ببساطة وهي ترفع بكتفيها، ليرد عليها بإجابة لم ترضها: خلينا نتكلم عن الموضوع دة بعدين.. المهم رأيك إيه ف الحفلة؟
غير حديثه بسؤاله عن الحفل لأن ليس لديه إجابة عن هذا السؤال الآن!
: جميلة أوي، كفاية إنك انت عاملها.
تبسمت، ثم اقترب من أذنها وهمس: عاملها عشانك!
ابتعد عنها ليجدها رفعت حاجبيها وهي تتطلع إليه باندهاش: عشاني!!
: مش أنا قولتلك في مفاجأة ليكي عندي؟
أكد فأيدت وهي تومئ برأسها: همم.
: ودي كانت المفاجأة، أو جزء منها!
قال وهو ينظر بطرف عينه لأعلى، فتعجبت هي: ازاي؟
كاد يرد لولا أنه انتبه إلى هتاف أحدهم في المذياع.
ليرى عماد يقف على المسرح والجميع متطلعين إليه باهتمام.
فيسمعه يقول: يا جدعان، أحب طبعًا ف الأول أقدم تحية خاصة لـ صاحب الحفلة، الراجل الكريم، الوسيم أوي يعني...
قال وهو ينظر له ويغمز، فيضحك الجميع.
بينما فريدة اقتربت برأسها إليه وتهمس: هو أستاذ عماد جايبلك عروسة وبيلفت انتباهها؟
تطلع إليها وهو يقطب جبينه مستنكرًا، ليعود ببصره إلى عماد الذي تابع.
: وأقدم برضو تحية طيبة لأصحابه البشوات، تميم ومحمد باشا.
الإثنان كانا يضعان الطعام بالحقائب البلاستيكية، وما أن سمعا اسميهما اضطربا وحاولا أن يخفيا أثار فعلتهما سريعًا وكأنهما يفعلان جريمة مثلًا.
رجع عماد برأسه إليهما وقال عبر المذياع: انتوا بتعملوا إيه؟ البوفيه لسة ما اتفتحش؟
ليندفع الجميع برأسهم ينظرون إليهما، فهمس عاطي إلى تميم وهو يخبئ وجهه بيده: الله يخربيت شورتك الزفت، يا تميم الكلب!
انطلقت قهقهات من الجميع بما فيهم مراد، الذي أثار ضحكه وضع صديقيه كمن كانا يختلسان سرًا، بينما هي كانت شاردة ف تلك الضحكة الساحرة، كالنور الساطع الذي يجلجل ضجة في صدرها.
انتهى عماد بإلقاء كلمتين شكر ومدح لـ مراد، ثم طلب منه القدوم إلى المسرح، حتى يستلم جائزة أفضل رجل أعمال أمام الجميع من الوزير.
تعالت أصوات التصفيق فصعد بجوار عماد ثم سلم الوزير إليه الدرع الكريستال، فبدأ التصفيق مرة أخرى بحرارة، تحت نظرات حاقدة من البعض.
كاد أن ينزل لكن استوقفه مراد وأمسكه بيده.
: استنى يا عماد.
أشار مراد لأحد الأشخاص فتقدم عليه وهو يحمل تمثال ذهبي وسلمه إياه.
مد مراد يده الممسكة بالتمثال وهو يعطيه لـ عماد الذي اتسعت حدقتيه باذبهلال، ليستمع إلى قول مراد: دي مش جايزة الموظف المثالي، عشان انت مش موظف.. دي هدية بعبر بيها عن شكري وتقديري ليك ولكل السنين اللي كنت معايا فيهم!
لم يصدق عماد ما سمع بل كان يحدق به بذهول، وما أن أدرك ما استمع وهو يشير أن يأخذ التمثال، اندفع لمعانقته بشدة وهو يجهش بالبكاء.
ليربت مراد على ظهره، فصفق الضيوف بحرارة، خصوصًا من هم أقرب إليه، مثل العم شفيق ونيرة، وأصدقاء مراد.
وتلك الحبيبة التي انتظرت سنوات عديدة كي تجتمع في بيت واحد مع هذا الوفي، ترقرقت عينيها بدموع الفرح، حتى سالت على وجنتيها.
اقتربت فريدة من فاتن ومسدت على ذراعها بلطف.
فترفع جفنيها ناظرة إلى هذا الرجل المغوار الذي يقدر ويعترف بجهد الآخرين أمام الجميع.
تعزيز علاقته بأصدقائه شئ يجعلها تعشقه أكثر.
يا ليتها كانت بمكان عماد ويحتضنها بين ذراعيه هكذا تود وبشدة أن تسكن أحضانه وتستمد منه الدفء.
حرك مراد عنقه لتقابل زمردتيه سوداوتيها الهائمة به، فنمت عن ثغره ابتسامة صغيرة تعبر عن سعادته بوجودها بجانبه.
جاء معتز ودلف إلى الحديقة ليجد مراد يهبط من فوق المسرح فتمتم لنفسه: هو أنا جيت متأخر ولا إيه!!
تنهد ثم تحرك نحو والده وأخته، بينما مراد سار متوجهًا إلى فريدة التي وقفت بجوار نيرة وأبيها.
ضمت نيرة وجنتي مراد بين كفيها وقبلته بلطف، ثم قالت مدللة إياه: مبروك يا مرامير.
ومسد شعرها برفق وقال: الله يبارك فيكي يا حبيبتي.
ليسمع صوت عز المهنئ من خلفها: الف مبروك يا مراد باشا، تستحقها.
عاد بوجهه إليه ثم مد مراد يده ليسلم عليه: متشكر أوي.
ثم حرك رأسه باتجاه فريدة ويقترب إليها وهو ممسك بالدرع، فيهمس بابتسامة وهو يقدمه لها: اتفضل.
نظرت له بعدم فهم ثم انفرج شفتيها وهي تشهق بدهشة: متقولش! هي دي المفاجئة اللي تقصدها؟
أومأ برأسه متبسمًا لتهتف متعجبة بسعادة: واو يا مراد، بجد ما توقعتهاش خالص.
فتهمس نيرة وهو ترفع حاجبيها بذهول: انت هتدي الدرع لـ فريدة!!!
اقترب عز منهم وهو يعقد حاجبيه ثم أضاف: بس ليه يابني، مش دي جايزتك انت؟
أكد عز ليجيب مراد وهو يعلق عينيه بـ فريدة: أنا خدت جايزتي خلاص!
شعرت فريدة بالسقعة رغم كونها ترتدي سترة شتوية، لكن همس مراد ونظراته وأفعاله اليوم توترها بشدة.
أصبح شخصًا آخر غير الذي كان عليه من ذي قبل.
نهض عثمان كي يذهب ويهنئ ابن أخيه لكن ليس من قلبه، بل مجاملة كما يفعل أي شخص لا يهمه الأمر، فهو هكذا دائمًا لا يفرح لأي شخص أفضل منه خصوصًا مراد الذي خرج عن طاعته منذ زمن.
سار حتى رأى مراد يقف برفقة فريدة وبجوارها نرمين وهادي، وبالجانب الآخر والدها ونيرة.
ليتوقف فجأة عن السير وعينيه تجحظان بهول عند رؤيته لـ عز الدين، شعر بأن شعره قد شاب لتوه، وكأن السنين لم تمر أبدًا بل ما مضى كان مجرد حُلم واستفاق منه الآن.
رواية ظل السحاب الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم آية حسن
هل ما يراه أمامه حقيقة؟ أم مجرد تخيلات؟
كيف اجتمع هذان الإثنان معًا بعد مضي أكثر من 20 عامًا؟
كيف يسأل هذا السؤال وقد واجهه مراد بما فعل منذ زمن حتى يفرقها عن حبيبها؟
بالتأكيد هو من أخبره، لكن كيف يعرفه؟
...كيف؟
هل كان للقدر رأي آخر لم يتوقعه هو؟
هل الحياة تعطيه صفعة على وجهه من جديد؟
شعر بالدوار قليلًا وأن ساقيه أصبحت ضعيفة على حمله.
تقدم نحوه معتز وسأل هاتفًا جعلت عثمان يرتعش فزعًا:
إيه يا بابا وقفت ليه، مش رايح تسلم على مراد؟
نظر عثمان لابنه بوجه مصفر فتعجب معتز:
مالك يا بابا وشك مخطوف كدة ليه؟ انت كويس؟
هز رأسه توترًا بإيجاب ثم ذهب مسرعًا من المكان وكأنه يهرب خائفًا من المواجهة، تحت نظرات استغراب من معتز.
***
شاردة...
تضجع على بطنها وترفع بساقيها للأعلى.
تحدق أمامها في الدرع الكريستالي، تتذكر كلمات مراد لها وغيرته التي ظهرت في تصرفاته تجاهها يوم الحفل، خلدت تلك الذكريات في ذاكرتها للأبد.
الحياة أصبح لونها ورديًا، لكنها تشعر بأنه لن يدوم طويلًا.
لا تدري لم تسلل إلى قلبها ذلك الإحساس الغريب.
لتستفيق من شرودها على صوت ارتفاع رنين هاتفها.
اعتدلت في جلستها وربعت ساقيها.
أمسكت بالجوال وردت بهمس:
ألو؟ ازيك يا نيرو!
أتى صوتها مداعبًا:
أيوة يا عم، شكلك غارق في الحب.
أطلقت تتهيدة حائرة ثم قالت مستنكرة:
يختي حب إيه، هو اعترف أصلاً عشان أغرق!!
ضحكت نيرة وهمست بنبرة ماكرة وهي تمط كلماتها:
مين هو دة بقا اللي يعترف؟
أدركت فريدة نفسها، ووضعت أناملها فوق شفتيها بدهشة، فتجيب بتأتأة:
دة، دة...
قالت بنبرة لعوب:
دة إيه يا مكارة!
قهقهت فريدة بخجل ثم تقول:
خلاص بقا يا نيرو متكسفنيش.
همست بحبور وغبطة صادقة:
مبسوطالك أوي أوي يا فريدة، مراد بقا حاجة تانية، عملتي ف الجدع إيه يا شقية؟
قالت مازحة فتضحك فريدة، لتقول بنعومة وبراءة مصطنعة:
وأنا مالي بقا، مش هو اللي جالي ف نص الليل وفضل يرغي معايا، هو أنا يعني اللي ضربته ع إيده!!
قهقهت نيرة ولحقتها فريدة، لكنها توقفت عن الضحك لتقول بنبرة متذبذبة وهي تشعر بزعزعة في عقلها مما تفكر به:
بس أنا خايفة يا نيرة .. خايفة مراد يكتشف إن اللي حاسة مجرد مشاعر وهمية، أو تحصل حاجة تخليه يبعد عني، انا مش عارفة ممكن يحصلي إيه ساعتها!
ردت نيرة باطمئنان:
يا روحي متفكريش ف حاجة زي دي، مراد لا يمكن يبعد عنك طول ما هو بيحبك!
: بس هو مقالهاش !!
هتفت بيأس وهي تنكس وجهها وتمسك بجانب رأسها، فتستمع لـ رد نيرة المستنكر:
بعد كل دة ولسة مش قادرة تفهمي مشاعره؟
تنهدت نيرة ثم أردفت:
بصي يا فريدة، أنا عايزة أعرفك حاجة عن شخصية مراد .. برغم قسوته اللي باينة ف تصرفاته، إلاّ إنه شخص رجولي أوي، لا يمكن يبقى ما بيحبكيش ويوهمك العكس!!
: وافرضي بقا بعد دة كله، قاللي أننا أصحاب وبس؟
هتفت باستهجان وتأفف، فترد عليها بعد ضحكة:
اقتلـيه، لو قال كدة اقتليه.
كررت الكلمة بتشديد، لتقول فريدة مؤكدة:
وانتي بتقولي فيها!! وحياته عندي لعملها وانتحر وراه!
***
يجلس على أحد الأرائك بساحة الڤيلا الخاصة به، يشعر بالتشويش والتخبط، لكنه بدأ يهدأ كي يستطيع التفكير بروية.
فتتقدم ابنته إليه، فيطلب منها الجلوس:
تعالي يا نانسي اقعدي عندي، عايزك ف حاجة!
اقتربت منه وسألت:
في إيه يا دادي؟
استدار بجذعه إليها ليقول:
هو انتي تعرفي حد اسمه عز الدين؟
ضيقت ما بين حاجبيها فتهمس بغرابة:
عز الدين؟ مين دة يا دادي؟
تجاهل سؤالها، ليكمل:
ولا حتى سمعتي اسمه من مراد أو من نيرة؟
هزت رأسها ببطء نافية وهي تتطلع إليه، زفر عثمان بقوة ثم نهض ليهتف متأففًا:
ازاي شغالة عند مراد ومتعرفيش اللي بيدخل ويخرج من عنده؟
فنهضت هي الأخرى لتجيب بحنق:
منا معرفوش يا دادي أعمل إيه!!
صمت لبرهة فتذكر شيئًا، ثم التفت إليها بتساؤل وهو يضيق عينيه:
صحيح هي البنت اللي كانت واقفة مع مراد ونيرة، اللي شعرها طويل دي، تبقى مين؟
نفخت بقوة وردت وهي تكتف يديها:
تبقى اللي اسمها فريدة اللي حكيتلك عنها قبل كدة!
سحق شفتيه وهو يحاول ربط الأحداث ببعضها.
عودة عز.
قرب تلك الفتاة التي تدعى فريدة من مراد.
سر حب نيرة لها.
وجودها بالحفل مع عز رغم أنها لم تعمل بالشركة!!
كل هذا يؤكد أن لها صلة بعز، أمن الممكن أن تكون ابنته؟ هذا ما يجب أن يعرفه!
رفع بصره نحو نانسي ليقول:
نانسي .. أنا عايزك تعرفيلي اسم البنت دي بالكامل!
تعجبت:
اشمعنى!
زمجر:
يوووه .. متسأليش، انتي مش يهمك مراد يبقى ليكي؟
سأل بنبرة لعوب، لترد بغل:
أنا اللي يهمني إن البنت دي متكسبش عليا، وكمان مراد يندم على اللي عمله معايا!
اقترب منها وأحاط بكتفيها ليهمس قائلًا بطريقة ثعبانية:
هيندم بس انتي اسمعي كلامي! وزي ما عاش السنين اللي فاتت فـ جروح وحرمان، هيقضي باقي حياته فاقد الثقة ف نفسه!
كان كمن يدس السم في أذن ابنته، حركت رأسها تنظر بطرف عينها لـ عثمان وشر يكمن فيهما، والذي يقابلها بابتسامة شيطانية بعد أن تأكد أن قلبها امتلأ بالسواد نحو مراد، وستفعل ما يأمرها به!
***
يستلقي للخلف على ظهر المقعد، على وجهه ابتسامة عريضة، سعادة غامرة تخالط حياته من جديد بعد كل تلك الفترة التي مر بها، والتي كاد أن ينسى مذاقها، وكل الفضل يعود لسحابته الدافئة، التي تحملت سخافته وعنجهيته الرعناء.
كم يود أن يختطفها لمكان بعيد جدًا، ويعترف لها بعشقه بطريقة ملكية خاصة، يكفي كل ما عانته بالتأكيد هي تظنه الآن حائرًا ومترددًا في مشاعره، لذلك يفكر أن يقطع هذا الشك باليقين، حتى يريح قلبها الرقيق.
اعتدل في جلسته ثم نهض سريعًا وترجل من غرفة المكتب.
كان ينوي دخول المصعد لكن تذكر فجأة أنه لم يبلغ عماد أن يحضر بدلًا عنه مزاد عن قطعة أرض يود أن يشتريها، لأنه لا يملك الوقت.
دخل إلى المصعد الكهربائي وضغط زر الهبوط طابق واحد فقط.
بعد ثواني خرج منه متوجًها إلى مكتب عماد.
***
يجلس على المقعد أمام منضدة المكتب معطيًا ظهره للباب، ويتحدث عبر الهاتف المحمول.
: عايزة إيه يا فاتن! مش احنا اتكلمنا ف الموضوع دة مية مرة قبل كدة؟
قال مؤكدًا وهو يشعر بالأسى في قلبه على حبيبته التي تتحمله، فترد عليه بنبرة باكية:
حرام عليك يا عماد، أهلي كلهم فاكرينك بتتهرب من جوازتنا! أرجوك بلاش تضيع سنين عمرك عشان وهم ف دماغك!
انعقد حاجبيه بسخط، وقلبه يعتصر حزنًا، أسند مرفقه فوق ذراع المقعد ووارى وجهه بكفه بيأس، بينما مراد يفتح الباب وقبل أن يهتف، سمعه يقول:
انتي عايزاني اتجوز وأعيش حياتي، ومراد حياته واقفة وعمره بيضيع!
استمع إلى ردها المستنكر:
تقوم تضيع عمرك معاه؟ طب ذنبي أنا إيه؟ ليه عايز تحرمني منك بعد ما ضيعت حياتي ف حبك!! ليه عايز تبقى ابن هِرمة واطي!!
صرخت فنصب جذعه العلوي ليصيح عليها وهو يمثل أنه لا يبالي بها:
بقولك ايه، مش عايز رغي كتير، قولتلك مفيش جواز دلوقتي يعني مفيش، لو كنتي عايزة تفسخي خطوبتك مني، اتفضلي مع السلامة.
: ماشي يابن الدايخة، إلهي ربنا يسخطك قرد أعمى، وما توعى تشوف تحتك يا بعيد!
انهت دعائها ثم أغلقت بوجهه الخط، ليلقي عماد بهاتفه على المنضدة بتأفف، ثم يستدير بالمقعد فيتفاجأ بالذي يقف أمامه وعلامات الدهشة تحتل تقاسيم وجهه.
نهض من مقعده بحدقتين متسعة:
مراد باشا؟
تحرك مراد فوضع يديه على طرف المنضدة وهو ينظر إليه مليًا، ليهمس مستهجنًا:
إيه اللي أنا سمعته دة!
ابتلع جفاف حلقه:
سمعت إيه يا باشا؟
أشبك حاجبيه وهو يقول استنكارًا:
انت مش عايز تتجوز إلا لما أنا اتجوز؟! وأنا اللي كنت فاكرك مش مستعد للخطوة دي؟
تحرك من خلف المنضدة واقترب منه، ليقول نافيًا:
يا باشا، حضرتك بتقول إيه، الكلام دة مش صح! وأنا فعلاً معنديش استعداد دلوقتي للجواز.
هز مراد رأسه بإدراك:
يعني لما كنت بتقوللي مش هتتجوز غيري لما تفرح بيا، كنت قاصدها بجد!
ليجلس بيأس ويضع رأسه بين يديه، ليرد عماد محاولًا أن يشرح له:
يا باشا لو سمحت، اللي فهمته دة مش صح!
اندفع مراد برفع وجهه ينظر له في استهجان تام، ثم وقف ليهمس موبخًا:
إيه خلاك تعمل كدة؟ ربطت حياتك وعمرك بيا ليه؟ كنت بتفكر ازاي وانت بتعلق حبيبتك بشئ غبي زي دة!! فكرت فيا وما حاولتش تفكر فيها هي!!
أنّبه وكدره بسبب ما اقبل عليه من فعل حماقة كهذه، واللعنة كيف لأحد أن يلغي أو يؤجل سعادته كل تلك السنوات لأجل شخصًا آخر.
ليكـمل مردفًا بانفعال:
وبعد ما اتحملت غباءك وهبلك، جاي تقولها امشي!! انت بجد مستوعب كمية الألم اللي سببته لها!!!
أخفض عماد رأسه مانعًا دموعه عن التساقط، فهو يعلم أنه قد قهر فاتن وأرغمها على التحمل والصبر لأجل إرضاءه ولأجل أنها تحبه.
: افرض دلوقتي أنا ما دخلتش صدفة وسمعتك، كان هيحصل إيه قوللي؟
بدأ أعصاب مراد تنفلت منه:
فاهم ازاي قدرت تعمل اللي عملته دة! كسبت إيه انت، لما ضيعت شبابك على تخاريف مش موجودة غير ف دماغك انت وبس! .. أنا مين عشان تحبس نفسك معايا بإرداتك، جوة صندوق مضلم اتحطيت فيه غصب عني!!!!
صرخ مراد بتشنج، وهو يشعر بالاختناق في شرايين قلبه.
ليرفع عماد بصره بعينيه اللامعتين بقطرات من دموع الغلبة، فأجاب بنبرة ومقة:
انت كل حاجة يا مراد، انت الصاحب والأخ، انت السند، أنا متحملتش شغلي ف الداخلية من غيرك يا باشا، لما رغد ماتت وانت دخلت ف غيبوبة مؤقتة، خوفت يحصلك حاجة أو تروح مننا، ما كنتش عارفة أعمل ايه غير اني أدعيلك.
ولما فوقت فرحت أوي، وبعدها دخلت ف أزمة نفسية كبيرة بسبب اللي حصلك، كانت ممكن بجد تقضي عليك لولا إنك شجاع، بس لما ابتديت ترجع تاني وتفوق كنت رافض ترتبط بأي بنت، وعيشت نفسك في ذكرياتها.
وأنا كان صعب عليا أشوفك عايش ف دوامة بتاخد من طاقتك وعمرك وقلبك .. ومنايا إنك تبقى سعيد ومبسوط مع الإنسانة اللي تستاهلك وتطلعك من الماضي.
وعشان كدة حلفت إني ما اتجوزش غير لما أحقق امنيتي دي!
كان يستمع مراد له بوجه مذهول، كم أنه شخص غير طبيعي، يترك الزمن ينهب من عمره، أمام عينيه ولا يفعل شيئًا.
لما جعله يشعر بذنبًا آخر وهو لا يقدر على أحماله!
وضع مراد يده فوق كتفه وقال:
من بكرة تاخد أجازة وتجهز لفرحك!
قال حازمًا ثم تحرك نحو الباب، تحت نظرات استهجان من عماد، فتحه والتفت برأسه إليه ليقول:
ومتخافش يا عماد، أمنيتك هتتحقق... قريب أوي!
أغلق مراد الباب خلفه تاركًا إياه يقلب آخر جملة في عقله كمن لا يستوعبها.
ليقفز فجأة بمرح وتهلل:
قال ظافرًا: يس يس ... أما الحق البت قبل ما تديني خازوق!
همس لنفسه وهو يهم لمكالمتها.
***
خرجت من غرفتها وهي تهتف بنداء:
بابا!
لتلمحه بالمطبخ فتسير صوبه وتسأله:
حضرتك بتعمل ايه؟
أجاب وهو مسك بيد الإناء ويصب الماء في الكوب الزجاجي:
بعمل شاي، تحبي تشربي معايا؟
دخلت من المدخل المتوسط وتسائلت وهي تجذب منه علبة الشاي المجفف كي تكمل إعداده هي:
طب وما قولتليش ليه!
: مفيش مشكلة يا حبيبتي، أنا كدة كدة كنت فاضي.
بعد أن انتهت من إعداد المشروب ترجلت مع أبيها من المطبخ ليجلسا فوق أريكة أمام التلفاز.
لتهتف بعفوية دون تردد:
عايزين نقتحم بيت مراد عشان نتقدم لـ نيرة يا بابا.
كان يرتشف من الشاي فما لبث أن استمع إلى قولها بثق ما في فمه فورًا.
فتعجبت منه:
إيه يا حاج مالك؟
نظر إليها عز فقال بلجلجة في نبرته:
انتي... انتي بتقولي ايه يا فريدة؟
نقلت فريدة بصرها نحو كفي عز المرتجفة، والكوب يهتز بينهما.
فتمسك بمعصمه وتهمس:
أهدى يا بابا، انت اتوترت ليه؟ ولا انتي مكسوفة يا خلبوصة؟
قالت مداعبة وهي ترسم ابتسامة لعوب.
أسند عز الكوب من يده ليعود إليها بالحديث قائلًا باستنكار:
جواز إيه اللي بتتكلمي عنه؟ هو احنا صغيرين عشان تقولي كدة؟
انعقد حاجبيه فهمت فريدة بالنهوض لتقول بعملية:
مهو عشان انتوا مش صغيرين لازم تاخد خطوة رسمي، دور المراهقين اللي عايشينه دي مش هينفع مع مراد، وأعتقد كلامه كان باين أوي إنه مش راضي عن تصرفاتكم، وإنه لازم تتطلبها منه!
هتف عز بخشونة:
بنت!
لتعود مجلسها وهي تقول مؤكدة:
إيه كلامي غلط؟ مش دي الأصول برضو يا حاج ولا إيه؟ والبنت استنتك كتير عشان تنطقها، بالله عليك يا بابا وافق نفسي أفرّح نيرو!
هتفت بإلحاح شديد، فصمت عز لهنيهة يفكر في كلامها.
نعم، لقد صبرت نيرة كثيرًا، يكفي الوقت الذي هدره، يجب عليه أن يتخذ القرار الصائب.
أطلق تنهيدة قوية ثم أومأ برأسه بإيجاب.
lyقفز فريدة من مكانها وهي تصرخ بمرح وبطريقة بهلوانية.
***
خرجت ف الثامنة مساءًا ترتدي فستانًا جميلًا وبسيطًا من اللون البنفسجي.
ضيق من الخصر وفضفاض من أسفله.
جمعت شعرها على الجانب وتركته منسدلًا.
سارت بطريق المنطقة حتى بلغت أول الشارع، دارت بعينيها المكان، فترى سيارة مراد تقترب صوبها، ليهبط فورًا ويتقدم إليها ويفتح لها الباب بذوقية.
أعجبها أسلوبه الحضاري.
تحركت كي تصعد، لتهمس بنعومة وهي تنفح هواءً عطر إليه:
يا واد يا كاريزما انت.
ضحك بخفوت ثم أغلق الباب بعد أن جلست في المقدمة، ليتحرك هو ويصعد بجوارها على مقعد القيادة.
أخذت تحدق به وتركز على كل إنش في وجهه بتأمل عميق، شعره الناعم.
حاجبيه الكثيفة المرسومة باستقامة.
أنفه الحاد، شعيرات ذقنه الفاتحة.
شفتيـ...
: بتبصيلي كدة ليه؟
استفاقت من تأملها على صوته دون أن يلتفت برأسه، لترد بهيام:
سرحانة فيك.
ابتسم ببهجة ليسمعها تردف:
يا بختها رغد.
لتسقط ابتسامته فورًا فتبدأ ملامحه تتجهم.
لم يرد لتلك الليلة المميزة أن يعكرها شئ، حاول تجاهل الأمر بالصمت.
حتى هي قد شعرت بالسوء من ذكرها اسمها، لكنها تغار منها.
نعم، رغم أنها لم تعد بالحياة إلا أنها تغار وبشدة.
ما زال يعشقها، وهي كانت تتمنى أن تحب رجلًا تكون هي أول امرأة بحياته.
لا تدري هل ستتخطى هذا الأمر بسهولة أم أن هذا العشق سينهكها تعبًا!
وصل مراد إلى أحد المطاعم الفخمة، فتحرك بها نحو طاولة مخصصة قد حجزها لها مسبقًا.
اختار مكان مفتوح ليس به الكثير، كي يستطيعا التحدث بأريحية.
سحب المقعد كي تجلس فوقه لتقول بصوت منخفض:
شكرًا.
ليهمس بمخملية بالقرب من أذنها:
العفو يا قمر.
ارتسمت بسمة خافتة، ثم تحرك مراد وجلس مقابلها:
عجبك المكان؟
سألها متبسمًا، فتهز رأسها ثم تتساءل دون تفكير:
جبت رغد قبل كدة فيه؟
: خلاص بقا.
هتف بحدة، حاول التغاضي عن رعانتها لكنها تتمادى.
ليردف بتأفف:
المطعم فاتح من 3 سنين بس، هجيبها فيه ازاي!
رأت فريدة شرارات نارية تتطاير من مقلتيه، أخفضت جفنيها وهي تجاهد ألا تضعف وتبدأ بالبكاء.
سحب مراد نفسًا عميقًا يملأ به صدره محاولًا الهدوء، ليهمس برفق:
فريدة، متضايقيش مني، انفعلت غصب عني .. بلاش تتكلمي ف الموضوع دة على الأقل دلوقتي!
رفعت رأسها وهي تنظر بعيدًا تكبح دموعها، فأومأت دون أن تتكلم.
فينظر الآخر لها، فسأل:
ساكتة ليه؟
بالكاد سمعها تهمس:
مفيش حاجة.
شعر مراد بصوتها المحتبس، وملامحها المستاءة.
نهض وتحرك يجلس بالقرب منها، تلمّس وجنتها بلطف، ليهمس:
متزعلش بقا، ولا عايزاني أصالحك كمان؟
قال مداعبًا لتنفرج شفتيها ببسمة اختطفته، فتحرك رأسها نحوه وتقول:
عايزين نشرب الشاي عندكم يوم الخميس!
ضم ما بين حاجبيه بغرابة:
مش فاهم؟ هتخطبيني ولا إيه؟
سأل مازحًا، لتقول بوجوم:
ظريف أوي .. جاية أطلب إيد نيرة لبابا!
قهقه مراد، ليقول ساخرًا:
انتي اللي جاية تطلبيها؟
أكمل ضحكه لتزم فريدة شفتيها ثم تهتف بحنق:
إيه يعني، مش عاجبك؟
: هو أنا أقدر!!
أجاب بصوت رقيق، فتشعر بقشعريرة تلامس جسدها من همسه.
حمحم ليقول:
هستناكي يوم الخميس بقا عشان تيجي تقري فاتحة معايا!
قال وهو يحاول ألا يضحك، لكنها سبقته وقهقهت، فـ هامَ هو بها، صمتت تنظر له، وخبأت فمها براحة يدها حرجًا:
آسفة.
: على إيه؟
تعجب، لترد:
على ضحكتي المزعجة.
: أحلى ضحكة ف الكون.
قال بصدق من أعماقه، فخجلت من إطراءه.
فتسمعه يقول:
سيبك بقا من أبوكي ونيرة، خلينا فينا احنا!
عضت على شفتيها بخجل، فازدادت وتيرة أنفاس مراد بسبب تلك الحركة المذيبة له، حاول التركيز على ما يود قوله.
همس باسمها:
فريدة.
لترد بنبرة رقيقة:
نعم!!
: أنا...
ابتلع لعابه، شعر بالاضطراب يصيب جسده.
الموقف كان يثير الرهبة في نفسه وكأنه أول مرة يقع بالحب، أو هكذا الحال بالفعل.
حاول عدة مرات أن ينطق لكن الكلام يقف بحنجرته ولا يعرف كيف يخرجه.
هذا جعلها تشعر بالسخط من سكوته الذي طال، ترجمت هذا على أنه تردد ولم تفهم أنه يعيش اللحظات كأنه مراهق في سن الثامنة عشر.
نهضت بجمود، فتعجب هو ثم هرولت مترجلة، فقام خلفها بسرعة حتى رآها تصل إلى السيارة، فجذبها من ذراعها حتى اصطدمت بصدره.
: انتي إيه خلاكي تجري بالشكل دة؟
هتف بخشونة ليجدها تشرع في البكاء، ليزمجر:
انتي دلوقتي بتعيطي ليه؟
فترد من بين بكائها:
عشان انت مش عايز تبقى صريح معايا، متردد، أو خايف.. بتحاول تضغط على نفسك عشان تقولهالي لكن مش هاين عليك، صح؟
: خايف؟
قال مستنكرًا، لتجده يتحرك نحو السيارة ويصعد فوقها، فتصيح بدهشة لما فعل:
انت بتعمل ايه؟
هتف لها من فوق السيارة:
انتي بتقولي إني خايف، وبضغط على نفسي؟ هو أنا عشان بدور على طريقة حلوة أقولها بيها يبقى متردد وخايف؟ طب انتي عايزاني أخليكي مميزة ازاي، لو مفكرتش ف طريقة أسطورية اعبرلك بيها عن اللي جوايا؟ قوليلي انتي نفسك تتقالك ازاي؟
كان يهتف بأنفاس مضطربة وارتفاع في ضربات قلبه غير اعتيادي.
تطلع إليها وهو يشعر بتشوشها، ليردف دون أدنى تردد منه وهو يصرخ بأعلى صوته:
بحبــك يا فريدة، بحبــك يا أحلى وأرق إنسانة قابلتها ف حياتي، بحبـك .. مراد الحديدي بيحبك.
أو يهمس لها مؤكدًا، فاتسعت حدقتي عينيها بذهول وهي بالكاد تحاول أن تستجمع وعيها.
نظرت حولها فوجدت بعض الأشخاص يتهامسون وع وجوههم ابتسامات، لتعود وتتطلع إلى مراد الذي ما زال يقف فوق السيارة.
قرصت نفسها كي تتأكد أنها لا تحلم، فابتسم مراد وهبط من الأعلى ثم قربها إليه بلطف وهمس:
انتي صاحية يا فريدة، صاحية وأنا قدامك وبقولك بحبك.
رجفة أصابتها وكأن أسلاك كهربائية صعقتها، ليقلق عليها مراد:
مالك يا حبيبي.
شهقت بصدمة، هي لا تستوعب ما فعله وقاله، والآن يصفها حبيبته؟
رجع عقلها ولسانها قد أُلجم، تشعر وأنها لا تقف على الأرض.
تشوشت الرؤية عن بصرها، وميض يأتي ويذهب، لتشعر بساقيها تخر قواها، كادت تسقط على الأرض فاقدة للوعي لولا مراد حاوطها بسرعة بذراعيه، ليصرخ هلعًا:
فريدة........
رواية ظل السحاب الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم آية حسن
تجلس فوق مصطبة على طريق النيل. تضم رأسها بين يديها بتعب، بعد الدوار الذي شعرت به منذ نصف ساعة. لم تتمكن إلى الآن إدراك ما فعله مراد، واعترافه بالحب بطريقة جنونية. كانت تظن أنه سيعترف بصعوبة حينما شعرت باضطرابه، لم تتخيل على الإطلاق سيعلن عشقه لها بتلك الحركة المهووسة، في الشارع وأمام الجميع، دون الاكتراث لمركزه الاجتماعي ولا لوقاره.
يقف أمام أحد عربات المشروبات يبتاع شيئًا لأجلها. ثم عاد وهو يحمل مشروبًا ساخنًا كي يهدئ من اضطرابها. جلس بجوارها ليضع الكوب بين يديها برفق:
اشربي ده هيدفيكي ويريح أعصابك!
أومأت برأسها ثم رفعته لشفتيها ترتشفه بحذر، لكن لسانها قد لُسع، فشعرت بالحرق وتأوهت، لتهمس:
سخن أوي.
فينفخ فيه حتى يبرد قليلًا، ليقول مراد علميًا:
مينفعش تنفخي في الأكل، لأن الهوا اللي بيخرج من الفم بيبقى محمل بالجراثيم والميكروبات، فبالتالي لما تيجي تشربي أو تاكلي الحاجة اللي اتنفخ فيها كدة بتبلعي معاها البكتيريا اللي ممكن تتسبب لا قدر الله في أضرار كبيرة للمعدة! ده غير أمراض تانية مزمنة زي السكر.
: عليا النعمة انت اللي هتجبلي السكر، يخربيت حلاوة أهلك يا شيخ.
قالت ببلاهة دون إدراك، ليقهقه مراد على طريقتها. لتكمش وجهها ببكاء:
والنبي بلاش تضحك كده أحسن أعيط!
: تعيطي ليه يا حبيبي، فيه حاجة بتوجعك؟
سأل مهتمًا بنبرة حانية، فتمط شفتاها السفلية بطفولية، لتقول وهي تئن:
ربنا يسترك متقولهاش تاني، أنا ممكن يغمى عليا بجد المرة دي!
انعقد جبينه بشدة ثم همس باقتضاب وهو ينظر أسفله:
ماشي.
تضع كفها فوق كتفه وتتساءل:
انت زعلت يا مراد؟
تنهد:
لأ.
أمسكت بذقنه ورفعت وجهه إليها:
أنا بجد آسفة، بس والله مش قادرة أستحمل كمية المفاجآت دي منك، عشان خاطري متضايقش!
قالت معتذرة لتظهر ابتسامة خافتة على ثغره:
مش مضايق خلاص.
كان يود أن يسمعها من شفتيها عوضًا عن أسفها اللعين، لكنها حمقاء لا تفهم شيئًا، فقط تزمجر منه وتغضب، وتهرتل بأشياء تافهة لا معنى لها.
ابتسمت فريدة بسرور، تنهد قبل أن يقول:
اشربي النيسكافيه، عشان نمشي.
أومأت برأسها ثم بدأت تتجرع القهوة، ليتذكر أمرًا وهو يخرج شيئًا من جيبه:
آه صح نسيت، كنت جايبلك هدية صغيرة كده يا رب تعجبك.
انفرجت شفتيها باندهاش، حينما رفع بسلسال سوليتير يعقد به من الأسفل قطعة على شكل حرف الـ M. أمسكت بها وهي منبهرة بشدة من جمالها:
جميلة أوي يا مراد، بجد ذوقك يجنن.
سألها متبسمًا:
عجبتك؟
أومأت برأسها، لتهمس:
بس دي تلاقيها غالية أوي.
: مفيش حاجة تغلى عليكي.. هاتي بقا ألبسهالك.
قال وهو يهم بالاقتراب منها، فأزاحت نفسها للخلف مبتعدة عنه فورًا، انكمش وجهه معقودًا بسبب فعلتها. حاول تمالك نفسه كي لا يسخط عليها، فتجاهل الأمر بإرادته، ونهض ليقول:
أنا معايا مكالمة مهمة نسيتها، خلصي قهوتك لغاية ما أرجع.
تركها وتحرك نحو سيارته وهو يحبس الدماء بداخله. ليس لديه مكالمات، لكنه إن ظل موجودًا لدقيقة أخرى سيحدث انفجارًا، لذلك تحجج حتى يمسك نفسه عنها!
***
: عرفتلك يا دادي اسم البنت اللي اسمها فريدة بالكامل.
هتفت نانسي وهي تجلس على طاولة الطعام مع أبيها وأخيها الذي انتبه على الاسم فقال متعجبًا:
فريدة؟ مالها؟
ليرد عثمان بجفاء:
وانت بتسأل ليه؟ كملي يا نانسي.
قال وهو ينظر شزرًا لـ معتز، فتردف نانسي:
اسمها فريدة عز الدين زي ما قولتلي قبل كده!
قال وهو يهز رأسه:
أنا كنت حاسس.
: ما تفهموني فيه إيه؟
هتف معتز، ليهمس عثمان وهو يجز أسنانه ساخرًا:
بس يا حداد.
زم معتز شفتيه بحنق على استهزاء أبيه، فنهض ليصيح بتذمر:
وماله الحداد ها؟ مش من مقام حضرتك مش كده؟ بس على الأقل ضميري ارتاح دلوقتي، أحسن ما كنت حرامي وباخد حاجة مش من حقي!
ألقى الخرقة بعنف على الطاولة ثم صعد إلى الأعلى.
: ليه يا دادي قاسي على معتز كده؟
سألت باستياء، ليرد عثمان وهو يشيح بيده:
سيبك منه، ده غبي.. قوليلي عرفتي إيه عنها كمان.
همست بنبرة خبيثة:
ده أنا عرفت بلاوي، حاجات هتفيدنا أوي.
يهتف مشجعًا:
براڤو يا نانسي براڤو، هي دي بنتي حبيبتي.
لتشرع في إخباره بالخبث عن فريدة، وكأن الشياطين تجتمع في هذا المجلس، يتآمرون بالمنكر عليها في تشاور بينهما بخطط دنيئة تليق بهما.
***
: انت إيه اللي جابك الشركة يا عماد، أنا مش قولتلك انت في أجازة لغاية ما تتجوز؟
قال مراد ممسكًا بأحد المستندات ويقلب في ورقه بتركيز، ليقترب الآخر ويجلس أمامه:
مقدرتش بصراحة، وبعدين أنا مش مستعجل!
أغلق مراد الملف وهو يقول بغلظة:
بس خطيبتك مستعجلة، وبصراحة من حقها، كفاية السنين اللي فاتت من عمرها، وهي ماشية ورا دماغ حد متخلف زيك!
ضحكة خافتة خرجت فقال:
كل شيء بأوانه يا باشا، ومفيش حد بياخد أكتر من نصيبه.
ابتسم مراد ليقول:
أهي دي أكتر حاجة قولتها صح في حياتك، وعندك حق فيها!
: طب أنا بقا هروح أشوف شغلي وأسيبك.
نهض من مكانه، فرفع مراد جذعه العلوي قليلًا ليقول:
متنساش الساعة 4 المزاد هيبدأ!
: متقلقش هكون في المعاد بالظبط!
هز مراد رأسه:
تمام.
غادر عماد المكتب، فألصق مراد ظهره على ظهر المقعد، يفكر في عشقه التي جعلته كالأحمق ويتصرف كالمراهقين معها. أحيت قلبه الذي عاد له شبابه بعد سنوات الهرم التي عاشها طويلًا.
***
تقف أمام الخزانة تهتم في انتقاء أفضل البدلات عند أبيها. ضرورةً.. فاليوم هو الخميس، ستتقدم بطلب يد نيرة لعز الدين، اليوم الذي طال انتظاره لسنوات، وحان الآن يفعلها رسميًّا وكل الفضل بعد الله سبحانه وتعالى، يعود لتلك الصغيرة الهوجاء المتهورة.
وبعد وقت كثير من البحث عن أفضل طاقم، اختارت سترة جملية اللون وقميصًا أبيض، بالتأكيد سيصبح أبوها وسيمًا في هذا الزي. لتنتبه على صوته أثناء تأملها في الملابس:
خلاص نقيتي اللي على مزاجك؟
تقدمت نحوه وهي ممسكة بالثياب فتقول:
البليزر ده هيبقى تحفة عليك، بس من غير جرافتة، لو عايز تستبدل القميص بتيشيرت مفيش مشكلة.
ضحك عز على ما قالت، ثم ضم رأسها بين يديه وهزها بمداعبة:
عايزة تلبسي أبوكي تيشيرت على آخر الزمن، طب حتى اعملي حساب لسني!
قالت بطفولية:
يا بابا بقا.. حبيبي انت رايح تتجوز يعني يحقلك تعمل اللي عاوزه!
أردفت ببساطة وعملية ثم أشارت بيدها بعد أن أسندت الملابس فوق الفراش:
اتفضل بقا اجهز، وأنا مش هتأخر عليك.
لتطبع قبلة على وجنته ثم تترجل من الحجرة، تتركه كي يهيئ حاله استعدادًا، وهي أيضًا تجهز نفسها.
***
خرج من حجرته قاصدًا الذهاب لغرفة نيرة، يخبرها عن قدوم عز الدين هو وفريدة، كي يتقدم لخطبتها، كانت تود تلك البلهاء أن تفاجئها وهو لم يريد أن يحبطها.
طرق الباب بهدوء، وبعد ثواني فتحت له الباب، فقالت مبتسمة:
مراد، تعالي يا حبيبتي.
دلف بالجوار فسألته:
إيه أخبارك مع فريدة؟
أجاب باختصار:
تمام، أكيد يعني بتحكيلي.
رمقها بمكر لتتعالى ضحكاتها. صمتت لبرهة ولا يعرف كيف سيخبرها. حك عنقه ثم رفع بصره إليها وقال صراحةً:
نيرة، عم عز الدين جاي مع فريدة يطلبوا إيدك!
إثر تفوهه انزلقت قدمها لتقع فوق الفراش، فيهتف مراد باسمها قلقًا وهو يتحرك نحوها بسرعة:
نيرة.. مالك يا حبيبتي؟
أمسك ذراعيها بلطف وحركها نحوه، ثم ضم وجنتيها برفق يطمئن عليها:
انتي كويسة؟
هزت رأسها ببطء. ثم أمسك كفيها وعلامات الاضطراب تحاوط ملامحها بسبب الصدمة التي وقعت على مسامعها كالقنبلة. جسدها يرتعش، فيشعر مراد ببرودة في أطرافها وهو يضم كفتيها بحنو، فيهمس متسائلًا:
إيه يا نيرو، حاسة بإيه؟
قالت برجفة في نبرتها:
بردانة أوي يا مراد، خدني في حضنك.
احتضنها فورًا وجعل يمسد على ذراعيها وظهرها برفق. ضربات قلبها قد انخفضت، وجهها بدا عليه الشحوب، أحس مراد بثقل رأسها على كتفه، وارتخاء يديها، فصاح ذعرًا:
نيرة، فوقي!
غابت عن الوعي، انتشر الفزع في قلب مراد عليها، ربت على وجنتها بتوتر، فصرخ لأحد العاملات:
مدام عفاف، يا سماح.. نيرة أرجوكي اصحي!
ليتفقد نبض يدها فيجدها متجمدة مثل الثلج، ازداد شعوره بالقلق والهلع، حاول تمالك روعته حتى يستطيع التفكير، ليضع رأسها برفق على الفراش، ثم أخرج هاتفه المحمول واتصل على الطبيب.
بالأسفل جرس الباب اعتلى رنينه، فذهبت أحد العاملات لتفتح، فكان العم شفيق هو الطارق:
ازيك يا بنتي.
ردت بأدب:
الحمد لله يا عم شفيق، اتفضل حضرتك.
دلف للداخل فرأى عفاف تركض هرعًا إلى الأعلى، فيسأل بقلق:
هو فيه إيه يا بنتي؟
رفعت كتفيها وهي تقول:
مش عارفة والله، بس الظاهر الست نيرة تعبت.
ليهتف بدهشة:
نيرة؟؟؟!!!
***
جاءت الطبيبة، تفحص نيرة بالداخل، وينتظرها مراد الذي يقبض على حافة الدرج والقلق يسيطر على قلبه، ومعه العم شفيق أمام الغرفة حتى يطمئنا على صحتها.
ترجلت الطبيبة بعد حوالي ربع ساعة، فالتفت مراد بسرعة إثر خروجها ليسألها بلهفة:
خير يا دكتورة، طمنيني.
بينما تجيب الطبيبة دق جرس الباب، فتحركت العاملة كي تفتحه:
متقلقش يا أستاذ مراد، مفيش أي حاجة، غير هبوط في ضغط الدم وهو اللي سبب لها الإغماء.
كانت عز الدين وفريدة هما القادمان، فما لبث أن دخلا، فريدة وهي ترفع رأسها للأعلى عشوائيًا، انتبهت لمراد والعم شفيق وسيدة يبدو أنها طبيبة. فين عقد حاجبيها وهي تستمع إلى قولها وهي تحادث مراد:
أنا كتبتلها على حقن تتحط في المحلول، وهيظبط لها الضغط شوية، بس يا ريت الراحة ثم الراحة.
شددت على آخر كلمة، ثم أعطته روشتة الأدوية، فشكرها مراد وطلب من عفاف أن توصلها للباب، ثم يدلف مراد عندها.
صعد القلق على وجهي عز وفريدة اللذان قد تطلعا إلى بعضهما البعض، ثم هرولت فريدة بسرعة للأعلى وخلفها والدها.
تهتف بفزع وهي تقترب من العم شفيق:
فيه إيه يا عمو مالها نيرة؟
انتبه لهما العم شفيق ليجيب:
متخافيش، هي بس الظاهر متحملتش المفاجأة واغمى عليها.
تحرك عز ببطء وهو يقترب منه بوجه قد هربت الدماء منه، وارتعاد يدوي في نبضات قلبه. فهمس:
أغمى عليها؟
: متخافش يا عز والله الدكتورة طمنتها، هي بس تلاقيها اتوترت مهي عروسة بقا.
قال مازحًا كي يهدئ من القلق الذي كان باديًا على تقاسيم وجهه:
أنا هدخل أشوفها، بعد إذنكم.
قالت فريدة ثم همت وتحركت لتفتح الباب. فيقول العم شفيق وهو يمسك بذراع عز ويتوجه به إلى الدرج:
متخافش يا عز، هتبقى كويسة.
***
دخلت فريدة بسرعة وتسائلت بهتاف:
نيرة...
رفع مراد رأسه إليها بسرعة وهمس لها:
شش، وطي صوتك يا فريدة.
كان يجلس بجوارها ويمرر يده على شعرها برفق، فجلست فريدة بالمقابل وهمست بصوت خافت:
أنا آسفة ع اللي حصل، أنا السبب يا ريتني ما قولتلك خليها مفاجأة.
لامت نفسها بحزن شديد على منامتها هذه، اعتدل مراد وأمسك يدها بلطف:
يا روحي اهدي، هي هتبقى حلوة، وبعدين دي طبيعة البنات العبيطة اللي زيك كده!
قال مشاكسًا فسحبت يدها من بين كفيه، فتنهض وتشبك يدها في خصرها:
بقا أنا عبيطة يا مراد يا حديدي!
لينهض هو الآخر ويفعل مثلما فعلت، ويقول مقلدًا:
أيوة يا بنت عز الدين، ياللي جدك كان قائد طيران عنتيل.
ضمت شفتيها محاولة منع ضحكتها، ثم وكزته في بطنه:
ما تتريقش على جدي.
: مش هتبطلوا لعبة القط والفار دي بقا.
انتبها على صوت نيرة الضعيف، فتقترب منها فريدة بسرعة وتحتضنها:
سلامتك يا نيرو، إن شاء الله أخوكي وعياله يا رب.
رفع مراد أحد حاجبيه باستنكار. بينما نيرة نهضت معتدلة وهي تضحك:
ربنا يخليكي ليا يا فريدة يا حبيبتي.
لتتساءل برقة:
حصلك إيه يا قلبي؟ أكيد الوحش ده مهددش ليكي.
أردفت بطريقة لعوب وهي ترجت ببصرها له، ليضيق عينيه وهو يرمقها بنظرة أخافتها. فنهضت من مقعدها وسألته بصوت كاد يخرج من حلقها:
إيه يا مراد هتفضل واقف كتير، لالا ماينفعش.. يا ريت تتفضل عشان ورايا عروسة لازم أجهزها.
قال وهو يمعن النظر إليها ويعقد ذراعيه أمام صدره:
لسة ما بقتش عروسة، وأنا لسة موافقتش!
لترد بطفولية وهي تضرب بقدمها بالأرض:
والله أعضك بس ها!
قهقه هو ثم استدار كي يخرج، فوقف والتفت برأسه ليقول بابتسامة وهو ينظر لفريدة:
متتأخروش.
عضت على شفتيها، ثم أدركت نفسها بسرعة لتهمس بعجلة لنيرة:
قومي يلا البسي بسرعة، بابا مستني على نار تحت.
***
يجلس الرجال بالردهة ينتظرون نزول العروس حتى يبدأ الحديث الجدي بوجودها. بالفعل بعد وقت ليس بالكثير هبطت فريدة من نيرة التي كانت ترتدي بنطال واسع من الأعلى إلى الأسفل باللون الأبيض المطفي، وفوقه بلوزة ضيقة من الوسط وأكمام شفافة بنفس لون البنطال، وقصة شعر بسيطة وبعض مساحيق التجميل الخفيفة، جعلتها كالأميرات.
نهض عز وسلم عليها ليهمس بمخملية:
سلامتك يا نيرة.
ردت بنبرة رقيقة وهي تتفادى النظر إليه خجلًا:
الله يسلمك يا عز.
جلست نيرة بجوار مراد، وفريدة على الأريكة الموجودة بالمنتصف بجوار عز الدين، وبالقرب من مراد، والعم شفيق على مقعد بجوارهم.
اقتربت من أذنه لتهمس:
اتكلم أنا ولا أنت يا بابا؟
كان صوتها مسموعًا فضحك مراد ونيرة بخفوت، لينتبها إلى قولها بنبرة مرتفعة:
طيب يا أستاذ مراد، أنا جايه أطلب منك إيد الآنسة نيرو كريمتكم، لابننا الوحيد زيزو، طبعًا انت موافق، مش كده؟
قالت وهي ترمقه بنظرة لعوب، فقهقه الجميع على عفويتها، ليحمحم مراد ثم يردف:
حضرتك يا أستاذة فريدة يشرفني طبعًا، بس لازم أسمع ابنك الأول قصدي والدك.
قال بضحكة خفيفة ثم قالت فريدة:
لأ، ابننا بيسمع كلامي كويس، فخلي كلامك معايا.
: معلش يا فريدة استني، عشان أنا حابب اسمعها من والدك.
قال مراد بجدية مترفقًا في نبرته، كادت أن تعترض لكن قبض عز على ذراعها بخفة. حمحم عز حتى يضبط صوته ثم قال برزانة ووقار:
أنا يسعدني ويشرفني يا مراد باشا أطلب منك إيد نيرة، وبتمنى هي توافق إنها تقضي اللي باقي من عمري معايا وجنبي، وتبقى رفيقة دربي مش بس مراتي، وتعوضني سنين الحرمان اللي عيشتها من غيرها، وأوعدها إني أكون عوضها اللي تستاهله.
انبسطت أسارير نيرة فرحًا، كاد قلبها يقفز بين أضلعها سرورًا وبهجة، ترقرق عينيها بدموع السعادة والانشراح.
جذبها مراد إليه ليقول بابتسامة وهو يمسد على ذراعيها بحنو:
أنا موافق.
ثم يعود ببصره للعم شفيق:
وحضرتك يا عم شفيق؟
: أنا كمان موافق.
أجاب متبسمًا، لتدفن نيرة نفسها بسرعة بين أحضان ابن أخيها وتجهش باكية.
لتطلق فريدة صفيرًا عاليًا بمرح، فينتبه الجميع إليها ليندفع مراد برأسه نحوها وهو يتطلع إليها باستنكار. فتقول بحرج:
أصل أنا بعرفش أزغرط!
فيضحك الجميع عليها. الآن لقد انتشرت الفرحة في بيت الحديدي بعد مرور زمن، ومن الآن لن تغمرهم غير السعادة وفقط!
***
يقود سيارته ليعود إلى منزله، شعر بالاشتياق لحبيبة قلبه فمنذ الأمس لم يلتقيها سوى أنه يحادثها عبر الهاتف، مرتين أو ثلاث طوال اليوم. تتحدث كعادتها عن أمور عجيبة وغبية مثلها، كـ حكيها عن صديقتها نرمين وحبيبها هادي، أو عن أبيها ونيرة، وأمورًا تخص رغد ولا يدري لمَ دائمًا تضع اسمها في وسط الكلام، تحاول أن تصل إلى ماذا؟ حقًا لا يعرف.
وتتحدث عن الجميع عداهما، وكأنها تتهرب من تلك الكلمة التي يشتاق لسماعها من فمها الرقيق.
زفر بقوة ثم استمع إلى رنين جواله بنغمة رسالة. أمسك الهاتف وفتح الرسالة، التي عبارة عن..
«مبروك يا باشا الحب الجديد، يا ترى هتقدر تحافظ عليها ولا هتروح زي اللي راحت هي كمان؟»
ضغط على المكابح باندفاع حتى كادت السيارة أن تنقلب به.
***
انتهت من حصتها وتقف مع نرمين ينتظران سيارة أجرة تقلهما لمنازلهما. الاثنان كعادتهما يمزحان معًا. بينما في جانب آخر تقف سيارة سوداء تراقبهما، ثم تتحرك تلك السيارة في اتجاه فريدة ونرمين.
ليخرج شخصًا رأسه من النافذة يرتدي نظارة سوداء تخفي ملامح وجهه، فيخرج بندقية ليشد أجزائها نحو فريدة، بينما السيارة تقترب منها، ثم يضغط على الزناد فتنطلق رصاصة تتوجه صوب قلب تلك المسكينة لتقع إثرها أرضًا كالجثة بجوار نرمين التي لا تستوعب ما حدث في غمضة عين.
من هول الصدمة لا تدري ماذا تفعل، فقط تحدق إلى فريدة الملقاه أرضًا. وبعد صمت دام لثوانٍ معدودة، انفلتت صرخة مزقت أحشاء السكون:
فريــدة!!!!!
رواية ظل السحاب الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم آية حسن
بلغ محل المبنى الذي فيه مركز المجموعة، كان يقوم السيارة بأقصى ما عنده من سرعة، كمن كان يبتلع الطريق حتى يطمئن قلبه برؤية وجه من استكانت بوجدانه، وبشرايينه فصارت جزءًا من دمه.
ركن السيارة سريعًا ثم ترجل منها بقلبٍ تتلاشى نبضاته تدريجيًا، وأنفاسٍ متسارعة. ليجد حشدًا من الناس متجمعين حول أحدهم، فتيبست ساقيه لبرهة، والدماء هربت من وجهه. يحاول بقدر المستطاع أن يطبق على عقله عن الأفكار الشنيعة التي رافقته عند أول وهلة رأى فيها الجمع الغفير أمامه.
ليستفيق برعشة في جسده على صوت عويل وصراخ باسمها من وسط الزمرة. اسم السحابة التي رافقته مؤخرًا. اسمها الذي هز جدران صدره وكاد قلبه ينتزع من بين ضلوعه. شعر بصرخة ستنطلق من حنجرته ستزلزل نياط القلوب. لكن لا لن يستسلم لهذا الواقع المرير. سوف يموت حتمًا هذه المرة إن فقدها.
هدر باسمها برجفة، ثم تحرك بقدمين يجرهم جرًا، ليدخل من وسط التجمع وهو يقوم بإزاحة الواقفين عن الطريق، فتصطدم عيناه بجسدها المنبطح أرضًا، وشعرها يغطي وجهها بالكامل.
تقف نرمين كالصنم ولا تحرك ساكنًا، فقط تحدق بها بلا وعي، ويقف بجوارها هادي وحولها بقية الزملاء.
أجثى مراد على ركبته بقلة حيلة. يقترب منها، ويزيل الشعرات عن وجهها، ليغمغم بصوت متقطع: فريدة...
جاءت سيارة الإسعاف وحملت فريدة على المشفى، بصحبة مراد وصديقتها نرمين التي أصرت ألا تتركها.
ذهب هادي ليخبر عز الدين بما جرى لابنته الوحيدة فريدة. ليدوي الخبر في أذن عز، كإنفجار الرعد الذي يجلجل الجدران. فيصرخ بقوة صوته بقب مذاب وروح قد تفتت لأجل صغيرته الحبيبة.
لم تكن الصدمة بالنسبة لـ نيرة أقل من عز، بل دوت في قلوب الجميع، ومزقت أحشائهم. وكأن الوقت عندئذ قد توقف. ليس إلا هؤلاء الذين يحملون الخبث بين أضلعهم، قد انفرجت عن ثغورهم ابتسامات متشفية، وانشرحت صدورهم بالشماتة والحقد لآلام غيرهم.
الجميع ينتظر خارج غرفة العمليات في صف ممتد، يعتلي كافة وجوههم علامات الذعر والإرهاق. كان المشهد مؤثرًا حزينًا وهم ينكسون وجوههم حسرة. جل أنفسهم قد اختلجت، يخنقهم الخوف والهلع، يبكون في صمت، وبعضهم تصدح بينهم الشهقات. أرواحهم معلقة مستسلمة للأحزان.
جاء أسامة إلى المشفى فهرول صوب عز الدين الجالس بجوار نيرة، ليجثو على ركبته ويهتف متسائلًا بوجهٍ باكٍ:
: عم عز، حصل إيه لفريدة؟ جرالها إيه؟
غطى عز الدين وجهه وأجهش باكيًا بضعف وقلب قد شُق نصفين. فبدأ بالنحيب من بين بكاءه:
: ااااااه يا فريدة، يا بنتي الحيلة، يا حتة مني، ياللي ما شوفتيش يوم حلو ف حياتك.
: أرجوك يا عز اهدى، إن شاء الله هتبقى كويسة.
ربتت على كتفه. وجع أصاب قلبها، ودموع تناثرت بغزارة وهي ترى حسرة حبيبها على ابنته الغالية على قلبها.
نهض أسامة من الأرض وهو يتطلع بنظرات تشعل لهيب الكره. لم يكن ليلاحظها مراد وهو في هذا الوضع المُزري والبغيض. كاد أسامة أن يفتح فمه ليهم بقول شئًا، لكن قاطعه خروج الطبيب من غرفة العمليات.
همّ الموجودين ركضًا إليه، فيتسائل عز أولًا بلهفة وصوت مبحوح:
: طمني على بنتي يا دكتور حالتها إيه؟
: للأسف حالتها صعبة أوي، ادعولها تعدي الـ 24 ساعة الجاية على خير!
قال الطبيب أسفًا، ليسقط قلب عز الدين، وأهوى جسده لولا ذراعي مراد أسندته سريعًا بينما انطلقت صرخة مدوية من فم نيرة.
: الدكتور بيقول إن حالتها خطيرة، يعني ممكن تموت، وبكدة أكون طفيت نار قلبي!
همست نانسي ببسمة متشفية، وبهجة قد شرحت صدرها، ليقترب الآخر من ظهرها فيجيب عليها بسعادة:
: وأكيد عز الدين هيبعد عن نيرة، مهو مش معقول يعني يرتبط بواحدة ابن أخوها كان السبب ف موت بنته!
التفتت نانسي له ببطء وتنهدت بقوة، وعلامات الإنتصار ترتسم على شفتيها:
: عندك حق يا دادي، اللي ضرب النار عليها يستاهل تقله دهب، قطع عليا شوت كبير أوي ووفر علينا التعب!
ضغط على جانب عنقها، ليهمس بعينين يطوف حولهما المكر:
: ولسة، نهاية مراد قريب أوي.
يقود عربة، وينطلق بها على طريق صحراوي معتم، أثناء الطقس البارد ليلًا، كمن يسافر إلى مكان بعيد. لقد أنهكه التعب بسبب ما حدث الليلة الماضية. حل الصباح ليصل بعد قيادة دامت لـ ساعتين متواصلة، إلى مكان يبدو منطقة ساحلية، نظرًا للبحر الموجود على يساره والشواطئ المحيطة به.
هبط من السيارة أمام منزل صغير، ثم صعد الدروج البسيطة، وأخرج المفاتيح ليفتح الباب ويدخل.
تجلس على طرف الفراش، تحاوط ركبتيها بذراعيها وتدفن رأسها بينهما، وما أن استمعت لصوت مفاتيح، رفعت رأسها بسرعة، ونهضت فورًا كي ترى من القادم، لتجده يغلق الباب فتهتف بإسمه:
: مراد.
ما أن استمع لصوتها استدار إليها مندفعًا، رمى ما في يده، ليهرول إليها في لهفة في حين هي قد ركضت نحوه. ضمها بذراعيه بين أحضانه في شوقٍ وحنين فترتفع قدميها عن الأرض. تحاوط عنقه بذراعيها كمن وجدت سبيلها وحصنها الآمن.
همس في شوق:
: وحشتيني أوي، أوي يا عمري.
سخونة أنفاسه قد ضخت إلى عنقها حرارة متأججة، أذابت برودة جسدها ف الحال.
نعود إلى حيث تلك النقطة التي عندها توقفت عربة الإسعاف لتنقل فريدة إلى المشفى وقد صعد معها مراد ونرمين.
يجلس على الأريكة أمامها وهي تستلقي على السرير المتنقل، يمسك بـ يدها الباردة حتى يدفئها، يقترب من أذنها ويهمس:
: فريدة، حبيبتي قومي انتي كويسة!
تعجبت نرمين منه، كيف لها أن تنهض وهي لتوها قد تلقت رصاصة في صدرها، ما تلك الحماقة التي يتفوه بها! ثم تنتبه فجأة على فريدة التي نصبت جذعها باندفاع وهي تشهق محاولة تنظيم أنفاسها. لتصرخ نرمين فورًا بـ هستيريا فيهتف عليها مراد بنبرة أجشة:
: وطي صوتك!
سترت فمها بأناملها تكتم الصرخة وهي لا تستوعب شئ، فتهمس فريدة متسائلة بتيهان:
: أنا فين؟
هز رأسه وهو يقول:
: انتي بخير يا فريدة. الحمد لله إنك بخير، الحمد لله.
كرر الحمد عدة مرات وهو يدرك لطف الله به. ليخرج من جيبه السلسال وهو يضعه فوق راحة يده، فيردف بنبرة مهزوزة وهو يتطلع إليها بمقلتين لامعتين خوفًا:
: العناية الإلهية أنقذت حياتك يا فريدة.
نظر الإثنان على كفته التي تحمل السلسال والرصاصة تستقر في الجزء الطرفي من حرف الـ M، لينفرج فم نرمين باذبهلال. أما عن فريدة فقد تحسست صدرها في موضع السلسال فشعرت بسائل على ملابسها، تطلعت لأناملها فوجدت بعض الدماء فجحظت عينيها بشدة، وترتفع شهقة:
: أنا اضربت بالنار؟
قالت بذعر وهي تنظر له، ليرد عليها وهو يمسد على شعرها:
: متخافيش يا فريدة، دة جرح بسيط، هنروح المستشفى ويعملولك اللازم.
بعد بلوغهم المشفى، طلب مراد من فريدة أن تستلقي على ظهرها كما كانت. ليدخلوها رجال الإسعاف المشفى في سرعة حتى أدخلوها غرفة العمليات.
ضمدت الطبيبة جرحها ثم نهضت من مكانها وهي تهم بالذهاب لكن الطبيبة استوقفتها، فتتسائل متعجبة:
: فيه إيه؟
لتنتبه لدخول مراد من باب آخر، فتعقد حاجبيها دون فهم، فتستمع لقول مراد للطبيبة:
: يا ريت يا دكتور تخرجي برة، وتفهمي اللي هييجو إن فريدة هتعمل عملية عشان تخرجوا الرصاصة، وحالتها مش مستقرة.
تهتف فريدة باستهجان:
: ليه، ليه حالتي مش مستقرة؟ منا كويسة قدامك أهو.
: ششش هفهمك بعدين.
ثم عاد ببصره للطبيبة:
: لازم تاخدو بالكم كويس، مش عايز حد يعرف إن فريدة محصلهاش حاجة!
أمر محذرًا بحزم، فأومأت الطبيبة برأسها متفهمة، ثم ترجلت من الغرفة. تابعتها فريدة بعينيها ثم رجعت برأسها لـ مراد فتهتف بحنق:
: ممكن تفهمني بقا، ليه عايز الناس تعرف إني اتصابت؟
: مش وقته، يلا دلوقتي عشان عماد مستنيكي تحت ف العربية، هياخدك على مكان آمن.
قال في عجلة وهو يمسك بيدها، فسحبتها فورًا وصاحت:
: لا أنا مش هروح ف حتة غير لما أعرف، فيه إيه!!!
حدج لها، ووضع سبابته فوق شفتيه لتصمت:
: قولتلك هفهمك بعدين، يلا.
جذبها من يدها بتأني، فسبته في سرها. تنصاع لأوامره الحمقاء من غير أن يشرح لها ما يدور في رأسه.
ظل يدور بها وهو يهمس باشتياق قلبه لها، فأدركت نفسها وهي بين أحضانه، لتبتعد بجذعها العلوي وهي تضع يديها على صدره تدفعه برفق، فتهمس بأنفاس مضطربة:
: سيبني يا مراد. لو سمحت نزلني.
يتعجب من أمرها وانفعالها، فأرخى ذراعيه عن خصرها وأنزلها برفق على الأرض، ليجدها تتراجع للخلف مبتعدة عنه، فتمسك بـ طرف الأريكة العلوي بجسد مرتجف.
تساءلت بتذمر:
: أنا عايزة أعرف أنت جبتني هنا ليه؟ انت خاطفني يا مراد؟
يخلع معطفه ويلقيه على الأريكة، ثم جلس وأجاب:
: يا ريت كنت خاطفك، هيبقى الموضوع لذيذ!
: مراد. ما بحبش الهزار دة!
صاحت بزمجرة، لينهض من مكانه بوجه مقتطب ويهتف بخشونة:
: ف إيه يا فريدة؟ مالك منفعلة كدة ليه؟
ارتعش جسدها من حدته، فهمست بصوت مهزوز:
: طب فهمني الحقيقة، عشان دماغي ما بقتش مستوعبة.
فأجاب بنفس نبرته الحادة بسبب عدم ثقتها به:
: الحقيقة إن حياتك معرضة للخطر، ومكانش فيه أي طريقة عشان أحميكي غير إني أجيبك للمكان دة، وأوهم الكل إنك متصابة وحالتك خطيرة، عشان لو متزفتش عملت كدة والكل عرف إنك كويسة، الناس اللي ضربوا نار عليكي مش هيتعرفوا، فهمتي؟
هتفت مزمجرة:
: ومالك متعصب عليا كدة!
: عشا...
أطبق على راحة يده محاولًا تمالك أعصابه. ليهمس في تروّ:
: ادخلي يا حبيبي نامي، الساعة عدت 3 وشكلك من امبارح منمتيش، والصبح نتكلم براحتنا.
قالت بتهكم:
: لو خايف عليا أوي، ما كنتش سبتني من امبارح بالليل لوحدي!
صاحت بوجه باكٍ، ليقترب منها حتى يهدئها، لكنها ابتعدت بخوف. حبس غضبه بداخله، ليزفر بقوة ثم قال بنبرة منخفضة:
: أنا هروح أنام عشان حاسس بتعب شوية، تصبحي ع خير.
تركها ليدخل أحد الغرف قبل أن يتم الالتحام بين التيار السالب والموجب ويحدث ما لا يحبذه ويوده. لتلحقه هي وتدلف لحجرتها بتأفف.
طرقت الباب برفق ثم ضغطت على المقبض لتدلف للغرفة وتهتف بابتسامة وهي تحمل صينية الطعام:
: صباح الخير على أبو عيون جميلة.
كان عز يحتجز ف المشفى بعد الهبوط الذي تعرض له. وضعت نيرة ما تحمل على طاولة صغيرة، ثم اقتربت منه وسألت:
: أخبارك إيه النهاردة يا عز؟
: تعبان يا نيرة.
كان الخوف يسكن عينيه وانفاسه، فتجلس على طرف السرير، فتسأله بحنو:
: من إيه يا قلب نيرة!
أجاب بذبذبة في نبرته:
: بنتي، ضنايا، غايبة عن نضري بقالها ليلتين يا نيرة، حاسس إن روحي رايحة مني.
قالت مؤكدة:
: هو مش مراد طمنك وقالك إنها كويسة؟ قلقان ليه بقا؟
: ولو يا نيرة، مستحيل قلبي يرتاح إلا لما أشوفها قدام عيني!
: طب عشان خاطري اهدى، الدكتور قالك بلاش توتر.
مسدت على كتفه فقال:
: أنا مش عارف ابن أخوكي مش عايز يريحني ويقوللي هو خدها على فين وليه!!
أجابت بنظرية:
: أكيد مراد ف دماغه حاجة معينة، وإلا مكانش أصر عليك ما تجيبش سيرة لحد باللي حصل، وعشان هي تفضل ف أمان!
صمت عز الدين قليلًا وهو يتطلع للا مكان مفكرًا فيما حدث اليوم الذي تقدم لـ نيرة، عندما طلب مراد منه أن يتحدث معه على انفراد.
بعد أن تمت قراءة الفاتحة، خرج مراد في الساحة مع عز الدين وجلسا على الأريكة.
سأل عز:
: خير يا مراد باشا؟
ضحكة خافتة خرجت من مراد، فيقول مستنكرًا:
: باشا؟ يعني معقول هنبقى نسايب وقرايب وتقوللي يا باشا؟ ولا انت لسة معتبرني غريب؟
قال عز حرجًا:
: اعذرني على الكلمة، وع اللي حصل ف بيتي قبل كدة، لكن أي أب مكاني شاف بنته راجعة متأخرة مع واحد كان هيعمل زيي وأكتر، وانا معنديش غيرها أخاف عليه!!
هز مراد رأسه متفهمًا:
: أنا عارف، وليك كل الحق ف اللي عملته. ومن هنا ورايح عايزك تعتبرني زي ابنك.
تنهد لهنيهة وهو يستجمع قوته ليقولها، وأخيرًا قد حزم الأمر:
: عمي أنا بحب فريدة، وأوعدك إني هخليها أسعد إنسانة ف الوجود، وهحافظ عليها، بس أنا عندي طلب صغير.
ضيق عز ما بين حاجبيه بغرابة:
: إيه هو؟
: عايزك بعد ما تتجوز نيرة، تعيشو معايا في البيت، دة هيضمنلي سلامتكم!
: أيوة بس...
قاطعه مصرًا:
: لو سمحت وافق، أنا كدة هبقى مطمن عليكم أكتر. وبعدين أنا بإذن الله بعد ما أريح أمور نيرة، هحط إيدي ف إيدك ونقرا فاتحتي على فريدة رسمي.
شعر عز بالسعادة تحاوط قلبه، أخيرًا سيرى فرحة ابنته مع من يستحقها، شخص مهذب وذا شخصية قوية ومتميزة مثل مراد يستطيع أنه يحميها ويعطيها كل السعادة. رغم كونه لم يتوقع أبدًا أنه سيعترف بما يجيش به قلبه إليه. إلا أنه أثبت ما هو يرسمه عنه في مخيلته، فدائمًا يسمع عن نزاهته في عمله، لكنه رأى رجولته بأم عينيه الآن.
رجع عز بعقله للواقع ليهمس في نفسه بارتياب:
«يا ترى يا مراد عملت كدة عشان شاكك ف عمك زي منا حاسس إنه ورا اللي حصل لفريدة، ولا فيه سر تاني أنا معرفوش!!!»
تنهد بقوة ليتمتم:
: يا رب احميلي بنتي يا رب.
ترجل مراد من سيارته التي تقف أمام سيارة أخرى يهبط منها تميم وعاطي. اقتربا منه ليسلما عليه بطريقة حميمية. فيسأل مراد بجدية:
: عملتوا إيه؟
تطلع الإثنان لبعضهما ثم أجاب عاطي:
: الموضوع معقد أوي يا مراد، وماحدش يقدر يحله غيرك!
تذمر:
: يعني إيه الكلام دة؟ المرة اللي فاتت قولتوا إن العيال كانوا مجهولين، طب والمرة دي!!
كان هتافه حاد لأن هذه المرة حبيبته من تعرضت للأذى. فقال تميم نافيًا:
: هو انت فاكر أننا نسينا اللي حصل المرة اللي فاتت؟ كل التحريات واللأبحاث اللي عملناهم أثبتت إن نفس الشخص اللي حاول يقتلك قبل كدة هو اللي ضرب النار على فريدة!
رمقه مراد بشراسة، ليصحح فورًا:
: قصدي يعني الآنسة فريدة!
: ويا ترى بقا عرفت مين هو الشخص دة؟
قال ساخرًا، فهز تميم رأسه نافيًا، ليصيح مراد:
: إيـه؟!!!
: سيبك منه يا حديدي. احنا قدرنا نتوصل لطرف الخيط.
قال عاطي، ليندفع تميم قائلًا:
: يا عم الحاج طرف خيطك دة تلاقيه لنفسك!
أشاح بيده، ليرد عليه عاطي من بين أسنانه:
: طرف الخيط دة هلفه حوالين رقبتك عشان أخلص من لسانك!
: ما تخلصوا انتوا الاتنين، هتفضلوا تردحوا لبعض!!
صرخ مراد بهم، ليندفعا بوجهيهما نحوه، فيردف:
: قولولي إيه اللي بيدور ف دماغكم.
: قال إيه ياخويا الأخ بيقول إن اللي بيحصلك دة، له علاقة بالقضية بتاعة زمان!
كان يتفوه بها ساخرًا، لكن مراد قد ضيق عينيه وهو يتذكر شيئًا، فرفع يده ليقول:
: ثانية واحدة، كلامه صح.
كان تميم يبتسم بغرور كونه يظن أنه مراد سيسخر من تفكير عاطي. فما أن أيّده سقطت ابتسامته، ليبدأ عاطي بضبط سترته بغرور وهو يرمق تميم بطرف عينه بمكر.
ليهتف لعاطي:
: ثانية واحدة انت يا عم الشبح.
ثم يعود بعينيه لمراد ويردف باستنكار:
: انت هتمشي ورا المعتوه دة!!
وكزه عاطي بمرفقه في ذراعه، فيقول مراد وهو يخرج هاتفه:
: أنا فيه رسايل كانت بتجيني من أرقام وهمية، بس مركزتش فيهم، غير ف آخر رسالة جات يوم الحادثة، ومع اللبخة والتوتر نسيت أقولكم!
أعطى لهما الهاتف وشرعا في قراءة الرسائل النصية، التي كانت تحمل في طيها التهديد. الإثنان نظرا لبعضهما بدهشة ثم عادا بأبصارهما لـ مراد الذي أخذ الهاتف من يد عاطي.
ليردف:
: دة بيثبت إن كلام عاطي صح، وإن اللي ورا الحكاية، جماعة شمس. بس السؤال هنا بقا، ليه دلوقتي بالذات فكروا يحاربوني من تاني؟ طول السنين اللي فاتت معرفوش مكاني مثلًا! أكيد برضو ليهم علاقة بشغلي الحالي! معقول المناقصة اللي أخدتها هي السبب!!
نظر تميم إلى عاطي ثم رجع لمراد، ليقول باضطراب عقلي:
: إيه يا حديدي الألغاز دي؟ ومين دول اللي بيحاربوك! هو انت مش خلصت على العقيد حامد وشمس برضو؟ ولا أنا كنت ف رواية تانية؟
همس ببلاهة وهو يضيق عينيه. هدر مراد بغليل داخلي:
: بس اللي حرق قلبي لسة ما خلصتش عليه، وأنا متأكد إنه هو اللي ورا محاولة قتل فريدة!!!
حمحم ليردف:
: اسمعوا أنا عاوزكم تجيبولي ملف حامد وتابعوا انتوا شغلكم زي ما هو، ولو عرفتوا جديد بلغوني!
: وانت هتقعد هنا كتير؟
سأل عاطي ليرد مراد:
: لا طبعاً أنا مينفعش أختفي، أكيد اللي عمل كدة هيبقى مراقبني!
: خد بالك من نفسك يا مراد، وسلملي على جماعتك بق.
قال وهو يعانقه، فما لبث أن انتهى دفعه مراد بحنق:
: أمشي ياض بدل مخرشملك وشك!
: يا مخرشمني انت.
قال بطريقة طريفة، ليجره عاطي نحو السيارة وهو يضحك:
: اركب يا فاضحني.
ثم استدار الآخر ليصعد سيارته وهو يرتدي نظارته الشمسية.
: عماد...!
صاحت وهي تهرول خلفه، ليستدير لها فورًا:
: نعم يا آنسة نانسي!
اقتربت منه بجراءة وهي ترسم ابتسامة لعوب، فتتساءل بدلال:
: هو مراد مجاش النهاردة ليه؟
استغرب من قربها الغريب وطريقتها الملتوية ف الحديث معه، فرد عليها بإجابة رزينة مختصرة:
: أكيد يعني عرفتي باللي حصل لـ فريدة، فهو ف المستشفى معاها.
أكاد أن يذهب، لتمسك بـ سترته فورًا كي توقفه، حرك رأسه إليها بوجه يعتريه الدهشة مما فعلت، فمثلت أنها لم تقصد.
حمحمت:
: Sorry. هو أنا ممكن أتكلم معاك لوحدنا؟
سألت بنعومة، لكنه أجاب بذوقية:
: معلش يا آنسة نانسي أنا عندي شغل كتير، بعد إذنك.
تابع سيره بسرعة وهو يشعر بالسوء لتلك الطريقة الغير بريئة التي تحدثت بها معه. عكسها هي التي تأففت منه وكانت تظنه سيجاريها الحديث.
لكنه لم ولن ينظر لأي فتاة تقرب لـ مراد، لأنه يعتبر حاله من العائلة. ورغم وسامة عماد البسيطة إلا أنه ليس من الفتيان الطائشة، وهو لن يحب سوى حبيبته فاتن. استغفر ربه ثم صعد سيارته وانطلق مغادرًا.
استيقظت من النوم، لتدرك نفسها وتنهض باندفاع من الفراش وهي تنادي باسم مراد حتى ترجلت من غرفتها ووصلت إلى حجرته وجعلت تطرق الباب.
: مراد، افتح الباب.
لم تنتظر ردًا ففتحته ودخلت، دارت بعينيها الغرفة فلم تجده.
: بتعملي ايه عندك؟
التفتت بجسدها مندفعة على الصوت، فتراه يقف أمامها:
: انت كنت فين؟ وازاي تسيبني لوحدي؟
هتفت بزمجرة، لم يرد ليقترب منها ببطء وهو يتأمل ملامح وجهها المضطربة، فتتراجع للخلف بقلق من نظراته.
ليقف فجأة ويعطيها ظهره ثم يتحرك وهو يقول:
: خرجت عشان أجيب لك أكل.
تحركت خلفه وهي تهتف:
: أنا مش عايزة آكل، أنا عايزة أكلم بابا، أكيد هو قلقان عليا أوي.
قالت وعينيها ترقرقت دمعًا، ليستدير لها:
: هخليكي تكلميه بس تعالي نفطر الأول!
عارضته بشدة:
: لأ، هكلم أبويا الأول!
: الفطار الأول!
رفع سبابته مصرًا، كادت أن تعترض لكنها فضلت الصمت على أنها تجادله. زمت شفتيها بحنق ثم ترجلت من الغرفة. زفر هو بضجر، لا يعرف إلى متى ستظل تعامله هكذا، وكأنها تأخذ بثأرها في كل ما فعله معها، وما عليه سوى التحمل فقط!
يستند عز على ظهر الفراش وهو يكتف يديه بكلل، وبالجانب الآخر تجلس نيرة فوق الأريكة وهي منهمكة في قراءة كتاب. فينتبها الإثنان على صوت قرع الباب، فتقوم نيرة لتفتح. فتجده أسامة:
: إزاي حضرتك! ممكن أشوف عم عز؟
ابتعدت عن الطريق لتشير إليه:
: أكيد، اتفضل.
سار أسامة نحو سرير عز:
: أخبار صحتك إيه يا عمي؟
: الحمد لله.
أجاب باقتضاب، فجلس أسامة على مقعد بالقرب منه، فيقول:
: أنا قبل ما أجيلك، روحت للدكتور وطمني على فريدة، بس هم مانعين الزيارة!!
تطلع عز ونيرة لبعضهما بارتباك، لتقول نيرة بنبرة متلعثمة:
: أه طبعاً، عشان هي ف العناية، بس سمح لعز يشوفها، مش كدة يا عز؟
أومأ عز برأسه، شعر أسامة بشئ غريب في داخله، وكأن الوضع به لغز لا يفهمه.
: الحمد لله شبعت، يلا خليني أكلم بابا.
قالت وهي تلوك آخر لقمة في فمها، ليتجاهل طلبها:
: تحبي تاكلي سمك على الغدا؟
نفخت الهواء بقوة، فترد ببرود:
: لما ييجي وقت الغدا يبقى ربنا يحلها!
: مهو عشان أعمل حسابي، يعني نتسلى أنا وانتي ونعمله سوا!
استفزها بهدوءه البارد، وكأنهما هنا لقضاء وقت ممتع سويًا وليس في مأزق مريع! فزمجرت:
: مش هعمل حاجة أنا!
نهض وهو يتساءل بنفس أسلوبه:
: ليه يا ماما، دة حتى وحشني أكلك الجميل... أقولك إيه رأيك ننزل سوا الهايبر وتشوفي إنتي محتاجة إيه للأكل، طالما انتي مش حابة السمك!!
جزت أسنانها بغيظ:
: انت مستفز.
: وبحبك.
كانت كلمته كالقذيفة، مجرد كلمة كفيلة بأن تجعلها تُسقط فكها ذهولًا. يتطلع إلى صمتها وهي تعلق مقلتيها عليه بلا وعي، فرفع يده يلوح أمام وجهها، فترجع لطبيعتها لتحمحم:
: عاوزة أكلم بابا.
امتعض وجهه فهتف بحنق:
: حاضر.
أخرج هاتفه المحمول واتصل على نيرة وبعد الرد طلب منها أن تعطي الهاتف لـ عز الدين، وقبل أن يتحدث إليه اختطفت الجوال من يده لتضعه على أذنها.
: ألو يا بابا، وحشتني أوي. شوفت اللي حصل.
هاتفنه بنبرة باكية وهي تدخل غرفتها وتصفع الباب بوجه مراد. هز رأسه مستنكرًا لينتبه على بريد إلكتروني يأتي له، فتطلع إلى الحاسوب الموضوع فوق الطاولة، ليجلس ويتفقده.
وبعد عشر دقائق تقريباً خرجت فريدة من الغرفة وأعطته الهاتف وهي تقول:
: في واحد اسمه تميم بيرن عليك.
فينهض بسرعة ويضغط على زر الرد، ويترجل خارج المنزل حتى يحادثه، فتعجبت هي من فعلته تلك، فتحركت خلفه ووقفت عند الباب تستمع له.
يقف هو أمام المنزل فوق الرملة معطيًا ظهره ويتحدث:
: لسة شايف الإيميل دلوقتي، بس إيه السرعة دي؟
التفتت برأسها نحو الحاسوب وهي تعقد حاجبيها، ثم تعود برأسها لـ مراد الذي قال:
: وليد؟ بتقول مين اللي معاه؟ تمام ابعت كل التفاصيل، بسرعة يا شامي!
أغلق بعدها الخط، وكمش وجهه بتعجب وهو يهمس في عقله «وليد!». استدار ليرجع إلى المنزل، فتحركت بسرعة هي للداخل قبل أن يراها. دلف وأغلق الباب بعده، ليستمع إلى هتافها.
: إيميل إيه دة اللي بتتكلم عنه يا مراد؟
قالت دون تفكير فرفع بصره إليها، لينعقد وجهه بشدة، فيهتف:
: انتي بتتصنتي عليا يا فريدة؟
ابتلعت لعابها وهي ترى مقلتيه يتحولا للون القاتم، لتسمعه يقول محذرًا بنبرة أجشة:
: آخر مرة أشوفك تعملي كدة، فاهمة؟
تحرك نحو الأريكة دون أن يتكلم، نعتت نفسها بالغبية على تسرعها الأخرق، لكنها شعرت بالغليل يسري في رأسها عند تذكرها كلمة بريد واهتمامه الزائد به. فقررت المجادلة مرة أخرى دون العبء لتحذيراته:
: ويا ترى الإيميل دة خاص بحبيبتك القديمة؟ لسة بتدور على الناس اللي قتلوها برضو؟ وبتعمل اللي بتعمله دة، وبتستغلني عشان تنتقم لها؟
كالعادة لا تكترث للنتيجة وهي تحادثه، لذلك هي التي تخسر في نهاية المطاف. رفع مراد رأسه ببطء وتقاسيم وجهه أصبحت جامدة وحادة للغاية بشكل مرعب، وعينيه تجحظان بقوة، حالته هذه جعلتها تشهق منصعقة.
ليمسك الطاولة بكيفه ويدفعها بقوة حتى سقط كل ما عليها تحت نظراتها المذهولة.
رواية ظل السحاب الفصل الأربعون 40 - بقلم آية حسن
اللعنة على الحماقة، تصرفاتها قد زادت عن حدها، إلى ماذا تحاول أن تصل؟ جنونها أصبح حقًا لا يطاق.
غطت فمها، تتطلع إلى موضع الأشياء المبعثرة على الأرض، تستمع إلى أنفاسه التي كانت أشبه بمضخة طرد بداخله.
ارتعدت أوصالها وهي ترفع ببصرها نحوه ببطء، لتصطدم عينيها بزمردتيه المشتعلة، فما أن رأت معالمه التي تحولت إلى جمرة نارية، أطبقت على جفنيها بقوة مخافة منه، بجسدها الذي قد لامسته رجفة.
لتشعر بيديه تطبق على ذراعيها بعنف، سار بها دفعًا للأمام حتى ألصقها بالجدار، كادت أن تتكلم لكنه ضغط على فمها براحة يده بقوة، حارسًا إياها.
"شششش، مش عايز أسمع نفسك."
همس بعنف وهو يصفع جلد وجهها بأنفاسه الحارقة، فأردف متعجبًا: "انتي مبتفكريش في كلامك قبل ما تقوليه، الكلام ما بيعديش على دماغك قبل ما ينطقه لسانك؟ ولا انتي عاوزة تضايقيني وتطلعي عصبيتي عليكي وخلاص؟!"
شدد على يده وهو يضغط على كلماته: "أوعي تفتكري عشان أنا ساكت ومستحمل جنانك، يبقى أسمحلك تتمادي في اللي بتقوليه! وتتهميني إني إنسان انتهازي، وبستغلك عشان أوصل لغرض ف دماغي!"
"لما رغد اتخطفت، وطلبوا مني أخرج شمس من السجن وأسلمه ليهم، مترددتش ثانية وعملت كده، ما كنتش بفكر ف حاجة غير انها ترجع سليمة، برغم ان دة كان ضد شغلي، لكن اللوا سميح ساعدني عشان متأكد إني يستحيل اخلي مسؤوليتي تجاه وطني، وثقته فيا خلته يسمحلي آخد شمس وأرجع رغد، بس حصلت حاجات خارج إرادتي وكانت نتيجتها موتها، وأنا قتلت شمس وحامد، وكان ممكن أموت أنا كمان، يعني أوعي تنسي اللي بتتكلمي معاه دة يبقى مراد الحديدي."
أخيرًا أطلق صراح فمها، وتجده يبتعد ويعطيها ظهره.
مسح وجهه بكفه برفق يحاول الاسترخاء وخمد البركان الثائرة بداخله، فانتبه لصوتها المختنق.
"قتلتهم عشان حاولوا يؤذوها مش عشان دة واجبك، ولسة نار الانتقام مبردتش ف قلبك عشان معرفتش تنتقم من اللي حرقها وحرقك وانت حي."
اندفع برأسه نحوها وعيناه تشتعل بوهيج حراري.
لم تبالي بنظراته التي اخترقتها بسهم قاتل، فتابعت بدموع مختنقة: "نارك كانت هادية مؤقت، بس رجعت وهاجت من تاني لما عرفت إن اللي قتلوها قريبين منك. عماد قاللي إنك كنت مستني أي خيط تقدر توصلهم بيه، وف الحقيقة أنا كنت حاسة بكدة، وكل اللي حسيته طلع صح."
قالت بحرقة من بين شهقاتها.
أغمضت جفنيها حتى ترقرقت الدموع فوق شفتيها الكاحلتين بضعف.
بينما هو ينظر لها في صمت تام، يحاوطها بتطلعاته الغامضة.
لكنه في النهاية قد تحدث بنبرة منخفضة وهادئة: "تمام يا فريدة، طالما انتي حاسة بكدة يبقى بعد ما تخلص المهمة دي على خير، وأضمن سلامتك، أوعدك إني هبعد عنك عشان متحسيش تاني اني بستغلك!"
رمى بكلماته لترفع بعينيها إليه فورًا بدهشة.
لم تكن تتوقع رده هذا، كانت تظن أنه سيلاحقها حتى يثبت لها العكس، لكن يتركها؟ ما هذا الهزل!
"انت بتقول إيه يا مراد؟"
رفع يده أمام فمه: "ششش، خلصت."
أنهى الحديث ثم تحرك ليدلف إلى حجرته، تحت نظراتها المنصدمة.
هل هو جادِ فيما قاله؟ لالا، بالتأكيد هو يمزح وسيخرج الآن ويراضيها بلطف مثلما يفعل دائمًا.
تحركت بسرعة وقبل أن تطرق الباب توقفت لتتراجع للخلف.
تعرفه إن تعصب منها سيحدث مالا تحبذه.
جلست على الأريكة بقلة حيلة، ونهرت نفسها بشدة على رعونتها معه.
ألم تكد تجن إن لم يقلها، الآن تتمرد عليه؟
اللعنة على عقلها دائمًا يتسبب في وقوعها بمآزق.
***
جاء إلى المشفى بعدما سمع بخبر حادثة فريدة.
صعد إلى الطابق، يطوف حوله بحثًا عن أحدًا، حينما هي ترجلت من الحجرة فتجده يلتف برأسه يمينًا ويسارًا، لتهتف منادية.
"معتز."
التفت إليها برأسه ثم اقترب منها، لتسأله: "انت بتعمل ايه هنا؟"
أجاب ببساطة: "سمعت اللي حصل لـ فريدة، قولت آجي أطمن. أخبارها إيه؟"
تساءل لـ تقول باختصار: "الحمد لله. انت مين اللي قالك؟"
سألته، فرد: "العمال كانوا بيتكلموا ف المصنع، وأنا مرضيتش أسمع بيها ومجيش، دي مهما كان هتبقى واحدة من العيلة!"
تبسمت نيرة للتغير الجذري الذي قد حدث لمعتز، هذا جعلها تشعر بالبهجة من قلبها، يا ليت أخيها يستفيق من وهمه وينسى كرهه ليتغير مثله.
مسدت على ذراعه بلطف ثم قالت: "فيك الخير يا حبيبي."
"هو باباها أخباره إيه دلوقتي؟"
سأل، فقالت وهي تفتح الباب وتشير له: "تعالى أدخل شوف."
ليدلف إلى الغرفة معها، فتجد عز ينهض من سجادة الصلاة وهو يتمتم بعض الأدعية.
استدار ليرى معتز فتعجب.
"هو انت؟"
نيرة وهي تعرفه عليه: "معتز يا عز ابن أخويا عثمان."
كانت تتبسم وما أن تفوهت باسم أخيها اخفضت وجهها استياءًا.
مد معتز يده يسلم، ليقول بتهذيب: "ألف سلامة على بنت حضرتك، ان شاء الله هتبقى بخير."
"متشكر."
كان عز يتطلع إليه بغرابة، كيف تغير إلى هذا الحد؟ هو يعرفه منذ أن كان يعمل بالمصنع ويسرق من قوت العمال، يجوز أنه قد عرف ذنبه وتاب عنه بالفعل كما أخبره أسامة أنه بدأ يعمل معهم بالمصنع كعامل!
***
دخلا إلى مبنى المخابرات وهما يسيران معًا حتى صعدا الدرج وتوقفا بالمرور أمام مكتب ما، يرمقان بعضهما بطريقة مفهومة لكليهما، ثم شرعا في الدخول إلى المكتب.
فيستمعان إلى الذي يجلس أمام مكتبه ويميل بالمقعد وهو يتحدث عبر الهاتف.
"ماشي يا باشا، أنا هبعتلك اللي تحتاجه بكرة. متقلقش أنا عند وعدي! سلام."
أغلق هاتفه واستدار ليتفاجأ بهذان اللذان يقفان عند الباب ويتابعان حديثه باهتمام.
ليقف وليد مندفعًا بوجه عابس ويهتف مستهجنًا: "إيه دة؟ انتوا ازاي تدخلوا عليا كدة من غير استئذان؟"
اقترب تميم بينما عاطي يغلق الباب.
فيتساءل الأول وهو يضيق عينيه: "مين دة اللي كنت بتكلمه؟ وهتبعتله إيه؟"
": وانت مالك أصلاً! وازاي تسمح لنفسك انت وهو تتصنتوا عليا؟!"
صاح عليهما بنبرة غليظة.
ليتحرك عاطي نحو المنضدة بالجهة اليسرى لوليد، ويهمس بنبرة متوسطة: "اهدى يا وليد، احنا ماكناش بنتصت عليك، احنا دخلنا صدفة وانت بتتكلم!"
حرك جسده نحوه وهو يتطلع إليه بطريقة ساخرة، ثم هتف مستنكرًا: "وانتو إيه جابكم مكتبي أساساً!"
ليرد عاطي: "عايزينك ف كام سؤال كدة!"
هتف بخشونة: "مفيش بيني وبينكم أسئلة، ويا ريت تتفضلوا عشان ورايا شغل."
ليهجم عليه تميم باندفاع ويمسك رقبته بيده ليدفعه على المقعد.
كان يقف طوال الوقت يتحمل سخافته، ويحاول كبح جماحه عنه، لكن طفح الكيل.
يضغط تميم على منكب وليد بمعصمه، فيصرخ به: "ولا، عليا النعمة ما تقل بأدبك مرة تانية لكون شاقك، ماحدش مالي عينك ولا إيه!"
يحاول أن يدفعه لكنه يرتمي بحمله عليه، فيقول بصوت محتبس: "يا عم أوعى إيدك."
"خلاص يا شامي سيبه، هو ما يقصدش يزعلك."
هتف بها بهدوء وهو يقف دون أن يفعل شيئًا.
فيرد عليه بصياح: "استنى انت يا عاطي. انطق ياض مين دة اللي بتبيعله أسرارنا يا واطي؟ خدت كام يا خاين؟"
ليتمتم عاطي في عقله وهو يتطلع إلى تميم "الله يخربيتك هتودينا ف داهية."
دفعه وليد بسرعة ليبتعد تميم عنه، ثم يصرخ وليد عليه وعروقه منتفخة بشدة: "انت مجنون، بتتهمني إني ببيع أخبار شغلي!!"
"اهدى يا وليد، تميم ما يقصدش."
هاتفه عاطي بهدوء، وهو يرمق تميم بحدة على خرقته.
فيصرخ وليد بعصبية مفرطة: "ما تقوليش اهدى. ورحمة أمي لكون محولك للتحقيق، بسبب تهمتك دي!"
قال وهو يتطلع نحو تميم، ليفرد الآخر ذراعيه كمن لا يهمه: "روح يا حبيبي، انا كمان هوجهلك اتهام، وهقولهم إنك متعاون مع ناس عايزين يتخلصوا من مراد هو وخطيبته!"
كان يهم وليد بالذهاب فما أن سمع حديث تميم توقف مكانه، فرفع ببصره نحوه وهو يهمس بدهشة: "بتقول إيه انت؟ أنا عايز اقتل مراد؟"
ليرد عليه هاتفًا بتقرير: "أمال كنت ف حفلته بتعمل إيه، وانت فيه خلافات بينك وبينه من ساعة ما اتهمته قدامنا كلنا بإنه باع الرمز!! وكمان علاقتك بـ عبد العزيز التهامي اللي هو أصلاً المنافس القوي لـ مراد في شغله!"
نقل بصره من تميم إلى عاطي وهو يضحك، ثم يقول ساخرًا: "وهو دة سبب يخليني أفكر في قتله؟"
رد عليه وهو يهمس بهدوء: "لا يا حبيبي، في سبب أقوى، عبد العزيز التهامي دة لما بحثنا عنه، لقيناه نفس مواصفات الشخص اللي مرات العقيد حامد وصفته قبل كدة، وقالت عنه إنه جوزها كان بيتردد لزيارته!"
هربت الدماء من وجه وليد، ليمهس بتعلثم: "إزاي الكلام دة! اللي أعرفه إنه راجل بتاع مشاريع وله اسمه في السوق!"
اقترب تميم منه بينما عاطي كان يتابع الحديث باهتمام، تاركًا تميم يلاعبه على أحبال حساسة.
همس له: "شوف يا وليد، أنا أكره ما عليا إن حد يستغباني..."
ليرتفع صوته: "معقول ظابط مخابرات ف مكانتك، ما يعرفش إنه راجل شمال وبيشتغل من تحت الطرابيزة!!"
ليعطيه ظهره غير باليًا: "على العموم أنا ميهمنيش تعرف أو لأ، انت كدة كدة هيتم التحقيق معاك عشان نعرف علاقتك بيه وصلت لفين!"
نظر وليد لـ عاطي ثم عاد برأسه إلى الآخر، فقال بنبرة مضطربة: "تميم، أنا ما ليش علاقة بـ عبد العزيز، غير إني حطيت معاه فلوس يستثمرهم لي، إنما شمال وقتل لالا محصلش!"
عاد تميم بجسمه إليه فقال بمكر: "خلاص يبقا تساعدنا نعرف الحقيقة، بدل ما تتورط معاه!"
هز رأسه بتوتر، ليغمز عاطي من الخلف لـ تميم بإعجاب وفخر به.
لقد فعلها الأحمق.
لم يتصور أن لديه القدرة على التلاعب بأعصاب وليد، كي يقنع وليد بالتحدث عن خفايا وأسرار قضية مراد، التي وبالتأكيد يعلم جزء منها!
***
ارتدى ملابسه وأعد حاله للعودة إلى القاهرة.
منذ اللحظة التي أنهى فيها الحديث مع فريدة لم يعاود التكلم إليها، أو حتى رؤيتها إلا وهو يعطيها الطعام.
حتى هي لم تحاول مخاطبته، بل استسلمت للصمت.
خرج من حجرته ليجدها تجلس على أحد الأرائك، تسند مرفقيها فوق فخذيها وتميل بجذعها العلوي لأسفل.
حمحم ليلفت انتباهها، فترفع برأسها نحوه، فتراه مهيئًا للمغادرة.
نهضت فورًا لتسأله في دهشة: "انت ماشي ولا إيه؟"
أومأ برأسه إيجابًا بهدوء، فتهتف بزمجرة: "ازاي يعني هتسيبني هنا لوحدي!!"
تجاهل قولها، ثم أخرج هاتفًا ووضعه فوق الطاولة، فيقول: "دة تليفون ليكي، عشان لو احتجتي أي حاجة تكلميني، وأنا هبقى أطمن عليكي متقلقيش!"
تحركت لتقف أمامه وهي تهتف بتذمر: "أنا مش عايزة تليفون ولا نيلة، أنا مش هقعد ف المكان دة محبوسة، ووشي ف وش الحيط!"
ضبط من أكمام ثوبه وهو ما زال يحتفظ بهدوءه: "انتي مش محبوسة، لو عايزة تخرجي تتمشي على البحر شوية مفيش مشكلة، المكان كله متأمن حراسات لحمايتك، بس يا ريت متقعديش كتير!"
استمعت إلى رده البارد الذي استفزها، فزمت شفتيها بحنق.
لتجده يرتدي سترته ويستعد للتحرك نحو الباب، فتوقفه بصوتها: "مراد!"
استدار إليها، فما لبث أن تطلع إلى عينيها تلعثمت ولم تعرف ماذا تقول.
"هتيجي تاني؟"
سألته بهمس، ليرد باقتضاب: "هحاول. خدي بالك من نفسك."
قال ثم فتح الباب ليخرج من المنزل ويصعد سيارته.
راقبته يتحرك بها، وتابعته بعينيها حتى غاب عن بصرها، فتغلق الباب خلفها، وتعود لتجلس على المقعد وتشرع في بكاء طفولي.
أما بالجانب الآخر، يزفر مراد بسخط أثناء قيادة سيارته.
لم يود أن تصل بهما الأمور لهذا المنعطف.
أنب نفسه على ما صدر منه من كلام، وأنه كيف يخبرها بأنه سيتركها ويسبب لها جرحًا.
لقد تحملتك كثيرًا وانت لا تقدر على تحمل طفولتها وأفكارها الغريبة قليلًا؟
ضرب عجلة القيادة بحنق، ثم أخرج سيجارة كي ينفث عن غضبه بها.
***
"أخبار البنت إيه؟"
تساءل عثمان فترد نانسي بنبرة يبدو عليها الضجر وهي تصب الخمر في الكوب الزجاجي: "معرفش، ومراد مجاش الشركة من ساعة اللي حصل!"
تجرعت السائل كله.
ولم يلاحظ عثمان استياء ابنته وشرودها، فكل ما يهمه هو مصلحته خلف دمار مراد وفقط.
فاقترب منها ووضع يده على كتفها من الخلف وهو يهمس بحسم: "البنت دي لازم تموت، ما ينفعش تعيش يا نانسي!"
التفتت له مندفعة: "تموت؟ طب ازاي؟"
تطلع إليها بنظرة لعوب فلم تفهم إلى ماذا تلوح تلك النظرة.
***
وصل مراد إلى المشفى، ودلف إلى غرفة عز الدين.
وما أن رأته نيرة نهضت من مكانها واتجهت نحوه فورًا تحتضنه في اشتياق: "مراد، حمد لله على السلامة يا حبيبي. أخبار فريدة إيه؟"
تساءلت بينما عز كان يخرج من المرحاض فوجد مراد أمامه، ليهرول صوبه مسرعًا، ويسأل في لهفة: "بنتي أخبارها إيه يا مراد، طمني عليها؟"
حرك رأسه إليه فأجاب بتقرير: "مش حضرتك كلمتها! واطمنت عليها؟ على العموم هي بخير."
قال بهدوء وهو يجبر عقله ألا يتذكر ما حدث.
فلاحظت نيرة تغيره فسألته في حنو: "مالك يا مراد، فيه حاجة مزعلاك؟"
نفى برأسه: "لا. المهم حد حس بحاجة؟"
تساءل فأجاب عز: "لا ماحدش. بس احنا هنفضل ف اللعبة دي لغاية امتى؟ وانت عرفت مين الناس اللي ورا اللي حصل؟"
"هنعرف يا عم عز، هنعرف."
كرر مؤكدًا ثم قال بنبرة منخفضة لنيرة: "تعالي عايزك دقيقة."
أومأت برأسها فاستأذنت عز ثم خرجت مع مراد.
***
بعد ما مر على المشفى جاء إلى الشركة وقابله العم شفيق.
فبعد السلام، سأله بنبرة خافتة حتى لا أحد يشعر بشئ: "طمني يا مراد، فريدة عاملة إيه؟"
"بخير. الشركة عاملة ايه؟ وحد حس بغيابي؟"
اختصر الكلام عن فريدة لأنه يود أن يفصل رأسه عن التفكير بها.
ليجيب العم شفيق: "كله تمام، ومتقلقش عماد قايم بالواجب كإنك موجود بالظبط!"
ربت على كتف العم شفيق، ثم تحرك نحو الدرج حتى وصل إلى مكتبه.
لتراه نانسي وتقف فورًا، بينما هو ألقى السلام عليها سريعًا ثم دلف غرفة المكتب، وتحركت هي خلفه.
"حمد لله على سلامتك يا مراد."
قالت بنعومة وهو يجلس على المقعد ثم رفع ببصره ليرد لكنه فوجئ بما ترتديه.
وقف وهو يتفحصها بنفور بداية من وجهها الملطخ بمساحيق تجميلية، وبلوزتها.
بل قطعة من الثوب اللعين، مكشوف، يظهر كل مفاتنها بشكل مشمئز.
حتى بنطالها الذي يلتصق بفخذيها ويصفهما كمن لا ترتدي من الأساس!
لم تكن ملابس عملية البتة، بل تشبه الفتيات الوضيعيات الذين يرتدون أثواب للإغراء فقط!
ليصرخ بها بحدة: "انتي إيه اللي عاملاه ف نفسك دة؟"
ارتعشت من صراحه فتسأل متعجبة: "عاملة ايه؟"
خرج من خلف المكتب ليشير إليها وهو يصيح بشراسة: "القرف اللي مهبباه ف خلقتك، ولبس الرقصات اللي لابساه، انتي شغالة ف كباريه يا روح أمك؟"
تلك المرة الأولى التي يتعصب بها على أحدهم ويطلق ألفاظًا لاذعة لكن منظرها كان مستفزًا، وهو لا يقبل فتيات عائلته ترتدي مثل هذه الأشياء البشعة.
صاحت بتذمر وهي تشيح بيدها: "انت مالك أصلاً بلبسي، أنا ألبس اللي يعجبني!"
لتجده يصفعها على وجنتها على حين غفلة، وهو يهتف بخشونة: "وكمان بتشوحيلي يا قليلة الأدب."
وضعت يدها فوق وجنتها فورًا وهي منصدمة مما فعله لتوه.
ليردف هامسًا بنبرة عنيفة وهو يرفع بسبابته مهددًا: "عارفة يا كلبة لو سمعتك بتعلي صوتك عليا تاني، اقسم بالله أدفنك. أنا صبرت عليكي كتير لكن انتي مصممة تستمري ف اللي انتي فيه. غوري مش عايز أشوف وشك ف الشركة تاني!"
صرخ بقوة وهو يشير بذراعه للخارج بشراسة: "بــرة!"
ركضت من أمامه بسرعة وهي ما زالت تضع راحتها فوق خدها وتبكي بحرقة.
بينما الآخر يحاول تنظيم أنفاسه، لقد وأزعجته تلك الهوجاء، ألا تدري أنها تتحدث إلى ابن عمها ويجب أن تحترمه؟
لا يعلم كم عليه من التحمل، فريدة من جهة وتلك الغبية من جهة أخرى، لقد اضطرمت النار في رأسه حقًا!
***
"ها بقا احكي يا شهرزاد."
هتف بها تميم ساخرًا لـ وليد، فيرفع الآخر رأسه ثم يبدأ بالرد بهدوء.
"أنا أعرف التهامي من سنة تقريباً، اتعرفت عليه صدفة ف حفلة، بعدها انا كنت بفكر أشغل فلوس ليا ف السوق، والحقيقة ما جاش ف بالي غيره، وبالفعل كلمته وهو الحقيقة كان مرحب جدًا بطلبي، ومن بعدها بقينا نتواصل مع بعض، ودي كانت بداية تعرفي عليه!"
"يعني عمرك ما شوفته مع حامد، أو كان بيكلمه ف التليفون مثلاً؟"
سأل عاطي، فأجاب وليد: "بصراحة لأ، بس أنا كنت عارف إن له علاقة برجل أعمال كبير، لكن مين هو معرفش!"
"كل التحريات بتثب إنه هو الشخص اللي كان بيتواصل معاه!"
قال تميم بغلظة.
لينهض وليد ويقول بتعب: "صدقني معرفش، وأنا قولتلك كل اللي أعرفه!"
عم الصمت ف المكان، في حين عاطي وتميم يتناقلان النظرات بينهما في خيبة رجاء.
ليتفاجأ الإثنان بهتاف وليد: "أيوة، أنا افتكرت حاجة مهمة..."
تطلعا إليه بتركيز فيردف: "بعد الإجتماع اللي عمله اللوا سميح، لما سلم الرمز لـ مراد. ف نفس اليوم بقا كنت شوفت العقيد حامد وهو واقف مع بنت، ولما سألته عنها اتوتر وارتبك، بس بصراحة أنا لا شوفت شكل البنت ولا هو قال مين دي!"
نظر الإثنان لبعضهما بتعجب، ولا يعرفان من هذه التي قابلها حامد، ولماذا يخاف أن يراها وليد معه؟
بالتأكيد هناك سرًا!
***
تستلقي على الفراش في غرفتها تبكي بحسرة وألم على حياتها التي أصبحت خواء، تشعر بالهلاك يحاوط قلبها.
تفكر في حبيبها الذي جحد قلبه عليها، وقرر تركها فجأة من قبل أن تتمتع بهدير عشقه، لم تحظ بفرصة من الأساس.
أغمضت جفنيها لثوانِ ثم استمعت لصوت طرق الباب، وفتحتهما مجددًا.
نهضت من مكانها وتحركت خارج الغرفة كي تفتح الباب، تسير في خطوات سريعة، كمن تنتظر الحبيب الغائب.
وما أن فتحت الباب اتسعت عينيها بشدة لتشهق منصعقة مما تراه قبالها.
صدمة مدوية لامست عقلها وهزته.
جعلتها تتراجع للخلف ببطء بساقين متيبسين.
فتهمس بثقل في لسانها: "ر..غـ..د؟"
تحركت رغد للداخل وهي تتطلع إلى فريدة بغموض، فتسأل الأخرى في لجلجة، والدماء تتجمد في عروقها: "انتي لسة عايشة؟"
"أمال كنتي فاكرة إنك هتقدري تاخدي مراد مني؟"
قالت ساخرة.
فتنفلت شهقة خافتة من حلق فريدة، وتصيبها رجفة خفيفة.
"مـ..راد!"
"أيوة، حبيبي اللي عايزة تاخديه مني يا... يا خطافة!"
شددت على آخر كلمة ثم دفعتها بقوة لتقع فوق الأريكة، وتقترب منها وهي تميل بجذعها نحوها، لتهمس بصوت ساخر ووجه مخيف.
"انتي متخيلة إنك تقدري تنسيه حبي؟ قلبه دة ملكي لوحدي، أنا الوحيدة اللي تقدر تسعده وهو لا يمكن يبقى لغيري، أما انتي مجرد سراب، شئ مجهول قرر يقتحم عالمه وبكرة يلغيكي ويرجعلي أنا!!"
لم تتحمل فريدة تلك الكلمات التي اندفعت بها رغد، فصرخت بأعلى صوتها وهي تحاول أبعادها بيدها.
"لاااا، مراد ملكي لوحدي، وحبيبي أنا. أنا حقيقته وعلاجه، انا روحه، انتي ماضي. ماضي يا رغد."
ظلت تهدر وتصرخ.
تحرك يديها بقوة كمن تحارب لأجل الحصول على ما تمتلكه والذي هو طريق نجاتها.
تحرك رأسها فوق الوسادة باضطراب وهي تشعر باختناق، وعروقها تتناثر فوق جبهتها.
تقاوم الصراع بداخلها بمفردها وهي تهذي بكلمات غير مفهومة.
ليحاول أن يفيقها بسرعة من كابوسها اللعين الذي سيطر عليها بالكامل وكأنها الحقيقة، ثم بدأت تتمتم باسمه دون وعي.
أمسكها من ذراعيها وهو يرفع بجسدها بلطف، ثم ربت على وجنتيها بحنو وهو يهمس بهلع: "فوقي يا حبيبتي، انا جنبك ومش هسيبك أبدًا!"
ليهتز جسدها فورًا، وتفتح جفنيها بسرعة وهي تلهث بقوة تسترد أنفاسها من ذلك النزاع الشرس الذي كاد يقضي عليها.
وبعد أن هدأت قليلًا واستكانت أنفاسها، وقعت عينيها على مراد الذي كان بجاورها وعلامات الخوف تحيط به.
انكمش وجهها وعينيها ترقرقت بالعبرات فشرعت في بكاء حقيقي مصحوب بشهقات عالية.
"بس يا روحي انا معاكي، متعيطيش."
قفز قلبه من بين ضلوعه على حالتها تلك، فظل يهدئها في لين بعد أن جذبها بين ذراعيه ويضمها بقوة، يود لو يدخلها بين ضلوعه فترى قلبه المتلهف عليها.
ازداد بكائها وهي تدفن وجهها بصدره، ببدنها الذي يرتعد من البرودة التي تشعر بها.
فحاوطها أكثر حتى تستمد دفئًا من نار قلبه المشتعلة بقلق على حالتها الضعيفة هذه والتي تسببت في نزيف داخلي لديه.
بالكاد سمعها تهمس من بين شهقاتها بتقطع في صوتها، وهو يشعر بتشبث يديها على ظهره: "متسبنيش... يا مراد... أنا بحبك."
همس لها بصوت رخيم: "أنا كمان بحبك، وعمري ما هسيبك، أبدًا. أبدًا. أبدًا."
شدد على كل كلمة بلين كأنه يؤكد لها أنه لن يبتعد مهما كلف الأمر.
عانقته بذراعيها بقوة، فيضمها إليه كالطفلة الصغيرة التي يحاوط جميع جسدها بيديه.
أغمض جفنيه يسرح بتلك اللحظات الحانية بخياله بعيدًا، كمن تأخذه إلى عالم آخر ليس فيه سواهما.
***
يجلس على مقعد أمام مكتب، يعطي ظهره للخلف، ينفخ الدخان من فمه، يشعر بقدمها تقرع فوق الأرض وهي تقترب.
استدار بالمقعد فيظهر وجه عبد العزيز التهامي، ثم ينهض ويرسم على وجهه ابتسامة عريضة لرؤيتها.
ليسمعها تقول بقلة حيلة بصوت جار عليه الزمن: "عايز مني إيه تاني؟"
ضحك بسخرية، ثم انتهى ليقول: "تعرفي إني بعشق ضعفك دة يا... رغد."
وأكمل قهقهاته المستفزة، فترفع عينيها إليه بخيبة أمل وبؤس.
أطبقت على عينيها بقوة فانحدرت دموعها على وجهها بحزن هالكها طيلة سنوات عديدة، وهو يقف يتطلع إليها بتلذذ على حالتها اليائسة، وعلى حظها السئ الذي أوقعها في يده.