تحميل رواية «ثنايا الروح "الريح والغيامة"» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرت سنوات طويلة على تلك الليلة المشؤومة التي سالت فيها الدماء على قطعة الأرض الشاسعة، تلك الأرض التي كانت سببًا في صراع مرير بين عائلتين، وانتهت بمقتل اثنين منهما. لم تكن تلك الحادثة مجرد جريمة عابرة، بل كانت شرارة أشعلت نارًا لم تنطفئ، نارًا توارثتها الأجيال، لتصبح إرثًا ثقيلًا يحمله الأحفاد في كلتا العائلتين، عائلة القتيل وعائلة القاتل. نشأ الأطفال على قصص مشوهة، روايات محرفة عن الحقيقة، لكنها جميعًا تصب في بؤره واحدة: الا وهي الثأر. لم يروا أجدادهم، لم يعيشوا تفاصيل الصراع الأول، لكنهم ورثوا...
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رانيا الخولي
جلس سند في سيارته، ينظر في ساعته للمرة العاشرة. لقد أخبرته بأن محاضرتها الأخيرة ستنتهي في الواحدة تمامًا، والساعة الآن تعدت الواحدة والنصف.
بدأ القلق يتسرب إلى قلبه كسم بطيء.
ترجل من السيارة، وأسند جسده القوي عليها وعيناه مثبتتان على البوابة الحديدية للجامعة، ينتظر خروجها بفارغ الصبر.
أما هي، ففي الداخل، كانت تعيش جحيمًا آخر.
ظلت جالسة في صمت مطبق، جسدها متصلب كتمثال من الجليد، ودموعها تنزل بغزارة على خديها دون أن تشعر بها.
كانت كل دمعة تحمل معها جزءًا من روحها التي تتآكل. كان هو جالسًا أمامها بكل أريحية، يراقب انهيارها ببرود جليدي، يستمتع بعذابها وكأنه يشاهد مسرحية أعدها بإتقان.
لم يكن مجرد رجل، كان قدرًا أسود، إعصارًا يقتلع كل شيء جميل في حياتها، وكأن الدنيا خلقت لأجله، أو هكذا يريد أن يوهمها.
لم يرحم ضعفها، بل استقوى عليه أكثر. نظر في ساعته ببطء متعمد، حركة محسوبة لتزيد من ضغطها النفسي، ثم قال ببرود قاطع، كصوت حجر يسقط في بئر صامت:
"أخدتي وقت طويل، وأني مش متعود على طولة البال. يا تقولي قرارك، يا إما أنفذ اللي جولت عليه."
أخذت نغم نفسًا عميقًا ومتقطعًا من بين شهقاتها، في محاولة يائسة لتهدئة الرعب الذي يشل أطرافها ويجعل الهواء ثقيلًا كالرصاص في صدرها. أدركت أن الصمت لن يفيدها الآن.
لقد أصبحت بين نارين، كلاهما أشد من الآخر. إما أن توافق على الزواج من هذا الغادر وتعيش ما تبقى من عمرها في ذل وانكسار، عبدة في قصر انتقامه، أو ترفض، فتتقاذفها ألسنة الناس هي وعائلتها بلا شفقة ولا رحمة، وتتحول إلى وصمة عار في جبين عائلتها، عار لن يُمحى مهما مرت السنين.
إذًا، ليس هناك سوى حل واحد، حل أخير ومريع.
الموت.
نعم، ذلك هو الحل الوحيد الذي سيحررها من هذا الكابوس، ويحمي أهلها من فضيحة لم يرتكبوها.
مسحت دموعها بكف يدها المرتجفة، ورفعت رأسها. اختفت نظرة الهزيمة من عينيها وحل محلها بريق غريب، بريق من وصل إلى أقصى درجات اليأس، حيث لا يعود هناك شيء ليخسره.
نظرت إليه بعيون يملؤها الازدراء، وقالت بقوة مفاجئة، قوة ولدتها من رحم نهايتها المحتومة:
"الموت أهون عليا من إني أربط حياتي وسمعتي بواحد زيك."
اعتدل في جلسته، مستندًا بمرفقيه على ساقيه، وسألها بفتور قاتل، وكأنها تقترح عليه شرب كوب من الشاي، لا إنهاء حياتها:
"تخصدي يعني تموتي حالك؟"
رفع حاجبيه كأنه يفكر في الفكرة بجدية ثم أومأ موافقًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة شيطانية خفيفة:
"وماله... فكرة مش بطالة، حتى تبجى جات زي ما أنا عاوز بالظبط."
أسند ظهره على المقعد خلفه، وقال ببساطة مرعبة وهو يرسم سيناريو نهايتها بكلمات كانت أشد فتكًا من أي سلاح:
"اعمليها، وأني جادر أثبت وبالطب الشرعي، إنك كنتي حامل، وقادر أثبت برضك إنه كان ابني، وإن أهلك لما عرفوا الحقيقة، جتلوكي عشان يغسلوا عارهم."
"ووقتها، كل عيلتك هتتعفن في السجن، وأولهم عريسك سند، اللي هيتهموه إنه حرض على القتل عشان يخلص من فضيحته."
"وابن عمك مالك، اللي راجع من السفر مخصوص عشان يحضر فرحكم، هيرجع تاني بس عشان يزورهم في السجن."
لاح الغضب في عينيه وهو يتابع بحقد دفين، كأنه يفتح جروحًا قديمة:
"يا تجيبلي بجوازك مني، يا إما متلوميش غير حالك على اللي هعمله فيكي وفي أهلك."
كانت كل كلمة سكينًا يغرسه في قلبها.
لم يعد يهددها هي فقط، بل أصبح يهدد بتدمير حياة كل من تحبهم، وتحويلهم من ضحايا إلى مجرمين في نظر العالم. لقد أغلق أمامها حتى باب الموت، لم يترك لها أي مخرج، أي مهرب.
شعرت بأنها في غرفة مغلقة، جدرانها تقترب منها ببطء لتسحقها، والهواء ينعدم شيئًا فشيئًا.
نظرت حولها في يأس، تبحث عن أي شيء، أي أمل، لكنها لم ترى سوى عينيه الباردتين، اللتين تراقبان احتضارها بمتعة سادية.
هل تقبل؟ هل تسلم روحها وجسدها لهذا الشيطان، لتشتري سلامة أهلها؟ أم ترفض، وتجرهم معها إلى جحيم لا قرار له، جحيم سيحرق الأخضر واليابس؟
كان الصمت يصرخ في أذنيها، وقلبها يخفق بعنف كطائر مذبوح.
نظر إليها ورأى الصراع النهائي في عينيها.
رأى روحها وهي تتأرجح على حافة الهاوية، فاقترب بصوته الهامس، ليعطيها الدفعة الأخيرة:
"الوقت بيجري يا نغم، والبلد كلها مستنية تسمع الحكاية. حكايتك أنت... أو حكاية أهلك أنت... اللي هتختاري."
اتسعت عيناها بذهول ورعب من ذلك الحقد الأسود الذي يتحدث به. كيف يمكن لإنسان أن يحمل كل هذه الكراهية؟
تطلعت إليه ببغض وهي تسأله بعدم استيعاب:
"انت كيف بتنام وچواك الحقد ده كله؟"
هز كتفيه ببساطة، وكأنه يشرح حقيقة كونية:
"مكدبش عليكي وأجولك إني بنام عادي.
أصل اللي له حق عند الخسيس، مينامش إلا لما يأخذه."
طفح بها الكيل ولم تعد تستطيع التحمل أكثر من ذلك، فصاحت به بكل ما تبقى فيها من قوة:
"مين فينا اللي له حق عند التاني؟ أبوك هو اللي جتل أبويا وحرمني منيه!"
بسرعة الفهد، كان قد نهض من مكانه وانقض عليها. وجدت عنقها بين قبضته الفولاذية، وكانت عيناه الحادتان تقدحان لهيبًا يكاد أن يحرق وجهها. وغمغم من بين أنفاسه الساخنة التي لفحت بشرتها:
"أبويا لو كان لجى عدل، مكنش خد يوم واحد حبس، بس جريبكم الملعون ده، جدر يخلي الدفاع عن النفس جريمة كاملة وراح فيها أبويا."
"أبويا اللي اتشنق ظلم، كان بيدافع عن حاله لما أبوكي طلع طبنجته وكان هيجتله، بس أبوي لحق حاله وطخه كدفاع عن النفس!"
ترك عنقها فجأة، واستدار موليًا إياها ظهره، وقد عاد إليه فتوره الجليدي وكأنه لم يكن يقذف شهبًا نارية من عينيه قبل وهلة:
"هتيجي معاي دلوجت، وهنخرج من الباب التاني. هنروح على بيت العيلة نكتب الكتاب، ونبعت لأهلك عشان يجوا يباركوا."
صرخت به نغم بقهر ويأس:
"انت طلعتلي منين؟"
استدار وهو ينظر إليها بسخرية، وقال بتلميح مهين:
"والله انتِ اللي رميتي حالك في طريجي، ومتنسيش لولا وجودي، كان زمانك... لا قدر الله........"
لو كانت النظرات تقتل، لكان الآن صريعًا غارقًا في دمائه، لكن نظراتها الكارهة لم تحرك فيه ساكنًا.
هزت رأسها برفض لذلك المصير المدمر، وقالت بكره صاف:
"مستحيل... لو السما انطبقت على الأرض، مستحيل أكسر عيلتي عشان انتجامك مننا."
أيد جاسر رأيها بكل هدوء، لكن بتهديد مبطن كان أشد فتكًا من أي صراخ:
"حقك بس، وجتها متجيش تبكى."
أمسك هاتفه ووضعه على أذنه، ثم تحدث بصوت آمر:
"ثواني، وتكون الجامعة كلها جدام المكتب."
وجه نظره إليها، وتابع ببرود:
"عشان يشوفوا فضيحة الموسم."
أغلق الهاتف ونظر إلى ذهولها بكل هدوء، وكأن ما يفعله هو شيء اعتيادي، وليس تدميرًا لسمعة فتاة وعائلتها. ارتعبت أكثر عندما سمعت همهمات بدأت تتعالى أمام باب المكتب، وأصوات تتداخل:
"في إيه؟" "بيقولوا في مشكلة جوه." "دكتور أحمد مشي، جايين هنا ليه؟"
وضعت يديها على أذنيها وهي تهز رأسها بانهيار تام، فتابع جلده لها دون رأفة:
"متطلعي؟ جاتك الفرصة إنك تهربي مني وتتحامي في زمايلك."
ليتها تستطيع فعلها، لكن إذا خرجت الآن معه أمامهم فلن يرحمها أحد، حتى أهلها لن تنطلي عليهم خدعته، ولن يصدقها أحد. فانطوائيتها التي عاشت بها في الجامعة جعلت الجميع يظن أنه تكبر منها.
لن يتوانى ثانية واحدة عن العبث بسمعتها إذا جاءتهم الفرصة.
وضعت رأسها بين يديها لا تعرف ماذا تفعل.
الثقة التي يتحدث بها تؤكد لها أنه يعرف كيف يخطو، وأنه قد رتب كل شيء.
أغمضت عينيها بانهيار، وتمتمت باستعطاف كان آخر ما تملكه:
"أرجوك... متعملش فيا إكدة."
رد بغرور وهو يعيد الهاتف إلى سترته:
"أني معملتش حاجة. أي واحدة مكانك كان زمان الفرحة مش سايعاها عشان هيتربط اسمها باسمي. وزي ما جولتلك، لو وافجتي فأني أكتر واحد وجتها هخاف على سمعتك، مش عشانك، لا عشان سمعة ولادي، والناس متجولش إن أمهم هربت مع أبوهم...."
توقف لحظة يتلاعب بها:
"إلا إذا رفضتي، وجتها هسيب الناس هي اللي تجول اللي هي عايزاه."
نظر في ساعته مرة أخيرة، وتابع بحزم نهائي لا رجعة فيه:
"جدامك دقيقة واحدة، يا تجولي موافجة، يا تخرجي بره المكتب ده، وسيبي الباجي عليا."
كانت أشعة الشمس تتسلل عبر نوافذ جناح سند ونغم الجديد، تضيء ذرات الغبار المتطايرة في الهواء وتنعكس على الأثاث الخشبي الفاخر الذي تم اختياره بعناية.
وقفت روح مع وعد في منتصف الغرفة، تضعان اللمسات الأخيرة على مملكتهما القادمة.
كانت روح تثرثر بحماس، تعلق على لون الستائر، وتقترح مكانًا أفضل لمزهرية كرستالية، بينما كانت وعد تتحرك كآلة صامتة، يداها تقومان بالعمل المطلوب لكن روحها كانت في مكان آخر تمامًا.
كل قطعة أثاث كانت سكينًا يغرس في قلبها. هذا الفراش الكبير الذي سيحتضنهما معًا... هذه الخزانة التي ستجمع ملابسهما جنبًا إلى جنب... هذه الشرفة التي يشربون فيها قهوة الصباح... كل تفصيل كان يصرخ في وجهها بخسارتها، يذكرها بأن حلمها الأبدي أصبح حقيقة لامرأة أخرى.
كانت تجاهد بكل ما أوتيت من قوة كي تخفي دموعها، كي تبتلع تلك الغصة التي تشل حلقها.
كانت تشعر بأنها لو سمحت لدمعة واحدة بالنزول، فإنها ستتحول إلى فيضان لن يتوقف.
بين الحين والآخر كانت تتحجج بالمرحاض، تهرول إلى الحمام وتغلق الباب خلفها، وهناك فقط كانت تسمح للدموع الحارقة المتعلقة بأهدابها بالانهمار بصمت، تمسحها بسرعة وترسم ابتسامة باهتة على وجهها قبل أن تعود إلى مهمة عذابها.
عندما انتهيا أخيرًا من جناح سند، انتقلتا إلى غرفة روح المجاورة، والتي يتم تجهيزها لزواجها من عدي.
قالت روح بغيظ مصطنع وهي ترمي بوسادة حريرية على السرير:
"اتحججت بالجامعة عشان تهرب منينا وتسيب كل حاجة على دماغنا، شايفة الأنانية؟"
ردت وعد بابتسامة صافية كصفاء قلبها، ابتسامة كانت قناعًا مثاليًا يخفي حطام روحها:
"سيبيها يا روح، انتِ خابرة من وقت اللي حصلها وهي مش بحالها، الخضة ما كانتش سهلة."
تنهدت روح بتأثر، وتلاشت ملامح الغيظ من وجهها ليحل محلها القلق الحقيقي:
"أنا فعلًا ملاحظة عليها سرحانة طول الوقت، وعينيها فيها حزن، بس بكرة لما تبجى في حضن سند، هينسيها كل حاجة، حبه ليها هيكون الدوا بتاعها."
كل كلمة من روح كانت طعنة جديدة.
"حضن سند"... "حبه ليها"... "الدوا بتاعها".
أومأت وعد برأسها بصمت، عاجزة عن النطق بأي شيء، وأخذت تستمع إلى روح الحالمة عن مستقبلها مع عدي، بينما كانت أذناها لا تسمعان إلا صدى خسارتها.
انتهتا أخيرًا، ودخلت ليل والدة نغم عليهما.
"خلصتوا يا بنات؟"
نظرت لوعد وتابعت بامتنان:
"معلش يا وعد تعبتي معاهم."
ردت وعد بصوت حاولت جاهدة أن تجعله طبيعيًا:
"آه يا مرات عمي، خلصنا، ما فيش تعب ولا حاجة."
"طيب يلا، الغدا جاهز تحت وسند ونغم زمانهم على وصول."
هنا، لمعت عينا روح بلهفة طفولية وسألت بسرعة:
"مالك... مالك نزل؟"
أجابت ليلى بابتسامة:
"آه يا حبيبتي، نزل وقاعد في المكتب مع عمك سالم."
قالت روح بحماس وهي تهرول خارجة من الغرفة:
"محدش يجوله! أنا هغير هدومي وأنزل أفاجئه وأجوله."
نظرت وعد إلى طيف روح السعيد وهي تختفي في الرواق، ثم نظرت إلى الغرفة التي تم تجهيزها لتكون قفصها الذهبي مع عدي.
"لقد سمعت حواره مع جدها وكانت تود أن تخبرها لكنها تراجعت، لربما يشعر بحبه لها بعد الزواج."
وقفت وحيدة في الغرفة، وسقط القناع أخيرًا.
انحنت وأسندت جبينها على عمود السرير البارد وأغمضت عينيها، وسمحت لدمعة واحدة ثم أخرى بالنزول ببطء على خديها.
لم تكن تبكي على زواج سند، بل كانت تبكي على حلمها الذي مات، وعلى قلبها الذي سيظل ينبض باسم رجل لن يكون لها أبدًا.
***
وقف مالك في شرفة المكتب الواسعة، مستندًا على سورها الحجري، وظهره للباب، كان يتحدث في الهاتف، وصوته الهادئ يحمل نبرة من الإرهاق الذي تجاوز مجرد تعب الجسد.
كانت نسمات الهواء الباردة تداعب خصلات شعره، لكنها لم تفلح في تبريد الحمم التي تغلي في صدره.
"كتب الكتاب بكرة إن شاء الله، مش محتاج دعوة يا أكمل، ده بيتكم."
جاء صوت أكمل من الطرف الآخر، عمليًا كعادته، لكنه يحمل دفئًا أخويًا.
"أكيد طبعًا، مع إني مشغول حبتين اليومين دول، بس هفضي نفسي وآجي عشان بالمرة أقنع جدي يرجع معايا القاهرة."
رسم مالك شبه ابتسامة ساخرة على وجهه.
"لااا، مظنش إنه يوافق، انت عارفه متمسك بالبلد جد إيه."
"لا، المرة دي مش هسيبه، لازم أقنعه بأي شكل، المهم، أنت هترجع إمتى؟"
"مش عارف، أنا اشترطت على المدير النقل لفرع الجديد، لو ما وافقش، هضطر أسيب الشركة كلها وأشتغل هنا."
أيد أكمل رأيه بحماس.
"يبقى عين العقل، بلدك هنا محتاجة للي زيك، بلاش قدراتنا دي تكون للغير."
تنهد مالك تنهيدة عميقة، خرجت من أعماق روحه المعذبة، نظر إلى الأفق البعيد، وقال بصوت خافت كأنه يبوح بسر لنفسه أكثر مما يتحدث إلى أكمل.
"عندك حق، وخصوصًا إن الهرب معدش له لازمة، هي خلاص... هتبقى من نصيب غيري وده بقى أمر واقع، ولازم أرضى بيه."
صمت أكمل للحظات، مدركًا ثقل الكلمات التي نطق بها صديقه، ثم قال بحذر.
"أتمنالهم السعادة وخلاص، أكيد سعادتها تفرق معاك."
أغمض مالك عينيه، وتخيلها للحظة في ثوب الزفاف الأبيض، تقف بجانب أخيه، تخيلها تضحك وتخيلها في أحضانه.
شعر بطعنة حادة تخترق قلبه، لكنه أجبر نفسه على النطق بالكلمات التي يجب أن يقولها.
"أكيد... أكيد سعادتها تفرق معايا، ولو سعادتها معاه، أكيد هقف جنبها وأعمل المستحيل عشان تكون سعيدة... حتى لو على حساب سعادتي."
"ربنا يريح قلبك يا صاحبي، طيب، أسيبك دلوقت ونتقابل بكرة."
"إن شاء الله، سلام."
أغلق مالك الهاتف وظل واقفًا للحظات، يحاول أن يستجمع شتات نفسه قبل أن يعود لمواجهة العالم، أخذ نفسًا عميقًا، ثم استدار ليدخل المكتب... فتجمد في مكانه.
توقفت الأرض عن الدوران، توقف الزمن.
توقف قلبه عن النبض.
كانت تقف هناك، عند عتبة الشرفة، ليست على بعد أكثر من خطوات قليلة منه، كانت روح.
لم تكن روح السعيدة المبتسمة التي يعرفها، كانت تقف كتمثال من الشمع، يداها بجانبها، وعيناها متسعتان في صدمة مطلقة.
لم تكن مجرد نظرة مفاجأة، بل كانت نظرة من رأى شبحًا، من انكشفت له حقيقة كانت مدفونة فغيرت كل ما يعرفه.
لقد سمعت، سمعت كل شيء.
شعر مالك بأن الدم كله قد هرب من وجهه، وبأن الأرض تحته أصبحت هشة كقشرة بيضة على وشك التحطم. للحظة، لم يستطع التنفس، أراد أن يتكلم، أن يبرر، أن ينكر، أن يقول أي شيء يمحو تلك النظرة المصدومة من عينيها.
لكن لسانه كان قد شُل تمامًا.
فتح فمه ليقول اسمها، لكن لم يخرج أي صوت.
كل دفاعاته، كل أقنعته التي بناها على مدى سنوات انهارت في لحظة واحدة تحت وطأة نظرتها. لقد انكشف سره الأعمق، جرحه الذي كان يخفيه عن العالم كله، وأصبح الآن عاريًا أمام الشخص الوحيد الذي لم يكن يجب أن يعرفه أبدًا.
***
دقيقة واحدة... ستون ثانية فقط، كانت هي كل ما يفصل بين ماضيها الذي تحطم، ومستقبلها البائس الذي يُبنى الآن على أنقاضه.
نظرت نغم حولها في ذعر، عيناها تتفحصان الغرفة وكأنها تبحث عن طوق نجاة في محيط هائج، لكنها لم تجد سوى جدران صامتة وفاخرة، تردد صدى تهديداته القاسية، وتضخم صوت دقات قلبها المذعور حتى كاد يصم أذنيها. الأصوات في الخارج تتعالى، كل همسة، كل ضحكة خافتة، كانت كسهم مسموم يخترق قلبها المرتجف.
هل يرونها الآن؟ هل يتخيلون ما يحدث بالداخل؟ هل يرسمون في أذهانهم سيناريوهات مشينة بطلتها هي، الفتاة التي كانت دائمًا مثالًا للشرف؟
لقد حاصرها كلاعب شطرنج محترف، أغلق أمامها كل منفذ للهروب، وتنبأ بكل حركة ممكنة لها، ووضع أمامها فخًا محكمًا.
الموت لن يخلصها، بل سيزيد الطين بلة، سيحولها من ضحية إلى مدانة، وسيلطخ سمعة عائلتها إلى الأبد. الرفض سيفجر قنبلة لن تقتلها وحدها، بل ستتطاير شظاياها لتصيب والدتها، وإخوتها وسند، ومالك، وكل من تحب، سيحول حياتهم إلى جحيم لا يطاق.
لم يترك لها خيارًا، لم يترك لها حتى شرف الاختيار، لقد وضعها أمام حقيقة واحدة: التضحية بنفسها، أو التضحية بالجميع.
أغمضت عينيها بقوة، في محاولة يائسة لحجب صورته الباردة، لحجب واقعها المرير.
استسلمت كل خلية في جسدها، كانت تصرخ بالرفض، تتمرد على هذا الظلم، لكن عقلها الذي شلّه الرعب كان يدرك أن الموافقة هي التضحية الوحيدة التي يمكن أن تبني جدارًا بين أهلها وبين جحيمه.
إنه ثمن باهظ لخطأ لم ترتكبه، وثأر لا ذنب لها فيه سوى أنها تحمل اسم "الرفاعي".
فتحت عينيها ببطء، كانتا فارغتين، انطفأ بريقهما تمامًا، وماتت فيهما كل مقاومة.
تحولت دموع القهر إلى نظرة زجاجية، نظرة استسلام مطلق، نظرة من حُكم عليه بالإعدام وقبل مصيره.
رفعت رأسها نحوه، وبصوت مبحوح، صوت غريب لم تعرفه من قبل، صوت خرج من بين شفتيها المرتجفتين، همست بكلمة واحدة حسمت كل شيء، كلمة كانت بمثابة توقيعها على صك عبوديتها:
"موافقة."
لم تتغير ملامحه الباردة، لم يرمش حتى، وكأنه كان يتوقع هذا الرد منذ البداية. لم تظهر على وجهه أي علامة للانتصار أو الفرح، بل مجرد تأكيد لخطته التي سارت بدقة متناهية، كآلة لا تخطئ. أومأ برأسه ببطء، ثم أمسك بهاتفه مرة أخرى وضغط زرًا واحدًا.
تحدث بهدوء آمر، صوت السيد الذي يأمر فيطاع.
"كله يمشي حالًا، ما فيش حاجة."
وكأن كلماته كانت عصا سحرية، بدأت الأصوات في الخارج تخفت تدريجيًا، وتلاشت الهمهمات، حتى ساد الصمت المطبق مرة أخرى.
صمت كان أثقل وأشد رعبًا من الضجيج.
وقف جاسر، ونفض سترته الأنيقة بحركة خفيفة، وكأنه يزيل عنها غبار معركة حسمها بسهولة ودون أي عناء. نظر إليها من علو، وهي لا تزال منكمشة على الكرسي، وقال ببرود قاطع.
"قومي."
لم تتحرك، ظلت جالسة كتمثال من جليد، عقلها يرفض أن يرسل الأوامر لجسدها المنهار. كرر أمره بحزم أكبر، بنبرة لا تحتمل أي تأخير.
"جولت قومي."
تحاملت على نفسها، واستجمعت آخر ذرات القوة المتبقية فيها، وقفت على قدمين بالكاد تحملانها، شعرت بالدوار يهاجمها وكأن الأرض تميد بها، فتشبثت بحافة المكتب لتمنع نفسها من السقوط.
تقدم نحوها خطوتين، وبدون أي مقدمات، بدون أي لمسة مواساة أو حتى نظرة تفهم، أمسك بذراعها بقوة، قبضته كانت كالكماشة الفولاذية. سحبها خلفه نحو باب خلفي للمكتب، باب خشبي داكن لم تكن قد لاحظته من قبل، باب يقود إلى المجهول.
لم يلتفت لينظر إليها، لم يهتم بدموعها الصامتة التي ترسم خطوطًا على وجهها الشاحب، أو بجسدها الذي يرتعش من الخوف والمهانة.
كانت تسير خلفه كالمسلوبة الإرادة، كدمية خشبية تتحرك بخيوط هو من يمسك بها.
كل خطوة تخطوها كانت تبعدها عن حياتها التي تعرفها، عن ضحكاتها، عن أحلامها، وتقربها من جحيم لا تعرف له قرارًا.
لقد وافقت ليس حبًا فيه، ولا خوفًا منه على نفسها، بل تضحية لحماية من تحبهم من أنيابه. كانت هي الكبش الذي سيُذبح على مذبح ثأره.
وهكذا خرجت نغم من ذلك المكتب، ليس من الباب الذي دخلت منه، بل من باب خلفي مظلم، تاركة وراءها كل شيء: أحلامها، كرامتها، حبها، ومستقبلها.
خرجت لتدخل إلى سجن بنيت جدرانه من حقد رجل قرر أن يجعل من حياتها ساحة لانتقامه.
كان سند يستند إلى سيارته وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. لم يكن ينتظر حبيبته فحسب، بل كان ينتظر عروسه، المرأة التي سيعقد قرانه عليها غدًا، والتي ستشاركه اسمه وحياته وأحلامه.
كل دقيقة تمر كانت تقربه من حلمه الأبدي، حلم بناء عائلة معها، حلم رؤيتها كل صباح بجانبه. كان يتخيلها وهي تخرج من بوابة الجامعة، بابتسامتها الخجولة التي تذيب قلبه، وكيف سيحتضنها ويخبرها كم اشتاق إليها في هذه الساعات القليلة.
لكن الدقائق بدأت تتحول إلى وقت طويل ومقلق.
نظر في ساعته للمرة العاشرة، وقد اختفت الابتسامة ليحل محلها تقطيب قلق على جبينه.
تأخرت نغم أكثر من اللازم، وهذا ليس من عادتها أبدًا.
هي تعرف أنه يكره الانتظار، وتعرف أنه يقلق عليها من نسمة الهواء.
حاول الاتصال بها بشكل تلقائي، لكنه تذكر بضيق أن هاتفها قد سُرق منها في ذلك الحادث المشؤوم. زفر بحدة، وشعر بوخزة قلق حادة تخترق صدره. لم يعد يستطع الانتظار مكتوف الأيدي. هذا الشعور بالجهل بما يحدث لها كان يقتله.
أغلق سيارته بقوة، ودخل إلى حرم الجامعة بخطوات سريعة وواسعة، وعيناه الحادتان تمسحان المكان، تبحثان عنها في كل زاوية، بين كل مجموعة من الطلاب، على أمل أن يلمح طيفها. لكنها لم تكن في أي مكان.
صادف مجموعة من صديقاتها يضحكن بالقرب من الكافتيريا. اقترب منهن بسرعة.
_ السلام عليكم، مشفتوش نغم؟
نظرت الفتيات لبعضهن بارتباك واضح، وتلاشت ضحكاتهن. أجابت إحداهن بتردد.
_ وعليكم السلام، شفناها من فترة داخلة مكتب دكتور أحمد، رئيس القسم. بس هو مشي من زمان، وهي افتكرناها روحت معاك.
أضافت أخرى بصوت يحمل نبرة من التشفي والنميمة.
_ أني شوفتها من شوي خارجة من الباب التاني للمبنى.
شعر سند بأن قلبه ينقبض. الباب الثاني؟ لماذا تخرج من هناك؟ سألها بحدة لم يستطع السيطرة عليها.
_ كان حد معاها؟
أومأت الفتاة بسرعة، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال لتلقي بقنبلتها.
_ أيوه أني كنت شايفة جاسر التهامي معاها، مخبراش صدفة ولا عادي.
تجمد الدم في عروق سند عند سماع الاسم. جاسر التهامي.
مجرد سماع هذا الاسم كان كافيًا لإيقاظ كل شياطين الماضي والحاضر. كل مخاوفه، كل غيرته، كل كراهيته، تجسدت في هذين الاسمين. ماذا يفعل عدو العائلة وعدوه اللدود هنا؟ وماذا يريد من نغم؟ كيف يجرؤ على الاقتراب منها مرة أخرى بعد تحذيره؟
ركض سند نحو مبنى الإدارة، لم يعد يمشي، بل كان يركض وقلبه يدق بعنف كطبول حرب في صدره. وجد مكتب رئيس القسم مغلقًا، والفناء المحيط به هادئًا بشكل مريب. رأى حارس أمن عجوز يقف على مقربة، فاندفع نحوه.
_ يا عم، محدش خرج من المكتب ده؟
هز الرجل رأسه ببطء، وقال بصوت رتيب.
_ الدكتور أحمد خرج من بدري يا ولدي وبعده بشوية، خرج جاسر بيه ومعاه بنية، بس خرجوا من الباب الخلفي اللي بيطل على الشارع التاني.
"معاه بنية؟!"
كرر سند الكلمة في عقله، وشعر بالأرض تهتز من تحته، وبأن الهواء أصبح ثقيلًا ولا يمكن استنشاقه. لم يعد هناك أي مجال للشك. لقد فعلها. لقد أخذها.
انطلق كالريح نحو سيارته، وشعر بعجز رهيب يشل أطرافه. كيف لم يحميها؟ كيف سمح لهذا الذئب بالاقتراب من حملة الوديع؟ أخرج هاتفه بيدين مرتعشتين، واتصل بوالدته.
_ أمي... نغم رجعت البيت؟
جاءه صوتها القلق على الفور.
_ لا يا ولدي، لسه مرجعتش في إيه؟ إيه اللي حوصل تاني؟ قلبنا واكلنا عليها.
لم يستطع أن يشرح، لم يستطع أن ينطق بالجملة التي ستحرق قلب والدتها. أنهى حديثه بحدة يائسة.
_ بعدين يا أمي... بعدين.
أغلق الخط وشعر بالاختناق، كأن يدًا خفية تعتصر رقبته. لقد أخذها.
هذا الحقير قد أخذها. ابتلع ريقه بصعوبة، وأجرى اتصالًا آخر، هذه المرة بعمه سالم. كان صوته أجشًا ومكسورًا عندما تحدث، صوت رجل تحطمت أحلامه في لحظة.
_ أيوة يا عمي... نغم... نغم اتخطفت.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رانيا الخولي
التفت مالك وشعر بأن العالم كله قد توقف.
كانت روح تقف أمامه، ليست على بعد أكثر من خطوات، وعيناها تحدقان فيه بحيرة عميقة، مزيج من الارتباك والألم الخافت الذي لم تفهم مصدره بعد.
تجمد الدم في عروقه، وشعر بأنه عاري تمامًا أمام نظرتها الفاحصة.
قال اسمها بصوت أجش، بالكاد خرج من حنجرته الجافة.
"روح؟"
قطبت روح حاجبيها، وتقدمت خطوة نحوه، عقلها يحاول ترتيب الكلمات التي التقطتها أذناها.
"هي مين دي... اللي هتكون سعيد بسعادتها؟"
لا تعرف لماذا لامست الغيرة قلبها كوخزة حادة لطالما كانت تتساءل في سرها عن تلك المرأة المجهولة التي ستمتلك قلب مالك يومًا ما، وتبعده عنها إلى الأبد. كانت دائمًا تعتبر قلبه ملكًا لها، بطريقة بريئة وأنانيّة، والآن يبدو أن هناك من جاءت لتطالب به.
"انت... بتحب واحدة؟"
رمش مالك بعينيه بسرعة، كمن يبحث عن مهرب في غرفة مغلقة.
عقله كان يعمل بأقصى سرعة ليفتعل كذبة مقنعة، أي شيء يمحو هذه النظرة من عينيها.
"لا... لا... مفيش الكلام ده. أنا كنت بتكلم عن واحد صاحبي، كان بيحب واحدة وهتتجوز غيره. كنت بواسيه بس."
لم تقتنع روح بحديثه. كانت هناك حقيقة أعمق في نبرة صوته، في ألمه الذي سمعته بوضوح. همت بتكذيبه، بفتح هذا الباب الذي شعرت بأنه سيغير كل شيء.
لكن صوت عمها سالم الصارخ الذي دوى من داخل المكتب قطع عليهما اللحظة المشحونة.
"انت بتجول إيه؟! هي مين اللي اتخطفت؟!"
نظر مالك وروح إلى بعضهما بصدمة، ونسيا تمامًا حوارهما المتوتر. أسرع الاثنان إلى داخل المكتب، وفي نفس اللحظة، كان الجميع يتدفقون إلى الداخل على صوت الصياح، ليجدوا سالم واقفًا في المنتصف، يمسك الهاتف بقبضة بيضاء، ووجهه متجهم كعاصفة على وشك الانفجار.
صاح سالم في الهاتف.
"مين اللي عمل إكدة؟!"
صمت لثوانٍ مرعبة يستمع إلى الطرف الآخر. تشنج جانب فمه بغضب مكبوت، وقال بصوت جليدي.
"استناني عندك، وأني چاي دلوجت."
أغلق الخط بقوة كادت أن تحطم الهاتف. أسرع إليه الجميع يسألونه بلهفة ورعب.
"مين اللي اتخطفت يا سالم؟! في إيه؟!"
تطلع سالم إلى ليل ثم إلى ورد، ونظراته كانت تحمل وعدًا بالدمار. نطق بالكلمات التي حولت القصر إلى بركان.
"ابن التهامي... خطف نغم."
انقلب المكان رأسًا على عقب. شهقت ورد ووضعت يدها على فمها، بينما انهارت ليل تهز رأسها برفض هستيري، وكأنها تحاول نفي الحقيقة المروعة.
"لاه... بنتي... بنتي لاه..."
أسرعت إليها روح لتحتضنها، تحاول تهدئتها رغم أن قلبها هي كان يدق بعنف.
"متخافيش يااما، متخافيش نغم هترجع."
صاح عدي بغضب أعمى، وعيناه تقدحان شررًا.
"يبجى هما اللي چنوا على نفسهم!"
همّ بالخروج من المكتب ليأتي بسلاحه، لكن يد مالك القوية أمسكت بذراعه، وأوقفته بحزم.
"اهدأ يا عدي! الموضوع ده بالذات ميتخدش إكدة. لازم نتحرك من غير شوشرة."
صاح به عدي محاولًا التخلص من قبضته.
"إنت بتجول إيه؟! بجوا يخطفوا بناتنا ونسكت إياك؟!"
صاح به مالك بصوت أعلى، صوت لم يكن غاضبًا، بل كان صوت القائد الذي يفرض النظام في خضم الفوضى.
"لاه مش هنسكت! بس هنتحرك بالعقل! معنى إنه ياخدها من الچامعة بالنهار، يبجى كان تحت تهديد! مش ببساطة كدة هيروح يخطفها جدام زمايلها. هو استخدم العقل، إحنا كمان نستخدمه. من غير شوشرة هتودينا في داهية. هنروح أنا وأبوي وعمي، ونشوف هيرجعوها بالذوق، ولا نستخدم طريجة تانية."
أيد حامد والد سند، رأي ابن أخيه بحكمة.
"مالك عنده حج. عين العقل. خلينا نروح نتكلم بهدوء لول. لو رفضوا، يبقى لكل حادث حديث."
قال مالك وقد تحول تمامًا إلى رجل الأزمات.
"دلوجت، أول خطوة هنروح على الچامعة، ونطلب نشوف الكاميرات. لازم نعرف هي خرچت معاه إزاي، ويكون معانا إثبات قبل ما نروح لهم."
وافقه الجميع على الفور. تحولت الفوضى إلى خطة عمل منظمة تحت قيادته.
خرج الرجال بسياراتهم، وانطلقوا كالريح متجهين إلى الجامعة، تاركين وراءهم قصرًا يغلي بالقلق والخوف، وروحًا تقف في مكانها، تدرك أن الكارثة التي حلت بهم للتو، قد أنقذتها مؤقتًا من كارثة أخرى، كارثة شخصية كانت على وشك الانفجار بينها وبين مالك.
***
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وأشعتها الذهبية تتسلل عبر زجاج السيارة لتلقي بظلال طويلة على وجه نغم الشاحب.
لم تنطق بكلمة واحدة طوال الطريق، فقط كانت تنظر من النافذة إلى الشوارع التي تمر بها سريعًا، وكأنها تودع عالمها القديم الذي لن تعود إليه أبدًا.
كل مبنى وكل شجرة وكل وجه عابر كان يثير في نفسها موجة من الحنين والألم.
أما هو فكان يقود السيارة بهدوء تام، يده القوية تمسك بالمقود بثبات، وعيناه مركزتان على الطريق أمامه.
لم يحاول أن يتحدث معها، ولم يلتفت إليها ولو لمرة واحدة.
كان صمته أشد وطأة من كلماته، صمت يوحي بالسيطرة المطلقة، وكأنه يقول لها: "لقد انتهى الأمر، أنتِ الآن ملكي".
وصلت السيارة أخيرًا إلى بوابة حديدية ضخمة، فُتحت ببطء لتكشف عن ساحة واسعة تؤدي إلى منزل كبير، أو كما يسمونه في الصعيد "سرايا".
كانت سرايا عائلة "التهامي" مهيبة، شامخة كأصحابها، لكنها بدت في عيني نغم كسجن مفخخ أسواره عالية وقضبانه من ذهب.
توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي. ترجل جاسر أولًا، ثم استدار وفتح لها الباب بحركة آلية خالية من أي مشاعر.
قال بنبرة آمرة لم تتغير.
"انزلي."
نزلت نغم بخطوات مترددة، وشعرت بقدميها تلامسان أرضًا غريبة عنها، أرضًا ستشهد على بقية حياتها البائسة.
ما إن وقفت حتى أمسك جاسر بذراعها مرة أخرى، ليس بقسوة كما في المكتب، بل بصلابة لا تسمح بالرفض، وسار بها نحو الداخل.
في بهو السرايا الواسع، كانت والدته تجلس بعيدًا وكأنها ترفض ما سيحدث من ولدها.
كان صخر بجواره رجل وقور يرتدي جبة وعمامة، يبدو أنه المأذون.
رفع صخر وجهه نظر إليهما فور دخولهما، وارتسمت على وجهه ابتسامة رضا باردة وهو يرى نغم تسير بجانب ابن أخيه.
لم تكن هناك تحية أو ترحيب.
كل شيء كان معدًا مسبقًا وكأنها صفقة تجارية تم الاتفاق عليها.
أشار جاسر لوالدته التي تقف بعيدًا بأن تأخذ نغم.
فقالت بعتاب.
"لساتك يا ولدي مصر علي في دماغك؟"
رد جاسر بتحذير.
"أمي."
التزمت الصمت فليس بيدها فعل شيء.
وأخذت نغم المستسلمة لها وقالت.
"تعالي يا بتي."
جلست على الأريكة وجلست بجوارها وأخذت تشاهد بعينيها إجراءات الزواج التي كان معد لها مسبقاً.
الوكيل و بطاقتها وكل ما يتعلق بها.
ولما لا فقد كانت بحوزته يومين كاملين.
بدأ المأذون في تلاوة الإجراءات، وكانت كلماته تدوي في أذني نغم كأنها مطارق تدق آخر المسامير في نعش حريتها.
حتى انتهى بإمضاءه وطلب امضاء العروس.
سخرت نغم من أي عروس يذكر ذلك المختل.
ألا يرى حزنها.
ألم يشك بأنها مرغمة على الزواج.
أنه حتى لم يطلب رأيها.
وها قد جاء ليجبرها على الامضاء أيضاً.
"أمضي."
رفعت بصرها إليه بسخط، قابله هو ببرود كالجليد. وكم أرادت في تلك اللحظة أن تمزق تلك الأوراق وتلقيها في وجهه وتلوذ بالفرار ويحدث ما يحدث.
لكن لم يعد باستطاعتها ذلك ودخلت القضبان بقدميها.
"أمضي."
ساد صمت ثقيل بعدها. رفعت نغم نظرها الفارغ نحو جاسر، الذي كان يراقبها بنظرة حادة كالصقر.
كانت نظراته تحمل تهديدًا صامتًا، تذكيراً بما سيحدث لو نطقت بكلمة "لا".
أخذت نفسًا عميقًا، وشعرت بمرارة تسري في حلقها. أغمضت عينيها للحظة، ورأت أمامها وجوه عائلتها، وجه أمها الحنون، وابتسامة أختها، ونظرة اولاد عمها المليئة بالأمل.
من أجلهم فقط، ستفعلها.
فتحت عينيها وأخذت القلم من يده بعنف وقامت بالامضاء.
وفور انتهاءها شعرت وكأن روحها قد غادرت جسدها.
تم التوقيع على الأوراق، وظهرت ابتسامة خافتة من صخر، تلاها ابتسامة ليست للاحتفال، بل للتشفي والانتصار.
وقف جاسر، وقال للمأذون ببرود.
"ابعته على بيت أهلها، وبلغهم إن الفرح والدخلة الليلة."
اتسعت عينا نغم بصدمة ورعب.
"الليلة؟!"
هل جن هذا الرجل؟ كيف سيواجه أهلها هذا الخبر؟ كيف سيتحملون هذه الإهانة؟
***
وفي خلال أقل من نصف ساعة، كان سند ومالك يقفان في غرفة المراقبة الصغيرة بالجامعة، وأعينهما مثبتة على شاشة تعرض تسجيلات كاميرات المراقبة. لقد طلبوا السرية التامة، فالأمر لا يحتمل الفضيحة، وكل ثانية تمر كانت كالجمر تحرق أعصابهم. مرت الدقائق كدهر وهم يراقبون الممرات والساحات، حتى وصلت اللقطة الحاسمة.
رأوا جاسر يدخل المكتب بثقة، ثم نغم تدلف بعد فترة بتردد واضح.
ثم... اللقطة التي حطمت كل شيء. ظهر جاسر من الباب الخلفي، وخلفه نغم ويبدو عليها البكاء.
كانت ملامحها شاحبة، وعيناها زائغتين تسير خلفه كجسد بلا روح، كدمية خشبية تتحرك بخيوط لا مرئية. أدخلها سيارته الفارهة السوداء وانطلق بها كالبرق، مختفيًا عن الأنظار.
قفز سند من مكانه، وقد تحولت عيناه إلى جمرتين مشتعلتين. صرخ في وجه والده الذي كان يقف خلفه، صرخة ممزوجة بالغضب والعجز.
"أخدها، الكلب اخذها غصبت عنيها! شفت بعينك يا بوي! شفت حالتها عاملة كيف!"
لم ينتظر ردًا. انطلق هو ووالده وعمه سالم الذي لحق بهم، نحو سرايا التهامي.
كانت السيارات تشق الطريق الصحراوي بسرعة جنونية، والغبار يتصاعد خلفها كدخان معركة وشيكة، معركة شرف وكرامة.
عندما وصلوا إلى بوابة السرايا الحديدية الضخمة، وجدوها مغلقة كحصن منيع. ترجل سند من سيارته، واندفع نحو البوابة وصاح بأعلى صوته، وقد بحّ صوته من الغضب.
لكن لم يأتِ رد. فصاح سالم بغضب عارم.
"يا جاسر لو راجل اطلع واجهنا."
بعد لحظات من الصمت الثقيل والمشحون، فُتحت البوابة ببطء وصوت صرير معدني حاد.
لم يخرج جاسر، بل خرج صخر ونظراته كانت حادة كالسيف، وقامته المنتصبة توحي بقوة لا يستهان بها.
وقف بثبات وقال ببرود مستفز.
"صوتكم عالي ليه؟ جايين لحد بيتنا وتهللوا؟"
تقدم والد سند وقال بغضب مكتوم.
"ابنك خطف بت أخوي يا صخر وجايين ناخدها."
ضحك صخر ضحكة ساخرة هزت أرجاء المكان ثم قال ببطء، وهو يرمقهم بنظرة متعالية.
"خطفها؟ جاسر مبيخطفش. جاسر بياخد اللي ليه."
في تلك اللحظة، ظهر جاسر على عتبة باب السرايا، ووقف بشموخ كأنه ملك منتصر.
نظر إليهم ببرود، ثم قال الكلمات التي كانت بمثابة رصاصة الرحمة على آمالهم.
"اللي جايين عشانها... مبجتش بنتكم... بقت مرتي."
رفع يده وفيها وثيقة زواج رسمية.
"كتبنا الكتاب من ساعة واللي ليه حق عند التاني ياجي ياخده."
نظر سند إلى الوثيقة ثم إلى وجه جاسر المنتصر وشعر بدمه يغلي في عروقه. لقد تأخروا.
لقد حسم عدوهم المعركة قبل أن تبدأ، وحول عروسه المنتظرة إلى زوجته، وحول فرحهم القادم إلى مأتم أبدي.
اشعلت عينا سند بنار الغضب وهو يصرخ.
"بتردهالنا يا جاسر الكلب؟ فاكر إن ورقة زي دي هتخلينا نسيب حجنا؟"
لم يهتز جاسر، بل رد ببرود أشد من برود الجليد وهو ينظر إلى سالم.
"حقكم ده كان زمان، جبل ما تعتدي على بيتنا، وتاخدوا بنت التهامية وتنسبوها عليكم غصب عنينا. دلوجتي الحج حجي، وأنا أخدته والبت اللي بتتكلموا عنها دي مرتي شرعًا وقانونًا، ومحدش له كلمة عليها غيري."
تقدم عدي وقد بلغ غضبه منتهاه، وهم بالتهجم عليه وهو يقول بصوتٍ كالرعد.
"هنشوف كلام مين اللي هيمشي يا ولد صخر. والله ما هتبات على ذمتك ليلة واحدة!"
امسكه مالك من ذراعه يمنعه.
وضحك جاسر بسخرية، ثم تحولت نظرته إلى جدية قاتلة وهو يرفع حاجبه.
"وريني هتعمل إيه. السرايا دي مش سهلة للي يفكر يجرب منها، واللي هيمد إيده على حاچة تخصني... هجطعهاله."
هنا تحدث مالك بتريس.
"احنا چايين نتكلموا بالعجل، وانت محامي وخابر زين إن العقد ده باطل يعني تبله وتشرب مايته، فياريت تبعت بنتنا بالذوق."
كمل سالم بقوة.
"بنتكم اني مأجبرتهاش على الچواز مني، أني كنت رايدها وهي كمان رايداني ودخلت بيتكم من بابه."
تطلع إلى صخر وتابع.
"افتكر زين وجتها انت عملت ايه؟ رفعت سلاحك عشان تجتلني لولا أبوك اللي منعك، مش حبًا فيا بس مكنش ينفع تجتلني في دارك، ولما أصريتوا تچوزوها غصبت عنيها هربت عشان تموت حالها، بس اني لحجتها وأخدتها دار عمي لحد ما كتبنا الكتاب."
"كان بالتسامح بيناتنا يا ابن التهامي مش غصب عنيها زي ما عملتوا دلوجت. اني هكلمكم بالذوق خلي بتنا ترجع معانا ولو زي ما بتجول رايدها تاچي تخبط على بابنا."
ترجل صخر الدرج الفاصل بينه وبين سالم وقال بمغزى.
"حسيت بمرارها دلوجت يا سالم؟ حسيت باللي احنا حسينا بيه وجتها؟ زي ما درينا ضهرنا ومشينا انت كمان تدير ضهرك وتهملنا، ومتخافش محدش في البلد هيعرف حاچة، طالما دخلت بيتنا يبجى سمعتها من سمعتنا. بس أوعى تفتكر إننا بجينا متعادلين. اتعادلنا بالعار بس التار لساته جايم يا رفاعية."
هم عدي بالتهجم عليه لكن سالم منعه بذراعه وقال بأمر.
"مش وجته."
عاد بنظره لصخر وقال.
"مش متعادلين يا صخر، لأنكم أجبرتوها على الچوازة دي. أختك...."
قاطعه صخر بهدر.
"متجيبش سيرتها في البيت ده، لانها انجطعت من زمان، وشيدنالها جبرها اللي مستني يتاويها."
ثار سالم ولم يعد يتحكم بغضبه عندما هدده بحبيبته. ورفع سبابته أمام وجه صخر وقال بتحذير هادر.
"فكر تجرب منيها وأني أوعدك أمحيكم من على وش الدنيا."
لم يترك جاسر مساحة لعمه بالرد وترجل درجة واحدة ليقف قبالة سالم وقال بثبوت.
"وزي ما هي چاتلك بالرضى بنتكم كمان چاتني بالرضا ولو مش مصدجني أجبهالك تعترفلك بنفسها."
صاح سند بغضب.
"انت كداب."
"خلاص نچيبها تجولك بنفسها."
عاد إلى الداخل فيجد نغم مازالت جالسة على الأريكة بانهيار كما تركهات.
تقدم منها وقال بتهديد.
"دلوجت أهلك عايزين يتأكدوا إذا كنتي چاية بمزاجك ولا أجبرتك، تطلعى دلوجت تجولي إنك چاية بخاطرك لإن لو غلطتي وجولتي الحجيجة متلوميش الا حالك ومحدش منهم هيخرج سليم."
رفع حاجبيه وتابع بتهديد مبطن.
"هما چم لحد داري واتهجموا علينا جدام الشهود وده كان دفاع عن النفس ومهيكنش وراكم حد ياخد حجكم، فهمتي؟"
كانت نظراتها مليئة بالازدراء كأنها تقف أمام شيطان لا تعرف الرحمة لقلبه سبيلا.
"جدامي."
قالها بأمر وحينها نهضت معه كآلة تسير كما يخطط لها.
خرجت معه نغم وقد احمرت عينيها بلون الدم من شدة البكاء ووجهها شاحب شحوب الأموات.
وقع نظرها من بين كل تلك الوجوه الغاضبة على وجه واحد: عمها سالم.
ذلك الأب الحنون الذي لم يفرقها يومًا عن أولاده، بل كان محبًا لها ويجعلها دائمًا في أولوياته.
حنانه معها لم يكن يومًا مشروطًا، بل كان حبًا خالصًا كما كان حبه لأولاده.
تسمرت في مكانها للحظات وكل العيون مصوبة عليها.
عين مالك التي تخبرها بألا تخاف.
عين عدي التي يملؤها الغضب.
عين سند.. عين السند التي تغمرها بالرجاء ألا تخذله، فإن فعلتها سيدير ظهره لها ولن يلتفت.
عين سالم هي التي تنظر إليها بعطف وخوف واعتذار.
دون إرادتها تحركت قدماها.
توجهت إليه، تترجل الدرجات بثقل، كأنها تحمل فوق كتفيها كل هموم الدنيا، وصلت إليه ودموعها تنهمر من عينيها كشلال لا يتوقف.
تمتمت باسمه، تشكو إليه كل ما حدث بكلمة واحدة حملت كل معاني الألم والضياع.
"عمي..."
وحينها ألقت بنفسها بين ذراعيه، تبكي وتنتحب. شهقاتها تهز جسدها بالكامل، جعلت قلب سالم ينفطر عليها.
ضمّها سالم إلى صدره بحنان أبوي غامر، ويده القوية تربت على ظهرها المرتجف في محاولة يائسة لتهدئتها. تركها تفرغ ما في صدرها من حزن وألم، وشعر بدموعها الحارقة تبلل جلبابه، لكن كل ما كان يهمه في تلك اللحظة هو أن يمنحها الأمان الذي تبحث عنه في حضنه.
لن يتركها بين أنيابهم مهما كلفه الأمر. ليس فقط لأنها أمانة أخيه، بل لأنها ابنته التي أحبها واعتز بها. لا ذنب لها بما حدث فيما مضى، ولن يتركها فداءً لأحد حتى لو كان هو نفسه.
سيحميها من براثنهم، وهذا وعد قطعه على نفسه في تلك اللحظة.
بعد لحظات، أبعدها قليلاً عن حضنه، ومسح دموعها بأطراف أصابعه الخشنة، ثم نظر في عينيها مباشرة، وقال بصوت دافئ وحنون، صوت كان كطوق نجاة في بحر من اليأس.
"نغم يا بتي، أنا أهنه چمبك. متخافيش من حاچة واصل طول ما أني عايش. مهما كان اللي حوصل، مش هسيبك أبداً. أنتِ خابرة مكانتكِ في جلبي. جولي الحجيجة وأوعدك إني هجف معاكي مهما كان جرارك، ومتخافيش من حاچة واصل."
أخذت نغم نفساً عميقاً متقطعاً، وحاولت أن تجمع شتات كلماتها، لكن صوتها كان ما يزال مختنقاً بالبكاء. نظرت إليه بعينين ملؤهما الاحتياج، وكم أرادت أن تخبره بكل شيء وتستنجد به لينقذها.
فأن وجوده دائمًا كان هو الملاذ الذي تحتمي به دائماً من قسوة العالم.
لكن لأجله لن تعترف بالحقيقة.
نقلت نظرها إلى سند الذي كان ينظر إليها بقليل من الشك حتى سمعت صوت مالك القوي يقول بتشجيع.
"بكلمة منك هترجعي معانا. انتي وسط أهلك. متخليش حاچة تخوفك."
اكمل عدي بلهفة.
"متخافيش يا نغم كلنا معاكي."
نظرت إلى سند مباشرة تلتمس منه الامان، تنتظر منه كلمة واحدة يثبت لها بأنها له ومعه ولن يتركها مهما حدث.
لكن لم تجد منه سوى الترقب.
كأن ترابطهم يتوقف على كلمة منها.
قالت بصوتٍ ضعيف لكنه هز الجميع.
"أنا هنا بإرادتي محدش خطفني."
وقع كلامها كالصاعقة عليهم.
وتجمدت الدماء في عروقهم وهم ينظرون إليها بذهول، غير مصدقين ما سمعوه.
لقد كانت طعنة أعمق من وثيقة الزواج، طعنة أتت من الشخص الذي جاؤوا لإنقاذه.
همس والد سند بصوتٍ متحشرج.
"بتجولي إيه يا بنت أخوي؟ إنتي واعية للي بتجوليه؟"
أومأت برأسها بثقة، وعيناها مثبتتان على سند.
"أنا واعية لكل كلمة بجولها يا عمي. أنا اخترت جاسر، أني وهو نعرف بعض من زمان بس مجدرتش أصارحه بمشاعري، ولما انقذني من السواج اللي كان عايز يسرجني، ومن وجتها وأني مش جادرة أكمل حياتي من غيره."
شعر سند وكأن الأرض انشقت وابتلعته. لم تكن هذه هزيمة، بل كانت إبادة كاملة.
لم يخسر حبيبته لعدوه فحسب، بل اكتشف أنها اختارت عدوه عليه. انكسرت نظرته، وانسحب ببطء وهو يجر أذيال الخيبة والهزيمة. اغمضت عينيها بألم وهي تراه يتخلى عنه.
لن تلومه ولن تلوم نفسه.
لم يحارب لأجلها وهي لن تحارب لأجله.
كانت مستعدة لأن تتخلى عن كل شيء لو وجدته يرفض يعترض يجذبها إليه ويخبرها ويخبر الجميع أنها له وملكه. لكنه انتفض لكرامته تركها.
بينما وقف جاسر يبتسم ابتسامة المنتصر، وقد أحكم قبضته على كل شيء.
وما زاد اشتعال النار بداخله عندما تقدمت من جاسر لتقف خلفه وتابعت بانكسار.
"أني چاية إهنه بإرادتي، ولو كنت اعرف انكم هتوافجوا مكنتش عملت إكدة."
أشار لها جاسر بالولوج للداخل فاطاعته تحت نظراتهم.
فقال صخر.
"عندك حاچة تاني رايد تجولها."
لم يستطع أحد منهم الرد عليهم بعد أن قامت نغم بتصغيرهم بذلك الحجم أمام عدوهم.
هم يعلمون تمام العلم بأنهم من أجبروها على قول ذلك، لكن أن تخشاهم في وجود أهلها كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.
كما ان ذلك الرجل يعرف جيدًا ما يفعله وقد يستغل ما حدث ليشهر بسمعتهم.
"لا مفش كلام تاني، بس جريب جوي هيكون فيه."
بنظرة واحدة من سالم إلى من معه جعلتهم يطيعوه إلى الذهاب معه بطاعة مخفضين رؤوسهم.
***
كان الصمت ثقيلاً كالصخر، يملأ كل ركن في المنزل الكبير.
جلس وهدان في صدر المجلس، ووجهه متجهم كليلة عاصفة، وبجانبه ابنيه وأحفاده الذين لم ينطقوا بحرف منذ أن غادروا أرض عدوهم.
أما سند فكان يقف بجوار النافذة، ينظر إلى الفراغ بعينين زجاجيتين، كأنه تمثال للخيبة والهزيمة.
عكس عدي الذي أخذ يفكر في حل يستعيد به نغم.
لن يتركها في أيديهم مهما حدث. سيضرم النار في منزلهم ويستعيده.
لقد وافق وتحمل ان تكون لابن عمه لكنها أيضاً لن تبتعد عنه ولن تكون بين يدي عدوهم.
قُطع هذا الصمت بدخول ليل، والدة نغم، التي هرولت إليهم بقلبٍ يرتجف من القلق.
"فين نغم؟ فين بنتي؟ مجتش وياكم ليه؟"
سألت بصوتٍ لاهث، وعيناها تتنقل بين وجوههم الجامدة بحثاً عن إجابة.
لم يرد أحد.
زاد قلقها وهي ترى حالتهم.
"ساكتين ليه؟ جولولي بتي فين؟"
هنا، لم يستطع سند التحمل أكثر. استدار عن النافذة، وظهر الألم واضحاً في كل ملامحه.
"بتك اختارت عدونا يا مرت عمي. اختارت ابن التهامي."
قالها بصوتٍ أجش، كل كلمة تخرج منه كأنها طعنة.
شهقت ليل ووضعت يدها على فمها، غير مصدقة.
لن تفعل ابنتها ذلك.
محال أن تضع رأسهم في الطين وتختار ابن ذلك الرجل الذي قتل والدها.
فقالت بعدم استيعاب.
"كيف يعني اختارته؟ أنتو مش رحتوا عشان تجيبوها؟"
نظرت لسالم وسألته.
"فين بنتي يا سالم؟ فين وعدك ليا بإنك تحافظ على بناتي من الهوا الطاير زي ما كنت بتجول؟"
تطلعت لمالك وتابعت جدلها.
"وانت يا مالك، كيف چالك جلب تسيب بنت عمك وتاچي، مش دي نغم بنت عمك عامر اللي حزين عليه للنهاردة؟ فين ده؟"
نظرت لسند الذي حاله ليس بأفضل من الجميع.
"وانت كيف تسيب خطيبتك وسط الديابة وراچع ايد ورا وايد جدام؟"
شملتهم بحديثها.
"كيف جدرتوا تسيبوا لحمكم وسط الديابة وترچعوا؟"
تحدث سالم أخيراً، ونبرته كانت تحمل مرارة لم تعهدها ليل من قبل.
"رحنا يا ليل بس بتك وجفت جدامنا كلنا، ووراها جاسر وجالت إنها معاه بإرادتها. جالت إنها بتحبه، وإنها لو كانت تعرف إننا هنوافق مكنتش هربت."
نظرت إليه بعتاب واستنكار.
"وانت صدجتهم يا سالم؟! دي نغم اللي ربيتها على يدك تصدج انها تعمل إكدة؟ مفكرتش انه يكون هددها؟"
هنا، تدخل وهدان بصوته القوي الذي يحمل ثقل السنين والغضب.
"وهي دي المصيبة يا ليل. المصيبة مش إنها راحتله، المصيبة إنها خافت منيه في وجودنا. كسرتنا جدام عدونا خلتنا صغار في عينه. رضخت لتهديده عشان حست إننا مش أمانها."
كانت كلمات الجد كالسياط. لقد لخص المأساة الحقيقية.
لم تكن خسارة نغم لعدوهم هي ما يؤلمهم فقط، بل الطريقة التي خسروها بها. لقد شعروا بأنهم خذلوها لدرجة أنها لم تعد تثق في قدرتهم على حمايتها.
تحدث حامد بحيرة.
"والفرح؟ هنعمل فيه ايه هنقول إيه للناس؟ هنودي وشنا فين؟ سمعتنا اللي بنيناها في سنين، هتضيع في يوم وليلة على ايد التهامية."
ساد الصمت مرة أخرى وسؤال حامد كان هو السؤال الذي يدور في رأس كل واحد منهم.
الفضيحة، والعار، وكلام الناس الذي سيكون أقسى من الرصاص.
وقف عدي فجأة، وعيناه تشتعلان بنار الانتقام.
"مفيش حل غير الدم. أني لازم اجتله بيدي."
يصرخ فيه وهدان بصوتٍ هز أركان المنزل.
"اجعد مكانك! إياك تعمل حاچة تضيعنا كلنا. الراجل ده مش سهل، وهو مستني منينا غلطة زي دي عشان يبلعنا كلنا. هو عارف بيعمل إيه كويس."
نظر سالم إلى أبيه، وقال بحيرة.
"والعمل إيه يا بوي؟ هنسيب بتنا في إيده؟ وهنسكت على فضيحتنا؟"
أغمض الجد عينيه وأخذ نفساً عميقاً، ثم فتحهما ببطء وقد ارتسمت عليهما نظرة دهاء ومكر.
"الفرح هيفضل في معاده."
نظر إليه الجميع في ذهول.
أكمل الجد بنبرة هادئة ومخيفة.
"الناس كلها معزومة، ومستنية فرح بت الرفاعي والعروسة هتكون موجودة في فرحها..."
تركهم وهدان وذهب إلى غرفته دون أن يضيف كلمة واحدة وتركهم في حيرتهم.
***
دلف سالم غرفته ليس ليستدعي راحته، فقد انتهت راحته منذ الآن.
فقط ليرى تلك التي حبست نفسها داخل الغرفة منذ ما حدث.
كانت قابعة في فراشها بحزن وانكسار.
لم ترفع عينيها إليه بل ظلت خافضة لهما لا تستطيع مواجهته.
تقدم منها ليجلس بجوارها وقال بهوادة.
"جاعدة لحالك ليه وسايبة ليل لوحدها."
ردت بحزن دون النظر إليه.
"اني آخر واحدة ممكن ليل تحتاجلها دلوجت."
"ليه بتجولي إكدة، من ميتي وانتِ بتفكري التفكير ده يا ورد."
"ذنبي إن دول أهلي، وذنبي اللي لحد النهاردة بتعاقب عليه إني اتچوزت اللي رايداه."
تنهد سالم بحب وهو يرفع وجهها إليه برفق، لتلتقي عيناهما بعد طول غياب.
مسح دمعة هاربة من عينيها بأنامله وقال بحنان.
"وهو ذنبا إننا عشجنا بعض وجولنا يمكن بچوازنا ده نفض التار ونمحيه من حياتنا، مكناش نعرفوا إن الجسوة في الجلوب مش العقول. يا ورد احنا بنينا حياتنا مع بعض لحظة بلحظة ومكنش في يوم واحد خلتيني اندم على اختياري."
نظرت إليه ورد بعيون دامعة، وقد بدأ جدار الحزن الذي بنته حول نفسها يتصدع أمام كلماته الدافئة.
قالت بصوت مختنق.
"بس اللي حوصل ده كان بسببنا، جاسر خطف نغم بنت أخوك لجل ما ينتجم مننا، ونغم بريئة ملهاش ذنب في كل ده، محدش منهم هيرحمها."
أمسك سالم كفها وقبّله، ثم قال بنبرة ثابتة وقوية وهو ينظر في عمق عينيها ليجعلها تصدق كل كلمة.
"اسمعيني زين يا ورد، أنتِ مش مسؤولة عن اللي عمله ابن أخوكي، اللي عمله جاسر ده هو جراره لوحده. هو اللي أختار يمشي في طريج الانتجام."
هزت راسها بنفي.
"لا جاسر معملش إكدة إلا لما صخر ملى دماغه بالجسوة والكره، أبوه مات صغير وكان كيف العچينة في ايده، وللأسف شكله كيف ما هو رايد، وأول جلبه طاله هو جلب نغم."
مسح سالم دموعها بأنامله وقال بحكمة.
"شوفي يا ورد ربنا مبيجبش لينا الا الصالح، ولو احنا غلطنا زمان من غير جصد، فحبي ليكي عمره ما جل لحظة واحدة، بالعكس كل مدى ما بيزيد، كل واحد فينا بيدي للتاني ومش منتظر منيه حاچة عشان إكدة احنا الاتنين مكتفيين ومحدش ناجصة حاچة عشان يعاتب التاني. انتِ كمان كنتي ضحية زي نغم، اتحبستي في الدار أهنه ومجدرتيش تخرچي منها خوفا من تهديدهم."
"كانوا رايدين يشوفوني مذلول جدامهم بعملتهم مع نغم بس مظهرتش حاچة جدامه وكل اللي كسرني صوح اننا مدنهاش الثقه اللي كانت محتچاها فينا، لإننا لو قد ثقتها فينا مكنتش خافت من تهديدهم."
"يبجى انت ماخبرهمش، دول أهلي وأني خبراهم زين، مبيرحموش اللي يجع تحت أيديهم، وأديك سمعت اللي عمله كارم أخوي في مرته، ولولا أبوي عرف انها حامل بواد كان زمان جاسر بيتعاير بنسبه. خايفة على نغم منهم."
طمئنها سالم بروية.
"نغم بنت أخوي أني مش خايف عليها، لإن نغم بطيبتها وأخلاجها تلين الحديد جدامها، وجاسر اللي واجف وعامل نفسه أسد ده ربنا جادر يلين جلبه عليها."
شدّ على يدها وأكمل بهدوء يبعث على الطمأنينة.
"متجلجيش على نغم، لو وعد ولا روح كنت تجلجي بصحيح انما نغم حاچة تانية."
أخيرًا، استسلمت ورد لمشاعره الصادقة، وألقت بنفسها بين ذراعيه تبكي بحرقة، لكن دموعها هذه المرة لم تكن دموع انكسار، بل دموع راحة وأمل، فقد وجدت في حضنه الأمان الذي كانت تبحث عنه، وبدأت كلماته تترسخ في عقلها، مزيحةً غيوم الذنب التي أثقلت روحها.
***
في منزل التهاميبعد أن غادر رجال عائلة الرفاعي، تاركين خلفهم غبار الهزيمة، بقيت نغم واقفة في مكانها، جسداً بلا روح.
كانت نظرات الخدم تلاحقها، بعضها يحمل الشماتة وبعضها الشفقة على حالها وما ستلاقيه هذه الفتاة في ذلك المكان الملعون.
في هذه اللحظة، اقتربت منها ونس والدته، تحمل ملامحها نفس ملامح جاسر، لكن عينيها تلمعان ببريق من الحنان المفقود.
وضعت يدها برفق على كتف نغم التي انتفضت من اللمسة.
قالت ونس بصوتٍ هادئ.
"متخافيش يا بتي تعالي معايا."
تأثرت والدته عندما لاحظت نظرات الخوف في عينيها فقالت بتأثر.
"متخافيش أني هطلعك الأوضة ترتاحي."
كانت فعلا بحاجة للراحة بعيدًا عن تلك النظرات التي تراقبها.
سارت نغم خلفها في صمت كأنها مسلوبة الإرادة.
صعدت بها ونس الدرج الفخم، وسارت بها في ممر طويل قبل أن تتوقف أمام باب ضخم من الخشب الداكن.
فتحته وأشارت لنغم بالدخول.
"دي أوضة جاسر هتبقى أوضتك من النهاردة."
رغم الرفض الذي ظهر بملامحها إلا إن ونس قالت بنصيحة.
"ادخلي يا بنتي وبلاش تعاندي جصاده، لإنك لو عاندتي انتي الوحيدة اللي هتعاني."
خطت نغم إلى الداخل، وشعرت بأنها تدخل إلى كهف موحش.
كانت الغرفة تجسيداً لشخصية صاحبها: باردة قوية، ومتناقضة.
كان السرير ضخماً، مصنوعاً من خشب الصلب كصاحبه ومغطى بمفارش من الحرير الرمادي الداكن.
على جانبيه، كانت هناك طاولتان صغيرتان، كل منهما تحمل مصباحاً بتصميم صناعي حاد.
سيطر اللونين الأسود والرمادي على المكان، مع لمسات من الخشب الداكن والمعدن. لم يكن هناك أي لون دافئ أو مبهج، مما أعطى الغرفة إحساساً بالقوة والصرامة، ولكنه أيضاً جعلها تبدو خالية من الحياة.
على أحد الجدران، كانت هناك مكتبة ضخمة ممتدة من الأرض إلى السقف، مليئة بالكتب ذات الأغلفة الجلدية القديمة، وبجانبها كرسي جلدي أسود يوحي بساعات طويلة من التخطيط والتفكير.
أما الجدار المقابل، فكان عبارة عن واجهة زجاجية ضخمة تطل على حديقة المنزل، لكنها كانت مغطاة بستائر سميكة تحجب النور وتزيد من كآبة المكان.
لم تكن هناك صور شخصية، فقط أغراض عملية تعكس رجلاً لا مكان للعاطفة في عالمه.
وقفت ونس بجانب نغم، وهي ترى الانكسار في عينيها.
أرادت أن تقول شيئاً، أن تواسيها، أن تخبرها بأن كل شيء سيكون على ما يرام.
لكن الكلمات خانتها.
كيف يمكنها أن تبرر ما فعله ابنها؟ وكيف يمكنها أن تعدها بالخير وهي تعلم أن هذه الفتاة هي وقود حرب الانتقام التي أشعلها ابنها؟
تنهدت بعمق، وشعرت بعجز لم تشعر به من قبل.
كل ما استطاعت فعله هو أن تربت على كتف نغم مرة أخرى، ثم انسحبت بهدوء وأغلقت الباب خلفها، تاركة نغم وحيدة في الغرفة التي ستكون شاهدة على عذابها القادم.
نظرت نغم حولها، إلى كل ركن في هذه الغرفة الباردة. لم تشعر إلا بالاختناق.
كل شيء هنا يصرخ باسمه، بقوته، بقسوته.
جلست على حافة السرير الصلب، وضمت نفسها بذراعيها، وهي تشعر ببرد يتسلل إلى عظامها.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رانيا الخولي
بعد وقت، فُتح الباب فجأة ودخل جاسر.
توقف مكانه للحظة حين وجدها تجلس هناك، وما زالت ترتدي حجابها الذي يغطي شعرها.
عقد حاجبيه في انزعاج واضح.
"لسة جاعدة بحجابك ليه؟ مفكراني غريب عشان تتستري مني؟"
رفعت نغم رأسها ونظرت إليه مباشرة، ولأول مرة لم يكن في عينيها خوف، بل كان هناك تحدي وكره صافٍ.
"أهلي ربوني على الحشمة والأصول، وأولهم إني منكشفش جدام الغريب حاچات أنت متعرفهاش."
اقترب منها ببطء، وكانت عيناه كما هي لوح من جليد حتى وقف قبالتها وتحدث بلهجة يشوبها بعض التهديد.
"لسانك لحج يطول؟ ولا فكرتي حالك هانم السرايا وهيكون ليكي صوت؟"
وقفت نغم في مواجهته، رغم فارق القوة الواضح بينهما.
"انت أخدتني غصب وحبستني إهنه لجل ما تكسرني، بس روحي عمرك ما هتطولها."
"وهفضل لابسة حجابي، عشان كل ما تشوفني تفتكر إني غريبة عنيك وعن بيتك ده."
"وتفتكر كمان إني بنت أعدائك اللي عمرك ما هتقدر تكسرهم."
كانت الكلمات تخرج منها كالرصاص.
لم يكن هناك حب قديم أو مشاعر زائفة، فقط كره متبادل وواضح.
يراها أداة انتقامه وجائزته، وهي تراه سجّانها وعدوها.
نظر إليها جاسر نظرة طويلة، وفي عينيه مزيج من البرود والإعجاب بجرأتها التي لم يتوقعها.
وهذا ما جعل رغبته في كسرها تزداد أكثر، لا يريدها منكسرة فيكون سهل عليه كسرها، بل يريدها قوية شامخة كما يراها الآن حتى يستمتع بكسرها.
"شكلك عايزة تتعلمي الدرس بالطريجة الصعبة."
همس بتهديد، وقد تحولت عينيه لوعيد حارق.
"بس اوعدك إن الصعب في يدي هيكون أسهل بكتير من اللي هتشوفيه."
أشار إلى الأريكة الجانبية وقال بأمر.
"ده هيكون مكانك، هتفضلي فيه لحد ما يچيني مزاجي وبعد ما أخلص منيكي هترچعيلها تاني."
رفعت رأسها ببطء، عيناها تلتقيان بعينيه مباشرة.
قالت بصوت هادئ، لكنه كان كالسيف.
"مستحيل هسمحلك تجرب مني."
تجاهل جاسر نبرتها، وتقدم خطوة قربته منها.
"يظهر إنك مش متجبلة الحجيجة."
ارتفعت يده ببطء لتمسك بذقنها بقوة آلمتها، يرفع رأسها أكثر إليه وشدد على حروف كلماته من بين أسنانه.
"وهي إنك بجيتي مرتي، يعني مشوفش منيكي غير الطاعة."
سحبت ذقنها بقوة من يده وهي تنظر إليه بازدراء.
ورأت في وجهه كل كسرة ستعيشها عائلتها بسبب هذا الرجل، كل دمعة سيذرفوها، كل ألم سيعانوا منه.
يضربها كالصاعقة.
لم تعد تراه أمامها، بل رأت كل من خذلها كل من تسبب في ألمها وألم عائلتها.
شعرت بمرارة لاذعة تملأ فمها، وبكره أسود يتغلغل في كل خلية من جسدها.
لم يعد تحديًا، بل أصبح حقدًا متأصلاً.
دمعة واحدة أفلتت من عينها حارقة، تحمل في طياتها كل الألم والقهر.
وسألته بضياع.
"انت كيف جادر تعيش حياتك بالسهولة دي، كيف بتجدر تنام بكل الكره اللي چواتك ده."
"بكل راحة."
قالها جاسر بكل هدوء وكأنها تسأله عما تناوله في الصباح.
لم تعد تستطيع التحمل أكثر من ذلك فصاحت وهي على وشك الانهيار.
"بكرهك... ومكرهتش حد في حياتي جد مكرهتك."
ابتسامة ساخرة ظهرت على جانب فمه وقال بفتور.
"لسة بدري على الكلمة دي.... بس اوعدك إنك هتحتاچيها جريب جوي."
باغتها بأن ازاحها بيده حتى اسقطها على الأريكة خلفها ثم انحنى عليها ويده بجانب رأسها وتابع بعينين تتوعدها بالجحيم.
"معنديش چنة أوعدك بها، بس عندي چحيم يحرج الأخضر جبل اليابس، وأولهم اللي كانوا سبب في موت أبوي ظلم."
قطبت جبينها بعدم استيعاب لما يتفوه به وتحلت بالشجاعة وهي تواجهه بكره.
"ظلم؟!.... مين فيهم اللي جتل التاني وحرم بناته منيه، ابوك انت ولا أبوي."
تحدث من بين أسنانه.
"أبوي جتله صحيح بس كان دفاع عن النفس لإن أبوكي اللي شهر سلاحه لول، وده في القانون ميتحكمش عليه بيوم واحد، بس انتو بطرقكم الحقيرة والمحامى الحقير بتاعكم قدرتوا تحولها لى قتل عمد و اتحكم عليه بالموت."
كانت تستمع إليه بذهول مما يقوله.
كيف باستطاعته تزييف الحقائق ويظهر بثوب المظلوم.
تابع بنزق.
"وعشان إكدة وجب عليا اخد تار أبوي وارچع أرضنا اللي جدك عايز ياخدها غصب عنينا، ووجتها هرچعك لأهلك بس بعد ما أخد ابني منك."
ازدادت قطبت جبينها وهي تستمع إلى ما قاله بالأخير.
"ابني؟!"
أكد بكلمات اشبه للسوط الذي يجلدها بلا رحمة.
"عوض عن أبويا، وهحرمك منه زي ما حرمتوني."
ابتعد عنها بتروي وعادت لعينيه نظرته الجليدية.
لكن عند تلك النقطة لم تقوى نغم على التحمل.
"انت فاكر إني ممكن اسمحلك باكدة."
رد جاسر بثبات قاتل.
"أني جادر على كل حاچة، مبخطيش خطوة إلا واكون دارس أبعادها زين."
ضيقت عينيها بانهيار.
"انت مستحيل تكون بني آدم زينا."
أومأ لها بتأكيد.
"صوح.."
تقدم منها خطوة عندما وقفت قبالته بهشاشة واضحة مهما حاولت اخفاءها.
"مش هجولك أني اتربيت على إني اكون أسد لأن الأسد رغم قوته إلا أنه متهور وكتير بيرچع خسران."
"بس الفهد بيتروى جبل ما يخطي أي خطوة ناحية فريسته وبالنهاية بيرچع منتصر."
"وأني عملت إكدة ولما هچمت اصطدت زين. زين جوي."
انتهى الثبات وانتهى كل شيء.
هذا الرجل لن يتركها.
ولن يرحمها.
انتهت حياتها الهانئة التي كانت تعيشها في كنف عائلتها.
انتهى كل شيء في لمح البصر وفتحت عينيها فجأة على جحيم يلتهم حياتها وامانها.
عند تلك النقطة انتهى كل شيء وسمحت لنفسها الآن بأن يرى انهيارها.
سقطت على ركبتيها ببكاء يهشم القلوب.
وكان هو يراقبها بصمت، لم يتوقع هذا الانهيار المفاجئ.
كانت دموعها تزيد من رغبته في السيطرة، لكن شيئًا ما في نحيبها المكتوم جعله يشعر بوخز غريب.
لم يكن شفقة، بل كان إحساسًا بالانتصار ممزوجًا بشيء آخر لم يستطع فهمه.
عدى وقت طويل على تلك الحالة قبل أن ترفع رأسها فجأة، عيناها حمراوان متورمتان، لكنهما تحملان نظرة لم يرها من قبل.
نظرة كره خالص، كره جعله يشعر بالنصر ألف مرة.
وجعله يتركها ويخرج من الغرفة صافقًا الباب خلفه بعنف.
طرقت الباب قبل أن تدلف فتجد ليل مستلقية في فراشها تبكي بصمت، وكانت روح بجوارها تعاني كما تعاني والدته.
ربتت على كتف روح وقالت بتأثر.
"سيبيها وأني هبات معها."
أومأت روح ونهضت من جوار والدتها وخرجت من الغرفة.
جلست ليل بجوارها وتمتمت بأسف.
"حجك عليا يا ليل أني السبب في اللي انتو فيه."
مسحت ليل دموعها وقالت.
"وانت ذنبك ايه بس يا ورد."
"الذنب ذنب جلوب قاسية ومليانة بالتار، مش ذنبكم."
"أنتم اللي قلوبكم صافية ومحبتكم لبعض كانت صادقة."
"ربنا شايف وعالم بكل حاجة، وتأكدي إن حقك وحق نغم مش هيضيع."
"أني واثجة إن بنتي هترچعلي من تاني، بس الخوف في اللي هتعانية معاهم، اللي سمعته عن ولد اخوكي يخليني أخاف عليها."
"وعتابي على سالم اللي وعدني إن بنات أخوه هيفديهم بروحه والآخر سابهم بين ايديهم ورچع."
لاح الحزن والانكسار على وجه ورد وقالت بأسف.
"متظلميش سالم يا ليل، نغم حتة من روحه وانتي خابرة إكدة زين، وهي أكتر واحدة جريبة من جلبه حتى عن وعد بنته، بس نغم غلطت لما خافة منيهم في وجود أهلها وطاوعتهم، كانت جادرة تتحمى فيهم وهما كانوا هيفدوا عرضهم بدمهم، بس هي غلطت بأنها صغرتهم جدام صخر وجاسر."
"بتتحدتي يا ورد كأنك متعرفيش نغم بنتي، نغم على جد طيبتها على جد ما هي مستعدة تضحي بروحها لجل ما تحمي اللي بتحبهم."
"واني متأكدة أنه هددها بيهم."
"بس أملي في ربنا أنه يرچعهالي في أجرب وجت."
أمنت خلفها.
"إن شاء الله."
أغلق سند باب غرفته خلفه ليس بهدوء، بل دفعه بقوة حتى ارتطم بالجدار وأحدث صوتاً مكتوماً، كأنه يحاول حبس صرخة عالقة في حنجرته.
استند بظهره على الباب الخشبي ثم انزلقت قامته الممشوقة ببطء حتى جلس على الأرضية الباردة.
لم يعد قادراً على الوقوف فقد سُحقت قدماه تحت وطأة الخيبة.
رفع رأسه وحدق في سقف الغرفة دون أن يراه حقاً.
كانت غرفته التي شهدت أحلامه وأمانيه قد تحولت فجأة إلى شاهد على انكساره.
لم يكن الألم من خسارتها لعدوه هو ما يمزقه.
لو أنها خُطفت لو أنها صرخت، لو أنها استنجدت به، لكان قد أشعل الأرض ناراً تحت أقدام جاسر ومن معه.
كان سيحارب الدنيا بأسرها من أجلها، ليس فقط لأنها خطيبته التي أحبها منذ الصغر بل لأنها ابنة عمه عرضه، جزء من دمه ولحمه.
حمايتها كانت واجبه قبل أن تكون رغبته.
لكن الكارثة كانت أعمق من ذلك بكثير.
الصورة لا تفارق عقله: نغم تقف خلف جاسر.
لم تكن تقف بجانبه بل خلفه، في وضعية تعلن بوضوح أنها تحت حمايته هو وليس حمايتهم هم.
كانت تلك الوقفة هي الطعنة الأولى.
ثم جاء صوتها، الذي كان يوماً لحناً يطربه، ليصبح سكيناً يذبح قلبه.
"أني اخترت جاسر... أني چاية إهنه بإرادتي."
كل كلمة كانت بمثابة مطرقة تهشم كبرياءه ورجولته.
هو يعلم في قرارة نفسه أنها كانت تحت تهديد، يرى ذلك في الارتجافة الخفيفة في صوتها، في نظرتها الزائغة التي حاولت تثبيتها.
لكن هذا العلم لا يقلل من مرارة ما حدث.
الأصعب لم يكن فعلها بل توقيته ومكانه.
لقد فعلتها أمامهم أمام عمها وأولاده، وأمامه هو.
لقد فضّلت الخضوع لتهديد عدوها على الثقة في قوة أهلها.
لقد ألغت وجودهم بكلماتها جعلتهم يبدون صغاراً، عاجزين، مجرد ديكور في مسرحية انتصار جاسر.
شعر سند وكأنها أمسكت بقلبه وسحقته أمام الجميع، ثم قدمته لجاسر كعربون ولاء.
ضرب بقبضته على الأرض بقوة.
مرة، ومرتين، وهو يهمس لنفسه بصوتٍ متقطع من الغضب والألم: "ليه؟... ليه يا نغم؟... كنا كلنا هناك عشانك نظرة واحدة منك... إشارة... كنت هدمّر الدنيا عشانك."
لقد دمرته فكرة أنها لم تثق به. لم تثق بهم.
لقد خافت منهم في وجودهم هذا هو الجرح الذي لن يندمل أبداً.
لم يخسر حبيبته فحسب بل خسر ثقتها، وخسر جزءاً من إيمانه بنفسه كرجل وسند لعائلته.
قام عن الأرض، ومشى بخطوات ثقيلة نحو النافذة، ونظر إلى الظلام بالخارج.
لم يعد يرى سوى صورة واحدة تتكرر بلا نهاية: ابتسامة جاسر المنتصرة، ونغم تقف خلفه، كظله المطيع.
وفي تلك اللحظة، لم يشعر سند بالحزن بل شعر بكرهٍ نقي. كرهٍ بارد ومظلم، ليس تجاه جاسر فقط بل تجاهها هي أيضاً.
لقد تحولت من حبيبته إلى رمز هزيمته وعاره.
لم ينم أحد في منزل الرفاعي تلك الليلة.
ومع أول خيوط الفجر، اجتمع الرجال مرة أخرى في مجلس وهدان.
كانت وجوههم متعبة، لكن عيونهم كانت تلمع بتصميم قاطع.
قال وهدان بصوتٍ حاسم.
"اني فكرت زين ولجيت إننا لازمن نتغاضى عن اللي حوصل، أي خطوة هنخطيها هتعمل شوشرة وتمس سمعتنا، صخر لما خطط المرة دي خطط صوح وربط ايدينا ورجلينا، لإن لو اتكلمنامعناها إننا بنجول للكل إن بتنا كانت عنده ورجعناها."
"وده في حد ذاته عار."
ساد الصمت والجميع ينظر إليه في حيرة.
كيف يمكن أن يكون هناك حل آخر؟
أكمل وهدان ونظراته تنتقل بين ابنه سالم وحامد.
"فاكر إنه كسرنا بنغم."
"فاكر إن فرحنا اتلغى، وسمعتنا بجت في الأرض."
التفت الجد إلى سند الذي كان يقف كالصنم، وقال بنبرة لم يتوقعها أحد.
"الفرح هيفضل في معاده يا سند والناس هتيجي، والفرحة هتملا البيت."
هنا اندهش الجميع وسأله مالك.
"كيف ده يا جدي؟"
هنا، دخلت وعد وهي تحمل صينية القهوة.
توقفت عند الباب مترددة حين سمعت النقاش الحاد.
أشار لها وهدان أن تتقدم.
"تعالي يا بتي."
تقدمت وعد بخطوات بطيئة، والقلق بادي على وجهها، نظر وهدان مباشرة إلى سند ثم إلى وعد، وألقى بقنبلته التي هزت أركان المجلس.
"أنت هتتجوز وعد يا سند."
اتسعت أعين الجميع في ذهول واولهم سالم بينما تجمد سند في مكانه، أما وعد فكادت صينية القهوة تسقط من يديها.
لم تفهم شيئاً، فقط شعرت بأنها أُلقيت في قلب العاصفة.
"عن اذنكم."
خرجت مسرعة بعد ان تركت القهوة على الطاولة.
قال مالك بصوتٍ رافض.
"مستحيل، أني برفض قرارك يا چدي، اختي برة الموضوع."
وقف وهدان ووضع يده على كتف مالك بقوة.
"اسمعني زين ده مش تار، ده حفاظ على كرامتنا."
"جاسر مستني يشوفنا مكسورين، مستني يسمع عن فضيحتنا في كل مكان بس لما الناس كلها تاجي النهاردة وتلاجي كتب الكتاب جايم، هيعرف إن ضربته مردودة في صدره."
"هيعرف إننا أكبر من إنه يكسرنا."
ثم التفت إلى سند الذي كان مذهولا مما يسمعه، وقال بصوتٍ أكثر ليناً.
"وأنت يا سند، وعد بنت عمك ومتتخيرش عن نغم، كلهم بناتي وكلهم تربية واحدة، المهم دلوجت إننا ننقذ موجفنا دلوجت وكل حاچة بعد إكدة محلولة."
وقف سند في موقف لا يحسد عليه.
إذا رفض قرار جده سيكون بذلك يكسر قلبه وإن وافق هيظلمها حقاً لان مشاعره تجاهها ليس اكثر من أخوة.
انتظر ان يعارض أحد لكن الكل رضخ لذلك الأمر رغم رفضهم.
لن يستطيع هو أيضاً الرفض.
"يعني كلايتكم خلاص اتخليتوا عن نغم وبتخططوا بس انكم تلموا الفضيحة."
قالها عدي بغضب شديد بدافع مشاعره ولا يهمه شيء آخر.
فتابع غضبه.
"لو انتو اتخليتوا أني مش هتخلى وهعمل المستحيل عشان أرجعها وسطنا."
هم بالخروج لكن مالك وقف أمامه يمنعه بانفعال.
"انت رايح فين؟"
ازاح عدي يد مالك بحدة.
"رايح أجيب دمنا اللي رمتوه."
منعه مالك بعقل.
"ارچع وبلاش تهور، المواضيع دي مش بتتاخد بالدراع."
صاح به عدي.
"اومال بتتاخد بأيه يا بش مهندس، لو كان عمي الله يرحمه عايش انت برضك هتجول إكدة."
أكد مالك بهدر.
"ايوة كنت هجول إكدة، لأنها حرب ولازمن نطاطي لو رايدين نكسبها، لو بتبص حواليك كنت لاحظت الكاميرات اللي موچودة في كل زاوية في بيت التهامية يعني دلوجت لو فكرنا نعمل أي حاچة هتطربج اكتر على دماغنا."
"نغم معترفة انها چات برجليها له وانها ريداه، شوف لما البلد تعرف حاچة زي دي سمعتها هي جبل سمعتنا هتكون ايه مصيرها."
"اهدي وفكر زين زي ما عدوك بيفكر واستنى لما ياچي الوجت اللي تسحب البساط من تحت رچليه."
"هوجتها هيرضخ جدامنا زي احنا ما رضخنا جدامه."
"نغم غلطت ولازمن هي كمان تتحمل نتيجة غلطها، لو كانت اتحامت فينا جدامه مكنش هيهمنا حاچة واصل ومكنش هيقدر يمسك علينا غلطة، بس هي سلمت حالها له حتى لو تحت تهديد."
لم يستطيع احد معارضة مالك.
بل رآه الجميع محق بذلك فقد كان ذلك نفس تفكيرهم أو أقل بقليل.
في النهاية النتيجة الكل يعرفها جيداً.
تابع مالك بحكمة.
"جدك عنده حج، الفرح هيتم تحت أي ظرف، والأمور هتمشي عادي لجل ما يحس جاسر إن الموضوع مش فارج معانا وانه مكسرناش زي ما تخيل."
أيد سالم قراره.
"عندك حج يا ولدي والنهاردة في كتب الكتاب هنعلن ان الفرح بكرة."
كانت وعد تقف امام الباب تستمع لما يقولونه.
وكم شعرت بضئالتها وهم يأخذونها ككبش فدائد لانقاذ انفسهم.
انسحبت مسرعة عندما أمرهم جدها بالخروج وصعدت إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها واسندت عليه بظهرها لتسمح لدموعها بالعنان.
نعم كان حلمها ان تصير له.
لكن ليس بتلك الطريقة وليس على حساب ابنة عمها وشقيقتها التي تعدها اقرب إليها من روحها.
الآن نغم فارقتها.
وأجبرت هي على أخذ مكانها.
ابتعدت عن الباب عندما سمعت طرق عليه ومسحت دموعها بسرعة ثم فتحته.
ظهر أمامها والدها بابتسامته المعهودة والتي يخبرها دائماً انه خصها لها وحدها.
"مش هتجولي لابوكي ادخل."
حاولت الابتسام وهي تفتح الباب كي تسمح له بالولوج.
"كيف ده اتفضل."
دلف سالم وأغلق الباب خلفه ثم اشار لها بالجلوس وجلس بجوارها.
"شوفي يا بنتي، أني عارف إنه طلب كبير، بس أنتي بت ابوكي، ودمك من دمي النهاردة أنتِ مش بس هتكوني عروسة، أنتِ هتحمي اسم عيلتك كلها."
"هترفعي راسنا كلنا جدام اللي عايز يوطيها."
كانت وعد تنظر إلى الأرض، والدموع تتجمع في عينيها.
لم تحلم يوماً أن يكون زواجها بهذه الطريقة.
لم تكن مجرد عروس، بل كانت درعاً، وسلاحاً في حرب لا ذنب لها فيها.
"أني خابر إنك رافضة الچوازة دي او نجول الطريجة نفسها، بس احنا دلوجت مضطرين نطاطي للريح لحد ما تمر بسلام."
"وبعدين سند ابن عمك وهو الوحيد اللي هآمن عليكي معاه، لانه عمره ما هيظلمك ودي حاچة اني واثق منيها."
"متخيلتش في يوم إني اجبرك على حاچة واصل بس الظروف بتحكم واني متأكد برضك انك عمرك ما هتندمي."
ربت على كتفها وتابع.
"جومي چهزي حالك وافرحي وبالنسبة لنغم متخافيش عليها."
"اني حطيت عين ليا هناك وأخبارها هتوصلني اول بأول."
انهمرت الدموع من عينيها وتمتمت بحزن.
"خايفة عليها جوي."
"جولتلك متخافيش عليها مستني لما ياچي الوجت المناسب وهسحبها من وسطيهم."
تركها وغادر لكنه مر على غرفة ليل.
كانت روح جالسة على الاريكة وورد بجوارها عندما سمحوا له بالولوج.
كانت عينيها متورمة من شدة البكاء وكذلك روح.
فقالت روح فور رؤيته.
"اتفضل يا عمي."
جلس سالم على المقعد بجوارهم وتحدث بثبوت.
"كيفك دلوجت يا إم نغم؟"
أشاحت بعينيها بعيدًا.
"الحمد لله على كل حال."
تنهد سالم وقال بألم.
"اني خابر انك موچوعة على نغم، بس احنا كمان موچوعين اكتر منك وربنا شاهد، الموضوع واعر جوي ومخلينا مكبلين جدامه."
همت ليل بالدفاع عن ابنتها لكن سالم منعها.
"متجوليش حاچة كلنا خابرينها زين، بس زي ما جولتلك هي دلوجت قانونا مرته ولو فكرنا نلغي العجد هنكون بنشوشر على الفاضي، لإن نغم معترفة انها عملت إكدة بإرادتها، ومنجدرش برضك نثبت انه كان تحت التهديد."
تنهد وهو يتابع.
"اهدي إكدة ومتجلجيش عليها اني خابر بتي زين وواثق إنها تجدر تلين جلوبهم عليها."
نهض وهو يتابع بثقة.
"نغم متجلجيش عليها هي دلوجت في بيت چوزها."
صححت ليل.
"تجصد مع ابن اللي جتل ابوها يا سالم."
اخفضت ورد عينيها بخزي لاحظه سالم فرد قائلاً.
"صحيح، بس خلاص برضانا او غصبت عنا هو بجى چوزها وندعي ربنا انه يهديه ليها."
قالت بعتاب.
"يعني خلاص هتتخلى عنيها، عن بنت عامر اللي وعدتني لما وافجت أفضل معاكم إنك هتحطهم في عينيك؟"
اشعلت بعتابها نيرانه التي يحاول إخمادها.
"لا يا أم نغم مخلفتش وعدي، أني بس مستني الوجت المناسب، نغم كسرت روحي ومش هترد فيا إلا برجعها سالمة."
أما سند، فكان الصراع يدور بداخله. فكرة الزواج من أخرى بينما حبيبته في قبضة عدوه كانت تمزقه.
لكنه نظر إلى وجه جده الحاسم، والذي طلب منه البقاء.
تطلع إليه وهدان وقال بهدوء.
"أني خابر باللي انت فيه دلوجت وخابر أنه صعب على حد يتحمله."
"بس مجدمناش حل تاني، اللي حوصل حوصل ومفيش مهرب منيه."
"وأدينا زي ما بيجولوا بننقذ ما يمكن انقاذه."
"ووعد أدب وچمال وأخلاج، أي واحد يتمناها، وبكرة الحب بياچي بالعشرة الطيبة ومفيش اطيب من عشرتها وعلى عشرتك يا سند."
أومأ سند برأسه ببطء، موافقاً على مضض.
"اللي تشوفه يا جدي."
ابتسم وهدان ابتسامة رضا.
"زين. النهاردة البلد كلها هتحكي عن فرح سند الرفاعي، ومحدش هيفكر فمين العروسة."
"اني طالع اريح شوية وانتو چهزوا لكتب الكتاب واستعدوا للفرح بكرة......."
أما عن نغم، فقد حكم عليها جدها بأقسى عقاب لم يكن القتل أو الخطف، بل النسيان.
أن تصبح مجرد ذكرى باهتة، بينما الحياة تستمر في عائلتها بدونها، وكأنها لم تكن موجودة قط.
هذه كانت الضربة الحقيقية التي ستصلها حتى وهي في سجنها عند جاسر.
هكذا ظنت ولم تتخيل ما يعانيه أهلها بسبب عجزهم.
لم يغمض لها جفن في تلك الليلة.
وعندما بدأ خيط الفجر يشق الظلام، كانت عيناها حمراوين متورمتين، لكنهما تحملان تصميمًا فولاذيًا لن تستسلم.
لن تكون ضحية.
مع أول شعاع شمس تسلل إلى الغرفة، انفتح الباب فجأة دون سابق إنذار.
انتفضت من مكانها، عيناها تتسعان بصدمة، وقفت فتاة شابة على عتبة الباب ترتدي ملابس أنيقة، وشعرها الأسود ينسدل على كتفيها بحرية متناغم مع بشرتها الخمرية.
كانت تبتسم ابتسامة واسعة، لكنها لم تصل إلى عينيها الباردتين.
"انتِ بجا ست الحسن والجمال اللى جاسر جبهالنا امبارح؟"
انفعلت نغم من سخريتها في الحديث معها.
"انتِ ازاي تدخلي عليا إكدة من غير ما تخبطي."
ضحكت الفتاة ضحكة رقيقة، ثم تقدمت بضع خطوات إلى الداخل، عيونها تتفحصان الغرفة بفضول.
وقالت بصوت رقيق لكنه يحمل نبرة استعلاء.
"ايه يا چميلة، عايزاني أخد الإذن منك في بيتي؟"
أمسكت خصلة من شعرها تتلاعب بها بكيد وهي تضيف.
"وكمان في اوضة چوزي..."
"صححت بتلاعب_أجصد اللي هيبجى چوزي."
تجمد الدم في عروق نغم من سماع تلك الكلمة، لكنها أرادت ان تتأكد أكثر.
"چو...چوزك؟"
ابتسمت الفتاة ابتسامة عريضة، تكشف عن أسنان بيضاء منتظمة وقالت مدعية الصدمة.
"معجول جاسر مجالكيش....تؤتؤغلطان واد عمي انه خبى عليكي.."
تقدمت منها خطوة وقد بدأت تظهر وجهها الحقيقي لتقول بغيرة واضحة.
"بس اديكي عرفتي عشان ميكنش عندك اي أمل فيه...جاسر ده ملكي لوحدي يعني لا انتي ولا عشرة زيك هتقدروا تاخدوه مني، يعني تسيبك من أي احلام وردية معاه."
رغم المرارة التي شعرت بها نغم والتي علقمت حلقها بشدة إلا إنها استطاعت اخفاءها فلن تسمح لتلك الفتاة أن تتشفى بها فقالت بسخرية مريرة.
"أحلام وردية؟!"
"أنا هنا في كابوس مش أحلام وردية، الأحلام دي خليها لك انتي، واشبعي به أني چيت أهنه تحت تهديد وبستنى اليوم الى هخرج فيه من أهنه وملتفتيش ورايا حتى."
نظرت إليها بتحدي وتابعت.
"لو كنت خايفة عليه مني فبجولك متخافيش لأنه خارچ حساباتي.."
ضحكت شروق باستهزاء واضح أرادت به كسر شوكتها.
"أخاف منك انتِ؟ انتي إهنه مجرد وسيلة للانتجام زي ما فهمني لما زعلت منيه انه اتچوزك."
"كسرت نحو المقعد لتجلس عليه بأريحية وتابعت_أني واثقة من حبه ليا، بس بصراحة مش واثقة في بنت الرفاعية وخصوصاً...."
"نظرت إلى الفراش وتابعت بمغزى_إنك هتباتي معاه في أوضة واحدة."
"هو صحيح جالي انه خلاكي تنامي على الكنبة بس ده برضك يخليني اجلج عليه منيكي."
تجرعت مرارة كلماتها وردت بهدوء.
"ولما انتي واثقة إكدة من حبه ليكي خايفة عليه ليه، ولا ثقتك بنفسك مش كفاية."
"ثقتي بنفسي أنا؟! انتي بتتحدتي عني انا؟"
سألتها باستهزاء وغرور وتابعت.
"فوجي يا حلوة واعرفي انتِ بتتحدتي مع مين وبنت مين، انا بنت صخر التهامي، أكبر عيلة وأغنى عيلة في البلد، يعني انا مال وجمال وأصل، وكفاية جوي إني بنت عمه."
تقدمت منها خطوة وسألتها باستنكار.
"تفتكري جاسر هيسيب واحدة بكل المواصفات دي ويبص عليكي انتِ؟!"
"بتحلمي."
نصل حاد اخترق قلبها وأضعف قوتها لكن لن تضعف أمامها مطلقاً ولن تجعلها تشعر بالانتصار عليها.
هي قبلت بالدخول إلى الجحيم لذا عليها أن تظل قوية كي لا تدهسها أقدامهم.
"الحلم فعلا اللي نفسي اعيشه هو إني أخرچ من أهنه، يعني معنديش احلام معاه أو مع غيره، واتفضلي برة لإني معنديش حديت تاني اجوله، واظن إن اللي جولته كفاية يطمنك من ناحيتي، جاسر بتاعك ده ولا يعنيني في شيء.."
هزت شروق كتفيها بسخرية.
"يمكن، بس اني حبيت اعرفك مكانتك اهنه."
ثم استدارت وغادرت الغرفة، تاركة الباب مفتوحًا خلفها.
نظرت نغم إلى الباب المفتوح، ثم إلى الأريكة التي قضت عليها ليلة كاملة. الكره الذي كانت تكنه لجاسر تضاعف أضعافًا مضاعفة.
لم يعد مجرد كره، بل أصبح رغبة عارمة في تدميره، في جعل حياته جحيمًا، تمامًا كما يفعل بحياتها.
كانت الصدمة قد تحولت إلى وقود جديد، وقود للانتقام، وقود للبقاء، لم تعد تبكي، بل كانت عيناها تشتعلان بنار لم تخمد بعد.
استيقظ جاسر وهو يشعر بتيبس في عضلاته.
فقد بات ليلته في مكتبه على ذلك المقعد الصلب.
نظر في ساعته فوجدها السابعة صباحاً.
مسح بيديه على وجهه ينفض ذلك النعاس عنه، فلم ينام سوى ساعتين فقط.
حل رابطة عنقه وقد تذكر بأنه لم يبدل ملابسه منذ صباح الأمس.
نهض غير مباليا بذلك الألم وخرج من المكتب.
كان السكون يعم المكان في المنزل على غير عادته.
صعد الدرج متوجهاً إلى غرفته فيتفاجئ بشروق داخلها.
وقف يستمع لهما بالداخل في وجوم وملامحه لا تفسر شيء حتى انتهى ذلك اللقاء وخرجت شروق من الغرفة.
تسمرت مكانها عندما وجدته أمامها فاهتزت نظراتها بخوف واضح وتمتمت بكذب.
"أ..أنا..بس كنت بشوف إن كانت محتاچة حاچة..."
"مطلبتش تفسير.."
قالها جاسر بلهجة رغم هدوءها الا إنها نثرت الخوف بداخلها.
"امشي."
هزت راسها واسرعت بالذهاب لغرفتها.
نظر إلى الباب الذي ظل مفتوحاً وهو على نفس وجومه لكن لم يلبث كثيرًا.
ودلف إلى الداخل بخطوات هادئة، وأغلق الباب خلفه.
كانت نغم تقف في منتصف الغرفة، ظهرها له، وكتفاها يهتزان بعنف مكتوم.
لم تكن تبكي، بل كانت ترتجف من فرط الألم والقهر.
لم تلتفت إليه، وكأنه غير موجود، لكن وجوده ملأ الغرفة بثقله الخانق.
سار جاسر ببطء حتى وقف خلفها مباشرة، صمته كان أشد وطأة من أي كلام.
لم يلمسها، لكنها شعرت بأنفاسه الباردة تلفحها، مما زاد من رجفتها.
نقل عينيه إلى صنية الطعام التي جاءت بها والدته بالأمس ولم تمس ثم عاد بنظره إليها.
"مادام دخلت الاوضة يبجى تتلفتي ليا بطاعة."
قالها بصوت أجش، خالٍ من أي تعبير، كأنه يقرر حقيقة كونية.
لم تعيره أدنى اهتمام بل ظلت ثابتة على وضعها كأنها بتلك الطريقة التي لا تملك غيرها تكسر كبرياءه.
لكن يبدو انها اخطأت حينما ظنت ذلك إذ وجدت نفسها بلحظة تواجه ذلك الجدار الصلب.
رفعت عينيها بغضب من فعلته لكنها تفاجئت بعينين تنذر بجحيم على وشك الظهور وفم حازم يتمتم.
"الحاچة الوحيدة اللي هعيدها إني مبكررش أوامري، الكلمة بجولها مرة واحدة بس، وإن متسمعتش بيكون عقابها واعر جوي."
أخفت ذعرها بداخلها ولم تظهر بعينيها سوى قوة تعتبر واهنة أمام قوته.
ظنت بتلك الطريقة أنها تكسر شموخه ولم تعرف أنها بذلك تجعل انتقامه أكثر تشويق.
رفعت رأسها لتواجهه بكبرياء وقالت بصوت مشحون بالازدراء.
"الكلام ده تجوله لخطيبتك ولا اللي تحت ايدك إنما أني لا...أني نغم الرفاعي كيف ما انت جاسر التهامي مجلش ابدا عنيكم، يعني لا هتجدر تكسرني ولا تذلني كيف ما انت رايد."
كانت عينيه تشتعل بلهيب لو خرج لأحرق كل ما تطاله نظراته حتى فمه أصبح يتشنج من شدة سخطه.
ساد صمتٌ مُشبع بالترقب، لم يكن صمتًا هادئًا، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.
ارتسمت على شفتي جاسر شبه ابتسامة ساخرة، ابتسامة لم تصل إلى عينيه اللتين تحولت لبرود كجليد القطب الشمالي.
"نغم الرفاعي..."
نطق اسمها ببطء، يتلذذ بكل حرف، وكأنه يختبر مدى رعونتها أمامه.
ثم قربها أكثر إليه، حتى لم يعد يفصلهما شيء.
لم تتراجع، لكنها شعرت بأن الهواء حولها أصبح أثقل، وأن المساحة تضيق عليها.
"كبرك ده هو اللي عاچبني فيكي... بس كل كبر وله اللي يكسره."
قرب وجهه أكثر منها وقد عادت لعينيه وميض النار وهي مثبتتان على عينيها كصقر يراقب فريسته.
"الاوضة دي... والبيت ده... وكل نفس بتاخديه اهنه ملكي وتحت أمري."
"لما أكلمك، تسيبك من اسم أبوكي وعيلتك، وتفتكري بس إنك مرتي."
"ولما أأمرك بحاچة، تتنفذ من سكات."
مد يده وأمسك بذقنها، وأجبرها على رفع وجهها نحوه.
كانت قبضته حازمة لكنها لم تكن مؤلمة، كانت مجرد تأكيد على سيطرته الكاملة.
"أما عن الكسر والذل... فده فن أني أتقنه زين جوي."
"وكل يوم هتجضيه اهنه، هتتعلمي درس جديد والنهاردة أول درس ليكي اهنه."
تركها فجأة وتقدم من الفراش فينفض ما عليه ليتناثر في أرجاء الغرفة.
طاولة الزينة، المقاعد، كل ما تطاله يداه يقوم ببث الفوضى به حتى أصبحت الغرفة كساحة معركة ولم يسلم شيء فيها من يده تارة ومن قدمه تارة اخرى.
تجمدت نغم في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة ورعب ليس من الفعل نفسه، بل من السهولة والقوة والبرود الذي تم به.
كان استعراضًا صامتًا لقوته، رسالة واضحة تقول: ما ترينه الآن هو مجرد لمحة بسيطة مما أستطيع فعل.
ثم استدار نحوها ببطء، وعيناه مثبتتان على عينيها كصقر يراقب فريسته.
"الطاعة."
"هتلمي كل الفوضى دي بإيدك، وهتنضفي الاوضة لحد ما ترجع كيف ما كانت وأحسن."
"ومش هتذوقي لجمة واحدة جبل ما تخلصي."
اتجه نحو الباب بخطوات واثقة وهادئة، وكأن شيئًا لم يكن.
وقبل أن يخرج، التفت إليها بنظرة أخيرة، نظرة تحمل تحذيرًا نهائيًا.
"ومتنسيش... أني مبكررش أوامري."
أغلق الباب خلفه، تاركًا نغم واقفة وسط الفوضى التي خلفها، ترتجف ليس من الخوف هذه المرة، بل من الإدراك المرير بأنها دخلت عرين أسدٍ لن يرحم تمردها، وأن معركتها معه ستكون أشرس وأقسى مما تخيلت.
لم يستطيع أحد أن ينام تلك الليلة.
كان الحزن ثقيلًا، يضغط على صدور الجميع.
صعدت روح إلى غرفتها، لكنها شعرت بالاختناق بين جدران غرفتها التي كانت تجهزها بسعادة، أصبحت الآن صامتة وباردة لم تعد تستطع تحمل الوحدة، فخرجت تبحث عن الشخص الوحيد الذي كان دائمًا ملاذها الآمن.
وجدته في الشرفة الخاصة بمكتب جدها واقفًا في الظلام، ينظر إلى الأفق البعيد كعادته كان يبدو كجبل صامت، يحمل هموم العالم على كتفيه.
اقتربت منه بهدوء، ووقفت بجانبه دون أن تتكلم.
لم يلتفت، لكنه قال بصوت هادئ.
"الجو برد؟ ادخلي جوه يا روح."
هزت رأسها، وقالت بصوت مختنق لكنه يحمل مغزى.
"البرد اللي بره أهون من البرد اللي جوه."
هنا التفت إليها، ورأى الحزن يغلف ملامحها، والدموع تلمع في عينيها في ضوء.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رانيا الخولي
التفت إليها، ورأى الحزن يغلف ملامحها، والدموع تلمع في عينيها في ضوء القمر الخافت.
"مش عارفة أفرح يا مالك."
قالتها، وانهار سد مقاومتها، فبدأت الدموع تنزل بصمت.
"كل حاجة حواليا بتجولي المفروض أكون أسعد واحدة في الدنيا. فرحي بكرة، وكل حاجة جاهزة بس أنا مش حاسة بحاجة. كل ما أبص على سريري، أتخيلها كانت قاعدة عليه بتضحك معايا. كل ما أفتح دولابي، أشوف الفستان اللي اختارته معايا. صوتها، ضحكتها، هزارها... كل حاجة ناقصة. البيت فاضي من غيرها."
أخذت نفسًا عميقًا وتابعت بصوت مكسور.
"أنا عارفة إنها عايشة، وإنها قريبة منينا، بس بحس إنها في دنيا تانية بعيدة قوي. بحس إنهم سرقوها منينا، سرقوا روحها قبل ما ياخدوا جسمها. خايفة عليها يا مالك. خايفة من اللي اسمه جاسر ده. خايفة يكون بيعذبها، بيقهرها. نغم متستحملش القسوة دي، جلبها رهيف زي ورقة الشجر."
صمتت للحظة، ثم نظرت إليه برجاء.
"هنفضل ساكتين كده؟ هنسيبها معاهم؟"
تنهد مالك وأشاح بوجهه عن نظراتها التي كانت تخترق روحه. اقترب منها، وقال بحكمة كانت تحمل في طياتها ألمًا عميقًا.
"ده مش سكوت يا روح، ده هدوء قبل العاصفة. اللي حصل ده مكنش خطف عادي، دي كانت لعبة متخطط لها زين جوي، لعبة أجبرت نغم إنها توافق. إحنا كلنا مجبورين على اللي بيحصل ده ودلوقتي مجبورين نمشي على الشوك عشان منجرحهاش أكتر."
التفت إليها، وعيناه تحملان تصميمًا قاطعًا.
"بس ده مش معناه إني هسكت، أو هسيبها لوحدها. أني وعدتها إني هكون في ضهرها، والوعد ده دين في رقبتي ليوم الدين. جاسر فاكر إنه كسب المعركة، بس هو ما يعرفش إن الحرب لسه مبتدتش."
شعرت روح ببعض الطمأنينة من كلماته، لكن حزنها الشخصي عاد ليغلبها.
"كل حاجة ملهاش طعم من غيرها. حتى التحضيرات اللي كنت فرحانة بيها، بقيت بعملها غصب عني. بحس إني لوحدي في كل حاجة."
قالت جملتها الأخيرة بمرارة، وغفلت عن معناها المزدوج. لكن مالك لم يغفل. التقط الكلمة، وشعر بوخزة قلق حادة.
"لوحدك إزاي؟ وعدي فين من كل ده؟ المفروض يكون جنبك أكتر واحد في الوقت ده."
ارتبكت روح، وأدركت أنها أخطأت. لم تكن تريد أن تظهر وعد بصورة سيئة أمام أخيه، وخاصة مع مالك الذي يفهمها دون أن تتحدث. حاولت تدارك الموقف بسرعة.
"لا... لا مش قصدي وعد. عدي مشغول مع الرجالة، وبيحاول يلاقي حل. هو بس... طبعه صعب شوية، ما بيعرفش يواسي بالكلام."
نظر إليها مالك نظرة طويلة، فاحصة. لم يصدقها. لقد رأى الحقيقة في عينيها المرتجفتين قبل أن تنطق بالكذبة. رأى ظل الوحدة الذي يحيط بها، والذي لا علاقة له بغياب نغم فقط.
لقد تأكد الآن من شكه القديم. أخوه يهملها.
لم يضغط عليها، لكنه قال بهدوء يحمل في طياته تحذيرًا مبطنًا.
"ماشي يا روح."
ثم اقترب منها، وربت على كتفها بحنان أخوي. حنان كان يمزقه من الداخل.
"متخافيش على نغم و متخافيش على نفسك. أنا موجود وعمري ما هسيب أي واحدة فيكم لوحدها. مفهوم؟"
أومأت برأسها، وشعرت بالدفء يتسلل إلى قلبها من لمسته وكلماته. كانت دائمًا تجد الأمان لديه. لكن مالك، بينما كان يطمئنها، كان قلبه يشتعل بنارين: نار القلق على نغم، ونار غضب جديدة بدأت تتأجج تجاه أخيه الذي أهمل الجوهرة التي بين يديه.
❈-❈-❈
وفي تلك الأثناء، كان منزل وهدان يستعد لعقد القران والعائلة بأكملها داخل المنزل وخارجه.
كانوا جميعاً مجبورين على الابتسام واظهار فرحة، رغم صدقها إلا أنها ناقصة. الكل يتألم ولا أحد منهم يعرف سبب ألم الآخر. ليل على فراق ابنتها التي لا تعرف حتى الآن ما حل بها. وروح التي تشعر بقلبها يئن على أختها. وكذلك الأمر مع وعد التي حلمت بذلك اليوم أعوام، وعندما تحقق جاء معه جرح لن يندمل. سند الذي وقف بكمد لم يستطع اخفاءه. وعدي الذي كان منزويًا يخطط بشر كيف يأخذ نغم من حفيد التهامي.
خطط كثيرة تراوده، لكن واحدة فقط من راقت له وسينفذها عندما يحين وقتها. أما مالك، فقد كان يرحب بالمدعوين بابتسامة تخفي حزن السنين بداخله. يتمنى أن ينتهي ذلك اليوم كي يستطيع الاختلاء بنفسه. حتى جاء من ينقذه.
أكمل.
"فضيت نفسي بمعجزة وجيتلك. عقبالك يا سيدي."
صافحه مالك بترحيب أخوي ثم قال.
"جيت في وقتك. أنا عايز أخلع ومش عارف."
دلف معه أكمل للداخل.
"ماشي بس الأول عاملين أكل ولا أروح آكل عند جدي. أنا جيت من المطار على هنا."
أغلق مالك باب المكتب خلفهم.
"عندنا الأكل بس ادخل ارتاح الأول من الطريق."
جلس أكمل على المقعد وهو يقول.
"بصراحة الطريق من المطار للنجع هنا متعب قوي."
"ثواني هخليهم يجهزوا الأكل."
خرج مالك وصاح هاتف أكمل بالرنين. أخرجه من سترته بضجر ظناً أنها ليلى، لكن هذه المرة كان جده.
"السلام عليكم."
رد أكمل بسرور.
"عليكم السلام يا حاج. كيفك؟"
"شكلك جيت على الفرح طوالي."
ضحك أكمل.
"ما أنا قايلك إن هحضر كتب الكتاب وأجيلك، وبعدين بعد ما قلت هتيجي تحضره غيرت رأيك."
حاول إخفاء تعبه.
"نخليها في الفرح بكرة."
"ماشي يا جدي اللي تشوفه. وأنا أول ما يخلصوا هاجيلك على طول."
أغلق أكمل الهاتف وتطلع إلى مالك الذي دخل.
"ثواني والأكل يكون جاهز."
جلس بجواره وسأله.
"عملت إيه مع خطيبتك، لسة زعلانين؟"
رد أكمل بدون اهتمام.
"ده العادي. نتصالح ونتخاصم. بقى روتين لا يمكن الاستغناء عنه."
"مش ناوي تعملها وتعيش الدور زيي؟"
ابتسم مالك بحزن.
"دلوقتي لا، بس شوية."
ترك الباب ودلفت سعدة بالطعام لتضعه على الطاولة الصغيرة بجوار المكتب ثم انصرفت.
نهض أكمل ليجلس أمام الطاولة وقال.
"احكيلي. إيه اللي حصل بالظبط."
❈-❈-❈
كان الليل قد أرخى سدوله على القصر، لكن مكتب صخر التهامي كان لا يزال مُضاءً، ينبض بالترقب والتربص.
كان صخر يجلس خلف مكتبه الفخم وعيناه تلمعان بترقب وحشي.
فُتح الباب دون استئذان، ودخل جاسر بهدوئه المعتاد الذي لا يتناسب مع العاصفة التي أثارها.
أغلق الباب خلفه وتحرك ليجلس على المقعد المقابل لعمه، واضعًا ساقًا فوق الأخرى في استرخاء تام وكأنه يجلس أمام ند له وليس عمه.
"خير؟"
تحدث صخر بصوته الأجش الذي يشبه حفيف الصخور.
"طمني لول. كيف حالها بنت الرفاعي؟ أتمنى تكون عرفت مجامها زين."
لم ينظر جاسر إليه مباشرة، بل ترك عينيه تتجولان في أرجاء المكتب قبل أن تستقر على وجه عمه.
"بنت الرفاعي في مكانها الطبيعي دلوقتي... في بيتي وتحت اسمي. وده المهم."
ابتسم صخر ابتسامة صفراء، كاشفًا عن حقده الدفين.
"زين... زين قوي دلوقتي أكيد كلهم منكسين رؤوسهم، وفرحهم اللي كانوا يتفاخرون بيه اتحول لميتم."
هنا، ارتسمت على شفتي جاسر شبه ابتسامة ساخرة.
"للأسف الميتم لسه مجاش وقته يا عمي. الأخبار اللي عندي بتقول غير كده."
قطّب صخر حاجبيه، وانحنى بجسده الضخم إلى الأمام.
"كيف يعني؟ اتكلم دغري."
"الرفاعية... هيعملوا الفرح في ميعاده."
اتسعت عينا صخر بدهشة لم يستطع إخفاءها، ثم تحولت الدهشة إلى غضب مكبوت.
"فرح؟! فرح مين ولمين؟ بعد ما خطيبته سابته واتجوزت عدوه؟ اتجننوا دول باك ولا إيه؟ عايزين يضحكوا الناس عليهم؟"
"الرفاعية أخبث من كده يا عمي. هما صحيح خسروا بنتهم، بس معندهمش مانع يضحوا بغيرها عشان يحفظوا شكلهم قدام الناس."
صمت صخر للحظة، العروق تنبض في صدغه وهو يستوعب ما قيل. ثم قال من بين أسنانه.
"قصدك... هيجوزوا العريس لبنت عمه التانية؟"
أومأ جاسر برأسه ببطء، وعيناه تراقبان رد فعل عمه بذكاء حاد.
"بالظبط. الفرح هيتم في نفس الليلة، بنفس المعازيم، وبنفس العريس... بس العروسة هي اللي اتغيرت. هيجوزوه لـ بنت سالم بنت عمه التانية. باكده قدام الناس، كرامتهم متهزتش، والفرح تم، ومحدش يقدر يفتح خشمه بكلمة."
ضرب صخر بقبضته على سطح المكتب بقوة، محدثًا صوتًا مدويًا. لم يكن غاضبًا من الرفاعية، بل كان معجبًا بدهائهم الذي ينافس دهاءه.
"ولاد الأفاعي... بيغيروا جلدهم عشان يهربوا من الضربة. حسبوها صح. عشان كده جولتلك نشهر بجوازتك منها ونفضحهم."
هدر به جاسر، لكن عينيه لا تخلو من فتورها المعتاد، وهذا ما زاده حزمًا وقوة.
"جولت مش رايد كلام كتير ملوش لازة. هي بقت مرتي وطالما بقت مرتي يبقى مينفعش سمعتها تكون على كل لسان."
نهض جاسر ووقف شامخًا، ونظر إلى عمه من علٍ بنظرة تحمل ثقة مطلقة.
"هما حسبوها صح على الورق بس افتكروا إنهم بكده بيلموا الفضيحة وبيحافظوا على سمعتهم، بس اللي ما يعرفوهوش... إنهم بكده رموا رقابهم تحت رجلينا."
التفت جاسر ليغادر، ثم توقف عند الباب وأضاف دون أن يستدير.
"هما فاكرين إنهم خلصوا المعركة بالخطوة دي... بس الحقيقة، هما بكده فتحوا على نفسهم باب جديد."
خرج جاسر وأغلق الباب خلفه، تاركًا صخر يبتسم ابتسامة شريرة حقيقية هذه المرة. لقد أعجبه دهاء ابن أخيه وقراءته العميقة لخصومه، رغم حنقه من تعنده أمام فضحيهم بتلك الزيجة.
لم تكن خطوة الرفاعية نهاية للإذلال، بل كانت مجرد بداية لجولة جديدة أكثر إثارة وتشويقًا في لعبة القوة والانتقام التي يعشقها آل التهامي.
❈-❈-❈
ظلت نغم جامدة في مكانها لوقت طويل بعد خروجه، كلماته الأخيرة كانت كالسهم الذي أصاب كبد الحقيقة.
"عيشي عشان تحاربي يوم تاني."
هل كان الموت جوعًا وعنادًا انتصارًا حقًا؟ أم أنه مجرد هروب من مواجهة مصيرها؟ ستكون مجرد قصة تروى، "ابنة الرفاعي التي ماتت ضعفًا". أما هو، فسيستمر في حياته قويًا منتصرًا، لم يخسر شيئًا.
ببطء، وكأنها تحمل جبالاً على كتفيها، نهضت. تحركت ساقاها بتثاقل نحو الفراش المقلوب. كل حركة كانت طعنة في كبريائها، وكل نفس كان شهقة مكتومة. بدأت بترتيب الفوضى، يداها ترتجفان من الإرهاق والجوع والإهانة. أعادت الفراش الثقيل إلى مكانه بصعوبة بالغة، ثم انحنت لتلتقط الوسائد والملاءات المبعثرة، وتنفض عنها غبار الهزيمة.
كانت تعمل في صمت، دموعها محبوسة في عينيها، ترفض أن تمنحه شرف رؤيتها منكسرة. مع كل قطعة تعيدها إلى مكانها، كانت تشعر وكأنها تتخلى عن جزء من نفسها، لكن في أعماقها، كان هناك صوت آخر يهمس، صوت بارد وحازم يشبه صوت جاسر نفسه: هذا ليس استسلامًا، بل هدنة. هدنة لأستعيد قوتي.
طُرق الباب طرقات خفيفة ومترددة. انتفضت نغم، وأسرعت تمحو آثار دموعها بكف يدها، وتستجمع بقايا كبريائها المبعثر. لم تكن تريد أن يرى أحد منهم انكسارها، فهذا هو انتصارهم الحقيقي. عدّلت من جلستها، وقالت بصوت حاولت جاهدة أن تجعله ثابتًا.
"أدخل."
انفتح الباب ببطء، ودخلت فتاة لم تبلغ العشرين من عمرها، تحمل بيدها صينية طعام فضية تفوح منها رائحة شهية.
"إزيك يا ست نغم..."
توقفت الفتاة فجأة عن الحديث، واتسعت عيناها بدهشة وهي ترى منظر الغرفة. الوسائد ملقاة على الأرض، والأغطية مكومة في زاوية، وبعض قطع الزينة الصغيرة محطمة بجانب الحائط.
أسرعت بوضع الصينية على أقرب طاولة، وقالت بصوت متعاطف.
"خليكي أنتِ يا ست نغم، ارتاحي. أنا هعمل كل حاجة بدل عنك."
مالت الفتاة لتلتقط الأشياء المتناثرة من على الأرض، لكن نغم منعتها بصوت حاد لم تعتد عليه.
"لا. سيب كل حاجة. أنا هعملها."
ردت الفتاة بإصرار لطيف، محاولة ألا تغضبها.
"مينفعش، لا يمكن أبدًا. أنتِ ست البيت."
مالت على أذن نغم، وقالت بهمس كأنها تشاركها سرًا عظيمًا.
"الحاج سالم بيه الله يخليه، وصاني آخد بالي منك ومخليكيش تعملي حاجة واصل."
سخرت نغم في نفسها بمرارة. "هذا كل ما استطاعوا فعله؟ أن يزرعوا جاسوسة لتطمئنهم؟"
هذا الشعور بالخذلان جعلها تصر على الرفض بعناد أكبر.
"لا، كتر خيرك. أنا قادرة أكمل متقلقيش عليا."
"بس يا ست..."
قاطعتها نغم بقوة، ونظراتها أصبحت جليدية.
"جولتلك خلاص مش محتاجة حاجة دلوقتي."
وافقت الفتاة على مضض تحت إصرارها، وقالت بصوت خفيض.
"أنا اسمي فرح. لو احتاجتي أي حاجة أي حاجة، نادي عليا بس وهجيلك طوالي."
أشارت إلى صينية الطعام، وتابعت.
"الست ونس... جالت أجيبلك الأكل، لإنها خرجت من ساعة كده."
الست ونس... والدته. يبدو أنه لم يخبر والدته بما حدث، أو ربما أخبرها بالنسخة التي تناسبه.
قالت برفض قاطع، ليس لأنها لا تريد الطعام، بل لأنها لا تريد أي شيء منهم.
"خدي الأكل معاكي. لما أجوع هبعتلك."
قالت فرح بقلق حقيقي، وقد لاحظت شحوب وجهها.
"بس أنتِ مأكلتيش حاجة واصل من امبارح. حتى أكل امبارح لسه زي ما هو."
"جولتلك خلاص. خدي الأكل ولما أحتاجه هبعتلك!"
أخذت فرح صينية الطعام، وخرجت من الغرفة بصمت وقلبها يخفق من حدة نبرة "الست الجديدة".
وأثناء نزولها الدرج بخطوات حذرة، تفاجأت بصوت بارد وحازم يناديها من أسفل، صوت جعلها تتجمد في مكانها.
"فرح."
التفتت بسرعة، ورأت جاسر يقف أمام باب مكتبه المفتوح، يراقبها بنظرات ثاقبة كادت أن تخترق روحها.
"دخلي الأكل المطبخ، وتعاليلي على المكتب."
انقبض قلب الفتاة برعب لم تكن قد تعاملت معه مباشرة من قبل، لكن هيبته كانت تملأ القصر وتجعل الجميع يسير على أطراف أصابعه.
أومأت برأسها بسرعة، ودلفت إلى المطبخ لتترك الطعام ثم عادت بخطوات بطيئة، وكأنها تسير إلى حتفها.
وقفت أمامه، وازدردت لعابها بصعوبة وهي تشعر بنظراته تحللها.
"نعم يا بيه؟"
التزم الصمت لثوانٍ طويلة، يتلاعب بأعصابها يستمتع برؤية الخوف في عينيها. ثم تحدث بصوت ثابت، لكنه كان أشبه بالجحيم.
"خبرتيهم ولا لسه؟"
اهتزت نظراتها بوجل واضح، وتلعثمت.
"خـ... خبرت مين يا بيه؟ لا مؤاخذة."
رفع حاجبيه ببطء، في حركة بسيطة كانت تحمل تهديدًا لا حدود له.
"هتتلاعبي معايا؟"
هزت رأسها بنفي سريع، ويداها ترتجفان.
"لا... لا... والعياذ بالله. كل الحكاية إن الحاج سالم طلب مني... طلب مني بس إني أوصله أخبار بنت أخوه، أطمئنه عليها بس والله العظيم ما جولت حاجة لسه."
تقدم منها خطوة واحدة، خطوة كانت كافية لجعل الفتاة تتصبب عرقًا باردًا. قال بصوت أقرب للهمس، لكنه كان مرعبًا.
"خبريهم."
صمتت فرح، تحاول استيعاب ما قاله. فتابع بنفس النبرة الآمرة.
"خبريهم بكل شيء. كل حاجة تحصل معاها هنا، تجوليلهم عليها بالتفصيل. لما تكسر حاجة، لما تعيط، لما ترفض تاكل. حتى اللي حصل من شوية ده، تجوليه بالحرف. فاهمة؟"
هزت رأسها بموافقة سريعة، عاجزة عن النطق بأي شيء. لقد فهمت الآن. هو لا يريد منعها من نقل الأخبار، بل يريدها أن تنقل الأخبار التي يختارها هو. يريد أن يرسل لهم تقارير يومية عن انهيارها، عن عذابها ليجعلهم يتألمون معها عن بعد.
لاذت بالفرار عندما أشار لها بيده بالذهاب، بينما عاد هو إلى مكتبه وعلى شفتيه شبه ابتسامة باردة. لقد أحكم قبضته على كل شيء، حتى على أنفاسها وآلامها التي ستصل إلى أعدائه كما يريد هو تمامًا.
❈-❈-❈
بعد أن انتهت من ترتيب الغرفة وجعلها تبدو وكأن شيئًا لم يحدث، وقفت في المنتصف، تتنفس بصعوبة. لم تشعر بالرضا، بل بالخواء. وكأن روحها ودعتها.
جلست على الأريكة كي ترتاح قليلاً، فقد بذلت مجهودًا لم تفعل مثله من قبل.
فتح الباب فجأة فوجدته يقف عند الباب يراقبها للحظات، وقد ارتسمت على شفتيه مجددًا تلك الابتسامة الخفيفة التي لا يمكن تفسيرها. لقد فاز في جولة اليوم، لكنه أدرك من نظرتها أنها لم تُهزم بعد. لقد أجبرها على الطاعة، لكنه بذلك قد أيقظ بداخلها شيئًا أعمق وأكثر خطورة من مجرد الكبرياء... لقد أيقظ فيها الرغبة في البقاء من أجل رد الانتقام.
تطلع إلى الغرفة التي عادت كما كانت بنفس ترتيبها، ثم عاد بنظره إليها، والذي أشاحت به بعيدًا عنه.
أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم سار ليقف أمامها، حجب ظله الطويل بقايا الضوء عنها. انتظر أن ترفع عينيها إليه، لكنها لم تفعل. هذا التجاهل الصامت، الذي كان في الأمس تحديًا، أصبح الآن جزءًا من تكتيكها الجديد للبقاء.
"كنت مع عمي دلوقتي."
بدأ الحديث بنبرة عادية، وكأنه يشاركها تفاصيل يومه. لم ترد. فتابع هو، صوته يحمل نبرة ساخرة.
"كان مضايق قوي... بيحسب إننا حطينا راس أهلك في الطين، بس طلع الرفاعي أذكى مما افتكرنا."
عند ذكر أهلها، لاحظ حركة طفيفة في كتفيها. لقد أصاب وتراً حساساً. انحنى قليلاً، ليسيطر على حواسها.
"الفرح اللي كان المفروض يبقى فرحك... هيتعمل بدري عن ميعاده بكرة، والنهاردة كان كتب الكتاب."
هنا رفعت نغم رأسها ببطء. نظرت إليه مباشرة لأول مرة منذ دخوله. اتسعت عيناها قليلاً بالصدمة وعدم التصديق. كيف يمكن أن يقيموا فرحًا وهي هنا، سجينة في بيت عدوهم؟
قرأ جاسر السؤال في عينيها، فارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
"متستغربيش، هما لقوا عروسة بديلة، هيجوزوا ابن عمك لـ بنت سالم، بيقولوا...... (تظاهر بالتفكير)... وعد صح كده؟"
اهتزت نغم وكأنها تلقت صفعة غير مرئية. هل سيضحون بوعد بهذه السهولة كما ضحوا بها فقط ليحافظوا على مظهرهم الاجتماعي؟ شعرت بالغثيان. لم يكن الأمر يتعلق بها فقط، بل بمدى قسوة عائلتها واستعدادهم للتضحية بأي شخص في سبيل كبريائهم.
رأى جاسر أثر كلماته على وجهها، فرأى فيها الألم والصدمة، وبداية الإدراك. هذه هي نقطة ضعفها الجديدة التي اكتشفها.
"بس ما دام هما بيعرفوا يلعبوا زين، يبقى لازم نلعب معاهم بنفس طريقتهم. جالي إن وعد دي... ممكن تدخل دايرة الانتقام هي كمان. بدل ما نكسر الرفاعي في بنت واحدة بس، نكسره في الاتنين."
تجمد الدم في عروق نغم. ونظرت إليه برعب حقيقي، رعب لم تظهره من قبل. كان خوفها على نفسها شيئًا، لكن خوفها على وعد كان شيئًا آخر تمامًا.
اقترب جاسر خطوة أخيرة، حتى كاد يلامسها. خفض صوته إلى همس قاسٍ، لا يسمعه سواها.
"وأنا جولت... إن ده يتوقف عليكي انتي."
حدقت فيه، عيناها تتوسلان دون كلام. فتقدم منها ليمسك يدها بقوة آلمتها.
"عندك خيارين يا بنت الرفاعي، ومفيش تالت ليهم."
قالها وهو يرفع يدها ويضغط على أصابعها ببطء، كأنه يسحق عظامها وعنادها معًا.
"الخيار الأول: هتفضلي على تمردك وعنادك ده، وساعتها اعتبري إن وعد دخلت اللعبة دي رسميًا. وكل ألم هرفض أشوفه في عينيكي، هشوف أضعافه في عينها هي. وكل إهانة هترفضيها، هي اللي هتدفع تمنها."
زاد من ضغطته، فظهر الألم على وجهها.
"أما الخيار التاني..."
خفف قبضته قليلاً، لكن عينيه ظلتا قاسيتين.
"تكوني مرتي مش بالاسم بس، لأ... بالفعل. تطيعي أوامري، وتجبلي وجودي، وتنسي إن ليكي كبرياء أو أهل. تكوني ملكي أنا وبس. وفي المقابل... أنا هنسى إن فيه واحدة اسمها وعد الرفاعي على وش الدنيا، وهتفضل بعيدة عن كل ده."
سحب يده وابتعد عنها، مانحًا إياها مساحة لتتنفس، ولتختار.
"القرار قرارك. يا إما تضحي بكبريائك عشان تحميها، يا إما تضحي بيها هي عشان تحافظي على كبريائك."
استدار واتجه نحو الخزانة يخرج ملابس له، ثم أضاف بنبرة نهائية لا تقبل الجدال.
"بكرة الصبح... عايز أشوف قررتي إيه."
دلف وأغلق الباب، تاركًا نغم في مواجهة خيارٍ أقسى من الموت. لقد حاصرها ببراعة، لم يهددها هي، بل هددها بأكثر شخصٍ تحبه. أدركت في تلك اللحظة أن جاسر التهامي لا يكسر العظام، بل يكسر الروح، وأنه قد وجد للتو المطرقة المثالية لتحطيم روحها. لم يبالي بالقرابة بينهما وأنها من دمه، بل حتى هي أراد استخدامها في انتقامه، ومثل ذلك لا يقبل جدالاً في قرار اتخذه.
❈-❈-❈
"بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
كانت هذه الجملة آخر ما نطق به المأذون في آخر عقد قران وهو سند ووعد.
تعالت الزغاريد من نساء العائلة أمام عروستين، رغم فرحتهما إلا إنها ناقصة لم تكتمل. كان الجميع يسأل عن نغم وكانوا يخبروهم بأنها تعيد ترتيب غرف العروسين.
شعر مالك بأن روحه انسحبت منه بالفعل وهو يجلس مع الجميع والكل يحفزه أن يكون هو العريس المنتظر. اهتز جسده لولا يد أكمل التي دعمته.
"اثبت يا مالك. متخليش حد يلاحظ."
"أقولك تعالى معايا."
وقف أكمل وهو يبارك.
"ألف مبروك يا جماعة. استئذن أنا عشان الوقت اتأخر."
نظر إلى مالك.
"تعالى وصلني لأني مش معايا عربية."
خرج مالك خلف أكمل، يشعر وكأن جدران المنزل تطبق على صدره. كل زغرودة كانت كالسهم تخترق قلبه، وكل وجه مبتسم كان يذكره بالوجه الوحيد الذي أراد أن يراه سعيدًا بجانبه، لا بجانب أخيه. الهواء في الخارج كان أبرد، لكنه لم يفعل شيئًا لإطفاء الحريق المشتعل في صدره.
سارا في صمت لعدة أمتار بعيدًا عن أضواء المنزل وضجيج الاحتفال، حتى وصلا إلى سيارة مالك الواقفة في الظلام. لم يفتح مالك السيارة، بل استند بظهره إليها، ورفع رأسه نحو السماء المظلمة، في محاولة يائسة للبحث عن نسمة هواء لا تحمل رائحة هزيمته.
وقف أكمل بجانبه، لم يقل شيئًا في البداية، مانحًا صديقه لحظة لالتقاط أنفاسه المبعثرة. كان يرى الارتجاف الخفيف في كتفيه، ويرى كيف يضغط على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله.
"حاسس إن روحي بتنسحب مني."
نطقها مالك بصوت أجش، مكسور، وكأنه يلفظ سرًا سامًا. لم تكن مجرد كلمات، بل كانت اعترافًا كاملاً بعمق الألم الذي يعصف به.
لم يجد أكمل كلمات يواسي بها صديقه.
"بكرة ربنا يعوضك بأحسن منها."
ابتسم بمرارة وهو يفصح عن مشاعره.
"كنت بحلم باليوم ده من يوم ما لقيتها بتكبر قدامي على الدنيا، يا أكمل. كل تفصيلة في الفرح ده، كل زينة، كل أغنية... كنت بتخيلها معاها هي. كنت بعد الأيام عشان أطلب إيدها رسمي، مستني بس الوقت المناسب. وفي الآخر... تكون من نصيب أخويا."
أغمض عينيه بقوة، وكأن صورة روح بفستانها الأبيض بجانب أخيه محفورة خلف جفونه، تطعنه بلا رحمة.
"كنت بشوف الفرحة في عينيها وهي بتبص له؟ هي بتحبه يا أكمل... بتحبه بجد. وده اللي بيقتلني. لو كانت مغصوبة، لو كانت حزينة، كنت ممكن ألاقي لنفسي أي عذر عشان أتدخل، عشان أعمل أي حاجة. بس سعيدة... سعيدة معاه هو."
وضع أكمل يده على كتف صديقه، ضغط عليها بقوة، لم تكن ضغطة مواساة رقيقة، بل ضغطة دعم وصلابة.
"أنا عارف... وعارف إن مفيش كلام في الدنيا هيخفف اللي أنت حاسس بيه دلوقتي. الوجع ده لازم ياخد وقته معاك."
صمت أكمل للحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر جدية.
"بس اللي لازم تعرفه يا مالك، إنك راجل. والرجولة مش بس في إنك تاخد اللي بتحبها، الرجولة كمان في إنك تشوفها سعيدة وتتمنى لها الخير، حتى لو السعادة دي مش معاك. أنت محبتهاش عشان تمتلكها، أنت حبيتها عشانها هي."
نظر مالك إلى صديقه، عيناه تلمعان بدموع محبوسة، دموع قهر ورجولة مدمرة.
"صعب... صعب قوي يا أكمل."
"عارف إنه صعب." رد أكمل بحزم. "وهيفضل صعب لفترة، بس أنت أقوى من كده. النهاردة أنت وقفت زي الجبل وشوفت أخوك بيفرح، وشوفتها هي بتحقق حلمها. أنت دعمتهم بصمتك، وده في حد ذاته قوة محدش يفهمها غير اللي مجربها. دلوقتي دورك تدعم نفسك. اركب عربيتك، وسوق... سوق لأي مكان بعيد. اصرخ، طلع كل اللي جواك، بس لما ترجع... ترجع مالك اللي أعرفه، اللي بيعرف يقف على رجليه تاني مهما كانت الوقعة شديدة."
نظر مالك إلى مفتاح السيارة في يده، ثم إلى الطريق المظلم أمامه. كانت كلمات أكمل كمرساة في وسط عاصفة هوجاء. لم تمحُ الألم، لكنها أعطته مسارًا ليتبعه، طريقًا للنجاة.
تطلع إلى أكمل وتمتم بامتنان لدعمه الدائم له.
"أنت صاحب بجد يا أكمل."
"وأنت أخويا يا مالك. يلا... اتحرك. الليل لسه طويل."
فتح مالك باب السيارة، وجلس خلف المقود وبجواره أكمل. لم ينظر خلفه، بل انطلق بالسيارة في قلب الظلام، تاركًا وراءه أضواء الفرح الذي كان من المفترض أن يكون فرحه، متجهًا نحو المجهول، مسلحًا بوجعه، وبدعم صديقٍ يعرف معنى الأخوة الحقيقية.
❈-❈-❈
قاد مالك سيارته بلا وجهة، يلتهم الإسفلت تحت عجلاتها كما يلتهم القهر روحه. لم يكن يرى الطريق، بل كانت الصور تتراقص أمام عينيه بلا رحمة: ابتسامة روح الخجولة وهي تنظر إلى عدي، يد أخيه وهي تمسك بيدها، همسات المباركات، والزغاريد التي كانت تبدو وكأنها رثاء لأحلامه الميتة.
ابتعد عن أضواء القرية، وانطلق في طريق زراعي قديم، محاط بحقول القصب الشاهقة التي كانت تحجب عنه العالم، وتخلق له عزلة تامة.
أخيرًا، أوقف السيارة في بقعة نائية، حيث لا يوجد سوى صمت الليل المطبق وصوت حفيف القصب الذي يشبه همسات الأشباح.
أطفأ المحرك وفجأة، غلفه صمتٌ يصم الآذان. في هذا الصمت، لم يعد هناك ما يشتت انتباهه عن الألم. انفجر السد الذي كان يبنيه طوال اليوم، وضرب بقبضتيه على عجلة القيادة بكل ما أوتي من قوة، مرة، ومرتين، وثلاث.
"لييييييه؟!"
صرخ بأعلى صوته، صرخة ممزقة خرجت من أعماق روحه، تردد صداها بين الحقول الخاوية. لم تكن سؤالاً ينتظر إجابة، بل كانت تفريغًا لبركان من المشاعر المتضاربة: حب، غيرة، غضب، وحزن لا قرار له.
أسند رأسه على عجلة القيادة، وجسده يهتز من فرط الانفعال المكتوم. لم يبكي، فالرجال في عالمه لا يبكون، لكن روحه كانت تنزف. شعر بالخيانة، ليس من أخيه أو منها، بل من القدر نفسه. لقد كان دائمًا الابن المطيع، الأخ السند، الصديق الوفي. كان ينتظر دوره بصبر، يؤمن بأن الأشياء الجيدة تأتي لمن ينتظر. والآن، أدرك بمرارة أن القدر لا يمنح مكافآت، بل يوزع أوراقه بعشوائية قاسية.
تذكر كل اللحظات المسروقة: نظرة خاطفة كان يظن أنها له، ابتسامة كان يعتقد أنها تخفي وعدًا، كلمة طيبة فسرها قلبه على أنها بداية لقصة. هل كان أحمقًا طوال هذا الوقت؟ هل كان يبني قصورًا من الرمال في رأسه، بينما كانت هي تبني حياتها مع شخص آخر، مع أخيه؟
الشعور بالقهر كان أشد من الحزن. القهر من ضعفه، من عدم قدرته على الاعتراف بحبه في الوقت المناسب. القهر من رؤية أخيه يحصل على كل شيء بسهولة، بينما هو يكافح ليجمع شتات نفسه. لم يكن يكره أخاه، وهذا ما زاد من عذابه. كان يحب عدي، لكنه في هذه اللحظة، كان يكره دوره في حياته، يكره كونه الأخ الذي يجب أن يفرح لسعادة أخيه بينما قلبه يتمزق.
فتح باب السيارة وخرج، وقف في مواجهة الظلام. استنشق الهواء البارد المشبع برائحة التراب الندي، محاولاً أن يملأ به الفراغ الذي استقر في صدره.
نظر إلى السماء التي بلا نجوم، وشعر بأنه وحيد تمامًا.
"خلاص... خلصت."
همس لنفسه، وكأنه يلقن قلبه حقيقة يجب أن يتقبلها. القصة التي عاشها في خياله لسنوات، انتهت قبل أن تبدأ. لم يكن بطلها، ولم يكن حتى شخصية ثانوية فيها.
بقي واقفًا هناك لوقت طويل، لا يعرف كم من الزمن مر. لم يكن هناك ما يفعله سوى أن يترك الألم يأخذ مجراه، أن يشعر به كاملاً، دون مقاومة. كانت هذه ليلته، ليلة وداعه لحب حياته، وليلة مواجهته لأقسى حقيقة.
❈-❈-❈
أما نغم فقد كانت منزوية في الغرفة. وقد كانت كلمات جاسر الأخيرة تتردد في رأسها كقرع طبول الحرب، كل كلمة تدق مسمارًا في نعش كبريائها.
انهارت على الأرض، لم تعد قدماها قادرتين على حملها. لم تكن تبكي، فقد تجاوزت مرحلة الدموع. كانت في مرحلة الصدمة الباردة، حيث يتجمد كل شيء في الداخل، ويتحول الشعور إلى كتلة ثقيلة من الجليد تستقر في الصدر.
"اتخلوا عني..."
همست بها في الفراغ، والكلمات تخدش حنجرتها وهي تخرج. لم تكن مجرد فكرة، بل كانت حقيقة دامغة. أهلها، عشيرتها، عمها الذي كانت تظن أنها قرة عينه، تخلوا عنها بسهولة مذهلة. لم تكن خسارتهم خسارة ابنة، بل كانت مجرد خدش في كبريائهم عالجوه بسرعة، واستبدلوها كقطعة أثاث مكسورة. لقد أقاموا الفرح، سيعيشون حياتهم، سيضحكون، بينما هي هنا، وحيدة، منبوذة، مجرد أداة في حرب لا ذنب لها فيه.
لأول مرة في حياتها، شعرت بأنها يتيمة. لو كان والدها على قيد الحياة ما تركها هكذا. شعرت بأنها بلا جذور، ورقة شجر اقتلعتها عاصفة عنيفة وألقت بها في أرض غريبة ومعادية. كل ما كانت تؤمن به، كل ما كانت تستمد منه قوتها - اسمها، عائلتها، كرامتها - تبخر في لحظة، وتحول إلى سراب.
ثم جاء الإحساس الأشد فتكًا: الخوف على وعد.
لقد استخدم جاسر ببراعة شيطانية نقطة ضعفها الوحيدة المتبقية. لم يهددها هي، فهو يعلم أن روحها المتمردة قد تختار الموت على الخضوع. لكنه هددها بروح أخرى بريئة. وضع مصير وعد بين يديها، وحوّل حبها وقلقها على ابنة عمها إلى سلسلة يقيدها بها.
شعرت بالغثيان وهي تتخيل وعد، تلك الفتاة الرقيقة، تُلقى في نفس الجحيم الذي تعيشه. كيف يمكنها أن تسمح بذلك؟ كيف يمكنها أن تعيش مع نفسها وهي تعلم أنها ضحت بوعد في سبيل كبرياء فارغ لم يعد له أي قيمة؟
وهنا، أدركت الحقيقة المرة. لقد فاز جاسر. لم يفز لأنه الأقوى جسديًا، بل لأنه فهم النفس البشرية بعمق قاسٍ. لقد جرّدها من كل شيء: عائلتها، حريتها، كبريائها، والآن هو يجردها حتى من خيار التمرد.
لم يعد أمامها خيار. لم يعد الأمر يتعلق بالانتصار أو الهزيمة، بل باختيار أقل الخسائر فداحة. كان عليها أن تبتلع كرامتها، وتدوس على ما تبقى من روحها، وتدخل إلى عرين الأسد طواعية، ليس كفريسة، بل كقربان.
في تلك اللحظة، في عمق وحدتها ويأسها، اتخذت قرارها. ستخضع. ستكون "زوجة" جاسر التهامي. ستلعب دوره الذي رسمه لها. لكن في قلبها المكسور، ولدت بذرة جديدة، بذرة مختلفة عن الكبرياء. بذرة باردة، صبورة، وحاقدة. بذرة انتقام لم تعد موجهة ضد جاسر وحده، بل ضد الجميع. ضد جاسر الذي سلبها حياتها، وضد أهلها الذين تخلوا عنها.
لقد ماتت نغم الرفاعي في تلك الليلة، ومن رمادها، بدأت تتشكل امرأة أخرى، امرأة لا تملك شيئًا لتخسره.
خرج جاسر من الحمام، والبخار يتبعه كشبحٍ عابر. كان يرتدي بنطالاً منزلياً أسود فقط، تاركاً صدره العريض وقطرات الماء التي تسيل على عضلاته المشدودة ظاهرة للعيان، كأنه بتلك الطريقة يخبرها بأن ما يريده يكون. لم يكن مظهره يوحي بالراحة، بل بالقوة الخام كتمثال من صخر الجرانيت نُحت بدقة قاسية.
توقفت عيناه على نغم. كانت تجلس على الأريكة الجلدية الداكنة، منكمشة على نفسها، تحدق في نقطة وهمية على الأرض. لم تعد فيها تلك الشرارة من التحدي التي واجهته بها قبل قليل. الآن، لم يكن يرى سوى صمت واستسلام ثقيل. أدرك على الفور أنها تعيد حساباتها، وأنها وصلت إلى الحقيقة المرة: لا مفر.
لم يتحدث. سار بخطوات بطيئة وثابتة نحو خزانة ملابسه، وكل حركة من حركاته كانت محسوبة وهادئة، كهدوء ما قبل العاصفة. هذا الصمت المتعمد كان أشد وطأة من أي تهديد. كان يتركها تغرق في أفكارها، ويترك الرعب يتسلل إلى قلبها ببطء.
قطعت نغم الصمت بصوتٍ خافت، بالكاد يُسمع، وكأنها تسأل نفسها أكثر مما تسأله هو.
"السواق..."
توقف جاسر عن ارتداء قميصه، وظهره ما زال مواجهاً لها. عضلات ظهره القوية انقبضت قليلاً عند سماع الكلمة، لكنه لم يلتفت.
رفعت نغم رأسها قليلاً، وتابعت بصوتٍ أقوى هذه المرة، صوت يحمل بقايا أمل يائس في العثور على أي ذرة رحمة فيه.
"السواق اللي حاول... اللي سرقني... أنت رجعتلي حاجتي. عملت فيه إيه؟"
كان سؤالها معلقاً في الهواء المتوتر. كانت تأمل في إجابة تمنحها سببًا لتصدق أنه ليس شرًا مطلقًا، ربما سلمه للشرطة؟ ربما لقنه درسًا قاسيًا؟ أي شيء إلا...
أنهى جاسر ارتداء قميصه، ثم استدار ببطء شديد ليواجهها. كانت عيناه باردتين كجليد القطب الشمالي، وخاليتين من أي تعبير. لم تكن هناك شفقة، ولا غضب، ولا حتى انتصار. كان هناك فراغ مخيف.
اقترب منها بخطوة واحدة، ثم خطوة أخرى، حتى وقف أمامها مباشرة، شامخاً كجبل، يلقي بظله الطويل عليها. انحنى قليلاً، ليس في حركة ودودة، بل كحيوان مفترس يقترب من فريسته. حبست نغم أنفاسها، وشعرت بقلبها يتوقف عن النبض وهو ينتظر رده.
نظر في عينيها مباشرة، وقال ببرود مطلق، ببطء، وكأنه يلقي بحكم لا رجعة فيه.
"قتلته."
سقطت الكلمة في صمت الغرفة كصخرة في بحيرة راكدة، محدثة تموجات من الرعب الصافي. لم يرمش له جفن. لم يتغير صوته. قالها ببساطة كما لو كان يقول إنه شرب كوبًا من الماء.
تجمدت نغم، واتسعت عيناها في صدمة ورعب، الهواء هرب من رئتيها.
استقام جاسر في وقفته الشامخة، وتابع بنفس النبرة الجليدية.
"اللي بيفكر مجرد تفكير يجرب من حاجة تخص جاسر التهامي... مينفعش يعيش لحظة واحدة بعدها."
"لم يكن يتباهى، لم يكن يهدد، كان يقرر حقيقة كونية من وجهة نظره. في عالمه هو القانون، وهو القاضي، وهو الجلاد. ونغم في تلك اللحظة، لم تكن مجرد فتاة، بل أصبحت "حاجة تخصه". وأدركت بحقيقة مرعبة أن هذا المصير الذي لقيه السائق، هو مصير أي شخص آخر يحاول الاقتراب منها، أو حتى مساعدتها. لقد وضع حولها سياجًا من الموت.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رانيا الخولي
كانت الحديقة الخلفية لمنزل الرفاعي غارقة في الظلام إلا من ضوء القمر الباهت الذي كان يتسلل بين أغصان الأشجار العتيقة.
وقف عدي هناك وحيداً كشبح، يذرع الممر الحجري ذهاباً وإياباً، والهاتف في يده كأنه قطعة من الجليد.
لم يستطع البقاء في الداخل، حيث الأجواء مشحونة بصمت ثقيل واستعدادات زائفة لفرح أشبه بمأتم.
كانت عيناه تحملان بريقاً غريباً، بريقاً لا يشبه حزن أبيه أو غضب سند المكسور.
كان بريقاً هادئاً، حاداً، ومخيفاً. بريق رجل يرى ما لا يراه الآخرون، ويفكر في لعبة مختلفة تماماً عن تلك التي يلعبونها في الداخل.
لم يكن يفكر في "شكل العيلة" أو "كلام الناس".
هذه المفاهيم بدت له تافهة وساذجة في مواجهة ما حدث.
هو لم يرى في ما حدث هزيمة، بل رآه تغييراً في قواعد اللعبة.
وجاسر التهامي، بكل جبروته، قد فتح باباً لم يكن يجب أن يُفتح أبداً.
توقف عن المشي فجأة، ورفع الهاتف إلى أذنه.
لم يكن ينتظر مكالمة، بل كان هو من يبادر بالاتصال.
ضغط على رقم لم يكن مسجلاً باسم، مجرد سلسلة من الأرقام المحفوظة في ذاكرته.
رنة واحدة، ثم جاء صوت من الطرف الآخر.
لم يتحدث عدي، بل استمع فقط. كان الصمت من جانبه أبلغ من أي كلام.
بعد لحظات، تحدث عدي أخيراً، بصوتٍ منخفض وحيادي، صوت لا يحمل أي عاطفة، وكأنه يقرأ قائمة مشتريات.
"عملت ايه؟"
"لا مش عايز أي أذى جسدي."
قالها ببرود، ثم أضاف جملة غامضة جعلت نواياه أكثر إبهاماً.
"الخوف أداة أقوى من الألم. خليه يعرف إن كل حاجة بيحبها ممكن تختفي في أي لحظة، خليه يحس بنفس الإحساس."
أنهى المكالمة دون كلمة وداع.
لم يكن يخطط لقتل أو مواجهة.
خطته كانت أكثر دهاءً، وأكثر خطورة.
هو لن ينقذ نغم بالطريقة التي يتوقعها الجميع.
هو سيفعل شيئاً يقلب الطاولة على جاسر نفسه، شيئاً يجعله يدرك أن خطف فتاة من عائلة الرفاعي لم يكن انتصاراً، بل كان أكبر خطأ ارتكبه في حياته.
استدار عدي واختفى في الظلام، تاركاً وراءه سؤالاً واحداً معلقاً في الهواء: ما الذي ينوي فعله؟ ومن هو الشخص الذي كان يتحدث معه على الهاتف؟
***
كانت كلمة "قتلته" لا تزال تتردد في أذني نغم بينما العالم من حولها يضيق ويتحول إلى نفق مظلم لا نهاية له.
لم تستطع أن ترمش ولم تستطع أن تتنفس.
كانت تحدق في وجه جاسر تبحث عن أي أثر لكذبة، لأي مزحة مريضة، لكنها لم تجد سوى حقيقة قاسية ومرعبة.
لقد أصبح هذا الوحش زوجها رسمياً قبل ساعات.
رأى جاسر الصدمة وهي تشل ملامحها، ورأى الرعب وهو يجمد الدم في عروقها.
لم يشعر بالرضا، بل شعر باللامبالاة.
كانت هذه هي قوانين عالمه، والآن بعد أن أصبحت زوجته، كان عليها أن تتعلمها بسرعة.
مد يده ببطء نحو وجهها.
جفلت نغم وتراجعت للخلف، فاصطدم ظهرها بمسند الأريكة الصلب.
لم يعد لديها مكان آخر لتهرب إليه.
تجاهل جاسر رد فعلها وأكمل حركته، لكنه لم يلمسها.
بدلاً من ذلك، التقط خصلة شعر تمردت وخرجت من تحت حجابها، وأعادها برفق إلى مكانها.
كانت لمسته خفيفة، لكنها حملت ثقل تهديد مميت.
همس بصوتٍ هادئ ومخيف:
"شفتي؟ أنا بحافظ على حاجتي كويس جوي ومبحبش حد يلمسها غيري."
كانت كلماته تحمل معنى مزدوجاً. هو لم يقتل السائق لأنه تهجم عليها، بل لأنه تجرأ ولمس "ملكيته".
لم يكن الأمر يتعلق بحمايتها، بل بحماية ممتلكاته.
أخيراً وجدت نغم صوتها، لكنه خرج متقطعاً ومبحوحاً بالرعب.
"أ... أنت... أنت وحش."
ابتسم جاسر ابتسامة باهتة، خالية من أي دفء.
"ممكن بس الوحش ده هو اللي بجيتمي تحملي اسمه خلاص. وهو الوحيد اللي هيحميكي في الدنيا دي. هيحميكي من الكل... حتى من نفسك."
استقام في وقفته وبدأ في تزرير قميصه ببطء، فاردًا جسده القوي في استعراض متعمد للقوة والسيطرة.
لم يعد هناك باب ليخرج منه ويغلقه. لقد انتهى وقت التهديدات البعيدة، وبدأ واقع العيش معه.
اتجه نحو السرير الضخم، ورفع الغطاء الحريري الرمادي بحركة واحدة سلسة.
"ده سريري ومبحبش حد يشاركني فيه."
ثم أشار برأسه نحو الأريكة التي تجلس عليها دون أن ينظر إليها مباشرة.
"مكانك هناك على الكنبة."
كانت كلماته صفعة غير متوقعة. لم تكن تتوقع منه رحمة أو حباً، لكنها أيضاً لم تتوقع هذه الإهانة الصريحة، مؤكداً على مكانتها الحقيقية في هذا المنزل: مجرد سجينة، غنيمة حرب، وليست زوجة.
وقفت نغم، وشعرت بدمها يغلي.
الكره الذي شعرت به نحوه تحول إلى غضب ناري.
"وأنا مستحيل أنام في أوضة واحدة مع واحد قاتل."
رفع الغطاء عن الفراش ليستلقي عليه وقال بعدم اكتراث:
"حاليًا ده آمن مكان ليكي. وأنصح بلاش تتحديني لأن محدش هيخسر غيرك."
ثم أضاف ببرود قاطع، وهو يطفئ المصباح الذي بجانبه، ليغرق جانبها من الغرفة في شبه ظلام:
"بس لو سمعت صوت نفسك بعد دلوقت، أو حسيت إنك بتفكري تعملي أي حاجة غبية... افتكري السواح. وافتكري إن بنت عمك وأهلك هما اللي هيدفعوا التمن بعده."
أعطاها ظهره، وسحب الغطاء عليه متجاهلاً وجودها تماماً.
بقيت نغم واقفة في الظلام، تشعر بالبرد والإهانة والغضب يعصفون بداخلها.
لقد أجبرها على الزواج منه، ثم حكم عليها بالنوم على أريكة كخادمة منبوذة.
أدركت في تلك اللحظة أن حربه معها لن تكون حرب جسد، بل حرب لإذلال الروح.
وهو قد بدأ للتو في الاستمتاع بفصولها الأولى.
انتظرت نغم في الظلام، كل حواسها متيقظة، تستمع إلى إيقاع أنفاس جاسر وهو يغرق في نوم عميق على الأريكة في زاوية الغرفة.
لقد أصر على النوم في نفس الغرفة، كحارس سجن يراقب سجينته.
كان كل نفس يأخذه بمثابة عد تنازلي للحظة التي ستخاطر فيها بكل شيء.
عندما تأكدت من أنه نام تمامًا، تحركت بخفة الأشباح.
انزلقت من على السرير، وقدماها الحافيتان لا تصدران أي صوت على الأرضية الباردة.
وصلت إلى حقيبتها، وأدخلت يدها المرتجفة حتى لمست أصابعها برودة هاتفها الذي خبأته بعناية.
كانت تلك القطعة الصغيرة من المعدن والزجاج هي حبل نجاتها الوحيد، وصلتها الوحيدة بالعالم الذي سُحبت منه.
تسللت نحو الشرفة، وفتحت الباب الزجاجي ببطء لا نهائي، تتجنب أي صوت قد يوقظ الوحش النائم.
ما إن خرجت إلى هواء الليل البارد، أغلقت الباب خلفها وشعرت بأنها تستطيع التنفس لأول مرة منذ ساعات.
بأصابع ترتجف كأوراق الخريف بحثت نغم عن اسم "روح" في جهات الاتصال.
كان هذا هو الخيط الأخير الذي يربطها بعالمها القديم، وعليها أن تتأكد هل قُطع هذا الخيط بالفعل أم أن كل ما قاله جاسر كان مجرد لعبة أخرى من ألعابه النفسية السادية.
ضغطت على زر الاتصال ووضعت الهاتف على أذنها وقلبها يدق بعنف حتى كاد يكسر أضلاعها.
كل رنة كانت كالأبدية، صدى لفراغ يتربص بها.
على الجانب الآخر في منزل الرفاعي الذي كان يومًا منزلها.
دخلت روح غرفتها كطيفٍ حزين، كان البيت كله يضج باستعدادات زائفة لفرح لا روح فيه، لكن غرفتها كانت ملاذها الوحيد للحداد.
نظرت إلى فراش نغم الفارغ وشعرت بحنين جارف يمزق صدرها، كيف يمكن أن يكون مكان أختها فارغاً وبارداً هكذا.
استلقت عليه ودفنت وجهها في وسادة نغم تستنشق رائحتها المتبقية كأنها آخر أثر من وجودها.
وهنا انهار السد. بكت كما لم تبكِ من قبل، لم يكن بكاءً هادئاً بل نحيباً عميقاً وموجوعاً، بكاءً يشبه بكاءها يوم وفاة أبيها.
فاليوم مات شيء بداخلها مرة أخرى، لقد فقدت أختها توأم روحها التي انشغل الجميع عنها في دوامة الحفاظ على المظاهر.
"نغم"
رددت اسمها بلوعة أرهقتها وازداد نحيبها حتى اهتز جسدها بالكامل.
وسط دموعها لم تنتبه في البداية لاهتزاز هاتفها بيد مرتعشة.
أمسكته على أمل يائس أن يكون "مالك" أو أي شخص يحمل خبراً.
لكن ما إن رأت اسم "نغم" يضيء الشاشة حتى توقف قلبها للحظة، ثم قفز إلى حلقها.
شهقت وجلست في فراشها بسرعة البرق تمسح دموعها بعنف وتجيب بصوتٍ هو مزيج من اللهفة والخوف والهمس كأنها تخشى أن يكون حلماً.
"نغم؟"
بمجرد أن تسلل صوت أختها الدافئ إلى أذنها، شعرت نغم بسد منيع داخلها يبدأ في التصدع والانهيار.
صوت روح كان حقيقياً يحمل حناناً فقدته ومختلفاً تماماً عن البرود القاتل الذي يحيط بها.
أغمضت عينيها بقوة محاولة حبس طوفان الدموع.
"روح أنا...."
انقطع صوتها وخانتها شهقة بكاء مكتومة لم تستطع إكمال الجملة.
شعرت روح بوجع أختها عبر الأثير وكأنه سكين يخترق قلبها هي.
"نغم حبيبتي فيكي إيه؟ هو هو عملك حاجة أذاكي."
سألت بقلق محموم.
حاولت نغم التوقف عن البكاء وأخذت نفساً عميقاً ومتقطعاً.
"متخافيش عليا بس طمنيني أمي كيفها؟"
قالت روح بحزن عميق:
"مبطلتش عياط من وقت اللي حصل. قاعدة زي اللي تايها منها روحه."
مسحت نغم دمعة غادرة.
"طمنيها وجوليها إني بخير. خليكي چانبها ومتسيبهاش."
أومأت روح وكأن نغم تراها.
"متخافيش بس انتي خلي بالك من نفسك."
ثم سألتها نغم بأمل التكذيب بصوتٍ خافت كأنه سر مؤلم.
"صحيح.....صحيح اللي جاله إن سند كتب كتابه على وعد؟"
ساد صمت طويل وموجع على الخط. لم تستطع روح الإجابة فهربت إلى الصمت الذي كان في حد ذاته إجابة مدوية.
أخذت نغم نفساً عميقاً ومريراً وشعرت ببرودة جليدية تزحف إلى أطرافها.
لقد تأكدت الشائعة، همست بصوتٍ أجش.
"يعني حاجي؟ هيعملوا الفرح بكرة هيجوزوا وعد لسند."
لم تستطع روح إخفاء الوجع في صوتها وهي تجيب.
"آه يا نغم حاجي. جدك وعمامك قالوا لازم الفرح يتم عشان كلام الناس عشان يحفظوا شكل العيلة."
هنا لم تعد نغم قادرة على التحمل. انزلقت دمعة حارقة على خدها، دمعة واحدة تحمل كل مشاعر الخذلان والوحدة في العالم.
"يحفظوا شكل العيلة؟"
همست بسخرية مؤلمة وضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي مرح، ضحكة تشبه البكاء.
"يحفظوه على حسابي وعلى حساب وعد؟ بالسهولة دي باعوني؟ بالسرعة دي ولقوا لي بديل؟"
بدأت روح تبكي في صمت على الطرف الآخر من الخط.
"غصب عنيهم يا نغم، والله غصب عنيهم، محدش هنا قادر يفتح بقه."
"البيت كله عامل زي ما يكون فيه ميتم بس لابسين وش الفرح، ووعد وعد حبست نفسها في أوضتها من امبارح ومبتكلمش حد."
كل كلمة كانت مسماراً جديداً يُدق في نعش علاقتها بهم.
لم تعد تشعر بالغضب بل بحزن عميق لا قرار له وبخيبة أمل هائلة جعلت كل ما فعله جاسر يبدو تافهاً.
لقد تأكدت الآن من كل شيء. لم يتخلوا عنها فحسب بل محوها، استبدلوها، وأكملوا الحياة وكأنها لم تكن.
"روح.."
قالت نغم بصوتٍ مبحوح، لكنه الآن يحمل برودة وقوة غريبة، قوة من وُلد من رحم اليأس.
"اسمعيني زين، متجوليش لحد إني اتصلت أبدًا واحذفي المكالمة دي."
توسلت روح بيأس.
"نغم استني، هنعمل إيه؟ أنا مش هسيبك كده."
ردت نغم وفي صوتها كان هناك استسلام جليدي وقرار نهائي.
"مفيش حاجة تتعمل خلاص. أنا طريقي بقى معروف. بس أنتم حاولوا تعيشوا."
"نغم أرجوكي....."
لكن نغم أنهت المكالمة. لقد قطعت الخيط الأخير بنفسها.
أسندت ظهرها على الحائط البارد للشرفة والهاتف ينزلق من يدها المرتعشة.
نظرت إلى الظلام أمامها وشعرت بأنها هي نفسها أصبحت جزءًا من هذا الظلام.
لقد تأكدت من الحقيقة، والحقيقة كانت أقسى وأكثر إيلامًا من أي تهديد نطق به جاسر.
هو سجن جسدها، لكن أهلها قتلوا روحها.
وفي تلك اللحظة اتخذت قرارها. لم تعد نغم الرفاعي. لقد ماتت تلك الفتاة.
ومن الآن فصاعداً ستمحوهم من قلبها وذاكرتها تماماً كما محوها هم من حياتهم.
لقد كانت وحيدة بالفعل، والآن أصبحت حرة من حبهم الذي خذلها.
بأقدام واهنة خطت لداخل الغرفة، فتنصدم بذلك الذي يقف أمامها بعينين ثابتتين بهما وميض لم تراه من قبل.
لكن الرؤية اختفت فجأة حين شعرت بدوار جذبها لعالم بعيد تماماً عن عالمهم.
لم تعد لديها القدرة على التحمل أكثر من ذلك.
لذا رحبت بظلام دامس يجذبها بعيدًا عن عالمهم القاسي.
***
كان سالم يجلس في بهو بيته الفسيح، لكن المكان بدا له ضيقًا كقبر.
كان الصمت يلف كل شيء، صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت عقارب الساعة التي كانت تدق كالمطارق على رأسه، تذكره بكل لحظة تمر ونغم بعيدة عنهم، في عرين عدوهم.
كان يمسك بهاتفه في يده، يقلبه بين الحين والآخر، ينتظر.
لم يكن يعرف ماذا ينتظر بالضبط، ربما معجزة، ربما خبرًا يريح قلبه، أو ربما الكارثة التي يتوقعها.
فجأة، اهتز الهاتف في يده. رأى رقمًا غريبًا على الشاشة، لكن قلبه انقبض. شعر بأن هذا هو الاتصال الذي كان يخشاه وينتظره في آن واحد.
أجاب بصوت أجش.
"السلام عليكم."
جاءه صوت فتاة خائف ومتردد من الطرف الآخر.
"وعليكم السلام الحاج سالم بيه؟ أنا... أنا فرح، الخدامة اللي في سرايا التهامي."
اعتدل سالم في جلسته، وتمسّك بالهاتف بقوة.
"أيوه يا بتي في حاجة؟ نغم زينة؟"
صمتت فرح للحظات، وكأنها تجمع شجاعتها لتقول ما يجب أن تقوله.
ثم تحدثت بسرعة، بصوت خفيض كأنها تخشى أن يسمعها أحد.
"هي... هي مخرجتش خالص من الأوضة من ساعة ما رجعت من عندكم."
شعر سالم بقلبه يهبط.
"وكلت؟"
"لا يا بيه رفضت الأكل. والست ونس بعتتلها أكل تاني برضك رفضته. جالتلي خدي الأكل ومش عايزة حاجة."
أغمض سالم عينيه بألم ابنته التي كان يتحايل عليها لتأكل لقمة زائدة، الآن تجوّع نفسها عمدًا.
"طيب هي... هي بتعمل إيه؟ حالها كيف؟"
ترددت فرح مرة أخرى، ثم قالت بصوت يملؤه الأسف.
"لما دخلت عندها الأوضة، كانت مكسرة حاجات بسيطة، والفرش متبهدل. كانت بتعيط يا حاج. ولما جولتلها إنك موصيني عليها، حسيت إنها اتضايجت أكتر."
كل كلمة كانت سكينًا يغرس في قلبه. يستطيع أن يتخيلها الآن، وحيدة في تلك الغرفة الغريبة، تحارب حزنها وغضبها بتحطيم الأشياء، تبكي بصمت حتى لا تسمعهم صوت انكسارها.
ويشعر بالعجز.
عجز رهيب ومقيت يلتهم روحه. هو سالم الرفاعي، الذي كان يستطيع أن يحرك الجبال من أجلها، يقف الآن مكتوف الأيدي، لا يملك سوى أن يستمع إلى تقرير عن عذاب ابنته عبر الهاتف.
"في حاجة تانية حصلت؟"
سأل بصوت بالكاد كان مسموعًا.
وهنا جاءت الطعنة الأقوى.
"جاسر بيه... هو اللي جالي أكلمك."
اتسعت عينا سالم بصدمة.
"كيف يعني؟"
"هو اللي أمرني أجولك كل حاجة.... كل حاجة بتحصل معاها. لما سمعني بكلمها عليك، وسمحلي أبلغك بكل حاجة بتحصل عادية. هو... هو عايزك تعرف."
هنا فهم سالم كل شيء. لم تكن هذه مكالمة للاطمئنان. كانت هذه جلسة تعذيب نفسي، خطط لها جاسر ببرود شيطاني.
هو لا يريد فقط أن يسجن نغم، بل يريد أن يجعلهم سجناء معها، يشاركونها كل لحظة من ألمها وهم عاجزون عن فعل أي شيء.
يريد أن يذيقهم نفس القهر الذي تشعر به.
شعر سالم بغصة حارقة في حلقه، وبغضب عارم يغلي في دمه، لكنه غضب مشلول، لا يستطيع أن يفعل به شيئًا.
لو كان جاسر أمامه الآن، لقتله بيديه. لكنه بعيد، وهو هنا، لا يملك سوى أن يستمع.
أنهى المكالمة دون أن ينطق بكلمة أخرى.
وضع الهاتف بجانبه، وظل جالسًا في مكانه، يحدق في الفراغ.
لم تعد الساعة تدق، بل كان يسمع صوت بكاء نغم في أذنيه. يرى صورتها وهي تحطم الأشياء، يرى انطفاء روحها في عينيها.
وضع رأسه بين يديه، وشعر لأول مرة في حياته بمعنى العجز الحقيقي.
ليس عجز القوة أو المال، بل عجز الأب الذي لا يستطيع أن يحمي ابنته، الذي لا يستطيع أن يمسح دمعتها، الذي لا يستطيع أن يضمها إلى صدره ويخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام، لأنه يعلم في قرارة نفسه، أن لا شيء سيكون على ما يرام بعد الآن.
***
"نغم..."
أصوات خافتة، وكأنها آتية من بئر عميق، تنادي باسمها.
شعرت بوخز حاد في ذراعها آلمها قليلًا، ثم بيد حانية تمسك بيدها تربت عليها بلطف، كأنها تحثها على العودة من ذلك الظلام البارد الذي سقطت فيه.
"أمي..."
تمتمت بالكلمة، ظنًا منها أنها تستيقظ أخيرًا من ذلك الكابوس المريع الذي أرهقها، وأنها ستجد وجه والدتها الحنون أول ما تراه.
فتحت عينيها بتثاقل. كانت الرؤية ضبابية، والأشكال غير واضحة. حركت عينيها بوهن، تحاول تمييز الوجوه.
"روح..."
"حمد لله على سلامتك يا بنتي."
لم يكن صوت والدتها، ولا صوت زوجة عمها. كان صوتًا غريبًا، يحمل دفئًا لم تتوقعه في هذا الكابوس.
"نغم... سامعاني؟"
بدأت الرؤية تتضح أمامها رويدًا رويدًا، حتى ظهرت أمامها امرأة في منتصف العمر، وجهها طيب الملامح، وبجانبها فتاة شابة ترفع يدها لتجس نبضها.
"الحمد لله، فاقت يا مرت عمي."
لم تفهم نغم شيئًا من شدة الدوار الذي كان يهاجمها. تمتمت بضعف، وصوتها كان بالكاد مسموعًا.
"أنا... أنا فين؟"
"أنتِ في بيت جوزك يا بنتي."
أغمضت نغم عينيها بألم حارق. إذن، ما عاشته كان حقيقة، ولم يكن كما ظنت. لم يكن كابوسًا ستستيقظ منه، بل واقعًا ستعيشه كل يوم.
قالت الفتاة الشابة، التي يبدو أنها طبيبة.
"الحمد لله، الضغط اتظبط شوية."
نظرت نغم إليها، فوجدت امرأة صغيرة السن، وجهها هادئ ومبتسم، لا ينتمي أبدًا لتلك العائلة الجاحدة ذات الوجوه القاسية.
دلفت فرح وهي تحمل صينية عليها طبق حساء ساخن، فأخذته منها الطبيبة.
"متشكرة يا فرح. روحي نامي أنتِ، تعبناكي معانا."
قالت فرح بصدق.
"تعبك راحة يا ست الدكتورة. المهم إن ست نغم بخير."
خرجت فرح، وجلست الطبيبة بجوار نغم على طرف السرير.
"اسنديها يا مرات عمي، عشان أسقيها الشوربة دي."
هزت نغم رأسها برفض، وتمتمت بوهن.
"مش... عايزة."
قالت أم جاسر، التي كانت تجلس على الجانب الآخر.
"مينفعش يا بنتي، أنتِ وجعتي من طولك عشان معدتك خاوية. لازم تاكلي أي حاجة عشان تجويكي."
ظلت نغم على رفضها، عيناها مغمضتان بعناد.
فقالت الطبيبة بمزاح لطيف.
"لاا، دي شكلها مبتجيش بالذوق زي جوزها."
وضعت الصينية على الطاولة، وعادت لنغم، ووضعت الوسادة خلف ظهرها رغم تمنعها.
"يلا، اتسندي على المخدة عشان تاكلي."
أجبرتها بلطفها وإصرارها على تناول بضع ملاعق من الحساء الساخن، الذي بدأ يعيد الدفء إلى جسدها البارد.
"أحب بقى أعرفك بنفسي. أنا زينة، بنت عم جاسر متجوزة وعايشة مع أهل جوزي، ومخلفة ولدين."
كانت زينة تتحدث كي تشغلها عن التفكير، وتجعلها تتناول طعامها دون أن تشعر.
قالت أم جاسر.
"اسمها زينة، وهي زينة. أول ما جاسر خبرها، جات مع جوزها طوالي."
"معقول يا مرات عمي أتأخر عن مرات جاسر؟ أنتِ خابرة غلاوته عندي، وأكيد مرته هتكون بنفس غلاوته."
سخرت نغم في نفسها من مدحها لذلك الحاقد، وكأنها تتحدث عن شخص آخر، شخص لم يظلم ولم يقهر.
عندما لاحظت زينة نظرة الحزن العميقة في عيني نغم، أشفق قلبها عليها، فهي تعلم جيدًا مدى قسوة ابن عمها عندما يريد.
أبعدت نغم الملعقة بعيدًا وهي تقول.
"خلاص... شبعت مش قادرة تاني."
قالت أم جاسر.
"أنتِ مكلتيش حاجة يا بنتي."
ردت نغم بإرهاق.
"صدقيني، شبعت."
حملت زينة الصينية وهي تنهض، قائلة.
"خلاص معلش يا نغم، مضطرة أروح دلوقت عشان الولاد نايمين لوحدهم، ومردتش أصحي حماتي وأقلقها."
"كتر خيرك يا بنيتي، تعبناكي."
حملت زينة حقيبتها.
"لو احتاجتوني، كلموني على طول. أول ما المحلول يخلص، اعملي زي ما قولتلك يا مرت عمي."
نظرت لنغم.
"المحلول ده هيخليكي تنامي، والصبح إن شاء الله هتكوني كويسة. بعد إذنكم."
جذبت أم جاسر الغطاء على نغم، وقالت بحنان أمومي حقيقي.
"نامي دلوقت، والصبح هتكوني زينة."
شعرت نغم بالألفة معها، ألفة لم تكن تتوقعها.
قبل أن تغمض عينيها، قالت برجاء طفولي.
"خليكي جنبي... متسيبنيش."
ربتت أم جاسر على يدها بحنان.
"أنا چنبك يا بتي، متخافيش."
خرجت زينة من الغرفة، فتفاجأت بشروق تقف في الرواق، تنتظرها كصقر يتربص بفريسته.
وفور رؤيتها، سألتها بحدة.
"خير؟ مالها الهانم؟"
تنهدت زينة، وقالت بهدوء.
"واحدة ودي ليلة دخلتها، تفتكري هيكون إيه؟"
قطبت شروق جبينها بصدمة، وعيناها اتسعتا.
"تجصدي إيه؟"
"أقصد اللي فهمتيه. يظهر إن جاسر اتسرع شوية. عن إذنك، أسلم على أمي قبل ما أمشي."
ذهبت زينة، وتركت شروق تنظر إلى باب الغرفة المغلق بسخط وحقد.
لقد وعدها والدها بأن تكون هي الأولى، بأن تكون هي زوجة جاسر.
لكن هذه اللعينة، هذه الغريبة، سبقتها إليه، وسرقت منها كل شيء في ليلة واحدة.
شعرت بالنار تشتعل في صدرها، وأقسمت في سرها أن حياة هذه الوافدة الجديدة ستكون جحيمًا.
"يعني لولا الهانم دي، مكنتيش جيتي شوفتي أمك."
قالتها الأم بامتعاض.
فاقتربت زينة منها وجلست بجانبها، ثم قبلت يدها بابتسامة دافئة.
"غصب عني والله يا أمه. أنتِ عارفة البيت والولاد، وكمان العيادة اللي فتحتها جديد. حقيقي مبقاش عندي وقت خالص. راسي دي هتنفجر من كتر التفكير."
نظرت إليها الأم بجانب عينيها، نظرة لم تخلُ من الشك، ولكنها بدأت تلين أمام حنان ابنتها.
"ماشي، هصدجك المرة دي. بس كنتي جبتي الولاد معاكي. وبيتي وحشوني جوي."
نهضت زينة وهي تعدل من ملابسها.
"خليها مرة تانية، أكون فاضية لهم خالص. أمشي أنا بقى عشان الولاد لوحدهم ووليد زمانه زهق."
خرجت زينة مع زوجها وليد وجاسر من باب المنزل الرئيسي.
كان وليد رجلاً هادئ الطباع، يحترم زوجته ويقدر حكمتها.
تقدم نحو السيارة ليقوم بتشغيلها وتدفئتها في برد الليل، بينما وقفت زينة للحظات عند أعلى الدرج، بجوار جاسر.
كان يقف كانه مجرد خيال أسود صامت، يراقب رحيلهم.
لم تتردد، بل توجهت نحوه مباشرة، ووقفت أمامه.
"جاسر..."
لم تكن نبرتها تحمل لومًا، بل عتابًا عميقًا، عتاب من تعرفه جيدًا وتخشى عليه من نفسه.
قاطعها بصوته البارد الحاسم، قبل أن تنطق بأي كلمة أخرى.
كان يعلم تمامًا ما تود قوله.
"وفري أي حديث هتجوليه ملوش عازة. أني واعي للي بعمله."
لكن زينة لم تكن كأي شخص آخر. لم ترتعب من نبرته، بل ثبتت نظراتها في عينيه، وقالت بثقة هادئة كانت أقوى من أي صراخ.
"أنت مش واعي. أنت غرقان. غرقان في تار قديم بيحرق فيك قبل ما يحرق فيهم. أنت بتعاقب روح بريئة على ذنب معملتهوش، وفاكر إن ده انتصار."
تغيرت ملامح جاسر قليلًا، وظهرت ومضة خطيرة في عينيه من جرأتها.
لكنها تابعت دون خوف لأنها...
تعلم معزتها في قلبه مهما أخفى ذلك.
"البنت اللي فوق دي، شفت في عينيها حاجة انكسرت. والكسر ده لو معلمش فيك أنت، يبقى قلبك خلاص مات. ياريت بكرة متندمش على اللي بتعمله دلوقت. الندم لما بيجي متأخر بيكون أقسى من أي انتقام."
لم تنتظر منه ردًا. استدارت بهدوء، ونزلت الدرج بخطوات ثابتة، واستقلت السيارة بجوار زوجها الذي كان يراقب المشهد الصامت عن بعد.
انطلقت السيارة، وهي تدعو في سرها أن ينجي الله نغم من جحيم ابن عمها، وأن ينجي ابن عمها من جحيمه الشخصي.
أما هو، فلم يتحرك من مكانه.
ظلت كلماتها تتردد في أذنيه.
"أنت غرقان"
"قلبك خلاص مات"
"الندم".
لم يصعد إلى غرفته. لم يستطع.
لم يكن يخشى مواجهتها، بل كان يخشى مواجهة الصمت الذي سيجمعه بها في غرفة واحدة.
الصمت الذي سيجبره على سماع صوت أنفاسها، ورؤية ضعفها، وربما... الشعور بشيء لا يريد أن يشعر به.
استدار، وعاد إلى مكتبه المظلم.
أغلق الباب خلفه، واستلقى بكامل ملابسه على الأريكة الجلدية الباردة للمرة الثانية.
أغمض عينيه، لكن صورة وجهها الشاحب وعينيها المطفأتين كانت محفورة خلف جفونه، ترفض أن تتركه بسلام.
ليس تعاطف أو لوم. بل ليس هذا ما سعى إليه.
يريد قوة يسيطر عليها وليس ذلك الضعف الذي يراه.
***
في الصباح الباكر، تسللت خيوط الشمس الأولى إلى الغرفة، لتجد نغم تغط في نوم عميق بفعل المحلول.
كانت أم جاسر لا تزال بجانبها، لم تفارقها طوال الليل، تمسك بيدها وكأنها تحاول أن تنقل إليها بعضًا من الأمان الذي سُلب منها.
فتح جاسر باب الغرفة بهدوء، كانت ملامحه متجهمة كالعادة، لكن عينيه اتجهتا فورًا نحو السرير.
رأى والدته تجلس بجانب نغم، ورأى وجه نغم الشاحب الذي بدا أكثر هدوءًا وطفولة في نومها.
شعر بوخزة غريبة في صدره، مزيج من الذنب والمسؤولية، لكنه سرعان ما طرد هذا الشعور، مذكرًا نفسه بأن كل ما يفعله ضروري.
قال بصوت خافت حتى لا يوقظها.
"صباح الخير يا أمي."
رفعت والدته رأسها، وبدا الإرهاق واضحًا على وجهها.
نظرت إليه بعتاب صامت.
"صباح النور يا ولدي، محتاج حاجة أعملهالك؟"
هز جاسر رأسه بالنفي، ثم تقدم نحو السرير ووقف بالقرب منها، يتأملها من بعيد.
"زينة جالت إيه؟"
"جالت ضغطها كان واطي من قلة الأكل والخوف، اديتها محلول ومقويات، بس يا جاسر..."
ترددت ونس، ثم أكملت بحزم وحنان.
"البنت دي أمانة في رجبتك دلوقت. اللي بتعمله ده مش هيرضي ربنا ولا حد واصل."
نظر إليها جاسر بحدة خفيفة.
"أنا واعي للي بعمله يا أمي ومحدش يجولي أعمل إيه."
قالت الأم بصوت خافت كي لا تستيقظ.
"والبنت دي ذنبها إيه في حربكم؟ دي لحم ودم، وليها إحساس. هتكسرها يا ولدي، ولو اتكسر هتخسرها."
لم يرد جاسر، بل استدار واخرج ملابس له من الخزانة ثم قال بفتور.
"أنا مسافر مصر دلوقت عندي قضية هخلصها واحتمال مرجعش النهاردة. مش هوصيكي عينك تكون عليها."
تنهدت بقلة حيلة.
"توصل بالسلامة يا ولدي."
دلف المرحاض كي يبدل ملابسه، تاركًا كلمات والدته تتردد في أذنيه، لكنه كان قد قطع شوطًا طويلاً في طريق الانتقام، ولم يكن يعرف كيف يعود.
***
استيقظ أكمل من نومه وهو يشعر براحة عجيبة.
لا يشعر بها إلا في ذلك المنزل... منزل جده.
نهض بتثاقل، وكم كان يود النوم أكثر، لكن عليه أن ينهض لأجل جده الذي من المؤكد بأنه لم يتناول فطوره حتى الآن.
دلف المرحاض وابدل ملابسه ثم نزل ليجد جده جالساً في بهو المنزل ينتظره.
المنزل الكبير والبراح المريح، لكنه كان يحمل صمتًا ثقيلًا، صمت الوحدة.
"صباحك كله خير يا جدي."
"صباح النور يا ولدي، ها نومت زين؟"
قبّل أكمل يد جده، ثم جلس على الأريكة بجواره.
"كويس جداً. أنا قومت بمعجزة."
صب الجد كوبين من القهوة الذي كان يعدها لنفسه، وقدم أحدهما لحفيده.
"لسة متعود تشرب القهوة قبل ما تفطر؟"
أخذ الفنجان من يده.
"هو أنا جبته من برة، ما أنا طالع زيك بحب القهوة قبل الفطار."
ضحك قاسم.
"وأنا النهاردة وصيت على فطار ملوكي هيعجبك جوي."
"حسان."
دلف رجل في عقده الأربعيني يتقدم منه.
"خير يا حج."
"خلي جماعتك يجيبوا الفطار."
أوما الرجل ودلف للمطبخ كي يطلب من زوجته أن تقوم بتحضير السفرة.
أما أكمل فسأل جده.
"عامل إيه يا جدي؟"
"هعمل إيه يا ولدي النهار طويل، والليل أطول."
"بقضيه بين الأخبار والذكريات."
ثم صمت للحظة، ونظر إلى حفيده نظرة عميقة.
"بس أنت وشك فيه كلام رايد تجوله."
تنهد أكمل.
جده يقرأه دائمًا ككتاب مفتوح، لكنه أراد أن يلاوع.
"لا أبدًا مفيش. بس مالك... صاحبي كان يوم صعب أوي عليه."
"عشان بنت عمه؟"
سأل الجد بحكمة العارفين وتابع.
"الحب وجعه واعر يا ولدي، بتمنى له يلاقي اللي يونس وحدته. الوحدة دي... كربة، بتنهش في الروح جبل الجسد. ساعات بجوم بالليل على صوت الكحة بتاعتي، وأبص حواليا، ملاجيش حد أجوله اديني كوباية مية. أفتح التلفزيون عشان أسمع صوت بني آدمين، بس بيفضل البيت فاضي."
نظر أكمل إلى جده، وشعر بقلبه ينقبض. رأى في عينيه خوفًا لم يره من قبل.
فـ قام بفتح الأمر معه.
"يا جدي... أنا قولتلك ميت مرة سيبك من البيت ده وتعالى عيش معانا في القاهرة. شقتنا كبيرة، وأوضتك هتبقى جاهزة، وأمي وأبويا هيفرحوا بيك، وأنا هبقى معاك."
ابتسم الجد ابتسامة باهتة وحزينة.
"القاهرة؟ أعمل إيه في القاهرة يا أكمل؟ أنا عامل زي الشجرة العجوزة دي اللي في الجنينة، لو شلتني من أرضي، أموت. هنا صحابي اللي فاضلين بنتقابل على المصطبة، وهنا الجامع اللي بصلي فيه من وأنا عيل، وهنا قبر جدتك اللي لازم أعدي عليه كل يوم أقرالها الفاتحة. هناك هبقى سجين بين أربع حيطان، هبص من الشباك أشوف عمارات خرسانة بدل الزرع."
قال أكمل برجاء.
"بس هنا أنت لوحدك يا جدي. أنا بخاف عليك."
تنهد الجد تنهيدة طويلة، ووضع كوب القهوة جانباً.
"وأنا بخاف أموت لوحدي يا ولدي. بخاف يجي أجلي ومحدش يحس بيا غير بعد أيام. ده الخوف الوحيد اللي فاضلي في الدنيا."
مد يده المرتجفة وربت على قدم أكمل.
"بس ده قدري وأنا راضي بيه. كفاية عليا إنك بتاجي تزورني كل ما تنزل البلد. شوفتك دي بترد فيا الروح، وبتخليني أقدر أستحمل الوحدة كام شهر كمان."
نظر أكمل في عيني جده، ورأى عنادًا وحبًا للأرض لا يمكن كسره.
أدرك أنه لن يستطيع إقناعه أبدًا.
كل ما يمكنه فعله هو أن يكون هنا كلما استطاع، وأن يدعو الله ألا يتحقق خوف جده الأكبر أبدًا.
***
اخترقت أشعة الشمس الحارقة زجاج السيارة، لتوقظ مالك من غفوته المتقطعة.
فتح عينيه ببطء، وشعر بألم حاد في رقبته وظهره من أثر النوم في وضعية غير مريحة.
للحظة، لم يدرك أين هو.
كل ما حوله كان حقول قصب صامتة، والسيارة التي أصبحت كفرن صغير تحت شمس الصباح.
ثم كالطوفان، عادت إليه ذكريات الليلة الماضية.
صوت المأذون، وهروبه إلى هذا المكان الموحش.
شعر بثقل الحقيقة يهبط على صدره من جديد، ثقل لم يخففه النوم، بل زادته قسوة الصباح وضوحًا.
مسح وجهه بيديه، وشعر بالخشونة الخفيفة لذقنه التي لم يحلقها، وبالإرهاق الذي استقر في كل خلية من جسده.
كان يشعر بالخواء، كأنه نسخة باهتة من نفسه.
في تلك اللحظة، انطلق صوت رنين حاد كسر الصمت، جاعلاً إياه ينتفض في مكانه.
كان هاتفه الذي ألقاه على المقعد المجاور يهتز بعنف.
نظر إلى الشاشة، فرأى اسم "أكمل" يضيء عليها.
تردد للحظة، لم يكن يريد التحدث إلى أي شخص.
كان يريد أن يظل في عزلته، في شرنقته من الألم.
لكنه يعلم أن أكمل لن يتركه، وأن قلقه حقيقي.
تنهد بعمق، وضغط على زر الرد بصوت أجش وبالكاد مسموع.
"...ألو."
جاء صوت أكمل قلقًا وسريعًا من الطرف الآخر.
"مالك أنت فين يا ابني؟ قلقتني عليك. رنيت عليك ميت مرة من بالليل ومبتردش."
أغمض مالك عينيه، مستندًا برأسه إلى مسند المقعد.
"أنا زين يا أكمل متجلجش."
رد أكمل بحدة.
"كويس إزاي وأنت مش في بيتك؟ أبوك لسة مكلمني وبيسأل عليك. بيكلمك على الرقم اللي معاه غير متاح. أنت فين بالظبط؟"
نظر مالك حوله إلى الحقول الممتدة.
"في أي حتة؟!... مش عارف. طريج زراعي قديم وخلاص."
صمت أكمل للحظة، وقد فهم كل شيء من نبرة صوت صديقه الفارغة.
خفف من حدة صوته، وتحدث بنبرة أكثر هدوءًا ودعمًا.
"طيب... اسمعني. اللي حصل امبارح حصل، ومحدش يقدر يغيره. بس النهاردة يوم جديد، وأنت لازم تقوم على رجلك. مش هينفع تفضل حابس نفسك كده."
"أقوم أعمل إيه؟ مش قادر أمثل اكتر من كده."
قال أكمل بحزم.
"محدش طلب منك تمثل. بس طلب منك تكون راجل زي ما أنت طول عمرك. جدك في البيت سأل عليك، وأبوك وأمك زمانهم قلقانين. حياتك مش هتقف عشان قلبك اتوجع. الوجع ده بتاعك أنت لوحدك، محدش هيشيله عنك، بس العالم اللي بره لازم يمشي، وأنت لازم تمشي معاه."
تنهد مالك، وشعر بأن كلمات أكمل رغم قسوتها، هي الحقيقة التي يحتاجها.
"عايز مني إيه يا أكمل؟"
"عايزك تدور العربية دي دلوقت، وترجع على بيتك. خد دش، وغير هدومك، وحاول تاكل أي حاجة. وبعدها... روح لجدك. الراجل الكبير ده محتاج يشوفك، وأنت محتاج تشوف حد بيحبك بجد ومبيطلبش منك غير إنك تكون بخير. تقدر تعمل ده؟"
صمت مالك طويلاً، يفكر في كلمات صديقه.
الذهاب إلى جده... الفكرة بدت كمرساة في بحر هائج.
مكان هادئ، وحب غير مشروط، بعيدًا عن مسرحية الفرح والتهاني.
"ماشي."
قالها أخيرًا بصوت خافت.
"ماشي يا أكمل هروح له."
"تمام. طمني لما توصل."
أنهى أكمل المكالمة، وترك مالك مع الصمت مرة أخرى.
لكن هذه المرة، كان الصمت أقل وطأة.
وضع الهاتف جانبًا، وأدار مفتاح التشغيل.
زأر محرك السيارة، معلنًا عن نهاية ليلته الطويلة.
قاد السيارة ببطء عائدًا من عزلته، ليس لأنه شُفي، بل لأنه أدرك أن أول خطوة للنجاة هي أن تجبر نفسك على الاستمرار في السير، حتى لو كانت قدماك تنزفان.
***
استيقظت نغم على صوت همسات خافتة خارج باب غرفتها.
فتحت عينيها بتثاقل، وشعرت بأن جسدها أقل وهنًا من الأمس.
المحلول الذي أعطته لها زينة فعل فعله.
التفتت بجانبها، فلم تجد أم جاسر وشعرت بوخزة من الخيبة والوحدة تعود لتغزوها.
نهضت من السرير ببطء، واتجهت نحو الباب الذي كان مواربًا قليلاً.
ترددت للحظة، ثم دفعتها رغبة قوية لمعرفة ما يدور في هذا المنزل الغريب من خلال الفتحة الضيقة.
رأت شروق تتحدث مع أم جاسر، في رواق الطابق العلوي.
"وبعدين يا مرت عمي يعني هتفضلي حابسة نفسك معاها في الأوضة أكدة."
قالت شروق بنبرة لا تخلو من الغيرة والامتعاض.
"سيبيها، هي مش عيلة صغيرة ولا تكونش عملت عليكي حبتين صعبت عليكي؟"
ردت أم جاسر بحزم هادئ.
"عيب يا شروق. البنت تعبانة وبعدين دي مرات ولدي، وواجب أراعيها. دي مبجاش لها حد غيرنا دلوقت."
ضحكت شروق بسخرية.
"ملهاش حد كيف؟ وأهلها عايشين وبيعملولها فرح النهاردة... جصدي بيعملوا فرح بنت عمها. هما بس اللي فهموا إنها متستاهلش، وسابوها للي يستاهلها."
شعرت نغم وكأن صفعة جليدية قد أصابت وجهها.
"سابوها للي يستاهلها."
كانت الكلمات قاسية وحادة، وتكشف عن مدى الكراهية التي تكنها لها شروق.
لم تكن مجرد غيرة، بل حقد دفين.
قالت أم جاسر بحدة.
"اخرسي يا شروق ولمي لسانك. جولتلك نغم مرات ولدي غصبت عنيكى وعن أي حدا. مكانتها محفوظة، واللي هيفكر يمسها بكلمة، كأنه بيمسني أنا."
ازدادت الغيرة بقلب شروق.
"ومالك بتتحمجي عليها إكدة، ما هو إني كمان هبجى مرات ابنك."
تراجعت نغم من أمام الباب قبل أن يتم اكتشافها، وعادت إلى السرير وقلبها يخفق بقوة.
لقد أدركت الآن أن معركتها في هذا المنزل لن تكون مع جاسر وحده.
هناك أعداء آخرون يتربصون بها في الظل، ينتظرون أي فرصة للانقضاض عليها.
لكن كلمات أم جاسر الأخيرة، رغم قسوة الموقف، منحتها بصيصًا ضئيلاً من الدعم في هذا المحيط المعادي.
***
في مكان آخر، في منزل الرفاعي، كان الصباح مختلفًا تمامًا.
كان المنزل يعج بالاستعدادات للفرح. كانت الزينة تُعلّق، والطعام يُعد، لكن الأجواء كانت مشحونة بالتوتر.
لم تكن هناك فرحة حقيقية، بل مجرد تمثيلية متقنة للحفاظ على المظاهر.
في غرفتها، كانت وعد تجلس أمام المرآة، ترتدي فستان زفاف لم يكن لها.
كانت الفتاة التي ستصفف شعرها وتضع لها الزينة تعمل في صمت، تشعر بالجو المشحون.
كانت وعد تنظر إلى انعكاسها، لكنها لم ترَ نفسها.
رأت وجهًا شاحبًا، وعينين فارغتين، وروحًا مسلوبة الإرادة.
طرقت ورد الباب ودخلت، تحمل في يدها كوبًا من العصير.
"وعد... لازم تشربي حاجة هتتعبي إكده يابتي."
نظرت وعد إلى والدتها عبر المرآة، وابتسمت ابتسامة باهتة ومكسورة.
"أنا زينة يا يما متجلجيش."
جلست ورد بجانبها، وأمسكت بيدها الباردة لتقول بحنان.
"مش ده كان حلمك برضك، إيه اللي كسر فرحتك إكدة."
ابتسمت وعد بمرارة.
"مش بالطريقة دي يا ما، كان نفسي فيه يكون باقتناع مش ضغط."
صمتت الاثنان، تتشاركان حزنًا وعجزًا واحدًا.
أما في غرفة روح، فقد ظهر الحزن جليا على وجهها منذ أن تحدثت مع أخته.
محاولات كثيرة للاتصال بها لكن دائمًا مغلق.
كسرت فرحتها وفرحة والدتها بهما وهي جالسة جانبا لا تستطيع حتى التظاهر بالفرح.
وفي الخارج، بدأت أصوات الموسيقى تتعالى، معلنةً بدء مراسم الفرح الذي كان في حقيقته مأتمًا لقلبين؛ قلب نغم الوحيد في بيت عدوها، وقلب وعد الذي سيُزف إلى رجل لا يحبها، ثمنًا لكرامة زائفة.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السادس عشر 16 - بقلم رانيا الخولي
عادت نغم إلى الفراش، وعندما عاد إليها الدوار، كان قلبها لا يزال يدق بعنف من أثر الكلمات السامة التي سمعتها. لم تكد تستقر في مكانها حتى فُتح الباب بهدوء ودخلت أم جاسر.
تغيرت ملامحها عندما وجدتها مستيقظة، ثم ابتسمت قائلة:
"صباح الخير يا نغم؟"
هزت نغم رأسها بصمت، لم تستطع أن تجيب.
جلست أم جاسر على حافة السرير بجانبها، وابتسامة حزينة على وجهها.
"أنا عارفة إنك سمعتي."
أخفضت نغم عينيها ولم تعرف ماذا تقول.
تنهدت أم جاسر وقالت وهي تربت على يد نغم:
"متزعليش من كلام شروق، الغيرة بتعمي القلوب يا بنتي، هي فاكرة إنك أخدتي مكانها."
لم ترد نغم، لكن نظراتها كانت تحمل سؤالاً.
"شروق متربية مع جاسر من صغرها."
أكملت وكأنها تشرح لنغم خريطة هذا العالم الجديد:
"وأبوها كان طول عمره بيقول إنها لجاسر عشان يضمن إن نصيب جاسر ميخرجش بره العيلة."
"يعني الموضوع فرض عليه مش من اختياره."
أدركت نغم الآن عمق الحقد الذي رأته في عيني شروق. لم تكن مجرد منافسة، بل كانت معركة على السلطة والمكانة، وهي كانت العقبة التي ظهرت فجأة. لكن ما أدهشها حقًا، كيف لتلك الملاك أن تنجب ذلك الشيطان؟
وعندما شعرت أم جاسر بما تود سؤاله، فأجابتها:
"خابرة اللي عايزة تقوليه، بس أحب أعرفك إني كمان عشت اللي انتي بتعيشيه دلوقتي، بس الفرق إنه مكنش انتماء ولا حاجة من دي. هددني لو ما اتجوزتوش، بس قصة طويلة هبقى أحكيها لك بعد ما أخلي فرح تحضرلك الفطار."
أومأت نغم دون جدال، وخرجت أم جاسر لتحضر لها الطعام.
في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ أن اقتُلعت من حياتها، شعرت نغم ببصيص من الألفة. لم تكن هذه المرأة مجرد والدة عدوها، بل كانت إنسانة رأت ضعفها وقررت أن تكون سندًا لها. لم يمحُ ذلك ألمها أو خوفها من جاسر، لكنه أشعل شمعة صغيرة في نفق مظلم، شمعة قد تساعدها على رؤية خطواتها القادمة بشكل أوضح.
أومأت نغم برأسها، وفي عينيها امتنان صامت، وقرار جديد بدأ يتشكل في أعماقها: لن تكون مجرد ضحية، ستتعلم كيف تنجو.
***
دَلفت نادين، زوجة صخر التهامي، إلى المطبخ بخطوات واثقة تنم عن سلطتها. فوجدت أم جاسر تعد صينية طعام بعناية. توقفت على الأعتاب، وارتسمت على وجهها نظرة استنكار متعالية.
"عشنا وشوفنا."
قالت بصوتٍ عالٍ ومجلجل يحمل سخرية لاذعة.
"أم جاسر بنفسها بتخدم بنت الرفاعي؟ آخر زمن صحيح."
تجمدت يدا أم جاسر للحظة، ثم واصلت عملها في صمت، محاولةً تجاهل الإهانة. هذا الصمت لم يزد أم شروق إلا غطرسة.
دخلت المطبخ ووقفت خلفها مباشرة.
"بكلمك تردي عليا، من إمتى وأنتِ بتوطي لواحدة من بره؟ ولا هي عشان مرت ابنك نسيتي مقامك ومقامها؟"
استدارت أم جاسر ببطء، ووجهها يحمل ضيقًا من تطفل نادين التي لم تتغير مطلقًا، لكنها حاولت الحفاظ على رباطة جأشها.
"البنت تعبانة يا أم زينة، مش قصة خدمة وكلام ملوش لازمة."
"هي إيه دي اللي تعبانة؟ دي لازم تتكسر عشان تعرف إن الله حق، وتعرف إنها دخلت بيت أسيادها. وأنتِ بدل ما تربيها، رايحة تطبطبي عليها؟ مش كفاية إنه دخل عليها جبل بنت، وكمان بتعليها عليها من جبل حتى ما يتجوزوا رسمي."
اقتربت منها حتى كادتا تتلامسان، وهمست بصوتٍ كفحيح الأفعى.
"اسمعيني زين يا أم جاسر، انتي خابرة مكانتك في البيت ده من مكاني. بس لو فكرتي تعلي واحدة غريبة على بنتي، قسماً بالله لأطربقها على دماغ الكل."
نظرت إلى صينية الطعام باشمئزاز.
"ومن بكرة هتنزل تعمل الأكل للبيت، متبقاش بنت الرفاعية في بيتنا ونجيبوا خدامين يعملوا الأكل."
قطبت أم جاسر جبينها بحيرة وسألتها.
"يعني إيه كلامك ده؟"
أكدت لها.
"يعني زي ما جولتلك تنزل تعمل بلقمتها. بنت الرفاعي دي أنا اللي هربيها على إيدي. وهعرفها إزاي تكون خدامة تحت رجل بنتي لما تتجوز ولدك."
خرجت نادين من المطبخ، تاركة أم جاسر واقفة بمفردها في وسط المطبخ الذي أصبح فجأة باردًا وموحشًا. شعرت بالهزيمة الكاملة، لم تكن قادرة على حماية زوجة ابنها، بل لم تكن قادرة حتى على حماية نفسها. أدركت أن نغم لم تقع في جحيم جاسر وحده، بل وقعت في قلب عش من الأفاعي، أكبرها وأشدها سمًا هي زوجة كبير الدار نفسها.
***
في منزل الرفاعي.
كانت القلوب في داخله تنبض بإيقاعات مختلفة من الألم والقهر والفرح المكسور. كانت ليلة زفاف مزدوجة، ليلة كان من المفترض أن تكون قمة السعادة لعائلة الرفاعي، لكنها تحولت إلى مسرحية معقدة من المشاعر المتضاربة.
في أحد الأماكن، جلس عدي بجانب زوجته روح. كانت روح ترتدي فستانًا أنيقًا، وفي عينيها لمعة حب حقيقية كلما نظرت إلى عدي، لكن هذه اللمعة كانت تخفت سريعًا لتحل محلها غيمة من الحزن كلما تذكرت أختها الكبرى، نغم. كانت تشبك يدها بقوة، وكأنها بتلك الطريقة تستمد من نفسها الأمان في هذه الليلة التي شعرت فيها بأن فرحتها منقوصة، مسروقة.
عدي بدوره، كان يعيش صراعًا داخليًا عنيفًا. كان ينظر إلى روح، زوجته التي لا يكن لها أي مشاعر، ويحاول أن يبتسم، لكن عقله وقلبه كانا في مكان آخر. كانا مع نغم، حبه السري الذي لم يجرؤ يومًا على البوح به، الفتاة القوية التي أُخذت غصبًا لتكون ضحية ثأر لا علاقة لها به. كل ضحكة في الفرح كانت كالسوط على ظهره، تذكره بعجزه. كيف يفرح ويتزوج بينما هي هناك، وحيدة في عرين الذئاب؟ كان يمسك بيد روح، لكن في عقله كان يخطط، يفكر ويبحث عن أي ثغرة، أي طريقة، ليخلص نغم من جحيمها. لم يكن ذلك الزفاف قادرًا على إطفاء نار القلق والغضب التي تشتعل من أجل نغم.
على بعد أمتار قليلة، في المكان المقابل، كانت المأساة أكثر هدوءًا وصمتًا. جلس سند بجانب وعد، الفتاة التي أصبحت زوجته قبل ساعات. كانت وعد جميلة بفستانها الأبيض، لكنها كانت كزهرة قُطفت قبل أوانها. كانت تحب سند، لقد كان فارس أحلامها منذ الطفولة، وكانت تتمنى هذا اليوم أكثر من أي شيء في العالم. لكن الطريقة التي جاء بها هذا اليوم حطمت كل شيء. لقد تزوجها لإنقاذ الموقف، لستر فضيحة خطوبته المكسورة من ابنة عمها، لم يتزوجها لأنه اختارها، بل لأن الظروف أجبرته. هذا الشعور بالقهر، بأنها كانت مجرد "بديل"، كان يقتل فرحتها. كانت تنظر إليه خلسة، ترى في ملامحه الحزن والارتباك، وتعرف أنه لا يفكر فيها، بل في نغم. فتشعر بقلبها ينقبض من الغيرة والحزن.
سند كان ضائعًا. لقد خسر خطيبته، نغم بطريقة مهينة، والآن هو متزوج من ابنة عمه التي يكن لها مودة، لكنه لم يكن مستعدًا لهذا الزواج. كان يشعر بالذنب تجاه نغم، وبالذنب تجاه وعد التي جرها معه إلى هذه الفوضى. أمسك بيدها وشعر ببرودتها، فرأى في عينيها نفس الحزن الذي يسكنه، لكنه لم يدرك أن مصدر حزنها هو نفسه.
"مبروك يا وعد."
همس لها بصوت أجش، محاولاً كسر الجليد، ففي النهاية أصبحت زوجته وعليه أن يطوي صفحة نغم كي لا يصبح خائنًا.
نظرت إليه، وابتسمت ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها.
"مبروك لك أنت كمان يا سند."
كانت كلماتها مهذبة، لكنها كانت تحمل عتابًا صامتًا لم يفهمه. لقد حصلت على الرجل الذي أرادته، لكنها خسرته في نفس اللحظة.
وهكذا، استمر الفرح الصاخب. أربعة أشخاص في قلب الاحتفال، كل منهم يعيش في عالمه الخاص من الألم. روح، الفرحة بحبها والحزينة على أختها. عدي، الزوج الحاضر والقلب الغائب مع حبه السري. وعد، التي نالت حلمها لتكتشف أنه كابوس. وسند، الذي فقد كل شيء ويحاول أن يلملم شتات موقف لم يكن له يد فيه. كانت ليلة زفاف بأربعة قلوب مكسورة، كل قلب على طريقه الخاص.
***
في المساء.
قضت أم جاسر اليوم بأكمله مع نغم خوفًا من أن يحاول أحد الدخول إليها أثناء غيابها ويجرحها. نظرت نغم إليها وقد استبد بها الفضول لمعرفة علاقتها بهؤلاء.
تنهدت أم جاسر بابتسامة وهي تقول:
"لسه مصرة تعرفي إيه اللي جابني هنا."
أخفضت نغم عينيها بإحراج. فتابعت أم جاسر:
"هقولك. أنا أولًا مش من النجاع هنا، من نجع الحمدية. في يوم كنت جاية مع أبويا النجاع هنا عشان نحضر فرح واحد قريبنا. في اليوم ده مطرت ومحدش كان عارف يرجع بيته. أبويا وعمي فايد كانوا معرفة قديمة وعرض عليه إننا نبات عنده للصبح."
لاح الحزن في عينيها وهي تحكي عن مرارة لم تزول بعد، وكأنها تعود بالزمن إلى تلك الليلة المشؤومة.
"أبويا وافق وبيت في أوضة أنا وهو، بس سابني نايمة وراح يسهر مع الحاج فايد."
صمتت للحظة، تلتقط أنفاسها التي بدت وكأنها تحمل ثقل السنين.
"وصحيت لقيت نفسي لوحدي. خفت وخرجت من الأوضة عشان أدور عليه. كانوا في الجنينة وأنا بدور عليه في الأوض، كانت آخر أوضة دخلت أدور عليه فيها..."
تجمدت ملامحها، وأصبحت نظراتها شاردة، غارقة في ذكرى لم يمحها الزمن.
"كانت أوضة كارم."
انتفضت نغم بخفة عند سماع الاسم، وشعرت ببرودة تسري في أوصالها. لقد أصبح لهذا الاسم وقع مرعب في نفسها.
أكملت أم جاسر بصوتٍ خافت، وكأنها تروي قصة حدثت لشخص آخر، لا لنفسها.
"كان شباب وقتها، بس طبعه هو هو، القسوة والغطرسة في عينيه. دخلت الأوضة على أطراف صوابعي، كانت ضلمة، وناديت على أبويا بهمس مفيش رد. لسه هلف وأخرج، حسيت بالباب بيتفتح ويتقفل ورايا."
أغمضت عينيها بألم، وتابعت.
"واتلفت بسرعة لقيته واقف قدامي. كان سكران زي عوايده. خوفت واترعبت وخصوصًا إنه مكنش على بعضه بس الشرب. جولتله إني بدور على أبويا، وحاولت أخرج، بس منعني. كان بيضحك ضحكة واعر، جالي خلينا نتعرف لول. خوفت منه وحاولت أهرب منه بس هو...."
هزت رأسها بمرارة.
"مسبنيش. صرخت، وحاولت أهرب، بس محدش سمعني..."
نظرت إلى نغم، وفي عينيها لمعت دمعة عنيدة رفضت أن تسقط، دمعة تحمل قهر عقود.
"اللي حصل بعديها... هو نفس اللي بيحصل لأي واحدة ضعيفة بتيجي تحت إيد واحد ميعرفش ربنا. خد مني أغلى حاجة أملكها... شرفي."
شهقت نغم بصدمة، ووضعت يدها على فمها. لم تكن تتخيل أن هذه المرأة الوقورة الهادئة تحمل في داخلها مثل هذا الجرح الغائر.
"تاني يوم الصبح خوفت أعرف أبويا لأنه هددني وأنا كنت صغيرة معرفش حاجة. بعدها بشهور اكتشفت أمي إني حامل وكانوا هيقتلوني وجتها بس أنا جولت لهم اللي حصل وجولت لهم إنه هددني لو جولت لكم."
أكملت أم جاسر بصوتٍ خالٍ من أي تعبير.
"الفضيحة كانت هتلف البلد كلها وأبويا كان هيقتلني ويقتل نفسه. بس الحاج فايد بقى الله يرحمه، أول ما أبويا راح له وجاله متأخرش وعشان يلم الموضوع، أمره ابنه إنه يتجوزني."
أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تطرد آخر بقايا الألم من صدرها.
"عشان كده أنا عايشة هنا. دخلت البيت ده مكسورة ومغصوبة، وعشت فيه خدامة تحت رجليه، لحد ما حصل اللي حصل. وعشان كده أنا بخاف على جاسر من طبعهم، وبخاف عليكي أنتي كمان لأني شفت بعيني وشربت من نفس الكاس اللي بيسقوه للغريب والضعيف."
نظرت إلى نغم بحنان وألم، وقالت جملتها الأخيرة التي لخصت كل شيء.
"أنا حكيت لك حكايتي يا نغم... عشان تعرفي إنك مش لوحدك اللي اتوجعتي في البيت ده."
في تلك اللحظة، لم تعد نغم ترى فيها أم عدوها، بل رأت فيها رفيقة درب، امرأة أخرى ناجية من نفس الجحيم. أدركت أن الرابط الذي يجمعهما الآن أقوى من أي قرابة دم... إنه رابط الألم المشترك، والوعد الصامت بالصمود.
***
في غرفة سند ووعد.
أُغلق باب الجناح خلفهما، وفجأة تلاشى ضجيج الفرح الصاخب ليحل محله صمتٌ ثقيل ومحرج، أثقل من أي ضجيج. وقفت وعد في منتصف الغرفة بفستانها الأبيض، تشعر وكأنها غريبة في هذا المكان الذي كان من المفترض أن يكون مملكتها. بينما وقف سند عند الباب للحظات، يخلع سترته ويضعها على مقعد قريب، في حركة بطيئة أعطته وقتًا ليرتب أفكاره.
سار سند نحو الشرفة، خطواته ثقيلة كأنها تخطو فوق زجاج مكسور. فتح بابها الزجاجي، فدخل نسيم الليل البارد حاملاً معه الأصوات البعيدة لآخر الضيوف وهم يغادرون، أصوات فرح كاذب تلاشت في الهواء. وقف هناك للحظات ظهره لها، كأنه يستجمع بقايا رجل تحطم قبل ساعات، ثم استدار وواجهها.
كانت ملامحه تحمل وقارًا حزينًا، قناعًا من الجمود يخفي تحته فوضى عارمة. لم يكن سند الذي تعرفه، العاشق المكسور، بل كان رجلاً غريبًا يحاول فرض النظام على خراب روحه.
"وعد.."
نطق اسمها بهدوء، صوت أجش كأنه لم يتحدث منذ دهر. كانت تقف في أقصى الغرفة، متشبثة بيديها الباردة، فستان زفافها الأبيض يبدو باهتًا تحت ضوء القمر، كأنه كفن حلم قديم.
تقدم نحوها ببطء، خطوات محسوبة، محافظًا على مسافة بينهما احترامًا لهالة الصمت والرفض التي تحيط بها.
"أنا عارف إن اللي حصل كان صعب عليكي وعلى الكل."
صمت للحظة، وكأنه يزن كلماته القادمة.
"وعارف إنك اتجبرتي على الجوازة دي زي ما أنا اتجبرت. عارف إنك كنتِ بتحلمي بيوم فرحك بطريقة تانية خالص مش بالشكل ده."
عندما سمعت كلمة "اتجبّرتي"، شعرت وعد بطعنة خفيفة وحادة في قلبها. لقد أكد لها دون أن يقصد أسوأ مخاوفها: أنه يراها مجرد قطعة أخرى على رقعة شطرنج العائلة، ضحية للظروف مثله تمامًا. لم يخطر بباله ولو للحظة أنها قد تكون أرادت هذا الزواج. لم يرَ في عينيها الحب الذي كانت تخفيه خلف ستار الأخوة لسنوات، حب صامت وموجوع. لكنها ظلت صامتة، تحبس دموعها وتنتظر بقية الحكم.
"بس اللي حصل حصل ومفيش في إيدينا حاجة نغيره."
أكمل سند بنبرة عملية وحازمة، نبرة رجل يغلق بابًا على ماضٍ لا يريد أن ينظر إليه مرة أخرى.
"إحنا دلوقتي متجوزين وده بقى أمر واقع. قدامنا طريقين: يا إما نفضل عايشين في الماضي أسري للي حصل وحياتنا تبجى جحيم، يا إما نقبل قدرنا ونطوي الصفحة دي ونحاول نبدأ بداية جديدة وحقيقية مع بعض."
اقترب خطوة أخرى، وعيناه تبحثان في وجهها عن أي رد فعل، أي إشارة.
"أنا اخترت الطريق التاني وعايز أبدأ معاكي صفحة بيضا كزوج وزوجة حقيقيين. عايز أبني معاكي بيت وأسرة عن اقتناع ونكمل حياتنا كأي زوجين. وقتها زي ما قال جدي الحب هييجي بالعشرة."
هنا، رفعت وعد عينيها إليه لأول مرة. لم يكن فيهما خجل العروس أو ارتباكها، بل كان فيهما بريق غريب، مزيج من الألم والتحدي.
"والصفحة اللي فاتت يا سند؟"
سألت بصوتٍ هادئ ومخيف، صوت لم يكن يتوقع أن يسمعه منها.
"هتطويها كيف وهي مكتوبة بالدم؟ دم كرامتنا ودم قلب نغم؟"
تجمد سند في مكانه، لقد أصابت بسؤالها الجرح المفتوح مباشرة.
أكملت وعد بنفس النبرة، وقد تحرر لسانها أخيرًا من قيود الصمت.
"أنت عايز تبدأ صفحة بيضا عشان تهرب من اللي فات. عايز تبني بيت عشان تثبت لنفسك وللناس إنك منتصر. لكن أنا... أنا مش هكون الدوا اللي بتداوي بيه جرحك يا ولد عمي. مش هكون مجرد "بديل" يملى مكان فاضي."
كانت كلماتها كالسياط، تجلده بالحقيقة التي كان يهرب منها. هو لا يريد بداية جديدة، هو يريد نسيانًا.
تقدمت هي نحوه لأول مرة، ووقفت أمامه مباشرة، وعيناها في عينيه.
"لو عايز نبدأ بداية حقيقية يبقى لازم نعترف بالحقيقة. الحقيقة إنك مكسور وأنا مكسورة. وإن الجوازة دي مبنية على خراب بيوت تانية. لو عايز تبدأ معايا يبقى تبدأ من هنا. من وسط الخراب ده، من غير وعود كدابة بالحب اللي بييجي بالعشرة."
صمتت للحظة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم ألقت بقنبلتها الأخيرة التي ستحدد شكل مستقبلهما.
"أنا موافقة أكون زوجتك قدام الناس وهكون السند اللي يحفظ اسمك واسم العيلة، بس لحد ما تيجي في يوم وتجول إنك اخترتني أنا... اخترت "وعد" مش "البديل"... لحد اليوم ده... كل واحد فينا هينام في أوضة."
ثم استدارت وعادت إلى الداخل، تاركة إياه وحيدًا في الشرفة مع برودة الليل وصدى كلماتها القاسية والصادقة. لقد رفضت أن تكون مجرد حل، وأجبرته على مواجهة حقيقة مشاعره. لم تكن هذه بداية صفحة بيضاء، بل كانت بداية حرب طويلة وباردة داخل جدران زواج ولد ميتاً.
"لا يا وعد، الحب الحقيقي بييجي بعد العشرة، لإن كل حاجة قدامنا بتبجى واضحة."
تطلع في عينيها التي برغم قوتها التي تظهرها إلا إنها صافية وبريئة.
"بييجي يا وعد بييجي، لو كان على نغم فنغم اختارت غيري حتى لو كان غصب عنها، اختارت ومبصتش وراها ولا قدرت إن اختيارها ده كسرني وحط وشي في التراب. حتى لو نغم رجعت خلاص اللي بينا انكسر ومستحيل يتصلح. وإني دلوقتي بمدلك إيدي مش إيد واحد مجروح بيدور عاللي يداويه، لا، أنا بدور على حياة جديدة بعيد عن أي شيء."
لاحت الرجاء في عينيه التي ظهر بها ألم شديد ورجاء أشد.
"أنا محتاجالك يا وعد، محتاج بر أرسي عليه بعد اللي حصل، ومليش مرسى غيرك."
اهتزت نظراتها ولم تعرف بماذا تجيب، فتابع بعقل.
"حاجة كمان لازم ناخد بالنا منها. إن أهلنا تحت... مستنيين."
"مستنيين يفرحوا بجد، ومستنيين يتأكدوا إن جوازنا اكتمل عشان يطمنوا إن سر العيلة انحفظ. كلام الناس مش هيرحم لو حسوا إن جوازنا ده مجرد تمثيلية، وخصوصاً إن في ناس غريبة شغالة في البيت."
فهمت وعد ما يلمح إليه. تلك العادة القاسية التي ستكون بمثابة الإعلان النهائي عن اكتمال هذا الزواج القسري في نظر الجميع. شعرت بالخجل والمهانة، ليس من طلبه، بل من السياق كله.
مد يده نحوها ليس ليلمسها، بل كدعوة.
"القرار في إيدك يا وعد. لو وافقتي نبدأ حياتنا دي من النهاردة... بجد أنا هكون ليكي الزوج اللي يحميكي ويصونك. ولو رفضتي... هحترم قرارك، بس لازم نعرف هنتعامل مع اللي بره كيف."
نظرت وعد إلى يده الممدودة، ثم إلى وجهه. رأت فيه الصدق والمسؤولية، ورغبة حقيقية في بناء شيء من تحت الأنقاض. لم ترَ فيه الحب الذي كانت تتمناه، لكنها رأت رجلاً شريفًا يحاول أن يفعل الصواب ويعطيها كل حقوقها. أدركت أن هذه هي فرصتها الوحيدة، إما أن تظل في دور الضحية المقهورة، أو أن تقبل بهذه البداية وتراهن على أن حبها الصامت قد يتمكن يومًا ما من شفاء جراحهما معًا.
ببطء، رفعت يدها المرتجفة ووضعتها في يده. كانت لمسته دافئة وحازمة. عندما شعر بموافقتها الصامتة، سحبها إليه برفق. لم تكن حركة عنيفة أو شهوانية، بل كانت حركة رقيقة تحمل في طياتها الاحترام والتقدير لقرارها. رفع يده الأخرى وأزاح بلطف خصلة شعر شاردة عن وجهها، ثم انحنى وطبع قبلة هادئة على جبينها، قبلة كانت بمثابة عهد وبداية.
سمحت له بأن يقودها نحو الفراش، وفي قلبها مزيج من الخوف والأمل. كانت تسلم له نفسها، ليس فقط كزوجة تؤدي واجبها، بل كامرأة تحب، تراهن بكل ما تملك على أن هذا الزواج، الذي وُلد من رحم الألم، قد يزهر فيه الحب يومًا ما.
***
في غرفة روح وعدي.
أُغلق باب جناحهما، وانفصلا عن عالم الفرح الزائف، ليجدا نفسيهما في صمت أكثر قسوة وإيلامًا. وقفت روح في منتصف الغرفة، قلبها يخفق بمزيج من الحب والخجل والترقب. كانت تحب عدي بعمق، ورغم حزنها على أختها، كانت هناك زاوية صغيرة في قلبها تتشبث بحلم هذه الليلة، حلم البداية الحقيقية معه.
لكن عدي كان شخصًا آخر. ما إن دخل الغرفة حتى خلع سترته وألقاها على المقعد بعنف مكتوم. بدأ يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا كوحش محبوس في قفص، يداه تشد شعره بين الحين والآخر، وعيناه تشتعلان بنار القلق والغضب. لم ينظر إليها حتى، وكأنها غير موجودة.
تجمعت الدموع في عيني روح وهي تراه على هذه الحال. تقدمت نحوه بخطوة مترددة، ومدت يدها لتلمس ذراعه برفق.
همست بصوتٍ ناعم ومرتجف.
"عدي.... مالك؟"
انتفض عدي مبتعدًا عن لمستها وكأنها لدغة أفعى. استدار وواجهها، وكانت نظرته باردة وقاسية، نظرة لم ترها في عينيه من قبل.
قال بحدة.
"مفيش..... مفيش حاجة."
قالت بصوت مكسور.
"إزاي مفيش؟ أنا مراتك يا عدي، لو مش هتتكلم معايا هتتكلم مع مين؟ أنا حاسة بيك، وحاسة بوجعك عشان نغم، بس..."
قاطعها بصوتٍ عالٍ جعلها تتراجع خطوة.
"بس إيه؟! هتجوليلي إيه اللي المفروض أحس بيه؟ هتجوليلي أفرح وأحتفل وأنتي أختك بتترمي في النار؟!"
"لأ، مجصدش..."
صرخ فيها، وهذه المرة كان صراخه يحمل كل قهر العالم.
"يبقى تسكتي! مش عايز أتكلم مش مستعد لأي كلام مش عايز أسمع أي حاجة."
انهارت روح. لم تكن تتوقع هذه القسوة. جلست على حافة السرير، والدموع تنهمر على وجهها بصمت، تحرق خديها. لقد تحطمت كل أحلامها في لحظة. ساد صمت طويل ومؤلم، لم يقطعه سوى شهقاتها المكتومة. نظر إليها عدي، وللحظة ظهرت لمحة من الندم في عينيه لرؤيتها بهذا الشكل، لكن صورة نغم وهي وحيدة وضعيفة طغت على كل شيء.
فجأة توقف عن السير ووقف أمامها. كانت نظرته قد تغيرت، أصبحت عملية باردة ومخيفة.
"قومي."
أمرها بصوتٍ خالٍ من أي عاطفة.
نظرت إليه من خلال دموعها، لم تفهم.
"قومي بجولك."
وقفت أمامه وهي ترتجف، لا تعرف ماذا يريد. مد يده وأمسك بذراعها بقوة، قبضته كانت فولاذية.
"أمك... وأمي... مستنيين تحت."
قال من بين أسنانه.
"مستنيين 'النتيجة' عشان يكملوا فرحتهم الكدابة."
لم تفهم روح ما الذي يخطط له. هل سيجبر نفسه عليها؟ هل سيحول حبهما إلى مجرد واجب قاسٍ؟ لكنه لم يفعل ذلك. بدلًا من ذلك، سحبها بقوة نحو منضدة الزينة الصغيرة، وفتح درجها بعنف، وأخرج منه شفرة صغيرة.
تجمد الدم في عروق روح وهي تراه يقوم بإخراجها من غلافها وهي تلمع في يده.
"عدي... أنت هتعمل إيه؟"
سألت برعب حقيقي.
لم يرد. أمسك ذراعها بقوة أكبر، ورفع أكمام فستانها قليلاً ليكشف عن بياض ذراعها الناعم. نظرت في عينيه، فرأت فيهما قرارًا لا رجعة فيه، وعذابًا لا يوصف.
"غمضي عينيكي."
أمرها بصوت أجش.
تطلعت إليه بذعر وقالت برجاء.
"لأ... عدي أرجوك..."
تحدث بحدة آمرًا.
"بجولك غمضي!"
أغمضت عينيها بقوة، واستعدت للألم. وفي اللحظة التالية، شعرت بوخزة حادة وحارقة في ذراعها. انطلقت منها صرخة ألم مكتومة، واختلطت بدموع القهر التي كانت تنهمر بالفعل. لقد جرحها جرحًا بسيطًا، لكنه كان عميقًا بما يكفي لينزف، ومؤلمًا بما يكفي ليحفر ندبة في روحها قبل جسدها.
رأت الدم الأحمر النقي يتجمع على بشرتها البيضاء بسرعة، وقبل أن تستوعب ما حدث، أخذ عدي منديلًا أبيض، وضغطه على الجرح ليمتص الدماء، ملطخًا بياضه الناصع بلون الألم والخيانة.
ترك ذراعها فجأة، وتراجع خطوة إلى الوراء، ينظر إلى المنديل في يده وكأنه دليل على جريمته. ثم نظر إليها وهي تقف أمامه، مكسورة، تنظر إلى الجرح النازف على ذراعها ثم إليه، بعينين لم يعد فيهما حب أو أمل بل صدمة وخيبة لا حدود لهما.
"ده... عشانهم."
قال بصوت متحشرج، وهو يرفع المنديل الملطخ بالدماء.
"عشان المسرحية تكمل."
ألقاه بإهمال على الفراش. استدار خارجًا من الغرفة، متجهًا إلى الشرفة ليواجه ليلته الطويلة بمفرده، تاركًا إياها واقفة في مكانها، تنزف من جرحين: جرح في ذراعها سيشفى مع الوقت، وجرح أعمق بكثير في قلبها، جرح قد لا يندمل أبدًا. لقد أثبت لها في ليلة زفافهما أنه مستعد أن يجرحها ويؤلمها، فقط ليظل وفيًا لألمه التي لا تعرف سببه.
***
في غرفة نغم.
كان الصمت حيًا، مليئًا بالأشباح والذكريات. كانت تستلقي بجانب أم جاسر، التي غطت في نوم عميق بعد يوم طويل من القلق والمواساة. أما نغم، فقد هجرها النوم تمامًا.
كانت عيناها مفتوحتين في الظلام، تحدقان في السقف الذي لا يرى، بينما عقلها يعج بصور وأصوات عالمها المفقود.
ببطء وحذر شديدين حتى لا توقظ المرأة النائمة بجانبها، مدت يدها المرتجفة إلى هاتفها الذي خبأته تحت الوسادة. فتحت الشاشة، وخفضت إضاءتها إلى أدنى درجة، وكأنها تخشى أن يفضح هذا النور الضئيل عمق الظلام الذي استقر في روحها.
فتحت معرض الصور. كانت تلك هي بوابتها الوحيدة إلى حياة لم تعد تملكها.
أول صورة ظهرت كانت لوالدها. كان يضحك بصوته الأجش المميز في إحدى المناسبات العائلية، يضع ذراعه حول كتفها بفخر. تذكرت كيف كان يناديها "أميرتي"، وكيف كان يتباهى بقوتها وعنادها الذي ورثته عنه. ليته ظل معها ولم يتركهم.
مررت إصبعها لتظهر صورة والدتها. كانت تبتسم ابتسامتها الحنونة، وعيناها تشعان بالدفء. تذكرت ليالي الحمى حين كانت والدتها لا تنام، تضع الكمادات الباردة على جبينها وتقص عليها الحكايات حتى تغفو. تذكرت نصائحها التي كانت تظنها قيودًا، لتكتشف الآن أنها كانت درعًا يحميها. أين هذا الدرع الآن؟ هل فكرت فيها والدتها اليوم؟ هل بكت من أجلها، أم اكتفت بالدعاء الصامت خوفًا من الناس هي أيضًا؟
ثم جاءت صورة روح، أختها ورفيقة دربها. كانتا في الصورة تضحكان حتى أدمعت عيناهما، في لحظة عفوية لا يعرف سرها سواهما. تذكرت أسرارهما المشتركة، ملابسهما التي تتبادلانها، أحلامهما التي كانتا تنسجانها معًا في ليالي الصيف. تذكرت مكالمتهما الأخيرة، صوت روح المكسور وهو يؤكد لها حقيقة الخذلان. شعرت بألم مضاعف، ألم على نفسها، وألم على أختها التي تُركت هناك لتواجه العاصفة وحدها.
صورة وعد، ابنة عمها البريئة. كانت في الصورة تحمل قطة صغيرة، وابتسامتها خجولة ورقيقة. تذكرت كيف كان كلاهما يلجأن إلى بعضهما عندما يواجه أي منهم مشكلة، وكيف يسارع الآخر في حلها. وعد الضحية البديلة التي قُدمت على مذبح الكبرياء. شعور الذنب تجاهها كان كالحجر الثقيل على صدرها.
وعد، سند، عدي، مالك، أعمامها، جدها... مرت صورهم جميعًا أمام عينيها. كل وجه كان يحمل ذكرى، كل ابتسامة كانت تحكي قصة. كانت تتصفح حياتها الماضية، تتلمسها للمرة الأخيرة، كمن يزور قبر عزيز ليلقي نظرة الوداع. كانت هذه الصور هي كل ما تبقى لها من عالمها، لكنها كانت أيضًا مصدر ألم لا يطاق، تذكير دائم بما خسرته، وبمن تخلوا عنها.
اتخذت قرارها. كان قرارًا مؤلمًا، كبتر عضو مريض لإنقاذ بقية الجسد.
بإصبع يرتجف، ضغطت على صورة والدتها طويلًا، ثم بدأت في تحديد بقية الصور. صورة والدتها، روح، وعد، كل العائلة، كل الأصدقاء، كل ذكرى. حددت كل شيء. مئات الصور التي شكلت ذاكرتها وهويتها.
ظهرت أمامها الكلمة القاسية على الشاشة: "حذف".
ترددت للحظة، وارتجف هاتفها في يدها، كانت هذه هي اللحظة الأخيرة، نقطة اللاعودة. ثم أغمضت عينيها وضغطت.
اختفى كل شيء. أصبح المعرض فارغًا، أبيض، ونظيفًا بشكل مرعب. لقد محت ماضيها بإرادتها، قطعت آخر خيط كان يربطها بهم. لم تعد ابنة أحد، أو أخت أحد، لقد أصبحت نغم فقط، وحيدة.
في تلك اللحظة، انهار السد الأخير. لم تعد قادرة على كبت الألم. بدأ جسدها يهتز بعنف، لكنها كتمت صوت بكائها في الوسادة، لم تخرج منها سوى شهقات صامتة ومتقطعة، اهتزازات عنيفة لروح تتمزق في صمت.
اهتزاز جسدها بجانبها أيقظ أم جاسر من نومها الخفيف. فتحت عينيها في الظلام، وشعرت بالارتجافات الصامتة التي تهز الفتاة بجانبها. لم تحتاج إلى كلمات لتفهم. لقد عرفت هذا النوع من البكاء، بكاء من فقد كل شيء.
بحركة بطيئة وحانية، استدارت نحوها، ومدت ذراعيها وسحبت نغم إلى حضنها الدافئ. لم تقل شيئًا، بل ضمتها بقوة، كأم تحتضن طفلتها المذعورة بعد كابوس. وضعت يدها على شعر نغم، وبدأت تربت عليه برفق. تشبثت نغم بها، ودفنت وجهها في صدرها، وأطلقت العنان أخيرًا لبكاء حقيقي، لكنه ظل مكتومًا، حارقًا.
"ششش... اهدي يا بنيتي."
همست أم جاسر بصوتٍ حنون.
"ولا أجولك.. ابكي... طلعي كل اللي في جلبك، أنا معاكي، أنا هنا مش هسيبك."
لم تكن كلماتها مجرد مواساة، بل كانت مرساة ألقتها نغم في محيط من اليأس. في حضن هذه المرأة، التي كانت يومًا جزءًا من عالم أعدائها، وجدت نغم أول ملاذ حقيقي لها. لم يكن حضنًا يمحو الألم، لكنه كان حضنًا يشاركها إياه، ويؤكد لها أنها رغم كل الخذلان، لم تعد وحيدة تمامًا في هذا الجحيم.
***
بعد الانتهاء، صعد مالك إلى غرفته بعد أن أدى المشهد بطريقة تليق به، وأخفى ألمًا لو شعر به العالم لرأف به وبحاله.
كل زغرودة كانت كالمطرقة التي تهوي على صدره. كل ضحكة كانت كالشفرة التي تمزق روحه. انتهت أحلامه، لقد انتهت في اللحظة التي رأى فيها "روح" بفستانها الأبيض، جميلة كحلم لم يكن مقدرًا له أن يعيشه، وهي تسير نحو أخيه "عدي".
لكن المصيبة أن حبه لم ينتهِ. لم يمت الحب بموت الحلم. بل ظل هناك، حياً ينبض في كل خلية من جسده، يصرخ في صمت مع كل نفس يأخذه. وهذا هو ما حوّله من عاشق مكسور إلى شيء أسوأ بكثير. لقد أصبح خائنًا.
هذه الكلمة كانت تتردد في عقله بلا رحمة. كل نظرة يسرقها لروح، كل دقة قلب يشعر بها عند سماع صوتها، كل ذكرى تلمع في ذهنه، أصبحت الآن طعنة في ظهر أخيه. لم يعد حبه نقيًا، بل تلوث بالذنب والخيانة. الأمر الأكثر قسوة هو أنه كان يعلم الحقيقة، يعلم أن روح لم تحبه يومًا كما أحبها هو. كان يرى الطريقة التي تضيء بها عيناها عندما تتحدث مع عدي، يرى الابتسامة التي كانت تخصه هو فقط. كان يعلم أن قلبها كان دائمًا مع أخيه، وهذا ما جعل ألمه مضاعفًا. لم يخسرها لغريب، بل خسرها لأخيه الذي كان يملك قلبها منذ البداية.
أغمض مالك عينيه بقوة، وارتسم على وجهه تعبير من الألم الخالص. استند بجبينه على الزجاج البارد للشرفة، وشعر بدمعة حارقة واحدة تنزلق على خده، لم تكن دمعة حزن على حب ضائع، بل كانت دمعة قهر على نفسه. قهر على قلبه الذي يرفض أن يطيع، الذي يصر على حب زوجة أخيه.
"خائن..."
همس الكلمة لنفسه، وشعر بطعمها المر في فمه.
في تلك اللحظة، لم يكن يتمنى الموت، بل تمنى شيئًا أقسى: تمنى لو يستطيع أن يقتلع قلبه من صدره بيديه، أن يسحق هذا الحب اللعين الذي سيجعله يعيش بقية حياته في عذاب صامت، يبتسم في وجه أخيه بينما يخونه في كل نبضة من نبضات قلبه. لقد حُكم عليه بأن يكون الشاهد الصامت على سعادتهما، وأن يحمل سر خيانته القلبية إلى الأبد.
***
تسللت خيوط الشمس الأولى إلى الغرفة، لتستيقظ وعد من نوم متقطع. أول ما شعرت به هو الفراغ بجانبها في السرير الواسع. فتحت عينيها لتجد سند واقفًا في الشرفة يرتدي جلبابه، وظهره لها، يحتسي فنجانًا من القهوة وينظر إلى الأفق البعيد.
جلست في السرير، وشعرت بموجة من الخجل والارتباك. ليلة أمس لم تكن ليلة حب وشغف، بل كانت أشبه بعهد صامت، لقاء هادئ وحزين بين روحين ضائعتين. لقد كان لطيفًا، ومحترمًا، لكنه كان بعيدًا، وكأن جسده فقط كان معها، أما روحه فكانت تحوم في مكان آخر.
استدار سند وكأنه شعر بحركتها. لم تكن على وجهه ابتسامة، بل نظرة هادئة وقورة.
"صباح الخير."
قال بنبرة محايدة.
"نومتي كويس؟"
هزت رأسها بصمت، غير قادرة على النطق. لم تكن تعرف بماذا تجيب الآن. هل تتصرف كزوجة؟ هل تنتظر منه إشارة؟
تقدم نحو الغرفة ووضع فنجانه على الطاولة.
"أمي جابت الفطار. لما تكوني جاهزة، نقدر نفطر هنا أو ننزل تحت."
كان حديثه عمليًا، خاليًا من أي دفء. أدركت وعد أن هذا هو ما ستكون عليه حياتهما في البداية: مجموعة من الإجراءات والواجبات. لقد حصلت على زوج، لكنها لم تكسب قلبه بعد. شعرت بوخزة من الألم، لكنها أخفتها خلف قناع من الهدوء.
قالت بصوت خافت.
"هكون جاهزة دلوقتي."
أومأ سند برأسه، ثم استدار ليغادر الغرفة.
"هستناكي هناك في الصالة. خدي راحتك."
خرج وأغلق الباب خلفه، تاركًا إياها وحيدة مع صدى كلماته الباردة. نظرت إلى الفراش الذي تشاركا فيه، وشعرت بالوحدة أكثر من أي وقت مضى. لقد بدأت حياتهما الزوجية، لكن الطريق لردم الحفرة الشاسعة بين قلبيهما بدا طويلاً وشاقًا.
***
في شقة عدي وروحه.
هنا كان الصباح مختلفًا تمامًا. لم يكن هناك صمت هادئ، بل كان هناك خراب صامت. استيقظت روح على أريكة في زاوية الغرفة، حيث كانت قد انهارت وبكت حتى غلبها النوم. كان أول ما رأته هو ذراعها. كانت قد لفت عليه منديلًا آخر نظيفًا، لكن بقعة من الدم الجاف كانت لا تزال ظاهرة حوله، تذكيرًا قاسيًا بما حدث. الجرح الجسدي كان يؤلمها، لكنه كان لا شيء مقارنة بالجرح الذي مزق روحها.
نظرت حولها، فوجدت عدي نائمًا على السرير نومًا عميقًا كمن هرب من كابوس ليقع في آخر. كان يرتدي نفس ملابس الأمس، ووجهه متعب ومعذب حتى في نومه. لم يعد هذا هو عدي الذي أحبته، بل أصبح غريبًا، سجانًا لأحلامها.
نهضت بهدوء، كل حركة تسبب لها ألمًا، ليس فقط في ذراعها، بل في كل جزء من كيانها المكسور. دخلت إلى الحمام ونظرت إلى وجهها في المرآة، رأت عينين متورمتين من البكاء، ووجهًا شاحبًا، ونظرة انكسار لم تكن تعرفها من قبل. لقد دخلت هذه الغرفة كعروس عاشقة، وخرجت منها في الصباح التالي كامرأة محطمة.
عندما خرجت من الحمام، كان عدي قد استيقظ. كان يجلس على حافة السرير، رأسه للأسفل، لم ينظر إليها.
"روح..."
قال بصوت أجش ومتحشرج، دون أن يرفع رأسه.
"أنا..."
قاطعته هي بصوت بارد وجامد، صوت لم يكن يعرفه، صوت امرأة فقدت كل شيء.
"متتكلمش."
رفع رأسه ونظر إليها بصدمة. رأى البرود في عينيها، رأى الجدار الجليدي الذي بنته حول قلبها خلال الليل.
"متعتذرش، ومتبررش."
أكملت بنفس النبرة القاتلة.
"أنت عملت اللي أنت عايزه امبارح، ووصلت رسالتك. وفهمت. فهمت إن مكانتي عندك متساويش شيء. وفهمت إن جوازنا ده مجرد كدبة هنعيشها عشان نرضي الناس. لو عايز تفطر اهنه براحتك، بس أنا مش هسيب أمي تفطر لوحديها، وهنزل أفطر معاهم."
***
أصروا جميعًا أن يفطروا معًا كإعلان رسمي عن الفرحة التي يجب أن تسود المنزل. نزلوا جميعًا إلى غرفة الطعام الواسعة، على وجوههم أقنعة هادئة تخفي خلفها ليالٍ من الخراب.
كانت المائدة طويلة وفاخرة، عامرة بكل ما لذ وطاب، لكن لا أحد كانت له شهية حقيقية. جلس سند بجانب وعد، وجلس عدي بجانب روح. الأجواء كانت مشحونة بالصمت المصطنع، لا يقطعه سوى صوت الأواني الفضية وعبارات التهنئة القليلة من كبار السن.
كانت روح قد ارتدت فستانًا بأكمام واسعة كي لا تضغط على جرحها، ورسمت على وجهها ابتسامة باهتة. كانت تتجنب النظر إلى عدي، الذي كان يجلس بجانبها كتمثال من حجر، يحدق في طبقه الفارغ.
بدلًا من ذلك، كانت عيناها تبحثان عن ملاذ. فوجدتاه في مالك، الذي كان يجلس في الجهة المقابلة. نظرت إليه نظرة طويلة، نظرة مليئة بالوجع والخذلان الصامت. كانت عيناها تتوسلان إليه، تشكو له بصمت ما لا تستطيع البوح به. "انظر إليّ يا مالك... انظر إلى ألمي. أنت الوحيد الذي يفهمني دائمًا." لطالما كان يفهمها من نظرة، فهل سيفهمها هذه المرة أيضًا؟
مالك، الذي كان غارقًا في حزنه الخاص، رفع عينيه والتقط نظرتها. شعر على الفور بأن شيئًا ما خطأ. رأى الانكسار خلف ابتسامتها المصطنعة، ورأى عمقًا من الألم في عينيها لم يره من قبل. لم يفهم السبب، لكن قلبه انقبض من أجلها.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السابع عشر 17 - بقلم رانيا الخولي
مالك، كان غارقًا في حزنه الخاص. رفع عينيه والتقط نظرتها. شعر على الفور بأن شيئًا ما خطأ. رأى الانكسار خلف ابتسامتها المصطنعة، ورأى عمقًا من الألم في عينيها لم يره من قبل. لم يفهم السبب، لكن قلبه انقبض من أجلها.
في تلك الأثناء، كانت وعد تحاول جاهدة أن تلعب دور الزوجة السعيدة. أرادت أن تظهر للجميع، ولسند على وجه الخصوص، أنها راضية. مالت نحو روح بابتسامة ودودة، في محاولة لخلق حديث جانبي بين العروستين.
"لو سمحتي يا روح، ناوليني الطبق اللي جنبك."
وبحركة عفوية تمامًا، مدت وعد يدها وأمسكت بذراع روح لتلفت انتباهها عندما لم تجد منها رد. لم تكن قبضتها قوية، لكنها جاءت بالضبط فوق مكان الجرح الخفي تحت الأكمام الطويلة.
"آآه!"
انطلقت من روح صرخة ألم حادة ومكتومة. لم تكن عالية، لكنها كانت كافية لتقطع الصمت المطبق على المائدة. سحبت ذراعها بسرعة، وظهر على وجهها تعابير الألم الحقيقي قبل أن تتمكن من إخفائها خلف قناع من الارتباك.
سألت وعد بقلق حقيقي، وهي تسحب يدها بسرعة.
"مالك يا روح؟ في إيه؟"
تمتمت روح بسرعة، وهي تفرك ذراعها من فوق الفستان.
"م... مفيش. بس... دراعي تقريبا نايمة عليه غلط، فبيوجعني شوية، مفيش حاجة."
الجميع نظر إليهما للحظات، ثم عادوا إلى طعامهم متقبلين التفسير السطحي. الجميع، إلا شخصين.
عدي الذي كان يجلس بجانبها، تجمد في مكانه. لقد سمع صرختها وعرف مصدرها. شعر بوخزة من الذنب الحارق، لكنه لم يجرؤ على النظر إليها أو حتى لمسها. لقد كان هو سبب هذا الألم، وعجزه جعله يظل صامتًا.
ومالك.
لم يقتنع مالك بالتفسير أبدًا. لقد سمع الصرخة ورأى نظرة الهلع التي ظهرت في عيني روح للحظة، ورأى كيف سحبت ذراعها بطريقة دفاعية. لقد كانت صرخة ألم حقيقي، لا مجرد تنميل. شكوكه التي بدأت بنظرتها الحزينة، تعمقت الآن. شيء ما حدث لروح في ليلتها، شيء مؤلم. شيء لا يريد أحد التحدث عنه.
ظل يراقبها طوال فترة الإفطار، يرى كيف تحمي ذراعها، وكيف تتجنب النظر إلى زوجها، وبدأ لغز جديد ومقلق يتشكل في ذهنه، لغز يضاف إلى كل الألغاز والأحزان التي تحيط بعائلته.
ما إن انتهت وجبة الإفطار المشحونة، وبدأ الجميع في التفرق، حتى نهض مالك بهدوء واتجه نحو عدي.
"عدي عايزك في كلمة على انفراد."
قال بنبرة هادئة لكنها لا تقبل الرفض. نظر إليه عدي بوجه خالٍ من التعبير، ثم أومأ برأسه بصمت وتبعه. لم يتبادلا كلمة واحدة وهما يصعدان الدرج، كل منهما غارق في أفكاره.
دخل مالك إلى غرفته، وأشار لعدي بالدخول، ثم أغلق الباب خلفهما عازلاً إياهما عن بقية العالم. وقف مالك في منتصف الغرفة، ويداه داخل جيبه وعيناه مثبتتان على عدي بنظرة حادة وفاحصة.
"إيه اللي حصل لروح؟"
سأل مباشرة دون أي مقدمات. رفع عدي حاجبيه بتصنع للدهشة.
"قصدك إيه؟ محصلش حاجة."
قال مالك بحدة، وقد بدأ صبره ينفد.
"متستعبطش يا عدي، أنا شوفتها على الفطار وشوفت صرختها لما وعد مسكت دراعها. الصرخة دي مش صرخة واحدة دراعها نامت عليه، دي صرخة ألم، ألم بجد."
اقترب منه خطوة، وخفض صوته إلى نبرة اتهام واضحة.
"أنت عملتلها إيه امبارح؟"
صمت عدي وأشاح بوجهه بعيدًا، ينظر من النافذة إلى أي شيء سوى عيني مالك. هذا الصمت وهذا الهروب زادا من شكوك مالك وأشعل غضبه.
"كنت قاسي معاها مش كده؟"
واصل مالك الضغط عليه، وهو يفسر صمت عدي بطريقته الخاصة، بناءً على ما يعرفه عن قسوة الرجال في مثل هذه المواقف.
"فاكر إنك لما تفرغ فيها غضبك من اللي حصلنا، ده هيريحك؟ هي ذنبها إيه في كل ده؟ دي مراتك، أمانة في رقبتك مش كيس ملاكمة تطلع فيه قهرك!"
كانت كلمات مالك كالسياط، كل كلمة تجلد عدي وتصيب الهدف، ولكن ليس بالطريقة التي يظنها مالك. لقد اتهمه بالقسوة في العلاقة، بينما الحقيقة كانت أقسى وأكثر إذلالاً. الحقيقة هي أنه لم يقربها من الأساس، بل جرحها بيده ليزيف علاقة لم تحدث. هذا الاتهام الخاطئ كان أكثر إهانة من الحقيقة نفسها.
استدار عدي فجأة وواجهه، وعيناه تشتعلان بمزيج من الألم والغضب والدفاع عن النفس.
"أنت مش فاهم حاجة!"
صرخ في وجهه.
"مش فاهم أي حاجة خالص!"
رد مالك بنفس الحدة.
"أفهم إيه؟! أفهم إنك بدل ما تطبطب عليها وتكون سندها في يوم زي ده، كنت بتعذبها؟ أفهم إنك حولت ليلة فرحها لجحيم؟"
انفجر عدي، وقد وصل إلى حافة الانهيار.
"أيوة! عملت كده! كنت قاسي وكنت زفت وعذبتها، ارتحت كده؟ ده اللي أنت عايز تسمعه؟"
كانت كلماته اعترافًا صريحًا، لكنها كانت أيضًا درعًا يخفي خلفه الحقيقة الأكثر إيلامًا. لقد فضل أن يظهر في عيني مالك كزوج قاسٍ، على أن يظهر كزوج عاجز جبان، لم يستطع حتى أن يمنح زوجته حقوقها الشرعية لأنه غارق في حبه لامرأة أخرى.
نظر مالك إليه بصدمة وخيبة أمل. لم يكن يتوقع هذا الاعتراف الصريح. تراجع خطوة إلى الوراء، وهو يهز رأسه بأسف.
"أنا مش مصدق، أنت مش عدي اللي أعرفه، أنت اتغيرت."
"كلنا اتغيرنا يا مالك."
قال عدي بصوت مكسور، وقد خفت حدته فجأة وحل محلها يأس عميق.
"البيت ده كله اتغير ومبجاش فيه حد بريء."
استدار عدي واتجه نحو الباب.
"سيبني في حالي يا مالك، وسيب روح في حالها، دي حياتنا إحنا، ومحدش له صالح بيها."
خرج من الغرفة وأغلق الباب بقوة، تاركًا مالك واقفًا في مكانه، يشعر بمزيج من الغضب والشفقة والعجز. لقد تأكد من أن روح تتألم، لكنه أدرك أيضًا أن عدي يتألم هو الآخر، وأن الجرح الذي يجمع هذين الاثنين أعمق وأكثر تعقيدًا مما كان يتخيل. وأدرك أن مهمة حماية روح أصبحت الآن أصعب بكثير.
***
استيقظت نغم على شعور غريب بالأمان لم تعهده منذ أيام. كانت مستلقية في حضن أم جاسر التي يبدو أنها قضت الليل كله جالسة بجانبها على الفراش. شعرت بثقل في جفونها ورأسها من أثر البكاء الطويل الذي استنزف كل طاقتها.
تحركت قليلًا، فشعرت بها أم جاسر وفتحت عينيها على الفور، وتطلعت إليها بابتسامة دافئة وحنونة، ابتسامة كانت كأول شعاع شمس بعد ليلة عاصفة.
"صباح الخير يا نغم."
ردت نغم بصوت مبحوح وجاف من شدة البكاء، صوت بالكاد خرج من حنجرتها.
"صباح النور."
قامت أم جاسر بهدوء، وحركاتها كانت تحمل وقارًا وحنانًا.
"قومي بقى، أحضرلك الحمام، وأجيب لك هدوم من عندي تلبسيها، لحد ما أبعت البت فرح تنادي لأم سعيد تجيب لك اللي أنتِ عايزاه."
انتبهت نغم في تلك اللحظة إلى أنها لم تغير ملابسها منذ أن جاءت إلى هذا المكان المشؤوم. ملابس الجامعة التي شهدت انهيار عالمها لا تزال تلتصق بجسدها. شعرت بالخجل والضيق، وقالت بامتنان خافت.
"تعبتك معايا."
ابتسمت أم جاسر بود حقيقي، وربتت على يدها.
"تعبك راحة يا غالية، قومي بقى اتحممي، الماية السخنة هتريح جسمك."
وافقت نغم بصمت. لم تكن تملك طاقة للرفض، ولأول مرة، شعرت بأنها لا تريد أن ترفض لطف هذه المرأة.
دلفت إلى المرحاض الفسيح، ووقفت تحت زخات الماء الساخن، وأغمضت عينيها، متمنية لو أن الماء يستطيع أن يزيل عنها ما عانته، أن يغسل روحها من بصمات القهر والمهانة.
في الخارج، أحضرت لها أم جاسر ملابس نظيفة من ملابسها الخاصة، عباءة منزلية بسيطة ومحتشمة، وطرحة قطنية ناعمة. كانت كل حركة تقوم بها تحمل رسالة صامتة: "أنا هنا. أنا أفهم ما أنتِ فيه. أنتِ في أمان معي".
وأثناء وجود نغم في المرحاض، انفتح باب الجناح فجأة. عاد جاسر. كان قد عاد لتوه من سفر قصير اضطر إليه، وقد ظهر عليه الإرهاق بوضوح. كانت عيناه محمرتين، وذقنه غير حليقة، وملابسه مجعدة. دلفت والدته خلفه، متفاجئة بعودته في هذا الوقت المبكر.
"جاسر! حمد الله على السلامة يا ولدي."
التفت إليها، وفي لحظة، ذاب قناع الجليد الذي يرتديه دائمًا، وظهرت لهجة دافئة لا تظهر إلا لها.
"الله يسلمك يا أمي."
عاد بنظره لداخل الغرفة، عيناه تمسحان المكان تبحثان عنها. لم يجدها. سأل والدته بصوت عاد لبروده المعتاد.
"هي فين؟"
دلفت والدته وهي تحمل الملابس المطوية بعناية.
"بتتحمم جوه."
أشارت على الملابس التي في يدها، وقالت.
"أني جبت لها هدوم من عندي، لحد ما تجيب لها أنت ولا أخلي فرح تجيب أم سعيد تجيب لها اللي يريحها."
ابتسم جاسر ابتسامة خفيفة عند ذكر "أم سعيد"، تلك البائعة المتجولة التي تأتي إلى منزلهم منذ سنوات، وتبيع ما يناسب عمر والدته وزوجة عمه.
"لا، أني هتصرف وأجيب لها النهاردة."
نظر حوله، ثم قال وهو يخلع سترته ويرميها على أقرب مقعد.
"أني هدخل الحمام التاني أتحمم فيه، هاتي لي هدومي هناك."
أومأت والدته، وعيناها تلمعان بحب لا حدود له لابنها الوحيد.
"من عينيه يا غالي."
انصرف جاسر إلى غرفة والدته المجاورة، بينما طرقت هي على باب المرحاض برفق.
"نغم... افتحي خدي الهدوم يا بتي."
فتحت نغم الباب بحذر، وأخرجت يدها فقط لتأخذ الملابس، ثم أغلقت الباب مرة أخرى، دون أن ترى أن من كان سبب مأساتها قد عاد، وأنه الآن على بعد أمتار قليلة منها، يفصل بينهما جدار واحد فقط.
خرجت نغم من المرحاض، كانت قد ارتدت العباءة البسيطة التي أحضرتها لها أم جاسر، والتي كانت تفوح منها رائحة هادئة بسيطة. شعرت بأنها إنسانة مختلفة عن تلك التي دخلت قبل قليل. جسدها كان أكثر استرخاءً، لكن روحها كانت لا تزال جريحة.
وجدتها في انتظارها، وقد أعدت لها كوبًا من اللبن وبجانبه طبق فايش على صينية صغيرة. ابتسمت لها بحنان.
"تعالي يا بتي، اقعدي نشفي شعرك."
جلست نغم بصمت على طرف السرير، وأخذت منها الكوب ويداها ترتجفان قليلًا. بدأت أم جاسر في تجفيف شعرها بفوطة ناعمة، بحركات بطيئة وحنونة، حركات أمومية كانت نغم في أمس الحاجة إليها.
"بصراحة كان نفسي في بت أهتم بها وتهتم بيا وأعمل معها زي ما بعمل دلوقتي، بس نصيبي من الدنيا أخرج بإبن واحد."
ساد الصمت لعدة دقائق، لم يكن صمتًا محرجًا بل كان صمتًا مريحًا، كهدنة قصيرة في حرب طويلة. حتى انتهت من تمشيط خصلاتها.
ثم تحدثت بهدوء، وصوتها كان دافئًا كلمساتها وهي تجعل نغم تستدير إليها.
"عارفة إن الكلام دلوقتي تقيل على جلبك، وعارفة إنك شايلة منه ومن الدنيا كلها."
لم ترد نغم، لكنها شعرت بغصة في حلقها.
تابعت أم جاسر، وكأنها تقرأ أفكارها.
"جاسر ولدي، وأنا أدرى الناس بيه، طبعه صعب زي ما عمه الله يسامحه رباه، راسه يابسة واللي يحطه في دماغه لازم يعمله مهما كان الثمن. عشان كده، عايزة أقول لك كلمتين تحطيهم حلقة في ودنك. الكلمتين دول هما اللي هيخلوكِ تعيشي هنا."
كانت نغم تستمع، وقلبها يخفق بترقب.
"إياكِ... إياكِ تقفي قُصاده."
قالتها بنبرة جادة، خالية من أي تهديد بل كانت نصيحة خالصة.
"جاسر عامل زي السيل، لو وقفتي في وشه، هيشيلك ويكسرك، هو بيستمد قوته من العناد والمقاومة، كل ما تعاندي، كل ما هيزيد في جسوته عشان يثبت لنفسه إنه الأقوى، وهو دايمًا لازم يكون الأقوى."
صدمت نغم من هذا الكلام. هل تطلب منها أن تكون جارية؟ أن تمحو شخصيتها؟ رأت أم جاسر الحيرة والرفض في عينيها، فابتسمت ابتسامة حكيمة وتابعت.
"أني مخبرش إنك هتفهميني غلط. أني مش بقول لك خليكي ضعيفة، بالعكس أنا بقول لك خليكي ذكية، ذكية أكتر منه."
مالت عليها قليلًا، وخفضت صوتها كأنها تبوح لها بسر.
"طاوعيه لما يطلب حاجة، اعمليهاله. لما يقول يمين، قولي يمين. لما يقول شمال، قولي شمال. اقتلي جواه الوحش اللي بيتغذى على العناد. لو طاوعتيه في كل حاجة، مش هتديله الفرصة إنه يحس بقوته عليكي، لأنك ببساطة مش بتديله معركة عشان ينتصر فيها."
نظرت نغم إليها بعدم فهم.
"كيف يعني؟"
"يعني لما يلاقيِك مش بتجاوبي، هيبطل يهاجم. لما يلاقيِك هادية ومطيعة، سلاحه اللي هو الجسوة هيبجى ملوش لازمة. وقتها بس، هيبدأ يشوفك أنتِ، مش هيشوف فيكِ بنت أعدائه اللي لازم يكسرها. ووقتها بس هتبدأي أنتِ اللي تسيطري، بهدوئك، مش بعنادك. هتكوني زي الماية، هادية وساكنة، بس قادرة تفتتي الصخر على مهل."
كانت نصيحة معقدة، وفلسفة غريبة في التعامل مع طاغية. كانت أم جاسر تطلب منها أن تخوض حربًا نفسية، لا حربًا مباشرة. أن تنتصر بالاستسلام الظاهري لا بالمواجهة الخاسرة.
صمتت نغم، تحاول استيعاب هذا المنطق. هل تستطيع فعل ذلك؟ هل تستطيع أن تقتل كبرياءها وتطيع الرجل الذي دمر حياتها، على أمل أن تنتصر في النهاية؟
ربتت أم جاسر على يدها مرة أخرى.
"أنتِ دلوقتي مراتُه، وده قدرك. يا تقبليه وتحاولي تنجي منه، يا ترفضيه وتفضلي طول عمرك في حرب معاه، وحرب معاه أنتِ بس اللي هتخسريها. فكري في كلامي زين يا بتي، فكري زين..."
خرج جاسر من الغرفة الأخرى بعد أن أبدل ملابسه، مرتدياً جلباباً منزلياً مريحاً بلون داكن زاد من هيبته. توجه إلى جناحه كعادته ودخل دون استئذان كأنه يقتحم قلعة يملكها. توقع أن يجد والدته بجانبها، لكنه وجد نغم تجلس وحدها على حافة الفراش، ظهرها مستقيم، ويداها متشابكتان في حجرها بهدوء غريب.
توقف للحظة، عيناه تمسحان الغرفة، ثم استقرتا عليها. سألها بفتوره المعتاد، صوت خالٍ من أي عاطفة.
"أمي فين؟"
ردت نغم بهدوء واستسلام، صوتها كان متساوي النبرة، لم يحمل تحديًا ولا انكسارًا.
"بتحضر الفطار تحت."
ضيق عينيه الجليديتين بشك. هذا الهدوء لم يكن طبيعياً. أين ذهبت الفتاة التي كانت تصرخ وتنهار بالأمس؟ أخذ ينظر إليها بنظرات ثاقبة، يحاول أن يخترق قناعها، لكنه لم يرى سوى استسلام حقيقي لم يستوعبه. هل هو سلاح جديد تستخدمه ضده؟ فلتتحمل إذن عواقب لعبتها.
قال بسخرية لاذعة، محاولاً استفزازها.
"وأنتِ بقى، مستنية أمي تعمل لك الأكل وتجيبه لحد عندك؟"
ردت على نفس وتيرة استسلامها، دون أن ترفع عينيها من على نقطة ثابتة على الأرض.
"لا، أني كنت نازلة أساعدها."
قطب جبينه بحيرة وهو يراها تقوم بهدوء وتتجه نحو الباب. حركتها كانت بطيئة، لكنها لم تكن مترددة.
"رايحة فين؟"
توقفت عند الباب، واستدارت نحوه بجسدها فقط، وقالت بنفس الهدوء القاتل.
"رايحة أساعدها، في حاجة تانية؟"
تأكد الآن. هذا سلاحها الجديد. هذا الهدوء ليس استسلاماً، بل هو شكل من أشكال الحرب الباردة. حسناً، إذا كانت تريد أن تلعب، فهو سيضع قواعد اللعبة.
"في كلمتين لازم تعرفيهم قبل أي شيء."
تقدم منها خطوة، وسد عليها طريق الخروج. اضطرت لرفع رأسها والنظر إليه.
"المفروض إنك دلوقتي مراتُه. والمفروض برضو، إنك تبجي مسؤولة عن كل حاجة تخصني، وتخص أمي. يعني مينفعش أكون متجوز وآكل من يد الشغالين، ولا واحدة منهم تنضف أوضتي أو مكتبي، وحتى هدومي."
صمت للحظة وعيناه لم تفارق عينيها، يبحث عن أي ردة فعل.
"واللي أنتِ مأخدتيش بالك منه..."
أشار برأسه إلى باب جانبي كبير، لم تكن قد انتبهت له من قبل.
"إن ده جناح، مش أوضة. فيه أوضة تانية وحمام تاني، ومطبخ تحضيري صغير. كل ده هيكون مسؤول منك أنتِ من النهاردة. فرح أو غيرها ممنوع يدخلوا الجناح ده إلا بإذني، مفهوم؟"
كان ينتظر منها أن تعترض، أن تنهار، أن تصرخ. لكنها فقط أومأت برأسها إيماءة خفيفة، وقالت بصوت خفيض.
"مفهوم."
ثم تنحت جانباً، منتظرة أن يفسح لها الطريق. حيرته تحولت إلى غضب مكبوت. لقد سلبت منه متعة رؤية انكسارها. تنحى هو عن الباب بحدة، وتركها تخرج.
...
عندما دخلت نغم المطبخ السفلي على أم جاسر، سألتها بحيرة.
"نغم، إيه اللي نزلك من أوضتك؟"
"بنفذ اللي قولتِ عليه، طلبت مني أعمل الفطار."
ابتسمت ونهدت بروية.
"عين العقل، تعالي بقى اجعدي هنا وفرح هتعمل الفطور."
رفضت بإصرار.
"لأ، أنا محتاجة أتوّه شوية، خليني أساعدكم."
كان جاسر يجلس على رأس طاولة الإفطار الضخمة بمفرده، يحتسي قهوته السوداء ويتصفح هاتفه. رفع عينيه عندما دخلتا. كانت نظرته فاحصة، مرت على والدته بامتنان صامت، ثم استقرت على نغم كصقر يراقب فريسته.
رأى فيها شيئاً مختلفاً. لم تكن نظرة التحدي الساذج التي رآها في الجامعة، ولا نظرة الانكسار المهين التي رآها بالأمس. كانت عيناها هادئتين، لكنه كان هدوءاً فارغاً، كهدوء ساحة معركة بعد انتهاء القتال. لم تعد هناك مقاومة، لكن لم يكن هناك استسلام حقيقي أيضاً. كان هناك... قبول. ولكنه قبول بارد للواقع، قبول كان أكثر استفزازاً من أي تمرد.
جلست بصمت على الكرسي الذي أشارت إليه أم جاسر، وبدأت في تناول طعامها ببطء، دون أن تنظر إليه. كان يشعر بأنه يراقب شبحاً، جسداً يتحرك ويأكل، لكن روحه ليست هنا. وهذا الهدوء، هذا الصمت، كان يثير جنونه أكثر من أي صراخ.
لقد بدأت حرب الأعصاب، وكان عليه أن يعترف، ولو لنفسه فقط، أن خصمه ليس بالضعف الذي كان يتوقعه.
في تلك اللحظة، دخلت شروق، متألقة كعادتها، وعلى وجهها ابتسامة نصر مصطنعة.
"صباح الخير يا جماعة، صباح الخير يا... حبيبي."
قالت الكلمة الأخيرة ببطء وتلذذ، وهي تنظر إلى نغم من أعلى إلى أسفل، ملاحظة ملابسها البسيطة التي لا تليق بفتاة بسنه.
لم ترد نغم، ولم ترفع عينيها من طبقها الفارغ. هذا التجاهل التام كان أكثر إثارة للغضب من أي رد.
"إيه ده يا مرت عمي، هي محدش من أهلها بعتلها حتى هدوم تلبسها؟"
قبل أن ترد أم جاسر، جاء صوت جاسر حادًا وقاطعًا كالسيف، دون أن يرفع عينيه عن طبقه.
"شروق، صوتك عالي على الصبح."
تجمدت شروق في مكانها، وابتلعت بقية كلماتها. كانت رسالته واضحة: "النقاش انتهى".
لأول مرة، شعرت نغم بشيء غريب. لم يكن امتنانًا، بل كان إدراكًا. إدراك أن حمايتها الوحيدة في هذا البيت، بشكل مفارق، هي سلطة الرجل الذي دمر حياتها. هو الوحيد الذي يستطيع أن يلجم الأفاعي الأخرى.
***
قضى أكمل بقية الليلة مع جده، يتحدثان في شتى الأمور، محاولاً أن يملأ صمت المنزل بوجوده قدر الإمكان. لكن مع بزوغ الفجر، حان وقت الرحيل. نهض أكمل وبدأ في جمع أغراضه القليلة، وشعر بثقل يضغط على صدره مع كل حركة.
كان جده يراقبه في صمت من على كرسيه، ووجهه يحمل تعبيرًا من الحزن الهادئ.
"ما تخليك يا ولدي... يومين كمان."
قال الجد بصوتٍ فيه رجاء خفي.
"البيت بينور بوجودك، يومين بس يطمنوا قلبي لحد ما ترجع تاني."
توقف أكمل ونظر إلى جده، وشعر بقلبه يتمزق.
"يا ريت يا جدي... يا ريت أقدر. أنت عارف شغل النيابة، مفيش فيه يوم زيادة، لازم أكون في مكتبي بكرة الصبح بدري."
تنهد الجد تنهيدة طويلة، وأشاح بوجهه نحو النافذة التي بدأت تستقبل ضوء الصباح الباهت.
"عارف يا ولدي... عارف. ربنا يقويك."
ثم صمت للحظة، وأضاف بصوتٍ خافت كاد يكون همسًا.
"بس أني بخاف، بخاف يجي أجلي وأنت بعيد عني، بخاف أغمض عيني للمرة الأخيرة ومشوفش وشك قدامي."
كانت هذه الكلمات هي المطرقة التي حطمت رباطة جأش أكمل. لقد عبر جده عن أعمق مخاوفه بصراحة مؤلمة، وهذا الخوف انتقل فورًا إلى قلب أكمل. فكرة أن يأتيه خبر وفاة جده وهو بعيد عنه في القاهرة، فكرة أن يفوّت فرصة توديعه، كانت فكرة لا تطاق.
جلس أمامه على ركبتيه، وأمسك بيد جده المجعدة والباردة.
"يا جدي، عشان خاطري، عشان الخوف ده اللي في قلبي وقلبك، تعالى معايا القاهرة. والله لأشيلك في عنيا. هتبقى وسطنا، ومش هتبقى لوحدك لحظة واحدة، لا بالليل ولا بالنهار."
هز الجد رأسه ببطء وعناد، وابتسامة حزينة ارتسمت على شفتيه.
"مجدرش يا أكمل، مجدرش أسيب أرضي. لو طلعت من هنا، يبقى طلعت روحي معايا. هنا ريحة أبوك وهو صغير، وهنا ذكرياتي مع جدتك، وهنا قبري اللي جنب قبرها. ده مكاني يا ولدي."
نظر في عيني حفيده بحب عميق.
"متجلجش عليا، ربنا كريم وهو اللي بيحدد الميعاد والمكان."
أدرك أكمل أنه يخوض معركة خاسرة. عناد جده وحبه لهذه الأرض أقوى من أي خوف. لم يكن أمامه سوى الاستسلام للواقع المرير.
نهض وانحنى وقبّل يدي جده وجبينه.
"هتوحشني يا جدي."
"وأنت كمان يا قلب جدك، خلي بالك من نفسك، ومتنساش تتصل تطمني عليك كل يوم."
"أوعدك."
قال أكمل وصوته متحشرج.
"وأوعدك أول ما آخد إجازة طويلة، هجيلك على طول وهقعد معاك أسبوع بحاله."
"مستنيك يا ولدي."
حمل أكمل حقيبته الصغيرة، وسار نحو الباب بخطوات ثقيلة. عند الباب، التفت وألقى نظرة أخيرة على جده، الجالس في كرسيه، يبدو صغيرًا وهشًا في ضوء الصباح. لوّح له بيده، وخرج وأغلق الباب خلفه، تاركًا قطعة من قلبه في ذلك المنزل الصغير.
ركب سيارة الأجرة التي أتى بها حسان، الذي لم يرتاح له مطلقاً. يعرف أنه يهتم بجده، لكنه أيضاً يشعر بأن وراءه سر. ألقى نظرة أخيرة على المنزل وانطلق على الطريق الطويل العائد إلى المطار، وكلمات جده الأخيرة ترن في أذنيه: "بخاف أموت لوحدي". شعر بقلق عميق ينهش روحه، ودعا من كل قلبه أن يطيل الله في عمر جده حتى يتمكن من الوفاء بوعده والعودة إليه مرة أخرى.
***
خرج عدي من غرفة مالك، وأغلق الباب خلفه بهدوء حاسم، لكن هذا الهدوء كان مجرد قشرة خارجية تخفي بركانًا من الغضب والعجز والارتباك. ترك وراءه صمتًا مدويًا، وكلمات اعتراف قاسية ألقاها في وجه أخيه، كلمات كانت بمثابة إعلان حرب على ضعفه الشخصي.
لم يعد إلى جناحه. لم يستطع مجرد التفكير في مواجهة روح. الألم كان كافيًا لشل حركته. كيف سيواجه عينيها؟ تلك النظرات الفارغة التي أصبحت مرآة للخراب الذي أحدثه. كيف سيواجه صمتها الذي كان أعلى من أي صراخ؟
بدلًا من ذلك، نزل الدرج بخطوات سريعة وعصبية، وتوجه إلى حديقة المنزل الخلفية بعيدًا عن الأضواء والعيون. جلس على مقعد حجري منعزل تحت شجرة زيتون قديمة، أغصانها الملتوية تشبه روحه المعقدة. كان الهواء باردًا، لكنه لم يشعر به. كل حواسه كانت مركزة على العاصفة التي تدور في رأسه.
أخرج هاتفه، وشاشة الهاتف المضيئة كانت النور الوحيد في ظلامه. بدأ يبحث في جهات الاتصال، وعقله يعمل بسرعة محمومة، يقفز من فكرة إلى أخرى، من خطة إلى خطة، كل واحدة أكثر تهورًا من سابقتها.
"لازم أكلم أكمل... هو وكيل نيابة، أكيد يعرف ثغرة في القانون... ثغرة تخلي العقد ده باطل، أي حاجة... تزوير، إكراه... لازم يكون فيه مخرج."
مرر إصبعه بسرعة على الأسماء، ثم توقف.
"لا... القانون بطيء، والوقت بيجري. يمكن حد من رجالتنا اللي في البلد التانية... اللي ليهم شغل مع التهامية لازم أعرف أي معلومة عن البيت اللي هي فيه، مين بيحرسه، مين بيدخل، مين بيخرج، لازم أعرف نقطة ضعفهم."
كان غارقًا تمامًا في مهمته لإنقاذ نغم. لقد تحولت نغم في عقله من مجرد ابنة عمه التي يجب حمايتها، إلى قضية شخصية، إلى مهمة مقدسة. كانت هي مهربه المثالي، مهربه من مواجهة الخراب الذي أحدثه في حياته وحياة روح.
كل دقيقة يقضيها في التخطيط لإنقاذ نغم كانت دقيقة لا يضطر فيها للتفكير في الجرح الذي حفره في ذراع روح، أو الجرح الأعمق الذي غرسه في قلبها. كل مكالمة يجريها كانت تصرخ في وجه نفسه: "أنا لست فاشلاً! أنا رجل أفعال! أنا أحمي عائلتي!". كان يحاول أن يثبت رجولته في ساحة معركة بعيدة، لأنه فشل في إثباتها في ساحة المعركة الأقرب والأهم: بيته.
كان تفكيره خاطئًا ومتهورًا. لم يفكر في العواقب. لم يفكر في أن أي حركة غبية قد تضع نغم في خطر أكبر، أو تشعل حربًا حقيقية بين العائلتين. كان مدفوعًا بالأنا المجروحة والغيرة المكبوتة والرغبة في الظهور كبطل، البطل الذي لم يستطع أن يكونه في عيون زوجته.
نظر إلى شاشة هاتفه مرة أخرى، وضغط على رقم أحد رجاله الموثوقين في البلدة المجاورة والذي يقوم بمساعدته.
"اسمعني زين..." بدأ يتحدث بنبرة آمرة، يلقي بالتعليمات، ويرسم الخطط. كان يشعر بالقوة، بالسيطرة. لكنها كانت قوة زائفة، وسيطرة وهمية. كان كمن يحاول إطفاء حريق ضخم في بيت جاره، بينما بيته هو يحترق من الداخل، وهو من أشعل فيه النار بيديه.
***
في الطابق العلوي، وقف مالك في غرفته مصدوماً، كمن تلقى لكمة قوية أطاحت به أرضاً. اعتراف عدي الصريح والبارد كان كالصخرة التي أُلقيت في مياه هادئة، أحدثت تموجات عنيفة من الغضب والأسف والارتباك. لم يستطع أن يصدق أن عدي، أخاه الهادئ الحنون، يمكن أن يتحول إلى هذه النسخة القاسية التي تتحدث عن تعذيب زوجته وكأنه أمر عادي.
كل ما فكر فيه هو "روح". كيف قضت ليلتها؟ كيف تحملت تلك القسوة؟ وكيف ستعيش أيامها القادمة مع رجل يعترف ببرود أنه "عذبها"؟
لم يستطع الجلوس مكتوف الأيدي. دفعه شعور قوي بالمسؤولية والحماية، غريزة قديمة لحماية المرأة التي أحبها بصمت. نهض، ومشى خطوتين نحو الباب، ثم توقف. إلى أين سيذهب؟ وماذا سيفعل؟ هل سيواجه أخاه؟ هل سيحاول التحدث مع روح؟
مرة أخرى، جلس على حافة سريره عاجزاً، يضرب بقبضته على فخذه في إحباط صامت. لقد أدرك الحقيقة المرة، الجرح أعمق مما تصور، روح لم تعد مجرد ضحية تنتظر الإنقاذ. لقد أصبحت، باعتراف عدي نفسه، حارسة لسجنها. هي التي تدافع عن هذه العلاقة السامة أمام الجميع.
لم يعد يعرف من يجب أن يحمي، ومن يجب أن يلوم. هل يلوم أخاه على قسوته، أم يلوم روح على صمتها الذي يحميه؟ كل ما عرفه هو أن هذه العائلة تتهاوى، وأن الأسرار التي تختبئ خلف الأبواب المغلقة أشد فتكًا من أي عداوة معلنة.
في غرفة عدي وروح
في نفس اللحظة، دخلت روح إلى غرفتها وحيدة. ما إن أغلقت الباب خلفها، حتى سقط قناع السرور الهادئ الذي كانت ترتديه طوال اليوم. استندت بظهرها على الباب الخشبي، كأنها تبحث عن أي شيء صلب يمنعها من الانهيار. ثم انزلقت ببطء على الأرض، وضمت ركبتيها إلى صدرها، وانفجرت في بكاء صامت ومكتوم، بكاء يهز جسدها دون صوت. كانت تبكي على كرامتها التي تدافع عنها بأسنانها، وعلى الكذبة الكبيرة التي أُجبرت على حمايتها للحفاظ على ما تبقى من سلام هش.
وسط دموعها، لم تستطع منع عقلها من المقارنة. تذكرت نظرات "سند" لـ "وعد" خلال الفرح. كانت نظراته تحمل ثقلاً حزناً، ومسؤولية. كان ينظر إليها كشريكة في حمله، كرفيقة في معركة فرضت عليهما. كان هناك احترام في عينيه، اعتراف ضمني بالألم المشترك. كان زواجهما مبنيًا على أنقاض، لكنهما كانا يقفان معًا وسط هذه الأنقاض، يعترفان بوجودها.
ثم تذكرت نظرات "عدي" إليها. كانت نظراته مختلفة تمامًا، لم تكن تحمل حزناً، بل كانت تحمل ضيق. لم يكن يراها شريكة بل يراها ابتلاء. كانت نظراته حادة، تخترقها، تذكرها في كل لحظة أنه ليس لها، وأن ما يحدث بينهما في الغرفة المغلقة هو سرهما وحدهما، حربهما الخاصة التي لا يجب أن يراها أحد.
سند ووعد كانا ضحيتين للظروف، يحاولان بناء شيء من لا شيء. أما هي وعدي، فكانا في مسرحية متقنة. هو المخرج القاسي، وهي الممثلة المطيعة التي تؤدي دور الزوجة السعيدة أمام الجمهور، بينما في الكواليس، تعيش تحت رحمته وتقلباته.
مسحت دموعها بقوة. أدركت في تلك اللحظة أن وضعها أسوأ بكثير من وضع وعد. فوعد تعرف الظروف والماضي. أما هي فلا. نهضت عن الأرض، ونظرت إلى انعكاسها في المرآة. رأت امرأة لا تعرفها، امرأة ذات عينين متعبتين، وابتسامة زائفة جاهزة للاستخدام. وتساءلت في رعب صامت: إلى متى ستستطيع الاستمرار في هذه التمثيلية قبل أن تنهار وتكشف كل شيء؟ أم أنها ستفقد نفسها تماماً وتتحول إلى مجرد ظل، مجرد صدى لما كانت عليه يوماً ما؟
***
جناح سند ووعد
عندما أُغلق باب جناحهما، ساد صمتٌ كثيف، لكنه لم يكن صمتًا عدائيًا، بل كان صمتًا مليئًا بالترقب والحذر.
وقفت وعد في منتصف الغرفة، وثوبها الأبيض الهادئ يبدو كشبح من الماضي، وقلبها يخفق بترقب وخوف.
سند، بوقاره المعتاد، واجهها مباشرة، مدركًا ثقل اللحظة ومسؤوليته تجاهها.
"وعد..." بدأ بصوت هادئ وعميق، "أنا عارف إن دي مش الطريقة اللي كنا بنحلم بيها. وعارف إن جلوبنا فيها وجع وحزن على اللي حصل، بس إحنا دلوقتي قدام الأمر الواقع."
تقدم نحوها خطوة، وعيناه تحملان صدقًا ومسؤولية.
"إحنا دلوقتي بقينا متزوجين. ومجدرش أبدأ حياتي معاكي على كدبة. الماضي مش هيتمحي، بس نقدر نختار إنه ميكسرش مستقبلنا. نقدر نبني حاجة حقيقية من وسط كل الخراب ده."
كانت كلماته عملية، لكنها كانت أيضًا محترمة. لم يعدها بالحب الذي لا يملكه، لكنه وعدها بالاحترام والبداية الصادقة.
نظرت إليه وعد، ورأت في عينيه الرجل الذي طالما حلمت به، رجل شريف يحاول فعل الصواب حتى في أصعب الظروف. أدركت أن هذه هي فرصتها. إما أن تظل أسيرة دور "البديلة"، أو أن تكون شريكته في بناء هذا الجسر.
قالت بصوت خافت لكنه ثابت.
"وأنا كمان رايدة أبدأ بداية حقيقية."
ابتسم سند ابتسامة خفيفة، كانت الأولى الحقيقية في ذلك النهار. كانت ابتسامة تحمل ارتياحًا وامتنانًا.
كان هناك سؤال يؤلمها، سؤال يجب أن تسأله لتستطيع أن تتنفس، لتستطيع أن تكون زوجته بالكامل. همست باسمه بصوت خفيض، كأنها تخشى إيقاظ وحش نائم.
"سند..."
نظر إليها بحنو، بعينين تحملان دفئًا جديدًا لم تعهده من قبل. كان ينتظر حديثها بصبر، مستعدًا لسماع أي شيء. ورغم ترددها، رغم خوفها من ردة فعله، إلا أنها قالتها أخيرًا، الكلمة التي كانت معلقة في حلقها.
"نغم..."
في لحظة، تحولت نظراته الهادئة إلى قناع جليدي، نظرة مبهمة احتارت في تفسيرها. رأت فيها غضبًا مكبوتًا وألمًا عميقًا، وحسمًا قاطعًا. تجمدت في مكانها وندمت على أنها تحدثت. لكن سند، رغم الغضب الذي شعر به عند سماع اسمها، رأى الخوف في عينيها، وفهم أنها لا تسأل لتلومه، بل لتطمئن. فتحدث بروية بصوت هادئ، لكنه كان يحمل قوة الفولاذ.
"نغم اختارت جحيمها بإيديها وكسرتنا كلنا قدام التهامية، ومن يومها، وهي بقت خارج حياتي."
همت بالمعارضة، أرادت أن تدافع عنها، أن تقول له إنها أُجبرت. لكنه منعها بحركة رقيقة وحاسمة. وضع أنامله على شفتيها، وأسكتها.
"ششششش. مش عايز كلام تاني في الموضوع ده، لأنه اتجفل معايا."
جذبها إليه برفق، يقربها منه حتى أصبحت أنفاسهما تختلط. تطلع بعمق في عينيها، وقال بصدق هز كيانها.
"من وقت ما وافجت على جوازي منك، شيلت كل الحسابات من دماغي. أني مش خاين عشان أكون متجوز واحدة وأفكر في غيرها، حتى لو كانت من دمي، نغم بنت عمي. ولو احتاجتني في يوم، هكون ضهر تتسند عليه. غير كده لا. أنتِ مرتي يا وعد، وأنتِ وبس اللي ليكي كل اهتمامي وحياتي."
أراحها حديثه. لم يمحُ قلقها على أختها، لكنه طمأنها بأن نغم لم تعد وحدها بالكامل، وأن سند رغم غضبه لن يتخلى عن واجبه كابن عم لها. والأهم من ذلك، أنه أكد لها مكانتها في قلبه، مكانة لم تكن تحلم بها.
قرّبها سند إليه أكثر، حتى التصق جسدها به. مال عليها، وقبلها. قبلة كانت مختلفة تمامًا عن أي شيء مضى. لم تكن قبلة واجب، بل كانت قبلة تحمل في طياتها بداية جديدة، اعترافًا صامتًا بوجودها، ورغبة حقيقية في اكتشافها.
توجه بها إلى الفراش. كانت هذه المرة عكس الليلة الماضية تمامًا. في المرة السابقة، كان هناك حاجز غير مرئي بينهما، كان كل منهما يؤدي دورًا. أما الآن، فقد انهار الحاجز. كانت لمساته حقيقية، تحمل شغفًا وحنانًا. كان ينظر إليها كأنه يراها للمرة الأولى، يكتشف تفاصيل وجهها، نعومة بشرتها، لمعان عينيها.
لم تكن قضاء واجب، بل كانت استكشافًا. كان كل منهما يستكشف الآخر، ويبحث عن ملاذ في حضنه من عواصف الخارج. كان هناك شيء جديد يولد بينهما في تلك اللحظة، شيء لا هو ولا هي يعرفان كنهه بعد، لكنهما شعرا به. شعرا بأن هذه الليلة ليست مجرد ليلة في زواج مرتب، بل هي الفصل الأول في قصة لم تُكتب بعد، قصة قد تحمل في طياتها حبًا لم يكن في الحسبان.
كانت ليلة زفافهما الثانية، لكنها كانت الأولى حقًا. في الليلة الماضية، كان كل شيء ضبابيًا، مجرد طقوس باهتة يؤديانها كواجب اجتماعي، وقلوبهما كانت في مكان آخر. أما الآن، فكانت الغرفة هادئة والأضواء خافتة، ولم يكن هناك سوى هما الاثنان وعبء الأسئلة التي لم تُطرح بعد.
كانت تشعر بأنها تغرق في نعومة الحرير، لكن قلبها كان مثقلًا بحجر. كانت سعيدة بقربها من سند، سعيدة بشكل لم تجرؤ على الاعتراف به حتى لنفسها. لكن سعادتها كانت منقوصة، يطاردها شبح تلك التي تركت خلفها فراغًا مؤلمًا.
***
في المساء، جلس سالم في شرفة غرفتهما، يحدق في الظلام بشرود وكوب الشاي في يده قد برد تمامًا. كان جسده هنا، لكن عقله وروحه كانا في مكان آخر، في تلك السرايا التي تسجن ابنته، يتخيل كل تفصيل مؤلم تخبره به "فرح" في تقاريرها اليومية التي أصبحت كجرعات السم.
خرجت ورد من الغرفة، وقد ارتدت رداءً خفيفًا فوق ملابس نومها. رأته جالسًا وحيدًا، وشعرت بقلبها ينقبض لأجله. اقتربت منه بهدوء، ووضعت يدها على كتفه. لم يلتفت، لكنه ربت على يدها برفق.
جلست على الكرسي المجاور له، وقالت بصوت حنان.
"لسه صاحي يا سالم؟ مش هتنام؟ أنت منمتش طول الليل."
تنهد سالم تنهيدة عميقة، خرجت من أعماق روحه المعذبة.
"النوم مجافيني يا ورد، كيف أنام وبتي هناك معرفش حالها إيه؟"
"ربنا معاها يا حبيبي، ربنا كبير ومش هيسيبها."
صمت ساد المكان للحظات، لم يقطعه سوى صوت أصوات الليل. كانت ورد تراقبه، ترى خطوط القهر والتعب محفورة على وجهه، لكن كان هناك قلق آخر يؤرقها، قلق جديد بدأ ينمو في قلبها.
"سالم..."
تطلعت إليه.
"خير يا ورد؟"
ترددت قليلًا، ثم قالت بصوت خفيض.
"أني حاسة إن في حاجة مش طبيعية بين روح وعدي."
التفت إليها سالم أخيرًا، وقطب حاجبيه.
"مش طبيعية كيف يعني؟"
"مخبرش. بس... حاسة إنهم بعاد عن بعض. عدي الصبح خرج من البيت، عارف يعني إيه عريس يطلع يوم صبحيته، ولما رجع كان مكشر ومبيكلمش حد. وروح... روح دبلانة يا سالم. الفرحة مطفية في عينيها. النهاردة شوفتها قاعدة على الفطار مكسورة، سرحانة وباين عليها الهم. وعدي كان قاعد جنبها، ده مش حال عرسان لسه في أول أيامهم."
كان سالم يستمع إليها، وكل كلمة كانت تضيف حملًا جديدًا فوق الحمل الذي ينوء به. هو نفسه كان مذبوحًا من الداخل بسبب الأخبار التي تصله عن نغم، عن رفضها للطعام، عن بكائها الصامت، عن انكسارها الذي ينقله له جاسر عمدًا. لم يكن لديه القدرة على تحمل مشكلة أخرى، كارثة جديدة تلوح في الأفق.
أجبر نفسه على رسم ابتسامة باهتة، وحاول أن يطمئنها، وكأنه بذلك يطمئن نفسه.
"يا ورد يا حبيبتي، أنتِ بس اللي قلقانة زيادة. اللي حصل لنغم كسرنا كلنا، أكيد أثر عليهم. عدي طبعه حامي، وأكيد غيرته على بنت عمه واكلاه، وروح متعلقة بنغم جوي، طبيعي تكون زعلانة عشانها. اديهم بس شوية وقت، وهتلاقيهم أحسن من السمن على العسل."
لم تقتنع ورد تمامًا. حدسها كأم كان يصرخ بأن هناك ما هو أعمق من ذلك.
"ياريت يا سالم، ياريت يكون إحساسي غلط. قلبي مش مستحمل وجع تاني."
مد سالم يده وأمسك بيدها، وضغط عليها برفق.
"متخافيش، كله هيبقى زين. المهم دلوقتي ندعي لنغم ربنا يقويها ويصبرها."
نظر إلى الظلام مرة أخرى، وعاد عقله إلى ابنته الأسيرة. كان يطمئن زوجته، بينما هو نفسه كان يغرق في بحر من العجز. كل همه، كل تفكيره، كان منصبًا على إيجاد طريقة، أي طريقة، لينقذ بها نغم من جحيمها، حتى لو كان الثمن هو حياته. لم يكن يعلم كيف، لكنه أقسم في سره أنه لن يتركها فريسة لهم طويلًا.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رانيا الخولي
في غرفة الطعام بمنزل الرفاعي، كان الصمت ثقيلاً، كالهواء قبل العاصفة.
كان مالك يراقب عدي وروح بنظرات حادة كالصقر.
كانت روح قد بنت حول نفسها جداراً من الجليد، تتحدث بكلمات مقتضبة وتتجنب النظر إلى زوجها الذي كان وجهه ملتصقاً بهاتفه، يتفحصه كل بضع دقائق بعينين زائغتين كأنه ينتظر حكماً بالنجاة أو الهلاك.
فجأة نهض مالك وحركته المتعمدة كسرت الجمود.
"أنا رايح مشوار."
قال بصوت جهوري، ليس مجرد إعلان بل أمر واقع فرض نفسه على الجميع.
سأل والده، وقد شعر بثقل نبرة ابنه.
"على فين يا ولدي في وقت زي ده؟"
"رايح لأكمل صاحبي، هقعد معاه شوية في بيته."
كذب مالك ببرود وثقة، وهي كذبة محسوبة لإخفاء وجهته الحقيقية.
لم يكن ذاهباً إلى صديق، بل كان ذاهباً إلى الحرب.
ألقى نظرة خاطفة نحو روح، نظرة لم تدم أكثر من ثانية لكنها حملت مجلدات من المعاني: وعد صامت بالحماية وتأكيد بأنه لن يتركها فريسة للظروف. ثم استدار وخرج بخطوات ثابتة، تاركاً خلفه جواً مشحوناً بالترقب.
بمجرد أن أغلق باب سيارته خلفه، تحول وجهه إلى قناع من التركيز القاتل.
لم يتجه إلى منزل أكمل، بل انطلق كالصاروخ نحو أطراف البلد، إلى منطقة يعرفها جيداً حيث تتوارى الأسرار وتعقد الصفقات بعيداً عن الأعين.
وصل إلى منزل متواضع لكنه نظيف، منزل أم فرح، الخادمة السابقة في منزل التهامي.
التي أيضاً تدين بالولاء المطلق لعائلة الرفاعي. عندما توفى زوجها ورفض صخر أن يتكفل بتكاليف دفنه وفعلها سالم.
وابنتها فرح تعمل حالياً مكانها.
طرق الباب طرقات خفيفة ومميزة، فتحت له المرأة العجوز على الفور، وكأنها كانت تتوقعه.
"مالك بيه! يا ألف أهلاً وسهلاً، اتفضل يا ابني."
قال باحترام يخفي عاصفة من الإصرار.
"معلش يا خالة أم فرح، مش هقدر أدخل."
"أنا عايز منك خدمة، وخدمة صعبة."
نظرت إليه المرأة بعينيها اللتين رأتا الكثير، وأدركت أن الأمر يتجاوز مجرد طلب عادي.
"اؤمر يا ابني، رجبتي سدادة."
اقترب مالك وهمس بصوت خافت لكنه حاد كالشفرة.
"عايزك تسأليلي..."
لم يعرف كيف يخبرها، فعدل حديثه.
"عايز أشوف فرح عشان أعرف كل حاجة عن بنت اسمها نغم في بيت التهامي."
"تقصد نغم بنت عمك؟"
اندهش مالك وسألها.
"انتي عرفتي منين؟"
ردت أم فرح.
"لإن أبوك سبقك وطلب ده من فرح، وفرح بتوصله كل حاجة أول بأول."
اندهش مالك حقاً.
فوالده الذي كان يظن أنه تخلى عنها، بدوره كان يتحرك في صمت.
نظر لأم فرح وقال.
"لأ، أنا اللي عايز أعرف كل حاجة، وبلاش توصلوا لأبويا."
أخرج مالك رزمة سميكة من المال ووضعها في يدها.
حاولت الرفض، لكنه أمسك بيدها وأغلقها على النقود.
"أرجوكي خلي فرح تكلمني في أسرع وقت."
ترك لها رقم هاتفه، ثم
عاد إلى سيارته، لكنه لم يغادر.
أخرج هاتفه الذي كان أداة عمله وسلاحه في نفس الوقت.
بدأ بإجراء سلسلة من الاتصالات السريعة والموجزة، كقائد عسكري يصدر أوامره في ميدان المعركة.
اتصل على أحد الأرقام الذي بعثه له أكمل ليساعده في مراقبة السرايا.
"أستاذ هيثم..."
"أنا مالك الرفاعي."
"عايزك تخترق لي شبكة الكاميرات في المنطقة المحيطة بقصر التهامي، مش عايز نقطة عمياء واحدة."
"وأي سجلات مكالمات أو تحركات إلكترونية مشبوهة من أي شخص من عيلة التهامي، توصلني فوراً."
بعد مناوشات كثيرة،
أنهى اتصالاته وألقى الهاتف بجانبه.
لم يعد مجرد فرد من عائلة الرفاعي، بل تحول إلى كيان مستقل، قوة ضاربة تتحرك في الظل.
لقد أدرك أن مواجهة آل التهامي وجهاً لوجه ستكون انتحاراً، لكن خنقهم بشبكة من الضغط المالي والقانوني والمعلوماتي هو الطريق الوحيد.
لم يكن يسعى لإنقاذ نغم فحسب، بل كان يبني حصاراً حول أعدائه، طوبة فوق طوبة، حتى ينهار حصنهم من الداخل.
نظر إلى ظلام الليل أمامه، وابتسم ابتسامة باردة.
لقد بدأت اللعبة للتو.
***
بعد انتهاء وجبة الإفطار الصامتة، نهض جاسر من على المائدة.
لم يتحدث، بل أشار بعينيه فقط إلى نغم أن تتبعه.
كانت إشارة باردة وآمرة لا تحتمل الرفض.
فهمت نغم الإشارة ونهضت كظل له وتبعته بهدوء جليدي إلى خارج غرفة الطعام.
سار بها عبر الردهة الفاخرة، وخطواته الواثقة تدوي على الرخام المصقول، بينما خطواتها كانت خافتة تكاد لا تسمع.
توقف في بهو القصر الرئيسي، الذي كان يتسع ويتألق كقلب نابض من الكريستال والذهب تحت ثريا ضخمة بدت كشمس متجمدة.
وقف في المنتصف، وتفحص المكان بنظرة مالك متفحص لممتلكاته، ثم استدار إليها ببطء.
قال بصوت هادئ لكنه كان يحمل ثقل الأمر والسيطرة، صوتاً لا يعلو عليه في هذا المكان.
"شايفة كل ده؟"
"ده واجهة بيتي... واجهة قوة عيلة التهامي."
"ومينفعش ضيف ييجي ويلاقي فيه ذرة غبار."
"ومادام أنتي مرتي، يبقى لازم يكون المكان ده على مزاجي."
"والخدم دول... شغلهم مش عاجبني."
عقدت نغم حاجبيها باستفهام صامت، لا تفهم إلى أين يرمي.
لم يكن هناك خادم واحد في الأفق.
أكمل، وعيناه كالصقر مثبتتان عليها، تشرحان رد فعلها كعالم يراقب حشرة تحت المجهر.
"من النهاردة أنتي اللي هتشرفي على كل حاجة بنفسك."
"مش بس تشرفي... أنتي اللي هتشتغلي بيدك."
"أنا أمرت الخدم كلهم ياخدوا إجازة مفتوحة من الجناح ده."
صمت للحظة ليعطي كلماته وقعاً أكبر، وليجعلها تستوعب عزلتها الكاملة.
أشار إلى الأعلى.
"الثريا الكريستال دي."
"عايزها بتلمع كيف الشمس، هتطلعي وتنضفيها بيدك قطعة... قطعة."
اتسعت عينا نغم قليلاً بالصدمة.
الثريا كانت ضخمة ومعلقة على ارتفاع شاهق، تنظيفها يتطلب سلماً عالياً، ومجهوداً بدنياً شاقاً وخطير.
لم تكن مهمة لامرأة، بل لعمال متخصصين.
تابع دون أن يعطيها فرصة للرد، وصوته يقطر سادية هادئة.
"وبعد ما تخلصي كل التحف والتماثيل دي، هتتلمع واحدة واحدة، والأرضيات الرخام دي... عايز أشوف وشي فيها، مش عايز ولا خدش ولا بقعة تراب."
كانت أوامره ليست مجرد طلبات للعمل، بل كانت خطة مدروسة للإذلال المطلق.
كان يريد أن يراها تتعرق، تتعب، تتسخ، أن يحولها من "نغم الرفاعي" الهانم إلى خادمة وحيدة في قصره الشاسع.
كان يريد أن يكسر كبرياءها من خلال تحطيم جسدها بالإرهاق، وأن يثبت لنفسه أنها لم تعد سوى شيء من ممتلكاته.
كان يتوقع منها أن تعترض، أن تصرخ، أن ترفض.
كان ينتظر منها أي رد فعل ليستخدمه ضدها، ليقول لها ببرود:
"ألم تقبلي بشروطي؟ هذا هو ثمن وجودك هنا."
لكن نغم فاجأته مرة أخرى.
نظرت إلى الثريا الشاهقة، ثم إلى التحف اللامعة، ثم إلى الرخام الممتد كبحر من الجليد، وأخيراً إليه.
لم يكن في عينيها تحدي ولا غضب، ولا حتى خوف أو يأس.
كان فيهما قبول بارد، وفراغ تام ومخيف.
"حاضر."
قالتها بكلمة واحدة، بصوت مستوي وخالي من أي شعور، ثم استدارت واتجهت نحو غرفة الخدم لتبحث عن أدوات التنظيف والسلم، دون أي كلمة إضافية، وكأنها آلة تلقت برمجتها للتو.
وقف جاسر في مكانه، يشعر بمزيج غريب من الانتصار المطلق والفراغ المرير.
لقد أطاعت، وهذا انتصار ساحق، لكنها أطاعت بطريقة سلبته لذة هذا الانتصار.
لم تمنحه رده الفعل الذي أراده، لم تتوسل، ولم تتذمر.
لقد قبلت الإهانة وكأنها شيء عادي، وكأن روحها قد ماتت بالفعل ولم يعد هناك ما يمكن كسره.
أدرك في تلك اللحظة أن معركته معها قد تغيرت، لم تعد معركة لكسر الكبرياء، فالكبرياء قد تبخر.
لقد أصبحت معركة لإعادة إشعال أي شيء... أي شعور... حتى لو كان الألم الصريح.
لأنه أدرك أن فراغها هذا وصمتها، وقبولها المطلق هو أقوى سلاح تملكه ضده الآن.
لقد تحولت إلى شبح في قلعته، شبح يطيعه لكنه لا يراه أبداً.
وهذا كان أكثر إثارة للجنون من أي تمرد صاخب.
كان يتوقع منها أن تنهار، أن تتوسل، أن تصرخ بأنها لا تعرف، بأن هذا مستحيل.
كان ينتظر منها أي شرارة تمرد ليطفئها بقسوة، ليقول لها:
"هذا مكانك هنا، مجرد خادمة."
لكن نغم فاجأته مرة أخرى، وكسرت انتصاره.
***
وصل أكمل إلى شقته في القاهرة وهو يجر جسده وروحه.
كان إرهاق السفر الطويل يثقل جفنيه، لكن القلق الحقيقي الذي كان ينهش روحه هو صورة جده، الرجل الذي تركه وحيداً في الصعيد، والذي يمثل كل ما هو أصيل في حياته.
لم يكد يلقي بجسده المنهك على الأريكة ويغمض عينيه، حتى رن هاتفه بنغمة مخصصة لها، كانت ليلى.
تنهد بعمق، وجمع ما تبقى من طاقته ليرد.
جاء صوتها عاتباً وحاداً، يخلو من أي قلق حقيقي، ومليئاً بالاستياء الأناني.
"أكمل أخيراً! كل ده عشان ترد عليا؟ أنا كنت هموت من القلق عليك، نزلت ستوري إني قلقانة والكل بيسألني."
رد بصوت متعب، بالكاد يخرج.
"معلش يا ليلى، كنت في الطريق والدنيا كانت صعبة ومفيش شبكة."
قالت بإصرار لم يراعي تعبه، وكأنها لم تسمع كلماته.
"طيب بما إنك وصلت بالسلامة، لازم أشوفك النهاردة، وحشتني جداً. وحجزت لنا في 'لا سييل'، لازم نحتفل برجوعك."
حاول الاعتذار، فالذهاب لمطعم فاخر هو آخر ما يريده الآن.
"ليلى، أنا مهدود وعايز أنام..."
قاطعته بحسم.
"لأ يا أكمل، أنا مجهزة نفسي ولابسة ومستنياك، مش معقول تكسفني لتاني مرة، نص ساعة وتكون عندي."
استسلم في النهاية، مدركاً أن المقاومة ستفتح باباً للجدال لا يطيقه.
بعد ساعات قليلة، كان يجلس أمامها.
كانت جميلة وأنيقة كعادتها، ترتدي فستاناً بأكمام قصيرة، رافضة الرضوخ لطلبه بألا ترتدي مثل تلك الملابس وتضع مكياجاً متقناً.
لكن أكمل شعر بأن هناك شيئاً مختلفاً، أو ربما هو الذي نزع عن عينيه الغشاوة وبدأ يرى الأمور على حقيقتها.
بدأت الحديث بحماس، وهي تلتقط صورة لهما قبل أن تلتفت إليه.
"تصدق يا حبيبي امبارح كنت قاعدة مع شيرين ومي، صحباتي كانوا بيقولولي لازم تخلي بالك من أكمل، مركز وكيل النيابة ده مش أي حد بياخده، والمستقبل قدامه كبير، دي حاجة ترفع الراس بجد."
ثم ضحكت ضحكة رنانة ومصطنعة.
حسيت بغيرتهم وهما عاملين نفسهم بينصحوني، شيرين بتقولي إن البنات هيموتوا عليك.
ابتسم أكمل ابتسامة باهتة شعر فيها بطعم المرارة.
أكملت وهي تمسك بيده فوق الطاولة، وأظافرها المطلية بعناية تضغط على جلده:
بصراحة يا أكمل، أنا طول عمري كنت بحلم أتجوز راجل له مكانته، له هيبته يعني مش أي حد والسلام والحمد لله ربنا رزقني بيك أنت البراند بتاعي اللي بتباهى بيه.
شعر أكمل وكأن دلواً من الماء المتجمد قد سُكب فوق رأسه. كلمة "براند" ظلت تدوي في أذنيه.
حاول أن يكتم انفعاله وقال:
شكلهم لو شافوني باللبس الصعيدي مش هيقولوا كده.
وأنت إيه اللي هيوديك الصعيد؟ حياتك هنا، ملكش حد هناك.
رفع حاجبيه مندهشاً:
وجدي...
تركت يده وأسندت ظهرها على ظهر المقعد:
ماله جدك؟ هو عايش حياته هناك ومبسوط بيها، أنت اللي مصر تروح هناك وبتسيب شغلك عشانه وده اسمه تهور.
قال بصوت هادئ ومبحوح:
تهور؟ إني أروح أطمن على جدي اللي ملوش غيري في الدنيا بقى اسمه تهور؟
حاولت تدارك الموقف بسرعة عندما رأت نظرته المتغيرة، لكنها زادت الطين بلة:
لأ طبعاً مش قصدي، قصدي يعني... لازم توازن، متخليش عواطفك تأثر على مكانتك وصورتك قدام الناس، أنت وكيل نيابة يا أكمل، يعني أي غلطة محسوبة عليك، السفر المفاجئ ده ممكن يتفسر غلط، ممكن يقولوا مش متحمل المسؤولية، لازم تحافظ على منصبك ده بكل قوتك، ده تذكرتنا لحياة تانية خالص.
في تلك اللحظة، رأى أكمل ليلى على حقيقتها لأول مرة. لم تكن تحبه هو، أكمل الإنسان، بكل تعقيداته وجذوره، كانت تحب "أكمل بيه وكيل النيابة".
الواجهة الاجتماعية اللامعة.
كانت تحب المنصب، الهيبة والمستقبل الواعد الذي يمثله.
جده، عائلته، أصله... كل هذا كان في نظرها مجرد "عواطف" و"تهور" يعيق مسيرة "البراند" الذي استثمرت فيه.
شعر بغربة شديدة وكأنه يجلس مع شخص لا يعرفه. لقد عاد من الصعيد تاركاً خلفه حباً أصيلاً، نقياً، وغير مشروط متمثلاً في تجاعيد وجه جده وقلقه الصادق، ليجد في انتظاره في القاهرة حباً مزيفاً مشروطاً بالمنصب والمكانة الاجتماعية.
انطفأت آخر بقايا الدفء في عينيه، وحل محلها برود جليدي.
أكمل الغداء وهو يستمع إليها تتحدث بحماس عن خططهما المستقبلية، عن الشقة التي تريدها في "الكومباوند"، وعن نوع المدعوين الذين يجب أن يحضروا حفل زفافهما. كان جسده حاضراً، لكن عقله وروحه كانا يخططان في صمت لإعادة تقييم كل شيء في حياته، وأول قرار اتخذه بصمت هو أن هذه المرأة لن تكون جزءاً من مستقبله الحقيقي.
***
كانت نغم تقف على درجات السلم الخشبي العالية، جسدها الصغير يتمايل بخفة مع كل حركة. كانت تمسك بقطعة قماش مبللة، وتمررها ببطء ومنهجية على كل واحدة من كريستالات الثريا الضخمة.
لم تكن تنظر إلى الأسفل، حيث كان جاسر يقف، يراقبها كصقر يراقب فريسته.
مرت ساعة، ثم ساعتان.
العرق يتصبب من جبينها وذراعاها ترتجفان من الإرهاق. كانت المهمة شاقة وخطيرة، مصممة لإجبارها على الصراخ، على طلب المساعدة، على التوسل.
لكنها لم تفعل. كانت صامتة.
حركاتها آلية، وعيناها فارغتان.
نفد صبر جاسر من هذا الصمت، من هذا الاستسلام الذي كان أشبه بالهزيمة له.
مش عاجبني.
قال ببرود.
لسه فيه تراب، انزلي وغيري الماية واطلعي تاني من الأول.
لم تلتفت إليه. أكملت مسح الكريستالة التي في يدها، ثم بدأت في النزول ببطء بنفس الهدوء القاتل.
مرت من أمامه وكأنه غير موجود، واتجهت لتغيير الماء.
هذا التجاهل، هذا الانصياع الخالي من أي عاطفة كان يثير جنونه.
تبعها إلى حيث كانت تفرغ الدلو.
مبتسمعيش لما بكلمك؟
أمسك بذراعها ولفها لتواجهه.
رفعت عينيها إليه، كانتا صافيتين، خاليتين من أي شعور. لا غضب، لا كراهية، لا خوف، لا شيء.
قالت بصوت هادئ:
سمعت وهعيد الشغل تاني.
ضيق عينيه بشك ولم يعد يفهم سبب ذلك الاستسلام.
لم ترفض شيء أمرها به.
وكلما ضغط عليها كلما اطاعته.
سألها بشك:
إيه؟ إيه سبب الاستسلام ده؟ اومال فين نغم الرفاعي...
"ماتت."
قالتها ببساطة كأنها تذكر حقيقة علمية. وتابعت بهدوء مزيف يخفي خلفه عاصفة مدمرة:
أهلها قتلوها، وأنت دفنتها.
اللي واقفة قدامك دي مجرد واحدة بتنفذ أوامرك عشان تسيبها في حالها.
عايزني ألمع الثريا عشر مرات، هلمعها. عايزني أمسح الأرض مية مرة، همسحها.
بس متتوقعش مني أي حاجة تانية لأني خلاص...
كانت كلماتها كصفعة جليدية.
لقد اعترفت بهزيمتها، لكنها في نفس الوقت سلبته كل متعته في النصر.
لقد أراد أن يكسر روحها، لكنه وجد أنها مجرد قوقعة فارغة.
أراد أن يشعل فيها النار، لكنه وجد كومة من الرماد البارد.
ترك ذراعها ببطء، ونظر إليها وهي تعود لتملأ الدلو من جديد، وكأن هذا الحوار لم يحدث.
أدرك برعب أن أقسى أنواع العذاب التي خطط لها لن تؤثر فيها.
كيف تعذب شخصاً لا يشعر بشيء؟ كيف تكسر شخصاً محطماً بالفعل؟
لأول مرة منذ أن بدأ هذه اللعبة، شعر جاسر بالهزيمة.
لم يهزمها، بل هزمته هي بفراغها.
لقد فاز بالمعركة لكنه خسر الحرب، لأنه اكتشف أن الجائزة التي قاتل من أجلها... لم تعد موجودة.
***
مر يومان آخران في منزل التهامي على نفس المنوال.
جاسر يصدر أوامر شاقة ومهينة، ونغم تنفذها بهدوء آلي كأنها آلة لا روح فيها.
كان يراقبها وهي تنظف الجناح الواسع، أو تصعد للأعلى كي تضع الملابس تحت الشمس الحارقة، أو تلمع شيء في ساعة متأخرة من الليل.
كان ينتظر منها أن تنهار، أن تبكي، أن تصرخ... لكنها لم تفعل.
هذا الصمود السلبي، هذا الفراغ في عينيها، كان يستنزفه هو أكثر مما يستنزفها.
لقد أصبح سجيناً لرد فعلها الذي لا يأتي أبداً.
في مساء اليوم الثالث، وبعد أن أنهت نغم ترتيب مكتبه الضخم دون أن تنطق بكلمة، وقبل أن تخرج، أوقفها صوته فجأة.
استني.
توقفت وأعطته ظهرها، تنتظر الأمر التالي.
بكرة الصبح... حضري نفسك.
قال بنبرة مختلفة، نبرة لم تسمعها من قبل، فيها شيء من القرار الحاسم الذي يغير مسار الأمور.
لم ترد، فاستدارت لتنظر إليه بعينيها الفارغتين، في انتظار بقية الأمر.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يتغير فيها تعبير وجهها منذ أيام.
ظهرت لمحة خفيفة من الارتباك في عينيها. لماذا؟
هنروح المركز، تجيبي هدوم بدل الهدم اللي بتلبسيها دي.
لم يكن هذا هو السبب الحقيقي. السبب الحقيقي هو أنه أدرك أن هذا القصر، بكل أدوات التعذيب النفسي التي فيه، لم يعد يؤثر عليها.
لقد تحصنت داخل فراغها.
ربما كما فكر، إذا أخرجها من هذا المكان، إذا تمر أمام بيئة مختلفة، غريبة وصاخبة، قد يتصدع هذا الجدار الجليدي الذي بنته حول نفسها.
لقد كانت خطوة يائسة ومحاولة أخيرة منه لاستعادة السيطرة على اللعبة، وإيجاد طريقة لإعادة "نغم" التي يريد كسرها، لا الشبح الذي أصبحت عليه.
***
عاد مالك في المساء إلى منزل الخادمة السابقة، أم فرح. كان قلبه يخفق بقلق وترقب.
هذه المرة وجد ابنته "فرح" قد عادت من عملها في منزل التهامي.
كانت فتاة صغيرة في مقتبل العمر، تبدو عليها علامات الإرهاق والخوف.
جلسا في غرفة متواضعة، وأم سعيد تحوم حولهما بقلق.
خير يا مالك بيه؟
سألت فرح بصوت خافت، وهي تتجنب النظر في عينيه مباشرة.
أمي جالتلي إنك عايزني.
قال مالك بنبرة هادئة ليطمئنها:
أيوة يا فرح، أنا عارف إن طلبي صعب، وممكن يعرضك للخطر، بس أنتي أملي الوحيد، عايز أعرف كل حاجة عن نغم، كل حاجة.
ارتبكت فرح وقالت:
بس والدك جاني من فترة وطلب مني نفس الطلب.
حتى جاسر بيه عرف ومتكلمش معاي، زي ما يكون مش فارق معاه.
ضغط مالك على قبضته بغضب.
وتابعت فرح بتأثر حقيقي:
الوضع صعب جوي يا بيه، أصعب مما أي حد يتخيل.
جاسر بيه... بيعاملها بجسوة متتوصفش، بيخليها تشتغل شغل الخدم بإيدها.
تنضف وتلمع وتشيل وتحط، وبيرفض حد يساعدها.
انقبض وجه مالك من الألم والغضب.
وهي... هي عاملة إيه؟ بترد عليه؟ بتقاوم؟
هزت فرح رأسها بأسى:
هي دي المشكلة يا بيه، مبتعملش أي حاجة واصل، ساكتة، بتنفذ كل أوامره وهي ساكتة.
عينيها فاضية، كأنها مش هنا، كأنها بتموت بالبطيء قدام عنينا كلنا.
لقد كان جاسر يلعب بهم جميعاً.
إذا لم يكن يكتفي بتعذيب نغم، بل كان يستخدم هذا التعذيب ليعذب والده عن بعد، مستمتعاً بعجزهم وقهرهم.
كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر مالك.
شعر بغضب عارم ورغبة في القتل.
أخرج من جيبه هاتفاً صغيراً، ووضعه على الطاولة أمام فرح.
قال بصوت مصمم:
ده... ده لنغم، عايزك تديهولها بأي طريقة. جوليها ده من مالك.
وجوليها إني مش هسيبها.
وإني هعمل أي حاجة عشان أخرجها من الجحيم ده.
بس أنا محتاج أسمع صوتها.
محتاج أتكلم معاها وأطمن عليها بنفسي.
نظرت فرح إلى الهاتف بخوف.
دي مخاطرة كبيرة يا بيه، لو جاسر بيه عرف...
مش هيعرف.
قاطعها مالك بحزم.
أنا واثق فيكي يا فرح، أنتي الوحيدة اللي تقدري توصليلها، أرجوكي.
نظرت فرح إلى وجهه المليء بالألم والرجاء، فهزت رأسها بموافقة صامتة، وأخذت الهاتف وخبأته في ملابسها.
بعد ذهابه، أخرجت هاتفها من جيبها وقالت:
أيوه يا بيه، لسة ماشي دلوقت وعملت زي ما جولتلي.
...
أيوه، واداني تليفون أدهولها.
...
تحت أمرك يا بيه..
***
كانت نغم تمسح الغبار عن الكتب في مكتب جاسر الضخم. لم تكن مجرد عملية تنظيف، بل كانت هروباً.
كل كتاب تمسحه، كل رف ترتبه، كان يبعدها عن التفكير في واقعها المر.
كانت رائحة الورق القديم والجلد أهون عليها من رائحة سجنها الذهبي.
فتح الباب بهدوء ودخلت الخادمة فرح، وفي عينيها نظرة شفقة لم تستطع إخفاءها.
ست نغم، العشا جاهز، جاسر بيه والكل مستنيين على السفرة.
نظرت نغم إلى الطاولة التي لا تزال مغطاة بالأتربة، وقالت بصوت هادئ ومنهك دون أن تلتفت:
لسة مخلصتش، خليهم ياكلوا هما.
حاولت فرح الإصرار برفق:
بس يا ست هانم...
قاطعتها نغم بنبرة حادة لم تعتدها على نفسها، نبرة ولدت من رحم القهر:
جولتك لسة.
تراجعت فرح، وتأثرت بشدة لحالها.
هذه الفتاة التي كانت "هانم" في بيت أهلها، التي كانت تخدم ولا تُخدم، أصبحت الآن تقوم بعمل الخدم في بيت زوجها، بل وترفض حتى أن تجلس معهم على مائدة واحدة.
خرجت فرح بصمت وقلبها يعتصر ألمًا عليها.
على مائدة العشاء
كانت المائدة تجمع العائلة في صمت متوتر.
جاسر يجلس على رأس الطاولة كملك على عرشه.
عن يمينه أمه، وعن يساره مكان نغم الفارغ.
وقبالته عمه صخر وبجانب صخر جلست زوجته، ثم شروق التي كانت ترمق مكان نغم الفارغ بنظرات تشفي.
وصلت فرح إلى غرفة الطعام، ووقفت بتردد.
"جاسر بيه، ست نغم بتجول إنها مش هتتعشى لسة بتنضف المكتب."
قبل أن يرد جاسر، تحدثت شروق بصوت عالٍ فيه نبرة شماتة واضحة.
"أحسن أصلاً الواحد مبيعرفش ياخد راحته في الأكل وهي جاعدة مكانها الطبيعي مع الخدم مش وسطينا."
ساد صمت جليدي فجأة تجمدت الشوكة في يد صخر، بينما نظرت زوجته إلى شروق نظرة حانقة.
أما ونس، فأغلقت عينيها في استياء صامت.
لم يرفع جاسر عينيه عن طبقه.
أكمل قطع اللحم ببطء شديد وهدوء مخيف.
ثم وضع الملعقة بجانب طبقه بدقة متناهية، وأصدر صوته المعدني على الصحن صدى كطلقة رصاص في الصمت المطبق.
رفع رأسه ببطء، ولم ينظر إلى شروق، بل وجه نظره الحادة كالصقيع إلى عمه صخر مباشرة.
"علم بنتك الأصول يا عمي، علمها إمتى تتكلم، وإمتى تسكت."
تجمد صخر في مكانه كانت كلمات جاسر الهادئة تحمل إهانة وسلطة مطلقة، تتجاوزه لتصل إلى ابنته وكأنه هو المسؤول عن خطئها.
تدخلت زوجة صخر، محاولة الدفاع عن ابنتها وتصويب الموقف من وجهة نظرها.
"وإيه الغلط اللي قالته يا جاسر؟ أنت نفسك عاملها خدامة في البيت، وسايبها تنضف بدل ما تقعد ويانا."
هنا، استدارت نظرات جاسر الحارقة نحوها.
لم يرفع صوته، بل تحدث بنبرة جليدية قاطعة، كل كلمة فيها تفرض قانونًا لا يمكن كسره.
"مراتي هنا لخدمتي أنا وبس، أنا اللي أقرر تشتغل إيه، وتاكل إمتى، وتنام فين.
هي تحت رحمتي أنا، مش تحت رحمة أي حد تاني في البيت ده."
ثم أضاف، وعيناه تتنقلان بين شروق وزوجة عمه، في تهديد واضح ومباشر.
"أنا جبتها هنا عشان أذل بيها أهلها، مش عشان أخليكم تتسلوا بإذلالها.
محدش فيكم ليه حكم عليها، محدش يوجه لها كلمة، ولا يأمرها بحاجة، ولا حتى يتنفس في وشها من غير إذني.
اللي هيعمل كده، هعتبره بيتدخل في شؤوني الخاصة... وبيتح تحداني."
كانت كلماته الأخيرة بمثابة إعلان حرب على أي شخص يفكر في تجاوز حدوده.
أمام قوة جاسر المطلقة، لم يستطع صخر أن ينطق بحرف لقد ألجمه ابن أخيه تمامًا، وأشعره بصغر حجمه أمام الجميع.
كل ما فعله هو أن نظر إلى ابنته نظرة غاضبة، بينما طأطأت زوجته رأسها في صمت مهين.
نهض جاسر من على الطاولة، وقال بصوت لا يقبل النقاش وهو ينظر إلى فرح التي كانت ترتجف في مكانها.
"الكلام ده هعيده تاني."
ثم استدار وغادر غرفة الطعام، تاركًا خلفه جوًا من الخوف والإذلال، ومؤكدًا للجميع حقيقة واحدة: نغم قد تكون سجينته، لكنها "ملكيته الخاصة"، وهو الوحيد الذي يملك مفتاح هذا السجن.
ما إن نهض جاسر وغادر غرفة الطعام كإعصار هادئ، حتى وضعت أمه ونس منديلها على الطاولة ونهضت بهدوء لتلحق به، تاركة وراءها جوًا مشحونًا بالصمت والإهانة.
في اللحظة التي اختفيا فيها، استدارت شروق نحو أبيها صخر، وعيناها تطلقان شررًا من الغضب والاستياء.
لم تعد تهمس، بل تحدثت بصوت عالٍ ومرير.
"عجبك كده؟ شوفت بيدافع عنها كيف قدام الكل؟ بيهزأني أنا عشان خاطرها!"
لم يرد صخر على الفور.
كان ينظر إلى الكرسي الفارغ الذي كان يجلس عليه جاسر، وشعر ببرودة تسري في أوصاله، لم تكن المشكلة في دفاع جاسر عن زوجته، بل في الطريقة التي فعل بها ذلك.
الطريقة التي ألجمه بها هو شخصيًا، وأمر "عمه" بأن يؤدب ابنته.
لقد شعر بأن كل شيء يفلت من بين يديه.
جاسر لم يعد ذلك الشاب الذي يأتمر بأمره ويستشيره في كل صغيرة وكبيرة.
لم يعد مجرد امتداد لسلطته، لقد كبر... كبر كثيرًا، وأصبح يرى نفسه فوق الجميع، حتى فوقه هو.
تدخلت زوجة صخر، وهي لا تزال تشعر بمرارة الإهانة، وقالت بصوت حاد.
"زودها قوي يا صخر لازم تحط له حد.
كيف يتكلم معاي بالطريقة دي؟ ده نسي نفسه خالص، لازم تفكره بمكانك، وتعرفه إنك لسه كبير العيلة."
أخذ صخر نفسًا عميقًا، وأعاد الملعقة إلى مكانهما ببطء شديد، كأنه يحاول السيطرة على غضب يغلي بداخله.
رفع رأسه، وفي عينيه كانت هناك نظرة قاسية ومظلمة، نظرة رجل أُهين في عقر داره وقرر أن يستعيد سلطته بأي ثمن.
لم ينظر إلى زوجته أو ابنته، بل ظل يحدق في الكرسي الفارغ، كأنه يتحدث إلى جاسر نفسه.
"هيحصل."
صمت للحظة، ثم أكمل بنبرة هادئة ومخيفة، نبرة تحمل وعدًا بالانتقام.
"وهيحصل قريب... قريب قوي."
أدركت زوجته وشروق أن الأمر لم يعد مجرد خلاف عائلي.
لقد تحول إلى صراع على القوة والنفوذ.
صخر لن يسمح لابن أخيه بأن يسلبه مكانته وسلطته التي بناها على مدار سنوات والهدوء الذي يتحدث به الآن، هو هدوء الصياد الذي يراقب فريسته، وينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض. لقد دقت ساعة المواجهة بين العم وابن أخيه.
***
عادت نغم إلى الجناح، خطواتها ثقيلة بالكاد تحملها لقد انتهت أخيرًا من تنظيف المكتبة وغرفة المعيشة الملحقة بالجناح، تاركة كل شيء يلمع تحت الأضواء الخافتة.
أغلقت الباب خلفها، واستندت عليه للحظة مغمضة عينيها، شعرت وكأنها ركضت لمسافات طويلة دون توقف.
سارت نحو السرير وجلست على حافته، وشعرت بكل عضلة في جسدها تصرخ من الألم.
ظهرها يؤلمها من الانحناء، وذراعاها ترتجفان من الإرهاق، نظرت إلى يديها كانتا حمراوين ومتعبتين.
لم تكن معتادة على مثل هذا المجهود البدني الشاق، كل ما كانت تحتاجه الآن هو أن تغمر جسدها بالماء الدافئ وتنام، ربما لدهر كامل.
لم تكد تنهض لتتجه إلى الحمام، حتى سمعت طرقة خفيفة على الباب، تلتها دخول ونس، والدة جاسر.
كانت تحمل صينية فضية تفوح منها رائحة طعام شهي.
تحركت ونس بخطواتها الهادئة وابتسامتها الدافئة التي لم تفارق وجهها، ووضعت الصينية على الطاولة الصغيرة بجانب الأريكة.
"قلت لفرح تسيبك ترتاحي، وأنا اللي هطلعلك العشا."
نظرت إليها نغم بتعب.
"مليش نفس، شكراً. أنا بس عايزة أرتاح."
جلست ونس بجانبها على السرير، ومدت يدها بحنان ومسحت على ظهر نغم المتألم كانت لمستها كبلسم، لمسة أم حنون تدرك حجم التعب الذي تشعر به.
"كيف يعني ملكيش نفس؟ وشك بقى قد كده، مش هينفع تفضي من غير أكل، جسمك مش هيستحمل."
تنهدت نغم، وشعرت بأن مقاومتها تتلاشى أمام هذا الحنان غير المتوقع.
"الشغل كتير قوي، وتعبانة."
قالت ونس بنبرة لوم رقيقة، لكنها موجهة لابنها الغائب.
"خابرة يا بتي، خابرة ربنا يهديه بس لحد ما يهديه، لازم تاكلي عشان تجدري تقفي على حيلك.
أنا مش هقدر أساعدك في شغل البيت عشان جاسر ميقولش إني بتدخل، بس محدش يقدر يمنعني أهتم بأكلك وصحتك."
نهضت ونس، وأمسكت بيد نغم وسحبتها برفق نحو الطاولة.
"يلا، كلي لقمة واحدة بس عشان خاطري أنا اللي طبختهالك بإيدي."
نظرت نغم إلى وجه السيدة الطيب، وإلى عينيها اللتين تحملان قلقًا حقيقيًا. في تلك اللحظة لم ترى فيها والدة عدوها، بل رأت فيها أمًا.
شعرت بقلبها يدفأ قليلاً، وبدمعة امتنان تتجمع في طرف عينها.
أومأت برأسها بصمت، وجلست أمام الصينية.
بدأت تأكل ببطء، ليس لأنها جائعة، بل لأنها لم ترد أن تكسر خاطر هذه السيدة التي أصبحت تمثل لها النقطة المضيئة الوحيدة في هذا الظلام الحالك.
وقفت ونس بجانبها، تتابعها بنظرات راضية، وهي تربت على شعرها بحنان، وكأنها تحاول أن تعوضها بلمساتها عن قسوة ابنها وجبروت هذا العالم الجديد الذي أُلقيت فيه.
***
كانت طاولة العشاء في منزل آل الرفاعي تبدو وكأنها مسرح مقسوم إلى نصفين، كل نصف يعرض مسرحية مختلفة تمامًا.
على أحد الجانبين، وضعت وعد الطعام في طبق سند وهي تقول بود به بعض الخجل.
"دوق البطاطس دي وجولي رأيك، أنا اللي عملتها.
هتعجبك لإني خابرة إنك بتحبها بالطريقة دي."
ابتسم سند بود مماثل.
"كفاية إنك تعبتي حالك وعملتيها، كله زين."
ابتسمت وقلبها يرقص فرحًا من هذه الكلمة البسيطة التي كانت تعني لها العالم.
على الجانب الآخر من الطاولة، كان الصقيع هو سيد الموقف.
كانت روح تجلس بجانب عدي، الذي كان يضع هاتفه بجانب طبقه، ووجهه لأسفل، يتفقده كل بضع ثواني.
قالت والدته محاولة كسر الجليد.
"عدي، الأكل هيبرد سيب التليفون ده من إيدك وكل."
رفع عدي عينيه للحظة، نظرة فارغة مرت على الجميع دون أن تستقر على أحد.
"باكل يا أمي."
قال بحدة طفيفة ثم عاد ليحدق في طبقه، يأكل ببطء دون أي اهتمام.
حاولت روح أن تخلق جسرًا للتواصل، أن تحصل على فتات الاهتمام الذي تراه عند وعد.
"الأكل عاجبك يا عدي؟"
سألت بصوت ناعم، فيه رجاء خفي.
لم يرفع رأسه، فقط قال كلمة واحدة، جافة، وقاطعة.
"كويس."
شعرت روح بوخزة الإهانة. "كويس" هذه كانت أبرد من صفعة على وجهها، نظرت خلسة إلى سند ووعد مرة أخرى.
كانا يتهامسان الآن حول شيء ما بصوت خافت.
شعرت بحرقة في صدرها.
لم تكن غيرة، بل كانت حسرة، حسرة على الحلم الذي يموت أمام عينيها كل يوم.
أخيرًا لاحظت ليل شيء منذ رحيل ابنتها وسألت روح.
"مالك يا روح يا بتي؟ مش بتاكلي ليه؟"
أجابت وابتسامة باهتة على وجهها ثم التفتت إلى عدي مرة أخرى، في محاولة يائسة أخيرة.
"باكل يا أما، الحمد لله... عدي، ممكن تناولني الملح؟"
مد يده وأخذ المملحة ووضعها أمامها بقوة طفيفة دون أن ينظر إليها، ثم عاد ليمسك بهاتفه مرة أخرى.
هنا، لم تعد روح تحتمل.
لقد أصبحت شفافة تمامًا من مجرد كرسي فارغ بجانبه.
نظرت إلى مالك الجالس في الجهة المقابلة، والذي كان يراقب المشهد كله بصمت.
التقت أعينهما للحظة، فرأت في عينيه الشفقة، وهذا زاد من شعورها بالمهانة.
هي لا تريد الشفقة، هي تريد حياة.
وضعت الملعقة بهدوء بجانب طبقها الذي لم تمس نصفه.
"الحمد لله."
قالت بصوت مسموع، لكنه كان خاليًا من أي تعبير.
قالت والدتها بقلق.
"إيه يا بتي؟ ملحقتيش تاكلي."
"شبعت يا أما، الحمد لله."
وقفت، وسحبت كرسيها بهدوء.
عن إذنكم، حاسة إني مصدعة شوية وهطلع أرتاح.
قال سالم بقلق:
خير يا بتي ألف سلامة.
حاولت الابتسام فخرجت باهتة:
مفيش يا عمي برد بسيط.
سألت وعد بلطف حقيقي:
أطلع معاكي يا روح؟
هزت روح رأسها:
لأ خليكي أنا هبجى زينة تصبحوا على خير.
قالتها للجميع، لكن عينيها لم تتجها ناحية عدي، الذي لم يرفع رأسه من هاتفه حتى ليودعها.
صعدت الدرج، وكل خطوة كانت تثقل قلبها أكثر.
سمعت صوت ضحكة خافتة من الأسفل، ربما من سند ووعد كانت ضحكة بريئة لكنها سقطت على روحها كقطعة من الجمر.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب، واستندت عليه وأغمضت عينيها بقوة، لتمنع الدموع التي تهدد بالهطول.
لقد أدركت في تلك اللحظة أنها لا تعيش في جحيم صاخب، بل في فراغ بارد وهذا كان أشد إيلامًا.
في اليوم التالي..
كان جاسر واقفًا أمام الشرفة الواسعة لمكتبه، يراقب ظلام الحديقة بالخارج ويداه في جيوبه.
لم يلتفت عندما سمع صوت الباب يفتح، فقد كان يتوقع دخولها.
دخلت فرح بارتباك واضح، ووقفت تنتظر أن يتحدث.
الصمت في حضرة جاسر كان دائمًا ثقيلًا ومخيفًا.
بعد لحظة استدار جاسر ببطء، وكانت عيناه حادتين كالعادة سألها مباشرة بصوته الهادئ الذي لا يخلو من الأمر:
التليفون اللي ادهولك مالك... معاكي؟
أومأت فرح برأسها بسرعة، وقالت بصوت خافت:
أيوه يا بيه.
أخرجت الهاتف الصغير من جيبها ومدت يدها لتعطيه له، لكنه لم يأخذه.
بدلا من ذلك، أشار برأسه نحو الأعلى:
اطلعي إديها التليفون هي لوحدها دلوجت.
صمت للحظة ثم أضاف بنبرة تحذيرية واضحة، وكأنه يقرأ أفكارها:
ومتعرفيهاش إني عارف حاچة ولا تجيبي سيرة.
سحبت فرح يدها بسرعة، وهي تضم الهاتف كأنه جمرة من نار.
فهمت على الفور أنها مجرد رسول في لعبة أكبر منها بكثير.
حاضر يا بيه اللي تأمر بيه.
أومأ لها جاسر إيماءة قصيرة كإذن بالانصراف، ثم استدار مرة أخرى نحو الشرفة، عائدًا إلى مراقبة مملكته المظلمة.
خرجت فرح من المكتب، وقلبها يدق بقوة لم تكن تفهم ما يحدث، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد: هذا الهاتف ليس مجرد هاتف، بل هو طُعم، أو فخ أو ربما كلاهما معًا.
وجدت فرح الفرصة المناسبة وجدت نغم وحيدة في غرفتها للحظات قليلة، بينما كانت أم جاسر في الأسفل.
دخلت فرح بسرعة وأغلقت الباب خلفها.
ست نغم.
همست بسرعة، وهي تتقدم نحو نغم التي كانت تجلس على حافة السرير، تحدق في الحائط.
التفتت نغم إليها ببطء، بعينيها الفارغتين:
عايزة حاچة يا فرح؟
أيوه يا ستي.
قالت فرح وهي تخرج الهاتف الصغير من ملابسها وتمد يدها به:
ده... ده ليكي.
نظرت نغم إلى الهاتف دون أن تفهم:
من مين؟
من مالك بيه.
قالت فرح بحماس خافت:
أني جابلته امبارح هو جلجان عليكي جوي.
جالي أجولك إنه مش هيسيبك، وإنه هينقذك من هنا.
هو بس عايز يكلمك، عايز يطمن عليكي بصوته.
كانت فرح تتوقع أن ترى بصيصًا من الأمل في عيني نغم، دمعة فرح، أي رد فعل لكنها لم تجد شيئًا.
نظرت نغم إلى الهاتف في يد فرح، ثم رفعت عينيها الباردتين إلى وجهها:
مالك.
نطقت الاسم وكأنه من لغة غريبة لا تعرفها.
أيوه يا ست هانم ابن عمك شكله بيعزك جوى وخايف عليكي.
ارتسمت شبه ابتسامة ساخرة ومريرة على شفتي نغم، كانت أول تعبير يظهر على وجهها منذ أيام، وكانت أكثر إخافة من فراغها.
بيعزني؟
قالت بهدوء جليدي وهي تنظر إلى الهاتف في يد فرح بنظرة تحمل مزيجًا من الشفقة والازدراء.
رجعي التليفون ده لصاحبه، وجوليله... جوليله نغم ماتت وخليه ينسى إنه كان له بت عم بالاسم ده.
استدارت واتجهت نحو الشرفة، وأعطتها ظهرها، كإعلان بنهاية الحديث.
وقفت فرح في مكانها، والهاتف في يدها يبدو ثقيلًا كالجمر.
لقد أتت تحمل الأمل، لكنها واجهت بجدار من اليأس والرفض القاطع.
كان جاسر يستمع من خارج الغرفة بحيرة.
لما رفضت تلك الفرصة؟
كان يظن أنها ستتشبث بها ويكون بصيص أمل لها.
وعندما وجد فرح تخرج من الغرفة أشار لها بأن تنسحب.
أومأت بهدوء ودلف هو للداخل فيجدها جالسة على الأريكة التي تستخدمها كملاذ لها.
كانت شاحبة منطفئة، لم تعد تلك الفتاة التي تملك ثقة العالم بنفسها وبأهلها بل أصبحت منطوية ومنكسرة.
والعجيب في الأمر بأنه لم يشعر بلذة الإنتصار.
تقدم منها يسألها:
چاهزة؟
هزت له رأسها وكأنها تعلم بوجوده.
لن تقبل تلك المرة.
مش النهاردة.
نهضت لتدلف المرحاض تاركة إياه ينظر في أثرها بنظرة حائرة.
غداء اخر اكثر فتور مع ليلى، عاد أكمل منه إلى شقته وهو يشعر بخيبة أمل عميقة.
لم يعد يرى مستقبله معها بنفس الوضوح.
كان يجلس في شرفة شقته، يفكر في جده، وفي مالك، وفي كل هذه الفوضى، عندما رن هاتفه كان رقمًا غريبًا. تردد في الرد، ثم رد.
ألو؟
أكمل بيه؟
جاءه صوت رجل حذر.
أيوه، مين؟
جنابك متعرفنيش بس اني خابرك زين، انت حفيد الحچ قاسم.
انتفض قلب أكمل وسأله بلهفة:
ماله جدي في حاجة؟
رد الرجل مسرعًا:
هو كويس يا بيه، متقلقش.
أنا اسمي فواز، بشتغل عند ناس ليهم علاقة بآل التهامي.
مالك بيه طلب مني أراقب الأمور من بعيد وأعرف أخبار الست نغم.
شعر أكمل بقلبه ينقبض.
وعرفت حاجة؟
صمت الرجل للحظة، وكأنه يختار كلماته.
الوضع صعب يا بيه صعب جوي الست هانم... بيعاملوها أسوأ من الخدم.
جاسر بيه بيخليها تشتغل بإيدها شغل محدش يستحمله، بيحاول يكسرها بكل طريجة.
أغمض أكمل عينيه بألم كان يتوقع هذا.
أكمل فواز بصوت أكثر انخفاضًا وحذرًا:
بس ده مش المهم.
المهم... إن فيه حاچة تانية حصلت. حاچة كبيرة.
قال أكمل بنفاد صبر:
حاچة إيه؟ اتكلم!
همس الرجل:
صخر التهامي... عم جاسر.
الخدامين اللي جوه بيجولوا إنه... إنه اتهجم على الست نغم في أوضتها وهي لوحدها محدش عارف إيه اللي حصل بالظبط، بس من يومها والست هانم بجت واحدة تانية خالص بقت زي اللي روحها مسحوبة منها.
سقطت الكلمات على أكمل كالصاعقة شعر بغضب عارم وبغثيان يجتاحانه صخر... هذا الوحش.
لقد تجاوز كل الخطوط.
لم يعد الأمر مجرد ثأر أو إذلال، لقد أصبح انتهاكًا شنيعًا.
أنت متأكد من الكلام ده؟
سأل أكمل بصوت متحشرج.
زي ما أنا متأكد إني بكلمك يا بيه.
الخبر ده متكتّم عليه جوه القصر، بس الخدامين شافوه وهو طالع من أوضتها وكان سكران طينة والست أم جاسر من يومها مبتسيبهاش لحظة واحدة.
سأله أكمل فطنة:
وانت ليه مقولتش لمالك، ليه بتكلمني انا.
عشان لما احلف إني مجلتش لحد من الرفاعية ابجى صادج.
لم يعد يستطيع الوقوف متفرجًا لقد تحولت القضية من قضية عائلية إلى قضية جنائية.
نظر من شرفته إلى أضواء القاهرة، لكنه لم يعد يراها.
كل ما كان يراه هو وجه نغم، ووجه صخر التهامي.
وفي تلك اللحظة، اتخذ قرارًا.
لم يعد أكمل صديق العائلة، بل أصبح "أكمل وكيل النيابة".
وهذه المرة، لن يستخدم منصبه ليحافظ عليه كما تريد ليلى، بل سيستخدمه ليحقق العدالة، مهما كان الثمن.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رانيا الخولي
كانت السرايا غارقة في صمت ثقيل، صمت لا يشبه هدوءها المعتاد، بل صمت محموم بالوجع والقهر المكتوم.
في الطابق العلوي، كان الحاج وهدان، كبير العائلة، طريح الفراش، فلم يعد باستطاعته التظاهر بالقوة أكثر من ذلك بعد أن انتهى الزفاف وظهر أمام الجميع على نفس وقاره الذي اعتادوه عليه.
سقط جسده الذي طالما كان صخرة تستند عليها العائلة، قد وهن فجأة وكأن إهانة حفيدته كانت القشة التي قصمت ظهر قوته.
أما سالم، فكان شبحاً يسير في أرجاء المنزل صامتاً وعيناه تحملان عجزاً يقتله في كل لحظة.
الخوف من الفضيحة، ومن بطش التهامي كبّل يديه ولسانه.
لقد أُسدل الستار على "الفرح"، وبقيت الحقيقة المرة حبيسة جدران السرايا، سراً يؤرق نوم الجميع.
في غرفته، كان مالك يتحرك بهدف واضح.
على سريره، كانت حقيبة سفر صغيرة مفتوحة، وبجانبها ملف سميك يضم أوراقاً ومستندات جمعها بعناية فائقة خلال الأيام الماضية.
كانت بينها صورة ضوئية لوثيقة الزواج، تلك القسيمة التي خاطر الكثير للحصول عليها، حيث تمكن من إقناع "فرح"، الخادمة الشابة في بيت التهامي، بتصويرها له خلسة مقابل مبلغ كبير من المال ووعد بحمايتها. كانت هذه الورقة هي السلاح الأول في معركته القادمة.
انفتح باب الغرفة بهدوء ودخلت والدته.
كانت ملامحها شاحبة، وعيناها تحملان حزناً عميقاً وقلقاً لا ينتهي.
توقفت على عتبة الباب حين رأته بملابس الخروج والحقيبة المفتوحة.
"مالك؟ أنت لابس ورايح فين في وجت زي ده؟"
رد مالك دون أن يلتفت، وهو يضع الملف في حقيبته.
"مسافر القاهرة يا أمي."
تقدمت منه بضع خطوات إلى الداخل، ونبرتها ارتفعت قليلاً بالقلق.
"القاهرة؟ ليه يا ولدي؟ شغلك مش دلوجت، وجدك تعبان ومحتاچنا كلنا حواليه."
أغلق مالك حقيبته واستدار ليواجهها. كانت عيناه تحملان تصميماً صلباً لم تره فيه من قبل.
"عشان جدي تعبان، وعشان أبويا وعمي مش عارفين يعملوا حاچة، أنا لازم أتحرك، مسافر لأكمل."
تجمدت ملامح ورد عند سماع اسم "أكمل".
فهمت على الفور أن الأمر يتعلق بنغم، وأن ابنها ينوي فتح أبواب الجحيم.
بصوت مرتعش.
"أكمل؟ عايز تعمل إيه يا مالك؟ اني مش عايزاك تقف قصاد صخر يا ولدي، صخر جلبه ميت ومش بيهمه حد واصل. وبعدين انت إكدة بتفضحها."
تحدث مالك بحدة لم يعتد أن يكلمها بها.
"الفضيحة إننا نسيبها في إيد الراچل ده يا أمي! الفضيحة إننا نجف نتفرچ عليها وهي بتتعذب واحنا ساكتين خوف! سمعة إيه اللي بتتكلمي عنيها؟ سمعة البنت بتتداس كل يوم وهي عايشة في بيت عدونا!"
اقتربت منه وأمسكت ذراعه برجاء.
"يا ابني افهمني... صخر ده مش أي حد، ده اخوي... وانا اكتر واحدة خبراه. جاسي وميعرفش ربنا، ومبيعملش حساب لأي حاچة. لو حاولت تجرب منه انت بالذات، هيولع فينا كليتنا."
نفض مالك يدها عنه برفق ولكن بحزم.
"وهو ده اللي مخليهم دايسين علينا عشان عارفين إننا بنخاف بس أنا مبجتش أخاف يا أمي. من يوم ما شفت نظرة الانكسار في عين نغم وهي بتتاخد من وسطنا، والخوف مات جوايا مبجاش فيه غير الغضب."
بدموع بدأت تتجمع في عينيها.
"وغضبك ده هيضيعها مش هينقذها! هيجولوا عليها إيه، جاسر مش هيسكت، هيلوث سمعتها عشان يكسرها ويكسرنا معاها لو عملت إكدة."
تنهد مالك بمرارة.
"عشان إكده رايح لأكمل مش هعمل حاچة متهورة هنفكر، هندرس كل خطوة لازم نلاجي ثغرة في القانون، مخرج يحفظلها كرامتها وحجها من غير ما ندي فرصة لحد يتكلم عليها نص كلمة. أكمل بيفهم في الحاچات دي أكتر مني، وهيعرف يلاجي حل من غير فضايح."
تحدثت ورد بصوت يائس.
"مفيش حل يا مالك. خالك صخر جفل كل البيبان من يوم ما اتچوزت ابوكم."
نظر مالك في عينيها مباشرة، وفي صوته وعد قاطع.
"الباب الوحيد جدامنا دلوجت سلاح القانون، ولو القانون معرفش يجيب حقها، يبقى ساعتها لكل حادث حديث. بس لازم أحاول الأول، لازم أعمل أي حاجة... أي حاجة عشان أقدر أبص في وشى في المراية تاني."
حمل حقيبته وتوجه نحو الباب، ثم توقف للحظة وأدار رأسه نحوها.
"ادعيلي يا أمي... وادعي لنغم."
خرج من الغرفة تاركاً والدته واقفة في المنتصف، تبكي بصمت.
كانت تبكي على نغم التي ضاعت، وعلى ابنها الذي يسير بقدميه نحو مواجهة ستلتهم الأخضر واليابس. كانت تعرف شقيقها صخر، وتعرف ابن أخيها جاسر الذي ورث منه القسوة والبرود، وأدركت أن ابنها قد أشعل للتو فتيل حربٍ لا يعلم أحد كيف ستنتهي.
***
أوراق قضائية مبعثرة على المكتب، وأكواب القهوة الفارغة تشي بوقت طويل يجلس مالك أمام المكتب، يفرك عينيه بإرهاق واضح.
أمامه يجلس أكمل وكيل النيابة، بملامح جادة وهو يقلب في بعض الأوراق التي أحضرها مالك.
الصمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت تقليب الورق.
وضع أكمل الأوراق على المكتب ويزفر ببطء.
"مالك، أنا بقالي ساعة بقلّب في كل كلمة وكل ورقة الوضع معقد أكتر مما كنت متخيل."
رفع مالك رأسه، وفي عينيه يأس مكبوت.
"معجد كيف يا أكمل؟ بنت عمي مخطوفة باسم الچواز، جاسر التهامي أچبرها تتچوزه تحت تهديد وبيهددنا كلنا دي مش قضية، دي چريمة واضحة."
مال أكمل بجسده إلى الأمام، ويشبك أصابعه.
"قانوناً، هي مش واضحة للأسف خلينا نفكر بعقل وكيل نيابة مش بعواطفك. إيه الدليل المادي اللي في إيدك؟"
"الدليل هو شهادتنا كلنا! أنا وأبويا وعمي، كلنا شفنا اللي حوصل، غير كمان كاميرات المستشفى وهو نازل من العربية بيها وهي مغمى عليها."
"شهادتكم ليها وزنها طبعاً، بس الدفاع هيلعب عليها بسهولة. هيقول دي شهادة أهل، يعني شهادة مجروحة بدافع الخصومة والعداوة القديمة بين العيلتين. هيقول إنكم بتحاولوا تفرقوا بين زوجين وتدمروا سمعة جاسر التهامي وهنا هيقلب الترابيزة في ثانية. دي حاجة. الحاجة التانية معنى انه شايلها وهي مغمى عليها ليها ألف سبب المحامي يقدر يمشيها على هواه."
ضرب مالك بقبضته على المكتب في غضب مكتوم.
"يعني إيه؟ يعني نسيبها في إيده؟ الراچل ده شيطان يا أكمل، أنا عارفه زين، نغم في خطر حقيقي معاه."
"أنا مصدقك، بس المحكمة مش بتتعامل بالنوايا، بتتعامل بالأدلة. اسمعني كويس، لو عملنا بلاغ دلوقتي بالصورة دي، هيحصل سيناريو من اتنين، والاتنين أسوأ من بعض."
مالك بحيرة.
"إيه هما؟"
"السيناريو الأول: النيابة هتستدعي نغم لسماع أقوالها. جاسر مش غبي، هيجيبها وهي متحضرة كويس جداً هيضغط عليها هيهددها، وهيخليها تقول قدام وكيل النيابة إنها اتجوزته بكامل إرادتها وإن أهلها معترضين عشان مشاكل التار القديمة. ساعتها، القضية كلها هتتحفظ، وموقف جاسر هيبقى أقوى ألف مرة. هيبقى معاه شهادة رسمية من مراتُه نفسها."
صمت مالك، فكلمات أكمل كانت كالصفعة المنطقية التي أيقظته من غضبه.
أردف أكمل.
"السيناريو التاني، وهو الأخطر. لو نغم خلفت كلامه وقالت الحقيقة، جاسر هيعتبر ده إعلان حرب مباشر. ممكن يأذيها أو يأذي حد منكم بشكل لا يمكن تداركه قبل ما نقدر حتى نوفر لها حماية. إحنا بنتعامل مع واحد القانون عنده مجرد أداة مش رادع."
مسح مالك على وجهه بقلة حيلة.
"والحل؟ لازم يكون فيه حل لازم يكون فيه ثغرة. ابن المركوب ديتى هيفضل يتلاعب بينا إكده."
التقط أكمل قلماً وتلاعب به بين اصابعه.
"الحل مش في الهجوم المباشر، الحل في تفكيك الموقف نفسه. الثغرة مش عند جاسر، الثغرة عند نغم."
قطب مالك جبينه بحيرة.
"جصدك إيه؟"
"نغم هي مفتاح كل حاجة، هي الطرف الوحيد اللي يقدر يثبت الإكراه. بس عشان تعمل ده، لازم تكون في مكان آمن وبعيد عن سيطرته. هدفنا الأول دلوقتي مش تقديم بلاغ، هدفنا هو إخراج نغم من بيته."
"إزاي؟ وهو حابسها هناك."
"لازم نوصل لها، لازم تعرف إننا بنتحرك عشانها وإن فيه خطة. لازم هي اللي تطلب المساعدة لما تكون الفرصة سانحة."
رد مالك باحباط.
"حاولت وبعت لها تليفون عشان اكلمها منه بس هي رفضت وقالت للبنت تخبرنا انها ماتت. وبعدين حتى لو وصلنا لها وقدرنا نهربها أكيد هيجيبها قانونا في نفس اليوم."
أشار أكمل بالقلم نحو مالك.
"وهنا يجي دوري. في اللحظة اللي نغم تخرج فيها من تحت سيطرته وتوصل لمكان آمن هنا في القاهرة، زي شقتك دي مثلاً، أول حاچة تعملها إنها تتصل بيا شخصياً. أنا بصفتي وكيل نيابة، هقدر أمنّلها حماية فورية. هجيب قوة من القسم ونحط حراسة على المكان، وهفتح محضر رسمي بأقوالها وهي في حمايتنا. ساعتها جاسر نفسه مش هيقدر يقرب منها."
بدأ الأمل يلمع في عينيه.
"وبعدها؟"
"بعدها هنقلب اللعبة بدل ما إحنا اللي بنحاول نثبت، هيبقى هو اللي في موقف دفاع. هنقدم طلب طلاق للضرر والخلع، وهنستخدم واقعة الإكراه كدليل أساسي. شهادتها وهي في حماية النيابة، مع شهادتكم كشهود مساندين، مع أي دليل تاني نقدر نجمعه... ساعتها الموقف القانوني هيبقى في صالحنا."
"زي إيه أدلة تانية؟"
"أي حاجة. رسالة بتبعتها لحد بتشتكي فيها، مكالمة متسجلة، شهادة خادم في البيت لو قدرنا نوصل لحد شريف فيهم. الأهم دلوقتي يا مالك، هو التواصل مع نغم. لازم تلاقي طريقة تكلمها بيها، طريقة سرية وآمنة. من غير تهور. فكر... مين ممكن يدخل البيت ده من غير ما يثير شكوك جاسر؟"
أخذ مالك يفكر بعمق، يستعرض كل الوجوه والأسماء. لم يعد غاضباً، بل تحول إلى محامٍ يفكر في كل خطوة قادمة.
لقد أعطاه أكمل الخيط، خيطاً رفيعاً من الأمل، لكنه كان منطقياً وقوياً الآن، مهمته هي أن ينسج من هذا الخيط طريقاً لخلاص نغم.
***
كان الليل قد أسدل ستائره على القاهرة، لكن أكمل لم يكن يشعر بالهدوء. كان يقف في شرفة شقته، والهواء البارد يلفح وجهه دون أن يطفئ النار المشتعلة في صدره.
كانت أفكاره تدور حول ليلى، حول غدائهما الأخير الذي كشف كل الأقنعة. لقد تأكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها لا تحب أكمل، بل تحب "أكمل بيه وكيل النيابة". كانت تحب المنصب، الهيبة، الصورة الاجتماعية. أما هو، بروحه وجذوره وقلقه على جده، فكان مجرد تفاصيل مزعجة في هذه الصورة البراقة.
شعر بمرارة الخيبة، وبغربة عميقة وهو في قلب مدينته.
في خضم هذه الأفكار، رن هاتفه.
كان رقمًا من البلد.
شعر قلبه ينقبض على الفور.
"ألو؟"
"أكمل يا ولدي..."
جاءه صوت عم صالح، جار جده.
انقبض قلب أكمل بقلق، فهذه أول مرة يحدثه بالهاتف.
"أهلا يا عم صالح، ازي حضرتك."
"بخير يا ولدي."
مهزوزًا ومختنقًا.
"البقاء لله يا ابني... جدك... سابنا وراح للي خلقه."
تجمد أكمل في مكانه للحظات، لم يستوعب.
بدا وكأن الكلمات قيلت بلغة أجنبية لا يفهمها.
توقف الزمن، وتوقف الهواء في رئتيه. جده... مات؟ الكلمتان بدتا مستحيلتين، سخيفتين.
"انت....بتقول... ايه؟"
"أمر الله يا ابني، امانته وخدها."
كيف يمكن للشخص الذي يمثل الثبات والجذور في حياته أن يختفي ببساطة؟
هنا، انهار كل شيء. لم يصرخ، لم يبكي. لكنه شعر بفراغ هائل يتشكل في صدره، فراغ بارد ومؤلم يهدد بابتلاعه. استند على سور الشرفة بكل قوته، يشعر وكأن قدميه لن تحملاه.
وفي وسط هذا الفراغ، طفت على السطح ذكرى كلمات جده الأخيرة، حادة كشفرة سكين.
"بخاف أموت لوحدي يا أكمل."
لقد تحقق الكابوس.
كانت رحلة إلى الصعيد ضبابية، قاد فيها جسده بآلية بينما كانت روحه تحوم في مكان آخر، عالقة بين الصدمة والندم.
عندما وصل إلى البلدة، وجد سرادق العزاء قد نُصب بالفعل، والرجال بملابسهم الداكنة يتوافدون على منزل جده.
شعر نفسه غير بدونه. وكأن الجميع أصبحوا بدونه غرباء حتى والديه.
لم يجد سوى حضن مالك الذي شعر به وشعر بما حاجته إليه.
تقدم منه واحتضنه بقوة، دون أن يقول كلمة.
كان حضنًا صامتًا، لكنه كان يحمل كل المواساة التي يحتاجها أكمل في تلك اللحظة.
لم يبكِ أكمل، لكن جسده كان يرتجف بعنف بين ذراعي صديقه.
"عايز أشوفه."
كانت أول كلمات نطق بها أكمل بصوتٍ أجوف.
قاده مالك إلى الداخل، إلى الغرفة التي طالما جلس فيها مع جده.
كان الجسد مسجى على سرير بسيط، مغطى بملاءة بيضاء نظيفة، ورجال صالحون يتلون حوله القرآن استعدادًا للغسل.
تقدم أكمل بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة تزن طنًا.
رفع أحدهم الملاءة عن وجه جده.
كان هادئًا، ساكنًا، وعلى شفتيه شبه ابتسامة خفيفة، كأنه نائم يحلم حلمًا جميلاً.
لكنه كان باردًا، بلا حياة.
هذا الوجه الذي طالما ابتسم له، هذه اليد التي طالما ربتت على كتفه، لم تعد هنا.
لقد رحل إلى الأبد.
مد أكمل يده المرتجفة، ولمس جبين جده البارد.
وفي تلك اللحظة، انكسر. انهمرت دموعه أخيرًا، دموع حارقة وصامتة، دموع الندم والحب والفقد.
انحنى على جسد جده، ودفن وجهه في صدره، يبكي كالطفل الذي فقد ملاذه الوحيد.
ظل مالك بجانبه، يضع يده على ظهره، يمنحه القوة بصمته، ويتركه يفرغ كل الألم الذي كان يحبسه.
مرت أيام العزاء الثلاثة كأنها دهر. لم يترك مالك أكمل لحظة واحدة. وبعد أن رحل آخر المعزين، جلس أكمل على كرسي جده في نفس المكان الذي وجدوه فيه.
أمسك بسبحة جده التي كانت لا تزال على الطاولة بجانبه، وأغمض عينيه.
بدأت الذكريات تتدفق.
تذكر كيف كان جده ينتظره في كل إجازة عند مدخل البلدة، ويفرد ذراعيه ليحتضنه.
تذكر رائحة الأرض المروية وخبز الفرن التي كانت تملأ البيت.
تذكر جلساتهما الطويلة في الحديقة، وجده يقص عليه حكايات الأجداد، ويعلمه أسماء النجوم.
تذكر كيف كان جده يصر على أن يأكل من يده، قائلاً:
"لقمة من يد جدك ترد الروح."
تذكر ضحكته الصافية، وحكمته البسيطة، وحبه الذي لم يطلب مقابلاً.
تقدم والده منه يربت على كتفه.
"مش كفاية كدة وخلينا نرجع القاهرة؟"
التفت أكمل إلى والده، وقال بصوتٍ هادئ وحاسم.
"مش هرجع."
"مش هترجع فين؟"
"القاهرة."
قال أكمل وهو ينظر حوله، وكأنه يرى البيت لأول مرة.
"مقدرش. مقدرش أسيب ريحته هنا لوحدها. مقدرش أقفل الباب ده وأمشي."
نظر إلى سبحة جده في يده.
"أنا خذلته مرة. سبته يموت لوحده زي ما كان خايف. مش هسيبه تاني وهو ميت."
سأله والده بامتعاض.
"وشغلك؟ مستقبلك؟"
قال أكمل بثقة لم يشعر بها من قبل.
"هاخد أجازة طويلة. ولو رفضوا، هقدم استقالتي. مستقبلي الحقيقي كان هنا وأنا مش واخد بالي. منصبي الحقيقي كان حفيد الراجل ده، مش وكيل نيابة."
حاول والده ان يكون هادئاً كي لا يعاند ابنه.
"يا ابني الحزن في القلب، مش كل واحد هيفارق حد عزيز عليه هيعمل زيك انت."
تحدث أكمل بلهجة لا تقبل نقاش.
"بابا لو سمحت سيبني براحتي."
جاءت والدته على صوتهم.
"في ايه؟ ماله أكمل."
رد والده بضيق.
"الاستاذ مش عايز يرجع معانا عايز يفضل هنا."
سألته والدته.
"صحيح الكلام ده يا أكمل؟"
رد اكمل بنفاذ صبر.
"ايوة صحيح ومش عايز كلام كتير في الموضوع لأن كلمة زيادة وهسيب الشغل خالص."
تراجعت والدته لعلمها بتعند ابنها لذا سحبت يد زوجها وقالت بقلة حيلة.
"لازم تسيبه لاننا لو ضغطنا عليه ممكن يعند ويسيب الشغل فعلاً. خليه ياخد أجازة لحد ما يزهق ويرجع من نفسها."
اضطر للموافقة ورحل مع زوجته تاركين أكمل يعاني من ذلك الفراق القاسي.
اتخذ قراره.
سيبقى هنا، في هذا البيت، بين هذه الجدران التي تحمل صوت وضحكات وروح جده. سيبقى ليحرس ذكراه، وليبحث عن نفسه من جديد، بعيدًا عن برود القاهرة وزيفها، وقريبًا من دفء الأرض والحب الحقيقي الذي كاد أن يفقده إلى الأبد.
***
كانت بقايا العشاء لا تزال على الطاولة، والجميع قد انصرف إلى غرفه.
لم يبقى في غرفة المعيشة سوى مالك وسند، يجلسان في صمت ثقيل كل منهما غارق في أفكاره.
كان مالك يراقب سند من طرف عينه. يراقبه وهو يحتسي قهوته بهدوء، يراقب ملامحه التي تبدو هادئة بشكل مقلق.
كان مستغرباً بل مصدوماً، كيف استطاع سند أن ينسى نغم بهذه السهولة الظاهرية؟
كيف يتعامل مع وعد بشكل طبيعي، يتحدث معها يبتسم لها وكأنها كانت اختياره الأول والأخير؟ كيف يمكن لرجل أن يطوي صفحة حبه وعمره بهذه السرعة، وكأن شيئاً لم يكن؟
لم يعد مالك قادراً على تحمل هذا الصمت المريب.
وضع فنجانه وسأله بحيرة ربما يخبره بما يثلج صدره.
"كيف؟"
نظر إليه سند باستفهام.
"كيف إيه؟"
قال مالك بصوتٍ مشحون باللوم والاستغراب.
"كيف جدرت تنسى نغم بالسهولة دي؟ كيف بتتعايش مع حياتك الجديدة وكأن مفيش حاچة حصلت؟ وكأنها مكنتش خطيبتك وفرحكم كان بعد يومين؟"
ساد الصمت لعدة لحظات. لم يرد سند على الفور. أخذ نفساً عميقاً، وأشاح بنظره نحو النافذة، كأنه ينظر إلى جمر قلبه الذي حاول إخماده.
ثم تحدث أخيراً بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل ثقلاً وألماً أكبر بكثير من صراخ مالك.
"عشان متعودتش أكون خاين."
نظر إليه مالك بعدم فهم.
أكمل سند، وعيناه لا تزالان مثبتتين على الفراغ.
"وعد ملهاش ذنب في كل اللي حوصل ده، حرام... حرام إنها تضيع أجمل أيام حياتها مع راچل عايش في الماضي، راچل قلبه مع واحدة تانية."
تنهد تنهيدة طويلة تحمل وجع سنين.
"يوم فرحنا... أني كنت حرفياً مقهور وضايع، كنت حاسس إن روحي بتتسحب مني ومش خابر هتعامل كيف مع وعد، بس أول ما بصيت في عينيها وهي بالفستان الأبيض... وشوفت الحزن اللي كانت بتحاول تداريه بابتسامة باهتة... حسيت إنها متستاهلش كل ده. حسيت إن الظلم اللي بيوحصلها أكبر من الظلم اللي حوصل ليا. هي تستاهل تتعامل إنها عروسة مرغوبة... مش مرغمة."
نظر إلى مالك لأول مرة، وفي عينيه بريق من الحقيقة المرة.
"خلاص يا مالك اللي حوصل حوصل وانتهى ونغم... اختارت غيري."
هنا، لم يستطع مالك السكوت.
"اختارت غصب عنها! أنت عارف ومتأكد إن جاسر هددها!"
قاطعه سند بحركة حاسمة من يده، وبنبرة لم يتوقعها مالك أبداً.
"لأ نغم حبت جاسر."
أنكر مالك بصدمة وجاء ليعارضه.
"مستحيل! أنت بتجول إيه؟"
وقف سند، وبدأ يمشي في الغرفة، كأنه يحاول الهروب من ذكرياته.
"أيوه يا مالك نغم حبت جاسر من وجت اللي حوصل وهو أنقذها، ونغم بجيت واحدة تانية. ديماً سرحانة... ديماً شاردة حتى لما كنت أعاتبها على اللي حوصل، كنت ألاقيها بتدافع عنه من غير ما تحس."
توقف ونظر إلى مالك، وفي صوته كان هناك انكسار يحاول جاهداً إخفاءه.
"أني يوم ما روحناله... فاكر نظراتها زين. فاكر الحيرة اللي كانت في عينيها. مكنتش نظرة واحدة مخطوفة وخايفة وبس، كانت نظرة واحدة بتختار بين عالمين. وللسبب ده أني بعدت. بعدت عشان محبتش أكون الطرف الخسران في معركة محسومة."
عاد وجلس مرة أخرى، وقد بدا عليه الإرهاق فجأة.
"بعدت واتمنيت ليها إنها تجدر تغير جاسر. لأن اللي عرفته عنه واللي وصلني، إنه إنسان ميعرفش الحب ولا خبط على بابهم من الأساس. وجولت يمكن لو نغم ادته الحب ده... يمكن... يمكن يكون إنسان تاني."
صمت سند، وحدق في يديه. لم يكن يحاول إقناع مالك، بل كان يحاول إقناع نفسه.
كان يردد هذه القصة مراراً وتكراراً في عقله، ليس لأنها الحقيقة المطلقة، بل لأنها الحقيقة الوحيدة التي تسمح له بالعيش.
الحقيقة الوحيدة التي تبرر له تخليه، وتسمح له بأن يكون الزوج الذي تستحقه وعد.
لقد اختار أن يصدق، أن يصدق الحقيقة وأن نغم أحبت غيره، لأن تصديق أنها كانت ضحية تنتظر إنقاذه وهو لم يفعل شيئاً... كان ألماً لا يمكنه تحمله.
***
في شرفة غرفة سند ووعد.
كانت ليلة مقمرة، يلقي فيها القمر ضوءاً فضياً على حديقة السرايا الغافية، ويرسم ظلالاً طويلة للأشجار.
وقف سند متكئاً على سور الشرفة، يراقب الصمت بالخارج، لكن عقله كان أبعد ما يكون عن الهدوء.
كلمات مالك تتردد في أذنه: "كيف نسيت نغم؟"
لم ينسى، ويبدو أنه لن ينسى.
لكن زواجه من وعد، الذي تم على عجل بأمر من جده لمنع الفضيحة، كان مجرد إجراء شكلي في البداية.
غرفة واحدة، وسرير واحد، لكن بينهما مسافة أميال من الحواجز النفسية.
جعله يفكر فيها حقا وينشغل عن نغم.
خرجت وعد إلى الشرفة بهدوء، ترتدي ثوب نوم طويلاً وقد لفت كتفيها بشال رقيق.
وقفت بجانبه دون أن تتكلم، وكأنها تحترم عزلته.
لكن وجودها الهادئ أصبح مألوفاً ومريحاً له بشكل غريب.
تحدثت وعد بصوت ناعم كهمس الليل.
"مش جايلك نوم؟"
التفت سند إليها، وضوء القمر جعل عينيها تلمعان ببريق خاص.
"الأفكار مبتخلنيش أنام."
"بتفكر في نغم؟"
سألتها ببساطة، دون أثر للغيرة أو اللوم في صوتها.
هذه القدرة لديها على تسمية الأشياء بأسمائها دون دراما، كانت أكثر ما بدأ يبهره فيها.
تنهد سند.
"بفكر فيها، وفينا... وفي كل اللي حوصل. حاسس إننا اتظلمنا كلنا يا وعد. أني ونغم. أنتِ كمان اللي اتجبرتي على جوازة من واحد قلبه كان مع واحدة تانية."
ابتسمت وعد ابتسامة حزينة.
"يمكن... بس أنا مؤمنة إن كل حاجة بتحوصل لسبب، يمكن دي كانت الطريجة الوحيدة عشان أعرفك بجد."
نظر إليها بعمق، مندهشاً من نضجها.
"تعرفيني؟ أنتِ شايفة إيه دلوجتي يا وعد؟ واحد مكسور ومهزوم؟"
اقتربت منه خطوة، ومدت يدها بتردد لتلمس يده فوق سور الشرفة.
"لأ أنا شايفة راجل جلبه كبير، وبيوجعه الظلم اللي حوصل لواحدة من عيلته. شايفة واحد بيحاول يلاجي نفسه من جديد وسط كل ده. والراجل ده... أنا فخورة إني مراته."
كلماتها الأخيرة لامست وتراً حساساً في قلبه.
فخورة؟
لم يشعر بالفخر بنفسه منذ وقت طويل.
"إزاي بتجدري تشوفيني كل ده؟ أنا نفسي مبجتش شايفه."
سحبت يدها بخجل، لكنها أبقت عينيها في عينيه.
"عشان أنا مش ببص على الكسر اللي فيك، أنا ببص على النور اللي بيحاول يطلع منه."
في تلك اللحظة، تلاشى كل شيء حولهما.
لم يعد هناك قمر أو ليل أو حديقة.
لم يكن هناك سوى عينيها الصادقتين، وكلماتها التي كانت كالبلسم على جرحه.
دون تفكير، مد يده ورفع ذقنها بأطراف أصابعه، مقرباً وجهه من وجهها.
بهمس لم يكن متأكداً إن كان قد نطق به أم فكر فيه فقط.
"أنتِ جميلة جوي يا وعد... جميلة بشكل يوجع الجلب."
لم تكن مجاملة عابرة، بل كانت حقيقة اكتشفها للتو.
جمالها لم يكن فقط في ملامحها الرقيقة، بل في روحها التي تشع دفئاً وأماناً.
تجمدت وعد للحظة، وقلبها بدأ يخفق بعنف.
رأت في عينيه شيئاً مختلفاً، شيئاً لم تره من قبل.
لم تكن نظرة الشفقة أو نظرة ابن العم، بل كانت نظرة رجل... يرى امرأة.
انحنى سند ببطء، وألغى المسافة الأخيرة بينهما في قبلة رقيقة وحذرة. لم تكن قبلة عاصفة أو شغوفة، بل كانت أشبه بسؤال صامت، يعترف فيها بضعفه، ويطلب منها الإذن ليدخل عالمها.
استجابت له وعد بنعومة، ورفعت يدها لتستقر على صدره، وكأنها تقول له "أهلاً بك".
عندما ابتعدا، بقيت جباههما متلامسة، وأنفاسهما تختلط في هواء الليل البارد.
سند بصوت متحشرج من فرط المشاعر.
"أنا آسف... آسف على كل يوم فات مكنتش شايفك فيه."
ردت وعد بابتسامة دامعة.
"المهم إنك شوفتني دلوجت."
أمسك يدها وقبّلها برقة، ثم شبك أصابعه بأصابعها.
لأول مرة منذ زواجهما، لم يشعر أنها مجرد وعد بنت عمه التي تزوجها لإنقاذ الموقف، بل شعر أنها وعد... زوجته.
سند الذي لم يكن يعلم أنه يحتاجه، والضوء الذي بدأ يبدد عتمة روحه.
لم يترك سند يدها. ظل ممسكاً بها وكأنه يخشى إن أفلتها أن يضيع منه هذا الشعور الوليد، هذا الدفء الذي بدأ يتسرب إلى روحه المتجمدة.
جذبها برفق من يدها، لتدخل خلفه من الشرفة إلى الغرفة التي كانت تجمعهما جسداً وتفصل بينهما روحاً.
أغلق الباب الزجاجي للشرفة، فانعزل كل شيء، ولم يبقَ سوى صمت الغرفة الذي أصبح الآن مشحوناً بمشاعر مختلفة.
لم يعد صمتاً محرجاً أو متوتراً، بل أصبح مساحة هادئة تترقب ما سيحدث.
وقف أمامها في الضوء الخافت القادم من القمر، والذي تسلل عبر زجاج الشرفة.
كانت عيناه لا تزالان مثبتتين عليها، تكتشفان تفاصيل وجهها وكأنه يراها للمرة الأولى.
رأى رجفة خفيفة في شفتيها، ولمعة حائرة في عينيها تجمع بين الخجل والأمل.
همس بصوت خفيض وعميق.
"أنا ظلمتك يا وعد... ظلمتك لما خليتك تشاركيني غرفة واحدة وقلبي كان في مكان تاني."
هزت رأسها نافية، وصوتها بالكاد يُسمع.
"أنت كنت موجوع... والموجوع مش بيتحاسب."
هذه القدرة لديها على الغفران حتى قبل أن يطلب السماح، هزته من الأعماق.
كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذا النقاء؟
تقدم منها خطوة أخرى، ورفع يده الحرة ليمسح دمعة هاربة تجمعت في طرف عينيها.
تحركت أنامله برقة على خدها، وشعر بنعومة بشرتها تحته. كانت لمسة مختلفة عن أي لمسة سابقة، لمسة مليئة بالاعتذار، والتقدير، وبداية شيء أعمق.
"من النهاردة... مفيش مكان تاني. المكان الوحيد اللي عايز قلبي يكون فيه، هو المكان اللي أنتِ فيه."
لم تكن مجرد كلمات، بل كانت عهداً يقطعه على نفسه أمامها.
رأى في عينيها تصديقاً ممزوجاً بدهشة سعيدة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة طوال عمرها.
لم يعد قادراً على المقاومة.
جذبها إليه برفق من خصرها حتى التصق جسدها به. شعر بارتعاشة جسدها بين ذراعيه، ووضع ذقنه على رأسها، مستنشقاً رائحة شعرها الجميلة التي تشبه رائحة الياسمين بعد المطر.
أحاطت وعد خصره بذراعيها بتردد، ثم تشبثت به بقوة، وكأنها وجدت مرساها أخيراً.
بقيا على هذا النحو لدقائق بدت كدهر، لا يتكلمان، فقط يستمعان إلى دقات قلبيهما التي بدأت تتناغم في إيقاع واحد.
كان عناقاً يشفي، يمحو أياماً من الوحدة والألم.
بالنسبة له، كان اعترافاً بأنه وجد وطنه.
وبالنسبة لها، كان وصولاً بعد رحلة طويلة من الصبر والحب الصامت.
ابتعد عنها قليلاً، فقط ليتأمل وجهها مرة أخرى في ضوء القمر. مرر إبهامه على شفتها السفلى برقة، ثم انحنى وقبلها مرة أخرى.
هذه المرة، لم تكن القبلة حذرة أو مترددة.
كانت قبلة عميقة، بطيئة، تحمل كل مشاعر الامتنان والشوق والوعد الذي نطق به قبل قليل.
كانت قبلة زوج لزوجته، تعلن بداية فصل جديد حقيقي في حياتهما.
حملها سند بين ذراعيه بسهولة، فشهقت وعد بخفة وتشبثت بعنقه، ودفنت وجهها في صدره بخجل لذيذ.
اتجه بها نحو السرير الذي طالما تقاسماه، ووضعها عليه برفق لا متناهٍ.
جلس بجانبها، وأزاح خصلة شعر تمردت على وجهها.
وقال بهمس حنون.
"اسمحيلى أبدأ معاكي من جديد... بداية صوح."
لم تجب بالكلمات، بل اكتفت بأن هزت رأسها موافقة، وعيناها الدامعتان تبتسمان.
في تلك الليلة، لم ينم سند ووعد كشخصين يجمعهما سقف واحد، بل ناما كروحين وجدتا نصفهما الآخر في قلب العاصفة.
ولأول مرة، لم يكن السرير بارداً أو واسعاً، بل أصبح أدفأ مكان في العالم.
***
في غرفة روح وعد.
وكانت الأيام تمر ثقيلة، متشابهة.
كل صباح، تستيقظ روح لتجد الأريكة فارغة، مما يعني أن عدي قد غادر الغرفة قبل أن تشرق الشمس.
وكل ليلة، كانت تتظاهر بالنوم عندما يدخل الغرفة في وقت متأخر، فتسمع خطواته الصامتة وهو يتجه مباشرة إلى منفاه الصغير على الأريكة.
لم تكن هناك كلمات، لم تكن هناك حتى نظرات. فقط جدار جليدي يفصل بينهما، يزداد سمكاً مع كل ساعة تمر.
في ذلك المساء، قررت روح أن تكسر هذا الصمت الخانق.
لم تعد تحتمل العيش كشبح في غرفتها الخاصة.
عندما دخل عدي الغرفة، كانت جالسة على كرسي قرب النافذة، تقرأ كتاباً تحت ضوء مصباح خافت.
لم ترفع عينيها فوراً، بل منحته فرصة ليعترف بوجودها.
كالعادة، تجاهلها تماماً. وضع مفاتيحه وهاتفه على طاولة صغيرة، وبدأ في خلع حذائه، مستعداً لطقسه اليومي في الانسحاب إلى الأريكة.
روح بصوت هادئ.
"اتعشيت؟"
توقف عدي للحظة، متفاجئاً من أنها تحدثه.
لقد اعتاد على صمتها الذي ظنه استسلاماً.
رد بفتور.
"ايوة."
أغلقت روح الكتاب ووضعته جانباً.
هنا، لم تستطع روح التحمل أكثر. شعرت بقلبها ينفطر.
وبصوت مختنق بالدموع التي حاولت حبسها تحدثت.
"لحد ميتى يا عدي هنفضل إكدة؟"
تقدمت خطوة منه وسألته بألم.
"عدي انت شايف إني استاهل منك كل التجاهل ده؟"
لم يجيبها وقد شعر بوخز ضميره، لكنه أقسم ألا تدخل امرأة حياته سوى نغم.
وعندما لاحظت وجومه لم تستطيع البقاء.
استدارت لتغادر الغرفة، لم تعد قادرة على البقاء فيها ثانية واحدة.
لكن يده أمسكت بذراعها فجأة.
كانت قبضته قوية، لكنها لم تكن عنيفة.
"استني."
التفتت إليه، وعيناها الحمراوان تتحديان دموعهما.
نظر إليها طويلاً، ولأول مرة منذ زواجهما، رأى الألم الحقيقي في عينيها.
لم يرى فيها الزوجة المفروضة عليه، بل رأى روح، الفتاة التي كبرت أمامه، والتي كان حبها له صادقاً وواضحاً كالشمس.
شعر بوخزة حادة من الذنب.
أرخى قبضته، وصوته أصبح هادئاً.
"أنا... أنا آسف مكنش قصدي أجرحك."
كانت أول مرة يعتذر، أول مرة يعترف بوجود مشاعرها.
سحبت ذراعها بهدوء.
"الكلام سهل يا عدي بس الأفعال هي اللي بتثبت."
تركته وخرجت إلى الشرفة، لتتنفس هواءً نقياً بعيداً عن جو الغرفة الخانق. بقي هو واقفاً في منتصف الغرفة، يشعر بفراغ أكبر من المعتاد.
لقد بنى جداراً من الجليد حوله ليحمي نفسه من ألم خسارة نغم، لكنه اكتشف الليلة أن هذا الجدار لا يحبسه هو فقط، بل يقتل ببطء الإنسانة الوحيدة التي أحبته بصدق.
***
دخل جاسر إلى الغرفة التي كانت في الأصل غرفته، والتي أصبحت الآن سجن نغم الخاص.
كان الجناح هادئاً، وهو قد اعتاد على هذا الصمت منذ أن ترك لها هذه الغرفة وانتقل هو إلى غرفة النوم المجاورة.
لكنه لم يجدها، السرير كان فارغاً ومرتباً، والأريكة خالية.
للحظة، عقد حاجبيه في تساؤل، قبل أن يسمع صوت خرير الماء الخافت القادم من الحمام.
أدرك أنها بداخلها.
ستدار ليغادر بهدوء كما دخل، فاحترامه لخصوصيتها لم يكن نابعاً من لطف، بل من كونه هو من يضع القواعد ويقرر متى يكسرها.
لكن قبل أن يصل إلى الباب، لمح شيئاً تحت وسادتها، لم يكن مجرد بروز عادي، بل كان حافة لجهاز إلكتروني.
توقف وداخله شعور بالفضول البارد.
عاد بخطواته الصامتة نحو السرير، ومد يده وسحب ذلك الشيء.
كان هاتفها، هاتفها القديم الذي أعاده إليه السائق، والذي أتى معها من منزل أهلها.
أمسكه بين أصابعه، وشعر ببرودة الجهاز.
حاول تشغيله لكن الشاشة ظلت سوداء. لقد كان مغلقاً تماماً.
في تلك اللحظة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة وساخرة. لقد فهم كل شيء، فهم الآن لماذا رفضت بأدب أخذ الهاتف الذي أرسله مع فرح.
لم تكن ترفض وسيلة اتصال، بل كانت ترفض وسيلته هو.
كانت تظن أنها بإغلاق هاتفها القديم ورفض هاتفه الجديد، تقطع كل الجسور وتعلن استقلالها داخل سجنه. يا لها من سذاجة.
سمع صوت باب الحمام وهو يُفتح، فلم يتحرك. بقي واقفاً بجانب السرير، والهاتف في يده، ينتظرها.
خرجت نغم وهي تجفف شعرها بمنشفة، مرتدية ملابس منزلية بسيطة من ملابس والدته.
تجمدت في مكانها عندما رأته، لم تكن تتوقع وجوده. ثم سقطت عيناها على الهاتف الذي في يده، وشعرت بقلبها يهبط. لقد كُشف سرها الصغير.
لكنها لم تظهر أي خوف. رفعت رأسها، ونظرت إليه مباشرة، وسألته بالبرود الذي اعتادت أن تواجهه به.
"عايز حاچة؟"
لم يعلق جاسر على الهاتف، بل أعاده ببطء إلى مكانه تحت الوسادة، وكأنه شيء تافه لا يستحق الذكر.
تجاهله تماماً كان أبلغ من أي اتهام.
"اجهزي كمان ساعة هنخرج."
نظرت إليه باستغراب.
"نخرج؟ نروح فين؟"
اتجه نحو الباب، وقال بنبرته الآمرة المعتادة دون أن يلتفت.
"هشتريلك هدوم كفاية لبس من هدوم أمي."
كانت في كلماته إهانة مبطنة، تذكير لها بأن كل ما تملكه هنا، حتى الملابس التي تسترها، هي منّة وعطية من عائلته.
أدركت أن هذا الخروج ليس نزهة، بل هو فصل جديد من فصول فرض سيطرته، حيث سيختار لها حتى ما ترتديه.
لم تعد تملك طاقة للجدال أو الرفض. كل ما شعرت به هو إرهاق عميق.
"حاضر."
أومأت برأسها في استسلام، وهو ما كان يتوقعه تماماً. خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه، تاركاً إياها مع شعور بالعجز، ومعرفة أن كل محاولة صغيرة للاستقلال، هو يراها، ويعرفها، وسيسحقها في الوقت الذي يراه مناسباً.
كانت شروق تقف في شرفة غرفتها بالطابق العلوي، تراقب سيارة جاسر الفاخرة وهي تتوقف أمام مدخل القصر.
فتحت عينيها بصدمة وغضب عندما رأت جاسر يخرج من باب السرايا ومعه نغم. كانت نغم ترتدي عباءة سوداء بسيطة وحجابًا، لكن في نظر شروق كانت تبدو كملكة تخرج بصحبة زوجها. فتح لها جاسر باب السيارة، ثم استقل هو مقعد القيادة وانطلق، تاركًا وراءه سحابة من الغبار وقلبًا يشتعل بنار الغيرة.
لم تنتظر شروق لحظة. ركضت خارج غرفتها كالإعصار، واقتحمت جناح والدتها دون استئذان. كانت أمها تجلس أمام مرآتها، تضع بعض الكريمات على وجهها.
صرخت شروق بصوتٍ عالٍ ومرتجف من الغضب.
"شفتي؟! شفتي البيه المحترم عمل إيه؟!"
نظرت إليها أمها ببرود، معتادة على نوبات غضب ابنتها.
"صوتك يا بنت، هيحصل إيه يعني لو حد سمعك دلوجت؟"
اقتربت شروق من والدتها، ووجهها محتقن بالدموع والغضب.
"يسمعوا! خليهم يسمعوا ويعرفوا الكدب اللي عايشين فيهمش أنتي اللي قولتلي اصبري؟ مش أنتي اللي قولتلي جوازته منها دي مجرد انتقام وهيرميها بعد ما يكسرها؟ مش ده كلام أبويا وكلامك؟"
ردت الأم بثقة زائفة.
"وده اللي هيحصل. جاسر مش هيبص في وش واحدة زي دي."
ضحكت شروق ضحكة هستيرية ساخرة.
"مش هيبص في وشها؟! أومال اللي شوفته ده كان إيه؟ خيال؟ أخَدها وخرّجها فتحلها باب العربية بإيده زي ما يكون سواق عند الهانم دي حاجة معملهاش معايا أنا. أنا خطيبته بنت عمه اللي على اسمه."
وقفت الأم واقتربت من ابنتها، محاولة تهدئتها.
"اهدي بس وفهميني يمكن رايح بيها عند دكتور؟ يمكن..."
قاطعتها شروق بحدة.
"دكتور إيه وزفت إيه شفت شكله وشفت شكلها! لابسة ومتشيكة ورايحة معاه دي مبقتش جوازة انتقام، دي بقت جوازة بجد! الست هانم شكلها عرفت إزاي تلعبها صح، لفت على جاسر وعلى أمه، وبكرة تلف على البيت كله وتطردنا منه!"
جلست على حافة السرير، وبدأت تبكي بقهر حقيقي.
"وعدني يا ماما... أبويا وعدني إني هكون ست البيت ده. وعدني إنها هتكون مجرد خدامة تحت رجلي. ودلوقتي؟ دلوقتي هي الهانم اللي بتتفسح معاه، وأنا اللي قاعدة هنا زي الهبلة، بتفرج عليها وهي بتاخد مكاني وحياتي وجوزي."
جلست والدتها بجانبها، وظهر الحقد الصريح في عينيها.
"أنا قولت من الأول البنت دي وشها وش فقر. من يوم ما دخلت البيت ده والمشاكل مبتخلصش... لا والست حنان... بدل ما تقف في صفنا، واقفة في صفها هي، بتحميها وتداري عليها."
قالت شروق من بين دموعها.
"عشان لقت اللي تعمل اللي هي مقدرتش تعمله. لقت اللي تقف في وشك وفي وش أبويا! الاتنين اتحدوا علينا!"
مسحت أمها على ظهرها، لكن لم يكن في لمستها حنان، بل كان فيها تحريض.
"والحل؟ هتفضلي تعيطي كده وتسيبيلها كل حاجة؟"
رفعت شروق رأسها، ومسحت دموعها بعنف. تغيرت نظرتها من القهر إلى تصميم جليدي ومخيف.
قالت بصوتٍ بارد وحازم.
"لا مش هسكت ومش هعيط تاني."
وقفت ونظرت إلى والدتها مباشرة، وعيناها تلمعان ببريق شرير.
"أنا كنت مستنية جاسر يكسرها ويرميها بس الظاهر إنها أفعى وبتعرف تلوّن. والنوع ده... ملوش غير حل واحد."
سألت الأم بترقب.
"حل ايه؟"
قالت شروق ببطء، تتلذذ بكل كلمة.
"لازم تختفي، لازم أخلص منها. طالما هي عايشة وبتتنفس في البيت ده، يبقى مفيش مكان ليا. يا أنا... يا هي."
نظرت الأم إلى ابنتها، ورأت في عينيها قرارًا لا رجعة فيه. لم تحاول أن تمنعها، بل ارتسمت على شفتيها شبه ابتسامة راضية.
لقد أشعلت النار، والآن ستستمتع بمشاهدة الحريق وهو يلتهم كل شيء.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل العشرون 20 - بقلم رانيا الخولي
كان الليل قد حل على منزل جد أكمل، حاملاً معه سكونًا ثقيلاً لم يكسره سوى صوت النخيل.
جلس أكمل ومالك في الحديقة الصغيرة أمام البيت.
كان مالك يتحدث في مواضيع شتى، عن ذكريات الطفولة، وعن بعض المواقف المضحكة التي جمعتهم، محاولًا ببراعة أن ينتشل صديقه من بئر الحزن الذي غرق فيه.
كان أكمل يشاركه بابتسامات باهتة وإجابات مقتضبة، مقدرًا محاولة صديقه، لكن روحه كانت لا تزال معلقة في مكان آخر.
بعد فترة من الصمت، كان أكمل هو من بدأ الحديث هذه المرة، لكن نبرته تغيرت، أصبحت أكثر جدية وحدة، نبرة وكيل النيابة التي لم تفارقه تمامًا.
قال وهو يضع كوب الشاي جانباً:
_ مالك فيه موضوع لازم نتكلم فيه.
انتبه مالك على الفور، وشعر أن الحديث قد أخذ منحى آخر.
_ خير يا أكمل؟
_ قبل ما عم صالح يتصل بيا... قبل ما أعرف خبر جدي... جاتلي مكالمة تانية.
عقد مالك حاجبيه بقلق.
_ مكالمة إيه؟
_ واحد اسمه فواز، بيقول إنه شغال عند ناس ليهم علاقة ببيت التهامي، وإنه اخد نمرتي من حد قريب.
نظر أكمل إلى عيني مالك مباشرة، وقرر أن يلقي بالقنبلة ليرى رد فعله.
_ قالي إن صخر التهامي... اتهجم على نغم.
تغيرت ملامح مالك في لحظة، ظهر على وجهه مزيج من الغضب والقهر والألم، وغمغم بغضب:
_ إللى واكل ناسه دى مابيستحى من حاچه واصل، كيف ياعنى يتهچم على مرت ابن اخوه؟ وكيف انت تعرف حاچة زي دي ومتجولش يا أكمل؟
وهو نفس رد الفعل الذي توقعه أكمل، لكن أكمل لم يترك له فرصة للرد.
_ اسمعني للآخر قبل ما تتكلم.
قال أكمل بحزم هادئ:
_ أنا فكرت في الكلام ده كتير اليومين اللي فاتوا فكرت فيه بعقلي، مش بقلبي والموضوع ده... مش راكب على بعضه.
قال مالك بحدة مكتومة:
_ مش راكب كيف، الراجل سمعته عفشه وكلب فلوس، وإيه اللي يمنعه يعمل إكده؟!
رد أكمل بثقة:
_ اللي يمنعه هو جاسر. يا مالك، إحنا بنتكلم عن صخر التهامي أكبر همه في الدنيا دي هو الفلوس والسلطة ونغم، بكل المقاييس، هي ملكية خاصة لجاسر. صخر أجبن وأخبث من إنه يتعدى على حاجة تخص ابن أخوه اللي هو دراعه اليمين وسنده. لو جاسر اتقلب عليه، صخر هيخسر كل حاجة.
صمت مالك، يفكر في منطق كلام أكمل.
_ طيب... أومال إيه تفسيرك؟
_ أنا عندي نظرية تانية خالص.
نظر إليه مالك باهتمام.
_ أنا شايف إن دي لعبة، لعبة حقيرة من صخر نفسه. صخر عارف إن فيه عيون بتراقب من طرفنا ممكن يكون هو اللي سرّب الإشاعة دي بنفسه ممكن يكون قاصد إن الكلام يوصلنا.
سأل مالك بحيرة:
_ ليه؟! ليه يعمل إكده؟!
قال أكمل ببرود:
_ عشان يولعها. عشان يخلي واحد فيكم يتهور. عشان يخلي واحد دمه حامي... يسمع خبر زي ده، فيقوم رايح يعمل مصيبة وساعتها، يبقى هو اللي له الحق، وهو اللي يرد علينا، ويقدر الطب الشرعي يثبت ان كل ده محصلش وتبقى حجة عشان يخلص منكم كلكم بحق القانون والعرف.
سقطت كلمات أكمل على مالك كالصخر، لقد كان تحليلاً منطقياً بشكل مخيف لقد كانوا هم الضحية المثالية لهذه اللعبة.
تابع أكمل:
_ صخر رمالكم الطعم، ومستني حد يبلعه.
سند مالك ظهره للخلف، وهو يشعر بالمرارة والغضب والعجز. لقد بدت الأمور أوضح الآن، وأكثر قذارة.
قال مالك بحزم:
_ لازم نتأكد يا أكمل، لازم نعرف الحقيقة.
رد أكمل، وعيناه تلمعان بتصميم فولاذي:
_ هنعرف بس مش بالتهور هنلعبها بعقل. حق نغم، هيرجع بس هيرجع بطريقتنا إحنا... بطريقة القانون وهخليهم يندموا على اليوم اللي فكروا يلعبوا فيه مع عيلة الرفاعي.
لقد بدت الأمور أوضح الآن، وأكثر قذارة لكن هذا الوضوح لم يهدئ من غضبه.
_ حتى لو لعبة يا أكمل! حتى لو مجرد إشاعة! مجرد التفكير في الموضوع ده يخلي الدم يغلي في عروجي مش هسكت.
وقف أكمل أخيراً وواجه صديقه وعيناه تلمعان بتصميم فولاذي:
_ ومين قال إننا هنسكت؟ حق نغم هيرجع بس مش بالتهور هنلعبها بعقل.
لم يتقبل مالك خطة أكمل الهادئة:
_ بعقل؟! بنت عمي بتتهان ويمكن تكون في خطر، وأنت بتجولي بعقل؟! لازم نعمل حاچة، ودلوجت
اقترب منه أكمل، ووضع يده على كتفه بقوة، وأجبره على النظر في عينيه:
_ هنعمل بس مش بالطريقة اللي هما عايزينها مش هنكون أغبياء ونمشي في الفخ اللي نصبوه. طالما أنا هنا، مش هسمح لحد تاني يقع في نفس الغلط.
صمت للحظة، ثم قال بنبرة غامضة ومخيفة، نبرة تحمل وعدًا بشيء أعمق من مجرد الانتقام:
_ قولتلك حق نغم هيرجع. عندي خطة... خطة هتخليهم هما اللي يتمنوا لو إن الإشاعة دي كانت حقيقية، عشان تكون أهون من اللي هيحصلهم.
ترك أكمل صديقه واقفاً في حيرته وغضبه، واتجه نحو هاتفه.
لم يكشف عن تفاصيل خطته، لكن نظرته كانت كافية لتؤكد لمالك أن أكمل لن يكتفي برد الحق، بل سيهدم المعبد على رؤوس من فيه، ولكن بهدوء، وبضربات محسوبة وقانونية، وهذا ما يجعله أكثر خطورة.
❈-❈-❈
تبعته كظله إلى السيارة الفاخرة التي انطلقت بهما نحو إحدى المحلات الشهيرة في تلك المنطقة.
كان المكان يعج بالحياة والأضواء والموسيقى، عالمٌ صاخب يتناقض بشكل صارخ مع الصمت المطبق الذي تعيش فيه.
استقبلتهم مديرة المحل بترحاب مبالغ فيه فور أن رأت جاسر، وكأن المكان كله قد توقف عن التنفس في حضوره.
_ جاسر بيه! يا ألف أهلا وسهلا المكان كله تحت أمرك.
أشار جاسر ببرود إلى كرسي أنيق من القطيفة في زاوية منعزلة من المحل، كملكٍ يشير إلى مكان خادمه.
_ اجعدي هنه.
قالها لنغم، ثم التفت إلى المديرة.
_ هاتيلها حاجة تشربها ومتتحركش من مكانها.
في تلك اللحظة، شيء ما داخل نغم تمزق لم تستطع الاستمرار في ذلك الاستسلام المطلق.
رفعت رأسها ببطء، ووجهت إليه نظرة حانقة، نظرة لم تكن صاخبة لكنها كانت مشتعلة بنار الكرامة المذبوحة.
كانت شرارة تمرد صغيرة في محيط من الرماد.
لاحظت مديرة المحل تلك النظرة الخاطفة، وشعرت بالتوتر الكهربائي الذي ملأ الهواء فجأة.
شعرت بالإحراج الشديد، وحاولت تلطيف الأجواء باحترافية مصطنعة.
_ اتفضل اختار اللي يعجب حضرتك، وأنا هطلب من البوفيه يقدم حاجة للمدام.
أومأ لها جاسر بصمت، وعيناه لم تفارقا نغم.
انتظر حتى ابتعدت الفتاة مسافة كافية، ثم تحرك.
لم يصرخ، لم يتكلم كانت حركته أشد فتكًا من أي كلمة.
خطى نحوها ببطء قاتل، وانحنى عليها حتى أصبح وجهه على بعد سنتيمترات من وجهها.
لم يلمسها، لكن وجوده كان ثقيلاً كالصخر.
كشر عن أنيابه في ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه اللتين كانتا تقدحان شررًا.
همس بصوتٍ خفيض، كفحيح أفعى صوتٌ مخصص لها وحدها:
_ الكلب لما بيفكر يعض صاحبه اللي بياكله... صاحبة ميضروبهوشى جدام الناس.
صمت للحظة، وعيناه تجولان على وجهها المتجمد من الصدمة والخوف.
_ بيدعس على رقبته لما يرجعوا البيت... عشان يفهمه مين سيده.
لم تكن كلماته مجرد تهديد، بل كانت وعدًا صريحًا ومرعبًا.
استقام ببطء، وعادت ملامحه إلى البرود الجليدي وكأن شيئًا لم يكن.
أما نظرات نغم فقد كانت مثل فوهة بركان على وشك الانفجار.
وتحدثت بغضب مكتوم:
_ انت احقر انسان شوفته في حياتي.
رفع حاجبيه وعينيه تنذرها بغضب، لكنها عميت عن الخطر لتجرح كبرياءه.
فغمغم بلهجة رغم هدوءها إلا إنها تحمل غضب عارم وقوة لا يستهان بها:
_ جولتلك مش بيضرب جدام الناس، بس في حاچات تانية ممكن أعملها دلوجت هتخليكي تتمني إن الأرض تنشج وتبلعك، أحذري مني لإن غضبي واعر جوي.
نظر إلى مديرة المحل التي كانت تقترب بحذر وهي تحمل كوب عصير.
قال جاسر بصوتٍ عالٍ وواضح، ثم نظر إلى نغم نظرة أخيرة تحمل ألف معنى، كلها تدور حول العقاب القادم:
_ المدام غيرت رأيها مش هتشرب حاجة هتستناني هنا... زي ما أمرتها.
ثم استدار وبدأ جولته في المحل لاختيار الملابس، تاركًا نغم على كرسيها، ترتجف من الداخل.
لقد أطفأ شرارة التمرد الصغيرة تلك بفيضان من الجليد والتهديد، وجعلها تدرك أن أي محاولة لرفع رأسها أمامه في العلن، ستُقابل بعقابٍ قاسٍ ومذل في السر.
لقد تحولت تجربة التسوق إلى درسٍ آخر في القوة، درسٍ تعلمت فيه أن حتى نظراتها أصبحت تحت سيطرته.
جلست نغم على الكرسي، كقطعة أثاث تم وضعها في ركن.
لم تكن جزءًا من التجربة، بل كانت مجرد متفرج إجباري على مسرحية بطلها ومخرجها هو جاسر.
بدأ جاسر جولته في المحل لم يكن يختار بعشوائية، بل كان يتحرك بثقة ودراية، كقائد عسكري يتفقد ترسانته.
كان يمرر أصابعه على الأقمشة، يتفحص القصات، ويمزج بين القطع المختلفة بنظرة فنان قاسٍ.
لم يسألها عن رأيها، لم يلتفت ليرى ما قد يعجبها لم يستشرها في لون أو تصميم كان يلغي وجودها وذوقها وإرادتها تمامًا.
كان المشهد لرجل مهيب، يحيط به مساعدو المبيعات من كل جانب، يختار ملابس نسائية لزوجته الجالسة في الركن كشبح صامت.
اختار لها كل شيء: ملابس سهرة، ملابس نهارية، بناطيل، وحتى ملابس النوم.
كان يختار الألوان التي يفضلها هو، والتصاميم التي تعجبه هو، والأقمشة التي يراها مناسبة له هو.
كانت كل قطعة يختارها تحمل رسالة.
اختار فستانًا أسود، ضيقًا وبسيطًا.
_ ده عشان تبقي أنيقة في حزنك.
لم يقولها بلسانة اللاذع بل بعينيه التي توصل الرسالة بطريقة اشد فتكاً.
كانت مديرة المحل والمساعدات يراقبن المشهد في صمت، منبهرات بقوته وذوقه، وغير مدركات للقسوة النفسية التي يمارسها.
أما نغم، فكانت تجلس في مكانها، عيناها فارغتان.
كانت ترى الملابس تتكدس، لكنها لا تشعر بشيء.
لم تكن ملابسها، بل كانت زياً موحداً جديداً يفرضه عليها سجانها.
كانت هذه طريقته ليقول لها "حتى جلدك الذي ترتدينه، أنا من يختاره لا تملكين شيئًا، ولا حتى ذوقك الخاص."
بعد أن انتهى، وأشار إلى كومة الملابس الهائلة، التفت إلى المديرة:
_ كل دول ابعتوهم على السرايا والمقاس... أنتم عارفينه.
يبدو أنه كان قد أرسل لهم مقاساتها مسبقًا، في خطوة أخرى تؤكد تخطيطه المسبق لإلغاء أي دور لها.
ثم نظر إلى نغم التي لا تزال جالسة في مكانها:
_ لسه جاعدة؟ جومي.
نهضت، وتبعته خارج المحل بنفس الصمت الذي دخلت به.
لم تحمل كيساً واحداً، ولم تختر قطعة واحدة.
لقد خرجت من تجربة شراء ملابس جديدة وهي تشعر بأنها أصبحت أكثر عريًا من أي وقت مضى.
لقد جردها من آخر معقل من معاقل هويتها الشخصية: اختيارها لما يغطي جسدها.
وأدركت أن سيطرته لن تكون جسدية فقط، بل ستتغلغل في كل تفصيله من تفاصيل حياتها، حتى تصبح مجرد دمية جميلة وحزينة في قصره الكبير.
❈-❈-❈
كان أكمل يجلس في شرفة منزل جده في الصعيد، يرتشف قهوة مرة طعمها كمرارة الفقد الذي يستقر في حلقه.
أصوات المعزيين خفتت، والليل بدأ يرخي سدوله على الدار التي بهتت أنوارها برحيل صاحبها.
رن هاتفه، ورأى اسم "ليلى" على الشاشة.
تردد للحظة، ثم أجاب بصوتٍ مرهق.
جاء صوتها هادئًا ومُعدًا بعناية، كأنها تقرأ من نص محفوظ.
_ أكمل؟ حبيبي... البقاء لله. أنا آسفة مكلمتكش من بدري، بس كنت عايزة أسيب لك مساحتك.
رد أكمل بفتور، وصمت ينتظر ما سيأتي بعد ذلك.
_ ونعم بالله.
_ بابا وماما كانوا عند باباك ومامتك النهاردة في القاهرة وقدموا الواجب طبعًا أنت عارف إن صعب عليهم يسافروا الصعيد فجأة كده.
شعر أكمل بوخزة من الغضب البارد.
"صعب عليهم".
كلمتان بسيطتان لكنهما كشفتا عن هوة سحيقة بين عالميهما.
قال بسخرية لم تخفَ عليه:
_ عارف يا ليلى، عارف المشوار طويل على بس اللي هما ميعرفوش إن جدي اللي مات ده كان كل عيلتي اللي باقية هنا كنت متوقع أشوف حد من أهلك جنبي.
ردت بسرعة، وبدأت نبرتها الحقيقية تتسلل.
_ يا حبيبي ما أنا قولتلك هما راحوا لباباك، وبعدين... يعني... الله يرحمه، هو كان راجل كبير وتعبان أكيد ارتاح دلوقتي وأنت كمان... اقصد... لازم ترتاح.
صمت أكمل، محاولاً استيعاب ما تقوله.
"أنت كمان لازم ترتاح".
_ أرتاح من إيه بالظبط يا ليلى؟
هنا، كشفت عن نواياها دون أن تدرك مدى فداحة كلماتها.
_ ترتاح من الشحططة دي يا أكمل من السفر كل شوية، والقلق اللي كان واكل دماغك بصراحة يا حبيبي، الموضوع ده كان معطلك أوي.
أخذت نفسًا وكأنها تقدم له بشرى سارة.
_ دلوقتي خلاص... مفيش حاجة تشغلك تقدر تركز في مستقبلك 100%. أنا وبابا كنا لسه بنتكلم، هو شايف إنك مش هتفضل وكيل نيابة كتير بالتركيز ده قريب أوي هنبارك لك على منصب رئيس النيابة لازم تفكر في الخطوة الجاية من دلوقتي.
في تلك اللحظة، شعر أكمل وكأن الهواء قد سُحب من رئتيه.
لم تكن تعزيه، بل كانت تحتفل بإزالة "عقبة" من طريق مستقبلهما المهني والاجتماعي.
جده، بتاريخه وحبه وذكرياته، تحول في حديثها إلى مجرد "شغلة" و"عطلة" وانتهت.
شعر بغضبٍ حارق يغلي في صدره، غضبٌ لم يشعر به من قبل.
_ عقبة؟ جدي كان عقبة يا ليلى؟
ارتبكت.
_ لأ طبعًا مش قصدي. قصدي... قصدي إنك دلوقتي بقيت فاضي لمستقبلك... لينا.
لم يعد يحتمل.
كل كلمة كانت تخرج منها كانت طعنة في حزنه وفي حبه لجده.
قال بصوتٍ مخنوق ومتحشرج من الغضب:
_ مستقبل؟ أنا جدي لسه ترابه مبردش وانتي بتخططي للمنصب الجاي؟ بتقوليلي إنه ارتاح عشان أنا أرتاح من مسؤوليتي ناحيته؟
لم ينتظر ردها.
لم يعد هناك ما يمكن قوله.
_ سلام يا ليلى.
أغلق الخط في وجهها قبل أن تنطق بحرف واحد.
ألقى الهاتف بجانبه بقوة، ووقف يحدق في ظلام الليل، يشعر بأنه لم يفقد جده فقط، بل فقد آخر وهمٍ كان يتعلق به في عالمه الآخر... عالم القاهرة السطحي والبارد.
❈-❈-❈
كانت رحلة العودة إلى السرايا صامتة، لكن الصمت كان يصرخ بالتهديدات.
لم ينظر جاسر إليها، ولم ينطق بحرف، وهذا الهدوء المتعمد كان أشد رعباً من أي غضب معلن.
ما إن دخلا الجناح وأغلق جاسر الباب خلفهما، حتى سقط قناع البرود الجليدي عن وجهه.
لم يصرخ، لم يكسر شيئاً بل استدار نحوها ببطء شديد، وفي عينيه كانت هناك عاصفة هوجاء من الغضب المكتوم.
كانت نظراته وحدها كافية لجعل الهواء في الغرفة ثقيلاً وغير قابل للتنفس.
ألقى بالأكياس الفاخرة التي يحملها على الأرض بإهمال، كأنها قمامة لا قيمة لها.
_ عچبتك التمثيلية اللي عملتيها جدام الناس؟
وقفت نغم في مكانها، وظهرها مستقيم، وذقنها مرفوع.
_ أيوة عچبتني وكنت رايدة أكملها بس مش نغم الرفاعي اللي تنزل بمستواها جدام واحد زيك.
لم تعد تلك الفتاة الخائفة التي كانت ترتجف قبل قليل.
لقد وصلت إلى نقطة اللاعودة.
الإهانة في المحل لم تكسرها، بل أشعلت كل ما تبقى فيها من كبرياء.
اقترب منها خطوة، وصوته كان هادئاً بشكل مرعب، همس كفحيح أفعى:
_ أني مش جولتلك إن الكلب لما بيعض صاحبه... بيتربى في البيت؟
هنا انفجرت نغم.
لم تعد قادرة على كتمان أي شيء.
ضحكت ضحكة عالية، ضحكة هستيرية خالية من أي مرح، ضحكة ولدت من رحم القهر.
_ كلب؟! وصاحب؟! أنت فاكر نفسك إيه؟
قطبت جبينها بقهر.
_ أنت مجرد واحد مريض... ضعيف! بتستجوى عليا عشان تداري ضعفك وخوفك!
تجمدت ملامح جاسر، لم يتوقع هذا الانفجار، لم يتوقع هذه الكلمات.
لقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء.
أكملت نغم بصراخ، والدموع تنهمر من عينيها بغزارة لكنها كانت دموع غضب لا ضعف.
_ أيوة أنت فعلاً أحقر إنسان شوفته في حياتي. بتجتل الناس بدم بارد. بتخطف واحدة من بيت أهلها وتچبرها تتچوزك. بتعاملها كأنها خدامة ولما تبصلك بصة فيها كرامة... بتهددها! للأسف ده مش جبروت يا جاسر بيه... ده اسمه نقص!
تقدم نحوها وأمسك بذراعها بقوة، وعيناه تقدحان شرراً.
_ اخرسي!
لكنها لم تخرس.
انتفضت لتخلص ذراعها منه، وضربته على صدره بكل ما أوتيت من قوة، ضربة لم تؤثر فيه جسدياً، لكنها كانت تحدياً صارخاً لسلطته.
_ لأ مش هخرس! هتفضل لامتى تعيش في دور الشيطان ده؟! بتعذبني عشان تنتجم من أهلي؟ طب ما تنتجم منهم هما! روح واچههم راچل لراچل! لكنك أجبن من إنك تعملها! أسهل لك تحبس واحدة ست وتستعرض عليها عضلاتك يا حقير.
وقف جاسر مصدوماً وحائراً، لم يكن غاضباً فقط، بل كان مرتبكاً.
هذه المرأة أمامه كانت لغزاً لا يستطيع حله.
مرة تكون مستسلمة وهادئة كالحمل الوديع، ومرة تنهار باكية في صمت، والآن... الآن هي بركان ثائر، تقف في وجهه، وتتهمه بالجبن، وتجرح كبرياءه في الصميم.
كان انهيارها هذه المرة مختلفاً، لم يكن انهيار ضحية، بل كان ثورة محارب يائس قرر أن يموت واقفاً على أن يعيش راكعاً.
ترك ذراعها فجأة، وتراجع خطوة إلى الخلف، وهو ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة.
يرى النار في عينيها، يرى القوة التي ولدت من عمق اليأس.
صرخت فيه مرة أخرى، وصوتها مبحوح من البكاء والصراخ.
_ اجتلني! يلا! مش أنت بتجتل اللي بيعصاك؟! اجتلني وريحني وريح حالي. بس أعرف إنك لو معملتهاش... لو مخلصتش مني... أني اللي هخلص منك، هفضل شوكة في حلقك كل يوم، هفكرك كل لحظة إنك فاشل... وإنك مجدرتش تكسرني!
تجمعت الدموع التي لم تستطيع ردعها اكثر من ذلك وتابعت بقهر وقد سقطت دموعها.
_ دمرتني وضيعت مستجبلي وحرمتني من أهلي ومن چامعتي وحبستني لجل شيء مليش ذنب فيه. مبسوط إكدة من اللي عملته؟ شايفه في عينيك قوة ونصر؟ تمام انتصرت ودرتني ودمرتي عيلتي. خلاص مبجاش فيا حيل لأي شيء.
ثم سقطت على ركبتيها، وانفجرت في بكاء عنيف، بكاء من فرط الإرهاق العاطفي والجسدي.
وقف جاسر يراقبها، وفي داخله صراع عنيف.
جزء منه يريد أن ينفذ وعده، أن "يدعس على رقبتها" ليعلمها من هو سيدها.
لكن جزءاً آخر، جزء لم يكن يعلم بوجوده، كان يقف مشدوهاً أمام هذه القوة، أمام هذه الروح التي ترفض أن تنكسر رغم كل شيء.
لأول مرة في حياته، لم يعرف جاسر التهامي ماذا يفعل.
لقد واجه أعداءً ورجالاً أشداء، لكنه لم يواجه قط امرأة تحاربه بضعفها، وتنتصر عليه بدموعها الممزوجة بالتمرد.
خرج من الغرفة صافقًا الباب خلفه بعنف وهربهرب من كل شيء ولم يجد أمامه سواههو وحده من يستطيع فهمه ولا أحد آخر غيره.
❈-❈-❈
كانت ليلة هادئة في سرايا الرفاعي هدوء ظاهري يخفي تحته براكين من المشاعر المكبوتة والأسرار الدفينة.
في غرفتها كانت روح تجلس على حافة سريرها تحدق في الفراغ وعيناها تحملان حزنًا عميقًا، حزنًا يتجاوز عمرها الصغير، لم تعد تحتمل هذا الصمت، هذا الخداع الذي تعيش فيه.
نهضت واتجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة جدها وهدان.
طرقت الباب بخفة ودخلت قبل أن يأتيها الرد.
كان وهدان مستلقيا على فراشه مستندا بظهره على الوسائد.
رفع عينيه فور دخولها ابتسم لها ابتسامة حنونة لكنها لم تصل إلى عينيه.
_ روح يا بنتي تعالي.
تقدمت روح نحوه وجلست على المقعد المقابل له، لم تتكلم في البداية فقط نظرت إليه نظرة تحمل عتابًا وألمًا.
لاحظ وهدان نظراتها فتلاشت ابتسامته وحل محلها قلق خفي.
_ مالك يا روح في حاجة؟
أخذت روح نفسًا عميقًا كأنها تستجمع كل ما تبقى لها من قوة ثم بصوت خافت مهزوز قالت:
_ كنت جاية أطمن عليك يا جدي بس... بس فيه حاجة تانية عايزة أتكلم فيها.
قطب وهدان جبينه بقلق ثم أعطاها كل انتباهه.
_ قولي يا بنتي أنا سامعك.
قالت روح ودموعها بدأت تتجمع في عينيها:
_ ليه يا جدي؟ ليه خدعتني ليه جولتلي إن عدي بيحبني وهو عمره ما حبني.
صُدم وهدان من سؤالها المباشر، لم يتوقع أن تواجهه بهذه الطريقة.
حاول أن يتكلم أن يبرر لكن الكلمات خانته.
_ أنا... أنا مخدعتكيش يا بنتي أنا كنت...
قاطعته روح وصوتها بدأ يرتفع يحمل نبرة من الانهيار:
_ لأ خدعتني، خدعتني وأهنتني لما أجبرت عدي إنه يتجوزني وهو مش بيحبني. خليتني أعيش في وهم، في كدبة كبيرة، خليتني أحس إني رخيصة إني مفروضة عليه.
أغمض وهدان عينيه بألم ثم فتحها ليجدها عينيها تصيبه بسهامها القاتلة.
_ يا روح اسمعيني أنا كنت بعمل اكده عشان سعادتك، كنت عايز أشوفك مبسوطة.
هزت روح رأسها برفض وصرخت فيه لكن صرختها كانت ممزوجة بالبكاء.
_ سعادتي؟! دي مش سعادة ده دمار، دمرتني يا جدي دمرت كرامتي، دمرت جلبي.
نهضت وهي تدينه بقوة، اكتسبتها من آلامها.
_ لو كنت سبت عدي يصارحني بالحجيجة! لو كنت سبته يجولي إنه مش بيحبني، كنت هرضى. كنت هزعل شوية بس مكنتش هتكسر بالشكل ده. مكنتش هحس إني ولا حاچ.
شعر وهدان بثقل السنين على كتفيه وقال بصوت متعب مهزوم:
_ إنتي أمانة أبوكي يا روح، أبوكي الله يرحمه سابكم في رقبتي وكانت أمنية حياته يشوفكم مبسوطين.
هنا انفجرت روح فيه لكن بأدب بألم بمرارة:
_ أمانة حافظت عليها كيف يا جدي؟ كل حاچة عملتها معانا كانت غلط. وهمت سند بنغم ونغم بسند وهما الاتنين عاشوا بسببك في نفس الوهم اللي أنا عشته وفي الآخر سبتها بين الديابة لوحدها ومفكرتش تسأل عليها وتعرف هي عاملة إيه وسطيهم. كل اللي همكم سمعة العيلة وخلاص. عملت فرح وجوزت سند بوعد وانتهت الجصة ونغم ولا حد فاكرها. يبجى فين بجا الأمانة اللي حافظت عليها.
كانت كلمات روح كالسياط التي تلهب ظهر وهدان، كل كلمة كانت تكسر قلبه، تجعله يشعر بحجم خطئه.
بحجم الألم الذي سببه لأحفاده، لم يجد ما يقوله.
لم يجد أي تبرير لأفعاله، شعر بالندم ينهش روحه بالذنب يثقل كاهله.
أخيرًا بعد صمت طويل قال بصوت خافت مهزوم:
_ أني متخلتش عن نغم، بس اللي جدامك ده التار خسره كتير جوي، ومكنش فيه حيل يخسر تاني. نغم غلوتها عندي من غلاوتك، انتو الاتنين ليكم غلاوة ربنا واحده اللي يعلم بها. اتجهرت على فراجها، بس الوجوف جدام عيلة التهامي هيديهم الفرصة أنهم يكملوا التار واني جفلت كل بباني في وشه. حتى لما راح فيها ابني، جولت اجصر الشر واسيب الامر في يد الحكومة وهي جامت بالواجب وزيادة. اللي حصل حصل يا روح وانتهى ومفيش منه مهرب، أنا عارف إني غلطت غلطت كتير بس أوعدك... أوعدك إني هحاول أصلح اللي غلطت فيه.
نظرت إليه روح ودموعها لا تزال تنهمر لم تقل شيئًا فقط استدارت وخرجت من الغرفة تاركة وراءها جدًا محطمًا وروحًا ممزقة وقلبًا لا يعرف كيف يداوي جراحه.
***
خرجت روح من غرفة جدها، وخطواتها ثقيلة وقلبها يعتصر ألمًا.
كانت دموعها لا تزال تتدفق بصمت على خديها، تاركة أثرًا من الحزن.
لم تكن تدرك أن عيني ورد، والدة عدي وحماتها، كانت تراقبها من بعيد.
كانت ورد قد خرجت لتوها من غرفتها، وشعرت بشيء غريب في الأجواء.
عندما رأت روح بهذا الحال، تأكدت شكوكها.
اقتربت ورد من روح بخطوات هادئة، ومدت يدها لتلمس كتفها بحنان.
_ روح؟ مالك يا بتي في إيه؟
انتفضت روح، ومسحت دموعها بسرعة، محاولة أن تخفي أثر حزنها.
_ مفيش حاجة يا مرات عمي، أنا زينة.
قالتها بصوت مهزوز، خانتها نبرته.
لم تصدقها ورد.
كانت تعرف روح جيدًا، وتعرف أن هذا الحزن ليس مجرد عابر.
أمسكت بيد روح بحنان، وقادتها نحو غرفتها.
_ تعالي معايا يا روح، نتكلم شوية.
دخلت بها الغرفة وأغلقت ورد الباب خلفهما، وقادتها على الفراش وجلست بجانب روح عليه.
نظرت إليها بعينين تحملان كل معاني الأمومة والحنان.
_ يا بنتي، أنا أمك زي ما أنا حماتك، وخابرة زين إن فيه حاجة تاعباكي. جوليلي، إيه اللي بينك وبين عدي؟ فيه مشاكل؟
نظرت روح إلى ورد، وشعرت برغبة عارمة في البوح بكل شيء، في إلقاء هذا الحمل الثقيل عن كاهلها.
لكنها تذكرت عدي، وصورته وهو يواجه غضب جدها، وكيف أنه اضطر للزواج منها.
لم تستطع أن تفضحه، أن تظهر ضعفه أمام والدته.
هزت رأسها بالنفي وقالت بصوت خافت، محاولة أن تبدو مقتنعة:
_ لأ يا مرات عمي، مفيش أي حاجة. أنا مبسوطة مع عدي، وهو كويس معايا.
تنهدت ورد، وشعرت بخيبة أمل.
كانت تعلم أن روح تكذب، لكنها لم تستطع إجبارها على الاعتراف.
_ طيب، إيه اللي مخليكي زعلانة اكده؟
قالت روح، محاولة أن تجد مبررًا لحزنها.
_ أنا... أنا بس متأثرة بغياب نغم وحشتني جوي، والبيت من غيرها مش هو هو.
أومأت ورد برأسها، وكأنها تصدقها.
_ أه، نغم وحشتنا كلنا بس الحياة لازم تستمر يا روح. ومينفعش نفضل عايشين في الحزن.
صمتت ورد للحظة، ثم تابعت بصوت هادئ يحمل في طياته نصيحة مبطنة:
_ يا روح الست الشاطرة هي اللي تجدر تخلي جوزها ميشوفش غيرها. الراچل زي الطفل، عايز اهتمام وحنان. عايز يحس إن مراته هي كل حاچة في حياته. حاولي معاه مرة واتنين وتلاتة، ومتيأسيش بالمحاولة والصبر، أي راچل بيستسلم لمراته، ومبيشوفش غيرها. إنتي لسه صغيرة، والحياة جدامك. متخليش أي حاجة تكسرك. خليكي قوية، وخليكي سند لجوزك، وهو هيكون سند ليكي.
نظرت روح إلى ورد، وفهمت ما ترمي إليه.
كانت ورد تحاول أن تقول لها إن عليها أن تكسب قلب عدي، أن تجعله يحبها، حتى لو لم يكن يحبها الآن.
شعرت روح ببعض الأمل، وببعض القوة تتسلل إلى قلبها.
ربما لم يكن كل شيء قد انتهى بعد.
ربما كان هناك أمل في أن تبني حياتها مع عدي، وأن تجعله يحبها يومًا ما.
❈-❈-❈
كان عدي يقف في زاوية شارع مزدحم في القاهرة، يتحدث بصوت خافت مع رجل غليظ الملامح.
كان قد قضى اليومين الماضيين في البحث والتخطيط، ووجد أخيرًا من سيساعده في خطته المجنونة في منزل التهامي لإحداث فوضى، يتمكن خلالها من التسلل وإنقاذ نغم.
قال الرجل:
_ كل حاچة جاهزة يا باشا. بالليل، ساعة ما الناس تهدى، هنكون مستنيين إشارتك.
أومأ عدي برأسه، وأعطى الرجل دفعة من المال.
_ استناني هتصل بيك.
استدار عدي ليعود إلى سيارته، وفي تلك اللحظة، لمحها.
كانت سيارة جاسر التهامي الفاخرة متوقفة على الجانب الآخر من الشارع، أمام مركز تجاري ضخم، لم يكن جاسر بداخلها، لكنها كانت هي نغم.
كانت تجلس في المقعد الأمامي، رأسها مسنود على زجاج النافذة، وعيناها شاردتان.
لم تكن تبكي بصوت، لكنه رأى بوضوح دموعًا صامتة تنحدر على خديها، ترسم خطوطًا لامعة على وجهها الشاحب.
كان منظرها يمزق القلب، منظر طائر قد كسرت أجنحته محبوس في قفص من ذهب.
شعر بدمه يغلي.
لم يفكر.
كل ما أراده هو أن يصل إليها، أن يفتح باب السيارة ويخرجها من هذا الجحيم.
بدأ يخطو نحو الشارع، مندفعًا بين السيارات، وعيناه مثبتتان عليها.
_ نغم!
صرخ باسمها، لكن صوته ضاع في الضجيج.
في تلك اللحظة، خرج جاسر من أبواب المول، يحمل عدة أكياس قليلة، اتجه مباشرة إلى السيارة، ووضع الأكياس في المقعد الخلفي، ثم استقل مقعد القيادة دون أن يلاحظ عدي الذي كان قد وصل إلى منتصف الطريق.
انطلقت السيارة بسلاسة، وابتعدت عن الرصيف.
ركض عدي آخر بضعة أمتار، وهو يصرخ باسمها، لكن السيارة كانت قد تسارعت واختفت بين زحام الشوارع.
وقف في منتصف الطريق، والسيارات تمر من حوله وتطلق أبواقها بغضب.
لم يكن يراها، كل ما كان يراه هو صورة نغم وهي تبكي في سيارة عدوه، وصورة جاسر وهو يعود إليها كأنهما زوجان طبيعيان في رحلة تسوق.
اشتعلت الغيرة في صدره كنار جهنم، وأحرقت آخر بقايا العقل والمنطق في رأسه.
لم يعد يرى خطته كخطة إنقاذ، بل كخطة انتقام يجب أن يحرقهم.
يجب أن يحرق كل شيء الليلة.
عاد عدي إلى المنزل في وقت متأخر، وعيناه تطلقان شررًا.
لم يتحدث مع أحد، وصعد مباشرة إلى جناحه.
كان قد اتخذ قراره النهائي، وكان يستعد لتنفيذه.
دخل الغرفة، فوجد روح تنتظره.
كانت قد قررت أن تبادر، أن تحاول للمرة الأخيرة أن تصلح ما انكسر.
كانت ترتدي فستانًا بسيطًا وجميلاً، وعلى وجهها ابتسامة متوترة.
قالت بصوتٍ ناعم:
_ عدي... حمد لله على السلامة. أنا حضرت لك العشا، وعملتلك...
_ مش عايز زفت!
قاطعها بصوتٍ عالٍ وقاسٍ، وهو يفتح خزانته ويبدأ في إخراج بعض الملابس الداكنة بعنف.
تراجعت روح خطوة، مصدومة من حدته.
_ مالك يا عدي؟ ليه بتكلمني كده؟ أنا عملت إيه؟
اقتربت منه، ومدت يدها لتلمس كتفه.
_ لجل خاطري يا عدي، خلينا نتكلم خلينا نحاول... أنا بحبك، ومستعدة أعمل أي حاجة عشان نصلح حياتنا.
في تلك اللحظة، انفجر عدي.
استدار ودفعها بكل قوته بعيدًا عنه.
_ ابعدي عني!
فقدت روح توازنها وسقطت بقوة على الأرض.
لم تكن الصدمة من السقوط، بل من الدفعة، من الكراهية التي رأتها في عينيه.
وقف فوقها، كشيطان غاضب، وبدأ يطلق كل السم الذي كان يحبسه في صدره.
_ تصلحي إيه؟! مفيش حاچة تتصلح! أنتي فاهمة؟! أنا مش بحبك!
صرخ فيها، والكلمات تخرج كطلقات الرصاص.
_ عمري ما حبيتك أنا بحب اختك بحب نغم هي اللي كنت رايدها هي اللي بحلم بيها كل ليلة!
كانت روح تنظر إليه من على الأرض، والدموع متحجرة في عينيها، لا تستطيع أن تستوعب هول ما تسمعه.
قال بصراخ هستيري:
_ أنا رحت طلبتها من جدك وهو رفضل. أنك بتعشجيني، فطبعا لازم اللي انتي ريداه يحوصل. جدك هو اللي غصبني عليكي! هو اللي جبرني أتچوزك.
كانت كل كلمة سكينًا يمزقها.
لم تكن مجرد إهانة، بل كانت تمزيقًا لكل كيانها، لكل أحلامها، لكل ذرة حب كانت تكنها له.
قال وهو يلهث، وقد هدأت نبرته قليلاً وتحولت إلى برود قاتل.
_ أنتي فاهمة دلوجت؟ أنا عمري ما هكون ليكي وجلبي ده... هيفضل ملكها هي لحد ما أموت.
أخذ ملابسه، واتجه نحو الباب.
_ أنا رايح أرجعها رايح أچيب اللي المفروض كانت تبجى مكانك من الأول.
خرج وأغلق الباب خلفه بقوة، تاركًا إياها ملقاة على الأرض، في بركة من الصدمة والألم والخذلان.
حاولت روح أن تنهض أن تصرخ، أن تفعل أي شيء لكن جسدها لم يستجب.
شعرت بألم حاد يخترق صدرها، وبخدر غريب يسري في جانبها الأيسر.
بدأت الرؤية تغيم أمام عينيها، وآخر ما شعرت به هو ثقل رهيب يسحقها، قبل أن يبتلعها الظلام.
لقد تحملت ما يفوق طاقة أي بشر، والآن، قرر جسدها أن ينسحب من هذه المعركة الخاسرة.
❈-❈-❈
خرج عدي من الغرفة كالإعصار، تاركاً الباب مفتوحاً خلفه.
لم يذهب إلى الشرفة هذه المرة، بل نزل الدرج بخطوات سريعة وعنيفة، متجهاً إلى مصير مجهول حتى الآن.
اندهش الجميع وهم يروه خارجاً كالاعصار.
سأل وهدان:
_ ماله إكدة..
نظر إلى ليل.
_ اطلعي نادي روح نشوف في ايه.
أومأت له ليل وصعدت إلى غرفة ابنتها.
حاولت روح أن تأخذ نفساً عميقاً، لكن الهواء بدا وكأنه يرفض الدخول إلى رئتيها.
شعرت بدوار شديد، وامتداد خدر غريب بدأ من كتفها الأيسر وسرى بسرعة في ذراعها وساقها.
تشوشت رؤيتها، وألوان الغرفة بدأت بالذوبان في بعضها البعض.
مدت يدها لتستند على الحائط، لكن أصابعها لم تطعها.
ثقل لسانها، وأرادت أن تصرخ، أن تنادي على أي أحد، لكن لم يخرج أي صوت.
كان آخر ما رأته هو سجادة الغرفة وهي تقترب من وجهها بسرعة، قبل أن يبتلعها ظلام دامس.
صعدت ليل الدرج بخطوات هادئة.
عندما وصلت إلى الطابق العلوي، استغربت أن باب غرفة ابنتها مفتوح على مصراعيه.
نادت عليها وهي تقترب من الباب، لكن لم يأتِ رد.
أدخلت رأسها من الباب، فتجمد الدم في عروقها.
كانت ابنتها ملقاة على الأرض بجانب الحائط، في وضع غريب وغير طبيعي، وعيناها نصف مغمضتين.
صرخت ليل صرخة ممزوجة بالرعب والفزع، صرخة هزت أركان السرايا.
_ رووووووح! بنتييييي.
كان مالك عائد لتوه من منزل أكمل.
قفز من مكانه على صوت الصرخة المذعورة، وشعر بقلبه يهوي إلى قدميه.
ركض نحو مصدر الصوت، وتبعه سالم وسند وباقي من في المنزل.
كان المشهد في الغرفة مروعاً.
ليل منهارة على ركبتيها بجانب جسد ابنتها، تهزها وتصرخ باسمها وروح... ساكنة لا حراك فيها.
شعر مالك وكأن قلبه قد توقف.
للحظة، ظن الأسوأ.
دفع الجميع جانباً برفق وركع بجانب ابنة عمه.
وضع إصبعين على عنقها، وشعر بنبض خفيف، ضعيف.
بصوت حاسم وقوي رغم الخوف الذي يعتصر قلبه:
_ لازم نوصلها المستشفى حالاً.
لم ينتظر أحداً حمل جسد روح الهامد بين ذراعيه، وشعر بخفة وزنها بشكل مقلق.
ركض بها إلى خارج المنزل، والجميع يتبعه في حالة من الهلع والبكاء.
قال وهو يضعها في المقعد الخلفي:
_ مرت عمي اركبي چارها.
انطلق مالك وخلفه سيارة سند ووالده كالسهم في ظلام الليل، مخلفة وراءها سحابة من الغبار وقلوباً محطمة تدعو الله.
كانت الدقائق تمر كأنها ساعات.
وقف مالك والجميع أمام غرفة الطوارئ، يعيشان على أعصابهما.
كانت ووجوههم شاحبة من الصدمة.
لم يكن أحد يعرف مكان عدي.
أخيراً، خرج الطبيب.
تجمعوا حوله على الفور.
سالم بصوت متقطع:
_ طمني يا دكتور... بتي مالها؟
رد الطبيب بملامح جادة:
_ اطمنوا، الحالة استقرت دلوقتي قدرنا نلحقها في الوقت المناسب المدام اتعرضت لصدمة عصبية شديدة جداً، سببت لها جلطة.
وقعت كلمة "جلطة" عليهم كالصاعقة.
شهقت ليل ووضعت يدها على فمها، بينما تصلب مالك في مكانه.
مالك:
_ جلطة؟! كيف يا دكتور؟ دي لسه صغيرة!
رد الطبيب بأسف:
_ للأسف السن مبقاش مقياس الضغط النفسي والعصبي الشديد ممكن يسبب ده في أي عمر الحمد لله إنها كانت جلطة بسيطة، وفي الجزء المسؤول عن الحركة التأثير الأكبر هيكون على ذراعها وساقها اليسرى.
يقطب سالم جبينه بصدمة:
_ يعني إيه يا دكتور؟ بنتي اتشلت؟
الطبيب طمأنه بسرعة:
_ لأ لأ، متقولش ٱكده يا حاج الإصابة بسيطة زي ما قلت هيكون فيه ضعف وثقل في الحركة، لكن مع العلاج الطبيعي المكثف والمتابعة، بإذن الله هترجع طبيعية تماماً الأهم دلوقت هو الراحة التامة، والبعد عن أي ضغط أو انفعال. نفسيتها هي أهم جزء في العلاج.
تنفس الجميع الصعداء نسبياً.
لم تكن كارثة كاملة، لكنها كانت جرحاً عميقاً في جسد العائلة.
نظر مالك من الزجاج الصغير في باب الغرفة، فرأى روح مستلقية على السرير، ووجهها شاحب كالموتى.
شعر بغصة في حلقه، وبغضب عارم يتصاعد في صدره.
أياً كان ما حدث في تلك الغرفة، فقد كان عدي هو السبب.
وأقسم في تلك اللحظة، أن حساب عدي سيكون عسيراً.
❈-❈-❈
في قلب الليل، حيث تتراقص الظلال على جدران الغرفة الباردة، كان عدي يجلس عيناه تلمعان ببريق غامض وعقله ينسج خيوط خطة محكمة.
لم تكن خطة عادية، بل كانت تتطلب دقة متناهية وصبرًا لا يلين وذكاءً حادًا.
كان الهدف واضحًا في ذهنه، لكن الوسيلة...
نهض عدي بهدوء، ارتدى معطفه الداكن، وتسلل خارج المنزل كشبح.
لم يكن هناك وقت للتردد، فكل دقيقة تمر تقربه من تحقيق غايته.
كانت الشوارع هادئة، لا يكاد يسمع فيها سوى وقع خطواته الخافتة.
اتجه نحو أطراف المدينة، حيث تتلاشى الأضواء وتزداد الظلمة، إلى حيث ينتظره شركاء صمته.
وصل إلى ورشة قديمة مهجورة، بالكاد يظهر بابها الخشبي المتآكل في الظلام.
طرق الباب ثلاث طرقات خفيفة، ثم طرقًه واحدة قوية.
انفتح الباب ببطء، وظهر وجه رجل عجوز تجاعيد الزمن محفورة على قسماته، وعيناه تحملان مكر السنين.
تبادلا نظرة سريعة، ثم أومأ العجوز برأسه إذنًا بالدخول.
داخل الورشة كانت الأجواء مختلفة تمامًا.
كانت هناك أدوات غريبة مبعثرة على الطاولات، وأجهزة معقدة تصدر أصواتًا خافتة.
كان هناك رجل آخر، شاب في مقتبل العمر، منهمكًا في تجميع شيء.
مالم يتحدث عدي كثيرًا، بل أشار إلى قائمة كان قد أعدها مسبقًا.
بدأ الرجلان في جمع الأشياء المطلوبة: أسلاك رفيعة، عبوات صغيرة تحتوي على سوائل ذات ألوان غريبة، أجهزة توقيت دقيقة، وبعض المواد التي تبدو كأنها أقمشة خاصة.
كل قطعة كانت تُسلم لعدي بعناية فائقة، وكأنها كنوز ثمينة.
كانت هذه الأشياء، في ظاهرها مجرد أدوات عادية، لكن في يد عدي، ومع خطته، ستتحول إلى شيء آخر تمامًا.