تحميل رواية «ثنايا الروح "الريح والغيامة"» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرت سنوات طويلة على تلك الليلة المشؤومة التي سالت فيها الدماء على قطعة الأرض الشاسعة، تلك الأرض التي كانت سببًا في صراع مرير بين عائلتين، وانتهت بمقتل اثنين منهما. لم تكن تلك الحادثة مجرد جريمة عابرة، بل كانت شرارة أشعلت نارًا لم تنطفئ، نارًا توارثتها الأجيال، لتصبح إرثًا ثقيلًا يحمله الأحفاد في كلتا العائلتين، عائلة القتيل وعائلة القاتل. نشأ الأطفال على قصص مشوهة، روايات محرفة عن الحقيقة، لكنها جميعًا تصب في بؤره واحدة: الا وهي الثأر. لم يروا أجدادهم، لم يعيشوا تفاصيل الصراع الأول، لكنهم ورثوا...
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم رانيا الخولي
في صباح اليوم التالي قاد أكمل سيارته إلى بيت والدته وهو يشعر بثقل العالم على كتفيه.
لم ينم طوال الليل وظل يتقلب في سريرهما الفارغ، وصورة صبر وهي تغادر تطارده كشبح.
كل سيناريو ممكن كان يدور في رأسه، وكل كلمة كان يجهزها ليشرح الموقف كانت تبدو باهتة وضعيفة أمام حجم الكارثة.
وصل إلى البناية وصعد الدرج بقدمين ثقيلتين، وقف أمام الباب للحظة وأخذ نفساً عميقاً، ثم ضغط على الجرس.
فتحت له والدته الباب، وهي تحمل قاسم الصغير بين ذراعيها.
ما إن رأى أكمل ابنه حتى شعر بوخزة حنين مؤلمة.
لقد غاب عنهما ليومين فقط، لكنه شعر وكأنه دهر.
"صباح الخير يا أمي."
قالت نسرين بهدوء.
"صباح النور يا ابني."
مد أكمل ذراعيه وأخذ ابنه من والدته، ضمه إلى صدره بقوة، ودفن وجهه في عنقه الصغير يستنشق رائحته التي كانت تمثل له رائحة البيت والأمان.
أغلق عينيه للحظة كأنه يحاول أن يستمد القوة من هذا الجسد الصغير.
بعد لحظات رفع رأسه ونظر إلى والدته.
"هي فين؟"
"في أوضتك من امبارح وهي قافلة على نفسها ومبتاكلش."
تنهد أكمل بألم وأعاد قاسم إلى والدته.
"خليه معاكي أنا هدخلها."
توجه نحو باب غرفته القديمة وأدار المقبض ببطء ودخل.
كانت تجلس على حافة السرير ظهرها للباب، وترتدي نفس الملابس التي كانت ترتديها بالأمس.
كانت تنظر أمامها إلى الحائط الفارغ لكن نظراتها كانت ضائعة في عالم آخر، عالم من الألم والصدمة.
لم تتحرك قيد أنملة عندما دخل كأنها لم تشعر بوجوده.
أغلق الباب خلفه بهدوء واقترب منها وجلس بجانبها على السرير.
ظل صامتاً للحظات لا يعرف من أين يبدأ.
"صبر..."
لم ترد، لم تلتفت.
"أنا عارف إن أي كلام هقوله دلوقتي ملوش قيمة وعارف إني جرحتك جرح كبير أوي. بس لازم تسمعيني لازم تعرفي الحقيقة."
بدأ يحكي لها كل شيء بالتفصيل بصوت هادئ يائس.
حكى لها كيف تفاجئ بوجودها، وكيف حاول أن يطردها وكيف أغلقت الباب وكيف بدأت تتحدث عن الماضي.
شرح لها الموقف كلمة بكلمة محاولاً أن يرسم لها الصورة الحقيقية، لا الصورة المشوهة التي رأتها.
"أقسم بالله يا صبر أنا كنت هرميها بره في اللحظة اللي دخلتي فيها. أقسم بالله ما لمستها ولا فكرت حتى ألمسها هي اللي كانت بتحاول..."
التزم الصمت لأنه لم يستطيع الشرح أكثر من ذلك.
ساد صمت طويل ثم ولأول مرة تحركت. التفتت إليه ببطء ونظرت في عينيه.
كانت عيناها حمراوين متورمتين من البكاء لكنهما كانتا خاليتين من أي تعبير.
"مش محتاج تبرر."
قالته بصوت مبحوح خافت.
"أنا عارفة إنك متعملش كده عارفة أخلاقك كويس وعارفة إنك بتحبني."
شعر أكمل ببصيص من الأمل يتسلل إلى قلبه.
"بس ده مبيغيرش اللي حصل."
تلاشى الأمل بالسرعة التي ظهر بها.
"اللي قتلني مش إني شكيت فيك اللي قتلني إنك سمحت لها تدخل بيتي وأنا مش موجودة. اللي قتلني إنك وافقت تقعد وتسمع لها، بدل ما تطردها من على الباب. اللي قتلني إنك اديتها فرصة تقرب منك للدرجة دي انت فتحت لها باب كان المفروض يفضل مقفول ومتربس من يوم ما اتجوزتني. انت سمحت لشبحها يدخل بيننا تاني. وده اللي أنا مش قادرة أسامحك عليه."
مسك يدها وكانت باردة كالثلج.
"طب أعمل إيه عشان تسامحيني؟ قوليلي أي حاجة وأنا هعملها بس متعمليش فيا وفي نفسك كده."
سحبت يدها من يده برفق.
"سيبني."
"لأ مش هسيبك."
"سيبني دلوقتي يا أكمل أنا محتاجة أبقى لوحدي محتاجة أفكر."
"مش هسيبك وإنتي بالحالة دي."
نظرت إليه نظرة أخيرة، وفيها يأس وتحذير.
"البيت ده هو المكان الوحيد اللي أقدر أهربله، لو ضغطت عليا أكتر من كده هضطر أسيبه، وأرجع البلد. وساعتها مش هتشوف وشي تاني."
كانت كلماتها بمثابة رصاصة أدرك في تلك اللحظة أنه لو استمر في الضغط سيفقدها إلى الأبد.
تراجع ببطء وشعر بالهزيمة تسري في جسده.
"حاضر يا صبر هسيبك بس مش هتخلى عنك هفضل مستنيكي لحد ما تهدى ولحد ما قلبك يصفى من ناحيتي."
نهض ووقف عند الباب للحظة، ينظر إليها وهي تعود إلى جلستها الصامتة ظهرها له كأنها جزيرة معزولة لا يستطيع الوصول إليها.
ثم خرج وأغلق الباب وشعر بأنه أغلقه على قلبه هو أيضاً.
❈-❈-❈
بعد أن انفض الجمع وعاد الهدوء ليسود أرجاء السرايا مرة أخرى، صعدت نغم إلى جناحهما.
كانت لا تزال تشعر ببرودة تسري في أوصالها كلما تذكرت نظرة صخر المليئة بالحقد، خاصة النظرة التي وجهها لزوجة عمها ورد.
لقد أدركت في تلك اللحظة أن هذا الرجل ليس مجرد خصم، بل هو شر خالص لا يتورع عن فعل أي شيء.
وهذا الشر الآن كله موجه نحو جاسر.
دخلت الغرفة بهدوء لتجد جاسر يخرج لتوه من الحمام.
كان قد خلع قميصه وبقي بسروال منزلي مريح.
قطرات الماء كانت لا تزال تلمع على صدره العريض وكتفيه وتنساب على آثار الجروح التي بدأت تلتئم.
كان يبدو قوياً مهيباً، لكنها كانت ترى ما لا يراه الآخرون.
كانت ترى الإرهاق خلف قناعه القوي، وترى الألم الذي يتحمله بصمت.
ما إن رآها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لكنها لم تصل إلى عينيه التي كانت تحمل بقايا عاصفة المواجهة.
لم تقل شيئاً، تقدمت نحوه بخطوات هادئة ووقفت أمامه مباشرة.
رفعت نفسها على أطراف أصابعها وطبعت قبلة رقيقة دافئة على خده الخشن.
لم تكن قبلة شغف بل كانت قبلة مواساة، قبلة تقول "أنا هنا"، "أنا أشعر بك".
أغلق عينيه للحظة مستمتعاً بلمستها التي كانت كالبلسم على جراحه الخفية.
ثم وضع يديه على خصرها وقربها إليه أكثر.
"خوفتي؟"
همس بصوته العميق وهو يعرف الإجابة بالفعل.
لم تجب مباشرة بل رفعت يدها ومررتها برفق على صدره، متجنبة أماكن الجروح.
"أنا مشوفتش في حياتي كره زي اللي شفته في عينيه النهاردة. نظراته ليك... ونظراته لمرات عمي... كانت نظرة واحد مستعد يقتل بدم بارد."
رفعت عينيها إليه وكانت مليئة بالقلق الصادق.
"أنا خايفة عليك يا جاسر."
ابتسم ابتسامة باهتة.
"وأنا خايف عليكي."
تفاجأت من اعترافه الصريح.
"عليا أنا؟ هو مش شايف غيرك."
"بالظبط وعشان مش شايف غيري وعارف إنه مش قادر يوصلي مباشرة هيدور على نقطة ضعفي. وإنتي نقطة ضعفي الوحيدة يا نغم. وجودك هنا النهاردة وسط عيلتك بيحميكي وبيحميني بس ده بيخليه يتجنن أكتر."
ضمه إليها بقوة ودفن وجهه في شعرها يستنشق رائحتها التي أصبحت مركز أمانه.
"أنا مقدرش أخسرك مقدرش أعيش من غيرك لو حصلك أي حاجة بسببي... أنا هموت."
تشبثت به بقوة وشعرت بصدق كلماته يهز كيانها.
لقد اعترف بخوفه بضعفه وهذا جعلها تشعر بقوة غريبة.
لم تعد مجرد الطرف الذي يحتاج للحماية بل أصبحت هي أيضاً مصدر قوته وحمايته.
"مش هيحصلي حاجة طول ما أنت معايا وإنت كمان لازم توعدني إنك تاخد بالك من نفسك. بلاش تهور وبلاش تستخف بيه الراجل ده شيطان."
ابتعد عنها قليلاً وأمسك وجهها بين كفيه وأجبرها على النظر في عينيه.
رأى الخوف الحقيقي يسبح في بحر عينيها العسليتين.
"بصيلي هنا أنا مش شيطان زيه بس أنا أعرف أتعامل مع الشياطين كويس جوي. كل اللي عمله النهاردة ده كان مجرد استعراض جوة فارغ لأنه حس إنه بقى لوحده، وإني بقيت أقوى بالناس اللي حواليا. هو دلوقتي محاصر والحيوان المحاصر هو أخطر حاجة. وأنا عارف ده كويس."
مسح بإبهامه على خدها برفق.
"متخافيش أنا وعدتك إني هحميكي ووعدي لسه زي ما هو."
بدأ يقترب منها ببطء وتغيرت نظرته من الحنان المطمئن إلى الشغف الحارق.
"ودلوقتي... كفاية كلام عن الشياطين."
همس قبل أن تلامس شفاهه شفتيها.
"أنا وحشني الملاك بتاعي."
وقبل أن تتمكن من الرد ابتلعت قبلته كل كلماتها وكل مخاوفها.
لم تكن مجرد قبلة بل كانت جولة جديدة من جولاتهم الخاصة، جولة يمحو بها كل أثر للعالم الخارجي ويؤكد فيها ملكيته ويجد فيها سلامه.
سحبها معه نحو السرير ورغم التعب ورغم الألم، ورغم الخطر الذي يحوم حولهما، لم يكن هناك في تلك اللحظة سوى رجل وامرأة يجدان في حضن بعضهما البعض، القوة لمواجهة كل حروب العالم.
❈-❈-❈
كانت غرفة نوم مالك وروح غارقة في ضوء أصفر دافئ قادم من الأباجورة بجانب السرير.
في منتصف الغرفة على سجادة فارسية ناعمة كان مالك يجلس على الأرض وقد تحول إلى طفل كبير.
كان المشهد يفيض بالحب النقي، مشهد أب غارق في عشق ابنته.
خرجت روح من الحمام وقد لفت جسدها بمئزر (روب) من الحرير الناعم، وشعرها المبلل ينسدل على كتفيها.
توقفت للحظة تتكئ على إطار الباب وتراقب المشهد بابتسامة سعيدة.
كان قلبها يذوب وهي ترى زوجها الرجل القوي يتحول إلى كتلة من الحنان بين يدي طفلتهما.
تقدمت بخطوات هادئة وجلست أمام المرآة الكبيرة وبدأت تمشط شعرها الطويل ببطء وعيناها في المرآة لا تراقبان انعكاسها، بل تراقبان انعكاس زوجها وابنتها.
كانت سعادتها تامة لكنها شعرت برغبة طفولية في القليل من الدلال.
بعد أن انتهت قامت من مكانها واقتربت منهما وجلست بجانب مالك على السجاد، واضعة رأسها على كتفه.
"الله... الله... شكلها واخدة كل الحب والاهتمام."
قالتها بنبرة دلع مصطنعة وهي تنظر إلى نور التي كانت تتمسك بأصابع والدها.
"الظاهر إن فيه ناس هنا اتنسوا خالص من ساعة ما الأميرة الصغيرة دي شرّفت."
نظر إليها مالك وابتسم وفهم على الفور لعبتها اللطيفة.
"انتي شايفة كده؟"
أومأت مؤكدة.
فقام بحركة رشيقة وحمل نور بين ذراعيه ووضعها برفق في سريرها الصغير بجانب سريرهما، بعد أن تأكد أنها بدأت تغط في النوم.
ثم عاد إليها لم يجلس بجانبها. جذبها من يدها وجعلها تقف قبالته قريباً جداً.
انحنى نحوها وعيناه تلمعان بخبث ومرح.
"بتجولي إيه؟ مسمعتش كويس صوتك كان واطي جوي."
ابتسمت روح وقد بدأ قلبها يخفق أسرع قليلاً من نظراته المركزة.
"بقول... إنك مبقتش تحبني زي الأول كل حبك بقى لنور وبس."
لم يرد بالكلمات بل رفع حاجبيه مندهشاً بتصنع واقترب منها أكثر وطبع قبلة رقيقة على خدها الأيمن.
"إنتي قولتي "مبقتش"؟"
ثم قبلة أخرى على خدها الأيسر.
"وجولتي "تحبني"؟"
ثم قبلة خفيفة على جفن عينها اليمنى المغلقة.
"وجولتي "زي الأول"؟"
كانت أنفاسه الدافئة تلفح وجهها ورائحة عطره الرجولي تملأ حواسها.
بدأت ترتبك تحت تأثير هجومه الحنون.
"بتغيري منها للدرجة دي؟"
شعرت بالحرارة تتسلل إلى خديها.
"أيوه... أنا... أنا بغير منها."
قالتها بصوت هامس شبه مسموع وقد اعترفت أخيراً بمشاعرها الطفولية.
ابتعد عنها مالك قليلاً لينظر في عينيها مباشرة، ورسم على وجهه تعابير الجدية المصطنعة.
"بتغيري من بنتك؟"
أومأت برأسها بخجل فتابع بمكر.
"يا خبر! يبجى أنا كده غلطان جوي. غلطان جداً. ولازم أصلح غلطتي دي فوراً."
وقبل أن تستوعب ما يعنيه، جذبها إليه بحركة واحدة سريعة وحملها بين ذراعيه متجهاً بها نحو السرير.
"شكلي هحتاج ليلة كاملة عشان أثبتلك إن حبي ليكي مبيتقارنش بأي حب تاني في الدنيا."
همس في أذنها وهو يضعها برفق على السرير، ويأخذها معه إلى عالمهما الخاص.
عالم لا يوجد فيه سوى رجل يعشق زوجته وامرأة تذوب في تفاصيل حبه الذي لا ينتهي.
❈-❈-❈
مرت الأيام ثقيلة قاتلة على أكمل.
كانت شقتهما التي كانت يوماً عشاً دافئاً قد تحولت إلى قبر صامت بارد.
كل ركن فيها يصرخ باسمها، كل شيء يذكره بغيابها وغياب ضحكات ابنه.
كان يعود من عمله كل يوم على أمل أن يجدها قد عادت، ليجد فقط صمتاً أعمق وفراغاً أكبر.
حاول مراراً وتكراراً، كان يذهب إلى بيت والدته كل يوم يراها من بعيد يحاول أن يتحدث معها، لكنها كانت تتهرب منه ببرود مؤلم.
كانت ترفض حتى النظر في عينيه.
كانت والدته تحاول التوسط، لكن صبر كانت قد بنت حول نفسها جداراً من الجليد لا يبدو أن شيئاً قادراً على اختراقه.
في ذلك اليوم وصل أكمل إلى نقطة الانهيار.
لم يعد قادراً على التحمل.
دخل إلى بيت والدته كالإعصار وعيناه تبحثان عنها.
وجدها في الشرفة، تقف شاردة كعادتها.
توجه نحوها مباشرة.
وقفت والدته تراقب بقلق تشعر بأن شيئاً سيئاً على وشك الحدوث.
"صبر."
قالها بنبرة حادة مختلفة عن كل محاولاته السابقة.
نبرة لم تعد تحمل رجاءً بل نفاد صبر.
التفتت إليه وعلى وجهها نفس الجمود البارد.
"عايز أتكلم معاكي."
"مفيش بينا كلام يتقال."
"لأ فيه فيه كتير كمان، أنا حياتي اتشلت من غيركم. مش قادر أعيش في البيت ده لوحدي. مش قادر أركز في شغلي مش قادر أعمل أي حاجة."
اقترب منها وصوته يرتفع تدريجياً.
"لازم ترجعي معايا النهاردة."
نظرت إليه ببرود.
"مش هرجع."
كانت هذه هي الكلمة التي فجرت كل شيء.
انفجر فيها بغضب لم يكن يتخيل هو نفسه أنه يملكه.
"ليه؟! عملت إيه عشان أستاهل كل ده؟! قتلتلك قتيل؟! خنتك؟! عملت إيه بالظبط؟! أنا كنت بطردها من بيتي! بيتي وبيتك! إيه اللي في الموقف يخليكي تحكمي عليا بالإعدام بالشكل ده؟!"
لأول مرة تغيرت ملامحها الجامدة وظهر عليها الألم والغضب.
"عايز تعرف أنت عملت إيه؟ طيب بدل الموقف. تخيل إنك رجعت البيت ولقيتني واقفة مع خطيبي القديم في شقتنا وواقفة قدامه بلبس البيت وهو واقف قريب مني والباب مقفول علينا. كنت هتعمل إيه يا أكمل بيه؟ كنت هتقف تسمعني وتديني فرصة أبرر؟"
كانت كلماتها بمثابة صب الزيت على النار.
مجرد تخيل المشهد، مجرد سماعها تنطق بهذه الكلمات، أفقده صوابه تماماً.
"إنتـــــــــي بتقولــــــــــي إيــــــــــــه؟!"
صرخ فيها بصوت جعل والدته تنتفض في مكانها.
تقدم نحوها كالثور الهائج، وأمسك ذراعها بقوة.
"إزاي تفكري مجرد تفكير تقارني نفسك بيا؟! إزاي تتخيلي أصلاً موقف زي ده؟!"
شعرت صبر بالألم في ذراعها لكنها نظرت في عينيه بتحدي وألم.
"شوفت؟ شوفت مجرد الكلمة عملت فيك إيه؟ مجرد التخيل جننك أهو ده بقى اللي أنا شفته بعيني. حقيقة مش خيال عرفت دلوقتي قسوة الموقف اللي أنا كنت فيه؟"
كان الغضب يعميه لم يعد يرى شيئاً.
كل ما يراه هو صورتها التي رسمتها في خياله، وهذا يقتله.
هنا لم تعد نسرين قادرة على الصمت.
تقدمت نحوهما بسرعة.
"أكمل! سيبها! إنت اتجننت؟!"
التفت إليها أكمل وعيناه محمرتان من الغضب.
"متدخليش يا أمي، لو سمحتي متدخليش."
كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي يكلمها فيها بهذه الطريقة.
كانت أول مرة ترى ابنها الهادئ الرصين، بهذا الشكل المرعب.
أدركت أنه لو استمر الموقف هكذا سيحدث ما لا يحمد عقباه.
هم بجذبها بالقوة لكن والدته منعته.
قالتها بصوت حاسم قوي فيه أمر أم لا يمكن رفضه.
"أكمل.... سيبها وأنا أوعدك هي هترجع معاك بس سيبها دلوقتي."
نظر أكمل إلى والدته ثم إلى صبر التي كانت تنظر إليه بخوف حقيقي لأول مرة.
رأى الخوف في عينيها فأدرك إلى أي وحش تحول في لحظات.
أرخى قبضته عن ذراعها ببطء، كأنه يستيقظ من كابوس.
تراجع خطوة إلى الوراء وهو يمرر يده في شعره بعصبية، ولا يزال يتنفس بصعوبة.
"أنا... أنا زهقت."
قالها بصوت غاضب ثم استدار وغادر الشقة بأكملها صافعاً الباب خلفه بقوة تاركاً خلفه امرأتين ترتجفان، وحطام علاقة لم يعد أحد يعرف كيف يمكن إصلاحها.
ما إن انغلق الباب خلف أكمل بقوة هزت أركان الشقة حتى شعرت صبر بأن ساقيها لم تعد قادرة على حملها.
تراجعت بضع خطوات وانهارت على أقرب مقعد وانفجرت في بكاء مرير، بكاء لم يعد صامتاً بل كان مليئاً بالشهقات المتقطعة التي تعبر عن حجم الألم والخوف الذي شعرت به.
تقدمت نسرين منها بسرعة وجلست بجانبها ووضعت ذراعها حول كتفيها المرتجفين.
لم تقل شيئاً في البداية فقط تركتها تفرغ شحنة الألم التي كانت تكبتها لأيام.
بعد دقائق هدأت شهقات صبر قليلاً وتحولت إلى أنين خافت.
هنا تحدثت نسرين بصوتٍ حنون لكنه يحمل عتاباً رقيقاً.
"شوفتي وصلتي الأمور لفين؟ شوفتي حولتي ابني الهادي العاقل لإيه؟"
رفعت صبر وجهها المبلل بالدموع وقالت بصوتٍ متقطع.
"أنا... أنا آسفة يا ماما مكنتش أقصد."
"أنا عارفة إنك مش قصدك بس زودتيها أوي يا صبر اللي بتعمليه ده غلط. أكمل بيحبك، وعمره ما يفكر يخونك إنتي بنفسك عارفة كده."
قالت صبر وهي تمسح دموعها بظهر يدها كالأطفال.
"غصب عني والله غصب عني. أنا شفتها... شفتها وهي قريبة منه أوي لدرجة اللي يشوفهم من بعيد يقول إنهم حضنين بعض. أنا واثقة فيه وعارفة إنه مستحيل يعملها بس فكرة إنه يدخلها بيتنا ويقفل الباب عليهم... الفكرة دي صعبة أوي قتلتني."
تنهدت نسرين وأمسكت بيدها وقالت بعقلانية الأم الحكيمة.
"وطالما إنتي واثقة فيه يبقى ليه بتدي للشيطان فرصة يدخل بينكم ويخرب بيتكم؟ ليه بتعاقبيه على حاجة هو معملهاش؟ ليه بتعاقبي نفسك وبتعاقبي ابنك؟"
هنا انفجرت صبر مرة أخرى لكن هذه المرة لم يكن بكاء ضعف بل بكاء قهر وألم دفين.
"عشان تعبت!"
نظرت إليها نسرين باستغراب فأكملت صبر بصوتٍ يرتجف من فرط المشاعر.
"أنا طول عمري مفروضة على اللي قدامي. كنت مفروضة على أبويا ومراته، كنت باكل وأشرب وأنام في بيتهم غصب عنهم. ولما اتجوزت أكمل... اتجوزته وأنا مفروضة عليه اتجوزته عشان يستر عليا وينقذني. هو عمل الصح عمل اللي يمليه عليه ضميره وأصله، بس أنا كنت عبء عليه."
نظرت إلى حماتها بعينين تائهتين كأنها تكشف عن أعمق جرح في روحها.
"أنا عايزة ولو لمرة واحدة بس في حياتي... أحس إن حد اختارني. أحس إن حد بيحاول عشاني. عايزة لما أبعد حد يجي ورايا ويترجاني أرجع، مش عشان ده الصح ولا عشان ده المفروض، لكن عشان هو مقدرش يعيش من غيري، عايزة أحس إني مرغوبة مش مجرد واجب."
صمتت للحظة وأخذت نفساً عميقاً.
"ولما شفته معاها... حسيت إني رجعت تاني لنقطة الصفر. حسيت إني مجرد "الواجب" اللي في حياته، وإن "الاختيار" ممكن يكون أي واحدة تانية. أنا عارفة إن تفكيري غلط، وعارفة إني بظلمه... بس ده إحساس أقوى مني."
فهمت نسرين الآن كل شيء. لم تكن المشكلة في ليلى، ولم تكن غيرة زوجة عادية. كانت المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
كانت صرخة روح مجروحة تبحث عن قيمتها في عيون من تحب.
ضمتها نسرين إلى صدرها بقوة ومسحت على شعرها بحنان أمومي خالص.
"يا حبيبتي... يا بنتي كل ده في قلبك وساكتة؟ أكمل مش بس اختارك، ده حارب الدنيا عشانك. حارب أبوكي وحارب أفكاره هو نفسه وحارب الماضي كله عشان يكون معاكي. لو مكنتيش اختياره مكنش في قوة في الدنيا قدرت تجبره، كان سابك من زمان. هو بيحبك حب محدش حبه لحد. بس إنتي اللي لازم تصدقي ده لازم تصدقي إنك تستاهلي الحب ده كله."
ابتعدت عنها قليلاً وأمسكت وجهها بين يديها.
"اسمعيني كويس. أكمل دلوقتي خرج وهو غضبان ومكسور. سيبيه يهدا شوية وبكرة الصبح هتلمي هدومك وهدوم ابنك، وهتروحي لجوزك وبيتك وهتفتحي قلبك ليه زي ما فتحتيه ليا دلوقتي. هتقوليله على كل مخاوفك دي. صدقيني هو الوحيد اللي هيقدر يداوي الجرح ده. هو الوحيد اللي هيقدر يثبتلك كل يوم إنك مش واجب... إنك روحه اللي ميعرفش يعيش من غيرها."
نظرت صبر في عيني حماتها وشعرت لأول مرة بأن هناك أملاً.
ربما كانت مخطئة في طريقتها لكنها الآن عرفت أصل الداء وربما... ربما كان أكمل هو الدواء الوحيد.
❈-❈-❈
كانت الخطة التي وضعها جاسر ومالك وأكمل محكمة ودقيقة، تعتمد على استدراج صخر إلى الفخ بنفسه وجعله يعترف بكل شيء وهو يظن أنه يحقق انتصاره النهائي.
كانت الطاولة قد أُعدت في مكتب جاسر القديم في سرايا التهامي، وهو المكان الذي شهد بداية كل المؤامرات.
تم إيهام صخر بأن جاسر قد انهار تماماً بعد مواجهته الأخيرة، وأنه قرر التنازل عن كل شيء والسفر خارج البلاد، وأنه يريد مقابلته لتسوية الأمور وتوقيع الأوراق النهائية التي تمنحه السيطرة الكاملة على الأرض والممتلكات.
كان الطُعم مثالياً لغرور صخر الذي لا حدود له.
وصل صخر إلى السرايا ومعه ذراعه الأيمن وشريكه في كل الجرائم هاشم.
دخلا إلى المكتب ليجدا جاسر يجلس وحيداً خلف المكتب، وعلى وجهه قناع من الهزيمة والإرهاق.
كانت الأوراق مبعثرة أمامه في مشهد يوحي بالاستسلام الكامل.
"أخيراً يا ابن أخويا أخيراً عرفت حچمك وعرفت إنك مش جدي."
قالها صخر بابتسامة منتصرة وهو يجلس أمام المكتب، وهاشم يجلس قبالته بانتصار.
نظر إليه جاسر ببطء وقال بصوت مهزوم.
"خلاص يا عمي أنا تعبت ومش رايد أكمل في البلد دي، كفاية لحد كده. أنا هاخد امي ومراتي وأسافر."
تحدث صخر أولاً بصوت يقطر شماتة ونشوة انتصار.
"اني مكنتش رايد الأمور توصل بينا لىىإكدة، بس انت اللي وصلتها يا ولدي. طول عمري واني عاملك دراعي اليمين بس انت اللي دمرت كل حاجة. لو كنت سمعت الكلام من الول مكنش حصل أكده. تيتى بس أنت حبيت تلعب لعبة أكبر منك."
مد جاسر يده إلى الأوراق وقال بصوت مهزوم، بالكاد يُسمع.
"دي كل التنازلات بس قبل ما أمضي، عايز أفهم حاجة واحدة بس. ليه؟ ليه كل ده؟ إحنا كنا عيلة. إيه اللي يخليك تدمر أخوك، وتدمر ولده وتولع نار بين عيلتين بجالها سنين؟"
شعر صخر بنشوة النصر وبدأ غروره يدفعه للكلام ليتفاخر بذكائه ودهائه أمام خصمه المهزوم.
"عشان أنا اللي أستاهل كل ده، مش أبوك. جدك الله يرحمه كان دايماً بيفضله عني في كل حاجة. الأرض الكبيرة ليه، التجارة المهمة ليه حتى الاحترام كان ليه. وأنا كنت مجرد ضل. كان لازم أكسره، وأكسر كل حاجة تخصه."
"لدرجة إنك تصنع تار مش موجود؟"
"ومين قال إنه مش موجود؟ أنا اللي أوجدته. كانت حكاية بسيطة. شوية كلام هنا على شوية إشاعات هناك. قصة الأرض من البداية كانت ملك جدي، وبما إنه كان صديق لرضوان الرفاعي، فقالوا إنهم هيقسموا الأرض بينهم. جدي ورث الأرض وهو بتعبه وشغله فيها. لما مات جدي أبوي طالب بحقه في الأرض كلها، بس الرفاعية رفضوا وجالوا إن في عقد بينهم إن لهم النص فيها. بس أبوي رفض وجالهم إن تعبهم خدوه في الخير اللي دخلهم من وراها. رضوان رفض وجال إن الأرض دي هو اللي تعب فيها، والأرض عرض واللي يتنازل عنها ميستاهلش يعيش. هو وعمي رفعوا سلاحهم على بعض بعدها التار بدأ."
هنا شعر هاشم بالضجر فقطع الحكاية بحدة.
"أنا مش جاي أسمع حكاوي، أنا جاي آخد العقود وأسلمكم الفلوس وأمشي."
تطلع إليه جاسر بنظرة حيرة مصطنعة كأنه غافل تماماً.
"بس في حاجة برضك شغلاني. إيه اللي يخليك تدفع مبلغ زي ده في أرض مش مسجلة ولا قانونية، وكمان تحارب كل السنين دي عشانها؟"
ابتسم هاشم بسخرية معتقداً أنه يكلم رجلاً مهزوماً.
"مبقاش يخصك أنت، اتنازلت وسلمتنا العقد وانتهت القصة بالنسبالك."
في لحظة تغير كل شيء.
سحب جاسر الأوراق من أمامه بحركة خاطفة، واختفى قناع الهزيمة ليحل محله قناع من الجليد والقوة المطلقة.
نهض واقفاً وقال بصوت كأنه هدير رعد مكتوم.
"جبل ما أسلم أي شيء، لازم أعرف الحقيقة الأول."
"وإيه يجبرني أقولك؟ وإيه اللي شاغلك في حاجة زي دي؟"
"لأنها أرضي، ومن حقي أعرف كل حاجة. يا تعرفني كل شيء يا إما رجالتك اللي جايبهم معاك بره دول، مش هيخرجوا على رجلهم."
انفعل هاشم.
"انت بتهددني؟"
أكد جاسر بثقة.
"أنا مبهددش أنا بنفذ، وأظن إنك عارف كده زين."
كانت قوة جاسر ونظراته الحادة قد جعلت هاشم يرضخ له.
"عايز تعرف إيه؟"
رد جاسر بلهجة رغم هدوئها إلا أنها تحمل قوة لا يستهان بها.
"الحقيقة كاملة، لأن على جد فايدتها على جد تمنها."
"بس أنا اتفاقي كان مع عمك وسعر الأرض كان على الأساس ده، ومش هزود جنيه تاني."
صاح به جاسر بقوة جعلت صخر نفسه يلتفت إليه بذهول.
"اتفاقك مع عمي غير اتفاقي معاك. دلوقتي مش أنا اللي أطلع مغفل وأبيع أرضي زي اللطخ، يا تشاركوني معاكم وتدخلوني في لعبتكم، يا إما تاخد شوية العيال اللي متكتفين بره دول وتمشي من هنا."
قطب هاشم جبينه بغضب.
"أنت بتجول إيه يا ولد المحروس انت؟ رجالة مين اللي متكتفين؟"
أكد جاسر بثقة مطلقة وهو يشير برأسه نحو النافذة.
"رجالتك أنت ولو عايز تتأكد شوف بنفسك."
نهض هاشم بسرعة ونظر من النافذة ليرى المشهد الذي جمد الدم في عروقه.
كان رجاله العشرة جاثيين على الأرض في الحديقة مكبلين وتحت تهديد أسلحة رجال جاسر الذين ظهروا من العدم.
نظر إلى جاسر بحنق وغمغم بتهديد.
"أنت عارف نتيجة عملتك دي إيه؟"
أومأ جاسر بثقة وهو ينهض من مكتبه ويتجه نحوه ليقف قبالته بشموخ وقوة كاسحة.
"خابر عشان أنا مش أقل منك ولما باخد خطوة ببقى خابرها ودارسها زين. دلوقتي هكون شريك تالت معاكم، ومش هتنازل لأي سبب. هنجعد دلوقتي وتعرفوني كل حاجة من الأول ولعلمكم أني أكتر واحد هقدر أساعدكم."
أمام قوته وإصراره وأمام حقيقة أنهم أصبحوا محاصرين رضخ هاشم أخيراً.
"لأن الأرض دي عايمة على كنز، كنز حقيقي."
نظر إليه جاسر بتركيز.
أكمل هاشم بمرارة كأنه يكشف عن سر يؤلمه أن يشاركه.
"الأرض دي تحتيها مقبرة فرعونية كاملة محدش لمسها جبل كده. مقبرة لواحد من كبار الكهنة في الدولة القديمة. ورضوان الرفاعي لما عرف كان عايز يمنعنا بس إحنا اتخلصنا منه ومن عم صخر بطريقة تبين أن رضوان اللي بدأ وهو اللي قتل الأول. وكدة شغلناهم بالتار من سنين وإحنا بنشتغل في صمت، بنطلع جطع بسيطة ونهربها عن طريق رجالتنا. جطع صغيرة تمنها ملايين. كنا بنجهز لأكبر عملية نفتح فيها المقبرة الرئيسية، ونطلع التابوت الذهبي والكنوز اللي معاه. الصفقة دي كانت هتخلينا ملوك مش بس في الصعيد في البلد كلها."
تطلع إليه جاسر بثبات كي لا يشك أحد منهم بشيء وسأل عمه.
"يعني كل التار والدم ده عشان خاطر شوية دهب مدفونين من سنين؟"
"كمل يا عمي."
أشاح صخر بوجهه.
"معنديش حاجة أكملها."
صاح به جاسر.
"لأ عندك، عايز أعرف أبوي؟ ليه سيبتوه يتعدم وهو بريء؟"
بعد اعتراف هاشم لم يعد هناك شيء يخفى.
"لما أهل البلد وقفوا قصادنا وأمروا بوقف التار والأرض تتجسم. أبوي وافق بس أني خططت بطريقة تانية. لأن الجسمة إن نص أرضهم هيكون فيها المقبرة الكبيرة. فمكنش ينفع نفض التار. حطيت عمتك في طريق سالم لجل ما يعشقها ووجدتها هيبقى هما اللي اتعدوا علينا في حريمنا وأرجع التار من تاني وأشغلهم به. بس معملتش حساب إن هي كمان تعشجه وتهرب معاه وتجبلنا العار. وجتها البلد كلها ووقفت مع سالم وجالوا إن النسب ده هو اللي هينهي التار وإن ورد بجيت مش بس في حماية الرفاعية دي كمان في حماية البلد كلها. مكنش ينفع أسكت. أقنعت أبوك إن عامر الرفاعي بيحوم ورانا بيطمع في أرضنا، وأقنعت عامر بالحديث من ناس تبعنا إن أبوك عايز يخطف مرته قصاد اخته اللي أخدوها. شوية غضب على شوية كبرياء وولعت. الناس في الصعيد مبتستناش تتأكد، بتمشي ورا كرامتها وبس."
كان جاسر يستمع بهدوء، لكن عينيه كانتا تسجلان كل كلمة.
"وقتل عامر الرفاعي؟"
هنا نظر صخر إلى هاشم بابتسامة ماكرة.
"دي كانت ضربة المعلم. كارم أخويا كان شاب دمه حامي بس متهور وسهل جوي تسخنه بكلمتين."
تطلع إليه هاشم باتهام.
"هاشم عرف إزاي يلعب في دماغه، وجاله أنه لازم يتخلص منه عشان نقدر نرفع راسنا في البلد بعد اللي عملوه مع أخته. أقنعناه أنه مينفعش يقتل سالم لأننا رايدين نعذبه بموت أخوه. كارم راحله وهو اللي بدأ معاه بالحديث واتغزل في مرته جدام الناس وده اللي أكد لعامر إن كارم عايز يخطف مرته صح."
أكمل هاشم الحديث بصوت أجش كي لا يلقي صخر التهمة عليه.
"عامر رفع سلاحه عشان يهدده بس مكنش هيقتل وأبوك اخدها فرصة وطلع سلاحه بس كنا واثقين انه ممكن يتراجع أو ميقدرش يعملها او حتى الناس تمنعهم وعملنا حساب حاجة زي دي. بس عمك كان زارع رجالتة في كل اتجاه وفي اللحظة اللي رفع فيها سلاحه، طلعت طلقة من مسدس واحد من الرجالة، طلقة واحدة خلصت الحكاية."
تطلع إليه صخر بحنق وابعد التهمة عنه.
"كانت رجالتى صحيح بس أخدوا الأوامر منك انت مش مني، لو كنت أعرف ان أخويا هيروح فيها مكنتش وافجت."
سخر هاشم منه وبدأ الاثنين يلقوا على بعضهم التهم وهذا ما كان يريده جاسر.
شعر جاسر بغصة في حلقه لكنه حافظ على تماسكه.
"مش هتفرج يا عمي، بس أنا دلوقتي رايد أعرف أبوي؟"
رد هاشم ببرود قارس.
"بريء من إيه؟ هو اللي راح وهدد وبعدين، كنت محتاج حد يلبس التهمة عشان التار يولع أكتر. ضغطت عليه وقلتله إن دي هيبة العيلة وإني هخرجه منها زي الشعرة من العجين. وهو صدقني ووثج فيا ولما لقى حبل المشنقة حوالين رقبته، حاول يصرخ ويقول الحقيقة بس كان الأوان فات. ومحدش كان هيصدجه واحد محكوم عليه بالإعدام، بس موته مكنش هدفنا."
أومأ جاسر بتصنع.
"وانتوا بقى فاكرين ان بعد حديثكم ده ممكن أقبل أشعاركم في حاجة."
ضيق هاشم عينيه بشك.
في هذه اللحظة ضغط جاسر على زر صغير مخبأ تحت المكتب.
فجأة انفتح باب جانبي للمكتبة وخرج منه سالم وحامد ووهدان، شيوخ عائلة الرفاعي، وعلى وجوههم صدمة وغضب لا يوصفان.
وفي نفس اللحظة انفتح الباب الرئيسي للمكتب ودخل منه قوة من الشرطة بقيادة ضابط كبير، ومعهم أكمل الذي كان يحمل في يده ملفاً ضخماً.
تجمد صخر وهاشم في مكانهما واتسعت أعينهما بالرعب وعدم التصديق.
نظر صخر إلى جاسر ورأى أن قناع الهزيمة قد اختفى، وحل محله قناع من الجليد والانتصار البارد.
"إيه ده؟ ده فخ؟"
قال الضابط بصوت حاسم وهو يتقدم نحوهم.
"لأ دي النهاية. كل كلمة قلتوها متسجلة صوت وصورة اعتراف كامل بكل جرائمكم من أول التحريض مروراً بالقتل وانتهاءً بتضليل العدالة."
نظر سالم إلى صخر بنظرة تحمل كل ازدراء العالم.
"سنين طويلة وإحنا عايشين في نار أنت اللي ولعتها. سنين من الدم والكره بين عيلتين كانوا أهل، كل ده عشان طمعك وحقدك."
حاول هاشم أن يتحرك، لكن رجال الشرطة كانوا قد أحاطوا به وبصخر ووضعوا الأصفاد في أيديهما.
صرخ صخر وهو ينظر إلى جاسر بجنون.
"أنت اللي عملت فيا كده. أنا هقتلك يا جاسر هقتلك."
لم يرد عليه جاسر فقط وقف ونظر إليه وهو يُقتاد خارج المكتب، خارج السرايا خارج التاريخ الذي حاول أن يزيفه.
نظر إليه وهو يرى نهاية حقبة من الظلام وبداية فجر جديد.
فجر تم شراؤه بثمن باهظ من الألم والدموع، ولكنه أخيراً قد أشرق.
بمجرد أن خرجت الشرطة وهي تقتاد صخر وهاشم، ساد صمت ثقيل ومُهيب في المكتب.
لم يكن صمت مواجهة بل صمت رجال يستوعبون للتو نهاية كابوس امتد لعقود.
كابوس شرب من دمائهم وسمم أرواحهم.
كانت رائحة الخيانة والدم لا تزال عالقة في الهواء لكن الآن بدأ يتسلل إليها عبق الحقيقة النقي، حقيقة مُرة لكنها شافية.
كان سالم وحامد ووهدان يقفون، وعلى وجوههم مزيج معقد من المشاعر: غضب بارد من حجم الخديعة وحزن عميق على سنوات العداء الضائعة، وألم على الأرواح التي أُزهقت ثمناً لكذبة وراحة خفية لأن العدل قد أخذ مجراه أخيراً.
تقدم سالم بخطوات بطيئة نحو جاسر الذي كان يقف بهدوء، يراقب من النافذة ظلال رجال الشرطة وهي تختفي كأنه يرى فصلاً من الجحيم يُغلق أمامه.
وضع سالم يده على كتف جاسر، وقال بصوت يحمل كل وقار السنين وثقلها.
"اللي عملته النهاردة يا جاسر... محدش كان يقدر يعمله غيرك. أنت مش بس رجعت حق أبوك... أنت رجعت حق عيلتين كاملين. رجعت شرفنا اللي اتمرمغ في الوحل سنين بسبب كذبة وحقد."
التفت جاسر إليه، ينظر إليه بنظرة خالية من أي تحدي أو دفاع.
نظرة رجل لآخر يجمعهما الآن جرح مشترك.
"أنا معملتش كل ده لوحدي. أنا كنت القوة بس العقل والقلب كانوا في مكان تاني."
وهنا التفت جاسر ونظر بامتنان حقيقي إلى مالك وأكمل الواقفين بجانبه.
أكمل مالك الذي كان يقف كعادته هادئاً لكن عينيه تلمعان بذكاء حاد.
"جاسر هو اللي رسم الخطة الكبيرة. أنا كنت مجرد عينيه اللي بتشوف في الضلمة. بجمع المعلومات، وبوصل الخيوط ببعضها. كنت براقب تحركاتهم وبوصل لجاسر كل همسة وكل خطوة، عشان يقدر يبني عليها جراره."
ثم تقدم أكمل الذي حول القضية الشخصية إلى قضية عامة، صوته كان هادئاً لكن كل كلمة فيه كانت تحمل وزناً قانونياً قاطعاً.
"وأنا كنت بحول المعلومات لأدلة. كل تسجيل كل ورقة كل شاهد، كنت بوثقه وببني بيه قضية متكاملة. الخطة مكنتش مجرد فخ عشان يعترفوا، كانت شبكة قانونية كاملة بتتقفل عليهم من كل اتجاه. حتى لو مكنوش اعترفوا النهاردة الأدلة اللي جمعناها كانت كافية تحبسهم باقي عمرهم، اعترافهم ده كان مجرد المسمار الأخير في نعشهم."
نظر حامد بإعجاب حقيقي إلى الشابين.
"شهادة حق تتقال. ذكاء مالك في جمع الخيوط، وحنكة أكمل في القانون هما اللي خلوا خطة جاسر تنجح. لولاكم كانت القوة لوحدها ممكن تبقى تهور. أنتم التلاتة كل واحد فيكم كان ركن أساسي في اللي حصل النهاردة."
أما عن مصير الأرض، فقد أوضح أكمل الأمر بحسم.
"بالنسبة للأرض الموضوع منتهي قانوناً. العقد القديم اللي كان بين جدودنا، قانون وضع اليد الحالي لغاه. والأهم من كل ده، بمجرد إثبات وجود مقبرة أثرية الأرض تنزع ملكيتها فوراً وتصبح ملك للدولة. ده حق البلد ومحدش فينا يقدر ياخده. الكنز ده مش بتاعنا ده بتاع التاريخ."
أضاف وهدان بحكمة.
"وده أحسن، الأرض دي اتشربت دم كتير، مينفعش حد فينا يزرع فيها تاني. خليها ترجع لأصحابها الحقيقيين أصحاب التاريخ وتكون شاهدة على نهاية التار."
ساد الصم مرة أخرى لكنه كان صمتاً يحمل تفاهماً عميقاً.
كسر جاسر الصمت بصوت ثابت يحمل قراراً لا رجعة فيه.
"الدم اللي سال بينا، مفيش حاجة تقدر تمحيه بس نقدر نوقفه. نقدر نخليه آخر دم."
نظر إلى أعمام نغم.
"بكرة مع شروق الشمس هنجيب رجالتنا ورجالتكم، وهنقف كلنا على حدود الأرض دي. مش عشان ناخدها. عشان نسلمها للدولة قدام البلد كلها وهنعلن إن تار التهامي والرفاعي... انتهى وإن اللي فات مات."
أضاف سالم بقوة وهو ينظر إلى أكمل ومالك ثم إلى جاسر.
"وهنعلن إن شباب العيلتين دول، هما اللي طفوا النار. هما اللي بعجلهم وجوتهم عرفوا يرجعوا الحق وينهوا زمن الجهل والدم. المستقبل ليهم هما مش لينا إحنا اللي عشنا عمرنا في الكره."
أومأ جاسر برأسه موافقاً وهو يشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة بأن حملاً كالجبال قد أزيح عن صدره.
لم تكن نهاية سهلة ولن يكون المستقبل بسيطاً، لكنها كانت البداية.
بداية حقيقية مبنية على أنقاض الماضي، وعلى أرض صلبة من الحقيقة والعدل وبقيادة جيل جديد أثبت أن العقل والحق، أقوى من أي سلاح.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم رانيا الخولي
عندما أُغلق الباب خلف آخر رجل من رجال العائلتين ساد صمت مطبق في المنزل.
لم يكن صمتاً ثقيلاً كالذي سبق، بل كان صمتاً خفيفاً نقياً، كأنه هواء الفجر الأول بعد ليلة عاصفة.
وقف جاسر وحيداً في بهو السرايا الواسع يستمع إلى هذا الصمت.
لقد انتهى كل شيء. انتهت الحرب التي وُلد ليجد نفسه في قلبها، انتهى الثأر الذي شكل كل تفاصيل حياته، انتهى الخطر الذي كان يحوم كنسر جائع فوق رؤوس كل من يحبهم.
أغمض عينيه للحظة مستنشقاً هذا السلام الجديد.
شعر وكأن حملاً يزن أطناناً قد أُزيح عن كتفيه، ليس فقط عبء المسؤولية، بل عبء الكراهية والغضب الذي عاش به لسنوات.
أطفأ جاسر آخر ضوء في مكتبه وأغلق الباب خلفه بهدوء.
كان الصمت يلف السرايا، صمتٌ ثقيل لم يكسره سوى صوت خطواته على الرخام البارد.
شعر بثقل العالم على كتفيه بعد أن اتخذ قراره الأصعب: الإبلاغ عن عمه صخر.
كان يعلم أن هذا القرار سيفتح أبواب الجحيم على العائلة بأكملها، لكنه كان ضرورياً.
عندما وصل إلى بهو السرايا الواسع توقف فجأة عند بداية الدرج العريض.
وقفت شروق كظلٍ باهت تحت ضوء القمر المتسلل من النافذة الكبيرة.
كانت تقف بصمت تام، ويداها متشابكتان أمامها ورأسها منحنٍ قليلاً.
لم تكن تبكي بصوت مسموع، لكن دموعها كانت تنساب على خديها في خطوط فضية صامتة، ترسم مسارات الألم على وجهها الجميل.
للحظة تجمد جاسر في مكانه. رق قلبه لها رغم كل شيء.
في النهاية هي ابنة عمه، لحمه ودمه. الفتاة التي كبرت أمامه. لم يرغب أبداً في أن يراها بهذه الصورة منكسرة وحزينة.
تقدم نحوها بخطوات بطيئة وهادئة ووقف أمامها مباشرة.
بحث عن كلمات مناسبة، عن جملة قد تخفف من وطأة الموقف، لكنه لم يجد.
كل الكلمات بدت فارغة وبلا معنى.
أخفض عينيه للحظة ثم رفعهما لينظر إليها مباشرة.
وبصوتٍ خرج أجشاً ومتحشرجاً، قال الكلمة الوحيدة التي استطاع نطقها:
"أنا... أنا آسف."
رفعت شروق رأسها ببطء ومسحت دموعها بكف يدها في حركة سريعة، محاولة يائسة لإخفاء انكسارها.
نظرت إليه بعينين متورمتين تحملان ألماً يفوق الوصف، وابتسامة باهتة ومريرة ارتسمت على شفتيها.
"لأ... متتأسفش. أنا اللي آسفة يا جاسر."
صوتها كان مبحوحاً من البكاء المكتوم.
تابعت وهي تجمع شتات نفسها بصعوبة:
"أنا آسفة على كل حاجة. آسفة إني مشيت ورا أبويا وأنا عمياء... وآسفة إني كنت بفرض نفسي عليك طول الوجت كأني مش شايفة رفضك ليا. كنت... كنت غبية."
أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وواصلت اعترافها الذي كان يمزقها من الداخل:
"آسفة إني حاولت أفرق بينك وبين نغم. هي... هي معملتليش أي حاجة وحشة بس أنا كنت بغيّر منها... بغيّر من وجودها في حياتك."
توقفت للحظة وكأنها تسترجع شريط حياتها معه.
"لما عرفت باللي أبويا بيخططله... لما فهمت إنه عايز يجتلك... مفكرتش في أي حاجة تانية. مفكرتش في الراجل اللي كان بيهيني بنظراته وبيتعامل معايا كأني حمل مفروض عليه. كل اللي فكرت فيه هو ابن عمي... والدم اللي بينا."
أغمضت عينيها بقوة وكأنها تستحضر شجاعة أخيرة لتقول الحقيقة الكاملة.
فتحتهما مجدداً وكانت نظرتها مباشرة وصادقة بشكل مؤلم.
"والأهم... إني فكرت في الراجل الوحيد اللي حبيته في حياتي."
سقطت الكلمات بينهما كحجر ثقيل.
تابعت بصوتٍ يرتجف:
"أنا عارفة إنك بتحب مراتك وعارفة إن نغم تستاهل كل الحب ده وأكتر. بس أنا... أنا هعيش على حبك ده باقي عمري. كان نفسي نكون في زمن تاني، بظروف تانية... يمكن... يمكن وجتها كنت حبتني. بس كله قسمة ونصيب."
وقف جاسر يستمع إليها وقلبه يعتصر ألماً.
ربما كانت على حق لو كانت الظروف مختلفة، لو كانت شخصيتها مختلفة، لو لم يكن والدهما صخر. ربما كان هناك فرصة.
لكن قلبه لم يعد ملكه.
قال بصوت هادئ وحاسم:
"شروق..... أنا حياتي كلها لنغم. قلبي ده هي اللي ملكته من أول يوم، ومبجاش فيه أي مساحة فاضية لحد تاني. يمكن فعلاً لو الظروف كانت غير، كان ممكن يحصل حاجة تانية. بس خلاص... نغم استولت على كل حتة في قلبي."
اقترب منها خطوة ونبرته حملت دفئاً أخوياً.
"هتفضلي بنت عمي، ومفيش أي حاجة في الدنيا هتغير ده. السرايا دي بيتك. هتعيشي هنا معززة مكرمة إنتي ومرات عمي، وكل طلباتكم هتكون مجابة."
صمت للحظة يستجمع قواه ليلفظ الكلمات التالية التي يعرف أنها ستكون كرصاصة تخترقها.
"بس أنا... مش هقدر أكمل في دور الزوج اللي على الورق ده أكتر من كده. لازم... لازم نطلق."
كلمة "نطلق" وقعت عليها كالصاعقة.
اتسعت عيناها بصدمة ورعب، وارتجف جسدها بالكامل وكأنها تلقت صفعة غير مرئية.
والدموع تتفجر من عينيها بلا توقف.
نظر إليها جاسر نظرة أخيرة مليئة بالأسف ثم قال بكلماتٍ حاسمة ونهائية، وكأنه يقطع آخر خيط يربطهما.
"إنتي طالق يا بنت عمي."
ألقى عليها قنبلته الأخيرة ثم استدار وسار مبتعداً بخطوات سريعة وثابتة دون أن يلتفت خلفه.
لم يستطع أن يرى انهيارها، لم يستطع أن يشاهدها وهي تسقط.
وما إن اختفى ظله في نهاية الممر حتى انهارت شروق تماماً.
سقطت على ركبتيها فوق الرخام البارد وانفجرت في بكاءٍ مرير وموجوع.
لم تعد دموعاً صامتة، بل كانت شهقات عالية ومتقطعة تهز جسدها النحيل.
كانت تبكي حباً ضائعاً وعمراً أهدر في انتظار سراب، وكلمة "طالق" التي حطمت آخر بقايا كبريائها وأملها.
بعد أن ترك شروق منهارة خلفه واصل جاسر طريقه بخطواتٍ سريعة لم تتوقف إلا عند بوابة السرايا الحديدية الضخمة.
وقف هناك للحظات مستنداً بيده على برودة المعدن وألقى نظرة أخيرة على الصرح الشامخ الذي كان يسمى "بيته".
لم تكن نظرة حنين أو وداع، بل كانت نظرة غريبٍ يتأمل مكاناً لم يشعر بالانتماء إليه يوماً.
رأى في كل نافذة مضاءة خيالات الماضي الأليم، وفي كل زاوية من الحديقة صدى لمؤامرات وكلمات مسمومة.
هذا المكان الذي كان من المفترض أن يكون ملاذه لم يرى فيه سوى الكره والحقد ينموان كاللبلاب السام، يلتفان حول كل شيء جميل ليخنقاه.
شعر وكأنه سجنٌ فاخر قضبانه من ذهب وجدرانه من ضغينة.
تنهد بعمق وشعر بأن هواء السرايا نفسه ثقيل، مشبع بالخداع والآلام.
في تلك اللحظة من الوحشة والبرود لمع في عقله وجه واحد فقط، وجه أعاد الدفء إلى روحه المتجمدة.
نغم.
اسمها تردد في صدره كأغنية دافئة.
فجأة غمر قلبه حنين جارف لها، حنين قوي كاد أن يطرحه أرضاً.
هي الحقيقة الوحيدة الصادقة في عالمه المليء بالزيف، هي النور الذي تسلل إلى حياته فجأة ليقضي على الظلمة التي كانت تملأ قلبه وتخيم على روحه.
قبلها كان مجرد رجل يؤدي واجبه، يعيش في ظلال الماضي.
لكن معها أصبح يعيش حقاً.
شعر للحظة أن روحه تنسحب منه مع كل نفس يأخذه بعيداً عنها.
وأيقن أنها هي الوحيدة القادرة على أن تردها إليه بابتسامة واحدة، بلمسة من يدها.
هي وطنه الحقيقي، وملاذه الآمن.
دون تردد استدار مبتعداً عن السرايا دون أن ينظر خلفه مرة أخرى.
ركب سيارته وأدار المحرك الذي انطلق بهديرٍ قوي كأنه يعلن عن بداية فصل جديد.
انطلق بالسيارة بسرعة، تاركاً خلفه عالماً من الظلام والألم، ومتجهاً نحو النور الوحيد الذي يعرفه.
كلما ابتعد عن السرايا واقترب من بيت الجبل شعر بأن قيوداً غير مرئية تتفكك من حوله.
الهواء أصبح أنقى والظلام أقل قسوة.
كان الطريق الصاعد إلى الجبل بمثابة رحلة صعود من جحيم إلى جنة.
ومع كل منعطف يقربه من بيته الصغير الدافئ، كان قلبه يبدأ في الخفقان بقوة أكبر، ليس من سرعة السيارة، بل من لهفة الوصول.
بدأ يشم رائحتها في الهواء، رائحة عطرها الهادئ الممزوج برائحة القهوة التي يعرف أنها تحبها.
تخيلها وهي تنتظره، ربما تقرأ كتاباً أو تنظر من النافذة بقلق.
هذا الخيال وحده كان كافياً ليرسم ابتسامة حقيقية على وجهه لأول مرة في تلك الليلة.
شعر بالتعب يقتله ما أن دلفت السيارة دخل المنزل.
ترجل منها وعينيه على غرفتهما المضاءة.
لابد أنها تنتظره الآن.
لم يعد مجرد رجل يهرب من مؤامرة، بل أصبح حبيباً يسرع الخطى للقاء حبيبته.
طفلاً تائهاً وجد طريقه أخيراً إلى حضن أمه.
كانت نغم هي كل ذلك وأكثر.
كانت بيته وسكينته ونبض قلبه الذي يدق باسمها.
وفور دخوله.
في تلك اللحظة سمع صوت خطوات سريعة، خطوات خفيفة تكاد تطير فوق الأرض.
فتح عينيه فرآها.
كانت نغم تسير نحوه بخطى لم تكن تمشي، بل كانت تندفع بكل ما أوتيت من قوة، كأنها فراشة تنجذب إلى ضوئها الوحيد.
لم تكن هناك كلمات، لم تكن هناك حاجة لها.
كانت عيناها تحكي كل شيء.
الخوف الذي اعتصر قلبها وهي تنتظر، القلق الذي كاد يقتلها، والراحة المطلقة التي غمرتها عندما رأتهم يغادرون بسلام.
لم يتكلم.
فقط فتح ذراعيه على وسعهما مستعداً لاستقبالها.
ارتطمت بصدره ورمت بنفسها في حضنه بقوة.
تشبثت به ودفنت وجهها في عنقه تستنشق رائحته التي كانت تعني لها الأمان المطلق.
كانت ترتجف بين ذراعيه، ليس من الخوف، بل من فرط المشاعر التي انفجرت بداخلها دفعة واحدة.
لف جاسر ذراعيه حولها وضمها إليه بقوة كأنه يضم العالم كله إلى صدره.
أغلق عينيه مرة أخرى وشعر بأن هذا الحضن، هذه اللحظة هي جائزته الحقيقية.
هي السلام الذي كان يبحث عنه.
"أخيراً..." همست بها بصوت مكتوم ممزوج بالدموع والضحكات.
رفعت رأسها لتنظر إليه وعيناها تلمعان ببريق لم يره فيهما من قبل، بريق الحب الصافي الخالي من أي خوف أو شك.
"أخيراً خلصت. كنت هموت من الخوف عليك."
مد يده ومسح دموعها بإبهامه وقال بصوت عميق دافئ، لم يعد يحمل أي أثر للجليد.
"وأنا كنت عايش عشان اللحظة دي، عشان أرجعلك وأشوف النظرة دي في عينيكي. عشان أقولك إن الخطر راح، وإن محدش هيقدر يبعدك عني تاني أبداً."
"بحبك."
قالتها ببساطة كأنها حقيقة كونية لا تقبل الجدال.
كانت هذه هي المرة الأولى التي تقولها بهذه القوة وبهذا اليقين.
انحنى جاسر وقبّلها قبلة لم تكن كأي قبلة سابقة.
لم تكن قبلة شغف أو رغبة، بل كانت قبلة حياة.
قبلة رجل وجد روحه وامرأة وجدت ملاذها.
كانت قبلة تحمل في طياتها كل الألم الذي مرا به، وكل السعادة التي تنتظرهما.
كانت ونس تقف عند مدخل الصالون، تراقب المشهد بابتسامة هادئة ودموع صامتة تتلألأ في عينيها.
رأت ابنها، الرجل الذي كان جبلاً من القسوة والصرامة يذوب حناناً بين ذراعي زوجته.
ورأت زوجة ابنها، الفتاة التي جاءت إلى هذا البيت أسيرة، وقد أصبحت هي سيدة القلب والروح.
أدركت أن كل ما مرت به من قلق وخوف كان ثمناً قليلاً لهذه اللحظة، لهذه السعادة التي تملأ أركان السرايا.
لم تتقدم، لم ترد أن تقطع عليهما جنتهما الصغيرة.
فقط استدارت بهدوء تاركة لهما مساحتهما، وقلبها يفيض بالرضا والسلام.
عاد جاسر ليضم نغم إلى صدره مرة أخرى هامساً في أذنها.
"كل اللي فات كان كابوس وإحنا دلوقتي صحينا منه، ومن النهاردة مفيش غيرنا إحنا وبس."
تشبثت به أكثر وشعرت بأنها أخيراً في بيتها، ليس فقط في بيت الجبل الذي جاءت إليه مكسورة، بل في حضن هذا الرجل الذي كان قدرها وحربها وسلامها الأبدي.
ظلت بين ذراعيه تتشبث به كأنها تخشى أن يختفي لو أرخت قبضتها.
رفع جاسر وجهها بيديه برفق وأجبر عينيها على ملاقاة عينيه.
كان يريد أن يرى كل نظرة توصف مشاعرها.
وهو يفتح لها قلبه بالكامل لأول مرة.
"بحبك."
قالها مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت مختلفة.
كانت أعمق وأكثر هدوءاً، كأنها حقيقة استقرت في روحه.
ابتسمت نغم ابتسامة خجولة وقالت بصوت هامس.
"وأنا كمان يا جاسر بحبك، بس عايزة أعرف... امتى؟ امتى يا جاسر حسيت بده؟ امتى نغم الأسيرة اللي كنت بتكرهها بقت نغم اللي بتحبها؟"
تنهد جاسر تنهيدة طويلة وسافر بذاكرته إلى الوراء، إلى لحظة كانت نقطة تحول في كل شيء.
"فاكرة يوم حادثة عدي؟ يوم ما ضحى بنفسه عشانك؟"
اتسعت عينا نغم بدهشة.
لم تتوقع أبداً أن تكون تلك هي اللحظة.
أكمل جاسر وهو يمسح على شعرها وعيناه تسبحان في الماضي.
"يومها لما شفته بيرمي نفسه قدام النار عشان ينقذك، أنا اتجمدت مكاني. سألت نفسي سؤال واحد... مين دي؟ مين دي اللي واحد زي عدي يبيع عمره في لحظة عشانها؟"
صمت للحظة كأنه يسترجع الشعور نفسه.
"حسيت بغيرة. غيرة حارقة."
"صحيح وجتها كنت بقول لنفسي إنها مجرد غيرة على حاجة ملكي، واحدة انكتبت على اسمي."
"بس الحقيقة كانت أعمق من كده. كانت بذرة صغيرة اتزرعت في قلبي في اللحظة دي، بذرة الشك في كل حاجة كنت مؤمن بيها."
اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسهما تختلط.
"كانت البداية... البداية لحاجات كتير أوي. أولها إن مفيش حاجة في الدنيا دي، لا تار ولا أرض ولا فلوس، تستاهل نقطة دم واحدة."
"موت عدي فجّني خلاني أشوف الدمار اللي كنت عايش في وسطه وخلاني أعيد كل حساباتي."
نظر في عينيها بعمق كأنه يرى روحه في انعكاسهما.
"وأول حساباتي كانت أنتِ. جلت لازم أعرف، لازم أعرف مين دي اللي تستاهل كل الحب والتضحية دي."
"بدأت أراقبك مش بعين السجان، لأ بعين الراجل اللي عايز يكتشف سرك."
"وكل يوم كنت بكتشف فيكي حاجة جديدة. قوتك، عنادك، طيبة قلبك اللي كنتي بتحاولي تخبيها ورا قسوتك."
"كل تفصيلة فيكي كانت بتسقي البذرة الصغيرة اللي جوايا، لحد ما كبرت وبجت شجرة مجدرش أهرب من ضلها."
لامست أنامله شفتيها برقة.
"ولما اكتشفت، لقيت إن اللي عمله عدي... قليل أوي عليكي. عرفت إنك تستاهلي أكتر من كده بكتير. تستاهلي الدنيا كلها تتحط تحت رجليكي."
"عرفت إنك مش مجرد أسيرة في بيتي، لأ، أنتِ اللي أسرتيني. أنتِ اللي حررتيني من سجن الكره اللي كنت عايش فيه."
لم تعد نغم قادرة على الكلام.
كانت دموعها تسيل بصمت، لكنها لم تكن دموع حزن، بل دموع من غمرتها السعادة حتى فاضت.
انحنى جاسر ومسح دموعها بقبلاته، قبلة على كل خد، قبلة على جفنيها المرتجفين، ثم استقر أخيراً على شفتيها في قبلة طويلة دافئة تحمل كل اعترافات العالم.
عندما ابتعد أسند جبهته على جبهتها، وهما يتنفسان نفس الهواء.
"أنا بحبك يا نغم، بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا دي."
"وأنا آسف... آسف على كل لحظة ألم سببتها لك."
هزت رأسها ووضعت يدها على قلبه.
"الألم هو اللي وصلنا لهنا، وأنا مستعدة أعيشه ألف مرة، عشان أوصل للحظة دي تاني."
ابتسم جاسر ثم حملها بين ذراعيه فجأة، فشهقت نغم بضحكة متفاجئة.
"جاسر! أنت لسة تعبان، الجروح بتألمك. نزلني."
نظر إليها بحب وقال وهو يبدأ في الصعود بها على الدرج.
"جروحي بتتعافى لما بتكوني في حضني. والكابوس خلص ودلوقتي جه وقت نعيش حلمنا."
صعد بها إلى غرفتهما وأغلق الباب خلفهما ليتركا العالم كله في الخارج، ويبدآ أول صفحة حقيقية في قصة حبهما.
قصة وُلدت من رحم النار لتزهر في جنة الأمان.
---
عاد أكمل إلى شقته لكنها لم تعد بيته.
كانت مجرد جدران صامتة، باردة تردد صدى غيابهم.
كل ركن فيها يصرخ باسم صبرة.
كل صوت يذكره ببكاء قاسم.
أصبح المكان سجناً جدرانه تقترب منه لتخنقه بالذكريات والوحدة.
حاول أن يعمل، أن يغرق نفسه في أوراق القضايا، لكن كل الكلمات كانت تتشكل لترسم وجهها، وكل القوانين كانت تبدو سخيفة أمام قانون قلبه الذي ينبض شوقاً وألماً.
لم يعد يحتمل.
وصل إلى حافة الانهيار، حيث لا المنطق ينفع ولا الصبر يجدى.
في عز تعبه وإرهاقه استسلم لنداء قلبه اليائس.
قام من مكانه، لم يغير ملابسه حتى، وانطلق بسيارته نحو بيت والدته.
لم تكن في رأسه خطة، لم يكن هناك منطق.
كان هناك دافع واحد فقط: أن يعيدها بأي طريقة، بالقوة، بالرجاء، بالدموع... المهم أن تعود إلى حضنه، أن يعود النبض إلى هذا البيت الميت.
وصل إلى بيت والدته وطرق الباب بقوة وعصبية لم تعتدها منه.
فتحت له نسرين، وبمجرد أن رأت حالته، عيناه المحتقنتان والإرهاق الذي يرسم خطوطاً قاسية على وجهه، قلق قلبها.
"أكمل؟ مالك يا ابني؟"
دخل دون أن يجيب، وعيناه تبحثان في كل مكان.
"هي فين؟"
"مين يا أكمل؟ اهدى."
"صبر فين يا أمي؟"
تنهدت نسرين ووضعت يدها على ذراعه في محاولة لتهدئته.
"جوه في أوضتها، بس بالراحة عليها يا أكمل، البنت لسه مجروحة منك. الجرح اللي في القلب مش بيلم بسرعة."
أغمض أكمل عينيه وأخذ نفساً عميقاً، محاولاً استجماع بقايا هدوئه.
أومأ برأسه بصمت ثم اتجه نحو غرفته القديمة.
وقف أمام الباب للحظة كأنه يستعد لمعركة، ثم فتحه بهدوء ودخل.
كانت الغرفة شبه مظلمة، والضوء الخافت القادم من النافذة يرسم ظلالاً حزينة.
كانت صبر مستلقية على السرير، تدير ظهرها للباب، وكتفاها يهتزان ببطء مع بكاء صامت مكتوم، أشد إيلاماً من أي صراخ.
عندما رآها هكذا شعر وكأن سكيناً بارداً قد غُرس في قلبه.
كل الغضب الذي جاء به، كل العصبية، كل الإصرار على المواجهة تبخر في لحظة، ولم يترك خلفه سوى ألم حارق وحب جارف.
أغلق الباب خلفه بهدوء واقترب من السرير وجلس على حافته برفق.
لم تتلفت، لكنه عرف أنها شعرت بوجوده من تصلب جسدها.
"صبر..."
قالها بصوت أجش يرتجف من فرط المشاعر المكبوتة.
لم ترد.
مد يده ببطء وتردد للحظة، ثم وضعها على كتفها.
شعر بارتجافتها تحت لمسته.
"أنا آسف."
عندها لم تعد تستطع المقاومة.
استدارت نحوه ووجهها غارق في الدموع، وعيناها تحملان كل عتاب العالم وألمه.
"آسف على إيه بالظبط يا أكمل؟"
"على كل حاجة. آسف إني سمحتلها تدخل بيتنا. آسف إني سمعتلها."
"آسف على الوجع اللي شفته في عينيكي."
"آسف إني خليتك تشكي فيا لو للحظة."
هزت رأسها وخرج صوتها متقطعاً من البكاء.
"أنا مش شاكة فيك. أنا عارفة إنك متعملش كده. أنا عارفة إنك بتحبني، بس مش ده اللي قتلني."
نظرت في عينيه مباشرة، وكلماتها كانت كشظايا الزجاج.
"اللي قتلني إنك سمحتلها تكون في مكان أنا بس اللي مسموحلي أكون فيه. اللي قتلني إنها قدرت تقرب منك بالطريقة دي."
"لما شفتها... حسيت إن قلبي بيقف. حسيت إن الهوا بيتسحب مني. غصب عني يا أكمل... الصورة مبتتنسيش."
اقترب منها أكثر ومسح دموعها بيديه.
"دي كانت ماضي يا صبر. ماضي وانتهى من يوم ما دخلتي حياتي."
"ولما بعدنا عن بعض... الماضي ده رجع. رجعتلها يا أكمل!"
صاح بها بألم رافضاً اتهامها الظالم.
"كنت يائس ومجروح منك، كنت بعاند نفسي ومكنتش عارف بعمل إيه، بس لما شوفتك نسيت كل حاجة ورجعتلك. بس دلوقتي هي اللي جات، وأنا كنت هطردها، كنت هقولها إن حياتي فيها أنتِ وبس. أنتِ اللي حكمتي عليا من غير ما تسمعي."
"وأنت حكمت عليا قبل كده من غير ما تسمعني! عرفت دلوقتي الإحساس بيبقى عامل إزاي؟ عرفت يعني إيه تتهم حد بتحبه وهو بريء؟"
صمت أكمل، لقد أصابت وتراً حساساً.
لقد أعادت إليه جرحه القديم، لكنها جعلته يفهم جرحها هي.
تنهد بألم وقال بصدق كامل.
"عندك حق. أنا دُقت نفس الكاس. وعشان كده، أنا مش هسيبك تدوقيه أكتر من كده."
"أنا غلطت لما استقبلتها، غلطت لما ترددت لحظة، بس وحياة حبك في قلبي وحياة ابننا، اللحظة اللي دخلتي فيها كانت لحظة نهاية أي حاچة تانية في الدنيا."
"أنتِ وبس يا صبر. أنتِ الحاضر والمستقبل."
رأت الصدق في عينيه، رأت ألمه ورأت حبه الذي لا شك فيه.
بدأت دفاعاتها تنهار.
"أنا خايفة يا أكمل."
"خايفة من إيه وأنا معاكي؟"
"خايفة أخسرك."
ابتسم أكمل ابتسامة حزينة، وسحبها إلى حضنه بقوة، ودفن وجهه في شعرها.
"مستحيل تخسريني. أنتِ روحي، والواحد مبيقدرش يعيش من غير روحه."
"أنا كنت بموت اليومين اللي فاتوا. البيت من غيرك وحش أوي والدنيا من غيرك صحرا. سامحيني."
تشبثت به وبكت على صدره، لكن هذه المرة كان بكاء ارتياح، بكاء يغسل كل الألم.
رفعت رأسها وقالت بصوت هامس.
"مقدرش أعيش من غيرك."
"ولا أنا."
نظر في عينيها ثم انحنى وقبّلها.
كانت قبلة تحمل كل شيء: الأسف والشوق والألم والوعد.
كانت قبلة تصالح، قبلة أعادت بناء كل الجسور التي تهدمت.
سحبها معه أعمق، لتذوب بين ذراعيه، وتستسلم لبحور عشقه التي كانت ملاذها الوحيد، حيث يغسل الحب كل الخطايا، ويُصلح كل ما كُسر، ويعيد الحياة إلى القلوب المتعبة.
---
كان الليل قد انتصف وعادت السكينة لتخيم على سرايا الرفاعي.
لكنها لم تكن سكينة عادية، كانت سكينة مُتعبة مُحملة بذكريات يوم طويل وحاسم.
في غرفتهما كانت ورد تجلس على حافة السرير شاردة، تنظر من النافذة نحو الظلام دون أن تراه حقاً.
كانت تتخيل صورة أخيها صخر والأصفاد تلتف حول معصميه، لا تفارق خيالها.
شعور غريب وممزق كان يعصف بداخلها، جزء منها يشعر بالراحة لأن الكابوس قد انتهى، وجزء آخر يشعر بحزن عميق على رابطة الدم التي تحولت إلى عداء ثم إلى جريمة.
مهما فعل سيظل أخاها، قطعة من طفولتها وذكرى من بيت أبيها.
شعر سالم بصمتها الحزين.
خرج من الحمام بعد أن غير ملابسه واقترب منها بهدوء.
لم يتكلم، فقط جلس بجانبها على السرير ثم أحاطها بذراعيه من الخلف وسحبها برفق لتستند بظهرها على صدره.
أسند ذقنه على رأسها ويده تضغط بلطف على يدها كأنه يبني حولها حصناً من الأمان.
تنهدت ورد تنهيدة طويلة وخرج صوتها متعباً ومبحوحاً.
"مش عارفة أفرح ولا أزعل. قلبي واجعني عليه يا سالم."
"مهما كان ده أخويا، كنت بتمنى يتصلح حاله، مش ينتهي بيه في السجن."
أغمض سالم عينيه وهو يستشعر ألمها كأنه ألمه.
"عارف يا روح سالم، عارف إن قلبك أبيض ومبيعرفش يشيل. وزعلك ده دليل على أصلك الطيب."
"بس صخر هو اللي اختار طريقه، هو اللي فضل الحقد والغل على صلة الدم."
صمت للحظة ثم قال بصوت عميق، يحمل ثقل سنوات من القلق المكتوم.
"أنتِ عارفة أنا عشت السنين اللي فاتت دي كيف؟"
نظرت إليه فرأت في عينيه تعباً لم تره من قبل.
أكمل بنبرة لم يسمعها منها أحد غيرها، نبرة ضعف وخوف.
"كل يوم كنت بصحى من النوم، وأول حاجة بعملها إني أبص عليكي وأتأكد إنك لسه بتتنفسي."
"كل مرة كنتي بتخرجي من باب السرايا، كان قلبي بيخرج معاكي، ومبيرجعش غير لما ترجعي."
"كل غريب كان بيقرب من السور، كنت بشوف فيه رسول الموت اللي بعته صخر."
"كنت عايش في كابوس يا ورد. كابوس إني ممكن في أي لحظة أرجع ملاقيكيش."
شدد من احتضانها كأنه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها.
"تهديده ليكي مكنش مجرد كلام."
"أنا كنت عارف إنه جاد وإنه مستني اللحظة المناسبة. كنت بنام وأنا صاحي وبصحى وأنا خايف. كنت مستعد أحارب الدنيا كلها عشان أحميكي، بس الخوف من غدره كان بياكل فيا كل يوم."
شعرت ورد بصدق كلماته وارتجف قلبها، ليس من الحزن على أخيها، بل من حجم الحب والخوف الذي كان يحمله زوجها في قلبه من أجلها.
استدارت بين ذراعيه لتواجهه ووضعت يديها على وجهه.
"كل ده كان في قلبك وساكت؟"
"كنت هقولك إيه؟ أقولك متخرجيش؟ أسجنك بإيدي عشان أحميكي؟ مقدرش."
"كنت بدعي ربنا كل ليلة إنه يحفظك، وإنه يكشفه قبل ما يوصلك."
ابتسم ابتسامة باهتة لكنها كانت حقيقية.
"النهاردة... النهاردة بس يا ورد أنا اخدت نفسي."
"النهاردة بس حسيت إن الكابوس خلص."
"النهاردة بس هعرف أنام وأنا مطمن إنك جنبي وإن مفيش خطر هيطولك."
انحنى وقبل جبهتها قبلة طويلة دافئة، تحمل كل معاني الأمان والراحة.
"خلاص يا ورد الأمان رجع ومحدش هيقدر ياخدك مني تاني أبداً."
ذابت ورد بين ذراعيه وشعرت بأن كل أحزان العالم تتلاشى.
صحيح أنها فقدت أخاً، لكنها ربحت رجلاً كان هو جيشها وحصنها، وأمانها.
وفي حضنه لم يعد هناك مكان للخوف، فقط سلام عميق وحب لا ينتهي.
---
لم ينم وهدان في تلك الليلة.
بعد أن انفض الجمع وعاد كل رجل إلى بيته وأسرته، ظل هو مستيقظاً.
لم يكن أرقه قلقاً أو خوفاً، بل كان حالة من الصفاء العميق كهدوء السماء بعد أن تنجلي آخر سحابة من عاصفة مدمرة.
مع أول خيط من خيوط الفجر قام من فراشه بهدوء وتوضأ وصلى.
ثم ارتدى جلبابه وخرج من السرايا وحيداً.
لم يخبر أحداً بوجهته، لكن قلبه كان يعرف الطريق جيداً.
سار بخطوات بطيئة وثابتة تخترق صمت القرية التي بدأت تستيقظ على غير عادتها.
لم يكن هناك همس عن الثأر، ولا نظرات مشحونة بالتربص.
كان هناك هدوء، هدوء حقيقي كأن القرية كلها قد تنهدت بارتياح.
وصل إلى مقابر العائلة وقف أمام قبر نُقش عليه اسم "عامر وهدان الرفاعي" وبجانبه "عدي سابم الرفاعي".
أغمض عينيه، ولم تكن الصورة التي رآها هي صورة حفيده في كفنه، ولا صورة ابنه، بل صورتهم وهما اطفال يجريان في حقول الأرض، يضحكان وصوتهما يملأ الدنيا حياة.
رآه شاباً قوياً يحمل ملامح عائلة الرفاعي وكبريائها.
ثم شاباً آخر بدمٍ حامٍ لم يتحمل فراق حبيبة كتبت لغيره.
تنهيدة طويلة مُحملة بألم السنين خرجت من صدر وهدان.
جلس على الأرض بجوار القبر ومرر يده الخشنة على ترابه البارد كأنه يمسح على شعر حفيده وابنه.
"ارتاحوا يا أغلى الناس..." همس بصوت خفيض، كأنه يكلم روحاً تحوم في المكان.
"الحج رجع والدم اللي راح عشانكم، وجف خلاص."
نظر لحفيده وتابع.
"صحيح أنت غالي... وغالي جوي. فراقك كان نار بتاكل في قلبي كل يوم. كنت ببص في وش أبوك وأشوف حسرته، وأبص في وش إخواتك وأشوف كسرتهم، وأقول نفسي... كل ده عشان إيه؟"
"كنت عارف إن دمك حامي، بس تهورك يا غالي وجّع قلوبنا عليك."
"طعت كتير لجل ما أحافظ عليكم، بس أنت خرجت عن طوعي وجتلتني وجرحت قلوبنا عليك."
"قلتلك شيطان الكبرياء والثأر أعمى، بس أنت مطوعتش حد فينا."
"الثأر عماّنا كلنا. جبلك وخلاّنا نصدق الكدبة ونعيشها ونموت فيها."
صمت للحظة، ورفع رأسه لينظر إلى السماء التي بدأت تتلون بألوان الشروق.
"بس ربنا كبير... كبير جوي."
"صحيح هو خدك لحكمة يعلمها، بس موتك ده... كان هو المسمار الأول في نعش الثأر. موتك هو اللي صحّى جاسر، وهو اللي خلانا كلنا نرجع نفكر. يمكن كان لازم واحد غالي زيك يروح، عشان الباقي يعيش في سلام."
نظر لعامر وتابع.
"الثأر خلص يا عامر، خلص خلاص."
"عيلة التهامي وعيلة الرفاعي هيرجعوا جيران تاني."
"الدم هيتغسل بالخير والأرض اللي كانت سبب العداوة هترجع للدولة شاهدة على نهاية الظلم."
مد يده ومسح دمعة عنيدة تسللت من زاوية عينه.
لم تكن دمعة حزن، بل دمعة راحة.
راحة الرجل الذي عاش عمراً كاملاً تحت وطأة ثأر لم يختره، وخسر فيه أغلى ما يملك، لكنه عاش ليرى نهايته.
وقف على قدميه ونظر إلى القبر نظرة أخيرة، نظرة وداع ليس للحفيد والابن، بل للماضي كله.
ثم استدار وبدأ يسير عائداً إلى السرايا وظهره مستقيم وخطواته أكثر ثقة.
كان يسير نحو فجر جديد، فجر لا يحمل رائحة الدم، بل يحمل وعداً بالسلام.
سلام اشتراه بقطعة من قلبه.
---
في غرفتها الهادئة حيث كل شيء لا يزال يحمل عبق ذكرياته، أغلقت ليل الباب خلفها، لتختلي أخيراً بنفسها وبأشباح الماضي الجميل.
لم تعد هناك حاجة للقلق أو الخوف.
لقد انتهت المعركة ووصلت سفينتها أخيراً إلى بر الأمان.
تقدمت نحو خزانة ملابسها القديمة وفتحت درجا صغيرا وأخرجت منه بعناية كنزا قديما، إطاراً خشبياً بسيطاً يحمل صورة باهتة لرجل في مقتبل العمر، عينيه تلمعان بذكاء وحياة، وعلى شفتيه ابتسامة واثقة.
صورة عامر.
عادت وجلست على حافة السرير ووضعت الصورة في حجرها، ومررت أناملها برفق على زجاجها البارد كأنها تلمس وجهه.
"عامر..."
همست باسمه وخرج الصوت محملاً بسنوات من الشوق والحنين.
"شايف يا حبيبي؟ شايف اللي حصل؟"
ابتسامة حزينة وراضية ارتسمت على شفتيها، ودمعة لمعت في عينيها لكنها لم تسقط.
"الثأر اللي خدك مني... خلص. الكابوس اللي عشت فيه من يوم ما سبتني... انتهى. حقك رجع يا عامر."
صمتت للحظة كأنها تستمع إلى صدى صوته في ذاكرتها.
"بس مش ده اللي جاية أقولك عليه. أنا جاية أطمنك على أمانتك. على بناتك... على حتة منك ومني اللي سبتهم لي في الدنيا."
"بناتنا كبروا يا عامر وبجوا ستات زي القمر. فاكر لما كنت بتجولي خايف عليهم من الدنيا؟ الدنيا كانت قاسية عليهم جوي يا حبيبي، بس هما طلعوا أقوى منها، طلعوا شبهك، راسهم مرفوعة ومبيخافوش من الحج."
"نغم... بنتك الصغيرة اللي ورثت عنادك وقوة شخصيتك. جلبها اللي كان مجفول اتفتح، بجت في حضن راجل بيحبها وبيصونها. مالك شايلها في عينيه النهاردة شفتها بتبص له وهي بتضحك، نفس ضحكتك اللي كانت بتخطف قلبي. بجت أم يا عامر، جابت بنت زي الملاك، نورت دنيتهم."
"ونغم... بنتنا الكبيرة، اللي كانت رقيقة زي النسيم. شافت كتير جوي يا عامر، شافت اللي محدش يستحمله. بس جلبها الصغير ده طلع من حديد. حاربت ووقفت وجاومت وفي الآخر... حبها انتصر. جاسر الراجل اللي كان عدونا، بجى هو أمانها وحمايتها. لو تشوفه بيبصلها إزاي، لو تشوف الخوف عليها في عينيه كنت هترتاح وتطمن. حبهم اتولد من جلب النار عشان كده بجى أقوى من أي حاجة."
أخذت نفساً عميقاً ورفعت الصورة لتنظر في عينيه مباشرة.
"أنا النهاردة يا عامر... سعيدة، سعيدة بيهم وسعيدة عشانهم. كل واحدة فيهم لجت مرفأها، ولجت الراجل اللي هيكمل معاها الطريق. الأمان اللي كنت بحلم بيه ليهم اتحقق."
"الحمل اللي كنت شايله على كتفي لوحدي، خلاص مبقاش تقيل."
"أنا وصلت الأمانة يا حبيبي. بناتك في أمان ودلوقتي، أقدر أقولك... ارتاح. ارتاح يا نور عيني، بناتي وبناتك وصلوا لبر الأمان."
انحنت وقبلت الصورة قبلة طويلة، ثم ضمتها إلى صدرها بقوة مغمضة عينيها.
لم تكن تبكي على فراقه، بل كانت تشاركه فرحتها وتخبره بأن تضحيته لم تذهب سدى، وأن بذرة الحب التي زرعاها معاً، قد أزهرت أخيراً، رغم كل العواصف.
---
كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل بهدوء من بين ستائر غرفة النوم ترسم خطوطاً فضية على الجدران وتلقي بضوءٍ ناعم على وجه نغم.
كانت مستلقية على السرير ورأسها يستريح على صدر جاسر ويدها تحتضنه بقوة وكأنها تخشى أن يختفي إذا أرخت قبضتها.
أنفاسه المنتظمة والعميقة كانت الموسيقى الوحيدة التي تملأ الغرفة وصوت نبضات قلبه الثابتة تحت أذنها كانت أجمل لحن سمعته في حياتها.
لم تكن نائمة. كيف يجرؤ النوم على سرقة لحظات كهذه؟
كانت عيناها مفتوحتين، تتأملان الفراغ بسعادة غامرة.
شعور بالأمان المطلق يغمرها، شعور لم تعرفه من قبل.
كل المخاوف التي كانت تسكنها، كل القلق الذي كان ينهش روحها تبخر واختفى.
لم يعد هناك "شروق"، لم يعد هناك "صخر"، لم يعد هناك خطر يتربص بهما في الظلام.
لم يعد هناك سوى هي... وهو.
شعر جاسر بحركتها الخفيفة وبأنفاسها التي لم تهدأ بعد.
فتح عينيه ببطء وابتسامة صغيرة تزينت بها شفتاه قبل أن يتكلم.
أحكم ذراعه حولها مقرباً إياها أكثر إلى حضنه الدافئ وهمس بصوتٍ ناعس وعميق.
"لسه صاحية يا حبيبتي؟"
رفعت نغم رأسها قليلاً لتنظر في عينيه اللتين كانتا تلمعان بحبٍ صافٍ.
ابتسمت ابتسامة واسعة أضاءت وجهها بالكامل.
"مش مصدجة... مش مصدجة إن كل ده خلص. حاسة كأني كنت في كابوس طويل وصحيت منه فجأة."
مررت أناملها برقة على خده وتابعت بصوتٍ يملؤه العشق.
"مش مصدجة إن الخطر راح، وإننا بقينا في أمان... وإنك... إنك بقيتلي أنا وبس."
ضحك جاسر ضحكة خافتة وعميقة اهتز لها صدره، مما جعلها تشعر بدغدغة لطيفة.
نظر إليها بمكر، ورفع حاجبه في حركة مسرحية.
"اممم... أنا شايف إنك بقيت شريرة شوية. عايزاني ليكي لوحدك؟"
ضيّقت نغم عينيها في تحدٍّ لعوب واقتربت من وجهه حتى كادت أنفاسهما تختلط.
قالت بنبرة جادة بشكل هزلي، لكنها كانت تحمل كل الصدق في العالم.
"أي واحدة تفكر بس إنها تجرب منك هتلاقيها اتحولت لذئبة وهنهش لحمها."
انفجر جاسر ضاحكاً هذه المرة، ضحكة صافية خرجت من أعماق قلبه.
يا الله كم يعشق هذه الغيرة الصريحة، هذا الحب المتملك الذي يعلن عن نفسه بلا خجل.
إنها تحبه بنفس القوة، بنفس الجنون.
"يا ساتر! للدرجة دي؟"
لم تجبه بالكلمات.
بدلاً من ذلك رفعت نفسها قليلاً وطبعت قبلة طويلة وعميقة على خده، قبلة تحمل كل الشوق الذي كتمته، وكل الحب الذي تملّكها.
ابتعدت قليلاً، وعيناها تلمعان بتحدٍّ وحب.
"وأكتر من كده بكتير يا جاسر. أنت ملكي أنا وبس... فاهم؟"
نظر في عينيها طويلاً ورأى فيهما عالمه كله.
لم يعد هناك ما يقوله.
جذبها إليه بقوة ودفن وجهه في شعرها مستنشقاً رائحتها التي أصبحت إدمانه.
همس في أذنها بكلماتٍ كانت هي كل ما يحتاجه قلبها ليطمئن إلى الأبد.
"وأنا ملكك إنتي وبس يا قلب جاسر."
في ذلك الحضن وتحت ضوء الفجر الجديد، لم يكونا مجرد زوجين، بل كانا عالمين اندمجا معاً.
روحين وجدتا أخيراً وطنهما الأبدي.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم رانيا الخولي
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم رانيا الخولي
كانت أصوات الضحكات والموسيقى تتعالى من الحديقة الخلفية لقصر الرفاعي، حيث قررت العائلة إقامة حفل شواء كبير للاحتفال.
كان جاسر يقف أمام الشواية الضخمة وقد شمر عن ساعديه القويين، يتولى مهمة الشواء بجدية تامة كأنه في مهمة عسكرية.
بجانبه كان مالك يساعده ويمرر له الأطباق، وكانا يتبادلان حديثاً هادئاً وضحكات متقطعة، في مشهد لم يكن أحد ليتخيله قبل سنوات.
على طاولة كبيرة قريبة كانت النساء قد شكلن خليتهن الخاصة.
نغم كانت تقطع السلطة بينما كانت روح تحضر بعض المقبلات، ووعد كانت تضع اللمسات الأخيرة على طاولة الطعام.
كانت صبر تراقبهن بابتسامة هادئة وهي تهدهد طفلتها الصغيرة التي غفت بين ذراعيها.
اما الجيل الجديد فكان قد استولى على الحديقة بالكامل.
يامن وتميم توأم جاسر، كانا يقودان فريقاً في مباراة كرة قدم حماسية ضد عدي ابن سند وقاسم ابن أكمل الذي كان يدافع عن مرماه ببراعة وشجاعة.
كانت نور ورحيق ابنة أكمل تقفان بجوار صبر تداعبان تلك الصغيرة سيلا
وفجأة، انطلقت كرة القدم بقوة نحو طاولة النساء صرخت روح بمرح وهي تتفادى الكرة التي استقرت في طبق السلطة.
ركض يامن الصغير نحو الطاولة وهو يلهث ووجهه يعتذر براءة.
_ أنا آسف يا خالتو روح، بس خالو سند السبب.
نهض سند من كرسيه متظاهراً بالغضب.
_ أنا السبب يا ولد؟ ليه عملت ايه؟
رد يامن بقوة مع الحفاظ على آداب الحديث.
_شطلك الكورة وانت كنت بتبص على خالتو وعد وبتغمزلها.
ضحك الجميع مما أخجل سند ووعد
_وانا مالي بتشوط الكرة ليا، انا كنت بلعب معاكم.
فنظر إلى جاسر وقال بغيظ
_ما تشوف صرفة في ابنك ده، الواد لماح بشكل غريب.
نظر جاسر إلى ابنه وأشار له بالتقدم
طاوعه يامن وتقدم بخطوات واثقة، ووقف أمام أبيه رافعاً رأسه لا تبدو عليه أي علامات خوف بل نظرة احترام وانتظار.
لم يوبخه جاسر ولم يرفع صوته بل انحنى قليلاً ليصبح في مستوى نظر ابنه، ووضع يده الكبيرة على كتفه الصغير.
نظر في عينيه مباشرة وبدأ حديثه بصوت هادئ وعميق، صوت لا يسمعه سواهما تقريباً.
_ أنت شوفت خالك سند بيبص لخالتك وعد؟
أومأ يامن برأسه بجدية.
_ أيوه يا بابا.
سأل جاسر بهدوء.
_يعني خالك سند بيحب خالتك وعد؟
أجاب الطفل بثقة.
_ أيوه طبعاً.
_ طيب يا بطل لما الراجل يبص لمراته اللي بيحبها، دي حاجة بينهم هما الاتنين بس
حاجة خاصة وجميلة، زي الأسرار الحلوة وإحنا كرجالة من أصولنا إننا نحفظ السر، ومنكشفش ستر حد حتى لو كان في الهزار
عينك شافت حاجة يبقى تخليها في قلبك متطلعهاش على لسانك قدام الناس كلها فهمتني؟
كان يامن يستمع بتركيز شديد كأنه يتشرب كل كلمة، لم يشعر بالإهانة أو بأن أباه يوبخه، بل شعر بأنه يعطيه درساً مهماً سراً من أسرار الرجال.
هز رأسه الصغير بقوة.
_ فهمت يا بابا أنا آسف.
ربت جاسر على كتفه بفخر.
_ مش عايزك تتأسف عايزك تتعلم أنت عينك لماحة وبتشوف اللي غيرك مش بيشوفه، ودي حاجة هتميزك لما تكبر
بس القوة الحقيقية مش في اللي بتشوفه، القوة في اللي بتعرف إمتى تتكلم عنه، وإمتى تسكت وتحفظه لنفسك.
ثم وقف جاسر بكامل قامته، ونظر إلى سند الذي كان يراقب الموقف بفضول، وقال بصوتٍ عالي ومرح، ليغير الأجواء تماماً
_ خلاص يا سند الواد اعترف بغلطه بس برضه، خلي بالك بعد كده عيون الصقور الصغيرة دي مبتسيبش حاجة.
ضحك الجميع مرة أخرى، وقد أُعجبوا بطريقة جاسر الحكيمة في التعامل مع الموقف.
لقد علم ابنه درساً في الأدب وحفظ الخصوصية، دون أن يحرجه أو يقلل من شأنه أمام العائلة، بل على العكس منحه شعوراً بالمسؤولية والثقة.
عاد يامن إلى الملعب لكن هذه المرة كانت خطواته أكثر نضجاً، وعيناه تحملان بريقاً جديداً، بريق طفل تعلم للتو درساً لن ينساه أبداً من الرجل الذي هو مثله الأعلى في هذا العالم.
كانت نغم تراقبه من بعيد، وقلبها يفيض فخراً وحباً.
رأت كيف تعامل مع ابنهما كيف علّمه درساً في الرجولة والأصول بحكمة وهدوء، دون أن يجرح كبرياء طفل أو يحرجه أمام الجميع.
هذا هو جاسر الذي عشقته، ليس فقط بقوته وهيبته بل بحكمته التي تظهر في أدق المواقف.
تركت ما في يدها واقتربت منه بخطوات هادئة، كأنها فراشة تنجذب إلى النور وقفت بجانبه تماماً، وشعرت بدفء الشواية يمتزج بدفء وجوده.
_ شكل اللحمة استوت هات عنك كفاية عليك.
قالتها بصوتٍ ناعم، وكانت حجة واهية لتكون بقربه.
لم يلتفت إليها جسده بالكامل، بل أدار رأسه فقط لكن نظرته كانت كافية لتخترقها.
ذلك الشموخ وتلك القوة التي كانت واضحة للجميع قبل لحظات، بدأت تذوب وتلين تحت تأثير نظرتها وحدها ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة لا يراها سواها.
_ تعبك راحة يا عمري.
تعلقت عيناها بعينيه وقالت بصدق يملأ صوتها
_ أنا فخورة بيك أوي يا جاسر، فخورة بالطريقة اللي بتربي بيها ولادنا.
اقترب منها خطوة حتى كاد كتفه يلامس كتفها، وانخفض صوته ليصبح همساً حنوناً لا يسمعه غيرها وسط ضجيج الحفل.
_ وأنا كل اللي بعمله عشان أبقى الراجل اللي يستاهل فخرك ده.
عشان لما يبصوا في عينيكي، يشوفوا نظرة الرضا دي.
شعرت بخجل لذيذ يلون وجنتيها. مدت يدها لتأخذ منه ملقط الشواء، فتلامست أصابعهما للحظة وسرت في جسدها قشعريرة دافئة ومألوفة.
_ أنت أحسن أب في الدنيا.
أمسك يدها برفق ومنعها من أخذ الملقط.
_ خليكي مرتاحة، النهاردة يومك ويوم الولاد.
أنا اللي هخدمكم كلكم.
نظرت إلى يده الكبيرة التي تمسك بيدها، ثم رفعت نظرها إليه مرة أخرى، وقد تاهت في عمق عينيه.
_ وجودك جنبي بالدنيا كلها.
لم يستطع المقاومة أكثر ترك الملقط جانباً وبحركة سريعة لم يتوقعها أحد، استدار وأحاط خصرها بذراعه، وسحبها خلف الشواية، في زاوية خفية عن أعين الجميع ونظر في عينيها التي تسحره
_ بتعملي فيا إيه بنظراتك دي؟ بتخليني أنسى الناس والدنيا كلها.
ضحكت بخفة وهي تضع يديها على صدره العريض.
_ أنا معملتش حاجة.
نظر في عينيها مباشرة، وبنبرة تحمل مكراً محبباً قال وهو يبتسم
_ عموماً، حسابنا مش هنا أنا لسه مستني المكافأة بتاعتي اللي اتفقنا عليها بالليل، بعد ما الصقور الصغيرة دي تنام.
اتسعت عيناها بخجل لذيذ وهي تفهم ما يرمي إليه، وضربته بخفة على صدره.
_ جاسر!
ضحك ضحكة رجولية عميقة، ثم قبلها قبلة سريعة على خدها وتركها قبل أن يلاحظهما أحد، وعاد إلى الشواية وكأن شيئاً لم يكن تاركاً إياها بقلبٍ يخفق بشدة، ووجهٍ متورد ووعدٍ بليلة لا تشبه إلا حكاياتهم الخاصة.
❈-❈-❈
كانت روح تضحك مع نغم ووعد، لكن عينيها لم تفارق مالك أبداً.
كانت تراقبه وهو يتحدث مع جاسر
فجأة، نهض مالك وحمل طبق التقديم الكبير الذي امتلأ تقريباً، وقال بصوتٍ عالي
_ أنا هدخل الطبق ده المطبخ عشان ميبردش وأجيب غيره.
تقدمت منه روح لتأخذه
_هاته انا هدخله.
غمز لها بعينيه بطريقة فهمتها روح على الفور، الإشارة الخفية في عينيه
انتظرت لحظات قليلة حتى اختفى داخل القصر ثم اعتذرت من نغم ووعد بهدوء، وتحججت بأنها ستجلب بعض المناديل ولحقت به.
ما إن خطت بقدميها داخل المطبخ الهادئ، حتى شعرت بالباب يغلق خلفها بهدوء وقبل أن تستدير كانت ذراعا مالك القويتان تحيطان بخصرها من الخلف، وسحبها برفق حتى التصق ظهرها بصدره العريض.
أغمضت عينيها واستنشقت عطره المميز الذي تعشقه، ومالت برأسها للخلف لتستند على كتفه.
_ كنت عارفة إنك عملتها حجة.
همست بصوتٍ ناعم.
دفن مالك وجهه في عنقها وقبلها قبلة رقيقة جعلت قشعريرة لذيذة تسري في جسدها.
_ ومكنتش أقدر أستنى أكتر من كده.
همس في أذنها بصوتٍ عميق وحنون. _ بقالي ساعة شايفك بتضحكي من بعيد، وحاسس إني عايز أخطفك من وسط الناس كلها وأخلي الضحكة دي ليا لوحدي.
استدارت بين ذراعيه لتواجهه، ولفت يديها حول رقبته.
نظرت في عينيه التي كانت تلمع بحب عميق، حب ناضج وهادئ كشخصيته تماماً.
_ وأنا كل ضحكة بتطلع مني بتكون بسببك ولِيك يا مالك.
مرر إبهامه برقة على خدها متتبعاً خط فكها.
_ تعرفي إني كل يوم بصحى فيه وألاقيكي جنبي، بحمد ربنا ألف مرة إنه عوضني بيكي.
إنتي جيتي ومليتي كل الفراغ اللي في حياتي خليتي للدنيا طعم ولون.
اهتزت نظراتها من فرط السعادة.
_ وإنت الأمان والسند اللي كنت بتمناه طول عمري.
وجودك جنبي بيخليني أحس إني أقدر أواجه أي حاجة في الدنيا.
لم يعد يحتمل أكثر انحنى ببطء وقبّلها لم تكن قبلة عاصفة أو جائعة، بل كانت قبلة عميقة وحنونة، تحمل كل مشاعر الامتنان والشوق والسلام التي يشعر بها معها.
كانت قبلة تحكي قصة حبهما، قصة بدأت بالتردد والخوف وانتهت باليقين المطلق بأنهما خلقا ليكونا معاً.
ابتعد عنها قليلاً وظل جبينه ملتصقاً بجبينها، وأنفاسهما تختلط.
_ بحبك يا روح.
ردت عليه بنفس الهمس الحالم
_ وبحبك يا قلب وروح الروح.
في تلك اللحظة، في هدوء المطبخ البعيد عن صخب الحفل، كانا يعيشان في عالمهما الخاص، فقاعة من الحب النقي الذي لا يحتاج إلى كلمات كثيرة ليعبر عن نفسه، مكتفياً بنظرة عين، ولمسة يد، وقبلة تحمل كل معاني الوطن.
كانت صبر تجلس بهدوء تراقب هذا التجمع العائلي الدافئ وقلبها يمتلئ بشعور جديد لم تعرفه من قبل.
لقد قضت سنواتها في وحدة وخوف، أما الآن فهي اخواتها.
روح ونغم ووعد يتحدثن معها كأنها كانت دائماً جزءاً منهن، يسألنها عن طفلتها ويضحكن معها.
لأول مرة شعرت بأنها تنتمي لمكان ما، بأنها ليست دخيلة أو غريبة بل واحدة منهم.
بعد انتهاء الأكل وبدء الجميع في الاسترخاء، اقترب منها أكمل الذي كان يراقبها من بعيد يرى في عينيها تلك السعادة الهادئة التي لم يرها فيها من قبل.
انحنى وهمس في أذنها بصوتٍ حنون
_ يلا بينا عشان ترتاحي الجو برد على سيلا.
تغيرت ملامحها قليلاً وظهر على وجهها ظل من الحزن نظرت إليه برجاء.
_ خلينا شوية كمان يا أكمل أنا... أنا حابة القعدة هنا.
نظر أكمل في عينيها وفهم على الفور فهم أنها لا تريد أن تترك هذا الشعور بالدفء والأمان.
لم يغضب أو يصر بل ابتسم ابتسامة مطمئنة، وأمسك يدها برفق بين يديه
_ وأنا كمان حابب أشوفك مبسوطة وسطهم.
صمت للحظة ثم أكمل بنبرة تحمل وعداً صادقاً
_ أوعدك دي مش هتكون آخر مرة كل فترة هجيبك ونيجي نقضي اليوم كله معاهم، لحد ما تزهقي منهم بنفسك.
ابتسمت ابتسامة حقيقية وشعرت بالامتنان لكلماته.
لكنه اقترب أكثر وانخفض صوته ليصبح همساً عميقاً ومغرياً لا يسمعه سواها.
_ بس دلوقتي عايز أروح.
نظرت إليه باستفهام، فأكمل بنفس النبرة التي جعلت قلبها يخفق بشدة
_ وحشتيني اليوم كله وإنتي بعيدة عني وسط الناس، وأنا قاعد بعد الدقايق عشان أخطفك ونرجع بيتنا
عايز أعوضك بطريقتي الخاصة عن كل دقيقة شايفك فيها قدامي ومش قادر أقولك بحبك، شوفي بقى تمن ساعات بكام دقيقة وبكام كلمة بحبك.
كانت كلماته كفيلة بأن تشعل النار في وجنتيها وتجعل أنفاسها تتسارع لم تكن مجرد كلمات، بل كانت اعترافاً صريحاً بحبه العميق، ورغبته في أن يكون هو عالمها وأمانها.
رأت به العاشق الذي يغار عليها من نسمة الهواء، والذي يريد أن يمتلك كل لحظة من حياتها.
لم تعد قادرة على المقاومة أومأت برأسها بصمت موافقة على طلبه الذي لم يكن طلباً، بل كان دعوة لعالمه الخاص.
نهض أكمل وساعدها على النهوض، ثم ودّعا العائلة بحجة إرهاق صبر وحاجتها للراحة.
نادى على قاسم وليان الذين أصروا على البقاء فأخبره جاسر بأنه سيقوم بتوصيلهم في طريقه.
وفي طريقهم للخروج أحاط خصرها بذراعه بقوة تملكية، كأنه يعلن للجميع أنها ملكه وحده وبينما كانا يسيران نحو السيارة تحت ضوء القمر، كانت صبر تعرف يقيناً أنها لم تعد سجينة خوفها، بل أصبحت متيمة بحب هذا الرجل الذي انتشلها من بؤسها، ثم أعاد بناءها من جديد على قواعد من العشق والاهتمام.
❈-❈-❈
وقف الحاج وهدان وسالم الأب يراقبان المشهد من بعيد، وعلى وجهيهما ابتسامة رضا عميقة.
قال سالم لوالده
_ شوفت يا بوي؟ كأن ربنا بيعوضنا عن كل السنين الصعبة اللي فاتت.
رد الحاج وهدان بصوتٍ هادئ يملؤه اليقين
_ دي مش سعادة صدفة يا سالم دي سعادة مبنية على اختيارات صح، على قلوب سامحت وعلى حب كان أقوى من أي تار وأي كره.
دي جنة الدنيا اللي كل واحد فيهم زرعها بإيده.
في تلك اللحظة أمسك جاسر بقطعة لحم مشوية وقدمها لنغم التي اقتربت منه.
أكلت منها بابتسامة ثم نظرت إلى عائلتها الممتدة إلى هذا المزيج الرائع من الضحكات والأصوات والحركة.
لم تكن مجرد عائلة مجتمعة، بل كانت سيمفونية متناغمة، كل فرد فيها يعزف لحنه الخاص لكنهم جميعاً يشكلون معزوفة واحدة رائعة عنوانها "الحب".
لم تكن هناك حاجة لكلمات كبيرة أو خطب مؤثرة كانت هذه اللحظة العفوية المليئة بالحياة، هي النهاية السعيدة التي استحقوها جميعاً، بداية لحكايات أخرى لا تنتهي من الدفء والضحك والسند.
❈-❈-❈
كان الهدوء يلف أرجاء بيت أكمل في قلب الصعيد.
انتهت صبر من إطعام ابنتها سيلا ووضعتها في سريرها لتغفو.
كان البيت يبدو فارغاً بدون أكمل وابنهما قاسم اللذين ذهبا معاً إلى المسجد لأداء صلاة العشاء ورحيق التي نامت مبكرا ثم أخبرها بأنه سيمر على أكمل كي يأخذ ليان التي تعلقت بنور بشكل عجيب.
وهو مشهد أصبح يملأ قلبها بالسكينة كل يوم.
فجأة قُطع هذا الهدوء بصوت طرقات على الباب الخارجي.
طرقة مترددة وخفيفة عقدت حاجبيها باستغراب فأكمل معه مفتاحه ومن النادر أن يزورهم أحد في هذا الوقت
لفت حجابها حول رأسها جيداً وتوجهت نحو الباب.
فتحت الباب بحذر لتتجمد الدماء في عروقها.
لم يكن هناك أي احتمال في العالم قد هيأها لهذا الوجه كان والدها.
تسمرت مكانها وعاد بها الزمن سنوات إلى الوراء.
رأت في وجهه كل لحظة قسوة، كل كلمة جارحة كل ليلة قضتها في خوف ورعب.
شعرت بأنفاسها تنسحب من رئتيها وتشبثت بمقبض الباب كأنه طوق نجاتها الوحيد.
لكن الغريب أن نظراته كانت مختلفة تماماً.
لم تكن فيها تلك القسوة الباردة أو الغضب المعتاد كانت عيناه منكسرتين، تحملان تعباً وحزناً لم ترهما فيه من قبل.
_ ازيك يا صبر.
قالها بصوتٍ أجش ومبحوح، صوت رجل هزمه الزمن.
لم تستطع الرد كانت الكلمات عالقة في حنجرتها، والخوف لا يزال يسيطر على أطرافها.
تنهد والدها تنهيدة طويلة وكأنه يخرج معها سنوات من الندم.
_ أنا عارف إنك بتكرهيني وليكي كل الحق.
أنا عاذرك بس أنا اتغيرت يا بنتي الدنيا لفت ودارت عشان تأدبني.
صمت للحظة يجمع شتات نفسه.
_ مرات أبوكي... سرقتني خدت كل اللي ورايا واللي قدامي، وهربت رفعت عليا قضية خلع وسمعت إنها اتجوزت واحد تاني.
حتى إخواتك خدتهم معاها، وقالت في المحكمة إنها خايفة أعمل فيهم زي ما عملت فيكي.
سقطت الكلمات على قلب صبر كالصخر.
_ يمكن كل ده حصل عشان أفوق عشان أعرف غلطتي وأرجع لربنا
أنا النهاردة لما شوفت جوزك وابنك في الجامع، شوفت في عينيه السعادة والرضا.
عرفت إن ربنا كرمك عشان قلبك أبيض خدتها فرصة وجيت عشان أقولك سامحيني، وأعترفلك بغلطي قبل ما أقابل وجه كريم.
بدأ قلب صبر يلين رغم كل شيء هذا الرجل الواقف أمامها لم يعد ذلك الجلاد القاسي، بل رجل عجوز وحيد ومكسور قبل أن تجد الكلمات المناسبة لترد، انطلق صوت حاد وقوي من خلفها.
_ أنت إيه اللي جابك هنا؟
كان أكمل قد عاد ووقف كالصقر يحمي عشه
وابنه قاسم يقف بجانبه ممسكاً بيده لا يفهم ماذا يحدث.
كانت نظرات أكمل نارية جاهزة للانقضاض.
قبل أن يتطور الموقف، وضعت صبر يدها على صدر أكمل لتوقفه.
_ استنى يا أكمل هو كان جاي يقول كلمتين وهيمشي.
فهم أكمل من نظرة عينيها أنها لا تريد المزيد من المشاكل.
تراجع خطوة للخلف لكن عينيه ظلتا مثبتتين على والدها بحذر.
انحنى والدها بصعوبة وقبّل رأس حفيده قاسم الذي كان ينظر إليه باستغراب كانت قبلة تحمل كل الشوق والحرمان في العالم.
ثم استقام ونظر إلى صبر نظرة أخيرة مليئة بالأسف، واستدار ومشى بخطوات ثقيلة، واختفى في ظلام الليل.
ما إن اختفى حتى استدارت صبر وارتمت في حضن أكمل، وانفجرت في بكاءٍ مرير.
بكاء على طفولتها الضائعة وعلى قسوة أبيها وعلى ضعفه وانكساره الآن.
ضمها أكمل إليه بقوة وتركها تفرغ كل ما في قلبها.
_ هششش... اهدي يا حبيبتي خلاص كل حاجة عدت.
قالت بصوتٍ مخنوق بالدموع وهي تتشبث به
_ صعبان عليا أوي يا أكمل.
مسح على شعرها بحنان وهمس بصوتٍ دافئ
_ أنا عارف يا قلب أكمل عارف إن قلبك أبيض ومبيعرفش يشيل طلعي كل اللي جواكي أنا جنبك ومعاكي، وعمري ما هسيبك.
ظل يضمها ويهدهدها حتى هدأت شهقاتها تدريجياً وشعرت بالأمان يغمرها مرة أخرى في حضن الرجل الذي أصبح هو عائلتها ووطنها وملاذها الوحيد.
❈-❈-❈
كانت نغم تجلس على حافة الكرسي في عيادة الدكتورة زينة، تفرك يديها بتوتر واضح.
بجانبها كان جاسر يجلس بهدوء وثقة، يمسك يدها بين يديه يضغط عليها برفق بين الحين والآخر كأنه يمدها بالقوة.
خرجت زينة من غرفة الفحص وعلى وجهها ابتسامة واسعة نظرت إليهما وقالت بمرح
_ مبروك يا جماعة التاريخ يعيد نفسه.
عقدت نغم حاجبيها بعدم فهم بينما ابتسم جاسر كأنه توقع الخبر.
_ يعني إيه يا زينة؟
_ يعني مبروك حامل.
وللمرة التانية ما شاء الله توأم.
شعرت نغم بأن الأرض تدور بها واتسعت عيناها بصدمة حقيقية ووضعت يدها على فمها.
_ تاني؟!
خرجت الكلمة منها كأنها صرخة مكتومة.
_ توأم تاني؟ يا خبر أبيض!
انفجر جاسر في ضحكة قوية وصادقة ثم سحبها إليه واحتضنها بقوة وهو لا يزال يضحك.
_ مالك يا حبيبتي؟ محسساني إنك تعبتي في تربية تميم ويامن
دا إنتي كنتي بتشرفي علينا من بعيد بس، وأنا وأمي وسامية اللي كنا شايلين الليلة كلها.
نكزته نغم في جانبه بغيظ وهي تخرج من حضنه.
_ أنا اللي كنت بشرف؟ طب ومين اللي كان بيسهر الليالي لما كانوا بيعيطوا سوا؟ ومين اللي كان بيغيرلهم وياكلهم بالليل؟
رفع جاسر يديه في استسلام مصطنع وهو يبتسم كي لا يخوض معها جدال لن يعود منه منتصرًا
_ خلاص خلاص حقك عليا
إنتي اللي عملتي كل حاجة بس قوليلي، مش فرحانة؟ البيت هيتملى علينا عزوة ورجالة.
نظرت إليه ورأت الفرحة الصادقة تلمع في عينيه، فابتسمت رغماً عنها.
_ فرحانة طبعاً بس... أربعة! هعمل فيهم إيه دول؟
ضحكت زينة وقالت
_ ربنا يباركلك فيهم ويقويكي، جاسر باشا لازم يجيبلك جيش يساعدك.
في طريق العودة بالسيارة، وبعد أن خفتت نشوة المفاجأة الأولى، حل الصمت.
كان جاسر يقود بهدوء لكنه كان يختلس النظر كل بضع ثوانى إلى نغم التي كانت تنظر من النافذة شاردة، وملامحها تحمل ظلاً خفيفاً من القلق.
مد يده الكبيرة وأمسك يدها التي كانت تستقر على ساقها.
لم تلتفت إليه لكنها شدت على يده.
_ بتفكري في إيه؟
سألها بصوتٍ هادئ وعميق.
تنهدت بخفة.
_ خايفة يا جاسر.
_ من إيه؟
_ من كل حاجة من الحمل تاني، وتعب الولادة والمسؤولية.
تميم ويامن لسه صغيرين برضه ومحتاجين اهتمام، هييجوا اتنين كمان هقدر إزاي أقسم نفسي وقلبي واهتمامي على أربعة؟ خايفة أقصر مع حد فيهم.
أدار السيارة وأوقفها على جانب الطريق الهادئ ثم أدار جسده بالكامل ليواجهها، وأمسك وجهها بكلتا يديه، جاعلاً إياها تنظر في عينيه مباشرة.
_ بصيلي هنا يا نغم، أول مرة لما كنتي حامل في تميم ويامن، كنتي لوحدك؟
هزت رأسها بالنفي.
_ وأنا مكنتش جنبك خطوة بخطوة ولا سبتك لحظة أنا وأمي؟
هزت براسها أيضاً بالنفي.
_ يبقى إيه اللي اتغير المرة دي؟ أنا لسه جنبك وهفضل جنبك، وخوفي عليكي المرة دي أكبر من المرة اللي فاتت.
مش هسيبك لحظة واحدة، من أول يوم لحد ما يقوموا بالسلامة ويجروا على رجليهم.
وبعدين إنتي نسيتي حاجة مهمة.
عقدت حاجبيها باستفهام.
ابتسم بمكر.
_ إنتي بقى معاكي اتنين رجالة في البيت.
تميم ويامن كبروا وبقوا يفهموا دول هيبقوا دراعك اليمين، هيساعدوكي ويشيلوا معاكي.
هنبقى جيش كامل في وش الاتنين الجداد دول.
ضحكت رغماً عنها من طريقة كلامه، وشعرت بأن جبل القلق الذي كان على صدرها بدأ ينهار.
_ يعني أنت مش خايف؟
_ أنا بخاف من حاجة واحدة بس في الدنيا دي كلها يا نغم.
بخاف عليكي إنتي أي حاجة تانية، طول ما إنتي بخير وفي حضني مقدور عليها.
إحنا مع بعض ودي الكلمة اللي بتهد أي خوف.
انحنى وقبلها قبلة عميقة ومطمئنة، قبلة أزالت آخر ذرة من القلق في قلبها.
حين ابتعد كانت عيناها تلمعان بالحب والامتنان لقد كان هذا هو جاسر، صخرتها التي تتكئ عليها، وحصنها الذي يحميها من كل مخاوف العالم حتى تلك التي تسكن داخلها.
❈-❈-❈
كان الليل قد انتصف، وسكنت كل الأصوات في منزل الجبل إلا من همس الريح الخفيف.
أغلق جاسر باب غرفة التوأم الجديدين دانة وديما بهدوء تام بعد أن اطمأن أنهما غرقا في النوم، تماماً مثل أخويهما تميم ويامن في الغرفة المجاورة.
عندما دخل غرفتهما، وجد نغم واقفة في الشرفة، ترتدي ثوباً خفيفاً، وشعرها الطويل يداعبه نسيم الليل.
كانت تنظر إلى القمر المكتمل الذي يلقي بضوئه الفضي على الحدائق الشاسعة.
اقترب منها بهدوء ولف ذراعيه القويتين حول خصرها من الخلف، مستنداً بذقنه على كتفها.
لم تفزع بل مالت برأسها للخلف لتلامس وجهه كأنها كانت تشعر بوجوده قبل أن يصل.
_ سهرانة ليه يا ملكة قلبي؟
همس بصوته العميق الذي كان دائماً يذيبها.
تنهدت براحة وهي تغمض عينيها مستمتعة بقربه الذي أصبح إدمانها.
_ بفكر.
_ في إيه؟
_ فينا بفكر في أول مرة شوفتك فيها، كنت مرعوبة منك وببص لحالنا دلوقتي... أربع أولاد وبيت وحب.
ساعات بحس إني بحلم، وخايفة أصحى.
أدارها برفق بين ذراعيه لتواجهه وأمسك وجهها بين كفيه الكبيرتين، وعيناه تتأملانها بعشق لم يخفت بريقه يوماً.
_ ده مش حلم يا نغم دي حقيقتنا اللي بنيناها سوا.
أنا اللي كنت عايش في كابوس وصحيت منه على صوتك إنتي.
كنت راجل عايش عشان التار قلب قاسي زي الصخر، جيتي إنتي بلمسة واحدة وفتتّي الصخر ده وزرعتي مكانه ورد.
مرر إبهامه على شفتيها برقة.
_ كل يوم بصحى فيه وألاقيكي نايمة جنبي، بحس إني ملكت الدنيا وما فيها صوتك ضحكتك حتى عصبيتك وغيرتك... كل تفصيلة فيكي هي اللي بتخليني أتنفس.
تجمعت الدموع في عينيها ليس حزناً، بل من فرط السعادة التي تملأ قلبها.
_ وإنت يا جاسر... إنت الأمان اللي كنت فاكراه مستحيل كنت دايماً بحس إني ضعيفة، بس وجودك جنبي بيخليني أحس إني أقوى واحدة في الدنيا حبك هو الحصن بتاعي.
انحنى ببطء وقبّلها.
لم تكن قبلة عادية، بل كانت رحلة عبر الزمن.
كانت تحمل ذكرى الخوف الأول، وشراسة البدايات وحلاوة الاستسلام وعمق الحب الذي تجذر وتفرع ليصبح شجرة ضخمة تظلل حياتهما.
كانت قبلة تحمل كل معاني "الوطن"، فكل منهما وجد في الآخر وطنه وملاذه الأبدي.
حين ابتعد، ظل جبينه ملتصقاً بجبينها، وأنفاسهما واحدة.
_ فاكرة لما قولتلك زمان إنك ملكي؟
همس وهو ينظر في عمق عينيها.
أومأت برأسها، وقلبها يخفق بشدة.
_ أنا اللي طلعت ملكك يا نغم قلبي، روحي اسمي، حياتي كلها... ملكك إنتي لوحدك.
لم تعد هناك حاجة للكلمات.
في صمت الليل وتحت ضوء القمر، احتضنا بعضهما البعض قلبان وجدا نصفهما الآخر في خضم عاصفة، ليكتشفا أن الحب لم يكن مجرد نهاية سعيدة لقصتهما، بل كان هو البداية الحقيقية لكل شيء جميل في حياتهما، ولكل الأيام القادمة التي سيعيشانها معاً، إلى الأبد.
❈-❈-❈
كانت روح تقف أمام المرآة، تضع لمساتها الأخيرة وهي تشعر بمزيج من الحيرة والترقب.
ارتدت فستاناً بسيطاً وأنيقاً بناءً على طلب مالك لكنها لم تكن تفهم سر هذه الرحلة المفاجئة.
_ طيب جولي رايحين فين؟
سألته للمرة الخامسة وهو يرتدي ساعته بهدوء.
_ مشوار مهم.
_ مهم لدرچة إنك مش عايز تجولي عليه؟ وكمان واخدين نور معانا! لو مشوار شغل كنت سبناها مع ماما أو مرات عمي.
اقترب منها ووضع يديه على كتفيها ونظر إلى انعكاسها في المرآة بابتسامة غامضة.
_ النهاردة بالذات لازم نور تكون معانا يالا بينا عشان منتأخرش.
استسلمت لحيرتها وحملت ابنتها التي كانت ترتدي ملابس جميلة كأنها ذاهبة إلى مناسبة سعيدة.
استقلوا السيارة وطوال الطريق حاول مالك أن يتحدث في أمور عادية، لكن روح كانت تشعر بأن هناك شيئاً أعمق خلف هذا الهدوء.
سارت السيارة في طرقات تعرفها، حتى انحرفت نحو طريق مألوف جعل قلبها ينقبض طريق المقابر.
"هنزور بابا..." قالت لنفسها وشعرت بوخزة من العتاب لماذا لم يخبرها؟ كانت تود أن تستعد نفسياً لهذه الزيارة.
توقفت السيارة وساد صمت مهيب نزل مالك ودار حول السيارة ثم فتح لها الباب وبحركة حنونة أخذ منها الصغيرة نور وضمها إلى صدره.
_ انزلي يا حبيبتي.
نزلت روح بخطوات بطيئة والهواء البارد يلفح وجهها سارا جنباً إلى جنب بين القبور الصامتة، وروح تتساءل لماذا أصر على إحضار ابنتهما إلى هذا المكان.
توقفا أخيراً لكن ليس فقط أمام قبر والدها بل أمام القبر المجاور له... قبر عدي.
نظرت روح إلى شاهد القبر الذي يحمل اسمه ثم رفعت عينيها إلى مالك بنظرة عتاب صامتة وموجوعة.
لقد فهمت الآن لقد أحضرها إلى هنا لتواجه الماضي الذي حاولت دفنه.
تحدث مالك بصوتٍ هادئ وحكيم كأنه يقرأ أفكارها.
_ جبل ما تجولي أي حاچة اسمعيني أنا خابر إن الموضوع صعب وخابر إن چرحك منه كان غويط بس هو دلوجت في مكان تاني يا روح... في دار الحج ومبجاش فاضل بينا وبينه غير الدعاء والسماح.
نظر إلى ابنته النائمة على صدره ثم نظر إليها.
_ بحلم بيه كتير، كل مرة بيچيلي في الحلم بحس إنه تعبان ومش مرتاح وفي كل مرة بحس إنه بيطلب منك تسامحيه، المسامحة مش عشانه هو وبس، المسامحة عشانك إنتي عشان جلبك ده ينضف من أي وچع جديم، وعشان تجدري تكملي حياتك صافية.
أغمضت روح عينيها بقوة كأنها تحاول أن تمنع طوفان الذكريات لكنه جاء بلا استئذان
تذكرت يوم زفافهما وبروده القاتل تذكرت كلماته الجارحة وهو يعترف بحبه لنغم.
تذكرت الليالي التي قضتها تبكي وحدها في غرفتها، تشعر بأنها منبوذة وغير مرغوب فيها، كان من الصعب أن تسامح كان الجرح أعمق من ذلك.
لكن... وسط كل هذا الألم، تسلل صوت آخر إلى عقلها صوت الحقيقة التي كانت تتجاهلها تذكرت أنه لم يختر ذلك، لقد أُجبر على هذا الزواج منها تذكرت أنه كان مخلصاً لحبه لنغم، وهذا في حد ذاته ليس خطيئة الحب لا يأتي بإرادتنا.
فتحت عينيها ونظرت إلى مالك، الرجل الذي أحبها لسنوات في صمت هي نفسها جربت الحب وتعرف جيداً أن من يحب لا يرى في الدنيا غير حبيبه
ذنب عدي الوحيد أنه أحب، تماماً مثلها لقد كان ضحية مثلما كانت هي ضحية.
تنهدت تنهيدة طويلة وعميقة كأنها تطلق سراح كل الألم الذي كانت تحبسه.
تقدمت خطوة نحو القبر ومالك يراقبها بقلبٍ قلق نظرت إلى شاهد القبر وبدأت تتحدث بصوتٍ خفيض، كأنها تكلمه هو مباشرة.
_ انجرحت منك أوي يا عدي عشان كسرتني وجرحتني كنت بحس إني قليلة، وإني معيوبة عشان رفضتني.
صمتت للحظة، ودمعة وحيدة هربت من عينها ومسحتها بسرعة.
_ بس النهاردة... أنا فهمت فهمت إنك كنت بتحب، واللي بيحب مبيشوفش غير اللي بيحبه أنت محبتنيش، وده مكنش بإيدك زي ما أنا حبيت مالك ومكنش بإيدي أنت كنت ضحية زيي بالظبط.
نظرت إلى السماء، ثم عادت بنظرها إلى القبر.
_ يمكن لو كنت عرفت الحجيجة دي من زمان، مكنتش زعلت منك يمكن كنت جدرت أشوفك ابن عمي وبس.
أخذت نفساً عميقاً، وقالت الكلمة التي جاءت من أجلها الكلمة التي حررتها هي قبل أن تحرره هو.
_ عشان اكده... أنا مسامحاك مسامحاك على كل وجع سببتهولي روح للي خلقك بجلب مرتاح الله يرحمك يا ابن عمي.
في تلك اللحظة شعرت بثقل هائل يُرفع عن صدرها شعرت بالسلام يغمر روحها لأول مرة منذ سنوات.
سلام لم تشعر به من قبل كانت كلماتها الأخيرة "الله يرحمك يا ابن عمي" بمثابة إغلاق نهائي لجرح قديم اقترب منها مالك ووضع يده الحرة على كتفها وضمها إليه، شاعراً بالراحة التي غمرتها والتي انعكست عليه بدوره.
لكن بينما كان يقف هناك يواسيها ويشعر بانتصاره الهادئ غاص عقله للحظات في الماضي عاد إلى الوراء إلى يوم آخر حاسم يوم كان عليه أن يقاتل هو الآخر مع الأشباح والذكريات ليفوز بحبه.
فلاش باك...
لاحظ مالك أن والده لم يكن سعيداً بزواجه من روح وذلك كان واضحا عليه
لذا عندما وجده يجلس وحيداً في الحديقة أخذها فرصة وتقدم منه ليجلس معها وتحدث بتهذيب
_يابا ممكن اتحدت معاك في كلمتين؟
تطلع إليه سالم بعتاب محب
_وانت من ميتى بتستئذن في الكلام معاي يا مالك؟
تحدث مالك بهدوء وثبات رغم العاصفة التي كانت تدور في قلبه.
_ من وجت ما لاحظت عليك انك مش مبسوط لچوازتي من روح.
ساد صمت ثقيل وكأن سالم يحاول استيعاب حديثه
هو حقيقة لم يفرح لتلك الزيجة ليس عيب في روح فهي وأختها الأحب إلى قلبه لكنه ان يأخذ مكان أخيه بتلك السرعة.
لم يجب على الفور بل أخذ نفساً عميقاً وأخرجه ببطء، كأنه يحاول شراء بعض الوقت ثم تحدث بحيرة
_لانه صعب يا مالك.
جاءت الكلمة كضربة موجعة
_ ليه صعب يا بوي؟ انا اتچوزتها بعد العدة ما خلصت والبنت لسة صغيرة ومينفعش تفضل أرملة طول عمرها.
نظر إليه سالم مباشرة نظرة تحمل ألماً وحكمة.
_ الصعب مش في العدة ولا في السن يا ابني الصعب فيك إنت... وفيها هي الصعب إنك هتكون مكان أخوك اللي مات
لاح الحزن بعينيه وتحدث بألم كان يجاهد لاخفاءه
_ كلنا خابرين إن روح كانت بتحب عدي وعارفين إنها متجوزتهوش غير عشان حبته كيف هتجدر تعيش معاها وإنت خابر إن جلبها كان لغيرك؟ كيف هتجدر تجرب منها، وكل ما تبصلها هتفتكر أخوك؟ هتفتكر إنها كانت مراته؟ هتفضل طول عمرك عايش في ظل أخوك يا مالك والجوازة دي مش هتكون سعيدة لا ليك ولا ليها.
كانت كلمات سالم منطقية وقاسية كالسياط لأنه لم يعرف شيء، ولم يعرف ان روح هي حبييته منذ الصغر لقد بنى سالم جداراً من المستحيل جداراً اسمه "عدي"
أدرك مالك في تلك اللحظة أنه لا يملك سوى حقيقة واحدة، حقيقة قاسية ومؤلمة لكنها المطرقة الوحيدة القادرة على تحطيم هذا الجدار.
أغمض عينيه للحظة كأنه يستجمع كل قوته ثم فتحهما وقال بصوتٍ أجش صوت رجل يوشك أن يفشي سراً ثقيلاً.
_ أنا آسف يا بوي... آسف على اللي هجوله وغصب عني إني أطلع سر اخوي بس لازم تعرف.
تطلع إليه سالم ونظر إليه بقلق فتابع مالك بثقل
_ عدي... الله يرحمه... ملمسش روح.
اتسعت عينا سالم بصدمة لا توصف
_ إنت... إنت بتجول إيه؟ يعني ايه ا ملمسهاش؟
تنهد مالك وتحدث بتعب
_ بجول الحجيجة يابا روح لسة بنت عدي رفضها يوم چوازهم وچرحها، لانه كان بيحب نغم محبهاش هي
وجدي هو اللي كان رافض چوازه من نغم
فضل يحب نغم لآخر يوم في عمره، وروح كانت مچرد واجب بيأديه جدام جدي.
كانت الصدمة قد ألجمت لسان سالم لم يكن يتخيل أن ابنه المتوفى قد فعل ذلك.
أكمل مالك بصوتٍ يملؤه الأسف على أخيه، والتصميم على مستقبله.
_ أنا لما جربت منها امبارح... اكتشفت الحجيجة دي عشان اكده بجولك، أنا مش هكون مكان أخويا لأني هدخل حياة روح وهي لسة صفحة بيضا محدش لمسها جبلي ظل أخويا مش موچود في حياتنا، لأن أخويا نفسه مرسمش الظل ده أصلاً أنا مش هاخد مرات أخويا... أنا هتجوز البنت اللي بحبها من وهي طفلة، واللي القدر كتب إنها تكون ليا أنا وبس.
لم يستطيع سالم استيعاب كل ذلك وهو يمرر يده على وجهه بصدمة وألم ألم على روح التي تحملت كل هذا الجرح وحدها، وألم على ابنه الذي مات وهو يحمل هذا السر.
نظر مالك إلى أبيه بأسف.
_ سامحني يا بوي مكنتش عايز أجرحه بعد موته، ولا كنت عايز أفتح جرح قديم بس إنت حكمت على جوازي بالفشل في اول يوم له وكان لازم أجولك الحجيجة اللي هتخليه ينجح.
باك
عاد مالك إلى الحاضر إلى جانب قبر أخيه وروحه تقف بجانبه لا تعرف شيئاً عن المعركة التي خاضها من أجلها.
نظر إلى وجهها الصافي الذي غسلته دموع التسامح، وشعر بأنه مدين لأخيه بطريقة غريبة لقد كان سر عدي المؤلم هو نفسه مفتاح مالك للسعادة.
ضمها إليه بقوة أكبر وهو يهمس لنفسه
"الله يرحمك يا أخوي سامحني أنا كمان."
لقد أخذ منه زوجته في الحياة، ثم أخذ منه سره بعد مماته ليبني به حياته، كان ديناً ثقيلاً لكنه كان على استعداد لحمله طوال عمره، مقابل أن تظل هذه المرأة بجانبه.
اقترب منها مالك ووضع يده الحرة على كتفها، وضمها إليه نظرت إليه بامتنان، وابتسمت ابتسامة صافية خالية من أي حزن لقد أغلق لها اليوم آخر صفحة مؤلمة في كتاب ماضيها، وفتح أمامها صفحات بيضاء نقية، لتكتب فيها مستقبلاً جديداً معه ومع ابنتهما... نور.
..
اقتباس صغير من الجزء الثاني
خرجت من صخب المطار إلى ليل القاهرة الذي لا ينام ووقفت بجسد منهك تسحب خلفها حقيبة سفر تبدو أثقل من وزنها الفعلي كأنها تحمل بداخلها حكايات عالم بأكمله.
كانت ملامحها الأوروبية الصارخة تجعلها كائنًا غريبًا في هذا المكان، شقرة شعرها متوهج تحت أضواء المطار الخافتة، وعيناها الزرقاوان تائهتان في زحام الوجوه والأصوات.
ازدردت ريقها بصعوبة وشعرت بجفاف حلقها رغم رطوبة الهواء
كل شيء حولها كان غريبًا صاخبًا وحيًا بطريقة لم تعهدها
لم تكن هذه مصر التي رسمتها في خيالها بل كانت كيانًا عملاقًا يتنفس أمامها يثير في نفسها رهبة بقدر ما يثير فضولها.
صوتٌ خافت كصدى من الماضي همس في أذنها:
"لا مكان لكِ هنا... عودي قبل أن يبتلعكِ هذا العالم"
كان هذا صوت الخوف صوت الحذر الذي تعلمته بالطريقة الصعبة لكن صوتًا آخر أعمق وأكثر إصرارًا كان ينبع من قرار اتخذته قبل أن تطأ قدماها أرض الطائرة.
صوت يذكرها بالثمن الذي دُفع لوجودها هنا.
لقد ضحى هو بكل شيء من أجلها دفع حياته ثمنًا لتكون هي حرة بعيدة عن تلك "البؤرة" التي كادت أن تلهتمها والآن العودة ليست خيارًا والأمان الوحيد يكمن في المضي قدمًا نحو المجهول، نحو هذا البلد الذي لم تعرفه إلا اسمًا، والذي يحمل مفتاح نجاتها... أو ربما هلاكها.
نجع التهامية....
ياترى مين البنت دي.