تحميل رواية «ثنايا الروح "الريح والغيامة"» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرت سنوات طويلة على تلك الليلة المشؤومة التي سالت فيها الدماء على قطعة الأرض الشاسعة، تلك الأرض التي كانت سببًا في صراع مرير بين عائلتين، وانتهت بمقتل اثنين منهما. لم تكن تلك الحادثة مجرد جريمة عابرة، بل كانت شرارة أشعلت نارًا لم تنطفئ، نارًا توارثتها الأجيال، لتصبح إرثًا ثقيلًا يحمله الأحفاد في كلتا العائلتين، عائلة القتيل وعائلة القاتل. نشأ الأطفال على قصص مشوهة، روايات محرفة عن الحقيقة، لكنها جميعًا تصب في بؤره واحدة: الا وهي الثأر. لم يروا أجدادهم، لم يعيشوا تفاصيل الصراع الأول، لكنهم ورثوا...
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رانيا الخولي
عادت روح إلى جناحهما في وقت متأخر من الليل، كانت تشعر بالإرهاق بعد جلستها الطويلة مع نغم.
فتحت باب الغرفة بهدوء، تتوقع أن تجد مالك نائماً.
لكن ما إن خطت خطوتها الأولى إلى الداخل وأغلقت الباب، حتى شعرت بيدين قويتين تلتفان حول خصرها وتسحبها بقوة إلى الخلف لتصطدم بجسد صلب.
صرخت صرخة مكتومة من الخضة المفاجئة، لكن الصوت تحول إلى همسة عندما شعرت بأنفاسه الدافئة على عنقها وسمعت صوته العميق يهمس في أذنها بمكر.
"سلامتك من الخضة يا روح جلب مالك."
وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة دقات قلبها المتسارعة.
"مالك! حرام عليك، خضتني."
أدارها ببطء لتواجهه وظلت ذراعاه تحيطان بخصرها بقوة.
كانت عيناه تلمعان في الضوء الخافت ببريق مرح ورغبة.
"وأنا مجدرش اسيبك مخضوضة إكده. الخضة دي مشكلتها واعرة جوي، وليها علاچ خاص جداً... ومحدش يجدر يجوم بيه غيري أنا."
فهمت مقصده على الفور وشعرت بالحرارة تتسلل إلى خديها لكنها قررت أن تجاريه في لعبته.
"علاچ؟ علاچ إيه ده اللي بيجي في نص الليل؟"
ازداد المكر في عينيه، واقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسهما تختلط.
"ده علاچ فعال ومفعوله فوري... بس شرحه صعب شوية... لازم تطبيق عملي."
حاولت التلاعب وهي تبتسم.
"لأ بجد مش فاهمة إيه هو العلاج ده؟"
انحنى نحو أذنها، وهمس ببضع كلمات جريئة وواضحة وصفاً تفصيلياً "لعلاجه" المقترح.
لم تستطع روح تمالك نفسها فانفجرت في ضحكة عالية ومجنونة، ضحكة رنت في سكون الغرفة.
وضع مالك يده على فمها بسرعة وهو يضحك معها.
"بس اسكتي هتفضحينا. هيجولوا الواد اتجنن هو ومرته."
أبعدت يده وهي تحاول التقاط أنفاسها من الضحك.
"مكنتش أعرف إنك شقي إكده! طول عمري بشوفك مالك العاقل المؤدب بزيادة."
رفع حاجبه بابتسامة ساحرة.
"أنا طبعاً مؤدب... بس الحاچات دي بالذات، مفيهاش أدب يا روح مالك."
لم يمنحها فرصة أخرى للحديث.
حملها بين ذراعيه فجأة، فتشبثت بعنقه وهي تضحك. اتجه بها نحو الفراش وأنزلها برفق فوق الملاءات الحريرية، ثم انضم إليها محاصراً إياها بجسده.
كانت عيناه تتجولان على وجهها بشغف وهو متوهج تحت نظراته.
كانت روح تراقبه، وقلبها يخفق بقوة، مزيج من الخجل والترقب.
مال عليها، وبدأ يطبع قبلات حارقة على عنقها وكتفيها.
كانت قبلاته تحمل جوعاً ولهفة، كأنه يرتوي من نبع ماء بعد عطش طويل.
لم تعد روح مجرد متلقية لهذا العشق.
كانت سعادتها وشغفها يفيضان.
مدت يديها المرتعشتين وأمسكت بعنقه، كانت تريد أن تشعر به، أن تلمسه، أن تكون جزءاً منه كما هو جزء منها.
في تلك اللحظة لم يكن هناك سوى جسدين وروح واحدة، يرقصان على إيقاع الحب في عالم خاص بهما، حيث كل لمسة هي قصيدة وكل قبلة هي وعد بالبقاء الأبدي.
❈-❈-❈
في إحدى الليالي دخل أكمل إلى غرفة نومهما وهو يخفي شيئاً خلف ظهره وعلى وجهه ابتسامة غامضة.
كانت صبر تجلس على السرير تقرأ في أحد كتبها، فرفعت عينيها إليه بفضول.
سألها وهو يقترب منها.
"خلصتي مذاكرة ولا لسه؟"
قالت وهي تغلق الكتاب.
"خلاص خلصت، كنت بتسلى بس لحد ما ترجع."
جلس بجانبها وأخرج من خلف ظهره علبة قطيفة حمراء أنيقة وقدمها لها.
"دي ليكي."
نظرت إلى العلبة ثم إليه بحيرة.
"إيه دي؟"
"افتحي وإنتي تعرفي."
فتحت صبر العلبة ببطء لتشهق بصدمة عندما رأت ما بداخلها.
كان طقماً من الذهب اللامع، تصميمه فخم وراقي يصرخ بالثراء. كان عقداً ضخماً وأقراطاً متدلية وسواراً عريضاً.
رفعت إليه عيناها بعدم تصديق.
لم تتلق هدايا طوال عمرها، وعندما جاءتها تكون بتلك الفخامة.
لكنها لن تقبلها، هي لا تستحقها.
أغلقت العلبة بسرعة وأعادتها إليه وهي تقول بحزن.
"لأ... لأ يا أكمل مجدرش أقبل دي. دي... دي شكلها غالية جوي."
أخذ العلبة من يدها وفتحها مرة أخرى وقال بنبرة حنونة وحازمة.
"مفيش حاجة تغلى عليكي يا صبر. إنتي مراتي، وده أقل واجب أعمله. اعتبريها هدية جوازنا اللي متأخرة شوية."
نظرت إليه بحيرة.
"بس ده كتير جوي... كتير بجد."
أخرج العقد من العلبة وأشار لها أن تستدير.
استدارت وهي لا تزال تشعر بالصدمة، فوضع العقد البارد حول عنقها الدافئ وأغلقه برفق.
ثم مال وهمس في أذنها.
"مفيش حاجة في الدنيا دي كلها كتير عليكي."
استدارت إليه مرة أخرى وعيناها تلمعان بالدموع.
لم تكن دموع حزن، بل دموع فرح لا تصدق.
قالت بصوت مختنق.
"أنا ساعات بحس إني بحلم وبحسد نفسي عليك. بحسد نفسي إني حبيتك، وإن ربنا استجاب لدعائي وخلاك ليا. أنا سعيدة معاك جوي يا أكمل... سعيدة لدرجة الخوف."
نظر إليها بعمق وقد لمست كلماتها وتراً حساساً في قلبه.
"متخافيش. أنا اللي المفروض أحسد نفسي إني لقيتك."
لم يعد هناك حاجة للمزيد من الكلمات. جذبها إليه في حضن دافئ، يطمئنها ويمحو مخاوفها.
ثم تحول الحضن إلى قبلات شغوفة، يروي بها عطشه الذي لا يرتوي منها أبداً، مؤكداً لها في كل لمسة أنها تستحق كل شيء، وأنها أثمن من كل كنوز العالم في عينيه.
***
في صباح اليوم التالي، كانت صبر تستعد للذهاب إلى الجامعة.
وقفت أمامه قبل أن تخرج وقالت بتردد.
"أكمل... أنا... كنت محتاجة فلوس."
نظر إليها أكمل باستغراب خفيف.
"فلوس؟ انتي خلصتي الفلوس اللي ادتهالك؟"
ارتبكت قليلاً وقالت بسرعة.
"آه... بس... بس احتجت كتب وملازم غالية وصرفتهم."
لم يشك فيها بل ابتسم وأشار إلى درج مكتبه.
"طيب الدرج ده فيه فلوس، خدي منه اللي تحتاجيه. اعتبري الدرج ده بتاعك، كل ما تحتاجي حاجة خدي منه على طول من غير ما تقوليلي."
قالت بامتنان وقبلته بسرعة على خده ثم خرجت.
"شكراً يا أكمل."
تكرر هذا الموقف عدة مرات خلال الشهر التالي.
كانت تطلب مبلغاً أو تأخذ من الدرج بشكل متكرر. بدأ أكمل يلاحظ أن المبالغ التي تصرفها كبيرة جداً بالنسبة لطالبة جامعية.
في خلال شهر واحد من زواجهما، كانت قد صرفت مبلغاً كبيراً لا يتناسب أبداً مع احتياجاتها.
كان يستغرب، أين تذهب كل هذه الأموال؟ لم تظهر عليها أي مظاهر بذخ، لم تشترِ أي ملابس جديدة باهظة أو مجوهرات.
كانت كما هي.
لكنه أسكت شكوكه، قال لنفسه إنها ربما تحتاج لأشياء كثيرة في الجامعة لا يفهمها، أو ربما بطيبتها تهادي صديقاتها أو تساعدهن.
قرر ألا يسألها وألا يضايقها بهذا الأمر، واثقاً فيها وفي حسن تصرفها.
لكن بذرة صغيرة من الحيرة والشك قد زُرعت في عقله، تنتظر الوقت المناسب لتنمو.
❈-❈-❈
كان جاسر يعيش في حالة من الضياع التام.
كل مكان يذهب إليه كان يخنقه لأنها ليست فيه.
جناحه الفاخر أصبح سجناً بارداً، والسرير الذي شهدا فيه ليلتهما الوحيدة أصبح قطعة من الجمر.
كان يهرب من البيت، يهرب من الذكريات، لكنها كانت تلاحقه في كل مكان.
رائحتها، صوتها، ملمس بشرتها... كل شيء كان محفوراً في ذاكرته، يؤجج شعوره بالفقد والخواء.
في وسط هذا الجحيم الشخصي، كان ضغط عمه صخر يزداد يوماً بعد يوم، يطالبه بتحديد موعد حفل الزفاف من شروق وإتمام الزواج بشكل رسمي.
وكان جاسر يتهرب في كل مرة، يتحجج بأي شيء؛ مرة بأعمال عالقة، ومرة بأن الوقت غير مناسب، ومرة بأن عليه السفر لإنهاء صفقة.
لكن في أحد الأيام لم يعد هناك مهرب.
استدعاه عمه إلى السرايا، وكان حازماً هذه المرة.
بدأ صخر الحوار بنبرة لا تقبل الجدال.
"لحد ميتى يا جاسر؟ إنت كتبت كتابك على بت عمك، والبلد كلها مستنية الفرح. كل يوم تأخير بيفتح علينا باب للكلام والجيل والجال."
جلس جاسر أمامه يحاول الحفاظ على قناعه البارد.
"والناس دي معندهاش حاجة غير الكلام؟ عندي شغل أهم."
رد عمه بحدة.
"شغلك مش هيطير لكن سمعة بتي على كل لسان. لازم نحدد ميعاد للفرح السبوع ده."
"مش هينفع." قال جاسر ببرود قاطع.
"يعني إيه مش هينفع؟! إنت عايز تجنني ياك؟ هتفضل معلق البنت إكده لحد ميتى؟ ولا لسه بتفكر في بت الرفاعي اللي رمتك ورجعت لأهلها؟"
لم يرد جاسر، لكن صمته كان إجابة كافية.
"اسمعني زين يا جاسر. الموضوع ده انتهى. هتتجوز شروق يعني هتتجوزها. يا إما تحدد الميعاد بالذوق، يا إما أنا اللي هحدده وهحطك جدام الأمر الواقع زي المرة اللي فاتت."
نهض جاسر وقال بنبرة جليدية.
"اعمل اللي إنت عايزه."
خرج من المضيفة غاضباً يشعر بأنه محاصر.
عند الباب كانت شروق تنتظره وكأنها كانت تستمع للحوار.
حاولت أن ترسم ابتسامة رقيقة على وجهها.
"جاسر... كنت عايزة أتكلم معاك."
لم يتوقف، بل أكمل طريقه متجاهلاً إياها تماماً.
"جاسر وجف!"
ركضت خلفه ومدت يدها لتمسك بذراعه في محاولة يائسة لإيقافه.
هنا انفجر كل شيء.
في حركة خاطفة استدار جاسر وأمسكها ليس من ذراعها بل من شعرها وشده بقوة حتى صرخت من الألم.
قرب وجهه من وجهها، وكانت عيناه تطلقان شرراً من السخط والغضب الخالص.
وهمس بصوت فحيح مرعب.
"إياكي! إياكي تفكري تلمسيني تاني."
كانت شروق ترتجف من الخوف، والدموع تترقرق في عينيها.
وأكمل وهو يشد على شعرها أكثر.
"اسمعيني زين عشان مش هعيد حديتي تاني. حتى لو اتجوزنا، حتى لو بقيتي في بيتي وعلى اسمي أنا مش هلمسك. هتعيشي زي قطعة الأثاث، زي الهوا. هتبقي دي حياتك معايا... سجن. لو عايزة ده بالوضع ده إنتي حرة."
نظر في عينيها المرعوبتين ينتظر إجابة.
هزت رأسها بسرعة بالموافقة، لا تستطيع النطق من شدة رعبها.
دفعه بعيداً عنه بقسوة حتى كادت أن تسقط، ثم استدار وابتعد بخطوات واسعة تاركاً إياها واقفة بمفردها تتنفس بصعوبة وتتحسس رأسها بألم.
نظرت شروق في أثره، وتحول الخوف في عينيها تدريجياً إلى نظرة حقد وسخط.
همست لنفسها بمرارة.
"ماشي يا جاسر... بس في النهاية، إنت هتبقى ليا ومش ها أسيبك لنغم أبداً... أبداً."
❈-❈-❈
في اليوم التالي وفي خطوة فاجأت الجميع، ظهرت سيارة جاسر مرة أخرى أمام سرايا الرفاعي.
لكنه هذه المرة لم يأتِ بصخب أو تهديد، بل نزل من سيارته بهدوء وطلب مقابلة كبار العائلة.
استقبله وهدان وسالم ومالك في "المضيفة".
كانت وجوههم حذرة، لا يعرفون ماذا يتوقعون من هذه الزيارة المفاجئة.
سأله وهدان.
"خير يا ابن التهامي."
جلس جاسر أمامهم ولم يكن في عينيه أثر للغطرسة أو التحدي، بل كانتا تحملان ثقلاً من الإرهاق والتصميم.
بدأ جاسر الحديث بصوت هادئ ورصين.
"أنا جاي النهاردة مش عشان أتخانق. أنا جاي عشان أقولكم إني مستعد لكل شروطكم، مقابل حاجة واحدة بس... إن مراتي ترجعلي."
نظر الرجال إلى بعضهم البعض في صمت، مندهشين من هذا التحول.
أكمل جاسر موجهاً لهم ورقته الرابحة التي طالما كانت محور الصراع.
"أنا مستعد أتنازل عن نص الأرض. هكتبلكم تنازل عرفي بيها، وهتبقى ملككم."
كان يتوقع أن تحدث كلماته صدى، أن تثير اهتمامهم.
لكنه تفاجأ برد فعلهم.
نظر إليه وهدان بحزن وقال.
"الأرض؟! وإيه قيمة الأرض دلوقتي يا ولدي؟ الأرض دي شربت دم ولادنا. من يوم ما مات عدي والأرض دي مبقتش تفرق معانا. لو كانت كنوز الدنيا كلها، متساويش ضفر واحد من عيالنا."
كانت كلمات وهدان كصفعة له.
كيف يرفض ذلك وعمه أخبره بأنهم متعطشون للدماء لأجل تلك الأرض؟
رأى في عينهم عدم اهتمام بها، حتى أنها لم تعد ذات قيمة.
هذه الأرض تساوي ملايين، فلماذا يقومون برفضها؟
لقد تغير كل شيء.
السلاح الذي كان يظن أنه يملكه، فقد قيمته تماماً.
شعر جاسر بأن الأرض تهتز من تحته، لكنه حاول مرة أخرى مقدماً عرضه الأخير.
"طيب... أنا مستعد أنهي العداوة دي كلها للأبد. ننسى اللي فات، ونفتح صفحة جديدة. كل اللي بطلبه في المقابل، إن مرتي ترجع بيتها."
هنا تدخل مالك بهدوء، لكن بكلمات حاسمة قطعت عليه الطريق.
"الموضوع ده مبقاش في إيدينا يا جاسر. إحنا ممكن ننهي العداوة وممكن ننسى التار، لكن نغم... نغم مش ورقة في لعبة بنلعبها. دي روح إنسان اتكسرت. الموضوع دلوقتي في إيدها هي وبس. لو هي وافقت ترجعلك محدش فينا هيمنعها، ولو رفضت، مفيش قوة على الأرض هتجبرها."
صمت جاسر. لقد فهم، كل أوراقه احترقت، كل أسلحته أصبحت بلا قيمة. لم يعد هناك ما يقدمه، لم يعد هناك ما يساوم عليه.
"تمام. أني همشي، بس مش معنى كده إني هتخلى ولا أسيبها... نغم مرتي."
(تابع بمغزى لكنه يحمل شموخ وكبرياء)
"ولو وصلت إني أحارب الدنيا كلها عشان ترجعلي مش هتردد."
نهض واقفاً وحافظ على كبريائه الذي لم يهتز ظاهرياً.
نظر إليهم نظرة أخيرة، نظرة تحمل يأساً وألماً لم يظهره في كلماته المتحدية.
استدار وخرج من المضيفة ومن السرايا كلها.
لقد استنفد كل الطرق السلمية. لقد حاول وتنازل، وتوسل بطريقته الخاصة، لكن كل شيء فشل.
الآن لم يعد أمامه سوى طريق واحد.
الطريق الذي يعرفه جيداً.
طريق القوة. إذا لم تعد إليه برضاها، فسوف تعود رغماً عنها.
خرج من باب المنزل بهدوء حاسم، صوتٌ لا يعكس العاصفة التي تضطرب في صدره.
سار بخطوات ثابتة نحو سيارته، رأسه مرفوع وكتفاه مشدودان في هيئة رجل لم يعد يملك زمام أمره، رجل لا ينظر إلى الوراء أبداً وأصبح واقعه.
لكن عاد مظهره يوحي بالشموخ واللامبالاة، قناعٌ صلب نحته بعناية ليخفي حطام روحه.
وصل إلى سيارته وأخرج مفاتيحه ببطء مدروس، لكن في تلك اللحظة، قبل أن يفتح الباب، شعر بوخزة حادة في قلبه، إحساسٌ مغناطيسي لا يقاوم يجبره على النظر إلى الأعلى. لم يكن قراراً بل كان استسلاماً لقوة أكبر منه، قوة وجودها.
كانت هناك تقف خلف زجاج النافذة، ليست كشبحٍ حزين، بل كملكة في برجها العاجي، أو هكذا رآها.
وملامحها هادئة بشكل مؤلم.
لم تكن في عينيها دموع، بل نظرة صافية وحادة كشفرة، نظرة امرأة استنفدت كل مشاعرها ولم يتبقَ لديها سوى الحقيقة الباردة.
كانت نظراتها تحمل قوة هادئة، لومًا صامتًا لا يصرخ بل يحكم بالإدانة.
في تلك اللحظة التي تلاقت فيها أعينهما، انهار حصنه المنيع.
كل ذلك الشموخ الذي تظاهر به تبخر في ثانية.
ارتخت كتفاه قليلاً وتلاشى البرود من عينيه ليحل محله ألمٌ خام ورجاءٌ طفولي.
قوته التي يواجه بها العالم بأسره، كانت تذوب تحت نظرتها كالثلج تحت أشعة الشمس.
لقد أصبح ضعيفاً أمامها، وهذه الحقيقة لن تتغير.
تحولت نظراته القوية إلى توسلٍ صامت.
كانت عيناه تقولان ما لم يجرؤ لسانه على نطقه:
"أنتِ على حق في كل شيء. أنا المخطئ، لكن انظري إلى ما فعلتِه بي. بنظرة واحدة منكِ، يتحول كل كبريائي إلى رماد. ارحميني."
كان يقف كرجلٍ مهزوم، كل قوته مجرد وهم تحطم على صخرة صمتها.
هي من برجها رأت ذلك الانهيار.
رأت الرجل الشامخ يتلاشى ليظهر الطفل النادم الذي تعرفه جيدًا.
لم يتغير تعبيرها، لكنها أغمضت عينيها ببطء شديد، كأنها تطوي الصفحة الأخيرة من كتاب مؤلم، ثم استدارت واختفت في ظلام الغرفة.
كانت تلك الإيماءة البسيطة أقسى من أي صرخة أو عتاب. لقد كانت إعلاناً نهائياً بأن قوته لم تعد تؤثر فيها، وضعفه لم يعد يستدعي شفقتها.
شعر ببرودة تجتاح جسده، برودة اليقين المطلق بالخسارة.
فتح باب سيارته، وانزلق إلى الداخل. لم يعد رجلاً شامخاً، بل مجرد ظل باهت لنفسه.
❈-❈-❈
استيقظ أكمل على الفراغ البارد بجانبه مرة أخرى.
فتح عينيه في ظلام الغرفة الخافت، ومد يده ليتأكد، لكنه كان يعلم النتيجة مسبقاً.
لم تكن هناك.
هذه المرة لم يكن الأمر مجرد قلق أو حيرة، لقد تحول الشك الذي كان يحاول كبته إلى يقين مرير.
هناك شيء خاطئ، شيء كبير يحدث من وراء ظهره.
نهض من السرير بهدوء حذر ولم يكلف نفسه عناء ارتداء حذائه.
نزل على أطراف أصابعه حافياً، حتى لا يصدر أي صوت قد ينبهها إلى استيقاظه.
كل حواسه كانت متيقظة، تتحرك معه في صمت تترقب المجهول.
عندما وصل إلى الطابق السفلي، سمع همسات قادمة من الخارج بالقرب من الباب الخلفي للمنزل المؤدي إلى الحديقة.
تجمد في مكانه واقترب من النافذة بحذر شديد يختبئ خلف الستار.
كانت صبر تقف هناك ترتدي عباءة فوق ملابس نومها، وفي مواجهتها كان يقف والدها حسان.
كان صوته منخفضاً لكنه حاد كالشفرة، وصوت آخر صوت يعرفه أكمل جيداً... صوت الجشع والابتزاز.
همس "حسان" بغضب مكتوم.
"يعني إيه خلصوا؟ الفلوس اللي بتديهالي دي متكفيش يومين. إنتي عايشة في عز وهو بخيل عليكي ولا إيه؟"
ردت صبر بصوت يرتجف بالخوف واليأس.
"والله العظيم ده كل اللي قدرت آخده من غير ما يحس. هو بدأ يستغرب الفلوس بتروح فين. مبقاش ينفع أطلب تاني دلوقتي."
ضحك حسان ضحكة خبيثة وقصيرة.
"ميُحسش؟ ده أنا صاحب الفضل عليكي في كل ده. نسيتي ولا إيه؟ أنا اللي حطيتك في سكته. أنا اللي طلعت الإشاعة في البلد كلها عشان أجبره يتجوزك وتعيشي في النعيم ده. لولايا كان زمانك لسه خدامة حداه، أو رماكي في الشارع. إن متصرفتيش في فلوس من هنا لبكرة أنا هحكيله على كل حاجة وأقوله على حجيجتك."
كان أكمل يستمع، وكل كلمة كانت كالصاعقة تضرب رأسه، كالمطرقة تهشم قلبه.
شعر بالدماء تغلي في عروقه، وببرودة جليدية تسري في أوصاله في نفس الوقت.
إذن كل شيء كان خدعة.
زواجه، سمعتها التي خاف عليها، شرفها الذي حاول حمايته... كلها كانت أجزاء من مؤامرة دنيئة حبكها هذا الرجل الحقير.
أكمل حسان تهديده، غير مدرك للمستمع الثالث في الظلام.
"الاتفاق كان واضح. أنا أسيبك معاه، وإنتي تديني اللي أطلبه من وراه ده تمن سكاتي، وتمن العيشة اللي إنتي فيها. فمتجيش تقوليلي دلوقتي خلصوا. اتصرفي. اسرقيه لو لزم الأمر. قدامك يوم تجيبيلي المبلغ اللي طلبته، وإلا جسماً بالله لأروحله وأحكيله كل حاجة، وساعتها هشوف هيعمل فيكي إيه."
لم يستطع أكمل سماع المزيد.
لقد سمع ما يكفي ليدمر كل شيء جميل بناه في خياله.
الصورة التي رسمها لها الفتاة البريئة القوية التي حاربت من أجله، تحطمت في لحظة وتحولت إلى مجرد شريكة في مؤامرة قذرة.
تراجع ببطء إلى الخلف، بنفس الهدوء الذي نزل به، لكن روحه كانت تصرخ.
صعد إلى غرفته، وجلس على حافة السرير في الظلام، ينتظر عودتها.
لم يعد أكمل الحنون العاشق.
لقد عاد وكيل النيابة البارد، القاسي الذي ينظر إلى المتهمة التي خدعته، وينتظر اللحظة المناسبة ليبدأ استجوابه.
***
كانت صدمة أكمل أكبر من أن توصف. لم تكن مجرد خيانة، بل كانت انهياراً كاملاً لكل ما آمن به ووثق فيه خلال الأشهر الماضية.
كل لمسة، كل كلمة حب، كل لحظة حميمية، أصبحت الآن ملوثة بكذبة كبيرة ومقززة.
جلس في الظلام لا يرى شيئاً، لا يشعر بشيء سوى غضب بارد كالثلج وألم حارق كالجمر.
في الخارج وبعد أن ألقى حسان بتهديده الأخير، استدار ومشى مبتعداً في ظلام الفجر.
تنهدت صبر بيأس ومسحت دمعة هاربة، ثم التفتت لتعود إلى المنزل، إلى حضن زوجها الذي كانت تخونه، والذي كان يمثل لها الأمان الوحيد في هذا العالم.
وما إن دخلت غرفتهما حتى تجمدت في مكانها.
كان أكمل يقف عند الباب، كشبح صامت خرج من العدم.
لم يكن يرتدي سوى بنطاله وصدره العاري كان يعلو ويهبط ببطء، لكن نظراته كانت هي ما أصابها بالشلل.
لم تكن نظرات غضب أو صراخ.
كانت أسوأ.
كانت نظرات هادئة، باردة، وفارغة تماماً من أي شعور سوى الازدراء والاتهام.
نظرات وكيل نيابة ينظر إلى مجرم مُدان.
ارتبكت صبر، وشعرت بأن روحها تفارق جسدها.
كل الدماء هربت من وجهها، وبدأت ترتجف بشكل لا إرادي.
"أك... أكمل..."
فتحت فمها لتحاول أن تتكلم، أن تشرح، أن تبرر، لكنه رفع يده ببطء، في إشارة قاطعة لتصمت.
"اسكتي." قالها بصوت هادئ ومخيف، صوت لم تسمعه منه من قبل.
"متقوليش ولا كلمة. متخلينيش أكرهك... أكتر من ما أنا كارهك دلوقتي."
كل حرف نطقه كان كالسوط يجلدها. نزلت دموعها بغزارة، دموع الخوف والندم والفضيحة.
لقد انكشف كل شيء بأبشع طريقة ممكنة.
تقدم نحوها خطوة واحدة، وظل صوته على نفس الوتيرة الباردة والمميتة.
"أنا خارج دلوقتي. لما أرجع... ملقكيش في بيتي."
لم يضف كلمة أخرى.
لم يصرخ، لم يهدد، لم يسأل.
لقد أصدر حكمه النهائي. استدار وجذب قميصه ليرتديه، ثم أخذ مفاتيحه وخرج من الغرفة ومن المنزل، تاركاً إياها واقفة في مكانها، محطمة تماماً.
سمعت خطواته وهو ينزل إلى الطابق السفلي، ثم صوت باب المنزل وهو يُغلق بهدوء.
هذا الهدوء كان أشد إيلاماً من ألف صرخة.
وقفت صبر للحظات، لا تعرف ماذا تفعل.
لقد طُردت.
لقد خسرت كل شيء.
لم يعد لها مكان هنا.
فكرة العودة إلى والدها، إلى الرجل الذي كان السبب في دمارها كانت مستحيلة.
لن تعود إلى هذا الجحيم أبداً.
بخطوات آلية دخلت إلى المنزل وصعدت إلى غرفتها التي كانت تشاركه فيها.
لم تأخذ شيئاً سوى حقيبة يدها وهاتفها.
لملمت بقايا كرامتها المبعثرة، ونزلت الدرج مرة أخرى.
ألقت نظرة أخيرة على هذا البيت الذي شهد على أسعد وأتعس أيام حياتها، ثم خرجت منه إلى الأبد.
في الخارج، كان ضوء الفجر قد بدأ في الظهور.
أخرجت هاتفها بيدين مرتعشتين، وبحثت عن الرقم الوحيد الذي يمكن أن تلجأ إليه الآن.
انتظرت بقلق، وعندما جاءها الرد، قالت بصوت مبحوح ومختنق بالبكاء.
"ليان... أنا... أنا محتاجالك."
❈-❈-❈
بعد أن عاد من الخارج وجد المنزل فارغاً إلا من رائحتها. لم يستطع أكمل الجلوس.
كان يطوف في الغرفة كوحش حبيس، والغضب والألم يخنقانه.
كل ركن في الغرفة يصرخ باسمها، يذكره بكذبتها.
لم يعد يتحمل البقاء في هذا البيت في هذه البلدة ليوم واحد إضافي.
اتخذ قراره.
سيرحل.
سيعود إلى القاهرة فوراً.
بدأ يجمع أغراضه بسرعة وعصبية، يلقيها في حقيبة السفر دون اهتمام.
فتح خزانة الملابس ليأخذ بذلاته، فوقعت عيناه على ملابسها التي لا تزال معلقة، فصفق الباب بقوة كأنه يحاول طرد طيفها.
عندما مر بجانب منضدة الزينة، توقف فجأة.
كانت علبة القطيفة الحمراء مكانه.
مد يده المرتجفة وفتحها.
كان طقم الذهب الذي أهداه لها لا يزال هناك يلمع بسخرية في الضوء الخافت.
استغرب للحظة.
لم تأخذه معها؟ لو كانت طامعة ومادية كما أظهرت المؤامرة، لكان هذا أول شيء تأخذه.
لكنه نفض الفكرة من رأسه بسرعة.
ربما لم يكن لديها وقت، أو ربما كانت هذه حركة أخرى من حركاتها لتثير شفقته.
أغلق العلبة بقوة وتركها مكانه.
لم يكن يريد أي شيء يذكره بها.
حمل حقيبته ونزل إلى الطابق السفلي، ألقى نظرة أخيرة على المنزل الفارغ، ثم خرج وأغلق الباب خلفه بعنف كأنه يغلق فصلاً مؤلماً من حياته.
وصل أكمل إلى منزل عائلته في القاهرة.
كانت عودته مفاجئة، لكنها كانت مصدر فرحة عارمة لوالديه.
استقبلته والدته نسرين بأحضان وقبلات.
قالت بسعادة غامرة وهي تتفحص وجهه.
"أكمل حبيبي حمد لله على السلامة. وشك أصفر وتعبان ليه كده يا ابني؟"
دخل والده إلى البهو على صوتها، وارتسمت على وجهه ابتسامة رضا.
"أخيراً عقلت ورجعت لبيتك ولأهلك. أهلاً بيك يا ابني."
جلس أكمل على الأريكة بتعب، وألقى برأسه إلى الخلف.
"أنا رجعت عشان أباشر شغلي. إجازتي خلصت."
نظرت إليه والدته بفرحة.
"الحمد لله."
سألته والدته.
"بس إيه اللي خلاك ترجع فجأة كده؟"
لم يجيب أكمل.
فهم والده أنه لا يريد الحديث، فغير الموضوع بذكاء.
"المهم إنك رجعت. من بكرة ترجع مكتبك وشغلك، وتنسى الفترة اللي فاتت دي كلها وانت بعيد عننا."
في اليوم التالي ارتدى أكمل بدلته الرسمية وصفف شعره بعناية ووضع قناع وكيل النيابة البارد الذي لا يرحم.
عاد إلى مكتبه في المحكمة وغمر نفسه في أكوام القضايا والملفات.
كان يعمل بضراوة من الصباح الباكر حتى وقت متأخر من الليل، يستخدم العمل كمسكن، كمهرب من التفكير، كطريقة لقتل أي شعور قد يتسلل إلى قلبه.
كان يجلس في مكتبه، يقرأ في قضية معقدة، عندما دخل عليه زميله وصديقه.
"حمد لله على السلامة يا أكمل باشا. نورت مكتبك. إيه، قضيت إجازة حلوة في البلد؟"
رفع أكمل عينيه عن الأوراق، وكانت نظرته فارغة وباردة.
"الشغل عامل إيه؟ فيه حاجة جديدة؟"
تفاجأ صديقه ببروده، لكنه أجابه.
"كله تمام. فيه قضية نصب جديدة لسه جاية، شكلها هتاخد وقت."
قال أكمل باقتضاب.
"هاتها."
"بس دي قضية كبيرة، وإنت لسه راجع..."
قاطعه أكمل بحدة لم يعتدها منه.
"قولتلك هاتها."
أخذ الملف، وفتح صفحاته، وعاد ليغوص في عالمه الجديد.
عالم من القوانين والمجرمين، عالم لا مكان فيه للقلب أو المشاعر.
لقد قرر أن يدفن أكمل العاشق، وأن يعيش فقط أكمل وكيل النيابة.
❈-❈-❈
كانت نغم في غرفتها تجلس على حافة السرير تحدق في الفراغ.
لقد رحل جاسر، لكن وجوده ظل يملأ الهواء وكلماته التي سمعتها وهي تتلصص خلف الباب لا تزال تتردد في أذنيها.
كانت تمسح دمعة غادرة تسللت على خدها عندما سمعت طرقة خفيفة على الباب.
لم تجب، لم تكن تريد رؤية أحد.
دخل جدها بهدوء بخطواته الثقيلة التي تحمل هموم سنين.
رآها تمسح دموعها بسرعة متظاهرة بالقوة، فتألم قلبه.
لم يعلق بل اقترب منها وجلس بجانبها على السرير تاركاً مسافة صامتة بينهما.
قال بصوتٍ دافئ يحمل حنيناً أبوياً.
"وحشني الأكل معاكي على سفرة واحدة يا نغم. هتفضلي زعلانة من جدك العجوز لميتى؟"
لم ترد، ظلت تنظر أمامها وكتفاها متصلبان.
كانت تحمله ذنب كل شيء، ذنب موت عدي الذي رفض طلبه، وذنب تخلي الجميع عنها عندما تركها فريسة لجاسر دون أن يحاول استعادتها.
شعرت أنهم جميعاً، وهو على رأسهم، قد تخلوا عنها وتركوها للجحيم بمفردها.
تنهد الجد تنهيدة طويلة، تنهيدة رجل يحمل جبلاً من الأسف.
"أني خابر إنك شايلة مني كتير وحقك. بس عايزك تعرفي حاجة واحدة يا بتي... إنتي وروح أغلى حاجة عندي في الدنيا دي. أغلى من اسمي ومن أرضي ومن كل حاجة."
صمت للحظة كأنه يجمع شجاعته ليفتح جروحاً قديمة.
"يوم ما رفضت طلب عدي... مكنش عشان بقلل منه ولا بحرمه منيكي. كان عشان خايف عليكي إنتي. عدي الله يرحمه كان حتة من قلبي، بس أني كنت عارفه زين كان بطبعه انطوائي ومتهور. دمه حامي وعقله ساعات بيسبق تفكيره، مكنش هينفع معاه غير واحدة بتحبه حب يخليها تتحمل اندفاعه وتقلبه. وأنتي... أنتي مكنتيش بتحبيه الحب ده. كنت هظلمك وهظلمه لو وافجت."
ثم انتقل إلى الجرح الأعمق، الجرح الذي لا يزال ينزف في قلبها.
"ولما جاسر خطفك... أني غلطت، غلطت غلطة عمري. كنت قادر أرجعك غصب، كنت قادر ألغي العقد ده وأخرب الدنيا، بس خفت... خفت من الفضيحة وكلام الناس، خفت على اسم العيلة اللي بنيته طول عمري، ونسيت أحمي أغلى حاجة في العيلة دي... نسيت أحميكي إنتي."
نظر إليها وعيناه تلمعان بدموع الندم.
"بس ده ميمنعش إننا مكناش ناسيينك. عمك سالم مكنش بيبطل يجيبلي خبارك. كنا عارفين إن جاسر على كل جبروته مستحيل يسمح لحد يهين مراته أو يكسرها. كنا مطمنين من الناحية دي. بس الأهم... كنا واثقين فيكي إنتي."
اقترب منها قليلاً ونبرته تحمل فخراً وألماً في آن واحد.
"كنا واثقين إنك تقدري تليني الحديد في إيدك بطيبة جلبك، وبعقلك وحكمتك. قولنا... نغم هي الوحيدة اللي هتتدر تمحي التار ده من حياتنا. هي الوحيدة اللي هتتدر تطفي النار اللي بين العيلتين. راهنا عليكي... ونسينا إن الرهان ده كان على حساب روحك."
أمسك بيدها الباردة وشعر بارتجافتها.
"أني تعبت يا نغم. تعبت جوي. فراق عدي كسرني، وخوفنا عليكي كان بينهش في قلبي كل يوم. مبقاش فيا حيل لوجع تاني. سامحيني يا بتي... سامحي جدي اللي حط حمله كله على كتافك وضعف وقت ما كان لازم يكون أقوى واحد عشانك."
كانت كلماته الأخيرة بمثابة انهيار كامل لدفاعاتها، رأت في عينيه حباً صافياً وأسفاً حقيقياً.
رأت رجلاً عجوزاً أثقلته الهموم والأخطاء ويطلب الغفران من حفيدته التي هي كل ما تبقى له من روح ابنه.
لم تعد تحتمل وارتمت في حضنه وانفجرت في بكاء عنيف، بكاء طفلة وجدت حضن أبيها أخيراً. احتضنها الجد بقوة وضمها إلى صدره وترك دموعه تسيل على شعرها دون خجل.
كان حضناً يحمل كل اعتذارات العالم، وكل وعود الحماية وكل ألم الفقد والندم.
وفي ذلك الحضن شعرت نغم لأول مرة منذ شهور طويلة بأنها ليست وحيدة.
❈-❈-❈
بعد مرور ستة أشهر.
كانت غرفة المستشفى تضج بالحياة والفرح.
ضحكات مكتومة، همسات سعيدة، ونظرات مليئة بالحب، كلها كانت موجهة إلى وعد التي تستلقي على السرير بتعب جميل، وإلى الكائن الصغير الذي ينام بهدوء في مهده بجانبها.
لقد أشرقت شمس جديدة على عائلة الرفاعي، شمس حملت اسم عدي.
كان الجميع حولها، سند لا تفارق عيناه زوجته وابنه، وعلى وجهه ابتسامة فخر وحب لم تفارقه منذ لحظة الولادة.
اقتربت روح من وعد وقد برز حملها بوضوح ووضعت يدها على بطنها بمرح.
"شايف يا سي عدي؟ أنا جايبالك العروسة معايا أهي. بس لازم تطلع راجل وحنين زي عمك مالك عشان أوافق أجوزهالك."
ضحكت وعد وقالت وهي تنظر إلى سند بحب.
"وليه ميطلعش لأبوه؟ إيه مش عاجبك ولا إيه؟"
رد مالك وهو يحيط كتف روح.
"لأ طبعاً سند على راسنا من فوق. بس أنا عايز اللي ياخد بنتي راجل رومانسي كده يعرف يقولها كلام حلو، مش واحد عملي زي أبوه ميعرفش غير الشغل وبس."
قال سند وهو يغمز لـ وعد.
"العملي ده هو اللي جاب نتيجة في الآخر. اسأل أختك كده هتقولك إني بعرف أقول كلام حلو أوي بس في الوقت الصح."
انفجر الجميع في الضحك في جو عائلي دافئ ومحب، غابت عنه الأحزان لفترة، وحل محله الأمل بمستقبل مشرق.
***
بعد عدة دقائق كان موعد تطعيم عدي الصغير.
طلب سند من نغم أن تذهب معه، ففي ساعات قليلة أصبحت نغم متعلقة بالطفل بشكل كبير وكان وجودها يمثل دعماً كبيراً لـ وعد وسند.
في عيادة الطبيب، وبعد فحص الطفل طلب الدكتور من سند شراء بعض الأدوية ومستلزمات الأطفال من الصيدلية المجاورة.
"خليك هنا يا نغم إنتي وعدي، هروح أجيب الحاجات دي وأرجع على طول."
جلست نغم على أحد الكراسي في منطقة الانتظار، والطفل عدي ينام بهدوء بين ذراعيها.
كانت تتأمل ملامحه الصغيرة، أنفه الدقيق وشفتيه الصغيرتين.
وجدت نفسها تفكر في عدي الكبير في أخيها.
تذكرت آخر أيامه وتذكرت كيف ضحى بحياته في النهاية لينقذها من ذلك الجحيم.
شعرت بوخزة حزن وأسى، لكنها ابتسمت بحنان للطفل النائم، وكأن وجوده يعوض جزءاً من هذا الفقد.
كانت غارقة في أفكارها وذكرياتها عندما سمعت صوتاً رجولياً ينادي باسمها، صوتاً تعرفه جيداً، صوتاً حُفر في ذاكرتها، صوت ارتبط في عقلها بكل الألم والدمار الذي عاشته.
"نغم."
تجمدت في مكانها للحظة. مستحيل! لا يمكن أن يكون هو، لابد أنها تتخيل، لكن الصوت كان حقيقياً قريباً ويحمل في طياته ستة أشهر من الشوق والألم.
رفعت رأسها ببطء وقلبها يخفق بعنف كطائر محبوس لتلتقي عيناها بعينيه.
كان يقف أمامها جاسر. لم يكن شبحاً، بل كان حقيقة من لحم ودم، أكثر إرهاقاً وأكثر وسامة بشكل مؤلم.
كل الكلمات التي حضّرها جاسر في عقله طوال ستة أشهر من الجحيم، كل التهديدات، كل خطط المواجهة، كلها تبخرت في لحظة واحدة. تبخرت ما إن رأى نظرتها. لم تكن نظرة كره أو غضب كما توقع، بل كانت نظرة صدمة خالصة، نظرة امرأة رأت شبحاً من ماضيها المؤلم، نظرة حفرت خنجراً جديداً في قلبه.
ستة أشهر، ستة أشهر ذاق فيها الموت في كل يوم وهي بعيدة عنه. ستة أشهر وهو يبني آماله على وهم، على احتمال واحد كان يعيش من أجله.
وفي تلك اللحظة، انزلقت عيناه بشكل لا إرادي إلى بطنها يبحث عن أي أثر، أي دليل على الأمل الذي كان يتشبث به. لكنه لم يجد شيئاً. بطنها كانت مسطحة، لا تحمل أي دليل على وجود ثمرة ليلتهما الوحيدة.
شعر بلكمة باردة وقاسية في قلبه. لقد تبخر آخر أمل كان يتشبث به.
لم يكن هناك طفل يربطه بها، لم يكن هناك سبب يجبرها على العودة. لقد كان وحيداً في هذه المعركة.
شعر بخيبة أمل مريرة، لكن لهفته لرؤيتها كانت أقوى. حاول أن يتكلم، أن ينطق اسمها مرة أخرى، لكنها كانت أسرع منه.
نهضت من مكانها بسرعة واحتضنت الطفل النائم بقوة كأنها تتحامى فيه من العالم كله، واستدارت لتذهب، بل لتهرب.
لكنه لم يسمح لها. في حركة سريعة مد يده وأمسك بذراعها. لم تكن لمسة قاسية، بل كانت تشبث رجل يغرق يتشبث بآخر قشة نجاة.
"استني."
حاولت أن تسحب ذراعها، لكن قبضته كانت قوية، لا كقبضة سجان، بل كقبضة رجل يخشى أن يفقد كل شيء.
قالت بصوت يرتجف، دون أن تلتفت إليه.
"سيب إيدي..."
قال برجاء لم يعتده، رجاء لم يقلل من شموخه، بل أضاف إليه بعداً إنسانياً مؤلماً.
"لا مش هسيبك. اسمعيني... أرجوكي اسمعيني بس."
"مفيش حاجة أسمعها. كل الكلام اتجال وخلص."
قال بإصرار وأدارها برفق لتواجهه، لكنه حرص على ترك مسافة بينهما احتراماً للطفل الذي تحمله.
"مخلصش. أنا مستعد اتنازل عن كل حاجة عشانك."
نظرت إليه بسخرية مريرة، تحاول أن تحمي بها قلبها الذي بدأ يضعف.
"تتخلى عن إيه؟ عن مراتك اللي اتجوزتها في نفس اليوم اللي خدعتني فيه مثلاً؟"
"كان غصب عمي ضغط عليا. مكنش قدامي حل. بس كل ده ميغيرش إني بحبك. أنا مستعد أبيع الدنيا كلها عشانك يا نغم."
ردت بقوة تستمدها من الطفل الذي بين ذراعيها.
"وأنا مش عايزة أتباع ولا أشترى. أنا عايزة أعيش في سلام. سلام إنت حرمتني منه."
قال برجاء، لكن كبرياءه منعه من الانهيار الكامل. كانت نبرته تحمل ثقل ملك يتنازل عن عرشه من أجل جوهرته الوحيدة.
"وأنا هرجعلك السلام ده. هرجعهولك وهحميكي من الدنيا كلها بس ارجعيلي."
هزت رأسها برفض قاطع والدموع بدأت تتجمع في عينيها، دموع الخيانة التي لا تزال حارقة.
"كدب. كل كلامك كدب. أنا مش هصدجك تاني. مش هقع في نفس الفخ مرتين."
قال بصوت أعلى قليلاً، ثم خفضه عندما تحرك الطفل بانزعاج.
"ده مش فخ ده حبي ليكي. أنا بحبك يا نغم ومستعد أعمل أي حاجة عشان أثبتلك ده. اطلبي أي حاجة."
قالت نغم بكلمات نهائية وحاسمة، كأنها تطعنه في قلبه ببطء.
"طلبي الوحيد... إنك تخرج من حياتي."
نظر إليها طويلاً يرى الإصرار في عينيها، يرى الجدار الذي بنته حول قلبها، جدار يبدو من المستحيل اختراقه.
شعر بالهزيمة مرة أخرى، لكنه لم يكن مستعداً للاستسلام، ليس بعد.
أفلت يده ببطء كأنه يحرر طائراً يعرف أنه لن يعود.
ظل ينظر إليها وهي تخرج من المبنى، تسبقها دموعها التي تنزل بغزارة، تحرق روحها.
كانت تسير بخطوات سريعة، لكن قلبها كان يصرخ بها لتعود. كيف وقعت في حب ذلك الرجل؟ ماذا قدم لها كي تحبه بهذه القوة؟ لو حكمت قلبها، لأجبرها أن تترك كل شيء وتسرع إليه تلقي بنفسها في أحضانه وتخبره أنها اشتاقت إليه حد الموت.
لكن عقلها الذي يحمل ندوب كل خيانة وكل كذبة، أبى الرضوخ بشدة.
لا لن تعود حتى لو كانت روحها بيده.
وقف جاسر يراقبها حتى اختفت عن الأنظار. لم يتحرك. ظل واقفاً كتمثال من الجليد، لكن بداخله كانت هناك براكين من الألم واليأس.
لقد خسرها، لكنه لن يستسلم. إذا كان عليها أن تكرهه لتبقى على قيد الحياة، فليكن.
لكنه لن يتركها وحيدة في هذا العالم مرة أخرى. سيبقى في الظل، يحميها من بعيد حتى يأتي اليوم الذي ينهار فيه جدارها أو يموت هو وهو يحاول.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رانيا الخولي
لم تكن الأشهر الستة الماضية سهلة على صبر، لكنها كانت ضرورية.
لقد عاشت في شقة صديقتها ليان، التي فتحت لها بيتها وقلبها دون تردد.
كانت هذه الشقة هي ملجأها الآمن، شاهدة على دموعها في الليالي الأولى، ثم على صمودها وقوتها التي بدأت تنمو يومًا بعد يوم.
وشهدت الشقة أيضًا على فرحة ليان التي لا توصف عندما تصالحت أخيرًا مع زوجها حازم، الذي أثبت حبه لها وعاد ليحتويها ويحتوي صديقتها معها، مقدمًا لهما كل الدعم.
في إحدى الأمسيات، عادت صبر إلى الشقة، وخطواتها أصبحت أبطأ وأثقل من المعتاد.
كانت تعمل بدوام جزئي في أتيليه صغير لتصميم الأزياء، عملًا وجدته لها ليان لتساعدها على تغطية مصاريفها وتشغل وقتها.
كان العمل يرهقها، خاصة وأنها الآن في شهرها السابع من الحمل، وبطنها المستديرة أصبحت دليلًا واضحًا على السر الذي تحمله بداخلها.
كان الإجهاد والتعب قد بدآ يتركان بصماتهما الواضحة على وجهها الشاحب.
دخلت لتجد ليان تضع اللمسات الأخيرة على حقيبة سفرها، استعدادًا للانتقال والعودة إلى منزلها مع حازم بشكل نهائي.
ما إن رأت ليان حالة صبر حتى تركت ما في يدها واقتربت منها بقلق.
"صبر! وشك أصفر كده ليه؟ أنا مش قلت لك مية مرة بلاش شغل النهارده؟ امتحاناتك آخر الأسبوع والمفروض تكوني مرتاحة."
جلست صبر على الأريكة بتعب، ووضعت يدها على ظهرها لتخفف الألم.
"أنا كويسة يا ليان، متقلجيش، شوية إرهاق وهيروحوا، وبعدين الشغل على الأجل بيشغلني شوية عن التفكير."
نظرت إليها ليان بعتاب.
"بيشغلك عن التفكير ولا عشان الفلوس؟ أنا مش قلت لك إن حازم بيبعت فلوس زيادة كل شهر بتكفينا وتفيض، ليه مصممة تتعبي نفسك كده؟"
قالت صبر بهدوء وإصرار.
"عشان مش رايدة أبقى تقيلة على حد يا ليان. كفاية جوي إنك فتحتي لي بيتي واستحملتيني كل الفترة دي، لازم أعتمد على نفسي."
تنهدت ليان بيأس من عناد صديقتها.
"طيب قومي دلوقتي ارتاحي في أوضتك، وأنا هحضر لك العشا وأجيبهولك لحد عندك."
"لأ خليكي إنتي، كملي حاجتك، أنا هقوم أعمل أي حاجة خفيفة كده."
قالت ليان بحزم.
"مفيش قومان، واللي انتي متعرفيهوش إن حازم بعتلنا أكل جاهز وبزيادة كمان، قومي يلا اسمعي الكلام وارتاحي عشان خاطر اللي في بطنك ده على الأقل."
استسلمت صبر ونهضت ببطء لتتجه إلى غرفتها.
جلست ليان بجانبها على السرير وهي تشعر بالقلق عليها.
قالت بحنان.
"أنا قلقانة عليكي أوي يا صبر، لما أمشي هتعملي إيه لوحدك؟ الشقة دي هتبقى كبيرة وفاضية عليكي."
ردت صبر وهي تمسك بيدها.
"متجلجيش عليا، أنا هبقى زينة، وبعدين إنتي مش هتسبيني، هتفضلي تزوريني وتطمني عليا."
"طبعًا هجيلك ومش هسيبك، بس..."
ترددت ليان فيما تود قوله.
لكن صبر كانت تعلم ما تود التحدث به، فقالت برفض.
"مبسش.. أكمل خلاص خرج نفسه من حياتي، مينفعش أروح له وأفرض نفسي عليه. أبسط ما فيها هيقول إنها عملت كده عشان تستعطفه بابنه، وده اللي مستحيل أجبله على نفسي وعلى ابني."
"بس ده حقه... من حقه يعرف بابنه."
تغيرت ملامح صبر، وظهر عليها الحزن.
"عايزاني أقول له إيه يا ليان؟ أقول له إني حامل منه وهو طردني من بيته وجالي إنه بيكرهني؟ هو نسينا وعايش حياته في القاهرة، أنا وابني هنعيش لوحدنا، بكرامتنا، مش محتاجين شفقة من حد."
قالت ليان بروية.
"بس هو معذور، أي حد مكانه كان هيعمل كده."
ردت صبر بوجع.
"كان على الأقل واجهني... كان اتأكد مني وسمعني، وبعدها مكنتش هلومه أو أعتب عليه لو رماني في الشارع، بس كان اداني فرصة أدافع عن نفسي."
انتهى حديثها بنحيب، ثم تابعت.
"مش محتاجة شفقة منه، مش محتاجة يا ليان."
احتضنتها ليان بقوة.
"إنتي مش محتاجة شفقة من حد يا حبيبتي، وأنا معاكي ومش هسيبك."
أبعدتها عنها قليلًا ومسحت دموعها بابتسامة داعمة.
"إنتي أقوى ست أنا عرفتها يا صبر، بس كل الحكاية إني خايفة عليكي من اللي جاي. الولادة والمسؤولية... الموضوع مش سهل."
قالت صبر بيقين هادئ.
"ربنا معايا زي ما كان معايا الست شهور اللي فاتوا، هيبجى معايا في اللي جاي."
ابتعدت صبر قليلًا لتمسح دموعها.
"ربنا ما يحرمني منيكي يا ليان."
ابتسمت ليان بحب.
"ولا يحرمني منك يا صبر، وهفضل دائمًا جانبك وفي ضهرك."
ابتسمت صبر بامتنان.
"احنا قلبناها حزن ليه؟ إنتي لازم تفرحي دلوقتي عشان هتروحي لبنتك ولجوزك. أنا هبقى زينة بوعدك."
كان وعدًا نطقت به لسانها، لكن قلبها كان يعلم أن الطريق أمامها لا يزال طويلًا وشاقًا، وأن قوتها ستُختبر مرات ومرات.
❈-❈-❈
عاد أكمل إلى حياته القديمة، أو على الأقل هذا ما كان يحاول إقناع نفسه والجميع به.
ارتدى قناع وكيل النيابة البارد والعملي، وعاد ليظهر في المناسبات الاجتماعية بجانب خطيبته السابقة ليلى، التي استقبلت عودته بانتصار لم تحاول إخفاءه.
كان يجلس في أحد المطاعم الفاخرة مع مالك، الذي كان في زيارة عمل سريعة للقاهرة.
كانت ليلى قد غادرت لتوها بعد عشاء ممل لم يتبادلا فيه سوى كلمات قليلة ومجاملات باردة.
نظر إليه مالك مباشرة، لم يكن من النوع الذي يدور حول الموضوع.
"ليه رجعت لها يا أكمل؟"
رفع أكمل عينيه عن فنجان قهوته، وكانت نظرته فارغة.
"رجعت لمين؟"
قال مالك بوضوح.
"لـ ليلى، إنت خابر زين جوي هي عايزة منك إيه. خابر إنها مش بتبص لشخصك، جد ما بتبص لمنصبك، للواجهة الاجتماعية اللي بتاخدها من وجودها جنبك، ليه رجعت لها تاني بعد كل اللي حصل؟"
أخذ أكمل نفسًا عميقًا، وأشعل سيجارة، وهي عادة لم يمارسها إلا عندما يشعر بالاختناق.
وقال بمرارة واضحة.
"عشان مبقاش عندي ثقة في أي حد يا مالك، على الأقل ليلى واضحة. أنا عارف هي عايزة إيه، وعارف نواياها. مفيش مفاجآت، مفيش أقنعة ممكن تقع. يعني اللي أعرفه... بقى أحسن من اللي معرفوش."
صمت مالك مدركًا حجم الجرح الذي لم يندمل بعد في قلب صديقه.
كانت هذه هي حياة أكمل الجديدة.
نهارًا، كان وكيل النيابة الذي لا يرحم يغرق نفسه في أكوام القضايا، يعمل بضراوة لساعات طويلة، يتخذ من العمل درعًا يحتمي به من ذكرياته.
ومساءً، كان يؤدي دوره الاجتماعي، يظهر مع ليلى في المناسبات ويصافح الناس، لكن عينيه كانتا ميتتين.
لكن الكابوس الحقيقي كان يبدأ عندما يختلي بنفسه.
عندما يعود إلى غرفته الفارغة ويجلس وحيدًا في الظلام، كانت كل دفاعاته تنهار.
كان يغمض عينيه فيرى وجه صبر.
يرى خجلها، ابتسامتها، نظرة الحب في عينيها.
يتذكر ملمس شعرها، دفء جسدها بجانبه، صوت ضحكتها.
يتذكر كيف كانت تشاركه شغفه بالكتب، وكيف كانت تستمع إليه باهتمام وهو يتحدث عن عمله.
ثم كالعادة تأتي الطعنة.
يتذكر صوت والدها وهو يبتزها في ظلام الفجر.
يتذكر اعترافه بأنه هو من دبر كل شيء.
يتذكر نظرة الصدمة والرعب على وجهها عندما رأته.
هذه الصورة الأخيرة كانت تمحو كل الذكريات الجميلة، وتحولها إلى سم يسري في عروقه.
كان أحيانًا ينزل الصعيد لأشياء ضرورية، يجلس على حافة سريره، نفس السرير الذي شهد على حبهما، ويمسك رأسه بين يديه، يشعر بأنه سيفقد عقله.
كيف يمكن للحب أن يكون بهذا القدر من الخداع؟ كيف يمكن للبراءة أن تخفي كل هذا القدر من الدهاء؟
في إحدى الليالي، وبينما كان يقلب في أوراقه، سقطت عينه على قضية نصب واحتيال، بطلتها فتاة استغلت ثقة رجل أعمال وأخذت منه أمواله.
وجد نفسه يقرأ تفاصيل القضية بغضب شخصي، وكأن كل قضية خيانة تمر عليه هي قضية صبر.
أصبح أكثر قسوة في أحكامه، وأكثر تشككًا في نوايا الجميع.
لقد بنى أكمل سجنًا حول قلبه وألقى بمفتاحه بعيدًا.
كان يعيش، يتنفس، ويعمل، لكنه في الحقيقة لم يكن حيًا. كان مجرد رجل يؤدي دوره في الحياة، بينما روحه لا تزال عالقة هناك في تلك اللحظة المظلمة عند باب بيته في البلدة، اللحظة التي تحطمت فيها ثقته في الحب... وفي كل شيء.
❈-❈-❈
كانت حقائب ليان تقف عند الباب، شاهدة صامتة على نهاية فصل وبداية آخر.
وقفت الصديقتان في بهو الشقة الصغير تتعانقان في وداع أخير كان كل منهما يؤجله طوال الصباح.
كانت صبر تبكي بصمت، دموعها تنزل بغزارة على كتف صديقتها، بينما كانت ليان نفسها تكافح لحبس دموعها، تشعر بقلبها يتمزق وهي تترك صبر في هذه الحالة.
قالت ليان بصوت مختنق وهي تربت على ظهرها.
"خلاص بقى يا صبر، هتقطعي لي قلبي. والله ما كنتيش عايزة أسيبك، بس إنتي عارفة... حازم جهز كل حاجة ومينفعش أفضل بعيد عن بيتي أكتر من كده."
ابتعدت صبر عنها ومسحت دموعها بكف يدها، محاولة أن تبدو قوية.
"أنا... أنا خابرة، متجلجيش عليا، أنا بس..."
لم تستطع إكمال الجملة، فقد خانها صوتها.
أمسكت ليان بوجهها بين يديها ونظرت في عينيها بحنان.
"اسمعيني كويس، الشقة دي إيجارها مدفوع لأربع شهور قدام، بعت لك مبلغ كويس حطيته في الدولاب عشان مصاريفك ومصاريف الولادة."
رفضت صبر بإصرار.
"لأ مش هاخدهم، أنا عاملة حساب كل حاجة."
"أرجوكي يا صبر ريحيني وخليهم معاكي احتياطي، وبعدين أنا مش هسيبك، هجيلك على طول ووقت الولادة مش هسيبك لحظة واحدة. متفكريش في أي حاجة غير نفسك واللي في بطنك، وأنا كل يومين هتلاقيني عندك، مش هسيبك، ده وعد."
هزت صبر رأسها عاجزة عن الكلام.
كانت تعلم أن ليان لن تتخلى عنها، لكن فكرة البقاء وحيدة في هذه الشقة كانت ترعبها.
دق بوق سيارة حازم في الأسفل معلنًا أن وقت الرحيل قد حان.
احتضنت ليان صديقتها مرة أخيرة، قبلة سريعة على جبينها، ثم التقطت حقيبتها وخرجت بسرعة قبل أن تنهار هي الأخرى.
أغلقت صبر الباب خلفها واستندت عليه بظهرها.
وفجأة، سقط عليها صمت المنزل كغطاء ثقيل.
لم يعد هناك صوت ضحكات ليان، لم يعد هناك صوت التلفاز، لم يعد هناك صوت خطواتها وهي تتحرك في الشقة.
فقط صمت.
صمت موحش.
تجولت في الشقة الفارغة، كل ركن فيها يذكرها بصديقتها التي رحلت.
ثم، وكأن بوابات الذاكرة قد فُتحت على مصراعيها، بدأت ذكرياتها مع أكمل تهاجمها بلا رحمة.
وقفت في المطبخ فتذكرت وقفته خلفها وهو يراقبها، نظراته الجائعة التي كانت ترعبها وتسعدها في آن واحد.
مرت بجانب طاولة الطعام فتذكرت جلوسها للمذاكرة وفستانها القصير ونظرته المصدومة التي تحولت إلى رغبة.
تذكرت كيف جذبها إليه، واعترافها الذي خرج رغماً عنها: "عايزة قلبك".
صعدت إلى غرفة نومها وجلست على حافة السرير.
السرير الذي شهد على استسلامها له، على حنانه غير المتوقع، على لياليهما التي كانت تمحو كل ألم النهار.
تذكرت كيف كان يحتضنها، وكيف كان يشرح لها دروسها بصبر، وكيف كان يغار عليها من نسمة الهواء.
وضعت يدها على بطنها وبدأت تحدث نفسها بصوت مسموع، كأنها تحاول طرد الصمت.
"ليه يا أكمل؟ ليه عملت فيا كده؟"
همست والدموع تعود لتغرق وجهها.
"أنا حبيتك... والله حبيتك من قبل ما تعرفني، حبيتك وإنت وكيل النيابة الجاسي اللي البلد كلها بتخاف منه، حبيتك وإنت الراجل الحنين اللي مكنش حد يعرفه غيري."
نظرت إلى بطنها مرة أخرى، وتحدثت إلى جنينها.
"سابنا ومسألش فينا، بس أنا مش هسيبك، أنا هبقى لك الأب والأم، وهربيك أحسن تربية، وهخليك تفتخر بيا، مش هنحتاج له... مش هنحتاج لحد."
كانت تقول الكلمات لتقوي نفسها، لكن في داخلها كان هناك فراغ كبير.
فراغ على شكل "أكمل"، فراغ كانت تعلم أنه لن يمتلئ أبدًا.
لقد أدركت في تلك اللحظة، وهي وحيدة في شقة فارغة، أنها لم تخسر زوجها فقط، بل خسرت حب حياتها، وخسرت الأمان، وخسرت الحلم الذي عاشته لأشهر قليلة، قبل أن تستيقظ على هذا الواقع المؤلم.
❈-❈-❈
كانت روح تقف أمام خزانة ملابسها المفتوحة، وقد تحولت الغرفة إلى معرض صغير من الفساتين الملقاة على السرير والكرسي.
كانت تقف أمام المرآة الطويلة تمسك بفستان أزرق رقيق وتقارنه بجسدها، ثم تعيده إلى كومة "المرفوضات" بتجهم.
تنهدت بعمق وشعرت بأن الدموع بدأت تتجمع في عينيها.
لم يعد أي شيء يناسبها.
كل الفساتين التي كانت تحبها أصبحت ضيقة، وتلك التي تناسبها تجعلها تشعر بأنها ضخمة وغير جميلة.
شعرت بالاختناق، ليس فقط من تغير جسدها، بل من فكرة أنها فقدت نفسها القديمة.
كان مالك يراقبها وهو مستلقٍ بأريحية على السرير، وابتسامة سعيدة وهادئة مرسومة على شفتيه.
كان يستمتع بحيرتها الطفولية ويرى في هذا التغير جمالًا لم تره هي بعد.
منذ أن طلب منها أن يخرجا لتناول الغداء في مطعم هادئ بالخارج، وهي في هذه الدوامة لأكثر من نصف ساعة.
رأى كتفيها يرتجفان قليلاً، وأدرك أنها على وشك البكاء.
نهض بهدوء واقترب منها من الخلف، ثم أحاطها بذراعيه برفق، واضعًا يديه على بطنها المنتفخة بحنان.
أسند ذقنه على كتفها ونظر إلى انعكاسهما معًا في المرآة.
همس في أذنها بصوت دافئ.
"زعلانة ليه يا أجمل واحدة في الدنيا؟"
قالت بصوت مخنوق وهي تشير بيدها إلى الفساتين.
"مفيش حاجة راضية تيجي على مقاسي، بجيت شبه البالونة، وكل اللبس شكله وحش عليا."
ابتسم مالك وقبّل خدها برقة.
"بالعكس، أني شايف إنك بجيتي بطة أحلى من الأول، ووشك نور أكتر، وبجيتي شايلة جواكي أغلى حاجة في حياتنا، إزاي متكونيش حلوة؟"
أدارها برفق لتواجهه ومسح دمعة هاربة من عينها بإبهامه.
"الفساتين دي هي اللي مبجتش تليق عليكي، مش العكس، إنتِ اللي كبرتي وبجيتي أحلى منهم."
تركها للحظة واتجه نحو الخزانة وبدأ يقلب في الملابس بثقة وهدوء.
سحب فستانًا بسيطًا بلون أخضر فاتح، مصنوعًا من قماش ناعم ومنسدل، بقصة واسعة تبدأ من تحت الصدر.
قدمه لها وهو يقول.
"جربي ده، هيخليكي زي الأميرات."
نظرت إلى الفستان بتردد، لكنها أخذته منه وقامت بارتدائه.
بعد الانتهاء، نظرت إلى نفسها في المرآة بدهشة.
كان الفستان مثاليًا. لقد أبرز جمال وجهها، وانسدل بنعومة على بطنها دون أن يجعلها تبدو ضخمة، بل أعطاها مظهرًا أنثويًا حالمًا.
التفتت إليه بابتسامة حقيقية، هي الأولى منذ بدأت معركتها مع الملابس.
"إزاي عرفت؟"
اقترب منها مرة أخرى ومرر يده على شعرها.
"لأني بشوفك بقلبي يا روح جلبى، مش بعيني بس."
ثم أضاف بمرح.
"وبعدين متنسيش إن عندي خبرة في اختيار الهدايا ليكي من وإحنا صغيرين."
ضحكت بخفة وشعرت بأن كل الضيق قد تبخر.
أمسك بيدها وهو يقول.
"وعشان متتعبيش نفسك تاني، بعد الغدا هنروح على محل كبير، وهنختار مع بعض أحلى فستان عشان تحضري بيه فرح أكمل وليلى، عايزك يومها تكوني أجمل واحدة في الفرح كله."
نظرت إليه بحب وامتنان، وأدركت أنها محظوظة، ليس فقط لأنه زوجها، بل لأنه الرجل الذي يفهمها ويحتويها ويرى الجمال فيها حتى عندما تعجز هي عن رؤيته.
❈-❈-❈
كان الفجر قد بدأ يزيح ستائر الليل عن سماء الصعيد، عندما خرج جاسر من بيت الجبل.
لم يتجه نحو سيارته، بل سار بخطوات ثابتة نحو الإسطبل الصغير الذي أقامه خصيصًا هنا.
كانت هذه عادته كل صباح، عادة لم يغيرها حتى بعد كل ما حدث.
عندما فتح باب الإسطبل، استقبله صهيل خافت، صهيل يحمل في طياته قوة مكبوتة.
كان بركان، الحصان الأسود الفاحم الذي كان ذات يوم رمزًا للقوة والجمال الجامح، والذي كاد أن يفقده في تلك الليلة المشؤومة.
اقترب جاسر منه ببطء، ومد يده ليلمس عنقه القوي.
كانت الندوب واضحة على جسد بركان، خطوط حمراء داكنة تشوه لمعان فرائه الأسود، ندوب الحريق الذي كاد أن يلتهمه، ندوب تشبه تلك التي يحملها جاسر في روحه، وإن كانت غير مرئية.
تذكر جاسر كلمات الأطباء البيطريين في تلك الليلة.
"الشفاء منه ميؤوس منه يا جاسر بيه، الحروق عميقة، والتهابات شديدة. الأفضل إننا نريحه."
كانت كلماتهم باردة، عملية، خالية من أي أمل.
لكن جاسر لم يستسلم، لم يكن يعرف الاستسلام.
بعد أن وافق، عاد إليهم.
"مفيش حاجة اسمها ميؤوس منه."
قالها لهم بصوتٍ حازم وهو ينظر إلى بركان الذي كان يئن من الألم.
"هتجيبوا لي أحسن دكتور بيطري في البلد دي كلها وهتعملوا كل اللي تقدروا عليه، لو محتاجين تجيبوا دكاترة من بره، هتجيبوا. بركان هيرجع يجف على رجليه تاني."
وبالفعل، لم يدخر جاسر جهدًا ولا مالًا.
أحضر أفضل الأطباء وأشرف بنفسه على علاجه.
كان يقضي ساعات طويلة في الإسطبل، يتحدث إلى بركان، يمسح على فرائه، يهمس له بكلمات التشجيع.
كان يرى في بركان انعكاسًا لنفسه؛ كلاهما أصيب بجروح عميقة، وكلاهما كان يرفض الانكسار.
جروب نسائم روائية جروب رانيا الخولي.
كانت العلاقة بينهما تجاوزت علاقة فارس بحصانه.
بركان لم يكن مجرد حيوان، بل كان رفيقًا، شاهدًا صامتًا على قسوة الحياة، وعلى إصرار جاسر على البقاء شامخًا.
كان بركان يمثل جزءًا من روحه، جزءًا من كبريائه الذي رفض أن ينحني.
اليوم، وبعد أشهر من العلاج المكثف والرعاية المستمرة، عاد بركان.
الندوب كانت لا تزال موجودة، تذكيرًا دائمًا بما حدث، لكنه عاد بنفس القوة، بنفس الروح الجامحة.
وضع جاسر السرج على ظهر بركان وامتطاه بخفة.
شعر بقوة الحصان تحت جسده، بقوة العضلات التي عادت لتنبض بالحياة.
انطلق به في الصحراء الواسعة وصهيل بركان يمزق سكون الفجر.
كان يركض بأقصى سرعة، يشعر بالرياح تصفع وجهه وبقوة بركان تندمج مع قوته.
في تلك اللحظات، كان جاسر ينسى كل شيء.
ينسى نغم، ينسى الثأر، ينسى كل الأعباء.
لم يكن هناك سوى هو وبركان، روحان جامحتان ترفضان الانكسار وتصران على الحياة مهما كانت الندوب عميقة.
كان بركان دليلاً حيًا على أن الإرادة، إرادة جاسر، يمكنها أن تصنع المعجزات.
❈-❈-❈
كان المطعم هادئًا وأنيقًا، يطل على حديقة خضراء صغيرة بعيدًا عن صخب القاهرة.
جلس مالك وروح على طاولة في زاوية منعزلة، يستمتعان بوجبة الغداء وبصحبة بعضهما البعض.
كان الجو بينهما مريحًا ودافئًا، كأنهما في فقاعة خاصة بهما.
قطعت روح قطعة صغيرة من طعامها، ثم رفعت عينيها إلى مالك الذي كان يراقبها بابتسامة حانية.
"الأكل هنا حلو جوي يا مالك، شكرًا إنك خرجتني."
مد يده عبر الطاولة وأمسك بيدها برفق.
"المهم إنك مبسوطة، مفيش حاجة في الدنيا تهمني أكتر من راحتك."
شعرت بالدفء يسري في أوصالها من لمسته وكلماته.
تنهدت بارتياح ثم سألته السؤال الذي كان يدور في ذهنها.
"هنرجع الصعيد متى يا مالك؟ إتوحشت أمي جوي."
نظر إليها بقلق خفيف.
"عارف أنها وحشتك، بس مش عايز أتعبك في السفر وإنتِ في حالتك دي، خلينا نحضر فرح أكمل وليلى الأول، وبعدها بيومين تلاتة نرجع على طول، عشان تاخدي راحتك و متتعبيش من الطريق."
أومأت برأسها في تفهم وشعرت بالامتنان لاهتمامه الزائد بها.
"اللي تشوفه يا حبيبي."
بعد لحظات من الصمت الرومانسي وتبادل النظرات التي كانت تحمل كل معاني الحب، أنهيا طعامهما.
قال مالك وهو يمسح فمه بالمنديل.
"ودلوقتي جه وقت الجزء التاني من الخروجة."
نظرت إليه بحيرة.
"جزء تاني؟"
ابتسم بمكر.
"طبعًا، مش معقول هتروحي فرح صاحب عمري من غير ما تكوني لابسة أحلى فستان في الدنيا. يلا بينا."
❈-❈-❈
كانت صبر تجلس على المقعد في عيادة الطبيبة، تفرك يديها بتوتر وهي تنتظر دورها.
حين نادتها الممرضة، دخلت بقلبٍ مقبوض، تحمل هموم الدنيا فوق كتفيها.
استقبلتها الطبيبة بابتسامة هادئة حاولت أن تبث بها بعض الطمأنينة.
"إزيك يا صبر، أخبارك إيه النهارده؟ تعالي اتفضلي."
جلست صبر على المقعد أمام الطبيبة.
"الحمد لله يا دكتورة رغد."
سألتها.
"الحمل عامل إيه معاكي؟"
ردت صبر بقلق.
"بقالي فترة بيجيني وجع بيستمر فترة ويروح، وصداع ودوخة مستمرين."
طلبت منها الطبيبة أن تصعد على السرير.
استلقت صبر على السرير المخصص للفحص، وبدأت الطبيبة تمرر جهاز الأشعة على بطنها المنتفخة.
كانت عينا صبر معلقتين بالشاشة، تترقب رؤية طفلها، وأيضًا تتابع ملامح الطبيبة القلقة التي تمرر جهاز الأشعة.
الصمت في الغرفة كان ثقيلاً ومخيفًا، تقطعه فقط أصوات الأجهزة الطبية.
لم تعد صبر تحتمل هذا التوتر فسألت بصوت حاولت جاهدة أن تجعله ثابتًا.
"فيه حاجة يا دكتورة؟ حضرتك ساكتة ليه؟"
رفعت الطبيبة عينيها من على الشاشة ونظرت إلى صبر.
نظرة جادة زادت من خفقان قلبها.
"هو جوزك فين يا صبر؟ ليه كل مرة بتيجي لوحدك؟ أنا محتاجة أشوفه ضروري."
ابتلعت صبر ريقها بصعوبة وردت بصوت خفيض كأنها تعترف بسر مؤلم.
"بس إحنا منفصلين يا دكتورة بقالنا فترة."
عقدت الطبيبة حاجبيها وقالت بحزم.
"ولو منفصلين لازم يكون موجود معاكي الفترة الجاية. الوضع مش بسيط وده ابنه برضه."
أنهت الطبيبة الفحص وساعدت صبر على النهوض، ثم جلست خلف مكتبها وقالت بنبرة لا تحتمل الجدال.
"اسمعيني كويس يا صبر، أنا مش هخبي عليكي لأن مفيش حد معاكي أعرفه. بصراحة، حالتك صعبة أوي، ضغطك عالي جدًا ودي حاجة متطمنش أبدًا في المرحلة دي من الحمل. الألم اللي بتحسي بيه ده ممكن يكون مؤشر خطر."
شعرت صبر بأن الأرض تميد بها وحاولت أن تكتم دموعها التي تجمعت في عينيها بقوة.
أكملت الطبيبة وهي تكتب في ورقة العلاج.
"إنتِ لازم ترتاحي راحة تامة ومفيش أي مجهود نهائي. لو الضغط فضل عالي بالشكل ده ممكن تدخلي في ولادة مبكرة وساعتها البيبي هيحتاج حضانة واحتمالات الخطر هتكون كبيرة."
أخذت صبر ورقة العلاج بيد مرتعشة، بالكاد ترى الكلمات من خلال غشاوة الدموع التي أبت إلا أن تنزل على خديها بصمت.
نبهت عليها الطبيبة بصرامة أخيرة.
"الأدوية دي تتاخد في مواعيدها والراحة أهم من أي حاجة تانية. حياتك وحياة ابنك متوقفين على ده."
خرجت صبر من عيادة الطبيبة وهي تشعر بأن قدميها بالكاد تحملانها.
كانت الكلمات القاسية والمقلقة تتردد في أذنيها كطنين لا يتوقف: "ولادة مبكرة"، "حضانة"، "خطر".
جلست على أقرب مقعد في ممر المستشفى، تحاول أن تستجمع أنفاسها وتسيطر على الانهيار الذي يوشك أن يبتلعها.
في تلك اللحظة، أضاءت شاشة هاتفها باسم "ليان" ورن الهاتف بصوت عالٍ اخترق صمتها الحزين.
مسحت دموعها بسرعة وحاولت تعديل نبرة صوتها قبل أن تجيب.
"ألو."
جاءها صوت ليان المبهج والقلق في آن واحد.
"صبر! إيه يا حبيبتي طمنيني، الدكتورة قالت لك إيه؟ أنا قلبي واكلني عليكي من الصبح."
أغمضت صبر عينيها بقوة، تأخذ نفسًا عميقًا لتمنع صوتها من الارتجاف وقالت بكذبة بيضاء.
"جالت لي كله تمام الحمد لله، شوية إرهاق عادي يعني عشان الحمل وكده."
ردت ليان بارتياح واضح.
"الحمد لله يا حبيبتي، طمنتيني، كنت مرعوبة يكون فيه حاجة، طيب محتاجة أجيلك أو أعمل لك حاجة؟"
أجابت صبر بسرعة وهي تنهض لتغادر المكان الذي شهد على مخاوفها.
"لا لا يا ليان متجلجيش خالص، أنا زينة وهروح على البيت أرتاح شوية، متشيليش هم."
أنهت المكالمة وأعادت الهاتف إلى حقيبتها.
وبمجرد أن تأكدت أن الخط قد أُغلق، سمحت لدموعها بالهطول مرة أخرى وهي تسير وحيدة في الممر الطويل، تشعر بعبء العالم كله فوق كتفيها.
❈-❈-❈
عاد جاسر إلى السرايا في وقت متأخر من الليل، كعادته منذ أن أُجبر على إتمام زواجه من شروق.
كان يهرب من هذا البيت، من هذا الجناح، ومن هذه المرأة التي أصبحت زوجته على الورق فقط.
كل ليلة كان يأمل أن يجدها نائمة ليتسلل إلى الأريكة في غرفة المعيشة وينام هناك، لكنها كانت دائمًا تنتظره.
في تلك الليلة، ما إن فتح باب غرفة النوم حتى تجمد في مكانه.
لم تكن تنتظره كالعادة بملابسها العادية، بل كانت تقف أمام المرآة، وقد أعدت له فخًا متقنًا.
كانت ترتدي قميص نوم من الحرير الأسود، يكشف أكثر مما يستر، وشعرها منسدل على كتفيها بطريقة مدروسة، ورائحة عطرها القوية تملأ المكان.
استدارت إليه ببطء وعلى شفتيها ابتسامة إغراء واثقة.
"حمد لله على السلامة يا حبيبي، اتأخرت النهارده."
لم يرد جاسر بل أغلق الباب خلفه بهدوء وظل واقفًا في مكانه، ينظر إليها بنظرة باردة لم تستطع اختراقها.
"صاحية ليه؟"
اقتربت منه بخطوات متمايلة ووضعت يديها على صدره.
"كنت مستنياك، معجولة حبيبي يرجع، ومكنش في انتظاره؟"
أبعد يديها عنه ببرود.
"جولت لك مية مرة متستنينيش، روحي نامي."
لكن شروق لم تكن تنوي الاستسلام هذه الليلة.
بعد حديثها مع والدتها، قالت بصوت هامس ومغناج.
"ولحد متى يا جاسر؟ لحد متى هنفضل كده؟ إحنا متجوزين وأنا مرتك، وده حقي وإنت... إنت كمان ليك حق."
مررت أصابعها على صدره مرة أخرى، ثم على رقبته وهي تقترب منه أكثر.
"إنت واحشني جوي."
في العادة، كان سيدفعها بعيدًا ويخرج من الغرفة.
لكن هذه المرة كان مرهقًا ومحطمًا ومشتاقًا.
عندما أغمض عينيه للحظة ليهرب من نظراتها، لم يعد يرى شروق.
لقد حلت محلها صورة أخرى... صورة "نغم".
فتح عينيه ببطء.
رأى نغم أمامه ببرائتها، بخجلها، بنظرة الحب التي رآها في عينيها في تلك الليلة الوحيدة.
شعر بنفس اللهفة، بنفس الشوق الجارف الذي يشعر به كلما تذكرها.
عقله كان يعلم أنها شروق، لكن قلبه وروحه كانا يصرخان باسم "نغم".
دون وعي منه، استجاب لجسده الخائن.
رفع يديه المرتعشتين ووضعهما على خصرها وجذبها إليه بقوة.
شهقت شروق بانتصار معتقدة أنها نجحت أخيرًا.
دفن جاسر وجهه في عنقها، يستنشق رائحة عطرها، لكنه كان يتخيل رائحة "نغم" الطبيعية.
همس بصوت متحشرج، لكن الكلمة لم تكن موجهة لها.
"وحشتيني..."
احتضنها بقوة كأنه يحتضن طيفًا يخشى أن يختفي.
شعرت شروق بقوة مشاعره، فتشبثت به أكثر وظنت أنها امتلكته.
بدأ جاسر يقبل عنقها بلهفة، قبلات ضائعة تبحث عن صاحبتها الحقيقية.
كان في عالم آخر، عالم لا وجود فيه لـ شروق، عالم يسكنه هو و"نغم" فقط.
رفع رأسه ببطء وعيناه نصف مغمضتين، وقد استبد به الشوق.
مال نحو شفتيها، كان على وشك أن يقبلها، أن يختم هذه اللحظة الخائنة بقبلة.
لكنه في الثانية الأخيرة، فتح عينيه بالكامل.
الصورة تبددت.
الحلم تلاشى.
لم تكن "نغم" هي التي بين ذراعيه، كانت شروق تنظر إليه بلهفة وانتصار.
شعر بصدمة عنيفة كمن أفاق من كابوس ليجد نفسه في حقيقة.
شعر بالاشمئزاز من نفسه ومنها، ومن ضعفه.
دفعها بعيدًا عنه فجأة وبقوة، حتى أنها ترنحت وكادت تسقط.
"إنتِ..."
نظر إليها باشمئزاز وقرف، كأنه ينظر إلى حشرة سامة.
لم يستطع حتى أن يكمل جملته.
استدار بسرعة وخرج من الغرفة، وصفق الباب خلفه بقوة هزت أركان الجناح.
تركها واقفة في منتصف الغرفة، ترتجف من الصدمة والغضب والإهانة، وقد أدركت للتو أنها مهما فعلت، فإنها لن تستطيع أبدًا أن تمحو طيف "نغم" من قلبه.
❈-❈-❈
في شرفة مكتبه الواسعة، وقف جاسر كصقر جريح.
لم يعد يرى الحديقة أو أضواء المدينة البعيدة.
كل ما كان يراه هو وجهها وهي تبتعد، وصدى كلماتها الأخيرة يتردد في أذنيه: "اخرج من حياتي".
أمسك هاتفه بيد ترتجف قليلًا، وهو الذي لم ترتجف يده يومًا حتى وهو يواجه الموت.
بحث عن اسمها الذي استطاع الوصول إليه بعد عناء: "نغم"، وضغط على زر الاتصال.
رنة... اثنتان... ثلاث... ثم انقطع الخط.
لقد رفضت المكالمة.
شعر بطعنة باردة في صدره، لكنه لم يستسلم.
ضغط مرة أخرى، نفس النتيجة.
رفض.
ومرة ثالثة، ورابعة.
كل رفض كان كصفعة على وجهه، تذكره بالمسافة الهائلة التي أصبحت تفصلهما.
أغمض عينيه بقوة وأخذ نفسًا عميقًا، محاولًا السيطرة على الإعصار الذي يعصف بداخله.
الاتصال لن يجدي، هي تعلم أنه هو ولن تسمح لصوته بأن يخترق دفاعاتها مرة أخرى.
لم يبق أمامه سوى الكلمات المكتوبة.
فتح نافذة الرسائل وبدأ يكتب ثم يمسح ثم يكتب مرة أخرى.
كيف يمكن أن يختصر ستة أشهر من الجحيم في بضعة أسطر؟ كيف يعبر عن حبه دون أن يبدو ضعيفًا، وعن ألمه دون أن يبدو مهزومًا؟
أخيرًا استقر على كلمات تجمع بين شموخه كـ "جاسر التهامي" وضعفه كـ "رجل يحب".
كلمات لا تطلب بل تعلن، لا تتوسل بل تضع الحقيقة أمامهما.
في غرفة نغم، كانت نغم تجلس على سريرها تضم وسادة بقوة ودموعها قد جفت، تاركة وراءها شعورًا بالفراغ.
كان هاتفها يهتز بجانبها مرة بعد مرة، ورقمه الذي لا تحفظه جيدًا يضيء الشاشة في كل مرة.
مع كل اهتزاز، كان قلبها ينقبض وجزء منها يصرخ بها لترد، وجزء آخر أقوى كان يضغط على زر الرفض بقسوة.
بعد أن توقفت المكالمات، تنهدت بارتياح ممزوج بالخسارة.
لكن بعد لحظات، أضاءت الشاشة مرة أخرى معلنة وصول رسالة.
ترددت.
كانت تعلم أن قراءة هذه الرسالة ستكون خطأ.
كانت تعلم أنها ستفتح جرحًا بدأ للتو في الالتئام.
لكنها لم تستطع المقاومة.
بحذر، فتحت الرسالة، وبالفعل كانت منه.
قرأت الكلمات ببطء، وكل كلمة كانت تخترق درعها الواهي.
"رفضك لمكالماتي مش هيغير الحقيقة، صوتي ممكن تحجبيه لكن وجودي محفور في روحك زي ما هو محفور في روحي، أنتي بتكدبي على نفسك لو فاكرة إنك تقدري تمحيني. أنا مش جزء من ماضيكي يا نغم، أنا قدرك، كل يوم بيمر وإنتي بعيدة هو يوم ضايع من عمرنا مش من عمري لوحدي، لسة عندي أمل... مش إنك تسامحيني، الأمل إنك تبطلي تحاربي الحقيقة الوحيدة اللي بيننا. لما تتعبي من الهروب... أنا موجود."
لم تكن رسالة اعتذار، لم تكن رسالة توسل، كانت إعلانًا صارخًا بالملكية، ليس ملكية جسد بل ملكية قدر مشترك.
لم يقل "ارجعي لي" بل قال "أنا موجود"، واضعًا الكرة في ملعبها ومؤكدًا لها أنه لن يذهب إلى أي مكان.
لقد ذكرها بأنها ليست مجرد ضحية، بل هي الطرف الآخر في معادلة حبهما، وأن هروبها هو هروب من نفسها أيضًا.
أغلقت الهاتف ووضعته بعيدًا عنها كأنه قطعة من الجمر، ثم انفجرت في بكاء مرير.
لم تكن تبكي من كلماته، بل كانت تبكي من صدقها.
كانت تبكي لأنها تعلم أنه على حق.
كانت تبكي لأنها، ورغم كل شيء، كانت تتمنى أن تكون لديها الشجاعة لتتوقف عن الهروب.
❈-❈-❈
كان صخر التهامي يجلس في مكتبه الفخم، لكن فخامة المكان لم تكن تعكس العاصفة التي تدور في عقله.
لقد أصبح جاسر لغزًا، قوة لا يمكن السيطرة عليها، وهذا ما كان يقلقه أكثر من أي شيء آخر.
انفتح الباب ودخلت ابنته شروق.
لم تكن تلك الفتاة المتكبرة التي يعرفها الجميع.
كانت ملامحها تحمل مرارة الهزيمة، وعيناها محمرتان من بكاء مكبوت.
أغلقت الباب خلفها ووقفت أمامه كطفلة تائهة.
قال صخر بصوت أجش دون أن يرفع عينيه عن الأوراق التي يتظاهر بقراءتها.
"خير؟"
انفجرت شروق ولم تعد قادرة على التحمل.
"لحد متى يا بوي؟ لحد متى هفضل في الإهانة دي؟"
رفع صخر نظره ببطء، ونظراته الباردة كانت تحمل سؤالًا صامتًا.
أكملت شروق بصوت يرتجف من القهر.
"جاسر... بيعاملني كأني هوا، كأني حتة من أثاث الأوضة، مبيكلمنيش، ولو بص لي بيبص لي بجرف. لسة بيحبها يا بوي... لسة بيحب بت الرفاعي دي! أني بسمعه بالليل بينادي اسمها وهو نايم."
كانت كل كلمة من كلماتها تزيد من اشتعال النار في صدر صخر.
لم يكن الأمر يتعلق بمشاعر ابنته بقدر ما يتعلق بسلطته هو التي تتآكل.
جاسر لم يتحدى نفوذه في العمل فقط، بل تحدى قراره الشخصي بزواجه من ابنته، وجعل من هذا الزواج إهانة علنية له.
قال صخر بصوت هادئ ومخيف، هدوء يسبق العاصفة.
"إنتي اتجوزتيه عشان تكسريها وتملكي جاسر، مش عشان تعيطي كيف الولاية كده."
ردت شروق بيأس.
"وإني أعمل إيه؟ هو مش شايفني واصل، كل تفكيره معاها من يوم ما هربت وهو ميت بالحيا، بيدور عليها زي المجنون. ولو لقاها، إني واثقة إنه هيرجعها له.... أني خايفة يرجعها ويرميني."
هنا طرح صخر السؤال الحاسم، السؤال الذي سيحدد كل شيء.
نظر في عينيها مباشرة وبنبرة لا تحتمل الكذب سأل.
"لمسك؟"
تجمدت شروق في مكانها وشعرت بالدم يندفع إلى وجهها.
لم تكن إهانة فقط، بل كانت تأكيدًا لفشلها كامرأة وكزوجة.
أطرقت رأسها وقالت بصوتٍ خافت، صوت مليء بالخجل والإحراج.
"لا."
سقطت كلمة "لا" في صمت المكتب كصخرة.
لم يصرخ صخر ولم يغضب، بل على العكس ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة ومخيفة.
لقد تأكد الآن.
جاسر لم يعد مجرد شاب متمرد، بل أصبح عدوًا داخل الجدران.
لقد عصى أمره الأهم وتحدى رجولته وسلطته ككبير للعائلة.
لقد أعلن الحرب عليه دون أن ينطق بكلمة.
أدرك صخر في تلك اللحظة أن جاسر قد خرج عن طوعه تمامًا.
لم تعد هناك سيطرة عليه، لقد بنى مملكته الخاصة وأصبح هو الملك، ولم يعد يعترف بسلطة أحد فوقه.
قال صخر بهدوء وهو ينهض من كرسيه ويقف أمام النافذة ينظر إلى ممتلكاته الشاسعة.
"خلاص."
نظرت إليه شروق بحيرة.
"خلاص إيه يا بوي؟"
استدار نحوها وفي عينيه كانت هناك قسوة لا تعرف الرحمة.
"خلاص، جاسر اختار طريقه. جه الوقت اللي يعرف فيه إن كل طريق وليه نهاية. وإن اللي بيعصى صخر التهامي... بيكتب نهايته بإيده."
لم تكن كلماته تهديدًا، بل كانت حكمًا قد صدر.
لقد قرر صخر أن يقتلع هذا التمرد من جذوره، حتى لو كان هذا الجذر هو ابن أخيه الذي رباه بنفسه.
المعركة القادمة لن تكون ضد عائلة الرفاعي، بل ستكون داخل جدران هذا البيت.
❈-❈-❈
قاد مالك سيارته في شوارع القاهرة الراقية، حتى توقف أمام واجهة زجاجية أنيقة لمحل صغير لا يحمل اسمًا كبيرًا، لكنه كان يبدو فخمًا وذوقه رفيع.
كانت الفساتين المعروضة في الواجهة قليلة، لكن كل قطعة منها كانت تبدو كتحفة فنية.
ترجل مالك وفتح لها الباب.
"إيه رأيك؟ المحل ده حاجته كلها مستوردة ومميزة."
نظرت روح إلى المكان بإعجاب.
"شكله يجنن."
دخلا معًا.
كان المحل من الداخل أكثر جمالًا، ديكوره بسيط ودافئ، والملابس معلقة بعناية فائقة.
كانت هناك سيدة أنيقة تتفحص فستانًا، وتقف أمامها فتاة تساعدها، ظهرها لهما.
كانت الفتاة تتحدث بهدوء وثقة.
"اللون ده يا فندم هيليق جدًا على حضرتك، وقصته جديدة ومختلفة."
تجمد مالك في مكانه.
هذا الصوت... هو يعرفه جيدًا.
في تلك اللحظة، استدارت الفتاة لتضع الفستان على الشماعة مرة أخرى، فوقعت عيناها على مالك وروح الواقفين عند الباب.
اتسعت عيناها بصدمة، وتوقفت الكلمات في حلقها.
لم تكن سوى صبر.
صبر الفتاة التي كانت زوجة لأكمل صديقه، تقف الآن في قلب القاهرة في محل راقٍ ترتدي ملابس بسيطة، وتتعامل مع الزبائن بمهارة وثقة لم يعهدها فيها من قبل.
انصدم مالك تمامًا.
لم يكن يتوقع أبدًا أن يراها هنا.
كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟ آلاف الأسئلة دارت في رأسه في لحظة واحدة.
نظر إلى روح التي كانت تنظر إليه باستغراب، ثم عادت ونظرت إلى الفتاة التي تجمدت في مكانها، ولم تفهم سبب هذه الصدمة المتبادلة.
لقد جاء ليشتري فستانًا لزوجته، فوجد نفسه وجهًا لوجه مع الفتاة التي كسرت قلب صديقه.
لقد أصبح العالم فجأة... صغيرًا جدًا.
لكن ما صدمه أكثر هو جوفها الممتلئ.
"حامل؟!"
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رانيا الخولي
تجمد مالك في مكانه وعقله يرفض أن يصدق ما تراه عيناه. هذه ليست صبر، لا يمكن أن تكون هي. صبر التي يعرفها كانت فتاة قروية بسيطة خجولة، بالكاد ترفع عينيها عن الأرض. أما هذه التي أمامه فكانت امرأة أخرى تقف بثقة وتتحدث بلباقة.
ارتبكت صبر تمامًا عندما رأته. تجمدت الدماء في عروقها وشعرت بأن الأرض تميد بها. لم تكن تعرف ماذا تفعل أو ماذا تقول. كل ما خططت له، كل حياتها الجديدة التي بنتها بصعوبة كانت على وشك الانهيار.
لاحظت روح نظرات الصدمة المتبادلة بين زوجها وتلك الفتاة. فاقتربت من مالك وهمست له باستغراب:
_ مالك في إيه؟ أنت تعرفها؟
لم يرفع مالك عينيه عن صبر التي كانت تنظر إليهما برعب وتوسل. قال بصوت أجش يحمل مرارة الخيبة:
_ دي... دي صبر مرات أكمل صاحبي.
اتسعت عينا روح بصدمة هي الأخرى. إذن هذه هي الفتاة التي حكى لها مالك قصتها. الفتاة التي خدعت صديق عمره وهربت من البلدة. لكن... هناك شيء غير منطقي. نظرت إليها مرة أخرى ولاحظت ما ظنت أن مالك لم يلاحظه في صدمته الأولى. انتفاخة بطنها الواضحة التي كان الفستان بالكاد يخفيها.
تقدم مالك خطوة نحوها وصوته كان حادًا كالسيف:
_ سيبي اللي في إيدك وتعالي معانا.
حاولت صبر أن ترفض وصوتها يرتجف:
_ بس... أنا... أنا في الشغل. مينفعش...
قاطعها مالك بنبرة لا تقبل الجدال وقد بدأ غضبه يظهر:
_ قولت سيبي اللي في إيدك. فيه كلام كتير لازم يتقال.
أدركت صبر أنها لا تملك خيارًا. اعتذرت للزبونة بارتباك واستأذنت من زميلتها التي كانت تنظر إلى الموقف بحيرة. ثم سارت خلف مالك وروح اللذين خرجا من المحل.
جلسوا في أقرب مقهى هادئ.
والصمت كان سيد الموقف. صمت ثقيل ومحرج.
طلبت روح بعض المشروبات الباردة لتهدئة الأجواء. انتظر مالك حتى وضع النادل المشروبات على الطاولة وغادر. ثم وجه نظره مباشرة إلى صبر. نظرة قاسية لا ترحم.
_ الطفل ده... ابن أكمل؟
اهتزت نظراتها بوجل وشعرت إن حياتها التي رسمتها على وشك أن تنتهي. إذا علم أكمل بوجود ابن له، لن يتركه معها وسيأخذه ولو بالقوة.
تأثرت روح بمنظرها وشعرت بأن القصة ليست بالبساطة التي سمعتها. وضعت يدها على يد صبر برفق:
_ اهدي يا حبيبتي... اهدي واتكلمي معانا. إحنا هنسمعك.
أخذت صبر نفسًا عميقًا وبدأت تحكي. تحدثت عن الخيانة، السرقة. أخبرته بتلك الليلة التي كشف فيها أكمل كل شيء. وكيف طردها من منزله دون أن يسمع لبراءتها. طردها من منزله ولم يسأل عنها. وكيف ذهبت لصديقتها وهناك اكتشفت حملها.
حكت له مدى خوفها من العودة لأبيها. وكيف أن والدها قادر على أن يبيعها مرة أخرى. فهربت إلى القاهرة لتبدأ حياة جديدة وتحمي ابنها.
كانت تحكي والدموع تنهمر على وجهها ويداها ترتجفان.
عندما انتهت، كان مالك يستمع في صدمة تامة. لقد ظلمها وظلمها صديقه. الحقيقة كانت أقسى وأكثر تعقيدًا من أي خيانة. تأثر بشدة وشعر بالخزي من الطريقة التي حكم بها عليها.
سألها بصوت خفتت حدته كثيرًا:
_ ليه... ليه مجولتيش لأكمل؟
رفعت إليه عينيها الدامعتين وقالت بصوت مكسور:
_ هو مدانيش فرصة. حكم عليا من غير ما يسأل. وصدق اللي عايز يصدقه. ولما عرفت إني حامل كان هو خلاص... رماني من حياته. كنت هجوله إيه؟ كنت هجبره على طفل هو مش عايزه مني؟
شعر مالك بغصة في حلقه:
_ بس ده ابنه يا صبر. لازم يعرف. أكمل لازم يعرف الحقيقة.
هنا انتابت صبر حالة من الهلع. نظرت إليه وتوسلت:
_ لأ... أرجوك يا مالك بيه. أرجوك متجولوش. هو بنى حياته خلاص. بعد عني ورجع لخطيبته. لو عرف هياخد ابني ويخليها هي اللي تربيه. وأنا خلاص مبقاش ليا غيره في الدنيا دي. أرجوك استرها عليا.
زاد بكاؤها وتحول إلى نحيب مسموع. شهقات متتالية تهز جسدها النحيل بعنف. لم تعد روح قادرة على المشاهدة من بعيد. فاقتربت منها بخطوات سريعة واحتضنتها بقوة، محاولة أن تمنحها بعضًا من ثباتها وهي تربت على ظهرها بحنان:
_ خلاص يا حبيبتي اهدي... اهدي متخافيش. موضوعك هيفضل سر بيننا.
لكن مالك كان يقف كصخرة في وجه هذا الانهيار. قلبه يتمزق بين الشفقة على حالها وبين ما يراه الصواب. تقدم خطوة وقال بنبرة صارمة تخفي صراعًا داخليًا مريرًا:
_ يا روح ده مش صوح!
ثم تطلع إلى صبر وتابع:
_ يا صبر إنتِ مش شايفة حالك؟ إنتِ في الشهور الأخيرة ومحتاجة اللي يكون جارك وسندك. وأكمل... أكمل له حق يعرف إن له ابن جاي في السكة. ده حقه الشرعي والدم اللي في عروقك ده منه هو.
عند ذكر اسم "أكمل" وحقه، انفجرت صبر كبركان خامد. رفعت رأسها من حضن روح ووجهها غارق في الدموع. ونظرت إلى مالك نظرة يمتزج فيها التوسل بالرعب المطلق. نظرت إليه برجاء وصوتها يخرج متقطعًا ومبحوحًا من شدة البكاء:
_ وحياة أغلى حاجة عندك وحياة روح واللي في بطنها.... سيبني في حالي. أنا مش عايزة منه حاجة. لا فلوس ولا بيت ولا حتى اسمه. بس خليه يسبلي ابني... ابوس يدك خليه يسبلي ابني.
كان مشهدًا يذيب أقسى القلوب. امرأة حامل ومنهارة تتوسل ليس من أجل نفسها، بل من أجل حقها في الاحتفاظ بطفلها بعيدًا عن أبيه.
نظر مالك إلى زوجته الحامل التي كانت تنظر إليه بعيون دامعة. ثم إلى صبر التي وضعت يدها على نقطة ضعفه الوحيدة، رابطة مصيرها بمصير زوجته وطفله الذي لم يولد بعد.
تنهد بيأس عميق وأغلق عينيه للحظة كأنه يستسلم لهزيمة لم يكن يريدها. أدرك أنه لا يستطيع أن يكون الجلاد في هذه القصة. لا يستطيع أن يزيد من عذابها. هز رأسه ببطء:
_ خلاص... خلاص اهدي. مش هجوله حاجة دلوقت.
لكنه لم يتركها لتغرق في وهم الأمان وقال بجدية مطلقة:
_ بس اسمعيني زين. لو فاكرة إنك هتقدري تواصلي هنا لحالك تبقي غلطانة. وخصوصًا زي ما بتجولي صاحبتك رجعت لجوزها. يعني هتكوني لحالك تمامًا.
ضغط على كلماته ليجعلها تفهم حجم الخطر:
_ افرضي تعبتي بالليل. مين اللي هيلحقك؟ افرض لا قدر الله حصلك أي شيء وملحقتيش تستنجدي بحد... احساسي أنا وقتها لو حصلك حاجة هيكون إيه؟ هعيش إزاي وأنا عارف إني سبتك للموت لحالك؟
كلماته كانت كالسياط. لم تهدئها بل فجرت ما تبقى من صمودها الهش. تطلعت إليه صبر بتساؤل. ووجهها الذي كان رمزًا للجمال الهادئ قد تحول إلى قناع من الألم والغضب. وعيناها تطلقان شررًا من القهر. وصوتها الذي كان منفعلًا قبل قليل هدأ فجأة ليتحول إلى نبرة جليدية قاطعة أكثر إيلامًا من أي صراخ:
_ عايزني أرجع لمين؟ للراجل اللي مهانش عليه حتى يتأكد من اللي حصل؟ اللي سمع الحديت وآمن به بكل سهولة.
كانت كل كلمة تخرج منها كانت كطعنة توجهها لذكرياتها المؤلمة:
_ دار ضهره ليا في لحظة. في لحظة واحدة نسى كل حاجة بينا. مفكرش حتى إن اللي سابها دي ورا ضهره لسه مراته وعلى ذمته. مفكرش يسأل "إنتِ كويسة؟" أو "إيه اللي حصل؟". مفكرش للحظة واحدة إني ممكن أكون مظلومة.
ارتفع صوتها مرة أخرى مشحونًا بمرارة سنوات من الكتمان:
_ عارف ده معناه إيه؟ معناه إني كنت حمل تقيل على جَلبه ومصدق لقى ليا غلطة عشان يخلص مني ويرميني. اللي يبيع بالسهولة دي واللي يصدق في مرته أي كلام من غير ما يواجهها... اللي زي ده مش هآمن على ابني معاه.
أشارت إلى بطنها بيد مرتعشة ونظرتها أصبحت حادة كالشفرة:
_ ابني ده حتة مني. مش هسلمه لواحد ممكن في أي لحظة يرميه زي ما رماني. خليني بعيد أحسن. خليني أموت هنا لوحدي أرحم ألف مرة من إني أرجع أعيش في الكابوس ده تاني. أنا وابني هنكون بخير بعيد عنه.
أصبح مالك أمامها عاجزًا تمامًا. لقد استنزفت كل حججه ولم يتبقى أمامه سوى حطام امرأة تدافع عن كرامتها وطفلها بكل ما أوتيت من قوة. رأى في عينيها تصميمًا لا يلين وأدرك أن أي ضغط إضافي لن يؤدي إلا إلى انهيارها بالكامل.
تنهد بعمق وهذه المرة كانت تنهيدة استسلام كامل وقال بصوت هادئ ومتعب:
_ خلاص يا صبر... خلاص حقك عليا. أنا آسف مش هضغط عليكي تاني.
تابع بحذر كأنه يخشى أن تنفر منه مرة أخرى وقال بنبرة أكثر حنانًا في محاولة لتهدئتها:
_ طيب اسمعي... عشان ابنك بلاش العناد ده. طالما مش عايزة ترجعيله يبقي تيجي معانا البلد. هتعيشي معانا في بيتنا ومحدش هيعرف بوجودك خالص. هتبقي في وسطنا وتحت عنينا نطمن عليكي وعلى اللي في بطنك.
لكن صبر هزت رأسها بالرفض فورًا حتى قبل أن يكمل كلامه. قالت بصوت واهن لكنه حاسم:
_ لا يا مالك... مقدرش. وجودكم معايا لو عرفوا أكمل هيسبب لكم مشاكل أنتم في غنى عنها. مش عايزة أكون عبء على حد.
أغلق مالك عينيه للحظة يصارع إحباطه. لقد نفدت حلوله. فتح عينيه مرة أخرى ونظر إليها نظرة أخيرة مليئة بالشفقة والمسؤولية:
_ ماشي يا صبر. اللي يريحك طالما ده قرارك أنا هحترمه.
ثم أضاف بنبرة لا تقبل النقاش ليؤكد لها أنها ليست وحدها تمامًا:
_ بس ده ميعنيش إننا هنسيبك. أنا وروح هنفضل نطمن عليكي كل يوم. أي حاجة تحتاجيها أي وقت. ليل أو نهار تتصلي بيا فورًا مفهوم؟ إحنا مش هنسيبك لوحدك مهما حصل.
أومأت صبر مجبرة عندما عاودها ذلك الألم بقوة أشد. ازدردت ريقها بصعوبة وحاولت أن تخفي ألمها:
_ إن شاء الله.
كانت جدران غرفة نغم الأربعة تطبق على أنفاسها. كل ركن فيها يحمل ذكرى صامتة وكل قطعة أثاث شاهدة على عزلتها التي فرضتها على نفسها. كانت قد تحولت إلى شبح في منزل الرفاعي. جسد يتحرك بلا روح، وقلب ينبض فقط ليذكرها بألمه.
دخلت وعد كشعاع شمس عنيد مصممة على اختراق هذه العتمة. جلست بجانبها وصوتها الحنون كان كقطرات الماء على صخرة صماء:
_ قاعدة لوحدك ليه يا نغومة؟ الدنيا بره جميلة.
لم ترد نغم. فعيناها كانتا تائهتين في الفراغ الذي يسكن روحها.
_ أنا وسند خارجين نشتري شوية حاجات لعدي.
صمتت وعد للحظة ثم أمسكت بيد نغم الباردة وقالت بنبرة لا تقبل الرفض، نبرة أخت تخاف على أختها:
_ وعشان خاطري عشان خاطر غلاوتي عندكِ، تاچي معانا. مش هقبل أي أعذار. حرام اللي بتعمليه في نفسك ده. إنتي بتدبحي روحك بالبطيء. لازم تشمي هوا. لازم عينيكي تشوف نور غير الضلمة اللي معيشة حالك فيها دي.
قاومت نغم في البداية فكرة الخروج إلى العالم الخارجي. كانت مرعبة. فكرة مواجهة عيون الناس كانت كابوسًا.
لكن إصرار وعد كان كالسيل يجرف أمامه كل دفاعاتها الواهية. تنهدت باستسلام مرير ووافقت، ليس رغبة منها بل يأساً من المقاومة.
"تمام، هغير وأجيلكم."
قالت وعد بسعادة.
"خلاص أنا هغير لعدي بسرعة وأسيبه مع أمي ونخرج براحتنا."
في السيارة كان العالم يمر من خلال النافذة كشريط سينمائي باهت. ضحكات سند ووعد كانت كصوت قادم من عالم آخر، عالم لا تنتمي إليه.
وصلوا إلى منطقة تجارية راقية تعج بالحياة والألوان والناس السعداء. كل هذا زاد من شعورها بالغربة.
بعد أن انتهوا من شراء كل ما يلزم الصغير عدي، وبينما كانوا على وشك المغادرة، قالت وعد:
"فاضل إحنا وخلاص، أوعدك مش هنتأخر."
حدث شيء غير متوقع. رغبة خافتة كشمعة ترتعش في مهب الريح في أن تشعر بأنها لا تزال موجودة، لا تزال أنثى.
"تمام."
لمعت عينا وعد بسعادة غامرة، كأنها حققت انتصاراً عظيماً.
"يلا بينا."
دخلا المحل الذي كان ينضح بالأناقة والرقي. وبينما كانتا تتجولان وسط الفساتين المعلقة كأعمال فنية، بعد قليل اقتربت منهما فتاة من العاملات بابتسامة مصطنعة.
"مساء الخير يا فندم، أعتقد الفستان ده هيكون مثالي على حضرتك."
قدمت لها فستاناً بلون الزمرد الأخضر الداكن. كان تصميمه هادئاً، قماشه انسيابي ينساب كشلال، وقصته راقية ومحتشمة بشكل مذهل. لم يكن مجرد فستان، كان حقاً قطعة فنية. شعرت نغم بانجذاب غريب نحوه، كأنه يناديها.
أخذت الفستان ودخلت إلى غرفة القياس الواسعة ذات المرايا المتعددة. أغلقت الباب وللحظة ترددت، لكنها خلعت ملابسها وارتدته. عندما استدارت لترى نفسها في المرآة، توقفت أنفاسها. لم تكن هذه هي نغم الشاحبة كما يخبروها، بل كانت ملكة حزينة. كان الفستان يبرز كل جمالها الهادئ ويمنحها هالة من القوة والغموض، لكن الحزن دمر كل شيء جميل بها.
وفجأة سمعت صوت طرقات خافتة على الباب من الخارج. فتحت الباب من الداخل، ظناً بأنها وعد أو الفتاة التي تعمل به.
تجمد جسدها وعاد الرعب القديم ليجتاحها. عندما استدارت لتجد جاسر يقف هناك يملأ المكان بهيبته، وقد دفع الباب وأغلقه خلفه، عازلاً إياها عن العالم.
"أنت!"
صرخت بصوت مكتوم.
"إيه اللي دخلك اهنه؟ بتراقبني؟"
كانت نظرات جاسر نارية كجمرتين مشتعلتين تجول على جسدها وهي ترتدي الفستان الذي اختاره هو بنفسه وأرسله مع الفتاة. فكرة أنها دخلت هذا المكان وخلعت ملابسها وجربت فستاناً كانت كافية لتشعل نيران الجحيم في صدره. لكنه كبح جماح غيرته الوحشية بصعوبة، فهذا ليس وقتها.
"دي الطريقة الوحيدة عشان أقدر أوصلك عشان أكون معاكي في مكان واحد من غير ما الدنيا كلها تكون بينا."
تراجعت للخلف خطوة خطوتين حتى التصق ظهرها البارد بالمرآة. لضيق المكان الذي رغم مساحته شعرت به ضيق.
"مفيش كلام بينا، كل الكلام اتجال وخلص."
اقترب منها وكل خطوة يخطوها كانت تزيد من ضيق المساحة وتجعل أنفاسها تتسارع. صوته خرج متحشجاً، يفيض بالشوق والألم الذي لم يعد قادراً على إخفائه.
"كفاية يا نغم، كفاية بتعذبيني وبتعذبي حالك. ارجعيلي، ارجعي بيتك."
كانت كلماته كالمطرقة التي تهدم جدار اللامبالاة الذي بنته حول قلبها. قلبها كان يصرخ يتوسل إليها أن تستسلم، أن ترتمي في حضنه الذي هو وطنها الوحيد، مهما كان قاسياً. لكن عقلها كان سياجاً من الأشواك، يذكرها بكل لحظة ألم.
"أرجع لمين؟ للراجل اللي حبسني وهددني؟ للراجل اللي كان كل همه يكسرني ويدوس على قلبي؟ أرْجع للراجل اللي إيده ملوثة بالدم؟"
ضيق عينيه بحيرة وتابعت هي:
"إيه نسيت السواق ولا من كترهم بتوه بينهم."
لاحت منه نظرة عتاب محاها سريعاً.
"أنا اتغيرت يا نغم، اتغيرت. إنتي اللي غيرتيني. حبي ليكي خلاني إنسان تاني."
ضحكت ضحكة مريرة خالية من الفرح.
"لأ أنت زي ما أنت، جاسي، متملك، مبتفكرش غير في نفسك وفي اللي يرضي غرورك."
"كنت، واتغيرت، وبقولك اديني فرصة أعوضك."
نظرت إليه بعيون تجمعت بها الدموع وهي تتذكر ما فعله بها.
"تعوضني؟ عن إيه ولا إيه؟ عن أبويا اللي دمه لسه في إيديكم؟ ولا عدي اللي كنتوا سبب في موته وسبتوه يتحرج قدام عينيا؟ ولا السواق اللي قتلته بإيديك ولا كأنك عملت حاجة أصل وجولتها بكل بساطة اه قتلته؟"
ضربت على قلبه بقبضتها الواهنة.
"ده مستحيل يعرف الحب لأنه عاش وسط ديابة ووحوش ميعرفوش يعني إيه حب. أنا بكرهك يا جاسر، بكرهك."
مسك يدها التي تضربه بها وقال بقوة:
"لا بتحبيني يا نغم، مهما حاولتِ تداري بس واضح قوي في عنيكي."
صرخت به:
"كذاب...."
قاطعها بإصرار:
"لأ مش كذاب..."
أدارها لتواجه المرآة وقال بقوة:
"بصي في عينيكي وشوفي مدى الحيرة اللي فيها. قلبك بيقول حاجة وعقلك بيقول حاجة تانية..."
أغمضت عينيها لا تريد أن ترى شيء. هذه طريقة أخرى كي يعذبها بها ولن تتركه ينجح في ذلك. شعرت بالاختناق، كأن جدران الغرفة الصغيرة تطبق عليها. لم تعد تحتمل قربه، لم تعد تحتمل هذا الصراع الذي يمزقها.
في لحظة يأس دفعته بكل ما أوتيت من قوة. تفاجأ جاسر بحركتها، بتمردها اليائس فراجع خطوة، كانت كافية. استغلت نغم هذه اللحظة، فتحت الباب وأسرعت بالهرب.
ركضت خارج غرفة القياس والفستان الزمردي يعيق حركتها. جرت عبر المحل كنجمة هاربة تحت نظرات وعد المصدومة والعاملات المندهشات. لم تتوقف بل خرجت إلى الشارع المزدحم وهي لا ترى أمامها والدموع تعمي عينيها.
تلفتت حولها بهلع. لم تجد أثراً لسند أو وعد. شعور بالضياع التام اجتاحها. رأت سيارة أجرة تقترب فأشارت إليها بجنون. توقفت السيارة، فتحت الباب وركبت بسرعة وهي تلهث، وأغلقت الباب بقوة.
"اطلع... اطلع بسرعة لو سمحت."
انطلقت السيارة وأغمضت نغم عينيها تحاول أن تهدئ من روعها، أن تلتقط أنفاسها التي سرقها الرعب والمواجهة.
"على فين يا هانم؟"
تجمدت في مكانها. هذا الصوت... هذا اللحن الخبيث الذي طاردها في أسوأ كوابيسها ليالي طويلة. فتحت عينيها ببطء ورعب ونظرت في مرآة السائق.
كان هو. نفس الوجه الكريه، نفس النظرة الدنيئة. السائق الذي كاد أن يعتدي عليها. فتحت فمها لتصرخ، لتأمره بالتوقف، لكنه هو من لمح وجهها في المرآة أولاً. تغيرت ملامحه في لحظة إلى الرعب المطلق، كأنه رأى شبحاً من الجحيم. ضغط على الفرامل بكل قوته حتى انحرفت السيارة وتوقفت بشكل مفاجئ وعنيف وسط الطريق وأصوات أبواق السيارات الأخرى تتعالى حولهما.
التفت إليها والهلع الصافي يملأ وجهه.
"إنتي؟! انزلي! انزلي من عربيتي!"
لم تفهم سبب رعبه. كل ما أرادته هو النجاة.
"وقف العربية بقولك!"
صرخ فيها بصوت يرتجف من الخوف والذكريات السيئة.
"انزلي! منك لله خربتي بيتي. انتي والراجل ده دمرلي حياتي. انزلي بقولك."
نزل من السيارة كالمجنون وفتح لها الباب، ثم قام بجذبها من ذراعها وأنزلها بعنف على الرصيف، ثم عاد إلى سيارته وانطلق بها بأقصى سرعة، هارباً منها كأنها الطاعون.
وقفت نغم على الرصيف والفستان الزمردي الفاخر قد تلوث بغبار الشارع، والناس ينظرون إليها باستغراب. لكنها لم تكن ترى أحداً. كانت تسمع فقط صدى كلمات السائق في أذنيها "خربتي بيتي... بهدلني...".
إذن... جاسر لم يقتله. لم يرتكب جريمة قتل كما أوهمها ليرعبها ويسيطر عليها. لقد عاقبه فقط، عاقبه بشدة، لكنه لم ينهي حياته.
في وسط صدمتها وفي قلب الشارع المزدحم، سقطت قطعة أخرى من الصورة التي رسمتها لجاسر في عقلها. قطعة غيرت كل شيء وكشفت لها عن حقيقة جديدة. حقيقة جعلت صراعها الداخلي أكثر تعقيداً وشراسة.
فجأة توقفت سيارة سند ونزل منها هو ووعد بدهشة.
"إيه يا نغم؟ إزاي تخرجي كده من غير ما تقولي."
لم تجد نغم سوى حضن وعد ترتمي به. وأجهشت حينها بالبكاء.
كانت أروقة المحكمة تضج بالهمسات والدهشة. لقد فعلها جاسر التهامي مرة أخرى. كسب قضية سياسية مستحيلة. قضية كانت كل الأدلة فيها ضده، لكنه بذكائه ودهائه ومرافعته الأسطورية، قلب الطاولة على الجميع وخرج منتصراً.
سار جاسر خارجاً من قاعة المحكمة بوقار وثقة. خطواته محسوبة ورأسه مرفوع. كان المحامون المنافسون ينظرون إليه بحسد مرير، بينما كان فريقه يتبعه بابتسامات فخر وإعجاب. لم يكن يلتفت لأحد. كانت عيناه مركزتين على هدفه، وكأن هذه القضية الكبرى لم تكن سوى خطوة صغيرة في معركته الحقيقية.
ما إن ابتعد عن الزحام ووصل إلى سيارته التي كانت تنتظره حتى أخرج هاتفه وأجرى مكالمة. تغيرت نبرته الباردة والواثقة إلى نبرة حادة وعملية.
"أنا خلصت. إيه الأخبار عندك؟"
جاءه الرد من الطرف الآخر، فاستمع جاسر بصمت لعدة ثوانٍ وعيناه تراقب الشارع أمامه كصقر يراقب فريسته.
"تمام، خليك مراقبها كويس. أول ما تخرج من باب السرايا... أول ما رجليها تطلع بره... عرفني فوراً. مش عايز أي غلطة."
أغلق الهاتف وألقاه على المقعد بجانبه. لقد استنفد كل الطرق الأخرى. حاول بالمنطق، بالتنازل، بالرجاء، لكنهم رفضوا. لقد تركوا له الخيار الذي يجيده أكثر من أي شيء آخر: القوة.
لم يعد يهمه رأي أحد. لقد أعد كل شيء. اشترى شقة في القاهرة. شقة لا يعرف مكانها أحد سواه هو ورجاله المخلصين. ستكون هذه الشقة هي سجنهما الذهبي. سيخطفها، سيأخذها بعيداً عن أهلها، بعيداً عن كل من يعرفونه. سيجلبها إلى هنا حيث لن يكون لها مهرب. سيحاصرها بحبه، بجنونه، بشوقه. سيجعلها ترى جاسر الذي لم يره أحد من قبل. سيجعلها تفهم أنه لا يستطيع التنفس بدونها. سيجعلها بطريقة أو بأخرى، تحبه كما يحبها هو.
كانت خطة مجنونة، خطة يائسة، لكنها كانت خطته الوحيدة المتبقية. لقد قرر أنه لن يعيش يوماً آخر بدونها، حتى لو كان الثمن هو أن تصبح سجينة حبه إلى الأبد.
عاد مالك وروح إلى شقتهما، لكن الدفء والراحة اللذين غادرا بهما قد تبخرا تماماً، وحل محلهما صمت ثقيل ومشحون. ألقت روح بحقيبتها على أقرب مقعد، بينما اتجه مالك مباشرة إلى الأريكة وارتمى عليها بإرهاق، ووضع يديه على وجهه وكأن هموم الدنيا كلها قد تجمعت فوق رأسه. جلست روح بجانبه بهدوء ووضعت يدها على ظهره تربت عليه برفق.
لم تتحدث بل منحته مساحة ليجمع أفكاره المشتتة.
بعد دقائق من الصمت أبعد مالك يديه عن وجهه وتحدث بصوت مرهق وكأنه يكلم نفسه أكثر مما يكلمها.
_ أنا مش عارف أعمل إيه يا روح... مش عارف.
نظر إليها بعينين تائهتين تعكسان حجم الصراع الذي يدور بداخله.
_ اللي عملته ده غلط مينفعش أخبي حاجة زي دي على أكمل. ده مش أي حد ده أخويا اللي أبويا مخلفهوش.
لو عرف في يوم من الأيام إني كنت عارف الحقيقة وسكت... هخسره وهيكون له حق.
تنهد بعمق وأكمل بحيرة.
_ وفي نفس الوقت... البنت دي شفتي كانت عاملة كيف؟ شفتي الرعب اللي في عينيها؟ حلفتني بأغلى حاجة عندي... حلفتني بيكي وباللي في بطنك إزاي أكسرها بعد كل اللي شافته؟
أمسكت روح بيده وضغطت عليها بحنان، كانت تشعر بألمه وحيرته.
_ أنا حاسة بيك يا مالك وخابرة إن موقفك صعب قوي.
أنت بين نارين: يا تخسر صاحبك، يا تكسر وعدك لواحدة مظلومة.
صمتت للحظة وكأنها ترتب فكرة بدأت تتشكل في ذهنها، ثم نظرت إليه بجدية.
_ بس يمكن فيه حل تالت.
رفع مالك رأسه ونظر إليها باهتمام.
_ حل إيه؟
اقتربت منه أكثر وقالت بصوت هادئ وذكي.
_ أنت مش هتخبي الحقيقة على أكمل... أنت هتخليه هو اللي يكتشفها بنفسه.
عقد حاجبيه باستغراب.
_ كيف يعني؟
أكملت روح خطتها.
_ فرح أكمل وليلى بعد كام يوم صح؟ وصبر بتشتغل في محل فساتين. إيه اللي هيحصل لو "بالصدفة"... أكمل وليلى قرروا يروحوا المحل ده عشان ليلى تشتري فستان؟
اتسعت عينا مالك ببطء وهو يبدأ في فهم ما ترمي إليه.
_ أنت مش هتقول لأكمل أي حاجة عن صبر أو عن الحمل. كل اللي هتعمله إنك هتقترح عليه ياخد خطيبته للمحل ده بالذات.
هتقول له إن المحل ده حاجاته مميزة، وإن روح اشترت منه فستان وعجبها قوي. مجرد اقتراح بريء من صاحب لصاحبه.
واصلت روح شرحها وعيناها تلمعان بالذكاء.
_ وساعتها أكمل هيشوفها بنفسه. هيشوفها وهي حامل هيتصدم، وهيتفاجئ وهيكون مجبر يواجهها ويسألها.
ولما يواجهها هي هتحكيله الحقيقة والحقيقة هتطلع، بس مش منك أنت. أنت هتكون بره الموضوع تمامًا.
لا خبيت عليه ولا كسرت وعدك.
أنت كل اللي عملته إنك دليتهم على محل فساتين.
صمت مالك تمامًا وهو يستوعب دهاء الفكرة. كانت خطة مثالية، خطة ترفع عنه عبء كتمان السر وتجبر أكمل على مواجهة الحقيقة دون أن يكون هو من ألقاها في وجهه.
نظر إلى زوجته بإعجاب ودهشة.
_ ساعات بحس إني متجوز محامية مش واحدة أخدت المعهد بطلوع الروح.
ابتسمت روح ابتسامة خفيفة.
_ أنا بس بحاول ألاقي مخرج لـ جوزي حبيبي من الحيرة اللي هو فيها.
تنهد مالك براحة وشعر بأن جبلاً قد أزيح عن كاهله. لقد وجد الحل.
حل ذكي ومحايد ويحفظ ماء وجه الجميع.
أمسك بيدها وقبلها بامتنان.
_ ربنا يخليكي ليا يا روح. لولاكي مكنتش ها أعرف هعمل إيه.
لقد أعطته زوجته خطة للخروج من المأزق والآن كل ما عليه فعله هو أن يزرع البذرة في عقل أكمل، وينتظر ليرى كيف ستنمو وتنفجر في وجه الجميع.
كانت ليلة هادئة في شقة مالك بالقاهرة. ليلة من تلك الليالي التي أصبحت تمثل السعادة المطلقة لـ مالك.
كان يجلس على الأريكة المريحة في الصالة وروح مستقرة في حضنه، رأسها على صدره وذراعه تلتف حولها بحنان، بينما يده الأخرى تستقر برفق على بطنها المنتفخة، يتلمس من خلالها حركات ابنته التي لم تأت بعد والتي أصبحت بالفعل محور عالمه.
كانا يشاهدان فيلماً رومانسياً على شاشة التلفاز الكبيرة.
لم يكن تركيزهم كاملاً على أحداث الفيلم بقدر ما كانا منسجمين مع وجودهما معاً، مع دفء اللحظة.
كان مالك يميل كل بضع دقائق ليطبع قبلة حانية على رأسها أو جبينها، ثم يعود ببصره إلى الشاشة مستمتعاً بكل ثانية من هذا القرب.
وصل الفيلم إلى ذروته العاطفية، البطل والبطلة بعد فراق طويل يلتقيان أخيراً في مشهد ممطر وتتعانق نظراتهما المليئة بالشوق، ثم تذوب المسافات بينهما في قبلة طويلة وعميقة.
في تلك اللحظة انحنى مالك وهمس في أذن روح بصوت مرح ومغر.
_ ما تيجي نعمل زيهم؟
ابتسمت روح ابتسامة ماكرة ورفعت رأسها لتنظر إليه متظاهرة بالموافقة التامة.
_ فكرة حلوة.
لكن في لمح البصر وقبل أن يتمكن من الرد انتفضت من حضنه بخفة مفاجئة لا تتناسب مع حملها وبدأت تجري مبتعدة عنه وهي تضحك.
_ بعينك أنا تعبانة وعايزة أنام.
ضحك مالك بصوت عالي مستمتعاً بروحها المرحة.
همت بفتح الباب والهرب داخل الغرفة وغلق الباب خلفها، لكنه نهض من مكانه بخفة، وفي خطوتين واسعتين كان قد وصل إليها وحاصرها بين ذراعيه من الخلف ورفعها قليلاً عن الأرض.
قال وهو لا يزال يضحك وأنفاسه دافئة على عنقها.
_ بتفكري تهربي مني؟ مفيش مكان في الدنيا دي كلها ممكن تهربي فيه مني.
أنزلها برفق وأدارها لتواجهه، وكانت عيناه تلمعان بالحب الصافي والشغف.
_ إنتي عالمي كله يا روح... وكل الطرق اللي فيه بترجعني ليكي.
لم تعد هناك حاجة للكلمات. مال نحوها، وأخذ شفتيها في قبلة بدأت رقيقة ومرحة، ثم سرعان ما تعمقت، لتصبح تعبيراً عن كل السعادة والامتنان الذي يشعر به لوجودها في حياته.
كانت قبلة تحمل في طياتها دفء المنزل، وبهجة الضحكات، ووعداً بمستقبل أجمل بوجودها هي وابنتهما.
حملها بين ذراعيه ليأخذها معه إلى عالمه الخاص، عالم لا يسمع فيه سوى دقات قلبها، ولا يرى فيه سوى الحب في عينيها، عالم يؤكد له في كل مرة أن سعادته الحقيقية قد بدأت في اليوم الذي أصبحت فيه "روح" ملكه.
في غرفة مالك وروح.
طبع مالك قبلة حانية على جبين روح وهو ينتظر رد أكمل على الهاتف.
وفي المحاولة الثانية أجابه أكمل بيأس.
_ أنت بتبقى قاصدها ولا بتيجي معاك كده؟
ضحك مالك وابتعد قليلاً عن روح.
_ معلش بقى أصل الموضوع مهم.
تحدث بجدية.
_ أنا مضطر أرجع بكرة الصعيد عشان روح محتاجة تنزل ضروري. بس متقلقش هنيجي على الفرح.
نظر إلى روح التي تنظر إليه بترقب وغمز لها بعينيه.
_ دي حتى طلعت عيني لحد ما اشترت فستان تحضر به فرحكم. بس محل إيه تحفة لدرجة أنها حجزت فستان لليلى ليوم الحنة كهدية لها. بس البنت عايزة تاخد مقاس ليلى.
_ ليه بس؟ مكنش فيه داعي لكل ده.
بعث مالك لروح قبلة في الهواء وهو يتابع مكره.
_ يا سيدي دي هدايا ستات مع بعضهم. المهم في أقرب وقت تروح معاها تقيس الفستان، واطمن فلوسه اتدفعت خلاص.
أغلق مالك الهاتف وعاد إلى روح التي كانت تبتسم بسعادة وانتصار.
_ ها؟ عجبتك.
قال بفخر.
_ جدا.
اقترب منها مرة أخرى بخبث.
_ طيب بما إني عجبتك فين المكافأة؟
زمت روح فمها بغيظ.
_ هو ده وقته؟ عايزين نطمن أكمل هيروح ولا لأ؟
تظاهر مالك بعدم الاهتمام.
_ وأنا مالي. وبعدين احتمال كبير خطيبته متوافقش فبالتالي هيجبرها عشان أنا مزعلش تقوم خناقة بينهم وترفض بالعند.
ظهر القلق على روح.
_ أنا خايفة قوي لأكمل فعلاً ياخد ابنه منها ويسيبها تاني.
طمئنها مالك بثقة.
_ لا متخافيش. أكمل عنيد صحيح بس مش هيقدر يحرمها من ابنها وخصوصاً أنه فعلاً بيحبها، بيحبها من قبل حتى ما يتجوزوا. جوازه منها مكنش بدافع لف الموضوع. أكمل لو مش عايزها مكنش فيه حاجة في الأرض هتجبره. أنا واثق إن وقت ما يشوفها هينسى كل حاجة.
أومأت روح واطمأن قلبها على تلك الفتاة.
في اليوم التالي.
عاد مالك وروح إلى البلدة وقد شعرت بحنين جارف إلى الجميع.
كانت "نغم" تجلس في غرفتها، تحاول أن تقرأ كتاباً، لكن الكلمات كانت تتراقص أمام عينيها بلا معنى.
كانت تحاول جاهدة أن تتأقلم على حياتها الجديدة، أن تقنع نفسها بأنها في المكان الصحيح وأن قرارها بالابتعاد عن جاسر كان هو الصواب، لكن الحقيقة كانت أقوى من كل محاولاتها.
في لحظة ضعف أغلقت الكتاب وألقت به جانباً.
وصورته كانت تتراقص أمام عينيها.
كانت تتظاهر بأنها لا تريده، لكن الحقيقة التي لا مفر منها أنها كانت تريده بكل جوارحها.
اعترفت لنفسها أخيراً بالحقيقة المرة التي كانت تهرب منها.
هي تحبه للأسف ورغم كل شيء اعترفت لنفسها بوضوح.
هي تحب جاسر.
تحب قسوته التي تخفي ضعفاً، وتحب نظرته التي كانت تخترقها، وتحب حتى جنونه بها.
والأهم من كل ذلك تمسكه بها.
وكلما تمسك بها كلما عاندت كي تستمتع بذاك التمسك.
مع هذا الاعتراف، انهمرت دموعها بصمت، دموع حزن على حب مستحيل.
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة بهدوء ودخلت روح.
ما إن رأت نغم أختها حتى مسحت دموعها بسرعة محاولة أن ترسم ابتسامة باهتة على وجهها.
_ روح! حمد لله على السلامة.
أغلقت روح الباب وتقدمت من أختها تحتضنها بشوق.
_ وحشتيني قوي يا نغم.
_ وأنتِ كمان يا روح.
اتقنت نغم اخفاء حزنها.
لكن روح كانت قد رأت كل شيء فسألتها بقلق.
_ كنتي بتعيطي ليه يا نغم؟ فيكي إيه؟
هزت نغم رأسها نافية وهي تتجنب النظر في عيني أختها.
_ لأ أبداً. مفيش حاجة يمكن بس عيني دخل فيها حاجة.
أمسكت روح بيدها بحنان.
_ عليا أنا يا نغم؟ أنا أختك. أنا شايفاكي بقى لي فترة مش على بعضك.
شايلة هم كبير لوحدك. احكيلي فضفضي معايا يمكن ترتاحي.
نظرت نغم إلى وجه أختها الحنون، إلى عينيها المليئتين بالقلق الصادق.
لم تعد قادرة على التحمل وحدها.
انهار سد الكتمان الذي بنته حول قلبها.
وقررت لأول مرة ان تعترف لنفسها ولأختها بما يشعر به قلبها.
_ شوفت جاسر في المول وأنا مع سند ووعد.
قطبت روح جبينها بحيرة.
_ جاسر؟ كان بيعمل إيه؟
أشاحت بعينيها ولم تستطع الرد.
فهمت روح على الفور وسألتها.
_ كان جاي عشانك مش كده؟
ظلت نغم على صمتها فسألتها روح بجدية.
_ نغم أنا هسألك بس تجاوبيني بصراحة.
أنتي بتحبي جاسر؟
أغمضت عينيها وتمنت أن تكون الإجابة كما يريد عقلها، لكن قلبها أراد أن يعترف وظلت حائرة بينهم. وعندما أعادت روح سؤالها هزت رأسها بحيرة.
وقالت بصوت مختنق وكأنها تعترف بذنب عظيم.
_ مش عارفة.
_ مفيش حاجة اسمها مش عارفة. يا أه يا لأ.
أغمضت نغم عينيها ونظراته العاتبة لها في المشفى تكوي قلبها، وأومأت برأسها رغماً عنها.
لم تتفاجأ روح.
كانت تشعر بذلك، كل ما فعلته هو أنها شدت على يد أختها أكثر وأخذتها في حضن دافئ وتركتها تبكي وتخرج كل الألم المكبوت في صدرها.
مر وقت طويل ونغم تبكي دون انقطاع، وروح تربت على كتفها تهدئ من روعها.
بعد أن هدأت نغم قليلاً، ابتعدت روح عنها وقالت بهدوء:
_ طيب، ومادام بتحبيه، ليه بتعذبي حالك وبتعذبيه معاكي؟ ليه مترجعيلوش وتديله فرصة؟
مسحت نغم دموعها وقالت بيأس:
_ أرجعله كيف؟ كيف يا روح؟ إنتي ناسية اللي بينا؟ بينا دم، بينا تار عمره سنين.
ابوه قتل أبونا، وعدي مات بسببه وبسبب عيلته، إزاي ممكن نكمل مع بعض وكل ما أبص في وشه هفتكر كل ده؟ مش هينفع.
نظرت روح إليها بعقلانية ومنطق.
_ بس هو كمان خسر أبوه، والتار ده كان من زمان. إنتوا الاتنين ملكمش ذنب فيه. وبعدين... بصي لعمي سالم ومراته.
اتسعت عينا نغم قليلاً.
أكملت روح:
_ مش مرات عمك تبقى عمة جاسر؟ مش كان بينهم نفس التار ونفس الدم؟ ورغم كده حبوا بعض، واتجوزوا، وخلفوا، وعايشين أسعد حياة.
الحب بتاعهم كان أقوى من أي تار.
ليه حبكم إنتوا ميكونش زيهم؟ ليه متحاوليش؟
صمتت نغم.
كانت حجة روح قوية ومنطقية.
لم تفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل، لقد كان أمامها مثال حي على أن الحب يمكن أن ينتصر على الكراهية.
أضافت روح بنبرة أكثر حناناً:
_ جاسر بيحبك يا نغم، باين في عينيه، الراجل ده مستعد يعمل أي حاجة عشانك.
يمكن لو اديتيه فرصة، لو اديتي نفسك فرصة، تقدروا تبنوا حياة جديدة بعيد عن الماضي.
الحب بيغفر والحب بينسي.
ظلت نغم صامتة تفكر في كلمات أختها.
لقد زرعت روح في عقلها بذرة من الأمل، بذرة من التساؤل.
هل يمكن حقاً أن يكون هناك فرصة؟ هل يمكن للحب أن يكون أقوى من الدم؟ لم تجد إجابة، لكن للمرة الأولى منذ شهور، بدأت تفكر في إمكانية وجود طريق آخر غير طريق الرفض والابتعاد.
استيقظ جاسر من نومه على صوت جرس الباب الذي كان يدوي بإصرار.
فتح عينيه ببطء ونعاس، وتطلع في ساعته فوجدها العاشرة مساءً.
كيف ظل نائماً حتى ذلك الوقت؟ لقد أغرقه الحلم في سبات عميق ومؤلم.
عاد رنين الجرس ليدوي مرة أخرى، مما جعله يستاء من ذلك الطارق المزعج.
سار حافي القدمين وهو يحاول فتح عينيه، مرر يده في شعره المبعثر بضيق.
من قد يأتي في هذا الوقت؟ فتح الباب بعنف وهو على وشك أن يصب غضبه على الطارق، ثم رفع وجهه... وتجمد.
الكلمات ماتت في حلقه، الزمن توقف، كانت هي... تقف أمامه.
أغمض عينيه بقوة وفتحهما مرة أخرى، يتأكد، يخشى أن يكون عقله قد بدأ في الهذيان، لكنها كانت لا تزال هناك، بنفس ملامحها التي يعشقها، بنفس نظراتها الحائرة.
_ نغم.
ردد اسمها بصوت متحشرج، صوت يخرج من بئر عميق من عدم الاستيعاب. كانت نظراتها مترددة تهرب من مرأى عينيه، تتجول في أي مكان إلا وجهه، وكأنها تخشى أن ترى رد فعله.
للحظة ساد صمت مشحون بالكهرباء، صمت أثقل من كل الكلمات.
ثم وكأن غريزة البقاء قد سيطرت عليه، تحرك جاسر في حركة خاطفة سريعة ويائسة جذبها من ذراعها إلى الداخل وأغلق الباب خلفها ثم خطفها إلى حضنه.
لم يكن حضناً عادياً، كان حضن رجل يائس وجد كنزه المفقود. لف ذراعيه حولها بقوة، بقوة تكاد تسحقها كأنه يحاول أن يدمجها بجسده، يخبئها من العالم، يمنعها من الاختفاء مرة أخرى.
دفن وجهه في شعرها، يستنشق رائحتها التي لم تفارقه لحظة، الرائحة التي كانت تطارده في صحوته ومنامه.
همس بصوت مرتعش وهو لا يزال لا يصدق:
_ إنتي حقيقية؟... أنا بحلم... صح؟
شعرت نغم بارتجاف جسده، بقوة مشاعره التي كادت أن تحطمها. لم تستطع المقاومة، لقد شلّها يأسه الواضح.
_ أنا بحلم باليوم ده بقالي أكتر من ست شهور.
أكمل وهو يشدد من احتضانها.
_ كل ليلة كنت بحلم إنك بترجعي... والنهاردة... النهاردة الحلم اتحقق، مستحيل... مستحيل أسيبك تمشي تاني.
ابتعد عنها قليلاً، فقط ليمسك وجهها بين كفيه الكبيرتين، وعيناه تتفحصان كل ملمح فيها بجوع كأنه يحاول أن يتأكد أنها ليست مجرد طيف.
ثم قبل أن تتمكن من نطق كلمة واحدة، مال نحوها وقبلها.
كانت قبلة قوية وعميقة لكنها كانت هادئة في نفس الوقت.
لم تكن قبلة قاسية أو عنيفة، بل كانت قبلة رجل خائف.
خائف من أن يكون كل هذا مجرد حلم، وأن يوقظه صوت الجرس مرة أخرى ليجد نفسه وحيداً.
كانت قبلة يروي بها عطش ستة أشهر من الجفاف، قبلة مليئة بالرجاء والشوق والألم.
بدأت نغم تتراجع قليلاً، غمرتها قوة مشاعره، لكنه شعر بتراجعها فضمها إليه أكثر وقضى على ترددها بقبلة أعمق، قبلة لم تترك لها مجالاً للتفكير أو المقاومة.
عندما ابتعد عنها أخيراً، كان كلاهما يلهث. نظر في عينيها مباشرة وقال بنبرة لا تقبل الجدال، نبرة رجل استعاد ملكيته الأثمن:
_ إنتي مش هتمشي من هنا تاني.
تطلعت إليه بعتاب جارف، وصوتها يخرج مهزوزاً ومبحوحاً من فرط المشاعر المكبوتة.
_ بس أنت جرحتني...
تطلع بلوعة إلى عينيها وكأن كلمتها سكين اخترقت قلبه من جديد.
تمتم بصدق بعهد يقطعه على نفسه في تلك اللحظة.
_ هداويكي...
هزت رأسها والدموع تتجمع في عينيها، ترفض أن تصدق أن الشفاء بهذه السهولة.
_ أنت كسرتني...
شدد من قبضته على يديها كأنه يحاول أن يلملم شظاياها المتناثرة.
_ همحي كسرتك من الوجود...
تذكرت ليالي الوحدة والخوف والظلام الذي أحاط بها.
_ دخلتني ضلمتك...
نظر في عينيها مباشرة وعيناه تلمعان بوعد صادق.
_ هكونلك النور...
تذكرت قسوته كلماته التي كانت كالسياط.
_ أنت قسيت عليا...
انحنى ووضع جبهته على جبهتها وأنفاسه الحارة تلفح وجهها.
_ هبقى حنيتك...
كانت كل كلمة منها سهماً من الألم، وكل كلمة منه كانت ضمادة ووعداً بالشفاء.
كانت حرباً بين ماضيها الموجع ومستقبله الذي يصر على بنائه معها من جديد، من فوق حطام الأمس.
لم ينتظر ردها حملها بين ذراعيه فجأة فتشبثت به نغم بشكل غريزي ودفنت وجهها في تجويف عنقه تستنشق رائحته التي اشتاقتها حد الألم.
كانت حركة مفاجئة لكنها لم تكن عنيفة بل كانت مليئة باليأس والحاجة، كغريق يتمسك بآخر طوق نجاة.
اتجه بها مباشرة إلى غرفة نومه، إلى عالمه الخاص الذي رفض أن يدخله أحد غيرها طوال تلك الشهور.
لقد عادت ملكته إلى عرشها، وهذه المرة سيغلق عليها أبواب مملكته ولن يسمح لها بالرحيل أبداً.
وضعها برفق على سريره لكنه لم يبتعد ظل ينظر إليها وعيناه تتجولان على وجهها بنهم، كأنه يحاول أن يحفظ كل تفصيلة كل رمشة عين كل شهقة خافتة خرجت من بين شفتيها.
لم يكن هناك حاجة للكلام كانت لغة العيون أبلغ من أي حوار.
كانت عيناه تحكي قصة ليالي طويلة من الأرق والندم، وعيناها تروي حكاية الوحدة والألم والخذلان.
مد يده ببطء وبأطراف أصابعه المرتجفة، أزاح خصلة شعر شاردة عن جبينها.
كانت لمسته ناعمة كالحرير، لكنها كانت تحمل في طياتها كهرباء أشعلت قشعريرة في جسدها.
همس بصوت أجش صوت رجل يستجدي الغفران دون أن ينطق بكلمة اعتذار.
_ وحشتيني... وحشتيني لدرجة كنت بحس فيها إني بموت كل يوم من غيرك.
أغمضت نغم عينيها واستسلمت للحظة لقد تعبت من المقاومة، تعبت من القوة المصطنعة.
لأول مرة منذ شهور، شعرت بالأمان شعرت بأنها عادت إلى وطنها، حتى لو كان هذا الوطن هو من جرحها ونفاها.
انحنى أكثر وقبلها مرة أخرى.
لكن هذه المرة كانت القبلة مختلفة لم تكن قبلة الشوق اليائسة عند الباب، بل كانت قبلة بطيئة حنونة، وعميقة.
قبلة تذوب فيها كل الحواجز، وتتلاشى معها كل الكلمات.
كانت قبلة تروي قصة حبهما المعقدة قصة الألم والشفاء، الفراق والعودة.
ابتعد عنها قليلاً وظلت شفاهه تلامس شفتيها، وأنفاسهما الحارة تمتزج معاً.
_ الليلة دي... مفيش ماضي، ومفيش بكرة فيه بس إحنا.
لم ترد لكنها فتحت عينيها ونظرت في عمق عينيه وفي تلك النظرة، وجد إجابته وجد الاستسلام ووجد الشوق، ووجد بداية جديدة تولد من رحم الألم.
وفي تلك الليلة لم تكن هناك كلمات بل كانت هناك فقط لغة الأرواح التي وجدت طريقها لبعضها البعض من جديد، في حضن الظلام الدافئ.
فتح جاسر عينيه فجأة.
كان قلبه يخفق بعنف وأنفاسه متقطعة وجسده يتصبب عرقاً.
للحظة ظل مستلقياً يشعر بدفئها بجانبه، ورائحتها لا تزال تملأ أنفه مد يده بلهفة ليتلمسها، ليحتضنها مرة أخرى...
لكن يده لم تلمس سوى الملاءات الباردة والفارغة.
انتفض جالساً في السرير ونظر حوله في حالة من الذعر.
كانت الغرفة هادئة ومظلمة لكنها كانت غرفته في شقته بالقاهرة.
لم تكن هناك نغم لم يكن هناك أثر لوجودها.
لقد كان كل شيء... مجرد حلم.
حلم حي حقيقي، ومؤلم لدرجة لا تطاق.
أطلق صرخة مكتومة مليئة بالألم والقهر، وضرب بقبضته على السرير بجانبه المكان الذي كانت فيه قبل ثواني ثم أسند رأسه بين يديه وشعر بدموع حارقة، دموع رجل محطم تتجمع في عينيه للمرة الأولى منذ سنوات.
لقد كان الحلم ألذ من أي حقيقة، وكانت الصحوة أقسى من أي كابوس.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم رانيا الخولي
كانت الغرفة هادئة إلا من صوت طي الملابس الذي كان يصدر عن مالك وهو يضعها بعناية في حقيبة سفره.
كل قطعة يضعها كانت تبدو وكأنها حجر يلقيه في قلب روح التي كانت تجلس على حافة السرير، تراقبه في صمت وعيناها معلقتان بكل حركة من حركاته.
لم تعد قادرة على التحمل أكثر. انهمرت دموعها بصمت وخرج صوتها مخنوقاً ومبحوحاً من البكاء المكتوم.
"يعني لازم تسافر برضك يا مالك؟"
توقف مالك عن ترتيب الحقيبة فور سماعه لصوتها المنهار، استدار نحوها ببطء وقلبه يعتصر ألماً لرؤية دموعها التي كانت أغلى شيء عنده. اقترب وجلس القرفصاء أمامها ومسح دموعها بأطراف أصابعه بحنان بالغ.
"حبيبتي إنتي عارفة إنه ضروري لازم أروح أخلص كل أوراجي وحاچتي اللي هناك ده مجرد إجراء، وهكون هنا جنبك جبل ما تاخدي بالك إني مشيت."
نظرت إليه بعينين متوسلتين وتشبثت بيده كغريق يتعلق بقشة نجاة.
"طب خدني معاك مجدرش أجعد إهنه لى حاللى من غيرك."
ابتسم مالك ابتسامة حنونة وهز رأسه برفق.
"يا روح جلبي إزاي بس؟ السفر دلوجت متعب وخطر عليكي وعلى اللي في بطنك أنا مجدرش أخاطر بيكوا أبداً كلها يومين واعاود وهتلاجيني جدامك أوعدك."
لكن كلماته لم تهدئها بل زادت من بكائها. شعرت بالخوف من فكرة ابتعاده عنها حتى لو لساعات.
"لاه... متسبنيش أنا بخاف وأنت مش چارى."
هنا لم يعد مالك قادراً على المقاومة. ضعف أمام دموعها كما يضعف دائماً. ترك الحقيبة المفتوحة وكل ما كان يفعله ونهض ليجلس بجانبها على السرير، سحبها برفق إلى حضنه وضمها بقوة كأنه يريد أن يخبئها عن العالم كله داخل ضلوعه.
دفن وجهه في شعرها يستنشق رائحتها التي أصبحت إدمانه وهمس في أذنها بصوتٍ عميق ودافئ.
"ششش... اهدي يا عمري أنا جارك أهه ومستحيل أهملك إنتي فاهمة؟ كل دجة جلب فيا بتنادي باسمك كل نفس باخده عشانك، السفر ده مچرد خطوة عشان نجفل صفحة جديمة، ونبتدي صفحتنا إحنا على أرضنا ووسط أهلنا."
رفع وجهها بيديه وجعلها تنظر في عينيه مباشرة. كانت نظراته بحراً من العشق والحنان، نظرات قادرة على إغراقها في عالم من الأمان.
"كل يوم بيعدي حبي ليكي بيكبر أكتر، بجيت مش بس بحبك، أنا بتنفس حبك إنتي الهوا اللي بعيش بيه."
لم تستطع روح أن تنطق بكلمة. كانت غارقة في عينيه في صدق مشاعره التي لم تعد الكلمات قادرة على وصفها.
انحنى مالك ببطء وقبّلها.
لم تكن قبلة عادية. كانت وعداً بالأمان وعهداً بالبقاء.
كانت قبلة طويلة عميقة ورومانسية، تحمل كل الشوق الذي يشعر به وكل الخوف من أن يفقدها.
نسي أمر السفر ونسي الحقيبة ونسي العالم الخارجي. لم يعد في عالمه سوى هي.
بين ذراعيه شعرت روح بأنها في حصنها المنيع، وأن كل مخاوفها تذوب وتتلاشى. استسلمت لمشاعره الجارفة وبادلته قبلته بنفس الشغف، مدركةً في تلك اللحظة أن حب مالك أصبح هو وطنها الذي لا يمكن أن تبتعد عنه أبداً.
***
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب تلقي بظلال طويلة على الأرض الزراعية الخصبة. وقف جاسر هناك، متكئاً على سيارته ينتظر في المكان المتفق عليه. مكان محايد بعيد عن أعين العائلتين. لم يطل انتظاره فقد ظهرت سيارة مالك من بعيد، تقترب بسرعة ثم تتوقف على بعد أمتار قليلة مثيرة سحابة من الغبار.
ترجل مالك من سيارته ووجهه متجهم كصخرة صوان.
سار نحو جاسر بخطوات ثابتة، وكل خطوة كانت تنضح بالرفض المسبق.
بدأ مالك الحديث مباشرة دون مقدمات وصوته جاف كأرض عطشى.
"خير يا جاسر؟"
وقف جاسر مستقيماً وتحدث بقوة.
"كل خير ان شاء الله، عايزك تساعدني أرچع مرتي."
قطب مالك جبينه بصدمة كأنه لم يسمع جيداً.
"أساعدك في إيه؟"
"أخطفها."
قالها جاسر ببرود تام كأنه يطلب كوباً من الماء.
هنا انفجر مالك ولم يعد يستطيع التحكم باعصابه التي يثيرها ذلك الرجل. تقدم خطوة بغضب وصاح في وجهه بصوت لا يصدق، صوت ممزوج بالاشمئزاز والغضب.
"إنت اتهبلت في نفوخك ياك؟ عايزني أساعدك توخطف بت عمي؟ بت الرفاعي؟"
لم يهتز جاسر. رد بفتوره المعتاد وكأن ما يطلبه حق مكتسب لا نقاش فيه.
"مبجتش بنت عمك وبس هى كمان بجت مرتي."
رد مالك بحدة وعيناه تقدحان شرراً.
"بالجوة مش بالرضا. جوازك منها كان غصبت عنيها وخطفك ليها مش برضاها ولا برضا أهلها!"
رد جاسر بلهجة يشوبها بعض من الهدوء المنطقي، كمعلم يشرح لتلميذ غاضب.
"بس ده ميمنعش إنها بجت مرتي شرعاً وقانوناً ومن حجي أطالب بيها."
تابع بمغزى.
"واللي حاصل بينا يخليني أجولك أنها قولاً وفعلاً مرتي."
قطب مالك جبينه بصدمة أشد محاولاً فهم التلميح الخفي في كلمات جاسر.
"كيف يعني؟ جصدك إيه؟"
اقترب جاسر خطوة وعيناه الباردتان تحدقان مباشرة في عيني مالك المشتعلتين.
"يعني زي ما فهمتها أو زي ما مش رايد تفهمها، أنا ونغم... زوجين عاديين."
كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير. لم يستطع مالك تحمل هذه الإهانة، هذه الصورة التي رسمها جاسر بكلماته.
اندفع بغيرة عمياء على شرف ابنة عمه، ورفع قبضته ليوجهها بكل قوته إلى وجه جاسر البارد.
لكن جاسر كان أسرع وبحركة خاطفة أمسك بقبضة مالك في الهواء، قبل أن تصيبه بسنتيمترات. كانت قبضته فولاذية، أوقفت اندفاع مالك تماماً. اشتد الصراع بينهما للحظات، كل منهما يختبر قوة الآخر في صمت.
فقط قوة النظرات.
قال جاسر بشدة ونبرته تحمل تحذيراً واضحاً وهو مازال ممسكاً بقبضة مالك.
"مش هحاسبك على اللي عملته ده لإني مجدر غيرتك على بنت عمك."
ثم وبقوة مفاجئة دفع يد مالك بعيداً عنه، وتقدم منه خطوة أخرى ليصبح صدره يكاد يلامس صدر مالك وقال بثقة وهدوء قاتل.
"بس الغيرة دي مش من جوزها. فاهم حاجة زي دي؟ أنا جلبي جاسي صحيح واتربيت على الجسوة بس في نفس الوقت اتربيت على الأصول ومرتي... خط أحمر."
تطلع إليه مالك بازدراء ونفض يده من قبضته وهو يقول باتهام.
"وهي الأصول برضك تخليك تسمح تتعدى عليها."
"انا متعدتش عليها ولا انا ممكن أجبر واحدة على حاجة زي دي، الموضوع ده كان برضى بينا."
وبما انك السبب فانت مجبر تساعدني."
قطب مالك جبينه بدهشة.
"أني السبب في إيه؟"
رفع جاسر حاجبيه بسخرية.
"انت خابر زين اني أقصد ايه، نغم سابت البيت لما عرفت بجوازي من بت عمي... مين بجا كان السبب في الجوازة دي."
علم مالك أن ذلك الرجل يملك من الذكاء ما لا يستهان به وعليه أن يكون حذر معه.
"حتى لو، مينفعش تطلب مني اساعدك تخطفها."
تحدث جاسر بثقة.
"ورد التهامي، هديها حقها في أملاك جدي وحتى في السرايا اللي جاعدين فيها، وهجبر عمي يعلن مسامحته لها جدام البلد كلها، وهمحي تهديده لها، يعني هتجدر تعيش بأمان بعد النهاردة. بالنسبة لنغم، أنا هأمنلها حياتها معايا زين وكل شروطها هنفذها أيا كانت. ده كل اللي أقدر أقدمه دلوجت، فكر زين ورد عليا."
فتح جاسر باب سيارته واستقل بها ثم تحدث بثقة.
"اني جد كلمتي وانت خابر أكده زين."
انطلق جاسر بسيارته تاركاً مالك يفكر في عرضه.
***
بدأت نغم تخرج من قوقعتها شيئاً فشيئاً. أصبحت تحمل عدي الصغير معظم الوقت كأنه تعويذة تحميها من أفكارها ومرساة تربطها بالحاضر. كانت رائحته، أنفاسه الصغيرة، دفء جسده بين ذراعيها كل ذلك كان يمنحها شعوراً بالسلام لم تعرفه منذ زمن.
بدأت تنزل وتجلس مع جدها وعمها تتبادل معهم كلمات قليلة لكن عينيها كانتا تحملان دائماً ذلك العتاب الصامت، عتاب من شعر بأنه تُرك وحيداً في مواجهة مصيره.
مهما برروا مواقفهم، سيظل ما حدث نقطة سوداء في حياته.
لذلك تضغط على جاسر كي ترى إلى متى سيستمر في تمسكه بها.
لاحظ سالم هذا العتاب. كان يراقبها كل يوم يرى كيف تحاول أن تكون قوية ويرى أيضاً كيف ينكسر هذا القناع عندما تظن أن لا أحد يراها.
وفي إحدى الأمسيات بعد أن صعدت إلى غرفتها، قرر أن الوقت قد حان لكسر هذا الحاجز الجليدي.
صعد خلفها وطرق على باب غرفتها طرقاً خفيفاً.
"نغم ممكن أتكلم معاكي شوية."
فتحت الباب وهي لا تزال تحمل عدي الذي كان يغفو بين ذراعيها. رحبت به بالطبع، فعمها سالم كان دائماً الأقرب إلى قلبها. هو الذي رباها بعد وفاة والدها وله مكانة خاصة لا ينازعه فيها أحد.
دخل سالم وجلس على طرف الأريكة، بينما جلست هي أمامه تعدل من وضع عدي في حضنها بحنان أمومي فطري. نظر إليها سالم بابتسامة حانية وهو يرى كيف تتعلق بالصغير.
"شايفك خدتي الواد من أمه وأبوه، عقبالك يا بنت الغالي لما أشيل ولدك إكده."
سقطت الكلمة على قلب نغم كقطعة جمر. "عقبالك". أي عقبال هذا؟ لقد انتهى كل شيء.
شعرت بغصة حارقة في حلقها وانكسرت نظرتها وهربت عيناها إلى وجه الرضيع النائم لتخفي حزناً عميقاً مر في ملامحها.
كيف لها أن تتزوج أو تنجب بعد أن سلمت نفسها لجاسر؟ لقد حكمت على نفسها بالوحدة الأبدية.
لم يفت هذا الانكسار على سالم. لقد رآه بوضوح وتأثر قلبه لألمها الذي تحاول إخفاءه. تنهد تنهيدة طويلة وقرر أن يفتح قلبه ويكشف كل الأوراق.
"نغم بصيلي."
رفعت عينيها إليه بتردد.
قال بنبرة جادة وحنونة.
"أنا خابر إنتي بتفكري كيف. وخابر إنك شايلة في جلبك مني ومن جدك، حاسه إننا اتخلينا عنيكي بس وحياة الغالي اللي راح ده ما حصل."
صمت للحظة يجمع كلماته.
"كل الحكاية يا بنتي إننا كنا في موقف صعب كان لازم أطاطي في الوقت ده. لو كنت دخلت معاه في تحدي وجتها كان صخر هياخدها حجة ويشهر بالموضوع في البلد كلها، كان هيعند وكان هيخلي سيرتك على كل لسان، عشان يكسرنا بيكي."
"كان لازمن نهدي اللعب عشان أنا عارف جاسر وعارف تفكيره، كنت عامل حساب يوم زي ده يوم هيرد فيه اللي حصله زمان، بس كنت فاكر إنه هيترد لوعد مش ليكي إنتي يا بنت الغالي، عشان إكده كنت موصي وعد ومفهمها إنه مش هيسكت إلا لما يردها."
أكمل بصوت يملؤه الأسف.
"خوفي كان عليكم كلكم مكنتش بخلي واحدة منكم تخرچ من باب السرايا من غير ما يكون حد من الرجالة معاها، واليوم الوحيد اللي رجعتي فيه لوحدك من الجامعة حصل اللي حصل. كان ممكن لو جيتي وحكتيلي، كنت عملتلك حراسة تدخل معاكي جلب الجامعة لو لزم الأمر بس."
"بس بنرجع نجول نصيب. أنا متخلتش عنك بمزاجي وإنتي خابرة غلاوتك عندي جد إيه، غلاوتك أكتر حتى من ولادي. متفتكريش إن الأيام اللي عدت عليا وإنتي بعيدة كانت سهلة، ولا اللحظة اللي سبتك فيها لوحدك معاه ورجعت كانت هينة. دي كسرت جلبى عليكي ألف حتة بس الحمد لله دعواتي ودعوات جدك ربنا استجاب ليها ورجعتي تاني لحضني."
كانت نغم تستمع ودموعها تتجمع في عينيها. لم تكن تعرف بكل هذه التفاصيل.
قال سالم وهو يغير نبرته إلى الجدية.
"بس فيه كلمتين رايد أجولهم في حق جاسر، التهامي صحيح جلبهم جاسي وميعرفوش الرحمة بس جاسر غيرهم، جاسر راجل بجد ودي حاجة محدش يجدر ينكرها والدليل على إكده إنه رفض يدي الفرصة لعمه إنه يشهر بينا، ووقف جصاده بنفسه."
"هو الوحيد فيهم اللي ممكن أآمن عليكي معاه."
انحنى سالم قليلاً ونظر في عينيها مباشرة.
"عارفة إنه بعد ما رجعتي! جاه تاني جاني وعرض عليا ينهي التار ويتنازل عن الأرض كلها في مقابل إنك ترجعيله ودي حاجة مش بالساهل عليه أبداً."
"عارفة ده معناه إيه؟ معناه إنه هيفتح على نفسه نار جهنم مع عمه ومش بعيد صخر يجتله فيها."
شهقت نغم بخوف حقيقي ووضعت يدها على فمها وعيناها اتسعتا بصدمة.
"كان ممكن أوافق على نصيبنا من الأرض اللي جدنا شقي وتعب فيها، بس رفضت عشان خفت عليه. صحيح غولط في حقنا كتير، بس هو اللي كان ضاغط على عمه يوقف التار."
تنهد سالم وهو يتابع.
"وكفاية جوي انه تغاضى عن اللي عمله عدي، كان ممكن ياخدها فرصة ويكمل اللي بدأه واللي عمه سجاه له سنين طويلة، ورفض يبهدل عدي وأصر انه يتنازل."
"لازم زي ما بنفتكر العيوب نفتكر المواقف الزينة يا نغم."
لاحظ سالم التردد بعينيها.
هنا في هذه اللحظة تأكد سالم من شكوكه، لقد رأى الحب والخوف الصادق على جاسر في عينيها.
ابتسم سالم ابتسامة حزينة وتابع كي يتأكد أكثر.
"صخر بيستخدم جاسر يا نغم، بيستخدمه وسيلة عشان ينتقم منا بيه عشان يخليه هو اللي في وش المدفع لو جاسر اتقتل في التار صخر هياخد كل حاجة، ولو عاش هيجوزه بته شروق وبرضك هياخد كل حاجة، ويبجى ضمن إن جاسر تحت جناحه."
قالت نغم بحرقة كأنها تدافع عن نفسها من أمل بدأ يتسلل إليها.
"بس هو فعلاً اتجوزها."
هز سالم رأسه.
"ده مش جواز يا بنيتي، ده ورج على يد مأذون عشان يسكتوا بيه الناس، واللي عرفته من فرح هناك إن كل واحد منهم في أوضة ولما عمه معجبوش الحال بجى بينام على الكنبايه، الراجل بجاله شهور متجوزها على الورج ومهوبش نواحيها، وده في عرفنا إحنا قمة الوفاء ليكي."
صمتت نغم تماماً وعقلها يدور يحاول استيعاب كل هذه الحقائق الجديدة. لقد تغيرت الصورة تماماً. الرجل الذي ظنته جلادها كان في الحقيقة سجينها وسجين حبه لها، وكان يحارب معارك لم تكن تعرف عنها شيئاً.
"بس أني مستحيل أرجع على ضرة."
ابتسم سالم وهنا شكه أصبح يقين.
نهض سالم وهو يقول.
"حجك يابنيتي، بس اتكلمي معاه وافرضي شروطك، وافج عليها كان بها، موافجش يبجى هو اللي أختار، فكري زين قبل ما تخطي أي خطوة."
خرج سالم وتركها في حيرة من أمرها.
غداً أول امتحاناتها. بعد عودتها من الامتحان ستطلب مقابلته وستضع شروطها.
***
بعد ليلة طويلة من التردد والصراع الداخلي، وجدت نغم نفسها تحدق في اسم "جاسر" على شاشة هاتفها مع أولى خيوط الفجر.
كان الاسم يضيء في الظلام كأنه منارة تدعوها أو جمرة توشك أن تحرقها. لا تعرف إذا كان ما تنوي فعله خطأً أم صواباً.
قلبها كان يتوسل إليها:
"اتصلي به، كلمة واحدة ستنهي هذا العذاب. اسمعي صوته، اشعري بوجوده. هو أمانك، هو وطنك، مهما حدث. لم يتخلى الدا ويظل يسعى خلفك يتمنى نظرة واحدة منكِ. كفى عذاب."
وعقلها كان يصرخ بغضب:
"إياكي! هل نسيتِ؟ هل نسيتِ الخوف، الإهانة، السيطرة؟ هل نسيتِ أنه استخدم ألمك ورعبك كسلاح ضدك؟ الاتصال به هو استسلام، هو عودة إلى القفص الذهبي الذي كدتِ تموتين فيه."
ألقت الهاتف على الفراش بجوارها بعنف، كأنها تلقي بثعبان سام.
لقد غلبها عقلها في هذه الجولة.
نهضت من الفراش وشعرت بأن الغرفة تضيق عليها، بأن الجدران تقترب لتهرسها. توجهت إلى الشرفة، تبحث عن نسمة هواء عن أي شيء يزيح هذا الثقل الجاثم على صدرها.
وقفت في هواء الفجر البارد، الذي لف جسدها لكنه لم يستطع أن يبرد نيران روحها.
نظرت إلى الحديقة الشاسعة بالأسفل، التي كانت لا تزال نائمة تحت طبقة خفيفة من الندى.
وفجأة ودون سابق إنذار قفزت بها ذاكرتها إلى ذلك اليوم.
اليوم الذي جاء فيه إلى هنا، إلى هذا القصر ليرجوها أن تعود.
تخيلته واقفاً هناك بالأسفل بكامل هيبته وشموخه، لكن عينيه كانتا تحملان انكساراً لم تره إلا لها.
تذكرت كلماته، صوته الأجش وهو يتوسلها وكيف كان كل حرف ينطقه يهدم جزءاً من جدار كبريائه.
ثم تذكرت اللحظة الأقسى، لحظة رحيله.
رأته في المرة الثانية.
رأيته في ذاكرتها وهو يتجه إلى سيارته بخطوات ثقيلة، خطوات رجل خسر معركته الأخيرة. وقبل أن يركب، توقف ورفع رأسه ببطء كأنه كان يعرف أنها تراقبه من هذه الشرفة بالذات.
التقت أعينهما عبر المسافة. وفي تلك اللحظة، شعرت بأن الزمن قد توقف.
لم تكن نظراته غاضبة، لم تكن قاسية.
كانت مزيجاً قاتلاً من العتاب والرجاء.
عتاب صامت يسألها:
"لماذا؟ كيف لقلبك أن يقسو هكذا؟ ألا ترين روحي وهي تحترق أمامك؟"
ورجاء يائس يتوسلها:
"لا تتركيني، لا تفعلي هذا بنا. نظرة واحدة منكِ، كلمة واحدة وسأعود لأحارب العالم كله من أجلك."
كانت نظرات عارية تماماً، تكشف عن روح رجل قوي فخور لا ينحني لأحد، لكنه الآن جاثٍ على ركبتيه أمام حبها، متجرداً من كل أسلحته إلا من صدق مشاعره.
والأهم من كل ذلك: إنه ليس بقاتل.
لم يقتل السائق كما أخبرها.
أغمضت نغم عينيها بقوة، كأنها تحاول طرد هذه الذكرى، لكنها كانت محفورة في ذاكرتها كوشم من نار.
هذه النظرات بالذات هي التي تطاردها كل ليلة، هي التي تجعل الصراع بداخلها لا يطاق.
قلبها يهمس بحنان:
"لقد رأيتِ روحه، رأيتِ الرجل الحقيقي خلف قناع القسوة. هذا الرجل يحبك لدرجة الألم. هل ستتركينه يتعذب هكذا؟"
وعقلها يرد بقسوة:
"وهل نسيتِ عذابك؟ هذه النظرات هي سلاحه الجديد يستخدم ضعفه ليثير شفقتك ويعيدك إلى سيطرته. لا تكوني ساذجة!"
وضعت يديها على رأسها، وشعرت بأنها على وشك الجنون. كانت ممزقة بين حقيقتين: حقيقة قسوته التي جربتها، وحقيقة حبه الذي رأته في عينيه.
كانت تقف في المنتصف تماماً، في منطقة رمادية مؤلمة، لا هي قادرة على التقدم نحوه، ولا هي قادرة على التراجع والنسيان.
عادت إلى الغرفة، ونظرت إلى الهاتف الذي لا يزال ملقى على الفراش. كان يبدو الآن كصندوق. إما أن تفتحه لتجد الأمل، أو لتطلق العنان لمزيد من الألم.
والسؤال الذي كان يقتلها هو: أيهما ستجد لو اتصلت؟
أخذت نفساً عميقاً. بأصابع مرتعشة ضغطت على زر الاتصال. في تلك اللحظة لم يعد هناك مجال للتراجع. مع كل رنة للهاتف في أذنها، كانت تشعر بضربات قلبها تنبض بقوة وعنف كأنها تريد أن تخرج من صدرها.
في غرفة جاسر اخترق رنين الهاتف الصمت الثقيل في الغرفة مما أزعج شروق النائمة على الفراش، بينما عقلها مستيقظ تماماً. نهضت ببطء تبحث عنه بعينيها فلم تجده في الغرفة. صوت الماء الخافت القادم من الحمام أكد لها أنه بالداخل.
استمر الرنين حاداً ومصراً. كان هذا هو الدافع الذي تحتاجه. نهضت من الفراش وقد عقدت العزم على معرفة من المتصل في هذا الوقت المبكر لتكون لها حجة للحديث معه.
تناولت الهاتف الذي كان يضيء وينطفئ على الطاولة. وعندما وقعت عيناها على اسم نغم الذي يزين الشاشة شعرت بنيران الغيرة تشتعل في صدرها وتحرق كل شيء. كيف تجرؤ على الاتصال به؟ وبدون تفكير وبدافع من غريزة حاقدة فتحت الخط.
لكنها لم تتحدث فيه مباشرة. بدلاً من ذلك أدارت ظهرها لباب الحمام ورفعت صوتها قليلاً متظاهرة بأنها تتحدث مع جاسر بالداخل بصوتٍ حمل كل معاني الدلال المصطنع.
"حبيبي تليفونك بيرن... أرد؟... طيب يا روحي هرد أقولهم إنك مشغول... آه طبعاً الشاور بعد ليلة زي دي بيفوق."
كل كلمة كانت سمًا مقصودًا، سكينًا تغرسه في قلب المستمعة على الطرف الآخر. ثم وبعد أن ألقت بقنبلتها وضعت الهاتف على أذنها وتحدثت بنبرة باردة ومتسائلة كأنها لا تعرف هوية المتصلة.
"ألو مين معايا."
على الطرف الآخر شعرت نغم وكأن صفعة جليدية قد أصابت وجهها. سمعت كل كلمة قالتها شروق وشعرت بالغيرة تجتاحها كالسيل، لكنها تماسكت. أدركت أنها مسلسل رخيص وقررت ألا تمنحها متعة رؤية انكسارها. قالت بصوتٍ ثابت رغم العاصفة التي بداخلها.
"أنا اللي بسأل مين معايا، وهل من عادتك تردي على تليفون جاسر."
ضحكت شروق ضحكة خبيثة.
"أنا مراته وبعدين هو اللي طلب مني أرد أصله بياخد شاور ميعرفش إنها إنتي وإلا مكنش خلى حد يرد خالص. خير عايزة إيه."
تجاهلت نغم استفزازها وأجابت بحسم.
"عايزة أكلمه."
قالت شروق بغيرة واضحة وقد شعرت بحركة خلف باب الحمام.
"لأ مش هينفع، هو مشغول دلوجت في الحمام."
لم تستطع نغم السيطرة على غيرتها رغم معرفتها بكذب شروق. تواجدها فقط وحده كافٍ بإشعال نيرانها.
وهنا بدأت روح التحدي بداخلها.
"خلاص لما يخرج خليه يكلمني ضروري."
غيرة بين الاثنين شنت حربها فقالت شروق بسخط.
"بصفتك إيه؟"
ردت نغم بهدوء.
"بصفتي مراته.... مراته مش مجرد حبر على ورق."
ضغطت نغم على جملتها الأخيرة بتحدٍ جعل شروق لا تستطيع السيطرة على غضبها.
في تلك اللحظة خرج جاسر من الحمام وهو يرتدي بنطاله فقط وينشف شعره بمنشفة ظناً منه أنها مازالت نائمة.
رأى شروق ممسكة بهاتفه فارتسمت على وجهه علامات الاستغراب والغضب.
"إنتي بتعملي إيه؟"
عندما رأته ارتبكت شروق تظاهرت برؤية ساعة الهاتف.
"مفيش انا بس كنت بشوف الساعة."
لم يصدقها. فتح سجل المكالمات فتجمد الدم في عروقه وهو يرى اسم نغم في قائمة المكالمات، مكالمة واردة تم الرد عليها لمدة دقيقة.
انفجر الغضب الذي كان يتجمع بداخله. أمسك ذراعها بقوة وعيناه تقدحان شرراً.
"رديتي عليها؟ رديتي وجولتلها إيه اونطقجي."
ارتعش جسدها من الخوف من هيئته الغاضبة لكنها لم تجب. دفعها بعيداً عنه باشمئزاز وأخذ هاتفه وتوجه إلى الغرفة الأخرى صافقاً الباب خلفه بقوة كادت تخلعه من مكانه.
وقف أمام الشرفة وقلبه يخفق بقوة وضغط على زر إعادة الاتصال. عندما ردت نغم قال بصوتٍ لاهث ومتوتر.
"نغم أنا..."
قاطعته بصوتٍ بارد كالثلج يخفي خلفه ألماً عظيماً قبل أن تمنحه فرصة للرد أو التبرير.
"مش عايزة أعرف أي حاجة عن اللي حصل من شوية. أنا دلوجت رايحة امتحاني ولما أرجع عايزاك تاچي تاخدني عشان نتكلم."
صمت جاسر للحظة يستوعب طلبها المفاجئ وقوتها غير المتوقعة ثم أجاب على الفور بلهفة.
"حاضر يا نغم حاضر هاچي طبعاً، طب خليني أوصلك أنا دلوجت."
"لأ مالك هيوصلني عشان هو مسافر بعد الضهر."
قالتها بهدوء لكنها كانت كافية لتشعل نار الغيرة في قلبه من جديد. كيف لمالك أن يكون معها الآن وهو بعيد؟ لكنه كتم غيرته وأجبرها على الخروج في صوته.
"ماشي يا نغم اللي يريحك، المهم تاخدي بالك من نفسك."
أغلقت الخط دون كلمة أخرى تاركة إياه يحدق في الهاتف كأنه طوق النجاة الوحيد له في هذه الدنيا.
لم يكد يلتقط أنفاسه حتى فُتح باب الغرفة بعنف ودخلت شروق ووجهها يتطاير منه الشرار.
قالت بصوتٍ عالي متحدية.
"وبعدين في العيشة دي، أنا لحد ميتى هفضل عايشة معاك إكده زي ضيفة الشرف، أنا برضك مرتك وليا حجوج وبطالب بيها."
نظر إليها جاسر باستغراب حقيقي، لم يكن يتخيل أنها تملك هذه الجرأة، وهو في هذه الحالة من الغضب بالكاد يطيق النظر في وجهها.
"حجوج إيه اللي بتتكلمي عنيها."
علت نبرة صوتها أكثر وهي تقترب منه.
"حجي كزوجة، حجي إنك تعاملني زي أي واحدة متجوزة مش ترميني في الأوضة إكده زي زي حتة الانتيكه."
هنا فقد جاسر آخر ذرة من صبره. هب واقفاً وفي لحظة كان وجه قريب من وجهها بغضب جحيمي وعيناه تنذران بالهلاك.
"صوتك، صوتك ميعلاش عليا تاني لأي سبب من الأسباب إنتي فاهمة، لو فكرتي بس تعلي صوتك عليا مرة تانية هرميكي بره الجناح ده ومطلقة من غير ما أفكر لحظة واحدة."
صرخت بألم وهي تحاول رفض ذلك الذل.
"وان جلت لا."
تشنج فكه وقد وصل غضبه لزروته فقام بجذبها من خصلاتها قائلاً وهو يشد بقوة أكبر ويقرب وجهه من وجهها.
"إنتي اللي جبتيه لنفسك، دي كانت شروطي من الول وإنتي وافجتي عليها بمزاجك، عشان تلبسي فستان أبيض وتتجوزي جاسر التهامي، يبجى تبلعي لسانك في خشمك وتتحملي نتيجة اختيارك."
ثم دفعها بعيداً عنه بقوة حتى كادت تسقط أرضاً وتركها وهي تلهث من الألم والصدمة وخرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه بقوة أكبر من ذي قبل تاركاً إياها وحيدة مع هزيمتها ومرارها.
***
كانت حقيبة سفره تقف بجوار الباب كشاهد صامت على رحيل وشيك.
ارتدى مالك حذاءه ببطء، يشعر بثقل اللحظة في كل حركة.
حين نهض وجد والدته وروح واقفتين أمامه والدموع تترقرق في أعينهن، تحاولان حبسها لكنها تخونهما وتسيل على وجوههن بصمت مؤلم.
تقدمت والدته أولاً ووضعت يديها المرتعشتين على وجهه، تتأمله كأنها تريد أن تخزن ملامحه في ذاكرتها.
"هتوحشني يا قلب أمك خلي بالك من نفسك يا ابني، وكُل كويس."
أخذ مالك يديها وقبّلهما بحب عميق، محاولاً أن يرسم ابتسامة مطمئنة على وجهه.
"متخافيش عليا يا أمي، كلها يومين بالظبط وهتلاجيني جدامك ادعيلي بس."
احتضنته بقوة وسمع شهقات بكائها المكتوم عند كتفه، فشعر بغصة حارقة في حلقه.
ربت على ظهرها بحنان ثم ابتعد عنها برفق ليتجه نحو روح التي كانت تقف جانباً، والدموع ترسم خطوطاً لامعة على خديها.
فتح لها ذراعيه فلم تتردد لحظة وارتمت في حضنه، وانفجرت في بكاءٍ صريح كالأطفال.
"متهملنيش يا مالك."
شدد مالك من احتضانها، ودفن وجهه في شعرها مغمضاً عينيه ليمنع دموعه من النزول.
"هسيبك لقلبي يا روح قلبي. عدي بالظبط 48 ساعة وهتلاجيني جدامك انا مش مسافر المرة دي عشان أهرب أنا هخلص مستحقاتي وورجي."
ابتعدت عنه قليلاً ومسحت دموعها بكف يدها.
"هتوحشك جوي."
ابتسم لها ابتسامة حقيقية هذه المرة، ومسح دمعة هاربة من عينها بإبهامه.
"وإنتي كمان هتوحشيني."
ألقى نظرة أخيرة عليهما، على والدته التي تدعو له بصوتٍ خافت، وعلى أخته التي تحاول أن تبتسم رغم دموعها فقال بمزاح.
"وبعدين معاكم عاد جلبتوها دراما أكده ليه."
ابتسم الجميع رغماً عنهم.
فحمل حقيبته، وقال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتاً.
"استودعكم الله."
***
كانت قاعة الامتحان هادئة إلا من صوت أقلام الطلاب وهي تخدش الأوراق وصوت أنفاسهم المتوترة.
جلست نغم أمام ورقة أسئلتها وعقلها في مكان آخر تماماً.
كانت تحاول جاهدة أن تركز في الكلمات المطبوعة أمامها لكن كل ما كانت تراه هو صورة جاسر ونبرة صوته عبر الهاتف.
ماذا ستقول له؟ ولماذا طلبت مقابلته أصلاً؟ هل تريد أن تواجهه؟ أن تعاتبه؟ أم أنها تريد أن تسمع منه الحقيقة التي قد تغير كل شيء؟ لم تكن تعرف.
كانت مشاعرها متضاربة كسفينة تتقاذفها الأمواج في ليلة عاصفة.
جزء منها يشعر بالغضب والخيانة وجزء آخر بدأ يتسلل إليه الشك والأمل بعد حديث عمها سالم.
فجأة انتبهت لصوت المراقبة وهي تعلن عن مرور نصف الوقت.
نظرت إلى ساعتها ثم إلى ورقتها التي كانت شبه فارغة.
شعرت بالذعر. لا يمكن أن تفشل هذه السنة أيضاً. كفى سنة ضاعت من عمرها بسبب ما حدث.
استجمعت كل قوتها وطردت كل الأفكار من رأسها وأجبرت نفسها على التركيز في الإجابة.
بعد انتهاء الوقت سلمت ورقتها وخرجت مع الطلاب وهي تشعر بالإرهاق الذهني والجسدي.
كانت تسير وسط الزحام وعيناها تبحثان عنه بترقب وقلق.
وفجأة رأته.
كان يقف بعيداً بعض الشيء مستنداً بجاذبية على سيارته وقد عقد ذراعيه أمام صدره.
كان يرتدي قميصاً أسود يبرز قوة جسده وبنطالاً من الجينز. كانت نظراته ثابتة عليها وحدها لم تلتفت لغيرها وكأنه لا يرى سواها في هذا الكون المزدحم.
لأول مرة تدقق نغم في ملامحه بهذا الشكل. لأول مرة تراه بعين مختلفة ليست عين الفتاة الخائفة أو الأسيرة. رأته كرجل.
وسيم بقوة، ملامحه حادة رجولية. نظرته ثاقبة وقامته توحي بالقوة والثقة.
كان مزيجاً خطيراً من الهيبة والجاذبية.
لم تكن هي الوحيدة التي لاحظت ذلك.
لمحت بطرف عينها مجموعة من الفتيات يقفن غير بعيد يتهامسن وينظرن إليه بإعجاب واضح وصريح.
شعرت بوخزة غيرة حادة ومفاجئة لم تتوقعها.
غيرة تملكية جعلتها تسرع خطواتها نحوه دون وعي.
عندما أصبحت أمامه لم تبتسم ولم تتحدث. كل ما فعلته هو أنها قالت بنبرة آمرة خافتة لم تكن تعرف أنها تملكها.
"يلا نمشي من هنا."
ابتسم جاسر ابتسامة خفيفة كأنه فهم سبب استعجالها المفاجئ.
فتح لها باب السيارة دون أن ينطق بكلمة ثم استقل مقعده وانطلق بها بعيداً عن الأنظار وعن العيون المعجبة.
***
كانت ليلى تجلس في مقعدها بجوار أكمل، وذراعاها معقودتان أمام صدرها بعناد واضح.
"أنا مش فاهمة إيه الإصرار ده يا أكمل؟ ما فيه ألف محل غيره، وأحسن منه كمان. ليه نروح المحل الصغير ده بالذات؟"
رد أكمل بهدوء وعيناه على الطريق محاولاً امتصاص غضبها.
"يا ليلى افهميني دي هدية من مالك هو اللي دفع تمن الفستان مقدماً، وقالي أجي هنا بالذات. قالي إن ذوقهم مميز وإن روح مراته اشترت من عندهم. عيب أوي أرفض هديته، أو أروح مكان تاني هتبقى قلة ذوق."
قالت بتأفف وهي تنظر من النافذة بملل.
"طيب ما ياخد فلوسه وأنا أشتري من المكان اللي يعجبني. أنا مش بحب حد يفرض عليا ذوقه."
تنهد أكمل بصبر أوشك على النفاد.
"الموضوع مش فرض ذوق. الموضوع أصول، خلاص اعتبريها مجاملة. انزلي اختاري أي حاجة حتى لو مش هتلبسيها في الحنة المهم منكسرش بخاطر الراجل."
بعد نقاش طويل ومتوتر، توقفت السيارة أخيراً أمام الواجهة الزجاجية الأنيقة للمحل. لم تكن ليلى تريد النزول لكن نظرة أكمل الحازمة جعلتها تفتح الباب على مضض وترجلت وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.
دخل أكمل خلفها، وما إن عبر عتبة المحل حتى شعر بشيء غريب. شيء لا يمكن وصفه. رائحة خفيفة لكنها مألوفة بشكل مؤلم. رائحة تشبه رائحة الياسمين الهادئ الذي كان يفوح من ملابسها، رائحة يعرفها جيدًا. رائحة حُفرت في ذاكرته رغم كل محاولاته لدفنها.
تجاهل الشعور معتبراً إياه مجرد وهم لكنه ظل هناك يداعب حواسه، ويوقظ شيئًا نائمًا في أعماقه.
كانت هناك فتاة تقف مع زبونة، ظهرها لهما. كانت تتحدث بهدوء وثقة عن تفاصيل أحد الفساتين. لم يكن وجهها ظاهرًا بالكامل، لكن أكمل عرفها. استحال عليه أن يخطئ.
تلك القامة، تلك الطريقة التي تحرك بها يديها وهي تتحدث، تلك الخصلة الشاردة من شعرها التي هربت من حجابها المربوط بإحكام.
إنها هي. صبر.
تجمد في مكانه. توقف الزمن، واختفى صوت ليلى التي كانت تتحدث بجانبه عن تصميمات المحل.
لم يعد يرى أو يسمع أي شيء سواها.
آلاف الأسئلة انفجرت في رأسه.
كيف؟ متى جاءت إلى هنا؟ ماذا تفعل في مكان كهذا؟ هل كل ما حدث كان كذبة؟
تسمر مكانه وعيناه مثبتتان عليها، وقلبه يدق بعنف مزيج من الغضب والشوق والصدمة.
ثم وبشكل لا إرادي نزلت عيناه من وجهها إلى جسدها.
وهنا توقف كل شيء.
توقف قلبه، توقفت أنفاسه، توقف العالم من حوله.
رأى انتفاخة بطنها الواضحة.
انتفاخة لا يمكن أن يخطئها أحد. انتفاخة شهور الحمل المتقدمة.
اتسعت عيناه بصدمة مطلقة، صدمة شلت كل أطرافه.
لم يكن يتخيل ما يراه. لم يكن عقله قادرًا على استيعاب هذه الصورة المستحيلة.
في تلك اللحظة أنهت صبر حديثها مع الزبونة واستدارت بابتسامة مهنية لترحب بالزبائن الجدد الواقفين عند الباب.
وقعت عيناها عليه.
اختفت الابتسامة من على وجهها، وحل محلها رعب نقي. شحب وجهها حتى أصبح بلون الموتى.
تجمدت الدماء في عروقها، وسقط الفستان الذي كانت تحمله من يدها المرتجفة على الأرض دون أن تشعر.
لقد حست بأن الدنيا توقفت بها.
الرجل الذي هربت منه، الرجل الذي تحمل ابنه في أحشائها دون أن يدري، الرجل الذي كان كابوسها وحلمها في آن واحد يقف الآن أمامها، وعيناه تحملان نظرة واحدة... نظرة رجل رأى شبحًا، شبحًا يحمل سرًا سيقلب حياته رأسًا على عقب.
***
كانت شقة مالك في دبي، التي وفرتها له الشركة، تقع في أحد الأبراج الشاهقة التي تلامس السحاب. كانت شقة أنيقة عملية وباردة تمامًا مثل حياة المغترب التي عاشها لسنوات.
ما إن أغلق الباب خلفه حتى ألقى بحقيبة سفره الصغيرة جانبًا وتنهد بإرهاق. لم يكن إرهاق السفر، بل إرهاق القرارات المصيرية التي اتخذها.
لم يمنح نفسه لحظة للراحة. بدأ مباشرة في لملمة أغراضه. تحرك في الشقة كشبح، يجمع ملابسه من الخزانة، أوراقه من على المكتب، كل ما يخصه في حقائب سفر كبيرة.
كان يعمل بسرعة وكفاءة، كمن يريد أن يمحو كل أثر لوجوده في هذا المكان، ويغلق هذا الفصل من حياته إلى الأبد.
بعد أن فرغ من جمع كل شيء تقريبًا، توقف في منتصف الغرفة، وألقى نظرة أخيرة.
ثم اتجه إلى درج صغير في منضدة جانبية، وأخرج منه مفتاحًا فضيًا وحيدًا، يختلف عن بقية مفاتيحه.
تقدم بهدوء نحو باب جانبي في غرفة المعيشة، باب كان يبدو كجزء من الجدار لا يلفت الانتباه. أدخل المفتاح في قفله الذي كان مخفيًا بعناية، وأداره.
انفتح الباب ليكشف عن جناح آخر.
كان هذا الجناح مختلفًا تمامًا. لم يكن باردًا وعمليًا بل كان دافئًا وشخصيًا. أثاثه فاخر، ألوانه هادئة وتنتشر في أرجائه لمسات أنثوية رقيقة.
كانت هنا حياته الحقيقية، حياته التي لم يكن يعرف عنها أحد أي شيء.
بدأ في لملمة أغراضه من هذا الجناح أيضًا، لكن بحذر أكبر وبمشاعر أكثر تعقيدًا.
فتح خزانة ملابس وأخرج منها بعض الملابس الرجالية التي كان يتركها هنا. ثم اقترب من منضدة زينة أنيقة، وفتح أحد أدراجها. أخرج من داخله ورقة مطوية بعناية، بدت قديمة بعض الشيء.
فتح الورقة، وعيناه تتفحصان ما بداخلها.
وقبل أن يطبقها ليعيدها إلى جيبه، شعر بحركة خفيفة خلفه. لم يكد يلتفت، حتى أحاطت بذراعين ناعمتين خصره من الخلف، ودفنت صاحبتها وجهها في ظهره.
ثم جاء صوت أنثوي ناعم، صوت مليء بالشوق والدفء يهمس باسمه.
"أخيراً رجعت يا مالك... وحشتني أوي..."
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم رانيا الخولي
كان المقهى هادئًا في ذلك الوقت من اليوم، مكانًا مثاليًا للقاء بعيدًا عن الأعين.
جلس جاسر ونغم على طاولة في زاوية منعزلة يفصل بينهما صمت أثقل من أي كلام.
استئذن منها ليأتي بمشروب لها ثم عاد حاملاً إياه بنفسه.
وضع جاسر كوب العصير أمامها.
"اشربي."
كان يرتدي نظارة شمسية داكنة، تخفي عينيه لكنها لا تخفي تركيزه المطلق عليها.
كانت نغم تشعر بنظراته تحوم فوقها، تتفحص وجهها، يديها، كل حركة تصدر منها.
كانت نظرات لا تستطيع قراءتها لكنها تشعر بحرارتها، مزيج من الشوق واللهفة والترقب.
بدأ الندم يتسلل إلى قلبها. لماذا وافقت على هذا اللقاء؟ ماذا كانت تتوقع؟ أن يتغير؟ أن يعتذر؟ كل الأفكار التي رتبتها في رأسها تبخرت، وتركتها عاجزة عن النطق.
شعرت بأنها ارتكبت خطأ فادحًا بالمجيء إلى هنا.
لم تعد تحتمل هذا الصمت الخانق. تحركت فجأة ونهضت من مقعدها عازمة على الرحيل.
"أنا لازم أمشي."
لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، امتدت يده بسرعة البرق وأمسكت بمعصمها.
لم تكن قبضة عنيفة بل كانت حازمة ومتمسكة ومليئة برجاء صامت.
"استني."
نظرت إلى يده التي تمسك بها ثم رفعت عينيها لتواجهه.
لم تكن ترى عينيه خلف النظارة لكنها شعرت بتغير في نبرة صوته عندما تحدث.
"لو إنتِ مش لاجية كلام تجوليه... أنا عندي... عندي كلام كتير جوي."
كان هناك شيء في صوته، شيء لم تسمعه من قبل. رجاء حقيقي، ضعف لم يكن يليق بجاسر التهامي الذي تعرفه. هذا التناقض أربكها، وجعلها تتراجع وتجلس على مقعدها مرة أخرى، وهي تسحب يدها من قبضته بهدوء.
خلع جاسر نظارته ووضعها على الطاولة، كاشفًا عن عينين تحملان عاصفة من المشاعر.
"ارجعيلي يا نغم."
قالها مباشرة دون مقدمات. كلمة بسيطة لكنها كانت تحمل وزن شهور من الألم والندم.
"ارجعي بيتك وأنا مستعد أعمل أي شيء عشانك، أي شيء تطلبيه."
نظرت إليه ببرود حاولت أن تتصنع به القوة. لقد سمعت هذا الوعد من قبل.
"أي شيء؟"
أكد بلهفة لم يستطع إخفاءها.
"أي شيء."
قالت بهدوء، وهي تلقي بقنبلتها التي كانت تعرف أنها ستصيبه في مقتل.
"طلج شروق."
تجمدت ملامح جاسر واختفت اللهفة وحل محلها تعبير معقد من العجز والألم. أدار وجهه بعيدًا للحظة، ثم عاد لينظر إليها وقد عادت نظراته القوية لكن هذه المرة كانت تحمل مرارة.
"ده... صعب حاليًا على الأجل إنتِ عارفة وضعي مع عمي، وعارفة إن الچوازة دي كانت شرط عشان..."
قاطعته بحدة ساخرة.
"عشان يكسروني أكتر؟"
تجاهل سخريتها واقترب بجسده من الطاولة وخفض صوته كأنه يبوح بسر مقدس.
"اسمعيني يا نغم، شروق طول عمر عمي عايز يچوزها ليا بس انا كنت بتهرب منيها، وبعد ما عرفتك الموضوع اترفض تماماً بس لما اتزاع في البلد كلام مش زين عليا وعليها كان لازمن اتچوزها غصب عني. صدجيني يا نغم، أنا عمري ما لمستها ولا هفكر ألمسها. حتى لو مفيش أمل إننا نرجع لبعض، مكانك في جلبي وفي بيتي محدش هياخده هي مجرد اسم على ورج وهتفضل إكده."
كان يرجوها لكن بشموخه المعتاد. لم يقل "أرجوكِ"، لكن كل حركة منه كانت تصرخ بها.
هزت رأسها برفض قاطع وقد استعادت قوتها.
"وأنا مستحيل أجبل بضُرة، مستحيل أكون زوچة تانية في حياة أي راجل، حتى لو كانت الأولى مجرد اسم على ورج زي ما بتجول. كرامتي متسمحليش."
استمر الجدال بينهما، هو يصر ويعد، وهي ترفض وتقاوم.
لكن بعد دقائق، سألها بصوت يائس.
"يعني ده آخر كلام عنديكى؟"
بدأت نغم تشعر بشيء غريب. شعرت بأن رأسها يثقل فجأة، وكأن ضبابًا كثيفًا بدأ يغزو عقلها.
"ا...ه...اه آخر...كلا..مالكلمات أصبحت غير واضحة، وصوت جاسر بدأ يبدو بعيدًا ومشوشًا."
رفعت يدها إلى صدغها وحاولت أن تركز.
"ماشي يا نغم يبجى انتِ اللي اختارتي."
لم تفهم شيء مما تفوه به وتمتمت بصوت غير مفهوم.
"أنا... أنا....مش... جادرة..."
نظرت إلى جاسر لكن صورته بدأت تهتز وتتراقص أمام عينيها. الرؤية أصبحت ضعيفة والألوان باهتة. آخر ما استطاعت فعله هو أن تنطق باسمه بصوت ضعيف، صوت أشبه بالهمس، صوت يستنجد به من الظلام الذي بدأ يبتلعها.
"جاسر..."
ثم انطفأ كل شيء. وقبل أن تسقط، التقطتها ذراعي جاسر قبل أن تغيب عن وعيه.
في السيارة...
جلس جاسر في مكانه يراقبها وهي تغرق في نوم عميق. لم يكن على وجهه أي تعابير للدهشة أو القلق. بل كان هناك هدوء مخيف. هدوء رجل نفذ خطته بنجاح. لقد كان يعلم أنها سترفض. كان يعلم أن كبرياءها وكرامتها لن يسمحا لها بالعودة بهذه السهولة. لذلك، كان قد أعد خطته البديلة. لقد وضع المخدر في العصير دون أن تلاحظ. لأنه إذا لم تعد إليه برضاها... فسيعيدها بقوته كما فعل في المرة الأولى.
***
كانت ليلى تلاحظ صمت أكمل المفاجئ وتجمده في مكانه. تتبعت نظراته لتجدها مثبتة على إحدى العاملات في المحل. لم تفهم سر هذا التركيز، لكنها شعرت بتوتر غريب يملأ الهواء.
"أكمل... أكمل في إيه؟"
لم يرد. كان عالمه قد انحصر في تلك المرأة الواقفة على بعد أمتار، وفي الحقيقة المروعة التي رآها بعينيه. لم يكن يسمع صوت ليلى، لم يكن يشعر بوجودها حتى.
مدت ليلى يدها وهزت ذراعه بقوة أكبر وصوتها يحمل مزيجًا من الحيرة والغضب.
"أكمل! بكلمك! مالك بتبص على البنت دي كده ليه؟ أنت تعرفها؟"
هنا فقط، انتبه أكمل لوجودها، كمن يستيقظ من كابوس. التفت إليها لكن عينيه كانتا فارغتين، باردتين، كأنه ينظر من خلالها. قال بصوت أجش وحازم، لا يقبل أي نقاش.
"ليلى، وقفي تاكسي وروحي."
اتسعت عيناها بصدمة.
"أروح؟! أروح فين وأسيبك كده؟ عايزة أفهم مين دي الأول وإيه اللي بيحصل!"
لم يعد لديه أي قدرة على التحمل أو التظاهر. نظر إليها بحدة، وصرخ فيها لأول مرة في حياتهما معًا. صرخة مكتومة لكنها عنيفة.
"قوللتلك امشي، دلوقتي."
تجمدت ليلى في مكانها من الخوف. لم ترى هذا الجانب من أكمل من قبل. هذا الغضب البارد، هذه القسوة في عينيه. دون أن تنطق بكلمة أخرى، استدارت وخرجت من المحل بسرعة، وقلبها يخفق بالرعب والارتباك.
في تلك الأثناء، كانت صبر تريد أن تبتلعها الأرض. كانت تريد أن تهرب، أن تختفي، لكن عينيه كانتا تحبسانها في مكانها، تجردها من أي قوة. شعرت بالدموع الحارقة تتجمع في عينيها، تهدد بالهطول في أي لحظة.
بعد أن خرجت ليلى، بدأ أكمل في التحرك. سار نحوها ببطء، خطواته ثقيلة ومدروسة، كخطوات مفترس يطوق فريسته. لم يتكلم، بل اكتفى بالصمت. صمت كان أشد رعبًا من أي صراخ. كان يدمر أعصابها ببطء، ويجعلها تتمنى لو أنه صرخ أو ضربها، أي شيء سوى هذا الصمت القاتل.
توقفت عيناه عند بطنها المنتفخة. وبحركة لا إرادية، غريزية، وضعت صبر كلتا يديها على بطنها، كأنها تحاول أن تحمي جنينها من نظراته الحارقة، من غضبه الذي لم ينطق به بعد.
عندما رأى حركتها هذه، رفع عينيه ليواجهها مباشرة. ذاب الجليد في عينيه، وحل محله لهيب من الغضب المكتوم. قال بصوت حازم، صوت آمر لا يمكن عصيانه.
"يلا... معايا."
ارتجفت وحاولت أن تتراجع خطوة إلى الوراء، وهمست بصوت متقطع.
"أ... أروح فين... أنا... أنا في شغلي."
هنا، انفجر غضبه المكبوت. صرخ فيها بصوت جعل كل من في المحل يلتفت إليهم.
"قلت يلا."
تقدم أحد زملائها في العمل، رجل في منتصف العمر محاولاً التدخل بهدوء.
"يا بيه اهدى بس، مالك بيها؟ لو فيه مشكلة نقدر نحلها..."
استدار إليه أكمل ونظر إليه نظرة جعلت الرجل يتمنى لو أنه لم يتكلم.
"وأنت مالك؟! دي مراتي!"
ألقى كلمته كقنبلة في وسط المحل، ثم عاد إلى صبر التي كانت ترتجف من الخوف. لم يمنحها فرصة أخرى. أمسك بذراعها بقوة وسحبها خلفه، متجاهلاً نظرات الجميع المصدومة.
سحبها خارج المحل وفتح باب سيارته، ودفعها إلى الداخل لكن برفق. أغلق الباب بقوة واستدار ليجلس في مقعد القيادة. انطلق بالسيارة بسرعة جنونية، متجهًا بها إلى شقته، الشقة التي كان من المفترض أن تكون عش الزوجية مع ليلى، والتي أصبحت الآن... مسرحًا للمواجهة التي ستحدد مصيرهم جميعًا.
***
كانت الشقة غارقة في هدوء وصمت، لا يكسره سوى صوت انفاسه. تحرك مالك بخفة وحذر داخل المكان الذي كان يعرفه جيداً، خطواته صامتة كشبح. لم يكن من المفترض أن يكون هنا، ولم يكن عليه ذلك كي يطوي تلك الصفحة من حياته.
كانت خطته بسيطة وحاسمة: يدخل بهدوء مستخدماً نسخته من المفتاح، يتجه مباشرة إلى درج مكتبه حيث يحتفظ بنسخته من عقد الزواج العرفي، يأخذها يمزقها ويغادر دون أن يترك أي أثر خلفه سوى الفراغ. كان يريد أن يمحو هذا الفصل من حياته كأنه لم يكن، أن ينهي الأمر بضربة واحدة قاضية وصامتة، دون مواجهة، دون كلمات، ودون دراما.
وصل إلى المكتب الصغير في زاوية غرفة المعيشة، وفتح الدرج ببطء. رأى الورقة المطوية أمامه، تنهد بارتياح خفي. لقد أوشك الأمر على الانتهاء. مد يده ليلتقطها...
وفجأة، تجمد جسده بالكامل.
شعر بذراعين تلتفان حول خصره من الخلف، ودفء جسد أنثوي يلتصق بظهره بقوة. ثم جاء صوتها همساً دافئاً في أذنه مليئاً بالشوق.
"وحشتني."
للحظة لم يستطع التنفس. لقد كانت هنا. كل خططه، كل حذره، كل شيء انهار في ثانية واحدة. لم تكن في مأمورية عمل. كانت هنا طوال الوقت.
استدار ببطء، وانتزع نفسه من حضنها بحركة حاسمة أربكتها.
وقفت سيدرا أمامه، ترتدي ملابس منزلية فخمة، وعلى وجهها مزيج من السعادة المفاجئة لرؤيته والحيرة من رد فعله البارد.
"مالك! أنت هنا؟ إمتى جيت؟"
نظر إليها بعينين باردتين كالثلج، لم يكن هناك وقت للمجاملات أو التمهيد. لقد تم كشفه والآن يجب أن ينهي المعركة التي بدأت للتو.
"لسة واصل وكنت ماشي تاني."
عبست ملامحها بعدم فهم.
"ماشي؟ ماشي رايح فين؟ وأنت لسة واصل."
"ماشي من هنا راجع مصر نهائي."
قالها ببرود قاطع وهو يلتقط ورقة العقد من الدرج المفتوح.
اتسعت عيناها بصدمة وعدم تصديق، وهي تراه يمسك بالورقة التي تمثل الرابط الوحيد بينهما.
"أنت... أنت بتقول إيه؟ مالك، فيه إيه؟"
"أنا رجعت مصر عشان أستقر واتجوزت."
ألقى بالقنبلة دون أي تردد. يريد أن ينهي الأمر بأسرع وقت ممكن.
هنا انفجر كل شيء. تراجعت خطوة إلى الوراء وضحكت بمرارة وهستيريا.
"اتجوزت؟! إمتى ده حصل؟! وإزاي؟ وأنا هنا زي الهبلة بستناك!"
ثم تحول ضحكها إلى غضب ناري، وتقدمت نحوه وهي تصرخ.
"أنت بتضحك عليا يا مالك؟ كنت بتتسلى بيا كل الفترة دي؟! بعد كل اللي عملته عشانك؟! بعد ما فرشتلك الأرض ورد عشان بس ترضى عني؟!"
عندما رأى انفعالها، تصلبت ملامح مالك أكثر. لقد جاء لينهي الأمر ولن يسمح لها بقلب الطاولة عليه.
قال بنبرة حادة كالشفرة، يذكرها بالأساس الذي بنيا عليه علاقتهما.
"ده كان اتفاقنا من الأول يا سيدرا، إنتِ نسيتي ولا إيه؟"
نظرت إليه بصدمة، فتابع بنفس القسوة الباردة.
"اتفاقنا كان واضح: زواج عرفي سري، ومؤقت. علاقة بين حيطان الشقة دي، تنتهي بمجرد ما حد فينا يقرر يرجع بلده بشكل نهائي. أنا قررت أرجع والاتفاق انتهى."
صاحت به بغضب وقهر.
"لأ مكنتش صريح أنت خدعتني يوم ما اتجوزنا، يوم ما كنت المفروض تكون ليا، هربت مني خرجت من الأوضة وسبتني لوحدي زي أي قطعة أساس ملهاش لازمة. اتحملت إهانة دي وقلت أكيد لما يحبني هييجي لحضني وفي الآخر، وبعد ما اتحملت السنين دي كلها عايز تمحي اللي بينا وتطلقني بالسهولة دي؟!"
تقدم منها مالك خطوة وقصر المسافة بينهما، ونظر في عينيها مباشرة بتحدي جليدي وصوته كان كالصقيع.
"أه منكرش إني ضعفت في البداية قدام كل اللي قدمتيه بس ضعفي مغيرش من حقيقة قلبي. قلبي عمره ما كان ليكي يا سيدرا، وإنتي كنتي عارفة كده كويس. كنتي بتراهني على حصان خسران من الأول، وبتخدعي نفسك مش أنا اللي خدعتك. أنا محبتش ولا هحب غير روح وانتي قبلتي بده وقولتي انك وافقة على أي وضع. ولو تفتكري برضه اني قولتلك وقت ما أفكر أرجع الورقة دي هتتقطع برضه وافقتي، يبقى تعترضي بناءً على ايه؟"
لم يمنحها فرصة للرد. رفع ورقة زواجهما العرفي أمام عينيها المذهولتين وبحركة واحدة عنيفة مزقها إلى نصفين، ثم إلى أربعة وألقى بالقصاصات في وجهها ببرود.
"وخلاص... طلقتك."
كانت كلمته الأخيرة قاطعة كحد السيف. روح هل تزوج روح؟ لكنها لم تستسلم. صرخت به.
"بقى حتة عيلة تعمل فيك كدة وتخسرني انا."
تشنج فمه ولم يعد يستطيع التحكم باعصابه. تقدم منها وأمسك عنقها بقبضته ليرفع وجهها إليه وقال من بين أسنانه بلهجته الأم.
"جولتلك جبل سابج وهجولها تاني، روح خط أحمر. اي إهانة منك لها هخلص عليكي في وجتها ومش هيهمني."
استدار وتوجه نحو الباب دون أن ينظر خلفه مرة واحدة، تاركاً إياها واقفة وسط قصاصات الورق المتناثرة على الأرض، ووسط حطام أحلامها التي تحطمت في لحظة.
أمسك بحقائبه التي كان قد أعدها واتجه نحو الباب دون أن ينظر خلفه. خرج من الجناح السري وأغلق الباب خلفه ثم خرج من الشقة بأكملها، تاركًا وراءه حياة كاملة لم يكن يعرف عنها أحد.
في الشركة دخل مكتب ناجي مباشرة.
"ناجي أنا عايز كل أوراقي ومستحقاتي أنا استقالتي نهائية."
نظر إليه ناجي بصدمة.
"مالك! إيه اللي حصل؟ ليه فجأة كده؟"
لم يرد مالك على سؤاله، بل سأله هو بهجوم.
"إزاي متقوليش إن سيدرا رجعت من السفر؟"
ارتبك ناجي.
"والله ما كنت أعرف يا مالك! أنا نفسي اتفاجئت لما شفتها الصبح قالت إنها خلصت مهمتها ورجعت مكنتش أعرف إنك مش عارف."
أدرك مالك أن ناجي لم يكن له يد في الأمر. تنهد وقال بنبرة أكثر هدوءًا.
"خلاص يا ناجي مش مهم جهزلي كل حاجة أنا لازم أمشي."
بعد أن أنهى كل إجراءاته، أخذ مالك أغراضه واستقل سيارة أجرة. لم يعد إلى الشقة، بل توجه إلى فندق بعيد في منطقة أخرى من المدينة. حجز غرفة، وألقى بنفسه وبحقائبه فيها. لقد أغلق كل الأبواب خلفه والآن، كل ما عليه فعله هو الانتظار حتى صباح اليوم التالي ليعود إلى مصر، إلى حياته الحقيقية وإلى زوجته... روح.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
كانت غرفة الفندق هادئة وصامتة لا يكسر صمتها سوى صوت عقارب الساعة التي تدق ببطء، كأنها تعد الثواني المتبقية لعودته إلى وطنه الحقيقي... إلى روح.
كان مالك يجلس على حافة السرير ينظر من النافذة الواسعة إلى أضواء دبي المتلألئة دون أن يراها حقاً. عقله كان هناك في مصر مع زوجته.
فجأة قُطع حبل أفكاره بصوت طرقات حادة وعنيفة على باب الغرفة.
نهض باستغراب. من يمكن أن يكون في هذا الوقت؟ توجه نحو الباب وفتحه بحذر ليتجمد في مكانه عندما وجدها أمامه. سيدرا.
كانت تقف كعاصفة على وشك الانفجار، عيناها تطلقان شرراً.
رد فعله كان غريزياً وفورياً. هم بغلق الباب في وجهها يريد أن ينهي هذا الكابوس قبل أن يبدأ. لكنها كانت أسرع. وضعت يدها وقدمها لتمنعه من إغلاقه ودفعت الباب بقوة ودلفت إلى الداخل وهي تقول بحدة وصوت يرتجف من الغضب.
"للدرجة دي مش طايق تشوف وشي؟ نسيت كل حاجة بالسهولة دي يا مالك؟"
أغلق الباب خلفها ببطء واستدار ليواجهها ببرود قاطع، كجدار من الجليد.
"مكنش فيه حاجة أصلاً عشان أنساها."
كانت كلماته كصفعة. شهقت بصدمة وتقدمت نحوه بغضب أكبر.
"مكنش فيه حاجة؟ والحب اللي حبيتهولك؟ وأيام الوحدة اللي كنت جنبك فيها وسند ليك في غربتك؟ دموعك... دموعك اللي مكنتش بتأمّن حد عليها غيري، كل ده مكنش حاجة؟"
هنا انفجر مالك. لقد ضغطت على الجرح الخطأ. انفعال عليها بصوتٍ متحشرج وقاسٍ، وعيناه تقدحان غضباً لأنه لم يعد يحتمل هذا الابتزاز العاطفي.
"دموعي؟ كويس إنك لسة فاكرة لأنك عارفة كويس أوي الدموع دي كانت عشان مين!"
اقترب منها كالمتهم الذي يواجه شاهده الزور.
"الدموع دي مكنتش عشانك كانت عشانها عشان روح عشان حبيبتي اللي كنت بموت في اليوم ألف مرة وأنا بعيد عنها وإنتي كنتي عارفة كنتي شايفة وساكتة وبتستغلي ضعفي!"
واصل هجومه الكاسح يلقي بالحقائق في وجهها كالحجارة.
"أنا عمري ما اديتك أي أمل إنتي اللي جيتي وعرضتي عليا كل حاجة إنتي اللي أقنعتيني بالجواز العرفي لما شفتيني منهار ولما قلتلك بالحرف الواحد "صعب ألمس واحدة غير روح" قلتلي إيه؟ قلتلي أنا هنسيهالك فاكرة؟"
لم يمنحها فرصة للرد، وذكّرها باليوم الذي حفر في ذاكرته كرمز لخطئه.
"يوم ما مضينا العقد، يوم ما دخلنا الشقة كـ متجوزين مقدرتش أقرب منك. خرجت من الأوضة وقلتلك صعب... مقدرش. ومع ذلك كملتي. قولتلك مفيش أمل. قولتلي "أنا معاك ومع الوقت هتحبني"."
نظر في عينيها مباشرة ونطق بالحقيقة القاتلة التي كانت تهرب منها دائماً.
"وأنا... محبيتش وعمري ما حبيت. ودلوقتي خلاص اتجوزت حبيبتي. اتجوزت اللي قلبي عمره ما دق لغيرها."
نظرت إليه بيأس وبصوتٍ منكسر حاولت أن تلعب على وتر شفقته للمرة الأخيرة.
"يعني خلاص... هتتخلى عني؟"
رغم أن الكلمة لم يكن لها أي أساس من الصحة في نظره، فالعلاقة كانت منتهية قبل أن تبدأ، إلا أنه قرر أن يقتلع هذا الوهم من جذوره حتى لو كان ذلك بقسوة.
"أه بتخلى."
كانت كلمته الأخيرة قاطعة كحد السيف.
وقفت للحظات تنظر إليه بصدمة كأنها لا تصدق أنه قالها بهذه البساطة القاتلة. ثم استدارت وخرجت من الغرفة وهي في قمة غضبها وانكسارها، وصفعت الباب خلفها بقوة هزت أركان الغرفة.
بقي مالك واقفاً في مكانه يلهث قليلاً من أثر المواجهة. لم يشعر بالانتصار، بل شعر بالمرارة. لقد أغلق فصلاً مؤلماً من حياته لكنه الآن يجب أن يعود ليواجه العاصفة الحقيقية... عاصفة قلب روح المجروح.
***
فتحت نغم عينيها ببطء، وشعرت بثقل في رأسها وجفاف في حلقها. لم تكن في غرفة المستشفى البيضاء، ولا في غرفتها في بيت الجبل. كان المكان غريبًا تمامًا، كانت نائمة على سرير كبير ومريح، مغطاة بغطاء ثقيل.
جلست بسرعة وشعرت بدوار خفيف. حاولت أن تتذكر لكن آخر ما تتذكره هو أنها كانت في المقهى... مع جاسر. كانت تتجادل معه ثم شعرت بألم في رأسها، وبدأ كل شيء يختفي...
جاسر.
انقبض قلبها بالخوف والغضب، لابد أنه هو. لقد فعلها مرة أخرى.
نهضت من السرير وخرجت من الغرفة بحذر. وجدت نفسها في صالة واسعة، يغلب عليها الطابع الرمادي، وهذا ما أكد انه هو من آتى بها. وفي نهايتها شرفة كبيرة تطل على النيل.
وكان هو يقف هناك.
كان جاسر واقفًا في الشرفة، وظهره لها يتحدث في الهاتف. استمعت إليه وهو ينهي مكالمته بحدة.
"...لأ محدش يعرف مكاني خليك متابع كل حاچة وأي چديد تبلغني بيه فورًا."
ما إن أغلق الهاتف حتى لم تعد تستطع كبت غضبها. صرخت فيه بصوت يرتجف من القهر.
"أنت!! أنت عملت فيا إيه؟! جبتني هنا إزاي؟!"
استدار جاسر ببطء وكأنه كان يتوقع انفجارها. لم يكن على وجهه أي تعابير للدهشة، بل كان هناك هدوء مستفز. هدوء رجل يسيطر تمامًا على الموقف.
"صحيتي؟ كنت لسه هعملك جهوة تفوجك."
اقتربت منه كالعاصفة ووقفت أمامه مباشرة، وعيناها تقدحان شررًا.
"جهوة؟! أنت چيبتني اهنه كيف؟"
وضعت يدها على رأسها وحاولت التذكر.
"انت...انت..حطتلي حاچة في العصير."
نظر إليها ببرود ولم ينكر.
"حطيتلك اللي يخليكي تسمعيني بهدوء، من غير ما تهربي في نص الكلام."
صاحت به وهي تتقدم منه وتضربه على صدره بقبضتيها الصغيرتين لكنه لم يهتز، كأنها تضرب جدارًا من الصخر.
"أنا بكرهك! بكرهك! فاهم يعني إيه بكرهك؟! أنت إيه؟! بجولك مش عايزاك، وبرضه بتلاحجني زي ضلي!"
أمسك بيديها برفق وأبعدهما عن صدره لكنه لم يتركهما. ظل ممسكًا بهما، وهو ينظر في عينيها مباشرة.
"لو الكره ده هو التمن اللي هدفعه عشان تفضلي معايا أنا موافج."
حاولت أن تسحب يديها، لكنه شدد من قبضته.
"سيب إيدي ورجعني موطرح ما جبتني!"
"مش هسيبك ومش هرجعك."
قالها بهدوء حاسم، لا يقبل الجدال.
"بيتك هنه يا نغم معايا."
ضحكت بمرارة ودموع الغضب بدأت تلمع في عينيها.
"بيتي؟! هو فين بيتي ده؟ ده سجن! وأنت سجاني وأنا مستحيل أعيش مع واحد أهله دمروا أهلي، وواحد أبوه كان السبب في موت أبويا!"
لأول مرة ظهر الألم في عينيه عند ذكر والده.
"وأنا مستعد أعتذرلك عن كل ده مستعد أكون أي حاچة تطلبيها، بس تسامحيني وتديني فرصة."
هزت رأسها بعناد وهي تحاول أن تحرر نفسها من قبضته.
"مفيش فرص بينا يا جاسر اللي بينا دم وتار وكسرة جلب. كل ما هشوف وشك هفتكر كل اللي عملتوه فينا هفتكر عدي اللي مات وهو بيحاول ينقذني منيك!"
تألم من كلماتها لكنه لم يتراجع.
"وأنا كل ما هشوفك هفتكر إني لجيت روحي اللي كانت ضايعة هفتكر إني مستعد أحرج الدنيا كلايتها عشان تفضلي في حضني."
قالت بتحدي، وهي تنظر في عينيه مباشرة.
"يبجى هنتحرج إحنا التنين لأني عمري ما هكون ليك، عمري ما هسامحك."
نظر إليها مطولاً ثم ارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة غامضة.
"هنشوف يا نغم الأيام بينا طويلة وأنا صبري أطول. دلوجت ادخلي ارتاحي ولما تهدى أعصابك، نبجى نكمل كلامنا."
ترك يديها فجأة واستدار ليعود إلى الشرفة تاركًا إياها واقفة في مكانها، ترتجف من الغضب والعجز. لقد حاصرها مرة أخرى في قفصه الذهبي، وكان يراهن على أن الزمن... وقربه منها... كفيلان بتحطيم عنادها، وجعلها تستسلم له في النهاية.
***
أغلق أكمل باب الشقة خلفهما، وصوت القفل وهو يغلق كان كصوت إغلاق باب زنزانة على صبر. تجمدت في مكانها قرب الباب، لا تجرؤ على التحرك أو حتى التنفس بعمق.
كانت الشقة فسيحة وأنيقة لكنها شعرت بأن جدرانها تطبق عليها وأن الهواء أصبح ثقيلاً وساخنًا.
استدار أكمل ليواجهها. لم يتكلم. كان يقف هناك كتمثال من الغضب الصامت وعيناه مثبتتان عليها، تخترقانها، تحللانها، وتدينانها في آن واحد. كان هذا الصمت أشد رعبًا من أي صراخ. كانت تشعر بموجات الغضب تنبعث منه، ورأت في عينيه عاصفة من الخيانة والألم والارتباك.
حاولت أن تتكلم، أن تبرر، أن تقول أي شيء يكسر هذا الصمت المريع. فتحت فمها، لكن لم يخرج أي صوت، حلقها كان جافًا تمامًا ولسانها التصق بسقف فمها.
بدأت الدنيا تدور بها. لم يكن مجرد دوار عادي بل شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها. بقع سوداء بدأت تتراقص أمام عينيها، وأطرافها شعرت بها باردة وثقيلة. حاولت أن تستند على الحائط، أن تقاوم هذا الضعف الذي اجتاحها فجأة لكن جسدها خانها. لقد استنفدت كل طاقتها في الخوف والتوتر.
تأوهت بصوت خافت وبدأت ركبتاها في الارتجاف. وقبل أن يسقط جسدها بالكامل على الأرض كان أكمل قد تحرك بسرعة البرق.
"صبر..."
في تلك اللحظة تبخر كل الغضب، وتلاشت كل الأسئلة. لم يعد يرى المرأة التي خدعته بل رأى صبر الفتاة الهشة التي كانت بين يديه على وشك الانهيار. اندفع نحوها ولحق بها قبل أن ترتطم رأسها بالأرض.
لف ذراعيه حولها وشعر بثقل جسدها المرتخي بين يديه.
"صبر..." نطق اسمها بخوف حقيقي، خوف نابع من أعماق قلبه، نسي معه كل شيء آخر. نسي الخيانة، ونسي الطفل، ونسي كذبتها. كل ما كان يراه هو وجهها الشاحب وعينيها المغلقتين.
حملها بين ذراعيه بسهولة وركض بها إلى غرفة النوم. وضعها برفق على السرير ووقف للحظة ينظر إليها بقلق شديد. لمس جبينها فوجده باردًا ورطبًا من العرق.
أخرج هاتفه بسرعة ويداه ترتجفان قليلاً. بحث في جهات الاتصال عن رقم الدكتور مجدي، طبيب النساء الذي يسكن في نفس العمارة والذي تعرف عليه بالصدفة. ضغط على زر الاتصال وشرح الموقف بسرعة وقلق.
لم تمر سوى دقائق قليلة حتى كان الطبيب يطرق الباب. أدخله أكمل بسرعة إلى الغرفة. بعد فحص سريع، نظر الطبيب إلى أكمل نظرة مطمئنة.
"متقلقش يا أكمل بيه ده نتيجة إرهاق وتوتر، وشكلها كمان مش بتتغذى كويس. الضغط عالي شويتين ودي حاجة متطمنش في الوقت ده من الحمل. أنا اديتها حقنة هتفوقها بس لازم أول ما تصحى وتسترد قوتها تجيلي العيادة فورًا عشان نعمل فحوصات كاملة ونطمن على وضعها ووضع الجنين."
هز أكمل رأسه بالموافقة وشكر الطبيب ورافقه إلى الباب.
عندما عاد إلى الغرفة وجدها لا تزال نائمة. جلس على حافة السرير، وعيناه لا تفارقان وجهها. كانت مشاعره في حالة فوضى عارمة. كان الغضب لا يزال هناك يغلي تحت السطح، الشعور بالخيانة كان لا يزال حادًا ومؤلمًا. لكن الآن اختلط به شعور آخر، شعور قوي بالقلق، بالخوف عليها، وبمسؤولية غريبة تجاهها وتجاه هذا الكائن الذي ينمو بداخلها.
كيف يمكن أن يكرهها ويخاف عليها في نفس الوقت؟ كيف يمكن أن يشعر بالرغبة في معاقبتها وفي حمايتها في آن واحد؟
نظر إلى بطنها المنتفخة، ثم إلى وجهها البريء في نومه. لقد انقلب عالمه رأسًا على عقب في أقل من ساعة. ولم يكن يعرف كيف سيعيد ترتيب هذا العالم، أو حتى من أين يبدأ. كل ما عرفه في تلك اللحظة، وهو يراقب أنفاسها الهادئة هو أن القصة... لم تكن بالبساطة التي تخيلها.
***
محاولات كثيرة بالاتصال لكنه لا يجيب. قام بحظرها لكنها لم تستسلم وفعلتها من رقم آخر. ظل يعد الساعات والدقائق حتى جاء موعد انطلاق الطائرة وعاد إلى بلده.
كانت فرحة عارمة تلك التي استقبلت مالك حين خطت قدماه عتبة السرايا. تجمع الكل حوله الجد والأعمام والجميع فرحين بعودته النهائية. كانت الوجوه مبتسمة والكلمات ترحيبية لكن العيون الفاحصة لاحظت شيئاً مختلفاً فيه.
كان هناك إرهاق يطغى على ملامحه وبرود في عينيه لم يعتادوه منه.
"حمدلله على السلامة يا ولدي نورت بيتك."
قالها جده وهو يحتضنه بقوة.
"الله يسلمك يا جدي."
أجاب مالك بصوتٍ مجهد.
سألته والدته بقلق وهي تمرر يدها على وجهه.
"مالك يا حبيبي وشك أصفر كده ليه إنت تعبان؟"
هز رأسه نافياً وهو يحاول رسم ابتسامة باهتة.
"لأ يا أمي أبداً ده بس تعب السفر والطريج طويل."
قالت روح التي كانت تقف بجانبه وتتشبث بذراعه كأنها تخشى أن يختفي مرة أخرى.
"طب اطلع ارتاح في أوضتك يا مالك شكلك مرهق جوي."
وافق الجميع على اقتراحها وأصروا على أن يصعد ليرتاح.
ما إن أغلق باب جناحهما خلفه حتى تغير كل شيء.
في لحظة خاطفة استدار مالك وأغلق الباب خلفهما بالمفتاح. كان صوت نقرة القفل حاداً ونهائياً كأنه يعزل جناحهما عن العالم الخارجي بأكمله. لم يمنح روح فرصة لتتحدث أو حتى لتلتقط أنفاسها. في خطوتين كان أمامها، يداه القويتان أمسكتا بذراعيها وفي اللحظة التالية كان يخطفها إلى حضنه وفمه يطبق على فمها بقوة جائعة ويائسة.
لم تكن قبلة شوق فقط بل كان أشبه بمحاولة عنيفة لطرد شيطان يسكنه لإطفاء نيران تلتهم روحه من الداخل. كانت قبلته مزيجاً غريباً ومخيفاً لم تعرفه من قبل، خليط من الشوق المرير والغضب المكتوم والألم الذي يكاد يفتت روحه. كانت يداه تتجولان على ظهرها بقوة، تشدانها إليه كأنه يخشى إن أرخى قبضته أن تتبخر وتختفي.
تجمدت روح للحظة تحت وطأة هذا الهجوم المفاجئ لكنها سرعان ما شعرت بما هو أعمق من العنف. شعرت باحتياجه المطلق لها. أحست بأنه يحارب معركة داخلية طاحنة، معركة خسر فيها كل أسلحته وأنه يرى فيها طوق النجاة الوحيد، المرسى الأخير في محيط هائج. استسلمت له. لفت ذراعيها حول رقبته وبادلته قبلته محاولة أن تسكب فيها كل ما تملكه من حنان وسلام، على أمل أن يجد في قربها بعض السكينة.
لكن عنفه بدأ يزداد قليلاً دون وعي منه. أصبحت قبلاته أكثر قسوة، وقبضته على خصرها أشد إيلاماً. لم يعد يراها، كان يرى فقط أشباحه التي يقاتلها من خلالها. هنا دق ناقوس الخطر في عقلها. ليس خوفاً منه، بل خوفاً عليهما معاً. ضغطت على صدره العريض برفق، وبالكاد استطاعت أن تجمع أنفاسها لتهمس بصوت لاهث ومتقطع.
"مالك... بالراحة... أنا حامل."
كانت كلماتها الثلاث كدلو من الماء الجليدي أُلقي عليه. كانت كصفعة مدوية أعادته من حافة الهاوية إلى أرض الواقع. ابتعد عنها فجأة خطوة، ثم خطوتين، وكأنه أفاق من كابوس مروع ورأى للتو حجم الدمار الذي كاد أن يسببه. اتسعت عيناه بالرعب وهو ينظر إليها، ثم إلى بطنها ثم يعود بوجهه إليها.
كانت ملامحه تحمل ألماً يفوق الوصف، مزيجاً من الأسف والذنب وكراهية الذات.
"أنا آسف... آسف يا روح... والله آسف... مكنتش..."
فتحت فمها لتسأله لتهدئه لتقول له إن كل شيء على ما يرام، لتعرف ما الذي حطمه بهذا الشكل. لكنه رفع رأسه قليلاً ووضع إصبعه على شفتيها برفق، وكانت عيناه تتوسلان إليها.
"هش... أرجوكي... مش عايز أي كلام مش هجدر أسمع حاچة ولا أجول حاچة خليكي بس في حضني عايز هدوء."
أغمض عينيه وأعاد رأسها إلى حضنه الدافئ، مستسلماً تماماً للصمت ولدفء قربها الذي كان الشيء الحقيقي الوحيد والنقطة المضيئة الوحيدة في عالمه المظلم والمضطرب.
بعد وقت طويل وروح مستلقية على الفراش ومالك يضع رأسه في حضنها وبرأسه قرارات متناقضة. تارة يود اخبارها، وتارة أخرى يخشى من رد فعلها. أما هي فكانت تنظر إليه بحيرة. كانت تظن أن حالته تلك بسبب عودة نغم لزوجها، لكن هو كان يعلم مسبقاً وأيد ذلك. تريد ان تعرف منه، تريد ان تسأله عن سبب حالته لكنها فضلت الصمت كما طلب منها.
***
أفاقت صبر على صداع عنيف يضرب رأسها بقوة. فتحت عينيها ببطء وصعوبة بالغة، ونظرت حولها لتجد الغرفة فارغة تمامًا، لا أثر لأي شخص. حاولت النهوض من السرير لكنها شعرت بإرهاق شديد وألم مبرح في بطنها كأن سكينًا يُغرس فيها.
سمعت باب الشقة يُغلق بالخارج، صوت خافت لكنه واضح تلته خطوات سريعة في الصالة تقترب من غرفتها. حاولت أن تقوم مرة أخرى مستجمعة ما تبقى من قوتها لكنها صرخت فجأة صرخة مكتومة حين زاد عليها الألم بشكل لا يُحتمل.
فُتح الباب ودخل أكمل الذي سألها بلهفة وقلق واضحين على وجهه.
"صبر مالك؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟"
حاولت أن تتكلم لكن الألم كان أقوى منها. أجابت بصوت متقطع.
"مفيش أنا بس تعبانة شوية."
نظر أكمل إليها بعينين متفحصتين. رغم قلقه الواضح كان فيه تحفظ غريب في كلامه في طريقة نظراته.
"خلينا نروح للدكتور دلوقتي حالاً عشان نطمن."
هزت رأسها برفض ضعيف.
"ملوش لزوم أنا زينة شوية وهبجى تمام."
لكنه أصر بحدة لم تعتدها منه.
"مفيش حاجة اسمها كويسة دلوقتي لازم نروح."
ثم وضع كيس بلاستيكي كبير على المنضدة بجانب السرير.
"جبتلك أكل من بره كلي قبل ما ننزل."
نظرت إلى الأكل ثم إليه.
"مش عايزة مليش نفس."
جرحها بكلامه الذي خرج بارداً قاسياً.
"ده مش عشانك ده عشان ابني أو بنتي مش أكتر."
أخرج الطعام من الكيس ووضعه أمامها. شعرت بصفعة قوية على وجهها، لكن ماذا كانت تنتظر منه.
ابتلعت غصتها وأكلت غصباً عنها. كل لقمة كانت تنزل بصعوبة كأنها حجارة. كانت عيناها معلقتين بالطبق لكن عقلها كان يدور في دوامة من الأسئلة المخيفة. لماذا يتصرف أكمل هكذا؟ ما الذي يخبئه؟ هل هو قلق عليها حقاً أم على الجنين فقط؟ هل يمكن أن يأخذ ابنها منها ويطردها؟ هذه الفكرة كانت كابوساً يطاردها منذ أن رأته.
كان أكمل جالساً على المقعد الجانبي يتحاشى النظر إليها مباشرة. كانت ملامحه جامدة لكن عينيه كانتا تخطفان نظرات سريعة إليها كل بضع ثواني كي يتأكد إذا كانت تتناول طعامها أم لا. شعر بالحنق من نفسه بعد كل ما فعلته معه بعد كل الخيانة التي ارتكبتها. مازال قلبه الخائن يحن إليها. مازال يشعر بقلق غريب تجاهها. كان يكره هذا الشعور ويكره ضعفه أمامها.
عندما انتهت من طعامها حمل الطاولة الصغيرة وأعادها للمطبخ. ثم تطلع إليها بفتور مصطنع.
"هتقدري تمشي؟"
أومأت له بصمت وهي تحاول أن تجمع قواها. نهضت بصعوبة شديدة والوهن تمكن منها. كانت على وشك أن تسقط لولا أنه مد يده ليساندها. لمسة يده كانت كالصدمة. لمسة باردة لكنها قوية. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لمسة تحمل الكثير من التناقضات.
خرجت معه ونزلوا للطابق الثاني حيث عيادة الطبيب.......
في عيادة الدكتور كان الجو متوتراً بشكل لا يطاق. الصمت كان ثقيلاً ومادياً يطبق على المكان كأنه يمهد لخبر كارثي. بعد فحص دقيق ومطول وبعد مراجعة نتائج التحاليل السريعة التي طلبها، خلع الدكتور نظارته ووضعها على الطاولة أمامه. نظر إلى أكمل وصبر بجدية قاتمة لم يسبق لها مثيل.
"للأسف مش هقدر أطمنكم."
تعلقت عينا صبر بالدكتور بلهفة ممزوجة بالرعب، وشعرت بقلبها يهوي في بئر سحيق.
"في إيه يا دكتور طمني."
قال الدكتور بوضوح قاطع، وكل كلمة كانت كضربة مطرقة.
"ضغط الدم عندك مرتفع جداً يا مدام صبر وده ممكن يسبب حالة بنسميها "تسمم الحمل "."
اتسعت عينا أكمل بصدمة حقيقية لم يكن يتوقع هذا على الإطلاق.
"والحل ايه يا دكتور؟"
رد الطبيب.
"الحل إننا نحجزها في المستشفى عشان نكون مطمنين."
"والحجز ليه؟"
قال الدكتور مباشرة وبنبرة لا تحتمل الجدال موجهاً كلامه لأكمل.
"هكون صريح معاكم ومخبيش حاجة، لإن الجنين في خطر حقيقي والأم أكتر. الضغط العالي ده بيقلل تدفق الدم والأكسجين للمشيمة، وده ممكن يسبب توقف نمو الجنين أو انفصال المشيمة المفاجئ. أي حركة زيادة أي إجهاد بسيط، أي توتر ممكن يكون هو الزناد اللي يبدأ الكارثة لازم حجز فوري في المستشفى تحت الملاحظة الدقيقة على مدار الساعة."
شعر أكمل بأن الأرض تميد به. كانت ترن في أذنيه كرصاصات. للحظة تبخر كل غضبه وكل كبريائه، وحل محله رعب خام، رعب نقي من أن يفقدها أن يفقد طفله. نظر إلى صبر رأى وجهها الشاحب وعينيها المذعورتين وهي تضع يدها على بطنها بخوف وشعر بأن قلبه يتمزق.
لكن هذا الرعب نفسه هو ما أيقظ شيطاناً آخر بداخله. شيطان الخوف من هروبها. فكرة وجودها في المستشفى بعيداً عن عينيه حيث يمكن لها أن تهرب... كانت فكرة لا تطاق.
رفض بشدة وبنبرة حاسمة كأنها صدرت من صخر. نبرة ولدت من رحم الخوف المطلق.
"لأ مفيش مستشفى أنا عايزك تعمل كل حاجة بس في البيت."
نظر إليه الدكتور باستغراب لم يستطع إخفاءه، وكأنه يرى رجلاً مجنوناً.
"بس ده مش ممكن يا أستاذ أكمل ده انتحار. الحالة محتاجة أدوية وريدية للضغط، ومراقبة مستمرة لنبض الجنين واستعداد فوري لعملية قيصرية طارئة في أي لحظة. المستشفى هي المكان الوحيد اللي ممكن نضمن فيه سلامتها وسلامة الجنين!"
اشتعلت عينا أكمل بالغضب. غضب يائس لرجل محاصر. حاول السيطرة على صوته الذي خرج متحشرجاً ومخيفاً.
"أنا بقولك اعمل كل حاجة في البيت هجيبلك كل اللي تحتاجه. هجيب ممرضات ٢٤ ساعة هحول أوضة في البيت لغرفة عناية مركزة لو لزم الأمر. هجيب أي جهاز تطلبه هجيب أي حاجة بس مراتي مش هتتحجز في مستشفى."
نظرت صبر إلى أكمل بصدمة أكبر ورعبها منه فاق رعبها من المرض. لم تفهم سبب رفضه القاطع، هل هو قلق على طفله لهذه الدرجة؟ أم أن هناك سبباً آخر، سبباً مظلماً؟ كانت تشعر بالخوف يتسلل إلى كل خلية في جسدها. خوف على جنينها وخوف منه هو. هل يخاف أن تهرب؟ هل يفضل أن تموت بين يديه على أن تخرج من سجنه؟
حاول الطبيب أن يقنعه مرة أخيرة، بنبرة شبه متوسلة.
"يا أستاذ أكمل، أنا أقسمت قسم إني أحافظ على حياة المرضى اللي بتطلبه ده ضد قسمي وضد المنطق، حياة المريضة والجنين في خطر وشيك."
قاطعه أكمل بحدة.
"وأنا مسؤول عن كل حاجة يا دكتور مسؤول عن حياتها وحياة اللي في بطنها بس مراتي مش هتخرج من البيت."
***
وقفت نغم في منتصف الغرفة، تطل على أضواء القاهرة التي تتلألأ من كل اتجاه. كانت الشقة أشبه بتحفة فنية معلقة في السماء، كل قطعة فيها مختارة بعناية فائقة لكنها في عينيها لم تكن سوى قفص، قفص ذهبي لكنه يظل قفصاً.
لقد فعلها مرة أخرى.
خطفها اقتلعها من عالمها من أهلها من حياتها الهشة التي بدأت تستعيدها بصعوبة وألقى بها هنا. لم تكن هناك قيود حديدية هذه المرة، لم يكن هناك حراس بوجوه عابسة يقفون على الباب. كان هناك صمت مطبق، بل يهمس بالعزلة.
تنهدت بمرارة. لقد تعلم الدرس من المرة السابقة. هذه المرة السجن أكثر تطوراً، وأكثر عزلة وأكثر إيلاماً لأنه يخاطب العقل لا الجسد.
حاولت البحث عن مخرج. لكنها تعرف جاسر ليس غبياً. هو أذكى وأدهى مما تتخيل، هو بالتأكيد قد أمن كل شيء. لكن لكل نظام ثغرة ولكل سجان نقطة ضعف.
عادت إلى غرفة النوم وجلست على حافة السرير، أغمضت عينيها وبدأت تفكر بعقلانية متجاهلة الخوف والغضب اللذين يعصفان بقلبها.
لكن هذه المرة كان التفكير مختلفاً. لم يكن هناك غضب نقي أو رغبة واضحة في الانتقام. كان هناك تردد، حيرة مؤلمة تمزقها.
جزء منها، الجزء الذي يحمل ندوب الماضي، يصرخ بها: "اهربي حاربي لا تسمحي له بأن يكسرك مرة أخرى. تذكري خيانته، تذكري رسالة شروق، تذكري كل دمعة ذرفتيها بسببه. لا تكوني غبية."
لكن جزءاً آخر، جزء نما في الخفاء ورعاه الشوق، يهمس لها: "ولماذا تهربين؟ إلى أين؟ هل كنتِ سعيدة حقاً بدونه؟ تذكري رجاءه في عينيه أمام منزلك. تذكري كيف تخلى عن كبريائه من أجلك. تذكري اعترافه بأنه يحبك. ألم يكن هذا ما كنتِ تتمنينه في أعماقك؟"
شعرت بأنها تقف على حافة جرف. خطوة إلى الوراء تعني العودة إلى حياة آمنة لكنها فارغة وباردة. وخطوة إلى الأمام تعني السقوط في المجهول، في حضن رجل هو سبب ألمها ومصدر شغفها في آن واحد.
هل تستطيع أن تثق به مرة أخرى؟ هل تغير حقاً؟ أم أن هذا مجرد وجه آخر من وجوهه المتقلبة، لعبة جديدة أكثر دهاءً من سابقاتها؟
فتحت عينيها ونظرت حولها. هذا القفص الذهبي... لم يصممه سجان لضحيته. لقد صممه رجل لمليكته. كل تفصيل فيه يصرخ بالاهتمام، بالذوق الرفيع، بالرغبة في توفير الراحة المطلقة. هذا لم يكن سجناً للانتقام، بل كان ملاذاً قسرياً.
وهنا أدركت الحقيقة التي ترعبها. نقطة ضعف جاسر لم تعد فقط حبه لها. لقد أصبحت هي أيضاً نقطة ضعف نفسها. ترددها هو سجّانها الحقيقي.
نهضت وسارت نحو الشرفة الزجاجية مرة أخرى. وضعت كفها على الزجاج البارد وشعرت ببرودته يتسلل إلى يدها لكنه لم يستطع إطفاء النار المشتعلة في صدرها.
لم تعد تعرف ماذا تريد. هل تريد الحرية بدونه؟ أم تريد العبودية معه؟ هل تكرهه لأنه سجنها، أم تحبه لأنه جعلها مركز عالمه لدرجة أنه لم يجد حلاً آخر سوى أن يسجنها ليحتفظ بها؟
كانت حائرة ضائعة ومترددة وأدركت أن المعركة القادمة لن تكون بينها وبين جاسر بل ستكون بينها وبين نفسها. بين نغم التي تريد النجاة ونغم التي تريد أن تُحَب. وأيهما ستنتصر سيحدد مصيرها إلى الأبد.
................
عادت صبر مع أكمل إلى شقتهما الجديدة. وكل خطوة كانت تخطوها على الأرضية الرخامية كانت تثير في نفسها موجة من القلق. لم يكن خوفاً على نفسها، فقد تبلدت مشاعرها تجاه مصيرها بل كان خوفاً عميقاً ومتجذراً على الكائن الصغير الذي ينمو بداخلها، والذي أصبح محور وجودها وسببها الوحيد للاستمرار.
جلس أكمل على أقرب مقعد في الصالة وأشار لها بيد مرتعشة قليلاً لتجلس. كان يحاول بجهد أن يرتدي قناع وكيل النيابة الهادئ والمسيطر، لكن خلف هذا القناع كان هناك رجل مرعوب، رجل اكتشف قبل ساعات قليلة أنه سيصبح أباً، وأن طفله وأمه كانا يعيشان في ظروف لم يكن ليتخيلها في أسوأ كوابيسه.
جلست صبر على حافة الأريكة المقابلة له في وضع استسلام كامل. لم تعد لديها طاقة للمقاومة أو الجدال. كل ما تريده هو أن ينتهي هذا الكابوس.
كسر أكمل الصمت بصوته الذي حاول أن يجعله رسمياً لكنه خرج أجشاً من فرط المشاعر المكبوتة.
"جيتي القاهرة إزاي وكنتي قاعدة فين الفترة دي كلها؟"
أطرقت صبر برأسها وأخفت عينيها التي امتلأت بظلال الحزن وكأنها تسترجع شريطاً سينمائياً مؤلماً.
"بعد ما طردتني... مكنش ينفع أرجع لأبويا. كنت هبجى عار عليه وحمل زيادة. مكنتش أعرف حد في الدنيا دي كلها أروحله غير ليان صاحبتي اللي كنت ساعات بكلمك عنها."
رفعت عينيها إليه للحظة. وفي نظرتها عتاب صامت.
"استقبلتني في بيتها وفتحتلي جلبها قبل بابها. بعد فترة جبتلي شغل في محل ملابس. كنت بحاول أجف على رچلي من غير ما احتاچ لحد، بس بعدها بفترة تعبت جوي ولما روحت للدكتور... جالي إني حامل."
قالت الكلمة الأخيرة بصوت خفيض وكأنها سر لا تزال تخشى البوح به أمامه.
"أول تلات شهور كانوا أصعب حاچة في حياتي كنت تعبانة على طول والعلاج كان غالي مكنتش منتظمة عليه عشان الفلوس. جوز ليان راجل ابن حلال كان بيدفع إيجار الشجة لوحده وأنا كنت بصر على ليان إني لازم أشاركها في مصاريف البيت والأكل باللي بجدر عليه."
أخذت نفساً طويلاً وكأن الكلمات تستنزف آخر ما تبقى من قوتها.
"صاحبة الشغل الحاجة فاطمة، كانت ست طيبة وبتعتبرني زي بنتها لما عرفت بظروفي وحملي، كانت بتخليني أقف مكانها في المحل عشان متعبش نفسي في المواصلات، وكانت بتديني يومية زينة فضلت على الحال ده... لحد ما جيت أنت ولجيتني."
شعر أكمل بنيران الغضب تشتعل في صدره، غضب موجه بالكامل نحو نفسه. كيف سمح لكبريائه وغضبه أن يعميه إلى هذا الحد؟ كيف تركها تلجأ للغرباء ليساندوها في أصعب أوقات حياتها، بينما كان هو، زوجها ووالد طفلها، يعيش حياته غافلاً عن معاناتها؟
"وليه مرحتيش لأبوكي؟"
سأل بانفعال لم يستطع السيطرة عليه.
ارتسمت ابتسامة ساخرة وموجوعة على وجه صبر.
"أبويا؟ وتفتكر أبويا كان هيعيشني معاه ويصرف عليا أنا واللي في بـ..."
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم رانيا الخولي
لم يستطع مالك أن ينطق بالحقيقة. كلما حاول أن يفتح فمه ليعترف، كانت الكلمات تموت في حلقه. رأى في عيني روح ثقة مطلقة وحباً لا حدود له، فكيف يجرؤ على تحطيم هذه الصورة؟ كيف يلوث نقاءها بقذارة ماضيه؟ اكتشف في تلك اللحظة أنه يفتقر إلى الشجاعة الكافية للمجازفة، فآثر الصمت والهروب، واختلق عذراً آخر يتعلق بضغوط العمل وقضية قديمة عادت للظهور.
استسلمت روح في النهاية، وإن لم تقتنع تماماً. قررت أن تمنحه مساحته، وأن تثق به، مؤمنة بأنه سيبوح لها بما يثقل كاهله عندما يكون مستعداً.
بعد يومين، كانت أجواء السرايا هادئة. كانت العائلة مجتمعة في الصالة الكبيرة بعد العشاء، يتبادلون أطراف الحديث في محاولة لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية التي فقدوها. كانت روح تجلس بجانب مالك، تشاركه ابتسامة باهتة، بينما كان هو يمسك بيدها بقوة، كأنه يستمد منها الأمان الذي يفتقده.
اهتز هاتفها الذي كان بجانبها على الأريكة معلناً عن وصول رسالة.
التقطته بلامبالاة، متوقعة أن تكون رسالة من إحدى صديقاتها. كان الإشعار من تطبيق الواتساب من رقم غريب، رقم دولي لم تره من قبل.
فتحت الرسالة بفضول، فتجمدت الدماء في عروقها.
لم تكن هناك كلمات، فقط ثلاث صور، أُرسلت في تتابع سريع، كأنها طلقات رصاص اخترقت قلبها بصمت.
الصورة الأولى: كانت لمالك، بدا أصغر سناً بملامح أقل نضجاً، لكنه هو بلا شك. وبجانبه، كانت تقف امرأة فاتنة الجمال، بشعر أشقر طويل وعينين جريئتين.
كانت تبتسم للكاميرا بثقة، وذراعها يلتف حول خصره بألفة شديدة.
الصورة الثانية: كانت أكثر قسوة وأشد إيلاماً. كانت صورة "سيلفي" على ما يبدو، التقطت في غرفة نوم مالك. كان مستلقياً على السرير، عاري الصدر، ويبدو عليه النعاس. والمرأة نفسها كانت بجانبه، رأسها مستند على كتفه، تنظر إلى الكاميرا بابتسامة منتصرة، ابتسامة امرأة تملك الرجل الذي بجانبها.
الصورة الثالثة: لم تكن صورة شخصية، بل كانت صورة لوثيقة. ورقة مكتوبة بخط اليد، كلماتها واضحة وحادة كشفرة سكين.
"عقد زواج عرفي"
وكان اسم "مالك سالم الرفاعي" موقعاً في الأسفل، بجانب توقيع آخر باسم "سيدرا رضوان".
شعرت روح بأن قلبها قد توقف عن النبض.
توقف الزمن وتجمدت الأصوات من حولها. لم تعد تسمع ضحكات عائلتها، ولا تشعر بيد مالك التي لا تزال تمسك بيدها. كل ما كانت تراه هو تلك الصور، تلك الحقيقة البشعة التي صفعها بها هذا الرقم المجهول.
إذن، هذا هو السر.
هذا هو الحمل الثقيل الذي كان يخفيه. لم يكن مجرد علاقة عابرة، بل كان زواجاً.
شعرت بموجة من الغثيان والبرد تجتاح جسدها.
أرادت أن تصرخ، أن تواجهه، أن تلقي بالهاتف في وجهه وتسأله عن هذه الخيانة.
لكنها كانت محاطة بالجميع. لا يمكنها أن تنهار هنا.
بقوة لم تكن تعرف أنها تمتلكها، تحاملت على نفسها. أخذت نفساً عميقاً، بطيئاً، وكأنها تسحب كل الهواء من الغرفة لتمنع نفسها من الاختناق. أغلقت شاشة الهاتف بهدوء تام، ووضعته بجانبها، وكأن شيئاً لم يكن.
نظرت إلى مالك، الذي كان لا يزال يبتسم ويتحدث مع عمه.
نظرت إلى يده التي تمسك بيدها، وشعرت فجأة بقذارة لمسته.
سحبت يدها منه بهدوء، متذرعة بأنها تريد أن تشرب الماء.
نهضت وشعرت بأن ساقيها بالكاد تحملانها. تحركت بخطوات ثابتة ومدروسة نحو المطبخ، وظهرها مستقيم، ورأسها مرفوع. لم يشك أحد في شيء. لم يلاحظ أحد البركان الذي انفجر بداخلها، والحطام الذي أصبحت عليه روحها.
لقد أصبحت خبيرة في إخفاء ألمها، وهذه المرة كان الألم أعمق من أي وقت مضى.
دلفت المطبخ، وحينها سمحت لنفسها بالانهيار.
وكأن صدمة واحدة لا تكفي، فتأتي ما هي أشد وأقوى.
خيانة أخرى، لكنها أشد وأقسى مما قبلها.
خيانة كسرت روحها قبل أن تكسر قلبها.
لم تستطع البقاء في المطبخ، وأسرعت إلى غرفتها كي تنهار بحرية أكثر.
شعر مالك بغيابها وتوجه مباشرة إلى المطبخ فلم يجده.
توجه إلى غرفتهما فوجدها جالسة على الأريكة تنظر إلى الفراغ أمامها في صمت مطبق.
رمشت روح بعينيها وشعرت بطعنة حادة باردة تخترق جدار قلبها الذي بنته حولهما. وجدته يخفض عينيه أمامها، يهرب بنظره من نظراتها المتهمة. وكيف له أن ينكر وقد وضعت كل الدلائل التي تثبت جريمته في حقها أمامه؟ صور، رسائل، تواريخ... ماضٍ كامل كان يجهله، وعاد ليصفعها على وجهها بمنتهى القسوة.
استطاعت بمهارة وقوة لم تكن تعرف أنها تمتلكها، أن تحبس تلك الدموع الخائنة التي تجمعت في عينيها وهددت بالانهيار.
لا، لن تضعف أمامه. لا يجب أن يرى ضعفها، وذلك الجرح الغائر الذي كان هو سبباً فيه. عليها أن تداويه وحدها، بعيداً عن نظرات شفقته الكاذبة.
تطلعت إليه، وكل جزء في كيانها يصرخ من الألم، لكن صوتها خرج ثابتاً، حاداً كشفرة.
"ليه؟"
قالتها وهي تتطلع إليه باتهام مباشر، وشعور مرير بالغدر والخيانة يغمر روحها، وهي تتابع جلدها له بكلمات كانت تخرج من جرحها المفتوح.
"عملتلكم إيه عشان تغدروا بيا إكده؟ عملت إيه عشان كل واحد فيكم يطعني في ظهري بالشكل ده؟"
اقتربت منه خطوة، ثم أخرى كي تجبره على النظر إليها كي لا يهرب من مواجهة حطامها الذي تسبب فيه. صاحت به وقد بدأ صوتها يرتجف من فرط القهر.
"جولي ليه؟ بص في عيني وجاوبني!"
قطبت جبينها بحيرة، وكأن عقلها يرفض أن يستوعب هذا الكم من الخذلان، وتابعت بصوت ضائع.
"في الأول أخوك... ودلوجت أنت، ليه؟ أنا عملت فيكم إيه؟"
قالت كلمتها الأخيرة بصوت عالٍ، صرخة ممزوجة بالقهر والعجز والألم.
حاول مالك أن يشرح، أن يبرر، لكن ماذا يقول وقد علمت كل شيء؟ حاول يائساً أن يجد أي سبب، أي عذر، يخفف به وطأة جريمته أمامها.
"روح... أنا... أنا كنت وحيد سنين طويلة في الغربة. وكنت في الوجت ده بعاني من حبك لأخويا، وبتعذب ليل نهار وأنا شايفك بعيدة عني. وبعدين... أنا مهما كان بشر، وليا متطلبات، ولجيتها جدامي بتجدملي كل حاچة بدون مقابل. ومكنش عندي أمل واحد في المية إنك ممكن في يوم تكوني ليا عشان أصبر."
تقدم منها خطوة، وما إن مد يده ليمسك بكتفها، في محاولة يائسة لتهدئتها، حتى صرخت به صرخة خرجت من أعماق روحها المجروحة.
"متلمسنيش!"
تراجع على الفور وأومأ لها برأسه كي لا تنفعل أكثر من ذلك ويعاد ما حدث من قبل، فتمتم بعذاب حقيقي.
"حاضر... حاضر مش هلمسك بس أرجوكي اسمعيني يا عمري."
قطبت جبينها بعذاب وضحكت ضحكة ساخرة خالية من أي فرح.
"عمري؟!"
تطلعت إليه بابتسامة مغمسة بالمرارة، ابتسامة كانت أشد إيلاماً من ألف دمعة.
"للأسف... مبجتش بصدجك، مبجتش بصدج أي كلمة بتطلع منك."
نظرت إليه، وعيناها تحملان برودة لم يرها فيهما من قبل.
"أنت زيك زي عدي، مفيش بينكم فرج. بس الفرج الوحيد إنه كان صريح من البداية، ومغشنيش. من يوم ما اتچوزني وهو بيحسسني إني شيء مفروض عليه، شيء تجيل على جلبه."
تطلعت إليه بمرارة، وكأنها تبصق الحقيقة في وجهه.
"إنما أنت... أنت طلعتني لسابع سما، خليتني أصدق إن فيه حب حقيقي، وإن فيه حد ممكن يحبني بجد."
هزت رأسها بألم ووضعت يدها على جوفها الممتلئ وتابعت بقهر.
"وفجأة... نزلتني سابع أرض. أنا عاملة زي إنسانة مثيرة للشفقة. أخوك اتچوزني غصب عنه عشان جدي فرضني عليه. وبعدها أنت... عشان أنا مرات أخوك اللي اتجتل، واللي يا عيني مات وساب مراته اللي لسه عروسة مكملتش شهور، فأخدتني برضه غصب عنك، شفقة وواجب."
قاطعها مالك بلهفة.
"لأ يا روح، أنا بحبك وأنتِ خابرة إكدة زين. أنتي روحي يا روح، ودي والله ما لمستها وعمري ما لمست حد غيرك. منكرش اني فكرت لاني كنت بموت من غيرك بس والله ما قدرت. وجوازنا كان على أمل إن ممكن أحبها وأكمل حياتي معاها بي والله ما قدرت."
أغمضت عينيها بقهر وهي تضع يدها على بطنها كأنها تحمي طفلها من هذا العالم القاسي.
"مبجتش مصدجة شيء، مبجتش خابرة مين بيحبني ومين لاه. لولا بنتي... لولا اللي في بطني دي، أنا كنت ريحتكم مني وموتت حالي. بس لأ، لازماً أعيش عشانها. والحل الوحيد دلوجت... إنك تخلصني منك، زي ما ربنا خلصني من أخوك."
تطلعت إليه بنظرات محملة بالحقد، حقد لم يره في عينيها من قبل وهي تتابع ببطء وقسوة.
"يعني لو راجل، وعندك ذرة كرامة... تطلجني."
جرحته كلمتها الأخيرة "لو راجل" كخنجر مسموم. لكنه أقنع نفسه بأنها مجروحة، وأنها لا تعي ما تقول. لذا تحدث بهدوء مصطنع، رغم أن بركاناً من الغضب بدأ يثور بداخله.
"روح... أنا هعدي اللي جولتيه ده عشان مجروحة..."
قاطعته صارخة، وقد نفد صبرها تماماً.
"بس أنا مش مچروحة! أنا مدبوحة ومعنديش استعداد أكمل حياتي ثانية واحدة مع واحد حقير وخاين زيك. ولو رست إني أخلعك في المحاكم وأفضحك، مش هتردد ثانية واحدة. فأشرفلك إنك تطلجني دلوجت."
هنا، انقطع آخر خيط من خيوط صبره. توحشت نظراته، وبدا له كل شيء أسود. شعر بها تضيع من بين يديه، تصر على اتهامه بالخيانة، وتهدد بتركه. لن يسمح بذلك. لن يتركها تفلت من بين يديه بعد أن أصبحت له، بعد أن أصبحت روحه وملكه. عاد التملك ليرأس علاقتهما من جديد، وظهرت لهجته الحادة التي لا تظهر إلا في أقصى درجات الغضب.
جذبها من ذراعها بقوة، يهزها بدون وعي، وهو يغمغم من بين أسنانه.
"مستحيل أطلجك، ولو السما انطبجت على الأرض مش هنولهالك. ولو رست إني مخرجكيش من الاوضة دي وأحبسك جواه هعملها يا... بنت عمي."
قال كلمته الأخيرة بسخرية وخرج من الغرفة، صافقًا الباب خلفه بعنف. أغمضت عينيها بانهيار وشعرت بالغرفة تضيق بها.
ارتمت على الفراش وسمحت لتفسها بالانهيار.
❈-❈-❈
خرج أكمل من المرحاض، وقد ترك خلفه تحت الماء الساخن بعضاً من توتر يومه. لكنه لم يستطع أن يغسل قلقه العميق أو ندمه اللاذع. كان يرتدي منامة قطنية بسيطة، وقد تجرد من كل ألقاب ومناصب العالم الخارجي ليصبح مجرد رجل خائف على زوجته وطفله.
تقدم نحو السرير بخطوات خافتة كاللصوص واستلقى بجوارها بروية شديدة، حريصاً على ألا يصدر أي صوت قد يزعج نومها الهش.
بمجرد أن استقر جسده بجانبها، شعر بقلبه ينبض بعنف، ليس من الشوق بل من شدة الخوف عليها. كانت قريبة منه، تفصلهما سنتيمترات قليلة، لكنه شعر بأنها كانت على وشك أن تضيع منه إلى الأبد.
عاتب نفسه بقسوة لم يعاتب بها متهماً في قاعة محكمة، منذ أن ذهب إلى شقة ليان، واستمع منها إلى كل تفاصيل معاناة صبر وهو يشعر بأنه شخص آخر، شخص لا يعرفه.
متى كان بتلك القسوة؟ هو وكيل النيابة الذي عُرف عنه بأنه لا يصدر حكماً إلا بعد أن يستمع إلى كل الأطراف، ويمنح المتهم فرصة تلو الأخرى ليدافع عن نفسه. هو نفسه لم يمنح أقرب الناس إلى قلبه، شريكة حياته، حتى فرصة واحدة لتشرح أو تبرر. لقد طردها من منزله، من جنتها الصغيرة، وتخلى عنها في العراء، ظناً منه أنها عادت لذلك القلب المتيبس، والدها الذي كان هو نفسه يحتقره.
تطلع إليها بلوعة وعيناه تجوبان ملامحها الشاحبة باشتياق موجع. كانت نائمة، لكن أثر الألم كان محفوراً على وجهها الهادئ. رأى الهالات الخفيفة تحت عينيها، وشحوب شفتيها، وشعر وكأن كل علامة من علامات إرهاقها هي طعنة في ضميره.
في صمت، بدأ يعتذر لها. ليس بلسانه، بل بقلبه وروحه، يعتذر عن كل كلمة قاسية، وعن كل نظرة اتهام، وعن كل ليلة تركها فيها تواجه الخوف والوحدة بمفردها. ووعدها وعداً صامتاً ومقدساً بأنه سيعيد لها الأمان الذي حرمها منه بعد أن جعلها تتذوق حلاوته.
لم يستطع المقاومة أكثر. رفع أنامله المرتجفة قليلاً، وتحسس وجنتها برقة لا متناهية، كأنه يلمس شيئاً ثميناً قابلاً للكسر. جالت الذكريات الجميلة بخلده، تلك الفترة القصيرة التي عاشاها معاً. ضحكاتها الخجولة، نظراتها المليئة بالحب، أحلامها البسيطة التي كانت تتمحور حوله فقط. كيف استطاع أن يدمر كل هذا بيده؟
شعرت صبر بلمسته الحانية، تلك اللمسة التي كانت تعرفها جيداً، والتي طالما اشتاقت إليها في ليالي وحدتها. تسللت اللمسة عبر طبقات نومها المتعب وفتحت عينيها بتثاقل.
في البداية كانت الصورة ضبابية، لكنها سرعان ما اتضحت. رأت أكمل، حب حياتها، مستلقياً بجانبها، يتطلع إليها بتلك النظرة العميقة المليئة بالشوق واللهفة. النظرة التي كانت تذيبها وتجعلها تنسى العالم بين يديه.
تمتمت بصوت خافت، صوت حالم لا يصدق ما يراه.
"أنا بحلم؟... ولا أنا مت وأحلامي بتتحقق؟"
أغمض أكمل عينيه بألم وشعر وكأن كلماتها سكين حاد يغرس في قلبه. يا الله، إلى أي درجة من اليأس أوصلها؟
قال بصوت متحشرج وهو يقرب وجهه منها أكثر.
"لأ ده ولا ده. أنتِ في حضني، ومش هسيبك تبعدي عني تاني أبداً."
تجمعت العبرات في عينيها وقد علمت بفطنتها أنه عرف الحقيقة. لا بد أنه ذهب إلى ليان. قالت بعتاب رقيق يقطر ألماً.
"تعبت أوي من غيرك يا أكمل. كل يوم بعيد عنك كان بيقربني للموت أكتر. كنت بخاف أنام وبخاف أصحى. كنت خايفة على نفسي، وخايفة على اللي في بطني."
وضع أنامله على شفتيها برقة، يمنعها من مواصلة تلك الكلمات التي كانت تمزق روحه إرباً.
"هشششش... خلاص رجعت، ومش هسيبك تاني. وهمحي كل الألم اللي سببتهولك، همحي كل دمعة نزلت منك، وكل لحظة خوف عشتيها، همحي كل الحزن اللي كنت أنا السبب فيه، أو غيري."
عند تلك النقطة، لم يعد يستطيع الابتعاد ومال عليها ليُوثّق وعده بقبلة عميقة على شفتيها الذابلتين، قبلة كانت تحمل كل ندمه وكل شوقه وكل وعوده. كانت قبلة يقسم فيها أن يعيد إليها الحياة التي سلبت منها وأن يلون عالمها الرمادي بكل ألوان الفرح.
ابتعد عنها بصعوبة وقد تذكر تحذير والدته بألا يرهقها أو يقترب منها بحميمية في هذه الفترة الحرجة. كان الأمر أصعب قرار اتخذه في حياته أن يبتعد عنها وهي بين يديه بهذا الشكل، لكن صحتها وصحة طفلهما كانت الأهم.
تطلع إليها بابتسامة دافئة، ابتسامة طمأنتها ومسحت كل مخاوفها.
"نامي يا صبر نامي وارتاحي. وأوعدك إن بكرة، وكل السنين اللي جاية هتكون أحلى."
أغمضت عينيها وهي تشعر بالأمان يغمرها لأول مرة منذ شهور، بينما ظل هو مستيقظاً طوال الليل، يراقبها وهي نائمة كحارس أمين يقف على حدود مملكته التي استعادها أخيراً.
❈-❈-❈
لم تستطع نغم النوم تلك الليلة. كانت عيناها مفتوحتين في الظلام، تراقبان خيوط الفجر الأولى وهي تتسلل خجولة من بين ستائر الغرفة. لم يكن الأرق بسبب التعب، بل بسبب العاصفة التي تدور في رأسها وقلبها. كلما أغمضت عينيها، كانت تعود إليها تفاصيل الليلة الماضية، لمساته، قبلاته، همساته، واستسلامها الكامل الذي لم تكن تتوقعه من نفسها.
لا تعرف هل ما فعلته كان صحيحاً أم خطأ. جزء منها، الجزء العقلاني الذي تغذى على الكراهية والثأر لأشهر، كان يصرخ فيها بأنها خانت نفسها، خانت مبادئها، وخانت ذكرى كل من تأذى بسبب عائلته. كان يجلدها بسياط الذنب، ويذكرها بأنها كانت مجرد لحظة ضعف أمام ذلك الحب الذي يغدقها به، حصار من الحنان والصبر نجح أخيراً في اختراق دفاعاتها.
لكن شيئاً آخر بداخلها، صوت أعمق وأكثر صدقاً، كان يهمس بحقيقة مختلفة. داخل قلبها الذي وصفته بالخائن، كان هناك اعتراف مرير وحلو في آن واحد. اعتراف بأن استسلامها لم يكن بدافع الضعف، بل كان تتويجاً حتمياً لذلك الحب الذي كانت تحاول كبته ودفنه حياً تحت ركام من العناد والغضب. لقد كان حباً عنيداً، نبت في أرض من الكراهية، لكنه تشبث بالحياة وأزهر رغماً عنها.
تطلعت إليه بجانبها. كان نائماً بعمق، يحيطها بذراعيه بقوة حتى في نومه، كأنه يخشى أن تكون مجرد حلم جميل سيهرب منه مع أول ضوء للنهار. كان نومه هادئاً وقد اختفت تلك القسوة التي كانت ترتسم على ملامحه وهو مستيقظ، لتحل محلها سكينة وراحة جعلته يبدو كرجل آخر، رجل لا يعرف سوى السلام. مدت يدها بتردد ومسحت على شعره برقة، وشعرت بوخزة من الحنان تجتاحها. من هذا الرجل؟ السجان أم الحبيب؟ الشيطان أم الملاك الحارس؟ أم أنه كلاهما معاً؟
لقد أصبح هو عالمها. وهذا ما كان يرعبها. حبها له لم يعد مجرد شعور، بل أصبح إدماناً، تعلقاً يخلع الروح. فكرة الابتعاد عنه لم تعد ممكنة، بل أصبحت مرادفة للموت. وهذا التعلق الجنوني هو ما كان يخيفها أكثر من أي شيء آخر.
شعرت بالاختناق. كانت بحاجة إلى الهواء، بحاجة إلى مساحة لتفكر، لتتنفس بعيداً عن تأثيره الساحر. تسللت من بين ذراعيه بهدوء وبطء شديدين، حابسة أنفاسها مع كل حركة. أخذت هاتفها من على المنضدة وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بصوت خافت بالكاد يكون مسموعاً.
وقفت في منتصف الصالة المظلمة، وشعرت بأنها وحيدة بشكل مؤلم. كانت تشعر برغبة عارمة في التحدث إلى أي شخص، أي شخص يمكن أن يفهم هذا التشابك المعقد من المشاعر الذي يمزقها. لم تجد أمامها سوى اسم واحد، وملاذ واحد.
روح...
جلست على الأريكة، وفتحت قائمة الاتصال، وإصبعها يحوم فوق اسم أختها. كانت مترددة. ماذا ستقول لها؟ كيف ستشرح لها أنها استسلمت للرجل الذي خطفها؟ كيف ستعترف بأنها... تحبه؟ لكنها كانت في أمس الحاجة إلى صوت يفهمها دون أن يحكم عليها، صوت يعرف معنى الحب الذي يولد من رحم الألم. ضغطت على زر الاتصال، ووضعت الهاتف على أذنها وقلبها يخفق بقوة، منتظرة صوت أختها الذي أصبح طوق النجاة الوحيد لها في هذا البحر المتلاطم من الحيرة.
...لم تجف عيناها للحظة واحدة. ظلت طوال الليل جالسة على الفراش، تحتضن ركبتيها، وتنظر إلى نقطة لا شيء في الظلام، تتمنى أن يكون كل ما حدث مجرد كابوس مزعج ستستيقظ منه في أي لحظة.
لكن شاشة هاتفها التي كانت تضيء من وقت لآخر بالصور المشؤومة، كانت تؤكد لها أن هذا واقع، واقع أقسى من أي كابوس.
رن هاتفها فلم تلتفت إليه. لا تريد التحدث مع أحد. لا تريد أن تضطر لتزييف صوتها أو إخفاء ألمها.
وعندما عاد الرنين بإصرار، تطلعت إليه بضيق. فتحول ضيقها إلى نحيب مكتوم عندما وجدت اسم "نغم" يضيء الشاشة. أختها، صديقتها، ورفيقتها في الألم.
أمسكت الهاتف بيد مرتعشة، وضغطت على زر الإجابة وخرج صوتها عبارة عن بكاء متهدج.
"نغم..."
ارتعبت نغم على الطرف الآخر من الخط عندما سمعت صوت بكائها الذي مزق هدوء الليل.
"في إيه يا روح؟ مالك؟ صوتك ماله؟"
أغمضت روح عينيها بقوة، تحاول أن تهدئ من روعها أن تستجمع شتات نفسها كي تستطيع التحدث، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل.
"روح حد في البيت چراله حاچة؟ جدي كويس؟ عمي؟"
أخذت نفساً عميقاً، شهقة مؤلمة خرجت من صدرها المثقل، وردت بصوت يقطر ألماً.
"مالك يا نغم... مالك طلع متجوز."
ساد صمت قصير على الطرف الآخر. صمت الصدمة وعدم الاستيعاب.
"إيه؟"
قالتها نغم بعدم تصديق.
"كيف ده؟ وإمتى؟"
تمتمت روح بألم وكأنها تنطق بحكم إعدامها.
"لما كان في السفر... من سنتين تقريباً."
لم تعرف نغم ماذا تقول. هي نفسها تعيش في جحيم مشابه، وتعرف جيداً مدى قسوة هذا الشعور. شعور الخيانة والخذلان. لكنها أيضاً، بعقليتها التي صقلتها المحن، رأت الموقف من زاوية أخرى. رأت الظروف التي كان يمر بها مالك في تلك الفترة.
"روح... اسمعيني لو عايزة تسمعي رأي سليم من غير تزييف ولا مچاملة، أنا موچودة. مش عايزة خلاص يا روح أنتِ حرة وده حجك."
كانت روح في أمس الحاجة لأي شيء، لأي قشة تتعلق بها.
"جولي... جولي أي حاچة المهم انها تهدي ناري."
تنهدت نغم تنهيدة طويلة، تنهيدة تحمل ثقل تجربتها الخاصة.
"أنتِ دلوجت بتجولي اللي حصل ده من سنتين، يعني مالك وجتها مكنش عنده أي أمل في إنه يتچوزك. أنتِ كنتي مخطوبة لأخوه، يعني كنتي محرمة عليه دنيا ودين. وهو كان وحيد في غربة، والغربة دي كربة يا روح بتكسر أجوى الرچالة."
صمتت نغم للحظة ترتب أفكارها لتصل إلى قلب أختها الجريح.
"فكري فيها بالعقل. البنت اللي اتچوزها دي، يا إما مصرية زيه وشغالة معاه، وهي كمان في غربة وشافته لقطة زي ما بيجولوا وطبعا لجيت الطريج اللي تمشيله منه ولفت حواليه. يا إما واحدة من أهل البلد اللي كان فيها، وقدمتله كل الراحة والدفء اللي كان محروم منه في غربته، بعيد عن أهله وناسه. وهو في الأول والآخر راجل وبشر بيضعف."
كانت روح تستمع ودموعها لا تزال تنهمر، لكنها بدأت تستمع حقاً. كانت كلمات نغم كالمشرط الذي يجرح ليخرج الصديد.
"أنا مش ببررله الخيانة يا روح، بس بحاول أفهم معاكي. هو غلط وغلطته كبيرة إنه خبى عليكي. بس يمكن... يمكن خاف. خاف يخسرك بعد ما ربنا أداكي له هدية مكنش يحلم بيها. يمكن اعتبر إن ده ماضي ومات، ومش عايز ينبش فيه عشان ميجرحكيش."
توقفت روح عن النحيب وبدأت تتنفس بعمق أكبر. كانت كلماتها منطقية بشكل مؤلم.
"بس... بس الصور يا نغم... شكلهم كان..."
قاطعتها نغم بحكمة.
"الصور معمولة عشان تچرحك، وعشان توصلك بالشكل ده. اللي بعتتهم عايزة توصلك رسالة إنها كانت في حياته وإنها كانت جريبة منيه. دي حرب نفسية يا روح، وأنتِ لازم تكوني أجوى منيها. السؤال المهم مش هو عمل إيه زمان، السؤال المهم هو عمل إيه دلوجت. هل هو لسه معاها؟ هل لسه بيحبها؟ ولا هو معاكي أنتِ بجلبه وروحه؟"
شعرت روح بأنها تريد أن تصدق كلام أختها، تريد أن تلتمس له أي عذر.
"هو... هو متغير بجاله فترة من وجت ما رچع من السفر. باين عليه الهم والقلق. يمكن... يمكن عشان الموضوع ده."
"شفتي؟ يبجى هو كمان بيتعذب. يمكن هي اللي رجعت تطارده وتهدده."
"يا روح مالك بيعشق التراب اللي بتمشي عليه أنا شفت ده في عينيه. متخليش واحدة من الماضي تدمر كل حاچة حلوة بنيتوها. واجهيه، اسمعي منه، بس اسمعي بجلبك جبل عقلك. اديله فرصة يدافع عن نفسه. ده حج المتهم، ومالك دلوجت متهم في نظرك."
قالت نغم بقهر.
"جالي وحلفلي انه ملمسهاش."
"طيب يا روح عايزة ايه تاني، وانتي خابرة زين إن مالك عمره ما كان كداب. يعني لو لمسها كان هيجولك. وده في حد ذاته قمة الوفاء. دي واحدة جدامه مجدماله كل شيء ومع ذلك رفضها، وده اكبر دليل إن مالك بيحبك. ورغم ان كل حاچة كانت متاحة جدامه ورفضها يبجى ده حب. هتندمي عمرك كله لو سيبتيه. فكري زين يا روح وبلاش تخسري مالك."
أغلقت روح المكالمة وهي تشعر بأن عاصفة الغضب بدأت تهدأ قليلاً لتحل محلها عاصفة أخرى من الحيرة والألم. لقد أعطتها نغم خيطاً رفيعاً من الأمل، ومنطقاً لتتشبث به. لم يختفِ الجرح، لكنها على الأقل أصبحت تعرف كيف ستبدأ في تضميده: بالمواجهة.
❈-❈-❈
استيقظ جاسر على إحساس بالخواء. لم يكن صوتاً أو حركة ما أيقظه، بل كان غياباً مفاجئاً للدفء. ذلك الدفء الذي كان يحيط به طوال الليل، والذي تشبث به حتى في نومه، قد اختفى، وحل محله برودة الفراش الفارغ.
فتح عينيه بلهفة، قلبه يخفق بعنف. يتأكد من أن ما عاشه لم يكن مجرد حلم آخر من تلك الأحلام التي طالما عذبته. لكن سقط قلبه في قدميه عندما لم يجدها بجواره. الفراش بجانبه كان فارغاً، لا تزال عليه بصمة جسدها، لكنها لم تكن هناك.
هز رأسه بنفي هامساً لنفسه.
"لأ... مش ممكن."
محال أن يكون ذلك الاستسلام، تلك القبلات، ذلك الاتحاد الكامل بينهما، مجرد حلم آخر.
اعتدل في فراشه بسرعة وعيناه تجوبان الغرفة المظلمة بجنون. ثم رأى الدليل. فستانها الذي كانت ترتديه ملقى بإهمال على كرسي، دليلاً ملموساً على أن ما حدث كان حقيقة.
لكن هذا الدليل أتى معه بصدمة أخرى، أكثر رعباً. إذا كانت الليلة حقيقية وغيابها الآن حقيقي أيضاً... فهل هربت؟ هل استغلت نومه العميق وهربت منه بعد ما عاشاه معاً؟ الفكرة كانت كالصعقة الكهربائية التي ضربت جسده كله. ازدرد لعابه بصعوبة، وشعر بمرارة الخوف تجفف حلقه.
أزاح عنه الغطاء بعنف ونهض. لم يهتم حتى بارتداء شيء فوق بنطاله، كل ما كان يهمه هو أن يجدها.
خرج من الغرفة كالإعصار الصامت، قلبه يدق في أذنيه، مستعداً للأسوأ. حتى رآها.
كانت واقفة أمام الشرفة الزجاجية الكبيرة في الصالة ترتدي مئزاره الفضفاض، وشعرها البني مسترسلاً كشلال من العسل البري يتلألأ مع كل حركة. كانت تتأمل خيوط الفجر الأولى وهي تشق الظلام ولم تشعر بوجوده.
عندما رآها، أغمض جاسر عينيه وأطلق زفيراً طويلاً حارقاً، وشعر بأن روحه التي كانت معلقة في السماء قد عادت لجسده. لم تهرب. لم تتركه. كانت هنا، حقيقية.
لم يعِ بنفسه وهو يقترب منها بخطوات شغوفة، خطوات رجل تائه في الصحراء وجد واحة حياته. لم يعد قادراً على التحكم في نفسه. وصل إليها واحتضنها من الخلف، محيطاً خصرها بذراعيه بقوة، ضاماً إياها إلى صدره العاري بلهفة وشوق وحنين، وفوق كل ذلك بارتياح عميق كاد أن يجعله ينهار.
دفن وجهه في شعرها يستنشق رائحتها التي أصبحت إدمانه وسبب بقائه، وهمس بصوت متحشرج، صوت رجل كان على حافة الهاوية، صوت أقرب للتوسل.
"متعمليش فيا كدة تاني. متبعديش عن حضني أبداً."
اندهشت نغم من حالته، من قوة احتضانه التي كانت تحمل يأساً وخوفاً لم تفهمه. استدارت بين ذراعيه كي تسأله عن سبب هذا الهجوم المفاجئ، لكن ما إن التفتت حتى وجدت شفتيه تطبق على شفتيها بقبلة متلهفة، متطلبة، تكاد تكون عنيفة.
لم تكن قبلة حنونة كتلك التي كانت في الليلة الماضية، بل كانت قبلة رجل كان على وشك أن يفقد كل شيء، قبلة يؤكد بها لنفسه ولملكيته بأن ما يعيشه حقيقة وليس حلماً. كانت قبلة تحمل كل رعبه من فقدانها، كل جنونه بها.
مرة أخرى استسلمت نغم، لكن هذه المرة كان استسلاماً واعياً بإرادتها الكاملة. لقد رأت في هجومه هذا كل خوفه، وأدركت في تلك اللحظة أنها لن تقوى على أن تقسو عليه أكثر من ذلك. لقد أصبح قلبه مكشوفاً أمامها، وهي الوحيدة التي تملك القدرة على حمايته أو تدميره.
تجاوبت معه وذراعاها التفتا حول عنقه بينما تعمقت قبلته أكثر، أصبحت أكثر جرأة وحرارة تحمل كل لهفته التي كادت أن تقتله قبل لحظات. حملها من خصرها دون أن يفصل القبلة، وجعلها تجلس على الطاولة الرخامية الباردة خلفها. تعمقت صدمة البرودة مع حرارة جسده الملتصق بها، مما جعلها تطلق تنهيدة طويلة داخل فمه، تنهيدة استسلام لذيذ.
ابتعد عنها ليلتقط أنفاسه وعيناه الحارقتان تحدقان في عينيها كأنهما تريدان أن تحرقا صورتهما داخل روحها.
"افتكرتك هربتي."
قالها بصوت أجش متحشرج، يفضح كل الرعب الذي شعر به.
هزت رأسها بنفي وعيناها تلمعان بمشاعر جديدة لم تعد تقاومها. لم يمنحها فرصة للكلام. عاد ليقبلها مرة أخرى، وهذه المرة كانت قبلاته تستكشف عنقها وكتفها وهو يهمس بكلمات متقطعة كأنها قسم أبدي.
"أنا ملكك وأنتِ ملكي... فاهمة؟ مستحيل أجدر أعيش من غيرك تاني. مستحيل أسيبك تهربي مني، لإن هروبك والموت واحد. لو ضعتي مني... روحي هتضيع معاكي."
كانت كلماته تحمل تملكاً مطلقاً، لكنها لم تعد تخافه. لقد أصبح تملكه هو الأمان الذي كانت تبحث عنه. هو القيد الذي يمنحها الحرية.
ترك عنقها ليعود إلى شفتيها مرة أخرى في قبلة لا نهاية لها في منتصف الصالة، ومع بزوغ الفجر الذي كان شاهداً على نهاية حرب طويلة وبداية استسلام لذيذ لا يريدان له أن ينتهي. لقد أدركت في تلك اللحظة أن هذا الرجل القوي، الجبار الذي يهابه الجميع، هو في الحقيقة أضعف الخلق أمامها، وأن حبه لها هو نقطة ضعفه وقوته في آن واحد. وهذا بالضبط ما جعلها تهيم به عشقاً.
❈-❈-❈
كان الليل قد أسدل ستائره على حديقة القصر، وضوء القمر الفضي يرسم ظلالاً طويلة للأشجار. جلس مالك وحيداً على مقعد حجري بارد، يداه متشابكتان أمامه، وعيناه تائهتان في الفراغ.
لم يكن يشعر بالغضب من روح، بل على العكس، كان يشعر بغضب عارم تجاه نفسه.
كان مقدراً تماماً لحالتها. أي امرأة مكانها تكتشف أن زوجها الذي تحبه كان متزوجاً من أخرى، حتى لو كان زواجاً صورياً، سيكون هذا هو رد فعلها الطبيعي. الألم، الخيانة، الصدمة... كل ذلك كان حقه.
لو كان يعلم، لو كان يملك ذرة من علم الغيب بأن روح ستكون يوماً ما زوجته وحبيبته، لما كان أقدم على تلك الخطوة الطائشة أبداً. لقد كانت محاولة يائسة لنسيان حب مستحيل، لكنها الآن عادت لتطارده كشبح في أسعد لحظات حياته.
شعر باختناق، بحاجة ماسة للتحدث مع شخص يفهمه، شخص مر بظروف مشابهة وعرف معنى القرارات المعقدة. لم يكن هناك في العالم كله من يمكن أن يفهمه في هذه اللحظة سوى أكمل.
تردد قليلاً ثم أخرج هاتفه وضغط على اسمه.
.......
في شقة أكمل كان الهدوء يلف المكان. كان مستلقياً على الفراش، وصبر نائمة بعمق، رأسها مستند على كتفه وأنفاسها منتظمة وهادئة. كان يمرر يده على شعرها بحنان، مستمتعاً بلحظات السلام النادرة هذه.
فجأة، أضاءت شاشة هاتفه الموضوعة على الطاولة أمامه معلنة عن اتصال من "مالك".
بأقصى درجات الحرص، انحنى قليلاً ووضع وسادة مكان كتفه تحت رأس صبر دون أن يوقظها. نهض بهدوء وتوجه إلى الشرفة وأغلق الباب الزجاجي خلفه قبل أن يجيب.
"أيوة يا مالك."
جاء صوت مالك متعباً ومبحوحاً من الطرف الآخر.
"عامل إيه يا أكمل. آسف لو بصحيك في وجت متأخر."
"لا أبداً. أنا صاحي. خير؟ صوتك مش عاجبني."
تنهد مالك تنهيدة طويلة.
"هي عاملة إيه دلوجت؟"
فهم أكمل أنه يسأل عن صبر.
"كويسة. أمي طمنتني عليها النهاردة. لولا ستر ربنا وإنك شوفتها ودليتني عليها كان زمانها..."
صمت أكمل، لا يريد إكمال الجملة.
شعر أكمل بأن الأمر أعمق من مجرد الاطمئنان على صبر.
"مالك فيه إيه؟"
صمت مالك للحظات كأنه يجمع شتات نفسه ليعترف بكارثته.
"روح... عرفت."
شعر أكمل بالصدمة. تجمد أطرافه.
"عرفت؟ عرفت إيه بالظبط؟"
"كل حاجة. عرفت بجوازي من سيدرا."
أغمض أكمل عينيه وشعر بغصة. كان يريد أن يعاتبه، أن يصرخ فيه ويقول له "مش ده اللي حذرتك منه؟ مش قلتلك الماضي مسيره يظهر". لكنه سمع الانهزام في صوت صديقه وأدرك أن هذا ليس وقت العتاب أبداً. الآن هو وقت الدعم.
سأل بهدوء، محاولاً فهم حجم الكارثة.
"عرفت إزاي؟"
"سيدرا بعتتلها كل حاچة على الواتساب. صورنا مع بعض وصورة عقد الجواز العرفي."
تنهد أكمل بألم على حال صديقه.
"اسمعني يا مالك. اللي حصل حصل. سيبها دلوقتي، متضغطش عليها. سيبها تطلع كل اللي جواها، تصرخ، تعيط، تعمل أي حاجة. ده حقها."
"بس هي مش عايزة تشوف وشي."
"وده طبيعي برضه. سيبها تهدى لحد الصبح، وبعدين اتكلم معاها. بس لما تتكلم متدافعش عن نفسك. اسمع وبس. لازم تتحمل كسرتها دي يا مالك، وتستوعبها. هي دلوقتي مش شايفة غير إنك خدعتها، وإنها كانت مجرد بديل لواحدة تانية. لازم تراعي كسرتها دي وتفضل جانبها لحد ما هي اللي تسمحلك تقرب وتداويها. لله الموضوع هياخد وقت، بس أنت لازم تكون أقوى عشانها."
❈-❈-❈
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل إلى الغرفة، ترسم ظلالاً ناعمة على الجدران. فتحت نغم عينيها ببطء وشعرت بدفء غير معتاد يحيط بها. استدارت برأسها لتجد نفسها وجهاً لوجه مع جاسر.
لم يكن نائماً. كان مستنداً على مرفقه يراقبها في صمت، وفي عينيه نظرة لم ترها من قبل بهذا الوضوح. كانت نظرة حب خالصة، نظرة رجل وجد كنزه المفقود، نظرة مليئة بحب كثيف وعميق لدرجة أنه بدا غير واقعي. كان يمرر إبهامه برقة شديدة على خدها كأنه يتأكد أنها حقيقية وليست طيفاً سيختفي مع أول ضوء.
شعرت بالخجل يغزوها وتوردت وجنتاها. لم تعتد على هذا القرب، على هذه النظرة التي تجعلها تشعر بأنها مركز الكون. همست بصوتٍ ناعم بالكاد يُسمع.
"صاحي ليه؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة لم تصل إلى شفتيه فقط بل أضاءت عينيه المتعبتين.
"خايف."
عقدت حاجبيها باستغراب.
"خايف؟ خايف من إيه؟"
اقترب أكثر حتى كادت أنفاسه الدافئة تلفح وجهها.
"خايف أنام وأصحى أكتشف إن كل ده كان حلم وإنك مش هنا، وإن البعد اللي بينا لسة مخلصش. فجولت... أشبع من الحلم ده على أد ما أجدر، جبل ما يخلص."
لمست كلماته وتراً حساساً في قلبها. هذا هو جاسر القوي، الجبار، يعترف بخوفه من أن يفقدها.
سألت بتردد كأنها لا تصدق ما تسمعه.
"للدرجة دي؟ معجول بتحبني جوي إكدة؟"
ضحك ضحكة خافتة وعميقة، ضحكة هزت صدره الذي تستند عليه.
"وأكتر. أكتر ما ممكن تتخيلي."
صمت للحظة وعيناه تغوصان في عينيها، كأنه يقرأ روحها.
"يمكن في البداية مكنتش شايفك. كنتي مجرد بنت من عيلة عدوي. بس بعد اللي حوصل... بعد ما هربتي، وبعد ما عدي مات وهو بيحاول يرچعك... بجيت عايز أعرف مين دي؟ مين الإنسانة اللي ممكن حد يعرض نفسه للخطر والموت عشانها؟"
مرر يده من خدها إلى شعرها يزيح خصلة شاردة برفق.
"وبعدين... اكتشفت ده بنفسي. اكتشفت إن الواحد ممكن يتخلى عن حياته وعمره كله عشانك. اكتشفت إنك مش بس تستاهلي حد يموت عشانك... لأ، أنتي تستاهلي حد يعيش عشانك."
كانت كلماته قوية صادقة تتدفق منه كشلال لم يعد قادراً على حبسه. شعرت نغم بأنها تذوب تحت وطأة هذا الحب، حب أسطوري لم تقرأ عنه إلا في الروايات. هل يمكن لشخص أن يحب بهذه القوة وبهذا العمق؟
رأى الحيرة والدهشة في عينيها فاقترب أكثر وقبّل جبينها قبلة طويلة ودافئة.
"متفكريش كتير. مفيش منطق في اللي بحسه ليكي. كل اللي أعرفه إنك هنا في حضني، وده المكان الوحيد الصح في الدنيا كلها."
ثم بجرأة خفيفة ومعهودة انحنى وهمس في أذنها بصوتٍ أجش، صوت جعل رعشة تسري في جسدها بالكامل.
"والفجر لسة مجاش... والعالم كله نايم... وده وجتنا إحنا لوحدنا."
لم يمنحها فرصة للرد أو التفكير. سحبها إليه برفق، وأنهى المسافة الأخيرة بينهما، آخذاً إياها معه إلى عالمه الخاص، عالم لا وجود فيه للماضي أو المستقبل، لا وجود فيه إلا لهما، ولفجر جديد يولد من رحم حبهما.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم رانيا الخولي
ظلت نغم حبيسة غرفتها، قد حولتها إلى قلعتها الأخيرة وخط دفاعها الوحيد. إذا كان قد حكم عليها بالسجن معه في هذا القفص الذهبي، فليكن حبساً انفرادياً ستذوقه من نفس الكأس الذي سقاها منه، كأس الوحدة والعزلة. كانت تتجاهل وجوده تماماً، لا ترد على كلامه ولا تلتفت لخطواته، تصنع عالماً موازياً لا وجود له فيه.
جلست نغم على حافة السرير، كانت عيناها تائهتين في نقطة ما في الفراغ، بينما تدور في داخلها حرب أهلية طاحنة. لقد انتهى غضبها، تبخر الخوف، وكل ما تبقى هو حيرة مؤلمة.
عقلها يصرخ بها: "تذكري، تذكري كل ما فعله، الخطف، الإهانة، الكذب، رسالة شروق... هذا الرجل هو سبب كل ألمك، لا تثقي به، لا تستسلمي، كوني قوية."
كان عقلها هو حارس ذاكرتها، يعرض عليها شريط ذكرياتها المؤلمة مراراً وتكراراً محاولاً حمايتها من الوقوع في نفس الفخ.
لكن قلبها... آه من قلبها الخائن! قلبها لم يعد يستمع. كلما حاول عقلها أن يذكرها بأفعاله، كان قلبها يذكرها بنظراته. يذكرها برجائه، يذكرها باعترافه الصادق والموجوع بحبه، يذكرها بلمسته الحانية على يدها كلما رأت تمسكه بها، كلما زاد تعلقها به. لقد أصبح هذا التمسك هو الحبل الذي يتشبث به قلبها الغريق. لقد سامحه قلبها بالفعل، سامحه دون إذن منها، ودون منطق. وجد له الأعذار ورأى في قسوته ألماً، وفي جبروته خوفاً من الخسارة. لقد وقعت في حبه حباً قوياً وعميقاً لدرجة أنه أصبح يخيفها.
تنهدت بعمق ومررت يديها على وجهها في إرهاق.
"أعمل إيه بس يا ربي... أعمل إيه؟"
همست لنفسها وكانت تشعر بأنها ممزقة بين قوتين، كل قوة تسحبها في اتجاه وهي على وشك أن تتمزق في المنتصف.
قررت أن تنهض، أن تتحرك، أي شيء أفضل من الجلوس أسيرة لهذه الأفكار. فتحت باب غرفتها بهدوء، وخطت خطوة إلى الصالة الواسعة. وتجمدت في مكانها.
كان جاسر واقفاً في نفس المكان، يقف أمام الشرفة الزجاجية الضخمة، وظهره لها، يتحدث في الهاتف. لم يشعر بوجودها.
اقتربت غريزياً خطوة، محاولة أن تسمع. كان صوته هادئاً، خالياً من الحدة التي يواجه بها العالم.
"يا أمي متخافيش... أيوه معايا والله زينة... بس بتعاند شوية، إنتي خابراها."
صمت للحظة، يستمع للطرف الآخر. ثم أجاب بنبرة تحمل حناناً لم تسمعه منه من قبل، حنان ابن يطمئن أمه.
"حاضر... حاضر والله ما هضغط عليها، هخليها على راحتها، المهم إنها معايا وفي حمايتي.... محدش هيجدر يوصلها تاني... اطمني إنتي بس..."
كانت هذه الكلمات البسيطة بمثابة طوفان جرف آخر ما تبقى من دفاعاتها. كان يتحدث كابن، كرجل يحب، كرجل يحاول أن يطمئن أمه القلقة على المرأة التي يحبها. لقد كشف عن جانبه الإنساني البحت دون أن يدري.
شعرت بضعف شديد يجتاحها، ضعف لذيذ ومخيف. لم تعد قادرة على الوقوف. تراجعت بهدوء، وعادت إلى غرفتها وأغلقت الباب دون صوت. استندت بظهرها عليه وأغمضت عينيها وأنفاسها تتلاحق.
لم تعد تضمن نفسها، لم تعد تضمن قدرتها على المقاومة. كل ما بنته من جدران حول قلبها كان ينهار الآن بسرعة. تذكرت فجأة صورته وهو ينتظرها أمام الجامعة، وكيف كانت نظرات الفتيات الأخريات تلتهمه بإعجاب ولهفة. شعرت بوخزة غيرة حادة ومفاجئة، غيرة لم تشعر بها من قبل. لقد أصبحت تغار عليه.
في تلك اللحظة أدركت الحقيقة كاملة. لقد خسرت الحرب. لم تعد حرباً بين عقلها وقلبها. لقد انتصر قلبها بالضربة القاضية. والسؤال لم يعد "هل ستسامحه؟"، بل أصبح "متى ستعترف لنفسها وله بأنها أصبحت ملكه بالكامل؟".
طرق جاسر على باب غرفتها طرقة خفيفة، لكنها كانت كافية لاختراق صمتها المتعمد.
"الأكل جاهز."
تحلت سريعا بثباتها. ولم ترد. أدارت رأسها نحو الحائط وأغمضت عينيها بعناد، رغم أن معدتها كانت تؤلمها من فرط الجوع. لم تتناول شيئاً يذكر منذ الأمس، لكن كبرياءها الجريح كان أقوى من نداء جسدها.
انتظر جاسر للحظات ثم تحدث مرة أخرى بصوت هادئ يحمل نبرة ساخرة بالكاد تكون مسموعة.
"اطلعي كلي وبعدين احبسي نفسك تاني، الأوضة مش هتطير."
كانت كلماته البسيطة تحمل تحدياً مستفزاً، كأنه يقول لها: "أنا أعرفكِ جيداً، أعرف أنكِ جائعة وأنكِ ستستسلمين في النهاية."
أغلق الباب خلفه بابتسامة ماكرة. هذا الفهم العميق لها هو ما كان يثير حنقها أكثر من أي شيء آخر. ازداد شعورها بالجوع وبدأت تشعر بدوار خفيف. لعنت ضعفها ولعنته في سرها، ثم نهضت وفتحت الباب.
وقفت أمامه عيناها تطلقان شرراً، ووجهها متجهم كعاصفة على وشك الانفجار.
"هاكل لوحدي."
قالتها كأنها تصدر أمراً لا يقبل النقاش.
تطلع إليها جاسر بنظرة تحمل مكراً هادئاً، نظرة جعلتها تشعر بأنها طفلة عنيدة وهو الأب الصبور. لم يجادلها، فقط أشار برأسه نحو الصالة.
"الأكل على السفرة، عايزة تاكلي اتفضلي، مش عايزة براحتك."
تركها واقفة مكانها وتوجه إلى طاولة السفرة، سحب مقعداً وجلس، ثم بدأ في تناول طعامه بهدوء تام، وكأن وجودها أو غيابها لا يغير من الأمر شيئاً. أثار بروده حنقها إلى أقصى درجة. كانت تتوقع جدالاً، إصراراً، أي رد فعل يمنحها فرصة لتفريغ غضبها، لكنه سحب البساط من تحت قدميها بهدوئه القاتل.
وقفت تراقبه لثواني ثم سارت بخطوات غاضبة نحو الطاولة وجلست على أبعد مقعد عنه، كأن بينهما قارة من الجليد. بدأت في تناول الطعام بصمت، لكن الأجواء كانت مشحونة بالكلمات التي لم تُقل.
كانت كل حركة محسوبة. هو يأكل ببطء، يستمتع بطعامه ويرفع عينيه لينظر إليها بين الحين والآخر نظرة خاطفة، نظرة تحمل حباً عميقاً وصبراً لا حدود له. كان يراقبها وهي تأكل ويشعر براحة خفية لمجرد أنها تتغذى وتعتني بنفسها، حتى لو كان ذلك تحت ضغط منه. حبه لها لم يكن استعراضياً، بل كان في هذه التفاصيل الصغيرة، في صبره على عنادها، في حرصه على راحتها رغم حربها المعلنة عليه.
أما هي فكانت تأكل بسرعة وكأنها في سباق، تتجنب النظر إليه بأي ثمن، لكنها كانت تشعر بنظراته تحيط بها، تخترق درعها الواقي. ورغم كل الكبرياء والغضب، كان هناك جزء صغير في أعماقها يشعر بدفء خفي لوجوده. كانت تكره اعترافها بهذا، لكنها لم تكن تشعر بالخوف معه. كانت تشعر بالأمان، وهو إحساس متناقض ومربك جعلها تكرهه وتحتاجه في آن واحد. حبها له كان مكبلاً بسلاسل من الكراهية والثأر، لكنه كان هناك ينبض بعناد تحت سطح غضبها، يظهر في ارتباكها كلما نظر إليها، وفي الطريقة التي يخفق بها قلبها حين تسمع صوته الهادئ.
أنهت طعامها بسرعة ونهضت لتغادر، لكنها توقفت فجأة وكأنها تذكرت أمراً هاماً. استدارت نحوه وقد قررت أن تستخدم هذا الأمر كسلاح ضده، لتثبت له أنه لا يستطيع التحكم في كل تفاصيل حياتها.
"عندي امتحان الأسبوع الجاي."
قالتها بنبرة تحدي، وكأنها تقول: "والآن ماذا ستفعل أيها السجان؟"
رفع جاسر رأسه عن طبقه ونظر إليها بهدوء، وكأنه كان يتوقع هذا السؤال.
"عارف."
صُدمت من رده. كيف عرف؟
أكمل هو بنفس الهدوء، مفسراً صدمتها.
"سألت مالك قبل ما... نجعد أهنه. ومعنديش أي مانع."
نهض هو الآخر واقترب منها خطوة.
"أنا هوصلك بنفسي يوم الامتحان، وهستناكي بره لحد ما تخلصي وهرجعك أهنه تاني. مستقبلك يهمني يا نغم، يمكن أكتر منك."
وقفت متجمدة في مكانها، عاجزة عن الرد. لقد نزع السلاح من يدها مرة أخرى، وحوله إلى دليل آخر على اهتمامه بها. لم يمنعها، لم يساومها، بل قدم لها الحل ببساطة وهدوء، مؤكداً مرة أخرى أنه لن يسمح لها بالابتعاد، لكنه في نفس الوقت لن يقف في طريق أحلامها. كان هذا هو جاسر، سجّانها وحارسها في آن واحد. وهذه هي حربهما التي لا يبدو أن لها نهاية.
***
كان الصالون الفاخر غارقاً في صمت كثيف لم يعتده سكانه. جلس أكمل قبالة والديه اللذين كانا يترقبان بقلق سبب هذا الاجتماع المفاجئ. قطع أكمل الصمت بصوت بدا هادئاً رغم العاصفة التي تعصف بداخله.
"أنا عايز أكلمكم في موضوع مهم اوي وكان لازم تعرفوه من زمان."
نظر إليه والده بحيرة، بينما اكتفت والدته الطبيبة بمراقبته بعينيها الذكيتين.
"خير يا أكمل قلقتني."
التزم الصمت قليلاً، لا يعرف كيف يخبرهم.
"أنا متجوز."
سقطت الكلمة في وسط الصالون كحجر أُلقي في بحيرة راكدة. اتسعت عينا نسرين بصدمة، بينما ارتسمت علامات الدهشة على وجه حسين.
"متجوز؟ متجوز إزاي ومن مين وليه منعرفش؟"
"متجوز من فترة من بنت اسمها صبر."
تصلبت ملامح حسين وهو يحاول تذكر الاسم.
"صبر؟ صبر مين دي كمان؟"
أخذ أكمل نفساً عميقاً وكأنه يستعد لرمي قنبلته الثانية.
"صبر بنت حسان اللي كان شغال عند جدي."
انتفض حسين من مكانه وقد احتقن وجهه بالغضب.
"بنت حسان؟ بنت الخدام؟ أنت اتجننت يا أكمل؟ إزاي تعمل عملة زي دي من ورانا؟ إزاي تجيب العار ده لعيلتنا؟"
نهض أكمل ليواجه والده بنظرة حازمة لم يعهدها فيه.
"عار إيه يا بابا اللي بتتكلم عليه؟ صبر مراتي على سنة الله ورسوله، وأم ابني. واللي حصل حصل ومفيش منه فايدة دلوقت غير إننا نتقبل الوضع."
تدخلت نسرين بصوت خافت وقد بدت الصدمة عليها أشد من الغضب.
"ابنك؟! يعني كمان خلفت واحنا نايمين على ودانا؟"
نفى أكمل.
"لأ يا ماما مخلفتش. هي لسة حامل وفي الشهر الثامن."
جلست نسرين على أقرب مقعد ووضعت يدها على رأسها وكأنها لا تستوعب ما تسمع.
"من أمتى الكلام ده؟"
رد أكمل.
"في الفترة اللي كنت فيها في البلد."
انفعل والده.
"وليه ما أخدتش رأينا في حاجة زي دي؟ ولا انت كبرت علينا خلاص وبقيت بتاخد قرارات من غير ما تقول؟"
"الموضوع جاه كدة ومجتش فرصة أقولكم فيها. وبعدين لو أعرف إنكم هتوافقوا كنت قولتلكم."
ازداد حنق والده منه.
"تقوم تحطنا قدام الأمر الواقع، مش كدة."
رد أكمل بصبر على وشك النفاذ.
"لأ مش كدة، أنا حبيتها واتجوزتها عن اقتناع. بس حصلت مشكلة بينا وبعدنا. ولما شوفتها بالصدفة اكتشفت إنها حامل."
وضع والده رأسه بين يديه ولم يقول شيء. فسألته نسرين.
"وليلى هتعمل معاها إيه؟"
"ليلى أنا بعتلها رسالة وشرحتلها كل حاجة وهي مردتش. وده معناه إنها فهمت كل حاجة. بينا انتهت."
نظر إلى والدته وفي عينيه رجاء لم تره فيه من قبل.
"أمي أنا عارف إن اللي عملته صعب عليكم، بس أنا دلوقت محتاجك معايا. صبر تعبانة اوي والدكتور قالي إن حالتها صعبة ومحتاجة رعاية، يا إما هفقد الاتنين. أنا مقدرش أبعد عن شغلي وخصوصاً إني مسافر بكرة في مهمورية هغيب فيها يومين فهكون قلقان عليها وهي لوحدها حتى لو معاها ممرضة. أنتِ دكتورة والوحيدة اللي ممكن تساعديها."
رفضت نسرين الفكرة على الفور.
"أنا أروح لبنت الخدام دي؟ أنت عايزني أروح أتابع حالة واحدة ضحكت على ابني ولخبطت حياته."
اقترب أكمل منها ممسكاً بيديها.
"أمي أنا اتجوزت صبر عن اقتناع. هي مضحكتش عليا. عشان خاطري أنا يا أمي، عشان خاطر ابنك وعشان خاطر حفيدك تيجي معايا."
نظرت نسرين إلى ابنها وكيل النيابة الصارم وهو يقف متوسلاً، فبدأ قلبها يلين بينما كبرياؤها يقاوم.
"بس الناس هتقول إيه؟"
"الناس تقول اللي تقوله، المهم إننا نعمل الصح. أنا غلطت وبحاول أصلح غلطتي لما خبيت عليكم، بس محتاج مساعدتكم، محتاج مساعدتك أنتِ بالذات."
صمتت نسرين للحظة ثم تنهدت بعمق وكأنها تستسلم للأمر الواقع.
"وهي متجيش هنا ليه؟"
"عشان الدكتور اللي هيتابع حالتها معانا في العمارة بحيث لو في أي حاجة هيكون معانا."
رفعت عينيها إليه وفيها مزيج من الاستسلام.
"ماشي يا أكمل. هاجي معاك بس ده مش معناه إني موافقة على كل حاجة."
ابتسم أكمل ابتسامة باهتة ونهض ليقبل يدها.
"كفاية إنك وافقتي تيجي. دي كفاية."
التفت إلى والده الذي كان لا يزال صامتاً.
"بابا."
تنهد حسين بعمق ثم أومأ برأسه ببطء.
"قوم يا أكمل قوم نشوف آخرتها إيه."
كانت موافقة على مضض، لكنها كانت الخطوة الأولى نحو تقبل واقع جديد فرض نفسه على الجميع.
***
منذ أن عاد مالك من الخارج وهو يسير في السرايا كجسد بلا روح. كان شارداً أغلب الوقت ونظراته تائهة في الفراغ وعقله يبحر في محيط من الأفكار المقلقة. كانت روح تراقبه بقلق متزايد، ترى الظلال تحت عينيه وتلمس التوتر في كتفيه المشدودين دائماً. كلما حاولت أن تفهم منه سبب حالته كان يختلق أعذاراً واهية، يخبرها بأنه مل من البقاء في المنزل أو أنه مرهق، لكنها كانت تعرفه جيداً وتعرف أن ما يثقل كاهله أكبر بكثير.
في تلك الليلة فاض بها الكيل، لم تعد قادرة على رؤيته يتعذب في صمت بينما هي تقف عاجزة. كان يجلس في الشرفة ينظر إلى ظلام الحديقة دون أن يراها حقاً. في ذهنه كانت تتردد كلمات الرسالة الأخيرة التي أرسلتها سيدرا، تلك المرأة التي كانت كابوساً يطارده والتي أخبرته فيها بوضوح أنها لن تستسلم.
شعر مالك بأن هذا السر يخنقه وأن عليه أن يبوح به لروح. اقتربت منه روح بهدوء وجلست بجانبه. لم تتكلم في البداية، فقط وضعت يدها على يده الباردة في لفتة صامتة تقول: "أنا هنا".
"مالك أنت مخبي عليا حاجة وأنا لازم أعرفها. لو الحمل تقيل خليني أشيله معاك، أنا مراتك وشريكتك في الحلوة والمرة."
شعر مالك بغصة في حلقه وصعوبة شديدة في إخراج الكلمات. كيف يخبرها أن ماضيه الذي ظن أنه دفنه قد عاد ليهدد حاضرهما السعيد. لكن نظرات روح كانت كالبحر العميق مليئة بالحب والثقة.
"أياً كان اللي مضايقك أنا هشيله معاك. أنا مش عايزة منك حاجة غير إني أشوفك مرتاح. متحرمنيش من حقي في إني أقف جنبك."
تطلع إليها مالك بوجل، وفي عينيه خوف حقيقي لم تره فيه من قبل.
"خايف، خايف يكون تقيل عليكي ومتقدريش تتحمليه، خايف لما تعرفي تبصيلي بصة تانية."
وضعت روح يدها على خده برقة وأجبرته على النظر في عينيها مباشرة.
"طالما أنت معايا الصعب هيكون سهل. مفيش حاجة في الدنيا دي ممكن تكون تقيلة عليا وأنا في حضنك، بس بلاش نظرة القلق والخوف اللي بشوفها في عينيك دي لأنها حقيقي بتقتلني، بتخليني أحس إني عاجزة وإني مش قادرة أريحك."
كانت كلماتها كالبلسم على روحه المعذبة. انحنى وقبل باطن يدها التي كانت لا تزال على خده، قبلة طويلة وعميقة.
"أنا مقدرش أعيش من غيرك لحظة واحدة يا روح. حياتي كلها بجت في إيدك، أنتِ اللي نورتيها بعد ما كانت ضلمة، عشان كده خايف، خايف الضلمة دي ترجع تاني وتاخدك مني."
أدركت روح في تلك اللحظة أن الأمر أكبر مما تخيلت.
"مفيش ضلمة هتقدر تاخدني منك طول ما إحنا مع بعض. جول يا مالك ريح جلبك وجلبي مهما كان اللي هتجوله أوعدك إن مفيش حاجة هتتغير بينا، بالعكس هنكون أجوى."
أخذ مالك نفساً عميقاً واستجمع كل شجاعته. لقد حان وقت المواجهة. حان الوقت ليضع ثقته الكاملة في هذه المرأة التي أصبحت روحه بالفعل ويخبرها بالحقيقة كلها.
***
دَلفت نسرين إلى الشقة خلف ابنها أكمل، وتبعها زوجها حسين الذي كانت ملامحه لا تزال متحفظة وجامدة. كانت الشقة أنيقة ومرتبة، لكنها خالية من الروح، كأنها مجرد ديكور لمسرحية على وشك البدء. وضع أكمل حقيبة والدته الصغيرة جانباً، وشعر بثقل نظرات والديه اللذين يتفحصان المكان الذي من المفترض أن يعيش به مع ليلى. لكن دخول تلك الفتاة قد قلبت حياتهم رأساً على عقب.
"اتفضلوا ارتاحوا، هدخل أشوف الممرضة عملت إيه وأديها العلاج."
قالها أكمل وهو يحاول أن يبدو متماسكاً، ثم اتجه بخطوات سريعة نحو غرفة النوم، لكنه تفاجئ بالممرضة تخرج منها في نفس اللحظة ويبدو على وجهها قلق واضح. عندما رأته أسرعت نحوه وقالت بصوت مهني وقلق.
"مستر أكمل، المدام شكلها تعبان أوي النهاردة. أنا قستلها الضغط دلوقتي لقيته رفع تاني فجأة، كلمت الدكتور مجدي قالي أديها حقنة الطوارئ وعلقتلها المحلول ده."
ترك أكمل الأدوية التي كان يحملها في يد الممرضة ودلف إلى الغرفة بقلب يخفق من الخوف. وجد صبر مستلقية على الفراش، وجهها شاحب كورقة خريف، وعيناها مغمضتان ويبدو عليها الوهن الشديد. اقترب من السرير وجلس على حافته برفق.
"صبر... في إيه؟ حاسة بإيه؟"
فتحت عينيها ببطء وبدا وكأن هذا المجهود البسيط قد استنزف كل طاقتها. لم تجب، فقط نظرت إليه نظرة ضائعة مليئة بالألم.
في تلك اللحظة دلفت نسرين إلى الغرفة. لقد خلعت عنها عباءة الأم المصدومة وارتدت عباءة الطبيبة المتمرسة. تحركت بثقة نحو السرير، وألقت نظرة فاحصة على كيس المحلول المعلق، ثم على وجه صبر الشاحب.
"اخرج أنت دلوقتي يا أكمل."
قالتها بنبرة حاسمة لا تقبل الجدال. نظرت إلى الممرضة.
"هاتيلي جهاز الضغط والسماعة."
تحركت نسرين بخفة واحترافية، فحصت عيني صبر وقاست نبضها، ثم ضغطها. كان أكمل يقف عند الباب يراقب والدته وهي تعمل، ويشعر بمزيج من الامتنان والخوف. كان يرى أمامه طبيبة مخ وأعصاب في أوج تركيزها تنقذ مريضة، لكن هذه المريضة كانت زوجته وأم طفله.
"ضغطها عالي جداً، والحقنة اللي خدتها مش كفاية، لازم تاخد مهدئ أقوى عشان الضغط ينزل بالتدريج وميأثرش على الجنين."
قالت نسرين للممرضة وهي تعد حقنة أخرى بيدين ثابتتين. أعطتها الحقنة بمهارة، ثم ظلت بجانبها تقيس الضغط كل بضع دقائق، تعدل من وضعية الوسادة تحت رأسها، وتتحدث إليها بصوت هادئ ومطمئن لم تستخدمه من قبل.
"متخافيش... كل حاجة هتبقى كويسة. ارتاحي بس."
لم تترك نسرين جانب سرير صبر في تلك الليلة ولا في الأيام التي تلتها. كانت تنام على أريكة صغيرة في نفس الغرفة وتستيقظ عدة مرات لتطمئن عليها، تبدل أكياس المحاليل بنفسها وتشرف على مواعيد الدواء مع الممرضة. كانت قد جاءت مجبرة، لكن شيئاً ما بدأ يتغير بداخلها. كانت ترى أمامها فتاة ضعيفة وهشة، تقاتل بصمت من أجل حياتها وحياة جنينها.
منذ أن ذهب أكمل وهو يهاتفهم عدة مرات في اليوم للاطمئنان عليه. في اليوم الثالث، استيقظت صبر وشعرت بتحسن طفيف. فتحت عينيها لتجد نسرين نائمة في وضع غير مريح على الأريكة. راقبتها للحظات ثم همست بصوت ضعيف.
"دكتورة نسرين."
فتحت نسرين عينيها على الفور واقتربت منها.
"صُحتي؟ حاسة بإيه دلوقتي؟"
نظرت صبر في عينيها مباشرة، وفي نظرتها امتنان عميق وصدق نقي.
"أنا متشكرة جوي على كل اللي بتعمليه معايا."
صمتت للحظة، ثم أكملت بصوت مختنق بالدموع.
"من يوم ما أمي ماتت وأنا صغيرة، محدش اهتم بيا إكدة. حسيت معاكي لأول مرة بحنية الأم اللي اتحرمت منها."
كانت الكلمات بسيطة، لكنها اخترقت كل دفاعات نسرين وكبريائها. نظرت إلى هذه الفتاة البريئة، التي رغم كل ما عانته، لا تزال تحمل في قلبها كل هذا النقاء. شعرت بوخزة حادة من الذنب، وبموجة عارمة من الحنان تجتاحها.
"متقوليش كده، أنتِ زي بنتي والمهم عندي دلوقتي إنك تقومي بالسلامة أنتِ واللي في بطنك."
منذ تلك اللحظة، لم تعد نسرين تتعامل معها كمريضة أو كزوجة ابن مفروضة عليها. لقد بدأت تحبها بصدق، وبدأت ترى فيها الابنة التي تزوجت وسافرت مع زوجها.
أما حسين، فكان يراقب كل هذا من بعيد. في المرة أو المرتين اللتين دخل فيهما الغرفة ليطمئن على زوجته، كانت صبر تبتسم له ابتسامة خجولة وممتنة. تحدث معها قليلاً، ووجد أمامه فتاة بسيطة، طيبة، وبريئة بشكل يكسر القلب. أدرك أنها لا تستحق كل هذا الرفض والقسوة، وأن ابنه، رغم تهوره، قد اختار فتاة تحمل جوهراً نادراً.
وهكذا، في غرفة المرض تلك، وبين أكياس المحاليل وأجهزة قياس الضغط، بدأت جدران الجليد تذوب، وبدأت عائلة أكمل تكتشف أن الفتاة التي جاءت من عالم مختلف تماماً عن عالمهم، هي التي كانت تحمل الدفء الذي كانوا يفتقدونه.
***
عاد أكمل من عمله، لكنه لم يستطع العودة إلى المنزل مباشرة. قاد سيارته نحو العنوان الذي يعرفه ليان. وقف أسفل العمارة قلبه يخفق بقلق. لم يكن يتذكر رقم الشقة، فتوجه إلى البواب الذي كان يجلس على كرسي خشبي قديم.
"لو سمحت، هي شقة مدام ليان في أي دور؟"
نظر إليه البواب بنظرة فاحصة، ثم قال بلهجة رتيبة.
"الست ليان رجعت لجوزها من أسبوع أكدة. حتى الست صبر اللي كانت جاعدة معاها، بجالها برضه يومين مرجعتش."
أخرج أكمل من جيبه مبلغاً كبيراً من المال، ووضعه في يد البواب الذي اتسعت عيناه.
"طيب متعرفش عنوان جوزها؟"
نظر البواب إلى المال في يده ثم إلى وجه أكمل القلق وقال بصوت أكثر اهتماماً.
"خير يا بيه؟ في حاجة؟"
رد أكمل بنفاذ صبر، محاولاً إخفاء قلقه.
"لأ مفيش، بس عايزها في حاجة ضروري."
أملى البواب عليه العنوان بسرعة وانطلق أكمل بسيارته، يقود بسرعة جنونية، وكل سيناريو أسود يمكن أن يتخيله كان يدور في رأسه. وصل إلى العنوان، بناية في حي هادئ. صعد إلى الطابق المحدد ووقف أمام الباب، يتردد للحظة قبل أن يضغط على الجرس، وقلبه يدق بعنف.
فُتح الباب وظهر أمامه شاب في مثل عمره، تبدو عليه علامات الهدوء. نظر إليه باستفهام.
"أيوه؟"
شعر أكمل بالإحراج وكأنه متطفل يقتحم حياة الآخرين. قال بصوت مرتبك.
"أنا أكمل حسين جوز صبر، وكنت جاي أسأل مدام ليان عن حاجة."
تغيرت ملامح الشاب على الفور من الاستفهام إلى الترحيب الهادئ. ابتسم ابتسامة خفيفة ومد يده.
"أهلاً يا أكمل بيه، أنا حازم اتفضل."
صافحه أكمل وهو يشعر بالدهشة.
"حضرتك تعرفني؟"
أجاب حازم وهو يفسح له الطريق ليدخل.
"ليان حكتلي عنك وعن مدام صبر كتير. اتفضل، البيت بيتك."
دخل أكمل إلى شقة أنيقة، تفوح منها رائحة الهدوء والاستقرار، مما زاد من شعوره هو بالفوضى التي تعم حياته. في تلك اللحظة، خرجت ليان من إحدى الغرف. كانت ترتدي ملابس منزلية بسيطة ويبدو على وجهها الهدوء، لكن ما إن رأت أكمل حتى ظهر على ملامحها مزيج من الدهشة والذهول.
"استاذ أكمل؟ أهلاً وسهلاً."
نهض أكمل ليستقبلها.
"أهلاً بيكي."
جلست ليان بجوار زوجها وحينها سألته بحيرة.
"انت عرفت عنواني ازاي؟"
رد باحراج.
"بوابة العمارة اللي عرفني العنوان. وقال بصوت يملؤه الرجاء."
"مدام ليان أنا عايز أعرف اللي حصل من وقت ما صبر سابت البيت."
***
عاد أكمل في وقت متأخر من المساء يحمل على كتفيه إرهاق يوم طويل في النيابة، وعلى قلبه قلقاً مزمناً لم يفارقه منذ أن عادت صبر إلى حياته. دخل الشقة بهدوء متوقعاً أن يجد الصمت المعتاد، لكنه تفاجئ بمشهد لم يكن ليتخيله في أكثر أحلامه جموحاً.
كانت والدته، مستلقية على الأريكة في غرفته وقد غلبها النعاس. وبجوارها كانت صبر تنام بعمق، رأسها مستند على وسادة عالية ويدها موضوعة برقة فوق بطنها المنتفخ قليلاً، كأنها تحمي كنزها الثمين حتى في نومها. كان المشهد يحمل من الدفء والألفة ما جعل قلب أكمل يلين رغماً عنه. ابتسم ابتسامة باهتة، ابتسامة امتنان لوالدته التي لم تترك صبر لحظة واحدة.
تقدم منها بخطوات خافتة وربت على كتفها بلطف شديد.
"أمي..."
فتحت نسرين عينيها بتثاقل، وبدا عليها الإرهاق الشديد.
"أكمل؟ أنت جيت إمتى؟"
ابتسم أكمل بود حقيقي، وهو يساعدها على الاعتدال في جلستها.
"لسه واصل حالاً."
نظر إلى صبر النائمة وعاد القلق ليحتل ملامحه على الفور.
"إيه الأخبار؟ طمنيني."
"الحمد لله أحسن بكتير. الضغط استقر والنهاردة أكلت كويس. ربنا يستر بس وتعدي الشهر ده على خير، هو أخطر فترة."
قالتها وهي تنظر إلى صبر بحنان أمومي حقيقي، ثم التفتت إلى ابنها.
"ادخل خد شاور وغير هدومك لحد ما أحضرلك حاجة تاكلها."
رفض أكمل بتهذيب، وهو يشعر بموجة من الذنب لأن والدته تتحمل كل هذا العبء.
"لأ يا أمي أنا أكلت في الطريق وأنا جاي، قومي أنتِ ارتاحي في الأوضة التانية، أنتِ اللي محتاجة الراحة. أنا هفضل معاها."
وافقت نسرين بعد إصرار منه، ونهضت وهي تتثاءب. ربتت على كتفه بحنان.
"ربنا يقومهالك بالسلامة يا ابني."
خرجت من الغرفة وبقي أكمل وحيداً مع صبر النائمة. تطلع إلى وجهها الشاحب الذي ما زال الوهن ظاهراً عليه رغم تحسنه. كانت تتنفس بهدوء، لكنه كان يرى في نومها أثقال التعب والمعاناة التي مرت بها. جلس على حافة الطاولة المقابلة لها، وعيناه لا تفارقانها.
وبدأ عقله يعرض عليه شريطاً مرعباً من الاحتمالات: ماذا لو...؟ ماذا لو لم يذهب إلى ذلك المحل التجاري في ذلك اليوم؟ ماذا لو لم يلمحها مالك بعبقريته وقدرته على قراءة الوجوه؟ ماذا لو لم يرسل له تلك الرسالة المشفرة التي جعلته يذهب إلى هناك بنفسه؟ تساءل بقلق حقيقي كاد أن يفتك به: ماذا لو لم أرها في الوقت المناسب؟ ماذا كان سيحدث لها؟ هل كانت ستستمر في العمل حتى تنهار تماماً؟ هل كان طفله سيأتي إلى هذه الدنيا في شقة غريبة، بعيداً عن والده وعائلته؟ الفكرة وحدها كانت كافية لتجعل حلقه يجف وقلبه ينقبض بألم حاد.
وضع وجهه بين كفيه وأطلق تنهيدة عميقة، تنهيدة رجل أدرك حجم الكارثة التي كان على وشك أن يتسبب فيها. لقد كان على بعد خطوة واحدة من خسارتها وخسارة طفله إلى الأبد، ليس بسبب قسوتها أو جشعها كما كان يظن، بل بسبب كبريائه هو وعماه. شعر بموجة عارمة من الندم، وبإحساس طاغٍ بالمسؤولية تجاه هذه الإنسانة الهشة التي تحمل ابنه.
تذكر حديث ليان.
(فلاش باك)
نظرت إليه ليان بدهشة حقيقية واتسعت عيناها.
"انت شوفت صبر؟"
هز أكمل رأسه بلهفة كغريق يتعلق بقشة.
"آه شوفتها. هي دلوقتي في شقتي بس... بس أنا عايز أعرف إيه اللي حصل بالظبط."
تنهدت ليان تنهيدة طويلة، ونظرت إلى زوجها الذي أومأ لها برأسه كأنه يشجعها على الكلام. ثم عادت بنظرها إلى أكمل وقالت بنبرة جادة.
"عايز تعرف إيه بالظبط يا أكمل بيه؟"
قال بصوت يملؤه الرجاء والألم.
"عايز أعرف الحقيقة كلها من الأول، من غير أي تحفظ، أرجوكي."
ساد صمت لثواني كانت ليان ترتب فيها أفكارها، وتستحضر ذكريات مؤلمة. ثم بدأت تحكي وصوتها هادئ، لكن كل كلمة كانت تحمل ثقلاً.
"الحكاية بدأت من زمان قوي يا أكمل بيه، بدأت بحب من طرف واحد. صبر كانت بتحبك من زمان، لما كنت بتنزل البلد في الإجازات عند جدك، وهي كانت أحياناً بتروح تساعد مرات أبوها في خدمة البيت عندكم. كانت بتشوفك من بعيد، بتحلم بيك وتشوف فيك فارس الأحلام اللي مستحيل يوصل له حد زيها."
صمتت للحظة ثم أكملت ودخلت في صلب المأساة.
"في يوم من حوالي سنة كانت صبر في بيت أبوها. دخل البيت وهو مرعوب، رمى نفسه على الكنبة وهو بيقول لمراته: 'خربت يا فوزية، أكمل بيه كشفني، كشف إني كنت بسرق من مخازن الأرض بتاعته زمانه هيبلغ عني وهتسجن'."
كان أكمل يستمع وهو متجمد في مكانه وذاكرته تعود إلى ذلك اليوم، يوم اكتشف السرقات فعلاً.
أكملت ليان ونبرتها تحمل غضباً مكتوماً.
"مرات أبوها بدل ما تلومه لقت الحل الشيطاني. قالت له: 'تاخد البت صبر وترميها تحت رجليه تقوله خدها خدامة عندك، تشتغل ببلاش لحد ما تسد تمن الحاجات اللي سرقتها. يمكن قلبه يحن وميسجنكش ويكونوا برضه خلصوا من حملها'. وقتها أبوها وافق فوراً، مكنش شايف بنته، كان شايف طوق النجاة. وفعلاً تاني يوم سحب صبر من إيدها غصب عنها وجابها لك."
توقف أكمل عن التنفس للحظة، تذكر ذلك اليوم جيداً. تذكر نظرة الانكسار والرعب في عيني صبر وهي تقف أمامه، وأبوها يعرضها كأنها سلعة.
"أنا فاكر... وقلت له إني مسامحه في كل اللي سرقه، بس بشرط ميورينيش وشه تاني. وقلت له صبر هتشتغل بمقابل عشان احميها من واحد ندل زيه."
هزت ليان رأسها بأسف.
"بالظبط. أنت عملت كده فعلاً. بس هو مسكتش وبدأ ينشر إشاعة تانية إنك اجبرته إنه يسيب صبر تشتغل عنده. وطبعاً حضرتك عارف الكلام اللي اتقال وقتها. ولما الإشاعة كبرت والناس بدأت تتكلم، حطك قدام الأمر الواقع عشان تتجوزها وتستر على 'الحكاية' اللي هو نفسه ألفها."
لم يندهش أكمل لأنه يعلم جيداً أن والدها هو من فعل ذلك. فتابعت ليان.
"وبعد ما اتجوزتوا... بدأ الجحيم الحقيقي لصبر. أبوها بدأ يبتزها هي يطلب منها فلوس، ويهددها إنه لو مدتهوش هيروح يقولك إن كل اللي حصل ده كان خطتها هي من الأول إنها هي اللي خططت للإشاعة عشان توقعك في حبها وتتجوز."
نظرت إليه ليان مباشرة، وقالت بحدة.
"وهي، لأنها كانت بتحبك بجد، خافت. خافت تصدق أبوها وتكرهها. خافت تخسرك، مكانتش لسه ضمنت حبك ليها، كانت ثقتها فيك وفي نفسها مهزوزة. فكانت بتديله اللي هو عايزه، عشان بس تحافظ عليك."
"وفي اليوم اللي أنت طردتها فيه... كان أبوها بيبتزها تاني، وطالب منها مبلغ كبير قوي. وقتها هي انفجرت، رفضت، وقالت له إنها مش مجبرة تسرق جوزها بعد النهاردة، وإنها هتروح تقولك على كل حاجة، واللي يحصل يحصل. وفعلاً، كانت جاية عشان تعترفلك بكل شيء."
صمتت ليان وتركت كلماتها الأخيرة معلقة في الهواء كحكم إدانة.
"بس أنت... أنت اكتفيت باللي سمعته من ورا الباب. محاولتش تفهم. مدتهاش فرصة تدافع عن نفسها. حكمت عليها، ونفذت الحكم في نفس اللحظة، طردتها من بيتك ومن حياتك."
كان أكمل يستمع وهو في حالة صدمة كاملة. كل كلمة كانت كالصاعقة. معقول هو بهذه القسوة؟ هو وكيل النيابة الذي يقتضي عمله أن يسمع للمتهم وأن يمنحه كل فرصة للدفاع عن نفسه، هو نفسه من حرم زوجته من هذا الحق البديهي؟ لم يسمعها، لم يرى الرعب في عينيها، لم يفهم ألمها. لقد طردها. طرد المرأة التي تحملت كل هذا الذل من أجل أن تحافظ عليه. شعر بغصة مريرة في حلقه، وبخزي لم يشعر به في حياته. لم يعد قادراً على النظر في وجه ليان. نهض فجأة، وقال باقتضاب.
"أنا... أنا لازم أمشي."
قالها بصوت مختنق ثم استأذن منهم وخرج من الشقة بسرعة، كأنه يهرب من حقيقة نفسه التي رآها للتو في مرآة كلمات ليان. خرج وهو يشعر بأنه أحقر رجل على وجه الأرض.
(باك)
نهض بهدوء وتوجه إلى الخزانة ليخرج ملابس له بهدوء، يخشى أن يصدر أي صوت قد يوقظها من راحتها التي تستحقها. دلف إلى المرحاض ووقف تحت الماء الساخن، لكنه لم يشعر بالدفء. كان يشعر ببرودة الخوف والندم تتسلل إلى عظامه. وأقسم في تلك اللحظة أنه سيفعل أي شيء، أي شيء على الإطلاق ليعوضها عن كل لحظة ألم تسبب فيها لها، وليحميها هي وطفله من العالم كله ومن نفسه أولاً. فمنذ أن علم الحقيقة وضميره لا يرحمه، كان عليه أن يستمع لها. أليس هذا ما تعلمه من القانون.
***
ظلت نغم حبيسة غرفتها، تلك القلعة التي تحصنت بها ضد مشاعرها وضده. كانت تخرج فقط لتناول طعامها معه في صمت مشحون، ثم تعود إلى عزلتها مرة أخرى. كان هذا هو نظامها، درعها الواقي. في داخلها كانت الخطة قد اكتملت. بعد غد، ستعود إلى البلدة لأجل الامتحان، وحينها ستهرب من الباب الخلفي للجامعة حيث سيكون سند في انتظارها ليأخذها بعيداً. لم تعد تثق في مالك، فمنذ أن علمت باتفاقه مع جاسر لخطفها وهي تشعر بحنق مرير تجاهه. لقد خان ثقتها هو الآخر. لكن ماذا إن لم تستطيع فعلها، وماذا إن علم مسبقاً ومنعها من الذهاب؟ نفضت ذلك الهاجس من رأسها.
لقد تغير جاسر، لم يعد ذلك السجان القاسي الذي عرفته في البداية. لقد منحها مساحتها، لم يقتحم غرفتها، ولم يفرض عليها شيئاً سوى وجوده الصامت. كان يحاول بطريقته الهادئة أن يثبت حبه لها، أن يقترب منها خطوة بخطوة منتظراً بصبر لا نهائي أن تلتفت إليه. هزت رأسها بقوة، طاردة تلك الفكرة الخائنة. لا، لن تضعف.
خرجت من الغرفة عندما سمعت صوت باب غرفة جاسر يُغلق، علامة على أنه قد دلف لينام. شعرت بصداع خفيف يؤرقها، فقررت أن تعد كوباً من القهوة، ربما يمحو أثر الأرق والتفكير الطويل. وقفت أمام الموقد وبدأت تبحث في الخزائن العلوية عن القهوة. لم تنتبه لتلك العينين اللتين تراقبانها من مدخل المطبخ، عينين تحملان شوقاً ولهفة وحباً موجعاً.
كان جاسر يقف هناك يراقبها وهي تتحرك في مطبخه بألفة لم تكن متعمدة، وكأنها صاحبة المكان بالفعل. تمنى في تلك اللحظة أن يكون زواجهما طبيعياً، أن يتقدم منها الآن ويحتضنها من الخلف ويقبل عنقها الذي يظهر لعينيه بوضوح إثر تلك العقدة العفوية التي رفعت بها شعره. تمنى أن يبثها كل ذلك الاشتياق الذي يؤرقه ليلاً ونهاراً منذ ذلك اليوم الذي أصبحت فيه ملكه. لم يعد عقله قادراً على السيطرة. ساقته قدماه رغماً عنه نحوها، وبخطوات خافتة لم تشعر بها.
لم تشعر به إلا عندما التفت يداه القويتان حول خصرها، فضمتها إليه بقوة لطيفة. تصلبت في مكانها وتوقف قلبها عن النبض للحظة، ثم جاءت أنفاسه الدافئة التي لفحت بشرة عنقها، وصوته الهامس الأجش الذي اخترق كل دفاعاتها.
"وحشتيني."
لسبب لا تعرفه لم تشعر بالخوف أو الغضب. ربما لأنها عاشت طويلاً في جفاف عاطفي وهو بدأ يعوضها ببطء. ربما لأنها في أعماقها كانت تشتاقه هي الأخرى رغم تعندها. شعرت بشوق غريب يجتاحها، رغبة في الاستسلام لهذا الحضن الذي برغم قسوته عليها فيما مضى إلا إنه الآن يشعرها بالأمان الذي لم يعد أحد في هذه الدنيا يشعرها به. حاولت أن تقاوم، أن تبعد يديه، لكنها كانت مقاومة ضعيفة، مجرد رد فعل معتاد.
"لو سمحت، ابعد..."
لكنه لم يمنحها فرصة، أدارها ببطء بين ذراعيه لتواجهه وثبت عينيه في عينيها.
"كفايكي... كفايكي عناد يا نغم... أنا خلاص مبجتش جادر أبعد عنك لحظة واحدة... كل ثانية وأنتِ بعيدة عني في الأوضة دي بتجتلني.... خلاص أخدتي حجك مني وبزيادة.... مبجاش عندي رد حجوج."
في البداية حاولت أن تشيح بوجهها، أن تهرب من نظراته الحارقة التي كانت تفضح كل ما في قلبه، لكنها رأت فيه شيئاً لم تره من قبل بهذا الوضوح. رأت حباً حقيقياً صادقاً، ورجاءً صامتاً، وضعفاً جعله يبدو وسيماً بشكل لا يصدق. رأت رجلاً قوياً يتخلى عن كل قوته من أجلها.
وهنا انهارت كل مقاومتها. لم تعد قادرة على الرفض، فاستسلمت.
عندما رأى الاستسلام في عينيها، تلك اللحظة التي طال انتظارها، لم يعد قادراً على الانتظار أكثر. انحنى ببطء مدروس وأخذ شفتيها في قبلة هادئة. لم تكن عنيفة أو متملكة، بل كانت قبلة تحمل كل الحب الذي كبته في صدره، كل الشوق، وكل الندم. كانت قبلة بطيئة عميقة يعتذر بها عن كل ألم سببه لها، ويعدها بكل سعادة العالم. تجاوبت معه بتردد في البداية ثم ذابت بين ذراعيه ورفعت يديها لتلتف حول عنقه، مبادلة إياه قبلته بنفس الشوق المكتوم.
كان المطبخ هو عالمهما الآن. لم يجرؤ على الابتعاد عنها، لم يجرؤ على حملها إلى غرفة النوم خوفاً من أن يكسر هذه اللحظة السحرية، خوفاً من أن تعود إلى عنادها إذا ابتعد عنها لثانية واحدة. أراد أن يغتنم جمال ولهفة هذه اللحظة حتى آخر قطرة. ظل يقبلها بشغف وحنان، يداه تتحسسان ظهرها وشعرها، وهو يهمس باسمها بين القبلات كأنه يتأكد أنها حقيقية، أنها هنا بين يديه.
وعندما شعر باسترخاء جسدها بالكامل بين ذراعيه، وتأكد من استسلامها التام له وأنه لم يعد هناك مجال للتراجع، ابتعد عن شفتيها قليلاً، وجبينه يلامس جبينها، وأنفاسهما متقطعة.
"بحبك."
قالها بصوت متحشرج، وكأنها الكلمة الوحيدة المتبقية في العالم. نظرت إليه بعينين ضبابيتين من فرط المشاعر ولم تجب، لكن صمتها كان أعلى من أي اعتراف. كان على وشك أن يقبلها مرة أخرى، أن يأخذها في رحلة لا عودة منها، لكن فجأة شعر بجسدها يتصلب بين ذراعيه، لمع في عينيها الضبابيتين ظل من الألم، شبح من الواقع القاسي اخترق فجأة جنتهما الصغيرة. وهي شروق. اسمها لم يُنطق، لكنه ظهر كجدار جليدي بينهما.
وضعت نغم يديها على صدره العريض، ودفعته برفق لكن بحزم. كان صوتها مشحوناً بالرغبة التي لم تنطفئ، لكنه كان ممتزجاً بمرارة التمرد والألم.
"مش هجدر... مش هجدر أكمل وواحدة تانية على ذمتك."
نظر إليها جاسر ورأى الصراع في عينيها. لم يغضب، لم ينفعل. بل رأى في رفضها هذا قمة الحب، قمة الغيرة التي تعني التملك الكامل. ابتسم ابتسامة خفيفة، لم تكن ابتسامة سخرية، بل ابتسامة رجل يفهم قلب امرأته. لم يبتعد بل حاصرها بجسده أكثر، ويده التي كانت على ظهرها، تحركت لتلامس وجهها برقة، وإبهامه يمسح على شفتها السفلى المرتجفة بشوق.
"ومين جالك إن فيه واحدة تانية؟"
قطبت جبينها بحيرة وارتباك.
"شروق... مراتك."
اقترب أكثر، وهمس بصوت عميق دافئ، كأنه يلقي تعويذة سحرية في أذنها.
"شروق على الورج بس يا نغم مجرد اسم في وثيقة، لكن مراتي... روحي... جلبي... دنيتي كلها... واجفة جصادي دلوجت."
شعرت بارتعاشة تسري في جسدها من نبرته، لكنها تشبثت بآخر خيط من المقاومة.
"بس هي موچودة، وچودها بيحرجني."
"بصي في عيني.."
قالها بهدوء، لكن بنبرة لا تقبل الرفض. رفعت عينيها المترددة إليه.
"شايفه حد غيرك فيها؟ سامعة اسم حد غيرك على لساني؟"
وضع يدها على صدره، فوق قلبه الذي كان يدق بعنف كأنه يريد أن يخرج من قفصه الصدري ليصل إليها.
"حاسة بقلبي ده بينبض لحد غيرك؟ مفيش غيرك يا نغم، من يوم ما دخلتي حياتي وأنتِ لغيتي كل اللي جبلك، وكل اللي ممكن ياچي بعدك. هي مجرد شبح من الماضي، ترتيبات هتخلص جريب. لكن أنتِ... أنتِ الحجيجة الوحيدة في حياتي."
انحنى وقبل عنقها برقة، قبلة خفيفة أرسلت قشعريرة لذيذة في جسدها كله.
"متخليش شبح يسرج مننا لحظتنا، متخليش اسم على ورجة يكون أجوى من اللي حاسين بيه دلوجت، الليلة دي بتاعتي أنا وأنتِ وبس مفيش حد تالت بينا."
كانت كلماته كالمخدر، لا بل كانت كتعويذة قديمة وقوية تسللت إلى أعمق نقطة في روحها وأذابت آخر قطعة من جليد المقاومة. كيف تقاوم رجلاً لا يرى في الوجود سواها؟ كيف تتمرد على حب يجعلها هي الكون بأسره، والشمس التي تدور حولها كل كواكبه؟ تنهدت تنهيدة استسلام كامل، تنهيدة امرأة وجدت أخيراً مرفأها بعد عمر من التيه. ذراعاها اللتان كانتا تدفعانه عادتا لتطوقا عنقه من جديد، وهذه المرة بيقين مطلق، بتشبث من وجدت كنزها وتخشى أن يضيع. نظرت في عينيه، في تلك البوابتين اللتين كانتا جحيماً في الماضي، وأصبحتا الآن جنتها وملاذها. وقالت بصوت هامس لم يعد فيه سوى الحب الصافي اعتراف طال انتظاره.
"أنا كمان ملكك يا جاسر."
لم تكن مجرد كلمات، كانت عهداً، كانت تسليماً كاملاً للقلب والروح. ابتسم جاسر، لم تكن ابتسامة انتصار رجل على امرأة، بل كانت ابتسامة انتصار الحب على كل شيء، على الثأر، على الماضي، على الخوف، وعلى الشك.
ثم بحركة واحدة سلسة وقوية حملها بين ذراعيه. شهقت بخفة وتشبثت به أكثر ودفنت وجهها في عنقه، تستنشق عطره الذي أصبح رائحة الأمان بالنسبة لها. خرج بها من المطبخ وسار بها في الممر المظلم الذي لم تضيئه سوى خيوط من ضوء القمر المتسلل من النوافذ. هذه المرة لم يتجه إلى غرفتها، لقد انتهى زمن الحبس الانفرادي، انتهى زمن المسافات والعناد. كان يسير بها إلى غرفته هو، إلى عرينه، إلى قلبه النابض.
عندما دخل بها، لم يضعها على السرير مباشرة بل وقف بها في منتصف الغرفة لثواني وعيناه لم تفارقا عينيها. كان يريد أن يطبع هذه اللحظة في ذاكرته إلى الأبد، لحظة استسلامها الكامل، لحظة اعترافها الذي انتظر أن يسمعه طويلاً.
"كنتِ بتعذبيني."
همس بصوت عميق وهو ينزلها برفق لتقف على قدميها أمامه، لكنه لم يبتعد وظل جسده يحيط بها بالكامل.
"كنت بشوفك قصادي ومش جادر ألمسك، كنت بسمع صوتك ومش جادر أجولك اللي في جلبي، كنت بحس بوچودك في كل نفس باخده ومحروم منك مفيش عذاب أكبر من كده."
كانت كلماته اعترافاً بضعفه أمامها، وهذا الاعتراف منه كان يمتلك قوة هائلة جعلها تشعر بأنها ليست مجرد امرأة، بل هي ملكة متوجة على عرش قلبه. مرر يده على وجهها وتتبع بأنامل خشنة منحنيات خدها، وخط فكها وشفتيها المرتجفة.
"كل حاجة فيكي بتناديني يا نغم، ضحكتك، وعنادك، وخوفك، وحتى دموعك كلها بتاعتي كلها ملكي."
لم تعد قادرة على الكلام، كانت تكتفي بالنظر إليه وقلبها يذوب من فرط العشق. لقد رأت منه القسوة والجبروت، لكنها الآن ترى منه حباً أعمق من المحيطات، حباً جارفاً يمتلكها ويسجنها، لكنه سجن لذيذ لا تريد منه خلاصاً. انحنى وقبلها مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت القبلة مختلفة. لم تكن قبلة شغف جامح، بل كانت قبلة تملّك هادئة، كأنه يرتشف رحيق زهرة نادرة يملكها وحده. كانت قبلة تحكي كل ما لم يستطع لسانه قوله، تحكي عن ليالي الوحدة، عن الشوق المؤلم، وعن اليقين بأنه وجد أخيراً نصفه الآخر. ذابت بين ذراعيه وتناست كل شيء، تناست شروق وتناست الماضي وتناست العالم بأسره. لم يعد هناك في الوجود سوى هو، جاسر، الرجل الذي كان كابوسها، وأصبح الآن أجمل أحلامها، الرجل الذي خطفها ليسجنها فانتهى به الأمر سجيناً في حبها.
وبينما يأخذها معه إلى عالمهما الخاص حيث لا مكان لأي اسم آخر، ولا وجود لأي شبح، أدركت نغم أن حبها له لم يعد شيئاً يمكنها أن تخفيه أو تقاومه. لقد أصبح كالهواء الذي تتنفسه، كالدم الذي يجري في عروقها، لقد أصبح هو حياتها. كانت قبلاته تبجيلاً، قبلات عهد، قبلات رجل وجد وطنه وملاذه. ثم انحدر بقبلاته إلى صدغها ثم إلى عنقها، وكل قبلة كانت كعلامة يطبعها على أرضه الخاصة يعلن ملكيته الأبدية لها. شعرت نغم بأنها تذوب، تتلاشى لتصبح مجرد إحساس خالص بين ذراعيه. لم تعد هناك نغم الفتاة المتمردة الخائفة، لقد ولدت من جديد في تلك اللحظة امرأة تعشق وتعشقها، امرأة وجدت في قيدها حريتها، وفي سجانها حبيبها الأبدي. حملها مرة أخرى بين ذراعيه.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم رانيا الخولي
استيقظ مالك على ألم حاد يخترق جسده. وجد نفسه مستلقياً في وضع غير مريح على الأريكة الجلدية القاسية في مكتبه، وقد شعر بتيبس في كل عضلة من عضلاته، لكن ألم جسده لم يكن شيئاً يذكر أمام الألم الذي كان يعتصر روحه.
عادت إليه ذكريات الليلة الماضية بكل قسوتها، كشريط سينمائي مرعب يُعاد عرضه في ذهنه. كلماتها، نظراتها، صرختها... "لو راجل... تطلقني".
كانت تلك الكلمات تتردد في أذنيه كطنين مؤذي، تذبحه ببطء. هل تستطيع حقاً فعلها؟ هل يمكن أن تتركه وتطلب الخلع وتنفذ تهديدها؟ أم كان ذلك مجرد انفجار لكرامتها المجروحة، صرخة ألم ستهدئ مع الوقت؟
شعر بعالمه ينهار. كل أحلامه الهانئة التي بناها معها، كل لحظة سعادة سرقها من الزمن تحولت في ليلة واحدة إلى كابوس أسود. لم يعد يدري ماذا يفعل. هل يذهب إليها ويعتذر مرة أخرى؟ لكن كبرياءه كان لا يزال ينزف من جرح كلماتها. كيف يعود إليها وقد اتهمته بالخيانة والغش، وساوته بأخيه الذي لم يحبها يوماً؟
ظل حائراً، ممزقاً بين حبه وخوفه من فقدانها، وبين كبريائه الجريح. لكن الخوف انتصر في النهاية. قرر أن يصعد إليها، أن يواجهها، أن يعرف ما تود فعله حقاً.
خرج من المكتب فتفاجأ بوالدته ورد تنزل على الدرج. اندهشت عندما وجدته يخرج في هذا الوقت المبكر من المكتب، ويبدو عليه بوضوح أنه قضى ليلته فيه.
"مالك؟ أنت كنت بايت في المكتب؟"
حاول مالك أن يرسم ابتسامة على وجهه كي لا يقلقها، وقال بكذبة واهية:
"لأ يا أمي بس في حاجة كنت ناسيها ونازل أجيبها وهطلع تاني."
لم تقتنع ورد بإجابته، خاصة عندما لاحظت أنه ما زال يرتدي نفس الملابس التي صعد بها إلى غرفته بالأمس. نظرت إليه بعيني الأم الخبيرة التي تقرأ ما تخفيه القلوب.
"في حاجة يا عمري؟ أنت زعلان مع روح؟"
هز رأسه بنفي متجنباً النظر في عينيها.
"لأ صدقيني مفيش حاجة زي ما قولتلك، نزلت أتأكد من حاجة وطالع تاني بعد إذنك."
صعد الدرج بسرعة تاركاً خلفه والدته التي كانت تراقبه بعينين قلقين حتى اختفى في الرواق.
دلف إلى غرفته بهدوء، فوجدها كما تركها بالأمس. كانت تجلس على الفراش، ظهرها مستند إلى اللوح الأمامي، وعيناها حمراوان متورمتان من شدة البكاء الذي لم يتوقف طوال الليل. عندما رآها بهذه الحالة، رق قلبه لها ونسي كل شيء في لحظة. نسي كبرياءه ونسي كلماتها الجارحة، ولم يعد يرى أمامه سوى حبيبته التي تتألم بسببه.
ساقته قدماه نحوها، وجلس على ركبتيه بجوار الفراش، وتطلع إليها بألم وحب وندم.
"روح... أنا آسف."
بدأ حديثه بصوت مكسور وهو يحاول أن يجد الكلمات التي قد تداوي جرحها.
"زي ما جولتلك كنت ضايع في الوجت ده، كنت بدور على أي شيء يخفف عني الألم. بس وحياتك عندي، وحياة بنتي، ما حد دخل جلبي غيرك ولا عمري سمحتلها تتعدى الحدود اللي سمحتلك أنتِ تتعديها. أنا كنت وحيد بمعنى الكلمة، وكل مكالمة بيني وبينك كانت نار بتكوي جلبي ومشاعري، وهي... هي لجتها جدامي بتجدملي كل حاچة، بسطتلي كل شيء، وجلت يمكن تكون مهدئ، يمكن مع الوجت تجدر تنسيني..."
كلما نطق بحرف يذكرها به، كانت روح تغمض عينيها بألم، وكأن كلماته سكاكين صغيرة تغرس في جسدها. كانت تتخيل حياته معها. هل كان يقبلها كما يقبلها هي؟ هل كان يبتسم لها في لحظاتهما معاً كما يبتسم لها؟ هل كان يقبلها بذلك الشغف الذي يمحو العالم بعد كل مرة كما يفعل معها؟
لم تعد تحتمل. وضعت يديها على أذنيها وهي تبكي بقهر، تهز رأسها بعنف.
"مش عايزة أسمع حاجة، مش عايزة أسمع. أنت دمرتني يا مالك... دمرتني."
أمسك يديها برفق ورجاء، يمنعها من إغلاق أذنيها ويجبرها على سماعه.
"والله يا روح علاقتنا كانت باردة، كانت زي صفقة، زي بيزنس. مكنش فيها الدفا اللي بينا، ولا الحنية اللي في حضنك. لا عمري حبيتها، ولا هي حبتني. صحيح حاولت أجاريها بس مقدرتش، حاولت اقرب منها بس صورتك كانت بتبعدني. جوازي منها كان جواز مصلحة مش أكتر."
قرب يديها من فمه وقبّلهما بحرارة، وتابع برجاء يذيب الصخر.
"أرجوكي يا روح... عشان خاطر بنتنا... عشان خاطر كل يوم حلو عشناه مع بعض اطوي معايا الصفحة دي وننساها. خلينا نبدأ من جديد."
لكن روح سحبت يديها منه ونظرت إليه بعينين فارغتين من كل شيء إلا الألم.
"أنسى؟ أنسى كيف؟ كل ما هتبصلي كل ما هتلمسني هفتكر إن فيه واحدة غيري كانت في مكاني، هفتكر إنك كنت معاها وإنك كدبت عليا."
هزت رأسها ببطء وقد اتخذت قرارها.
"أنا مجدرش أعيش معاك دلوجت يا مالك، مجدرش."
تطلع إليها برعب خوفاً من أن تنطق بالكلمة التي يخشاها.
"عايزة إيه يا روح؟"
"عايزك تسبني، مش تطلجني... بس تسبني تسبني لوحدي لحد ما أجدر أستوعب اللي حصل لحد ما أقرر إذا كنت هجدر أكمل معاك ولا لأ. ومتخافش محدش هيعرف حاجة، برة الأوضة دي احنا سعده ومبسوطين. جوه الأوضة كل واحد فينا في مكان."
كان طلبها بمثابة حكم مؤبد بالوحدة عليه، لكنه كان أفضل من حكم الإعدام بالطلاق. رأى في عينيها إصراراً لا يمكن كسره. أومأ برأسه ببطء وقلبه يتمزق.
"حاضر يا روح، اللي أنتِ عايزاه هيكون. هسيبك... بس مش هبعد. هفضل جريب وهنفضل مع بعض في نفس الأوضة مستنيكي تسامحيني."
***
كانت صبر تجلس على حافة السرير تمسك بأحد كتبها الجامعية، لكن عينيها كانتا تائهتين، لا تقرأ الكلمات حقاً. كان جسدها لا يزال ضعيفاً، لكن عقلها كان مشغولاً بمستقبلها الذي شعرت بأنه يضيع منها.
نظر إليها أكمل الذي كان قد دخل للتو إلى الغرفة حاملاً لها كوباً من عصير الفواكه الطازج.
"بتفكري في إيه؟"
سألها برفق وهو يضع الكوب على المنضدة بجانبها. تنهدت بعمق وأغلقت الكتاب ووضعته جانباً.
"الامتحان بكرة يا أكمل."
نظر إليها بقلق وقد فهم على الفور ما ترمي إليه.
"امتحان إيه يا صبر؟ أنتِ لسه تعبانة، والدكتور قال مفيش حركة خالص."
"بس ده امتحان الترم، ولو مرحتوش السنة كلها هتروح عليا. أنا ذاكرت وتعبت عشان أوصل."
قالته بصوت خافت لكنه يحمل إصراراً. تصلبت ملامح أكمل وظهرت عليه لهجة وكيل النيابة الحازمة التي لا تقبل الجدال.
"مستحيل. صحتك وصحة ابننا أهم من ألف امتحان وسنة دراسية. الموضوع ده منتهي."
عندما سمعت كلمة "مستحيل"، شعرت بأن آخر خيط من الأمل قد انقطع. لم تعد قادرة على التحمل، فانفجرت في بكاء صامت. دموعها تنهمر على خديها في صمت، وهو بكاء كان أشد إيلاماً من أي صراخ. كانت تبكي على أحلامها التي تتبخر، وعلى تعبها الذي سيذهب هباءً.
عندما رآها تبكي بهذا الشكل، شعر بأن قلبه يتمزق. ضعف أمامها ونسي كل حزمه وقراراته. لم يعد يحتمل رؤية دمعة واحدة تنزل من عينيها.
"بتعيطي ليه دلوقت؟"
قالت بحزن:
"مش هجدر يا أكمل، ده حلم عشت عمري كله أحلم به."
تنهد بتعب وجلس بجوارها يمسك يدها ويقول بروية:
"أنا عارف، بس احنا لسة قدامنا حياة طويلة. لو السنة دي مقدرتيش هتقدري السنة الجاية وأنا معاكي."
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، لا تتقبل إصراره.
"يعني مش خايفة على نفسك وعلى ابننا؟"
التفتت إليه بسرعة:
"لأ طبعاً خايفة عليه، بس في نفس مش عايزة السنة دي تضيع مني، وأنا الحمد لله اتحسنت كتير عن الأول."
تنهد بيأس.
"خلاص... خلاص يا صبر متعيطيش. خليني اسأل دكتور مجدي الأول لو قال مفيش خطر، هوصلك بنفسي."
اتصل بالطبيب وشرح له الموقف بالتفصيل. وبعد نقاش قصير، جاء الرد الذي كانت تتمناه صبر.
"الدكتور وافق بس بشرط."
"تروحي الامتحان وأول ما ترجعي تنامي على ضهرك فوراً، ومتبذليش أي مجهود تاني خالص لبقية اليوم. فاهمة؟"
أومأت برأسها بسعادة ومسحت دموعها بسرعة، وابتسامة صغيرة شقت طريقها إلى شفتيها.
***
استيقظت نغم على صمت غير معتاد. فتحت عينيها ببطء، وشعرت بثقل لذيذ في أطرافها. لم تجد جاسر في الغرفة. نظرت في ساعة هاتفها، فاتسعت عيناها بصدمة عندما وجدت أن الساعة قد تجاوزت الثانية ظهراً. لم تنم هكذا منذ زمن بعيد.
نهضت من الفراش وشعرت بألم خفيف في جسدها، ألم لم يكن مزعجاً، بل كان تذكيراً حياً بكل ما حدث. توجهت إلى المرحاض ودخلت تحت الماء الدافئ، وأغمضت عينيها لتترك ذكريات الليلة الماضية تجتاحها بلا مقاومة. لم تكن مجرد صور، بل كانت أحاسيس، لمسات، همسات.
كانت تتذكر قسوته الأولى التي ذابت لتتحول إلى لهفة، وخوفه من فقدانها الذي تحول إلى شغف، وحنانه الذي غلف كل لمسة وقبلة. لم تكن تصدق أن الرجل القاسي الذي حاول كسرها وإخضاعها بكل الطرق، هو نفس الشخص الذي كان يغدقها بحبه وحنانه الليلة الماضية، كأنه يروي أرضاً عطشى. من هو جاسر الحقيقي؟ هل هو الذئب الشرس، أم الحمل الوديع؟ أم أن حبه لها قد روّض الوحش الكامن بداخله؟
خرجت من المرحاض وهي تلف جسدها بمنشفة، ثم ارتدت مئزره (روب الحمام) الأسود الذي كان معلق جانباً، وشعرت برائحته تحيط بها، مما أرسل قشعريرة خفيفة في جسدها. توجهت إلى خزانة الملابس الضخمة لتختار شيئاً ترتديه.
فتحت الجانب الذي اعتادت أن تأخذ منه ملابسها، لكن عينها وقعت على جانب آخر من الخزانة لم تكن قد انتبهت له من قبل. دفعها الفضول لفتحه فتجمدت في مكانها. كان الجانب ممتلئاً عن آخره بملابس نسائية جديدة، بيجامات حريرية بألوان زاهية، منامات قصيرة من الدانتيل، وأرواب شفافة. كانت تجهيزات عروس كاملة تنتظر بصمت من يرتديها.
أدركت أنه قد اشترى كل هذا من أجلها تحسباً للحظة كهذه. شعرت بمزيج من الغيظ والخجل. لقد كان واثقاً إلى هذا الحد من أنه سينتصر في النهاية. أغلقت الجانب بعنف مكتوم، وعادت إلى ملابسها العادية. لكنها توقفت. هل ستظل خانقة نفسها بهذه الملابس الثقيلة؟ لقد تغير كل شيء.
وهو فكر جيداً ولم يترك لها شيئاً وسطاً يمكن أن ترتديه، كأنه يجبرها على الاختيار بين العناد والاستسلام الكامل. تنهدت باستسلام وعادت لتفتح الجانب "الجديد" مرة أخرى. غصباً عنها بدأت يداها تبحث بين الملابس حتى استقرت على بيجامة حريرية بسيطة وأنيقة، لونها زهري هادئ، لون بدا لها مناسباً مع بشرتها البيضاء.
ارتدتها وشعرت بنعومة الحرير تداعب بشرتها. تركت شعرها الأسود الطويل منسدلاً على كتفيها ليجف في الهواء، ووقفت أمام المرآة الطويلة تمسك خصلاتها وتتأمل انعكاسها. فجأة ضربها سؤال حاد.
"معقول؟ هل نسيت كل شيء بهذه السرعة؟ هل نسيت الثأر، والدم، والكرامة التي أقسمت أن تستعيدها؟ هل مشت وراء قلبها بهذه السهولة مستسلمة لسحر سجّانها؟"
شعرت بحيرة تمزقها. هل تكمل في هذا الطريق الذي يبدو حلواً بشكل خطير، أم تتراجع وتعود إلى قلعتها الحصينة؟
وبينما كانت غارقة في أفكارها، انفتح باب الغرفة بهدوء. دخل جاسر وفي عينيه نظرة لم ترها من قبل، نظرة رجل منتصر وراضٍ. كان يرتدي بنطالاً منزلياً مريحاً وقميصاً (تيشيرت) أبيض يبرز عضلات صدره. ابتسم لها ابتسامة جانبية ساحرة عندما رآها ترتدي إحدى "هداياه".
اقترب منها بخطوات واثقة، خطوات الأسد في عرينه، ووقف خلفها، وعيناهما تلتقيان في المرآة. لم يقل شيئاً، فقط انحنى ببطء وقبّل عنقها قبلة دافئة وعميقة جعلت ساقيها ترتجفان.
"ينفع القمر ده كله يكون نايم وأنا واقف بحضرلها الأكل لوحدي في المطبخ؟"
قالها بصوت أجش يحمل مشاكسة رجولية وشموخاً لم يقلل اهتمامه بها من قوته وهيبته. أمام نظرته الواثقة وحنانه الذي لم يعد يخفيه، لم تستطع أن تقاوم. ذاب كل صراعها الداخلي ووجدت نفسها تبادله الابتسامة في المرآة. كان فيه شيء غريب، مزيج من القوة والحنان، من التملك والاهتمام، يجعلها ترضخ أمامه بإرادتها الكاملة. لقد أدركت في تلك اللحظة أنها لم تعد تريد المقاومة.
استدارت نغم بين ذراعيه لتواجهه مباشرة، وقد تورد خداها حمرة خفيفة من الخجل والغيظ معاً. نظر جاسر إلى البيجامة الحريرية التي كانت تلتصق بجسدها بأناقة، ثم رفع عينيه إلى عينيها وابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيه. وقالها بصوت هامس وعميق:
"أخيراً. أخيراً فتحتي الضلفة دي. أنا كنت ابتديت أيأس إنك ممكن تفتحيها."
شعرت بالغيظ من ثقته الزائدة فقالت بتحدي خافت:
"وأنت كنت واثق أوي إن اللحظة دي هتاچي؟"
أومأ لها برأسه ببطء دون أن يزيح عينيه عن عينيها. وفي نظرته جدية وحب عميقان.
"اتأكدت إنها مسيرها تاچي من أول يوم شفتك فيه في بيت جدك بعد ما هربتي مني. شفت في عنيكي التردد، شوفت فيهم حيرة. حسيت كأنك بتجوليلي: 'الدنيا كلها اتخلت عني، ومحدش حارب عشاني... حارب أنت عشاني'."
اقترب منها خطوة أخرى حتى لم يعد يفصلهما شيء وأكمل بصوت أصبح أكثر حناناً:
"ووجتها جررت إني احارب عشانك ولما كل الطرق اتجفلت في وشي، ومجدرتش أوصلك خطفتك تاني. بس المرة دي كانت مختلفة. المرة دي خطفتك عشان أحميكي، عشان أغرجك في حبي وعشقي واهتمامي، عشان أعوضك عن كل اللي فات."
كانت كلماته كفيلة بإذابة آخر ذرة من المقاومة بداخلها. لقد فهمها، فهم صراعها الصامت، ورأى ما وراء قناع العناد الذي كانت ترتديه. شعرت بقلبها يخفق بعنف، وبدفء يسري في أوصالها، لم يكن سببه فقط قربه الجسدي، بل قربه من روحها.
رفع يده وتحسس وجنتها برقة ثم انحنى ليقبلها. كانت قبلة مختلفة عن كل ما سبق. لم تكن قبلة لهفة أو شغف جامح، بل كانت قبلة حنونة، بطيئة، تحمل في طياتها كل وعوده الصامتة. قبلة تقول "أنتِ في أمان الآن". تجاوبت معه وذابت بين ذراعيه مستسلمة تماماً لهذا الشعور الذي لم تعد تريد محاربته.
بدأت القبلة تتعمق، وتتحول من الحنان إلى الشغف مرة أخرى. وبدأت يداه تجذبانها إليه بقوة أكبر. شعرت بأنه سيكمل ما بدأه وأنها على وشك أن تضيع في عالمه مرة أخرى. لكن في تلك اللحظة، أصدرت معدتها صوتاً خفيفاً مذكرة إياها بأنها لم تأكل شيئاً منذ الأمس.
ابتعدت عنه فجأة وهي تضحك بخجل ووضعت يدها على شفتيه لتمنعه.
"جاسر... استنى."
نظر إليها بعينين ضبابيتين من فرط الرغبة ولم يفهم سبب توقفها.
"أنا جعانة."
قالتها ببراءة طفولية جعلته يضحك بصوت عالي، ضحكة رجولية صادقة هزت أركان الغرفة. غصباً عنه ابتعد عنها، وأخذ نفساً عميقاً يحاول به أن يهدي من ثورة أنفاسه ومشاعره.
"جعانة؟ بتفصلينا في اللحظة دي عشان جعانة؟"
هز رأسه بيأس مصطنع ثم انحنى فجأة وحملها بين ذراعيه. شهقت نغم وتشبثت بعنقه.
"بتعمل إيه؟"
نظر إليها بمكر وعيناه تلمعان بمشاكسة.
"مش أنتِ جعانة؟ يبقى لازم أتصرف وهأكلك بنفسي كمان، عشان أضمن إن مفيش حاجة تانية تعطّلنا بعد كده."
سار بها خارج الغرفة وهي تضحك من قلبها على طريقته في تدليلها، وقد أدركت أنها وقعت في حبه بلا رجعة، وأن هذا الشموخ الذي يغلفه بحنان، هو الفخ الذي استسلمت له بكل رضا. وصل بها إلى طاولة الطعام التي كانت قد أُعدت بعناية فائقة. لم يكن مجرد طعام لصنع يده كما أخبرها، لكنه هو من حضره على السفرة بكل حب واهتمام. كان وليمة صغيرة لشخصين. أطباق متنوعة، عصائر طازجة، ووردة حمراء وحيدة موضوعة في كأس زجاجي صغير في منتصف الطاولة.
أنزلها برفق بجوار السفرة، لكنه لم يبتعد. ظل واقفاً أمامها وانحنى ليصبح وجهه في مستوى وجهها، ويداه تستندان على السفرة حاصراً إياها في عالمه الخاص. همس بصوت عميق، وعيناه لم تفارقا شفتيها.
"جبل الأكل... في حاچة أهم."
سألته بخجل يشوبه بعض الدلال الفطري.
"ايه هو؟"
لم يجيب بل انحنى مرة أخرى وقبلها، قبلة بطيئة متذوقة، كأنه يريد أن يطبع طعمها في ذاكرته قبل طعم أي شيء آخر. كانت قبلة تحمل حلاوة الانتصار ولذة الاستسلام. شعرت نغم بأنفاسها تتسارع ووضعت يديها على كتفيه تستمد منه القوة التي كان يسلبها إياها.
ابتعد عنها ببطء شديد تاركاً شفتيه تلامسان شفتيها بالكاد.
"دلوجت نجدر ناكل."
قالها بابتسامة ساحرة ثم جلس على المقعد المقابل لها. بدأ يضع لها الطعام في طبقها بنفسه، قطعة من كل صنف، عيناه تراقبان كل رد فعل على وجهها. لم يكن مجرد اهتمام، بل كان طقساً من طقوس التملك الحنون.
"كلي ولا تحبي أأكلك بإيدي، بصراحة انا كمان جعان."
ابتسمت بحنو.
"لأ انا هاكل لوحدي."
قالتها بنبرة أمر لطيفة، ثم بدأ يأكل هو الآخر. كان الصمت بينهما مختلفاً هذه المرة. لم يكن صمت التحدي أو الحزن، بل كان صمت الرضا والألفة. كانا يتبادلان النظرات من فوق الأطباق، نظرات تحمل كل الكلمات التي لم تُقل بعد. كانت ترى في عينيه حباً لم تكن لتتخيل وجوده، وكان يرى في عينيها بداية الثقة والاستسلام الذي حارب من أجله طويلاً. بعد أن انتهت من تناول الطعام.
"هثواني هعملك القهوة."
رد بمزاح:
"وانا اشيل الاطباق مش كدة؟"
"تؤ أنا اللي هشيلها واعمل القهوة كمان، وبعد كدة مفيش أكل جاهز، مش بفضله..."
قالتها وهي تحمل الأطباق للمطبخ فنهض هو بدوره.
"وانا هعمل مكالمة مهمة لحد ما تخلصي."
***
كانت أجواء الهدوء تخيم على شقة أكمل، لكنه كان هدوءاً دافئاً ومفعماً بالحياة. كانت صبر مستلقية على الفراش محاطة بالوسائد التي وضعها أكمل لضمان راحتها، وأمامها أحد كتبها الجامعية المفتوحة. كانت تحاول التركيز في المراجعة، لكن الألم الخفيف والمستمر في ظهرها كان يشتت انتباهها.
بجوارها كان أكمل يجلس على الفراش. كان غارقاً في أوراق قضية معقدة، يقلب صفحاتها بتركيز، لكن حواسه كلها كانت معها. كان يرفع عينيه بين الحين والآخر، يراقبها من فوق نظارته الطبية التي لا يرتديها إلا للقراءة. لاحظ أنها تضغط على شفتيها بين الفينة والأخرى وتتململ في جلستها بشكل خفيف كأنها تحاول الهروب من إزعاج ما.
"صبر... أنتِ كويسة؟"
سألها للمرة الثالثة خلال ساعة، بصوت هادئ كي لا يفزعها. رفعت عينيها عن الكتاب وابتسمت له ابتسامة باهتة.
"أيوه زينة بس المذاكرة مملة شوية."
لم يقتنع بإجابتها لكنه لم يرد أن يضغط عليها فتزداد توتراً. عاد إلى أوراقه لكنه قرر أن يظل متيقظاً.
بعد فترة شعرت صبر بأنها بحاجة إلى حمام دافئ، ربما يساعد على إرخاء عضلاتها المتشنجة ويخفف من ألم ظهرها. أغلقت كتابها بهدوء وقررت أن تقوم بأسرع ما يمكن حتى لا يلاحظها ويقلق. لكنها استهانت بعينيه الصقرتين.
كانت تحاول أن تخفي الألم الخفيف الذي شعرت به في ظهرها وهي تنهض، لكن جسدها خانها. صدرت عنها آهة مكتومة ولاحظ هو تلك الارتعاشة الخفيفة في ساقيها وهي تحاول أن تستقيم.
"رايحة فين؟"
حاولت إخفاء الألم:
"هدخل أخد شاور يمكن يفوقني شوية."
في لحظة ألقى بملف القضية جانباً دون اكتراث وكان بجانبها.
"طيب استني."
قالها بنبرة حازمة لا تقبل النقاش، نبرة وكيل النيابة التي تعرفها جيداً. وقبل أن تنطق بكلمة أو تحاول أن تجادله، انحنى وحملها بين ذراعيه بسهولة. شهقت بخجل ومفاجأة وتشبثت بكتفه بشكل لا إرادي.
"أكمل نزلني أنا تجيلة عليك."
نظر إليها بابتسامة جانبية ماكرة وغمز لها وهو يتجه بها نحو الحمام كأنه لم يسمع احتجاجها.
"تقيلة إيه بس؟ ده أنتِ باللي في بطنك ده كله أخف من ملف قضية بايخة بقعد أقرأ فيه طول الليل."
ضحكت صبر من قلبها لأول مرة منذ فترة طويلة، ضحكة صافية ورنانة. ضحكة أعادت الحياة إلى جدران الشقة الصامتة، وكانت بالنسبة لأكمل أجمل من أي موسيقى في العالم. أدخلها الحمام وساعدها على الجلوس برفق على المقعد المخصص. لم يكتفِ بذلك بل انحنى وفتح الماء ليتأكد من درجة حرارته، ووضع لها المنشفة في متناول يدها وجهز لها كل شيء كأنه خادم مخلص في محراب ملكته.
"نادي عليا أول ما تخلصي، لإني لو فضلت مضمنش نفسي والدكتورة نسرين تطين عشتي لو حصل حاجة."
ضحكت صبر:
"أنا بجول اكدة برضك.."
خرج وهو يغلق الباب بهدوء ثم وقف خارجه متكئاً على الحائط، لا كحارس، بل كرجل عاشق وجد كنزه ومستعد أن يفعل أي شيء حتى لو كان سخيفاً أو مبالغاً فيه، فقط ليرى تلك الضحكة مرة أخرى وليتأكد أن مملكته الصغيرة التي كاد أن يفقدها، آمنة وسعيدة بين يديه.
***
كانت غرفة نومهما التي شهدت أجمل لحظاتهما قد تحولت إلى ساحة حرب باردة. لم يكن هناك صراخ أو جدال، بل كان هناك ما هو أسوأ: صمت ثقيل مشحون بالكلمات التي لم تُقل وبالجروح التي لم تندمل. كان كل واحد منهما في وادي معزول، تفصلهما عن الآخر مسافة لا تُقاس بالأمتار، بل بعمق الخذلان.
كانت روح تجلس على حافة السرير، ظهرها له، تمشط شعرها ببطء وعيناها شاخصتان في انعكاسها الباهت في المرآة. لم تكن ترى نفسها حقاً، بل كانت ترى امرأة غريبة، متعبة، خُدعت مرتين من أقرب الناس إليها. لم تعد قادرة على مسامحته. كلما حاولت، كانت صور تلك المرأة تقتحم عقلها، وتخيلاتهما معاً تحرق روحه. لقد أصبح وجوده بجانبها تذكيراً دائماً بالخيانة، ولمسته التي كانت جنتها أصبحت الآن ناراً تكويها.
على الجانب الآخر من الغرفة، كان مالك يقف عند الشرفة وظهره للغرفة، ينظر إلى ظلام الليل دون أن يراه. كان يشعر بالعجز. لقد اعتذر، توسل، شرح وبرر حتى جفت الكلمات في حلقه. لم يعد قادراً على التوسل أكثر من ذلك. كبرياؤه كرجل الذي سحقه تحت قدميه من أجلها بدأ يتمرد. لقد أخطأ، يعترف بذلك، لكنه لم يخنها. كان ماضياً وقد انتهى. ألا يستحق فرصة؟ ألا يشفع له حبه الصادق الذي يملأ قلبه الآن؟
الصمت كان سيد الموقف، يقطعه فقط صوت فرشاة الشعر وهي تمر في خصلات شعر روح الطويلة. أخيراً، لم يعد مالك يحتمل. استدار ببطء ونظر إليها. كانت تبدو هشة وبعيدة.
"لحد إمتى يا روح؟"
قالها بصوت هادئ لكنه يحمل بحة من الإرهاق واليأس. لم ترد، لم تتوقف حتى عن تمشيط شعرها، كأنها لم تسمعه. اقترب منها خطوة ثم توقف، كأن هناك جداراً غير مرئي يمنعه من الاقتراب أكثر.
"لحد إمتى هنفضل اكده؟ عايشين في بيت واحد زي الأغراب. أنا عارف إني غلطت، وچرحتك بس أنا كمان بتعذب. صمتك ده بيجتلني كل يوم."
هنا توقفت يدها عن الحركة. وضعت الفرشاة على منضدة الزينة بهدوء تام، ثم التفتت إليه. لم تكن في عينيها دموع، بل كانت هناك برودة قاسية، برودة شخص قرر أن يغلق قلبه.
"عايزني أعمل إيه يا مالك؟ أمثل إني نسيت؟ أمثل إني مش موجوعة؟"
قالتها بصوت خالٍ من أي تعبير.
"عايزني كل ما تلمسني أعمل نفسي مش فاكرة إن نفس الإيدين دي لمست واحدة غيري؟ عايزني كل ما تبصلي أعمل نفسي مش شايفة في عنيك ذكرياتك معاها؟ أنا مقدرش."
قاطعها بيأس مطلق:
"اقسملك إني ملمستهاش، اثبتلك كيف يعني. وبعدين ده كان ماضي يا روح، ماضي وراح لحاله. أنتِ الحاضر والمستقبل."
قالها بصوت بدأ يفقد هدوءه. نهضت من مكانها وتجنبت النظر إليه واتجهت نحو الأريكة في زاوية الغرفة، حاملة معها وسادة وغطاء.
"أنت هتنامي هنا؟"
سألها بعدم تصديق.
"مقدرش أنام جنبك."
قالتها ببساطة قاطعة دون أن تلتفت إليه. وقف مالك في منتصف الغرفة ينظر إلى ظهرها وهي تستعد للنوم على الأريكة وشعر بأن المسافة بينهما قد أصبحت محيطاً لا يمكن عبوره. لقد بنى معها قصراً من الحب، وفي ليلة واحدة، تحول هذا القصر إلى زنزانتين متجاورتين، كل منهما سجين في وحدته وألمه، لا يرى الآخر ولا يسمعه.
***
كان الليل قد انتصف، والغرفة غارقة في ضوء خافت يأتي من مصباح جانبي صغير، يلقي بظلال دافئة وناعمة على الجدران ويخلق جواً من الحميمية المطلقة. خرجت نغم من الحمام تلف جسدها بمنشفة قطنية ناعمة، وشعرها المبلل ينسدل على كتفيها. مدت يدها بشكل عفوي إلى المنضدة بجانبها باحثة عن أي شيء لترطيب بشرتها فتجمدت في مكانها.
لم يكن هناك عبوة واحدة، بل كانت مجموعة متكاملة من مستحضرات التجميل مرتبة بأناقة فائقة كأنها في واجهة عرض لأرقى المتاجر. أمسكت بإحدى العبوات الزجاجية الثقيلة وفتحتها، ففاحت منها رائحة زكية وهادئة، رائحة الياسمين والمسك الأبيض، رائحة أنثوية ورقيقة. استغربت بشدة وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها. كيف؟ كيف يمكن لرجل مثل جاسر بكل قسوته وصرامته أن يفكر في تفاصيل دقيقة كهذه؟ تفاصيل لا يفكر فيها إلا رجل عاشق ومتيم.
في تلك اللحظة انفتح باب الحمام، وخرج جاسر. كان كعادته، حضوراً طاغياً لا يمكن تجاهله. يرتدي بنطالاً منزلياً داكناً فقط، تاركاً صدره العريض عارياً وقطرات الماء لا تزال تتلألأ على كتفيه وصدره تحت الضوء الخافت. توقف عندما رآها واقفة هناك تمسك بالعبوة وفي عينيها نظرة حيرة ودهشة لا تخطئها عين.
تقدم نحوها بخطوات واثقة، خطوات الأسد الذي يتفقد مملكته، وجلس بجانبها على الفراش مقترباً منها، وشعرت هي بحرارة جسده.
"عجبتك؟"
سألها بصوته العميق والأجش، وهو ينظر إلى العبوة في يدها ثم رفع عينيه ليتفحص تعابير وجهها. نظرت إليه نغم وتجاهلت سؤاله لتسأل ما يجول في خاطرها بصوت يرتجف قليلاً من فرط المشاعر.
"كيف؟ كيف جدرت تچمع كل الحاچات دي؟ الهدوم... والكريمات... كل التفاصيل الصغيرة دي اللي أنا نفسي ممكن أنساها."
ابتسم جاسر ابتسامة هادئة، ابتسامة رجل يستمتع برؤية تأثير خططه المحكمة. لم تكن ابتسامة حب ساذجة، بل كانت ابتسامة المنتصر الذي يرى خصمه وقد وقع في أسره بالكامل. قال ببساطة كأنها معلومة عادية لا تستحق كل هذه الدهشة.
"الشجة دي أنا اشتريتها عشانك وكتبتها باسمك."
اتسعت عينا نغم بصدمة حقيقية هذه المرة، وفتحت فمها لتقول شيئاً لكن لم تخرج أي كلمات. لقد نزع عنها كل أسلحتها، حتى سلاح الشعور بأنها سجينة في ممتلكاته. قبل أن تستوعب المفاجأة الأولى، أكمل هو ببرود محسوب.
"أما الحاچات دي فكلفت بنت شغالة في مول كبير مديرة قسم المشتريات الشخصية، إنها تچهز كل حاچة. جولت لها إني بعمل مفاجأة لمرتي وعايز كل حاچة ممكن تحتاچها في الشجة الچديدة بحيث متحتاجش تخرچ تشتري أي حاچة وهي متأخرتش."
صمت للحظة ثم أضاف ببطء وعيناه تلمعان بمكر وهو يستمتع بتأثير كلماته عليها.
"أما الحاچات التانية دي فانا وريتها صورتك عشان تعرف المجاس اللي هتچيب عليه."
شعرت نغم بالغيظ يختلط بالخجل وبشعور غريب من السعادة التي لم ترد الاعتراف بها. لقد خطط لكل شيء، لقد كان يجهز عشهما حتى قبل أن يصطادها إليه. هذا الرجل كان يفكر بعقل استراتيجي حتى في الحب. نظرت إليه بشيء من التحدي، محاولة استعادة رباطة جأشها.
"وهي برضه اللي اختارت الضلفة إياها؟"
قصدت بذلك جانب الخزانة المليء بالملابس الجريئة، والذي كان بمثابة إعلان نوايا صريح. ضحك جاسر ضحكة رجولية عميقة وجعلتها تشعر بارتجافها. اقترب منها أكثر حتى أصبح يهمس في أذنها وأنفاسه الدافئة تلفح بشرتها.
"كل حاچة هي اللي اختارتها... إلا الضلفة دي."
صمت للحظة ثم أكمل بصوت أجش، صوت حميمي وخاص أذاب آخر ذرة من مقاومتها.
"دي بالذات... أنا اللي اخترتها جطعة جطعة بس اونلاين. كنت بتفرچ على كل واحدة فيهم وأتخيلك لابساها، كنت بختار اللون اللي هيليق على لون بشرتك، والجماشة اللي هحب ألمسها وهي عليكي."
لم تعد قادرة على التحمل. هذا المزيج الفتاك من القوة والتملك والاهتمام الصريح كان أكثر مما تستطيع مقاومته. استدارت إليه لتنظر لعينيه كي ترى فيها ذلك البريق الذي خصه لها وحدها، لكن ووجدت شفتيه في انتظاره. انحنى وقبلها قبلة تحمل كل شيء، القوة والحنان، الشغف والسكين. قبلة رجل يأخذ وقته، لأنه يعرف أن ما بين شفتيه ملكه، ولن يذهب إلى أي مكان.
ابتعد عنها قليلاً، وعيناه لا تزالان مثبتتين في عينيها، تدرسان أثر كلماته وقبلاته عليها.
"من بكرة مفيش حبس في الأوضة دي تاني."
قالها كأنه يصدر قراراً سيادياً.
"البيت ده كله بتاعك تتحركي فيه براحتك بس بشرط واحد."
"إيه هو؟"
سألت بصوت هامس وقد استسلمت تماماً لسلطته. ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية تحمل كل معاني القوة والمكر والرجولة.
"إنك متنسيش أبداً، في كل خطوة تخطيها وفي كل نفس تاخديه بين الحيطان دي... أنتِ ملك مين."
ثم عاد ليقبلها مرة أخرى. وفي هذه المرة لم يكن هناك مجال للكلمات، فقط لغة الجسد التي كانت تؤكد على حقيقة واحدة. حقيقة أصبحت هي نفسها مقتنعة بها: أنها ملك لجاسر، وهو لن يتنازل عن مملكته أو عن ملكته أبداً.
بعد وقت طويل وضع رأسها على كتفه بتملك، وبدأ يمرر أصابعه في خصلات شعرها الطويلة، بينما كانت هي تستمع إلى دقات قلبه المنتظمة والقوية تحت أذنها، والتي كانت تبعث في نفسها شعوراً متناقضاً بالأمان والخضوع.
"شعرك جميل."
قالها فجأة بصوته العميق والأجش، الذي كان يرسل موجات من الدفء عبر جسدها. لم تكن مجاملة رقيقة، بل كانت ملاحظة تقريراً لحقيقة يملكها هو. رفعت رأسها قليلاً لتنظر إليه. كانت ملامحه هادئة تحت الضوء الخافت، لكن عينيه كانتا حادتين تدرسان وجهها بتركيز شديد.
"أنتِ جميلة يا نغم."
أكمل بنفس النبرة الواثقة.
"جميلة لدرجة تخلي الواحد مستعد يحرق الدنيا عشان يحتفظ بيكي لنفسه، مش بس جمال الشكل وبرضه جمال الروح."
لم تكن كلماته مجرد غزل، بل كانت إعلاناً، تذكيراً بما فعله، وبما هو مستعد لفعله من أجلها. هذا هو شموخه، حتى في أوج لحظاتهما الرومانسية، كان يذكرها بقوته وبأنه هو من يسيطر على هذا العالم الذي صنعه لهما.
***
كان المطبخ مضاءً بضوء دافئ ورائحة الطعام تملأ الهواء. وقفت نغم أمام الموقد تقلب الخضروات في مقلاة، بينما كان جاسر يقف متكئاً على الطاولة المقابلة يراقبها بذراعين مكتوفتين وملامح متجهمة عن قصد. كان يقطع الخضار ببطء شديد وبطريقة بدائية، وكأنه يعاقبها على إجباره على المشاركة.
"مكانش ليه لزمة كل ده، كنت طلبت عشا من مطعم وخلاص، وكان وصل لحد اهنه في دجايج."
لم تلتفت إليه بل ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تواصل الطهي.
"وأني مبحبش أكل برة، بحب أعمل أكلي بإيدي."
أنهت تقليب الخضروات، ووضعتها في صينية ثم استدارت لتضعها في الفرن. وعندما وقفت مرة أخرى، واجهته مباشرة، وقالت بجرأة لم تكن تعرف كيف امتلكتها، وعيناها تلمعان بتحدي لطيف.
"ولا إيه... يعني مش عايز تاكل من إيدي؟"
رفع جاسر حاجبيه، وتلاشت ملامح الغيظ لتحل محلها نظرة ماكرة وخطيرة. ترك الخضرة التي كان يعذبها واقترب منها ببطء كذئب يقترب من فريسته التي يحبها. لم يتوقف حتى أصبح يفصلهما شبر واحد فقط. انحنى قليلاً وهمس بصوتٍ أجش وعميق، صوت جعل قلبها يخفق بقوة.
"هو أني أطول؟ المشكلة إن أي حاچة إيدك بتلمسها... بتسرج حلاوتها كلها لنفسها. وأني بخاف أدوج الأكل، ألاجي طعمه كله إنتي."
شعرت بالخجل يغزوها من قوة كلماته، وحاولت أن تبتعد، لكنه وضع يديه على الطاولة خلفها، حاصراً إياها برفق.
"رايحة فين؟ لسة مساعدتي مخلصتش."
"خلاص... الأكل في الفرن."
"لأ مخلصتش."
مد يده ومسح بقعة كاتشب صغيرة جداً كانت على خدها بإبهامه، لكنه لم يبعد يده بل تركها تستقر على بشرتها الدافئة.
"لسة فاضل أهم حاچة."
وقبل أن تسأل، انحنى وقبلها قبلة رقيقة وناعمة، قبلة بنكهة التوابل ورائحة المنزل الدافئ. كانت قبلة قصيرة، لكنها كانت كافية لتجعل ساقيها ترتجفان. ابتعد عنها قليلاً وعيناه لم تفارقا عينيها.
"إكدة... الطبج الرئيسي بجى چاهز."
بعد فترة وضعا الأطباق على الطاولة الصغيرة في منتصف المطبخ. جلسوا متقابلين وأضواء المطبخ الخافتة تخلق جواً من الألفة والحميمية. لم يكن هناك خدم، لم يكن هناك بروتوكول، فقط هما الاثنان. كان جاسر يأكل ببطء، وعيناه عليها أكثر من طبقه.
"تسلم إيدك."
قالت بخجل.
"بالهنا."
"لأ بجد أني كنت بكدب لما جولت نطلب أكل من برة، مفيش حاچة في الدنيا طعمها أحلى من إكدة."
لم يكن يتحدث عن الطعام فقط، بل كان يتحدث عن اللحظة كلها. عن وجودها معه في مساحتهما الخاصة، عن شعوره بأنه في "بيت" حقيقي لأول مرة. مد يده عبر الطاولة وأمسك بيدها. تشابكت أصابعهما فوق الطاولة، بين الأطباق، وفي صمت أكملوا عشاءهما يتحدثان بلغة العيون واللمسات، في مشهد بسيط ورومانسي، كان أغلى من كل كنوز العالم.
***
كانت طاولة العشاء في قصر الرفاعي عامرة كعادتها، تجمع أفراد العائلة في مشهد يبدو مثالياً للدفء والسكينة. الضحكات الهادئة، الأحاديث الجانبية، وصوت الملاعق وهي تلامس الأطباق، كل ذلك كان يرسم لوحة من السلام الأسري الذي طال انتظاره. لكن تحت هذا السطح الهادئ، كان هناك بركان صامت على وشك الانفجار.
جلس مالك بجوار روح، كلاهما يمثلان دورهما بإتقان تام. هو يضع لها الطعام في طبقها، وهي تبتسم له ابتسامة باهتة. من يراهم من بعيد يظن أنهما زوجان متحابان كالعادة، لكن من يدقق النظر، يرى الفجوة الجليدية بينهما. كانت روح تأكل ببطء، كل لقمة تنزل بصعوبة وعيناها مثبتتان على طبقها، تهرب من النظر إليه. أما هو، فكان يشعر بنظراتها الخاطفة المليئة بالألم والعتاب، وكانت كل نظرة منها كسهم يخترق قلبه. لكنه حافظ على هدوئه وصلابته أمام الجميع.
كسر الحاج وهدان الصمت العام بسؤاله الموجه إلى ليل.
"اتصلتي على نغم يا ليل؟ طمنيني عليها."
ابتسمت ليل ابتسامة رضا صادقة، وهي ترى السلام يعود لعائلتها أخيراً.
"أيوه يا عمي لسة جافلة معاها جبل العشا، الحمد لله ربنا هداها وهدى جوزها، مبسوطة ومرتاحة."
تهلل وجه وهدان بسعادة حقيقية.
"الحمد لله... الحمد لله، كدة اطمنت عليها."
على الجانب الآخر من الطاولة، كان سند يراقب وعد التي كانت تحاول أن تأكل بيد واحدة بينما تحتضن ابنها الصغير "عدي" باليد الأخرى. كان الصغير يتململ قليلاً مما يجعل مهمتها صعبة. مال سند نحوها وهمس بحنان.
"هاتيه عنك يا وعد عشان تعرفي تاكلي براحتك."
ابتسمت له وعد ابتسامة متعبة ولكنها مليئة بالحب.
"اخليه يا سند مش مانعني ولا حاچة اتعودت خلاص."
لكن نادية، والدة سند، التي كانت قد انتهت من طعامها، لم تقبل بذلك. نهضت من مكانها واتجهت نحوهما بحنان الجدة الفخورة.
"لاه هاته يا وعد أنا خلصت شعبت سيبيهولي بجا أشبع منه شوية."
أخذت نادية حفيدها بسعادة غامرة وبدأت تداعبه وتناغيه، بينما تفرغت وعد أخيراً لطعامها. نظر إليها سند بابتسامة دافئة، ومد يده تحت الطاولة ليمسك بيدها، في لفتة صامتة تقول لها "أنا هنا".
وسط كل هذا الدفء العائلي، شعر مالك بوخزة حادة من الغيرة والألم. رأى حب سند لوعد وسعادة جده باستقرار نغم، وشعر وكأنه هو الوحيد الذي يقف في قلب العاصفة. نظر إلى روح فرآها تنظر إلى سند ووعد بابتسامة حزينة. ابتسامة امرأة اهتزت مكانتها. في تلك اللحظة التقت أعينهما لثانية واحدة. لم تكن هناك كلمات، لكن عينيه قالت "سامحيني"، وعيناها ردت بوضوح "كيف؟". أشاحت بوجهها سريعاً وعادت إلى طبقها، تاركة مالك وحيداً مع إحساسه بالذنب، في وليمة من السعادة لم يكن له نصيب فيها.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم رانيا الخولي
كانت نغم تقف أمام المرآة الطويلة في غرفة النوم، تضع اللمسات الأخيرة على حجابها.
كانت تحاول بتركيز أن تضبطه بشكل مثالي، فاليوم يوم مهم ولا تريد أي شيء أن يشتت انتباهها.
كانت قد ارتدت ملابس بسيطة ومحتشمة لكنها كانت تشعر بأنها مختلفة، كأن هالة من السعادة تحيط بها.
في تلك اللحظة انفتح باب الحمام وخرج جاسر.
كان قد انتهى لتوه من حمامه ويرتدي فقط مئزار الحمام الداكن الذي كان بالكاد يغطي جسده الرياضي، وشعره مبلل قليلاً.
سار بهدوء وثقة وتوقف بجانبها تماماً أمام المرآة.
لم يقل شيئاً، فقط أخذ مشطاً من على منضدة الزينة، وبدأ يمرره في شعره بحركة بطيئة ومدروسة متظاهراً بالانهماك التام في تسريح شعره.
لكن نغم التي أصبحت تحفظ حركاته، شعرت بنظراته الجانبية تلتهمها من خلال انعكاس المرآة.
رفعت عينيها لتلتقي بعينيه في المرآة، فوجدته يبتسم لها تلك الابتسامة الجانبية الماكرة.
ثم وبحركة سريعة وخاطفة، غمز لها بعينه اليمنى.
لم تستطع نغم أن تمنع نفسها، انفجرت في ضحكة خافتة.
ضحكة صافية خرجت رغماً عنها، لقد كان هذا وجهاً جديداً تماماً لجاسر، وجهاً لم تكن لتتخيل وجوده.
جاسر القاسي الشامخ، يغمز لها بمرح كالمراهقين.
فهمت على الفور ما وراء نظرته، فتصنعت الجدية وقالت بنبرة تحمل تحذيراً مصطنعاً وهي لا تزال تنظر إلى انعكاسه في المرآة.
- لأ مش هيحصل.
ترك جاسر المشط ومال نحوها قليلاً متظاهراً بالحيرة والدهشة.
- مش هيحصل إيه؟
- اللي في دماغك ده، أنا خلاص لبست ومش هغير تاني.
قالتها وهي تحاول أن تبدو حازمة، لكن ابتسامة خفيفة كانت تهدد بالظهور على شفتيها.
اقترب منها أكثر ويداه الآن تستندان على منضدة الزينة على جانبيها، حاصراً إياها بينه وبين المرآة.
- وأنا إيه اللي في دماغي؟ أنا مش فاهم، حاولي تفهميني أكده، يمكن أكون تجيل في الفهم شوية.
كان صوته هامساً ومشاكساً وأنفاسه الدافئة تلفح عنقها مما جعلها تشعر بارتباك لذيذ.
أدركت أنها لو استمرت في هذه اللعبة ستخسر بالتأكيد.
فقررت أن تستخدم سلاحها الوحيد.
- جاسر لو اتأخرت على الامتحان، أو روحت وأنا مش مركزة هتبقى أنت السبب.
عندما سمع كلمة "الامتحان"، تغيرت ملامحه قليلاً.
تنهد تنهيدة طويلة تحمل يأساً مصطنعاً وابتعد عنها ببطء رافعاً يديه في حركة استسلام مسرحية.
- خلاص خلاص، الامتحان أهم، عادي تتعوض.
اتجه نحو خزانة الملابس ليختار ملابسه وهو يقول بصوت مسموع، وكأنه يكلم نفسه لكنه كان يقصدها هي.
- وأنا اللي كان قصدي شريف، كنت بس بتأكد إن الحجاب مظبوط ولا لأ.
لم تعد تستطع التحمل، فانفجرت في الضحك مرة أخرى.
التفت إليها وهو يخرج قميصاً، وعلى وجهه ابتسامة انتصار، لأنه نجح في إضحاكها مرة أخرى.
لقد اكتشفت فيه شخصية جديدة اليوم، شخصية مرحة تعرف كيف تداعبها وتجعلها تضحك من قلبها.
وأدركت أن كل يوم تقضيه معه، هو رحلة جديدة لاكتشاف رجل لم تكن تعرف بوجوده.
ارتدى ملابسه بسرعة، ثم وقف أمامها مرة أخرى وقد أصبح بكامل أناقته المعهودة، لكن عينيه لم تكن عليه بل كانت مثبتة عليها بالكامل.
- جاهزة؟
أومأت برأسها وهي تلتقط حقيبتها محاولة تجاهل النبض المتسارع في قلبها تحت وطأة نظرته.
- جاهزة.
سارا معاً نحو الباب، لكن قبل أن تلمس يدها المقبض تحرك هو ووقف أمامها مانعاً طريقها بجسده.
توقف فجأة واستدار نحوها.
تغيرت نظراته المرحة إلى شيء آخر تماماً، شيء أعمق وأكثر كثافة.
كانت نظرة رجل يقف على حافة الهاوية ويرى خلاصه أمامه.
- نغم.
نطق اسمها كأنه الكلمة الوحيدة التي يعرفها.
- نعم؟
لم يجب، فقط ظل ينظر إليها يتفحص كل تفصيل في وجهها، كأنه يحاول أن يحفر صورتها في ذاكرته، أن يختزنها في روحه لتكون وقوده لبقية اليوم.
ثم وكأنه لم يعد يحتمل، قال بصوتٍ أجش ومبحوح، صوت رجل يصارع نفسه.
- مش هقدر.
وقبل أن تفهم ما يعنيه، كان قد قطع المسافة بينهما.
لم تكن حركة سريعة أو عنيفة، كانت حركة رجل ينجذب إلى مغناطيسه الوحيد رغماً عنه.
وضع يده برفق خلف عنقها وأمال رأسها قليلاً، ثم انحنى وقبلها.
لم تكن قبلة مشاكسة أو مرحة، ولم تكن قبلة شهوة.
كانت قبلة ارتواء، قبلة رجل كان يتضور جوعاً وعطشاً، ووجد أخيراً مصدر الحياة.
كانت قبلة عميقة طويلة، وبطيئة تحمل كل حبه وشوقه وكل خوفه من فقدانها.
كانت قبلة رجل شعر بأنه لو تركها تذهب دون أن يذوق طعم شفتيها، فإن روحه ستظل ناقصة معلقة بين السماء والأرض.
كانت قبلة يختم بها على قلبه يؤكد لنفسه أنها حقيقية، أنها ملكه، أنها هنا.
ابتعد عنها ببطء شديد وأسند جبينه على جبينها وأنفاسهما تتلاحق وتختلط.
أغمض عينيه كأنه يستجمع شتات نفسه بعد تلك اللحظة التي فقد فيها السيطرة.
- آسف بس كان لازم.
أغمضت عينيها هي الأخرى وشعرت بقلبها يذوب تماماً.
لم تعد قادرة على الغضب منه، لم تعد قادرة على أي شيء سوى الاستسلام لهذا الشعور الجارف.
همست بصوتٍ بالكاد يُسمع، صوت امرأة استسلمت تماماً.
- إحنا كده هنتأخر على الطيارة وعلى الامتحان.
ابتسم ابتسامة تحمل كل الحب والرضا في العالم.
ابتعد قليلاً وقبلها قبلة خفيفة على وجنتها.
- متقلقيش، هوصلك في معاده بالظبط، بس المرة الجاية... مفيش امتحانات.
ثم أمسك بيدها وشابك أصابعه بأصابعها بقوة، كأنه يخشى أن تضيع منه في المسافة القصيرة إلى السيارة.
فتح الباب وخرجا معاً تاركين وراءهما غرفة مشبعة بالضحك والحب وبداية يوم جديد في رحلة اكتشافهما لبعضهما البعض.
***
كانت السيارة تشق طريقها بهدوء وسلاسة على الطريق السريع المؤدي إلى البلدة.
في الخارج كانت المناظر الطبيعية تتغير تدريجياً من صخب المدينة إلى هدوء الأراضي الزراعية.
أما في الداخل فكان هناك عالم آخر، عالم خاص بنغم وجاسر.
كانت نغم تحاول جاهدة أن تركز، الكتاب مفتوح وعيناها مثبتتان على السطور، لكن عقلها كان في مكان آخر تماماً.
كانت الكلمات تتراقص أمامها بلا معنى والحروف تفقد قدرتها على تشكيل جمل مفهومة.
كل ما كانت تفكر فيه هو الأيام القليلة الماضية، ذلك التحول الدراماتيكي في حياتها وفي شخصية الرجل الذي يجلس بجانبها الآن، ويقود السيارة بيد واحدة بمنتهى الثقة والهدوء.
تنهدت بيأس وأغلقت الكتاب بقوة أكبر من اللازم مما لفت انتباهه.
- مش فاهمة حاجة.
قالتها بصوت خافت يرتجف من الإحباط.
- كل اللي ذاكرته... حاسة إنه اتمسح من دماغي، أنا هدخل الامتحان أسقط.
بدأت الدموع تتجمع في عينيها، دموع القلق والعجز.
لم يلتفت إليها جاسر على الفور، بل ظل ينظر إلى الطريق أمامه، لكن يده الأخرى تركت عجلة القيادة لتجد يدها وتضغط عليها برفق وقوة في آن واحد.
- بصيلي.
قالها بنبرة هادئة وحاسمة، نبرة لا تحتمل الشك.
رفعت نغم عينيها المبللتين نحوه.
ابتسم لها ابتسامة جانبية واثقة، تلك الابتسامة التي كانت تملك قدرة غريبة على إعادة ضبط عالمها.
- مفيش حاجة اسمها هتسقطي، أنتِ تعبتي وذاكرتي، والمعلومات دي كلها موجودة جوه دماغك بس القلق عامل عليها غيامة، أول ما هتمسكي ورقة الأسئلة، كل حاجة هتفتكريها، أنا واثق فيكي.
لم تكن كلماته مجرد تشجيع عابر، بل كانت كإصدار حكم نهائي.
لقد أصدر قراره بأنها ستنجح، وبطريقته جعلها تصدق ذلك.
شعرت بموجة من الطمأنينة تسري في جسدها تمحو القلق الذي كان يسيطر عليها، هذا هو تأثيره، تأثير قوته التي أصبحت الآن مصدر أمانها.
سحبت يدها بهدوء ومسحت دموعها، لكنها لم تبعد عينيها عنه.
ظلت تتأمل ملامحه الجانبية، خط فكه الحاد، الطريقة التي تتركز بها عيناه على الطريق، وذلك الشموخ الذي لم يفارقه حتى وهو يطمئنها.
لاحظ نظراتها الطويلة فألقى عليها نظرة خاطفة قبل أن يعود للنظر إلى الطريق.
- بتبصيلي كده ليه؟
تنهدت نغم تنهيدة طويلة، كأنها تخرج معها كل حيرتها ودهشتها.
- مش مصدقة.
- مش مصدقة إيه؟
- مش مصدقة إنك أنت هو جاسر، جاسر اللي خطفني وعذبني، اللي كان كل همه يكسرني، مش متخيلة إننا هنا دلوقتي مع بعض، وكأن كل الظروف اللي حوالينا دي مش موجودة وحبينا بعض عادي.
صمت جاسر للحظات وكأنه يسترجع شريط حياته هو الآخر.
تغيرت ملامحه قليلاً، وأصبحت أكثر عمقاً.
- وأنا كمان متخيلتش حاجة زي دي.
قال بصوت هادئ يحمل صدقاً نادراً.
- أنا اتربيت على إن الحب ضعف، وإن الحنية قلة حيلة، اتربيت على إن القوة هي كل حاجة، وإن تارنا هو اللي بيحدد قيمتنا.
كنت ماشي في طريق كله سواد وكنت فاكر إن ده هو النور.
أدار رأسه ونظر في عينيها مباشرة للحظة، نظرة اخترقت روحها.
- لحد ما ظهرتي أنتِ، أنتِ الوحيدة اللي قدرتِ تروضِي الشر اللي كان جوايا، الشر اللي اتربيت عليه، بعنادك، بقوتك، وحتى بدموعك، كنتِ بتخبطي في الجدار اللي أنا بانيه حوالين قلبي، لحد ما هديتيه، أنتِ مسحتي كل السواد ده من حياتي، وخليتيني أشوف الدنيا بشكل مختلف.
عجزت نغم عن الكلام، كانت كلماته اعترافاً كاملاً، شهادة ميلاد جديدة له كان الفضل فيها لها.
- أنا حبيتك يا نغم، مش "حبيتك عادي"، أنا حبيتك كأني كنت غرقان ولجيت طوق النجاة الوحيد بتاعي، عشان كده مستحيل أسيبك تاني.
أعاد يده ليمسك بيدها مرة أخرى، وشبك أصابعه بأصابعها بقوة.
في تلك اللحظة، على ذلك الطريق السريع، لم يكونا مجرد رجل وامرأة، بل كانا عالمين اصطدما، وبدلاً من أن يدمروا بعضهما البعض، اندمجا ليخلقا عالماً جديداً خاصاً بهما وحدها، عالماً لا مكان فيه للماضي بل للمستقبل الذي سيبنيانه معاً.
***
كان أكمل يقف في صالة الشقة كامل الأناقة في بدلته، لكن هدوءه الخارجي كان يخفي قلقاً ونفاد صبر.
كان يلقي نظرة على ساعة يده كل عشر ثواني ثم ينظر نحو باب غرفة النوم المغلق.
لقد تأخر عن عمله، لكن الأهم من ذلك أنه لا يريد لصبر أن تتأخر عن امتحانها.
أخيراً انفتح الباب ببطء.
خرجت صبر ترتدي ملابس بسيطة ومريحة ويبدو على وجهها الإرهاق الممزوج بالإصرار.
كانت والدته تسندها بذراعها، وتساعدها على المشي بخطوات بطيئة وحذرة.
ما إن رآهما حتى أطلق زفيراً طويلاً وارتسمت على وجهه ابتسامة ارتياح.
- أخيراً، أنا قلت هتطلعوا على صلاة الضهر.
نظرت إليه نسرين نظرة عتاب أمومية، وهي تواصل السير بصبر نحو باب الشقة.
- ما أنا قولتلك من الصبح روح شغلك وأنا وباباك كنا هنوصله ونجيبه، مكنش له لازمة تعطل نفسك.
اقترب أكمل منهما وتناول يد صبر الأخرى برفق كأنهما يسلمان مهمة ثمينة.
- لأ، أنا اللي عايز أوديها بنفسي.
قالها بنبرة حاسمة لا تقبل الجدال، لكن عينيه كانتا تنظران إلى صبر بحنان فضح كل قلقه.
وقفت نسرين أمامهما عند الباب وتحولت فجأة من الأم الحنون إلى الطبيبة الصارمة التي تعطي تعليماتها.
- اسمعني كويس يا أكمل، أولاً، هتسوق براحة، مش عايزة مطبات ولا فرامل مفاجئة.
ثانياً، مش هتجهدها بالكلام الكتير، سيبها تراجع في دماغها بهدوء.
ثالثاً، أول ما توصل هتنزل معاها لحد باب اللجنة، مش هتسيبها لوحدها، مفهوم؟
أومأ أكمل برأسه كالتلميذ المطيع وهو يبتسم لوالدته التي أصبحت حامية حمى زوجته وحفيدها.
- مفهوم يا دكتورة نسرين، أي أوامر تانية؟
- أيوه، خلي بالك منها.
قالتها بنبرة عادت فيها حنية الأم، ثم انحنت وقبلت جبين صبر.
- ربنا معاكي يا بنتي.
أخذ أكمل صبر ونزل بها إلى السيارة.
فتح لها الباب وانتظر حتى جلست بشكل مريح ثم أغلقه برفق ودار ليجلس في مقعده.
بمجرد أن انطلقت السيارة، ساد صمت مريح التزاماً بتعليمات والدته، لكن أكمل لم يستطع، كان يختلس النظر إليها كل بضع ثوانٍ.
كانت تبدو شاحبة، لكن في عينيها بريق قوة لم يره من قبل.
مد يده وأمسك بيدها التي كانت تستقر على ساقيها.
- خايفة؟
سألها بصوت هامس.
هزت رأسها بنفي وابتسمت له.
- مش وأنت معايا.
ضغط على يدها برفق وشعر بقلبه يمتلئ بحب لم يكن ليتخيل أنه قادر عليه.
- أنا فخور بيكي أوي يا صبر، فخور بقوتك وإصرارك.
تورد خداها من كلماته وشعرت بدفء يسري في جسدها.
- الفضل ليك، أنت اللي اديتني القوة دي.
عندما وصلا إلى الجامعة، لم يكتفِ بإنزالها عند البوابة.
أوقف السيارة ونزل معها وسار بجانبها، ذراعه حول خصرها يسندها، غير مهتم بنظرات الطلاب الفضولية.
كان يمشي ببطء يتناسب مع خطواتها، كأنه حارسها الشخصي.
ظهرت ليان وهي تقول بمرح.
- فعلاً من لقى أحبابه.
ابتسم أكمل لها بامتنان.
- لأ، إزاي؟ أنا اللي بسلمها ليكي أهه، بس دي أمانة.
- ماشي يا سيدي، واحنا قدها.
أخذت يد صبر وقالت.
- أنا معاها، متقلقش.
أومأ أكمل بثقة.
- عارف وواثق.
نظر لصبر وقال.
- أول ما تخلصي رني عليا آجي أروحك.
انحنى وقبل جبينها قبلة طويلة دافئة تحمل كل دعواته وأمنياته لها.
- بالتوفيق يا قلبي.
دخلت صبر إلى القاعة وشعرت بأنها ليست وحدها.
شعرت بقوته تحيط بها، وبحبه يمنحها الأمان.
***
كان المكتب الفخم غارقاً في دخان السيجار الكوبي باهظ الثمن.
جلس "هاشم عزامي"، رجل في أواخر الخمسينيات من عمره يرتدي بدلة أنيقة تفوح منها رائحة الثروة والنفوذ.
وجهه هادئ لكن عينيه تحملان برودة قادرة على تجميد الجحيم.
يجلس صخر التهامي امامه، لكنه على غير عادته لم يكن في موضع القوة.
كان يبدو متوتراً وعيناه تتحركان بقلق أمامه على المقعد الوثير.
ضرب هاشم بكف يده على المكتب ضربة خفيفة لكنها كانت كصوت طلقة في سكون المكتب.
- إزاي الأرض دي مش عارف تخلصها لحد دلوقتي؟!
قالها بانفعال بارد ومحسوب، انفعال رجل لا يطيق الانتظار.
- أنا صبري نفد يا صخر، بقالنا سنين بنخطط للموضوع ده.
حاول صخر الحفاظ على رباطة جأشه أمام هذا الرجل.
- يا هشام بيه، الأمور اتعقدت.
أنا عملت كل اللي عليا، عيلة الرفاعي خلاص اتنازلوا عن حقهم في الأرض بعد اللي حصل ومبقاش ليهم صوت.
نظر إليه هاشم بسخرية وأطلق نفخة من دخان سيجاره.
- ومين اللي له صوت دلوقتي؟
قال صخر بتوتر واضح.
- جاسر... ابن أخويا هو اللي متحكم في كل حاجة، الأرض باسمه بعقد عرفي من أبويا وهو اللي رافض يبيعها.
بيقول إنها أرض وضع يد من أيام جدي، وإن كرامة العيلة متسمحش إنها تتباع.
انفجر هاشم ضاحكاً، ضحكة عالية لم تكن تحمل أي مرح، بل كانت تحمل استهزاءً عميقاً.
- كرامة العيلة؟
قالها وهو يميل بجسده إلى الأمام، وعيناه مثبتتان على صخر كعيني صقر يوشك أن ينقض على فريسته.
- أنت لسه بتتكلم عن الكرامة يا صخر؟ الكرامة دي أنا اللي دفنتها لك بإيدي يوم ما حطيت في دماغك فكرة الثأر.
تجمد الدم في عروق صخر، نظر إلى هاشم بعدم تصديق.
- قصدك إيه؟
نهض هاشم من مكانه وبدأ يسير ببطء في أرجاء المكتب.
وقف أمام صخر مباشرة وانحنى عليه وصوته أصبح كالهمس السام.
- أنا اللي كملت الثأر ده كله بعد ما اتوقف... عشان في الآخر نخلص من عمك وبعدها أخوك وتضعفوا وتيجي أنت في الآخر تقدملي نص الأرض التاني على طبق من دهب.
النص ده لوحده مبقاش جايب همه وخلاص مهمته انتهت.
كل اللي يهمني انك تسلمني الجزء التاني بتاع الرفاعية.
كانت كل كلمة سكيناً يغوص في كبرياء صخر ويدمره.
لكنه مجبر على تحمله لأجل المكاسب التي وعده بها ذلك الرجل.
- ودلوقتي...
أكمل هاشم وهو يعود إلى مقعده ببرود.
- ابن أخوك هو اللي واقف في طريقي، بس ده مش هيدوم كتير.
زي ما عرفت أزرع الثأر، هعرف أزرع الرصاصة اللي هتخلصني منه.
نظر إلى صخر وتابع.
- قدامك حل من اتنين يا صخر، يا تقنعه يبيع الأرض دي خلال أسبوع باسمي عشان اعرف اتصرف فيها، يا إما هعتبرك أنت كمان عقبة في طريقي.
وأنت عارف كويس أنا بعمل إيه في العقبات اللي بتقف قدامي.
أطفأ هاشم سيجاره في المنفضة الكريستالية بحركة عنيفة ونهائية.
ثم نهض ونفض سترته وغادر المكتب تاركاً صخر وحيداً، يفكر في تهديد هاشم.
***
كانت آخر دقيقة في وقت الامتحان هي الأطول في حياة نغم.
ما إن أعلن المراقب عن انتهاء الوقت حتى سلمت ورقتها وشعرت بجبل من القلق قد أزيح عن صدرها.
خرجت من القاعة بخطوات سريعة وعيناها تبحثان عنه في لهفة بين جموع الطلاب.
ورأته.
كان واقفاً مستنداً إلى سيارته مكتوف الذراعين يرتدي نظارته الشمسية التي تخفي عينيه لكنها لا تخفي هيبته الطاغية.
كان كجزيرة من الهدوء والقوة في خضم فوضى الطلاب الصاخبة.
ما إن رآها تقترب حتى اعتدل في وقفته، وخلع نظارته وارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الواثقة والجميلة التي أصبحت تذيب كل دفاعاتها.
سارعت بخطواتها نحوه وبمجرد أن أصبحت أمامه لم تنتظر منه أن يسأل.
- حليت كويس أوي.
قالتها بفرحة طفولية وعيناها تلمعان.
فتح لها باب السيارة كالأمراء.
- كنت عارف.
قالها ببساطة وثقة كأنه لم يشك في ذلك للحظة.
ركبت السيارة وركب هو بجانبها.
قبل أن يدير المحرك التفت إليها ورفع يده ليمسح خصلة شعر صغيرة تمردت على حجابها.
- مبروك مقدماً.
قالها بمشاكسة ثم انحنى وقبل جبينها قبلة سريعة لكنها كانت عميقة الأثر.
- دلوقتي نستاهل نحتفل.
أدار المحرك وبينما كان يستعد للانطلاق وقبل أن تسأله حتى عن طبيعة هذا الاحتفال، حدث ما لم يكن في الحسبان.
طرقات حادة ومفاجئة على زجاج نافذة السيارة بجانبها جعلتها تنتفض في مكانها.
التفتت بفزع لتجد مالك واقفاً هناك.
تجمدت نغم في مكانها واتسعت عيناها بصدمة.
مالك؟ هنا؟ كيف؟ ولماذا ينظر بهذه الطريقة؟
نظرت إلى جاسر باستفهام فوجدته هادئاً بشكل مقلق وكأنه كان يتوقع حدوث ذلك.
أنزل جاسر زجاج النافذة.
- خلصت؟
سأل مالك جاسر مباشرة متجاهلاً وجود نغم تماماً بشكل أقلقها.
أومأ جاسر برأسه.
التفت جاسر إلى نغم وتغيرت نبرته إلى الحنان الهادئ، لكن عينيه كانتا تحملان جدية لا تخطئها عين.
- نغم... انزلي وروحي مع مالك.
كانت كلماته كالصاعقة.
- إيه؟! أروح معاه فين؟ وليه؟
قالتها بصوت بدأ يرتجف من الخوف، كل سيناريوهات الرعب التي عاشتها بدأت تعود إلى ذهنها.
أمسك جاسر بيدها وضغط عليها بقوة مطمئنة.
- اسمعيني، كل حاجة هتبقى زينة بس لازم تروحي معاه دلوقتي.
- مش فاهمة حاجة! أنت هتوديني فين يا جاسر؟
بدأت نبرتها تعلو والهلع يتسلل إليها.
- لما تروحي هتعرفي.
قالها بهدوء حاسم ثم نظر في عينيها مباشرة.
- ثقي فيا.
كانت كلمة "ثقي فيا" هي نقطة ضعفها أمامه.
رغم أن قلبها كان ينبض بعنف من الرعب ورغم أن عقلها كان يصرخ بها ألا تفعل، إلا أن نظرة عينيه الصادقة جعلتها تتجمد.
أومأت برأسها ببطء وهي لا تزال في حالة صدمة.
فتحت باب السيارة، ونزلت منها وساقاها تكادان لا تحملانها.
نظر إليها مالك بجدية وفتح لها باب سيارته.
- اركبي يا نغم.
ركبت نغم وشعرت بأنها تدخل إلى المجهول مرة أخرى.
حاولت أن تسأل مالك الذي جلس في مقعد السائق.
- مالك فيه إيه؟ جاسر كويس؟
أدار مالك المحرك دون أن ينظر إليها.
- كل حاجة هتبقى تمام، اهدى بس.
انطلقت سيارة مالك ونظرت نغم من النافذة الخلفية لترى جاسر لا يزال واقفاً يراقبها وهي تبتعد، ثم ركب سيارته وانطلق في اتجاه معاكس.
شعرت بقلبها ينقبض، لقد طمأنها لكن كل شيء في هذا الموقف كان يصرخ بالخطر.
***
كانت الرحلة من الجامعة إلى السرايا هي الأطول والأكثر صمتاً في حياة نغم.
كل سؤال كانت تطرحه على مالك كان يُقابل بجواب غامض ومقتضب: "لما نوصل هتعرفي كل حاجة".
كان قلبها يخفق بعنف، مزيجاً من الخوف على جاسر والقلق من هذا المجهول الذي تساق إليه.
عندما انحرفت سيارة مالك لتدخل الطريق المؤدي إلى بوابة السرايا، اتسعت عينا نغم بصدمة.
لم تكن هذه السرايا الهادئة التي تركتها، كانت البوابة الضخمة مزينة بأفرع الزينة وأضواء صغيرة تلمع حتى في وضح النهار.
وفي الداخل كانت حديقة السرايا تعج بالحركة ورايات ملونة ترفرف في الهواء.
توقفت السيارة ونظرت نغم إلى مالك بعينين تملؤهما الحيرة والرعب.
- مالك... إيه كل ده؟ فيه إيه هنا؟
لم يجبها، اكتفى بابتسامة خفيفة وغامضة ثم قال.
- انزلي وهتعرفي.
نزلت من السيارة وساقاها تكادان لا تحملانها.
كل خطوة كانت تخطوها نحو باب السرايا كانت تزيد من ارتباكها.
كانت تسمع أصوات نساء وضوضاء فرح قادمة من الداخل، وهو ما زاد من حيرتها، هل يعقل أن يكون هناك فرح في السرايا وهي لا تعلم؟
وقفت عند عتبة الباب مترددة في الدخول.
وضع مالك يده على ذراعها برفق ودفعها إلى الداخل.
وما إن خطت بقدمها الأولى داخل بهو السرايا الواسع حتى انطلقت زغرودة حادة وقوية، تبعتها زغرودة أخرى ثم أخرى، حتى تحول المكان إلى عرس من الأصوات الفرحة التي اخترقت أذنيها وقلبها.
رفعت عينيها المصدومتين لتجد المشهد الذي لم تكن لتتخيله في أجرأ أحلامها.
كانت أمها تقف في المنتصف، ودموع الفرح تترقرق في عينيها.
وبجانبها وقفت زوجات عمها، وروح ووعد وكل نساء العائلة، يرتدين ملابس زاهية ووجوههن تفيض بالسعادة والترحاب.
تجمدت نغم في مكانها عاجزة عن الحركة أو الكلام.
كانت تنتقل بنظرها بين وجوههن المبتسمة والزينة التي تملأ المكان.
ثم التفتت إلى مالك الذي كان يقف خلفها، وكأنها تسأله بعينيها: "ماذا يحدث؟".
ابتسم مالك ابتسامة عريضة ورفع يديه في حركة استسلام مسرحية.
- مهمتي انتهت لحد هنا، الباقي عندهم هما يفهموكي.
لم تكد كلماته تنتهي حتى انطلقت روح نحوها.
ورغم الألم الذي كانت تخفيه في أعماقها، إلا أن فرحتها الصادقة لأختها كانت هي الطاغية.
احتضنت نغم بقوة وهمست في أذنها بصوت يملؤه الفرح.
- مبروك يا نغم، مبروك يا حبيبتي، النهاردة حنتك.
"حنتك"
ترددت الكلمة في رأس نغم مرة واثنتين وثلاث.
لم تستوعبها في البداية، ثم ببطء بدأت الصورة تتضح.
الزينة والنساء والزغاريد وابتسامة جاسر الغامضة، ووجود مالك...
كل شيء اجتمع في لحظة واحدة ليصنع معنى واحداً.
لم تعد قادرة على النطق.
شعرت بساقيها تخونها وبفرحة عارمة، فرحة نقية وقوية تجتاح كيانها وتغسل كل الخوف والقلق الذي شعرت به.
لم تجد ما تفعله سوى أن تترك نفسها، وتندفع نحو حضن أمها ترتمي فيه بكل ما أوتيت من قوة وتنفجر في بكاء، لكنه هذه المرة لم يكن بكاء القهر أو الحزن، بل كان بكاء الفرح الذي طال انتظاره، بكاء العروس التي عادت أخيراً إلى أهلها لتُزف إلى حبيبها كما ينبغي.
***
كانت الأجواء في جناح صخر التهامي مشحونة بالكهرباء.
سقط الخبر عليهم كالصاعقة، ليس من جاسر مباشرة، بل من الخدم الذين كانوا يتناقلون همساً أوامر التحضير لحفل كبير.
ومن ثم تأكد الأمر عندما رأوا الزينة تملأ السرايا.
وقفت شروق في منتصف الغرفة، وجهها مخطوف اللون، وعيناها تقدحان شرراً.
كانت ترتجف من الغصة والغضب وكأنها على وشك الانفجار.
والدتها، امرأة تشبهها في الكبرياء والغطرسة كانت تسير ذهاباً وإياباً تفرك يديها بعصبية.
أما صخر فكان يجلس على مقعد ضخم وجهه متجهم كصخرة صوان وصمته أشد خطراً من أي صراخ.
صرخت شروق بصوت حاد كسر الصمت الثقيل.
- يعني إيه؟! يعني إيه هيعملها فرح؟!
نظرت إلى والدها بنظرات اتهام وكأنها تحمله المسؤولية كاملة.
- أنت ساكت ليه؟! هتسيبه يعمل فيا كده؟! هتخليه يفضحني في البلد كلها؟!
تقدمت منه ودموع الغيظ والحقد تلمع في عينيها.
- الناس هتقول إيه؟! هيقولوا جاسر التهامي ابن عمها، رماها واتجوز عليها بنت الرفاعية بنت أعدائنا! أنا بقيت ملطشة، كرامتي اتمسحت في الأرض.
ضرب صخر بقبضته على ذراع المقعد بقوة مما جعل والدتها وابنته تنتفضان.
نهض واقفاً وتحرك نحو النافذة التي تطل على الحديقة حيث بدأت مظاهر الفرح تتضح أكثر.
- الواد ده زودها أوي، زودها ونسي نفسه ونسي إنه بيتحدى مين.
التفتت إليه زوجته وقالت بنبرة سامة.
- وأنت اللي سايبله الحبل على الغارب من الأول، من يوم ما جاب البنت دي هنا وأنا بقولك ارميها بره، بس أنت كنت مبسوط بيها عشان تكسر بيها الرفاعية.
أهي دلوقتي كسرت بنتك أنت!
لم يرد صخر على زوجته، بل ظل ينظر إلى الخارج وعيناه تضيقان حتى أصبحتا مجرد شقين يلمعان بالحقد.
- كان فاكر إني لما سكتتله يبجى خلاص هيعمل اللي هو رايده، كان فاكر إن الموضوع خلص.
عادت شروق لتقول بصوت باكي يملؤه التوعد.
- لازم توقف الجوازة دي، لازم تمنع الفضيحة دي بأي شكل، روحله هدده، اكسره، خليه يعرف هو بيلعب مع مين، أنا مستحيل أقبل بالمهانة دي، مستحيل أخليها تتهنى بيه يوم واحد!
استدار صخر ببطء وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة ومخيفة، ابتسامة لا تبشر بأي خير.
- محدش قال إنها هتتهنى ومحدش قال إني هسكت، هو فتح النار على نفسه.
نظر إلى ابنته التي توقفت عن البكاء وتطلعت إليه بأمل، ثم إلى زوجته.
- جاسر فتح على نفسه باب جهنم بإيده، هو اللي اختار، كان فاكر إنه كبر وبجى يقدر يقف في وشي، بس أنا هعرفه مقامه زين.
هعرفه إن صخر التهامي لسه ممتش.
سار نحو باب الجناح بخطوات ثقيلة ومدروسة، خطوات رجل اتخذ قراره.
خرج صخر وأغلق الباب خلفه تاركاً شروق وأمها تنظران إلى بعضهما البعض بابتسامة خبيثة.
لقد أشعل الأب فتيل الحرب وهما ستستمتعان بمشاهدة كل شيء يحترق، طالما أن النار ستبدأ من فستان فرح نغم.
***
صعدت نغم الدرج إلى غرفتها القديمة، وقلبها يرقص على إيقاع الزغاريد التي لم تهدأ في الأسفل.
كانت روح تسندها من ذراع ووعد من الذراع الأخرى وكأنهما حارستان شخصيتان تقودان أميرة إلى مملكتها.
ما إن فتحت روح باب الغرفة حتى شهقت نغم شهقة طويلة، ووضعت يدها على فمها من فرط الدهشة.
لم تكن هذه غرفتها التي تركتها، لقد تحولت.
كانت مزينة بالورود البيضاء والشموع، وفي منتصف الغرفة على تمثال عرض أنيق كان يقف "هو".
فستان يخطف الأنفاس.
كان فستاناً للحنة لكنه بجمال فساتين الزفاف، لونه "أوف وايت" هادئ وراقي، مصنوع من قماش فاخر ينسدل بنعومة ومطرز بخيوط ذهبية لامعة ولآلئ صغيرة تتلألأ تحت أضواء الغرفة.
كان تصميمه يجمع بين الأصالة والعصرية، قصة ملكية تليق بأميرة.
تقدمت نغم نحوه بخطوات بطيئة، كأنها مسحورة.
لم تكن تصدق عينيها، مدت يدها المرتجفة لتلمس القماش الناعم.
- الله...
همست بصوت خافت، يملؤه الانبهار.
- ده... ده عشاني أنا؟
ابتسمت روح بسعادة.
- عشان مين يعني يا عروسة؟
التفتت نغم إليهما وعيناها تلمعان بدموع الفرح.
- بس... إزاي عرفتوا إني بحب اللون ده أوي؟
ضحكت وعد بمرح وهي تقترب منها.
- دي أسئلة تسأليها لجوزك بعدين، الظاهر إنه مش سايب حاجة للصدفة.
ثم غمزت لها وأضافت.
- ده فستان الحنة بس، أومال لو شفتي فستان الفرح هتعملي إيه؟
اتسعت عينا نغم بلهفة طفولية.
- بجد؟ هو هنا؟ عايزة أشوفه أرجوكي يا روح خليني أشوفه.
هزت روح رأسها بنفي مصطنع وهي تبتسم.
- ممنوع، ودي أوامر عليا.
قلدت نبرة عسكرية وهي تضيف.
- الأستاذ جاسر بيه بنفسه موصي محدش يشوفه وأنتِ بالذات متشوفيهوش غير في وقته بالظبط، قال مش عايز الانبهار يكون مرة واحدة.
عبست نغم شفتيها بتذمر لطيف مما جعل روح ووعد تضحكان.
- يا سلام على العروسة اللي بتسمع الكلام.
قالت وعد وهي تحتضنها.
- يلا عشان نجهزك، الكوافيرة زمانها على وصول.
وبالفعل لم تكد وعد تنهي جملتها، حتى طُرق الباب ودخلت سيدة أنيقة تحمل حقائبها ومعداتها، تبعتها مساعدتان لها.
كانت الكوافيرة التي ستحول نغم إلى أيقونة من الجمال في ليلتها.
جلست نغم على الكرسي المخصص أمام مرآة كبيرة مضاءة وشعرت بأنها تعيش حلماً.
كل لمسة من يد الكوافيرة، كل ضحكة من روح، كل تعليق مرح من وعد، كان يغمر قلبها بسعادة صافية ونقية.
نظرت إلى انعكاسها في المرآة ورأت فتاة لم تكن تعرفها، لم تكن نغم المكسورة، ولا نغم الخائفة، ولا حتى نغم العنيدة.
كانت نغم العروس، فتاة على وشك أن تبدأ حياة جديدة، محاطة بالحب من كل جانب.
ولأول مرة منذ وقت طويل استسلمت لهذه السعادة بالكامل وتركت نفسها للحلم الجميل الذي أصبح حقيقة.
***
لم يدخل جاسر السرايا كضيف أو كابن أخ عائد، بل دخلها كسيّد للموقف.
كانت خطواته ثابتة وواثقة وهو يشق طريقه عبر البهو الذي يعج بالاستعدادات، متجاهلاً النظرات المترددة من الخدم والهمسات التي تتبعه.
كان هدفه واحداً: مكتب عمه.
لم ينتظر أن يُستدعى، فتح الباب دون طرق ودخل ليجد صخر واقفاً في انتظاره، كوحش كاسر محبوس في قفص.
كان وجه صخر أحمر من الغضب المكتوم وعيناه تقدحان شرراً.
ما إن رأى جاسر حتى أشار له صخر برأسه نحو الباب وأغلقه خلفه جاسر بقوة.
سار جاسر ببرود وجلس على المقعد المقابل لمكتب عمه ووضع ساقاً فوق الأخرى في حركة تدل على استرخاء تام، وهو ما زاد من غضب صخر.
- أهلاً يا عمي، خير.
وقف صخر أمامه، شامخاً كالجبل، لكنه جبل يوشك على الانفجار.
- أنت اتجننت؟!
صرخ بها صخر ولم يعد قادراً على كبت غضبه.
- كيف تعمل كده من ورايا؟! إزاي تجهز لفرح وتجيب بنت الرفاعي هنا تاني، وتكسر بنتي قدام البلد كلها؟!
لم يهتز جاسر، ظل على هدوئه المستفز، ورفع عينيه ببطء ليواجه عاصفة غضب عمه.
- أنا معملتش حاجة غلط، أنا بعلن جوازي على مراتي قدام الناس كلها، ده حقي، وحقها.
- مراتك؟!
قالها صخر باستهزاء.
- مراتك اللي جبتها عشان تكسر بيها أعدائك؟! ولا نسيت؟!
اعتدل جاسر في جلسته واختفت ابتسامته الباردة وحل محلها جدية قاطعة كحد السيف.
- لأ منسيتش، ومنسيتش كمان إنك أنت اللي أجبرتني أتجوز بنتك عشان تضمن صفقة أرض، وأنت خابر زين إن قلبي وعقلي مع واحدة تانية.
أنت اللي حطيت بنتك في الموقف ده مش أنا.
تراجع صخر خطوة للوراء مذهولاً من جرأة جاسر ووقاحته في مواجهته.
لم يعتد أن يرد عليه أحد بهذه الطريقة.
- أنت بترمي غلطك عليا يا ولد؟!
نهض جاسر واقفاً وأصبح الآن يواجه عمه وجهاً لوجه، الند بالند، القوة بالقوة.
ولأول مرة شعر صخر أن الشاب الذي يقف أمامه لم يعد ابن أخيه الذي رباه، بل أصبح رجلاً آخر، رجلاً لا يعرف الخوف.
- أنا مش برمي حاجة على حد، أنا بقول الحقيقة اللي أنت بتهرب منها.
قصة جوازي من شروق كانت صفقة وأنت خابر ده زين.
لكن نغم مراتي وحبيبتي وأم لأولادي إن شاء الله.
والبلد كلها لازم تعرف ده.
لازم يعرفوا إنها ست البيت ده، وملكة السرايا دي.
صمت صخر وهو ينظر إلى جاسر الذي تحول إلى نسخة أكثر قوة وشراسة منه.
أدرك في تلك اللحظة أنه فقد السيطرة.
جبروته الذي كان يخضع له الجميع، لم يعد قادراً على إخضاع هذا الشاب الذي صنعته يداه.
- اللي عملته ده مش هيعدي على خير يا جاسر.
قالها صخر بصوت يشبه فحيح الأفعى، صوت يحمل تهديداً مبطناً.
ابتسم جاسر ابتسامة جانبية، ابتسامة رجل لا يخشى التهديدات.
- أنا مبقاش يهمني يعدي على خير ولا لأ.
اللي يهمني مراتي، وأي حد هيفكر بس مجرد تفكير إنه يجرب منها أو يأذيها... هنسفه من على وش الأرض، حتى لو كان أقرب الناس ليا.
كانت الكلمات الأخيرة بمثابة إعلان حرب صريح.
لم يقل جاسر شيئاً آخر.
استدار بهدوء وسار نحو الباب وفتحه، ثم خرج تاركاً صخر واقفاً في مكانه، يرتجف من الغضب والعجز.
نظر صخر إلى الباب المغلق، وشعر لأول مرة في حياته بالهزيمة.
لقد خسر المعركة، لكن الحرب... الحرب لم تنته بعد.
وتوعد في نفسه أن جاسر سيدفع ثمن هذا التحدي غالياً، غالياً جداً.
***
خرجت نغم من الحمام ورائحة العطور المنعشة تفوح منها.
كانت ترتدي روباً حريرياً ناعماً، وعلى وجهها ابتسامة هادئة وسعيدة.
لم تتفاجئ بالمشهد أمامها بل استقبلته بقلبٍ ممتلئ بالترقب.
كانت غرفتها قد تحولت إلى جناح ملكي للعروس.
روح ووعد تضعان اللمسات الأخيرة على فستان الحنة المعلق في منتصف الغرفة، يبدو كأنه حلم تم نسجه من ضوء القمر.
والدتها ليل كانت تقف بجانبهما وعيناها تلمعان بدموع الفرح وهي تلمس قماش الفستان برقة.
وفي زاوية أخرى كانت خبيرة التجميل الشهيرة التي طلبها جاسر بالاسم تضع أدواتها بترتيب دقيق استعداداً لبدء عملها.
اقتربت روح منها بفرح وهي تقول.
- يلا يا عروسة، مفيش وقت.
احتضنتها وعد بحب.
- مستعدة لأحلى ليلة في عمرك؟
أومأت نغم برأسها وعيناها معلقتان على الفستان.
همست بصوتٍ يملؤه الامتنان.
- أجمل مما تخيلت.
تقدمت منها خبيرة التجميل بابتسامة إعجاب صادقة.
- ما شاء الله، العروسة مش محتاجة أي مجهود، جمالك طبيعي ومريح للعين، أنا هحط لمسات خفيفة خالص تبرز جمالك مش أكتر.
جلست نغم على الكرسي أمام المرآة، وسلمت نفسها للأجواء السعيدة.
وبدأت خبيرة التجميل عملها، ثم سألت باحترافية.
- هنلبس حجاب مع الفستان ولا لأ؟ عشان أعمل حسابي في تسريحة الشعر.
هنا ردت وعد بسرعة وحماس.
- لأ مش لازم، الحفلة هتكون مختصرة علينا بس، مفيش رجالة هتدخل القاعة بتاعتنا.
لكن نغم عبست قليلاً بقلق وقالت بهدوء.
- لأ... خايفة جاسر يزعل لو عرف، أكيد مالك وسند هيدخلوا يباركولي، وجدي كمان.
شعرت بالارتباك، هي تريد أن تشعر بالحرية في ليلتها، لكنها لا تريد أن تفعل شيئاً قد يزعج جاسر أو يسبب أي حرج.
وهنا تدخلت روح بحلها العملي كعادتها وهي تبتسم لتهدئتها.
- بسيطة، هي هتعملك تسريحة حلوة وهنحط طرحة خفيفة جنبك، لو أي حد من الرجالة دخل، هترميها على شعرك بسرعة وخلاص.
إ كده نبقى رضينا كل الأطراف.
ارتاحت ملامح نغم، وأومأت برأسها موافقة.
لقد كانت فكرة مثالية.
نظرت إلى انعكاسها في المرآة، ورأت خلفها وجوه أختيها وأمها المبتسمة.
شعرت بدفء يغمر قلبها.
لقد كانت هذه هي اللحظة التي حلمت بها دائماً: أن تكون محاطة بأحبائها في يومها المميز.
صحيح أن الطريق إلى هذه اللحظة كان مليئاً بالألم والدموع، لكنها الآن هنا على وشك أن تعيش حلمها، مع الرجل الذي تحبه وبطريقة لم تكن لتتخيلها أبداً.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الأربعون 40 - بقلم رانيا الخولي
كانت العودة من الجامعة أشبه بعبور صحراء قاحلة. كل متر كانت تقطعه السيارة كان يزيد من الإرهاق الذي بدأ ينهش جسد صبر. كانت تحاول جاهدة أن تخفي ألمها خلف ابتسامة باهتة، لكن أكمل بعينيه الصقريتين اللتين اعتادتا قراءة أدق التفاصيل كان يرى كل شيء. كان يرى شحوب وجهها، والارتعاشة الخفيفة في يديها، والطريقة التي كانت تضغط بها على أسنانها لتكبت أنيناً.
ما إن وصلا إلى الشقة وساعدها على الاستلقاء في الفراش حتى انهار جدار صمودها الهش. بدأ جسدها يرتجف، وشعرت بدوار شديد بينما كان الألم في ظهرها يطعنها كآلاف الإبر.
"صبر انتِ شكلك تعبانة أوي."
حاولت صبر طمئنته.
"كل ده ألم عادي من ال.... اه."
صدرت منها آهة مؤلمة. آلمته هو أكثر. تحرك لينادي والدته، لكنه تذكر أنها بالمشفى. تحرك بسرعة واتصل بوالدته.
"أيوة يا أمي.. صبر... صبر تعبت تاني."
قالت والدته بروية:
"اهدئ يا حبيبي متخافش، أنا كنت عاملة حساب حاجة زي كده. المحلول جاهز عندك، هتوصله الكانيولا. ولما تخلصه هتتحسن، متقلقش."
أغلق الهاتف وفعل ما أخبرته به والدته. ثم جلس بجانبها على السرير وأمسك بيدها الأخرى، وعيناه تراقبان وجهها المتألم بقلق كاد أن يفتك به.
"ماما قالت إن المحول ده هيريحك، معلش اتحملي شوية."
ظلت صامتة لبعض الوقت، تنتظر أن تهدأ العاصفة داخل جسدها.
وعندما شعرت بتحسن طفيف، فتحت عينيها لتجده يحدق بها بنظرة لم ترها من قبل. كانت مزيجاً من الحب العميق، والغضب، والخوف المطلق.
"كفاية." قالها بصوت هادئ، لكنه كان يحمل قوة قرار نهائي. "مفيش امتحانات تاني."
نظرت إليه بصدمة كأن كلماته صفعتها، وقالت بصوت ضعيف لكنه حازم:
"إيه؟ لأ طبعاً، فاضل مادتين بس يا أكمل!"
هز رأسه بنفي قاطع وعيناه لم ترمشا.
"قولت كفاية، أنا مش مستعد أخسرك أو أخسر ابني عشان شهادة. صحتك وصحة اللي في بطنك أهم من أي حاجة في الدنيا."
تجمعت الدموع في عينيها، ليس من الألم الجسدي بل من الشعور بأن حلمها ينهار أمامها.
"بس أنا كويسة، ده تعب عادي، أي واحدة حامل بتتعب. المهم إن ابننا كويس."
انفجر أكمل غاضباً، لكنه كان غضباً نابعاً من الخوف.
"كويسة؟! أنتِ شايفة حالتك دي وتقولي كويسة؟! أنتِ مش متخيلة أنا حسيت بإيه وأنا شايفك راجعة عاملة كده، مش متخيلة الرعب اللي كنت فيه وأنا بعلقلك المحلول ده وخايف إيدك ترتعش! أنا كنت هموت من الخوف عليكي يا صبر!"
كان صوته يرتجف في نهاية جملته، وفضح كل الهلع الذي كان يحاول إخفاءه خلف قناع القوة. تأثرت بصدق خوفه ومدت يدها لتلمس وجهه.
"أرجوك يا أكمل... متحرمنيش من فرحة النجاح. أنا تعبت أوي عشان أوصل لهنا السنين اللي فاتت كلها والبهدلة اللي شفتها، كل ده هيروح لو مستحملتش اليومين دول. خليني أكمل وأوعدك هحافظ على نفسي."
نظر إلى عينيها الدامعتين ورأى فيهما الإصرار والعزيمة التي أحبها فيها. كان في صراع مرير، عقله وقلبه يصرخان به أن يمنعها، أن يحبسها في هذا الفراش حتى تضع طفلهما بأمان. لكنه رأى أيضاً أن قتل حلمها سيكون بمثابة قتل لجزء من روحها التي يقاتل ليعيدها إليها.
أغمض عينيه وأطلق تنهيدة طويلة وعميقة، تنهيدة رجل مهزوم أمام إصرار من يحب.
"ماشي يا صبر." قالها باستسلام كأنه يوقع على أخطر أوراق قضية في حياته. "هتكملي... بس بشرط."
نظرت إليه بلهفة.
"إيه هو؟"
"أنا اللي هذاكرلك، هقرالك كل حاجة وأنتِ نايمة مكانك ومش هتتحركي من على السرير ده إلا للحمام وبس. ولو حسيت للحظة واحدة إنك تعبانة تاني هنلغي كل حاجة، اتفاقنا؟"
أومأت برأسها بسرعة وابتسامة ممتنة ومشرقة أزاحت كل آثار الألم عن وجهها.
"اتفاقنا."
انحنى وقبل جبينها قبلة طويلة، ثم همس وهو يزيح خصلة شعر عن وجهها.
"بحبك... وبخاف عليكي أكتر من روحي."
لقد وافق، لكنه في قراره نفسه، أقسم أنه سيتحول إلى حارسها الشخصي وظلها وسجّانها لو لزم الأمر حتى تمر هذه العاصفة بسلام، ويعود إليه كنزاه هي وطفلهما، سالمين.
❈-❈-❈
صعد جاسر الدرج إلى جناحه الخاص، لا يبحث عن الراحة بل عن الهدوء قبل العاصفة التي يعرف أنها قادمة. كان يريد أن يغير ملابسه قبل أن يعود إلى بيت الجبل حيث يقيم احتفاله هناك. فتح باب الجناح ودخل، لكنه توقف على الفور. لم يكن المكان فارغاً. كانت شروق تقف في منتصف الغرفة، تنتظره. كانت ترتدي فستاناً أسود، كأنها في حداد، ووجهها شاحب وعيناها حمراوان من البكاء أو من الحقد.
نظر إليها جاسر ببرود، نظرة عابرة كأنه ينظر إلى قطعة أثاث في غير مكانه. لم يقل شيئاً، تجاهل وجودها تماماً، وأكمل طريقه نحو غرفة الملابس وبدأ في خلع ساعة يده ووضعها على المنضدة.
هذا التجاهل كان أشد عليها من أي إهانة. ركضت ووقفت أمامه مباشرة، سادة طريقه وأجبرته على التوقف.
"كيف يا جاسر؟!" صرخت بصوت يرتجف من القهر. "كيف تعمل فيا كده يا جاسر؟!"
رفع جاسر عينيه ببطء ونظر إليها مباشرة، نظرة خالية من أي عاطفة، باردة كجليد القطب الشمالي.
"عملت إيه؟"
"الفرح، بتعملها فرح يا جاسر؟! بتجيبها هنا في بيتي وعلى سريري وكمان بتعلن چوازك منها جدام الناس كلها؟! عايز تفضحني؟! عايز تكسرني؟!"
لم تتغير ملامحه، ظل هادئاً، وهذا الهدوء كان يدفعها إلى الجنون.
"أولاً ده بيتي أنا. ثانياً هي مراتي وده حقها. ثالثاً أنا مش هجيبها البيت هنا. والأهم أنا مش فاضي للكلام ده."
حاول أن يتخطاها، لكنها أمسكت بذراعه وتشبثت به بيأس.
"مراتك؟! مراتك اللي كنت بتجولي إنها مجرد وسيلة انتقام؟! كدبت عليا يا جاسر، ضحكت عليا!"
نفض ذراعها بعنف، لكن دون أن يلمسها، مجرد حركة قوية جعلتها تتراجع خطوة إلى الوراء. اقترب منها هو الآن وصوته انخفض إلى همس خطير، همس يحمل تهديداً لا لبس فيه.
"اسمعي زين يا بنت عمي عشان الكلام ده مش هكرره تاني. نغم مراتي وحبيبتي، والبلد كلها مش بس البلد، الدنيا كلها هتعرف ده."
تجمعت الدموع في عينيها، لكنها دموع غيظ وليست دموع ضعف.
"وأنا؟! أنا مراتك برضه!"
ضحك جاسر بسخرية، ضحكة قصيرة ومريرة.
"أنتِ كنتِ صفقة، صفقة أبوكي فرضها عليا وأنا جبلتها في وقت كنت فيه أعمى، لكن خلاص أنا فقت. والصفقة دي بالنسبالي ملغية."
قالت بتحدي يائس:
"مش هسيبك، مستحيل أسيبك تتهنى بيها. الفرح ده مش هيكمل."
هنا تغيرت نظرة جاسر. اختفى البرود وحل محله شيء آخر، شيء مظلم ومرعب. أمسك بذقنها بأصابعه ورفعه بقوة، مجبراً إياها على النظر في عينيه.
"لو فكرتي بس... مجرد تفكير... إنك تعملي حاجة تكسر فرحة نغم، أو تنزلي دمعة واحدة من عينها الليلة دي..."
صمت للحظة وشد على قبضته.
"هخليكي تتمني الموت ومتلاجيهوش. هنسى إنك بنت عمي وهنسى إن في بينا صلة دم وهتشوفي وش جاسر التهامي اللي عمرك ما شفتيه قبل سابج."
كانت كلماته كالصقيع، تجمد الدم في عروقها. رأت في عينيه صدق تهديده، ورأت الوحش الذي كان يختبئ خلف الرجل الشامخ، وهو الآن مستعد للخروج من أجل حماية مملكته. ترك ذقنها بقسوة ودفعها من طريقه.
"اطلعي بره جناحي ومش عايز أشوف وشك تاني."
وقفت شروق متسمرة في مكانها، ترتجف من الخوف والغضب والعجز. لقد أدركت في تلك اللحظة أنها خسرت كل شيء. لم تخسر جاسر الرجل فقط، بل خسرت أي سلطة أو نفوذ كانت تظن أنها تملكه عليه. لقد تحول إلى حصن منيع يحيط بنغم، وأي شخص يحاول الاقتراب من هذا الحصن سيحترق.
❈-❈-❈
لم يلتفت جاسر خلفه، خرج من الجناح الذي أصبح يخنقه، حاملاً حقيبة سفر واحدة تحتوي على كل ما يخصه، تاركاً خلفه كل أثر لشروق أو للماضي الذي فرض عليه. لم تكن وجهته جناح نغم، بل جناح آخر في السرايا، الجناح الذي كان دائماً ملاذه ومصدر قوته: جناح والدته.
طرق على الباب طرقاً خفيفاً قبل أن يدخل. وجدها كما توقع تماماً، كانت تجلس على طرف السرير بكامل وقارها الهادئ، وبجانبها حقيبة سفر صغيرة مغلقة وجاهزة. كانت تنتظره.
ما إن رأته حتى وقفت وارتسمت على وجهها ابتسامة حنونة، لكنها كانت ممزوجة بقلق خفي. تقدم جاسر منها ووضع حقيبته بجانب حقيبتها.
"خلصتي يا أمي؟" سألها بصوت هادئ، صوت الابن الذي يعود إلى أصله.
أومأت برأسها.
"أيوه يا حبيبي، من بدري."
ثم تطلعت إليه بنظرة مليئة بالحب والتفهم.
"بس أنا ليا طلب عندك يا جاسر."
قطب جاسر حاجبيه بقلق طفيف.
"اؤمري يا ست الكل."
"سيبني اهنه." قالتها بهدوء. "روح أنت لمراتك واشبع منها وعيشوا فرحتكم. أنا مش عايزة أكون عزول وسطكم في بيتكم الجديد مش دلوقت على الأجل."
هز جاسر رأسه بنفي قاطع وحاسم، قبل حتى أن تنهي جملتها. تقدم منها وأمسك بيديها برفق وجلس بجانبها على السرير، وهو ما نادراً ما يفعله.
"مفيش حاجة اسمها أسيبك اهنه." قالها بنبرة لا تقبل النقاش، لكنها كانت مغلفة بحنان عميق. "أنتِ مش عزول يا أمي، أنتِ البركة اللي هتكون في البيت، أنتِ الخير كله. أنا مجدرش أبدأ حياة جديدة وأنتِ مش فيها، ومش معايا."
حاولت أن تعترض.
"بس يا ابني دي خصوصيتكم، دي عروسة جديدة وليها حق تاخد راحتها في بيتها."
ضغط على يديها برفق ونظر في عينيها مباشرة.
"وراحتها من راحتي، ونغم بتحبك زي ما أنا بحبك بالظبط. البيت اللي هترفضيه أنا مش هعيش فيه، المكان اللي مش هتكوني منورة فيه، أنا مش هدخله."
كانت كلماته صادقة، نابعة من أعماق قلبه. لقد تخلى عن كل شيء وحارب الجميع، لكنه لم يكن مستعداً أبداً أن يتخلى عن والدته. هي ثابته الوحيد في عالم متغير.
"يا أمي..." أكمل بصوت أكثر حناناً. "أنتِ استحملتي معايا كتير جوي وجفتي في ضهري قصاد الدنيا كلها. مينفعش دلوجت وأنا ببني دنيتي الجديدة متكونيش أنتِ أساسها وعمدانها."
تأثرت والدته بكلماته وترقرقت الدموع في عينيها. لم تكن دموع حزن، بل دموع فخر وحب لهذا الابن الذي رغم قسوته وجبروته مع العالم كله، إلا أنه أمامها يعود طفلاً يبحث عن أمانه.
"أنا رايدك معايا ورايد حفيدك يتربى في حضنك، ويشرب من حنيتك. ده مش طلب يا أمي، ده رجاء."
لم تعد قادرة على الرفض. كيف ترفض وهي ترى كل هذا الحب والإصرار في عينيه؟ أومأت برأسها موافقة، وربتت على يده.
"اللي تشوفه يا حبيبي، طالما ده يريحك، أنا معاك في أي مكان."
نهض جاسر واقفاً وشعر براحة تغمر قلبه. حمل حقيبتها في يد وحقيبته في اليد الأخرى.
"يلا بينا، بيتنا الجديد مستنينا."
خرج جاسر من الجناح ووالدته تسير بجانبه، وشعر بأنه الآن يمتلك العالم حقاً. ليس لأنه انتصر على أعدائه، بل لأنه استطاع أن يجمع أغلى امرأتين في حياته تحت سقف واحد، وفي حمايته.
❈-❈-❈
كانت غرفة نغم قد تحولت إلى مكان يعج بالحركة والضحكات والهمسات السعيدة. وفي مركز كل هذا، وقفت نغم أمام المرآة الطويلة، لا تكاد تصدق الصورة التي تراها. لم تكن تنظر إلى نفسها، بل إلى فتاة أخرى، فتاة تشبهها لكنها تشع نوراً. كانت الكوافيرة قد أبدعت، فمكياجها كان ناعماً يبرز جمال ملامحها الطبيعية دون تكلف، وتسريحة شعرها تحت الحجاب المصمم بعناية كانت متقنة وأنيقة. أما الفستان، فقد كان قصة بحد ذاتها. لونه الهادئ كان ينسجم تماماً مع لون بشرتها، وقصته المحتشمة ذات الأكمام الطويلة المطرزة لم تنقص من جماله شيئاً، بل أضافت إليه وقاراً ورونقاً خاصاً. كان كل خيط فيه ينطق بالفخامة.
دارت حول نفسها ببطء وضحكت ضحكة صافية، ضحكة فتاة ترى حلمها يتحقق أمام عينيها. كانت كل بضع دقائق تمسك هاتفها وتتصل بجاسر، الشوق واللهفة لسماع صوته كانا لا يقاومان. لكن في كل مرة، كان الخط يرن دون إجابة، أو أحياناً يرفض المكالمة. شعرت بقلق طفيف، لكنها كانت تثق به.
وبينما كانت روح تخرج لها حذائها، رن هاتفها برسالة نصية. فتحتها بلهفة وابتسمت ابتسامة واسعة أضاءت وجهها بالكامل عندما قرأت كلماته البسيطة والمباشرة:
"معايا رجالة أول ما أفضى هكلمك، شكلك هيكسر الدنيا."
أغلقت الهاتف ووضعته على قلبها، وشعرت بسعادة دافئة تغمرها حتى وهو مشغول يفكر بها ويجد طريقة لطمأنتها ومغازلتها. قامت بالتقاط صورة لها وقامت بإرسالها إليه وكتبت:
"بس حاسة نفسي مش حلوة. انت شايف ايه؟"
لم تمضي ثواني إلا وكان رده جاهزًا:
"بلاش أقولك ردي لأنه هيكون قاسي."
تابعت بدهاء:
"اللي هو ايه؟"
جاء رده:
"هاجي أضيع كل اللي عملته وأخدك على بيت الجبل أعرفك بطريقتي."
ضحكت نغم ضحكة عالية دون إرادتها، جعلت الجميع ينتبه لها. وليل التي دلفت لتوها، كاد قلبها يسقط فرحاً من سعادة ابنتها.
"لأ خلاص، الطيب أحسن."
دخلت والدتها في تلك اللحظة ووضعت يدها على صدرها وهي تطلق "ما شاء الله" طويلة وعميقة. تقدمت منها ودموع الفرح تلمع في عينيها.
"بدر منور يا جلب أمك، بدر منور." احتضنتها بقوة وهمست في أذنها: "النهاردة بس حسيت إن روحي ردت فيا لما شفت الفرحة على وشك يا بنتي."
دخلت زوجة عمها سالم وابتسامة صادقة على وجهها لأول مرة منذ زمن.
"ربنا يتمملك على خير يا نغم. تستاهلي كل خير."
كانت الأجواء في الغرفة وفي السرايا كلها أشبه بحلم. الزغاريد لا تتوقف، والأغاني الصعيدية التراثية التي تتغنى بالعروس تملأ المكان. كانت رائحة البخور والمسك تمتزج برائحة السعادة.
وقفت وعد بجانب روح وهما تنظران إلى نغم بفخر. همست وعد لروح:
"شوفي الفرحة؟ أخيراً الفرح عرف طريق بيتنا من تاني."
أومأت روح برأسها. ورغم الجرح الخفي في قلبها، إلا أن سعادتها بنجاة أختها وتحقق حلمها كانت أكبر من أي ألم. لقد عادت الضحكات لترن في أرجاء السرايا وعادت القلوب لتنبض بالأمل. كانت ليلة نغم، لكنها كانت فرحة للجميع، فرحة انتصار الحب على الكراهية وفرحة عودة الحياة إلى بيت كاد أن يقتله الحزن.
لم يكن مجرد حفل زفاف، بل كان حدثاً تاريخياً ستتحدث عنه البلدة لسنوات طويلة. لقد أقام جاسر التهامي عرساً أسطورياً، لم تشهد البلدة مثيلاً له من قبل. أُقيم الفرح في أرض واسعة أمام بيت الجبل، زُينت بآلاف الأضواء التي حولت الليل إلى نهار، وفُرشت بأفخر أنواع السجاد ووُضعت فيها مئات الموائد التي امتلأت بما لذ وطاب من الطعام.
كانت البلدة كلها هناك. الأعيان وكبار العائلات والمزارعون البسطاء، والشباب والشيوخ. جاء الجميع ليشهدوا بأعينهم نهاية أطول وأشرس عداء عرفته المنطقة، وليشاهدوا العروس التي استطاعت أن تفعل المستحيل.
وفي قلب هذا كله، جلست نغم على "الكوشة" الفخمة التي صُممت خصيصاً لها كملكة متوجة على عرشها في منزل عائلتها. كانت بجانبها والدتها وأقرب صديقاتها، بينما كانت روح ووعد تتحركان بين الضيوف، تستقبلان المهنئين بوجوه تفيض بالفخر والسعادة.
كانت نغم تشعر وكأنها في حلم. كل شيء كان أكبر وأجمل مما تخيلت. لكن وسط هذه الفرحة، كانت تشعر بالعيون المسلطة عليها من كل حدب وصوب. كانت قادرة على قراءة الأفكار في نظراتهم، وسماع الهمسات التي تدور في كل زاوية.
كان هناك فريق المندهشين.
مجموعة من نساء البلدة جلسن على طاولة قريبة، يختلسن النظر إليها ثم يتهامسن:
"شفتي يا ختي؟ هي دي اللي بيجولوا عليها بنت الرفاعي؟ سبحان من غير الأحوال! مين كان يصدج إن جاسر التهامي، اللي الصخر بيلين تحت إيده، جلبه يلين لواحدة منهم؟"
ردت أخرى وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
"بيجولوا عملاله عمل، مفيش تفسير غير أكده. ده كان بيكره التراب اللي بيمشوا عليه."
وكان هناك فريق السعداء.
على طاولة أخرى، جلس بعض كبار السن من حكماء البلدة، يرتشفون الشاي ووجوههم تفيض بالراحة.
قال أحدهم وهو يسبح بمسبحته:
"الحمد لله، الحمد لله الذي ألف بين قلوبهم. كنا خايفين الدم يوصل للركب، ربنا يجعل في الچوازة دي نهاية للشر وبداية للخير."
أضافت آخرى:
"الواد ده طلع أصيل، حب ووقف جدام الدنيا كلها عشان حبه، والبنت وشها فيه الجبول والبركة، ربنا يهنيهم."
وكان هناك فريق الحاسدين.
بالطبع، لم يخلُ الفرح من العيون التي تملؤها الغيرة والحقد. فتيات كن يحلمن بالزواج من جاسر، وعائلات كانت تطمع في مصاهرته.
قالت فتاة بمرارة لصديقتها:
"مش خابرة شاف فيها إيه زيادة عننا؟ لا هي أحلى مننا ولا حسبها ونسبها زينا، ده الحظ لما بيلعب."
ردت صديقتها وهي تنظر إلى فستان نغم ومجوهراتها بحسد:
"حظ إيه بس، دي دنيا قايمة على الواسطة. شوفي الفرح اللي عاملهولها، كأنه فرح بنت ملوك، واحنا ميرضاش بينا."
كانت نغم تسمع بعض هذه الهمسات، وترى تلك النظرات، لكنها لم تكن تهتم. قد تعلمت أن تتجاهل العالم كله طالما أن "هو" بجانبها. لقد أدركت في تلك الليلة أنها لم تتزوج رجلاً عادياً، لقد تزوجت أسطورة البلدة، وأن حياتها معه ستظل دائماً تحت الأضواء ومحط أنظار الجميع. لكنها كانت مستعدة لذلك، مستعدة أن تكون ملكة هذا الرجل وأن تواجه العالم كله وهي في حماه.
❈-❈-❈
كانت أجواء الفرح الصاخبة قد هدأت أخيراً، ولم يتبق في السرايا سوى الصمت المريح وأصداء ليلة أسطورية. في غرفة نغم، كانت الأجواء أكثر هدوءاً وحميمية. بمساعدة روح ووعد، خلعت نغم فستان زفافها الثقيل وارتدت بيجامة حريرية بسيطة، وشعرت أخيراً بأنها تستطيع التنفس.
نظرت وعد إلى هاتفها الذي أضاء بصورة طفلها النائم وتثاءبت قائلة:
"أنا فصلت خلاص، عدي نام، هلحق أنام لي ساعتين أنا كمان قبل ما يصحى ويعلن حالة الطوارئ."
احتضنت نغم بحب.
"ألف مبروك مرة تانية يا أجمل عروسة."
ثم غمزت لها:
"سيبي لـ جوزك فرصة يكلمك بقى."
ضحكت الأخوات الثلاث وغادرت وعد الغرفة، تاركة نغم وروح بمفردهما.
ساد صمت مريح للحظات، جلست فيه الأختان بجانب بعضهما على السرير. كانت نغم تشعر بسعادة تامة، لكنها لم تستطع تجاهل نظرة الحزن الخفية التي لم تفارق عيني روح طوال الليل. وضعت نغم يدها على يد أختها وسألتها بهدوء وحنان:
"عملتي إيه مع مالك؟"
تنهدت روح تنهيدة عميقة، كأنها تخرج جبلاً من الهم من صدرها. نظرت إلى الفراغ وقالت بصوت خافت:
"مفيش، كل واحد فينا في عالم. عايشين في أوضة واحدة، بس بينا ألف سور. أنا مش قادرة أسامح وهو... مش خابرة، يمكن زهق من إنه يحاول."
نظرت نغم إلى أختها بجدية، واختفت ملامح العروس السعيدة، وحلت محلها ملامح المرأة الحكيمة التي علمتها التجارب القاسية الكثير.
"روح... اسمحيلي أقولك كلمة حتى لو هتزعلك."
نظرت إليها روح باستفهام.
"جولي."
"أنتِ اللي ظلمتي مالك." قالتها نغم بهدوء لكن بحدة قاطعة.
تفاجأت روح وقبل أن تعترض، أكملت نغم:
"اسمعيني للآخر، أنتِ بتجولي إنه غلط، ماشي، هو غلط بس تعالي نحسبها صح. مالك ضحى بإيه عشانك وأنتِ ضحيتي بإيه عشانه؟"
صمتت روح، فأكملت نغم:
"مالك اتجوزك وهو فاكر إنك مرات أخوه قولاً وفعلاً. كان شايفك بتحبي عدي ومتأكد إن جلبك مش معاه، ورغم أكده عمل إيه؟ حارب الدنيا كلها عشانك وجف قصاد جدي ووقف قصاد نفسه وجرر إنه يعمل المستحيل عشان يخليكي تحبيه وتنسي اللي فات. اتحمل برودك في الأول وصبر عليكي وعمل كل حاجة عشان يسعدك."
نظرت في عيني أختها مباشرة، ونبرتها أصبحت أكثر قوة.
"هو لما غلط كان غلطان في ماضي مكنتيش أنتِ فيه. كان وحيد في غربة ومكسور، ومكنش عنده أي أمل فيكي. غلطة وعدت، لكن أنتِ... أول ما عرفتي بغلطته دي عملتي إيه؟ طردتيه من حياتك، حكمتي عليه بالإعدام من غير ما تسمعيله عذر واحد. دمرتي كل اللي بناه عشانك في لحظة."
كانت كلمات نغم كالسياط تجلد روح وتجبرها على رؤية الحقيقة التي كانت تهرب منها.
"هو لما حبك حبك وأنتِ مش ملكه وحارب عشانك، وأنتِ لما عرفتي إنه كان مع واحدة تانية جابلك، اتخليتي عنه وهو ملكك وأبو بنتك. شفتي الفرق؟ هو شاف فيكي أمل لحياته، وأنتِ شفتي فيه خاين وجفلتِ الباب."
تجمعت الدموع في عيني روح، ليس من الحزن، بل من الإدراك. كانت كلمات أختها قاسية، لكنها كانت حقيقية.
"أنا... أنا مجروحة يا نغم."
"وأنا كنت مدبوحة يا روح، جاسر خطفني وعذبني وأهانني، ورغم أكده لما شفت حبه الحقيقي في عينيه اديته فرصة. عشان الحب الحقيقي يستاهل فرصة، ومالك بيحبك حب حقيقي. متضيعيهوش من إيدك عشان كبرياء مجروح. الراجل لما بيحس إن الست اللي بيحبها مش مقدره، بيمشي وساعتها هتندمي ندم عمرك."
أمسكت بيد أختها بقوة.
"فكري في كلامي يا روح، فكري بعقلك مش بجلبك اللي موجوع. مالك يستاهل منك فرصة تانية، يستاهل إنك تحاربي عشانه، زي ما حارب هو عشانك بالظبط."
تركت كلمات نغم أثراً عميقاً في نفس روح. لأول مرة بدأت ترى الموقف من زاوية مختلفة. بدأت ترى حجم تضحية مالك، وحجم قسوتها هي. لم تكن تعرف ماذا ستفعل، لكنها عرفت شيئاً واحداً: أختها على حق.
❈-❈-❈
أخيراً، وفي ساعة متأخرة من الليل، أغلق جاسر باب جناحه الجديد خلفه. كان اليوم طويلاً ومجهداً، مليئاً بالمواجهات والترتيبات والوقوف لساعات طويلة لاستقبال المهنئين. شعر بإرهاق ينهش جسده، لكن روحه كانت تحلق عالياً. كل هذا التعب كان يهون من أجلها.
ألقى بجسده على أقرب أريكة وأغمض عينيه واستحضر وجهها أمامه. صورتها التي بعثتها له وهي تجلس على الكوشة كملكة لم تفارق خياله. شعر برغبة عارمة في سماع صوتها، أن يتأكد أنها سعيدة كما يتخيلها.
أمسك هاتفه وتردد. هل يتصل؟ ربما تكون نائمة بعد هذا اليوم الطويل ولا يريد أن يوقظها. قرر أن يرسل رسالة نصية، كطَرقة خفيفة على باب قلبها.
جاسر: "صحيتي؟ ولا العروسة نامت؟"
لم تمر ثواني حتى أضاءت شاشة هاتفه برده، وكأنها كانت تمسك بالهاتف في انتظار رسالته.
نغم: "مش عارفة أنام من الفرحة."
ابتسم جاسر ابتسامة واسعة وشعر بأن كل تعب اليوم قد تبخر. عاد ليكتب بسرعة.
جاسر: "يعني المفاجأة عجبتك؟"
نغم: "عجبتني بس؟ دي ليلة عمري ما هنساها طول حياتي. أنت رجعتلي فرحتي اللي كانت مسروقة."
لم يعد يستطع التحمل. ضغط على زر الاتصال المرئي (الفيديو)، وانتظر بلهفة أن يرى وجهها. ظهرت صورتها على الشاشة وكانت أجمل من الصورة التي بعثتها. كانت قد أزالت مكياج الحفل ووجهها يبدو طبيعياً ومشرقاً. لكن ما فاجأه هو أنها كانت ترتدي حجاباً بسيطاً يغطي شعرها.
قطب حاجبيه باستغراب مصطنع وابتسامة ماكرة بدأت ترتسم على شفتيه.
"إيه ده؟ العروسة رجعت تلبس الحجاب جدامي تاني ليه؟"
ضحكت نغم ضحكة خافتة مليئة بالدلال ومالت برأسها قليلاً.
"أنت اللي حكمت على نفسك بكده."
"أنا؟ عملت إيه؟"
"أنت اللي طلبت فرح جدام الناس كلها وبما إن الفرح بكرة، يبقى أنا جدام الناس لسه مش مرتك رسمي. يبقى لازم ألبس الحجاب جدامك لحد ما الفرح يتم بكرة."
نظر إليها جاسر عبر الشاشة معجباً بدهائها ومرحها. لقد أحب هذه اللعبة.
"ماشي يا نغم، شكلك اتعلمتي وبتلعبي على تجيل."
"طبعاً لازم أستغل آخر يوم ليا كـ 'مخطوبة'." قالتها وهي تشدد على كلمة "مخطوبة" بمكر.
تنهد جاسر تنهيدة مسرحية وأسند رأسه على الأريكة.
"ماشي يا ستي موافق، كلها أجل من 24 ساعة، وهترجعي تاني لسريرك اهنه وساعتها هعوض اليومين دول بالثانية."
احمر وجه نغم خجلاً من جرأته المباشرة وحاولت تغيير الموضوع.
"أنت... أنت تعبت جوي النهارده."
"كل التعب راح أول ما شفتك بعتّيلي الرسالة." قالها بصوت عميق وحنون، وعيناه مثبتتان عليها عبر الشاشة. "وحشتيني يا نغم."
ذابت الكلمات في أذنيها وشعرت بقلبها يخفق بقوة.
"وأنت كمان."
صمت لثواني وكأنهما يتحدثان بلغة العيون عبر المسافات، ثم قال بهمس، همس بدا وكأنه سر خطير بينهما فقط:
"البيجامة اللي لابساها دي... حلوة عليكي."
فوجئت نغم بتعليقه غير المتوقع ونظرت إلى البيجامة الحريرية البسيطة التي ترتديها. شعرت بالخجل يغزوها مرة أخرى.
"شـ... شكراً."
لكن نبرته تغيرت فجأة. تحولت من الهمس الحميمي إلى نبرة ماكرة تحمل تحدياً.
"بس فيها مشكلة واحدة."
عقدت حاجبيها بقلق مصطنع.
"إيه هي؟"
"إني مش أنا اللي اخترتها."
لم تفهم قصده تماماً، فظلت صامتة. فتابع هو وعيناه تلمعان بوميض خطير عبر الشاشة.
"عايز أجيلك دلوقت."
تسارعت دقات قلبها وشعرت بالحرارة تتصاعد إلى وجهها. سألته بصوتٍ يكاد يُسمع، محاولة إخفاء تأثرها:
"عشان... عشان وحشتك؟"
جاء رده سريعاً وحاسماً كعادته حين يريد أن يربكها.
"لأ."
صُدمت من رده القاطع. تلاشت ابتسامتها قليلاً وشعرت بخيبة أمل طفيفة. كيف يقول "لا" بهذه البساطة بعد كل هذا الشوق؟ لكنه لم يتركها في حيرتها طويلاً. أكمل بنفس النبرة الماكرة، وكأنه يستمتع برؤية ارتباكها.
"عشان أقطعها عليكي."
اتسعت عيناها بصدمة كاملة من جرأته ولم تجد أي كلمة للرد. فا استغل صمتها وتابع موضحاً فلسفته الخاصة في الحب والملكية.
"أي حاجة تلبسيها أي حاجة تلمسك وميكنش أنا اللي اخترتها وامتلكتها الأول... يبقى لازم تتشال من الوجود. البيجامة دي... أنا مشفتهاش قبل كده، يبقى مينفعش تبات عليكي ليلة واحدة."
كانت كلماته مزيجاً غريباً من الغيرة والتملك والجرأة، لكنها كانت مغلفة بطريقة مرحة وماكرة جعلتها تشعر بالارتباك والخجل بدلاً من الخوف. لقد كان يفرض سيطرته، ولكن هذه المرة كانت سيطرة العاشق لا السجان.
أخيراً وجدت صوتها وقالت بتلعثم وهي تضحك بخجل:
"أنت... أنت مجنون."
ضحك هو ضحكة عميقة وقوية، ضحكة المنتصر.
"مجنون بيكي وده أقل حاجة، بس متخافيش هعوضك عنها، هملالك الدولاب كله بحاجات على ذوقي، حاجات لما تلبسيها، تلبسيها عشاني أنا وبس."
لم تعد قادرة على مجاراته.
"طيب واللبس اللي في الشقة اللي في مصر؟"
زاد دهاءه:
"متجلجيش، عامل حساب الاتنين. لما نحب نقضي يومين لوحدينا منخدش حاجة معانا، ولا يكون عندك حجة واحنا هناك."
أخفت وجهها الذي اشتعل خجلاً بكفيها وهي تضحك.
"خلاص خلاص اسكت."
قال بصوتٍ عاد إلى حنانه العميق:
"حاضر هسكت بس بشرط."
رفعت وجهها من بين كفيها، وسألته:
"شرط إيه تاني؟"
"تفضلي معايا على الخط لحد ما تنامي. عايز أتأكد إنك هتنامي وإنتي بتفكري في كلامي ده."
أومأت برأسها دون وعي، فقد كان عقلها لا يزال يحاول استيعاب جرأته. ظلا يتحدثان، وهو يراقبها بعينيه العاشقتين، وهي تحاول جاهدة أن تتصرف بطبيعية، لكن قلبها كان يرقص على إيقاع كلماته المجنونة، مدركة أنها وقعت في حب رجل لا يشبه أحداً، رجل حبه في حد ذاته... مغامرة لا تنتهي.
كانت ليلة تفصلهما، لكن قلبيهما كانا معاً، يعدان الساعات والدقائق حتى بزوغ فجر يوم جديد، اليوم الذي سيوحدهما إلى الأبد.
❈-❈-❈
كانت ظلمة الليل في غرفة مالك وروح أثقل من المعتاد. لم تكن ظلمة عادية، بل كانت مشبعة بالصمت والمسافات والألم المكتوم. كان كل منهما مستلقياً على طرف السرير يعطي ظهره للآخر، لكن لا أحد منهما كان نائماً. كانا سجينين في جزيرتين منفصلتين يفصل بينهما محيط من الكبرياء المجروح.
في عالمها:
كانت كلمات نغم تدور في رأسها كصدى لا يتوقف.
"هو حارب عشانك... وأنتِ اتخليتي عنه."
كانت كل كلمة سكيناً يمزق قناع الغضب الذي تحصنت به ليكشف عن الحقيقة. لقد كان قاسياً على نفسه، لكنها كانت أقسى عليه. تذكرت كل لحظاته معها، صبره، حنانه، الطريقة التي كان ينظر بها إليها كأنها كنزه الوحيد. هل يستحق كل هذا الهجران من أجل خطأ ارتكبه في ماضٍ لم تكن هي فيه؟ بدأ قلبها يلين، وبدأت تشتاق إليه، تشتاق لحضنه، لصوته، لوجوده الذي أصبح كالهواء الذي تتنفسه.
وفي عالمه:
كان مالك يغرق في بحر من اليأس. لقد فعل كل ما بوسعه، اعتذر، توسل، شرح وبرر. لكنه اصطدم بجدارها الجليدي مراراً وتكراراً. شعر بأنه استنفد كل طاقته، وأن قربه منها بهذا الشكل، وجودها بجانبه في نفس الفراش دون أن يستطيع لمسها أو التحدث إليها، هو أقسى أنواع العذاب. شعر باختناق كأن جدران الغرفة تطبق على أنفاسه.
لم يعد يحتمل. نهض من الفراش بهدوء، محاولاً ألا يصدر صوتاً قد يوقظها، وسار بخطوات ثقيلة نحو الشرفة. فتح الباب الزجاجي وخرج، مستنشقاً هواء الليل البارد بعمق، لعله يطفئ النار المشتعلة في صدره. وقف هناك مستنداً بيديه على السور، ينظر إلى الظلام ولا يرى شيئاً سوى صورة وجهها وهي ترفضه.
في الداخل، شعرت روح بحركته، سمعت صوت الباب الزجاجي وهو ينزلق. ترددت للحظة، ثم قررت. لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر. نهضت هي الأخرى ولفّت شالاً خفيفاً حول كتفيها وتبعته إلى الشرفة. وجدته واقفاً يعطيها ظهره وكتفاه يهتزان قليلاً كأنه يكبت تنهيدة عميقة. وقفت خلفه لثواني طويلة تجمع شجاعتها، وترتب الكلمات في رأسها. ماذا ستقول؟ كيف ستبدأ؟
أخيراً استجمعت كل قوتها وفتحت فمها لتنطق باسمه بصوت خافت:
"مالك..."
لم تكد الكلمة تخرج من شفتيها حتى استدار هو بسرعة خاطفة، كأنه كان يشعر بوجودها طوال الوقت. لم تكن في عينيه نظرة عتاب أو غضب، بل كانت نظرة لهفة جائعة، نظرة رجل على حافة الانهيار وجد طوق نجاته.
وفي حركة واحدة سريعة وحاسمة، قطع المسافة القصيرة بينهما، وسحبها إلى حضنه بقوة وأطبق بشفتيه على شفتيها، كاتماً أي كلمة أخرى كانت ستقولها. لم تكن قبلة عادية، كانت انفجاراً لكل الشوق المكبوت، لكل الألم، لكل ليالي الوحدة. كانت قبلة يائسة متملكة، تعتذر وتطالب في آن واحد. شعرت روح بكل مشاعره تتدفق إليها عبر هذه القبلة، كل حبه وكل خوفه من فقدانها.
في البداية تصلب جسدها من المفاجأة، لكنها لثانية واحدة فقط بعدها، ذابت كل دفاعاتها، وانهار جدارها الجليدي بالكامل. لفت ذراعيها حول رقبته وبادلته القبلة بنفس العمق واللهفة، معلنة استسلامها الكامل.
ابتعد عنها قليلاً فقط ليأخذ نفساً، وجبينه ملتصق بجبينها وعيناه مغمضتان.
"متجوليش حاجة..." همس بصوت مبحوح يرتجف من العاطفة. "متجوليش أي حاجة ممكن تخليني أبعد عنك تاني، أنا تعبت يا روح، تعبت وأنا جنبك ومش قادر ألمسك."
فتحت عينيها الدامعتين ومدت يدها لتتحسس وجهه.
"أنا اللي آسفة، أنا اللي جسيت عليك، أنا اللي..."
قاطعها بقبلة أخرى أرق هذه المرة، لكنها لا تقل عمقاً، ثم ابتعد عنها شفتيها وهو يلهث.
"إحنا الاتنين غلطنا، أنا غلطت لما خبيت وأنتِ غلطتي لما حكمتي عليا، بس خلاص كفاية، خلينا ننسى كل ده."
حملها بين ذراعيه فجأة، فشهقت بخفة وتشبثت به.
"مالك!"
"مش هسيبك تبعدي عني لحظة واحدة تاني." قالها وهو يتجه بها إلى الداخل، إلى سريرهما.
وضعها على الفراش برفق واستلقى بجانبها، وسحبها إلى حضنه الدافئ.
"النهاردة هننهي الخلاف ده للأبد، هنسامح بعض، ونوعد بعض إن مفيش حاجة في الدنيا هتفرقنا تاني."
دفنت وجهها في صدره، مستنشقة رائحته التي اشتاقت إليها حد الألم.
"بوعدك."
أغمض عينيه، وشعر براحة وسلام لم يشعر بهما منذ أيام. لقد عادت روحه إليه. وفي تلك الليلة لم تكن هناك كلمات أخرى، فقط لغة الأجساد التي تعتذر وتسامح، وتتوحد لتنهي كل الخلافات وتبدأ صفحة جديدة نقية، لا مكان فيها إلا للحب.
❈-❈-❈
دخلت وعد إلى غرفة نومهما بهدوء، وقد أخذ منها التعب مبلغه بعد يوم طويل وحافل بالمشاعر. وجدته مستلقياً على السرير يتصفح هاتفه، لكن من الواضح أن عقله لم يكن مع الهاتف. ما إن شعر بوجودها حتى رفع رأسه وابتسم ابتسامة أزالت كل تعبها.
اقتربت منه واستلقت بجانبه وأسندت رأسها على كتفه.
"لسة صاحي؟"
أغلق الهاتف ووضعه جانباً، ثم أحاطها بذراعه وقربها إليه أكثر.
"وإنتي خابرة إني بيجيني نوم وإنتي بعيدة عني؟ كنت مستني روحي ترجع لي."
تنهدت بارتياح وهي تستنشق عطره المألوف.
"اليوم كان متعب جوي... بس فرحتي بنغم تستاهل كل التعب ده، مش مصدجة إنها أخيراً خدت فرحتها."
نظر سند إلى الفراغ أمامه وعلى وجهه تعابير راضية وحكيمة.
"ربنا دايماً بيعمل اللي فيه الصالح لينا، حتى لو مكناش فاهمين حكمته في وقتها."
التفتت إليه تنتظر منه أن يكمل، فتابع بصوت هادئ وعميق:
"لو كان جاسر مظهرش... لو كنت أنا اتجوزت نغم... مكنش حد فينا هيكون مبسوط زي ما إحنا دلوقت. هي لجت جاسر اللي برغم كل اللي عمله فيها بس أثبت في الآخر إنه راجل وحبها بجد. ونغم رغم كل اللي حصلها اتحدت كل شيء وسمحت لجلبها يرجع له."
صمت للحظة كأنه يسترجع ذكريات بعيدة.
"أنا كنت خابر إن نغم حبته، شفت ده في عينيها يوم ما روحت أخدها من المستشفى بعد الحادثة، وتأكدت أكتر يوم ما روحنا بيتهم عشان نرجعها... نظرتها له مكنتش نظرة كره، كانت نظرة عتاب. عتاب عشان انها طلعت لسابع سما وهو نزلها سابع أرض، عشان كده أنا انسحبت، لأني لو كنت خدتها بالقوة مكنتش هتكون سعيدة معايا أبداً، وكان عندي أمل صغير... إن حبها ده ممكن يغير جاسر، والحمد لله أملي طلع في محله."
نظرت إليه وعد بحب عميق، معجبة بحكمته وقدرته على رؤية الأمور بهذا الوضوح.
"وأنت... أنت مبسوط؟"
ابتسم سند وقبّل جبينها.
"مبسوط؟ يا وعد أنا مكتفي، مكتفي بيكي إنتي وابننا عن الدنيا كلها. أنا لما بصحى وأشوفك نايمة جنبي ولما بسمع صوت ضحكة 'عدي' في البيت... بحس إني ملكت كل حاجة ممكن راجل يتمناها. أنتِ مش بس مراتي، أنتِ الأمان بتاعي."
شعرت بالدموع تترقرق في عينيها من جمال كلماته. لقد بنيا معاً حباً هادئاً قوياً وعميقاً، حباً لا يحتاج إلى عواصف ليثبت وجوده.
انحنى وهمس في أذنها بصوتٍ دافئ، صوت يحمل وعداً بليلة من العشق الهادئ:
"والليلة... شكلك تعبانة بس شكلك حلو جوي وإنتي تعبانة. إيه رأيك ناخد جولة من جولاتنا الجميلة اللي بتنسينا تعب الدنيا كلها؟"
لم تجب، بل اكتفت بابتسامة خجولة وأومأت برأسها. لم تكن بحاجة للكلمات. سحبها برفق وأنهى المسافة بينهما، آخذاً إياها معه إلى عالمهما الخاص، عالم من السكينة والحب، حيث لا يوجد سوى زوج وزوجة وجدا سعادتهما في اكتفاء كل منهما بالآخر...