تحميل رواية «ثنايا الروح "الريح والغيامة"» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرت سنوات طويلة على تلك الليلة المشؤومة التي سالت فيها الدماء على قطعة الأرض الشاسعة، تلك الأرض التي كانت سببًا في صراع مرير بين عائلتين، وانتهت بمقتل اثنين منهما. لم تكن تلك الحادثة مجرد جريمة عابرة، بل كانت شرارة أشعلت نارًا لم تنطفئ، نارًا توارثتها الأجيال، لتصبح إرثًا ثقيلًا يحمله الأحفاد في كلتا العائلتين، عائلة القتيل وعائلة القاتل. نشأ الأطفال على قصص مشوهة، روايات محرفة عن الحقيقة، لكنها جميعًا تصب في بؤره واحدة: الا وهي الثأر. لم يروا أجدادهم، لم يعيشوا تفاصيل الصراع الأول، لكنهم ورثوا...
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الأول 1 - بقلم رانيا الخولي
مرت سنوات طويلة على تلك الليلة المشؤومة التي سالت فيها الدماء على قطعة الأرض الشاسعة، تلك الأرض التي كانت سببًا في صراع مرير بين عائلتين، وانتهت بمقتل اثنين منهما.
لم تكن تلك الحادثة مجرد جريمة عابرة، بل كانت شرارة أشعلت نارًا لم تنطفئ، نارًا توارثتها الأجيال، لتصبح إرثًا ثقيلًا يحمله الأحفاد في كلتا العائلتين، عائلة القتيل وعائلة القاتل.
نشأ الأطفال على قصص مشوهة، روايات محرفة عن الحقيقة، لكنها جميعًا تصب في بؤره واحدة: الا وهي الثأر.
لم يروا أجدادهم، لم يعيشوا تفاصيل الصراع الأول، لكنهم ورثوا الكراهية كجزء من جيناتهم.
الأرض، تلك البقعة الترابية التي كانت يومًا مصدر خير، تحولت إلى رمز للدم المسفوك، إلى لعنة تلاحقهم.
عائلة منهم، التي فقدت عمودها الفقري في تلك الحادثة، عاشت في ظل حزن عميق ورغبة جامحة في الانتقام.
كبر الأحفاد وهم يستمعون إلى حكايات الجد المظلوم، وكيف غدر به من كان يومًا صديقه.
كانت تلك القصص تُروى لهم في ليالي الشتاء الباردة، على ضوء نار الراقيه، فتتغلغل في أرواحهم الصغيرة، وتزرع بذور الحقد.
لم يكن الثأر مجرد فكرة، بل كان واجبًا مقدسًا، دينً عليهم سداده.
ورأوا في الأرض فرصة لإعادة مجد العائلة، ولإثبات أن جدهم لم يكن مخطئًا.
أما العائلة الأخرى، فقد عاشت في ظل أن عليها التروي لأجل أحفادها، وأن الأخذ بالثأر مرة أخرى لن يجدي نفعا.
وإن حاولوا إخفاءها، كبر أحفادهم وهم يسمعون همسات عن جد ارتكب جريمة، لكنهم أيضًا سمعوا قصصًا عن حقه في الأرض، عن الظلم الذي وقع عليه.
كانت الحقيقة ضبابية، مشوشة، لكنهم شعروا بعبء الماضي يلقي بظلاله عليهم.
بعضهم حاول نسيان الأمر، لكن البعض الآخر، خاصة الأقوى، فضل أن يأخذها بهوادة كي لا يصل الأمر إلى الحكومة وتأخذها عنوة لأنها حق مكتسب للدولة وحدها.
وما هي إلا أطماع من عائلتين أرادوا أن يرتفعوا أكثر بأمتلاكها.
كانت العائلتان تعيشان في عالمين منفصلين، يفصل بينهما جدار سميك من الكراهية والشك.
لم يكن هناك أي تواصل مباشر، فقط نظرات حادة، وكلمات مسمومة تُلقى من بعيد.
لكن القدر، أو ربما لعنة الأرض، كان يخطط لجمعهم من جديد، ليس على طاولة الصلح، بل في ساحة صراع جديدة، صراع سيحدد مصير الأرض، ومصير الأجيال القادمة.
❈-❈-❈
لم تجف دموعها وهي مستلقية على الفراش في سكون تام.
فقط دموعها التي تتساقط تخبر من يراها بأنها على قيد الحياة.
ولما لا وقد جاء والدها ليأخذها عنوة من بيت حبيبها الذي بخل عليها الزمان بأن يتركها هانئة معه فيختطفه الموت من ثنايا روحها.
وواصل الزمان بأن يفرض أحكامه عليها، إما أن يأخذها والدها أم يحكموا عليهم بأن تتزوج أخيه.
وكلاهما يعد الموت بحد ذاته.
خبط الباب ودخل عمها وكبير تلك العائلة العريقة التي تمتاز بحكمتها وترابطها.
لكن هناك أشياء أخرى تلغي الحكمة وتظهر قوة لا يستهان بها.
اقترب منها وقلبه النازف على ولده يلتاع حزناً عليها، لكن عليه أن يتحلى بالصمود لأجل تلك العائلة التي تستند عليه رغم مشيبه.
اليوم حضر أخيها ليأخذها هي وبناتها ولا أحد يلومه على ذلك.
فابنته في مقتبل العمر ولن تظل ولن يجوز بقاءها في بيت العائلة إلا بالزواج من أحدهم.
اغمضت ليل عينيها لتنفض باقي الدموع المتعلقة بأهدابها واعتدلت في فراشها عندما سألها وهدان.
"كيفك يا غالية؟"
اخذت نفس عميق تهدئ به من روعها وتمتمت بعذاب.
"كيف ما انت شايف يا عمي، روحي بتنخلع مني واحدة واحدة."
جلس على حافة الفراش بجوارها يتطلع إليها بحزن.
"بايدك إنك ترفضي وتفضلي معانا أهنه."
هزت راسها بألم.
"ياريته كان ينفع بس مجدراش أكون سبب في تعاسة غيري وكمان أجرب الناس ليا."
رد وهدان بحكمة.
"بس هي موافجة…"
قاطعته ليل بألم.
"مجبرة يا عمي مش برضاها، صدجني واني مستحيل أكون سبب في عذابها."
"بس الأمور هي اللي بتحكم يا بنت أخوي، ابوكي وأخوكي دلوجت جاعدين مستنيينك عشان تمشي معاهم واني مش هجدر امانع لإن ده حجهم فالحل في يدك انتِ، يا توافجي تتجوزي سالم، يا إما هيخدوكي وبنات ولدي يفارجوني."
"ارجوكي يا بنتي توافجي."
"يا عمي ربنا وحده اللي يعلم اللي چوايا دلوجت بس لو وافجت أتزوچ سالم زي ما جولتلي هتحملني وزر اني مش جده."
لم يفهم وهدان مقصدها لذا سألها مستفهماً.
"وزر ايه يا بنتي اللي بتجولي عليه؟ تجصدي…"
"لاه مش ورد، أني أجصد سالم نفسه، بعد عامر الله يرحمه زهدت الدنيا ومش هجبل إن حد تاني يلمسني بعده، ولو وافجت أتجوز سالم هيكون على الورج بس وبكدة هكون بحمل نفسي وزر كبير ربنا هيحاسبني عليه عشان إكدة هوافج ارحل من الدار وأروح أسكن عند أبوي."
تطلع إليها وهدان بتقدير لكنه أيضاً لا يقبل أن تظلم نفسها وهي بذلك السن الصغير فقال باعتراض.
"بس يا بنتي انتِ لساتك صغار وجدامي…"
قاطعته ليل بإصرار.
"جدامي بنتين مطلوب مني اكون أب وأم ليهم غير إكدة لاه."
لم يستطع وهدان الإعتراض على قرارها لذا وافقها قائلاً.
"اللي تشوفيه يا بنتي وانا هتحدت مع سالم ولو جبل جرارك أخليه ياچي بنفسه ويرفع عنك الوزر ده وتعيشي معانا على إنك زوجة سالم بس ده يفضل سر بيناتنا محدش برانا يعرفه فهمتي."
تنهدت ليل باستسلام.
"فهمت يا عمي."
خرج وهدان من غرفتها ثم توجه إلى غرفته بعد أن طلب من احد احفاده ان يبعث إليه بسالم دون ان ينتبه أحد.
دلف سالم ليسأل والده بقلق.
"خير يا بوي؟"
أشار له بالجلوس على الأريكة بجواره.
"اجعد يا ولدي واسمعني زين."
جلس سالم وقد ازداد قلقه فقال وهدان.
"دلوجت عدة مرات أخوك خلصت وأديك شايف عمك وابنه مصرين ياخدوها وانت خابر إني مجدرش اقعد يوم واحد بعيد عن ولاد عامر، وعشان إكدة أني طالب منك انت تتجوزها."
شعر سالم بالاحراج من والده نعم لقد أخبره عن ذلك القرار من قبل لكنه لم يقبل لأجل زوجته كما إن ليل هي بمثابة أخته الصغرى وأرملة أخيه ورفعت ليل عنه ذلك الحرج فلما يفتح والده معه ذلك الأمر مرة أخرى.
"بس انت جولت انها رفضت."
"بس اجنعتها دلوجت يا ولدي ووافجت."
اخفض سالم رأسه لا يجد ما يقوله فتابع وهدان.
"بس هي طلبت انه يكون چواز على الورج وخايفة يكون عليها وزر وعشان إكدة جيتلك عشان ترفعه عنيها وتاچي بنفسك معاي تجولها إنك موافج على جرارها وإنك بتعفيها عن حجوجك كزوج لها."
ارتاح سالم بذلك القرار وفي نفس الوقت رفعت من شأنها أمامه لذا رد بثبوت.
"واني كمان ببريها من أي حج خلينا نروح دلوجت ونخلص كل حاجة مع عمي تحت."
ربت وهدان على كتف ولده وقال بفخر.
"طول عمرك راچل يا سالم وكلمتك سيف يجطع في الحج ميهابوش."
امسك سالم يد والده يقبلها ورد بصدق.
"احنا ولاد الحچ وهدان وكيف ما ربانا طلعنا، ربنا يطولنا في عمرك."
دلف وهدان مع ابنه فسأله حمدان أخيه.
"اومال فين ليل انا بجالي ساعة مستنيها ومنزلتش ولا ردت عليا."
رد وهدان بتروي.
"ليل باجية معانا يا حمدان لإن سالم رافض مرات أخوه وولاده يخرچوا برات دارهم."
تحدث حامد أخيها باندهاش يشوبه بعض الحدة.
"كيف ده يا عمي وانت سيد من يفهم في الأصول؟"
تطلع حمدان إلى ولده كأشارة منه للصمت فالتزم به حامد دون جدال.
تطلع حمدان إلى أخيه وسأله رغم أن الأمر واضح أمامه لكنه أراد أن يسمعها بوضوح.
"كيف ده يا أخوي."
"سالم رايد يتچوزها ويربي بنات أخوه في حضنه وهو أولى بيهم يا حمدان."
تطلع إلى سالم يبحث عن اي ضيق او استياء من ذلك القرار لكنه لم يجد سوى رضا منه.
فسأله بمغزى.
"أفهم من إكدة إن چوازك منيها عن اقتناع يا ولد أخوي ولا ده تقضية واجب لجل ولاد أخوك."
علم سالم بما أراد عمه الوصول إليه ويعلم إن أخبره بحقيقة الأمر سيرفض تلك الزيجة لذا كان عليه أن يكذب رغم صعوبة ذلك لكن انتشله من ذلك صالح أخيه.
"لا يا عمي، الدين بيرفض الچواز المشروط وانا خابر زين إن لا أخوي ولا بنت عمي يعملوا إكدة."
لم يصدق حمدان حديثهم لأنه يعلم ابنته جيدًا ويعلم بأنها لن تقبل أن تكون لرجل آخر بعد زوجها عامر لكن إن أرادت ذلك فلتفعل ما تريد.
"على خيرة الله."
تطلع إلى حامد.
"شيع حد يچيب المأذون يا ولدي."
رد وهدان.
"اني هبعت حد من الرچالة اللي برة يچيبه."
"عسران."
دخل احد الرجال وهو يسرع الخطى.
"امرك يا حچ."
"روح بسرعة هات الحچ منصف وخبره أنه هيكون فيه كتب كتاب."
أومأ الرجل بطاعة.
"حاضر مسافة الطريج."
❈-❈-❈
بعد انتهاء عقد القران دلف حمدان غرفة ابنته فوجدها جالسة على الأريكة تبكي في سكون.
فقط دموع تتساقط بلا توقف.
آلمه قلبه على حالها ويعلم تمام العلم أنها غاضبة منه.
لكنها لا تعلم أنه أب وهي ابنته ومدللته التي يخشى عليها من نسمات الهواء.
"مش هتجومي ترحبي بأبوكي يا بنت أبوكي؟"
مسحت دموعها وأخذت نفس عميق تهدئ به من روعها وتمتمت بعذاب.
"البيت بيتك يا يابا."
تقدم ليجلس بجوارها وقال بعتاب.
"البيت بيتي كيف وانتِ رافضة تبصيلي حتى."
تنهد بتعب.
"يا بنتي انت خابرة زين معزتك عندي وخابرة زين إني مش بجدر اتحمل دمعة منيكي بس كان لازمن أعمل إكدة لإن دي الأصول. مينفعش يا بنتي تعيشي في البيت إكدة صدجيني انتِ اللي هتتعذبي وانتِ شايفة كل واحدة فيهم بتحاجي على چوزها منيكي."
تطلعت إليه بعتاب.
"على أساس إن اللي عملته ده مش هيخلي مرات سالم تخاف مني؟"
"عشان إكدة طلبت منك تهملي الدار وتعيشي معززة مكرمة في بيت ابوكي وبناتك هيتشالوا على الراس من فوج."
"مينفعش يابا لأن عمي روحوا فيهم وهما اللي بيعوضوه عن غياب عامر مينفعش أبدًا أحرمه منيهم، خلاص اني اتجوزت سالم و عمي وعدني انه هيجلتزم بكلمته."
"خلاص يا غالية اللي تشوفيه ووقت ما تحتاچيني من غير ما تنادي هتلاجيني جدامك."
ابتسمت ليل رغم حزنها فربت والدها على كتفها بحنو ثم تركها وخرج.
لن يقلق عليها بعد الآن فهي حقًا بين يد أمينة هي وبناتها.
رحل حمدان وولده وتطلع وهدان إلى ابنه الذي ظهر الشرود عليه.
ولما لا وقد علمت زوجته وحبيبته الآن أنه خانها وتزوچ غيرها حتى لو كان صورياً.
ربت وهدان على كتفه وقال بمغزى.
"اطلع يا ولدي ريح حالك بس جبل ما تطلع أكد وعدك عشان تريح وترتاح."
أومأ سالم وانسحب بهدوء من المضيفة التي شاهدت أصعب موقف مر عليه بعد موت أخيه.
ولم يكن حال وهدان افضل من حاله وهو يرى الدنيا تثقل كاهله يومًا بعد يوم بسبب جرم اقترفه يومًا وأخفاه عن الجميع.
فإلى متى سيظل طي الكتمان.
❈-❈-❈
جذبت ليل الغطاء على طفلتيها بعد أن غفوا أخيرًا بعد وصلت نحيب يطالبون فيها بعودة أبيهما.
ولصغر سنهم لم يستوعبوا بعد معنى الجنة التي احتوت أبيهم الذي قتل غدرًا.
بل أصبحوا يبغضونها لأنها أخذت والدهم منهم ولم يتقبلوا أنها منزلة لا ينولها إلا من يستحقها عن جدارة.
طرق الباب فجذبت ليل حجابها تضعه حول رأسها وذهبت لتفتح الباب فتتفاجئ بسالم ابن عمها وأصبح الآن زوجها يقف قبالتها.
لكن كعادته يغض بصره ما ان تظهر أمامه سواء زوجات أخيه أو أي أمرأة لا تحل له.
"كيفك يا مرات أخوي."
اهتزت نظراتها رغم أنه بث الاطمئنان بداخلها بكلمته لكن مجيئه في ذلك الوقت خاصة علمت أن وراءه أمر ما فردت بتلعثم.
"بخير يا ابن عمي."
طمئنها سالم أكثر.
"أني چاي في كلمتين وماشي وحجك عليا لو كنت جلجتك."
رفع عينيه كي يرى وقع كلماته عليها.
"انتِ لساتك في المكانة اللي حطيتي نفسك فيها من يوم ما بجيتي مرات أخويا الله يرحمه ومهما حوصل مفيش حاچة هتغير المكانة دي."
"أني چاي بس ابريكي من أي حجوج إلا حج إني أخوكي الكبير وأبو بناتك غير إكدة مفيش حاچة اتغيرت."
"ومن النهاردة مكانتك هتكون أعلى بكتير وراحتك وراحت البنات أهم من راحتنا كلنا."
"خابر زين ان بناتنا أصيلة وتتاجل بالدهب بس اللي عملتيه ده رفع من شأنك عندينا أكتر."
لم تسعد ليل بذلك الاطراء فتمتمت بارتباك.
"اني معملتش حاچة للي بتجوله ده.."
قاطعها سالم بثقة.
"لأ عملتي ورديتي الروح في أمي وأبويا اللي كانت روحهم متعلجة بولاد عامر اللي لو وفجتي عمي وهملتي الدار بيهم الله اعلم ايه اللي كان ممكن يچرالهم."
تنهد وتابع.
"على العموم زي ما جولتلك ان حجي الوحيد عليكي إني أخوكي الكبير ووجت ما حد يمسك بكلمة خبرينى وانا أجيبلك حجك وحج بناتك حتى لو من ولدي نفسه، يلا تصبحي على خير."
أومأت له بصمت وقررت أن تبقى لأجل بناتها.
❈-❈-❈
في غرفة سالم.
دلف سالم غرفته فيجدها جالسة على الفراش في سكون تام.
هو يعلم جيدًا بأنها تعاني ويلات ما يحدث.
فمازالت تظن بأنهم يحملوها ذنب مقتل ابنهم على يد عائلتها.
ورغم أن الجميع لم يوجه إليها كلمة واحدة إلا أنها تتوارى منذ ما حدث لا تريد أن تخرج من غرفتها وترى أعين تنظر إليها بعتاب حتى وإن كان مخفيًا.
فكيف لها أن ترفض زواج زوجها من أرملة أخيه الذي قتل على يد عائلتها.
شعر سالم بآلامها ومع ما تعانيه تلك الحبيبة التي حارب الكون لأجلها فتقدم منها ليجلس بجوارها ويتمتم بصوته الرخو عندما اخفضت عينيها.
"اهون عليكي تحرميني من الطلة في عنيكي اللي بترد فيا الروح وجت ما بشوفها؟"
ظلت على وضعها لا تستطيع النظر إليه ولا إلى عتابه.
فمن يعاتب من؟
رفع وجهها إليه بأنامله وأجبارها على النظر بعينيه الحانية.
"خابر إنك زعلانة ومضايجة من اللي حوصل بس صدجيني غصبت عنينا…"
قاطعته ورد بصوت معذب.
"بس اني مليش حج ازعل من حاچة الوضع اللي انتو فيه ده سببه أهلي….."
قاطعها سالم بدوره لكن صوته يحمل حدة حاول تخفيفها.
"أهلك هما احنا ملكيش أهل تاني وده اللي جولنا واتفجنا عليه وجت ما هملتيهم ودخلتي دارنا."
حاوط وجهها بكفيه وتابع بلهجة خفت حدتها وحل محلها جدية.
"ورد أني مش كل شوية هعيد الكلمتين دولانتي بجيتي من الرفاعية من وجت ما شوفتك ودخلتي جلبي والجدر نصفنا واتچوزنا، وانتي خابرة زين إن الكل إهنه بيحبك وبيعتبرك واحدة منينا بلاش انتي تعيشي حالك بعذاب على الفاضي."
هزت راسها بنفي.
"بس الضربة المرة دي كانت تجيلة جوي."
رد سالم يهون عليها.
"واللي عمل إكدة اخد جزاءه، واخدنا بتاره بالج منانون، صحيح كنا رايدين ناخد تاره بادينا بس الحكومة اللي لحجته منينا وفي الاخر نصفتنا وبردت نارنا."
قطع حديثه عندما وجدها تخفض جفنيها وقد فهمت من كلامه بأن أخيها تم الحكم عليه.
لم يجد الكلمات التي يخفف بها عنها وخاصة عندما وجدها تحاول كبت دموعها.
لذا أخفى وجهها في صدره وكأنه بذلك يسمح لها بالبكاء.
لن يلومها فتلك الدماء التي تجري بأوردتها مهما حاولت لن تصير ماء.
فتركها تبكي على صدره تلتمس منه العزاء.
فتظل طوال الليل تبكي حزناً وقهرًا على أنها لن تستطيع حتى أخذ عزاه.
❈-❈-❈
في الصباح الباكر.
مازالت تلك الدموع تتساقط دون هوادة وظلت ساهدة طوال الليل تجابه تلك الرغبة بأن تراه وتودعه قبل أن يحتضنه التراب.
تعلم بأن ما تنوي فعله لن يمر مرور الكرام لكن ماذا تفعل بقلبها الذي يئن ألمًا ويطالب برؤية ووداع أخيها.
رفعت عينيها لتنظر إلى سالم الذي غفى أخيرًا بعد أن ظل طوال الليل يخفف عنها.
ابتسمت بحزن لذلك العوض الجميل والذي لم يحزنها يومًا بل ظل طوال فترة زواجهم يتفنن في إسعادها.
تسللت بروية من بين ذراعيه واخرجت وشاحها الأسود وأخفت به وجهها قبل أن تخرج من الغرفة وتغلق الباب بهدوء كي لا يشعر بها ذلك الذي ظنته نائمًا ولم يشعر بها.
❈-❈-❈
في منزل فايد التهاميكان الصمت للرجال هو سيد الموقف عندما تقدمت السيارة من بوابة المنزل الكبير وقد أصطف الرجال على الجانبين إلا من ذلك الذي يقف أمام البوابة الداخلية.
ينظر إلى تقدم السيارة حتى توقفت أمامه.
لم يحرك ساكناً وانتظر تقدم أولاده عندما انفتح الباب الخلفي للسيارة وقاموا بحمل ذلك النعش الذي قسم قلبه نصفين لكنه ظل ثابتًا.
مسيطرًا على وضعه عندما تقدم أولاده بالنعش واقفين به أمامه.
توقفت عيناه على الذي احتوى جسد ابنه فيشرب من نفس الكأس الذي سقاه لغيره من قبل.
وتساءلهل انقسم قلبه لنصفين كما انقسم قلبه هو؟
هل انشق صدره بلا رأفة كما حدث معه الآن؟
هل تحجرت الدموع بعينيه كما تحجرت بعينه هو حتى تكاد تصيبه بالعمى؟
هل ظل ثابتًا متظاهرًا بالقوة أم رأف حاله به وترك لنفسه ولدموعه العنان؟
لم تعد تلك العصاه تتحمل ثقله وخذلته حينما كادت تهوى به على الأرض لولا يد ابنه.
"اجمد يابا انت كبير التهامية وكبير التهامية ميجعش واصل."
بأعين واجمة تطلع فايد إلى إبنه فرآى فيهما إصرار يعرفه جيدًا.
فقد عاشه يومًا في مقتبل عمره.
لكن وقتها لم يكن يملك ما يخشى عليه.
لكن الان لديه الكثير.
ولن يواصل تلك المعركة الخاسرة لأجلهم.
سمح ليد ابنه أن تأخذه للداخل وخلفه ابنه المحمول على أكتاف رجال العائلة.
بدأ النواح من نسوة العائلة ولم يستطيع أحد من الرجال ردعهم.
صرخات وآلام.
وحقد أيضًا يلتهم ذلك القلب القاسي والذي لا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلاً.
كانت الشمس حارقة، لكن البرودة كانت تسري في عروق ذلك الصغير الذي لم يتعد عمره عشرة أعوام.
كان يقف وسط جمع غفير من الرجال الذين ارتدوا السواد، وجوههم متجهمة كصخور الجبل، وهمساتهم كحفيف أوراق الشجر اليابسة.
كان الحقد يلتهم كل القلوب القاسية التي لا تعرف الرحمة إلى قلبها سبيلاً.
وفي المقابل، كانت هناك عيون بريئة، عيون جاسر الصغيرة، التي لا تعرف سبباً لكل ذلك سوى أن أباه قد مات.
مات بعد غياب استمر لأربعة أشهر، غياب قيل له فيه إن والده في رحلة عمل طويلة.
كلما سأل عنه، كان يجيبه عمه صخر بأن والده "سقط في جحر الثعالب".
وعندما سأل جدته عن معنى ذلك، كانت تخبره بصوت مرتعش بأن "جحر الثعالب" هو سكن "الرفاعية".
اليوم، عاد والده لكنه لم يعد ماشياً على قدميه، بل عاد محمولاً في صندوق خشبي مغلق.
تقدم ذلك الصغير بخطوات مترددة من ذلك النعش، قلبه الصغير يخفق برعب وفضول.
أراد أن يرى والده، أن يتأكد أنه هو لكن الصندوق كان مغلقاً بإحكام.
"رايد تشوف أبوك؟"
جاء الصوت من خلفه، صوت يعرفه جيداً ويهابه أكثر من أي شيء.
صوت عمه صخر.
اهتزت نظرات جاسر حينما مال عليه صخر، وتابع بصوته الذي يشبه فحيح الأفعى، وهو يضع يده الثقيلة على كتفه الصغير.
"شوفه زين... لأنها آخر مرة هتشوفه فيها."
أشار صخر لأحد الرجال، فتقدم وفتح الغطاء عن النعش ببطء.
حبس جاسر أنفاسه كان والده مستلقياً بالداخل، وجهه شاحب ومائل للزرقة، وعيناه مغلقتان كأنه نائم، لكنه نوم لا استيقاظ بعده.
لم يكن هناك أثر لجرح أو دم، لكن هالة الموت كانت تحيط به.
مال صخر أكثر، وأصبحت همساته السامة تنفث مباشرة في أذن الصغير.
"الرفاعية حرموك منيه، وحرموه منك. وهو كانت أمنية حياته يشوفك بتكبر جدام عنيه."
"هما اللي قتلوه يا جاسر خدوه من وسطينا، وحكموا عليه بالموت، ورموه في السجن زي الكلاب، وفي الآخر... عدموه."
كانت كلمة "عدموه" ثقيلة ومرعبة، لم يفهم جاسر معناها بالكامل، لكنه فهم أنها تعني أنهم أخذوا حياة والده عمداً.
أكمل "صخر" بنفس النبرة الحاقدة.
"ملي عينيك منيه زين اشبع من شوفته جبل ما يهملك ويهملنا كلنا ويروح تحت التراب شوف عشان الصورة دي متفارجش خيالك أبداً. شوف عشان لما تكبر، تاخد بتار أبوك من كل واحد فيهم، من كبيرهم لصغيرهم."
كان جاسر ينظر إلى وجه أبيه الهادئ، ثم إلى وجه عمه الملتوي بالحقد، وعقله الصغير يحاول أن يستوعب.
وقال بصوت طفولي مرتعش.
"بس... بس أبوي مبيقتلش حد."
ضحك "صخر" ضحكة قصيرة خالية من المرح.
"أبوك كان راجل يا جاسر والرجالة بتدافع عن شرفها هما اللي استفزوه، هما اللي قتلوا جدك قبله، وأبوك خد بتاره. بس هما حكومتهم قوية، وقدروا ياخدوه بالحيلة والجانون الظالم بتاعهم."
"هما اللي بدأوا، وإحنا اللي لازم ننهي."
وضع صخر يده تحت ذقن جاسر ورفع وجهه ليجبره على النظر إليه.
"من النهاردة، مفيش لعب، مفيش صحاب، مفيش طفولة من النهاردة، إنت الراجل اللي هياخد بتار "التهامية". هتتعلم تمسك السلاح، وهتتعلم تبقى جاسي، وهتتعلم إن قلبك ده لازم يبقى حجر."
"الرفاعية لازم يدفعوا التمن. ووعد عليا لخليك إنت اللي تاخد التمن ده بإيدك."
نظر جاسر مرة أخرى إلى جثة والده، ثم إلى عيني عمه المشتعلتين.
في تلك اللحظة، مات شيء بداخل الطفل.
ماتت البراءة، ومات الخوف، وحل محلهما بذرة سوداء من الكراهية، بذرة زرعها صخر بمهارة، ورواها بكلماته السامة.
لقد فهم جاسر درسه الأول في مدرسة الحياة القاسية.
فهم أن العالم ليس مكاناً للضعفاء، وأن العدالة لا تأتي، بل تُنتزع.
وفي ذلك اليوم، أمام نعش والده، أقسم قسماً صامتاً، قسم طفل لا يفهم أبعاد كلماته، لكنه يشعر بثقلها.
أقسم أن يكبر، وأن يصبح قوياً، وأن يجعل "الرفاعية" يندمون على اليوم الذي ولدوا فيه.
❈-❈-❈
اهتزت نظراتها وتلعثمت خطواتها عندما اقتربت من منزل عائلتها، ذلك الحصن الذي تركته مرغمة منذ اثني عشر عاماً.
كل حجر فيه، كل شجرة في حديقته، كل نافذة مغلقة، كانت تحمل ذكرى وتنبض بحياة قديمة.
كانت تعود إليه اليوم ليس كا إبنة، بل كغريبة، كشبح أتى من الماضي ليشارك في عزاء، ليلقي نظرة وداع أخيرة على أخيها.
دلفت من البوابة الخلفية الحديدية التي أصدرت صريراً خافتاً كأنها تتذكرها وتئن لعودتها.
توارت عن الأنظار، وسارت بمحاذاة الجدران، وقلبها يخفق بعنف مع كل خطوة.
كان المنزل يعج بالنساء اللواتي ارتدين السواد، أصوات بكائهن ونواحهن المكتوم تختلط مع تلاوة القرآن القادمة من مضيفة الرجال.
استطاعت أن تختبئ بين تلك الجموع، وجهها مغطى بطرحتها السوداء، عيناها تبحثان عن وجه واحد فقط بين كل هذه الوجوه الحزينة.
وجدتها.
كانت تجلس في قلب دائرة النحيب، على الأرض، امرأة قد حفر الزمن والتعب خطوطه على وجهها، وهدّ الحزن كاهلها.
كانت تلك المرأة التي تندب على رأسها بخفة، وتنوح بكلمات غير مفهومة، همهمات ألم كأنها تنعي مصابها وتسترجع كل مصائب عمرها في هذه الجلسة.
كانت والدتها.
شَعرت ورد بحنين جارف يأخذها إليها، رغبة ملحة بأن تخترق كل هذه الحشود وتلقي بنفسها داخل أحضانها الدافئة، تلك الأحضان التي كانت ملجأها وأمانها.
أرادت أن تعوض ذلك الفقد الذي لازمها طوال اثني عشر عاماً من الغربة والوحشة.
تقدمت منها بخطوات بطيئة، كأنها تسير في حلم.
تجاوزت النساء الجالسات، ولم يلتفت إليها أحد، فكلٌ غارق في حزنه.
جلست أسفل قدمي والدتها، وضعت رأسها على ركبتيها، ودموعها التي حبستها طويلاً انهمرت أخيراً من عينيها، دموع اشتياق وحزن وندم.
لم تستطع أن تنطق سوى بكلمة واحدة، كلمة كانت تختصر كل حكايتها.
"أمّاي..."
كانت الكلمة كهمسة، لكنها اخترقت ضجيج النواح ووصلت إلى قلب الأم.
توقفت المرأة عن النحيب فجأة، وتجمد جسدها.
لقد فارقها هذا الصوت منذ أعوام، لكنه ظل محفوراً في ذاكرتها، في أحلامها، وفي كوابيسها.
رفعت رأسها ببطء شديد، بتردد دام للحظات بدت كأنها دهر.
كل ثانية من هذا التردد كانت تنعش الأمل في قلب ورد.
"ستعرفني، ستحتضنني، ستغفر لي".
لكن الأمل لم يدم طويلاً.
التقت الأعين.
عيون الابنة المليئة بالدموع والرجاء، وعيون الأم التي كانت جافة وقاسية كصخرة.
تطلعت الأم إلى وجه ابنتها في وجوم تام، وجوم جليدي أخمد كل دفء في قلب ورد.
لم تكن نظرة شوق، ولا حتى نظرة عتاب.
كانت نظرة غريبة، باردة، تحمل اتهاماً صامتاً.
ثم، تحركت شفتاها، وقالت من بين أسنانها، بصوت حاد كشفرة سكين.
"ليكي عين تاچي إهنه يا فاچرة؟"
سقطت الكلمة على ورد كالصاعقة. "فاجرة".
لم تكن تتوقع العتاب، اللوم، حتى الضرب.
لكن هذه الكلمة... هذه الكلمة جردتها من كل شيء.
تجمعت العبرات في عينيها مرة أخرى، لكنها هذه المرة كانت عبرات انكسار وخذلان.
تمتمت بصوت مبحوح، متشبثة بآخر خيط من الأمل.
"أمّاي... أنا وردة... بنتك."
نظرت إليها الأم نظرة أخيرة مليئة بالقسوة والازدراء، ثم أشاحت بوجهها إلى الناحية الأخرى، وعادت إلى نواحها، لكن هذه المرة بصوت أعلى، كأنها لم تعد تنعي ابنها الميت فقط، بل أصبحت تنعي ابنتها التي عادت من الموت لتدنس حزنها، وتذكرها بعارها الذي لم يمت.
لم تيأس ورد ولامست يد والدتها لكنها نهرتها وهي تدفعها من أمامها.
"متجوليش أماي أني مليش بنات، امشي غوري من اهنه."
اعتدلت ورد وتطلعت إليها برجاء.
"لجل خاطر ربنا ياأما خليني اشوف أخوي."
اندفعت والدتها لتجذبها من ملابسها وتصيح بها.
"أخوكي ده اللي مات على يد ولاد الرفاعية اللي رميتي نفسك في حضنهم، امشي من إهنه مش عايزة اشوف وشك."
جذبتها للخارج بقسوة ولم تبالي برجاء ابنتها برؤية أخيها حتى وصلت بها للباب الخلفي فتلقي بها وهي تقول بهدر.
"روحي عند الرفاعية اللي جتلوا أخوكي واتذلي ليهم غوري يلا."
سقطت ورد على الأرض وهي تتألم من تلك السقطة والإهانة التي شعرت بها أمام نساء العائلة.
وكل واحدة منهم تتهامس مع الأخرى.
لملمت شتات أمرها ونهضت وهي تشعر بألم حاد في قدمها اليسرى.
"في إيه ياأماي؟ ايه الدوشة دي؟"
اتسعت عين ورد بصدمة كبيرة عندما سمعت صوته مما جعل قلبها يهدر بعنف عندما وجه نظره إليها.
كما حال والدتها الجمته الصدمة للحظات لكنها لم تأمل منه شيء.
فقد أقسم يومًا إن رآها هنا سيقوم بقتلها دون أن يرف جفنه.
هل جاء ذلك اليوم أم أن للقدر رأيٌ آخر.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثاني 2 - بقلم رانيا الخولي
انتفضت بخوف عندما وجدته يخطو تجاهها بخطوات تحمل شر الدنيا بأكملها.
ومع كل خطوة تقربه منها ينقبض قلبها أكثر حتى شعرت بروحها تزهق من شدة الرعب.
لم تستطع قدماها حملها ولم يتسن لها الهرب للعودة إلى منبع أمانها.
أخذت تزحف للوراء وهي تهز رأسها بلا وعي.
سيقتلها اليوم دون شفقة ولا رحمة، هكذا أخبرها يومًا، وكانت تعلم جيدًا بأنه لن يتراجع.
هزت رأسها بضياع وأخذت ترتد زحفًا للوراء والجميع يشاهد ما يحدث في صمت ينتظر ما سيقوم به ذلك الصخر.
والذي لاقى اسمه بقلبه الذي لم يعرف اللين يومًا.
وكلما تقدم منها خطوة كلما زادت ضربات قلبها هلعًا.
ليس خوفًا على نفسها بل خوفًا على حبيبها الذي سيحرق الأخضر واليابس إن حدث لها شيء.
كانت تنظر إليه تستجدي عفوه لأجل أولادها، لكن ازدادت عيناها اتساعًا عندما وجدته يضع يده في جلبابه ليخرج سلاحه.
فتصرخ رعبًا عندما مال عليها يمسكها من تلابيبها ويشهر سلاحه في رأسها وهو يتمتم بفحيح الأفعى.
"أخيرًا چاه اليوم اللي استنيته اتناشر سنة بحالهم، ودلوجت هخلص عليكي واتاوي عارك اللي وصمتينا به طول السنين دي؟"
رمقته ورد بنظرة استعطاف وهي تتمتم برجاء يهز الحجر.
"أرچوك يا خوي...."
قاطعها بهدر وهو يقرب فوهة السلاح من رأسها.
"إخرسي، إني مليش أخت فاچرة زييكي، اللي زيك مينفعش تعيش على الدنيا ثانية واحدة. لازم اتاوي عارك عشان نمشي رافعين راسنا في البلد بعد ما دفنتيها في الطين."
ترك تلابيبها وأمسكها من عنقها يضغط عليه بكل ما أوتي من قوة وتابع بحقد أعمى وهو يرى روحها تزهق أمامه.
"هحصر ابن الرفاعي عليكي وهجتل ولاده واحد ورا التاني لحد ما أقضي على نسلهم."
أطاح بها على الأرض ونهض شاهرًا سلاحه بعد أن شد أجزاءه، فيصدر صوتًا مدويًا بطلقات متتالية جعلت الجميع يلتفت لمصدرها.
***
انتفض من في المنزل على صوت الرصاص القريب منهم.
فانقبض قلب حسنة برعب من توالي تلك الأصوات.
تطلعت إلى وهدان الذي كان واقفًا يرتدي عمامته وسألته بخوف.
"الصوت دي چاي منين؟"
أخذ عصاه وفتح الباب قائلاً.
"يظهر إنه من الناحية الجبلية."
خرج من الغرفة فيجد حامد ولده يخرج بدوره والقلق ينهشه.
"في ايه؟"
"متجلجش يا حچ، الصوت چاي من عند التهامية."
لم يرتاح قلب وهدان من تلك القبضة التي انتابته فتنطلع إلى غرفة سالم وسأله بشك.
"أخوك فين؟"
نظر حامد للغرفة المجاورة له ورد.
"أكيد في اوضته."
"خبط عليه."
أومأ حامد ودنى من الباب ليطرقه لكن ما من مجيب.
مما جعل وهدان وحسنة ينقبض قلبهم أكثر.
"خبط تاني يا ولدي."
أعاد حامد الطرق لكن لا فائدة فتقدمت حسنة تقتحم الغرفة بلهفة، فيلتاع قلبها أكثر وهي تراها فارغة.
خرجت وهي تقول برعب.
"الحج يا وهدان ولدك مش اهنه."
نظر وهدان إلى حامد وقال بأمر.
"ثواني والاجي رجالة العيلة كلها جدامي."
***
كانت كلمة فاچرة لا تزال ترن في أذني ورد كصفعة مدوية، عندما انشق سكون الفناء الخلفي بصوت انفجار عنيف.
"ارفع يدك عنيها!"
لم يكن صوتًا، بل كان زئيرًا.
زئير أسد جريح اقتحم عرين أعدائه.
كان سالم واقفًا عند البوابة الخلفية، جسده صلب كالصخر، وعيناه تقدحان شررًا، بينما فوهة سلاحه لا تزال ينبعث منها دخان خفيف، دليلاً على الطلقة التحذيرية التي أطلقها في الهواء، معلنًا وصوله.
ردت الروح إلى ورد فور رؤيته.
لقد جاء.
جاء منقذها وملاذها، لكن فرحتها لم تدم طويلاً.
في خطوتين واسعتين، كان سالم قد وصل إليها، وجذبها بقوة خلف ظهره، ليصبح هو الدرع الذي يفصلها عن هذا العالم القاسي.
تطلعت عيون صخر إلى سالم بكل الحقد الذي ورثه وتغذى عليه طوال حياته.
ابتسامة شيطانية ملتوية ارتسمت على شفتيه وهو يرفع سلاحه ببطء، مستمتعًا باللحظة.
"ليك عين تاچي اهنه يا ابن الرفاعية؟ يبجى إنت اللي چيت لجضاك برجليك."
قبل أن يتمكن سالم من الرد، اندفعت ورد من خلفه، ووقفت أمامه، فارشة ذراعيها كأنها تحاول حماية جسده الضخم بجسدها النحيل.
صاحت بفزع ورجاء، ودموعها تغرق وجهها.
"لا يا خوي! الله يرضى عليك... اجتلني اني بداله! هو ملوش صالح!"
تجمعت الرجال على صوت الطلقة والصراخ، يهرولون من كل اتجاه، وفي مقدمتهم فايد الذي تجمد في مكانه للحظة، يتطلع إلى المشهد الذي أمامه بصدمة لا توصف: ابنته التي اعتبرها ماتت، تقف لتحمي عدوه اللدود، سالم الرفاعي، الذي يقف في قلب بيته شاهراً سلاحه، وأمامهما ابنه صخر يستعد لإراقة الدماء.
صاح فايد بصوت هادر، محاولاً استعادة السيطرة.
"ايه اللي بيحوصل اهنه؟!"
التفت صخر إلى والده، وعروق رقبته نافرة من الغضب.
"الفاچرة دي چاية تشمت في موت أخوي يا بوي! وابن الجاتل اللي جتل عمي چاي يتحامى فيها وفي عزانا!"
نحّى سالم ورد من أمامه مرة أخرى بقوة، وتقدم خطوة، ليصبح وجهًا لوجه مع صخر، فوهات أسلحتهما تكاد تتلامس.
صاح سالم بغضب أعمى.
"أنا مش بتحامى في الحريم يا ولد التهامي! ولا عمري لجأت لحماية من أي حد! أني چاي أجطع اليد اللي انمدت على مرتي... حتى لو كان أخوها!"
رد صخر بضحكة ساخرة ومريرة.
"احنا ملناش حريم عندكوا! اختنا ماتت من زمن واخدنا عزاها! دي واحدة فاچرة من عندك، چاية ترمي نفسها علينا عشان تكسرنا في يوم حزننا!"
في تلك اللحظة، تحولت عينا سالم إلى جمرتين من نار.
لم يعد يرى شيئًا سوى فم صخر الذي ينطق بهذه الإهانة.
"كلمة تانية... وهجطع لسانك الوسخ ده يا... وارميه لكلابك!"
"بسسسس!"
كان صوت فايد كالسوط، قاطعًا، وآمرًا.
تقدم منهم، وتجاهل ابنه تمامًا، وصب كل سخطه في نظراته لابنته التي انكمشت خلف سالم ثم نقل بصره إلى سالم، وسأله بنبرة تحمل شرًا قديمًا.
"چاي اهنه ليه؟"
بادله سالم نظرات الشر ذاتها، نظرات لا تعرف الخوف.
"چاي آخد اللي ليا لا أكتر ولا أقل."
ساد صمت ثقيل، مشحون بالترقب والتهديد.
كان فايد ينظر إلى ابنته التي أخفت وجهها بالكامل في كتف سالم، الذي احتواها بذراع واحدة بتملك واضح، كأنه بذلك يرسل لهم رسالة صامتة: "هي ملكي، وأنا ملاذها الوحيد الآمن".
أخيرًا، نطق فايد بقراره، وكل كلمة كانت تقطر سمًا.
"خدت اللي ليك... يبجى اتفضل من اهنه. ولولا إنك في داري، كان زمانك محصّال أخوك."
نظر إليهم سالم بسخرية لاذعة، وهو يبدأ في التراجع ببطء، ساحبًا ورد معه.
"المرة اللي فاتت، سيبنا الحكومة هي اللي ترد... وللأمانة مجصّرتش معانا. بس المرة الچاية... مهيكونش فيها حكومة، ومش هنخلّي واحد منيكم عايش على وش الدنيا."
أنهى كلمته الأخيرة كأنها حكم نهائي، ثم استدار بالكامل، وهو يجذب ورد ويخرج من الباب الخلفي، ظهره لهم كان قمة التحدي والثقة.
لم يقبل صخر بذلك الرضوخ المهين.
صرخ بغضب وهو يهم برفع سلاحه ليطلق النار على ظهر سالم الغادر... لولا أن جسد فايد الضخم قد ترنح فجأة، وسقط على الأرض فاقدًا للوعي.
"أبوي!!"
صرخ صخر وألقى سلاحه جانبًا.
انشغل الجميع بالإسراع نحو فايد، يحاولون إفاقته، ثم حمله إلى الداخل.
أما في الخارج، فقد خرج سالم بزوجته التي ما زالت تخفي وجهها في صدره، ترتجف من هول ما حدث، ولم ترَ، ولم تعلم، أن والدها قد سقط أرضًا في اللحظة التي اختارت فيها زوجها على عائلتها.
***
انطلقت السيارة بعيدًا عن بيت "التهامية"، تاركة خلفها غبارًا من الذكريات المؤلمة والمواجهات القاسية.
في الداخل، كان الصمت أثقل من الرصاص.
صمت مشحون بالغضب المكتوم، والخوف الصامت، والأسف الذي لا يُنطق.
ظل سالم طوال الطريق ملتزمًا الصمت، قبضتاه مشدودتان على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصله، وعيناه مثبتتان على الطريق أمامه بتركيز حاد، كأنه يخشى أن يزيح بنظره ولو لمليمتر واحد في اتجاهها.
لم يكن يريد حتى النظر إليها، ليس كرهًا، بل خوفًا.
خوفًا من أن تضعفه دموعها، أن ينهار سد الغضب الذي بناه حول قلبه في اللحظة التي يرى فيها انكسارها.
لقد أخطأت.
أخطأت خطأً فادحًا عندما خرجت دون علمه، عندما ألقت بنفسها في عرين الأفاعي وحيدة.
لن يمر هذا مرور الكرام، هذا ما كان عقله يصرخ به.
يجب أن يكون هناك حساب، درس، عقاب، لكن ليس الآن.
ليس وهي في تلك الحالة.
كان يسمع صوت شهقاتها المكتومة بجانبه، يرى طرف طرحتها يرتجف مع كل شهقة، وكل شهقة كانت بمثابة سكين يغرس في قلبه.
كيف يعاقبها وهي تعاقب نفسها بالفعل؟
كيف يتفوه بكلمة لوم واحدة أمام تلك الدموع التي تكوي روحه بلا رحمة؟
كان يصارع رغبة جارفة بأن يوقف السيارة على جانب الطريق، أن يحتويها داخل أحضانه، أن يمسح دموعها بأنامله ويخبرها أن كل شيء على ما يرام.
لكنه لم يفعل.
كان غضبه موجهًا للعالم كله، ولها أيضًا.
غضب لأنها عرضت نفسها للخطر، وغضب لأنه كاد أن يفقدها.
ذلك المشهد... لن يمحى من ذاكرته مدى الحياة.
مشهد يد أخيها وهي تمتد نحوها بالإهانة، مشهد والدتها وهي تلفظها بكلمات سامة.
لقد رأى كل شيء من بعيد قبل أن يقتحم المكان، وكم أراد في تلك اللحظة أن يقطع تلك اليد التي امتدت عليها، أن يمحو تلك الكلمات من وجودها.
لكن عليه التمهل قليلاً.
الغضب الأعمى يقود إلى الهلاك، أما الغضب البارد، المدروس... فهو الذي يحقق الانتقام.
ولن يمر ذلك دون عقاب.
هذا وعد قطعه على نفسه.
أما ورد، فكانت غارقة في عالمها الخاص من الألم.
كانت تجلس منكمشة على نفسها في مقعدها، تخفي وجهها بكفيها، وجسدها يرتجف.
لم تكن تبكي فقط بسبب قسوة أهلها، بل كانت تبكي أيضًا بسبب الخوف من صمت سالم.
صمته كان أشد إيلامًا من أي صراخ.
كانت تشعر بغضبه المنبعث منه كموجات حارقة تملأ السيارة.
"لقد أغضبته. لقد خذلته. خرجت دون إذنه وعرضته لهذا الموقف المهين."
كانت هذه الأفكار تدور في رأسها بلا توقف.
رفعت رأسها قليلاً، ونظرت إليه من خلال دموعها.
رأت وجهه المتجهم، فكه المشدود، وعينيه اللتين تشعان ببريق قاسٍ لم تره فيه من قبل.
شعرت بالأسف يلتهمها.
لم تكن تريد سوى أن ترى والدتها، أن تودع أخاها، لكنها جلبت العار والخطر لزوجها، الرجل الوحيد الذي وقف بجانبها.
أرادت أن تتكلم، أن تعتذر، أن تشرح.
لكن الكلمات كانت تموت في حلقها.
ماذا ستقول؟ "آسفة"؟
هل تكفي هذه الكلمة لمحو الإهانة التي تعرض لها في عقر دار أعدائه بسببها؟
همست بصوت مبحوح، بالكاد خرج من شفتيها.
"سالم..."
لم يلتفت.
لم يتغير أي شيء في ملامحه الحجرية.
لكنه سمعها فقط.
شد قبضته على عجلة القيادة أكثر، كأنه يمنع نفسه من الرد.
كانت هذه هي رحلتهما.
رحلة صامتة، كل منهما غارق في أفكاره، هو يخطط للانتقام ويصارع رغبته في مسامحتها، وهي تتألم من الخذلان وتخشى عواقب فعلتها.
كان الحب موجودًا، يطفو في الهواء الثقيل بينهما، لكنه كان مغلفًا بطبقات من الغضب، والغيرة، والألم، في انتظار اللحظة المناسبة لينفجر.
***
ما إن توقفت سيارة سالم أمام بوابة السرايا، حتى كان المشهد في انتظاره.
لم يكن والده وهدان وأخيه حامد وحدهما، بل كان معهما عدد من رجال العائلة المقربين، يقفون في ضوء المصابيح الخارجية، وجوههم متجهمة وملامحهم قلقة.
لقد وصل إليهم صوت إطلاق النار البعيد، وفي عالمهم، هذا الصوت لا يعني سوى شيئين: إما فرح أو شر.
والجو العام لم يكن يوحي بأي فرح.
ترجلت ورد ودلف بها سالم للداخل.
ينادي ليل التي هبت مع من في المنزل عندما رأوهم.
"كنت فين يا ولدي جلجتني عليك؟"
ربت على كتف أمه وقال بحنو.
"متجلجيش ياما مفيش حاجة."
"تطلع إلى ليل" وقال بوجوم.
"خديها اوضتها وخليكي چارها."
أومأت ليل وأخذت ورد وصعدت بها لغرفتها.
حاولت حسنة التحدث لكنه منعها.
"اچلي اي كلام دلوجت لحد ما اشوف الراچالة اللي برة وأرجعلك."
تقدم وهدان نحوه، ووقاره لم يمنع القلق من الظهور في نبرته.
"كنت فين يا سالم؟ وإيه ضرب النار اللي سمعناه ده؟"
نظر سالم إلى وجوه الرجال الواقفين، رجال عائلته الذين تركوا كل شيء وجاءوا ليقفوا في انتظاره، مستعدين لأي إشارة منه.
أخذ نفسًا عميقًا، وقرر أن يطفئ نار الفتنة قبل أن تشتعل.
رسم على وجهه قناعًا من الهدوء والثبات.
"مفيش يا حچ، متقلقوش. مرتي كانت بعافية شوية وكنا عند الدكتور."
تبادل الرجال نظرات سريعة وغير مقتنعة.
سالم لا يذهب إلى الطبيب في ذلك الوقت ويُسمع بعده صوت إطلاق نار.
لكنهم احترموا كلمته أمام الجميع.
أومأوا برؤوسهم، وبدأوا بالانصراف واحدًا تلو الآخر، تاركين الأمر لكبار العائلة.
لم يقتنع وهدان بحديثه للحظة.
انتظر حتى ابتعد آخر رجل، ولم يبقَ سواهم، هو وسالم وحامد أخيه، ثم اقترب من سالم خطوة، ونظر في عينيه مباشرة.
"ايه اللي حُوصل يا سالم... في بيت فايد التهامي؟"
لم يتفاجأ سالم بسؤال والده.
كان يعلم أن قناع الهدوء لن يخدعه.
مسح على وجهه بتعب، وكأن ثقل العالم كله قد استقر على كتفيه في الساعة الماضية.
تحدث بثبات، محاولاً إخفاء عاصفة الغضب التي تدور بداخله.
"مفيش حاچة يا حچ. ورد كانت رايدة تشوف أمها وتعزيها في أخوها... بس هما مجبلوش عزاها."
كانت إجابة مختصرة، لكنها كانت تحمل في طياتها عالمًا من الإهانة والألم.
ضغط وهدان على عصاه الخشبية بقوة.
"وضرب النار؟"
هنا، تردد سالم للحظة.
لم يرد أن يعرف والده أو أخوه تفاصيل ما حدث، لا يريد أن يصف كيف امتدت يد أخيها إليها، وكيف ردت عليها والدتها.
لا يريد أن يجرح كبرياء زوجته أكثر، أو أن يجعلها تشعر بالإحراج أمام عائلتها الجديدة.
لذا، قرر أن يخفي الجزء الأكثر إيلامًا من الحقيقة.
"مخبرش ده حوصل بعد ما مشينا. يمكن خلاف بينهم ولا حاجة."
خفض سالم عينيه وهو يقول جملته الأخيرة، وكانت هذه هي الإشارة التي التقطها وهدان على الفور.
هو يعرف ابنه جيدًا.
يعرف أن سالم عندما يخفي شيئًا، فإنه يخفض عينيه، كأنه لا يريد لكذبه أن يظهر فيهما.
أدرك وهدان أن ما حدث كان أعمق وأقسى بكثير، وأن ابنه يحاول احتواء الموقف وحماية زوجته.
لذا، قرر ألا يضغط عليه أكثر.
ربت وهدان على كتف ابنه بحنان أبوي وقوة.
"طيب يا ولدي. روح لمرتك وهون عليها، اللي زيها ملهاش غيرك دلوك."
أومأ سالم بامتنان صامت لوالده الذي فهمه دون كلمات، وانسحب دون أن يضيف شيئًا، متجهاً إلى الداخل، إلى زوجته التي تنتظره، وإلى المعركة الحقيقية التي ستبدأ الآن بين قلبه وعقله.
بقي وهدان وحامد واقفين.
التفت حامد إلى أبيه وقال بهدوء.
"هو مقالش الحقيقة يا بوي."
تنهد وهدان تنهيدة طويلة.
"خابر يا ولدي خابر زين، بس سالم راجل، وبيعرف ميتى يتكلم وميتى يسكت عشان يحمي بيته. المهم دلوقت... إننا نبقى جاهزين عشان حاسس إن الليلة دي... فتحت باب جهنم من تاني."
***
في غرفة ورد.
لم تكف عن البكاء لثانية واحدة ولم تفلح ليل في التخفيف عنها بعد ما سمعته منها.
فتلك القسوة التي تعاملوا بها معها لن تفلح المواساة في تهدئتها.
ربتت على يدها وقالت بحنو.
"اهدي يا ورد الله يرضى عليكي وبكفياكي بكى عاد."
رفعت ورد وجهها المليء بالدموع وتمتمت بألم.
"كان عندي أمل إن أول ما أشوف إمي هترمي في حضنها وتواسيني وأواسيها، بس هي زي ما هي متغيرتش واصل. كل ما تكبر كل ما تزيد جبروت. لولا سالم كان زماني مجتولة على يد أخوي. لو شوفتيها وهي بتسحبني وبترميني جدام الحريم."
أغمضت عينيها بقهر.
"كأنها طعنتني في جلبيم. متخيلتش إنها ممكن تعمل إكده وأخدني حنيني ليها. كان نفسي أترمي في حضنها وأعوض حرماني منها طول السنين دي، بس يظهر إني كنت غلطانة وإن عمرها ما راح تسامحني."
تأثرت ليل بحديثها وتمتمت بتعاطف.
"بس انتي مغلطتيش يا ورد، مكنش فيه طريجة تانية العيلتين يهدوا بيها التار غير الطريجة دي، واتچوزتي سالم على سنة الله ورسوله يعني ما رحتيش معاه في الحرام."
قالت ورد بألم.
"بس اللي عملته كان زي إكده وأكتر بالنسبة ليهم. أني حطيت راسهم في الطين زي صخر اخوي ما جال. بس اني كنت بحبه ومكنش ينفع اتچوز نعمان، كان چوازي منه والموت واحد. وسالم وجتها كان كل دنيتي، لا كنت هعرف أعيش من غيره ولا هو يعيش من غيري. لو كنت اتچوزت نعمان بصحيح كان الموت هينكتب علينا احنا التنين. فكان لازمن اعمل إكده يا إما هنموت كلنا."
طرقات خافتة على الباب انتبه لها كلاهما فقالت ليل.
"ده أكيد سالم، قومي اغسلي وشك وحاولي تراضيه لأنه أكيد مضايج من اللي عملتيه. راضيه واتحملي زعله."
خرجت ليل وشعرت بالقلق عندما لاحظت عبوسه فقالت بروية.
"ابو مالك أرجوك لاجل خاطر ربنا خليك هادي معاها راعي حالتها وبلاش تعاتبها دلوجت، هي مچروحة ومش متحملة عتاب."
أومأ لها سالم وتمتم باقتضاب.
"ربنا يسهل."
دلف الغرفة دون أن يلتفت إليها.
لا يريد مواجهة معها الآن كي لا يحزنها أكثر.
تركها ودلف المرحاض بعد أن أخذ ملابس له تحت أنظارها.
وكم آلمها تجاهله لها.
نعم أخطأت وتستحق ما يبدر منه، لكن كانت بحاجة إلى رؤية والدتها ولم تتخيل يومًا أن يكون ذلك رد فعلها.
الآن فقط تستطيع قولها، لم تعد تملك من الدنيا سواه.
لم يحزنها يومًا ولم يقوى على فراقها ولو للحظة واحدة.
لذا عليها الاعتذار له حتى يرضى عنها.
انتظرت حتى خرج من المرحاض ومازال متجاهلاً إياها.
تقدمت منه عندما وجدته يرتدي جلبابه.
يستعد للخروج وتمتمت بعد تردد دام للحظات.
"سالم..."
قاطعها سالم بحدة وهو يرتدي عمامته.
"مريدش اسمع حاچة دلوجت."
لم تيأس وقالت برجاء.
"الله يرضى عنيك اسمعني واعرف أنا..."
قاطعها بحدة أشد وهو يتطلع إليها بعيون تقدح شررًا.
"اعرف ايه؟ اعرف إنك خرچتي من غير ما تعرفيني؟ هملتيني نايم زي المغفل وخرجتي ولا كإن ليكي راجل مينفعش تخرجي من غير ما تعرفيه."
لانت حدته قليلاً وهو يردف.
"اعرف إنك في لحظة كنتي هتضيعي مني ولولا إني لحجتك في آخر لحظة."
عادت حدته تشتد وهو يضغط على ذراعها بقوة آلمتها.
"افرضي لو محستش بيكي كان ايه هيبجى مصيرك دلوجت. كنت هعيش ازاي من غيرك."
جالت عينيه على محياها وهو يتابع بوعيد.
"تعرفي اللي كان ممكن يحوصول ولو اذوا شعرة واحدة منيكي. كنت..."
قاطعته بأن وضعت يدها على فمه تمنعه وتمتمت بخفوت.
"محدش يجدر يأذيني لإنهم خابرين إنك مش هترحم حد منيهم يمسني."
رد بانفعال.
"واهو ماسك وكان ممكن يقتلك لولا إني جيت في الوجت المناسب."
تطلعت إليه بلوعة وتابع.
"وإنتي خابرة زين إني مجدرش اعيش لحظة واحدة من غيرك."
انتهى الغضب ولم ترى بعينيه سوى خوف جلي وتمتم بتجهم.
"ليه مخفتيش على نفسك؟ ليه مخفتيش عليا لو حصلك حاچة؟"
تطلعت إلى عينيه من بين أهدابها الرطبة وتمتمت بشجن وهي تضع يدها على خده.
"حجك عليا ودي هتكون أول وآخر مرة."
وضعت يدها على صدره وتابعت باحتياج.
"أرجوك يا سالم مش عاوزة منك عتاب دلوجت، رايدة أحس بحنانك اللي عمره ما خذلني لحظة واحدة."
أغمض سالم عينيه عندما بدأ قلبه يلين ويحاول بصعوبة بالغة الثبات على موقفه.
فما زال قلبه ينتفض خوفًا كلما تذكر ذلك المشهد.
حائرًا بين أن يطاوع قلبه ويحتويها بذراعيه كي يعوضها عن اللحظات التي غابت عن حنانه فيها.
أم يظل على موقفه منها وألا يمرر ما حدث بتلك السهولة.
رفعت ورد وجهها إليه عندما لم يبادلها الاحتضان فعلمت أنه ما زال غاضبًا.
"سالم..."
"ابعد ذراعيها عن عنقه وغمغم باضطراب.
"أني لازمن اخرج دلوجت."
هم بالابتعاد لكنه توقف عندما سمع طرق الباب.
حمحم كي يخرج صوته ثابتًا.
"ادخل."
دخل مالك، ابنهم الذي يبلغ من العمر خمسة عشر عامًا وهو يقول.
"الفطار چاهز وچدي بعتني اندهلكم."
تنهد سالم.
"خبره إني چاي دلوجت."
خرج مالك وتطلع هو إلى ورد وتحدث بجدية.
"محدش يعرف حاچة من اللي حوصل ياريت لو أبويا سألك قوليله إنك كنتي رايحة تعزي أمك وخلاص."
أومأت له في صمت ثم تطلعت في إثره وهو يخرج من الغرفة دون أن ينتظرها.
***
كان الجميع يجلس على الطاولة عندما دخل سالم يلقي عليهم السلام.
رد الجميع وجلس في مقعده فتسأله حسنة.
"أومال فين ورد؟"
ابتسم لها سالم مجبرًا ورد باقتضاب.
"نازلة دلوجت."
تحدث وهدان بحكمة.
"خلي بالك طويل عليها، ده مهما كان أخوها دمهم واحد."
أومأ سالم بصمت كي لا يشك والده بشيء ثم بدأ في تناول طعامه.
دلت ورد بعد أن أبدلت ملابسها وألقت السلام بدورها.
"السلام عليكم."
ردوا جميعاً السلام وقالت حسنة بود.
"تعالي يا وردة مردناش نفطر إلا لما تاچي."
أومأت ورد بامتنان لتلك المرأة التي لم تقصر معها يومًا بل كانت أمًا لها وكذلك وهدان.
جلست معهم تتناول طعامها أو تتظاهر بذلك.
ربتت ليل على يدها تحسها على أن تتناوله، لكن لا تشتهي شيئًا.
لم تجد حسنة الكلمات التي تخفف بها عن ورد.
تعلم ما يدور بخلدها الآن، لكنها تعلم جيدًا بأنهم لن يأخذونها بذنب غيره.
لقد تخلت عن كل شيء لأجل ولدها ولأجل وقف ذلك الثأر وعاشت معهم كواحدة منهم.
وعاملتها حسنة كابنتها، حتى عندما قتل أخيه ولدها لم تظهر شيء بل بدت أمامها صابرة راضية بقضاء الله وقدره.
ستمحى يومًا تلك الآلام لكن وحدها دون ان يحاول أحد تطيبها.
فما أدراك أن بمداوتك لها تضغط عليها وتزداد الآلام.
لذا ستتركها هي تداوي آلامها وحدها دون تدخل منهم حتى تعود تلك الوردة التي دخلت منزلهم وملأته بعطرها.
حاولت تخفيف ذلك الجو المشحون بالنظر إلى مالك الذي ربط حاله بتلك الصغيرة التي لم تبلغ بعد الأربع سنوات ولا تقبل أن يطعمها أحد غيره.
قالت حسنة.
"هاتها يا ولدي أني هوكلها."
قالت ليل بحبور.
"متحاوليش يا مرات عمي مبترداش تاكل غير من يده."
تطلع وهدان إليه وقال بمرح.
"يعني احچزهالك من دلوجت ولا شايف إنها صغيرة عليك."
تطلع ذلك الشاب الصغير إليها وقال.
"لا يا چدي هتكون صغيرة جوي."
تدخل سالم في حديثهم.
"لا يا حچ هيكون كبير عليها خلينا في عدي هو انسب لها."
تطلع مالك إلى روح التي تجلس على قدمه ليطعمها ولا يعرف لما شعر بالضيق.
هل لأنه تعود أن يهتم بها منذ صغرها وسيأتي اليوم الذي ستبتعد عنه رغمًا عن كلاهما؟
هل كما قال والده ستكون لأخيه وسيجبر عن غض بصره عنها؟
أسئلة كثيرة اقتحمت تفكيره بحديثهم التلقائي لكنه لفت نظره.
نهضت ليل بعد ان أنهت طعامها.
"هاتها يا مالك اني خلصت وكل."
مدت ليل يدها تأخذها فيشعر مالك بأنها سحبت روحه معه.
ماذا يحدث معه ولما حديثهم أثر به لتلك الدرجة؟
لما يملك شهية للطعام ونهض أيضًا بدوره فسألته ورد.
"رايح فين يا ولدي انت مأكلتش."
حاول مالك الابتسام.
"لا ياما شبعت الحمد لله."
نهض سالم وهو يقول.
"أني رايح الأرض الجبلية يا بوي محتاچ مني حاجة؟"
رد وهدان بحبو.
"سلامتك يا ولدي."
خرج سالم وبعدها توجه حامد بدوره إلى الأرض الأخرى وظل وهدان في المنزل.
فمنذ موت ولده وهو لا يرى رؤية تلك الأراضي التي تكون سببًا في سيل ذلك الدم.
***
اشتد المرض على "فايد التهامي" كوحش كاسر ينهش ما تبقى من جسده القوي.
ذلك الجبل الذي كان يرتجف له الرجال، أصبح الآن طريح الفراش، لا يقوى على التحرك، أنفاسه أصبحت مجرد حشرجة خافتة في غرفة ضخمة وصامتة.
كان الجميع يلتفون حول فراشه في سكون مهيب، كأنهم في حضرة الموت نفسه.
زوجته "ود"، وأبناؤه، وزوجاتهم، وجوههم شاحبة وعيونهم زائغة.
لقد غادر الطبيب قبل قليل، وكلماته كانت نهائية كحكم قاضٍ: "إنها مسألة وقت... يعيش لحظاته الأخيرة".
كل نفس كان فايد يأخذه، كان الجميع يحبسون أنفاسهم معه.
وفجأة، تحركت عيناه الباهتتان ببطء، واستقرتا على ابنه الأكبر، صخر.
تحركت شفتاه الجافتان، وخرج صوته كهمس متعب، لكنه كان يحمل ثقل الأمر الذي لا يُرد.
"طلّعهم... برة... واجفل الباب... وتعالى."
كل كلمة كانت مجهودًا جبارًا.
نظر صخر إلى والده، ثم إلى الحاضرين.
لم تكن زوجته ود لتتقبل هذا الأمر بسهولة.
اقتربت من الفراش، وانحنت على زوجها ويداها ترتعشان.
"حتى اني يا فايد؟ حتى أنا تطلعني؟"
أغمض فايد عينيه للحظة، كأنه يستجمع آخر ما تبقى من قوة، ثم فتحهما ونظر إليها.
كانت نظرته تحمل حزنًا عميقًا، وإصرارًا لا يلين.
أومأ لها برأسه إيماءة خفيفة، وتحدث بإجهاد واضح.
"معايزش... حد... غير صخر."
كانت الكلمات قاسية، لكنها كانت وصية.
فهمت ود أن اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت.
اللحظة التي ستُقال فيها الأسرار التي دُفنت لعقود، الأسرار التي لا يجب أن تسمعها أذن امرأة.
نظر صخر إلى والدته، وبنبرة حاول أن يجعلها هادئة، قال.
"اطلعي يا أمّاي... وخديهم معاكي."
نهضت ود باستسلام، وجسدها كله يرتعش.
ألقت نظرة أخيرة على زوجها، نظرة تحمل نصف قرن من الذكريات والأسرار المشتركة، ثم استدارت وأشارت للنساء بالخروج.
خرجن جميعاً بصمت، كأنهن موكب جنائزي يغادر الغرفة قبل وصول الموت.
أغلق صخر الباب الخشبي الثقيل خلفهم، وأدار المفتاح في القفل.
صوت صرير القفل كان مدويًا في الصمت، كأنه يغلق على سر عظيم.
استدار وعاد إلى فراش والده، وجلس على المقعد بجانبه، وانحنى ليسمع.
تطلع فايد إلى ابنه، إلى نسخته الأكثر قسوة وشراسة.
رأى فيه امتداده، لكنه رأى فيه أيضاً الحقد الذي ساهم هو في غرسه.
تمتم بوهن، وصوته أصبح أكثر وضوحًا بقليل، كأن طرد الجميع منحه دفعة من الطاقة.
"اسمعني زين يا ولدي... ومتجاطعنيش. هتنفذ اللي هجول عليه بالحرف... بس جبل ما تنفذ... لازم تعرف. لازم تعرف الحجيجة كاملة... مني أنا. مش من حكايات الحريم ولا من غُلب تار قديم."
صمت فايد للحظة، يلتقط أنفاسه، وعيناه تحدقان في سقف الغرفة كأنه يرى شريط حياته يمر أمامه.
"التار اللي بينّا وبين الرفاعية... أعمق من اللي إنت خابره. أعمق من موت عمك... وأعمق من موت أبو جاسر. فيه سر... سر لو طلع... هيجلب الدنيا كلها. وأني... أني شايله على صدري بقالي عمر... وخايف أموت بيه."
انحنى صخر أكثر، وكل حواسه متيقظة.
شعر ببرودة تسري في عموده الفقري.
أي سر هذا الذي يجعل رجلاً مثل "فايد التهامي" يخشى الموت به؟
أي حقيقة هذه التي ظلت مدفونة تحت كل هذه الدماء والكراهية؟
لقد أدرك صخر في تلك اللحظة، أن الكلمات التي سيسمعها الآن، ستغير كل شيء، وستعيد كتابة تاريخ العداوة من جديد.
***
في غرفة جاسر.
جلست ونس بجوار ابنها الذي ما زال يحمل سلاح والده والذي أخفاه صخر يوم الحادث كي لا يساعد الرفاعية في القضية.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ويستطيع محاميهم بمهارة تقديم كل الأدلة التي جاهدوا لإخفائها ومنهم الشهود حتى أثبت الواقعة وقضى القاضي بذلك الحكم القاسي من وجهة نظرهم.
مدت ونس يدها لتأخذه من يده لكنه رفض بغلظة.
"لا محدش يمسكه غيري، عمي جالي احتفظ به لحد ما ييجي اليوم واخد به تار أبويا."
لاح الرعب بعين ونس وتمتمت بخفوت.
"بلاش تمشي ورا حديت عمك يا ولدي لإن آخرته دمار، واني مليش سند بعديك."
رد الصغير الذي يحاول عمه بشتى الطرق أن يجعله نسخة أخرى منه وتحدث بحدة.
"يعني ريداني اعيش چبان وأضيع حج ابويا؟"
"ولما تاخد حج أبوك وتتعدم زيه اني هروح فين؟ مفكرتش فيا ولا فيك؟ ايه اللي ممكن يحصلي لو ده حوصل؟ وانت خابر زين يا ولدي معاهم محامي واعر ومش هنعرف نسلم منيه."
"أني كمان هطلع محامي اوعى منيه زي ما عمي جالي وهاخد حج ابوي من غير ما يثبتوا عليا حاجة."
كانت ونس تستمع إلى ابنها بعدم استيعاب لما يقول.
لقد ترك ذلك الغادر ابنه لأخيه كي يجعل منه صخر آخر ويضيعه كما فعل معه.
لقد ظنت أن بموته ستستطيع الرحيل من ذلك المنزل، لكن يبدو أنها كتبت عليها الشقاء قبل مماته وبعده.
ابنها الذي لم يتعدى عمره 10 سنوات جعلوا منه رأس مدبرة تخطط للإجرام في ذلك السن الصغير.
وضعت وجهه بين يديها وقالت برجاء.
"جاسر يا ابني، بلاش ترمي ودنك لعمك عيش سنك وسيب الحج لصاحب الحج. بلاش تدمر حالك وتعيش حياتك في حقد وكره. صدجني يا ولدي محدش هيشجى غيرك وياجي عليك وجت تلاقي نفسك لا عيشت طفولتك ولا حتى شبابك والندم وجتها مش هيفيد بشيء."
تطلع إليها ذلك الطفل الكبير وتحدث باستنكار.
"أني مش طفل أني راجل والراجل لازمن يكون قد المسؤلية من صغره."
نهض الصغير وتوجه إلى الخزانة ليضع سلاح والده بها.
أغمضت ونس عينيها باستسلام فقد ضاع ولدها منها وانتهى الأمر.
صراخ وعويل صدح في المنزل مرة أخرى لوفاة كبيرهم.
فمنهم من يبكي حقًا لفراقه، ومنهم من يبكي لما سيحدث لهم بعد ان يتولى ابنه شؤون العائلة.
كلاهما دمار.
فقد رحل ما كان يسيطر على ذلك الصخر ويمنع شلال الدماء التي يسعى إليها.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثالث 3 - بقلم رانيا الخولي
ثنايا الروح
رانيا الخولي
الفصل الثالث
.............
بعد مرور عشرة أعوام
في الصباح
استيقظت ليل على طرقات خافتة على باب غرفتها
نهضت وهي تشعر بألم في رأسها فلم تنام إلا في الصباح
اندهشت عندما لم تجد بناتها بجوارها
كيف نهضوا من جوارها دون أن تشعر
نهضت لتفتح الباب فإذا بها ورد تطلع إليها بابتسامة
_صباح الخير يا ليل.
أشرق وجه ليل بعدما رأت ابتسامة ورد وردت بسرور
يسعد صباحك يا ورد.
انا اخدت البنات وفطروا مع ولاد عمهم يلا احنا بقى نحضر الفطار لينا، كنت هحضره لوحدي واسيبك نايمة بس معرفاش انتي خابرة بحب يدك معايا في كل حاچة
اومأت ليل بابتسامة رضا لورد التي لم تتعكر صداقتهم يومًا تزداد يومًا بعد يوم
فردت بابتسامة
_ حاضر هغير هدمتي وآچي وراكي.
ربتت ورد على كتفها، براحتك يا غالية.
في بهو المنزل الكبير
جلس وهدان يترأس طاولة الطعام التي جمعت عائلته بعد ان تشتت فترة طويلة منذ موت أصغر أبناءه والأقرب لقبه عامر.
ذلك الذي قتل غدرًا من عائلة التهامي كي يشعلوا من جديد نارًا جاهدوا كثيرًا لإخمادها
ومازال يحرص على أن تُشعل من جديد
لذا ترك حق ولده في يد القضاء وقد نال ما استحق
تطلع لولده الكبير سالم ذو العقل الكبير وحكمته في موازنة الأمور وزوجته التي تحسه دائما على أن يكون قدوة للجميع
رغم قلقه منها عندما أصر ولده على أن يتزوجها
فكيف لى إبنة عدوه أن تكون ابنه له
ولكن خيبت ظنه واثبت للجميع أنها جديرة بتلك المكانة
وليل ابنة أخيه التي صانت ابنه في محياه ومماته وعاشت معهم لأجل أن تربي بناتها ولم يتعدى عمرها الأربع والعشرين.
وحامد ذلك الذي وهب نفسه لله ما بين عمله وصلاته
وزوجته التي تعيش بحزن بسبب أنها لم تستطيع الانجاب بعد سند
ثم تطلع إلى مالك حفيده الأول الذي أصبح رجل يعتمد عليه كوالده وتركه يدخل المجال الذي حلم به وهي كلية الهندسة.
لن يفرض عليه شيء لا يرغبه فليفعل ما يريده.
تطلع إلى باقي أحفاده الذين يلعبون في حديقة المنزل بفخر واعتزاز وخاصة تلك الجميلة التي تظل تلاحق عدي وهو لا يأبى لها
لكن هو يأبى وسيضعها بالمكانة التي تختارها رغم انف الجميع.
ابتسم عندما وجدها تدلف من الباب
تبكي وكعادتها تسرع لأحضان مالك تشكوا له مما فعله أخيه بها
أحاط مالك كتفها بقلق وهو يسألها
_مالك يا روح بتعيطي ليه؟
ردت روح من بين بكاءها
_عدي ضربني..
مسح مالك دموعها وقال يهدئها
_خلاص متزعليش واني هخدلك حجك منيه.
لم تقبل ليل تعلق ابنتها بمالك فقد كبرت وعليها ألا تتعلق به بذلك القرب لذا قالت بتنبيه
_روح جولتلك جبل سابج انك كبرتي ومينفعش تجربي من اي حد إكدة.
أخفت روح وجهها في مالك كأنها ترفض البعد عنه.
ردت ورد بابتسامة
_غصبت عنيها يا ليل انتي خابرة إن مالك هو اللي مربيها هي شيفاه أخوها.
_بس خلاص هي كبرت ولازم تعرف إن في حدود، سن 13 سنة مش صغيرة برضك.
كان مالك يستمع إليهم في وجل
فكلما كبرت كلما حاولوا إبعادها عنه
لا يعرفون أنها الهواء الذي يتنفسه
ضحك الجميع عندما نادها عدي وردت مسرعة
_چاية يا عدي
واسرعت إليه
لم يسر مالك بفعلتها ولم يضحك كالجميع بل أسرها في نفسه وتظاهر بعدم الإهتمام
وحده وهدان من يعلم بحاله لكن لا يطاوعه في ذلك الشيء
ليس فقط بفرق السن بينهما ولكن يعلم جيدًا بأنه إذا وافقه على الزواج منها حينما تكبر فلن يجني له سوى العذاب
هو يرى حبها لعدي أخيه وإذا أجبرها على الزواج منه فلن تسعد وبذلك لن تسعده وسيكون زواجهم وبال عليهم.
فالأفضل لحفيده أن يبعده عنها.
تطلع إلى مالك الذي مازال شاردًا وسأله
_ناوي على ايه بعد ما خلصت الچامعة يا مالك؟
حاول مالك الابتسام وهو يرد بروية
_كل خير يا چدي متجلجش.
_أجصد يعني ناوي تتعين دكتور فيها زي مـا انت رايد ولا قررت حاچة تاني.
ترك الملعقة من يده وتطلع إلى جده بثبات
_لاه.، انا ناوي إن شاء الله أسافر.
تطلع إليه الجميع بصدمة وأولهم ورد التي سألته بوجل
_تسافر؟! تسافر كيف يا ولدي؟ وفين؟
رد مالك بثبوت يتنافي تمامًا عن الألم الذي يحمله بداخله.
_هسافر الخليج، في واحد صاحبي شغال هناك وطلب مني اشتغل معاه.
ردت "حسنه" باستفهام
_وليه ياولدي الشحطتة دي، انت ناجصك فلوس؟
_مش قصة فلوس يا جدتي بس هناك المستجبل افضل بكتير، وياريت محدش يمنعني لإن ده قراري ومش هرچع عنيه.
تطلع إليه والده وتحدث بحزم
_اخدت القرار إكدة من حالك؟ ومن غير ما تاخد رأينا لول؟
ازدرد لعابه بصعوبة عندما سمع صوت محبوبته وهي تلهو مع أخيه وتناديه بحب
_هو لسة مكلمني من سبوع إكدة وجُلت ادرس الموضوع لول جبل ما افاتحكم فيه.
لم يحتاج وهدان لفطنة كي يفهم سبب سفره
لذا لم يعارض وعندما تحدث سالم معترضًا
_لا يا ولدي اني مش موافق ولو.....
قاطعه وهدان
_لا يا سالم ده مستجبله وهو وحده اللي يحدده.
نظر إلى مالك وسأله
_انت شايف إن سفرك ده بمصلحة ليك؟
اخفض مالك وجهه كي يتهرب من نظرات جده الثاقبة.
يشك أنه علم شيء عن حبه لروح ولذلك يفضل أن يبتعد عن المنزل خوفًا عليها منه
ولا يعرف برغم تفكيره وحبه لتلك الطفلة إلا إنه يخشى عليها من أنفاسه
ولذلك السبب قرر أن يبتعد
فلن تكون له في يومٍ من الأيام لذا عليه الابتعاد كي لا يعلق روحه بروحها أكثر من ذلك
_أيوة يا چدي، وإن شاء الله هنزل أجازات على طول مش هطول فيها.
تنهد وهدان باستسلام
_خلاص اللي تشوفه.
همت ورد بالمعارضة لكن وهدان منعها بحزم
_جولت خلاص يا ورد هو كبر وبجى راچل مش عيل صغير هتخافي عليه.
نظرت ورد إلى سالم كي يعارض هو لكنه التزم الصمت إذا كانت هذه رغبة ابنه فلن يقف أمامه.
_سبيه يا ورد زي ما جال أبوي مش عيل صغير هنحكم عليه.
نهض مالك من مقعده وهو يتمتم
_طيب انا خارج دلوجت عشان أرد على صاحبي وأخلص إجراءات السفر.
أومأ له جده وانصرف مالك ذاهبًا بل هاربًا من نظرات جده الثاقبة
لكنه ترك قلوب سينحرها فراقه
تطلعت ورد إلى عمها وقالت بعتاب
_ليه يا عمي وافجته؟
شرع وهدان بتناول طعامه وهو يرد بثبات
_دي حياته وهو حر فيها ولو شايف إن مستجبله هناك محدش منينا يجف جصاده.
لم تستطيع ورد التفوة بكلمة أو تجادل أمام عمها
لذا التزمت الصمت وقررت ان تتحدث مع ولدها ربما تستطيع اقناعه.
في غرفة مالك.
وقف في شرفته يتطلع إلى حديقة المنزل ويشاهد اولاد عمه وهم يمرحون بها
مازالت تلك الصغيرة تتبع خطوات أخيه أينما ذهب.
شعر بغصة حادة في قلبه الذي مازال تعلقه بها حد الجنون
فمنذ أن حملها فور أن ظهرت للدنيا وهو يشعر بقلبه يهفو إليها
لاحت بذاكرته يوم ولادتها عندما كان واقفًا بجوار عمه أمام الغرفة
خرجت جدته وهي تحمل الصغيرة بين يديها وتقربها من عمه بترقب
_مبروك يا ولدي ربنا رزجك بأخت لنغم.
ابتسم عامر بسعادة ومد يده وهو يحملها من يد والدته ويقول بزهو
_ومالك يا أمي بتجوليها من غير نفس إكدة فاكراني تفرج معايا.
تطلع إليها بحنو
_البنات زينة الدار يا أمي وكل بنت فيهم بتاچي برزجها الواسع.
شعرت حسنة بالسعادة لرضا ابنها
_ربنا يكملك بعجلك يا ولدي، هدخل أفرح ليل
وعادت للداخل.
أما مالك فتطلع إليها وهي بين يدي عمه وشعر برغبة ملحة في حملها فقال لعمه
_عمي، ممكن اشيلها؟
ابتسم عامر بود لابن أخيه الأقرب لقلبه وقال برحابة
_سمي الله وشيلها.
شعر الشاب الصغير ذو العشر اعوام من عمره بتسارع ضربات قلبه وكأنه ملك الدنيا بين يديه، لقد تعلق بها من نظرة واحدة
وخاصة عندما فتحت عينيها فتخطف أنفاسه أكثر
قال عامر بلطافة
_طيب يلا بجا أذنلها، انت اخوها الكبير وانت اللي تأذن.
أذن مالك في أذنها وهو يشعر بسعادة لفعلها
_ها ناوي تسميها ايه؟
سعد مالك أكثر ولم يفكر كثيرًا عندما خطر له ذلك الاسم ورد بسرور
_روح هسميها روح.
_خلاص تبجى روح
وكأن عمه يشعر باقتراب أجله لذا ربت على كتفه وهو يردف
_من النهاردة روح ونغم هيكونوا امانتك يا ولدي، تكون انت اخوهم الكبير وتاخد بالك منيهم..
باك..
أخرجه من شروده طرق الباب ودخول والدته
التي آلمها قراره وجاءت كي ترجوه أن يعدل عنه
_تعالي يا أمي.
تقدمت منه ورد وتحدثت بعتاب
هونت عليك تسيبني وتسافر يا مالك.
حاول مالك الابتسام وهو يتقدم منها يطبع قبلة حانية على جبينها وتحدث بروية
_معلش يا أمي ده مستجبلي ودي فرصة كبيرة مش هتتعوض.
وبعدين هبجى أكلمك كل يوم صوت وصورة كأني جاعد جبالك بالظبط.
جعدت جبينها باستنكار
_ده برضك ميعوضنيش عن وچودك معايا في نفس الدار
وبعدين يا ولدي احنا خيرنا كتير والحمد لله مش محتاچين الجرشين اللي هياچوا من غربتك دي، انا ممكن اكلم....
قاطعها مالك بحزم
_أمي، الله يرضى عنيكي انتي خابرة زين اني مش بحب اعتمد على حد، اني مش عيل صغير هعتمد على غيري..
تنهدت بتعب من جدال ستخوضه دون فائدة فقالت مستسلمة
_خلاص يا ولدي اللي تشوفه.
قبل جبينها مرة أخرى ثم مال على فراشه ليأخذ هاتفه ويضعه بجيب جلبابه
_طيب أني خارچ دلوجت ولما أرجع يبجى نكملوا كلامنا.
اومأت مرغمة وتطلعت في أثره وهو يخرج من الباب
تعلم جيدًا بأنه يتهرب منها لكن ليس بوسعها فعل شيء..
❈-❈-❈
كان الهواء البارد الذي يسبق المطر يحمل رائحة التراب المبلل ووعداً بعاصفة قادمة في أراضي "التهامية" الشاسعة، كان صهيل الخيل الحاد يدوي في المكان، صوتاً نقياً وقوياً يمزق الصمت كان جاسر على ظهر جواده الأسود "بركان"، وكأنهما كائن واحد، جسد الفارس يندمج مع عضلات الحصان القوية، يوجهه بإشارات تكاد لا تُرى.
اقتربا من ذلك السياج الخشبي القديم الذي يفصل بين الحقول، لم يبطئ جاسر من سرعته، بل همس بكلمة واحدة، وضغط بكعبيه ضغطة خفيفة. استجاب "بركان" على الفور، انطلق كالسهم، ثم قفز من فوق السياج بكل سهولة ورشاقة، هبط على الجانب الآخر بقوة وثبات، وانطلقا معاً من جديد، يسابقان الريح التي بدأت تشتد، وتعبث بشعره الأسود الطويل.
لم يعجزه منحدر الطرقات الوعرة، ولا المرتفعات الصخرية التي كانت لتتحدى أعتى الفرسان.
بل ظل جاسر يرمح بحصانه دون أن يعرقله شيء، يتنقلان بين الصخور والأشواك كشبح أسود، جزء لا يتجزأ من هذه الطبيعة البرية القاسية.
كانت الشمس غائبة خلف سحابة رمادية داكنة، تلقي بظلال كئيبة على الأرض، وتنذر بهطول وشيك، كأن السماء نفسها تستعد لمشهد درامي.
صعد جاسر بـبركان إلى قمة أعلى منحدر في المنطقة، نقطة تطل على الوادي بأكمله هناك، شد لجام جواده بقوة توقف الحصان فجأة، رافعاً رأسه بكبرياء، وملأ الدنيا بصهيل طويل وعميق، صهيل تحدٍ وإعلان عن الوجود.
وقف جاسر هناك، صامتاً كتمثال من صخر الجرانيت.
كانت نظراته ثابتة، حادة كالصقر، لا تتجه نحو الجبال أو الوديان، بل كانت مصوبة نحو هدف واحد. هناك في الأسفل، تقع سرايا "الرفاعية".
ذلك المنزل الذي يبدو من بعيد واحة من السلام، بحدائقه وأسواره البيضاء. لكن في عيني جاسر، لم يكن سوى جحر للأفاعي، ورمز للهزيمة والإهانة.
تذكر ذلك اليوم بوضوح، يوم وقف على قبر والده، والتراب لا يزال ندياً.
تذكر قسمه الذي ألقاه بصوت طفل، لكن بقلب رجل.
أقسم أن يجعل هذا المنزل جحيماً ووبالاً عليهم، أن يحرق حدائقهم بنار حقده، وأن يجعل أسوارهم البيضاء تتشح بالسواد.
ربما لم يأتِ ذلك اليوم بعد.
لقد أجبرته الظروف على مهادنتهم، على قبول صُلح هش، لكن هذا لم يكن سوى تكتيك، استراحة محارب.
ففي داخله، كانت نيران الثأر لا تزال متوهجة، تنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر وتحرق كل شيء.
هو يعلم أن الوقت آتٍ قريباً. ولن يردعه أحد عما انتوى فعله.
لا صُلح، ولا قانون، ولا حتى مشاعره التي بدأت تتمرد أحياناً.
سيخمد كل شيء في سبيل تحقيق هذا الهدف.
لاحت ابتسامة ساخرة، باردة، على فمه الصلب كصلابة قلبه.
ابتسامة لم تصل إلى عينيه اللتين ظلتا تحملان بريقاً جليدياً.
ألقى نظرة أخيرة على السرايا، نظرة تحمل وعداً بالدمار، ثم استدار بجواده، وانطلق عائداً من حيث أتى، بينما بدأت قطرات المطر الأولى تتساقط، كأنها دموع السماء الباردة على معركة لم تبدأ بعد.
❈-❈-❈
كانت أبواب المكتب الخشبية الثقيلة مغلقة، تعزل وهدان وسالم عن ضجيج السرايا وحركتها الدائمة. جلس سالم على المقعد المواجه لمكتب أبيه، بهيبة واحترام، واضعاً كفيه على ركبتيه في انتظار أن يبدأ والده الحديث.
_ خير يا حچ؟ طلبتني.
أخذ وهدان نفساً عميقاً، وأرخى جسده الضخم في مقعده الجلدي الذي أصدر صريراً خفيفاً.
مرر يده على ذقنه الكثيف الأبيض، وعيناه تتفحصان وجه ابنه، ذراعه الأيمن والرجل الذي ستقع على عاتقه مسؤولية العائلة من بعده.
شعر بأن ثقل السنين قد بدأ يرهقه، وأن الأوان قد آن كي يضع النقاط على الحروف. قال برتابة وهدوء، كمن يلقي بوصية:
_ أنا شايف إن آن الأوان أعرف كل واحد منكم حقه. أنا تعبت يا سالم، ومبجتش جادر أولي كل حاچة بنفسي زي الأول. العمر بيجري، والصحة مبقتش هي.
صمت للحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر جدية:
_ وبفكر أخليك إنت واصي على أملاك بنات أخوك عامر، الله يرحمه. واللي هياخدوه حج أبوهم كامل مكمل، من أرض وفلوس، كأنه عايش وسطينا بالظبط.
اندهش سالم من حديث والده المفاجئ. لم يكن الأمر مجرد تقسيم للميراث، بل شعر وكأن والده يجهز نفسه للرحيل.
شعر بأن وهدان يفعل ذلك كي يضمن حق بنات عامر اليتيمات، وكأنه يخشى عليهن من المستقبل. هذا الشعور أثار في نفسه عتاباً محباً.
_ ليه يا حچ بتجول إكدة؟ هو إنت شايف فينا إيه؟ خايف ناكل حج بعض بعد عمر طويل ليك؟ بنات عامر دول بناتي قبل ما يكونوا بنات أخوي.
نفى وهدان برأسه مسرعاً، ورفع يده ليطمئن ابنه.
_ لا يا ولدي، حاشا لله. مجولتش إكدة واصل، وأنا خابركم زين، وعارف إنكم سند لبعض. بس كل الحكاية إني رايد أرتاح وأطمن. رايد أعرف كل واحد حقه وهو صاحي، عشان محدش يختلف على حاچة بعدين. وكمان حج بنات أخوك لازم يتصان، وإنت كبيرهم وواعى، عشان إ كده رايد أعملك إنت وصي عليهم.
نهض سالم من مقعده، ودار حول المكتب ليقف بجانب والده، ووضع يده على كتفه.
_ بس يابا... إحنا مهما كبرنا، ومهما بقينا رجالة، لساتنا محتاچين نعيش تحت ظلك وتحت مشورتك. اللي إنت بتفكر فيه ده صحيح هيضمن لى كل واحد حقه، بس هيفرجنا يا بوي. هيخلي كل واحد فينا يبص في ورقته وفي أرضه، وهينسينا إننا كلنا في مركب واحد وإنت ربانها.
خلينا عايشين في خيرك إنت وتحت چناحك.
ده اللي بيخلينا عيلة واحدة.
تأثر وهدان بكلمات ابنه، لكن التردد كان لا يزال في عينيه.
_ بس يا ولدي، دي أصول، والواحد ميعرفش...
قاطعه سالم باحترام ومحبة:
_ مبسش يابوى أما عن بنات أخوي، فمتجلجش عليهم أبداً دول في عنينا وفي قلوبنا وأني بفكر في اللي هيصونهم ويحافظ عليهم أكتر من الأرض والفلوس بفكر أچوزهم لولادي عشان يفضلوا وسطينا، وعشان أطمن عليهم العمر كله.
أشرق وجه وهدان باهتمام.
_ كيف يعني؟
قال سالم بثقة، كأنه يطرح خطة مدروسة:
_ ناوي إن شاء الله، بعد جولك وموافقتك، أزوچ عدي لروح. ونغم لمالك.
قطب وهدان جبينه بحيرة عند سماع ذلك الخبر
_ ومالك؟ مالك يعرف باللي بتجوله ده؟
نفى سالم برأسه، لكن ثقته لم تهتز.
_ لا، ميعرفش بس أني خابر ولدي زين
مالك عمره ما هيرفضلي كلمة، ومش هيرفض حاچة زي دي فيها صلة رحم وستر لبنات عمه.
تنهد وهدان تنهيدة طويلة، وأشاح بيده بحكمة الأب الذي يعرف أبناءه أكثر من أنفسهم.
_ سيب مالك هو اللي يختار يا سالم.
مالك طبعه غير طبع عدي، قلبه دليله، ومليكش صالح بيه في الحتة دي
سيبه يختار اللي تريح قلبه. إنما عدي... عدي هو اللي لازمن يتچوز روح ده الصوح وده الأصل. بس لسة بدري على الكلام ده كله البنات لسة صغيرين، ورايدين العلام. لما يخلصوا تعليمهم ويكبروا، يبجى نتحدت فيه.
شعر سالم بالرضا.
لقد نجح في إقناع والده بالعدول عن فكرة التقسيم، وفي نفس الوقت حصل على مباركته المبدئية لربط العائلة برباط أقوى.
_ اللي تشوفه يابا، هو اللي يمشي. بس بلاش نتحدتوا تاني في موضوع الجسمة ده. حسك في الدنيا بالدنيا كلاتها. ربنا يخليك لينا وتفضل دايماً فوق راسنا.
ابتسم وهدان ابتسامة رضا، وشعر بأن جذور العائلة التي غرسها لا تزال قوية ومتينة، وأن ابنه سالم هو خير من سيحمل الراية من بعده.
❈-❈-❈
عاد جاسر بجواده "بركان" وهو يسير بهوادة الآن، كأن رحلة التهور تلك قد امتصت كل العنف من جسده، وتركته هادئاً من الخارج، بينما العاصفة لا تزال تدور في داخله.
وصل إلى ساحة المنزل الواسعة، حيث الإسطبلات والخدم، وترجل من فوق الحصان بحركة واحدة رشيقة وقوية.
لم يربت على جواده كعادة الفرسان، بل نظر إليه نظرة آمرة، ثم نادى بصوت عميق وهادئ تردد في المكان
_ زهران؟
ظهر الرجل من العدم أمامه، خرج من ظل الإسطبل كأنه كان ينتظر هذا النداء طوال الوقت.
انحنى قليلاً في وجل واحترام، فـ جاسر لا يمزح ولا يتسامح مع الخطأ.
_ نعم جنابك؟
ترك جاسر لجام الحصان من يده فجأة، ليلتقطه زهران ببراعة قبل أن يسقط. قال جاسر بأمر مقتضب، وعيناه لا تنظران إلى الرجل بل إلى مدخل السرايا
_ خد الحصان دخله الإسطبل وخلي فاروق يجهز العربية.
_ أمر جنابك.
لم ينتظر جاسر ليرى تنفيذ أمره. استدار ودلف إلى المنزل بخطوات واثقة، كأنه سيد هذا المكان، وهو كذلك بالفعل.
وأثناء صعوده الدرج الرخامي الفخم، توقف فجأة عندما جاءه صوت عمه من الخلف، صوت يعرفه جيداً، صوت الحية الرقطاء.
_ جاسر.
لم يلتفت جاسر بجسده كاملاً، بل أدار رأسه فقط، ووجهه مبهم لا يقرأه أحد.
كان هذا جزءاً من اللعبة التي أتقنها معاً.
_ ماشي دلوقت؟
رد جاسر ببرود
_ إن شاء الله.
تقدم منه صخر بخطوات بطيئة وثابتة، خطوات يعلم تأثيرها جيداً، كأنه صياد يقترب من فريسته، حتى لو كانت هذه الفريسة أسداً مثله.
وقف عند أسفل الدرج، ورفع رأسه لينظر إليه.
_ زورت جبر چدك وأبوك جبل ما تسافر؟
رد جاسر بمغزى، ونبرته تحمل تحدياً خفياً
_ ودي تفوتني برضك؟
ظهرت ابتسامة خفيفة، بالكاد تكون مرئية، على فم صخر ابتسامة رضا الذئب الذي يرى انعكاسه في عيني ذئب أصغر.
_ يعني ماشي زين... زي ما اتفجنا؟
نزل جاسر الدرجة التي كان يقف عليها، ليصبح في مستوى نظر عمه تماماً، وتلاقت أعينهما في تحدٍ صامت.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مماثلة لابتسامة عمه، باردة وحادة.
_ وأكتر كمان بس زي ما عودتني... اصبر تصيب وهي خلاص... جربت.
لم يضف كلمة أخرى.
لم يكن هناك داعٍ لذلك لقد فهم كل منهما الآخر تماماً استدار جاسر وصعد الدرج إلى الأعلى، متجهاً إلى غرفته في آخر الرواق، تلك الغرفة التي اختارها بنفسه، بعيداً عن الجميع، كنسر يختار عشه في أعلى قمة.
لقد أصبح انطوائياً، لا يريد الاختلاط بأحد، يفضل عزلته وقوته الصامتة. هكذا أراده عمه أن يكون، وهكذا أصبح... أو هكذا أوهمه.
دلف إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه.
هنا فقط، في مملكته الخاصة، سمح لقناع البرود بالانزلاق قليلاً وجد حقيبته الجلدية قد تم تحضيرها ووضعت بجانب الباب زم فمه باستياء عميق من ذلك التدخل الذي لا تكف عنه شروق
لقد نبهها مراراً وتكراراً، وهددها بشكل مباشر ألا تدخل غرفته أو تلمس أغراضه، لكنها لا تستجيب لتحذيراته، وكأنها تستمتع بتحديه.
ثم وقعت عيناه على الفراش. كانت ملابسه التي انتوى السفر بها، قميص وبنطال أسودان، موضوعة بعناية فائقة على السرير.
كانت لمستها واضحة في كل طية. شعر بموجة من الغضب تجتاحه.
لم يكن غضباً من مجرد ترتيب ملابسه، بل كان غضباً من محاولتها المستمرة لفرض وجودها في حياته، لتدنيس مساحته الخاصة، لتضع بصمتها على عالمه.
أمسك بالملابس بقبضته بقوة، كأنه يمسك عنقها، ثم ألقاها بغضب شديد على المقعد في زاوية الغرفة.
ثم دلف إلى المرحاض، صافقاً الباب خلفه بحدة وعنف، ليتردد صدى الباب في الجناح الفارغ، معلناً عن عاصفة داخلية لا يراها أحد سواه.
خرج جاسر من المرحاض بعد قليل، وقطرات الماء لا تزال تتساقط من شعره الأسود على كتفيه العريضتين. كان يرتدي مئزرا باللون الأبيض فقط، الذي لفه حوله بإهمال. كان الجناح هادئاً، لكنه شعر بوجودها حتى قبل أن يراها.
إنه ذلك العطر الثقيل الذي تتعمد نثره في كل مكان تمر به، كأنها تحاول فرض وجودها بالقوة.
في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة ودلفت شروق بسرعة، ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء، كأنها لص يتسلل.كانت ترتدي فستاناً ضيقاً يبرز مفاتنها، وتتزين بكامل زينتها رغم أن الوقت لا يزال مبكراً.
انتفض جاسر عندما رآها، ليس من المفاجأة، بل من الغضب الذي اشتعل في عروقه فوراً.
هدر بها بصوت أجش وعميق، صوت يحمل تهديداً واضحاً
_ إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
لم ترتدع شروق بل ابتسمت ابتسامة حب مصطنعة، وتقدمت نحوه بخطوات بطيئة ومدروسة، كقطة تقترب من فريستها.
_ چاية أسلم عليك يا ابن عمي... جبل ما تمشي.
كانت عيناها الجريئتان تكادان تلتهمانه، تتفحصان صدره العاري وقطرات الماء على بشرته بلهفة لا تخطئها عين.
_ يعني إنت مش رايد تشوفني جبل ما تمشي؟ مش هتوحشك؟
تنهد جاسر بضجر، وأشاح بوجهه عنها كأنه لا يطيق النظر إليها.
_ لا، مش رايد. واتفضلي اطلعي دلوقت عشان أغير هدومي.
لكنها لم تستجب تقدمت منه خطوة أخرى، خطوة قلصت المسافة بينهما بشكل خطير، مما اضطره هو للتراجع خطوة إلى الوراء، وهو تصرف كرهه في نفسه قالت بجرأة وغنج، وهي ترفع يدها لتلامس صدره:
_ مش أنا خطيبتك برضك؟ ومرتك جريب؟
هنا، انفجر جاسر لم يعد يطيق صبراً.
تحرك بسرعة خاطفة، وأمسك بمعصمها قبل أن تلمسه، قبضته الفولاذية سحقت عظامها الرقيقة.
صاح بها محذراً، وعيناه تقدحان شرراً
_ كلمة تانية... كلمة واحدة زيادة... وهجول لعمي على كل عمايلك دي، وهو يتصرف معاكي بمعرفته، لإني مش هوسخ يدي بدمك.
لكن شروق، في هوسها به، تمتعت بجرأة أشد، كأن تهديده يثيرها أكثر ضحكت ضحكة ناعمة وقالت وهي تحاول الاقتراب أكثر
_ وماله جول له، هجوله حبيبي ورايداه، وبموت فيه ويمكن وجتها... يعچّل بچوازنا عشان يريحني ويريحك.
لم يعد جاسر يرى أمامه لقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء قام بجذب ذراعها بقوة، وسحبها نحوه بعنف حتى اصطدم جسدها بصدره أحنى رأسه حتى أصبح وجهه الغاضب على بعد سنتيمترات من وجهها المذهول، وغمغم من بين أسنانه بشر مطلق، كل كلمة كانت كهمس أفعى سامة
_ نصيحة مني ليكي... يا بنت عمي.
ابعدي عن طريجي لإني جادر... جادر أخلي عيشتك جحيم أسود، وتتمني الموت ومتطلهوش.
ارتجفت شروق لأول مرة
لقد رأت الشر الصافي في عينيه، شر لم تره من قبل، وخاصة عندما تابع بنفس الهمس القاتل
_ أني چوايا نار... نار لو خرچت هتحرج الدنيا كلها باللي فيها متخلنيش أطلعها عليكي إنتي انفدي بجلدك وابعدي عني... عشان لو مبعدتيش... متلوميش إلا حالك.
ترنحت شروق عندما دفعها جاسر من أمامه بقسوة، كأنه يلقي بشيء مقزز لم ينظر إليها حتى استدار وأخرج ملابس من الخزانة بعنف، ودلف بها إلى المرحاض مرة أخرى، صافقاً الباب خلفه بقوة جعلت الجدران تهتز.
بقيت شروق وحدها في منتصف الغرفة، ترتعد خوفاً من تحذيره، وتتنفس بصعوبة وضعت يدها على قلبها الذي كان يخفق بجنون لقد أخافها، أخافها حقاً.
لكن بينما كان الخوف يجري في عروقها، كان هناك شيء آخر ينمو في قلبها... إصرار عنيد ومريض لن تتخلى عنه هذا الرجل، بقوته وقسوته وغضبه، سيكون لها.
مهما كان الثمن.
❈-❈-❈
خرجت من الغرفة وقد ظهر الخوف جاليًا عليها لكن اخفته عندما
وجدت والدتها تقدمت منها تسألها بلهفة
_عملتي ايه؟
ردت شروق بضجر وهي تنصرف من امامها
_زي اللي جبلها واللي جبلها.
وبختها نادرين بحدة
_كانك خايبة زي أمك.
لم تتركها بل توجهت خلفها داخل غرفتها تقول بتوبيخ
_ لانك مش فالحة في حاچة واصل،
ده بالذات النسوان مدخلوش حياته واصل يعني جادرة بكلمة حلوة منيك توجعيه على رجبته...
قاطعتها شروق بانفعال
_افهمى يما الله يرضى عليكي، جاسرمبيحبنيش والعمايل اللي بتجبريني عليها دي بتخليه يكرهني مش يحبني، ياريت انتي وابويا تخرچوني من حساباتكم.
تقدمت منها نادرين وهي تقول بحدة
_وهي حسباتنا دي لصالح مين؟ لصالحنا احنا ولا لصالحك انتِ وأخوكي.
ردت باستنكار
_لا يما لصالح أبويا وبس، هو كل اللي يهمه إن كل حاچة تكون له هو، وكل اللي في دماغه انه يخلص من جاسر زي ما خلص من عمي.
وضعت نادرين يدها على فم ابنتها تقاطعها قائلة بتحذير
_اكتمي يا بت الله ياخدك، ابوكي لو سمعك دلوجت هيجطع رجبتك.
ابعدت شروق يدها عنها وهتفت بعذاب
_مش دي الحجيجة برضك؟ مش ده اللي عايز أبوي يوصله؟
بس أني هعمل اللي أني ريداه، أيوة بحبه واتمناه يتزوچني بس همشي بدماغي اني مش دماغ حد تاني، لاح التوعد بعينيها وهي تضيف
_وكدة ولا إكدة جاسر مش هيكون لواحدة غيري.
تطلعت نادرين إليها بسخرية
_وريني شطارتك.
أومأت لها بثقة
_هوريكي متجلجيش
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الرابع 4 - بقلم رانيا الخولي
أوقف مالك سيارته أمام ذلك المنزل الكبير.
أطفأ المحرك، فحل صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت الأصوات المترابطة بالليل.
أخرج هاتفه، وبأصابع ثابتة أجرى مكالمة.
عندما أتاه الرد الناعس، قال باقتضاب وبصوت أجش:
_ أنا مستنيك برة.
أغلق الهاتف دون انتظار رد، وأعاده إلى جيبه.
ثم أسند رأسه للوراء على مقعد السيارة، وأغمض عينيه.
خرجت من صدره تنهيدة طويلة، حارة، وعميقة، أراد بها أن يخرج معها كل آلامه التي تؤرقه ليالٍ طويلة.
أراد أن يطرد طيفها من عقله، صورتها وهي تضحك، وهي تبكي، وهي تنظر إليه بتلك النظرة التي تراه فيها سنداً ودعماً، لا أكثر.
لكن يبدو أن ما يريده صعب المنال، وكأن القدر قد حكم عليه أن يعيش بهذا العذاب الذي لن يتوقف يوماً.
أخرجه من شروده طرقات خفيفة على زجاج النافذة.
فتح عينيه ببطء، ثم أنزل الزجاج، فإذا بوجه أكمل يطل عليه، وعيناه نصف مغمضتين من النعاس، وشعره أشعث.
_ في واحد عاقل يزور حد في وقت زي ده؟! الساعة داخلة على اتنين.
تطلع إليه مالك وارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، ابتسامة من يرى صديقه الوحيد وملاذه الأخير.
_ لف واركب.
تطلع أكمل في ساعته مرة أخرى، كأنه لا يصدق، وغمغم باحتدام:
_ أركب إيه يا مجنون إنت؟ إنت عارف الساعة كام؟ وبعدين أنا عندي طيارة بكرة الساعة تمانية الصبح، يعني لازم أكون صاحي وجاهز من ستة.
أخفض مالك جفنيه بملل مصطنع، وغمغم بأمر لا يقبل الجدال:
_ بقولك بطل زن، واركب.
استغفر أكمل في سره بغيظ، لكنه يعلم أن لا فائدة من النقاش مع مالك عندما يكون في هذه الحالة.
التف ليصعد بجواره في مقعد الراكب، وقال بحنق وهو يغلق الباب:
_ إنت...
باغته مالك بانطلاقة مفاجئة بالسيارة، كأنه يريد أن يقطع عليه سيل تذمره.
لكن "أكمل" تشبث بمقعده وتحدث بغيظ:
_ إنت مش هتبطل جنونك ده أبداً!
رد مالك بدون مبالاة، وعيناه على الطريق الخالي أمامه:
_ لاه.
علم أكمل من هذه الإجابة المقتضبة أن صديقه يود التحدث، وأن الأمر أكبر من مجرد نزهة ليلية.
لذا، التزم الصمت، وترك مالك يقود في شوارع المدينة الفارغة، حتى وصلا إلى مكانهما المعتاد على النيل، مكان بعيد عن الضوضاء، حيث يجتمعان دائماً عندما تثقل الهموم على قلب أحدهما.
ترجل مالك أولاً، وتقدم من السور ليقف أمام المياه السوداء التي تعكس أضواء المدينة الخافتة.
كان صوت الماء عذباً وهادئاً، يتهادى بدلال على الأحجار المتراصة على حافته.
ترجل أكمل بدوره، وأدنى منه ليقف بجواره، كتفاً بكتف، دون أن ينطق بكلمة.
فهو يعلم بحالة صديقه، ويعلم أنه يحتاج إلى هذه اللحظات من الصمت قبل أن يبدأ في إخراج ما في قلبه.
بعد فترة قصيرة، خرج مالك من صمته.
نظر إلى أكمل الذي كان يتطلع إليه بوجوم وقلق.
_ بتبصلي كده ليه؟
تنهد أكمل بثقل، كأنه يحمل هم صديقه على كتفيه.
_ مستغرب.
رفع حاجبيه متسائلاً:
_ من إيه؟
_ يعني حتة عيلة... تعمل فيك كل ده. انا مستغرب مالك العاقل يحب عيلة 13 سنة.
لاحت ابتسامة مملوءة بالمرارة على شفتي مالك، وهو يعيد بصره إلى النيل.
_ بس دي بالذات... عمرها ما كانت طفلة في عيني.
من أول يوم شيلتها فيه وهي حتة لحمة حمرا، وأنا بقول إنها لياليا لوحدي.
كبرت قدام عيني، وكل يوم كان حبي ليها بيكبر معاها.
بس أول ما فتحت عينيها على الدنيا... مشفتش حد غير أخويا.
وأنا بالنسبة ليها... مجرد عوض عن موت أبوها.
السند والضهر اللي بيحميها وبس.
أراد أكمل أن ينبهه لأمر غائب عنه، أو ربما يتغافل عنه.
لذا سأله عن قصد:
_ وفرق السن... ليه مفكرتش فيه؟
_ فكرت.
قال مالك بصوت متعب:
_ فكرت فيه، زي ما فكرت في حاجات تانية كتير وأولهم... إني سمعت أبويا وهو بيقول لجدي إنه اختارها لعدي.
ساد صمت قليل، لم يقطعه سوى صوت الماء.
ثم تابع مالك بصوت مبحوح:
_ يعني خلاص... أي أمل ليا انتهى بعد اللحظة دي. وللسبب ده قررت أسافر أو بمعنى أدق... أهرب.
باغته أكمل بسؤاله المباشر:
_ ولإمتى؟
عقد مالك حاجبيه بشرود، كأنه لم يفكر في هذه النقطة من قبل.
_ مش عارف بس مش ناوي أرجع. هكتفي بالأجازات اللي هاخدها وخلاص.
_ وشايف إن ده حل؟
تطلع إليه مالك بحيرة، كغريق يبحث عن قشة.
_ مفيش غيره قدامي.
هز أكمل رأسه برفق.
_ أنا شايف إن الهروب مش حل لمشكلتك. بالعكس، اشتياقك هيقوي حبك ليها أكتر. طول الوقت هتفضل تفكر فيها، زي ما كنت بتعمل في الجامعة وأكتر.
بس وانت في الجامعة كنت مشتاق لبنتك، انما دلوقت مشاعرك اطورت وبقت حاجة تانية.
الحل الوحيد يا مالك، إنك تواجه. تمحي حبها من جواك، وتظهر حب الأبوة اللي إنت خافيه جواك وترجمته على إنه عشق.
يمكن لما تشوفها كل يوم، وتتعامل معاها كبنتك فعلاً، الصورة تتغير في عقلك.
قالها "مالك" بسخرية خفيفة، محاولاً تغيير دفة الحديث:
_ ويمكن لما أسافر... أكتشف إنه فعلاً حب أبوي زي ما بتقول... يا سيادة وكيل النيابة.
ابتسم "أكمل" ابتسامة متعبة:
_ وكيل نيابة كده مرة واحدة؟ ضمنتوا قبولي يعني؟
قال "مالك" بثقة، وهذه المرة كانت ثقته حقيقية، ثقة الصديق في صديقه.
_ وإيه اللي يمنع؟ أنا واثق إنك قدها.
وبعدين إنت اجتزت الأصعب، والباقي مجرد رسميات.
تنهد أكمل بثقل، وعاد الهم ليرتسم على وجهه:
_ ياريت بس أنا شايف إن الشغل ده هيبعدني أكتر عن جدي والمشكلة إنه رافض تماماً يسيب البلد وييجي يعيش معانا في القاهرة.
دايماً يقولي أنا عامل زي السمكة اللي لو خرجت من المايه تموت على طول. غصب عني بسكت ومبرداش أضغط عليه.
ربت مالك على كتفه، وهذه المرة تبادلت الأدوار، وأصبح هو من يواسي.
_ سيبه براحته بلاش تضغط عليه. هو هنا وسط أهله وناسه وأصحابه. دي حياته اللي يعرفها. وإنت كل أجازة انزله، متقطعوش.
نظر كل منهما للآخر، صديقان جمعهما القدر، وكل منهما يحمل هماً مختلفاً، لكنهما يجدان في وجود بعضهما البعض السند والعون، في صمت أبلغ من أي كلام.
في منزل قاسم المحلاوي.
نزل أكمل الدرج بخطوات هادئة، وهو يحمل حقيبته الجلدية في يده.
وجد جده قاسم جالساً في مكانه المفضل على الأريكة الكبيرة في بهو المنزل، يقرأ في جريدته الصباحية التي لا يبدلها مطلقاً، وكأن العالم خارج صفحاتها لا يعنيه.
كانت هذه طقوسه اليومية التي لم تتغير منذ سنوات.
_ السلام عليكم.
رفع قاسم عينيه ببطء عن الجريدة، ونظر من فوق نظارته الطبية إلى حفيده الذي يقف أمامه بكامل أناقته، جاهزاً للسفر.
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. على فين العزم دلوقت؟
تطلع أكمل في ساعته بابتسامة:
_ دلوقت إيه يا حج؟ الساعة عدت ستة، وأنا عندي مقابلة مهمة النهاردة في القاهرة.
تذكر قاسم فجأة، وضرب بكفه على ركبته بخفة:
_ والله نسيت يا ولدي. فرحة امبارح واللمة نستني كل حاجة. على العموم، ربنا يوفقك، بس متتأخرش عليا وتغيب عني كتير إكده. الشهور اللي فاتت كانت طويلة جوي.
مال أكمل ليقبل يد جده الخشنة التي تحمل تجاعيد الزمن، وقبلها بكل الحب والتقدير الذي يحمله له، متمتماً بصوت حنون:
_ إنت عارف يا جدي إنه غصب عني.
الجامعة ومشاغلها. بس أول ما الظروف بتسمح، بتلاقيني خدت أول قطر وجيلك على طول.
أومأ له قاسم برضى، وربت على ظهر يده الممسكة بيده.
_ خابر يا غالي، خابر. بس بلاش تعمل زي ابوك، وتشغلك الدنيا عني.
جثى أكمل على ركبتيه أمام جده، ووضع حقيبته جانباً.
قال بعتاب مرح، كطفل يداعب أباه:
_ طب ما إنت اللي رافض تاچي معانا وتريحني وتريح نفسك، وكل مرة تتحجج بحچة الأرض يا حچ قاسم.
غامت عين قاسم بالذكريات، وسرح بنظره للحظات في الفراغ، كأنه يرى شريط حياته يمر أمامه.
_ مش بس الأرض يا ولدي. أنا اتولدت اهنه، واتربيت اهنه، وربيت أبوك في الدار دي. حياتي وذكرياتي كلها، الحلوة والمرة، مدفونة في تراب البلد دي.
مخرجتش براها، وعشان إكده بجيت زي السمكة اللي لو خرجت من المايه... تموت.
رفع عينيه لحفيده، وتابع بعتاب حنون يحمل في طياته حباً عميقاً:
_ عايزني أموت يا ولدي؟
شدد أكمل بقبضته على يد جده، ونفى بلهفة صادقة:
_ بعد الشر عنك يا جدي! ربنا يديك طولة العمر والصحة.
قالها "قاسم" بحسم:
_ يبجى خلاص. بلاش تطلب مني الطلب ده تاني. وجت ما تجدر تاچي، هتلاجيني مستنيك يا غالي.
ابتسم أكمل بود وهو ينهض من أمامه، ليلتقط حقيبته.
_ إن شاء الله يا جدي. أنا همشي بقى عشان...
قاطعه "قاسم" بنبرة آمرة لا تقبل النقاش، وهو يطوي جريدته ويضعها جانباً:
_ تمشي فين؟ مفيش خروج من الدار دي قبل ما تفطر يا أم حسن! الفطار!
لم يكد أكمل يعترض، حتى كانت أم حسن، مدبرة المنزل، تطل من باب المطبخ بابتسامتها المعهودة.
_ الفطار جاهز يا حچ.
_ يبجى حطيه على السفرة. حفيدي وكيل النيابة مسافر، ولازم ياكل لقمة تتقل جلبه.
استسلم أكمل بابتسامة، ووضع حقيبته مرة أخرى. لا فائدة من مقاومة أوامر جده، خاصة عندما تتعلق بالطعام.
جلس إلى طاولة السفرة الكبيرة، وسرعان ما امتلأت أمامه بالأطباق الشهية، الفطير المشلتت، والجبن القديم، والعسل الأبيض، والبيض المقلي.
جلس قاسم على رأس الطاولة، وبدأ يضع الطعام في طبق حفيده بنفسه.
_ كل يا ولدي، كل. أكل القاهرة ده ميسندش طول. عايزك ترجعلي إكده وشك منور وصحتك ترد فيك.
ضحك أكمل وهو ينظر إلى طبقه الذي تحول إلى جبل من الطعام.
_ كفاية يا جدي، والله كفاية. هنام في المقابلة.
_ كل بس ومتتكلمش.
قال "قاسم" وهو يقطع له قطعة من الفطير ويغمسها في العسل ويضعها أمامه.
_ عايزهم يشوفوا وكيل النيابة بتاعنا مالي مركزه إكده.
أكل أكمل وهو يشعر بدفء لا مثيل له.
لم يكن مجرد طعام، بل كان حباً خالصاً يقدمه له جده.
كانا يتحدثان بين اللقمة والأخرى، عن ذكريات الطفولة، وعن أهل البلد، وعن أحلام أكمل المستقبلية.
كان قاسم يستمع إليه بفخر واهتمام، وكانت عيناه تلمعان بحب لا تخطئه عين.
_ ربنا يخليك ليا يا جدي، وميحرمنيش منك أبداً.
قال أكمل بصدق وهو ينهي طعامه.
رد قاسم وصوته يملؤه الحنان:
_ ويخليك ليا يا غالي. إنت اللي فاضلي من ريحة الغالية، كانت روحها فيك. روح يا ولدي، ربنا يفتحها في وشك، وينور طريقك. بس متنساش... إن فيه قلب مستنيك اهنه.
نهض أكمل وقبل رأس جده مرة أخرى، وشعر بأن هذه اللحظات هي الوقود الحقيقي الذي يعينه على مواجهة العالم بقسوته وبرودته.
حمل حقيبته وقال:
_ طيب أنا يدوب الحق الطيارة. ادعيلي يا جدي.
رد قاسم بصبو:
_ بدعيلك يا ولدي من غير ما تجول.
أومأ له أكمل بابتسامة وقبل رأسه ثم خرج من المنزل.
كانت سيارة جده بانتظاره كي تنقله للمطار.
لكنه توقف عندما وجد سيارة مالك تدلف من البوابة الرئيسية.
هز رأسه بيأس منه وتمتم بغيظ:
_ مجنون.
توقف مالك بسيارته بجانب سيارة جد أكمل، ونزل منها بخطوات ثابتة، وعيناه تتابعان صديقه الذي ودّع جده للتو.
لم تكن نظراته تحمل العتاب هذه المرة، بل شيئًا من الامتنان الصامت.
اقترب أكمل منه وهو يهز رأسه بيأس مصطنع قائلاً:
_ انا مش لسة سايبك من ساعتين؟
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي مالك:
_ كنت هتسافر من غير ما تسلم عليا؟ دا أنا حتى مديونلك بليلة مفيهاش نوم.
ضحك أكمل وهو يضع حقيبته في سيارة جده، ثم التفت إليه بجدية أكبر.
_ مالك، فكر في كلامي. الهروب مش حل يطفئ النار اللي في قلبك، بالعكس هيخليها تشتعل أكتر جواك في وحدتك. فكر في كلامي كويس..
تنهد مالك وأشاح بنظره نحو الأفق، حيث بدأت الشمس ترسل خيوطها الأولى معلنة عن فجر جديد.
_ ربنا يسهل.
وضع أكمل يده على كتف صديقه بقوة.
_ انا مش بقولك كدة عشان تفضل وتتعذب. أنا بقوللك خليك وواجه، وأثبت لنفسك أولاً، وليها ثانيًا، أنك السند والأب اللي شيفاه فيك.
خليها تعتاد وجودك كقوة في حياتها، مش مجرد ظل لأب أو أخ.
يمكن وقتها تشوف فيك اللي مش شافتوش قبل كدة.
صمت مالك للحظات، كلمات صديقه كانت كالحجارة التي أُلقيت في مياه روحه الراكدة، فأحدثت تموجات عنيفة.
هل يستطيع فعل ذلك؟ هل يملك القوة ليبقى ويغير قواعد اللعبة التي حكمت عليه بالخسارة منذ البداية؟
قاطع شروده صوت سائق سيارة الجد وهو يقول:
_ أكمل بيه، هنتأخر على الطيارة.
أومأ أكمل برأسه، ثم نظر إلى مالك نظرة أخيرة مليئة بالأمل.
_ هستنى اتصال منك. متخدش قرار تندم عليه بعد كدة. أحيانًا، أقصر الطرق للنسيان هي المواجهة، مش الهرب.
عانق الصديقان بعضهما بحرارة، عناق رجال يحمل في طياته الكثير من الكلام الذي لم يُقل.
صعد أكمل إلى السيارة التي انطلقت مبتعدة، بينما ظل مالك واقفًا في مكانه، يراقبها حتى اختفت عن الأنظار.
لم يعد إلى سيارته فورًا.
بل استدار وعاد بخطواته نحو منزل قاسم المحلاوي.
وجد الجد لا يزال جالسًا في مكانه أمام المنزل، لكن الجريدة كانت مطوية بجانبه، وعيناه شاردتان تتبعان أثر حفيده المسافر.
رفع رأسه إلي مالك وقال بصوته الأجش المليء بالحكمة:
_ الصاحب سند يا ولدي.
ابتسم مالك بحزن وقال:
_ أكيد.
نظر إليه قاسم نظرة فاحصة، كأنه يقرأ ما يدور في روحه.
_ الحب اللي بيوجع دواهُ الصبر والمواجهة. أما الهروب، فهو بيزيد الوجع وجع.
اتسعت عينا مالك في دهشة.
كيف عرف الجد ما يجول في خاطره بهذه الدقة؟ كأن حكمة السنين منحته قدرة على رؤية ما وراء الصمت.
لم يجد ما يقوله، فاكتفى بإيماءة صامتة.
يبدو أنه سمع حديثه مع أكمل.
ربت قاسم على المقعد الخالي بجانبه.
_ اجعد يا ولدي... اشرب معاي فنجان قهوة جبل ما ترچع لطريجك. الصبح له حكايات تانية.
لأول مرة منذ وقت طويل، شعر مالك برغبة في البقاء.
جلس بجانب قاسم، مستسلمًا لفكرة أن المواجهة قد تبدأ بفنجان قهوة مع رجل حكيم، في فجر يوم جديد يحمل في طياته احتمالات لم تكن في الحسبان.
ربما، لم يكن الهروب هو قدره المحتوم بعد كل شيء.
الجميع يدعون فهمه، لكن حقيقة الأمر أن لا أحد يفهمه.
حبه لها ليس عشقاً.
بل حب تملك لصغيرته التي علقته بها بتعلقها الزائد له.
لم يتطرق قاسم للحديث مرة أخرى واكتفى بحديث آخر ومزيد من الحكم التي يمتاز بها ذلك الرجل.
عاد مالك إلى الفيلا مع خيوط الفجر الأولى، لكنه لم يدخل.
بقي في سيارته، يراقب النوافذ المظلمة كأنها عيون مغلقة تخفي خلفها مصيره.
لم يكن قرار السفر مجرد هروب من حب موجع، بل كان درعًا يرفعه ليحميها من تملكه.
روح... مجرد اسمها كان كافيًا لإشعال عاصفة في صدره.
هي لم تكن مجرد فتاة تعلق بها، بل كانت الطفلة التي رباها على يديه، والتي نما حبه لها كوحش خفي يخشى أن ينقض عليها يومًا ما.
تنهد بعمق وفتح باب السيارة.
كان يعلم أن المواجهة القادمة لن تكون سهلة.
ما إن خطت قدماه بهو المنزل الفخم، حتى وجد والده سالم في انتظاره.
ونظراته تحمل لومًا هو لن يتحمله.
سأل سالم بصوت لا يخلو من حدة:
_ كنت فين يا مالك؟
أجاب مالك بصوت مرهق، متجنبًا النظر في عيني والده:
_ كنت مع أكمل.
أومأ له سالم ونهض مقتربًا منه:
_ ليه مصر على السفر يا ولدي؟ ايه اللي چابرك عليه؟
تقدمت ورد من خلف زوجها، وعلى وجهها قلق الأم الذي لا يخطئه أحد.
_ مالك يا حبيبي الله يرضى عنيك شيل الفكرة دي من دماغك، بعدك عني ممكن يجتلني.
تقدم منها مسرعًا ليقبل يدها:
_ بعد الشر عنك يا أمي.
_ الشر مش هيبعد عني ببعدك يا غالي.
نظر مالك إلى والدته بعينين تحملان ألمًا لم يستطع البوح به.
فما بداخله لن يستطيع البوح به.
_ ده قراري النهائي ومش هتراچع فيه.
قالها بصلابة لم يعتدها منه والداه.
فقال بعدم استيعاب:
_ يعني ايه هتكسر كلمتي.
رد مسرعًا:
_ العفو يا حاچ بس دي حياتي ورايد اعيش كيف ما بدي.
في تلك اللحظة، نزل صوت هادئ وحكيم من أعلى الدرج، صوت كان دائمًا الحكم الفصل في هذه العائلة.
_ سيبه يا سالم.
التفت الجميع نحو مصدر الصوت.
كان وهدان ينزل الدرج ببطء، متكئًا على عصاه الخشبية المصقولة.
كانت عيناه تحملان حكمة ونظرة تخترق الأرواح.
قال سالم بدهشة:
_ انت ليه موافجه على سفره يا بوي؟
وقف وهدان أمام حفيده، ونظر في عينيه مباشرة.
لم تكن نظرته تحمل لومًا أو عتابًا، بل فهمًا عميقًا.
هو الوحيد الذي رأى ما وراء نظرات مالك لروح.
هو الوحيد الذي فهم أن هذا الحب، إن استمر، سيحرق الجميع.
_ دي زي ما جال حياته يا سالم.
قالها وهدان بهدوء وهو لا يزال يحدق في مالك.
وتابع:
_ أحيانًا، بيكون البعد أفضل بكتير.
سيبه يسافر ويشكل حياته زي ما هو عايز. وأكيد في يوم هيرجع مش هيفضل في الغربة كتير.
وبعدين يا ولدى هو كان تعب وزاكر وخد الهندزسه عشان يقعد جارك.
وهو ينظر لى مالك ولسان حاله يقول فاهمك ياولدى.
صمت الجميع.
وكانت كلمات وهدان كاشفة، وكأنها ألقت الضوء على سر مالك المظلم دون أن تفضحه صراحة.
شعر مالك بامتنان هائل لجده، الذي فهمه دون أن يحتاج للشرح.
حاولت ورد الاعتراض بصوت متهدج:
_ بس يا عمي..
قاطعها وهدان بنظرة حانية.
_ يا بتي الشجرة اللي بتزرعيها في الظل، بتموت.
وبرضه المشاعر إكدة. بتحتاج للشمس والهوا عشان تنضج يا إما هتدبل.
سيبيه يدور يمكن يلاقي شمسه.
ثم التفت إلى مالك، ووضع يده على كتفه.
_ سافر يا ولدي.
روح وشوف الدنيا، يمكن تشوف جلبك على حجيجته. بس أرچع وقت ما تكون مستعد.
كانت كلمات الجد هي الإذن الذي كان يحتاجه مالك.
لم تكن موافقة على هروبه، بل تكليفًا بمهمة.
مهمة أن يشفي نفسه قبل أن يعود.
أومأ مالك برأسه، وعيناه تلمعان بدموع حبسها طويلاً.
_ أوعدك يا جدي.
نظر إلى والديه اللذين وقفا صامتين، بين إنكار الأب ودموع الأم.
لم يستطع أن يقول شيئًا آخر.
استدار وصعد إلى غرفته ليبدأ في حزم حقائبه.
فتح باب غرفته، فتسلل إلى أنفه عطرها الطفولي الذي تركته خلفها بالأمس عندما أتت لتريه رسمة جديدة.
نظر إلى سريره، وتخيلها تقفز عليه ضاحكة.
كل زاوية في هذه الغرفة تصرخ باسمها.
أغمض عينيه بقوة.
نعم، السفر هو الحل الوحيد.
ليس ليهرب منها، بل ليحميها من الوحش الذي ينمو في قلبه.
سيذهب، وسيبني جدرانًا من المسافات والزمن بينه وبينها، على أمل أن يعود يومًا وقد أصبح رجلًا آخر، رجلًا يستحق أن يكون أخيها وسندها، لا عاشقها السري.
كان الهواء الساخن يلفح وجه أكمل وهو يطل من نافذة السيارة، مُودّعًا النخيل المتناثر على جانبي الطريق والذي كان يمثل آخر ما تبقى من صورة الصعيد في عينيه.
كانت رحلة طويلة، لكنها أقصر بكثير من المسافة التي يشعر بها في قلبه بين عالمين.
عالم جده الهادئ المترسخ في الأرض والتقاليد، وعالم القاهرة الصاخب الذي ينتظره بأحلامه وطموحاته.
وصلت السيارة إلى المطار وكم وجد صعوبة في الترجل من السيارة والسير على أرض المطار الذي سيفصله عن عالم جده.
لم يدم تردده، فأمامه حياة وهدف آخر بانتظاره.
بخطوات بطيئة سار حتى أنهى اجراءات الطائرة ثم توجه إليها.
وطوال رحلته ظل يفكر في كل شيء متعلق بالبلدة وبجده حتى وصل إلى القاهرة.
نزل أكمل حاملاً حقيبته التي لم تكن تحتوي على الكثير من الملابس، بل كانت مُثقلة بذكريات إجازة قضاها في أحضان جده.
رائحة الأرض الطينية بعد ريِّها، صوت الجد وهو يحكي له حكايات الأجداد تحت ضوء القمر، ودفء الأحاديث البسيطة التي لا تحمل في طياتها إلا الصدق والمحبة.
استقل سيارة أجرة إلى منزل أسرته، وفي كل شارع تمر به السيارة، كان يشعر بأن القاهرة تبتلعه مرة أخرى في ضجيجها وزحامها الذي كاد أن ينساه.
فتح باب الشقة بمفتاحه، ليجد والدته في استقباله بابتسامة واسعة وحضن دافئ طال انتظاره.
_ أكمل! حمدًا لله على السلامة يا حبيبي. وحشتني جدًا.
عانقها بقوة، ثم قبّل يدها وهو يقول بمحبة:
_ وانتي كمان يا أمي وحشتيني أوي.
التفت إلى والده الذي خرج من غرفته على صوت ترحيب زوجته.
نظر إليه حسين بفخر، وقال بصوتٍ هادئ يملؤه الرضا:
_ أهلاً يا سيادة وكيل النيابة. نورت بيتك.
ابتسم أكمل ابتسامة باهتة، حاول أن يجعلها تبدو أكثر فرحًا مما يشعر به حقًا.
جلس معهما في غرفة المعيشة، وأخرج من حقيبته الظرف الذي يحمل نتيجة قبوله في الهيئة القضائية.
وضعه على الطاولة أمام والده قائلاً:
_ الحمد لله يا بابا، ربنا كرمني وقبلت.
تهللت أسارير والدته وهي بفرحة عارمة، بينما التقط والده الظرف، وقرأ الخطاب الرسمي وعيناه تلمعان بالفخر.
ربّت على كتف ابنه بقوة وهو يقول:
كنت عارف أنك هتعملها. طول عمرك رافع راسي، بس المرة دي أفضل بكتير.
كانت فرحتهما غامرة وصادقة، وهي الفرحة التي حلم أكمل دائمًا بأن يراها على وجهيهما.
لقد عمل بجد واجتهد لسنوات طويلة من أجل هذه اللحظة، من أجل أن يرى هذا الفخر في عيون والده وهذه السعادة في قلب والدته.
لكن، وفي وسط هذه الأجواء الاحتفالية، كان هناك جزء من قلبه لا يزال عالقًا في ذلك البيت الكبير في صعيد مصر.
استأذن منهما ودخل غرفته بحجة تغيير ملابسه.
أغلق الباب خلفه واستند عليه، وأغمض عينيه.
عادت إليه صورة جده وهو يودعه عند السيارة صباحًا.
لم يتحدث الجد كثيرًا، لكن نظرة عينيه كانت تحمل كل الكلمات.
كانت نظرة فخر ممزوجة بوحدة قادمة، ووداع صامت لرجلٍ مسنٍّ سيظل في بيته الكبير وحيدًا مرة أخرى.
تذكر آخر كلماته له:
متنساش أصلك يا ولدي مهما كبر مجامك، جذورك هنا.
جلس على طرف سريره، وشعر بثقل المسؤولية يزداد على كتفيه.
لم يعد الأمر مجرد نجاح مهني، بل أصبح صراعًا داخليًا بين تحقيق طموحه الذي كافح من أجله، وبين شعوره بالذنب لتركه جده وحيدًا.
كيف يمكنه أن يبدأ حياته الجديدة المليئة بالعمل والتحديات في القاهرة، بينما الرجل الذي علّمه أولى خطوات الحياة يقضي أيامه وحيدًا في أقصى الجنوب؟
كانت فرحة النجاح موجودة، لكنها كانت فرحة منقوصة، يغلفها شعور بالحنين والقلق.
نظر من نافذة غرفته إلى أضواء القاهرة التي لا تنام، وتساءل في صمت: هل كان قراره بالعودة هو الصواب حقًا؟
بعد أن انقضى بعض الوقت على لهفة والديه الهادئ، الذي شعر به مالك كأنه مراسم وداع، انسحب إلى غرفته.
أغلق الباب خلفه، وشعر وكأنه يغلق ستارة على فصل من حياته.
كان يحاول ترتيب أفكاره المشتتة، صدى كلمات أبيه عن ان "روح لعدي" لا يزال يرن في أذنيه كحكم قضائي نهائي.
وبينما كان غارقاً في بحر من الحيرة والألم، سمع طرقاً خفيفاً ومتردداً على الباب.
لم يكن طرق والدته الحاسم، ولا طرق والده الوقور.
كان طرقاً يعرفه جيداً، طرقاً يحمل براءة وخجلاً، طرق "روح".
_ ادخل.
قالها بصوتٍ هادئ، محاولاً أن يخفي بحة الألم فيه.
انفتح الباب ببطء، وظهرت منه "روح" ابنة عمه.
كانت في الثانية عشرة من عمرها، تقف على أعتاب المراهقة، جسدها النحيل لا يزال يحمل طفولة، لكن عينيها كانتا تحملان حزناً يفوق سنها بكثير.
كانت ترتدي فستاناً بسيطاً من القطن، وتضم بيديها الصغيرتين دمية قديمة مهترئة، تلك التي أهداها إياها في أحد أعياد ميلادها البعيدة.
كانت وجنتاها متوردتين من أثر البكاء، وعيناها الجميلتان غارقتين في بحر من الدموع التي كانت تحاول حبسها عبثاً.
بمجرد أن رآها، شعر مالك بغصة حادة في حلقه.
نسي للحظات حزنه الشخصي، وقلقه من المستقبل، وكل شيء آخر.
لم يعد في العالم سوى هذه الطفلة التي تقف أمامه بقلبٍ مكسور، وكأنها تحمل حزن العالم كله في عينيها الصغيرتين.
نهض من سريره واقترب منها، ثم جثا على ركبتيه ليكون في مستوى نظرها، ليرى الألم بوضوح.
مد يده ليمسح دمعة هاربة على خدها، وشعر بنعومة بشرتها ورقتها.
سأل بصوتٍ حنون، صوت لم يكن يستخدمه إلا معها، صوت كان يخبئه للعالم كله ويظهره لها وحدها:
_ روح؟ بتعيطي ليه يا قلب مالك؟
لم تجب. كانت كلماته الحنونة هي المفتاح الذي فتح سدود دموعها.
انفجرت في بكاءٍ صامت اهتز له جسدها الصغير.
ألقت بنفسها في حضنه، ودفنت وجهها في قميصه، بينما تشبثت به بكل قوتها، كأنها تخشى أن يختفي إذا أفلتته، كغريق يتمسك بآخر طوق نجاة.
تردد مالك في ضمها إليه رغم رغبته الشديدة في ذلك، لكنه منع ذراعيه من ذلك، وشعر بقميصه يبتل بدموعها الساخنة.
تركها تبكي، تركها تفرغ كل حزنها وخوفها في حضنه.
كان قلبه يتمزق من أجلها.
هو يعرف سبب هذا الحزن جيداً. لقد وصل إلى مسامعه الهمس الذي يدور في جلسات العائلة، عن تلك الوصية الشفهية التي قطعها أبوه على نفسه بأن "روح لعدي" أخيه، بمجرد أن تكبر.
كان سفره بالنسبة لها انكساراً وهزيمة، لكنه كان يدرك الآن أنه بالنسبة لها فرحة مستقبلية لا تعلم عنها شيئًا.
لقد أضاع فرحتها الحالية بذهابه، ولا تعرف تلك الصغيرة أنه يذهب لتكتمل سعادتها المزعومة في المستقبل.
كان عدي يكبر روح بسنوات قليلة، لكنه كان يمثل كل ما يكرهه مالك؛ الانانية وحب الذات.
مجرد التفكير في أن تكون روح، ببرائتها ورقتها وقلبها النقي، من نصيبه في المستقبل، كان يشعل ناراً من الغيرة والغضب في صدر مالك.
بعد أن هدأت شهقاتها قليلاً، وتحولت إلى تنهيدات متقطعة، أبعدها عن حضنه برفق، وسألها بحيرة:
_ ليه العياط ده كله؟ عشان مسافر؟
سألها، مع أنه كان يعرف أن هذا هو السبب الظاهري فقط.
هزت رأسها بالإيجاب، ثم قالت بصوتٍ متقطع ومبحوح من البكاء:
_ ايوة... سمعتهم بيجولوا إنك هتهمل البلد... وتسافر بعيد جوي.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأضافت بخوفٍ طفولي حقيقي:
_ وإنك... مش هترچع تاني واصل.
ابتسم مالك لتلك الصغيرة التي تفهم وتستوعب أكثر مما يتصورون.
لم تعد تلك الطفلة التي يمكن خداعها بقطعة حلوى أو لعبة جديدة. إنها تشعر بالخسارة الحقيقية.
تنهد "مالك" بعمق، وحاول أن يجمع شتات نفسه ليجد الكلمات المناسبة.
قال بحزمٍ لطيف، ونبرة تحمل سلطة الأب وحنان الأخ:
_ اسمعيني يا روح. أنا مسافر عشان شغلي ومستقبلي...
لاح الحزن في عينيه وهو يضيف الكلمة الأهم:
_ ومستقبلك.
نظرت إليه بعينين تملؤهما الحيرة والرجاء.
_ مستقبلي؟ كيف يعني؟
قالها وهو ينظر مباشرة في عينيها، بصدقٍ ووعدٍ لا تخطئهما عين:
_ أيوة مستقبلك. لأن وجودي في حياتك دلوقت... ممكن يكون عقبة فيه.
لم تفهم شيئًا، لكنها لم تجادل. هي تعلم جيداً أنه لا يوعدها بما لا يستطيع فعله.
صمتت، تنتظر منه المزيد.
_ وأوعدك... أوعدك يا روح، إني طول ما أني عايش، مش هسمح لحاچة تزعلك أو تأذيكي. حتى وأني غايب... هفضل أحميكي.
كان يعلم أنه يقدم وعداً لطفلة قد لا تتذكر كلماته بالتفصيل حين تكبر، لكنه كان يقدم هذا الوعد لنفسه قبل كل شيء.
كان ينقش هذا العهد على قلبه. هذا هو هدفه الجديد، ووقوده الذي سيجعله يتحمل الغربة، والبعد، وكل شيء.
مسح دموعها المتبقية بأطراف أصابعه، ثم ابتسم لها ابتسامة دافئة، محاولاً زرع بعض الطمأنينة في قلبها الصغير.
_ دلوقت بجا، تمسحي دموعك دي، عشان العيون الحلوة دي مينفعش تبكي. إنتي "روح مالك"... ولا نسيتي؟
هزت رأسها مسرعة، وظهر بريق خفيف في عينيها الحزينة.
_ لا، منسيتش. أني طول عمري "روح مالك"، وبجول إكده لصحابي في المدرسة.
ابتسم مالك بحزن.
هي لا تفهم المعنى الحقيقي لذلك اللقب الذي أطلقه عليها منذ أن كانت رضيعة.
لا تفهم أنه ليس مجرد اسم تدليل، بل هو إعلان ملكية، حقيقة منقوشة في روحه.
شعرت روح ببعض الطمأنينة وهي تستمع لكلماته.
لم تفهم تمامًا كيف سيحميها وهو بعيد، لكنها صدقت نبرة صوته الواثقة، وصدقت الوعد في عينيه.
أومأت برأسها ببطء، وتمسكت بدميتها بقوة.
وقف مالك، وسحبها معه برفق ليخرجها من غرفته، ثم أغلق الباب خلفها.
استند بظهره على الباب، وأغمض عينيه.
في تلك اللحظة، أدرك أن نجاحه لم يعد مجرد حلم شخصي بالثروة والمركز، بل أصبح سلاحه الوحيد في معركة لم تبدأ فصولها بعد.
معركة من أجل جده الذي وضع كل آماله عليه، ومن أجل هذه الطفلة التي سرقت قلبه دون أن يدري أحد، ودون أن تدري هي.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الخامس 5 - بقلم رانيا الخولي
كان مالك يقف أمام الجدار الزجاجي البانورامي لمكتبه في برج من أحد أبراج دبي الشاهقة.
كانت زخات المطر تتساقط بغزارة، في مشهد نادر وغير معتاد للمدينة، تغسل واجهات ناطحات السحاب الزجاجية وتحول الشوارع السفلية إلى أنهار مؤقتة.
كان يراقب المارة وهم يهرعون للاختباء، وسيارات الفخمة المصطفة على جانبي الطريق تلمع تحت قطرات الماء.
لم يشعر بالسرور الذي يشعر به معظم الناس عند رؤية المطر.
بل على العكس أصبح يبغضه.
فقد باتت كل قطرة تذكره بذكريات يجاهد لينساها، بذكريات قريته ورائحة الطين المبلل وصوتها وهي تضحك تحت المطر.
غامت عيناه كغيوم تلك السماء وهو يتذكر أيامه القليلة التي يقضيها معها في إجازاته السنوية.
نصل حاد وبارد غرز في قلبه عندما تذكر نظراتها الهائمة لأخيه عدي، ابتسامتها التي خاصته بها وحده، والتي كانت تضيء عالمه المظلم.
ملاحقتها له بعينيها الآسرة أينما ذهب، نطقها لاسمه بصوتها العذب كان يذبحه من الوريد للوريد، دون شفقة ولا رحمة.
أغمض عينيه، وأخذ نفسا عميقا، محاولا طرد تلك الأشباح.
لكن كيف لجسد استوطن عشق الروح أن تهدأ آلامه؟
انتبه على طرق الباب ودخول ناجي، صديقه المصري الوحيد وزميله في الشركة.
"السلام عليكم مبروك يا وحش، سمعت إنك قفلتها."
التفت إليه مالك وهو يحاول ارتداء قناع البرود واللامبالاة الذي أتقنه على مر السنين.
"وعليكم السلام، لسه، فاضل تفاصيل صغيرة."
جلس ناجي على المقعد الجلدي الفاخر أمامه، وهو يحل زر سترته الأنيقة.
"تفاصيل إيه بس؟ الراجل بنفسه قالي إن لولا تحليلك للبيانات وتوقعك لمكان البئر الجديد، كانوا هيفضلوا يحفروا في الهوا شهور. إنت أنقذت ملايين يا مالك."
كان مالك قد قضى الأسابيع الثلاثة الماضية منكبا على مجموعة معقدة من البيانات لحقل نفط جديد في الصحراء.
كانت كل الفرق الأخرى قد اقترحت مواقع حفر باءت بالفشل، لكن مالك، بذكائه الحاد وقدرته على رؤية الأنماط التي لا يراها الآخرون اكتشف شذوذا بسيطا في البيانات، ثغرة صغيرة قادته إلى استنتاج جريء ومختلف تماما.
راهن على استنتاجه، وأقنع الإدارة العليا بتغيير مسار الحفر بناء على تحليله.
واليوم جاءت الأخبار بانفجار النفط من الموقع الذي حدده بالضبط.
تنهد مالك وهو يجلس على مقعده بوجوم، لم تظهر على وجهه أي علامات للانتصار أو الفرح.
"كلمت الشيخ حمدان؟"
هز ناجي رأسه بأسف.
"كلمته وباركتله على البئر الجديد باسمك بس برضه، رافض تماما فكرة إنك تتنقل لفرع الشركة التاني. قالي بالحرف:
"مالك هو العقل المفكر هنا، ومستحيل أفرط فيه"."
لم يتفاجئ مالك، لقد كان هذا نجاحه الأكبر وفي نفس الوقت أصبح قيده الذهبي.
"يبقى زي ما اتفقنا تجديد العقد مرفوض."
نظر إليه ناجي بحيرة حقيقية.
"ممكن أفهم إيه اللي في دماغك؟ ليه يا مالك؟ ليه مصر تتنقل لفرع أبرد وأصغر ومكانه مقطوع زي ده، وتسيب دبي والمركز اللي وصلتله هنا؟ إنت على بعد خطوة من إنك تبقى رئيس قسم العمليات كله."
كانت عينا مالك لا تظهران سوى البرود، كسطح بحيرة متجمدة تخفي تحتها أعماقا عاصفة.
أجاب بصوته الرزين الهادئ:
"مفيش أسباب، دي رغبتي."
لن يجادل ناجي معه.
فرغم مرور سبع سنوات على صداقتهما، إلا أن مالك كان دائما كصندوق أسود مغلق، لم يستطع يوما معرفة ما بداخله سوى إذا أراد هو ذلك.
سحب مالك ورقة رسمية من الدرج، وأخرج قلما فاخرا من جيب سترته.
بدأ يكتب بهدوء وثبات، كل حرف كان بمثابة مسمار يدقه في نعش وجوده في هذه المدينة.
"أنا هكتب استقالتي وهسيبها معاك. أول ما أرجع مصر بعد أسبوعين، قدمها نيابة عني."
لم يتفوه ناجي بكلمة واحدة أمام هذا العناد المطلق.
لقد أدرك أن صديقه لا يهرب من فشل، بل يهرب من نجاح باهر، نجاح يكبله ويقيده في المكان الذي لم يعد يطيق البقاء فيه لحظة واحدة.
مكان يذكره بكل ما يحاول نسيانه.
في منزل وهدان
"هكذا كان يومي معه مليء بالتجاهل من جهته.
عيناه دائمًا حائرة كأنها تبحث عن غيري.
أشعر أحيانًا بالألم كلما رأيت نظرات سند إلى نغم، وكأن روحها تحلق مع روحه داخل فقاعة وردية لا يريد الخروج منها.
لما لا يتطلع إلي بتلك النظرات؟
ألم يخبر جدي يومًا بأنه عاشق متيم بي؟
لما إذا ذلك التجاهل؟
لم أعد أصدق حديث جدي بأنه يفعل ذلك لأنه لا يملك القدرة على أن يبوح بما بداخله.
ولكن لم أعد أصدق، فما آراه أمامي يدل على أن عينه لا تراني.
لا يشعر بي ولا بلهفتي عليه.
أعشقه حد النخاع، لكن يبدو أنه من طرف واحد.
اليوم تخرجت من المعهد وسيعلن جدي عن خطبتنا أنا ونغم، واليوم فقط سيكون باستطاعتي أن أسأله عن حقيقة مشاعره تجاهي...
روح."
"يعني إيه يا چدي؟ هتزوچني عافية إياك؟"
قالها عدي بغضب ونهض من مقعده أمام جده، كأنه لا يطيق الجلوس لحظة أخرى.
كانت كلماته تحمل تحديا واضحا، تحديا لم يعتد عليه أحد في حضرة "وهدان الرفاعي".
تنهد وهدان تنهيدة طويلة، ووضع فنجان قهوته على الطاولة الصغيرة بجانبه.
نظر إلى حفيده الثائر أمامه وتحدث بحكمته المعهودة التي تشبه هدوء ما قبل العاصفة:
"لا يا ولدي مش عافية، بس إنت خابر إني مش رايد حاچة من الدنيا دي غير مصلحتكم."
تطلع إليه عدي باستنكار وضحك ضحكة ساخرة قصيرة.
"مصلحتي؟ مصلحتي إنك تزوچني لواحدة مبحبهاش؟ واحدة بشوفها زي أختي الصغيرة وبس!"
قال وهدان بهدوء كأنه يضع الحقائق على الطاولة واحدة تلو الأخرى.
"بس هي بتحبك وريداك، وبعدين لاحظ يا ولدي، إن محدش مناسب ليها غيرك إنت.
أخوك، زي ما إنت شايف همل البلد من سنيين طويلة ورافض يرچع، وكل همه شغله وبس.
وسند... سند رايد نغم من زمان..."
قاطعه عدي وقد اشتعلت نيران الغيرة في قلبه عند ذكر اسم نغم، هتف بجده، وكأنه يلقي باتهام طالما كتمه في صدره:
"طيب ليه ممنعتش سند عن نغم، زي ما منعتني عنها؟ ليه هو ياخد اللي رايدها وأنا لأ؟"
انفعل وهدان داخليا لتطرق حفيده لهذا الأمر مرة أخرى، لكنه حافظ على هدوئه الخارجي.
لقد قرر أن يتعامل مع هذا العنيد باللين، فالنار لا تطفئها النار.
قال بثبات ونبرته تحمل تحذيرا مبطنا:
"نبهتك كتير بلاش الحديت ده.
وجولتلك إنهم رايدين بعض من زمان، لو طاوعتك وزوچتهالك، فأنا إكده بحكم عليكم كلكم بالفشل، بحكم على سند بالكسرة وعليك إنت بالتعاسة مع واحدة جلبها مع غيرك، وعلى نغم بالظلم."
صاح به عدي بعذاب حقيقي وشعر بالظلم يطبق على صدره.
"تجول تضحي بيا أنا؟"
أنكر وهدان بصدق وتقدم منه خطوة ووضع يده على كتف حفيده في محاولة لتهدئته.
"أنا مش بضحي بيك يا ولدي.
أنا بديلك اللي ريداك واللي متأكد إنها هتصونك وتسعدك.
بديلك الجوهرة اللي الناس كلها بتحسدك عليها.
روح بتحبك يا عدي والحب ده هو اللي هيبني البيت."
انفعل عدي أكثر ونفض يد جده عن كتفه ثم أولاه ظهره كأنه لا يطيق النظر إلى هذا المنطق الذي يراه ظالما.
"لا يا چدي! إنت مش بتدور على اللي هتسعدني، إنت بتدور على اللي هيسعد الكل... إلا أني.
ولو روح كانت اختارت سند كنت هتزوچها له.
يعني كل اللي هامك هي رايدة إيه، مش أنا رايد إيه!"
نعم لا ينكر وهدان ذلك في قرارة نفسه، سعادة حفيداته خاصة اليتيمات، كانت أولويته القصوى.
لكنه أيضا يعلم مصلحة الجميع أين تكمن ويعمل على أن يسود الحب والتوافق بينهم.
تحدث بهدوء وهو يعود لمقعده كقائد يلقي بآخر تعليماته قبل المعركة:
"شوف يا ولدي أنا عشت عمري كله أحاجي عليكم وأشوف اللي يسعدكم وأعمله حتى لو كان على حساب سعادتي أنا."
لاح اليأس في عينيه وهو يتابع بروية، ونبرته أصبحت أكثر حدة:
"يا ولدي عيبك إنك رايد كل حاچة وواخد الدنيا بصدرك.
الدنيا يا ولدي لازمن نسايسها ونمشي على هواها ساعات، يا إما محدش هيخسر غيرنا.
اسمع كلامي يا ولدي ووافج وشيل نغم من دماغك."
استدار إليه عدي بحدة وعيناه تقدحان شررا.
"ولو جولت... لا؟"
استرخى وهدان في مقعده وشبك أصابعه فوق بطنه ونظر إلى حفيده بنظرة باردة كجليد الشتاء.
قال بهدوء لكن كل كلمة كانت كضربة مطرقة:
"يبجى إنت اللي اختارت تخرج عن طوعي.
واللي يخرج عن طوعي... ملوش عيش في داري."
عقد عدي حاجبيه بصدمة لم تدم طويلا، فهو يعرف جده جيدا، يعرف أنه برغم حنانه الذي يغمرهم جميعا، إلا أنه لا يتهاون أبدا مع من يعصاه أو يتحدى أوامره.
لقد وضع أمامه الخيارين بوضوح:
إما الطاعة والبقاء في جنة الرفاهية أو العصيان والخروج إلى جحيم المجهول.
ضغط عدي على قبضته بغل حتى ابيضت مفاصله.
نظر إلى جده نظرة إدانة أخيرة ثم خرج من المكتب صافقا الباب خلفه بحدة، ليتردد صدى الباب في أرجاء السرايا.
ظل وهدان في مكانه لم يتحرك.
كان يعلم جيدا أن حفيده سيعود.
فـ عدي لم يتحمل مسؤولية نفسه يوما، ولن يستطيع التخلي عن الرفاهية التي يعيشها في كنفه.
لم يرسم لمستقبله طريقا يسير عليه، عكس أخيه مالك الذي وضع هدفا لمستقبله وسعى إليه بكل قوة.
أما مالك فقد وضع هدفا لمشاعره أيضا... ولكن بإحجامها وكبتها.
تنهد وهدان ببطء.
كان الأمر مؤلمًا، لكنه ضروري.
ففي عالمه لا يمكن ترك الأمور للمصادفة، يجب أن تُبنى البيوت على أساس متين حتى لو كان الثمن هو كسر بعض القلوب في البداية.
---
وقفت نغم أمام البوابة الضخمة لجامعتها، تشعر بحرارة شمس الظهيرة تلسع بشرتها.
كانت الساعة قد تعدت الثانية والنصف، وقد مر وقت طويل على الموعد الذي حددته مع سند.
كانت تمسك بحقيبتها بقلق وتنظر إلى الطريق المزدحم كل بضع ثوانٍ على أمل أن تلمح سيارته المألوفة.
حاولت الاتصال عليه مرارًا وتكرارًا، لكن هاتفه كان يرن دون إجابة، مما زاد من قلقها وحيرتها.
لم تجد أمامها حلاً سوى أن تعود للمنزل بسيارة أجرة، وهو أمر لم تعتد عليه أبدًا.
أشارت لإحدى سيارات الأجرة القديمة المارة من أمامها، والتي توقفت فورًا بصوت صرير خفيف.
ترددت للحظة، ثم فتحت الباب الخلفي واستقلت المقعد، وأملته العنوان بصوت هادئ.
لم ترَ نغم نظرات المكر التي لمعت في عيني السائق وهو ينظر إليها في المرآة الأمامية.
كانت نظرة سريعة جشعة، كنظرة ذئب يرى فريسة ثمينة قد سقطت في عرينه.
رأى هيئتها، ملابسها الأنيقة، حقيبتها الجلدية، والهاتف الفاخر الذي وضعته بجانبها.
كل شيء فيها كان يصرخ بالثراء والنعمة.
انطلق بالسيارة، وبدلًا من أن يتجه نحو الطريق الرئيسي المؤدي إلى القرية، انحرف إلى طريق جانبي، طريق زراعي خاوي تحيط به الحقول من كل جانب.
شعر بأن الحظ قد لعب دوره معه هذه المرة.
الطريق إلى القرية طويل، وهذا المنعطف الخالي من المارة هو فرصته الذهبية.
في البداية، لم تنتبه نغم لتغيير المسار، فقد كانت غارقة في أفكارها وقلقها على سند.
لكن بعد دقائق، بدأ شعور غريب ومقلق يتسلل إليها، شعور بأنها مراقبة.
رفعت عينيها إلى المرآة الأمامية، فتجمد الدم في عروقها.
وجدت زوجًا من العيون يتطلع إليها بخبث وجرأة، يلتهم تفاصيلها دون حياء.
وعندما التقت نظراتهما، أخفض عينيه بسرعة، متظاهرًا بالتركيز على الطريق.
انتفض قلبها بخوف، وبدأت دقاته تتسارع كطبول الحرب.
جاهدت كي تخفي ذعرها وتظاهرت بالهدوء حتى لا يلاحظ ضعفها فيستقوي أكثر عليها.
ازدردت لعابها الذي شعرت بأنه أصبح مرًا وجافًا، وظلت تدعو ربها في سرها أن ينقذها، أن يكون كل هذا مجرد وهم وأن تعود إلى بيتها سالمة.
لكن استمرار نظرات الرجل الخاطفة والمقلقة جعلها تشعر بالخطر يطبق عليها.
كل نظرة كانت تحمل تهديدًا صامتًا، ووعدًا مظلمًا بما هو آت.
ماذا ستفعل الآن؟ وماذا سيكون مصيرها إذا... لم تجرؤ على إكمال الفكرة في رأسها.
ازداد خوفها أكثر وتحول إلى رعب حقيقي.
لم تجد أمامها سوى محاولة الاتصال مرة أخرى بسند.
ربما هو في الطريق إليها الآن، ربما يمكنه أن يفعل شيئًا.
أخرجت هاتفها من الحقيبة بروية، وحركتها كانت بطيئة ومحسوبة، كأنها تخشى أن يصدر الهاتف أي صوت.
كانت عيناها تترقب السائق في المرآة، تراقبه كما يراقبها.
قامت بالاتصال على سند، وقد حالفها الحظ هذه المرة بأن أجابها فورًا.
في تلك اللحظة، تواجهت عيناها بتلك العيون الغادرة مرة أخرى.
وقد لمح الهاتف بيدها، اتسعت عيناه بغضب، وأدرك أنها تحاول طلب النجدة.
رفعت نغم الهاتف إلى أذنها بذعر، وبمجرد أن سمعت صوت سند القلق يقول: "ألو؟"
صاحت في الهاتف بكل ما أوتيت من قوة بصوت مزقه الرعب:
"سند! الحقني بسرعة... أنا في..."
لم تكمل جملتها.
صرخت صرخة ألم حادة صدحت في السيارة عندما ضغط الرجل على مكابح السيارة بكل قوته بشكل مفاجئ.
اندفع جسدها إلى الأمام بعنف، واصطدم رأسها بقوة بالمقعد الأمامي.
سقط الهاتف من يدها وغابت عن الوعي، بينما كان آخر ما سمعته هو صوت سند المذعور ينادي اسمها عبر الهاتف الملقى على أرضية السيارة.
---
كان الهواء حارًا وثقيلاً، والغبار يملأ ورشة السيارات الصغيرة على أطراف البلد.
نظر سند في ساعته للمرة العاشرة وشعر بالملل ونفاد الصبر يتسللان إليه.
ضرب بقدمه الأرض بخفة، ثم نظر إلى الشاب الذي كان لا يزال منكبًا على محرك سيارته المفتوح.
"وبعدين معاك يا بشمهندس؟ أنا اتأخرت جوي وعندي ميعاد ضروري."
رفع الشاب رأسه من تحت غطاء المحرك وظهر وجهه المتسخ بالزيت والعرق.
مسح جبينه بظهر يده، تاركًا خطًا داكنًا، وقال بأسف صادق:
"والله يا سند غصب عني، العطل طلع أكبر من ما افتكرت. للأسف العربية شكلها هتاخد مني وقت طويل."
تأفف سند بضيق.
كان قد وعد نغم أن يمر عليها ليأخذها لشراء بعض الأغراض التي تحتاجها.
هي لا تخرج كثيرًا، وكان هذا اليوم استثناءً.
لاحظ عادل حيرته وقلقه، فترك ما في يده ونهض واقفًا.
"اسمع، شكلك مستعجل بجد. خد عربيتي اقضي بيها مشوارك، ولما ترجع بالسلامة تكون عربيتك خلصت."
نظر إليه سند بدهشة، لم يكن يتوقع هذا الكرم.
"معقول! بس كده هعطلك أنت."
ضحك عادل وهو يلتقط منشفة قماشية ويمسح بها يديه.
"ولا عطلة ولا حاجة يا سيدي، أنا كده كده قاعد في الورشة للآخر. تعبك راحة."
لم يجد سند كلمات ليرفض.
فإصرار ابنة عمه على انتظاره يجعله في موقف حرج.
هز رأسه بامتنان.
"متشكر جوي يا عادل، مش عارف أقولك إيه."
دخل عادل إلى مكتبه الصغير، وأخذ مفتاحًا من على علاقة خشبية، ثم عاد وأعطاه لسند قائلًا بمزاح:
"خد يا سيدي، بس حاسب عليها دي، أنا دافع فيها دم قلبي وشقى عمري كله."
ابتسم سند وهو يأخذ المفتاح.
"في عنيا، ربك يسهل."
اتجه نحو سيارة عادل، وقبل أن يفتح الباب، توقف فجأة وضرب على جيبه.
"نسيت التليفون في عربيتي."
ضحك عادل وهو يهز رأسه.
"باين عليه اللي واخد عقلك جامد قوي."
ابتسم سند وتوجه إلى سيارته المعطلة وفتح الباب ليأخذ هاتفه.
في اللحظة التي لمسته فيها يده، أضاءت الشاشة معلنة عن اتصال من "نغم".
شعر بوخزة من الارتياح، ورد مسرعًا وهو يضع الهاتف على أذنه.
"أيوه يا نغـ..."
لم يكمل اسمها، قاطعه صوت صرخة حادة ومذعورة، صرخة ممزقة بالرعب، تحمل اسمه كاستنجاد أخير.
"سنــــــــــــد! الحقنــــــــي بسررررعة!!"
تجمد الدم في عروق سند.
توقف قلبه عن النبض للحظة، وتحول العالم من حوله إلى ضباب.
صاح في الهاتف بصوت لم يعد صوته، صوت أجش ومذعور:
"نغم!! في إيه؟ أنت فين؟ ردي عليا!!"
لم يأتِ رد.
كل ما سمعه هو صوت ضوضاء مشوشة، كأن الهاتف قد سقط من يدها، ثم صمت تام ومفاجئ...
صوت إنهاء المكالمة الذي كان أشبه بصوت طلقة رصاص في أذنيه.
أعاد الاتصال بجنون ويداه ترتجفان بعنف، لدرجة أنه كاد أن يسقط الهاتف.
لكن الرد جاء سريعًا وقاسيًا:
"هذا الرقم قد يكون مغلقًا أو خارج نطاق الخدمة."
لاحظ عادل حالة الهلع التي أصابت سند فجأة، فركض نحوه بقلق.
"خير يا سند! في إيه مالك؟"
لم يرد عليه سند.
كان عقله قد توقف عن العمل، وكل ما يراه هو وجه نغم الخائف.
توجه إلى سيارة عادل كمن يسير في حلم، وفتح الباب وهو يتمتم بضياع:
"معرفش... معرفش في إيه..."
قال عادل بحسم وهو يركض نحو الباب الآخر للسيارة:
"طيب استنى، أنا جاي معاك."
شغل سند محرك السيارة، وصوت المحرك كان كهدير في رأسه.
غمغم برفض وهو يضغط على دواسة الوقود:
"لأ... خليك أنت..."
لكن عادل كان قد فتح الباب بالفعل وجلس في المقعد المجاور، وأغلقه بقوة.
"أخليني إيه! شكلك مش هتعرف تسوق لوحدك. امشي بس وقولي نروح على فين، وأنا معاك للآخر."
لم يجادل سند.
لم يكن يملك القدرة على الجدال.
كل ما كان يعرفه هو أنه يجب أن يصل إليها، وأن كل ثانية تمر قد تكون قد فات الأوان.
انطلق بالسيارة بسرعة جنونية، تاركًا وراءه سحابة من الغبار وقلبًا يدق بالرعب، ودعاءً صامتًا بأن تكون لا تزال بخير.
---
انصدم رأسها في المقعد المقابل.
وقبل أن ترفع رأسها الذي شعر بالدوار، وجدته يدفعها جانبًا ويخطف الهاتف مسرعًا ليقوم بإغلاقه وإلقائه خارج السيارة، خوفًا من أن يكون به جهاز تتبع.
لم تستطع نغم المقاومة وهو يجردها من الحلي التي ترتديها، خوفًا من أن يلحق بها الأذى.
أومأت له حينما طلب حقيبتها، فأخرج ما بها من نقود ووضعها بجيبه، ثم سألها بشر:
"معاكي حاجة تاني؟"
هزت رأسها بالنفي برعب.
"مش معايا، أرجوك متأذنيش."
تطلع إلى قوامها برغبة وعيناه تلتهمان تفاصيلها.
"بصراحة مكنش في دماغي، بس مقدرش أشوف الجمال ده وأسيبه وأمشي."
صرخت نغم بهلع.
وقبل أن يميل عليها، فتحت الباب الآخر وهمت بالخروج منه، لكنه أمسك ببلوزتها.
لم تستسلم نغم وقاومت حتى تمزقت البلوزة من الخلف.
فأحكم قبضته على ذراعها.
التفتت لتميل على يده بأسنانها، فيصرخ الرجل متألمًا وهو يترك ذراعها.
"يا بنت........"
فتحت نغم باب السيارة وقفزت منها، غير آبهة بالخطر الذي يحيط بها.
ركضت بأقصى سرعة ممكنة، وقلبها يخفق بعنف.
ودخلت إلى حديقة أشجار كثيفة محاولة الاختباء من السائق الذي كان يطاردها.
ولم تكن تعلم بأن دخولها سيكون بداية لرحلة عذاب قاسية ولن ترحمها.
كانت الأشجار العالية والمتشابكة توفر لها بعض الأمل في النجاة، بينما كانت أصوات خطوات السائق تقترب منها، وتزيد من رعبها.
تجري وتجري بلا هوادة، فقط تريد الفرار من ذلك المصير الذي سيقضي عليها وعلى عائلتها. انتفض قلبها هلعًا عندما نظرت خلفها ووجدته يسرع وراءها.
-
-
-
تطلع عادل إلى سند الذي يضغط على مقود السيارة حتى جعلها تسرع بشكل يدعو إلى القلق، فقال بقلق:
_ سند أهدى شوية، العربية كده ممكن تتقلب بينا.
صاح به سند بقلق:
_ أهدى كيف، وبنت عمي مخبرش جرالها إيه.
_ أكيد خير إن شاء الله.
وعلى الجانب الآخر، توقفت الطائرة في مطار سهاج.
فيترجل منها ذلك الشاب بغرور قاتل وهو يرتدي نظارته السوداء كأنه يخشى على عينيه من دفء شمسها كي لا تقضي على ذلك الصقيع الذي غلف عينيه.
سار بخطوات ثابتة حتى أنهى إجراءات الخروج سريعًا دون أي تعب أو مشقة.
فالكل يعلم جيدًا من هو ذلك الرجل، لذا يتجنب بعضهم التعامل معه.
خرج من المطار فيجد السائق ينتظره بسيارته، فيسرع بحمل الحقيبة من يده قبل أن يقوم بفتح الباب له، قائلاً بترحيب:
_ نورت البلد يا جاسر بيه.
لم يجبه بل اكتفى بإيماءة بسيطة منه واستقل المقعد الخلفي.
أما السائق فوضع الحقيبة في السيارة وأسرع يتولى القيادة كي لا يغضب رب عمله الذي لا يقبل أبدًا بتضيع ثانية واحدة هباءً.
بعينين كالجليد تطلع إلى هاتفه الذي لم يكف لحظة واحدة عن الرنين، فيتشنج فكه دلالة على السأم من تكرار اتصالها.
قام بإخراجه من سترته وهم بغلقه، لكنه تراجع عندما وجد الاتصال من والدته فرد دون تردد:
_ السلام عليكم.
_ وعليكم السلام يا ولدي، فينك دلوقت؟
رد بفتور اعتاده حتى مع اقرب الناس إليه:
_ في الطريق، ربع ساعة وهكون في البيت.
_ توصل بالسلامة يا نور عيني، إني مستنيينك من الفجر.
_ تمام.
لم تجفل من فتوته معها فقد اعتادته منه لعلمها بأسبابها.
أغلق الهاتف وأعاده إلى سترته، ثم تطلع للطريق أمامه والذي يأخذه إلى طريق بلدته مارًا من أمام تلك الأرض التي راح ضحيتها ثلاثة من عائلته وآخرهم أبيه.
لمعة عينيه لوهلة وانشق فمه القاسي عن ابتسامة ماكرة من تلك الخطة التي عمل عليها لسنوات وها قد جاء موعدها.
ربما يحالفه الحظ يومًا لتسير كما خطط لها، من يدري.
وقتها سيكون باستطاعته رد الصاع بصاعين ويجعلهم راضخين لكل ما يريده.
انتبه للسائق الذي هدّأ السيارة، فسأله:
_ بتهدي العربية ليه؟
أوقف السائق السيارة وهو يجيبه:
_ أصل فيه عربية أجرة قدام الجناين بتاعت جنابك، هشوف لو يكون في حاجة.
هم بالرفض، لكن انتبه كلاهما لصوت صرخات أنثى داخل الجناين.
-
-
-
كانت رئتاها تحترقان، كل نفس تأخذه كان كشرب كأس من اللهب يمزق حلقها وصدرها.
لم تعد تشعر بقدميها، لقد تحولتا إلى مجرد أداتين تتحركان بإرادة منفصلة عن جسدها المنهك، لكنها لم تتوقف، لم تجرؤ على التوقف.
صوت خطواته خلفها كان كقرع طبول الموت، إيقاع ثابت وقاسٍ يطاردها، يلتهم المسافة بينهما.
كل حفيف لورقة شجر، كل طقطقة لغصن يابس تحت قدميه كان يرسل موجة من الرعب الجليدي عبر عمودها الفقري.
لم تكن تجرؤ على الالتفات، كانت تخشى أن ترى وجهه، أن ترى في عينيه النصر وهو على وشك الانقضاض عليها.
وفجأة، تغير الإيقاع، سمعت صوت تعثر عنيف تلته سبة مكتومة وارتطام جسد ثقيل بالأرض، لقد سقط!
هذه الفرصة، هذه الثانية الثمينة التي منحها إياها القدر، كانت كجرعة من الأدرينالين النقي.
ضاعفت من سرعتها وركضت بقوة لم تكن تعلم أنها تملكها.
ركضت بلا هدف، بلا وجهة، فقط بعيدًا عنه. كانت الغابة من حولها قد تحولت إلى سجن أخضر، أشجارها المتشابكة والمتراصة كقضبان عملاقة تحجب عنها العالم وتخنق أي بصيص للضوء أو الأمل.
فكرت أن تصرخ، أن تطلق صرخة تمزق هذا الصمت الموحش، صرخة قد تصل إلى أي إنسان، أي منقذ.
لكن الخوف شل حبالها الصوتية، ماذا لو لم يسمعها أحد سواه؟ ماذا لو كشفت صرختها عن مكانها بدقة وقادت الذئب مباشرة إلى فريسته؟ لقد أصبح الصمت سلاحها الوحيد، وهدوءها فرصتها الضئيلة للنجاة.
لكن جسدها بدأ يخونها.
ازدادت ضربات قلبها حدة، لم تعد مجرد خفقات بل ارتطامات عنيفة ومؤلمة في قفصها الصدري، كطائر مذعور يحاول كسر قضبان سجنه.
شعرت بدوار يغزو رأسها، وبقع سوداء بدأت ترقص أمام عينيها. لم تعد قادرة على المواصلة.
استندت على جذع شجرة ضخمة، خشن الملمس وضغطت بكفها على صدرها، في محاولة يائسة لتهدئة هذا الجنون الذي بداخلها.
أغلقت عينيها للحظة وأذناها متيقظتان لأي صوت.
هل نهض؟ هل هو قادم؟ كل ثانية من الصمت كانت تعذيبًا، ترقبًا مرعبًا لما هو آت.
بعد لحظات بدت كدةر، وجدت بصيصًا من الضوء أمامها.
لم تكن الشمس، بل كان فراغًا بين الأشجار.
مخرج! دفعت نفسها بعيدًا عن الشجرة، وركضت نحو هذا الضوء بكل ما تبقى لها من قوة.
خرجت من كثافة الأشجار إلى حافة طريق ترابي قديم.
كانت تلهث بعنف، والهواء يصفع وجهها.
نظرت يمينًا ويسارًا، الطريق كان مهجورًا وموحشًا.
لم يكن هناك أمل.
استدارت لتواصل الركض على طول الطريق، لا يهم إلى أين، المهم أن تظل في حركة.
وفي لحظة استدارتها، اصطدمت بجدار بشري.
لم يكن ارتطامًا عاديًا.
كان صلبًا وثابتًا كالصخر.
القوة التي اصطدمت بها جعلت الهواء يخرج من رئتيها دفعة واحدة، وشعرت بأن عظامها قد اهتزت.
رفعت رأسها المذعور وعيناها المتسعتان بالرعب تبحثان عن وجه المعتدي، متوقعة أن ترى نفس النظرة الوحشية التي كانت تطاردها.
لكن ما رأته جمدها في مكانها، وأوقف قلبها الذي كان ينبض بجنون.
لم تكن نظرة شهوة أو وحشية، كانت شيئًا آخر، شيئًا أبرد وأقسى.
كانت عيونًا جليدية بلون السماء في شتاء قاسٍ، حادة كشظايا الزجاج، وثابتة لا ترمش.
عيون لا تعرفها.
كانت تلك العيون الجليدية التي لم تحمل أي تعبير سوى القوة الباردة، هي آخر ما وقعت عليه عيناها قبل أن يبتلعها الظلام وتتهاوى بين ذراعيه فاقدة للوعي.
-
-
-
كان عقل سند عبارة عن ضجيج أبيض، لا صوت فيه يعلو على صدى صرخة نغم الأخيرة: "الحقني!"
كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لتفجير بركان من الرعب في داخله.
ظل يضغط على زر إعادة الاتصال في هاتفه ويداه ترتجفان على عجلة القيادة، لكن الرد كان دائمًا نفسه: صوت آلي بارد يعلن أن هاتفها مغلق. كل إعلان كان طعنة جديدة في قلبه القلق.
لم يرحمه عذاب التخيلات.
صور مروعة تتراقص في ذهنه، سيارة صدمتها، ذئب بشري اعترض طريقها، سقوط في مكان مهجور.
كل فكرة كانت أسوأ من سابقتها، وكلها تنتهي بنفس النهاية المظلمة.
قال عادل بصوت هادئ حاول به اختراق جدار الهلع الذي يحيط بسند:
_ سند، اهدى شوية وخلينا نفكر، سوق على مهلك، أنت كده ممكن تعمل حادثة، اديني أنا أسوق.
هز سند رأسه بعنف وعيناه الجاحظتان مثبتتان على الطريق أمامه:
_ لأ! لازم أوصلها... لازم ألاقيها.
صاح به عادل بقلة حيلة:
_ نوصلها فين طيب؟ إحنا بنلف في الشوارع زي المجانين! الطريق خلص، ومفيش أي أثر ليها!
كان عادل على حق، لقد وصلا إلى نهاية الطريق المعتاد، ولا شيء.
لا أثر لها، الخوف من الاتصال بالمنزل كان يشل تفكيره.
جده... جده لن يحتمل خبرًا كهذا. يجب أن يتأكد أولًا، يجب أن يجدها قبل أن تصل الكارثة إلى أسوار البيت.
"الجامعة..." تمتم سند فجأة.
_ هي كانت مستنياني قدام الجامعة.
انعطف بالسيارة بقوة وانطلق بأقصى سرعة نحو الجامعة والأمل الضئيل يصارع اليأس في صدره.
أوقف السيارة بعنف أمام البوابة، في نفس المكان الذي تنتظره فيه دائمًا.
لم تكن هناك.
ترجل من السيارة كمن لدغه ثعبان وعيناه تمسحان المكان بجنون.
تلفت حوله يبحث في وجوه الطالبات القليلات المتبقيات، ينادي اسمها بصمت داخل رأسه، لا شيء، لا أثر لها.
وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها.
ترجل عادل بدوره وتقدم منه، واضعًا يده على كتفه:
_ هتعمل إيه دلوقتي يا سند؟ لازم نتصرف.
زم سند شفتيه بحنق ولكم الهواء بقبضته في يأس:
_ مش عارف! مش عارف! حتى معرفش حد من صحباتها عشان أسألهم!
قال عادل بحسم:
_ خلاص، مفيش حل غير إنك تتصل بالبيت، اتصل على والدتك اسألها، يمكن رجعت لوحدها، يمكن حصل أي حاجة.
تردد سند، وظهر الصراع على وجهه:
_ ولو مرجعتش؟ جدي لو عرف حاجة... أنت خابر إنه مش حمل صدمات زي دي.
قال عادل بعقلانية:
_ يا سند، كده ولا كده هيعرفوا لو هي مرجعتش، والثانية اللي بنضيعها دي ممكن تفرق في حياتها، اتصل.
لم يجد سند مفرًا.
أخرج هاتفه بأصابع مرتعشة، وبحث عن رقم والدته.
***
في بهو المنزل الفسيح، كانت الأجواء هادئة ظاهريًا، لكن القلق كان ينسج خيوطه في صمت.
كانت ليل، والدة نغم، تنظر إلى الساعة كل دقيقة، وقلبها بدأ يشعر بوخز غريب.
تأخرت ابنتها أكثر من اللازم.
تطلعت نادية، والدة سند، إلى هاتفها الذي أضاء فجأة باسم ابنها.
شعرت ببعض الارتياح وقالت لـ ليل التي كانت تجلس بجوارها بقلق واضح:
_ اهو ولدي بيتصل. أكيد بيعرفنا إنهم جايين في الطريق.
تنفست ليل الصعداء وقالت بأمل:
_ طيب ردي بسرعة يا أختي طمنيني، قلبي هيقف.
فتحت نادية الخط بصوت بشوش:
_ أيوة يا ولدي، طمنـ...
قاطعها صوت سند اللاهث والمذعور، صوت لم تعرفه من قبل:
_ أمي... في حد جنبك؟
تجمد الدم في عروق نادية، اختفى صوت ابنها الواثق وحل محله صوت رجل على حافة الانهيار.
نظرت إلى عيون ليل ورد المترقبة، وشعرت بالخوف يدب في قلبها هي الأخرى.
حاولت التماسك وتمتمت بتلعثم، مستخدمة شفرة يائسة:
_ بتسأل...
بتسأل على محفظتك ليه؟ نسيتها في أوضتك.
فهم سند على الفور أنها ليست وحدها.
"أمي جاوبيني بسرعة، بالله عليكي... نغم رجعت البيت؟"
نهضت نادية وهي تتظاهر بالثبات، وتتحرك بعيدًا كأنها تبحث عن شيء.
"لأ يا سند... بس هطلع أدورلك عليها فوق."
لكن ليل لم تعد تحتمل. أوقفتها بلهفة، وقلق الأمومة الصادق يفضح كل شيء.
"طمنيني الأول الله يرضى عليكي، نغم معاه؟ كويسة؟"
وصل صوت زوجة عمه القلق إلى أذن سند عبر الهاتف فلم يعد بحاجة إلى إجابة من والدته لقد فهم.
"خلاص يا أمي... اقفلي دلوقتي."
أغلقت نادية الخط وشعرت بجفاف حلقها.
حاولت أن ترسم ابتسامة مطمئنة وهي تواجه نظرات ليل التي تحولت من القلق إلى الشك.
"ا... اه يا أختي بيجول إنهم جايين في الطريق بس هو نسي المحفظة وبيقولي اتأكدي إنها في أوضته."
لكن ارتباك نادية كان فاضحًا.
تهربها من النظر في عينيها وارتجاف صوتها الخفيف، كلها كانت علامات خطر.
سألت ليل مباشرة ونبرتها أصبحت حادة.
"أنت مخبية عليا حاجة؟"
اهتزت نظرات نادية وتهتهت بالقول:
"حاجة؟... حاجة إيه بس اللي هخبيها عليكي."
تقدمت منهما ورد التي شعرت بالتوتر.
"في إيه يا جماعة؟ واقفين كده ليه؟"
ردت نادية بارتباك أصبح واضحًا للجميع:
"صدجوني مفيش حاجة."
لم يعد هناك شك بل أصبح يقينًا.
هناك خطب ما بابنتها جذبت ليل الهاتف من يد نادية بقوة.
"خلاص خليني أنا أكلمه وأعرف بنفسي."
لم تحاول نادية منعها وتركت الأمر لابنها ليتصرف اتصلت ليل بسند وانتظرت الرد لكنه لم يجب.
لقد رأى سند اسم زوجة عمه ولم يجرؤ على الرد لم يكن يعرف ماذا سيقول لها.
أعادت الاتصال مرة ومرتين، وثلاث لا رد.
شق الخوف قلب ليل وتحول شكها إلى اتهام صريح.
نظرت إلى نادية بعيون تملؤها الدموع والغضب.
"ابنك مابيردش ليه؟! وبنتي فين؟! قولولي بنتي فين؟!"
لم تجد ليل ردًا في تلك اللحظة دلف سالم إلى المنزل على صوت ليل العالي، وسألهم بقلق:
"صوتكم عالي كده ليه؟ في إيه؟"
التفتت له ليل بلهفة وكأنها وجدت طوق النجاة.
"بنتي يا سالم! بنتي مرجعتش لحد دلوقتي وتليفونها مقفول! وسند مش بيرد علينا!"
قطب سالم جبينه بدهشة وشعر بالخطر على الفور.
أخرج هاتفه من جيبه ليتصل هو الآخر، وقال بحنق وغضب:
"كيف ده؟"
لقد انتقلت شرارة القلق من سند في الشارع، لتشعل حريقًا من الخوف والهلع داخل جدران المنزل.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السادس 6 - بقلم رانيا الخولي
ظل يتطلع إلى تلك الراقدة على السرير في سكون تام، كأن دنيتها قد توقفت عند تلك اللحظة، تنتظر أن تفيق في عالمه.
هو عالمٌ هو من سيصنعه لها، بقواعده هو، وبشروطه هو.
ها قد حالفه الحظ، وجاءته فريسته على طبق من ذهب، بطريقة لم تخطر له على بال، وبهذه السهولة المريبة.
لاح على فمه شبح ابتسامة، ابتسامة نصر باردة لم تلبث كثيرًا واختفت سريعًا، وحل محلها قناع البرود الذي يتقنه.
تطلع إلى ملامحها الهادئة، إلى رموشها الطويلة التي ترسم ظلالاً على خديها الشاحبين.
رأى فيها هشاشة واضحة، شخصية بدت له كتابًا مفتوحًا، وصل لأدق تفاصيلها في غضون دقائق معدودة.
عندما سقطت بين ذراعيه فاقدة الوعي، عرفها سائقه على الفور.
"دي... حفيدة وهدان الرفاعي يا بيه."
همس السائق بقلق.
في تلك اللحظة، لمعت عينا جاسر ببريق شيطاني.
فكر لوهلة أن يتركها لمصيرها في تلك الغابة، لكنه أدرك أن ذلك المصير ليس ما أراده لتلك العائلة.
لم يتوانَ عن حملها والذهاب بها إلى المشفى.
فتلك هي أولى خطواته على سلم الانتقام، سيرد الصاع صاعين، وسيجعلهم جميعًا يرضخون تحت قدميه.
وصل السائق أمام المشفى، وفتح له الباب وهو يقول بقلق:
"استنى يا بيه، هنادي حد يجيب ترولي..."
قاطعه جاسر بصوت حازم كحد السيف:
"متندهش حد."
ترجل من السيارة وهو يحملها بين ذراعيه، ودلف بها إلى المشفى أمام أنظار الجميع المندهشة.
كان المشهد عجيبا. جاسر التهامي، الرجل الذي يشبه الصخر في قسوته، يحمل فتاة غريبة بين ذراعيه، ضامًا إياها إلى صدره، وقد استطاع ببراعة أن يرسم على ملامحه قناع قلق المحب على محبوبته.
انقلبت المشفى رأسًا على عقب فور رؤيته.
أسرع أحدهم نحوه بسرير متحرك، لكن جاسر رفض أن يبعدها عن ذراعيه، وصار بها للداخل إلى قسم الطوارئ، حيث أشارت له إحدى الممرضات إلى غرفة فارغة.
وضعها برفق على السرير، وفي تلك اللحظة دلف الطبيب قائلاً:
"خير، إيه اللي حصلها؟"
همّ الطبيب بالاقتراب منها ليفحصها، لكن صوت جاسر الحازم أوقفه كصاعقة كهربائية:
"متـقربـش مـنيـها."
اندهش الطبيب، واستدار نحوه:
"نعم! يعني إيه مقربش منها؟ أومال هكشف عليها إزاي؟"
لم يعر جاسر رده أي اهتمام، ووجه حديثه للممرضة بنبرة لا تقبل الجدال:
"لو مفيش دكتورة هنا، هاخدها وأمشي."
تمتمت الممرضة، التي تعرف جيدًا من يكون جاسر التهامي وما يمكنه فعله، بوجل:
"لأه... لأه... إزاي بس الدكتورة مها موجودة دلوقتي، ثواني وهندهلها."
هز الطبيب رأسه بيأس من تلك العقول التي لم تتغير، وخرج من الغرفة في صمت.
عاد جاسر من شروده على آهة خافتة خرجت من بين شفتيها.
استرخى في مقعده بجانب السرير، يتطلع إليها بتسلية، مستمتعًا بالبداية التي تسير تمامًا على هواه.
وضع قدمًا فوق الأخرى، وعلى محياه ذلك البرود القاتل المعروف عنه، والذي يجعل من أمامه يفكر ألف مرة قبل أن يخطو نحوه خطوة واحدة.
رفعت أناملها، ووضعتها على رأسها الذي يؤلمها.
ضغطت على عينيها كأنها تجد صعوبة في فتحهما، حتى استطاعت أخيرًا رفع جفنيها الثقيلين.
وقعت عيناها على سقف الغرفة الأبيض، قبل أن تجول ببصرها في باقي الغرفة.
لم يساعدها عقلها الذي لم يكتمل وعيه بعد على معرفة أين هي.
لكن وعيها عاد فجأة، وبقوة، عندما وقعت عيناها على ذلك الجالس بكل أريحية، يتطلع إليها بعيون هادئة كأن وجوده شيء عادي.
انتفضت مسرعة لتعتدل في الفراش، رغم الدوار الذي كاد أن يسقطها، وتمتمت بصوت يرتجف من الخوف:
"أنت مين؟ وإيه اللي جابني هنا؟"
أنزل جاسر قدمه، واستند بمرفقيه على ساقيه، مقتربًا منها قليلاً، ورد سؤالها بسؤال آخر، ونبرته باردة كالثلج:
"المفروض أنا اللي أسألك أنتِ اللي مين، وكنتِ بتعملي إيه في أرضي؟"
"أرضي؟"
ترددت الكلمة في ذهنها.
عادت إليها ذاكرتها كالصاعقة؛ السائق الذي هاجمها، ركضها في الحديقة، سقوطها... تذكرت كل شيء.
لا إراديًا وضعت يدها على معصمها الآخر تتفقد قلادتها، لكنها وجدت يدها فارغة.
عادت بنظرها إليه، وسألته بشك:
"أنت لقيتني إزاي؟"
رد بفتوره المعتاد، وكأنه يتحدث عن الطقس:
"لقيتك مغمى عليكي، أخدتك وجبتك المستشفى."
تذكرت تلك العيون الجليدية التي اصطدمت بها قبل أن تفقد الوعي.
هي نفس العيون التي تراها الآن.
هو من أنقذها.
تطلعت إليه بعرفان، وشعرت بموجة من الامتنان تغمرها.
لولاه، لكانت الآن بين يدي ذلك الوحش.
"متشكرة جوي، مش عارفة لولا وجودك كان ممكن يحصلي إيه."
عاد بظهره للوراء، ورد بهدوء لا يتناسب مع الموقف:
"لا شكر على واجب، المهم إنك بخير."
لاحظ يدها التي عادت مرة أخرى إلى معصمها، ولاحظ الحزن الذي ارتسم على قسماتها.
تمتمت بخفوت، وكأنها تحدث نفسها:
"الحمد لله على كل حال."
تظاهر بالاهتمام، وسألها بنبرة بدت وكأنها تحمل بعض التعاطف:
"ممكن أعرف إيه اللي وداكي مكان زي ده، وفي وقت زي ده؟"
روت له نغم ما حدث معها، وهو يستمع إليها باهتمام مصطنع، وملامحه لا تتفاعل بما ترويه نغم.
وعندما انتهت، قالت بقلق:
"بس أنا عايزة أطمن أهلي، زمانهم قلقانين عليا."
رفع حاجبيه بتأكيد، كأنه يوافقها الرأي تمامًا:
"أكيد."
أخرج هاتفه من جيب سترته، وسألها بسؤال غريب:
"حافظة الرقم، ولا أوصلهم بمعرفتي؟"
أدهشها سؤاله، وجعلها تسأله بحيرة:
"أنت تعرف أهلي؟"
التزم الصمت لثوانٍ بدت طويلة، كأنه يتلاعب بها، يستمتع بحيرتها وقلقها.
ثم رد بفتور:
"لأ. مقصدي، أبعتلهم حد البيت يطمنهم، هتقولي الرقم، ولا تاخدي أنتِ تكلميهم؟"
مدت يدها لتأخذ منه الهاتف، وهي تحاول تجاهل ذلك القلق الغامض الذي انتابها منه.
كان هناك شيء في هدوئه، في بروده، في الطريقة التي يسيطر بها على الموقف، شيء يخيفها أكثر من الرجل الذي طاردها في الغابة.
***
انقلب المنزل رأسًا على عقب في لحظة.
تأكيد سند لعمه سالم أن نغم ليست معه وأنها مفقودة كان بمثابة إلقاء حجر في بحيرة راكدة، فتحولت تموجات القلق إلى أمواج عاتية من الهلع.
خرج سالم ورجاله، ينتشرون في شوارع البلد، يسألون أصحاب المحال والباعة المتجولين، كل منهم يحمل صورة نغم في عينيه، وصلاة صامتة في قلبه.
بقي سند في الجامعة، يصارع الإجراءات، ويطلب من إدارة الأمن مراجعة كاميرات المراقبة عند البوابة الرئيسية.
كان عقله يعمل كآلة تحليل باردة، يحاول قمع الرعب الذي ينهش أحشاءه.
كان الشك الأول والأخير يرمي في اتجاه واحد: عائلة التهامي.
لكنه كان يعرف أن أي خطوة متهورة تجاههم دون دليل ستكون بمثابة إعلان حرب، حرب هم غير مستعدين لها الآن.
يجب أن يتأكدوا أولاً.
وقف سند أمام الشاشة في غرفة الأمن، وعيناه مثبتتان على اللقطات الباهتة.
قلبه كان يدق بعنف مع كل سيارة تمر، مع كل وجه يظهر.
ثم، فجأة، لمحها.
كانت هي تسير بخطوات سريعة، وتتلفت خلفها بقلق، قبل أن تستقل سيارة أجرة توقفت لها.
"أيوة! هي دي! استنى! وقف!"
صاح بلهفة على رجل الأمن، الذي أوقف الصورة.
انحنى سند نحو الشاشة، وعيناه تكادان تلتصقان بها، محاولاً فك طلاسم الأرقام الباهتة على لوحة السيارة.
"حاول توضح الرقم... كبّر الصورة... اعمل أي حاجة!"
حاول رجل الأمن، لكن جودة الكاميرا حالت دون ذلك.
كانت الأرقام مجرد بقع ضبابية.
زم سند شفتيه بحنق، ولكم الطاولة بقبضة يده، وشعر بموجة من العجز تغمره.
خرج من الغرفة كالإعصار، يبحث عن أي كاميرا أخرى في محل مجاور قد تكون التقطت صورة أوضح.
في خضم هذا الجنون، لم يكف هاتفه عن الرنين برقم غير مسجل.
تجاهله في المرة الأولى، ثم الثانية، معتبرًا أنه اتصال خاطئ سيعطله.
لكن عندما رن للمرة الثالثة بإصرار عنيد، شعر بوخزة من القلق.
أجاب بصوت حاد وعصبي، يفيض بالتوتر:
"ميـــــــن؟!"
أجفلت نغم من حدة صوته، وشعرت بالخوف يرتجف في أوصالها:
"أ... أنا... نغم."
في الطرف الآخر من الخط، توقف العالم.
سمعت نغم صوت صرير حاد ومفزع لمكابح سيارة، وكأن سند قد داس عليها بكل قوته.
ثم جاء صوته، لم يعد حادًا، بل كان مرعوبًا لاهثًا، كل كلمة فيه تحمل وزن جبل من القلق:
"نغم! أنتِ فين؟! أنتي زينة؟ فيكي شئ؟ إيه اللي حوصل امعاكي؟!"
توجهت عيناها لا إراديًا إلى ذلك الرجل الجالس في كرسيه، المسترخي الذي يتطلع إليها ببرود، كأنه يشاهد مسلسله المفضل وقد وصل إلى ذروته.
ازدردت جفاف حلقها بصعوبة، وهمت بالرد، أن تطمئنه، أن تخبره أنها بخير... لكنها صُدمت عندما وجدته ينهض من مكانه بخطوة واحدة، ويأخذ الهاتف من يدها المرتعشة، ويضعه على أذنه بدلاً منها:
"السلام عليكم."
صوت هادئ، وواثق، وقاسٍ كالصخر.
صُدم سند من هذا الرد، من هذا الهدوء المستفز الذي لا يتناسب مع حالة الهلع التي يعيشها.
سأل بحدة، وقد بدأ الغضب يحل محل الخوف:
"أنت مين؟! ونغم فين؟!"
سار جاسر بالهاتف حتى وصل إلى نافذة الغرفة، ووقف أمامها بشموخ، ويده الأخرى في جيب بنطاله، كأنه سيد العالم:
"أنا جاسر التهامي والآنسة نغم... معايا دلوقتي."
لو أن صاعقة ضربت المكان، لما كان تأثيرها أشد.
ألجمت الصدمة نغم التي شعرت بالدوار يهاجمها مرة أخرى.
ألجمت الصدمة سند، الذي شعر وكأن أحدهم قد سكب ماءً جليديًا على روحه.
كأنه أخطأ السمع، كأنه في كابوس.
عاد يستفهم بصوت متحشرج:
"بتجول مين؟!"
ارتسمت ابتسامة ساخرة وقاسية على فم جاسر الحازم، لكنها لم تلبث كثيرًا وهو يعيد ما قاله، متلذذًا بكل حرف:
"جاسر... التهامي."
ضغط على اسم عائلته، كأنه يضغط على زناد مسدس مصوب نحو كرامة سند.
ضغط سند بقبضته على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصله، وشعر بالدم يغلي في عروقه.
لم يعد هناك شك، لم يعد هناك مجال للتفكير.
لقد بدأت الحرب.
وهدر بانفعال، بصوتٍ تحول إلى زئير وحش جريح:
"بجا إكده؟! يبقى أنت اللي بديت يا ابن التهامي! ويدك لو اتمدت عليها... جول على نفسك يا رحمن يا رحيم!"
اتسعت عينا نغم بصدمة ورعب، وهي تستمع إلى التهديد الصريح، وتدرك أنها أصبحت الآن هي ساحة المعركة.
في الطرف الآخر، لم يهتز جاسر بل رد بهدوء جليدي، هدوء أشد فتكًا من أي صراخ:
"تؤ تؤ... ليه الغلط ده بس. هو ده برضه رد الجميل؟"
قالها وهو يلتفت ناظرًا إلى نغم، التي شحب وجهها حتى أصبح بلون الموتى، وقد فهمت الآن طبيعة الوحش الذي أنقذها.
كشر سند عن أنيابه، وصاح بغضب هادر، وقد فقد كل سيطرة على أعصابه:
"الجميل ده هدفعك تمنه غالي جوي يا ابن الحرام أنت!"
تشنج فك جاسر عند سماع تلك الكلمة.
لوهلة، ذاب الجليد من عينيه، وظهر وميض من الغضب الحارق، لكنه سرعان ما سيطر على نفسه وعاد وميضها البارد القاتل.
وتمتم بهدوء، كل كلمة فيه كانت تهديدًا بحد ذاتها:
"معنديش مانع تعالى... ونشوف مين فينا اللي هيدفع التاني تمن الجميل."
أغلق الخط دون أن ينتظر ردًا، تاركًا سند يصرخ في هاتف صامت، وتاركًا نغم ترتجف في غرفتها، وقد أدركت أنها لم تنجُ من ذئب الغابة... بل وقعت في عرين الأسد نفسه.
***
عاد مالك إلى شقته في الموقع، وأغلق الباب خلفه بهدوء، كأنه يغلق الباب على العالم بأسره.
كان يشعر بإرهاق شديد، ليس إرهاق الجسد وحده، بل إرهاق الروح التي سُحقت تحت وطأة خبر واحد.
ارتمى بكامل جسده على أقرب مقعد، وأطلق تنهيدة حارة طويلة لعلها تخرج معها تلك النيران المتأججة بداخله.
لكن كيف لها أن تخرج؟ كيف وقد تلقى للتو الصدمة التي جعلت روحه تنسحب من جسده، وتتركه مجرد هيكل فارغ؟
أغمض عينيه بقوة، كأنه يحاول طرد صورة خطبة أخيه من رأسه.
ولما لا ينهار؟ وقد فقد كل أمل يربطه بها.
لم تعد مجرد روح، ابنة عمه التي نشأ معها.
بعد أشهر قليلة، ستكتسب صفة جديدة، صفة قاسية كحد السيف: "زوجة أخيه".
رمش بعينيه مستصعبًا تلك الكلمة، لقد كانت ثقيلة على لسانه حتى في التفكير، لكنها الآن أصبحت واقعًا لا يمكن الهرب منه.
نهض ببطء، وجر قدميه نحو غرفته، فاستقبلته صورتها.
صورة ضخمة تحتل جزءًا كبيرًا من الجدار، التقطها لها في آخر زيارة له للبلد دون أن تنتبه.
كانت تضحك، رأسها مائل للخلف.
كانت ضحكة نقية، ضحكة لم يكن يراها إلا مع شخصين: هو، وأختها نغم.
في كل زيارة، كان يسرق لها صورة، لقطة تعبر عن مرحلة جديدة من عمرها، حتى يعيش معها تقدمها في العمر وهو بعيد.
توجه إلى المنضدة، وأخرج منها ألبوم صور قديمًا، واستلقى على الفراش ليفتح بوابات آلامه فور أن فتح أولى صفحاته.
كان الألبوم تاريخًا مصورًا لروحهما معًا.
كل صفحة بعام من عمرها وعمره.
هنا، كانت طفلة صغيرة تتعلق برقبته كأنه مركز عالمها.
وفي صفحة أخرى، كانت ضحكتها التي كانت تخصه بها وحده، ضحكة يعرفها من بين ألف ضحكة.
وهنا كانت تحتضنه بقوة عند عودته في الإجازة، كأنها تخشى أن يهرب منها مرة أخرى.
وهنا، كانت دموعها وهي تودعه، تبكي عندما يتركها ويعود إلى القاهرة.
كانت ذاكرته تراجع كل ذلك بابتسامة مريرة ارتسمت على شفتيه.
أغلق الألبوم، وتطلع إلى هاتفه بشوق وحنين.
ماذا سيفعل؟ ماذا سيقول؟ هل يبارك لها؟ أم يعزي حاله معها؟
وكعادته دائمًا، سار خلف رغبة قلبه، قلبه الذي لا يعرف المنطق أمامها.
قام بالاتصال بها عبر الفيديو متحججا بالاطمئنان عليه.
ثوانٍ معدودة وظهرت صورتها أمامه.
لكنها لم تكن روح التي يعرفها.
كانت عيناها متورمتين، ووجهها شاحبًا.
وصوتها الهادئ، الذي حاول أن يكون طبيعيًا، قال:
"إزيك يا مالك، كيفك؟"
قطب مالك جبينه بحيرة وقلق.
لقد لاحظ على الفور أنها تخفي عينيها عنه وأن صوتها مهما حاولت إخفاء الحزن به، لا يخفى عليه أبدًا.
هو يعرف نبرات صوتها كما يعرف اسمه.
"مالك يا روح؟ في حاجة حصلت؟"
تهربت بعينيها ونظرت إلى أي شيء في الغرفة إلا الكاميرا.
تمتمت بصوت حاولت إظهاره طبيعيًا:
"لأ حاجة إيه، كلنا بخير والحمد لله."
لم يصدقها. لم يصدقها للحظة واحدة.
اعتدل في جلسته، وتحولت نبرته من الحزن إلى الحزم والقلق:
"روح هتقولي في إيه ولا هتلاقيني راكب أول طيارة ونازل البلد دلوقتي؟"
كان هذا تهديده الوحيد الذي يعرف أنها لا تستطيع مقاومته.
لم تستطع حينها إيقاف دموعها التي كانت معلقة في أهدابها.
انهمرت بغزارة، واجهشت في بكاء صامت وموجع هز جسدها.
انقبض قلب مالك عليها، وشعر بأن روحه تتمزق.
نسي حزنه، نسي ألمه، وكل ما شعر به هو الخوف عليها.
"روح! قلقتيني عليكي! قولي فيه إيه بالظبط، متعيطيش!"
مسحت روح دموعها بكف يدها، وحاولت إخراج صوتها طبيعيًا، لكن كيف وذلك الحمل أثقل من أن تخفيه؟
أختها توأم روحها لم يجدها أحد حتى الآن.
"روح!"
قالها مالك بحزم أبوي، ذلك الحزم الذي كانت تلجأ إليه دائمًا عندما تقع في مشكلة.
ذلك الحزم الذي جعلها تتطلع إليه بتردد، لكنها كانت تعرف أن مالك هو وحده من باستطاعته إيجاد أختها، حتى لو كانت بينهما بلاد.
"ما تتكلمي!"
أخذت نفسًا عميقًا، وقالت بصوت مكسور:
"نغم... نغم اختفت ومحدش لاقيها."
اتسعت عيناه بصدمة، وشعر بأن الأرض تميد به.
"كيف ده؟! يعني إيه محدش لاقيها؟! فهميني اللي حوصل بالظبط!"
قصت عليه ما حدث بسرعة، وهو يستمع وعقله يعمل بأقصى سرعة، يربط الخيوط ويحلل الموقف.
هل فعلها أحد من عائلة التهامي؟
وإذا حدث ذلك، هل سيظل هنا في الخارج، ويترك أمانة عمه شرف العائلة في يد هؤلاء الوحوش؟
أغلق الهاتف معها بعد أن وعدها بأنه سيتصرف، وقام على الفور بمهاتفة أكمل.
بعد عدة محاولات أجابه أكمل بصوت يملؤه الامتعاض من الإزعاج في هذا الوقت المتأخر:
"قولـتلك ميت مرة لما مردش عليك تفهم إنـ..."
قاطعه مالك بصوت لا يعرفه أكمل، صوت حاد وقاسٍ كالفولاذ، وهو يفتح خزانته ويخرج حقيبة سفره:
"أكمل ساعة بالكتير قوي وتكون في عربيتك ورايح على البلد، بنت عمي اتخطفت، وعايزك تلحق الموضوع قبل ما العيلتين يولعوا في بعض."
نهض أكمل من مقعده فزعًا، وأمسك بمفاتيح سيارته:
"إزاي ده؟! فهمني!"
"مش وقته! لازم تنزل البلد حالاً لحد ما أوصل أنا. أنت العاقل الوحيد اللي هناك دلوقتي."
خرج أكمل من مكتبه وهو يركض:
"تمام، مسافة السكة بس أتعامل إزاي؟ أمشي الموضوع قانوني ولا..."
قاطعه مالك الذي أغلق حقيبته بقوة بعد أن ألقى بها بعض الملابس بعشوائية:
"لأ مش قانوني، مش عايز أي شوشرة، ولا عايز اسم بنت عمي يبقى على كل لسان، الموضوع ده هيتحل بينا وبين بعض."
"فهمت."
أغلق مالك الخط، ونظر إلى صورته مع روح على الحائط.
لقد تبخر حزنه الشخصي، وحل محله غضب بارد وعقلاني.
غضب رجل أُخذ منه كل شيء، والآن جاءوا ليأخذوا منه آخر ما تبقى.
وهذا شيء... لن يسمح به أبدًا.
***
أغلق جاسر هاتفه، وأعاده ببطء إلى جيب سترته الداخلي، كأنه يضع سلاحًا في غمده بعد أن أطلق منه طلقة تحذيرية.
ثم استدار وتقدم من نغم التي كانت لا تزال جالسة على السرير، تنظر إليه بوجل، وعيناها متسعتان بالرعب كغزال وقع في شرك صياد ماهر.
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه، ابتسامة لا تصل إلى عينيه الجليديتين.
كانت ابتسامة تخفي خلفها نيرانًا من الحقد والغضب، نيران لو خرجت لأشعلت الدنيا بأكملها.
قال بسخرية هادئة، وصوته كان كهمس الثعابين:
"مالك؟ خفتي ليه؟"
انقبض قلبها بخوف لم تشعر بمثله من قبل.
هذا الرجل، هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة كان أكثر إرعابًا من أي صراخ أو تهديد.
حاولت إخفاء رعشتها، وتهربت بعينيها من نظراته الثابتة، التي كانت تخترقها كأشعة الليزر، كأنه يستشف أعمق أفكارها ومخاوفها.
"مـ... مـخفتش، هخاف ليه؟"
حاولت أن تستجمع بقايا شجاعتها، أن تتحدث بنفس الكبرياء الذي ورثته عن عائلتها.
"اللي وراها رجالة وعزوة... متخافش واصل."
رفع حاجبيه بتأييد مزيف، كأنه يصدقها تمامًا:
"صح، اللي وراها عزوة متخافش واصل."
وضع يديه في جيبي بنطاله، وأخذ يقترب من سريرها ببطء، كل خطوة كانت تزيد من توترها.
أردف بمغزى، وصوته انخفض إلى نبرة تحمل تهديدًا مبطنًا:
"والدليل على حديثك ده... هنشوفه قريب قوي."
ازدردت لعابها بصعوبة وقد أفحم الخوف قلبها من مغزى حديثه.
لقد فهمت، هو لا يهددها هي، بل يهدد عزوتها، يهدد رجالها.
فكرت بأن عليها الهرب، أن تنهض وتركض بأقصى سرعتها قبل أن يفعل بها شيئًا.
لكن عقلها كان يصرخ فيها بأن أي حركة متهورة ستكون خطأً فادحًا.
إذا أراد أن يفعل شيئًا لما أتى بها إلى المشفى، ولما أخبر سند بمكانها.
هو لا يريد أذيتها الجسدية... هو يريد شيئًا أسوأ.
ترجلت من الفراش، وقدماها بالكاد تحملانها، وتمتمت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
"طيب... أنا همشي دلوقتي، متشكرة مرة تانية."
قاطعها جاسر بصوت حازم وقاطع، صوت لم يكن عاليًا، لكنه كان يحمل من السلطة ما يكفي ليجمدها في مكانها:
"خليكي مكانك."
لم يكن أمرًا بل كان حقيقة لا تقبل الجدال.
"محدش هيتحرك من هنا، لحد ما أسلمك له... بإيدي."
تطلع إلى عينيها مباشرة، ونظرته كانت فاحصة، كأنه يريد الوصول إلى سر دفين بداخلها.
سألها سؤالاً بدا بريئًا، لكنه كان فخًا:
"بس مش غريبة دي؟ إنك تتصلي عليه هو... بدل ما تكلمي عمك، ولا جدك؟"
لو أن أي شخص آخر سألها هذا السؤال لصاحت به وأخبرته ألا دخل له بها.
لكن الوقوف أمام هذا البرود القاتل، أمام هذا الرجل الذي تعلم جيدًا ما يخفي خلفه من رغبة متأججة في الانتقام، جعلها تتريث.
لن تفعل ما يجعله يستاء منها، لن تعطيه أي سبب ليزيد من قسوته.
"لأنه خطيبي."
قالتها بهدوء، كأنها تلقي بآخر ورقة لديها في اللعبة.
لوهلة، لوهلة قصيرة جدًا لا تكاد تلاحظ، ذاب الجليد في عينيه.
رأى وميضًا سريعًا، شيئًا يشبه المفاجأة أو ربما... نصر آخر؟
لكنه عاد سريعًا وأخفى أي أثر للمشاعر خلف قناعه الجليدي.
لقد حالفه الحظ مرة أخرى.
الفريسة التي بين يديه لم تكن مجرد حفيدة غريمه، بل خطيبة ابن غريمه.
هذا سيجعل الانتقام أحلى وأكثر إيلامًا.
قال بثبات، وكأنه لم يسمع شيئًا غير عادي:
"تمام، أنا واقف بره إن احتاجتي حاجة نادي عليا."
استدار ليمشي، ثم توقف فجأة، كأنه تذكر شيئًا.
لم يلتفت إليها بل قال وظهره لها:
"ورجعي حجابك، لحسن خطيبك الغيور ده... يتعصب عليكي لما يجي."
اتسعت عيناها بذهول.
لم تكن قد انتبهت أبدًا.
رفعت يدها بسرعة إلى رأسها لتجد شعرها منسدلاً على كتفيها.
أمسكت بالحجاب الذي كان ساقطًا حول عنقها، ورفعته بسرعة لتغطي شعرها ووجهها يحترق من الخجل والإهانة.
لقد كان يلعب بها.
كل كلمة، كل نظرة، كل حركة، كانت محسوبة.
لقد أهان خطيبها وأشار إلى غيرته، ثم أهانها هي بلفت نظرها إلى حجابها.
لقد أثبت لها في دقائق معدودة أنه يسيطر على الموقف بالكامل وأنه يرى كل نقاط ضعفها وأنه سيستخدمها ضدها بلا رحمة.
خرج من الغرفة وأغلق الباب بهدوء، تاركًا إياها ترتجف ليس من الخوف فقط، بل من الإدراك المرعب بأنها لم تعد نغم الرفاعي، صاحبة العزوة والقوة.
لقد أصبحت مجرد دمية في مسرحية انتقام جاسر التهامي.
***
اقتحم سند المشفى كالثور الهائج، وعيناه تبحثان في كل زاوية، وقلبه يضخ بالغضب.
لم يحتج أن يسأل كثيرًا، فقد دلته نظرات الممرضين والزوار الخائفة إلى الرواق الذي يجلس فيه جاسر التهامي.
كان المشهد مستفزًا إلى أقصى حد.
جاسر يجلس على مقعد حديدي بارد بأريحية تامة، واضعًا قدمًا فوق الأخرى كأنه في حديقة قصره وليس في قلب أزمة.
وحوله انتشر رجاله كظلال صامتة، رجال أشداء وصلوا فور أن علموا بما حدث مرسلين من عمه صخر.
لم يكونوا للحماية بقدر ما كانوا استعراضًا للقوة.
بحنق وغضب مكبوت تقدم سند منه.
كل خطوة كانت تزيد من غليان الدم في عروقه.
غمغم من بين أسنانه بصوتٍ كان فحيحًا من شدة الكراهية:
"يا واطي... يا حقير..."
همّ بأن يهجم عليه، أن يمحو تلك الابتسامة الباردة عن وجهه بقبضته، لكن قبل أن يصل إليه تحرك رجلان من رجال جاسر بسرعة البرق وأمسكا بذراعيه بقوة مقيدينه في مكانه.
فصاح به سند وصوته يتردد في الرواق الفارغ وقد تحول غضبه إلى إهانة:
"جايب كلابك تتحامى فيهم يا واطي؟! لو كنت راجل واجهني لوحدك!"
بكل هدوء أنزل جاسر قدمه عن الأخرى.
اعتدل في جلسته ببطء ونظر إلى سند المحتجز أمامه بفتور كأنه ينظر إلى حشرة مزعجة:
"ومين قالك إني عايز أواجهك؟"
صوته كان هادئًا لكن كل كلمة كانت صفعة.
"أنا أكبر من إني أقف قدام عيل زيك."
هذا الحديث البارد، هذه الإهانة المتعمدة جعلت سند يشتعل أكثر.
صاح بغضب وهو يحاول تخليص ذراعيه من قبضتهم الفولاذية، ووجهه احتقن بالدم:
"أنا راجل غصب عنك وعن عيلتك كليتها يا ابن التهامي!"
في تلك اللحظة انفتح باب الغرفة، وخرجت نغم وقد ظهر الخوف جليًا على وجهها الشاحب:
"سند..."
كانت رؤيتها كافية لتمنح سند قوة خارقة.
انتفض بعنف ونزع ذراعيه من قبضتهم وتوجه إليها بقلب متلهف، ونسي وجود جاسر للحظة.
"نغم! أنتِ زينة؟"
طافت عيناه على وجهها وجسدها بقلق يبحث عن أي أثر لأذى.
"حد أذاكي؟ حد دايقك بكلمة؟"
لوهلة تحولت عينا جاسر إلى جمرتين ملتهبتين.
لقد رأى لمسة سند لها، رأى يده تمسك بذراعيها، تلك اليد التي أقسم يومًا أن يعاقب صاحبها أشد العقاب.
لكنه سرعان ما أخمد هذا الغضب وعاد قناعه الجليدي إلى مكانه، فقط فكه المتشنج هو ما بقى شاهدًا على العاصفة التي تدور بداخله.
دون إرادتها، وجدت نغم بصرها يتجه إلى جاسر الذي وقف الآن بشموخ يتطلع إليهما بوجوم، كأنه قاضٍ يشاهد المتهمين أمامه.
تمتمت بتلعثم وصوتها يرتجف:
"لأ... أنا... أنا زينة."
"أومال إيه اللي حوصل؟!"
ازدردت جفاف حلقها، وهي تحاول أن تستجمع القصة التي اتفقت عليها مع نفسها.
"لما أتاخرت عليا، وقفت تاكسي... بس في نص الطريق، وقف العربية وسرق دهبي... بس هربت منه."
عادت عيناها تنظر إلى جاسر، الذي كان يستمع إليها متظاهرًا بالاهتمام وكأنها المرة الأولى التي يسمع فيها هذه القصة.
"وهو... هو اللي أنقذني."
ضيق سند عينيه بشك.
لم يصدق القصة.
لقد رأى كيف تلتهمها عينا جاسر ورأى كيف تتهرب هي بعينيها منه.
في تلك اللحظة وبدون أن يفعل شيئًا، دق جاسر أول مسمار في نعش علاقتهما.
سألها سند بشك وصوته انخفض إلى همس حاد:
"أنقذك كيف؟"
اهتزت نظراتها أكثر، وشعرت بالخجل والإحراج من تفاصيل ما حدث.
لكن جاسر تولى المهمة عنها متقدمًا خطوة، وقد أتقن دور المنقذ النبيل.
"وأنا راجع من المطار بالعربية سمعت صوت صريخ في المكان اللي... أقصد، في أرضي. وقفت العربية بسرعة ونزلت أدور."
كان يتحدث وهو ينظر إليها، مصطنعًا التأثر وتظاهر بأنه كاد يخطئ في الكلام.
استمعت إليه نغم بعينين مذهولتين من قدرته على الكذب بهذه السهولة.
وازدادت دهشتها أكثر حينما تابع ونبرته تحمل دفئًا مزيفًا:
"وأول ما لقيتها اغمى عليها بين إيديا، جبتها على المستشفى طوالي."
تشنج فم سند وشعر بالغيرة والإهانة تأكل قلبه.
"بين إيديا".
لقد قالها عمدًا.
لكنه اضطر للصمت عندما لاحظ تجمع الناس من حولهم.
جاؤوا ليروا هذه المواجهة النادرة بين العائلتين.
أحجم غضبه وتمتم بتجهم، وصوته كان وعدًا بالثأر:
"طيب يلا دلوقتي... ولينا حساب تاني."
انساقت ليده التي جذبتها بقوة للسير معه، لكن قبل أن يخطوا خطوتين توقفت أرجلهما وتجمدت الدماء في عروقهما عندما سمعا صوته مرة أخرى، يناديها باسمها الأول بنبرة تحمل شوقًا مزيفًا وحميمية مقصودة:
"نغم."
دون إرادتهما، توقفا والتفتا إليه.
كان يقف في مكانه شامخًا ونظرة حانية مصطنعة على وجهه.
"يبقى طمنيني."
عن أي اطمئنان يطلب منها؟!
لقد ألهبتها نظرات سند التي تحولت إلى اتهام واضح.
فتلك النظرات المتبادلة بينهما - شوق متقن من جاسر، وخوف وترقب من نغم - لم تدع مجالاً للشك في عقل سند المشتعل.
وما أكد شكوكه هو أنها هزت رأسها بالموافقة كأنه طلب شيئًا عاديًا وروتينيًا.
صرخة مفاجئة ومكتومة صدرت منها، عندما جذبتها يد سند بعنف لم تعهده منه من قبل.
وخرج بها من المشفى تاركًا جاسر يبتسم ابتسامة نصر خفيفة.
لقد ربح الجولة الأولى.
لم يلمسها، لم يؤذها، لكنه حطم ثقة خطيبها بها وزرع الشك في قلبه.
وهذا كان أشد إيلامًا من أي جرح جسدي.
***
كانت غرفة المعيشة في قصر آل الرفاعي قد تحولت إلى خلية من القلق المشتعل.
وقفت ليل تزرع المكان ذهابًا وإيابًا، وخطواتها العصبية ترسم مسارًا على السجادة الفاخرة.
كان القلق ينهش قلبها بلا رحمة، وشعور سيء كغيمة سوداء يخيم على روحها.
تقدمت منها ورد زوجة عم نغم ووضعت يدها على كتفها في محاولة لتهدئتها:
"اهدي يا ليل اهدي يا حبيبتي، الحمد لله سالم طمنا عليها، قال إنهم لقوها. مش محتاجة قلقك ده كله؟"
التفتت إليها ليل، وعيناها زائغتان، لا ترى شيئًا سوى صورة ابنتها:
"مش هطمن... مش هطمن إلا لما أشوفها بعيني. قلبي مش مطاوعني يا ورد، حاسة إن فيه حاجة غلط."
تقدمت منهما روح ووجهها شاحب تحاول أن تبدو متماسكة من أجل والدتها:
"اطمني يا أمي، أنا كلمت عدي دلوقتي، وقال إنهم في الطريق رايحين يجيبوها. خلاص كلها دقايق وتكون في حضنك."
هزت ليل رأسها بوجل وصوتها يرتجف وهي تعبر عن مخاوفها التي عذبتها طوال الليل:
"أنا بايته طول الليل أهلوس بيها. بحلم بكوابيس وبشوفها بتصرخ، بنتي أكيد حصلها حاجة، أنا متأكدة."
في تلك اللحظة دخلت نادية والدة سند وهي تحاول أن تساهم في التهدئة مستخدمةً المعلومات التي وصلتها للتو:
"والله يا ليل سند لسه مكلمني دلوقتي وحلف إنها زينة. كل اللي حوصل إنها تعبت شوية وأغمى عليها في الجامعة، وزمايلها أخدوها على المستشفى وقال إنهم في الطريق دلوقتي."
لكن كلماتهن كانت كمن يصب الماء على صخرة لم تتزحزح ليل عن موقفها، وقالت بإصرار أمومي عنيد:
"أشوفها بعيني لول."
انسحبت روح بهدوء مستغلة انشغال الجميع بتهدئة والدتها.
توجهت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، ثم قامت بالاتصال على مالك، الذي كان يجلس في فندق المطار بكمد ويأس، بعد أن اكتشف أنه لا توجد أي طائرة متجهة إلى مصر في ذلك اليوم قبل صباح الغد.
أجاب مسرعًا، وصوته كان مزيجًا من القلق واللهفة:
"أيوة يا روح! بقالي ساعة برن عليكي وبتكنسلي، قلقتيني."
ردت روح بصوت خافت كي لا يسمعها أحد:
"غصبت عني، العيلة كلها كانت جنبي، مكنتش هعرف أرد عليك. اطمن... احنا لقينا نغم."
تنهد مالك براحة عميقة، وشعر بأن جبلًا قد أزيح عن صدره.
تمتم بصوت مرهق:
"الحمد لله... الحمد لله. بس كانت فين؟ إيه اللي حوصل؟"
"سند بيقول إنها وقعت من طولها في الجامعة، وزمايلها ودوها المستشفى ومحدش منهم عرف يوصلنا."
لم يقتنع مالك بالقصة.
شعر بأنها أبسط من اللازم، لكنه لم يرد أن يزيد من قلق روح.
في تلك اللحظة سمعت روح صوت والدتها بالأسفل يرتفع فجأة، فعلمت أن نغم قد عادت.
"أنا هقفل دلوقتي، شكل نغم رجعت، هبقى أرجع أطمنك."
أغلقت الهاتف وخرجت من غرفتها بسرعة وقلبها يدق بقوة، مزيج من الفرحة بعودة أختها والقلق من الحقيقة التي قد تكون خلف هذه القصة البسيطة.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السابع 7 - بقلم رانيا الخولي
خرج سند من المشفى وهو يجر نغم خلفه.
ليجد أسطولاً من سيارات عائلته يصطف أمام المدخل في مشهد مهيب، كأنه استعراض عسكري.
تجاهله جاسر بسخرية وهو يخرج بدوره من باب المشفى متجاوزًا إياهم بخطوات واثقة، كأنهم غير موجودين.
لاحت التفاتة سريعة من نغم إليه، فرأته وسائقه يفتح له باب سيارته ورأته يستلقي في مقعده الخلفي براحة، قبل أن تنطلق السيارة بهدوء.
شعرت نغم بالخوف منه، خوف غريزي من رجل أثبت لها أنه قادر على التحكم في مصائر الناس بكلمة واحدة.
وشعرت أيضًا بأن ما حدث اليوم لم يكن النهاية بل كان مجرد بداية لشيء مجهول ومرعب.
انتبهت لصوت أعمامها الذين أسرعوا إليها، يحيطون بها من كل جانب وأصواتهم تحمل قلقًا حقيقيًا.
"نغم! أنتِ زينة يا بنتي؟"
وسألها الآخر: "جرالك حاجة؟ حد زعلك؟"
وعدي، الذي كان يتطلع إليها بعينين لم تخفيا ولعه بها، وعتابه المحب: "إزاي تتعبي كده ومتكلمنيش؟ قلقتينا عليكي."
رد سند بدلاً منها، بصوت أجش ومكتوم يحاول إخفاء غضبه كي لا يثير الشكوك: "متقلقوش، الدكتور طمني إنها زينة، بس محتاجة ترتاح شوية خلينا نروحوا، وبعدين نتحدت."
ساقها حتى وصل بها إلى السيارة وفتح لها الباب في وجوم ثم توجه إلى مقعده متوليًا القيادة في صمت مطبق.
صمت أثقل من أي كلام وجعلها تشعر بالخوف أكثر.
فذلك الندل جاسر تعامل معها كأنه يعرفها وتعرفه ومن المؤكد أن سند أساء الفهم.
حاولت البحث عن كلمات تدافع بها عن نفسها أن تشرح أن تبرر.
لكنها تراجعت. نظرت إلى وجهه المتجهم، إلى يديه اللتين تقبضان على عجلة القيادة بقوة وأدركت أن أي كلمة الآن ستكون كصب الزيت على النار.
فضلت الصمت حتى وصلوا إلى المنزل.
أوقف السيارة بحدة وقال بتجهم دون أن ينظر إليها: "انزلي."
حاولت التحدث، أن تبدأ في الشرح: "سند، أنا..."
قاطعها بحزم وبنبرة لم تسمعها منه من قبل: "قولت انزلي دلوقت."
أومأت له بانكسار وشعرت بأن دموع الإهانة تحرق عينيها.
ترجلت من السيارة وأسرعت إلى الداخل لتهرب من نظراته القاسية.
كان سالم عمها يراقب المشهد من بعيد. لم يقتنع أبدًا بما رواه ابن أخيه عبر الهاتف والآن شكوكه تأكدت.
لقد رأى كيف ترجلت نغم من السيارة بوجه شاحب ونظرة منكسرة.
والأهم من ذلك أنه لمح قبل أن تنطلق سيارة التهامي كيف أن جاسر كان يترجل من درج المشفى وعيناه من خلف نظارته السوداء تنظران مباشرة إلى ابنة أخيه.
ورأى أيضًا تلك الالتفاتة الخاطفة منها إليه.
أدرك سالم أن هناك أمرًا ما، أمرًا خطيرًا حدث اليوم.
لكنه لن يبحث في الأمر الآن. سينتظر حتى تهدأ العاصفة، وحتى يهدأ كل من سند ونغم، وحينها... سيعرف الحقيقة كاملة.
***
كان أكمل يقود سيارته بسرعة على الطريق المتجه إلى المطار، فقد حالفه الحظ ووجد اخر تذكرة متجهة إلى سوهاج.
كانت عيناه مثبتتين على الطريق، لكن عقله كان مشغولاً بالكلمات التي سيقولها لليلى.
فحتى الآن لم يخبرها بتأجيل موعدهم.
يعلم جيدًا بأنها لن تتقبل ذلك لكن عليها التحمل إذا كانت تحبه حقًا.
كان يعلم أن هذه المكالمة ستكون صعبة، لكنه لم يكن يملك خياراً آخر.
فقد طلب منه مالك أن يحل محله في متابعة القضية بشكل غير رسمي مستغلاً ذكاءه وفطنته كوكيل نيابة وهو ما يعد خرقاً للقانون، لكن عليه فعل ذلك كي ينهي الأمر في هدوء لأجل سمعة الفتاة.
تنهد بعمق ثم ضغط على زر الاتصال.
قالت ليلى بصوتها الرقيق، الذي كان يحمل نبرة شوق واضحة: "أهلاً يا حبيبي، كنت لسه هكلمك."
كانت ليلى قد ارتدت فستانها المفضل، ووضعت لمسات خفيفة من المكياج وقلبها يرقص فرحاً بلقاء خطيبها بعد يوم طويل وشاق.
تتفحص انعكاس صورتها في المرآة وسألته بدلال: "وصلت؟"
لكن ابتسامتها سرعان ما تلاشت عندما أجابها: "ليلى..."
بدأ أكمل، صوته كان يحمل نبرة متعبة، ومحاولة لإخفاء التوتر: "أنا... أنا آسف جداً مش هقدر أجي النهاردة."
ساد الصمت للحظة على الطرف الآخر من الخط ثم جاء صوت ليلى، هذه المرة كان يحمل نبرة صدمة، ممزوجة بخيبة أمل: "إيه؟ مش هتقدر تيجي؟ ليه؟ حصل إيه؟"
لم يعرف أكمل كيف يصيغ حديثه لكن في النهاية قال لها:
قال أكمل محاولاً أن يكون مباشراً: "أنا في طريقي للصعيد يا ليلى. مالك... مالك في مشكلة كبيرة ولازم اسافر دلوقت."
صرخت ليلى، وارتفعت نبرة صوتها بشكل حاد: "وانا ذنبي ايه؟ وبعدين اللي اعرفه انه مسافر هتقف جانبه ازاي؟"
تنهد أكمل بنزق: "ليلى قولتلك الموضوع مهم ولازم أكون مكانه دلوقت."
"وليه مقولتش الكلام ده من بدري."
اغتاظ اكمل من حدتها معه وتحدث بقوة: "اديني قولتلك، ونبهتك مية مرة بلاش الاسلوب ده معايا."
أدركت ليلى خطأها وقالت بلهجة هادئة: "غصب عني يا أكمل، احنا بقالنا شهرين مبنخرجش خالص ودي كانت فرصتي عشان اشوفك واتكلم معاك."
تابعت بدهاء: "وبعدين يا حبيبي هو مالك اغلي عندك مني؟"
"مش قصة مين اغلى من التاني بس مالك بنت عمه اتطختفت ومينفعش أسيبه في الظروف دي."
حاولت ليلى ان تسيطر على غضبها فخرج صوتها حاد نسبياً: "وإيه علاقتك أنت بخطف بنت عمه؟ أنت وكيل نيابة يا أكمل! ولا نسيت نسيت أنك مينفعش تدخل في قضايا زي دي بشكل شخصي؟ ده مش قانوني ابدا."
يعلم انها محقة بكل كلمة لكن الواجب يحتم عليه ذلك.
قال أكمل بصبر، رغم أن قبضة يده على عجلة القيادة كانت تشتد: "عارف يا ليلى عارف بس مالك بعيد ومحتاج وجودي مكانه، مينفعش اتأخر مش عشان مالك بس عشان البنت اللي في خطر ومحدش يعرف مكانها عشان بحط نفسي مكانه لو اللي حصل لأخته ده حصل لأختي."
"بس انت مش مكانه."
تابعت ليلى بحماس وهي تضغط على واجبه المهني: "أنت أكمل، وكيل النيابة اللي بيتبع القانون بحذافيره. أنت الرجل الي حبيته لأنه مستقيم، مش بيلتوي على القانون. انما اللي بيكلمني دلوقت واحد تاني مستعد يضحي بمستقبله عشان حاجة متستهلش."
اندهش أكمل من حديثها وسألها باستنكار: "انتِ شايفة واجبي الانساني مع بنت بلدي حاجة متستاهلش."
أدركت ردها وتحدثت سريعًا: "لا مش قصدي انا بس بقول..."
قاطعها اكمل بحزم: "متقوليش حاجة انا مش رايح ارتكب جريمة ولا اتستر على قاتل انا رايح أنقذ بنت من فضيحة ممكن تتعرض لها لو الموضوع اتعرف حتى لو مكنتش وكيل نيابة كنت برضه هقف معها."
"بالقانون.." قالتها ليلى بشيء من الحزم وأردفت: "بالقانون يا أكمل، مش بالمشاعر اللي ممكن تضيع مستقبلك شوف انت تعبت اد ايه عشان توصل للمكانة دي، وشوف الغلطة دي ممكن تكلفك ايه؟"
رد أكمل محاولاً أن يسيطر على غضبه: "أنا بعمل اللي يمليه علي ضميري وده ميعارضش مع مهنتي، بالعكس ده بيكملها العدالة مش بس في قاعات المحاكم لا ده جواها وبراها وحتى لو بطريقة غير تقليدية."
"يعني مُصر يا أكمل مُصر تتهور وتخاطر بمستقبلك؟"
تعب أكمل من الجدال معها ورد بهدوء: "ايوه يا ليلى مُصر."
قاطعه مكالمة أخرى فتطلع إليه ليجده مالك: "ثواني هرد على مالك."
"طيب استنى...."
لم يستمع إليها ورد على مالك الذي سبقه بالحديث: "خلاص يا أكمل لقيناها."
تنهد أكمل براحة: "الحمد لله بس لقتوها ازاي؟"
رد مالك بحيرة: "لحد دلوقت مش عارف، بس هكلم سند واعرف منيه الحقيقة بالظبط."
أوقف السيارة جانبًا وقال: "المهم أنها رجعت، لو احتاجتني في أي وقت انا هنا مكانك."
رد مالك بابتسامة: "عارف."
أغلق أكمل الهاتف واستدار بسيارته دون أن يخبر ليلى.
وكأنه ينتظر رد فعلها.
هو يحبها كما يعلم جيدًا مدى حبها له.
لكن لا يريد الحب المقيد بالعقل.
يريدها أن تكون مثله.
عندما يطرق الواجب بابه لا يفكر في شيء آخر.
عاد إلى منزله وهو يشعر بالإختناق.
لكن ازال الإختناق ليحل محله الصدمة عندما دخل منزله فيجد ليلى جالسة مع والديه.
ويبدوا من هيئتهما أنها أخبرتهم بكل شيء.
نهضت ليلى وهي تقول بذهول لم يلبس كثيرا ظنًا منها أنه تراجع لإجلها: "أكمل؟ انت مسافرتش؟"
نهض والده وهو يسأله بحدة: "صحيح الكلام اللي سمعته ده؟"
التفت اكمل ببصره إليها والذي تهربت بعينيها منه ورد بتسويف: "طالما سمعت منها يبقى صحيح."
لم تستطيع ليلى الوقوف أمامه وهو يتطلع إليها باتهام.
فأخذت حقيبتها وهي تغمغم باحراج: "طيب أنا همشي دلوقت."
لم يجيبها أحد ومرت من جوار أكمل الذي أدار وجهه بعيدًا عنها مما جعلها تشعر بالندم لفعلتها وخرجت من المنزل.
نهضت والدته وهي تقول بانفعال: "ممكن بقى تقولى ايه اللى كنت هتعمله ده؟ ازاي تخاطر بمستقبلك عشان سبب تافه زي ده."
تطلع إليها بذهول وهو يردد كلماتها: "سبب تافه؟!"
أكد والده باحتدام: "ايوه سبب تافه، تافه اوي كمان لما تخسر قصاده شغلك ومركزك، انت نسيت ان موقفك حساس اد ايه، وإن ناس كتييير اوي بتدور وراك عشان تمسك عليك غلطة ايه بقا اللي يستاهل تضحي بكل ده عشانه."
رد أكمل بهدوء يتنافى تماما عم بداخله من غضب: "ببساطة كدة عشان ده مبدأي، وعشان ضميري اللي يمنعني إني اقف اتفرج على بنت بيضيع مستقبلها واقول وانا مالي."
تقدم منهم خطوة وهي يردف بمغزى: "عشان ده اللي جدي رباني عليه واللي مش هغيره لأي سبب من الأسباب."
تحدثت نسرين بعقل: "محدش منعك من ده بس يكون بالقانون."
زم أكمل فمه بضيق: "ما انا حطيت لين اختي مكانها ولو حصل لها حاجه لا قدر الله حاجة زي كدة مكنتش هلجأ للقانون عشان سمعتها. وأخت صاحبي زيها زي لين بالظبط. الموضوع اتقفل على كدة ومش عايز أي كلام فيه تاني."
تركهم ودلف غرفته وهو يشعر بالحنق منهم جميعا.
***
كانت نغم جالسة على الأريكة لا تستمع لحديث من حولها.
مازالت تلك العيون تطاردها وكلماته مع سند يتردد صداها باسمه الذي يحمل جبروت الدنيا وقسوتها كعائلته.
لا تعرف لما تشعر بتلك الرجفة كلما لاح بخلدها عين الجليد.
لاحت منها التفاتة إلى سند الذي كان يجلس مع العائلة حولها يتطلع إليها باتهام.
واسئلة كثيرة تدور بخلده أيضًا.
لما يشعر بأنها تخفي عنه شيئاً ولأول مرة يشعر بأنها لم تعد الكتاب المفتوح الذي يعلم ما تدونه صفحاته دون أن يقرأه.
لم ينتبه لحديثهم بل كان مثلها شاردًا في عالم الإتهام.
"نغم انتِ زينة؟"
قالتها ليل التي عاد القلق يساورها من حالة ابنتها تلك.
انتبهت لها نغم تتمتم بعدم إدراك: "نعم يا إمي بتجولي حاچة؟"
ازداد قلق ليل أكثر لكنها احجمت قلقها وخاصة نظرات سند لها المليئة بالاسئلة مثلها.
ردت ورد ببراءة: "تلجاها لسة تعبانة، خليها تطلع تريح في اوضتها."
قالت لروح ووعد ابنتها: "خدوها لأوضتها وخليكم معها لحد ما تنام."
طلعت نغم لزوجة عمها بامتنان لانتشالها من تلك الاسئلة الصامتة والتي تحيطها من كل جانب.
نهضت مع روح ووعد الذي ساعداها على الصعود لغرفتها تحت نظرات سند.
تطلع وهدان إلى سند وقال بثبوت: "اللي حوصل ده ميتكررش تاني، لو عربيتك حصلها حاچة تعالي وخد غيرها بس متعطلش حالك وتتأخر عليها إكدة."
أومأ سند بطاعة: "حاضر يا چدي."
"بس كنت رايد نعجل بالفرح مفيش داعي نستنى أكتر من إكدة."
نظر إليه عدي بنظرات تحمل امتعاض وغيرة.
لكنه يحاول اخفاءها فليس له فائدة ترجو لذا لاذ بالصمت كعادته.
فقط الحقد هو من يشتعل بقلبه.
رد وهدان بحيرة: "بس فرح زي ده مش هنجيمة في يوم وليلة، لازمه شهر على الأجل. وخصوصاً إنه هيكون فرحين مش واحد."
"هما عشر ايام حلوين جوي، أني مش ناوي استنى تاني أكتر من إكدة."
قالها سند من خوفه الذي لازمه منذ رؤية حفيد التهامي معها لذا أصر على الزواج منها باسرع وقت.
قالت ليل برفض: "بس إكدة مش هلحج أچهز للاتنين."
شجعت ورد قرار سند: "ليه مش هنلحج؟ ايد على ايد بتساعد احنا اللهم بارك عزوة ونجدر نچهز كل حاچة في سبوع بالكتير."
اكدت نادية: "صوح كلامك يا خيتى، ان شاء الله نخلص كل حاچة بسرعة خلي الفرح يملى الدار.."
نظر وهدان إلى سالم وحامد: "رأيكم ايه؟"
رد حامد: "خير البر عاجله ان شاء الله الفرح يكون اخر الشهر."
قال سالم بدوره: "زي ما بيجولوا خير البر عاچلة."
"بما انكم كلكم موافجين يبجى على خيرة الله.."
***
ارتسمت الصدمة المطلقة على وجه وعد، واتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما وهي تصرخ في وجه أختها: "جاسر التهامي؟ انتِ اتجننتي؟"
قالتها بصوتٍ عالٍ اخترق صمت الغرفة، فجمدت روح في مكانها للحظات، عاجزة عن النطق، بينما وقفت نغم شاحبة الوجه، ترتعش أطرافها وكأنها تسترجع للتو كابوسًا مروعًا.
قطعت وعد ذلك الصمت المطبق وهي تضرب كفًا بكف في جزع: "يا مصيبتي! انتِ واعية للي عملتيه ده؟"
وضعت نغم يدها المرتجفة على فم وعد في محاولة يائسة لإسكاتها، وهمست بصوتٍ بالكاد يُسمع: "وطي صوتك لحد يسمعك."
انتزعت وعد يدها بغيظ، وارتفع صوتها أكثر، مشحونًا بالهلع والغضب: "اوطي صوتي إيه؟ تفتكري إن واحد زي جاسر التهامي هيعدي اللي حوصل عاد بالساهل إكده من غير ما ياخدها في مصلحته؟ تفتكري إنه مش هيوصل الحكاية لجدي بنفسه، وبطريقته هو؟ انتِ متعرفيش مين ده جاسر صيته سابق في كل مكان، صيت رجل قلبه ميعرفش الرحمة ولا بينسى ولا بيسامح."
لاحظت روح الخوف الذي بدأ ينهش ملامح أختها، فتدخلت في محاولة لتهدئة الموقف: "طيب وهي ذنبها إيه بس في كل ده، والراچل متعداش الأصول برضك. بالعكس، ده چميله يتحط على الراس."
حدقت وعد في روح بذهول، وكأنها تستمع إلى لغة لا تفهمها: "چميل؟ چميل إيه يا مچنونة انتِ؟ انتِ ناسية ده مين؟ ده أكبر عدو لينا! ده حفيد فايد التهامي وتربية عمه صخر اللي حالف يمرمط بينا الأرض الچميل بتاعه ده طُعم، فخ بيجر رجلك ليه جاسر مبيعملش حاجة ببلاش، كل خطوة بيخطيها بحساب، وكل بصة من عنيه وراها ألف حكاية ومكيدة."
قطبت نغم جبينها بحيرة وارتباك، وسألت بصوت خافت: "كيف يعني؟ ممكن يعمل إيه عاد؟"
هزت وعد كتفيها، ونبرتها تحمل مرارة سنوات من العداء الموروث: "مخبراش بالظبط، بس الحكاوي اللي بتتحكي عنه إلى واكل ناسه دى تشيّب بيجولوا إنه ماسك شغل جده كله في الخفا، وضاعف فلوسهم وقوتهم في كام سنة بيجولوا إن كلمته في البلد سيف، واللي يعانده يلاجي نفسه بره اللعبة تاني يوم راجل بالقوة ده مبيعملش حاجة لله في لله. كونه سابك النهاردة يبجى بيستثمر في مصيبة أكبر بكرة."
رأت روح اليأس في عيني نغم، فقالت بحزم وهي تحاول زرع بعض الطمأنينة: "إن شاء الله ميكنش في حاچة من إلى قولتيه دا كلاته، وطالما سند خابر الحجيجة ميهمش حاچة تانية، ولو لا قدر الله فكر يلعب بينا سند هيجف جصاده."
هزت وعد رأسها بأسف: "لاه ماعتقدش جاسر ديتى شارب الكره من ناحيتنا على يد عمه صخر لحد ما خلى جلبه كيف الصخر زيه ومعنى إنه يسيبك إكدة من غير ما يستغل الفرصة يبجى بيخطط لحاچة واعرة جوي حاچة تضرب في الصميم."
انقبض قلب نغم بخوف حقيقي، شعرت به كقبضة باردة تعتصر أحشاءها.
وبّخت روح وعد: "لزمته إيه الكلام ده دلوجت جاكى هابط فى نفوخك مش شايفة حالتها كيف جدامك."
لكن وعد كانت مصرة، فأمسكت بيد نغم ونظرت في عينيها مباشرة، بنظرة تحمل التحذير والحب في آن واحد: "أني مش بجولها إكدة عشان أخوفها، أني بجولها عشان أوعيها لكل خطوة هتخطيها بعد إكدة. خدي بالك من نفسك بعد إكدة للاحتياط، اللي خلاهم يرفعوا السلاح على أختهم ممكن يعملوا أي حاچة، ومتنسيش إن اللي بينا وبينهم دم، ولو احنا بنتلاشى ده هما لا، فهمتيني يا نغم؟"
أومأت نغم بصمت، وقلبها يخفق بعنف كطبول حرب.
شعرت وعد أنها ربما قست عليها، لكنها كانت تفضل أن تؤلمها بكلماتها على أن يتركها الزمن لتتألم تحت رحمة براثن ذلك الجاسر.
في محاولة لتخفيف الأجواء المشحونة، ابتسمت وعد ابتسامة باهتة: "أني هروح أغير هدومي وآچي أبات معاكم، بس هنام چارك انتِ بدل اللي بتفضل تتجلب طول الليل كيف البهايم دي."
اتسعت عينا روح بدهشة مصطنعة: "أني كيف البهايم؟"
هزت وعد رأسها بتأكيد وهي تضحك: "أيوة كيف ما بجولك إكدة، الله يعينه عدي أخوي."
زمت روح شفتيها بغيظ، وأمسكت بالوسادة الصغيرة وقذفتها نحو وعد وهي تصرخ بمرح: "بجا إكدة؟ طيب تعالي بجى أعرفك ضرب البهايم بيكون كيف."
انخرطت الأختان في معركة بالوسائد، وضحكاتهما تملأ الغرفة، لكن نغم بقيت شاردة، وعيناها تائهتان في الفراغ.
لم تكن تسمع ضحكاتهما، بل كانت تسمع صدى اسم "جاسر التهامي" يتردد في رأسها، مصحوبًا بخوف لزج سيلازمها منذ اليوم.
***
دوت الزغاريد عالية في أرجاء قصر التهامي، لم تكن مجرد زغاريد عادية، بل كانت أشبه بإعلان رسمي عن حدث جلل، إعلان عن عودة سيد القصر الشاب بعد غياب استمر لعام كامل.
كانت والدته ونس أول من استقبله عند الباب، احتضنته بقوة وكأنها تعيد روحها الضائعة إلى جسدها، ودموع الفرح تبلل وجنتيها.
"اتوحشتك جوي يا ولدي، متغيبش إكدة تاني عني."
كان صوتها المرتجف هو الشيء الوحيد في هذا العالم القادر على إذابة جليد ملامحه.
تطلع إليها بابتسامة نادرة، ابتسامة خفيفة لم تبلغ عينيه بالكامل، لكنها كانت كافية لتهدئة قلب والدته.
"خلاص مش هبعد إكدة تاني."
تشبثت به أكثر، تبحث عن تأكيد صادق في عينيه.
"صوح يا ولدي؟"
أومأ برأسه إيماءة حاسمة، وصوته الهادئ حمل حزنًا لا يستهان به: "صوح يا أمي."
قاطع تلك اللحظة صوت حاد جاء من بهو القصر، صوت زوجة عمه التي كانت تراقبهما من بعيد: "إيه يا ولد كارم، ملكش إهنه غير أمك وخلاص؟"
في لحظة، عاد قناع الجليد ليحتل وجه جاسر.
انسحب من حضن والدته بهدوء، وتحول جسده إلى تمثال من الصرامة.
استدار ببطء ونظراته الباردة جالت المكان قبل أن تستقر على زوجة عمه: "أهلاً يا مرت عمي، كيفك؟"
لم تكن تحية بل كانت إقرارًا بوجودها لا أكثر.
جلست على الأريكة الفاخرة وهي تضع ساقًا فوق الأخرى، وردت بفتور متعمد: "بخير يا ولدي طول ما انت بخير، بس شروق اللي بجالها سنة بحالها مش مبطلة عياط دي هي اللي مش زينة."
تحرك جانب فمه في شبه ابتسامة ساخرة، حركة طفيفة لم تلاحظها إلا والدته التي تعرفه جيدًا.
تدخلت ونس في محاولة لتلطيف الأجواء: "خلاص بجا جاسر هيفضل أهنه ومش هيسافر تاني."
قال بهدوء قاطع، كل كلمة منه كانت كقطعة ثلج تسقط في صمت مطبق: "بس أني مجلتش إني مش هعاود."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم تابع بنفس النبرة الهادئة التي تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا: "أمي جالت متأخرش في السفر تاني، ومجصدش غير إكدة."
قطبت جبينها بامتعاض، وقررت أن تضغط أكثر: "وخطيبتك اللي لها حجوج عليك دي، ذنبها إيه؟"
هنا تغيرت الأجواء تمامًا. لم يرتفع صوته، لكن حدة نبرته كانت كافية لجعل الهواء في الغرفة أثقل: "محدش إهنه له حجوج عليا غير أمي لما تبجى مرتي، يبجى نتكلم في الحجوج دي."
كان رده قاطعًا نهائيًا، كحكم محكمة لا استئناف فيه.
شعرت ونس بالإحراج من رد ابنها القاسي، فحاولت تلطيف ذلك الجو المشحون الذي افتعله بكلماته القليلة: "اهدوا يا چماعة، هو جاسر ميجصدش يا نادرين هو راچع من السفر تعبان ومش وجته الكلام ده."
ثم تطلعت إلى ابنها، الذي كان يقف كالصقر، وهيبته تملأ المكان. قالت بهدوء أمومي: "اطلع ارتاح دلوجت يا ولدي، ولما تجوم يبجى راضي خطيبتك."
تشنج فكه بقوة، دلالة واضحة على صراعه الداخلي للتحكم في غضبه المكتوم خلف قناع البرود.
لم يرد عليها، لكن نظراته الفاترة قالت كل شيء دون كلمة أخرى.
استدار وانسحب بهدوء مهيب، وخطواته الواثقة تصعد الدرج الرخامي إلى جناحه في الأعلى تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً، وهيبة رجل لا يمكن لأحد أن يفرض عليه شيئًا.
***
ظل سند يزرع غرفته ذهابًا وإياباً والغيرة تنهش قلبه.
نظراته لها وحديثه معها الذي يخبره به بأنه يعرفها وتعرفه.
ضغط على أسنانه حتى كاد أن يدميها.
لن يستطيع أن ينتظر للصباح عليه رؤيتها الآن والتحدث معها.
أخذ هاتفه من على الفراش وقام بإرسال رسالة لها: "انا مستنيكي في الجنينة انزلي."
كانت الساعة الثانية صباحًا ولم تستطع نغم النوم.
لا تنكر أن حديث وعد أربكها وجعل الخوف يتمكن منها.
لكن أيضاً ليس بوسعه فعل شيء.
أيام قليلة وستكون زوجة لسند ابن عمها وحينها لن يستطيع فعل شيء.
وفي تلك الفترة لن تذهب إلى الجامعة ولن تخرج من المنزل.
وبذلك لن يستطيع الوصول لها إذا كان حقًا يخطط لشيء كما أخبرتها وعد.
انتبهت لصوت هاتفها الذي يعلن لها بوصول رسالة.
نظرت إليها فإذا بها رسالة سند.
أغمضت عينيها بتعب.
فيبدو أن وعد محقنه بكل حديثه.
لن يترك سند الأمر يمر مرور الكرام.
أخذت طرحتها لتضعها على خصلاتها السوداء كما حال عيونها وفتحت الباب بهدوء كي لا يشعروا بها.
***
وقف جاسر أمام شرفته الزجاجية الضخمة، يتطلع إلى الأفق البعيد الذي يمتد أمامه بلا نهاية.
كانت عيناه حادتين كعيني صقر يحوم عاليًا، يمسح الأرض بنظرة واحدة قادرة على التقاط أدق التفاصيل.
لم تكن مجرد نظرة، بل كانت حالة من التركيز العميقي.
حسب فيها خطواته القادمة بدقة متناهية، كما يفعل دائمًا كي لا يعود منهزمًا.
هو لم يعترف بالهزيمة يومًا بل لم يصادفها.
كان الحظ دائمًا حليفه، أو ربما كان هو من يجبر الحظ على الانصياع له ليعود دائمًا منتصرًا.
تحولت عيون الصقر تلك إلى نظرات حانقة في جزء من الثانية.
لم يحتج إلى أن يلتفت، فقد شعر بتلك اليدين الناعمتين تلتفان حول خصره، وذلك العطر الحلو النفاذ الذي يكرهه يغزو مساحته الشخصية، وصوت الأنفاس الرقيقة يهمس بجانب أذنه.
"وحشتني، استنيتك تيجي تشوفني بس كالعادة زعلتني منك ومجتش."
تصلب جسده بالكامل. إنها شروق خطيبته وابنة عمه الكيان الذي فُرض عليه، والذي يمثل كل ما يمقته في النساء: الضعف، والالتصاق، والمطالبة المستمرة بمشاعر لا يملكها ولا يرغب في امتلاكها تجاهه.
تجاهل لمستها، لكنها شددت من قبضتها، في محاولة يائسة لاختراق حصونه المنيعة.
"جاسر، كنت فين كل ده؟ جلجت جوي عليك، حتى مكنتش بترد على تلفوناتي."
صمت لم يجبها، بل ظل ينظر إلى انعكاس وجهه البارد في زجاج النافذة، وكأنه يرى غريبًا.
كل عضلة في جسده كانت تصرخ بالنفور.
أخيرًا، خرج صوته هادئًا لكنه كان هدوء ما قبل العاصفة: "شغل."
كلمة واحدة، ألقاها كقطعة جليد، قاصدًا أن تنهي الحوار قبل أن يبدأ.
لكن شروق، في إصرارها الأعمى، لم تفهم الرسالة.
ألصقت جسدها بظهره أكثر، ووضعت رأسها على كتفه تتنفس عطره بخشوع: "والشغل يخليك تبعد عني كل الفترة دي؟"
هنا نفد صبره. استدار فجأة بحركة عنيفة وسريعة أفلتت قبضتها عنه وأجبرتها على التراجع خطوة للوراء.
واجهها الآن وعيناه لم تعودا باردتين، بل كانتا مشتعلتين بغضب مكبوت.
تفاجأت شروق من رد فعله، لكنها حاولت التماسك: "جولتلك جبل سابج بلاش تسألي عن حاچة متخصكيش."
كان صوته رغم هدوءه إلا أنه يحمل تهديدًا صارمًا: "أني خطيبتك يا جاسر، ومن حجي أعرف كنت فين وأطمن عليك."
ضحك. كانت ضحكة قصيرة، خالية من أي مرح، أشبه بصوت احتكاك معدن بمعدن.
تقدم نحوها خطوة، فتراجعت هي خطوة أخرى بشكل لا إرادي. هيبته الطاغية كانت تخنقها.
"خطيبتي؟ ده مجرد اسم على ورق يا شروق ورق هرميه في أقرب زبالة لما أخلص من اللي عايزه."
اتسعت عيناها بصدمة وألم. حاولت أن تستجمع شجاعتها، واقتربت منه مرة أخرى، ووضعت يدها على صدره الصلب بدلال مصطنع: "ليه بتجول إكدة بس؟ خليني معاك، انت وحشتني أوي."
كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير.
في حركة خاطفة لم تستوعبها، انقضت يده على شعرها، وشده بقوة حتى صرخت متألمة وارتفع رأسها إلى الخلف قسرًا.
انحنى نحوها حتى لامست أنفاسه الباردة وجهها، وهمس بصوت فحيح مرعب: "اسمعي يا بنت عمي، ودخلي الكلام ده في دماغك زين المرة الجاية اللي رجلك تخطي فيها عتبة الأوضة دي من غير إذني، هكسرهالك. والمرة الجاية اللي إيدك دي هتتمد وتلمسني برضك هقطعهالك فاهمة؟"
أومأت برأسها بسرعة، والدموع الحقيقية هذه المرة تملأ عينيها من الألم والخوف.
لم يكن هذا جاسر البارد، بل كان وحشًا مطلق السراح.
دفعها بقوة بعيدًا عنه، فسقطت على الأرض. وقف فوقها ينظر إليها باحتقار تام: "اطلعي بره."
لم تتحرك من صدمتها، فصرخ بها بصوتٍ جعل جدران الغرفة ترتج: "برررررررررررره!"
نهضت بفزع وركضت خارج الغرفة وهي تبكي بهستيريا، تاركة الباب مفتوحًا خلفها.
وقف جاسر في منتصف الغرفة، صدره يعلو ويهبط بعنف يحاول السيطرة على غضبه.
عن أي حب تتحدث؟ ومن كذب عليها وأخبرها أنه يملكه ليهبه لها؟
زفر بضيق وهو يمرر يده في شعره.
لن يستطيع مواصلة هذا التمثيل أكثر.
فلديه الآن ما يشغله.
توجه إلى فراشه، التقط هاتفه، وطلب رقمًا بذاكرته.
انتظر حتى جاءه الرد: "بأي شكل، السواق ده يكون عندي بكرة في بيت الجبل."
أغلق الهاتف دون انتظار رد، وعادت عيون الصقر تراقب الأفق البعيد، أكثر برودًا، وأشد تصميمًا من أي وقت مضى.
لقد بدأت اللعبة الآن.
***
كانت الأضواء خافتة في حديقة القصر الواسعة، تلقي أشجارها العتيقة بظلال طويلة ومهيبة على الأرض، بينما كان صوت خرير الماء من نافورة حجرية قديمة هو اللحن الوحيد الذي يكسر هدوء الليل العميق.
سارت نغم بخطوات مترددة، ترتدي إسدالها الفضفاض الذي لم يستطع إخفاء آثار التعب والقلق البادية على وجهها الشاحب.
كانت عيناها تتجولان في الظلام بقلق تبحثان عنه عن سندها، حتى لمحته يخرج من بين ظلال الأشجار كشبح، خطواته بطيئة ومدروسة، وكل خطوة كانت تطرق قلبها بقوة.
الوجوم الذي تجده على ملامحه الرجولية جعل الخوف يزداد في صدرها.
اقترب منها ببطء قاتل، وكل خطوة يخطوها كانت تزيد من توتر الأجواء، حتى الهواء نفسه بدا ثقيلاً وكثيفًا.
توقف أمامها مباشرة، وصمته كان أشد وقعًا من أي صراخ.
حدق في عينيها بنظرات ثاقبة، وكأنه يحاول أن يخترق روحها ليكشف كل الأسرار التي تخفيها.
تحدث أخيرًا، وصوته الخفيض كان كالفحيح، يحمل تهديدًا واضحًا: "نغم..."
اهتزت نظراتها بوجل واضح، وتمتمت بصوت مرتجف بالكاد خرج من شفتيها: "سند... أنا... أنا آسفة لو جلجتك. بس..."
توقفت الكلمات في حلقها. كيف تشرح موقفًا هي نفسها لا تفهمه؟ كيف تبرر وجودها مع عدو العائلة اللدود؟
ازدردت ريقها بصعوبة عندما تحدث أخيرًا، وكانت لهجته الهادئة مرعبة أكثر من أي غضب صريح، فبداخله كانت نيران تتأجج: "آسفة؟ آسفة على إيه بالظبط يا نغم؟"
تشنج فكه وهو يحاول بصعوبة السيطرة على غيرته التي تثور كبركان كلما تخيل الموقف: "تجصدي يعني على إنك كنتي في حضن جاسر ابن التهامية؟ ولا على إنك خليتي واحد من أعدائنا يشوفك ويلمسك؟"
اتسعت عيناها بصدمة ورعب من اتهامه: "حضن مين يا سند؟ إيه الكلام اللي بتجوله ده؟ أني لما هربت من السواج ده وتعبت من الچري أغمى عليا! هو اللي لجاني ووداني المستشفى!"
ارتفعت نبرة صوتها قليلاً، في محاولة يائسة للدفاع عن شرفها، ولم تكن تعلم أنها بذلك تشعل نيران غيرته أكثر بدفاعها غير المقصود عنه.
سخر سند بمرارة وظهرت ابتسامة قاسية على شفتيه: "أنقذك؟ أنقذك كيف؟ بكلامه المعسول اللي كان بيرميه عليا جدامك؟ ولا بنظراته اللي كانت بتجول إن بينكم حاچة؟"
قال كلمته الأخيرة بحدة افزعتها وجعلت الدموع تتجمع في عينيها.
دافعت عن نفسها ببكاء حارق: "صدجني، مفيش حاچة بيني وبينه يا سند أنت عارف كويس أني بحبك جد إيه أنت خطيبي، وأنا بنت عمك إزاي تفكر فيا إكدة؟"
صاح سند بغير وعي، وعيناه تلمعان في الظلام كعيني ذئب جريح: "عشان أني خابر الشخص ده زين يا نغم وعارف عيلته كلها دول ناس مفيش في جلوبهم رحمة بيحبوا يكسروا أي حد يجف في طريجهم!"
اقترب منها خطوة، وتغيرت نبرته إلى وجع حقيقي، لكنه لم يخلُ من التحذير: "كلامه اللي جالهولي... كلامه اللي جالهولي كان كله سم يا نغم كان بيغيظني بيكي بيجولي إنه يعرفك، وإنك تعرفيه إيه اللي يعرفه عنك؟ وإيه اللي تعرفيه عنه؟"
تراجعت نغم خطوة وهي تشعر بالخوف من قربه وغضبه: "مفيش حاچة يا سند! والله مفيش! دي كانت أول مرة أشوفه، ومكنتش أعرف إنه ابن التهامية إلا وهو بيكلمك في التليفون وبصراحة أني مشفتش منه حاچة وحشة هو بس... هو بس كان بيحاول يطمني لما كنت في المستشفى."
كانت كلماتها الأخيرة هي الوقود الذي صبته على النار دون أن تدري.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثامن 8 - بقلم رانيا الخولي
جاهد نفسه كي لا ينفجر فيها وقال من بين أسنانه.
"يطمنك؟ وهو مين عشان يطمنك؟"
فقد السيطرة للحظة ورفع صوته وهو يضرب بقبضته على جذع شجرة قريبة مما جعل نغم تنتفض فزعًا.
"إنتي خابرة مين جاسر ده؟ إنتي فاهمة يعني إيه عيلة التهامي بالنسبة لينا؟ دول اللي جتلوا أبوكي! دول اللي دمروا حياتنا! وإنتِ... إنتِ كنتِ معاهم!"
أغمض عينيه للحظة يأخذ نفسًا عميقًا في محاولة يائسة لاستعادة رباطة جأشه، هو يعلم أن ليس لها ذنب فيما حدث لكن نيران الغيرة تنهش قلبه ليس بصفتها خطيبته بل ابنة عمه وهذا ما جعل الغضب يقتحمه أكثر. حتى لو كانت وعد أو روح سيغضب كذاك.
فتح عينيه ونظر إليها بحدة.
"أنا لما چيت المستشفى ولجيته چاعد جدام أوضتك اتچنيت، بس كتمتها چواتي عشان الفضايح ليه فضلتي في الأوضة بعد ما عرفتي هو مين؟ وإنتي خابرة زين إن بينا وبينهم تار ودم!"
ردت نغم بصوت مخنوق والدموع تنهمر على خديها كشلال.
"أنا ما نسيتش حاجة يا سند أنا عمري ما أنسى بس الموقف كان صعب كنت لوحدي، ومحدش يعرف مكاني هو اللي كان موجود، وبعدين دي مستشفى يا سند يعني لوكان رايد يعمل حاچة مكنش هيووديني هناك."
اقتربت منه ببطء، ووضعت يدها المرتجفة على ذراعه ونظرت إليه برجاء يذيب الصخر.
"صدجني يا سند أنا ماليش ذنب ودلوجت أني مش محتاچة غير إنك تطمني مش تخليني أخاف أكتر."
نظر إلى يدها على ذراعه، ثم رفع عينيه لينظر في عينيها الدامعتين. صمته طال مرة أخرى، لكنه كان صمتًا مختلفًا، صمتًا يملؤه الصراع. رأى الخوف والصدق في عينيها، فبدأ غضبه يتراجع قليلاً ليحل محله ألم عميق.
"أنا مش بشك فيكي يا نغم بس اللي حوصل ده..."
هز رأسه، وكأنه لا يزال لا يصدق ما حدث.
"أنا شفت نظراته ليكي وشفت كلامه كان بيحاول يوصلك، كان بيحاول يوقع بيني وبينك أنا بحبك يا نغم وعشان بحبك، أنا خايف عليكي خايف عليكي من أي حد يحاول يجرب منيكى خصوصًا لو كان من العيلة دي."
تابع بوعد.
"أنا مش هسمح لأي حد يجرب منيكى ولا هسمح لأي حد يوقع بيني وبينك متفتكريش إني مش فاهم اللي ناوي يزرعه بيني وبينك، وعشان إكدة عجلت بالفرح وجفلت عليه كل الطرج."
نظر إليها بجدية وعيناه تعكسان مزيجًا خطيرًا من الحب والغيرة والتملك. هزت رأسها بإيجاب، تشعر بالارتياح لأن غضبه هدأ، لكنها أدركت في تلك اللحظة مدى عمق غيرته التي قد تحرق كل شيء.
"فاهمة يا سند فاهمة."
تنهدت وكأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن صدرها، لكنها كانت تعلم جيدًا أن هذا المشهد لم ينتهِ، وأن سند لن يسكت وأن عاصفة أكبر تلوح في الأفق.
وعلى الجانب الاخر.
كانت تلك العيون التي تجمع بها آسى الدنيا تراقبهم بكمد. حزناً جعل قلبها ينبض بقوة آلمته. لكن شعور بالذنب يكتنفها وهي تشعر بأنها خائنة لصديقتها وأخته. لكن ليس على القلب سلطان. وقلبها مال إليه دون إرادتها منذ أن كانت طفلة صغيرة.
لم تكن وعد خائنة، ولم تكن تتمنى الشر لأحد. كان حبها لسند شيئاً نما بداخلها رغماً عنها، شعوراً لا تملك له رداً ولا تستطيع أن تتحكم فيه. كانت تعلم أن سند ونغم مخطوبين منذ صغرهم، لكن قلبها كان يرفض التصديق. كانت تراقب سند يميل برأسه نحو نغم، يستمع إليها باهتمام، وتارة يتبادلان النظرات التي تحمل في طياتها الكثير من الود والتفاهم.
كانت وعد تعلم ما الذي يتحدثان عنه لكنها لم تكن بحاجة إلى معرفة التفاصيل. كل ما تعرفه أن حبه وغيرته عليها من جعله يبعث لها في هذا الوقت. شعرت بقلبها ينقبض، وبدمعة حارة تشق طريقها على خدها، لتختلط بمرارة الصمت الذي يلفها. كانت تتمنى لو أنها مكان نغم، لو أنها تستطيع أن تشارك سند تلك اللحظات البسيطة والعميقة في آن واحد. لكنها كانت مجرد ظل، تراقب من بعيد وحبها ينمو في الخفاء محاطاً بسياج من الخوف واليأس، لا تملك إلا أن تستسلم لحزنها الصامت.
"وعد، واجفة عندك إكدة ليه يابنيتى فى الوجت ديتى؟"
التفتت إلى والدتها التي تطلعت إلى ما كانت تنظر ابنتها مما جعلها تعرف سبب حزنها ودموعها.
"لساتك برضك يا وعد."
اغمضت عينيها تنفض تلك الدموع المتعلقة باهدابها وتمتمت بخفوت.
"مش جادرة، غصبت عني والله يا امى."
ربتت على كتفها.
"طيب تعالي يا نن عين امك نطلع اوضتك متجفيش إكدة لحدا يوعالك."
أومأت لها وعد وانساقت ليدها التي تجذبها وصعدت مع والدتها إلى غرفتها، وهي تمسح دموعها بظهر يدها. جلست على حافة السرير بينما أغلقت والدتها الباب خلفهما وجلست بجانبها. كانت تشعر بالخزي من ورد حتى إنها أخفضت عينيها لا تستطيع النظر إليها. فقد وعدتها منذ فترة ألا تفكر به وأن تحارب ذلك العشق بكل الطرق حتى ينتصر عقلها على ذلك القلب الواهن. لكن باءت كل محاولاتها بالفشل.
جلست ورد بجانبها لتمد يدها واليد الأخرى ترفع بها وجهها لتواجهها.
"ارفعي عينكي في أمك يا وعد."
رفعت عينها المليئة بالدموع مما جعل قلب ورد ينشق حزنًا عليها.
"وبعدهالك عاد يا وعد، هتفضلي إكدة لحد ميتى؟"
أخذت وعد نفس عميق تهدء به من روعها.
"غصبت عني والله ياامى."
"خابرة يا نور عيني بس مينفعش تدمري حالك إكدة وتعلجي نفسك بحبال دايبة كلها ايام وهيتچوزوا ومش هينوبك غير الجهر، حاولي تخرچيه من تفكيرك وعيشي حياتك بعيد عنيه كلايتنا خابرين انه رايد نغم من زمان ونغم كمان ريداه، يبجى شيلي الموضوع من جلبك عشان ترتاحي وتريحيني معاكي."
رغم صعوبة الأمر عليها بل يعد من الامور المستحيله لكنها ارادت أن تريح قلب والدتها فقالت بروية.
"حاضر يا أمي مش هفكر فيه تاني."
ابتسمت ورد لها وقالت بحكمة.
"شوفي يا بنيتي اللي من نصيبك هيصيبك، وربنا مش بيدي للإنسان غير الخير بس ديما احنا اللي بنجري ورا التعب وبنمسك فيه فكري في نفسك وبصي حواليك يمكن تلاجي اللي يصونك ويحطك في عينيه."
اومأت وعد وأمسكت بيد والدتها تقول برجاء.
"خليكي بايته معاي ياأمى، محتاجه لى حضنك بطمن وانتى معايا."
"معاكي العمر كله مش بس الليلة."
❈-❈-❈
صعدت نغم الدرج بقدمين بالكاد تحملنها، وكل خطوة كانت صدى للكلمات الحارقة التي تبادلتها مع سند. كان صوته الغاضب، ونظراته الممزوجة بالغيرة والحب والتملك لا تزال تطاردها. لم يكن لقاءً للمصالحة، بل كان تأكيدًا على حجم الهوة التي أحدثها ذلك اليوم الذي من الواضح انه افيد شئ بينهما.
فتحت باب غرفتها بهدوء، تتوقع أن تجد وعد وروح نائمتان، فوجودهما معها ملاذًا تهرب إليه من عاصفة مشاعرهالكن الغرفة كانت هادئة، ولم تكن هناك سوى روح، جالسة على طرف فراشها في الضوء الخافت القادم من المصباح بجوارها، وكأنها كانت تنتظرها.
بمجرد أن وقعت عينا روح على أختها، نهضت على الفور، لم تحتاج نغم أن تتكلم فالاضطراب كان مرسومًا على كل تفصيلة في وجهها الشاحب وفي اتساع عينيها، وفي طريقة ارتعاش يديها التي كانت تضم بهما ذراعيها وكأنها تحمي نفسها من برد داخلي.
اقتربت روح منها بهدوء وأمسكت بيديها الباردتين وقادتها لتجلس بجانبها على الفراش. لم تسألها ماذا حدث مع سند، بل انتظرت بصبر وحكمة مانحةً إياها المساحة التي تحتاجها لتلتقط أنفاسها.
أخيرًا خرج صوت نغم متقطعًا ومبحوحًا.
"وعد... وعد فين؟"
أجابت روح بصوت هادئ يبعث على الطمأنينة.
"رچعت اوضتها."
صمتت نغم وعيناها تائهتان في الفراغ. لاحظت روح الشرود العميق والألم الذي يسكن نظراتها، فوضعت يدها على كتف أختها وقالت بنعومة.
"شكله الكلام مع سند كيف ما كنتي متوقعة."
هزت نغم رأسها وانهمرت دموعها بصمت. فجذبتها روح إلى حضنها الدافئ، وربتت على ظهرها بحنان.
"احكيلي يا جلب أختك فضفضي ومتكتميش چواكي الحمل لما بنشيله احنا اتنتين بيكون أخف."
بين شهقاتها وبصوت متقطع، قصّت نغم ما دار بينها وبين سند. حكت عن اتهاماته وعن غيرته التي كادت تحرق كل شيء وعن خوفها من نظراته التي لم تعد تعرفها.
استمعت روح لكل كلمة بانتباه شديد وملامحها الهادئة لم تتغير، لكن نظراتها ازدادت عمقًا وتفكيرًا. عندما انتهت نغم من كلامها وظلت تبكي في حضنها، لم تتسرع روح في الرد. انتظرت حتى هدأت شهقاتها قليلاً، ثم أبعدتها برفق ومسحت دموعها بأطراف أصابعها.
"اسمعيني زين يا نغم."
قالتها روح بنبرة حازمة لكنها مليئة بالحنان، مما جعل نغم تنظر إليها مباشرة.
"وعد كان عندها حج في كل كلمة جالتها أني كنت بدافع عنك عشان كنت خايفة عليكي من الخوف نفسه، ومكنتش عايزة أزود همك لكن اللي حكتهولي ده بيثبت إنها كانت شايفة أبعد منينا."
تنهدت روح وهي تختار كلماتها بعناية، كمن ينسج خيطًا دقيقًا.
"إحنا عايشين في دنيا كبيرة جوي يا نغم، والناس فيها مش كلهم زيك جلبك أبيض زي التلج، ومبتعرفيش الخبث ولا اللف والدوران، وبتظني في الناس الخير ودي صفة زينة جوي ربنا يحميهالك. بس سواعى طيبة الجلب دي بتكون نقطة ضعف لو مجابلهاش حذر."
"الراچل ده اللي اسمه جاسر التهامي، مش راچل عادي ده واحد اتربى على التار، وعاش حياته كلها في صراعات، الناس اللي زيه دول مبيعملوش حاچة من غير سبب."
أمسكت بيد أختها وضغطت عليها برفق.
"كونه ساعدك ده شي منعرفش إيه وراه يمكن تكون شهامة منيه، ويمكن يكون فخ، عشان إكدة وعد خافت عليكي لأنها خابرة إن اللي زي جاسر ده، حتى لو عمل الخير بيكون وراه ألف علامة استفهام."
نظرت نغم إليها بعينين متسعتين، فقد لخصت روح تمامًا ما شعرت به ولم تستطع التعبير عنه. تابعت روح بحكمتها الفطرية.
"عشان إكدة لازم تاخدي بالك من نفسك زين جوي الفترة اللي چاية. مش عايزكى تعيشي في رعب، لأ عايزكى تعيشي بحذر تكوني واعية لكل اللي حواليكي متديش الأمان لأي حد بسهولة وعد كان قصدها تحميكي لما خوفتك، وأني دلوك بجولك نفس الكلام بس بطريجة مختلفة، قوتك مش في إنك تتجاهلي الخطر، قوتك في إنك تعرفي إنه موجود وتعرفي كيف تتعاملي معاه."
أخذت نفسًا عميقًا ثم أكملت.
"أما بالنسبة لسند فده موضوع تاني، حبه ليكي بيخليه يغير عليكي من الهوا الطاير، واللي حوصل ده هيخليه زي النار الجايدة لازم تحتويه وتطمنيه، وفي نفس الوجت متسمحيش لغيرته دي إنها تخنج العلاقة بيناتكم لازمها صبر وحكمة عشان تعدي المحنة دي."
ابتسمت روح ابتسامة خفيفة، محاولة زرع بعض الدفء في قلب أختها.
"إنتِ مش لوحدك يا نغم أني معاكي، ووعد معاكي وسند بيحبك ومستحيل يتخلى عنك إحنا كلنا سندك وضهرك. بس لازم إنتي كمان تكوني قوية قوية عشان نفسك، وعشان حبك متخليش الخوف يسيطر عليكي واجهيه بحذرك وبثقتك فينا."
شعرت نغم وكأن كلمات أختها كانت بلسمًا شافيًا وُضع على جرحها. لم تكن مجرد كلمات مواساة، بل كانت خارطة طريق دليلًا يرشدها في الظلام الذي وجدت نفسها فيه. أدركت في تلك اللحظة أن روح بهدوئها وحكمتها، تمتلك قوة من نوع خاص قوة قادرة على احتواء العواصف وتهدئتها.
أومأت برأسها، وشعور بالسكينة بدأ يتسلل إلى قلبها المرتعب.
"عندك حج يا روح عندك حج في كل كلمة."
❈-❈-❈
في اليوم التالي استيقظ القصر على حركة ونشاط وهمة بين أصوات الضحكات والهمسات المتعلقة بترتيبات الزفاف كانت تملأ كل زاوية، لكنها كانت تصل إلى أذني نغم كضجيج بعيد لا معنى له. رفضت الذهاب إلى الجامعة، متذرعة بإرهاق لم يفارقها لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك بكثير. كانت تشعر وكأن جدران القصر، التي كانت تمثل الأمان في يوم من الأيام تضيق عليها وتخنق أنفاسها.
راقبت من بعيد والدتها وزوجات اعمامها وهن يخترن الأقمشة ويتناقشن في تفاصيل الحفل. راقبت أختها روح، التي كانت تحلق في سماء السعادة عيناها تلمعان ببريق لا تخطئه عين وضحكتها ترن في الأرجاء كأجمل معزوفة. تساءلت بمرارة: لمَ لا أكون مثلها؟ هي تحب سند، لطالما أحبته وأرادته زوجًا لها فلماذا إذن لا تشعر بتلك الفرحة الطاغية التي من المفترض أن تغمر قلب كل عروس؟ لماذا تشعر بهذا الخوف الغامض الذي يراودها كشبح، يهمس لها بأن شيئًا ما ليس في مكانه الصحيح؟
صعدت إلى غرفتها هربًا من تلك الأجواء التي لم تعد تنتمي إليها. أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها عليه تتنفس بصعوبة دون وعي. تحسست يدها معصمها الفارغ، المكان الذي كانت تحتلّه سلسلة والدها. لم تكن مجرد حُليّ، بل كانت آخر ذكرى ملموسة منه، قطعة من روحه بقيت معها لم تفارقها لحظة واحدة منذ أن كانت طفلة، وكيف تخلت عنها بهذه السهولة؟ لعنت في سرها ذلك السائق الذي كان شرارة البداية لكل ما مرت به.
استلقت على الفراش، تتوق إلى النوم إلى الهروب من أفكارها ولو لساعات قليلة، فلم يغمض لها جفن ليلة أمس. خلعت حجابها، مطلقة العنان لخصلاتها الفحمية الطويلة التي انسابت كشلال من حرير أسود على كتفيها والوسادة البيضاء. لكن بدلًا من أن يجلب لها ذلك الراحة، عادت إليها ذكريات تلك الليلة بكل تفاصيلها الحية: نظراته الباردة، صوته الهادئ الذي يحمل وزنًا، لمسته عندما سندها... أحكمت قبضتها على الملاءة، مما أحجب النوم عن عينيها أكثر.
في تلك اللحظة، انتبهت على وجود شيء غريب على المنضدة الخاصة بها. تقدمت منها وأخذت العلبة الصغيرة من عليها. كانت علبة أنيقة مغلفة بورق داكن فاخر ومربوطة بشريط من الساتان الأسود.
"مين اللي چاب دي اهنه."
اعتدلت لتجلس على حافة الفراش والعلبة بين يديها تبدو كقطعة من ليل غامض. قلبها بدأ يخفق بقوة. من قد يرسل لها شيئًا بهذه الطريقة السرية؟ لم تترك نفسها للأسئلة أكثر، وبأصابع مرتعشة فكت الشريط وفتحت العلبة.
تجمدت في مكانها توقف الزمن وتوقف التنفس في صدرها. اتسعت عيناها بخوف صافٍ تحول إلى رعب، وهي تحدق فيما بداخل العلبة. كل اشياءها التي سرقت منها. وعلى فراش من المخمل الأسود، كانت ترقد سلسلتها الذهبية سلسلة والدها. لم تكن ملقاة بعشوائية، بل كانت موضوعة بعناية فائقة، وقد تم تنظيفها وتلميعها حتى بدت وكأنها جديدة، تتلألأ تحت ضوء الغرفة الخافت. وبجانبها كانت هناك ورقة صغيرة مطوية.
بيد ترتجف أكثر التقطت الورقة وفتحتها. لم يكن عليها سوى ثلاث كلمات، مكتوبة بخط يد رجولي، حاد وأنيق:
"ما يخصك، يعود إليك"
لم يكن هناك توقيع. لم تكن بحاجة إلى توقيع. عرفت على الفور من هو صاحب الخط ومن هو صاحب الهدية. إنه هو جاسر التهامي. سقطت العلبة من يدها، وتناثرت السلسلة على السجادة بصوت معدني خافت، بدا في سكون الغرفة كصرخة مدوية. كيف عرف؟ كيف وجدها؟ والأهم... كيف وصل إليها بهذه السهولة، مخترقًا حصون عائلتها ليصل إلى غرفتها، إلى عالمها الخاص ويترك رسالته الصامتة والمرعبة؟ لم تكن تلك هدية، بل كانت رسالة قوة إعلانًا بأنه يستطيع الوصول إليها متى شاء، وكيفما شاء.
❈-❈-❈
في صمت الليل وحنين القلب.
وبين قلم يخطو وورقة تذوب من كلمات فرط مشاعر.
روح..
يا من حملت اسمك كما يحمل القلب نبضاته الأولى..
يا من صرت في قلبي كالماء في العطش كالنور في الظلمة، كالأمل في اليأس..
أكتب إليكِ هذه الكلمات وأنا أعلم أنها ستبقى حبيسة قلبي، مدفونة في أعماق روحي، لا تجد طريقها إلى شفتي أبداً..
منذ أن كنا صغاراً، وأنت تملئين البيت بضحكتك العذبة، بصوتك الذي يرقص في أذني كا الالحان ..
كنت أراقبك من بعيد، أسرق النظرات إليك كما يسرق اللص جوهرة ثمينة، خائفاً أن يكتشف أحد سري، خائفاً أن تنكشف مشاعري التي تتأجج في صدري كنار لا تنطفئ..
أتذكرين تلك الأيام التي كنا نجتمع فيها في البيت الكبير؟
كنت أجلس في الزاوية، أتظاهر بالانشغال بكتابي، بينما عيناي تتبعك أينما ذهبت.
كنت أحفظ كل حركة من حركاتك، كل كلمة تنطقينها، كل ابتسامة ترسمينها على شفتيك الورديتين..
كنت أجمع هذه اللحظات في قلبي كما يجمع الطفل الأصداف على شاطئ البحر، كنوز صغيرة أعود إليها في وحدتي...
يا روح المالك..
ترك مالك دفتره ووضعه جانباً وهو مستلقي على فراشه. فقد تلقى الآن ضربة قاضية أدمت قلبه. فأيام قليلة وستكون زوجة أخيه. أخذ يتصور الموقف في خياله لكن عقله لم يتحمل وثار عليه. أغمض عينيه يريد نفض تلك الأفكار من راسه لكن لا فائدة. بل يتصور المشهد أمامه.
ازدرد لعابه بصعوبة شديدة وشعر بأن روحه تنسحب منه كما انسحبت منه روح المالك. نهض وأنفاسه تتسارع بشكل يدعوا للريبة. لكن هو من أخطأ منذ البداية. لم يجعلها تحبه. لم يجبرها على النظر إليه كما تنظر إلى أخيه. بل كان دائمًا يعاملها كأخ لذا لم تراه سوى ذلك. لكن ماذا كان بوسعه وهي طفلة تصغره بإثنى عشر عاماً. هو يكذب على نفسه حينما يقول ان محبتها له كأخ بل محبتها له كأب وبديل لوالدها الذي رحل عنها وهي طفلة صغيرة. أخطأت حينما علقت روحها بعدي اخيه الذي لا يبالي بشيء سوى ما يريده هو. والحقيقة بأنه لا يريد سوى نغم. كان يخشى عليها من الصدمة حينما تعرف يوماً بمشاعره لأختها. اخطأ جده وأخبره بذلك. لكن جده لم يستمع له.
تذكر أجازته الأخيرة وحواره مع جده.
فلاش باك..
في البلدة. مكتب وهدان، كان مالك يجلس قبالة جده، وعلى وجهه علامات الضيق من قرار جده. فقال مالك بصوت فيه رجاء.
"يا چدي، الله يرضى عليك فكر تاني في موضوع چواز روح وعدي وانت خابر زين اللي فيها."
رد وهدان بنبرة حازمة.
"فكرت يا مالك، وجراري خلاص أخدته، الجوازة دي هتم زي ما جلت."
انفعل مالك أكثر لكنه أراد أن يتحدث بهدوء كي لا يغضب جده منه.
"بس يا جدي... عدي مش بيحب روح. أنت خابر زين إنه بيحب نغم، ولو روح عرفت حاچة زي دي انت إكدة هتكون بتكسرها، وتزرع غيرة بيناتها وبين أختها."
تنهد وهدان بقلة حيرة.
"وأني برضك خابر إن روح بتحبه، وجلبها متعلج بيه. مش عايز أكسر خاطرها يا مالك، كفاية انها اتحرمت من أبوها وحنانه، مش هبخل عليها كمان بأنها تتجوز اللي بتحبه."
مالك بعقلانية بعيدًا عن مشاعره تجاهها فقط خوفه على ابنة عمه من جرح لن يندمل ابدا.
"بس كسر الخاطر ده هيتحول لوچع أكبر بعدين. أنت متخيل روح لما تكتشف إن عدي مش بيحبها، لا وكمان بيحب أختها حياتها هتبجى چحيم يا چدي."
رفع وهدان صوته قليلاً.
"وهو عدي هيعمل إيه يعني؟ هيتچوزها وهيعيش معاها، ومع الوجت الحب بيچي يا مالك. وبعدين روح بتحبه، وده كفاية."
قام مالك من مكانه يتحرك في الغرفة بمحاولة منه للسيطرة على اعصابة التي بدأت تنهار وقال باعتراض.
"لا يا جدي، مش كفاية! الحب مش بيجي بالغصب. عدي مش هيقدر يديها اللي هي عايزاه، ولا هي هتقدر تعيش مع واحد قلبه مش معاها أنت كده بتظلمهم هما الاتنين، وبتظلم روح أكتر."
رد وهدان وهو ينظر إليه بحدة لعلمه بحقيقة مشاعره تجاه روح.
"أنا مش بظلم حد يا مالك أنا بعمل اللي شايفه صوح لروح، البنت دي غالية عليا، ومش عايز أشوفها زعلانة. هي بتحب عدي، وعدي راچل ومسؤول وهيعرف يصونها وإن كنت مصر على الچوازة دي عشان خاطرها."
لم يعد مالك يستطيع السيطرة على اعصابه وتقدم من مكتب جده يقول بامتعاض.
"بس انت خابر زين إن عدي كان رافض، وأنت اللي ضغطت عليه ده مش جواز يا چدي، ده صفقة، وروح هي اللي هتدفع تمنها غالي جوي."
ضرب وهدان بيده على مكتبه وقال باحتدام.
"كفاية يا مالك! أنا مش رايد أسمع كلمة زيادة في الموضوع ده. عدي وافج وروح فرحانة، والچوازة هتتم في ميعادهامش عايز حد يعكر صفو الفرحة دي، لو كنت بتعزها بصحيح اتمنالهم الخير."
تحدث مالك بصوت خافت ومليء باليأس.
"بس يا جدي... أنا خايف على روح خايف عليها من أخويا، خايف عليها من حياة مش هتبجى سعيدة فيها أنت خابر عدي كويس، عارف إنه مش هيقدر يخبي مشاعره دي طول العمر."
تنهد وهدان وبدأ صوته يلين قليلاً مراعيًا مشاعر حفيده الذي أغلى عليه من روحه فقال بمراوغة.
"مالك، أني مجدر خوفك على بنت عمك بس أنا شايف إن ده أحسن حل ليها. عدي هيتعود عليها، وهيعرف جيمتها. وبعدين مين جال إن الحب لازم يكون من الطرفين في الأول؟ أحياناً الحب بياچي بعد الجواز، بالعشرة الطيبة."
هز مالك رأسه بيأس.
"أنت إكده بتراهن على سعادة روح يا چدي بتراهن على حاچة ممكن تحوصول وممكن لأه. ليه ما ندورش على حل تاني؟ ليه ما نتكلمش مع روح ونفهمها إن عدي مش بيحبها؟"
قاطعه وهدان بحزم.
"وبعدهالك يا مالك! جولتلك مش هكسر جلب البنت هي متعلجة بيه، ومصدجة إنه بيحبها مش هجدر أجولها الحجيجة دي وأكسر فرحتها سيب الأمور تمشي زي ما هي، وربنا يستر."
نظر مالك إلى جده بحزن.
"ربنا يستر يا جدي... بس أنا جلبي مش مطمن خايف عليها من اللي جاي."
قام وهدان من مقعده ووضع يده على كتف مالك مراعيًا مشاعره.
"ادعي لها يا مالك، ادعي ربنا يهدي عدي ويحبها، ويسعدهم في حياتهم ده اللي نجدر نعمله دلوج (تابع بمغزى) اللي بيحب حد بيتمناله السعادة يا ولدي، لو كان فيه أمل كنت وجفت چارك وانت خابر زين غلاوتك في جلبي جد ايه، بس اني شايف إن مفيش أي أمل، روح ونغم لازمن كلنا نكتفي بساعدتهم عن سعادتنا دول أمانة ولدي، وزي ما أنا اتنازلت عن حاچات كتير عشانكم وعشان أمنكم، انتو كمان اتنازلوا عشان مصلحة العيلة، ياريت يا ولدي تكون فهمتني."
رفع مالك عينيه لجده وقد قرأ ما بين سطور جده بدهشة.
فتابع وهدان.
"اوعى تفكر لحظة واحدة إني مش خابر حجيجة مشاعرك نحيتها."
شدد وهدان قبضته على كتفيه وتابع بقوة.
"زي ما بيهمني سعادتها، يهمني سعادتك واكتر كمان، أكتر من أي حد في الدنيا، ولو خابر إن روح هتجدر تسعدك مكنتش اترددت ابدا، بس روح بحبها لعدي هتتهمك إنك اللي فرجت بينها وبين حبيبها وحياتكم انتو الاتنين هتكون كيف الچحيم. خليها يمكن حبها له يعدله، ويسعدها وانت كمان تلاجي اللي تسعدك، فهمتني يا ولدي."
اجابة مالك الوحيدة كانت الصمت، بينما وهدان غادر الغرفة تاركاً مالك وحيداً مع أفكاره التي لم ترحمه يومًا لذا كان عليه ان يستعد للنار التي ستلازمه مدى حياته..
باك..
في تلك اللحظة لم يستطيع مالك التحكم في اعصابه التي بدأت بالأنهيار وغضب بداخله لو خرج لدمر العالم بأكمله. لذا لم يجد سوى المكان يفرغ به غضبه فركل الطاولة الزجاجية بقدمه لتنصدم بالحائط فتسقط قطع متناثرة على أرضية الغرفة، ولم يكتفي بذلك بل ظل يدمر كل ما تقع عليه عيناه حتى انتهى منها وسقط على الأرض مستنداً بظهره على الخزانة والعرق يتصبب من جبينه..
❈-❈-❈
في طابق شاهق يطل على أفق دبي المزدحم، حيث تتنافس ناطحات السحاب لتعانق السماء، كانت الأجواء مشحونة بالترقب، وكان موضوع الاجتماع هو البئر الجديد الواعد، اكتشاف قد يغير خريطة إنتاج الشركة، والفضل كله يعود لرجل واحد: المهندس مالك. جلس مالك بهدوئه المعتاد، يحملق في الأرقام المتدفقة على الشاشة، لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا. كان على بعد آلاف الأميال في قلب صعيد مصر، حيث صور عائلته وتفاصيل حياتهم التي شعر فجأة أنه يفتقدها بشدة، تطغى على كل شيء آخر.
قاطعه صوت مديره المباشر، المهندس فؤاد، رجل وقور في نهاية عقده الخامس، معروف بحنكته الإدارية.
"مهندس مالك، بناءً على تحليلك، إيه توقعاتك لمعدل التدفق"
ساد الصمت لثوانٍ كان ناجي، صديقه المقرب وزميله، يجلس بجانبه. لاحظ شرود مالك، فوكزه برفق تحت الطاولة. انتبه مالك، لكنه فوت السؤال. نظر إلى مديره بهدوء، دون أي علامة ارتباك. لاحظ أحد المهندسين، الذي طالما نافس مالك على المشاريع الكبرى الفرصة ليحرجه فقال بتهكم خفيف.
"شكل المهندس مالك مش معانا النهاردة يا بشمهندس فؤاد."
تجاهل مالك تلك الملاحظة تمامًا، ووجه حديثه مباشرة لمديره، بنبرة هادئة لكنها تحمل اعتذارًا واثقًا.
"معلش يا بشمهندس، أصلي منمتش كويس امبارح ممكن تعيد السؤال تاني؟"
نظر إليه المهندس فؤاد، ورغم انزعاجه الطفيف من عدم تركيز أفضل مهندسيه، إلا أنه كان يكن له احترامًا كبيرًا. أعاد السؤال، فأجاب مالك على الفور بإجابة مفصلة ودقيقة، مستعرضًا أرقامًا وبيانات من ذاكرته وكأنها كانت أمامه، مما أثار إعجاب الحاضرين وأخرس زميله المنافس. لكن بعد إجابته شعر بأن وجوده في هذه القاعة لم يعد يطاق. فوقف بهدوء.
"عن إذنكم، أنا محتاج أشم شوية هوا."
"هضطر أمشي من الاجتماع البيانات كلها معاكم، وهبعت تقرير مفصل في آخر اليوم."
أومأ له المهندس فؤاد بتفهم.
"أكيد يا مالك اتفضل، صحتك بالدنيا."
عندما خرج مالك، لحق به ناجي بسرعة إلى الردهة الفسيحة التي تطل على منظر رائع للمدينة.
"مالك! إيه اللي عملته ده؟ ده أهم اجتماع في السنة!"
استدار مالك وواجهه بنظرة حازمة لم تترك مجالاً للجدال.
"ناجي إديت الاستقالة للمهندس فؤاد؟"
ارتبك ناجي وتلعثم. كان مالك قد أعطاه مظروف الاستقالة قبل يومين، وطلب منه تسليمه للمدير في حال رفض طلبه الرسمي بنقله إلى فرع الشركة الجديد.
"أنا... أنا أجلت الموضوع يا مالك قلت يمكن تغير رأيك بعد ما تهدى مش معقول تسيب كل ده وتمشي! أنت على وشك تبقى رئيس قطاع!"
ضاقت عينا مالك، وازدادت نبرته حدة.
"قراري مش محتاج تفكير يا ناجي سألتك سؤال واحد إديته الاستقالة؟"
"لأ... بس..."
قاطعه مالك بصرامة.
"تمام يبقى أنا هتصرف."
اتجه مالك بخطوات واثقة نحو باب مكتب المدير، لكن ناجي أمسك بذراعه.
"استنى بس! هتضيع مستقبلك عشان نزوة؟"
انتزع مالك ذراعه بهدوء، ونظر في عيني صديقه بجدية.
"دي مش نزوة يا ناجي دي أولويات وأنا أولوياتي اتغيرت."
دخل مالك إلى مكتب المهندس فؤاد دون تردد. كان المدير يجمع أوراقه. رفع رأسه متفاجئًا.
"مالك؟ خير كل شيء تمام؟"
"بشمهندس فؤاد، أنا طلبت نقلي لفرع مصر حضرتك شفت الطلب؟"
جلس المدير خلف مكتبه، وأشار لمالك بالجلوس.
"ايوه شفته والشيخ حمدان قالي ورفضته أنت قيمتك أكبر من إننا نوديك فرع لسه بيقول يا هادي مكانك هنا يا مالك."
وقف مالك، ولم يجلس وقال بهدوء قاطع.
"يبقى اعتبر ده إشعار مسبق أنا مش هجدد عقدي اللي هيخلص الشهر الجاي ودي استقالتي الرسمية، تسري من نهاية مدة العقد."
صُدم المدير وقف هو الآخر.
"إيه؟! أنت بتتكلم جد؟ أنت بتسيب فرصة عمرك!"
"أنا أخدت قراري يا إما النقل للفرع الجديد، يا إما الاستقالة مفيش اختيار تالت."
نظر إليه المهندس فؤاد طويلاً، يدرس ملامحه الجادة التي لا توحي بأي تردد. كان يعلم أنه لا يساوم. كان يعلم أنه سيخسر مهندسًا لا يعوض. تنهد باستسلام.
"ماشي يا مالك... ماشي هعيد النظر في طلب النقل بس بشرط، هتكون مسؤول عن تأسيس القسم الفني كله هناك، وهتفضل مستشار للمشاريع الكبيرة هنا."
لم تتغير ملامح مالك، لكنه أومأ برأسه.
"موافق هستنى القرار الرسمي مكتوب."
ثم استدار وغادر المكتب بنفس الهدوء الواثق، تاركًا خلفه مديره يدرك أنه للتو تعامل مع رجل لا يبيع مبادئه، وأن قوة شخصيته لا تقل أبدًا عن قوة عقله.
❈-❈-❈
وضعت نغم أناملها داخل العلبة لتخرج السلسلة الصغيرة التي أخذها منها السائق. كانت تنظر إليها بذهول. من الذي قام فعل ذلك؟ هل السائق شعر بتأنيب الضمير وقام بإعادتهم؟ وإن كان ذلك كيف علم عنوانها؟ وكيف دخل إلى غرفتها. هزت راسها برفض لتلك السذاجة التي تفكر بها. تطلعت لباقي المحتويات وكان أولهم هاتفها. ثم تلاه باقي متعلقاتها لم يغيب منهم شيء.
والأغرب من ذلك رنين هاتفها معلناً عن وصول رسالة. قامت بفتحها فتجدها من رقم غير مسجل.
"وصلتك؟"
اهتزت نظراتها بخوف ولم تعرف ماذا تفعل. من هو؟ وكيف استطاع الوصول لها؟ دفعها فضولها لمعرفة كل ذلك فقامت بكتابة.
"انت مين؟ وكيف جبت الحاجات دي؟"
لم يجيبها في الحال بس انتظر وقت كأنه يتلاعب باعصابها ثم كتب.
"المهم إني جبتها، أنا مين؟ بكرة تعرفي"
ثم خرج من المحادثة. ازداد الخوف أكثر بداخلها من ذلك المجهول. وشعرت بقلبها ينبض بعنف. ما الذي يحدث معها! ولما ألقاها القدر في ذلك الصراع؟
جذبت الغطاء بسرعة على العلبة عندما فتح الباب ودخلت منه روح وهي تقول بانهاك.
"مريحة حالك انتِ وسيبانا......"
انتبهت روح لحركتها والارتباك الواضح عليهاتقدمت منها تسألها.
"مالك يا نغم؟"
تطلعت إلى ما أخفته وسألتها.
"وايه اللي مخبياه ده؟"
ازداد ارتباكها أكثر وتمتمت بكذب.
"ما...مفيش.."
قطبت روح جبينها بحيرة.
"مفيش كيف؟ من ميتى بتخبي عليا."
تقدمت منها وجذبت الغطاء فتتفاجئ مثلها بما رأته. رفعت بصرها لنغم.
"مش دي الحاچات اللي اتسرجت منيكي."
رمشت نغم بأهدابها ثم ازدردت لعبها لتومأ برأسها بصمت.
جلست روح وأمسكت السلسلة الصغيرة المتطابقة لخاصتها والتي تضعها ايضا على معصمها.
"مين اللي بعتهم؟"
هزت نغم كتفيها.
"مخبراش."
ازداد اندهاشها.
"مخبراش كيف، أومال مين اللي وصلهم ليكي."
اهتزت نظراتها وهي تجيبها.
"معرفاش برضك، أني لجيتهم اهنه."
اشارت على المنضدة. شعرت روح بالقلق.
"الموضوع إكدة ميتسكتش عليه، لازمن تخبري سند..."
"لا...." قاطعتها نغم برجاء.
"لا الله يرضى عليكي اني مصدجت أنه هدي ونسي الموضوع مش عايزاه يجلب تاني."
"بس مينفعش نسكت عـ اللي حوصل ديتي، ده بيخبرك أنه جادر يوصلك في جلب اوضتك، لازمن حد يعرف وسند لازمن...."
صاحت نغم بضيق.
"جولتلك لاه، سند ممكن يتهور ويعمل حاچة يندم عليها.."
"بس بدل ما تندمي انتِ بعدين يا نغم." تنهدت وهي تتابع.
"محدش ممكن يعمل إكدة غير حفيد التهامي، وحركة زي دي وراها كتيير جوي، الناس دي زي ما جالت وعد مش ساهلة وأكيد بيخططوا لحاچة دلوجت، ومتنسيش إن كدة ولا كدة سند هيعرف."
هزت راسها بنفي.
"لاه، سند مش هيعرف."
تطلعت للسلسلة وسألتها.
"ولما يشوف السلسلة دي هتجوليله ايه؟"
ردت بعناد.
"مش هلبسها وهخليها معاكي."
"هتتخلي عن الذكرى الوحيدة من ابونا عشان العند."
رفعت بصرها إليها وقالت بصدق.
"ده مش عند، ده خوف على واد عمي."
"لو كنتي صحيح خايفة على واد عمك واللي هيكون چوزك بعد أيام عرفيه باللي حوصل، صدجيني جاسر ده لو كان نيته خير كان بعتهم لسند، بس انه يبعتهم بالطريجة دي ليكي، دي حاچة تجلج وأكيد وراها حاچات كتير."
ربتت على يد أختها وتابعت بحكمة.
"فكري زين لإنك لو خبيتي مرة هتخبي كل مرة والحياة اللي زي دي بتكون صعبة وكلها شك، هسيبك دلوج وابعتي لسند إنك رايداه في كلمتين."
ردت نغم بسرعة.
"لا بلاش دلوجت، خليها الصبح."
"مش هتفرج من دلوجت للصبح بس أهم حاچة تخبريه."
أومأت لها نغم وخرجت روح من الغرفة بعد أن تركت السلسلة في يدها تاركة اياها في حيرة وهي تقلب السلسلة بين يدها.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل التاسع 9 - بقلم رانيا الخولي
كانت شمس الأصيل تنسج خيوطها الذهبية الأخيرة على حديقة القصر الواسعة، حيث تجمعت العائلة حول صينية الشاي النحاسية اللامعة.
علت أصوات الرجال يتقدمهم الجد بوقاره، يتناقشون في تفاصيل زفافي سند وعدي.
كانت الضحكات تتعالى بين الحين والآخر، والكلمات تتدفق بحماس عن التجهيزات والمدعوين، لكن عدي كان في عالم آخر.
جلس بينهم جسدًا بلا روح، كوب الشاي يبرد في يده دون أن يلمسه.
لم يكن يسمع حديثهم عن الأفراح، بل كان يسمع صوت قلبه وهو يتحطم ببطء.
كل كلمة عن زفاف سند كانت كالمطرقة التي تهوي على صدره.
كان يختلس النظر إليه، يرى الفرحة الصادقة في عينيه، ويشعر بالمرارة تخنق حلقه.
"كل واحد فيهم اختار اللي بيحبها... إلا أنا."
كان هذا هو الفكر الوحيد الذي يدور في رأسه كجملة لعينة.
سند سيتزوجها هي...
سيأخذها منه إلى الأبد، سيحرمه حتى من رؤيتها عن بعد.
وهو؟ هو سيُزف إلى روح، الفتاة التي لم يخترها قلبه بل فرضها عليه واجب الطاعة للجد، ورغبة الجميع في إتمام "فرحة العائلة".
لاحظ سند شروده، فأراد أن يدمجه في الحديث بمرح.
"وإنت إيه رأيك يا عريس؟ ساكت يعني راضي؟ ولا بتخطط لشهر العسل من دلوجت؟"
نظر إليه عدي نظرة باردة، خالية من أي مجاملة وأجاب بفظاظة واضحة قطعت جو المرح.
"رأيي مش هيقدم ولا يأخر اللي الكبار بيشوفوه هو اللي بيمشي."
ساد صمت محرج للحظات.
حاول والده تلطيف الأجواء.
"مالك يا ولدي بتتكلم إكدة ليه؟ دي ليلة العمر، المفروض تكون أسعد واحد."
نهض عدي فجأة مقاطعًا والده، ووضع كوب الشاي على الطاولة بقوة أحدثت صوتًا حادًا.
"معلش، مصدع شوية ومحتاج أرتاح عن إذنكم."
لم ينتظر ردًا، بل استدار ومشى بخطوات سريعة، تاركًا خلفه علامات استفهام ودهشة على وجوه الجميع.
لم يكن يريد أن يرتاح، بل كان يهرب. يهرب من نظراتهم، من فرحتهم التي تشعره بأنه منافق، ومن وجه سند الذي يذكره بخسارته كل لحظة.
سار بلا هدى في ممرات الحديقة، والغضب والألم يتصارعان بداخله.
وجد نفسه دون وعي، يقف في الظل تحت شرفتها هي... شرفة نغم.
رفع رأسه وكانت هناك.
كانت تقف في الشرفة.
ترتدي إسدالاً بسيطًا، وشعرها منسدل على كتفيها.
كانت شاردة تنظر إلى الأفق البعيد وملامحها تحمل حزنًا وقلقًا لم يرهما عليها من قبل.
لم تلاحظ وجوده، لم تشعر بنظراته المشتعلة التي كانت تلتهم كل تفصيلة فيها.
تجمد في مكان يتأملها بشوق مؤلم، وكأنه يحاول أن يحفر صورتها في ذاكرته.
"ليه؟"
سأل نفسه بمرارة.
"ليه القدر منصفنيش مرة واحدة وخلاني أتجوزها؟ أنا أحق بيها من أي حد... أنا اللي حبيتها الأول... أنا اللي كنت مستعد أعمل أي حاجة عشانها."
شعر بنقمة سوداء تتصاعد في قلبه.
لكنها لم تكن موجهة لسند، فحبه لسند كان حقيقة لا يمكن إنكارها.
كانت نقمته موجهة نحو روح، كله بسببها.
همس لنفسه بحزن.
"لو مكنتش حبتني، لو مكنتش بينت حبها ده للكل، مكنش جدي ضغط عليا عشان أتجوزها وأسترها."
"كنت هفضل ساكت ومستني فرصتي، لكن هي اللي قفلت كل البيبان."
في تلك اللحظة، لم ير في روح إلا العقبة التي دمرت حياته، السبب في حرمانه من السعادة.
ظل واقفًا في الظلام، سجينًا لألمه وشوقه، ينظر إلى حبه المستحيل في الشرفة، بينما القدر يجهز له زفافًا من امرأة لا يكن لها سوى المقت.
لم تكف ليلى عن الاتصال بأكمل الذي اضطر لكتم الصوت بعدما يأس من تراجعها.
نهض وتوجه إلى الشرفة ليطل منها على أضواء المدينة الساكنة في ذلك الوقت، فقد عدت الساعة الثالثة صباحاً ومازال يشعر بالضيق من فعلتها.
زفر بضيق وهو يسترجع كلمات والدته القاسية ونظرات والده المعاتبة.
لم يكن يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
صحيح أنه تفهم خوفها وقلقها عليه، لكن تصرفها وتجاوزها له بإخبار والديه كان بمثابة طعنة لرجولته وثقته بها.
كيف لها أن تضعه في هذا الموقف المحرج أمام عائلته؟
في خضم أفكاره، سمع صوت رسالة نصية تصل إلى هاتفه.
تردد قليلاً قبل أن يفتحه، ليجدها رسالة طويلة من ليلى.
لم تكن اعتذاراً صريحاً، بل كانت مزيجاً من اللوم والخوف والحب.
كتبت عن ليلها الذي قضته قلقة عليه، وعن خوفها من أن يمسه سوء، وأن دافعها الوحيد كان حبها له ورغبتها في حمايته.
واختتمت رسالتها:
"مكنتش اقصد أجرحك، كان قصدي أن أحميك أرجوك حاول تفهمني".
قرأ الرسالة مراراً وتكراراً، وشعر بقلبه لا يلين ولو قليلاً.
لقد كانت مخطئة في طريقتها، حتى لو دافعها كان نبيلاً.
أغلق عينيه متنهداً، مدركاً أن هذه الليلة ستكون طويلة، وأن هناك حديثاً صعباً ينتظره مع ليلى، وحديثاً آخر لا يقل صعوبة مع والديه في الصباح.
لكنه الآن وفي هدوء الفجر، شعر أن بإمكانه على الأقل أن يبدأ في التفكير بالغفران.
أعاد أكمل قراءة رسالة ليلى مرة أخيرة قبل أن يضع الهاتف جانبا.
لم يرد عليها، فالكلمات لن تسعفه الآن، والمشاعر لا تزال متضاربة بداخله.
عاد ببصره إلى الشارع الخالي، حيث بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل خجولة، معلنة عن بداية يوم جديد يحمل في طياته الكثير من المواجهات التي لا مفر منها.
دخل إلى غرفته بهدوء، أغلق باب الشرفة خلفه ليحجب ضوضاء أفكاره الصاخبة.
استلقى على فراشه دون أن يغير ملابسه، وظل يحدق في سقف الغرفة.
لم يكن النعاس هو ما يؤرقه، بل ثقل المسؤولية والقرارات القادمة.
كيف سيعيد بناء جسر الثقة الذي تصدع بينه وبين ليلى؟
وكيف سيوضح لوالديه موقفه دون أن يبدو عاقاً أو متهوراً؟
في تلك اللحظة، سمع صوت خطوات خفيفة تقترب من باب غرفته، ثم طرقات هادئة.
عرف أنها والدته.
لم تكن من عادتها أن تستيقظ في هذا الوقت، لكن من الواضح أن نومها كان مضطرباً مثل نومه تماماً.
"أكمل؟ أنت صاحي يا ابني؟"
جاء صوتها خافتاً ومبحوحاً من خلف الباب.
اعتدل في جلسته وأجاب بصوت متعب.
"أيوه يا أمي، صاحي."
فُتح الباب ببطء ودخلت نسرين، تحمل في ملامحها مزيجاً من القلق وأيضاً الحزم.
جلست على حافة الفراش بجانبه، ومدت يدها لتربت على كتفه.
لم تتكلم في البداية، كأنها تبحث عن كلمات حازمة دون أن تفرض شخصيتها عليه.
فهي تعرف جيدًا بأنه يرفض القيود.
"ممكن اعرف مبتردش على خطيبتك ليه؟"
تنهد أكمل بضيق وفضل الصمت.
فقالت والدته بصبر.
"مردتش ليه؟"
تطلع إليها بثبات وسألها.
"عايزاني اقولك ايه؟"
"انا شايفة إن ليلى مغلطتش، وانها حكتلنا على اللي حصل فده عشان مصلحتك انت."
اعتدل أكمل في فراشه وتحدث بلهجة يشوبها بعض الحدة.
"ليه عيل صغير مش عارف مصلحته هتقول لأبوه يوجهه؟وياترى بقا كل مشكلة تحصل بينا هتيجي تشكيني لكم؟"
"لكم مين يا أكمل؟، أنا أمك وهو أبوك، يعني اكتر اتنين في الدنيا كلها بتخاف عليك وعلى مصلحتك."
ادار اكمل ظهره لها وقد بدأ شعور الاختناق بالازدياد.
فتقدمت منه لتتابع بروية كي لا تخسره.
"ليلى بتحبك ودي حاجة كلنا واثقين منها، بلاش تخسرها بتهورك.وبعدين انت فعلا غلط ولازم تعترف بده.ليه معلق نفسك بالصعيد واللي فيه، انت حياتك هنا مستقبلك كله هنا حاول تبعد عنه ومتربطش نفسك به."
لم يستدير إليها وظل ملتزم الصمت حتى تابعت بصدق.
"حبيبي انا مش قصدي أزعلك، أنا بس... خايفة عليك أنت ابني الوحيد، ومقدرش أتخيل حياتي من غيرك".
تنهد أكمل والتفت إلى والدته، فرأى في عينيها الخوف الصادق الذي تحدثت عنه ليلى في رسالتها.
أدرك في تلك اللحظة أن كلتيهما، أمه وحبيبته، يتصرفا بدافع الحب، حتى وإن اختلفت الطريقة.
أوما برأسه وأمسك بيدها قائلاً.
"أنا عارف يا أمي، وعمري ما أزعل منك."
"خلاص اللي حصل حصل وجات سليمة بس لازم تاخد بالك بعد كدة، منصبك حساس ومينفعش تخاطر به لأي سبب."
احتضنته والدته بقوة، وكأنها تحاول أن تعوضه عن قسوة كلماتها السابقة.
في دفء هذا الحضن، شعر أكمل أن جزءاً كبيراً من ثقل قلبه قد أُزيح، وأدرك أن أولى خطوات المصالحة قد بدأت بالفعل في فجر ذلك اليوم الطويل.
ظل مالك حبيس غرفته، قد حوّلها إلى قلعة يعتصم بها من العالم الخارجي.
أغلق هاتفه، ليس فقط ليتجنب مكالمات التهنئة التي لا يطيقها، بل ليهرب تحديدًا من صوتها هي... صوت روح.
كان يخشى أن يسمع فرحتها التي ستكون كالملح الذي يُنثر على جرحه المفتوح، فينثر التعاسة في أركان قلبه.
مرت الساعات ثقيلة كالجبال، وصوت عقارب الساعة في غرفته كان أشبه بمطارق تدق على رأسه، كل دقة هي تذكير بلحظة تمر وتقرّب روح من أن تصبح زوجة أخيه رسميًا، من أن تخرج من عالمه إلى الأبد.
كان غارقًا في ضجيج أفكاره التي لا تهدأ.
كيف حدث هذا؟ كيف لم يشعر أحد بحبه الذي كان يظنه واضحًا كالشمس في كل نظرة وكل لفتة؟
امتدت يده إلى الدورج، وأخرج صورة قديمة تجمعه بروح في إحدى المناسبات العائلية.
كانت تضحك فيها بعفوية، وعيناه هو تلمعان بنظرة لم يفهمها أحد سواه، نظرة تحمل كل حبه الصامت.
مرر إصبعه على وجهها المبتسم في الصورة، وشعر بمرارة تخترق حلقه.
همس بصوت مكسور لم يسمعه غير جدران الغرفة: "كنتِ لي كل شيء يا روح... والآن أصبحتِ جرحي الذي لن يندمل".
في خضم هذا الألم، تردد صوت رنين خافت لم يكن هاتفه، بل كان هاتف المنزل الداخلي الذي لا يستخدمه أحد إلا لضرورة قصوى.
تجاهله في البداية، لكن الرنين استمر بإصرار.
تنهد بضيق، ونهض ليجيب، متوقعًا أن تكون هي.
"نعم."
جاء صوته جافًا لكن الصوت الذي أتاه من الطرف الآخر لم يكن صوت والدته.
"مالك... أنا نغم."
للحظة لان صوته وملامحه.
نغم كانت دائمًا نقطة ضعفه الأخوية، الأخت الصغرى التي تلجأ إليه دائمًا، وكان هو دائمًا مستشارها وحلال مشاكلها.
"نغم؟ خير في حاجة؟"
تردد صوتها، وكان واضحًا أنها تحاول أن تبدو طبيعية لكنه عرفها جيدًا، شعر بالاضطراب في نبرتها.
"لأ... مفيش أنا بس... كنت بطمن عليك جافل تليفونك وبجالك فترة مبتتصلش جلجت عليك."
جلس مالك على حافة الفراش، وشعر بحدسه يخبره أن الأمر أعمق من مجرد الاطمئنان.
"أنا كويس يا نغم، بس تعبان شوية وكنت محتاچ أرتاح."
صمتت لثوانٍ، ثم قالت بصوت خافت وكأنها تتحدث إلى نفسها.
"كنت محتاجة أتكلم معاك."
هنا، وضع ألمه الشخصي جانبًا، وتولى دور الأخ الأكبر الذي اعتاد عليه.
"اتكلمي يا نغم، سامعك إيه اللي شاغل بالك؟"
تنهدت تنهيدة طويلة، بدت وكأنها تحمل هموم العالم.
"مش عارفة... حاسة إني متلخبطة ومخنوقة حاجات كتير بتحصل..."
لم تستطع أن تكمل.
لم تستطع أن تخبره عن جاسر، عن السلسلة عن الخوف الذي يتملكها، وعن شكوكها التي بدأت تتسلل إلى قلبها تجاه زواجها من سند.
كانت تحتاج إلى عقله وحكمته، لكنها لم تجرؤ على البوح بالسر.
شعر مالك بترددها، وبثقل الكلمات التي لم تقلها.
ربط الأمر فورًا بما سمعه عن اختفائها وعثور أحدهم عليها.
أدرك أن ما حدث لم يكن مجرد حادث عابر، وأن هناك ما هو أعمق يزعجها.
لم يضغط عليها، بل اختار أن يمنحها الأمان الذي تبحث عنه.
تحدث بصوت دافئ وحنون، صوت الأخ الذي طالما كان سندها.
"اسمعيني يا نغم مش لازم تجولي إيه اللي شاغلك لو مش چاهزة تتكلمي بس عايزك تعرفي حاچة واحدة وتخليها حلجة في ودنك."
انتظرت في صمت، تتشبث بكلماته كالغريق.
"مهما كان اللي حوصل أو اللي بيحصل، أو اللي لسه هيحصل... أنا في ضهرك لو الدنيا كلها وجفت ضدك، هتلاجيني أنا سندك اللي عمره ما يميل، أيًا كان اللي شاغلك أنا چنبك ومش هسيبك لما تكوني مستعدة تحكي، هتلاجيني أول واحد يسمعك ولحد الوجت ده، خليكي جوية ومتخافيش من أي حاچة طول ما أنا عايش."
انهمرت دموع نغم بصمت على الطرف الآخر من الخط.
كانت كلماته هي بالضبط ما احتاجت أن تسمعه.
لم يقدم حلولاً، لكنه قدم لها ما هو أهم: اليقين بأنها ليست وحدها.
"شكرًا يا مالك... شكرًا بجد."
أجابها بهدوء رغم العاصفة التي تعصف بقلبه هو.
"مفيش شكر بين الاخوات خدي بالك من نفسك."
أغلق الخط، وعاد إلى وحدته.
لقد منحها القوة، بينما كان هو نفسه في أمس الحاجة إليها.
نظر إلى صورة روح مرة أخرى، ثم أغلق الدورج عليها بقوة، كأنه يحاول أن يدفن ألمه معها.
قرر فجأة أنه لا يستطيع البقاء هكذا، سجينًا لأحزانه.
فتح هاتفه، ليس ليتصل بها، بل ليحجز أول تذكرة طيران عائدًا إلى بلده.
لن يهرب بعد الآن.
سيواجه الأمر، حتى لو كان ذلك يعني أن يرى حبه الوحيد بين ذراعي أخيه.
كان عليه أن يكون هناك، ليس من أجلهم، بل من أجل نفسه.
ليغلق هذا الفصل من حياته بيديه، حتى لو احترقتا بنار النهاية.
كانت أشعة الشمس تتسلل خلال أوراق الأشجار الكثيفة، ترسم ظلالاً متراقصة على الأرض المغطاة بالعشب الأخضر.
في زاوية هادئة من الحديقة، جلس عدي على مقعد حجري قديم، عيناه شاردتان تحدقان في المسافة البعيدة، وكأنه يحاول الهروب من واقع لا يريده.
كان الصمت يلف المكان، لا يقطعه سوى صوت خرير الماء من النافورة القريبة وتغريد العصافير المتناثرة بين الأغصان.
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، فقد سمع وقع أقدام خفيفة تقترب منه على الممر الحصوي.
التفت عدي ببطء، ليجد روح تقف على بعد أمتار قليلة منه.
كانت ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً يتناغم مع نعومة ملامحها.
في عينيها بريق خاص، مزيج من الأمل والخوف، وكأنها تحمل في قلبها كلمات تريد أن تقولها منذ زمن طويل.
"عدي..."
همست باسمه، وصوتها يرتجف قليلاً.
نظر إليها بعينين باردتين، لا تحملان أي دفء أو ترحيب.
لم يقل شيئاً، بل اكتفى بإيماءة خفيفة من رأسه، كأنه يعترف بوجودها دون أن يدعوها للاقتراب.
ترددت روح للحظة، ثم تقدمت بخطوات حذرة حتى وقفت أمامه.
كان قلبها يخفق بقوة، وكلمات كثيرة تتزاحم في رأسها، لكنها لم تعد تجد الطريقة المناسبة لتبدأ بها.
"ممكن اجعد معاك شوي؟"
سألت بصوت خافت.
أشار عدي إلى الطرف الآخر من المقعد دون أن ينظر إليها، وكأنه يتعامل مع غريبة وليس مع الفتاة التي ستصبح زوجته قريباً.
جلست روح بحذر، تاركة مسافة واضحة بينهما.
كانت تشعر بالبرد ينبعث منها رغم دفء الشمس التي تغمر المكان.
حاولت أن تجد في عينيه أي بصيص من الدفء، أي إشارة تدل على أنه يشعر بشيء تجاهها، لكنها لم تجد سوى جدار من الجليد.
"عدي... عمي جالي أنه هياخدني عشان انجي الفرش بنفسي، بس أني بثق في ذوقك وجلت لعمي إني مش هختار وهسيب عدي هو اللي يختار."
التفت إليها أخيراً، لكن نظرته كانت فاترة تخلو من اي مشاعر.
"وبعدين؟"
اندهشت من رده فخفضت عينيها بألم وهي تقول.
"اني جُلت بس أعرفك يمكن يكون ليك رأي تاني."
تنهد عدي بضيق من نفسه عندما لاحظ حزنها.
هو لا يكرهها بل يعزها حقًا. أخت له، لكن ليس اكثر من ذلك.
تطلع إليها وقال باعتذار.
"أني اسف لو كنت ضايجتك بس مضايج شوي."
رفعت عينها له بأمل وهي تسأله بلهفة.
"خير ايه اللي مضايجك، جولي يمكن نحله مع بعض."
لحظت جنون مرت عليه كاد أن يعترف لها، فهي وحدها من تستطيع رفع ذلك الأمر عنه.
لكنه تراجع خوفاً من تهديد جده.
لذا رد بصبر.
"ياريت كان ينفع، بس اللي چواتي مينفعش افضفض لحد به."
التفت إليها وسألها.
"كنتي چاية عشان إكدة بس."
رمشت بعينيها كأنها تبحث عن مهرب من سؤاله.
فكيف تعترف وتعبر عن مشاعر تعرف أنها غير مرغوب فيها؟
"كنتى جايه عشان إكده؟" سأل بنبرة جافة، وكأنه يريد أن ينهي هذه المحادثة بأسرع وقت ممكن.
أخذت روح نفساً عميقاً، وجمعت كل شجاعتها.
"أيوة يا عدي، كنت چاية عشان إكدة وبس؟"
نهض عدي فجأة وكأنه لا يريد البقاء معها في مكان واحد.
"طيب اني لازمن امشي دلوجت عشان عندي مشوار ضروري."
اتسعت عيناها بدهشة وسألته.
"انت مش هتروح مع عمي تختار...."
قاطعها بنفور لم يستطيع اخفاءه.
"لا المشوار ده مينفعش أجله، لو مرحتيش انتي هخلي سند يختار معاه."
تركها ورحل.
ونهضت لتعود للداخل بعد أن شعرت وكأن سهماً اخترق قلبها.
لم تكن تتوقع منه أن يبادلها نفس المشاعر، لكنها لم تتوقع هذه القسوة أيضاً.
كانت كلماته كالسكاكين تقطع قلبها إرباً، لكن قلبها الخائن التمس له آلاف الأعذار كما يفعل دائماً.
شعرت بحنين جارف لمالك.
ذلك الحضن الذي حرمت منه وكأن الدنيا استكترته عليها كما استكترت عليها أبيه.
رددت اسمه بين شفتيها.
"مالك"
لم تشعر مطلقاً بمدى قسوة ذلك النداء على قلب ذلك الذي يتتبعها بعينيه.
"روح.."
توقفت اقدامها كما توقفت دموعها التي بدورها تسمرت بين أهدابها عندما سمعت ذلك الصوت.
هل خيل لها؟
ام احتياجها له جعلها تسمع صوته ينطق باسمها.
"هتفضلي متسمره إكدة كتير؟"
لم تخطئ السمع تلك المرة، لا لم يخيل لها.
استدارت ببطء شديد وكأنها تخشى من ان يكون وهم وينكسر خاطرها مرة أخرى.
لكن عندما وقع نظرها عليه أغمضت عينيها تنفض تلك العبرات المتعلقة بها كي تستطيع رؤيته بصورة أوضح ونطقت اسمه بلوعة.
"مالك."
تقدم منها مالك مرتسماً على وجهه ابتسامة مملوءة بالاشتياق.
أما هي فلم تستطع منع نفسها من البكاء.
بكاء اشتياق.
بكاء يدل على مدى حاجتها إليه.
على حنان افتقدته منذ رحيلة.
رغم ان الجميع يغدقها بحنانهم لكن حنانه هو يختلف.
لعنة سنها الذي منعها بأن تلقي نفسها في أحضانه تلتمس منه العزاء.
"مالك."
قالتها بلوعة أشد جعلت ابتسامته تختفي ويحل محله القلق وهو يتقدم منها ويسألها بلهفة.
"مالك يا روح فيكي حاچة؟"
تطلعت إليه من بين دموعها.
"مش مصدجة إنك رچعت."
عادت إليه ابتسامته رغم المرارة التي يخفيها خلفها.
"لسة واصل دلوجت ومجولتش لحد.جلت اعملها مفاچاة."
"أحلى مفاچأة."
قالتها روح بعفوية أصابت قلبه وجالت عينيه على ملامحها التي اشتاقها حد الجنون.
رغبة ملحة تطالبه بأن يحتويها داخل أحضانه ويجفف دموعها التي تحرق روحه بغير رحمة.
لكنه احجم تلك الرغبة، فلا يحق له فعل ذلك.
"اتوحشتك جوي يا بنت عمي."
ردت روح بكلمات خرجت من قلبها.
"وانت وحشتني جوي، والحياة من غيرك جاسية جوي."
أرهقته بحديثها الذي خرج منها بعفوية.
لكن عند تلك اللحظة لم يستطيع مالك تمالك اشتياقه لها.
فدون إرادته تقدم خطوة منها ورفع أنامله ليخفي تلك الخصلة التي ظهرت من حجابه.
لا يحق لها ان تظهر للعلن هكذا.
عليها أن تصان من كل العيون حتى عينيه هو.
لكن ملمسه الناعم جلعه يبغض فعلته بعد أن أخفيا عن عينيه.
طاف بصره على عينيها فوجد فيهما عشقًا خفيًا ترفض تحرره.
لكن لن يسمح لها بذلك وعليه أن يظهره للنور.
تجولت عينيه ببطء على ملامحها حتى وصلت لثغرها الرخو فلم تتملك أنامله حركتها ونزلت عليه يتحسسه بوله.
آهة خافتة خرجت منه عندما شعر بملمسه أسفل أنمله، ودون إرادته وجد نفسه يتمتم بها.
"روح... بحبك.."
ولم يكن حالها أفضل من حاله ووجدها تنهي الخطوة الفاصلة بينهما وألقت رأسها على صدره بعد أن أحاطت خصره بذراعيها.
حينها شعر بالاكتفاء عن هذا العالم ومن به.
الآن فقط أوصلته للنجوم فلم يعد يريد العودة للأرض.
بل صعدت لهما فراشات وردية تطوفهم من كل جانب مشكلة حولهما هالة من نور.
ازدادت اكثر عندما رفع وجهها إليه يتطلع بعيونها قبل أن يميل على ثغرها يأخذه في عالمه الخاص.
كانت مستسلمة له بل مرحبة وهي تبادله قبلته بعشق وتمل.
لم يستطيع أحد قطع تلك اللحظة وكلما ابتعد عنها لحاجتهم للتنفس يعودان، كأن شريان الحياة في تلك القبلة.
وكلما تعمقا بها كلما زاد اشتياقهم أكثر وأكثر.
"مالك... مالك..."
خرج مالك من شروده على صوتها فحمحم باحراج.
"ها بتجولي حاچة."
اندهشت روح من حالته وسألته.
"انت بخير؟"
ازدرد لعابه وهو يحاول نفض تلك المشاعر.
"اه..بخير.. اني بس تعبت من السفر."
"تعالي بجا ندخلهم لحسن الحاچ وهدان لو عرف إني چيت من وجتها ومجرتش عليه لول ممكن يطخني عيارين."
ضحكت روح رغمًا عنها وأومأت له وقد شعرت بعودة الأمان لها.
تعالت الزغاريد بالمنزل بعودة مالك.
واكتملت فرحة ورد عند رؤيته.
كانوا جالسين جميعاً في بهو المنزل يحتفلون بعودة مالك.
قال وهدان.
"مجولتش ليه يا ولدي كنت خليت سند استجبلك في المطار؟"
حاول مالك ان يبدو طبيعيا.
"جلت اجدم أچازتي و اعملهالكم مفاجأة."
كانت روح تتطلع إليه بسعادة وكأن روحها قد عادت إليها.
انساها عودته ما بدر من عدي الذي رحل دون ان يرى أخيه.
هي تعرف مدى حبه لمالك وكم السعادة التي سيشعر بها اذا علم بعودته.
امسكت هاتفها واتصلت عليه كي تخبره لكنه لم يجيبها.
كررتها مرة أخرى فوجدته قد أغلق هاتفه.
حاولت كتم حزنها بداخلها لكن عيون مالك كانت تراقبها.
قال سند بمزاح.
"والله خير ما عملت اهو تشيل معانا الليلة بدل أخوك اللي مكبر دماغه ده وسايب كل حاچة على دماغي."
حمحم مالك وحاول أن يبدو مهتماً.
"ترتيبات إيه؟"
اندهش سند.
"ترتيبات الفرح، مالك يا ولد عمي هو تعب السفر اثر عليك ولا ايه؟"
نظرت روح لمالك وهو يحاول ألا ينظر إليها فأجاب مدعيا الإرهاق كي يهرب من أمامها.
"يظهر إكدة أني هجوم ارتاح شوي وبعدين يبجى نجعد مع بعض ونشوف."
رد وهدان بتعاطف مع حالة حفيده ونظراته لمحبوبته التي لم يغيرها البعد.
"اطلع يا ولدي اوضتك ارتاح ويبجى نكمل كلامنا على الغدا."
أومأ مالك وقبل يد جده وصعد إلى غرفته ليلقي نفسه على الفراش بتعب حقيقي.
فقد شعر أنه أخطأ بعودته، فمشاعره لم تعد مشاعر خانعة بل أصبحت أكثر تطلباً.
ظن أنه سيستطيع المواجهة لكن عن أي مواجهة يتحدث وهو أضعف من أن يقف قبالتها دون أن تقتحمه هذه المشاعر المتأججة بداخله.
أخفى وجهه بين كفيه يحاول التنفس لكنه وجد صعوبة به.
ماذا يفعل الآن؟
فهو يرى نفسه أصبح خائناً.
أيام قليلة وستكون زوجة أخيه.
هل ستظل تلك المشاعر تهفو إليها حتى بعد زواجها؟
اعتدل في فراشه لينظر إلى حقيبته التي لم يفرغها بعد.
هل يعود الآن ويهرب؟
أم عليه البقاء كي يعتاد ويرضى بنصيبه؟
اسئلة كثيرة لا يجد لها إجابة.
حائر بين مشاعره وبين واجبه.
فواحده تدعوه ليلوذ بالفرار.
وأخرى تجبره على البقاء لأجل واجبه.
أخذ يحل أزرار قميصه عندما زاد شعوره بالاختناق.
خلع قميصه ودلف المرحاض ليضع رأسه أسفل المياه ربما تهدئ حيرته.
لكن شعر بها تزداد اشتعالا أكثر وأكثر.
في غرفة نغم.
رن هاتفها برقم إحدى أصدقائها.
فأجابتها.
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام كيفك يا نغم، بجالك يومين مجتيش الچامعة، انتِ زينة؟"
أخفت نغم ما حدث عن صديقتها الأقرب إليها.
"لا أني زينة بس چدي حدد ميعاد الفرح آخر الشهر وانتِ خابرة بجا المشاغل."
تحدثت نسمة بسعادة.
"الف الف مبروك، بس كنتي استنيتي لبعد الامتحانات، هي اصلا آخر سنة ليكي في الچامعة."
ردت نغم باقتضاب.
"سند اللي أصر."
"على خيرة الله، المهم محاضرة بكرة لازمن تحضريها لانها مهمة."
"إن شاء الله."
أغلقت الهاتف ووضعته جانباً ومازالت لا تعرف كيف تخبر سند.
وهل عليها اخباره حقاً أم تصمت خوفاً عليه.
تطلعت للسلسلة التي قامت بإخفاءها في معصمها خلف أكمامها كي لا يراها.
لكن إن استطاعت اخفاءها الآن ماذا ستفعل بعد زواجهم.
أخذت تمرر اناملها عليها فهي لن تستطيع مطلقاً أن تنزعها من يدها.
فهي لم تفارقها إلا ذلك اليوم وكانت تشعر بأن روحها تفارقها حتى عادت إليها.
فعاد إلى خلدها ذلك السؤال.
كيف عثر عليها؟
وكيف عثر على السائق؟
ضيقت عينيها بشك.
هل من الممكن أن تكون خطة منه كي يوقعها ويبتزها بعد ذلك؟
ازدردت لعابها بخوف.
ماذا إن كانت فعلاً خطة منه؟
ماذا يريد منها؟
اغمضت عينيها بيأس لا تعرف ماذا تفعل.
فتحت هاتفها وأعادت قراءة رسالته لها.
وكأن مفاده: اقرأ ما بين السطور.
أغلقت هاتفها فور إن سمعت طرق على الباب وصوت سعاد.
"الفطار چاهز يا ست نغم."
"نازلة دلوجت."
وضعت هاتفها أسفل الوسادة واستعدت للنزول.
على المائدة المستديرة الضخمة في بهو المنزل، جلس وهدان في مقعده المعتاد على رأس الطاولة، وقد تجمعت عائلته حوله كالكواكب في فلك شمسها.
جال بنظره عليهم واحدًا تلو الآخر، وشعر بفخر عميق يملأ صدره.
لقد نجح في جعلها عائلة مترابطة، يساند بعضهم بعضًا، ويدًا واحدة في وجه أي عاصفة.
لكنه، بصيرته التي اثقلتها السنين، كان يرى ما هو أبعد من الوجوه الباسمة والكلمات الهادئة.
كان يعلم ما تخفيه قلوب أحفاده مهما جاهدوا لإخفائه خلف أقنعة من الجليد أو اللامبالاة.
واحد فقط من بينهم كان يضرم النار في قلبه ألمًا عليه: مالك.
حفيده الذي ورث منه الحكمة والصلابة، لكنه ورث أيضًا القدرة على الحب الصامت والعميق.
رآه وهدان وهو يحاول قدر الإمكان أن يغض بصره عنها، أن يتجنب حتى النظر في اتجاهها، وكأن نظرة واحدة ستحرقه.
أما هي، روح، فقد كانت عيناها البريئتان تلتفتان إليه بين الحين والآخر كأنها تتأكد حقًا من وجوده، تبحث عن الأخ الأكبر والمستشار.
غير مدركة للحمم التي تغلي خلف هدوئه.
فكر وهدان بمرارة: كان باستطاعته أن يجبرها على الزواج منه، لكن النتيجة لن تكون مرضية لكلاهما.
هي اتخذته أبًا وسندًا، أما هو فلم يرها يومًا إلا حبيبة، كلما كبرت، كلما تعلق بها قلبه أكثر.
هي لن تكون سعيدة معه كزوج، وبالتالي، لن تسعده هي أبدًا.
ثم انتقل بنظره إلى سند.
سند العائلة كما يليق باسمه.
يراهن دائمًا على عقله وحكمته.
قد يتغابى أحيانًا، تسيطر عليه الغيرة أو العصبية، لكنه حين يدرك خطأه، لا يتوانى لحظة عن تصحيحه.
لهذا اختار له نغم، تلك النسمة الهادئة التي تمتاز بطيبة قلبها وصفائها، فهي الوحيدة القادرة على امتصاص غضبه وتكون مرساته في بحر الحياة الهائج.
نظرة من عينيها الصافية قادرة على ان ترضخ لها الوحوش.
أما عدي... تنهد الجد داخليًا.
عدي هو عاصفته التي لا تهدأ بتهوره وعناده، يرهقه دائمًا لكنه يعلم أن عليه الصبر.
فالعناد سلاح ذو حدين، إن لم يحتويه بحكمة سيدمر به كل شيء.
حتى عندما أجبره على الزواج من روح، كان ذلك مقابل شيء آخر تغاضى عنه الجد.
صفقة صامتة يعرفها هو وعدي فقط.
وتبقى وعد، تلك الصغيرة التي تمتاز بعقل كبير وذكاء حاد وحكمة وتروي يفوق سنها.
هي الوحيدة التي لا يخشى عليها، لأنها قادرة على حل مشاكلها بنفسها دون اللجوء لأحد.
لأجلهم جميعًا، لأجل هذه الوجوه ابتعد عن الثأر ودفن الماضي، وسار جانبًا دون أن يهز ذلك من قوته وهيبته شيئًا.
ولولا أن هذه الأرض ووصية، لكان تركها منذ زمن.
لكنه لن يتخلى عن وصية والده: "الأرض كالعرض، لا يمكن التفريط فيها".
قطع وهدان صمته، موجهًا حديثه إلى مالك في محاولة لجس نبضه.
"مش ناوي ترچع وتسيبك من الغربة دي يا مالك؟"
جاء رد مالك قاطعًا وثابتًا، كأنه طلقة.
"لأ."
امتعض وجه والدته ورد وقالت بضيق أمومي.
"ليه بس يا ولدي، إيه اللي معلجك بالغربة دي؟"
حاول مالك رسم ابتسامة باهتة وهو يرد عليها.
"مافيش شغل ليا في الصعيد يا أمي، انتي خابرة إن شغلي على السواحل، يعني برضك هتكون غربة."
تعبت ورد من هذا الجدال الذي يتكرر في كل إجازة.
لكن عدي بعينيه الماكرتين قرر أن يلقي بحجر في المياه الراكدة.
"يعني مفيش حاچة غير الشغل بس؟"
اهتزت نظرات مالك للحظة، وشعر بانقباضه حادة في قلبه وهو يلمح طيف روح بطرف عينه، قبل أن يجبر بصره على التحول سريعًا إلى طبق أمامه.
تحدث بثبات مصطنع.
"مافيش حاجة من الحاچات دي... شغل وبس."
تدخل سند بمزاح، محاولًا تخفيف الأجواء.
"يعني مفيش بنت حلوة لفتت نظرك هناك؟"
رمش مالك بعينيه، وحمحم بطريقة غريبة لفتت انتباه والده سالم.
"مكنتش مهتم بالموضوع ده."
هنا، تدخل وهدان بحكمته المعهودة ليغير الموضوع.
"اللي تشوفه يا ولدي، المهم إنك تكون مرتاح."
في خضم كل هذا، كانت نغم في عالم آخر تمامًا.
كانت تجلس بينهم، لكنها لم تكن معهم.
رهبة باردة كانت تتسلل إلى أوصالها كلما فكرت في الذهاب إلى الجامعة.
حاولت أن تطمئن نفسها بأن سند سيكون معها، ولن يتركها إلا وهي داخل أسوار الجامعة الآمنة.
لكن هل الأسوار تحمي حقًا؟
انتبهت على صوت روح الناعم بجانبها.
"نغم، مالك؟"
هزت رأسها بنفي سريع، كمن أُمسك متلبسًا.
"مفيش."
"أومال مالك سرحانة إكدة؟"
نهضت فجأة، في حركة هروب واضحة.
"أنا هطلع أجيب شنطتي عشان أتاخرت على الچامعة."
نظرت والدتها ليلى إلى طبقها الذي لم تمسه تقريبًا.
"طيب كملي أكلك الأول."
"لا مش چاعنة، بعد إذنكم."
صعدت إلى الأعلى بخطوات سريعة، وقام سند خلفها ليستعد لتوصيلها.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب، وأسندت ظهرها عليه.
الخوف كان يفعم قلبها، وشيء غامض بداخلها، صوت خافت لكنه عنيد كان يدفعها للتراجع.
وقفت تنظر إلى حقيبة يدها الملقاة على الكرسي بتردد قاتل.
هل تطاوع هذا الخوف وتختبئ اليوم؟
أم تقاومه، وتذهب إلى جامعتها، متحامية في سند، وتواجه العالم الذي لم يعد يبدو آمنًا كما كان؟
كان صراعًا مريرًا بين رغبتها في الحياة الطبيعية، وبين الرعب الذي زرعه "جاسر" في قلبها برسالته الصامتة.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل العاشر 10 - بقلم رانيا الخولي
كانت شوارع القاهرة الصباحية قد بدأت تمتلئ بضجيجها المعتاد، واستقل أكمل سيارته متوجهًا إلى عمله، وعقله منغمس في تفاصيل القضايا المعقدة التي تنتظره.
كان يحاول أن يغرق نفسه في العمل لينسى، ليهرب من الفكرة التي تلاحقه، من صورتها التي تأبى أن تفارق خياله.
وفجأة، ودون أي سابق إنذار انحرفت سيارة لتقطع عليه الطريق بشكل جنوني.
لم يفصل بين السيارتين سوى سنتيمترات قليلة، ولولا رد فعله السريع وضغطه على المكابح بكل قوته حتى صرّت الإطارات على الأسفلت، لكانت الكارثة محققة.
توقف قلبه للحظة، ثم اشتعل بالغضب. نزل من سيارته وهو يغلق الباب خلفه بقوة، وعيناه تطلقان شررًا وهو ينظر إلى السيارة التي كادت تودي بحياته، مستعدًا لتفريغ كل غضبه في وجه السائق المتهور.
لكن غضبه تجمد وتحول إلى مزيج معقد من الصدمة والحنق عندما ترجلت هي من سيارتها.
ليلى...
تقدمت منه بخطوات ثابتة، بينما هو ظل واقفًا بجانب سيارته، يحدق فيها وكأنه لا يصدق جرأتها.
"انتِ اتجننتي؟ إزاي تقطعي عليا الطريق بالشكل ده؟ كنتي هتودينا في داهية!"
لم ترد على غضبه بغضب مماثل، بل تقدمت منه أكثر ونظراتها كانت تحمل عتابًا عميقًا وألمًا واضحًا.
"ملقتش غير الطريقة دي يا أكمل عشان أكلمك. تليفوناتي مش بترد عليها، ورسايلي مبتتفتحش، وحتى الشغل بقيت بتتهرب مني فيه."
قال بحدة كان يغلفها عتاب أعمق، وهو يشير بيده إلى الطريق والسيارات التي بدأت تتجاوزهما ببطء.
"تقومي تعملي كدة؟ تعرضي حياتك وحياتي للخطر عشان نتكلم؟"
تقدمت منه خطوة أخرى حتى تقلصت المسافة بينهما، وقالت بصوت بدأ يرتجف باستعطاف، عندما لاحظت القلق الحقيقي في عينيه، القلق الذي يحاول جاهدًا أن يخفيه خلف قناع الغضب.
"وأكتر من كدة يا أكمل أعمل أكتر من كدة. انت متعرفش الأسبوع اللي بعدته عني ده كان عامل فيا إزاي. كل يوم بيمر كأنه سنة، والسكوت بتاعك بيقتلني أكتر من أي كلام ممكن تقوله."
أشاح أكمل بوجهه بعيدًا عنها، ينظر إلى أي شيء إلا عينيها، لأنه كان يعلم أنها لن تستسلم.
في محاولة جريئة، تقدمت أكثر وهمست بصوت ناعم يحمل كل الدلال الذي تعرف أنه نقطة ضعفه.
"وبعدين، انت مش ملاحظ إن النهاردة يوم مميز؟ عيد ميلادي يا أكمل، ومسمعتش منك حتى كل سنة وانتِ طيبة."
هنا ارتد أكمل خطوة كاملة إلى الوراء، كمن لدغته أفعى. فعلتها هذه أغضبته أكثر من قطعها للطريق. لقد استخدمت أقرب الأشياء إلى قلبه كسلاح ضده. استياؤه من فعلتها كان واضحًا، ورغم وجود مسافة لا بأس بها بينهما، إلا أنه شعر بأنها تخترق مساحته الشخصية، حدوده التي وضعها بينهما.
"ليلى، إحنا في الشارع."
رفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة، وقالت باستنكار وكأنها لا تفهم ما يعنيه.
"أكمل أنا بقولك عيد ميلادي وانت بتقولي إحنا في الشارع؟ انت شايفني بعمل إيه غلط؟ وبعدين انت اللي وصلتني للدرجة دي، وصلتني إني بقيت بفرض نفسي عليك عشان بس أسمع صوتك. اتأسفت مية مرة، وحلفتلك إن اللي حصل مش هيتكرر تاني، ومع ذلك لسه مخاصمني. أعمل إيه أكتر من كدة عشان تسامحني؟"
تطلعت إليها أكمل طويلاً. كان بداخله بركان من الكلمات، قائمة طويلة من الأشياء التي يود منها أن تفعلها، أن تتغير، أن تفهم أن حبه لها لا يعني أن يقبل بأخطائها التي كادت تدمر كل شيء.
لكنه تراجع. لن يطالبها بشيء الآن، ليس بهذه الطريقة، ليس في منتصف الطريق.
فقال بهدوء مرهق.
"متعمليش حاجة. أنا كل اللي طلبته تسيبيني فترة لحد ما أهدى مش أكتر."
ردت بعتاب حارق، وصوتها بدأ يختنق بالدموع.
"لحد إمتى يا أكمل؟ العمر بيجري وأنا مش قادرة أتحمل يوم كمان وانت بعيد عني بالشكل ده."
لم يجبها. صمته كان أبلغ من أي كلام.
أدركت أنها لن تأخذ منه شيئًا الآن، فلجأت إلى سلاحها الأخير.
"على العموم، أنا هستناك النهاردة بالليل في الحفلة اللي عاملها عشان عيد ميلادي. وإن مجتش... يبقى انت كدة اللي بتحكم بنفسك، وبتنهي كل اللي بينا."
لم تنتظر رده. تركته واقفًا في مكانه، وتوجهت إلى سيارتها وانطلقت بها بسرعة، تاركة إياه تحت نظراته المستاءة، يصارع حبه لها وغضبه منها، والحقيقة المرة بأنها رغم كل شيء، ما زالت تملك مفاتيح قلبها.
استقل سيارته وتوجه إلى عمله في سكون تام، لكن بداخله كانت تدور أعنف العواصف.
***
كانت قاعة المحاضرات تضج بأصوات الطلاب وهمهماتهم، لكن بالنسبة لنغم، كان كل ذلك مجرد ضجيج أبيض بعيد. كان عقلها شاردًا في مكان آخر، سجينًا في متاهة من الأفكار التي لا تهدأ، وفي مركز هذه المتاهة كان يقف هو: جاسر.
الرجل الذي ظهر في حياتها كمنقذ، ثم تحول في ليلة وضحاها إلى كابوس يطاردها في صحوتها ومنامه.
لم تكن تعلم ما الذي يريده منها بالضبط، لكن نظراته الثاقبة التي تخترق الروح، وكلماته الغامضة، ورسالته الصامتة التي وصلت إلى عقر دارها، كانت تثير فيها قلقًا عميقًا أشبه بالرعب.
انتهت المحاضرة أخيرًا، فجمعت نغم كتبها بسرعة وكل ما كانت تتمناه هو أن تختفي من هذا المكان بأسرع وقت ممكن.
الفكرة الوحيدة التي كانت تمنحها شعورًا هشًا بالأمان هي أن سند ينتظرها الآن بالتأكيد أمام بوابة الجامعة.
وجوده كان درعها الوحيد في مواجهة هذا العالم الذي لم يعد آمنًا.
وبينما كانت تشق طريقها بصعوبة وسط حشد الطلاب المتدفق خارج القاعة، أوقفها صوت عامل.
"آنسة نغم عامر؟"
عقدت نغم حاجبيها في حيرة وتوقفت.
"أيوه، خير؟"
رد الرجل بتهذيب واحترام.
"الدكتور أحمد عايز حضرتك في مكتبه."
انقبض قلبها على الفور. شيء ما لم يكن صحيحًا. الدكتور أحمد؟ لم يكن لديها أي تعامل مباشر معه من قبل.
سألته بقلق حاولت إخفاءه.
"متعرفش عايزني ليه؟"
نفى العامل برأسه.
"كل اللي قالهولي: 'ابعتلي آنسة نغم عامر فورًا'."
شعرت بأن قدميها قد تجمدتا في مكانهما. كان هناك صوت في رأسها يصرخ بها لتهرب، لتتجاهل الأمر وتجري مباشرة إلى سند. لكن جزءًا آخر منها، الجزء المطيع الذي تربت عليه، منعها من ذلك.
تبعت العامل في الممرات الطويلة وقلبها ينبض بعنف كطبل حرب. وكل خطوة كانت تبدو وكأنها تقودها إلى مصير مجهول.
عندما وصلت إلى باب مكتب رئيس القسم، أشار لها العامل بالدخول ثم انصرف.
أخذت نفسًا عميقًا، وفتحت الباب.
دخلت نغم المكتب الفاخر، وخطت بضع خطوات قبل أن تتوقف فجأة، وتتجمد في مكانها كتمثال من الشمع.
كان هو.
كان جاسر يجلس على أحد المقاعد الجلدية أمام مكتب الدكتور أحمد، يرتدي بذلة سوداء أنيقة تجعل هيبته أكثر طغيانًا.
كان يضع ساقًا فوق الأخرى بأريحية تامة، وكأنه صاحب المكان. وعيناه الثاقبتان تحدقان فيها ببرود قاطع، برود اخترقها حتى العظم. شعرت بقشعريرة جليدية تسري في جسدها، وبأن الهواء كله قد سُحب من الغرفة.
كيف وصل إلى هنا؟ إلى هذا المكان تحديدًا؟ ولماذا؟
نهض الدكتور أحمد من مكتبه بابتسامة متكلفة، وقال بصوت بدا مصطنعًا.
"أهلاً يا نغم، اتفضلي."
في تلك اللحظة، رن هاتفه المحمول بصوت عالٍ ومفاجئ. تظاهر بالنظر إلى الشاشة بامتعاض.
"عفوًا، دي مكالمة مهمة من رئاسة الجامعة. ثواني هرد عليها بره وهرجع على طول."
خرج الدكتور أحمد من المكتب بسرعة، وأغلق الباب خلفه دون أن يترك لها أي فرصة للاعتراض أو الهرب، تاركًا إياها وحدها معه في صمت ثقيل ومخيف.
نظرت نغم إلى جاسر بغضب، محاولة يائسة أن تسيطر على رجفة يديها التي فضحت خوفها. همست بصوت خفيض، مشحون بالغضب والرعب، خوفًا من أن يسمعها أحد في الخارج.
"إنت بتعمل إيه إهنه؟ وإزاي تچيني الچامعة؟ وكمان تعمل اللعبة الرخيصة دي عشان تتكلم معاي؟"
ابتسم جاسر ابتسامة باردة، خالية من أي أثر للمرح.
نهض من مقعده ببطء وتحرك نحوها بخطوات هادئة وواثقة كخطوات نمر يقترب من فريسته.
"هو أني مش جولتلك إن اللي بينا لسه مخلصش؟"
توقف على بعد خطوات قليلة منها، ووضع يديه في جيوب بنطاله وأمال رأسه قليلاً.
"لسه لينا كلام مهم يا نغم. حديث هيغير حياتك كلها."
كان صوته هادئًا، لكنه كان يحمل تهديدًا مبطنًا، وعدًا بعواقب وخيمة.
استجمعت نغم كل ما تبقى لديها من شجاعة، وقالت بحزم مصطنع رغم أن الخوف كان ينهش قلبها.
"مفيش أي كلام بينا عشان يغير حياتي ولا غيره. اللي بينا وبينكم دم وتار، ومستحيل يكون في حاچة ثانية."
ضحك جاسر بسخرية. ضحكة قصيرة جعلت الدماء تتجمد في عروقها.
"أنتِ غلطانة، لإن في الحجيجة مفيش جدامك خيار غير إنك تسمعيني. وتوافجي على اللي هطلبه منك."
اقترب منها أكثر، حتى أصبح قريبًا جدًا، واخترق مساحتها الشخصية تمامًا.
شعرت بأنفاسه الباردة على وجهها، ورائحته القوية تملأ حواسها مما أصابها بالدوار.
انحنى قليلاً وهمس بجوار أذنها، بصوت لم يسمعه غيرها، صوت كان كحكم الإعدام.
"في تار جديم بين عيلتنا، ولازم نخلصه. والتار ده... تمنه هيكون أنتِ."
***
وقف مالك في حديقة المنزل الشاسعة، تحت سماء بدأت تتلون بألوان الغروب الدافئة.
كانت عيناه تنظران إلى الأجواء من حوله، إلى الأشجار العتيقة التي شهدت طفولته، وإلى الزهور التي كانت والدته تعتني بها بحب، لكنه لم يكن يرى شيئًا من هذا حقًا.
كان يرى فقط الفراغ الذي استقر في روحه.
"كيف؟"
سأل نفسه بمرارة. "كيف فكرت لوهلة أن باستطاعتي العودة والبقاء هنا؟"
لم يعد هنا ما يبقى لأجله. لقد بنى حياته كلها على فكرة أنه السند والحامي، أنه المسؤول. والآن، بنات عمه أمانته التي أقسم على حمايتها، أصبحن في كنف حضن آخر غير حضنه.
روح... كانت هي البوصلة التي توجه قراراته دون أن تدري، والآن تحطمت تلك البوصلة، وتركته تائهًا في بحر من الخيبة.
"چاعد لوحدك ليه يا مالك؟"
التفت مالك على صوت جده الوقور.
كان وهدان يقترب منه بخطوات هادئة، مستندًا على عصاه الخشبية التي كانت رفيقته الدائمة.
جلس بجواره على المقعد الحجري، ونظر إلى الأفق بنفس النظرة الشاردة التي كانت في عيني حفيده.
رد مالك بابتسامة باهتة، محاولة فاشلة لإخفاء العاصفة التي تدور بداخله.
"مش چاعد لوحدي ولا حاچة يا چدي. بس مستني مكالمة من ناچي، أصلي طلبت أتنقل لفرع ثاني ومستني رد المدير."
نظر إليه وهدان نظرة طويلة، نظرة تخترق كل الأقنعة والدفاعات.
"ولو مش مرتاح في الغربة يا ولدي ارچع مصر وخليك وسط ناسك وأهلك. الأرض دي تساعك وتساعى غيرك."
"ما أنا جولتلك يا چدي إن شغلي ده مكتوب عليه الغربة. طبيعته إكدة."
"يبجى بلاش منيه خالص. اللي يتعبك ويخليك تدوج مرارة الغربة، ارميه ورا ضهرك. الرزق على الله."
رد مالك بصوت خافت، كأنه يحدث نفسه، صوت مشبع بوجع لم يعد قادرًا على إخفائه.
"يظهر إن انكتب عليا أعيشها غصب عني جوه وبره. ومفيش أمل أعاود منيها."
آلمه قلبه لى وهدان لرؤية حفيده القوي في هذه الحالة من الانكسار. لكنه كان يعلم أن الشفقة لن تفيده. عليه أن يقتلع هذا الوهم من جذوره، قبل أن يدمر حفيده.
قال بلين وحكمة، وصوته كان كبلسم على جرح ملتهب.
"الأمل ده يا مالك ساعات بيكون وهم بنتعلق بيه عشان نهرب من الحجيجة. وساعات بيكون اختبار من ربنا عشان يشوف قوة صبرنا. ربنا مبيعملش غير الصالح يا ولدي. يمكن اللي بيحصل ده هو الخير ليك، يمكن ربنا شايلك الأحسن والأفضل في مكان تاني."
صمت مالك لكنه كان يستمع بكل جوارحه، كالغريق الذي يتعلق بقشة نجاة.
"يمكن اللي نفسك فيه ده، لو كان من نصيبك، كان هيكون عذابه أكبر من العذاب اللي انت فيه دلوك. عشان إكدة ربنا بعده عنك. ويمكن نصيبك الحجيجي لسه مستنيك في مكان تاني، مع واحدة تانية تكون هي اللي ربنا كاتبها على اسمك، واحدة تشوفك أنت مش تشوفك اخ وسند وبس."
لم يجب مالك، بل ظل صامتًا يستمع إلى مغزى حديث جده الذي لامس وتراً حساسًا في قلبه.
"الدنيا مش بتجف على حد يامالك. الچرح ده هيلم، والوجت كفيل يداوي كل حاچة. بص حواليك شوف النعم اللي ربنا أنعم بيها عليك. صحتك، أهلك اللي بيحبوك، بيتك اللي مفتوحلك. كل دي حاچات تستاهل إنك تشكر ربنا عليها كل يوم. وصدجني، ربنا لما بياخد حاچة بيعوض بأحسن منها ميت مرة. بس إنت لازم تؤمن بده، وتصبر، وتدعي ربنا يرزقك باللي فيه الخير ليك."
تنهد مالك تنهيدة عميقة، خرجت معها كل ذرة ألم مكبوتة، وتمتم بصوت مكسور.
"تفتكر يا چدي... تفتكر هيكون فيه أمل؟"
نظر وهدان إلى السماء، ثم إلى عيني حفيده، وقال بيقين لا يتزعزع.
"الأمل في ربنا مبيخلصش يا ولدي. جوم اتوضى وصلي ركعتين لله، واشكيله همك. ادعي ربنا يريح جلبك ويهديك للخير. وسيب الباجي على ربنا. هو اللي عالم بالخفايا وهو اللي بيختار الأحسن لينا. يمكن اللي جاي أحسن بكتير من اللي فات، بس إنت لازم تكون مستعد ليه وجلبك نضيف عشان تستجبله."
نهض وهدان وربت على كتف مالك مرة أخيرة. لمسة كانت تحمل كل الدعم والحب الأبوي قبل أن يستدير ويدلف للداخل تاركًا حفيده وحيدًا مع كلماته التي كانت كالنور في نهاية نفق مظلم.
ظل مالك جالسًا، يفكر في حديث جده، ولأول مرة منذ أيام شعر ببصيص من السكينة يتسلل إلى روحه المعذبة.
***
تجمدت نغم في مكانها، وتحولت الدماء في عروقها إلى جليد.
كانت عيناها متسعتين من هول الصدمة، تحدقان فيه وكأنها تراه للمرة الأولى.
"تار؟ تار إيه اللي بتتحدت عنيه؟ مين اللي له تار عند التاني؟"
كانت تجاهد كي يظل صوتها قويًا، كي تمحو تلك الرجفة الخائنة التي بدأت تهز كيانها بالكامل.
ضحك جاسر بسخرية، ضحكة قصيرة ومريرة، وهو يتقدم منها خطوة، مقلصًا المسافة بينهما.
"أنا... أنا اللي ليا تار عنديكم."
تحولت نبرته فجأة من السخرية الباردة إلى قوة صلبة كالفولاذ، صوت يأمر فيُطاع.
"وأقسمت في يوم، قدام جثة أبويا وجدي، إن التار هيكون واعر. واعر لدرجة إني هخليكم تيجوا زاحفين عشان أرحمكم."
شعرت نغم بالدوار يداهمها، وبأن الأرض تميد تحت قدميها. لم تكن تتخيل أبدًا أن حياتها الهادئة حياتها البسيطة، يمكن أن تنقلب رأسًا على عقب بهذه الطريقة الوحشية.
زادت قوة نبرته وأصبحت حادة كالسيف وهو يكمل.
"أبوي وجدي اللي ماتوا بحسرتهم، وسابو على كتافي مسؤولية واعرة جوي اسمها الانتقام."
اهتزت نظراتها أمام قسوة عينيه، التي أقسمت في تلك اللحظة أنها لم ترى بقسوتها طوال حياتها.
كانت كبوابتين من الجحيم، لا تعكسان إلا الكراهية والتصميم.
تقدم منها أكثر حتى قرب وجهه من وجهها وعيناه تلمعان بلهيب الغضب المكبوت منذ سنين.
"ودلوجت، جه وقت أول فاتورة في الحساب. فاتورة عمتي اللي أجبرتوها تتجوز عمك عشان تداروا على فضايحكم، وحطيتوا راسنا وكرامتنا في الطين. أما الفاتورة التانية، فوجتها لساته مجاش."
اتسعت عيناها بصدمة ورعب، وقد فهمت أخيرًا ما يرمي إليه. سألته بصوت مختنق.
"تجصد... تجصد إيه؟"
راقت له نظرات الرعب الصافي التي ظهرت في عينيها. كانت كالموسيقى لأذنيه.
تراجع خطوة إلى الوراء وعادت إليه برودة أعصابه القاتلة، وكأنه يستمتع باللعب بفريسته.
"أقصد إن جه وقت الحساب. والحساب هو إنك..."
التزم الصمت لثوانٍ طويلة، يتلاعب بأعصابها المنهارة. يراقبها وهي تتأرجح على حافة الانهيار.
ثم تابع بكلمة واحدة كانت كفيلة بتدميرها.
"تتجوزيني."
رمشت نغم بأهدابها تحاول استيعاب ما يحدث لها.
هزت رأسها برفض هستيري وضحكة مرتعشة خرجت من شفتيها. هو مؤكد أنه كابوس مزعج ليس أكثر.
لكن كيف يكون كابوسًا وهو يقف أمامها بذلك الشموخ، بتلك الهيبة، وكأنه في موضع قوة لا يستهان بها، قوة هي من تجعله يتحدث بهذه الثقة المطلقة؟
لن تظهر امامه بضعف.
عليها ان تتحمل وتظهر قوتها. رفعت إليه عيناها التي ظهر الوجل واضحاً بها فلم تستطع اظهارها في تلك القوة المرتسمة أمامها.
"ومين جال لك إن أهلي ممكن يوافقوا عليك؟ على واحد من أعدائهم؟"
ضحك جاسر هذه المرة بعلو صوته، ضحكة دوت في أرجاء المكتب الصامت ثم رد بسخرية لاذعة.
"ومين جال لك إني محتاج رأيهم أصلاً؟"
قطبت جبينها بحيرة وعقلها يرفض أن يصدق ما تسمعه.
"تجصد إيه؟"
اعتدل في جلسته، وقال ببرود تام وكأنه يناقش صفقة تجارية.
"أحصد إنك هتخرچي معاي دلوجت على المأذون، وهنكتب الكتاب، وهتاچي معاي على بيتي."
اندهشت من الثقة العمياء التي يتحدث بها وسألته في محاولة يائسة لإيجاد ثغرة في خطته.
"وانت فاكر إني ممكن أعمل إكدة؟ أهرب معاك وأحط راس أهلي في الوحل؟"
لم يجبها بل اكتفى بنظرة واحدة. نظرة تحمل ثقة تامة بقدرته على فعل ما يقول. وهذه النظرة هزت ثقتها هي بنفسها حتى الصميم.
سألته بحيرة ويأس.
"انت عايز إيه بالظبط؟"
رد ببساطة جليدية وقد عادت نظراته الباردة كالصقيع.
"متعودتش أعيد كلامي."
ازداد غضبها منه وشعرت بأن كرامتها هي الشيء الوحيد المتبقي لها.
"الغلط عليا أنا عشان وقفت وسمعت الحديت الفارغ ده."
سحبت حقيبتها واستدارت لتخرج لكن صوته الحازم القاطع كحد السيف أوقفها في مكانها وجمد الدم في عروقها.
"اطلعي بره الباب ده، وأني أوعدك... إني هخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه."
ثقة حديثه جعلتها تستدير إليه، تسأله بعينيها المرتعبتين: ماذا يقصد؟
عاد بظهره للوراء وتابع ببطء يتلذذ بكل كلمة.
"يا توافقي وتيجي معاي دلوجت زي ما جلت."
زم فمه مدعيًا الأسف.
"يا إما في خلال دقيقة واحدة، الجامعة كلياتها هتتكلم على بنت الرفاعية اللي عشجت ابن عدوهم، وكانت جاعدة لحالها معاه في مكتب رئيس القسم. حتى دخل عليهم العامل لقاهم في وضع... للأسف مؤسف."
رفع حاجبيه وهو يردف.
"ده غير طبعًا حكاوي البلد واللي هيقولوه، إنها كانت معاه في عربيته وداخت حبتين، خدها على المستشفى وللأسف... طلعت حامل."
كانت كلماته كالصاعقة التي ضربت نغم. هذا شيء لا يمكنها تحمله. شعرت بالاختناق، وكأن جدران المكتب تضيق عليها وتتحول إلى قبر.
لماذا هي؟ ما الذي فعلته لتستحق هذا؟
نظرت إليه بعيون تائهة وتمتمت بصوت متقطع.
"ليه؟... اشمعنى... أنا..."
رفع حاجبيه بلامبالاة قاسية.
"عادي... تجدري تجولي نصيب... جدر... اللي تجولي عليه. بس في الآخر، اللي أني رايده هو اللي هيكون."
سقطت على أقرب كرسي وشعرت وكأن كل قواها قد استنزفت.
نهض هو وتقدم منها ببطء واضعًا يديه داخل جيوبه، وتابع جلده لها بكلماته الباردة.
"جولتي إيه؟ دكتور أحمد فاكر إننا جاعدين نشوف حل في علاقتنا، وهو وعدني إنه هيساعدنا على جد ما يجدر، نخليه يساعدنا... ولا نسيب الناس تقول اللي هي عايزاه؟"
لم تستطع الرد. شعرت بأن الكلمات توقفت في حلقها تأبى الخروج، وازداد شعور الدوار وفوقه ضربات قلبها التي كانت عنيفة لدرجة أنها كادت تكسر أضلاعها.
مال عليها ليتابع همسه القاتل.
"بس لو وافجتي، محدش هياخد خبر باللي حصل بينا. چوازنا هيتم، ومحدش هيدرى بيه غير أهلك وأهلي."
استقام في وقفته، وتابع بمغزى عميق يضرب على وتر حساس يعرفه جيدًا.
"أني راجل صعيدي، ومحبش واصل إن مرتي تكون حكاية على كل لسان في البلد والبلاد اللي جارها. جولتي إيه؟"
كان يضع أمامها خيارين، وكلاهما يعني الموت.
الموت السريع لسمعتها وشرف عائلتها، أو الموت البطيء لحياتها وحريتها بين يديه.
كانت الدقيقة التي منحها إياها تمر كأنها دهر، وكل ثانية فيها كانت تطحن بقايا روحها.
كانت تنظر إلى الفراغ، وعقلها يصرخ في سباق محموم ضد الزمن، يبحث عن مخرج، عن ثغرة، عن أي بصيص أمل في هذا الظلام الحالك الذي أحاط بها.
"انتهت الدقيقة."
قالها جاسر بصوت هادئ، لكنه كان كصوت سقوط مقصلة.
رفعت نغم رأسها ببطء، وجمعت آخر ما تبقى لديها من قوة وتحد.
نظرت في عينيه مباشرة، وقالت بصوت يرتجف غصباً لا خوفاً.
"أنا مش هتچوزك ولو على الفضيحة، أهلي هيصدجوني أنا، مش هيصدجوا واحد زيك."
ابتسم جاسر ابتسامة باردة، كأنه كان يتوقع هذا الرد. لم يغضب لم ينفعل، بل تراجع وجلس على حافة مكتبه وشبك ذراعيه أمام صدره في وضعية سيطرة كاملة.
" أهلك؟ تفتكري أهلك هيصدقوكي لما رئيس قسمك بنفسه يشهد إنه شافكم سوا، وإنك اعترفتيله بحبكم؟ تفتكري هيصدجوكي لما العامل البسيط يحلف يمين إنه شافكم في وضع... يكسر العين؟ الناس يا نغم بتصدج اللي عايزة تصدجه، والقصص اللي زي دي، الناس بتعشجها."
كانت كلماته كالحمض تذيب ثقتها بنفسها وبمن حولها.
لكنها تشبثت بآخر خيط.
" ولو حتى البلد كلها كدبتني، أنا مش هخاف. هجف جصادهم كلهم وأجول الحجيجة."
هنا، ضحك جاسر ضحكة خافتة، لكنها كانت أكثر إرعاباً من أي صراخ.
" شجاعة، أنا بحب الشجاعة دي. بس للأسف، شجاعتك دي هتكون على حساب ناس تانية."
قطبت جبينها، لم تفهم ما يرمي إليه.
"تجصد ايه؟"
رد بثبوت.
"أجصد إن كلام واعر زي ده مش هيكون من فراغ. الكاميرات اللي صورت وأني شايلك في حضني وداخل بيكي المستشفى، وده غير الكاميرات اللي صورتك وانتي داخل المكتب دولجت والدكتور أحمد خرج عشان ناخد راحتنا."
سقطت دمعة حارقة من عينيها، دمعة الهزيمة الكاملة. لقد حاصرها من كل اتجاه، لم يترك لها أي خيار، أي مخرج. كل الطرق أمامه كانت تؤدي إلى دمار من تحبهم.
نهض من مكانه، واقترب منها ثم انحنى لمستواها، ومسح دمعتها بإصبعه بقسوة لطيفة.
" ليه توصليها لكده؟ أنا عرضت عليكي حل بسيط. حل يحفظ كرامتك، ويحمي أهلك. جوازنا."
نظرت إليه من خلال دموعها، وقالت بصوت مهزوم، صوت امرأة لم يعد لديها ما تخسره سوى حياتها.
" أنت شيطان."
" ممكن. بس أنا الشيطان اللي ماسك في إيده مصيرك ومصير أهلك."
استقام في وقفته، ومد يده إليها.
"قومي. المأذون مستني."
لم تتحرك. كانت قد تجمدت، روحها تحطمت بالكامل.
***
بعد أن تركه جده وحيدًا مع أفكاره، ظل مالك جالسًا في الحديقة، وعيناه تتابعان الشمس وهي تغوص في الأفق، تاركةً وراءها سماءً مصبوغة بألوان الشفق الحزينة.
كان هدوء المكان يتناقض تمامًا مع العاصفة التي تدور بداخله.
كلمات جده كانت كالنور، لكنها كشفت أيضًا عن حجم الظلام الذي يسكن روحه.
"مالك!"
جاء صوتها فجأة، ناعمًا ومفعمًا بالحياة، كأنه وتر عُزف في وسط صمت مطبق.
التفت ببطء ورآها تقترب منه، ترتدي فستانًا بسيطًا يتمايل مع خطواتها السريعة، وابتسامة واسعة وصادقة تضيء وجهها، ابتسامة لم يرها منذ زمن.
كانت روح.
"أخيرًا لجيتك! چاعد لوحدك ليه هنا؟"
قالتها وهي تجلس بجانبه على المقعد الحجري، دون انتظار دعوة، بحميمية وعفوية اعتاد عليها منها منذ كانت طفلة.
لم يستطع منع ابتسامة باهتة من الظهور على شفتيه. وجودها كان دائمًا هكذا بسيطًا ومريحًا، ومؤلمًا الآن أكثر من أي وقت مضى.
"مش لوحدي ولا حاچة، بستمتع بالهدوء شوية."
نظرت إليه بعينيها الصافيتين، وقالت بسعادة لم تحاول إخفاءها.
"أنا مبسوطة جوي إنك رچعت يا مالك. البيت كله كان ضلمة من غيرك. وحشتني."
كلمة "وحشتني" منها كانت دائمًا تحمل وقعًا مختلفًا في قلبه. كانت تعنيها كأخ، لكنه كان يسمعها كحبيب.
"وإنتِ كمان وحشتيني يا روح."
قالت وهي تضحك، وتدفع كتفه بخفة.
"كداب لو وحشتك كنت رديت على رسايلي، ولا حتى كنت جعدت معايا زي زمان."
صمت للحظة يبحث عن مبرر، لكنها لم تمنحه الفرصة بل تابعت بحماس.
"فاكر زمان لما كنت بتسافر القاهرة عشان الكلية؟ كنت بعد الأيام على صوابعي عشان ترچع."
مثلت على صوابعها.
"كنت بجولهم فاضل يوم ويوم ويوم ومالك يرچع. وكنت أول واحدة تستناك على باب البيت."
ابتسم ابتسامة حقيقية هذه المرة، فالذكرى كانت واضحة في ذهنه.
"فاكر وكنتِ بتعيطي لو اتأخرت يوم واحد عن المعاد اللي جولتلك عليه."
ضحكت بصوت عالٍ ضحكة صافية كقلبها.
"كنت بخاف لتلاجي أصحاب هناك وتنساني ومترجعش تاني. كنت طفلة هبلة."
"لم تكوني هبلة... كنتِ فقط لا تعرفين."
قالها في سره ثم قال بصوتٍ عالٍ.
"وفاكرة لما وقعتي من على العجلة ورجلك اتجرحت جامد؟"
اتسعت عيناها وهي تتذكر.
"يووووه ده كان يوم! فاكرة طبعًا جدي وأبويا وعمي كلهم كانوا عايزين ياخدوني عشان يطهروا الچرح، وأنا كنت بصرخ وماسكة فيك، ومكنتش راضية أخلي حد يلمسني غيرك."
مرر يده على شعره وكأنه يسترجع ملمس دموعها على قميصه يومها.
" يومها جولتي إن محدش هيداويكي غيري. فضلت شايلك وجريت بيكي على الوحدة الصحية، وإيدك كانت ماسكة في قميصي ومكنتيش راضية تسيبيها حتى والدكتور بيخيط الچرح."
تحسست إلى ركبتها، حيث لا تزال ندبة باهتة تروي قصة ذلك اليوم.
"عشان كنت بثق فيك أكتر من أي حد. كنت عارفة إنك مش هتخليهم يوچعوني. كنت الأمان بتاعي يا مالك."
"كنتُ..."
ترددت الكلمة في عقله بمرارة.
تابعت وهي غارقة في بحر الذكريات، غير مدركة للأثر الذي تتركه كلماتها عليه.
"وفاكر مرة لما جبتلي في عيد ميلادي سلسلة دهب صغيرة عليها حرفي؟"
أومأ برأسه. كيف ينسى؟ لقد أنفق عليها كل مصروفه في ذلك الشهر.
"يومها فضلت أتنطط بيها في البيت كله، وأوريها لكل الناس وأقولهم: 'مالك اللي جابهالي'. فضلت في رقبتي سنين، لحد ما ضاعت مني وأنا بلعب. يومها عيطت كأني فقدت أغلى حاجة في الدنيا."
كانت تتحدث ببراءة تامة، تترجم كل تلك المواقف على أنها حب أخوي.