تحميل رواية ظل السحاب بقلم آية حسن pdf
بقلم آية حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دفع الأطباق بيده بعيدًا ثم زمجر: أنا قر*فت منكم ومن أكلكم... ولا حاجة بتطبخوها عجباني، والأكل مالوش أي طعم، وكل الأصناف اللي بتعملوها شبه بعض، بديكم وصفات لأكلات معينة عشان تعملوها، بلاقي عك وقرف وخلاص، والنهاردة الأكل كله محر*وق! عماد «مدير الشؤون ب الشركة»، تمتم بتوتر بعد أن قام بتذوق الطعام: بس الأكل طعمه حلو يا مراد باشا مش مح-روق ولا حاجة! حدق إليه شزرًا وهو يلقي بالخِرقة على السفرة بعن ف ثم نهض من المقعد وهتف حانقًا: يعني أنا مبعرفش أدوق سيادتك! ولا شايفني غبي وحمار عشان معرفش أفرق بين الأ...
رواية ظل السحاب الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم آية حسن
بعد حوالي نصف ساعة، ترجل مراد خارج المنزل وهو يمسك بيد فريدة، التي ترتدي بيجامة وردية اللون وتغطي نفسها بمعطف صوف رمادي، فتسأله أثناء سيرها معه:
"واخدني على فين يا مراد؟"
شارع في مساره بينما يجيب متهكمًا:
"انتي على طول مستعجلة كدة يا فريدة؟ هتعرفي كل حاجة دلوقتي."
ليقف مراد عند الشاطئ ويسأل أحد الحراس:
"جهزتوا كل حاجة؟"
فيرد:
"اللي أمرت بيه سعادتك اتنفذ!"
هز مراد رأسه، ثم سحب يد فريدة خلفه متجه بها إلى المرسى. تسير معه وهي لا تفهم إلى أين سيذهب بها، وبعد دقائق رأت يخت متوسط لكنه فاخر يرسي أمامهم.
"اتفضل سعادتك، اليخت جاهز."
قال رئيس المركبة، ليترك مراد يدها ثم قفز إلى داخل اليخت أولاً حتى يساعدها على العبور. أشار إليها أن تقترب، مدت يدها وهي تشعر بالتوتر، أمسكها بلطف منها ورفعت قدمها وهي تخطو في حذر فوق خشبة العبور، ليجذبها برفق لكنها قد قفزت بين أحضانه، يحاوط خصرها بكفيه، وهو يتأمل عينيها بحب.
"بتحبي تقعي ف حضني دايمًا انتي؟"
همس مازحًا، لكنها ابتعدت عنه بحرج وهي تقول بنبرة متلعثمة:
"والله أنا مش ببقى قاصدة!"
ضحك بخفة، ليقول بليونة في نبرته:
"اهدى طيب، أنا بهزر معاكي، هو أنا أطول يعني؟"
شعرت بالخجل من حنوه التي تذوب فيه، كما تذوب الزبدة في العسل، مع هديل صوته تصبح قوتها متلاشية تمامًا. أحس هو بخجلها منه، الذي يظهر في حركة احتكاك أناملها ببعضهم. فأراد أن يخفف عن توترها قليلًا.
"تعالي عشان آخدك تشوفي جمال البحر!"
قال بابتسامة ثم مضى في الرواق، حتى دخل كابينة القيادة، وجلس على المقعد. لتسير هي وتقف خلفه، فتسمعه يقول:
"تعالي اقعدي جنبي يا فريدة، عشان متوقعيش وأنا بطلع!"
علا وجهها الدهشة، فقالت في صوت مضطرب:
"لا أنا هقعد هنا على الكنبة اللي برة!"
فرجعت بسرعة إلى الرواق وجلست على الأريكة، ليحرك مراد رأسه للخلف وهو ينظر بطرف عينه باستهجان لما تفعله. رغم كونها اعترفت بحبه له إلا أنه يوجد شئ غريب لا يفهمه عليها. خوفها الغير مبرر من التقرب منه، فهي لم تكن هكذا من الأساس، بل أصبحت شخصًا مزعزع عما كانت عليه سابقًا. أدار المركبة وأمضت في الانطلاق نحو الرحلة الأولى بينهما.
بعد ربع ساعة تقريبًا كان قد ابتعد عن الشاطئ كليًا، وغاص بها في عرض البحر. من وقت لآخر يختطف نظرة سريعة نحوها ليجدها تجلس مكانها ولا تعطه أي اهتمام. هل جاءت كي يجلس كلًا منهما على حدة؟ إذًا فلما لم تعترض على الرحلة إن كانت لا تريد مرافقته؟ لقد نفذ صبره منها. أوقف المحرك. فانتبهت هي للمركب أنها قد توقفت ونهضت.
فتسأله بينما وجدته يخرج من الكبينة:
"انت وقفت ليه؟"
أشبك يديه على خصره، وأجاب وهو يطوف بعينيه حوله:
"أصل بفكر أنزل المية!"
نظرت له في دهشة:
"لا بتهزر؟ انت عاوز تعوم دلوقتي ف التلج دة؟"
"معرفش ليه أنا حاسس بنار جوايا، ومحتاجة أطفيها!"
قال وهو يتحرك نحو المؤخرة، فتراه يفتح السور الخشبي، فتقول:
"مراد، لو سمحت بلاش عند، انت كدة ممكن تاخد برد!"
لم يسمع منها فوجدته يخلع سترته الجلدية، ثم يقوم بخلع قميصه التحتي، ويلحقه بالبنطال، فتغطي وجهها فورًا وهي تنعته:
"قليل الأدب."
رجع برأسه إليها ورسم بسمة ساخرة على جانب ثغره، ثم قفز في المياه الدافئة بسرعة، يولج في باطنها حتى اختفى عن سطح البحر. تقدمت بسرعة نحو السور الحديدي تنظر نحو موقع سقوطه. تحدق في المياه بقلق، مضت دقيقة ونصف تقريبًا ولم يظهر أي أثر له. خفقات قلبها بدأت تضطرب، لحظات أخرى وستقفز خلفه، حتى وإن كانت لا تعرف شيئًا عن السباحة.
أثناء شرودها في المكان الخالي، خرج ذلك النمر من مخبأه ويدفع بها الماء في وجهها على حين غرة، لتصرخ مفزعة وهي.
ليقهقه مراد بصخب على منظرها وهي تمرر يديها فوق وجهها، في محاولة منها معرفة ذلك الشئ الذي قد أُلقي عليها. سحبت يديها ببطء وهي تراه يتحرك بعشوائية ويتململ فوق الماء، وقد انقطعت أنفاسه من كثرة الضحك.
لتزمجر بطفولية:
"والله بارد ومعندكش دم، ومقلب سخيف منك، زيك بالظبط."
ليتوقف فجأة عن الضحك، ويلتفت إليها ينظر نحوها في غموض، فتبتلع لعابها من نظرته، وتصحح بنبرة باكية:
"عشان خضتني يا مراد."
"لا وانتي قلبك رهيف يا بت!"
سخر منها، لتطبق على شفتيها السفلية بأسنانها في غيظ. يعم الصمت بينهما لثوانٍ، ثم يهتف باسمها.
"فريدة!"
تطلعت باهتمام، فأردف متسائلًا:
"بتحبيني؟"
نكست وجهها ولم ترد، ليقطب مراد جبينه مع حاجبيه بضجر. كاد أن يتذمر وينفعل عليها لكنه تفاجأ بها تهتف:
"أيوة بحبك، وانت أول وآخر حب ف حياتي!"
ابتسم بانشراح:
"طب مانت حلو أهو وبتقول كلام جميل، أمال مالك مصدرلنا الوش الخشب ليه؟"
قال موبخًا برفق، فردت بعفوية:
"عشان خايفة تبعد عني، فبحاول أكون بعيدة عنك عشان مغرقش!"
انكمش وجهه مستنكرًا:
"تغرقي؟"
تحرك وهو يسبح قليلًا حتى رفع نفسه فوق اليخت، ونهض ليقف أمامها بجسمه العاري وقطرات المياه تتناثر من منبت شعره إلى أخمص قدمه. فشعرت بالخجل من وقوفه بهذا الشكل دون الحرج منها، فتحركت كي تذهب من أمامه لكن أمسكها من رسغها أوقفها:
"ما تسبينيش وتمشي وانا بكلمك!"
قال بهدوء مزيف، ليجدها تهمس بضيق:
"مراد ما ينفعش كدة، روح البس هدومك الجو ساقعة عليك."
افلتت يدها لكنه أمسكها كرة أخرى وجذبها من معصمها فجأة حتى اصطدم وجهها بصدره، ليصيح معترضًا بشدة:
"لا!"
اتسعت عينيها هلعًا، ليضغط على معصمها وهو يقربها إليه أكثر ويتطلع إلى مقلتيها اللامعتان بتركيز.
"انت بتعمل ايه؟"
اندهشت من فعلته واعتراها التوتر، وقبل أن تحاول التملص منه، تركها هو ليتساءل في هتاف غليظ:
"تقصدي إيه بإنك هتغرقي؟ هو قربك مني هلاك للدرجة دي؟"
فأجابت وهي تفرك برسغها برفق:
"أنا مقصدتش كدة، بس يا مراد أنا مش عايزة انجرح."
عقدت ملامحها، ثم قال وهو يحاول تمالك نفسه:
"كل اللي بتفكري فيه دة هواجس، بلاش تخلي أوهامك تنغص علينا حياتنا، خليكي عاقلة عشان أنا لو صبري نفد معاكي..."
كان يشير بسبابته محذرًا، ليبتر آخر كلامه ويقبض على أنامله بغل، ثم أعطاها ظهره ليلتقط الملابس من أرضية الرواق قبل أن يعود إلى قمرة القيادة، تحت نظراتها المراقبة له.
"انت عايز إيه، عايز إيه حرام عليك.. مش كفاية اللي عملته فيه!"
بدأت بهمس ثم صرخت في وجهه بقوتها الواهية، وهي تشعر بالنار تغلي في جسدها. لترى الدخان المتصاعد من فمه يمتزج بالهواء ويفسده. فيلتفت إليها قائلًا بسخرية:
"والله وطلع للقطة الصغيرة ضوافر وبقت تعرف تخربش، وتعلي صوتها."
ضمت يدها للأخرى وهي تتوسله بدموع انكسار غرقت وجنتيها:
"أبوس إيدك ارحمني."
يصرخ بها بشراسة حتى انتفض جسدها:
"وهو كان رحمني؟ دة هدني.. خسرني شغلي الأولاني لما كان ظابط وسكتله، إنما ييجي ويقرفني كمان فـ مشاريعي ويخطف مني كل حاجة عايزها، أهو دة اللي مش هسمحله أبدًا يحصل!"
كانت عينيه تطلق شرارة الحقد الدفين في قلبه الأسود. لتقول من بين بكاءها:
"بس أنا مش هقدر أعمل اللي بتقوللي عليه دة، لو ظهرتله دلوقتي هلخبط حياته ومش هيتحمل الصدمة.. شيل الكره اللي ف قلبك وعيش اللي باقي من عمرك ف سلام، كفاياك غل."
وما أن انتهت وجدت يده تلتحم بوجنتها بقوة، حتى ارتمت أرضًا، ويهتف بخشونة:
"انتي جاية تديني درس في الأخلاق يا بنت الحرام انتي!"
احنى بجذعه يمسك بشعرها ويقبض عليه بين أنامله بعنف، وهو يكمل تهديده:
"وديني لو فكرتي ما تنفذيش اللي بقولك عليه، لكون جايبه دابحه قدامك، وانتي هتحصليه."
ثم ضرب رأسها ف الأرض، وعاد ينهض وهو يشير لأحد رجاله ويصيح:
"تاخدها تعمل اللي قولتلها عليه ولو اعترضت، خدهاله جثه!"
تقدم الرجل ورفعها عن الأرض بقسوة حتى تأوهت بألم، والدماء تسيل من جبهتها.
"يلا ياختي انتي هتدلعي عليا."
زعق بها وسحبها خلفه وهو يقبض على ذراعها بقوة، بينما هي كانت تمشي في خطوات متعثرة وتثاقل في قدميها، ودموعها شلالات منهمرة فوق وجهها. خرج بها من المبنى ثم رمى بها داخل السيارة بكل جبروت، ثم صعد هو بجوارها وانطلق إلى حيث يردها التهامي.
"هار شفتشي! جصدك إيه بالكلام الماسخ دِة؟"
اتسعت عيني تميم بدهشة، فاقترب منه عاطي ليقول بعملية:
"مفيش حد ممكن يسرق من مراد الرمز غير حد قريب منه وواثق فيه!"
"أيوة، يعني ورغد هتسرقه لمين وليه أصلاً؟"
قال بنبرة غير مقتنعة، فأجاب بتأفف:
"يابني انت حمار! مش الزفت عبسلام قالك أن حامد كان بيقابل واحدة، أكيد كان بيتفق معاها تسرقه عشان يهربوا شمس!!!"
"كلها افتراضات، مفيش دليل على كلامك، ثم إنها لو فعلاً هي اللي خدته كانت هربت ومكانش حامد خطفها وقتلـ..."
كان غير مباليًا بكلامه إلى أن صمت لبرهة بعد أن انتبه لما قاله، فأردف هامسًا:
"أيوة صح، يمكن حامد لما فشل أنه يهرب شمس، قالك استخدم الكارت الأخير يضغط بيه على مراد، وهي رغد نفسها!!"
"تعجبني يابو الصحاب لما تشغل دماغك!"
قال مادحًا وهو يغمز بعينه، ليقول تميم بسرعة:
"أوعى الله يخربيتك تجيب سيرة لمراد بالحكاية دي، انت عارف دة ممكن يخلص علينا!"
احتج بشدة:
"لا طبعاً دة لازم يعرف، انت ناسي ان حبيبته ف خطر، وهو بيدور على أي معلومة توصله للكلاب اللي بيطاردوه!!"
تنهد تميم بقوة ويأس على هذا الصديق تعيس الحظ. لا يعلم ماذا فعل بحياته ليتعرض لكل هذه المصائب!!
ما زال رجل التهامي يقود السيارة برغد، اعتدلت في جلستها بصعوبة بسبب الوجع الذي يسري في جسدها. نظرت للرجل ذو الملامح المخيفة، وهي تفكر كيف سيكون رد فعل مراد إن عرف بأنها ما زالت على قيد الحياة. بالتأكيد سينهار، ولن يعد يثق بحاله مجددًا، وسيشعر بالخذلان. اللعنة على تلك الورطة، ليتها ماتت منذ زمن بالفعل. هي ضعيفة جدًا لا تقدر على تحمل هذا الضغط عليها. لكن اليوم سينتهي كل شئ، ولن تخون مراد مرة أخرى أو تعرضه للأذى.
حركت يديها للخلف بحذر وأمسكت بمقبض الباب وهي تراقب الرجل حتى لا ينتبه، ثم وفجأة انفتح الباب وقفزت من السيارة باندفاع، حتى وقعت على الأسفلت وظلت تتدحرج.
ليضغط الحارس على المكابح بسرعة ثم يهبط من السيارة فورًا، فما أن رأته رغد نهضت مسرعة وركضت بأقصى سرعة ممكنة لديها، ويركض الآخر ورائها بين العربات حتى يمسك بها.
كانت تختبئ في هرعها بين السيارات كي لا يراها ويقبض عليها مرة أخرى ويجبرها على الذهاب لمراد. هي لن تجرحه بل ستتركه لأجل سعادته، كما فعلت ف السابق وتركته من أجل حياته.
وقفت فجأة وهي تلهث بتعب، فترى عبور السيارت من الطريق بتركيز وشرود. هل تفكر في الانتحار؟ راقبت ذلك الوغد وهو يبحث عنها ف المكان، وما أن بدأ يبتعد، استعدت كي ترمي نفسها بين أحضان السيارات وهي مقررة بحزم إنهاء حياتها للأبد.
وما أن اقتربت احدى العربات اندفعت بجسمها أمامها فتضربها ف الحال وتدفعها بقوة لتسقط كالخرقة.
"والله لحرق قلبك يا مراد، لازم انتقم منك."
صرخت بها نانسي بشراسة وهي تدفع بالطاولة الزجاج محطمة إياها إلى أشلاء، تتنفس بسرعة وهي تشعر بأن التشنج يسيطر عليها بالكامل، تود أن تكسر شيئًا آخر.
تحركت نحو المزهرية فاندفع عثمان يمنعها ويلفتها إليه بقوة وهو يصيح بصوت أجش:
"خلاص يا نانسي اهدي."
"ابعد عني، مش عايزة حد يلمسني."
صرخت بأعلى صوتها وهي تبتعد عنه حتى أصابت أحبالها الصوتية بالبحة. كانت كالمجنونة، لأول مرة يراها عثمان في تلك الحالة الثائرة:
"إيه اللي حصل يا بنتي؟"
سألها في قلق وهو يتطلع إلى ملامحها التي بدت غريبة بشكل جنوني، فتهتف وهو تشير لنفسها:
"بقا أنا يضربني بالقلم، ويقوللي رقاصة!!"
"قولتلك هجيبلك حقك، وكل اللي عاوزاه هيحصل!"
كان يحاول لمسها لكن نفرت منه فتتحرك بخطوات سريعة وهي تدور بنصف دائرة. وتصرخ بعصبية مفرطة:
"كل مرة بتقوللي هتعمل، ومبتعملش.. مباخدش منك غير كلام وبس.. قولتلي قربي منه وادلعي عليه وحاولي تخليه يحبك، تجاهلني وهزأني وف الآخر مد إيده عليا وطردني من الشركة مذلولة! .. كله بسببك انت!!!"
رفعت سبابتها في وجهه بشراسة، فتردف بنفس نبرتها:
"من هنا ورايح مش عايزة أسمعك تديني أوامر، أنا وبس اللي هخطط.. أنا بس اللي هنتقم وانت بس اتفرج."
قالت من تحت أسنانها بنبرة حازمة، لتنفث نار الغل من فمها أثناء تنفسها. لم يحاول عثمان إيقافها بل نمت ابتسامة ماكرة، مستمتعًا بتلك الصرامة واللهيب الذي يندفع من عينها. وهو يراها تطوف حول النار دون حتى أن يحذرها، فهي بالأخير تود الانتقام من نفس الشخص الذي يود محيه من الوجود.
"أنا لازم اسافر دلوقتي حالًا، حصلت حاجة ضرورية ولازم أكون ف مصر!"
قال مراد بجدية وهو يدلف لحجرته. تسير وراءه لتقول:
"أنا هاجي معاك يا مراد، كفاية كدة أنا مش عايزة افضل لوحدي!"
التفت إليها وصاح بها بغلظة:
"كفاية انتي بقا، هتفضلي تعاندي فيا كتير، لما أقول تتزفتي تفضلي مكانك، يبقى تترزعي من غير ما تفتحي بوقك كل شوية، انا مش فاضي لميتين أم دلعك دة!"
جحظت ذمرد عينيه بشكل مرعب، وتقاسيم وجهه بدأت بالإحمرار، ليرفع سبابته هذه المرة حازمًا وليس مجرد تحذير. فيهمس من بين أسنانه:
"قسمًا بالله يا فريدة، لو ما اتعدلتي معايا ورجعتي زي الأول لكون متصرف معاكي بشكل ما يعجبكيش، وقد أعذر من أنذر! وانتي حرة بعد كدة!"
انكمش وجهها ببكاء، وغمغت متسائلة بصوت منكسر:
"هتبعد عني صح؟"
تأفف من إصرارها الذي قد ضجر منه. حرك رأسه وهو يقلب عينيه، حتى يهدأ، فلو لا يريد فقدان أعصابه عليها، فهي بالأخير صغيرة بالسن وعقلها أيضًا أصغر منها. أخفض من نبرة صوته وهو يحادثها بلين:
"بصي يا حبيبي، أنا مش عيل صغير عشان كل شوية تسأليني السؤال دة، انتي المفروض تبقي واثقة ف حبك أكتر من كدة، وأنا لو مش جادِ ف علاقتنا عمري ما كنت اتقربت منك!!"
بنبرة باكية رقيقة:
"مراد انت أول راجل دخل حياتي وقلبي، مش عايزة اخسرك يا حبيبي."
قشعريرة لامست جسده فور نعتها المُحبب، فيقترب منها ويتساءل في لطف:
"هو انتي حلمتي بإيه يا فريدة مخليكي خايفة كدة؟"
ارتجفت من سؤاله، وهلع أصاب كيانها، فتهتف برعشة واضطراب وهي تهز رأسها كي لا تتذكره:
"متسألنيش يا مراد، متسألنيش .. أنا مش عايزة افتكر."
هضمها إليه سريعًا بحنو وجعل يمسد على ظهرها وهو يردد:
"خلاص اهدي مش عايز أعرف."
قبل قبلة خفيفة على شعرها، ثم ابتعدت عنه لتردف بدموع:
"أنا آسفة إني بوترك وأشغلك بالك، بس دة احساسي اللي على طول بيهاجمني، أنا ممكن أموت لو بعدتني عنك."
ليضع إصبعه فوق شفتيها بسرعة ويهمس:
"ششش، بعيد الشر عنك يا روحي، ما تجيبش سيرة الموت مرة تانية."
ضم رأسها بين يديه وتطلع إلى عينيها بتأمل فيرى خطوط حمراء تختلط بـ بياضتها من كثرة الأرق وعدم نومها بشكل جيد.
همس لها بصوت يشوبه الحنين:
"أنا مش عايز أشوف دموعك مالية عينك، أوعدك يا قلب مراد، اني مش هخلي البسمة تفارق شفايفك، انسي الكابوس دة نهائي، ومهما كان فهو مش هيحصل."
ضمها إليه مرة ثانية وهو يمرر يده فوق شعرها برفق. داعيًا الله ألا يصيبهما السوء في علاقتهما، فهو ما صدق كي يرزقه حبها بعد سنوات ضياع غمرته في الحزن. لا يريد سوى ظل تلك السحابة الذي يرسل له الأمل والتفاؤل.
عاد مراد من الساحل. وذهب إلى مقر خاص بزملائه، بعد أن تأكد بالطبع أن لا أحد يراقبه. دلف إلى أحد الغرف ليجد هؤلاء الثلاثة يجلسون وعلى وجوههم علامات احباط وبؤس، وكأنه حدثت كارثة كبيرة.
أغلق الباب قبل أن يهتف متسائلًا:
"إيه يا شباب قاعدين حزانا كدة ليه، وكإنكم ف عزا؟"
نهض الثلاثة في نفس اللحظة يتطلعون إلى مراد بغموض، وكل واحدًا منهم قد ابتلع لسانه في فمه، كمن كانوا على رؤوسهم الطير.
تعجب منهم:
"فيه إيه!"
ارتفع صوته، فقرر أحدهم اطلاق سراح لسانه ليخرج عماد صوتًا متقطعًا بنبرة تكاد تُسمع.
"ر..رغد عايشة يا مراد!"
وقف مراد ينظر له في صمت وكل تعابير وجهه قد اختفت. ماذا يقول هذا الأبله الآن؟
"إيه السخافة دي؟؟ إيه اللي بتقوله ده يا عماد؟"
صرخ بقوة واعتلى العبوس معالم وجهه. لينفتح الحائط الخشبي الساتر في منتصف الغرفة. فيحرك رأسه نحوه ليجدها تظهر منه، يقطب ما بين حاجبيه بشدة. أغلق جفنيه بقوة محاولًا أن يستيقظ من هذا الحلم. لكنها موجودة بالفعل. إنها الحقيقة، تقف هنا ف الدنيا، أمامه مباشرة؟
صداع مفاجئ يدق كالمطرقة داخل رأسه وعينيه تنغلقان تدريجيًا والصورة تضطرب وتهتز، لكنها ما زالت تقف، الغرفة تدور من حوله في سرعة رهيبة. رفع بيديه يمسك رأسه يوقف تلك الأشياء اللعينة التي تجري أمام عينيه وتجعل أنفاسه تتثاقل. أطبق عينيه على آخرها وهو يترنح بمكانه يحاول استرداد أنفاسه، تحت نظرات الجميع الذين قد هلعت قلوبهم من بين ضلوعهم رعبًا على صديقهم العزيز.
ليجدوه يستسلم لجسده الذي يسقط في اعياء شديد، فيركضون سريعًا حوله وهم يصرخون باسمه بقوة.
رواية ظل السحاب الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم آية حسن
هذا العالم أصبح مخيفًا، لا أمان فيه.
المقربين يدسون السم إليك في العسل.
إن كنت قويًا بالقدر الكافي، ستستطيع مواجهة كل تلك الصعوبات، وتفوز في النهاية.
أما إذا كنت عكس ذلك، ستتبخر روحك وتصبح كالسراب.
كانت تشاهد التلفاز بضياع، كمن كان تائهًا في وسط صحراء جرداء لا حياة فيها ولا ماء.
يا ليتها كانت ابنة عمته، أقلها لما تركته يقع في غرام أخرى، بل ألزمته أن يعشقها هي وليس سواها.
تقسم أنها كانت ستقتلع رأس كل من تفكر في التقرب منه.
آه لمَ عشقتك يا مراد؟ لم أتخيل أني سأصبح ضعيفة قُبال الحب هكذا.
ومن بين تيهانها شعرت بانقباض عنيف في عضلة قلبها، أدت إلى انطلاق شهقة قوية بينما تضع يدها على موضع قلبها.
لتتمتم باسمه قلقًا: مراد.
تنهض فورًا وتلتقط هاتفها الموضوع أمامها فوق الطاولة الزجاجية، لتتصل على عشقها الأوّلي بعدما شعرت به أنه في مأزق مريع، ويحتاج إليها.
نعم هو يحتاج إلى سحابته تغطيه من الشعاع الضوئي المهلك الذي حاصره.
لم يرد.
عادت الاتصال مرة، اثنان، ثلاثة، لا يجيب.
تسلل الخوف إلى أعماقها، لا تتحمل وجودها بعيدة إلى ذلك الحد عنه.
ماذا تفعل الآن؟
اتصلت على نيرة فوجدت هاتفها مغلقًا.
ازداد هلعها.
لتخرج سريعًا متوجهة إلى أحد الحراس، فتهتف له بهرع:
رجعني القاهرة دلوقتي!
ليرد عليها الحارس بهدوء:
معنديش أوامر بكده.
لتصيح بصرامة:
وأنا عايزة أرجع حالًا.
قال موضحًا برفق:
حضرتك مراد باشا أمرنا نخلي بالنا منك، وهو متصلش ولا حتى قال قبل ما يمشي نعمل كدة! تقدري تتصلي بيه وتطلبي منه يدينا أوامر نرجعك.
صرخت بعصبية:
مهو ما بيردش! وأنا قلقانة عليه.
قالت بنبرة باكية، ثم أردفت بحسم:
اسمع لو ماخدتنيش عنده، والله أخدها مشي لغاية مصر!
قال:
يا فندم ما ينفعش، أنا مقدرش أكسر تنبيهات مراد باشا، وإلا هيجازينا كلنا!
قال، فزمت شفتيها بقوة، لتتركه يهتر بتلك الأوامر الحمقاء، وتهرع حتى تخرج على الطريق وهي مقررة العودة للقاهرة.
لكنه ركض خلفها يمنعها وهو يصيح عليها.
يا آنسة فريدة، استني. لو سمحتي بلاش عناد، مراد باشا لو عرف هتحصل مشكلة كبيرة.
حاول إقناعها لكنها ما زالت مستمرة في مسارها، غير عابئة بأي شئ، حتى أنها لم تفكر بأن من الممكن هاتف نيرة به مشكلة أو مغلق لأي سبب آخر غير ما تفكر به.
وقف الحارس كالأبله لا يعرف ماذا يصنع في تلك الورطة.
ثم تأتيه فكرة سريعة، فيهرول خلفها يوقفها.
يا آنسة استني، انتي مش عايزة تتطمني على مراد باشا؟ أنا هخليكي تتأكدي إنه كويس.
قال مقررًا ثم أخرج هاتفه المحمول واتصل على أحد أصدقاءه الحراس، يتأكد منه أن مراد بخير.
لكن فاجأه الآخر بشيء جعل ملامحه تتغير.
هتفت فريدة بقلق:
إيه فيه إيه؟
رد وهو يزيل هاتفه عن أذنه:
زميلي بيقول إن مراد مظهرش من ساعة ما سافر.
انفلتت شهقة خافتة وهي تتراجع للخلف بذعر.
هل حدث له شيئًا؟
لا لا.
جرى في عقلها الاضطراب، فترفع رأسها وتقول بصوت حازم:
انت لازم توصلني بسرعة، عاوزة اعرف حبيبي جراله إيه!
ركضت صوب السيارة ثم صعدت إليها وصرخت:
يــلا!
ما كان بيد الحارس غير أنه يتبع أوامرها.
____________
أقسم بالله لو مراد جراله حاجة هقتلك، هقتلك انتي سامعة.
صرخ تميم بها في وجه رغد التي تجلس في أحد زوايا الغرفة، مكورة جسدها المرتجف وتبكي بخوف شديد، وهي تشعر بذوبان قلبها.
عماد وعاطي يحاولان منعه عنها بأيديهما وهو يندفع بشراسة نحوها.
خلاص يا تميم نطمن على مراد الأول.
صاح عاطي عليه حتى يهدأ.
توقف عما يفعله، أنفض ذراعيه بحنق لينظر إليها نظرات احتقار ثم خرج في غيظ، ويلحقان به البقية.
ليدلفون خلف بعضهم البعض عند حجرة مراد الموجود بها.
يتأكدون من صحته.
الصدمة كانت قوية عليه، أظن كان لازم تفكروا كويس قبل ما تقولوله الخبر، أو على الأقل ما تبقاش بالطريقة الغبية دي، بسببكم كان ممكن لا قدر الله تجيله سكتة دماغية تقضي عليه!
زجرهم الطبيب معنفًا عما ارتكبوه من حماقة.
لقد أخطأ الثلاثة حين أعلموه بـ عودة رغد، وازداد الأمر سوءًا حين ظهرت رغد أمامه بدون تمهيد.
كان يجب عليهم التأني.
طب هيفوق امتى يا سعد؟
سأل عاطي وهو يتطلع إلى مراد بحزن، ليجيبه وهو يعود نحو المحلول المعلق ويحقن به سائل مخصص للعلاج:
والله أنا مديه كمية كبيرة من المهدئ القوي عشان جسمه وعقله يسترخي.
ثم التفت بجسده إليهم بعد أن انتزع الجزء الخلفي من الزراقة «السرنجة» واحتفظ بالإبرة كي تخرج الهواء.
أردف محذرًا بشدة:
وشوفوا بقا، بعد ما يفوق ماحدش فيكم يتعرضله بأي سؤال، أو حتى تجيبوله سيرة بالموضوع ده لأن ممكن جدًا يحصله فقدان ذاكرة. يا شوية جهلة محتاجين إعادة تأهيل.
استهزأ بهم، ثم رمقهم بنظرة استهانة قبل أن يغادر الغرفة.
ليلتقف الثلاثة حول السرير المستلقي عليه ذلك المسكين الذي تعرض لأكبر خدعة في حياته.
غائب عن الوعي.
ترقرق عيني عماد وهو يراه في حالة يرثى لها، لينتبه البقية وهو يقول بنبرة نادمة واستياء يظهر على ملامحه:
يا ريتنا ما كنا اتصلنا بيه عشان يعرف!
ليرفع تميم ببصره وهو يهمس بشراسة:
البت دي لازم تعترف بكل حاجة، ومين اللي وراها وخلاها تعمل فيه كده!
تحرك تميم هرعًا خارج الغرفة وهو ينوي إجبار رغد على النطق بالحقيقة.
ليقول عماد سريعًا:
الحق يا عاطي باشا، احسن يتهور ويعمل فيها حاجة.
رد عليه وهو يهم خلفه:
يلا بسرعة ده مجنون وممكن يخلص عليه.
ليهرول عاطي بسرعة ويسحب تميم قبل أن يدلف إلى الغرفة التي بها رغد.
فيصرخ به:
سيبني يا عاطي، البت دي لازم تتكلم وتقول عملت فيه كده ليه!
حاوطه بكلتا ذراعيه حول صدره يسحبه للخلف، ليهتف متذمرًا:
خلاص يا شامي بقا، بلاش تبقى متهور!
ليه يحصل فيه كده، مش حرام يا عالم.
دة ملحقش يفرحله يومين، عايزة منه إيه بعد ما خدت كل حاجة حلوة!
كان يهدر بصوت شجن، حسرة على ما مر به الصديق التعيس هذا، جعلت عاطي وعماد تدمع أعينهما بحزن.
هي كانت تستمع إليه من خلف باب الحجرة، وهي جالسة بمكانها، كل كلمة كانت تشقق قلبها مع دموعها التي بللت ثيابها.
آلام تحاوطها في كل جهة ناهيك عن وجع جسدها الذي بدأ يعود إليها بعد زوال مفعول المسكن.
فـ تلك الحادثة قد تسببت في كسر معصمها وجرح شديد في رأسها، غير الذي تسبب فيه ذلك الوغد الذي يدعى التهامي.
____________
تقف مع رجلين هيئتهم مريبة، يشبهان هؤلاء المأجورين لأعمال الإجرام.
تصدر إليهم أوامر حاسمة.
عايزاكم تراقبوا المستشفى وبيت مراد.
وتعرفولي كل تحركاتهم.
وأهم حاجة مراد ما يغيبش عن عينيكم.
متفلقيش سيادتك، احنا عارفين شغل.
هتف أحدهما بصوت غليظ بشع، ثم أشارت نانسي إليهما بالمغادرة.
يلا، وبلغوني بكل التفاصيل أول بأول.
ذهبا الإثنان ليبدآن بتنفيذ الأوامر، ثم دلفت هي إلى منزلها.
لقد تغيرت نانسي كليًا أصبحت تحت سيطرة شيطانها بفضل وسوسة عثمان.
أبيها الذي لم يحاول أن ينصحها بل شجعها على الاستمرار في إظهار أسوأ ما فيها.
لقد صنع منها ثعبانًا صغيرًا يجري وراء لدغ من حوله دون أن يعلم نهاية ما يشرع به.
____________
بعد مرور أكثر من ساعتين ونصف، وصلت فريدة إلى فيلا مراد.
وهبطت سريعًا من السيارة تدلف للداخل، فتسأل العم بركات متلهفة.
عم بركات، مراد فين؟
تعجب:
مراد؟
دة ما جاش من امبارح!
ازداد قلقها، لتسمعه يقول:
بس الست نيرة جوة.
هرعت فورًا للداخل وخلفها الحارس، لتضغط على الجرس سريعًا، انتظرت فتح الباب بفارغ الصبر هذه الثواني الدقيقة.
فتفتح لها أحد العاملات، وقبل أن تفتح العاملة فمها هتفت فريدة متسائلة بلهفة:
نيرة فين يا سماح؟
فريدة، عاملة إيه، وحشتيني.
هتفت سماح ببهجة لرؤيتها، لتقول لها:
مش وقته سلامات، اطلعي ناديلي نيرة.
ولا أقولك أنا اللي هطلع.
نطقت بكلماتها دون أن تعطي فرصة لها بالرد، فهي مشغولة على حبيبها.
جرت سريعًا صوب الدرج لكنها رأت نيرة تهبط.
فما أن لمحتها الأخرى اندهشت، وركضت على السلم وقلبها يدق فرحًا، تندفع نحوها لتحتضنها كي تتأكد من سلامتها.
فريدة، انتي كويسة؟
حمد لله على سلامتك يا قلبي.
لم تصدق نفسها وهي أمامها، ابتعدت عنها لتكور رأسها بين يديها وعينيها تلمعان سرورًا بدموع، لقد افتقدتها حقًا تلك الجنية الصغيرة.
فهمست نيرة بلطف:
باباكي قلقان عليكي أوي.
كلنا كنا قلقانين عليكي.
ربتت فريدة على سطح يديها:
أنا بخير.
قوليلي انتي مراد فينه؟
سألت بقلب منشغل، فتعجبت نيرة وهي تزيل يديها عن وجهها:
مراد!
هو مش كان معاكي؟
ولا انتي مين اللي رجعك؟
كان سؤالها يرسل القلق لقلب فريدة، هذا يعني أنها أيضًا لا تعلم عنه شيئًا.
نيرة كانت تتفحص وجه فريدة الذي بدأ ينكمش ببكاء، فتهمس متسائلة بخوف يتسلل فؤادها:
فيه إيه يا فريدة؟
مراد ماله؟
معرفش، بتصل بيه ومش بيرد وبقاله كتير مشي من عندي، عشان كده خدت بعضي وجيت أشوفه.
قالت بدموع، لترد نيرة بصوت مضطرب:
انتي كده هتقلقيني.
أنا لازم أتصل بعماد أكيد هيكون عارف.
قالت وهي تمسك بهاتفها تتصل على عماد، فما لبثت أن وضعت الجوال على أذنها وجدته يدلف إليهما.
هرع الإثنان نحوه، فتسأله فريدة:
أستاذ عماد، فين مراد؟
يقف أمامهما ينقل نظرات صامتة لكليهما.
فبدأ الإثنان يعقدان ملامحهما في شك وجمود من المشاعر المختلطة، يحاولان تفسير تعابير وجهه المبهمة التي توحي بأن هناك شيئًا سيئًا قد حدث.
____________
نهضت من موقعها بألم وثقل في جميع عظامها، حاولت نصب جسدها في صعوبة بالغة، وسارت نحو الباب تنوي الذهاب لغرفة مراد، تود رؤيته لأجل الاطمئنان عليه.
سقوطه بتلك الطريقة هز قلبها بين ضلوعها.
لم تتحمل ما حدث له.
حبذا لو ماتت في هذه الحادثة، ما كان سيعرف بوجودها، اللعنة عليها حتى الموت قد فشلت في تحقيقه.
راقبت الممر الذي يؤدي إلى حجرة مراد فلم تجد أصدقاءه.
اطمأنت وشرعت في السير بتعسر في خطواتها، محاولة تحمل التقطع الذي يسري بجسمها.
لتقف أمام باب الغرفة وتضغط على المقبض وتدلف للداخل.
فتنتبه إليها الممرضة وتهرع نحوها وتهمس بصوت خفيض صارم.
انتي إيه دخلك هنا، اخرجي حالًا وارجعي مكانك.
انهمرت عبراتها النارية بوجهها المسكين، فهمست متوسلة من بين شهقاتها:
والنبي خليني أبص عليه مرة واحدة، أبوس إيدك.
قالت وهي تمسك يد الممرضة كي تقبلها.
لتسحبها الأخرى سريعًا وهي تقول مندهشة:
انتي بتعملي إيه؟
اهدي خلاص هخليكي تشوفيه.
قالت وهي تضع إحدى يديها فوق كتفها، رأفة بحالتها الصعبة.
لترفع رغد عينيها الذابلة والتي بالكاد تظهر من كم دموعها الكثيفة الخارة فوق ملامحها الباهتة، كمن لا تصدق.
فأومأت الممرضة مؤكدة أنها ستراه.
وقبل أن تخرج لتعطيها مساحة همست:
بس يا ريت متقعديش أكتر من 5 دقايق عشان متجبليش مشاكل، وكمان قبل ما يفوق ويشوفك، ماشي؟
قالت برفق، فأومأت بإيجاب سريعًا وفرحة شرحت صدرها.
ترجلت الممرضة، وتحركت رغد صوب السرير لتقترب من أحد جوانبه.
وقعت عينيها على وجهه المشرق.
يا إلهي لا تصدق أنها قريب منه وتتطلع إليه.
كم مر من الوقت على رؤيتها له.
ما زالت ملامحه كما هي لم تتغير، إلاّ أنه أطلق لحيته التي زادته وسامة بشدة.
تتأمل به باشتياق، انطلقت منها شهقة رغمًا عنها، حاولت كتمها بيديها حتى لا توقظه.
هبطت ببصرها نحو يده الممدودة بجواره، بدون أن تفكر قربت كفتها من خاصته لتضغط عليها براحتها، اشتاقت للمسها، كانت حانية عليها كثيرًا، وتخفف من آلامها.
مالت بجذعها تقترب بشفتيها الجافة تقبل كفه بينما عينيها تفيض من الدمع في ضعف.
أطلق مراد أنينًا وهو يحرك رأسه بضعف، لترفع رغد رأسها عن يده هلعًا، وضربات قلبها ارتفعت بخوف.
يجب أن تهرب قبل أن يراها، وإلا ستتسبب في إعياءه مجددًا.
نهضت وهمت لتتحرك لكن عرقلها يده التي تقبض على خاصتها.
عاد ببصرها نحو وجهه فوجدته يفتح جفنيه ببطء.
توترت أنفاسها وضربات قلبها تتلجلج داخل صدرها، حاولت التملص منه كي تفر هاربة من مواجهته لكنها عالقة بين يديه.
فتح عينيه على الأخير، ثم نصب جذعه مندفعًا وهو يشعر بتثاقل في أنفاسه.
رفع وجهه ينظر إلى التي عادت من الموت، بعينين مذهولة.
ليهمس باسمها ضياعًا:
رغد... ازاي!!!!
أجهشت باكية بقلة حيلة، ليردف بلا استيعاب:
أنا ف حلم ولا علم؟
قوليلي إني مُت، وان احنا مش في الدنيا!!
ردت بصوت متحشرج للغاية من بين بكائها:
لا يا مراد اللي انت شايفه ده حقيقة.
لا.
صاح وهو ينفض بيده بعنف، فيهتف مقررًا وهو يهز رأسه باضطراب:
لا يا رغد مش حقيقة لأ، أصل ازاي وأنا شوفتك بتتحرقي قدام عينيا؟
يمكن مثلاً كل السنين اللي فاتت واللي عيشتها ف عذاب كانت هي الحلم!!
قولي وأنا هصدقك، هصدقك يا رغد!
رفعت وجهها إليه ودموعها غرقتها كالسيول، متأثرة بحالته المشوشة والمصدومة والتي ستتحول إلى انهيار بعد لحظات.
نفت برأسها وهي تقول بنبرة متقطعة:
يا ريت كان حلم، لكن اللي شوفته زمان هو اللي وهم.
صرخ بقوة هزت أركان قلبها، وهو غير متقبل ما تقوله، رمى بيديه بعشوائية وتشنج جسده، وصرخاته تمزق أحشاء الطبيعة.
سحب إبرة المحلول الملصقة في ظهر كفه بعنف حتى انبثقت الدماء.
وهي لم تقدر على فعل شيء سوى أنها تراجعت للخلف بخوف من هيجانه.
ليندفع سعد الطبيب بسرعة ومعه ممرضين من الرجال، حتى يوقفوه.
ليصيح سعد هلعًا فور رؤيته:
مراد... امسكوه بسرعة.
تحرك الإثنان فورًا وحاولا وثق جسده بأيديهم ليعجزا حركته، بينما سعد يجهز المهدئ.
لكنه دفعهما بعيدًا وصرخ بأعلى صوته.
أخرجوا برة، مش عايز حد، كلكم برة.
يا مراد إهدى، العصبية مش كويسة عشانك.
هتف سعد، لينهض مراد من فوق الفراش ويهتف حازمًا بعينين أصبحت كالجمر ووجه قد شحب تمامًا.
أخرج برة يا سعد، وخد معاك الأوباش دول.
أومأ برأسه بهدوء، نظرًا لتلك الحالة التي وصل إليها، تركه سعد يتابع مواجهته مع تلك المسكينة التي بدأ جسمها يرتعش فعليًا.
أغلق مراد الباب بإحكام ثم التفت بجسده كليًا ليتحرك صوبها مباشرة في خطوات تزيد من رعبها فتجعلها تنكمش أكثر.
عملتي فيا كده ليه؟
همس بصوت مميت وعروق نافرة نبض بقوة، ليصرخ:
انطقي.
انتفضت وأنفها يسيل بدموعها الحارقة، لكنه لم يكن في موضع يسمح له بالتأثر فهو ما زال مستنكرًا ما يحدث.
فيهمهم بقلب منفطر ونظرة خذلان:
ازاي يا رغد قدرتي تخدعيني!
دة انتي الوحيدة اللي كنت بتعامل معاكي على طبيعتي!
كنت ببقى شخص تاني ف وجودك!
ينظر لها في هول، لا يصدق ما يحدث، يظن أن ما يشاهده ليس إلا كابوسًا، لأن لا أحد يعود من الموت.
أم هذه إحدى عجائب الدنيا السبع؟
رفعت بوجهها وهي لا ترى ملامحه جيدًا، تشعر بغشاوة حاوطت عينيها وهي لا تستطيع كبح دموعها.
فتهمس بنبرة تكاد تفهم:
هحـ..كيلك على كـ..ل حاجة.
بدأ مراد يعود تدريجيًا لوضعه الطبيعي، واضطرابه بدأ يأخذ وضع استكانة، حتى أنه لاحظ هيئتها المذرية برأسها الملفوف بشاش طبي، وجسدها الذي ظن أنه سيهوي أرضًا.
رفع كلتا يديه يمسك كتفيها، فشعرت هزة أصابتها، ليحركها بلطف ويجلسها على مقعد.
اهدي.
قال بلين ثم تحرك ليأتي بكوب من الماء وبعض المناديل الورقية تمحي تلك العبرات المهلكة.
عاد إليها وأعطاها الماء فالتقطت الكوب بيدين مرتجفة، حتى وهي ترفعها لفمها لم تقدر على حمله وظل يهتز بين كفيها وكاد يسقط، لولا أن أمسكه منها ليضعه على طاولة صغيرة ويخرج بعض أوراق المناديل من العلبة ويمسح وجهها الحزين، ليرفع بالماء يسقيها بحنو.
ثم يبتعد عنها ويجلس قبالها على طرف السرير.
لن يصرخ بها أو يتشنج مرة أخرى فحالتها الضعيفة تلك لن يستفيد منها شيئًا.
فاحتفظ بجرح قلبه بداخله، ليسألها:
مين اللي ورطك ف ده كله يا رغد؟
وإيه اللي عمل فيكي كده؟
سأل وهو يتطلع إليها بنظرات شفقة والغمة تفرد ذراعيها في صدره.
_________
يقوم بتجهيز مستنداته اللازمة كي يولي هاربًا، بعد أن اكتشف المخابرات قد قبضت على رغد، فبالتأكيد سيقبضون عليه هو الآخر.
لذلك يجب أن يختبئ حتى يعرف كيف يتصرف في هذه الورطة.
اللعنة عليها كان يجب أن يقطع عنقها، لكن لا بأس سينهي كل شيء، لكن الآن لا يهمه سوى الفرار بعيدًا عن أعين الشرطة.
العربية جاهزة يا بوص.
تُهتف بها ذلك الرجل خاصته وهو يدلف إليه، ليأمره وهو يهم بالخروج:
هات الشنطة دي وتعالي ورايا، بسرعة.
خرج التهامي من المبنى الذي يقطن به.
ليصعد السيارة من الخلف والرجل من الأمام ثم انطلق إلى حيث أمره رئيسه.
_________
أنا كنت حاسة.
كنت حاسة إن في حاجة هتدمر علاقتنا.
يا ريت الرصاصة جات ف قلبي وروحت فيها.
كانت تهدر بلا وعي ونبرة متقطعة وهي تهز ساقيها في اضطراب.
فالحياة قد دفعتها داخل حلبة سباق وهي غير مستعدة للصراعات، فقلبها قد ذاق طعم المرار كثيرًا، لم لا تتركها تتمتع بحلاوة الدنيا!
لم قبعتها في ساحة مليئة بالحشرات اللادغة.
هي أضعف من تحمل كل تلك المعاناة.
ستنهار حتمًا.
فريدة أرجوكي ما تعمليش ف نفسك كده، مراد لا يمكن يبعد عنك.
همست نيرة محاولة إعطائها أملًا يسكن فؤادها الممزق، وهي تتطلع إليها بوجع ودموع تنسال فوق وجنتيها:
مراد لسه بيحبها، هو عمره ما حبني، أنا عارفة من الأول.
تهدر فقط وهي تنظر للا مكان، تسرقها السكين، دون حتى أن تذرف أي دمعة لتخرج هذا الوجع.
تأثر عماد بحالتها، يشعر بالتعاطف معها.
ومراد أيضًا يستحق العطف، الاثنان ظلمتهما الدنيا!
دق جرس الباب وذهبت إحدى العاملات لتفتح.
ليدخل عز بسرعة ويذهب برأسه لابنته الوحيدة والتي حالتها كانت في ضياع تام، فيصيح باسمها:
فريدة.
رفعت برأسها ونهضت بسرعة، لتركض نحوه تضمه في احتياج شديد.
ليحاوطها عز الدين حنينًا واشتياقًا:
وحشتيني يا قلب أبوكي.
أوعي تبعدي عني تاني.
ظل يقبل رأسها وشعرها بتلهف وكأنه لم يراها لسنوات.
ليرفع رأسها ويضم وجنتيها برفق وحنان، ثم يعيدها بين أحضانه مرة أخرى ودموع الفرح تترقرق بمقلتيه.
بينما هي تستمتع بتلك اللحظات الحانية فهي فقط تحتاج إليه يضمها.
_________
تبدأ رغد بسرد القصة من أولها، بروية بعد أن هدأت قليلًا، فتقول بصوت مختنق:
كنت بشتغل خدامة ف صالة قمار، كانت صاحبتها واحدة اسمها سوزي، كنت مع مجموعة من البنات، نروح ننضف بالنهار عشان بالليل تبقى كل حاجة جاهزة ليهم.
وف مرة طلبت مني إني أروح الصالة بالليل بحجة إنها هتديني أكل ليا و.
لترجع رغد بعقلها لذلك اليوم حيث كانت تسير ببطء وهي تطوف بعينيها لذلك المكان الذي أصبح مليئًا بالغرباء السكارى، يجلس على الطاولات مجموعة من الرجال والنساء قليلة، أمامهم زجاجات من الشراب المسكر، يمسكون أوراقًا للعب.
يوجد بنات جميلات مراهقات وأخرى يافعات، يلبسن ملابس غير محتشمة كأنهن عرايا.
يقهقهن ويتغنجن على كل رجل يجلس أمام طاولة، قاصدات إغرائهم.
وبالمقابل يلامسوهن بطريقة وقحة ونظرات غير بريئة.
ليفصلها عن شرودها تلك التي تهتف مرحبة:
يا أهلاً بالقمر، تعالي يا حبيبتي، نورتي مكاني.
لم تكن التي تدعى بـ "سوزي" أقل منهم في ملابسها المغرية، فتقول والسيجار بين إصبعيها وباليد الأخرى كأس الخمر:
تحبي تشربي؟
تساءلت وهي تمد بالكأس، لتهمس لها رغد بنبرة رقيقة:
متشكرة يا مدام!
ضحكة صاخبة جلجلت في أذن رغد، فابتسمت هي ببراءة ثم حاوطتها سوزي بذراعها على خصرها، وهي تسير للداخل.
بعض الرجال كانوا يتطلعون إليها بنظرات وقحة.
كادت أعينهم تقتلع من حدقاتهم وهم يتابعونها وهي تصعد إلى الأعلى.
تتحرك مع سوزي وهي لا تعرف إلى أين تأخذها، لتدلف بها إلى أحد الغرف، فتتسائل رغد:
حضرتك جبتيني هنا ليه؟
ردت بنبرة لعوب:
عشان طبعًا أجبلك أكل، مش أنا قولتلك؟
ثانية والأكل يجيلك.
قالت بابتسامة شيطانية تفتر ثغرها، ثم استدارت وترجلت قبل أن تغلق الباب بالمفتاح من الخارج، فترفع إحدى حاجبيها بخبث.
بينما جلست رغد على طرف السرير تنتظرها مصدقة كلامها ولم ترى المكر في عينيها، فهي لم تأكل منذ الصباح وعلى هذا الحال يوميًا، نظرًا لأنها لا تمتلك الكثير من المال.
وعلى حين غفلة تجد أحد الرجال يخرج من المرحاض يحاوط خصره بمنشفة وباقي جسده عاري.
نهضت وهي تشهق بهلع، فتهمس متسائلة بصوت متلعثم:
انت مين؟
اقترب منها وحاول لمسها رغمًا عنها، لكنها دفعت يده بعيدًا وهي تهتف:
لو سمحت ابعد عني!
فهرولت نحو الباب لكنه قبض على معصمها وهو يصيح مستنكرًا:
ابعد ازاي، انتي عارفة أنا دافع فيكي كام؟
بس بيني وبينك تستاهلي تقلك دهب!
همس وهو يرمقها بوقاحة.
فاعترت الدهشة ملامحها ثم سحبت ذراعها منه وركضت تضرب بيديها الباب وهي تصرخ بدموع:
الحقيني يا مدام، افتحي الباب والنبي.
صرخاتها زادت لكن لا أحد يبالي، وهو خلفها يضحك ساخرًا:
ماحدش هنا هيسمعك، كل واحد مشغول ف اللي فيه، قربي تعالي وأنا هبسطك متقلقيش.
كانت إيحاءاته بذيئة كيفما منظره.
لتستدير بجسدها وهي تلصقه بالباب وهي متوجسة خيفة من قربه.
ترجته ببكاء:
أرجوك ابعد عني.
لكنه لا يعبأ بتوسلها، بل كان الشيطان يتلذذ بضعفها.
فحاول تقبيلها رغمًا وهي تطلق صرخات استنجاد لكن.
_________
مشيني من هنا يا بابا أرجوك.
قالت فريدة بصوت متحشرج، فرد عليها عز:
أيوة يا حبيبتي، مش لما نعرف مراد رأيه إيه؟
مراد خلاص يا بابا، مهمته خلصت، وما عدتش محتاجاه!
قالت بنبرة يأس، ليضيق عز ما بين حاجبيه بغرابة:
مش فاهم تقصدي إيه؟
نهضت نيرة لتتحرك نحوهما وهي تهتف:
يا فريدة.
لكن قاطع حديثها دخول مراد لتصيح باسمه وهي تركض إليه:
مراد.
أخبارك ايه!
تسائلت في لهفة وقبل أن يجيب تظهر هي من خلفه وهي تضع معطفه فوق كتفيها.
اتسعت حدقتي عيني نيرة وتراجعت بقدميها للخلف وهي تهمس في ذهول:
رغد؟؟؟!!
التفت فريدة إليهم فور سماع اسمها، لتراها تدخل معه وهي تقبض على ذراعه بقوة ناكسة وجهها لأسفل.
صعدت الدهشة معالم وجه فريدة، واحتبست الدماء داخل عروقها.
شرار ناري يلتف حول قلبها يتسبب في اشتعال حريق داخل ضلوعها.
ليبتر الصمت مراد عندما تفاجأ بها أمامه:
فريدة؟
انتي جيتي ازاي؟
ازال يد رغد برفق ليتحرك صوبها:
مين اللي سمحلك تيجي؟
وفين الزفت اللي بيحرسك!!
هتف متسائلًا بوجه عابس بينما هي كانت تتطلع بعيدًا نحو التي تقف صامتة، لتنتبه على صياح مراد وهو يهزها:
ردي عليا يا فريدة!
فتصرخ عليه وهي تدفع بيده:
ابعد إيدك عني.
انت إيه يا أخي معندكش دم، ليك عين أصلاً توجهلي أي سؤال!!
فيصرخ بها محذرًا بحدة، حتى أن رغد قد ارتجفت من حدته:
فريدة، إياكي تعلي صوتك عليا!
طبعاً، مهي حبيبة القلب رجعت، وخلاص ما عدتش محتاجني!
سخرت ليزداد صوته غلظة:
اخرسي.
لتعود القتامة إلى مقلتيه، ووجهه بدا مقتطبًا بشدة.
غشاء رقيق من الدموع يتكون في مقلتيها، فتتركه وترحل كالإعصار دون النطق بكلمة أخرى، وقبل أن تعطي رغد نظرة احتقار.
الحقها يا مراد أحسن يعمل في نفسه حاجة.
قالت نيرة ثم هرول مراد مسرعًا خلفها لاحقًا إياها، كاد أن يخرج عز ورائهما لكن استوقفته نيرة:
سيبهم يا عز، هم هيتفاهموا مع بعض.
يا نيرة أنا مش فاهم حاجة!!
قال عز الدين قلقًا على صغيرته، لتقترب منه وهي تسحبه برفق إلى الردهة:
تعالى يا عز وهفهمك على كل حاجة!
----
تركض هرعًا محاولة الهروب من ذلك الألم الذي لحق بروحها وفؤادها.
ليممسك مراد بيدها فورًا ويجذبها إليه، ويهتف متذمرًا من بين أسنانه:
اقفي بقا، وبطلي جنان.
قبضت على تلابيب ثوبه بيديها الناعمتين وهي تشده بعنف على قدر قوتها، فتصيح من بين دموعها:
عايزة إيه مني، داخل عليا بحبيبتك اللي راحت منك من سنين، المفروض تبقى مبسوط، سيبني لوحدي مش عايزة منك حاجة.
أنا خلاص معادش مكان ليا ف حياتك، زي منا كدة على طول يا مراد.
أنا ماخدتش منك غير أول حرفين من اسمك، شربته بمزاجي يا مراد بس ما عدتش أستحمل تاني، ما عادش عندي طاقة أكمل بيها.
سيبني وروحلها عشان انت كنت بتستناها، وهتقدر تعيش مبسوط، ومتخافش عليا مش هموت من غيرك، هبقى مبسوطة عشان انت مبسوط!
تشعر بالبركان يغلي مع دمائها، وقلبها قد تفتت إلى أشلاء.
تلك الكلمات قد أصابتها بخنجر لأنها لن تقدر على العيش من دونه.
دموعها كانت تهبط على فؤاد مراد كاللهيب تتسبب في حدوث فجوة أعمق بكثير.
ليجذبها بين أحضانه الدافئة.
فحاولت التملص لكنه حاصرها وضمها إليه يعصرها خوفًا.
فانخرطت في بكاء مرير مستسلمة للمساته الحانية، والتفت بذراعيها حول خصره تستمد قوتها، حتى لو كانت تتوهم بأمل كذاب سيتبخر بعد لحظات.
لكن قوتها قد خارت وضعفت، ليشعر مراد بارتخاء ذراعيها من حوله وجسدها يسقط منهارًا من بين ساعديه فيصرخ ذعرًا:
فريدة..................
رواية ظل السحاب الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم آية حسن
بعد تفحص الطبيبة لحالتها، أمرتهم بالابتعاد عن أي توتر، نظرًا لأنها تمر بأزمة نفسية، غير حالتها الجسمانية التي باتت ضعيفة.
تجلس بجوارها تحاول أن تقنعها بتناول الطعام، لكنها مصممة ألا تضع لقمة داخل فمها في بيت مراد، وعليهم أن يرجعوها من حيث أتت.
"فريدة عشان خاطري اشربي حتى العصير، الدكتورة قالت لازم تتغذي كويس."
قالت نيرة بإلحاح وهي تمسك بكوب عصير، فأزاحت فريدة يدها بهدوء وهي تقول بجمود طفيف:
"لو سمحتي يا نيرة بلاش تضغطي عليا.. ولو بجد انتي خايفة عليا وبتحبيني خليني أمشي من البيت ده عشان أنا مبقتش طايقاه، وحاسة بخنقة غير عادية!"
مع كل كلمة كانت تشعر بالغيظ داخلها، فربعت يديها ونظرت أمامها، لتضع نيرة الكأس فوق المنضدة وتقف، لتقول بهدوء وهي تشبك كفيها ببعضهما:
"القرار ده مش أنا اللي آخده، وبعدين أنا ما كنتش أعرف إنك ضعيفة كده وفاقدة الثقة في نفسك."
نبرتها كانت بها شيء من الاستهانة، ليس للاستهزاء بها، بل لتظهر قوتها وتمسكها بحقها في مراد.
اندفعت فريدة بوجهها نحوها بجمود وعينين مشتعلة جعلت نيرة تنفزع، فتسمعها تهتف بسخط:
"ع فكرة أنا مش مجبرة خالص إني أحط نفسي في موقف حقير زي ده، عشان أنا مش في سباق والجايزة هي مراد!"
نفت بحنق لتقترب نيرة منها وتكور وجهها بين كفيها بحنو:
"فريدة انتي عمرك ما كنتي مجبرة، ولما أنا طلبت منك تساعديني يتخطى محنته، مكانش عشان جرأتك وبس، أنا طلبت كده لما حسيت إنك عايزة تعملي كده بإرادتك، مش هقولك إني لاحظت انجذابك له، بس على الأقل فضولك كان واخدك لغاية النقطة دي!"
همست بانكسار:
"وأنا تعبت.. ومش هقدر أحارب تاني ولا أدخل في أي مشاحنات... وزي ما قولتي انتي اللي طلبتي أساعدك يتخطي محنته، وأظن إني أديت مهمتي بنجاح، وكمان هي رجعتله وأكيد هو فرحان أوي بدليل إنه رجعها البيت على طول أول ما شافها!"
ضاق صدرها وهي تجاهد كثيرًا كي لا تضعف وتبكي مجددًا بنطقها تلك الكلمات من فمها والتي تذبح في قلبها مثل البهيمة.
احتضنت نيرة رأسها وهي تمسح بلطف فوق شعرها مكتفية بفعلها دون أن تحاول الضغط عليها بالكلام.
أما بالحجرة الأخرى، تستند بظهرها فوق وسادة ناعمة تلتصق بظهر السرير، وترفع جذعها قليلًا.
غيرت الطبيبة الضمادة الملفوفة حول رأسها المجروح، وفحصتها أيضًا وكتبت لها وصفة طبية كي تستعيد صحتها.
فيسألها مراد بلين:
"حاسة بتحسن دلوقتي؟"
أومأت برأسها بإيجاب:
"الحمد لله."
ابتسم بخفة، لتعلق بصرها إليه قليلًا:
"أنا آسفة!"
همست بصوت شجي، ليرفع وجهه إليها متعجبًا:
"على إيه؟"
بدأت العبرات تتسلل إلى مقلتيها مكونة غلاف رقيق، تنهمل على وجنتيها مع أول غلقة لجفنيها.
يلحقها هو سريعًا:
"لأ لأ، أرجوكي ما تعيطيش.. بصي انسي أي حاجة مضايقاكي ومتفكريش فيه."
لم يتحمل مراد دموعها، ملامحها قد تبدلت كثيرًا، هالات كثيرة تحت عينيها توحي بأنها قد تعرضت في تلك السنوات لإضطرابات وصعوبات كثيرة.
ليردف يطمئنها بنبرة رخيمة:
"كل شئ هيكون كويس، بس اهدى."
تضمه فجأة وتقبض على سترته من الخلف، كأنها تحاول أن تتأكد من وجودها بجانبه، بعينيها اللتان ترسلان دموعًا متحسرة.
أما عنه فلم يدري ماذا عليه أن يفعل، ليجد يده تربت على ظهرها مهدئة إياها في رفق.
لكن قلبه معلقًا بالأخرى التي قد تسببت في فزعه عليها وعلى ما وصلت إليه.
رفعها عن صدره بلطف ما أن انتبه لقرع الباب، فتدخل السيدة عفاف مع إحدى العاملات وهي تحمل صينية الطعام، فتقول وهي تشير للأخرى أن تضع ما في يديها على منضدة صغيرة:
"مراد باشا، الأكل بتاع الآنسة رغد."
لينهض ويتساءل:
"وفريدة خدتوا الأكل ليها؟"
لاحظت رغد اهتمامه الكبير بها والذي يظهر في لهفة نبرته.
ردت عفاف:
"للأسف هي رافضة تحط حاجة في بوقها، وكمان عاوزة تسيب البيت!"
ليعقد حاجبيه باستهجان:
"تسيب البيت؟"
صمت قليلًا وهو يزم شفتيه، يفكر في عناد تلك الحمقاء الصغيرة.
ثم هم متحركًا يترجل من الغرفة، وهو يقول مشيرًا لـ رغد:
"هدوا بالكم منها."
بينما هو يسير بالممر نحو غرفة فريدة، استمع إلى نداء عز القادم من الأسفل:
"مراد... لو سمحت عايزك في كلمتين."
عاد أدراجه ليهبط الدرج فيسأل متعجبًا:
"خير يا عمي!!"
أمسك بمرفقه وسار معه إلى أن خرج بالساحة، فيقول عز بادئًا حديثه بروية:
"شوف يا مراد، أنا لما جيت واتقدمت لـ نيرة، خدتني على جنب وصارحتني بحبك لبنتي فريدة، وقولتلي إنك هتيجي وتقرا معايا فاتحة، حصل؟"
ضيق عينيه مستغربًا ما يقوله:
"تقصد إيه؟"
": اقصد البنت اللي جات معاك ودخلت بيها قدامنا كلنا، من كلام نيرة فهمت أنها تبقى حبيبتك القديمة!"
هتف بتجهم محاولًا الاحتفاظ برزانته.
تشتعل بركانه الداخلية رويدًا رويدًا، لكنه يجبر عقله على خمد تلك النيران.
تساءل بهدوء زائف وهو يكتف ذراعيه:
"وبعدين؟"
تعجب من بروده فقال بعبس:
"طالما انت رجعتها معاك، يبقى بنتي معادش ليها مكان في حياتك! وانسى إنك وعدتني بأي حاجة!"
تنهد مراد لينظر لأسفل ثم عاد ببصره إليه، ليقول بقرار حاسم:
"شوف حضرتك، بكرة بإذن الله كتب كتابك على نيرة، أما الأمور التانية ماتخصش حد غيري أنا... وفريدة وبس!"
تعجب من قراره المفاجئ، ليضطرب عقله، يتحدث إليه بشأن فريدة، ويتطرق لأمرٍ آخر!
حقًا إنه غريب الأطوار.
باليوم التالي دلف إلى مكتب تميم مندفعًا، ليهتف سريعًا:
"شامي! الحق ياض."
تعد تميم الذي يجلس على مقعد أمام المكتب، منشغلًا في قراءة أحد المجلات:
"الله يخربيتك، قطعتلي الخلف! عايز إيه يا زفت الطين انت؟"
سأل متأففًا ليرد وليد وهو يتطلع للمجلة، سائلًا في تعجب:
"هو انت بتتفرج على إيه؟"
أغلقها سريعًا ليخفيها عن بصره، فيقول بتلعثم:
"وانت مالك يا أخي، الله!"
": انت من بتوع السيكو سيكو؟ طب ده حتى وحش على صحتك!"
قال ساخرًا فينهض بحنق ليهتف ساخطًا:
"لم نفسك، ثم انت إيه اللي دخلك عندي فجأة وخلاك تقتحم خصوصياتي!!!"
أطبق وليد على شدقيه كاتمًا الضحك، فيرد بجدية:
"كنت جاي أقولك إن التهامي هرب!"
سحب شهقة قوية:
"الله يخربيتك، هرب إزاي، وليه؟"
رفع بكتفيه:
"معرفش، أنا كنت رايحله المكان اللي بنتقابل فيه، لقيته نازل جري وركب عربيته بسرعة، وفي غمضة عين اختفى من قدامي حتى ما قدرتش أمشي وراه عشان أوصله!"
رفع تميم كفيه فوق رأسه يندب حظه:
"يا حزن الحزن يا تميم، ده احنا خلاص جبنا دليل إدانته!!"
كان يتمتم هترًا، فانكمش وجه وليد دون فهم:
"جبته إزاي؟"
": اخرس الله يخربيت سنينك..."
صاح تذمرًا، فصمت قليلًا وهو يفكر، فيهمس لنفسه خوفًا:
"كده حياة مراد بقت في خطر! .. أنا لازم أروح أبلغه حالًا!"
قال لـ وليد ثم هم سريعًا يلتقط المفاتيح وأشياءه الصغيرة مثل الهاتف ومحفظته الجلدية، وأطلق عجلات قدميه في عجلة وقلبه يخفق ارتباكًا.
يجلس هو خلف الساحة على أحد المنصات الخشبية، يتذكر حديث رغد وعما حصل معها.
ارتد إلى حيث كانت تقص روايتها العجيبة والمؤلمة.
هب واقفًا من مجلسه، وتقاسيم وجهه تجهمت واحتقنت الدماء في وجهه غضبًا.
": حصل إيه بعد كده يا رغد، قدر يلمسك؟ اتكلمي، قولي!!!"
كان هتافه شرسًا دون إدراك منه لصوته العالي الذي أرعبها، بينما قلبه ارتفعت ضربات قلبه بهلع، فقالت بنبرة متلجلجة وهي تنفي برأسها:
"لـ..لأ."
عادت هي لذلك الموقف حاكية إليه.
كانت تقاوم كل محاولاته في تقبيلها ولمسها قسرًا، تدفع بيدها المرتجفة، صدره بجم قوتها الواهنة، ونظرًا لحالته قد استطاعت التخلص من تحت يديه، وركضت بسرعة تلتقط بزجاجة خمر كانت موضوعة على منضدة.
رفعت بها وهي تهتف محذرة بأنفاس متسارعة بسبب جهدها في محاولة إبعاده عنها:
"والله لو قربت مني لموتك، ابعد عني."
صرخت بدموع، ووجه قد هربت الدماء منه خوفًا.
التوى شدقه تهكمًا.
هذه الضعيفة تود قتله؟ لن تنجح وسيفعل ما يود فعله بها، ويتركها مذلولة مقهورة.
حركاتها هذه تجعله يستمر فيما يفعله.
اقترب منها بخطوات باردة، وابتسامة مستفزة ترتسم فوق فمه.
رفع بيده كي يلتمسها، لكنها قاومت ضعفها ثم اندفعت بالزجاجة تكسرها فوق رأسه بقوة، ليسقط كالجثة تحت قدميها، والدماء تتدفق من رأسه.
تنظر بصدمة نحوه بوجه باكي غير مصدقة ما فعلت، كانت تود تهويشه ليس إلا.
لتضع يدها فوق شفتيها تكتم الصرخة التي أحست أنها ستنطلق.
كانت مذهولة لدرجة أن يدها الممسكة بالفوهة المتبقية من الزجاجة معلقة في الهواء دون أن تشعر.
وبعد برهة من الزمن ألقتها من يدها بفزع.
لتتفاجأ بـ "سوزي" تقتحم إلى الحجرة مع بعض الرجال وتسألها في دهشة بعد أن ألقت نظرة على الرجل المنبطح على الأرض:
"انتي عملتي إيه؟"
فترد عليها هامسة بوجه باكِ وهي تبتعد عن الجثة:
"والله ما عملتش حاجة، هو اللي اتهجم عليا!"
زمت سوزي شفتيها بحنق ثم هتفت بصرامة:
"بلغوا البوليس خليهم يجوا ياخدوها أحسن ما تجيبلنا مصيبة!"
رمقتها بقرف.
ليرتاع جسد رغد، وتقول متوسلة وهي تجهش باكية:
"والنبي يا مدام بلاش بوليس، أبوس إيدك."
": اخرسي يا غبية، ده انتي هتروحي في داهية."
تذمرت سوزي مما حدث، فقد ضاع عليها بقية النقود التي وعدها بها هذا المغفل.
اللعنة عليه أما يجب عليه أن يعطيها بقية حقها قبل أن يذهب للجحيم؟
وقبل أن تترجل سوزي دخل هو عليهم ينفث الدخان من أنفه بطريقة لعوب:
"استني يا سوسي."
رفعت بصرها إليه لتقول في تعجب:
"عبد العزيز باشا؟"
تجلس أمامه على طاولة في أحد المطاعم الخاصة.
تنكمش في اضطراب، ليسألها:
"مالك مش على بعضك كده ليه؟"
انتفضت من صوته، فقالت بتلعثم وهي ترتجف:
"هو حضرتك يا بيه هتقبض عليا؟ والله أنا مظلومة، هو اللي كان عايز يـ..."
قاطعها بلا مبالاة يومئ بيده:
"عارف عارف .. وأنا مش ظابط، أنا جاي عشان أساعدك."
قال بمكر، لتسأله بنبرة مهزوزة:
"إزاي؟"
بنظرات لؤم:
"عايزك في خدمة صغيرة ولو عملتيها... هخرجك من الورطة دي بسهولة."
أومأت سريعًا كونها ليس لديها خيارات أخرى، فلا أحد سيساعدها وستدخل السجن، ورغم أنها شعرت بالارتياب في نبرته فلم تعترض.
رجعت هي لواقعها وهي تهمس بنبرة متلجلجة بشدة وحروف متبعثرة:
"هي دي بداية تعرفي على عبد العزيز، وأنا والله ما كنتش أعرف الخدمة دي عايزها في إيه، بس أنا خفت أتسجن وأنا ماليش أي حد عشان كده وافقته على طول."
أجهشت ببكاء مع كل كلمة تقولها، حالها كان يتلوى منه مراد، شاعرًا بانقباض غليظ في قلبه على ما بلغت إليه.
مسكينة، حزينة، مكسورة، هشة، انداست تحت أقدام هؤلاء الخونة الغادرين.
ماذا فعلت هذه الطفلة كي يقحموها في كل هذا؟
ليت الزمان يعود وتلتقي به قبل كل ذلك.
جثى على ركبتيه براحة، ثم رفع بيده لوجهها يمحي عبراتها المذيبة لوجدانه، برفق ولمسات تربت على جروحها.
": والله يا مراد، أنا ما كنتش عايزة أخونك، بس أنا خوفت عليك... سـ سامحني."
همست بحشرجة وهي تشعر بألم في أحبالها الصوتية، وكادت أن تنطق مرة أخرى لكن منعها مراد وهو يضع إصبعه فوق شفتيها بلطف، هامسًا:
"ششش، متتكلميش تاني أنا عمري ما زعلت منك عشان أسامحك، أوعدك إني هرجعلك حقك من كل اللي ظلموكي، بس مراد نفسه في حاجة صغننة قد كده."
قال بطريقة مرحة وهو يشير بأطرافه أنه طلب صغير للغاية، لتقول برقة:
": أنا هعمل أي حاجة عايزها مني!"
تبسم وهو يهمس:
"ابتسامة صغيرة أشوفها منورة وشك الجميل ده."
تترقرقت شفتيها الشحابتين ببسمة ناعمة، جعلته يغازلها مداعبًا:
": الله على الجمال، هو في قمر يكشر ويعيط برضو؟"
نفى بطريقة عذبة جعلتها تضحك وتنسى ذلك الألم الملموس والمعنوي.
بينما مراد يحاول كبح دموعه، ويضغط على عقله ألا يفكر في السنوات التي قضتها بمفردها تحارب الحياة القاسية والظالمة.
مستلقي فوق المنصة، ويديه أسفل رأسه يتأمل قطع السحاب الممزوج ببعضه بعضًا، متماسكًا ليكون كتلة كبيرة من الغيوم ليسقط ظلها فوق الأرض، بعد أن اختارت شخصًا محظوظًا تمشي خلفه تقيه من لهيبٍ لاسع.
استفاق من تفكيره على صوت صياحه المزعج:
"مراد، الحق يا عم."
أتدل بجذعه ليرد بكلل:
"ألحق إيه؟"
": التهامي هرب!"
نطق دون تردد ليهب مراد واقفًا:
"انت بتقول إيه؟ هرب إزاي يعني؟"
صاح به مستهجنًا ليروي له ما قاله وليد، فيزفر مراد بقوة.
ليهتف زاجرًا:
"وليه يا شوية أغبياء ما حدش فكر يراقبه؟"
": مهو بعد ما رغد ظهرتلك، انت تعبت، حاولت أقررها وأعرف منها مين اللي سلطها عليك لكن عاطي وعماد منعوني!"
قال مفسرًا ليضيق مراد عينيه:
"تقررها؟ هو انت حاولت تضغط عليها؟"
هتف وهو يمسكه من تلابيبه، ليجيب مستهجنًا:
"انت لست خايف عليها؟ إحنا كلنا اتصدمنا لما شوفناها، ولولا عماد هو اللي خبطها بالعربية وبلغنا بعدها، الله أعلم هي كانت ناوية تعمل إيه!!"
أزال تميم يد مراد عنه بضيق ثم تابع:
"وع فكرة أنا بلغت المدير وطلب مني أقبض عليها وأبدأ تحقيق معاها، فيا ريت بلاش تدخل يا مراد، وسيبنا نشوف شغلنا، وما تنساش إن دي قضية تخص أمن البلد، وهي متورطة فيها، لأنها سرقت الرمز واتسببت في موت عساكر وظباط مالهمش أي ذنب، ده غير إنها عرضتك انت للخطر، وأي محاولة تدخل منك عشان تبرئها مش هتغير حاجة..."
كان تميم يتكلم بجدية صارمة بسبب خوفه عليه، ولا يدري ماذا فعلت تلك المرة كي تجعله يشعر بالشفقة نحوها ويدافع عنها.
فيقترب منه مراد وهو يهمس من بين أسنانه بإصرار:
"وإن قولتلك يا شامي مش هسلمهالك، عشان مصدق إن اللي حصل معاها ضد إرادتها!!"
اصطك على فكيه بقوة:
"بلاش تخسر نفسك يا حديدي عشان واحدة خاينة..."
شدد على آخر كلمة ليجد تميم الدماء تصعد إلى وجه مراد واحتدت عيناه، فيتابع:
"لما اتضرب عليك النار فريدة راحت تبلغ عن اللي حصل من غير ما تفكر، وكل ده عشان خاطر خوفها عليك.. وانت عملت فيها إيه؟ طلبت مننا نحقق معاها، ومع ذلك فضلت جنبك لغاية ما خرجت من وسط الهلاك اللي كنت عايش فيه اللي في الآخر طلع كله وهم، كذبة حقيرة..."
صرخ بسخط، فأردف:
"وبرضه هي مسلمتش منه، وحياتها في لحظة كان ممكن تنتهي، وبسبب مين؟ رغد.. رغد اللي رجعت عشان تدمرك من تاني!!"
"فكر يا مراد بعقلك واعرف مين اللي مستعد يضحي بسعادته وحياته عشان تكون بخير ومين اللي حبك لمجرد احتياج! فكر وبلاش تبقى ظالم وأناني."
رمى بكلماته في وجهه دون أدنى تردد، ثم تركه في حالة من اللا استيعاب.
فيجب أن يفيق لنفسه ويعود لعقله، يكفي ما مر به طيلة سنوات كبيسة.
تلك المشعوذة قد سيطرت عليه كليًا، هل ألقت عليه تعويذة ليسير خلفها دون ذرة تفكير؟
أم أن حبه أصبح صادقًا لدرجة أنه لا يرى هلاكها؟!
جاء المساء، كان المنزل في ذلك الوقت ينشر حالة من السكون القاتل، كل شخص فيه يشكو حزنه العميق للذي خلقه، وآخرين يهربون من المواجهة.
حاول مراد أن يتكلم مع فريدة لكنها تحتبس نفسها داخل الغرفة، فلم يلبث أن يدلف ليطمئن عليها لتصرخ عليه وتنفر منه بشدة، فيضطر مغادرة الغرفة دون التحدث، رغم إرادته الشديدة في ذلك لكن تحذيرات الطبيبة منعته أن يجبرها على الاستماع له.
أبلغت عفاف عن بلوغ المأذون الڤيلا.
فيدلف عز الدين إلى حجرة فريدة ابنته العزيزة، التي قد بهتت ملامحها واختفت البهجة من حياتها، لم يراها هكذا أبدًا، بل كانت دائمًا تحتفظ بتلك الورود الوردية فوق وجنتيها الناعمة.
اقترب منها وطبع قبلة فوق جبهتها بحب، ثم ضم كفتيها بين راحتي يديه، ليقول بنبرة رقيقة حانية:
"حبيبة أبوها أخبارها إيه؟"
تنكس وجهها تتفادى النظر لعينيه، حتى لا يكتشف حزنها وتكسر فرحته، فهو بالأخير سيجتمع مع حبيبة عمره بعد سنوات طويلة.
فترد بنبرة تجاهد أن تجعلها طبيعية:
"بخير يا حبيبي... الف مبروك يا بابا، ربنا يسعدك."
فتحتضنه وتطبق على جفنيها مانعة تلك الدموع الوحشية بالهبوط، لكنها سبقتها وانهالت على خديها رغما عنها.
ورغم محاولاتها البالغة في كتم صوت شهقاتها إلا أن عز الدين قد شعر بها.
ربت على ظهرها وهو يهمس داعيًا:
"ربنا يراضي عنك، ويريح بالك يا بنتي."
أبعدها برفق ليضم وجنتيها بلطف وهو يهمس مشجعًا:
"أوعي يا فريدة تستسلمي وتضيعي حبك من إيدك، اتمسكي بحقك لغاية آخر نفس.. كفاية اللي ضاع منك يا بنتي."
أجهشت ببكاء وهي تقول:
"انت أحسن أب في الدنيا."
ضمتها إليها وهو يقول بنبرة متحشرجة:
"وانتي أحلى وأجمل وأحن بنت في العالم."
حثها عز الدين على التمسك بحبها وهو يبعث في قلبها القوة.
فهي مثل أبيها تعشق بكل ما فيها، قلبها طاهر نظيف، لا تكن الضغينة لأي أحد صادقة جدًا لأبعد الحدود، حتى وإن كانت تختلق الأكاذيب لا تعرف الاستمرار بها.
وبعد كل ما فعلته من أجل عشقها، تكون نهايتها الابتعاد عنه؟ وعدم ضمان وجوده بجانبها هي؟
لا والله، لن يتكرر ما حدث ماضيًا وتُعذب مثل أبيها، بالتأكيد ستنجح وتتخطى تلك المصاعب.
اجتمع الجميع في ساحة الحديقة، يجلس المأذون في على الأريكة، وتوجد طاولة زجاجية صغيرة في المنتصف يضع فوقها دفتر الزواج.
ولا يحضر كتب الكتاب سوى أصدقاء مراد وفريدة، ونيرة قد أبلغت معتز فقط.
خرجت نيرة من غرفتها وما أن رأت فريدة هرولت إليها تضمها في لهفة، ثم قبلتها فوق شعرها.
": مبروك يا نيرو، ربنا يسعدك."
قالت فريدة بنبرة خافتة يظهر عليها التعب.
تبسمت نيرة بسعادة كونها لم تتغير معها حتى بعد ما فعله مراد وأعاد رغد.
ضمتها نيرة إليها وهي تهبط الدرج حتى وصلا الاثنان إلى الأسفل معًا، فتنتبه نيرة إلى رغد التي تتقدم نحوها ترتدي فستانًا بسيط، لتقول بابتسامة:
"مبروك يا أبلة نيرة."
اندفعت فريدة ترفع ببصرها إليها، لتعقد حاجبيها بتعجب واستهجان لنزولها.
فتهتف بحنق:
"نيرة أنا هستناكي برة، يا ريت متتأخريش!"
همت بالذهاب ليوقفها هذا النمر الخائن كما أطلقت عليه مؤخرًا، وهو يهتف مناديًا باسمها بصوته المخملي الذي يصهر جمود قلبها الأرعن.
فتلتفت ببطء وهي تحاول إظهار الجمود، ليقول بحنو وهو يتقدم إليها:
"استني هنخرج سوا."
": وبمناسبة إيه ان شاء الله نخرج سوا يعني!!!"
سخرت، ليرد عليها متهكمًا:
"هو أنا بقولك رايحين نتفسح يا بنتي؟"
لتنتبه فريدة لضحكة بسيطة خرجت من حنجرة رغد، فتجز فوق أسنانها بغيظ شديد، فتعود ببصرها لـ مراد وهي تصيح متذمرة:
"بقولك إيه، مالكش دعوة بيا ومتوجهليش أي كلام، لأني مش هرد عليك أصلاً."
واستدارت كي تترجل للخارج، لكنه أسرع وأمسك بيدها يلفها إليه باندفاع، فتصرخ به:
"انت ازاي تعمل كده؟ ابعد إيدك عني."
سحبت يدها منه بنفور، بينما هو يعلق زمردتيه على حركاتها، فقد اشتاق حقًا للمشاجرة معها ولزمجرتها العنيفة.
فانتبه إليها تهتف محذرة بقوة:
"إياك تحط إيدك عليا مرة تانية، انت معادش ليك الحق في كده."
صدرها يعلو ويهبط بأنفاس مضطربة، وعلا وجهها الاستياء.
بينما هو ثبت نظره عليها دون إظهار أي رد فعل، وهذا استفزها كانت تود رؤية الاشتعال يغلي في عينيه ويصرخ قائلًا "أنتِ ملكًا لي وحدي، ولي الحق بكِ".
لكنه خيب ظنها وهذا دفعها لتركض إلى خارج المنزل قبل أن تنفجر تلك الدموع من مقلتيها وتضيع كرامتها.
ألقت نيرة نظرة احتقار بين رغد ومراد ثم لحقت بفريدة.
تسير نحو الحديقة فتهرول وتجلس بجانب والدها تختبئ تحت ذراعه.
وبعد لحظات قد ظهرت نيرة، التي قد تورّدت وجنتيها فور وقوع عينيها على عز الجالس بجانب المأذون.
ثم جاء مراد وخلفه رغد، التي قد أثار ظهورها عبوس وجوه الجميع.
شعرت بالإرتباك من نظراتهم، وحاولت التمسك بيد مراد الذي فورًا سحبها، ليتقدم ويجلس بجوار المأذون بالجانب الآخر.
فانتبه الجميع على صوت المأذون وهو يبدأ كلامه بالحمد لله والصلاة على رسوله، ثم شرع في بدء تسجيل بيانات مراد كوكيل لها، ثم يهتف متسائلًا:
"أين بطاقات الشهود؟"
أخرج خمسة أشخاص بطاقات الهوية في نفس اللحظة، ليهتف عماد:
"إيه يا جدعان ده؟ هو إحنا فينا من الحركات دي؟"
تميم متعجبًا:
"حركات إيه؟"
": ماينفعش إحنا الخمسة نشهد، هما اتنين بس!!"
رد عليه عماد ببساطة ليقول تميم مستنكرًا:
"إزاي الكلام ده؟ ده أنا يوم فرحي شهدوا على الجوازة 7 أنفار!!"
قهقه عاطي ثم قال ساخرًا:
"يمكن عشان انت مش مضمون مثلاً؟"
ضحك الجميع فرد عليه تميم وهو يلقي عليه نظرة استهزاء:
"ما بلاش انت يا اللي هربوا منك كل الشهود!!!"
لن يتخلص أحد من مشاكسات هذان الرجلان إلى النهاية.
فحاول عماد فض النزاع بينهما ليقول:
"اسمعوني طيب عشان نخلص من الحوار، أنا عن نفسي متنازل عن الشهادة دي، لأن مراد باشا وعدني هشهد على عقده على الآنسة فريدة!"
ابتسامة بلهاء ارتسمت على وجوه معظم الرجال الواقفين، بينما رغد نهضت من مكانها في دهشة ممزوجة باستياء.
ليتطلع معتز في تعجب وتشوش.
هل تحب مراد؟
لتهب فريدة من مكانها وتهتف مزمجرة:
"ومين قالك إني هتجوزه أصلاً!!!"
": ما خلاص بقى!"
اندفع مراد بحدة، كونها قد وجهت كلامها لآخرين وهو لا يحبذ أبدًا تتكلم مع أحد غيره، حتى نبرات صوتها لا أحد يحق له أن يستمعها سواه.
اقتطبت معالمها لتهتف:
"ما تشخطش فيا!"
اقترب تميم من أذن عماد ليهمس:
"الحق يا ض يا عماد، الليلة هتخرب بسببك!"
ليحرك عماد رأسه قليلًا وهو يتمتم بصوت خفيض:
"أنا لو اتدخلت دلوقتي مش بعيد مراد باشا يفجرنا كلنا، ويسحب فريدة بعيد عن الفيلا ويعمل معاها اللالّي!"
انكمش وجهه متعجبًا:
"إيه اللالي ده؟"
همس مجيبًا:
"دي حاجات لو عرفتها تبقى عمدة!"
صمت تميم لثوانٍ يفكر ما هو «اللالّي» ليصبح عمدة فقد شوقه هذا الأحمق لمعرفته.
فيتنبها الاثنان لهتاف المأذون:
"لو سمحتوا يا شباب، كل شيء بالخناق إلا الجواز بالاتفاق، وأنا مش عايز غير بطاقتين بس."
": وأنا هنا يا عم الشيخ."
جاءهم صوت أسامة من بعيد وهو يدلف مع الحارس الذي يمسكه من ذراعه، ويقترب نحوهم.
فما أن رآه مراد تجهم وجهه وأصبحت ملامحه قاسية.
مالت نرمين قليلًا تهمس لـ نيرة:
"واضح إن جوازتك معقدة يا نيرة هانم."
انكمش وجهها بملامح باكية بطريقة طفولية.
فترى مراد يتقدم نحوه وهو يصيح:
"انت إيه اللي دخلك هنا؟"
أزاح تميم عاطي وهادي من أمامه، وهو يشير لمراد بيده:
"بس يا مراد سيبلي أنا الطلعة دي عشان اتخنقت!"
تحرك نحوه ليقف أمام أسامة سائلًا:
"انت حرامي ياض مش كده!"
": حرامي إيه يا باشا لأ طبعاً!"
أجاب أسامة نافيًا، ليكمش تميم على منكبه ويهتف بخشونة:
"انت هتنكر كمان!"
ارتبك أسامة من نبرته، لينهض عز الدين ويتحرك صوبه، فيأمر الحارس بهدوء:
"سيبه يابني، أنا اللي عزمته .. وانت يا تميم يابني ده مش حرامي، انت فاهم غلط!"
وجه عز كلامه لـ تميم، فيهتف متأففًا بطريقة مضحكة:
"اللاه! ولما هو مش حرامي بتخلونا نتقمص شخصية شيرلوك هولمز ليه؟"
تركه تميم بضيق ثم عاد إلى موقعه، فتمتم عاطي لنفسه:
"عليا النعمة ولا حصلت حتى المحقق كونان!"
صاح الحارس:
"أسيبه يا مراد باشا؟"
أماء مراد إليه يتركه.
ليلقي عز الدين زرقاوتيه على مراد بينما يقترب ليرجع ويتابع الإجراءات، والذي احتقنت الدماء في وجهه.
جاهد عز ألا يبتسم بانتصار، كونه قد دعا أسامة كي يستفزه به، ويرى غيرته التي تبين مدى حبه لـ فريدة.
رغم أن أسامة ليس شخصًا أفضل من مراد، لكنه يحب فريدة، وهذا سبب كافي لجعل النار تشتعل في قلبه.
الجميع جلس فمد أسامة بطاقته الشخصية كي يشهد، فنفخ مراد الهواء من فمه وكأنه ينفث اللهيب.
أشار عز إلى أسامة بالسكوت ثم هتف المأذون:
"خلاص نبتدي كتب الكتاب؟ ولا معاكم خناقات تانية؟"
سخر ليهمس تميم من بين أسنانه بحنق:
"يا عم انجز ده انت مأذون رزل!"
تنحنح المأذون ثم نقل بيانات العم شفيق وعاطي، بعد أن اتفق الجميع عليهما.
العم شفيق بالطبع هو أولى من أي أحد، فكان هو شاهدًا من طرف عز، وعاطي من طرف مراد.
مد مراد يده يمسك بـ كف عز، ثم غطى المأذون كفوفهم بمحرمة بيضاء فشرع في قول صيغة النكاح والآخرين يرددان خلفه بترتيب، بينما مراد في تلك الأثناء يعلق حدقيتيه على تلك التي قد هزت نبضات قلبه.
لا يعلم لم يفكر بها فقط وكأن العالم من حولهما متلاشي تمامًا، ولا أحدًا فوق الأرض سواهما.
فينتبه على صوت المأذون وهو يعلن رسميًا عز ونيرة زوجين بقوله الجملة الشهيرة:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
انطلقت زغرودة من نرمين ثم صاحت بمرح:
"أخيرًا."
تهللت أسارير نيرة واتسعت بهجتها، فقامت فريدة بعناقها بفرحة وهي تهمس بسعادة صادقة:
"الف مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك."
مسحت نيرة على ظهرها وهي لا تصدق أنها وأخيرًا أصبحت زوجة لأبيها، وبالتأكيد ستكون أمًا حنونة لها.
بينما رغد كانت تتطلع إليهما وهي تحسد فريدة على تلك الضمة الحانية واللطيفة، التي تتمناها طوال عمرها ولم تلقاها أبدًا.
بنفس الليلة ف الساعة الثالثة فجرًا يجلس هو على أريكة بالساحة، يتذكر ذلك الوجه الرقيق الذي حُفرت ملامحه الجذابة داخل قلبه قبل عقله.
ينظر إلى السماء فيجد نجمة بارزة بها.
تلك تشبهها حقًا، لا بل سحابته أجمل بكثير.
نمت ابتسامة عريضة على محياه يتذكر حماقتها اليوم وهي ترفض عرض زواجه بتذمر وكأنه بالفعل طلب يدها.
فاستمع إلى صوتها:
"بتبتسم كده ليه؟"
اعتدل ينظر لتقع عيناه على رغد التي ترسم بسمة بريئة على فمها، فيقول متعجبًا:
"انتي إيه اللي صحاكي دلوقتي؟"
اقتربت تجلس بالقرب منه وهي تهتف:
"أنا ما نمتش أصلاً! مبسوطة لأبلة نيرة إنها رجعت للي بتحبه واتجوزته!"
قالت وعلامات الغبطة تعلو ملامحها، فتردف بعفوية وعينيها تلمع بوميض بهجة:
"يا رب كل اللي بيحبوا بعض يبقوا مبسوطين كده..."
صمتت لوهلة ثم همست بيأس:
"لو ما كانش كل اللي فات حصل معانا، كان زماني مراتك دلوقتي!"
تفاجأ مراد بها تنطق بكلماتها هذه، التي التفت في عقله كالمروحة، دفعته للتفكير فيما تقول.
ثم يفيق من شروده على صوت أيقظ قلبه:
"أجيب لكم اتنين لمون يطريلكم القعدة الحلوة دي، ولا أجيب لكم المأذون وتطلعوا تشربوه فوق!!!"
حرك رأسه نحو التي تقف أمامه وشرارات الغضب، والكره والحقد تستقر بمقلتيها، وتقاسيمها سكنتها جم المشاعر الشرسة.
حتى جعلت مراد ذلك النمر القاسي يزدرد لعابه بعد أن أصابته ربكة وكأنه قبض عليه بالجرم المشهود.
رواية ظل السحاب الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم آية حسن
كانت تنظر لهما نظرات استهجان ونفور، بوجهها العالي بشدة والذي سيتحول بعد قليل إلى إعصار.
نهض مراد من مجلسه وضربات قلبه تعلو، يتطلع لها في اضطراب.
ابتلع لسانه غير قادر على إخراج أي كلمة.
هل أصبح خائفًا من رد فعلها الآن؟
فتصرخ به توقظه من حالة التيبس:
ما تنطق إيه اللي مقعدتك معاها ف الوقت دة؟
ردت عليها رغد بعفوية:
قاعدين بنتكلم مع بعض، عادي.
إجابتها هذه جعلت الغليان يسري في جميع جسدها، فتنقل مقلتيها إليها وترسم ابتسامة صفراء، وهي تقول بهدوء مزيف:
عادي أمال إيه!! قاعدة مع حبيبي لوش الفجر فعادي بقا!
سخرت وهي تحاول الاحتفاظ بسكونها، بالكاد يهمس بصوت متلعثم:
فريدة، أنا...
قاطعته بشراسة:
انت خاين... خاين وتستاهل واحدة خاينة زيك.
نعتها هذا كان كفيلًا بدفع الدماء للفوران بقوة في أوردته.
فيصيح بصوته الأجش:
فريدة!
هاتفته بنبرة حادة:
اخرس وما تجيبش اسمي على لسانك، انت حيوان ومتستاهلش كل حاجة حلوة أدتهالك... فعلاً الطيور على أشكالها تقع!
قالت وهي ترمق رغد من أعلى إلى أسفل باحتقار.
استدارت لتذهب لكنه قبض على معصمها وجذبها إليه.
فتضغط على فكيها بقوة، لتهمس من بين أسنانها بشدة:
ابعد إيدك النجسة دي عني، وما تلمسنيش قولتلك!
اتسعت عينيه، لم يصدق ما يسمعه منها.
أزالت يده عنها وهو يرى هيجان بحر عينيها.
نقلت نظرات اشمئزاز بينهما ثم انسحبت لتعود إلى حجرتها، لتشعر بالعبرات تسيل بحرقة على وجهها.
وكأنها في تلك المرة لم تخونها وساندتها كي لا يشعر بضعفها أمامه.
يقف كالأبله يراقب تحركها وهي تغادر، غير واعي بما حدث للتو.
رجعت رغد بعينيها إليه لتقول:
مراد متضايقش نفسك... مُرا...
لتجده يتركها ويهرول مسرعًا خلف فريدة، فتجلس هي بيأس مكانها.
دلف مراد إلى الڤيلا وصعد إلى غرفة فريدة والتي وجدها تحزم أمتعتها في حقيبة في غضب.
هل تنوي الرحيل؟
فريدة انتي بتعملي إيه؟
سألها في هدوء وهو يتابع ما تفعل بعينيه، فتصرخ به متذمرة:
مايخصكش... واطلع برة خليك مع الست هانم اللي رجعتلك بعد سنين عذاب ومعاناة، رجعتلك بعد ما جرحك طاب.. بعد ما نزعت الشوك منك وزرعته فيا، وبقيت شخص سليم وطبيعي.
تتمتم بكلماتها وهي تدفع بالملابس داخل الحقيبة.
تشعر بانشقاق قلبها إلى نصفين.
اقترب منها وأمسك ذراعها يوقفها عما تفعل وهو يشعر بالأسى نحوها.
فتردف بعينيها اللامعتان بدموع الانكسار:
6 سنين وانت حاسس بالذنب ناحيتها، 6 سنين وانت قافل على نفسك وقلبك اللي وهبته لها، 6 سنين معذب نفسك واللي حواليك عشان خاطر وهم وكدبة دمرتك، وأنا ظهرت ف حياتك.. جيتلك وانت متبهدل، قلبك مشوه.. حاولت بكل الطرق أوصلك إنك انسان ومن حقك تخرج من حزنك.. استحملت منك إهانات وضرب وزعيق.. عشان بس أشوف ابتسامتك منورة وشك.
لينكمش وجهها تلقائيًا ببكاء وبقلبٍ منفطر، وهي تتابع:
عملت كل دة عشان مجرد أشوف نظرة فرح ف عيونك، من غير ما يبقى عندي أي نية إني آخد حاجة منك، ف الآخر جزاتي إنك تمشي وتروح لها بعد ما رجعت من غير ما تفكر في مشاعر الغلبانة اللي اتنازلتلك عن كل حياتها.
رفعت يديها فوق كتفيه لتهزه وهي تهمس معاتبة بألم يعتصر فؤادها:
جزاتي إنك تخوني يا مراد!!!
أطبقت على جفنيها بأهدابها المبللة بدموع الغُمة، محاولة أن تسترد أنفاسها، بعد اخراج كتلة كبيرة مما تشعر به وتحتبسه داخل صدرها.
تنبثق قطرات لامعة من هذا النمر وتنهمر الدموع فوق شفتيه لأول مرة، وهو يشعر بالاختناق في شرايين قلبه، على ما تسبب في توصيلها لهذه الحالة من الإحباط والإكتئاب.
ليهمس بصوت متحشرج:
والله ما خونتك.
رفعت بصرها لتقول هامسة بصوت منكسر:
راجعة معاك البيت وإيديها ف إيدك، وتقوللي مش خيانة!!.. دة انت اتخانقت مع صاحبك لما قالك إنه هيقبض عليها ومنعته ياخدها، وتقوللي مش خيانة؟؟؟
انت سامحت رغد على اللي عملته فيك، بس أنا لا يمكن أسامحك على جرح قلبي اللي اتسببت فيه، لأنك إنسان ما بتفكرش غير ف نفسك ومتستاهلش إن حد زيي يكمل معاك حياته.
صمتت لوهلة تلتقط أنفاسها المحتسبة ثم قالت وهي تدفعه براحة:
أخرج برة، عشان مش طايقة أشوف وشك.
حاول مراد التقرب منها بحالته الضعيفة، لكنها إزاحة يده بقوة لتزجره:
قولتلك ما تحطش إيدك عليا! وأخرج برة خليني أغير هدومي عشان أمشي!
لا يا فريدة مش هتمشي.
صاح بقوة وخفقات قلبه تتصارع بين جدرانه، لا يتحمل رؤيتها في هذا الوضع، ليردف:
انتي أصلاً مش من حقك تسيبي البيت غير لما أنا آخد قرار!
آخر كلمة كانت كفيلة أن تندفع ببصرها إليه في بهوت، شطاط ناري يتسلل نحو حدقتيها ليشعل براكين الغضب بداخلها.
ضيقت عينيها:
تاخد قرار؟ بقا أنا بقيت موضع اختيار بالنسبالك؟
همست باستهجان وهي تشير لحالها.
ليضيق مراد ما بين حاجبيه متعجبًا، فاستمع لصوتها الصارخ وهي وتتحرك لتلتف بالغرفة:
بقا انت مخليني هنا عشان تاخد قرار في علاقتنا؟ محتار ما بيني وبينها؟؟
لأ يا فريدة، والله انتي فهمتي غلط.. أرجوكي اسمعيني!!
حاول أن يشرح لها ما يقصده لكنها احتجت وشارعت في دفعه لخارج الحجرة:
أخرج برة، وبرة حياتي كلها يا مراد، أنا متنازلة عنك ليها عشان انتوا الاتنين شبه بعض، غدارين.
أزاحته للخارج قبل أن تصفع الباب بشدة خلفه، ظل يدق الباب بقوة وهو يتوسلها أن تعطيه فرصة ليوضح سوء فهمها، فهو لم يقصد أبدًا "بأخذ القرار" بشأن علاقتهما سويًا، بل كان في نيته أن ليس من حقها الذهاب دون أن يسمح لها بذلك، فهو حبيبها وأيضًا مسؤول عنها في غياب والدها الذي راح يقضي ليلة زفافه في أحد الفنادق.
كيف سيتركها ترحل؟ ولمَ من الأساس!!
لم يكن عالمًا أن مجرد كلمة ستجعلها تضطرب هكذا وتحدث المغالطة، سُحقًا أما يجب أن يفكر قبل نطق تلك الكلمة اللعينة.
ألصق جبهته بالباب، وهو يهمس بصوته الشجِن والذي أصابته بحة تثير أوتار القلوب:
فريدة عشان خاطري اسمعيني يا حبيبي، أنا عارف قد إيه زعلتك وإنك عانيتي كتير بسبب تهوراتي، وإني مستاهلش أي حاجة عملتيها عشاني، بس أنا عايزك تعرفي إني بحبك أوي أوي، وإنك لو بعدتي عني هدمر بجد، انتي متعرفيش أنا حاسس بإيه ولا دموعك بتحرق ف قلبي ازاي.
انتي حبي الحقيقي، لو خسرتك هبقى بخسر نفسي ومش هقدر أكمل حياتي بعدك، اديني فرصة أثبتلك حقيقة مشاعري، أرجوكي!
أطبق على جفنيه بقوة، مشددًا على آخر كلمة في إلحاح.
كانت الأخرى تتابع ما يحدث من أمام غرفتها، مبهوتة من انهياره والذي لم يفعله أبدًا معها، هل يخاف فقدانها؟
ماذا فعلت تلك الصغيرة كي تدفعه للخضوع أمام راحتها لهذه الدرجة؟ يا لحظها الوافر.
ليتها لم تستمر في خدعتها كان ليصبح هذا الضعف تحت قدميها.
ابتعدت فريدة عن الباب وهي تمسح دموعها، تكافح بكل الطرق ألا تنقاد نحو مشاعرها تأثرًا بكل سهولة من نبرات صوته الحريرية.
نبضاتها بدأت تزعجها بسبب رج قلبها الذي كاد يكسر قفصها الصدري محاولًا الزامها بالإنصياع له.
لكنها ترفض بشدة واهية.
أغلقت الحقيبة، وسحبتها بعد أن أنزلتها من فوق الفراش وتحركت نحو الباب والذي كان موصدًا من الخارج، حركت المقبض في تأفف، ثم ضربت الباب براحة يدها متذمرة.
ليستمع مراد إلى صوت ارتطام عنيف بالأرض، أسند أذنه على الباب يتصنت على صوتها ليطمئن عليها، فسمع تمتمات حانقة فابتسم بخفة ثم عاد يجلس أمام الباب على مقعد كمراقب لها بقية الليل.
أهي نيرة اتجوزت يا نانسي، قولتيلي هتتصرفي قبل ما يحصل ومعملتيش حاجة؟
صاح عثمان تذمرًا، والعبوس يسيطر على ملامح وجهه.
فتندفع الأخرى ملتفتة إليه وتهتف متأففة:
أنا مايهمنيش نيرة ولا زفت، أنا كل اللي يهمني هو انتقامي من مراد.. وبعدين تعالى هنا هي نيرة عملتلك إيه عشان تكرهها كدة؟ دي حتى لا بتصد ولا بترد!!
همس بحقد ووميض الغل ينفجر من مقلتيه:
أنا بكرههم كلهم، حتى يوسف أخويا بكرهه، وما كنتش عايز حد فيهم يبقى سعيد ومبسوط ف حياته، عشان كدة كنت بحاول بكل الطرق أهدم سعادتهم!
ضيقت نانسي عينيها بعدم فهم، وهي تتابع سير عثمان أمامها فيجلس ع أحد المقاعد، ليردف قائلًا بنبرة شجية وهو يتطلع للا وعي متذكرًا:
زمان لما جه أخويا يوسف الدنيا، أبويا وأمي كانوا فرحانين بيه وكنت أنا تقريباً عندي 6 سنين، كانوا مهتمين بيه أوي عني، وبيجبوله كل حاجة نفسه فيها، أنا سابوني تربيني الدادة، وهو كان واخد كل الإهتمام والحب، حتى لما كبرنا برضو كان هو الابن الجميل والطيب عندهم.. لغاية ما جات اختي نيرة اللي ماكنتش أقل من يوسف ف الحنان خدته.
التمعت عيناه بغشاء من الدموع، فيكمل بصوت حزين متأثر:
ولما كنت بسأل أبويا وأمي، ليه مش بتحبوني زيهم؟ كان ردهم.. عشان هي آخر العنقود وأخوك كان تعبان بمرض القلب لازم نهتم بيه... حجج خايبة ملهاش أي معنى بالنسبالي، غير إنهم انهم ظَلمة وأنانيين، كنت حاسس بفرق كبير بيني وبينه، بسببهم زرعوا جوايا الغيرة من صغري، وعملوا فجوة بيني وبين اخواتي، ف بقيت بكرهم ويتمنى أشوفهم متعذبين! عشان خدوا مني كل حاجة حتى انتوا فرق ف معاملتكم، كان جدك يفضّل مراد عليكم ويدلعه ويجيبله هدايا أما أخوكي معتز كان آخر همه!!
لينهض وهو يهمس بنبرة شيطانية وهو يسير بططء وتلحقه نانسي:
ف قررت بعدها إني أحطمهم زي ما حطموني، وكانت نقطة ضعفهم كلهم هي نيرة، روحت لعز وهددته لما حسيت إن أبويا هيتساق ورا مشاعره ويوافق على طلبها، برغم قوته وعجرفته، إلا إنه كان ممكن يوافق لو ضغطوا عليه، وأهي عاشت شبابها كله من غير جواز، رغم إن حالها عرسان من كل الأصناف، سُفرا ومهندسين ورجال أعمال، أكبر الشخصيات العامة كانوا مستعدين يترموا تحت رجليها بس توافق، بس هي كانت بتحب عز الدين ومستعدة تموت ولا تبقى لراجل غيره، أبويا من صدمته فيها وخوفه عليها، بعت يدور على عز ف كل مكان وكل حتة عشان يجوزه ليها، لأن باللي بتعمله دة هتضيع عمرها وتخسر أجمل سنين شبابها، بس عز كان ساب الحتة اللي كان ساكن فيها، وأنا طبعاً عملت المستحيل عشان ما يوصلش له، لغاية ما فجأة تعب أوي ومات بعدها على طول.
ليستدير لها وعيناه تشرق بهجة وفرحة بما صنع:
بس عارفة إني فرحت أوي لما مات وهو زعلان عليها، حسيت إني خدت شوية من حقي.
اقتربت منه وتضع راحتها فوق منكبه لتقول بنبرة حاسمة وكأن الحية السامة هي من تتكلم:
ولسة يا بابا، هكملك انتقامك لما أدمر حياة مراد على الآخر، انت بس خليك ورايا وصدقني هتشوف ازاي كل دة هيتقلب عليهم!
وقف مراد بسيارته أمام مبنى المخابرات.
ظل باقي الليل يجلس بجوار باب الغرفة يحرس فريدة ليس لأجل الهروب، لكن بين الوقت والآخر يدخل خُفية كي يطمئن عليها، هل هي نائمة أم ما زالت مستيقظة.
ليجدها مستغرقة في نوم عميق تحتضن وسادة كمن تود أي شيء يضمها ويربت على ظهرها تستمد حماية وطمأنينة منه.
يا لحظها تلك الوسادة فصغيرته الحبيبة والجميلة، تحتضنها بين ذراعيها الحنونين، والذي يهوى وبشدة الولوج إليهما والسكون بين عطفهما المنان.
استمر في إطلالاته عليها إلى أن فردت الشمس نورها فوق سطح الأرض، تضئ ما حولها وتكشف حقيقة قلوب البشر.
فتركها وذهب يتحمم ثم ارتدى ملابسه وخرج يتابع مهامه حتى ينتهي من هذه الحرب التي تسببت في تشتيتهم عما كانوا ينوون.
ولج مراد داخل الجهاز فيتحرك نحو المصعد الكهربائي ويركبه ثم بعد ثوانٍ بسيطة يقف به ويدخل إلى أحد المكاتب، ويلقي التحية العسكرية إلى اللواء حسين.
اقترب منه مراد وسلم عليه بحرارة ثم أشار إليه اللواء بالجلوس.
اللوا سميح كلمني، وقاللي على اللي انت طالبه، بس انت متأكد من اللي عايزه دة؟
هز مراد رأسه ببطء، وعيناه تلمع بوميض حازم، ناويًا إنهاء جميع الصراعات.
فتحت جفنيها وهي تتطلع إلى المكان ثم هبت من مضجعها، ونهضت من السرير فورًا متوجهة صوب الباب.
ضغطت فوق المقبض لتجده ينفتح بسهولة.
لم يود مراد حبسها هو فقط أراد تهدئتها وإرسال اليقين لفؤادها.
خرجت فريدة وهرولت صوب الدرج، لكنها توقفت فجأة وعادت أدراجها فتلمح حجرة مراد مفتوحة.
تعجبت، فهي تعلم أن له فترة لا يدلف إليها.
أذًا مَن من الممكن أن يدخلها؟ هل...؟
اصفر وجهها الذي يتحول تدريجيًا إلى اللون الأحمر، لتهرع في اتجاه الغرفة فورًا، وتدلف للداخل بعد أن فتحت الباب على الأخير بعنف.
لتراها تقف تتأمل المكان بشرود واليأس والأسى يحيط معالمها.
فتنتفض للصوت الذي أصدره الباب عندما دفعته فريدة واصطدم بالحائط.
لتلتفت في ربكة.
انتي إيه اللي دخلك الأوضة دي؟
هتفت فريدة بحنق، والغضب يشتعل في حدقتيها.
فتتلعثم الأخرى وهي ترد:
أنا...أنا كنت بس...
قاطعها بنبرة يائسة:
انتي إيه يا شيخة؟ معندكيش إحساس؟ جاية تتسهتني عليه عشان يرجعلك؟
نفت برأسها ثم همست:
والله لأ، أنا بس سمعت صوت غريب ف الأوضة واتفاجئت.
قاطعتها وهي تحاول تمالك نفسها:
أيوة، دة صوت عفشك اللي كاره وجودك!
سالت دموع رغد وهي لم تكن على علم بأن مراد ما زال يحتفظ بأشياءها القديمة.
ضحكت فريدة ساخرة:
لا يا قلبي دموعك دي توفريهم لمراد، لكن أنا...
أصدرت صوت من شفتيها المكتنزة للأمام يدل على النفي وهي تحرك رأسها نفيًا:
تؤتؤ مبتأثرش بدموع الندم دي!
أصل أنا بكره الخاينين واللي بيقطعوا الإيد اللي اتمدت لهم.
قالت باحتقار وهي تطبق على أسنانها، لترفع رغد وجهها وتزيل دموعها بضعف، لتهمس بتقطع في صوتها:
أنا عمري ما خنت مراد، بس الظروف جبرتني أعمل كدة!
ضحكة موجوعة انطلقت من حنجرة فريدة، فتنظر لأعلى وهي تحرك مقتليها المبتلة بحزن، لتهمس بصوت متحشرج وهي تشعر بثقل في خفقات قلبها الصغير.
أنا كمان الحياة حطتني جوة دايرة كبيرة أوي عليا، فضلت تخبط فيا بمصاعبها، وملقتش حد يخرجني منها ويحطني ف مكان دافي يطبطب عليا.
رفعت رأسها تنظر نحوها:
لكن انتي لقتيه، وكان مستعد يديكي كل اللي بتحلمي بيه، ومع ذلك روحتي واتفقتي عليه مع ناس زبالة عايزين يوقعوه، ويدمروا حياته وبإيد مين!!! بإيدك انتي.
صرخت بعصبية، جعلتها تجهش باكية:
والله غصب عني، انتي متعرفيش أنا اتعرضت لإيه ولا كنت بتعذب ازاي ف بعدي عنه، كنت بموت.
أنت لو بتحبيه بجد كنتي موتي نفسك على إنك ترجعيله تاني وتجرحيه، رجوعك مالوش أي مبرر غير احتياجك له!
قالت بصوت مختنق:
حاولت أموت نفسي بس قدري جمعني بيه، وخلاني أشوفه تاني.
تصرخ بوجهها:
لا مش قدرك! انتي مالكيش نصيب ولا قدر مع مراد، أبدًا يا رغد.. أبدًا، عارفة ليه؟ عشان ربنا ما يرضاش بالظلم، ربنا جمعه بيا أنا عشان احنا لبعض، ومكتوب علينا من فوق سابع سما إننا لبعض، ظهورك ف حياتنا تاني مش هيغير اللي مكتوب... ربنا بس بيختبر صبرنا وبيختبر قوة حبنا، وأنا واثقة إن مراد قلبه ودمه بيجري فيهم اسمي أنا وبس.
قالت هكذا حتى تؤكد لها بأن ليس لها مكان بينهم، وأن ندمها لن يغير أي شئ في حقيقة عشقها الأوّلي.
فترفع رغد بصرها إليها وتهمس بعد أن ابتلعت ريقها:
خلاص سيبيه هو يختار ما بينا لو واثقة فـ حبك كدة، واتأكدي لو اختارك هبعد عنكم!
اتسعت عيني فريدة بذهول، أهي تنتظر أن يختارها؟ كيف لها أن تفكر بهذا؟
احتبس الدم في وجهها وبدأ يتحول هذا الغيظ إلى أنفجار.
دفعتها فريدة بقوة حتى سقطت للخلف فوق الفراش.
واقتربت منها تميل بجذعها لتحاصرها بين يديها.
انتي لسة عندك أمل إنه يختارك؟
حاولت ألا تظهر خوفها، بل تشجعت وتمسكت بحقها الوهمي:
أنا أول حب لـ مراد، وهو محتفظ بذكرياتي كلها ف أوضته قبل قلبه!
كانت تشير بعينيها حولها مؤكدة كلامها.
عبست ملامح فريدة، أحست أنها تريد أن تنهش أحشائها بين أسنانها.
لم تكتفِ بذلك بل تابعت قائلة بنبرة خفيضة:
انتي نفسك يا فريدة عارفة كدة، بدليل إنك محاولتيش تطرديني، بالعكس كنتي عايزة انتي تسيبي البيت عشان عارفة إنك ملكيش مكان فيه او ف قلب مراد، هو بس كان محتاج ينساني بيكي!
ضُخت النيران من أول رأس فريدة إلى آخر قدمها كأنها المدخنة.
وستُحدث انفجارًا سيأكل كل ما حولها حتى هي ستحترق بتلك النار.
اعتدلت فريدة فورًا وتيبس جسدها لبرهة من الزمن وهي تنفث أنفاسًا متأججة، تلامس رغد التي أحست بسخونة الهواء حولها، غير نظراتها الشرسة جمدت الدماء في عروقها.
ورغم ذلك لم تحاول أن تغير حديثها، بل أصرت على موقفها وأن لها الحق به كمثلها.
بعد كل المعاناة التي عاشت فيها، لن تتنازل عنه!
ضيقت ما بين حاجبيها في تعجب وهي تجد فريدة قد التفت وهرعت للخارج سريعًا.
تركض فريدة بالممر وهبطت الدرج وهي تشعر بالاختناق يسبح في صدرها.
هرولت بسرعة إلى المطبخ تطوف بعينيها كمن تبحث عن شئ، فتدخل السيدة عفاف لتجدها فتتساءل:
بتدوري على حاجة يا فريدة؟
لم تجيب بل يبدو أنها قد حصلت على ما تريد، تحركت نحو منضدة المطبخ لتمسك بصفيحة زيت مقاوم للصدأ ويشتعل بفعل النار.
حملته ثم جذبت علبة الثقاب، فترجلت بسرعة لتصعد الدرج وتعود حيث كانت، تحت نظرات جميع العاملين.
فتتساءل احداهن:
هي فريدة واخدة الجاز ليه؟
ردت عفاف بارتباك وهي تنظر للأعلى:
مش عارفة.. أنا لازم أكلم مراد باشا!
خرجت نانسي من الڤيلا لتجلس بالساحة على الأريكة واضعة ساقًا فوق الأخرى.
ترتدي سماعات الأذن وهي تحادث أحدهم.
جاهزين وعارفين هتعملوا إيه؟
ليأتيها صوته من السماعة:
متخافيش يا آنسة، احنا قدام البيت دلوقتي، مستنيين الوقت المناسب وهنفذ!
هاتفت محذرة:
خدوا بالكم كويس، وأول ما تنفذوا أدوني ماسدج! .. سلام.
أغلقت نانسي الخط ثم تنهدت بقوة كأنها على وشك الانتصار وبلوغ نجاحها، فتهمس لنفسها ببسمة لعوب:
خلاص هانت يا مراد، بحق القلم اللي خدته منك لكون مغرقاك ف الجحيم!
دلفت فريدة مرة أخرى وهي تمسك بالزيت، فانتبهت لها رغد.
التي لاحظت ما في يدها وهربت الدماء من وجهها، لتتساءل باضطراب في نبرتها:
انتي هتعملي إيه؟
رفعت بالصفيحة البلاستيكية واضعة راحة يدها أسفله والأخرى ممسكة باليد، لتهدر بتمرد:
ناوية أحرق كل ذكرياتك عشان ما يبقاش في حاجة ليكي لا ف قلبه ولا ف بيته!!
قالت بنبرة مرتجفة:
بلاش جنان يا فريدة، اللي بتعمليه دة مش هيغير ف الواقع حاجة!
صرخت بعنف:
اخرسي... لو الواقع إني أكون شريرة ف نظر مراد ف أنا مستعدة أعمل كدة، ولا إنك تهدي اللي بنيته!
تحركت حتى تنضح الزيت في كل ركن من الغرفة، الستائر، الأرضية، الفراش، والخزانة، كل شئ.
حاولت رغد منعها لكنها كانت في حالة غير واعية، فدفتها بعيدًا عنها.
يا مجنونة هتولعي في البيت!
صرخت عليها، فلم تكترث.
تابعت حتى أفرغت كل ما في الوعاء ورمته بعيدًا، لتخرج من جيبها علبة ثقاب وتشعل عودًا.
اندفعت رغد تطفئها وهي تصيح بذعر:
لا أنا مش هسمحلك تحرقي الأوضة، ابعدي..
هجمت عليها وحدث بينهما مشادة وأمسكت برسغ فريدة، وتحاول النفخ في عود الثقاب المشتعل بين أناملها، لكن الأخرى لا تعطيها فرصه بل مصرة أن تجعل تلك الغرفة كالرماد، لا أحد يمكن منعها ولا حتى مراد نفسه، فستفعلها حتمًا، وقد سبق السيف العزل حقًا.
بينما الإثنان يتنازعان قد انغرست أظافر رغد في جلد فريدة، فصرخت متألمة فانفرج أصابع كفها ليسقط العود فوق الأرض المبللة بالسائل وتنشب النار فورًا لتتسلل في أحشاء الغرفة فتشعل حريقًا هائلًا، وكل هذا حدث في ظرف ثوانٍ بسيطة.
لتبتعد رغد وهي تصرخ بفزع، تهرع من الغرفة.
كانت عفاف قد صعدت الدرج حتى تلحق بفريدة بعد أن اتصلت بمراد ولم تتلقى إجابة منه.
لترى الدخان يخرج من الغرفة ورغد فقط هي من خرجت، ارتعدت خوفًا على الأخرى فقد أوصاها مراد عليها قبل أن يغادر في الصباح.
وهي بالتحديد لذلك كانت تراقبها جيدًا، صاحت تصرخ في العاملين بهلع.
اتصلوا بالمطافي بسرعة، أوضة مراد باشا بتولع.
ركضت على الفور نحو مكان الحريق تلحق بتلك التي تملي نظرها في النار التي اندلعت في جميع الأثاث، لتخمد هي بركانها التي تغلي داخل وجدانها.
لقد قادها تلك اللعينة إلى الجنون.
لتقتحم عفاف عليها خلوتها وتسحبها بسرعة للخارج.
أبلغت إحدى العاملات رئيس الحرس حتى يلحق ويتصرف كي يطفئ النار.
انشغل البعض في إطفاء الحريق.
بينما بالخارج وقفت سيارتان أمام ڤيلا مراد ونزل منهما أشخاصًا غرباء يحملون شومات وعصيًا، ثم بدأ يتعاركون مع بعضهم البعض متسببين في زوبعة كبيرة وحالة من الهيجان.
جعلت الحراس يتدخلون ويحاولون فض النزاع.
نزلت فريدة مع الجميع بعد أن تدخل رئيس الحرس، لكنها وبعد لحظات قد تسللت خلسة من بينهم وخرجت وهي مقررة ترك المنزل لتصل إلى البوابة الرئيسية فتجد حشد من الناس يتضاربون فيما بينهم والحراس منشغلون معهم.
وهذا ساعدها كثيرًا على الخروج بأمان.
ليراها العم بركات وهو يصرخ عليها مناديًا:
يا ست فريدة ارجعي.. الحقوا يا رجالة الست فريدة خرجت لوحدها.
كانت رغد قد تحركت وهرولت خلفها، لتجد فجأة وفي لحظة أن عربة تقف فورًا، فيهبط أحد الملثمين ليسحب فريدة بداخلها قبل أن يتيح لها فرصة الصراخ بالنجدة.
الحراس غير مباليين بما يحدث، فراح العم بركات يخبرهم سريعًا، فلقد كانت الأصوات عالية نتيجة التشابك الحاد.
رواية ظل السحاب الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم آية حسن
خرج من مكتب اللواء بعدما انتهى من التحدث معه بشأن القضية. سار بالممر متوجهًا صوب زملاءه، والذين قد رأوه للتو يتقدم باتجاههم.
لينفرج فم تميم عند وقوع عينيه عليه بمظهر جديد، أو بالأحرى هيئته القديمة التي كان عليها دائمًا حينما كان يمارس عمله كضابط شرطة.
اقترب منهما، ليقف أمامهما يتفحص ملامحهم المذبهلة، ثم يتساءل:
إيه مالكم مصدومين كدة؟
تفرسه عاطي من أعلى لأسفل، ثم سأله تعجبًا:
هو انت رجعت شغلك تاني ف الشرطة؟
هز رأسه إيجابًا:
أيوة.
ثم نقل مقلتيه إلى الذي ما زال يتطلع إليه في صمت وذهول، فيقول متهكمًا:
اقفل بوقك يا بابا الجو مليان حشرات!
ضم تميم شفتيه سريعًا ليمتعض وجهه، ثم قال مداعبًا:
شكلك وحش أوي من غير دقن!
ليعود ويسأله عاطي في دهشة:
بتتكلم بجد يا مراد، رجعت الشغل؟
ليجيب:
أيوة يا عم، مالك مستغرب ليه!! كلمت اللوا سميح وهو ساعدني، بس مش عارف إذا كان هيبقى على طول ولا...
تلهف تميم قائًلا:
يا ريت يبقى على طول، ياخي أنا زهقت من جوز البراري اللي شغالين معايا دول.
نظر له عاطي في استهجان ليتصنع تميم عدم اللامبالاة.
ليتساءل مراد:
المهم، إيه آخر أخبار التهامي، عرفتوا حاجة عن المكان اللي مستخبي فيه؟
قال عاطي وهو يشير له بيده:
تعالى وليد ف المكتب أكيد عنده حاجة يقولها!
سار الثلاثة نحو أحد المكاتب يمارسون عملهم.
***
كانت تهبط الدرج وهي تتحدث عبر الهاتف الخليوي بهمس متذمر:
إيه يا شوية أغبيا، اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ اتأخرتوا ليه؟ ات
خطفتوها! برافو عليكم.
قالت بحماس وحبور، لتتابع:
أنا جاية حالًا، ودوها المكان اللي قولتلكم عليه!
أغلقت نانسي الهاتف وارتسمت علامات السعادة والانتصار على محياها، ثم تابعت سيرها نحو الباب قبل أن تتوجه إلى سيارتها وتنطلق حيث واجهتها.
***
بعد محاولات الحرس في إطفاء الحريق الناشب في جميع أثاث الحجرة، أخيرًا قد استطاعوا أن يخمدوا تلك النيران التي شبت لتهلك كل شئ وتركت الغرفة كقطعة الفحم الحجرية.
ليهبط رئيس الحرس وخلفه بعضًا من الحراس الذين ساعدوه. يظهر على وجوههم الإرهاق والتعب، فتقترب منه السيدة عفاف وتسأله في قلق:
عملتوا إيه يا محمود بيه؟
ليرد عليها بعد تنهيدة قوية وهو يجلس على أحد درجات السُّلم:
النار كلت حاجة ف غمضة عين، رغم اننا لحقناها ف أولها بس معرفناش نطفيها غير لما هي طفت لوحدها!!
وضعت يديها فوق شفتيها بصدمة. ماذا فعلت فريدة، بالتأكيد مراد سيفتعل مشاجرة معها كما حدث سابقًا عندما دخلتها دون استئذان، فماذا سيكون رد فعله بعد الحريق الهائل الذي حدث في بيته والتي تسببت به هي؟
استدارت خلفها وهي تنوي معاتبتها لكنها تفاجئت بعدم وجودها بين العاملات، لا هي ولا رغد. هربت الدماء منها وقبل أن تفتح فمها لتتساءل عنهما.
دخل الحارس في اندفاع وهو يصيح بهلع:
الحق يا محمود بيه، الآنسة فريدة ورغد اتخطفوا!!
هب محمد ناهضًا وعيناه تجحظان ذعرًا، ليصرخ بصوت جهوري:
انت بتقول ايه!!!!!
***
: اللي أعرفه إنه مأجر مركب وبيروح يقضي فيها معظم وقته!
قال وليد الذي يجلس مع البقية، فيهتف تميم:
يبقى أكيد راح هناك عشان يهرب مننا!
كان مراد يستند بمرفقه فوق سطح المكتب، ويضع يده عند فمه فيصدر صوتًا من فمه نافيًا:
مش معقول هيتخبى ف مكان حد عارفه، أكيد عنده مكان سري ماحدش يعرفه غيره أو اللي قريبين منه.
ينهض تميم من مقعده هاتفًا بحزم:
يبقى تروح وتسأل رغد، أنا متأكد إنها عارفة مكانه، ويمكن طول السنين اللي اختفت فيهم كانت عايشة في نفس المكان!!
قام مراد بهدوء ليقول:
هي من كلامها كان واضح أوي إنها بعدت عن مصر!
!: بس برضو هي خيط مهم...
شعر تميم أن مراد يحاول ابعاد الشبههة عنها، ليردف بتردد قليلًا مخافة من استياء صديقه:
وأنا بصراحة شاكك فيها، وشغلي علمني إني ما ينفعش أصدق أي حاجة بتتقال!!
توقع أن يتشابك معه مراد، لكنه رآه يخرج هاتفه من جيبه وكأنه ينوي الإتصال بأحد، ليفاجئه قائلًا:
أنا هتصل بـ حد من الحرس يجيبها هنا ونسألها إذا كانت تعرف ولا لأ!!
تطلع تميم وعاطي إلى بعضهما البعض اندهاشًا. لينتبها سريعًا إلى وجه مراد الذي اضطرب وهو يتصفح الهاتف.
ليسأل تميم بتعجب:
مالك يا مراد؟
رد:
المدام عفاف اتصلت كذا مرة بيا.. يا ترى فيه إيه؟
همس والقلق يحيط بقلبه، بينما عاود الاتصال بها، ثم وضع الهاتف فوق أذنه ينتظر الرد وهو يحاول ابعاد الهواجس عن عقله قليلًا. ليأتيه الرد.
فيهتف متسائلًا في لهفة:
ألو يا مدام عفاف، بتتصلي ليه حصلت حاجة؟
جاءه ردها، تخبره بما حدث بالتفصيل وهي تجهش باكية. فينصعق بشدة مما يستمع وضربات قلبه أصبحت سريعة كادت دقاته العنيفة تفتك بجدران صدره. لقد اختُطفت عشقه الأبدي، صغيرته الشقية البريئة.
لم ينتبه سوى على اختطاف فريدة، أما الأخرى فلم تصل الخبرية إلى عقله حتى الآن، وكأن صدمة فريدة كانت قوية حتى تغلق أبواب عقله عن استيعاب أي شيء بعدها.
كان جسده متصلبًا وملامح وجهه اصفرت بشدة، جعلت الثلاثة ينقلون نظرهم بينهم في هلع. بالتأكيد هناك كارثة قد حدثت...
: فريدة اتخطفت!
همس مراد بضياع، فاندفع الإثنان دون وليد يهتفان بدهشة:
إيـــه؟!!!!
أدرك مراد حاله سريعًا وهو يحاول ضبط مشاعره وعقله الذي قد هرب فورًا، حتى يتمكن من التفكير بروية، وعدم التهور في شئ. حياة فريدة الآن أصبحت على المحك...
تذكر شيئًا هامًّا ليركض فورًا مترجلًا من المكتب بل من المبنى بأكمله، وكان خلفه صديقيه اللذان قد لحقاه وصعد معه السيارة. تميم بجوار مراد بالأمام، وعاطي من الخلف.
ضغط مراد على زر تشغل جهاز الـ GPS location «جهاز تحديد الموقع الجغرافي». فسأله تميم:
الجهاز دة متوصل بإيه؟
رد عليه وهو يدير السيارة لينطلق بسرعة بها:
بسلسلة فريدة، الصبح لبستهالها قبل ما أنزل، وكنت حاطط فيها GPS عشان أعرف أراقب تحركاتها كويس، وف نفس الوقت أكون مطمن عليها.
.: حرك رأسه تميم إليه فيقول ببلاهة:
انت ذكي أوي يا مراد.. معقول عارف إنها هتتخطف؟
ضرب عاطي راحة يده فوق وجهه بيأس، بينما مراد اندفع برأسه يشزره بعينيه، فيصيح به متأففًا..:
انت غبي يا تميم، عارف إزاي وسبتها لوحدها؟؟
تطلع عاطي على الشاشة ينتبه إلى نقطه سوداء -تحدد الاتجاه الذي يسير به جهاز التموضع- تتحرك بالخريطة ثم تقف فجأة في أحد المواقع، ثم يهتف..:
مراد، الإشارة وقفت!
ضغط مراد على المكابح ليتوقف ثم يتطلع إلى الجهاز، فيجد الأشارة ثابتة لكن بموقع غريب، فيقول تميم مستغربًا:
إيه اللي هيوقفهم ف حتة صحرا؟
أدار السيارة مرة أخرى يتحرك بها سريعًا نحو نفس المكان الذي وقفت به الإشارة، وقلبه يركض قبله.
***
توقفت عربة سوداء وكانت نفس السيارة التي اختُطفت بها فريدة، ليهبط منها أحد الرجال ويخرجها برفق وهي غائبة عن وعيها، لكي ينقلها بسيارة أخرى.
وبينما يسير بها انفلت السلسال من رقبتها وسقط على الأرض. ثم يذهب بها السائق حيث أُمر.
***
يجلس فوق الفراش يتلمس موضع قلبه بألم، منذ الساعات الماضية وهو يتململ بعدم راحة، وكأنه يشعر بما حدث مع ابنته الصغيرة والغالية. يسحب نفسًا عميقًا بعمليه شهيق ثم يخرجه زفيرًا، حتى يهدئ من القلق الذي يشعر به.
خرجت هي من المرحاض بينما تجفف شعرها بمنشفة صغيرة، مرتدية روبًا قصير من الحرير بلون أحمر. تقدمت لتجلس على أحد حواف السرير الجانبية. متعجبة من ملامح عز.
: مالك يا حبيبي، سرحان ف إيه؟
تساءلت بنعومة ليحرك بصره إليها مجيبًا بنبرة تظهر الاضطراب:
قلقان على فريدة، حاسس إنه مكانش ينفع أسيبها لوحدها وآجي أقضي شهر العسل هنا!
ضحكت بليونة، فقالت مستنكرة:
شهر عسل؟ دول يومين بس يا عز، ولسة مكملناش 12 ساعة!!
نفخ الهواء من فمه ضجرًا، فتلاحظ توتره لتنهض وتتحرك متوجهة إلى الجانب الآخر بجواره، أمسكت بكفه وهي تضغط بأناملها حول إبهامه. فتهمس بلطف:
عز، متخافش يا حبيبي، فريدة في إيد أمينة. وبعدين يعني أخص عليك، تكشر كدة وأنا جنبك؟
قالت بدلال ممزوج باستياء، ليعتدل هو في جلسته راسمًا بسمة جذابة فوق شفتيه، فيمسك بذراعيها يقربها إليه ويضمها بين أحضانه الدافئة، ثم يطبع قبله حنونة فوق شعرها، متناسيًا أمر فريدة قليلًا.
***
بلغ مراد الموقع الذي رصده الجهاز والذي كان يعطيه إشارة في هذا المكان بالتحديد. هبط من سيارته سريعًا بعد أن انتزع الجهاز الملتصق بصندوق السيارة كي يسير متعقبًا نقطة التحديد.
تلاه تميم وعاطي مترجلان، وهما يطوفان بأعينهما حول المكان الخالي من كل شئ، مجرد رمال حولهما. فيسمعان صوت رنين يصدره الجهاز مؤكدًا وجود ما يتعقبه هنا. تقدما من مراد والذي مال بجذعه يلتقط سلسال، رافعًا إياه بيده ينظر له في حبوط.
: لو كنت رديت على التليفون كان زماني لحقتها وأنقذتها!
همس مراد بأسى، وعيناه تلمع حزنًا. متذكرًا ما حدث ماضيًا حين اتصلت عليه رغد ولم يجيب عليها، والآن قد اقترف نفس الخطأ لكن... هيهات بين الإثنين!!
اقترب تميم ليضع راحته فوق كتفه يهمس محاولًا التخفيف عنه:
مراد لو سمحت بلاش كلام اليأس دة، فريدة هترجع. خلينا بس نلحق نتصرف بسرعة، وأول حاجة نعملها نروح نفرغ كاميرات المراقبة اللي ف بيتك أنا متأكد هنلاقي خيط يوصلنا لأي حد من اللي عملوا كدة!
بالطبع مراد قد أيّد ما قاله تميم، حيث أنه لن يسمح أن يعرض فريدة لأي أذى، يكفي ما مرت به طوال هذه الفترة، يجب أن يفعل المستحيل حتى تعود إليه سالمة.
***
بمكان واسع يشبه مصنع قديم، نُظِّم وَكرًا مُرتب لتنفيذ عمليات غير مشروعة. نُظِّمَ وَكرًا مُرتب لتنفيذ عمليات غير مشروعة. ترقد هي مرمية بإهمال على الأرضية فاقدة وعيها. يدلف إلى المُتسع كثير من الرجال المعضلين، ضُخام البنية.
بدأت فريدة تستعيد وعيها تدريجيًا، تفتح جفنيها ببطء من أثر المخدر الذي اشتمته، تحاول رفع رأسها الملتصق بالأرض قليلًا. تهتز الصورة أمام عينيها لثوانٍ وهي تحاول ضبط الرؤيا بينما جفنيها ينغلقان ويفتحان عنوة ثم ثبتت الصورة ليقع بصرها على هذا الذي يقف حاملًا لفافة تبغ، نافثًا الدخان بطريقة لعوب، يتطلع نحوها بابتسامة خبيثة.
جاهدت كي ترفع بجسدها الذي ثقل عليها، تمسك برأسها وهي تشعر بالألم، ثم ترفع بصرها فتتسع عيناها في هول مما تراه أمامها. لتهمس بصدمة:
هو انتي؟!!
***
عاد مراد مع صديقيه كي يفرغوا أجهزة المراقبة، لكنهم وللأسف لم يتوصلوا لأي شئ، غير أن الذين اقتحموا بعرباتهم وافتعلوا اشتباكًا أمام البوابة الرئيسية. لم تمكن مشادة صادفة بل هم مأجورين كي يلهوا الحراس بهم حتى يستطيعوا تنفيذ تلك المهمة.
اشتعل الغليل بداخل قلب مراد. كان الموقف عسيرًا حيث أنه مضت أكثر من ساعة ونص على الواقعة، وهو لا يجد أثر السيارتين التي أخذت الإثنان. وحتى إن حاول معرفة أيًّا من الأشخاص الذين أحدثوا العِراك هذا، سيستغرقون وقتًا كثيرًا وهم ف الحاجة إلى كل ثانية.
لم يتحمل أو يتحكم في أعصابه بل قام وزمجر كالأسد في وجوه الحراس، أمسك بتلابيت رئيس الحرس الذي يدعى "محمود" وهزه بقوة حتى هربت الدماء منه.
ليصرخ بصوت جهوري رج سكون الطبيعة:
ازاي يا كلاب تسيبوها تخرج لوحدها، ازاي!!
رد محمود بصوت متقطع وقلبه يخفق ارتباكًا:
يا باشا، والله... والله انا كنت مشغول ف الحريق وسبت كام واحد يحرس البوابة.. واللي حصل خلاهم مشتتين ومركزوش لما خرجوا.
اصطك على فكيه بقوة وهو يهتف بخشونة:
كنت تسيب البيت كله يولع، إن شالله يغور ف داهية، بس هي لأ... أنا محذركم ومنبه عليكم كلكم تخلوا عينيكم عليها... ازاي خالفتوا أوامري يا شوية أغبيا.
صرخ وهو يدفعه بغضب. أنفاسه الثائرة تغني عن أي وصف. جسده يتآكل من داخله. الألوان تتحول إلى اللون الأسود القاتم. يعزف فؤاده لحنًا حزينًا بائسًا. بقعة سوداء تغزو قلبه وتبدأ بالانتشار حتى تمتزج بدمه.
اقترب عماد منه والذي عندما علم بخبر خطفها قد جاء مسرعًا للمساعدة. فهي العزيزة الصادقة. ليس فقط عند عماد بل حتى العاملين وأصدقاء مراد. ولمَ؟ لأنها هي فقط من استطاعت وفي أشهر قليلة أن تُلين قطعة الحديد هذا، هي من دفعته للنسيان رغمًا عن نفسه.
بالإضافة إلى لسانها الشهدي، مداعباتها الدائمة، وكثير من المميزات التي تجعلهم جميعًا يحزنون لفُقدانها بهذا الشكل.
همس إليه بنبرة خفيضة خافيًا الخوف في قلبه، ومحاولًا إرسال له طاقة إيجابية:
مراد باشا، لازم تهدى عشان تفكر، أنا لاحظت حاجة مهمة يمكن ماحدش خد باله منها... فيه عربيتين اللي خطفت رغد، واللي خدت فريدة، يعني ليه مثلاً الاتنين متخطفوش ف نفس الوقت، وف نفس العربية؟
كان مراد يشتد على شعره بجزع، ليلتف بسرعة إلى ما قاله عماد، حتى البقية قد ركزوا على ما قال. فيتساءل عاطي:
تقصد ايه يا عماد؟
لم يكن مراد بحاجة إلى معرفة القصد، بل تلك اللفتة التي بدرت من عماد قد جعلت عقله يعمل، قد نسي تمامًا أمر ذلك العدو الآخر من نفس لحمه ودمه. والذي تربص بهم طيلة حياتهم حتى يدمر سعادتهم.
لم يكد يتحرك نحو الباب بسرعة حتى يغادر، ليجد معتز يدلف عليهم، فيهتف متلهفًا:
مراد.
تقدم صوبه مباشرة فيقول بذعر:
مصيبة يا مراد!
انعقد حاجبيه وشكوكه اليقينية تأخذه إلى الحقيقة. ليردف معتز قائلًا:
نانسي خطفت فريدة!
***
: انتي اللي خطفتيني يا نانسي؟
همست بصوت مندهش وملامح وجهها أصبحت مضطربة. فيرن في أذنها ضحكة صاخبة منها، ثم تقترب وتميل عليها بجذعها وتقول بنبرة لعوب:
والله أنا كان ف نيتي أخطفك، بس نصيبك وقعك مع عدو آخر!!
ثم تعتدل وتستقيم بجسدها وهي تقهقه بقوة، وتتحرك نحو ذلك الرجل عديم الأخلاق والشرف، والذي تنمو على جانب شدقيه بسمة ماكرة تنم عن الشر.
هبت من مكانها لتهتف مزمجرة:
جرا إيه يا روح أمك، هو انتي هبت منك على الآخر عشان تخطفيني، نسيتي العضة ولا تحبي أفكرك بيها!!
صاحت فريدة وهي تهددها. كادت لتسير صوبها لكن أوقفها أحد الرجال وهو يخرج سكينًا من خلف حزام بطاله ويضعه أسفل ذقنها.
التفتت بكامل جسدها واقتربت منها وهي تكتف ذراعيها وترفع أحد حاجبيها بخبث:
طب قربي كدة مني وشوفي أنا هعمل فيكي إيه؟
تنظر لها وهي رافعه عنقها لأعلى بحذر من ذلك الذي يهددها بسكين، فتهمس من بين أسنانها باستهزاء:
بتتحامي ف شوية خرفان!! طيب ابعديهم عني وتعالي بنت لبنت وشوفي أنا اللي هعمل فيكي إيه!!
استفزتها ثقتها بنفسها، ورغم أن مع نانسي القوة إلا أنها لم تتخلى عن لسانها السليط وجلب حقها من فم الذئاب الخائنة.
ضحك التهامي وقال أثناء تحركه إليهم وهو يشير إلى الرجل أن يبتعد عنها..:
أنا حاسس إني قدام مراد باشا بذات نفسه، حقيقي شخصيتك لايقة عليه أوي، المرة دي هو عرف يختار اللي تناسبه بصحيح!!
شدد على كلامه، بينما فريدة ضيقت عينيها وتحاول فك شفرة اللغز التي تحاوط نبرته.
فتنتبه على نانسي وهي تقول بنبرة غيظ:
وهو مراد بيعرف يعمل حاجة غير إنه يتلم على شوية حشرات عاملين نفسهم ملايكة.
امتعض وجهها وهي ترمق فريدة باستهزاء. اضطرمت النار داخل شرايين فريدة، هي لا تتحمل أحد يهينها، فكيف تجرأت هذه العنز على نعتها بالحشرة!!
: خلينا في شغلنا يا نانسي.
قال التهامي بهدوء. وبعد ثواني دلف عثمان وهو يمسك بذراع رغد ويتقدم نحوهم ليلقيها على الأرض بقوة فتتأوه متألمة.
نعود إلى حيث خرجت مسرعة تلحق برجالها الذين اختطفوا الفتاة التي تريدها والتي كانت تحسبها فريدة!
ترجلت من سيارتها سريعًا، ودخلت إلى بيت قديم وقلبها يقفز فرحًا. هي وأخيرًا ستنتقم لكرامتها، وقع بصرها نحو التي مغطى وجهها مع رأسها بقماش أسود، ويديها مكبلتين. هرولت إليها ترفع الغطاء في لهفة وعلامات السعادة ترتسم فوق ثغرها.
وما لبثت أن رأت وجهها ليسقط فكيها بهول وكادت عينيها تقتلع من مقلتيها.
: ر..غد؟
تنطق باسمها بـ صوت كاد أن يكون منعدم. فتهمس وهي غير مصدقة ما تراه والذي أحدث ضجة في عقلها:
انتي لسة عايشة؟ ازاي؟
ليأتي من خلفها أحد رجالها، ويهتف ليخرجها من تلك الصدمة:
نانسي هانم.. فيه بنت تانية اتخطفت من نفس البيت، وتقريباً هي البنت اللي مكلفين بخطفها!!
التفتت له مندفعة:
مين اللي خطفها؟
: معرفش، بس زميلي وراهم بالعربية.
رد عليها ثم قالت سريعًا وهي تهرول لتخرج من المكان:
يلا بسرعة خلينا نشوف مين دة اللي عايز يدمر مراد غيرنا!
: طب والبنت اللي جوة؟
سأل لتأمر بصرامة قبل أن تذهب مغادرة:
خلوا عينكم عليها كويس أوعى تهرب منكم.
انطلقت بسيارتها في اندفاع وهي تنوي معرفة ذلك الشخص الذي يود الانتقام من مراد غيرها هي وأبيها. والآن سيزيد مذاق رائع عندما تجتمع الأعداء مع بعضهم البعض ضد خصم واحد فقط، سيتحتم عليها الفوز عليه!
: لولا إن رجالتي خطفوا الزفتة دي ما كنتش عرفت إنها لسة عايشة! وكمان ما كنتش عرفت أوصل لسيادتك يا تهامي باشا، عشان نتعاون مع بعض!
هتفت نانسي وهي تنظر لموقع رغد، ثم تنقل بصرها نحو الآخر. لتقول فريدة وهي تجز على أسنانها محاولة التحكم بنفسها:
أه يا بنت الزبالة، بقا بتتفقي مع شوية فجرة على ابن عمك يا حقيرة، اتفو عليكي.
تطلعت إليها فريدة باشمئزاز، ثم يقول عثمان بنبرة لعوب:
متخافيش عليه أوي كدة يا بنت عز، احنا بس عايزين مصلحته، زي ما كنت عايز مصلحة أختي نيرة لما بعدتها عن عز أبوكي!
اعتلت قهقهاته الساخرة مع نانسي. أطبقت فريدة ما بين حاجبيها وهي لا تفهم ماذا يقصد؟ أيقصد أنه من أجبر أبيها على هجر حبيبته؟
: حرام عليكم كفاية اللي بتعملوه فينا، سيبونا نمشي من هنا، ونوعدتكم هنختفي من حياتكم تمامًا!
جميعهم انتبهوا على هذه التي قد نهضت من موقعها تتوسلهم بنبرة مرتجفة وبدموع قد هبطت بخوف من عينيها. فاندفعت فريدة تصرخ بها:
اخرسي يا حيوانة. أنا مش جبانة زيك تخاف من شوية مجرمين مش قادرين يواجهوا مراد، اللي طول العمر بيربيلهم الخوف، ومش عارفين يوصله له، فاستخدموا واحدة ضعيفة زيك يعملوها طعم عشان يصطادوا بيه نمر بيقرقش اللي يقرب منه!
كانت كلماتها تخرج من بين حنجرتها هدرًا، تقذف في قلوب الجميع الرعب، بثقتها وفخرها بذلك الحبيب دون ذرة خوف تلامس قلبها. كانت جريئة حتى جعلت نانسي ورغد يعلقان حدقتيهما عليها في اذبهلال.
لم تتوقع رغد جم الشجاعة التي أخرجتها وهي تتحدث إليهم، شعرت بالغيرة منها، فلولا جبنها ما كانت وصلت التي هي عليه!
ليقترب منها التهامي وينفخ الدخان من فمه بكثرة ثم يهمس بصوت خبيث..:
انتي عندك حق، رغد دي أغبى شخص في الدنيا، بسببها كل حاجة خسرناها، بس ممكن تعوضيها انتي، وتكملي اللي بدأناه!!!
رفعت بصرها تنظر له بطرف عينها المشتعلة بوميض سيقذف اللهيب الحار بعد لحظات، زمت شفتيها بقوة ولم تشعر بنفسها سوى وهي تهم برفع يدها وتهبط على وجنته بصفعة قوية أصدت صوتها عدت مرات في آذان الجميع.
رواية ظل السحاب الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم آية حسن
الصمت كان سيد الموقف .. وجوه الجميع متأثرة في ذهول مما حدث أمامهم .. لقد رفعت يدها على من؟ عبد العزيز التهامي، رجل الإجرام الخفيّ والممول الأكثر مبيعًا للإرهابيين!
يضع راحة يده فوق وجنته، ينظر لها في غموض، وشرارات مهلكة تتطاير من عينيه، فيهمس بصوت مميت..
: انتي قد اللي عملتيه دة؟
ورغم نبرة صوته الهادئة لكنها كانت ترسل رعبًا لأي أحدًا سوى تلك التي تحاوط جسدها بنار الكره، وما زالت تتطلع إليه بمقلتين لامعتين بالقوة.. فترد عليه بثقة
: أنا طول عمري بعمل الحاجة اللي أنا قدها!
لقد استفزته وجعلت الدم يضخ الغليل داخل شرايينه، جز أسنانه فيرفع يده ليصفعها ويرد لها الإهانة، لكنها قد رفعت يدها تمسك بمعصمه وتدفعه بعيدًا، فترفع سبابتها محذرة بقوة..
: أوعى تنسى نفسك بعد كدة وتطلب مني أكون خاينة .. فاكر الكل زبالة شبهك!! وهيضعفوا عشان شوية ضفادع استسلموا لك، آخرهم يعيشوا في مستنقعاتك القذرة!
هتفت باحتقار شرس .. انحبست الدماء بوجه التهامي، وعينيه تجحظان بغضب، تلك الحمقاء الصغيرة قد استهزأت به وجعلته أضحوكه أمام الجَمع!! سوف تتلقى عقابًا بحجم الإهانة التي سببتها له..
صرخ بأعلى صوته الغليظ وهو ينظر لها بأعين مشتعلة
: داغــر
عندما استمعت هذا الاسم ارتعدت أوصالها، فوضعت يديها فوق فمها تكتم الصرخة التي كادت تنطلق من حنجرتها .. أقرت عينيها نحو الباب لترى الذي جعل حياتها جحيمًا يدلف كالذئب، يرتدي ملابس سوداء، ويغطي وجهه بقماش ولا تظهر إلا عينيه..
شعرت فريدة بالتي تتراجع للخلف وعلامات الرّوع قد سيطرت على ملامحها .. تعجبت من اضطرابها لكنها فهمت أن هذا الشخص على معرفة سابقة به .. عادت تنظر إليه فتجده بلمح البصر قد وقف قبالها بعينيه المخيفة،
لم تتأثر بل استخفت به ورمقته باستحقار .. لتجده يرفع كمه فيظهر ذلك الوشم المرسوم على ساعده بطريقة أثارت اشمئزازها، كمن رسمه ليخفي جرحًا أو حرقًا، لكن الرسمة كانت شنيعة..
امتعض وجهها ونفرت به بعيدًا .. أعطى التهامي إشارة له بيده التي ربتت فوق كتفه، ثم عاد ببصره إليها وأمسكها من ذقنها بعنف وجرها معه.. لتصرخ قائلة
: ابعد عني يا زبالة
سحبها تقريباً لمنتصف المكان تحت نظرات رعب من رغد، وأخرى متشفية من هؤلاء الذين قد أغوتهم الشياطين..
________
: يا ساتر يا رب..
همس عز عندما شعر برجفة تسري في قلبه، لتقف فورًا نيرة التي كانت تجلس برواق الجناح، وتسأله بقلق
: مالك يا عز؟
نهض سريعًا ودلف للداخل، ثم فتح الخزانة وأخرج أمتعته ليقول بحسم وهو يشعر بالاضطراب
: أنا لازم أرجع لبنتي دلوقتي حالاً، قلبي بياكلني عليها!
لم يكن بيد نيرة حيلة غير أنها توافقه، خاصة أنها شعرت بشئ غريب أيضًا وكانت نبرة مراد ترسل الارتياب لقلبها عندما حادثته وطلبت منه أن يجعلها تحادثها، فتحجج لها..
اقتربت منه وقالت وهي تمسك بملابسه وتضعها فوق الفراش
: خليك انت، أنا هوضب الشنط
أمسك كتفها ليهمس بنبرة لينة: معلش يا نيرة، أنا عارف إنه مش من حقي أرجع دلوقتي خصوصًا إني دة أول يوم لينا، بس بجد بالي مشغول أوي على فريدة!
أمسكت بكفه، لتردف معاتبة: اخص عليك يا عز، فريدة دي بنتي اللي مخلفتهاش!
تبسم لها وهو يضم وجنتيها بين يديه بلطف، ثم تابعت هي تحزم الأمتعة
________
صرخات عالية تطلقها فريدة وهي معلقة بالهواء بحبل مربوط حول رسغيها، معلق بحلقة حديدية موصولة بسلسلة موصولة بالسطح، والطرف الآخر من الحبل مدلدل للأسفل بيد ذلك الداغر الملثم،
صرخاتها زادت أكثر ورعبها قد تمكن منها بالأخص أنه يوجد أسفل قدميها وعاء كبير ممتلئ بمادة كيميائية تغلي كالمهل، تذيب العظام .. يقوم هذا الذئب البشري بألاعيب حقيرة لإخافتها .. يخفف قبضته عن الحبل قليلًا، فتدنو هي للأسفل حتى يربكها ويتلذذ بصرخاتها التي تُبكي رقائق الطبيعة، وليس قلوب قد انتزعت الرحمة منها،
هتفت نانسي بشماتة وهي تقترب من التهامي
: خليها بقا متعلقة كدة زي الدبيحة!
ليحرك رأسه نحوها وهو يقول بابتسامة ماكرة
: وبعد شوية داغر يسيب الحبل ويشويهالنا ف الزيت، وبكدة ضمنا غدانا!
أصدرت الشياطين قهقهات صدحت عاليًا.. بينما كانت رغد تود أن تخرج من هذا المكان سريعًا فبالتأكيد التهامي سينتقم منها مثلما فعل مع فريدة، حيث أنها لم تنفذ ما قاله لها بل قد صارحت مراد بالحقيقة!
ليتذكرها ويعود برأسه إليها، ثم يتقدم صوبها مباشرة، مع كل خطوة كانت عظامها ترتجف، وملامح وجهها شحبت..
ليهمس لها بنبرة جعلت جسدها يتراقص مثل القصبة
: بقا بعد اللي عملته معاكي، بتخونيني أنا؟ مقدرتيش التهمة اللي شيلتها عنك زمان؟ أخص عليكي بجد!
كان يتصنع الاستياء الشديد .. فيكاد يسمعها تتوسل بصوت متلجلج
: أرجوك سامحني، أنا..أنا غلطت، بس متعملش فيا حاجة
انكمش وجهها بملامح باكية، فما تراه أمامها جعلها تشعر بالخوف، هي ليست فريدة كي تقاومه، وإلا ما كانت لتترك مراد طيلة هذه السنوات، وتظل تحت رحمة هؤلاء المجرمين!
تابع هو في تمثيله بنبرة خبيثة: بس أنا زعلت منك يا رغد، وانتي عارفة زعلي شكله إيه!
أجهشت هي باكية وعينيها قد اغرورقت ثم أشار التهامي لأحد رجاله فجاء وأمسك بها يجرها للخلف تحت بكاءها الشديد .. بينما الأخرى حاولت ضبط أنفاسها وأعصابها التي بدأت تنفلت منها .. تتصبب عرقًا وبدنها اضطرب تمامًا كلما لاعبها الآخر وترك طرف الحبل المعلق يهبط..
تحرك شفتيها المرتعشتين ببعض الأدعية وقراءة "آية الكرسي" ، وأول آيات سورة "يس" وآخر سورة "البقرة"
هكذا أبيها كان دائمًا يعلمها أن تقرأ تلك الآيات وسوف يرسل الله لها الطمأنينة والسكينة، ويبعث إليها حصن الأمان..
تحاول بقدر المستطاع ألا تفقد عزيمتها.. أخذت تردد قوله تعالى «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون».
فتستمع إلى صياحه اللعوب من الأسفل
: إيه يا فريدة لسة جامدة زي مانتي، ولا خلاص تعبتي وقررتي تتعاوني معانا؟
رفعت جفنيها تنظر إليه بغمط وكره، لتقول برجفة في صوتها، نظرًا للحالة التي بها
: إنسان رخيص، وساقط
ضحك التهامي، ثم قال مؤكدًا: يعني أفهم من كدة إنك مش هتتصلي بمراد وتقوليله ييجي عشان ينقذك!!
وقبل أن ترد عليه فريدة اقتحمت سيارة البوابة التي خلعته ففر واصطدم ببعض رجال الحراسة وتسقطهم أرضًا، ليندفع الجميع بأجسادهم ينتبهون على هذا الذي يهبط من السيارة كالنمر، وعينيه تطلق لهيب مدمر، بأنفاسه المتأججة التي تقتل ذرات الأوكسجين بالمكان،
لتصرخ عليه بهلع: مراد
رفع عينيه للأعلى ليجد عشقه معلقة أمامه، بوجهها الذي هربت منه الدماء .. رج قلبه من بين ضلوعه .. يهددها صاحب الوشم الذي قد تذكره على الفور حينما وقعت عينيه عليه.. تذكر تلك النظرة نفسها التي حفرها في عقله منذ أكثر من ستة أعوام وجعلته يطوف في دائرة وهمية دمرت جزء كبير من حياته..
صرخت رغد بذعر لتوقظه من سرحانه: الحقني يا مراد
خطفها بنظرة سريعة إليها، فهي الآن ليست الأهم بحياته .. هناك أخرى يجب عليه إنقاذها .. هم سريعًا يهرع نحوه كي ينقذ حبيبته لكن بعض الرجال اعترضوا طريقه، بعد أن أعطاهم التهامي إشارة،
وقف ينقل نظره إليهم باستهانة ثم بدأ بالتشابك معهم، ويقوم بضربهم واحدًا تلو الآخر حتى انتهى منهم سريعًا .. ضربات قلبه تهلكه، يود لو يصل إليها بلمح البصر .. كل ما حدث كان بسببه، ليته لم يقحمها في كل هذا، ليته عرفها قبل كل هذا ..
عندما رأى داغر أن مراد سيكون بلحظات أمامه، لعب بآخر بطاقة بين يديه .. رمقه بنظرة لعوب قبل أن يقوم بإفلات الحبل حتى يضطرمه ويربكه.. صرخة قوية جلجلت عقله، بينما يشاهد أمامه جسد فريدة يسقط للأسفل،
ليهدر هلعًا: فــــريـــدة!
انطلق هرعًا كالصاروخ يلحق بالحبل قبل أن تسقط في ذلك البرميل اللعين، قفز عاليًا ثم هبط لأسفل يمسك به ليشده بقوة وهو يلفه حول مرفقه بإحكام كي لا ينفلت منه، وتصبح هي بمكانها..
ازدادت أوتار قلبها وحاولت ضبط أنفاسها السريعة لكنها فشلت وأغمي عليها بسبب التوتر والفزع..
صاح عليها مراد بهلع وهو يستلقي بظهره على الأرض
: فريدة، متخافيش يا حبيبتي أنا جنبك ومش هسيبك! فريدة... فريدة
ظل يصرخ باسمها هادرًا، بنبرة يكسوها الألم والفزع، وضربات قلبه تكاد تكسـر جدران صدره .. فتفتر ثغور عثمان وابنته الحية بابتسامات تشفي، وفي أعينهما فرح وشماتة، على حاله وهو خائف أن يخسر حبيبته الثانية في نظرهم أمام عينيه كما حدث سابقًا..
هذا المشهد يشفي الغليل قليلًا في قلوبهم الضغينة .. تحرك داغر نحو رغد وكمش يده على خلفية عنقها فتتأوه، ثم أخرج سكين ليضعها على رقبتها ويصيح مهددًا إياه بسخرية..
: وريني بقا هتقدر تنقذ مين فيهم!!
قفز قلب رغد وصرخت بخوف: الحقني يا مراد، هيموتني
أصبح الوضع سيئًا بل هو في غاية الخطورة .. بين نارين، حبيبته المكبلة بطريقة تنهش في وجدانه، والأخرى التي أقحمت رغمًا عنها في تلك اللعبة.. وعليه أن يختار بينهما من ينقذها!.
___________
وصل الإثنان إلى ڤيلا مراد ليدلفون من خلال البوابة الرئيسية، ويتحركون بهرولة إلى الباب الداخلي .. لاحظت نيرة وجود معتز مع العم شفيق، فهتفت بقلق وهي تتقدم نحوهمها..
: معتز.. عم شفيق، مالكم قاعدين كدة ليه؟ مراد فين
فيلحقها عز الدين متسائلًا عن صغيرته بقلبٍ متذبذب
: وبنتي فريدة فينها!
: نيرة انتوا إيه اللي جابكم!!
وقف وسأل العم شفيق مستنكرًا واليأس حاوط نبرته .. فجال عز في المنزل يبحث عن طيفها، ثم سار متوجهًا للدرج ظنًا منه أنها بالغرفة .. ليوقفه صوت هتاف العم شفيق وهو يتقدم بخطوات..
: استنى يا عز، فريدة مش فوق!
تسمر مكانه لبرهة ثم عاد أدراجه وتحرك نحوه وهو يحاول الربط على قلبه، فهمس يتسائل بنبرة مهزوزة
: مش فوق ازاي؟ امال راحت فين؟
صمت العم شفيق وهو لا يدري كيف يخبره بما حدث مع ابنته .. فينتبه على صوت عز وهو يهتف باضطراب
: ما ترد عليا يا عم شفيق، بنتي فينها ولا جرالها إيه وعايز تخبي عليا!!!
رد العم شفيق قائلًا بتردد: اهدى يا عز، فريدة...
: فريدة اتخطفت يا عم عز
أجاب معتز الذي يقف خلفهم، فتخترق الكلمة فؤاده كالرصاصة..
________
طال مراد عن الرد ليتيقن شكوك التهامي أنه سيختار من ساندته وليس من تآمرت عليه وتخلت عنه بإرادتها.. فدفع هذا لاحتقان الدماء بوجهه، فأمر سريعًا بعض الرجال الهجوم عليه ومحاولة إبراحه ضربًا
بالفعل نفذ الرجال الأمر ثم شرعوا في الضرب بأرجلهم بطن مراد وتكسير عظامه كي يترك الحبل، لكن لن يفعلها مهما حاولوا، متمسك به لآخر نفس يخرج من صدره..
طلب التهامي من عثمان ونانسي الجلوس يشاهدون هذا العرض الذي يحدث لأول مرة أمام عينيهم وليس داخل شاشة عرض.. بالفعل جلس جميعهم يستمتعون بما يحدث، كمن يشاهدون عرض تلفزيوني!
اشتد الوجع على مراد لكنه يقاوم ويعارضهم بكل قوته .. وكما يقولون "الكثرة تغلب الشجاعة" فمهما كنت قويًا وأمامك أخصام كثيرة تحتاج ليد تعاونك كي تقوم مجددًا، وتحارب لأجل الحصول على طريق النجاة!
وبلمح البصر كان الوكر ممتلئ بعربات الشرطة، مع تميم وعاطي وعماد، وغيرهم من الضباط والجنود .. هذا أدى إلى إرباك العامة..
وقف تميم فوق السيارة وهو يرفع بسلاحه فيصيح مستهجنًا
: كلكوا عليه يا ولاد الكلب!
ثم بدأ الاشتباك سواء بإطلاق النار أو بالأيدي .. نهض مراد بطريقة احترافية، وأمسك بأضخم شخص من الذين استغلوا عجزه وضربوه بلا رحمة،
ثم لف الحبل حول رقبته وأحكم ربطه، حتى اختنق تمامًا وتحول وجهه للون الأزرق .. وتركه كي يذهب وينقذ رغد من الوغد الآخر..
في حين أن فريدة التي ما زالت معلقة استفاقت من إغمائها ورأته يتقدم نحو رغد تاركها دون أن يحاول إنقاذها هي أولًا، لتشعر بخيبة أمل كبيرة، سالت دموعها بضعف، وهي تشعر بشرخ وفجوة تتسع في قلبها.. غير الألم الذي لحق بذراعيها بسبب الثقل عليهما.. على عكس السبب الذي يجبره على فعل ذلك!!
بينما الآخرين يناضلون ضد المجرمين، ويقاتلون بكل مهارة عالية .. حاولت نانسي هي وأبيها التسلل أثناء انشغال الجميع .. لكن لمحهما عماد وركض خلفهمها، ليخرج السلاح صوبهما ويقول..
: ع فين العزم إن شاء الله! مش تستنوا تشوفوا آخر المسرحية، ولا انتوا ملكمش ف الأكشن!!
سخر منهما، فابتلع الإثنان لعابهما بصعوبة .. صاح وليد وهو يتصارع مع أحد الأوغاد..
: الحق التهامي يا عاطي بسرعة، وأنا والشامي هنتصرف مع الكلاب دول!
هرول مسرعًا خلف التهامي الذي حاول الاختباء والهرب .. بينما مراد يسير في خطوات متزنة وحذرة، وهو يقترب من رغد التي ما زال ممسكًا بها هذا الداغر .. تمتمت باسمه وهي متوجسة خيفة.. فأشار إليها بعينيه ألا تقلق..
: خليك مكانك يا مراد، وإلا...
صاح عليه وهو يشدد على السكين، لكن لم يأبه مراد بل بلمح البصر كان أمامه .. أزاح رأس رغد لتقع على الأرض وأمسك رقبت داغر براحة يده، وباليد الأخرى قبض على يده الممسكة بالسكين..
سار يزيحه بغضب للخلف حتى دفعه بكل قوة فيسقط على أحد المقاعد الخشبية .. يستدير بسرعة لينقذ فريدة دون حتى الإطمئنان على رغد التي ألقاها أرضًا ..
أخرج المسدس ورفع يده ليصوب مراد نحو الحبل حتى يُقطع وتسقط إليه فريدة، ضرب طلقة نارية بخشية، وما أن رأي الحبل قد انفصل عنها قفز مسرعًا يتلقاها قبل أن تسقط في البرميل، لتقع هي فوق ذراعيه، ويأخذها بعيدًا يضمها بقوة ليتأكد أنها بخير ولم يصيبها أذىً..
فيهمس هلعًا وهي بين أحضانه: انتي كويسة يا فريدة؟
لم ترد عليه بل حبست ألمها داخل قلبها وصمتت .. فانتبه مراد على رسغيها المقيدين، فأبعدها عنه برفق ليسارع فورًا يفك وثاقها..
ليأتي هذا الذئب البشري من خلفه ويلف معصمه حول عنقه بقوة، ويسحبه للوراء، فصرخت فريدة بهسيتريا وجنون وهي ترتعد من الخوف على حبيبها..
حاول مراد فك ذراعه وهو يشد يده بقوة عن عنقه والآخر يقاومه .. ليضربه مراد بمرفقه في بطنه بقوة، حتى رجع للخلف متألمًا..
استدار مراد ينظر له بوهيج حراري سكن مقلتيه .. أطلقت شرارة جمرية داخل قلبه ضخت اللهيب لسائر جسده، وقبل أن يتيح له الفرصة يبدأ بالقتال، اندفع مراد ولكمه بقوة وغل يخرج كم الغضب الذي تلبسه منذ اليوم المشؤوم،
لكمة وراء الأخرى، يوكزه في بطنه، وبقبضة يديه الإثنان يضرب صدره بجم قوته حتى احتبست أنفاسه داخل رئتيه..
ثم رفع يده يسحب القناع عن رأسه ليرى وجه هذا الدنيء .. فما أن رفعه عنه اشمئز من المنظر القبيح الذي يراه، فكانت ملامح وجهه مشوهة للغاية.. ليلكمه داغر على فكه، وأدخل ساعده أسفل ذراع مراد ليقوم بلويه، لكن مراد كان أسرع وضربه برأسية قوية جعلت أنفه يسيل منه الدم..
ثم بعد ذلك قلب الحركة وأصبح مراد من يلوي ذراعه ويشدد عليه بقوة حتى صار يصرخ كالطفل .. وقعت عيني مراد على سكين على الأرض دنا منها يلتقطها، فصاح بخشونة..
: فريدة، خبي وشك!
لم تعرف ماذا ينوي أن يفعل لكنها انصاعت لأمره واستدارت بوجهها .. وما أن رآها التفتت بظهرها قطع ذراعه دون تردد وانبثقت الدماء بغزارة، وصرخاته رجت الجدران .. ولم يكتفي مراد بذلك بل مال بجذعه ليرفعه فوق ذراعيه وتحرك نحو البرميل الذي يغلي بشدة، فرمي به فورًا بداخله...
تحرك نحوه عاطي وربت على كتفه: مراد، احنا قبضنا على التهامي خلاص بس اضرب برصاصة في رجله وهو بيحاول يهرب!
استدار إليه واكتفى بهز رأسه، ثم عاد إلى فريدة يضم وجنتيها بين كفيه يسألها في حنو
: انتي كويسة يا حبيبي؟
أزالت يده عنها بعنف فاستغرب فعلتها، ليرفع بصره إلى عينيها المشتعلتين ويسمعها تقول بلهجة حادة
: أنا مش حبيبتك، حبيبتك اللي وراك، اللي سبتني متعلقة عشان تنقذ حياتها!!
أشارت إليها بعينيها بغيظ، ليعقد حاجبيه ولا يعرف عن ماذا تتكلم!!
: فريدة انتي بتقولي إيه؟
سألها متعجبًا، فترد بجمود وهي تمسك بذراعيها الذي أصابهما التشنجات العضلية والوترية
: بقول اللي أنا شوفته بعينيا، مهمكش حياتي بس لما الخطر حاوطها هي جريت عليها تنقذها!!
تنهد مراد بضجر، ثم قال بهدوء: فريدة بلاش تظلميني، أنا معنديش أهم منك ف حياتي!
اشتد الألم عليها وبدى على وجهها قبل أن تقول ساخرة
: فعلاً بدليل إنك محاولتش تنزلني أنا الأول!
حاول الاقتراب منها حتى يشرح لها، ويرجوها بعينيه
: فريدة والله أنا كان لازم أعمل كدة عشان أبعده عنك، ولو دة محصلش حياتك كانت هتتعرض للخطر!
كان الوجع أقوى منها فجلست على الأرض رغمًا عنها، لكن اندفع هو يلحق بها وصاح بهلع
: إسعاف بسرعة!
___________
قبض على جميع المجرمين بما فيهم نانسي وأبيها والآن هم بالنيابة يتم التحقيق معهم .. حتى رغد تجلس على مقعد خشبي بجوار مكتب النائب العام، ويديها مقيدة بالأصفاد..
وصل مراد إلى النيابة مع صديقيه، سار بالممر متوجهًا نحو عثمان ونانسي.. ليقف معتز الذي كان معهما ويهمس
: مراد..
قاطعه بيده وهو ينقل نظرات استنكار بينهما، فقال
: عاجبكم الحال اللي وصلتوا له دة؟ مبسوطين إن آخرتكم هتكون السجن؟..
نانسي كانت تجهش بالبكاء على ما وصلت إليه، ليوجه بعد ذلك حديثه لعمه
: وانت يا عمي، خدت إيه من حقدك وغلك اللي دمرت بيه نفسك ومستقبل بنتك؟
قال بامتعاض، ثم أردف: نانسي عيلة صغيرة، ملقتش اللي ينصحها، إنما انت طول عمرك راجل أناني وحاقد على غيرك، وكان ممكن معتز يخسر مستقبله كمان بسببك!
رفع عثمان رأسه ليهمس من بين أسنانه وهو يحاول ألا يبين ضعفه
: انت جاي تشمت فيا يابن يوسف؟
ضحك مراد ساخرًا: حقيقي أنا مشفق عليك أوي، بعد كل اللي حصلك ولسة بتكابر، يا راجل حتى خليك متصالح مع نفسك واعترف بغلطك!
دنا بجذعه ليهمس له بنبرة ماكرة وهو يلامس أوتار الخوف لديه
: بس مش مهم أنا هوصي عليك لما تدخل السجن، دة لو يعني لحقت توصل لزنزانتك!
تجمدت الدماء في عروق عثمان .. وهو يتطلع إلى عينيه التي تجعل قلبه يخفق اضطرابًا .. رفع جسده ليرمقهم باحتقار واشمئزاز، ثم تحرك ليذهب فاستمع لهمسها
: مراد!
التفت إليها ببطء ينظر لها بطرف عينه ثم يستدير بجميع جسده .. نهضت من مكانها وهي تتوسله بدموع
: متسبنيش يا مراد، انت وعدتني هتساعدني!
رد بهدوء: وساعدتك!
حاولت أن تلمس يده، لكنه لم يسمح لها وأبعدها عنها
: مراد أنا عارفة إنك لسة بتحبني!
قالت وهي تشدد على آخر كلمة، فضحك هو بألم
: يا ريتني لا عرفتك ولا شوفتك، انتي بغباءك دمرتي نفسك قبل ما تدمريني! عارفة لو الزمن رجع بيا اليوم دة أنا كنت ساعدتك بس ما كنتش أديتك قلبي لأنك مش أهل للثقة!
تنهد ثم أردف ببساطة: أنا اكتشفت اني اتبرعتلك بقلبي لمجرد إنك كنتي محتاجة حد يساندك، والمفروض كنتي صنتي المعروف وحكتيلي الحقيقة، لكن انتي كان غرضك بس تخرجي من الورطة اللي حطتك فيها الدنيا،
ليرفع بسبابته وهو يحاول التحكم بنبرة صوته
: لكن... لكن مش معنى كدة إنك تجرحي غيرك، عشان هتكوني برضو ظالمة!
بكت بدموع: غصب عني
هز رأسه نافيًا: كان قدامك فرصة واتنين وتلاتة!
فأكمل بهمس خشن: أنا عمري ما حبيتك، وإلا ما كانش قلبي سيطر عليه حد بعدك! ولو عاوزة تعرفي حقيقة اني قفلت كل البيبان قبل فريدة! هقولك إني كنت حاسس بالذنب إنك روحتي بسببي إنما عشق.. في دة لفريدة، فريدة.. وبس!!
كاد يهم بالذهاب فتوقف عندما تذكر شيئًا والتفت إليها
: بالمناسبة...
اقترب وهمس لها في أذنها: الشخص اللي كنتي فاكرة إنك موتيه، لسة عايش ومحصلوش أي حاجة!!
ابتعد عنها ورسم بسمة بسيطة ثم ارتدى نظارته وتحرك ليذهب، حاولت رغد ايقافه لكنه لم يعطيها فرصة لذلك .. وجد التهامي يترجل من مكتب النائب العام .. خطى أمامه وهو يقهقه ساخرًا.. لم يتأثر التهامي بتلك الضحكة بل كان رافعًا أنفه وفي عينيه غرور،
وعلى حين غرة قد صفعه مراد بقوة، حتى يهينه وجعله يخفض رأسه..
رفع سبابته يأمره بصرامة: متطاولش على أسيادك، وبص ف الأرض أحسن رقبتك تتكسر!
ليشعر بعدها التهامي بالغضب وحاول الهجوم عليه وهو يصرخ لكن سحبه الأمن بعيدًا، بينما يود الإفلات منهم عنوة..
_____________
تجلس فوق الفراش تستند برأسها على وسادة ناعمة مرفوعة قليلًا..
: حاسة بإيه دلوقتي يا حبيبتي؟
تساءلت نيرة التي تجلس بجوارها على السرير، فقالت بتأفف
: أنا تمام، هخرج امتى بقا!
: النهاردة، بس اهدي!
ردت متبسمة، فنفخت فريدة الهواء من فمها بضجر، ليدق الباب وينفتح فتدخل نرمين، وتتحرك صوبها تحتضنها بلهفة
: فريدة، وحشتيني
وقابلتها الأخرى بنفس اشتياقها: انتي أكتر يا نرمين .. أنا وحشتني كل حاجة، ونفسي أرجع المجموعة من تاني، بس خلاص كل دة هيتصلح، وهرجع فريدة بتاعة زمان
لم تفهم نيرة المغزى من كلامها، ونبرتها التي تلوح لشئ ترتابه.. وتتمنى الا تفتعل حماقة تخسر بها ما تملكه.
___________
وبعد وقت ليس بطويل عادت فريدة إلى منزلها بعد إلحاح وضغط طويل على والدها والذي رافقها بالطبع وترك نيرة مع مراد بعد أن استئذنته .. رغم كونها لم تود أن يبقى هو ونيرة مفترقين عن بعضهما ف الوقت الحالي خصوصًا أنهما لم يتنهيا من قضاء وقت كافي سويًا!
لكنها لم تطيق أن تجلس ببيت مراد بعد كل ما حدث .. اليوم هو بدء امتحانها تحاول بقدر الإمكان أن تخرج الطاقة السلبية التي تؤثر عليها، وتعود كما كانت في السابق، لكن ذلك الوجه الوسيم دائمًا ما تره أمامها بالورق الذي تدرس به،
مهما حاولت لا تستطيع محيه من ذاكرتها .. ليقرع الباب ويقطع شرودها، فتنهض من على الأريكة وتسند المذكرة فوق الطاولة .. وتسير متوجهة نحو الباب تفتحه، فتتسع عينيها عند وقوع بصرها على الذي يقف بكامل وسامته بملابسه الشبابية التي تبرز عضلات ذراعيه القوية،
ونظارات الشمس التي أعطه لمسة جمالية رائعة، مع شعر ذقنة الذي قد بدأ ينمو لتوه .. كل هذا أثار جنونها، وجعل لسانها يتلجم لبرهة.. حتى استمعت لصوته الرخيم
: بتبصيلي كدة ليه؟
همس لها بمكر وهو يكشف عن عينيه الزمردية التي ستصيبها بالعمى قريبًا بسبب لمعانها الغريب!
حاولت هي أن تتماسك فهتفت بجمود مزيف وهي تكتف ذراعيها أمام صدرها
: انت إيه اللي جابك؟
: في بنوتة لطيفة تقابل شاب جميل واقف على باب بيتهم بالطريقة الشرسة دي؟
قال بنبرة صوت رقيقة وبأسلوب راقي جعل قلبها يخفق بشدة .. لن تنكر أبدًا هي تصبح واهية وكقطعة حلاوة تذوب سريعًا .. ضغطت على نفسها لتكون قوية، فأردفت ساخرة
: ومالك شايف نفسك عليا أوي كدة!!
: لقد قال لي أحدهم أني أمتلك بعض الوسامة، وأنا حقًا أصدقه!
رد عليها باللغة الإنجليزية وهو يغمز بأحد عينيه ويمرر أصابعه فوق شعره بغطرسة مصطنعة .. فانفرج ثغرها لتحاولت سريعًا أن تجد جملة لترد عليه، فقالت بتلعثم قليلًا
: لكنني أراك غير وسيم، بل إنك تشبه الحمار الوحشيّ
: نعــم؟!!!!!
صاح بصوت أجش باللغة الأم، فتراجعت للخلف باضطراب، ثم التفتت لتدلف للداخل سريعًا قبل أن تضعف صلابتها وتحتضنه .. لقد اشتاقت لذلك المغرور حقًا، مهما حاولت أن تكابر لن تستطيع،
فهو بالأخير قد سيطر على جميعها .. تفرك أناملها بتوتر، فيقترب من خلفها ويهتف بأنفاس تصفع عنقها بحرارة دافئة
: وحشتيني!
التفتت فجأة بوجه كشر، فتسائل متعجبًا: إيه؟ مالك زعلانة كدة؟
تحركت خطوتين لتقول باستهجان: انت بجد بتسألني زعلانة ليه؟ زعلانة يا استاذ عشان فضلت غيري عني! كنت بتفرج عليك وانت بتجري عليها بخوف ولهفة وأنا متعلقة زي البهيمة!
حرك عنقه يمرنه ثم عاد يتطلع إليها: بصي يا فريدة، أنا محصلش مني دة! ثم إني أصلاً ما ينفعش أسيب حد ف ورطة ومحتاج مساعدة! سواء رغد ولا غيرها!!
تكلم بلهجة حادة بعض الشئ .. زفر ليتابع بهدوء مزيف
: فلو إنتي شايفة إني فضلتها عنك، يبقى دي عدم ثقة فيا!
: وإيه يخليني أثق فيك أصلاً!!
هتفت بتذمر، فيرد هو عليها فورًا بنبرة يغلفها العشق
: إني بحبك، وإنك أكتر حد عرف ياخدني كلي ويخليني ملكه!
ازدردت ريقها، وهي بالكاد تحاول السيطرة على الرعشة التي تسلطت عليها بسبب تفوهه.. ثبتت نظرها عليه لثوانِ في صمت
: سكتي ليه؟
سألها لتعطيه ظهرها ولم ترد عليه، أغمضت جفنيها تتلذذ بكلماته اللطيفة التي جعلت قلبها يقفز بفرحة.. لتنتبه على صوته وهو يقول بيأس
: أنا مش هضغط عليكي أكتر من كدة، بس اعرفي إني هستناكي طول العمر يا فريدة .. بعد إذنك
هم بالذهاب فتندفع تستدير بجسدها وصدرها يعلو ويهبط وهي تراه يتحرك مترجلًا فتصرخ باسمه هلعًا
: مراد
التفت سريعًا بقلب يخفق بشدة، فتقفز بين ذراعيه فورًا ليضمها هو بقوة، فتهمس له
: ما تسبنيش يا مراد، أنا بحبك ومش هعرف أعيش من غيرك!
: ولا أنا يا روحي والله ما هقدر أعيش من غيرك
همس لها بمشاعره الجياشة .. ليأخذها هو بعيدًا عن الدنيا ويختطفها لتصبح زوجته المصون، وتنجب منه ثلاث أطفال ولدان توأم وابنة واحدة يشبهونها في شقاوتها، وأما عن ملامحهم فهم مثل أبيهم..
يجلسون على طاولة الطعام ينتظرون الغداء بفارغ الصبر وبطونهم تصدر أصواتًا من تلك الرائحة الشهية التي تأتي من المطبخ، فيصيحون معًا
: يلا يا ماما بقا
فتقول الطفلة ذات ال ثلاث سنوات ببراءة ونبرة ناعمة
: بطننا بتصوصو
ضحك مراد عليها وقرصها في وجنتها بلطف: وبتنونو!
فتهتف وهي تخرج من المطبخ ممسكة بصينية ساخنة
: أيوة جاية أهو، وسعوا لأجمل وأروع صينية بشاميل فيكي يا بلد!
وضعتها بالمنتصف فتجلس بجوار مراد الذي يتريس السفرة فيسألها بعبوس
: اتأخرتي كدة ليه يا فريدة؟
نظرت بطرف عينها له وقالت بلا مبالاة: لو مش عاجبك قوم حضرتك واطبخ مكاني! .. يلا يا ولاد كلوا كلوا
أشارت إليهم جميعًا بالبدء بالطعام .. نظر لها مراد بضيق ثم نهض من مجلسه بتجهم وخرج هو بساحة منزله الصغير الذي قد غيره كليًا بعد أن تزوج بفريدة، وترك عز الدين ونيرة يعيشون بالآخر .. ينفث الدخان من فمه وأنفه يشرد ف الماضي قليلًا.. ليشعر بيدها تحاوطه من الخلف تحتضنه بلمستها الحانية..
: انت زعلت مني ولا إيه يا مراد؟
التفت إليها وأمسك وجنتها بحنو: أنا يستحيل أزعل منك ف يوم، انتي سحابتي وحبي الوحيد وأم عيالي وكل حاجة في حياتي
اسندت جانب رأسها على صدره لتهمس
: وانت روحي يا مراد، وحقي ف الدنيا دي
أبعدها برفق ليضم وجنتيها برفق: بتنمى إن ظل السحاب ما يختفيش من حياتي أبدًا ويفضل محاوطني ف كل مكان، لأن أنا من غيره مليش وجود!
ضمها تحت ذراعه الأيمن ويطبع قبلة رقيقة فوق جبينها .. ليتفاجأ الإثنان بدخول صاخب من البوابة الرئيسية..
: يا باشا، انت لسة بتتحمرش بالمدام ولا إيه؟
بالطبع هذا عماد الذي لن يتخلى عن مرحه أبدًا حتى بعد أن أنجب طفلين!
دخل مع زوجته فاتن وولديه، ليدلف بعده تميم مع زوجته وأولاده، ليتعرقل في قدم زوجته وهو يخطوا للأمام
: جرا إيه يا حاجة راندا مش تحاسبي وانتي بتعدي، دة حتى زي جوزك!!
اشاحت بيدها ثم دلفت بتأفف .. وبعدهم دخل عاطي وعائلته..
: إنت إيه خلاك تجيب العيال وأمهم معاك، الله يخربيتك احنا ما قولناش للراجل أننا جايين!!
همس عاطي له، ثم رد عليه: فوكك يا عم المهم...
نظر حوله بترقب ليقول بنبرة خافتة: أنا جايب كيسين وحاول بقا تلقط كل ما هو قل سعراته الحرارية، وطاب مذاقه اللذيذ!
: تمام بس راقبلي انت الجو بقا أحسن عيالنا يفضحونا!
همس دون أن ينظر له، ليرد: متخافش هأمنك يسطا!
هتف مراد وهو يتقدم نحوهما: إيه يا جماعة واقفين ليه
وزع الإثنان ابتسامات ثم تقدما للداخل .. في الجانب الآخر عز الدين يسأل فريدة
: أخبارك ايه يا حبيبتي؟
: بخير يا بابا، وحضرتك.. ونيرة؟ مالك يا نيرو؟
سألت عندما لاحظت شرودها في الأطفال، لترد وهي تجاهد ألا تظهر حزنها
: مفيش
تعلم أنها مفتقدة لتكون أمًا، فتجلس بجوارها وتمسد على ذراعها بحنو
: إن شاء الله يا نيرة العملية هتنجح وهتكوني أحلى أم!
: يا رب يا فيري يا رب
همست بحشرجة، فاستمعت إلى صوت نرمين وهي تهتف
: فريدة... تعالي انتي ونيرة نلعب سوا!
: يلا بقا فوكي كدة وتعالي نلعب
همست إليها ثم نهض الإثنان يلعبون الكرة مع الأطفال..
شعر بالعطش فقام نحو مكان به مشروبات وطعام ليجد الإثنان يحاولان سرقة الطعام ووضعه داخل كيس بلاستيكي فصاح بهما عماد فأربكهما
: انتوا بتعملوا إيه؟ هو انتوا مش بتتهدوا أبدًا، حتى العصير بتفضوه ف الكيس يا ظلمة
: استر علينا إلهي يستر عليك، وهنديك واحدة بلوبيف
همس تميم له بنبرة مهزوزة محاولًا جعله يصمت، فأشار عماد لنفسه ممثلًا الحزن العميق
: بترشيني يا تميم باشا، عشان اتستر على جريمتكم؟ أخص عليكم مكانش العشم... يا مراد باشا
صاح عماد وهو ينوي أن يفضحهم علني .. انتبه الجميع ع صوته وتجمهروا حولهما، يشاهدون تلك الجريمة التي افتعلوها وجعلت مناظرهما مضحكة للغاية، حاولوا اخفاء الحقائب البلاستيكية ..فيقول مراد..
: بتخبوا إيه خلاص احنا كشفناكم وصورناكم، لو قولتوا زيعوا هنزيع، لو رفضتوا هنزيع برضو!
قال مازحًا وهو يحاول كتم ضحكاته، لتتقدم ابنته الصغيرة وتقول بطفولية
: الله عمو تميم وعمو محمد حرامية.. ممكن يا بابي تطلبلهم البوليس خليهم يروحوا السجن!!!
دفعت جملتها البريئة الجميع يقهقه بقوة بما فيهم تميم وعاطي****