تحميل رواية «ثنايا الروح "الريح والغيامة"» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرت سنوات طويلة على تلك الليلة المشؤومة التي سالت فيها الدماء على قطعة الأرض الشاسعة، تلك الأرض التي كانت سببًا في صراع مرير بين عائلتين، وانتهت بمقتل اثنين منهما. لم تكن تلك الحادثة مجرد جريمة عابرة، بل كانت شرارة أشعلت نارًا لم تنطفئ، نارًا توارثتها الأجيال، لتصبح إرثًا ثقيلًا يحمله الأحفاد في كلتا العائلتين، عائلة القتيل وعائلة القاتل. نشأ الأطفال على قصص مشوهة، روايات محرفة عن الحقيقة، لكنها جميعًا تصب في بؤره واحدة: الا وهي الثأر. لم يروا أجدادهم، لم يعيشوا تفاصيل الصراع الأول، لكنهم ورثوا...
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رانيا الخولي
عندما خيّم الليل على قصر آل التهامي، وبدأ الصمت يبتلع الأروقة الفاخرة، كان هناك كائن آخر يستيقظ في روح جاسر. لم يكن الهدوء يريحه، بل كان يثير فيه وحشًا حبيسًا.
ترك غرفته وخرج إلى الظلام، ليس هربًا من شيء، بل سعيًا إلى الشيء الوحيد الذي يفهمه ويفهم عليه.
اتجه بخطوات واثقة نحو الإسطبلات التي كانت تفوح منها رائحة القش والتراب والخيول الأصيلة. مر بجانب الخيول الأخرى التي كانت تقف بهدوء في حجراتها، لكن وجهته كانت محددة في نهاية الممر، في أقوى وأوسع حجرة، كان يقف "بركان".
لم يكن مجرد حصان، بل كان كتلة من العضلات السوداء اللامعة، كأنه قطع من الصخر البركاني. كانت عيناه تلمعان في الظلام بذكاء ونار جامحة، وكان صهيله ليس مجرد صوت، بل هدير قوة مكبوتة.
لم يجرؤ أي سايس على الاقتراب منه دون وجود جاسر. لقد كسر "بركان" أذرعًا وأضلاعًا لكل من حاول ترويضه أو الاستخفاف به. لم يكن يقبل سيدًا... إلا جاسر.
فتح جاسر باب الحجرة الثقيل. لم يصهل الحصان بعنف، بل أطلق صوتًا عميقًا من حنجرته، مزيجًا من التحدي والاعتراف.
مد جاسر يده ببطء، لا ليُربّت عليه بل ليمررها بقوة على رقبته العضلية، كأنه يتأكد من صلابة سلاحه.
همس جاسر، وكأنه يكلم نفسه.
_ اشتقت للضلمة... يا بركان؟
في دقائق كان قد أسرجه بنفسه، رافضًا أي مساعدة.
امتطى صهوته بحركة واحدة سلسة وقوية، والتحم جسده بالحصان وكأنهما كائن واحد. لم تكن هناك حاجة للجام أو للكلام.
كانت الأوامر تنتقل من قدماي جاسر المشدودتين، من ثقل جسده، من إرادته المطلقة التي يفهمها الحصان غريزيًا.
انطلق "بركان" من الإسطبلات كالصاروخ الأسود، ليس في مضمار السباق المضاء، بل نحو الأراضي الشاسعة المظلمة التي تحيط بالقصر. كان يعدو بسرعة جنونية، وحوافره تدق على الأرض كطبول حرب.
لم يكن جاسر يمسك باللجام بقوة ليتحكم به، بل كان قد أرخاه مانحًا الحصان حريته الكاملة، واثقًا من أنهما يفكران بنفس الطريقة.
كان الهواء البارد يصفع وجه جاسر، وشعره يتطاير بعنف، لكن عينيه كانتا ثابتتين، تشعان بقوة في الظلام.
هذا هو عالمه الحقيقي.
هنا، لا توجد أقنعة أو مجاملات أو خطط معقدة.
هنا، لا يوجد سوى القوة الخام الغريزة، والسيطرة المطلقة.
كان يحب في "بركان" ما يراه في نفسه:
الجبروت الذي لا يلين، العنفوان الذي يرفض الخضوع لأي كان.
والقوة التي لا تحتاج إلى تبرير. كلما زاد الحصان جموحًا وعنفًا مع الآخرين، زاد حب جاسر له. لم يكن يريد حصانًا مطيعًا، بل أراد وحشًا لا يخضع إلا له، وهذا كان أقصى درجات إثبات السيطرة.
أطلق جاسر صرخة قوية، لم تكن صرخة فرح، بل صرخة إطلاق سراح لكل القوة المكبوتة في داخله، فجاوبه "بركان" بصهيلٍ عنيف مزق سكون الليل.
كانا معًا، رجل وحصان.
سيد ووحش، روحان متشابهتان من نار وغضب، يجوبان الظلام، لا يبحثان عن طريق، بل يفرضان وجودهما على الأرض التي يطآنها، ويؤكدان للعالم الصامت أن القوة هي القانون الوحيد الذي يعترفان به.
فجأة وبدون سابق إنذار انحرف بركان عن مساره، ليس بسبب أمر من جاسر بل وكأنهما توصلا إلى اتفاق صامت.
اتجها نحو تلة صغيرة في الأفق، بدت وكأنها نقطة سوداء في بحر الظلام.
صعدا التلة بسرعة، وعندما وصلا إلى القمة، توقف بركان فجأة، وكأنه تمثال منحوت من الليل.
كان المنظر من الأعلى مهيبًا. القصر يبدو بعيدًا وأضواؤه الخافتة بالكاد تظهر في الظلام.
العالم كله يبدو وكأنه ينام، إلا هما.
جاسر وبركان، يقفان شامخين فوق كل شيء، يراقبان الصمت الذي يلف الكون.
مد جاسر يده وربت على عنق بركان، هذه المرة بلطف، لكن بقوة.
شعر بالدفء المنبعث من جسد الحصان، وبقوته الهائلة التي كانت تتناغم مع قوته.
أغمض جاسر عينيه للحظة، يستنشق هواء الليل البارد، ويستشعر القوة التي تتدفق في عروقه.
تذكر كل القيود التي يفرضها عليه عالمه، كل الأقنعة التي يرتديها، كل الكلمات التي لا يستطيع قولها.
هنا، في هذا الظلام مع بركان كان يستطيع أن يكون على طبيعته.
فتح عينيه، وكانت عيناه تلمعان ببريق جديد، بريق من العزم والقوة.
لم يكن هذا مجرد ركوب خيل، بل كان طقسًا، تجديدًا للعهد مع ذاته الحقيقية.
كأنه يتحدى كل شيء.
"لن أخضع لن أنحني"
لم تطارده عينيه.
بكاءه.
دموعها.
ضعفها.
قوتها الواهنة.
كل شيء يطارده حتى في ذلك المكان الذي ينسى به كل شيء.
أدار جاسر بركان ببطء، ثم انطلقا مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن العدو جنونيًا.
كان عدوًا واثقًا، قويًا، يفرض وجوده على الأرض.
كانا يعودان إلى القصر، لكن ليس بنفس الروح التي غادرا بها.
لقد تركا جزءًا من غضبهما في هذا السهل المظلم، وعادا أقوى أكثر جبروتًا.
عندما اقتربا من الإسطبلات تباطئ بركان تدريجيًا، ثم توقف أمام حجرته.
نزل جاسر من صهوته بنفس السلاسة التي صعد بها.
أدخل بركان إلى حجرته، وأغلق الباب خلفه ثم اتجه نحو القصر، خطواته ثابتة، وكتفاه عريضتان.
لم يكن هناك أي أثر للتعب على وجهه، بل كان هناك هدوء غريب، هدوء ما قبل العاصفة.
❈-❈-❈
كانت ليلة بلا قمر، والظلام يلف منزل التهامي ككفن أسود.
لم يكن هناك صوت سوى حفيف الريح الخافت وهمس أوراق الشجر.
تسلل عدي عبر الحقول المحيطة بالقصر، لم يكن يحمل زجاجات مولوتوف سهلة الصنع، بل كان يحمل أدوات انتقام أكثر بدائية وشيطانية.
في حقيبته، لم يكن هناك وقود، بل كانت هناك عدة أكياس كبيرة مملوءة بمزيج صنعه بنفسه: غبار الفحم شديد النعومة، مخلوط بمسحوق الألمنيوم ونشارة الخشب الجافة.
خليط قاتل لا يشتعل بسرعة فحسب، بل يلتصق بالأسطح ويصعب إطفاؤه، وينتج حرارة هائلة ودخانًا كثيفًا وخانقًا.
اراد أن يشعر بالاحتكاك والحرارة تتولد من لا شيء، تمامًا كما تولد الحقد في صدره.
كانت حركة عنيفة، بدائية، تضخ الأدرينالين في عروقه مع كل خطوة يخطوها للداخل. كان يتذكر إهانة جده التي تحملها بصعوبة، ونظرة الألم في عيني مالك، ودموع نغم الصامتة في سيارة جاسر.
كان يحول كل هذا القهر والألم إلى طاقة حركية، إلى احتكاك، إلى حرارة.
بعد لحظات بدت كدهر، وصل إلى اسطبل الخيل الخاص بهم.
واسقط ذلك الخليط على قومة من القش بالقرب من مبيت الخيل.
وفي لمح البصر تصاعد خيط رفيع من الدخان.
لم يتوقف، زاد من سرعته، وهو يلهث كحيوان بري.
فجأة، ظهرت جمرة حمراء متوهجة في قلب الألياف الجافة.
ثم قفز لسان لهب صغير برتقالي اللون، يرقص في الظلام.
لقد اشعل النار بيده.
لم يكن هناك انفجار، بل كان هناك ما هو أسوأ.
اندلعت النار بصوت هسهسة مكتومة، ثم انتشرت بسرعة غير طبيعية، كأنها وحش سائل أسود يلتهم كل شيء.
التصق المسحوق بالقش والخشب، والنيران التي اندلعت منه كانت كثيفة، داكنة، والدخان الذي تصاعد كان أسودًا ولزجًا، محملاً برائحة كيميائية خانقة.
بدأت الخيول في الداخل تشعر بالحرارة والدخان.
علت أصوات صهيلها المذعور، وبدأت تضرب حوافرها على أبوابها الخشبية بعنف، محاولة الهرب من الجحيم الذي حاصرها.
وقف عدي يراقب، يستمع إلى صراخ الخيول المحتضرة، ويشاهد ألسنة اللهب السوداء وهي تلعق جدران الإسطبل وتصعد نحو السقف.
لم يكن هذا حريقًا عاديًا، كان محرقة.
صرخ أحد الحراس الذي لمح الوهج من بعيد، وبدأ الصراخ يعلو في القصر.
خرج الرجال يركضون، لكنهم عندما رأوا طبيعة الحريق، وقفوا عاجزين.
كل دلو ماء كانوا يلقونه كان يتبخر قبل أن يصل، أو كان يزيد من انتشار الدخان السام.
في وسط هذه الفوضى، وبينما كان الجميع منشغلًا بالإسطبل، ركض عدي نحو القصر بنفسه.
أخرج كيسًا آخر، وأفرغه عند قاعدة أحد الأبواب الجانبية الضخمة المصنوعة من الخشب العتيق.
أشعل فيه النار بنفس الطريقة البدائية، ثم أخذ يصرخ بأعلى صوته، باسمها.
_نغــــــــــــــــم! نغـــــــم!
سمعت نغم صوته من غرفتها، وركضت إلى النافذة.
رأت الجحيم المشتعل في الإسطبل، ورأت عدي يقف كشبح مجنون أمام باب يحترق، وهو يناديها.
تجمد الدم في عروقها.
............
كان جاسر في مكتبه، غارقًا في أوراقه التي تمثل قضية هامة تحدد مصيره المهني، عندما مزق صمت القصر صوتٌ لم يكن من المفترض أن يُسمع أبدًا داخل هذه الجدران: صرخة "حريجة! حريجة يا بيه!".
انفتح باب المكتب بعنف، وخرج جاسر كالصقر من عشه، ليجد حالة من الفوضى والهلع تجتاح البهو.
الخدم يركضون في كل اتجاه، ووالدته تقف في منتصف الدرج، وجهها شاحب من الرعب.
سألت بصوت يرتجف.
_ في إيه يا ولدي؟! إيه اللي بيحوصل؟!
قبل أن يجيب، اهتز القصر بانفجار مكتوم، وتصاعدت ألسنة لهب غريبة اللون من جهة البوابة الرئيسية، ملتهمة الخشب والحديد بنفس الشراهة.
انعكس وهج النار على وجوه الجميع، فبدوا كأشباح في جحيم مفاجئ.
علت الصرخات، وتحول الذعر إلى رعب مطلق.
لم يهتز جاسر.
تحول وجهه إلى قناع من الغضب الجليدي.
صرخ بصوتٍ آمر اخترق ضجيج الفوضى كطلقة رصاص.
_ اخرچوا كلكم من البوابة الخلفية حالاً.
دفع رجاله الخدم وعائلته للخارج، بينما ظل هو في مكانه، عيناه مثبتتان على النار التي كانت تتراقص كشيطان منتصر.
خرج إلى شرفة مكتبه المطلة على الفناء الأمامي، وهو يصرخ في رجاله الذين كانوا يحاولون بعبث إطفاء الحريق.
_ چهزوا خراطيم المايه بسرعة غرجوها.
رد أحد رجاله وهو يلهث، ووجهه ملطخ بالسواد.
_ المايه بتشعللها أكتر يا بيه! دي مش نار عادية.
في تلك اللحظة، سمع اسمًا لم يكن يتوقع سماعه في قلب هذه الكارثة.
_ نغــــــم...
استدار جاسر تجاه الصوت، فرأى عدي الرفاعي واقفًا وسط الفناء، كشبحٍ خرج من قلب اللهب.
لم يكن خائفًا بل كانت عيناه تشتعلان بغضبٍ مجنون، يتطلع إليه بتحدي صافي.
في يده كان يمسك بكيس قماشي آخر، وفي اليد الأخرى، قداحة مشتعلة، لهيبها الصغير يبدو تافهًا أمام الحريق الهائل، لكنه كان يحمل تهديدًا أكبر.
كشر جاسر عن أنيابه بسخطٍ وحشي، وهم بالنزول من اعلى الدرج لمواجهته.
_ يا واطي...
قاطعه عدي بصوتٍ عالٍ ومبحوح من الدخان، رافعًا الكيس والقداحة.
_ أوعاك تجرب ، يا إما متلومش إلا نفسك اني چاي اخد بت عمي وامشي من أهنه.
بدأت الريح تحرك اللهيب بشكل عشوائي، لتصيب أحد الرجال الذي صرخ من الألم، مما زاد من جنون الموقف.
توعده جاسر بنبرةٍ خفيضة ومميتة.
_ هدفعك تمن اللي عملته ده واعر جوي يا ابن الرفاعي هخليك تتمنى الموت وماتطولوش.
ضحك عدي ضحكة يائسة ومجنونة.
_ ميهمنيش اني چاي انقذها من سجنكم ده حتى لو فيها موتي روحها بتتسحب منيها كل يوم، والنار دي أرحم من اللي بتعملوه فيها.
واصل تهديده، وتقدم خطوة نحو القصر المحترق.
_ يا تديني بت عمي وامشي من اهنه، يا إما هحرقكم كلكم بالسرايا دي فوج دماغكم.
نظر جاسر إلى ذلك الكيس القماشي، وأدرك على الفور طبيعة الخليط الكيميائي الذي بداخله.
لقد رأى تأثيره من قبل. نسبة قليلة منه كافية لتلتهم أي شيء تلامسه بلا رحمة، وتحول الماء إلى وقود.
فقال بأمرٍ، محاولاً استعادة السيطرة.
_ ارمي اللي في يدك ده، وامشي من أهنه بكرامتك بدل ما تطلع من هنا چتة.
صاح عدي بغضبٍ هز أركان المكان، وصوته يختلط بفرقعة النار.
_ چولتلك مش ماشي من غيرها طلعوها لي حالاً.
_عدي....
في تلك اللحظة، ظهرت نغم عند أحد الأبواب الجانبية، وجهها شاحب وعيناها متسعتان من هول المنظر.
لم تكن تبكي بل كانت تنظر إلى النار، ثم إلى عدي ثم إلى جاسر كأنها ترى كابوسًا قد تجسد على أرض الواقع.
بمفعول السحر تحولت نظرة عدي ولاحت منه التفاته مؤلمة إلى نغم التي وقفت على مقربه منهم تنظر إليه نظرة مزيج من العتاب واللهفة والامتنان.
_نغم..
توقف الزمن فور رؤيتها وشعر بقوته تتبخر أمام نظرة واحدة منها.
_ أني چيتلك يا نغم..
أغمضت نغم عينيها بضياع وتمتمت بألم.
_ خليك بعيد يا عدي، أني خلاص حياتي انتهت لحد إكدة..
كان جاسر يجد صعوبة بالغة في التحكم في غضبه وغيرته من نظرات عدي الذي جاء إليها مخاطراً بكل شيء.
_ منتهتش يا نغم، اني چيتلك عشان ترچعي دارك واخرچك من الجحيم ده.
هزت راسها بألم.
_ خلاص معدش ينفع.
صرخ عدي، وعيناه معلقتان بها، متجاهلاً جاسر وكل من حوله.
_ هينفع، طول ما فيا نفس هينفع، أني مستحيل أسيبك ليهم، مستحيل أسيبك في البيت ده يوم واحد كمان.
كانت الريح تزداد قوة، وتلعب بالنار كلعبة شيطانية.
تطايرت قطع من القش المشتعل والرماد المتوهج في الهواء كنجوم جهنمية، تسقط عشوائيًا بالقرب منهم.
مع كل قطعة متطايرة كانت تقترب من نغم، كان قلب جاسر ينقبض، وشعر بوخزة من الخوف الحقيقي عليها، خوف لم يعترف به حتى لنفسه.
لم يكن خوفًا على "ملكيته"، بل خوف على المرأة الواقفة أمامه، التي بدت هشة وضعيفة في مواجهة هذا الجنون.
صرخ جاسر بأمر، وعيناه لا تفارقان القش المتطاير حولها.
_ أرچعي چوه يا نغم..
لكن نغم لم تتحرك، كانت عيناها مثبتتين على عدي، على الرجل الذي جاء ليحرق العالم من أجلها.
قالت بصوتٍ يرتجف، لكنه يحمل رجاءً صادقًا.
_ أرچع انت يا عدي، عشان خاطري... ارجع ومتأذيش نفسك أكتر من إكده، ما توجعش جلبى عليك يابن عمي.
ضحك عدي ضحكة يائسة ومكسورة.
_ أتأذى؟ الأذية الحقيقية إني أشوفك معاهم وأسكت.
الأذية الحقيقية إني أصحى كل يوم وأنا عارف إنك إهنه، في سچنهم.
تقدم جاسر خطوة، محاولاً وضع نفسه بين نغم وبين الخطر المباشر.
_ اسمع يا ابن الرفاعي اللعبة دي خلصت ارمي اللي في إيدك، وأني هعتبره جنان منك وهسيبك تمشي.
صاح عدي بغضب، ورفع الكيس في يده بشكل يهدد الجميع.
_ مش لعبة، دي حياة بنت عمي اللي سرجتوها مني.
أنتوا اللي بدأتوا اللعبة يوم ما خطفتوها وأني اللي هنهيها النهاردة!
كانت الغيرة تأكل جاسر.
لم يكن يغار من حب عدي لنغم الواضح للجميع، بل كان يغار من هذا الاستعداد للموت من أجلها.
هذا التفاني المطلق الذي رآه في عيني عدي، جعله يشعر للحظة بأن كل ما يملكه من قوة وسلطة لا يساوي شيئًا أمام هذا الحب المجنون.
نادى عدي مرة أخرى، وصوته أصبح أكثر يأسًا.
_ تعالي معايا والله ما هخلي مخلوج يلمسك.
كان عرضًا مغريًا، حلمًا بالهرب والحرية.
نظرت نغم إلى عدي، ثم التفتت ونظرت إلى جاسر.
رأت في عيني عدي حبًا يائسًا مستعدًا للتدمير، ورأت في عيني جاسر غضبًا معقدًا، غيرة وسيطرة وشيئًا آخر لم تستطع تحديده... ربما كان قلقًا حقيقيًا.
في تلك اللحظة، هبت عاصفة من الريح أقوى من سابقاتها، وحملت معها قطعة كبيرة من خشب البوابة المشتعل.
طارت في الهواء كقذيفة حارقة، متجهة مباشرة نحو نغم.
"نغــــــــم!"
صرخ الرجلان في نفس اللحظة.
لم يفكر جاسر.
تحرك جسده بغريزة لم يكن يعرف أنه يمتلكها.
في جزء من الثانية اندفع نحوها، ولف ذراعيه حولها بقوة وأدار جسده ليصبح هو الدرع الذي يواجه النار.
شعر بالحرارة اللافحة تمر بجانب ظهره، وسمع صوت ارتطام الخشب المحترق بالأرض خلفه مباشرة، ناشرًا وابلًا من الشرر.
ظل ممسكًا بنغم بقوة، وجهها مدفون في صدره، وهو يلهث.
لقد أنقذها لكنه في تلك اللحظة، كشف عن أكثر مما كان يريد.
رأى عدي المشهد، ورأى كيف حمى جاسر نغم بجسده.
تجمد في مكانه، والكيس في يده بدأ يرتخي.
لقد جاء لينقذها، لكن عدوها هو من أنقذها للتو من ناره هو.
كانت مفارقة قاسية ومؤلمة، سددت له ضربة قاضية.
همس عدي بصوتٍ مهزوم، وكأنه يكلم نفسه.
_ نغم.....حتى وأني بحاول أنقذك... بأذيكي.
في لحظة اليأس والارتباك هذه، ارتخت قبضته تمامًا عن الكيس.
سقط الكيس القماشي من يده على الأرض، بالقرب من إحدى الجمرات المشتعلة.
صرخت نغم وهي ترى الكيس يسقط.
_عدي..........
لكن الأوان كان قد فات.
لامست الجمرة القماش، وبصوت هسهسة مكتومة، اشتعل المسحوق الأسود، ليس بانفجار بل بلهب كثيف التصق بالأرض وصعد نحو أقرب شيء له... جلباب عدي.
لم يتحرك ولم يصرخ ولم يهرب كأنه بستسلم لذلك الموت المحقق.
التصق المسحوق الذي كان لا يزال على ملابسه به، واشتعل على الفور.
اتسعت عيني جاسر ونغم بخوف حقيقي.
وصاح كلاهما.
_حاسب يا عدي....
لكن النار اشتعلت بسرعة البرق.
تحول في لحظة إلى شعلة بشرية، لكنها لم تكن شعلة برتقالية، بل كانت كتلة من النار السوداء الدخانية، تلتهمه ببطء وقسوة.
_عدي......
صرخت نغم وهمت بالاسراع إليه لكن منعتها ذراعاي جاسر كي لا ترمي بنفسها في التهلكة.
صرخت باسمه وهي تراه يسقط على الأرض وهو يتلوى، والآن فقط خرجت من حنجرته صرخة غير آدمية، صرخة ألم مطلق.
وقف الجميع مشدوهين أمام المنظر المروع.
لا أحد يستطيع الاقتراب. الماء سيزيد الأمر سوءًا، والبطانيات ستحترق قبل أن تلمسه.
كانوا يشاهدونه يموت أمامهم، في محرقة صنعها بيديه، ضحية لنارٍ أكثر قسوة وشيطانية من أي نار عادية.
لقد كانت نهاية تليق بالجنون الذي استولى عليه.
هم احد الرجال بسكب الماء عليه.
لكن جاسر صرخ به يمنعه.
_ بلاش ماية هتأذيه أكتر.
صرخت نغم، صرخة تمزق نياط القلب.
حتى سقطت على الأرض واسقطت جاسر معها وهو يتشبث بها بقوة.
_ عـــــــــدي....
وهي تحاول الافلات من ذراعي جاسر الذي يقيدها وهما جالسين على الأرض وألسنة النيران بالقرب منهما.
كانت ترچوه ان يتركها لكنه لن يستطيع تركها كي لا تطولها النيران المشتعلة.
نهض بها رغم الألم الذي يشعر به في ظهره وابتعد عنه ومازال يقيد جسدها بذراعيه.
لا أحد يستطيع إنقاذه الآن.
لا يعرف أكانت صرخات نغم أقوى ام صرخات عدي، كلاهما يصرخ وكلاهما ينادي بالاستنجاد لكن لن يستطيع أحد انقاذهما.
كان قلبه هو الآخر يتمزق.
هذا الذي يحترق أمامه، رغم كل شيء، هو ابن عمته.
لحمه ودمه.
كان يرى ألم نغم، ويشعر بعجزه، ويشاهد جزءًا منه يموت بطريقة بشعة.
عجز وقهر وألم ودمار قد تشبثوا تلك اللحظة بذلك القلب الذي لم يعرفهم يوماً.
لكن المشهد كان أصعب مما يتخليه عقل.
كانت أصوات متباعدة تقترب منهم.
ما بين صوت اسعاف ومطافئ.
في تلك اللحظة، وصل أخيرًا بعض الرجال وهم يحملون طفايات حريق وبطانيات ثقيلة.
تقدموا بحذر، وبدأوا في إخماد النار التي تلتهم جسد عدي، بينما كان فريق آخر يخمد النيران التي بدأت تمسك بالقصر.
سقطت نغم على ركبتيها عندما أفلتها جاسر، وظلت عيناها معلقتين بالدخان المتصاعد من جسد عدي المتفحم.
لم تعد تصرخ.
تحول صراخها إلى نحيب صامت ومتقطع، يهز جسدها كله.
وقف جاسر فوقها، ينظر إلى المأساة التي حلت بساحته.
نظر إلى عدي الذي أصبح جسدًا أسود هامداً، ونظر إلى نغم المنهارة على الأرض وأدرك أن هذه الليلة، لم يحترق فيها عدي وحده، بل احترقت معها كل بقايا الكبرياء والثأر، ولم يتبق سوى رماد الحقيقة المرة:
هذه الحرب... لم يعد فيها أي منتصر.
كان المنظر يفوق أي كابوس.
جسد متفحم، ملابس ذائبة، ورائحة حريق مروعة تملأ الهواء.
لكن من تحت كل هذا السواد، كان هناك صدر يرتفع ويهبط ببطء شديد، وأنين خافت يخرج من بين شفتين متفحمتين.
كان لا يزال على قيد الحياة.
زحفت نغم على ركبتيها بجانبه، لم تبالي بالحرارة المنبعثة من جسده أو بالمنظر المروع.
مدت يدها المرتجفة، لكنها لم تجرؤ على لمسه، خوفًا من أن تزيد من ألمه.
_عدي...
همست بصوت مكسور، والدموع تنهمر من عينيها كشلال لا يتوقف.
_عدي، أنا نغم... أنا جنبك.
تحرك رأسه حركة طفيفة، وفُتحت عيناه بصعوبة بالغة.
كانتا محتقنتين بالدم، لكن في عمقهما، كانت هناك نظرة صافية، نظرة رجل لم يعد لديه ما يخسره.
_نغم...
خرج صوته كهمس متحشرج، كحفيف أوراق الشجر اليابسة.
بكت نغم بحرقة.
_ ليه يا عدي؟ ليه عملت في نفسك إكده؟ ليه؟
وقف جاسر على مسافة قريبة، يراقب المشهد وقلبه يعتصر.
كان يسمع كل كلمة، ويرى كل دمعة. شعر بمزيج غريب من الشفقة على ابن عمته الذي يموت، ووخزة خفيفة من الغيرة وهو يرى هذا الرباط العميق بينه وبين نغم يتكشف أمامه في أقسى صوره.
حاول عدي أن يبتسم، لكن وجهه المحترق لم يسمح له إلا بتكشيرة مؤلمة.
_ عشان... أبرد... النار... اللي جوايا.
تابع بصعوبة، وكل كلمة كانت تكلفه نفسًا.
_ لما... لما شوفتك... معاه... اتچننت مجدرتش... أتحمل.
آهة مؤلمة خرجت منه قبل ان يتابع.
_ أنا... أنا بحبك يا نغم.
قالها أخيرًا، الكلمة التي حبسها في صدره لسنوات، خرجت الآن مع أنفاسه الأخيرة.
_ بحبك... من وإحنا عيال... من قبل ما أفهم... يعني إيه حب.
انفجرت نغم في بكاء أشد، بكاء يمزق الروح.
سعل سعالاً مؤلمًا، وخرجت معه قطرات من الدماء.
_ رحت... لجدك... طلبت يدك... من زمان.
أكمل بصوت ضعيف.
_ جدك... رفض جالي... أنتي عايزة... واحد ... زي سند.
كان كل حرف يعترف به يغسل روحه، ويكشف لنغم عن حقيقة ألم آخر لم تكن تعرفه.
لقد كان يحبها، لقد حاول لكنه رُفض.
همس، وعيناه بدأتا تفقدان بريقهما.
_ سامحيني... إني كنت ضعيف وسامحيني... إني معرفتش... أحميكي.
قالت وهي تنحني وتقرب وجهها من وجهه، غير مبالية بأي شيء.
_ مسمحاك يا عدي... مسمحاك بس أنت متسبنيش... عشان خاطري يا عدي... خليك معايا...
نظر إليها للمرة الأخيرة، وفي عينيه نظرة حب صافية، نظرة سلام أخير.
_ هحميكي... يا نغم.....هحميكي...من هناك.....
ثم أغمض عينيه، وارتخى جسده، وتوقف الصدر عن الارتفاع والهبوط.
ساد صمت رهيب، لم يقطعه سوى صوت نحيب نغم المتقطع.
_عدي؟... عدي لأ...
كانت تناديه برفق، لكنه لم يستجب.
لقد رحل.
في تلك اللحظة، وصلت سيارة الإسعاف، لكن الأوان كان قد فات.
انهارت نغم تمامًا على الأرض، تبكي وتصرخ باسمه، تحتضن الفراغ الذي تركه خلفه.
تقدم جاسر، وانحنى وبحركة حانية وقوية، رفعها من على الأرض.
قاومته في البداية، لكنها كانت أضعف من أن تفعل أي شيء.
احتضنها بقوة، وتركها تبكي وتفرغ كل ألمها على صدره، وهو يحدق في جسد ابن عمته، مدركًا أن الثمن الذي دُفع في هذه الحرب... كان أغلى من اللازم.
كان الفجر قد بدأ يلقي بأشعته الرمادية.
كانت ممرات مستشفى القاهرة تضج بالحركة الصامتة للأطباء والممرضات، لكن أمام باب العناية المركزة، كان الزمن متوقفًا.
جلس سالم الرفاعي على مقعد معدني بارد، وقد انحنى ظهره تحت وطأة القلق، ووجهه حفرت فيه الساعات الماضية تجاعيد سنوات طويلة.
بجانبه، كان مالك يقف، يسند ظهره إلى الحائط، عيناه معلقتان بالباب الزجاجي الذي يفصله عن روح، حبيبته التي ترقد في الداخل، تصارع من أجل حياتها بعد جلطة دماغية حادة.
وكذلك سند وابيه.
وليل التي كانت تلك الصدمة هي القشة التي قصمت ظهرها اليوم.
كان الصمت بينهما ثقيلاً، مشبعًا بالأسئلة التي لا يجرؤ أي منهما على نطقها، وبالدعاء الذي لم ينقطع.
كل ما كان يشغل بالهما هو مصير روح، وما الذي أوصلها إلى هذه الحالة.
في وسط هذا السكون المشحون، رن هاتف سالم.
نظر إلى الشاشة، فوجد رقمًا من أحد رجال العائلة في البلد.
شعر بانقباضة قلب إضافية.
_ألو... قال بصوتٍ متعب وأجش.
صمت للحظات وهو يستمع للطرف الآخر، وتغيرت ملامحه بشكل يدعوا للقلق.
اختفى القلق من على وجهه، وحل محله شيء آخر... شيء فارغ، جامد، لا يمكن تفسيره.
اتسعت عيناه بصدمة صامتة، وبدأ جسده يرتجف ببطء.
لاحظ مالك التغير على والده، فاقترب منه بقلق.
_ في إيه يا بوي؟ حصل حاچة؟
لم يرد سالم.
كان لا يزال يستمع، أو ربما لم يعد يستمع، بل كان عالقًا في الكلمات التي قيلت للتو.
"ابنك...
عدي...
اتحرق...
مات."
استمع للإجابة، ومع كل كلمة، كان يفقد جزءًا من روحه.
"راح لهم...
هو اللي ولع في نفسه...
بالغلط."
"للأسف محدش قدر يساعده."
"الحريق كان شديد."
هنا، سقط الهاتف من يده المرتعشة وارتطم بالأرض محدثًا ضجة خفيفة بدت في ذلك الصمت كصوت انفجار.
ظل سالم جالسًا، يحدق أمامه في الحائط الأبيض، لكنه لم يكن يراه.
كان يرى ابنه، يرى طفلاً يجري في الحقول، يرى شابًا يضحك، يرى رجلًا غاضبًا... يرى شعلة من النار.
قال مالك وهو يهزه برفق، والخوف بدأ يتسرب إلى قلبه.
_ ابوى رد عليا، في إيه؟
التفت سالم إليه ببطء شديد، وكأنه يتحرك في حلم ثقيل.
كانت عيناه فارغتين تمامًا، نظرة رجل رأى نهاية العالم.
_عدي... تمتم، والكلمة خرجت من فمه جافة ومكسورة.
_أخوك... مات.
شعر مالك وكأن الأرض قد ابتلعته ولم يستوعب ما يسمع.
_اخويا مين....مات؟ .....مات إزاي؟!
_اتحرق.
الكلمة الواحدة كانت كافية.
لم يحتج مالك لتفاصيل مع حالة ابيه وكلماته.
لكنه أيضاً لم يستوعب بعد.
شعر بألم حاد، ألم جسدي، يخترق صدره.
لم يصدق.
كيف يمكن أن يحدث هذا؟ بالأمس فقط كان يواجهه، يلومه يهدده. والآن... لم يعد موجودًا.
تراجعت قدماه للخلف حتى ارتطم ظهره بالحائط، وانزلق ببطء حتى جلس القرفصاء على الأرض.
لم يصرخ.
لم يبكي.
بل وضع رأسه بين ركبتيه، وبدأ جسده يهتز بعنف في نوبة صامتة من الألم.
لقد فقد أخاه.
الأخ الذي تشاجر معه، واختلف معه، لكنه كان قطعة من روحه.
شعر بموجة عارمة من الذنب والندم تجتاحه.
آخر ذكرى بينهما كانت مواجهة غاضبة. لم يتصالحا لم يتصافيا.
والآن، فات الأوان إلى الأبد.
رفع رأسه ونظر إلى والده.
رآه جالسًا كتمثال من حجر، لا يتحرك، لا يرمش، دموعه تنزل من عينيه بصمت دون أن يشعر بها، تسيل على خديه وتختفي في تجاعيد وجهه.
كان الأب قد فقد ابنه، بينما زوجته الأخرى ترقد بين الحياة والموت على بعد أمتار قليلة.
❈-❈-❈
كانت أضواء سيارات الشرطة والإسعاف الحمراء والزرقاء ترقص بجنون داخل السرايا المحترقة، وتلقي بظلال مشوهة على وجوه الجميع.
رجال الإطفاء كانوا لا يزالون يخمدون آخر الأماكن المشتعلة، بينما بدأ المحققون في فرض طوق حول مسرح الجريمة.
في قلب هذه الفوضى، كان جاسر لا يزال واقفًا، يحتضن نغم التي كانت ترتجف بين ذراعيه كطائر جريح.
لم تكن تبكي الآن، بل كانت صامتة، عيناها الزائغتان مثبتتان على الجسد المسجى على الأرض والذي غطاه المسعفون على عجل بملاءة فضية.
كانت في عالم آخر، عالم لا يسمع فيه صراخ رجال الشرطة ولا يرى الأضواء المتقطعة.
عالم يردد فيه صدى صوت واحد فقط: صوت عدي وهو يعترف بحبه، وهو يضحي بنفسه من أجلها.
لقد مات لأنه أحبها.
هذه الحقيقة البسيطة والمدمرة كانت هي كل ما يشغل وعيها.
بحركة حانية لم يعتدها من نفسه، أبعدها.
ثم أشار لوالدته التي كانت تقف على مقربة، ووجهها شاحب من هول ما حدث.
تقدمت الأم، وفي عينيها شفقة حقيقية.
قال جاسر بصوتٍ أجش.
_ خديها يا أمي.
طلعيها فوج، وماتسيبيهاش لوحدها.
وضعت الأم يدها على ظهر نغم، وبدأت تقودها برفق نحو مدخل القصر.
استجابت نغم كدمية بلا إرادة، خطواتها تتعثر، وعيناها لا تزالان تنظران خلفها نحو الملاءة الفضية التي تخفي تحتها نهاية قصة ابن عمها المأساوية.
ما إن اختفت نغم داخل القصر، حتى عاد وجه جاسر إلى قناعه الجليدي.
استدار ليواجه الضابط المسؤول، لكن في تلك اللحظة، انشقت ظلمة الطريق، وظهرت عدة سيارات تسير بسرعة، وتوقفت أمام بوابة القصر.
ترجل منها رجال عائلة الرفاعي.
في المقدمة كان وهدان، الجد، يسير بخطى ثابتة رغم ألمه، وعصاه تدق الأرض بقوة.
خلفه كان سالم، وجهه كقناع من حجر لا يظهر أي تعابير.
وبجانبهما كان مالك، الذي كانت عيناه تشتعلان بمزيج من الألم والغضب المكتوم.
وخلفهم بقية رجال العائلة، وجوههم صامتة وقاتمة.
ساروا مباشرة نحو الطوق الأمني، وهدفهم واحد: الجسد المغطى.
صرخ فيهم ضابط شرطة شاب.
_ وقف عندك ممنوع الدخول، ده مسرح جريمة.
تجاهله وهدان تمامًا، وأكمل سيره.
تبعه أبناؤه وأحفاده.
كانوا يتظاهرون بالقوة والتماسك، لكن أي عين فاحصة كانت لترى الأيادي المقبوضة بشدة، والفكوك المشدودة، والقلوب التي تنزف خلف تلك الأقنعة الصخرية.
قال الضابط وهو يحاول اعتراض طريقهم.
_ يا جماعة مينفعش كده الجثة لازم تروح المشرحة الأول للتحقيق.
وصل وهدان إلى حيث يرقد حفيده، ونظر إلى جاسر الذي كان يقف على بعد خطوات.
لم تكن نظرة عتاب أو تهديد، بل كانت نظرة باردة وفارغة.
قال وهدان بصوتٍ هادئ ومخيف.
_ إحنا جايين ناخد ولدنا.
هنا، تقدم صخر التهامي الذي كان يراقب المشهد من بعيد، فقد كان بالخارج ولم يرى ما حدث.
وقال بسخرية لاذعة.
_ تاخدوه؟....تاخدوه بعد ما حرق حالنا، وأذى رجالنا، وحاول يولع فينا كلنا؟ ده مجرم، مكانه السجن لو كان عاش، ومكانه المشرحة وهو ميت.
لم يرد عليه وهدان، بل انحنى هو وسالم ليكشفا الملاءة عن وجه عدي.
للحظة خاطفة، رأى الجميع ألمًا عميقًا يكسر قناع الأب والجد وهما يريان ما تبقى من ابنهما، لكنهما سرعان ما استعادا تماسكهما.
أمر وهدان رجاله.
_ شلوه.
صرخ الضابط مرة أخرى، وأشار لرجاله بمنعهم.
_ ممنوع، دي جريمة شروع في قتل وحريق عمد، والجثة دليل.
محدش هيحركها من مكانها إلا بأمر من النيابة.
قال سالم بصوتٍ أجش، وهو يقف في وجه الضابط.
_ ده ولدنا، وهندفنه على شريعتنا.
ومش هنسيبه لحظة واحدة.
بدأ الموقف يتوتر، رجال الرفاعي يصرون على أخذ الجثة، ورجال الشرطة يمنعونهم بالقوة.
_ سيبوهم ياخدوه.
جاء صوت جاسر هادئًا وحاسمًا، فالتفت إليه الجميع، بما فيهم الضابط وصخر.
قال صخر بغضب.
_ بتجول ايه يا جاسر؟ ده حقنا! لازم يتشرح عشان نثبت جريمته!
نظر جاسر إلى الضابط، متجاهلاً عمه.
_ يا حضرة الضابط، الموضوع خلص. المعتدي مات.
إحنا أصحاب البيت، ومش هنقدم بلاغ رسمي. اعتبروها حادثة وانتهت.
خليهم ياخدوا ولدهم ويدفنوه، إكرام الميت دفنه.
صُدم الجميع من قرار جاسر، وخصوصًا وهدان ومالك اللذين نظرا إليه بعدم تصديق.
قال الضابط بتردد.
_ بس ده ضد الإجراءات يا جاسر بيه.
قال جاسر بنبرة نهائية.
_ وأنا اللي هكلم النيابة بنفسي وأتحمل المسؤولية.
لم يجد الضابط ما يقوله، فأشار لرجاله بالتراجع.
تقدم رجال الرفاعي، وحملوا جسد عدي الملفوف بعناية، وبدأوا في السير به نحو سياراتهم.
قبل أن يغادر، توقف مالك ونظر إلى جاسر نظرة طويلة ومعقدة، ثم أومأ برأسه إيماءة خفيفة، إيماءة تحمل معنى لم يفهمه سوى الرجلين، ثم استدار ورحل.
بينما كانوا يغادرون، لم يستطع صخر أن يصمت.
صرخ خلفهم.
_ امشوا... خدوا جريمته معاكم بس افتكروا... إنكم لسه مديونين.
لم يلتفت إليه أحد من عائلة الرفاعي، واصلوا سيرهم في صمت مهيب، واختفوا في الظلام، حاملين معهم ابنهم، ونهاية قصة الثأر التي كتبها عدي بدمه وناره.
❈-❈-❈
في المشفى.
لم يستطيع أحد منهم التحرك لانهاء الاجراءات ولم يقم بهذا الدور سوى أكمل.
فوهدان رجلٍ هرمٍ أثقلت كاهله المصائب، وتخلى عن الكثير مقابل امان احفاده.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
وضاع حفيد كما ضاع من قبله ابنه.
وجد ابنه سالم جالسًا كالصنم، وحفيده مالك ثابتاً مكانه.
وسند الذي انتهى ثباته فور رؤية ابن عمه بذلك الشكل المؤلم.
لم يسأل عن التفاصيل، بل انتظر حتى وصول أكمل.
انتهت الاجراءات وقاموا بحمل نعش عدي الى مثواه الأخير.
أعيون ثابتة لكن قلوب تحترق بلهيب الفراق.
انفضّ الجمع وتفرّق الناس تاركين خلفهم تراب القبر، وصمتًا ثقيلًا يلفّ المكان.
الكلّ رحل إلا هو.
بقي مالك جاثمًا بجانب القبر، وكأنّ جذورًا خفية تشدّه إلى تلك البقعة من الأرض.
لم يعد يرى الوجوه المغادرة، ولا يسمع همسات العزاء التي تلاشت في الأفق.
كان عالمه قد انكمش ليصبح هذا القبر، وهذا الصمت، وهذا الألم الذي يعتصر قلبه.
كانت دموعه تنهمر بصمت، لا شهقات تعلو، ولا نحيب يقطع هدوء المقبرة.
كانت دموعًا حارقة، تغسل وجهه، وتكوي روحه.
لم تكن دموع حزن على فقدان أخٍ فحسب، بل كانت ممزوجة بمرارة الذنب، بثقل الندم الذي يطحن عظامه.
كلّ كلمة قاسية قالها لعدي، كلّ لحظة غضب لم يغفرها، كلّ سوء فهم لم يحاول إصلاحه، كانت تتراقص أمامه كأشباح، تزيد من وطأة الألم.
تذكّر عدي حيويته، ضحكاته، وحتى عناده الذي كان يثير غضبه.
الآن كلّ ذلك أصبح ذكرى، ذكرى مؤلمة.
لأنّها لم تُختتم بسلام، لم تُختتم بكلمة طيبة، أو عناق يمحو الخلافات.
مات عدي وهو غاضباً منه.
هذه الجملة كانت تتردد في رأسه كصدى قاسٍ، تصفعه، وتذكره بقسوة قلبه، بعجزه عن تجاوز غضبه، عن مدّ يد المصالحة في الوقت المناسب.
رفع مالك يده المرتعشة، ولمس تراب القبر البارد.
كان يشعر ببرودة الموت، وبرودة الفراق، وبرودة الذنب الذي تجمّد في عروقه.
كان يتمنى لو يعود الزمن قليلًا، لو يمنح فرصة أخرى ليقول لعدي ما لم يقله، ليحتضنه، ليخبره كم كان يحبه، رغم كل شيء.
لكنّ الزمن لا يعود، والموت لا يمنح فرصًا ثانية.
بقي مالك هناك وحيدًا مع ذنبه، مع حزنه، مع بكائه الصامت.
كان يعلم أنّ هذا الذنب سيظلّ يطارده، وأنّ هذا الحزن لن يزول بسهولة.
فقدان عدي لم يكن مجرد فقدان أخ، بل كان فقدانًا لجزء من روحه، جزءٌ تلطّخ بمرارة الندم، وبقسوة كلمة لم تُقال، وبحقيقة أنّ عدي مات وهو زعلان منه.
❈-❈-❈
في زاوية الغرفة المظلمة، حيث تتراكم الذكريات كالغبار على الأثاث القديم، جلست ورد.
جسدها النحيل يرتجف كغصن شجرة في مهب الريح.
لم تكن تبكي بصوت مسموع، فدموعها جفت منذ زمن، أو ربما تحولت إلى جمر يشتعل في أعماق روحها.
كان عذابها أعمق من أن تحتويه الدموع، وأكبر من أن تعبر عنه الكلمات.
كان عذابًا صامتًا ينهش في أحشائها، ويتركها خاوية، كقشرة بلا لب.
كل زاوية في المنزل كانت تصرخ باسم عدي.
ضحكاته التي كانت تملأ الأرجاء، خطاه التي كانت ترسم دروب الحياة، صوته الذي كان يبعث الدفء في قلبها.
الآن كل شيء صامت، بارد موحش.
كانت تتلمس ملابسه المعلقة، تشم رائحته العالقة بها، وكأنها تحاول أن تستعيد جزءًا منه، جزءًا انتزع منها بلا رحمة.
كانت تتخيل وجهه، ملامحه التي حفظتها عن ظهر قلب، ابتسامته التي كانت تضيء عالمها.
الآن تلك الصورة أصبحت مؤلمة، تذكرها بالفراغ الذي تركه خلفه.
كانت تحاول أن تتذكر آخر مرة رأيته فيها، آخر كلمة قالها، آخر نظرة تبادلها.
هل كانت كافية؟ هل عبرت له عن كل حبها؟ هل سامحته على كل زلة؟
أسئلة لا نهاية لها كانت تنهال عليها كالصواعق، تزيد من لهيب عذابها.
شعور بالذنب كان يلتف حول قلبها كالأفعى، يهمس لها بأنها ربما قصرت، ربما لم تفعل ما يكفي، ربما كان بإمكانها أن تمنع ما حدث.
لكن القدر كان أقوى، والموت كان أسرع.
كانت تشعر وكأن جزءًا منها قد اقتلع، وكأن روحها قد بترت.
كانت تتمنى لو تستطيع أن تصرخ، أن تطلق العنان لألمها، لكن صوتها كان حبيسًا في حلقها، وكأن الحزن قد خنق كل كلمة.
كانت تتنفس بصعوبة، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلًا، لا يمر إلى رئتيها إلا بصعوبة.
كانت تتذكر أحلامها لعدي، مستقبله الذي رسمته له في خيالها، نجاحاته التي كانت تتوقعها.
الآن كل تلك الأحلام تحولت إلى رماد، تذروه رياح الفقد.
لم يعد هناك مستقبل، لم يعد هناك أمل.
فقط هذا الألم، هذا العذاب الذي انكوى به قلبها، وتركها محطمة، بلا روح، بلا حياة.
كانت مجرد جسد يتحرك، لكن روحها كانت قد رحلت مع عدي، إلى حيث لا عودة.
❈-❈-❈
دلف جاسر غرفته في وقت الشروق، بعد أن انتهى من التعامل مع الشرطة ورجال الإطفاء، وبعد أن رحل آخر فرد من عائلة الرفاعي حاملاً معه جثة ابنه.
كان يشعر بإرهاق جسدي ونفسي هائل.
وجد والدته تجلس على حافة السرير، تربت برفق على يد نغم المستلقية في سكون تام.
نهضت الأم عندما رأته، وفي عينيها قلق عميق.
همست بصوت خافت.
_ من ساعة ما طلعتها وهي على الحال ده.
لا بتتكلم، ولا بتبكي، ولا حتى بترمش.
زي ما تكون روحها مش في جسمها.
أومأ جاسر برأسه، وطلب منها أن تتركهما وحدهما.
خرجت الأم وأغلقت الباب خلفها بهدوء، تاركة إياه في مواجهة حطام انتقامه.
اقترب من السرير ببطء.
وكانت نغم على جانبها، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، تحدقان في الجدار دون أن تريا شيئًا.
لم تكن نظرة حزن أو ألم، بل كانت نظرة فراغ مطلق.
كانت تشبه دمية خزفية جميلة تحطمت من الداخل، ولم يتبق سوى قشرتها الخارجية الصامتة.
كان هذا الصمت، هذا الفراغ، أكثر إثارة للرعب من أي صراخ أو انهيار.
لقد رأى قوتها، وتحديها، وعنادها، وحتى دموعها.
لكنه لم يرها هكذا من قبل.
لقد كانت هذه هي الهزيمة المطلقة، ليست هزيمتها هي، بل هزيمة روحها.
جلس على حافة السرير بجانبها، في نفس المكان الذي كانت تجلس فيه والدته.
لم ينظر إليها مباشرة، بل نظر إلى نفس النقطة الفارغة التي تحدق فيها في الجدار.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رانيا الخولي
كان ضوء الصباح الشاحب يتسلل من نافذة غرفة المستشفى، ويرسم مربعًا باهتًا على الجدار الأبيض في الغرفة. لم يكن هناك سوى صوت جهاز مراقبة القلب الذي كان يصدر صفيرًا منتظمًا، وصوت أنفاس متعبة لامرأة لم تغمض لها عين طوال الليل.
كانت أم روح تجلس على مقعد بجانب سرير ابنتها، تمسك بيدها الباردة بين يديها، وتتلو بصوتٍ خفيض ما تيسر من القرآن.
بجانب النافذة كان يقف شقيقها، خال روح، يراقب المشهد بعينين يملؤهما الحزن والعجز. لقد أصر على البقاء مع أخته، ليكون سندًا لها في هذه المحنة التي أتت لتضاف إلى مصيبة موت عدي.
فجأة، شعرت الأم بحركة طفيفة جدًا في اليد التي تمسكها. حركة بالكاد تُذكر، كرفرفة جناح فراشة.
رفعت رأسها بسرعة ونظرت إلى وجه ابنتها الشاحب. همست بصوتٍ يرتجف من الأمل والخوف:
_ روح... يا بنتي، سامعاني؟
تحركت جفون روح ببطء شديد، كأنها تحمل ثقلاً هائلاً. حاولت أن تفتح عينيها، ثم أغمضتهما مرة أخرى، كأن الضوء يؤلمها.
نادى الخال بصوتٍ مكتوم، وهو يركض إلى خارج الغرفة:
_ يا دكتور.
عادت ليل تركز على ابنتها:
_ فتحي عيونك يا روح... عشان خاطري يا جلب أمك.
مرة أخرى، وبمجهود بدا جبارًا، فتحت روح عينيها. كانت نظراتها ضائعة، تائهة، تتحرك ببطء في أرجاء الغرفة البيضاء وكأنها تستكشف مكانًا غريبًا لأول مرة. استقرت نظراتها أخيرًا على وجه والدتها.
حاولت أن تتكلم، لكن لم يخرج من فمها سوى همهمة ضعيفة وغير مفهومة.
قالت ليل والدموع تترقرق في عينيها، وهي تمسح على شعرها بحنان:
_ اششش... متتعبيش نفسك يا بنيتي.. متتكلميش. واصل المهم إنك فوقتي ورجعتيلنا.
دخل الطبيب وخالها بسرعة. بدأ الطبيب في إجراء فحوصاته السريعة، وهو يوجه ضوءًا صغيرًا في عينيها ويسألها أسئلة بسيطة وهو يمسك يدها المصابة:
_ اضغطي على إيدي.
شعر بالضغط الخفيف من يدها فظهر الارتياح على وجهه:
_ الحمد لله. الأضرار بسيطة وهتروح مع العلاج. حمد لله على سلامتها.
شكره خالها وخرج الطبيب من الغرفة.
لكن روح، ورغم أنها كانت لا تزال في حالة ضبابية، بدأت تستعيد وعيها بالمكان والزمان. بدأت تتذكر. تذكرت عدي، وصرخاته، وكلماته القاسية التي كانت كالسياط. تذكرت دفعه لها وسقوطها، والألم الذي مزقها قبل أن يبتلعها الظلام.
تجمعت العبرات بعينيها وهي تردد اسمه ومدى احتياجها له الآن أكثر من أي وقت مضى:
_ مـ.. مـ.. مالك...
بدأت عيناها تتحرك في الغرفة بقلق، تبحث عن وجوه أخرى. تبحث عن عمها، عن جدها، عن... مالك. لم تجد أحدًا. لم تجد سوى والدتها وخالها.
نظرت إلى والدتها مرة أخرى، وفي عينيها سؤال واضح وصامت:
_ مـــا.. لـــك.
اغمضت ليل عينيها وهي لا تعرف ماذا تقول لابنتها. كيف تخبرها؟ كيف تخبر ابنتها التي نجت للتو من الموت، أن زوجها قد مات محترقًا؟ وهذا ما جعل مالك غائباً. كيف تخبرها أن العائلة كلها في البلد، في مأتم زوجها؟
أطرقت الأم رأسها، غير قادرة على مواجهة نظرات ابنتها المتسائلة.
قالت ليل بصوتٍ متحشرج:
_ ارتاحي بس دلوقت يا روح، ارتاحي. وكل حاجة هتبقى زينة.
لكن روح لم تكن غبية. لقد رأت الحزن العميق في عيني والدتها، ورأت نظرة الأسى والشفقة في عيني خالها. وأدركت من هذا الغياب الجماعي، ومن هذا الحزن المكتوم، أن كارثة أخرى قد وقعت بينما كانت هي غائبة عن الوعي.
حاولت أن ترفع يدها الأخرى، يدها السليمة لتلمس والدتها، لكن جسدها خانها. لم تستطع سوى تحريك أصابعها قليلاً.
في تلك اللحظة، شعرت روح بوحدة قاسية وباردة. لقد استيقظت من كابوس، لتجد نفسها في كابوس آخر. فتجد نفسها في ظلام المرض، لتواجه ظلام الحقيقة المجهولة. وحيدة في هذا السرير الأبيض، لا تملك سوى دموعها التي بدأت تنزل بصمت على خديها، دموع على ما حدث، ودموع على ما لا تعرفه بعد.
***
وقف سالم، جسده يرتجف، أمام سيل المعزين. كانت الكلمات تتدفق على مسامعه، لكنها لا تخترقه. كان يشعر وكأنه في عالم رمادي، لا ألوان فيه ولا أصوات حقيقية. كانت الوجوه تمر أمامه كالأشباح، يرى شفاهًا تتحرك، لكنه لا يسمع شيئًا. كان يبحث عن بصيص أمل، عن لمحة من ابنه الراحل، لكن لا شيء. فقط هذا الفراغ الهائل الذي تركه عدي خلفه.
كان يشعر وكأن روحه قد انتزعت منه، وكأن جزءًا حيويًا من كيانه قد بُتر. الألم كان حادًا، لاذعًا، يمزق أحشاءه، لكنه كان يحاول أن يظهر تماسكًا، قوياً من أجل من حوله، ومن أجل ذكرى ابنه.
تذكر سالم ابنه، منذ أن كان طفلًا صغيرًا، يملأ حياتهم ضحكًا وصخبًا. تذكر شبابه، طموحاته، أحلامه التي لم تتحقق. كل تلك الذكريات كانت تنهال عليه كالصواعق، تزيد من وطأة الألم. كان يتمنى لو يستطيع أن يصرخ، أن يطلق العنان لحزنه، لكنه كان حبيسًا في جسده، محاطًا بالعزاء، وبنظرات الشفقة التي كانت تخنقه أكثر.
كانت يده ترتجف وهو يصافح المعزين، يشعر ببرودة أيديهم، وكأنها تزيد من برودة روحه. وبحقيقة أن الحياة لن تكون كما كانت أبدًا.
كان وهدان شيخًا محطمًا، وعيناه تحدقان في الفراغ. لم يكن يبكي لكن قلبه كان ينزف. صورة حفيده الراحل، عدي، لا تفارق مخيلته. تذكر كيف قسى عليه، حرمه من نغم، حبه الوحيد.
"لو وافقت على جوازه منها..."، همس بصوت مبحوح، "ما كان حوصل كل ده. كان زمانه عايش سعيد معاها."
كان الندم يخنقه، يمزقه. ذنب لا يغتفر وحسرة لا تنتهي. فقدان عدي لم يكن مجرد فقدان حفيد، بل كان فقدانًا لروحه، لراحة ضميره.
***
كان بيت الجبل معزولاً عن العالم، تحيط به الأشجار الصامتة والسماء الواسعة فقط. لم يكن هناك صوت سوى حفيف الريح وهمس الطبيعة. في هذا المكان الهادئ، كان جاسر يحاول الهروب من ضجيج الكارثة التي صنعها، لكنه وجد نفسه سجينًا لصمتٍ أكثر إيلامًا: صمت نغم.
أحضر لها أفضل طبيب نفسي من القاهرة. بعد جلسة طويلة مع نغم الصامتة، خرج الطبيب إلى جاسر الذي كان ينتظره في الشرفة.
_ يا جاسر بيه، الحالة دي اسمها صدمة نفسية حادة. اللي عرفته من حضرتك واللي هي شافته كان فوق طاقة تحمل أي إنسان. هي فصلت وعيها عن الواقع كآلية دفاع. وبالتالي محتاجة رعاية مكثفة في مصحة نفسية متخصصة.
انتفض جاسر عند سماع كلمة "مصحة" وقال بحدة:
_ مستحيل أسيبها في مكان زي ده.
_ لكن......
قاطعه جاسر بنبرة لا تقبل الجدال:
_ قلت مستحيل. جولي هي محتاجة إيه وأنا هوفره. ممرضات، أدوية، أي حاجة، بس مش هتخرج من البيت ده.
اضطر الطبيب للموافقة على مضض، ووضع له خطة علاجية صارمة، وترك له أرقام ممرضتين متخصصتين يمكن أن يتناوبا على رعايتها. لكن جاسر لم يتصل بأحد. لقد قرر، دون أن يعترف لنفسه بالسبب، أنه هو من سيتولى هذه المهمة.
بدأت الأيام تمر ببطء شديد. كانت والدته هي المسؤولة عن رعايتها نهارًا. كانت تطعمها بصبر، وتغير لها ملابسها، وتتحدث معها لساعات دون أن تتلقى أي رد، على أمل أن يخترق صوتها جدار الصمت الذي بنته نغم حول نفسها.
على الفراش بجوارها، يرفض أن يتركها وحدها.
وفي كل ليلة، كان الكابوس يتكرر. كانت نغم تستيقظ فجأة، ليس بصراخ عالٍ، بل بصرخة مكتومة ومبحوحة، صرخة ألم مطلق تخرج من أعماق روحها. وجسدها يرتجف بعنف، كأنها ترى مشهد موت عدي يحترق أمامها مرة أخرى.
في المرة الأولى، تجمد جاسر في مكانه، لم يعرف ماذا يفعل. لكن في المرة الثانية، تحرك بغريزة لم يعهدها في نفسه. نهض من الأريكة، وجلس بجانبها على السرير، وبحركة حانية ومترددة، سحبها إلى حضنه.
_ ششش... اهدي. همس في أذنها، وصوته الذي طالما حمل الأمر والتهديد، خرج دافئًا ومطمئنًا. _ ده مجرد كابوس. أنتي في أمان... أنا هنا.
لم تكن تستجيب له بوعي، لكن جسدها المرتجف كان يهدأ تدريجيًا بين ذراعيه. كان يظل هكذا، يحتضنها بقوة، ويشعر بارتجافتها تخف شيئًا فشيئًا، حتى تنتظم أنفاسها وتعود إلى النوم مرة أخرى. كان يعيدها إلى الفراش برفق، ويغطيها، ثم يعود إلى أريكته، لم يٌرد أن ينام بجوارها كي لا يسبب ضغطاً عليها وترك لها مساحتها، لكنه لا ينام بعدها. يظل مستيقظًا، يراقبها، ويشعر بمزيج من المشاعر المعقدة التي لم يجربها من قبل.
كان يشعر بالذنب. ليس الندم، بل ذنب حقيقي وثقيل. كان يرى نتيجة أفعاله مباشرة في جسدها المرتجف وصرخاتها المكتومة. لقد أراد الانتقام، لكنه لم يتخيل أبدًا أن يكون الثمن هو تحطيم إنسان بهذا الشكل.
موت عدي حطم كل شيء. حبروتُه.. قوته.. شموخه... كل شيء تبخر معه. شعر بألم حاد وفقد يسري في دماءه. ولم يكن حاله بأفضل من حالها، لكنه تعود على الصمود الذي تبقى له.
وفي إحدى المرات، وجد والدته مرهقة وقد غلبها النعاس قبل أن تكمل نغم طعام العشاء. أخذ منها الطبق بهدوء.
_ روحي ارتاحي يا أمي، أنا هكمل.
جلس مكانها، وبدأ يطعمها. كانت تأكل ببطء، دون وعي، كأنها آلة. لكنه كان صبورًا. كان يرفع الملعقة إلى فمها، وينتظر، ويمسح حول فمها بمنديل برفق.
في تلك اللحظة، وهو قريب منها بهذا الشكل يراعيها، لاحظ تفاصيل لم يرها من قبل. لاحظ رموشها الطويلة، وشحوب بشرتها، والضعف الذي حل محل القوة في ملامحها. شعر بشيء غريب تجاهها. لم تكن شفقة، ولم يكن مجرد ذنب. كان شعورًا بالرغبة في حمايتها. رغبة في أن يمحو الألم من عينيها، وأن يرى ابتسامتها مرة أخرى، حتى لو كانت ابتسامة تحدي موجهة له. كان يريدها أن تعود، حتى لو عادت لتكرهه.
هذا الشعور كان جديدًا عليه تمامًا. هو جاسر التهامي، الذي لم يعرف سوى السيطرة والقوة والانتقام، بدأ يشعر بشيء دافئ وهش ينمو في صدره كلما نظر إليها. لم يكن يعرف أن هذا هو الحب، لأنه لم يجربه من قبل. كل ما عرفه هو أنه مستعد أن يفعل أي شيء ليعيد الروح إلى هذه العينين الفارغتين، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة أكبر أعدائه: نفسه.
***
اجتمعوا في غرفة انتظار صغيرة، بعيدًا عن أعين المتطفلين. روى أكمل كل شيء بهدوء قاتل: خطة عدي، استخدامه لذلك الخليط الحارق، إشعاله النار في الإسطبل عمدًا، موت الخيول الثمينة، إصابة عدد كبير من الحراس الذين حاولوا إطفاء الحريق بإصابات بالغة، الأضرار التي لحقت بالقصر نفسه. وأخيرًا، موته المأساوي نتيجة خطئه هو.
كان كل تفصيل يرويه أكمل بمثابة مسمار آخر يُدق في نعش كبرياء عائلة الرفاعي. عندما انتهى أكمل من حديثه، ساد صمتٌ رهيب ومذل. لم يكن صمت الحزن، بل صمت الألم.
كان سالم الأب المكلوم، أول من تكلم. رفع رأسه من بين يديه، وفي عينيه نظرة مهزومة لم يرها أحد عليه من قبل. قال بصوتٍ مكسور، وكأنه يسأل ليؤكد الحقيقة التي لا يريد تصديقها:
_ يعني عدي... راحلهم معتدي؟
أومأ أكمل برأسه بأسى:
_ راح يرجع نغم بطريقته، ومفكرش في العواقب.
هنا وقف الجد، كبير العائلة وسند جسده المرتعش على عصاه الخشبية، نظر إلى ابنه وحفيده، وفي عينيه بريق حاسم ولد من رحم الكارثة.
_ مفيش تار. قالها بصوتٍ أجش لكنه حازم كحد السيف.
نظر إليه سند ومالك بصدمة، ليس اعتراضًا بل لأن الكلمة خرجت بهذه السرعة وبهذا اليقين.
قال سند باستنكار:
_ كيف ده يا چدي، هنسيب تار عدي زي ما سيبنا جبليه نغم؟
أكمل الجد، وصوته بدأ يعلو قليلاً، مشوبًا بالمرارة والألم، عليه أن يتنازل مرة أخرى لأجل البقية:
_ نطالب بدم ولدنا وهو اللي راحلهم بجهنم في إيده؟ نطالب بحقه وهو اللي حرق حالهم، وأذى رجالهم، وروّع حريمهم؟
سار خطوتين في الغرفة، وعصاه تدق على الأرض مع كل خطوة.
_ التهاميه لو جتلوا كل رجالنا دلوجت، يبجى ليهم الحج. لم يكن يدافع عنهم بل كان يهدئ من غضب عائلته كي لا يعيش مرارة الفقد.
_ ابننا هو اللي رفع السلاح لول... هو اللي بدأ الحرب. موته ده... مش غدر منيهم، ده تمن تهوره وجنونه.
جلس وهدان مرة أخرى، يشعر بالألم يلتهمه. لقد مات حفيده، وبدلاً من أن يكون موته سببًا للمطالبة بالحق، أصبح دينًا في رقبة عائلته. هكذا أقنع عائلته كل حاجة عليهم من غضبهم.
أكمل الجد بنبرة نهائية لا تقبل الجدال:
_ الموضوع ده اتجفل. عدي الله يرحمه ويغفرله، عزانا خدنا في ولدنا، وهنجفل عليه. لكن مفيش كلمة واحدة هتتجال عن التار. لو حد سأل، هنقول قضاء وقدر. ابننا راح في حادثة.
اسودت الدنيا في عين مالك وسأل جده بغضب:
_ تاني يا چدي؟ بتعيده من تاني وتتغاضى؟
لم يشعر أحد بالنار التي تلتهم جسد وهدان. لقد احترق قلبه مع حرق عدي وشعوره بالذنب الذي لا يرحم. لم تكتفِ الدنيا بأخذ ولده وزادته بقسوتها بأخذ قطعة أخرى من روحه.. عدي. لكن سيفعل أي شيء حفاظا على ما تبقى من عائلته.
رفع وهدان نظره إلى مالك وقال بأمر:
_ اللي عندي جولته انا مبجاش حيلتي غيركم دلوجت ولازمن احافظ عليكم.
صرخ مالك:
_ وحج أخوي؟
ضغط على عصاه يستمد منها قوته التي بدأت تضعف.
_ عند ربنا. حفيدي اللي غولط وكسر جلبي عليه، ومش مستعد اخسر حد تاني منيكم. لو كان هما اللي عملوا إكدة كنت سلمتهم للحكومة زي ما عملت مع ولدي جبل سابج.
أكد مالك رأي وهدان قائلاً:
_ للأسف رأي جدي صح في كل كلمة. عدي اللي عتدى عليهم، وقانونياً يعتبر مجرم ولو كان عايش كان ممكن الحكم يصدر ما بين عشر سنين لمؤبد. وفي حاجة برضه، المتضررين من الحادث يحق لهم انهم يطالبوا بتعويض عن كل الخسائر اللي نتجت عن الحادث. وخصوصاً إن في ضحايا كتير. استخدام المسحوق ده نفسه جريمة كبيرة أوي لإن المايه مش بتقدر تطفيها وخسايرها بتكون مدمرة. شرعًا وقانوناً وعرفاً ملناش حق.
نقل وهدان بصره بين مالك وسند وتابع بأمر:
_ ياريت الكلام ده يخليكم تهدوا وبلاش تعور، وخلاص أنتو اللي باجيلي من شباب العيلة دي. إياك أشوف في عينكم نظرة غل أو انتجام. اللي حاصل ده درس لينا كليتنا درس إن الغضب بيعمي، وإن اللي بيبدأ بالنار... بيتحرق بيها. چدي بدأها زمان وعشت عمري كله أهديها.
ثم أضاف بوهن، وكأن كل كلمة تستنزف ما تبقى من قوته وهو يدافع عن ألد أعدائه لأجل البقية:
_ ده غير الخساير... خسايرهم هما، اللي لو جاسر التهامي فكر يطالبنا بحج الخيل اللي اتحرق ولا السرايا اللي باظت، مش هنجدر نفتح بقنا بكلمة، إحنا اللي بقينا مديونين... مديونين بالدم وبلفلوس.
وفي تلك اللحظة، أدرك الجميع الحقيقة المرة. موت عدي لم يكن خسارة مأساوية فحسب، بل كان هزيمة ساحقة. لقد حوّل عائلته من موقف الضحية التي يمكن أن تطالب بحقها، إلى موقف المعتدي المديون الذي عليه أن يصمت ويقبل مصيره. لقد أطفأ بموته أي فرصة للأخذ بالثأر، وترك عائلته في موقف ضعف وعار لم تعرفه من قبل.
في ذلك الممر البارد والمعقم، وجد الأب والابن نفسيهما محاصرين في قلب مأساة مزدوجة. لقد خسروا كل شيء في ليلة واحدة. لم يكن هناك مكان للغضب أو للثأر، لم يكن هناك سوى فراغ هائل، وحزن أثقل من أن يحتمله قلب بشر، وصوت الصمت الذي يصرخ بخسارتهم التي لا تعوض.
لم يتحمل مالك البقاء. وخرج من الغرفة و من القصر كالإعصار، صافعاً الباب خلفه بقوة جعلت جدران البيت العتيق ترتج. كانت عيناه حمراوين كجمرتين مشتعلتين، وعروق رقبته نافرة، وكل عضلة في جسده متشنجة من الغضب المكتوم. لقد وصل إلى أقصى درجات غضبه في حديثه مع جده، الذي رفض رفضاً قاطعاً فكرة الأخذ بالثأر، وربطه بقواعد العائلة وتقاليدها التي رآها مالك في هذه اللحظة مجرد قيود بالية أمام حقه في دم أخيه.
قاد سيارته بسرعة جنونية، لا يرى أمامه والطريق يتراقص أمام عينيه الغائمتين بالغضب والدموع المحبوسة. لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكن قدمه كانت تقوده غريزياً إلى مكان واحد... المكان الذي يرقد فيه نصف روحه.
وصل إلى المقابر مع غروب الشمس، التي كانت تلقي بأشعتها الحمراء الأخيرة على شواهد القبور، كأنها تبكي دماً على الراحلين. ترجل من السيارة وسار بخطوات ثقيلة بين القبور الصامتة، حتى وصل إلى قبر حديث، لا يزال ترابه ندياً.
"عدي سالم الرفاعي"
قرأ الاسم المحفور على الشاهد، وشعر بسكين بارد يغرس في قلبه. وقف هناك، شامخاً كالجبل، صامتاً كالصخر، لا تظهر على ملامحه أي تعابير. كان هذا هو مالك الذي يعرفه الجميع، القوي، الصلب، الذي لا يهتز.
لكن من الداخل كان ينهار. كانت روحه تصرخ. كل تفاصيل آخر لقاء بينهما تعود لتجلده بسياط من الندم. صوتهما المرتفع، كلماتهما القاسية، اتهامات عدي له، وغضب مالك من تهور أخيه. انتهى اللقاء بخلاف، بخصام، بقطيعة لم يتخيل أبداً أنها ستكون الأخيرة.
_ زعلان مني، صح؟ همس مالك بصوتٍ أجش ومبحوح، كأنه يكلمه. _ عارف إنك زعلان وعارف إني غلطت لما عليت صوتي عليك. بس كنت خايف عليك يا عدي... كنت خايف عليك من نفسك.
تنهد تنهيدة طويلة، خرجت معها كل ذرات الهواء من رئتيه، وشعر بفراغ قاتل.
_ نفسي... نفسي ترجع مش عشان تعيش... لأ. بس عشان ترجع لحظة واحدة بس، لحظة واحدة أقولك فيها حقك عليا. أقولك فيها إني آسف. أبوس على راسك وأطلب منك السماح... وبعدها... بعدها روح. بس روح وإنت راضي عني.
هنا، لم يعد قادراً على الصمود. انهار الجبل، وتحطم الصخر. سقط على ركبتيه بجانب القبر، وانهار تماماً. لم يعد هذا مالك الصامد، ولا مالك القوي، بل كان مجرد أخ فقد أخاه. انحنى ووضع جبهته على القبر البارد، وانفجرت دموعه التي حبسها طويلاً. لم يكن بكاءً عادياً، بل كان عويلاً مكتوماً، بكاء قهر الرجال الذي يهز الأبدان. كانت شهقاته تخرج من أعماق روحه، ممزوجة بالندم والوجع والشعور بالضياع.
الأخ ليس مجرد قريب، بل هو امتداد للروح، هو الذاكرة المشتركة، والضحكة الصادقة، والكتف الذي لا يميل أبداً. هو السند الذي لا يعوض، والجدار الذي يحمي من قسوة العالم. وبدون هذا الجدار، شعر مالك بأنه عاري ووحيد في مواجهة عواصف الحياة.
ظل على هذا الحال وقتاً طويلاً، يبكي كطفل تائه، يفرغ كل ألمه وقهره وندمه على التراب البارد الذي يحتضن أخاه الوحيد، حتى غربت الشمس تماماً، وحل الظلام، ولم يبق في هذا المكان الموحش سوى رجل محطم، وقلب ينزف على فقدان نصفه الآخر.
***
كان جاسر يجلس في مكتبه بسرايا التهامي، يراجع بعض الأوراق المتعلقة بالخسائر التي سببها حريق عدي. كان الهدوء قد عاد إلى السرايا، لكنه كان هدوءًا مشوبًا بالترقب، كهدوء ما بعد العاصفة وقبل عاصفة أخرى أشد.
فُتح باب المكتب فجأة ودخل صخر، وعلى وجهه نظرة لا تبشر بالخير. لم يستأذن، بل دخل وجلس على المقعد المقابل لمكتب جاسر، ووضع ساقًا فوق الأخرى بتعجرف.
_ الخسارة كبيرة يا جاسر. بدأ صخر الحديث بنبرة ساخرة، وهو ينظر حوله. _ واد الرفاعي ده جبل ما يولع في نفسه، ولع في فلوسنا.
رفع جاسر عينيه من على الأوراق، ونظر إلى عمه ببرود.
_ الخيل اللي اتحرق هيتعوض، والحيطان اللي اسودت هتتدهن مش هي دي المشكلة.
سأل صخر وهو يميل إلى الأمام، وعيناه تلمعان بغضب:
_ أومال إيه المشكلة يا ابن أخوي؟
لم يرد جاسر، فتابع صخر هجومه.
_ ساكت على اللي حصل وكمان أخدت بنتهم بيت الجبل لجل ما تعالجها من الخضة، جلبك حن ولا إيه. قالها بسخرية وهو ينظر في عين جاسر.
رد جاسر بحدة هادئة:
_ دي حاجة متخصكش يا عمي، نغم مرتي، وأنا حر أوديها مطرح ما أوديها.
ضحك صخر ضحكة عالية ومجلجلة.
_ مرتك! لساتك بتجول الكلمة دي؟ البنت دي لعنة يا جاسر. من يوم ما دخلت بيتنا والمصايب بتحل علينا. موت وحرج وخسارة، دي مش وش نعمة. المصايب دي هما اللي جابوها لنفسهم. وهما لازم يدفعوا تمنها أكتر.
قال صخر، وهنا وصل إلى مبتغاه.
_ لازم يعرفوا إن موتة ولدهم دي مش هترجع ليهم كرامتهم اللي انداست. لازم نكسرهم كسرة تانية، كسرة تجطم وسطهم وميجوموش منها تاني أبداً.
صمت جاسر، ينتظر بقية حديث عمه الذي يعرفه جيدًا.
_ جولتلك جبل سابج نشهر بچوازك منها ونكسرهم صح، بس انت جولتلي طالما بجت على اسمي يبجى سمعتها من سمعتي والحديث اللي ملهاش عازة. ودلوجت شروق البنت كبرت، وخطوبتها طولت والناس في النجع بدأت تتكلم.
رد جاسر بلهجة رغم برودها إلا أنها حازمة قاطعة:
_ الناس تتكلم زي ما هي عايزة.
_ لأه! قالها صخر بحزم وقوة. _ كلام الناس ده هو اللي بيعلينا وهو اللي بيوطينا وأني مبجبلش إن حد يجيب سيرة بتي على لسانه. جوازك من شروق لازم يتم وفي أسرع وقت.
وقف جاسر بصوت جليدي:
_ وأنا مش جاهز للجواز ده دلوجت.
ارتفع صوت صخر، وفيه نبرة أمر لا تقبل النقاش.
_ مش بمزاجك يا جاسر، مش بمزاجك. أنت نسيت اتفاجنا؟ نسيت إن نص الأملاك دي باسمي؟ نسيت إني كبير العيلة دي؟ چوازك من شروق ده مش اختيار، ده واجب. ده اللي هيثبت للكل إن الأصل بيرجع للأصل. ولو كنت بدأت تميل للهانم، فإحنا دلوجت بنتكلم في بيوت وعائلات وأصول. الحب ده هو اللي ضيع الواد الأهبل بتاعهم. إحنا جوازنا للمصلحة، وللقوة، وللسلطة. هتتجوز شروق عشان تجفل خشم كل واحد بيفكر يتكلم، وعشان تثبت إنك لسه جاسر التهامي اللي كلمته سيف.
ثم اقترب منه، وخفض صوته إلى همس سام.
_ وافتكر زين إن الحج حجنا، والأرض أرضنا.. وهما اللي بدأوا التار.
خرج صخر وأغلق الباب خلفه، تاركًا جاسر وحيدًا مع قراره الذي لم يعد قراره. لقد حاصره عمه، وربطه بواجباته وباسم عائلته. نظر من النافذة، وفكر في نغم. لقد كان يكرهها، وأراد كسرها، لكنه لأول مرة شعر بأن هذه الخطوة، خطوة زواجه من شروق، ليست مجرد انتقام، بل هي قسوة مفرطة، قسوة قد تدمر آخر بقايا الروح في تلك المرأة التي أصبحت لغزًا يسير على قدمين في حياته. لكنه جاسر التهامي، ولم يكن أمامه خيار سوى أن يفعل ما يجب عليه هو فعله.. وليس غيره.
***
في منتصف الليل، تسلل وهدان بخطوات ثقيلة، كل خطوة كانت تزن ألف رطل من الألم والندم. دفع باب غرفة حفيده "عدي" ببطء، وكأنما يخشى أن يوقظ النائم الذي لن يستيقظ أبدًا. كانت الغرفة باردة، صامتة، خالية من روح صاحبها الذي كان يملؤها حياةً وضجيجًا.
وقف في المنتصف، وعيناه تجولان في المكان الذي كان شاهدًا على أحلام شاب لم تكتمل. كل شيء في مكانه كما تركه "عدي": عطره المفضل على طاولة الزينة، ملابسه التي كان سيرتديها اليوم ملقاة على طرف السرير، صورة تجمعه بـ"نغم" مخبأة جزئيًا تحت وسادته، وكأنه كان يناجيها قبل أن يذهب إلى مصيره.
انحنى ظهره الذي لم تحنه السنون، بل حطمه القهر في ليلة واحدة. سقط على السرير، ومد يده المرتجفة ليمسك بالوسادة التي كانت تحتضن رأس حفيده. ضمها إلى صدره بقوة، واستنشق عبق "عدي" المتبقي فيها، فانفجرت دموعه التي حبسها طوال تلك المدة أمام الناس، دموع رجل عجوز خذلته حساباته.
همس بصوت مبحوح، يكلم طيف حفيده الذي ملأ الغرفة:
_ كنت فاكر إني بحميك يا عدي... كنت فاكر إني برسملك طريق السعادة.
ارتعش صوته وهو يكمل، والكلمات تخرج ممزوجة بمرارة لا تحتمل:
_ غلطت... حساباتي كلها كانت غلط. كنت أعمى يا ولدي، وفكري عماني.
ضرب بقبضته على صدره، ضربة مكتومة تعبر عن غضبه من نفسه.
_ لو بس... لو بس كنت سمعت لجلوبكم. لو كنت وافجت... لو كنت چوزتك اللي رايدها وروحك فيها... كان زمانك دلوجت هنا، في حضنها، بتضحك الضحكة اللي بتنور السرايا كلها. كان زمانها بتسعدك وبتسعدها.
تخيل المشهد الذي حرمهم منه جميعًا: عدي ونغم يضحكان معا، ومالك يعلم روح كيف تحبه، كيف يروض عنادها بحنانه. صورة كانت في متناول يده، لكنه ألقاها في نار العناد والتقاليد البالية.
رفع رأسه ونظر إلى الفراغ، وعيناه غارقتان في بحر من الدموع والأسف.
_ كنت باني لكم قصور من رمل، فاكرها بتحميكم، وأول موجة هدت كل حاجة فوج دماغي ودماغكم. أنا اللي بنيت طريق هلاككم بإيدي... بإيدي دي.
نظر إلى كفيه المرتجفتين باشمئزاز، الكفين اللتين وقعتا على قرارات كانت بمثابة حكم الموت على سعادة أحفاده.
يا ريتني مت قبل ما أشوف اليوم ده. يا ريتني أنا اللي روحت وانت اللي فضلت. تمن غلطتي كان غالي جوي يا عدي... غالي فوق ما أتحمل.
كان يبكي على وهدان الذي كان، على الجد الذي ظن أنه يعرف كل شيء، ليكتشف في النهاية، ومتأخرًا جدًا، أنه لم يكن يعرف شيئًا على الإطلاق.
***
بعد عدة أيام في المشفى، تحسنت حالة روح الجسدية بشكل ملحوظ. استعادت قدرتها على الكلام، وإن كان بصوتٍ ضعيف وبطيء، وبدأت في تحريك أطرافها بمساعدة العلاج الطبيعي. طوال هذه الفترة، كانوا يتناوبون زيارتها كي لا تشك بشيء، لكنهم كانوا بارعين في التهرب من أسئلتها عن عدي. كانوا يخبرونها أنه مشغول، أنه مسافر، أنه لا يستطيع رؤيتها بتلك الحالة ولذلك لا يجرؤ على مواجهتها. ورغم أن قلبها كان يحدثها بأن هناك خطبًا ما، إلا أنها كانت تتمسك بهذه الأكاذيب الواهية، لأن الحقيقة كانت تبدو أشد رعبًا.
جاء اليوم الذي سيخرجها فيه مالك من المشفى. كان هو من أصر على أن يأخذها بنفسه. في السيارة، كان الصمت هو سيد الموقف. كانت روح تنظر من النافذة، ترى تفاصيل الحياة اليومية تمر من أمامها، وتشعر بأنها كانت في عالم آخر.
قالت بصوتٍ خافت:
_ مالك.
رد مالك دون أن يلتفت إليها، وعيناه مثبتتان على الطريق:
_ نعم يا روح.
_ هو... لسه مچاش؟
فهم مالك أنها تقصد عدي. شعر بغصة في حلقه.
_ لسه يا روح، اديله وجته.
ابتسمت بمرارة وهي وصلوا إلى منزل العائلة. ما إن دخلت السيارة من البوابة، حتى شعرت روح بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. كان هناك هدوء غير طبيعي يلف المكان، هدوء لا يشبه هدوء البيوت، بل سكون المقابر.
ساعدها مالك على النزول من السيارة، ونادى وعد كي تسندها. كانت تمشي ببطء نحو الباب الرئيسي. فتحت والدتها الباب، وكانت ترتدي ملابس سوداء بالكامل. تجمدت روح في مكانها. لاحظت أن الجميع ملبد بالسواد. بدأ الشك يتسلل إلى قلبها.
_ ليه لابسة أسود يما؟
ارتبكت الأم، ونظرت إلى مالك طلبًا للمساعدة.
_ ده... ده بس عشان... عشان اللي حصلك يا بنيتي، كنا زعلانين عليكي.
لم تكن إجابة مقنعة. دخلت روح إلى المنزل، فوجدت جدها يجلس على كرسيه. أعمامها كلهم يرتدون السواد. وجوههم كانت متعبة، والحزن محفور عليها بعمق. لم يكن هذا حزنًا على مرضها، كان أعمق وأقدم.
قالت روح بصوتٍ بدأ يرتجف:
_ في إيه؟ إيه اللي حصل وأنا في المستشفى؟
لم يرد أحد. كانوا يتبادلون النظرات، كل واحد يلقي بعبء إخبارها على الآخر. سألت مباشرة، وقلبها بدأ يخفق بقوة ورعب عندما لاحظت حضورهم ما عدا عدي، فتمتمت بصوت مرتعش:
_ عدي فين؟ هو حصله حاجة صح؟
صمتهم كان إجابة كافية. بدأت تتراجع للخلف، وهي تهز رأسها ببطء، رافضة تصديق ما بدأ عقلها في استنتاجه.
_ لأ... لأ... هو كويس، هو بس... هو بس محروج مني.
بدأ جدها الحديث بصوتٍ مكلوم:
_ يا بنتي......
قاطعته بصوت يحمل رجاء:
_ لأ.... متكملش! مش عايزة أسمع!
نظرت لوعد التي تبكي بصمت يؤكد لها:
_ مش عايزة أعرف حاجة. طلعيني أوضتي.
وقف أمامها مالك يمنعها:
_ اهدي يا روح.. أي انفعال غلط عليكي.
التفتت إلى مالك، وفي عينيها نظرة انكسار تام، نظرة شخص فهم كل شيء فجأة.
_ أنا هادية.... بس مش هصدج إن عدي مات.. كان جلبي حاسس إن في حاجة بس كنت بكدب حالي، ولسة بكدبه....
وقع نظرها على ورد التي تجلس مستسلمة على أحد المقاعد. ثم نقلت بصرها لوعد برجاء:
_ طلعيني أوضتي الجديمة يا وعد.
أومأت لها وعد وهي تمسح دموعها ثم ساعدتها على الصعود وهي مستسلمة لها بهدوء قاتل.
***
كان أكمل يجلس على الكرسي الخاص القديم في حديقة جده، في نفس المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه الرجل العجوز. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وتلقي بظلال طويلة على الأرض. لم يكن يقرأ أو يفعل شيئًا، بل كان يكتفي بالنظر إلى الحديقة التي زرعها جده بيده، ويستمع إلى صمت المكان، محاولاً أن يجد بعض السلام في روحه.
لمح من بعيد أحد العمال الصغار في السن، شاب يدعى منتصر، يقترب منه بتردد، ثم يتوقف، ثم يتقدم خطوة أخرى، وكأنه يصارع قرارًا صعبًا. لاحظه أكمل، وأشار له بيده أن يقترب.
_ تعالى يا منتصر، عايز حاجة؟
اقترب الشاب، وهو يفرك يديه بتوتر واضح، وعيناه تنظران إلى الأرض.
_ يا أكمل بيه... أنا... أنا كنت عايز أقولك على حاجة، بس خايف.
اعتدل أكمل في جلسته، وشعر أن الأمر جاد.
_ متخافش يا منتصر قول اللي عندك محدش هيأذيك طالما أنا هنا.
أخذ الشاب نفسًا عميقًا، ثم قال بصوتٍ خفيض:
_ عم حسان يا بيه... كبير العمال.
_ ماله؟
_ بصراحة يا بيه... إيده طويلة حبتين. بجاله سنين وهو بياخد حاجات من السرايا على صغير. حاجات بسيطة كده، شكاير كيماوي، شوية فواكة من الجنينة... والحاج قاسم الله يرحمه كان بيشوف وبيطنش، بيجول عيال وبياكلوا عيش.
صمت أكمل، يستمع باهتمام.
أكمل سالم بتردد أكبر:
_ بس يا بيه... الموضوع كبر من يوم ما الحاج قاسم مات... والبيت كان في دوشة العزا والناس رايحة جاية... أنا شفته بعيني وهو بيدخل المخزن اللي ورا، وخرج ومعاه حاجات كتير. ويومها بالليل، دخل أوضة الحاج الله يرحمه... و...
قال أكمل بحزم:
_ كمل.
_ بيقولوا... بيقولوا إنه خد فلوس كانت متشالة في الصندوق الخشب القديم مبلغ كبير جوي يا بيه.
تنهد أكمل. لقد كان يتوقع أن يواجه مشاكل من هذا النوع.
_ ومين تاني شاف الكلام ده؟
أعطاه منتصر اسمين آخرين من العمال الذين كانوا شهودًا على بعض تصرفات حسان. قضى أكمل بقية اليوم في التحقق من الأمر بهدوء، وتأكد من صحة كلام منتصر. لم يكن الأمر مجرد سرقة بسيطة، بل كان استغلالاً بشعًا لظرف الموت والفوضى.
في صباح اليوم التالي، أرسل أكمل في طلب حسان. جاء الرجل، وهو في الخمسينيات من عمره، وعلى وجهه قناع من البراءة المصطنعة. لكن ما فاجئ أكمل هو أنه لم يأتي وحده. كانت تمشي خلفه، بخطوات مترددة ورأس منكس، فتاة شابة في مقتبل العمر. كانت جميلة بجمال ريفي هادئ، ملامحها بريئة، وعيناها تحملان حزنًا يفوق سنها. كانت ابنته.
_ أهلاً يا حسان. قال أكمل ببرود، وهو يجلس على كرسي جده كقاضٍ في محكمته. _ على ما أظن أنا طلبتك لوحدك.
سقط قناع البراءة عن وجه الرجل، وظهر عليه الخوف. ارتمى على ركبتيه، وبدأ في التسول.
_ سامحني يا بيه غصبت عني يا بيه والله... الشيطان شاطر... والعيال مصاريفها كترت. أبوس على يدك تسامحني.
قال أكمل بصرامة:
_ المسامحة دي مش بتاعتي. دي جريمة ولازم تتعاقب عليها. أنا هسلمك للشرطة.
هنا، زحف الرجل على ركبتيه، وأمسك بقدم أكمل.
_ إلا الحكومة يا بيه! هتفضحني وهضيع مستقبلي ومستقبل بتي! ثم التفت إلى ابنته التي كانت تقف كالصنم، والدموع تتجمع في عينيها. نظر إلى ابنته وصرخ فيها:
_ بت يا صبر بوسي إيد البيه! قولي له يسامح أبوكي!
ثم نظر إلى أكمل مرة أخرى، وقال الجملة التي جعلت الدماء تغلي في عروق أكمل:
_ يا بيه... خدها. خد صبر بتي تشتغل عندك خدامة ببلاش... العمر كله. تخدمك وتخدم بيتك، لحد ما تسد كل قرش أنا خدته بس استر عليا.
نظر أكمل إلى الرجل البغيض الذي يعرض ابنته كبضاعة، وإلى الفتاة التي كانت تبكي بصمت، ووجهها يشتعل من الذل والقهر. لقد رأى فيها ضحية، أداة يستخدمها والدها ليفلت من عقابه. شعر بالاشمئزاز من الأب، وبشفقة عميقة تجاه الفتاة.
نهض أكمل، وأبعد قدمه عن الرجل بقرف.
_ قوم يا راجل انت قوم من على الأرض. نظر إلى الفتاة التي كانت لا تزال تبكي. لقد أدرك أنه لو سلمه للشرطة، فإن هذه الفتاة ستضيع. سيلاحقها عار والدها، وربما تضطر للعمل في ظروف أسوأ لتسدد ديونه.
قال أكمل بعد لحظة صمت، وقد اتخذ قراره.
_ خلاص أنا مش هسلمه للشرطة.
تهلل وجه حسان:
_ كتر خيرك يا بيه! ربنا...
قاطعه أكمل بحدة:
_ بس اسمعني كويس، مش عايز أشوف وشك هنا تاني تحت أي ظرف. ثم نظر إلى الفتاة:
_ وأنتي... بنتك... هتشتغل هنا.
نظر إليه حسان بعدم فهم، بينما رفعت الفتاة رأسها بصدمة.
_ هتشتغل هنا في البيت.
أكمل أكمل، لكن نبرته تغيرت وأصبحت أكثر لطفًا وهو يوجه حديثه إليها.
_ هتساعدي في شغل البيت، وهتاخدي مرتبك كامل زيك زي أي حد مش عشان تسدي دين أبوكي، لأ. عشان ده حقك ومجهودك وعشان أضمن إنك تكوني تحت عيني، بعيد عن أب كل همه إزاي يبيع ويشتري فيكي.
صمت الجميع. لم يفهم حسان كرم أكمل، لكنه لم يجرؤ على الاعتراض. أما صبر، فنظرت إلى أكمل بنظرة تحمل مزيجًا من الامتنان وعدم التصديق. لأول مرة في حياتها، يعاملها شخص كإنسانة لها قيمة، وليس مجرد سلعة للمقايضة. لقد قرر أكمل أن يرحمها من والدها، وأن يمنحها فرصة لحياة كريمة تحت حمايته. لم يكن يعرف أن هذا القرار، الذي اتخذه بدافع الشفقة والعدل، سيفتح بابًا جديدًا في حياته، وسيدخل إلى عالمه شخصًا سيغير فيه الكثير.
***
لم تكف روح عن البكاء منذ أن عادت من المشفى. كانت دموعها تنهمر كشلال صامت، تغسل وجهها الشاحب وتتسرب إلى ثياب والدتها التي تحتضنها بقوة، كأنها تحاول أن تذيب ألم ابنتها في جسدها. ارتمت روح في حضن ليل، تبحث عن ملاذ، عن أي شيء يخفف من ثقل الكابوس الذي عاشته.
كانت ليل نفسها جبلاً من الألم، قلبها يتمزق على بناتها. هل الدنيا لم تجد غيرهم لتقسو عليهم بهذه الحدة؟ روح عادت من الموت بجسدٍ منهك وروحٍ جريحة، ونغم ألقيت في غيابات الجب، لا أحد يعرف عنها شيئاً. كيف حالها الآن؟ هل رأت ابن عمها وهو يحترق أمامها؟ وإذا حدث، كيف حالها الآن؟ كانت الأسئلة تأكل روحها بلا رحمة.
تطلعت إلى روح التي تنتفض بين ذراعيها، تبكي بحزن وألم عميقين. ولم تكن ليل تعلم أن هذا البكاء ليس على زوج، بل على ابن عم، على قريب، على روحٍ أُزهقت بتلك الطريقة البشعة.
كانت الذكريات تتدافع في رأسها كالأمواج المتلاطمة. لم تكن تبكي على زوجها، فزوجها قد مات في قلبها. مات في تلك الليلة التي واجهها فيها بحقيقة مشاعره القاسية. كانت كلماته تتردد في أذنيها بوضوح مؤلم، كأنها تقال الآن:
"أنا مش بحبك يا روح... عمري ما حبيتك. أنا بحب نغم. كنت بحاول أحبها فيكي، بس مجدرتش."
كل كلمة كانت سكيناً يغرس في قلبها. لقد قتلها في تلك اللحظة، قتل كل أمل، كل حلم، كل شعور جميل كانت تحمله له. واليوم، هي لا تبكي عليه بل تبكي من أجله. تبكي على ابن عمها الذي لم تكن تتمنى له هذه النهاية المروعة، مهما فعل بها.
شعرت ليل بارتعاش جسد ابنتها، فشددت من احتضانها وهمست بصوتٍ حنون يغالبه الألم:
_ اهدي يا روح جلبي... اهدي يا بنتي. ده قضاء ربنا.
رفعت روح وجهها المبلل بالدموع، ونظرت إلى والدتها بعينين تائهتين.
_ صعبان عليا أوي يا ماما صعبان عليا يموت بالطريقة دي. مهما كان ده عدي... ابن عمي اللي اتربينا مع بعض.
أمسكت ليل وجهها بين يديها، ومسحت دموعها بأطراف أصابعها المرتجفة.
_ عارفة يا حبيبتي... عارفة إنه صعب بس إرادة ربنا فوق كل شيء. إنتي لازم تكوني قوية عشان تجدري تقفي على رجلك تاني.
هزت روح رأسها، وعادت لتدفن وجهها في صدر أمها، ودموعها تتجدد.
_ ونغم... نغم يا ماما قلبي واكلني عليها. زمانها شافت كل حاجة. زمانها ميتة من الرعب. هي فين دلوقتي؟ بيعملوا فيها إيه؟
هنا، لم تستطع ليل الصمود أكثر. انفرط عقد دموعها هي الأخرى، واختلطت دموع الأم بدموع ابنتها في مشهد يفتت الصخر. كانت قهرتها أكبر وأعمق. حزنها لم يكن على شخص واحد، بل كان موزعاً على ابنتيها. واحدة جريحة في حضنها، والأخرى مفقودة في المجهول.
_ ربنا يسترها عليها يا روح... ربنا ينجيها ويرجعها لحضني. ماليش غيركم في الدنيا دي يارب... يارب احفظها بحفظك ورجعها لي بالسلامة.
احتضنت الأم وابنتها بعضهما البعض بقوة، كل منهما تبكي وجعها الخاص، وكل منهما تحاول أن تستمد القوة من الأخرى في مواجهة هذا الألم الذي بدا أكبر من قدرتهما على الاحتمال.
***
بعد أن ابتلع الباب الخارجي جسد حسان، تُركت صبر واقفة في بهو البيت الواسع وحدها. كان الصمت ثقيلاً، لا يقطعه سوى صوت أنفاسها المتوترة. لم تجرؤ على رفع عينيها عن الأرض، حيث كانت تتابع بعينيها نقوش البلاط القديم كأنها تحاول فك طلاسمه، فقط لتهرب من مواجهة الرجل الذي أصبحت الآن تحت رحمته.
دلف أكمل للداخل بخطوات واثقة وهادئة، وأغلق الباب خلفه بصوتٍ خافت زاد من توترها. وقف للحظات يتأملها من بعيد، بنظرة فاحصة ومحايدة، كنظرته لملف قضية جديدة أمامه. كانت تقف هناك كتلة من الخجل والانكسار، ملابسها المهترئة والفضفاضة، التي بهت لونها من كثرة الغسيل، كانت تخفي أي معالم لجسدها وتجعلها تبدو أكبر من سنها الحقيقي بسنوات. حجابها الملفوف بإهمال، وقد انسلت منه بعض الخصلات الباهتة، أكمل الصورة البائسة.
للحظة، شعر بشيء من الارتياح. هذا المظهر المتواضع والمنطفئ طمأنه. لن يقلق من وجودها معه في البيت وحدهما. هي مجرد فتاة بائسة أتت لتعمل، لا أكثر.
تقدم منها ببطء، فوقفت متصلبة في مكانها، تشعر بنظراته تخترقها حتى وهي لا تراه. سألها بصوت عملي وجاد، خالي من أي عاطفة:
_ هتعرفي تقومي بشغل البيت كله لوحدك؟
رفعت وجهها أخيراً، وبصوتٍ خفيض بالكاد يُسمع ردت بإحراج شديد وهي تفرك يديها بتوتر:
_ أيوه يا بيه بعرف أعمل كل حاجة. طبيخ وغسيل وتنضيف. كنت ساعات باجي أساعد مرات أبويا هنا زمان... لما كان جدك لسة عايش.
هز أكمل رأسه بإيماءة خفيفة، كأنه يسجل المعلومة في ذاكرته. وجودها في البيت من قبل يعني أنها تعرف تفاصيله، وهذا سيوفر عليه عناء الشرح. صمت للحظة، ثم أشار بذقنه إلى ممر جانبي طويل ومظلم بعض الشيء، ينتهي بباب خشبي قديم في زاوية بعيدة داخل البيت. كانت غرفة منعزلة، كأنها بُنيت لتُنسى.
_ الأوضة اللي في آخر الطرقة دي... هتبقى أوضتك. تقدري تروحي ترتاحي فيها دلوقتي.
قال "أوضتك"، بلهجة تجعل الكلمة تبدو كمكان للمبيت لا أكثر، مكان مؤقت لوجود عابر. نظرت صبر إلى حيث أشار، ثم نظرت إليه مرة أخرى بنظرة سريعة وخاطفة، كأنها تحاول أن تقرأ أي شيء في ملامحه الصارمة لكنها لم تجد سوى الفراغ. وجه وكيل النيابة الذي لا يكشف عن شيء.
_ شكراً يا بيه. همست بها، ثم تحركت بخطوات بطيئة ومترددة نحو مصيرها الجديد، نحو تلك الغرفة المعزولة في بيت الرجل الغامض الذي لا تعرف عنه شيئاً، سوى أنه الآن سيد قرارها ومستقبلها.
بينما كانت تسير مبتعدة، ظل أكمل يراقبها. هذا الكائن الهش والبائس الذي دخل حياته فجأة. ما الذي يمكن أن يجمع بينه هو أكمل وكيل النيابة، ابن العائلة الكبيرة، وهذه الفتاة التي تبدو كخادمة من زمن آخر؟ هل ستكون مجرد ظل عابر في بيته، أم أن القدر يخبئ له معها حكاية لم تكن في الحسبان؟
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رانيا الخولي
مر أسبوع آخر في بيت الجبل. أصبح الروتين هو سيد الموقف. والدة جاسر ترعى نغم نهارًا، وجاسر يتولى حراستها ليلًا.
كان التحسن بطيئًا وغير ملحوظ، لكنه كان موجودًا. بدأت عينا نغم تتابعان الحركة في الغرفة أحيانًا، وأصبحت صرخاتها الليلية أقل حدة.
في إحدى الأمسيات، كانت والدة جاسر قد عادت إلى غرفتها لتستريح. وكان جاسر جالسًا على الأريكة يراجع ملف قضية، فحتى أعماله يقوم بها في غرفته كي لا يتركها وحيدة ثانية واحدة.
بينما كانت عيناه تراقبان نغم التي كانت تجلس على السرير، مسندة ظهرها إلى الوسائد.
فجأة، وبدون أي مقدمات، نطقت بأول كلمة لها منذ الحادث.
"ميه."
كان صوتها خافتًا ومبحوحًا، كأنها لم تستخدم حبالها الصوتية منذ دهر.
تجمد جاسر في مكانه، ورفع رأسه من على الملف ببطء، غير مصدق لما سمعه. نظر إليها، فوجدها تنظر إليه مباشرة. لم تكن نظرة فارغة كما كانت، بل كانت نظرة واعية، وفيها طلب.
نهض بسرعة، وسكب لها كوبًا من الماء.
اقترب منها وجلس بجانبها، وساعدها على الشرب.
شربت ببطء، ثم أبعدت الكوب. ظلت تنظر إليه، وفي عينيها نفس النظرة الواعية. ثم قالت كلمتها الثانية، كلمة كانت كالسهم الذي اخترق قلبه.
"شكراً."
لم يرد جاسر، لم يعرف ماذا يقول. لقد انتظر هذه اللحظة، لحظة عودتها، لكنه لم يكن مستعدًا لها. لم يكن مستعدًا لهذا الهدوء، لهذا الاعتراف البسيط بوجوده. شعر بموجة من الارتياح والفرح أغرقته، وهو شعور آخر جديد عليه.
أومأ برأسه فقط، ثم عاد إلى أريكته، لكنه لم يعد يقرأ. ظل يراقبها، وهي تعود لتحدق في الفراغ مرة أخرى، لكنه كان يعلم أن شيئًا قد تغير. لقد عادت، وبعودتها ستبدأ المرحلة الأصعب من رحلتهما معًا.
***
في منزل الرفاعي.
كانت الأجواء لا تزال مشحونة بالحزن. روح كانت قد بدأت تستعيد عافيتها الجسدية، لكن روحها كانت لا تزال محطمة. كانت تقضي معظم وقتها صامتة في غرفتها، ترفض الحديث عن عدي أو عن أي شيء حدث. وبالأخص مع جدها.
في تلك الليلة، دخل عليها مالك، وجدها تجلس في الشرفة تنظر إلى النجوم بصمت.
"لسه صاحية؟" سألها بهدوء وعيناه تلتهمها بقلق بالغ.
تنهدت بتعب وهي ترد بصوت خافت. "النوم هربان مني."
جلس بجانبها. وقد حان الوقت ليعرف منها كل شيء وما حدث بينهما تلك الليلة.
"روح... ممكن تحكيلي إيه اللي حصل بينك وبين عدي في الليلة دي وصلك لـ أكده؟"
غامت عيناها بالحزن. لم يخفَ على مالك مما جعله يتأكد من حدوث شيء عندما التزمت الصمت.
"لازم تتكلمي، اللي جواكي ده لو فضل محبوس هيجتلك."
التفتت إليه، ولأول مرة منذ خروجها من المستشفى، تتجمع الدموع بعينيها. وهذا ما شجعه على أن تخرج ذلك الكبت بداخلها.
"عايزني أقول إيه يا مالك؟"
"عايز أعرف إيه اللي حصل بينك وبين عدي وصلك للحالة دي."
لاح الحزن بعيونها. وتمنت أن تبوح بكل شيء لمالك. تمنت أن تصرخ بالحقيقة، أن تخبره كيف حطمها عدي بكلماته القاسية، كيف دفعها وكأنها شيء بلا قيمة، كيف اعترف بحبه لأختها في وجهها دون ذرة من الرحمة. لقد كان مالك هو الشخص الوحيد الذي قد يفهمها، الشخص الذي طالما قرأ ما في عينيها دون أن تتكلم.
لكنها نظرت إلى وجهه القلق، ورأت فيه ليس فقط الأخ والصديق، بل رأت فيه أيضًا شقيق عدي. كيف يمكنها أن تشوه صورة أخيه الميت في عينيه؟ كيف يمكنها أن تضيف إلى حزنه على فقدانه، حزنًا آخر على حقيقته؟ لقد مات عدي، وفي عرفهم وتقاليدهم لا تجوز على الميت إلا الرحمة. الحديث عن أفعاله السيئة الآن سيبدو كأنه شماتة في الموت.
أطرقت رأسها وأخفت عاصفة المشاعر التي كانت تدور بداخلها خلف قناع من الحزن الهادئ.
"مفيش حاجة حصلت يا مالك." قالت بصوتٍ خفيض، صوت اختارت فيه الكذب لحماية مشاعر الآخرين. "أنا بس... تعبت.... الضغط كان كبير عليا. جوازي واللي حصل لنغم، وبعدها... جسمي مستحملش."
نظر إليها مالك بشك. لم يصدق هذه الإجابة البسيطة. كان يعرف روح جيدًا، ويعرف أن هناك شيئًا أعمق، شيئًا أكثر حدة قد كسرها. لكنه رأى في عينيها قرارًا صامتًا بعدم الحديث، فقرر ألا يضغط عليها أكثر.
قال بهدوء. "طيب يا روح اللي يريحك. بس عايزك تعرفي إني جنبك لو في أي وقت حسيتي إنك رايدة تتكلمي، أو حتى تصرخي... أنا موجود."
رفعت رأسها ونظرت إليه بامتنان حقيقي. كانت كلماته هي العزاء الوحيد في وحدتها.
"عارفة يا مالك. ربنا يخليك ليا."
نهض وهو يقول. "أنا خارچ دلوقت لو احتجتي حاجة كلميني."
أومأت روح ونظرت في أثره حتى خرج.
لا تعرف لما شعرت بحنين إلى غرفتها مع عدي. ساقتها قدماها إلى هناك. دخلت جناحهما للمرة الأولى منذ الحادث. كان كل شيء كما تركه عدي في ليلته الأخيرة. ملابسه الداكنة ملقاة على الكرسي، عطره لا يزال عالقًا في الهواء.
فتحت خزانته وأخرجت ذلك الصندوق الذي يحتفظ به بين ملابسه. كان ذلك الصندوق يحتفظ به ولم يخرجه سوى وقت خروجها من الغرفة. فتحته بيدين مرتجفتين، فوجدت بداخله أشياء لم تكن تعرفها عنه. صور قديمة له مع نغم وهما طفلان، احتفظ بها من سنوات. زهرة يابسة، ورسائل لم يرسلها أبدًا، كلها موجهة إلى نغم. كان يوثق حبه السري بعناية مؤلمة.
لم تبكي روح بل أغلقت الصندوق بهدوء. لقد رأت بعينيها دليلاً ماديًا على أنها لم تكن موجودة في عالمه أبدًا.
حملت الصندوق، وخرجت إلى حديقة المنزل الخلفية. عليها أن تمحي كل شيء يظهر حقيقته. لن تكون سببًا في معرفة خيانته أمام الجميع وخاصة سند.
أشعلت نارًا صغيرة في موقد قديم، وبدأت تلقي بمحتويات الصندوق في النار، واحدًا تلو الآخر. الصور، الرسائل، الذكريات... كل شيء. كانت تشاهد ألسنة اللهب وهي تلتهم ماضي زوجها، وتشعر بأنها تحرق معه ماضيها هي أيضًا. لن تترك ما يسيء إليه أو إلى نغم أختها.
تحول كل شيء إلى رماد.
وقفت روح، ونفضت يديها، واستدارت. كانت عيناها صافيتين، وخطواتها ثابتة. لقد قررت ألا تكون ضحية حب لم يكن لها، وقررت أن تبني مستقبلها على هذا الرماد.
***
مرت عدة أيام منذ أن نطقت نغم بأولى كلماتها. لم تعد إلى صمتها المطبق، لكن حديثها كان لا يزال نادرًا ومقتضبًا، يقتصر على الضروريات. لكن بالنسبة لجاسر، كانت كل كلمة تنطق بها انتصارًا صغيرًا.
بدأ يسمح لها بالخروج إلى الشرفة الواسعة التي تطل على الجبال. كان يلفها بغطاء صوفي سميك، وهي متقبلة لعدم وعيها الكامل. وكان أيضًا يجلس معها لكن في صمت. لم يكن هناك حوار، بل كانت هناك مشاركة صامتة للحظة، وهو شيء لم يحدث بينهما من قبل.
مرت الأيام وتحسنت حالة نغم الجسدية بشكل كبير، وأصبحت تتحدث بشكل طبيعي، وإن كان حديثها لا يزال يحمل مرارة هادئة. بدأت والدة جاسر في مشاركتها لبعض الأعمال المنزلية البسيطة، كأنها تحاول استعادة نغم لإيقاع الحياة الطبيعي.
لكن جاسر لاحظ شيئًا آخر. لاحظ أنها تتجنبه بعناية مدروسة. إذا دخل غرفة، خرجت هي منها بهدوء. إذا جلس في الشرفة، بقيت هي في الداخل. لم تكن هناك خصومة واضحة، بل كان هناك جدار جليدي شفاف بنته بينهما، جدار من التجاهل المهذب.
كانت نغم تجلس في شرفة بيت الجبل، تلف نفسها بغطاء صوفي، وتراقب السحب وهي تسير ببطء في السماء الزرقاء الصافية. لقد عادت إلى وعيها بالكامل، لكنها شعرت وكأنها عادت إلى عالم غريب، عالم فقدت فيه كل الثوابت التي كانت تعرفها.
كانت تتجنب جاسر، ليس كرهًا أو خوفًا، بل لأن وجوده كان يثير فيها مشاعر متناقضة لم تكن تعرف كيف تتعامل معها. كانت ترى في عينيه، خلف قناع البرود الذي يصر على ارتدائه، ظلالاً من الندم. كانت تلاحظ اهتمامه الصامت، الطريقة التي يتأكد بها من أنها أخذت دواءها، أو نظراته الخاطفة ليرى إن كانت تأكل جيدًا.
وكانت تتذكر الليالي. تتذكر كيف كانت تستيقظ من كوابيسها المروعة، وقلبها يخفق بجنون، وصورة عدي وهو يحترق لا تفارق عينيها. كانت تتذكر كيف كان جاسر ينهض في الظلام، ويأتي إليها، ويأخذها في حضنه دون أن يقول كلمة. لم يكن حضن عاشق، بل كان حضنًا قويًا وثابتًا، مرساة في وسط عاصفتها. كان يهمس في أذنها: "أنا هنا... أنتي في أمان" حتى تهدأ ارتجافتها وتعود إلى النوم.
هذا الرجل الذي دمر حياتها، كان هو نفسه الشخص الوحيد الذي كان بجانبها في أحلك لحظاتها.
أما أهلها... فلم يسأل عنها أحد. لم يتصل عمها أو جدها أو حتى مالك ليسأل كيف حالها بعد أن رأت ابن عمها يموت أمامها بتلك الطريقة البشعة. لقد تخلوا عنها تمامًا، وكأنها كانت حملاً ثقيلاً وانزاح عن أكتافهم بمجرد أن أصبحت في عهدة جاسر. هل كانت هذه هي حقيقتهم طوال الوقت، وهي التي كانت عمياء عنها؟ هذا الخذلان كان يؤلمها أكثر من قسوة جاسر نفسها. وحده فقط من خاطر بحياته لإنقاذها.
تذكرت كلماته عن حبه لها وعشقه اللامتناهي. لقد ترك في قلبها ندبة لن تمحيها العصور.
أخذت نفسًا عميقًا بمحاولة فاشلة للتحكم بدموعها.
"عدي..."
نطقت اسمه بطريقة جعلتها تنهار وتبكي. تبكي على كل شيء. على ذلك حبه الذي كانت تصده دون أن تشعر. على شبابه الذي انتهى بتلك الطريقة البشعة. على أختها التي أصبحت أرملة بعد زواجها بأسابيع. كيف حالها؟ هل عرفت بحقيقة مشاعره تجاهها؟
طبطبت يدين حانيتين على كتفها. لم تكن سوى يدي ونس. تركت لنفسها ولدموعها العنان لتبكي على صدر تلك المرأة التي أثبتت لها بأن الحب والترابط لا يشترط أن يكون من دمك. كانت كلمات ونس مواسية كأنها تعرف كيف تهدئها وتختار كلماتها بعناية.
بعد قليل، عادت أم جاسر وجلست بجانبها على المقعد الخشبي، تحمل كوبين من الشاي الساخن الذي يتصاعد منه بخار كثيف يذوب في الهواء البارد. كانت نغم قد هدأت قليلاً، لكن عينيها كانتا لا تزالان حمراوين ومنتفختين.
قالت ونس بابتسامة مشرقة، تحاول أن تكسر جليد الحزن الذي يحيط بهما. "الجو برد النهاردة. كوباية الشاي دي هتدفيكي."
أخذته نغم، ويداها ترتجفان قليلاً، وشكرتها بصوت خفيض وبالكاد يُسمع. "متشكرة أوي. تعبتك معايا."
ردت أم جاسر بابتسامة صادقة، ووضعت يدها على كتف نغم بحنان أمومي. "على إيه بس... إنتي زي بنتي وأكتر كمان. ربنا وحده اللي يعلم معزتك في قلبي، يمكن لو كنت خلفت بنت مكنتش حبيتها أكتر." تابعت بمغزى، ونظرة ذات معنى في عينيها. "وكفاية جوي إنك مرات ابني الوحيد."
كانت هذه الكلمة "مرات ابني" كافية لتعيد كل الألم إلى الواجهة. تبدلت ملامح نغم الهادئة، وظهر عليها الانكسار مرة أخرى. أشاحت بوجهها سريعًا، وتظاهرت بالنظر إلى قمة الجبل البعيدة، التي بدأت تختفي خلف غيوم رمادية، كأنها تهرب من حقيقة وضعها.
قالت الأم بحنان بعد لحظة صمت، وقد شعرت بألمها. "نغم يا بنتي..."
نظرت إليها نغم، وفي عينيها سؤال صامت ينتظر ما سيقال.
"أنا عارفة إن اللي مريتي بيه صعب، صعب جوي، ومحدش يقدر يلومك على أي حاجة بتفكري فيها أو بتحسيها. بس... الحياة لازم تمشي." أكملت الأم بتردد، وهي تختار كلماتها بعناية. "جاسر... أنا عارفة إنه قاسي، وعارفة كيف اتجوزك بس أنا أمه وأعرفه زين. اللي شفته في عينيه الفترة اللي فاتت دي، عمري ما شفته في حياتي كلها. خوفه عليكي، لهفته، سهره الليالي تحت معاكي في أوضتك..... ده مش جاسر اللي أعرفه. ده راجل تاني، راجل قلبه موجوع."
عندما لاحظت شرود نغم وعدم تجاوبها، تنهدت ونس بتعب وأسى. "يا بنتي، أنتم الاتنين ضحايا تار قديم معندكمش ذنب فيه. ادوا لبعض فرصة... ادوا لجوازكم برضه ده فرصة إنه يكون حقيقي. يمكن ربنا يجعل بينكم مودة ورحمة تنسيكم اللي فات."
هزت نغم رأسها ببطء، وابتسامة حزينة وموجعة ارتسمت على شفتيها.
"فرصة؟" قالتها كأنها كلمة غريبة لا تعرف معناها. "طيب كيف؟! كيف وأنا كل ما أشوفه أفتكر إنه السبب في كسرتي؟ السبب في بعدي عن أهلي؟" ثم ارتفع صوتها قليلاً، واختلطت به بحة من البكاء المكتوم. "فرصة كيف واللي حصل لعدي كان هو السبب الحقيقي فيه!"
حاولت ونس أن تدافع عن ابنها. "لأ يا بنتي متقوليش كده، جاسر ملوش..."
قاطعتها نغم بحدة وانهيار، وصورة عدي وهو يلتهمه الحريق لا تفارق خيالها، كأنها وشم محفور على جفنيها. "لأ هو السبب! هو السبب! لولا اللي عمله، لولا إنه خطفني وجابني هنا بالإكراه، مكنش عدي هيضطر يعمل كده! مكنش هيجي عشان ينقذني! مكنش ضحى بحياته عشاني!"
تجمعت الدموع في عينيها مرة أخرى، وبدأت تتساقط على وجنتيها كحبات المطر الحارقة. تمتمت بألم يمزق القلب، وهي تتحدث عن عدي. "الوحيد... الوحيد اللي متخلاش عني. الوحيد اللي عمل المستحيل عشاني. الوحيد اللي كان مستعد يموت عشان يرجعني. ومات... مات وهو بيحاول."
أغمضت عينيها بقوة، تنفض عنها تلك الدموع المتعلقة بأهدابها، كأنها تنفض عن نفسها ضعفها. "ولو ملوش ذنب في اللي حصل لعدي، أنا كمان مكنش ليا ذنب في اللي حصل زمان عشان يحملني وزره ويعاقبهم فيا."
أخذت نفسًا عميقًا، وأكملت بصوتٍ مكسور، صوت امرأة فقدت كل شيء. "وبعدين... فرصة بإيه؟ أنا خلاص مبقاش فيا روح. انكسرت من يوم ما دخلت بيتكم بالإكراه. واللي كسرني أكتر... أهلي، أهلي اللي كنت مستعدة أموت عشانهم، رموني. باعوني عشان يحافظوا على اسمهم وكبريائهم، سابوني هنا ومحدش فيهم فكر يرفع سماعة التليفون ويقولي إنتي عايشة ولا ميتة. كأني كنت حمل وانزاح من على أكتافهم."
نظرت إلى ونس بعينين فارغتين من أي أمل. "اللي أهلها يتخلوا عنها بالسهولة دي... متستناش من الغريب إنه يصونها. أنا بقيت وحيدة، وحيدة ومليش حد..."
كان جاسر قد اقترب من الشرفة ليطمئن عليهما، لكنه توقف عندما سمع حديثهما. وقف خلف الباب الزجاجي، يستمع إلى كل كلمة نطقت بها نغم، وكل كلمة كانت كالسهم الذي يخترق قلبه. لقد سمع اعترافها الصريح بمرارة الخذلان. لقد أدرك أن أفعاله لم تكسرها وحدها، بل إن تخلي عائلتها عنها هو ما حطمها تمامًا. وعندما سمعها تقول "مبقاش فيا روح"، شعر بمسؤولية ساحقة. هو من بدأ هذه السلسلة من الدمار. هو من وضعها في هذا الموقف، وهو من جعل أهلها يتخلون عنها.
الندم الذي كان يشعر به تحول إلى شيء أعمق وأكثر إيلامًا. لم يعد الأمر يتعلق بخطأ في حسابات الانتقام، بل أصبح يتعلق بروح إنسانة أطفأها بيده. مشاعره التي بدأت تنمو تجاهها، والتي لم يكن يعرف لها اسمًا، تعمقت في تلك اللحظة. لم تعد مجرد رغبة في الحماية، بل أصبحت رغبة عارمة في أن يصلح ما أفسده، أن يعيد إليها روحها المفقودة، وأن يثبت لها ولنفسه، أنه ليس مجرد مدمر.
انسحب من أمام الباب بهدوء، وعاد إلى داخل البيت، وقلبه مثقل بحقيقة جديدة: لقد وقع في حب المرأة التي كان ينوي تدميرها، والآن، أصبح شفاؤها هو السبيل الوحيد لشفائه هو.
***
مرت الأسابيع، وبدأ منزل جد أكمل يستعيد نبض الحياة من جديد. لم تكن صبر مجرد عاملة تؤدي واجبها، بل كانت روحًا هادئة أعادت الدفء إلى الجدران الصامتة. لمستها كانت واضحة في كل شيء؛ في الزهور التي عادت لتتفتح في أصص الشرفة، في ترتيب الأثاث الذي أصبح أكثر راحة، وفي رائحة الخبز الطازج التي كانت تملأ المكان صباحًا. حتى طعامها، كان بسيطًا لكنه شهي، يحمل نكهة أصيلة تشبهها.
كان أكمل يقضي معظم وقته في الحديقة أو في مكتبة جده، غارقًا في الكتب والقضايا القديمة. لقد وجد في هذا الهدوء ملاذًا من ضجيج القاهرة وصدمة فقدان جده.
في إحدى الأمسيات، كان يجلس في الشرفة المفتوحة على الحديقة، مستغرقًا في قراءة رواية مترجمة كلاسيكية، من تلك التي تحمل أفكارًا عن العدالة والحب والتضحية. تقدمت صبر نحوه بخطواتها الخفيفة التي اعتاد عليها، تحمل صينية عليها فنجان قهوة.
وضعت الصينية بهدوء على الطاولة الصغيرة بجانبه. لكنها، على غير عادتها، لم تستدر لتغادر. ظلت واقفة في مكانها، صامتة.
شعر أكمل بوجودها، لكنه ظن أنها تنتظر لترى إن كان يحتاج شيئًا آخر. بعد لحظات عندما لم تتحرك، رفع رأسه عن الكتاب ونظر إليها. وجدها لا تنظر إليه، بل تحدق في غلاف الكتاب الذي بين يديه، وفي عينيها نظرة غريبة، مزيج من الشوق واللهفة والحزن.
"محتاجة حاجة يا صبر؟" سأل بلطف، مستغربًا من وقوفها.
لم ترد فورًا، كأنها لم تسمعه. ثم كمن يستيقظ من حلم، رفعت نظرها إليه وارتبكت.
"لأ... لأ يا بيه العفو."
لكن عينيها عادت مرة أخرى إلى الكتاب. مد يده وأغلق الكتاب، ليظهر الغلاف بوضوح. سأل بابتسامة خفيفة. "ماله الكتاب؟ شدك للدرجة دي؟"
هزت رأسها بسرعة، ثم تمتمت بصوت خفيض كأنه سر.
"الرواية دي..."
شجعها على الحديث.
"مالها؟"
أخذت نفسًا عميقًا، كأنها ستعترف بذنب. "أبلة سهام... مدرسة العربي بتاعتي زمان، قبل ما أبويا يبطلني من التعليم... كانت بتحكيلنا عنها. كانت بتقول إنها أحلى قصة في الدنيا عن الحب اللي بيستنى، وعن الظلم اللي لازم ينتهي."
صمت أكمل، مصدومًا ومفتونًا في آن واحد. لم يتوقع أبدًا أن يكون لهذه الفتاة البسيطة، علاقة بمثل هذه الرواية العميقة.
أكملت صبر وقد نسيت خجلها للحظة وهي تسترجع الذكرى. "كانت بتقول... إن البطلة فيها كانت قوية، رغم إنها كانت ضعيفة وباين عليها مكسورة. وإنها علمت كل اللي حواليها معنى الكرامة." ثم تنهدت تنهيدة عميقة. "يومها... حلمت إني أقرأها بنفسي مش بس أسمع حكايتها. حلمت إني أمسك الكتاب ده بإيدي، وأقرأ الكلام اللي الكاتب كتبه بالظبط."
أخفضت نظرها إلى الأرض، وقد عادت إلى خجلها فجأة. "أنا آسفة يا بيه أنا اتكلمت كتير."
قال أكمل بصوتٍ تأثر بصدق. "بالعكس كلامك جميل يا صبر، أجمل من الرواية نفسها."
نظر إلى الكتاب الذي بين يديه، ثم نظر إليها. لم يعد يرى فيها مجرد فتاة عادية. لقد رأى فيها روحًا متعطشة للجمال والمعنى، روحًا حبستها الظروف، لكنها لم تستطع أن تقتل أحلامها.
قال وهو يفتح الكتاب مرة أخرى. "أنا كنت بقرأها لنفسي بس دلوقتي... حاسس إنها هتكون أحلى لو قرأتها بصوت عالي."
نظرت إليه بعدم فهم.
فقال بابتسامة دافئة. "كل يوم بالليل، بعد ما تخلصي شغلك، نقعد هنا... وأنا أقرألك فصل فصل، زي ما كانت أبلة سهام بتعمل. لحد ما نوصل ليوم... تقدري تكمليها فيه بنفسك."
استغربت حديثه وفهمت أنه يقول ذلك ظنا أنها لا تجيد القراءة، فقالت مسرعة. "بس أنا بقرا عادي، أنا كنت جايبة مجموع كبير جوي في الثانوية العامة. بس مرات أبويا الله يسامحها رفضت تخليني أكمل."
صُدم أكمل للحظات، وشعر بالخجل من نفسه. لقد افترض بناءً على ظروفها، أنها بالكاد تجيد فك الخط. لم يتخيل أبدًا أنها وصلت إلى هذا المستوى من التعليم. لقد نظر إليها كضحية تحتاج إلى الإنقاذ، ولم يرى فيها الإنسانة الكاملة التي كانت عليها بالفعل.
كرر الكلمتين وكأنه يسمعهما لأول مرة. "ثانوية عامة؟ بمجموع كبير؟"
هزت رأسها، وقد اختفى الخجل وحل محله ظل من الكبرياء الجريح. "كنت جايبة 96%... كان نفسي أدخل كلية الألسن، عشان بحب اللغات والقصص اللي زي دي." ثم انطفأ البريق في عينيها مرة أخرى. "بس مرات أبويا جالت إن مصاريف الجامعة للولاد بس، وإن البنت مكانها بيتها، وأبويا... سمع كلامها."
شعر أكمل بوخزة حادة من الغضب والظلم نيابة عنها. 96%... هذا مجموع لا يحصل عليه إلا المتفوقون. لقد كانت على بعد خطوات من تحقيق حلمها، قبل أن تُسرق منها فرصتها بقسوة. الآن، فهم عمق نظرتها إلى الرواية. لم تكن مجرد حلم طفولي، بل كانت رمزًا للحياة التي حُرمت منها.
قال بجدية، وعيناه مثبتتان عليها. "طيب ولو جاتلك الفرصة اللي تكملي فيها تعليمك؟"
عقدت حاجبيها بحيرة. "كيف يا بيه؟ خلاص... سني كبر، والتقديم فات."
قال بحماس مفاجئ، وقد بدأت عجلات عقله كوكيل نيابة تدور، باحثة عن حلول وثغرات. "لأ فيه حاجة اسمها الجامعة المفتوحة، أو التعليم المدمج دلوقتي. بتقدري تدرسي وتاخدي شهادة جامعية معتمدة، حتى لو فاتك التقديم العادي."
اتسعت عيناها ببطء، كأنها لا تجرؤ على تصديق ما تسمعه. "يعني... يعني ممكن أدخل الجامعة؟ بجد؟"
قال أكمل وهو ينهض من مكانه، وقد شعر بطاقة جديدة تسري فيه. "طبعًا بجد. الموضوع محتاج شوية ورق وإجراءات، بس مش صعب. هنسأل على الأقسام المتاحة، وأنا متأكد إننا هنلاقي قسم يناسبك. وهقدم لك ورقك بنفسي."
وقفت هي الأخرى، ويداها ترتجفان قليلاً. "بس... والمصاريف؟ دي أكيد غالية جوي."
قال بسرعة، قبل أن ترفض. "اعتبري المصاريف دي سلفة. سلفة وهتسدديها لما تتخرجي وتشتغلي بشهادتك. أو اعتبريها... استثمار. أنا بستثمر في عقل يستاهل الفرصة."
نظرت إليه، وقد امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تكن دموع حزن أو خجل هذه المرة، بل كانت دموع أمل كاسح، أمل لم تكن تجرؤ حتى على الحلم به. تمتمت بصوتٍ مختنق. "أنا... أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه."
قال بابتسامة دافئة وصادقة. "متقوليش حاجة. ابدأي بس جهزي ورقك..."
في تلك اللحظة، لم تعد تراه "أكمل بيه" السيد الذي تعمل في منزله، ولم يعد هو يراها "صبر" الفتاة المكسورة التي تحتاج إلى الشفقة. لقد أصبحا شخصين يجمعهما هدف واحد وحلم مشترك. هو سيمنحها الفرصة، وهي ستحقق الحلم الذي سرقته منها الحياة. ولم يكن أي منهما يعلم أن هذه الخطوة، التي بدأت بحوار عن رواية قديمة، ستكون هي حجر الأساس لقصة جديدة تمامًا، قصتهما هما.
في تلك الليلة، بدأت رحلة جديدة بينهما. رحلة عبر صفحات رواية قديمة، كانت كل كلمة فيها تقربهما أكثر، وتكشف له عن عالمها الداخلي الثري، وتجعله يدرك أن بعض أجمل القصص ليست تلك المكتوبة في الكتب، بل تلك التي تعيش في قلوب البسطاء.
***
أصبحت جلسات القراءة المسائية طقسًا مقدسًا في حياة أكمل وصبر. لم تعد مجرد قراءة، بل تحولت إلى نقاشات ثرية. لحظات تمنى كثيرًا أن يعيشها مع ليلى، لكنها كانت ترفض ذلك بشدة متعللة بعدم حبها للقراءة.
كان أكمل يكتشف في كل يوم جانبًا جديدًا من شخصيتها. كانت تمتلك قدرة مدهشة على تحليل دوافع الشخصيات، وفهم الرموز الخفية بين السطور، وطرح أسئلة فلسفية عميقة لم يتوقعها من فتاة لم تكمل تعليمها.
في إحدى الأمسيات، بعد أن انتهيا من رواية رومانسية بسيطة، قال أكمل وهو يغلق الكتاب. "طبعًا انتي زي كل القراء بتحبي النهاية السعيدة، اللي بينتصر فيها الخير على الشر، والأبطال يتجوزوا."
ونظرت إليه صبر، وفكرت للحظة قبل أن تجيب. "الواحد بيحب النهايات السعيدة عشان هي نادرة في الحقيقة يا بيه." تابعت بهدوء. "لكن القصص اللي بتعيش بجد... هي اللي نهايتها بتسيبك تفكر. اللي بتوريك إن الخير والشر ساعات بيبقوا متلخبطين جوه نفس الشخص."
أعجبته إجابتها العميقة. لقد أدرك أنها لا تقرأ للتسلية فقط، بل تقرأ لتفهم الحياة.
سأل، وقرر أن يرفع مستوى التحدي. "طيب، إيه رأيك في الأدب الروسي؟"
عقدت حاجبيها. "زي مين؟"
"دوستويفسكي، على سبيل المثال."
لمعت عيناها ببريق من المعرفة. "آه... صاحب 'الجريمة والعقاب'. اللي قتل العجوز عشان يثبت لنفسه إنه إنسان خارق فوق القانون، بس في الآخر عذابه النفسي هو اللي هزمه، مش البوليس."
اتسعت عينا أكمل بالدهشة. "أنتِ قرأتها؟"
هزت رأسها. "لأ. بس أبلة سهام الله يمسّيها بالخير كانت بتحب الفلسفة، وحكتلنا عن فكرتها. قالت إن أصعب سجن هو اللي الإنسان بيبنيه لنفسه جوه ضميره."
في تلك اللحظة، قرر أكمل أن يخوض معها مغامرة فكرية حقيقية. في اليوم التالي، دخل عليها المطبخ وهي تعد طعام الغداء. كانت منهمكة في عملها، تتحرك بهدوء واعتياد. لم تشعر بوجوده إلا عندما وضع كتابًا صغيرًا وأنيقًا على الطاولة بجانبها. كان كتابًا للأطفال، بغلاف ملون ورسوم بسيطة.
قال وهو يضع الكتاب على الطاولة. "ده ليكي."
نظرت صبر إلى الكتاب بدهشة. كان عنوانه: "شجرة العطاء" لشيل سيلفرشتاين.
"ده... ده كتاب أطفال يا بيه."
"هو كتاب لكل الأعمار." قال بنبرة هادئة ودافئة. "القصص البسيطة ساعات بيكون فيها أكبر حكمة. القصة دي عن شجرة بتحب ولد صغير، وعن معنى الحب والعطاء الحقيقي." ثم ابتسم ابتسامة فيها تشجيع لطيف. "ده اختبار ليكي. مش هياخد منك عشر دقايق. اقريه، ولما تخلصي، عايزك تجاوبي على سؤال واحد بس."
سألته بفضول وقد أثار اهتمامها. "سؤال إيه يا بيه؟"
"خلصي القصة الأول، وبعدين أسألك."
تركها مع الكتاب الصغير والسؤال المعلق في الهواء، وخرج. لقد ألقى في عالمها الهادئ بفكرة بسيطة، وكان ينتظر ليرى كيف ستتلقاها.
لم تنتظر صبر طويلًا. في استراحة قصيرة بعد الغداء، جلست في ركن هادئ وفتحت الكتاب. كانت الرسوم بسيطة والكلمات قليلة، لكن القصة لمست وتراً عميقاً في قلبها. قرأتها مرة، ثم مرة أخرى، وفي كل مرة كانت تكتشف شعورًا مختلفًا.
وفي نفس الليلة، جاءت إليه في الشرفة وهو يحتسي قهوته. كانت تحمل الكتاب في يدها.
قالت بصوتٍ هادئ يحمل تأثرًا واضحًا. "أنا قريتها يا أكمل بيه."
قال أكمل وهو يعتدل في جلسته، مبتسمًا. "عظيم. يبقى عرفتي الإجابة."
قطبت جبينيها بحيرة، فسألها هو. "مين فيهم كان بيحب أكتر... الشجرة ولا الولد؟"
جلست على المقعد المقابل له، وصمتت للحظة، تجمع أفكارها ومشاعرها. قالت ببطء. "في الأول... كنت هقول الشجرة طبعًا. هي اللي ضحت بكل حاجة. ادته تفاحها، وبعدين فروعها وبعدين جذعها... مخلتش حاجة لنفسها. ده عطاء مفيش بعده عطاء."
سأل أكمل، مدركًا أن هذه ليست إجابتها النهائية. "وبعدين؟"
قالت بصدق مدهش، وكأنها اكتشفت شيئًا جديدًا عن طبيعة المشاعر. "لكن وأنا بفكر... اكتشفت إن السؤال نفسه ممكن يتشاف بطريقة تانية. الشجرة كانت سعيدة وهي بتدي، سعادتها كانت في عطائها. لكن الولد... الولد كان بيرجع للشجرة في كل مرة يكون فيها محتاج حاجة. يمكن مكنش بيعرف يعبر عن حبه بالكلام أو العطاء، بس حبه كان في إنه مكنش عنده مكان تاني يروحله غيرها. كانت هي أصله وجذوره اللي بيرجع لها دايمًا."
صمتت للحظة، ثم قالت الجملة التي أذهلت أكمل ببساطتها وعمقها.
"وفي الآخر... اكتشفت إن الحب مش مين بيدي أكتر. الحب ساعات بيكون إنك تعرف مين اللي هترجع له لما الدنيا كلها تقفل في وشك. الشجرة كانت بتدي كل حاجة عشان هي بتحب، والولد كان بياخد كل حاجة عشان هو بيحبها ومش شايف أمان غير معاها. يمكن الاتنين كانوا بيحبوا بنفس القدر، بس كل واحد بطريقته."
نظر إليها أكمل بإعجاب حقيقي. لم تجب على سؤاله بإجابة واحدة قاطعة، بل رأت القصة من كل الزوايا، وفهمت أن المشاعر الإنسانية أعقد من مجرد مقارنة بسيطة. لقد أثبتت له أنها تملك قلبًا قادرًا على الفهم والتعاطف، وعقلًا يرى ما هو أبعد من السطح، حتى في أبسط القصص. لقد أثبتت له أنها لا تملك فقط ذكاءً، بل تملك حكمة، وقدرة نادرة على الغوص في أعماق النفس البشرية وفهم تعقيداتها.
"إجابتك... أفضل من إجابتي أنا لما قرأتها أول مرة."
في تلك الليلة، أدرك أكمل أن هذه الفتاة ليست مجرد شخص يساعده، أو تلميذة يعلمها. لقد أصبحت ندًا فكريًا له، ومرآة صافية تعكس له أفكاره وتجعله يرى العالم بعيون مختلفة. وأدرك أن الإعجاب الذي بدأ يشعر به تجاهها، قد بدأ يتحول إلى شيء أعمق بكثير.
***
كان أكمل يجلس في شرفة المنزل، يتحدث في الهاتف. كانت صبر قد أحضرت له القهوة وكانت على وشك الدخول، لكنها توقفت عندما سمعت نبرة صوته الحادة والمختلفة. شعرت أنه لا يجب أن تقاطعه، فتراجعت لتقف عند عتبة الباب، تنتظر حتى ينتهي ليأخذ صينيته.
"يا ليلى افهميني." كان أكمل يقول في الهاتف، في محاولة أخيرة لشرح موقفه. "أنا مش قاعد في أطلال، أنا قاعد في بيت جدي، في جذوري. الموضوع مش مجرد إجازة، أنا محتاج وقت أفكر فيه في كل حاجة."
جاء صوت ليلى من الهاتف، حادًا وعمليًا كالعادة، وإن لم تسمعه صبر بوضوح، إلا أنها فهمت من رد أكمل أنه لم يكن حديثًا وديًا.
رد أكمل بحدة. "لأ، مش بضحي بمستقبلي! أنا بعيد ترتيب أولوياتي. فيه حاجات أهم من الشغل والمنصب يا ليلى. فيه أهل وبيت، وواجب."
صمت أكمل للحظة، يستمع إلى ردها. تغيرت ملامح وجهه، وتحولت من الدفاع إلى خيبة أمل مريرة. لقد قال شيئًا كشف له حقيقتها التي كان يتهرب منها.
"المنصب... المنصب..." كرر الكلمة بسخرية. "يعني كل اللي هامك هو إني أرجع 'أكمل بيه وكيل النيابة'؟ مش مهم أكمل نفسه حاسس بإيه أو محتاج إيه؟"
صمت مرة أخرى، ثم اتخذ قراره. قرر أن يجري الاختبار الأخير، ليقطع الشك باليقين. قال بنبرة هادئة ومصطنعة. "طيب يا ليلى عشان أريحك خالص... أنا فعلاً بفكر أسيب الشغل نهائي."
"إيه؟!" جاء صوتها هذه المرة عاليًا ومصدومًا لدرجة أن صبر سمعته بوضوح.
أكد أكمل ببرود. "زي ما سمعتي. خلاص، نويت أستقر هنا في البلد، وأدير أرض جدي. حياة هادية ومريحة، بعيد عن الدوشة."
ساد صمت طويل على الطرف الآخر. كان أكمل ينتظر. ينتظر أي كلمة تدل على اهتمامها به كشخص، أي سؤال عن راحته النفسية، أي عرض للوقوف بجانبه في قراره. لكن لم يأتِ شيء.
سألت ليلى أخيرًا، وصوتها يرتجف من الصدمة وعدم التصديق. "أنت... أنت بتتكلم جد؟"
قال أكمل بحسم. "أيوه جد يا ليلى. ولو مصرة على ارتباطك بيا يبقى تيجي تعيشي معايا هنا."
تمتمت بكلمات متقطعة. "بصراحة... أنا... أنا مصدعة فجأة ومش قادرة أتكلم. لازم أقفل دلوقتي."
"ليلى..."
"معلش يا أكمل، نتكلم بعدين." قالت بسرعة، ثم أغلقت الخط دون أن تنتظر رده، ودون حتى أن تقول كلمة وداع.
ظل أكمل ممسكًا بالهاتف للحظات، يحدق فيه وكأنه أفعى لدغته. لقد جاءت النتيجة أقسى وأوضح مما توقع. لم تحاول حتى أن تمثل الاهتمام. بمجرد أن تبخر "المنصب"، تبخرت هي معه.
تنهد تنهيدة عميقة، ووضع الهاتف على الطاولة، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق.
في تلك اللحظة، تقدمت صبر بتردد. "أنا... أنا آسفة يا بيه. مكنتش أقصد أسمع."
نظر إليها أكمل، وابتسم ابتسامة باهتة. "لأ، عادي مفيش حاجة تتخبى."
وضعت القهوة أمامه ثم فركت يدها ببعضها كأنها تود أن تقول شيء.
فكرت صبر للحظة، ثم قالت بحكمة فطرية. "يا أكمل بيه... الأمان أهم حاجة."
عقد حاجبيه. "قصدك إيه؟"
شرحت بهدوء. "يعني... الحب ممكن ييجي ويروح، وممكن يكون حقيقي أو كداب. لكن الأمان... إنك تحس إن الشخص اللي معاك ده هيفضل جنبك لو الدنيا كلها وقفت ضدك... إنك لو وجعت هيسندك مش هيكون أول واحد يسيبك ويجري... ده اللي بيعمل البيت بجد. والست اللي زي دي... عمرك ما هتحس معاها بالأمان ده."
أكملت بثقة. "لأنها لو حبت منصبك، يبقى هي معاك عشان مصلحتها. ولو لا قدر الله حصلك حاجة، وخسرت منصبك أو فلوسك... هتكون هي أول واحدة تبيعك، لأن مصلحتها خلصت."
صمت أكمل، وكلماتها تتردد في أذنيه. "أول واحدة تبيعك". لقد كانت على حق تمامًا. لقد باعت ليلى علاقتهم في أقل من دقيقة مقابل منصب قرر التخلي عنه.
نظر إلى صبر بتقدير حقيقي. لقد لخصت الموقف بكلمات بسيطة وعميقة، أفضل من أي تحليل نفسي كان يمكن أن يقوم به.
قال أخيرًا، وقد اتخذ قراره النهائي والحاسم. "عندك حق يا صبر."
أمسك بهاتفه مرة أخرى، وكتب رسالة قصيرة وحاسمة إلى ليلى، ينهي فيها كل شيء بشكل رسمي ونهائي. عندما ضغط على زر الإرسال، لم يشعر بالحزن أو بالندم، بل شعر بارتياح هائل، كمن أزاح عن كاهله حملاً ثقيلاً كان يرهقه لسنوات.
نظر إلى صبر التي كانت تراقبه بقلق صامت، وابتسم لها ابتسامة حقيقية لأول مرة منذ وقت طويل. ابتسامة رجل تحرر أخيرًا من وهم، وبدأ يرى طريقه بوضوح.
***
جلست روح في الحديقة في ذلك البرد القارس، تضع على كتفيها شالاً صوفياً ثقيلاً، لكنه لم يكن كافياً ليمنحها الدفء الذي تبحث عنه. كانت أنفاسها تتحول إلى بخار أبيض في الهواء، وعيناها تائهتان في الفراغ، تراقبان أوراق الشجر اليابسة وهي تتساقط ببطء، كأنها ترى فيها صورة لحياتها.
لقد أصبح الملل سيد أيامها. روتين قاتل من الاستيقاظ، وتناول الطعام بصمت، ثم الجلوس لساعات لا تفعل فيها شيئًا سوى التفكير. ثم جلسات العلاج الطبيعي التي تذهب إليها مع مالك الذي أصبح بدوره مشغول أكثر الوقت. حتى وهو معها في الجلسات يقضي وقته على الهاتف.
شعور الوحدة كان ينهشها بقسوة، لم تشعر به من قبل بهذا العمق، حتى في أصعب أيامها. فكرت فيمن حولها... كلٌ في عالمه الخاص.
وعد، منذ موت أخيها، انطفأت ضحكتها، وأصبحت ظلاً حزيناً يتحرك في القصر، بالكاد تتكلم وعيناها غارقتان في بحر من الدموع الصامتة.
نغم أختها وتوأم روحها، منذ آخر مكالمة بينهما، وهاتفها مغلق. كل رنة تذهب إلى فراغ أسود ومقلق، يترك روح تتخيل أسوأ السيناريوهات.
مالك، كان مشغولاً أغلب الوقت يعود متأخراً ويغادر مبكراً، كأنه يهرب من أجواء الحزن التي خيمت على البيت.
حتى أمها كانت تقضي معظم وقتها بجانب زوجة عمها، تحاول أن تواسيها وتخفف عنها، فزوجة عمها لم تتوقف عن البكاء والنحيب منذ أن فقدت ابنها.
تنهدت بعمق، وشعرت بأنها جزيرة معزولة في وسط محيط هائج.
فجأة، قطع هدوءها صوت محرك سيارة يتوقف عند مدخل القصر. رأت مالك يترجل من سيارته، يبدو عليه الإرهاق. لمحها جالسة وحدها في هذا البرد، فغير اتجاهه وسار نحوها بخطوات سريعة، والقلق مرسوم على ملامحه.
"روح؟ إيه اللي مجعدك هنا في البرد ده؟"
نظرت إليه، ولأول مرة منذ فترة، شعرت ببارقة اهتمام حقيقية. "كنت بتمشى شوية زي ما الدكتور طلب مني. ولما تعبت قعدت أريح."
استغرب مالك، وعقد حاجبيه بقلق. "تتمشي لوحدك؟ إزاي يسيبوكي تتمشي لوحدك وإنتي لسة مبتجدريش تمشي كويس؟"
هزت كتفيها بلامبالاة تخفي وراءها مرارة. "معرفتش حد. وبعدين، كل واحد فينا بقى في عالم تاني من وقت اللي حصل. كل واحد في همه."
سقطت كلماتها على قلب مالك كالصخر، شعر بالذنب يغزوه. لقد كان هو أيضاً واحداً منهم. انشغل وهرب من الحزن، وتركها وحدها في أكثر وقت كانت تحتاج فيه إلى وجودهم بجانبها. شعر بأنه قد قصّر في حقها كثيراً.
جلس بجانبها على المقعد البارد، متجاهلاً البرد. صوته خرج أكثر حناناً ودفئاً. "تحبي نكمل مشي مع بعض؟ هسندك أنا."
نظرت إلى قدميها، وقالت بصوتٍ خفيض. "لأ، تعبت خلاص. رجلي لسة تقيلة أوي من أثر الجلطة، مش بقدر أمشي بيها كتير."
صمت للحظات، والحزن يخيم عليهما. لقد مر شهر كامل على موت عدي، لكن ظلاله الحزينة كانت لا تزال تسيطر على كل شيء.
حاول مالك أن يغير مجرى الحديث، أن ينتشلها من بئر أفكارها. "الدكتور قال إن مع العلاج الطبيعي والمواظبة على المشي، كل حاجة هترجع كيف ما كانت وأحسن."
أومأت برأسها دون أن تتكلم.
في تلك اللحظة وهي تنظر إليه، بدأت تراه بشكل مختلف. لم يعد مجرد ابن عمها المشغول، بل عاد ليكون مالك الذي عرفته طوال عمرها. مالك الذي كان دائماً سندها وحصنها. تذكرت كيف كان يحميها في طفولتهما، كيف كان أول من تلجأ إليه عندما تقع في مشكلة.
كان هو لا يزال يحاول أن يخفي مشاعره خلف قناع الجدية والاهتمام العملي، لكن نظراته كانت تفضحه. نظراته القلقة، اهتمامه بتفاصيل تعبها، جلوسه بجانبها في هذا البرد... كل ذلك كان يتحدث بلغة أخرى، لغة الحب الصامت التي لم تكن تفهمها من قبل، لكنها الآن بدأت تستوعب حروفها الأولى.
وبدأت تتأكد أنها من أخطأت فهم مشاعره. لكن شيء آخر جعلها تنفي كل ذلك. لن تنخدع مرة أخرى. إذا كان حقا أحبها ما كان ليتركها ويرحل دون أن يلتفت لها.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رانيا الخولي
مر شهر كامل على حادثة الحريق.
شهر من الحزن الثقيل الذي خيم على منزل الرفاعي، فصمتت فيه الضحكات، وبهتت الألوان، وأصبحت الأيام مجرد تكرار ليالي طويلة من الوجع.
وبينما كان الجميع غارقاً في أحزانه، كان مالك هو الوحيد الذي يعمل في الظل، يجمع خيوط المعلومات بهدوء وصبر، كعادته.
وبعد ليالي من المراجعة والتدقيق، توصل إلى الحقيقة المرة التي كان يخشاها: لقد أظهرت تسجيلات الكاميرات البعيدة بوضوح أن عدي هو من بدأ كل شيء.
هو من تسلل إلى السرايا، وهو من أشعل النار.
كانت حقيقة موجعة، لكنها كانت الحقيقة.
لذا، كان عليه أن يلتزم الصمت، أن يدفن هذا الأمر في صدره، كي لا يتخذه صخر حجة ويشعل معركة جديدة، معركة سيدخلونها هذه المرة وهم مهزومون مسبقاً.
في ليلة باردة، جلس مالك مع والده سالم وجده وهدان في بهو المنزل. كان الصمت سيد الموقف، لا يقطعه سوى صوت احتراق الحطب في المدفأة.
بدأ سالم الحديث بصوتٍ قلق ومبحوح:
"عدي الله يرحمه... ضيع حاله وكسرنا. بس أني مش مطمن لصخر، خسايرهم بالملايين، ده غير الأرواح اللي اتصابت. سكوتهم ده وراه حاچة كبيرة."
تحدث مالك بهدوء حاد، كالجراح الذي يمسك بمشرطه، قاطعاً قلقهم بحقيقة موجعة:
"للأسف يا جدي.... لما راچعت الكاميرات، لجيت إن عدي هو فعلاً اللي اتعدى عليهم. وده هيخلينا غصب عننا نسكت ومنتكلمش."
نظر مالك إلى جده مباشرة، بنظرة تحمل ثقلاً يفوق عمره.
"بس يا جدي، أنا رايد أعرف الحجيجة حاچة من الأول. كيف التار ده بدأ، وإيه اللي وصلنا لهنا؟"
تنهد وهدان تنهيدة طويلة، خرجت من أعماق صدره المثقل بهموم السنين. فتح عينيه، وكانتا تحملان حزناً عتيقاً وحكمة قاسية. صوته خرج ثابتاً، لكنه مبطن بوجع لا يمحوه الزمن:
"من يوم ما وعيت على الدنيا وعرفت الحجيجة، وأني باعد حالي عن التار. لأني خابره زين، التار ده زي الحية مبيرحمش حد واصل، وبيلدغ اللي رباه جبل عدوه."
صمت للحظة، وعيناه تاهت في الماضي.
"وبعدت عنيه أكتر لما عمي وأخوي ماتوا جدامي. وجتها أبويا الله يرحمه، مرحمش حد منيهم، وجتل عم صخر جصاد عمي. الناس وجتها ادخلت بمجلس عرفي وجالوا إنه لازمن التار ينفض، والأرض تتجسم ما بينكم."
لم يتحدث وهدان عن حقيقة الأرض، عن كونها ملكهم بالأساس ام لا، تابع بصوتٍ يملؤه الأسى:
"اصروا على رفضهم وجالوا وجت ما ياچي الوجت المناسب، هياخدوا تارهم. لما أمك حبت أبوك، جولت يمكن النسب ده يجربنا من بعض، وطلبتها منيهم، بس هما رفضوا وقرروا يچوزوها لواحد منيهم، بس هي جالت الموت أهون عليها من إنها تتچوزه. وجتها أبوك لحجها ووداها لخالها وطلبها منه، والراچل متأخرش وچوزها لأبوك. وده بدل ما يجرب العلاقة، شعلل نارها أكتر."
ثم تغيرت نبرة وهدان، وظهر فيها انكسار الأب الذي رأى ابنه يُسلب منه.
"ولما چاه الوجت اللي جالو عليه، أخدوه من ولدي. طاطيت وجلت أسلم الأمر للحكومة، وفي الآخر أخد إعدام وبرضك مسلمتش من التار. وبعدها اترد في نغم سلمت وجلت راضي، طالما اتچوزها على سنة الله ورسوله والموضوع هيفضل سر بيناتنا، بس ينفض العداء."
وهنا، اهتز صوته قليلاً، وظهر حزنه العميق على حفيده الذي ضل الطريق.
"بس في الآخر... اللي عمله عدي..."
أخذ نفساً عميقاً، محاولاً أن يبدو صارماً ليهدئ من نيران قلوبهم.
"اللي عمله عدي دمر كل شيء. تهوره وغيرته عموه. خلاه هو اللي بادي بالغلط، هو اللي راح برجله للموت. ودلوجت، إحنا اللي في موجف ضعف ومش بعيد يجددوا التار من تاني."
رد مالك بثقة، وعقله يعمل كالمحقق الذي يحلل كل الأدلة:
"مفيش تار هيتجدد. جاسر نفسه هو اللي رفض يجدم بلاغ، وهو اللي سابنا ناخد عدي من غير شوشرة."
سأل سالم بحيرة:
"يمكن عشان كبر الموضوع ومش عايز مشاكل مع البوليس."
رد مالك بنظرة فاحصة، كأنه يرى ما لا يراه الآخرون:
"لأه، جاسر مش إكده. جاسر لو عايز يكسرنا، كان حبس عدي لو عاش، وكان بهدل جثته وهو ميت عشان يثبت جريمته ويفضحنا في البلد كلها. كونه يلم الموضوع بالسرعة دي، فده معناه حاجة من اتنين. يا إما إنه مش عايز يفتح على نفسه أبواب جهنم جدام القانون والنيابة، وده احتمال ضعيف لواحد زيه. يا إما... إن فيه حاچة في السرايا نفسها هو بيحاول يخبيها، وحريق عدي كان هيكشفها لو التحقيقات وسعت."
صمت مالك للحظة، وعيناه تلمعان بذكاء حاد.
"أما الاحتمال التالت، فمجدرش أحكم عليه دلوجت. بس سكوت جاسر ده مش لله وراه سر كبير وأنا هعرفه."
❈-❈-❈
كانت الشمس قد بدأت بالغروب، تلقي بضوء ذهبي دافئ على قمم الجبال. كانت نغم تقف في الشرفة، تراقب المشهد بصمت.
لقد أصبح هذا طقسها اليومي، لحظة هدوء تحاول فيها جمع شتات نفسها.
خرج جاسر إلى الشرفة، ووقف على بعد خطوات منها، محترمًا مساحتها الشخصية التي فرضتها. لم يعد يقتحمها كما كان يفعل.
تحدث جاسر بنبرته الهادئة والحازمة، كأنه يبحث عن أي موضوع يشاركه معها:
"الدكتور اتصل بيجول إن حالتك مستقرة، وإنك تجدري توجفي العلاج."
لم تلتفت إليه. ظلت عيناها معلقتين بالأفق.
ثم قالت ببرود:
"ولعبتك خلصت ولا لسة فيها بجية؟"
سألها جاسر بفتوره المعتاد:
"لعبة ايه عاد؟"
هنا استدارت وواجهته، وفي عينيها بريق من السخرية المرة:
"مش خابر لعبة ايه؟"
أبعد عينيه عنها وقال بنبرة جليدية:
"لو بتعملي إكدة عشان ترجعي لأهلك....."
قاطعته نغم بسخرية وقد تجمعت مرارة الدنيا في قلبها:
"أرجع؟ أرجع فين؟ لبيت اتخلى عني؟ ولا لسمعة لطخها چوازي منيك؟"
لاح الحزن بعينيها وهي تتابع بوجع:
"معدش ليا مكان أرجع ليه. أنت حرجت كل سفني يا جاسر بيه. معدش ليا غير المكان ده، هو بيتي الوحيد.."
تقدم نحوها خطوة، ووجهه لا يزال يحمل قناعه الجليدي، لكن صوته حمل شيئًا مختلفًا، شيئًا يشبه الأسف:
"أنا خابر أني غلوط، بس في نفس الوجت انا صاحب حج."
ضحكت نغم ضحكة خافتة لا تحمل أي بهجة:
"غلوطت؟ الكلمة دي بسيطة جوي جنب اللي عملته فيا. انت مغلوطتش انت بس دمرت حياتي. ودمرت حياة عدي وحياة أهلي. عشان ايه؟ عشان أرض وتار وكبرياء فارغ."
انفعل جاسر من اتهامها وقال بحدة خفيفة:
"انتي متعرفيش حاچة، انتم اللي بدأتوا كل حاچة. انتو اللي بدأتو بالغدر في الأرض، وانتو اللي بدأتو بالتار، وديما البادي اظلم، متتكلميش عن حاجة متعرفيهاش."
نظرت اليه نغم تتحدى نظرته بنظرة أشد قوة:
"ايه اللي انا معرفوش؟ تجصد يعني ان أبوك اللي جتل ابويا؟ ولا إنك أخدتني من بيتي بالتهديد عشان تكسر أهلي اللي هما اعداءك، وزي ما بتجول كسروا عيلتك. كل شيء واضح يا جاسر بيه. انتو الاتنين متختلفوش عن بعض. كلايتكم غرجانين في الدم والكره والحقد، وبتسحبوا اللي حواليكم عشان يغرقوا معاكم."
صمت جاسر، وكلماتها تخترقه. لقد كانت على حق، لم يجد ما يدافع به عن نفسه.
بعد لحظة صمت، تحدث هو وبصوت أعمق:
"صحيح أنا مختلفش عنيهم. بس انا اتربيت اخد حجي بيدي، وأن الجوة هي اللغة الوحيدة المفهومة. متعلمتش اعتذر ابدا."
ضيق عينيه وقد لاحظت فيها لمسة أسف وهو يتابع:
"ولا اعرف أصلح اللي كسرته."
اقترب منها خطوة أخرى، حتى أصبح أمامها مباشرة. كانت المسافة بينهما قصيرة، لكن الهوة كانت شاسعة.
"بس انا شايف دلوجت، شايف الدمار... وشايف جد ايه انا خسرت كتير، خسرت اكتر ما كسبت."
كانت هذه أقرب صيغة للاعتذار يمكن أن ينطق بها رجل مثله. لم يقل "أنا آسف"، بل اعترف بهزيمته في حربه.
بحثت نغم في عينيه عن أي أثر للضعف، لكنها لم تجد سوى نفس القوة، نفس الحزم. لكن خلفهما، رأت شيئًا آخر لم تره من قبل... حزن.. حزن عميق ورجولي.
فقالت بصوت يرتجف قليلاً رغم محاولتها تماسكه:
"واعترافك ده... هيغير ايه؟ هيرچع عدي للحياة؟ هتعيد روحي اللي سرجتها؟"
هنا ظهرت نظرة مليئة بوعود وصوته لأول مرة يصبح هامساً أجش وهو يرفع أنامله ليعيد خصلة متمردة إلى حجابها:
"تؤ مش هيغير الماضي، بس جادر يغير المستقبل."
سحبت نغم رأسها للوراء، مبتعدة عن لمسته، وقلبها يخفق بعنف. هذا القرب، هذه اللحظة من الضعف غير المعلن، كانت أخطر عليها من كل قسوته السابقة. القسوة كانت تعرف كيف تقاومها، أما هذا المزيج من الندم والقوة والحنان الخفي... فلم تكن تعرف كيف تواجهه.
قالت بصوت حاسم، وهي تبني جدرانها مرة أخرى عندما قرأت ما بين السطور:
"مفيش مستجبل عشان تغيره. انت عمرك ما هتنسى انا بنت مين، ولا أنا هنسى انت ابن مين. احنا اعداء وهنفضل اعداء."
استدارت لتعود إلى داخل البيت، لكنه قال جملة أخيرة أوقفتها في مكانها.
"فيه يا نغم، فيه."
انتفض قلبها عند سماعها لما نطق به. هو يخبرها بأن حياتهم مستمرة ولا أمل لها في الهرب.
أسرعت إلى غرفتها لتغلق الباب خلفها تحتمي به، لكن أين تحتمي وكل شيء ملكه..
❈-❈-❈
في منزل أكمل.
أكمل بعقل:
"المعلومة اللي جاتلي عن صخر وجاسر خطيرة، بس ممكن تكون فخ."
رد مالك بدهاء:
"ممكن، بس حتى لو فخ، إحنا ممكن نستخدمه ضدهم. صخر معروف في البلد كلها بإيه؟ إنه كبير العيلة، كلمته سيف، والشرف عنده أهم من روحه."
سأل أكمل بحيرة:
"قصدك إيه؟"
"جصدي إننا مش هنواجهه بالمعلومة. إحنا هنسرّب إشاعة. إشاعة خفيفة، مچرد همس في مجالس الكبار في البلد. همس عن إن فيه كلام بيتجال على بيت التهامي، وإن الشرف اللي بيكسّروا بيه الناس، ممكن يكون فيه خدش چوه بيتهم هما."
فهم أكمل ما يرمي إليه:
"بس ده لعب بالنار يا مالك."
"بالظبط، بس النار دي مش هتحرجنا إحنا، هتحرجهم هما من چوه. صخر هيضطر يواجه جاسر عشان يدافع عن شرف بيته وبنته. وصخر هيتجنن لأن سمعته بجت على كل لسان. هنخليهم ياكلوا في بعض من غير ما نطلق رصاصة واحدة. هنحول سلاحهم اللي هو 'السمعة والشرف'، ضدهم هما."
صمت مالك عندما تقدمت صبر لتضع القهوة، مما جعله يندهش.
"انتظر حتى مضت ثم سأل أكمل: مين دي يا أكمل؟"
"دي بنت حسان جايبها تشتغل."
عقد مالك حاجبيه بحيرة:
"تشتغل كيف؟ وكيف يجبل ان بنته تشتغل عند واحد عازب ولوحده."
لم ينتبه أكمل حقاً لذلك الشيء وقال:
"عادي يا مالك، هي بنت حلال وكويسة مفيش قلق منها."
"بس في جلج لو حد من البلد شم خبر، سمعت البنت هتضر، وانت زيه."
نظر في ساعته وقال:
"انت عارف الساعة كام دلوجت؟ الساعة 12 بالليل. هتروح ازاي دلوجت."
حمحم أكمل باحراج:
"هي مش بتروح، بتبات هنا."
"كمان."
أنهى أكمل النقاش كي لا يضطر لقول حقيقة والدها:
"مالك خلاص البنت امان هنا عن بيت ابوها. المهم كملوافق."
مالك وافق على غلق الحديث وسأله:
"ها قلت ايه؟"
سأله أكمل بنبرة تحذيرية جادة:
"مالك، أنت مدرك للي بتقوله ده؟ أنت مش بس بتلعب بالنار، أنت بتلعب بشرف بنت عمك. الإشاعة دي لو انتشرت، أول واحدة هتتأذي منها هي نغم نفسها. لأنهم مش هيسكتوا وهيردهالك، وسمعتها هتبقى على كل لسان، وكمان هتبقى فضيحة ليها قبل ما تكون فضيحة ليهم."
مالك ببرود محسوب:
"ومين جال إن الإشاعة هتچيب سيرة نغم بالاسم؟"
أكمل باستغراب:
"أمال هتقول إيه؟"
بدأ مالك يشرح خطته ببطء ودهاء:
"الإشاعة هتكون همس، مش تصريح كلام من نوعية: يا چماعة هو إيه اللي بيحصل في بيت التهامي؟ سامعين الكلام اللي بيتجال على كبيرهم؟ إن بنته مخطوبة لابن عمها جاسر والآخر سابها وراح اتچوز غيرها. بعد ما كان خاطبها كل السنين دي اتخلى عنيها وراح لغيرها، وانت عارف الكلام اللي هيتجال وخابر كيف بلدنا تلت وتعجن فى الحكاوى ديتى. غصب عنيه هيجبر جاسر يتجوزها. وجاسر مبيحبش حد يمشي كلامه عليه حتى لو كان عمه. وهنا هتدب أول مسمار في نعش ترابطهم. اللي وصلني إن جاسر رافض جوازه منيها بطريجة غير صريحة، وصخر اداله مهلة، وجاسر بطبعه عنيد مستحيل يرضخ لعمه. بعد الاشاعة دي هيكون مجبر للچواز منيها. وفي الوقت ده انا هكون في بيت الجبل بسحب منه نغم."
"بس هنا قادر انه يجيب الشرطة وياخد مراته."
نفى مالك:
"ميجدرش، لإني في نفس اليوم هرفع عليه جضية خلع. يعني لو عايز تشوشر وتاخدها، جابلنا في المحاكم. يبقى اللي بقوله صح والبلد كلها هتعرف. تعرف انها كانت متچوزاه عادي وبرضانا بدليل انها رفعت عليه قضية خلع، واحنا واقفين معها. هنخلي الشك ينهش فيهم زي السوس من غير ما نلوث سمعة نغم بكلمة واحدة مباشرة."
تنهد أكمل بقلة حيلة. لقد كانت خطة محكمة بشكل مقلق. دقيقة وخبيرة في استغلال العقلية الصعيدية.
"وحتى لو... ده مش أسلوبنا يا مالك. إحنا مش زيهم. لو عندنا حق بناخده بالقانون، مش بالإشاعات والكلام الواطي. أنا وكيل نيابة، مقدرش أوافق على حاجة زي دي."
رد مالك بصوت أكثر هدوءًا:
"أنا بحترمك وبحترم شغلك يا أكمل. خليك أنت في طريق النور بتاعك، طريق الأوراق والتحقيقات اللي ممكن ياخد سنين. وسيبني أنا أمشي في طريق الضلمة اللي شبههم، الطريق الوحيد اللي بيفهموه. لازم نضربهم بسلاحهم. لازم نوجعهم في الحاجة الوحيدة اللي تهمهم بجد: كبريائهم واسمهم."
أكمل بيأس:
"والنهاية إيه يا مالك؟ لو لعبتنا اتقفشت، هنبقى إحنا اللي بدأنا حرب جديدة، وهنخسر أي تعاطف أو حق ممكن يكون لينا."
رد مالك بثقة قاطعة:
"مش هتتقفش لأن اللي هينشر الإشاعة دي مش إحنا. أنا عندي طرقي. ناس مديونين لبيت الرفاعي بخدمات قديمة، ناس بيكرهوا التهامي في السر ومستنيين أي فرصة عشان يشوفوهم بيقعوا. أنا مش هظهر في الصورة خالص."
ثم أضاف جملته الأخيرة التي حسمت النقاش:
"اسمع يا أكمل، أنا مش باخد رأيك أنا بعرفك أنا هعمل إيه، عشان لو سمعت حاچة مـ تتفاجئش. أنت خليك بعيد، خلي إيدك نضيفة عشان لو احتجناك في الآخر. بس متطلبش مني أجعد أتفرچ وأنا شايفهم بيكسروا فينا واحد ورا التاني."
نهض بعد أن تابع بمغزى:
"وخد بالك من اللي حواليك."
خرج مالك، تاركًا أكمل في حيرة وصراع داخلي. لقد أدرك أن مالك الذي كان يعرفه قد مات. وأن الذي ولد مكانه هو شخص آخر، شخص ذكي وقاسي، تعلم أن العدالة أحيانًا لا تأتي من كتب القانون، بل يجب انتزاعها من فم الذئاب بأساليبهم الخاصة. وأدرك بقلق أن الحرب بين العائلتين قد دخلت للتو مرحلة جديدة وأكثر خطورة، مرحلة الحروب النفسية القذرة.
❈-❈-❈
بعد ليلة اعترافه، لم تنم نغم. كانت تجلس في الظلام، وكلماته تتردد في أذنيها. لقد اعترف بطريقة غير مباشرة أنه وضع قدمه على أولى درجات العشق. لم يكن هذا اعتراف حب، بل كان إعلان حرب من نوع جديد. لقد كشف لها عن نقطة ضعفه الوحيدة، وفي تلك اللحظة، ولدت في عقلها خطة شيطانية.
لقد حاول كسرها بالقوة، ففشل. حاول كسرها بالانتقام، فدمر نفسه معها. الآن، جاء دورها. لن تستخدم القوة ولن تستخدم الصراخ. ستستخدم السلاح الذي لا يتوقعه منها، السلاح الذي أعطاه لها هو بنفسه: حبه. ستتحوله إلى عشق، ستجعله يغرق في هذا الحب، ستعلقه بها إلى حد الجنون، وعندما يصبح عبدًا لها، عندما يضع كل أسلحته جانبًا ويسلمها قلبه بالكامل... ستسحقه. ستتركه كما تركها، محطمًا ووحيدًا.
في صباح اليوم التالي، بدأت الخطة.
كان جاسر يجلس في غرفة المعيشة في بيت الجبل، يراجع بعض الأوراق التي أرسلت له من البلد. اعتادت نغم أن تتحرك في البيت وهي ترتدي حجابًا بسيطًا، كأنها تضع حاجزًا إضافيًا بينهما. كان الصباح في بيت الجبل هادئًا كعادته، لا يكسر سكونه سوى حفيف أوراق الشجر في الخارج وصوت تقليب جاسر للأوراق التي بين يديه. كان يجلس على أريكة ضخمة في بهو المنزل الكبير، غارقًا في حسابات وأرقام تخص أراضي العائلة، محاولًا إشغال عقله عن التفكير في المرأة التي تشاركه هذا البيت وهذا الصمت.
اعتاد على وجودها الهادئ والمنضبط. اعتاد على رؤيتها تتحرك كظل رشيق، دائمًا بحجابها البسيط الذي يخفي شعرها، ويضع حاجزًا غير مرئي لكنه قوي بينهما. كان هذا الحجاب بالنسبة له رمزًا لمقاومتها الصامتة، تأكيدًا يوميًا على أنها لا تزال غريبة عنه، وأنها لن تسمح له بعبور حدودها الأخيرة.
لكن في ذلك الصباح، تغير شيء ما.
انفتح باب غرفتها ببطء، وخرجت نغم. لم يرفع جاسر عينيه في البداية، فقد توقع نفس المشهد المعتاد. لكن شيئًا ما في حركة الهواء، أو ربما هالة مختلفة أحاطت بها، جعلته يرفع بصره.
وتجمد.
لم تكن ترتدي حجابها. لأول مرة رأى شعرها بالكامل، في ضوء النهار الساطع. كان شلالًا من بذور القمح، طويلاً وكثيفًا ينسدل بحرية على كتفيها وظهرها، مع خصلات متمردة تحيط بوجهها. لم يكن مصففًا أو مرتبًا، بل كان يحمل فوضى النوم الطبيعية، مما جعله أكثر جاذبية وواقعية. بدا وكأنه جزء حي منها، يتنفس معها.
مرت من أمامه في طريقها إلى المطبخ، بخطوات هادئة ومدروسة. لم تلتفت نحوه، لم تعطه حتى نظرة خاطفة. كانت تتصرف وكأن هذا هو الأمر الأكثر طبيعية في العالم، وكأنها لم تكن تخفي هذا الجمال عنه طوال الأسابيع الماضية.
أما هو، فقد توقف العالم من حوله. الأوراق التي في يده أصبحت مجرد خطوط باهتة بلا معنى. صوت الريح اختفى. كل حواسه تركزت عليها، على حركة شعرها مع كل خطوة، على التباين الصارخ بين لونه البني وبشرتها البيضاء، على الطريقة التي كشف بها عن عنقها الطويل الرقيق. شعر بأن أنفاسه قد حبست في صدره، وشعر بضربة قوية ومفاجئة في قلبه، ليست ضربة حب رقيقة، بل ضربة عنيفة من الجمال الخام الذي حرم منه.
لقد كانت هذه الحركة البسيطة، هذا الكشف المتعمد، بمثابة إعلان. كانت كإزالة أول حجر من الجدار الذي بنته بينهما، ليس كبادرة سلام، بل كدعوة لدخول حرب من نوع آخر، حرب هو غير مستعد لها على الإطلاق. أدرك في تلك اللحظة أنها لم تعد الضحية الخائفة. لقد بدأت تلعب.
في المطبخ، وقفت نغم وظهرها للباب، ويداها تستندان على حافة الطاولة. كانت تتنفس بعمق، تحاول السيطرة على ارتجاف خفيف في يديها. لقد شعرت بنظراته، شعرت بها كحرارة تخترق ظهرها، لقد نجحت الخطوة الأولى في خطتها، نجحت نجاحًا باهرًا. غمرها شعور بالنصر، لكنه كان نصرًا حزينًا، ممزوجًا بالمرارة. لقد أسعدها أنها استطاعت أن تهزه، أن تجعله يفقد تركيزه، أن تعذبه بصمت. لكن في أعماقها، شعرت بوخزة من الألم. ألم لأنها اضطرت أن تستخدم جزءًا من نفسها، جزءًا حميميًا كسلاح في هذه المعركة القذرة. شعرت وكأنها تبيع قطعة من روحها في سبيل الانتقام. لقد كان انتصارًا بطعم الهزيمة.
عادت إلى غرفة المعيشة بعد دقائق، تحمل كوبًا من الماء. تحركت بنفس الهدوء، ونفس التجاهل المتعمد. مرت من أمامه مرة أخرى، وشعرها يلامس الهواء القريب منه، حاملاً معه رائحة خفيفة جعلت عقله يسبح.
عندما دخلت غرفتها وأغلقت الباب، أطلق جاسر أخيرًا زفيرًا طويلًا لم يكن يعلم أنه يحبسه. أغلق عينيه، لكن صورة شعرها ظلت محفورة خلف جفونه. لقد أدرك الآن مدى خطورة اللعبة التي بدأتها. إنها لا تحاربه بقوتها، بل بضعفه هو. إنها تستخدم جمالها وأنوثتها ببرود قاطع، وهذا المزيج كان أكثر فتكًا من أي سلاح عرفه. وهذه الحرب ليست عادلة.
ظهرت ابتسامة مرحة على جانب فمه. ذا كانت خطتها أن تهزمه بجمالها، فسيكون هو المبادر كي يستمتع بذلك الجمال، وسيتركها تشعر بالنصر الزائف عليه. عاد إلى أوراقه، لكن الكلمات والأرقام لم تعد تعني شيئًا. لقد خسر تركيزه بالكامل. كل ما كان يفكر فيه هو تلك المرأة في الغرفة المجاورة التي أعلنت للتو، وبدون كلمة واحدة، أنها قادرة على تدميره... ببطء، وبمتعة قاسية.
❈-❈-❈
بعد أن خرج أكمل من المنزل، شعرت صبر براحة أكبر في الحركة. دخلت المطبخ، وبما أنها كانت وحيدة تمامًا في البيت، فعلت ما تفعله أي فتاة في بيتها: خلعت حجابها، وتركت شعرها الأسود الكثيف ينسدل بحرية حول وجهها وكتفيها. كان شعرها غجريًا بطبيعته، مليئًا بتموجات فوضوية وجميلة، لا يشبه الشعر المصفف بعناية، بل يحمل روحًا حرة مثلها. انهمكت في عملها، تقطع الخضروات وتجهز الطعام، وتتحرك بخفة في المطبخ الصغير، وشعرها يتراقص مع كل حركة. كانت تدندن لحنًا قديمًا بصوت خفيض، غارقة تمامًا في عالمها الصغير، عالم من النكهات والروائح المريحة.
مر الوقت، وعاد أكمل إلى المنزل وهو يحمل ظرفًا ورقيًا كبيرًا. كان الهدوء يعم المكان، فعرف أنها لا بد أن تكون في المطبخ. اتجه نحوه بخطوات هادئة، وكان على وشك أن يناديها ليخبرها بعودته، لكنه توقف فجأة عند المدخل. تجمد في مكانه، وعيناه متسعتان.
لم تكن هذه هي صبر التي يعرفها. لم تكن الفتاة المحتشمة ذات الحجاب الدائم والملابس الواسعة بل الفضفاضة. التي أمامه كانت امرأة أخرى، امرأة بشعر كثيف وحيوي يحيط بوجهها كإطار داكن، وبعض الخصلات المتمردة تلتصق بجبينها بسبب حرارة المطبخ. كانت تبدو أصغر سنًا، وأكثر حيوية، و... وجميلة بشكل مدهش ومربك.
شعر بمشاعر غريبة وعجيبة تتحرك بداخله، مشاعر لم يشعر بها من قبل تجاهها. لم تكن مجرد إعجاب بذكائها أو شفقة على ظروفها. كانت هذه المرة شيئًا أعمق، شيئًا جسديًا، انجذابًا خامًا لم يكن مستعدًا له. رأى الطريقة التي يتحرك بها شعرها مع كل حركة، ورأى عنقها الذي لم يره من قبل، وشعر بارتباك شديد.
انسحب بهدوء، وتراجع خطوة للخلف قبل أن تلاحظ وجوده. استند بظهره على الحائط في الرواق، وأغلق عينيه وهو يحاول تنظيم أنفاسه. في تلك اللحظة، قفزت إلى ذهنه كلمات مالك التحذيرية التي قالها له مازحًا في إحدى المرات: "خلي بالك من نفسك يا أكمل... ومتأمّنش جوي". وقتها، ظن أكمل أن مالك يقصد ألا يثق في أهل البلد أو في والد صبر. لكن الآن، بعد أن رأى ما رأى، فهم المعنى الحقيقي الخفي وراء كلمات مالك. لم يكن يحذره من خطر خارجي، بل كان يحذره من نفسه هو، من مشاعره التي قد تتطور في اتجاه لم يكن في الحسبان. لقد كانت صبر دائمًا أمامه، لكنها كانت "محجوبة". حجابها وملابسها المحتشمة جعلته يركز فقط على عقلها وروحها، ولم يتركا له أي مجال للتفكير فيها كامرأة. لكن الآن، بعد أن رُفع هذا الحجاب لثوانٍ معدودة، رأى الصورة كاملة، وأدرك أنه في خطر. خطر الوقوع في حب فتاة لا يعرف إن كان ذلك مناسبًا، فتاة تعيش تحت سقفه وفي رعايته.
بعد دقائق، انتهت صبر من إعداد الطعام. أعادت ربط شعرها وارتدت حجابها بعناية، وعادت إلى هيئتها المعتادة. خرجت من المطبخ لتخبره أن الغداء جاهز، فوجدته ينزل من على الدرج وكأنه دخل للتو. كان وجهه هادئًا، لكنه كان يتجنب النظر في عينيها مباشرة.
"الأكل جاهز يا أكمل بيه. تحب أحضره لحضرتك؟" قالت بابتسامتها المعتادة.
هز رأسه، وهو لا يزال يتجنب النظر إليها.
"لأ، مش جعان دلوقتي. كلي أنتِ."
ثم مد يده بالظرف الورقي الكبير نحوها.
"ده عشانك."
أخذت الظرف باستغراب، وشعرت بثقله.
"إيه ده؟"
قال، وابتسامة خفيفة بدأت تظهر على وجهه، تخفف من توتره:
"افتحيه."
فتحت صبر الظرف بأصابع مرتعشة، وأخرجت منه مجموعة من الأوراق الرسمية. قرأت الكلمات المطبوعة في الأعلى، ولم تصدق عينيها. "جامعة... القاهرة... التعليم المدمج... إشعار قبول الطالبة: صبر حسان محمد".
رفعت رأسها ونظرت إليه، وعيناها تلمعان بدموع الفرح وعدم التصديق.
"أنا... أنا اتجبلت؟ بچد؟"
أومأ أكمل برأسه، وشعر بسعادة حقيقية وهو يرى سعادتها.
"مبقاش اسمك صبر حاف بقى اسمك الطالبة صبر، مبروك."
لم تتمالك نفسها، قفزت في مكانها بفرحة طفولية نقية، وضحكت ضحكة عالية ورنانة لأول مرة منذ أن عرفها.
"أنا مش مصدجة حالي. أنا مش مصدجة! هبجى طالبة في الچامعة!"
كانت سعادتها معدية، وجعلته ينسى ارتباكه للحظات. لكن وهو يراقبها تحتفل بحلمها الذي تحقق، كان يدرك في أعماق نفسه أن الأمور قد تغيرت إلى الأبد. لقد فتح لها بابًا لمستقبل جديد، لكنه في نفس الوقت، فتح على نفسه بابًا لمشاعر معقدة وخطيرة، لم يكن يعرف كيف سيغلقه.
❈-❈-❈
انتهت جلسة العلاج الطبيعي. خرجت روح وهي تستند قليلاً على ذراع مالك الذي كان ينتظرها كعادته عند الباب. كانت خطواتها لا تزال تحمل بعض الثقل، ليس فقط من أثر الإصابة، بل من ثقل الأيام التي مضت. اعتادت على وجوده بجانبها في هذه الرحلة العلاجية، أصبح جزءاً من روتينها، ثابتاً كشروق الشمس.
في السيارة ساد صمت مريح، لم يكن صمتاً محرجاً أو فارغاً، بل كان مليئاً بالكلمات التي لم تُنطق.
كانت روح تنظر من النافذة، تتابع المباني والطرقات التي تمر بها دون أن تراها حقاً. كان عقلها في مكان آخر، يحلل ويفكك شيئاً جديداً بدأ يتشكل في وعيها. لفت انتباهها يده الممسكة بالمقود بقوة وثبات، الطريقة التي يختلس بها نظرة سريعة نحوها كل بضع دقائق ليطمئن أنها بخير، سؤاله الهادئ "هل تشعرين بأي ألم؟" الذي لم يخلُ منه يوم.
"طوال عمره يهتم بها."
الجملة لم تكن جديدة، لكنها اليوم سقطت في قلبها بمعنى مختلف تماماً. نعم، كان دائماً هناك. في طفولتهما، كان هو من يدافع عنها. في مراهقتهما، كان هو من يستمع لشكواها حين لا يكترث أحد. وحتى بعد زواجها من عدي لم يختفي اهتمامه، بل تحول إلى دعم صامت ومحترم من بعيد.
لكنها لم تكن ترى. كانت عيناها معلقتين بـ عدي ببريق شخصيته الذي خطفها، فلم تلتفت لترى النور الهادئ والدائم الذي كان يشع من مالك. كانت تعتقد أن اهتمامه من باب القرابة والأخوة، واجباً لا أكثر.
لكن هل هذا حقاً واجب؟ سألت نفسها وهي تراقبه الآن بعين مختلفة. هل من الواجب أن يترك كل شيء ثلاث مرات أسبوعياً ليصطحبها إلى جلسة علاج مملة ومؤلمة؟ هل من الواجب أن يتذكر نوع العصير الذي تفضله بعد الجلسة ويشتريه لها دون أن تطلب؟ هل من الواجب أن تكون نبرة صوته دافئة وحنونة بهذا الشكل عندما يتحدث إليها؟
شعرت بوخزة خفيفة في قلبها، ليست وخزة ألم بل وخزة... صحوة. كأن غشاوة سميكة كانت على عينيها وبدأت تنقشع ببطء. كل التفاصيل الصغيرة التي كانت تمر عليها مرور الكرام، أصبحت الآن كبيرة وواضحة وتحمل معنى أعمق.
تذكرت كيف دمرها عدي بكلماته الأخيرة قبل موته، كيف حطم الصورة المثالية التي رسمتها له في خيالها، وكيف أفرغ قلبها منه في لحظة واحدة قاسية. ربما كان ذلك الألم ضرورياً، ربما كان هو ما كسر القفص الذي حبست نفسها فيه، لتتمكن أخيراً من رؤية ما كان أمامها طوال الوقت.
تذكرت تلك المكالمة بينه وبين أكمل حينما سمعته يقول: "أكيد سعادتها تفرق معايا ولو كانت سعادتها معاه اكيد هجف جارها واعمل المستحيل عشان تكون سعيدة". مالك يحبها. كانت هي المقصودة في تلك المكالمة. تطلعت إليه بذهول وعينيه تنظر إلى الطريق أمامه. كل شيء يفعله كان يخبرها بأنه عاشق حتى النخاع ولم يكن دور الأخ الذي كانت تخبر نفسها به. كيف لم تلاحظ ذلك، هل كانت معمية بحب عدي الذي لم ترى منه سوى التجاهل. وفي النهاية اكتشفت انه لم يكن عشقاً بل وهم عاشت به كي تبرر لنفسها أن مالك بالنسبة لها ليس سوى أخ. لم تعد مجرد فكرة أو شك، بل أصبحت حقيقة ساطعة كالشمس وهي... هي كانت عمياء.
عندما توقفت السيارة أمام بوابة القصر، التفت إليها مالك بابتسامته الهادئة التي اعتادته:
"انتي زينة؟ انادي وعد تطلعك اوضتك؟"
لأول مرة، شعرت بالخجل من نظراته. لأول مرة، ارتبك قلبها من سؤاله البسيط. هزت وجهت إليه نظرة عتاب لم يفهمها. هزت رأسها قائلة بصوت خافت:
"لا، أنا زينة."
نزل من السيارة، ومد يده ليساعدها على الخروج، لكنها رفضت. لن تقبل مساعدته بعد اليوم. ولن تغفر له.
اندهش مالك من نظراتها ولمحة العتاب التي ظهرت واضحة فسألها بحيرة:
"روح... في حاچة؟"
كانت تود أن تخبره بأنها لا ليست بخير وأن تحمله ذنب ما حدث له، لكنها أحجمت. تلك الرغبة وتركت يده الممدودة ودلفت للداخل وهي تسرع الخطى رغم صعوبتها.
وقف حائرًا بينما كانت تصعد درجات السلم بصعوبة، كان هو يتابعها بعينيه حتى اختفت عن نظره. فقد وقف في مكانه للحظات، يأخذ نفساً عميقاً. ماذا بها؟
أما هي فلم تبالي بكل من يصادفها ويسألها عن حالته، بل صعدت غرفتها وأغلقت الباب خلفها لتستند بظهرها عليه وتطلق لدموعها العنان. هي من عاشت ذلك الوهم وأخمدت الحب الحقيقي بداخله. لكنه بدوره أخفاه ولم يصارحها به. تذكرت كل شيء كان يفعله ومازال يفعله. كل شيء يؤكد حبه لها. يخبرها بطريقته، لكنها لم تتخيل أن يكون عشقاً.
.... أما هو.
لقد اتخذ قراره. اليوم، سيفاتح جده في الأمر. لن ينتظر أكثر. روح تستحق بداية جديدة، وهو يريد أن يكون هو تلك البداية. عدتها تبقى فيها شهر ونصف، وهذا وقت كافٍ ليمهد الطريق نحو مستقبل طالما حلم به. حان الوقت ليتحدث العقل والقلب معاً.
❈-❈-❈
كان هدوء ما بعد الظهيرة يلف بيت الجبل، هدوء ثقيل لا يقطعه سوى صوت خطوات جاسر وهو يصعد الدرج الرخامي ببطء، متجهًا إلى غرفته. كان عقله منشغلًا، يصارع بين صور الماضي وواقع الحاضر، بين رغبته في الانتقام ورغبته الجديدة في إصلاح ما تم كسره.
في اللحظة التي وصلت فيها قدمه إلى الطابق العلوي، فتح باب الغرفة بعد ان طرقه كما تعود ليأخذ ملابسه دالفًا المرحاض ثم يعود إلى غرفته التي اتخذها فقط للنوم. وفور دخوله انفتح باب الحمام فجأة، وخرجت منه نغم.
تجمد جاسر في مكانه، ليس فقط بسبب المفاجأة، بل بسبب المشهد الذي أمامه. لم تكن ترتدي ملابسها، ولم تكن ملفوفة بفوطة. كانت ترتدي روب الاستحمام الخاص بهم. مئزاره هو. كان ثقيلاً وداكن اللون، وطويلاً جدًا عليها، تصل أكمامه إلى ما بعد أصابعها، وحافته تكاد تلامس كاحليها. هذا الحجم المبالغ فيه جعلها تبدو أصغر وأكثر هشاشة، لكنه في نفس الوقت كان إعلانًا صريحًا بالملكية، كأنها تستعير جلده. كان الروب مفتوحًا قليلاً عند الرقبة، كاشفًا عن بشرتها الندية التي تلمع تحت الضوء الخافت للغرفة. شعرها الأسود كان مبللاً بالكامل، ملفوفًا بعشوائية فوق رأسها، لكن بعض الخصلات الداكنة هربت منه لتلتصق برقبتها وكتفها، وتتساقط منها قطرات ماء بطيئة، تسير في رحلة قصيرة على جلدها قبل أن تختفي داخل قماش الروب الثقيل.
رفعت نغم عينيها، وتلاقت نظراتهما. اتسعت عيناها بتصنع للصدمة والارتباك، صدمة متقنة للغاية لدرجة أنها كادت أن تكون حقيقية.
"أنا... أنا افتكرتك تحت في الجنينة."
تمتمت بالكلمات بصوت خفيض، صوت بدا وكأنه يرتجف قليلاً. رفعت يدها التي كانت شبه مختفية داخل الكم الواسع، وضمت ياقة الروب إلى صدرها في حركة حماية مصطنعة، وكأنها فوجئت به حقًا.
لم يرد جاسر. ظل واقفًا كتمثال، وعقله يعمل بأقصى سرعة. جزء منه، الجزء البدائي الغريزي، كان مأخوذًا بالكامل بالمشهد. برائحة عطر الاستحمام والهواء الرطب التي انبعثت منها، بقطرات الماء التي تلمع على بشرتها، بمنظرها وهي غارقة في ملابسه، وهو مشهد حميمي بشكل مؤلم. لكن الجزء الآخر من عقله، الجزء الذكي والحذر الذي يعرفها، كان يصرخ فيه: "إنها لعبة!".
أدرك في تلك اللحظة أنها لم تخطئ. لقد حسبت خطواته، وعرفت توقيت صعوده. هذا اللقاء لم يكن صدفة، بل كان كمينًا مدبرًا بعناية فائقة. ورغم إدراكه هذا، لم يستطع أن يزيح نظره. لم تكن نظرة شهوة فجة، بل كانت نظرة رجل محارب يرى خصمه قد غير تكتيكه فجأة، واستخدم سلاحًا لم يكن يتوقعه، سلاح الجمال الهادئ، والإغواء الصامت.
"معلش... عن إذنك."
قالتها بسرعة مصطنعة، واستدارت لتعود إلى الحمام مرة أخرى، وأغلقت الباب خلفها بنعومة. لم تغلقه بعنف، بل أغلقته بهدوء، تاركة إياه في الغرفة وحيدًا مع الصورة التي انطبعت في ذهنه.
ظل واقفًا في مكانه لدقيقة كاملة، يستمع إلى صوت الصمت. صورة بشرتها الندية، وقطرات الماء، والطريقة التي بدا بها ضائعة داخل ملابسه، كل هذه التفاصيل ظلت محفورة في عقله، تشعل فيه نارًا هادئة وعنيدة.
ثم، ولأول مرة منذ وقت طويل، ارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة، ابتسامة باردة وماكرة لا تخلو من الإعجاب.
"بتلعبي بالنار يا بنت الرفاعي." همس لنفسه بصوت خفيض.
"فاكرة إنك كده بتكسريني..."
صمت للحظة، ثم أكمل وهو يخرج إلى غرفته بخطوات أصبحت أكثر ثقة.
"بس لو اللعبة دي مكسبها هو أنتِ... يبجى خليكي، لاعبي براحتك... لحد ما الدور ييچي عليا."
لقد فهم لعبتها، وقرر أن يشارك فيها. لقد أدرك أنها تحاول استدراجه، إغواءه، لتنتقم منه في النهاية. لكنه قبل التحدي. سيتركها تظن أنها تسيطر على الموقف، سيتركها تنسج شباكها حوله، وهو في المقابل، سيستمتع بكل لحظة من هذه الحرب الجديدة. لأنه كان يعلم أن في نهاية هذه اللعبة، لا يمكن أن يكون هناك سوى فائز واحد. وكان مصممًا على أن يكون هو.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رانيا الخولي
دلف مالك إلى غرفة جده، حاملاً على كتفيه همًا أثقل من كل المشاريع الهندسية التي أدارها في حياته.
وجد وهدان جالسًا في شرفته كعادته منذ موت عدي، يحدق في الفراغ، وكأنه يبحث في الأفق عن وجه حفيده الراحل.
كان الصمت في الغرفة كثيفًا، مشبعًا بالحزن والذكريات.
"جدي..."
التفت وهدان ببطء، وارتسم على وجهه ظل ابتسامة متعبة عند رؤية مالك.
"أهلاً يا مالك تعالى يا ابني اقعد."
جلس مالك على المقعد المقابل لجده، لكنه لم يستطع أن ينظر في عينيه مباشرة.
بدلاً من ذلك ثبت نظره على يديه المتشابكتين، يبحث عن الكلمات الصحيحة، عن المدخل المناسب لموضوع شائك وحساس.
كيف يبدأ؟ كيف يطلب يد أرملة أخيه الذي لم يمر على وفاته ثلاثة أشهر؟
شعر بأن طلبه مهما كان نبيلًا في دوافعه، قد يبدو كأنه انتهازيًا أو قلة احترام لحرمة الموت.
كل كلمة حضّرها في عقله بدت الآن إما متسرعة أو غير لائقة.
لاحظ وهدان ارتباكه وصمته الطويل.
نظر إليه باهتمام، بصيرة السنين الطويلة جعلته يقرأ ما وراء الصمت.
"مالك يا مالك؟ شايفك مش على بعضك فيك إيه يا ولدي؟"
أخذ مالك نفسًا عميقًا، كمن يستعد للقفز في مياه عميقة ومجهولة.
قرر أن المواجهة المباشرة مهما كانت صعبة، هي الطريق الوحيد.
رفع رأسه ونظر في عيني جده.
"جدي، أنا عايز أتكلم مع حضرتك في موضوع... موضوع مهم يخصني، ويخص... روح."
عند ذكر اسمها، تغيرت نظرة وهدان.
لم تكن دهشة، بل كانت ترقبًا حذرًا.
التزم الصمت، مشجعًا مالك بنظرته على إكمال ما بدأه.
شعر مالك بأن الأرضية أصبحت أكثر صلابة تحت قدميه.
"أنا خابر... خابر إن الوجت يمكن مش مناسب، وإن عدتها لسه مخلصتش، وإن چرحنا كلنا لسه مفتوح. والله وحده عالم باللي في جلبي، وعالم إني بفكر في الموضوع ده بجالي ليالي ومعرفش أنام. بس أنا مش جادر أستنى أكتر من كده عشان أفاتح حضرتك في الموضوع."
توقف للحظة، يبتلع ريقه الذي شعر بجفافه.
"حضرتك عارف زين اللي في جلبي ناحية روح من سنين والإحساس ده عمره ما مات يا جدي، بالعكس، كان بيكبر وبيوچع كل يوم عن اللي جبله، ولما حصل اللي حصل... وشفتها وحيدة ومكسورة... حسيت إن واچبي وحجي وحلمي، كلهم بجوا حاچة واحدة."
اشتدت نبرته قوة وصدقًا.
"أنا رايد أتجوز روح يا جدي. عايز أبجى سندها وضهرها، وأعوضها عن كل اللي شافته، روح متستاهلش تعيش لوحدها وهي في السن ده وميصحش، ولا يرضي ربنا، نسيبها كده للناس وكلامهم اللي مبيرحمش. أنا مش هعمل أي خطوة ولا هتكلم في أي حاچة رسمية إلا بعد ما عدتها تخلص باليوم والدجيجة، بس كان لازم آچي لحضرتك الأول، عشان لو اللي بفكر فيه ده غلط أو عيب، حضرتك تجولي وأدفن الفكرة دي دلوجت."
ظل وهدان صامتًا، ونظراته تتفحص دواخل حفيده.
لم يرى في عينيه طمعًا أو استعجالًا، بل رأى حبًا قديمًا وناضجًا، ورغبة صادقة في الحماية والستر.
هو نفسه يعلم بحب مالك لروح، بل ورأى في الآونة الأخيرة كيف تغيرت نظرات روح أيضًا إليه، كيف أصبحت تبحث عنه بعينيها، وكيف تجد في وجوده الأمان الذي فقدته.
أخيرًا، تحدث وهدان بهدوء، وصوته كان يحمل دفئًا أبويًا.
"طب وأنت فتحت روح في الموضوع ده؟ لمحت لها حتى؟"
هز مالك رأسه بالنفي سريعًا.
"لأ يا جدي، مجدرش أتخطى حضرتك أبدًا، وكمان كنت رايد أحترم حزنها ومشاعرها. أنا چيت لحضرتك لول عشان أطلب الإذن، أطلب موافجتك ومباركتك. لو حضرتك شايف إن ده صوح، هستنى الوجت المناسب بعد عدتها، وهكلمها لو شايفه غلط، يبجى كأني متكلمتش."
هز وهدان رأسه ببطء، وابتسامة حقيقية، وإن كانت حزينة، ارتسمت على شفتيه.
"طول عمرك راچل يا مالك، راچل حكيم صوح، اللي بتجوله ده هو عين العقل والأصول. روح بنتنا، جبل ما تكون مرات الغالي الله يرحمه، ومش هنلاجي لها أحسن منك يصونها ويحافظ عليها."
شعر مالك بأن جبلًا من القلق قد أُزيل عن كاهله، وتنفس بعمق لأول مرة منذ دخوله الغرفة.
لكن وهدان أكمل بنبرة جادة.
"بس الموضوع كله في إيد روح دلوجتي. إحنا خلاص زمن الجبر انتهى يا ولدي. بعد ما عدتها تخلص اجعد معاها واتكلم، شوف اللي في جلبها إيه. لو وافجت، يبجى ليك مني كل الدعم والمباركة، والفرح يتعمل تاني يوم. إحنا مش هنسيبها فريسة للوحدة ولا للقيل والقال، وخصوصًا إن البيت فيه شاب متچوزش. أنت عندك حج، واجبنا نحميها ونسترها."
نهض مالك، وانحنى على جده وقبّل رأسه بقوة، قبلة تحمل كل الامتنان والحب.
"شكرًا يا جدي شكرًا، عمري ما هخذلك ولا هخذلها."
ابتسم الجد وربت على كتفه.
"أنا خابر يا ابني، دلوجت سيبها على الله، وكل حاچة هتيچي في وجتها. الصبر يا مالك... الصبر مفتاح كل شيء."
❈-❈-❈
في المساء، كان جاسر يعمل في مكتبه الصغير في البيت.
كانت والدته قد ذهبت لتنام.
سمع صوت خطوات تقترب، وظن أنها الخادمة التي ستحضر له قهوته المعتادة.
لكن الباب انفتح ودخلت نغم، تحمل هي القهوة.
كانت ترتدي عباءة بسيطة من الحرير، وكان شعرها جافًا الآن، ينسدل على ظهرها.
قالت ببرودها المعتاد، كأن ما تفعله هو الشيء الأكثر طبيعية في العالم.
"سامية تعبت شويه جولتلها ترتاح وانا هعملها."
اقتربت من مكتبه.
ثم انحنت لتضع الفنجان أمامه، وتعمدت أن تميل بجسدها أكثر من اللازم، مما جعل خصلات من شعرها الطويل تلامس يده التي كانت تستقر على المكتب.
انتفض جاسر من لمستها الخفيفة، وشعر بقشعريرة تسري في جسده.
رائحة شعرها، رائحة أنثوية، ملأت أنفه.
رفعت رأسها، ونظرت إليه مباشرة، لكن عينيها كانتا باردتين كالعادة.
لم تكن هناك ابتسامة، لم يكن هناك إغواء صريح.
كان هذا هو ما يجعله يفقد عقله: هذا التناقض بين جسدها الذي أصبح فجأة متاحًا للنظر، وعينيها وروحها اللتين لا تزالان بعيدتين ومنيعتين كقلعة محصنة.
سألت بنفس البرود.
"عايز حاچة تاني."
قال بصوتٍ أجش، وهو يحاول السيطرة على ردة فعله.
"لأ."
استدارت وخرجت من الغرفة بهدوء، تاركة إياه مع قهوته التي بردت، ونار جديدة اشتعلت في داخله.
لقد ايقن جاسر أنها تفعل ذلك عن قصد.
لم تكن هذه الأفعال عفوية.
كانت تلعب معه لعبة خطيرة، لعبة تستخدم فيها أنوثتها كسلاح.
لكن معرفته هذه لم تساعده.
ففي كل مرة، كان يقع في فخها.
كان عقله يصرخ فيه بأنها خدعة، لكن جسده وروحه كانا يخونانه.
لقد بدأت نغم حربها الصامتة، وكانت تفوز في كل جولة، مستمتعة برؤية هذا الرجل القوي الذي حطمها، يبدأ في التحطم ببطء أمامها، ضحية لحبٍ هي نفسها من قررت أن تغذيه... لتقتله به في النهاية.
صعدت إلى غرفتها وأغلقت تلك المرة الباب وراءها بعنف.
لقد ملت ولن تستطيع الضغط على نفسها أكثر من ذلك.
لكن ليس أمامها سوى تلك الطريقة مع ذلك الرجل.
❈-❈-❈
منذ أن غيّب الموت عدي،
انسحبت وعد داخل قوقعة من الحزن الصامت.
ابتعدت عن الجميع، وحتى عن سند الذي كان أقرب الناس إليها.
هذا البُعد لم يقلل من مكانتها في قلبه، بل على العكس، جعله يشتاق إليها أكثر.
يشتاق لضحكتها، لكلامها، لوجودها الذي كان يملأ عليه حياته.
في ذلك المساء، تركت وعد أمها غارقة في دموعها التي لم تجف بعد، وتسللت إلى غرفتها تبحث عن مهرب في النوم.
ألقت بجسدها المنهك على السرير وأغمضت عينيها، تتمنى لو أن الظلام يبتلع أفكارها.
لكن قبل أن تغوص في عالم الأحلام، شعرت به يجلس على حافة السرير، وسمعت صوته الهادئ الذي اخترق صمتها.
"وعد... ممكن نتحدت شوية؟"
فتحت عينيها ببطء، لتجد سند ينظر إليها بعينين مليئتين بالشوق والعتاب.
لم يمنعها من النوم هذه المرة، بل منع وحدتها من أن تبتلعها بالكامل.
جلست باعتدال وهي تسأله بصوت متعب.
"في إيه يا سند؟"
قالها بنبرة حنونة وهو يقترب منها أكثر.
"إنتي اللي فيكي إيه؟ ليه بعيدة عني اكده يا وعد؟ أنا عملت حاجة زعلتك؟"
سؤاله كان بمثابة المفتاح الذي فتح كل السدود المنهارة بداخلها.
هي أيضاً كانت تحتاجه، تحتاج لصدره الحنون، لأمان وجوده.
لم تجد الكلمات لترد بها، فكانت دموعها أسرع.
انهمرت بلا توقف، ووجدت نفسها، دون وعي ترتمي في حضنه، تدفن وجهها في صدره وتبكي.
بكت أخاها، بكت وحدتها، بكت ألم أمها وأبيها، بكت كل الأيام الثقيلة التي مرت عليها.
لم يقل سند شيئاً، فقط شدد من احتضانه لها، يتركها تفرغ كل ما في قلبها من وجع.
يده كانت تمسح على شعرها بحنان لا نهائي، بينما قلبه كان يعتصر ألماً لألمها.
وفي تلك اللحظة، وهو يستنشق عبير شعرها ويشعر بارتجاف جسدها بين ذراعيه، اعترف لنفسه بالحقيقة التي كان يهرب منها.
أنه أحبها.
لم يكن مجرد حب عادي، كان شعوراً جارفاً، مختلفاً تماماً عن أي شيء شعر به من قبل.
حتى حبه لـ نغم، الذي كان يظنه حب حياته، بدا باهتاً الآن، مجرد ذكرى.
أدرك في تلك اللحظة أن ما كان بينه وبين نغم هو حب من نوع آخر، حب أخوي نشأ بسبب تقارب السن والصداقة القوية، حب جميل، لكنه ليس الحب الذي يجعل رجلاً مستعداً لفعل المستحيل.
حب وعد كان هو المستحيل.
عندما هدأت قليلاً ورفعت رأسها من على صدره، كانت عيناها حمراوين ومتورمتين، لكن نظرتهما كانت أقل حزناً.
أمسك وجهها بين كفيه، وأجبرَها على النظر في عينيه مباشرة.
"وعد، اسمعيني زين... أنا خابر إن الوجت غير مناسب، بس لازم تعرفي."
صمت للحظة يجمع شجاعته، ثم أكمل بصوت صادق يخرج من أعماق روحه.
"مش جابل بعدك عني اكتر من إكدة، إنتي بجالك فترة طويلة بعيدة عني، بتدخلي اوضتك بس للنوم وتجومي الصبح تروحي لمرات عمك."
نظر إليها بصدق وتابع.
"انا خابر انها محتچالك انتي اكتر واحدة، بس خلاص يا وعد مبجتش جادر اتحمل بعدك اكتر من إكدة."
تطلعت إليه من بين اهدابها المبللة.
"بس اللي راح مكنش هين، ده أخوي."
"وأخوي انا كمان، وربنا وحده اللي يعلم بحرجت جلبي عليه. صحيح هو كان انطوائي وعايش في دنيا لخاله بس كان أخ وسند وعزوة، موته مكنش بالساهل علينا كلنا، بس الدنيا مش بتجف عند حد."
رفع انامله ليمحو الدموع المتعلقة بأهدابها وتمتم بصدق.
"البُعد اللي كنتِ فيه ده كان بيجتلني. أنا بجيت مجدرش أعيش لحظة واحدة من غيرك. بس زي ما يكون فوجني لحاچة مكنتش واخد بالي منيها..زمان كنت فاكر إني بحب نغم، بس النهاردة بس فهمت... اللي بيني وبينها كان حب أخوة، كان تعود... لكن إنتي... إنتي حاجة تانية خالص. إنتي الحب اللي يخليني أعمل أي حاجة في الدنيا، أي حاجة، بس عشان متضيعيش مني، عشان متكونيش بعيدة. أنا مستعد أعمل المستحيل عشانك، بس متعمليش فيا زي ما نغم عملت... متبعديش عني."
كانت كلماته كالمطر الذي يروي أرضاً عطشى.
نظرت إليه وعد بصدمة ممزوجة بأمل خافت بدأ يولد في عينيها الدامعتين.
رأت في عينيه صدقاً لم تره في حياتها، حباً قوياً كان قادراً على انتشالها من حزنها.
لم ينتظر رداً منها.
كل المشاعر المكبوتة كل الشوق، كل الحب الذي اعترف به لنفسه للتو اندفع في لحظة واحدة.
انحنى ببطء مقللاً المسافة بينهما، ولامست شفتاه شفتيها.
كانت قبلة لم تكن كأي قبلة، بدأت رقيقة حنونة كأنها اعتذار عن كل لحظة ألم، ووعد بكل لحظة سعادة قادمة.
كانت تحمل كل مشاعره، كل خوفه من فقدانها وكل أمله في مستقبل يجمعهما.
تعمقت القبلة ببطء، لتصبح أكثر شغفاً، قبلة طويلة ورومانسية، سرقت أنفاسهما وذوبت كل الحواجز التي بناها الحزن بينهما.
في تلك اللحظة، لم يكن هناك سوى "سند" و"وعد"، وقلبين وجدا طريقهما أخيراً إلى بعضهما البعض في وسط الظلام.
❈-❈-❈
في منزل اكمل..
منذ تلك الليلة تغير كل شيء.
أصبح أكمل شخصاً آخر، وانسحب خلف جدار من الصمت والمسافة.
مشاعره تجاه صبر التي تفجرت فجأة، جعلته في حالة من الارتباك الدائم.
بات يتجنبها، يتهرب من نظراتها ويختصر وجودها في حياته إلى أضيق الحدود.
حتى طقس القهوة الصباحي، الذي كان مساحتهم الخاصة للحديث، لم يعد كما كان.
يكتفي الآن بكلمة شكر مقتضبة دون أن يرفع عينيه عن أوراقه، تاركاً إياها تنسحب بصمت كما أتت.
صبر بقلبها الهادئ وحدسها النقي، لاحظت هذا التغيير.
لم يكن مجرد انشغال بالعمل، بل كان تجنبًا متعمدًا.
كانت تشعر بنظراته الخاطفة التي يسرقها عندما يظن أنها لا تراه، وتشعر بالمسافة التي يضعها بينهما كلما اقتربت.
آلمها هذا الجفاء، ليس لأنه سيدها، بل لأنه الشخص الذي فتح لها نافذة على عالم من الأفكار والكتب، وبدأ يمثل لها شيئًا أعمق لم تكن تعرف له اسمًا.
في إحدى الليالي وجدته جالسًا في الشرفة وحيدًا،
لا يقرأ ولا يعمل، فقط يحدق في ظلام الحديقة بشرود.
كان هذا هو الوقت المناسب.
ترددت للحظات، ثم استجمعت شجاعتها الهادئة وتوجهت نحوه.
وقفت على بعد خطوات منه، ولم تتحدث حتى شعر بوجودها والتفت.
"يا بيه..."
قال بصوت متجهم قليلاً، كمن تم إقلاقه من عزلة ضرورية.
"خير يا صبر؟ محتاجة حاجة؟"
اقتربت خطوة أخرى، وصوتها كان يحمل قلقًا حقيقيًا ورجاءً.
"أنا... أنا اللي عايزة أسأل. هو أنا عملت حاچة غلط ضايجت حضرتك؟"
نظر إليها بدهشة.
وعلى ضوء القمر الخافت لاحظ لأول مرة تفاصيل وجهها بوضوح لم يره من قبل.
ملامحها الهادئة والرقيقة، عيناها الواسعتان اللتان تحملان براءة وصفاءً نادرين.
الطريقة التي تعقد بها حاجبيها بقلق طفولي.
رأى فيها طيبة أصيلة وعفوية غير متكلفة.
في تلك اللحظة، شعر وكأن صورة فتاة أحلامه التي بحث عنها طويلاً ولم يجدها في ليلى، قد تجسدت أمامه في هذه الفتاة البسيطة.
تنهد وشعر بأن جدار دفاعه يتصدع.
"لأ يا صبر معملتيش أي حاجة غلط. المشكلة فيا أنا، مش فيكي."
قالت بإصرار لطيف تريد أن تفهم.
"بس حضرتك بتتچنبني ومبجتش بتتكلم معايا زي لول. لو في حاچة أنا جصرت فيها، جوللي وأنا أصلحها."
نظر إلى عينيها الصادقتين وقرر أن يمنحها جزءًا من الحقيقة مغلفًا بالغموض.
"أنتِ مقصرتيش بس أنا... في حاجة شغلتني. حاجة كنت فاكرها بسيطة وعادية، ومكنتش مديها أي اهتمام. ولما بصيت لها من زاوية تانية، لما ركزت فيها بجد... لقيتها أجمل وأعمق بكتير من كل الحاجات الكبيرة والمبهرة اللي كانت مالية عيني."
كان يتحدث عنها دون أن يذكر اسمها.
كان يصفها هي.
فهمت صبر ما يرمي إليه، أو على الأقل فهم قلبها.
لم تشعر بالخجل أو الارتباك، بل ردت بهدوئها ورومانسيتها الفطرية التي تشبهها.
"وساعات يا بيه... الحاجات البسيطة دي بتكون زي النچوم. طول ما نور المدينة والعالم كله شغال، محدش بياخد باله منها. بس لما الدنيا تضلم، والواحد يبجى لحاله... بيكتشف إن النور الحجيجي والهادي كان موچود طول الوجت في السما، مستني بس حد يطفي الأنوار المزيفة عشان يشوفه."
أذهلته مرة أخرى بكلماتها البسيطة، وصفت حالته بدقة مدهشة.
لقد كانت هي نجمته الهادئة، ولم يرها إلا عندما أطفأ أنوار علاقته الصاخبة والمزيفة بليلى.
كلماتها لم تكن مجرد رد، بل كانت لمسة حانية على روحه المضطربة، اعترافًا بأنها تفهمه، وتشعر به.
في تلك اللحظة، وهو ينظر في عينيها التي تعكس ضوء القمر، اعترف لنفسه بالحقيقة كاملة، دون تردد أو خوف.
لقد أحبها.
أحب هدوءها، وعمقها وروحها التي تشبه قصيدة جميلة.
لقد وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه، في المكان الذي لم يتوقع أبدًا أن يبحث فيه.
كان حائراً، ممزقاً بين قلبه الذي يضطرب لوجودها، وعقله الذي يخبره بمسؤوليته تجاهها.
لم يعد قادراً على تحمل بقائها في المنزل وسط هذه الفوضى من المشاعر، وفي الوقت ذاته، لم يكن ليقوى على إعادتها إلى والدها، ليدفع بها إلى جحيم يعرفه جيداً.
وفي صباح أحد الأيام، اخترقت سكون المنزل صرخة حادة ومذعورة.
كانت صرخة صبر.
قفز أكمل من فراشه فزعاً، وركض إلى أسفل السلم وقلبه يخفق بعنف.
كان المشهد في الصالة السفلية كفيلاً بتجميد الدم في عروقه.
كان حسان هناك، يمسك ابنته من ذراعها بعنف ويده الأخرى تهوي عليها بالضربات.
لم يفكر أكمل لثانية.
اندفع نحوهما كالريح، وأمسك بذراع حسان المرفوعة في الهواء بقوة، وأبعده عنها جاعلاً من جسده درعاً يحميها.
"إنت اتجننت؟ إزاي تمد إيدك عليها!"
سحب صبر لتقف خلف ظهره، ثم واجه حسان بغضب جامح.
"مالك ومالها؟ بتضربها ليه؟"
رد حسان بصوت عالي يملؤه الحقد والغل.
"الهانم چابتلي العار! فضحتني في البلد!"
سقطت كلمة "العار" على مسامع أكمل كالصاعقة.
التفت لا إرادياً إلى صبر التي كانت ترتجف خلفه، ومرت في عينيه نظرة شك خاطفة لم يستطع منعها.
رأت هي تلك النظرة، فهزت رأسها بنفي متكرر ودموعها تنهمر، وكأن شكه فيها كان أشد إيلاماً من ضربات أبيها.
استعاد أكمل رباطة جأشه، وعاد ببصره الحاد إلى حسان.
"فضحَتك في إيه؟ انطق قول السبب!"
صرخ حسان باحتقار وهو يشير بإصبعه إليهما معاً.
"البلد كلها بتتكلم بيجولوا إنها شغالة عند وكيل النيابة وبتبات في بيته لوحدها معاه. يعني إيه ده؟ يعني فيه بينكم حاچة عفشة."
هنا، انفجر بركان الغضب المكتوم في صدر أكمل.
لم يكن غضبه بسبب كلام الناس، بل بسبب دناءة هذا الأب الذي يتهم ابنته في شرفها بدلاً من أن يكون سندها.
"انت اتجننت ازاي تصدق كلام زي ده على بنتك."
نظر الرجل لأكمل بجانب عينيه وقال بخبث.
"الناس اللي بتجول، وكدة سمعتها بجيت في الحضيض ودي بنتمين اللي هيجبل يتچوزها بسمعتها دي."
انفعل أكمل اكثر منه.
تقدم منه خطوة، وأمسكه من ياقة جلبابه الرث بقوة.
"اطلع بره بيتي ولو شفت وشك هنا تاني أو قربت منها، قسماً بالله لادفنك مكانك."
دفعه أكمل بكل قوته نحو الباب وطرده، ثم أغلقه خلفه بعنف محدثاً صوتاً مدوياً تردد في أرجاء المنزل الذي عاد ليسكنه صمت ثقيل.
ثم نظر إلى صبر وقال بأنفعال.
"واقفة كدة ليه يلا على جوه."
انصرفت صبر وهي تخفي وجهها بين كفيها ودلفت الغرفة تبكي بشدة.
❈-❈-❈
لم يبتلع حسان إهانة طرده بسهولة.
خرج من منزل أكمل والغضب والحقد يأكلان قلبه، لا على نفسه أو على ما فعله، بل على أكمل الذي تجرأ وواجهه.
في عقله الملتوي، لم يكن هو المخطئ، بل أكمل الذي أخذ ابنته ولطخ سمعتها وسمعته.
وبدلاً من العودة إلى بيته خائباً، قادته قدماه وخبثه إلى وجهة أخرى.
إلى سرايا الحاج وهدان باحثاً عن مالك.
كان يعلم أن مالك هو الصديق المقرب لـ أكمل، وأن كلمته مسموعة في البلد كلها.
وجد مالك يهم بالخروج من السرايا متجهاً إلى سيارته.
ركض حسان نحوه بخطى متخاذلة، ورسم على وجهه قناع الأب المكلوم والمقهور.
"مالك بيه... يا مالك بيه، الحجني ربنا يخليك."
توقف مالك ونظر إليه باستغراب، محاولاً تذكر من أين يعرف هذا الوجه.
"خير؟ أنا أعرفك؟"
"أنا حسان يا بيه... أبو صبر البنت اللي شغالة عند أكمل بيه صاحبك."
تغيرت ملامح مالك على الفور إلى الاهتمام.
"أهلاً... خير؟ فيه حاچة حصلت؟"
بدأ حسان في وصلة من التمثيل المتقن، يضرب كفاً بكف ويتحدث بصوت باكي.
"يا بيه أنا أب ومحروج على بتي. وديتها تشتغل عند صاحبك عشان أسترها وأكلها لجمة حلال، يجوم هو يفضحني بيها في البلد؟ الناس كلها بتاكل في وشي، وفي وش بنتي. كلام يهد جبال يا بيه."
قطب مالك حاجبيه، وبدأت نبرته تتغير إلى الحده.
"كلام إيه ده؟ وضح كلامك. أكمل راچل محترم وميعملش حاچة غلط."
"محترم إزاي بس يا بيه وهو سايب بنتي جاعدة لحالها في بيت واحد لوحدهم ليل نهار؟ البلد كلها بتتكلم عليهم وبيجولوا كلام عفش."
"أنا روحت له النهاردة عشان آخد بنتي وأسترها، جام طردني وبهدلني وهددني كمان. عشان إيه؟ عشان بدافع عن شرفي وشرف بتي؟"
انفعل مالك بشدة، لم يستطع تحمل هذا الاتهام الصريح في حق صديقه الذي يعرفه حق المعرفة.
"إنت بتجول إيه يا راجل إنت! إنت عارف بتتكلم عن مين؟ أكمل أشرف من الشرف، وهو اللي لم بتك من الشوارع بعد ما إنت رميتها وجاي دلوجتي تتكلم على شرفها معاه هو؟"
ارتعب حسان من غضب مالك لكنه أكمل دوره.
"يا بيه أنا راجل غلبان، والناس كلامها زي السكاكين. أنا عايز بتي، عايز ألمها في حضني جبل ما الفضيحة تكبر."
صمت مالك للحظة، ورغم غضبه الشديد من حسان ودفاعه عن صديقه، إلا أن كلامه عن "ثرثرة البلد" لم يكن جديداً على مسامعه.
بالفعل، كان قد سمع بعض الهمسات واللمز من بعيد في الأيام الماضية، لكنه لم يعرها اهتماماً، معتبراً إياها مجرد أحاديث فارغة من أناس لا عمل لهم.
لكن وصول الأمر إلى هذا الحد، ووقاحة الأب في استخدامها كسلاح، يعني أن المشكلة أصبحت حقيقية ويجب التعامل معها.
تنهد مالك محاولاً السيطرة على انفعاله، ونظر إلى حسان بصرامة.
"اسمع، أنا لا بصدجك ولا بصدج حرف من اللي بتجوله على أكمل. بس موضوع كلام الناس ده أنا هتصرف فيه. روح إنت دلوجت، والموضوع ده هيخلص."
أومأ حسان برأسه وقد شعر بانتصار جزئي، فقد نجح في زرع الشك وإيصال المشكلة لمن هو صديق لـ أكمل.
انصرف وهو يخبئ ابتسامة ماكرة، بينما وقف مالك في مكانه، يفكر بجدية في هذه الورطة التي وقع فيها صديقه، والتي يبدو أنها لن تُحل إلا بطريقة واحدة.
❈-❈-❈
بعد أن انصرف حسان لم يذهب مالك إلى وجهته كما كان يخطط.
استدار وركب سيارته، وقادها مباشرة نحو منزل أكمل.
كان يعلم أن هذه المواجهة ستكون صعبة، وأن صديقه عنيد وكبرياؤه مجروح، لكن لم يعد هناك مجال للتأجيل.
السمعة في بلاد الصعيد كعود الكبريت، إن اشتعلت، أحرقت كل شيء.
وجد أكمل يجلس في شرفة منزله، شارداً وبجانبه فنجان قهوة لم يمسه.
كان واضحاً أن ما حدث في الصباح قد ترك أثراً عميقاً فيه.
رفع أكمل عينيه حين رأى سيارة مالك تتوقف، وقف ليلقاه عند الباب.
شعر بالقلق عندما رأى تجهمه.
"مالك؟ خير فيه حاجة؟"
لم يرد مالك على الفور، بل دخل وجلس في الصالة منتظراً أن يغلق أكمل الباب ويجلس أمامه.
كانت ملامح مالك الجادة تنذر بحديث ثقيل.
جلس أكمل قبالته فقال مالك دون مقدمات.
"أبوها كان عندي من شوية."
تنهد أكمل بضيق وأشاح بوجهه.
"جه يكمل تمثيليته عندك؟ الراجل ده معندوش دم."
"سيبك منه هو دلوجت. المشكلة مش فيه. المشكلة في اللي جاله، واللي للأسف طلع حجيجي."
نظر إليه أكمل باستفهام، فعاد مالك ونظر في عينيه مباشرة بجدية.
"يا أكمل، البلد كلها بتتكلم. أنا نفسي سمعت كلام من ده كام مرة اليومين اللي فاتوا وهزيت دماغي وطنشت، جلت كلام فارغ وهيروح لحاله. بس الموضوع كبر يا أكمل. كلام الناس مبجاش همس، بجى كلام عالي وواضح."
انتفض أكمل واقفاً، وتحرك في الغرفة بغضب مكتوم.
"يتكلموا! يقولوا اللي يقولوه! أنا معملتش حاجة غلط عشان أخاف من كلام حد. أنا سترت بنت كان أبوها رماها ليا، هي دي غلطتي؟"
جلس مالك ثابتاً في مكانه، يتحدث بهدوء حازم ليخترق غضب صديقه.
"الغلطة مش في النية يا أكمل، النية يعلمها ربنا. الغلطة كانت في الأول خالص، لما وافجت إنها تجعد هنا لوحدها معاك. إحنا في بلد صعايدة، مش في القاهرة. إنت خابر أصولنا وخابر الناس بتفكر كيف. اللي حصل ده مينفعش، والكلام اللي بيتجال ده لو فضل اكده هيچيب مصايب."
صرخ أكمل بعجز.
"أعمل إيه يعني؟ أرميها في الشارع عشان كلام الناس يخلص؟ أرجعها لأبوها اللي كان بيضربها من شوية؟"
اقترب منه مالك ووضع يده على كتفه، مجبراً إياه على التوقف والنظر إليه.
كانت هذه هي اللحظة الحاسمة.
"فيه حل واحد يا أكمل. حل هيقطع لسان كل واحد بيتكلم، وهيحفظ كرامتك وكرامتها."
صمت أكمل ونظر إليه بترقب، كأنه يخشى سماع ما سيقوله مالك.
"تتچوزها."
سقطت الكلمة بينهما كحجر ثقيل.
اتسعت عينا أكمل بصدمة ورفض، وابتعد عن مالك خطوة.
"إنت بتقول إيه؟ أتجوزها؟ إنت اتجننت؟"
رد مالك بنفس الحزم.
"أنا عاجل أكتر منك دلوجت. ده الحل الوحيد اللي هينهي المهزلة دي. هتكتب عليها، وبكده تجفل أي باب للكلام. هتبجى مراتك جدام ربنا والناس كلها، ومحدش هيجدر يفتح بقه بحرف. إنت حطيت نفسك في الموجف ده يا أكمل، ودلوجت لازم تنهيه بنفسك بالطريجة الصح."
كانت صبر في المطبخ، تعد فنجان قهوة لتهدئ أعصاب أكمل بعد العاصفة التي أحدثها والدها.
يداها كانتا ترتجفان قليلاً وهي تصب القهوة الساخنة.
حين سمعت صوت سيارة مالك ثم دخوله، توقفت مكانها.
لم تشأ أن تخرج وتقاطع حديثهما، فبقيت في مكانها، لكن جدران المنزل لم تكن سميكة بما يكفي لتحجب عنها أصواتهما التي بدأت تعلو تدريجياً.
في الصالة، كان أكمل يواجه اقتراح مالك برفض قاطع، وشعور بالحنق والغضب يسيطر عليه.
"أتجوزها؟ إنت فاهم إنت بتقول إيه يا مالك؟ ده جواز مش لعبة، أتجوز واحدة عشان أسكت الناس؟"
وقف مالك أمامه ثابتاً كالصخر لا يتزحزح عن موقفه.
"ولما هى مش لعبة كان إيه اللي خلاك تسيبها جاعدة في بيتك كل ده؟ إنت خابر إن اللي زي ده يعتبر چواز عرفي عند أهل البلد، إنت اللي حطيت نفسك وحطيتها في الخانة دي. ودلوجت لازمن تكمل للآخر يا إما سمعتها هتتمرمط في الوحل، وإنت أول واحد هتتلام."
مرر أكمل يده في شعره بعنف، علامة على حيرته ويأسه.
"أنا عملت كده عشان إنسانة ضعيفة وملهاش حد. عملت كده عشان أحميها من أب جاحد. هو ده جزاتي؟ إني أتدبس في جوازة لا على البال ولا على الخاطر؟"
في المطبخ، كانت كل كلمة تنزل على قلب صبر كضربة سكين.
"أتدبس في جوازة".
شعرت بالاختناق، وكأن الهواء قد سُحب من رئتيها.
استندت على الحائط حتى لا تسقط، والدموع الحارة تنزل على خديها بصمت.
لقد كانت تسمع حكم الإعدام على كرامتها.
هي "ورطة"، "دبسة"، ثمن يجب أن يدفعه أكمل ليحافظ على سمعته.
عاد صوت مالك الحازم ليخترق أفكارها المؤلمة.
"يا أكمل فوج، الموضوع مبجاش يخصك لوحدك، بجى يخصها هي كمان. سمعة البنت دي في رجبتك، لو خرچت من البيت ده دلوجت من غير صفة رسمية، هتبجى "اللي كانت جاعدة عند وكيل النيابة واتطردت بعد ما شبع منها". محدش هيرحمها ولا حد هيصدج برائتها. هتفضل طول عمرها شايلة العار ده. إنت عايز ده يحصل؟ عايز تبجى السبب في دمار مستجبلها بالكامل؟"
ساد صمت طويل وثقيل في الغرفة.
كان أكمل يتنفس بصعوبة، يصارع كبرياءه ورفضه المنطقي للفكرة من جهة، وشعوره بالمسؤولية وصوت ضميره من جهة أخرى.
كان مالك على حق.
لقد وضعها في هذا المأزق، وعليه أن يخرجها منه.
أخيراً، تحدث أكمل بصوت مهزوم، صوت رجل لم يعد يملك خيارات.
"والمفروض أعمل إيه دلوقت؟ أروحلها أقولها تعالي نتجوز عشان الناس تبطل كلام؟"
"هتروحلها وتفهمها الموقف بهدوء. هتقولها إن ده الحل الوحيد عشان تحافظ على كرامتها وتحميها من كلام الناس ومن أبوها. ده مش جواز حب وغرام يا أكمل، ده جواز سترة وحماية. وبعدين لما الدنيا تهدى لكل حادث حديث."
في المطبخ لم تعد صبر قادرة على تحمل المزيد.
غطت فمها بيدها لتكتم شهقة كادت أن تفلت منها.
لقد سمعت ما يكفي.
سمعت كيف يرونها، مجرد مشكلة تحتاج إلى حل، صفقة يجب أن تتم من أجل "السترة".
ببطء، وبخطوات خافتة كالأشباح استدارت وتسللت عائدة إلى غرفتها الصغيرة، تحمل معها إحساساً بالمهانة أشد ألف مرة من صفعات والدها.
❈-❈-❈
عاد مالك إلى المنزل لكنه لم يقو على الدخول.
كان يشعر بضيق شديد يطبق على صدره، ليس فقط بسبب ورطة صديقه، بل بسبب ثقل المسؤولية التي شعر بها فجأة.
كيف يمكن لكلمات الناس أن تدمر حياة بأكملها بهذا الشكل؟
وقف في حديقة القصر، يستنشق هواء المساء العليل، لعله يزيح عن كاهله بعض الهم.
فجأة شعر بحركة خلفه.
خطوات كانت هادئة مترددة تحمل غرضًا وقصدًا.
استدار ليجد روح تقف على بعد خطوات قليلة، لكن نظراتها لم تكن تحمل قلقًا، بل كانت تحمل عتابًا حارقًا، عتابًا صامتًا كان أعلى من أي صراخ.
"مالك..."
قالت اسمه، وكانت نبرتها تحمل من الألم والاتهام ما يكفي لهدم جبال.
اقتربت منه، وتوقفت أمامه مباشرة.
عيناها الجميلتان تلمعان بدموع مكبوتة.
"ليه؟"
لم تكن تسأل عن سبب وقوفه هنا، بل كانت تسأل عن كل شيء.
عن سنوات الصمت، عن المسافة، عن القلب الذي تُرك وحيدًا.
تفاجئ مالك بنبرتها، وقال بارتباك.
"روح... فيه إيه؟"
تتحدثت بحزن وألم واتهام وهي تتقدم منه خطوة أخرى.
"لو كنت جلت كلمة واحدة بس من اللي كان في عينيك، مكنش كل ده حصل."
رمش مالك بعينيه لا يستوعب ما تقصده.
"لو مكنتش سيبتني وهربت في أكتر وجت كنت محتچالك فيه مكنش كل ده حصل."
قطب جبينه بحيرة اكتر وهو يخشى ما وصل لفهمه، تابعت بألم أشد.
"أنت عارف عملت فيا إيه بصمتك ده؟"
تجمعت الدموع أكثر بعينيها التي تحمل عتاب قاسي.
"دمرت حبي ليك. وخلتني اهرب منك لغيرك."
أخذت نفس عميق تهدئ به من روعها.
"سبت الكل بيجولي "مالك هو اللي مربيكي" "مالك هو عوضك عن أبوكي". خلتني صدجتهم... أو اضطريت أصدجهم، لأنك ولا لحظة بينت عشجك ليا، اللي كنت بشوفه في عينك. كان حب أخوي أجرب للأبوة، وده كان بيجتلني. لجأت لعدي لإن مكنش فيه غيره جدامي، جلت يمكن لما أحب حد تاني، أجدر أجتل اللي چوايا ناحيتك، أجدر أجنع نفسي إن اللي حاساه ده مجرد حب أبوي مش أكتر. كنت بحمي نفسي من حب كنت فكراه مرفوض، حب كنت خايفة منه."
نظر إليها مالك بصدمة وألم، حاول أن يتحدث.
"روح، اسمعيني..."
قاطعته بحدة، والدموع بدأت تسيل على خديها.
"أسمع إيه؟ أسمع مبرراتك اللي دمرتني؟"
قطبت جبينها بقهر.
"كنت فين لما كنت محتاچالك؟ كنت فين وأنا بتچوز واحد كنت فاكرة أنه معاي وهو جلبه مع غيري؟ أنت بعّدت نفسك عني، بنيت بينا سور خليتني أحس إني لوحدي في الدنيا دي كلها. لو كنت صرحتني... لو كنت بس اديتني أمل... كانت كل حاچة هتختلف. كنت هستناك العمر كله بس أنت اخترت تسيبني، وأنا دلوجت اللي بدفع التمن. أنت السبب في الحياة الصعبة اللي عيشتها، وفي كل دمعة نزلت مني وأنا بعيدة عنك."
لم تعد تحتمل انهمرت دموعها بغزارة، وفي لحظة انهيار كامل، فعلت ما كان قلبها يصرخ به.
رمت بنفسها على صدره، ليس كحبيبة تبحث عن أمان بل كطفلة جريحة تضرب مصدر ألمها.
بدأت تضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره بوجع وقهر.
"ليه... ليه عملت فيا وفيك اكده... ليه..."
لم يمنعها تركها تفرغ كل غضبها وألمها.
لم يستطع احتوائها بذراعيه، ويمتص صدماتها وشهقاتها، لم يقوى على فعلها فمازالت بينهم حدود لا يتجرأ على تعديها.
شعر بقلبه يتمزق لأجلها ولأجل نفسه.
همس في أذنها بصوت مكسور يملؤه الندم.
لم يصدق أنها تعترف بحبها تعاتبه به.
"مكنتش اعرف، كنت خايف أكون بجبرك."
هزت راسها بألم في حضنه.
"كنت حربت عشاني.."
"خوفت... خوفت عليكي مني، خوفت أكون أناني. كنت بشوفك بتكبري جدامي، وكنت بجول لنفسي "مينفعش... دي أمانة واصغر منك". كنت بحارب نفسي كل يوم عشانك. بُعدي مكنش تخلي، ده كان حماية ليكي من حبي اللي كنت فاكره غلط، كنت غلطان... أنا آسف يا روح... آسف على كل لحظة ألم عيشتيها بسببي."
تمتمت روح من بين دموعها.
"ليه حرمتني من إني أعرف؟ ليه سبتني أتعلج بوهم، وأنت حبك كان هو الحجيجة الوحيدة اللي المفروض أعيشها؟"
وجد صوته يخرج أجشاً ومتحشرجاً من الألم.
"عشان كنت فاكرك بتحبي أخويا."
نظرت إليه بصدمة وهو يهرب بعينيه منها، كأنه لا يستطيع مواجهة ألمها.
"كنت بشوفك وإنتي بتضحكي معاه، بتهتمي بيه. كنتي لسة صغيرة طفلة، وهو كان قريب من سنك، كنتي بتشوفيني الراجل الكبير، ابن عمك. مكنتش شايف في عينيكي غير صورة الأخ الكبير."
ابتعد عنها خطوة كي لا يتعذب بقربها أكثر من ذلك وصوته أصبح همساً مليئاً بالأسف.
"وبعدين... كنتي صغيرة أوي يا روح، وأنا كنت أكبر منك بـ 12 سنة. خوفت عليكي من نفسي، خوفت لو اعترفتلك بحبي أكون بستغل طفولتك، أكون بسرق براءتك. خوفت أكون أناني. كان قراري إني أسافر هو الحل الوحيد. قلت لنفسي أسيبك تكبري، تعيشي حياتك، ولو لسة ليكي نصيب معايا، القدر هيجمعنا."
نظرت إليه بدموعها التي أصبحت تنهمر بغزارة.
"وهربت... وسيبتني."
أمسك وجهها بين يديه الكبيرتين برفق، ومسح دموعها بإبهاميه.
"هربت بجسمي بس، لكن قلبي فضل هنا معاكي. مفيش يوم عدى وإنتي مش في بالي، مفيش ليلة نمتها من غير ما أدعي ربنا يحفظك. كنت بتابع أخبارك من بعيد، وبشوف صورك وحبك كان بيزيد، مبيجلش لحظة، كان بيكبر معاكي. كل سنة بتعدي كان حبي ليكي بينضج وبيكون أعمق. كنت مستني... مستني بس إشارة واحدة منك، كنت هرمي كل حاچة وأرچع في نفس اليوم."
ظلت تبكي حتى استنفدت كل طاقتها، وهدأ جسدها المرتجف.
أبعدها برفق، ومسح دموعها بأنامله، ونظر في عينيها مباشرة، بعمق لم يجرؤ عليه من قبل.
"أنا عارف إن الكلام مش هيصلح اللي فات. بس اللي چاي لسه في إيدينا. أنا مش هسيبك تاني... أبدًا."
أمسك يدها برفق، وشعر بارتجافة خفيفة سرت في جسدها.
لم يعد هناك مجال للتردد أو الخوف.
"روح..."
قالها بصوت يحمل كل صدق العالم.
"تتچوزيني؟"
لم يمنحها فرصة للرد، بل أكمل وهو يشد على يدها، وعيناه تتوسلان إليها.
"تتچوزيني يا روح؟ تجبلي تبجي كل حاچة في حياتي؟....."
❈-❈-❈
بعد أن غادر مالك، بقى أكمل وحيداً في الصالة، يطوف بها ذهاباً وإياباً كوحش حبيس في قفص.
كان يشعر بالغضب والعجز، وبمرارة الظلم.
كيف تحول عمل نبيل أراد به الستر والمساعدة إلى فخ يطبق على عنقه؟
لم يكن غاضباً من مالك، فصديقه كان منطقياً وعقلانياً، بل كان غاضباً من الظروف، من الناس، ومن نفسه التي ورطته في هذا المأزق.
لن يقبل والداه بتلك الزيجة، وهو لم يكن عاقًا لهم أبدًا.
وإن علموا ما حدث فلن يقبلوا بذلك.
لم يعد يحتمل هذا الصراع الداخلي وحده.
توقف في منتصف الغرفة، وبصوت عالٍ وحاد يفتقر إلى أي لمسة حنان، نادى عليها.
"صبر!"
بعد لحظات، ظهرت عند مدخل الصالة.
كانت شاحبة، وعيناها تحملان نظرة منكسرة وفارغة، كأن روحها قد غادرت جسدها.
لم تقل شيئاً، فقط وقفت تنتظر.
نظر إليها أكمل بحدة، لم يكن يراها كإنسانة جريحة في تلك اللحظة، بل كتجسيد للمشكلة التي يواجهها.
لم يقبل ان يفرض عليه شيء حتى لو كان يريده.
"طبعاً سمعتي كل حاجة مش كده؟"
لم تجب بكلمة، فقط أومأت برأسها إيماءة بطيئة ومؤلمة.
هذا الإقرار الصامت زاد من انفعاله.
"كويس يبجى وفرتي عليا الشرح."
قالها بسخرية لاذعة وهو يشير بيديه.
"زي ما سمعتي، مفيش حل تاني للمصيبة دي غير اللي قاله مالك عشان كلام الناس وعشان سمعتك اللي بقت في الأرض بسببي وعشان أخلص من قرف أبوكي ده... لازم نتجوز!"
كانت كل كلمة تخرج من فمه كصفعة على وجهها.
مصيبة.
قرف.
شعرت بإهانة عميقة تجتاحها، إهانة جعلت دموعها حبيسة في عينيها، رافضة أن تمنحه متعة رؤية ضعفها.
أكمل هو بانفعال، غير آبه بصمتها أو بنظراتها الجريحة.
"أنا عارف إن حاجة زي دي صعبة ومستحيلة، وصعبة عليا أنا كمان، يمكن أكتر منك بس أنا مضطر. مضطر أعمل كده عشان أخرس كل لسان بيتكلم في البلد دي!"
اقترب منها، ونظر إليها مباشرة وكأنه يملي عليها شروط صفقة تجارية بغيضة.
"اسمعي كويس. إحنا هنتجوز جواز على الورق وبس. مجرد فترة لحد ما القصة دي تموت والناس تنسى. ولما أقرر أرجع مصر وأرجع شغلي هناك، كل واحد فينا هيروح لحاله. هطلقك، وساعتها تكوني حرة تعملي اللي إنتي عايزاه. مفهوم؟"
وقف ينتظر منها رداً.
أي رد.
لكن صبر ظلت صامتة، جامدة كتمثال من حجر.
في داخلها، كانت كل بقايا الأمل أو المشاعر الدافئة التي حملتها له يوماً ما، تتحطم وتتحول إلى رماد.
لقد حكم عليها ليس فقط بزواج مهين، بل حدد له تاريخ انتهاء صلاحية، مؤكداً لها أنها مجرد مرحلة مؤقتة ومزعجة في حياته سيتخلص منها في أقرب فرصة.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رانيا الخولي
بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
كانت هذه هي الكلمات الأخيرة التي نطق بها المأذون، لتعلن رسمياً عن عقد قران أكمل وصبر.
ما إن انتهى الرجل من دعائه، حتى سحب أكمل يده من يد حسان بضيق واضح، وكأنه لُدغ للتو. لم يطق حتى النظر في وجه الرجل الذي ابتسم ابتسامة صفراء عريضة، ابتسامة المنتصر الذي فرض شروطه ونجح في مسعاه.
كان الحضور قليل، اقتصر على مالك وبعض كبار العائلة الذين استدعاهم حسان ليكونوا شهوداً، في كتابة العقد ليضمن ثباته.
"ألف مبروك يا أكمل بيه."
"مبروك يا ولدي."
كان أكمل يرد بكلمات مقتضبة ورأس مثقل، بينما وقف مالك بجانبه، يربت على كتفه بين الحين والآخر، كأنه يقول له "أنا أشعر بك، لكن هذا كان ضرورياً".
بعد أن انفض الجمع وغادر آخر المهنئين، بمن فيهم حسان الذي خرج وكأنه يمتلك الدنيا، ساد صمت ثقيل في المنزل. لمح أكمل صبر تجلس في زاوية بعيدة من الصالة، منكمشة على نفسها، ورأسها مطأطئ. كان الحزن يلفها كوشاح أسود، وبدت أصغر وأكثر هشاشة من أي وقت مضى.
للحظة شعر بوخزة حادة من الندم. لقد جرحها أهانها بكلماته القاسية وبطريقته الفظة في عرض هذا الزواج. كان يعلم أنه بالغ في ردة فعله، لكنه كان غاضباً ومضغوطاً. والآن، وهو يراها في حالة الانكسار هذه، أدرك حجم الأذى الذي سببه لها.
نهضت صبر بهدوء، وبدأت تتحرك بخطى وئيدة نحو غرفتها الصغيرة الملحقة بالدور الأرضي.
سألها أكمل بصوت أكثر هدوءاً من ذي قبل.
"رايحة فين؟"
أجابت بصوت خافت دون أن تلتفت إليه.
"رايحة أوضتي."
تنهد أكمل وقال بنبرة تحمل أمراً خفياً.
"لأ. مينفعش تنامي فيها بعد النهاردة."
توقفت مكانها، واستدارت نحوه ببطء، وعيناها تسأله بصمت عن معنى كلامه.
"إنتي خلاص بقيتي مراتي."
أكمل وهو يشير إلى الطابق العلوي.
"اطلعي فوق، اختاري أي أوضة من الأوض الفاضية، انما دي مينفعش تبقى أوضتك بعد النهاردة."
كانت هذه أول بادرة منه للاعتراف بوضعها الجديد، لكن بالنسبة لصبر، لم تكن الكلمات لتداوي الجرح العميق الذي حفره في كرامتها. أومأت برأسها بصمت، وبداخلها كان شيء ما يتبدل. لقد أهانها، عاملها كصفقة بغيضة كحل مؤقت لمشكلة. لن تنسى إهانته، لكنها لن تواجهه بالدموع والضعف. ستواجهه بقوتها الخاصة. ستجعله يرى ما لم يكن يراه، ستجعله يندم على كل كلمة قالها.
صعدت إلى الطابق العلوي، وفي كل خطوة كانت ترسم خطة جديدة. ستكمل تعليمها، ستذهب إلى الجامعة التي حُرمت منها. ستظهر له صبر الأخرى الواثقة، المتعلمة الجميلة. ستجعله يرى الجوهرة التي عاملها كحجر عادي.
وبالفعل في صباح اليوم التالي، حين كان أكمل يستعد للذهاب إلى عمله، وجدها تنتظره في الصالة. لم تكن ترتدي ملابسها المنزلية البسيطة، بل كانت ترتدي ملابس أنيقة ومحتشمة، وتحمل في يدها الكتب التي طلبها إليها. كانت تبدو مختلفة، أكثر إشراقاً وكأن نوراً داخلياً قد أضيء فجأة.
قالت ببساطة.
"أنا جاهزة."
نظر إليها باستغراب.
"جاهزة لإيه؟"
"للچامعة النهاردة أول يوم ليا وحضرتك اللي هتوصلني."
وقف أكمل متفاجئاً للحظات. لقد نسي أمر جامعتها تماماً. نظر إليها مرة أخرى، لكن هذه المرة بتمعن. رأى جمالاً هادئاً لم يلتفت له من قبل، ورأى في عينيها بريقاً من التحدي والإصرار لم يره فيهما أبداً. وشعر لأول مرة، بشيء غريب تجاهها... شيء يشبه الفضول، وربما... بداية الاهتمام.
***
بدأ نور خافت يتسلل إلى أركان القصر الذي طالما غلفه الحزن. كان هذا النور ينبعث بشكل خاص من جناح "سند" و"وعد". حبهما الذي وُلد من رحم الألم، أزهر ليصبح ملاذاً دافئاً لكليهما.
كان سند عائداً إلى غرفتهما، ليجد وعد تنتظره على غير عادتها. لم تكن تجلس شاردة، بل كانت تقف في منتصف الغرفة وعلى وجهها ابتسامة غريبة مزيج من الخجل والترقب، وفرحة تكاد تفيض من عينيها.
قال سند وهو يقترب منها ليحتضنها.
"وحشتيني."
لكنها أوقفته بيدها برفق.
وقالت بصوت هامس.
"استنى، فيه حاجة عايزة أجولهالك."
عقد حاجبيه بقلق مصطنع.
"خير؟ عملتي مصيبة إيه تاني؟"
ضحكت وعد ضحكة رنّانة، ضحكة لم يسمعها منذ وقت طويل بهذا الصفاء. أمسكت يده ووضعتها برفق على بطنها بخجل.
نظر إليها سند باستفهام، لم يفهم مقصدها بعد.
قالت وعيناها تلمعان بدموع الفرح.
"أنا حامل."
تجمد سند في مكانه للحظة وكأن العالم كله قد توقف. نظر من عينيها إلى يده المستقرة على بطنها، ثم عاد إلى وجهها مرة أخرى، كأنه يتأكد من أن ما سمعه حقيقي.
"حامل؟"
كرر الكلمة بصوت خافت، كأنه يتذوقها لأول مرة.
أومأت وعد برأسها والدموع تسيل على خديها.
في تلك اللحظة، انفجرت فرحة سند التي لم يكن لها مثيل. رفعها بين ذراعيه ودار بها في الغرفة وهو يضحك بصوت عالي، ضحكة صافية وقوية تردد صداها في المكان.
"بحبك بحبك يا وعد، ياه أحلى خبر في الدنيا!"
أنزلها برفق وعاد ليحتضنها بقوة، هامساً في أذنها.
"هتجيبيلي حتة منك ومني هتملي البيت ده حياة من تاني."
كانت فرحة عارمة فرحة حقيقية طال انتظارها. لأول مرة منذ شهور، شعر سند بأن السعادة ليست مجرد ذكرى بعيدة، بل هي واقع يعيشه ومستقبل ينتظره.
لم يطيق احد منهم الصبر. انتشر الخبر في القصر كانتشار النار في الهشيم. الحاج وهدان لم تسعه الفرحة، وورد رغم حزنها الذي لم يغادر قلبها على ابنها عدي إلا أن خبر حفيدها القادم كان كبلسم شافي رسم على وجهها أول ابتسامة صادقة منذ وقت طويل. لقد أخرجها حمل ابنتها قليلاً من قوقعة أحزانها، وأعطاها سبباً جديداً لتتمسك بالحياة.
وفي وسط هذه الأجواء السعيدة، وأثناء تجمع العائلة في المساء، وجد مالك أنها اللحظة المناسبة. لقد انتهت عدة روح بالأمس، ولم يعد هناك ما يمنعه.
وقف مالك بثقة وهدوء، ونظر إلى جده ثم إلى الجميع.
"بما إن الفرح رجع بيتنا تاني، حبيت أكمله."
التفتت إليه كل الأنظار.
"جدي، وابوي وعمي... بعد إذنكم جميعاً، وبما إن العدة خلصت... أنا بطلب إيد روح على سنة الله ورسوله."
ساد صمت مهيب للحظات، ثم تهللت الوجوه. كانت روح تجلس وقد تورد خداها، لكنها لم تخفض عينيها، بل نظرت إلى مالك بامتنان وحب. فمنذ المواجهة التي حدثت بينهم وكل واحد منهم يمنع نفسه عن الآخر حتى تنتهي شهور العدة. فرحت ورد من أجل مالك ابنها، ومن أجل روح التي تستحق السعادة. ورغم أن ذكرى ابنها لا تزال تؤلمها، إلا أنها رأت في هذا الزواج بداية جديدة وصحيحة للجميع.
نظر الحاج وهدان إلى روح وسألها بصوت حنون.
"إيه رأيك يا بنتي؟"
أومأت روح برأسها موافقة بخجل، واخيرا عادت الحياة لذلك المنزل، معلنة أن الفرح حين يقرر أن يطرق باباً، فإنه يفتحه على مصراعيه.
***
كانت بوابات الجامعة عالماً جديداً ومختلفاً تماماً عن كل ما عرفته صبر. عالم واسع صاخب، ومليء بالوجوه الغريبة عنها. بعد أن أوصلها أكمل بسيارته.
أخرج هاتفه من جيبه وقال.
"خليه معاكي لما تخلصي رني عليا."
أومأت له بصمت ثم تركها وغادر بعد بضع كلمات مقتضبة، وجدت نفسها وحيدة في هذا الزحام.
أنهت محاضرتها الأولى بصعوبة، بالكاد استوعبت ما قاله الدكتور، فقد كان عقلها مشغولاً بمحاولة التكيف مع هذا المكان الضخم. والآن، وهي تقف في وسط الساحة الرئيسية للكلية، تمسك بجدول المحاضرات في يدها وترمقه بنظرة تائهة، شعرت بالضياع التام. أين هو المدرج رقم (ج)؟ وهل لديها وقت كافي للوصول إليه قبل بدء المحاضرة التالية؟
كانت حيرتها وارتباكها واضحين لدرجة أنها لفتت انتباه فتاة كانت تقف على مقربة منها، تتحدث مع مجموعة من صديقاتها. كانت فتاة جميلة بشكل ملفت، ذات ملامح رقيقة وشعر أسود طويل ينسدل على كتفيها، ويبدو من ثقتها بنفسها أنها ليست غريبة عن هذا المكان.
لاحظت الفتاة نظرات صبر الحائرة، فاعتذرت من صديقاتها واقتربت منها بابتسامة ودودة.
"شكلِك أول يوم ليكي هنا، صح؟"
رفعت صبر رأسها متفاجئة من لطفها، وأجابت بصوت خافت مرتبك.
"ايوة... أول يوم."
اتسعت ابتسامة الفتاة وهي تمد يدها لتصافحها.
"أنا ليان متقلقيش، كلنا كنا كده في الأول وريني جدولك أشوف أقدر أساعدك إزاي."
شعرت صبر بارتياح فوري تجاهها. ناولت ليان الجدول، فألقت عليه نظرة سريعة.
"اااه، محاضرة دكتور شوقي دي في المدرج اللي في آخر المبنى هناك."
قالت وهي تشير بيدها.
"متخافيش، لسه فاضل ربع ساعة هنلحق نوصل براحتنا تعالي معايا، أنا كمان عندي محاضرة في نفس المبنى."
وبينما كانتا تمشيان جنباً إلى جنب، بدأت ليان في كسر حاجز الصمت والارتباك.
"على فكرة، نظام الحضور هنا مريح جداً يعني لو مش عايزة تيجي كل يوم، مش لازم أهم حاجة تحضري يوم في الأسبوع عشان العملي والسكاشن، والباقي ممكن تتابعينه أونلاين من البيت لو تحبي المحاضرات كلها بتتسجل وبتترفع على موقع الكلية."
كانت هذه المعلومة بمثابة طوق نجاة لـ صبر. فكرة أنها لن تضطر لمواجهة أكمل وطلب توصيلها كل يوم أراحتها كثيراً.
"بجد؟ ده كويس أوي."
"طبعاً." أكملت ليان بحماس. "أنا عن نفسي بحب أجي عشان صحباتي، لكن فيه أيام بكسل وبحضر من البيت عادي إنتي في سنة كام؟"
"سنة أولى أنا كنت مأجلة... لظروف."
قالتها صبر بتحفظ، لكن ليان لم تضغط عليها أو تسألها عن تفاصيل، بل تفهمت الأمر ببساطة.
"ولا يهمك، المهم إنك رجعتي ولو احتجتي أي حاجة أي ملازم، أو أي سؤال اعتبريني أختك ده رقمي، كلميني في أي وقت."
وصلتا إلى المدرج، ووقفت ليان معها حتى تأكدت أنها دخلت القاعة الصحيحة قبل أن تذهب، ابتسمت لها مرة أخرى.
"مبسوطة إني اتعرفت عليكي يا صبر."
"وأنا كمان يا ليان. شكراً ليكي بجد."
في تلك اللحظة، شعرت صبر لأول مرة منذ وقت طويل بأنها ليست وحيدة تماماً. لقد وجدت صديقة، شعاعاً من نور في عالمها الجديد. لقد ارتاحت لـ ليان بشكل لا يصدق، وشعرت بأن هذه الصداقة قد تكون هي البداية الحقيقية لحياة مختلفة طالما حلمت بها.
***
بعد أن ترك صبر أمام بوابة الجامعة، لم يتجه أكمل إلى المحكمة مباشرة. قاده قلبه وشوقه إلى وجهة أخرى، إلى منزل والديه الذي لم تطأه قدماه منذ شهور. أوقف سيارته في الشارع الهادئ الذي يحمل كل ذكرياته، وشعر بوخزة من الحنين والألم.
ما إن طرق الباب وفتح والده، حتى اتسعت عيناه بصدمة ممزوجة بفرحة عارمة.
"أكمل!"
صاح الأب باسمه، فخرجت والدته من المطبخ على صوته، وحين رأته واقفاً أمامها، لم تصدق عينيها. وهرولت نحوه تحتضنه بقوة، كأنها تريد أن تتأكد أنه حقيقي وليس مجرد طيف.
"ابني حبيبي وحشتني يا نور عيني."
كان لقاءً حاراً مليئاً بالدموع والقبلات والأحضان. أدخلاه إلى المنزل وجلسا حوله، لا يرفعان أعينهما عنه، يتأملان وجهه الذي اشتاقا إليه. فرحتهما كانت لا توصف، فقد ظنا أن عودته هذه هي عودة نهائية، وأن كابوس ابتعاده عنهم قد انتهى.
بعد حديث طويل عن أحوالهم وأحواله، وسيل من الأسئلة التي لا تنتهي، وضعت نسرين يدها على يده بحنان، وسألته السؤال الأهم الذي كان يجول في خاطرها منذ أن رأته.
"خلاص رجعت يا أكمل؟ مش هتسيبنا تاني؟"
سقط السؤال في وسط فرحتهم كقطعة جليد. تغيرت ملامح أكمل، وظهر الارتباك والإحراج على وجهه. سحب يده بهدوء وقال بصوت خفيض.
"لأ يا أمي... أنا مش راجع. أنا كنت في مشوار هنا قريب فقلت أعدي أشوفكم وأطمن عليكم... وشوية وماشي."
تبدلت ملامح والديه في لحظة. اختفت الفرحة وحل محلها خيبة الأمل والغضب. قال والده بنبرة حادة.
"ماشي إيه؟ ماشي رايح فين تاني؟ بيتك هنا يا أكمل شغلك وحياتك المفروض يبقوا هنا وسطنا."
انفعلت والدته هي الأخرى.
"يعني إيه جاي تشوفنا وماشي؟ هو إحنا بقينا محطة في طريقك؟ لازم ترجع يا أكمل، كفاية غربة بقى قلبي اتقطع عليك."
حاول أكمل أن يهدئهما، لكنهما كانا في قمة انفعالهما.
"يا جماعة افهموني، انا قولتلكم محتاج وقت اكون لوحدي فيه. مقدرش دلوقت على الاقل."
صرخ والده.
"وقت إيه وزفت إيه إنت وكيل نيابة، مكانك هنا مش هناك بترمي نفسك في بلد غريبة ليه؟"
"دي مش بلد غريبة دي بلد جدي وبلدك وانا شايف راحتي هناك قولتلكم فترة وهرجع تاني."
استمر الجدال لدقائق، أكمل يصر على موقفه، ووالداه يضغطان عليه بكل ما أوتيا من قوة ليعود. كان الجو مشحوناً بالتوتر وخيبة الأمل. وفي وسط هذا كله، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فوجد اسم صبر. شعر بارتياح غريب، وكأنها كانت طوق نجاة له من هذا الموقف الصعب. نهض واقفاً وقال بسرعة.
"أنا لازم أمشي دلوقتي عندي موضوع مهم."
نظرت إليه والدته بقلب مكسور.
"موضوع إيه اللي أهم مننا؟"
لم يرد. انحنى وقبّل رأسها ورأس والده بسرعة، ثم اتجه نحو الباب دون أن يلتفت خلفه، تاركاً وراءه قلبين محطمين، والكثير من الأسئلة التي لم يجب عليها.
***
وقف أكمل بسيارته الفاخرة أمام بوابة الجامعة، وهو يشعر بشعور لم يعتده. التوتر. لم يكن ينتظر شريك عمل بل كان ينتظر زوجته التي دفعها بنفسه إلى هذا العالم الجديد، ثم تخلى عنها في أولى خطواتها. كلما مرت الدقائق، كان شعوره بالذنب ينمو ويثقل على صدره. تذكر بروده في الصباح وكلماته المقتضبة، والطريقة التي تجنب بها النظر في عينيها. لقد جرحها وهو يعلم ذلك. جرحها بعد أن منحها الأمل، وهذا أسوأ أنواع الجرح.
رآها تخرج من بين حشد الطلاب. كانت تسير بهدوء تحمل كتبها لكن كان هناك انطفاء واضح في ملامحها. لم تكن تبحث عنه بلهفة كما توقع، بل كانت تمسح المكان بعينيها كواجب، وعندما رأته لم تظهر على وجهها أي ابتسامة فقط إيماءة خفيفة قبل أن تتوجه نحو السيارة.
فتحت الباب وركبت بصمت. أغلقت الباب خلفها ورائحة عطرها الهادئة ملأت السيارة. لكن صمتها كان أعلى من أي عطر.
قال وهو يتحرك بالسيارة محاولًا كسر الجليد.
"يومك كان عامل إيه؟"
ردت بصوت خفيض دون أن تلتفت إليه.
"كويس الحمد لله."
كانت إجابة مغلقة، لا تدعو لمزيد من الحديث. ساد الصمت لعدة دقائق، لم يقطعه سوى صوت محرك السيارة.
لم يستطع أكمل التحمل أكثر. أوقف السيارة على جانب الطريق فجأة، مما جعلها تلتفت إليه بدهشة.
"أنا آسف."
قالها بصدق، ونظر في عينيها مباشرة لأول مرة منذ أيام.
"آسف على طريقتي معاكي الفترة اللي فاتت مكنش المفروض أعاملك كده."
نظرت إليه، وكان في عينيها عتاب صامت، لكن لم يكن فيه لوم. قالت بهدوء.
"حضرتك مش محتاچ تتأسف أنا خابرة حدودي زين."
كلماتها كانت كالصفعة. "حدودي". هو من رسم هذه الحدود بقسوته.
قال بنبرة أكثر دفئًا.
"لأ محتاج. اللي حصل مكنش له علاقة بالحدود، كان له علاقة بيا أنا. كنت متلخبط، ومشغول بحاجات كتير بس ده مش مبرر."
شغل السيارة مرة أخرى لكنه لم يتجه نحو المنزل.
"إيه رأيك نتغدى بره النهاردة؟ نغير جو."
نظرت إليه بتردد لكنها رأت في عينيه صدقًا ورغبة حقيقية في إصلاح ما أفسده. أومأت برأسها موافقة بصمت.
اختار مطعمًا فاخرًا يطل على النيل. كان المكان أنيقًا والناس فيه يرتدون ملابس باهظة ويتحدثون بصوت خفيض. للحظة، خشي أكمل أن تشعر صبر بالرهبة أو عدم الارتياح. لكنه تفاجئ مرة أخرى. جلست أمامه بثقة هادئة، تتأمل المكان بفضول لطيف، لا بانبهار أو شعور بالنقص. لم تهزها نظرات الفضول التي رمقها بها البعض، ولم يلفت انتباهها بريق المجوهرات على الطاولات المجاورة. كانت حاضرة للحظتها، معه هو وكأن العالم الخارجي مجرد ديكور.
هذه نقطة جديدة أضيفت لها في عقله. قوتها الداخلية وثقتها الهادئة بنفسها كانت مذهلة. كل مرة كان يكتشف فيها جانبًا جديدًا من شخصيتها وكلما اكتشف ذلك، كان يتعلق بها أكثر. أدرك في تلك اللحظة أن ما يشعر به نحوها ليس مجرد افتتان عابر أو شفقة، بل هو حب حقيقي. حب ينمو ويتجذر مع كل موقف.
بعد أن طلب لهما الطعام قال بهدوء.
"عجبك اللي اختارته ولا أجبلك غيره؟"
ابتسمت بخجل.
"عجبني."
بادلها الابتسام وشعر بأنها أخيراً غفرت له على ما بدر منه. رفع حاجبيه متسائلاً بمكر وهو يقرب يده من يدها على الطاولة.
"أفهم من كدة إنك خلاص مش زعلانة."
شعرت بارتجافة خفيفة في يدها التي يمسكها. رفعت عينيها إليه، وكانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها ابتسامة حقيقية وصافية على وجهه منذ أيام. هزت راسها بنفي.
"لأ مش زعلانة."
قالتها ببساطة، لكنها كانت تحمل كل معاني الأمل والبدايات الجديدة. في تلك اللحظة، شعر أكمل بأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن كاهله، وأن الطريق أمامهما، وإن كان لا يزال طويلاً، إلا أنه أصبح مضاءً بنور جديد.
***
في المساء...
جلس مالك بجوار جده، وعلى الجانب الاخر والده، يضع يده في يد جده والمأذون يتلو كلمات عقد القران. كان قلبه يخفق بجنون، وكل حواسه متوقفة في انتظار اللحظة التي طالما حلم بها. لم يكن يرى أحداً حوله، لا أكمل الذي يجلس في الحضور ليبارك لصديقه، ولا باقي أفراد العائلة. كان العالم كله قد اختفى، ولم يبق في مجال رؤيته سوى طيف روح التي تجلس في الغرفة المجاورة، وصوت المأذون الذي كان يقترب من الكلمات الحاسمة.
"بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير."
ما إن انطلقت هذه الجملة في الهواء، حتى شعر مالك وكأن روحًا جديدة قد سكنت جسده. لم يستطع، ولم يحاول حتى أن يخفي فرحته. ابتسامة عريضة وصادقة ارتسمت على وجهه، وعيناه لمعتا ببريق لا يمكن وصفه. نهض ليقبل يد جده وابيه وعمه، ثم استقبل تهاني الجميع وقلبه يرقص طرباً. لقد تحقق حلمه، روح أصبحت زوجته، حبيبته على سنة الله ورسوله.
استأذن من جده ومن الحضور، وشق طريقه نحو الغرفة المجاورة. كل خطوة كان يخطوها كانت أثقل وأخف من سابقتها. كان يشعر وكأنه يسير نحو قدره. عندما دخل وجدها. كانت تجلس وسط والدته وزوجات أعمامه، اللاتي كن يهنئنها ويحتضننها. لكنها كانت كجزيرة من النور وسط بحر من الوجوه. كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، من قماش ناعم ينسدل على جسدها برقة، دون أي تكلف أو بهرجة. شعرها البني الأسود كان منسدلاً على كتفيها في تموجات طبيعية، تزينه بعض الورود البيضاء الصغيرة. لم تكن تضع أي مساحيق تجميل تقريبًا، فقط لمسة خفيفة أظهرت جمالها الطبيعي النقي. لم تكن عروسًا متكلفة بل كانت كحورية خرجت لتوها من البحر، هادئة، نقية وتخطف الأنفاس.
تجمد في مكانه للحظات مبهورًا بها، وكأنه يراها للمرة الأولى. وجد قدميه تتحركان من تلقاء نفسيهما نحوها، يخترق تجمع النساء اللاتي أفسحن له الطريق بابتسامات متفهمة. أما هي، فقد شعرت بوجوده قبل أن تراه. رفعت عينيها والتقتا في نظرة طويلة حبست الأنفاس.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رانيا الخولي
ما إن تسللت أولى خيوط الشمس الذهبية إلى الغرفة حتى وجدت طريقها إلى وجه مالك كأنها تعرف وجهتها تمامًا.
فتح عينيه ببطء وشعر بثقل دافئ ومريح على صدره، ثقل كان يتوق إليه طوال حياته.
نظر إلى الأسفل ليجد روح نائمة بعمق بين ذراعيه، وجهها ملائكي وهادئ، وشفتيها مفترقتان قليلاً في ابتسامة حالمة.
أنفاسها المنتظمة كانت كهمسات هادئة تدغدغ بشرته، كانت هذه هي اللحظة التي طالما تخيلها في أحلامه الأكثر جموحًا، أن يستيقظ ليجد حلمه حقيقة ملموسة بجانبه.
لم يستطع أن يمنع نفسه من لمسها، كان الأمر أقوى منه كأن يديه لهما إرادة خاصة بهما.
مرر أطراف أصابعه برقة وخفة كالفراشة على خدها، ثم على خصلات شعرها الداكنة المنسدلة على الوسادة كشلال من حرير.
كانت أجمل من أي وقت مضى، كل تفصيل فيها كان قصيدة، وكل حركة منها كانت لحنًا يعزف على أوتار قلبه.
شعرت روح بلمسته فتململت قليلاً في نومها واحتضنته أكثر، كأنها تبحث عن دفئه حتى في أحلامها.
ثم فتحت عينيها ببطء، التقت نظراتهما في صمت طويل، صمت يحمل كل معاني العالم.
الشوق الذي انتهى.
والحب الذي بدأ.
والوعد بحياة كاملة معًا.
ابتسمت له ابتسامة خجولة وناعمة، ابتسامة كانت كشروق الشمس في روحه تمحو كل ظلام الماضي.
همست بصوت ناعس، صوت كان موسيقى لأذنيه.
"صباح الخير."
مال عليها وقبَّل جبينها قبلة طويلة وعميقة، قبلة كانت تحمل كل الامتنان والحب.
"صباح النور على أحلى حاجة حصلت في عمري كلياته."
لم يكن قادراً على الابتعاد، كان سحرها يلفه كشبكة حريرية لا فكاك منها.
كلما فكر في أنه يجب عليهما النهوض وبدء يومهما، كانت نظرة واحدة منها كافية لتجعله ينسى العالم بأسره.
كانت عيناها بحرًا يغرق فيه عن طيب خاطر، وحضنها هو الوطن الذي لا يريد مغادرته أبدًا.
قالت وهي تضحك بخفة، ضحكة رنت في الغرفة كأجراس فضية، محاولة إضفاء بعض الجدية على الموقف.
"إحنا لازم نقوم، زمانهم مستنينا تحت على الفطور."
رد عليها بصوت عميق وهو يشدد من احتضانه لها، ويدفن وجهه في عنقها، مستنشقًا عطرها الذي أصبح إدمانه.
"يفضلوا مستنيين، أنا فطاري وغدايا وعشايا إهنه."
...لم تجب، بل اكتفت بابتسامة ساحرة، ابتسامة كانت تحمل كل الإجابات.
لم يعد مالك قادرًا على المقاومة، ولم يعد يريد ذلك.
مال عليها مرة أخرى، وهذه المرة كانت قبلته أعمق أكثر شغفًا، تحمل كل مشاعره التي لم تعد الكلمات قادرة على احتوائها.
لم تكن مجرد قبلة، بل كانت حوارًا صامتًا بين روحين تعبيرًا عن سنوات من الشوق المكتوم والحب الذي نجا من كل العواصف.
كانت يده تتحرك برقة، من خدها إلى عنقها، ثم انزلقت لتستقر على خصرها، يضمها إليه أكثر، كأنه يريد أن يمحو كل المسافات التي كانت بينهما، ليس فقط في الفراش، بل في الحياة.
تجاوبت معه روح بكل كيانها، لم تعد الفتاة الخجولة بل أصبحت امرأة عاشقة تجد في حضن حبيبها وطنها وملاذها.
تشبثت به ويداها تجولان على ظهره وكتفيه، كأنها تتأكد من أنه حقيقي، وأنه هنا معها ولن يذهب مرة أخرى.
تحولت قبلاتهما إلى سلسلة من اللمسات، كل لمسة وكل قبلة كانت تذيب جليد سنوات من الانتظار والألم.
همس بصوت متحشرج قرب أذنها، وصوته يرتجف من عمق مشاعره.
"بحبك... بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا."
كانت كلماته هي المفتاح الأخير الذي فتح كل أبواب قلبها المغلقة.
شعرت بدمعة حارة تهرب من عينيها، ليست دمعة حزن بل دمعة اكتمال، دمعة فرح مطلق.
في تلك اللحظة لم يعد هناك عالم خارجي، لم يكن هناك فطور ينتظر ولا عائلة في الأسفل.
كان هناك فقط هو وهي، في فقاعة من الحب والشغف.
انقلب الوضع برقة، وأصبحت هي تنظر إليه من الأعلى.
شعرها ينسدل حول وجهيهما كستار حريري يفصلهما عن العالم.
نظرت في عينيه ورأت فيهما انعكاسًا لروحها، ورأت حبًا صافيًا وقويًا كان يستحق كل هذا الانتظار.
كانت تقول له دون كلمات:
"أنا لك وكنت دائمًا لك."
تحت ضوء الشمس الدافئ الذي يتسلل من النافذة، وفي هدوء الصباح الباكر، أصبحا كيانًا واحدًا.
لم تكن مجرد علاقة جسدية، بل كانت اتحادًا للروحين احتفالًا بالحب الذي انتصر أخيرًا.
كانت كل لمسة قصيدة، وكل همسة وعدًا، وكل نظرة عهدًا أبديًا.
وفي صمت غرفتهما، وعلى فراشهما الذي أصبح مقدسًا، بدأت حياتهما الحقيقية، حياة لا يسكنها سوى الحب ولا يحدها سوى الأبدية.
حاول مرة أخرى أن يبتعد، أن ينهض من السرير، لكنها رفعت يدها ووضعتها على خده ونظرت إليه تلك النظرة التي تزلزل كيانه، نظرة مليئة بالحب والدلال والثقة.
كانت تلك النظرة كافية ليعود إليها، ليعود إلى حضنها، وكأنه مغناطيس لا يقاوم.
"بنظرة واحدة منك بترجعيني ليك تاني."
همس وهو ينظر في عينيها وصوته كان متحشرجًا من فرط المشاعر.
"إنتي بتعملي فيا إيه يا روح؟"
لم تجب، بل اكتفت بابتسامة ساحرة، ابتسامة كانت تحمل كل الإجابات.
لم يعد مالك قادرًا على المقاومة، ولم يعد يريد ذلك.
مال عليها مرة أخرى، وهذه المرة كانت قبلته أعمق أكثر شغفًا، تحمل كل مشاعره التي لم تعد الكلمات قادرة على احتوائها.
كانت قبلة طويلة تأخذهما معًا إلى عالمهما الخاص، عالم لا وجود فيه لساعة أو زمن، عالم لا يسكنه أحد سواهما، حيث كل لحظة هي بداية لحب أبدي، وحيث يجد كل منهما في الآخر وطنه وملاذه الأخير.
لم يعد أكمل كما كان من قبل، كان يحاول بشتى الطرق الابتعاد عنها، ليس كرهًا، بل من فرط المشاعر التي كان يشعر بها والتي أخافته كلما رآها.
كان يشعر بأن دفاعاته تنهار وأن قلبه الذي أغلقه لسنوات طويلة، يفتح على مصراعيه دون إذن، فكان الهروب هو الحل الوحيد الذي يعرفه.
وهي بدورها شعرت بهذا الابتعاد، فانسحبت إلى عالمها الخاص تقضي أغلب وقتها في مراجعة دروسها، تستخدم الكتب كدرع يحميها من صمته الجارح.
كانت صبر تجلس مع ليان في كافيتيريا الجامعة الهادئة نسبيًا خلال الأيام القليلة الماضية.
توطدت علاقتهما بسرعة مدهشة، وجدت صبر في ليان الصديقة والأخت التي لم تكن لها من قبل.
كانت ليان بشخصيتها المنطلقة والواثقة، هي النقيض التام لهدوء صبر وخجلها، وربما لهذا السبب انجذبتا لبعضهما البعض.
شعرت صبر معها بأمان كافٍ لتفتح لها قلبها وتخبرها بالقصة الكاملة التي أثقلت روحها.
حكت لها كل شيء عن والدها وعن لجوئها لمنزل أكمل، وعن كلام الناس الذي كان كالسكاكين.
حكت لها عن الليلة التي عرض عليها فيها الزواج ليس كحبيب بل كحل لمشكلة كصفقة تخرس الألسنة.
كانت كلماتها تخرج متقطعة، وصوتها يرتجف وهي تسترجع الإهانة والألم.
كانت ليان تستمع باهتمام وتعاطف، وعيناها لم تفارقا وجه صديقتها، ولم تقاطعها مرة واحدة.
عندما انتهت صبر من حديثها، كانت عيناها قد امتلأت بالدموع التي حبستها طويلًا.
تنهدت ليان وقالت بهدوء وحنان.
"ياااه يا صبر، شيلتي كتير أوي لوحدك، كل ده كان فوق كتافك ومحدش حاسس بيكي."
ثم اقتربت منها أكثر وقالت بنبرة مختلفة، نبرة فضولية ودافئة.
"بس قوليلي بصراحة، وخليكي صريحة مع نفسك قبل ما تكوني صريحة معايا، إنتي... بتحبيه؟"
فاجأها السؤال المباشر، شعرت صبر بأن الهواء قد انسحب من رئتيها.
هذا هو السؤال الذي كانت تهرب منه، السؤال الذي كانت تدفنه في أعمق جزء من قلبها.
هل تحبه؟ أم هو مجرد امتنان وتعلق بالرجل الذي أنقذها؟
أطرقت برأسها ويداها تعبثان بحافة الكوب.
"أنا... أنا مش عارفة، هو... هو ساعدني كتير ووقف چاري."
قالت ليان بحكمة تتجاوز سنها.
"أنا مش بسأل عن اللي عمله، أنا بسأل عن اللي حاساه لما بتشوفيه. قلبك بيدق أسرع؟ لما بيبعد عنك بتحسي إن فيه حاجة ناقصاكي؟ لما بيبتسم بتحسي إن الدنيا كلها نورت؟"
كانت كل كلمة تقولها ليان كسهم يصيب الهدف، كانت تصف بالضبط ما تشعر به.
رفعت صبر عينيها، وكانت نظراتها تحمل اعترافًا صامتًا.
هزت رأسها ببطء معترفة بالحقيقة التي لم تجرؤ على قولها بصوت عالٍ من قبل.
قالت بصوت خافت كأنه سر، صوت يرتجف من ثقل الاعتراف.
"أجولم الحجيجة، أني بحبه... بحبه جوي كمان، من جبل حتى ما أشتغل عنده كنت بشوفه من بعيد، وبشوف شهامته واحترامه، وجلبي اتعلق بيه من غير ما أحس. كنت فاكرة إن ده حلم بعيد، مستحيل."
نظرت ليان إليها نظرة ثاقبة، ثم ابتسمت ابتسامة واثقة ومشرقة.
"يبقى خلاص الموضوع خلص."
عقدت صبر حاجبيها باستغراب.
"خلص كيف؟ هو شايفني مجرد ورطة، مجرد بنت غلبانة أنقذها. جوازنا ده مؤقت وهينتهي لما يجرر يرچع مصر، هو بنفسه جالي إكده."
هنا تغيرت نبرة ليان وأصبحت أكثر قوة وحماسًا، كقائدة تستعد لمعركة.
"لأ مش هيخلص، طالما بتحبيه، يبقى هو حقك ولازم تحاربي علشانه. الراجل ده أعمى، ميعرفش هو معاه إيه. كل اللي شافه منك بنت غلبانة ومكسورة وخايفة. لازم يشوف صبر الحقيقية، لازم يشوف قوتك وجمالك وذكائك."
"لازم تخليه يندم على كل كلمة قالها، مش بالخناق والزعل لأ..."
بالحب والجمال والثقة.
سحبت ليان صبر من يدها وعيناها تلمعان بالحماس.
"قومي معايا أول خطوة في المعركة دي هتبدأ النهاردة."
بعد انتهاء اليوم الدراسي، أخذت ليان صبر إلى مجموعة من المحلات الأنيقة. بدأت تختار لها ملابس مختلفة تمامًا عما اعتادت عليه. فساتين منزلية رقيقة بألوان زاهية، ملابس أنيقة تبرز قوامها الممشوق بأسلوب ملحوظ.
"ليان الفلوس اللي معايا مش هتكمل.."
جذبتها ليان بثقة.
"هسلفك بس يلا."
أخذتها إلى الطابق العلوي. كانت صبر تنظر إلى الملابس بخجل ورفض.
"لأ يا ليان مجدرش ألبس الحاچات دي أنا مش واخدة على ده وهستحى البس اكده."
أمسكت ليان فستانا حريريا ناعما باللون الأزرق السماوي ووضعته أمامها.
"الحاجات دي مش هتلبسيها قدام حد غريب ده لجوزك حلالك إنتي لازم تبيني جمالك له، لازم تلفتي نظره كفاية إنه يشوفك دايما باللبس الواسع اللي بيخبيكي وبيخلي شكلك أكبر من سنك، إنتي جميلة يا صبر ولازم هو يشوف الجمال ده ويعرف قيمته لازم يعرف إنه متجوز جوهرة مش مجرد "حل مؤقت"."
نظرت صبر إلى انعكاسها في المرآة وهي تمسك بالفستان. كلمات ليان القوية والمشجعة أوقدت بداخلها شعلة من الأمل والتحدي. ربما كانت صديقتها على حق. لقد حان الوقت لتتوقف عن لعب دور الضحية وتبدأ في القتال من أجل قلبها وحقها في السعادة.
في سكون الليل، وقفت صبر أمام مرآة خزانتها الطويلة تتأمل انعكاس صورتها بذهول، وكأنها ترى امرأة غريبة لا تعرفها.
كانت ترتدي الفستان الأزرق السماوي الذي اختارته لها ليان.
كان الفستان طويلا وبسيطا، لكن تصميمه كان مختلفا تماما عما اعتادت عليه، بحمالات رفيعة تكشف عن كتفيها وذراعيها بنعومة، وينسدل على جسدها ليبرز تفاصيلها الأنثوية التي طالما أخفتها خلف ملابس واسعة وفضفاضة.
كان شعرها الأسود الغجري، الذي تركته حرا لأول مرة، ينساب حول وجهها الأبيض الصافي مما منحها جمالا بريا وغير مألوف.
لم تكن هذه صبر الخائفة المنكسرة، كانت هذه امرأة أخرى واثقة جميلة تضج بالحياة. لم تصدق أنها هي.
"صبر."
اخترق صوته الحاد صمت الغرفة، فانتفضت صبر في مكانها وكأنها ضُبطت متلبسة بجريمة.
من فرط الخوف الذي ترسخ في نفسها من نبرته، نست كل شيء. نست الفستان ونست شكلها الجديد وخرجت من غرفتها مسرعة لترى ماذا يريد، متوقعة توبيخا أو أمرا جديدا.
كان أكمل يقف عند أسفل السلم، يمسك ببعض الأوراق في يده ويبدو عليه الانشغال.
"جهزتي الورق اللي طلبته منك الصبح؟ محتاجه ضر..."
تجمدت كلماته في حلقه حين رفع عينيه ورآها تقف عند أعلى الدرج.
تجمد هو الآخر.
لم يعرفها.
للحظة خاطفة ظن أنها زائرة، ضيفة غريبة دخلت منزله بالخطأ.
كانت هيئتها وقفتها وثوبها كلها غريبة عليه.
ثم وقعت عيناه على الشيء الوحيد الذي استطاع تمييزه، الشيء الذي لا يمكن أن يخطئ فيه: شعرها.
ذلك الشعر الغجري الكثيف الذي لم يره منسدلا بهذا الشكل من قبل.
"صبر."
نطق اسمها كأنه سؤال، بصوت يملؤه عدم التصديق.
كان مصدوما تماما، لا يعرف ماذا يفعل أو يقول.
لقد اختفت صورة الفتاة البسيطة ذات الملابس المتواضعة، وحلت محلها هذه الرؤية للساحرة التي أمامه.
شعر بارتباك لم يشعر به من قبل، وبشيء يشبه الخفقان في صدره.
استغربت صبر من حالته، من صمته ونظرته المذهولة.
ثم فجأة، انتبهت لنفسها.
انتبهت للفستان الذي ترتديه ولشعرها المنسدل، وأدركت أنها خرجت أمامه بهذا الشكل.
شعرت بالدم يتدفق إلى وجهها، فاحمرّت خجلا وارتباكا.
تلجلجت في الكلام وقالت بصوت متقطع.
"أ... أنا... الورق... هجيبه حالا."
استدارت بسرعة لتعود إلى غرفتها، لتهرب من نظراته الثاقبة التي شعرت أنها تخترقها، لكن صوته أوقفها.
"استني."
توقفت مكانها، وظهرها له، لا تجرؤ على الالتفات.
لم يكن صوته حادا كالعادة، بل كان هادئا، وربما... حائرا.
لم يكن أكمل نفسه يعرف لماذا أوقفها. عقله يخبره أن يتركها تذهب، أن يعود إلى أوراقه ويتجاهل ما رآه.
لكن شيئا أعمق، شعورا جديدا وغريبا، كان يطالبه بالبقاء، برؤيتها أكثر.
هذه الصورة التي أمامه حركت فيه شيئا كان يظنه ميتا.
بدأ الحديث بتردد، يبحث عن أي مبرر.
"انا كنت عايز أسألك عن الجامعة عاملة إيه؟ اتأقلمتي؟"
كان سؤالا بسيطا، لكنه كان جسرا حاول أن يمده فوق فجوة الصمت والإحراج بينهما.
استدارت صبر ببطء، وهي تضم ذراعيها حول نفسها في محاولة لتغطية كتفيها العاريتين.
"الحمد لله زينة."
ظل ينظر إليها وفي عينيه صراع واضح.
"الفستان ده... جديد."
أومأت برأسها بصمت وقلبها يخفق بقوة.
تنهد أكمل وقال بصدق مفاجئ، وكأنه يتحدث مع نفسه أكثر مما يتحدث معها.
"صعد هو إليها ومشاعره تحسه على الاقتراب منها."
"وبطريقة عفوية ابعدت خصلة لتقيدها خلف أذنها في يظهر امامه عنقها ناصع البياض."
"ازدرد لعابه بصعوبة وهو يقف أمامها يتطلع إليها بعدم تصديق."
"حاول البحث عن كلمات فلم يجد."
"ما هذه المشاعر التي اقتحمته منذ أن رأها بذلك الشعر الغجري في مطبخه."
"متى كان بتلك السطحية."
"كانت عينيه تتحرك ببطء وبحرية على كل تفاصيلها."
"لا يصدق ما يراه."
"ذلك الثوب الذي اظهر تفاصيلها بشكل يخطف الانفاس."
"رفع نظره إلى عينيها فوجد نظره الحزن التي لازمتها منذ زواجهم."
"يعرف انه اخطأ بحقها وجرحها لكن لم يكن بوعيه."
"هو يبغض أن يوضع أمام الأمر الواقع لذا كان هذا سبب انفعاله، اعتذر بعينيه."
"لسة زعلانة؟"
كانت هذه أول مرة يعتذر فيها، أو حتى يعترف بخطئه. نظرت إليه صبر بدهشة، ورأت في عينيه حيرة حقيقية لمحة من الندم.
هزت راسها بنفي.
فأكمل بصوت أهدأ وهو يتطلع إلى هيئتها.
"بس ايه اللي عملتيه في نفسك ده... شكلك... حلو."
قالها بصعوبة، كأن الكلمة غريبة على لسانه.
"كأني أول مرة أشوفك... بجد."
لم تكن مجاملة عابرة بل كانت اعترافا.
اعتراف بأنه كان أعمى، وأنه بدأ يرى الآن.
وفي تلك اللحظة تحت ضوء المنزل الخافت تغير شيء جوهري في العلاقة بينهما.
لم يعودا مجرد رجل وامرأة جمعهما عقد على الورق، بل أصبحا رجلا بدأ يكتشف جوهرته، وامرأة بدأت تؤمن بقيمة نفسها.
بعد الحادثة مباشرة.
عادت ونس إلى المنزل مع سامية، تحمل بعض الأكياس وقالت لسامية.
"دخلي الحچات دي المطبخ وهطلع أشوف نغم."
دلفت سامية المطبخ وصعدت ونس للأعلى فصادفت جاسر يخرج من جناحه، ملامحه متجهمة ومزاجه متعكر بشكل واضح.
"حمدلله على السلامة يا أمي."
لاحظت ونس على الفور توتره.
"الله يسلمك يا ولدي مالك إكدة؟ وفين نغم؟"
أجابها باقتضاب وهو يشيح بنظره، كأنه يتهرب من شيء ما.
"في أوضتها إيدها اتحرجت في المطبخ."
لم يكمل جملته بل سار مبتعدا بسرعة كمن يهرب من ساحة معركة.
لم تحتاج ونس لأكثر من هذا لتدرك أن شيئا كبيرا قد حدث.
وأسرعت بخطى قلقة نحو جناح ابنها.
فتحت باب غرفة نغم دون استئذان، فوجدتها جالسة على حافة السرير تضم نفسها وتبكي، لم يكن بكاء عاديا، بل كان بكاء منكسرا ومقهورا.
أسرعت ونس وجلست بجانبها، وفي صوتها كل حنان العالم.
"نغم يا حبيبتي مالك؟ جاسر جالي إن إيدك اتحرجت وريني."
لكن نغم لم تمد يدها، بدلا من ذلك، ارتمت في حضن ونس وانفجرت في بكاء عنيف، بكاء كانت تحبسه طويلا، كلما تذكرت ملمس شفتيه، وقبلته التي سرقت أنفاسها ثم صفعتها التي أعادتها إلى الواقع المر، كلما ازداد نحيبها.
احتضنتها ونس بقوة، وربتت على ظهرها بحنان وتركتها تفرغ كل ما في قلبها.
بعد دقائق وعندما بدأت شهقاتها تهدأ قليلا، أبعدتها ونس برفق ومسحت دموعها بأطراف أصابعها.
"اهدي يا بتي... اهدي كل ده عشان حرج بسيط؟ وريني إيدك."
نظرت ونس إلى يدها، ورأت الحرق البسيط الذي تم الاهتمام به بعناية.
"ده حرج بسيط جوي يا نغم مش هو اللي يخليكي تنهاري بالشكل ده. فيه حاچة تانية حصلت، صح؟"
هزت نغم رأسها، وشعرت بالخجل والضعف، لم تعد قادرة على التحمل وحدها، بصوت متقطع اعترفت بكل شيء.
"أني... أني اللي حرجت نفسي."
اتسعت عينا ونس بالصدمة.
"إيه؟! ليه يا بتي تعملي في حالك إكدة؟!"
قالت نغم بمرارة.
"عشان أكمل اللي بدأته عشان أعذبه بالطريجة دي."
نظرت إليها ونس بعتاب رقيق.
"يا نغم... تنتقمي منه بإنك تأذي حالك؟ ده مش صح أبدا."
ثم سألتها مباشرة، وهي تقرأ ما بين الدموع.
"بس مش ده بس اللي خلاكي تعيطي هو عمل حاچة؟ مش إكدة؟"
أطرقت نغم رأسها، واحمر وجهها بالدموع، وهمست بصوت بالكاد يُسمع.
"با... با..سني."
حاولت ونس جاهدة أن تخفي ابتسامة انتصار صغيرة كادت ترتسم على شفتيها.
لقد نجحت الخطة إذن. لقد تحرك الحجر الذي في صدر ابنها.
لكنها حافظت على ملامحها المتعاطفة.
وبعدين؟
ضربته بالقلم.
هنا لم تستطع ونس إخفاء دهشتها.
ضربتيه؟
قالت نغم بجموح:
مكنش لازم يعمل إكدة!
قالت ونس بهدوء وحكمة:
ليه مكنش لازم؟ هو مغلطش يا نغم، أنتي مراته.
انتفضت نغم بعند وابتعدت عنها.
لاه مش مرته.
نهضت ونس وهي تقول بدهاء:
ولما انتي مش مرته بتعملي إكدة ليه؟
اهتزت نظراتها ولم تعرف ماذا تقول فقالت بتعند:
بس أني مش هعمل إكدة تاني! مش هستخدم الأسلوب ده معاه تاني أبدا. كل اللي عملته جاه على هواه في الآخر هو اللي كسب.
هنا، رأت ونس فرصتها لقد حان وقت استخدام ذكائها.
وهو إيه اللي خلاكي تجولي إنه كسب؟
لأنه خد اللي هو عايزه.
تابع ونس دهاءها:
هو ايه بجا اللي عايزه؟
لم تجب نغم.
لذا ابتسمت ونس ابتسامة ماكرة.
غلطانة يا نغم أنتي اللي كسبتي.
نظرت إليها نغم بحيرة.
أكملت ونس، وكأنها تشرح استراتيجية معركة.
أنتي خليتيه يحس، خليتيه يتصرف من غير تفكير. جاسر طول عمره بيتحكم في كل حاچة، كل كلمة وكل نظرة. كون إنه يبوسك فجأة، ده معناه إنه فقد السيطرة. وأنتي اللي خليتيه يفقدها.
دي أول مرة من سنين أشوف جاسر بيتصرف بجلبه، مش بعجله. أنتي نجحتي.
صمتت نغم، تفكر في كلامها.
أضافت ونس بذكاء:
بس أنتي بانسحابك دلوجت، بتديله النصر على طبق من دهب. هتثبتيله إنك أضعف منه وإنك خفتي من رد فعله. هتخليه يرچع تاني جاسر بتاع زمان اللي بيتحكم في كل حاچة. لكن لو كملتي... لو خليتيه ديما على حافة الهاوية زي ما بيجولوا، ديما مش عارف يتوجع خطوتك الجاية... ساعتها بس هتجدري تسيطري عليه بجد.
نظرت في عيني نغم مباشرة، وألقت بضربتها القاضية.
انتي دلوجت عرفتي نجطة ضعفه الحجيجية، مش أهله ولا فلوسه... نجطة ضعفه بجت أنتي.
هتستخدمي نقطة الضعف دي عشان تكسريه وتنتجمي، ولا هتسيبيها وتخليه هو اللي يرچع يكسرك؟ القرار قرارك.
منذ ذلك اليوم، تحولت نغم إلى شبح في الجناح. كانت تتحرك بصمت، كظِـل لا يريد أن يُـرى. تتجنب الأماكن التي قد يتواجد فيها جاسر، وتختصر وجودها في أضيق الحدود. لكنها لم تستطع تجنبه تمامًا، خاصة على مائدة الطعام التي تحولت إلى ساحة تعذيب يومية.
أما هو، فكان يعيش في جحيم من نوع آخر. منذ أن ذاق طعم شفتيها، لم يستطع إخراجها من رأسه. أصبحت هوساً يسكن عقله يطارده في يقظته ومنامه.
على مائدة الطعام كان يراقبها بنظرات جائعة لم يعد قادرًا على السيطرة عليها. يتابع حركة يديها الرقيقة وهي تمسك بالملعقة، يراقب شفتيها وهي ترتشف الماء. وهذا المشهد البسيط كان يثير عاصفة هوجاء من الرغبة والغضب بداخله. كان يحاول بكل قوته أن يبعد عينيه عنها، أن يركز في طبقه، في حديث والدته في أي شيء آخر. لكن نظراته كانت تعود إليها رغماً عنه كفراشة تنجذب للنار التي أحرقتها.
في أحد الأيام، كانت نغم تقف في الحديقة، تحاول يائسة أن تستنشق بعض الهواء النقي بعيداً عن الأجواء الخانقة في الداخل. كانت الأشجار صامتة والزهور زاهية، لكن كل هذا الجمال كان يبدو باهتاً في عينيها. لم يدم هدوءها الهش طويلاً، فقد شعرت بخطواته الثقيلة تقترب منها من الخلف. لم تلتفت، بل تصلب جسدها بالكامل كجندي يستعد للمواجهة، وشعرت بأنفاسها تحتبس في صدرها.
وقف بجانبها، ليس قريبًا جدًا، لكن وجوده كان طاغياً، يمتص الهواء من حولها. سألها بصوته الجليدي المعتاد، صوت كان كافياً ليجمد الدماء في عروقها.
لحد إمتى هتفضلي تهربي؟
لم تجبه. اشتعل داخلها غضب عارم ليس فقط منه، بل من نفسها. كلما تذكرت قبلته كانت تشعر بمزيج من الخزي والتمرد وتغضب من نفسها لتفكيرها به ولو للحظة. لذا اتخذت من سؤاله فرصة لتفجر كل غضبها المكبوت.
استدارت نحوه فجأة، بعينين تطلقان شرراً.
بهرب؟ أنا مش بهرب. أنا بحاول أحافظ على آخر ذرة من كرامتي بعيد عن واحد زيك، واحد معندوش أي احترام لمشاعر حد.
ظهر وميض غضب خطير في عينيه، لكنه أخفاه بسرعة البرق خلف قناعه الجليدي المعتاد.
اقترب منها خطوة مقلصاً المسافة بينهما وأصبحت رائحته الرجولية القوية تحيط بها من كل جانب.
امتى؟
سألها ببراءة مصطنعة، وهو يعلم تماماً إلام تلمح.
نظرت إليه بصدمة، غير مصدقة وقاحته.
امتى؟ أنت بتسأل بجد؟
أومأ برأسه ببطء، وعيناه مثبتتان على عينيها، كصياد يراقب فريسته وهي تقع في الفخ.
أيوه بسأل بجد، امتى؟
شعرت بالدم يندفع إلى وجهها.
كيف تجيبه؟ كيف تقول له "عندما قبلتني رغماً عني"؟
ستكون بذلك قد اعترفت بتأثير القبلة عليها، وستمنحه نصراً آخر.
لقد حشرها في زاوية، وأجبرها على الصمت.
عندما رآها صامتة، وعاجزة عن الرد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وساخرة.
شايفة؟ مفيش رد لأنك خابرة إنك بتتبلي عليا.
هنا، لم تعد تحتمل.
أنا مش بتبلى عليك! أنت خابر زين أنا بتحدت عن إيه!
اقترب خطوة أخرى حتى لم يعد يفصلهما سوى شبر واحد. انحنى قليلاً وهمس بصوت أجش صوت مخصص لها وحدها.
لأ، مش خابر. فهميني جوليلي يا نغم... امتى حسيتي؟ لما كنت بغيرلك على إيدك المحروجة؟ ولا لما كنت باخدك في حضني وانتي منهارة؟ ولا يمكن... يمكن لما كنت بأكلك بإديا؟ جوليلي... امتى بالظبط؟
رفع حاجبيه بمكر ودهاء.
ولا لما ضميتك لصدري..
كانت كل كلمة من كلماته طعنة. لقد كان يراقبها يعرف كل تفاصيلها، ويستخدمها الآن ضدها ببرود قاتل. شعرت بالهزيمة، وبالضعف. لم تجد الكلمات لترد عليه.
عندما رأى دموع الإهانة تتجمع في عينيها، عرف أنه قد انتصر في هذه الجولة.
مد يده ببطء شديد، وأزاح خصلة شعر تمردت على وجهها. كانت لمسته خفيفة كالهواء، لكنها أرسلت رعشة في جسدها بالكامل.
الهروب مش هينفعك يا نغم. أني جدامك وحواليكي وفي كل حتة.
وكل ما هتهربي كل ما هتلاجيني أجرب.
ثم استقام وابتعد عنها تاركاً إياها ترتجف من مزيج الغضب والعجز والرغبة المكبوتة. لقد أثبت لها مرة أخرى أنه هو من يضع قواعد اللعبة، وهو دائماً من يفوز.
لم تتقبل هزيمتها وصاحت به توقفه.
انت معندكش أي ذرة احترام.
تشنج فكه وقد توقف عن السير يحاول بصعوبة بالغة التحكم في غضبه من كلمتها.
أعاد نظرة البرود إلى عينيه رغم تحولهما لفوهة بركان واستدار إليها قائلاً بسخرية لاذعة، كل حرف فيها كان كطرف سوط.
بتتكلمي عن الاحترام؟ وإنتي كل حركاتك كانت لعبة عشان تستفزيني؟ نظراتك وصمتك وتحديك... افتكرتي إني مش فاهم إنك كنتي بتحاولي توصلي لرد فعل مني؟
اقتربت منه بغضب أعمى وقد نسيت كل خوفها ونسيت من هو.
ولما إنت فاهم ليه عملت إكدة؟ ليه اتچننت ونسيت نفسك ونسيت أنا مين بالنسبة ليك؟
اقترب هو بدوره وخفض صوته إلى همس مرعب كان أعلى من أي صراخ.
عشان أوريكي إن اللي بيلعب بالنار، النار بتحرجه.
عشان أفكرك إنك هنا مش ضيفة. أنتِ مرتي. وإن أي محاولة للعب معايا، نهايتها هتكون خسارتك أنتِ.
صرخت فيه بيأس وقهر، وقد وصلت إلى حافة الانهيار.
انت معيشني معاك ليه؟ انت مش خلاص وصلت لغرضك ودمرتني ودمرت عيلتي؟ سيبني في حالي بجا وطلجني إحنا مفيش أي أمل بينا، والأحسن ليك وليا إن واحد منينا يروح لحاله وتخلصني من السجن ده!
"طلقني".
كلمة نطقتها وكأنها لا تعلم معناها الحقيقي في قاموسه.
لن يفعلها مهما حاولت.
في تلك اللحظة لم يعد قادرًا على تحمل اتهاماتها المستمرة وصورتها له كوحش ظالم وهم الضحايا الأبرياء. انفجر فيه كل شيء، لكن انفجاره لم يكن صراخاً بل كان هدوءاً مرعباً هدوء ما قبل العاصفة التي ستقلع كل شيء من جذوره.
عايزة تعرفي الحجيجة؟ عايزة تعرفي مين الظالم ومين المظلوم؟ اتفضلي.
جذبها من يدها بقوة لم تستطع مقاومتها ودلف بها إلى المكتب من الشرفة المطلة على الحديقة، ثم دفعها بقسوة على المقعد لتجلس عليه. فركت معصمها الذي احمر من أثر قبضته وهي تتطلع إليه بغضب وخوف، وشاهدته وهو يتجه إلى خزانة قديمة يفتحها بمفتاح، ويخرج منها ظرفاً جلدياً كبيراً وضعه على الطاولة أمامها بضربة عنيفة.
دي كل الإثباتات اللي بتأكد إن الأرض دي أرضنا من أيام جد جدي.
وأنكم انتو اللي طمعتوا فيها، وزورتوا أوراق عشان تاخدوها.
كانت الأوراق صفراء بالية تحمل أختاماً قديمة سندات ملكية، خرائط مرسومة باليد.
ثم أخرج ورقة أخرى تقرير شرطة قديم ومتهالك.
وده إثبات إن أول دم في التار ده كان من عندنا.
هما اللي جتلوا جدي غدر عشان الأرض. ولما جدي راح يطالب بحج اخوه، جتلوه هو كمان.
إحنا كنا بندافع عن حجنا ودمنا.
كانت نغم تنظر إلى الأوراق بصدمة، وعقلها يرفض أن يصدق. كانت الكلمات المكتوبة تطمس الحكايات التي نشأت عليها.
لكن جاسر لم ينتهِ بعد.
اقترب منها وانحنى حتى أصبح وجهه مقابل وجهها، ونظر في عينيها مباشرة ونبرته تحمل كل مرارة السنين.
وعمك... اللي إنتي فاكراه بطل وشهم... اتجوز عمتي غصبت عنينا، وفضحنا جدام الخلج كليتها عشان يكسرنا. وأنا... أنا اللي إنتي شايفاه وحش... أنا صحيح اتچوزتك غصب، بس سترتك ومفكرتش أشهر بيكي زي ما عملوا هما.
صنتك ومفكرتش ألمس شعرة منيكى عشان أفضحك زي ما عملوا.
هما اللي رموكي للنار، وأنا اللي طفيتها. هما اللي اتخلوا عنك واعتبروكي تمن بخس لغلطتهم وأنا اللي اتمسكت بيكي. قجوليلى دلوجت...
مين فينا اللي له الحق؟
سقطت الكلمات على نغم كالصخور. كل ما آمنت به، كل ما تربت عليه، كل قصص البطولة والظلم التي سمعتها، كانت تنهار أمام عينيها كقصر من ورق.
نظرت إلى وجه جاسر ولأول مرة، رأت ما وراء القناع الجليدي. رأت ألمًا حقيقيًا، مرارة متجذرة، وغضبًا له ما يبرره.
شعرت بدوار شديد، وبغثيان يجتاحها. لقد كانت تعيش داخل كذبة كبيرة، كذبة متقنة اسمها العائلة والترابط. أهلها الذين صورتهم كضحايا، كانوا هم الجناة.
وهو الرجل الذي كرهته واعتبرته عدوها، كان هو من حماها وسترها على طريقته القاسية.
شعرت بالخزي من نفسها، وبالاشمئزاز من عالمها الذي تحطم في لحظات.
لم تكن ضحية ثأر، بل كانت ضحية كذبة. والآن فقط بدأت ترى الحقيقة المؤلمة.
وقفت نغم تحدق في الأوراق المبعثرة أمامها، ثم في وجه جاسر الصارم.
كان عقلها يرفض تصديق ما تراه وتسمعه.
لا يمكن.
لا يمكن أن تكون كل حياتها، كل قناعاتها، كل تضحيات أهلها التي تربت على تقديسها، مجرد وهم كبير.
كذبة.
همست بصوت مرتعش، تحاول أن تكذب نفسها قبل أن تكذبه.
"كداب... كل ده كدب. أنت عملت الورق ده عشان تكسرني."
هز جاسر رأسه ببطء، وقد عاد إليه بروده المعتاد، لكن عينيه كانتا تحملان خيبة أمل عميقة.
"صدقتي أو مصدقتيش، دي الحقيقة."
تشبثت نغم بآخر خيط من المنطق في عالمها المنهار.
رفعت رأسها وتحدته بنظرة يائسة.
"طيب لو كلامك صح... لو الأرض دي بتاعتكم فعلاً... ليه مبلغتوش البوليس؟ ليه مدخلتوش الحكومة وخدتوا حقكم بالقانون بدل الدم؟"
تردد جاسر للحظة، وكأنه يتردد في كشف آخر وأقبح جزء في هذه القصة الملعونة.
ثم نظر إليها بصرامة، وقرر أن ينهي كل شيء الليلة.
"عشان الأرض وضع يد."
لم تفهم نغم في البداية.
"يعني إيه؟"
قالها بمرارة واضحة.
"يعني لا هي أرضنا ولا أرضهم. الأرض دي ملك دولة. إحنا وهما حاطين إيدينا عليها من سنين طويلة، جيل ورا جيل. لو الشرطة أو الحكومة دخلت في النص، الأرض هتتسحب مننا إحنا الاتنين وهتتحفظ عليها."
كانت هذه هي الضربة القاضية.
انصدمت نغم صدمة جعلتها تترنح وكادت أن تسقط.
إذن، كل هذا الدم... كل هذا الثأر... كل هذه الكراهية التي غذوا أرواحهم بها... كانت من أجل لا شيء.
من أجل قطعة أرض لا يملكها أي منهم. مات الرجال، وتيتمت النساء، ودمرت حياة بأكملها من أجل سراب.
هنا، انفجر كل الألم الذي كانت تكبته.
لم تعد ترى جاسر عدوها، بل رأته تجسيدًا لهذه المأساة كلها.
انفجرت فيه بكل الوجع والقهر والاشمئزاز الذي شعرت به تجاه أهلها وتجاه نفسها وتجاهه.
صرخت فيه، والدموع تنهمر من عينيها كشلال.
"بكرهك... بكرهك وبكره أهلي وبكره اليوم اللي اتولدت فيه في العيلة دي. إنتوا قتلة، كلكم قتلة، موتوا بعض عشان حتة طين مش بتاعتكم! دمرتوا حياتي وحياة عمتك وحياة كل اللي حواليكم عشان وهم! عشان كبرياءكم وغروركم! أنا بكرهك يا جاسر بكرهك."
كانت تضربه على صدره بقبضتيها الصغيرتين، لكن ضرباتها كانت بلا قوة، كانت مجرد تعبير يائس عن روح محطمة.
لم يمنعها جاسر، بل ظل واقفًا كصخرة صماء يستقبل كل ضربة، كل صرخة، كل دمعة، وكأنه يمتص ألمها إلى داخله.
كان يسمح لها بتفريغ كل غضبها ووجعها عليه، لأنه في أعماقه، كان يعلم أنه يستحق كل هذا وأكثر.
وعندما انهارت قواها تمامًا، وتوقفت قبضتاها عن الحركة، بقيت متكئة عليه، تبكي بصوت مكسور ومبحوح.
لم تلاحظ حتى أنها تبكي على صدره، وأن وجهها غارق في قميصه، وأنها تبحث عن الأمان في حضن عدوها.
هو لاحظ. شعر بدفء دموعها تخترق قماشه، وشعر بارتجاف جسدها الصغير بين ذراعيه. تحركت يداه شوقًا للمسها، لاحتوائها، لضمها بقوة حتى تتلاشى كل هموم العالم.
لكنه لم يتجرأ. خاف.
لأول مرة في حياته، شعر جاسر بالخوف. خاف إن لمسها أن تنتكس حالتها، أن تظنها حركة سيطرة أخرى فتبتعد.
لكنه لم يستطع تركها هكذا.
برفق شديد أمسك بذراعيها وأبعدها عنه مسافة كافية ليجبرها على النظر إليه.
كانت عيناه تحملان عاصفة من المشاعر التي لم ترها من قبل: ألم، ندم، وغضب موجه نحو العالم كله.
قال بصوت أجش، صوت رجل يحمل جبالًا من الهم.
"وإنتي فاكرة إني مش بكره كل ده؟ فاكرة إني مبسوط بالدم ده؟ أنا اتولدت لجيت حالي في قلبه. وسط كل الكره والدمار ده... اتربيت على إيد واحد مبيرحمش، ميعرفش في حياته غير الكره. كل ده بسبب مين؟"
كانت تبكي بانهيار تهز رأسها بعنف وتضع يديها على أذنيها كأنها تستطيع بذلك أن تمنع كلماته من الوصول إلى عقلها الذي بدأ يتشقق فلم تعد تحتمل.
لكنه لم يرحمها من الحقيقة. أمسك بكتفيها وهزها ليس بعنف، بل بيأس يجبرها على النظر إليه، يجبرها على مواجهة الحقيقة التي هربت منها طوال حياتها.
صرخ في وجهها المبلل بالدموع، وصرخته لم تكن غضبًا منها، بل كانت استغاثة.
"ردي عليا وجولي بسبب مين! ذنبي إيه أعيش اللي عشته؟ ذنبي إيه أكبر وأنا شايف الكره في عينين كل اللي حواليا، وأتعلم إن الجسوة هي الطريقة الوحيدة عشان أعيش؟ كنت بتألم من كل اللي حواليا... محدش جرب مني إلا وأذيته. كنت وحش... لأني اتربيت عشان أكون وحش."
ثم فجأة توقف.
صمت، ارتخت قبضته قليلا، لكنه لم يتركها. تغير شيء ما في عينيه، في وقفته، في الهواء كله بينهما.
تحول الإعصار المدمر إلى هدوء مرعب، هدوء يحمل في طياته شيئًا أشد خطورة من الغضب.
"لحد ما حصلت حاجة واحدة... حاجة واحدة بس مكنتش عامل حسابها."
صمت للحظة، وعيناه تبحثان في أعماق عينيها الدامعتين بنظرة لم تكن تتخيلها يومًا.
لم تكن نظرة كره أو انتقام، كانت نظرة رجل يرى قدره لأول مرة.
"حبيتك..."
سقط اعترافه في وسط حطامها كقنبلة صامتة.
الكلمة التي لا تنتمي إلى عالمهما، الكلمة التي لا مكان لها بين الدم والثأر، وسط كل الكراهية التي صرخت بها في وجهه، قابلها هو بالكلمة الوحيدة التي لم تتوقعها أبدًا.
تجمدت في مكانها.
لم يقلها بنبرة عاشق متيم، بل قالها كحقيقة قاسية، كحكم أصدره على نفسه بنفس البرود والجبروت الذي يعلن به أي قرار آخر.
كان يعترف بحبه كما يعترف بحقيقة وجود الشمس، أمر واقع لا جدال فيه.
"وسط كل الكدب والدم... إنتي الحاجة الحقيقية الوحيدة الزينة اللي حصلتلي. بكره كل حاجة حواليا يا نغم... إلا إنتي."
رأى الارتباك والإنكار في عينيها، فتابع بوميض من العاطفة الخام التي لم يستطع كبحها.
"خابر إن ده مش هيغير حاجة، وخابر إنك بتكرهيني، وحقك. بس رايدك تعرفي إن كل اللي هعمله بعد كده، مش هيكون عشان التار، ولا عشان انتقام عيلتي."
تحول الوميض إلى نظرة عشق حارقة، نظرة امتلاك مطلق، نظرة رجل قرر مصيره.
"عشانك إنت."
كانت هذه هي الضربة القاضية. أغمضت عينيها بقوة، لا تريد أن تفتحهما بعد ما قاله.
لا تريد أن ترى ذلك العشق في عينيه، لو فعلت لانهارت كل دفاعاتها الهشة.
أفلتت نفسها من بين يديه وسارت بخطوات سريعة وعمياء، تتعثر في خطواتها حتى وصلت إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها، واستندت عليه وأنفاسها تتلاحق وقلبها يدق بعنف كأنه سيخرج من صدرها.
لقد ألقى بقنبلته الأخيرة. لم يطلب منها الحب، بل أخبرها بحبه كأمر واقع، كجزء جديد من المعادلة المعقدة بينهما. وأدركت نغم أن الحرب لم تنته، بل لقد بدأت للتو. حرب من نوع آخر، حرب أشد ضراوة.
حرب ضد مشاعره، وضد قلبها الذي بدأ يخونها بالرغم عنها، وضد الحقيقة التي أصبحت تعرفها الآن: أنها لم تعد تكره عدوها كما كانت تظن.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رانيا الخولي
كان الليل قد انتصف، لكن النوم لم يكن خياراً في عالمهما الجديد.
كان مالك يجلس على السرير، مسنداً ظهره على كومة من الوسائد المريحة، بينما تستقر روح بين ذراعيه رأسها على كتفه وظهرها على صدره القوي، في حضن يمثل لها الأمان المطلق.
لم يكن هناك صمت بل كان مالك يشاركها أعمق أسرار قلبه.
كان يمسك بهاتفه، ويتصفح ملاحظات قديمة يقرأ لها بصوته الهادئ والعميق خواطر وقصائد قصيرة كان يكتبها لها سراً على مر السنين.
"اليوم رأيتها تضحك من قلبها.
ضحكة تشبه الشمس بعد المطر.
ليتني أستطيع أن أضع هذه الضحكة في زجاجة،
وأحتفظ بها للأيام المظلمة"
منقولة "لشاعرة النيل"
جروب نسائم روائيه جروب رانيا الخولي
كانت روح تستمع وقلبها يذوب مع كل كلمة.
لم تكن تصدق أن هذا الحب كان موجوداً بهذا العمق، وبهذا الصدق طوال هذا الوقت وهي لا تعلم.
التفتت إليه بوجهها، وعيناها تلمعان بدموع التأثر.
_ إنت... إنت كنت بتحبني للدرجة دي يا مالك؟ كل ده وأنا معرفش؟
ابتسم مالك ابتسامة حزينة بعض الشيء.
أطفأ هاتفه ووضعه جانباً، ثم أدارها برفق لتصبح في مواجهته وجهها مقابل وجهه.
أمسك وجهها بين كفيه ونظر في عينيها بكل الحب الذي يسكنه.
وقال بصوت صادق.
_ وأكتر من إكده كمان، كل يوم كنت بشوفك فيه بتكبري قدامي، كان حبي ليكي بيكبر معاه وكل يوم كنت بشوفك فيه مع "عدي"، كنت بحس بسكينة بتنغرس في جلبي.
كنت بتعذب في بعدك عني، بتعذب وأنا شايفك بتحبي حد غيري وبتعذب أكتر لأني كنت مجبور أمثل دور ابن العم والأخ الكبير اللي بيخاف عليكي وبس كنت بموت في اليوم ألف مرة.
تجمعت الدموع في عيني روح وهي تستمع لاعترافه المؤلم.
مدت يدها ومسحت على خده بحنان.
_ وأنا كمان بحبك.
اعترفت أخيراً بالكلمة التي كانت حبيسة روحها.
_ يمكن معرفتش ده غير متأخر ويمكن كنت عمياء.
بس لما بفكر دلوجت، بلاجي إني كنت دايماً بدور عليك.
إنت كنت الأمان كنت السند، كنت الأب اللي اتحرمت منيه.
يمكن عشان إكده عشان الدور ده اللي إنت كنت بتجضيه بحب وافتكرته أبوه، أنا دورت على حاچة تانية عند عدي... دورت على حب المراهقة اللي خطفني ببريقه الكداب، ونسيت أبص على حب عمرى الحجيجي اللي كان جدام عيني.
كان اعترافها هو البلسم الذي شفي كل جراح الماضي في قلب مالك.
لم يعد هناك أي شيء يهم، لا سنوات العذاب ولا لحظات الألم.
كل شيء تلاشى أمام حقيقة أنها تحبه الآن.
مال عليها ببطء، وقبلها قبلة رقيقة، قبلة تحمل كل معاني الغفران والبدايات الجديدة.
ثم تعمقت القبلة لتصبح أكثر شغفاً أكثر لهفة.
كانت يداه تتجولان في شعرها، على ظهرها يجذبها إليه أكثر، كأنه يريد أن يدمجها بروحه.
همس بين قبلاتهما بأنفاس متقطعة
_ خلاص... مفيش بعد تاني.
إنتي بتاعتي، وأنا ملكك.
لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلمات وأخذها معه إلى عالمه الخاص.
لم يكن الأمر مجرد شغف جسدي، بل كان اتحاداً لروحين وجدتا طريقهما أخيراً إلى بعضهما البعض.
كانت كل لمسة، وكل همسة، وكل نظرة، تعبيراً عن حب انتظر طويلاً ليجد طريقه إلى النور، حبٌ كان مقدراً له أن يكون أبدياً.
❈-❈-❈
لم تعد صبر تخشى ارتداء ملابسها الجديدة في وجوده.
كانت كلمات ليان تتردد في أذنيها كتعويذة تمنحها القوة
"هو جوزك، وده حقك"
كانت تتحرك في المنزل بثقة مكتسبة حديثاً، ترتدي فستاناً بسيطاً يبرز جمالها وشعرها ينسدل بحرية على كتفيها.
كان أكمل في جحيم صامت كلما رآها، كان يجبر نفسه على إدارة وجهه على التركيز في أوراقه في شاشة هاتفه، في أي شيء سوى هي.
لكن الأمر كان أشبه بمحاولة تجاهل الشمس.
وجودها أصبح طاغياً مشعاً، ومن المستحيل تجاهله.
كان يختلس النظر إليها، ثم يوبخ نفسه ويعود إلى عمله، في حلقة مفرغة من المقاومة والاستسلام.
في تلك الليلة، وجدته صبر غارقاً في بعض الملفات على طاولة الطعام قررت أن الوقت قد حان لتنفيذ خطوتها التالية.
اقتربت منه بهدوء، وفي يدها أحد كتب الجامعة.
_ لو سمحت... أنا آسفة إني بعطلك، بس فيه حاچة هنا مش فاهماها خالص، والدكتور شرحها بسرعة.
رفع أكمل عينيه عن الأوراق، ووجدها تقف بجانبه قريبة جداً.
كانت رائحة جميلة ومنعشة تفوح منها، رائحة تشبه الياسمين والمطر.
نظر إلى الكتاب ثم إليها.
_ وريني.
أشارت إلى فقرة معقدة في الكتاب
لم يستطع التركيز وهي واقفة بهذا الشكل تنهد وقال
_ هاتي كرسي واقعدي جنبي هنا.
فعلت كما قال
جلست بجانبه وانحنى كلاهما فوق الكتاب المفتوح بدأ أكمل في الشرح، لكن صوته كان يخرج بصعوبة
كيف يمكنه التركيز وعطرها يلفه، وذراعها الناعمة تكاد تلامس ذراعه؟
غصب عنه كانت عيناه تزوغان
تهرب من سطور الكتاب لتستقر على تفاصيل وجهها وهي تركز في شرحه على رموشها الطويلة، على شفتيها الممتلئة قليلاً، على النبض الرقيق في عنقها.
ثم تهبط نظراته إلى منحنيات جسدها التي يبرزها الفستان برقة، فكان يشعر بحرارة تتصاعد في جسده ويجبر نفسه على العودة للكتاب.
استغرب من نفسه
هذه المشاعر بهذه القوة، كانت جديدة عليه تماماً
حتى مع خطيبته السابقة، كانت علاقتهما هادئة عقلانية أقرب للبرود،
لم يشعر يوماً بهذا الانجذاب الجارف، هذا الإحساس بأنه يفقد السيطرة
لم تكن مجرد رغبة، بل كان فضولاً قوياً لمعرفة هذه المرأة التي تجلس بجانبه، والتي كان يعتقد أنه يعرفها.
كان يسألها سؤالاً ليتأكد من فهمها، فتجيب بذكاء ثم تبتسم له ابتسامة صغيرة وواثقة.
كانت تلك الابتسامة تتلاعب بأنفاسه، تشعره بالارتباك وتفقده توازنه.
ثم فعلتها بحركة بدت عفوية تماماً، لكنها كانت مقصودة بدقة، أرجعت صبر رأسها للخلف قليلاً ونثرت شعرها الغجري ليبتعد عن وجهها.
في تلك اللحظة، شعر أكمل وكأنها سحبت كل الهواء من حوله.
رائحة شعرها، شكل عنقها وهي تميل رأسها، خصلات شعرها المتطايرة... كل هذا المشهد البسيط ضربه في الصميم بقوة لم يكن مستعداً لها.
توقف عن الشرح فجأة صمت لم يعد قادراً على النطق بكلمة واحدة.
كل ما كان يريده في تلك اللحظة هو أن يترك الكتاب، أن يميل نحوها، أن يدفن وجهه في ذلك الشعر ويستنشق عبيره حتى يغيب عن الوعي.
كانت معركة شرسة تدور بداخله بين وكيل النيابة الحازم الصارم، والرجل الذي بدأت مشاعره تتمرد عليه بعنف.
أغلق الكتاب فجأة وقال بصوت أجش حاول أن يجعله طبيعياً وفشل
_ كفاية كده النهاردة.
نهض سريعاً وابتعد، كأنه يهرب من ساحة معركة خسر فيها بالفعل، تاركاً صبر تنظر في أثره بابتسامة خفية، فقد أدركت للتو أن سهامها قد بدأت تصيب هدفها بدقة.
في اليوم التالي، كانت صبر تنتظر ليان عند مدخل الكلية بفارغ الصبر.
ما إن رأتها قادمة، حتى أسرعت نحوها بابتسامة واسعة.
_ ليان! مش هتصدجي إيه اللي حوصل امبارح!
جلستا على أقرب مقعد، وحكت لها صبر كل التفاصيل بحماس؛ كيف ارتدت الفستان، وكيف خرجت أمامه، ونظرته المصدومة، وحجتها بكتاب الجامعة، وقربهما على الطاولة، وارتباكه الواضح وهروبه في النهاية.
انفجرت ليان في ضحكة صافية ومرحة.
_ مش قولتلك أهو بدأ يقع ومش عارف نفسه! الراجل اللي عامل فيها وكيل نيابة جامد ده، طلع قلبه ضعيف قدامك.
برافو عليكي يا صبر، خطتنا نجحت
لازم تكملي على كده، متتراجعيش دلوقتي أبداً.
ابتسمت صبر بسعادة، فشعور النصر الصغير هذا كان جديداً عليها.
ثم نظرت إلى صديقتها بفضول حقيقي.
_ إنتي دايماً بتساعديني وتديني القوة يا ليان، بس أنا معرفش عنك حاجة تقريباً، إيه حكايتك؟
تغيرت ملامح ليان قليلاً، تلاشت الضحكة وحل محلها حنين ممزوج ببعض الألم تنهدت وقالت
_ حكايتي طويلة شوية.
صمتت للحظة ثم بدأت تحكي بصوت هادئ
_ أنا متجوزة يا صبر عن حب
حب كان زي الحواديت.
قابلته وهو كان لسه بيبدأ حياته، حالته على قده، بس كان عنده طموح يهد جبال.
أنا وقفت جنبه وآمنت بيه لما محدش آمن.
كنت بشتغل معاه وبساعده، وواحدة واحدة ربنا كرمنا ومشرعه الصغير كبر وبقى اسم كبير في السوق.
كانت صبر تستمع باهتمام، متأثرة بالقصة.
أكملت ليان بمرارة خفيفة
_ أهله... أهله عمرهم ما حبوني كانوا شايفيني بنت من مستوى أقل، لأن بابا كان واحد بتاع مزاج كانوا بيكرهوني كره العما ولما ربنا فتحها عليه، كرههم زاد.
بدأوا يحطوا فتنة بينا، يملوا ودانه بكلام وحش عني، يخترعوا مشاكل وللأسف هو بدأ يتأثر.
كتر الضغط خلاه عصبي، وبقينا بنتخانق على أتفه الأسباب.
أخذت نفساً عميقاً، وكأنها تسترجع ألماً قديماً.
_ من فترة وفي وسط خناقة كبيرة، قالي إنه تعب، وإنه مش عارف المشكلة فينا ولا في اللي حوالينا طلب مني ندي لنفسنا فرصة أخيرة قالي: "هنبعد عن بعض فترة، نعيش كل واحد لوحده، ونشوف... هنقدر نتحمل البعد ده ولا لأ.
لو مقدرناش، يبقى حبنا أقوى من أي حاجة وهنرجع ونواجه الدنيا كلها
ولو قدرنا، يبقى كل واحد يروح لحاله بهدوء"
اتسعت عينا صبر بصدمة.
_ وإنتي وافجتي؟
هزت ليان رأسها.
_ وافقت.
أخدلي شقة لوحدي محدش يعرف مكانها غيرنا إحنا الاتنين، عشان نبعد عن ضغط أهله وسيبت معاه البنت عشان محدش يشك في غيابها لانها متعودة تروح معها كل يوم بالليل عند مامته
وأنا رجعت أكمل جامعتي اللي كنت سبتها عشانه أهو... بنجرب.
تأثرت صبر بشدة بقصة صديقتها، بقوتها وصبرها.
رأت فيها نموذجاً للمرأة القوية التي تحارب من أجل حبها وحياتها.
في تلك اللحظة، لم تعد ليان مجرد صديقة جامعة، بل أصبحت أختاً ورفيقة درب.
مدت صبر يدها وأمسكت بيد ليان بقوة.
_ هترچعوا لبعض أنا متأكدة
الحب الحجيجي بينتصر في الآخر.
ابتسمت ليان بامتنان، ومنذ تلك اللحظة، أصبحت صداقتهما أقوى وأمتن، فقد جمعتهما جراح الحب والأمل في غدٍ أفضل.
❈-❈-❈
كان الليل قد أرخى سدوله على حديقة القصر، والهدوء لا يقطعه سوى صوت همسات العشاق كان مالك وروح يجلسان تحت شجرة ضخمة وقديمة، شاهدة على أجيال من حكايات العائلة.
كان مالك يسند ظهره العريض على جذع الشجرة، وقد ثنى إحدى ركبتيه لتكون مسنداً مثالياً لروح التي أسندت ظهرها عليه، مستمتعة بدفء جسده وقربه الآمن الذي كان بمثابة وطن لها.
_الشجرة دي عارفة عني أكتر من أي حد في الدنيا.
همس مالك بصوت عميق وهو يمرر أصابعه في خصلات شعرها، يستنشق رائحتها التي أصبحت إدمانه.
_كنت باجي أجعد هنا بالساعات بالليل، وأفضل باصص على شباك أوضتك.
نظرت إليه روح بدهشة محببة، ورفعت رأسها لتستطيع رؤية ملامحه في ضوء القمر الخافت.
أكمل وهو يبتسم ابتسامة حالمة، ابتسامة كانت تحمل كل حنين الماضي.
_كنت بجعد وأجول لنفسي، يمكن بالصدفة تطلع، يمكن ألمح خيالها كنت بكلمك في سري، وأحكيلك إزاي بحبك، وإزاي يومي كان ناجص من غيرك.
المكان ده كان هو اللي شاهد على حبي، وعلى كل اه خرجت مني وأنا شايفك بعيدة.
تنهدت روح بسعادة وهي تدفن وجهها في صدره أكثر، كأنها تريد أن تشعر بكل كلمة قالها.
_وأنا... أنا كنت بحس بيك.
اعترفت بصوت خافت، كأنه سر مقدس.
_كنت ساعات أجف في الشباك وأبص على الچنينة الضلمة دي، وأحس إن فيه حد بيفكر فيا، حد بيحميني حتى من بعيد مكنتش أعرف إنه إنت، بس جلبي كان عارف كان دايماً بيطمن لما أبص ناحية الشجرة دي.
رفع مالك وجهها إليه برفق، ونظر إلى شفتيها وهي تنطق بكلمات الحب التي انتظر عمراً ليسمعها لم يعد قادراً على المقاومة كل كلمة كانت تخرج منها كانت تزيد من نيران الشوق في قلبه وفجأة، دون سابق إنذار، جذبها إليه بقوة وقبّلها.
لم تكن قبلة عادية كانت قبلة مجنونة، عميقة خرج فيها كل حبه، كل انتظاره، وكل لهفته كانت قبلة شرسة، تمتلكها بالكامل وكأنه يريد أن يطبع روحه على روحها، أن يمحو كل أثر للألم والمسافات التي كانت بينهما
طالت القبلة حتى شعرت روح بأن أنفاسها قد سُرقت منها تماماً، وأن العالم كله قد ذاب ولم يبق سوى هو.
عندما ابتعد عنها أخيراً، شهقت روح بقوة وهي تحاول التقاط أنفاسها، وضربته على صدره ضربة خفيفة ومداعبة، ووجنتاها متوردتان.
_كنت هتموتني!
نظر إليها مالك بعينين تلمعان بشغف، وابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيه.
_ما أنا فعلاً هموتك... بس لما نطلع أوضتنا.
قال بصوت أجش يحمل وعداً صريحًا.
_دي كانت مجرد تمهيد للي هعمله فوج.
انفجرت روح في ضحكة رنانة ومرحة، ضحكة صافية أضاءت ليل الحديقة لكن ضحكتها لم تكتمل، فقد كتمها مالك بقبلة أخرى، أشرس وأعمق من الأولى، وكأنه يدمن طعم شفتيها ولا يستطيع الاكتفاء كان يغرق فيها، وهي تغرق فيه، في دوامة من الشغف والحب الذي لا ينتهي.
وفي وسط هذه اللحظة المشتعلة، قطع عليهما صوت ساخر ومألوف قادم من بعيد.
_يا جماعة ليكم أوضة تلمكم تعملوا فيها اللي إنتوا عايزينه! إحنا برضك في مكان عام!
ابتعد مالك وروح عن بعضهما بسرعة وهما يضحكان، ليريا سند يقف على شرفة قريبة، يراقبهما بابتسامة متسلية وحاجبان يلعبان لى مالك، معلنًا نهاية خلوتهما الرومانسية في الحديقة.
جبر يلم العفش كلايته قالها مالك وهو ينظر إليه تبرم…
❈-❈-❈
مرت أيام ثقيلة بعد المواجهة العاصفة في الحديقة.
ساد صمت جليدي بين جاسر ونغم لكنه كان صمتاً من نوع مختلف.
لم يعد صمت الكراهية والعداء، بل صمت الحيرة والألم، صمت شخصين تحطمت عوالمهما ولا يعرفان كيف يجمعان الحطام.
كانت نغم تتجنبه لأن رؤيته تذكرها بالحقيقة المرة، وكان هو يتجنبها لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع مشاعره التي اعترف بها، ولا كيف يداوي جرحها العميق.
والدته كانت تراقبهما عن كثب
بعين الأم الخبيرة، رأت ما لم يرياه هما.
رأت أن ابنها جاسر القاسي قد تغير حقاً، وأن نغم لم تعد مجرد زوجة على الورق، بل أصبحت تسكن قلبه وروحه.
ورأت في ابتعادهما الحالي ليس كرهاً، بل حباً ضائعاً لا يعرف طريقه.
قررت في نفسها أنها يجب أن تتدخل، أن تجد طريقة لتقريب المسافات بينهما قبل أن تضيع الفرصة.
لكن القدر كان له رأي آخر.
في أحد الأيام، رن هاتف جاسر
كان عمه على الطرف الآخر، ونبرته كانت عاجلة ولا تحتمل النقاش.
"تاجى السرايا فوراً، موضوع مهم"
ذهب جاسر إلى سرايا عمه، وشعر بقبضة باردة تعتصر قلبه، فزيارات كهذه لا تبشر بالخير أبداً.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة وحزينة على الأرض، بينما كان جاسر يشق طريقه نحو سرايا عمه
دلف من البوابة الحديدية وترجل من السيارة
لم يكن يسير بخطواته الواثقة المعتادة، بل كانت خطواته أثقل كأنها تحمل هموم العالم قبل أن يصل إلى البوابة الداخلية، انحرف مساره غريزيًا نحو الإسطبلات، أو ما تبقى منها رائحة الحريق الباهتة ما زالت عالقة في الهواء، شاهدة صامتة على الخراب.
هناك في حظيرة منعزلة تم تجهيزها على عجل، وقف "بركان".
لم يعد الجواد الأصيل الذي يشق الريح كاسمه، بل أصبح كتلة من الألم الصامت كان جسده القوي مغطى بضمادات في أجزاء كثيرة، والجلد المحروق تحته كان يؤكد بعمق الإصابة.
كان واقفًا بصعوبة رأسه منحنٍ، وعيناه الكبيرتان الجميلتان، اللتان كانتا تلمعان بالحياة والفخر، قد انطفأت وأصبحت غائرتين، تعكسان عذابًا لا يُحتمل.
بجانبه كان يقف الطبيب البيطري، رجل مسن قضى حياته في رعاية الخيول وملامحه تحمل من الحزن والأسى ما يعادل ألم الحيوان نفسه.
اقترب جاسر بخطوات بطيئة، وشعر بقلبه ينقبض مع كل خطوة.
هذا الحصان لم يكن مجرد حيوان، كان رفيق صباه الشاهد الوحيد على لحظات نادرة من الحرية والهدوء بعيدًا عن صراعات العائلة.
كان رمزًا للقوة والجمال الذي لم يلوثه الكره.
_إيه الأخبار يا دكتور؟
قالها جاسر بصوت أجش، وهو يتجنب النظر مباشرة إلى عيني الحصان، كأنه يخشى أن يرى فيهما لومًا أو استجداءً للرحمة.
تنهد الطبيب بعمق، وخلع قبعته احترامًا للألم الذي يملأ المكان.
_الحجيجة يا جاسر بيه... مفيش أخبار زينة الحرج من الدرجة الثالثة، وعميق جدًا الجلد والأنسجة اللي تحته اتدمرت.
حاولنا بكل المسكنات، وبكل الأدوية بس الألم أكبر من أي علاج هو بيعاني... بيعاني جوي.
صمت الطبيب للحظة، يختار كلماته بعناية، ثم قال ما كان يخشى جاسر سماعه.
_بصراحة... الأفضل ليه إننا نريحه مفيش أمل في الشفا، وكل يوم زيادة هو يوم عذاب زيادة عليه.
سقطت كلمات الطبيب على قلب جاسر كقطعة من الجليد الحارق.
"نريحه"
كلمة لطيفة لوصف فعل قاسٍ وضروري الموت الرحيم.
تقدم جاسر ببطء حتى وقف أمام "بركان"
مد يده المرتجفة ولمس رقبته في الجزء الوحيد الذي نجا من الحريق.
شعر بارتعاش جسد الحصان تحته ليس من الخوف، بل من الألم المتواصل.
رفع الحصان رأسه بصعوبة، وأطلق صهيلاً خافتًا ومتقطعًا، صهيل لم يكن فيه قوة بل كان أنينًا مكتومًا استغاثة صامتة.
في تلك اللحظة انهار شيء ما بداخل جاسر هذا الحصان القوي الجميل، الذي كان يمثل كل ما هو حي وأصيل في حياته، أصبح الآن مجرد جسد ينتظر الخلاص من عذابه.
شعر بأن هذا المشهد هو تجسيد لحياته كلها.
كل شيء جميل يقترب منه، يحترق كل شخص يحاول أن يجد فيه ملاذًا، يضيع
والده، عمه، عائلته التي تمزقت، والآن حتى رفيقه الصامت... كلهم يضيعون، يتركونه وحيدًا وسط حطام معاركه.
أغمض عينيه بقوة، وشعر بحرقة في حلقه لم تكن دموعًا، فهو نسي كيف يبكي بل كان ألمًا خامًا شعورًا بالعجز المطلق أمام قسوة الايام التى تبدو أنها تصر على أن تسلبه كل شيء.
فتح عينيه، ونظر إلى الطبيب بنظرة فارغة وميتة.
_اعمل اللازم.
قالها بصوت خافت ومكسور، ثم استدار بسرعة غير قادر على تحمل المشهد لثانية أخرى سار مبتعدًا، وظهره المستقيم يخفي انهيارًا داخليًا عنيفًا.
لم ينظر خلفه لكنه كان يسمع في رأسه ذلك الصهيل الأخير، صهيل الوداع الذي سيظل يطارده إلى الأبد، ليذكره دائمًا بأن كل من يحبهم وكل ما هو قريب منه مصيره في النهاية... أن يضيع.
خرج جاسر من الإسطبلات، تاركًا خلفه جزءًا من روحه يموت مع حصانه
أعاد بناء جداره الجليدي بسرعة، تلك القوة الظاهرية التي كانت درعه الوحيد في مواجهة عالم لا يرحم.
لكن خلف هذا الجدار، كان قلبه مقسومًا ينزف حزنًا صامتًا على "بركان"، وعلى كل الخسارات التي تراكمت في حياته.
ما إن دخل إلى بهو السرايا، حتى وجد عمه صخر ومعه بعض كبار العائلة، وجوههم متجهمة وصارمة كقضاة في محكمة.
كان الهواء مشحونًا بالترقب، وشعر جاسر بأن هناك مصيبة أخرى في انتظاره.
قال عمه مباشرة دون مقدمات، وصوته كان كصوت الصخر الذي يحمل اسمه.
_اللي كنت عامل حسابه حوصل يا ابن اخوي.
رد جاسر بصوت هادئ ومسيطر عليه، يخفي به العاصفة التي تدور بداخله.
_خير يا عمي؟
_البلد كلها بتتحدت، بيجولوا إنك تركت بت عمك اللي كانت على اسمك سنين عشان كانت معيوبة، واتجوزت بنت تانية عشان توهرب منيها
سمعتنا بجت في الأرض، وكلام الناس مبيرحمش.
شعر جاسر بالأرض تميد به كان الأمر كمن يطفئ حريقًا في صدره، ليجد أن ظهره يحترق.
لقد كان مشغولاً بمعركته مع نغم، وبألمه على حصانه، لدرجة أنه نسي تمامًا هذه القنبلة الموقوتة.
لم يمنحه عمه فرصة للرد أو التفكير أشار إلى غرفة جانبية، فخرج منها المأذون، يمشي بخطوات بطيئة كأنه رسول الموت قال عمه بحزم قاطع، لا يقبل النقاش.
_مفيش حل تاني يا ولدى.
لازم نخرس ألسنة الناس هتكتب كتابك على بت عمك دلوجت حالاً.
كان الأمر أشبه بكابوس نظر جاسر حوله رأى الإصرار في عيون الجميع، ورأى العادات والتقاليد كأسوار من حديد تطبق على عنقه، تسحقه بلا رحمة
شعر بعجز لم يشعر به من قبل هو جاسر التهامي الذي يفرض إرادته على الجميع، أصبح الآن سجينًا لثرثرة الناس وقرار عمه
رفضه سيعني إهانة لعمه، وتأكيدًا للشائعات وإشعالاً لنار جديدة لن تنطفئ لقد وُضع أمام الأمر الواقع وحُكم عليه.
شعر بسخرية مريرة كان ينقصه هذا فقط بعد أن فقد حصانه، وبعد أن اعترف بحبه لنغم، يأتي هذا الامر ليلقي في وجهه بهذه المهزلة.
جلس وكتب كتابه على شروق، وهو يشعر بأن روحه تنسحب منه قطرة قطرة.
مع كل كلمة يقولها المأذون، كان يشعر بخنجر جديد يُغرس في قلبه، ليس من أجله هو فهو معتاد على الألم، بل من أجل نغم جرح جديد وعميق سيضاف إلى جروحها التي لم تلتئم بعد.
كيف سيخبرها؟ كيف سينظر في عينيها بعد الآن؟
اتخذ قراره في تلك اللحظة، قرارًا يائسًا ولد من رحم العجز لن يخبرها
سيخفي عنها هذا الزواج، سيتحمل هذا الألم وحده، سيعيش في هذا الجحيم بمفرده
لا يمكنه أن يضع حملاً جديداً على كتفيها المحطمتين سيبني جدارًا آخر، جدارًا يفصل بين حياته معها، وحياته مع هذا الزواج الباطل.
بعد أن انتهت هذه المهزلة، خرج من السرايا كأنه جثة متحركة لم يصافح أحدًا، ولم يرد على أي تهنئة قاد سيارته بلا وعي، لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكن قلبه كان يقوده إلى مكان واحد فقط
إلى نغم كان يحتاج أن يراها، أن يتأكد أنها حقيقية، أنها ملاذه الوحيد في هذا العالم الذي انهار فوق رأسه كان يهرب من جحيمه، إلى جحيم آخر، لكنه جحيم اختاره بنفسه، جحيم يحمل وجهها.
كان محتاجاً لرؤيتها، محتاجاً لأن يستمد منها بعض القوة ليتحمل ما هو قادم.
كان محتاجاً لها، أكثر من أي وقت مضى، أن يرتمي في حضنها ويخفي وجهه عن العالم كله.
عندما دخل الجناح، كانت عيناه تبحثان عنها في كل مكان كغريق يبحث عن طوق نجاة
لم يجدها
اتجه مباشرة إلى غرفتها، وفتح الباب ببطء، كأنه يخشى أن يجدها قد اختفت هي الأخرى.
وجدها هناك نائمة على سريرها وملامحها هادئة وبريئة غافلة تمامًا عن العاصفة الجديدة التي حلت بحياتهما.
نظر إليها طويلاً وفي عينيه ألم وحب وحنان لا حدود له لم يستطع المقاومة أغلق الباب خلفه بهدوء، واقترب من الفراش.
لم يرد أن يوقظها فقط أراد أن يكون بقربها، أن يستمد من هدوئها بعض السكينة.
خلع حذاءه وسترته واستلقى بجانبها على طرف السرير فوق الغطاء بكامل ملابسه لم يلمسها، فقط استلقى هناك يستمع إلى أنفاسها المنتظمة، ويشعر بأن وجوده بجانبها هو الشيء الوحيد الحقيقي والصادق في هذا العالم المليء بالخداع والألم.
استلقى جاسر بجانبها صامتاً كشبح، وعيناه تتجولان على وجهها النائم بنهم كان يلتهم كل تفاصيلها، من خصلات شعرها المتناثرة على الوسادة، إلى رموشها الطويلة التي ترسم ظلاً رقيقاً على خديها كانت تبدو هادئة، بريئة، بعيدة كل البعد عن الجحيم الذي يعيشه.
توقفت عيناه عند شفتيها كان جائعاً لهما منذ أن ذاقهما أول مرة، لقد أصبح مدمناً
كان طعمهما لا يزال عالقاً في ذاكرته، يطارده في صحوه ومنامه شعر برغبة عارمة رغبة مؤلمة، في أن يميل نحوها ويقبلها
أن يسرق منها لحظة من النسيان، لحظة ينسى فيها "شروق" والعادات والتقاليد وكل هذا الألم.
وبينما هو غارق في صراعه الداخلي، تفاجئ بها تفتح عينيها ببطء، كأنها شعرت بوجوده بثقل حزنه في الغرفة التقت نظراتهما في صمت، نظراته الجائعة المعذبة بنظراتها النعسة التي سرعان ما تحولت إلى دهشة حذرة.
ما إن استوعبت نغم قربه الشديد، حتى انتفضت مبتعدة إلى أقصى طرف السرير، وسحبت الغطاء حولها كدرع واقٍ
لم تصرخ لكن عينيها كانتا تصرخان بالرفض والارتباك.
_انت...انت بتعمل ايه أهنه؟
كان أسرع منها قبل أن تتمكن من النهوض أمسك بذراعها برفق، لكن بقوة لا تسمح لها بالحراك وهمس بصوت متحشرج، صوت رجل على حافة الانهيار، صوت لم يعد فيه أثر للكبرياء.
_خليكي... خليكي معايا... أنا محتاچلك.
كانت هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها هذا الرجاء في صوته لم يكن أمراً لم يكن تهديداً، بل كان توسلاً صادقاً من روح جريحة رأت في عينيه حزناً عميقاً، وهناً لم تره فيه من قبل
للحظة تردد قلبها وشعر بشفقة نحوه، لكن صوت كرامتها الجريحة كان أعلى.
تصلبت ملامحها وسحبت ذراعها من قبضته وبحركة فاجأته ابتعدت عنه إلى أقصى طرف السرير، ووقفت ووجهها يعبر عن رفض متردد.
_لأ.
قالتها بصوت يرتجف قليلاً.
_مش هفضل، أنا مش الدوا اللي بتيچي تاخده لما تتعب من الدنيا.
نظر إليها بصدمة ليس صدمة المجروح، بل صدمة الأسد الذي لا يتوقع أن يتجرأ أحد على تحديه في عرينه خاصة في هذه اللحظة كان يعتقد أن اعترافه بحبه قد منحه نوعًا من السلطة على قلبها.
تابعت وهي تجمع شجاعتها، وكلماتها تخرج متقطعة لكنها حادة
_انت كسرتني ودمرت حياتي، ودلوجت لما انكسرت أنت چاي تدور على اللي يداويك؟ أنا مش هكون هي.
استدارت لتخرج من الغرفة، لتفر من هذا القرب الخانق الذي يضعفها أمامه، من عينيه التي كانت تسلبها إرادتها. لكنه كان أسرع.
في حركة واحدة نهض من السرير ووقف أمام الباب، يغلق عليها طريق الهروب بجسده.
لم يلمسها لكن وجوده كان سجنًا بحد ذاته.
_مينفعش تخرچي.
قالها بصوت أجش، ليس كتوسل لكن كحقيقة لا مفر منها، انه يحتاجها بكل كيانه
اقترب منها خطوة، وانخفض صوته إلى همس، همس يحمل كل ثقله وسلطته رغم الألم الذي يمزقه.
_أنا مقولتلكيش خليكي عشان تداويني، لأن اللي جوايا مفيش شيء في الدنيا ممكن يداويه.
غامت عينيه بحزن يجاهد كبرياءه أن يخفيه
_ أنا بطلب منك تخليكي عشان ده مكانك.
قالها وهو يمسك يدها الواهنة ليضعها على قلبه
_أنتي مرتي ومكانك جنبي، سواء كنت بموت أو كنت عايش على الدنيا.
رأى الدموع تتجمع في عينيها، ورأى عنادها ورأى خوفها
مد يده ببطء وبأطراف أصابعه، مسح دمعة هربت على خدها.
كانت لمسته كالجمر، لكنها كانت أيضًا لمسة مالك.
همس وهو ينظر في عينيها مباشرة، وعيناه تلمعان بصدق مؤلم لا يتنافى مع قوته.
_أنا خابر إني أذيتك، وخابر إني مستاهلش منك أي حاچة بس أنا بموت يا نغم...
تاهت نظراتها أمام ذلك الرجاء الذي برغم كبرياءه إلا أنه صادق حقا
_روحي بتتسحب مني لدرجة الموت، النهاردة اتجبرت على موت تاني.
صمت للحظة، ليس كمن يستجدي الشفقة بل كمن يقرر حقيقة كونية.
_وأنا مش عايز أموت وانا لوحدي.
لم تفهم معنى جملة "اتجبرت على موت تاني"، لكنها فهمت عمق الألم الذي يحمله وفهمت رجاءه المبطن في كلماته الأخيرة حتى في أحلك لحظاته ضعفاً، كان يحاول التشبث بآخر خيوط شموخه، لكن هذا الخيط كان على وشك الانقطاع.
جالت عيناه على ملامحها بشغف كغريق يرى يابسته الأخيرة
ثم في لحظة حاسمة انهار كل شيء. انهار كبرياؤه، وشموخه، وجبروته
رفع يده المرتجفة، لا ليلمسها بلمسة مالك بل بلمسة محب عاشق
_أنا مش بطلب منك تحضري موتي...
همس بصوت مكسور، صوت لم يعد فيه أثر للقوة، صوت رجل يعترف بهزيمته الكاملة.
_أنا بطلب منك تمنعيني أموت.
رفع عينيه ونظر إليها، وكانت عيناه بحرًا من الألم والرجاء والحب.
لم يعد هناك شموخ، لم يعد هناك كبرياء كان هناك فقط هو بكل ضعفه، بكل احتياجه يستسلم بكل كيانه أمامها.
أمام الإنسانة الوحيدة التي أصبح الضعف والاستسلام أمامها مباحًا.
_أنا ضعت يا نغم... كل حاچة راحت مني خليكي معايا... متسبنيش.
كان هذا هو السلاح الذي لا يمكن مقاومته ليس قوته، بل ضعفه المطلق ليس جبروته، بل استسلامه الكامل هذا الرجاء الصادق، وهذا الحب الجارف الذي رأته في عينيه، كانا كافيين لتحطيم كل دفاعاتها.
لم يعد هناك مجال للتفكير لقد استسلمت ليس لإرادته، بل لقلبها الذي لم يعد يحتمل رؤيته بهذا الانكسار.
أغمضت عينيها، وتنهدت تنهيدة طويلة خرج معها كل ما تبقى من مقاومتها استرخت عضلاتها المتوترة، وأومأت برأسها إيماءة خفيفة، كأنها تمنحه الإذن ليس فقط بالبقاء، بل بالاقتراب أكثر.
تنهد جاسر بارتياح، وكأن جبلاً قد أزيح عن كاهله
لم يقل شيئًا، بل اكتفى بأن يضمها إليه، ليس بحدة أو شغف، بل ضمها كمن يضم شيئًا ثمينًا وهشًا يخشى أن يفقده دفن وجهه في عنقها، يستنشق رائحتها كأنه يستنشق الحياة نفسها.
شعرت نغم بارتجاف جسده، وأدركت أنه لم يكن يمثل لقد كان منهارًا بالفعل.
وفي تلك اللحظة وهي بين ذراعيه، أدركت أن مصيرهما قد ارتبط بشكل لا فكاك منه لم تعد قادرة على الرفض، ولم تعد تريد ذلك، لقد أصبح ألمه ألمها واحتياجه احتياجها.
لقد استسلمت ليس لإرادته بل لإرادة قلبها الذي اختار طريقه أخيرًا.
تنهد جاسر بارتياح، وكأن جبلاً قد أزيح عن كاهله.
مال نحوها ببطء، وقبلها، كانت قبلته هذه المرة مختلفة تماماً.
كانت هادئة حنونة مليئة بالأمان
لم تكن قبلة شغف عنيف، بل كانت قبلة رجل يبحث عن ملجأ، عن ميناء يستريح فيه من عواصف الحياة شعرت نغم بأمان لم تشعر به من قبل، أمان جعل كل دفاعاتها تنهار.
بدأت يده تتجرأ تتحرك على خصرها، على ظهرها تجذبها إليه أكثر.
مع كل لمسة، كانت نغم تحاول أن تقاوم أن تبتعد لكنه كان ينظر إليها بعينيه المليئتين بالرجاء والألم، نظرة صامتة تقول "لا تتركيني"، فكانت تستسلم مرة أخرى، وتذوب بين ذراعيه.
لا تعرف كيف وصل بها إلى الفراش وكيف جردها من كل مقاومتها
وشيئاً فشيئاً، استسلمت بالكامل.
مشاعرها التي وصفتها بالخيانة، قامت بدورها الحقيقي، دور الحب المكتوم الذي كان ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر
وسمحت له بأن يأخذها إلى عالمه.
كان حنوناً عليها لدرجة لم تكن لتتخيلها
أبداً لم يكن هذا جاسر القاسي الذي عرفته، الذي كان مستعداً لتدميرها كان هذا رجلاً آخر، رجلاً عاشقاً جريح يبحث عن الخلاص في حضنها.
كانت لمساته رقيقة، وهمساته دافئة، وكل حركة منه كانت تحمل اعتذاراً عن كل ألم سببه لها.
وفي لحظة ما شعرت بألم حاد، ألم أكد لها الحقيقة التي لا رجعة فيها.
أنها لم تعد نغم الفتاة، بل أصبحت زوجته بالكامل، أصبحت ملكه ولم يعد هناك أي مجال للتراجع لقد اتحد مصيرهما في تلك الليلة، ليس بعقد على ورق بل بروحين وجسدين أصبحا واحداً.
❈-❈-❈
كانت صبر تجلس كعادتها على طاولة السفرة غارقة في كتبها الجامعية، لكن هذه المرة كان كل شيء مختلفاً كانت ترتدي فستاناً قطنياً بسيطاً بلون الكرز، لكنه كان أقصر مما ارتدته يوماً، يكشف عن جمال ساقيها الممشوقتين.
ترددت كثيراً قبل أن ترتديه، لكن إصرار ليان عبر الهاتف وتشجيعها المستمر منحاها الجرأة الكافية.
عندما دخل أكمل من الباب، بدا عليه الإرهاق من يوم عمل طويل.
ما إن رأته، حتى نهضت واقفة بشكل تلقائي وشعرت بالدم يتدفق إلى وجهها.
كان خجلها حقيقياً ومربكاً.
وقفت أمامه في قمة ارتباكها، تلوم نفسها في سرها على موافقة ليان على هذه الفكرة الجريئة.
في محاولة للهروب من نظراته المصدومة التي ثبتت عليها، سألته بصوت متقطع
_ أحضرلك العشا؟
وافق أكمل على الفور ليس لأنه جائع بل ليمنحها سبباً للابتعاد عن نظره، لأن مشاعره لم تعد مضمونة على الإطلاق.
مشت صبر نحو المطبخ وهو يتابعها بعينيه، يراقب خطواتها التي بدت أكثر أنوثة وثقة.
ألقى بجسده على الأريكة في الصالة، لكنه كان قراراً خاطئاً.
من مكانه كان يراها بوضوح وهي تتحرك في المطبخ.
الفستان القصير مع كل حركة منها، مع كل انحناءة بسيطة كان يرسل موجات من التوتر في جسده.
كان مشهداً بسيطاً لكنه كان يعذبه.
قاوم رغبته في النهوض
قاوم رغبته في الذهاب إليها.
لكن في النهاية انهارت مقاومته.
وجد نفسه واقفاً عند مدخل المطبخ يستند على الحائط، ويأكلها بعينيه وهو يراقبها بصمت.
عندما لاحظت صبر وجوده، التفتت إليه فجأة وشعرت بخجل شديد وبندم حقيقي على ارتداء هذا الفستان
نظرات أكمل كانت مختلفة هذه المرة، لم تكن مجرد دهشة بل كانت نظرات جائعة تمتلكها وترعبها.
قررت أنها لا تستطيع التحمل أكثر، يجب أن تهرب، أن تغير ملابسها وتعود إلى قوقعتها الآمنة.
تحركت لتخرج من المطبخ لتمر من أمامه، لكن ما إن اقتربت حتى مد يده وأمسك بذراعها، وسحبها إليه ومنعها من المشي.
التصق جسدها بجسده ونظر في عينيها مباشرة.
رأى فيها كل شيء رأى رغبتها في إثارة انتباهه، ورأى خجلها الذي يعذبه أكثر.
رأى حباً دفيناً وحزناً وكسرة، ولهفة. رأى كل هذه المشاعر المتناقضة تدور في عينيها الجميلتين.
وهنا، سألها بصوت أجش وعميق
_ إنتي عايزة إيه يا صبر؟
ارتبكت تماماً، لم تعد تعرف ماذا تقول
بلعت ريقها بصعوبة بحركة عفوية لكنها أرهقت قلبه أكثر، ونظرت في عينيه التي كانت تشتعل بالرغبة، قالت الكلمة التي قفزت من قلبها إلى لسانها رغماً عنها
_ مش عايزة.
جالت عينيه على ملامحها بشغف كبير ورغبة واضحة
_وضحي مش عايزة ايه.
اهتزت نظراتها أمام نظراته التي تلتهمها بشكل واضح دون احراج
اخفضت عينيها بخجل شديد وتمنت لو الأرض انشقت وابتلعتها
ارادت الفرار لكن إلى أين
_ردي..
رفعت عينيها فجأة إثر طلبه فرأت في عينيه نظرة لم تتخيل يوماً أن تراها بعينيه، نظرة مليئة بالعشق
رفع أكمل أنامله ومررها على وجنتها مروراً بشفتيها الرخوة وتمتم بصوت مثقل بالمشاعر
_لو لسانك مقلش فنظراتك قالت اللي عايز اعرفه.
وفي تلك اللحظة سقطت كل حصون أكمل
هذا الاعتراف غير الصريح، الذي خرج من قلبها ببراءة وعفوية، كان هو الشرارة التي أشعلت كل شيء.
كان كل ما يحتاجه أكمل ليسقط قناع البرود واللامبالاة الذي تحصن به طويلاً.
نظر إليها ولأول مرة لم يرها كمسؤولية أو ورطة، بل رآها كأمنية، كحلم لم يجرؤ حتى على الحلم به.
_وأنا كمان... عايز قلبك.
قالها بصوت أجش، صوت رجل وصل إلى أقصى درجات الشوق وفي لمح البصر، قبل أن تستوعب صبر معنى كلماته وجدت شفتيه على شفتيها.
في قبلة لم تكن عادية كانت قبلة متلهفة، جائعة تحمل كل المسميات.
كانت هجومًا كاسحًا على كل دفاعاتها الهشة لم تصدق نفسها، لم تكن تعرف ماذا تفعل كان عقلها يصرخ بها أن هذا خطأ، أن هذا سريع جدًا لكن قلبها كان يذوب في طوفان من المشاعر التي لم تختبرها من قبل حاولت أن تبتعد أن تستوعب لكنه لفها ببراعة بحيث أصبح ظهرها ملاصقًا للحائط وهو أمامها يحاصرها بجسده، وبعينيه المشتعلتين.
نظر إليها بنظرة لم تتخيل يومًا أنها موجودة فيه، نظرة امتلاك مطلق، نظرة رجل قرر أخيرًا أن يأخذ ما هو له.
قالها بصراحة تامة، بنبرة لا تقبل الجدال
_أنا مش باخد حاجة مش بتاعتي... وده حقي.
قبل أن تستوعب معنى كلماته كان قد حملها بين ذراعيه بقوة، وخرج بها من المطبخ صاعدًا درجات السلم إلى غرفته هو، ليرويها ويروي نفسه من عشق أنكره طويلاً
كانت صبر متشبثة به، وجهها مدفون في عنقه تستنشق رائحته وقلبها يدق بعنف كأنه سيخرج من صدرها كان مزيجًا من الخوف والخجل والترقب، وحلم قديم كان يبدو مستحيلاً، والآن هو يتحقق بين ذراعيه.
وضعها على سريره برفق يتناقض مع العاصفة التي في عينيه،
وعيناها كانت تطالبه أن يرأف بها فيبادلها هو بأن ترأف هي به فهو أصبح عاشقا لها
ثم انضم إليها كانت هذه ليلتهما الأولى الحقيقية.
لم تكن ليلة هادئة، بل كانت ليلة عاصفة انفجرت فيها كل المشاعر المكبوتة كان أكمل عاشقًا شرسًا، لكن في قسوته كان هناك حنان غريب، كأنه يعاقبها على إيقاظ هذه المشاعر فيه وفي نفس الوقت يكافئها على فعلتها كانت كل لمسة منه تحمل ملكية، وكل قبلة كانت تأكيدًا على حقه الذي أعلنه.
أما صبر فكانت ممزقة بين الخوف من هذه القوة الجارفة، وبين استسلام لذيذ لشعورها بأنها مرغوبة ومنشودة لأول مرة في حياتها.
شعرت بأنها أخيرًا في مكانها الصحيح كان الألم الجسدي الذي شعرت به مجرد تأكيد على أنها عبرت نقطة اللاعودة، وأنها أصبحت ملكه بالكامل، جسدًا وروحًا.
وفي تلك الليلة لم يكن هناك وكيل نيابة وفتاة فقيرة، بل كان هناك فقط رجل وامرأة، يكتشفان بعضهما البعض في ليلة امتزج فيها العشق بالرغبة، والسيطرة بالاستسلام ليبدآ معًا فصلاً جديدًا لم يكن في حسبان أي منهما
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رانيا الخولي
باتت نغم ليلتها غارقة في دموع صامتة، دموع حارقة تنزل على خديها وتحفر مسارات من اللهب على بشرتها.
لم تكن دموع ندم بقدر ما كانت دموع حيرة وألم وخزي، كانت تنظر إلى السقف المظلم وكل حاسة فيها متيقظة، تستمع إلى أنفاسه العميقة والمنتظمة بجانبها.
"كيف فعلت ذلك؟ كيف استسلمت له بهذه السهولة؟"
وكيف... وهذا هو السؤال الأكثر رعباً، كيف استطاع هو أن يوقظ بداخلها كل هذه المشاعر التي حاربتها طويلاً؟ تلك المشاعر التي دفنتها بعمق منذ أن رأته أول مرة، منذ ذلك اليوم الذي سقطت فيها بين ذراعيه وهي تهرب من السائق والآمان الذي لفها به حينها.
لقد شعرت في حضنه الليلة بشيء يشبه الانتماء بذلك العشق الذي رأته واضحاً بعينيه، وهذا ما كان يخيفها أكثر من أي شيء آخر.
لم يكن مجرد استسلام جسدي، بل كان استسلاماً روحياً لم تكن مستعدة له أبداً.
بينما كان جاسر ينام بجانبها نوماً عميقاً، نوم رجل ألقى بكل همومه واستراح أخيراً، كانت هي في قلب العاصفة.
كانت تعاتب نفسها بجنون، تصرخ في صمت داخل رأسها:
"غبية! غبية! سلمتي حالك له بسهولة... بكلمتين منه نسيتي كل حاجة... نسيتي التار والدم والكره... نسيتي عدي... بقيتي ضعيفة قدامه للدرجة دي؟ كيف هقابليه بكرة؟ كيف هبص في وشه بعد ما شافك بالضعف ده، بعد ما امتلكك بالكامل؟"
كانت الأسئلة تدور في رأسها كدوامة لا تتوقف.
هل ستكون مجرد امرأة في فراشه، يلجأ إليها عندما يضيق به العالم ثم يعود في الصباح إلى قسوته وجبروته؟ أم أن هذه الليلة كانت بداية لشيء مختلف؟
الخوف الأكبر كان من قلبها، قلبها الذي خانها، الذي وجد الأمان في حضن عدوها، لقد أصبح هو نقطة ضعفها الوحيدة، وهو بالتأكيد يعرف ذلك الآن.
تسللت بنظرها إليه في الظلام، كانت ملامحه هادئة، خالية من القسوة والصرامة التي تغلفها نهاراً، بدا وكأنه شخص آخر، شخص يمكن الوثوق به، شخص يمكن حبه، وهذا ما كان يرعبها.
تنهدت بيأس وأدارت ظهرها له محاولة أن تخلق مسافة وهمية بينهما، لكن قربه كان طاغياً، ورائحة عطره الممزوجة برائحته هو كانت تملأ الهواء، تملأ رئتيها وتذكرها بكل تفاصيل الليلة الماضية.
وفي وسط هذا الصراع وفي سكون الليل انتبهت فجأة إلى ضوء خافت انبعث من هاتفه الموضوع على المنضدة بجانب السرير.
كان ضوء إشعار وصول رسالة جديدة.
في العادة لم تكن لتهتم، لكن في هذه اللحظة، وفي ظل كل هذه الأسئلة والحيرة، شعرت بأن هذه الرسالة قد تحمل إجابة ما.
ربما تكون مفتاحاً لفهم عالمه الغامض، أو ربما تكون... الخنجر الذي سيقتلها نهائياً.
ترددت للحظات، هل من حقها؟ هل تتجرأ؟ لكن الفضول الممزوج بالخوف والشك كان أقوى من أي تردد.
بحركة بطيئة وحذرة كأنها تسرق سراً مقدساً، مدت يدها المرتجفة في الظلام والتقطت الهاتف وقلبها يدق بعنف كأنه سيقفز من صدرها.
فتحت الرسالة، وتجمدت الدماء في عروقها.
كانت من شروق.
والكلمات كانت واضحة كالشمس، حادة كالزجاج المكسور:
"عامل إيه يا حبيبي لسة مش مصدقة إننا اتجوزنا أخيراً"
"بحبك."
للحظة توقف كل شيء، توقف قلبها عن النبض، توقف عقلها عن التفكير، توقف العالم عن الدوران.
قرأت الرسالة مرة ومرتين وثلاث، كل مرة كانت كصفعة أقوى من التي قبلها.
"حبيبي... اتجوزنا... بحبك."
شعرت بغصة حارقة في حلقها، وببرودة جليدية تزحف في جسدها كله.
كلمة كانت خنجرًا يغوص أعمق في قلبها، لم تكن مجرد صدمة بل كانت عملية سلخ بطيئة لروحها.
شعرت وكأن الهواء قد سُحب من رئتيها وأن العالم كله قد توقف عن الدوران.
نظرت إلى وجهه النائم بجانبها، وجه الرجل الذي استسلمت له قبل ساعات، وجه الرجل الذي رأت فيه ضعفًا وحبًا ورجاءً، ورأت الآن وحشًا مخادعًا محتالًا بارعًا.
إذن كل شيء كان كذبة أخرى، كذبة متقنة ومحسوبة.
حنانه، رجاؤه، اعترافه بالحب، دموعه... كلها كانت مجرد تمثيلية، طريقة جديدة ليكسرها، ليهينها بأبشع طريقة ممكنة.
لقد أخذ منها أغلى ما تملك، وهو في نفس الوقت زوج لامرأة أخرى.
لقد جعل منها عشيقة في فراش زوجيته دون أن تدري.
الإهانة كانت أعمق من الخيانة، كانت تدنيسًا لكل لحظة صدق شعرت بها معه.
بعد لحظات من الشلل التام، تحركت كإنسان آلي، لم تعد تشعر بشيء سوى برودة جليدية تنتشر في جسدها.
قامت من الفراش بهدوء، بهدوء الموتى.
ارتدت ملابسها بصورة آلية دون أن تصدر صوتًا، يداها تتحركان من تلقاء نفسيهما بينما عقلها وروحها في مكان آخر، مكان مظلم وبارد.
خرجت من الغرفة ومن الجناح، ومن البيت كله، كأنها تهرب من حريق.
لم تكن تهرب منه فقط، بل كانت تهرب من نفسها، من سذاجتها، من قلبها الذي خانها وعاد ينبض له من جديد.
أرادت أن تنتزع ذلك القلب وتلقيه في غيابة الجب لأنه عشق من لا أهل لذلك.
كانت تركض في شوارع الفجر الخالية، والهواء البارد يلفح وجهها لكنه لا يطفئ النار المشتعلة في صدرها.
كانت ترغب في الخروج من الدنيا كلها، لكن إلى أين تذهب؟
فكرة العودة لأهلها كانت مؤلمة، كيف ستواجههم؟ بأي وجه؟ لكن في نفس الوقت، لم يعد لها غيرهم.
أرادت أن تصرخ، أن تسمح لنفسها بالانهيار.
لكن حتى تلك تعد رفاهية لا تملكها.
سقطت على ركبتيها تبكي بقهر.
تبكي بكل الألم الذي تحمله بداخلها.
تبكي عدي الذي خانت تضحيته، تبكي أباها الذي رحل وتركها لقسوة الزمان، تبكي لسند لم يعد موجود، فليس لها سند في تلك الحياة.
بكت حتى نفذت قوتها وهي وحيدة في ذلك المكان المنعزل عن قريتهم.
لم يرهبها عويل الذئاب، فبعد خروجها من عرين الأسد وزئيره لم تعد تخشى شيء.
في لحظة يأس مطلق، أخرجت هاتفها بيدين ترتجفان بعنف وبحثت عن الرقم الوحيد الذي شعرت أنه قد يكون طوق النجاة، الرقم الذي يمثل العقل والحكمة والأمان.
انتظرت بقلق، وكل رنة كانت كقرع مطرقة على رأسها، حتى جاءها الرد بصوت مالك النعس والقلق.
"_نغم...؟"
لم تستطع أن تقول أكثر من كلمة واحدة، كلمة خرجت من حنجرتها بصوت مبحوح ومختنق بالدموع، صوت امرأة تحطمت تمامًا.
"_مالك... محتاجةالك."
أغلقت الخط فوراً، كلمة واحدة كانت كافية.
شعر مالك بالخطر في نبرتها، فنهض من سريره مفزوعاً.
شعرت روح بحركته وسألته بقلق وهي تستيقظ:
"_مالك؟ فيه إيه؟ رايح فين في وقت زي ده؟"
قال وهو يرتدي ملابسه بسرعة:
"_نغم خرجت من بيت التهامية، لازم أروح أجيبها."
نهضت روح هي الأخرى:
"_أنا جاية معاك."
قال بحزم وهو يقبل جبينها:
"_لأ خليكي إنتي، الموضوع ده مش عايز مشاكل تزيد، هرجعها وأطمنك."
ركب مالك سيارته وانطلق بها كالصاروخ نحو بيت الجبل، المكان الذي اتفقا عليه في مكالمتهما القصيرة، وجدها هناك بعيداً عن البيت، تجلس تحت شجرة ضخمة، ضامة ركبتيها إلى صدرها ودافنة وجهها فيهما، ترتجف من البرد والخوف.
أوقف السيارة وركض نحوها بلهفة.
"_نغم!"
رفعت رأسها إليه، وكان وجهها مدمراً، عيناها متورمتان وحمراوان، ووجهها شاحب كالأموات.
ما إن رأته حتى انفجرت في بكاء عنيف ومرير.
جلس مالك بجانبها على الأرض واحتضنها بقوة، يتركها تفرغ كل ألمها وانهيارها على كتفه.
"_أنا هنا... أنا معاكي اهدي."
لم تستطع التحدث، فقط تمسكت به كالغريقة، وكل شهقة منها كانت تحكي قصة خيانة وألم أعمق من أن تصفه الكلمات.
وصل مالك بالسيارة إلى منزلهم، وكانت روح تنتظرهم عند الباب، قلبها يخفق بقلق، ما إن فتح مالك باب السيارة، حتى ساعد نغم على النزول، كانت تتحرك كجسد بلا روح.
أسرعت روح نحوهما وأخذت نغم من يد مالك وضمتها إلى حضنها.
"_حمد لله على سلامتك يا نغم."
لم ترد نغم، فقط استندت على روح التي قادتها بسرعة إلى الداخل، صعوداً إلى غرفتها القديمة بعيداً عن أي عيون قد تراها في هذه الحالة.
مالك نظر في أثرهما بألم، ثم أغلق باب السرايا مقرراً أن يترك لروح مهمة فهم ما حدث.
لم يذق أكمل طعم النوم طوال الليل، ظل مستيقظاً، يراقبها وهي تنام بعمق على صدره، وذراعها يحيط بخصره بشكل تلقائي.
كانت تبدو هادئة، بريئة، كالملاك، أنفاسها المنتظمة كانت الموسيقى الوحيدة في سكون الغرفة.
كان ينظر إليها ويتساءل في حيرة، كيف يمكن لمخلوق بهذه الرقة والنقاء أن تكون ابنة لرجل مثل "حسان"؟
كان الفارق بينهما كالفرق بين السماء والأرض.
هي كانت قطعة من النور، وهو كان كتلة من الظلام والجشع.
غرق في أفكاره، في دوامة المستقبل المجهول.
ماذا سيفعل الآن؟ لقد أخذ حقه نعم، لكن هذا الحق يترتب عليه مسؤوليات ضخمة.
أهله... كيف سيخبرهم؟
هل سيقبلونها زوجة لابنهم وكيل النيابة؟
مستحيل... والدته التي تحلم له بزواج راقٍ، ووالده الذي يهمه المظاهر والمكانة الاجتماعية.
ستكون كارثة.
هي الآن زوجته رسمياً، أمام الله وأمام نفسه.
لم يعد الأمر مجرد عقد على ورق لخرس ألسنة الناس، لقد أصبحت امرأته بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ماذا سيفعل؟
هل سيظل يخفيها عن العالم؟ أم سيواجه الجميع من أجلها؟
ولأول مرة في حياته، شعر أكمل بأنه لا يملك إجابات.
وسط هذه الأفكار شعر بحركة خفيفة، فتحت صبر عينيها ببطء، ثم أدركت مكانها، كانت بين ذراعيه، رأسها يستريح على صدره العاري، ويده تلتف حول خصرها بملكية.
شعرت بموجة حارقة من الخجل تجتاحها، وسحبت الغطاء لتغطي نفسها أكثر، متمنية أن تبتلعها الأرض.
صحيح أن هذا كان حلمًا كبيرًا، لكن الطريقة التي تحقق بها، تلك القوة الجارفة، جعلتها تشعر بالخوف.
خافت أن ترفع عينيها وتجد في عينيه نظرة ندم، أو أسوأ.
نظرة من يرى أنها كانت مجرد نزوة عابرة.
ابتسم أكمل ابتسامة حقيقية ودافئة، ابتسامة لم تكن تعرفها.
لقد شعر بتوترها، بتصلب جسدها، وفهم تمامًا ما يدور في رأسها، أراد أن يطمئنها، أن يمحو هذا الخجل الذي يفصل بينهما.
"_صباح الخير."
قالها بصوت عميق وهادئ.
ازدردت ريقها وقالت بصوت خافت بالكاد يُسمع، وهي تتجنب النظر في عينيه:
"_صباح النور."
لم يستطع مقاومة سحرها وهي في هذه الحالة من البراءة والخجل.
وبنظرة واحدة منها نسي كل شيء.
وأفكاره التي لم ترحمه أصبحت لها وحدها الآن.
مد يده ورفع ذقنها برفق ليجبرها على النظر إليه.
"_بصيلي يا صبر."
نظرت إليه فرأت في عينيه حنانًا ورغبة، لا تحكمًا أو قسوة.
بدأ حديثه بجدية ثم تنهد كأنه يعترف بشيء لنفسه أولاً.
"_اللي حصل امبارح..."
"أنا عارف إني كنت قاسي شوية. وعارف إنك كنتي خايفة."
اتسعت عيناها بدهشة، لم تتوقع منه هذا الاعتراف.
تابع وهو يمرر إبهامه على خدها برقة:
"دي مش طبيعتي، أنا مش كده بس... دي كانت أول مرة أعيش فيها التجربة دي."
"أول مرة أحس بالشكل ده، كل المشاعر اللي كنت حابسها جوايا انفجرت مرة واحدة، ومكنتش عارف أسيطر عليها، أنا معملتش كده عشان أفرض سيطرتي عليكي، أنا عملت كده بدافع الحب، حب كنت بنكره، وفجأة لقيته أكبر مني."
اخترقت كلماته الصادقة قلبها، لقد فهم خوفها دون أن تنطق بكلمة، وطمأنها بأجمل طريقة ممكنة.
"_أنا بحبك يا صبر."
قالها بوضوح دون تردد.
"_والليلة دي مكنتش نزوة، كانت بداية حياتنا الحقيقية."
لم يعد قادرًا على التحمل، جذبها إليه مرة أخرى وأخذها في حضنه بقوة، دافنًا وجهه في عنقها يستنشق عبيرها الذي أصبح إدمانه الجديد، لكن هذه المرة كانت كل حركاته مختلفة، كانت بطيئة، حنونة، وكأنها اعتذار صامت عن قسوته السابقة.
همس بأنفاس متقطعة:
"_المرة دي... هتكون بحب وهدوء، المرة دي عايزك تحسي بحبي، مش بقوتي."
لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلمات، استسلمت صبر مرة أخرى لهذا الحضن الذي أصبح ملجأها، ولهذا الرجل الذي أصبح قدرها، وهذه المرة، لم يكن هناك خوف، بل كان هناك أمان مطلق، كانت لمساته رقيقة وقبلاته دافئة، وكل حركة منه كانت تحمل وعدًا بحياة مليئة بالحب والحنان.
لقد أخذها إلى عالمه مرة أخرى، لكن هذه المرة كان عالمًا من النور، عالمًا يروي عطشهما بحب حقيقي، حب كانا كلاهما في أمس الحاجة إليه.
في الغرفة، أجلست روح نغم على السرير برفق وخلعت عنها حذاءها المبلل بالندى، ثم غطتها بغطاء دافئ كأنها طفلة صغيرة تائهة.
"_هعملك حاجة دافية تشربيها تهدّي أعصابك."
ذهبت روح وعادت بعد دقائق بكوب من اليانسون الدافئ، بخاره يتصاعد حاملاً معه رائحة مهدئة.
جلست بجانب نغم التي كانت تحدق في الفراغ بعينين زجاجيتين، وقدمت لها الكوب.
"_اشربي يا نغم... عشان خاطري."
أخذت نغم الكوب بيدين ترتجفان بعنف، وارتشفت منه رشفة صغيرة.
لم يتحدثا لفترة، فقط جلست روح بجانبها، وجودها صامت ومريح، درع بشري يحميها من انهيارها الكامل.
ثم وبدون مقدمات بدأت نغم في الكلام بصوت أجش وميت، صوت لا روح فيه:
"_كل حاجة عشتها في حياتي كانت كذب ووهم كبير، العيلة والترابط وإننا إيد واحدة وجلب واحد... كله ده ظهرت حقيقته لما اتاخدت غدر، اتخلوا عني وسبوني وسط الديابة من غير ما يفكروا أنا عايشة كيف وسطيهم."
توقفت للحظة، وابتسامة مريرة ومرعبة ارتسمت على شفتيها.
"_كسرني وذلني وهزمني، شفت موت عدي جدامي ومحدش فكر يسأل هي عاملة إيه؟ متخيلتش إن في الحقيقة قلوبهم أقسى من التهامية. والآخر... الآخر عرفني الحقيقة المرة."
نظرت إلى روح بعينين فارغتين:
"_وراني ورث... ورث بيثبت إن أهلي اللي بدأوا التار... وإن الأرض مش بتاعت حد فيهم أصلاً. كل حاجة كنت مؤمنة بيها... طلعت كذب. كسرني يا روح... كسرني لما عرفني الحقيقة."
بدأت دموعها في النزول مرة أخرى، دموع حارقة.
"_وبعدها... ضحك عليا وفهمني إنه اتغير."
ضحكت بمرارة، ضحكة أشبه بالنحيب.
"_اعترفلي... قالي إنه بيحبني."
أخذت روح الكوب من يدها ووضعته جانباً ثم أخذت نغم في حضنها، وربتت على ظهرها.
"_اهدي يا حبيبتي... اهدي خلاص انتي رجعتي لينا تاني."
استمرت نغم في الحديث وهي في حضنها، صوتها يختنق بالبكاء وكلماتها تخرج كشظايا زجاج مكسور.
"_امبارح... معرفش إيه اللي حصل، كان راجع من برة تعبان ومكسور... وجالي إنه محتاجني وأنا... أنا صدقته."
صدقت الحزن اللي في عينيه، صدقت ضعفه... واستسلمتله.
وهنا انفجر السد، لم تعد الكلمات مجرد سرد، بل أصبحت اعترافًا مؤلمًا بالحقيقة الأبشع.
"_سلمتله كل حاجة... معرفش إزاي، بس بعد كل ده عرفت...."
تابعت بانهيار يشق قلبها بلا رحمة:
"_عرفت أني حبيته يا روح. حبيته."
شددت روح من احتضانها، وقد فهمت الآن عمق المأساة الحقيقية، لم تكن الخيانة فقط بل كان الحب الذي سبقها.
"_بعد كل ده... بعد ما خليته ياخد روحي قبل جسمي... اكتشفت إنه لسة مكمل لعبته، لقيت رسالة على تليفونه من بنت عمه شروق."
صمتت نغم للحظة، ثم انفجرت في بكاء عنيف ومرير، بكاء يقطع نياط القلب.
"_بتجوله... بتجوله إنها مش مصدجة إنهم اتجوزوا. اتجوزها يا روح اتجوزها في نفس اليوم اللي جه فيه و جالي إنه بيحبني. يخدعني، استغلني عشان يكسرني أكتر."
ازداد نحيبها أكثر وهي تتابع بقهر:
"_أنا رخيصة قوي كده؟ رخيصة لدرجة إني حتى مشاعري مجرد لعبة في إيده؟"
كانت تضرب بقبضتها على صدر روح بخفة، وهي تصرخ من أعماق روحها المجروحة:
"_أنا بكرهه بكرهه بس بكره نفسي أكتر اني صدقته؟ وبكره نفسي أكتر اني سمحتله يلمسني؟ إزاي حبيته؟ خلاني خنت نفسي، ومبادئي، وقلبي... وهو ميستاهلش! ميستاهلش أي حاجة واصل."
ظلت روح تحتضنها بقوة، وتهمس بكلمات مهدئة وتتركها تفرغ كل هذا البركان من الألم والقه.
استمرت نغم في البكاء حتى استنفذت كل طاقتها، وخفت صوتها تدريجيًا حتى غطت في نوم مضطرب من فرط الإرهاق، نوم لا يحمل راحة، بل مجرد هروب مؤقت من جحيم لا يطاق.
بعد أن تأكدت روح من أن نغم قد غرقت في نوم عميق، نوم الهارب من جحيم، غطتها جيداً وقبلت جبينها قبلة طويلة تحمل كل ما في قلبها من حب وأسف.
ثم خرجت من الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها كأنها تحمي سراً ثميناً.
توجهت إلى غرفة والدتها حيث كانت ليل تجلس في الظلام، شاردة كعادتها منذ أن اختُطفت ابنتها.
لم تكن نائمة بل كانت في حالة من اليقظة المؤلمة، تستمع إلى كل صوت على أمل واهٍ أن يكون صوت عودة نغم.
وقفت روح أمامها، وقالت بهدوء ودون مقدمات، كأنها تلقي طوق نجاة في بحر من اليأس:
"_نغم رجعت يا أمي."
انتفضت ليل من مكانها، وكأن صعقة كهربائية سرت في جسدها.
اهتزت واتسعت عيناها بلهفة لا تصدق وسألت بصوتٍ مرتعش ومبحوح، صوت امرأة لم تشعر بالراحة منذ شهور:
"_بنتي! هي فين؟ رجعت فين؟"
أوقفتها روح برفق، ووضعت يديها على كتفي أمها المرتجفين:
"_هي في أوضتها يا أمي، بس نايمة من التعب، بلاش نصحيها دلوقتي خليها ترتاح."
هزت ليل رأسها بنفي ولهفة، ودموع الأمل والخوف تتجمع في عينيها:
"_لا... لا مش هقلقها بس أشوفها... عايزة أشوفها بعيني عشان أصدج."
تركتها روح وخرجت ليل من غرفتها لا تركض، بل تكاد تطير، كل خطوة كانت تقطعها كانت تمحو يومًا من أيام العذاب.
فتحت باب الغرفة ببطء شديد، كأنها تخشى أن يكون كل هذا مجرد حلم ستستيقظ منه.
ورأتها.
رأت ابنتها نائمة على فراشها، لكنها لم تكن نائمة بسلام.
كانت هناك آثار للدموع الجافة على خديها الشاحبين، ويداها مقبوضتان بجانبها حتى في نومها كأنها لا تزال في معركة.
لم تعد ابنتها المدللة ذات الوجه الممتلئ، بل أصبحت ظلاً شاحباً لِمَا كانت عليه.
في تلك اللحظة، شعرت ليل بخنجر بارد وحاد يخترق قلبها ويمزقه ببطء.
هذا ما فعلته هي، هذا ما سمحت بحدوثه.
تسللت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها دون صوت، جلست على حافة السرير بجانبها، وبدأت دموعها هي الأخرى في النزول بصمت.
لم تكن دموع فرح بعودتها، بل كانت دموع قهر وذنب وحسرة.
مدت يدها المرتعشة، وترددت قبل أن تلمسها كأنها تخشى أن تكون غير جديرة حتى بلمسها.
ثم مسحت على شعر ابنتها بحنان لا يوصف، حنان أم جائعة لرؤية طفلتها.
همست بصوت مختنق بالبكاء، صوت يخرج من أعماق روح معذبة:
"_أنا آسفة... آسفة يا نور عيني. أنا اللي وصلتِك لكده."
ازداد نحيبها الصامت، وانحنت حتى كاد جبينها يلامس جبين نغم.
"_أنا اللي سبتك ليهم، اتخليت عنك زي ما هما اتخلوا، كنت جبانة... عملت زيهم وخفت من الفضيحة ومن كلام الناس. خفت على اسم أبوكي وإختك ونسيتك إنتي... نسيت أحمي حتة من قلبي، سامحيني يا بنيتي... سامحيني يا جلب أمك."
انحنت وقبلت جبين نغم النائمة، قبلة مبللة بالدموع، ثم لم تعد تحتمل، استلقت بجانبها فوق الغطاء، واحتضنتها برفق وضمتها إلى صدرها بقوة كأنها تحاول أن تعوضها بحضن واحد عن كل أيام الألم والوحدة التي تركتها فيها.
أغمضت عينيها وهي تستنشق رائحة شعر ابنتها، الرائحة التي اشتاقت إليها حد الموت، ولأول مرة منذ أن أخذها جاسر، شعرت ليل بأن روحها قد بدأت تعود إليها، لكنها كانت عودة ممزوجة بألم الذنب الذي سيبقى معها إلى الأبد.
فتح جاسر عينيه على ضوء شمس العصر الذهبي الذي يتسلل من بين ستائر الغرفة.
شعر بثقل في جفونه، وبراحة في جسده لم يشعر بها منذ زمن طويل.
لقد نام نوماً عميقاً وغير طبيعي، نوم رجل ألقى بكل أحماله على الشاطئ واستسلم للراحة.
بعد الليلة التي قضاها مع نغم شعر قلبه بنوع من السلام، وسمح لنفسه أخيراً أن يعوض ليالٍ طويلة من الأرق والقلق.
مد يده إلى الجانب الآخر من السرير، بحركة غريزية واثقة، يتوقع أن يلمس جسدها الدافئ، أن يشعر بنعومة بشرتها تحت أصابعه، لكنه لم يجد سوى الفراغ وبرودة الملاءات التي لم يمسسها جسد منذ ساعات.
فتح عينيه ببطء وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه وهو يتذكر تفاصيل الليلة الماضية.
استغرب غيابها لكنه لم يقلق في البداية، ربما استيقظت قبله وذهبت إلى الحمام.
جلس على حافة السرير.
وذكريات تلك الليلة مرتسمة بمخيلته..
ترددها.. خجلها.. المشاعر التي كانت تحاول اخفاءها بكل الطرق.....
لقد تأكد حسه وهو أن نغم هي أيضًا بدورها سقطت في براثين ذلك العشق.
اليوم سيخبرها بحبه وأنه يريد أن يظل معها ويعودها على كل أفعاله الرعناء فيما مضى.
سوف يتغلبا على كل الصعوبات ويبدأ معها صفحة جديدة بعيدة كل البعد عن ذلك الماضي الأليم.
لكن قبل أي شيء عليه أن يخبرها بحقيقة زواجه.
وسيقسم لها بأنه لن يلمس غيرها.
شعر بقبضة خفيفة من القلق تبدأ في التكون في معدته، قلق لم يكن معتادًا عليه.
"_نغم؟"
نادى عليها بصوت أجش من أثر النوم، لكن لم يأتي أي رد.
صمت الغرفة كان ثقيلاً ومزعجاً، صمت لم يعد طبيعياً بعد الآن.
"_نغم!"
رفع صوته قليلاً وهذه المرة كانت نبرته تحمل حدة غير مقصودة.
لكن الصمت كان هو الجواب الوحيد، صمت يصم الآذان.
"يمكن في الحمام"، قال لنفسه بصوت مسموع محاولاً طمأنة قلقه المتزايد الذي بدأ يتحول إلى وحش صغير ينهش أحشاءه.
نهض واتجه نحو باب الحمام، طرق برفق.
"_نغم؟ إنتي جوه؟"
لا رد.
خبط مرة أخرى بقوة أكبر، قبضته ترتطم بالخشب.
"_نغم، ردي عليا!"
عندما لم يأتي أي صوت أدار المقبض بعنف وفتح الباب.
لم يجدها، الحمام كان فارغاً ومرتباً منذ ان استخدماه ليلاً.
هنا تحول القلق إلى خوف حقيقي، خوف بارد تسلل إلى عروقه.
خرج من غرفته مسرعاً، ونزل إلى الطابق السفلي وهو ينادي باسمها، صوته يدوي في أرجاء القصر الفارغ.
وجد والدته مع الخادمة في المطبخ يعدان القهوة.
"_أمي! فين نغم؟"
نظرت إليه والدته باستغراب وقالت بهدوء:
"_نغم؟ معرفش يا ابني، مچتش هنا خالص. افتكرتها نايمة معاك فوق، هي مخرجتش من أوضتها من امبارح."
كانت كلمات والدته هي المسمار الأخير في نعش طمأنيته.
تحول الخوف إلى رعب بارد اجتاح جسده.
كيف لم تخرج من غرفتها؟ لقد كانت معه، كانت بين ذراعيه.
لم يرد على والدته، بل انطلق يجري في أرجاء الجناح كالمجنون، فتح كل الأبواب بعنف، غرفة تلو الأخرى، يزيح الستائر، يبحث عنها في كل زاوية وهو يصرخ باسمها، صرخة أصبحت يائسة مع كل باب فارغ يفتحه.
خرج إلى الحديقة ودار حولها كلها وعيناه تبحثان بيأس عن أي أثر لها، عن بصمة قدم في الطين، عن أي شيء يدل على أنها كانت هنا.
لم يكن يريد أن يصدق، كان عقله يرفض فكرة أنها هربت، مستحيل، ليس بعد الليلة الماضية، ليس بعد أن رأى الاستسلام في عينيها وشعر بأنها أصبحت ملكه أخيراً، ليس بعد أن استسلم هو لها.
لكن مع مرور الدقائق ومع كل غرفة فارغة وكل زاوية خالية، بدأت الحقيقة المرة تفرض نفسها عليه كحكم إعدام.
توقف في وسط الصالة، يلهث وشعور بالخواء المطلق يملأ صدره.
لقد استسلم للحقيقة، لم تهرب، بل هو من دفعها للهروب.
لقد وثقت به، وهو خانها، لقد استسلمت له وهو خدعها.
نظر إلى يديه، اليدين اللتين لمستاها ثم قبض عليهما بقوة حتى ابيضت مفاصله.
لم يكن غاضباً منها بل كان غاضباً من نفسه، من غبائه، من قدره الذي يسلبه كل شيء جميل في حياته.
لم يكن مجرد رحيل بل كان بترًا لجزء من روحه.
لقد وجد خلاصه فيها، والآن ضاع الخلاص وعاد الجحيم أقوى وأشد من أي وقت مضى.
لقد تركته، هربت.
تشعر بغضب عارم يغلي في دمه، غضب ممزوج بألم حاد، لكنه لم يسمح لنفسه بالانهيار.
لم يكن هذا وقت الضعف، لم يتردد للحظة واحدة، صعد مسرعًا ليبدل ملابسه وأخذ مفاتيح سيارته، وقبل أن يخرج توقف أمام حراس البوابة الرئيسية.
"_شفتوا الهانم خرجت؟"
سألهم بصوت جليدي، صوت لا يحتمل الكذب.
ارتبك الحارسان ونظرا لبعضهما البعض.
"_لا يا بيه... مشفناهاش."
ضيق جاسر عينيه، وشعر بأن هناك شيئًا خاطئًا.
"_إزاي مشفتوهاش؟ كنتوا فين؟"
تلعثم أحدهما:
"_والله يا بيه... غفلنا شوية... معرفش إيه اللي حصل، صحينا لقينا الصبح طلع."
في لحظة كان جاسر قد أمسك بتلابيب الرجل وهزه بعنف وعيناه تقدحان شررًا.
"_غفلت؟ غفلت وهي بتهرب من بيتي؟"
صرخ فيه، ثم ألقاه على الأرض بقوة.
لم يكن هناك وقت للعقاب الآن، انطلق بسيارته كالريح، وجهته واضحة ومحددة: سرايا عائلة "الرفاعي".
هي زوجته، هي امرأته، هي ملكه، ومستحيل، مستحيل أن يتخلى عنها أو يتركها تذهب بهذه السهولة.
سيذهب إلى هناك، وسيستعيدها مهما كان الثمن، حتى لو اضطر إلى حرق السرايا بمن فيها.
لقد أخذوا منه كل شيء، لكنهم لن يأخذوا منه نغم، ليس هذه المرة.
انتشر خبر عودة نغم في سرايا الرفاعي كانتشاره النار في الهشيم.
كان الجميع من كبيرهم إلى صغيرهم، يشعرون بمزيج معقد من الفرحة والقلق.
فرحة بعودة ابنتهم إلى حضنهم، وقلق عميق بسبب الحالة المزرية التي عادت بها.
كانت الأسئلة تدور في عيونهم لكن لا أحد تجرأ على سؤالها مباشرة.
كانت نغم تجلس في غرفتها، محاطة بوالدتها وروح وزوجة عمها، وجسدها يرتجف مع كل ذكرى وعيناها زائغتا، مما منع أي شخص من الاقتراب بسؤال قد يفجرها.
وفجأة، اخترق هدوء السرايا الحذر صوت رجولي قوي.
صوتٌ لم يكن مجرد نداء بل كان زئير أسد جريح.
يحمل في طياته غضبًا مكبوتًا، وألمًا عميقًا وشوقًا يكاد يمزق الحنايا.
صوتٌ اهتزت له جدران السرايا العتيقة وارتجفت له قلوب ساكنيها.
"_نغــــــــــــــــم."
كان صوت جاسر، نبرته كانت حادة كحد السيف، قاطعة كصوت الرعد، لكن خلفها اختبأ ضعفٌ لا يراه إلا من يعرفه حق المعرفة.
ضعفٌ نابع من خوفه على محبوبته، من قلقه عليها ومن لهفته التي كادت تقتله.
كان يناديها بأعلى صوته، وكأنه يصرخ في وجه العالم كله.
يطالب بحقه، يطالب باستعادة روحه التي سُلبت منه.
في غرفتها انتفضت نغم من مكانها وكأنها لدغتها أفعى سامة.
لم يكن الصوت مجرد نداء، بل كان صدى لكل أهوال الليلة الماضية، لكل الألم الذي عاشته، لكل الخوف الذي تملكها.
اندست في حضن والدتها بخوف، وعيناها اتسعتا رعبًا كغزال صغير يرى صيادًا.
صوت اسمه كان كافيًا ليعيد إليها كل الكوابيس، كل الذكريات المريرة التي حاولت جاهدة أن تدفنها.
في بهو السرايا تبادل الرجال النظرات.
مالك ووالده، وعمه وسند، وكل رجال العائلة الموجودين.
كانت نظراتهم تحمل مزيجًا من الدهشة والغضب والتساؤل.
من يجرؤ على اقتحام حرمة السرايا بهذا الشكل؟ من يملك هذه الجرأة؟
كان وهدان كبير العائلة أول من كسر حاجز الصمت، صوته يحمل نبرة استنكار وغضب.
"_مين ده؟"
لم يمهله سند فرصة للإجابة، فقد كان الغضب يتأجج في عروقه.
تمتم من بين أسنانه وكأن الكلمات تخرج بصعوبة من بين فكيه المطبقين:
"_ده الكلب ابن التهامي."
رأى سالم الخوف في عيون روح التي خرجت على الصوت وفهم مالك أن هذه المواجهة كانت حتمية لا مفر منها.
كان يعلم أن جاسر لن يتراجع، وأن هذه اللحظة كانت قادمة لا محالة.
نهضوا جميعًا ككتلة واحدة كجدار صلب، وخرجوا إلى حديقة السرايا لمواجهة هذا الاقتحام، لمواجهة هذا الرجل الذي تجرأ على تحدي سلطتهم.
وجدوا جاسر واقفًا وحده في منتصف الحديقة، وقفته صلبة كالصخر، شامخة كالجبل، لا تهتز.
كانت عيناه تشتعلان بنار، نار البحث عن نغم، نار الشوق الذي أحرقه، ونار الغضب الذي تملكه.
كان يبدو كالمحارب الذي جاء ليستعيد كنزه، لا يخشى شيئًا، لا يهاب أحدًا.
لكن خلف تلك القوة الظاهرية، كان قلبه يتمزق شوقًا، روحه تئن ألمًا وعقله لا يفكر إلا في استعادة نغم.
تقدم سالم نحوه ووراءه مالك وسند، ووقفوا أمامه بقوة وغضب كحراس لمكان مقدس.
سأله سالم بنبرة تحذيرية، تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا:
"_إنت عايز إيه يا جاسر؟ چاي لحد دارنا ليه؟"
لم يهتز جاسر، لم يطرف له جفن.
بل ثبت نظره عليهم جميعًا وكأنه يرى من خلالهم، يرى نغم خلفهم.
قال بوضوح قاطع، وصوته يحمل رنينًا معدنيًا:
"_أنا عايز مرتي."
ضحك سند ضحكة ساخرة مريرة، تحمل في طياتها احتقارًا عميقًا:
"_مراتك؟ ملكش حريم حدانا يا ولد التهامي، بتنا ورجعت دارها ومحدش له حاجة عندها."
"رغم أنه كان وحيدًا في مواجهتهم، إلا أن جاسر لم يظهر أي أثر للخوف.
كان كالأسد الذي يحارب قطيعًا من الذئاب ليصل إلى حبيبته، لا يبالي بالعدد، لا يخشى الموت.
كان يعلم أن نغم تستحق كل هذا العناء، كل هذا الخطر.
"_نغم مراتي على سنة الله ورسوله ومحدش فيكم له الحق يمنعني عنيها ومش همشي من اهنه غير وهي معايا."
تقدم مالك خطوة، محاولًا أن يكون صوت العقل، صوت الحكمة في هذا الموقف المتوتر:
"_بنتنا رجعتلنا منهارة ومكسورة يا جاسر، عملت فيها إيه عشان توصلها للحالة دي؟ وبعدين الأصول بتجول إنك تسيبها ترتاح، وبعدين نتفاهم."
رد جاسر بإصرار وعيناه تبحثان عن أي لمحة لها في نوافذ السرايا، وكأنه يستشعر وجودها خلف تلك الجدران.
كان قلبه ينبض باسمها، روحه تصرخ شوقًا لها.
"_مليش تفاهم معاكم، تفاهمي معاها هي ومش همشي من غيرها... حتى لو فيها موتي."
هنا، نفد صبر سند، كانت كلمة "موتي" هي الشرارة التي أشعلت غضبه المكبوت.
في حركة سريعة، أخرج سلاحه من حزامه وصوبه نحو جاسر، وعيناه تشتعلان بنار الانتقام.
"_طالما جبت سيرة الموت يبقى إنت اللي اخترت نهايتك بنفسك."
لكن قبل أن يتطور الموقف إلى ما لا تحمد عقباه، تحرك مالك بسرعة البرق وأمسك بيد سند وأنزل سلاحه بقوة، صوته يحمل نبرة حازمة:
"_نزل سلاحك يا سند، إحنا مش قتلة، مينفعش نعمل ده وهو في دارنا وتحت سقفنا، دي مش أصولنا."
نظر سند إلى مالك بغضب لكنه أطاع وإن كان على مضض.
ظل جاسر واقفًا في مكانه، لم يطرف له جفن وكأنه كان يتوقع هذا بالضبط، مستعدًا للموت في سبيل استعادة امرأته.
كان يعلم أن كل خطوة يخطوها، وكل كلمة ينطق بها، هي من أجل نغم، من أجل استعادتها، حتى لو كلفه ذلك حياته.
كان هذا هو جاسر، قويًا في مظهره، لكن ضعفه الوحيد كان يكمن في حبه لنغم، وشوقه الذي لا ينتهي إليها.
ظل جاسر واقفًا في مكانه كتمثال من صوان، لم يتزحزح قيد أنملة وكأنه جذر ضارب في الأرض.
كانت عيناه مثبتتين على باب السرايا، لا تزيغان عنه، رافضًا التحرك قبل أن يرى زوجته.
كان ثباته هذا في وجه هذا الجمع الغاضب، يشي بقوة داخلية لا تلين، قوة تتجاوز مجرد العناد، بل هي إيمان مطلق بحقه.
نظر سالم إلى هذا الثبات، إلى هذا الإصرار العنيد الذي لم يره من قبل في رجل يقف وحيدًا أمام عائلة بأكملها، ولأول مرة صدق حدسه القديم الذي همس له يومًا ما: "محدش يعرف نغم ومبيحبهاش".
وها هو يرى جاسر التهامي، الرجل الذي قيل إن قلبه من حجر ولا يعرف الحب، واقفًا مستعدًا للموت من أجلها.
لقد أحبها حقًا، حبًا عميقًا، لكن هذا الحب الآن هو ما دمرها، هو ما جلب عليها كل هذا الألم.
نفد صبر جاسر من صمتهم الذي بدا له كحائط صدٍّ منيع.
لم يعد يطيق الانتظار، فصوته انطلق بنبرة تحمل تهديدًا واضحًا كصوت الرصاصة التي تخترق الصمت:
"_شكلكم مش هتجيبوها بالذوق، لو مفكرين إني همشي من غيرها تبقوا غلطانين. أنا خدتها من وسطكم مرة ومستعد أعملها تاني، هاخدها بالقوة حتى لو هخطفها من تاني."
كانت كلماته هذه كالصاعقة التي ضربت المكان.
لم يكن تهديدًا أجوف بل وعدًا يعرف الجميع أنه قادر على الوفاء به، هو جاسر التهامي الذي لا يخشى أحدًا، والذي اعتاد أن يأخذ ما يريد بالقوة.
لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا، هذه المرة كان يواجه عائلة الرفاعي، التي لا تقل عنه قوة وعنادًا.
هنا تقدم مالك ووقف في وجهه مباشرة، وعيناه تشتعلان بتحدي بارد، تحدي لا يقل قوة عن تحدي جاسر.
كان مالك يمثل كبرياء العائلة، وكرامتها التي لن تسمح بأن تُداس.
"_أعلى ما في خيلك اركبه يا جاسر، بس المرة دي مفيش خطف، المرة دي فيه قانون، إحنا هنرفع عليك قضية طلاق للضرر وهنجيب حقها منك في المحاكم."
نظر جاسر إليه بسخرية لاذعة، ضحكة مريرة ارتسمت على شفتيه وكأنه يرى محاولة يائسة:
"_محاكم؟ هتفضحوها وتشَهَّروا بيها في المحاكم عشان تطلقوها مني؟"
رد مالك بثقة مطلقة موجهاً له ضربة لم يتوقعها، ضربة أصابت جاسر في مقتل لأنها استخدمت سلاحه ضده:
"_وإحنا مش خايفين من حاجة، بنتنا متجوزاك قانوني، وعلى الورق والناس مش هتشك لحظة واحدة في كلامنا، لما نقف كلنا، عيلة الرفاعي كلها في المحكمة ونشهد إنك اتجوزت عليها وخنتها. هنجول إننا جبلنا بيك عشان ننهي التار ونحقن الدم، لكن إنت اللي غدرت بيها واتجوزت بنت عمك، ساعتها شوف الناس هتجف مع مين."
شعر جاسر وكأنه تلقى لكمة قوية في صدره، لكمة لم تكن مادية بل معنوية، أصابت كبرياءه في الصميم.
لقد حاصروه، استخدموا نفس سلاح العادات والتقاليد الذي استخدمه عمه ضده، لقد انهزم للمرة الثانية في يوم واحد، لكن هذه الهزيمة كانت أشد مرارة لأنها جاءت من حيث لم يتوقع، ومن أناس كان يظن أنهم أقل منه حيلة.
لكنه لم يظهر هزيمته، لم يسمح لهم برؤية ضعفه، استجمع قوته المتبقية، ورفع رأسه وقال بنبرة قاطعة، تحمل تصميمًا لا يتزعزع:
"_طلاق؟ مستحيل أوافق، ومادام إنتو اللي بدأتوا لعبة القانون، يبقى أنا كمان هلعبها، وخصوصاً إن القانون كله في يدي، هطلبها في بيت الطاعة والقانون هيجيبلي مراتي غصب عنيكم."
كل هذا الحوار، كل كلمة، كل تهديد، كانت نغم تسمعه من نافذة غرفتها، كانت تقف خلف الستار، ووعد تمسك بيدها بقوة لتدعمها، بينما ليل تحتضن كتفها.
كانت نغم تبكي بقهر، دموعها تنزل بصمت لا صوت لها سوى أنين روحها.
كانت خائفة، خائفة من قوته، من إصراره الذي لا يلين، وخائفة أكثر من ضعفها أمامه، من هذا الحب الذي كان يربطها به والذي كان يهدد بأن يعيدها إلى جحيمه.
خائفة أن يعود ويأخذها ويكمل ما بدأه من تدمير لروحها.
كان جاسر وحده يواجه عائلة بأكملها، لكنه كان يملك قوة الإيمان بحقه وقوة الحب الذي كان يدفعه، قوة جعلته يبدو كجيش كامل في مواجهة قطيع لا يخشى شيئًا، ولا يتراجع أبدًا.
رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثلاثون 30 - بقلم رانيا الخولي
في الحديقة، وبعد لحظات من الصمت المشحون الذي كان أثقل من الرصاص، والذي لم يكن يقطعه سوى حفيف الريح الباردة وهمس الأوراق المتساقطة، تراجع جاسر خطوة واحدة إلى الوراء.
لم تكن خطوة ضعف أو تراجع، بل كانت خطوة استراتيجية، خطوة محارب متمرس يغير تكتيكه في ساحة المعركة.
خفت نبرة تهديده لكنها لم تفقد حدتها، بل تحولت من لهيب غاضب إلى جمرة متقدة أكثر خطورة وعمقاً، حل محلها رجاء مرير.
رجاء يخرج من قلب رجل اعتاد أن يأمر فيُطاع، لا أن يطلب.
لكنه الآن يطلب لا من ضعف بل من قوة حب جامح لا يعرف التنازل.
صوته كان لا يزال يحمل ذلك الرنين المعدني القاسي، لكن هذه المرة كان ممزوجاً بصدق يكاد يمزق الروح، صدق رجل مستعد للتخلي عن كبريائه للحظة من أجل ما يريد.
"طيب... أنا همشي بس على الأجل... خلوني اتحدت معاها خمس دجايج، خمس دجايج بس.
أسمع منها هي مش منكم."
نظر الرجال المحيطون به إلى بعضهم البعض في حيرة، كانت هذه مفاجأة لم يتوقعوها أبداً من جاسر التهامي، الصقر الذي لا يحني رأسه.
توقعوا عناداً تهديداً، ربما حتى عنفاً لكن لم يتوقعوا هذا الطلب الذي يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بأن رأيها هو الأهم.
لكن وهدان كبير عائلة الرفاعي الذي كان يقف كشجرة عتيقة، يراقب الموقف بصمت وحكمة، وبعينين رأتا الكثير من صراعات الرجال وحماقاتهم، تحدث أخيراً.
صوته خرج هادئاً ورزيناً، لكن كل كلمة فيه كانت تحمل ثقل السنين وحكمة الشيوخ، وتقع على مسامع الحاضرين كضربات مطرقة.
"لو كنت دخلت السرايا دي جبل سابج، وجتها مكنتش هتطلع منيها على رچليك."
صمت وهدان للحظة، وترك كلماته تترسخ في عقول الجميع، ثم أكمل وهو ينظر مباشرة في عيني جاسر، نظرة تخترق الروح وتقرأ ما وراءها.
"بس حظك خدمك، حظك إنك چيت في وجت جررت فيه أدفن الماضي بإيدي.
چيت في وجت جررت فيه إن دم ولادي وأحفادي اللي فاضلين أغلى من أي تار وأي أرض."
كانت كلمات وهدان تحمل ألماً عميقاً، ألم رجل رأى عائلته تنزف جيلاً بعد جيل، رأى ابنه يُقتل، وحفيدته تُخطف، وحفيده الآخر يموت في حريق أشعله بنفسه.
لقد اكتفى.
تابع وهدان وصوته أصبح أكثر حدة، كأنه يضع الشروط الأخيرة في معاهدة سلام مريرة.
"أنت خطفت حفيدتي، وكسرتها واتجوزتها غصب عنها، وكنت السبب في موت حفيد كان دمه بيغلي من القهرة، لو على اللي فات، فحجك عندي طلجة فجابك، بس أني عاهدت ربنا إني أحافظ على اللي باجي من عيلتي."
اقترب من جاسر خطوة، ووقف أمامه مباشرة. رجلان من عالمين مختلفين، يمثل كل منهما جيلاً وفكراً.
شموخ الشباب وقوته، في مواجهة حكمة الشيخوخة وقسوتها.
"عشان إكده، هخليك تشوفها مش عشانك، هخليك تشوفها عشان دي حفيدتي أني، وبنت الرفاعي ومحدش يجبرها بعد النهاردة على حاجة واصل، حتى لو كان جدها.
هي اللي هتجرر لو جالت عايزة ترچع معاك هسيبها، ولو جالت لأ يبجى من اللحظة دي تنساها، وتنسى إنك عرفتها في يوم من الأيام."
كانت كلمات وهدان نهائية، كحكم قاضيا لا استئناف بعده.
لم يكن يستجدي بل كان يفرض شروطه من موقع قوة جديدة، قوة من اختار السلام عن وعي، لا عن ضعف.
نظر جاسر إلى الشيخ العجوز، ولأول مرة، شعر بشيء من الاحترام تجاه هذا الرجل. لقد رأى فيه صلابة من نوع مختلف، صلابة الحكمة التي تأتي بعد عواصف الحياة، رأى ترابط لم يراه في عائلته التي لا تعرف سوى الحقد والكره.
أومأ برأسه إيماءة خفيفة، موافقاً على الشروط وعيناه تلمعان بترقب وقلق. فهو الآن سيواجه أصعب معركة في حياته: معركة الفوز بقلب امرأة، أمام خصم عنيد هو كبرياؤها الجريح.
"خلوه يتكلم معاها."
حاول سند المعارضة فغضبه كان لا يزال يشتعل، لكن وهدان أوقفه بنظرة واحدة، نظرة لا تقبل الجدال.
"قلت خليه يتحدت إمعاها."
تفاهم سالم موقف والده وصعد إلى غرفة نغم، التي كانت لا تزال منهارة، والخوف واضحًا على وجهها كوشم.
كان يشعر بالخزي منها لتخليه عنها، لكنه سيأتي إليها ويخبرها بموقفه.
دلف الغرفة فوجدها بينهم تنظر إليه من النافذة تستند على روح.
"نغم.."
التفت الجميع إليه معدا نغم التي ظلت عينيها مصلبتان على ذلك الذي دلف لتوه لداخل المنزل.
تقدم منها ووضع يده على كتفها بحنان أبوي، حنان يبعث الدفء في قلبها المتجمد.
"هو تحت دلوجت ومصر انه يتحدت معاكي."
ما إن سمعت اسمه حتى تشبثت بروح أكثر وكأنها تحاول أن تختبئ من شبح يطاردها، وظنت أنهم وافقوا مرة أخرى على التخلي عنه.
لاحظ سالم خوفها فقال بصوت مطمئن وقوي، صوت يبعث الشجاعة في أوصالها.
"متخافيش يا بنت الغالي إنتي دلوجت في موجف جوة مش ضعف، إنتي في دارك ووسط أهلك ورچالتك.
كلنا في ضهرك واللي حاصل جبل إكدة مش هيتكرر تاني.
انزلي اسمعي منه وجولي اللي في جلبك من غير خوف، قرارك وقرارنا كلنا في الكلمة اللي هتطلع منك.
إنتي اللي هتحكمي."
أخذت نغم نفسًا عميقًا كأنها تستمد القوة من أعماق روحها. مسحت دموعها بكبرياء، كبرياء فتاة قررت أن تواجه مصيرها، ثم وافقت على مقابلته.
نزلت الدرج خطوة بخطوة، وكل خطوة كانت تتطلب منها كل ما تملكه من قوة وكأنها تنزل من أعلى جبلًا شاهقًا.
كانت تتظاهر بالصلابة، ترسم قناعًا من الجمود على وجهها، قناعًا يخفي وراءه عاصفة من المشاعر المتضاربة.
لكنها من الداخل كانت مجرد حطام، فتاة ضعيفة ترتجف من مواجهة جلادها وحبيبها في آن واحد.
كانت تعلم أن هذه المواجهة ستكون حاسمة، وأن كلماتها ستحدد مصيرها، ومصيره ومصير كل من حولها.
❈-❈-❈
كان جاسر ينتظر في المضيفة الواسعة، لكن المكان الفسيح كان يضيق عليه كأنه زنزانة، كان يطوف في الغرفة ذهاباً وإياباً كوحش حبيس ينتظر مصيره.
خطواته الثقيلة تدق على الأرضية الرخامية بإيقاع متوتر يعكس العاصفة التي تدور في صدره.
ما إن انفتح الباب ودخلت، حتى توقف فجأة.
تجمد كل شيء حوله، اختفى الرجال الذين يراقبون من على بعد، واختفى أثاث الغرفة الفخم، واختفى العالم كله. لم يبقى في الكون سوى هي.
كانت تقف أمامه شامخة رغم انكسارها الواضح. كانت كشجرة ضربتها صاعقة لا تزال واقفة لكن آثار الحريق بادية على أغصانها.
نظر إليها وهذه المرة لم تكن عيناه تحملان الغضب أو البرود أو الحدة.
كانت مرآة لروحه المعذبة؛ مليئة بالحزن بالرجاء وبضعف مهيب لم يظهره لأحد من قبل.
لكن نغم قررت ألا تنخدع مرة أخرى. لقد رأت هذا الضعف من قبل، وكان فخاً سقطت فيه ولن تسمح لنفسها بالسقوط مرة أخرى.
كان جاسر واقفاً بنفس قوته وهيبته المعتادة، لكن عينيه كانتا تفضحانه، كانتا ضعيفتين ومتوسلتين أمامها، كجنديين استسلما بعد معركة خاسرة.
"نغم..."
نطق اسمها بصوت أجش، كأنه يختبر ما إذا كانت حقيقية أم مجرد طيف آخر من الأطياف التي تطارده.
"ارجعي معايا."
قالت بصوت حاولت جاهدة أن تجعله ثابتاً وقوياً، لكنه خرج مرتعشاً قليلاً كوتر مشدود على وشك الانقطاع.
"أرجع فين؟ مفيش مكان أرچعله معاك. اللي بينا انكسر يا جاسر، واللي بينكسر عمره ما بيتصلح."
اقترب منها خطوة، خطوة محسوبة وهادئة، لكنها تراجعت في المقابل خطوة سريعة، محافظة على المسافة بينهما كأنها خط أحمر لا يجب تجاوزه.
بدأ حواراً طويلاً لم يكن توسلاً ذليلاً، بل كان دفاع رجل قوي عن قضيته الوحيدة الخاسرة. كل كلمة فيه كانت رجاءً مغلفاً بالشموخ، كل جملة كانت اعتذاراً يحمل كبرياءً مجروحاً.
"أنا آسف."
قالها وهو ينظر مباشرة في عينيها، لا يتهرب.
"جوازي من شروق كان غصب عني. عمي حطني جدام الأمر الواقع، جدام العيلة كلها مكنش عندي حل تاني غير إني أوافج عشان أخرس كلام الناس، عشان أحافظ على اسم العيلة اللي شايله على كتافي.
كنت هجولك، بس كنت خايف... خايف أكسرك أكتر."
قاطعته بمرارة، وصوتها يقطر سخرية موجعة.
"فجررت تكسرني بطريجتك الخاصة لول؟ عشان يكون وجعه أخف؟"
قال بلهفة وصوته ارتفع قليلاً بيأس كأنه يحاول أن يجعلها تفهم المستحيل.
"لأ! اللي حاصل بينا... ده ملوش علاجة بأي شيء تاني، ده كان أنا وإنتي وبس. كان جلبي اللي بيطلبك، روحي اللي كانت عطشانة ليكي."
اغمضت عينيها بألم لا تريد أن تصدقه.
"كداب، مش حجيجي."
حاول أن يوقظ فيها أي شعور قد يشفع له، أن يذكرها باللحظات التي كانت فيها ملكه، وكان هو ملكها.
"هفكرك بالليلة اللي فاتت؟ هفكرك وإنتي في حضني؟ وإنتي بتهمسي باسمي؟ مجدرش أصدج ومش هصدج إن كل ده مكنش حجيجي بالنسبالك."
هزت رأسها بقوة، والدموع التي كانت تحاربها بدأت تهدد بالنزول.
"كان حجيجي."
اعترفت بها بصوتٍ مخنوق.
"كان حجيجي لدرجة إنه جتلني لما عرفت حجيجتك.
إنت كدبت عليا بنيت للحظة معايا حلم، وفي نفس الوجت كنت بتبني سجني مع واحدة تانية."
عندما رأى أن كل محاولاته، كل صدقه، كل رجائه، يصطدم بجدار من الرفض الصلب لم يجد أمامه سوى سلاحه الأخير.
سلاح قاسي يعرف أنه سيؤلمها، لكنه كان طوق نجاته الوحيد.
تغيرت نبرته، اختفى الرجاء وعادت إليها تلك القسوة الباردة التي تعرفها جيداً.
"طيب... فكرتي لو حصل حمل؟"
تجمدت نغم في مكانها. كانت الكلمات كصفعة جليدية على وجهها.
وأكمل جاسر ببرود قاصداً الضغط على أعمق مخاوفها، وهو يراقب أثر كلماته عليها.
"لو طلعتي حامل بابني، وجتها متفتكريش إنك هتجعدي هنا يوم واحد.
هجلب الدنيا دي فوجاني تحتاني. هستخدم كل أساليب القانون والعرف عشان آخد ابني منك.
ابن جاسر التهامي ميترباش بعيد عن أبوه.
وقتها هتشوفيني بعمل حاجات عمرك ما تخيلتي إني ممكن أعملها."
لم يكن تهديداً فارغاً، بل كان وعداً قاطعاً. كان يخيرها بين أن تعود إليه بإرادتها، أو أن تعود إليه في معركة ستخسر فيها كل شيء، حتى نفسها. كان هذا هو جاسر حتى في حبه، كان شرساً ومتملكاً.
رغم كلماته قاسية، لكنها لم تعد تؤثر فيها كما كان يتوقع. استخدم طريقة خاطئة للضغط عليها كسرتها أكثر وعلمت أنه لن يتغير مهما حاول.
لقد وصلت إلى أقصى درجات الألم، ولم يعد هناك ما تخسره.
لم يكن لديها أمل في شيء كهذا، فكل ما حدث كان مجرد كابوس.
نظرت إليه بعينين فارغتين من أي شعور سوى الإرهاق، وأصرت على رأيها بكلمات نهائية.
"حتى لو... مش هرچعلك، اللي حاصل بينا ده وبتضغط عليا بيه كان غلطة كبيرة محدش عيدفع تمنها غيري، سيبني لحالي وخليني أدويها بهدوء."
آلمته بأن وصفتها بغلطة، لكنه لن يستسلم.
"سيبيني انا اداويها.
هطلب ايدك جدام البلد كلها، وهعملك فرح العالم كله يتحاكي عنيه، بس وافجي."
أخذ نفس عميق بمحاولة فاشلة في تهدئة نيرانه.
"انا مجردش اعمل إكدة معاكي، انا بجيت جدامك ضعيف جوي."
أخذت نفس عميق بمحاولة فاشلة للتحكم في دموعها.
"صدجني خلاص مبجاش ينفع......."
صاح بها بغضب ناتج عن عجزه.
"هينفع... انا واثق انه هينفع...بس تعالي معايا....."
في هذه اللحظة دخل مالك إلى المضيفة وقد رأى أن الحديث قد وصل إلى طريق مسدود، وأن جاسر بدأ في استخدام أساليبه القديمة.
وقف بجانب نغم كدرع يحميها.
"كفاية يا جاسر انت جلت اللي عندك اديها فرصة تفكر على الأجل."
نظرة أخرى وجهها جاسر إليها كانت نظرة رآها مالك فتور، لكن من فهمت لغة العيون كانت أدرى بها.
كانت تحمل مزيجاً من الرجاء الحزن الانكسار.
انكسار الروح.
"نغم.."
قالها بعينيه وروحه الذي شعر بها ستفارقه إن فارقها.
اشاحت بوجهها بعيدًا عنه بدعوة صريحة للرفض.
شعر بطعنه حادة في كبريائه ولم يعد يستطيع البقاء.
خرج من المنزل صافقًا الباب خلفه بعنف.
أغمضت نغم عينيها على اثره.
❈-❈-❈
"يعني خطتك نجحت."
قالها أكمل في الهاتف لـمالك، وهو جالس على طاولة السفرة.
كانت عيناه تتبعان صبر التي تتحرك في المطبخ، ما زال الخجل يغلف حركاتها بعد ليلتهما الأولى.
كانت تضع أطباق الإفطار أمامه دون أن تجرؤ على النظر إليه مباشرة.
رد مالك على الطرف الآخر، فأكمل أكمل حديثه.
"على العموم، حمد لله على سلامتها. حاولوا تعوضوها عن اللي شافته، واقفلوا الصفحة دي من حياتكم."
أنهى المكالمة ووضع الهاتف جانباً متفرغاً تماماً لمراقبة زوجته التي أصبحت عالمه الجديد.
كانت مشاعره قد تبدلت في ثانية، في ليلة واحدة.
لم يكن يفهم كيف تعلق بها بهذه السرعة وبهذا العمق.
هي معه منذ اربعة أشهر تقريباً، وهذه ليست مدة كافية أبداً لتعلقه بامرأة بهذا الشكل. هو أكمل الحازم، العقلاني.
كان يعلم أنها تظن أن حركاتها الأخيرة وفساتينها هي ما جذبته إليها، لكنه ابتسم في سره.
هو لم يكن يوماً سطحياً وجمال الشكل لم يكن ليحركه.
الدليل الأكبر كان خطيبته السابقة ليلى؛ كانت أجمل من صبر بمقاييس الجمال المتعارف عليها، واهتمامها بنفسها كان أشد وأقوى ورغم ذلك، لم يتحرك قلبه لها كما يتحرك الآن.
ما أسره في صبر كان شيئاً أعمق.
لقد شاركته كل ما يحبه بصمت.
أحبت هدوءه، احترمت عمله، تعلمت كيف تعد له قهوته كما يحبها تماماً دون أن يسأل.
وعندما أحبته لم تستسلم لليأس، بل حاربت من أجله.
فعلت كل شيء لتلفت نظره، لكن ضمن حدودها ضمن مبادئها.
لم تتجاوز بل حاولت أن تكون جميلة من أجله هو فقط.
هذا المزيج من البراءة والقوة هو ما هز كيانه.
وضعت آخر طبق على الطاولة، وجاءت لتذهب كعادتها، لكنه هذه المرة لم يسمح لها.
مد يده وأمسك بمعصمها برفق، ثم سحبها إليه بقوة محسوبة، فوجدت نفسها فجأة تجلس على قدميه، محاصرة بينه وبين الطاولة.
شهقت بخفة وحاولت النهوض لكنه شدد من احتضانه لها.
همس في أذنها بصوت دافئ.
"على فين؟ معقول يوم صباحيتنا وهتسيبيني أفطر لوحدي؟"
احمر وجهها بالكامل ولم تعرف ماذا تقول.
"أنا... أنا لازم أروح الجامعة."
قال وهو يأخذ قطعة من الخبز والجبن.
"الجامعة مش هتطير بس إنتي ممكن تطيري مني لو سبتك."
أخذ لقمة صغيرة، وقربها من فمها.
"خليني أأكلك بإيدي."
هزت رأسها بالرفض وهي في قمة خجلها.
"لأ... أنا هفطر بعدين."
نظر إليها بابتسامة ماكرة.
"لأ هتفطري معايا دلوقتي خلينا نقلد بتوع الروايات دول ونعمل زيهم بيقولوا بيبقى طعمه أحلى."
فتحت فمها على مضض، فوضع اللقمة فيه برفق.
كانت نظراته لا تفارق وجهها، يراقبها وهي تمضغ ببطء ويستمتع بكل تفصيل من تفاصيل ارتباكها.
لاحظت نظراته لها بذلك الشكل والذي زاد من خجلها وكأنها داخل حلم جميل لا تريد العودة منه، لكن نظراته لا ترحمها وأصابعه التي تلامس شفتيها عن عمد وهو يطعمها كانت تزيد من خجلها المحبب له.
ندهشت من تلك المعاملة وخشيت أن تكون مشاعره بدافع رغبة وليس حب لذا سألته بصوت خافت.
"بتعمل اكده ليه؟"
علم ما يدور بخلدها لذا سألها بلوع.
"بعمل إيه؟"
لم تملك الجرئة لتسأله عن ماهية مشاعره لذا تمتمت بتهرب.
"بتبصلي اكده... وبتحرچني."
ضحك ضحكة خفيفة، ضحكة لم تسمعها منه من قبل.
"عشان عايزك تتعودي عايزك تعرفي إنك مراتي وإن ده مكانك الطبيعي، في حضني. مش عايز الخجل ده بينا تاني عايزك تبقي على طبيعتك معايا."
قالت بصدق.
"مجدراش... لسه مش مصدقة."
قال بنبرة واثقة وحنونة.
"هتصدقي أنا هخليكي تصدقي كل يوم."
مال عليها وقبلها قبلة رقيقة على خدها ثم على طرف شفتيها، قبلة قصيرة لكنها كانت كافية لتجعل قلبها يطرق بعنف.
كان يفعل كل شيء ليمحو هذا الخجل، ليبني جسراً من الألفة والثقة بينهما، وكان ينجح في ذلك، خطوة بخطوة.
❈-❈-❈
دخلت وعد غرفتهما في وقت متأخر من الليل، بعد أن اطمأنت على نغم وتركتها مع والدتها.
كانت تشعر بإرهاق عاطفي شديد. وجدت سند مستيقظاً، يجلس على حافة السرير في انتظارها، وفي عينيه نظرة قلقة.
ما إن رآها، حتى نهض واقترب منها، وأخذها في حضنه الدافئ.
"وحشتيني."
استندت برأسها على صدره وتنهدت بعمق.
لاحظ سند على الفور أنها ليست على طبيعتها.
كان هناك قلق وخوف في طريقة تنفسها، في تصلب جسدها الخفيف بين ذراعيه. فهم من أين يأتي هذا القلق، لكنه أراد أن يسمعه منها أن يجعلها تخرجه بنفسها لترتاح.
أبعدها عنه برفق، وأجلسها على السرير ثم جلس بجوارها وامسك بيديها.
"مالك يا حبيبتي؟ فيه إيه شاغل بالك؟"
ترددت وعد قليلاً، ثم نظرت في عينيه مباشرة، وسألته السؤال الذي كان يؤرقها بصوت خافت.
"رجوع نغم... هيغير حاجة بينا؟"
ابتسم سند ابتسامة حنونة ودافئة، ابتسامة أذابت جزءاً من جليد خوفها. رفع يده إلى شفتيها وقبلها برقة.
"هيغير حاجة واحدة بس."
اتسعت عيناها بقلق.
وقال بحب صادق.
"هيغير إن بيتنا هيبقى فيه فرحة زيادة برجوعها لينا، لكن أنا وإنتي؟ مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تغير اللي بينا."
شد على يديها وأكمل بنبرة عميقة وصادقة.
"أنا جلتلك قبل إكده وهجولك تاني حبي ليكي مختلف. حبي ليكي هو اللي خلاني أعرف معنى الحب الحقيقي.
لما رجعت نغم، قلبي فرح عشان أختي رجعت، عشان حتة من روحي كانت ضايعة ورجعت مكانها. لكن حبي ليكي، مقلش ذرة واحدة وده أكبر دليل على إن حبي ليها كان حب أخوي، حب العشرة والطفولة. إنتي اللي علمتيني إزاي أحب كراجل مش كأخ."
ارتاحت ملامح وعد، وشعرت بالخجل من شكوكها.
"أنا آسفة... بس غصبت عني."
قال وهو يمسح على خدها.
"متتأسفيش، من حقك تخافي وتغيري وده بيفرحني على فكرة. بس أنا عايزك تطمني، إنتي وبس اللي في القلب ده ودلوق، لازم كلايتنا نقف جار نغم.
لازم نساندها ونرجعها نغم القوية اللي بتضحك وتهزر اللي نعرفها. الموضوع مش هيكون سهل عليها زي ما صعب عليها انها تسامح حد فينا."
"للاسف يا سند الحالة اللي شوفت فيها نغم لما سمعت صوته يأكدلي انها عانت كتير معاه."
تنهد سند.
"خابر بس اللي شوفته في عينيهم هما الاتنين النهاردة أكدلي انهم حبوا بعض، وقفت جاسر النهاردة زي الأسد عشانها. ودموعها هي الاي حبساها قدامه كأنها بتقاوم مشاعرها.
نظراتها كان كلها عتاب وقتها فهمت إنها هربت منه لما عرفت بجوازه من بنت عمه.
جاسر... حبها بجد يا وعد وللأسف مش هيسبها."
نظرت إليه وعد باستغراب.
"حبها؟ كيف بعد كل اللي عمله فيها؟"
"اللي زي جاسر لما بيحب بيبجى حبه مدمر لنفسه وللي حواليه. هو أذاها بس أذى نفسه أكتر وصدجيني، هو مش هيستسلم بسهولة هيعمل المستحيل عشان ترچعله.
ودورنا إننا نجوي نغم عشان تجدر تواچه ده، وتجرر هي عايزة إيه."
كانت كلماته منطقية وحنونة، وقد أزاحت كل المخاوف من قلب وعد. شعرت بالأمان الكامل معه، وبأنها محظوظة بهذا الرجل الذي يفهمها ويحتويها بهذا الشكل.
نظرت إليه بحب وامتنان، وقالت.
"بحبك."
"وأنا بموت فيكي."
رد عليها، وقد رأى أن الوقت قد حان ليطمئنها بطريقته الخاصة.
مال نحوها ببطء وقبلها قبلة رقيقة على خدها ثم على طرف شفتيها، قبلة قصيرة لكنها كانت كافية لتجعل قلبها يطرق بعنف.
كان يفعل كل شيء ليمحو هذا الخجل، ليبني جسراً من الألفة والثقة بينهما، وكان ينجح في ذلك، خطوة بخطوة.
❈-❈-❈
عاد جاسر إلى جناحه في وقت متأخر من الليل، خطواته ثقيلة وروحه منهكة. وجد والدته تنتظره في الصالة، والقلق يرتسم على وجهها.
ما إن رأته يدخل وحيداً، حتى فهمت كل شيء.
سألته بصوت خافت تخشى من إجابته.
"مرجعتش وياك؟"
هز جاسر رأسه بالنفي ثم ألقى بجسده على أقرب أريكة وأرجع رأسه للخلف وأغمض عينيه بتعب.
قال بصوت أجش ومبحوح.
"عرفت...... عرفت بچوازي من شروق، رفضت ترجع."
لأول مرة في حياتها رأت والدته هذا الكم من الحزن والهزيمة في عينيه.
لم يكن جاسر القوي الجبل الذي لا يهتز، كان مجرد رجل محطم، قلبه ينزف.
لقد وصل إلى أقصى درجات التحمل، لكنه كعادته كان يحاول أن يبني جداراً من القوة حول نفسه، قناعاً من الجمود يخفي وراءه حطامه.
"طب وهتعمل إيه يا ولدي؟"
بعد صمت دام للحظات.
"هعمل اللي لازم يتعمل."
قالها بنبرة غامضة ثم نهض دون أن يضيف كلمة أخرى، واتجه إلى جناحه.
دخل إلى عالمه الذي عاد بارداً وفارغاً.
كل شيء فيه يذكره بها.
رائحتها التي لا تزال عالقة في الهواء، لمسة يدها على الأثاث، وجودها الذي ملأ كل زاوية.
اتجه مباشرة إلى غرفتها، المكان الذي شهد على أسعد وأقصر لحظات حياته.
وقف في وسط الغرفة وأغلق عينيه، فمرت تفاصيل ليلتهما الوحيدة أمامه كشريط سينمائي حي.
تذكر قبلتهما الأولى الحقيقية، قبلة جائعة ومتلهفة، وكيف حاول أن يمتلكها بالكامل في تلك اللحظة.
تذكر مقاومتها الضعيفة، وكيف كان جسدها يرتجف بين يديه.
تذكر كل خطوة كان يخطوها نحوها في تلك الليلة، وكيف كانت تصده بنظراتها الخائفة، لكنه كان يجبرها على الاستسلام بنظراته هو التي كانت مليئة بالرجاء والألم والحب.
تذكر همسها المرتعش وهي بين ذراعيه على السرير: "متعملش فيا إكده... أرجوك".
وكيف رد عليها بصوت متحشرج من فرط الرغبة: "متعمليش فيا إنتي إكده...أرجوكي".
وفي النهاية استسلامها.
تلك اللحظة التي تلاشت فيها كل مقاومتها، وفتحت له أبواب روحها قبل جسدها.
في تلك اللحظة شعر وكأنه في الجنة.
لم تكن مجرد امرأة بين ذراعيه، بل كانت حورية، كائناً من نور ونقاء، أُرسلت لتطهره من كل ظلامه.
كان حنانها ورقتها يتناقضان بشكل صارخ مع قسوته وعالمه المليء بالدم. لقد شعر معها بأنه إنسان حقيقي لأول مرة، إنسان قادر على الحب، قادر على الشعور.
فتح عينيه على الواقع المؤلم.
الغرفة فارغة، وهي ليست هناك.
لقد ذاق طعم الجنة لليلة واحدة، ثم طُرد منها.
شعر بألم حاد يعتصر قلبه، ألم لم يكن يعرف أنه قادر على الشعور به.
لقد أدرك في تلك اللحظة أنها لم تأخذ جسدها وترحل، بل أخذت روحه معها، وتركته مجرد جسد فارغ في عالم لا معنى له بدونها.
❈-❈-❈
في إحدى الأمسيات الهادئة، دخلت وعد إلى غرفة نغم بتردد.
وجدتها تجلس على الشرفة، شاردة في الأفق منذ عودتها، ورغم كل محاولات الجميع، كانت وعد تشعر بحاجز خفي بينها وبين نغم، حاجز من صنع إحساسها بالذنب.
قالت بصوت خافت.
"نغم.."
التفتت نغم وابتسمت لها ابتسامة باهتة.
"تعالي يا وعد اجعدي جارى."
جلست وعد على الفراش بجوارها لكنها لم تستطع النظر في عينيها مباشرة.
فركت يديها بتوتر ثم قررت أخيراً أن تواجه ما في صدرها.
"أنا... أنا كنت رايدة اتحدت معاكي في حاچة."
نظرت إليها نغم باهتمام، وشعرت بترددها.
"اتكلمي يا حبيبتي، فيه إيه؟"
أخذت وعد نفساً عميقاً وقالت بسرعة كأنها تريد أن تتخلص من عبء الكلمات.
"أنا وسند... أنا خابرة إنك ممكن تكوني زعلانة مني.
عارفة إني أخدت مكانك في حياته بس والله العظيم... الموضوع كان مفروض علينا في الأول، مكنش باختيارنا.
جدك هو اللي أصر وبعدين... بعدين لما عشنا مع بعض كزوجين... رضينا بالأمر الواقع... أنا آسفة لو كنت جرحتك أو..."
قاطعتها نغم بهدوء، ومدت يدها وأمسكت بيد وعد المرتجفة.
"بصيلي يا وعد."
رفعت وعد عينيها الممتلئتين بالدموع لتجد في عيني نغم صفاءً وحناناً، لا عتاباً أو لوماً.
قالت نغم بصدق.
"إنتي عمرك ما أخدتي مكاني، عشان أنا أصلاً مكنش ليا مكان في حياة سند غير مكان الأخت.
أنا وسند عمرنا ما حبينا بعض حب الراجل للست. اللي كان بينا كان تعود كان أُلفة كان عشرة عمر. كنا زي التوأم بنخاف على بعض وبنحمي بعض بس إكده.
وده مش حب جواز يا وعد."
شعرت وعد بالدهشة والراحة معاً.
"يعني... يعني إنتي مش زمقانه مني؟"
ضحكت نغم ضحكة حقيقية ربما للمرة الأولى منذ فترة طويلة.
"أزعل منك ليه يا عبيطة؟ عشان لجيتي نصك التاني؟ عشان حبيتي واتحبيتي؟ بالعكس أنا فرحانة ليكوا جوي.
سند ده أطيب جلب في الدنيا، ومفيش واحدة في الدنيا دي تستاهله غيرك.
وإنتي... إنتي تستاهلي كل السعادة اللي في الدنيا."
ابتسمت نغم لها ثم أخذتها في حضن دافئ وقوي.
"إنتي أختي الصغيرة وفرحتك من فرحتي. إوعي تفكري في الموضوع ده تاني أبداً."
ابتعدت عنها قليلاً ونظرت إلى بطنها التي بدأت تظهر بوضوح ووضعت يدها عليها بحنان.
"وبعدين، لازم أباركلك على الكتكوت اللي چاي ده. مبروك يا حبيبتي ألف مبروك."
انفجرت وعد في البكاء لكنها هذه المرة كانت دموع راحة وفرح.
"الله يبارك فيكي يا نغم."
جلستا مرة أخرى لكن هذه المرة كصديقتين مقربتين، لا تحملان أي ضغينة.
وبدأت تحكي لها كل شيء. وفي تلك اللحظة انكسر الحاجز تماماً، وعادت علاقتهما أقوى مما كانت عليه، علاقة مبنية على الحب الصادق والدعم غير المشروط.
❈-❈-❈
مرت الأيام وتحولت سرايا الرفاعي إلى خلية نحل هدفها الوحيد هو إعادة البسمة إلى وجه نغم.
كان الجميع يحيطونها بالحب والرعاية التي حُرمت منها طويلاً.
ليل لا تفارقها، تعد لها أكلاتها المفضلة وسالم يجلس معها ويحكي لها نوادر من طفولتها رغم التحفظ الذي تبديه.
ومالك يتعامل معها بحنان أخوي، يسألها عن احتياجاتها دون أن يضغط عليها.
لكنها لا تقبل ان تتناول طعامها معهم.
مازالت ترفض الخروج من غرفتها ومواجهة جدها الذي حاول مراراً التحدث معها لكنها ترفض بشكل قاطع.
في أحد الأيام كانت نغم تجلس في الحديقة مع روح ووعد بعد أن اقنعاها بمعجزة.
كانت وعد في قمة سعادتها وبطنها قد بدأت في البروز قليلاً.
قالت وعد وهي تضحك وتنظر إلى نغم وروح.
"شايفين؟ بيقولوا اللي بطنها بتكبر بسرعة كده بتبقى حامل في ولد."
ضحكت روح وقالت.
"يا رب يطلع هادي زي سند عشان نعرف نسيطر عليه وميطلعش زي أمه."
نظرت إليها وعد بحنق.
"يا سلام، على أساس إن سند بعرف اسيطر عليه."
وبعدين اتشطري إنتي كمان واعملي زيي، وهاتي لـمالك بنوتة حلوة إكده، عشان اجوزها للولد."
تجمدت نغم للحظة، ونظرت إلى وعد ثم إلى روح بحيرة وارتباك.
"مالك؟ بنوتة لـمالك؟ هو... هو إنتي ومالك اتچوزتوا؟"
تبادلت روح ووعد النظرات، وأدركتا أنه في خضم كل الأحداث، لم يعرف أحد كيف يخبر نغم بهذا التطور السعيد في حياة روح.
اقتربت روح من نغم وأمسكت بيدها برفق.
"أيوه يا نغم... أنا ومالك اتچوزنا."
اتسعت عينا نغم بصدمة ودهشة.
"ميتى؟ وكيف؟ أنا... أنا مش فاهمة حاچة."
بدأت روح تحكي لها كل شيء بهدوء. حكت لها كيف كان مالك يحبها منذ سنوات، وكيف انتظرها وكيف تقدم لجدها بعد وفاة عدي، وكيف انتظر حتى انتهت عدتها وطلبها للزواج.
"هو كان بيحبني طول الوجت ده يا نغم... وأنا كنت عميا. كنت بدور على حاچة تانية خالصبس الحمد لله، ربنا أراد إننا نكون لبعض في الآخر."
كانت نغم تستمع، وعقلها يحاول استيعاب تدفق الزمن الذي فاتها.
حسبت في رأسها... عدة روح... ثم خطبتها وزواجها... حمل وعد... كل هذه الأحداث السعيدة التي شكلت حياة جديدة لأخواتها، مرت وهي حبيسة في جحيمها الخاص.
سألت بصوت خافت كأنها تخشى الإجابة.
"هو انا غبت جد ايه؟"
نظرت إليها روح بحنان.
"حوالي أربع شهور ونص يا حبيبتي."
سقطت الكلمات على نغم كالصخر. أربعة أشهر ونصف.
لقد مر كل هذا الوقت وهي هناك.
كانت تظن أنها أيام أو أسابيع، لكنها لم تتخيل أبداً أنها قاربت على النصف عام. أربعة أشهر ونصف من حياتها ضاعت في الكراهية، ثم الوهم، ثم الخيانة.
بدأ الحزن يعود ليلفها من جديد.
شعرت بأنها كانت في غيبوبة واستيقظت لتجد العالم قد تغير من حولها، وأنها الوحيدة التي ظلت عالقة في نفس النقطة المؤلمة.
ابتسامتها التي بدأت ترتسم على وجهها في الأيام الأخيرة تلاشت، وعاد إلى عينيها ذلك الظل الحزين، ظل امرأة أدركت للتو حجم ما خسرته من وقت ومن حياة.
❈-❈-❈
كانت صبر تستريح في حضن أكمل على الفراش، رأسها على صدره، تستمع إلى دقات قلبه المنتظمة التي أصبحت لحنها المفضل.
لم تكن نائمة بل كان عقلها يموج بالأسئلة بالشكوك، وبمخاوف المستقبل. كانت تشعر بالأمان في حضنه، لكنها كانت تخشى ما هو خارج جدران هذه الغرفة.
شعر أكمل بأسئلتها الصامتة، شعر بتوترها الخفيف رغم استسلامها بين ذراعيه.
مرر يده على شعرها برفق وقال بصوت هادئ وعميق.
"اللي بيدور في راسك ده، اسأليه متخبيش حاجة."
رفعت رأسها ونظرت إليه بدهشة.
"إنت... إنت إزاي بتحس بيا من غير ما أتكلم؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة.
"عشان بقيتي حتة مني بقيت بحس بيكي زي ما بحس بنفسي. يلا، اسألي."
أخذت نفساً عميقاً، وقررت أن تواجهه بكل مخاوفها.
"ليلى..."
نطقت اسمها بتردد. ففهم هو على الفور وقال دون مقدمات كي يطمئنها.
"ليلى موضوع وانتهى من زمان يا صبر.
حتى قبل ما أعرفك علاقتنا كانت غلطة من الأول، كانت مجرد ترتيبات عائلية مفيهاش أي مشاعر حقيقية. الموضوع اتقفل نهائي."
ارتاحت قليلاً، لكن السؤال الأهم كان لا يزال ينتظر.
"وحياتك... حياتك في القاهرة؟ شغلك هناك لما ترجع... أنا... أنا هعمل إيه؟ إيه هيكون وضعى في حياتك هناك؟"
تنهد أكمل تنهيدة طويلة، فهذا هو السؤال الأصعب.
شدد من احتضانه لها، كأنه يريد أن يحميها من إجابته القادمة.
"وأهلك... هل... هل ممكن يقبلوا بيا؟"
هنا، قرر أن يكون صريحاً تماماً معها.
لم يعد هناك مجال للكذب أو التجميل.
"بصي يا صبر، أنا مش هكدب عليكي وأقولك إن اللي جاي سهل.
لأ مش هيكون سهل أبداً.
أهلي... وبالذات أمي... مستحيل يقبلوكي بسهولة. هما ليهم حسابات تانية، وتفكير مختلف تماماً.
هيشفوكي بنت فقيرة من بلد منسية، وهيشوفوا بكذا اتجاه معاكس."
شعرت صبر بوخزة ألم من كلماته لكنها قدرت صراحته.
أكمل بنبرة جادة وحنونة في نفس الوقت.
"هييحاربوكي، وهيتكلموا كلام يوجع وهيعملوا كل اللي يقدروا عليه عشان يخلوني أسيبك. بس أنا عايزك تعرفي حاجة مهمة. قرارهم ده مش هيغير حاجة عندي. أنا اخترتك، وإنتي مراتي وهتفضلي مراتي. بس عشان نعدي المرحلة دي، لازم تبقي قوية لازم تتحملي معايا مهما حصل.
متضعفيش قدامهم، ومتسمحيش لكلامهم يكسرك. لو ضعفتي، هنخسر إحنا الاتنين."
نظرت إليه بعينين دامعتين، وقد تأثرت بصدقه وبثقته فيها.
"يعني... إنت مش هتسيبني؟"
ضحك بسخرية من سؤالها.
"أسيبك؟ بعد ما لقيتك؟ أنا كنت ميت وإنتي اللي صحيتيني يا صبر. أنا مستحيل أتخلى عنك. هنواجههم مع بعض، وهنتعب شوية في الأول، بس في الآخر هيضطروا يوافقوا."
كانت كلماته هي كل ما احتاجت أن تسمعه.
شعرت بأن جبلاً من القلق قد أزيح عن صدرها.
لم تعد تخشى شيئاً ما دام هو بجانبها، يواجه معها.
مالت إليه وقبلته قبلة رقيقة على شفتيه لكنها خجلة، قبلة تحمل كل امتنانها وحبها.
"أنا معاك وهتحمل أي حاجة عشانك."
نظر إليها بعينين تلمعان بالحب والرغبة وقد أثارتها هذه القوة الجديدة التي رآها فيها.
"بتعرفي إيه أكتر حاجة بحبها فيكي دلوقتي؟"
هزت رأسها بالنفي.
فهمس وهو يقترب منها أكثر.
"قوتك دي، قوتك وإنتي ضعيفة في حضني كده."
لم يمنحها فرصة للرد جذبها إليه في قبلة جريئة وعميقة، من تلك القبلات التي اعتادتها منه، قبلة تمحو كل المخاوف، وتؤكد لها في كل مرة أنها في مكانها الصحيح وأنها ملكه وهو ملكها، وأن حبهما يستحق أن يحاربا من أجله.
مال بها يأخذها إلى عالمه الذي لن يسمح بغيرها دخوله.
❈-❈-❈
في اليوم التالي.
كانت صبر تستلقي على السرير، تسند رأسها على صدر أكمل العريض، وهو يمسك بكتابها الجامعي ويشرح لها بهدوء إحدى النقاط المعقدة.
كان المشهد يبدو طبيعياً، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لـ أكمل.
كان يشرح بعقله، لكن كل حواسه كانت معها، مع رائحة شعرها، مع دفء جسدها بجانبه.
كان يشتاق إليها بجنون حتى وهي في حضنه.
كل بضع دقائق كان يترك الكتاب جانباً، ويحاول أن يأخذها إلى عالمه الخاص. يميل ليقبلها أو يشدد من احتضانه لها.
لكن في كل مرة، كانت تبتعد عنه برقة وتمنعه.
قالت بصوت جاد مصطنع.
"أكمل، أرجوك... ركز معايا. عندي امتحان بكرة ولازم أفهم الجزء ده."
تنهد أكمل وحاول مرة أخرى.
"والامتحان ده أهم مني؟"
قالت وهي تبتسم بخفة.
"لأ طبعاً...... بس لو سجطت، شكلي هيبقى وحش جوي جدامك."
همس وهو يحاول تقبيل عنقها.
"شكلك حلو في كل حالاتك."
أبعدته مرة أخرى وهي تضحك.
"بطل بجى! خلينا نخلص."
استمرت هذه المحاولات لبعض الوقت، هو يحاول إغواءها وهي تقاوم بدلال.
لكن صبر أكمل بدأ ينفد.
في النهاية، لم يعد قادراً على التحمل. أغلق الكتاب ورماه بعيداً على الأرضية، ثم جذبها إليه بقوة، متجاهلاً احتجاجاتها الضاحكة.
"كفاية مذاكرة لحد كده."
"لأ يا أكمل الامتحان صعب."
صرخت وهي تضحك وتحاول الإفلات من قبضته.
لكنه لم يستمع، وأخذها إلى عالمه رغماً عنها.
.............
في وقت لاحق من الليل، قُبيل الفجر، استيقظ أكمل. مد يده إلى جانبه كعادته، لكنه لم يجدها.
فتح عينيه على الفور. السرير كان فارغاً.
"صبر؟"
نادى عليها بهدوء لكن لم يأتي رد.
شعر بقلق فوري.
نهض من السرير وارتدى بنطاله وقميصه بسرعة، وخرج من الغرفة يبحث عنها.
نزل إلى الطابق السفلي، وقلبه يخفق بقلق.
وفجأة سمع صوت الباب الأمامي يُفتح بهدوء.
وقف في الظلام ورآها تدخل من الباب، تتلفت حولها بحذر.
ما إن رأته واقفاً أمامها كالشبح، حتى تجمدت في مكانها، وظهرت على وجهها صدمة حقيقية.
رددت اسمه بصوت مذهول، وكأنها ضُبطت متلبسة.
"أكمل."
اقترب منها ببطء وعيناه تضيقان بحيرة وشك.
"كنتي فين؟"
ارتبكت بوضوح وتلجلجت للحظة لكنها حاولت أن تبدو طبيعية.
"أنا... أنا كنت... كنت ناسية كتابي في الچنينة من امبارح. افتكرته دلوجت، فجلت أنزل أچيبه جبل ما الفجر يأذن لازم أراجعه جبل ما أروح الچامعة السواج زمانه جاي."
نظر إليها طويلاً يدرس ملامحها، يحاول أن يرى أي أثر للكذب.
كانت تبدو مرتبكة لكن قصتها كانت منطقية.
قرر أن يصدقها أو على الأقل أن يتظاهر بذلك في الوقت الحالي.
تنهد وقال بنبرة تحمل تحذيراً واضحاً.
"تاني مرة متخرجيش من البيت في وقت زي ده لوحدك.
لو كنتي عايزة حاجة، كنتي صحيتيني مفهوم؟"
أومأت برأسها بسرعة.
"مفهوم. أنا آسفة."
تقدم نحوها، ووضع ذراعه حول خصرها، وأخذها معه عائداً إلى السلم.
"يلا نطلع مفيش داعي تراجعي دلوقتي، شكلك مرهق نامي ساعتين كمان قبل ما السواق يوصل."
صعدا معاً إلى غرفتهما وهو يحتضنها بقوة، لكن عقله كان لا يزال يعمل. هل كانت تقول الحقيقة؟ أم أن هناك سراً تخفيه عنه في جوف الليل؟