تحميل رواية ظل السحاب بقلم آية حسن pdf
بقلم آية حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دفع الأطباق بيده بعيدًا ثم زمجر: أنا قر*فت منكم ومن أكلكم... ولا حاجة بتطبخوها عجباني، والأكل مالوش أي طعم، وكل الأصناف اللي بتعملوها شبه بعض، بديكم وصفات لأكلات معينة عشان تعملوها، بلاقي عك وقرف وخلاص، والنهاردة الأكل كله محر*وق! عماد «مدير الشؤون ب الشركة»، تمتم بتوتر بعد أن قام بتذوق الطعام: بس الأكل طعمه حلو يا مراد باشا مش مح-روق ولا حاجة! حدق إليه شزرًا وهو يلقي بالخِرقة على السفرة بعن ف ثم نهض من المقعد وهتف حانقًا: يعني أنا مبعرفش أدوق سيادتك! ولا شايفني غبي وحمار عشان معرفش أفرق بين الأ...
رواية ظل السحاب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم آية حسن
المركب اللي تودي.
تمتمت بها فريدة وهي تراقب بعينيها ذلك المغادر.
بجوار نيرة التي ترقرقت مقلتيها بالدموع ع حال ابن أخيها الذي طالما كان يغوص فيه.
تابعنه جيدًا بناظرهما، وهو يأخذ سيارته قبل أن يخرج من البوابة الرئيسية ذاهبًا.
وضعت كفيها ع وجهها لتشهق ببكاء حزنًا ع ما فعله مراد.
اقتربت منها فريدة ومسحت ع ذراعها بحنو وهي تقول:
متزعليش، أنا آسفة ع اللي حصل بسببي. بس أنا قولتلك دة عِنَدي أوي، انتي مصدقتيش!
رفعت وجهها ثم غمغمت من بين دموعها:
أنا اللي بعتذرلك عن معاملته الوحشة، هو محتاج حد يوقفه عن اللي بيعمله دة، وإنتي هتساعديني صح؟
سألت بنبرة يشوبها الإلحاح، جعلت فريدة تومئ بإيجاب، رأفة بحالتها، عكس ما يدور داخل عقلها.
لتقول بجدية:
أنا عايزة أعرف كل حاجة حصلت مع مراد وصلته للحالة دي!
هزت رأسها:
حاضر، هحكيلك.
***
وقف أمام أحد الفنادق الفخمة، بسيارته الجيب ثم نزل ودلف إليه، وقام بحجز جناح خاص قبل أن يصعد للراحة.
ارتمى بجسده ع الفراش، ينظر للسقف وهو يفكر فيما آلت إليه الأمور. لقد ترك منزله من أجل شخصًا لا يعني له شيئًا، لماذا؟
كان أقله طردها للمرة الثانية أو... الثالثة؟، إصرار نيرة ع وجودها جعله يشعر بالغل نحوها أكثر. دائمًا هي عازمة ع ازعاجه بأي شكل كان، لا تفعل شيئًا سوى إشعال فتيلة غضبه. يود لو يكسر عنقها بكفه حتى لا يراها مجددًا.
اعتدل ثم دلف للمرحاض حتى يوقف عقله عن التفكير فيما جرى.
***
تجلسا بالخارج ف الساحة. تترقب فريدة حركات نيرة التي بدت متوترة وكأنها تستعد لدخول امتحان أو ما شابه. تفرك بيديها بقوة تحاول إطفاء إرباكها قليلًا.
ثم قاطعت فريدة الصمت لتقول:
أنا سمعاكي، احكي.
أنهت بنبرة تحمل بعض الراحة وهي تستعد للولوج للماضي الذي هي طالما حاولت اخراج مراد من ظلماته.
رجعت بالزمن للخلف حين كان كل شئ يسير جيدًا. يقود عربته وهو يطلق صفيرًا مرحًا، ينظر للمرآة ويمسد شعره. ثم فتح تابلوه السيارة وهو يبحث عن هاتفه، فلم يجده. عقد حاجبيه متعجبًا، ثم حول نظره وهو يبحث تحت قدمه.
ودون أن ينتبه ظهر أمامه أحد المارة، ولولا أنه أدرك ببصره ف آخر لحظة وضغط ع المكابح باندفاع لكان قد دهسه.
أتاه صوت صرخة لفتاة، لتجحظ عينيه بصدمة. ويهبط من السيارة بسرعة، ليجدها ساقطة أرضًا، وتستند بظهرها ع واجهة السيارة ممسكة بساقها.
ليقهقه مراد وهو يراها بهذا الوضع. لترفع نفسها عن الأرض وهي ما زالت تستند بالسيارة. لتزمجر:
أنت واقف بتضحك عليا وأنا كنت هموت بسببك!!
ضحك ساخرًا:
تموتي إيه بس! حد يعدي الشارع من غير ما يراقب الطريق؟
تذمرت:
هو مين اللي يراقب أنا ولا إنت؟ ولا عشان ربنا مديك عربية تستهان بأرواح الناس؟
ثم تأوهت عندما شعرت بألم بقدمها، ليقترب منها بلطف ويتمتم:
تعالي أوديكي المستشفى، لأن واضح ف كسر!
شهقت بصدمة:
كسر؟ يا نهار مش فايت، هو أنا كنت ناقصة!
بدأت بالنحيب والنواح ع حالها، ليصيح بها:
بطلي زن بقا، أنا بتوقع مش أكتر، هو أنا دكتور!
استنكرت لترد بحنق:
ولما انت مش دكتور، بتخوفني ليه وتقوللي كسر؟ آه يا رجلي آه.
تألمت ليقول:
استندي عليا عشان أدخلك العربية!
: ابعد عني، أنا هركب أي اتوبيس.
صرخت بنبرة ناعمة. ثم وقف يتأمل عنادها وهي تمضي قدمًا محاولة عبور الطريق وهي تتمايل عرجًا. ليسير ورائها وع حين غفلة كانت هي تجلس ع ذراعيه، لتنصدم من فعلته تلك.
: معلش بقا، أصل مش هينفع أسيبك وانتي مش قادرة تمشي، وأنا متعودتش أحس بالذنب.
هتف بلطف ثم تحرك بها صوب سيارته، لتصرخ وهي تضربه ع صدره حتى يدعها ع الأرض.
: نزلني يا قليل الأدب، يا حيوان، الحقوني يا ناس الراجل بيخطفني.
ظلت هكذا تصيح ليتركها، لكنه لا يعبأ بضرباتها أو إلى صرخاتها التي لا تهدأ.
تمتم وهو يجز أسنانه:
شش اسكتي خالص، صوتك بيضايقني!
رفعت حاجبيها بدهشة وهي تنظر له ف غير تصديق. أيريدها أن تصمت وهو يتصرف معها هكذا دون حق؟ من يظن نفسه هذا المتعجرف.
اقترب من باب السيارة ثم فتحها ووضعها بداخلها ع المقعد الأمامي. ليصعد هو الآخر بجانبها. وينطلق بها إلى المشفى.
***
: خير يا دكتورة؟
سأل مراد بعد أن تم فحصها، لتجيب:
الحمد لله مفيش كسر، هو التواء بسيط مع العلاج هيخف.
: طب أنا هروح امتى؟
هتفت بها الفتاة، لتقول الطبيبة:
ساعة كدة نطمن ع الإشعات والتحاليل وهتخرجي، عن اذنكم.
خرجت الطبيبة، ثم حدق مراد إليها وتحرك نحوها ليجلس ع مقعد بجوارها ويسأل.
: انتي اسمك إيه؟
أجابت ف هدوء:
رغد.
: وحش أوي ومش لايق خالص عليكي.
قالها بمداعبة ومزاح، ليجدها تحدج من عينيها ف صدمة التي تحولت لوجه يحمل معالم طفولية حزينة، جعلته يضحك.
: بهزر، اسمك جميل بجدا.
همس فابتسمت:
وانت اسمك إيه؟
أعدل من ملابسه ليردف ف غرور مصطنع:
مراد الحديدي.
: اسمك وحش.
لتخرج لسانها بغيظ، فيضحك هو لبرائتها:
يا شيخة؟
غمز لها بمكر لتخجل هي من نظراته اللعوب، ثم تقول:
ممكن تشوف الدكتورة خلصت ولا لسة، عشان عايزة امشي!
هز رأسه ثم قام ليبحث عن الطبيبة فيتحرك بالممر ليجد حجرة الطبيب المختص، ويفتح الباب ليسمع الطبيبة تتحدث وهي ممسكة بالتحاليل.
بنبرة مؤسفة:
البنت عندها فقر دم، كويس أننا عملنالها تحاليل.
ليدلف مراد وهو جعد وجهه عبسًا ليهتف:
فقر دم؟
وقفت الطبيبة وهي تشير لإحدى زملائها بالخروج، ثم تقول:
اتفضل وأنا هفهم حضرتك.
ليجلس مراد وتقول الطبيبة:
هي البنت دي تقربلك؟
بتيه:
ها؟ أه... يعني شوية.
: طيب هي حالتها المادية إيه؟ لأن المرض دة مش ناتج عن عامل وراثي ولا مزمن. عندها نقص معادن كتير ف جسمها، زي الحديد والفيتامينات، يعني واضح أوي سوء تغذية، ودة ممكن يسببلها مشاكل كتير ف صحتها.
عقد حاجبيه دون فهم، ما الذي يجعلها تصل لهذه الحالة. ليسأل:
طيب والحل يا دكتورة؟
: محتاجة فيتامينات قوية، وأكل صحي، وكمان راحة تامة ومتابعة.
: اعملي اللازم، بس يا ريت ماحدش يجيبلها سيرة، كإنه العلاج دة لرجله.
تعجبت الطبيبة لتقول:
تحت أمرك.
عاد مراد لـ رغد التي سألته ف لهفة:
إيه همشي؟
تمعن النظر بها، تبدو صغيرة وجميلة، ملامحها طفولية وجذابة، كيف لمرض هكذا يصيبها، ألا يخجل هذا اللعين؟
رسم ابتسامة باهتة ثم قال:
أه، بس انتي لازم تتابعي مع الدكتورة هنا عشان تخفي بسرعة.
صمتت لوهلة وهي تبتلع غصة في حلقها. هبط جفنها حزنًا، ثم أزاحت الغطاء لتنهض.
تحرك نحوها بسرعة ليساعدها.
: شكراً لحضرتك.
ابتسم وهو ممسك بيدها:
متشكرنيش دلوقتي، لما تبقي كويسة.
تعجبت. هل سيظل معها حتى تتعافى؟ خرج وهو يحملها مرة ثانية، مخافة أن تتعب إذا جاهدت نفسها وهي تحاول أن تمشي، رغم اعتراضها.
هبط درج المشفى ثم وضعها بالسيارة كما هو الحال أول مرة وانطلق بها.
: قوليلي بيتك فين؟
همست بنبرة رقيقة:
انت مش هتعرف البيت نزلني عند المنطقة وأنا هكمل.
كرر سؤاله بحزم دون الاهتمام لكلامها:
بيتك فين؟
تنهدت ثم أشارت إليه. دخل بالعربة إلي حي فقير جدًا، ليقف بمكان بعيد عن البيوت.
: انتي بتعرفي توصلي لهنا ازاي يا بنتي! دة أنا توهت ومش هعرف أخرج تاني!
قالها بعفوية، ليظهر الجفاء ع وجهها، وتتمتم بحزن:
أنا آسفة، بس انت اللي أصريت توصلني.
: هو أنا اشتكيتلك يا ستي عشان تتأسفي؟
استنكر بضيق، ثم أنزلها من السيارة، لكن هذه المرة اعترضت أن يحملها.
: أنا هعرف أمشي لوحدي.
أسندت نفسها وتحرك خطوتين لكن كادت تقع لولاه أمسك بيدها:
حاسبي.
تلاقت زمردتيه بسوادتيها للحظات حتى نسي مراد نفسه، ثم أدرك حاله ودلفا للداخل. ليتعجب من البيت البسيط جدًا، وهو عبارة عن غرفة واحدة. ليسأل:
انتي عايشة لوحدك ولا إيه؟
أومأت برأسها بعد أن أجلسها ع السرير الذي لا يوجد غيره بالغرفة، وخزانة صغيرة للغاية. حتى أنه لا يوجد مرحاض. كان يتفحص ما حوله بعينيه.
ثم سأل مجددًا:
أمال أهلك فين؟
: معرفهمش، أنا اتولدت لقيت نفسي عايشة لوحدي.
أجابت بحزن، ليلقي نظره عليها وكأن قلبه قد اعتصر. الآن وضحكت الصورة، حالتها تعبر عما هي فيه الآن.
هبط بجذعه الأعلى، وينظر لعينيها ويبتسم لها:
من النهاردة انتي مش لوحدك، اعتبريني صديق، قريب.. أي حاجة.
: ليه؟
تعجبت:
ليه إيه؟
: ليه بتعمل كدة، عشان خبطتني بعربيتك؟
ضحك، ثم داعب أنفها بيده:
طيبة أوي انتي يا رغد، وقمورة أوي.
خفضت رأسها خجلًا منه، ثم أردف:
استنيني ربع ساعة هروح أجيبلك الدوا، وراجعلك.
كاد الذهاب ثم أمسكت بيده ليلتفت لها، وتبعد يدها عنه:
آسفة.. بس يعني انت هتجيب العلاج ازاي، قصدي انا بكرة هجيبه متتعبش نفسك.
ابتسم ليردف باستنكار:
اتعب نفسي، مش احنا اتفقنا نبقى صحاب؟
أومأت:
بس...
: مفيش بس. هروح ومش هتأخر عليكي.
***
عودة للحاضر. انكمش وجه فريدة بملامح حزينة وأخرى غامضة.
هتفت نيرة:
ودي كانت بداية تعرفه ع رغد، اللي شوفتيها ف الصورة، ومن ساعتها هو ما سابهاش لحظة واحدة لغاية ما...
ثم تلاحظ شرودها:
انتي معايا يا فريدة؟
بنبرة صوت مبحوحة:
معاكي. بس خلينا نكمل بعدين، أنا لازم أمشي عشان اتأخرت.
هزت رأسها ثم غادرت فريدة والدموع تهبط ع وجنتيها بغزارة، لا تعلم سببها، تزداد شهقاتها مرة تلو الأخرى، تعجبت من نفسها لما تشعر بكم هذا الألم في قلبها!
حتى أدركت حالها وهي تدخل من باب البيت. هتفت الجدة وهي تراها:
انتي جيتي يا فريدة!
لتسرع إلى احضانها وتغوص ف البكاء، قلقت الجدة:
ف ايه يا فيري؟ مالك؟
بصوت متحشرج:
مفيش يا تيتة، تعبانة بس شوية.
: وهو اللي تعبان يعيط؟
رفعت برأسها:
أيوة.
: ف حد زعلك؟
: لأ.
: طب خشي طسي وشك بشوية مية، أحسن أبوكي زمانه جاي، وممكن يضايق لو شافك بالمنظر دة.
أومأت برأسها:
حاضر.
***
: انت سبت البيت؟
هتف بها عماد الذي دخل مكتب مراد مندفعًا، ليرد ف برود:
أيوة، انت مين اللي قالك؟
: نيرة هانم، اتصلت بيا امبارح عشان تسأل عنك.
هز رأسه وهو يهمهم، ليسأل الآخر:
طب ليه؟
تذمر:
شئ ما يخصكش يا عماد.
: طب انت كنت قافل تليفونك ليه؟، انا اتصلت بيك كتير عشان اطمن عليك.
كانت نبرته يتخللها القلق، ليزمجر الآخر:
الله! هو انا يعني لازم اقولك ع كل تحركاتي!
: أكيد!
قال ببساطة ليزم مراد شفتيه بحنق، ويتمتم من بين أسنانه:
عماد! مش عايز هبل.
: دة مش هبل، أنا من حقي أعرف انت رايح فين وجاي منين، حتى لو داخل لا مؤاخذة بيت الأدب.
ثم رسم ابتسامة يظهر أسنانه بسماجة ليردف:
أصلي بغير عليك من عين القعدة.
ليشير له بعينيه التي يجدحه بها:
امشي يا عماد من قدامي!
ذهب من أمامه قبل أن يلتهمه بعينيه.
ليجلس مراد ع المقعد، مستغربًا من نيرة التي لم تأته وتسأل عنه حتى الآن، رغم عمله أنها موجودة بالشركة. تنهد بقوة ثم نهض ليخرج لكي يراها، فهو لن يتحمل عدم السؤال عنها حتى وإن لم تسأل هي، جائز أنها لا زالت غاضبة من تصرفه.
وصل أمام مكتبها، ثم أمسك بالمقبض وفتح الباب دون أن يطرقه، ليسمع ضحكاتها مع فريدة التي تجلس أمامها.
ليكفان عن الضحك، ويلاحظان دخول مراد عليهما، وقد شكل وجهه، وينظر لهما بعينين حادتين ستفر مقلتيه مع رأسه غير مصدق جرأتها.
ليصيح بغضب:
انتي بتعملي إيه هنا؟
: باخد حمام طراوة.
أردفت ساخرة ثم ضحكت، وحاولت نيرة كبح ضحكتها، ليسير نحوها، وشدها من ذراعها حتى تألمت.
: أوعى إيدك يا مراد، دراعي.
صرخت متأوهة، لتقترب نيرة بسرعة وتحاول افلات يده منها لكنه يقبض عليه بشدة.
صرخت ألم بعدما أحست أن الدم قد انحبس عند قبضته، ولا يصل إلى باقي يدها.
هتفت نيرة برجاء:
سيبها يا مراد، البنت بتتوجع حرام عليك.
هزها بقوة وصرخ:
أنا مش قولت مش عايز أشوفك قدامي تاني؟ أنا سبت البيت بسببك، وجاية ورايا الشركة!
جز أسنانه بغضب. فريدة لا تتحمل ضغطة أخرى من كفه، ونيرة غير قادرة ع فك قبضته ليتركها. أمسك بالخشبة الموضوعة ع المكتب وبحركة ذكية منها، نزلت بها ع ذراعه فبعد بسرعة متألمًا.
جعلت نيرة تضع يدها ع فمها من الدهشة، لتصيح به فريدة:
وديني أفتحلك نفوخك بيها، ما تقرب مني.
صك فكيه بقوة ليصدر صوتًا، حتى شعرت فريدة بأن أحد أسنانه قد كسرت، ثم حدج بعينيه وهو يتنفس بغضب، لتتراجع للخلف خوفًا وهي تتشبث بنيرة ثم تهتف:
الحقيني يا مدام نيرة، ابن اخوكي هياكلني.
تمتمت بملامح باكية:
أنا مش مدام أنا لسة آنسة.
حدقت إليها فريدة بملامح مذبهلة و.
رواية ظل السحاب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية حسن
والله العظيم، لأوريك يا مراد يا حديدي، من هنا ورايح ماحدش هيقفلك غيري، هو انت فاكر نفسك مين؟ سلفستر استلوني؟ جاتك وكسة.
كانت تتمتم بها فريدة وهي تسير بحنق وسط المرر الذي يتصل بالدرج.
وقبل أن تخطو أول سُلمة أوقفها صوت نيرة من خلفها:
استني يا فريدة رايحة فين يا بنتي؟
اقتربت منها ثم التفتت فريدة وهي تضيق عينيها استنكارًا ثم أردفت:
يعني عايزاني بعد اللي حصل أفضل تاني؟
الله طب مانتي عارفة إنه هيعترض ع وجودك!
بس مش بالطريقة المهينة دي، دة اتمادى معايا أوي.
صاحت دون إدراك، ف عصبية وضيق.
لتردف نيرة بلين:
طب خلاص اهدي، وحقك عليا.
اعترضت:
لاااا.. حقي أنا هعرف آخده من البقف ابن اخوكي بس يصبر عليا .. دة أنا هعرفه ازاي يحترمني بعد كدة..
قالتها بتوعد صارم حتى حالت ابتسامة شيطانية ع وجه نيرة لتسأل ف شغف:
هتعملي إيه! ها؟
كل خير.
نظرت إلى اللا مكان رافعة أحد حاجبيها تعِد نفسها بألا تتركه حتى يعتذر عن جميع أخطاءه التي ارتكبها في حقها!
وصل لحجرته بالفندق ورمى بسترته غضبًا.
ثم جلس ع الفراش وهو زامم الشفتين بوجه متجهم.
وهو يكن الحقد الدفين لتلك الشيطانة التي تظهر أمامه في كل مرة وتقهره بوجودها سواءًا كان أو بكلامها وأفعالها.
لتهدأ تقاسيم وجهه قليلًا عندما يستمع لنغمة تنبيه من هاتفه.
ليسارع بإخراجه من السترة التي ألقاها بجواره، ويضغط لفتحه.
ثم يبدأ بالإستماع لذلك الإشعار:
مرااااد...
ابتسم أول ما سمع صوتها المرح.
ليتابع استكمال التسجيل:
كل سنة وانت طيب يا باشا .. كل سنة وانت جنبي .. كل سنة وانت أهلي وناسي، وقلبي ونبضه .. طبعاً أنا لازم أكون أول واحدة تهنيك بعيد ميلادك، والساعة دلوقتي 12 بالظبط .. شوفت بقا ازاي أنا فاكرة .. عايزة أقولك إني بحبك أوي أوي أووووي، وإن لو كانت ليا أمنية ف حياتي هتكون انت وبس.. يلا سلام بقا أشوفك بكـرة أممممواه.
لينتهي من سماع صوتها المُسجل، وليظهر خط من الدموع في عينيه.
ثم فرك عينيه بقوة حتى لا تهبط ويصبح واهيًا.
يميل بظهره للوراء ليستلقي ع الفراش، ثم فتح معرض الصور من الهاتف لتظهر صورها، ويعود بذاكرته للوراء.
الجميل عامل ايه النهاردة؟
سأل مراد الذي كان ع ثغره بسمة هادئة.
لتجيب رغد بنفس الابتسامة:
الحمد لله، أحسن بكتير من الأيام اللي فاتت.
ولسة...
لسة إيه تاني؟ أنا رجلي بقت كويسة أهو! حتى شوف.
نهضت من مكانها وظلت تقفز عاليًا لتظهر له أنها قد تحسنت بالفعل.
اقترب مراد منها بسرعة ليوقفها.
اهدي، أنا عارف انك بقيتي كويسة، بس دي أوامر الدكتورة!
كانت نبرته صارمة بعض الشئ، ممزوجة ببعض الخوف تلاحظه هي وتسأل متعجبة.
هو ف إيه؟ الدكتورة قالتلك حاجة عليا؟
حاجة إيه؟
معرفش بس انت بتعاملني بطريقة غريبة أوي، بتجبلي أكل كتير وبتهتم بيا ولا كإنك حد من أهلي أو تعرفني من سنين!
حادثته وهي تترقب نظرات عينيه.
ليقترب منها بلطف ويهمس:
أنا فعلاً حاسس اني أعرفك من زمان، واهتمامي بيكي دة عشان...
عشان إيه؟
همست بقلب مضطرب.
ليجيب وهو يقرب وجهه منها، حتى كادت المسافة بينهما تنعدم:
أكيد يعني عشان حاسس بالذنب إني خبطتك بعربيتي!
قالها ببساطة، خالف توقعها للإجابة.
لتبتعد عنه وهي تدب قدمها أرضًا.
حاول مراد لجم ضحكته لغضبها الطفولي.
ثم استدار لها وهو يحاول تغيير مجرى الحديث:
إيه رأيك نخرج نتمشى سوا، دة حتى الجو مناسب أوي للخروج؟
لا الجو برد.
قالت بجفاء.
ليرد بحماس وهو يتقدم منها:
مهو دة أحسن حاجة، انا عن نفسي مابحبش الخروج غير ف الشتا!
لتنعته ف سرها:
مهو عشان بارد زي شخصيتك!
.: قولتي حاجة؟
سألها كأنه قد سمعها.
لتتلجلج نبرتها:
ها؟ لا أبدًا، مقولتش.
طيب يلا.
خرجا الإثنان.
وبعد وقت كانا يسيران معًا فوق أحد الكباري، كان الجو قارصًا والسحاب يملأ السماء.
ويبدأ الرعد بإصدار أصوات أرعبتها، مع بريق البرق الخاطف قد جعلها ترتعش.
ليسألها بهتاف:
مالك؟ بردانة ولا إيه؟
بنبرة متثاقلة تجيب:
لا، بس خايفة، ما تيجي نروح!!
ليضحك مراد ع جبنها:
انتي بتخافي من الرعد!
أجابت بطفولية:
أيوة صوته مرعب أوي.
ثم تبدأ الأمطار الغزيرة بالنزول، والتي بللت ملابسهما مع أجسادهما فورًا.
لتهتف:
أهي كملت...
ثم يهمان بالركض تفاديًا المياه التي تتناثر ف كل مكان حولهما، حتى وجدا شجرة يستطيعان الاختباء تحت أغصانها.
حالت ع رغد الرعشة.
ليخلع مراد سريعًا معطفه الجلدي، ويضعه ع ظهرها حتى تدفأ.
هتفت بعتاب:
شوفت إصرارك وصلنا لفين؟
ليبتسم ثم يردف:
يا عبيطة دي مغامرة حماسية، انتي مبتحبيش المغامرات ولا إيه؟
بوجه باكٍ:
لأ، أنا عايزة أروح وشكل الدنيا مش هتهدى دلوقتي!
ضحك:
أحسن خلينا نفك شوية.
وفجأة قد دلف إلى المياة التي تتناثر فوق رأسه كالشلال، وظل يدور بمرح حتى أغرق جسده بأكمله.
يا مجنون هتاخد برد.
صاحت غير مصدقة ما يفعله.
ليرد وهو يفتح ذراعيه مستمتعًا بقطرات المطر التي تهطل عليه:
بس يا جبانة، مفيش أمتع من إنك تقفي تحت المطر أصلاً.
علقت عينيها عليه حين ثبت مكانه يسمع هدير المياه الذي يرخُّ عليه وحوله.
انتبهت لوهلة ع وسامته والتي زادته المطرة جمالًا فوق جماله.
ظلت تترقب حركاته وهم مغمض الجفنين، غارقًا ف عالم بعيد غير مبالٍ بنظراتها.
وبعد لحظات من السكون فتح نصف عين ليلاحظ تأملها به بشرود.
تحرك بخطوات بطيئة حتى وقف صوبها مباشرة وهي ما زالت سارحة به دون وعي، كأنها مغيبة عن الواقع.
بقى الآخر يتفحص ملامحها بهوادة حتى سكنت الأمطار.
ليقترب من شفتيها ويهمس برفق:
هتفضلي سرحانة فيا كدة كتير، كإنك أول مرة تشوفيني؟
وأخيرًا تحركت مقلتيها بعد أن عادت لطبيعتها، وتردف بتلعثم:
أنـ..أنا، انتـ..
هوضحك:
انتي بتتعلمي النطق جديد؟
ليقترب ويهمس:
مش كبرنا ع الكلام دة؟
أخفضت رأسها خجلًا، وهي تحاول تفادي نظراته التي تجعلها لا تقدر على تمالك حالها أمامه.
ليحاول هو التطرق إلى شيئًا آخر:
تعرفي إن عيد ميلادي بكرة؟
رفعت بصرها لتردف بدهشة:
بجد! كل سنة وانت طيب.
قالت بابتسامة.
ليتمتم بعد أن أعطاها ظهره وخطا بقدمه للأمام:
لسة فاضل نص ساعة ع 12.
تحركت نحوه لتقول بعفوية:
خلاص لما تيجي الساعة 12 هقولهالك!
التفت لها وهو يحك عنقه:
بس مش هينفع حاف كدة!!
بعدم فهم:
يعني إيه؟
حمحم:
عاوز هدية!!!
همهمت ثم فكرت لثوان حتى رأت أمامها امرأة معها ورود.
هرولت إليها بسرعة تحت استغراب مراد.
لتعود إليه بعد لحظات وترفع يديها بوردة حمراء تشبه وجنتيها.
أنا عارفة أنها هدية بسيطة، ومش ف قيمتك، بس دة اللي أقدر أقدمهولك.
ابتسم لطيبتها، ثم التقطها منها بحب ولطافة.
ليتمتم برقة:
دي أغلى هدية جاتني لغاية دلوقتي، دة كفاية إنها من حد قمور زيك يا رغد.
احمرت وجنتيها من اطراءه اللطيف.
ثم أردفت:
مش هنمشي بقا!
توسعت ابتسامته حتى ظهرت أسنانه البيضاء.
ثم قال:
يلا نمشي.
أفاق مراد من ماضيه وهو يجعد وجهه حزنًا.
وعينيه لا تريد فراق ملامحها، قلبه كأن يدًا تقبض بقوة عليه حتى فتت لحمه.
حاول النهوض فتثاقلت خطواته.
ثم دلف للمرحاض ليأخذ حمامًا باردًا؛ حتى يستعيد توازنه.
طب مش المفروض برضو تتصلي عليه وتعايديه؟
تمتمت فريدة لـ نيرة عبر الجوال بنبرة يكسوها الأسى.
لترد الأخرى قائلة بنبرة مبحوحة من البكاء:
نفسي بجد أكون معاه ونحتفل؛ بس أنا مش عارفة هو قاعد فين!
أكيد الأستاذ عماد يعرف!
قالت بثقة وحماس.
ثم أردفت الأخرى:
أنا سألته قبل كدة، وقال لا ما يعرفش.
بس ممكن يبقى عرف، انتي حاولي ولو عرفتي روحي متسيبهوش، نفسي ابقى معاكم بس بابا مش هيوافق يخرجني ف الوقت دة!
أعدي عليكي آخدك؟
همت بالرفض:
لالا.
كفاية اللي حصل الصبح، بلاش نعكنن عليه يوم عيد ميلاده كمان!
ضحكت نيرة من بين همها.
لتردف:
معاكي حق.
يلا سلام...
ثم قبل أن تغلق الهاتف استذكرت شيئًا:
صحيح فكرتيني، انتي قولتي إنك مش متجوزة وآنسة، ازاي الكلام دة؟
دي حكاية طويلة، هبقى أحكيهالك ع رواقة.
هي العيلة دي، كل اللي فيها عنده حكاية ولا إيه؟ مفيش حد معاشش قصة؟ دة انا شكلي وقعت في بحر حواديت وقصص حزينة!
قهقهت نيرة.
ثم قالت:
بتقولي فيها، ولسة .. يلا اسيبك تنامي.
أغلقت الخط.
ثم تمتمت فريدة:
ومين يجيله نوم وسي مراد محتل دماغه!
يجلس ع الأريكة ويفرد ساقيه ع طاولة صغيرة موضوعه أمامه، والحاسوب فوق قدمه منهمكًا ف آخر مشروعاته.
أمامه مجموعة من النماذج التي وضعها المهندسين، يحاول إيجاد النموذج المناسب الذي سيقدمه للمناقصة.
قاطع تركيزه صوت طرق الباب.
نهض من مكانه ثم تحرك ناحيته ليفتح الباب فيتفاجأ بصوت هتاف عالي:
Happy birthday to you, Morad.
نيرة، عماد، والعم شفيق يقفون أمامه ومعهم كعكة العيد ميلاد.
ليدخل مراد ويعطيهم ظهره.
وتدلف نيرة خلفه وتقول ف حنو:
كل سنة وانت طيب يا مراد، عقبال مليون سنة يا حبيبي.
وتضع قبلة رقيقة ع وجنته.
ثم يهتف عماد بمرح:
مبروك يا باشا، عقبال ما ابارك لك نهار فرحك يا غالي.
ثم يلتقط تفاحة من فوق الطاولة ويقضمها.
ثم ينتبه لمراد يشزره بعينيه، فيضعها بمكانها كمان كانت.
العم شفيق:
كل سنة وانت طيب يا مراد يابني.
ويعطيه هدية.
لتمتم مراد بهدوء:
متشكرا.
اقتربت نيرة منه وهي تقول:
مهانش عليا أسيبك تقضي اليوم دة من غير احتفال، وكمان انت مضايق مني! .. فقولت أضرب عصفورين بحجر وأعملك مفاجئة.
أردفت ببسمة ماكرة.
ثم قال وهو يمط بكلماته:
كويس إنك عارفة اني مضايق!
عقدت ما بين حاجبيها لتغمغم:
خلاص بقا يا مراد متبقاش رخم، اعمل حساب اني عمتك وليا حق عليك!
طب انتوا عرفتوا مكاني ازاي؟
سأل.
ليجيب العم شفيق:
أصل عماد كان مراقبك وقالنا.
ابتلع عماد لعابه، ثم مثل أنه لا ينتبه لحديثهم، وانشغل ف أكل التفاحة خصوصًا أن مراد قد رمقه بحدة.
لتديره إليها وهي تردف:
المهم يلا نقطع التورتة بقا.
احتفلوا جميعهم مع بعضهم البعض، ثم عاد كل واحدًا منهم إلى بيته، رغم رجاء نيرة له بأن يعود معها، لكنه أبى بشدة فما زال غاضبًا مما حدث.
كملي بقا الحكاية يا ست نيرة!
هتفت فريدة وهي تضع القدر ع النار الذي به ماء.
ثم التفتت للحم الموضوع ع الطاولة الرخامية لتبدأ بتقطيعه.
تنهدت نيرة وهي تجلس فوق نفس الطاولة ولكنها متزحزحة قليلًا.
ثم تبدأ باستطراد الحكاية.
يجلسان الاثنان في مكان عام.
لترشف رغد من كوب العصير برفق ثم تهتف ل مراد الذي بدى شاردًا بصوت عالي قليلًا.
أنا صحيح نسيت اسألك، انت بتشتغل إيه؟
ليلتفت برأسه لها ويرد:
إيه يا بنتي خضتيني!
قال مازحًا.
لتعتذر رغد:
أنا آسفة، صوتي علي غصب عني!
أخفضت جفنيها.
ويضحك لتصرفها:
دة انتي هبلة أوي، يعني معقول حد يتخض من صوت البلبل الرقيق دة؟
ابتسمت خجلًا:
شكرًا.
يا خواتي ع خدود الحليوة اللي شبه الفراولاية المسكرة.
داعبها بكلماته، حتى تكونت بقعتي حمراء ع وجنتيها.
ثم أجاب عن سؤالها:
أنا يا ستي أبقى ظابط مخابرات.
انصدمت حتى أنزلقت الطنجرة من يديها لتهمس بهدر:
مراد كان ظابط؟!!!!!
رواية ظل السحاب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم آية حسن
مراد كان ظابط؟ ازاي؟
توسعت عينيها بدهشة وهي تهمس، ثم هبطت نيرة من مكانها وتمتمت: أيوة
تعجبت: دة أنا كنت فاكراه مهندس!!
: لا مراد مدخلش هندسة، كان ف كلية شرطة، واختار يكون ف المخابرات بسبب ذكائه ومهاراته العالية ف الفنون القتالية...
ثم تنهدت بثقل وندم: ويا ريته ما بقى، ماكناش وصلنا للنقطة دي، ولا كان مر بكل اللي هو فيه دلوقتي.
: ليه حصل إيه؟
سألت باهتمام، لتهبط بجذعها حتى ترفع الطنجرة التي وقعت بالأرض من صدمتها، ثم تردف نيرة: حصلت حاجات كتير أوي، بس خلصي الأكل عشان هاخد منه لـ مراد، وهتعرفي كل حاجة واحدة واحدة.
لتقول باستهجان: كمان عايزة تاخديله من أكلي!! اشحال ما مهزأني قدام عينك!
ضحكت: معلش بقا، قلبك أبيض.
***
بعد ما عرضت كل النماذج اللي اشتغلتوا عليها ع المهندسين المتخصصين، قررت اقدم واحد فيهم، أنا متأكد إنه هيخلينا ناخد العطا بإذن الله .. والنهاردة هنقدمه.
أنهى مراد كلامه العملي.
ليتحدث أحد المهندسين ويقول: طيب ممكن نعرف اخترت نموذج أي واحد فينا؟
لتنمو ابتسامة صغيرة ع ثغره ثم يقول: انتوا لسة متعرفوش نظامي، تقريباً معظم الناس القديمة اللي بتشتغل عندي، عارفين إني مبحبش أكشف أي سر خاص بالمشروعات اللي زي دي، وكمان بحتفظ بكل الأعمال لغاية ما المشروع ينتهي .. ولو المناقصة رسيت علينا، هقول مين اللي أخدت النموذج بتاعه وقدمته، ومشان بس كدة هيكون له مكافأة كبيرة زائد ترقية، زي مانتوا عارفين أنا مبحبش أضيع مجهود حد، حتى لو كنت عدلت شوية حاجات ف النماذج!
ابتسم الجميع، بعد حديثه المحفز للغاية، ثم طلب منهم الانصراف.
لـ تدلف نيرة إلى غرفة الإجتماعات وتهتف بمرح طفيف: أيوة ياعم داخل ع حاجة كبيرة شكلك! بس ما تبقاش تنسانا!
: أنا نسيتك خلاص!
تمتم ساخرًا، ليتجهم وجهها: أخص عليك أخص!
ثم تجلس ع مقعد بجواره وتردف: بقا بعد الاحتفال العظيم يوم عيد ميلادك تنساني، بقيت مكار أو.
يلتقرص وجنته برفق، ويقول مستنكرًا: أنا برضو؟ ع العموم أنا ماتعودتش أنسى حبايبي مهما عملوا فيا، وإلا كان زماني عايش حياتي عادي من تاني، وانتي أكتر واحدة عارفة !!
كانت تعرف إلى ماذا يرمي، ليظهر الأسى ع معالمها، شفقة ع حاله الكرِب.
ثم أرادت أن تخفف عنه فقالت وهي تُخرج الطعام من حقيبة بلاستيكية..: أنا عارفة طبعًا إنك مش مهتم بأكلك من ساعة ما سبت الڤيلا؛ فقولت أجيبلك حاجة مطبوخة ف البيت!
هتف بنبرة حانقة: مش عايز.
سألت بوجه منكمش: ليه يا مراد؟
رد ف عصبية طفيفة: مش الأكل دة هي اللي عاملاه!
: والأكل ماله ومال خلافاتك معاها؟ وبعدين دة أكلنا احنا وهي بتاخد عليه مرتب عشان هي تعمله واحنا ناكله، مش عشان نرميه !!
أردفت ببساطة، لكي يقتنع ويتناول معها الأكل، لكنه رد ف عناد: لا كلي انتي، مش انتي اللي رجعتيها.
ضجرت: يوووه يا مراد بطل عند بقا، حتى الأكل هتعاند فيه كمان؟
أشاح بوجهه لتستعطفه: عشان خاطري؟
حرك رأسه قليلًا ثم تنهد وأومأ برأسه خاضعًا لرغبتها، توسعت ابتسامتها بسعادة ثم فرشت الطعام أمامهما.
وبدءا بتناول وجبة الغداء.
الطعام شهيّ للغاية لن ينكر هذا مهما كانت الخلافات بينهما.
اللقمة تذوب بين لسانه وفمه بليونة ويسر.
منذ اليوم الذي تركت فيه فريدة البيت لم يأكل طعام طيب البتة.
لكن هي السبب فلولا ما فعلت لكان هو الآن يمكث ف بيته ويستطعم بطهيها الفريد من نوعه، ولا زالت هي تعمل عنده، ع أي حال هو غير نادم ع رفدها.
لاحظت نيرة شروده وابتلاعه للطعام دون إدراك رغم اعتراضه ع تناوله بعد علمه بأن فريدة أعدته، وهذا جعلها تبتسم بمكر.
هو لا يستطيع الصمود أمام طعامها فما بال فريدة نفسها!
ضحكت ف عقلها، وازدادت ثقتها التامة بفريدة وما ستفعله.
ليعود مراد بذاكرته للخلف قليلًا.
استلقى ع الفراش بنهك ليغمغم: أخ يا جدعان، حاسس إن منشار بيقطع ف عضمي، مهمة صعبة والمجرمين لففونا وراهم الكلاب.
تمتمت وهي تقترب منه، وتحمل صحنًا به ماء: بعيد الشر عنك، شكلكم بتتعبوا أوي ف شغلتكم دي؟
: أوي بس؟ دة احنا بيتشال ويتحط علينا سيادتك.
وضعته تحته وقالت: ربنا يكون في عونك.
اعتدل بسرعة عندما حاولت خلع نعله وسأل: انتي هتعملي إيه؟
: هقلعك الجزمة عشان أدلكلك رجلك.
ردت ببساطة، ليمسك بيديها، ويضعها بجواره ع طرف السرير ويهدر بلطف: الايدين دول ما يدلكوش ولا يغسلوا، دول يتزينوا بالزهور والألماس!
لتبتسم بوجع ثم تردف: الإيدين دول ياما غسلوا صحون، وسجاجيد، ومسحوا بلاط، وخرطوا بصل وفلفل كميات تكفي مصر كلها!
: ناس حقيرة مابتفهمش عشان يخلوا القمر دة يشتغل أصلاً.
وبعدين تعالي هنا انتي كنتي بتشتغلي إيه؟
سأل لتجيب بعد تنهيدة: كتير أوي.
مصانع، ومحلات، وحاليًا ف مطعم، بس أكيد استغنوا عني عشان من ساعة ما رجلي اتجذعت وأنا مش بروح!
ليردف بنبرة مخملية تحمل اللطف: ف داهية كل دول، اللي زيك يقعد ف قصر ملكي وتتوج ملكة ع عرش القلوب!
قهقهت، ثم قالت وهي وتسير خطوتين للأمام: طب بلاش مدح فيا بقا أحسن أتغر بجد.
ليقوم خلفها ويهمس بالقرب من أذنها: طب وماله! من حق الجميل يتدلع ويتغر!!
إقشعر بدنها لهمسه ثم التفتت ببطء وهي تعلق مقلتيها بخضراوتيه.
جذبها برفق من خصرها دون وعي، حتى تيبس جسدها بفضل لمساته.
اقترب منها حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى أنفاسهم الحارة التي تكاد تفتك بهما معًا.
شفتيه لا تبعد عن خاصتها إلا بضع مليمترات، وجسدها الذي شعرت بأنه يتحول إلى قطعة سائبة، لولا يداه التي تحيط بها لكانت ارتمت أرضًا.
مراد كان غائبًا عن الدنيا، سارحًا ف عينيها اللامعتين الصافيتين كالسماء، اشتد قربه منها لتغمض عينيها ف استسلام تام، ولولا طرق الباب العنيف، لكان قد قطف أول قبلة بحياته، واستذاق طعم الحب لأول مرة!
ابتعدت عنه بفزع عند سماعها لصوت ذاك الباب.
تحت نظرات مراد المتعجبة فهو لم يشعر بحاله وهي بين يديه.
حاول العودة لهيئته بعدما أدرك نفسه.
إلى ماذا كان يخطو، كان تهورًا منه أن يقترب كل تلك المسافة، لقد كاد أن يقبلها، ورغم أنه ف داخله كان يود فعلها وبشدة!
ولكن حمِد الله أنه قد أفاق قبل أن يقدم ع شئ قد يعرضه للعتاب منها بعد ذلك، الشكر لذلك الأبرم الذي يطرق الباب.
تحرك نحو الباب ثم فتحه ليجد شخصان يهتفان بهرتلة، فيصيح بهما ف زعج: إيه ف إيه؟ بتزعقوا ليه؟
تقدم واحدًا منهما وكان طوله متوسطًا، شعره متعرج ملامحه غليظة، ويرتدي قميصًا عليه سترة جلدية بنيه أسفلهما بنطال بنفس لون القميص.
ما أن رأته رغد دلفت إليه لتسأل ف لين وقلق: ف إيه يا عم جميل؟
فيهتف حانقًا: ف إن سيادتك متأخرة عن الإيجار بقالك 3 شهور، وأنا بصراحة عايز أأجر الأوضة لحد تاني.
: طب استنى عليا حتى لآخر الشهر وان شاء الله، هدفعلك من اللي متأخر عليا!
كانت تستعطفه بنبرة انكسار، لكنه صاح غاضبًا: بقولك إيه أنا مش عايز رغي كتير سمعت منك الكلام دة مليون مرة، ويلا لمي هلاهيلك دي وأخرجي برة بدل ما أ...
وقبل أن يكمل جملته أخرسه مراد برأسية قوية دفعته للخلف بقوة، ليقع خارج الغرفة متألمًا، ليخرج وراء مراد وهي الأخرى تصرخ ف هلع..: ليه عملت كدة يا مراد، حرام عليك!
رقد جميل أرضًا ويده فوق أنفه الذي سال الدم منه، ويتمتم بألم: انتي جايبالي بلطجي يستقوى عليا! طب وحياة أمي منا عاتق.
جذبه مراد من مقدمة ثيابه بغضب وقول من بين أسنانه: البلطجي هو اللي بيتهجم ع واحدة عايشة لوحدها وعايز يرميها ف الشارع!
وللعلم أنا ممكن أعمل معاك الصح وأخليك تقضي كام سنة حلوين بسبب اللي عملته معاها!
هدده ليبتلع الآخر لعابه مخافة من نبرة صوته التي تقول بأنه يقدر ع فعلها.
ليقول في صوت مهزوز ومرتبك: يا باشا أنا كنت هديها فرصة تلم حاجتها!
بس طالما سعادتك مش عايزها تمشي يبقى خلاص، زي ما تحب.
تركه مراد بقرف ليخرج من جيبه بعض النقود ويرميها بوجهه ويقول: كدة حسابك خالص وكمان عليهم كام شهر مدفوعين الأجر، ومش عايز اشوفك بتتعرضلها تاني، سامع؟
تلقى النقود من الأرض ثم ردد قائلًا: تمام تمام يا باشا، آسفين للإزعاج.
سحب الشخص الآخر معه وهرعا الاثنان سريعًا من أمامه.
التفت مراد ليرى رغد تدلف لداخل الغرفة، فدخل خلفها ليجدها تجلس بإحباط وكسرة ع طرف الفراش، فيقترب هو منها ويستقر بمستواها، ثم يسأل ف حنو: الجميل ماله مكسر ليه؟
أجاب وهي تتحاشى النظر إلى مقلتيه حرجًا: أنا مكسوفة منك أوي بجد، جمايلك مغرقاني ومش عارفه هقدر أردهالك إزاي!
ضحك، ثم أمسك بذقنها ليرفع بوجهها الذي يتملكه الخجل: يعني انتي شايفة إن اللي بعمله دة عشان أشيلك جمايل؟
: أمال عشان إيه؟ شفقة مثلاً؟
سألت برقة وعفوية، ليتحول وجهه إلى العبوس، ثم نهض من مستواه وهو ينظر لها ف ضيق: يعني إنتي كونتي فكرة عني وعن سبب وقوفي جنبك وفسرتيه ع إنه شفقة؟؟؟؟؟؟
نبرة صوته كانت منفعلة حتى اندهشت منه رغد، هذه المرة الأولى التي يرفع صوته بهذا الشكل عليها، فكان دائمًا يعاملها بلطف ورقي، ما الذي جعله يثور هكذا؟
لتسأل ف تعجب وهدوء: انت زعلان أوي كدة ليه؟ هو أنا قولت حاجة غلط؟ مش انت اللي قولت إنك مش عايز تحس بالذنب ناحيتي؟
قبض ع راحة يديه بقوة، وهو يصطك ع أسنانه بحنق شديد.
هل كان ليقصدها من الأساس؟
ليقول ف هدوء زائف: بصي يا رغد ما تتكلميش معايا تاني، عشان كلامك بجد بقى مستفز، وأنا مش هعرف اتحكم ف نفسي كتير!
ليتحرك ويلتقط مفاتيحه ويهم بالمغادرة.
: طب انت رايح فين؟
سألت بسرعة عندما وجدته اقترب من الباب، ليرد دون أن يلتفت: همشي، ويا ريت ماسمعش كلمة.
أغلق الباب خلفه، ليتكون غشاء رقيق من الدموع في عينيها.
شعرت وكأن رأسها تدور بقوة.
دقات قلبها تزداد.
هل تركها؟ أغضب منها ولن تراه مجددًا؟ ستبقى وحيدة مجددًا؟
اهتزت الصورة أمامها حتى اسودت وسقطت مغشيًا عليها دون أن يدري بها مراد.
: والبت ماتت ولا إيه؟ منك لله يا مراد، كان لازم تتقمص من الكلمة يعني؟
هتفت بها فريدة بوجه باكٍ، وهي تجلس بالساحة مع نيرة التي أردفت: يا بنتي استني، هكملك حصل إيه!
لتقول ف حماس: كملي كملي يلا.
كادت أن تردف لكن قاطعها صوت فتاة تدلف إليها: إزيك يا طنط نيرة؟
تقف نيرة وتتمتم ف تعجب: نانسي؟
اقتربت منها لتقول: معقول تيجي مصر ومتسأليش ع باقي قريبك؟
نهضت فريدة من مكانها بوجه يحقن الدماء: مش انتي يا بت بتاعة الڤلجر؟
لتحول نانسي نظرها إليها وهي عاقدة الحاجبين لتتذكرها: هو انتي؟ انتي ازاي تتجرأي وتيجي هنا؟
لتهتف مستنكرة: نعم يا حيلة أمك، هو مين اللي اتجرأ وجه؟
لتردف وهي ع تكظ أسنانها: أنا فعلًا مغلطش لما قولت عليكي (Vulgar) !!
هتفت وهي تحذرها: بقولك إيه أوعي تكوني فاكرة إني مش هعرف أرد عليكي، دة أنا اتعلمت شوية كلمات عشانك إنما إيه عنب! والله أطيرلك وشك بيهم!
صاحت الأخرى بحنق وهي توجه سؤالها لـ نيرة: مين دي يا طنط؟ وبتعمل ايه هنا؟
: ف إيه يا نانسي، بتزعقي كدة ليه، دي واحدة صحبتي.
: إنتي بتصاحبي الأشكال دي؟
هتفت بتذمر لتندفع فريدة: أشكال مين يا مكنة مصدية انتي! ما تلمي روحك، ولا عشان أنا محترمة نفسي هتفردي جناحاتك عليا؟
: خلاص يا فريدة اهدي.
وانتي يا نانسي لو سمحتي عيب كدة، ماتنسيش إنها ف بيتي؟
قالت بضيق، لتزم نانسي شفتيها وتهتف: دة مش بيتك، دة بيت مراد، وأكيد ميرضيهوش أن بنت عمه تتهزأ بالطريقة دي!
!: هو انتي لسة شوفتي تهزئ؟
لتهجم عليها فريدة وتلتهم ذراعها بين أسنانها، لتفتح نانسي فمها وهي تطلق صراخًا، ثم تصيح بألم: ابعدي عني يا متوحشة، الحقــوني!
نيرة من كثرة الضحك غير قادرة ع إبعاد فريدة عنها.
هبط مراد من سيارته وألقى السلام ع العم بركات (البواب)، ليسمع صوت صياح عالي ويسأل: إيه صوت الزعيق دة يا عم بركات؟
ليسمع الآخر ثم يردف: مش عارف والله سعادتك، يمكن الست نيرة ونانسي هانم.
ليتحرك بسرعة نحو التراس لأنه يعلم مدى الخلافات التي بينهما، فيتفاجأ بفريدة تنقض ع نانسي، رفع حاجبيه مندهشًا بما تفعله تلك الطائشة.
ثم تطلق صراح ذراعها، وتبتعد عنها تاركة طبعة كالساعة مكان أسنانها التي غرست وبقوة بين لحمها، وتلتقط أنفاسها المسلوبة.
: يا شرسة يا عضاضة.
هتفت بوجه باكٍ، وهي تمسك بذراعها وتنظر إليه بحزن والذي التهب فورًا، لتردف بعصبية: كدة شوهتيني!
: مراد!
صاحت بها نيرة ثم ركضت نحوه وهي تحتضنه: حمد لله ع سلامتك يا حبيبي، نورت بيتك.
جرت إليه نانسي الأخرى وهي تهتف ببكاء: الحقني يا مراد، شايف الحيوانة دي عملت فيا إيه!
: والله ما تغلطي تاني لكون واكلة دراعك التاني!
رفعت بصوتها مهددة، وهي ترفع أحد حاجبيها لـ مراد والذي تنتظر ردة فعله.
هزمت: انت لازم تطردها، من هنا حالاً.
: مراد، فريدة معملتش حاجة، نانسي هي اللي استفزتها.
صرخت: أنا مستفزتش حد، بطلي انتي تتهميني بحاجات كدابة.
ليتذمر مراد ويصيح بها غضبًا: ما تخرسي بقا، انتي هتقلي أدبك ع اللي أكبر منك وكمان تبقى عمتك؟
: تربية ناقصة.
تمتمت فريدة بصوت مسموع، لتصعد الدماء وجه مراد، فيتقدم منها ويسألها ف تذمر: انتي إيه اللي خلاكي تعملي كدة؟ فاكرة نفسك بلطجية.
تهتف غير عابئة لأي شئ وكأنها أتت بآخر ذرة صبر لديها: بقولك إيه يا بتاع انت، أنا ما يفرقش معايا اللي هتقوله ولا اللي هتعمله، ثم إنك ملكش دعوة بيا ومفيش بيني وبينك أي حوارات أصلاً، وع رأي المثل "جزرة وقطمها جحش"، بلا بقا طير انت عشان دماغي مش رايقة السعادي، ويا ريت تاخد ف ايدك العرسة اللي وراك، عشان خنقتوني!
بدت ملامح مراد معقودة ومتجمة، نظرات عينيه لا تنبأ خيرًا.
واللتان ف الخلف تقفان جاحظتين العينين، بالأخص نيرة التي تيبس جسدها لبرهة، لا تعلم ماذا فعلت هذه الهوجاء بنفسها، ومن سينقذها من براثن هذا السبع!
رواية ظل السحاب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم آية حسن
أنا جحش؟ يضغط على حروفه وهو يشير لنفسه ويسأل.
لترد فريدة بلا استيعاب: أيوه، مش انت اللي ابتديت تبقى جحش.
لتدرك نفسها بسرعة، وتجحظ عينيها. هل قالت أنه جحش؟ يا لغبائها.
رسمت ملامح بريئة وهي تعقد حاجبيها خوفًا عندما رأت عرقه النافر ينبض كالبركان.
الظاهر إنك مش بس مجنونة، دة انتي عاوزة تتربي من جديد! هتف بصوت أجش.
فيعبس وجهها: أنا مش متربية؟
ارتفع صوته: لما تبقي بتغلطي فيا أكتر من مرة، وكمان تطرديني من بيتي؛ تبقي عاوزة تتربي!!
تحولت ملامحها للإستياء ومقلتيها لمعت بالدموع: انت مين اللي أدالك الحق تغلط ف تربيتي؟ انت اتعديت حدودك معايا أوي!
ليصرخ باستنكار: أنا اللي اتعديت حدودي برضو؟ أمال اللي بتعمليه انتي دة إيه؟ قاعدة ف بيتي وبتاخدي مرتب من فلوسي، وبتشتميني وعاوزة تطرديني من بيتي وشايفاني أنا اللي بتعدى حدودي؟!!!
لتزداد عصبيته: انتي بتفرضي نفسك عليا بدون أي وجه حق، كإنك واحدة مهمة عندي، وانتي أصلاً ولا حاجة!!! أوعي تفتكري عشان سمحتلك تقعدي هنا وأنا مشيت يبقى هتقدري تلوي دراعي بوجودك، دة أنا ممكن أتعامل معاكي بطريقة تخليكي تكرهي تشوفي وشي بعدها.
هددها لتتسارع أنفاسه مع صدره الذي يعلو ويهبط من تأففه.
ليتفاجأ بردها الصادم، وهي تردف بثقة، وتعقد ذراعيها أمام صدرها: وليه؟ إيه اللي خلاك تفكر إني فارضة نفسي عليك؟ هو أنا اللي اقتحمت بيتك وطلبت منك تسيبه غصب عنك؟ وبعدين دة انت اللي طلبت مني أشتغل عندك من الأول، مش أنا اللي كنت هموت واشتغل عندك، دة انت تحمد ربنا أصلاً اني تنازلت وتواضعت عشان أوافق بعرضك، أما بقا عن تاني مرة لما رجعت فانت مالكش إنك تتحكم فيا، لأني ببساطة كدة مرجعتش عشانك، أنا رجعت عشان نيرو.
قالت بنبرة لعوب جعلت الدماء تغلي ف عروقه.
نيرة تتابع الحديث باهتمام، تود معرفة ما يدور في عقل فريدة أو إلى ماذا تريد أن تصل.
أما عن نانسي فتضيق عينيها بغرابة لكونها لا تفهم شيئًا: واضح إنك شاربة جرعة ثقة زيادة، ومتعرفيش أنا كنت إيه، قبل ما أكون رجل أعمال محترم بيتعامل بعقلانية.
قال وهو يخلع سترته بهدوء ويضعها جانبًا، ثم بدأ بفك أزرار أكمام القميص، كأنه داخل معركة وخيمة.
لتبتلع فريدة لعابها، المتزامنة مع دقات قلبها، وقدمها التي تحسها ع الفرار والآن: خليني بقا أرجع لـ 7 سنين ورا، أعتقد الشخصية دي مناسبة إنها تتعامل معاكي، وأنا حاسس إنك محتاجة تتروقي، مش انتي قولتي إنك مش ف المود؟
ازدادت وتيرة أنفاسها وهي ترى إبتسامه ماكرة تعلو محياه، مع نبرته الساخرة.
تترقب حركات جسده، مشاهد تطوف بعقلها، هل سيقتلها ويعلقها ع باب القصر؟ أم سيدفنها حية بمكانها التي تقف به.
أنفضت رأسها بسرعة وهي تغلق عينيها بقوة.
لينتفض جسدها عند هتافه الحاد: ساكتة ليه؟ فين لسانك اللي كان أطول من ملعب الجولف؟
توسعت ابتسامة سمجة ع ثغرها، لتقول بتلعثم: أنا... كـ..نت بهزر معاك! انت خلقك كنز كدة ليه؟
صاح بغلظة أفزعتها وجعلت بدنها يهتز: نعـم؟؟!! هو أنا واقف ألعب معاكي؟
لتتدخل أخيرًا نيرة، تقترب منهما وتقول: خلاص يا مراد اهدى، هي أكيد ما تقصدش.
تذمر: كل مرة ماتقصدش، أمال هي بتعمل كدة ليه لما ما تقصدش؟
تمتمت بخفوت: عليا النعمة تستاهل كل كلمة قولتها وأقصدها كمان!
تتقدم نحوهم نانسي وتردف بحنق: دي مختلة، اول مرة قابلتها فيها وقعتلي تليفوني واتخانقت معايا، ما كنتش أعرف إنها مجرد خدامة!!
استهزأت وسخرت منها، لتنزعج فريدة كونها لقبتها بالخادمة.
تصرخ بها: أنا مش خدامة، وانتي واحدة قليلة الذوق والاحترام، عشان أنا اعتذرتلك وانتي طلعتي واحدة متكبرة وشتمتيني!
تحاول التقاط أنفاسها المرتعشة، ثم تأخذ حقيبتها بـ عصبية وتركض مغادرة.
لتجري خلفها نيرة التي تحاول إيقافها: استني يا فريدة أرجوكي.
التفت مراد ليرمق نانسي شزرًا، وهي غير منتبهة له تتفقد الندبة، التي طُبعت ع ذراعها بفضل فريدة.
ليصيح مراد بها فيفزعها: انتي إيه اللي عملتيه دة؟ ازاي تقوليلها الكلمة دي، مش تحسني ألفاظك؟
نظرت مستنكرة: أحسن ألفاظي! يعني عاجبك اللي عملته فيا دة؟
أردف وهو يصطك ع أسنانه: بقولك إيه، أنا متأكد إنك انتي اللي بدأتي، فمتحاوليش تمثلي عليا دور الضحية!
بحنق: أنا مبمثلش! وأنا غلطانة اني جيب أسأل عنك حتى بعد اللي عملته مع أخويا معتز!
وأنا مطلبتش منك تيجي وتسألي، واللي ييجي لازم يحترم أهل البيت وضيوفهم، غير كدة ما يلزمنيش!
نهى كلامه ثم تحرك لداخل الڤيلا، ويترك نانسي تكظ أسنانها غيظًا من طريقته الجافة.
مراد رجع الڤيلا من تاني، أنا مبسوطة أويه.
هتف نيرة بمرح وترتسم ابتسامة سعيدة ع وجهها.
لترد فريدة ف وجوم: مبروك.
لتقوس وجهها وتردف بنبرة هادئة: أنا عارفة إنك مضايقة من نانسي واللي عملته، هي كدة شايفة نفسها ع كل اللي حواليها، حتى شوفتي اتعاملت معايا أنا شخصياً ازاي؟
بحنق: والله دة لولا دخول مراد، كنت قطمت حتة من دراعها.
ضحكت: كفاية أوي اللي عملتيه فيها، دة تقريباً عاوزة دراع استبن.
قهقهت فريدة بأسلوبها الخاص لتعلى ضحكات نيرة عليها، فتنخفض ضحكة فريدة تدريجيًا حتى تختفي؛ خجلًا منها ومن نيرة، فهي دائمًا تحاول أن تضحك بخفة حتى لا تظهر العاقة التي بها كما تدعوها هي.
حمحمت فريدة بحرج: أنا عارفة إن ضحكتي عار، حاولت أغيرها بس معرفتش.
سعلت نيرة من كثرة ضحكها وتردف ناهية: أوعي، وحياة ربنا حلوة أوي.
استنكرت: حرام عليكي، دة من أيام المدرسة وزمايلي كانوا يتريقوا عليا، وانتي تقوليلي حلوة!!
جداً، عارفة أجمل حاجة إن الواحد يسيب نفسه بعفويتها؛ عشان كدة متحاوليش تغيري أي حاجة فيكي، حتى لو مش عاجبة الناس.
يا سلام يا سلام يا ست نيرة، بقينا نقول كلام فلاسفة أه.
تغير نبرة صوتها لشخص كهل فتقول بمزاح: الدنيا ياما تعلم يا بنتي.
ضحكت فريدة، ثم أردفت بنفس طريقتها: عندك حق يا جدي.
يضحكان سويًا، ثم ليدلف مراد لـ نيرة، فتنتبه له: مراد؟
رددت فريدة اسمه بهمس.
ليقترب منها ويسأل ف جمود: انتي بتكلمي مين دلوقتي، صوت ضحكتك واصل البيت كله!
أخفضت الهاتف قليلًا وتجيب: دي فريدة!
يجب أن تكون هي، فمن غيرها؟
حمحم ثم قال: طيب خلصي عشان الوقت اتأخر، وانتي بقيتي مهملة ف مواعيد شغلك!
نيلة عليك.
رفع حاجبيه ليندهش بصوتها يأتي من سماعة الهاتف، والأخرى لم تدرك أنه ما زال واقفًا مكانه لم يغادر.
ضربت نيرة جبينها بإحباط.
فقطب مراد وجهه بحنق، لتتمتم نيرة من بين أسنانها: فريدة مراد لسة واقف!
شهقت بصدمة ثم أردفت بسرعة: نيلة عليك دبان معفن، قرفتني!
زفر بقوة، ثم قال وهو يجز بأسنانه ويسير للخارج قبل أن يغلق الباب: تصبحي ع خير يا نيرة.
رفعت صوتها: وانت من أهله.
إيه يا فريدة مش تاخدي بالك؟ همست بضيق.
لتردف فريدة: سوري بقا، فكرته مشي.
المهم هنام وبكرة نكمل حكاياتنا.
تصبحين ع خير.
ثم تغلق فريدة الخط، وتتنهد بقوة وتفرد ظهرها ع الفراش لتستسلم للنوم في ثبات.
أنا جعان! قال عماد الجالس بجوار مراد، وع الجانب الآخر تجلس نيرة ف غرفة الإجتماعات.
ليرفع مراد بصره عن الحاسوب، وينظر له ثم يحرك راحة يده ع وجهه ف نفاذ صبر: يا رب ارحمني. يابني آدم انت مفيش مرة تقعد فيها معايا، إلا لما تفصلني!!
كشر وجهه: أعمل إيه طا، منا مبعرفش أركز وأنا جعان!!
هتف بتأفف: انت عمرك ما ركزت أصلاً!!
الله يسامحك! رسم الإستياء ع وجهه.
لتردف نيرة بلين: متزعلش يا أستاذ عماد، مراد ما يقصدش. وكمان يا مراد فعلاً دخلنا ع وقت الراحة !!
أغلق مراد الحاسوب ثم تنهد: ماشيت.
توسعت شفتي عماد بسعادة، ثم تسأل نيرة: هو احنا هنروح؟
مش هينفع، ف حاجات مهمة لازم أخلصها، روحي إنت.
هم الإثنان بالوقوف، لينتبهوا ع سحب الباب ع مصراعيه، فيتفاجئوا بها تقف أمامهم.
تمتمت نيرة باسمها متعجبة: فريدة؟
استغفر مراد ف عقله عند رؤيتها.
مالت بجذعها تلتقط الصندوق، ثم تحركت ووضعته ع الطاولة: السلام عليكم!
نيرة وعماد ردا السلام.
ليتذمر مراد: انتي ازاي تدخلي بالشكل دة؟
تجاهلته: بقولك يا نيرو عايزاكي ف كلمتين الله يباركلك.
صاح بغلظة: أنا مش بكلمك؟!!!
وأنا مش بكلمك.
مشت ملامحها وأخرجت لسانها له ليزم شفتيه بحنق.
فتقول نيرة وهي تحاول ألا تظهر ابتسامتها: خير يا فريدة؟
أنا لما لاقيتك اتأخرتي، خوفتك تجيبي أكل من برة، والحاجات دي غلط ع معدتك، فجبتلك الغدا بتاعك معايا، انتي وبس.
ضغطت ع كلمتها الأخيرة وهي ترمقه بطرف عينيها، ليقلب هو خاصتيه بملل.
تفوه عماد بلهفة: وأنا أقول ريحة السجق والكبدة دي جاية منين، دة أنا شاممها من ع بعد عشرة متر!
ليجذب الصندوق أمامه فيهم بفتحه، توسعت عينيه بمرح: الله أكبر! تسلم إيدك من قبل ما أدوق.
كاد ليلقف رغيفًا، لكن منعه مراد بيده: انت هتاكل هنا؟
أمال فين؟ سأل ببلاهة.
ليصك مراد فكيه بحنق، ويشزره بعينيه: خلاص فهمت.
قال، ثم رفع بالصندوق ليذهب، لكن أوقفه صوت نيرة: استنى يا عماد. انت هتاخد الأكل كله؟
التفت: يدوب يا هانم، انا ما أكلتش حاجة من الصبح!
هتاكل 27 رغيف؟ صاحت فريدة عاقدة الحاجبين.
ليرد ف استنكار طريف: هو انتي بتسمي عيش الأيام دي أرغفة؟ دة بقا قد اللقمة، دة أنا ودني أكبر منه أساساً.
لتلاحظ أذنه ثم تقول: ودنك فعلاً كبيرة، خليها تعمل دايت!
قهقهت نيرة، ليرمقها مراد بحدة فتبتر ضحكتها، ثم يهتف بضيق: اطلع برة يا عماد.
ليضع الصندوق بمكانه ثم يأخذ حقيبة بلاستيكية بها بعض الأرغفة، ويتمتم ببعض الكلمات قبل أن يغادر.
اقعدي يا فريدة كلي معانا. أشارت لها نيرة.
لتردف: لا مش هقدر، أصلي مستنية مكالمة مهمة.
قالت بحماس، ليلقي مراد نظره عليها ف تعجب.
سألت نيرة: من مين؟
فتحت فمها لتجيب لكن قاطعها رنين جوالها فشعرت الخوف يتسلل إلى أوصالها.
ثم تضغط رد.
ربكة: ألو. إيه يا نرمين طمنيني؟ إيه؟!!! الله يخربيتك ع بيت هادي يا شيخة.
صاحت بوجه باك، ليهز مراد رأسه بيأس، لتتابع صياحها: غوري مش عايزة أعرفك تاني.
ف إيه يا فريدة طمنيني؟ سألت نيرة بقلق.
فقوست شفتها السفلية بطفولية وتغمغم: أنا سقطت!
سقطتي ف إيه؟ سألت بعدم فهم.
ثم تجلس فريدة، وتبعد عن مراد بمقعد واحد، فتردف بحزن: أصل أنا كان عندي امتحان ف المجموعة، وجبت 20 من 100.
والآن يود الضحك وبشدة. يقسم أنها تستحقها هذه الهوجاء المتهورة.
زم شفتيه بقوة مجاهدًا نفسه ألا يضحك.
بخلاف نيرة التي اندفعت مقهقهة ف صخب.
نكمشت معاييرها في بكاء طفولي، لتخفض رأسها ع الطاولة وتدفنها بين ذراعيها بحزن واستياء.
ابكي يا لعينة، لعل هذا يغفر لكِ ما فعلته به.
رفعت برأسها مندفعة: انت شمتان فيا صح؟
حمحم ليقول بنبرة مصطنعة: أنـا؟ وأشمت فيكي ليه؟ هو انا زميلك ف المجموعة؟
استنكر بتهكم، لتزم شفتيها باغتياظ، تعلم أنه يشمت بها، فهي ترى لمعة السرور تنبض بـ بؤبؤ عينيه.
رفعت حاجبها الأيسر وهي تهدر برفع سبابتها: أنا بس عايزة أقولك، إن الشماتة لا تدوم يا صديقي، وع رأي الاستاذ أحمد شيبة ما بيقول «آه لو لعبت يا زهر واتبدلت الاحوال، واركبت أول موجة ف سكة الأموال، لروح لأول واحد احتجتله ف سؤال، كسر بخاطري ساعتها ودوقني ضيقة الحال!».
كان مراد يعقد حاجبيه دون فهم: انتي بتقولي إيه؟
هتفت: طبعاً وانت هتفهم الكلام دة ازاي؟ دي لغة العظماء، كلام عمالقة.
لتضرب بيدها ع الطاولة دون وعي، ليحدق بها شزرًا، وينهض ف جمود: ع فكرة انتي عطلتيني، وأنا ورايا شغل!!
تمتمت لنفسها: اممم أنا شكلي بتكرش بشياكة!
وقفت نيرة: تعالي يا فريدة معايا المكتب. وانت يا مراد كمل أكلك.
لينفتح الباب أثناء نهوضهما فجأة، فيدلف معتز ويقول ف جمود وحنق دون حتى أن يلقي السلام: أنا عايز أتكلم معاك!
رواية ظل السحاب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم آية حسن
وحد يخش بالطريقة دي برضو؟
أردف مراد لمعتز الذي دلف دون استئذان.
ليرد في سخط: هم كلمتين وهمشي ع طول!
ازيك يا معتز، كدة برضو متسلمش ع عمتك!
قالت نيرة بعتاب.
ليقول بجفاء: أنا مش جاي عشان أسلم.. ممكن بقا نتكلم لوحدنا!
قال موجهًا حديثه لمراد الذي يود أن يلكمه بسبب رده السمج.
وتحركت نيرة خارج الغرفة مبتئسة منه، وتتابعها فريدة.
جلس مراد فأردف: خير! إيه اللي جابك؟
سأل رغم علمه سبب مجيئه.
ليقول: انت عارف كويس أنا جيت ليه!
ليضبط من سترته ويردف بتهكم وهو ينظر له: وأنا هعرف منين! يكونشي ف رابط بيني وبين دماغك، ف اللي بتفكر فيه يوصلني!
حاول الهدوء: من غير تريقة، انت فاهم إن مفيش حاجة ممكن تجيبني غير المستندات!
تصنع عدم الفهم، وهو يخرج طعامه من الصندوق: بصراحة أنا معرفش انت بتتكلم عن انهو مستندات!
زم شفتيه ثم نفخ الهواء من أنفه بحنق، ليردف بحالمية أكبر: اللي كانت ف مكتبي!
همهم مراد بعدما قضم لقمة، ثم قال بمكر: مش فاكر برضو! .. بقولك، ماتيجي تاكل شكلك ماتغدتش زي حالاتي.
قبض على حرف المقعد باغتياظ من بروده، ثم قال: بقولك ايه انت، ما تيجي دوغري وتقوللي انت عايز إيه؟
رفع طرف عينه ثم أردف مستنكرًا: أنا مش عايز حاجة، انت اللي عايز!
بحنق: أنا ماشي.. بس عايز اقولك إن الورق اللي عندك خطر أوي، والناس اللي وراه مش هيسكتوا.
انتهى من كلامه ثم غادر.
شرد مراد في اللا مكان يفكر.. لن يهدأ معتز حتى يحصل ع الأوراق؛ لكن مع ضمان وجودها في قبضته، سيعرف هؤلاء الذين أعموا عينيه وسلطوه ع نفسه حتى أقبل على تلك الفعلة السوء.
***
ألا قوليلي يا فردة أصلية، هو مين الغتت اللي دخل عند مراد، أخو البت المعصعصة اللي اسمها نانسي ولا إيه؟
سألت فريدة.
لتومئ نيرة برأسها بإيجاب وتقول: أيوة، يبقى معتز ابن اخويا.
عثمان: واضح الرخامة طبع ف العيلة كلها!
أجهشت بالبكاء بأسى.
لتقلق فريدة وتسأل: ف إيه يا نيرو انتي زعلتي من كلامي؟
نفت برأسها: أنا زعلانة ع جحود أخويا وولاده عليا، مش فاهمة بيعملوا معايا كدة ليه.
قامت فريدة بسرعة ومالت بجذعها وهي تمسد ع كتفها بحنو.. لتردف بلين: دول عيال هلافيت، ما يستاهلوش يكون ليهم عمة قمر زيك كدة.. ممكن تعتبريني بدالهم، لو مش هتمانعي يعني.
لتنهض نيرة وتحتضنها: أنتي أكتر من كدة، كفاية اللي بتعمليه عشاني.
لتبتعد فريدة قليلًا وتزيل دموعها برفق: طب خلاص بقا بطلي عياط، مش ناقصين نكد، كفاية اللي بيعمله ابن اخوكي.
فاضحكت: حاضر.
أجلستها بمقعدها، ثم عادت فريدة مكانها وأردفت: يلا كملي الحكاية، نتسلى شوية قبل ما أروح.
تنهدت نيرة ثم أومأت برأسها، وعادت للقصة عند آخر نقطة استقرت عندها.
جلس مراد ع طرف الفراش يتنفس بحنق، بسبب ما قالته رغد.
حاول السكينة قليلًا، ليدق هاتفه بنغمة تذكير.. فيجد أن معاد الدواء لها قد حان.
اتصل عليها حتى يخبرها أن تتناوله رغم تذمره، إلا أنه لا يستطيع تجاهل أمرًا هامًا يتعلق بصحتها.
انتهى الرنين دون رد.. عاد مرة واثنان وثلاث وأيضًا لا تجيب.
انتابه القلق.. هل حدث لها مكروه؟!
قام مذعورًا من مجلسه، وقلبه انتفض خوفًا.. تحرك بسرعة خارج غرفته وهو يعاود الاتصال مرة أخرى.. فتقابله نيرة وتلاحظ اضطرابه وتسأله.
مراد، مالك شكلك قلقان ليه؟
توترت أنفاسه: مش عارف يا نيرة، بتصل بـ رغد ومش بترد، خايف يكون جرالها حاجة.
متقلقش يمكن مش سامعاه.
تأفف: مش سامعاه ازاي أنا لسة جاي من عندها.
كادت لترد، لكنه سبقها وخرج في همة وصعد عربته وانطلق إلى بيتها.
وصل مراد عند الغرفة التي تقطن بها، استمر في الطرق لعدة لحظات، وعندما لم يأته رد تملكه الخوف؛ فضرب الباب بكتفه لينفتح مرة واحدة، ويجدها مرمية أرضًا فاقدة الوعي.
تسمر مكانه لبرهة، ثم انطلقت صرخة منه وهو يركض نحوها.
رغد... قومي يا حبيبتي، إيه حصلك؟
حملها على ذراعيه، ووضعها برفق ع الفراش.. كان الرعب ينهش بأحشائه ذعرًا عليها.
رغد، فوقي يا قلبي أنا جنبك.
يدلك شحمة أذنها برفق حتى تستعيد وعيها، ثم مسد ع وجنتها بحنوٍ، فبدأت تهمهم وهي تحرك رأسها ببطء، حتى فتحت جفنيها.
فاقترب منها وهمس بمخملية: رغد.. روحي انتي كويسة؟
مراد؟
تعجبت ثم سألت وهي تجهش: انت رجعت تاني؟ أنا كنت فاكراك زعلت ومش هتيجي تاني؟
اهدي أنا جنبك، ومش هسيبك.
ليجذبها نحوه ويضمها بلطف، فتردف بدموع: أنا آسفة، والله ما كنتش عارفة انك هتزعل بالشكل دة.
مسد ع ذراعها: متعتذريش، أنا اللي غلطت لما سبتك ومشيت.
طبع قبلة ع شعرها: خضتيني عليكي يا مجنونة.
رفعت رأسها عنه وسألت برقة: اتخضيت ليه؟ هو أنا مهمة عندك للدرجة دي!!
لا خالص، انتي متفرقيش أصلاً.
سخر من سؤالها، لينكمش وجهها ف إحباط.
ضغط ع كتفها وهو يجذبها إليه ويضحك: هبلة وبتصدقي أي حاجة.. رغد...
تطلعت إلى خضراوتيه: نعم؟
ليتوه الآخر بهما ويهمس: أوعي تفكري اني ممكن ابعد عنك مهما حصل، ماشي يا رغدتي؟
أومأت برأسها، فيقول: يلا بقا عشان معاد الدوا بتاعك فات.
ليجدها فجأة تحتضنه دون وعي فيتيبس جسده لبرهة.. ثم حاوطها بذراعيه أكثر: أنا ماليش حد غيرك، لو انت بعدت عني مش هيبقالي حاجة أعيش عشانها، خليك جنبي ومتسبنيش، أنا مفيش حد حسسني بوجودي غيرك، ماليش صحاب ولا أهل ولا عزوة، أرجوك ماتبعدش.
تشبثت به أكثر وهي تستعطفه بصوتها الشجي والأجهش، برعشة بدنها التي تخترق قلبه.. ضمها حتى كادت عظامها أن تكسر؛ ليطمئنها ويثبت لها أنه لن يتخلى عنها ما دام حيًا.
مضت شهور قليلة، فعرفا الأثنان الحقيقة وراء مشاعرهما.. تحسنت صحة رغد للأفضل، بفضل الله ثم برعاية واهتمام كبير من مراد الذي طالما كان معها، يمكث ليل نهار بجوارها.
يجلس أمام الحاسوب وبجواره بعض الأوراق، منهمك ف عمله.. تسير على أطراف أصابعها ببطء، وتتقدم لـ مراد الذي يجلس معطيًا ظهره، ثم ع حين غفلة تقترب من أذنه وتصرخ بمرح.
لينهض باندفاع وهو يمسك بالسلاح، وما أن رآها تقهقه، هدأ.
هدرت وهي تقفز بمرح: وخضيت مراد بـــاشــا ...هيــه.
لتضحك مجددًا، فتراه يقف يحدق بها بلا استيعاب، فتقفز لتحتضنه، لتقول برقة..: إيه مالك مبلم كدة ليه؟!
شدد ع خصرها ليهمس بنبرة غامضة: انتي بتخضيني؟ تحبي أخضك أنا بطريقتي؟
لتندفع مبتعدة عنه وهي تبتلع لعابها.. لتنمو ابتسامة جانبية ع ثغره، فيعود للحاسوب مرة أخرى.
هو أنت مشغول ف إيه؟
سألت وهي تقترب لتجد أوراق كثيرة مطبوع عليها صورًا لرجال هيئاتهم غريبة.
هو إيه دة يا مراد؟ ومين الناس دي؟
دول مجرمين يا حبي، أول مرة تشوفي الأشكال دي طبعاً.
هزت رأسها، ليجذبها من خصرها نحوه ع حين غفلة، فتتوسع عينيها، ويخفق قلبها بقوة من قربه.. ثم تسأل وهي تحاول أن تتملص منه برفق: إيه عايز إيه؟
بخضك!
ليتركها بعد أن رمقها بنظرة لم تطمأن لها، جمع الأوراق ف مستند واحد ثم رن هاتفه، وأجاب: طب أنا جاي حالًا، سلام.
أغلق الهاتف فتساءلت: انت ماشي؟
أيوة، حصلت حاجة ولازم أكون ف الجهاز دلوقتي.
نهض، وقام بوضع المسدس خلف بنطاله، ثم قالت: طب هشوفك تاني إمتى؟
هبقى اتصل بيكي!
قبلها ف جبينها ثم ذهب مغادرًا.
***
عادت فريدة للمنزل فتجد عز الدين يجلس برفقة الجدة، يهز ساقه في اضطراب، عقدت حاجبيها ثم القت السلام.
ليهتف عز هو يكظ أسنانه: يا أهلاً وسهلاً بالآنسة اللي رافعة راسي.
مالك يا بابا، شكلك مضايق؟
عملتي إيه ف امتحانك يا فريدة؟
سأل وهو يفرك فكيه، ليسير الرعب إلى أوصالها، فتهتز نبرتها.
الحمد لله، فل الفل.
كام يعني ؟
صاح فانتفضت، لتردف بثقة بلهاء وهي تحرك جسدها: الأولى ع المجموعة طبعاً...
فحمحت: 80/100.
تذمر: 80 ولا 20 يا فريدة!!!
هتف وهو يرفع بورقة، لتحدق بها ف اندهاش: هو حضرتك جبت الورقة دي منين؟
صاحبتك نرمين كانت جاية عشان تجيبهالك، وقابلتني صدفة وأدتهالي.
يتمتمت من تحت أسنانها: يا حيوانة يا بنت الحلاليف.. يا بابا أنا هفهمك.
أعطاها ظهره وهتف ساخطًا: تفهميني إيه بس، معقول يا فريدة كدة، وأنا اللي مفكرك بتذاكري ليل نهار، ف الآخر جايبة 20 يعني ساقطة!
بابا عشان خاطري اسمعني.
وقفت أمامه تستعطفه، فأشاح بوجهه، لتترجى للجدة: والنبي يا تيتة، خليه يديني فرصة أشرحله.
عقد ذراعيه: هتشرحي إيه ها؟ إنك فاشلة وعديمة المسؤولية؟
يا بابا دة مجرد اختبار، يعني مش مهم.
قالت ببساطة ليتذمر: وهو عشان اختبار تجيبي درجة وحشة، انتي مش مكسوفة من نفسك!!
انفرجت ابتسامة بلهاء: بصراحة لأ.
انتي كمان فرحانة!!
صاح مندهشًا، لتغلق فمها، وتردف الجدة بتهكم: أهدى يا عز، يعني هي داخلة مجلس الشعب! .. مبروك عليكي ال 20 يا حبيبتي.
لتقبلها ف وجنتيها، والأخرى ترد بابتسامة: الله يبارك فيكي يا ريدة يا قمر.
لتجد والدها يحدق بها باغتياظ، وهو يضغط ع راحة يده.
***
حاطة إيدك ع خدك ليه يا فريدة؟
سألت عفاف حين رأتها شاردة وتسند رأسها بيدها، ثم ترفع ببصرها إليها.
سيبيني ف همي يا حاجة عفاف، اللي فيا مكفيني.
هبط مراد الدرج فيراها، ليبتسم بخفة متذكرًا درجة اختبارها، فيتحرك نحوها.
طب تحبي أعملك حاجة تشربيها تروقك!
سألت عفاف، فردت الأخرى: متشكرة.
ذهبت عفاف ليقف مراد أمامها فيقول بعد رؤيته للحاسوب وبعض المذكرات موضوعة أمامها..: انتي لسة بتذاكري؟ أنا من رأيي تلميها أحسن بدل مانتي مضيعة فلوسك ووقتك ع الفاضي!
سخر منها لتقف بحنق: شوف يسطا أنا لم ولن أفشل، ومش معنى اني جبت درجة وحشة يبقى أتراجع عن حلمي.
وإيه هو حلمك يا أستاذة طموحات!
تهكم فأردفت: هو انت فكرك دخلت المجموعة دي ليه؟ عشان اتمنظر ع مخاليق ربنا؟!!
رفع حاجبيه فتمتم: مخاليق؟
لتتابع باستنكار: ابسليوتلي، دة أنا بعمل كدة عشان أشتغل ف شركة محترمة، سكرتيرة بقا مديرة، ما يفرقش معايا الألقاب!
هز رأسه ساخرًا: لأ برافو سقف طموحك عالي.. هو انتي خريجة إيه؟
توترت ثم حمحمت: أنا دبلوم صناعي، أصلي مجبتش مجموع يدخلني ثانوي عام!
هز رأسه: لا استمري، هتنجحي.
كانت تظن أنه يستهزأ بها، فهدرت دون استيعاب: انت بتتريق عليا عشان مش معايا شهادة عالية؟ مانت كنت ظابط، وبقيت من كبار رجال الأعمال!!
رفع ببصره مندفعًا ليقول بعينين حادتين: انتي مين اللي قالك؟.........
رواية ظل السحاب الفصل السادس عشر 16 - بقلم آية حسن
أدركت فريدة نفسها عندما رأت في مقلتيه شررًا يتوهجها.
لكن بسرعة حاولت إصلاح ما فعلت، فأردفت بنبرة مرتعشة:
"دي.. دي المدام عفاف قالتلي.. أصل لاحظت إنك بتشيل مسدس على طول معاك، فقالتلي إنك كنت ظابط شرطة، وأنا الحقيقة اتفاجئت."
هدأت ملامح وجهه قليلًا قبل أن يقول:
"وإنتي بقا بقيتي تدققي في كل حاجة فيا كده؟"
رسمت بسمة هوجاء:
"يعني دي مش محتاجة قوة ملاحظة، عشان آخد بالي منه!"
هز رأسه ثم سألت بتهور دون تفكير:
"هو إيه اللي خلاك تسيب شغلك في الشرطة؟"
حدجها بنظرة مخيفة قشعرت بدنها، ثم أردف بنبرة قاسية:
"وإنتي مالك إنتي! خليكي في شغلك ومتحاوليش تدخلي في شيء ميخصكيش، ولا إنتي مبتتعلميش من أغلاطك؟"
كان قاصدًا آخر حديثه، لتزم شفتيها بسخط، وتتمتم وهي تجز على أسنانها:
"حاضر... هتعلم!"
التفت قبل أن يتحرك خارجًا، وتهمس بحنق:
"جاتك وكسة!"
اقتربت نيرة منها وهي تعقد ما بين حاجبيها بغرابة:
"إنتي بتكلمي نفسك يا فريدة ولا إيه؟"
جلست في إحباط:
"آه يا أختي، طول ما أنا بتعامل مع الباشا بتاعكم، لازم أكلم نفسي وأشد في حواجبي كمان."
ضحكت وهي تقترب من الأريكة:
"ليه بس، ده حتى الباشا بتاعنا كيوت وقمور أوي!"
قالت بنبرة لعوب قبل أن تغمز لها، لتحدق بها فريدة بنظرة استنكار.
فتسأل نيرة:
"أمال هو فين؟"
": خرج، تقريبًا رايح يتمشى عشان مكانش لابس زيه الرسمي."
": طب إنتي فاضية ولا وراكي مذاكرة؟"
همست لترد بيأس وهي تغلق الحاسوب:
"طول ما أنا معرفش بقية القصة مش هعرف أركز في أي مذاكرة، ده غير إن أبويا عرف النتيجة ورمالي كلمتين كسروا بيهم مقاديفي!"
قالت بليونة وتشجيع:
"متزعليش، أكيد الامتحان اللي جاي هتنجحي فيه!"
سحبت نفسًا عميقًا ثم زفرته:
"يا رب... عارفة أنا عندي 22 سنة وحاسة نفسي فوق الـ 200 سنة!!"
": صغنونة أوي يا فريدة، تعرفي أنا كان زماني معايا بنوتة قدك!"
قالتها بنبرة شجية لتقترب منها فريدة، وتسألها بفضول:
"هو صحيح إنتي محكتيش إنتي اتجوزتيش ليه؟ ومتقوليش نصيب لأنك موزة وأكيد العرسان كانت على قفا مين يشيل!"
ضحكت بوجع، ثم قامت وتحركت خطوتين وهي تتذكر السنوات الماضية.
": أنا كان زماني متجوزة وعايشة سعيدة في بيتي مع جوزي وعيالي."
نبرتها كانت حزينة، نهضت فريدة واقتربت منها قبل أن تسألها باهتمام:
"أمال إيه اللي حصل؟"
التفتت بجسدها وهي تبتلع غصة في حلقها:
"أنا كنت بحب واحد زمان.. كان عندي تقريبًا 17 أو 18 سنة."
": وراح فين الشخص ده؟"
بدموع مسجونة:
"اختفى من حياتي للأبد، من بعد ما أهلي رفضوه من قبل حتى ما يعرفوه!"
": ليه؟"
": أصله كان من أسرة متوسطة، مكنش من مقام عيلتنا العريقة الأرستقراطية."
هدرت بسخرية وهي تحرك مقلتيها بضعف، لتتابع:
"أخويا عثمان كان رافض المبدأ من غير حتى ما يهمه مشاعري، وللأسف الشديد بابا كان موافقه على كل حاجة، باعتبار إنه أخويا الكبير وله الحق عليا، بس الحقيقة إنه كان جايبلي عريس من الأعيان وأصحاب المناصب العالية، عشان مصلحته الشخصية."
": طب وأبو مراد؟"
انكمش وجهها بملامح باكية:
"يوسف؟ الله يرحمه كان بيحاول معاهم عشاني، بس عثمان كان مسيطر على بابا."
امتعض وجهها باشمئزاز:
"مصلحجي أوي."
": للأسف.. بس أنا قررت أهرب."
": بحماس: كويس."
مسحت نيرة وجنتيها برفق:
"لأ، لأن الشخص اللي كنت بحبه، رفض."
بعثرت ذراعيها:
"يبقى مبيحبكيش، لأنه لو كان عايزك كان هو اللي عمل كده من غير ما تقولي له."
": بس أنا متأكدة إنه حبني بجد! هو مكنش عايز يلفني وراه، بسبب هروبنا وخوفنا من أهلي، ده غير إن مامته مكانتش حمل بهدلة.. غير كده هو شخص شجاع وكان بيفضل المواجهة ع إنه يهرب."
": وحصل إيه بعد كده؟"
خبأت الألم داخلها وأردفت بقوة واهية:
"سبنا بعض، وكل واحد فينا عاش حياته.. بس بعد كام سنة سمعت إنه اتجوز وخلف."
تمتمت بحزن:
"وإنتي عيشتي على ذكراه؟.. بس كان حقك إنتي كمان تتجوزي!"
أخفضت رأسها لتنهمر الدموع رغمًا عنها:
"مقدرتش..."
ثم رفعت وجهها وهي تنظر لها بوهن:
"هتصدقي لو قولتلك إني لسه بحبه.. أنا مستحملتش ضغط أهلي في موضوع الجواز واتحججت بالدراسة في أمريكا وسافرت عشان أحاول أنساه برضه معرفتش.. بس بعدها بـ 3 سنين تقريبًا، بابا مات! وأنا فضلت ما بين مصر وأمريكا؛ لكن أخويا عثمان فضل مخاصمني بسبب رفضي لأي حد يجيبه."
اقتربت فريدة منها وهي تمسد على ذراعها بلطف:
"إنتي بجد شخص جميل أوي، وأنا متأكدة إن ربنا شايلك حاجة فوق ما إنتي تتوقعيها."
ابتسمت نيرة ثم ضمتها بحب، ليدخل مراد الفيلا ويراهما يحاوطان بعضهما البعض.
جحظت عيناه مما رأى فتنحنح بقوة حتى انتفضتا فزعًا.
": إنتوا بتعملوا إيه؟"
سأل وهو يقترب نحوهما، وردت نيرة بتلعثم:
"أبدا.. احـ..نا بس كنا..."
": كنا بنحضن بعض، عندك مانع؟"
هتفت فريدة وهي تحاوط كتف نيرة، ليرفع أحد حاجبيه:
"هو إنتي منهم؟"
": من مين يا جدع انت؟"
اندفعت بأعين لهيبة، ليقول ساخرًا:
"من اللي بيحبوا يحضنوا أي حد دول!"
": أنا بحضن اللي بحبهم وبس!"
تطلع إليها بنظرة مستنكرة، لتقول نيرة:
"مراد، إيه رأيك نخرج في أي مكان نشم هوا، مش إنت وعدتني هتخرجني؟"
": تحبي تروحي فين؟"
": أي حتة."
": تمام، اطلعي غيري هدومك، لغاية ما أجهز أنا كمان."
نمت ابتسامة حماسية، ثم أردف لفريدة:
"ما تيجي معانا؟"
قلب مراد عينيه وهو يتنهد، فأجابت فريدة:
"لأ مش هينفع أصل بابا مستنيني."
": طب استني نوصلك في طريقنا!"
همت نيرة لتصعد إلى غرفتها، ليتابعها مراد بعد أن رمق فريدة بطرف عينه.
***
": خلاص نزلني هنا يا مراد!"
قالت فريدة وهي تجلس بالمقعد الخلفي بالسيارة.
رفع حاجبيه مستنكرًا، باتت تدعوه دون ألقاب، وكأنها فردًا من عائلته أو صديقته المقربة.
وماذا بعد أيتها الهوجاء؟
أردفت نيرة وهي تتطلعها في المرآة:
"يا بنتي خليه يوصلك قدام البيت!"
": لأ، كفاية كده! شاكرين أفضالها."
استعدت للنزول وهي ترتدي حقيبة كتفها، ضغطت على مقبض الباب للخلف وهبطت.
": خدي بالك وإنتي بتعدي الشارع!"
هتفت نيرة ثم لوحت فريدة بيدها:
"حاضر، باي باي."
وسارت حتى تعبر الشارع، فتمتم مراد تهكمًا:
"خايفة عليها أوي يعني، دي قردة ممكن تتشقلب في قلب الشارع!"
وضعت نيرة يدها على فمها وهي تضحك، ثم أدار مراد سيارته وانطلق بها مغادرًا.
***
بعد عدة أيام، يجلس مراد في مكتبه وعماد يقف أمامه.
": خير! يا ترى جايب لي إيه المرة دي؟"
سأل مراد وهو يحاول أن يتمسك بحالميته، ليرد عماد بنبرة محبطة:
"أنا حاسس إننا هنخسر!"
نهض مندفعًا ليتذمر:
"هو إنت كل مرة تقول لي الكلمة دي! معندكش غيرها!"
أخفض رأسه:
"أعمل إيه بس، مهو ده إحساسي."
": مش عايزك تحس يا أخي، ده إنت هتشلني!"
تأفف ثم جلس وهو يتنفس بحنق، ليجلس عماد بالقرب منه ويقول:
"أنا عايزك بس تتوقع الأسوأ؛ عشان متضايقش لو لا قدر الله مخدنهاش!"
": تاني؟ تاني بتكررها؟"
أشار بيده بضيق، ليردف عماد:
"أنا والله نفسي نكسب، بس إنت متعرفش اللي داخل المناقصة دي يبقى مين! ده عبد العزيز التهامي الملقب بـ «الغول»، واللي عمره ما خسر أي مشروع دخله!"
حرك رأسه إليه:
"إذا كان هو تهامي فـ أنا مراد الحديدي، وإذا كان على اللقب ف أنا كنت «النمر» ولا نسيت؟"
": يا باشا إنت مش نمر إنت أسد، بس ده في المخابرات مش في الهندسة؟"
": تقصد إيه يا عماد؟"
اندفع بزمجرة، لينهض عماد ويردف بتردد:
"أقصد مكانش له لازمة، نخشها ونتعب نفسنا!"
": أخرج برة يا عماد، ولو فتحت بوقك بكلمة في الموضوع ده هرفدك!"
هدده، فرفع يده ليردف بسرعة:
"للا خلاص، مش هقول حاجة تاني."
": طب يلا امشي عشان إنت عكرت لي مزاجي!"
أشار بأطرافه طاردًا إياه، فتحرك مغادرًا وأغلق الباب خلفه.
***
": إنتي حيوانة يا بت؟ إزاي تدي أبويا ورقة الاختبار؟"
صاحت فريدة متذمرة، فردت نرمين:
"والله وأنا مالي، مهو اللي قال لي إيه عايزاها في إيه لما سألت عنك، كنتي عايزاني أرد أقول له إيه؟"
جزت على أسنانها بحنق وتمتمت:
"كنتي قولتي له إنك عاوزاني في حاجة مهمة واخترعتي أي زفت موضوع!"
أشاحت بيدها:
"ما جاش في بالي بقى!"
": أهو دلوقتي عايز ييجي معايا يقابل الزفت هادي عشان يسأله عليا ويشوف إزاي جبت درجة وحشة كده!"
أردفت بضيق، لتندفع نرمين:
"مين ده اللي زفت يا بت؟"
زمجرت:
"اخرسي يا معفنة.. وديني يا نرمين لو هادي قال أي كلمة لأبويا متعجبوش لكون موريياكي إنتي وهو!"
": وأنا مالي طيب؟ وبعدين ما أنا برضه هادي مخاصمني ومش بيكلمني من ساعة النتيجة!"
تذمرت فقالت فريدة بشماتة:
"أحسن أحسن، ما أنا مش هبقى لوحدي ساقطة."
كشر وجهها:
"الله يسامحك..."
ثم تسكت لبرهة وتسأل:
"بقولك إيه يا بت، الشغل عند مراد الحديدي عامل إزاي؟"
تعجبت من سؤالها:
"اشمعنى؟"
": أصلي بفكر أقدم في الشركة عنده!"
تقدمي فين يا حضرتك؟
استنكرت ببلاهة، لتجيب الأخرى:
"يا غبية، هو منزل إعلان طالب موظفين!"
اندهشت:
"بتهزري؟"
قالت وهي تخرج جورنال من حقيبتها:
"أبدا والله، حتى شوفي!"
خطفت الجريدة منها وقرأت الإعلان المكتوب بخط عريض.. لتستكن دون أن تجيب.
": سرحتي في إيه؟"
": مش في حاجة، وإنتي رايحة إمتى؟"
": مش عارفة، أنا بس عايز اكي تكلميه الأول عشان فرصتي تبقى أكبر ويقبلني."
أشاحت بيدها لتردف ساخرة:
"يا شيخة اتنيلي، ده ممكن يرفدك لو عرف إنك من طرفي!"
شهقت:
"ليه؟"
": إنتي ناسيه اللي حكيتهولك؟"
تذكرت:
"آه صحيح."
تمتمت فريدة في عقلها وهي تتعمق في اللا مكان:
"أقدم في الشركة، وأشتغل عنده عشان يبقى وشي في وشه ليل نهار، وأقرفه أكتر ما أنا مقرفاه."
نمت ابتسامة ماكرة على ثغرها وهي متحمسة للفكرة.
***
تقف بالمطبخ منهمكة في طهو الطعام وهي ترفع شعرها للأعلى ككعكة، وتنسدل بعض الخصلات المتمردة وهي تتطاير على وجهها زادتها جمالًا.
": خلصي بسرعة يا فريدة عشان زمان مراد باشا قرب يوصل."
تفتت عفاف بعجلة، ثم رفعت فريدة رأسها أثناء تقطيعها للخضراوات وهي تسأل بتعجب:
"ليه يعني أخلص بسرعة؟ ما أنا متعودة أطبخ على مهلي!!"
لترد:
"أصله اتصل وقال نجهز الأكل، عشان معاه ضيوف."
نظرت إليها وقالت:
"عمومًا أنا خلصت، وبعمل السلطة آخر حاجة."
": كويس أوي."
خرجت عفاف فوجدت أحد العاملات تجذب درج لنصف الردهة، فقالت:
"إنتي لسه منضفتيش النجفة؟"
بتوتر:
"أصل أنا خايفة أطلع السلم."
": انجزي بسرعة وبلاش مرقعة، مراد باشا لو رجع وشاف المنظر ده هيضايق!"
أنهت حديثها الآمر ثم توجهت نحو الدرج.
رفعت فريدة رأسها لترى العاملة تتعثر وقدمها تهتز أثناء صعودها الدرج.
خرجت من المطبخ وهي تتحرك صوبها فاستنكرت ساخرة:
"إيه يا سماح، إنتي مش عارفة تطلعي السلم؟"
": لأ، أنا خايفة."
أعطتها السكين وسحبت منها الخرقة ثم أردفت:
"روحي إنتي كملي السلطة وأنا هنضفها."
بفرحة:
"متشكرة أوي يا فريدة."
وضعت فريدة قدمها على أول الدرج ممسكة بالقماشة، حتى صعدت إلى آخره.
***
ركن مراد سيارته خارج الفيلا، وخلفه سيارة أخرى يترجل منها شاب طويل، مفتول العضلات، يرتدي قميصًا وبنطال.
تقدم نحو مراد الذي هبط هو الآخر من عربته، وعانقه بشغف ليقول:
"أقسم بالله واحشني! بقالي أكتر من 3 شهور مشوفتكش!"
ابتسم مراد ابتسامة طفيفة، ثم قال:
"مفيش حاجة مانعانا نشوف بعض غير الشغل."
": إنت قولت فيها، ده أنا مشغول لشوشتي والله!"
تحركا الاثنان داخل الفيلا، والقى مراد السلام على العم بركات.
ثم أردف متسائلًا:
"قول لي يا شامي الأخبار في الجهاز إيه؟ واللوا سميح لسه شغال معاه؟"
": الجهاز شغال، واللوا سميح للأسف جاتله جلطة ورقد بعدها."
قالها آسفًا، ليقف مراد فجأة ويعقد حاجبيه استياءً:
"يا ساتر، ده أنا سائل عليه من فترة وكان كويس!"
": الحمد لله على كل حال، المهم قول لي إنت عامل إيه؟"
تنهد وأكمل في سيره:
"بخير، وانت مراتك وولادك إزيهم؟"
": مراتي زعلانة في بيت أهلها والحمد لله عايش أحلى أيام حياتي."
قالها بسعادة ليسخر مراد:
"مش هتتغير أبداً!"
ثم فتح الباب ودلف ليجد السلم أمامه وفريدة تقف عليه بأطراف أصابعها، تحاول تنظيف النجفة المعلقة بالسقف.
ليصيح بصوته:
"إنتي بتعملي إيه!"
ذعرت من صوته حتى اهتز جسدها رعبًا.
اخفضت رأسها لتراه يقف لكنها شعرت بالدوار فاختل توازنها، وظلت تتراقص يمينًا ويسارًا محاولة الثبات.
صاح مراد محذرًا:
"حاسبي!"
لكنها لم تستطع الصمود، فهوت من الأعلى على ذراعي مراد الذي قد لقفها قبل أن تسقط أرضًا.
***
وقفت نيرة بسيارتها أمام ورشة حدادة، ثم ترجلت وهي تمسك بصندوق صغير قديم قد أهدته لها والدتها، وقد كانت تأسر فيه بعض الذكريات ولكنه كُسر، فجاءت لتصلحه.
": لو سمحت."
نادت على شخص كان يخرج من الورشة فأردفت بعد أن وقف:
"كنت عايزة حد يصلح لي البتاع ده!"
": طب ثانية هناديلك حد من جوة."
تقدم الشخص قليلًا ثم صاح مناديًا:
"يا عم محمود.."
ثم تحرك للداخل مكررًا النداء، رفع عز الدين رأسه عن ما كان مشغول فيه، ليتساءل:
"خير يا عامر؟"
": ف واحدة برة عايزة تصلح حاجة!"
قال مشيرًا:
"طب خلاص روح إنت اعمل اللي قالك عليه الريس، وأنا هشوفها عشان محمود مش فاضي!"
ذهب الشخص ولحقه عز الدين للخارج، ثم أردف لنيرة التي كانت تستند للسيارة معطية ظهرها له.
": أؤمريني حضرتك، كنتي عايزة تصلحي إيه؟"
التفتت لترد لكنها عقدت حاجبيها، وخرجت حدقة عينيها في ذهول تام، جعلها تفقد النطق لثوان، فهدرت بهمس:
"عز الدين؟!!"
فلم يكن الآخر أقل منها صدمة:
"نيرة؟!!"
رواية ظل السحاب الفصل السابع عشر 17 - بقلم آية حسن
توسعت عينا فريدة في دهشة، وضربات قلبها تخفق دون توقف. تتشبث بسترة مراد كالطفل الخائف، ولم تلاحظ أنها تجلس فوق ذراعيه، وقريبة جدًا من حضنه.
مراد يتطلع بها باستنكار، هل هي مستمتعة بهذا الوضع؟ ولم يفهم أنها قد فقدت استيعابها من انزلاقها الذي هز عقلها وجعله يتوقف لثوانٍ، فهي ليست بوضع يسمح لها أن تدرك أي شئ.
ليصرخ بها في خشونة: "انتي هتفضلي متعلقة فيا كتير؟!!!!"
ارتعدت أوصالها من صوته، لتصرخ بقوة ثم تحاوط عنقه بشدة بحركة لا إرادية منها، ودفنت رأسها به رعبًا، جعلت مراد يتجمد ويعجز عن الحركة لبرهة، حتى عقله قد فقده لتوه.
هبطت عفاف من الدرج لتتفاجأ بهذا المشهد أمامها مع بعضًا من العاملين. وضعت يدها على فمها ثم تحركت بسرعة نحوهما لتقول في تلعثم: "مراد.. باشا...!"
"انتي لسة هتقفي، خلصيني منها!" صاح مزمجرًا وهو يحاول التملص من عقدة ذراعيها.
هرولت عفاف بسرعة، تنصل يدي فريدة من رقبة مراد، لكن لم تستطع فالأخرى عالقة به كاللاصقة. "فريدة، قومي يلا بقا ماينفعش كدة!" همست لها لكنها مغيبة تمامًا، تطبق على جفنيها بقوة.
وبالخلف صديق مراد ترتسم على شفتيه ابتسامة عريضة بلهاء، يحسده بداخله، يتمنى لو أنه بمكانه، فأي رجل يود لو تحدث له هذه الصدفة الجميلة لكن بالطبع سوى مراد باشا متحجر القلب.
زم شفتيه بحنق، فلم يعد يتحمل أكثر، وع حين غفلة قد ألقاها أرضًا، تحت نظرات صادمة من الجميع.
صرخت متألمة وهي تمسك بخصرها: "ضهري يابن المفترية، حرام عليك!"
"انتي إيه اللي عملتيه دة؟ ازاي تسمحي لنفسك تلمسينيه!" هتف بزمجرة وهو ينظر أسفله لها. فحاولت النهوض منحنية بجذعها قليلًا، ثم نصبت قامتها وهي ترى اللهيب يشتعل من جديد في مقلتيه.
ابتلعت لعابها بصعوبة وقبل أن تنطق، هتف الذي من خلفهم: "إيه دة إيه دة يا مان، إيه اللي بيحصل دة؟ إيه اللي أنا شايفه دة؟"
التفت مراد ليردف بضيق: "شايف إيه انت كمان؟"
"هدر وهو يتطلع بـ فريدة بابتسامة صفراء: شايف حلاوة وجمال ودلال."
"وأنا شايفة قلة أدب وسفالة!" صاحت فريدة بوجه عابس.
ليحمحم الأخر: "يا ساتر."
ليتفاجأ الجميع بصياح مراد الحاد: "ما خلاص بقا!، وانتي يلا ادخلي ع شغلك!" أشار إليها بحنق ثم تابع: "وانتوا لموا القرف دة!"
رفع الشامي بيده: "أنا بس كنت عايز أقول..."
ليقاطعه مراد وهو يقوم بدفعه للردهة: "اخرس!"
_________
يقف غير مصدقًا مما يراه أمامه، وكأن عقله قد شُلّ للحظات. اقترب منها في خطوات واهية، لتقابله هي بنظرات ضائعة وأخرى مصدومة.
"إزيك يا نيرة؟"
أردف بنبرة خافضة تحمل الشجن ثم مد يده، فسلمت عليه وهي تحدق به دون استيعاب، غارقة في توهان غريب، وكأن السنوات الماضية لم تمر، وتوقفت عند نقطة ليعود بها الزمن مرة أخرى عند مستقرها.
استفاقت من العدم وسحبت يدها من راحته التي كانت تقبض عليها بقوة لتقول بحشرجة في صوتها: "الحمد لله، وانت أخبارك إيه؟"
ليرد بصوت هامس: "أنا بخير، عشان شوفتك كويسة."
تأملت زرقاوتيه بتيه، كأنها تود استرجاع كل اللحظات التي انقضت بقربه منذ زمن. قطع شرودها بحمحمته ثم أردف: "انتي كنتي عايزة تصلحي إيه؟"
أدركت نفسها تتذكر لماذا هي جاءت: "أه..." ثم أعطته الصندوق الذي بيدها فيسأل: "ماله دة؟"
": مش عارفة تقريباً القفل اتكسر، مبقاش يقفل!"
": طب دة هياخد وقت شوية، ولا انتي مستعجلة؟" قال لتردف بسرعة: "لالالا... مش مستعجلة، خد وقتك."
توترت أنفاسها. نظر عز يمينًا ويسارًا ثم قال وهو عاقد الحاجبين: "بس الوقفة كدة مش هتنفع!"
قالت برقة: "طب أعمل إيه، مفيش كوفي شوب أقعد فيه؟"
ضحكة طفيفة خرجت منه، ليسخر: "فيه قهوة، تحبي تقعدي على قهوة؟"
ببسمة: "مفيش مانع!"
": بس أنا بتريق يا نيرة؟"
عبس وجهه قليلًا، ثم أردفت بتساؤل: "طب والعمل؟ اقعد في عربيتي لغاية ما تخلص!"
": عندي اقتراح، خليه لبكرة وأوعدك هيكون جاهز."
تهللت أساريرها لأنها تود أن تراه مرة أخرى، فأومأت برأسها بابتسامة لم تستطع منعها، رغم محاولتها: "مفيش أي مشكلة..."
تطلع إلى عينيها المعلقة به، لهنيهة وكأنه يود حفر تلك اللحظة في ذاكرته. ملامحها لم تتغير كثيرًا، ما زالت رقيقة الوجه، تحتفظ بجمالها وصفاء عينيها، كمن لم يتأثر بمرور الزمن.
أفاق من تيهانه على صوتها المخملي: "تحب تاخد حاجة تحت الحساب؟"
ليرسم ابتسامة صغيرة على جانب ثغره ليستنكر: "حساب عشان صندوق بسيط؟ دة واضح إنه غالي أوي عندك!"
أجابت بعفوية: "بصراحة أوي، أصله من شخص عزيز عليا!"
تيبست ملامح وجهه ثم أخفض جفنيه، لتسارع هي بالسؤال: "أرجع آخده بكرة الساعة كام؟"
أردف بصوت يكاد يخرج: "أي وقت، الورشة مفتوحة على مدار اليوم!"
استاءت من رده، والذي بدا غير مهتم: "تمام، بعد إذنك."
ارتدت نظارتها الشمسية وتحركت لتصعد سيارتها قبل أن تنطلق ذاهبة. لتقف بجواره وتهتف: "عز.. أنا مبسوطة أوي اني شوفتك بعد الوقت دة كله."
نمت ابتسامة على محياه، ثم انطلقت إلى وجهتها، تاركة إياه يتأمل أثرها، حتى اختفت سيارتها عن مرمى بصره.
_________
": آه يا لئيم، خضيت البت عشان تقع في حضنك."
ابتسم تميم بخباثة، وهو يردف بنبرة لعوب. ليندفع مراد بضيق: "انت اتجننت يا زفت انت، أنا بتاع الحركات دي برضو؟"
أردف بنفس الابتسامة: "لا بس شكلك بقيت، البت فورتيكة وتستاهل بصراحة!"
غمز ليتذمر الآخر: "اخرس يا شامي وبطل استظراف، ثم عيب تتكلم عنها بالشكل دة، ياخي دة حتى انت راجل متجوز، احترم مراتك شوية."
عاتبه ليرد الآخر بعدما عقد وجهه: "يا عم مراتي إيه بس، دة انا بتمنى أرجع سينجل من تاني، اقسم بالله بحسدك على الراحة اللي انت فيها."
تعجب: "غريبة يعني! مع إن دة مكانش رأيك، ولا كان عاجبك حالي؟"
ليردف: "من كام سنة بس، لكن بعد اللي شوفته في جوازتي، إياك ثم إياك تفكر تعملها، وتجبلك حبل تلفه على رقبتك!"
حذره وكأن الزواج رباطًا سيئًا، يقيد حرية الأزواج. تنهد مراد ليقول: "ع العموم أنا مش بفكر في الحكاية دي نهائي، بالنسبالي الجواز مبقاش له أي أهمية."
أخترقت الكلمة مسامعها كسهم، توقفت عن الحركة وهي تمسك بالصينية، ابتلعت غصة في حلقها وهي تنظر له بشفقة على حاله، رغم كونها إلى الآن لم تعرف بقية القصة، لكن توقعت حدثًا سيئًا جعله يصل لهذه الدرجة من البؤس والإحباط.
ملأت صدرها بالهواء ثم تابعت سيرها إلى أن وقفت أمامهما ووضعت ما في يدها على الطاولة.
أردفت بهدوء مقاطعة حديثهما: "العصير!"
رفع بصره، ليقول مستنكرًا بحنق: "هو أنا طلبت عصير؟"
قبل أن تجيب أردف صديقه: "يا عم فيها الخير إنها عزمت عليا، وجابته بنفسها.. متشكر يا قمر."
ابتسم وكان يهم ليرشف من الكأس، لكن سارعت هي وسحبته من يده لتثبته في مكانه، تفاجأ مراد من فعلتها المتزامنة مع صدمة تميم. وهمت برفع الصينية فاستوقفها مراد بصوته: "إيه اللي عملتيه دة؟"
التفتت فوجدته يقف والدماء تصعد ملامحه، فقالت ببساطة: "بشيله! مش انت مطلبتش؟"
صبره قد بدأ يتآكل، ليصطك على أسنانه ويتمتم: "امشي من قدامي، ويا ريت لو خلصتي تتفضلي تروحي."
": لما تيجي نيرو، همشي."
قالت كلمتها قاصدة استفزازه، فذهبت ومعها العصير دون أن تنتظر رده. أغمض جفنيه يحاول كبح غضبه. ليهزه تميم من يده: "ولا، مين البت القادرة دي؟"
جلس وهو يزفر، فيجيب بسخرية: "دي العمل الرضي في حياتي."
": لا بس شخصيتها قوية، مع إنها صغنونة كدة وتحسها هربانة من حضانة، لكن وتد."
صاح به بحدة أدهشته: "جرا إيه يا زفت انت، ما تلم لسانك دة بدل ما أقطعه لك."
": ف إيه يا عم، كدة برضو تخضني؟" قال مازحًا، ليرد مزمجرًا: "عشان مستفز، ومش بتحترم نفسك."
ببراءة مزيفة: "أنا بس بعبر!"
وكزه بقوة في صدره بحنق: "طب اركن بقا، ولا تحب أقلبلك على وشي التاني؟"
رمقه بتهديد، فأسرع قائلًا وهو يشير بيده: "لالالا، أرجوك."
": مساء الخير؟"
حرك رأسه فوجد نيرة قد أتت لتوها. تفاجأت بوجود تميم: "إيه دة، ازيك يا تميم؟" قالت بابتسامة لطيفة، ثم نهض ليسلم عليها: "ازيك انتي يا نيرة هانم.. يا ما شاء الله، كل يوم بتزيدي جمال عن اللي قبله." أردف بإعجاب، فقالت بخجل: "ميرسي ع المجاملة."
ليتفاجأ بضربة من مراد على صدره، بظهر كفه. ليتمتم من تحت ضرسه وهو يرمقه بطرف عينه: "كفاية بقا، انت إيه ما بتعتقش!"
ابتلع تميم ريقه، ثم تقدم مراد نحو نيرة وسحبها من يدها بعيدًا ليسأل بجدية: "كنتي فين؟"
ابتسمت: "هقولك على حاجة، خليك مع صاحبك دلوقتي."
": نيرو انتي جيتي؟" هتفت فريدة وهي تقترب نحوهما، بنعومة زائفة جعلت مراد يقلب عينيه بسخرية، ثم يعود إلى صديقه قبل أن يرتفع ضغط دمه.
همست سائلة: "اتأخرتي كدة ليه؟"
بسعادة غامرة أردفت: "هحكيلك كل حاجة بالتفصيل بس لما نبقى لوحدنا."
غمغمت بشك: "شكل الموضوع مهم."
هزت رأسها بإيماءة: "أيوة."
": طيب أنا لازم أمشي بقا، عشان أبويا مستنيني في البيت."
تعجبت: "ليه؟"
رفعت كتفيها: "هياخدني المجموعة بنفسه النهاردة، عشان يسأل عن مستوايا ويطمن."
مسدت على ذراعها ثم قالت بلطف: "ماشي يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك، لو محتاجة السواق يوصلك..."
قاطعتها: "مفيش داعي يا قلبي، سلام."
قبلتها ثم استدارت لتذهب، ونيرة صعدت إلى غرفتها. لمح مراد، فريدة وهي تخرج من باب الڤيلا، شرد قليلًا وهو يحملق في أثرها. ليستفيق على صوت عفاف: "تحب نجهز الغدا دلوقتي؟"
حمحم: "أيوة، ويا ريت تبلغي نيرة عشان تنزل تتغدى."
": تحت أمرك."
_________
وصل عز الدين ومعه صندوق نيرة، فقد أتى به خوفًا من ضياعه أو أن يتوه بين الأشياء الثقيلة في الورشة، حيث أنه ملك لشخص يهمه أمره كـ نيرة، فمن الطبيعي الاهتمام بأبسط الأشياء التي تخصها.
": انت جيت يا عز الدين؟" صاحت الجدة فريدة من المطبخ، ليرد بصوت عالي: "أيوة يا أمي، هي فريدة لسة مرجعتش؟"
": زمانها جاية." أردفت وهي تخرج منه، لتلاحظ ما في يده، وتتساءل بتعجب: "إيه اللي في إيدك دة؟"
حمحم: "دة صندوق تبع حد كان عايز يصلحه." لا يعرف لماذا لم يخبرها أنه لـ نيرة. ثم سألت بعفوية: "وجايبه معاك ليه؟"
": أبداً خوفت أحسن حد يفتكره خردة ويرميه."
قالت وهي تشير له: "طيب ادخل غير هدومك عشان نتغدى، لغاية ما أحضر هتكون فريدة وصلت."
": طب خليكي لما ترجع وهي تجهزه، وبعدين الدكتور منعك من الوقفة الكتير دي، انتي ممكن تتعبي كدة." قالها باهتمام كبير، لتجيب بابتسامة وهي تربت على وجنته بحب: "ولا تعب ولا حاجة، أنا دلوقتي اللي وقفت، فريدة كانت مجهزة كل حاجة من بالليل، متقلقش."
قبل راحة يدها ثم تحرك صوب غرفته، لتسمع الجدة صوت مفاتيح باب فعلمت أن فريدة قد جاءت، وهتفت بابتسامة وهي تقترب منها وتقبل يدها: "السلام عليكم.. عاملة ايه يا ريدة؟"
": بخير يا نور عيني."
اندفعت لتسأل بهمس: "بابا جه؟"
": لسة داخل قبل منك بشوية وسأل عنك، ادخلي يلا عشان تاكلي."
أومأت برأسها ثم هرعت إلى حجرتها هي الأخرى.
_________
بمساء اليوم ذاته، طرق مراد غرفة نيرة ثم دلف بعد أن أذنت له.
": قاعدة لوحدك ليه؟" سأل وهو يقترب من فراشها ويجلس قبالها، لتجيب هي: "أبدًا، كنت نايمة ولسة صاحية."
": وحد ينام في الوقت دة!" استنكر ثم تذكر شيئًا: "صحيح كنتي فين بعد ما خرجتي من الشركة، قولتيلي انك هتحكيلي!"
تشتت قليلًا ثم قالت وهي تحاول اخراج كلماتها: "كـ..نت، كنت ف ورشة حدادة."
رفع حاجبيه متعجبًا: "ورشة حدادة؟ اشمعنى؟"
": أصل الصندوق بتاعي اتكسر، فروحت أصلحه."
ليستنكر: "معقول يعني يا نيرة، نبقى أصحاب أكبر شركات إنشائية، وتروحي تصلحي حاجتك برة!!"
ردت بعفوية ناعمة: "يعني انت عامل الشركة دي عشان تصلحلي أشيائي؟"
ضحك متبسمًا: "حلوة تصلحلي أشيائي دي."
عم الصمت قليلًا، ثم تطلعت نيرة به بحيرة وتردد، ثم أخذت نفسًا وتشجعت لتردف: "مراد أنا عايزة أقولك على حاجة!"
نظر لها متعجبًا ثم قال في حنو: "قولي يا حبيبتي."
": أنا شوفت عز." قالتها بنبرة مرتعشة، ثم سأل: "عز مين؟"
": اللي كنت مرتبطة به زمان." أخفضت نبرتها، فوجدته ينهض مبتعدًا، وسأل في حدة: "شوفتيه فين؟ وليه أصلاً؟"
قالت بتأتأة: "اهدى بس، والله دة حصل صدفة."
تذمر: "صدفة؟ صدفة ازاي؟"
_________
صعدا الاثنان المصعد الكهربائي حتى وصلا إلى الطابق المقصود، وسار إلى غرفة المجموعة التي تدرس بها فريدة. ثم ألقى عز الدين السلام.
أشار إلى نفسه معرفًا: "أنا أبقى والد فريدة، معلش بس هاخد من وقت حضرتك 5 دقايق مش هعطلك."
أومأ هادي برأسه: "تحت أمر حضرتك، اتفضلي انتي يا فريدة مكانك."
رسمت ابتسامة باردة على محياها، ثم ترجلا عز وهادي للخارج، ودلفت فريدة بجوار نرمين، لتسألها بسرعة بهمس: "بت فهمتي مدرس الهم دة زي ما قولتلك؟"
قوست شفتيها السفلى وهي تنفي برأسها: "ملحقتش والله، مرضيش يرد عليا عشان أقوله!"
تذمرت وهي تهمس: "الله يخربيتك ع بيته، أبويا لو عرف ان مستوايا في الحضيض هيشلوحني."
رفعت يديها بالدعاء: "يا رب خد مستر هادي قبل ما ينطق بكلمة يا رب."
نكرتها في ذراعها فتألمت فريدة، وتردف بتذمر: "بعيد الشر يا معفنة."
انكمشت فريدة معالمها ببكاء طفولي وهي تتمنى أن تمرق هذه الدقائق بخير.
_________
": بس، هو دة بالظبط اللي حصل والله." قالت نيرة التي تقف أمام مراد الذي يحرك جسده بضيق، ثم أردف: "كان لازم لما شوفتيه تسيبيه وتمشي، دة شخص ما يستاهلش حتى تفتكري اسمه."
قال بتذمر، لتخفض رأسها بحزن عميق حتى انهملت دموعها على وجنتيها في سكوت وضعف. ليقترب منها ويضمها في حنو.
همس بلين وهو يمسد على ذراعها بلطف: "متزعليش مني، أنا بس مش قادر أسامحه على اللي عمله فيكي، انتي حد يستاهل يعيش في سعادة وحب، مش تتهجري بالشكل دة."
رفعت رأسها وما زالت تذرف الدموع: "بس هو مهجرنيش، دة نصيب وأنا راضية بيه."
متعض وجهه: "وأنا مش راضي..." ثم ابتعد عنها ليقول في حسم: "وأنا هروح أجيب الصندوق منه، عشان مايحطش أمل في حاجة، ويعرف إنك نسيتيه ومش فارق معاكي."
ابتلعت لعابها بصعوبة وهي تتطلع لنظرات مراد الصارمة.
رواية ظل السحاب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم آية حسن
شوفت بقا يا عزوز إن بنتك طول عمرها بترفع راسك، وان دي درجات وهمية ومش مهمة كمان!
صاحت بها فريدة بطرافة أثناء دخولها البيت في صحبة أبيها، ثم رد عز عليها قائلًا باستياء:
أيوة، بس الأستاذ هادي قال إن مستواكي مش اللي هو، وإنك مش بتركزي معاه ودايمًا سرحانة!
اتسعت عينيها في دهشة:
هو قال كدة؟
: يعني، مش بالظبط بس أنا اللي بلاحظ كدة عليكي!
قالها وهو يتوجه ناحية الطاولة ويلقي عليها المفاتيح، ثم التفت لها وأسند يده على كتفها وقال بهدوء:
شوفي يا فريدة يا حبيبتي، انتي بنتي الوحيدة وأنا بخاف عليكي من كل حاجة، حتى من نفسك .. فلو فيه أي شيء شاغل بالك تعالي واحكيلي وهنحل المشكلة سوا
ابتسمت وضمت والدها:
ربنا يبارك لي في عمرك يا حبيبي، أصلاً انت صاحبي قبل ما تبقى أبويا...
ثم ابتعدت عنه لتقول وهي تضع كفتيها ع صدره:
بس متخافش عليا .. وبعدين دة أنا اسلك ف الحديد ولا إيه؟
قالت مازحة ليمسد ع شعرها بلطف، ثم يسأل:
قوليلي صحيح أخبارك ايه ف شغلك مع مراد؟
بتيه وتوتر:
ها؟ مراد؟ كويس، قصدي يعني الشغل كويس
استعجب من نبرتها:
هو بيضايقك؟
لترد ف عقلها "إن جيت للحق أنا اللي بضايقه"
ثم تنفي برأسها:
لا يا بابا، دة حتى عنده عمة لطيفة أوي، طول الوقت مع بعض وبقينا صحاب
بغربة:
عمته؟
بعفوية:
أه، نيـ...
بتر كلامها صوت رنين جوالها، ثم فتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها لترى أنها هي المتصل:
دي هي، بعد إذنك يا بابا هرد
كانت سترد لولا أن أوقفها هو:
لا خشي كلميها جوة، أصل أنا داخل أنام
قالت وهي تقبله:
ماشي يا زيزو، تصبح ع خير
ثم اتجهت نحو غرفتها لتحادثها، بينما عز دلف لحجرته ثم أخرج الصندوق لتظهر ابتسامة خافتة، ثم يسبح في بحر ذكرياته الجميلة مع نيرة، وبالأخص اليوم الذي تركها به، يتذكره بحذافيره، كمن كان بالأمس.
: عز أرجوك تعالى نهرب، بلاش تضيع حبنا عشان خاطر ناس مش هاممهم غير المظاهر الخداعة!
كانت تلك المسكينة تترجاه بعينيها المترقرقة بالدمع، وهي قابضة على كفيه بشدة وكأنها تخاف فقدانه.
ليسحب عز الدين يديه بأسى وقلة حيلة ثم يقول بنبرة متحشرجة:
إذا كان عليا أنا نفسي آخدك بعيد عن الدنيا بحالها، بس يا نيرة عمري ما هقدر أشوف نظرة لوم ف عيونك ف يوم من الأيام عشان بعدتك عن أهلك!
أردفت بشجن:
مش هطلب منك أبدًا أشوفهم ولا حتى هلومك، أنا متأكدة إن حبك هيقدر ينسيني كل حاجة، حبك لوحده كفيل إنه يعوضني عن حب أهلي.
اهتزت مقلتيها التي يشوبها الدمع الثائر في عينيها، لتسمع منه ردًا قد صدمها وجمد قلبها الرقيق:
الحب وحده مش كفاية خليكي واقعية، اركني مشاعرك ع جنب وفكري بعقلك مش بعواطفك، بلاش تكوني ساذجة!
كان كلامه قاسيًا ونبرته حادة بعض الشئ، أغلقت جفنيها وبدأت الدموع تتناثر على وجنتيها الورديتان، وقد احمر جفنها وتفتلت أهدابها من كثرة بكاءها.
شعر عز الدين بخنجر قد استقر في فؤاده وتفتتًا في أحشائه، لا يستطيع أن يراها ضعيفة هكذا.
ليرفع يده المرتجفه ويمسح دمعها الحار بلطف، ويهمس بنبرة مخملية جياشة:
أنا آسف، غصب عني يا حبيب الروح، مكانش قصدي أتعصب عليكي.
رفعت بصرها ببطء، فبالكاد يرى زمردتيها الذابلة التي أغرقتها الدموع.
تطلعت إليه بعتاب أصابه في مقتل، لتهمس ببحه:
أنا مش زعلانة منك، أنا زعلانة عليك أوي، كنت فاكرة إني لما آجي أقولك نبعد عنهم، هتوافقني من غير ما تفكر.
تعسرت كلماتها قليلًا، بعدما شعرت بنفضة تسري في أوصالها.
ليرد بصوت رقيق:
مش هعرف أعمل اللي بتقولي عليه عشان كدة بثبت لنفسي وليهم إني ضعيف، وأنا مش كدة يا نيرة.
لتندفع بهمس وهي تمسك بيديه وهي تمسد عليها بوجنتها:
أنت أشجع راجل ف الدنيا، واللي هنعمله دة مش ضعف يا عز، احنا هنتوج حبنا ودي أكبر قوة.
لينالا ينبغي عليه أن يرفض هذه الجميلة قد أوقعته في مأزق حقيقي، لكن هو.. هو لا يمكن أن يقدم ع تلك الفعلة.
تنهد ليردف بهدوء:
نيرة، انتي عارفة إن أمي تعبانة ومش حمل شحططة، ولو حصلها أي حاجة مش هقدر أسامح نفسي، دة غير صعب ألاقي شغل بسهولة!
هدرت بأمل:
مش هيجرالها أي حاجة، والله هشيلها ف عنيا الاتنين، وكمان هنسافر بيها برة ونعرضها ع أحسن دكاترة، أنا عندي صيغة وفلوس كتير مش هنحتاج لأي حد.
سحب يده باستياء:
نيرة انتي بتقولي إيه؟ هو انتي شايفاني قليل للدرجة؟ أو مش هقدر أوفرلك عيشة كريمة؟
بوجهٍ باكِ وبراءة:
أعمل إيه، أنا عايزة أعيش معاك بأي طريقة، بحاول ألاقيلك حلول لحججك.
تذمر:
نيرة أنا مبتحججش، أنا عايزك تفهمي.
مجرت ببكاء:
مش عايزة أفهم، أنا عايزة أكون ويّاك.
: وأنا مش هقدر، أرجوكي متصعبيهاش عليا.
همس بقلب مكسور، لتسأل هي في ضعف ويأس:
يعني دة آخر كلام عندك؟
حدق في مقلتيها بحزن عميق، وأُلجم لسانه الذي يأبى أن ينطقها، كما صرخ فؤاده بين ضلوعه، صرخة هزت وجدانه، يود احتضانها وبشدة.
تنهد بوتيرة قبل أن ينطق بتلعثم:
أ..أيوة، ودي آخر مرة هشوفك فيها.
أحست بغصة في حلقها، ونكزة قوية استقرت بقلبها.
ثم نهض عز وهو يشعر بساقيه لا تتحمله وكأنه هرم.
استدار بضعف ليذهب فأوقفه صوتها الأجهش:
عز...!
التفت ببطء لها وهو يحاول ألا يضعف، فهمس في صمود زائف:
نعم؟
وقفت واقتربت منه وهي تلفح حرارة ناعمة لامست وجهه وجعلت نبضات قلبه تنخفض.
لتهمس:
أنا بحبك.
بدأت ضربات قلبه تزداد حتى أنها قد شعرت بدقاته تصل إليها.
حاول تنظيم أنفاسه ليجعل نبرته طبيعية، ثم قال ف جمود زائف:
وأنا مبحبكيش، وبتمنى تلاقي الإنسان اللي يستاهلك، وأكون أنا مجرد ذكرى ليكي.
قالها وهو ينظر لعينيها، داخل مقلتيها يود أن يصل لقلبها ويخبره أنه لن يعشق سواه، حتى عندما يستدير ليغادر ستتوقف تلك النبضة عن الخفقان المستمر، وسيصبح قلبه بلا روح لأنها روح الفؤاد.
نصل يدها بهدوء من قميصه الذي تقبض عليه براحتها كالطفل الصغير، ثم استدار وتحرك بخطوات واهية ومتثاقلة، راقبته وهو يغادر ببطء وعينيها تتابعه وقلبها يركض وراءه تريد إيقافه، لن تستطيع العيش من دونه.
لم هو متحجر القلب هكذا، تعلم أنه يحبها لكن ما الفائدة وها هو يتركها وحيدة بلا رفيق.
هبطت دمعة قهر من عينيه تعبر عن انهيار داخلي، وفؤادًا يحترق مع كل خطوة تبعده عنها.
يا ليته يلتفت لها للمرة الأخيرة لكن إن حدث لن يتحمل وسيركض لها فورًا، عندها لن يستطيع الفراق وسيفعل ما يود فعله ويخطفها بعيدًا.
: هتعملي إيه دلوقتي يا ست حلويات انتي؟
سألت فريدة بسخرية، وهي تجلس أمام نيرة بمكتبها:
مش عارفة يا فيري، أنا خايفة مراد يتهور ويضايقه بالكلام.
قالت وهي تفرك أصابعها بتوتر، لترد الأخرى معاتبة:
بصراحة انتي غلطانة، مكانش أصلاً لازم تقولي له.
نهضت وتحركت لتجلس بالمقعد قبالتها:
ما تعودتش أخبي عنه حاجة، وبعدين كان هيشك لما يلقاني متلخبطة، أصله بيخاف عليا أوي.
قالت برقة لتردف فريدة بابتسامة:
عارفة علاقتك بمراد شبه علاقتي بـ بابا أوي، هو كمان بيحس بيا زيه.
ابتسمت:
ربنا يباركلك فيه.
ثم تنهدت بحيرة لتقول:
قوليلي أعمل ايه، مش عايزة مراد يروح، أصلي خايفة من المواجهة بينهما.
استنكرت:
بقـا خايفة من المواجهة، ولا خايفة تضيعي الفرصة انك تشوفيه.
قالت بنبرة لعوب، وهي تعلو ابتسامة ماكرة ع وجهها.
احمرت وجنتي نيرة بشدة، فضحكت فريدة بصوت عالي:
يا لهوي ع الطمطاية...
لتصمت هنيهة وهي تتعمق في الخلاء، ثم تصيح بمرح وهي تطقق أناملها ببعضهم:
لقيتها.
: لقيتي إيه؟
: الحل، اسمعي أنا هحاول أعطلك مراد ع قد ما أقدر .. وانتي تروحي تجيبي صندوقك منه، وبكدة مراد مش هيعرف يشوفه!
قالت كلمتها الأخيرة وهي تهز كتفيها ببساطة، لتنتظر الأخرى لوهلة وهي تقلّب الموضوع برأسها، ثم قالت بهدوء:
تفتكري؟ طيب لو اكتشف بعد كدة إني روحتله من وراه؟
قامت بتذمر وهي تهتف باستهجان:
هو مين عم مين؟ انتي كمان عاوزة تستأذنيه قبل ما تعملي حاجة؟
لتنهض نيرة بهدوء:
مراد مش مجرد ابن أخ يا فريدة، أنا بعتبره أخويا وإبني وأحياناً أوي أبويا، فصعب أوي أعمل حاجة من غير ما أقوله.
همهمت بتفكير:
طيب خلاص روحي قوليله إنك مش عاوزاه يروح، بسيطة!
تنهدت نيرة بشرود وهي تفكر كيف سيكون رد فعله.
دلفت نيرة لمكتب مراد، فوجدته منهمك في الحاسوب ولم ينتبه لوجودها.
حمحت فرفع ببصره إليها:
نيرة، تعالي.
أشار إليها بالجلوس، فتقدمت وجلست على المقعد، فقالت:
كنت عايزاك ف موضوع.
أغلق حاسوبه، ثم أردف باهتمام:
قولي يا ستي اللي عايزاه.
فتحت فمها لتجيب، لكن قاطعها دخول العم شفيق وعماد باندفاع، وتعتلي ملامحهما الإصفرار.
نهض مراد وتساءل في تعجب من دخولها:
ف إيه يا جماعة، مالكم؟
اندفع عماد قائلًا:
الحق يا مراد باشا، مصيبة!
خرج مراد من الشركة وصعد عربته وانطلق في سرعة رهيبة وكأن فاجعة قد حدثت.
قاد سيارته إلى أن وصل لمكان به حريق عارم.
تقدم شخص وهو يجهش بالبكاء:
الحق يا باشا المكتب باللي فيه اتحرق، ومفيش حاجة فضلت فيه غير الرماد.
: حد جراله حاجة؟
سأل في لهفة وقلق، لينفي الشخص برأسه وهو يرتجف:
لا مفيش، يعني شوية إصابات خفيفة للموظفين، بس كل الأوراق والأرشيفات اتحرقت.
تنهد مراد براحة، ثم قال:
مش مهم الورق، اطلبوا الإسعاف للناس اللي اتأذوا.
أهز رأسه بإيجاب ثم يذهب وينفذ ما أمره به مراد، ليأتي من خلفه عماد والعم شفيق، ليلتفت لهما ويتساءل:
إيه سبب الحريقة دي؟
رد عماد:
لسة ما فيش حد يعرف، بس أنا شاكك إنه ماس كهربائي!
نعر باستهجان:
شاكك؟
أخفض عماد رأسه، ليشير مراد بسبابته:
اسمع، مش عايزك تتنقل من هنا غير لما تعرفلي حصل إيه بالتفصيل.
أومأ عماد برأسه ثم ذهب، ليقول العم شفيق وهو يرى توتر مراد:
أهدى يا مراد يابني كل شئ هيبقى كويس.
نظر للعم شفيق وقال بهدوء:
يا ريت تصرف للموظفين اللي اتصابوا أجر إضافي، وكمان يروحوا أحسن مستشفى!
ربت ت ذراعه برفق:
حاضر.
: عملتي إيه؟
سألت فريدة باهتمام، وهي تقف بالممر مع نيرة:
ملحقتش، أصل في مكتب لمراد اتحرق، وجري بسرعة ع هناك.
وضعت يدها ع صدرها:
يا ساتر يا رب، ومين اللي حرقه؟
رفعت حاجبيها:
مش عارفة، لما يرجع هعرف التفاصيل.
: طيب يلا روحي جيبي صندوقك، دي فرصة كويسة ومراد مشغولا.
أومأت برأسها بتردد، لديها رهبة من أنها تقدم ع فعلة قد تنجرح بسببها مرة أخرى.
وقفت بسيارتها أمام الورشة، ملأت صدرها بالهواء وتنهدت بقوة قبل أن تهبط، لتجد عز يخرج من الورشة وف يده الصندوق، فيتقدم منها ويقول بابتسامة:
كنت حاسس إنه انتي .. اتفضلي جهزتهولك من امبارح.
مد يده يعطيه لها فتتلقاه بلطف، وتهمس:
متشكرة أوي .. تمن تصليحه كام بقا؟
: تاني؟ ع فكرة انتي كدة بتشتميني!!
شهقت بدهشة، ثم تقول ببراءة:
لا والله مش بشتمك، أنا بشكرك!!
ضحك:
لسة طيوبة زي مانتي، أنا أقصد عشان بتقوليلي تمنه، هو فيه بينا الكلام دة؟
استنكر بهمس، لتبتسم بخجل:
هو مفيش، بس برضو مش هينفع آخده من غير ما أدفع تمنه!!
: طب إيه رأيك تعزميني ع حاجة ف أي مكان؟
اقترح هذه الفكرة بعفوية حتى يمكث معها أطول وقت ممكن.
ابتلعت لعابها وهي تحدق به بحيرة وخوف:
بس...
: لو مش هينفع خلاص براحتك، أنا مش بضغط عليكي، أنا بس بهزر مش أكتر.
ظهر الحزن والاستياء على معالمه، ليس من حقه بعد أن تركها أن يطلب منها شيئًا كهذا!
فتسارعت بالأجابة:
لالالا، مش قصدي.
ابتسم فقالت وهي تشير له:
اتفضل.
تهللت أساريره وهو يصعد سيارتها بجوارها.
أما هي فقد نسيت تحذيرات مراد وانجرفت نحو مشاعرها التي لا تقدر ع كبحها، لأنها ما زالت تحبه!
وصلت به إلى مكان عام وجلسا ع طاولة، فبدأ هو بالحديث بسؤال:
عاملة إيه ف حياتك يا نيرة؟
ردت بنعومة وهي تضع العصير أمامها بعد أن ارتشفت منه:
الحمد لله، وانت؟ سمعت إنك اتجوزت وخلفت، معاك كم ولد وبنت؟
ابتسم:
بنت واحدة واسمها فريدة ع اسم جدتها.
اندهشت بمرح:
فريدة؟
فغمغم بشجن وهو يومئ برأسه برفق:
كان نفسي أسميها نيرة.
ابتلعت غصة ف حلقها وشعرت بنغزة في صدرها، ثم حاولت أن ترسم ابتسامة كي لا تضعف:
ربنا يخليهالك، ومراتك!
سألت فأجاب بأسى:
الله يرحمها ماتت من 9 سنين، بسبب المرض الخبيث.
حزنت:
ربنا يرحمها.
ثم سأل في همس:
وانتي... خلفتي؟
: أنا متجوزتش يا عز عشان أخلف!
قالت فجحظت عيناه من الدهشة:
إيه؟ ليـــه؟!!!!
ردت باقتضاب:
نصيب.
المهم أنا لازم أمشي عشان متأخرش.
قالت وهي تنهض، فقام هو الآخر ليقول بلهفة دون تفكير:
هشوفك تاني؟
تعجبت له:
مش عارفة.
ثم فتحت حقيبتها لتخرج النقود، فسارع هو وأمسك بيدها يمنعها، لتسحبها بسرعة بعد أن شعرت بصعقة كهربائية لامست جسدها من لمسته.
ليردف بنبرة رخيمة:
متأسف، اتفضلي انتي وانا هدفع الحساب!
!: بس احنا اتفقنا انا اللي هعزمك!
ابتسم بألم:
بس أنا كنت بهزر يا نيرة!!
تنهدت بوجع وبدى ع وجهها الكدر، هو يظن أنا قد نسيت لكنها تتذكره جيدًا، حتى مزحه معها بشأن دفع الحساب سابقًا!
رفعت رأسها وسألته في لطف:
تحب أوصلك ف حتة؟
: لا متشكر، اتفضلي انتي عشان متتعطليش.
أشار إليها بالذهاب ثم سارت مغادرة وهو يراقبها حتى اختفت من أمام ناظره.
الساعة قد دقت الخامسة مساءًا وما زال مراد بالخارج ولم يعود، نفخت نيرة الهواء من فمها وهي تشعر بالقلق.
هبطت لأسفل وهتفت سائلة:
مدام عفاف، مراد لسة موصلش؟
خرجت الأخرى من المطبخ وهي تقول:
لا يا هانم.
أردفت وهي تفرك بيديها:
دة حتى تليفونه مقفول، أنا قلقانة أوي!
وقبل أن ترد عفاف وع إثر حديثها، انفتح الباب وكان الداخل هو مراد.
ركضت صوبه فورًا واحتضنته:
مراد، اتأخرت كدة ليه خضتني عليك، وليه تليفونك مقفول!
توترت كلماتها، ليجيب بحنو:
اهدي يا نيرة، أنا كويس أهو.
: طب حصل إيه ف المكتب طمني؟
: الحمد لله، حاجة بسيطة.
أجاب مختصرًا دون إعطاء أي تفاصيل، ثم ضم كتفها إليه وهو يتجه نحو الردهة وجلس في إنهاك.
: شكلك تعبان أوي، هروح أخليهم يجهزولك الأكل!
!: ماشي، وأنا هطلع آخد دش أفك عضلاتي.
قال وهو ينهض، فأومات نيرة برأسها.
بعد أن طلع الدرج جلست لبرهة تفكر في عقلها، هل يجب أن تخبره أنها قد ذهبت لـ عز الدين وقابلته، أم تترك الأمر يأتي رويدًا؟!
قررت ألا تخبره فهو لا يتحمل ضغطًا آخر، يكفي ما مر به اليوم.
باليوم التالي، مراد يقود سيارته متجهًا نحو الورشة، يود وبشدة أن يعرف شخصية هذا الذي قد نكث وعده مع نيرة، وتركها دون أن يشعر ولو بذرة من الأسى نحوها.
وصل أمام الوشة المقصودة، ثم هبط من السيارة ليجد شخصًا ويسأله عن عز دون أن يخطر في باله أنه يكون أبا فريدة.
دلف الشخص لداخل الورشة وصاح قائلًا:
عم عز، في واحد برة بيسأل عنك.
: دة تلاقيه أسامة!
لينفي:
لا دة باين عليه راجل مهم من المتريشين دول!
تعجب:
مين دة؟
ثم تحرك ليرى من هذا!
كانت تخفق البيض مع السكر لتصنع كعكة، فهتفت:
احكيلي بقا بالتفصيل حصل إيه؟
أسندت يدها على الرخامة فقالت:
طلب مني أعزمه ع حاجة، وروحت معاه.
توسع فمها بمرح:
بتهزري؟ وقالك إيه؟
تنهدت محاولة الثبات:
ولا حاجة، قاللي إنه اتجوز وخلف بنت اسمها فريدة.
اندفعت باندهاش:
فريدة؟!
ضحكت بوجع:
تصوري إن إحنا كنا متفقين انا وهو نسمي أول بنوتة فريدة ع إسم مامته، فهو سمى فريدة بس من واحدة تانية!
ابتلعت فريدة مرارة وهي تتمنى ما تفكر به ألا يكون، وبالكاد خرج صوت مختنق وهي تسأل:
هو اسم حبيبك إيه؟
: عز الدين.
سقط الإناء من يدي فريدة ليدوي صوت ارتطام قوي أصدح في المكان كله.
رواية ظل السحاب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم آية حسن
خرج عز الدين ليرى من الزائر. تحرك خارج الورشة فاندهش لوجود مراد.
"مراد باشا؟"
التفت مراد، وما أن رآه انكمش وجهه بتعجب.
"انت؟"
اقترب عز منه ليقف أمامه فيتساءل.
"حضرتك اللي عايزني؟"
توسعت عينا مراد ليهمس بهدر.
"هو انت عز الدين اللي تعرفه نيرة؟"
"نيرة؟ هو انت تعرفها منين؟"
زم شفتيه وهو يحدج به بسخط ثم يرد بنبرة أجشة.
"أنا مراد الحديدي وهي تبقى نيرة الحديدي!!!"
"بقى انت مراد ابن أخوها!!"
هدر وهو في كامل صدمته تمامًا. تشتت ذهنه لبرهة. لم يعرف قط بأن مراد هو ابن أخيها.
أشار إليه بسبابته.
"اسمعني كويس، لو في فكرك إنك تجرح نيرة مرة تانية بأنانيتك، صدقني المرة دي ماحدش هيقف قصادك غيري!"
شعر بالأستياء لمجرد ذكر جرحه نيرة. فهتف بضيق.
"يا مراد بيه انت فاهم غلط، أنا مكانش عندي أي نية أأذي نيرة، وهي جات الورشة دي بالصدفة مش بتخطيط مني."
"صدفة أو بتخطيط، أنا مش عايزك تشوفها تاني."
كانت نبرته صارمة ثم أردف متابعًا.
"حتى بنتك، مش عايزها تاني ف بيتي، عشان نقطع أي حبل بينا وبينك."
خفض عز جفنيه بأسى وقال.
"حاضر يا مراد باشا، أوعدك ان فريدة بنتي مش هتروح عندك تاني، تؤمرني بحاجة تانية؟"
"الصندوق فين؟"
سأل بجمود، ليرد.
"خدته نيرة."
عقد مراد حاجبيه باقتطاب لأنه حذرها من أن تلقاه مجددًا، وأيضًا لم تخبره بمجيئتها.
رمقه بجحود ثم عاد إلي سيارته قبل أن ينطلق ذاهبًا.
***
نيرة بفزع.
"ف إيه يا فريدة، مالك؟"
شعرت وكأن العالم يدور بها من هول الصدمة، فأبيها هو حبيب نيرة! يا لهذه الدنيا كم هي قاسية.
فقالت وهي تحاول قمع دموعها.
"مفيش حاجة، وقعت مني غصب عني."
هبطت ع ركبتيها لتلملم ما وقع من يديها والذي تبعثر أرضًا، وأثناء جمعها قد جرحت كفتها، ليخرج الدم منها.
"صاحت بارتياع: فريدة، خدي بالك إيدك اتعورت."
"بسيطة، متقلقيش."
أوقفتها ثم قالت.
"بسيطة ازاي، قومي معايا ... مدام عفاف شيلي إلى وقع دة."
قالت ثم خرجت مع فريدة وأجلستها بلطف ع الأريكة، ثم أتت بالإسعافات الأولية، حتى تتمكن من ضماد جرحها.
أمسكت كفتها بحنو ثم وضعت مطهر على قطنة، ومسدت بلطف فوق الجرح، لتشعر فريدة بقشعريرة ولسعة من أثر المطهر.
"معلش أنا آسفة."
لتجهش فريدة بالبكاء، وتتناثر دموعها ع وجنتيها بغزارة، وكأنها وجدت سببًا تبكي لأجله، فتقترب نيرة منها بقلق وتربت ع ذراعها.
"فريدة متعيطيش يا حبيبتي، هتبقي كويسة دلوقتي."
لتأمرها أكثر وتضمها وشهقاتها تعلو، تظن نيرة أنها تبكي بسبب جرح يدها، لكن الجرح الذي اخترق فؤادها من الصعب مداواته.
"ف إيه؟ وإيه الدم دة؟"
انتبها الإتنين لوجود مراد، وهو يهتف متسائلًا، لتقف نيرة وتقترب منه، وتقول.
"دي فريدة، انجرحت ايدها!"
"من إيه؟"
سأل لترد.
"كانت ف المطبخ وطبق قزاز وقع منها، انت كنت فين؟"
"كنت عند عز الدين!"
تعمد أن يرفع صوته وهو يتطلع إلى فريدة. لتقف هي وتبتلع لعابها، بالتأكيد هو عرف الآن.
لتتلجلج نيرة.
"روحتله؟"
حول نظره لها، ثم قال.
"أيوة، وعرفت إنك روحتيله من ورايا!!"
طأطأت نيرة رأسها، وهي تتحاشى النظر إلى مقلتيه المعاتبة لها.
ليهتف عاليًا وهو يرمق فريدة بسخط.
"ويا ترى مين اللي خلاكي تروحي من غير إذني؟"
رفعت رأسها فقالت بصوت خافت.
"ماحدش يا مراد، أنا روحت عشان انت كنت مشغول ف المكتب اللي اتحرق."
لعثمت قليلًا، وسار نحو فريدة وهو يشير لها.
"يعني مش الهانم هي اللي قالتلك تروحي تشوفيه؟"
استدارت نيرة باندفاع وهي مندهشة من معرفته بذلك، ع عكس فريدة التي أصابتها الربكة.
"ليه بتقول كدة يا مراد؟"
"عشان الهانم دي تبقى بنت عز الدين."
صاح بوجه عابس، لتعتري الدهشة إلى معالم نيرة وتهمس بهدر.
"انت بتقول إيه يا مراد؟ فـ..ريدة...؟!"
انكمشت معايير فريدة بأسى وهي ترى الصدمة والذهول يسيطران ع نيرة، فتتحرك نحوها وتقول بصوت أجهش.
"والله ما كنت أعرف، غير لما قولتي إن بنته اسمها فريدة ع اسم مامته!"
"يا سلام! يعني حضرتك عايزة تفهميني إنك متعرفيش إن الشخص اللي كسر قلبها هو أبوكي؟"
صاح مراد حانقًا والدم يغلي بعروقه كالبركان، لتلتفت فريدة وترد.
"أكيد ما كنتش أعرف، وأنا هعرف منين يعني؟!"
استنكرت بضيق عندما وجدت نظرات اتهام تنبع من زمردتيه.
"خلاص يا مراد، أنا متأكدة ان معندهاش علم."
هتفت نيرة، ثم صاح الآخر بغل.
"بس أنا بقا شاكك إنه هو اللي بعتها هنا، وتلاقيهم مخططين كل حاجة مع بعض عشان تخليكي تشوفيه بحجة الصدفة !!"
"انت اتجننت..."
لم تكمل فصرخ بحدة هزت قلبها.
"اخرسي، ومتتعديش حدودك معايا!"
ليمسك بمعصمها ويقبض عليه كالكماشة فتتألم.
"واسمعيني يا ست أبوكي، إذا كنتي بتلعبي انتي وهو على نيرة اكمنها يعني طيبة، فدة مش هيحصل، عارفة ليه؟ عشان أنا مراد الحديدي ممكن افعص أي حد يقرب منها."
كانت نبرته حاقدة ويفوح منها الشر، لتندفع نيره وتبعده عنها، وتهتف مستنكرة مما يفعله.
"مراد إيه اللي بتعمله دة؟ وكلام إيه اللي بتقوله؟"
"سيبيه يقول اللي هو عاوزه، أساساً ما يفرقش معايا غيرك انتي، وكفاية انك مصدقاني."
لتتطلع إليه بصمود وتلقي نظرها عليه وتردف بتهديد.
"ولعلمك بقا، لو كنت قولت لأبويا حاجة زعلته، أنا مش هسكتلك وهقفلك يا مراد يا بتاعة أنت."
وحين غفلة قبض ع ذراعها بقوة لتصرخ متألمة.
"مــراد.."
صاحت نيرة بخوف، وهي تحاول أن تفلت قبضته، لكن مراد كان جسمه صلبًا، ينظر لـ فريدة ف جفاء.
صرخت فريدة وهي تشعر بأنامله قد نخرت ذراعها.
"منك لله دراعي هيتقطع ف إيدك يا مفتري، عليك ربنا."
"مراد سيبها أرجوك."
صرخت نيرة الأخرى بخوف أكبر تملكها، ليهمس بنبرة كفحيح الأفعى.
"بقـا انتي يابت بتهدديني أنا؟ جاتلك الجرأة ترفعي عينك فيا وتديني تحذيرات؟"
صاحت بنبرة مبحوحة وبوجهٍ باكِ.
"خلاص والله، سيبني بقا هموت."
وأخيرًا أطلق سراح ذراعها المسكين، والتي أحست أنه انتصل معه. ثم صاحت في تشنج.
"بقـا بتمد إيدك عليا يا مراد، وربنا لبلغ عنك دة انت مش بني آدم دة انت ذئب بشري، منك لله."
وضعت نيرة ذراعها بلطف ع كتفها وهي تمسد عليه، ليقول مراد وهو يجز على أسنانه.
"مش عايز أشوف خلقتك تاني ولو بالصدفة!"
هتفت باستهجان.
"ليه يعني هو انت اشتريت الكوكب!"
سحبتها نيرة خلفها لتقول.
"هو ف إيه يا مراد، انت هتطلع غضبك ع البنت؟ وبعدين هي مش هتمشي من هنا!"
صرخ بعصبية.
"يعني إيه مش هتمشي؟ هو انتي هتكسري كلمتي؟"
تلعثمت.
"لا، بس أنا مش عايزاها تمشي."
لتهدأ نبرته قليلًا.
"هو انتي هتفضلي طيبة وساذجة كدة كتير؟!!"
لتنحدر الدموع على وجنتيها في ضعف. فتقترب فريدة منها بسرعة وتدريها لها، لتمسح الدموع الغامرة بلطف.
"متزعليش يا نيرو، ف ناس كدة هتلاقي كلامها زي الدبش اكمن قلبها بقا عبارة عن قالب طوب."
رفعت ببصرها نحو مراد الذي يستشيط غضبًا. وتردف.
"أنا همشي يا نيرو وهكلمك بالليل بقا، ع مزدا."
قالت بابتسامة ماكرة وهي ترمي الآخر بطرف عينيها، ثم تودع نيرة قبل أن تتوجه إلى خارج المنزل مغادرة.
***
عادت فريدة لمنزلها وكان في انتظارها عز الدين الذي ركض صوبها مباشرة.
"فريدة حبيبتي اتأخرتي كدة ليه؟"
كانت نبرته يتخللها القلق والتوتر، فترد بهدوء واستنكار.
"اتأخرت إيه يا بابا، دة انا جاية ف المعاد مظبوط!"
"طب تعالي يا عمري."
ضمها له بحنو ودلف بها، لتأتي عليهما الجدة فتسأل.
"ف إيه يا عز، مالها فريدة؟"
ليندفع عز.
"فريدة مش هتروح تاني عند مراد يا امي."
تفتدرد فريدة بعد أن ابتعدت عنه.
"ليه يا بابا؟"
"متسأليش، المهم انتي خلاص مش هتشتغلي تاني، وركزي ف مجموعتك!"
"كل دة عشان عرفت أن مراد يبقى ابن أخو نيرة، حبيبتك القديمة؟"
ليحذرها بقوة.
"فريدة."
همست باعتذار.
"أنا آسفة."
وضعت الجدة يدها ع فمها.
"نيرة؟"
اقتربت منها فريدة فتردف.
"أيوة يا تيتة، نيرة طلعت عمة مراد اللي كان بابا بيشتغل عنده ف المصنع واللي انا حالياً بشتغل عنده ف البيت!"
همست بدهشة.
"ازاي؟"
"مش عارفة يا تيتة أهو نصيب، هي وبابا يتقابلوا تاني."
قالت وهي تنظر لوالدها الذي يتيه بنظره بعيدًا، لتقترب منه وتضم يديه برفق.
"بابا أنا مش هسيب الشغل عنده، لأن نيرة بقت صحبتي وهي مش عايزاني أمشي، وأنا بجد آسفة المرة دي مش هقدر أسمع كلامك."
ليضع هو راحته ع كتفها ثم يردف بهدوء.
"فريدة، أنا خايف عليكي."
"من إيه؟"
سألت ليندفع بضيق.
"من كل حاجة، الله أعلم مراد بيفكر ف إيه دلوقتي."
احتضنته وقالت.
"متخافش، وبعدين دي نيرو وقفت معايا ضده، أروح أنا أخذلها يعني؟!"
قالت بنبرة لعوب ليتنهد بحيرة، ثم أردف.
"مش خذلان، ولو سمحتي متتكلميش معايا ف الموضوع دة تاني."
ثم اتجه صوب غرفته، ويتركها تقلب عينيها بحنق.
***
مراد يقف بسيارته أمام فيلا عثمان الحديدي، ثم يدخل ويجد عمه عثمان يجلس بالردهة فيلقي عليه السلام.
"ازيك يا عمي؟"
نهض عثمان ليرد في جفاء.
"أهلاً بالباشا، كويس انك فاكر اني ليك عم، بعد ما طردت ابني من الشركة، وأحرجت نانسي بنتي لما راحت تسأل عنك!"
قلب مراد عينيه وهو يحاول امتصاص حديثه المزعج.
تنهد مراد ليقول.
"شوف يا عمي، الكلام دة نتحاسب عليه بعدين، أنا دلوقتي جاي عشان معتز، فياريت تقوللي هو فين!"
ليسمع مراد صوته من خلفه يقول.
"جاي عايز مني إيه! هتطردني من هنا كمان؟"
وكان قد التفت إليه وهو يتطلع إليه بسخط.
"جاي آخد حق الغلابة اللي كنت هتسبب لهم ف أذية."
ابتلع لعابه بصعوبة، ليردف بتلعثم.
"تقصد ايه؟"
ليندفع إليه مراد بهجوم ويمسك برقبته، ويصطك ع أسنانه.
"بقـا انت يا حقير، اللي ورا الحريق اللي حصل ف المكتب!!"
"انت بتعمل ايه يا مراد، ابعد عنه."
صاح عثمان وهو يتقدم عليه، ليهتف معتز بنبرة مختنقة.
"الحقني يا بابا، دة عايز يموتني."
"زي ما كنت هتموت الموظفين اللي ملهمش ذنب!"
قال مراد بضيق، فيرد عليه عثمان.
"انت كمان جاي تتهمه يا مراد، مكفكش اللي عملته."
فـيـشعر بالغليل، ثم يدفع معتز بقوة، فيندفع برأسه نحو عثمان بوجه تنفجر الدماء منه، وبأعين يتطاير منها الشرر، فيبتلع عثمان ريقه بتوتر من نظراته.
صاح وهو يشير بعصبية لـ معتز.
"ابنك اللي انت محموق عليه أوي وزعلان اني طردته، حرق المكتب بتاع أبويا اللي كان بيحفظ فيه كل الورق الخاص بالشركة."
سأل عثمان بلجلجة.
"وإيه دليلك ع كدة، مش يمكن حد من أعدائك!!"
لقد استفزه، جحظت عينيه بتذمر ثم حرك رأسه لمعتز وقال بهدوء مزيف واستهزاء.
"الحقيقة عدوي الوحيد ف الحياة هو إبنك اللي بتدافع عنه، لأن البيه كان بيشتغل ف المشبوه وبيزور اسمي ف صفقاته القذرة، عشان ما يبقاش فيه اي دليل ضده، حتة عيل زي دة عايز يأكلني أنا البلوظة!"
ارتفع صوته مجددًا، ثم قال.
"ومش بس كدة دة كمان حرق المكتب باللي فيه عشان غبي وحمار، وفاكرني هخاف أو اتهدد وأرجعله الورق."
ثم يقترب منه ويرفعه من ياقته.
"شوف ياض انت، قسمًا بالله لو ما استرجلت كدة وعقلت، لكون حابسك بالورق اللي عندي، أقلها تتربى بدل ما أبوك مش عايز يربيك."
ثم تركه في سخط وغادر الفيلا.
***
"العب يا ملعب، وكسبنا المناقصة يا عم شفيق."
هتف عماد بتناغم وهي يتراقص بمرح، ليرد العم شفيق بفرحة.
"الحمد لله يا رب، أمال مراد فين خلينا نفرحه."
"مش عارف والله، بس هتصل بيه حالاً."
أخرج هاتفه وضغط اتصال بعد أن بحث عن اسمه.
***
"يوووه يا نيرة، ما ان شالله عنها ما جات، متبقيش هبلة امال!"
صاح مراد بالهاتف وهو يقود سيارته، لترد نيرة بصوت أجهش وبراءة طفولية.
"عشان خاطري يا مراد، وحياتي عندك كلم عز يرجعها!"
استنكر بحنق.
"انتي بتستهبلي؟ عاوزاني أكلم واحد مقدركيش عشان بنته ترجع تشتغل عندي؟"
"لا عشان هي صاحبتي، وانت عارف إن انا عمري ما كان ليا صحاب!!"
قال وهو يجز على أسنانه.
"اقفلي يا نيرة متعصبنيش!"
أغلق الخط لأن الأمر حقًا لا يحتمل، اللعنة عليها من أين أتت تلك الحمقاء لتقتحم حياته بهذا الشكل، ليس هي فقط، بل وأبيها أيضًا!!!
ثم اندفع وضغط على المكابح فجأة حتى احتكت الإطارات بالأسفلت ليصدح صوتًا قويًا. ترجل من عربته وكانت مقلتيه تشتعل كاللهيب عندما وجدها هي من اعترضت طريقه.
"انتي غبية يا بنتي؟ واقفة ف نص الشارع بتعملي إيه؟"
صاح بتأفف وهو يقترب من فريدة التي تتراجع للخلف خوفًا من خطواته القادمة. لتقف بثبات وهي تجاهد قوتها ألا تضعف.
"بقولك إيه..."
وقبل أن تكمل رأت سيارة تتحرك نحوهما ويخرج أحد الجالسين بها بندقه ويصوبها نحو مراد. اتسعت عيني فريدة بذهول لتصرخ قائلة..
"حــــاسب يا مرااااد."
لتدفعه بعيدًا حينها مراد قد انتبه وضمها إليه حتى وقعا خلف سيارته.
رواية ظل السحاب الفصل العشرون 20 - بقلم آية حسن
صرخت فريدة من أثر السقوط، ليضحك مراد سبابته ع فمه ويهمس:
ششش، ادخلي العربية بالراحة.
كيف...
صاحت ليزجرها بطرف عينه ويتمتم من بين أسنانه:
وطي صوتك يا غبية!
طيب خليك معايا والنبي أنا خايفة.
همست بوجه باكِ، ليتمتم وهو يصطك ع أسنانه:
انتي لو فضلتِ شابكة فيا كدة، إن شاء الله مش هيطلع عليكي صبح!
لتتمتم هي ببعض الكلمات الغير مفهومة، ثم يرفع مراد يده عند باب السيارة وضغط بهدوء ع المقبض إلى أن انفتح:
ادخلي يلا وانزلي تحت ومتخرجيش من العربية مهما حصل.
همس ثم أومأت برأسها مرارًا، ودلفت ببطء للداخل.
مراد يجلس بالأرض ويسند ظهره ع إطار «العجلة» السيارة، ثم سحب السلاح من خلف حزامه عندما شعر بصوت أقدام تقترب من السيارة.
ثم اندفع لينهض ويصوب نحو شخص ملثم وأصابه بطلق ناري في رأسه، قبل أن يسارع هو بضغطِه ع الزناد.
صرخت فريدة وبدأت باللطم ع خدها بهستيريا عند استماعها لصوت الطلقات:
الله يخربيت معرفتك يا مراد، يا لهووووي.
وبحركة بارعة، قفز فوق واجهة السيارة متقلبًا بحذق، ليرفع بقدمه ويهبط بها ع وجه الآخر بضربة قوية أوقعته أرضًا.
ثم مال بجذعه نحوه وجذبه من مقدمة ثيابه ويصرخ به:
مين اللي باعتكم ياض؟
وقبل أن يتفوه سمع مراد صوت السيارة تنطلق هاربة والتي كانت تقف ع بعد منه، ثم دفع الشخص بحنق، ليتطلع إلى مكان اختفائها، ويضرب بقدمه على الأرض بقوة وهو يزفر.
ليستمع إلى صوتها الصاخب من خلفه يقول:
قتلتهم؟ يادي المصيبة أم حناجل يا ولد.
ثم بدأت باللطم مجددًا، والنحيب:
مكانش يومك يا فريدة، أهو دلوقتي هبقى مستهدفة وأكيد هيدوروا عليا في كل ناحية، كان يوم مهبب يوم ما شوفت خلقتك.
صاح بحدة:
ما تبصي بقا، انتي إيه راديو ما بيفصلش!
أنفضت ملابسها بحنق وهي تقول:
حاضر، هخرس خالص.. بس يكون في علمك أنا لو جرالي حاجة هيبقى ذنبي كله في رقبتك انت.
تجاهل حديثها الأحمق، ثم أخرج هاتفه واتصل ع صديقه الشامي.
________
عاد مراد إلى بيته وهرعت إليه نيرة بارتياع لتتساءل في قلق:
مراد إيه اللي سمعته ده، صحيح اتضرب عليك نار؟
قلب عينيه بضجر:
أكيد الأستاذة اللي قالتلك مش كده؟
أيوة يا مراد، هو انت ماكنتش عايزني أعرف يعني ولا إيه؟ وبعدين انتوا اتقابلتوا ازاي؟ وليه؟ ومين الناس دول؟
ظلت تهتف بسؤال وراء الآخر باهتمام، وهو زفر بكلل ليقول:
نيرة، نتكلم بعدين، أنا راجع تعبان.
كاد أن يتركها لكن أوقفته:
استني مش هتمشي غير لما أعرف مين اللي حاول يضربك؟
قال بهدوء:
والله يا نيرة ما أعرف، الشامي بيحقق في الموضوع ولما أعرف أي تفاصيل هقولك، عن إذنك بقى.
________
معرفتيش مين اللي كان عايز يقتل مراد؟
سألت فريدة باكتراث وهي تجلس بجوار نيرة في أحد المطاعم، فردت وهي تنفي برأسها:
مراد قال إن لسه بيتحقق مع اللي مسكوه.
قوليله يخلي باله من نفسه!
قالت بنبرة حانية، لتغمز لها نيرة وهي تبتسم بمكر:
هي السنارة غمزت ولا إيه؟
لتتعثر كلمتها وتتشتت نظراتها:
أنا.. أنا.. مفكرتش في كده.
فحاولت أن تتهرب من عينيها:
المهم كمليلي الحكاية بقى، احنا وقفنا فين؟
ملأت نيرة صدرها بالهواء ثم استطردت بقية سرد القصة.
***
انت واخدني ع فين بس يا مراد فهمني!
سألت رغد التي يجرها مراد خلفه ويدخل بها الڤيلا من الباب الرئيسي، فيقول أثناء سيره بتهكم:
انتي خايفة ليه، هو أنا خطفك؟
مش قصدي.
ثم فتح الباب الداخلي ودلف بها، فتنبهر بالمكان وتقول بعفوية:
هو ده بيتك يا مراد؟
ليرى الدهشة تصعد معالمها، وهي تجوب بعينيها المكان، فيقترب منها ويمسك فكها بلطف وهو يحرك وجهها نحوه:
مالك!
أصله حلو أوي وكبير، أنا مش بحسد والله.
قالت ببراءة ثم ضحك مراد:
هو أنا قولت انك بتحسدي!! تعالي عشان أعرفك ع أمي ونيرة.
أومأت بابتسامة ثم ضم كتفها إليه، ودخل إلى البهو ليجد والدته «هناء» ونيرة موجودان بها. ويلقي السلام عليهما.
هناء: أهلاً يا حبيبي، مين دي؟
سألت بتعجب ليقول بابتسامة:
أحب أعرفكم برغد.
لتنهض نيرة وتقول بمرح:
طب والله كنت حاسة، ده انتي طلعتي قمر خالص.
قالت وهي تتقدم نحوها وتعانقها بلطف، وتنكمش ملامح رغد بخجل.
لينتبهوا ع صوت هناء وهي تهتف متسائلة:
ما تفهموني يا جماعة فيه إيه؟ ورغد مين؟
تقدم مراد من والدته وجلس بجوارها ثم أردف بصوت يكسوه العشق:
رغد تبقى حبيبتي يا أمي، وأنا جايبها تتعرفي عليها لأني عايز اتجوزها!
شهقت رغد، واتسعت عينيها غير مصدقة، لم تكن تعرف بالمرة أنه سيفاجئها بتلك الطريقة.
ليقف وهو يتطلع لها وعلى ثغره بسمة:
إيه مش عايزة تتجوزيني ولا إيه؟
نفت برأسها، لتختفي البسمة وينعقد وجهه، فتردف بسرعة وهي ترسم ابتسامة سعادة:
أقصد أكيد عايزة، هو أنا أطول يعني!
ضحك مراد ثم تقول نيرة بفرحة:
الف مبروك يا ولاد.
لتجذبه والدته من يده بعيدًا بعد أن تغيرت ملامح وجهها، فتعجبت رغد من تصرفها، وشعرت أنها غير راضية عنها، لينكمش وجهها بحزن:
مراد، إيه اللي بيحصل ده؟ ومين دي واتعرفت عليها ازاي؟ وازاي أصلاً عايز تتجوزها من غير ما نعرف أصلها وفصلها؟
همست هناء بحنق، ليرد مراد:
اهدي يا أمي، أنا مش عيل صغير هيتقاللي الكلام ده، وبعدين أنا جايبهالك عشان تتعرفي عليها! مفيش أي مشكلة.
حاولت هناء التمسك بهدوئها ثم قالت:
بس انت لازم تاخد رأي عمك في الموضوع ده، أظن الأصول متزعلك.
تنهد وقال:
بصي يا أمي، أنا مش هاخد رأي أي حد، عشان دي حياتي أنا مش حياة حد تاني، فلو حضرتك عايزة تكلميه براحتك، رأيه مش هيفرق معايا حاجة.
ده واضح إن رأيي أنا كمان مش فارق!
قالت وهي تجعد جبينها باستياء، فحرك مراد رأسه مستنكرًا بضيق:
يا أمي، أرجوكي متقوليش كده، لو انتي مش فارقة ما كنتش جبتهالك لغاية هنا!
تقدمت نحوهم رغد بخطوات واهية لتقول:
لو حضرتك مش موافقة بيا، أنا ممكن أمشي المهم انتوا متضايقوش أو تزعلوا من بعض بسببي.
تعجبت منها هناء ومن طيبتها الغريبة، فأي فتاة أخرى غيرها، كانت تتمسك به حتى وإن اعترضت عائلته عليها؟
تنهدت ونظرت إلى ابنها الذي يخبرها بمقلتيه أنها الأنسب له، لتعتلي ابتسامة رقيقة فوق شفتيها وتقترب من رغد وتضمها ثم تردف:
أنا كمان ما يهمنيش غير سعادة ابني، وطالما سعادته معاكي أنا ما عندي مانع.
حالت السعادة ع وجه مراد، وتهللت أسارير رغد بفرحة عارمة، لتصيح نيرة بمرح:
أيوة بقى، خلي البيت يتملي بالزغاريد والفرحة.
ضحك الجميع، ثم تطلعت رغد على مراد بعينين عطفة، تبرق بومضات الامتنان والحب لما يفعله من أجلها.
-------
ازاي يا هناء تقرروا حاجة زي كده من ورايا؟ مبقتوش تعتبروني كبيركم ولا إيه؟
نهض عثمان وهو يزعَق، والدماء تصعد إلى معالمه ثم وقفت هناء تحاول إطفاء غضبه.
أهدى يا عثمان، الحكاية مش كده.
أمال إيه؟
هتف غيظًا لتردف:
أنا اتفاجئت زيي زيك، وانت عارف مراد صيته من دماغه، وأنا جبتك هنا عشان تقف مع ابن أخوك أحسن ما تعاندوا في بعض وخلاص.
قال وهو يكبح حنقه:
لا يا هانم، ابنك خلاص كبر ومبقاش عايز حد معاه، بدليل إنه مجاش كلمني بنفسه عشان ياخد رأيي إن شالله حتى من باب إني فرد من العيلة!!
سخر لتردف بصدق:
والله ده لو يوسف الله يرحمه لسه عايش كان برضو هيعمل اللي هو عايزه! وبعدين البنت كويسة أوي، ومحترمة و...
قاطعها:
تبقى بنت مين يعني؟ أهلها من نفس مستوانا؟ أبوها يطلع مين؟
التفتت بجنبها ولا تدري بماذا تجيب، فلو علم أنها لا تمتلك شيئًا سيعاند أكثر ولن يقبل بها، ناهيك عن أنها تعيش دون أهل.
لينعر بغلظة:
ما تنطقي يا هناء سكتي ليه؟
تزلزلت نبرتها:
مـ..مش مهم بنت مين.
يضيق عينيه:
يعني إيه مش مهم؟
لتلتفت له وتقول:
يعني كفاية إنه هو اختارها وبيحبها، الحاجات التانية اللي بتفكر فيها انت، متهموش هو!
رفع أحد حاجبيه وهو يردف:
لهجتك مش عاجباني يا هناء، قوليلي البنت دي تبقى مين؟
سأل بجمود، وقبل أن تجيب دخل مراد وهدر بنبرة يغلفها العشق:
أنا هقولك البنت دي تبقى مين! تبقى روحي وكياني، تبقى نفسي اللي بيخرج مع كل حرف من اسمها، تبقى عيني اللي بشوف بيهم وشها البرئ، تبقى حياتي اللي بدأت من أول لحظة شوفتها فيهم.. عرفت بقا دي تبقى مين ولا لسه!!
عم الصمت لوهلة ثم تنحنح عثمان حتى يضبط نبرته من الغرغرة التي أصابت أحباله، فيتمتم وكأنه لا يبالي بما قال:
برضو معرفتش اسم ابوها إيه، أو أهلها عندهم إيه يملكوه؟
ضحك مراد ساخرًا:
يعني أنا المفروض اتجوز عشان أهل البنت أصحاب أملاك؟
أكيد.
طب يا عمي، أنا بقا ما يفرقش معايا الكلام التافه ده، ورغد هتبقى مراتي، سواء كانوا أهلها ناس أغنيا أو لا! وللعلم هي ما تملكش أي حاجة غير قلبي!
قال مراد بحسم ليصر عليه عثمان:
بس على جثتي إن حد يدخل عيلتي وأنا مش راضي عنه!
ليه يا عثمان، عايز تحرم مراد كمان من الأنسانة اللي بيحبها!!
هتفت نيرة أثناء هبوطها الدرج ثم اتجهت نحوهم، ليصيح عثمان بصوت حانق عند رؤيتها:
نيرة، أنا مش ناقصك، وبعدين أنا ماليش كلام معاكي.
أشاح بوجهه بعيدًا عنها ليوجه حديثه لـ مراد:
واسـمعني، أنت لو اتجوزت البنت دي يبقى انت بتحكم ع نفسك بالفشل ومسيرك هتعرف قيمة كلامي ده، فراجع نفسك كويس قبل ما تاخد خطوة تدمرك وتدمر سمعتنا معاك.
أنهى حديثه ثم غادر كالإعصار من أمامهم وقبل أن يعطي لـ نيرة نظرة كره.
لتعود نيرة للواقع، وتهتف فريدة بغيظ:
هو أخوكي ده دايمًا واقف ليكم زي اللقمة في الزور؟
ضحكت:
ده لولا شخصية مراد القوية كان خلاه تحت طوعه ومشاه ع كيفه، بس مراد كان بيضرب بكلامه في الحيطة وما بيهتمش لأي مخلوق.
يا بخته.
تمتمت بتيه، لتتعجب نيرة:
هي مين دي؟
أدركت فريدة نفسها:
ها! أقصد رغد يعني، مراد ما تخلاش عنها أبدًا!
لتشرد نيرة قليلًا وهي تتنهد:
يا بختها فعلاً.. أي واحدة فينا كانت تتمنى يحصل معاها اللي عمله مراد عشانها.
فهمت فريدة إلى ماذا هي ترمي فاقتربت بجذعها العلوي إليها، وربتت بحنو:
أنا عارفة إنك زعلانة عشان بابا سابك واتخلى عنك، أنا كمان مش شايفة مبرر إنه يبعد عنك، بس في النهاية ده أبويا مش هقدر أعاتبه.
قالت باستياء ظهر ع ملامحها، لتندفع نيرة مستنكرة بهدوء:
ومين قالك إني عايزاكي تعاتبي عز، ولا أنا زعلانة منه؟ فريدة اللي حصل ده مكتوب علينا، وماحدش بيهرب من قدره، وعشاني بلاش نتكلم في الحكاية دي تاني!
مسحت ع ظهر يدها بلطف وهي تحول ع ثغرها ابتسامة صغيرة عطفة.
________
معرفتش مين اللي هاجمك يا باشا؟ وبلغت ولا لأ؟
هتف عماد متسائلًا في لهفة واضطراب، ليرفع مراد وجهه عن الحاسوب ويقول بلا عبأ:
لا معرفتش، والشامي عنده خبر بالموضوع.
طب العيال اللي قبض عليهم، اعترفوا مين اللي وزهم؟
سأل بقلبٍ متذبذب، لينفخ مراد الهواء من فمه ويقول:
هو انا ليه حاسس إني في تحقيق؟
اعتبره كده، ولو سمحت جاوب عليا، ماتسبنيش حيران وقلقان كده!!
شعر مراد باهتزاز في نبرته، ثم نهض وأردف بنبرة مخملية كي يطمئنه ويهدئ من روعه:
أهدى يا عماد أنا كويس، وبعدين انت نسيت اني كنت ظابط؟ يعني أقدر اتعامل مع المواقف دي عادي!!
اقترب عماد منه:
عارف، بس ده ما يمنعش إني اخاف عليك!
تنهد بملل ثم أردف:
بقولك إيه؟ ما تتجوز وحل عني بقا، مش انت قولت ان فيه بنت بتحبها؟
لا مهو انا مستني أفرح بيك الأول.
حالت ابتسامة ساخرة على جانب ثغره:
يبقى مش هتجوز أبدًا!
وقبل أن يرد انفتح باب المكتب ودخل موظف فقال:
مراد باشا، في جماعة بيسألوا عن حضرتك.
تعجب مراد ثم أذن له أن يدخلهم. فدلف اثنان يرتديان بدل رسمية وأجسادهم ضخمة.
تحدث واحدًا منهم وهو يسلم:
ازاي حضرتك يا مراد باشا؟ انا المقدم حاتم رؤوف...
وأشار إلى الآخر:
والرائد أحمد الدرديري... أمن وطني.
قال وهو يعقد حاجبيه:
أهلاً بحضراتكم.
ممكن نتكلم معاك ع انفراد؟
أه أكيد...
عماد.
هتف دون إيماءة ففهم عماد وأغلق الباب بعد أن خرج مع الموظف.
أشار إليهما بالجلوس ثم جلس هو خلف مكتبه وسأل:
خير يا بشوات في حاجة؟
قال حاتم:
احنا عرفنا إن في أشخاص مجهولين هاجموك وأطلقوا عليك النار أثناء وجودك في الشارع، ونتج عن كده موت واحد منهم بسبب إصابته في راسه من مسدسك، وواحد لسه عايش.
وحضراتكم عرفتوا منين؟
سأل مراد مستغربًا لأنه لم يبلغ إلا صديقه تميم الشامي، ولم يتقدم ببلاغ رسمي من جهته.
رد حاتم:
إحنا وصلنا الخبر من مباحث قسم الشرطة، واللي عرفناه بعد كده إن واحدة اسمها فريدة عز الدين هي اللي اتقدمت بالبلاغ.
نهض من مكانه بعينين تطلق سهامًا كالشعلة:
مين اللي بلغت؟؟!!!!!!!!!