تحميل رواية ظل السحاب بقلم آية حسن pdf
بقلم آية حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دفع الأطباق بيده بعيدًا ثم زمجر: أنا قر*فت منكم ومن أكلكم... ولا حاجة بتطبخوها عجباني، والأكل مالوش أي طعم، وكل الأصناف اللي بتعملوها شبه بعض، بديكم وصفات لأكلات معينة عشان تعملوها، بلاقي عك وقرف وخلاص، والنهاردة الأكل كله محر*وق! عماد «مدير الشؤون ب الشركة»، تمتم بتوتر بعد أن قام بتذوق الطعام: بس الأكل طعمه حلو يا مراد باشا مش مح-روق ولا حاجة! حدق إليه شزرًا وهو يلقي بالخِرقة على السفرة بعن ف ثم نهض من المقعد وهتف حانقًا: يعني أنا مبعرفش أدوق سيادتك! ولا شايفني غبي وحمار عشان معرفش أفرق بين الأ...
رواية ظل السحاب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم آية حسن
بابا، ممكن أتكلم معاك شوية؟
تعالي يا حبيبتي.
خير يا فريدة، محتاجة فلوس؟
لا يا بابا، تسلملي.. كنت عايزة اتكلم وياك بخصوص نيرة!
ليه؟ مالها؟
عشان أنا حاسة أن في حلقة مفقودة ف الحوار، والحلقة دي عندك انت يا بابا!
مفيش حلقات يا فريدة، والموضوع دة فات عليه سنين كتير أوي، والكلام فيه معادش له لزوم ولا حتى ينفع نتكلم عنه أساساً.
مراد قالك كلام يجرحك صح؟ وكمان هو اللي خلاك تمنعني من الشغل؟
لا دة أنا اللي خليتك مش هو، وبعدين انتي إيه اللي فكرك بالحكاية دي؟
أصل نيرة زعلانة منك أوي.
زعلانة؟ زعلانة ليه؟
عشان انت منعتني حتى أشوفها.
بس أنا ممنعتكيش يا فريدة، أنا قولتلك متروحيش الشغل، مش متروحيش تشوفيها!
هي فهمت إنك عملت كدة عشان مش عايزني أحتك بيها، ولا أعرفها تاني!
بس أنا مش عايز مشاكل.
أيوة، مشاكل إيه دي؟ هو مراد هددك؟
يا دي مراد، يا بنتي قولتلك لأ انتي مش عايزة تصدقي ليه؟
طب انت سبت نيرة ليه مع إنك بتحبها؟ ومتقوليش عشان تيتة زي ما فهمتها!
فريدة...! انتي ازاي تتكلمي مع ابوكي بالطريقة دي؟
عشان حاسة إنك شايل ف قلبك ومش عايز تتكلم ولا تفهمني حصل إيه!
محصلش، وإياكي تتكلمي معايا ف الموضوع دة تاني، سامعة؟
اتفضلي يلا ع أوضتك الوقت اتأخر.
***
يقود سيارته بسرعة صاروخية، يصطك ع فكيه بقوة وهو يحاول كبح جماحه حتى يصل لهدفه، عينيه تومض بريق من اللهيب إن وقف أمامه أحدًا سيأكله حيًا من وهيج حدقتيه.
وصل مراد إلى المكان المقصود وهبط من السيارة باندفاع غير مبالٍ بأي شئ، فجميع الشياطين تتراقص أمامه الآن بسبب تلك الحمقاء.
كانت فريدة تهبط من المبنى مع صديقتها نرمين وخلفها بقية الطلاب وآخرون من خارج المجموعة يقطنون بالمبنى. فما أن رآها مراد شرع بهجوم صوبها والدماء تحتقن وجهه، ليقف أمامها مباشرة بصدره الذي يعلو ويهبط.
شهقت فريدة وهي تراه يقف كالذئب الذي قد وجد فريسته ويستعد لإلتهامها. هربت الدماء منها لتطلق عجلات قدميها في سرعة رهيبة للهرب منه.
جعلت نرمين تحدق بعينين مذبهلة وهي تراقب ركضها، ثم تجد مراد ينطلق جريًا ورائها، وهي غير مستوعبة ما يحدث أمامها.
الحقـــوني يا نـــاس! حد يوقف التور اللي ورايا دة.
ظلت تصيح عاليًا أثناء ركضها، وهو خلفها لن يتركها مهما كلف الأمر، فهي دائمًا تتسبب في توتره وإثارة النار بداخله بأفعالها الرعناء.
هتروحي مني فين، لو باقية ع عمرك اقفلي.
والنبي لو عملت إيه منا واقفة، إن شالله حتى أروح ع بيتي جري!
حسنًا أنتِ من اخترتِ. زاد من سرعته وكأنه في سباق للجري حتى تفاداها بخطواتٍ، ووقف أمامها بطريقة أثارت دهشتها وجعلتها تقفز كمن لدغتها حشرة.
تطلع مراد إليها مستنكرًا بتعجب ما تفعله، ثم صرخ ليوقفها: بس ... دلوقتي خايفة!! أمال ما خوفتيش وانتي رايحة تبلغي عن اللي حصل؟
أنا هفهمك، اسمعني بس.
مش عايز أفهم...
صرخ بها ثم اقترب منها بملامح مرعبة، جعل ضربات قلب فريدة تزداد بشدة وتراجعت ببطء للخلف، ثم فجأة اختصر المسافة بينهما في خطوة واحدة وقبض ع ذراعها، فهتفت بقوة زائفة: انت ازاي تمسكني كدة، ابعد إيدك عني، ما ينفعش اللي بتعمله دة احنا ف الشارع.
لم يكترث لكلامها فجذبها نحوه باندفاع حتى اصطدمت بصدره تحت نظراتها المذهولة.
انت اتجننت ابعد عني.
هتفت بتوجس وهي تحاول التملص من بين ذراعيه، لكن لا فائدة فهو يقف كالتمثال بقامته المهيبة، ثم سحبها بعيدًا عن الرصيف وألصقها بالجدار حتى اصطدم ظهرها به وتأوهت، وقف يحدج بها بمقلتيه المخيفتان، لتبتلع لعابها بصعوبة، لتسمعه يردف بصوته الرجولي.
مين سمحلك تروحي وتبلغي عن اللي حصل؟ حد قالك عليا عيل صغير وبرضع ف ببرونة عشان تقدمي بلاغ عني؟ .. بسببك انتي سمعتي هتبقى ف الأسفلت عندي ف الجهاز، هيقولوا شوفوا سيادة الرائد مراد الحديدي اللي كان بيوقف أخطر المجرمين ع شنابه، دلوقتي محتاج حراسة أمنية عشان يعرف يتحرك في الشارع؛ لأنه خايف ع حياته، وكله بسببك.
صاح مزمجرًا وهو ما زال ممسكًا بكلتا ذراعيها، شعرت باضطراب في نظام تنفسه، تلجم لسانها لبرهة من شدة قربه منها وهي تعلق مقلتيها بخضراوتيه، لأول مرة يكون قريبًا منها بهذا الشكل، تكاد تقسم أنها ترى الخطوط الرفيعة المرسومة بهما.
مراد...
همست بصوت ضائع، تبحث عن أي سبيل ينتشلها من تيهانها، ليشرد الآخر في بندقيتها الواسعة وقبل أن يقع في ورطة جديدة استفاقا الإثنان ع صوت صياح نرمين.
فريدة...
اقتربت منها وسألتها في قلق: انتي كويسة؟
كان قد ابتعد عنها مراد بعد أن أدرك نفسه، ليسأل هادي الذي جاء مع نرمين: في إيه يا أستاذ، مالك بـ فريدة؟
ثم صمت لبرهة وهو يتطلع بمراد كأنه يعرفه ثم يتساءل: مش حضرتك مراد الحديدي، صاحب شركات الحديدي للإنشاءات؟
إيه دة بجد؟
ليقول هادي: فرصة سعيدة بجد إني شوفتك، أنا كنت سامع إن حضرتك عاوز موظفين ف الشركة، وكنت عايز اقدم، يا ترى هلاقي مكان؟
إيه دة؟ أنا اللي قايلالك أصلاً، ع فكرة يا استاذ مراد مش هتلاقي أنسب مني ف الوظيفة دي!
قالت بابتسامة متسعة، ليستنكر هادي: أنسب إيه؟ دة انتي ساقطة لغات، اتنيلي.
جرا إيه يا مصلحجية انتي وهو، جايين تفضوا خناقة ولا تستغلوا الفرصة؟
حرك مراد عنقه بملل ثم تركهم وسار يعود لسيارته، تابعته فريدة بعينيها وهي تتحرك خطوتين للأمام حتى انطلق مغادرًا، لينتفض جسدها لهتاف نرمين وهي تقول: بت يا فريدة، هو إيه اللي جاب مراد بيه عندك، وكان بيجري وراكي ليه؟
***
صدقني الورق موجود، بس هو مش معايا؛ لكن تحت ايدي وف أقرب فرصة هجيبه عشان تسلموني فلوسي وتاخدو انتوا ورقكم.
اسمع بقا، شغل اللوع بتاعك دة ما يمشيش معانا، خلال أسبوع لو الورق مظهرش اعتبر نفسك من الأموات، ومش انت بس، ابن عمك مراد الحديدي كمان معاك، لأن احنا عرفنا إنه كان ظابط مخابرات، يعني ممكن اختفاء الورق للمدة الطويلة دي كلها يكون وراه حاجة احنا ما نعرفهاش، ف الأحسن قبل أسبوع تيجي انت أو هو وتسلمونا المستندات وتاخدوا فلوسكم ويا دار ما دخلك شر!
***
دخل مراد المنزل وهو ممسك بسترته، فتلتقيه نيرة وتسأله: كنت فين يا مراد لغاية دلوقتي؟
انتي إيه اللي مصحيكي ف الوقت المتأخر دة؟ الساعة داخلة ع 3؟
منا أكيد مش هيجيلي نوم وانت برة البيت!
طب يلا روحي نامي كفاياكي سهر لغاية كدة.
***
بتهزري؟ مراد راحلك وجري وراكي؟
دة لففني قدامه الشارع كله، بس ابن الإيه جابني، تقولشي مركب موتور ف رجله!!
وانتي إيه اللي خلاكي تعملي كدة من غير ما تقوليله؟
أنا عملت اللي يملاه عليا ضميري يا أوختشي، وبعدين دة ركبني تاكسي وقاللي امشي، فـ أنا خوفت يكون بيوزعني ومش هيبلغ باللي حصل!!
لا ذكية وبتعرفي تفكري!
كلمي في جماعة من جهاز المخابرات عايزين يحققوا معاك.
عايزين يحققوا معايا أنا ليه؟
أصلهم شاكين إنك ورا اللي حصل.
نعم يا عنينا؟ شاكين ف مين؟
وأنا مالي! حد قالك تتصرفي من دماغك؟
مراد، هو بجد اللي بتقوله دة؟
امال يعني هكدب، يلا عشان مستنيين.
هم هياخدوني ع فين؟
ع مقر المخابرات العامة طبعاً، واحتمال كبير تتحولي ع أمن الدولة!
ليه يخويا كنت مشتاغبة! ولا بعمل مظاهرات ضد الحكومة!
شششش بلاش تجيبي لنفسك تهمة تانية، كفاية اللي هتشوفيه!
***
قوليلي، انتي كنتي بتعملي إيه مع مراد أثناء وقوع الحادث؟
أجاوب ع إيه؟
كنتي بتعملي إيه ف الشارع مع مراد؟
وانت مالك أصلاً، انت مين عشان تسألني بعمل إيه أو لأ، هي الحكومة منعت الناس تتمشى ف الشارع؟
الزمي حدودك!
مين دي اللي تلزم حدودها يا جدع انت؟ وازاي تزعقلي بالطريقة دي؟
***
إيه الأخبار يا جماعة؟
تعالى يا حديدى شوف الآنسة بتعمل إيه!
انتي اتهبلتي يا بت ولا إيه؟
بت؟ انت بتقوللي أنا بت؟ هو انت متعرفش جدي يبقى مين؟ دة كان أكبر لوا جوية فيكي يا مصر.
بتقولي إيه؟ جدك كان لوا؟
طبعاً، دة الكل كان بيتحاكى عنه.
واسمه إيه يا فندم جدك؟ وكان بيشتغل فين؟
سالم العربي، وكان ماسك فرع المقطم.
مقطم إيه دة؟
المقطم، متعرفش جبل المقطم؟
كان بيعمل إيه هناك سيادتك؟
كان بيطير طيارات للعيال هناك، عشان كان أحسن واحد يعرف يطير طيارات ورق.
دة أنا اللي هطير راسك دلوقتي!
بقولك إيه، أنا مواطنة مصرية وليا حقوق، ثم إنك ازاي قاعد معايا هنا ف أوضة مقفولة من غير محرم، انت مش عارف إن دة شرعًا لا يجوز!!
هو أنا جاي أخطبك، عشان عايزة محرم!!
اتنيل، ويلا خرجني من هنا عشان أبويا لو عرف إني اتأخرت عليه هيزعقلي.
انت فاكرة نفسك ف ملاهي؟ ولا ف رحلة مع صحابك؟ يخربيت برودك يا شيخة.
***
مراد... ازيك يا جدع؟
إيه يا عاطي اللي حصل دة، البت هزأتك خالص!
دي كانت هتشلني يا جدع، قال عايزة محرم قال!!
خلاص انت وهو، قاعدين تتمسخروا عليها بالطريقة دي قدامي، كل حاجة بقيتوو تاخدوها بضحك وهزار وقرف.
خرجها يا شامي.
بس التحقيق لسة ما خلصش!
أنا اللي طلبت التحقيق دة، وأنا اللي ما بقتش عايزه، ولما تعرفوا يعني إيه تحقيق الأول ابقوا اعترضوا!!
***
كويس إنك جيت تسأل عني، طمر فيك أكلي اللي كنت تلهط.
رواية ظل السحاب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم آية حسن
دق هاتف فريدة والذي كان بحوزة نيرة، فما أن رأت اسم "بابا" ينير الشاشة تيبس جسدها. لا تدري أتجيب أم لا، فماذا ستقول له؟ وإن لم ترد سينتابه القلق. لذلك أمسكت بالجوال، ثم ضغطت رد.
فما لبثت أن سمعته يهتف:
"انتي فين يا فريدة؟ اتأخرتي كدة ليه؟"
بالكاد أخرجت صوتًا مضطرب:
"أنا مش فريدة يا عز."
تعجب:
"نيرة؟ تليفون فريدة بيعمل إيه معاكي؟ هي كويسة؟"
سأل في لهفة وقلق، لترد قائلة:
"اهدى يا عز، فريدة بخير، هي بس مشغولة شوية."
"مشغولة ف إيه؟ اديهالي يا نيرة لو سمحتي، عاوز اطمن عليها!!"
من أين ستأتي بها الآن؟ لماذا أجابت وجلبت لنفسها هذه الورطة؟ ردت بنبرة مرتبكة:
"مش هينفعش، عشان هي بعيد عن الفون أصلها بتساعدني ف ترتيب شوية ورق."
ردت دون تفكير وترتيب للكلام، ثم سأل:
"هي فريدة عندك ف الشركة؟"
"أه."
"طب انتوا إيه اللي مقعدتكم لغاية دلوقتي هناك؟ الساعة داخلة ع 8!"
سأل مستغربًا، لترد بتوتر في صوتها:
"أصل مراد داخل مشروع جديد وبيرتب الورق والمستندات القديمة عشان هينقلهم مكتب تاني؛ فـ أنا طلبت منها تساعدني، أنا عارفة إنك هتضايق من الكلام دة عشان كدة بعتذرلك ع تأخيرها!"
قالت برقة وبراءة، ثم أردف بهدوء:
"لا يا نيرة مش هضايق ولا حاجة، أنا بس قلقت عشان هي مقالتش هتتأخر!"
كانت نبرته لينة تحمل الصدق، يود أن يصلح بها ما جال في عقلها على أنه لا يريد لابنته أن تصادقها، كما أخبرته فريدة عن مدى استيائها لكونه منعها من العمل لديهم.
"متقلقش، هي كويسة وأنا بنفسي هوصلها لغاية البيت لما ترجع!"
قالت بعفوية دون أن تنتبه، ليسأل بتعجب:
"ترجع منين يا نيرة!"
وضعت أناملها على فمها لإدراكها تفوهها الأخرق، وبسرعة حاولت تصليح الأمر:
"أقصد يعني لما تخلص شغلها ف الأرشيف وترجع هقولها إنك اتصلت، وهجيبهالك!"
ضحكت ضحكة خفيفة صفراء، ليرد:
"ماشي، معلش هنتعبك معانا!"
"تعبك راحة، متقولش كدة."
ودعها وانتظر حتى تغلق الخط، لكن لم تفعل، فتعجب:
"انتي مقفلتيش ليه؟"
فزعت من سماع صوته، كانت تظن أنه أقفل الهاتف:
"مالك يا نيرة متوترة كدة ليه؟"
هو من يربكها ويجعلها لا تعي ما تفعل أو تقول، ليست معتادة أن تختلق الأكاذيب عليه، حقًا إنه أمر صعب عليها. ليتساءل في حرج:
"هو انتي مضايقة إنك بتكلميني؟"
ماذا يقول هذا الآن؟ هل يترجم حالتها هكذا؟
"لا يا عز طبعاً، أنا بس مرهقة شوية."
"طب خلاص روحي كملي اللي وراكي الظاهر عطلتك، سلام."
أنهى حديثه ثم أغلق الخط في استياء، لتتمتم نيرة بوجه بائس:
"يوه بقا هي ناقصة زعلك يا عز .. يا ترى انتي فين يا فريدة وعملتي إيه!!!!"
نكست وجهها بحيرة ويأس عما قضته اليوم من أمور عجيبة.
***
"انت عبيط ولا إيه وقف العربية الغبية دي، ونزلني!"
صاحت فريدة وهي تضرب بيدها فوق التابلوه، ثم فجأة ضغط مراد على المكابح بغضب. فزمجرت:
"إيه اللي انت بتعمله دة؟ وازاي ترميني ف عربيتك بالشكل دة، واحد قليل ذوق!"
قالتها بتأفف، ثم اندفع برأسه نحوها، لترى غشاوة من اللهيب تغلف عينيه، لتبتعد بظهرها للخلف وهي تنظر له بوجه طفولي.
"إيه يا تنين السنين، هتبخ نار من بوقك ولا إيه؟"
اصطك على فكيه وهمس من بين أسنانه:
"مش عايز أسمع نفسك، بقا انتي بتتلامضي مع الظابط اللي بيحقق معاكي؟"
صاحت:
"الله بقا، هو انت كنت بتتفرج عليا؟ تلاقي كنتوا عاملين حفلة عليا يا ولاد التيت!"
تمتمت بهمس ليصرخ بها:
"اخرسي، هو انتي فاكرة نفسك بتلعبي لعبة الجلاد؟ وتقوليله جدك لوا؟"
استهجن لترد:
"أه، كان قائد عنتيل."
"عنتيل؟"
صاح بعصبية، لترد بنبرة متقطعة:
"جبار يعني في لعبه وكدة..."
ثم تنهدت بحنق، لتعتدل من جلستها لأنها قاربت على السقوط من المقعد.
"بقولك إيه يا اسمك إيه انت، ملكش دعوة بيا عشان أنا مش عايزة أكلمك تاني، بعد ما بلغت عني وقولتلهم إني بحاول أموتك، مع إني أنقذت حياتك بس طلعت متستاهلش!"
قالت باستياء، ليكمش على ذراعها وتجعر بمواء، لكن لم يهتم:
"أنا آه جبتك، بس ما كنتش فاكرك هتتصرفي بغباوة كدة، قاعدة تهزري مع الظابط ولا كإنك تعرفيه من مية سنة، هو انتي أي حد تعرفيه أو متعرفيهوش تتعاملي معاه بصحوبية؟"
تضايقت:
"وانت مالك! وبعدين مسمحلكش تتهمني كدة، وأنا مبصاحبش رجالة عشان تكلمني بأسلوبك بالمستفز دة."
صاح بصرخة جمدت الدماء في عروقها:
"أنا مالي؟ هو دة اللي ربنا قدرك عليه؟"
تحاول انزال يده وهي تردف بوجه مستاء:
"أوعى إيدك ياض انت، بقيت تمسكني من دراعي كإنه دراع اللي جايبينك، وكدة كتير ومش من حقك، أصلاً دة ف القانون يعتبر تحمرش!"
نظر إلى يده القابضة عليها فاستغرب نفسه، ليرخي قبضته ويبعد يده عنها، ثم نظر أمامه وأخرج سيجارة ليشعلها وينفخ الدخان.
ليسمعها تقول:
"ع فكرة السجاير مضرة بالصحة!"
حرك رأسه إليها وقبل أن يرد، ارتفع رنين جواله. حسس على بنطاله ثم أخرجه ووجد نيرة هي المتصلة.
"أيوة يا نيرة .. معايا متقلقيش .. ما كنتش سامع الفون .. خلاص يا نيرة بقا قولتلك معايا .. ماشي سلام."
أنهى الكلام سريعًا ثم وضع الهاتف فوق التابلوه بإهمال وأكمل تدخين السيجارة. راقبته فريدة بعينيها ثم همست باسمه:
"مراد ...!"
همهم فأردفت متسائلة:
"هو انت سبت شغلك ليه ف الشرطة؟"
تود أن تفتح حديث معه في هذا الموضوع بالخصوص؛ حتى يروي لها القصة بنفسه ويصارحها بما في قلبه مع أنها تعرف رده، لكنها ستنال شرف المحاولة على أي حال.
نظر لها ليقول:
"هو انتي مش سألتني السؤال دة قبل كدة وقولتلك ملكيش دعوة؟"
أكد لتعض على شفتيها بغيظ، ثم تقول:
"ع فكرة تلاقيك اترفدت يا فاشل!"
رمقه بطرف عينه ثم أردف بهدوء عكس توقعاتها:
"طب خلي ناس تانية تتكلم عن الفشل، يام 20 درجة!"
سخر لتتوسع عينيها وأكمل:
"والله دة لو عيل ف حضانة ما هيجيب الدرجة دي! لا وكمان بتطمحي تشتغلي ف شركة، أنهو بقف يرضى يشغلك بدرجتك دي؟"
استنكر بتهكم، فأردفت وهي تشبك ذراعيها أمام صدرها:
"مهو قاعد جنبي أهو!"
شزرها بحدقته فابتلعت لعابها:
"قصدي يعني، مش انت عايز موظفين؟"
رد باستهجان:
"دة أنا مش مستحملك ف البيت لما هجيبك كمان ف الشركة؟ لا وزاد البنت والولد دول اللي عايزين يشتغلوا وبيتخانقوا مع بعض ع الوظيفة!"
"نرمين وهادي؟ أهو دول بالذات بقا لأ متشغلهمش عندك."
اعترضت بشدة ليقول بمكر:
"ليه يعني؟ انتي مبتحبيش الخير لغيرك؟"
"لأ."
"أنا كنت عارف كدة!"
قال وهو يرفع أحد حاجبيه، لتلحقه هي نافية:
"مش قصدي، أكيد بحب يعني."
"بتحبي نفسك أكتر، بدليل إنك فضلتي نفسك عنهم !!"
لم يقصد الجدية، لكنها قطبت وجهها بضيق والصقت ظهرها بظهر المقعد وهي تنظر أمامها، ثم تمتمت:
"ع فكرة والله أنا بحب نرمين وبحب ليها الخير، وأنا كنت بهزر لما بقولك متشغلهمش."
فتفاجئت برده الساخر:
"دة ع أساس إني هسمع كلامك؟"
"إيه الإحراج دة!"
لتندهش بضحكته تدوي بالسيارة. كانت هذه أول مرة تراه يضحك عاليًا، حتى الابتسام كان يحاول دائمًا ألا يظهره. تاهت في لآلئه الناصعة كأن الشمس تخرج من بين ثناياه، ووجهه الذي أشرق كالنور. كان يجب أن تقع رغد في غرامه يا لحظها السعيد! هي أكثر فتاة حظًا في هذه الدنيا، رجل مثله شجاع، جرئ، متقن وبارع في عمله، له مكانة خاصة في المجتمع حتى بعد أن ترك الشرطة، غير أنه وقف بوجه العالم من أجلها. أيّ فتاة تصبح تعيسة بعد كل هذا؟
لاحظ مراد شروها فلوح بيديه أمام عينيها وهو يقول:
"روحتي فين؟"
"أنا...!"
سألت ببلاهة ليرد:
"أمال يعني أنا؟"
"تلاقيني بنام ع نفسي."
أردفت بأعين زائغة ثم رمى مراد بالسيجارة من النافذة وقال وهو يدور العربة:
"طب يلا نمشي عشان متتأخريش!"
رغم كونها لا تريد أن تغادر، لأن هذه اللحظة لا تتكرر مرتين، لكن أومأت برأسها وانطلق ذاهبًا بها.
***
وبعد وقت ليس طويلًا وصل بها مراد إلى أمام بيتها وأبطأ المحرك ثم هتفت بسرعة وحماس:
"تعالة انزل معايا، هنعشيك كفتة وكباب."
ضحك بخفة، ثم أردف:
"بصي هو عرض مغري مش هنكر، بس أنا اتأخرت ع نيرة وزمانها قلقانة."
"طيب مش عيب يعني تبقى واقف قدام بيتنا ومتدخلش؟ دة بابا هيفرح أوي لما يشوفك!"
انكمش وجهه في تجهم عندما ذكرت اسم عز، فقال وهو يكبح تذمره عن الخروج:
"انزلي يلا."
ابتعلت لعابها من نظرته، مجرد نظرة جعلت تلجم لسانها لبرهة، تعلم كرهه لأبيها لذلك لن تضغط عليه حتى لا يتشنج وترجع لنفس النقطة وهي ما صدقت أن تحصل ع تلك الهدنة.
رسمت ابتسامة لطيفة ثم قالت:
"تصبح على خير، ابقى سلملي ع نيرو."
أومأ برأسه:
"وانتي من اهله."
هبطت من السيارة ولوحت له قبل أن تدلف إلى البيت، ثم ذهب مغادرًا.
فما لبست أن دخلت لتسمع صوت أبيها الذي يقف أمامها:
"حمد لله ع سلامتك يا فريدة."
شعرت بالربكة قليلًا:
"بابا أنا..."
قاطعها:
"بعد كدة لما تحبي تتأخري يا ريت تبلغيني عشان مفضلش قلقان كدة عليكي! وكمان عشان محرجش نفسي مع نيرة!"
قال وهو يقطب وجهه بعبس، ثم تعجبت:
"نيرة؟"
"اتصلت بيكي ع تليفونك لما انشغلت عليكي وهي ردت عليا."
أدركت لتوها:
"يا نهار لامع وبيضحك، دة أنا نسيت تلفوني ف مكتبها لما كنت ف الشركة!"
"مش مشكلة، خشي نامي شكلك تعبانة."
هزت رأسها ثم هرولت وهي تتوجه نحو غرفتها، حمدت الله أن والدها لم يشعر بشئ، وأيضًا بالتأكيد نيرة قد قامت بالواجب وتصرفت بذكاء وأخبرته أنها معها لذلك لم يسألها شيئًا.
ارتمت على الفراش بسعادة وهي تتذكر ما حدث مع مراد وكيف كان يضحك ويتحدث معها لأول مرة بروانة، تمنت لو أن هذه اللحظات لم تنته، وتدوم طويلًا ولا ترحل أبدًا.
***
باليوم التالي دلفت نيرة باندفاع مكتب مراد الذي كان يخرج من المرحاض، فسارعت بسؤاله عند رؤيته:
"مراد، فين فريدة خرجت معاك ولا لأ؟"
"في إيه يا نيرة، طب قولي ازيك واطمني عليا أنا الأول، دة انا من امبارح مشوفتكيش."
كانت نبرته هادئة وكأنه لا يهتم، ثم قالت بنفس لهفتها:
"انت كويس أهو، طمني بقا ع فريدة؟"
أردف وهو يتحرك خلف مكتبه ليجلس:
"يعني هي بقت أهم مني دلوقتي؟"
تقدمت خطوتين وهي تقف أمام المكتب متذمرة من بروده فتقول:
"اخلص بقا، ما تبقاش غتت."
نهض من مجلسه وقال باستنكار وهو غير مصدق:
"غتت؟ انتي مين اللي قالك الكلمة دي؟"
وضعت يدها ع فمها كي لا تضحك ثم همست:
"فريدة."
ليؤكد حانقًا:
"طبعاً لازم تكون الست هانم، وهو في غيرها بيقول الألفاظ دي .. دي كانت بتتعلم ازاي تشتم بالإنجليزي!!!"
قهقهت ثم قالت:
"أيوة مهي قالتلي، أصلها كانت عايزة تشتم نانسي زي ما شتمتها .. قوللي بقا حصل إيه ف التحقيق معاها."
"زفت على دماغها.."
تذمر حينما تذكر ما حدث ليظهر القلق ع وجه نيرة، ثم أردف:
"بس متخافيش هي كويسة، وزمانها بتشخر ف بيتهم."
أطلقت نيرة تنتهيدة قوية ثم جلست لتتساءل:
"أمال بتخضني ليه وتقوللي زفت؟"
"أكيد هتيجي وتحكيلك كل حاجة بالتفصيل، مهي بقت من أعز أصدقائك وأقرب حد ليكي!"
كان يرمقها بغيظ لتندهش:
"انت بتغير يا مراد؟"
هذا واضح، فمنذ أن ظهرت فريدة بحياته وقد احتالت على كل شئ يملكه بما فيهم نيرة التي تقضي الوقت كله بصحبتها ونسيته هو!.
قطب جبينه وهو يقول:
"هو مش من حقي ولا ايه؟"
نهضت بسرعة وراحت تحتضن رأسه بحب، لتهمس برقة:
"مفيش حد ممكن يبقى أغلى منك ف حياتي، ولا ممكن يبقى أقرب منك ليا، دة انت صاحبي وأخويا وكل ما ليا."
ليرفع وجهه لها ويقول بتهكم:
"ماشي يا عم، هحاول أصدقك، وأكدب عنيا!"
ضحكت نيرة وهي تشعث شعره الحريري بمشاكسة، ليزيل يدها عنه برفق، ويهتف متصنعًا التذمر:
"شعري يا ستي في إيه!"
"أصله عاجبني أوي."
قالت وهي ما زالت تشاغبه بمداعبة، ليعترض:
"لا روحي العبي ف شعر الهانم، أهو طويل وناعم وجمـ..."
بتر كلمته بعد أن أدرك حاله ثم مالت بجذعها نحوه وهي تهمس له بمكر:
"وإيه كمان يا مراد؟"
نهض وهو يغير مجرى الحديث:
"ولاازم تمشي دلوقتي لإنك عطلتيني!"
أردفت وهي تحول على محياها ابتسامة لعوب:
"ماشي يا باشا، همشي، بس سؤال هو انت ليه ما بتنطقش اسم فريدة؟"
ضيقت عينيها بسؤالها الماكر، ثم رد عليها في برود:
"اسمها وحش، وأخرجي برة وبطلي استفزاز!"
حذرها بصرامة لينة، فقالت بخبث:
"حاضر."
"وحين غرة، اندفعت نحوه وعبثت بشعره بقوة، ثم هرعت إلى الخارج وهي تضحك قبل أن يمسكها، ليضحك هو على شيطنتها البريئة."
***
"كتكوت ضعيف الجناح والدنيا غدرت بيه..."
كان عماد يتغنى بطريقة غريبة ومضحكة وهو يضع ساقيه فوق سطح المكتب، ويسمع مقطع لأغنية في سماعة الأذن. ثم فجأة وهو منسجم مع الأغنية ترتفع السماعة برنين مختلف يصدح بأذنه، يجعله يقفز بفزع ويخرج السماعة بسرعة قبل أن تخترق طبلة أذنه.
فيضغط رد ويقول:
"منك لله، كنتي هتخرميلي ودني."
لينطلق صوت صراخ عالي من السماعة:
"جرى إيه يا زفت، ما بتردش ليه بقالي ساعة برن ع التليفون ورقمك خارج نطاق الخدمة!"
ليلقي الهاتف من يده من صياح تلك الهوجاء فيسمعها من الهاتف، تصيح مزمجرة:
"وحياة أمي وأمك وأمة المسلمين، لكون قايلة لأبويا يفسخ ميتين الخطوبة اللي مش خطوبة دي واقول ف كل بيت إنك راجل قُلة، عشان متلاقيش كلبة تعبرك بعد كدة."
التقط الهاتف مسرعًا فيرد بنبرة متحشرجة:
"ليه بس يا فاتن يا حبيبتي، دة أنا بقول عليكي الليدي فاتن، عاوزة تسوئي سمعتي ليه؟ دة أنا بعد كام سنة هبقى جوزك يعني!!"
جعرت بغلظة:
"نعم يا حيلتها، كام سنة إيه؟ دة أنا خللت جنبك، هستنى لما شعري يشيب يعني عشان حضرتك تحن عليا وتجيب المأذون؟ دة حتى دبلة ما هان عليك تربطني بيها يا معفن، يدوب قريت فاتحة وخلعت!"
حمحم ليقول بنبرة مهزوزة:
"مش انتي قولتيلي قبل كدة بدل ما نجيب دبل ونصرف فلوسنا ع حاجات فاضية، أديكي نص المرتب عشان تحوشيه ونجهز شقتنا؟"
صاحت متذمرة:
"منا جبت العفش كله، والشقة مش ناقصها غير رجل أهلك، دة أنا جهزت 4 عرايس من الجهاز اللي عتّق بسبب الركنة!"
همس بنبرة هادئة:
"طب يا حبيبتي اهدي انتي متعصبة كدة ليه؟ جهزي أربعة كمان وأهو كله ف ميزان حسناتك!"
وقبل أن يسمع جوابها، دخل مراد عليه فألقى الهاتف أمامه بسرعة، لينهض ويسأل:
"خير يا مراد باشا، في حاجة؟"
"ما جبتش ورق الخاص بالمناقصة من الإدارة ليه؟"
"أصل أنا نسيت أقولك، أنهم اتصلوا وقالوا لازم تروح تستلمه بنفسك!"
تعجب مراد:
"اشمعنى يعني؟"
رفع عماد كتفيه، ثم هز مراد رأسه:
"طب تعالى عشان عايزك."
وقبل أن يغادر سمع صوت غريب يقول:
"انت يابن برميل الطرشي ما بتردش عليا ليه؟"
هالت ع ملامح عماد الدهشة لأنه نسي أن فاتن خطيبته ما زالت معلقة على الهاتف.
"إلهي يجيلك بلل مبكر يا بعيد."
همس مراد وهو يرفع حاجبيه:
"بلل مبكر؟؟!!!"
لينكمش وجه عماد في بكاء، فيقول مراد وهو يردع ابتسامته التي ظهرت من شكل عماد الأبله:
"خلص حمامك وبعدين تعالى، قصدي المكالمة!"
ثم ذهب وهو يتمتم:
"اتنين مجانين ف حياتي يا ربي."
***
وصلت إلى كافيه وهي تدور بعينيها على جميع الطاولات بحثًا عن أحدهم، حتى أشار إليها شخصًا فانتبهت إليه وذهبت نحوه.
لتقول نيرة بعد أن جلست أمامه:
"ما صدقتش لما كلمتني وقولتلي إنك عايز تشوفني!"
ليبادر ويجلس بالمقعد جوراها ويمسك بيدها يقبلها بلهفة وأسف، ويردف بصوت شجي:
"أنا واقع في ورطة كبيرة يا نيرة، وماحدش هيساعدني فيها غيرك."
اعتري القلق ملامح نيرة فتهتف:
"إيه اللي حصل يا معتز ورطة إيه؟!!"
رواية ظل السحاب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم آية حسن
في إيه؟ بتصرخي ليه؟
زعق مراد عليها عندما وجدها تطلق صرخات عالية.
تحركت هي نحو اللذان تسمرا مكانهما عندما رأوا بمقلتيها شرر الغيظ يتطاير منهما.
بقـا كدة يا ست نرمين بتخونيني!
تلعثمت حروفها: فر..يدة أنا...
رفعت يدها تمنعها: بس مش عايزة اسمع منك كلام...
لتتابع بتأثير عاطفي: انتي طعنتيني ف قلبي يا نرمين، وكسرتي الخواطر اللي ما بينا، دة أنا كنت اترمي ف حضنك وأحكيلك ع اللي جوايا، وف الآخر تعملي كدة، وكل دة بسبب إيه؟ إيــه!
صرخت ليندفع مراد بصياح هز بدنها: إيــه انتي! داخلة من غير استئذان ليه؟
لتهتف باستياء: عشان أقفشهم، واكتشف خيانتهم!
وقبل أن يرد مراد، تدخلت الموظفة: يا فندم دي زقتني عشان تدخل، برغم اني قولتلها حضرتك مش فاضي!
توسعت عيني فريدة فصاحت مستنكرة: أنا زقيتك يا كدابة، ولا انتي اللي ما كنتيش عايزة تدخليني!
صاح مراد بحدة: خلاص انتوا الاتنين، هتتخانقوا قدامي!
زمت فريده من شفتيها وهي ترمقها بأعين متوعدة، ثم أردف مراد وهي يشير لهما: اتفضلوا برة.
نظرت لها بقرف ثم خرجت، بينما فريدة ظلت واقفة مكانها.
فيتطلع لها مراد: هو انا مش قولت برة!
ليه يعني اخرج، واشمعنى دول يفضلوا!
زمجرت، فهتف بخشونة: وانتي مالك، هو انتي هتملي عليا أخرج مين وأقعد مين؟ ويلا اتفضلي بدل ما أتصرف تصرف ما يعجبكيش!
ها هو الآن يعود مراد الحديدي المتعجرف من جديد، كانت تعلم تلك المهادنة كانت لحظة مؤقتة ولن تدوم.
اللعنة عليه لقد خدعها بتلك الضحكة والهدوء الزائف التي أغرقتها في الأوهام..
لتصيح بحرقة وبوجه باكِ: ياخي حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
ثم تركض خارج المكتب في حين أن مراد اعتلته علامات الذهول.
ليقول هادي لنرمين: احنا لازم نروح نشوفها!
فترد عليه: أيوة يلا أحسن شكلها زعلت أوي.
يكاد أن يتحركا فأوقفهما صوت مراد الغليظ: هو انا سمحتلكم تمشوا أصلاً! ولا أنا هوا واقف قصادكم؟
استهجن بتذمر فأدرك الإثنان خطأهما، فما حدث جعلهما مشوشين.
متأسفين يا مراد باشا، لو المقابلة خلصت ممكن نستأذن؟
قال هادي، ليرد مراد بنبرة عنيفة حانقة: لما تخلص أنا اللي هقولكم تمشوا، واللي حصل دة ما يتكررش تاني، سامعين؟
أومأ الإثنان بإيجاب، ثم أشار مراد: اتفضلي انتي أخرجي، وهنبقى نبعتلك!
هزت رأسها ثم خرجت.
ثم أردف مراد وهو يجلس موجهًا حديثه لـ هادي وهو يخفي الغيظ: وانت بقا اتفضل عشان نكمل.
تتحرك فريدة بالممر بعد أن خرجت من عند مراد، وهي تحاول كبح جماحها، مقررة الخروج من الشركة.
فسمعت من وراءها صوت يناديها، التفتت وراءها وهي تمسح وجهها من الدموع التي سالت بسبب ذلك الأحمق كما تدعيه هي.
فوجدته العم شفيق اقترب منها وسألها: ازيك يا فريدة يا بنتي، بقالي يومين مش بشوفك!
حاولت جعل نبرتها طبيعية: الحمد لله يا عمو، أخبارك انت إيه؟
لاحظ صوتها فسأل: مالك يا حبيبتي؟
رسمت ابتسامة زائفة فقالت: مفيش حاجة، أنا كنت رايحة عند نيرة!
وقبل أن يرد، رأى نيرة تأتي عليهما: أهي جات ع السيرة.
اقتربت وعانقت فريدة: الصاحبة اللي مبتسألش!
أسيبكم أنا بقا.
قال العم شفيق وهي يهم بالذهاب، فسألت نيرة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: مختفية فين يا ست هانم؟ ومش بتيجي الشركة خاصمتينا ولا إيه؟
حاولت فريدة أن تخفي ملامح الاستياء عن وجهها لكنها سرعان ما ظهرت وانفلتت شهقة باكية منها.
اندهشت نيرة وسألت في لهفة وقلق: مالك يا فريدة، بتعيطي ليه؟
ضمتها وتحركت بها نحو مكتبها وهي تقول: تعالي يا حبيبتي معـ...
يادلفا إلى المكتب وجلست نيرة أمامها وتسألها: مين مزعلك يا فريدة؟
هو في غيره اللي بيعيطني ليل ونهار!
صاحت بنبرة مبحوحة وبوجه عابس، لتهتف نيرة: مراد!
زمجرت: متجبيش اسمه، أنا مبقتش طايقاه ولا طايقة اسمع سيرته.
حصل إيه؟
طردني!
يا فريدة بقا، يعني هي أول مرة!
قالت نيرة نافية بهدوء، لتجعر فريدة باكية: كلكم عليا يا ولاد المضايقة!
خلاص اهدي مكانش قصدي اضايقك، بس المفروض انك اتعودتي على أسلوبه!
قالت بانفعال: بس دة طردني قدام صاحبتي الخاينة.
لينفتح الباب عقب انتهاء كلامها وترفع ببصرها وتجدها نرمين، فتدخل وهي تهمس: فريدة.
نهضت وهي تتطلع إليها بسخط وتقول بجفاء: عايزة إيه؟
انتي زعلانة مني؟
همست برقة، لتندفع فريدة مستنكرة: انتي بتستهبلي! يعني بتيجي الشركة من ورايا عشان تقدمي انتي وهادي ومش عايزاني أزعل؟
ثارت باستياء وحنق، لتقترب منها وترفع بيدها لتهدئها، لكنها أزاحت يدها بضيق: فريدة لو سمحتي اسمعيني، والله كنت هقولك، يعني أنا هخبي عليكي ليه؟
استنكرت نرمين، ثم أردفت فريدة: تقوليلي بعد إيه يا نرمين! أصلاً أحنا كنا مع بعض امبارح كان فيكي تقوليلي إن المقابلة النهاردة! وما كنتش هحرج نفسي مع الجدي اللي جوة!
تأففت، لتنهض نيرة وهي تضحك ثم تقول لها: خلاص يا فريدة بقا البنت ما كانش ف دماغها تخبي عليكي!
قوليلها حضرتك، دة حتى كنت هخليها توصي علينا عنده!
رمقتها بمكر، لتتسع حدقتي فريدة ثم لكزتها في ذراعها وتأوهت نرمين ثم احتضنتها بحب: مقدرش ع زعلك يا فيرو.
لتضمها فريدة الأخرى، ويدق هاتف نرمين فتجد هادي المتصل، ثم تقول: طب أنا مضطرة أمشي، عشان هادي شكله خلص مع مراد بيه.
يودعها ثم ذهبت، لتعود فريدة ببصرها وهي تنتبه لسؤال نيرة: انتي مقدمتيش معاها ليه؟
عارفة حتى لو كنت أصلاً بفكر أقدم، بعد اللي عمله دة أنا لغيت الفكرة!
ثم قطبت وجهها بوجم طفولي، لتصمت نيرة لبرهة وهي تعض ع أناملها بتفكير، ثم طرقت لعقلها فكرة شيطانية: بقولك إيه تعالي معايا.
قالت وهي تسحبها خلفها تحت استغراب فريدة منها.
أقبلت إلى الشركة وهي في قمة أناقتها تمسك بملف تحتضنه بين ذراعيها ثم دلفت إلي الردهة التي كانت خاوية من الأشخاص عكس ما كانت عليه في الصباح من المقبلين على الوظائف الحديدة.
توجهت نحو موظفة الاستقبال لتقول بنبرة رقيقة: لو سمحتي أنا جاية عشان المقابلة، بخصوص الوظيفة اللي أعلنتوا عنها!
تطلعت الموظفة على الساعة التي ترتديها بمعصمها ثم قالت: لو كنتي اتأخرتي عشر دقايق كمان، كان باب التقديم اتقفل، وضاعت عليكي الفرصة.
رسمت ابتسامة باردة ثم أردفت الموظفة وهي تشير لها: اتفضلي معـ...
يتحركا الإثنان حتى وصلا أمام مكتب مراد فدلفت الموظفة قبلها للداخل وهي تشير لها أن تنتظر.
مراد باشا، في كمان واحدة لسة جاية عشان المقابلة.
قالت بعملية، ليحمحم مراد ويأذن لها: طب خليها تتفضل.
خرجت لتقول لها: اتفضلي، مراد باشا ف انتظارك.
دلفت بخطوات بطيئة وصوت طرقات حذائها المتناغم يصدي بالغرفة، بينما كان مراد مشغولًا في ترتيب بعض الأوراق الموضوعة فوق سطح المكتب.
ليقول أثناء وقوع عينيه عليها: اتفضلي اقعـ ... نانسي؟؟؟
كانت نيرة ممسكة بـ معصم فريدة وهي تسحبها خلفها حتى وصلت أمام باب مكتب مراد.
وقبل أن تفتحه سألتها فريدة: مش تفهميني جايباني عنده ليه؟ لو فكرك عشان تصالحينا أنا مش عايزة!
كشرت وجهها لتضحك نيرة، ثم تفتح الباب ويدخلان معًا، لتتفاجأ نيرة بوجود نانسي، في حين مراد كان يحادثها.
حمحمت نيرة بحرج: معلش يا مراد، ماكنتش فاكرة عندك حد!
لتنهض نانسي وتقترب من نيرة وهي ترسم ابتسامة لطيفة ثم تحتضنها وتقول: ازيك يا طنط نيرة، وحشاني بجد!
انكمشت معالم نيرة تعجبًا منها فتتساءل نانسي: مالك مستغربة كدة ليه؟
لتهمس: مش مستغربة! ازيك انتي وازاي عثمان؟
كلنا الحمد لله بخير.
قالت وهي تحرك جسدها فتنتبه لـ فريدة التي تصطك على فكيها وتنظر لها بملامح جامدة غاضبة، فتبتعل نانسي لعابها وتعود مكانها.
ليسأل مراد وهو ينظر بطرف عينه لـ فريدة: كنتي عايزة حاجة يا نيرة؟
تحركت إلى جانب المكتب وهي ما زالت ممسكة بـ يد فريدة: أصل فريدة عايزة تقدم ف الوظيفة!
فصاحت مندهشة: أنا؟
لتضغط على يدها لكي تصمت، فنظرت نانسي لهما باستهجان، بينما يتطلع مراد إليها بنظرات غامضة.
فيعتدل مراد في جلسته ويشير لها بالجلوس دون النظر لها: اقعد.
تعجبت فريدة منه، أسيسمح لها باتمام المقابلة؟ إليس هو من طردها قبل ساعات! حقًا إنه شخص غامض وغير سوي.
أشارت إليها نيرة بالجلوس: يلا بقا طولي رقبتي .. اسيبك تكمل شغلك يا مراد!
ثم توجهت نيرة للخارج.
ليقول مراد: فين ورقك؟
فتحت فريدة حقيبتها وأخرجت بطاقتها ووضعتها أمامه، ليعقد مراد حاجبيه، ويسأل في استنكار وهو يمسك بها: إيه دة؟
بطاقتي!
ردت ببساطة، ليقول: أيوة منا عارف انها بطاقتك، فين باقي ورقك؟
ورق إيه؟
سألت ليهتف في حنق: المؤهل الدراسي، وشهادة ميلادك، ولا حضرتك فاكرة نفسك هتشتغلي من غير اثباتات زي ما عملتيها قبل كدة؟
رمقها بنظرة باترة، وهو يقصد حديثه ليسمعها تقول بلا اهتمام: مشي حالك بالبطاقة لغاية لما ربنا يسهلها.
يصيح: نعم؟؟؟
فتلجلجت نبرتها: مهو أنا مش معايا أي حاجة غيرها دلوقتي!
زفر بضجر، ليرجع ببصره لـ نانسي وهو يقلب بملفها: شهاداتك كلها ممتازة، دة غير إن عندك خبرة ف مجال الإدارة، براڤو.
أردف بإعجاب لتبتسم نانسي: ميرسي يا مراد.
رفعت فريدة شفتها وهي تنظر لهما في ضيق وانزعاج، فتنتبه عليها نانسي.
فتسمع مراد يردف بعد أن أغلق الملف: طيب يا نانسي، استني الرد احنا هنعلن عن المقبولين بعد أسبوع.
هزت رأسها ثم نهضت لكي تهم بالذهاب لتقول بنبرة ناعمة: هستنى مكالمة منك شخصيًا يا مراد .. باي.
خطفـت فريدة بنظرة ماكرة قبل أن تغادر، جعلتها تكتظ ع أسنانها باغتياظ شديد، فتهمس: جاتك ستين نايبة.
حمحم مراد لتنتبه له بفزع، ثم قال: وانتي بقا، عندك إيه يخليكي مؤهلة للشغل عندي؟
شعرت بنبرته التي ترجمتها على أنها ساخرة، ثم قالت بثقة: أنا أصلاً كلي مميزات، بدليل إنك سفحت أكلي من غير ما تحس، وكمان شغلتني عندك!
أه دة ف الطبيخ حضرتك، لكن أنا بتكلم عن الشغل ف الشركة!
رد بحنق فقالت: مش هتفرق كتير، وبعدين انت عارف أنا معنديش شهادات عالية، ولا حتى اشتغلت قبل كدة عشان يبقى عندي شهادات خبرة!
قالت باختناق ثم أشاحت بوجهها بعيدًا، ليترقب مراد حركتها قبل أن يردف: ابقي جيبي شهادة الدبلوم بتاعتك وشهادة ميلادك الأصلية المرة الجاية.
عاد برأسها نحوه وهي تسأل في اندهاش: يعني خلاص هشتغل؟
ليرد بعد أن حمحم: مش بالظبط كدة، احنا لسة مخترناش حد، جهزيهم وخلاص.
همست من تحت أسنانها: أبو شكلك يا شيخ، دايماً حابطني.
ليهتف متسائلًا بصوت جهوري أرجف قلبها: بتبرطمي بتقول إيه؟
أنا؟ ولا حاجة.
همست وهي تتفادى النظر لمقلتيه، ثم قال: طب روحي خلاص.
نهضت باندفاع وتحركت لتترجل من المكتب بحنق وهي تتمتم ببعض السباب له.
تقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا دون هوادة، وهي تفرك راحتي يدها ببعضهما بتوتر شديد، تتخبط الأفكار بعقلها ولا تدري كيف ستتمكن من الوصول لتلك المستندات اللعينة.
مراد بغرفته ولن تستطيع أن تفتش بين أغراضه بوجوده في البيت، حتى وإن فعلت بالتأكيد سيكتشف الأمر، فهو ليديه سرعة بديهية، ويتذكر آخر شكل لـ ترتيب أغراضه إن وجد شيئًا ليس بمكانه الصحيح، سيذهب كل شئ سدى وسيفضح أمرها!
ماذا ستفعل يجب أن تجد طريقة لا تترك بها أثرًا للجريمة.
هل تتصل بـ فريدة تسألها عن طريقة دخول عرين هذا الأسد؟ أم تحاول أولًا ثم تلجأ أليها لاحقًا؟!
توقفت عن التحرك ثم خرجت من غرفتها في طريقها نحو غرفة مراد، لتقف أمام الباب، ثم تتنهد بقوة قبل أن تضغط ع المقبض ببطء وهدوء شديد حتى لا يشعر بها.
فتسمعه يتحدث عبر الهاتف وهو يقف بالقرب من فراشه ويعطي ظهره للباب.
يابني كنت مشغول جدًا وملحقتش أجيلك ... مش هينفع أبعتلك الملفات دي مع أي حد يا شامي، قولتلك ناس كبيرة متورطة في الموضوع وأنا متأكد ان الناس دي بتبعت ورايا أو ممكن معتز يكون مراقب تحركاتي ... لا متخافش عليا هحاول النهاردة أجيلك ... تمام، مع السلامة.
أغلق الهاتف ثم نهضت نيرة بجذعها وهي تهمس بعقلها "أكيد كان بيتكلم عن المستندات بتاعة معتز، وكلم تميم صاحبه عشان يسلمها زي ما قاللي".
ثم ع حين غفلة مراد يفتح الباب ويراها أمامه فيرتعد قلبها باضطراب: نيرة! بتعملي ايه قدام باب اوضتي؟
سألها متعجبًا لترد بلجلجة وتلعثم: مـ..مفيش، ک..کنت جايالك عشان أسألك عملت إيه مع فريدة بخصوص الشغل؟
ملأ صدره بالهواء ثم زفره ودلف للداخل لتسأل مجددًا: إيه يا مراد، مالك؟ هو انت مش عايزها تشتغل معانا؟
ليلتفت لها: أنا مقولتش كدة.
هزت برأسها وهي تشبك ذراعيها حول صدرها وهي تقول: يبقى أكيد بخصوص إنها مش متعلمة زي نانسي تعليم عالي !!
جعد جبينه بتجهم ثم أردف مستنكرًا: معقول يا نيرة انتي بتفكري فيا بالشكل دة؟ طب ما أنا كنت ظابط شرطة ومسكت شغل أبويا وجدي !!
مسدت ع ذراعه: متزعلش مني، بس مش عايزاك تكسر بخاطرها، وبعدين انت عايز حد بتثق فيه يشتغل سكرتير، وهي قد الثقة دي!
ومين قالك إني بثق فيها!!
اندفع قائلًا فجأة لتعقد ما بين حاجبيها وتسأل: يعني إيه؟
يعني احتمال كبير نانسي هي اللي تبقى سكرتيرة.
قال وهو يتجنب النظر لها، فسمعها تقول بنبرة جاهدت أن تجعلها خالية من الغيظ: خلاص انت حر، ف الأول والآخر دي شركتك انت، هروح أنام أنا بقا عشان تعبانة.
أمست عليه وقبلته ثم استدارت مغادرة، ليتعجب هو من موافقتها على كلامه فدائمًا تعترض أو تحاول إقناعه خصوصًا لو الأمر يتعلق بفريدة، زاد الأمر من شكوكه.
عاد لفراشه واستلقى عليه، ليلفت انتباهه بطاقة تقع على المنضدة بجانب السرير.
أمسك بها لتقع عينيه على اسم فريدة، فهي قد نسيتها معه حينما كانت في مكتبه تتقدم للوظيفة.
تذكر جملتها "مشي حالك بالبطاقة لغاية ما ربنا يسهلها".
ليضحك بصوت مسموع، تلك الحمقاء ستتقدم لعمل ببطاقة هوية فقط! لا يدري من أين خرجت له!
أرجعها مكانها ثم سحب الغطاء عليه واستلقى على ظهره وأغلق جفنيه ليغطو في نوم هادئ.
يجلس على طاولة الطعام عز الدين وعائلته الصغيرة يتناولون وجبة الإفطار سويًا، فريدة تنقل نظراتها لوالدها بين حين وآخر كأنها تود قول شئ.
تنهدت بهدوء لتستجمع جرئتها لتقول: بابـ...
رفع ببصره لها: نعم يا حبيبتي!!
أنا قدمت ف شركة مراد الحديدي!
قالت بتلقائية دون مقدمات، ليلقي معتز الملعقة من يده بتذمر: بتقولي إيه يا فريدة؟ انتي اتجننتي؟ مين سمحلك تعملي كدة من ورايا؟
صاح بوجه عابس، لترد بتردد: نـيرة.
ما أن سمع اسمها ارتخت تشنجات وجهه ثم عاد لإستكمال طعامه دون أن يتفوه، لتتعجب فريدة: إيه يا بابا مردتش عليا!
اعملي اللي انتي عاوزاه، انتي كبرتي ومبقتش محتاجة رأيي ف حاجة!
تطلع عليها بطرف عينه ثم قالت الجدة: كلام إيه دة عز، حسك ف الدنيا يابني، اكيد فريدة متقصدش.
لحقتها فريدة قائلة بنبرة معتذرة: أنا آسفة يا بابـ...
تنهض بسرعة وتحتضن رأسه فتهمس: والله ما أقصد، كل الحكاية إن نيرو فاجئتني وخدتني على مكتب مراد واضطريت أوافق عشان مزعلهاش، اقسم بالله دة كل اللي حصل!
قالت بصدق ليمسك بمعصمها ويجلسها بجواره: خلاص انا مصدقك، اهدي.
لو حضرتك مضايق، أنا هقولها اني مش حابة أشتغل وأكيد هي هتقدر الموقف.
قالت وهي تشعر بالاستياء من نفسها كونها بدأت مؤخرًا بفعل حماقات ليس معتادة عليها، وكل هذا بسبب ذلك المتعنت الغبي.
ليردف عز: لو عملتي كدة وقولتي لنيرة مش هتشتغلي عندها، هتزعل .. ف انتي روحي وربنا معاكي.
احتضنته بقوة بعدما نمت ابتسامة عريضة تعبر عن مدى سعادتها البالغة كونها تأكدت أن أبيها يستطيع فعل أي شئ من أجل إرضاء محبوبته الأولى.
يقف خلف سطح مكتبه وهو يقوم بالتقليب في المستندات ويتحدث عبر الهاتف.
أنا هجيلك دلوقتي يا شامي والورق معـ...
رد بمداعبة: مستنيك يا عمري.
ثم أغلق مراد الهاتف وكاد أن يأخذ الملف ويخرج، ليدلف عماد عنده ويردف: مراد باشا، في جماعة من شركة المنصور للتأمين مستنين حضرتك ف الريسبشن.
تذكر: أه صح دة انا نسيت خالص إنهم واخدين معاد بخصوص المكتب اللي اتحرق.
تحرك من خلف المكتب وقال: تعالى نشوفهم، وبعد كدة ألحق مشواري.
خرج مراد مع عماد وترك المستند ملقى فوق سطح المكتب.
كانت نيرة مترجلة من مكتبها في طريقها نحو مكتب مراد وهي حاسمة أمرها أن تخبره بما أعلمها به معتز كونها لم تستطع أن تجد المستند.
تتحرك وهي تقدم خطوة وتؤخر الأخرى إلى أن وصلت أمام الباب، تنهدت بعمق ثم فتحت الباب الجرار، ودلفت فلم تجد مراد يجلس على المكتب.
تحركت نحو المرحاض ظنًا منها أنه بداخله، طرقت عدة طرقات وهي تقول: مراد انت جوة؟
لم يأتها رده فرفعت كتفيها بيأس، ثم استدارت لكي تخرج لكن فجأة وقعت عينيها على ملف فوق سطح المكتب، فتقدمت منه بسرعة، وقلبت به حتى علمت أنه ملف معتز.
تطلعت أمامها وصوت في عقلها يحرضها على أخذه والهرب من هنا فورًا، وصوت آخر يمنعها.
تضارب بين أفكارها المشوشة، لكن أخذت نفسًا مضطربًا وأغلقت الملف فورًا وحملته بين كفتيها المرتجفتين وخرجت به في عجلة مقررة إعطاءه لمعتز بعد أن تغلب عليها الشيطان وصور لها أن ما ستفعله هو الصواب.
انتهى مراد من مقابلته السريعة مع مندوبين شركة التأمين، ثم نهض سريعًا وصعد السُلم لكي يأتي بالأوراق ويذهب لمقابلة تميم.
وصلت أمام مكتبه كي تعطيه الشهادات التي طلبها منها من أجل العمل، وما أن دخلت لم تجده.
خرجت مرة أخرى وهي متوجهة في طريق عكسي لمكتب نيرة كي تخبرها بما قاله والدها وخوفه على استيائها، بالتأكيد ستفرح.
هرولت بسرعة بينما مراد كان قد وصل ورءاها وهي تركض حاملة ملفًا قطب جبينه وهو يتساءل بداخله عن عجلتها.
لم يهتم فدلف للداخل لكنه تفاجأ باختفاء المستند من فوق المكتب.
تجهم وجهه وتذكر فريدة وهي تخرج من مكتبه جريًا تمسك بيديها المستند.
اكفهرت ملامحه ومقلتيه أصبحا كالجمر المشتعل.
رواية ظل السحاب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم آية حسن
ألو، أيوة يا معتز، أنا لقيت الورق وأنا في الطريق عشان أديهولك.
تحدثت نيرة عبر الهاتف وهي تقود سيارتها، ليرد عليها معتز بعدما هب من النوم مذعورًا فيهتف بدهشة:
انتي بتتكلمي بجد؟ يعني متأكدة إن اللي معاكي هي المستندات بتاعتي؟
أيوة متأكدة. قابلني بسرعة أحسن مراد يشك في حاجة لأني اتهربت من الشركة!
قال وهو ينهض من فراشه:
حالاً هلبس وأنزلك.. بحبك يا أحلى نيرة.. سلام.
أغلق الخط وقد ظفر وهو يقفز مرحًا، ليهمس بانتصار:
Yes, Yes. أخيرًا هخلص من الحكاية دي بقى.
تحرك نحو المرحاض حتى يلحق بنيرة ويستلم منها المستند، ليعطيه لـ هؤلاء الذين تسببوا باضطرابه لعدة أيام.. أخيرًا سينتهي من هذا الكابوس الأرعن.
•••
خرج مراد من غرفة المكتب وجميع الشياطين تتلبس بجسده، جل ما يدور داخل عقله الآن هو تلك التي تجرأت وأخذت شيئًا منه وليس من شأنها، ولكن لماذا؟
لا يعنيه، فالأهم أنها سرقته، ألغى أحبال عقله واستسلم لما سولت له شياطينه كليًا، يقسم بداخله أنه لن يرحمها هذه المرة، تخطت جميع الخطوط الحمراء.
وصل إلى مكتب نيرة فلم يجد أيًا منهما، ثم هبط إلى الأسفل وسأل موظف الاستقبال، فقال له أنه رآها للتو تغادر من بوابة الشركة.
اصطك على فكيه بحنق ثم هرول مسرعًا خارج الشركة، ليصعد عربته وانطلق بها حيث أمره به عقله.
•••
تسير هي بالطريق على قدميها، بعد خروجها من الشركة على عجلة، بسبب ذلك الاتصال من جارتهم والتي قالت لها بأن جدتها قد انتابها الإعياء وسقطت مغشيًا عليها.
تحاول أن تجد أي وسيلة مواصلات حتى تقلها بسرعة لكن لا جدوى، فالك مكان خالي من سيارات الأجرة.
زفرت بضجر وهي تهرول ارتياعًا على جدتها والتي لا تعلم ماذا حدث لها، فقد كانت على خير وعافية قبل أن تتركها في الصباح.
قطعت الطريق حتى تسلك مسارًا مختصرًا، طالما لم تحضر أي عربة تقلها.
وبينما هي تعبر الشارع جاءت سيارة سريعة قبالها، وكادت أن تضربها لولا ما ضغط على المكابح بسرعة، لتنطلق صرخة قوية منها وهي متجمدة في مكانها، بس ارتعاد أوصالها.
فهي لم ترعى خطواتها، أو ترصد العربات أثناء سيرها بسبب اضطراب عقلها.
ترجل السائق من سيارته كالإعصار والدماء تحتقن وجهه غيظًا، ليصيح بها متأففًا:
انتي غبية، مش تفتحي وانتي بتعدي الشارع، ولا فاكرة نفسك ف ممشى جنينتكم؟
لتعود فريدة لوضعها الطبيعي وتحرك جسدها نحوه فتجده ذلك الأبرم الذي يدعى معتز ويكون ابن عم مراد.
لم تهتم بل الغضب سيطر عليها أكثر، وتذكرت ما قاله لتوه، لتهتف:
مين دي اللي غبية يا روح أمك!
استنكرت قوله وهي تجحده بعينيها، اتسعت حدقتي عينيه وهو يقف كالأبله، ثم يقول في غيظ:
أنا روح أمي؟ دة انتي يومك مش فايت النهاردة.
اجري العب بعيد يابني، دة انت شكلك لسة ف حضانة.
أشارت بيدها بلا مبالاة، ليضيق معتز ما بين حاجبيه وهو يحاول تذكرها، فيسأل:
أنا شوفتك فين قبل كدة؟
•••
يقود سيارته وهو يشعر بالتشنج في رباط عضلاته، وبعقله الذي قد توقف عن التفكير في إيجاد أي عذر لها.
ثم فجأة ضغط على المكابح حين لمحها تقف في صحبة معتز، غير مصدق ما يشاهده أمام عينيه.
الآن قد تيقنت جميع شكوكه، رغم أن قلبه كان يحسه طوال الطريق على عدم الاكتراث لما تمليه عليه رأسه، لكن ما النفع؟ فهو ترصدها بأم عينيه والآن في وسط الطريق بعيدًا عن أعين الناس، يقفان غير عابئين لأي أحد ولا حتى لما يشعر به.
تنهد بانكسار وخيبة أمل -بعد تصويره لهذا المشهد بالشكل الخاطئ- ثم خطفهما بنظرة أخيرة قبل أن يصعد سيارته ويعود أدراجه.
نظرة تحمل معنى الاحتقار والاشمئزاز.
•••
جزت فريدة على أسنانها بحنق لتندفع قائلة:
وانت مالك، انت هتحقق معايا؟ أنا لولا أني مستعجلة كنت وريتك مقامك، عيلة معندناش بربع جنيه تربية.
زجرته ثم تابعت سيرها عائدة إلى بيتها، لتنمو ابتسامة جانبية على ثغر معتز وهو يرفع بيده استنكارًا لما حدث، ثم صعد سيارته وتابع هو الآخر طريقه لنيرة.
•••
وصلت نيرة لتقف بسيارتها في مكان بعيد حيث لا يوجد الكثير، تحاوط الملف بمعصميها بقلبٍ متذبذب، وحيرة شديدة في رأسها تصيب جسدها برعشة.
لا تدري أالذي تفعله صوابًا أم خطأً؟
ناهيك عن مراد وما سيفعله إن علم بأنها قد سرقته.
اقشعر بدنها لحظة تفكيرها بهذا الموضوع، ثم قررت وبسرعة أن تترك المكان قبل أن يأتي معتز.
أسندت ما في يدها على المقعد بجوارها، وأمسكت بالمفتاح الموضوع خلف عجلة القيادة وكادت أن تدير السيارة لكنها لمحت سيارة تقترب منها ويترجل منها معتز بعد أن توقفت.
اتجه معتز نحوها أثناء ما كانت هي تهبط من عربتها، فقال:
آسف ع التأخير، أصل كنت هعمل حادثة!
حادثة إيه؟
هتفت نيرة متسائلة بهلع، ليردف معتز قائلًا:
متقلقيش، المهم جبتي الحاجة؟
سأل، لتبدو على ملامحها التوتر، فتصمت لبرهة ثم تقول بعد أن ابتلعت ريقها:
لأ.
عقد معتز حاجبيه:
لأ ازاي؟ انتي مش قولتيلي انك خدتيهم؟
تلجلجت:
مهو معرفتش أخرج بيه.
تنهد معتز بقوة ثم حاول جعل نبرته هادئة:
نيرة أرجوكي اديني المستندات، أنا عارف إنك خايفة على مراد، بس أنا وعدتك أن كل حاجة هتبقى تمام أول ما الناس ياخدوا حاجتهم!
طب ومراد لو عرف إني سرقته؟
سألت باضطراب ونبرة شجن، ليقول معتز:
هو حد شافك وانتي بتاخدي الورق؟
نفت برأسها ثم أردف وهو يرفع كتفيه:
يبقى خايفة من إيه؟
لتصرخ بقلب متهشم:
أنا مش خايفة، أنا زعلانة على اللي عملته، أول مرة ف حياتي أعمل كدة في مراد وأخونه، وكل دة بسببك.
همست في آخر كلامها بلوم طفيف، مد معتز يده ليمسد على ذراعها ثم قال بهدوء:
أنا بجد آسف، صدقيني كل اللي بحاول أعمله دلوقتي إني أحافظ ع حياتي وحياة مراد!
وعشان كدة أنا جبت الورق.
قالت ثم فتحت باب السيارة وأمسكت بالمستند اللعين الذي تسبب في كل هذا، وقبل أن تعطيه لمعتز أردفت:
عاوزاك توعدني قبل ما تاخده، إنك تبعد عن السكة اللي انت ماشي فيها، وعن الناس دي للأبد!
أسرع قائلًا دون تفكير وهو يسحب الورق من يدها:
أوعدك.
وأخيرًا عاد الورق بين قبضتيه، لقد عانى كثيرًا حتى يصل إليه، ظفر بنجاحه أنه وبعد طول انتظار قد نال مراده.
استدار لكي يعود لسيارته لكن استوقفه صوتها:
معتزز.
تزفر متأففًا ثم التفت إليها وهو يرتسم ابتسامة مزيفة ويقول:
نعم؟
اقتربت منه وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، وتقول:
قبل ما تديهم الورق خد ضمانات عليهم إنهم مش هيقربوا لمراد!
ابتسم بين نابيه التي تصطك بحنق وهمس:
حاضر، سلام بقا.
قال بسرعة كي لا توقفه مرة ثانية وتقول له ستأتي معه كي تأخذ الضمنات بنفسها، صعد سيارته وانطلق مغادًا، تاركًا إياها تواجه الصعوبات التي ستقابلها عندما تعود لمراد الذي بالتأكيد قد علم باختفاء الورق.
•••
بعد فحص الطبيب لـ الجدة فريدة، خرج عز معه وأعطاه ثمن الكشف، ثم سأله:
طمني يا دكتور حالتها إيه؟
الطبيب وهو يضع النقود بجيبه:
عضلة القلب ضعيفة، ومحتاجة رعاية صحية، وبلاش مجهود، ويا ريت تستمر ع الدوا الجديد اللي كتبته ليها وتسيب القديم، هو صحيح غالي وكمان مستورد بس أقوى من الأولاني، وربنا يشفيها.
همس بأسى وهو يسلم بيده على الطبيب:
متشكر أوي.
ثم مضى مع الطبيب وهو يترجل راحلًا، ثم عاد عز الدين وسألته فريدة:
خير يا بابا الدكتور قالك إيه عن تيتة؟
تنهد عز ثم ضمها إلى ذراعه وهو يردف:
الحمد لله كويسة، محتاجة تغذية وراحة مش أكتر!
لم يرد عز الدين أن يرهب فريدة أو يقلقها على صحة جدتها، لذلك كتم في نفسه ما قاله الطبيب.
•••
هبط مراد الدرج بعدما خرج من حجرته وجلس على الطاولة -بهدوء دون التكلم- مقابلًا لـ نيرة التي شعرت بربكة تحتل أوصالها من نظراته الثاقبة، وهي على أتم الاستعداد لاستقبال هجماته عليها، فبالتأكيد هو قد علم بإختفاء الملف ولكن هل شك بها؟ قررت التأكد بنفسها.
حاولت اخراج صوت متزن لتسأل وهي ترتسم ابتسامة صغيرة على ثغرها تداري بها توترها:
إيه يا مراد، مالك مصبحتش عليا ليه؟ دة أنا حتى امبارح بالليل استنيتك كتير ومرجعتش، كنت فين؟
ماكنتش.
اختصر رده بكلمة واحدة، فشعرت بانخفاض شديد في نبضات قلبها، بالكاد أخرجت صوتًا هامس لتعود بسؤاله مجددًا:
مالك؟ في حاجة مضايقاك؟
نفى برأسه وهو يقضم لقمة ويضعها بفمه، ثم يردف:
نيرة أنا عايز أقولك ع حاجة وتنفذيها، بس يا ريت متسأليش ليه!
ضربات قلبها بدأت بالخفقان بسرعة، فتسائلت بصوت مبحوح:
حاجة إيه؟
قام وهو يقول:
أنا مش عايزك تشوفي بنت عز تاني، وتقطعي معاها كلام نهائي، حتى الشركة مش هتدخلها مرة تانية!
اندهشت من طلبه لتنهض وتسأل:
ليه؟
التفت لها وهو يعقد حاجبيه:
مش أنا قولتلك مش عايز ليه؟
وأنا مش هعمل كدة غير لما أعرف السبب!
قالت باعتراض شديد وهي تضع يديها في خصرها، ليزم شفتيه بحنق، ثم قال بجمود:
أنا مفيش حد يتشرط عليا؟
انت بتكرهها كدة ليه؟ عملتلك إيه مخليك مش طايقها ف أي مكان؟
تساءلت بضيق شديد منه بسبب عنجهته، ليحذرها بحدة:
نيرة!
أجفلت بعينيها بعيدًا، متحاشية النظر لبؤبؤ عينيه اللذان تحولا إلى لون قاتم من شدة غضبه، لتسمعه يردف بصوته الأجش:
عاوزة تعرفي سبب كلامي عنها كدة؟ أنا هقولك.. الأستاذة طلعت حرامية، سرقتني.. خدت ملف من ع مكتبي وراحت توديه لمعتز!
هنا كانت نيرة على وشك السقوط من طولها، لا تصدق أنه قد شك بـ فريدة، وهي من أذنبت! ولكن كيف هذا؟
رفعت ببصرها نحوه لتقول:
مراد، اسمعني، اللي فهمته دة محصلش!
أشار بيده، فيقول بصوت منكسر:
أرجوكي متدافعيش عنها، أنا شوفتها بعينيها الاتنين دول وهي واقفة مع معتز، بعد ما خرجت من الشركة وف إيديها المستند!
هزت رأسها نافية، ماذا يقول هذا؟ فريدة ومعتز، كيف؟ يجب أن تتحدث وتقول الحقيقة قبل أن تسوء الأمور أكثر.
طب اسمعني، أنا هقولك اللي حصل بالظبط...
وقبل أن تتابع قاطعها صوت رنين هاتف مراد، والذي أخرجه فورًا ليقول بعد أن رأى اسم المتصل:
أنا خارج عشان ورايا مشوار مهم.
غادر مراد من الباب قبل أن تنطق بحرف واحد، لتهرول وراءه وهي تنادي عليه وتتوسله أن ينتظر ليسمعها:
مراد عشان خاطري اسمعني الأول، انا هفهمك.
صعد عربته وأشبك حزام الأمان بخصره، دون الإهتمام لكلامها، فهو يعلم أنها تحبها فبالتأكيد ستدافع عنها بكل الطرق.
أدار سيارته وهو يقول:
نتكلم بعدين يا نيرة، سلام.
ثم انطلق بها مغادرًا، لتشعر هي بالضعف وتهمس بقلب محطم:
أنا اللي أخدت الورق يا مراد، فريدة مظلومة حرام عليك!
غشاء رقيق من الدموع تكون في مقلتيها، وهي تشعر أنها أسوأ شخص في هذا العالم، لقت لحقت التهمة بفريدة المسكينة، وكل هذا بسببها هي وحدها، حتى أنها لم تستطع إيقاف مراد لتشرح له الحقيقة.
اللعنة على غبائها دائمًا هي حمقاء في تصرفاتها، لو ما كانت أخفت عليه الأمر، لما وصلت لكل هذا! ولكن ما فائدة الندم على ما مضى فـ فريدة الآن هي المجرمة في نظر مراد، ظلت تجهش بالبكاء تأسو على حالها وتفرغ ندبها.
•••
يعني إيه المستندات ضاعت؟
سألت تميم وهو يضيق عينيه ثم أردف بتقرير:
انت مش أكدتلي إنها معاك وكمان كنت جايلي امبارح!!!
وضاعت.
رد مراد بهدوء ليندفع تميم بصياح:
يعني إيه ضاعت!
ضاعت يعني راحت، اختفت، غارت ف ستين داهية!
صرخ مراد بعصبية مفرطة، ثم أخرج سيجارة وأشعلها ليدخنها تحت نظرات تميم المتفحصة له وهو يسحب نفسًا منها بتذمر شديد، حتى أنهى نصفها في أقل من دقيقتين.
اهدأ يا مراد وبلاش أم العصبية اللي انت فيها دي!
عاد مراد برأسه لـ تميم وهو يقول بحزم:
أنا هرجع المستندات دي يا شامي، واللي ضيع الورق والمستندات دي أنا هعرف أحاسبه كويس.
قال وهو يحدق حاسمًا بزمردتيه اللتان يشوبهما شرر ناري، راقب تميم عينيه وهو يرى بهما الغموض، ولا يدري ماذا يقصد بكلامه؟ طريقته هذه ستتسبب له بإعاقة ذهنية يومًا ما!
•••
كان يقود سيارته إلى أن دخل بمكان غريب ثم وقف وأمسك بهاتفه وبحث عن رقم بعينه، ليضغط على زر الاتصال، ويضع السماعة على أذنه.
ألو، أيوة أنا وصلت المكان، إنتو فين؟
ليشاهد سيارة أمامه تعطيه إشارة بالكاشافات الأمامية، فما أن رآها علم بأنهم الجماعة، ليقول:
خلاص انا شوفتكم.. جبتوا الفلوس؟.. تمام أنا نازل.
أغلق الهاتف ثم التقط الملف الموضوع بجواره وهبط من العربة، وكان الآخر قباله قد هبط من سيارته أيضًا وبعضًا من الحراس.
صاح معتز سائلًا:
الفلوس فين؟
شخص من داخل السيارة ألقى للآخر الواقف بجوارها حقيبة، ثم أشار إليه الذي في داخل السيارة التقدم منه، في حين أن معتز كان يتباطأ في خطواته بحذر، فما لبث أن وصل إليه وقبل أن يسلم لبعضهما البعض، حطت الإضاءة فوق رأسهم، بإنارة كشفت المكان بأكمله، أصاب كلٍ منهم بالذعر، فاستعد الحراس لإخراج الأسلحة، ليتفاجئوا جميعًا بالذي يجلس على مقعد في المنتصف ويعقل ساقه فوق الأخرى ويشعل سيجارة.
جحظت عيني معتز وتمتم:
مراد؟!!!!
ليأتيه صوته:
إيه يا معتز معقول يعني هتستلم الفلوس من غيري؟ هي مش برضو دي فلوسي والورق اللي معاك دة يخصني؟
هبط الشخص الذي كان بالسيارة وهو ينظر بدهشة نحو مراد الذي نهض من مكانه وأردف وهو يمط حروفه بسخرية.
شامل بيه الصاوي صاحب أكبر شركات الصاوي للمواد الغذائية، يا ترى لسة زي مانت بتدس السم في المواد ولا ملقتش فيها فايدة واتجهت لغسيل الأموال!
ليرد عليه:
يا أهلاً بمراد باشا، كان نفسنا نشوفك من زمان، ونتشرف بيك معانا!
تؤتؤتؤ، ازاي تقول كدة؟! يعني معقول واحد لا عنده ضمير ولا ذمة هيبقى عنده شرف؟
سخر من جديد ليتابع وهو يجلس مكانه:
وبعدين أنا جاي عشان أقبض عليكم متلبسين، وأنا عارف إن الكوماندا بتاعك ف العربية اللي جنبك، أصل مش حابب تتفرقوا عن بعض، وبكدة يبقى عداني العيب... مش دة رأيك يابن عمي برضو؟
صاح لـ معتز الذي يقف بعيدًا وقد تجمدت قوائمه، فلم يعد يستطيع النطق أو الهرب.
أشار الصاوي بيده، وفي لحظة كان جميع الحراس قد تهيأوا لوضع الاستعداد.
صوب أحدًا منهم السلاح على رأس معتز وآخرين وقفوا حول مراد الذي يقف كالأسد يضع يديه في جيبه، وتنمو على ثغره ابتسامة استهزاء لهم.
أي حركة يا مراد فيها حياة ابن عمك!
قال الصاوي مهددًا بنبرة مهزوزة شعر بها مراد:
مالك خايف كدة ليه يا صاوي؟ دة حتى انت اللي أقوى مننا!
تهكم عليه ليشير الصاوي لأحد الحراس الواقفين عليه فيفهم ويرفع سلاحه على مراد.
هذه الحركة كانت كفيلة لتجعل الدماء تصعد إلى وجه مراد، وبحركة سريعة وماهرة قد ألوى يد الحارس ليصبح المسدس بين يدي مراد الذي فورًا قد أطلق النار على الشخص الذي يهدد معتز ليسقط ميتًا على الأرض.
اتسعت عيني الصاوي بذهول للذي فعله لتوه، ثم بدأ الرجال بإطلاق النار، اختبأ معتز بسرعة خلف سيارته ليتفادى الطلقات النارية.
أما عن مراد فلم يستخدم مسدسه إلى الآن، بل يقاتلهم بيديه الفولاذية بحركات بارعة، يوقع هذا، ويخلع كتف ذاك.
لم يفعل هذه الحركات منذ سنوات غير عند التمرين، لقد اشتاق لعمله وللممارسة القتال الذي يحبه منذ الصغر.
الآن قد عاد لكم مراد الحديدي «نمر المخابرات» بهيبته وأسلوبه الجبار.
انتهى مراد من ضرب الحراس، فما لبث أن وجد الصاوي والسيارة الأخرى يفران هربا.
كاد أن يهرول ورائهما لكن فجأة قد توقفت عربات الشرطة وهي تحاوطهما وصوت السرينة يدوي بالموقع.
تنهد مراد بانتصار لينتبه على سيارة معتز وهو يلوز بالفرار كالجبان.
قلي مراد عينيه ثم هز رأسه يأسًا.
•••
مراد باشا ماجتش الموقع ليه امبارح، الناس كانوا مستنييك عشان تحط بصمتك الأولى ف المشروع!
قال عماد متعجبًا من أمره، ليمسح مراد على وجهه بضجر، ثم تنهد ليردف بهدوء:
هبقى أروح يا عماد، هبقى أروح.
لاحظ كلله ليسأل في اهتمام:
مالك يا باشا؟ شكلك مش مظبوط ليه؟
أطلق تنهيدة قوية ليردف عماد بعدها متعجبًا:
يا ساتر! دة انت مهموم أوي.
وضع رأسه بين راحتي يده وهو ينكسها للأسفل ليقول:
سيبني لوحدي يا عماد لو سمحت!
لا مش هسيبك! منا لازم أعرف إيه اللي مزعلك كدة؟
رفع برأسه محذرًا:
عماد!
وقبل أن يرد عليه دخلت نيرة عنده لتهتف متلهفة:
مراد أنا عايزة أقولك على حاجة مهمة، اديني فرصة لو سمحت وبلاش تقاطعني!
قال بانهاك:
نيرة أنا مش عايز أسمع ولا كلمة، من فضلك انتي!
انفتح الباب قبل أن تعترض نيرة وتدلف هي صاحبة الحظ العاسر، بابتسامة مشرقة على محياها.
احتقنت الدماء وجه مراد، وهو غير مصدق وقاحتها بعد أن خانته، تعود مرة أخرى وتقف أمامه وكأنها لم تفعل شيئًا، حقيرة!
عماد أخرج برة!
قال بهدوء مزيف وهو يتطلع نحو فريدة.
أومأ عماد برأسه ثم ترجل من المكتب، اندفعت نيرة صوب فريدة وهي قلقة عليها من ردة فعل مراد.
تحرك مراد من خلف مكتبه وهو يرمقها عبثًا ويرسم بسمة خبيثة تنم عن مدى ثورانه الداخلي.
شعرت نيرة بألم في بطنها فور ترجمة ملامح وجهه، عكس فريدة التي تستعجب الوضع.
انتي ليكي عين تيجي هنا بعد اللي عملتيه؟
تمتم مراد من بين أسنانه التي يصطكها بعنف، لتضيق ما بين حاجبيها بغرابة:
عملت إيه؟ تقصد عشان الورق يعني؟ يا شيخ ما تركزش قوي كدة، دي حاجة بسيطة.
قالت بعفوية وجهالة ثم أردف مؤكدًا وهو يرمي بآخر ورقة صبر لديه:
يعني معترفة إنك خدتيه؟
خدت إيه؟ تقصد الورق؟ أيوة مهو انت ما كنتش ف مكتبك وأنـ...
وايزاي تتجرأي وتعملي كدة؟
لم تكمل ليقاطعها بصرخة جمدت الدماء بعروقها بعد أن ارتجف بدنها كالقصبة، لم تفهم لما كل هذا الغضب؟ لأنها دخلت مكتبه دون أذنه أم ماذا؟
ليتابع هو صياحه الحاد:
لتاني مرة بتتجرأي وتعملي حاجة غبية معايا، طول عمري بشوف حقيقة الناس من عيونهم، وأعرف الخبيث منهم، بس أول مرة أتخدع ف حد شاطر أوي ف تمثيله لدرجة إنه يعيش الدور على نفسه!
كان يهدر بكلماته وضربات قلبه تنبض بشدة، لتحرك وجهها نحو نيرة وتقول ببلاهة:
هو الجدع دة بيكلم مين؟ بيتدرب ع حوار، هيقدم في Arab got talent ولا أيه؟
لتنتبه على نيرة التي انهالت على وجنتيها الدموع وأغرقت وجهها بالكامل، ظنت فريدة أنها تبكي لأجل الحوار.
لتقوس فريدة شفتيها بطفولية ثم تردف:
نيرو انتي بتعيطي ع الحوار الأهبل دة؟ اقسم بالله فاشل ف التمثيل.
لم يتمالك مراد غضبه ولم يستطع السيطرة على اشتعال عقله وهو يتذكر مشهدها وهي تقف مع معتز في عرض الطريق، ليرفع بيده ويهبط على وجنتها بصفعة قوية جعلتها فورًا تسقط أرضًا.
لتصرخ نيرة بهستيريا:
مـــراد.............
رواية ظل السحاب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم آية حسن
عملت إيه يا مراد، حرام عليك.
صاحت به نيرة بنبرة شجية مبحوحة، ثم هبطت على الأرض بجوار فريدة المُلقاه.
حاولت أن تساعدها على الاعتدال، لتهمس بجهشان: قومي يا حبيبتي، قومي.
رفعت بجذعها قليلًا عن الأرض، لترى أنامل مراد قد تحددت على وجنتها وتركت أثرًا باللون الأحمر.
وليس هذا فقط، بل عندما رفعت فريدة برأسها بوهن رأت خطًا من الدم نزل على جانب شفتيها.
لتهبط دمعة منكسرة على وجنتي نيرة فتقول بشهقة ووجه باكٍ: أنا آسفة يا فريدة، كل ده بسببي.
أمسكت فريدة بجانب رأسها وشعرت بأن الصفعة تدوي بداخلها ككرة قدم رُكلت في مكان ضيق، وظلت تتراقص بلا استكانة.
لم تكد تعي بما حدث، كأن الدنيا توقفت تمامًا عما حولها.
بدأت تسترد وعيها من الصدمة التي رجت كيانها.
أغمضت جفنيها وبدأت الدموع تتساقط بأريحية وهي تشعر بذوبان قلبها.
عكس ذلك الذي يقف وعلامات الذهول احتلت ملامحه، وهو يحدق بمكان سقوطها بلا استيعاب لما فعله.
هذه المرة الأولى بحياته التي يرفع يده على أنثى.
همست نيرة وهي تضع يدها على كتفها: فريدة.
رفعت فريدة ببصرها نحوه وهي تجحده بمقلتيها والغضب يعصرها من الداخل.
أزاحت يد نيرة ونهضت من مكانها واقتربت منه وهي تهدر بغليل داخلي يحرقه: انت إزاي تمد إيدك عليا، مين اللي إداك الحق تعمل كده!!
لتصرخ بوجهه: رد عليا، عملت كده ليه؟
تصلب جسده وهو يتطلع إلى سوداوتيها التي ينضحان منهما الاحتقار والكره.
لتمسك بمقدمة ثيابه بعنف وتصرخ به وقد فقدت القدرة على التحكم في نفسها: أنا عملت إيه عشان تضربني بالقلم على وشي، انت مين عشان تعمل كده، ده أنا أبويا عمره ما مد إيده عليا في حياته، تيجي انت وترفعها عليا، ليه، ليه؟
ظلت تهدر بصراخ كان يهز فؤاده، وبيديها الناعمتين تضرب صدره بقوتها الواهية، تضربه دون وعي وهي تصرخ بقوة وألم.
أصابه بطعن في قلبه، وبسبب تلك الدموع التي سببت جرحًا نازفًا في فؤاده.
تركها تفعل ما يحلو لها دون أن يمنعها أو يتأثر بتلك الضربات.
أما عن نيرة فكانت تنهال دموعها بضعف شفقة على فريدة، وعلى ما وصلت إليه بسبب فعلتها الرعناء.
لكن كفى الآن سكوت، يجب أن تخبر مراد عن الحقيقة.
صرخت فريدة من جديد: ضربتني ليه، قوللي الغلط اللي أنا عملته؟
: الغلط أنا اللي عملته يا فريدة مش انتي!
انتبها الاثنان على نيرة التي صاحت فجأة، وتقترب منها لتقول بوجه باكٍ: مراد كان فاكر إنك سرقتي المستندات بتاعته من على مكتبه وأدتيها لمعتز، لكن الحقيقة أنا اللي سرقتها من وراه وأدتهاله!
نظرت له بصلابة واهية وهي مستعدة لأي عقاب، لم يعد الأمر يحتمل السكوت بعد!
ولكي تنفي التهمة التي ألحقتها بفريدة رغمًا عنها.
: أيوه يا مراد، أنا اللي خونتك، فضلت أقولك تسمعني عشان تعرف الحقيقة، لكن مدتنيش فرصة ومشيت ورا دماغك وأوهامك، وظلمت فريدة من غير ذنب!
ظلت تشهق ببكاء عالي، وهي تضع يدها على فمها بضعف.
في نظر لها مراد باندهاش وهو يبتلع مرارة كالعلقم في حلقه، لا يصدق نيرة!
يعود خطوة للخلف بوهن، وهو يشعر بأن عقله قد توقف عن التفكير ولسانه قد عُقل.
لينتبه على صراخات فريدة: أنا مش فاهمة حاجة، مستندات إيه دي اللي بتتكلموا عنها، وأنا دخلي إيه بكل ده؟
قالت وهي تنقل بصرها بينهما، لترد نيرة من بين شهقاتها بحروف متقطعة: مستندات مهمة كانت خاصة بمراد، ومعتز كان طلب مني أخدها ليه عشان فيها خطر على حياتهم، وأنا سرقتها من مراد، وهو فكرك انتي اللي سرقتيها.
صاحت متذمرة بصوت مبحوح من كثرة صراخها ونحيبها: يقوم يضربني بالقلم؟ عشان حاجة هو مش متأكد منها!!
هذا عذر أقبح من ذنب!
حولت بصرها إليه بوجه باكٍ: هو أنا عشان بتعامل معاك باحترام تقوم تمد إيدك؟ وانتي ليه مقولتِلهوش إنك انتي اللي أخدتيهم، ليه سبتيه لما يضربني!!!
صرخت بحرقة ووجع، لتشهق الأخرى باكية يقتلها الندم وتهتك بها صراختها: والله حاولت بس هو مسمعنيش.
هجمت عليه فريدة وهي تمسك بسترته من جديد، وعبراتها قد غطت ملامحها بالكامل: عشان حقير وزبالة ودايمًا عايز يجرحني، أنا بكرهك يا مراد بكرهك.
استمرت بهدرها وهي تصرخ، لتدفع بيديها كل ما كان فوق سطح المكتب بجنون ليتساقط من عليه مبعثرًا على الأرض، كما سقط الوجع على قلبها بغتة.
لينقلب المكان إلى مناحة تمزق نياط القلوب.
تحرك مراد بسرعة صوبها وحاول أن يمد يده ويمسك بذراعها ليهدئها لكنها منعته وزجرته: ابعد عني، ملكش دعوة بيا.. ابعدوا كلكم عني أنا مش مسامحاكم، ولا انتي مسامحاكي أبدًا.
في هذه اللحظة اندفع العم شفيق وعماد على أصوات الارتطام والصراخ، ليشاهدا صورة المكتب حولهم في ذهول.
ليتساءل عماد في قلق شديد: إيه اللي ف إيه، مالكم؟
تساءل عندما لاحظ الصمت القاتل والوجوم والدموع تظهر على كافة ملامحهم.
عادت نيرة بوجهها إلى نيرة وأعطتها نظرة منكسرة مخذولة، اخترقت قلبها.
ثم تحركت فريدة لتغادر المكتب للأبد، فهتفت نيرة تنادي عليها: فريدة استني أرجوكي.
لتتوقف فريدة، ولكن ليس لأجل أحد، بل شعرت بغشاوة شوشت الرؤيا لديها، وتثاقل في قدمها، ترنحت وهي تشعر بالدوار في رأسها لتسقط إثره على الأرض مغشيًا عليها.
: فريـدة.
صرخ مراد بصوت أصدح بالشركة كلها، صوت خرج من أعماق أعماقه، بعد أن كان محبوسًا طيلة هذه اللحظات، لينطق باسمها لأول مرة منذ أن رآها.
ركض إليها مسرعًا ورفع رأسها عن الأرض ويمسد على وجنتيها بلطف لإفاقتها.
: فريدة، قومي أرجوكي.
همس بنبرة تفتت القلوب بأنفاسه المتسارعة.
لتقول نيرة بذعر: لازم ناخدها ع المستشفى بسرعة.
ليهم عماد بقول: أنا هطلب الإسعاف.
: لا أنا هاخدها ف عربيتي.
حملها مراد بين ذراعيه برفق، فتقول نيرة: بالراحة عليها يا مراد.
هرول مراد مسرعًا وخلفه البقية، هبط الدرج ركضًا ولكن بحرص شديد، ليخرج من الشركة ويضعها بالسيارة، وكل هذا تحت أنظار وتطلعات الموظفين المتعجبين.
صعدت نيرة ف الخلف ثم انطلق مراد متوجهًا للمشفى.
الجميع خارج غرفة الفحص، ينتظرون خروج الطبيبة حتى تطمئنهم على فريدة.
عكس مراد الذي توترت خطواته دون هوادة بالمرر، يساوره الهلع يريد أن يطمئن عليها والآن!
لقد تأخرت الطبيبة كثيرًا في فحصها، رغم أنها لم تلبث بالداخل سوى عشر دقائق فقط.
أيقتحم الغرفة أم ماذا؟
رأت نيرة التوتر يفتك به فاقتربت منه بحنو، لتهمس: مراد.
قاطعها بقسوة: أنا مش عايز أسمع حاجة، لينا بيت نتكلم فيه، نطمن على فريدة الأول.
لم يكد ينهي جملته وقد خرجت الطبيبة من عندها، ليهرول إليها بسرعة ويسألها متلهفًا: طمنيني يا دكتورة، أخبارها إيه؟
: واضح جدًا أنها اتعرضت لأذى نفسي شديد، ده غير آثار العنف اللي باينة على وشها والدم اللي على بوقها.
قالت وهي تتطلع لمراد بقرف وكأنها تعلم أنه من فعل بها هذا: الحق يا عم شفيق، بتقولك عنف ودم، هو مراد اغتصب فريدة ولا إيه؟
همس عماد ليرد عليه العم شفيق: مش عارف يا عماد استنى نفهم.
لتسأل وهي ترمقه من أعلى لأسفل باحتقار: انت بقا جوزها اللي عملت فيها كده؟
همس مرة أخرى وهو يرفع حاجبيه بدهشة: الحق دي بتقولك جوزها! مش قولتلك الموضوع فيه اغتصاب، عشان كده كان بيوزعني اممم.
تمتم بتفكير وهو يضع أنامله أسفل ذقنه، ليزفر العم شفيق بتأفف منه.
ضيق مراد عينيه مستنكرًا سؤالها: وانتي دخلك إيه؟ ثم إني سألتك سؤال واحد تجاوبي عليه وخلاص!
تطلعت إليه بسخط ثم ترد في برود: وأنا جاوبت، ومضطرة أبلغ البوليس عشان يعملوا محضر بالواقعة، بعد إذنكم.
همس عماد: الحق يا عم شفيق دي وصلت لمحاضر كمان.
كادت الطبيبة أن تذهب لتوقفها نيرة: استني لو سمحتِ.
يزفر مراد بقوة ثم دلف للداخل قبل أن ينفجر في الطبيبة، فالوضع لا يحتمل شجارًا مع آخرين.
لتتابع نيرة: انتي فاهمة الموضوع غلط!
كتفت ذراعيها بحنق ثم أردفت: أكيد حضرتك أخته وخايفة عليه مش كده؟ بس أحب أقولك إن حق البنت دي هيرجع، وهي لما تفوق أنا هقنعها تعمل محضر ضده عشان اللي زيه لازم يتحاكموا، لأن اللي عمله جريمة وحشية، حتى الحيوان يستحي يعملها.
أعطتها نظرة أخيرة ثم ذهبت وتركت نيرة في حالة من اللا وعي، لكن لديها الحق كليًا فـ مراد قد تعامل معها بقسوة وشراسة.
اقتربا الاثنان من ورائها، فسأل العم شفيق بلا استيعاب: إيه اللي خلى مراد يعمل كده يا نيرة يا بنتي؟
ليتدخل عماد: أنا كنت حاسس أصلاً من ساعة ما دخلت عنده الصبح وعينيه كلها شر، بس ما توقعتش يعمل كده في البنت الغلبانة، هو معندوش اخوات بنات ولا إيه!!
نكست رأسها حزنًا: أنا كمان متوقعتش رد فعله ده، وكمان يحصل قدامي.
جحظت عيني عماد والعم شفيق باذهلال وكأنهما قد تحولا لتمثالين.
: يا نهار كحلي غامق، قدامك إزاي يعني؟
هتر بها عماد، لتهمس بنبرة جهشة وشفاة مرتجفة: اللي حصل.
تمتم عماد بعد أن تنهد: الله يكون في عونك يا عم عز الدين لما تعرف اللي جرا لبنتك.. لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى!
دلف إلى الشركة ثم أتى موظف الاستقبال، ليسأله: لو سمحت يابني عايز فريدة عز الدين بنتي، ممكن تناديهالي.
كان يسأله بوتيرة سريعة، ليحتل على شعوره شئ غريب بعدما أصبح قلبه مضطربًا وهو يعمل بالورشة بعدها قرر مجيئه ليرى ابنته العزيزة.
سمعه موظف من خلفه فتحرك نحوه وتساءل: حضرتك بتسأل عن الآنسة فريدة؟
التفت عز له فرد: أيوه يابني، هي فين.
: دي خدوهأ على المستشفى.
ليهتف مذعورًا: مستشفى؟ مستشفى ليه، بنتي مالها؟!!!!!
يجلس على المقعد بجوار السرير، ينظر لها بشرود وهي ممدة على الفراش بلا حراك، لقد اقترف في حقها أمرًا سيكون من الصعب أن تسامحه عليه.
رغم كونه لم يود قط أن يضربها على وجهها إلا أنه لم يشعر بحاله إلا وهي مطروحة على الأرض، ولا يجد سببًا لهذا غير أنه أكبر أحمق في هذا العالم.
كيف له أن يفعل بهذا الوجه الجميل هكذا؟ كيف طاوعه قلبه الإقبال على تلك الفعلة الشنعاء؟
تفحص ملامحها بعمق، لقد أصاب وجنتها الناعمة بعلامات لأنامله تلونت بلون يشعل قلبه نارًا.
اقترب بوجهه نحو رأسها وهمس بنفحة كالنسيم، وهو يتطلع إلى خدها المصاب: فريدة.
رفع بظهر يده ببطء وكاد أن يلمس وجنتها إلا أنها فتحت جفنيها على غفلة وحركت رأسها يسارًا لتجده بالقرب منها فتهب من مكانها بهلع وتطلق صرخات عالية.
هرع عز الدين إلى موظف استقبال المشفى وسأله عن فريدة لكن لم يجد أحدًا بهذا الاسم.
: يعني إيه مش موجودة، أنا سألت قالولي إنها هنا!
صاح عز متذمرًا ليردف الموظف: لو سمحت وطي صوتك احنا في مستشفى محترمة، وقولتلك مفيش حد دخل اسمه فريدة.
كان العم شفيق يجلس بالبهو وما إن سمع هتاف الموظف باسم فريدة رفع رأسه فورًا ليرى عز قد أتى، فينهض له بسرعة ويهتف مناديًا: عز.
ناستدار فتحرك صوبه ليسأل بقلق وضربات قلبه تعلو بقوة: بنتي فين يا عم شفيق، إيه اللي جرا لفريدة؟
وضع يده فوق كتفه فقال: اهدى يا عز هي كويسة، بس انت مين اللي قالك إننا هنا؟
سأل ليجيب عز بنبرة مهزوزة: روحت الشركة عشان أسأل عنها قالولي إنكم هنا، هي فين أرجوك عايز أشوفها.
: طب اهدى الأول وخد نفسك.
لم يود العم شفيق أن يعلم عز ما حصل، حتى لا تحدث كارثة أخرى، ظنًا منه أنها قد تعرضت للتعدي من قِبَل مراد كما تطرق إلى عقولهم بعد ترجمة المشهد الذي بين الطبيبة ومراد.
: لا أنا لازم أشوفها، قوللي هي فين!
مع إصرار عز ولهفته اضطر العم شفيق أن يقول له رقم حجرة فريدة، فركض بسرعة على الدرج حتى يتأكد من سلامة ابنته بنفسه، بعدما انتشر الفزع في قلبه من لحظة علمه بإغماءها، بلغ الدور المقصود ولا يدري كيف ساقيه قد أوصلته إلى هنا، ليرى نيرة ويصيح عليها: نيرة!
انتبهت هي وعماد، ونهضت من المقعد لتجده يقف أمامها، اتسعت حدقتي عينيها ليسقط قلبها أرضًا، فهمست: عز؟
اقترب منهما وسأل بأنفاس متسارعة بسبب ركضه: فريدة فين يا نيرة حصلها إيه؟
تطلعت نيرة إلى عماد وكأنها تستنجد به حتى يلحقها، ليقول وهو يجذب ذراع عز بعيدًا: لو سمحت يا عم عز دقيقة بس.
سحب ذراعه وهو يتساءل بضيق: في إيه؟ أنا عايز أشوف بنتي.
: بنتك كويسة، واللي اتكسر إن شاء الله هيتصلح.
وابننا مش هيسيبها والغلطة اللي عملها مش مقصودة، هتر عماد ببلاهة. وسوف يخرب الأمر على الجميع بسبب حماقته.
عقد عز حاجبيه وسأل: أنا مش فاهم انت تقصد إيه بكلامك وغلطة إيه دي؟
قال آخر جملته بانفعال طفيف، ليرد عماد: اهدى، مراد باشا أكيد مش هيسيبها بعد ما سلب منها أعز ما تملك!
أمسك بسترته بغضب ليقول: سلب من مين يابن الكلب، عملتوا ف بنتي إيه يا كلاب، انطق!
هزه بقوة وهو يصرخ به، لتتعجب نيرة من أسلوب عز الهجومي على عماد، كونها لا تدري ما يحصل ولا تفهم شيئًا. توجهت صوبهم لتتساءل: فيه إيه يا عز انت ماسك عماد كدة ليه؟
دفعه عز بغل، ليهتف عماد صراحة: اكمني بقوله إن مراد باشا هيصلح غلطته بعد ما اغتصب الآنسة فريدة بنته.
أطلقت نيرة شهقة قوية قد علقت في حنجرتها وجعلتها تسعل بقوة حتى شعرت بالإختناق. احمر وجه عز غضبًا وهو يقبض على راحة يده بقوة، فلم يكن بالوضع الذي يسمح له بالقلق ع نيرة.
: أنا هروح أجبلك مية.
ركض عماد بسرعة ليس لأجل الماء فقط بل للهرب من نظرات عز المشتعلة. أخيرًا نيرة حاولت أن تلتقط أنفاسها المسلوبة بصعوبة بالغة، حتى تقول بتقطع: عز، انت...فا..هم...غـ...لط.
أكملت سعالها فما لبث لثوان لكي تردف حتى فوجئا بصراخات تأتي من حجرة فريدة، فهرع الإثنان بسرعة إليها.
***
: اهدي، أنا مش هعملك حاجة.
حاول تهدئتها لكن وجدها تقفز مبتعدة وتزحف على ركبتها للخلف خوفًا منه وهي تصرخ بذعر: ابعد عني عايز إيه؟
رفع بيده مشيرًا إليها بالسكينة: استني أنا بس عايز أقولك...
لم يكد ينهي جملته وينفتح الباب عليهما ليدلف عز ونيرة.
: بابا.
صاحت فريدة إليه ثم اندفعت نحوه لتدفن نفسها بين أحضانه وهي تشهق ببكاء، حاوطها عز بذراعيه ليدمع هو الآخر على حالها، وهمس: عملوا فيكي إيه يا قلب أبوكي، أنا السبب يا ريتني ما كنت وافقتك تروحي تشتغلي من الأول عنده، يا ريتني كنت منعتك يا ريــت!
: أنا كنت عايز أقولـ...
بتر عز حديثه بصراخ حاد وهو يشير بسبابته محذرًا: صوتك مسمعهوش، انت حسابك معايا أنا، وأوعى تفتكر عشان احنا غلابة يبقى حقنا هيضيع، أقسم بالله اللي يقرب من بنتي أنا آخد عمره بإيديا دول.
قبض على كفته بوجهه الذي ينتفخ غضبًا وأنفاسه التي ازدادت أوتارها بشكل مرعب حتى فريدة ونيرة قد ظهرت على معالمهما الدهشة، فهو دائمًا انسان عاقل متزن يحكم أموره، لكن الوضع كان مزريًا بالنسبة له.
أما عن مراد فقد تغلفت زمردتيه بلون الجمر، لم يسبق أحدًا أن رفع جفنيه به، تجرأ هذا وصرخ عليه وهو يهدده؟ يبدو أنه قد فقد عقله، أو جُن، أو حتى يريد إنهاء حياته لكي يقدم على فعلة كهذه!
قبض على راحة يده بقوة حتى هربت الدماء منها كليًا، بوجه ارتسمت عليه ملامح الغليان وكأن البركان سينفجر منه، ليصرخ بصوت هز جدران الغرفة.
: انت بتعلي صوتك عليا يا عز الدين!!!
انقطعت أنفاس الجميع، وتشبثت فريدة بأبيها، حتى نيرة التي ابتلعت لعابها من ملامح مراد المخيفة، واقتربت من عز الدين وتشبثت بذراعه هي الأخرى خوفًا على حبيب عمرها من غضب ابن أخيها.
: لسة متخلقش اللي يهدد مراد الحديدي، ولو حصل أنا أدفنه حي عشان يبقى عبرة لمن يعتبر.
بدت معالم مراد مخيفة للغاية، وعروق رقبته قد برزت بشدة، غير عينيه التي تطلق وميض قاتل، فما لبث أن اقترب مقررًا شيئًا بداخله لـ عز الدين. ليجد فريدة قد وقفت أمامه كالنمرة الشرسة التي تقف قبال نمر ضخم لا يأبه أي كائن.
: انت عاوز تعمل إيه ف أبويا؟ هتضربه زي ما ضربتني؟
مطت كلماتها كأنها تعنفه بعتاب، بمقلتيها التي تتحركان بلا استكانة وهي تتطلع إليه بمقت. ليعلق هو عينيه عليها لثوان بنفس ملامحه المتشنجة، ثم ينقل ببصره على وجنتها ويرى أثر الصفعة فتبدأ معالمه ترتخي بهدوء.
انهارت كل قوته وكأنه يتراجع عما كان ينوي فعله ولأجلها هي وفقط!
وجدت عز يجذبها بعيدًا عنه: ابعدي يا فريدة، كفاية اللي عمله فيكي، أنا لازم أبلغ عنه المجرم الخاين.
أغمض مراد جفنيه بقوة ليكبح جماحه عنه، ثم فجأة تدلف الطبيبة وخلفها ضابط شرطة وعماد والعم شفيق.
أردفت الطبيبة وهي تضع يدها في جيب معطفها الأبيض: أنا بلغت عن الحادثة اللي حصلتلك يا آنسة فريدة، وحضرة الظابط هنا عشان يحميكي من أي حد ممكن يجبرك أو يهددك تتنازلي عن حقك.
قالت وهي ترمق مراد شزرًا، ليعقد مراد حاجبيه محاولًا فهم حديثها. حادثة؟ وتهديد؟ ونظرات مشمئزة؟ هل ما يفكر به صحيح؟ أيعقل؟
لينتبه ع قول عماد: يا جماعة احنا قولنا معترفين بغلطنا، وهنمشي الأمور دي، دة أنا حتى بعتت أجيب المأذون.
: مأذون؟
صاحت فريدة بدهشة، لتردف الطبيبة بتأفف: يعني عشان يغطي ع غلطته يتجوزها؟
: مش أحسن من الفضيحة؟
قر عماد، لتفتح فريدة فمها بصدمة وتهمس: فضيحة؟
ضربت نيرة جبينها بيأس. فتصيح الطبيبة معترضة: لا طبعاً مش أحسن، ويا ريت يا حضرة الظابط تشوف شغلك، لأن دة هتك عرض وتعدي ع أنثى.
: نعــم؟؟؟؟ انتي بتقولي إيه؟ اقسم بالله لو سمعتك بتنطقيها تاني لأدفنك مكانك.
عاد مراد يصرخ من جديد حتى انتفضت الطبيبة وكادت أن تقع من صوته الذي دوى بأذنها.
***
يجلس على الأريكة بساحة منزله وهو يدخن سيجارته بشرود، وصوت صراخها يصدح بأذنه متذكرًا كلماتها الحارقة والمهلكة له. أكرهك! لن أسامحك!
لقد ظلمها وتجاوز كثيرًا معها، يود صفع نفسه مائة مرة، وبالأخير كان سيقع بورطة أخرى وهي اتهامه بإغتصابها، وهل يجرؤ من الأساس أن ينظر لها بوقاحة حتى!! سحقًا لتلك الطبيبة الخرقاء!
سحب نفسًا من السيجارة وأخرج دخانًا عميقًا مثل السحاب يحمل أثقال ما يشعر به. جاءته نيرة ووقفت أمامه ناكسة رأسها خجلًا، ثم رفع بصره صوبها ليسمعها تقول.
: كل حاجة حصلت كانت بسببي يا مراد، مش هلومك ولا حتى أزعل منك لو عاقبتني بأي طريقة كانت، هيبقى حقك!
نهض من الأريكة وهو ينصب جسده ليتنحنح قائلًا: لو ناوي أعاقبك مستحيل كنتي تقدري تستحمليه يا نيرة، كان نفسي متبقيش عمتي، عشان أفش غليلي بس للأسف انتي عمتي وبنتي يا نيرة.
رفع بيده ليضرب جانبي ساقيه بيأس. نظرت له بندم وهي تهدر معتذرة: أنا بجد آسفة، آسفة أوي أوي يا مراد. بسببي خليتك تتعصب وترفع إيدك على فريدة.
أشار لها أن تصمت ليهمس بقلب ذائب: أرجوكي، أنا مش عايز أفتكر.
جلس بحزن يتآكل بداخله. تعلم أنه قد بدأ بالإنجذاب لها، وهل هو كذلك أم تتوهم مرة أخرى؟ وذلك ليس سوى شفقة عليها لأنها ظلمها؟ ليت القدر يأتي لصالحك لمرة واحدة في هذا العشق!!!
***
: تيتة، تيتة فوقي، لو سمحتي.
أخذت تهزها برفق والدموع تتكور بمقلتيها بخوف ممزوج بحزن، ثم رفعتها قليلًا بمساعدة أبيها. الجدة فريدة كانت مسطحة تمامًا ع الفراش بلا حراك، جفنيها معلقان وكأنها تحلق في عالم آخر.
: اشربي يا أمي شوية مية.
رفع عز الكوب لشفتيها لكن لا حياة ولا إجابة، لتردف فريدة بنبرة باكية: هي مش بتشرب ليه؟
أسند عز ظهرها قليلاً فوق مسند وهو يحارب دموعه ألا تهبط، ثم سمع رنين الجرس وهمس بنبرة شجية: هروح أفتح الباب، أكيد دة أسامة.
نهض ثم خرج من الحجرة وهو يمسح دمعة عابرة كادت أن تسقط. تحرك صوب الباب ثم فتحه، ليتفاجأ بها تقف أمامه.
: نيرة؟
: ازيك يا عز؟
همست برقة وهي تخطو للأمام، ليقول وهو يفرك بجفنيه: الحمد لله.
تطلعت إليه بقلق: مالك يا عز، انت كويس؟
هز رأسه وهو يقول بنبرة أفصح عن التعبير: كويس، بس أمي تعبانة شوية. اتفضلي انتي واقفة ليه؟
أشار إليها بالدخول، فتحركت إلى أن وقفت بالردهة وتمسد ع ذراعه وهي تقول بأسى: ألف سلامة عليها، تحب أطلبلها الدكتور؟
نفى برأسه: أسامة راح يجيبه وزمانه جاي.
: طب تسمحلي أشوفها؟
: أكيد يا نيرة تعالي.
تحرك أمامها ثم دلفت هي وراءه، ليقول مشيرًا: نيرة يا فريدة!
رفعت فريدة بوجهها نحوها فابتلعت غصة في حلقها، وانكمشت ملامحها بطفولية، فهمست نيرة بصوت متحشرج: إزيك يا فيري.
قالت بوجوم وهي تنهض: الحمد لله.
اقتربت قليلًا من جانب الفراش لتقف في واجهة فريدة، فتحتضنها نيرة فورًا: وحشتيني أوي.
قالت بنبرة جهشة، لن تنكر فريدة أنها قد اشتاقت إليها أيضًا ليس قليلًا بل الكثير والكثير. ثم ابتعدت عنها وتابعت وهي تنظر إلى الجدة: سلامتها.
رسمت فريدة ابتسامة طفيفة: الله يسلمك.
ليسمعها صوت طرقات على الباب فيقول عز: أكيد أسامة جاب الدكتور.
هرول مسرعًا حتى وصل إلى الباب وفتحه، ليدلف أسامة مع الطبيب، فيشير له عز بالدخول للحجرة: اتفضل يا دكتور ع طول.
دخل عز بالطبيب ووقف أسامة بالخارج. فبدأ بفحصها وبعد أن انتهى أزال السماعات عن أذنه وقال آسفًا: البقاء لله يا جماعة، ادعولها بالرحمة.
سقطت تلك الجملة ع آذانهم كالصاعقة، لتصرخ فريدة: تيتــــــة!
رواية ظل السحاب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم آية حسن
يقود سيارته بلا واجهة. اضطراب ماكر يغوص داخل فؤاده، مشاعر متخبطة تعبث به وبحياته، وأسئلة معقدة تساور عقله تجعله مشتتًا غير قادر على استيعاب ما يحدث.
هل الحياة تعطيه إشارة أن يستعيد ما مضى منه في الضياع؟ أم تريده أن يظل يحارب المستقبل حتى آخر نفس يخرجه من صدره؛ كي لا يخرج من ذكريات الماضي التي تتربص في كل خطوة يمضى بها قدمًا؟!
استنشق الهواء لينتفخ صدره به، ثم يزفر أنفاسًا عميقة يخرج معها كافة الهموم المحملة على عاتقه ولو حتى لفترة قصيرة!
انتبه على نغمة رنين جواله. رفع يده الممسكة بعجلة القيادة، والتقط بهاتفه الموضوع على المقعد الآخر بجواره، وضغط على زر الإجابة، ورد بهدوء:
"ألو يا نيرة... مالك بتعيطي ليه؟"
أوقف السيارة على مهلٍ عندما سمع شهقاتها ليسمع إجابتها بصوتها الشجي من سماعة الهاتف:
"ماما عز ماتت يا مراد."
رد بتلقائية:
"لا إله إلا الله، امتى الكلام ده؟... وأخبار فريدة إيه؟"
سأل باهتمام بالغ وهذا أول ما خطر بباله من الأساس عندما أخبرته بوفاة الجدة، ليردد كلمتها بهمس:
"منهارة! طيب خليكي معاها يا نيرة وما تسيبيهاش!"
قال متلهفًا بقلب حزين، ثم عقد حاجبيه لسؤالها الآخر:
"لا معرفش هاجي ولا لأ... سلام."
أغلق الخط، وتخيل حالة فريدة الآن وهو يتذكر اليوم الذي فارقت فيه والدته الحياة، وكيف كان يشعر حينها. تمنى في قلبه لـ فريدة بصدق، أن يلهمها الله الصبر وأن يبعث في قلبها السكينة والرضا بقضائه وقدره.
***
"تيتة ماتت يا نرمين، ماتت ومش هشوفها تاني. كل اللي بحبهم بيبعدوا عني، مرة ماما ومرة تيتة، بقيت لوحدي."
درت بها فريدة ببكاء حارق وشجن، وعبراتها تتساقط على وجنتيها بغزارة، تحتضنها صديقتها بقوة كأنها تريد أن تبعث الطمأنينة وأنها ستظل بجانبها.
أردفت نرمين بنبرة حزن عليها:
"أرجوكي اهدي يا فريدة، انتي مش لوحدك، أنا معاكي ومش هسيبك."
لتقترب نيرة منها تلقفها من بين ذراعي نرمين وتحاوطها بضمة حانية، كأنها تريد أن تخبئها بين ضلوعها، لتهمس بنبرة وامقة يغلفها حنين الأمومة:
"إنتي عمرك ما كنتي ولا هتكوني لوحدك، كلنا حواليكي ومعاكي وبنحبك.. وانتي لازم ترضي باللي ربنا كتبه، تيتة أكيد في مكان أحسن من هنا، اقري قرآن وادعيلها كتير."
"قلبي واجعني أوي عليها يا نيرة، كانت صحبتي وأمي، كنا عيلة حلوة مع بعض، والقدر جه وفرقنا!"
أجهشت بالبكاء لتمسد نيرة على ذراعها بحنو:
"بس يا فريدة، مش كده يا حبيبتي، استغفري ربنا."
استغفرت الله ثم أردفت نيرة:
"ربنا يباركلك في عز باباكي، هيبقى عيلتك كلها، وأكيد انتوا الاتنين محتاجين بعض في وقت زي ده!"
هزت فريدة رأسها في حضنها، ثم طبعت نيرة قبلة رقيقة على شعرها.
***
وضع رجل المدافن آخر حفنة من التراب على قبر الجدة فريدة، بعد أن تم دفنها. ألقى عز الدين نظرة أخيرة على القبر مودعًا والدته إلى مثواها. دمعة حزينة عبرت من مقلته الزرقاء بقلبٍ ينزف حزنًا وألمًا على فراقها.
أزالها بسبابته وحاول أن يمسك نفسه عن العبرات التي تكاد أن تنهمر وجعًا. استدار مغادرًا مع بعض الأفراد المعزين بعد انتهاء الدفن.
وضع أسامة ذراعه على كتف عز ليقول بتعزية:
"البقاء لله يا عم عز، شد حيلك كلنا لها."
"سبحان من له الدوام."
همس بحشرجة في صوته ثم سار معهم ذاهبين، تاركًا إياها يحتضنها القبر تحت التراب.
***
تجمعت الناس في ردهة بالقرب من منزل عز الدين، جميع المقربين من الأقارب والأصدقاء وزملاؤه بالعمل أتوا لتعازيه، حتى زملاؤه بمصنع الحديدي عندما سمعوا بالخبر كلهم جاءوه.
يتلقى عز الدين التعازي من الجميع بقلبٍ منفطر، وعقلٍ غائب عن الدنيا، يعيش أصعب لحظات قد مرت عليه. الناس بوادي وهو بوادي آخر، يشعر أنه في أرضٍ غريبة وضع بها رغمًا عنه. ألم يغزو قلبه بعد فقدان رفيقة طفولته وشبابه.
هل سيعود للمنزل دون أن يراها ويسمع منها حديثها الشيق؟ دعواتها التي تخرج من قلبها كل يوم قبل ذهابه للعمل! اهتمامها الزائد حتى بعد الخصلات البيضاء التي لحقت بشعره! الله وحده قادر على إمساك فؤاده تلك اللحظة التي سيدرك رحيلها.
جاء العم شفيق وعماد لتأدية الواجب. تقدم نحو عز ليضمه بقوة ويربت على ظهره بمواساة، ويهمس:
"البقاء لله يا عز، البقاء لله."
ثم ابتعد عنه قليلًا ومسد على خده برفق:
"شد حيلك."
أومأ عز بخفة ثم أشار إليه بالدخول:
"اتفضل."
تحرك عماد من خلفه وقام بتعزية عز ثم دلف وراء العم شفيق ليجلسا على أحد المقاعد.
***
بدأت النساء بالقدوم لمنزل عز الدين يعزون فريدة التي كانت أشبه ما يكون بجسد بلا روح غارقة في تيهان وحالة يرثى لها. الحزن والأسى يسيطران عليها، لا تشعر بمن يرثيها ويقدم التعازي، فهي بمكان آخر غير مدركة بالحاضرين. تسرقها السكين. مسكينة هذه الصغيرة عانت الكثير من الآلام والتي آلت بفقدان جدتها.
"تحبي ترتاحي يا فريدة؟"
سألت نيرة وهي تجلس على الأريكة بجوار فريدة، لتكتفي الأخرى بالنفي برأسها دون النطق.
"طب انتي مخدتيش دواكي، هروح أجيبهولك؟"
قالت نرمين وهي تنهض، فلم ترد عليها فريدة، فأشارت لها نيرة بعينيها أن تذهب. إن الطبيبة قد أعطت لها مهدئًا للأعصاب بعد انهيارها في مكتب مراد. وعلى جانب آخر هناك سيدتان يعلقان نظرهما بترقب على نيرة واهتمامها بفريدة كأنها والدتها، فتسأل إحداهما الأخرى بهمس وهي ما زالت تتطلع أمامها:
"ألا قوليلي هي مين الحلوة اللي قاعدة جنب فريدة دي؟"
لترد عليها بنفس همسها:
"والنبي يختي ماعرف، الظاهر قريبتهم."
مطت شفتيها وهي ترفع بكتفيها:
"يمكن، أصل أنا عمري ما شوفتها!"
نهضت نيرة ودلفت للمطبخ لتقوم بتحضير بعض الشطائر حتى تتناولها قبل أخذ الدواء، فأعدت الوجبة السريعة المكونة من الجبن والطماطم، على قدر معرفتها، ثم وضعتهم بصحن وأخذتهم لـ فريدة، متزامنة مع عودة نرمين بالحبوب.
لتقول نرمين وهي تخرج حبة من القنينة الزجاجية وتعطيها لها:
"اتفضلي يا فريدة."
"استني يا نرمين، خليها تاكل الساندويتش الأول عشان متاخدش البرشام على معدة فاضية!"
منعتها نيرة وهي تضع الصحن أمامها على منضدة صغيرة، وأخذت شطيرة وتقربها من فمها، فترفع فريدة بيدها مانعة إياها وهي تنفر برأسها:
"مينفعش يا فريدة لازم تاكلي."
قالت نيرة وهي تحاول معها، لتهمس فريدة بنبرة مبحوحة بعدما أزاحت يدها قليلًا عن فمها:
"ماليش نفس."
أردفت نرمين:
"انتي مكلتيش حاجة من الصبح طيب!"
"مش عايزة."
التفت الإثنان لبعضهما بيأس لمحاولتهما إطعامها دون جدوى.
***
ترجل من سيارته أمام ردهة العزاء، ثم سار متوجهًا نحو الداخل. سلم على أسامة الذي يقف بجوار عز الدين، فيتفاجأ به ويهتف باسمه دون إدراك:
"مراد باشا؟"
رفع عز الدين رأسه فور سماع اسمه لتقع عيناه على مراد الذي اقترب منه ومد يده وهو يقول:
"البقاء لله."
سلم عز الدين عليه دون التفكير في أي شيء آخر، بل رد عليه بمنتهى التهذيب والإحترام متناسيًا أي فعل اقترفه:
"متشكر... اتفضل."
أشار له بالدخول؛ فتحرك مراد للداخل وينتبه إليه العم شفيق وعماد الذي وقف فورًا له، ثم أومأ إليه مراد بهدوء أن يمكث بمكانه.
جلس هو على مقعد بجوارهم ليربت العم شفيق على فخذه، ويتمتم:
"طول عمرك راجل يا مراد، والواجب ما يفوتكش أبدًا."
ابتسم ابتسامة طفيفة، متعجبًا من نفسه، ولا يدري ما الذي جعله يأتي. لقد صعد سيارته مقررًا الذهاب لمكان آخر، ولم يشعر سوى أنه يركن كبرياءه وخلافاته جانبًا، ويتبع قلبه الذي قاده إلى هنا. فتأدية الواجب بالنسبة له شيئًا حتميًا لأي شخص، لكن هذه المرة لم تكن كذلك بل يوجد نطفة داخلية أجبرته على فعل هذا!
شخصًا مثل مراد لا يمكن أن ينسى أي إهانة توجهت له مهما حدث، والذي بينه وبين عز ليس بالقليل. كان من الممكن أن يبعث أحدًا مكانه مثل عماد أو أي شخص آخر.
أو يكتفي بوجود نيرة مثلًا!! فعز ليس بالشخص المهم حتى يجبر على القدوم بنفسه ويعازيه! فترى هل ما فعله لأجلها هي؟ وإن كان كذلك فلن يعترف حتى بينه وبين نفسه!
بدأ القارئ بتلاوة بعض الآيات القرآنية التي تبعث في نفوس الناس الطمأنينة والسكينة، لينتبه الجميع بما فيهم مراد، على صوته العذب بجمال النصوص السماوية العظيمة يتناسى بها أي مرار وغمة.
***
"فريدة قومي ارتاحي شوية، شكلك مرهق أوي."
همست بها نيرة، فطاوعتها فريدة على الفور لأنها بالفعل تشعر بالإعياء. ساعدتها على النهوض بلطف، وتشبثت بكفتها خوفًا من السقوط أرضًا نظرًا لحالتها، ثم توجهت بها إلى حجرتها بقدمين متثاقلتين في خطواتها واستلقت فريدة بظهرها على السرير بهدوء، لتنعم في نوم عميق ما أن وضعت رأسها على الوسادة، ثم غطتها نيرة وقبلت وجنتها بحنان.
أثناء تحركها للخروج استمعت نيرة إلى صوت هاتفها يعلن عن اتصال، بسرعة سحبته من جيبها الخلفي حتى تطفئه كي لا تزعج فريدة، كونها صدقت أن تنعم بالهدوء قليلًا؛ فما شاهدته اليوم لم يكن بالأمر السهل.
لترد في هدوء وهمس وهي تغلق الباب خلفها:
"أيوة يا مراد... إيه انت تحت؟ طب أنا نازلة حالًا."
"نامت؟"
سألت نرمين وهي ترى نيرة تترجل من الغرفة، لترد:
"الحمد لله... أنا نازلة شوية عشان مراد تحت البيت، خلي بالك منها لغاية ما أرجع."
أومأت برأسها ثم سارت نيرة متوجهة نحو الباب لتخرج إلى ابن أخيها الذي ينتظر بالأسفل على أحر من الجمر حتى يطمئن على صحة وحال فريدة. يلصق ظهره على جانب السيارة، خافض رأسه ينظر إلى موضع قدمه بشرود، ليسمع صوتها الهاتف فاعتدل بجسده وهو يرفع برأسه ليراها تقترب منه، وتسأله بلين:
"ازيك يا حبيبي؟ جيت تاخدني مش كده؟"
هز رأسه نافيًا ثم تساءل بهدوء وهو يحاول ألا يظهر لهفته:
"فريدة عاملة إيه؟"
"الحمد لله، كنت جاي أعزيها ولا إيه؟"
تنهد ثم أردف:
"أنا كنت في العزا عند أبوها، وقولت آجي أطمن عليكي وعليها."
قال ذلك حتى لا تظن أنه جاء لفريدة بالخصوص.
ثم تفاجئت نيرة برده:
"انت عزيت عز الدين!"
ليرد باقتضاب:
"أه، يعني ده واجب وكده، المهم انتي هتقعدي ولا هتيجي معايا؟"
سأل فأجابت بأسى:
"فريدة محتاجاني يا مراد معاها، حالتها مطمنش أبدًا، دي حتى مرضيتش تحط لقمة في بوقها ولسة حالًا نايمة."
ملأ صدره بالهواء محاولة تهدئة نفسه، بعد علمه بما تمر به فريدة، ليزيد هذا من حيرته. فانتبه على نيرة وهي تقول:
"هتخليني أقعد معاها مش كده؟"
سألت بترجي وهي تضغط على أنامله وكأنه سيمنعها، ثم أجاب بتأكيد:
"وانتي فكرك إني هسمحلك تروحي معايا وتسيبيها؟ ادخلي يلا وأنا هبقى أتصل أطمن عليكي."
ضمته بحب وطبع قبلة رقيقة على جبينها، ثم سارت متوجهة إلى البيت وراقبها بعينيه حتى دخلت وأغلقت الباب، ليصعد هو الآخر سيارته وانطلق بها مغادرًا.
***
كانت تخرج من أحد الحجرات في الساعة الثالثة فجرًا، بعد أن انتابها العطش، لتسير نحو المطبخ، فتستمع صوت شهقات عالية تأتي من غرفة المعيشة، استدارت لتعود أدراجها متوجهة نحوها بسرعة، فتجد عز يجلس على أحد الأرائك، يكور نفسه ويدفن رأسه بين ذراعيه.
اقتربت منه وقبضت على ساعده بقلق وهي تميل بجذعها العلوي نحوه، فتساءلت نيرة برجفة في نبرتها:
"عز انت بتعيط؟"
رفع رأسه دون النظر إليها فلمس خديه ليزيل دموع الألم من عليها، فتمتم بنبرة متحشرجة:
"أول مرة أحس إني مكسور يا نيرة، وجع موت أمي قطم وسطي، حاسس إني مخنوق وضعيف، محتاج حضنها يدفيني، يديني قوة من تاني."
أغمض جفنيه بضعف فتهبط دموع ساخنة على كلا خديه بأريحية.
ترقرقت الدموع بمقلتيها فور سماع هدره الموجع لها قبله، لم تتحمل هذا الهزل الذي أصابه، ما كان كذلك أبدًا، فدائمًا هو الإبن والحبيب القوي الشجاع، الذي يتحمل أي أمرًا كان. فجيعة موت والدته أوجعته، خارت قواه لها، جعلته هش من الداخل، كالطفل الصغير الذي يقف وحيدًا ليلاً في البرد القارس ولا يجد من يدفئه.
جلست بجواره وأمسكت بذقنه تحركه نحوها بلطف، وضعت كلتا كفتيها على وجنتيه تمسح عنهما العبرات التي تصيبها بنصل من السهام في فؤادها، فتهمس له بأنفاس أصابها الوتيرة، ونبرة أشبه بالجهشان:
"أنت أشجع من كده يا عز، ده أنا كنت بتقوى بيك انت، ضعفك ده بيوجعني أوي، أرجوك جمد قلبك، لو مش عشان خاطرك يبقى عشان فريدة بنتك!"
رفع جفنيه الذابل، ببطء وهو ينظر لمقلتيها الوامضة، يتطلع وكأنه يترجاها بزرقاوتيه ألا تتركه وتذهب، فهو في أشد الحاجة إليها. وضع جانب رأسه على صدرها دون وعي وإدراك. بل استمع إلى دقات قلبه التي بدأت بالخفقان منذ أن رآها ثانية وعادت إلى حياته من جديد. أغمض جفنيه بطمأنينة وحاوط خصرها متشبثًا بملابسها، لتضم رأسه بذراعيها تلقائيًا، وتطبع قبلة حانية فوق شعره، ثم حركت شفتيها بتمتمة وهي تتلو بعض الآيات القرآنية، فبدأ هو بالسكينة على همسها، ويستسلم للنوم الهادئ بين أحضانها.
***
"والله يا باشا ما صدقت إنك هتيجي العزا بعد اللي حصل، بصراحة فاجئتني، بس طلعت روحك رياضية بجد، عاش."
هتف عماد بحماقة كما هو العادة، وهو يرفع بقبضة يده بفخر.
قام مراد من مكانه ويتحرك من خلف المكتب وهو يرسم ابتسامة صفراء على ثغره، فيتحدث بهدوء مزيف وهو يضع يديه بجيب بنطاله.
"بقى انت اللي قلت لعز إني اغتصبت فريدة؟"
"إحنا عايزين نخدم."
رد عماد بابتسامة عريضة بلهاء، ليزيد مراد من ابتسامته فيضحك الآخر لها، ولا يدري أنه يتصنع هدوءًا مصطنعًا قبل أن يفتك به.
ليتفاجأ عماد بقبضة يده تجذبه من ياقة قميصه، فابتلع لعابه وبالأخص من نظرات مراد القاتلة، ليهمس بنبرة مرعبة جعلت قلب عماد يرقص رعبًا:
"وتقوله إني كمان هصلح غلطتي بدل الفضيحة؟"
"أمال يعني عايز تسرق شرف البنت، ومتتجوزهاش؟"
أردف بحماقة كبرى وهو لا يتصور كم الخطأ الذي اقترفه.
ليصرخ به بحدة وهو يهزه:
"عماد، أوعى تجيب سيرة شرفها على لسانك حتى لو من باب الهزار، سامع؟"
هز عماد رأسه عدة مرات باضطراب، ثم تمتم بتوتر:
"أنا كان نفسي أوفق راسين في الحلال بس!"
رفع كلتا حاجبيه:
"والله؟ طب غور بقى من قدامي."
دفعه بحنق وهو يردف:
"بدل ما أسرق لسانك وأخليك ما تعرفش تتكلم تاني، وأرتاح من هرتلتك اللي في مرة هتوديك ورا الشمس."
ضبط من ملابسه ثم تحرك مغادرًا وهو يتمتم بخفوت معاتبًا لنفسه:
"أنا مني لله إني عايز أفرحك أصلاً، يا رب تعنس..."
ثم تراجع عما قال:
"لألأ أنا كده بدعي على نفسي برضه، يا رب تقع بوزك في الحب يا شيخ عشان ما تعرفش تنام ليل ولا نهار!"
***
تحمل نيرة في يديها صينية الطعام، وهي تدلف لغرفة فريدة بينما الأخرى تكاد تصحو لتوها وهي تتقلب ببطء.
تهتف مبتسمة وهي تضع الصينية على طاولة صغيرة:
"صباح الفل على الجميل."
"نيرة؟ انتي لسه هنا؟"
سألت بصوت مبحوح يكاد يفهم، لترد وهي تجلس:
"طبعاً هو انتي متخيلة إني أسيبك وأمشي؟"
تطلعت إليها وهي تعقد حاجبيها، ترى ماذا فعلت لكي تجعل مراد يوافق على بياتها هنا؟
لتردف نيرة:
"يلا بقى قومي كلي، ويا ريت متعترضيش لإنك مكلتيش حاجة من امبارح!"
أومأت برأسها بهدوء ثم قالت:
"هروح أغسل وشي وآجي.. هي نرمين هنا؟"
سألت قبل أن تنهض، لترد نيرة:
"أنا قولتلها تمشي مع إنها أصرت تفضل، ولما أنا ضغط عليها مشيت وقالت هتيجي الصبح، وأكيد زمانها جاية دلوقتي."
هزت برأسها ثم أزاحت الغطاء عنها وخرجت من الحجرة متوجهة للمرحاض.
بعد دقائق معدودة عادت تدلف إلى غرفتها وتساءلت عن أبيها.
"بابا فين من امبارح مشوفتوش ووحشني أوي!"
نهضت نيرة من مقعدها وأمسكت بكف فريدة وأجلستها بجوارها:
"باباكي كويس أوي الحمد لله، هو كمان سأل عنك ودخل يطمن عليكي."
أمسكت بلقمة صغيرة وأغمستها في صحن الفول، ثم رفعتها لشفتيها لتقضمها فريدة وتبدأ بمضغها بهدوء.
لينكمش وجهها وتسأل:
"هو مين اللي عمل الفطار ده؟"
"أكيد يعني عز، أنا فاشلة جدًا في موضوع الأكل ده."
قالت وهي تغمس بقطعة أخرى، ثم أدخلتها فمها بلطف.
"على فكرة مراد جه امبارح وكان عايز يعزيكي."
أردفت نيرة بعفوية، لتنهض الأخرى والتجهم يعتلي ملامحها، فتنطق في وجوم:
"مش عايزة منه عزا، كفاية اللي عمله!"
أمسكت بمعصمها وجذبتها بحنو وتابعت إطعامها وهي تهمس:
"عندك حق، هو فعلًا ما يستاهلش إنك تقبلي حاجة منه بعد اللي حصل."
قالت مؤيدة لكلامها، فتابعت:
"هو راح لعز وأدى واجبه، مكانش فيه داعي ييجي، وكمان يقلق عليكي ويسألني كل شوية في التليفون عشان يطمن! لالا ده زودها."
قالت نيرة بمكر، فأشبكت الأخرى ما بين حاجبيها، وهي تتساءل:
"هو كان بيسأل عني بجد؟"
أومأت برأسها، فتهللت أسارير فريدة، ورغم شعورها بالسرور لما قالت، إلا أنها حركت رأسها بعيدًا وهي تقول بجفاء طفيف:
"ما يخصنيش برضو، ويا ريت ما تجيبيليش سيرته مرة تانية!"
افترت نيرة عن ابتسامة:
"حاضر."
استطاعت نيرة أن تستفزها بعد أن رأت اللمعة المبهجة في عينيها، وعلمت أنها تهتم لسؤال مراد عنها، مهما حاولت إخفاء ذلك.
***
بعد عدة أيام عادت نيرة لمنزل مراد وكانت تطمئن على فريدة وعز الدين يوميًا سواء بالهاتف أو لزياراتها المتكررة في بيتهم.
حاول مراد مرات متكررة أن يلتقي بفريدة أو يكلمها، لكن لم ينجح الأمر معه بسبب ذلك الكبرياء اللعين ورهبته بأن تحرجه، وبالطبع هو لن يتحمل ذلك، خاصة أنه يعرفها تمام المعرفة لن تصمت عن حقها، ولن تكترث لهيبته، ومع أنه يوجد حلول كثيرة إلا أنه يدري ماذا يفعل؟
خرج في الساعة السابعة مساءًا من إحدى البنايات بعد أن انتهى من مقابلة عملية، ليصعد سيارته ويقودها متوجهًا إلى منزله. وبعد نصف ساعة وجد نفسه يقف بسيارته أمام المبنى الذي تدرس فيه فريدة.
لم يشعر بحاله وهو يسير في اتجاه الطريق الذي يقوده إلى هنا. انتظر قليلًا ثم وجدها تخرج من المبنى محتضنة بين ذراعيها مذكرة بيضاء، ثم دعت صديقتها نرمين لتذهب في طريقها مع هادي، ووقفت هي تنتظر. خطف نظرة سريعة على مذكرتها من الداخل ثم أغلقتها، تتأمل بشرود الطريق بملامحها التي بهتت قليلًا، وعينيها الذابلتان، لم تعد تلك البسمة تصاحبها كما في السابق.
شبكت شعرها ذيل حصان فبدت بريئة بعض الشيء، ترتدي ملابس سوداء قاتمة حزينة، هل نحف وزنها؟ بالتأكيد، رغم كونها ليست سمينة إلا أن الفرق واضح بين الآن والماضي، لكنها ما زالت جميلة وصغيرة.
رآها تزفر بحنق كونها لم تجد سيارة تقف لها رغم محاولتها في إيقاف واحدة، تمتمت بشفتيها بعض الكلمات فترجم هو ما تقول بسهولة، ليبتسم ساخرًا على زمجرتها تلك. قد تتخلى عن أي شيء إلا لسانها اللاذع. ظل لثوان يتأملها، وبعد صراع وتضارب بينه وبين عقله، قرر رمي كل شيء للخلف والهبوط من السيارة.
ليسير في خطوات واثقة وهيبة جامحة، فتنتبه إليه فريدة يقترب منها، تراجعت للخلف ببطء، ليلاحظ خوفها ويقف مكانه، تنهد بضيق شديد على ذلك الرعب الذي ظهر فورًا على ملامحها. كان سيأخذ وضع الفرار، لولا أنه قرر في لحظة الاستمرار في خطاه صوبها، ليقف بالقرب منها فوق الرصيف، تتطلع لأسفل وزادت من احتضان مذكرتها كأنها تتحامى بها.
كل ذلك تحت نظرات مراد المترقبة والمتفحصة. حمحم قليلًا فشعر باهتزاز جسدها، مجرد حمحمة جعلتها ترتج هكذا؟
فتح فمه ليقول:
"أنا..."
قاطعته محذرة بأعين خافضة:
"لو سمحت، أنا مش مستحملة أسمع منك أي كلمة، يا ريت تمشي وتسبيني في حالي!"
"أنا مش جاي أجرح فيكي، أنا كنت جاي عشان أعزيكي."
رفع ببصرها مندفعة وهي تهتف بشراسة:
"وأنا مش قابلة تعازيك، اتفضل يلا."
أشارت بعنف أن يذهب ثم أجفلت بوجهها عنه. حاول هو امتصاص غضبه وألا يكترث لكلامها، فهي بالتأكيد ما زالت مستاءة مما فعله، تنهد براحة ثم أردف:
"على العموم أنا مقدر الوضع اللي انتي فيه، ومش هاخد كلامك بجدية، ولما تهدي هيكون بينا كلام."
اندفعت متذمرة:
"مفيش بيني وبينك أي كلام يا مراد، أصلاً ما ينفعش حتى نقف الوقفة دي، وأوعى تكون فاكر عشان جيت في عزا جدتي إني هسامحك، تبقى بتحلم."
قبض على راحة يده بقوة يمتص صراخها عليه، ويكبح جماحه، ليرسم ابتسامة مستفزة ويقول:
"ومين قالك إني مستني مسامحة، أساسًا أنا مفكرتش في كده لما جيت العزا، بس لو انتي شايفة مجيتي هناك ودلوقتي على إنه سبب للمسامحة، فمش هحاول أغيرلك فكرتك، لأنه ميهمنيش!"
أيها المتغطرس العنجهي اللعين، تحاول أن تزعجها بكلامك الملعون هذا ونظرتك الغامضة التي هي جزء من شخصيتك، وابتسامتك المزيفة تلك، لا لن تنجح في ذلك.
رمقته بشزر قبل أن تستدير مغادرة، ليهتف باسمها فورًا:
"فريدة."
لتقف عقب نطقه اسمها لأول مرة كما تعتقد هي، زلزلة احتلت فؤادها، اللعنة كم أن اسمها أصبح جميلًا من فمه الذي نفح سحرًا حاوطها، لالا تابعي سيرك هذه ليست حقيقة، تابعي يا حمقاء لم ينادي!
سارت متابعة لكنه استوقفها مرة ثانية وهو يمط اسمها بهمس:
"فـريـدة..؟"
استدارت لتهتف مزمجرة:
"نـعم!"
"تعالي أوصلك."
قال متبسمًا، لتعترض بطفولية وهي تصيح:
"لأ."
ثم تحركت في خطوات متأففة، فيضحك هو على طفولتها المتذمرة، بينما في جانب آخر كانت تتابعهما أعين زرقاء تشتعل كالنار وتطلق سهامًا تريد أن تفتك بهذا الذي يطارد صغيرته.
رواية ظل السحاب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم آية حسن
لسة مقبضتوش ع معتز؟
وجه مراد الجالس على مقعد مكتبه، بسؤال لـ تميم صديقه، فيرد بينما مراد يبدأ بإشعال سيجارته:
المباحث بتدور عليه، ابن الإيه كإنه فص ملح وداب، دة غير إنه سرق الفلوس تمن المستندات، أنت متعرفش ممكن يبقى فين؟
سأل تميم ليجيب مراد وهو يستلقي للخلف:
كنت أعرف إن عنده شقة ف كومباوند، بس أعتقد المباحث فتشت هناك وملقتهوش .. وعمي عثمان كلمني بعد اللي حصل وبيعاتبني، وبيقوللي إن ماحدش هيقدر يقرب من ابنه ومش هيدخل السجن يوم واحد!
أعدل تميم من سترته وأردف ساخرًا:
والله عمك دة عجيب أوي، يعني ابنه غلطان وكمان بيستظرف! دة ربنا يكون في عونك من الهطل اللي عايش فيه دة .. وع فكرة لو ثبت انه يعرف مكانه ومخبي، أنا هبقض عليه مع ابنه؛ عشان يونسه ف السجن مش ليوم واحد بس لأ، 3 سنين!
قال مصرًا، ليرد مراد بعد تنهيدة:
مسيره يظهر
ليسمع طرق الباب وبعدها تدلف نانسي إلى المكتب مع ابتسامة مشرقة، فتهتف بنعومة:
ازيك يا مراد؟
: أهلاً يا آنسة نانسي
اكتفى مراد برد بسيط ورسمي، بينما تميم يتفحصها من منبت شعرها إلى أخمص قدميها بإعجاب شديد، لشدة جمالها الفتان .. لاحظ مراد شروده وهو يتطلع بها فحمحم بقوة حتى يلفت انتباهه، لكنه لم يكن بكامل تركيزه حتى يدرك حمحمة مراد.
ضرب مراد سطح المكتب بيده بقوة، ففزع اثرها تميم وسأل متعجبًا:
فيه إيه؟
ليتمتم من بين أسنانه حانقًا:
أظن يا شامي باشا، انت اتأخرت ولازم تمشي!
فهم تميم تلميحات ونظرات مراد، وأن هذه الفتاة تقربه ويجب عليه إحترام ذلك، ناهيك على أنه لا يحبذ أن يتطلع أحدهم لأي فتاة مهما كانت بتلك النظرات المشمئزة!
حمحم ثم أردف وهو يغلق أزرار سترته:
طيب أستأذن أنا عشان ورايا شغل مهم
سلم عليه وابتسم لـ نانسي بلطافة ثم غادر.
اقتربت نانسي وجلست أمامه، فتقول باستياء ودلال يثير قرف مراد:
أنا بجد زعلانة منك يا رامو، كدة متتصلش بيا بنفسك وتقوللي إنك موافق إني أشتغل معاك
عقب على كلمتها:
رامو؟
ردت بنبرة رقيقة:
أه، بدلعك
امتعض وجهه باشمئزاز لدلالها المقزز، فقال وهو يحاول التمسك بهدوءه:
بصي يا نانسي، أيًا كان صلة القرابة بيني وبين أي حد من الموظفين، فهم بيتعاملوا معايا هنا برسمية، وأنا محبش حد يتعدى النقطة دي، فانتي بنت عمي هناك ف البيت، لكن هنا أنا مديرك، وأتمنى تفهمي حاجة زي دي، وتقدري تفصلي ما بين الاتنين!
رسمت ابتسامة مصطنعة على ثغرها وهي تردف بانصياع لأوامره الحمقاء:
طبعًا طبعًا يا مراد، أنا أصلاً ف الشغل ما بعرفش قريبي!
هز رأسه:
كويس، ممكن تتفضلي تستني برة مع باقية زمايلك عشان نوزعكم ع الأقسام
أشار لها، لتدب بقدمها على الأرض ناهضة، ثم تسير متجهة للخارج وهي تصطك على فكيها اغتياظًا .. لمَ يعاملها بتلك الطريقة الجافة، حتى أنه لا يظهر في نبرته أو ملامحه أي ذروة أمل تجعلها تطمئن أنه سيدرك مشاعرها يومًا ما .. فاقت من شرودها على اصطدامها بأحد.
صاحت مزمجرة:
مش تفتح؟
: لا مؤاخذة يا بنتي ماخدتش بالي!
هتف عز معتذرًا، لترمقه هي في برود ثم ذهبت من أمامه، تحرك عز متجهًا نحو مكتب مراد، وفي رأسه شيئًا يجب أن ينجز اليوم، طرق الباب عدة مرات قبل أن يدخل.
نهض مراد متفاجئًا به:
انت؟
تحرك في خطوات متزنة ثم قال:
أيوة يا مراد باشا، أنا... معلش هعطلك شوية
هناك غشاوة من الغموض تومض بعيني عز بقوة، لم يستطيع مراد أن يفهم سببها .. أشار إليه بالجلوس:
ولا يهمك، اتفضل
جلست الإثنان مقابل بعضهما فبدأ عز الدين التكلم:
طبعًا حضرتك متفاجئ وبتسأل نفسك أنا إيه اللي جابني! مش كدة؟
: والله أنا مكتبي مفتوح للجميع، بس دة ما يمنعش إني أعرف السبب!
قال واثقًا من كلماته المسردة بعملية، ثم هتف عز بسلاسة:
أنا هقولك السبب، مراد باشا انت شخص ذكي وبتعرف تشوف أبعاد الموضوع أو المشكلة اللي بتتحط فيها، ولولا مهاراتك العالية ماكنتش وصلت للي انت فيه، طبعاً هتفكرني اني بمدحك دلوقتي، وتقول هو بيقوللي الكلام دة ليه، خصوصاً بعد اللي حصل ف المستشفى، بس الحقيقة دة مش مدح، بالعكس أنا بفكرك بس بصفاتك عشان لما أخلص كلامي تفهم أنا أقصد بيه إيه
عقد مراد حاجبيه محاولًا فهم مغزى كلامه الذي يلوح به إليه .. ليستطرد عز بقية حديثه بهدوء ورزانة:
انت ضربت بنتي ع وشها بالقلم بدون أي وجه حق، ومن غير ذنب عملته، ظلمتها وجيت عليها من غير حتى ما تبحث ف المشكلة زي عادتك وتعرف إذا كانت مذنبة ولا لأ، وانا متأكد إن طول الوقت بتعاملها وحش، بعد ما عرفت اني الشخص اللي ساب نيرة وبوظلها حياتها، ولما قولتلي انك مش عاوزها تاني عندك ف الشغل أنا منعتها، برغم انها عاندتني بعد ما كانت رافضة ف الأول تشتغل، بس أنا أصريت عليها كنوع من أنواع الإعتذار ليك بعد ما طولت لسانها من غير قصد، وأكيد أنت فكرت إن دي خطة مني زي ما بينت ف كلامك قبل كدة...
حاول سحب أنفاس طويلة حتى يستطيع الإكمال، بينما مراد صامت ويتطلع إليه بتركيز، من غير أن يقاطعه:
بس هي ونيرة كانوا اتعلقوا ببعض، ومقدرتش أمنعها تشوفها، بعدها بدأت تستفسر عن اللي حصل وخلاني أسيب نيرة ومتجوزهاش، طبعاً نيرة حكت لها اللي حصل يوم ما قررت أبعد، وأنا اكتفيت بكدة، عشان أبعدها من حرب أسئلة ملهاش إجابات، أو إجاباتها مدفونة جوايا من سنين،
أشبك مراد أنامله ببعض وهو يضعها فوق سطح المكتب مستمعمًا حديثه .. رفع عز رأسه ثم أردف بوجه حزين وبنبرة جهشانة:
استغربت بعدها انها بتيجي الشركة عشان تقابل نيرة، بس اللي استغربته أكتر إنك معترضتش على وجودها، ويا ريتني كنت فكرت كويس وفهمت انت بتعمل كدة ليه
كنت قولتلها ماتجيش الشركة تاني، أو ع الأقل حذرته
لم يفهم مراد مقصده، ماذا يعني بـ «يفعل ذلك لأجل شيئًا» انتظر حتى يكمل ببكاء منكسر:
بس ما عرفتش إنك ناوي تنتقم مني فيها .. في الحتة اللي ربنا أدهالي هدية عشان أنسى بيها المرار اللي عشته
وعند تلك النقطة لم يتحمل مراد السكوت بل وقف معترضًا باندفاع:
انت بتقول إيه، وانتقام إيه اللي بتتكلم عنه؟
رفع عز جفنيه وهو يتطلع إليه بسخط:
كنت بتدس جواك الكره عشان تكسرها وتاخد حق نيرة منها هي، وبدأتها بضربها على خدها من غير رحمة، وظلمك ليها، وعشان تعرف تكمل ف اللي انت فيه بعت نيرة تبات معاها لما اتوفت أمي، وجيت أنت العزا عشان تبين قد ايه إنك ندمان ع اللي عملته معاها، والحقيقة أنا كمان كنت فاكر كدة، بس شوفت حاجة خلتني أعيد تفكير في كل اللي حصل..
هتف مراد متهكمًا:
شوفت إيه بقا؟
لينهض من مكانه قائلًا:
إنك بتحاول تجري ورا بنتي وتضحك عليها بكلامك المعسول عشان تكمل انتقامك
: مسمحلكش...
صاح مراد بشراسة وهو يدافع عنها قبله:
لولا إنك أبوها أنا كنت...
زم شفتيه بقوة محاولًا ألا يتهور معه بكلام سفيه، ليردف بهدوء:
أنا مقدر الظروف اللي انت فيها، وأكيد موت والدتك مأثر عليك، بس لو سمحت بلاش كلام يضايق لأني مش هعرف أسيطر على حالي!
شزره بعينيه:
ولما انت شايف إن دة كلام يضايق، بتضايق انت بنتي ليه؟
نظر مراد بطرف عينه له، ثم أردف عز:
ع العموم أنا جيت عشان أقولك السبب الحقيقي اللي خلاني أبعد عن نيرة واللي هي متعرفهوش، وبما إنك كنت ظابط واعي هتعرف إذا كنت بكدب ولا بقول الحقيقة، وتسيبك من بنتي خالص كفاية اللي عاشته ...
تطلع إليه وهو يضيق ما بين حاجبيه متعجبًا من إصراره على أنه كان يطاردها انتقامًا منه، لم يهتم لما يفكر لكنه نظر إليه مهتمًا بمعرفة الحقيقة كلها...
تنهد وقال:
وأنا سامعك قول، بس لو طلعت بتكدب عليا...
رفع بسبابته محذرًا، ليقول عز بنبرة منكسرة:
معادش فيها كدب
يعلم جيدًا أنه لن يكذب وسيصدق على قوله، يظهر هذا بعينيه...
بدأ عز الدين يتهيأ لإخبار مراد السبب الرئيسي وراء تركه روح فؤاده، دون حتى الإلتفات لها ولو لمرة.
يجلس هو بأحد الورش يمارس عمله كالعادة، شاردًا بحبيبة القلب يقلب ما قالته برأسه عن هروبهما معًا لأجل الزواج والبعد عن المشاكل، رغم كونه يريد ذلك حتى لا تضيع منه إلا أنه يفكر بزوايا مختلفة بتروِّ قبل آخر قرار، لكن يؤكد بداخله ويقسم لن يفقدها مهما حدث..
ليقطع شروده ذلك الصوت الغليظ وهو يسأل:
انت عز الدين؟
رفع ببصره فوقعت عينيه على شخص يرتدي بدلة سوداء فخمة ويحمل بين إصبعيه سيجارة ضخمة كأصحاب المراكز المرموقة .. نهض من مقعده وأجاب بارتياب:
أيوة أنا، مين حضرتك؟
سحب نفسًا من السيجارة ثم ضحك بسخرية وقال:
بقـا أنت اللي نيرة عايزة تتجوزه؟
علم من اول نظرة وقعت عينيه عليه أنه من طرفها، وذلك من هيئته، ليتنهد مكررًا سؤاله بعد رده بإثبات:
أه أنا، مين حضرتك بقا؟
ليرد وهو يجز على أسنانه:
أنا أبقى أخوها عثمان
: أهلاً بحضرتك، تحب تشرب حاجة؟ انت برضو من طرف الغالية.
قال عز بهدوء، ليقبض على قميصه وهو يجذبه بحنق، ثم همس له عن قرب بنبرة يصدر منها إيحاءات وقحة:
اسمع يا روح أمك، كونك إنك تتسرمح مع أختي وتعيشلك يومين على قفاها، دة مايديلكش الحق إنك تتجرأ وتطلب إيدها،
رمقه من أعلى لأسفل باحتقار:
انت مش شايف منظرك عامل ازاي؟ ولا انت فين وهي فين؟ دة نيرة بنت بشوات، بنت عز إنما أنت جربوع ولا تسوى، آخرك تقضي معاها يومين حلوين كدة وتخلع!
لم يشعر عز بحاله سوى وهو يضربه برأسية قوية جعلته يتراجع بألم وصراخ وهو يمسك بأنفه، ليدخل حارسان جاءوا معه ومنعوا عز من الهجوم عليه وكبلوه من ذراعيه بأيديهم، ليصرخ به عز بشراسة:
بقـا يا واطي بتتكلم عن أختك كدة! أنا أبداً مفكرتش إنك حقير ومعندكش نخوة ولا دم، نيرة اللي بتتكلم عنها بالأسلوب الزبالة دة أشرف من مية واحد فاجر زيك
نصب عثمان جسده ومسح الدم الذي سال من أنفه بسبب ضربة عز، ثم اقترب منه بأعين ينطلق منها الشرار وقبض على رقبته بكفته ويهمس بوجه برئ مصطنع:
انت بتضربني عشان بقولك مش هتتجوزها؟ ولا عشان بقولك تقضي يومين؟
حاول عز الإفلات من الحراس كي يفتك به، لكنه مكلبش بإحكام.
ثم غير نبرته كفحيح الأفعى:
أقسم بالله لو قربت من نيرة أو حاولت تشوفها تاني... تؤتؤ مش هموتك... لأ، أنا هقتلها هي وأرمي جثتها للكلاب، وهقول إنها كانت ماشية معاك ف الحرام، وأبويا ميرضيهوش ان واحدة فاجرة تجبله العار، فمش بعيد يديني الوسام الذهبي لما يلاقيني بدافع عن شرف العيلة.
لم يصدق عز الدين ما يسمع، هل يوجد أخًا بهذا القلب؟ مما صنع هذا الرجل، يريد قتل أخته ومن أجل ماذا؟
: أنا عمري ما شوفت حقد كدة!
نطق بها عز بذهول تام، ليرد عليه عثمان بغليل دفين:
لأ هتشوف، أنا ممكن أعمل ألعن من كدة كمان، بس نيرة متتجوزكش
أشار عثمان بعينيه إلى الحراس أن يتركوه ثم تابع:
فلو انت خايف على مصلحة نيرة، ابعد عنها لأني مش هفكر مرتين قبل ما آخد خطوة قتلها، لو فكرت تتجوزها حتى من ورانا، لأني هعرف أجيبكم!
رفع عز بجفنه له وهو يتطلع إليه بسخط كأنه يريد أن يقتلع لسانه لأجل التحدث عنها بهذه الطريقة، لكنه أحس بالخوف الشديد وزلزلة بقلبه جعلته يبتلع لعابه بصعوبة، ليهمس بحشرجة متسائلًا:
ولو بعدت عنها للأبد؟
: هسيبها تعيش حياتها عادي، يعني دي ف النهاية أختي وأكيد عايز مصلحتها!!
رفع بكتفيه متصنعًا البراءة، وهو يدس في ضميره السموم، رأى عز بعينه الشر ينبع منها، ليتركه عثمان حائرًا في تخبطات أفكاره، ليشعر عز بعدها باليأس والإنكسار، كأنما الحياة بعد أن أعطته مصباحًا يجلب له الحظ وينير له الدنيا، أختطفته منه على حين غفلة وجعلته يغوص في ظلمات لن تنتهي.
***
: إيه يا بنتي عاملة إيه؟ وليه مجتيش امبارح تستلمي شغلك؟
هتفت نرمين متسائلة لـ فريدة، وهما يجلسان على الكنبة في منزل الأخرى، فترد عليها مستنكرة:
وآجي بتاع إيه ان شاء الله؟
: يعني إيه تيجي بتاع ايه؟ مش انتي قولتيلي انك قدمتي ف نفس اليوم؟
: أه وغيرت رأيي، مش عايزة أشتغل عند البني آدم دة، أساساً أنا خلصت من الشغل عنده ف البيت
قالت مظهرة ألا مبالاة، لكن بداخلها كانت تشعر بالغيظ وتود الذهاب، ليس فقط لأجل العمل، بل لترى تلك الثعبانة الملعونة التي تدعى "نانسي" ماذا ستفعل معه؟
: خسارة كان نفسي تكوني معايا!.
قالت ذلك بحسرة، لتفرك فريدة بأصابعها وهي تنظر لها كأنها تتردد في طرح سؤال، لتحمحم وتتساءل:
بقولك يا نرمين، هي اللي اسمها نانسي دي متعرفيش اشتغلت إيه عن مراد؟
ردت ببساطة:
سكرتيرته الخاصة.
: نعـــــم؟!!!!!
صاحت فريدة بأعين يكسوها وهيج ناري.
***
يجلس مراد شاردًا وهو يعض أنامله بتفكير فيما قاله عز الدين، يشعر بنص رأسه قد فقدت إحساسها، لقد كان عمه هو من أهدم سعادة عمته، لقد أصابه الذهول فور سماعه الحقيقة.
كان يعلم أن عثمان قاسي القلب، لا يهتم لمشاعر الآخرين، لكن تصل به الدرجة إلى أن يلعب تلك اللعبة التي عبثت بحياة أخته؟
ولمَ كل ذلك من الأساس؟ كثرة التفكير أهلكته، يالله على هذه الحيرة، يشعر بالغليل في عقله وكأن رأسه ستنفجر غضبًا وفكرًا.
: مراد!
اندفع برأسه انتباهًا ليجدها نيرة، فيهمهم دون تركيز، ثم تردف متسائلة:
فـينك؟ بقالي ساعة بنادي عليك!
وفور استعادة وعيه من بحر أفكاره، راحَ يضمها إليه ف الحال دون أي مقدمات، تعجبت من فعلته لكنها حاوطته بذاعيها متبسمة ولم تسأله حتى لم فعل ذلك، فهي تعرفه عندما يحتاج لها أو يشعر أنه يريد ضمة لا يستأذن!.
***
باليوم التالي دخلت إلى الشركة والغيظ يأكلها، تشعر بأن قلبها يضخ بركانًا بدلًا عن الدم، لم تستأذن من موظف الإستقبال حتى، تسلك واجهتها ولا أحد يتجرأ ع التحدث إليها في هذه الحالة، بوجهها المنتفخ بشدة من غضبها الذي سيحرق ذلك الأحمق الذي أقدم ع تلك الفعلة،
نسيت كل ما فعله بها بثانية، بل كبت ذلك الخوف بعيدًا ووضعت مكانه جمرات من اللهيب ستنصب فوق المتعجرف الذي لطالما كان يستفزها بأفعاله، لكن كفى.. ستسبه، وتلعنه، وتلقي في وجهه أفظع الشتائم، من يفكر نفسه حتى يعين الحرباءة التي تدعى بـ نانسي، سكرتيرة له، اللعنة كم تكرهه وبشدة وتود افتراسه.
وصلت الطابق المقصود ودخلت ممر المكتب ووجدتها تجلس على المقعد تمسك بمرآة وتضع حمرة شفاة، هل تغريه أيتها الحقيرة؟
تحركت في خطوات بطيئة لتنتبه نانسي عليها فتنهض وتتحرك من خلف المكتب، ثم تسألها:
عايزة إيه؟
لم تعيرها أي اهتمام بلا كأن الهواء يقف، لترفع فريدة بيدها وتمسك بالمقبضين حتى تفتح الباب، لكن نانسي أمسكت بمعصمها تمنعها:
مراد مشغول تعالي وقت تاني، يلا يا ماما
لتوكزها بمرفقها وتهتف بحنق:
يا شيخة غوري بقـا
ثم تفتح الباب على مصراعيه وتدلف للداخل وتصيح:
مراد...!
ليرفع هو برأسه ويتطلع إليها باندهاش، ثم حرك رأسه فجاب المكتب بعينيه الممتلئ بالموظفين الذين تصنموا بأعين معلقة عليها.
رواية ظل السحاب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم آية حسن
نهض يتطلع إلى الموظفين المعلقين أعينهم إبلامًا على دخولها المفاجئ دون استئذان، ثم عاد ببصره لها شزرًا.
ليهتف مراد بجمود:
اتفضلوا برة كلكم.
نصاع الجميع لأمره وخرجوا فورًا، لتدلف نانسي للداخل قبل أن يفتح فمه، وتهتف بزمجرة:
إنتي ازاي تزقيني وتدخلي من غير إذن؟
أنا عفريت الدنيا كلها بتتنطط قدامي، إبعدي عني السعادي أحسن آكل دراعك التاني!
صاحت فريدة بتذمر حانق، لتتراجع نانسي بقدمها للخلف وهي تبتلع ريقها خوفًا منها، فالمرة الأخيرة قد تركت جرحًا ليس بالبسيط، لكنها حاولت أن تبقى قوية.
عادت برأسها لمراد وهي تقول بحنق:
عاجبك قلة ذوقها يا مراد؟ انت لازم تطردها، مش عارفة ازاي انت قابل تشغل عندك المناظر العجيبة دي!
قالت وهي تكمش وجهها باحتقار لها، وقبل أن ترد عليها فريدة التي بدا على وجهها الغضب، هتف مراد بهدوء مزيف:
نانسي، اخرجي برة.
اندفعت بوجهها له والذي صعدت إليه الدهشة وتهمس مستنكرة:
انت بتقول إيه؟ أنا اللي أخرج؟
أيوة، ولما أقول الكلمة تتسمع ع طول.
شعرت فريدة بالانتصار قليلًا، بينما نانسي احتقنت الدماء بداخلها، لتهم مغادرة من المكتب قبل أن تعطيها نظرة غيظ شرسة.
علق مراد زمردتيه على فريدة ثم استدارت هي إليه فوجدته يحدق بها بنظرات لا تفهم. أهو غاضب أم هذه نظرات طبيعية؟ شعرت بالاضطراب يصيب جسدها، ليحمحم هو ثم تساءل في هدوء وهو يجلس:
خير؟
مالك بتكلمني بقرف ليه؟ هو أنا جاية أشحت منك؟
هتفت بحنق وهي تكتف بذراعيها، وكأنه سألها «ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟».
ليرفع بمقلتيه ينظر لها في صمت غريب، يخفي في صدره الغيظ، يتمسك بذرات الصبر لديه. لينطق قائلًا بهدوء:
أنا بتكلم عادي، انتي اللي بترجمي نبرتي وحروفي غلط، ودة مش ذنبي!
اصطكت أسنانها بقوة لهتافه المستفز، ثم هتفت باستهجان:
والله؟ يعني تقصد أني غبية؟!!!
إنكِ أغبى شخصًا رآه بحياته، متهورة، هوجاء، لا تدري ماذا ستوصلها تصرفاتها الرعناء.
حمحم ثم قال:
أنا مقولتش كدة، وبعدين كل اللي قولته "خير؟" مفيش داعي للإنفعال دة كله!
استنكرت:
أنا منفعلة؟ أنا مش منفعلة خالص على فكرة.
قالت وهي ترفع بكتفيها وتمثل الهدوء كونها لا تريد أن ينجح في إزعاجها ويتغلب هو عليها.
فتردف وهي تضغط بكلماتها:
كل الحكاية إني ماحبش حد يكلمني وهو مش طايقني!
نمت ابتسامة جانبية ساخرة على ثغره، ثم يقول بنبرة غير مبالية:
لا متقلقيش، مفيش سبب أصلاً يخليني ماطقكيش، الموضوع مش مستاهل كل دة. اتفضلي حضرتك قولي اللي عايزاه!
كان الأمر أشبه بلعبة الملاكمة، دفاع وهجوم بينهما.
زمّت فريدة شفتيها بقوة، كلما رمت إليه بسهام كلماتها المشتعلة بقصد إثارته، ردها إليها خامدة مفتتة.
لتهتف بسرعة ودون إدراك:
عايزة بطاقتي، ممكن تديهالي عشان اتأخرت!!!
البطاقة؟ كل هذا من أجل البطاقة؟ لا يدري لم شعر أن الأمر يتعلق بشئٍ آخر، حتى أن فريدة نفسها تعجبت، لا تدري كيف جرت هذه الكلمات على لسانها، رغم أنها نسيت أمر البطاقة بتاتًا. وعلى أي حال فقد انبسطت أساريرها لذكائها المفاجئ.
هو إنتي جاية عشان البطاقة؟
سأل فترد بإجابة ماكرة:
أكيد، وهو في حاجة ما بينا تاني غيرها؟
كان نفيها أشبه بسؤال حقيقي له، لينهض من مجلسه ويضع يده في جيب بنطاله، ليقول بخبث أكبر:
كان ممكن تقولي لنيرة تجبهالك، يعني دي حاجة مش مهمة للدرجة، عشان تيجي بنفسك تاخديها.
حاولت ألا تنفعل:
لأ مهمة، وكمان أنا مبقتش عايزة أشتغل، فجيت أقولك بالمرة ما تعملش حسابي، ممكن بقا تديهالي عشان حضرتك معطلني؟
فردت ساعدها وهي تفتح براحة كفها، ليضحك بصوت خفيض سخرية منها، ليزيد هذا من استفزازها فتندفع اغتياظًا:
انت بتضحك على إيه؟
أصل محسساني إني دونت إسمك في قايمة المقبولين، أو بعتلك مثلاً طلب مختوم، وبقولك فيه لازم تحضري ضروري عشان الشركة في أشد الحاجة لمهاراتك العالية!
تهكم هو لاستشاط غضبًا وترفع صوتها وهي تقول:
انت بتتريق عليا يا مراد؟ طبعاً منا مش زي الهانم اللي برة، واللي فضلت تمدح فيها وفـ شهاداتها وقد إيه هي أكتر حد مناسب للشغل معاك، وف الآخر شغلتها سكرتيرتك الخاصة!
شعر في نبرتها العتاب والاستياء، من بين صياحها المتذمر، ضيق ما بين حاجبيه تعجبًا لهذا، بينما هي لم تشعر بحالها وهي تهتر بتلك الكلمات، رغم أنها حاولت ألا تنفعل وترست بروية قليلًا، بعد أن جاءت إليه وهي مقررة توبيخه!
هو انتي مضايقة عشان شغلت نانسي سكرتيرة؟!
قد جف حلقها من سؤاله، هل بدا له أنها غاضبة؟ هل بدت غيرتها واضحة؟ يجب سريعًا أن تزيل تلك الفكرة من رأسه.
وأتضايق ليه؟ وأنا مالي أصلاً، هي شركتي ولا شركتك؟
استنكرت بهدوء ثم تابعت:
اديني البطاقة خليني أمشي لو سمحت.
زفر مراد بقوة ثم قال:
بطاقتك في شئون العاملين، روحي استلميها من هناك!
أشار برأسه حانقًا، احتبست أنفاسها داخل رئتيها وهي ترى نظرة تلوح لها أنه لا يكترث لها على الإطلاق. حاولت ألا تظهر لمعة دموعها وخرجت وهي تشعر بالاختناق، ونهرت نفسها بقوة على اتباع هواها ولم تستمع لعقلها، اللعنة كم أضاعت عزة نفسها ولطالما هي كانت دائمًا تحافظ عليها، وبالأخير قد انتصر هو بالنهاية، كما هو الحال في كل مرة.
هز رأسه استنكارًا وهو يجلس، أصبح الأمر أكثر تعقيدًا، لم يقصد إهانتها هذه المرة قط، بل كان يشاكسها لكن طيشها أصبح جنونيًا، أخبرها أن بطاقتها ليست بحوزته؛ حتى يغيظها، وهي في الأساس بالمنزل معه منذ اليوم الذي نسيتها به.
__________
احنا عرفنا مكان معتز.
دخل المقدم محمد عاطي «الضابط الذي حقق مع فريدة» مكتب تميم وهو يهتف، لينهض تميم من مقعده وقد ارتسمت علامات الفرح على محياه فورًا:
حبيبي يا عطعوط.
ما بلاش ميتين الدلع الماسخ بتاعك دة!
انزعج عاطي منه، ليتحرك الآخر من خلف المكتب ويقول:
يا عم بلاغيك، وبعدين انت واقف هنا ترغي في كلام فاضي وسايبين معتز لغاية ما يهرب.
لا يخويا متقلقش أنا بلغت المباحث وزمانهم قابضين عليه دلوقتي!
_________
هبط من السيارة باندفاع ووجه عابس محمر بشدة، وكان الغضب يعصره من الداخل، جاء إلى منزل مراد محملًا بالبراكين ستنفجر بوجهه. ودخل من الباب الرئيسي فيقابله العم بركات بالترحيب:
أهلاً يا عثمان باشا.
لصيح به بحدة:
مراد فين؟
انتفض ليرد:
في الڤيلا جوة.
أكمل عثمان في طريقه حتى وصل لباب الڤيلا وفتحت العاملة له الباب فـ راح يزعق بقوة وهو يدلف:
مــراد، يا مـــراد!!
سمع مراد من حجرته بصوته لفتح الباب ويتحرك بالمرور إلى أن وصل للدرج وهبط بروية ليتساءل:
حضرتك اللي بتزعق كدة؟
أيوة أنا.
صاح متشنجًا وأردف:
معتز اتقبض عليه وكله بسببك انت، عملت اللي في دماغك وفضلت وراه لغاية ما خليتهم يقبضوا عليه، ما عملتش حساب للقرابة ولا إنه ابن عمك من لحمك ودمك!
ليتكلم برزانة:
حضرتك أنا معرفش إنه اتقبض عليه، وأنا ما كنتش بطارده، دي المباحث هي اللي كانت بتدور عليه!.
ليعلا صراخه بعصبية:
انت اللي عملت خطة ووقعته.
حذره بحدة طفيفة:
عمي .. أنا معملتش خطط هو اللي وقع نفسه في ورطة وكان هياخدني معاه فيها، بلاش كل مرة تحملني نتيجة أخطائه، لو كنت سمعت كلامي وخدت معاه موقف وأدبته مكانش وصل للي هو فيه.
معتز مش هو السبب في اللي عمله، انت اللي وصلته إنه يبص لكل حاجة حواليه على إنها بتاعته وملكه، أصبح بالنسبة له أي شئ مباح في سبيل إنه يبقى معاه فلوس ويحافظ على مكانته في المجتمع، ماتجيش دلوقتي وتلومني عشان غلطة ارتكبها في حق نفسه قبل ما يغلط في حقي!.
صمت عثمان لبرهة ثم تمتم بنبرة يغلفها البغض:
انت بتتهمني إني ضيعت ابني؟ هو انت فكرك لما تقوللي كده هترجاك ترحمه؟ طول عمري بعمل اللي أنا عايزه يا مراد، ماحدش في الدنيا دي قدر ينتصر على عثمان الحديدي.
ماحدش في الدنيا دي حاول يقف قصادي أو يلوي دراعي، مهما اللي حواليا حاولوا في الآخر بيأذوا نفسهم!
كانت نبرته تشبه الحية السامة، التي تلدغ الآخرين غفلة وتتركهم يتلووا ألمًا، ليردف مراد بنفس نبرة عثمان وهو يتطلع إلى عينيه المتبجحة بالقرب منه:
زي مثلاً اللي عملته في عز الدين وخليته يبعد عن نيرة أختك؟
نزلت تلك الكلمات على مسمعه كالصاعقة، ليتراجع إلى الخلف ومقلتيه جحظت بقوة من هول ما سمع، ليهمس بصوت مضطرب يكاد يخرج من حنجرته:
انت بتقول إيه؟ ومين قالك الكلام ده؟
هتف مراد متهكمًا:
إيه يا عمي مالك خايف كده ليه؟ فين الثقة اللي كنت بتتكلم بيها من شويه؟ ده أنا فجأة حسيت إن عادل أدهم واقف قدامي!!
بدأ الخوف يلعب دوره في عقل عثمان، ساقيه يرتجفان من نظرات مراد التي تتهمه، ليقول بتلعثم:
أنا مش فاهم انت بتتكلم عن إيه!
عض على أسنانه بقوة:
لا فاهم، وعارف كويس أنا أقصد إيه! انت ضيعت نيرة بأنانيتك، عمرها راح هدر وكله بسببك. عمرك ما صحي ضميرك ولا مرة وانت بتبصلها كل يوم وهي بتتعذب؟ ولا مرة حسيت إنك ظالمها وجيت عليها؟
قتلت شبابها وحبها، دوست على قلبها تحت رجلك بجزمتك من غير رحمة، كأنك جبت سكينة مؤلمة وغرزتها جوة قلبها وفضل الجرح ينزف وينزف وانت بتتفرج عليها ومستمتع بعذابها...
كان مراد يهدر بقلبٍ ممزق وصوت يخرج شجيًا، ثم أردف:
وفوق ده كله كنت عايز تقتلها وتسوأ سمعتها وكل ده ليه؟ ده اللي أنا نفسي أعرف إجابته ودورت عشان أفهم ملقتش له سبب!
عشان ده مكانش من مقام العيلة ولا ينفعها.
همس بغليل ليهتف مراد نفيًا:
تؤتؤتؤ، الكلام ده تقوله لحد غيري، حد زي عز الدين، إنما أنا عارف ومتأكد إن وراك سبب قوي للي عملته، سبب مفيش حد يعرفه غيرك! سبب وراه كره كبير لنيرة.
ارتعش قلب عثمان، من نبرة مراد التي تلوح بشيء. ابتلع لعاب حلقه الجاف بصعوبة، جفف عرقًا وهميًا ليستنكر باضطراب في نبرته:
يعني هيكون السبب إيه؟ وليه أكره نيرة؟ دي أختي وكنت عايز مصلحتها!
أطلق ضحكات ساخرة أصدحت بالمكان، ثم قال:
آه منا عارف إنك بتخاف على المصالح أوي.
وانت مين عشان تحاسبني أصلاً؟
تذمر عثمان ليجيب مراد:
أنا أبقى عيلة نيرة كلها، والمسؤول عنها. وبعدين أنا مش بحاسبك أنا حبيت أعرفك إني عرفت كل حاجة، وعشان أنا خايف من صدمة نيرة؛ مش هقولها اللي عرفته، لأن كلام زي ده ممكن يقضي عليها.
حاول كبح جماحه:
بس اللي عرفك ضحك عليك، أنا ماكنتش بهدد بقتل نيرة، أنا بس كنت ببعده عنها!
تنهد مراد بقوة ثم قال:
تهدد أو لأ، النتيجة واحدة. روح يا عمي شوفلك محامي شاطر يقدر يخرج معتز من الورطة اللي هو فيها!
جز عثمان على أسنانه بقوة ثم التفت مغادرًا والدماء تغلي بعروقه، لا يدري من الذي أخبر مراد بكل هذه التفاصيل؟ لا أحد يعرف سواه وهذا الذي يدعى بـ عز الدين، هل التقى به وأخبره؟ بعد ما هذه السنوات!!!! لمَ؟ وكيف تعرف عليه؟ اللعنة لقد استزاد الطين بلة.
أفضى مراد ما في جعبته في وجه عثمان، ليشعر بالراحة قليلًا، رغم كونه إن فعل أكثر من ذلك لن يستطيع أن يعود بالزمن ويصلح كل شئ لأجل نيرة، ليت يستطيع.
________
تضجع على بطنها فوق فراشها ترسم ملامح استياء طفولي وهي تتذكر ما حدث البارحة، لقد تبعثرت كرامتها، كانت تريد أن تطيح به، فراح هو يقصف بها.
تبًا لوقاحته، ألا يحترم أنوثتها ولو قليلًا؟ منذ رؤيته وجعلها تفقد عقلها بسبب تصرفاته تجاهها. ظلت تردد بداخلها «أكرهك مراد، أكرهك، أكرهك».
فريدة!
هبت مفزوعة من مضجعها لهتاف أبيها، فيردف:
لا مؤاخذة يا بنتي دخلت عليكي فجأة وخضيتك.
تنفست الصعداء:
ولا يهمك يا بابا، تعالى.
أشارت إليه أن يقترب ويجلس بجوارها، ففعل، فتميل هي برأسها على كتفه، ليضع راحة يده على رأسها بحنو:
كنتي فين امبارح؟
رفعت برأسها وهي تحرك مقلتيها باضطراب، فترد بتلعثم:
روحت أجيب بطاقتي من الشركة.
نهض عز وهو يقطب وجهه احتحاجًا، لتتأمل فريدة ملامحه تعجبًا:
مالك يا بابا؟
إيه اللي خلاكي تروحي تاني يا فريدة؟ احنا مش خلصنا خلاص؟
أكد باستياء ثم أردف بتذمر:
مكانش في داعي للي عملتيه، ليه مقولتيش لنيرة أو صاحبتك نرمين تجيبهالك، مش حجة يا فريدة عشان تروحي.
تساءلت ببساطة وهي تنهض:
ليه كل الانفعال ده يا بابا؟ يعني وفيها إيه لو روحت لـ نيرة زي الأول؟
صاح بقوة:
لأ لأ، انتي ما ينفعش يبقى ليكي أي علاقة بمراد بعد ما مد إيده عليكي، وأنا المرة اللي فاتت محبتش أزعلك، لكن دلوقتي غصب عنك لازم تسمعي الكلام!
ترقرقت الدموع بحدقتيها ليقترب منها عز ويسألها في حنو:
فريدة، انتي فيه حاجة لـ مراد في قلبك؟
هبطت عبراتها على وجنتيها بضعف وهي تنظر إليه، ثم أجهشت بالبكاء، وصوت شهقاتها يصيب قلب عز بارتجاف. اقترب منها وضمها بلطف وهو يمسد على شعرها برفق:
بس يا حبيبتي، ماتعيطيش. فريدة أنا مش عايزك تتعذبي، مش هسمح لحاجة تمس قلبك بضعف أو تكسره، مهما كان هو مين متعلقيش نفسك بحبل دايب، متغلطيش نفس غلطتي عشان هتتعبي، وانتي مش هتستحملي، انتي لسة في الأول يعني ممكن يكون شعور وهمي مش أكتر، أوعديني إنك تحاولي تنسي، ها؟
هزت برأسها في حضنه، ثم رفعها عنه وهو يضم بوجنتيها براحتي يديه ويمسح دموعها برفق، ثم طبع قبلة على جبينها، وضمها إليه مرة أخرى.
يتمنى عز الدين أن يكون ما تشعر به فريدة هو مجرد إعجاب ليس إلا، لطالما كان يود أن تحب شخصًا من بيئتها حتى لا تقع في شِباك الحب المستحيل، خصوصًا أنه لا يعرف نية مراد نحوها وهل بالفعل يطاردها لأجل الانتقام، أم يكن لها مشاعر، وإن ثبت ما تشعر به حبًا حقيقيًا فلن يستطيع إرغامها على نسيانه، وإلا نسي هو إذا كان الأمر بهذه البساطة.
________
أبوس إيدك يا بابا خرجني من هنا، أنا لو اتحبست هموت، صدقني هموت.
هتف معتز مرتبكًا وهو يجلس على مقعد أمام والده وبجواره نانسي التي قالت مهدئة إياه:
متقلقش يا معتز، أكيد دادي هيتصرف.
ليقول معتز وأوصاله ترتعد:
كلم مراد يا بابا، أنا متأكد هو يقدر يعمل حاجة ويخرجني!
لينهض عثمان متذمرًا:
انت عايزني أروحله تاني! أساساً هو اللي عمل فيك كده، وانت طلعت غبي وما عرفتش تتدارى ولا عرفت تتصرف في الفلوس اللي معاك، طول عمرك حمار كبير.
يعاتبه؟ هل هذا الوقت المناسب لذلك؟ شعر معتز بالحزن في قلبه، لينهض بضعف من مكانه ليقول بدموع معلقة ونبرة شجية:
انت بتحاسبني دلوقتي يا بابا؟ ومش عايز تتنازل عن كبريائك عشاني!
رفع عثمان بصره فيقول بلا مبالاة:
وانت منجدتش نفسك ليه؟ كنت هربت برة البلد ولا خليتهم يقبضوا عليك. ع العموم المحامي بيحاول يشوفلك ثغرة يطلعك منها!
أنهى حديثه ثم تحرك مغادرًا، لتقترب منه أخته وتضع كفها بخاصته وتهمس:
أنا هكلم مراد يا معتز، هحاول أخليه ييجي يشوفك.
رفع جفنيه إليها:
بجد يا نانسي؟ هتعملي كده علشاني؟.
أومأت برأسها ثم احتضنته قبل أن تغادر.
شعر ببصيص من الأمل يزين موقفه، يتمنى أن يلبي مراد طلبه ويأتي لزيارته، رغم كل ما فعله فيه إلا أنه يتمنى ويأمل ذلك وبشدة.
________
مراد، مراد.
صاحت نيرة وهي تهرول خلف مراد بالمرور في الشركة، ليقف ويستدير لها، ويسألها بتعجب:
مالك يا نيرة؟ بتجري كده ليه؟
اقتربت منه وهي تحاول ضبط أنفاسها المضطربة، ثم تقول:
سمعت إن معتز اتقبض عليه؟
أيوة، الشامي كلمني وقاللي، وهيتحول على النيابة بكرة وكمان هيطلبوا شهادتي.
قال وهو يتحرك في مساره، وتلحق نيرة به وهي تقول برعشة في صوتها:
طب هتعمل إيه؟ هتشهد ضده؟
وقف فجأة ونظر لها بتمعن:
انتي خايفة عليه ولا إيه؟
ها؟ أنا خايفة عليه؟
ضربات غير منتظمة سيطرت على قلبها، ليهز مراد رأسه -وهو يكمل طريقه- استنكارًا بطيبة قلبها التي توقعها دائمًا في المصائب.
دلف إلى مكتبه وجلس على المقعد ودخلت هي خلفه وهي تتساءل مجددًا:
مردتش عليا يا مراد، هتشهد ضده؟
لأ يا نيرة، أنا هقول اللي حصل.
ضغط على أسنانه بحنق وهو يردع غضبه عنها.
جلست أمامه فقالت:
يعني إيه؟
تذمر:
تقصدي إيه بسؤالك؟
هزت رأسها رعبًا من نبرته:
لا ولا حاجة!
_________
يجلس منهمكًا في تصنيع واجهة مركب بالورشة، يحاول ألا يفكر كثيرًا، موضوع ابنته يشغل جم عقله، أنه لأمر مزعج أن تعرف بأن ابنتك تقف على حافة هاوية وعلى وشك السقوط نحو ستار العشق المدمر ولا تستطيع فعل شئ. ليوقظه من شروده صوت أحدهم وهو يقول:
عم عز.
رفع رأسه لتقع عيناه على أسامة:
أهلاً يا أسامة ازيك.
قام ليسلم عليه ثم أشار إليه بالجلوس:
اتفضل تعالى، أخبارك إيه؟
بخير والله يا عم عز.
ربت عز على ركبته بابتسامة ثم سكت أسامة لهنيهة وأردف:
عم عز أنا جايلك في طلب.
عقد حاجبيه وهو يقول:
اتفضل يا أسامة.
تنهد فقال دون أي مقدمات:
أنا عاوز أتجوز فريدة بنتك...........
رواية ظل السحاب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم آية حسن
روحت الشركة يا فريدة؟
سألت نيرة التي تجلس على أريكة بالقرب من فريدة في منزلها.
لترد الأخرى في وجوم ممزوج بالغيظ المضمر:
آه روحت، ويا ريتني ما روحت.
ليه؟ انتي قابلتي مراد؟
تساءلت مستغربة.
فردت عليها فريدة:
قابلته، وعرفت إن نانسي اشتغلت سكرتيرة عنده، وانتي ما قولتليش يا نيرو.
كانت نبرتها تحمل اللوم.
فتخفض نيرة رأسها كونها لم تتخيل أنها ستستاء إن علمت بالأمر من أحدًا غيرها أو بمفردها.
انتي اضايقتي؟ أنا ما كنتش أعرف الموضوع هيفرق معاكي؟
قالت بعفوية.
لتنهض فريدة مندفعة وتهتف بتذمر واستنكار:
يعني إيه هيفرق معايا يا نيرة؟ هو احنا مش ف كل حاجة مع بعض؟ مش انتي اللي أصريتي إني أقدم وأشتغل عنده؟ مش انتي طلبتي مني أساعدك عشان يتخطى اللي هو فيه ويرجع يتعامل طبيعي وينسى رغد؟ مش انتي السبب في كل اللي أنا حاساه دلوقتي؟
ظلت تهدر بتقرير وأنفاسها تتسارع وجسدها الذي بدأ يرتجف.
ولا تدري نيرة لمَ كل هذا الانفعال.
فتقف لتضم كتفيها:
اهدي يا فيري يا حبيبتي، انتي متعصبة ليه؟
لتعانق نيرة وتقول بوجه باكِ ونبرة شجية:
أنا تعبانة يا نيرو، حاسة إني بجري ف سباق مالوش نهاية، ومفروض عليا إني أفضل أجري وأجري وإلا الوحْش هياكلني!
أبعدتها عنها قليلًا فقالت:
حبيبتي، أنا عارفة إن الظروف اللي انتي فيها كانت أقوى منك، وإن اللي حصل من مراد مكانش لطيف، وعشان كدة مرضيتش أجبلك سيرته تاني أحسن تزعلي مني! إنما مقصدتش أخبي عنك أي حاجة.
طب هي ازاي اشتغلت سكرتيرة؟
سألت باهتمام.
لترد نيرة وهي ترفع بكتفيها:
مفيش، مراد كان محتاج لسكرتيرة عشان عماد مش عارف ينظم وقته ما بينه وما بين باقي شغله، فـ كلنا اقترحنا عليه يختار سكرتير من ضمن مجموعة الموظفين الجداد، وهو نوعًا ما اقتنع بالفكرة.
أشبكت ذراعيها:
وانتوا بقا ملقتوش إلا نانسي؟ ولا عشان ما هيَ قرييتكم؟
قالت باستياء ثم قوست شفتيها بطفولية.
فتضحك نيرة:
لا والله خالص، مراد معندوش محسوبية أو قرابة فـ الشغل، هي بس كانت من ضمن أشطر الناس اللي عندهم خبرة ف مجال السكرتارية!
نظرت بعيدًا وهزت بأكتفاها وهي تقول:
ع العموم يشبع بيها، أهو تنتون اتلم على تنتن.
مثلت أن الأمر لا يهمها بينما قلبها يتآكل كالجمرات المشتعلة بين ضلوعها.
قهقهت نيرة وهي تتساءل مستغربة من الألفاظ:
إيه؟ مين دول؟
واحد نتن والتاني أنتن!
ردت فريدة.
فازدادت ضحكات نيرة عاليًا.
عاد عز الدين ودلف إلى المنزل فسمع قهقهة نيرة ليتساءل:
بتضحكوا على إيه؟
اختفت ضحكات نيرة تدريجيًا ثم حمحمت لترد بخجل:
مفيش يا عز، أنا وفريدة كنا بنتكلم عادي.
لم تختفي حمرة الخجل من وجهها على الإطلاق.
رغم كل هذه السنوات ستظل نيرة كما هي بكافة تفاصيلها.
ابتسم عز فبادلته هي الأخرى.
بينما فريدة تشرد في ذلك الذي سيطر على عقلها وقلبها وقلب حياتها رأسًا على عقب.
أقبلت على الشركة متوجهة إلى المصعد الكهربائي حتى تصل إلى واجهتها.
تتفكر وتعصر عقلها كيف ستكون ردة فعل مراد ريثما تخبره أن أخاها يود مقابلته.
تتمنى ألا ينفعل عليها ويسمع منها ما تريد قوله بروية.
وصلت إلى الطابق ودخلت إلى مكتب السكرتارية ثم فتحت باب مكتب مراد ووقفت أمامه بعد أن أغلقت الباب.
تفرك بأناملها بعضهم بعضًا وهي تحاول أن تستجمع قواها.
رفع مراد وجهه عن الملف الذي بيده وسألها بجدية:
انتي كنتي متغيبة فين امبارح من غير ما تاخدي إذن؟
كنت بزور أخويا معتز ف القسم.
قالت بتلقائية.
ليغلق مراد المستند ويلقيه على سطح المكتب برفق، ثم نهض وتحرك من خلف المكتب وتساءل عنه.
وهو عامل إيه؟
اقتربت منه وأجابت بنبرة مهزوزة وهي تتطلع إليه بمقلتين ترتعشان:
هيتحول على النيابة بكرة، وأكيد هيحبسوه يا مراد.
قالت وهي تعلق نظرها عليه وكأنها تترجاه بعينيها.
ليتحرك خطوتين بجوارها ويسأل وهو يعطيها ظهره:
إنتوا وكلتوله محامي؟
استدارت لترد وهي تومئ برأسها:
وقال إن القضية لابساه، إلا لو انت برأته!
التفت مندفعًا وهو يقطب وجهه.
فابتلعت لعابها وهي ترى حدقتيه تتطلع إليها كالسيف الحاد:
تقصدي إيه؟
سأل.
فردت بتلعثم:
معتز...عا..يز يشوفك يا مراد قبل ما يتعرض على النيابة، هو أكد عليا أقولك وبتمنى ما ترفضش طلبه!
حرك رأسه وهو يقلب عينيه ثم تنهد بقوة وقال مستنكرًا:
هو هيعمل إيه بشوفتي؟ الموضوع مبقاش بإيدي وهو لازم يتحمل نتيجة اللي عمله.
بس يا مراد...
قاطعها بهدوء وهو يرفع بيده مشيرًا لها ألا تزيد في الكلام:
من فضلك، مش عايز أتكلم ف الموضوع دة تاني، اتفضلي على شغلك.
هزت برأسها وهي تشعر باليأس أنها لم تقدر على إقناعه.
لتخرج وهي محبطة من عنده.
تنهد مراد ليعود إلى مقعده وهو يمسح وجهه بكفتيه.
ترى ما الذي يريده معتز منه.
هو يعلم جيدًا أنه لن يشهد إلا بالحقيقة.
فما الذي يفكر فيه حتى يبعث له مع نانسي؟
لم يستغرق وقتًا كثيرًا في التفكير بل ترك الأمر جانبًا حيث أنه لا يهمه على الإطلاق.
يكفي أنه سينال جزائه بعد كم الزوبعة التي أحدثها.
تجلس فوق فراشها أمام حاسوبها المحمول، تحل بعض المسائل المتعلقة بدراستها للغويات.
لم تستطع أن تجيب على أي سؤال بالشكل الصحيح حيث أن عقلها يذهب في طريق آخر.
ومسألة أخرى تخترق عقلها وقلبها الصغير، تجعلها فاقدة لكل حواسها.
جمح اتزانها، اتضطربت أوصالها عند رسم صورته في خيالها.
لم تتصور أنه سيسيطر على كل وجدانها هكذا.
أحست بالدوران قليلًا، كيف لها أن تسكت وتفصل رأسها عن كثرة التفكير المتسلط عليها.
ليخرجها من هذه الدوامة صوت طرق الباب.
فترفع برأسها وتقول بصوت مرتفع قليلًا:
اتفضل يا بابا.
ليتحرك المقبض للأسفل ويفتح الباب ثم يدلف عز إلى الحجرة.
فيهتف بابتسامة:
بتعملي إيه؟
أغلقت الحاسوب وهي تجيب:
كنت بذاكر شوية.
بعد أن اقترب منها وجلس قبالتها أردف:
كنت عايزك ف حاجة مهمة يا فريدة، موضوع خاص بيكي انتي!
تعجبت:
خير يا بابا؟ قلقتني!
مسد على ذراعها:
لا يا حبيبتي متخافيش.
هو...
تردد قليلًا لكن أردف متابعًا:
هو اللي حصل إن جالك عريس!
وكان قذيفة صاروخية هبطت على قلبها:
إيه؟ عر..يس؟
همست بأنفاس مضطربة وارتفاع لا إرادي في نبضات قلبها.
ليشعر هو بتوترها فيرد وهو يشعر بالضيق بداخله:
أيوة يا فريدة، مالك مستغربة كدة ليه؟ وكإن أول مرة يتقدملك واحد؟
هتف نفيًا.
ثم أنزلت بساقيها أرضًا وتقف لتنهض وهي تتحرك بخطوات بسيطة تحت نظرات عز.
فتلتفت إليه:
بابا أنا مبفكرش ف الحكاية دي دلوقتي نهائي.
ليهتف وهو ينهض بحنق داخلي لأنه يعرف سبب جوابها:
كدة يا فريدة، من غير حتى ما تعرفي الشخص اللي متقدملك؟
ردت بتلعثم:
مـ...هو مش هتفرق طالما أنا رافضة المبدأ من أساسه!
تطلع عز لها بنظرة مستنكرة تنم عن معرفته التامة سبب رفضها.
تشتت عينيها يمينًا وشمالًا متفادية التعمق في زرقاوتيه التي تربكها.
لتسمعه يهتف:
على العموم أنا هقولك هو مين عشان يبقى عندك معرفة، وبرضو تفكري كويس بعقلك، وتستخيري ربنا، يا بنت عز الدين.
كان يضغط على كلماته كأنه يرسل لها رسالة غير مباشرة، أن تتمهل ولا تتعجل بقرارها، وألا توهم نفسها فيما هي منغمسة به.
ليردف عز:
أسامة هو اللي طلب إيدك يا فريدة، جالي الورشة وقاللي إنه معجب بيكي من زمان، وعايز ياخد خطوة رسمية تربطكم ببعض!
لم تهتم كونه أسامة أو غيره فهي لا تريد سوى شخصًا واحدًا فقط.
انكمش وجهها فتهمس:
بابا لو سمحت.
انتي حرة يا فريدة، انتي حرة.
قال عز ثم استدار ليخرج من حجرتها بخيبة أمل.
لقد بدا واتضحت مشاعرها، وهو يقف مكتف اليدين ويراها تسقط في هاويتها.
بعد أن ترجل صعد السرير على ركبتيها وأمستكت بهاتفها تتصل على من هي أصبحت الأقرب إليها.
في غرفة المعاون، يجلس هو على أحد المقاعد يهز أحد ساقيه بتوتر، وعقلٍ متذبذب، تساوره هواجس جمة، يعصره القلق من الداخل.
لا يدري لمَ طلبه ضابط المباحث من الحجز هكذا، وتركه بمفرده حتى لم يخبره سبب استدعاءه وترجل من الحجرة فورًا.
ليوقظه من تخبط عقله صوت الباب الذي فتح لتوه، ويرى حذاء شخصًا يدلف.
فيرفع برأسه لتقع عيناه ع زمردتيه الحادة.
لينهض معتز بسرعة وهو يقترب منه، فيهمس دون تصديق:
مراد، انت جيت؟
سار مراد متوجهًا نحو المكتب بعد أن أغلق الباب، ودون أن يجيب معتز، فجلس على المقعد، ليشير إلى معتز بالجلوس أمامه.
فامتثل له فورًا وعينيه يلمعان فرحًا:
أنا بجد مش مصدق إنك وافقت تيجي تزورني، أقسم بالله كنت بدعي تيجي، من ساعة ما نانسي مشيت لغاية دلوقتي!
سأل وهو يلمس أرنبة أنفه بخفة:
ودة ليه؟
شعر معتز أنه غير متحمس لرؤيته.
ليس مهمًا قدر أنه جاء ويجلس معه، حتى يستطيع أن يلقي عليه جل ما في فؤاده.
بدأ يأخذ وضع الهدوء والتأنِّ حتى لا تتبعثر حروفه:
أنا عارف يا مراد إنك مش طايقني، ولا حتى عايز تسمع سيرتي ودة حقك، بعد كل اللي اتسببتلك فيه.
وأنا ما طلبتش أشوفك عشان أترجاك ما تشهدش ضدي، برغم إن مستقبلي كله متوقف على كلمة منك.
بس مش مهم، أنا معترف بغلطي وأستاهل كل اللي جرالي، والشوك اللي زرعته ليك دوست أنا عليه برجليا.
تمتم بنبرة تنم عن الانكسار والحسرة.
ليشعر مراد ببعض الصدق في حديثه.
فيرفع معتز ببصره نحوه ويستطرد قائلًا.
أنا مش هطول عليك، عشان الكلام دة مامنوش أي فايدة.
أنا ف الفترة اللي اختفيت فيها لما كنت هربان، عدت حساباتي كلها، ويمكن كمان من ساعة ما كلمت نيرة وقولتها إني عايز المستندات وأنا بفكر، بس ساعتها فكرت فـ مصلحتي قبل أي حد.
قولت إني هرجعلهم اللي عايزينه، وهاخد الفلوس، وهبطل أشتغل معاهم تاني، وحتى مهتمتش لخوف نيرة أحسن انت تعرف انها سرقتك.
ولما انت اقتحمت المكان وأنا هربت، حسيت قد إيه اني بني آدم خسيس واستحقرت نفسي أوي، وفضلت أسأل نفسي أنا إيه اللي وصلني للي عملته دة؟ إيه اللي خلاني أفكر أخونك؟ ليه طول السنين دي كلها محاولتش أقرب منك وأكسب صداقتك؟ ليه، وليه، وليه؟
لقيت الإجابة واحدة إني واحد حقودي ومستهتر، ومشيت ورا دماغ أبويا اللي مش فاهم هو كان بيشجعني على اللي أنا فيه ازاي؟
حتى لما عرف اللي عملته جه واتهمك قدامي برغم إنه عارف ماحدش غصبني أمشي ف الطريق اللي روحتله برجلي.
ليتنهد ويبتلع ريقه الذي شعر بجفافه ثم أردف:
وف اللحظة دي حسيت أول مرة أعمل حاجة صح.
مش فاهم؟
ضيق مراد عينيه ليرد معتز:
قبل اليوم اللي قبضوا عليا فيه أنا كنت مجمع كل الأسماء اللي نصبت عليهم في ورق عشان أبعتهولك، وكمان الفلوس اللي ف حسابي في البنك، أنا كنت هحولهم لحسابك.
ظهرت على معالم مراد الدهشة التي يصحبها غرابة.
ليردف معتز:
بس ملحقتش لأن لو كنت عملت كدة كان البوليس هيوصلي، فـ كلمت المحامي ياخد الإجراءات اللازمة ويحولهم بمعرفته ويديك الورق.
فيتساءل مراد:
طب وانا هعمل إيه بالفلوس دي؟
رجعهم للورثة اللي اتنصب عليهم، الفلوس دي من حقهم هم، أنا عارف إنك مستغرب، بس اقسم بالله أنا ندمت، ومش عايز حاجة من الفلوس اللي كسبتها من حاجة غير قانونية وحرام.
أنا كدة عملت اللي عليا، وبتمنى تسامحني لو أمكن، وشكرًا إنك سمعتني، بعد إذنك.
ليهم بالوقوف حتى يغادر فيهتف مراد فورًا:
استني يا معتز.
تطلع إليه، فوقف مراد وتحرك من خلف المكتب ويمسك بكتفه.
ليصمت مراد لبرهة ثم يقول:
أنا مسامحك، مدام انت عرفت غلطك.
نمت ابتسامة مهللة فوق شفتيه وشعور بالسرور لمسامحته له.
فيتابع مراد.
أنا بكرة هكون معاك في النيابة، متقلقش.
أومأ برأسه ليتذكر مراد شيئًا قبل أن يترجل ذاهبًا.
فيقف ويستدير إليه متسائلًا بجمود:
انت كنت واقف مع فريدة بتعمل إيه؟
تقطع الردهة ذهابًا وإيابًا في إرتباك شديد وهي ممسكة بجوالها.
نفخت الهواء من فمها بقوة وكأنها تضخ النار.
تشعر بالزلزلة في صدرها، والضيق الشديد منه.
لم تره منذ البارحة، ولم يذهب للعمل.
دائمًا يختفي دون أن يكلف نفسه حتى ويطمئنها عليه عبر الهاتف اللعين.
يثير توترها وذعرها عليه في كل مرة.
ألا يكترث لـ هاجسها وقلقها؟
ضربت بقدمها بالأرض وهي تتأفف.
إلى أن سمعت صوت مفاتيحه فالتفتت برأسها نحو الباب لتجده يدلف.
ركضت صوبه فورًا وارتمت بين ذراعيه، ودقات قلبها غير منتظمة:
والله بجد يا مراد زعلانة منك، مش خايف مرة يجرالي حاجة من خوفي عليك؟ ع طول تنساني كدة ومتفكرش تكلمني ولو مرة واحدة تقوللي إنت فين وبتعمل إيه؟
مسد ع شعرها بحنو وهو يبتسم لارتعادها عليه:
صدقيني غصب عني، أنا مقعدتش على حيلي دقيقة واحدة أفكر فيها ف نفسي!
خرجت من أحضانه متسائلة في تعجب:
ليه؟ كنت فين؟ دة حتى الشركة ما جيتهاش؟
انتي ناسية إن معتز هيتعرض ع النيابة النهاردة؟
قال مفكرًا وهو يسير للداخل.
فهربت الدماء من وجهها، ويصيب الرعب أوصالها وهي تتطلع إليه.
ليرى مراد تغير ملامحها.
فيفتح فمه يتساءل عن سبب توترها الذي هو يعرف إجابته.
لكن قاطعه دخول أحدهم.
لتنتبه نيرة وتصيح ببهجة اعتلت ثغرها.
معتز؟
هرولت إليه:
انت خرجت ازاي؟
قال متبسمًا وهو يسير نحو مراد برفق:
خرجت عشان ابن عمي وقف جنبي.
اندهشت نيرة من رده.
فتتحرك وهي تسأل:
يعني إيه؟ هو انت اتنازلت عن الشكوى؟
لتعلى قهقهة معتز فيقول نافيًا:
هو احنا كنا متخانقين ف الشارع يا نيرة؟ دي قضية كبيرة!
طب يعني خدت براءة ولا إيه؟
سألت بنبرة رقيقة.
فيجيب معتز:
طلعت بكفالة.
ملقيوش إثبات ضدي ف قضية غسيل الأموال، بس لسة التحقيق شغال بخصوص هروبي وسرقة الفلوس!
قبضت وجنتي مراد بأناملها وهي تداعبه بخبث:
طلعت مكار يا مراميرو، عامل نفسك الموضوع مش فارقلك وانت بتخطط من ورايا!
أنزل يديها برفق فأجاب بعملية وجدية:
الموضوع مش كدة خالص، أنا معملتش غير اللي بيمليه عليا ضميري من غير أي تخطيط، ولولا إنه فاق لنفسه وعرف مدى غلطته، مكانش شوفتيه قصادك دلوقتي!
ولعلمك هو ف أي لحظة ممكن ياخدوه وساعتها أنا مش هينفع أتدخل نهائي، بعد إذنكم عشان أنا محتاج أرتاح شوية.
أصر أن يتكلم بهذه اللهجة القاسية حتى يعلم معتز أنه لن يتنازل عن مبدأه من أجل أي شخص كان.
وأيضًا يعلمه درسًا قاسيًا كي لا يقبل على تلك الفعلة مرة أخرى، ويفكر مليًا قبل أي خطوة يسيرها.
فزجره ليوضح له مدى فداحة أخطائه.
ف الساعة الحادية عشرة مساءًا يجلس متكئًا على ظهر السرير يقرأ في كتاب حتى يستطيع النوم.
فمنذ زيارة معتز وهو لم يذق طعم الراحة.
أجمع الناس الذين نصب عليهم، والموجودين أسمائهم في بعض الأوراق الخاصة بمعتز.
وحاول التحدث إليهم بشأنه حتى لا يشهدون ضده ودون الضغط عليهم أيضًا!
وأعاد المبالغ المالية إلى الذين قد هُضم حقهم.
ليشرد بذهنه وهو يتذكر تلك الهوجاء المتهورة وعن دخولها المفاجئ إلى مكتبه دون استئذان.
هالت ابتسامة طفيفة على محياه فور تذكرها.
ليقطع تيهانه اقراع الباب، ثم تدلف نيرة إليه.
لسة صاحي؟ كنت فاكرك نمت!
تسألت ثم جلست بجواره.
ليغلق الكتاب ويضعه على المنضدة ويرد.
من التعب مش جايلي نوم!
تطلعت إليه معلقة مقلتيه عليها، وعلى شفتيها ابتسامة عريضة مشرقة.
فيلاحظ تحديقها:
إيه يا عمتو بتبصيلي كدة ليه؟
ببصلك عشان مستغربة اللي عملته مع معتز، وف نفس الوقت فرحانة بيك.
قالت بنبرة يعمها الإنشراح.
فرد عليها بإجابة متزنة:
افرحي، وف نفس الوقت حكمي عقلك واتعلمي من غلطك!
وضعت راحة كفها على معصمه:
انتي لسة مضايق مني عشان خدت الملف من وراك؟
الحكاية مش كدة، دي مجرد نصيحة عشان متغلطيش تاني.
أجاب بلين.
فأومأت برأسها بإيجاب.
لتلقي بوجهه خبرًا بعفوية وتلقائية:
اسكت مش فريدة جالها عريس!!!
كانت تهبط درج المركز بعد أن أنهت حصتها وهي تتحدث مع صديقتها نرمين.
ومبسوطين ياختي ف الشركة؟
أجابت نرمين بفخر:
إلا مبسوطين، يا بت دي يعتبر من أكبر الشركات في مجال الإنشاءات المعدنية، هو أه الشغل متعب بس المرتب ممتاز أوي بالنسبة لوقت العمل!
وقفت فوق الرصيف، لتهتف مزمجرة وهي تنظر لها:
انتي يا بت عايزة تنقطيني؟
قضمت نرمين لقمة من شطيرتها:
انقطك ليه؟ اكمنك يعني متقبلتيش؟
فتضحك نرمين ساخرة:
كنتي بتقوليلي ان كرامتي مخرومة؟ طلعتي معندكيش ريحة الكرامة أصلاً، يا لهوي شكلك بقا عرة أوي وانتي كل شوية بتترفدي.
وتتابع ضحكاتها.
لتزم فريدة شفتيها بحنق وكأن النار تخرج من أذنها.
وقبل أن تخرسها، دوي صوت إطارات تحتك بالأسفلت بقوة.
لتقف أمامهما سيارة.
يجلس هو بداخلها على مقعد القيادة يحدق بها بأعين يمتزجها خطوط نارية تنم عن إنفجار قادم.
رواية ظل السحاب الفصل الثلاثون 30 - بقلم آية حسن
هبط من السيارة وهو يحاول كظم غيظه، رُغم الغليان الذي يسري في عروقه والذي يصعب عليه تحمله.
وقف أمامها بوجه لا تستطيع تفسير تعابيره، كان يحدق لها في صمت تام ظنًا منه أنها ستبدأ بالحديث كما هو الحال دائمًا، لكنها فاجئته وأشاحت بوجهها بعيدًا وهي تصطك على فكيها.
لم تنسى ما حدث حينما تظاهرت أنها قد جاءت لأجل البطاقة، فهي مستاءة للغاية مما فعله معها، ليراها تمسك بيد نرمين وتفاجأ بقولها ساخرة:
"يلا يا نرمين نقف ف حتة طراوة عن هنا، أحسن في غمامة وقفت فوق دماغنا ومنعت الأكسجين."
اتسعت عيني نرمين إثر قولها، فتكهنت أن الأمر لن يمرق على خير، فتتسارع بالهمس بنبرة مرتجفة، عندما وجدت ملامح مراد بدأت بالتشنج:
"بصي يا فيري يا حبيبتي، انتي صحبتي أه لكن توقعيني ف الغلط مع الوحش دة، أنا مش حمل نظرة قاسية من عيونه، وكمان دة مديري ف الشغل ولازم أحترمه!"
: "أه يا معفنة، هو دة اللي معاكي للنهاية؟"
زمجرت فريدة، ثم أشارت إليها نرمين بابتسامة وهي تتراجع بظهرها:
"بالسلامة يا قمر، غدًا ألقاكي دة لو لسة عايشة يعني!"
أعطتها قبلة ف الهواء ثم أشارت لـ مراد:
"بعد إذنك يا مراد باشا"
تركض مبتعدة وهي تنادي بصوتها العالي:
"يا هادي!"
سبتها في عقلها لانسحابها وتركها بمفردها مع هذا الشرير كما أطلقت عليه هذا الوصف مؤخرًا، لتسمع صوت أنفاسه الثائرة من خلفها.
لم تتأثر أو تشعر بالرعب بل استدارت بشجاعة وهي تتطلع إلى زمردتيه بشراسة وتحدي.
لم تعد تهابه، بل إنها أصبحت قوية لمواجهة إعصاره، ليس إلا قلبها الذي يتمرد عليها عند النظر لمقلتيه، وتخور قواه ودقاته لم تعد منتظمة، لكن لن تسمح له أن يتحكم بها ويستولي على عقلها هذه المرة.
وجدته يقترب قليلًا ويمسك بمقبض باب السيارة ويفتحه ثم يرفع رأسه نحوها ويقول بهدوء:
"اركبي يا فريدة"
لم تعطه اهتمام بل نظرت ساخرة نحو الباب ثم استدارت لتهم مغادرة، ليوقفها بصوته الأجش:
"فريدة"
ازداد اضطراب قلبها بسبب نطق اسمها الذي تعشقه منه، اللعنة عليك أيها القلب الأرعن هل ستبدأ بالتراجع الآن بعد ما صدر منه في الأيام السابقة؟ لا تخذلني أرجوك، يجب عليه هو أن يركض وراءك للفوز بك!
هيأت نفسها لتعود لوضع الصلابة المزيفة لتلفت له بوجه جامد:
"نعم!"
أشار إليها بهدوء يشوبه الحزم:
"اركب العربية"
: "لا مش هركب"
قالت بإصرار وهي متعمدة استفزازه، ليردف وهو يقبض على فكيه بأسنانه محاولًا كبح جماحه:
"صاحبتك مشيت والوقت متأخر، وما ينفعش تمشي لوحدك كدة، فياريت بلاش عند وتتفضلي تسمعي الكلام بهدوء."
: "لا مش هسمع، وانت ملكش دعوة بيا أصلاً"
صاحت بزمجرة، ليرتفع صوته وتشعر بهزة أصابت بدنها:
"متزعقيش .. ويلا عشان أنا مش هفضل أدادي فيكي كتير!"
سحقت شفتاها السفلية بغيظ ثم لبت أمره، رغم كونها لم تود الصعود أو ودت لكن ليس قبل أن تغضبه أكثر.
: "أديني ركبت عايز إيه بقا مني؟"
التفتت برأسها إليه وهي تسأل بحنق.
صمت لبرهة وهو يقود السيارة على سرعة متوسطة، ثم يجيب دون أن ينظر لها:
"الأسلوب اللي بتتكلمي معايا بيه دة مش عايزه يتكرر، والأحسن ليكي تتعدلي!"
: "هو انت شايفني مقلوبة يعني؟"
زمجرت، فيرد:
"لأ، شايفك طايشة أوي، ومش بتفكري من دماغك!"
: "أمال يعني بفكر من صباع رجلي الصغير؟"
استنكرت ساخرة، فيحرك بصره نحوها ليقول بتهديد غير صريح وغطرسة:
"ماينفعش اللي بتعمليه دة، واعرفي انتي بتكلمي وتتعاملي مع مين!"
: "لأ عارفة، بتكلم مع مراد الحديدي اللي ضربني بالقلم على وشي ف مكتبه من غير أي سبب!"
وكأنها ضغطت على الزر الأحمر في جهاز للتفجير، ليضغط مراد على المكابح حين غرة، لترى صدره يعلو ويهبط بسرعة وبدأت العروق تبرز من جانب رأسه.
يخبرها عقلها أن تهرب فورًا قبل أن تهب عاصفته وتدفنها حية.
لتجده يجذبها من ساعدها باندفاع حتى اصطدمت بصدره المعضل، مضخة ثائرة تغزو صدره ما أن التصقت به كليًا.
حرارة أنفاسه ضربت وهيج ملتهب إلى وجهها.
يتطلع إليها بنظرات اخترقتها وأذابت قلبها الضعيف، لم يفصل بينهما سوى بعض إنشات.
فيهمهم لها بليونة معاكسة للنار التي تصيب قلبه:
"أنا عارف إني مديت ايدي عليكي، وعارف قد إيه انتي اتوجعتي بسببه .. مفيش داعي تفكريني لأن دة كان غصب عني، وأنا مضايق من نفسي من ساعة اللي حصل، وحاولت أفهمك دة وانتي مدتنيش فرصة!"
: "بس محاولتش تعتذر عن اللي عملته!"
سمعها تهمس بنعومة بأعين معاتبة، فيرد عليها بتلقائية:
"عشان أنا ما بعتذرش!"
: "بس أنا لما غلطت جيت واتأسفتلك، هو أنا يعني ماستاهلش تتنازل عن قواعدك عشاني؟"
قالت بنبرة مستاءة وهي تطوف بسوداوتيها بين زمردتيه المعلقة عليها، فيهمس بتيهان:
"انتي اخترقتي كل القواعد والقوانين يا فريدة، حطمتي الجسور اللي بانيها بين قلبي وبين أي حد، جيتي وربكتيني خلتيني مش عارف أسيطر على حياتي اللي من ساعة ما دخلتيها وانتي هزتيه"
لم تصدق هل ما سمعت صحيح، أم أنها تتوهم؟ أيعني ما يقوله، أم أنه لا يدرك قوله؟
ابتلعت لعابها لتسأله بتردد وهي تحذر إجابته مهابة أن تتحطم:
"تقصد إيه؟"
انتبه للهفة عينيها، ثم حاوط خصرها بكفتيه قيبعدها عنه برفق، لينظر أمامه لا يعرف كيف تفوه بتلك الكلمات وصدق عليها قلبه، لكن عقله استيقظ وتراجع عما كان ينوي، رهبة أن ينجرف نحو الهلاك كما يعتقد، لذلك أمسك حاله وتأنى في رده.
قطبت فريدة ملامح وجهها دون استيعاب ما يفعله من أول أن جعل مسافة بينه وبينها، إلى الصمت الغير مبرر الذي أصابها باضطرابات عقلية وجسدية، فانتظرت إجابته بفارغ الصبر حتى تهدأ ثورتها الداخلية.
: "أنا سمعت إن أسامة اتقدملك!"
: "بجد الكلام دة؟"
تفاجئت بحديثه الذي غير مجراه تمامًا وكأنه يتهرب من الإجابة، أو هو بالفعل هكذا، ففاجئته هي الأخرى بالرد الصادم:
"أه بجد، وقريب أوي هتسمع خبر خطوبتي، بس متخافش أوعدك إنك هتكون أول واحد أنا أعزمه!!"
لاعبته على شعرة حساسة ممنوع الإقتراب منها ولو عن طريق المزاح.
ليحذرها بحدة:
"فريدة!"
ورغم ارتجافها لم تكتفِ بل ضغطت أكثر عليه ظنًا منها أنها تسير ف الاتجاه الصحيح:
"اضايقت ليه؟ هو حاجة عيب إني اتخطب؟ دة حتى بيقولوا إن جواز البنت سترة، دة غير إن أسامة شاب كويس واحنا عارفينه، وبيحبني من زمان!!"
كانت جملتها الأخيرة أشبه بالشعلة التي لامست صفيحة زيت وقود.
التفت إليها برأسه واللهيب يتألق مقلتيه، تلك النظرة جعلتها تلتصق بـ باب السيارة والرعب يتلبس جسدها.
: "انتي قد الكلمة دي؟"
سأل هامسًا، لتبتلع ريقها بصعوبه، فصاح بقوة هتزت بدنها وكأنها صعقت بتيار كهربائي:
"قدها!!!"
لم تتصور مجرد كلمة ستجعله يفور بهذا الشكل الغريب، أصبح الوضع سيئًا الآن بالتأكيد سينقض عليها ويصفعها مجددًا وهذه المرة لن ينقذها أحد!
سحبت حقيبتها بسرعة ورفعتها إلى وجهها، كأنها تستمد منها حماية، وتنقذها من كتلة المضخة القاتلة هذا.
هذه الحركة جعلته يضحك رغمًا عنه، ولم يقدر أن يسيطر على نفسه، فكان منظرها مضحكًا للغاية وهي تكمش نفسها كالقطة الصغيرة الخائفة.
أنزلت الحقيبة قليلًا ببطء وحذر وهي ما زالت ممسكة بها بقوة، تتطلع إليه بنصف عين.
ليقول ساخرًا:
"دة ع أساس إن دي هتحميكي مني يعني؟ عشان لما أقول مجنونة تصدقيني!"
جزت على أسنانها بحنق بعدما ألقت الحقيبة من يدها، وعلى حين غفلة جذبت يده أثناء انشغاله في الضحك، لتنقض على طرف كفه وتنهشه بين أسنانها بقوة.
اندهش هو من تصرفها الغير متوقع، ينظر لها بحاجبان مرتفعين وهي ما زالت تضغط بأسنانها حتى شعر أنهم اخترقوا لحمه.
يبدو أنها كظمت غيظها لمدة طويلة لذلك تركها تنفس عن غضبها بتلك الطريقة، ظلت لمدة دقيقة تقريبًا أو أكثر إلى أن ابتعدت عنه بإرادتها وهي تلهث بقوة محاولة التقاط أنفاسها المتسارعة.
نظر إلى حال يده التي انطبعت عليها علامات مع بعض الدماء البسيطة المنبثقة، بفضل انغراس أسنانها الحادة، ثم سألها:
"ارتاحتي دلوقتي؟"
وعلى إثر سؤاله وقعت عينيها على يده المجروحة فشهقت بصدمة وهي تضع أناملها على ثغرها، بعد أن أدركت حجم الذنب الذي ارتكبته.
ترقرقت عينيها كالطفل الذي ارتكب جريمة وخصوصًا أنه يحدق بها بغموض، فتسمعه يقول:
"يا رب تكوني مبسوطة باللي عملتيه!"
أشاحت بوجهها فقالت:
"ع فكرة انت اللي اضطرتني أعمل كدة، لو ماكنتش استفزتني بضحكك مكانش دة حصلك!"
ردت بحنق وضيق منه، ليهتف:
"أو ممكن بتاخدي بتارك مثلاً؟ أصل عارفك ما بتحبيش تسيبي حقك!"
أردفت بنفس نبرتها:
"والله لو شايف العضة دي باخد بيها تاري، يبقى انت مديونلي بكتير أوي، أولهم قلمين تلاتة معتبرين أرد بيهم اللي أديتهولي"
كانت تتوقع منه ردًا حادًا بسبب تخطي أدبها معه لكنه فاجأها بقوله الهادئ وهو يشير بأصابعه:
"يعني انتي عايزة تضربيني تلاتة مقابل واحد؟ معادلة ظالمة!"
التفتت برأسها وهي تشهق ثم استنكرت قائلة:
"ظالمة؟ التلاتة دول ميجوش حاجة ف القلم اللي أخدته منك أصلاً، دة انا ودني فضلت أسبوع تصفر يا مؤمن، مش فاهمة دي إيد ولا مرزبة!!"
ليتفوه بخبث ممزوج بمداعبة:
"يا شيخة دة انا إيدي بلسم على الوش، انتي بس اللي شكلك ما كنتيش واكلة!"
يعلم أنها ستثور كالبركان الآن.
جحظت عينيها وهي تحدق إليه بدهشة، فيمثل أنه غير منتبه ويطلق صفيرًا.
لينظر لها بطرف عينه، فيجد ثغرها انفرج متبسمًا، فتبسم لها.
لتضربه على ذراعه وهي تقول بنبرة رقيقة مستاءة بعض الشئ:
"انت غلس أوي ع فكرة"
ضحك بخفة، ثم استدار بكامل جسده:
"نتكلم جد بقا، انتي بجد لسة زعلانة مني بسبب اللي عملته؟"
سألها في لين وكأنه يسأل طفل صغير، فتجيب بإجابة غامضة:
"معرفش!"
: "يعني إيه متعرفيش؟"
عقد حاجبيه، فقالت:
"يعني انت مصلحتنيش"
: "بعد كل دة؟"
هتفت باستهجان:
"كل دة إيه؟ انت ما عملتش حاجة غير إنك بتزعقلي وتخوفني منك أكتر، لكن ما اعتذرتش ولا صالحتني!"
ضبط من مجلسه واسند مرفقه فوق حافة النافذة ثم أردف مؤكدًا:
"انسي موضوع الإعتذار عشان مش هيحصل! إنما لو عايزاني أصالحك تعالي بكرة الشركة!"
قال ببسمة لعوب ثم صاحت مهللة:
"هتطرد نانسي صح؟ قول أه اه"
نظر لها متعجبًا ولا يفهم سبب استيائها لوجود نانسي:
"أطردها ليه؟ هي معملتش حاجة غلط!"
انقشعت ابتسامتها وطافت علامات الإحباط ملامحها وقبل أن تتكلم دوى رنين هاتفها فردت دون النظر إلى المتصل:
"ألو؟"
لتسمع صياح والدها حتى أن مراد قد استمع لصراخه من سماعة الهاتف:
"فينك يا فريدة؟ وإيه اللي أخرك لغاية دلوقتي، وتليفونك كان مقفول ليه؟ قولي انتي بتعملي ايه ومع مين؟"
احتبست الحروف داخل حنحرتها، فكادت كلماتها تخرج من حلقها بحروف متبعثرة:
"معلش يا بابا، أنا كنت مع نرمين والوقت سرقني"
يقطب مراد وجهه انزعاجًا من كذبها، هو يكره الكذب واختلاق الأعذار.
ليسمعها تهاتف والدها:
"حاضر يا بابا جاية دلوقتي ع طول .. سلام"
أنزلت بالهاتف من أذنها ثم أغلقت الخط، لترفع ببصرها فيسأل مراد بوجه عابس:
"إيه اللي خلاكي تكذبي على أبوكي يا فريدة؟"
رفعت كتفيها وردت ببساطة:
"عادي كدبة بيضا"
قال مستهجنًا وهو يحاول ألا يفقد أعصابه نحوها:
"نعم؟ هي في كدبة بيضا وكدبة سودا؟ أوعي تاني مرة تكدبي يا فريدة مهما كان، سامعة؟"
حذرها برفق ثم أردف:
"الناس اللي بتكدب دي مش كويسة، والكدب مالوش ألوان، دة اللي مكانش له أعذار وبيتحجج هو اللي طلعله ألوان.."
بالفعل هي لم تعتاد الكذب خصوصًا على أبيها، شعرت بالبهجة أن مراد يردها عن خطأها، وهذا يزيد من إعجابها به.
ابتسمت بإيجاب ثم قال:
"لما تروحي قولي لأبوكي إنك كنتي معايا لو سألك!"
حرك مفتاح التشغيل ليدير السيارة، ثم استعد للإنطلاق حتى يوصلها للمنزل، لم يحبذ أن يؤخرها، لكن شعر بالراحة والاسترخاء بعد جلسة العتاب هذه، حتى وإن لم ينتهى فيكفي أنه يصلح الأمور تدريجيًا بعقلانية.
_______
هبط عبر الدرج بسرعة وهو يثني كمه لأعلى فأوقفه صوته المتشنج:
"انت صحيح كل فلوسك اتنازلت عنها لـ مراد؟"
ليحرك رأسه ويجد عثمان يقف وينظر له بوجه عابس، فيرد عليه بهدوء وهو يسير نحوه:
"أيوة حصل، مين قال لحضرتك؟"
: "المحامي بتاعك قاللي لما كنت بسأله عن القضية بتاعتك!"
هتف بتأفف ثم قال مستنكرًا:
"طيب حضرتك مضايق ليه؟ المفروض تفرح إني بدأت اتغير للأحسن وإني خرجت من غير خساير!"
: "أمال اللي الفلوس اللي ضيعتها دي مش خساير؟"
صاح مزمجرًا ثم تابع بصوت أجش من شدة غيظه:
"واشمعنى مراد اللي حولتله كل فلوسك، ليه مش انا ولا اختك نانسي؟"
ليرد معتز بنفس هدوءه:
"أولاً لأ مش خساير، واشمعنى مراد! عشان هو أكتر حد وقف جنبي برغم البلاوي اللي عملتها فيه، وكمان هو الوحيد اللي هيقدر يرجع الفلوس دي لأصحابها الحقيقيين، ولولاه ما كنتش خرجت بسهولة كدة!"
قال عثمان ساخرًا وهو يمط كلماته:
"بق'ا يعني مراد هو اللي خرجك؟ دة انت مسكين أوي!"
ليرضحك معتز ويؤكد بسخرية:
"أه مسكين، طالعلك يا والدي .. بعد إذنك"
ليتركه معتز يحرقه الغيظ، والنار تتدفق في دمائه كالفيضان.
يحسب أن مراد انتصر عليه وجعل ابنه الآخر في صفه، هو من جعل ما يجري على أنه تحدي، لا أحد يعلم ما الذي يريد أن يصل إليه عثمان، وما الذي يكنه لهم جميعًا؟
_______
لقد وصلت إلى الشركة ودلفت ببطء وكأنها أول مرة تدخلها، كم من المشاعر تتخبط داخلها، اضطرابات وهمية تعبث بقلبها، فمنذ أمس وهي لم تنم بل استمرت في عصر عقلها كيف سيراضيها مراد؟
جاءت إلى الشركة ورغم تنبيهات والدها الصارمة عندما قالت له أنها كانت مع مراد، كما حثها على إخباره بالحقيقة، لكنه صاح وتشنج وظل يعاتبها على مخالفة أوامره، لكن لم تستطيع السيطرة على قلبها الذي جعلها تتبعه كالبلهاء الفاقدة للإستيعاب.
دلفت إلى المصعد وقبل أن تضغط على زر الصعود صاح هو أن تنتظر:
"استني لو سمحتي"
__________
هبطت من سيارتها في استياء، لم تتصور أن تصدر تلك الكلمة منه قط، ومن أجل ماذا؟ أأصبحت هي من الأعداء الآن؟ تخشى أن يكون قد كرهها ولم يعد يريدها بحياته.
انتظرت بعض الثواني حتى يخرج لها من الورشة بعد أن قالت لأحد العاملين أن يخبره بوجودها.
لتنتبه نيرة له يترجل خارجًا فيقترب منها ويسألها عن حالها ببسمة جذابة:
"ازيك يا نيرة، ماصدقتش لما قالولي إنك هنا!"
: "ما صدقتش، ولا اضايقت يا عز؟"
تعجب من نبرتها الشرسة، ليتساءل عن سبب انفعالها بلطف:
"مالك يا نيرة؟ زعلانة ليه؟"
قالت باستياء حقيقي:
"زعلانة منك أوي يا عز"
اندهش من ردها عليه، فهي للمرة الأولى تنزعج منه بتلك الطريقة ولم يعرف السبب، أو بالأحرى لم يجده، إنهما في الفترة الأخيرة مستقرين ومتفاهمين ولا يتشاجران بل كالسمن على العسل كما يقولون.
فاقترب منها وهمس:
"طب تعالي نقعد ف حتة تانية عشان مش هينفع نتخانق قدام اللي رايح واللي جاي!"
انصاعت لطلبه فعادت لمجلسها على مقعد القيادة وتحرك هو ليجلس بجوارها لتنطلق هي لمكان هادئ بنادي حتى تستطيع أن تتحدث دون رقابة من أحد.
تسير هى أمامه فوق الخضرة المنتشرة حولهما، بخطوات سريعة تعبر عن مدى سخطها، فيهتف مناديًا:
"نيرة! هو انتي هتفضلي تجري قدامي زي العيلة الصغيرة كدة كتير؟ استني وقوليلي انتي مضايقة مني ليه؟"
وقفت مكانها ثم استدارت بوجه طفولي كشر فتهفت:
"من الكلام اللي قولته لـ فريدة امبارح عليا!!"
تقدم نحوها وهو يعقد حاجبيه متسائلًا:
"كلام إيه؟"
: "لما قالتلك إنها كانت مع مراد، زعقتلها وقولتها قابلتيه ليه وانت محذرها منه، ولما اعترضت قولتلها انك هتمنعها مني ومش هتخليني آجي البيت تاني، عشان تقطع علاقتك بينا، طب أنا مالي بقا باللي بينك انت ومراد؟ ذنبي أنا إيه تحرمني من فريدة ومنـ..."
بترت كلمتها ثم استدارت بتجهم وهي تكتف بذراعيها، لتصعد ابتسامة على محياه تنم عن سعادة داخلية، فيقترب منها ويمسك بذراعيها وحركها نحوه بلطف:
"يعني فريدة حكتلك كل دة؟"
: "أيوة"
أجابت بعبس، ثم قال بنبرة حانية وهو يرفع بعض الخصلات عن عينيها:
"ومقلتلكيش إن دة كلام ف الهوا وخلاص! وإن مستحيل أقدر اعملها؟"
لتظهر حمرة خديها بشكل مبالغ وهي تخفض رأسها خجلًا:
"بجد؟ يعني عمرك ما هتعمل كدة؟"
سألت بنعومة ثم رد عليها هامسًا:
"تؤتؤتؤ، يستحيل"
لترفع ببصرها صوبه وتردف بلا استيعاب:
"تتجوزني يا عز؟......."