تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الأول» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك الفصل الاول تَعَافيِّتُ بِكَ" قيل في معنى الزواج: الغاية من الزواج هي الأُنس..عقلٌ بجوار عقل وقلبٌ مربوطٌ بقلب و يدٌ تُداوي و روح تُعين ونفسٌ تُطمئِن." إنه يوم الخميس أوشكت الشمس على رحيلها، حيثُ أضحت في لونها البرتقالي أثناء غروبها، وفي تلك المنطقة ميسورة الحال نجد بها المباني منها ما هو مُرتفعٍ للغاية، ومنها ما هو منخفض؛ منطقة مختلطة الأزمنة و الأنماط، حيث توجد بها مباني شاهقة العلو قد تصل طوابقها إلى اربعةُ عشر طابقًا و قد صُممت على النمط الحديث، وبها منازل بالكاد تصل طوابقها...
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الحادي عشر
الفصل الحادي عشر"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
_________________
كَالشمس و القَمرُ
دائمًا يُقرنان في الحديثِ
كأنَّهما وَجْهان لذاتِ العُملة
إلا أنهُما لا يلتقيان
و هكذا نَحنُ.
_________________
في عيادة الطبيبة النفسية كان «ياسين» ينظر أمامه ولم يتحدث بحرفٍ واحد، نظر«وليد» لها وهو يحرك رأسه بيأسٍ وكأنه فقد الأمل في التو واللحظة، أخرج «ياسين» زفيرًا قويًا ثم قال بإبتسامة رُسمت على وجهه:
تمام يا دكتورة، أنا مع حضرتك"
تنهد«وليد» بإرتياح، أما الطبيبة فبادلته البسمة ثم قالت:
تمام يا أستاذ ياسين، الأول بس لازم تعرف إن وجود حضرتك ممكن يكون عامل قوي لتغير حالة خديجة١٨٠ درجة، وبناءً على المعلومات اللي عندي من أستاذ وليد إن خديجة مش بس عندها رُهاب إجتماعي، لأ هي عندها إضطرابات نفسية كتيرة جدًا نشأت نتيجة تراكمات"
أومأ لها موافقًا على حديثها ثم أخرج زفيرًا قويًا وقال:
ياريت يا دكتور حضرتك تعرفيني إيه أفضل طريقة للتعامل معاها وياريت كمان لو تفاصيل أكتر"
أومأت له بإبتسامة تُناسب ملامح وجهها الهادئة ومتماشية مع عمرها الذي أوشك على الـ«٥٠» ثم قالت:
كل اللي أعرفه عن خديجة إن هي نشأت نتيجة تربية غلط فيها شوية قسوة ومقترنة دايمًا بالعقاب ودي من أكتر الحاجات اللي بتأثر على الإنسان يا أستاذ ياسين، التربية في مرحلة الطفولة عاملة زي حجر الأساس مينفعش أهملها أو أبنيها بطريقة غلط"
أومأ لها موافقًا ثم نظر لـ«وليد» وتحدث قائلًا:
وهي القسوة دي كانت من باباها يا وليد؟"
نظر له «وليد» مُتاسفًا ثم قال:
للأسف عمي سبب قوي من اللي خديجة فيه دلوقتي، وكمان عمتي وبنات أعمامي اللي من سنها، خديجة مش شبههم ويمكن في ملامح الشكل هي عادية بالنسبة لهم، وهما كانوا علطول بيتكلموا قصادها عن حاجة زي دي وإن هي عادية ومعقدة وإن هي مش زي البنات اللي من سنها"
تدخلت الطبيبة وهي تقول:
للأسف يا أستاذ ياسين ممكن الحاجات دي كلها تبان عادية ومتأثرش على حد، لكن إحنا بشر ومختلفين عن بعض، يعني اللي أنتَ ممكن تشوفه عادي غيرك ممكن يصارع بالشهور علشان يقدر يتجاوزه، واللي ممكن أنتَ تحبه وتتقبله غيرك يرفضه وميقدرش يتحمل وجوده، وللأسف بناءً على علم النفس ودراساته خديجة تابعة للمجموعة«ج» في الاضطرابات النفسية.
نظر لها مُتعجبًا وتبدلت ملامح وجهه ثم قال:
يعني إيه يا دكتورة مجموعة ج؟"
أجابته قائلة:
الاضطرابات النفسية يا أستاذ ياسين أنواع في منهم نوع بيبجح في اللي حواليه ويتظاهر بالقوة وهو أضعف مما يكون، وفي نوع إعتمادي وتوكلي ودا بيعتمد على اللي حواليه في كل حاجة عايش دور الضحية، وفي نوع عملي دا بيخرج الطاقة والإضطراب اللي عنده في شغل وحركة وفي النوع اللي خديجة مُصنفة منه وهو النوع الإنطوائي"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
يعني كل نوع من الإضطراب دا ليه طريقة يعيش بيها غير التاني، قصد حضرتك إن طريقة العلاج والتعامل بتختلف؟"
حذت حذوه وواقفته في الحديث قائلة:
بالظبط يا أستاذ ياسين ودا طبعًا على حسب تعامل كل بيئة مع المريض"
رد عليه وهو يقول:
طب وخديجة هنا وضعها إيه؟"
ردت عليه قائلة:
للأسف خديجة هنا شخص منعزل وانطوائي، يعني مبتخرجش من البيت لفترات طويلة، معندهاش صحاب خالص ومحدش يعرفها غير أفراد عيلتها ودا في سنها شيء مش طبيعي بالنسبة للمجتمع، غير كدا تعرضها للتعديل على أسلوب حياتها وشكلها مخليها دايمًا حاسة إنها في عالم غريب عنها رافض وجودها"
تحدث بحيرة ظهرت على تعابير وجهه بوضوح:
أيوا برضه إيه السبب اللي يخليها كدا طول السنين دي؟"
تدخل «وليد» مُردفًا:
للأسف طريقة التعامل وكثرة العقاب اللي كانت بتتعاقبه وهي صغيرة"
تحدثت الطبيبة قائلة:
للأسف يا أستاذ ياسين كُتر إنتقاد الطفل وتعديل سلوكه قدام الناس بحجة تهذيبه بيخليه يحس بعدم الشعور بالأمان غير كدا مجرد التهديد بالعقاب أو استخدام العقاب نفسه بيخلي الطفل مش سوي نفسيًا، فبـالتالي بيخرج نوعين نوع عنيف وصعب التعامل معاه ونوع تاني مسالم ومنعزل محتاج يبذل مجهود علشان يقدر يتواصل مع اللي حواليه"
رد عليها «ياسين»:
طب هي بتكون في الطفولة بس؟"
إجابته قائلة:
لأ طبعًا والمراهقة كمان ليها تأثير قوي ومن المعلومات اللي عندي إن خديجة بداية إصابتها بالرهاب كان في مرحلة المراهقة وهي تاني أهم مرحلة في حياة الإنسان وكل اللي بيجي بعدها للأسف مبني عليها"
تدخل «وليد» وهو يقول:
وللأسف برضه في بداية سن مراهقتها إتفاجأت إنها لوحدها، عمي نقلها مدرسة كلها بنات بس في أولى إعدادي وبعدها عن صحابها اللي هي كانت عارفاهم وبالتالي معرفتش تتعامل في المدرسة ولا عرفت تكون أصحاب، ولما طلبت من عمي يرجعها مدرستها القديمة تاني ساعتها ضربها وعاقبها"
نظر له «ياسين» بقوة ثم قال:
ممكن أعرف العقاب دا كان نوعه إيه بالتحديد؟"
حمحم «وليد» بإحراج وصمت لبرهة من الزمن وهو يفكر هل يخرج ما بجبعته أم يحتفظ ببعض المعلومات، طال صمته ولم يتحدث،
فطرق «ياسين» على سطح المكتب ثم قال:
رد عليا يا وليد أنا بكلمك، العقاب دا كان نوعه إيه؟"
تحدث «وليد» بقلة حيلة مُردفًا:
للأسف لما كانت بتغلط أو حد يفتري عليها كان بيدخلها الشقة اللي الدور الأول هي شقة فاضية وكانت دايمًا مقفولة ومضلمة كان بيسيبها اليوم كله ويفتح أخر الليل نلاقيها نايمة على الأرض وبتتكلم كلام مش مفهوم"
إندهش «ياسين» وتعجب مما وقع على مسامعه، هل هناك أباء بتلك القسوة في العالم؟، هل هناك من يستغل قوته ضد طفل صغير لاحول له ولا قوة، هل ما يسمع عنه في التلفاز وفي المجتمع بأكمله حقيقي؟ شرد قليلًا فتحدث وكأنه تذكر شيئًا هامًا:
لو سمحتِ يا دكتورة هي إيه الأعراض اللي بتظهر على خديجة؟
أجابته قائلة بهدوء:
للأسف أعراض كتير زي سرعة نبضات القلب ، وزي الإرتعاش في الأطراف وبعض أجزاء الجسم، وفي الدوران والشعور بالغثيان وكل ما العدد بيزيد كل ما خوفه بيزيد، بس المشكلة اللي عند خديجة إن الرهاب جالها نتيجة الإضطراب النفسي"
فكر «ياسين» لعدة ثوانٍ ثم تحدث قائلًا:
أول مرة لما شوفتها كانت أهدى بكتير من تاني مرة رغم إن المفروض العكس هو اللي يحصل"
رد عليه «وليد» مُجيبًا إياه:
دا علشان بس أول مرة كانت على وشك الدخول في نوبة من اللي بتجيلها لما بتخاف أوي، خليتها خدت مهديء للأعصاب خوفًا من إنها يجرى لها حاجة، وتاني مرة الدكتورة طلبت مني إني أسيبها من غيره، علشان أعرف رد فعلها تجاهك"
أومأ لهم «ياسين» موافقًا ثم قال:
طب إيه اللي أقدر أنا أقدمه لها"
تحدثت الطبيبة قائلة:
كل اللي مطلوب منك إنك تساعدها في العلاج يعني ممكن وجودك يكون سبب قوي إنها تتعالج وتبطل خوف من حاجات ملهاش لزوم، خصوصًا إن والدها رافض فكرة علاجها وإنه شايف إنها معندهاش مشكلة"
رد عليها «ياسين» مُعقبًا:
مش يمكن فعلًا يا دكتورة هي مفيش عندها مشاكل وممكن يكون دا طبعها"
رد عليه بهدوء:
مستحيل طبعًا يا أستاذ ياسين، النفس لما بتتعب بتبعتلك إشارات تقولك أنا تعبانة، أنا مش بخير وعي الإنسان يتمثل في قدرته على علاج المشكلة، في ناس بتسيب المشاكل تتراكم لحد ما خلاص بتجيب أخرها وطاقتها بتخلص فتتحول معاها لمرض مُزمن مينفعش علاجه بين يوم وليلة وللأسف جعلنا بالأمور وخوفنا من كلام المجتمع عن المريض النفسي بيخوفنا أكتر من حل المشكلة دي، ولو على الرهاب الاجتماعي ممكن يتحل بالممارسة لكن لو على الاضطرابات النفسية لازم علاج نفسي"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
أنا مع حضرتك في أي حاجة يا دكتورة ، بس في سؤال محيرني هو ينفع يكون في جواز عادي ولا دا صعب؟"
فهمت قصده فإبتسمت له ثم قالت:
طبعًا عادي يا أستاذ ياسين لو حضرتك متقبل دا، لكن الأفضل يكون في علاج نفسي علشان العلاقة متكونش فيها إضطرابات وقلق باستمرار"
وافقها في الحديث ثم قال:
طب أخر حاجة معلش هو حضرتك عرفتي كل دا إزاي أو عرفتي مشكلة خديجة منين؟"
تدخل «وليد» وهو يقول:
دكتورة هناء والدة أسامة صاحبي وبالصدفة كنت بحكي عن حاجة تخص خديجة وأنا عندهم في مرة والكلام جاب بعضه لحد ما عرضت عليا إني أجبها تتعالج، بس ساعتها عمي رفض رفضًا قاطعًا وقالي إن المرضى النفسيين مجانين وهو مش مستعد بنته يتقال عليها مجنونة كفاية بيقولوا عليها معقدة"
تدخلت الطبيبة قائلة:
للأسف مكانش قدامي غير إني أتابع مع وليد حالتها من بعيد خصوصًا إن هي متعرفش حاجة عن إضطراباتها"
زفر«ياسين» بقوة ثم قال:
وأنا معاكوا في أي حاجة وفي أقرب وقت أنا هجبها لحضرتك تتعالج
رد عليه «وليد»:
أنا مش عاوزك يا ياسين تعمل كدا علشان هي صعبانة عليك ولا شفقة منك، أنا بس عاوز يكون في سبب قوي أقدر أساعدها من خلاله"
إبتسم له «ياسين» لكي يطمئنه ثم قال:
وأنا قولتلك إني مش عيل صغير وعارف أنا عاوز إيه، علشان كدا أنا مستعد أساعد خديجة، ومش علشان شفقة مني ولا إنسانية، لأ علشان أنا متأكد إن من حقها تفرح زي ما انا متأكد إن في شيء قوي جوايا عاوز يحارب علشانها".
________________
في بيت آلـ «رشيد» في شقة «طه» تحدثت خديجة موجهة حديثها إلى والدتها قائلة:
هو ليه متجمعوش النهاردة يا ماما، غريبة يعني مش عادتهم"
ردت عليها والدتها:
علشان جدك ناصر إبنه راجع من السفر النهاردة وعمتك مشيرة وعمك محمود راحوا يسلموا عليه"
أومأت لها ثم ابتسمت قائلة:
أحسن الحمد لله،كدا أعرف أقعد بمزاج أخلص مسلسل كامل النهاردة، عن إذنك أوضتي وحشتني"
همت بالوقوف لكن والدتها أوقفتها قائلة:
استني يا خديجة، نفسي مرة تقعدي معانا يوم كامل، نفسي تقعدي مع أبوكي كدا وأخواتك وتشاركينا اللحظات دي،أنتِ حتى الأكل ساعات كتير مش بتقعدي معانا فيه ولو قعدتي بتقومي أول واحدة، ليه يا خديجة؟"
أخذت خديجة نفسًا عميقًا ثم قالت:
غصب عني بس مش بحس إني مرتاحة غير كدا، والله بحاول بس بقدر يا ماما أنا بحارب علشان أفضل كويسة مش عاوزة أتعرض لكلمة ولا نظرة منه تحسسني بفشلي"
ردت عليها والدتها:
هو يمكن طبعه عصبي شوية بس قلبه أبيض بيصفى بسرعة، وبعدين هو اتغير كتير عن الأول يا خديجة ولا نسيتي؟"
حسنًا إذا كانت والدتها تريد إشعال النيران بتلك الذكريات المريرة فهي نجحت بقوة، لما لا ووالدها هو أكثر من ساهم في تكوين تلك الشخصية السلبية التي تعيش بها، ظل يعاقبها ويفرض سيطرته عليها حتى قضى تمامًا على شخصيتها، وكلما أرادت الدفاع عن نفسها، كان يُكذبها ويسمع للبقية من حولها، حتى وإن كانوا كاذبين، صمتت وطال صمتها تفكر في مواقف والدها الأخيرة، حقًا أوقف عقابها، لكن معاملته لها لازالت جافة لم تكن كعلاقة أب وإبنته يومًا ما، نظرت إليها والدتها ثم قالت:
روحتي فين يا خديجة أنا بكلمك؟"
عادت من شرودها ثم قالت:
لأ أبدًا مفيش حاجة يا ماما أنا هنا أهوه"
أومأت لها والدتها ثم قالت:
في حاجة كمان يا خديجة بالنسبة للعريس اللي متقدملك هيجي تاني هو وأهله،أنتِ أكيد موافقة صح؟"
احمرت وجنتيها وزادت ضربات قلبها على ذكر العريس ثم قالت:
وليه يا ماما، وبعدين أنا لسه مش كبيرة أوي،ما عندكم هدير أهيه لسه متجوزتش"
ردت عليها والدتها مُعقبة:
لأ يا حبيبتي هدير كانت مخطوبة قبل كدا، ومحصلش نصيب وبعدين عمتك مشيرة عرفت بموضوع العريس، ولو رفضتيه هتشمت فينا يا خديجة، ارحمينا من لسانها ووافقي عليه"
ردت على والدتها قائلة:
يعني أنتِ عاوزاني أوافق علشان أكسف عمتي، أنتِ شايفة دي حاجة صح يعني؟"
ردت والدتها:
لأ طبعًا مش علشان كدا بس،علشان نفسي أفرح بيكي وهو ميترفضش بصراحة أدب وشكل وتعليم وذوق يعني أي واحدة تتمنى ربعه مواصفاته لبنتها وقلبي مطمن له أوي، غير كدا أبوكي موافق عليه، يعني صعب إنك ترفضيه"
أومأت لها «خديجة» ثم قالت:
اللي فيه الخير ربنا يكتبهولنا يا ماما".
_____________
خرجا «ياسين» و «وليد» من عيادة الطبيبة ركبا سيارة «ياسين» وجلس «وليد» بجانبه وهو يقول:
أنا مش عارف أشكرك إزاي يا ياسين إنك هتساعدني في اللي جاي كله، أنا عمري ما كنت أتوقع إن ممكن ربنا يكرم خديجة ويعوضها بإنسان زيك"
ابتسم له «ياسين» ثم قال:
قولتلك متشكرنيش يا وليد، وبعدين خديجة من دلوقتي أنا هعتبرها أمانة في رقبتك لحد ما تكون ليا وساعتها بقى أنا اللي هشكرك علشان حافظت عليها"
ابتسم له«وليد» ثم قال:
بس كدا أنا أحطها في عيني يا ياسين"
ابتسم له «ياسين» ثم قال:
عجباني علاقة الأخوة اللي بينكم، أنا طول عمري كان نفسي يكون ليا أخت بنت، بس محصلش نصيب"
رد عليه«وليد»:
طول عمرنا من ساعة ما هي اتولدت واحنا مع بعض مغبناش عن بعض لحظة، رضعنا سوا إحنا الاتنين، حتى إنهم ساعات كانوا بيبدلونا، أنا أبات مع ماما زينب وهي تبات مع أمي لحد ماكبرنا وغالبًا نسينا مين فينا ابن مين"
ابتسم له «ياسين» ثم قال:
ربنا يديمكوا لبعض يا رب أنا بفرح أوي لما أشوف علاقة الأخوات مع بعض شيء جميل بصراحة"
ربت «وليد» على كتفه ثم قال:
صدقني خديجة بمجرد دخولها في حياتك هتكتفي بيها ودا أنا واثق منه"
نظر له «ياسين» مُستفسرًا ثم قال:
إشمعنا يعني؟"
رد عليه «وليد»:
عارف أنتَ الجملة بتاعة فاقد الشيء لا يعطيه؟"
أومأ له «ياسين» دون أن يتحدث، فتابع «وليد» حديثه وهو يقول:
خديجة بقى أكتر واحدة تثبتلك إن الجملة دي غلط،يعني خليها تشوف حد بيعيط كدا، تفضل تهون عليه وتصبره ويبقى ناقص تاخد زعله منه ليها هي، خليها تشوف طفل بيعيط كدا، ممكن تعيط معاه وتاخده في حضنها، الغريب إن هي عمرها ما أذت حد ليه هي بتتأذي؟"
رد عليه«ياسين»:
علشان للأسف البشر بيحبوا الشخص اللي يخوفهم اللي يخليهم دايمًا خايفين من لسانه والأذى اللي بيصدروا ليهم إنما الطيب دا بيطلع عينه وسطهم"
أومأ له «وليد» فتابع «ياسين» حديثه:
المهم دلوقتي عاوزك تبلغم في البيت عند خديجة إن هاجي ليهم بكرة بس لوحدي من غير أهلي"
نظر له«وليد» مُتعجًا ثم قال:
خير في إيه"
رد عليه «ياسين»:
كل خير إن شاء الله متخافش".
________________
أوصل «ياسين» أمام «وليد» إلى المنطقة التي يَسكن دون أن يقترب من البيت بطلبٍ من وليد خوفًا أن يراهم أحد من أفراد العائلة، ثم تركه وذهب إلى «ميمي» لكي يخرج ما به من طاقة سلبية كعادته كلما أراد الهروب من شيئٍ ما لاذ بالفرار إليها، جلس بقربها في الشرفة دون أن يتحدث كان ينظر للمارة في الشارع بشرود وهي تتابعه دون حديث،حتى وجدته يخرج تنهيدة قوية من قلبه وكأنها قالت ما لم تستطع الحروف قوله، نظرت له بعمقٍ ثم قالت:
لأ مش هقدر أسكت أكتر من كدا احكيلي مالك يا ياسين، شكلك مش مطمني خالص"
نظر لها ثم أجبر شفتيه على الابتسام وتابع حركته تلك بقوله:
أنا كويس متشغليش بالك بيا يا ميمي"
ربتت على كف يده ثم قالت:
لو مش هشغل بالي بيك يا ياسين هشغله بمين يعني، هو أنا ليا غيرك أنتَ وباقي العيال، دا أنتم هدية ربنا ليا، احكيلي يلا مش من عادتك تخبي عليا حاجة"
زفر بقوة ثم قال لها:
هحكيلك حاضر يا ميمي"
_____________
وصل «وليد» إلى بيته وقف أمام المصعد لكي ينقله إلى طابق شقة«خديجة» فُتح المصعد وخرجت منه «عبلة» نظر لها وليد بضيق وبادلته هي نفس النظرات المحتقنة، وأول من تحدث هو حينما قال:
يا ستار يا رب"
ردت عليه بسخرية:
خير يا أستاذ وليد شوفت عفريت قدامك ولا شكلي مش عاجب حضرتك"
بادلها نفس الحديث اللاذع حينما قال:
والله أنتِ أدرى بنفسك يا عبلة إذا كنتِ عفريت ولا لأ، وبعدين مكنتش متوقع إني أفتح الأسانسير ألاقيكي أنتِ في وشي يعني،كدا كتير،"
تبدلت نظراتها إلى الضيق في خلال ثوانٍ وكل ما يدور بذهنها أنه كان يريد رؤية «هدير»فقالت:
معلش بقى نصيبك إنك تتصدم بيا أتمنى مكونش أزعجت حضرتك"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
هو إحنا إيه اللي وصلنا لكدا يا عبلة، الدنيا كانت قربت تتظبط بيننا، ليه رجعنا للصفر تاني؟"
نظرت له بسخرية ثم قالت:
قُل لنفسك يا وليد، وفكر مين اللي غلط الأول، وافتكر إني إنسانة عندي مشاعر مش بديل لحد"
كان حديثها مُبطن يخفي داخله الكثير وهو لم يفهم منه شيئًا، لذلك تحدث قائلًا:
على الرغم إني مش فاهم حاجة ومصدع بس اسمحيلي أقولك رايحة فين كدا؟"
ردت عليها بضيقٍ منه:
وأنت مالك يا وليد رايحة فين مالكش دعوة بيا"
إذن هي من بدأت طريقة الاستفزاز فلتتحمل النتيجة، لذلك أردف قائلًا بخبث:
إزاي بقى مليش دعوة مش أنتِ أختي برضه يا عبلة؟"
جحظت عيناها بقوة ثم كررت كلمته مرة أخرى بسخرية وهو تقول:
أخــتـك؟!"
رد عليها بلامبالاة يمتاز بها وهو يقول:
آه طبعًا أختي وخايف عليها ولا أنتِ عندك رأي تاني؟"
أجابته قائلة بهدوء مُتقن:
لأ طبعًا معاك حق احنا أخوات، عن إذنك رايحة أشتري حاجات للبيت، علشان عم سليمان مش هنا،في البلد"
أومأ لها فتركته وغادرت من أمامه نظر في أثرها بتحدي ثم قال:
ماشي يا عبلة يا أنا يا أنتِ مش هسيبك تعندي كتير كدا"
دخل المِصعد وضغط على زر الطابق السادس الخاص بشقة «خديجة» دخل وألقى التحية على الجميع ولحسن حظه كانت خديجة جالسة معهم في الخارج، نظر إلى وجوه الجميع فتحدث قائلًا:
جماعة بعد إذنكم أنا عاوز أقولكم إن ياسين عريس خديجة هيجي بكرة إن شاء الله بس لوحده وعاوز يتكلم مع حضرتك يا عمي"
نظر لها والدها بقوة وكأنه يحاول إرسال تهديد لها بنظراته إن رفضت، أخفضت بصرها بعيدًا عنه، فتحدث والدها قائلًا:
يجي ينور إن شاء الله يا حبيبي ، أنا بكرة هاجي بدري مت الشغل علشان أكون في إنتظاره"
نظر «وليد» إلى «خديجة» وجدها متعرقة بشدة ولكنها تصنعت الامبالاة ورغم ذلك كان يبدو القلق واضحًا عليها، فتحدث «وليد» قائلًا:
تمام يا عمي وأنا كمان هكون موجود معاه بكرة وربنا يتمم بخير إن شاء الله"
تحدثت «زينب» قائلة:
خلاص لو كدا أجهز الشقة و أرتبها علشان نكون مجهزين نفسنا"
أومأ لها زوجها، أما «أحمد» شقيق خديجة كان ينظر لـوليد بقوة يحاول أن يفهم شيئًا مما يدور حوله، بادله وليد النظر ولكن بإطمئنان كأنه يقول له:
لا تقلق"، كل هذا وخديجة لم تشارك في الحديث ولا النظرات وكأن الحديث لم يكن عنها من الأساس.
_____________
عند ميمي قص عليها «ياسين» ماحدث من الطبيبة مع احتفاظه ببعض الأجزاء الخاصة بخديجة ولو كان الأمر بيده لكان أخفاه عن العالم بأكمله ولكنه مشتت يحتاج لمن يعاونه في التفكير واتخاذ القرار الصحيح دون ضغط على أعصابه، إنتهى من حديثه عن خديجة والطبيبة ثم قال:
قوليلي يا ميمي أنا أخترت إني أكمل دا كان صح مني ولا تسرع؟"
ابتسمت له ثم قالت:
هو سؤال واحد قلبك دا مرتاح ولا لأ؟"
رد عليها مُعقبًا:
يعني أنا بسألك علشان تردي عليا السؤال بسؤال؟"
كررت سؤالها وكأنها لم تسمعه فقال:
أنا حاسس إنه مرتاح من يوم ما شافها أصلًا،حاجة غصب عني بتشدني ليها،حتى بعد ماعرفت اللي قولتهولك دا حسيت إني عاوز أقرب أكتر ومش عاوز أبعد، خوفي كله أكون مش قد المسؤلية دي"
ابتسمت له ثم قالت:
أنتَ جاوبت نفسك أهوه يا ياسين أنتَ مرتاح ليها وحاسس بحاجة ناحيتها خوفك كله إنك متقدرش تنجح في اللي مطلوب منك،بس خليك فاكر لو كل اللي خاف من حاجة محاربش علشانها محدش كان نجح في حياته ولا حد كان، صدق قلبك وأمشي وراه"
أومأ لها موافقًا ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:
معاكِ حق يا ميمي، أنا هتوكل على الله وربنا أكيد مش هيخذل عبد توكل عليه"
وافقته في الحديث قائلة:
خليك مع ربنا عمره ما هيخذلك أبدًا يا ياسين، توكل عليه وهو هيسرلك كل صعب في الدنيا، وأدعي من قلبك ربنا مش هيرد دعاء عبد بيدعي بيقين من قلبه"
أومأ لها موافقًا ثم رفع رأسه للسماء وهو يقول من قلبه:
يــا رب"
_________________
وصل «ياسين» بيته وجلس برفقة والديه قليلًا ثم قال لوالدته:
بكرة هروح مشوار مهم بعد الشغل يا ماما"
نظرت له مُتعجبة ثم قالت:
مشوار إيه دا؟ مش عادتك تروح مشاوير بعد الشغل يعني"
حمحم بإحراج ثم قال:
بصراحة بعد إذنكم يعني هروح أتفق مع عم طه والد خديجة على شوية تفاصيل كدا قبل ما نتجمع سوا نتفق كلنا"
تحدث والده قائلًا:
براحتك يا حبيبي، بس خليك فاكر إنك متربي على الأصول يعني الأول تعتذر لهم إنك هتروح من غيرنا، وتسمع منه طلباته كلها وإحنا تحت أمرهم"
أومأ له «ياسين» موافقًا ثم قال:
متقلقش يا بابا، أنا فاهم كل دا أنا بس حبيت أتكلم معاه في كذا نقطة مهمة، قبل ما نتكلم في المواضيع الكبيرة"
وافقه والديه في الحديث فتركهم ودخل غرفته، جلس يفكر كثيرًا على فراشه حتى أرهقه التفكير وذهب في ثباتٍ عميق،
______________
أتى اليوم التالي كان «ياسين» منكبًا في عمله هاتفه أصدقاؤه كعادتهم مكالمتهم الجماعية وتلك المرة كان السبب بها «عامر» الذي قال موجهًا حديثه لـ «ياسين»:
قولي صحيح يا عريس، هو أنتَ عملت إيه في موضوع العروسة اللي فكت عقدتك دي و خلت قلبك يرتاح؟ مسمعناش زغروطه يعني ولا شوفنا منكم حتى طقم شربات ولا قطعة جاتوه"
ضحك«خالد» و«ياسر» على حديثه أما«ياسين» لم يُعقب، فتحدث «عامر» قائلًا:
لأ بجد والله يعني أنا عاوز أشوفك عريس قبل ما أموت، أنا دوقت جاتوه خالد وياسر حتى الجاتوه بتاعي، أنتَ بقى هدوق الجاتوه بتاعك إمتى؟"
رد عليه«ياسر»:
هو أنتَ يابني كل حاجة عندك أكل، مفيش هموم مفيش أحزان مفيش دم؟"
رد عليه «خالد»:
أي حاجة في حياته بيحسبها بالأكل وياريت باين عليه حاجة"
رد عليهم «عامر»:
خلاص يا سكر منك ليه، مالكم شادين حيلكم عليا ليه من ساعة ما بقيتوا نسايب وأنا مش عارف أقف قصادكم"
رد عليه«ياسين»:
متزعلش نفسك يا عامر ليك عليا إن شاء الله هعمل في فرحي بوفيه مخصوص ليك بإسمك وأكتب عليه ممنوع دخول «ياسر و خالد» مرضي كدا؟"
رد عليه «عامر» بصوتٍ مبهج:
روح يا ياسين ربنا يكرمك وينصفك ويجبر بخاطرك زي ما أنتَ جابر بخاطري كدا"
ظل الشباب يتحدثون سويًا حتى أغلقوا الهواتف مع بعضهم وكل فردٍ منهم عاد إلى عمله، إنتهى ياسين من عمله من المهام الموكل بها وقام بتسليم الملفات المطلوبة منه، ثم خرج من مقر عمله وركب سيارته وبعد مدة بسيطة لسيت بكثيرة وأيضًا لم تكن قليلة وصل «ياسين» ألى بيت «خديجة» هاتف «وليد» قبل وصوله وأخبره أنه في طريقه إليهم، حتى يكونوا على استعداد، أخبر وليد أفراد عائلة خديجة وكالعادة كانت في غرفتها ترتدي ثيابها دخلت أختها وأخبرتها أن تسرع في الأمر نظرًا لقرب وصول ياسين، وصل «ياسين» وجلس برفقة والد خديجة و وليد وأحمد، بعد الترحاب به قِبل العائلة تحدث «ياسين» قائلًا:
بعد إذن حضرتك يا عمي أنا عاوز الأنسة خديجة تسمع الكلام اللي هقوله دا"
نظر الجميع إلى بعضهم البعض فرد عليه والدها:
طبعًا يا بني تحت أمرك، هات أختك يا أحمد"
ذهب أحمد لغرفتها وأقنعها بالخروج لمقابلته وقال لها أن هذا هو طلب ياسين، خرجت وهي ممسكة في يد أخيها بقوة نظرت له وحاولت أن تبتسم ولكنها متوترة بشدة، لذلك ظهر التوتر على ابتسامتها جليًا بوضوح، ابتسم لها «ياسين» ثم قال موجهًا حديثه للجميع:
بعد إذن حضرتك يا عمي طبعًا أنا بطلب من حضرتك بشكل رسمي إيد الآنسة خديجة تكون زوجة ليا وشريكة لعمري الجاي"
ابستم الجميع على حديثه أما خديجة زاد خجلها وتوترها أكثر بكثير مما كانت عليه، فتحدث والدها قائلًا:
الشرف ليا أنا يا حبيبي"
رد عليه «ياسين»:
ربنا يبارك في حضرتك يا عمي بس أنا ليا طلب عند حضرتك"
أجابه والدها بهدوء:
اتفضل يا بني أؤمر"
رد عليه «ياسين»:
الأمر لله سبحانه وتعالى بس أنا مش عاوز فترة خطوبة، أنا عاوز كتب كتاب علطول".
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الثاني عشر
الفصل الثاني عشر"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
________________
مـن لـم يزُرنا والديارُ مُخيفـةٌ
لا مرحباً بهِ والديارُ أمانُ ..
_______________
وقعت الجملة على الجميع كوقع الصاعقة، أما «خديجة» جحظت عيناها للخارج من طلب«ياسين»
وكل ما يدور برأسها هل ما طلبه صحيح؟ هل يريد عقد قران بتلك السهولة من خلال رؤيتها مرات قليلة إن وضعت في حد التعبير أن هذه تعتبر رؤية، كيف يطلب مثل هذا الطلب وهو لا يعرف عنها شيئًا، كيف تخبره بمخاوفها من نفسها ومن العالم بأجمعه، فاقت من شرودها على حديث والدها وهو يقول:
معلش يا بني بس كتب كتاب إزاي بالسرعة دي؟ أنتَ لسه متعرفناش وبرضه من خلال قعدتك مع خديجة معتقدش إنك عرفت تحدد مصير الموضوع كله"
نظر «ياسين» إلى «وليد» لكي يعاونه في طلبه ثم تحدث قائلًا:
أنا مع حضرتك في اللي قولته يا عمي، بس في حاجة كمان حضرتك مش واخد بالك منها، إن الجواب باين من عنوانه،وأنا من عنوان حضراتكم الجواب باين قدامي، ولو عليا حضرتك تقدر تسأل عليا وتطمن"
رد عليه والدها بإحراج من حديثه وهو يقول:
لأ يا بني متقولش كدا، ربنا يعلم أنا قلبي مطمنلك إزاي، بس برضه هتكلم مع خديجة هي اللي من حقها تقرر، ولا إيه يا خديجة؟"
نظرت«خديجة» له بخوف، فتحدث والدها قائلًا:
ها يا خديجة إيه رأيك؟"
وأيضًا لم يصله منها رد، فرفع صوته قائلًا:
أنا مش بكلمك ما تردي عليا"
انتفضت نتيجة لصوت أبيها، وأغرورقت أعينها بالدموع، من يراها يظن أنها لا تريد التحدث وكأنها لا تبالي ولكن في الحقيقة هي كانت تحارب ذاتها ليخرج صوتها، عندما رأى «ياسين» تبدُل حالها، نظر لـ«وليد» وكأنه يقول له:
دلوقتي بس أتأكدت"
فتحدث قائلًا:
معلش يا عمي بعد إذنك، أنا عاوز أتكلم مع الآنسة خديجة لوحدنا لو مش هيضايق حضرتك"
نظر لها والدها بقوة ثم قال:
ماشي يا حبيبي، وصلهم البلكونة يا أحمد يتكلموا براحتهم فيها"
أومأ له «أحمد» ثم امسك يد أخته وأخذها إلى الشرفة وياسين خلفه، قام بإضاءة المصباح لهم ثم نظر لأخته،وجدها خائفة وعيناها لم ترتفع من الأرض، فنظر إلى «ياسين» ثم قال له:
معلش يا أستاذ ياسين، هي متوترة شوية، براحة عليها بس"
قال جملته ثم ضحك ليقنعه أنه يمازحه، بادله «ياسين» الضحك ثم قال:
ولا يهمك يا أحمد وبعدين أنتَ شايفني واقفلها بعصاية؟ أنا هحاول أقنعها على قد ما أقدر وأتمنى إنها تفهمني"
قال جملته ثم ابتسم له بإطمئنان، نظر له أحمد بتعجب ثم خرج لوالده و وليد في ردهة الشقة، استأذن والده ودخل المرحاض، فجلس أحمد بجانب وليد ثم قال له:
هو إيه اللي بيحصل يا وليد أنا مش فاهم حاجة؟"
ابتسم له «وليد» ثم قال:
واضح كدا يا أحمد إن اللي بيحصل كل خير"
شعر«أحمد» بالضيق من الامبالاة التي يتحدث بها «وليد» فرفع صوته قائلًا:
خير إيه يا بني أدم أنتَ،أنتَ عارف لو دا عرف خديجة طبعها إزاي ولا بنتعامل معها إزاي هيبقى ردة فعله إيه؟، طب مجاش في بالك لو سابها هنتصرف إزاي؟"
وضع «وليد» قدمًا فوق الأخرى بتكبر ثم قال:
كل اللي أنتَ بتقوله دا ملوش لازمة، عيب عليك أنا وليد"
أخذ «أحمد» نفسًا عميقًا ثم قال:
طب أنا معاك إنك وليد وإنك مفيش منك اتنين، تقدر تقولي رد فعله إيه لما يعرف"
رد عليه بإستفزاز:
والله رد فعله كلنا شوفناه دلوقتي، أهوه"
نفخ «أحمد»وجنتيه بضيق منه ثم قال:
يا بني أنتَ هتنقطني بالكلام؟ يعني إيه اللي أنتَ بتقوله دا؟"
وضع «وليد» يده على كتف «أحمد» ثم قال ببسمة رُسمت على وجهه:
يعني يا غبي ياسين عرف كل حاجة، ومش بس كدا لأ قابل دكتورة هناء كمان."
_________________
داخل الشُرفة كانت خديجة على وضعها ولم تتحدث بحرفٍ واحدٍ أما ياسين كان ينظر لها بقوة وثبات، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
أنا عارف إنك إتفاجأتي باللي أنا قولته، وعارف إنك من حقك ترفضي، بس أنا عاوز أطمنك إني مش عاوز في الدنيا دي غير إنك تكوني مرتاحة، وياريت لو حضرتك تتكلمي معايا ونتناقش براحتنا"
يبدو أنها لم تسمع ما قاله، لذلك لم يتغير في وضعها شيئًا ولا تحركت من الأساس، هذا ما ظهر له، ولكن في الحقيقة هي كانت تُعد الأرقام في سرها كما أخبرها وليد، نظر لها ياسين وهو ينتظر منها أن تتحدث، كان على وشك الحديث مرة أخرى ولكنها أوقفته بسؤال غير متوقع حينما قالت:
لــيـه"
رد عليها مُتعجبًا:
ليه إيه مش فاهم"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
ليه أنا، وليه عاوز تكتب الكتاب بالسرعة دي"
كان يعلم صراعاتها مع نفسها ويعلم مخاوفها، لذلك حاول أن يبثُ الطمأنينة بداخلها، فقال بهدوء:
علشان أنا إرتحتلك يا أنسة خديجة، وعاوزك تكوني زوجة ليا، وواضح إن حضرتك شخصية خجولة يعني من الصعب تتكلمي بسهولة، والخطوبة دي ليها ضوابط كتير من الصعب إني أقدر ألتزم بيها، وعلشان ربنا يكرمني بيكِ لازم يكون كل شيء في موقعه الصح"
ردت عليه بهدوء دون أن تنظر إليه:
ولو أنا رفضت؟"
كل حديثها يخرج منها بسرعة كبيرة وكأنها تتحدث وهي تركض على الرغم من جلوسها ثابتة إلا أنه يكاد يُجزم أن سرعة ضربات قلبها يسمعها بقوة كما لو أنها لم تنبض من قبل، لذلك رأف بحالها ثم قال:
هكون خسرت كتير أوي يا خديجة"
كانت جملته بها حديث مُبطن لم تفهمه فوجهت بصرها له وجدته ينظر لها بإطمئنان، ثم تبدلت نظرته و نظر لها بقوة وكانت هذه المرة الثانية التي تلتقي بها العيون، إبتسم لها ثم قال:
أنا واثق إنك هتحسبيها صح، وإنك هتعرفي تاخدي القرار"
ردت عليه معقبةً:
ولو أنا وافقت هتبقى خسرت أكتر"
رد عليها مُعقبًا:
ولو الخسارة بوجودك أنا مستعد ليها"
قال جملته ثم تركها وخرج إلى والدها و أخويها، وكانت والدتها جالسة معهم، أول من تحدث هو والدها حينما قال:
ها يا أستاذ ياسين أتكلمتوا سوا؟"
كان بداخل ياسين شيء ينبهه من ردة فعل أبيها لذلك إبتسم له ثم قال:
أيوا يا عمي اتكلمنا سوا، وإن شاء الله خير، ولو كدا هكلم حضرتك علشان أجي أنا وأهلي ونحدد المعاد سوا"
خرجت خديجة على جملته الأخيرة من الشُرفة، خوفًا من أبيها، نظرت لهم جميعًا ثم قالت:
هرد عليكم بكرة إن شاء الله عن إذنكم"
قالت جملتها ثم ركضت من أمامهم جميعًا، شعر والدها بالإحراج فتحدث قائلًا:
معلش يابني هي بس متوترة أنتَ عارف بقى البنات بتتكسف في المواقف دي "
رد عليه «ياسين»:
ولا يهمك يا عمي دا شيء طبيعي، أنا هستنى رد حضرتك عليا وهحدد معاد تاني"
تحدثت والدتها قائلة:
أنا أسفة على التدخل بس دا كتب كتاب مش خطوبة، يعني لو خطوبة اتفشكلت عادي، لكن كتب كتاب، هتبقى مطلقة؟ صعب أوي يا بني"
ابتسم مطمئنًا لها ثم قال:
أنا مش عاوز حضرتك تقلقي خالص، إن شاء الله الموضوع مش هيوصل للطلاق، يعني أنا إبن أصول برضه و عمري ما هقدر أقلل منها أو أزعلها وعلشان أنا فاهم كويس يعني إيه خطوبة ويعني إيه طلاق بطلب بكتب كتاب علشان كل حاجة تكون برضا ربنا سبحانه وتعالى"
من خلال حديثه بث الطمأنينة في قلوب الجميع حتى خديجة التي وقفت بالمطبخ تستمع لما يدور في الخارج، تعجبت من حديثه وابتسمت بخفة ولكن سرعان ما وأدت تلك البسمة وهي تهز رأسها، حينما تذكرت موقف مشابهًا لذلك بَدر من «راشد» فكان أيضًا يتصف بكثرة الكلام المعسول وطريقته الجيدة في الحديث، خرجت من شرودها على صوت والدها وهو يقول:
تمام يا بني هرد عليك بكرة علشان نحدد المعاد"
وافقه ياسين في الحديث ثم وقف لكي يغادر، ألقى تحية الوداع على الجميع، فتحدث «وليد» قائلًا:
طب أنا هوصل ياسين معايا عن إذنكم بقى"
خرجا سويًا من الشقة وركبا المصعد، خرجا سويًا من البيت أوشك ياسين على ركوب السيارة حينها أوقفه «وليد» وهو يقول:
ممكن أعرف ليه طلبت كتب كتاب يا ياسين؟"
زفر «ياسين» بقوة ثم قال:
علشان دا اللي المفروض يتعمل يا وليد، أنا لازم أساعدها بس تقدر تقولي هساعدها إزاي وبصفتي مين؟"
رد عليه ببساطة:
بصفتك خطيبها يا ياسين"
اجابه «ياسين»:
برضه مش كفاية يا وليد، الخطوبة دي ولا ليها أي لازمة دي مجرد وعد بالجواز يعني أي حاجة هعملها في فترة الخطوبة هتبقى ذنب عليا، يبقى إزاي أقدر أساعدها وأقدم ليها الدعم اللي الدكتورة قالت عليه وأنا برضه بشيلها ذنوب معايا؟"
نظر له «وليد» بتفحص ثم قال:
يعني هو دا بس سبب إنك تطلب كتب كتاب؟"
تنهد «ياسين» بإرتياح ثم قال:
لأ يا وليد مش علشان كدا بس، علشان خديجة أجمل وأنضف من إنها تتساب كدا، هي تستحق إنها تفرح وحاجة جوايا مطمناني إن فرحتها هتبقى بوجودي"
نظر له «وليد» بقوة ثم تحدث فجأة وهو يقول:
طب استناني هنا يا ياسين، متمشيش هرجعلك تاني"
صعد «وليد» إلى شقته ودخل غرفته أخذ منها شيئًا ونزل مرة أخرى إلى ياسين، كان يتنفس بسرعة كبيرة فنظر له ياسين بتعجب ثم قال له:
إيه يا وليد في أسد بيجري وراك ولا إيه؟"
حرك«وليد» رأسه سلبًا ثم مد يده بدفتر صغير مدون عليه شيء من الخارج، نظر له ياسين مُستفسرًا، فتحدث وليد قائلًا:
كلامك دلوقتي خلاني أتأكد إن مندمتش على إني أحكيلك عن خديجة وحياتها، ودا فيه حاجات كتير عن خديجة لو عاوز تعرف عنها أكتر، أنا كنت واخده معايا علشان الإنسان اللي يستحق خديجة"
مد «ياسين» يده وأخذ الدفتر من وليد نظر به مُتفحصًا ثم فتح الغلاف وجد في أول صفحة عبارة مدونة بخطٍ كبير:
أمنيات لم يكتب لها أن تتحقق"
نظر له «ياسين» مندهشًا، فقال له «وليد»:
لو فعلًا زي ما بتقول إنك عاوزها تفرح، وإنها تستحق دا، يبقى تقرأ الدفتر دا"
ابتسم له «ياسين» ثم أخذ الدفتر منه وركب سيارته.
_______________
في واحدٌ من الكافيهات العامة كانت هدير تجلس بصحبة منة إبنة جارتهم معها وكل واحدة منهما تتصفح هاتفها كعادة الجميع في الآونة الأخيرة، حتى أتى «شهاب» أحد الشباب الذي يجلس معهم دائمًا و يُعد رفيقهم،
جلس مقابل هدير ثم نظر حوله يبحث عن أحدًا ما وعندما لم يجدها تحدث قائلًا:
هي عبلة مش هنا يا هدير؟"
قلبت هدير عينيها بمللٍ ثم قالت:
لأ مش هنا ياشهاب، خير؟"
رد عليها مُردفًا:
لا أبدًا أنا بس كنت عاوز أقولها حاجة، المهم يا هدير أنتِ فاتحتيها في الموضوع اللي قولتلك عليه؟"
تدخلت «منة» في الحديث قائلة:
معلش يا شهاب هي عند بنت خالتها علشان في عريس جايلها وهي واقفة معاها وموضوعكم هدير هتقولها عليه لما تيجي إن شاء الله"
أومأ لها ثم تحدث موجهًا حديثه لـ «هدير»:
تمام بس متنسيش يا هدير أنا مستني ردك عليا"
أومأت له«هدير» ثم قالت بمللٍ:
حاضر يا شهاب لما تيجي هكلمها وهرد عليك، بس متعشمش نفسك أوي كدا"
أومأ لها ثم تركها وغادر، انتظرت «منة» حتى اختفى طيفه تمامًا ثم تحدثت قائلة:
صعبان عليا والله دا كله متعشم، وهي بتحب وليد، ووليد شكله كدا بيحب حد تاني دا إيه اللغبطة دي؟"
ردت عليها «هدير» بعدما تركت هاتفها قائلة بلامبالاة:
هي دي الدنيا اللي أنتِ تعوزيه مش عاوزك، واللي يعوزك أنتِ مش عاوزاه يا منة"
ردت عليها«منة»:
بس بجد أنا بحس إن وليد بيحبها فعلًا مش عارفة هي ليه قالت إنه بيحب واحدة تانية غيرها"
هزت «هدير» كتفيها بلامبالاة ثم قالت:
والله مش عارفة هي أدرى ممكن تكون شافت حاجة أو حد وصلها حاجة عنه."
ردت عليها «منة»:
طب هتعملي إيه مع شهاب ماهو هيفضل يزن كدا كتير"
نظرت «هدير» أمامها بخبثٍ ثم قالت:
ناوية على كل خير يا منة"
_____________
وصل «ياسين» بيته، خرجت والدته على صوت مفاتيحه، و رحبت به ثم قالت
أجبلك تتعشى يا حبيبي؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
لأ متتعبيش نفسك يا ماما، مش جعان"
نظرت له وهي تتفحصه ثم قالت:
ياسين مالك في إيه؟ أنا حساك متغير أو شكلك قلقان من حاجة مالك يا حبيبي؟"
ابتسم مطمئنًا لها ثم قال:
أنا تمام أوي متقلقيش عليا"
نظرت له وهي تتفحصه مرة أخرى ثم قالت:
أتمنى تبقى كويس فعلًا مع أني مش حاسة بكدا"
أوشكت على الرحيل لكنه أمسك كفها وأوقفها وهو يقول:
أستني يا ماما أنا عاوزك ضروري"
جلست بجانبه مرة أخرى ثم قالت:
إيه يا ياسين في إيه يا حبيبي؟"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
أنا مش عاوز أخطب خديجة"
صرخت والدته بوجهه فور إنتهاء جملته قائلة:
الله يسامحك يا ياسين على كسرة خاطري، الله يهديك يا بني، ليه تعمل فيا كدا؟"
رد عليها مُعقبًا:
أنا عاوز أكتب كتاب علطول"
ابتهج وجهها ثم قالت:
الله يعمر بيتك ويجبر بخاطرك يارب يا نور عيني"
تلبسته الدهشة من تغير حالها، فقال بسخرية كبيرة:
ودا من إيه دا إن شاء الله، ما كان الله يهديني من شوية وليه بعمل فيكي كدا كأني معذبك؟"
ردت عليه قائلة:
كل دا مش مهم، المهم هو إنك فرحتني، بس ليه القرار دا بالسرعة دي؟"
رد عليها مُردفًا:
أصل الخطوبة ملهاش لازمة وأنا على رأيك كبرت أهو وممكن أتحجج في فترة الخطوبة وأسيبها الله أعلم"
كان حديثه يشوبه شيءٌ من الخبث حتى يقطع على والدته كل سُبل السؤال والإستفسار، عندما وصلت والدته لنقطة ترك خديجة تحدثت بسرعة قائلة:
لأ يا حبيبي إن شاء الله مش هتسيبها ولا حاجة، المهم هنروح إمتى؟"
رد عليها بإبتسامة:
بكرة هيردوا عليا في موضوع كتب الكتاب، ولو كدا هاخد ميعاد معاهم ونروح نتفق كلنا على تفاصيل الجواز"
ربتت على كتفه ثم قالت:
خلاص يا حبيبي أدخل إرتاح أنتَ وأنا لما رياض يرجع من تحت هقوله إن شاء الله"
أومأ لها ثم تركها ودخل غرفته بدل ثيابه ثم أرتمى على الفراش، ولكنه تذكر أمر ذلك الدفتر الخاص بها، وقف وأخرجه من جيب سترته أمسكه بين كفيه ثم مرر أصابعه على تلك الكلمة المزخرفة على مجلد ذلك الدفتر باحتراف شديد بواسطة خديجة، فتح أول صفحات الدفتر وجد تلك الجملة التي كتبتها وهي:
أمنيات لم يكتب لها أن تتحقق"
فتح الصفحة التالية وجد بها خاطرة مدونة من قبلها:
لم يكن الخطأ خطئي، كانت حياتي كورقةً بيضاء وقعت في أشخاص مُلطخةٌ بالحبر فأصبحت غير قادرة على إزالة حبرهم ولا أنا بقادرةٌ على الكتابة بها من جديد"
نظر لتلك الخاطرة وعلى قوة التعبير الذي استطاعت أن تفصح عنه، انتقل إلى الصفحة التالية وجد بداخلها:
أود أن يحبني أحدهم كحبي للغة العربية الفصحى، أن يغرق بتفاصيلي كما أغرق بنصوص الغزل، وكلمات الشعر، أريده أن يلقيها على مسامعي فأشعر كأن قلبي أخرج فراشته بعدما كان كالصندوق المغلق.
ظل يقرأ في الدفتر وما دونته بيدها عن أحلامها وأمنياتها ولكن ما لفت نظره هو حبها الشديد للشِعر وكلمات الغزل الفصحى لذلك هاتف وليد وقال له:
بقولك إيه وليد الدفتر دا كله كلمات باللغة العربية الفصحى، أنا حسيت إني رجعت ثانوية عامة تاني"
ضحك «وليد» على حديثه ثم قال:
هي خديجة بتحب اللغة العربية الفصحى أوي دي كانت ساعات بتفضل تكلمنا بيها كأننا في قناة كارتون، لو عاوز تفرحها كلمها لغة عربية فُصحى"
رد عليه «ياسين» بسخرية:
أكلمها لغة عربية فُصحى ليه خاطب شجرة الدُر يا وليد؟"
ضحك «وليد» على حديثه ثم قال:
بقولك إيه أنتَ مش عاوزها تكون فرحانة يا ياسين؟"
رد عليه موافقًا ثم قال:
بس يا وليد هي ليه كل طلباتها بسيطة كدا؟ دي حاجات تتنفذ في يوم وليلة، معقولة في شخص ابسط الحاجات اللي في الدنيا دي ميقدرش عليها"
رد عليه «وليد»:
للأسف هي بتخاف من كل حاجة وعمي من كتر ماكان شديد في معاملتها كانت بتخاف من كل حاجة حتى الخروج مكانش بيرضى عليه"
رد عليه «ياسين» بخوف:
بقولك إيه يا وليد الوضع هيبقى إيه لو اتجوزنا؟"
رد عليه «وليد»:
ماهو علشان كدا طلبت مساعدتك وجودك هيفرق كتير أوي معايا"
رد عليه «ياسين»:
ربنا ييسرها يا وليد، وبالنسبة للغة العربية الفُصحى دي أنا هدور على حد خبرة كدا يديني فيه دروس ماهي مش هتيجي غير كدا"
ضحك«وليد»على حديثه ثم أغلقا المكالمة سويًا، عاد ياسين إلى الدفتر مرة أخرى وهو يتصفح صفحاته وكل مرة يتعمق به أكثر بكثير، أما عند«وليد» وقف في شرفة غرفته وهو يتنفس بعمق ثم وقف يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى وهو يقول:
يارب ساعدني وساعدها، أنا عارف إني من سنين وأنا مش قايم بدوري كأخ ليها وعارف كمان إنهم ساعات كانوا بيفتروا عليها من غير ما أنا أساعدها بس أنا طمعان في كرمك تسامحني وتعوضها خير يارب وتنسيها كل اللي فات"
انتهى من الدعاء ثم وقف ينظر من الشرفة وأثناء وقوفه وجد عائلة عمه «محمد» تنزل من سيارتها صعد الجميع عدا طارق الذي ذهب بالسيارة لمكانٍ ما، أما عبلة فذهبت لمحل البقالة تشتري بعض الأشياء، نظر «وليد» بخبث أمامه ثم قال:
وماله نلعب شوية مش عيب يعني"
خرج «وليد» من شقته ونزل على قدميه وقف أمام باب البيت وعند رؤيته لعبلة تقترب إختبأ خلف إحدى بوابات البيت، دخلت «عبلة»البيت وركبت (المِصعد) نظر «وليد» بخبثٍ وهو يتابع لوحة الأرقام وعند اقتراب(المصعد) للطابق الرابع المخصص للشقة التي يسكن بها قام بتعطيل المِصعد وهو يبتسم بشر ثم قال:
يا أنا يا أنتِ يا بنت عم محمد"
عبلة لم تكن بفتاةٍ جريئة ولكنها دائمًا ترسم شجاعة زائفة للجميع عن نفسها، وفي المِصعد، كانت تشعر بالخوف ولكنها تمالكت نفسها وهي تقول:
اهدي يا عبلة، اهدي فيها إيه يعني مش أول مرة، حاولي متصرخيش عشان ميضحكوش عليكي"
كانت تُصبر نفسها بتلك الكلمات حتى لا تتسرع وتصرخ وتفزع الجميع، وخارج المصعد في الطابق الرابع كان «وليد» يقف بجانب المِصعد وكان يسمع حديثها لنفسها ويضحك عليها بهدوء، وعندما بدأت تطرق على باب المصعد ظهر صوت «وليد» وهو يقوم بفتح باب شقته ليتقن التمثيل بعدما زحف على قدميه حتى لا تشك عبلة بأمره، وقف وهو يقول:
في إيه يا جماعة معقولة كدا الإنسان مش عارف يرتاح في بيته؟"
عند وصول صوته إلى مسامعها شعرت بالطمأنينة تجتاحها، فقالت بسرعة كبيرة:
وليد علشان خاطري شوفلي حل الأسانسير عطل بيا"
اتقن الإندهاش فقال بتمثيل متقن:
إيه دا عبلة!؟ بتعملي إيه هنا في الوقت دا؟"
ردت عليه بضيقٍ من حديثه قائلة:
هكون بعمل إيه يا وليد بصيف يعني؟ أكيد كنت طالعة الشقة"
تحدث بصوتٍ منخفض حتى لا تسمعه:
خفة دم أهلك دي اللي مودياكِ في داهية"
ثم رفع صوته قائلًا:
طب يا عبلة أنا كنت هنام أساسًا ولما سمعت خبطك على الأسانسير طلعت، بس طالما لسانك شغال وبتتكلمي كويس أسيبك أنا بقى"
ردت عليه بفزع قائلة:
لأ يا وليد علشان خاطري متسبنيش وتدخل أنا مطمنة بس علشان أنتَ واقف"
حديثها جعله في حالة من الرضا التام لذلك ابتسم بعذوبة وهو يعيد حديثها مرة أخرى وكأنه نسيْ أمرها، أما هي عندما لاحظت صمته قالت بصوتٍ عالٍ:
وليد أنتَ دخلت وسبتني؟ علشان خاطري شوفلي حل أنا بخاف يقع بيا ولا حاجة"
عاد من شروده على حديثها فقال بهدوء:
مش قادر أنزل يا عبلة والله، كلمي طارق ينزل يساعدك"
ردت عليه بعصبية:
طارق مش فوق يا وليد، علشان خاطري عندك انزل شوفلي حل في لوحة الكهربا اللي تحت"
رد عليها بمللٍ:
صدقيني جسمي مكسر مش قادر وبعدين يعني يا عبلة أنتِ عارفة طريقتنا مع بعض عاملة إزاي يبقى أساعدك بصفتي إيه؟"
ردت عليه قائلة برجاء:
علشان خاطري لو ليا خاطر عندك وأنا أوعدك هكلمك كويس بعد كدا"
ظل يفكر لثوانٍ ثم قال:
مش وحش يلّا موافق، بس مش دا اللي أنا عاوزه، أنا عاوز أعرف إيه اللي غيرك عليا كدا؟"
رد عليه بصوتٍ عالٍ وعصبية:
قول كدا بقى، أنتَ اللي عملت كدا علشان تردهالي"
رد عليها مُردفًا:
لأ يا عبلة أنا مش بنتقم منك أنا بس عاوز أفهم ليه كل دا حصل بينا، ليه بعد ما جيتلك كل الطريق دا رجعتيني أكتر من الأول ليه كسفتيني ورفضتيني قدام طارق؟ ردي عليا يا عبلة ليه؟"
ظهر البكاء جليًا على صوتها حينما قالت:
علشان أنا مش بديل لحد يا وليد، علشان كنت غبية لما افتكرتك عاوزني أنا طلعت بتنسى بيا حد تاني"
صفع باب المصعد بقوة ثم قال بصوتٍ عالٍ:
يا بنتي بديل إيه وبديل لمين؟ أنا معرفش حد غيرك أصلًا، أسألي طارق أخوكي هو معايا علطول أكيد مش هيكذب على أخته ولا أسألي خديجة خليها تسمعك كلامي عنك"
مسحت دموعها ثم قالت:
وأنا مش عاوزة أسمع حاجة من حد يا وليد ولو سمحت شغل الأسانسير زي ما عطلته"
حرك رأسه موافقًا قم قال:
بس خليكي فاكرة يا عبلة إن أنتِ اللي بتخسرينا إحنا الأتنين"
تركها ونزل على قدميه لكي بقوم بتشغيل المصعد مرة أُخرى، اقترب من لوحة الكهرباء ثم قام برفع زر المصعد لكي يتحرك، انتظر وصولها، ثم ركب المصعد لكي ينقله إلى الطابق الخاص به .
______________
وصلت «عبلة» شقتها وجدت والدها ينتظرها وأول ما لمحها اقترب منها وهو يقول بقلق واضح:
إيه يا عبلة أنتِ كنتِ فين قلقتيني عليكِ يا بنتي وبكلمك موبايلك مقفول"
رسمت بسمة زائفة على ملامحها ثم قالت بهدوء:
أنا كويسة يا بابا متقلقش عليا"
نظر لها متفحصًا ثم قال:
كويسة إزاي بس أنتِ معيطة ولا إيه؟"
نفت برأسها ثم قالت:
لأ الأسانسير عطل بيا وخد وقت لحد ما وليد حركه"
ربت والدها على كتفها ثم قال بحنان بالغ:
طب يا حبيبتي ادخلي أنتِ ارتاحي وأنا هجبلك كوباية عصير علشان الخضة"
أومأت له ثم دخلت غرفتها وهي تفكر في كلام وليد مرة أخرى، أما وليد دخل غرفته وجد صوت هاتفه يصدح عاليًا برقم «أحمد» شقيق «خديجة» قام «وليد» بالرد عليه فوجد «أحمد» يقول:
إيه يابني بقالي نص ساعة بكلمك فينك؟"
رد عليه «وليد» والضيق واضح على صوته:
مفيش كنت برة في الصالة والموبايل في الأوضة"
رد عليه«أحمد»:
طب تمام تعالى عاوزك معايا ضروري"
رد عليه «وليد»:
طب هشوف ماما فين وأجيلك"
رد عليه «أحمد»:
متتعبش نفسك مامتك هنا مع ماما تعالى أنتَ بس"
في خلال ثواني وصل «وليد» شقة عمه ألقى عليهم التحية ثم دخل غرفة «خديجة» وجد بها أخواتها معها جلس بجانب أحمد ثم قال:
أنا أهوه طلعت خير يا ولاد طه؟"
تكلمت «خلود» قائلة:
خديجة مش موافقة على كتب الكتاب يا وليد"
مسح«وليد» وجهه بكفيه بقوة شديدة ثم قال:
ليه يا أستاذة خديجة؟ خير"
تكلمت «خديجة» بسرعة كبيرة قائلة:
يعني أنتَ مش عارف ليه يا وليد أنتَ هتستعبط؟"
رد عليها مُعقبًا:
اتكلمي بالراحة يا خديجة علشان أفهمك"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
طيب... دلوقتي أنتَ عارف أنا بخاف إزاي، عاوزني إزاي أوافق على كتب كتاب واحد معرفش عنه حاجة و شوفته ٣ مرات بس؟"
رد عليها«أحمد»:
يا بنتي ماهو فترة كتب الكتاب اعتبريها خطوبة، يعني تتعرفوا على بعض أكتر"
ردت عليه بهدوء كعادتها:
طب تمام افرض بقى طلع مش مناسب ليا أعمل إيه ابقى مُطلقة وخلاص؟"
تدخلت «خلود» قائلة:
يابنتي ماهو ممكن أي حد يكون مش مناسب ليكِ، فترة الخطوبة دي هتخليكم مناسبين"
عقب «وليد» قائلًا:
أهيه خلود قالتلك، وافقي يا خديجة علشان ياسين لو ضاع منك عمرك ما هتلاقي واحد زيه تاني، ودا مش شغل زي اللي بتهربي منه ولا كورسات زي اللي بتخافي تروحيها، لأ دي حاجة بتيجي في العمر مرة واحدة ويا ناخدها يا نندم العمر كله على ضياعها"
كانت على وشك البكاء لذلك قالت بصوت مليء بالحزن:
أنا بخاف أنتم ليه مش عاوزين تصدقوا أني بخاف من كل حاجة، بخاف من الناس وبخاف وأنا لوحدي، بخاف حد يدخل حياتي تاني، فاكرين شكلي كان إيه وأنا كرامتي بتتهان قصادهم من راشد؟ فاكرين لما وقف قال قصاد الكل إني معنديش ربع مواصفات البنت اللي بيحلم بيها، أنا معنديش استعداد أجرب الاحساس دا مرة تانية"
تنهد «وليد» بقوة ثم قال:
وأنا أضمنلك برقبتي إن دا كله مش هيحصل، ياسين محترم ومتفاهم وكل كلامه بالعقل يعني عمره ما هيقدر يجرحك يا خديجة"
تدخل «أحمد» قائلًا:
مش علشان تجربة فاشلة ولا شخص مش كويس يبقى كل الناس كدا، صوابعك مش زي بعضها يا خديجة"
نظر لها «وليد» بإطمئنان ثم قال:
وافقي يا خديجة متخليش الفرصة دي تضيع من إيدك، وافقي برضاكي قبل ما عمي طه يتدخل وتوافقي وأنتِ مغصوبة"
نظرت له تفكر في حديثه وفي «ياسين» وحديثه معها وتلك الجملة التي خرجت منه حينما سألته عن رفضها، على الرغم من مخاوفها إلا أنها لمست الصدق في حديثه ونظراته، كان أخواتها ينظرون إليها فتحدثت قائلة:
أنا موافقة يا وليد"
صرخ الشباب بقوة كأن فريقهم المفضل ربح المباراة، أما خلود اقتربت من أختها وهي تحتضنها وتبارك لها، دخلت «زينب» و «مروة» غرفة خديجة نظرًا لإرتفاع الصوت فسألت «زينب» الجميع قائلة:
في إيه أنتَ وهو وهي صوتكم والناس نايمة"
اقترب منها «وليد» وأمسكها من ذراعيها ثم قال:
خديجة وافقت على كتب الكتاب"
صفق النساء بفرحة عارمة استيقظ على أثرها «طه» دخل الغرفة وهو يقول:
في إيه يا جماعة مش عارف أنام"
صمت الجميع أما «وليد» حمحم بإحراج ثم قال:
إحنا أسفين يا عمي على قلة أدبنا دي بس خديجة وافقت على كتب الكتاب"
نظر لها والدها ثم قال:
هي مكانتش عاوزة توافق ولا إيه؟ على العموم مبروك، كلم ياسين يا وليد و عرفهُ"
قال جملته ثم تركهم وغادر الغرفة، تبدلت نظرة الجميع خلال ثواني أما خديجة فنظرت في أثره بحزن شديد هي تعلم أن علاقتها به جافة ولكنها لم تتوقع أن يكون رد فعله بهذا الفتور"
_______________
نزل «وليد» ووالدته شقتهم ثم دخل غرفتهُ أخرج هاتفه ثم هاتف «ياسين»، اندهش «ياسين» من اتصال «وليد» به في ذلك الوقت لكنه رد عليه بسرعة كبيرة فوجد وليد يقول:
معلش يا ياسين صحيتك ولا حاجة؟"
رد عليه«ياسين»:
لأ أبدًا يا وليد أنا منمتش ولا حاجة"
ضحك «وليد» ثم قال له:
إيه بتفكر في حد ولا إيه؟"
ضحك «ياسين» ثم قال:
يعني حاجة زي كدا يا وليد"
رد عليه «وليد»:
طب يا سيدي أنا قولت أرحمك من عذاب التفكير وأقولك إن خديجة وافقت على كتب الكتاب"
انتفض«ياسين» من فراشه ثم قال:
بجد يا وليد؟ خديجة وافقت"
ضحك «وليد» ثم قال:
أيوا والله وافقت، أنتَ بقى كلم عمي طه وحدد معاه معاد علشان الاتفاق"
وافقه «ياسين» في الحديث ثم أغلق الهاتف معه، امسك دفترها في يده ثم قال:
أوعدك يا خديجة طول ما أنا موجود في حياتك هخلي كل صفحات كتابك متلونة، ربنا يقدرني وأسعدك"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الثالث عشر
حتى وإن كانت المعركة صعبة سأتحمل لأجلك..لأنكِ تستحقين
وفي اليوم التالي أخبر «ياسين» عائلته بموافقة «خديجة» على عقد القران وسط فرحتهم العارمة بإبنهم الوحيد كانت«زُهرة» سعيدة للغاية ووجهها مُبتهج، وتم الاتصال بين والد «ياسين» و والد«خديجة» على أن يتم الإتفاق الرسمي في منتصف الأسبوع، تحدث «ياسين» مع أصدقائه لكي يتقابل معهم في منزل «ميمي» لكي يلقي هذا الخبر على مسامعهم لكي يرى فرحتهم به كونه الضلع الأخير الذي سيتزوج في هذا المُربع، في منزل آلـ «رشيد» اجتمع «طه» مع أخوته في الطابق الأول لكي يخبرهم بمعاد مقابلة ياسين ووالديه، بارك له أخوته جميعهم ونظرات الفرحة في أعين الجميع عدا «مُشيرة» التي شردت أمامها وأول من رأى تغيرها هو «مرتضى» والد «وليد» فتحدث قائلًا:
إيه يا مُشيرة سرحتي فين؟ مش هتباركي لطــه؟"
لفت حديثه إنتباه الجميع فنظروا إليها، توترت عند نظرتهم لها فقالت بتوتر جليّ على ملامحها:
ها.. مبروك يا طه ربنا يفرحك بيها إن شاء الله"
رد عليها بهدوء:
الله يبارك فيكِ يا مُشيرة، تسلمي"
تحدث «محمود» شقيقه الأكبر قائلًا:
وهما هيجوا إمتى يا طه؟"
تحدث «طه» بهدوء:
بعد يومين إن شاء الله يا محمود، وطبعًا لازم تكونوا موجودين معايا أنتم أعمامها ولازم تحضروا"
وافقه «محمد» في الحديث قائلًا:
أكيد طبعًا يا طه خديجة زي عبلة و سلمى بناتي وكلنا هنكون موجودين"
تم الاتفاق بين الأخوة على حضور الاتفاق في الموعد المحدد والتحدث عن تفاصيل الزيجة مع دعائهم بالتوفيق وإتمام الأمور بخير.
_____________________
بعد انتهاء «ياسين» من عمله ذهب إلى منزل «ميمي» لكي يجلس معها برفقة أصدقائه أخذ معه بعض الحلويات والعصائر كتعبيرًا منه عن فرحته، وصل قبل أصدقائه وجلس برفقة «ميمي» قَص عليها ما حدث مع «خديجة» ولكنها لم تتحدث فقط كانت تنظر له وهي مبتسمة وعندما طال صمتها تحدث وقال:
في إيا ميمي هو أنا بحكيلك علشان تسكتي كدا؟ قولي أي حاجة طيب"
حركت رأسها للجهة الأخرى بإتجاههِ ثم قالت:
عاوزني أقولك إيه طيب؟"
حرك كتفيه و قال:
قولي أي حاجة، قولي أنا صح ولا غلط في قراراتي دي، قولي طيب الكلام اللي قولته ليها كان غلط وتسرع مني ولا لأ؟"
ابتسمت له وقالت:
لأ دا مش تسرع منك ولا حاجة واحدة زيها بتخاف من حاجات كتير أنتَ محتاج تكون جنبها وتطمنها، ودا مش هينفع وأنتَ خطيبها، بس قولي إيه اللي خلاك تاخد قرار كتب كتاب وتقول لوليد إنك مش عاوز تاخد ذنوب فيها؟"
رد عليها مُردفًا:
لما ندى أخت ياسر جالها عريس ساعتها صمم إنه يكتب الكتاب على الرغم من إنه كان يدوب لسه يعرفها، ساعتها ياسر رفض وكان مصمم على الخطوبة بس، ساعتها «وحيد»دا لما قعدنا معاه قالنا إنه مش هيقدر يشيل ذنب الخطوبة وإن الخطوبة ممكن بسببها ربنا ميباركش في الموضوع، ساعتها أنا استغربت أوي الموضوع ولما دورت عرفت إن فعلًا الخطوبة ليها ضوابط كتير ولما كتب الكتاب ساعتها قالنا إنه من أول مرة شافها أتمناها من ربنا وأتمنى ربنا يبعد عنهم أي حاجة فيها معاصي."
صمت ولم يُكمل حديثه وبدا كأنه شاردًا في أمرٍ ما لذلك نظرت له مُتفحصة ثم قالت:
مالك ما تكمل كلامك سكت ليه يا ياسين؟"
لفت حديثها إنتباهه لذلك نظر إليها وهو يبتسم ثم قال:
الغريب إن دا كان نفس تفكيري عن خديجة، خوفت أشيل فيها حتى ولو ذنب صغير، عارفة يا ميمي لما بتبصلي بحس إني مرتاح، فكرة إن هيجي يوم وتكون معايا بتطمني وكأن أنا اللي مستنيها تغير حياتي مش العكس"
ابتسمت له ثم ربتت على كف يده وهي تقول:
ريح قلبك يا ياسين وطمنه، كل اللي بيحصل حواليك دا خير ليك، أنتَ كان كل أملك في الحياة إن البنت اللي هتتجوزها يكون قلبك مرتاح لها، و خلاص أنتَ لقيتها ليه تفضل تحسبها كتير وتتعب نفسك"
هز كتفيه ثم قال وهو في حيرة من أمره:
أنا مش بتعب نفسي، أنا خايف بس مكونش قد المسؤلية دي، خايف أكون عبء أكبر عليها"
ردت عليه معقبة:
لأ أوعى تعمل كدا وتسلم نفسك لشيطانك يا ياسين احمد ربك على وافتكر إنك أنتَ اللي اخترت محدش كان جبرك على حاجة"
أومأ لها موافقًا ثم هَمَّ بالرد عليها صدح صوت «خالد» عاليًا وهو يعنف «عامر»، ضحكت «ميمي» ثم قالت لـ«ياسين»:
قُم الحق عامر قبل ما خالد يموته في إيده"
وقف «ياسين» فوجد «عامر» يفتح الباب ثم جرى وأختبأ خلف ظهر «ياسين» وهو يقول:
إلحقني يا ياسين أنا في حمايتك"
اقترب «خالد» منهما و أوشك على الإمساك بـ«عامر» لكن «ياسين» أوقفه وهو يقول:
إهدى يا خالد بس عملك إيه المتخلف دا؟ علشان خاطري إهدى"
زفر «خالد» بقوة ثم قال:
علشان خاطرك أنتَ يا ياسين بس"
أخرج«عامر» رأسه من خلف «ياسين» وهو يقول:
يعني إيه علشان خاطر ياسين يعني مش فاهم، وريني هتعملي إيه يا خالد"
اقترب «خالد» لكي يمسك به مرةً أُخرى وهو يقول:
وسع بقى يا ياسين علشان دا بجح وعاوز يتربى"
ضحك «ياسين» وهو يقول:
طب إهدى بس وقولي عمل إيه طيب؟"
أخذ«خالد» نفسًا عميقًا ثم قال:
أنا والغبي دا اتقابلنا سوا و جينا لحد هنا سوا تمام؟"
أومأ له «ياسين» وهو يقول:
طب تمام فين المشكلة؟"
رد عليه «خالد»:
المشكلة إن الحيوان دا سبقني وطلع يجري على البيت، و فضل يخبط ويرزع على شقة عم لطفي تحت، وطلع خطوتين وأول ما قربت من باب شقتهم وقفني يدوب باخد نفسي لقيت مرات عم لطفي طالعة تشتمني وتقولي اتكسف على طولك أنتَ بقيت أب، بعد العمر دا كله يتقالي كدا يا ياسين، يرضيكي يا ميمي؟"
شهقت «ميمي» بقوة ثم قالت:
يخيبك يا عامر، أنتَ مش ناوي تكبر بقى؟"
أخرج رأسه من خلف ظهر «ياسين» مرة أخرى ثم ضحك بإستفزاز وهو يقول:
بعد الشر عليا، وبعدين ماله مكبر الموضوع كدا ليه؟"
تحدث «خالد» بضيقٍ من الامبالاة التي يتحدث «عامر» بها قائلًا:
يا بني بطل برود بقى مرة واحدة في حياتك، أنا لو مسكتك محدش هيرحمك من إيدي"
وضع«عامر» يده في خصره وهو يقول:
وريني كدا هتعرف تعملي إيه يا خالد لو جدع تعالى"
التفت له«ياسين» قائلًا بغضب مصطنع:
ما خلاص بقى يا عامر بطل برود، وبعدين أنتَ مش شايف عامل إزاي؟ دا لو سلم عليك بس هيبقى الله يرحمك"
تدخلت «ميمي» قائلة:
خلاص بقى يا ولاد، تعالى يا خالد أقعد جنبي، وأنتَ يا عامر بطل تستفزهم بقى"
ذهب «خالد» وجلس بجانب «ميمي» وهو يزفر بضيق ثم قال:
علشان خاطرك يا ميمي بس والله لو مش وجودك كنت موته النهاردة"
رد عليه «عامر» بسخرية قائلًا:
يا بني ولا تعرف تعملي حاجة أصلًا، أنتَ طول وعضلات على الفاضي يا خالد"
رد عليه «خالد» بإستهزاء قائلًا:
برضه مش هرد عليك كفاية شكلك وأنتَ زي الكتكوت المبلول بتتحامى في ياسين"
تدخل «ياسين» قائلًا:
ما خلاص بقى يا خالد، أنتَ الكبير يا جدع كبر مخك، متعملش عقلك بعقله"
أرجع «خالد» رأسه للخلف ثم أغلق عينيه، نظر له «عامر» مستفسرًا ثم قال موجهًا حديثه لـ «ياسين»:
هو ماله يا ياسين، مات ولا إيه"
ثم صدح بصوتٍ عالٍ:
ولا يا خالد إصــحــى يا لا"
أعاد «خالد» رأسه مفزوعًا من صوته ثم قال:
يا رب ريحني منه مش طالب كتير والله"
ذهب «عامر» وجلس بجانبه وهو يقول:
خلاص بقى يا خالد بنكشك والله، فوق كدا خلينا نشوف الاستاذ ياسين الشيخ عاوزنا ليه؟"
أوشك«ياسين» على الحديث ولكن أوقفه «ياسر» حينما فتح باب الشقة ودخلها، اقترب منهم ثم ألقى التحية على الجميع، ولكنه وجدهم يضحكون عليه وخاصةً عامر الذي سقط أرضًا، تعجب «ياسر» فقال للجميع:
مالكم بتضحكوا على إيه مشوفتوش واحد قبل كدا بهدوم الشغل؟"
رد عليه «خالد» بسخرية:
وهي هدوم الشغل كلها أبيض في أبيض كدا؟ أنا أفتكرتك جاي من عمرة"
أوقف«عامر» الضحك ثم قال:
لأ والشبشب كمان أبيض، أنا مش قادر أتخيل ياسر قدامي غير إنه إزازة لبن"
تحدث«ياسين» بهدوء:
طب وأنتَ إيه اللي رجعك كدا من المستشفى، ومشيت كدا إزاي في الشارع؟"
رد عليه «ياسر»:
وأنا نازل الصبح نسيت مفاتيحي وكان عندنا مؤتمر في المستشفى، سعيد زميلي وصلني لهنا بالعربية بتاعته بس هو كان مستعجل ملحقتش أغير هدومي وأمي عند أم خالد يعني مفيش حد في البيت قولت أجي ألبس أي حاجة من اللي هنا عند ميمي"
أومأ له الجميع، أما «عامر» فوقف وهو يقول موجهًا حديثه لـ «ميمي»:
ميمي أنا جعان مفيش أكل عندك"
ضرب «ياسين» كفًا بالأخر وهو يقول:
أنتَ إيه يا بني مبتشبعش خالص كدا؟ علطول جعان؟"
رد عليه «عامر»:
أيوا علطول جعان، ها في أكل إيه بقى؟"
ابتسمت له «ميمي» ثم قالت:
ادخل يا عامر يا حبيبي اللي يعجبك في التلاجة كله"
أومأ وهو يقول:
ربنا يخليكي ليا يا ميمي يارب، أنا هعمل أكل ومحدش منكم هيمد إيده فيه أنا قولت أهو، وأنا كلمتي متنزلش الأرض"
قال حديثه ثم وقف بجانب «ياسر» وهو يضع يده على كتفه ثم قال بجدية رُسمت بإتقان على ملامح وجهه:
أنا خايف عليك أوي يا ياسر"
نظر «ياسر» حوله يبحث في المكان ثم قال:
خايف عليا من إيه يا عامر؟"
ربت «عامر» على كتفه ثم قال:
الدنيا حَر وأنا خايف عليك تحمض"
قال جملته ثم تركه ودخل المطبخ، وقف «ياسر» مُتعجبًا ثم قال:
الواد دا أهبل ولا إيه؟"
نظر الجميع وجدهم يضحكون فنظر إلى ملابسه ولونها وفهم مقصد «عامر» فقال:
آه يا عامر الكلب وربنا ما هسيبك"
قال جملته ثم ركض إليه في المطبخ، ضربت «ميمي» كفها بالأخر وهي تقول:
عليه العوض ومنه العوض، أنا أملي فيكم يا خالد أنتَ وياسين بدل جوز الهُبل دول"
رد عليها«ياسين»:
متخافيش يا ميمي إحنا تمام ولا إيه يا خالد؟"
نظر إلى «خالد» وجده يبحث في هاتفه فسأله:
أنتَ بتعمل إيه يا خالد؟"
رد عليه «خالد»:
بكلم إيمان أختي"
تعجب «ياسين» فقال له:
بتكلمها ليه في حاجة؟"
رد عليه «خالد»وهو يبتسم:
بكلمها علشان تلحق جوزها قبل ما يحمض"
قال جملته ثم ضحك وهو ينظر للهاتف ، فنظرت ميمي لهما وهي متعجبة.
__________________
في شقة«طه» كان جالسًا برفقة أسرته بأكملها فتحدث قائلًا:
أنا عرفت أخواتي يا زينب، وهيحضروا الاتفاق معانا، أنتم بقى جهزوا حاجتكم واعملوا حساب الناس اللي هتكون موجودة"
أومأت له «زينب» موافقة ثم قالت:
حاضر يا طه وكويس إنك قولت لأعمامها برضه علشان يعرفوا إن وراها عيلة"
تدخل «أحمد» قائلًا:
هي خناقة يا ماما؟ وبعدين الناس محترمة وذوق، المهم إن مُشيرة متطلعش دي أهم حاجة"
عنفه والده قائلًا:
عيب يا أحمد احترم نفسك،
دي عمتك برضه بلاش قلة أدب"
ردت عليه «خلود»:
بصراحة بقى معاه حق يا بابا ممكن ترمي كلمة زي السم قدام الناس تبوظ الدنيا كلها"
رد عليهم بهدوء:
أنتم مش عارفين تفهموها هي مبتحبش الحال المعوج،بتحب كل حاجة دغري، علشان كدا كلامها صريح واللي في قلبها على لسانها"
ردت عليه «خديجة»:
مفيش شخص في العالم كله بيجرح الناس بكلامه ويكون قلبه أبيض، مفيش شخص بيفضل يقول عيوب الناس والمشاكل اللي فيهم ويكون طبيعي، وتبريرنا ليهم إنهم ناس طيبين وقلبهم أبيض بيخليهم يزيدوا فيها"
رد عليها مُستفسرًا:
قصدك إيه يا خديجة بكلامك دا؟"
نظرت له بهدوء ثم قالت:
مقصدش حاجة يا بابا، أنا بتكلم في المطلق عن الناس عمومًا"
أومأ لها موافقًا ولكن بداخله كان يظن أن الحديث عنه وعن أخته فهو دائمًا ينعتها بالفشل والسلبية وكثيرٌ من الصفات التي يكره أي شخص بالعالم أن يُنعت بها، نظر لها مُتفحصًا ثم قال ببسمة هادئة:
كبرتي يا خديجة وبقيتي عروسة، مش مصدق إن خديجة العيلة الصغيرة كبرت بالسرعة دي، خديجة اللي كانت في المدرسة من يومين قاعدين دلوقتي بنفكر في فرحها"
نظر له الجميع بتعجب فهذه من المرات النادرة التي يتحدث فيها «طه» بهدوء معها وخاصةً بعد موضوع «راشد» ألقى والدها عليها اللوم بأن طريقتها الجافة هي التي جعلت «راشد» يتحدث عنها بتلك الطريقة، أما خديجة ابتسمت له بهدوء ولم تتحدث، فتحدث «أحمد» قائلًا:
يلا عقبالي إن شاء الله أنا اتخرجت اهو وخلصت امتحانات"
رد عليه أبيه:
أنتَ لسه مخلص الاسبوع اللي فات، عاوز تتجوز بإمارة إيه"
ضحك «أحمد» ثم قال:
بإمارة إن أنا هشتغل مع ولاد عمامي في شركة طارق و وئام،وبإمارة إن شقتي موجودة في البيت التاني كدا ناقصلي العروسة"
رد عليه «طه»:
نشوف موضوع خديجة بس وبعدين نشوفك أنتَ كمان أهو تكون لقيت العروسة"
ضحكت «خلود» ثم قالت بخبث:
لأ ما هي العروسة موجودة إن شاء الله"
ردت عليها والدتها:
عروسة مين دي اللي موجودة إن شاء الله؟"
أشار لها أخيها أن تصمت ولكنها قالت بهدوء:
هتبقى موجودة إن شاء الله وهتبقى منة... وعلينا"
ابتسمت خديجة بخفة ثم أطرقت رأسها للأسفل، لكي تُخفي ضحكاتها أما «أحمد» فأشار لأخته بعلامة الذبح، تحت نظرات والدته المتفهمة لما يدور حولها وطه الغير مُكترث لهم يتصفح هاتفه.
_____________
في شقة «مُشيرة» كانت جالسة برفقة «فاطمة» و «هدير» فتحدثت فاطمة قائلة:
هو صحيح يا مشيرة العريس هيجي تاني لخديجة؟ لأ وكمان عاوز كتب كتاب علطول؟"
أومأت لها مُشيرة ثم قالت:
آه تخيلي العريس دا يجي لخديجة؟ أنتِ مشوفتيش شكله عامل إزاي يا فاطمة، طول بعرض وشكله ابن ناس كمان"
سألتها «فاطمة» مستفسرةً:
ودا عرفها منين يا مشيرة هي خديجة بتخرج من البيت أصلًا؟"
أجابتها «هدير» متدخلةً في الحديث:
مجايب طنط وفاء جارتنا"
ردت عليها «فاطمة»:
طب ومجابتوش لكِ ليه يعني ناقصة إيد ولا ناقصة رجل؟"
ردت عليها «هدير» مُعقبة
أنا أتجوز بالطريقة المتخلفة دي؟ لأ طبعًا وعلى فكرة بقى الموضوع دا مش هيكمل وحتى لو كتبوا الكتاب مش هيتحمل خديجة"
ردت عليها «مُشيرة»:
ودا ليه إن شاء الله يا ست هدير؟"
ضحكت «هدير»بخفة ثم قالت:
أنتِ ناسية شخصية خديجة عاملة إزاي؟ ناسية راشد بعد ٣ أيام من طلبه ليها وقف قال قصادنا إيه؟ فاكرة لما قالنا إنها مفيهاش مواصفات البنت اللي بيحلم بيها وشخصيتها غريبة إزاي؟"
ردت عليها «فاطمة» بلامبالاة:
طب ما دا ممكن ميكونش كدا، مش كل الناس زي راشد"
تحدثت «مُشيرة» قائلة:
أمك معاها حق يا هدير، وبعدين هو إيه اللي هيخليه عاوز كتب كتاب بالسرعة دي غير لو إنه فعلًا عاوزها هي؟"
تحدثت «فاطمة» بـ غلٍ واضحٍ:
دلوقتي بقى زينب تفرح وتقولك بنتي اتخطبت، وتشمت فينا علشان خديجة اتخطبت قبل هدير"
ردت عليها «هدير» بلامبالاة:
وإيه يعني؟ وبعدين انا كنت مخطوبة وأنا اللي سبته، مش اتقالي قدام الناس كلها إني مش نافعاه، وغير كدا خليها تفرح بكتب الكتاب بس لما يسيبها هتبقى مطلقة، خليها تفرح"
نظرت لها «مُشيرة» بفخر وهي ترى نتيجة زرعها لكره خديجة، ووالدتها، ودون أي تدخل أو بذل أدنى مجهود منها لتدمير حياة زينب و خديجة، ظنًا منها أن هذا الانتقام هو حقها من الأساس بعد ترك زوجها لها وفراره بإبنتها.
______________
في منزل «ميمي» كان الشباب يأكلون جميعهم مع «عامر» بعد أن قام بقلي الفراخ والبطاطس له ولكن الجميع شاركه تلك الوجبة فتحدث «ياسر» بسخرية قائلًا:
بيعجبني فيك يا عامر إن كلمتك عمرها ما نزلت الأرض أبدًا"
رد«عامر» بفخر وهو يقول:
طبعًا يا بني أومال أنتَ فاكر إيه؟ بدليل إنكم كلكم كلتوا الأكل بتاعي حتى ميمي"
رد عليه «خالد»:
لما أكون باكل من تلاجتك إبقى اتكلم يا حبيبي، ولا إيه يا ميمي"
ردت «ميمي» بهدوء:
البيت بيتكم يا حبايبي وكله من خيركم أنتم الأربعة، ربنا يباركلي فيكم"
تكلم «عامر» بخبثٍ:
طب بما إن البيت بيتنا يا ميمي أنا لمحت علبة جاتوه في التلاجة و عصير، إيه جالك عريس من ورانا ولا إيه؟"
ضحكت «ميمي» ثم قالت:
هو عريس بس مش ليا"
تدخل «خالد» قائلًا:
عريس بس مش ليكِ؟ أومال لأمي؟ ولا تكونش أم ياسر؟"
رد عليه«ياسين»:
ولا لميمي ولا لأمك ولا لأم ياسر، أنا"
رد «عامر» متدخلًا:
يا ستار يا رب العريس لك أنتَ إزاي؟"
صوب «ياسين» زجاجة المياه بوجهه ثم قال:
ركز الله ياخدك بقى، عريس إيه اللي ليا يا متخلف أنتَ؟ أنا العريس"
رد عليه «ياسر»:
فهمنا علشان إحنا بعد الأكل بنكون أغبيا"
وقف «ياسين» ثم قال:
أنا طلبت إني اكتب الكتاب على خديجة وهما وافقوا على طلبي"
فرح الشباب بصديقهم وظهرت تعابير الفرحة جلية على وجوههم، أما «عامر» نظر له وهو يتفحصه ثم قال:
وليه السرعة دي ما تعمل فترة خطوبة الأول"
ابتسم له «ياسين» ثم قال:
لأ معلش كدا أحسن يا عامر، أنا مش عاوز فترة خطوبة علشان بالنسبة ليا ملهاش لازمة كفاية إننا مرتاحين لبعض"
تدخل «خالد» قائلًا:
معاك حق يا ياسين، ربنا يتتم بخير وألف مبروك يا صاحبي"
بارك له أصدقائه أما «عامر» فنظر له بعمقٍ ثم قال:
مع أني حاسس إنك متغير بس ألف مبروك يا صاحبي".
نظر له «ياسين» بقوة ثم قال:
الله يبارك فيك بس أنا زي الفل متقلقش عليا"
قال جملته ثم نظر لميمي وكأنه يسألها هل قلقه واضح بتلك الطريقة للعيان أم أن خوفه أصبح جليًا للجميع، أما هي فهزت رأسها وكأنها تطمئنه.
____________________
أتى يوم المقابلة والاتفاق الرسمي، كانت شقة «طه» ممتلئة بالعائلة بأكلمها، حيث أخوته جميعهم كانوا يجلسون في انتظار ياسين ووالديه، أما بنات العائلة بأكملها ومنة إبنة الجيران كانوا يجلسن في غرفة خديجة، كانت خديجة تهز قدميها وتفرك كفيها بإنفعال شديد فكان الموقف بأكمله لا تحسد عليه، اقتربت منها «عبلة» وهي تربت على كتفها ثم قالت:
مالك يا خديجة قلقانة كدا ليه؟ هي أول مرة تشوفيهم يعني؟ روقي كدا وخدي نفسك خير متخافيش"
تدخلت «هدير» قائلة بخبث:
متخافيش يا خديجة اللي حصل قبل كدا مش هيحصل تاني، أصل دا مش راشد يعني"
نظرت لها «خديجة» بخوف من ذكره، وكأن «هدير» أصابت في هدفها وبث الرعب أكثر بداخلها، فقالت «خديجة» وهي تحاول استجماع جزء من شجاعتها:
لأ أنا مش خايفة ولا حاجة هو بس شوية توتر عشان الموقف مش أكتر"
نظرت لها «عبلة» بحب ثم قالت:
أيوا كدا وبعدين عادي يعني إحنا معاكي أهو متخافيش يعني توترك دا ملوش لازمة أصلًا، مش كدا يا هدير"
نظرت لها «هدير» بودٍ مصطنعٍ ثم قالت:
طبعًا أخواتك معاكي يا خديجة متخافيش"
نظرت لها «خديجة» ولم تتحدث فهي تعلم مشاعر «هدير» تجاهها حتى وإن كانت تظن أن لا أحد يحبها لكن عند هدير تحديدًا متأكدة من مشاعرها لم لا وهدير من ضمن الأسباب القوية التي ساهمت في تكوين تلك الشخصية التي تتصف بها خديجة، فاقت من شرودها على صوت طرق باب الغرفة، فتحت «عبلة» الباب فوجدت «وليد» بوجها كان وجهه مبتسم ولكن عندما رآها وأد تلك البسمة ثم قال:
احفظنا يا رب دونًا عن البنات كلها اللي في الأوضة دي اللي تفتحلي"
ردت عليه بضيق:
أنا مش فايقة لِك يا وليد، خير عاوز إيه"
أمسك الباب بيده و أوسع فتحته لكي يدخل ثم قال:
أنا مش داخل أوضة أهلك، أنا داخل أوضة أختي"
ضحك كل من في الغرفة عليها أما شعرت بالإحراج، اقترب «وليد» من خديجة وهو يقول:
أنا جيت أطمن عليكي وأقولك إن ياسين وأهله وصلوا تحت، عند ذكره لـ «ياسين» شعرت بالتوتر يهز ثباتها، وأحمرت وجنتيها بشدة، نظرت ليده وجدته ممسكًا بكوب من العصير، فقالت له:
إيه اللي في إيدك دا يا وليد؟"
مد يده لها بالكوب وهو يقول:
دي كوباية عصير علشان متهبطيش مننا، أنا عارف إنك قربتي يغمى عليكي أصلًا"
تدخلت «هدير» قائلة بمللٍ:
على فكرة مش مستاهلة كل دا، هي زي الفل بلاش تكبر الموضوع"
رد عليها «وليد» بضيقٍ منها:
أنا واحد وخايف على أخته متشكر لكِ يا هدير وعلى مشاعرك النبيلة دي"
كانت «عبلة» تنظر للحديث الدائر بينهما وهي تحاول أن تستشف أي شيء، مما تظنه بينهما، نظرت لها «هدير» فعلمت أنها تفكر في طريقة تعامل وليد معها، كان وليد غير مكترث لجميع من بالغرفة، بإستثناء خديجة فكان يسقيها العصير.
_______________
في الخارج صعد «ياسين» ووالديه إلى شقة «خديجة» بواسطة «أحمد» الذي كان ينتظرهم أسفل البناية، تم الترحيب به وبوالديه بواسطة أبناء آلـ«رشيد» جلسوا جميعهم في غرفة الصالون، وأول من تحدث هو والد «ياسين» حينما قال:
إحنا شرف لينا إننا نطلب إيد الآنسة خديجة لإبننا ياسين وشقته جاهزة وكل اللي بنتنا تؤمر بيه يجي لها"
تحدث عمها«محمود» بما أنه كبير العائلة قائلًا:
الشرف لينا يا أستاذ رياض، وماشاء الله سماهم على وجوههم، وإحنا مش هنلاقي لبنتنا أحسن من ياسين ومن غير أي حاجة إحنا هنبقى أهل"
حديثه أعجب الجميع، أما «ياسين» فكانت عيناه تبحث عنها وكل ما يتمناه أن يلمح طيفها، فكان باله منشغلًا بها ولكن ما لفت إنتباهه هو حديث والده حينما قال:
طب إيه عروستنا الحلوة مش هتطلع تسلم علينا ولا إيه"
ابتسم له «طه» ثم قال:
طبعًا هتيجي حالًا، ادخل هات أختك يا وليد"
ابتسم «ياسين»ثم قال بداخله:
راسك أبوسها يا حاج رياض هو دا الكلام"
________________
في غرفة أخرى تبعد قليلًا عن غرفة الرجال، كان النساء يجلسن سويًا تم التعارف بين نساء العائلة وبين «زُهرة» والدة ياسين الذي شعرت بينهم بالألفة والمحبة وخاصةً والدة خديجة و مروة والدة وليد، كانت مُشيرة منذ بداية الجلسة لم تتفوه بحرفٍ واحدٍ بعدما عرفت عن نفسها أنها عمة خديجة، فنطقت «زُهرة» قائلة:
والله ربنا يعلم أنا حبيتكم قد إيه كأنكم أهل ليا، وخاصةً أني وحيدة هنا معنديش أخوات"
ربتت «مروة» على كتفها ثم قالت:
إحنا أهلك أهو يا حبيبتي وربنا يديم المعروف بيننا"
نطقت «زينب» قائلة:
والله أنا قلبي أرتاحلك أوي وحاسة إنك هتكوني أم تانية لخديجة بنتي"
أومأت لها «زهرة» ثم قالت:
من غير ما تقولي، أنا كان نفسي يكون عندي بنوتة بس ربنا مكتبش نصيب ليا من بعد ياسين، وأنا واخدة عهد على نفسي إن مرات ياسين هتكون بنتي وأكتر كمان"
حديثها أطرب أذان الجميع عدا «مُشيرة» التي نظرت لـ«فاطمة» و«هدير» بسخرية مصحوبة بغلٍ دفين وكأنها تقول لهما:
شوفوا حظها"
_______________
في غرفة «خديجة» كان وليد يقف بجانبها وهو يقول:
علشان خاطري متخافيش يا خديجة، أنتِ هتطلعي تسلمي بس عليهم، عيب متطلعيش"
هزت رأسها بقوة ثم قالت:
أنا مش خايفة، أنا مرعوبة وبعدين ما هما شافوني أول مرة عاوزين يشوفوني تاني ليه؟"
ابتسم لها ثم قال:
علشان مينفعش ناس تيجي تطلب إيد واحدة ومتخرجش تسلم عليهم، يلا يا خديجة"
أمسكها من كفها ثم سحبها خلفه لكي تسلم على الجميع، دخل بها غرفة النساء سلمت على الجميع، أما «زهرة» احتضنتها بودٍ، ثم نظرت لها قائلة:
يا بخت ياسين بكِ، ويا بختي أنا كمان بِكِ"
ابتسمت خديجة بخجلٍ ثم قالت بصوتٍ منخفض:
م.. متشكرة لحضرتك جدًا"
رغم ثباتها إلا أن صوتها خرج مهزوزًا، اقترب منها وليد ثم قال:
يلا يا خديجة علشان تسلمي برة على الناس"
خرجت خديجة عند الرجال بصحبة وليد، ألقت التحية على الجميع دون أن تمد يدها بالسلام اكتفت فقط بوضع يدها على صدرها كعادتها في تحية الرجال، لمعت عين «ياسين» بفخرٍ و محبة لا يعلم مصدرها من الأساس ظل ينظر لها حتى أشار لها والدها بالجلوس بالمقعد المجاور لمقعد ياسين، أومأت له وجلست وهي تفرك كفيها بإنفعال ورأسها مطروقة للأسفل، نطق «رياض» قائلًا:
طب إحنا كدا بفضل ربنا وكرمه علينا متفقين، وطالما عروستنا موافقة على كتب الكتاب ، احنا بكرة نروح نشوف الشقة، بس مبدأيًا نقرأ الفاتحة"
نظر «طه» لأخواته فأومأ له الجميع بالموافقة، فرد عليه والدها:
على بركة الله نقرأ الفاتحة"
خرج النساء جميعهن وجلسوا على مقربةً من الرجال، تمت قراءة الفاتحة من الجميع، كان ياسين يشعر بفرحة عارمة، أما خديجة الموقف بأكمله كانت لا تحسد عليه، ولكن ما جعل الأمور أفضل هو ذلك الدواء الذي قام وليد بوضعه في كوب العصير بعدما أخذ إذن الطبيبة، انتشرت الزغاريد من نساء العائلة، وانشغل الجميع بالمباركات عدا ياسين الذي كان ينظر لها بقوة وكل ما يتمناه أن تنظر له، ومن الواضح أنها سمعت قلبه لذلك نظرت له وجدته يبتسم لها مطمئنًا لها، ثم قال بهدوء:
ألف مبروك"
أومأت له ثم قالت بصوتٍ مهزوز:
الله يبارك فيك"
أومأ لها ثم وقف وقال أمام الجميع:
بعد إذنكم يا جماعة أنا معايا دِبل الخطوبة، لو مفيش أي اعتراض أنا عاوز ألبسها الدبلة"
تحدث «وليد» قائلًا:
هي مفاجأة حلوة بصراحة أنا موافق، دا بعد إذن الكل طبعًا"
رد عليه «مُرتضى» عمها:
طبعًا يا بني بس مش هينفع أنتَ تلبسها الخاتم هي لسه مش مراتك"
أومأ له «ياسين» موافقًا ثم قال:
تمام يا عمي مفيش مشاكل أنا ممكن أديها الخاتم تلبسه هي بس المهم إنكم موافقين"
رد عليه «طه»:
على بركة الله يا بني، المهم هي تكون موافقة، مش أنتِ موافقة يا خديجة؟"
لو كانت فتاة غيرها كانت رفضت بقوة فهي حتى الآن لم تستطع معرفة ما يدور حولها، نظرت لوالدها وجدته ينظر لها مُستفسرًا فهزت رأسها موافقة، بعد ثوانٍ من صمتها، تنهد ياسين بإرتياح ثم أخرج العلبة من جيبه وفتحها ثم أعطاها لها نظرت في العلبة وجدت بها خاتم رقيق من الذهب و دِبلة من الفِضة له مدون عليها إسمها بخطٍ مزخرف بحرافية شديدة وأيضًا خاتمها مزخرف بإسمه "يـٓسِّ" وداخل العلبة ورقة مدون عليها:
رقيقٌ بما يكفي ليُناسبُكِ"
حركت رأسها بقوة بإتجاهه فوجدته ينظر لها، كما لو أنه يحبها أما هي فنظرت للعلبة مرة أخرى ثم مدت أطراف أصابعها تتلمس تلك الخواتم التي وللأسف أسرت قلبها قبل عيناها.
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الرابع عشر
سَيَرْزُقُكَ اللَّهُ مَنْ تَرَى وَجْهَكَ فِي لُمْعَةِ عَيْنَيْهِ حِينَمَا يَرَاكَ
________________
قد تظن أن هناك نجم لم يكتب من حظك، ولكنك لاتدري لعلك موعود بالقمر، هكذا كانت تظن وهي تتلمس الخواتم، نظرت له مرة أخرى رأت في أعينه لمعة غريبة لا تخرج سوى من قلب محب، أما عن العبارة التي كتبها بداخل العلبة فهي أسرت قلبها، ولكن ما غلب تفكيرها هو أن ذلك لم يكن سوى فخٌ صُنع لها، فكيف يأتي شخص غريب عنها لم يعرفها ويعاملها بتلك الطريقة،في نفس الوقت الذي يعاملها الجميع أنها شخص فاشل لم يستطع النجاح في أي شيء في الحياة حتى تكوين الصداقات، كان جميع من حولهم يشعر بالفرحة عدا بعض الحاقدين عليها، ادخلت الخاتم في اصبعها بهدوء وأعطته العلبة لكي يفعل المِثل، وبعد ثوانٍ انتشرت الزغاريد والمباركات من الجميع،اقترب ياسين منها وهو يبتسم ثم قال:
ألف مبروك يا خديجة، عقبال ما تكون إيدك الشمال"
نظرت له مُتعجبة فوجدته، يغمز لها بطرف عينه، مما جعل وجنتيها تلتهب بالإحمرار،و أطرقت برأسها للأسفل، أما هو فـ حمحم بإحراج ثم انشغل بمباركات الشباب، أقتربت لها «عبلة» لكي تقوم بتهنئتها، وجدت خديجة ترتعش ومتعرقة بشدة، فأخذتها ودخلت بها الغرفة، وتتبعها الفتيات، جلست خديجة على الفراش وهي تأخذ نفسها بعمقٍ، سألتها «عبلة» مستفسرة:
مالك يا خديجة، خايفة كدا ليه؟"
تدخلت «هدير» قائلة:
مالها ماهي كويسة أهيه طبيعي تتوتر شوية يعني"
رد عليها «عبلة»:
لأ مش بالطريقة دي، على العموم هي هديت دلوقتي، حتى ضربات قلبها هديت شوية"
جلست «عبلة» و «هدير» على الأريكة بالغرفة، أما «خديجة» فنظرت للخاتم بإصبعها ثم لمست بأطرافه حروف إسمه وهي تتذكر جملته، وعند تذكرها لغمزة عينيه وضعت كفها على صدرها ظنًا منها أن بتلك الطريقة ستهدأ ضرباته.
_______________
في الخارج وقف «وليد» بجانب «ياسين» ثم قال له بصوتٍ خفيض:
أنا مش عارف أقولك إيه بجد، أنتَ كل يوم بتخليني أفتخر بك أكتر"
ربت «ياسين» على كتفه ثم قال:
قولتلك متقولش كدا، أنا عاوزك بس تحافظ على الأمانة لحد ما تجيلي"
ضحك «وليد» ثم قال:
هي خلاص بقت أمانة عندنا؟"
أومأ له موافقًا ثم قال:
المهم بكرة هنروح نشوف الشقة، أنا مش ورايا شغل بكرة غير ساعتين الصبح، أنتَ بقى مهمتك تجبها مع أهلها"
أومأ له «وليد» ثم قال:
متقلقش أنتَ، أنا أسف كان المفروض تقف تتكلم معاك بس هي مبتعرفش تتعامل مع حد غريب"
ابتسم له «ياسين» ثم قال:
لأ عادي، طبيعي إنها تكون متفاجئة من اللي حصل النهاردة متنساش بس معادنا بكرة"
تم توديع عائلة «ياسين» و عائلته من قِبل عائلة «الرشيد»، ثم جلس بعدها الجميع في شقة «طه» يتحدثون في أمر الخِطبة وعقد القران، فتحدث محمود قائلًا:
ماشاء الله يا طه ربنا يبارك فيه شاب أخلاقه عالية، يستاهل خديجة فعلًا، ويستاهل هدوئها"
ابتسم «طه» برضا ثم قال:
دي حقيقة يا محمود وبصراحة على الرغم إن الموضوع ماشي بسرعة بس أنا مطمن له وكمان أستاذ سالم جارنا عارفهم ومطمني"
وافقه الجميع في الحديث مع الدعاء لهم وتمني إتمام الأمور بخير، في غرفة «خديجة» كانت الفتيات بأجمعهم يجلسن سويًا كانت خديجة شاردة أمامها، ولم تتحدث بحرفٍ واحدٍ، نظرت لها هدير متفحصة ثم قالت بخبث:
بس مش سهلة برضه أنتِ يا خديجة، يعني كلنا جايين على أساس تعارف وقراية فاتحة، طلعت في الأخر خطوبة وكمان اتفاق على كتب كتاب"
نظر لها جميع من بالغرفة، أما «خديجة» إبتسمت بسخريةً فهي كانت متوقعة أن هدير لن تصمت أكثر من ذلك دون أن ترمي بحديثها اللازع، فقالت:
أنا مكونتش أعرف كل دا يا هدير أنا زيي زيكم كلكم، والدِبل دي أنا إتفاجأت بيها مكنتش أعرف عنها حاجة"
نظرت لها«هدير» بغير تصديق ثم قالت:
حصل خير يا خديجة، أنا بس بعرفك إننا فاهمين كل حاجة"
صمتت «خديجة» ولم تتحدث فردت «عبلة» قائلة:
خلاص يا هدير في إيه، المهم إنها اتخطبت، ربنا يسعدها"
ثم نظرت لخديجة وقالت:
بس إيه يا عم الدِبل الحلوة دي، وكمان الإسم محفور عليها، إحنا مش بنحسد، إحنا بنقر بس"
ضحك جميع من بالغرفة على حديث عبلة على عكس خديجة التي نظرت لذلك الخاتم الذي يزين إصبعها.
_____________
في سيارة «ياسين» تحدثت والدته قائلة:
بس مقولتليش يا ياسين إنك هتلبسها الدِبلة النهاردة، غريبة يعني"
نظر لها في مرآة السيارة ثم قال:
أنا مكنتش عامل حسابي والله برضه، بس إتفاجأت بالشباب مجهزين الدِبل حتى هما اللي نقوها مش أنا"
تدخل والده قائلًا:
يعني إيه مش أنتَ اللي جبت الدِبل دي"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
لأ دي هدية منهم، يعني هما شافوا إنهم مش هيكونوا معايا قالوا دا يكون تعويض ليا، وبالنسبة لشكل الدِبل دا ذوق عامر"
ردت عليه والدته قائلة:
ربنا يديم وجودكوا و يحفظكوا لبعض يا رب، بس الواد عامر دا بيفهم الدِبل شكلها حلو أوي"
تعجب من حديثها فقال:
مين دا اللي بيفهم؟ عامر؟ والله أنتِ غلبانة يا ماما"
رد عليه والده وهو يضحك:
دا فهمي أمنيته في الحياة عامر وعمار يتجوزوا علشان يرتاح منهم"
ضحك ياسين ووالدته على حديث والده، وبعد فترة قليلة من القيادة، أوصل ياسين والديه ثم تركهم وذهب إلى منزل «ميمي»، دخل ياسين الشقة وجد أصدقائه في إنتظاره، وبمجرد اقترابه منهم صدح صوت صفير عامر وتصفيق حار من الباقي، لم يندهش ياسين فهو متوقع ذلك منهم نظر لهم وهو مبتسم، فأول من تحدث كانت «ميمي» حينما قالت:
إيه يا حبيبي عملت إيه طمني؟"
اقترب منها ثم مال عليها مُقبلًا قمة رأسها وهو يقول:
الحمد لله يا حبيبتي لبسنا الدِبل"
قال جملته ثم رفع كفه لكي ترى الخاتم بإصبعه، ابتسمت له ثم أومأت له برأسها، بارك له خالد وياسر، أما عامر فتحدث بغرور قائلًا:
الله يبارك فيا ويحميني يا رب الدِبلة هتاكل من إيدك حتة، الله يبارك في ذوقي والله"
نظر له «خالد» ثم قال:
أنتَ عبيط يا عامر صح؟ ما كلنا كدا لابسين نفس الدبلة، ما هي من نفس المكان يا غبي"
حديثه أثار استياء عامر فتحدث قائلًا:
بقولك إيه متناقشنيش يا خالد هو ذوقي حلو وخلاص بطل تحشر نفسك كدا"
اقترب منه خالد لكي يقوم بلكمه، لكن ياسر وقف حائل بينهما، أما ياسين جلس على الأريكة وهو يزفر بضيق قائلًا:
بقولك إيه إهدى أنتَ وهو علشان دماغي مصدعة، نكبر بقى"
رد عليه «عامر» متأثرًا من حديثه:
معاك حق يا ياسين إحنا لازم نكبر فعلًا، تعالى في حضن أخوك يا خالد"
قال جملته ثم أقترب من خالد لكي يعانقه، عانقه خالد مندهشًا وهو يبتسم، لكن ابتسامته لم تدم طويلًا، فوجد عامر يصفعه من الخلف على رقبته ثم تركه وركض يجلس بجانب ياسين، شعر خالد بالضيق من أفعاله اقترب منه لكي يضربه لكن ياسر أوقفه قائلًا:
علشان خاطري سيبك منه، اعتبره يونس ابنك يا خالد"
تدخلت «ميمي» قائلة:
خلاص يا خالد علشان خاطري أنا، سيبك منه"
زفر «خالد» بضيق ثم قال:
يا رب أنا مش طالب كتير كل اللي طالبه أرتاح منه"
نظر له «عامر» مستهزءًا به ثم قال:
في إيه يا خالد هو أنا قاعد فوق راسك يا حبيبي؟ كل شوية ارتاح منه.. ارتاح منه؟"
رد عليه «ياسين» بسخرية:
ياريتك كنت قاعد فوق راسه، كان أرحم من اللي أنتَ عامله فيه وفينا كلنا"
ردت«ميمي» معقبة:
مالكوا وماله يا عيال، دا عامر دا حبيبي اللي بيضحكني، والله من غيره مش هتعرفوا تتضحكوا"
اقترب منها«عامر» وقبل رأسها ثم قال:
الله يبارك في عمرك وصحتك يارب والله أنتِ اللي متقبلاني في الليلة دي كلها"
تحدث «ياسر» قائلًا:
المهم بقى سيبكوا من الهبل دا، بكرة عيد ميلاد سارة مرات عامر، وخالد كلم إيمان و ريهام علشان بكرة يعطلوها لحد ما نجهز المكان؟"
رد عليه «عامر» مُتعحبًا:
مكان إيه أنا مش فاهم حاجة؟"
تدخل «خالد» قائلًا:
يا غبي بكرة هنروح مكان شغلها نظبطه ونعمل عيد الميلاد هناك، ياسر وعمار أخوك هيروحوا بكرة يجهزوا المكان واحنا نحصلهم"
رد «ياسين» مُعقبًا:
اعملوا حسابكوا أنا بكرة رايح مع حمايا وحماتي علشان يشوفوا الشقة"
رد «عامر» بسخرية:
مع مين يا أخويا؟ إيه حماك وحماتك دي؟"
تدخل «خالد» قائلًا:
أومال إسمهم إيه يا جحش أنتَ؟"
هز«عامر»كتفيه ثم قال:
مش عارف بس أنا مستغرب إن ياسين بقى يقول حمايا وحماتي كدا زينا"
ردت عليه«ميمي»:
ليه معندوش لسان ولا إيه يا أخويا؟"
ضحك «ياسين» ثم قال:
هو معاه حق بصراحة أنا نفسي عمري ما كنت أتوقع إن يجي يوم واقول حمايا وحماتي كدا"
تحدث «خالد» بضجرٍ:
المهم علشان أنا عاوز أنام، بكرة ياسر هيروح هو وعمار يظبطوا المكان، وسارة وريهام هيخرجوها علشان تتمشى معاهم، وأخوها هيكون مستني هناك، وياسين يجي ياخدنا ونروح كلنا المكان، كدا الخِطة صح يا ياسين؟"
أومأ له موافقًا ثم قال:
صح كدا و ياسر كمان يجي هنا عند ميمي علشان نغير ونمشي سوا"
تم الاتفاق على كل شيء بين الشباب تحت نظرات الرضا من ميمي عنهم وعن صداقتهم، بعد فترة بسيطة من الصمت بعد الاتفاق على التفاصيل، نظر «خالد» إلى «عامر» وجده شاردًا فتحدث قائلًا:
خير يا أستاذ عامر أخرسيت ولا إيه"
ضحك «عامر» ثم قال:
لأ بس كنت بفكر من غيركم هعمل إيه، أنا عمري ما كنت هعرف أتصرف كدا زيكم"
نظر له الجميع فـ بدا متأثرًا، لذلك تحدث «ياسين» قائلًا بسخرية:
أنتَ سخن ولا إيه يا عامر؟ مالك متأثر كدا؟"
تدخل «ياسر» قائلًا:
مش عارف حد يشوفه كدا، ممكن يكون هيموت"
رد «خالد» مُعقبًا:
يا فرحة أمك بيك يا ياسر، أنتَ مش دكتور ما تشوفه؟"
ضحك «عامر» ثم قال:
يا جماعة أنا كويس والله، لو مش مصدقين ممكن أقوم أضربلكوا خالد علشان تتأكدوا"
ضحكت «ميمي» ثم قالت:
لأ كدا هو كويس مفيش مشاكل"
وقف «عامر» ثم قام بإمساك هاتفه لكي يلتقط لهم صورة جماعية برفقة ميمي، وسط ضحكاتهم وسخريتهم تم إلتقاط الصور وسط جو مليءٌ بالمرحِ.
_______________
دخل «وليد» شقة عمه طه قام بتحية الجميع في الخارج ثم دخل غرفة «خديجة» وجد «عبلة» برفقتها، تجاهلها و جلس بجانب خديجة، ثم قال: "أختي العروسة عاملة إيه"
نظرت له «عبلة» ثم قالت:
هو أنا شفافة يعني، داخل على معبد أصنام حضرتك؟"
ابستم لها بإستفزاز ثم قال:
والله أنتِ أدرى بنفسك يا عبلة"
نظرت عبلة لهما ثم قالت:
ماشي يا وليد، براحتك بس خليك فاكر إنك إنسان مستفز"
أومأ لها ثم قال:
والله أنا مش هزعل من كلامك لأني فعلًا مستفز"
أوشكت عبلة بالرد عليه، لكن خديجة أوقفتها قائلة:
خلاص يا عبلة، وأنتَ كمان يا وليد كفاية بقى، قدروا وجودي وصداعي"
أومأت لها عبلة ثم قالت:
تمام يا خديجة، أنا كدا إطمنت عليكي إنك بقيتي أحسن، هطلع أنام بقى علشان صدعت"
ثم نظرت لـ «وليد» بحنقٍ، لكنه نظر لها ببرود ثم قال:
فعلًا أسلم حل إنك تطلعي تنامي، وياريت لو تقفلي الباب وراكي"
أغرورقت أعينها بالدموع ثم تركتهم وذهبت من أمامهما، نظرت «خديجة» في أثرها بحزن ثم قالت له:
حرام عليك يا وليد ليه تحرجها كدا"
أطاح لها بيده ثم قال:
سيبك منها دي بت متخلفة، المفروض يسموها هبلة مش عبلة"
ابتسمت خديجة بخفة ثم قالت:
يا سلام اللي يسمعك دلوقتي ميسمعكش وأنتَ بتقول فيها أشعار قبل ما تتقدملها"
نظر لها بعمق ثم قال:
أنا هتجنن وأعرف إيه اللي غيرها كدا معانا، بس دا مش مهم دلوقتي، المهم هي ليه قاعدة معاكي مش عادتها يعني؟"
ابتسمت له بحزن ثم قالت:
هي مش قاعدة معايا علشان خاطري يعني، كل الحكاية إن ضغطي نزل كتير وماما مروة طلبت منها تقعد معايا لحد ما أهدى شوية"
نظر لها «وليد» وجدها حزينة فسألها مستفسرًا:
ومالك زعلانة كدا ليه؟"
أجابته بهدوء:
لأ أبدًا أصل طول ما هي قاعدة كانت بتكلم هدير في التليفون، وكالعادة متكلمتش معايا، يعني كأنها قاعدة مغصوبة معايا"
نظر لها ثم قال:
سيبك منهم كلهم و قوليلي إيه رأيك في الخطوبة"
قال جملته ثم ضحك لأنه يعلم إنها على وشك قتله بسبب تسرعه في أمورها، نظرت له بشر ثم قالت:
أنتَ عمال تدخلني في متاهات أنا مش قدها، والله وسط كل دا أنا مرعوبة، بس خوفي من بابا أكبر"
سألها بهدوء:
مالك بس يا خديجة، إيه اللي مخوفك؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
أنا خايفة يطلع إنسان غلط، خايفة لما يعرف شخصيتي عاملة إزاي يرفضها، خايفة لما يعرف إني بخاف أخرج، وبخاف أنزل أتعامل مع الناس وبخاف من الزحمة يقلل مني، بخاف بابا يجبرني على حاجة تاني ولو رفضتها يعاقبني زي ما كان بيعمل يا وليد، وخايفة يرفضني يتقال عليا زي اللي إتقال ساعة راشد"
ربت «وليد» على كفها لكي يطمئنها ثم قال:
كل دا مش هيحصل، كل اللي أنتِ خايفة منه دي أوهام في دماغك بس، وياسين كمان مش زي ما أنتِ متخيلة، لأ دا شهم وجدع"
ردت عليه بسرعة كبيرة:
بس بشر يا وليد، مش ملاك"
إبتسم لها ثم قال:
بكرة أنتِ بنفسك هتقولي عليه ملاك صدقيني، إحنا سألنا عليه كويس والدنيا كلها بتحلف بأخلاقه، وبعدين الرَجل مظهرش منه حاجة وحشة"
ردت عليه بإنفعال:
ما راشد كمان كان كويس وكان محترم قدامكم كلكم لحد ما..."
أوقفت حديثها ولم تكمله، فنظر لها متفحصًا ثم قال:
لحد ما إيه؟ما تكملي يا خديجة"
توترت بشدة وخرج صوتها مهزوزًا حينما قالت:
لأ أقصد يعني لحد ما قال اللي قاله وسط الناس كلها"
أومأ لها ثم قال بتفهم:
علشان كدا أنتِ الكسبانة يا خديجة، واحد زي دا بيختار بالشكل واللبس، يتأمن إزاي على بيت وأسرة؟ واحد زي دا مكانش عنده دم وهو بيحرجك قدام الناس فكري كدا فيها لو الموضوع كان تم كان هيبقى وضعك دلوقتي إيه؟"
أجابته وهي على وشك البكاء عندما هاجمتها تلك الذكريات المريرة:
أنا مش زعلانة عليه هو، أنا زعلانة على نفسي، زعلانة على سنين عمري اللي ضاعت من غير ما أعرف هي بتروح فين، لا عارفة أكون مع الناس ولا عارفة أفضل لوحدي، أنتم فاكريني ساكتة علطول، بس أنا بحارب دماغي علشان تسكت، ولا علاقة واحدة مريحاني يا وليد، حتى أنتَ غبت عني فترة كنت في أكتر وقت محتاجة لك فيه مكنتش موجود، عاوزني إزاي أتعامل عادي وأنا مفيش حد محسسني إن ليا لازمة؟"
تأثر من حديثها لكنه فرح إنها تحدثت لأنها دائمًا تعاني بصمت أمام الجميع، فقال بحنان بالغ:
أنا عارف إن تربية عمي طه لكي كانت صعبة ومنعك من كل حاجة، وعارف كمان إنه منعك يكون عندك صحاب، وعارف إن مُشيرة سببتلك مشاكل كتير، وعارف إن مع الجامعة أنا إنشغلت عنك، بس صدقيني أنا واقف في ضهرك لو الدنيا كلها زعلتك أنا عمري ما هزعلك"
فرت دمعة متمردة من أعينها مسحتها بسرعة ثم قالت مغيرة لتلك الأجواء:
فيه عروسة حد ينكد عليها كدا؟قولي أنتَ جاي ليه أصلًا؟"
ضحك بخفة ثم قال:
جيت أعرفك إن بكرة هنروح مع ياسين نشوف الشقة اللي هتتجوزي فيها، أنا وأنتِ وعمي وطنط"
نظرت له بضيق ثم قالت:
مش عاوزة أروح يا وليد، روح أنتَ وقولي لو عجبتك؟"
رد عليها بسخرية:
الكلام دا يا خديجة لو إحنا بنقي تورتاية، لكن دي شقتك المستقبلية يا ماما، هروح أخترهالك أنا؟ وبعدين فرصة تخرجي من البيت بدل ما أنت قربتي تبقي جزء من العفش كدا"
ردت عليه بهدوء:
يعني أنتَ كدا بتطمني يعني؟ بتقولي هتخرجي من البيت، أنا مبكرهش في حياتي قد الخروج والزحمة والشوارع بحس إن أي مكان برة أوضتي صعب أعيش فيه"
وقف ثم قال على عجالة من أمره:
المهم أنا همشي دلوقتي وبكرة قبل الضهر تكوني جهزتي علشان نروح نشوف الشقة، أنا مش فاهم شقة إيه دي اللي هنروح نشوفها بعد الخطوبة؟"
ضحكت على حديثه ثم قالت:
قُل لنفسك يا وليد، أنتَ اللي وافقت على الدِبل"
أجابها بغرور:
بس بذمتك إيه رأيك؟ فكرة عظيمة مش كدا؟"
ضحكت له ثم قالت:
أخرج برة يا وليد وأقفل الباب وراك"
وقف ينظر لها بعمق ثم قال:
خديجة هو ليه مينفعش تبقي كدا علطول، يعني تضحكي وتهزري من غير خوف وتنزلي كمان معانا؟ فيه حاجات كتير فايتاكي برة"
هزت كتفيها ثم قالت:
صدقني مش بإيدي يا وليد ياريته كان سهل زي ما أنتَ فاكر كدا، مكانش حد غلب"
أومأ لها ثم قال:
معاكي حق، مكانش حد غِلب"
تركها وليد وغادر الغرفة وتركها تفكر لماذا لم يكن الأمر بتلك السهولة، لماذا تشعر دائمًا أنها غير مرغوب بها من الجميع، لماذا دائمًا تشعر أنها غير ملائمة للبشر، لماذا تظن أنها تفتقر لمعايير الجمال، إذا كان المجتمع يرى الجمال الخارجي ويتجاهل جوهر الإنسان وقلبه فتبًا له ولتلك المعايير.
_______________
بعد يوم الخِطبة ومروره بسلام على الجميع، فمنهم من قضى ليله شاردًا مثل خديجة، ومنهم من قضى ليله ساهرًا يقرأ في دفتر بين أصابع يده مثل ياسين، ومنهم من قضى ليله مُتحمسًا لذكرى مولد زوجته، أتى الصباح يحمل معه أمل جديد يبث النور في قلوب الجميع، ليثبت أن الليل مهما طال ،فـ شروق الشمس لم يكن مُحال، ذهب ياسين إلى مقر عمله وقام بتأدية عمله وتسليم بعض الملفات الهامة، ثم خرج من مقر عمله، ركب سيارته وبعد فترة من القيادة أوقف السيارة أسفل البناية التي تقع بها شقته المستقبلية، أخرج هاتفه وتواصل مع وليد قائلًا:
أنا مستنيك يا وليد تحت العمارة، أول ما تقرب عرفني"
أجابه وليد:
متقلقش أنا العنوان معايا وكدا كدا أنا عارف المكان عندك كله"
رد عليه ياسين قائلًا:
طب تمام، معلش يا وليد عاوز أسألك على حاجة"
رد وليد بحماس شديد:
طبعًا، إسأل يا ياسين"
حمحم «ياسين» بإحراج ثم قال:
هي خديجة جت معاكوا؟"
ابتسم وليد ثم نظر بجانبه مكان جلوس خديجة ثم قال:
أيوا يا ياسين معايا متقلقش"
تنهد «ياسين» براحة كبيرة ثم قال:
تمام يا وليد، أنا مستني أهوه قدام البيت"
أغلق ياسين المكالمة مع وليد ثم تصفح هاتفه ولكنه ابتسم بسعادة حينما رأى رسالة من وليد محتواها:
أي خدمة علشان تعرف إن وليد حبيبك"
وأسفل تلك الجملة صورة لخديجة وياسين أثناء قراءة الفاتحة أُلتقطت بواسطة وليد دون أن ينتبه أحدٌ له، قام ياسين بتكبير الصورة وظل يحدق بها مبتسمًا، حتى وجد وليد يطرق على زجاج السيارة، شعر بالإحراج فقام بغلق الهاتف ثم خرج من السيارة، تبادل التحية مع طه و زينب ، أما خديجة فنظر لها ثم قال بهدوء:
إزيك؟"
أومأت له دون أن ترفع عينيها من الأرض ثم قالت:
الحمد لله..وأنتَ؟"
ابتسم لها ثم قال:
أنا كويس الحمد لله علشان شوفتكوا"
رد عليه «طه»:
كُلك زوق يا ياسين"
أومأ له دون أن ينظر له حيث
كان ينظر لها بعمق لا يريد أن يبعد نظره عنها، على الرغم من أنه رجل إلا أنه كان يشعر بتوتر كما أن ضربات قلبه كانت سريعة بشكل غريب، نظر وليد لهم ثم قال بخبثٍ:
طب إيه هنفضل واقفين كدا كتير؟"
شعر ياسين بالإحراج فنظر لهم ثم قال:
أنا أسف والله، المهم يلا بينا"تحدث وليد بنفس نبرة الخبث:
لأ ولا يهمك يا ياسين، أنا مقدر"
صعدوا جميعًا إلى الشقة بواسطة المِصعد، دخل الجميع إلى الشقة، شعر طه بالرضا عن المكان فقال بفرح:
ماشاء الله ، ربنا يكرمك يا حبيبي الشقة جميلة اللهم بارك"
وافقته «زينب» قائلة:
معاك حق يا طه، ربنا يبارك فيهم ويبعد عنهم العين"
كل هذا وخديجة لم تُشارك في الحديث حتى لم تستطع أن ترى المكان بالطريقة المناسبة ولكنها شعرت براحة وسكينة غريبة في ذلك المكان، نظر لها ياسين وجدها صامتة فقال لها بهدوء:
لو فيه حاجة مش عجباكي أنا ممكن أغيرها، كل اللي تطلبيه هيبقى موجود"
رفعت عيناها ثم نظرت له وهي تحاول الإبتسام ثم قالت:
لأ هي جميلة ماشاء الله، ذوقها حلو مش محتاجة أي تغير"
وافقها وليد قائلًا:
معاكي حق يا خديجة هي ماشاء الله جميلة وكل حاجة فيها معمولة حديثة"
ابتسم ياسين ثم قال:
مش شقة مهندس؟ طبيعي تكون حديثة، المهم إنها عجبتكم، وبرضه أنا عند كلامي لو فيه أي حاجة محتاجة تتغير أنا تحت أمركم"
ردت عليه «زينب» متأثرة من حديثه:
ربنا يبارك فيك يا حبيبي، كفاية ذوقك، والله لو هتقعد معاك في عِشة، كفاية إنك إبن أصول"
ابتسم لها ياسين ثم قال:
ربنا يبارك في حضرتك يا رب، و شكرًا لكلامك"
نظر له وليد وجده ينظر لخديجة وكأنه يريد الحديث معها لذلك قال:
بقولك إيه يا عمي تعالى معايا كدا نشوف الأوضة اللي جوة علشان فيه حاجة عاوز أعمل زيها"
رد عليه «طه» مُتعجبًا:
حاجة إيه بس يا وليد؟ ما خلاص شوفنا كل حاجة"
لم يمهل لهم وليد طريق للإستفسار فأمسك عمه وزوجته من يديهم ثم سحبهم خلفه للغرفة، جحظت أعين خديجة للخارج عندما وجدت نفسها معه بمفردها، ارتعشت بشدة وهي تتذكر موقف مشابهًا لذلك وقبل أن تغوص في فكرها أكثر من ذلك وجدته يبتسم لها ثم قال بهدوء:
لو فيه حاجة بجد مش عجباكي قوليلي وأنا أغيرها علشانك، يمكن تكوني مكسوفة من باباكي ومامتك"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
لأ هي فعلًا حلوة، مش محتاجة تغير، ش..شكرًا لذوقك"
أومأ لها ثم قال:
تمام، هي حلوة فعلًا، بس هتبقى أحلى لما أنتِ تنوريها بوجودك"
نظرت له فوجدته يبتسم بهدوء وكأن حديثه عاديًا للغاية، تدرجت وجنتيها باللون الاحمر من شدة الخجل، ثم فرت من أمامه لوالديها بالداخل، عند فرارها من أمامه تنهد براحة كبيرة ثم قال لنفسه:
اعقل يا ياسين، البت مش حِمل هبلك دا"
بعد الإنتهاء من معاينة الشقة نزلت خديجة وعائلتها من البناية، وقفوا يتبادولون التحية جميعًا وقبل ذهابهم من أمام البناية قال ياسين موجهًا حديثه لـ «طه»:
بعد إذن حضرتك يا عمي، طالما كل حاجة ماشية تمام كدا، أنا عاوز كتب الكتاب يكون الجمعة الجاية يعني بعد إسبوع من دلوقتي"
ابتسم وليد وزينب، أما طه نظر لخديجة وجدها صامتة ولم تعقب، ابتسم له ثم قال:
حاضر يا بني هفكر وأرد عليك بليل"
أومأ له ياسين ثم قال:
تمام يا عمي وأنا مستني رد حضرتك عليا"
رحل طه وأسرته تحت أنظار ياسين المراقبة لهم، بعد إختفاء أثرهم ركب ياسين سيارته ثم ذهب إلى شقة «ميمي» لكي يتم الإحتفال بسارة زوجة عامر، وصل ياسين الشقة وجد عامر في إنتظاره برفقة خالد و كالعادة صوتهم يصدح في البيت بأكمله فلم تخلو الجلسة من مزاح عامر، وقف ياسين وهو يقول:
نفسي مرة أحس إنكم كبار، أنا كأني سايب ولاد اختي"
رد عليه «عامر» بسخرية:
أنتَ هتفتي يا ياسين هو أنتَ عندك أخوات أصلًا؟"
تدخلت «ميمي» قائلة:
دا من رحمة ربنا عليه، كفاية وجودك"
ضحك ياسين وخالد على حديثها أما عامر نظر لها بإستفزاز ولم يُعقب، تحدثت ميمي موجهة حديثها لـ ياسين:
ها عملت إيه الشقة عجبتهم؟"
أومأ لها مبتسمًا ثم قال:
أيوا يا ميمي عجبتهم"
ابتسمت برضا ثم قالت:
طب و العروسة رأيها إيه؟"
ابتسم لها ثم قال:
عجبتها برضه متقلقيش"
تدخل «عامر» قائلًا:
سيبكوا من ياسين وركزوا معايا، ها هنعمل إيه؟"
رد عليه «خالد» بحنقٍ:
ولا أنتَ زهقتني في عيشتي، قولتلك ياسر وعمار أخوك هناك بيجهزوا المكان، وريهام وإيمان خرجوها علشان متشكش في حاجة، وأنتَ مرزي هنا كأنك نسيت عيد الميلاد علشان نفاجئها، ها أقول كمان؟"
هز «عامر» رأسه بقوة وهو يقول:
أقسم برب الكعبة أنا حافظ كل دا، أنا بقول هعمل إيه لما أشوفها يعني هتوتر بصراحة، دي أول أعمل مفاجاة لحد"
أخذ «ياسين» نفسًا عميقًا ثم قال:
بص يا عامر أنتَ تروح معانا المكان، تطلع الخاتم اللي جبته إمبارح، وأنتَ بتجيب الدِبل بتاعتي، وتديه ليها ويا سلام لو بيت شعر حلو كدا، تبقى عملت الصح"
ابتسم «عامر» ثم قال:
حلو دا خلاص كدا تمام، طالما فيها شِعر متخافوش"
رد عليه «خالد» بقلقٍ واضح:
أنا كدا خُفت أكتر وربنا"
اقترب منه «عامر» و ربت على كتفه ثم قال:
متقلقش يا خالد، معاك عامر فهمي"
تدخل «ياسين» قائلًا:
مش فاهم إيه يعني عامر فهمي، مين يعني برضه"
وضع «عامر» يديه في جيبين بنطاله ثم قال بغرور مُصطنع:
للأسف مش هرد عليك، عارف ليه لأنك جاهل"
وقف «ياسين» لكي يقوم بضربه، لكن «خالد» أوقفه قائلًا:
ياسر بعتلي رسالة بيقول مش هيلحق يجي عشان الوقت، عاوزنا إحنا نروح يلا بينا"
نظر له «ياسين» بشر ثم قال:
إحمد ربنا يا عامر، ياسر نجدك من إيدي"
ضحك «عامر» ثم قال:
حبيبي يا أبو عيون زرقا"
قام الشباب بتوديع «ميمي» ثم رحلوا جميعًا في سيارة «ياسين» أما سيارة «خالد» أخذها ياسر معه، وصل الشباب إلى أحد الأحياء الراقية القديمة حيث يقع محل عمل «سارة» بعدما ورثته عن أبيها، دخل الشباب المكان، وجدوه مزينًا بأحدث الطرق وأفخمها، بواسطة ياسر وعمار، رحب بهم ياسر ثم قال:
قولولي رأيكم بصراحة الديكورات حلوة ولا وحشة؟"
تحدث «خالد» قائلًا:
تسلم ايدك يا ياسر عظمة والله"
أيده«ياسين» قائلًا:
معاك حق يا خالد، بأمانة شغل عالي، كأنه مهندس ديكور"
ابتسم «ياسر» برضا ثم قال:
طب الحمد لله، مقولتليش رأيك يا عامر، أنتَ اللي صاحب الليلة كلها"
وقف «عامر» بتكبر ثم وضع يديه في جيبين بنطاله ثم قال بغرور مُصطنع لا يليق بشخصيته المرحة:
مش بطال يا ياسر، شغل عادي مش بروفيشنال، يعني ،شغل هواة بصراحة"
هَمَ «ياسر» بالقرب منه والفتك به، لكن خالد وياسين أمسكوه من ذراعيه، فتحدث عامر بخوف قائلًا:
أمسكوه يا رجالة بالله عليكم، هو صحيح عينه زرقا بس لو مسكني هيخلي عيشتي أنا اللي زرقا"
تحدث «ياسين» قائلًا بضيق:
ولما أنتَ جبان كدا يا متخلف انتَ، بتعصبه ليه؟ ها؟"
حاول «ياسر» الفرار من ذراعي خالد وياسين وهو يقول:
سيبوني يا رجالة وأنا ورب الكعبه هوريه شغل المحترفين بجد"
قال «خالد» وهو يضحك:
بصراحة نفسي أسيبك يا ياسر، بس معلش علشان خاطر تعبك ميروحش والليلة تبوظ، بس وحياة أمي اللي قاعدة في البيت دي، بعد الليلة دي كلها أنا بإيدي دي هطلع عليه القديم و الجديد"
هدأ «ياسر» قليلًا فوقف مستغفرًا ثم قال:
ماشي يا رجالة، أنا مش هعمله حاجة أنا هسكت علشان خاطر تعبي ميروحش على الفاضي"
هَمَ «عامر» بالرد عليه لكن «عمار» أوقفه حينما دخل وهو يقول بصوتٍ عالٍ:
البنات وصلوا، بسرعة أقفلوا النور"
أختبأ الشباب خلف أبواب المحل عدا «عامر» الذي وقف بجانب ماكينة الخياطة بعدما قام «ياسر» بعقدها برابطة الهدايا فأصبح شكلها مميز، وقف عامر خائفًا، أوشك على الفرار، لكن خالد أقترب منه وأمسكه من ثيابه من الخلف وهو يقول:
ولا أظبط نفسك كدا، بدل ما اظبطك بعد كل دا عاوز تجري؟"
تحدث «عامر» بصوت منخفض قائلًا:
خلاص مش هجري والله يا خالد، بس إيدك و البدلة"
نظر «خالد» للبدلة بغير رضا ثم قال:
إيه دا ؟ أنتَ لابس بدلة سودا وقميص أسود ؟جاي عزا يا متخلف؟"
تحدث«عمار» بضيق:
يلا يا جماعة طلعوا خلاص"
عاد «خالد» إلى مكانه بجانب «ياسين» ثم قال:
أنا مش خايف من عامر»
ربت «ياسين» على كتفه ثم قال:
أيوا كدا"
رد «خالد» مُعقبًا:
أنا مرعوب"
نظر له «ياسين» مندهشًا ثم قال:
الله يطمنك"
وصلت الفتيات إلى المحل كانت الأضواء مُغلقة، وبمجرد دخول «سارة» قام «عمار» بتشغيل الاضواء وسط التصفيق الحار من الشباب، كان عامر واقفًا في منتصف المكان بجانب الماكينة المُزينة، كان وسيمًا للغاية بيسمته المرحة التي رُسمت على وجهه اقتربت منه ثم قالت بأعين مغرورقة بالدموع:
أنتَ عملت كل دا علشاني أنا؟"
أومأ لها موافقًا ثم قال ببسمته العذبة:
أنا عندي اغلى منك يعني يا سارة"
وقفت ريهام بجانب زوجها وهي ممسكة بإبنها على ذراعيها، وهي تنظر له بحب، وفعلت إيمان المثل و وقفت بجانب ياسر وهي تبتسم له بخجل، كان ياسين ينظر لهم بحب وتمنى في تلك اللحظة أن تشاركه خديجة تلك اللحظات التي من الواضح على وجوههم أنها مميزة، خرج من شروده على حديث عامر قائلًا:
بالمناسبة دي في بيت شعر ألفته مخصوص لكِ يا سارة"
قفزت «سارة» من الفرحة ثم قالت:
بجد قوله بسرعة مش قادرة أستنى"
نظر «عامر» في أوجه الجميع فوجد نظراتهم مُشجعة له فأخذ نفسًا عميقًا ثم اعتدل ليقف بشموخ قائلًا:
ياللي قلبك أبيض زي اللبن وعيونك زبادوه ،كل الناس عندي جبنة قديمة وأنتِ لوحدك جاتوه"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الخامس عشر
الفصل الخامس عشر"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
_____________
أن نكتُب
في نِهاية سُطورنا
أننا نِلنا
مَا صبرنا لأجلهِ،
_____________
من أكثر ما يُعيق حركة الإنسان و تحركه هو الخذلان، فتصبح كأنك كطيرٍ كان يتمتع بالحرية ثم وقع في بئرٍ عميق، هكذا شعر الجميع بعد بيت الشِعر الذي ألقاهُ عامر على مسامعهم، فقط خذلان، فأصيب جميعهم بجحوظ في العينين و الصمت نظر «عامر» في أوجه الجميع ليرى نتيجة قوله وعندما لم يأتيه ردًا منهم قال:
إيه رأيكم يا جماعة، عالمي صح؟ سارة إيه رأيك"
لم يتفوه أيًا من الواقفين بحرفٍ واحدٍ، بينما نظروا جميعهم إلى «سارة» التي قفزت من الفرحة مرة أخرى وهي تقول:
تُحفة يا عامر، بجد أحلى حاجة سمعتها في حياتي"
حقًا الطيور على أشكالها تقع، هذا هو ما ظنه الجميع، فأول من تحدث بعد الصمت كان «ياسر» حينما قال:
دا تُحفة دا، أكيد في حاجة غلط، دا لو بيحب سوبر ماركت مش هيكتبله بيت الشِعر دا"
ضحك الجميع على حديث «ياسر» بينما «عامر» نظر له بسخرية ثم قال:
قُل إنك بتحقد عليا، علشان مش عارف تكتب بيت شعر زي دا، أتحدى واحد فيكوا يعرف يكتب نص اللي كتبته"
نظر «ياسر» للجميع غير مُصدقًا لما يدور حوله ثم قال:
يا بني أنتَ جايب الثقة دي منين؟"
تدخل «خالد» قائلًا:
سيبك أنتَ من كدا، الشِعر عجبها إزاي بجد؟"
ردت عليهم «سارة» بتعجب:
أيوا يا جماعة دا رهيب بجد، ماشاء الله ربنا يحفظه ويحميه"
هز «ياسين» رأسه بقوة ثم قال مندهشًا:
لأ دا أكيد عالم موازي دا بجد، أو دي أحلام العصر"
اعتدل «عامر» في وقفته لتزداد شموخًا ثم قال:
أنا مش فاهم حقدكم دا إيه سببه بجد، وأتحداكوا واحد فيكوا يقول شِعر جامد زي دا"
ضحك الجميع عليه و على ثقته الزائدة بنفسه، فتحدث «ياسر» قائلًا:
يا سلام أوي أوي، عاوز بيت شِعر حاضر"
تدخل «خالد» قائلًا:
متتهورش يا ياسر، علشان أقسم برب الكعبة أنا عندي استعداد أرميكوا برة كلكوا"
ردت عليه «ريهام»:
ما تهدى يا خالد أنتَ علطول متعصب كدا؟"
أجابها قائلًا:
يعني أنتِ مش شايفة شغل الهبل، دول ناس قربوا على ال٣٠"
ضحك «ياسين» ثم قال:
يا عم سيبهم دا عيد ميلاد متنكدش عليهم، قُل يا ياسر يلا"
ضحك «ياسر» ثم قال بفرح:
الله يكرم أصلك يا ياسين"
قال جملته ثم التفت إلى «إيمان» نظر في أعينها بقوة وحب ثم قال:
إيمان هو إزاي الطب إتقدم سنين قدام و مقدرش يجمع ضحكتك الحلوة في شريط برشام؟"
خرج تصفيقًا حارًا من «ياسين» بينما «خالد» نظر بإشمئزاز لهما ثم قال:
ورب الكعبة لأبلغ عنكم وزارة الثقافة"
ردت عليه «إيمان» بسعادة بالغة تعتلي ملامح وجهها قائلةً:
لأ يا خالد بجد دا جميل أوي، دا طلع مش بس دكتور، لأ كمان شاعر"
رد «ياسين» بسخرية قائلًا:
على العموم هي أذواق والله"
ثم وجه حديثه لـ «عامر» قائلًا:
قولي بقى يا فنان إيه رأيك"
قال «عامر» بتكبر:
مش بطال"
ضحك الجميع عليه فقال «عمار» شقيقه:
بقولك إيه يا عامر، لبسها الخاتم اللي أنتَ جايبة ليها مفاجأة علشان عندي درس و عاوز آكل جاتوه قبل ما أمشي"
اعتلت الدهشة ملامح الجميع من حديث «عمار» بينما قال «خالد»:
يا أخي ربنا يخلصني منك أنتَ وأخوك في ساعة واحدة، أنتَ غبي يلا؟"
رد عليه «عمار» بضجرٍ:
أعمل إيه يا خالد مش فاضي للجو بتاعكوا دا، خلصونا من الليلة دي"
نظر له «عامر» بشر ثم قال:
أنا فعلًا هخلصك بس مش من الليلة دي لأ، أنا هخلصك من حياتك كلها"
قال جملته ثم ركض خلف أخيه، أمسكه ثم ضربه في كتفه بغيظ وهو يقول:
يا أخي حرام عليك، دي الحاجة اللي كنت هختم بيها اليوم"
ضحك الجميع عليهما، فاقترب «ياسين» منهما وهو يضحك ثم حرر «عمار» من قبضة «عامر» وهو يقول:
خلاص يا رجالة أنتم أخوات عيب كدا"
وقف«عمار» خلف «ياسين» وقبل كتفه ثم قال:
الله يباركلك يا رجولة"
رد عليه «ياسين»:
اخرس أنتَ خالص"
تحدث «خالد» قائلًا:
بقولك إيه يا عامر، خلاص اعتبرنا منعرفش إنك معاك خاتم وإحنا هنتفاجأ، وهي كمان"
أيده الجميع بينما قالت«سارة»:
أيوا صح أنا هعمل نفسي مش واخدة بالي"
وافقهم «عامر» ثم نظر لأخيه قائلًا:
حسابي معاك في البيت، أنا هربيك"
رد عليه «ياسر»:
مش لما تكون متربي أنتَ الأول"
انتشرت الضحكات والقهقهات عاى مزاح الشباب، في جو مليءٌ بالمرحِ والسعادة.
_______________
في منزل آلـ «رشيد» تحديدًا في شقة «طه» كان «وليد» يقنع عمه بأمر عقد القران، فتحدث «طه» قائلًا:
أنا مش فاهم هو مستعجل ليه كدا؟ يعني إيه كتب الكتاب الأسبوع الجاي"
رد «وليد» مُبتسمًا نتيجة الفرحة التي تضج بأحشائه قائلًا:
يا عمي إيه اللي يخلينا نأجل الموضوع طالما كل حاجة ماشية تمام، الشقة و شوفتها وأطمنت، الولد سألنا عليه وطلع أخلاقه مفيش منها، قولي بقى إيه اللي يقلق"
ردت«زينب»:
مش عارفه يا وليد، بس برضه دي بنتنا يعني فترة خطوبة الأول على الأقل شهر"
أجابها بهدوء:
طب أنا معاكِ هي فترة خطوبة، إيه لازمتها، يبقى كتب الكتاب أفضل، والولد قال علشان كل شيء يكون صح"
شرد «طه» بعمق ثم تحدث فجأة قائلًا:
معاك حق يا وليد، كلمه بس قوله إنه هيكون يوم الخميس"
نظر له «وليد» و «زينب» بتعجب فقال «طه»
يوم الجمعة خالي ناصر إبنه مسافر مش هيعرف يحضر كتب الكتاب، علشان كدا خليه الخميس"
قام «وليد» وقبل قمة رأسه، بينما زوجته نظرت له «بتعجب»، تركهم «وليد» ثم دخل غرفة «خديجة»، نظر «طه» لزوجته ثم قال:
خير يا زينب، في إيه بتبصيلي كدا ليه؟"
تعمقت في نظرتها له ثم قالت:
طه أنا مستغربة هو في إيه، من إمتى وأنتَ بتتعامل كدا، طه أنتَ عاوز تخلص من خديجة؟"
جملتها تلك جعلته ينتفض في جلسته، فقال بصوتٍ عالٍ بعض الشيء:
أنتِ اتجننتي يا زينب، أخلص من بنتي، أنتِ شيفاني إيه قُدامك؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء:
مش قصدي يا طه، بس أنا مستغربة إنك اتغيرت كدا، وكمان عاوز تكتب الكتاب بالسرعة دي، أنا قولت إنك هترفض العريس أصلًا"
حديثها أصاب الهدف في تهدئته، فقال بعدما أغمض عينيه وفتحهما مرةً أخرى:
مش عاوزها تفضل كدا يا زينب، عاوزها تعيش الحياة شوية، أنا ممكن أكون غلطت معاها كتير، طلعتها جبانة و خوافة، خديجة عندها ٢٤ سنة، معندهاش صحاب، مبتخرجش، آه دا كان هدفي إني أخافظ عليها، بس لحد إمتى؟"
ربتت«زينب» على كتفه ثم قالت:
ربنا يعوضك و يعوضها خير يا طه، بس كلامك دا جه متأخر"
أومأ لها ثم قال:
أنا عارف إنه متأخر، بس مش صعب إني أصلح كل اللي فات"
ابتسمت له ثم قالت:
سيبها على الله، متقلقش"
بداخل غرفة «أحمد» ذهب وليد له لكي يوقظه قبل أن يدخل غرفة «خديجة»، أيقظه «وليد» ثم قال له:
اغسل وشك و فوق كدا وحصلني على أوضة خديجة"
نظر له «أحمد» بضيق منه ثم قال:
أنتَ قرفتني في عيشتي، أنا عاوز أنام يا عمي"
ابتسم له «وليد» بإستفزاز ثم قال:
طب ورايا يلّا بقى، علشان نلحق كتب كتاب أختك"
قال جملته ثم خرج من الغرفة تاركًا «أحمد» مشدوهًا خلفه، بعد اختفاء أثره قال «أحمد» في حيرة من أمره:
كتب كتاب أختي ؟! هي خديجة إتجوزت؟"
كانت«خديجة» جالسة مع «خلود» على الأريكة وهي تعلمها صُنع الطارات التي تتميز «خديجة» بصنعها، كانت «خلود» على درجة عالية من التركيز وعندما استطاعت أن تقوم بما علمتها «خديجة» إياه قفزت فَرِحة بما حققته ثم احتضنت «خديجة»، قطع تواصلهم سويًا طرق على باب الغرفة بواسطة «وليد»
دخل وهو مبتسمًا فقالت «خلود» :
إيه الأدب دا يا وليد، بتخبط على الباب من إمتى"
ابتسم لها ثم قال:
من النهاردة ياختي، المهم يلا جهزوا نفسكم"
نظرت له «خديجة» مُتعجبة ثم قالت:
نجهز نفسنا ليه يا وليد؟"
زادت ابتسامته في الإتساع وقبل أن يتحدث دخل «أحمد» الغرفة ثم قال:
خير يا وليد بيه، نعم"
نظر «وليد» في أوجه الجميع ثم قال بفرحة عارمة:
خديجة كتب كتابها يوم الخميس الجاي"
صمت! فقط كل ما يدور في الغرفة هو الصمت مصاحبٍ له نظرات الدهشة، فأعاد جملته مرة أخرى:
عمي طه قرر كتب الكتاب يكون يوم الخميس الجاي"
تحدث «أحمد» بحنقٍ:
يعني إيه هو لعب عيال"
نظر له «وليد» نظرة فهمها «أحمد» سريعًا ثم قال:
لأ مش لعب عيال يا أحمد، دا اللي لازم يحصل، بدل فترة الخطوبة اللي ولا ليها أي لازمة، كتب الكتاب أفضل"
أيده «خلود» و «أحمد» بينما «خديجة» نظرت أمامها تُفكر في «ياسين» و حديثه وفجأة وغير المتوقع رُسمت بسمة بسيطة على وجهها مُصاحبًا لها إحمرار في وجنتيها، نظر لها «وليد» بعمق ثم قال:
إيه يا خديجة ما تردي، إيه رأيك"
هزت كتفيها ثم قالت:
مش عارفه يا وليد، أنا متلغبطة و محتارة و خايفة و حاسة إني مرتاحة و في نفس الوقت عاوزة أهرب"
جلس «وليد» بجانبها ثم ربت على كف يدها وهو يقول:
بصي إنك تخافي دا طبيعي، وإنك حاسة إنك عاوزة تهربي دا علشان شعور جديد عليكي، أنا بس بطلب منك تنسي كل اللي فات يا خديجة، إنسي مشيرة وإنسي راشد، وإنسي العيلة، خدي خطوة جديدة يا خديجة"
بكت متأثرة من حديثه ثم قالت:
نفسي يا وليد والله نفسي أنا مش عاوزة أفضل كدا، أنا خايفة أجرب وأندم أكتر، أنا عايشة كدا وأنا لوحدي، صدقني خايفة أجرب أتونس بحد يسيبني وأبقى عرفت إن فيه حاجة تانية نقصاني"
ابتسم مُشجعًا لها ثم قال:
صدقيني كل اللي جاي خير لكِ، خليكي واثقة فيا، و في ياسين كمان علشان بصراحة أنا قلبي أرتاح له أوي يا خديجة"
أومأت له ثم قالت:
أتمنى كدا يا وليد، أتمنى متخذلش تاني"
أومأ لها ثم قال:
وأنا واثق من دا"
قال جملته و نظر لـ «أحمد» و «خلود» ثم قال:
المهم أنتم جهزوا نفسكم وأنتِ يا خلود جهزي خديجة، علشان كتب الكتاب"
وقف لكي يغادر الغرفة فسألته «خديجة» مُستفسرة:
رايح فين دلوقتي يا وليد؟"
ابتسم لها ثم قال:
هروح أعرف ياسين بالخبر دا، خلي الواد يفرح هو كمان"
قال جملته ثم تركهم وغادر الغرفة تاركًا «خديجة» تحت أنظار أخواتها المراقبة لها.
_____________
في مكان عمل «سارة» كان الجميع يضحكون سويًا وسط جو مليءٌ بالفرح، فأشار «عمار» إلى «عامر» لكي يقوم بإخراج الخاتم لكي يلبسه لـ «سارة» أخذ «عامر» نفسًا عميقًا ثم قال بصوتٍ عالٍ لكي يلفت انتباه الجميع:
جماعة معلش بعد إذنكم ركزوا معايا"
نظر له الجميع واقتربت منه «سارة» بعدما تركت «إيمان» و «ريهام» بعدما كانت واقفة بجوارهم نظر لها بعمق ثم قال:
سارة أنا عارف إن أنا ممكن أكون شخص غريب بيحب الضحك و الهزار الكتير، و عارف إن عندي قوة إستفزاز رهيبة لكل اللي حواليا، بس فيه حاجة تانية أنا قلبي طيب والله، وبحبك وبحب كل اللي في حياتي، أنا حياتي كلها مفيش فيها أغلى من ياسر و خالد و ياسين وعمار و عمري ماكنت أتخيل إن ممكن حد يجي ياخد مكان في قلبي زيهم"
صمت مُتأثرًا وهو ينظر في وجوههم جميعًا ليرى نظرة الفخر المصحوبة بالحب والحنان من أصدقائه، ثم نظر لها فأومأت مشجعةٌ له لكي يكمل حديثه، مسح دمعة متمردة فرت من عينيه ثم قال:
المهم وجودك عندي بالدنيا وما فيها يا سارة وأنا فخور بيكِ وبأي حاجة بتعمليها في حياتك، وفرحان إنك عرفتي تكملي بعد وفاة والدك و قدرتي تكبري المكان دا، ومكسبي الصح فعلًا لما تكوني معايا في بيتي، وأكون فُزت بوجودك معايا لأخر العمر"
انتهى من حديثه ثم أخرج علبة الخاتم من جيبه، أمسك كفها ثم أدخل الخاتم بإصبعها، تحت نظراتها المُتأثرة من حنانه وحديثه، نظر لها ثم قبل كفها وهو يقول:
كل سنة وأنتِ معايا، كل سنة وأنتِ أنا"
صفيق حار خرج من الجميع وتأثر منهم بحديثه، كل هذا حدث و «عمار» يقوم بتصويره على هاتف «عامر»، لم تستطع «سارة» التمسك أكثر من ذلك فأجهشت في البكاء، نظر لها «عامر» مُتعجبًا ثم قال:
طب أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي، أنا زعلتك ولا إيه؟"
هزت رأسها نفيًا بقوة ثم قالت:
لأ مزعلتنيش، أنا بس عمري ما كنت أتصور إنك بتحبني كدا، وعمري ما كنت أتصور إن في حد فخور بيا كدا، أنا بحبكم أوي وبحب وجودكم معايا في حياتي"
أخذها «عامر» بين أحضانه ثم قال:
وأنا بحبك يا جرثومة"
ضحكت في أحضانه ثم قالت:
أنتَ لسه فاكر الكلمة دي"
أومأ لها ثم قال:
وأنا برضه هنسى الكلمة اللي كانت سبب معرفتنا ببعض"
اقترب منه أصدقائه و وزوجاتهم، خرجت «سارة» من أحضانه فقال «خالد»:
إيه الحلاوة دي ياض يا عامر، ما أنتَ طلعت حلو أهوه أومال مشغل الهطل علينا ليه؟"
ضحك «عامر» ثم غمز له بطرف عينه وهو يقول:
تلميذك يا خالد باشا"
تدخل «ياسين»:
لأ بجد أنا مش مصدق نفسي والله بقى عامر يطلع منه كل دا؟"
رد عليه «ياسر»:
دي معجزة والله، أنا حبيت عامر خلاص"
ظل يتحدث الأصدقاء سويًا حتى قطع حديثهم «عمار» وهو يقول:
يلّا يا جماعة، نقطع التورتة علشان الدرس"
ضحك الجميع فقال «خالد» بهدوء:
أنا في سؤال محيرني بجد، عم فهمي كان فين والعيال دي بتتربى؟"
ضحك «عامر» ثم قال له:
كان بيلعب كورة مع أبو ياسين"
ضحك الجميع على حديثه، ثم تم تقطيع قالب الحلوى وتوزيعها على الجميع، تحت مزاح «عامر» مع أصدقائه، تركهم «عمار» وذهب إلى درسه، كان الشباب يقفون مع زوجاتهم عدا«ياسين» الذي وقف بمفرده ينظر لهم بحب وتمني من الله أن يديم وجودهم لبعضهم البعض، وفجأة اقترب منه «خالد» و «ريهام» وهي تقول:
ألف مبروك يا ياسين، عرفنا إنك لبست الدِبل، مش مصدقين والله"
ضحك «ياسين» ثم رفع كفه لكي ترى الخاتم ثم قال:
لأ صدقي، الحمد لله لبست الدِبل، قدر ولطف"
اقترب منهم البقية فقالت «سارة»:
طب ليه مجاتش معاك، علشان نتعرف عليها؟"
أيدتها «إيمان» قائلة:
أيوا صح ليه مجاتش معاك ، اعمل حسابك إحنا هنخليها صاحبتنا، زي ما إحنا إتصاحبنا على بعض كدا"
أومأ لها «ياسين» ببسمة عذبة رُسمت على وجهه ثم قال:
أنا أصلًا عاوزها تكون صحبتكم خصوصًا إن هي معندهاش صحاب"
تحدث «ياسر» قائلًا:
طب بقولك إيه كلمها كدا وهاتها تحتفل معانا علشان تتعرف على البنات"
شعر «ياسين» بالإحراج عندما نظر له الجميع ينتظرون إجابته فحمحم بإحراج قائلًا:
لأ ماهو أنا مش معايا رقمها"
تحدث «عامر» باندهاش قائلًا:
مش معاك إيه يا أخويا؟"
حمحم مرةً أُخرى وهو يقول:
زي ما سمعت كدا مش معايا رقمها"
تدخلت «إيمان» قائلة:
أيوا دا اللي هو إزاي يعني، خطيبتك ومش معاك رقمها؟"
أومأ لها «ياسين» ثم قال:
زي ما سمعتوا كدا، مجاتش فرصة أطلب منها الرقم، راح عن بالي"
تحدث خالد بهدوء قائلًا:
بقولك إيه يا عامر أنا علطول بقولك يا متخلف؟"
رد عليه «عامر» بتصنعٍ واضح:
طول عمرك يا خالد"
أومأ له «خالد» ثم قال:
مبروك يا عامر أنتَ براءة، خلاص لقيت حد متخلف أكتر منك"
نظر لهم «ياسين» بحنقٍ ثم قال:
يا جماعة بحد اتحرجت أطلب الرقم، وبعدين هكلمها أقولها إيه يعني؟"
رد عليه «ياسر»:
أنا فاهمك يا ياسين، بس على الأقل تطمن عليها، مش معقول خطيبتك مش معاك رقمها"
أومأ له «ياسين» ثم قال:
ماشي أنا معاك، بس أنا لسه خاطبها إمبارح، ومستني يردوا عليا في موضوع كتب الكتاب"
تحدثت«سارة» قائلة:
متخافش إن شاء الله خير، ربنا يتمم لك أمورك بخير"
أيدتها «ريهام» قائلة:
إن شاء الله خير متقلقش، وبعدين بكرة تزهق وتمسح رقمها من كتر الزن"
نظر لها «خالد» بتفحص ثم قال:
ليه كدا ياختي كنت مسحت رقمك أنا ولا إيه؟"
هزت رأسها نفيًا ثم قالت:
بس مبتردش عليا يا خالد"
رد مُعقبًا:
طب ما هو من زنك عليا يا ريهام"
أوشكت على الحديث مرة أخرى لكن «ياسين» أوقفهم قائلًا:
بس أنتَ وهي علشان خاطري، مش لازم تنكشوا بعض"
وفور انتهاء جملته صدح صوت هاتفه برقم «وليد» نظر «ياسين» مُتعحبًا ثم تذكر أمر الموافقة على عقد القران، ففتح الهاتف و رد مُتحمسًا وهو يقول:
أيوا يا وليد خير، طمني"
تصنع «وليد» الجدية المصحوبة بالحزن وهو يقول:
معلش يا ياسين بكلمك فجأة كدا"
أجابه «ياسين» بنفس الحماس قائلًا:
لأ متقولش كدا يا وليد، أنتَ تكلمني في أي وقت، المهم طمني"
كان «ياسين» يشعر بالقلق من نبرة صوت «وليد» لذلك لم يستطع أن يتمالك أعصابه أكثر من ذلك، وما زاد من خوفه هو صمت «وليد» لبرهة من الزمن، كانت أنظار الجميع خلالها مُسلطة على «ياسين»، مما زاد من توتره، فقال بصوتٍ مهزوز:
ها يا وليد، طمني"
أتقن «وليد» الحزن في صوته وهو يقول:
معلش يا ياسين، عمي مش موافق على كتب الكتاب يوم الجمعة، بس موافق يوم الخميس"
لم يستطع «ياسين» سماع الجملة الأخيرة الخاصة بالموافقة، فقط كل ما وصل لمسامعه، هو الرفض، شعر بالخيبة و الحزن ولا يعلم لماذا، هل لأنه يريد مساعدتها، أم لأنه يجد عندها راحة لقلبه لا يعلم مصدرها، أم لأنه يريد أن يكون له ونيسًا يؤنس وحدته، فقال بصوت متأثر:
طب ليه مش موافق يا وليد، مش كل حاجة تمام؟"
حاول «وليد» كتم ضحكاته ولكنه لم يستطع فقال:
إيه يا ياسين أنتَ نايم ولا إيه؟ بقولك مش موافق على يوم الجمعة، عاوز كتب الكتاب يوم الخميس"
حسنًا، إذن بعض الكلمات قادرة على تحرير ذلك القلب المسكين من حزنه خلال ثوانٍ معدودة، هكذا فكر «ياسين» بعدما تغيرت ملامحه في ثوانٍ من الضيق إلى الفرح تحت نظرات التعجب من الجميع، فقال غير مصدقًا لما سمع:
أنتَ قولت إيه يا وليد؟"
ضحك «وليد» بقوة ثم قال:
دا أنتَ طلعت غلبان خالص، على العموم عمي عاوز يكتب الكتاب يوم الخميس، عشان قرايبنا يعرفوا يحضروا"
انفرجت أسارير «ياسين» فقال بصوت مليء بالفرح:
شكرًا يا وليد، أنا بحبك وبحب عم طه وبحب خديج.."
ضحك جميع من هم أمامه على جملته، حتى «وليد»، بينما هو أُصيب بجحوظ في العينين مما تفوه به، عاد من صدمته على صوت «وليد» وهو يقول:
ماشي يا عم ياسين، بس من هنا لحد يوم كتب الكتاب مفيش الكلام دا، إحنا عيلة محافظة،يلا أسيبك بقى تشوف مصالحك"
أغلق «ياسين» الهاتف مع «وليد» وهو يشعر أن قلبه كطيرٍ حُرر من قفصه للتو، رُسمت بسمة على شفتيه، وهو شاردًا، أخرجه من حالة الشجن تلك هو «عامر» الذي تحدث بخبثٍ قائلًا:
بحب خديجة ها؟ دا أنتَ واقع خالص"
تدخل «خالد» قائلًا:
قولي يا عم روميو إيه اللي خلاك تقول كدا؟"
ابتسم «ياسين» ثم نظر في أوجه الجميع قائلًا:
باركولي يا شباب، كتب كتابي يوم الخميس الجاي".
لم يستطع الشباب تمالك نفسهم من الفرحة فقفزوا جميعًا على ياسين كتعبيرًا منهم عن فرحتهم، تحت ضحكات الفتيات والفرحة التي ملئت المكان،
وبعد إنتهاء إحتفالهم بصديقهم، وإلقاء عبارات التهنئة على مسامعه، وقف «عامر» بجانب «سارة» وهو يقول:
أنا جبت الماكينة دي مخصوص علشانك، بس ليا عندك طلب"
تعجب الجميع من حديثه، بينما «سارة» قالت:
عارفة، هحافظ عليها وأحطها في عيني علشان دي هدية منك"
هز رأسه بقوة نفيًا وهو يقول:
لأ طبعًا مش كدا خالص، أنا عاوز أقولك إن لو جه يوم وقولتلك عاوز أعمل حاجة عندك بالماكينة ورفضتي، وحياة أمي أخدها تاني وأبيعها"
نظر الجميع إلى بعضهم البعض بدهشة، بينما «خالد» ضحك وهو يقول:
والله العظيم أنا كنت مستني منك حاجة زي كدا، أنا قولت مستحيل عامر يكمل اليوم كدا"
أيده الجميع في الحديث، وبعد مرور فترة من الوقت، كان «خالد» واقفًا بجوار سيارته، هو و الفتيات، خرج البقية بعدما أتمموا إغلاق المكان، وقفوا حائرين في الذهاب، وكل منهم ينظر للأخر، فقال «ياسين» مُقترحًا:
الحل الوحيد، خالد ياخد البنات معاه في عربيته، وإحنا نروح بعربيتي"
وافقه الجميع في إقتراحه، وبالفعل شرعوا في تنفيذ ذلك المقترح، ركب الشباب سيارة «ياسين» الذي قام «عامر» بقيادتها، شرد «ياسين» في خبر الموافقة الذي أطرب أذانه منذ قليل، كان أصدقائه ينظرون له بحب وفرحة نظرًا لتغير حال صديقهم، الذي يبدو أن قلبه دق بعد أعوام من السكون، أوصل ياسين أصدقائه، ثم ذهب إلى بيته، بعدما تولى أمر القيادة بعد نزول «عامر»، وصل بيته وجد والديه نائمان، كان يريد أن يلقي ذلك الخبر على مسامعهما، لكنه صبر نفسه، أن الصباح قريب، دخل غرفته وبدل ثيابه، ثم جلس على الفراش، أخرج هاتفه ثم طلب رقم «وليد»، رد عليه «وليد» لكن «ياسين» كان متوترًا بشدة ولكنه تغلي على نفسه وقال:
بقولك إيه يا وليد، أنا عاوز رقم خديجة"
تعجب «وليد» من طلبه لكنه تحدث بثبات قائلًا:
بص يا ياسين المفروض إني أقولك لأ، بس انا واثق فيك، ودلوقتي هي خطيبتك، مش معقول مش هيكون معاك رقمها، بس هقولك إنك إبن أصول"
وافقه «ياسين» في الحديث ثم قال:
أنا عارف يا وليد، وخليك واثق فيا، أنا بس عاوز رقمها معايا، وصدقني أنا عمري ما هعمل حاجة تغضب ربنا"
أيده «وليد» قائلًا:
ماشي يا ياسين، هبعتلك الرقم دلوقتي"
كان «ياسين» يهز قدميه بإنفعال بالغ، وهو ينتظر الرقم، و بعد مرور ثوانٍ وصله رسالة من رقم «وليد» برقم «خديجة» يبدو أن اليوم هو يوم حظه، و جبر خاطره، كان مترددًا في طلبها ولكنه لم يستطع التغلب على نفسه أكثر من ذلك، فقام بطلب الرقم، كانت جالسة في غرفتها وكانت على وشك النوم، لكن صوت هاتفها في هذا الوقت جعلها مُتعجبة، نظرت للرقم بتعجب ثم قامت بالرد، عندما قامت بفتح الخط، دق قلبه كأنه في سباقٍ لكنه أخذ نفسًا عميقًا، هي زادت دهشتها عندما لما يأتيها ردًا منه، أوشكت على غلق الهاتف، لكنه أوقفها قائلًا:
استني يا خديجة متقفليش، أنا ياسين"
عند سماع صوته جحظت عيناها الخارج وتوترت بشدة، ولم تستطع التحدث، فقط صوت نبضات قلبها هو يصدر منها، لاحظ صمتها فتحدث قائلًا:
أنا عارف إن مينفعش أكلمك في وقت زي دا، وعارف إن مينفعش أكلمك أصلًا، بس صدقيني مقدرتش أمنع نفسي"
من المفترض أن حديثه يجعله تطمئن، لكنه زاد من خوفها، تحدث «ياسين» قائلًا:
طب ردي عليا قولي أي حاجة؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء:
هو سؤال واحد بس ليه أنا؟ ليه دونًا عن البنات كلهم اللي في الدنيا أخترتني أنا؟"
كان على علمٍ بصراعها، فتحدث قائلًا:
صدقيني نفسي أقولك، بس هانت يوم الخميس مش بعيد"
ردت عليه بِحيرة:
تقولي إيه؟ مش فاهمة"
زفر بقوة ثم قال:
عن أسبابي لأختيارك، بس يوم ما يكون إسمك مرتبط بإسمي"
وأيضًا لم يأتيه ردًا منها، فقال بهدوء:
مع السلامة يا خديجة، أشوفك على خير إن شاء الله، وأسف إني أزعجتك في الوقت دا"
قال جملته ثم أغلق الهاتف حتى لا تزداد عواقب فعلته تلك، نظرت للهاتف بيدها وهي متعجبة منه ومن حديثه، هي لم تُجرب ذلك الشعور من قبل، لذلك كانت على وشك البكاء، أما هو فكان يُصارع نفسه حتى لا يقوم بإرسال تلك الرسالة، لكن نفسه الضعيفة تفوقت عليه،فقام بإرسال رسالة لها عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي «واتساب» قام بإرسال الرسالة ثم أغلق الهاتف حتى لا يزيد من تهوره أكثر من ذلك، بعدما تركت الهاتف على الطاولة بجانب الفراش، وصلها رسالة عبر تطبيق «الواتساب» تعجبت أكثر فهي لم تتواصل مع أحد عبر ذلك التطبيق، قامت بفتح الرسالة، ولكنها أصيبت بالتوتر و التشتت فكانت الرسالة محتواها:
قلبي يساُلكِ:
متى يحين موعد اللقا يا من برؤياكِ يغدو وجهي نيرًا مشرقًا ؟"
أرسل جملته ثم أرسل إسمه بعدها، ثم احدى الرسومات التعبيرية في التطبيق الذي يعبر عن غمز بطرف العين".
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل السادس عشر 16 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل السادس عشر
الفصل السادس عشر"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
__________
لا تسأليني لماذا أنتِ، فأنتِ إختيار القلب"
__________
هل يمكن أن تعطينا الحياة ما نريد دون أي مجهود يصدر منا؟ هل كل ما يدور بالعقل من أحلام يتم تحقيقه في الواقع، كيف يأتي من يتقبلك كما أنتَ حتى وإن كان لا يعلم عنك شيئًا، كل هذه الأسئلة كانت تدور برأس «خديجة» بعد مكالمته لها، وبعد تلك الرسالة التي أرسلها لها، وبعدما كانت على وشك النوم جفاها النوم و فَر بعيدًا ألم يكفي إضطرابات نومها ليأتي هو و يزيدها بأفعاله تلك، كانت تنظر للرسالة بعمق دون تصديق أن أحدهم أرسل رسالة كهذه لها، بعد ما يقارب خمسة عشر دقيقة من التحديق في الرسالة، وجدت نفسها تبتسم شيئًا في شيء، قامت بتسجيل رقمه على هاتفها ثم ارتمت على فراشها وهي تنظر لسقف الغُرفة دون جدوى، وعلى الرغم من السعادة البادية على ملامحها إلا أن هناك شيئًا بداخلها يثير القلق والتوتر والخوف مما هو قادم.
أما «ياسين» بعدما أغلق الهاتف حتى لا يزيد من تهوره، قام بفتحه مرةً أخرى، قام بفتح المحادثة الخاصة بها وبمجرد فتحه المحادثة ابتسم بعذوبة حتى أوشك فمه على التوقف عند هذه الحالة والسبب في ذلك هو ظهور صورتها بعدما قامت بتسجيل رقمه، قام بالضغط على الصورة لكي يراها بوضوح، كانت الصورة لها في شرفة شقتهم وسط الزرع الموضوع بها، وكان وجهها هاديء و ملامحها بها براءة كبيرة تجعلك تغرق في تفاصيلها، على الرغم من أن ملامحها عادية تُشبه غيرها من الفتيات، فهي فتاة متوسطة الطول، جسدها متوسط الوزن كغيرها من الفتيات لكنها دائمًا تُخفيه تحت ملابسها الفضفاضة، أعينها بُنية مُختلطة باللون العسلي، بشرتها متوسطة اللون، يُقال عنها: "بشرة خمرية" لكن على الرغم من ذلك يوجد بها شيء مميز يجعل القلب يشعر بالراحة تجاهها، قام «ياسين» بتكبير الصورة ليغرق في تفاصيل ملامحها أكثر، وفجأة عنف نفسه ثم هز رأسه بقوة وهو يقول:
لأ لأ أستغفر الله العظيم، في إيه يا ياسين، و بتقول مش مراهق، دا أنتَ غلبت العيال بتوع ثانوي"
قال جملته ثم قام بإلتقاط الشاشة على صورة «خديجة» و أغلق الهاتف بعدها، ثم قام وأمسك دفترها ليقرأ ما تم تدوينه به من قِبلها.
______________
في شقة «خالد» بعدما أوصل الفتيات إلى منازلهم وجلس برفقة والدته وأخته ثم أخذ أسرته وعاد إلى بيته، عند دخولهم الشقة كانت زوجته مُتزمرة بعض الشيء، لكنه لم يعلم السبب، فسألها بهدوء:
مالك يا ريهام؟ شكلك متضايقة في حد زعلك؟"
هزت رأسها نفيًا وهي تُجبر شفتيها على الإبتسام ثم قالت:
لأ مفيش يا خالد، أنا كويسة"
نظر لها مُتفحصًا ملامح وجهها ثم قال:
لأ يا ريهام شكلك مش كويس خالص، لو فيه حاجة زعلتك قوليلي، لو إيمان قالتلك حاجة ضايقتك قوليلي برضه"
كان على ثقة تامة من نفيها حديثه عن أخته، فهو يعلم درجة قربهما من بعضهما، كما أن «ريهام» لم تكن بفتاةٍ خبيثة لكي تؤثر على علاقته بأخته، بل دائمًا تسعى لتقربهما سويًا، كل ما دار بخلده تأكد منه حينما قالت:
لا محدش زعلني ولا إيمان حتى، عن إذنك هنيم يونس علشان بقاله كتير نايم على دراعك"
قالت جملتها ثم أخذت الصغير من بين ذراعيه وذهبت من أمامه، نظر في أثرها مُندهشًا، لكنه قرر أن يتواصل مع أخته، أخرج هاتفه وطلبها على الخط الأرضي لأنه يعلم أنها في ذلك الوقت تتحدث مع «ياسر» وجرت الأمور كما خطط لها و ردت أخته على الهاتف مُتعجبة وهي تقول:
خالد! بتتصل ليه دلوقتي وليه على الأرضي؟"
تنهد بأريحية قم قال:
علشان عارف إنك بتكلمي روميو دلوقتي يا ست چوليت، المهم عاوز أسألك على حاجة"
ردت عليه بجرأة تليق بشخصيتها معه:
ما أكلمه مش جوزي ولا إيه؟ المهم عاوز إيه؟"
رد عليها مُعقبًا:
ماشي وحياة أمي هوريكي صبرك عليا بس، المهم هو حصل حاجة زعلت ريهام النهاردة؟يعني حد ضايقها؟"
هزت كتفيها كأنه يراها ثم قالت بعدم معرفة:
مش عارفه والله يا خالد، بس في المُجمل لأ محدش زعلها"
زادت حيرته أكثر فقال:
غريبة، أومال مالها في إيه، شكلها متغير أو زعلانة"
توصلت «إيمان» لطرف الخيط فقالت بهدوء:
أنا عارفة مالها يا خالد، بس من غير ما تتعصب"
رد عليها مُعقبًا:
وأنا هتعصب ليه، قوليلي بس مالها؟"
أجابته «إيمان» قائلة:
ريهام مراتك طيبة أوي يا خالد أقل حاجة ترضيها، بس النهاردة مع ياسر وعامر والجو اللي عملوه دا خلاها حست إنك مش مهتم بيها، أو إنك مبتحبهاش خصوصًا إن جوازكم كان صالونات"
سألها مُستفسرًا:
يعني إيه مش فاهم؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
يعني عرفها إنك بتحبها يا خالد، وإنك غصب عنك من الضغوطات مش بتعرف تعبر، صدقني هي بنت حلال وتستاهل كل خير"
فهم مقصد أخته فقال بهدوء:
تمام يا ريهام، أنا كدا فهمت خلاص روحي نامي أنتِ وأنا هظبط الدنيا متقلقيش"
ضحكت بِخفة ثم قالت:
أنام إيه يا بابا بكرة الجمعة والواد أجازة، هروح أكلمه"
شعر بالضيق من من جرأتها فقال:
ما هي الغلطة مش غلطتكم، الغلطة غلطتي أنا إني وافقت على الجوازة دي، صبركم عليا أنتِ وعنتر زمانه دا"
ضحكت لكي تُثير إستفزازه ثم قالت بطريقة مائعة مُتصنعة:
ياربي على الحقد مالي قلوب الناس، سلام يا خالود هروح أكلم ياسوري"
قالت جملتها ثم أغلقت الهاتف في وجهه دون إنتظار إجابة منه، أما هو فنظر للهاتف بتعجب ثم قال:
صبرك عليا يا بنت عفاف يا أنا يا أنتِ"
بعدما أغلق الهاتف مع أخته دخل غرفة صغيره وجد زوجته بجانبه وعند سماعها قُرب خطواته تصنعت النوم، اقترب من الفراش وربت على كتفها ثم قال:
ريهام أنا مش جايلي نوم، تعالي أقعدي معايا شوية"
التفت له برأسها ثم قالت:
مش هينفع يا خالد يونس نايم ولو قومت من جنبه هيعيط"
علم أنها مازالت تشعر بالضيق، فلم يريد أن يضغط عليها أكثر من ذلك، فقال بهدوء:
طب تمام أنا هنزل أتمشى شوية تحت"
تركها وذهب من الغرفة، أما هي بعدما سمعت إغلاق باب الشقة، إجهشت في البكاء ظنًا منها أنه يطلب الجلوس معها من باب المُجاملة وبعدها شردت في حياتها معه وكم التغيرات التي طرأت عليهما، ولم يدم وقت طويل حتى سمعت إغلاق باب الشقة فعلمت أنه عاد مرة أخرى، دخل «خالد» المطبخ وأثار به الجلبة والأصوات العالية، مما جعلها تتعجب من أفعاله في هذا الوقت، لم تستطع التغلب على فضولها أكثر من ذلك فخرجت من الغرفة وتوجهت إلى المطبخ وجدته ممُسكًا بقالب حلوى من الفواكه كما تحبه ويحاول تقطيعه لكنه فشل، اقتربت منه وهي تقول بتعجب:
بتعمل إيه دلوقتي يا خالد، وإيه التورتة اللي في أيدك دي؟"
تصنع الامبالاة في رده فقال:
عادي نزلت أتمشى، عاجبني فأشتريته"
حديثه أثار استياءها فقالت:
طب بألف هنا وشفا، ياريت الأصوات بالراحة بس علشان مش عارفة أنام"
أوشكت على الخروج من المطبخ فأوقفها قائلًا:
خُدي هنا ياست أنتِ، رايحة فين؟"
التفت له ثم قالت بضيق:
رايحة أنام علشان يونس لو صحي وأنا مش جنبه هيعيط"
كان يعلم أنها تكذب عليه فأردف قائلًا:
بطلي كدب يا ريهام، يونس طالعلي طالما نام على سريره مش هيصحى غير الصبح، تعالي بس أنا عاوزك ضروري"
نظرت له بحنقٍ ثم جلست على الكرسي في طاولة المطبخ، قرب «خالد» مقعد وجلس عليه أمامها ثم قال بهدوء:
أنا عارف إنك زعلانة مني ودا حقك، وعارف كمان إني مقصر معاكي، حقك عليا والله غصب عني"
نظرت له مُندهشة من حديثه وطريقته، فأكمل قائلًا:
أنا عارف إني مش بعبر كتير، وعارف إن شخصية عصبية،بس فيه حاجة مهمة كمان، أنا بحبك يا ريهام، ومقدرش أتخيل حياتي من غيرك، أنتِ ونس العمر اللي جاي"
هل هذا حلم جميل، أم أن «خالد» يُعاني من مرضٍ ما؟ ظلت تُحدق به بذهول دون أن تتفوه بحرفًا واحدًا، نظر لها متفحصًا ثم قال:
هو أنا عكيت الدنيا ولا إيه، طب أنتِ لسه زعلانة مني طيب؟"
هزت رأسها نفيًا بقوة ثم بكت وهي تقول:
لأ أنا بس مستغربة إن أنتَ بتقولي كدا، مش مصدقة إنك بتحبني"
ابتسم بحزن ثم قال:
حقك عليا إني خليتك تفكري كدا، بس أنا عاوز أطلب منك طلب"
سألته مُستفسرة:
طلب إيه قُل"
أحتضن كفيها بين كفيه ثم قال بهدوء:
لما تزعلي مني قوليلي يا ريهام، متاخديش جنب لوحدك كدا، متخليش تراكم الزعل يفرق بينا"
أجابته بهدوء:
بس مينفعش أجي أطلب منك تعاملني إزاي، ولا ينفع أقولك المفروض تعمل إيه ومتعملش إيه"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
أنا عارف كل الكلام دا، بس عاوزك تعرفيني إنك زعلانة مني، أنا لو مصالحتكيش، لكِ الحق عليا، إنما تراكم الزعل هيصعب علينا الطريق، ها اتفقنا؟"
أومأت له موافقة، فضحك ثم قال:
وبعدين حد يبقى عاوز شغل الهبل بتاع عامر و ياسر دا؟ دي فرحة البدايات يا ريهام، بكرة إيمان أختي دي تيجي تغضب عندنا ونتحايل عليها علشان ترجع بيتها، وسارة اللي فرحانة بعامر ديه، أنتِ بنفسك بعد شهرين من جوازها من عامر هتروحي تزوريها في مُستشفى الأمراض العقلية وهتقولي خالد قالها"
لم تستطع التحكم في ضحكتها أكثر من ذلك، حتى وصلت إلى القهقهات، نظر لها بإستمتاع ثم قال بهدوء:
كفاكِ عني بُعاد يا مُعذبة الفؤاد"
توقفت عن الضحك ونظرت له بصدمة لا تصدق أن خالد الشخص الذي يبعد كل البعد عن الرومانسية، يفعل كل هذا لأجلها، ومن شدة فرحتها ارتمت بين ذراعيه وهي تبكي من فرحتها ثم قالت:
أنا بحبك أوي يا خالد بجد، ربنا يديم وجودك ليا"
ربت على ظهرها ثم قال بضحك:
ويباركلي في وجودك يا رب، كدا خلاص صافي يا لبن؟"
هزت رأسها بقوة داخل أحضانه، ابتسم برضا ثم قبل قمة رأسها.
______________
مر اليوم على الجيمع بسلام وفي صباح اليوم التالي، استيقظ «ياسين» و وجد والديه يجلسان سويًا على طاولة الطعام، اقترب منهما وألقى تحية الصباح ثم جلس على المقعد بجوار والده، كانت والدته جالسة مقابلة له، نظرت له بتفحص ثم قالت:
رجعت إمتى إمبارح، استنيتك كتير، وبعدين مالك شكلك مش نايم كويس؟"
حمحم بإحراج ثم قال:
أنا رجعت على الساعة ١ كدا، وبعدين عرفتي منين إني مش نايم كويس؟"
نظرت له والدته بعمق ثم قالت:
وهو أنا غريبة عنك يعني؟"
ضحك والده ثم قال:
زُهرة دي المخابرات خسرتها والله يا ياسين، بتعرف القرد مخبي إبنه فين؟"
وافقه «ياسين» في الحديث قائلًا:
في ديه أتفق معاك، هي و ميمي الأتنين بيبصوا في وشي يعرفوا كل حاجة، زي ما يكونوا شغالين في كشف الهيئة"
ضحكوا جميعًا، فقالت والدته:
برضه قولي منمتش كويس ليه، تكونش بتحب يا ياسين؟"
شعر بالتوتر قليلًا فتصنع الثبات قائلًا:
لأ أبدًا كل الحكاية وما فيها إن كتب كتابي يوم الخميس الجاي"
رد عليه والده:
ألف مبرو... إيه يا خويا كتب كتاب مين؟"
ضحك بخفة ثم قال:
زي ما سمعت كدا يا بابا، كتب كتابي"
تدخلت والدته قائلة:
دا إزاي يعني مش فاهمة؟"
أجابها قائلًا:
هو مش أنا قولتلك إني عاوز كتب كتاب علطول، مستغربة ليه؟"
ردت عليه مُعقبةً:
أيوا ماشي، بس برضه إحنا افتكرنا إن فيه فترة خطوبة مثلًا على الأقل شهر يتم فيها التعارف بينكم"
أجابها بهدوء مُردفًا:
بصي يا ماما أنا مش شيخ، ولا أنا ملتزم أوي يعني، بس بجد أنا مش عاوز فترة الخطوبة دي كلها بتكون ذنوب أصلًا، وبعدين أنا مش ضامن إني أحس باللي أنا حاسه دلوقتي دا مرة تانية"
رد عليه والده مُستفسرًا:
وأنتَ حاسس بإيه بقى يا ياسين"
نظر لهما بعمقٍ ثم قال:
بصراحة كدا حاسس إن هي دي الإنسانة اللي ينفع أكمل معاها حياتي"
ابتسمت والدته لوالده ثم قالت:
إبنك كِبر يا رياض خلاص، مبروك عليك يا حبيبي"
نظر له والده بفخرٍ ثم قال:
ربنا يفرح قلبك يا حبيبي، طالما أنتَ متأكد من دا يبقى على البركة يوم الخميس الجاي"
قام «ياسين» وقبل رأس كلًا منهما، نظرت له والدته بخبثٍ ثم قالت:
هو دا بقى اللي منيمكش طول الليل صح ، أنتَ فرحان والفرحة باينة عليك"
أومأ لها بهدوء مُبتسمًا ثم أردف قائلًا:
أيوا بصراحة أنا فرحان"
نظر«رياض» إلى «زهرة» ثم قال موجهًا حديثه لـ «ياسين»:
ودي أهم حاجة يا ياسين، لو حاسس ١٪ إنك مش فرحان متاخدش أي خطوة"
حرك رأسه نفيًا بقوة ثم قال:
لأ أنا فرحان بجد والله"
احتضنته والدته ثم قالت:
طالما فرحان كدا من قلبك يبقى خلاص أنا مش عاوزة حاجة تاني".
قام «ياسين» بتبديل ثيابه ثم ذهب إلى الجميع في شقة «ميمي» كان «ياسر» و «عامر» في إنتظاره، لكنه تعجب من عدم وجود «خالد» فسأل عن عدم وجوده، فرد عليه«ياسر» قائلًا:
خالد بيفسح يونس ومامته، علشان بقاله كتير مخرجهمش"
أومأ له موافقًا، فنظرت له «ميمي» ثم قالت:
هو صحيح كتب كتابك يوم الخميس الجاي يا ياسين؟"
ابتسم لها ثم إقترب منها وجلس على ركبتيه،و قال بحنانٍ بالغ:
أيوا يا ميمي، يوم الخميس الجاي كتب كتابي وهبدأ حياتي مع خديجة"
ربتت على كتفه ثم قالت:
ربنا يفرح قلبك دايمًا يا رب، ويتمم فرحتك على خير"
تدخل «عامر» قائلًا:
أنتَ ليه محسسني إن فيه قصة حب عظيمة، يابني لو حسبناها أنتَ عارفها من أسبوعين، لحقت تدوب كدا؟"
تدخلت «ميمي» مُعقبة على حديثه:
هي مش بالوقت يا عامر، دي قلوب ليها أبواب، وربك وحده هو اللي بيفتح القلوب دي للناس، مش بأيدينا"
وافقها «ياسين» قائلًا:
بالظبط كدا، وبعدين يا متخلف أنتَ، أنتَ بنفسك لما شوفت سارة طلبت إيدها إمتى؟"
أجابه «عامر» قائلًا:
طلبت أخطبها بعد شهر"
تدخل «ياسر» قائلًا:
طب ما هي هي فرقت إيه شهر من ٣ أسابيع"
أجابهما «عامر» قائلًا:
خلاص عرفنا، المهم دلوقتي إن ياسين فرحان صح؟"
ابتسم «ياسين» بحب ثم قال:
عمري ما كنت أتخيل إني أفرح كدا لما حد يدخل حياتي"
تدخلت «ميمي» قائلة:
طيب يلا إنزلوا علشان تلحقوا الصلاة، وأنا خلاص الجلسة خلصتها من بدري، هعمل كوباية شاي لحد ما تيجوا"
وافقها الشباب في حديثها ثم نزلوا لكي يلحقوا صلاة الجمعة.
_____________
في منزل آلـ «رشيد» كان التجمع العائلي، كانت العائلة بأكملها مجتمعة في الطابق الأول، بعدما عاد الرجال و الشباب من صلاة الجمعة، بعد تناول وجبة الإفطار أخبر «طه» الجميع بموعد عقد القران قائلًا:
أنا عارف يا خالي إنك مشغول علشان سفر إبنك، علشان كدا أنا خليت كتب الكتاب يوم الخميس علشان تعرفوا تحضروا معانا"
شعر الحج«ناصر» بالفرحة لأجل «خديجة» فقال بصوت مليءٌ بالبهجة:
ماشاء الله ربنا يفرحك بيها يا طه، وحتى لو مشغول مع إبني أنا أجيلها مخصوص"
بارك الجميع لـ «طه» مع تمني الخير لإبنته، كانت «خديجة» في شقتهم، لم ترد النزول حتى لا تقع أعين الجميع عليها خاصةً بعد موضوع زواجها، وبعد مناقشات عديدة مع والديها، انتهت لصالح «خديجة» وجلست في شقتهم.
في الأعلى دخلت «مُشيرة» شقتها بحجة الصداع الذي فاجأها، دخلت شقتها وهي تشعر بالخيبة من بعد خبر عقد قران «خديجة» وبعد ثوانٍ من دخولها الشقة فوجئت بـ«فاطمة» زوجة أخيها تطرق الباب فتحت لها «مُشيرة»، نظرت لها «فاطمة» بتفحص ثم قالت:
مالك يا مُشيرة، إيه اللي طلعك الشقة؟"
نظرت لها «مُشيرة» بحقدٍ دفين ثم قالت:
مش قادرة يا فاطمة، قلبي محروق أوي، كل ما أفتكر إن زينب هتفرح وتتهنى ببنتها وأنا بنتي غايبة عني معرفش هي عايشة ولا ميتة قلبي بيوجعني، مش قادر أشوف بنتها مبسوطة"
ربتت «فاطمة» على يدها ثم قالت:
يا مُشيرة إنسي كل اللي فات، هتعملي إيه يعني، حتى لو زينب هي اللي عملت كدا، بس خديجة ملهاش ذنب"
التفت لها «مُشيرة» بسرعة كبيرة كمن لدغتها حية ثم قالت:
يعني إيه يا فاطمة أنسى؟ أنسى عمري اللي ضاع بعيد عن بنتي، بعد ما كنت خلاص تقبلت وجود حسان، أنسى إن هي الوحيدة اللي أمنت ليها، أنسى أني عايشة مش عارفه بنتي عايشة ولا ميتة؟"
ربتت «فاطمة» على يدها ثم قالت:
بس افتكري يا مُشيرة إن خديجة ملهاش ذنب، في اللي أمها عملته، أنا آه مبحبش زينب ولا شخصية خديجة نفسها، بس خليكي فاكرة إن الغلط غلط زينب"
قالت «فاطمة» جملتها ثم رحلت وتركت «مُشيرة» في تفكيرها،
عادت «مُشيرة» إلى زمنٍ بعيد تحديدًا بعد عدة سنوات من زواجها من «حسان» كانت جالسة في شقتها برفقة «زينب» فقالت بهدوء:
أنا خلاص يا زينب قررت أنساه، زي ما هو نسي والجوابات والصور اللي كانت بيننا أنا هخلص منهم"
ربتت «زينب» على يدها ثم قالت:
أيوا كدا يا مُشيرة، متخربيش على نفسك علشان واحد زي مجدي ومديحة دول، وكلنا عارفين إن حسان بيحبك"
أومأت لها «مُشيرة» ثم قالت:
أنا حسبتها كدا، ولما هو بعتلي الصور وشوية الجوابات اللي كانوا معاه واللي هو كان بيحاول يبعتهم ليا أنا حسيت براحة كبيرة، ويمكن دي خطوة تساعدني أبدأ من جديد علشان خاطر بنتي حتى، كفاية السنين اللي فاتت وأنا وحسان بينا خلافات"
ابتمست «زينب» بطيبة ثم قالت:
وأنا معاكي يا مُشيرة،أبدأي من جديد يلا علشان خاطر بنتك، وجوزك اللي جاي من السفر دا"
قامت «مُشيرة» و جلبت الصور والجوابات المُرسلة بينها وبين حسان،ثم أعطتها إلى «زينب» وهي تقول لها:
خدي يا زينب، أخلصي أنتِ منهم، أحرقيهم أو ولعي فيهم،ساعديني أخلص من مجدي و مديحة"
أخذت «زينب» الخطابات والصور بتشتت واضح، لكنها أخذتهم في نهاية الأمر ثم قالت:
حاضر يا مُشيرة، هساعدك تتخلصي منهم"
نظرت لها «مُشيرة» بحب ثم قالت:
ربنا يخليكي ليا يا زينب، أنا مش هنسالك المعروف دا، ولا هنسى إنك مقولتيش لحد إني جيت وطلبت منك إنك تسيبي طه أخويا،علشان مديحة كانت عاوزة تتجوزه"
ابتسمت لها «زينب» ثم قالت:
متقوليش كدا يا مُشيرة أنتِ أختي"
ابتسمت «مُشيرة» بحزن حتى ظهر آثاره في أعينها ثم قالت:
أنا مش عارفة أقولك إيه يا زينب إنك مقولتيش لحد إني طلبت منك تسيبي طه، حتى لما طه سألك"
شعرت «زينب» بوخذ الدموع فقالت بصوت متأثر:
خلاص يا مُشيرة إنسي اللي فات كله، علشان تعرفي تعيشي حياتك اللي جاية، أنا هطلع بقى أحرق الحاجات دي قبل ما طه يجي، خلي خديجة وأحمد معاكي هنا"
أومأت لها «مُشيرة» فتركتها «زينب» وغادرت الشقة.
عادت «مُشيرة» من شرودها ثم قالت بحقدٍ دفين:
منك لله يا زينب، يارتني ما وثقت فيكي، بس لأ أنا مش هسكت هاخد حقي منك ومن بنتك"
____________
في منزل «ميمي» نزل «عامر» و «ياسر» كلًا منهما يجلس برفقة زوجته بعدما تم تعديل المنزل وترتيبه كعادتهم،و بعد صراع طويل مع «عامر» على غسل الأطباق انتهت المجادلة لصالح «عامر» و قام «ياسين» بغسلها بعدما ذهب أصدقائه، خرج من المطبخ وهو يحمل أكواب من الشاي في يده ليجلس برفقة «ميمي»، جلس بجانبها ثم أخذ نفسًا عميقًا يستنشق الهواء الطلق المُصاحب له رائحة الزرع الموضوع بالشُرفة، نظرت له «ميمي» ثم قالت:
إيه اللي واخد عقلك يا ياسين؟"
التفت لها ثم قال مُبتسمًا:
لأ أبدًا ولا حاجة، كل الحكاية وما فيها إن بالي مشغول بس"
نظرت له بخبثٍ ثم قالت:
لأ وأنتَ الصادق دا قلبك اللي مشغول مش بالك"
ضحك بخفة على حديثها ثم قال:
أنا مش هكدب عليكي وأقولك لأ، بس أنا مش فاهم إيه اللي بيحصلي، أنا بقيت بفكر فيها كتير غصب عني، بقيت بتخيل كل موقف في حياتي ووجودها فيه، ميمي أنا إمبارح مجرد ما صورتها ظهرتلي قلبي كان بينط من مكانه، متخيلة مجرد صورة؟!"
ابتسمت له ثم قالت بمشاكسة:
تفتكر دا إيه يا ياسين؟"
هز كتفيه كإشارةً منه على جهله بالأمر ثم قال:
مش عارف دا إيه يا ميمي، أنا عمري ما كنت كدا، أنا كنت دايمًا ثابت معقول تيجي هي تهزني كدا؟"
هزت رأسها موافقة بقوة ثم قالت:
أيوا يا ياسين تيجي هي وتعمل فيك كدا علشان هي دي نصيبك، أنا هقولك زي ما قولت لعامر من شوية، باب القلب دا مش بتاعنا، مش إحنا اللي بنتحكم فيه يعني أنتَ غصب عنك قلبك اتفتح لها رغم كل حاجة عرفتها ورغم كل حاجة هتعرفها"
أومأ لها ثم قال وهو شاردًا بحب:
عارفة لما عرفت إنهم وافقوا على كتب الكتاب كنت فرحان فرحة غريبة، عامل زي العيل الصغير اللي أخيرًا أهله وافقوا إنه يخرج لوحده، كان إحساس حلو وغريب على قلبي، ولما كلمتها في التليفون، كنت عاوز طول الليل أكلمها بس"
ابتسمت على حديثه بفرحة ثم قالت:
دا إسمه حب يا ياسين، لو كلامك دا بجد أنتَ عديت مرحلة الراحة بكتير، المهم وريني صورتها يلا"
نظر لها بعمقٍ ثم قال:
هو فعلًا شكله حب، بس أنتِ عرفتي منين إن الصورة معايا ما يمكن تكون شالتها"
نظرت له بخبثٍ ثم قالت:
على أساس أنا مش عارفاك وعارفة إنك هتخلي الصورة معاك ، وريني بس"
ابتسم لها ثم قال بمشاغبة:
أنتِ من ساعة ما عامر علمك على الموبايل مبقاش ليكِ أمان على فكرة، بقيتي خطر علينا"
ضحكت على حديثه ثم قالت:
طب يا سيدي وريني الصورة بقى"
أخرج هاتفه ثم قام بفتحه على صورتها، نظر في الصورة بعمقٍ وابتسامته تتسع شيئًا في شيء، نظرت له «ميمي» بتعجب ثم قالت:
أنا بقولك أنا اللي عاوزة أشوف الصورة مش أنتَ"
ابتسم بهدوء ثم أعطاها الهاتف لكي ترى صورتها، نظرت «ميمي» في الصورة بعمقٍ ثم ابتسمت وهي تقول:
زي ما تخيلتها من كلامك عنها، وطلعت أحلى كمان ملامحها هادية وبريئة أوي يا ياسين"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
وهي أحلى من الصورة دي كمان، هي حاجة كدا مفيش منها، حاجة تشدك ليها كدا من غير ما تحسي"
ابتسمت له بحب ثم قالت:
طب قبل ما عامر يجي قُم كلمها "
نظر لها مُستفسرًا، فأومأت له مُشجعة ثم قالت:
قُم يلا علشان تاخد على فكرة وجودك هتستنى إيه؟"
في منزل آلـ «رشيد» كانت جالسة برفقة أخواتها و معهم «وليد» بعدما صعدت إلى شقتها، حيث طلبها الجميع في الأسفل لكي تأخذ المباركات والتهنئات منهم، وكانت تلك أكبر مخاوفها حيث كانت أعين الجميع مُنصبة عليها، مما جعلها تشعر بالخوف من ذلك ولكن ما أراح ذهنها من التفكير هو عدم وجود عمتها «مُشيرة» نزلت وجلست برفقتهم بعض الدقائق لكنها لم تتحمل أكثر من ذلك، وقررت أن تهرب من ذلك الضغط الذي تواجهه، كان «وليد» يقوم بالتخطيط ليوم عقد القران مع «أحمد» أما هي فكانت تفكر كيف نظر لها الجميع بالاسفل، وهل حقًا فرحتهم البادية على وجوههم تلك حقيقة أم أنها من باب المُجاملة؟ خرجت من صراعها وسجن تفكيرها على صوت هاتفها يصدح عاليًا، نظرت للهاتف وبمجرد إلتقاء أعينها بالإسم شعرت بالتوتر ونظرت لأخواتها وجدتهم منشغلين في التخطيط، ضغطت على زر كتم الصوت، حتى تهرب من تلك المكالمة.
في الجهة الأخرى نظر «ياسين» للهاتف بيأس ثم قال لـ«ميمي»:
ما بتردش عليا"
قالت له بحماس كبير:
جرب مرة تانية، لو هي مش هترد أنتَ متيأسش"
حديثها أطلق عنان شجاعته لذلك قام بالمحاولة مرةً أخرى، لم تستطع «خديجة» الصمود أكثر من ذلك، قامت ودخلت غرفتها، نظرت للهاتف ثوانٍ وحينما أوشكت على الرد انتهت المكالمة،تنهدت بأريحية ولكن لم تدم طويلًا حيث قام «ياسين» بالإتصال مرةً أخرى، قامت بفتح الخط وبمجرد ما قامت بفتحه ابتسم ثم قال بلهفة:
إزيك يا خديجة عاملة إيه؟"
أومأت له كأنه يراها ثم قالت:
أنا كويسة الحمد لله..و..وأنتَ"
كانت تُجاهد لكي يخرج صوتها طبيعيًا لكن الحديث خرج منها بسرعة كبيرة، مما جعل توترها يزداد، خصوصًا أن هذه النقطة دائمًا تُسبب لها تنمر من أفراد العائلة بسبب سرعة حديثها، لكنه طمئنها حينما قال بهدوء:
فرحان إني سمعت صوتك، و يا رب دايمًا تكوني كويسة"
أجابته بهدوء:
شكرًا لحضرتك"
ابتسم بسخرية ثم قال:
بلاش حضرتك دي بقى يا خديجة، يعني إحنا دلوقتي مخطوبين، والأسبوع الجاي هنكون متجوزين بلاش نكون زي الأغراب كدا عن بعض"
هل هو يعاني من إنفصامٍ ما، أم هي التي لم تعلم تفكير البشر حولها؟ كيف يتقلب بهذه السرعة، ألم يكفي ما فعله بها عندما أرسل لها الرسالة الأخيرة، صمتت وحينما طال صمتها تحدث قائلًا:
طب يا خديجة أنا قولت أطمن عليكي وبما إنك سكتي كدا أبقى أكلمك كمان شوية"
أوشك على غلق الهاتف لكنه تحدث مرةً أُخرى وهو يقول:
آه خديجة أشوف وشك على خير"
قال جملته ثم تبعها بغلقه المكالمة دون ترك مساحة لها لكي ترد عليه، نظرت للهاتف في يدها بتعجب ثم تركته وهي تزفر بضيق فكل ما يفعله هو يزيد من قلقها.
الأصل أن الإنسان يشعر بالفرحة بإهتمام الأخرين، يشعر أنه كالطير أصبح له جناحان، لكن الإضطرابات النفسية هي ما توقف حركة الإنسان وتشل تفكيره، لذلك كانت تشعر خديجة بالخوف والتوتر النفسي من أقل شيء.
_____________
مر يوم الجمعة على الجميع وسط التهنئات والمباركات من عائلة آلـ «رشيد» إلى «طه» وبعد مكالمة «ياسين» إلى «خديجة» وزيادة توترها وقلقها تجاهه كانت ساهرة في ليلها لم تستطع النوم بسبب اقتحامه حياتها بأحاديثه، أما هو كان ساهرٌ في الليل يتخيل حياته القادمة معها، في اليوم التالي إستيقظ «ياسين» وذهب إلى عمله.
في منزل آلـ «رشيد» ارتدى «طارق» ثيابه وأوشك على الخروج من الشقة لكنه تفاجأ بـ «عبلة» أخته جالسة خارج غرفتها نظر لها بقوة وجدها شاردة وكأنها تُفكر في أمرٍ ما، ذَكَرَ حروف إسمها لكي يلفت انتباهها، نظرت له بهدوء ثم قالت:
عاوز حاجة يا طارق؟"
جلس بجانبها ثم قال بهدوء:
مالك يا عبلة شكلك مش نايم كويس ليه وسرحانة ليه"
نظرت له بحزن ثم قالت:
هو سؤال واحد يا طارق وتجاوبني عليه بصراحة، وليد بيحب هدير بنت عمك ولا لأ؟"
نظر لها بتعجب ثم أردف قائلًا:
أنتِ متخلفة يا عبلة ؟ وليد هيحب هدير، هدير اللي بيبقى ناقص يمسكوا في شعور بعض؟"
أجابته بحيرة قائلة:
أعمل إيه بس يا طارق أنا هموت من التفكير، الرسالة دي وصلتها إزاي من وليد؟"
سألها مُستفسرًا وهو يقول:
لأ واحدة واحدة بقى وأحكيلي رسالة إيه دي؟"
قصت عليه «عبلة» الحديث الدائر بينها وبين «هدير» والرسالة التي رأتها بعيناها مُرسلة لها من هاتف وليد، بكت أثناء حديثها ثم قالت:
أنا بحبه يا طارق بس غصب عني الكلام اللي شوفته كان صعب إني يتقال عليا بديل، وكمان طريقته معاها مبالغ فيها يعني ممكن يكون بيعاملها كدا علشان هي رفضته؟"
نظر لها «طارق» بقوة ثم قال:
ربنا يهديكي يا عبلة ، أنا أتأخرت ولسه هصحي وليد وأحمد علشان هيجي معانا، لما أرجع بليل نتكلم"
لم يترك لها فرصة للتعقيب بل ركض من أمامها وتوجه إلى شقة عمه «مرتضى» فتح له «وليد» بوجه مبتسم ثم قال:
المدير بنفسه جاي يصحيني، إيه التواضع دا، استنى أكلم أحمد عشان ينزل"
أدخله «طارق» الشقة عنوة عنه ثم قال:
لأ تعالى قبل ما تكلم أحمد عاوزك ضروري"
جلسا الأثنين سويًا على الأريكة فتحدث «وليد» بتعجب قائلًا:
في إيه يا طارق على الصبح قلقتني"
أخذ «طارق» نفسًا عميقًا ثم قص عليه ما قالته «عبلة» عن «هدير» وقف «وليد» مشدوهًا مما سمع ثم قال:
يعني إيه يا طارق، وهي أختك هبلة علشان تصدق هدير ؟"
وقف «طارق» مُقابلًا له ثم قال:
إهدى يا وليد بس، علشان نعرف نتصرف"
شد «وليد» فروة رأسه بقوة ثم قال:
إسمعني يا طارق كويس لو عاوز تساعدني فعلًا تنفذ كلامي كويس"
أومأ له «طارق» ثم قال:
معاك يا وليد في أي حاجة المهم إن عبلة تكون ليك"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل السابع عشر 17 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل السابع عشر
الفصل السابع عشر"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
_______________
إذا كان بعض الأشياء لا يأتي سوى بالخدعة..إذًا أنا حاوي.
_____________
من الصعب أن تفرض عليك الحياة بعض الطرق وتجبرك على إجتيازها، كما أنه من الصعب أن تجمعك بعلاقات يَصعُب عليك التخلص منها، كعلاقة بعض الأقارب السامة كما علاقة المزعومة «هدير» بأفراد عائلتها،
قَص «وليد» ما ينوي فعله مع «عبلة» و «هدير» على «طارق» فتحدث «طارق» بدهشة قائلاً:
إيه الدماغ دي يا وليد؟ بس كدا عبلة مش ممكن تزعل؟"
نظر له «وليد» بسخرية ثم تحدث قائلًا:
نعم يا أخويا ! خايف على زعل أختك وهي لما زعلتني كل الفترة اللي فاتت دي كان عادي يعني؟"
تحدث «طارق» بضيق وهو يقول:
مش عارف بقى يا وليد المهم أنتَ متأكد من اللي هتعمله دا؟"
أجابه بثقة ممزوجة بمزاح:
جدًا يا طارق يا أنا يا هدير"
رد عليه «طارق»:
طب وهتعمل إيه مع هدير بعد كدا؟"
بنفس ثقته قال:
لأ أنا مش هعمل مع هدير حاجة، هي اللي هتعمل كل حاجة"
ربت «طارق» على كتفه ثم قال:
خليك فاكر إن هما بنات عمك يعني أخواتك يا وليد، حتى لو هدير غلطانة في الأول والأخر هي مننا يعني مش هينفع نأذيها"
أومأ له «وليد» ثم قال:
أنا عارف يا طارق متقلقش، أنا بس عاوز أثبت براءتي قصاد الجاموسة أختك مش أكتر"
وكزه «طارق» في يده بقوة ثم قال معنفًا له:
ما تحترم نفسك يا وليد، متنساش إني أخوها"
ابتسم «وليد» بإستفزاز ثم قال:
ماشي يا طارق حقك على راسي، مرضي كدا؟"
أومأ له «طارق» ثم قال:
قُم يلا بس كلم أحمد علشان منتأخرش أكتر من كدا على وئام"
أومأ له «وليد» ثم تركه ليجلب هاتفه لكي يحادث «أحمد» هاتفيًا، بينما «طارق» نظر في أثره وهو يشعر بالفخر لكونه مُحاربًا في حب «عبلة».
__________
في الصباح وصل «ياسين» مقر عمله، وعلى الرغم من كونه شخصًا إجتماعيًا إلا إنه قليل الإختلاط بزملاء العمل، وذلك لشدة تعلقه بعالمه الخاص المكون من أصدقائه و والديه و «ميمي» ومؤخرًا أصبحت «خديحة» جزء من هذا العالم الذي يسعى «ياسين» بكل طاقته لكي تكون محور هذا العالم، دخل مكتبه فوجد زملاءه بالمكتب ينظرون له بطريقة غريبة أثارت ريبته ولكنه لم يبالي كثيرًا وشرع في عمله، وبعد مرور دقائق قليلة، وقف أحد زملائه في منتصف الغرفة ثم أطلق صفيرًا عاليًا كإشارة ما، أتى على أثرها جميع العاملين بالشركة بأوجه بشوشة وبسمة كبيرة تعتلي ملامح وجوههم، نظر «ياسين» بتعحب للجميع، فتحدث «سامح» رئيس القسم الذي يعمل به «ياسين» قائلًا:
ألف مليون مبروك يا بشمهندس ياسين، ربنا يتمم فرحتك بخير، مع إننا زعلانين إنك معزمتناش، بس حصل خير تتعوض في الفرح الكبير"
نظر «ياسين» بتعجب حوله ثم نظر في أوجه الجميع مرةً أُخرى ثم قال:
الله يبارك فيك يا أستاذ سامح، بس أنا مش فاهم حاجة"
ضحك الجميع على موقف «ياسين» فتحدث «أيمن» زميل «ياسين» في المكتب قائلًا:
يا سيدي عرفنا إنك خطبت من إسبوع كدا، وعرفنا كمان إن كتب كتابك يوم الخميس الجاي رغم إنك معزمتش حد فينا ولا عرفتنا بموضوع خطوبتك دا بس إحنا برضه أجدع منك"
شعر «ياسين» بالإحراج فقال بهدوء:
أنا متأسف جدًا يا جماعة، كل حاجة جت بسرعة والله، حتى كتب الكتاب ليه ظروف عائلية خاصة في عيلة العروسة، بس إن شاء الله تتعوض في الفرح بإذن الله"
تحدث «سامح» قائلًا:
متقولش كدا يا ياسين إحنا كلنا هنا واحد وفرحتنا بيك أكبر من أي حاجة، ألف مبروك مرة تانية"
رد عليه «ياسين» بإمتنان نتيجة لتقديره للموقف قائلًا:
أنا متشكر لحضرتك جدًا يا أستاذ سامح، بس أنا عندي سؤال صغير حضراتكم عرفتوا منين؟"
أجابه «محمد» أحد الشباب العاملين بالشركة قائلًا:
عامر صاحبك يا سيدي هو اللي قالنا في الجروب اللي كان عمله علشان فيديوهات عيد ميلادك"
لماذا كل المصائب في حياتي تأتي من تحت رأس هذا الأبله، لماذا يضعني دائمًا في محل الإحراج أمام الجميع، هكذا حدث «ياسين» نفسه بعدما شرد في حديث الجميع، أنتبه على حديث «سامح» وهو يقول:
طب يا ياسين بالمناسبة دي، أنتَ أجازة يوم الأربع والخميس"
رد عليه«ياسين» بإمتنان قائلًا:
متشكر لحضرتك جدًا بس ملهوش لزوم يعني أنا محتاج الأجازة الخميس بس"
رد عليه «سامح» مُعقبًا:
براحتك يا ياسين، المهم إنك تكون مرتاح، ومبروك مرة تانية"
أومأ له «ياسين» ثم أستقبل التهنئات والمباركات من الجميع، وبعد مرور دقائق قليلة جلس «ياسين» على مكتبه وهو يشعر بالصداع النصفي يهاجم رأسه، أرتاح قليلًا ثم أخرج هاتفه لكي يحادث «عامر»، اتصل به لكنه لم يرد عليه، حاول مرارًا و تكرارًا لكن دون فائدة، وأخيرًا قام بإرسال رسالة صوتية عبر تطبيق «واتساب» وهو يقول:
رُد عليا يا عامر بدل ما أخلي أمك تترحم عليك النهاردة"
نظر للهاتف في يده وجد علامات إستقبال الرسالة باللون الأزرق كإشارة على سماعه لتلك الرسالة، انتظر «عامر» حتى يرسل له لكنه لم يفعل، فقام «ياسين» بإرسال رسالة أُخرى وهو يقول فيها:
يا عامر متخلنيش أرمل سارة قبل ما تتجوزك"
وأيضًا سمع الرسالة دون إرسال رد عليها، فنفخ «ياسين» وجنتيه ثم ترك الهاتف من يده وهو يتوعد لـ «عامر».
___________
داخل مقر شركة أحفاد آلـ «رشيد» كان «وئام» في إستقبال أبناء عمومته، بعدما تأخروا عن موعدهم، أتى «حسن» رفيقه وشريكهم في العمل جلس بقربه ثم قال:
إيه يا وئام هما اتأخروا ليه كدا؟"
هز «وئام» كتفيه ثم قال بضيق:
مش عارف يا حسن والله بس زمانهم جايين"
أومأ له «حسن» وقبل الحديث مرة أخرى دخل «طارق» و «وليد» و «أحمد» فتحدث «وئام» قائلًا:
أهُم وصلوا الرجالة، إيه اللي أخرك ياض أنتَ وهو"
تحدث «طارق» قائلًا:
معلش يا وئام أحمد عامل زي العيل اللي رايح أول يوم مدرسة كنت بفهمه يتصرف إزاي؟"
فتحدث «حسن» بسخرية قائلًا:
هو أحمد هيشتغل معانا هنا؟ هي المشرحة ناقصة قُتلة؟"
رد عليه «أحمد» بإستفزاز:
والله يا حسن مش شُغلك دا شغل ولاد عمي، ليك فيه؟"
تدخل «طارق» قائلًا:
بس أنتَ وهو مش عاوز صداع"
فقفز «أحمد» على رقبة «حسن» ثم قال بضحك:
خُش في حضن أخوك يا أبو علي"
ضحك الجميع عليهما، فقال «وليد»:
يابني أكبر أنتَ وهو بقى، كل مرة تتقابلوا تعملوا في بعض كدا؟"
تدخل «وئام» قائلًا:
يلا ندخل أوضة الإجتماعات علشان نقسم الأدوار"
رد عليه «حسن» بسخرية:
أنتَ هتفتي يا وئام؟ الشركة كلها عبارة عن شقة خمس أوض، فين أوضة الإجتماعات دي؟"
ضحك على حديثه الجميع بينما «وئام» تحدث قائلًا:
صدقني الشركة دي هتكبر أوي يا حسن وهتبقى من أكبر شركات الدعاية والإعلان في مصر أنا واثق في كرم ربنا لينا"
وافقه الجميع في الحديث مع دعائهم بالتوفيق للجميع.
____________
في منزل آلـ «رشيد» كانت «زينب» جالسة مع «مروة» وهما يخططن سويًا ليوم عقد قران «خديجة» فقالت«مروة»:
المهم بس نجهز الحاجة كلها، ولبس خديجة، خلي بالك يا زينب مش عاوزين مُشيرة تعيب علينا"
أومأت لها «زينب» ثم قالت:
أنا مش خايفة غير من مُشيرة، وخصوصًا إن أخواتها فاكرينها ملاك،محدش فيهم مصدق إنها عقربة"
وافقتها «مروة» قائلة:
معاكِ حق يا زينب، بس أنتِ غلطانة لو كنتي قولتي قُدام العيلة كلها من زمان إنها فضلت فترة بعد جوازها تكلم مجدي ومديحة، وكمان طلبت منك تسيبي طه مكناش وصلنا لكدا"
ردت عليه «زينب» بملامح بها من الغُلب كثير:
مش أخلاقي يا مروة، أنا عمري ما أفضح إنسان ربنا ستره، يمكن هي أفترت عليا لما قالت إني بعت الصور والجوابات دي لـ «حسان» وأنا والله معملتش كدا"
ربتت «مروة» على يدها ثم قالت:
الحكاية كلها في وجود حسان نفسه، هو الوحيد اللي هيقول مين اللي بعتله الحاجات دي"
شردت «زينب» أمامها ثم قالت:
ربنا يسامحه بقى، مشي وأختفى وسابني أنا لمُشيرة"
في داخل غرفة «خديجة» كانت تبحث في دولابها عن شيء مناسب ترتديه يوم عقد القران، لكنها لم تجد ما يناسبها، جلست وهي تَزفر بضيق وتفكر في ذلك اليوم الذي يبدو أنه لن يمر مرور الكِرام، وقفت أمام مرآتها تنظر لنفسها لعدة ثوانٍ ثم تذكرت حديث «مُشيرة» وهي تقول:
أومال لو كنتي حلوة زي هدير ولا عبلة كنتي عملتي إيه عشان تتكبري علينا كدا؟"
وعند تذكرها هذه النقطة بكت بشدة أمام المرآة ثم جلست على الأريكة وهي تحرك رأسها بقوة بجميع الإتجاهات كأنها تحارب لرفضها هذا الحديث وتخرجه من رأسها.
____________
داخل إحدى الغُرف في شركة أحفاد آلـ «رشيد» جلس الشباب جميعًا بها فتحدث «طارق» قائلًا:
مبدأيًا كدا أهلًا بيك معانا يا أحمد، وقبل أي حاجة أنتَ بتشتغل مع أخواتك مش بتشتغل عندنا، ثانيًا بقى أنا عاوزك تتعلم حاجات كتير من المكان دا، يعني دي مش مجرد شركة لسه في البداية لأ الموضوع أكبر من كدا، يعني الشركة دي بدأت بأوضة في مدخل العمارة، بعد كرم ربنا وفضله علينا أشترينا الشقة دي وعملناها شركة لينا، ودلوقتي عندنا قدرة نفتح فرع تاني بس مش وقته، إحنا مستنين لما ناخد وضعنا في السوق"
أومأ له الجميع فتحدث «وئام» قائلًا:
زي ما سمعت كدا يا أحمد كلنا هنا واحد محدش ليه سُلطة عن التاني يعني إحنا بنكمل بعض، يعني «حسن» مسؤول عن الإتصالات والتواصل مع العملاء دا علشان أسلوبه كويس وباله طويل، «طارق» مسؤول عن الحسابات ويعتبر هو الإدارة المالية، أنا هنا مسؤول الإدارة التنفيذية يعني تواريخ الإستلام والعدد والطبعات كمان في المطبعة، «وليد» بقى مسؤول التصميمات و مراجعة الإيميلات اللي الشركة بتتعامل معاها"
تدخل «حسن» قائلًا:
كل واحد هنا ممتاز في شغله يا أحمد يعني مش مجرد حاجة هو بيعملها وخلاص، لأ دا مبدع في الحاجة اللي هو بيعملها، وعلشان مؤخرًا الشركة جالها شغل كتير تبع أجانب إحنا محتاجين مُترجم شاطر وبما إنك خريج تربية قسم إنجليزي و واخد كورسات إحنا محتاجينك هنا"
رد عليه «أحمد» بسخرية:
مُترجم ! لأ يا بابا أنتَ وهو أنا عاوز أشتغل زي وليد"
رد عليه «طارق» مُعقبًا:
تشتغل زي وليد إيه يا حبيبي أنتَ؟ وليد خريج إيه؟"
رد عليه «أحمد» بلامبالاة:
وليد خريج كلية حاسبات ومعلومات "
سأله مرة أخرى وهو يقول:
وأنتَ يا أهبل خريج إيه؟"
أجابه بثقة:
خريج تربية قسم إنجليزي بتقدير كمان"
عقب «طارق» قائلًا:
طيب أنتَ اللي جاوبت على نفسك يبقى نبطل هبل ونعقل بقى يا حبيبي"
تحدث «وئام» قائلًا:
خلاص كدا فهمتوا كل حاجة، كل واحد يروح شغله وأنا هجيب لكل واحد فيكم شغله لحد عنده"
وقبل أن يقف الجميع للمغادرة تحدث «حسن» قائلًا:
بم إن أحمد و وليد هيتجمعوا سوا في مكان واحد، ياريت نلم نفسنا يعني شغل الهبل بتاع عيلة الرشيد دا مش هينفع هنا، نكبر ونعقل كدا"
نظرا له الأثنين بسخرية ولم يعقب أيًا منهما أحدًا، تحدث «طارق» قائلًا:
المهم أي شغل حد فيكم يستلمه يخلصه قبل يوم الخميس علشان كتب كتاب خديجة"
تدخل «حسن» بصوت مليء بالفرح وهو يقول:
إيه دا هي خديجة هتتجوز ماشاء الله"
أجابه «وليد» بفرحة:
أيوا يا حسن كتب كتابها على واحد إبن حلال كدا عقبالك"
تدخل «أحمد» بمشاكسة وهو يقول:
عقباله هو طارق خلينا نخلص بقى"
ضحك الجميع عدا «طارق» الذي نظر أمامه بشرود.
______________
في منتصف اليوم بعدما إنتهى «ياسين» من عمله، خرج من الشركة وهو يشعر بِـلذة الإنتصار بعدما إنهالت عليه المباركات من جميع العاملين بالشركة حتى أصغر العمال، وأفراد الأمن، بعدما خرج من المبنى وقف بجانب سيارته ثم قام بمهاتفة «خالد» وهو يقول:
اتصرف يا خالد، وهاتلي عامر علشان مولعش فيه"
ضحك «خالد» بقوة ثم قال:
إهدى بس يا ياسين عملك إيه الزفت دا؟"
أجابه «ياسين» بعصبية أكثر:
متقوليش إهدى يا خالد علشان الكلمة دي بتعصبني، وبعدين هو مش هيكبر؟"
رد عليه «خالد» بسخرية:
يا سلام ياخويا قُل لنفسك أنتَ مش علطول، بتدافع عنه إشرب بقى، على العموم طالما عصبك أوي كدا، يبقى هيختفي فترة كبيرة سيبه وأول ما نشوفه نظبطه سوا"
هدأ «ياسين» قليلًا ثم قال:
ماشي يا خالد تمام بس وحياة أمي مش هسيه"
ضحك «خالد» مرة أخرى ثم قال:
يابني قولي عملك إيه بس؟"
زَفَرَ «ياسين» بقوة ثم قص عليه ما قام «عامر» بفعله، وما حدث من العُمال بالشركة، ضحك «خالد» للمرة التي لا يعرف عددها ثم قال:
طب ما الراجل بيوجب معاك أهو يا ياسين، على العموم حصل خير متزعلش نفسك، وأنا خلصت شغل أهوه وقربت أروح"
أغلق «ياسين» معه الهاتف ثم ركب سيارته وهو يقول:
ماشي يا عامر يا أنا يا أنتَ"
___________
مر الكثير من الوقت وعاد الشباب إلى بيت آلـ «رشيد» عدا «أحمد» الذي ذهب إلى أصدقائه، دخل «وليد» شقتهم ولم يجد بها أحدًا، فصعد إلى شقة عمه «طه» وجد بها «خلود» فقط، فقال لها:
إيه يا خلود قاعدة لوحدك ليه؟ وفين ماما ومامتك وخديجة"
أجابته «خلود» مُردفة:
ماما ومامتك بيجيبوا حاجات علشان كتب كتاب خديجة، وخديجة نفسها بقى نايمة جوا"
نظر حوله يتفحص المكان ثم قال لها:
بقولك إيه يا خوخة يا حبيبة ليدو ينفع أطلب منك طلب؟"
نظرت له تتفحصه ثم وضعت كفها تتحسس جبينه ثم قالت بسخرية:
مالك يا وليد هتموت ولا إيه؟"
رد عليه بطريقة متصنعة للحزن:
سخن إيه بس يا خوخة هو فيها إيه يعني لما أدلع أختي حبيبتي، طب بصي كمان هديكي إيه؟"
أخرج من جيبه ورقة فئة الـ ٢٠٠ جنيه أعطاها لها ثم قال:
دي علشان تجيبي اللي نفسك فيه كله"
نظرت له مرة أخرى ثم قالت بسخرية أكبر:
لأ كدا والله العظيم أنتَ شكلك هتودع بجد، وأنا بخاف من الموت، ومش بعيد روحك تسكن البيت كله"
إبتسم بهدوء وهو يحاول أن يكظم غيظه ثم قال:
إسمعي كويس يا بت أنتِ، تنفذي اللي هطلبه منك، بدل ما قسمًا برب العالمين أخلي طه يمنعك من النزول مع سلمى وأخليكي تشوفي ربع اللي خديجة شافته"
هزت رأسها نفيًا بقوة ثم قالت:
لأ خلاص والله ها عاوز إيه أؤمر؟"
غمز لها بطرف عينه ثم قال:
هو دا الكلام وعلشان أنا راجل قد كلمتي خدي الفلوس الأول عشان تفهميني"
أخذت الورقة من بين يديه ثم قالت:
معاك أؤمر أنتَ بس يا ليدو"
أومأ لها مرة أخرى ثم شرع في طلبه منها، وبعد إنتهاء طلبه صرخت في وجهه قائلة:
إيه أنتَ عاوزني أعمل كدا في بنت عمي إزاي بس يا وليد؟"
أجابها بهدوء:
علشان خاطر ليدو حبيبك يا خوخة يارب أشوفك دكتورة قد الدنيا، والله ساعتها هفتحلك عيادة في شقتنا"
نفخت وجنتيها ثم قالت:
ماشي يا وليد بس لو حد سألني ساعتها هعترف عليك"
أومأ لها مؤكدًا ثم قال:
في دي حقك يا خلود، بس علشان خاطري يلا بسرعة دي فرصتي الوحيدة"
نظرت له بضيق ثم قالت:
أمري لله يا وليد حاضر"
تركته ثم ذهبت لتأدية مهمتها أما هو خرج من الشقة وذهب خلفها لكي يراقبها، صعدت «خلود» سطح المنزل حيث مكان جلوس الفتيات، أول من رآتها هي «عبلة» فسألتها قائلة:
خير يا خلود فيه حاجة يا حبيبتي؟"
ابتسمت «خلود» بتوتر ثم قالت:
لأ أبدًا يا عبلة أنا كنت طالعة أشوف سلمى هنا ولا فين؟"
ابتسمت لها «عبلة» ثم قالت:
طيب يا حبيبتي هي كانت مع ماما بيجيبوا حاجات من تحت، زمانهم رجعوا"
أومأت لها «خلود» ثم ذهبت وجلست على الكرسي الموضوع بجانب مفتاح الكهرباء، ثم قالت:
هقعد أرتاح شوية هنا وأنزل"
أومأ لها «الجميع» بينما سألتها«هدير» قائلة:
أومال فين خديجة أختك يا خلود؟"
نظرت لها «خلود» بعمق ثم قالت:
نايمة يا هدير أصل عقبالك يا رب كتب كتابها قرب وبتجهز نفسها"
نظرت لها «هدير» بطريقة مُتصنعة ثم قالت:
طيب يا حبيبتي ألف مبروك عقبالك"
نظرت لها «خلود» بنفس طريقتها ثم قالت:
لأ ودي تيجي إزاي يا هدير عقبالك أنتِ الأول، أنتِ الكبيرة برضه"
نظرت لها «هدير»بشر وسط نظرات الفرحة من «عبير» والتعجب من «منة» بينما خارج السطح كان «وليد» يبتسم بفخر من حديث «خلود» ثم قال بصوتٍ منخفض:
البت خلود دي جامدة زيي، صحيح تربيتي"
نظرت «خلود» بجانبها فوجدت مُرادها، أقتربت منه ثم أخذته، جلست ثوانٍ ثم قالت:
طيب يا بنات عن إذنكم، هنزل أشوف سلمى بقى"
قالت جملتها ثم ركضت بسرعة كبيرة، وبمجرد خروجها وجدت «وليد» يمسكها من كفها بقوة ثم أخذها وركب المصعد، نزل شقتهم ومعه«خلود» دخلا الشقة سويًا فأخذت «خلود» نفسًا عميقًا ثم قالت:
اتفضل طلبك أهوه بس خلص بسرعة يلا قبل ما تاخد بالها"
أخذ هاتف «هدير» من يدها ثم قال:
هي ساعة زمن وهيكون معاكي تاني"
نظرت له بقوة وعمق ثم قالت:
هو مش دا غلط كدا يا وليد؟"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
طبعًا دا غلط وقلة أدب و كمان، بس أعمل إيه مفيش حل تاني غير دا عندي"
أومأت له ثم قالت:
ماشي يا وليد بس خلص بسرعة يلا قبل ما تاخد بالها وتعمل مشكلة"
جلس «وليد» على الأريكة وهو يحاول فتح الهاتف وبعد مرور دقائق قليلة فُتح الهاتف إبتسم بفخر ثم قال:
الله عليك يا ليدو يا جامد"
ظل يتصفح الهاتف بيده وعندما توصل لطرف الخيط أخرج هاتفه تصفحه أيضًا، بعدما أوصل الخيوط ببعضها، وتوصل للمشكلة، نظر أمامه بإندهاش ثم قال:
إيه الدماغ دي يا هدير، دا أنتِ طلعتي حرباية بصحيح، بس مش عليا يا أنا يا أنتِ"
____________
بعد مرور ما يقرب من الساعة أعطى «وليد» الهاتف لـ «خلود» بعدما أعاده كما كان من قبل، صعدت «خلود» مرة أخرى فسألتها تلك المرة «هدير» قائلة:
خير يا خلود طلعتي تاني ليه؟"
على الرغم من توتر «خلود» الواضح إلا أنها تصنعت الثبات لدرجة عالية مُتقنة وهي تقول:
أنا شكلي نسيت تليفوني هنا على الكرسي هشوفه كدا"
نظرت لها «هدير» بتفحص ثم قالت:
أتصلك عليه طيب؟"
ردت عليها«خلود» بسرعة:
لأ لأ متتعبيش نفسك خلاص أهوه لقيته"
قالت جملتها ثم ركضت للكرسي وأخذت هاتفها بعدما تركته وهي تأخذ هاتف «هدير» جلست على الكرسي وهي تُمثل الراحة ثم قالت:
هقعد أخد نفسي من الخضة أنا أفتكرته ضاع، وهنزل"
وكما فعلت المرة السابقة، فعلته للمرة التالية ووضعت هاتف «هدير» على الشاحن وبعد مرور ثوانٍ نزلت مرة أخرى عند «وليد»، سألها مُستفسرًا فأجابته قائلة:
كل حاجة تمام وكويس فكرة إني أسيب تليفوني فوق ديه نفعتنا كتير"
أومأ لها بغرور ثم قال:
هو أنا أي حد ولا إيه يا بت، دا أنا وليد برضه".
__________
مر الاسبوع على الجميع بسلام كان «ياسين» يأخذ مهام كثيرة في شغله حتى يريح رأسه من عناء التفكير، وبالطبع أنقطع عن محادثة «عامر» لكنه لم ينسى حقه،كان يتواصل مع «خالد» و «ياسر» ويقوم بزيارة «ميمي» في المساء يحكي لها عن أحلامه مع «خديجة»، وفي منزل آلـ «رشيد» كان الجميع يجتمع في المساء لكي يقوموا بالترتيب لتلك المناسبة، أما «وليد» فكان مُنشغلًا في التفكير فيما هو قادم، أما «خديجة» كلما تذكرت قرب ذلك الموعد شَعرت بالخوف يأكلها، كيف ستجلس وسط الناس وأعين الجميع عليها، كيف ستترك هذا المنزل، حتى وإن كانت تُعاني به ولكن على الأقل هي تعرفه وتعرف جميع من بداخله.
أتى اليوم الموعود وهو يوم عقد القران، استيقظ «ياسين» صباحًا وجد الفرحة تَعم أرجاء بيته والبهجة تُزين وجهي والديه وبمجرد خروجه من غرفته وجد والدته تحتضنه بحب وهي تقول:
أحلى عريس في الدنيا كلها روح قلب أمه"
ابتسم لها ثم قبل قمة رأسها ثم قال:
فرحتك ليا دي بالدنيا كلها يا زوزو"
أقترب منه والده ثم قال:
أنا عمري ما كنت أتخيل إن فرحتي بيك تكون كدا يا ياسين، حتة مني بتكبر قدامي وبقى عريس زي القمر"
تأثر «ياسين» من حديث والديه، لم يستطع السيطرة على دموعه أكثر من ذلك، فمسح دموعه ثم قال:
كفاية نكد أبوس رجلكم، أنا هنزل علشان العيال مستنيني عند ميمي علشان هنمشي من هناك"
أومأ له والديه دون تعقيب فهما على علم بدرجة قربه من أصدقائه وميمي لذلك لم يستطع أيًا منهما منعه، تحدث «ياسين» مرة أخرى وهو يقول:
بابا معلش هتروح عند بيت خالد تاخد سارة وريهام وإيمان معاك في عربيتي، وأنا الشباب هنروح بعربية خالد"
نظر له والده بضجرٍ ثم قال:
بقولك إيه ياض أنتَ مش علشان عريس هتقرفني في عيشتي؟"
تدخلت والدته قائلة:
ولو هو مقرفناش يعني يا رياض مين يقرفنا، خلاص يا ياسين أمشي أنتَ يا حبيبي وإحنا هنعمل اللي أنتَ عاوزه"
نظر لهما فتحدث والده بضحك:
خلاص ياض أمشي بقى أنا بهزر معاك، روح علشان متتأخرش على صحابك"
قبلهما «ياسين» ثم تركهم وذهب إلى أصدقائه وهو يحمل أشيائه على ذراعيه، وصل «ياسين» بيت «ميمي» وجد الأغاني الشعبية على أعلى صوتها وكأن العريس بالداخل معهم، ضحك عليهم ثم دخل «الشقة» وبمجرد دخوله وجد الشباب ومعهم أيضًا «عمار» شقيق «عامر» يرقصون جميعًا على تلك الأغاني ولم ينتبه أحد لدخوله و وجد «عامر» يعلم «ياسر» الرقص وهو يقول:
ياض إتعلم فرحك قرب متكسفناش بقى"
أقترب منهم «ياسين» ثم قال بصوتٍ عالٍ وهو غاضب من منظرهم:
الله الله يا أستاذ عامر، إيه اللي أنت بتعلمهولهم دا؟"
تغير وجه الجميع حتى «ميمي» فتحدث «عامر» قائلًا بخوف:
والله يا ياسين كنت بعلمه بدل ما يهبل الدنيا في فرحه، هو الوحيد فينا اللي مبيعرفش يرقص"
وبنفس الغضب قال«ياسين»:
أخرس يا عامر، أخرس خالص، إزاي يا بني أدم أنتَ تعلمه حركة الرجل قبل حركة الإيد، دا كدا هيتعلمها بعد سنة"
نظر له الجميع بدهشة وتعجب فإقترب «ياسين» من مُشغل الصوت ثم قام برفع الصوت إلى أخره وهو يقول:
إتعلم بقى يا ياسر من عمك ياسين، هيصوا يا عيال أخوكم بيتجوز"
صرخ الجميع فَرِحًا ثم قاموا بإحتضان «ياسين» وشرعوا في الرقص سويًا تحت نظرات الفرحة المصحوبة بالأدمع من عيون «ميمي» بعد فترة من الرقص جلسوا جميعًا يأخذون نفسهم، اقترب «ياسين» من «عامر» ثم ضربه على رقبته من الخلف وهو يقول:
بقى أنا أتفضح في الشركة كلها على إيدك يا بن سيدة؟ أنا طول الاسبوع كل من هب ودب في الشركة يدخل يباركلي؟ وكمان أسبوع مبتردش عليا"
ضحك «عامر» ثم ابتعد عن «ياسين» وهو يقول:
الله بظبطك يا ياسين بدل ما أنتَ صامت كدا الحق عليا؟",
تدخلت «ميمي» قائلة:
يابني أكبر بقى وإحترم سنك"
تدخل «خالد» قائلًا:
وإزاي دا يحصل يعني؟ عامر يكبر ويعقل متجيش"
وقف «عامر» وهو يقول:
بقولكم إيه اللي هيكتر في الكلام مش هيعمل معايا ماسك على وشه وتروحوا بأشكالكم اللي تسد النفس دي، طبعًا الكلام دا مش ليك يا ياسر يا حبيبي"
نظر له «ياسين» بشرٍ ثم قال:
طب إعملها كدا وأنا أقول لسارة الحلو مطرود من البلد ليه،دا حتى ميمي كمان متعرفش"
جحظت أعين «عامر» خارجًا، بينما ضحك الجميع عليه، اقترب «عامر» من «ياسين» ثم قبل كتفه وهو يقول:
عمي وعم عيالي علشان خاطري بلاش"
نظر له «ياسين» بشماتة ثم قال:
أيوا كدا أظبط وهات الماسك ولا أقول؟"
هز «عامر» رأسه نفيًا بقوة ثم قال:
محل مسكات كامل يكون عندك"
تدخلت «ميمي» قائلة:
أنا بقى عاوزة أعرف عامر مطرود من البلد ليه؟"
رد عليها «خالد»:
وعد مني في أقرب وقت مناسب أنا هقولك".
___________
في بيت آلـ «رشيد» وتحديدًا بغرفة «خديجة» كانت ترتدي فستان من اللون الأبيض من إختيار والدتها وزوجة عمها وحجاب من اللون الأبيض توجد به لمعة بسيطة من أختيار فتيات العائلة عدا «هدير» التي لم تشارك في تحضيران الحفل بناءًا على طلب من عمتها «مُشيرة»، كانت «خديجة» رقيقة بثيابها وحجابها وكانت «عبلة» تضع لها اللمسات الأخيرة من مساحيق التجميل وكانت هادئة لدرجة كبيرة بناءًا على طلب «خديجة»، دخلت «هدير» الغرفة ونظرت إلى «خديجة» بغلٍ دفين، بعدها طرق «وليد» باب الغرفة وأستأذن للدخول، فتح الباب وأول ما لفت نظره هو شكل «خديجة» أعجبه مظهرها كثيرًا فنظر إلى «عبلة بإمتنان ثم قال:
شكرًا يا عبلة إنك مسبتيهاش لوحدها في يوم زي دا"
كان «وليد» يعلم أن أكبر مخاوف «خديجة» في مثل هذا اليوم أن تُترك بمفردها، نظرت له «عبلة» بتوتر نتيجة لطريقة حديثه معها ثم قالت:
متقولش كدا يا وليد، خديجة أختي برضه"
أومأ لها ثم قال:
معاكي حق، بس إيه الحلاوة دي يا خديجة قمر أنا مش مصدق بجد، بس برضه جمالك الطبيعي أحلى"
نظرت له بلهفة ثم قالت:
بجد يا وليد؟ يعني شكلي مش أهبل؟"
هز رأسه نفيًا ثم قال:
لأ خالص والله زي القمر يا قلب أخوكي"
تدخلت «هدير» قائلة:
بس برضه شكلك عادي يا خديجة، زودي ليها شوية حاجات يا عبلة عشان تبان أحلى أكتر من كدا"
كان حديثها واضح للعيان أنه يحمل به غل وحقد، نظرت لها «عبلة» بعتاب بينما «خديجة» اغرورقت أعينها بالأدمع ثم نظرت لوجهها بالمرآة بحسرة، نظر«وليد» بشرٍ لـ «هدير» ولم يتحدث، نظرت «هدير» في أوجه الجميع وعندما رآت تغير حالتهم شعرت بالانتصار فقالت لكي تخفي آثار قولها السابق:
عبلة معندكيش مقشر للبشرة علشان اللي عندي خلص ومفيش وقت أجيب"
أومأت لها «عبلة» ثم قالت بضيق:
كلمي سلمى أو خلود هما بيلبسوا تحت عندنا خلي حد منهم يجيبه ليكي"
تدخل «وليد» قائلًا:
أنا شايف إنك مش محتجاه والله يا هدير"
ابتسمت له بتكبر ثم قالت:
أنا عارفة يا وليد إن جمالي مش محتاج حاجة تظهره"
هز رأسه نفيًا ثم قال:
لأ وأنتِ الصادقة مش محتاجة مقشر للبشرة علشان الحية جلدها بيقشر لوحده"
هي من بدأت بالحرب لذلك عليها تحمل النتيجة، نظرت له بحقد ثم ابتسمت وهي تتصنع الثبات قائلةً:
والله أنتَ أدرى يا وليد، ما أنتَ متتخيرش عنهم"
بالها نفس البسمة ثم قال:
بنتعلم منك يا مدرسة"
قال جملته ثم غمز لها بطرف عينه، نفخت وجنتيها ثم تركتهم وذهبت، نظر كلًا من «عبلة» و «خديجة» بتعجب فنظر لهما ثم قال:
مالكم بتبصولي ليه كدا؟ هي اللي بدأت يبقى تتحمل بقى"
جلس بجانب «خديجة» ثم قال بصوت مليء بالحب والحنان:
ها يا خديجة حاسة بإيه؟"
نظرت له بخوف ثم قالت:
خايفة يا وليد أوي، حاسة إن كل حاجة هتبوظ والناس هتتريق عليا، وكمان خايفة من الزحمة والناس، وخائفة شكلي يكون وحش فعلًا زي ما هدير قالت"
ربت على كف يدها ثم قال:
كل دا مش هيحصل، كل حاجة تمام طول ما أنا معاكي هنا أنا مظبط كل حاجة علشان خاطرك"
كان يعلم لأي درجة يصل خوفها ولكنه كان الأسبق في خطواته حيث أنه قام بوضع ذلك المهديء لها في العصير حتى تستطع التعامل في ذلك اليوم نظرت له بحب وفخر لم تستطع إخفائه وتمنت في تلك اللحظة ان تصارحه بما يحمله قلبها له وتنسى كل ما عرفته.
بعدما طمئنها «وليد» تركها وذهب لكي يعاون الشباب في الأسفل ولكن قبل أن يُغادر نظر إلى «عبلة» نظرة لم تفهمها ولكنها أصرفت تلك النظرة عن رأسها.
___________
في بيت «ميمي» إنتهى الشباب من إرتداء ثيابهم فكان الجميع يرتدي حِلة من اللون الأسود وأيضًا قميص أسود بإختيار من «عامر» عدا «ياسين» كان قميصه من اللون الأبيض، خرجوا جميعًا من الغرفة وأول من تحدث بتزمر هو «عامر» حينما قال:
أنتَ أرزاق ليه يا ياسين، يعني قولت هنروح كلنا سوا وأمسك إيد سارة براحتي ليه كدا يا أخي تخلي أبوك هو اللي يوصلهم"
تدخل «ياسر» قائلًا:
أومال كنت عاوزه يعمل إيه يا غبي،كنا هنروح إزاي يعني"
هز «عامر» كتفيه ثم قال:
عادي يعني أنا وسارة في عربية وأنتم كلكم في عربية"
رد عليه «ياسين» بضيق:
ولا أنا دماغي مقلوبة متصدعنيش، وبعدين انتَ فاكره ميكروباص علشان ياخدنا كلنا سوا؟"
بعدما قاموا بتوبيخ «عامر» جميعهم ألقوا التحية على «ميمي» التي بكت من مظهرهم و دعت لهم بدوام الفرحة والسعادة، نزل الشباب ثم ركبوا سيارة «خالد» الذي قام «عمار» بتزينها، قام «ياسين» بمهاتفة والده حتى يخبره بتحركهم، وبعد فترة قليلة من القيادة وصل «ياسين» إلى أول الشارع الذي تسكن به «خديجة» وبمجرد إقترابه تعالت دقات قلبه
بشدة وبعد مرور خمس دقائق إقتربت سيارة والده، ومعه الفتيات اقترب الجميع من بيت «خديجة» نزل الجميع من السيارات، اقتربت الفتيات من الشباب، إبتسم الجميع لهذه اللحظة ولكن أول من تحدث هو «عامر» حينما قال لـ «سارة» أمام الجميع:
سارة هو أنتِ يوم الجمعة؟"
تعجبت «سارة» من سؤاله فأجابته قائلة:
لأ ليه يعني"
غمز لها بطرف عينه ثم قال:
غريبة أصل مبحسش بالراحة غير في وجودك"
ضحك الجميع عليه أما «سارة» فتدرجت وجنتيها باللون الأحمر وشعرت بالخجل، نظرت «إيمان» إلى «ياسر» فبادلها النظرة ثم قال:
إيمان هو أنتِ مُسكن؟"
ضحكت ثم أجابته قائلة:
لأ ليه يا ياسر"
أجابها ضاحكًا:
غريبة أصل مبحسش بالتعب في وجودك"
صرخ بهما «خالد» ثم قال:
ياريت نتلم يا حيوان منك ليه"
وبمجرد دخولهم البيت تعالت أصوات الزغاريد من نساء العائلة، كان البيت مُزين بالأضواء صعد الرجال إلى الشقة المخصصة للمناسبات، وكذلك النساء في الشقة المُخصصة للنساء تم التعارف بين الجميع، وبعد مرور نصف ساعة كان «ياسين» يبحث بعينه عنها في المكان بأكمله، لكنه لم يراها لكنه صبر نفسه أنه إقترب من تحقيق هدفه، وفجأة تعالت الأصوات والزغاريد مرة أخرى نتيجة لدخول المأذون البيت، كانت «خديجة» داخل الغرفة التي تبغضها كثيرًا وهي الغرفة التي كان يُعاقبها والدها بها، صحيح أنها تغيرت كثيرًا أصبح بها العديد من المصابيح الكهربائية كما أن لونها أصبح مُبهج لكن «خديجة» لم ترى كل ذلك، كل ما رآته هو اللون الأسود الكئيب قبل طلاء جدرانها، للحظة شعرت بالإختناق وأوشكت على البكاء ولكنها حدثت نفسها قائلة:
أنسي يا خديجة، أنسي كل دا خلاص أنتِ كبرتي على العقاب وعلى الضرب إهدي إهدي"
كانت تحدث نفسها بهذه الطريقة لكي تهديء نفسها قليلًا، في الجهة الأخرى كان «ياسين» واضعًا كفه في كف «طه» ويردد ما يلقيه المأذون على مسامعه، كان «خالد» شاهدًا على عقد القران من طرف «ياسين» و «وئام» من طرف العروس.
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"
أنهى المأذون عقد القران بهذه الجملة، بعدما قامت «خديجة» بالتوقيع على الدفتر، ولكن ما أثار دهشة «وليد» هو سرعتها في الإمضاء وكأنها تحارب شيئًا ما، بعدما توقع مجادلتها، ثوانٍ وخرجت «خديجة» وجلست برفقة الجميع في الخارج كانت مثل المُغيبة، حتى أنها ألقت التحية على الجميع دون النظر في وجوههم، فاقت من شرودها على صوت «وليد» وهو يقول:
معلش يا جماعة أستأذنكم بس في عروستنا علشان تشوف عريسها"
نظرت حولها فوجدت «وليد» يمسك كفها ثم أدخلها الشُرفة المُزينة بعدما دخلها «ياسين» وجلس في إنتظارها، دخلت الشُرفة فنظر لها بحب وإندهاش لم ينجح في إخفائه، ولكن ما أثار تعجبه إعجابه بمظهرها العادي أكثر من ذلك، وكأنها تُثبت له أنه وقع في حب براءتها، جلست أمامه بتوتر، فنظر له «وليد» وكأنه يقوم بتوصيته عليها، أومأ له «ياسين» لكي يطمئنه خرج «وليد» وتركهما سويًا، نظر «ياسين» لها فوجدها كعادتها تَفرك كفيها ببعضهما أخذ نفسًا عميقًا ثم مد يده وهو يقول:
أظن من حقي إنك تسلمي عليا، أنا خلاص بقيت جوزك يا خديجة"
زوجك ! ما هذه الكلمة الغريبة، لماذا وقعها على أذنها غريب، لم تتحدث ولم تعطيه ردًا فقال:
طب إيه لو حد شافني هيفتكرني بشحت منك، يرضيكي شكلي يبقى زفت كدا"
أومأت نفيًا برأسها ثم مدت يدها لكي تُسلم عليه، وعند التقاء كفيهما سويًا شعر «ياسين» بالإطمئنان ربت على كفها بكفه الأخر فنظرت له بتعجب، ابتسم لها ثم قال:
أنا قولتلك إني هعرفك أختارتك ليه أنتِ بالذات يوم ما تكوني على إسمي، بس صدقيني كل اللي هقدر أقولهولك إن..."
صمت ولم يُكمل حديثه فنظرت له بتعجب، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بأعين مُحبة:
لا تسأليني لماذا أنتِ فمن وسط عالمٍ مليءٌ بالرفض أتيتِ أنتِ لتصبحي قبولي الوحيد"
نظرت له بإندهاش ولم تستطع التميز بين الواقع والخيال نظر لها بقوة في أعينها وهي أيضًا نظرت له ولكن ما قطع تواصلهم هو «وليد» حينما دخل الشرفة ثم قال:
معلش يا ياسين عاوزكم برا ضروري"
أومأ له «ياسين» ثم وقف، وقفت «خديجة» أيضًا أشار لها «ياسين» لكه تسبقه وعند خروجها من الشرفة أمسك يدها جحظت عيناها بقوة فمال على أذنها ثم قال:
إهدي يا ست الكل، أنتِ بقيتي مراتي"
خرجا سويًا للجميع في الخارج وهما ممسكان بكفي بعضهما البعض من يراهما للوهلة الأولى يظنها قصة حب من الزمن القديم، بعد خروجهما تحدث «وليد» قائلًا:
طبعًا النهاردة كان كتب كتاب نصي التاني زي ما العيلة كلها بتقول، وأنا كنا واعدها إن يوم فرحها أنا هكون شوفت بنت الحلال، وعلشان كدا بعد إذن عمي محمد و أبويا الحج مرتضى وطارق إبن عمي"
توقف عن حديثه ثم أخرج علبة من جيبه تحتوي على دبلتين، فتحها ثم قال:
بعد إذن اللي ذكرت إسمهم دول وبعد إذن العيلة كلها أنا هخطب عبلة بنت عمي النهاردة"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الثامن عشر
الفصل الثامن عشر"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
____________
أحتَـاجُك كيّ أعبُر؛ لستُ ضرِير ولكِّني مُستوحِش، وهذَا الدربُ مُعتِم"
هاني نديم.
___________
أنا هنا أقف في إنتظارك، فقط كُل ما عليكِ فعله هو النظر في عيناي، جودي على روحي بكرمك وأطربي أذاني بموافقتك، كان «وليد» يقف بثبات وكل ما سبق يجول بخاطره تحت نظرات الدهشة والتعجب من الحاضرين، وأول من قطع الصمت هو «طارق» الذي وقف بجانب «وليد» ثم قال بفخرٍ:
أنا لو لفيت الدنيا كلها عمري ما هلاقي لأختي عبلة زيك يا وليد، ألف مبروك، إيه رأيك يا بابا؟"
ابتسم «محمد» ثم قال:
أخيرًا نطقتها يا وليد، أنا طبعًا موافق،ومش هلاقي لعبلة في رجولتك ولا في حنية قلبك"
حسنًا لقد تم وضع «عبلة» في خانة اليَك، كيف سترفض بعدما قاله والدها وأخيها، نظرت إلى «وليد» وجدته ينظر لها بخبث وكأنه يتحداها أن ترفض، تحدث «طارق» وهو يقول:
ها يا عبلة إيه رأيك؟أكيد موافقة"
لماذا تتحدث يا «طارق»، لماذا تضعني في مثل هذا الموقف، نظرت في أوجه الجميع وجدت النظرات مُشجعة لها عدا «هدير» التي أومأت لها سلبًا وكأنها تقول لها:
لا تقبليه"
أخذت «عبلة» نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء:
وأنا موافقة"
إنتشرت الزغاريد للمرة التي نسىْ الجميع عددها، فقامت «سُهير» والدة «عبلة» ثم أحتضنتها وهي تبارك لها وكذلك شباب العائلة يباركون لـ«وليد» و «طارق» معًا، كل هذا و «خديجة» تبتسم بحب لفرحة توأم روحها كما يطلق الجميع، كان «ياسين» ينظر لفرحتها بحب، وتمنى لو أنها فرحت لنفسها بتلك الطريقة، لكن لا بأس أنا هنا، أعدكِ أنني من سيجعل البسمة لا تُفارق شفتيكِ، ووسط إنشغال الجميع بالمباركات، مال على أذنها وهي غير منتبهة له ثم قال:
اللهم صلي على النبي، دا الواحد قلبه بيرقص علشان إبتسامتك الحلوة دي"
حركت رأسها بقوة بإتجاهه ثم نظرت له بقوة، غمز لها ثم قال:
إيه يا خديجة مالك بس، مش أنتِ مراتي برضه ولا أنا كتبت كتابي على حد تاني"
نظرت أمامها مرة أخرى دون تعقيب وهي تحاول كتم إبتسامتها لكنها فشلت، نظر لها فوجدها تبتسم، ابتسم تلقائيًا لبسمتها، لفت إنتباهه «وليد» بعدما كان شاردٌ بها وهو يقول:
ألف مبروك يا ياسين، بقينا عرسان زي بعض"
ضحك «ياسين» ثم احتضنه وهو يقول:
قولي بقى إيه حكايتك معرفتنيش المفاجأة دي ليه؟"
وهما على نفس وضعيهما قال «وليد»:
دي حكاية كبيرة أوي، بس هحكيلك تفاصيلها"
خرجا من حضن بعضهما البعض، فقال«وليد»:
المهم دلوقتي بعد تلبيس الدبل الشباب مستنيين تحت علشان نفرح سوا"
أومأ له «ياسين» فتركه «وليد» ثم ذهب إلى «عبلة» وقف جوارها ثم قال بصوتٍ منخفضٍ:
أفردي وشك دا الناس بتبص علينا، ويلا علشان تلبسي الدبلة"
رسمت بسمة زائفة على ملامحها ثم قالت بهدوء:
متحلمش إنك تاخد خطوة أكبر من الدبلة يا وليد، واعمل حسابك لو أنا وافقت هبقى وافقت علشان شكل بابا وطارق قُدام الناس"
التفت ينظر لها بقوة ثم قال:
وماله لما أحلم يا عبلة، كدا كدا أنا بحقق أحلامي، وعمري ما حلمت بحاجة وسبتها"
نظرت له تتفخصه فوجدته يمسك كفها ويضع الخاتم داخل إصبعها فتحدث والدها وهو يقول:
برضه أنتَ اللي لبستها الدبلة يا وليد؟"
قد تبدو شخصية «محمد» متناقضة فكيف يترك إبنته تضع
مساحيق التجميل وتخرج مع هدير ويرفض أن يُلبسها «وليد» الخاتم ، ولكن هذه شخصية «محمد» على رغم من كونه شخص متدين بطبعه إلا أن بناته نقطة ضعفه ولا يستطع أن يرفض لهما طلبًا لذلك يتركهما على حريتهما
إعتذر منه «وليد» ثم قال:
حاضر يا عمي هلمسها تاني غير بعد كتب الكتاب"
أومأ له الجميع.
بعد ارتداء الخواتم، ذهب «وليد» ووقف بجانب «ياسين» ثم قال له:
يلا نقعد مع الشباب تحت علشان هما مش واخدين راحتهم هنا"
أومأ له «ياسين» بهدوء ثم قال:
ثواني وهرجعلك"
قال جملته ثم ترك «وليد» وذهب إلى «خديجة» بعدما ابتعدت عنها قليلًا لكي تجلس على المقعد لعلها ترتاح قليلًا من فرط توترها، وقف أمامها ثم أمسك كفها تحت نظرات الدهشة والتعجب من الجميع، أخذها وأجلسها بجانب والدته و زوجات أصدقائه بهدوء ثم إبتسم وقال لها:
عاوزك تقعدي مع ماما هنا تتعرفي عليها وعلى البنات دول"
على الرغم من توترها وخوفها منه ومن النظرات حولها إلا إنها نظرت له بقوة ثم قالت:
حاضر بس ممكن تسيب إيدي الناس بتبص عليا"
نظر حوله فوجد الأعين مُنصبة عليهم، فشعر بالخجل أيضًا ثم ترك كفها بهدوء، وقال موجهًا حديثه لـ والدته:
خلي بالك منها يا ماما"
ربتت والدته على كتفها ثم قالت:
مش هتوصيني على بنتي يا ياسين، صح يا خديجة"
شعرت «خديجة» بالإطمئنان قليلًا فأجبرت شفتيها على الإبتسام ثم قالت:
شرف ليا إن حضرتك تعتبريني زي بنتك"
أحتضنتها «زُهرة» ثم قالت لـ «ياسين»:
يلا شوف أنتَ رايح فين سيبني مع بنتي شوية"
ابتسم لهم ثم ذهب إلى «وليد»، على الرغم من مخاوف «خديجة» وشعورها بالقلق والتوتر لكنها لاحظت إختفاء «هدير» وعمتها «مُشيرة» لكنها لم تبالي كثيرًا وبدأت في التعارف على الفتيات.
__________
في الأسفل وتحديدًا في الجزء المُخصص للمناسبات وقف الشباب جميعهم سويًا وهم أحفاد عائلة «الرشيد» مع أصدقاء «ياسين» تم التعارف بين الجميع في جو من المرح وأول من بدأ المرح هو «عامر» حينما قال:
الله يكون في عونكم والله، أنا بقالي نص ساعة وحاسس إني في عالم موازي"
ضحك الجميع على حديثه فأعاد الحديث وهو يقول:
دا بجد والله كل ما أسلم على واحد يطلع واحد تاني شبهه أنتم عايشين هنا إزاي؟"
أول من رد عليه كان «طارق» حينما قال وهو يضحك:
يعني إيه مش فاهمين"
قال «عامر» مُردفًا:
يعني أنا سلمت عليك وأتعرفنا على بعض ببص بعدها لقيت واحد شبهك جاي يسلم علينا حتى نفس الطول والعضلات، ولابس شبهك"
تدخل «وئام» وهو يقول:
أيوا دا أنا، ودا طارق إبن عمي إحنا فعلًا شبه بعض"
أومأ له «عامر» ثم قال:
طيب ماشي، دا أنتَ ودا طارق مين بقى التالت اللي قدكم في السن وبرضه شبهكم؟"
تدخل «حسن» وهو يقول:
لأ دا أنا بقى حسن صاحبهم وشريكهم في الشغل تقدر تقول ضلع المثلث التالت"
نظر «عامر» لأصدقائه ثم قال:
والله عالم موازي بجد دا أنا دماغي لفت وأنا بتعرف عليهم"
ضحك الجميع على حديثه ثم بعدها دخل «أحمد» وهو يضحك نظر له «عامر» بقوة ثم قال:
بصوا الرعب بقى والله العظيم في واحد شبه الكابتن دا تاني"
ثم نظر في أوجه الجميع ثم أشار إلى «وليد» وهو يقول:
أهم أتنين كمان شبه بعض"
رد عليه «وليد»:
دي معاك حق فيها أنا وأحمد شبه بعض جدًا حتى نفس الأسلوب برضه بس إحنا ولاد عم مش توأم"
ضحك الجميع بينما تحدث «وئام» وهو يقول:
وبعدين مالك يا عامر كدا ما أنتم الأربعة شبه بعض وإحنا ساكتين برضه"
تدخل «خالد» بسخرية وهو يقول:
قوله بالله عليك علشان يصدق"
رد عليه «عامر» بعدما نظر في أوجه أصدقائه:
ثانية واحدة يعني أنا شبه ياسر أبو عيون زرقا دا، ولا شبه ياسين وخالد الحلوين دول؟"
رد عليه «أحمد»:
ياعم ما أنتَ عيونك عسلي ومحدش أتكلم وآه أنتَ شبه ياسين وخالد أوي"
كانت هذه هي الحقيقة فكان كلًا من «خالد» و «ياسين» و «عامر» يشبهون بعضهم البعض بدرجة كبيرة عدا «ياسر» الذي يملك وسامة خاصة به لكنه من كثرة عشرته مع أصدقائه أصبح يشبههم وكأن الروح هي من تُصاب بالعدوى وليس الشكل كما أن أجسادهم كانت مُتقاربة في الطول والوزن عدا «عامر» كان أقلهم وزنًا وأوسطهم طولًا.
هكذا كان الوضع في الأسفل تم التعارف بين الشباب في جو مليءٌ بالمرحِ والسعادة، وبعد ثوانٍ نزلت «خلود» ثم قالت لـ «وليد»:
الحاجة الساقعة يا وليد أهيه"
نظر لها «عمار» بقوة ثم مال على أذن «خالد» وهو يقول:
الواحد شكله هيخلص ثانوية عامة ويحصل ياسين من البيت دا يا خالود"
نظر له «خالد» بشرٍ ثم قال:
لِم نفسك يا عمار بدل ما ألمك، مش هتبقى أنتَ وأخوك عليا، نلم نفسنا ومنبصش لبنات الناس"
نفخ «عمار» وجنتيه ثم قال:
أنا إيه اللي خلاني أقولك انتَ، وبعدين أنا مقولتش حاجة غلط يا خالد"
علم «خالد» أن هذه الطريقة لن تُجدي معه نفعًا فقال بهدوء بعدما إبتعد به قليلًا عن وجود الشباب:
بص يا عمار أنتَ أخويا الصغير، ربنا يعلم كلنا بنحبك إزاي، بس أنتَ ثانوية عامة يعني ركز على هدفك وعلى حياتك اللي جاية وإذا كان على الحب والإرتباط دا كله هيجي في وقته الصح بس بالحلال، فرحنا أنتَ بس وفرح فهمي بدل ما يوصلك بالسلك العمومي في المحل"
تأثر «عمار» من حديث «خالد» فإرتمى بين أحضانه ثم قال:
أنا بحبك يا خالد،وبجد أنا من غيرك أنتَ وياسر وياسين هتوه"
ضحك «خالد» ثم قال:
طب وعامر أخوك؟"
خرج «عمار» من حضن «خالد» ثم قال:
لأ عامر أخويا دا متبري مني أصلًا، محدش هيوديني في داهية غيره"
ابتسم له «خالد» ثم قال:
مش صح والله أخوك عامر بيموت فيك وروحه كلها فيك أنتَ بس هو بيحب الضحك والهزار مبيحبش يتكلم جد"
عاد «خالد» و «عمار» إلى مكان الشباب وأول من سألهم عن وقوفهم سويًا كان «ياسر» حينما قال:
في حاجة ولا إيه يا خالد؟"
هز «خالد» رأسه نفيًا ثم قال:
لأ أبدًا كنت بس بقوله على حاجات نجيبها وإحنا راجعين علشان يونس إبني"
أومأ له الجميع ثم عادوا إلى ما كانوا عليه من قبل.
______________
في الطابق الأول كانت «عبلة» تستقبل التهنئات والمباركات من الجميع تحت نظرات الحنق منها على ذلك المدعو «وليد» وعلى ما وضعها به، أما «خديجة» عرفها الفتيات بأنفسهن، وهي كل ما يصدر منها إيماءة بسيطة من رأسها، مع إبتسامة متوترة يتبعها بعض الكلمات الخاصة بالترحيب ولكنها بصوتٍ مهزوز، وأول من تحدثت كانت«إيمان» حينما قالت:
على فكرة هدوءك دا مش عاجبني، أنتِ أستني عليا بس كدا ناخد على بعض وأنا والله ما هخليكي تسكتي، حتى أسألي «سارة» و «ريهام»"
ضحك الجميع على حديثها، أما «خديجة» زاد توترها أكثر إذًا هي شخصية مملة كما تعتقد، ولكن ما أخرجها من قوقعة تفكيرها «زُهرة» حينما قالت:
سيبيها في حالها يا إيمان وريحي نفسك هي سكر كدا ربنا يبارك فيها وفي هدوءها دا"
ضحك الفتيات على منظر «إيمان» وهي ساخطة فتحدثت «سارة» وهي تقول:
أنا مش عارفة ياسر إزاي حبك، والله العظيم دا بيخاف يتكلم"
ضحكت «إيمان» ثم قالت:
يعني هنكون إحنا الأتنين ساكتين يعني؟"
ثم نظرت إلى «خديجة» وقالت:
طبعًا أنتِ ساكتة و ياسين ساكت هتتكلموا في الأخرة ولا إيه؟"
اتسعت إبتسامة «خديجة» ثم قالت بهدوء:
لأ أنا بتكلم والله بس مش بعرف أتكلم كتير"
أومأ لها الجميع بينما «ريهام» قالت بسخرية:
مش اتعرفتي على إيمان؟ بكرة محدش يعرف يسكتك أصلًا"
وافقها الجميع في الحديث حتى «إيمان» نفسها.
____________
في الطابق الأعلى لـ طابق الإحتفال كانت «مُشيرة» تجلس برفقة «هدير» وكلًا منهما تشعر وكأن الدنيا هُدمت فوق رأسها فتحدثت «مُشيرة» هي تقول:
يعني إيه خلاص كدا كتبت الكتاب،وأنا حتى محاولتش أوقفه، ولا التاني إبن مروة دا خطبها إزاي؟ يعني كلهم هيفرحوا بعيالهم وأنا هفضل عمري كله متحسرة على بنتي؟"
ردت عليها «هدير» بِغل واضح:
سيبيهم يفرحوا يا عمتو، بس والله ما هسيبهم يتهنوا، أنا هقلبها نكد عليهم كلهم"
أومأت لها «مُشيرة» ثم قالت بحسرة:
أما نشوف أخرتها يا ست هدير، قولتيلي متقلقيش وليد مش هيوصل لعبلة وأهو خطبها، قولتيلي خديجة إستحالة يوافق بيها وأهو كتب كتاب مش خطوبة بس"
نظرت لها «هدير» ثم قالت:
قولتلك متقلقيش أنا هتصرف في اللي جاي كله، المهم إنزلي علشان تلحقي أم العريس"
نظرت لها «مُشيرة» بخبث ثم قالت:
من عيني يلا تعالي معايا"
نزلت «مُشيرة» الطابق الأسفل برفقة إبنة أخيها ثم جلست بجانب «زُهرة» رحبت بها وبالفتيات تِرحابًا شديدًا تحت نظرات الخوف من «خديجة» أما «هدير» جلست برفقة «عبلة» ولم تنبت ببَنت شفة، بعد التعارف بين «مُشيرة» و «زُهرة» تحدثت الأولى وهي تقول:
يا حظكم بخديجة بنت أخويا أدب وأخلاق وهدوء صحيح هي دي الزوجة الصالحة اللي أي عيلة تكسبها"
إبتسم الجميع بينما «خديجة» كانت تظن أنها داخل أحد أحلامها، فكيف لمصدر شقاؤها في الحياة أن يتحول بهذه الطريقة، كانت «مُشيرة» مُسترسلة في حديثها عن «خديجة» ثم أكملت قائلة:
هي صحيح طبعها غريب وساكتة علطول كدا ومقفلة على نفسها بس قلبها أبيض أوي"
هذه هي «مُشيرة» حقًا، هذه هي التي أعلمها جيدًا، هي الآن ستطلق عيوبي أمام الجميع وأنا كعادتي لن أستطيع تكذيبها أو إحراجها كل ما علي فعله هو الصمت فقط، هكذا كانت تُحدث «خديجة» نفسها، ولكن ما لفت نظرها هو حديث «زُهرة» حينما قالت ببسمة هادئة:
والله ربنا يعلم قلبي إتفتح لها إزاي من أول ما وفاء قالتلي عنها وأنا أتمنيت بس أشوفها، ولما شوفتها أتمنيتها تكون لإبني وأهو الأمنية إتحققت وبكرة هتبقى بنتي كمان"
هل يمكنني أن أحتضنك الآن أم أصبر قليلًا"
هذا ما فكرت به «خديجة» بعد حديث «زُهرة» عنها، لم تُعجب «مُشيرة» بحديث «زُهرة» لكنها لن تستطع قول ذلك فأومأت ببسمة زائفة، ثم نظرت لـ «هدير» فهمت «هدير» نظرتها فأومأت لها بهدوء دون أن يراهما أحدًا، قامت «هدير» من جانب «عبلة» ثم توجهت إلى «خديجة» مالت على أذنها ثم قالت:
خديجة تعالي علشان نتصور أنا وأنتِ وبنات العيلة"
نظرت لها «خديجة» بتوتر ثم قالت:
أنتِ عارفة أنا مبحبش الصور يا هدير، ومش بعرف أتصور أصلًا قُدام حد"
أمسكتها «هدير» عنوةً عنها ثم قالت:
يلا بس دي هتبقى صورة للذكرى"
بعد إختفاء أثرهما إقتربت «مُشيرة» من «زُهرة» ثم قالت:
هاتي بقى رقمك علشان نتعرف على بعض أكتر إحنا كدا بقينا عيلة خلاص"
أومأت لها «زُهرة» بيسمة هادئة ثم قالت:
آه طبعًا اتفضلي شرف ليا"
كانت الفتيات يتحدثن عن «مُشيرة» وحديثها بهدوء، بينما والدة «خديجة» وباقي نساء العائلة يعملن سويًا على الترحيب بالضيوف، وكذلك «طه» يُرحب بالرجال.
إنتهى الإحتفال على خير بعد كل تلك الأحداث المتداخلة مع بعضها، وقبل مُغادرة «ياسين» المكان استأذن أصدقائة ووالديه حتى يودع زوجته، صعد للطابق العلوي كانت«خديجة» جالسة بمفردها وهذا لحسن حظه، بعدما صعدت الفتيات معًا شقة «عبلة» أما هي كانت جالسة في إنتظار والدتها، دخل الشقة وجدها شاردة تنظر في الفراغ أمامها، أخذ نفسًا عميقًا ثم أقترب منها، طرقع بإصبعيه أمام عينيها لكي يُلفت إنتباهها نظرت له ولكنها جحظت عيناها بقوة ووقفت وهي تقول:
أنتَ ! بتعمل إيه هنا؟ وبعدين إفرض حد شافك هيقول إيه؟"
إبتسم بخفة ثم قال:
هيقول واحد طالع يودع مراته فيها إيه يعني؟"
نظرت له ثم قالت:
أنتَ إيه جايب السلام النفسي دا منين؟"
غمز لها بطرف عينه ثم قال بمراوغة:
من عينك الحلوين دول"
ألم تسري الدماء داخل الجسد، لماذا أشعر وكان دمي يسري على وجهي هكذا حدثت نفسها بعدما شعرت بالتوتر والخوف معًا،
نظر لها بشفقة ثم قال:
إهدي إهدي بس أنا جاي أطمن عليكي وأسلم عليكي قبل ما أمشي، ودا حقي"
نظرت له ولم تُعقب بينما هو أقترب أكثر ثم قبل جبهتها، لكنها انتفضت بقوة من إقترابه، نظر لها مُتعجبًا من ردة فعلها، ولكنه وأد نظرته تلك ثم قال:
من ساعة ما كتبت الكتاب وأنا فيه حاجات كتير عاوز أقولها ليكي،بس في أقرب وقت مناسب أنا هقولك كل حاجة"
وجدها تنظر له بخوف وأعينها على مشارف البكاء، لماذا يشعر وكأن هناك شيئًا غريبًا يتعدى رُهابها، وقبل أن يتعمق في التفكير أكثر من ذلك، سمع إقتراب خطوات شخصٍ ما، فأمسك كفها يودها ثم قال:
أشوف وشك على خير يا قبولي الوحيد"
ثم غمز لها بطرف عينه وتركها وركض للأسفل.
نظرت في أثره بتعجب ثم قالت:
لأ دا مستحيل يكون شخص طبيعي، دا أكيد مجنون رسمي والله"
_____________
في الأسفل لم يجد سيارة والده ، ووجد أصدقائه في سيارة «خالد» مال على زجاج السيارة وقال:
هو بابا راح فين؟"
أجابه «ياسر»:
خلص وأركب يا عم روميو، أبوك إتعصب ومشي ونكد علينا وخد البنات معاه"
تحدث «عامر» بسخط وهو يقول:
وأنا أقول إبنه هادم لذات لمين، طالع لأبوه بصحيح"
ضحك «ياسين» ثم ركب بجانب «خالد» في مقعد القيادة.
كان الشباب يتسامرون في أحداث اليوم،أما هو فكان شاردًا بها وبخوفها وملامحها وفي لمسة يدها، وقتها شعر وكأن العالم بأجمعه بين يديه، تم توصيل «عامر» و «عمار» معًا ثم «ياسر» بعدهما، أوقف «خالد» السيارة أسفل منزل «ياسين» ثم قال له:
مالك ياض في إيه شكلك مش مظبوط"
نظر له «ياسين» ثم قال:
لأ عادي والله هو إحساس غريب بس مش أكتر"
أومأ له «خالد» ثم قال:
طيب المهم عاوزك تكلم عمار وتخليه يعقل شوية"
نظر له «ياسين» مُتعجبًا ثم قال:
ماله يا خالد عملك إيه"
هز «خالد» كتفيه ثم قال:
معملش ليا أنا، بس هو عاوز شدة عليه صغيرة كدا الامتحانات قربت، وعم فهمي مش حِمل زعلة"
شعر «ياسين» بالفخر من حديث «خالد» فقال بهدوء:
خلاص متقلقش ، أنا هكلمه، وكمان هتابع مع السنتر علشان نطمن أكتر"
وافقه «خالد» في الحديث ثم قال:
ماشي إنزل بقى علشان تلحق مكالمة كتب الكتاب"
نظر له «ياسين» مُتعجبًا ثم قال بجهلٍ:
إيه مكالمة كتب الكتاب دي، هو أنا فاتني كتير أوي كدا؟"
ضحك «خالد» ثم قال:
أنتَ أتأخرت أوي، دي المكالمة اللي بتعبر فيها عن مكنوناتك وعن مشاعرك من غير تأنيب ضمير"
ضحك «ياسين» ثم قال:
لو على مشاعري مش عاوزة مكالمة تليفون، دي عاوزة حبس إنفرادي علشان أعرف أقول اللي جوايا"
ضحك «خالد» معه ثم قال:
طب يلا يا روميو إنزل، خليني أروح أجيب ريهام ويونس من عند ماما"
أومأ له «ياسين» ثم تركه ونزل من السيارة، وحينما أوشك على دخول البيت، صدح صوت «خالد» عاليًا وهو يقول:
ألف مبروك ياض يا ياسين، مبروك عليك دخلت القفص"
قال جملته ثم ذهب بالسيارة بعيدًا، ضحك عليه «ياسين» ثم صعد إلى شقته.
______________
في بيت آلـ «رشيد» بعدما عاد الوضع لما هو عليه من قبل بعدما غادر الحج «ناصر» وعائلته وقامت «صباح» الفتاة التي تقوم بتنظيف البيت بترتيبه مرة أخرى، كانت «عبلة» في شقتها برفقة «هدير» وكانت تشعر بالغيظ من العائلة بأكملها، فبخت «هدير» سمها وهي تقول:
أنتِ معندكيش دم يا عبلة وافقتي ليه؟ قولتلك لأ متوافقيش"
نظرت لها «عبلة» بتعجب ثم قالت:
يعني إيه يا هدير عاوزاني أرفض وأحرج بابا وأعمامي علشان خاطر شوية هبل، لأ طبعًا حتى لو كرامتي غالية عليا مش هتيجي أغلى من شكل بابا وأخويا قُدام الناس"
نظرت لها «هدير» ثم قالت:
أنتِ حرة يا عبلة مترجعيش تعيطي تاني لما تلاقيه بيضحك عليكي"
في الخارج كان «طارق» واقفًا وهو يسمع حديث أخته عنه وعن والدها وشعر بالفخر من حديثها، على الرغم أنها تسير خلف «هدير» دائمًا إلا إنها إستطاعت الحفاظ على صورة عائلتها، بينما هو شاردًا في حديث أخته خرجت «هدير» وهي تشعر بالضيق منها ومن العائلة بأكملها، وجدت «طارق» في وجهها، شهقت بقوة بينما هو تبدلت نظرته إلى الشر ثم قال لها:
عقبال ما نفرح بيكي يا هدير يا رب ويعوضك خير إن شاء الله، أصل عقبال عندك كدا خديجة لقت اللي يعوضها، وعبلة أختي لقت نصها التاني مفاضلش غيرك كدا وسلمي وخلود و دول لسه في وراهم ثانوية عامة يعني صغيرين"
علمت أنه يرمي بحديثه قاصدًا إحراجها وتذكيرها أنها أخر فتيات العائلة في الزواج على الرغم من أنها أجملهم في الشكل، نظرت له بشرٍ ثم قالت:
والله مش أنا لوحدي اللي كدا، وئام إتجوز هدى أختي، و وليد خطب أختك، كدا مش فاضل غيرك أنتَ وأحمد، وآه أحمد دا لسه متخرج يعني مفاضلش غيرك"
كانت طريقتها تُحاكي طريقته في الحديث فنظر لها بخبث ثم قال:
أنتِ عارفة كويس أوي إنه بمزاجي مش غصب عني، وعارفة إن قلبي مسجون في حبها هي وبس ومفيش واحدة في الدنيا دي كلها تملى عيني زيها"
كان حديثه موجهًا لها لأنه يعلم إنها حاولت مرارًا وتكرارًا أن ترتبط به كما أنها لمحت كثيرًا أمام العائلة أنها تتمنى زوج مثل «طارق».
تحدثت بسخرية وهي تقول:
يا حبيبي فوق الكلام دا عدا عليه أكتر من ١٤ سنة أنتَ مستني أوهام وهي خلاص ماتت ، حتى أمها نفسها صدقت إنها ماتت"
هز كتفيه ثم قال:
أنا ميهمنيش مُشيرة ولا يهمني تصدق إيه ومتصدقش إيه، كل اللي يهمني هو قلبي اللي مصدق إنها عايشة وهترجعلي وعمره ماحب ولا هيحب بنت غيرها، زي ما عيني مش شايفة ولا هتشوف غيرها... حتى لو أنتِ يا هدير"
رمى حديثه أمامها قاصدًا لومها على محاولاتها في إرتباط إسمها بإسمه.
نظرت له بغل ثم ضربت الأرض بقدميها ثم تركته وذهبت من أمامه، دخل «طارق» إلى غرفة الجلوس وجد «عبلة» بها وبمجرد دخوله وقفت متأهبة ثم قالت:
تعالى بقى علشان تفهمني كل حاجة، أنا مش هسيبك"
مسح على وجهه بكفيه ثم بتعب شديد ثم قال:
حاضر يا عبلة هاخد دُش وأغير هدومي وأكلم وليد ينزل ونفهمك كل حاجة حاضر"
أومأت له ثم دخلت غرفتها لكي تقوم بتبديل ملابسها، وفعل هو المثل أيضًا، كان رجال العائلة بأكملها يجلسون في الطابق الأول ، وزوجاتهم معهم أيضًا يتبادولون المباركات والتهنئات بأحفاد العائلة.
__________
في شقة «طه» كانت «خديجة» جالسة مع «وليد» وهو يحدثها، فقال لها:
أظن اليوم مشي بخير، نص اللي كنتي خايفة منه محصلش"
أومأت له ثم قالت بهدوء:
الحمد لله إنه عدا على خير، وألف مبروك ليك أنتَ كمان، قربت كتير من اللي كان نفسك فيه"
أومأ لها ثم قال:
مكانش نفسي تكون بالطريقة دي، كان نفسي يكون برضاها بس ملحوقة أنا هتصرق"
ربتت على كفه ثم قالت:
ربنا معاك ويسعدكم إن شاء الله، عبلة غلبانة والله مش زي هدير خالص، بس هي ماشية ورا هدير"
إبتسم لها ثم قال:
ماهو يا أنا يا علاقتها بهدير"
أوشكت على الحديث ولكن هاتفه صدح عاليًا برقم «طارق» أغلق الهاتف ولم يرد عليه ثم ضحك بخفة وهو يقول:
أنا هنزل للمتخلفة اللي تحت ديه تلاقيها مبهدلة طارق ومبهدلة الدنيا كلها"
أومأت له «خديجة» وقبل خروجه أوقفه رنين هاتفها، نظر لها وجدها تحاول كتم الصوت لكنها لم تستطع من فرط توترها نظر لها بخبثٍ وهو على عِلم بهوية المتصل، فقال بهدوء:
رُدي على جوزك يا خديجة ولمي نفسك"
صرخت به بصوتٍ عالٍ وهي تقول:
متقولش جوزك الكلمة دي بتوترني أصلًا"
إبتسم بسخرية ثم قال:
وهو إيه في الدنيا دي كلها مش بيوترك يا خديجة، وبعدين اللي يشوفك كدا، ميشوفكيش وأنتِ بتمضي على كتب الكتاب"
بادلته نفس نظرة السُخرية ثم قالت:
أنتَ عارف أنا مضيت ليه يا وليد بالسرعة دي؟"
هز رأسه نفيًا بقوة فقالت له:
علشان خوفت.. عارف بقى خوفت ليه؟ علشان كنت في عنبر ٧ زي ماكنا بنقول عليه، أكتر مكان بخاف منه في حياتي ساعتها أنا مضيت من غير ما أحس أصلًا"
كأن حديثها لفت نظره لمكان وجودها أثناء عقد القران فقال بهدوء:
ليه تعملي في نفسك كدا يا خديجة، ليه مُصممة تعذبي نفسك كدا"
نظرت له بهدوء ثم قالت مُردفة:
علشان لو مكنتش عملت كدا عمري ما كنت هعرف أمضي، كنت هخاف أكتر بكتير من أني أمضي على ورقة والله أعلم باللي هيجرى بعدها، كنت هخاف أكون بخرج من سجن صغير علشان أروح لسجن كبير مع حد معرفوش كل دا صعب عليا"
كل هذا الحديث الدائر و «ياسين» يحاول الإتصال بها، تفهم «وليد» خوفها فقال:
أنا حاسس بيكي، بس أنتِ لازم تكوني عارفة إنك كدا بتستسلمي للحياة وللعيلة، وبتخسري واحد زي ياسين معاكي، وهو أنضف من إنه يخسر في حربك ديه، رُدي عليه يا خديجة، وإبدأي معاه من جديد"
رمى حديثه أمامها قاصدًا لومها على ما تفعله في حقها وحق «ياسين» ذلك الملاك من وجهة نظره، فمن يستطع تقبل عيوب الآخرين، والمحاربة لأجلهم من خلال معلومات عابرة، يبدو أن قلبه كطيرٍ ذاق طعم الحرية بعد سنوات من السجن داخل قفص، هكذا شبه «وليد» قلب «ياسين» بعدما إستنتج حبه لـ «خديجة»،ثم تركها ونزل لشقة عمه «محمد».
قامت «خديجة» بالرد على «ياسين» وبمجرد فتحها المكالمة وجدته يتنفس الصعداء ثم قال:
إيه يا قبولي الوحيد إيه أخرك في الرد كل دا؟"
قبولي الوحيد !"
ما هذه الكلمة الغريبة الذي يلقيها على مسامعي، وكيف تبدل حاله عن أول مقابلة رآته بها، خرجت من شرودها على صوته وهو يقول:
ياست الكل، يا خديجة"
ردت عليه بهدوء:
أيوا معاك أهوه"
ابتسم ثم قال:
يارب يا ستي علطول معايا، المهم أنا كنت بطمن عليكي قبل ما أنام وقولت أعرفك إننا بكرة هنخرج سوا"
جحظت عيناها بقوة ثم قالت بسرعة كبيرة:
لأ بلاش"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
متخافيش هنخرج خروجة بسيطة، بس لازم نتقابل بكرة علشان أعرف أتكلم معاكي"
توترت أكثر من نبرته التي غلفها الحنان ثم قالت:
طب ليه طيب، أنتَ قولت اللي عندك وأنا أقتنعت"
هز رأسه نفيًا كأنها تراه ثم قال:
لأ فيه كتير مسمعتيهوش، لازم تسمعي كل اللي عندي، بدل ما والله أجي أقوله قدام بيت الرشيد كله وأنا ممكن أعملها عادي"
ردت بسرعة كبيرة:
لأ خلاص خلاص أمري لله نخرج بكرة..بس يـ..ياريت مكان ميكونش زحمة"
تبدلت نبرته إلى التفهم وهو يقول:
حاضر والله كل اللي أنتِ عاوزاه في الدنيا كلها تحت أمرك ، المهم تكوني مرتاحة"
إذا استمر في الحديث بهذه الطريقة ستفقد وعيها بلا شك، صمت وصمتت هي أيضًا فوجدته يقول:
تصبحي على خير يا خديجة، وألف مبروك عليا وجودك في حياتي"
أغلق معها المكالمة بينما هي كل تفكر به ماذا سيفعل، عندما يعلم شخصيتها، هل سيوافق بها وبخوفها من كل ما هو حولها، هل ستظل طريقته ناعمة تحمل من الحنان أطنانًا كذلك أم ستتبدل إلى طريقة أخرى تكرهها هي، غرقت في تفكيرها وفي حديثه معها وكلماته التي يُلقيها على مسامعها قامت وجلبت دفترها ثم دونت به مشاعرها، ثم فتحت آخر صفحات الدفتر ودونت به جملها التي قالها لها باللغة العربية الفصحى.
____________
في الأسفل في شقة «محمد» والد «عبلة» نزل «وليد» وجد شقيقه جالسًا برفقة أبناء عمه تعجب فقال له:
أنتَ مروحتش يا وئام؟"
رد عليه «وئام»:
هدى عاوزة تبات هنا النهاردة، قولت خلاص أبات أنا كمان هنا"
أومأ له «وليد» ثم جلس أمام «عبلة» وهو يرفع حاجبه لها وكأنه يبدأ بذلك صد مناوشتها. كانا ينظرا إلى بعضهما البعض بشرٍ تحت نظرات السخرية من «طارق» و «وئام» وأول من تحدث كان «وليد» حينما قال:
لأ ماهو إحنا مش جايين علشان نرفع حواجبنا لبعض، خلصوني عاوز أنام"
ابتسم الجميع على حديثه بينما «عبلة» أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
ممكن أفهم إيه اللي حصل النهاردة دا؟ أنتَ إزاي تحرجني كدا وتجبرني أوافق"
شهق «وليد» كما يفعلن النساء ثم قال:
نــعــم ! مين دا اللي جبرك توافقي ؟ أنتِ اللي ماصدقتي أعرض عليكي الخطوبة وافقتي علطول"
وقفت متأهبة ثم قالت:
إتكلم عدل من فضلك وبعدين أنا عمري ما فكرت فيك علشان أصدق أول ما تعرض عليا وأوافق علطول"
نظر لها بمشاكسة ثم قال:
طب عيني في عينك كدا إنك مش فرحانة؟"
تهربت من النظر له ثم نظرت لأخيها وهي تقول:
يا جماعة حد يفهمه البني أدم دا إني مش عاوزة أتجوزه"
ثم نظرت له بقوة زائفة وهي تقول:
إعمل حسابك يا وليد كلها شهر ودبلتك ترجعلك تاني، ودا مش علشان خاطر سواد عيونك، لأ دا علشان خاطر شكلي قُدام الناس"
نظر لها بسخرية ثم قال بلامبالاة:
خلصتي رغي"
رفعت حاجبها ثم قالت ببرود وهي تضم ذراعيها أمام صدرها:
آه خلصت خير؟"
إقترب خطوة منها ثم قال بثقته المعهودة:
بُصي يا بنت الرشيد أنا مش عاوز كلام كتير أنا مش هتجوز غيرك، وأنتِ مش هتكوني لحد غيري، ودا نهاية الكلام"
ثم اقترب منها مرة أخرى وهو يقول:
وقُدام أخويا وأخوكي، أنتِ عندي أغلى من إنك تكوني بديل لحد أو حتى أفكر في غيرك يا عبلة، أنتِ بالنسبة ليا حلم وأنا عمري ما هفرط في حلمي"
رمى حديثه أمامها ثم ترك الشقة بأكملها وغادر تحت نظرات التعجب من الجميع ،وقفت تنظر في أثره بدهشة ثم ارتمت على الأريكة، أما «طارق» و «وئام» خرجا سويًا خلف «وليد» ، دخل «وليد» شقتهم وهو يلهث بسرعة كبيرة من فرط الإنفعال، دخل أخوته خلفه وجدوه جالسًا على الأريكة وهو ممسكًا رأسه بكفيه وكأنه خرج لتوه من حربًا ما، جلس «وئام» ثم أخذه بين أحضانه وهو يربت على كتفه، بكى «وليد» في أحضانه ثم قال:
هو أنا ليه بتعب كدا في حياتي، ليه لازم أحارب علشان أوصلها، ليه هي مش عاوزة تقتنع بحبي ليها، ليه قلبي اختارها هي وبس؟"
ربت أخوه على كتفه ثم مسح على رأسه وهو يقول:
صدقني دا إختبار، وأنتَ طول عمرك راجل وقد أي حاجة هتيجي قصة خايبةزي دي مش هتاخد منك حاجة؟"
اقترب منهما «طارق» و جثيْ على ركبته أمامهما ثم قال:
إسمعني يا وليد، أنتَ عمرك ما كنت عيل صغير، أنتَ طول عمرك راجل، حتى لما كنت بتاخد الزفت اللي أنتَ بتاخده دا، أنتَ بنفسك جيت طلبت مننا نعالجك ووقفت على رجلك تاني، و مجهودك معانا في الشركة باين، زي ما وقعت وقومت تاني متخليش حبك لأختي يضعفك"
خرج «وليد» من بين أحضان أخوه ثم قال:
معاك حق يا طارق، بس أنا مش هستحمل طريقتها كدا كتير"
غمز له «طارق» ثم قال:
في ديه متقلقش أنا موجود و هظبطهالك.. سيبها عليا"
تدخل «وئام» وهو يقول:
هو أنتَ ليه مقولتش ليها إن هدير عملت كل دا، وليه مش عاوزني أقول لـ هدى؟"
رد عليه «وليد» مُردفًا:
عبلة بتحب هدير أوي مش هتتحمل صدمتها فيها إنها ممكن تأذيها وأنا مش هبني حياتي على حساب سمعة بنت حتى لو كانت البنت دي أذتني"
نظرا له الأثنين بفخر بينما قال «وئام»:
أنا فخور بيك وفخور إني عرفت أربيك صح، وعلشان أصلك دا ربنا هيكرمك ويجبر بخاطرك"
أيده «طارق» في الحديث ثم تركهما وصعد إلى شقتهم، بمجرد دخوله تصنعت «عبلة» اللامبالاة نظر لها «طارق» بتفحص فعلم أنها تتصنع تلك النظرة، جلس بجانبها ثم قال:
بُصي يا عبلة الحياة دي بتدينا فرص مرة واحدة في الحياة والعاقل اللي يمسك في فرصته دي، وأنتِ فرصتك عندك أهيه وليد بقى خطيبك، يعني تنسي اللي فات كله وتبدأي معاه من أول وجديد وأظن كلامه قصادنا كان حقيقة ونظرته قالت كل حاجة والعيون مبتكدبش يا عبلة"
نظرت له بتفحص ثم قالت:
طب أنا معاك تقدر تقولي الرسايل اللي شوفتها على تليفون هدير دي إيه"
زفر «طارق» بقوة ثم قال:
مش هقولك غير إنها كدب، ورب الكعبة كدب ، وأنتِ بكرة تتأكدي بنفسك، بس ساعتها هتعضي إيدك من الندم على فرصتك اللي هتضيع، سلام بقى علشان اليوم كان صعب"
قال جملته ثم تركها ودخل غرفته، أما هي فنظرت في أثره بتعجب وهي تفكر في حديثه مليًا.
______________
في الصباح التالي لم يستطع الشباب الذهاب إلى «ميمي» نظرًا لمجهدوهم بالأمس من أجل عقد قران رفيقهم، إستيقظ ياسين قبل الصلاة مباشرةً وهذه لم تكن عادته، ثم ذهب لتأدية الصلاة، في عائلة الرشيد نزل رجال العائلة قبل الصلاة مباشرةً أيضًا، قاموا بتأدية الصلاة ثم بعدها تم إعلان عقد قران «خديجة» إبنة العائلة ثم ذُكر بعدها إسم «ياسين»، توالت التهنئات والمباركات لأفراد العائلة تِباعًا، كان الجميع في البيت يشعر بالفرحة أما «خديجة» شعرت برجفة في قلبها نتيجة لذِكر أسميهما سويًا.
في منتصف اليوم صدح هاتفها برقم «ياسين» توترت ثم دخلت غرفتها بعدما كانت جالسة برفقة والدتها وأخواتها، وكان والدها يجلس مع أخوته في الأسفل، قامت بالرد على الهاتف بصوتٍ مهزوز وهي تقول:
السلام عليكم"
إبتسم ثم قال:
وعليكم السلام يا خديجة، كويسة النهاردة؟ ولا لسه متوترة زي إمبارح؟"
تحدثت بنفس النبرة المهتزة:
لأ أحسن كتير الحمد لله، حضرتك عاوز حاجة"
كل
قال مُردفًا بهدوء:
آه عاوز أقولك جهزي نفسك علشان هجيلك كمان ساعة، أنا كلمت عمي طه وهو عارف"
توترت من ذِكر مشوارهما سويًا فقالت:
مش لازم ننزل النهاردة خليها مرة تانية"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
صدقيني نفسي بس لازم نتقابل"
قالت بصوت مهزوز:
تمام ساعة وهجهز"
أوشكت على غلق الهاتف، لكنه قال بسرعة كبيرة:
خديجة ينفع تلبسي نفس الفستان اللي شوفتك بيه أول مرة؟"
توترت أكثر بكثير ولكنها حاولت إستجماع بعض الشجاعة وهي تقول:
عادي أنا ممكن ألبس حاجة شبهه مش شرط دا"
هز رأسه نفيًا كأنها تراه ثم قال:
لأ أنا عاوز أشوفك زي أول مرة شوفتك فيها"
أنهى جملته ثم قال:
ساعة وهكون عندك تحت البيت"
مرت الساعة بسرعة كبيرة من وجهة نظر «خديجة» كانت إرتدت نفس الفستان الزيتوني بنفس لون الحجاب، بعدما أخبرت والدتها بموعدها مع «ياسين» كانت جالسة في غرفة الصالون صدح صوت هاتفها برقمه قامت بالرد عليه، فقال لها:
أنا تحت بيتك أنزلي"
أخبرت والدتها ثم نزلت له وجدته يقف مستندًا على مقدمة سيارته وبمجرد ما لمح طيفها امامه إبتسم ثم إعتدل في وقفته إقتربت عليه أكثر فمد يده لها، نظرت له بتوتر وخجل ثم مدت يدها وألقت عليه التحية. فتح لها باب السيارة، تعجبت من فعلته ونظرت له فأومأ لها برأسه كأنه يحثها على دخول السيارة، فعلت كما كان يريد وجلست على الكرسي الذي يقع بجانب مقعد القيادة، كانت طوال الطريق صامتة وهي تنظر من نافذة السيارة أما هو فكان ينظر لها تارة وينظر الطريق تارةً أُخرى وبعد فترة من القيادة، وصل «ياسين» بسيارته على كورنيش نهر النيل، بعدما توقفت السيارة نظرت «خديجة» له فوجدته يبتسم لها ثم نزل وفتح لها باب السيارة نزلت أيضًا من السيارة، أمسك كفها ثم أخذها ونزل عدة درجات صغيرة نتيجته تجعلك أمام النيل مباشرةً، كان المكان شبه خالي من البشر، نظر حوله وجد مقاعد رُخامية، ذهب إليها ثم جلس وأجلسها بجانبه كل ذلك وهي تنظر له بتعجب غير مُصدقة لما يفعله، ثم بعدها نظرت أمامها وهي تراقب حركة المراكب الصغيرة في وسط النهر ، أما هو كان ينظر لها بأعين مُحبة ولو إستطاع لكان أفصح لها عما يدور بداخله لها، شعرت بتحديقه بها فنظرت له تحدث هو قائلًا:
أنا عاوز أسألك سؤال أنتِ ليه مش بتتكلمي زي الناس"
هزت كتفيها ثم قالت بهدوء:
الناس هي اللي مش بتتكلم زيي، أو يمكن أنا اللي بحب السكوت"
رد عليها مُعقبًا:
مفيش حد في الدنيا دي كلها بيحب السكوت"
أومأت له موافقة ولم تتحدث، فقال هو:
كلميني عن نفسك وعن أحلامك عاوز أعرف كل حاجة عن مراتي"
نظرت أمامها ثم قالت:
صدقني ملوش لازمة تعرف عني حاجة وأنتَ كدا كدا هتسبني وتمشي"
تعجب من حديثها فقال:
ليه بتقولي كدا مين قالك إني هسيبك"
شعرت بوخز الدموع في عينيها فقالت بهدوء:
علشان البنات كتير وعلشان الحلوين أكتر وعلشان أنا محدش يتمناني ولا يتمنى وجودي معاه"
رد مُعقبًا:
لأ طبعًا دا مش مبرر أنا عمري ما هسيبك علشان واحدة تانية أنا أصلًا عيني مش شايفة غيرك واحدة تانية"
نظرت له فوجدت نظرته صادقة، فقالت:
إنا عاوزة أسألك بس ليه أنا وليه مُصمم إن غير كل البنات"
نظر لها بقوة ثم قال:
علشان حتى لو البنات كُتار والحلوين أكتر، بس مش فيهم خديجة ولا واحدة منهم عندي زي قلب خديجة"
شعرت بتأنيب الضمير فقالت له:
صدقني إرتباطك بيا غلط ، حرام عليا أظلمك، أنا واحدة بتخاف من كل حاجة بخاف أخرج وبخاف من الناس ومعنديش صحاب وفاشلة في كل العلاقات اللي حواليا ليه أنتَ مقتنع إن ممكن أنفعك في حياتك وأنا مش عارفة حتى أنفع نفسي؟"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
علشان مش بإيدي إن قلبي أختارك أنتِ، مش بإيدي إن من بنات الدنيا كلها أنتِ الوحيدة اللي قلبي أتمنى قُربك، مش ذنبي إني حبيتك أنتِ"
نظرت له بقوة من جرأة إعترافه ثم سألته مُستفسرة:
حبتني ! إزاي و إمتى؟"
قال لها بأعين مُحبة وميضها يلمع كنجوم السماء:
حبيتك من أول مرة شوفتك فيها ،حبيت هدوءك وبساطتك حبيت طبيعتك، غصب عني من غير ما أحس دوبت فيكِ، أنا واحد راح إتقدم لنص بنات مصر مفيش واحدة فيهم حركت قلبي زيك"
هزت رأسها نفيًا وكأنها بذلك تخرج حديثه من رأسها ثم قالت له:
أنا معنديش حاجة أديهالك حتى قلبي متدمر ومش حِمل علاقات تانية كفاية العلاقات اللي وهو مش قادر يتعافى منها "
مد لها كف يده ثم قال:
وأنا مش عاوز منك غير إنك تثقي فيا، وأنا والله هخلي قلبك يتعافى هاتي إيدك في إيدي ووعد مني عمري ماهسيبك"
يا الله لماذا ينبعث الصدق من أعينه ونبرة صوته بهذه الطريقة؟ لماذا تخرج نبرته حنونة تحمل من اللُطف أطنانًا هكذا كانت تفكر وهي تنظر له و ليده الممدودة لها فتحدث هو بمرحٍ:
والله أنا مش شحات علشان كل مرة أمد إيدي لكي كدا؟"
إبتسمت على حديثه بخفة ثم مدت يدها في يده، إبتسم هو أيضًا ثم قال:
أوعدك إني أعوضك عن كل حاجة شوفتيها زعلتك في يوم"
أومأت له بهدوء وإبتسمت بخفة ثم قالت:
شكرًا إنك متفهم وضعي"
إبتسم لها ثم قال:
متقوليش كدا أنتِ مراتي"
إتسعت إبتسامتها حتى وصلت إلى أعينها، بينما هو نظر في أعينها ثم قال بحب:
وقَعتُ أسيرًا لعيناكِ وما أنا بِفلسطيني لِأُقاومُ، وظَل سوالٌ يُؤرقني في ليلي "كَيْفَ لِشخصٌ مِثلي إعتادَ الإنتصار أن يُهزم بسبب عينين؟
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل التاسع عشر
الفصل التاسع عشر"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
____________
دخلتُ حربًا فقط لأجل عيناكِ..ولم تأتني الهزيمة إلا من سواها"
____________
قد تعيش سنوات عُجاف لن تستطع الوقوف بها على قدميك، تُعاني روحك من الظمأ، تشعر حينها وكأن قلبك سُجِنَ بين أضلعه، إلا أن يأتي العوض لكَ، وفجأة يتحرر ذلك السجين ويشبه الفراشة في حريته.
بعد الكلمات التي ألقاها «ياسين» على مسامع «خديجة» يتغزل بها في أعينها، أصابها الخرس مع جحوظ مؤقت في العينين و فمٍ مفتوح ببلاهة من مفاجأة وقع الكلمات على أذنيها، وللحق مرت الكلمات على أُذينها قبل أذنيها، أما هو تصنع الثبات إلا أبعد الحدود، وحينما لاحظ طيلة صمتها أشار بكفه أمام أعينها ثم قال:
يا ست الكل ؟ يا خديجة"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت له ببلاهة:
نـعم"
حاول كتم ضحكته ونجح في ذلك ثم قال:
نعم؟ كـدا أنتِ إتثبتي"
ثم غمز لها بطرف عينه وهو يبتسم.
خجلت من فعلته تلك وشعرت بالتوتر لكنها سألته مرة أخرى وهي تقول:
هو أنا سمعت صح؟ ولا دي تَهيُأت؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
لأ يا خديجة سمعتي صح"
أحمرت وجنتيها وزادت حمرتها أكثر من نظرته لها، إلتفت تنظر للجهة الأخرى وهي تأخذ نفسها لعلها تهدأ من فرط توترها، لاحظ حركتها تلك لذلك أشفق على حالها ثم قال:
أنا أسف لو كنت ضايقتك، بس أنا كنت مجهز الكلام دا أقوله لكِ أول مرة نتقابل فيها بعد كتب الكتاب وبصراحة أنا شخص صريح مش بعرف أخبي مشاعري"
أومأت له مُتفهمة ثم قالت:
لأ أبدًا متضايقتش ولا حاجة، أنا..أنا بس إستغربت إن الكلام باللغة العربية الفصحى"
تصنع الإندهاش وهو يقول:
إيه دا هو فيه ناس مبتتكلمش لغة عربية فُصحى"
نظرت له بهدوء ثم قالت:
الناس كلها بتستغرب من اللي بيحبها، الغريب إن كتير كانوا بيتريقوا عليا لما أتكلمها، أنا بس إستغربت إن فيه حد لسه بيتغزل بيها"
أنهت حديثها ثم سألته مُستفسرة:
ليه بتتكلم بيها يعني دي مش أول مرة تقولي فيها كلام زي دا؟"
هز كتفيه وهو يتصنع اللامبالاة ثم قال:
عادي يعني بحبها، بحسها أسهل في التعبير عن المشاعر بصراحة"
كان يكذب عليها ولكنها صدقته من إتقانه في الحديث، فهو على الرغم من جمال كلماته، إلا إنه كان يكره اللغة العربية ولم يستطع التعبير بها.
بعد فترة من الصمت من كليهما، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
على فكرة أنا لسه معرفش حاجة عنك..يعني كلميني عنك"
وفي تلك اللحظة تردد على مسامعها حديث «وليد» عن حربها وعن ماضيها، و للوهلة الأولى شعرت بالخوف من أن يتركها من طريقتها كما فعل غيره، تعلم أن الطريق صعب لكن يكفيها المحاول ،وعلى الرغم من إضطراباتها وقلقها النفسي إلا أنها لم تظهر عليها الأعراض المُصاحبة لها دائمًا وما ظهر فقط هو سرعة نبضات قلبها، شردت هي في نفسها وفي الاطمئنان الذي إحتل قلبها، كيف حدث كل ذلك كيف من مقابلة واحدة يختفي خوفي، كيف أشعر بالأمان برفقته وعند هذه النقطة إكتشفت أنها أسترسلت معه في الحديث كثيرًا، وهذه على غير عادتها..كان ينظر لها ولقسمات وجهها والتغيرات التي تطرأ عليها وهو يعلم جيدًا بما تُفكر وكيف تُفكر..وفجأة شعرت برجفة بسيطة في كفيها، فتحدثت بصوتٍ مهزوز وهي تقول:
لـ..لو سمحت هو ينفع أروح؟"
على الرغم من حزنه على تغيرها فجأة لكنه إبتسم مُطمئنًا لها ثم قال:
طبعًا ينفع، يلا علشان أوصلك"
أومأت له ثم أخذت نفسًا عميقًا لكي تُهدئ به نفسها بينما هو كان ينظر لها ويراقب تصرفاتها عن كثب وحينها قرر قرار لا رجعة فيه.
___________
في منزل آلـ «رشيد» تحديدًا في الطابق الخاص بشقة «مُحمد» كانت «عبلة» جالسة وهي تُفكر في حديث أخيها عن «وليد» وعن حديثه أمام أخويهما، للحق لمست الصدق في حديثه ونظرته، كما ان علاقته بـ «هدير» لم تكن علاقة مُحبذة لتجعل بينهما قصة حب، لذلك إتخذت قرارها ثم قررت أن تُفاتح أخيها في قرارها.
في غرفة «طارق» كان جالسًا على فراشه وهو مُمسكًا صورة بين كفيه، كان ينظر للصورة بعمقٍ ثم أخرج زفيرًا قويًا ثم تبعه بقوله:
لو كنتي موجودة كانت حاجات كتير إتغيرت، كان زماني كاتب كتابي عليكي زي ما قولتيلي وأنتِ صغيرة إنك هتتجوزيني في نفس يوم جواز خديجة، عارفة كمان إن أنا وهي أكتر أتنين تعبنا بعدك، هي إتلامت بسببك ومعرفتش تقرب من حد وأنا عيشت عمري كله مش قادر أنسى حبي لكِ ولا عارف أشوف غيرك"
قام بتقبيل الصورة ثم نظر لها مرة أخرى، أخرجه من ذكرياته تلك طُرقات على باب غرفته من قِبل أخته «عبلة» قام بوضع الصورة تحت وسادته ثم فرك وجهه بكفيه ليمحي أثار تعبيراته السابقة، ثم قال بصوتٍ أجش:
أدخــل"
دخلت «عبلة» الغرفة ثم جلست بجانبه على الفراش وهي تنظر له بتفحص ثم قالت:
أنتَ كنت بتعيط يا طارق ولا إيه؟ و وشك أحمر كدا ليه؟"
تصنع الثبات ونظر لها ثم قال بسخرية:
أعيط! ليه إن شاء الله ياختي، كل الحكاية إني بفكر في الشغل والمرحلة الجاية، لسه عاوز أحقق أحلام كتير أوي"
هذه هي حُجته الدائمة حينما يأخذه التفكير في رحلة إلى الذكريات الماضية، كانت «عبلة» تعلم أنه يكذب عليها، لذلك لم تريد التطرق إلى الموضوع أكثر من ذلك فقالت بعدما زفرت بعمق:
ربنا معاك يا حبيبي وتحقق كل اللي بتتمناه، ويجمعك باللي نفسك فيه"
نظر لها فـفهم من نظرتها له أنها علمت فيما كان يفكر قبل دخولها أومأ لها برأسه ثم آمن وراء دعاؤها، أما هي أخذت نفسًا عميقًا وكأنها تُعد نفسها ثم قالت:
طارق ، أنا قررت أدي علاقتي بـوليد فرصة، وهنسى كل اللي فات، حتى الرسالة اللي شوفتها بعيني هعمل نفسي مشوفتهاش أصلًا، بس أنتَ اللي مسؤول قُصادي لو طلع بيكذب عليا"
إعتدل «طارق» في جلسته حتى إقترب منها أكثر ثم سألها بـلهفة قائلًا:
بجد يا عبلة.. يعني مش هترجعي لأسلوبك الزفت دا تاني معاه؟"
هزت رأسها نفيًا ثم قالت:
لأ يا طارق بس أنتَ اللي هتضمنلي إنه مش زي ما أنا فاكرة"
إحتضنها «طارق» ثم قال بفرحة عارمة إحتلت نبرة صوته:
وأنا موافق وأضمنهولك برقبتي"
أومأت له ثم تركته وخرجت من الغرفة وهي تحاول السيطرة على ثبات ملامح وجهها.
____________
في الطريق وسط «الزحام» كانت «خديجة» تنظر من نافذة السيارة على الطريق بجانبها وهي تُشبه الطريق برأسها الذي لا يخلو من زِحام الأفكار، كانت تفكر كيف إستطاعت الإسترسال معه في الحديث، وكيف فكر بها وفي حديثها، وما هذا الإعتراف الصريح الذي رماه على مسامعها..أما هو كان يفكر في تغيرها المُفاجيء الذي فجأه، ولولا أنه على عِلم بحالتها لكان ظن الكثير من الظنون، هز رأسه نفيًا بقوة ثم تنحنح يُنقي حنجرته ثم قال بصوتٍ حاول جعله هادئًا:
خديجة هو فيه حاجة ضايقتك؟ أو أنا زعلتك؟"
نظرت له مُتعجبة ثم هزت رأسها نفيًا وهي تُجبر شفتيها على الإبتسام ثم قالت:
لأ أبدًا مفيش.. أنا بـ..بس مش واخدة على الخروج كتير علشان كدا بس اتوترت شوية"
أومأ لها في هدوء ثم قال:
أنا أسف لو صممت إننا نخرج، بعد كدا ممكن نتقابل في البيت عندكم"
إبتسمت بتوتر ثم قالت:
لأ أبدًا متقولش كدا.. مفيش مشاكل"
إبتسم لها موافقًا ثم أوقف السيارة أمام منزلها، نظرت حولها أما هو خرج من السيارة ثم ذهب إلى جهتها ثم قام بفتح الباب لها نظرت له مُتعجبة فوجدته يمد كفه لكي تتمسك به وتترجل من السيارة..مسكت كفه بتوتر ثم نزلت من السيارة وحينما أوشكت على دخول البيت وجدته يمسك به بتملك ثم قال ببسمة هادئة:
أنتِ أمانة عندهم لحد ما تكوني في بيتي.. وعلشان أنا عاوزهم يحافظوا على الأمانة لازم أنا كمان أحافظ عليها، علشان كدا هوصلك لحد الشقة"
زحفت حُمرة الخجل إلى وجنتيها وكأن الدماء تسيل عليهما..ثم أخفضت رأسها بخجلٍ، ركبا المِصعد سويًا في جو مليءٌ بالتوتر من كليهما..وبعد مرور ثوانٍ توقف المِصعد أمام شقتها..قام بالضغط على زر جرس الباب..فتحت لهما والدتها وحينما رآت «ياسين» تهلل وجهها فَرِحًا ثم نظرت إلى كفيهما المتعانقين عندما لاحظت «خديجة» موضع نظر والدتها، سحبت كفها من كفه في هدوء، إبتسم هو بثبات فتحدثت والدتها قائلة:
وأنا أقول البيت نور ليه.. دا علشان ياسين هنا، اتفضل يا حبيبي إدخل"
هز رأسه نفيًا ثم قال بنفس بسمته:
أنا مُتأسف والله مش هقدر علشان أنا أتأخرت، مرة تانية"
هزت رأسها نفيًا ثم قالت بقوة:
لأ أبدًا متحاولش..هتدخل يعني هتدخل وحظك حلو عمك طه جوه يلا علشان ميزعلش"
نظر لـ «خديجة» فأومأت له بهدوء وكأنها تحثه على الدخول أومأ لها ثم دخل معها، جلس «ياسين» في غرفة الصالون، أما هي دخلت المطبخ مع والدتها ثم خرجت له بكوب عصير ثم قالت بهدوء:
بابا هيجي حالًا"
أومأ لها مُبتسمًا ثم قال:
مفيش مشاكل براحته.. أقعدي معايا أنتِ لحد ما يخرج"
نظرت له فوجدت نظرته كأنها تترجاها للموافقة، فلم تستطع الرفض أمام تلك النظرة لذلك جلست على المقعد الذي يقع بجانبه إبتسم لموافقتها، أما هي كانت تنظر للأرض ولم ترفع عيناها له، خرج والدها وهو يُرحب به، أما هي إستأذنت ثم دخلت غرفتها، وبمجرد دخولها غرفتها إرتسمت بسمة على شفتيها ثم إرتمت على فراشها وهي تُفكر في كلماته ونعومتها
___________
كان «وليد» طوال اليوم غارقًا في نومه من كثرة إرهاق الأيام الماضية عليه وكثرة التفكير، إستيقظ على صوت هاتفه وهو يصدح عاليًا برقم «طارق»، أمسك هاتفه ثم قام بالرد عليه بصوتٍ يظهر فيه أثر النوم وهو يقول:
خير يا طارق في إيه؟"
أجابه «طارق» بنبرة جامدة وهو يقول:
عاوزك بسرعة في شقتنا يا وليد إطلعلي"
إعتدل «وليد» على فراشه ثم قال:
بُص يا طارق لو هنزل وأختك تحرق دمي يبقى إنسى، علشان أنا ضغطي عالي وممكن اخرب الدنيا دلوقتي"
بنفس النبرة الجامدة تحدث «طارق» قائلًا:
ما تطلع يا وليد أنا هشحتك ولا إيه؟"
تحدث «وليد» بنفاذ الصبر وهو يقول:
تمام يا طارق هاخد دُش وأطلعلك أشوف أخرتها"
قام «وليد» ثم تحمم وتوضأ وقام بتأدية ما فاته من الفروض، ثم خرج من غرفته وجد والديه يجلسان سويًا، فتحدث والده بسخرية قائلًا:
يا أهلًا يا عريس، إيه هتنام لحد إمتى؟"
ردت عليه «مروة» بطيبتها المعهودة قائلة:
دا طلع عينه في ترتيبات كتب كتاب خديجة، وفي خطوبته المفاجأة دي كمان، سيبوا يرتاح"
إبتسم والده ثم قال بفخرٍ:
بس الواد وليد طلع جامد زيي مضيعش وقت وطلبها قدام الكل"
إبتسم له «وليد» ثم غمز له بفخرٍ مُماثل لفخر أبيه وهو يقول:
تربيتك يا حاج مُرتضى"
تحدثت والدته قائلة:
كدا نسبنا محمود و محمد، يارتني ما كنت رضعت خديجة"
نظر لها «وليد» ثم قال:
يمكن من مصلحتها إنك ترضعيها علشان ربنا يكرمها بياسين، الله أعلم لو كان واحد فينا إتجوزها كان إيه الوضع دلوقتي"
أومأ له والديه في موافقة فتحدث «وليد» وكأنه تذكر لتوه قائلًا:
صح هو وئام راح فين؟ أنا صليت الجمعة ونمت وهو نام قصادي"
تحدثت والدته قائلة:
خد مراته ومشي هيقعد يعمل إيه بقى"
أومأ لها ثم ذهب إلى المطبخ لكي يقوم بإعداد قهوته... في الأعلى في شقة «خديجة» كان «ياسين» جالسًا مع والدها بعدما رحب به بشدة وفي وسط الحديث سأله «طه» بإحراج وهو يقول:
أنا أسف يا حبيبي.. بس أنا عاوز أسألك على حاجة"
أومأ له «ياسين» موافقًا ثم قال:
طبعًا يا عمي إتفضل"
تنحنح يُنقي حنجرته ثم قال:
هي خديجة زعلتك النهاردة، أو قالت حاجة ضايقتك؟"
نظر له «ياسين» مُتعحبًا ثم قال:
ليه يا عمي بتقول كدا؟"
وبنفس النبرة المهتزة التي تحمل الإحراج في طياتها قال:
لأ أبدًا يا حبيبي، هي بس طيبة أوي وعلى نياتها أوي أوي فممكن تكون قالت حاجة تزعلك"
رغم تعجب «ياسين» من حديث والدها إلا إنه قال بثبات وصدق:
لأ أبدًا يا عمي محصلش حاجة تزعلني وحتى لو حصل حاجة تزعلني منها أنا أقدر أتعامل مع مراتي من غير ما حد يتدخل بيننا"
شعر «طه» بالإحراج من حديثه فتصنع الثبات وهو يقول:
ربنا يكرمك يا حبيبي ويتمملكم علي خير"
أومأ له «ياسين» وهو يؤمن وراء الدعاء ثم إستأذن منهم جميعًا لكي يرحل بعد محاولات فاشلة في إقناعه بالجلوس أكثر لكنه أصر على الذهاب وعلى أن يكون اللقاء قريب، خرج «ياسين» من الشقة ثم ركب المصعد، كان «وليد» يشعر بالإرهاق في جميع أنحاء جسده لذلك لم يستطع الصعود حتى ولو طابق واحد فضغط على زر المصعد لكي ينقله إلى شقة «طارق» توقف المصعد أمام شقة «وليد» فتح الباب فتفاجأ بـ «ياسين» داخله نظرا كلاهما إلى بعضهما البعض بتعجب فتحدث «ياسين» قائلًا:
رايح فين كدا يا وليد؟"
أخذ «وليد» نفسًا عميقًا ثم قال مُردفًا:
طالع عند خطيبتي ، ولا أنتَ بس اللي مسموح لك تزور خطيبتك؟"
نظر له «ياسين» مُتفحصًا بتعجب، فكان «وليد» يرتدي تيشيرت من اللون الرمادي على بنطال رياضي من اللون الأسود و نِعال بيتي نفس لون التيشيرت وشعر غير مرتب على الرغم من نعومته، فتحدث بسخرية قائلًا:
طالع تزور خطيبتك كدا؟"
بنفس السخرية رد عليه «وليد» قائلًا:
هو أنا لازم ألبس بدلة يعني علشان أطلعلها؟"
علم «ياسين» أنه يرمي عليه بحديثه فأخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
مش دا المهم دلوقتي، المهم عاوزين نروح لهناء"
تعجب «وليد» من طلبه فسأله مستفسرًا:
نروح لـهناء ليه ؟في حاجة حصلت؟"
قص عليه «ياسين» تغيراتها وبتدل تعابير وجهها مع التحفظ على بعض التفاصيل الخاصة بهما و بعلاقتهما سويًا، فربت «وليد» على ذراعه ثم قال:
خلاص بكرة بعد الشغل نروح سوا، أنا بخلص الساعة ٥ كدا"
أومأ له «ياسين» ثم قال:
تمام يبقى الساعة ٦ أو ٦ ونص بالكتير نتقابل"
وافقه «وليد» في حديثه ثم ودعا بعضهما البعض، صعد «وليد» شقة عمه وجد «طارق» في إنتظاره، ألقى عليه التحية ثم جلس بجانبه أما عمه وزوجته فنزلا سويًا ليجلسا مع باقي أفراد العائلة كعادة لهم، يجتمعون في شقة المناسبات ليلًا، كان يبحث بعينه عنها فتحدث «طارق» بصوتٍ منخفض وهو يقول:
بص أنا مش عارف هي حصلها إيه؟ بس هي كلامها النهاردة كان غريب أوي، وقالت إنها قررت تديك فرصة تانية، حتى قالت إنها هتنسى الرسالة اللي شافتها"
تعجب «وليد» من حديثه فقال مُستفسرًا:
ودا لوحدها كدا ولا أنتَ قولتلها على هدير؟"
حرك «طارق» رأسه نفيًا ثم قال:
لأ مجبتش سيرة عن هدير خالص، بس إتكلمت معاها إنها ممكن تندم لو ضيعتك من إيدها"
أومأ له «وليد» ثم ربت على فخذه بإمتنان ثم قال:
ربنا يباركلي فيك يا طارق"
إبتسم له «طارق» ثم تحدث بصوتٍ عالٍ لكي يصل إلى شقيقته:
عــبــلـة، وليد هنا هاتي الشاي وتعالي"
في الداخل توترت «عبلة» قليلًا بعدما تذكرت حديثه بالأمس وإعترافه أمام أخويهما، لكنها هدأت نفسها ثم تصنعت الثبات وبعضٍ من الشجاعة الواهية ثم أخذت الأكواب وخرجت بعدما ضبطت من وضع حجابها، خرجت وهي تحمل صينية بها أكواب من العصير و صحون صغيرة بها قطع من الكيك الذي يحبه «وليد» وبمجرد إقترابها منهما ، نظرا إلى بعضهما البعض بخبثٍ فهي أحضرت كل ما يفضله «وليد» وضعت الأشياء من كفيها من جلست بجانب «طارق» ثم تحدثت بصوتٍ هاديء وهي تقول:
نورت يا وليد"
لو أقسم الجميع لـ «وليد» أنه سيأتي اليوم الذي تعامله به «عبلة» بهذه الطريقة ما كان ليصدق أحدًا منهم، لكن ما يراه الآن حقيقة وهي حقًا تعامله بلطفٍ كما أنها حرصت على إحضار ما يفضله، كانت تنظر له بضيق لأنه لم يرد على جملتها، عندما لاحظ «طارق» صمته وكزه في كتفه ثم قال:
ما ترد عليها يا حيوان، إحنا ما صدقنا"
هز «وليد» رأسه بقوة ثم إبتسم ببلاهة وهو يقول:
قولي اللي قولتيه تاني كدا يا عبلة؟"
نظرت لأخيها فهز كتفيه كأنه يقول لها:
مفيش حل تاني"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت ببمسة هادئة:
نورتنا يا وليد"
بادلها نفس البسمة ثم قال:
والله ما حد منور غيرك، دا نورك غطى على نور البيت كله"
وكزه «طارق» برفق ثم قال:
مش للدرجة دي أنا مش قاعد نجفة وسطكم"
نظر له «وليد» ثم قال:
ياعم مرة من نفسي،أنا بقالي سنين بتمنى اللحظة دي"
نظرت له «عبلة» وهي تستشف صدق نظرته وحديثه وفي تلك اللحظة عاهدت نفسها أنه إذا حتى كان معجب بـ«هدير» من قبلها ستنسى كل ذلك وتبدأ معه من جديد، خرجت من شرودها وعادت إلى الواقع ثم قامت لكي تعطي «وليد» العصير و الطبق الخاص به، أخذهم منها وهو يبتسم بحب ثم قال:
أنتِ جايبة فراولة مخصوص ليا؟"
أومأت له بهدوء وهي تبتسم ثم أعطت «طارق» العصير الخاص به، ثم جلست وأمسكت الكوب الخاص بها وكان من نفس شكل كوب «وليد» حتى إنه نفس نوع العصير، فتحدث «وليد» بخبثٍ:
كمان نفس شكل الكوباية، ونفس العصير؟ دا أنتِ واقعة خالص"
نظرت له بحنقٍ بينما «طارق» مال على أذنه وهو يقول بصوت منخفض:
تصدق بالله أنتَ مينفعكش غير المعاملة الزفت اللي كانت بتعاملها لك"
إبتسم له «وليد» ثم قال:
يا عم بهزر مع خطيبتي الله، وحياة أمي لولا خوفي من جنانها كنت كتبت الكتاب إمبارح"
تحدثت هي بضيقٍ منه قائلة:
ما تحترم نفسك بقى إيه جنانها دي؟"
نظر لها بحب ثم قال:
خلاص يا ستي، ست العاقلين كلهم حلو كدا؟"
أومأت له في رضا ثم عادت تمسك بالطبق مرةً أُخرى، أما هو إبتسم بسعادة بالغة لوصوله لهذه النقطة في علاقته معها.
______________
أثناء قيادة «ياسين» للسيارة وصله مكالمة هاتفية من رقم «خالد» يطلب منه القدوم لمنزل «ميمي» لكي يجلس معهم، لم يستطع الرفض، لذلك غير وجهته وذهب إلى شقة «ميمي» وعند دخوله الشقة وصل إليه صوت «عامر» وهو يُهلل فَرِحًا بعدما ربح «ياسر» في لُعبة الأوراق الرقمية وما يُطلق عليها «الكوتشينة» دخل وألقى التحية على الجميع فلم يرد عليه كلًا من «ياسر» و «عامر» نظر لهما بتعجب ثم جلس بجانب «خالد» نظر له «خالد» مُتفحصًا فوجد علامات الإرهاق بادية على وجهه وكأنه يُصارع نفسه، فربت على كتفه وهو يقول بصوتٍ دافيء:
مالك يا ياسين شكلك تعبان أو مُجهد، في حاجة مزعلاك"
الحياة تُشبه البحر في غدره وقد تتفاجأ بصراعتها كما يُفاجئك الموج في تلاطمه، ولكن مايريح حقًا هو وجود الأصدقاء، حقًا صدق من قال:
الدنيا بحرٍ عالٍ وما الأصدقاء سوى طوق النجاة"
ربت «ياسين» على ذراع «خالد» بإمتنان ثم قال:
أنا كويس يا حبيبي متخافش، هو بس تعب الأيام اللي فاتت والتحضير لكتب الكتاب والتوتر كل دا تعبني شوية"
أومأ له «خالد» ثم قال:
ربنا معاك يا حبيبي ويريح قلبك"
نظر «ياسين» حوله فلم يجد «ميمي» فسأل عنها مُستفسرًا، فأجابه «خالد» قائلًا:
هي إستنتك تيجي ولما اتأخرت خدت علاجها وأنا دخلتها تنام"
أومأ له «ياسين» وقبل أن يتحدث مرة أخرى أوقفه صوت «ياسر» وهو يسأل «عامر» بسخطٍ قائلًا:
في إيه يا عامر ؟ دا سابع ولد تُقش بيه"
رد عليه «عامر» بضيق وهو يقول:
في إيه يا ياسر العيل بيجي برزقه يا حبيبي"
رد عليه «ياسر» بسخرية:
عيل إيه دا اللي بيجي برزقه يا أهبل أنتَ؟ أنتَ فاكر نفسك في حضانة الهُدى؟"
كل ذلك و «خالد» و «ياسين» لم يتمالكا نفسهما من الضحك، فتحدث «ياسر» وهو يقول وكأنه يحدث نفسه:
عَمال أقول أكيد في حاجة غلط أو أنا عديت الولاد غلط، بس لأ دا سابع ولد يظهر كدا كتير"
تدخل «خالد» بعدما أوقف ضحكاته وهو يقول:
يا عيني على أختي وحظها، أنا كدا هبدأ أخاف على ذكاء ولاد أختي من قبل ما أشوفهم"
ضحك الجميع على «ياسر» بينما تحدث «ياسين» قائلًا:
يعني تتلغبط في عدد الولاد يا ياسر ممكن تحصل يعني الولاد عددهم كتير، لكن غباءك وصلك إنك متاخدش بالك إنه لم الورق مرتين بنفس الكومي؟ يعني كوتشينة إيه دي اللي فيها أتنين كومي؟"
حديث «ياسين» لفت إنتباه «ياسر» بينما «عامر» نظر بذعر حوله من ردة فعل «ياسر» وفي خلال ثوانٍ كان «ياسر» مُمسكًا برقبة «عامر» من الخلف وهو يقول:
يا أخي هو ربنا خلقني علشان أنتَ تضحك عليا؟ قرفتني في عيشتي"
كان «عامر» يلوح بذراعه دون الإستطاعة في الحديث نظرًا لذراع «ياسر» الموضوع عند عنقه، تحدت «ياسين» يقول لـ «خالد»:
فكهم من بعض يا خالد وخلصنا"
أطاح له «خالد» برأسه ثم قال:
يا عم سيبك منهم دلوقتي ياسر يخاف ويسيبه هو دكتور وعارف بيعمل إيه"
وبعد ثانيتين ترك «ياسر» عنق «عامر» على مضدٍ ثم جلس على مقعده مرةً أخرى، أما «عامر» كان يدلك عنقه وهو يسعل بشدة وبعد فترة من الصمت تحدث «عامر» لـ «ياسر» وهو يقول:
يلا يا ياسر نلعب فورة تانية؟"
لم يستطع «ياسر» الرفض فشرعا الأثنين سويًا في اللعب من جديد تحت نظرات التعجب والدهشة من «خالد» و «ياسين» ، فسألهما «ياسين» وهو يقول:
هو أنتم كنتم بتلعبوا إيه ياض أنتَ وهو"
رد عليه «ياسر»:
مش كنا بنلعب إيه.. إحنا لسه بنلعب يعني فعل مضارع يدل على الاستمرار يوضح المعنى ويقويه"
تدخل «عامر» ليرد على حديث «ياسر» بسخرية وهو يقول:
فعل مضارع يوضح المعنى ويقويه ؟! ليه يا حبيبي هيشربه لبن ولا هيديله فيتامين c ؟
إسمها فعل مضارع يوضح المعنى ويؤكده بطلوا جهل بقى"
ضحك الجميع على حديث «عامر» بينما تحدث «ياسين» وهو يقول بسخرية:
يا سلام وطالما أنتَ جامد أوي كدا في العربي، دخلت سياحة وفنادق ليه؟"
أجابه «خالد» متدخلًا بخبث:
أصل كان بيحب ميس برديس بتاعة العربي أوي"
ضحك الجميع على تحول ملامح «عامر» بينما «ياسر» تحدث قائلًا:
الدرس كان الساعة ١٠ الصبح يوم الجمعة دا كان بيودينا بيتها من الساعة ٨ مش عارف ليه بس كنا بنروح نستناكم"
ضحك الجميع على تلك الذكريات المُحببة للقلب التي لولاها لكان الإنسان يبكي من فرط نضجه وحزنه على ما أودت به الأيام.
_______________
بعد إنتهاء جلسة الشباب في شقة «ميمي» قاموا بإوصاد البيت ومنافذه بأكملها مع تجهيز وتحضير كل ما تحتاج إليه في الصباح، ذهب كل واحدٌ منهم إلى بيته، عند عودة «ياسين» وجد بيته هاديءً بعد نوم والديه، دخل غرفته ثم قام بتبديل ثيابه وجلس على فراشه وهو مُمسكًا دفترها بيده يتفحصه ويقرأ كلماتها التي حفظها عن ظهر قلب بعدما كان على وشك مُهاتفتها لكنه خشي أن يكون الوقت مُتأخرًا بالنسبة لها مما قد يسبب لها مضايقة، لذلك لم يجد طريقة سوى دفترها تجعله يشعر بقربها منه، أما هي كانت في غرفة الصالون تجلس مع «وليد» بعدما ترك شقة عمه «محمد» كانت متوترة من طلبه وهي تشعر بالخجل منه ومن طلبه لكنه لم يترك لها فرصة للرفض وسحب الهاتف من يدها ثم قام بالضغط على رقم «ياسين» وعندما ظهر له الإسم المُسجل به رقم «ياسين» نظر لها مُتعجبًا ببعض الإشمئزاز ثم قال:
ياسين رياض الشيخ؟ ما تسجلي رقمه القومي بالمرة معاكي ولا حطي فصيلة دمه"
ضحكت على حديثه ثم قالت ببعض الشجاعة:
أومال هو إسمه إيه يعني؟ مش دا إسمه"
حرك رأسه بيأس ثم قال:
منك لله يا خديجة، أنتِ حلال فيكي إنك تعيشي زاهدة في الطبيعة كدا من غير شريك"
كان يتحدث وأصابعه تضغط زر الاتصال، عند «ياسين» عندما صدح صوت هاتفه توقع أنه أحد أصدقائه، وحينما نظر إلى الهاتف تهلل فَرِحًا ولم يستطع الإنتظار فقام بالموافقة على الرد حينها وضع «وليد» الهاتف على أذن «خديجة» ثم تركها وركض من الشقة بأكملها، حينما لاحظ «ياسين» صمتها تحدث قائلًا:
خديجة؟ آلو يا خديجة"
ضغطت على جفنيها بقوة ثم تحدثت بصوتٍ مهزوز وهي تقول:
أيوا..أنا خديجة"
إبتسم على إجابتها ثم قال بصوت مليء بالبهجة:
مانا عارف إنك خديجة، خير أؤمري"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بصوتٍ مهزوز:
هو يعني أنا..أنا يعني كنتـ..، بصراحة كدا كنت بطمن عليك وصلت ولا لأ، أتمنى مكونش أزعجتك"
خرجت كلماتها بسرعة كبيرة من فمها ولكنه إستطاع تمييزها فإبتسم ثم قال:
لو كل إزعاج في حياتي بالجمال دا يا رب أنزعج كل يوم"
حسنًا لقد عاد كما كان من قبل، أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
طيب الحمد لله إنك كويس"
سألها بخبثٍ مُستفسرًا:
وهو أنتِ بتحمدي ربنا علشان أنا بخير ليه؟ هو أنا قلقتك عليا أوي كدا؟"
ماذا تفعل هل تغلق الهاتف بوجهه أم تترك المكالمة وتذهب بعيدًا عن الهاتف، عادت من شرودها على صوته يقول بضحك:
طب خلاص أنتِ روحتي فين يا ست الكل، على العموم أنا متشكر على مكالمتك دي وعلى ذوقك دا"
ردت عليه بنفس النبرة المهتزة:
من العفو..عن إذنك بقى هنام علشان إتأخرت على معاد نومي..تصبح على خير"
إبتسم ثم قال بهدوء:
وأنتِ من أهله يا خديجة، وشكرًا مرة تانية على مكالمتك دي".
أغلقا الهواتف سويًا، هي كانت تفكر به وفي حديثه المعسول وطريقته المُحببة لقلبها، أما هو فشعر بالسعادة تغمر قلبه وكأنها علمت بحاله لذلك أطربت أذانه بصوتها قبل النوم"
______________
في اليوم التالي كانت الأمور طبيعية فكان كل فردٍ في عمله وملتزم بروتين يومه الطبيعي، وبعد إنتهاء عمل «وليد» سبق «ياسين» إلى عيادة الطبيبة «هناء» وبعد نصف ساعة تقريبًا وصل «ياسين» ، وبعد الترحيب ببعضهما البعض، صعدا سويًا إلى الطبيبة، وبعد الترحيب بهما من قِبل الطبيبة أخذ «ياسين» نفسًا عميقًا ثم قص عليها ما حدث في مقابلتهما والتغيرات التي طرأت عليها وعلى وجهها، مع الصراع الذي كانت تواجهه.
أخذت الطبيبة نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء مُردفةً:
بص يا أستاذ ياسين، خديجة دلوقتي بدأت تتقبل وجودك يعني بقى أمر واقع بالنسبة لها، دلوقتي بقى خديجة بتصارع نفسها تعاملك بطبيعتها اللي هي دفنتها من طريقة معاملة باباها ليها، ولا تعاملك بالطريقة الأخيرة اللي هي بتتعامل بيها مع الكل،وبين دي و دي هي كل خوفها إنها تتساب أو إنها تعشم نفسها بقربك وأنتَ تسيبها مرة تانية"
وافقها «وليد» في الحديث ثم قال:
هو دا بالظبط يا دكتورة اللي هي خايفة منه، بس فعلًا قلقها زاد أوي في الأخر"
أومأت له الطبيبة موافقة ثم قالت:
دا طبيعي، حياتها شبه إتبدلت في الفترة الأخيرة، يعني لقت نفسها في علاقة رسمية ومطلوب منها تجاهد للحفاظ على العلاقة دي، علشان متتعرضش لأي إنتقاد في طبعها أو شخصيتها، هي ممكن تبان شخصية غريبة بس هي غصب عنها"
أومأ لها «ياسين» وهو يزفر براحة ثم قال:
يعني الحل إنها تتعالج وإني أكون الداعم ليها..صح؟"
وافقته الطبيبة في حديثه، بينما هو نظر إلى «وليد» وكأنه يؤكد حديثه أنه لن يتنازل عن علاجها وحقه بها.
_____________
مرت الأيام التالية بهدوء على جميع حتى «خديجة» نفسها ولكن التغير الوحيد لها هي مكالمة «ياسين» لها أخر اليوم وفي يوم الاربعاء تحديدًا بعدما إنتهى «ياسين» من عمله وعاد إلى بيته..كان يتحدث مع «خديجة» هاتفيًا كعادته في الآونة الأخيرة فتنحنح بإحراج وهو يقول:
خديجة ينفع أطلب منك طلب؟"
تحدثت بصوت منخفض قائلة:
طبعًا إتفضل"
إستحسن ردها عليه فقال:
عاوز اقابلك بكرة ضروري، بس للأسف مش هينفع في البيت عندك"
شعرت بالتوتر من طلبه، فهي لم تملك القُدرة الكافية حتى تعيد لقاء المرة السابقة، ولكنها لم تستطع الرفض فقالت بنفس الهدوء:
ماشي يا ياسين مفيش مشاكل"
أوشك على الرد عليها، لكنه إنتبه إلى طريقة حديثها ولذِكر إسمه بين شفتيها فسألها بلهفة قائلًا:
أنتِ قولتي إيه؟"
شعرت بالخوف أن تكون وقعت في الخطأ أمامه فقالت:
أنا متأسفة لو قولت حاجة غلط"
هز رأسه نفيًا ثم قال ببهجة تلمأ صوته:
لأ أبدًا والله..كل الحكاية إنك قولتي يا ياسين من غير حضرتك ومن غير أستاذ ودي حاجة مفرحاني"
إبتسمت على حديثه ثم صمتت ولم تستطع التحدث مرة أخرى أما هو فتنهد براحة ثم قال:
المهم أنا بكرة هعدي عليكي زي المرة اللي فاتت، المهم إني هكلم عمي أستأذنه بكرة"
وافقت على طلبه وحديثه ثم أغلقا الهواتفق سويًا، جلست تُفكر في الغد وفي طلبه منها وفي كل ماهو آتٍ معه، في اليوم التالي وافق «طه» على طلب «ياسين» وكما المرة السابقة ذهب «ياسين» تحت بيتها بسيارته، نزلت «خديجة» وهي ترتدي بنطال من اللون الأسود قماشه فضفاض، وترتدي فوقه سترة من خامة الجينز وأسفل منه تيشيرت من اللون الأبيض وحجاب بنفس لون البنطال، كان الطقم رقيق عليها لدرجة كبيرة رغم بساطته إلا إنه كان محتشم يداري تفاصيل جسدها، وقفت أمامه وهي تبتسم بتوتر نتيجة إلتقائها به،وقف ينظر لها ثم قال:
مش عاوزة تعرفي رايحين فين؟"
هزت كتفيها ثم قالت بهدوء:
عاوزة بصراحة، وبرضه مُحرجة أسأل"
إبتسم لها ثم قال:
مشوار اللي جاي كله في حياتنا مبني عليه"
نظرت له بتوتر من حديثه ثم قالت بتوتر جليْ على صوتها قبل ملامحها:
طب المكان دا زحمة؟"
هز رأسه نفيًا ثم قال:
لأ متخافيش مش زحمة، بس ضروري نروحه سوا"
أومأت له موافقة، وكما المرة السابقة فتح لها باب السيارة لكي تجلس بجانبه، ركب سيارته وبعد فترة من القيادة أوقف السيارة أسفل البناية التي تقع بها عيادة الطبيبة، كان في تلك اللحظة متوترًا أكثر منها بكثير خوفًا من ردة فعلها القادمة، أما هي فنظرت حولها تحاول إستبيان المكان أو التوصل لسبب تواجدهما في هذا المكان، خرج من السيارة ثم ذهب جهتها وفتح لها باب السيارة، نزلت وهي تنظر حولها بخوف أما هو فنظر لها بثبات ثم قال:
أنا عاوزك تثقي فيا، وعاوزك تعرفي إن لو الدنيا دي كلها سابتك أو زعلتك أنا عمري ما أسيبك ولا أقدر أزعلك"
نظرت له بقوة ثم قالت بتوتر:
طب أنتَ ليه بتقولي كدا؟"
أمسك كفها بين كفه ثم قال:
هتعرفي لما نطلع فوق سوا، وخليكي فاكرة إني عمري ما آذيكي"
نظرت لموضع كفها بين كفيه بخجل وتوتر ثم أومأت له موافقة وهي كالمُغيبة، كانت تسير خلفه بهدوء وعينيها لم ترتفع من الأرض، أما هو كان يحتضن كفها بقوة وكأنها بذلك يبثها بعض القوة التي من المؤكد أنها خلال دقائق ستكون بحاجة إليها..في خلال ثوانٍ كانا يقفا سويًا أمام موظفة الاستقبال في العيادة وهي تخبره أن الطبيبة في إنتظارهما، توتر هو أكثر عند دخوله للطبيبة أما هي فلم تعي لما يدور حولها ولكنها ولأول مرة قررت الوثوق به لذلك لم تستفسر عن ذلك المكان ولا عن سبب وجودها به، دخلا سويًا للطبيبة، ورحبت بهما بوجهٍ بشوش..نظر «ياسين» للطبيبة حتى تبدأ حديثها، حاولت الطبيبة تنقية حلقها ثم بدأت تقص عليها سبب وجودها في هذا المكان، تحت نظرات «ياسين» المراقبة لها عن كثب وهو يرى تغيرات ملامحها وإنفعالتها، بعدما إنتهت الطبيبة من شرح الحالة توقعت غضب وثوران منها ولكن ماصدر منها هي نظرة منكسرة نظرت بها إلى «ياسين» ثم نكست رأسها للأسفل وهي تحاول التحكم في دموعها، نظر «ياسين» إلى الطبيبة ففهمت نظرته وإنسحبت من الغرفة بهدوء لكي تترك لهما المجال يفصحا سويًا عما بداخلهما، نظر لها بقوة وأيضًا لم تصدر أي ردة فعل عما صدر من الطبيبة، إقترب هو منها ثم أمسك كفيها بين كفيه وهو يشدد من مسكته ثم قال بصوتٍ متأثر:
خديجة.. قولي أي حاجة، قولي إننا كدابين، قولي إنك كويسة وإحنا اللي مرضى نفسيين قولي أي حاجة غير السكوت"
رفعت رأسها وهي تنظر له بنفس النظرة المنكسرة ثم قالت بصوتٍ بالكاد وصل إلى مسامعه:
هو أنتَ عرفت إزاي وإمتى؟"
على الرغم أن هذا السؤال غير متوقع بالنسبة له، إلا أنه أجابها بثبات وهو يقول:
من تاني مرة شوفتك فيها، قلقك بان أكتر من المرة الأولى ولما سألت وليد هو اللي قالي"
نظرت له بعمقٍ أكثر ثم قالت:
و..وهو و..وليد عارف باللي عندي كله"
أومأ لها «ياسين» ثم قص عليها ما قام «وليد» بفعله من أجلها ثم أضاف قائلًا:
وصدقيني أنا معاكي وهكمل مكان وليد، وحتى لو والدك رافض أنا موجود، أنتِ مراتي يعني من حقي أقرر اللي في مصلحتك"
وعلى عكس المتوقع وقفت متأهبة وهي تبكي ثم قالت:
ليه أنتَ اللي تتحمل نتيجة أفعاله؟ ليه أنتَ اللي تشيل مسؤولية هو إتخلى عنها، أنتَ معقبتنيش ولا ضربتني ولا إتريقت عليا قصاد العيلة كلها، ولا حبستني في أوضة ضلمة علشان حاجة أنا معملتهاش أصلًا؟"
وقف قبالتها ثم قال بحب:
أنا هتحمل علشانك أنتِ، علشان عاوزك معايا في العمر اللي جاي عليا..عاوزك معايا شريكة لعمري وحبيبتي وأم لعيالي بس قبل كل دا عاوزك فرحانة عاوزك تنسي كل اللي زعلك في يوم ونبدأ من جديد حياة أنا وأنتِ مأسسينها صح."
نظرت له بعدما مسحت آثار أدمعها ثم قالت:
وأنا واحدة مسجونة في أوضة الذكريات الضلمة، هتستحمل تسجن نفسك معايا؟"
إقترب منها ثم أخذها بين ذراعيه وهو يقول بنبرة خرجت من فم عاشق قائلًا:
حتى لو هتسجن معاكِ، السجن في وجودك بَراح يا خديجة"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل العشرون 20 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل العشرون
الفصل العشرون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
________________
يحتاج الإنسان إلى وطن في هيئة إنسان، و بلد في صيغة ضلوع، وحياة ملخصة في حي، وجنة حدودها ذراعان.
_____________
على الرغم من وسع العالم وكبرهِ إلا إنه في بعض الأحيان لم يتقبلك، حتى أنه لم يسعك ولا يستطع إحتوائك، في نفس الوقت الذي تجد به ذراعان على الرغم من ضيقهما إلا أنهما ملجأ أمان لقلبك.
حتى لو هتسجن معاكِ، السجن في وجودك بَراح يا خديجة"
تلك الجملة التي قالها بصوتٍ مُـحب يحمل الصدق في طياته، أما هي خرجت من بين ذراعيه ثم نظرت له بتوتر وهي تقول بخجل:
أنتَ...أنتَ قولت إيه؟"
تنهد بأريحية كبيرة قم قال:
حتى لو هتسجن معاكِ السجن في وجودك بَراح يا خديجة ، أنا مش عاوز في الدنيا دي غير وجودك بس وإنك تكوني مبسوطة"
كانت تنظر له بقوة ثم بكت مرة أخرى وهي تقول:
ليه..وعلشان إيه"
وضع كفه بشير نحو موضع قلبه ثم أضاف مستطردًا حديثه وهو يقول:
علشان دا اللي أختارك..علشان
دا اللي من أول مرة شافك فيها عرف إنك الشخص الصح"
نظرت له بقوة وحديثه يتردد في أذنيها، فوجدته يمسك كفها بين كفيه وهو يقول مُطمئنًا لها:
أنا موجود معاكي هنا علشانك أنتِ..علشان كل اللي فات في حياتك تنسيه ونبدأ سوا من جديد..ودلوقتي لو أنتِ موافقة هطلع أجيب الدكتورة"
أنهى حديثه ثم نظر لها لكي يرى التخبط في ملامحها جليًا بوضوح فأضاف مُكملًا:
ولو مش عاوزة برضه براحتك يا خديجة أنا عمري ما هجبرك..بس هتبقي أنتِ اللي بتختاري الخوف طول عمرك"
رفعت رأسها بقوة تنظر له، فوجدته يومأ لها برأسه بقوة وكأنه يؤكد حديثه،
فتحدثت بصوتٍ مهزوز وهي تقول:
طب ولو فشلت؟ أو منفعش هعمل إيه؟"
هز كتفيه وهو يقول:
مش عيب إنك تفشلي..العيب بجد إنك تخافي من الفشل فمتحاوليش..أنا موجود وأنتِ عمرك ما هتفشلي، هاه أطلع أجيب الدكتورة؟"
إبتسمت له بتوتر ثم أومأت برأسها توافق على حديثه، أما هو بمجرد موافقتها تركها وخرج من الغرفة لكي يجلب الطبيبة
دخلت الطبيبة ثم قالت بهدوء مع إحتفاظها ببسمتها الهادئة:
ها نبدأ يا خديجة؟"
نظرت له «خديجة» فوجدته يومأ لها برأسه بقوة وكأنه يحثها على القبول، فأعادت بصرها تجاه الطبيبة ثم قالت:
نبدأ"
________________
في بيت آلـ «رشيد» كانت «مُشيرة» جالسة في شقتها وهي مُمسكة بصورة إبنتها «جميلة»
كانت تنظر للصورة بعمقٍ، وعنوةً عنها فرت دموعها على وجنتيها ولم تستطع منعها أو التحكم بها، فقامت بإحتضان الصورة وهي تبكي ، وبعد فترة من البكاء مسحت دموعها ثم شردت في ماضٍ بعيد وتحديدًا في ذلك اليوم المشؤوم من وجهة نظرها
(منذ عدة سنوات):
بعد ما قامت «مُشيرة» بإعطاء الصور و الخطابات لـ «زينب» لكي تتخلص من تلك الأشياء التي تحول بينها وبين حياتها الزوجية مع «حسان» و إبنتها «جميلة»، فقد كانت حياتها مليئة بالملل لم تستطع تقبل زوجها و ظلت عالقة في ماضيها وحينما وصلتها الصور والخطابات قررت التخلص من تلك الأشياء، وبدء حياة جديدة مع زوجها وإبنتها ولكن ماحدث كان عكس ما توقعته تمامًا، ففي صباح اليوم التالي حينما إستيقظت لكي تقوم بإيقاظ صغيرها لكي تقوم بتوصيلها إلى روضة الأطفال تفاجات بخلو فراش الصغيرة منها وكذلك زوجها لم يكن له أثرًا في البيت، ركضت تبحث عنهما في الشقة بأكملها فلم تجد ما يريح قلبها ، كما أن خزانة الملابس الخاصة بزوجها و أيضًا بصغيرتها كانتا فارغتان، لم تستطع تقبل ما حدث وظلت تجول في الشقة ذهابًا و إيابًا وهي تبكي بحرقة إلى أن وجدت ورقة متروكة على طاولة السُفرة مدونة بخط يد «حسان»،
حينما رآت تلك الورقة ركضت إليها وأخذتها بيدٍ مُرتجفة وحينما وقع بصرها على حروف الخِطاب صرخت بأعلى صوتها، وكأنها رآت إحتضار أعز ما تملك أمام عينيها فكانت كلمات الخِطاب عبارة عن:
صباح الخير يا مُشيرة..من المؤكد إنك هتصحي من النوم مش هتلاقيني أنا وبنتك بس علشان أريحك ومطولش عليكي أنا مشيت وسيبتلك الدنيا كلها علشان انا عمري ما أقبل إني أكون بديل ولا أقبل إن مراتي تكون معايا وبتفكر في حد تاني، الجوابات والصور وصلتلي وشوفتها بعيني وأنا علشان راجل وعندي كرامة كان ممكن أموتك وأرتاح وأريح نفسي، بس أنا خدت بنتي ومشيت وكدا أنا بموتك ألف مرة في اليوم يا مُشيرة وعلى قد ما حبيتك على قد ما كرهت اليوم اللي عيني بصتلك فيه...ورقتك هتوصلك كمان كام يوم..أنتِ طالق يا مُشيرة"
بعد قراءة ذلك الخِطاب صرخت صرخة مدوية أتى على أثرها أفراد العائلة الكبار، أما أبناء العائلة فتم توصيلهم للمدارس
خرجت من شرودها في رحلة الماضي وهي تنظر أمامها بحقدٍ وغضب تِجاه «زينب»، لذلك أقسمت على الإنتقام منها في فرحتها بإبنتها وبزواجها، لذلك قامت بمهاتفة «هدير» لكي تُفكر معها في أخذ حقها منهما.
_________________
في شقة «طه» نظر حوله بهدوء يبحث عنها بعينيه، وحينما رآت زوجته تلك النظرة سألته مُستفسرة:
بتدور على مين يا طه؟"
إنتبه «طه» لـ سؤال زوجته فقال مُردفًا:
لأ أبدًا، هي خديجة لسه مجاتش؟"
أومأت له بهدوء ثم قالت:
أيوا يا طه لسه مجاتش خير؟، دي واحدة مكتوب كتابها وإتعمل إشهار لجوازها معترض على حاجة"
هز رأسه نفيًا ثم قال:
لأ يا زينب ، بس أنا خايف علشان هي مش بتخرج كتير وبتتلغبط دايمًا، خايف بس تخاف زي ما علطول بتخاف هنا"
نظرت له نظرة ذات مغذى إلتقطها هو على الفور، ثم تبعت نظرتها بقولها:
وهو مين السبب في دا يا طه مش أنتَ؟ مين اللي خلاها جبانة وخوافة كدا مش أنتَ؟ مين اللي علطول يزعقلها لو إتكلمت قُصاد حد مين اللي فهمها إن الخروج عيب وإن الصحاب غلط مش أنتَ يا طه؟"
كان حديثها جارح كنصل السكين ، فلم يستطع تحمله أكثر من ذلك فصرخ بوجهها وهو يقول:
خلاص يا زينب عرفت إن أنا السبب، عرفت إن أنا اللي دمرت حياة بنتي ، بس أنا عملت كدا من خوفي عليها يا زينب خوفت كلام مشيرة يكون صح إن..."
صمت ولم يستطع الإسترسال في حديثه أكثر من ذلك ، أما زوجته فنظرت له نظرة مُعاتبة ثم قالت:
كمل يا طه وقفت ليه ؟ خوفت كلام مُشيرة عني يكون صح ؟ خوفت إن بنتي تتربى على إيدي وتطلع خرابة بيوت زيي صح"
أوقف حديثها وهو يقول:
لأ يا زينب أنا خوفت إن هي اللي من كتر كلامها عن بنتي تطلع كدا فعلًا ، خديجة طول عمرها كانت بتغلط وإحنا متجمعين وكلهم إتلكموا عن شقاوتها كتير"
نظرت له «زينب» ثم أردفت بحزن قائلة:
أنا مش مسمحاك يا طه على اللي عملته في بنتي ولا هقدر أسامح أختك على اللي عملته في بنتي ،إنما إفترا أختك عليا دا أنا وكلت ربنا يجبلي حقي فيه"
أمسك كفها ثم قال:
وأنا مصدقك يا زينب واللّٰه وعارف إن أنتِ متعرفيش حاجة عن اللي وصل لـ حسان ، والدليل على كدا إن لما مُشيرة طلبت مني أطلقك أنا إتمسكت بيكِ وبوجودك في حياتي"
نظرت له بحزن دفين وكأن السنوات الماضية تَمُر أمام عينيها وهي تقول:
ساعتها أنتَ إتمسكت بيا علشان عيالك يا طه"
هز رأسه نفيًا بقوة ثم قال:
لأ طبعًا أنا إتمسكت بيكِ علشانك أنتِ يا زينب، علشان وجودك وعلشان أنا بحبك والدليل على كدا من ساعة اللي حصل عمري ما فتحته تاني وقفلنا عليه"
إبتسمت بسخرية ثم قالت:
أنتَ صحيح مفتحتش الموضوع تاني، بس طلعته علينا أنا وخديجة عصبية ونرفزة، جبت لبنتي عقدة من الحياة يا طه"
شعر بالحرج من حديثها فقال بهدوء لكي يغير مجرى الموضوع:
كل دا هيتنسي يا زينب وخديجة ربنا هيعوضها ، أنا واثق في كرم ربنا ثم ياسين وحاسس إنه فعلًا يستاهلها".
_______________
في عيادة الطبيبة النفسية كانت الطبيبة منتظرة هدوء «خديجة» وهذا ماحدث بالفعل بسبب وجود «ياسين» بجانبها وبعد فترة من الصمت قطعتها الطبيبة قائلةً:
بُصي يا خديجة في ناس من صغرهم بيتم برمجتهم على إنهم يتصرفوا بطريقة مُعينة، ويتكلموا بطريقة مُعينة حتى مشاعرهم كمان بيتم برمجتها على مواقف معينة ، في الأخر بقى بيكونوا زي المسجونين لطريقة تصرف معينة وتفكير معينة ودا في الأخر بيخلينا نشوف إرتفاع نسب الطلاق وناس كتير بتعاني من الصداع المُزمن نتيجة لصراع أفكارها"
نظرا لها كلًا مِن «خديجة» و «ياسين» بتعجب، وحينما رآت هي نظرات الإستنكار منهما، أضافت قائلة:
كل اللي فات دا بيكون سبب في التصرفات السلبية اللي الشخص بيتصرف بيها لأن البرمجة هنا برمجة سلبية، ودا اللي حصل معاكِ يا خديجة من خلال طريقة تصرف والدك معاكِ"
على الرغم من توتر «خديجة» إلا أنها تحدثت بتوتر وهي تقول:
يعني إيه مش هينفع أغير الطريقة دي؟"
إبتسمت لها الطبيبة ثم قالت بهدوء مُردفةً:
لأ طبعًا..إحنا مش بس ممكن نغير الطريقة دي إحنا كمان ممكن نغير كل دا لمصلحتنا، ونستغل الطاقة اللي عندك دي في تحقيق نتايج كتيرة مُذهلة"
بنفس التوتر المصاحب لها إبتسمت وهي تومأ برأسها للـطبيبة وهذا ما لفت نظر «ياسين» لشيءٍ ما ، فتدخل وهو يقول:
خديجة هو أنتِ كنتِ عارفة إنك عندك رُهاب إجتماعي ومشاكل في التواصل مع المجتمع؟"
أومأت له بخجل ونظرة مُنكسرة ثم أطرقت برأسها للأسفل، فنظر هو للطبيبة وكأنه يستفسر منها.
حينما نظر لها سألتها الطبيبة مُستفسرة:
خديجة ممكن تقوليلي أنتِ عارفة منين؟"
أخذت «خديجة» نفسًا عميقًا ثم قالت وهي تفرك كفيها بإنفعال حتى أوشكت على تمزيقهما:
لما لقيت الأعراض كتير ..و.. علطول خوفي ملوش مُبرر وكمان الرعشة والصداع ومش بقدر أتكلم مع حد..دا...دا غير خوفي من النزول أو الشغل وبان أكتر خوفي دا في الجامعة لما بقيت أخاف أروحها ساعتها أنا عرفت لما دورت على النت بس خوفي كان أكبر مني إني أعترف لنفسي بحاجة زي دي"
وأثناء حديثها توقفت وهي تأخذ نفسها ولكنها بكت بقوة ثم قالت:
أنا مش ذنبي والله...بس علطول كنت بتعرض للإنتقادات بسبب شكلي وطريقتي وإني معنديش صحاب وإني كل حاجة في حياتي مش زي اللي في سني، ولما كنت صغيرة كان علطول يزعقلي ويقولي على كل حاجة عيب وغلط لحد مابقيت أخاف حتى أتكلم"
كان «ياسين» يراقبها بقوة وينظر لحركة كفيها فعلم أنها في ذروة توترها الآن، لذلك نظر للطبيبة وكأنه يطلب منها إنهاء هذه الجلسة.
أومأت له الطبيبة ثم قالت بهدوء:
طب تمام يا خديجة كويس أوي كدا النهاردة، هنتقابل مرة تانية إن شاء الله وصدقيني مفيش حاجة صعبة ولا حاجة تقلق، الرُهاب الإجتماعي والإنطوائية علاجهم مش بياخد وقت يعني ممكن أقصى فترة توصل لـ ٦ شهور وطبعًا دا بناءً على الحالة نفسها وعلى الدعم اللي هياخده من الناس اللي جنبه"
أوقفت الطبيبة حديثها ثم نظرت لـ «ياسين» لكي تكرر حديثها وهي تقول:
وأنا متأكدة إن أستاذ ياسين هيكون له دور مهم جدًا معانا في الرحلة دي"
أومأ لها «ياسين» مؤكدًا ثم قال:
أنا هعمل أي حاجة علشانها وعلشان هي تكون مبسوطة"
نظرت له «خديجة» بعد جملته تلك ، فوجدته ينظر لها موافقًا وكأنه يؤكد لها صدق حديثه.
_______________
في شقة «طارق» وصله مكالمة هاتفية من «وئام» فدخل الشرفة لكي يستطع التحدث معه، وحينما وصله طلب «وئام» تحدث بضيق وهو يقول:
يعني إيه يا وئام ما أنتَ عارف الجمعة أجازة لينا ، هو لعب عيال؟"
رد عليه «وئام» من الجهة الأخرى:
أعمل إيه بس يا طارق ؟ حسن مش هيكون موجود علشان سنوية وفاة مراته، وأنا بكرة أخر النهار هروح المطبعة علشان آكد على التصميم بعد ما يتعدل، كل اللي عاوزه منكم أنتَ وأحمد ووليد بكرة تكونوا في الشركة تظبطوا التصميمات وتراجعوا عليها قبل الطباعة، علشان الافتتاح ميعاده إتقدم"
نفخ «طارق» وجنتيه بضيق ثم قال:
ماشي يا وئام، أنا هعرف أحمد و وليد ويارب يوافقوا وميقولوش أجازة"
وافقه «وئام» في الحديث ثم قال:
تمام يا طارق ومتقلقش كل حاجة هتبقى تمام ، هو بكرة بس وخلاص، ودي مش أول مرة نتعامل معاهم هما معانا من أول ما فتحنا الشركة دي"
أغلق «طارق» الهاتف مع «وئام» ثم قام بمهاتفة «وليد» لكي يخبره بموعد الغد، وكما توقع تمامًا تحدث «وليد» بحنقٍ وهو يقول:
بقولك إيه يا طارق بكرة أجازة خلينا نرتاح شوية من اللي أنتم عاملينه فينا طول الأسبوع"
علم «طارق» أن الحديث معه لن يُجدي نفعًا فقال بهدوء:
بص هو بكرة تكونوا معايا فيه وأنا والله هديكم يومين أجازة بعدها حتى المطبعة أنا اللي هتواصل معاها والله"
كان عرضه مُغري لدرجة كبرى لم يستطع «وليد» رفضها فقال بهدوء:
ومحدش يطلب مني أراجع على الشغل وأنا في البيت؟"
وافقه «طارق» وهو يقول:
والله ماحد هيطلب منك شغل في البيت"
وافقه «وليد» بسرعة كبيرة وحماس لم يستطع السيطرة في إخفائه وهو يقول:
بكرة الصبح هكون قدامك وأحمد أنا هقنعه".
_________
في شقة «مُشيرة» كانت جالسة مع «هدير» وهي تقص عليها مشاعر الغيرة والحقد من إبنة أخيها و والدتها، فتحدثت «هدير» بخبثٍ وهي تقول:
والله يا عمتو أنا مش عارفة أنتِ تاعبة نفسك ليه على الفاضي، هو مش هيستحمل خديجة أكتر من كدا، دي واحدة مُعقدة يا عمتو"
نظرت لها عمتها بسخرية ثم قالت:
والله ما حد هيموتني غير برودك يا هدير، ماخلاص كتب الكتاب وبعدين مشوفتيش كان ماسك إيدها إزاي في كتب الكتاب؟"
هزت «هدير» كتفيها ثم قالت:
مش عارفه بقى بس هو أي حد عاقل مش هيعرف يتعامل معها خصوصًا شكله إبن ناس ونضيف"
ردت عليها «مُشيرة» بضيق:
يعني المفروض أعمل إيه أفضل مقهورة على بنتي وحياتي كدا؟"
هزت «هدير» رأسها نفيًا ثم قالت:
لأ ، إحنا نعزمه هنا في العيلة نتعرف عليه بما إنه بقى فرد من العيلة ونعرف كمان أختار خديجة ليه؟"
أومأت لها عمتها وهي تبتسم بخبثٍ ثم قالت:
حيث كدا أقولهم في العيلة بقى نحضر يوم علشان نتعرف عليه"
_______________
بعد خروجهما من العيادة النفسية كانت ملامحها متوجمة بشدة وكأنها تبدلت، ولكن على الرغم من ذلك كان هناك طمأنينة غريبة تسكن ملامحها وكأنها بذلك أراحت عقلها من الخوف حينما يعلم بأمر إضطراباتها، ركبا السيارة سويًا وهي لم تتفوه بـِحرفًا واحدًا، نظر لها بعدما ركبا السيارة و شَرَعَ هو في القيادة وجدها ساكنة كطفلٍ صغير ينفذ تعليمات والديه، فنظر أمامه مرةً أُخرى، وبعد مرور دقائق من القيادة أوقف السيارة أمام نهر النيل ، لاحظت هي سكون السيارة فنظرت له وجدته ينظر لها مُبتسمًا، لم تتفوه بـِحرفًا بل نظرتها هي التي قالت كل شيء ، حيث خرجت نظرتها مُستفسرة عن وقوفهما، تنهد هو بعمقٍ ثم قال مُردفًا:
تعالِ نقعد شوية نرتاح من التوتر اللي كنا فيه النهاردة دا قُدام النيل"
حركت رأسها وكأنها تسأله، فقال هو مُردفًا لها:
علميًا المناظر الطبيعية ليها تأثير قوي جدًا في التخلص من التوتر والخوف، وأنا عارف إننا أتوترنا كتير النهاردة"
قال جملته ثم فتح باب السيارة وخرج منها، ذهب تجاهها وقام بفتح الباب من جهتها، نظرت له متعجبة فوجدته يمد كف يده لها وهو يقول:
هاتي إيدك في إيدي ويلا نقعد شوية قُدام نهر النيل ، ولا يرضيكي يعني أروح لأمي وأنا متوتر كدا بعد ما كنت نازل من بيتنا شاب زي الورد؟"
عنوةً عنها رُسمت بسمة بسيطة على شفتيها ثم مدت كفها تحضن كفه، قبض على كفها بقوة ثم أغلق باب السيارة ، وعلى غِرار المرة السابقة وفي نفس المكان ونفس درجات السلم نزلا سويًا ثم جلسا على نفس المقاعد، نظرت هي أمامها ثم أغلقت أعينها بقوة وهي تأخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجته بتروٍ وكأنها بذلك تُخرج ما يُجيش به صدرها، نظر هو لحركتها تلك بمراقبة وكأنه يعلم ماذا تفعل
إنتظر مرور عدة ثواني ثم قال بهدوء:
ها أحسن دلوقتي؟"
نظرت له بإمتنان ثم قالت:
الحمد لله أحسن كتير"
هز رأسه موافقًا لها ثم قال:
أنا آسف لو كنت عرضتك لموقف مُحرج النهاردة، أو خليتك تواجهي حاجة أنتِ مش مستعدة لها"
نظرت له بقوة وهي تُفكر هل يمكن أن يكون هناك شخصًا يحمل كل ذلك الحنان في قلبه؟ هل يمكن أن يكون هناك مَن يرى أقل تصرفاته ويحاسب نفسه عليها؟ كيف وهي من إعتادت على تلقي اللوم والعِتاب على تصرفاتها، حتى أنها توقعت منه المعاتبة على عدم مصارحتها له بحقيقة إضطراباتها و رُهابها.
لاحظ هو صمتها فقال:
ياست الكل روحتي فين؟"
نظرت له بعمقٍ في عينيه ثم قالت بهدوء:
هو أنتَ إزاي كدا؟ إزاي مصمم تخليني أحس بالذنب ناحيتك ، ليه بتعاملني كدا ومخليني أحس أني بظلمك معايا؟"
هز كتفيه ثم قال:
أنا عمري ما أخليكي تحسي بالذنب وعمري ما أخليكي تحسي إنك بتظلميني لأنك ببساطة مبتعمليش حاجة من دي، أنا اللي قررت بإرادتي إني أمشي معاكِ الطريق دا"
ردت عليه بصوتٍ منفعل:
بس أنا كنت عارفة ومقولتش لِك، أنا كان ممكن أقولك من قبل ما إسمي يرتبط بإسمك وأنتَ اللي تقرر، كدا أنا مفروضة عليك"
حرك رأسه نفيًا بقوة ثم قال مُعقبًا:
لأ يا خديجة أنا كنت عارف من الأول، وليد قالي على كل حاجة وأنتِ مكدبتيش ولا خبيتي عليا لأنك ببساطة مكنتيش متأكدة من دا؟"
أومأت له في هدوء ثم قالت:
طيب أنا معاك ، تقدر تقولي شكلك إيه لما حد يعرف إن مراتك بتتعالج عند دكتور نفسي، تقدر تقولي أنتَ تتحمل ليه وبابا نفسه رفض يعالجني؟"
أجابها بنبرة هادئة مُحببة للقلب:
أنا ميفرقش معايا الناس، أنا اللي يفرق معايا هو أنتِ، ولو فعلًا والدك رافض إنه يعالجك، أنتِ دلوقتي مراتي يعني أنا اللي مسؤول عنك ولحد ما تكوني في بيتي يا خديجة أعتبري نفسك حمايتي"
إبتسمت على حديثه وأخفضت رأسها بخجل ثم رفعتها مرة أخرى وهي تقول:
ممكن أسألك حاجة تانية ؟"
أومأ لها ثم قال ببهجة ظهرت بوضوح على نبرة صوته:
صدقيني أنا نفسي تتكلمي معايا وتسأليني من غير خوف والله، إتفضلي المايك معاكِ"
إبتسمت رغمًا عنها على حديثه ثم قالت:
شكرًا على كلامك ...بس هو ليه أنا بحس معاك كدا؟"
تعجب من سؤالها فقال مُستفسرًا:
مش فاهم بتحسي بإيه يعني؟"
هزت كتفيها ثم قالت بهدوء:
بحس إن أنا مش خايفة..أنا أول مرة أقدر أتكلم قصاد حد كدا وأول مرة أحس إن في حد عاوزني أتكلم"
أومأ لها مُتفهمًا ثم قال:
صدقيني أنا عارف كل حاجة وكل اللي عاوزه منك إنك تفضلي تحسي كدا طول العمر وطول ما أنا معاكِ..مش عاوزك تخافي طول ما أنا هنا"
إبتسمت له ثم قالت:
ليه يا ياسين ؟ وإزاي بالسرعة دي قدرت تختار إنك تقف جنبي وتساعدني من غير مُقابل حتى، إزاي أخترتني وأنا مطفية كدا؟"
نظر لها بعمقٍ ثم قال:
علشان ربنا سبحانه وتعالى خلق الست والراجل يكملوا بعض، يعني علاقة مبنية على التفاهم مش على المظاهر، أنا واحد طول عمري بكره المظاهر وعمري ما تخيلت إني ممكن أختار شريكة عمري علشان شكلها، دايمًا كان كل هدفي إني قلبي يرتاحلها وهو دا اللي حصل يا خديجة من أول مرة شوفتك فيها ، عرفت إن العيون لا يمكن تعدي عليا كدا، حتى إسمك اللي محفور على الدبلة دا محفور في قلبي من قبلها"
إتسعت إبتسامتها أكثر من ذي قبل بينما هو نظر لها بحب ثم قال:
أنا لو عليا أفضل طول اليوم أبصلك وأنتِ بتضحكي كدا، بس أنا وعدتهم إني مأخركيش وعلشان عم طه كمان ميتعصبش عليا"
على ذِكر والدها دب الذعر في أوصالها وتبدلت ملامحها إلى ضيق ممزوج بخوف مما هو آتٍ ومن ردة فعل أبيها، نظر هو لتخبطها فقال بهدوء:
يلا بينا متخافيش أنا معاكِ".
________________
في منزل آلـ «الرشيد» كان «طه» فى ردهة البيت في إنتظار إبنته حينما لاحظ تأخرها، كان جالسًا على مقعد خشبي من المقاعد المُخصصة لمناسبات العائلة، لاحظ إقتراب سيارة «ياسين» من المنزل فوقف متأهبًا، نزل «ياسين» من السيارة أولًا ثم أنزلها بعده،
وجد والدها ينظر له بحنقٍ، فقرر مضايقته بإمساكه لكفها وكأنه بذلك يتحداه، أما هي فشعرت بالخوف من إمساكه كفها أمام والدها وحينما حاولت إفلات كفها من كفه قام هو بإمساك كفها أكثر ثم قال بهدوء:
قولتلك أنتِ مراتي والناس كلها عارفة وهو لازم يعرف حاجة زي دي "
بعد إنتهاء جملته وجد نفسه يقف أمام والدها، نظر لهما «طه» ثم نظر لكفيهما المتعانقين بضيق ، لكنه حاول إخفاء ضيقه وقال بهدوء:
إتأخرتوا ليه كدا يا ولاد أنا قلقت عليكم؟"
إبتسم له «ياسين» بإستفزاز ومازال كفه يعانق كفها ثم قال:
معلش يا عمي حضرتك عارف بقى إن إحنا في فترة التعارف وخصوصًا إن إحنا معملناش فترة خطوبة"
أومأ له «طه» بهدوء ثم أمسك ذراع إبنته الأخر وهو يقول:
محصلش حاجة يا ياسين، بس ياريت متتأخروش كدا مرة تانية"
من خلال إمساك والدها لها أجفل جسدها من لمسته حتى إنها دون وعيًا منها شددت من مسكت كف «ياسين»،
شعر والدها بالإحراج من موقفها فهي غير معتادة على لمسته لها منذ زمن بعيد، حيث كانت كل علاقتها به مُلخصة في عقابه لها وضربها.
نظر «ياسين» في وجه «طه» فخشي أن الأمور تطور أكثر من ذلك حينما رآى ضيق ملامحه، لذلك ترك كفها ثم قال ببسمة هادئة:
أنا آسف مرة تانية يا عمي على التأخير وإن شاء الله دا مش هيتكرر مرة تانية "
قال حديثه لوالدها ثم نظر لها وهو يقول:
أشوفك على خير إن شاء الله"
كل ذلك كانت تتابعه «مُشيرة» من أمام شقتها، وحينما أوشك «ياسين» على المُغادرة، ركضت حتى وصلت أمامهم، نظر لها أخيها مُتعجبًا أما «ياسين» من نظرة «خديجة» علم أن هذه هي «مُشيرة» السبب الرئيسي في إضطرابات زوجته، لذلك نظر لها بقوة وهو يتفحص ملامحها حتى أنه لم ينتبه لترحيبها به، وحينما لاحظ صمتها فجأة قال بهدوء:
أهلًا بحضرتك"
ردت عليه تحيته بإقتضاب ثم قالت لأخيها:
معقول يا طه جوز بنتك يكون هنا وتسيبه واقف على باب العمارة كدا؟
بدا على «طه» وكأنه إنتبه للتو لوقوف «ياسين» في مدخل البيت فقال بإحراج:
معلش يا ياسين أنا متأسف تعالى إتفضل معانا"
إبتسم له «ياسين» لكي يرفع الحرج عنه وهو يقول:
لأ يا عمي متقولش كدا أنا أتأخرت فعلًا ،خليها مرة تانية"
هَمَ بالمغادرة فتحدثت «مشيرة» بسرعة وهي تقول:
خلاص بكرة الجمعة يبقى تيجي تتغدى معانا بقى"
نظر لها «ياسين» مُبتسمًا ثم قال بهدوء:
مُتشكر لحضرتك جدًا بس أنا معزوم عند أصحابي بكرة"
كانت هذه مُجرد حُجة لكي يرفع الحرج عن نفسه إذا رفض، حينما شعرت برفضه قالت من جديد:
خلاص طالما هتتغدى مع صحابك يبقى تيجي تشرب الشاي معانا هنا ولا إيه يا طه؟"
رد عليها «طه» مُعقبًا:
أكيد يا مُشيرة والمرة كمان يتعرف على عيلة مراته"
نظر «ياسين» إلى «خديجة» فوجد التخبط والخوف ظاهر على وجهها لذلك قال بهدوء:
خلاص بكرة أخر النهار هكون هنا إن شاء الله".
_____________
تركهم «ياسين» ورحل إلى بيته،
كان يشعر بالسعادة تغمره نظرًا لحديثها معه وعن إطمئنانها له، دخل شقته كانا والديه في إنتظاره، ولكن ما آثار دهشتهما هي الطريقة التي دخل بها «ياسين» الشقة، حيث أنه كان يدندن أغنية في هدوء وهذه على غير عادته، جلس على الكرسي الذي يقع بجانب الشقة هو يغني:
دا اللي كان نفسي فيه ، لو تيجي صدفة تجمعني بيه ، فرصة عمري أضيعها ليه ؟ مش معقول....عيني قدام عينيه
دا أكتر من اللي حلمت بيه جه اليوم اللي أنا مستنيه علشان أقول:
وياه الحياة هتحلى وأنا معاه.. هو دا اللي أنا بتمناه ..واللي عيني شايفاه إحساس إنه أحلى وأغلى الناس"
رفع صوته في الجملة الأخيرة مما أدى إلى خروج والده من غرفة الصالون وهو يقول:
الــلـه! هايل يا فنان، والله العظيم وقعت ومحدش سمى عليك"
شعر «ياسين» بالإحراج فهذه لم تكن عادة والده السهر لذلك الوقت، فوقف وهو يحمحم مُحرجًا ثم أضاف مستطردًا:
حاج رياض خير إيه اللي مسهرك كدا؟"
نظر له والده بسخرية ثم قال:
حظي حلو علشان أسمع الفنان وهو بيغني"
وقبل أن يرد عليه «ياسين» وجد والدته تقف أمامه وهي تقول بضحك:
بس إيه رايق وعمرو دياب، بيسموه إيه دا يا رياض؟"
ضحك «رياض» ثم قال مُجيبًا إياها:
دا بيسموه حب يا زُهرة"
رد «ياسين» عليهما بضجرٍ قائلًا:
لأ هتعملوني مسرحية ليكم ولا إيه تصبحوا على خير ويلا السهر غلط عليكم"
أنهى حديثه ثم ركض هاربًا إلى غرفته، تحت نظرات الضحك والتعجب من والديه،وبعد إختفاء أثره نظرت والدته لوالده وهي تقول. بخبثٍ:
تفتكر أنا فاهمة صح يا رياض؟"
نظر لها «رياض» بسخرية ثم قال:
لأ ماهو لو أنتِ مش فاهمة صح يا زُهرة تبقي غبية فعلًا"
نظرت له بحنق ثم قالت:
بتقول إيه يا رياض؟"
إقترب منها ثم قبل قمة رأسها وهو يقول:
مبقولش حاجة ..يلا يا زُهرة تصبحي على خير"
قال جملته ثم تركها وغادر إلى غرفته، فنظرت هي في أثره بتعجب ثم قالت:
أيوا يعني أنا فاهمة صح ولا غلط دلوقتي؟"
في داخل غرفة «ياسين» كان يُكمل أغنيته ولكن بصوتٍ منخفض مع بسمة بلهاء مرسومة على شفتيه، إرتمى على الفراش وهو يفكر بها وفي حديثها، وما أخرجه من رحلته تلك رنين هاتفه برقمها ، نظر للهاتف مُتعجبًا، ولكنه لم يظل في تعجبه كثيرًا وقام بالضغط على زر الموافقة
قام بالرد عليها وهو يقول:
لأ أنا هاخد على كدا وأتعود إنك أنتِ اللي تكلميني كل يوم"
إبتسمت على حديثه ثم قالت:
أنا بس إتصلت علشان أشكرك على النهاردة وعلى إنك قدرت مشاكلي وخوفي"
إبتسم على فعلتها تلك فهذه بداية جيدة معه، ثم قال:
أنا مش عاوز شكر، أنا عاوزك كويسة علطول"
ردت عليه بهدوء:
إن شاء الله أكون كويسة علطول..هو.."
لم تستطع إكمال جملتها، أما هو شعر بتخبطها في الحديث فقال:
قولي اللي أنتِ عاوزاه من غير خوف...قولتلك أنا أخر واحد تفكري تخافي منه"
كان حديثه أكثر من مُشجعًا لها لذلك أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
ينفع متجيش البيت هنا بكرة؟"