تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الأول» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك الفصل الاول تَعَافيِّتُ بِكَ" قيل في معنى الزواج: الغاية من الزواج هي الأُنس..عقلٌ بجوار عقل وقلبٌ مربوطٌ بقلب و يدٌ تُداوي و روح تُعين ونفسٌ تُطمئِن." إنه يوم الخميس أوشكت الشمس على رحيلها، حيثُ أضحت في لونها البرتقالي أثناء غروبها، وفي تلك المنطقة ميسورة الحال نجد بها المباني منها ما هو مُرتفعٍ للغاية، ومنها ما هو منخفض؛ منطقة مختلطة الأزمنة و الأنماط، حيث توجد بها مباني شاهقة العلو قد تصل طوابقها إلى اربعةُ عشر طابقًا و قد صُممت على النمط الحديث، وبها منازل بالكاد تصل طوابقها...
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الواحد والعشرون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الحادي والعشرين"
_____________
لإنكِ تُشبهين الفراشة.. كلما أنطفأتِ عاد سحركِ من جديد
______________
إذا كان الخوف لا يمنع الموت، لكنه يمنع الحياة، أحيانًا قد تترك الخوف ليتحكم بك ويأكلك وأنتَ حيٌ تُرزق، وإذا تماديت في خوفك قد تُظلم و تَظلم.
سمع «ياسين» طلبها الذي خرج منها بنبرة مهزوزة وكأنها تُصارع نفسها للبقاء، أخذ هو نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء:
وأنا موافق يا خديجة أني مجيش بكرة..بس بشرط"
تعجبت من حديثه، فسألته مستسفرة:
شرط؟ شرط إيه يا ياسين؟"
بنفس نبرته الهادئة قال:
شرطي إنك تقوليلي سبب قوي ومُقنع يخليني مكونش عندك بكرة"
صمتت ولم تستطع الإفصاح عما يجول بخاطرها، فحثها على التحدث وهو يقول:
طب تمام يا خديجة طلبك مرفوض"
زفرت هي بعمقٍ ثم قالت وهي على مشارف البكاء:
صدقني أنا مش عاوزاك تيجي علشان خايفة"
أومأ وهو يقول بتفهم:
وإيه السبب؟ ولازم يكون قوي ومقنع ومش هتنازل عن كدا"
قالت هي في هدوء وكأن حالها تبدل:
أنا خايفة علشان عارفة عمتو عاوزاك تيجي بكرة ليه، خايفة علشان أنتَ هتشوف نسخة غريبة مني بكرة ومش هقدر أرفض إني أنزل ولا هقدر أدافع عن نفسي، علشان مش عاوزاك تشوفني بكرة وأنا ضعيفة مش بقدر أتكلم لما هي ترمي عيوبي قُدامك"
أشفق على حالها كثيرًا فقال متفهمًا:
صدقيني ولا أي حاجة في الدنيا دي كلها تخلي صورتك تتهز قُدامي، ولا كلام أي حد عنك يقلل من نظرتي لكِ، أنا هاجي بكرة يا خديجة، وأنتِ هتكوني معايا، ومش عاوزك تقلقي حتى لو حد إتكلم أنا موجود وإفتكري دايمًا إني موجود علشانك"
تنفست بعمقٍ ثم قالت:
ربنا يسترها إن شاء الله...هو.. هو أنتَ هتيجي بكرة إمتى"
خرج حديثها يحمل الخجل بين طياته وكأنها تخشى أن تسأله مثل هذا السؤال، أما هو ظهرت التسلية على ملامح وجهه وقال بنبرة مَرِحة:
للدرجة دي وحشتك مش قادرة تستني لبكرة علشان تشوفيني؟"
خجلت أكثر بكثير من ذي قبل وظهر التوتر جليًا على صوتها وهي تقول:
أ..أنا مش قصدي والله...أنا بس قصدي..تصبح على خير يا ياسين"
قالت جملتها الأخيرة بسرعة كبيرة لكي تتخلص من توترها، أما هو إبتسم على توترها وحديثها فقال بنفس النبرة المَرِحة:
وأنتِ من أهل الخير يا خديجة..اللي هو أنا يعني"
وصل لها مغذى حديثه المُبطن فقالت بتوتر:
شكرًا...أشوفك بكرة إن شاء الله"
بنفس النبرة الخبيثة قال:
بس أنا معرفش العنوان؟"
إبتسمت على جملته ثم قالت بهدوء:
إسأل واللي يسأل ميتوهش"
حاول كتم ضحكته وهو يقول بصوتٍ ظهرت فيه العاطفة:
أَوْدُ أن أَسألُكِ في أيْ سماءٍ تَسكُنين..فما أنتِ سوى قمرٌ منيرٌ في فَلك قلبي تدورين وعلى مجرات حُبي تتحركين"
صمت وصمتت هي أيضًا ولم تستطع التحدث مرةً أخرى، أما هو حينما لاحظ صمتها قال بمرحٍ:
على فكرة بقى أنتِ اللي قولتيلي أسأل واللي يسأل ميتوهش، وأنا بسأل القمر كله أهوه"
إرتفعت ضربات قلبها كأنها تصارع الموت، أما عن صوتها فهو هرب بعيدًا..وبعد مرور ثوانٍ إستعادة رابطة جأشها فقالت بهدوء:
هو اللي أنا سمعته دا كان بجد؟"
كتم ضحكته وهو يقول مُردفًا لها:
طالما طولتي في السكوت كدا، يبقى أنتِ كدا أتثبتِ.. تصبحي على خير يا خديجة"
وفور إنتهاء جملته أغلق الهاتف وهو يقول بصوتٍ مليءٌ بالمرحِ:
والله العظيم خمس دقايق كمان وهيغمى عليها".
أما هي ظلت تزفر بقوة وعمق ثم قالت بعدما هدأت نبضات قلبها:
لأ والله كدا كتير بجد عليا أنا بقيت بخاف والله أكتر"
أنهت جملتها ثم ققزت من الفراش وظلت تتقافز على أرضية الغرفة وكأنها فراشة عادت قوتها إليها من جديد.
_______________
بعد إنتهاء تلك الأمسية السعيدة التي غاص فيها «ياسين» في نومٍ عميق، وخديجة التي شردت طوال الليلِ في كلماته التي يلقيها على مسامعها، أتى اليوم التالي وهو يوم «الجمعة» ذلك اليوم الذي يحمل معه الكثير والكثير.
في منزل آلـ «رشيد» كان «طارق» واقفًا أمام المِصعد في إنتظار أبناء عمومته في ردهة البيت، نظر في ساعته متأفأفًا، وأخرج هاتفه وقبل أن يشرع في الإتصال بـ «وليد» وجده يخرج من المِصعد وعلامات الضيق مرسومة على وجهه بوضوح، نظر له «طارق» وهو يقول بهدوء:
قولتلك هو النهاردة بس وأنا بنفسي هديلك الأجازة يومين"
أومأ له «وليد» ثم قال بصوتٍ منفعل:
خلاص يا طارق متصدعناش بقى، و اِعمل حسابك هما كام ساعة بس، مش هطول هناك اليوم كله"
أومأ له «طارق» ثم قال بإستفزاز:
حاضر يا أستاذ وليد، حاجة تاني؟؟ و بعدين أحمد فين؟"
أطاح له «وليد» بيده ثم قال بضيق:
نازل ورايا أهوه، أنا سايبه بيلبس هدومه"
أنهى «وليد» جملته فوجد باب «المِصعد» يُفتح ظن في بداية الأمر أنه «أحمد» فقال:
أهو نزل أهو"
وفور انتهاء جملته وجد «عبلة» تخرج من المِصعد، نظرا لها الأثنين بتعجب من وجودها في الصباح بتلك الملابس التي تدل على ذهابها في مشوارٍ مُهم، أول من تحدث كان «طارق» حينما سألها مُستفسرًا:
رايحة فين يا عبلة على الصبح كدا يوم الجمعة؟"
نظرت له بحنقٍ وهي تقول:
أخر يوم في ميعاد حجز الكورس النهاردة يا طارق، عاملينه يوم إستثنائي علشان الكورس هيبدأ بكرة، والحجز أخره النهاردة ١٠ الصبح"
نظر «طارق» في ساعة يده ثم قال:
طب وأنتِ هتروحي إزاي، وبعدين مش دا اللي في وسط البلد؟"
أومأت له بهدوء ثم قالت:
مش عارفه يا طارق أنا إتفاجأت إنك عندك شغل النهاردة"
كل ذلك الحديث الدائر و «وليد» يراقبهما دون التدخل حتى أنه تصنع التجاهل، فسمع «طارق» يقول:
أيوا جالي شغل مفاجيء النهاردة ومش هينفع آجله، وفي نفس الوقت مش هينفع أسيبك تروحي لوحدك الصبح كدا"
هزت كتفيها وهي تقول:
خلاص مش مشكلة أنا لما عرفت إنك مش هينفع تروح معايا كلمت هدير تيجي توصلني بالعربية بتاعة عمو محمود"
عند ذِكر «هدير» لم يستطع «وليد» تمالك نفسه فقال بفزعٍ:
إيه كلمتي مين يا ختي ؟"
نظرت له بضيق وهي تقول:
كلمت هدير، خير عندك إعتراض؟"
نظر لها بسخرية ثم قال:
إعتراض واحد؟ دا أنا عندي خزان إعتراضات، لأ طبعًا أنا هوصلك المكان اللي عاوزاه"
نظر له «طارق» مُتعجبًا وهو يقول:
نــعـم؟ توصلها فين ومشوارنا؟"
نظر له «وليد» نظرة ذات مغذى إلتقطها «طارق» على الفور ثم قال:
أنا اللي هوصلها يا طارق، هي ساعة وهكون عندك، وأنتَ وأحمد روحوا الشركة سوا"
نظر له «طارق» مُتأفأفًا ثم قال:
يابني هدير توصلها وخلاص مش مشكلة"
وقبل أن يتحدث «وليد» وجد «هدير» خلفه وهي تقول:
خير على الصبح متجمعين ليه؟"
رد «وليد» مُجيبًا إياها:
وأنتِ مالك، هو إحنا متجمعين في صالة بيتكم؟"
حاول «طارق» كتم ضحكته لكنه لم يستطع، أما «عبلة» تصنعت التجاهل لما سمعت، بينما «هدير» نظرت بحنقٍ له ثم قالت:
آه صالة بيتنا لو مش واخد بالك العمارة كلها بتاعتنا"
نظر لها بسخرية نظرة تُشبه نظرة الاطفال وهو يقول:
والله بيتنا زي ما هو بيتك، كلنا هنا في بيت واحد"
نفخت وجنتيها بضيق ثم قالت موجهة حديثها لـ «عبلة»:
يلا يا عبلة علشان منتأخرش أكتر من كدا"
أوشكت «عبلة» على التحدث ولكن ما أوقفها هو صوت «وليد» قائلًا:
لأ متشكرين لمجهودك يا هدير، أنا هوصل خـطـيـبـتـي للمكان اللي هي عاوزاه"
نظرت له «هدير» بسخرية وهي تقول:
مستحيل طبعًا، أنا اللي هوصلها أنا بقالي ساعة بجهز نفسي"
رد «وليد» مُعقبًا:
يا ستي شكرًا على تعبك، نردهالك في الأفراح إن شاء الله"
نظرت «عبلة» لأخيها وكأنها تستمد منه العون،فأشار لها برأسه على «وليد»، أومأت له في هدوء، وإنتبهت فجأة لسؤال «هدير» قائلة:
ها يا عبلة ردي عليه علشان نخلص"
شعرت «عبلة» بالإحراج ولكنها حاولت إستجماع بعض الكلمات المُلطفة للأجواء وهي تقول:
معلش يا هدير خليكِ هنا، أنا فعلًا محتاجة معايا راجل علشان المكان زحمة، ولو أنتِ جيتي معايا هيبقى زيك زيي مش هنعرف نتصرف"
شعرت «هدير» بالخجل من حديث «عبلة» ولكنها تصنعت الثبات وهي تقول:
وماله يا حبيبتي، ربنا يكرمك ويخليكم لبعض يا رب، مفيش مشاكل"
ثم نظرت لـ «وليد» وهي تقول له:
خلي بالك منها، أصل عبلة غلبانة وعلى نياتها وأي حاجة بتصدقها"
كان حديثها واضح للشباب بينما «عبلة» لم يصلها المغذى، وظنت أن «هدير» تمدحها ، لذلك ردت عليها قائلة:
ربنا يخليكِ ليا يا هدير، من غيرك فعلًا مش هعرف أتصرف"
نظر كلًا من «طارق» و «وليد» لبعضهما البعض، وكأن كلًا منهما يشير للأخر على حديث «هدير» ، فــ زفر «وليد» بضيق ثم قال:
طب يلا علشان منتأخرش أكتر من كدا، طارق هي ساعة ونص بالكتير وهكون عندك في الشركة"
نظر له «طارق» بضيق ثم قال:
ولو إتأخرت عليا يا وليد؟"
أجابه «وليد» بثقته المعهودة قائلًا:
سميني سوسن"
أومأ له طارق في هدوء، بينما «وليد» أوشك على الإقتراب من «عبلة» لكي يمسك يدها، فوجد «طارق» يمسكه من ثيابه من عند رقبته وهو يقول:
ولا تمشي بأدبك معاها، تحترم نفسك ماشي ياض؟"
أومأ له «وليد» ثم قال:
حاضر والله متخافش مش همسك إيدها"
تركه «طارق» على مضدٍ وهو يزفر بضيق، بينما أشار «وليد» لـ «عبلة» لكي تسبقه، وعندما خطت أمامه لكي تخرج من البيت، نظر هو لـ «هدير» وكإنه يتحداها، فبادلته النظرة بمثيلتها، خرجا «وليد» و «عبلة» من البيت تحت أنظار «هدير» الحانقة عليهما، ويبدو كأنها نسيت وجود «طارق» فقالت بصوتٍ مرتفع وكأنها تُحدث نفسها:
ماشي يا وليد"
دا على أساس أني هسيبك تعملي ليهم حاجة؟"
خرجت تلك الجملة من فم «طارق» وكإنه يرد على حديثها، أما هي فجحظت عيناها للخارج من هول المفاجأة، فقال «طارق» بهدوء:
طلعيهم من دماغك يا هدير، علشان تعرفي ترتاحي، وحبي الخير للي حواليكِ علشان ربنا يكرمك بالخير لكِ"
نظرت له بضيق ثم تركته وفرت من أمامه، بينما هو نظر في أثرها بضيق ثم قال:
ربنا يهديكِ يا شيخة، أنا عمري ما اسامح نفسي على أني في يوم من الأيام كنت بصدقك"
وفور انتهاء جملته وجد باب المصعد يُفتح بواسطة «أحمد»، نظر له «طارق» بضيق، فقال «أحمد» على الفور:
أتأخرت عليك ولا إيه طارق؟ حصل حاجة وأنا مش هنا؟"
تبدلت نظرة «طارق» إلى السخرية ثم قال:
حاجة واحدة بس ؟ قُدامي يا متخلف يلا".
_____________
في منزل «ياسين» إستيقظ من نومه مُبتسمًا حينما تذكر مهاتفته معها بالأمس،و حينما تذكر ردة فعلها على حديثه،
خرج من غرفته بعدما تحمم في مرحاض الغرفة وإرتدى عباءة الصلاة، وحَمل ثياب الخروج على يده لكي يستطع تبديل ملابسه بملابس مناسبة لتلك الأمسية المنتظرة في بيت آلـ «رشيد»، وجد والديه يجلسان سويًا على طاولة السُفرة، إقترب منهما وألقى التحية عليهما، نظر له والده بخبثٍ ثم قال:
خير الفنان واخد هدومه على دراعه ليه ؟ وراك حفلة ولا حاجة؟"
كان والده قاصدًا بحديثه ليلة الأمس وغناء «ياسين»، نظر له إبنه في حنقٍ ثم قال:
عمرك ما سترت عليا، علطول فاضحني كدا"
ضحكت والدته ثم قالت:
والله يا بني أنتَ اللي فاضح نفسك بنفسك"
إبتسم بهدوء ثم قال:
طب يا حبايبي واضح إنكم رايقين وأنا ورايا يوم مشحون على أخره، عن إذنكم"
قال جملته ثم ودعهما وغادر الشقة، نظرت والدته إلى والده ثم قالت بصوتٍ متأثر:
أنا فرحانة لفرحته دي أوي يا رياض، حاسة إنه هو فعلًا فرحان من قلبه مش بيعمل كدا علشاني"
تعجب زوجها من حديثها فسألها مستفسرًا:
يعني إيه بيعمل كدا علشانك يا زهرة؟ مش فاهم"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
يعني أنا كنت خايفة إن هو يكون موافق على خديجة بس علشاني، وكنت فكراه بيعمل نفسه فرحان،بس دلوقتي قلبي بيقولي إن فرحته حقيقية وإن فعلًا خديجة هي البنت اللي هو كان مستنيها"
أومأ لها زوجها موافقًا حديثها،
وصل «ياسين» شقة «ميمي» فوجد أصدقائه في إنتظاره، إقترب من مجلس الجميع وألقى عليهم التحية جلس بجانب «عامر» بينما «عامر» نظر لملابسه التي يحملها على ذراعه بسخرية ثم قال:
هو أنتَ عامل حسابك تيجي معانا وإحنا بنجيب الجهاز النهاردة ولا أنتَ بتنجم؟"
نظر له «ياسين» مُتعجبًا ثم قال:
أنا مش فاهم حاجة أنتَ قصدك إيه؟"
تدخل «ياسر» قائلًا:
عامر قصده إننا نازلين نشتري حاجات في الجهاز لينا النهاردة وخالد جاي معانا، وأنتَ علشان معاك هدوم فاكرك جاي معانا"
أومأ له «ياسين» مُتفهمًا ثم قال:
لأ مش هينفع أجي معاكم، خليها مرة تانية"
تدخل «خالد» قائلًا:
ليه وراك حاجة ولا إيه؟"
أجابت «ميمي» بدلًا عن «ياسين» قائلة:
أكيد وراه حاجة مهمة، هو عمره ما يحوش نفسه عنكم"
رد عليها «عامر» مُعقبًا:
أيوا برضه البيه وراه إيه؟"
نظر «ياسين» في أوجه الجميع ثم نظر لـ «عامر» تحديدًا:
معزوم عند حماتي يا عامر ، إرتحت؟"
وفور انتهاء جملته وجد ضحكات أصدقائه على آخرها، حتى «ميمي» شاركتهم الضحك أيضًا ، نظر لهم «ياسين» بِجدية زائفة، فتوقف الجميع عن الضحك عدا «عامر» الذي ظل مستمرٌ في الضحك، بنفس الجدية الزائفة تحدث «ياسين» قائلًا:
كلهم سكتوا،ممكن أعرف حضرتك بتضحك على إيه"
أوقف «عامر» الضحك بصعوبة بالغة ثم حمحم و قال:
أصل بصراحة مش متخيل إن جه اليوم اللي ياسين رياض الشيخ يقول فيه إنه معزوم عند حماته كدا عادي، لقد هُرمنا يا جدع"
إبتسم الجميع على حديث «عامر» حتى «ياسين» الذي قال:
ماشي يا سيدي متشكرين لكرم أخلاقك، وأهو جه اليوم اللي اتعزم فيه عند حماتي"
إنتشرت الضحكات والسخرية على حديث «عامر» و «ياسين» معًا، ثم قاموا بتوديع «ميمي» للذهاب للصلاة ، على أن يعودوا إليها مرةً أُخرى لكي ينتظروا الفتيات.
__________
وصل «وليد» المقر المنشود بسيارته برفقة «عبلة» التي صمتت طوال الطريق ولم تتفوه بـِحرفًا واحدًا، بينما هو كان ينظر لها تارة وللطريق تارةً أُخرى، نزلا سويًا من السيارة ، وصعدا البناية المُخصصة لمحاضرات الكورس، وجد «وليد» المكان مزدحم بشدة ومليءٌ بالشباب ، فنظر لها وهو يقول بسخرية:
هو أنتم كلكم كنتم مستنين أخر يوم علشان تيجوا تحجزوا؟"
نظرت له بحنقٍ ثم قالت:
لأ طبعًا هما فتحوا الحجز من إسبوعين والدعاية مكانتش كافية علشان عدد كبير يعرف، وعلى ما كل واحد ظبط أموره كان الوقت خلص"
نظر لها ولم يتحدث، وعندما وجد مقعدًا فارغًا أشار لها لكي تجلس عليه، ذهبت «عبلة» إلى المقعد لكي تجلس أما هو وقف بجانبه وهو يضم ذراعيه معًا أمام قفصه الصدري، ظل هكذا فترة طويلة، حتى سمع فتاة الإستقبال تَلفظ إسمها، ذهبا إليها الأثنين معًا، رحبت بهما الفتاة ثم أعطت الورقة لـ «عبلة» لكي تملأ البيانات، أمسكت «عبلة» الورقة بتعجب من طريقة الفتاة وحينما شرعت في كتابة بياناتها، رفعت رأسها تنظر للفتاة وجدتها تنظر لـ «وليد» بإعجاب ظهر جليًا على ملامح وجهها، ضربت «عبلة» على سطح مكتب الإستقبال، فنظر لها «وليد» مُتعجبًا، إبتسمت له «عبلة» بإستفزاز ثم قالت:
أمسك الورقة أنتَ إملأ البيانات، أنا مش عارفة أكتب حاجة"
نظر لها بسخرية ثم قال:
مش عارفه تكتبي حاجة ليه هو إمتحان كيميا؟ دي بياناتك أنتِ"
بادلته نظرة السخرية بأخرى مستفزة وقبل أن تتحدث وجدت الفتاة تقول وهي مبتسمة بشدة:
دم حضرتك خفيف جدًا يا فندم بجد"
نظر «وليد» بطرف عينه لـ «عبلة» فوجد الشرر يتطاير من عينيها، فرح بشدة وهو يرى غيرتها عليه ، لكنه قرر أن ينهي ذلك وهو يقول:
الواحد لو دمه مش خفيف مع خطيبته هيبقى دمه خفيف مع مين يعني؟"
نظرت له «عبلة» بتعجب، بينما نظرت له الفتاة بصدمة كبيرة فأومأ لها وهو يقول:
الآنسة عبلة خطيبتي"
أومأت له الفتاة ثم قالت:
ألف مبروك يا فندم أنا كنت فاكرة حضرتك أخوها"
أومأ لها وقبل أن يتحدث ردت «عبلة» عليها قائلة:
لأ يا حبيبتي مخطوبين عقبالك"
إبتسمت لها الفتاة بينما «وليد» تبدلت نظرته إلى الإستمتاع بـ رد فعل حبيبته، قام «وليد» بكتابة البيانات بأكملها، دون أن يسأل «عبلة» عن أي شيء، تفاجأت «عبلة» به وهو يقوم تسليم الورقة إلى الفتاة، وتعجبت الفتاة أيضًا، فـهي لم تراه يسأل عن بيانات «عبلة»،
سألته «عبلة» مُسنفسرة:
هو أنتَ كتبت بياناتي يا وليد كلها إزاي؟"
هز كتفيه وهو يقول بلامبالاة:
عادي حافظهم"
نظرت له مندهشة ثم قالت:
حافظ بياناتي كلها إزاي؟ تاريخ ميلادي، ومؤهلي، وهواياتي، دا حتى رقمي القومي كتبته"
هز كتفيه مرة أخرى وهو يقول:
وفيها إيه يعني حافظهم بقولك"
نظرت للفتاة وجدتها تنظر له بنفس نظرة الإعجاب، وقبل أن تتحدث لاحظت الفتاة نظرة «عبلة» لها فقالت:
تمن الكورس الشامل يا فندم ٩٠٠ جنيه، بدل ١٢٠٠ جنيه"
أومأ لها «وليد» وقبل أن يخرج النقود، وجد «عبلة» تخرج أموالها من حقيبتها تخرج ثمن الكورس وقبل أن تمد يدها تدفع النقود، وجدته يمسك يدها بقوة وهو يقول بصوتٍ يملئه الضيق:
أنتِ بتعملي إيه؟ فاكراني أباچورة جنبك؟"
نظرت له مُتعجبة فوجدته يأخذ الأموال من يدها ثم وضعها في حقيبتها مرةً أُخرى، تنهد بأريحية ثم أخرج الأموال من محفظة نقوده وقام بدفع ثمن الكورس، زادت نظرة الإعجاب له من الفتاة ، وحينما وقفا الأثنين لكي يغادرا المكان تحدثت الفتاة بلهفة وهي تقول:
يا فندم لو حضرتك عاوز تقدم على الكورس لِك، هيكون في خصم كبير جدًا"
نظر «وليد» لـ «عبلة» وجدها ترفع حاجبيها معًا ثم قامت بضم ذراعيها معًا أمام قفصها الصدري، حينما رأى «وليد» حالتها تلك، نظر للفتاة ثم قال بهدوء:
لأ متشكر جدًا أنا خلصت المرحلة دي من زمان، يلا يا عبلة ورايا"
سبق «عبلة» في خطواته، فنظرت «عبلة» للفتاة شرزًا وكأنها تخبرها بهزيمتها.
ركبا السيارة سويًا مرةً أُخرى، كانت «عبلة» تشعر بالضيق من تلك الفتاة ونظرتها لـ «وليد»، بينما «وليد» كان يشعر بلذة الإنتصار ، فظل يُطلق صفيرًا متناغمًا من فمه يدل على حالة الشجن الذي غاص بها، نظرت له «عبلة» وجدته على حالته تلك، فظنت أن سروره هذا بسبب تلك الفتاة، حينما لاحظ صمتها أوقف الصفير ثم قال مشاكسًا إياها:
بس المكان دا تُحفة يا عبلة حاجة كدا تفتح النفس، والله الواحد شكله هيندم على سنينه اللي فاتت من غير المكان دا"
ضربت «عبلة» على نافذة السيارة بضيق ثم قالت:
لو عاجبك المكان إتفضل روح إحجز أنتَ كمان متقرفنيش"
تصنع الجدية ثم قال:
فعلًا أنا لما حسبتها لقيت نفسي محتاج للكورس دا أوي وبصراحة عرض ميتفوتش"
صرخت بوجهه قائلة:
وقــف العربية يا وليد"
نظر لها مندهشًا فقالت بصرخة:
وقفها بقولك"
أوقف السيارة ثم نظر لها، وجدها تحاول فتح باب السيارة، لكنه كان الأسبق حينما أغلقها بواسطة زر التحكم أمامه، إلتفت له وهي تقول بحنقٍ:
مبيفتحش ليه دا؟"
إبتسم لها ثم قال:
علشان أنا قفلته، إهدي وبطلي جنان وقوليلي عاوزة تنزلي ليه"
نظرت له ثم قالت بنفس النبرة المنفعلة:
هنزل علشان أروح ألغي حجز الكورس الزفت دا، خلاص مش عاوزاه أنا هترزع في بيتنا"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
برافو عليكِ، بالمرة أخد فلوسي اللي دفعتها على الصبح دي"
صرخت بوجهه قائلة:
أنتَ مستفز أوي ، أنا مشوفتش كدا في حياتي"
نظر لها بقوة وهو يقول:
وأنا مشوفتش واحد متعصبة حلوة كدا في كل حياتي"
تبدلت نظرتها له وقالت بنبرة هادئة وكأنها أصبحت فتاة أُخرى:
قُل واللهِ كدا؟"
حاول كتم إبتسامته وهو يقول:
واللهِ"
تدرجت وجنتيها بحمرة الخجل ونظرت للجهة الأخرى لكي تهرب من نظراته، بينما هو قام بتشغيل مُحرك السيارة وبعد تحركه بالسيارة قال بنبرة هادئة:
البشر مبيحسوش بقيمة الحاجة غير لما يحسوا إنها هتضيع من إيدهم، بيفضلوا يكابروا ويكدبوا على نفسهم، ولما يلاقوا غيرهم عاوزها يفوقوا"
نظرت له بقوة ثم قالت وهي تتصنع عدم الفهم:
مش فاهمة بتقولي كدا ليه؟"
وعلى نفس وضعه قال:
علشان أنتِ النهاردة غيرتي عليا، ولما حسيتي إن ممكن يكون في حد تاني عاوزني، ساعتها حسيتي إني حق مكتسب لكِ"
نظرت له متعجبة ثم قالت بحنقٍ:
مين دي اللي غارت وهغير على مين إن شاء الله؟"
نظر لها ثم قال:
بلاش أقولك عيني في عينك علشان أنتِ أضعف من إنك تبصي في عيني وتكدبي عليا، أنا بس عاوزك تعرفي حاجة واحدة، العين اللي بتحب عمرها ما تبص لحد تاني غير اللي حبته يا عبلة"
نظرت له فوجدت نظرته كما هي صادقة دومًا
أما هو غير وجهته وهو يقول:
تعالي أفطرك يلا بجملة الخسارة"
أومأت له دون حديث، ومازال حديثه يدور في مسامعها.
_________
في شركة أحفاد آلـ «الرشيد» كان «طارق» يجلس برفقة العميل وهو يحاول تهدئته نظرًا لتأخر «وليد» على الموعد المحدد ، نظر «طارق» لـ «أحمد» يسأله مُستفسرًا ، فهز كتفيه كإشارةً منه على عدم معرفته، تحدث العميل قائلًا:
هو أستاذ وليد هيتأخر يا فندم أكتر من كدا؟"
قبل أن يرد عليه «طارق» وجد «وليد» يقتحم المكتب وهو يلهث بقوة، نظر له العميل مُتعجبًا بينما «طارق» و «أحمد» نظرا له بضيق، فزفر «وليد» بقوة ثم قال:
أنا متأسف جدًا يا فندم والله حصل ظرف خارج إرادتي"
أومأ له العميل ثم قال مُتفهمًا:
مفيش مشاكل ياريت بس نبدأ علشان مفيش وقت"
أومأ له الجميع بينما «طارق» نظر لـ «وليد» متوعدًا له.
__________
في منزل «ميمي» عاد الشباب بعد الصلاة، قاموا بتناول الفطار جميعهم سويًا، ثم دخل «ياسين» وقام الشاي للجميع بعدما طالبه به الجميع، شربوا الشاي سويًا فتحدث «ياسين» موجهًا حديثه لـ «عامر»:
ولا تروح تجيب حاجة الجهاز وترجع ساكت، بلاش الحِنة بتاعة كل مرة دي"
تحدث «عامر» بسخرية وهو يرد عليه:
ياربي على الغِل في قلوب الناس، مش قادر يفرحلي، علشان عمره ما جرب إحساسي دا"
ضحك الجميع على حديثه وطريقته التي تُشبه طريقة الفتيات، فتحدث «ياسر» قائلًا:
يا رب بس يعجبهم حاجة بسرعة ومنلفش علشان أنا مطبق من إمبارح"
رد عليه «خالد»:
لأ معاكم ربنا أنا خُلقي ضيق، مش هقدر ألِف كتير"
تدخل «عامر» قائلًا:
أنا لو هلف العمر كله مش هتعب كفاية إني هشوف فرحتها"
عند هذه الجملة وصلت الفتيات، وكان «عامر» موليًا ظهره لباب الشقة فلم يراهم، أشارت لهم «ميمي» بالصمت، فوافقوا بتعجب، فقال «ياسين» بنبرة مَرِحة:
ما تقولنا كدا سارة بالنسبة لِك إيه يا عامر؟"
نظر «عامر» للسقف بحالمية ثم قال مُبتسمًا:
سارة دي بالنسبة ليا حاجة مفيش منها إتنين، تحديدًا زي طبق ورق عنب جنبه كوباية مانجا مشبرة لواحد صايم في عز الحر"
ضحك الجميع على حديثه حتى الفتيات، نظر «عامر» خلفه فوجد «سارة» تنظر له بضحك، وقف وعلى شفتيه بسمة بلهاء ثم قال:
بحبك زي حبي للورق عنب بالظبط، أنتم الأتنين عندي حاجة واحدة"
ضحك الجميع بينما تحدث «خالد» قائلًا بسخطٍ:
أنا مش عارف مين الحيوان اللي علمك الرومانسية"
ضحك الجميع فرد «ياسين» مُعقبًا:
أنا مش فاهم عامر رابط الحب بقنوات الطبخ ليه؟"
تدخلت «إيمان» قائلة:
إحمدوا ربنا يا جماعة، غيرها بيتقالها أنتِ الداء والدواء"
ضحك الجميع و ووجهوا نظرهم نحو «ياسر» الذي قال مُحرجًا:
بتبصولي ليه، أنا دكتور هقولها إيه يعني؟"
نظرت له «ميمي» ثم قالت بسخرية:
مش لدرجة الداء والدواء يا دكتور"
وجه «ياسر» نظره نحو «إيمان» ثم قال بِحب:
أنتم مش فاهمين يا جماعة، إيمان حبها بيجري في دمي زي المرض كدا، وجودها جنبي بقى هو الدوا للمرض دا"
بادلته «إيمان» نفس النظرة المُحبة، تحت إبتسامات الجميع، وعندما شعرت بنظرتهم قالت بتوتر:
طب يلا علشان منتأخرش أكتر من كدا"
رد «عامر» وكأنه إنتبه للتو:
ثانية يا جماعة عربية واحد مش هتكفينا كلنا، هنروح إزاي؟"
نظر له «ياسر» بسخرية ثم قال:
قُل لنفسك، في واحد يبيع عربية علشان يجيب موتوسيكل؟"
نظر له «عامر» بسخرية قائلًا:
وهي الكتكوتة بتاعة أبويا دي كانت عربية؟"
تدخل «خالد» قائلًا:
وهو أنتَ بتعمل إيه بالموتوسيكل يعني غير إنه مرمي في مدخل بيتكم"
ضحك «ياسين» وهو يقول:
كل ما إفتكر إن الشركة باعتتله إنذار بفطس"
تدخلت «ميمي» قائلة:
إنذار إيه دا؟"
رد عليها «ياسين» وهو يضحك:
البيه مدير فرع كامل لشركة سياحة كبيرة، ساعتها عامر كان بيروح بالموتوسيكل، قالوله إن دا غلط علشان واجهة الشركة"
رد خالد مُستفسرًا:
مش عارف مدير شركة سياحة وبيروح بموتوسيكل إزاي؟"
رد عليه «عامر» بفخرٍ:
أنتَ إيه عرفك أنت؟ دا أنا كنت بنشط السياحة، هما اللي ملهمش في الطيب نصيب"
ضحك الجميع على منظره، بينما «ياسين» قام بإخراج مفاتيح سيارته وقذفها لـ «عامر»،
التقط «عامر» المفاتيح وهو يسأل مُستفسرًا:
أيه دي يا ياسين؟"
رد عليه «ياسين» بهدوء:
أنتَ قولت عربية واحدة مش هكتفي، خد أنتَ وسارة عربيتي، والحاجة لما تشتروها حطوها في الكنبة ورا، وياسر وخالد في عربية خالد، سهلة أهيه"
سأله «خالد» مُستفسرًا:
طب وأنتَ هتروح لنسايبك إزاي بس؟"
أطاح «ياسين» برأسه وهو يقول:
متشغلش بالك أنتَ، مليش مزاج أسوق، هاخدها مشي"
أومأ له الجميع بموافقة، بينما «عامر» نظر له بإمتنان حقيقي، ألتقط «ياسين» نظرته فأومأ له وكأنه يقول له:
لا عليك"
تجهز الجميع للنزول من شقة ميمي ، فوقف «عامر» أمام «سارة» وهو يقول:
سارة بالله عليكِ بلاش نلف كتير علشان أنا مصدع والله ومش نايم كويس"
نظرت له بحنان وهي تقول:
ليه يا عامر مالك ؟ منمتش كويس ليه؟"
نظر لها «عامر» بنفس نظرته المُحبة وهو يقول:
أصل أنا طول الليل سهران بفكر وأنا حيران إزاي أنتِ مش جارة فيروز مع إنها قالت إحنا والقمر جيران"
فور إنتهاء جملته وجد صفعة قوية تنزل على رقبته من الخلف من كف «خالد» سأله «عامر» مُستفسرًا وهو يتألم:
إيه دا يا خالد؟"
نظر له «خالد» بسخرية وهو يقول:
دي رسالة من فيروز يا عين أمك"
ضحك الجميع على الموقف بأكمله وخرجوا جميعًا من الشقة تحت ضحكات الفتيات العالية.
خرجوا جميعًا من الشقة عدا «ياسين» الذي جلس بجانب «ميمي» ، نظرت له تتفحص ملامح وجهه فوجدتها مُطمئنة وهذا على غير عادته في الآونة الأخيرة، شعر بنظراتها له فإلتفت لها مُبتسمًا وهو يقول:
خير بتبصيلي ليه كدا ؟"
إتسعت إبتسامتها أكثر ثم قالت:
أبدًا فرحانة وأنا شايفاك مبسوط كدا، من ساعة ما خديجة ظهرت كنت علطول بحسك خايف"
تبدلت نظرته ثم قال بحب :
حتى الراحة بقت مربوطة بيها هي، يمكن أنا فرحان علشان بقيت أشوف الراحة في عنيها"
تحدثت «ميمي» بلهفة وهي تقول:
لأ أحكيلي بقى شكل حكايتك بقت حكاية".
أومأ لها موافقًا ثم تنهد بأريحية وهو يقول:
حاضر هحكيلك، علشان أنا مقدرش أحكي لحد غيرك.
______________
في بيت آلـ «رشيد» كان «وليد» واقفًا أمام شقة «عبلة» يتحدث معها فقال بهدوء:
النهاردة يعتبر أجمل يوم في حياتي، علشان قضيته معاكِ على الرغم من إني هتهزق من طارق أخوكي بس مش مشكلة "
إبتسمت على حديثه ثم قالت:
هو أنتَ رجعت إزاي من الشركة النهاردة صح؟"
إبتسم حينما تذكر ما فعله ثم قال:
أول ما خلصنا مع العميل، قولتله هنزل أوصله، يدوبك العميل ركب عربيته، وأنا ركبت عربيتي وحصلته، أنا لو كنت طلعت لطارق أخوكي تاني كان لبسني في حيطة"
وفجأة فُتح باب المصعد وخرج منه «طارق» وهو يقول:
لأ وأنتَ الصادق دا أنا هلبسك الكفن".
شهقت «عبلة» بـفزعٍ ثم قالت:
يلهوي يا وليد، إلحق"
فور إنتهاء جملتها ركض «وليد» داخل الشقة نظرت «عبلة» في وجه أخيها فوجدت نظرته لم توحي بالخير فركضت مثل «وليد»، خلع «طارق» سترته ثم شمر ساعديه وهو يقول:
إستعنى على الشقا بالله"
دخل «طارق» الشقة مثل الأسد فوجد باب غرفته يغلق بقوة فعلم أن «وليد» يختبأ داخل غرفته، وقف أمام الغرفة وهو يحاول فتحها وحينما لم يستطع طرق الباب بقوة وهو يقول:
إفتح يا وليد، بدل ما أفتح دماغك"
نطق «وليد» من الداخل بصوتٍ مهزوز:
مش فاتح يا طارق"
أومأ طارق برأسه ثم قال:
ماشي يا وليد وأنا بقى قاعدلك هنا"
قال جملته ثم جلس أمام باب الغرفة وهو يتوعد لهما، حينما لاحظت «عبلة» الصمت تحدثت قائلة:
طارق أنتَ سكت ليه؟"
كانت مُختبأة فى غرفتها فـ رد عليها «طارق» بصوتٍ عالٍ:
إخرسي أنتِ يا عبلة عملالي فيها صغيرة على الحب، أومال لو مش مأجبرينك على الجواز كنتِ عملتي إيه"
تحدث «وليد» قائلًا:
ياعم جبرتوا مين بس دي ماصدقت"
رد عليه «طارق» بقوة:
إخرس أنتَ كمان، وإفتح الباب، أنا والله ما هتحرك من هنا"
حينما حلف «طارق» علم «وليد» أنه لا يمزح، لذلك أخرج هاتفه وطلب رقم «خديجة»
ردت عليه «خديجة» متعجبة فوجدته يصرخ بها قائلًا:
إنزلي شقة عمك محمد بسرعة بالله عليكِ"
تعجبت أكثر من طلبه فسألته مستسفرة:
حصل إيه وليد ؟ "
رد عليها بعصبية :
إنزلي بسرعة أنتِ لسه هتسألي، ألبسي إزدالك وأنزليلي بسرعة"
وصل صوته لـ «طارق» خارج الغرفة، فتحدث قائلًا بسخرية:
بتتحامى في خديجة يا عيل، براحتك يا وليد"
كان باب الشقة مفتوحًا على مصراعيه ، لذلك إستطاعت «خديجة» دخول الشقة، دخلت عند الطُرقة وجدت «طارق» جالسًا على الأرضية وقفت أمامه وهي تسأله مستفسرة:
طارق أنتَ قاعد كد ليه؟"
رد عليها «وليد» من داخل الغرفة:
خديجة بالله عليكِ خديه من قدام الأوضة خليني أخرج"
تحدث «طارق» بصوتٍ عالٍ:
ريح نفسك مش هتحرك من هنا"
تحدثت «عبلة» من داخل الغرفة قائلة:
علشان خاطري يا خديجة أقنعيه يسيبنا في حالنا، والله أن اللي غلطانة، وليد كان مصمم يمشي على الشغل بس أنا كنت جعانة وخليته فطرني"
فهمت «خديجة» ما فعله «وليد» فأخذت نفسًا عميقًا تُهديء من توترها ثم قالت بصوتٍ مهزوز:
بُص يا طارق أنا عارفة إن وليد ممكن يكون عك الدنيا، بس دول مخطوبين جُداد يعني مرة من نفسهم فطروا سوا، أنا عارفة إنه مينفعش بس خليك أنتَ العاقل"
أخذ «طارق» نفسًا عميقًا ثم قال:
أطلعي فوق يا خديجة، وخرجي نفسك من الموضوع دا"
قبل أن ترد عليه وصلها صوت «وليد» وهو يقول:
إلهي يارب يا شيخة لو طلعتي ياسين يطلقك"
جحظت عيناها للخارج بقوة من هول ما سمعت ، بينما «طارق» إبتسم بسخرية وهو يقول:
شوفتي المهزء اللي أنتِ بتدافعي عنه؟"
هزت رأسها بيأس ثم تنفست بعمقٍ مرة أخرى وقالت:
دي أول مرة أطلب منك طلب في حياتي، متكسفنيش ووعد مني والله مش هخليه يزعلك مرة تانية "
نظر لها «طارق» فوجد نظرتها مُترجية له، زَفَرَ بضيق ثم قال:
ماشي يا خديجة خليه يخرج بس وربنا ما هسيبه"
إقتربت «خديجة» من الغرفة ثم قالت:
يلا يا وليد أخرج خلاص هو هدي خلاص"
إقترب «وليد» من الباب وهو يقول:
إحلفي إنه مش بيكدب عليا"
رد عليه «طارق» بعصبية:
هو أنا عيل زيك مليش لازمة يا..ياسوسن"
خرجت كلمته الأخيرة بتهكم واضح، بينما «عبلة» قالت:
خلاص بقى يا طارق بالله عليك"
تحدثت «خديجة» بصوتٍ هاديء:
خلاص بقى يا جماعة يلا يا وليد أخرج ، وأنتَ يا طارق أقف خلاص "
وقف «طارق» وهو يزفر بضيق، وبمجرد ظهور ظله من خلف الباب، قام بفتح الباب وركض بسرعة حتى إنه أوشكت «خديجة» على السقوط ولكنها تمسكت بالستارة، نظرت في وجه «طارق» وجدته مُحتقنًا بشدة، فركضت من أمامه هي الأخرى، بينما «طارق» إبتسم بقوة وهو يهز رأسه بيأس ثم قال:
يا عيلة بنت مجانين"
_________________
صعدت «خديجة» شقتها بعد ركضها من وجه «طارق» دخلت غرفتها لكي تشرع في إرتداء ثيابها لكي تستقبل بها «ياسين» ولكنها توقفت فجأة وهي تتذكر طلب «مُشيرة» فـ دب الرعب في أوصالها وتوترت كما كان يحدث من قبل، ظلت تزفر بقوة لكي تهديء قليلًا ولكن دون جدوى، ظهرت الأعراض عليها بوضوح حتى أنها أوشكت على البكاء، إرتعشت بقوة، وشردت في عالم آخر وما أخرجها من ذلك هو صوت هاتفها حينما صدح برقمه، نظرت للهاتف ثم ظلت تزفر بقوة حتى تنظم نبضات قلبها، إنتهت المكالمة الأولى، دون أن ترد عليه، فـ عاد «ياسين» المكالمة مرة أخرى، قامت هي بالرد عليه، زفر هو براحة ثم قال:
إيه يا ستي في إيه؟ إيه اللى أخرك كدا في الرد"
حاولت إستجماع بعض الشجاعة لكي تتحدث، فقالت بصوتٍ مهزوز:
أنا...أنا بس كنت بجيب حاجة من الأوضة برا"
خرج صوتها مهزوزًا بشدة ، إلتقط هو نبرتها فقال:
طيب وأنا هعمل نفسي مصدقك، المهم كلها ساعة وأكون عندك"
جحظت عيناها بقوة ثم قالت بنفس النبرة المهتزة:
م..مبلاش وإعتذر وخلاص"
رد عليها مُعقبًا:
لأ هاجي يا خديجة، ومش هعتذر، ويلا جهزي نفسك"
بعد مرور ما يقرب النصف الساعة كانت العائلة بأكملها مُجتمعة في الطابق الأول، في إنتظار «ياسين» بينما «خديجة» كانت تهز قدميها بعصبية في المطبخ، دخلت والدتها ثم نظرت لها وهي تقول:
بقولك إيه متخافيش أوي كدا ، وإن شاء الله مُشيرة تتكسف على دمها ومتعملش اللي في دماغك دا"
نظرت لها «خديجة» بخوف ثم قالت:
ربنا يسترها يا ماما،يعني مش بس الناس كلهم عيونهم هتكون عليا، لأ عمتو كمان موجودة وهي اللي عزماه"
أومأت لها في هدوء وهي تقول:
ربنا يسترها بقى"
وصل «ياسين» بيت آلـ «رشيد» تم الترحيب به من رجال العائلة بأكملها حتى إنه شعر وسطهم بالألفة، وبعد قليل أتت النساء وجلسن على مقربة من الرجال حتى «خديجة» التي أول ما رآها «ياسين» إنفرجت أساريره، نظرت له فوجدته يومأ لها لكي يُطمئنها، كانت «مُشيرة» تراقب نظراتهم هي و «هدير»، قطعت تواصل نظراتهم وهي تقول:
قولنا بقى يا ياسين حبيت خديجة وإختارتها ليه"
أعتلت الدهشة ملامح الجميع، فلم يستطع أحد إحراج «مُشيرة» بينما نظر «ياسين» لها بثبات ثم قال:
والله يا فندم القلوب دي بيد ربنا سبحانه وتعالى هو اللي بيدخل الناس في قلوبنا ويجعل ليهم القبول"
كانت «خديجة» متوترة بشدة وتفرك كفيها ببعضهما،بينما «مُشيرة» نظرت لـ «هدير» بخبثٍ، فتحدثت تلك المرة «هدير» قائلة:
يعني مش علشان حاجة معينة، شوفتها مناسبة لِك وافقت على جوازها"
زاد حنق الجميع بعد حديث «هدير» وقبل أن يتحدث أحدًا ما، نطق «ياسين» بثبات ونظرة تملؤها القوة قائلًا موجهًا حديثه للجميع:
عارفين الفراشة؟ الفراشة ليها سحر خاص بيها وألوانها مُبهجة أوي، الغريب في الموضوع أن الفراشة متعرفش إنها عندها الجمال دا كله، هي خديجة بالنسبة ليا كدا فراشة متعرفش إنها ليها سحر خاص بيها هي، ميشوفش جمالها غير قلب حبها وعين آمنت بسحرها، أنا لو حبيت خديجة فأنا حبيتها بطريقة خلتني أتأكد إن اللي فات من العمر من غيرها كان لازم يفوت عليا وأنا لوحدي علشان اللي جاي كله ميستاهلش غير وجودها هي وبس"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الثاني والعشرون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الثاني والعشرون"
______________
كُل العيون مرت منسية إلا عيونِك.."
______________
إذا تسألت عن أفضل شعور يشعر به المرء، سأخبرك بأن يتحقق حلمك ويأتي من يتباهى بِكَ وكأنك أعظم إنتصاراته، قد تظن أنك مُهمشًا ولكنك في الحقيقة أمنية لشخصٌ ودّ لو عثُر عليك.
بعد وصف «ياسين» أنها تشبه الفراشة في سحرها ودلالها، إعتلت الدهشة الفَرِحة لأوجه الجميع، بينما والدتها في تلك اللحظة شعرت بالفخر لكونه يَنصر صغيرتها، بعدما صمت عن حديثه، أعاده من جديد وهو يقول:
ودا مش مجرد كلام وخلاص، أنا فعلًا بعتبر نفسي محظوظ بِحبي لـخديجة، وشايف إن ربنا بيكرمني بهدية كبيرة أوي بعد الصبر اللي صبرته في حياتي"
حسنًا هو يؤكد حديثه أمام زوج من الأعين التي تُطلق سهامها، بالطبع هي أعين «مُشيرة»، التي لاحظ «ياسين» نظرتها، فبادلها بمثيلتها وكأنه بذلك يعلن تحديه لها، لاحظ الجميع تبدل وجه «مُشيرة» و «هدير» التي تصنعت الامبالاة، بينما تحدث «وليد» بفخرٍ وهو يقول:
إيه الجمال دا كله، أنا كدا فعلًا أتأكدت إني أخترت لأختي صح، ولا إيه يا جماعة"
وافقه الجميع في الحديث، بينما «طه» كانت نظرة الإعجاب بموقف «ياسين» واضحة أمام الجميع لم يستطع السيطرة على ظهورها، لذلك أردف قائلًا:
ربنا يكرمك ويعزك يا ياسين، وشكرًا على كلامك في حق بنتي"
نظر له «ياسين» بثبات ثم قال:
شكرًا لحضرتك يا عمي، بس دا مش كلام، دي حقيقة والمفروض كل اللي خديجة في حياته يتباهى بيها كدا"
بعد تلك الجملة تبدلت نظرة «طه» لنظرة أُخرى مُسائلة، بينما «ياسين» في تلك اللحظة وجه «بصره» نحوها لكي يرى ردة فعلها، وبمجرد وقع بصره عليها، علم أنها في ذروة توترها، نتيجة للتتبع الأبصار لها بعد حديثه، كانت متعرقة بشدة وتفرك كفيها معًا، كما أن رجفة يديها كانت واضحة للعيان، هذه هي الأعراض الظاهرة، لكنها أيضًا كانت تُعاني من آلام في معدتها، كما إن الصداع داهمها مرةً واحدة، كانت الهمسات منتشرة بين الجميع، بعد ذلك الموقف، في تلك اللحظة ود «ياسين» أن يأخذها بعيدًا عن الجميع، وبالفعل قرر تنفيذ ذلك القرار، فوقف فجأة ثم قال بلباقته المعتادة:
معلش يا جماعة بعد إذنكم أنا بس مضطر أستأذن، وبعد إذن حضرتك يا عمي خديجة هتيجي معايا مشوار مهم ومش هأخرها متقلقش"
عند طلبه رفعت رأسها وهي تنظر له، فوجدته يبادلها النظرة، بينما «طه» أجابه مُستفسرًا:
طب ما تقعد معانا شوية ليه تسيبنا وتمشي"
إبتسم له «ياسين» وهو يقول:
أنا متأسف يا عمي بس أنا عاوزها في موضوع مهم"
فهم «وليد» سبب مطلب «ياسين» فتدخل قائلًا:
خلاص يا عمي خليهم ينزلوا سوا علشان يكونوا براحتهم، يلا يا خديجة روحي مع ياسين"
كانت نظرات الجميع مُتعجبة لما يدور، وقبل أن يتحدث «طه» ويبدي إعتراضه، تدخل «وئام» قائلًا:
خلاص يا عمي خليهم ينزلوا سوا أحسن من الزحمة اللي هنا"
أومأ «طه» في هدوء، ثم نظر لإبنته وجدها تنظر أرضًا، لاحظ «ياسين» نظرته،فذهب إليها وأمسك كفها ثم قال مودعًا الجميع:
عن إذنكم يا جماعة وأنا إن شاء الله مش هأخرها"
كان كفها يرتجف بين كفه، لذلك ضغط على كفها لكي يطمئنها، خرج بها «ياسين» من الشقة تحت نظرات «الحنق» من «مُشيرة» و «هدير»،
في تلك اللحظة إقترب «وليد» من «طارق» ثم قال له بمزاح:
لو معاك دوا ضغط إلحق عمتك مُشيرة بيه"
إبتسم «طارق» ثم قال بنفس النبرة التي يتحدث بها «وليد»:
اللي محتاج الدوا فعلًا هدير العقربة الصغيرة"
إبتسما الأثنين معًا، فنظر لهما «وئام» مُستفسرًا، أشار له «وليد» وكأنه يقول له:
لا شيء"
_____________
في الأسفل بعدما خرجا سويًا من البيت ولازال كفه يعانق كفها وكأنه يبثها الطمأنينة المفقودة، وبعد مُدة من السير على الأقدام وقف «ياسين» ثم التفت مواجهًا لها وهو يقول:
ها أحسن دلوقتي ولا لسه متوترة؟"
رفعت رأسها ثم أخذت نفسًا عميقًا تبعته بقولها:
أحسن كتير الحمد لله، بقيت أهدى"
أومأ لها ثم أمسك كفها مرة أخرى وهما يسيران معًا، ولكن تلك المرة بتروٍ عن المرة السابقة، وبعد السير فترة كبيرة نظر لها بطرف عينه فـرآى التخبط جليًا بوضوح على ملامحها، أعاد فعلته السابقة ووقف مواجهًا لها ثم قال:
أنا مش عاوزك تشكريني ولا عاوزك تفكري أنا قولت كدا ليه، علشان دا حقك عليا وأنتِ مراتي ولا يمكن أسمح لأي حد يهينك أو يقلل منك"
نظرت له مُتعجبة من كيفية قراءته لأفكارها بتلك السرعة، وما أظهر دهشتها، كيف أستطاع معرفة كل ما يجول بخاطرها دون أن تتفوه به، نظر لها ولتعجبها، فأخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
بُصي يا خديجة أنا عمري ما هقدر أشوف حد بيحاول يزعلك وأقف ساكت، زي ما عمري ما هقدر أقابل ربنا وأنا مزعلك ولا عمري هعرف أقابل سيدنا "مُحمد" وأنا مزعلك مني، لأني ببساطة كدا أنا مش قد الوصية اللي الرسول وصاني بيها"
نظرت له مُستفسرة ثم قالت:
يعني إيه مش فاهمة حاجة، وإيه الوصية دي؟"
أمسك كفها ثم إقترب من أحد الأرصفة في الشارع وجلس عليها ،ثم أجلسها بجانبه كانت مُتعجبة من فعلته، لكنه وأد نظرة إعجابها حينما قال يُمازحها:
لأ ميغركيش إني لابس بدلة ولا إن أنا مهندس، أنا قضيت حياتي كلها على الأرصفة كدا"
إبتسمت على حديثه وطريقته، بينما هو نظر لها بعمقٍ ثم قال:
بُصي يا ستي الرسول صلى الله عليه وسلم وصى الرجال على النساء، وربنا سبحانه وتعالى جعل القوامة للرجل علشان يقدر يقود حياته وحياة الست اللي معاه، ودا مش تقليل منهم ، لأ دا تكريم لأن الست عاطفتها بتغلبها في بعض الأحيان، الفكرة كلها إن العلاقات في حياتنا سهلة إحنا اللي بنصعبها على نفسنا يا خديجة"
سألته مُستفسرة وهي مندهشة من حديثه:
يعني إيه العلاقات سهلة، طب ما هو إحنا لو بنتعب بنتعب بسبب الناس اللي في حياتنا"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
لأ يا خديجة إحنا اللي بنصعبها على نفسنا، يعني لو ركزنا على العلاقات اللي في الإسلام هنعرف إنها خُلقت للتسهيل، يعني إحنا طول عمرنا نقول إن الصحاب ملهمش أمان وغدارين وكلام كتير ملوش لازمة، بس لو بصينا على الصداقة الحقيقة هنلاقي أقوى صداقة في الإسلام وهي بين سيدنا محمد و أبي بكر الصديق
وإذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" تخيلي صداقة عظيمة زي دي ليه إحنا مناخدهاش قدوة لينا ونكون صحاب سند لبعض؟"
أومأت له مندهشة من حديثه وثقافته، ثم قالت بهدوء:
فعلًا معاك حق، أنا بجد مبهورة بكلامك"
إبتسم لها ثم قال:
دا مش كلام دي الحقيقة يا خديجة، وقيسي بقى على كدا علاقة الأخوات، اللي للأسف بقت كلها حروب وميراث ومين عاوز حق التاني، ولو ركزنا هنلاقي إن ربنا وضح علاقة الأخوات في قوله:
سنشدُ عضدك بأخيك"
تخيلي ربنا جعل القوة للإنسان في أخواته، وهما ملجأ الأمان له بعد ربنا سبحانه وتعالى، ونفس الكلام الزوج والزوجة اللي بقت علاقة كلها حرب على القوامة ومين يثبت إنه هو الأحق واللي كلمته تمشي، مع إن ربنا سبحانه وتعالى وضح لنا العلاقة في الإسلام لما قال:
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
تخيلي آية عظيمة زي دي يا خديجة ولسه الناس فاهمين علاقة الجواز غلط، لسه مش فاهمين إن الست إتخلقت من ضلع الراجل يعني أقرب مكان للقلب، ربنا جعل في علاقة الزواج المودة والرحمة اللي هما من أعظم السمات اللي في الدنيا يبقى ليه إحنا البشر منقدرش النعم دي بقى؟"
كان «ياسين» مُسترسلًا في حديثه، وهي تنظر له بإعجاب واضح بقوة لم تدخر جُهدًا في إخفاؤه، نظر لها بعدما إنتهى من حديثه فوجد نظرتها تلك، إبتسم لها ثم قال:
أنا بعد نظرتك دي مش عاوز حاجة تانية يا خديجة خلاص"
شعرت بالإحراج كونها تنظر له بتلك النظرة، ولكنها تصنعت الجهل بالأمر وهي تسأله بتوتر:
نـ..نظرة إيه دي؟"
وهو على نفس وضعه وبنفس الأبتسامة قال:
نظرة الاطمئنان دي يا خديجة، دي أول مرة أشوفها في عينيكِ اللي أنا حفظت كل نظارتها"
نظرت له مُستفسرة ثم قالت:
إزاي حافظ نظاراتي مش فاهمة؟"
قال مُردفًا لها بهدوء:
علشان كل مرة بشوف في عينيكِ نظرة خوف وكأنك عاوزة تهربي مني، النهاردة بقى أنا مش شايف خوف شايف نظرة مطمنة"
إبتسمت له ثم أومأت قائلة:
دي حقيقة فعلًا أنا النهاردة بعد كلامك حسيت إحساس غريب أوي، خصوصًا إن علطول عمتو كل كلامها عني بالطريقة دي وأنا مبعرفش أرد عليها"
سألها مُستفسرًا:
ليه يا خديجة تسكتي عن حقك، ليه تسيبي حد يقلل منك؟"
زفرت بعمق ثم قالت:
علشان بخاف حد يزعل مني، بخاف حد يحس باللي أنا حسيته، بخاف أقولها كلمة تجرحها أو تجرح مشاعرها ،خصوصًا إني اتربيت إني مينفعش أحرج حد أكبر مني"
نظر لها بفخرٍ ثم قال:
أهو دا السبب اللي مخليني مبهور بكِ، إنك وبإرادتك أنتِ قررتي إنك متكونيش زي حد بيجرحك ولا إنك تاخدي حقك على حساب اللي قُدامك"
إبتسمت له ثم قالت:
على فكرة دا مش ضعف مني"
أومأ لها وهو يقول:
دي قمة القوة يا خديجة، إنك تختاري مشاعر الناس حتى ولو على حساب مشاعرك، بس المهم إن الأمور متزيدش عن حدها"
إبتسمت بحزن ثم قالت:
للأسف خدت بالي متأخر من حاجة زي دي ، بعدما الأمور زادت عن حدها"
بنفس نبرته الهادئة قال:
أنا موجود يبقى كل دا هيتصلح، ودا أنا واثق منه"
أخفضت رأسها في خجلٍ بينما قال هو بنبرته التي يغازلها بها:
تعرفي إن أنا من أول نرة شوفتك فيها عرفت إن هيبقى لكِ معايا حياة تانية؟"
رفعت رأسها تنظر له مُستفسرة، بينما هو نظر في أعينها وقال:
أصل العيون دي بتقول حكايات، وأنا من أول مرة بصتيلي فيها بعيونك شوفت فيها حياة تانية، وكأن كل العيون مرت منسية إلا عيونِك، من نظرة منهم لفيت الكون كله وأنا مكاني، ساعتها وأنا راجع بيتنا كل اللي افتكرته هي نظرة عينيكِ دي"
تدرجت وجنتيها بحمرة الخجل وأخفضت رأسها بسرعة كبيرة وهي تحاول إخفاء إبتسامتها، بينما هو أخرج زفيرًا قويًا ثظر حوله وجد الشارع خالي من المارة، نظر في ساعة معصمه، وزفر مرةً أُخرى ثم قال:
طب إيه هنبات على الرصيف هنا ولا إيه؟ تعالي معايا"
ثم هب واقفًا ولم يترك لها فرصة للتعقيب بل أمسك كفها وأوقفها، تعجبت من فعلته ثم سألته:
إيه هنروح فين طيب؟"
أمسك كفها وسار بها وهو يقول:
كدا كدا إتأخرنا يبقى على الأقل أوجب معاكِ"
بعد تلك الجملة الأخيرة توقفت عن السير ثم سألته بنبرة خائفة:
هو إحنا هنروح فين؟"
إلتفت ينظر لها بإطمئنان ثم قال:
متخافيش هخليكِ تشاركيني حاجة أنا بحبها"
وفور انتهاء جملته سار بها وهي خلفه تتبعه بهدوء وتفكر إلى أين سيأخذها.
__________________
في بيت آلـ «رشيد» غادر الجميع الطابق الأول وصعد كل فردٍ منهم شقته،
في شقة «مُشيرة» كانت جالسة برفقة «هدير» إبنة أخيها وكلًا منهن تشعر بالهزيمة، فلم يأتِ في مُخيلة أيًا منهن أن يأتي من يتحدث عن «خديجة» بتلك الطريقة، نظرت «هدير» في وجه عمتها وجدته مُحتقن بشدة وعلامات الضيق بادية على وجهها بوضوح، فتحدثت بصوتٍ مهزوز قائلة:
مالك يا عمتو في حاجة مزعلاكِ؟"
التفت «مُشيرة» تنظر لها ثم قالت بسخرية:
لأ وأنا إيه اللي هيزعلني يعني، هو حصل حاجة تزعل ولا حاجة تحرق دمي، وترفعلي ضغطي، إخرسي يا هدير، إخرسي خالص"
نظرت لها «هدير» بضجرٍ ثم قالت:
وأنا أعرف منين يا عمتو إنه هيقول كدا، وبعدين كنت فكراه عادي يعني مش بيحبها للدرجة دي، لأ بيحبها إيه، دا غرقان فيها"
بعد تلك الجملة صرخت «مُشيرة» في وجهها قائلةً:
أنتِ عاوزة تموتيني يا بت أنتِ؟ بتقهريني يعني؟"
أطاحت لها «هدير» بلامبالاة، بينما «مُشيرة» وضعت كفيها تمسك رأسها بقوة وهي تشعر بالصداع النصفي يداهمها نتيجة لإرتفاع ضغطها، إقتربت «هدير» تجلس بجانبها أكثر وهي تقول بـهدوء:
مالك يا عمتو في إيه؟"
نظرت لها «مُشيرة» والأدمع تلمع بأعينها ثم قالت:
قلبي واجعني أوي يا هدير، قهراني بنت زينب، بقى أنا بعد العمر دا كله بحارب فيهم وفي الأخر يجي واحد زي ياسين دا يقهرني كدا، دا أنا من ساعة راشد ما رفض جوازها وأنا حسيت إن ربنا بينصفني، وإن حق بنتي بيرجعلي"
تعجبت «هدير» من حديثها فسألتها مُستفرة:
حق بنتك إزاي يا عمتو مش فاهمة"
تبدلت نظرة «مُشيرة» إلى نظرة حاقدة وهي تقول:
حق بُعد بنتي عن حضن أمها، وتربيتها من غير أم، ليه هي تعيش مع جوزها وعيالها وتفرح ببنتها وأنا أعيش مقهورة"
ربتت «هدير» على ذراعها ثم قالت:
متزعليش نفسك يا عمتو، بكرة ربنا هيرجعلك حقك وزينب دي ربنا هيخلص منها كل دا في فرحتها ببنتها"
أومأت له «مُشيرة» وهي تمسح دموعها وقبل أن تتفوه بـِحرفًا طُرق باب شقتها، تعجبت «مُشيرة» و «هدير» أيضًا فتحدثت «مُشيرة» قائلة لها:
قومي إفتحي الباب يا هدير شوفي مين اللي جاي دلوقتي"
أومأت لها «هدير» وقامت لكي تفتح الباب، وبمجرد فتحها الباب وجدته ينظر لها وهو رافعًا أحد حاجبيه وينظر لها مُتهكمًا، بينما هي تعجبت من وجوده ثم قالت:
أنـــتَ؟"
________________
بعد فترة قصيرة من السير على الأقدام، وصلا سويًا أمام عربة صغيرة وسط الطريق مُتخصصة في صناعة المشروبات
نظرت مُتعجبة للمكان حولها، بينما هو بمجرد وصوله ذلك المكان إرتسمت بسمة عذبة على وجهه، سحب مقعد لها لكي تجلس عليه، فعلت كما أراد، بينما هو جلس على مقعد مقابل لها كانت تنظر له مُندهشة من تصرفاته تلك، ونظرتها واضحة و تَنُم عن ذلك، أما هو حينما رآى نظرتها تلك إتسعت إبتسامته أكثر من ذي قبل ثم قال:
طب مالك بتبصيلي كدا ليه طيب؟"
هزت رأسها وكأنها بذلك تُعيد تركيزها مرةً أُخرى، بعد فعلتها تلك تحدثت قائلة:
هو أنتَ إزاي كدا، يعني إيه الأماكن دي وإزاي بسيط كدا؟"
إبتسم نتيجة لقولها، ثم قال:
كدا إزاي يعني مش فاهم، آه قصدك المكان يعني؟"
أومأت له في هدوء وتلك البسمة الهادئة مرسومة على شفتيها، بينما هو أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
بُصي يا ستي أنا آه مش وحيد في الدنيا دي، وعندي صحاب الحمد لله بس برضه الإنسان بيجي عليه وقت يحب يفصل من كل دا ، يحب يبقى لوحده بعيد عن كل الدوشة دي، أنا بقى بقعد هنا علشان أفصل من دوشة حياتي"
تحولت نظرتها إلى التعجب ثم قالت:
طب وهو أنتَ بتيجي هنا لوحدك، أصل المكان دا مفيهوش غيرنا"
إبتسم على حديثها ثم قال:
الشعب كله هنا يا خديجة، بس أنا اللي أخترت أكتر مكان فاضي، لو مش مصدقاني بصي الناحية التانية كدا"
فعلت كما طلب منها ونظرت للجهة الأخرى وجدتها متكدسة بالأشخاص فجحظت عيناها للخارج ثم قالت:
يلهوي إيه الناس دي كلها، هما مش خايفين كدا؟"
هز رأسه نفيًا ثم قال بهدوء:
لأ مش خايفين يا خديجة، هي صحيح زحمة بس كل واحد جواه في راسه زحمة أكبر دي ويمكن هو دا الخوف الحقيقي"
إبتسمت له ثم قالت:
معاك حق زحمة الدماغ مرعبة أكتر بكتير"
وفجأة تغيرت تعبيراته ولهجته إلى المزاح ليقول:
طب بقولك إيه بدل درس الفلسفة دا، أنا هطلب حاجة نشربها سوا"
أومأت له، فإتسعت إبتسامته ثم قال:
هشربك بقى عصير قصب باللبن مدوقتيش زيه في حياتك"
جحظت عيناها للخارج ثم قالت بتعجب:
إيه عصير قصب باللبن؟ دا إزاي دا؟"
تصنع التعجب والدهشة وهو يقول:
إيه دا أنتِ مش بتحبيه؟"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
أنا مدوقتوش قبل كدا علشان أحبه أصلًا، بس أنا مش بفضل أي حاجة فيها لبن"
حرك رأسه نفيًا بقوة ثم قال:
إلا دا بقى مينفعش حد يكرهه، وبكرة أنتِ بنفسك تزني عليا علشان أجيبك تشربيه"
وقبل أن تُعقب على حديثه وجدته يُشير للشاب الصغير الذي يعمل على إحدى العربات التي يتم بها عمل العصير، أتى الشاب له ورحب به في حبور شديد، تبادل معه «ياسين» التحية ثم طلب ما يريد تحت نظرات تَعجبها، وبعدما رحل الشاب، نظر «ياسين» لنظرتها المتعجبة، فقال:
هو إحنا هنفضل نستغرب كتير النهاردة يا خديجة، مالك مستغربة ليه؟"
توترت من سؤاله، لكنها قالت بهدوء:
لأ أبدًا مستغربة طريقتك مع الولد، يعني شكلك صاحبه"
أومأ لها ثم قال:
حمادة دا حبيبي، عارفه من ساعة ما كنت في الجامعة، تعرفي إن تاني حد يعرف المكان دا في حياتي"
سألته متعجبة:
ومين أول حد؟"
أجابها ضاحكًا:
خالد و ياسر و عامر"
إبتسمت من إجابته ثم قالت:
بس دول ٣ مش واحد، وكدا أنا الرابعة"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
لأ التلاتة دول عندي واحد مفيش واحد منهم أعز على قلبي من التاني، وأنتِ تاني حد في حياتي ياخد مكان زي دا في قلبي"
خجلت من إجابته فأخفضت رأسها للأسفل متوترة بشدة، بينما هو نظر للجهة الأخرى وقبل أن يتحدث وجد «حمادة» يقترب بالعصير في يده، فنظر له وهو يقول:
العصير جه هنشربوا ونمشي قبل ما عم طه يُقيم عليا الحد"
وعلى عكس المرة السابقة إبتسمت من جملته بدل الخوف.
______________
دخل «وليد» شقة «مُشيرة» بعدما قامت «هدير» بفتح الباب له، نظرت له «مُشيرة » بضيق ثم قالت بحنقٍ:
خير يا وليد إيه اللي جابك؟"
نظر لها و لـ «هدير» أيضًا ثم قال:
سبحان الله، أطيب خلقه متجمعين سوا؟ لأ متجمعين في المكان اللي تستاهلوه إن شاء الله"
زادت نظرات حنقهما عليه فقالت «مُشيرة»:
خلص يا إبن مروة عاوز إيه أنا مش فايقة لك"
بعد إنتهاء إستفسارها نظرت لــ يده وجدته يحمل بها دواء وزجاجة مياه، فسألته مرةً أُخرى:
وإيه اللي في إيدك دا كمان؟"
جلس «وليد» على الأريكة الموضوعة بجانب الباب ثم قال:
أصل بصراحة طيبة قلبي خلتني مش عارف أنام وعمتي ضغطها عالي وضارب في السما كدا، وأنتِ عارفاني كلي حنية قلب علشان كدا جبتلك دوا ضغط من بتاع بابا أكيد هتحتاجيه"
نظرت له بسخرية ثم قالت:
ودا من إيه إن شاء الله ؟ وإيه مناسبته؟"
بنفس نظرة الإستمتاع وبنفس النبرة الشامتة قال:
أصل بعد الكلام اللي إتقال على خديجة النهاردة، وبعد مشاعر ياسين اللي حدفنا بيها كدا الصراحة أنا مستغرب إنك لسه مروحتيش مستشفى لحد دلوقتي"
تبدلت ملامح وجهها إلى الضيق بينما «هدير» تدخلت قائلة:
عيب كدا يا وليد، دي عمتك برضه مينفعش كدا"
نظر لها «وليد» بسخرية ثم قال:
دا على أساس إني بفتري عليها مثلًا؟ مش دي حقيقة؟ ، وبعدين عمتك أصلًا قالت قدام الكل من كام سنة إنها بتكره زينب وخديجة"
قبل أن تجيبه «هدير» ردت «مُشيرة» قائلة:
خلص يا وليد عاوز إيه ؟"
إعتدل في جلسته ثم قال بهدوء:
مش عاوز حاجة غير إنك تخلي الدوا دا معاكِ علشان هتحتاجيه كتير الأيام الجاية "
قال جملته ثم وضع الدواء و زجاجة المياه على الطاولة الصغيرة الموضوعة تحت نظرات الدهشة والتعجب من عمته وإبنة عمه، قام بتأدية غرضه، ثم تركهم وغادر إلى شقتهم وبسمة الشماتة تعتلي ملامح وجهيهما
نظرت «هدير» إلى عمتها ثم سألتها مستفسرة:
وبعدين يا عمتو، أنتِ إزاي تسكتيله كدا؟"
نظرت لها «مُشيرة» بنظرة حاقدة ثم قالت:
خليه إبن مروة بكرة يجي دوره تحت إيدي"
______________
في شقة «طه» بعدما خلد لنومه، كانت «مروة» جالسة مع «زينب» والفرحة تعتلي ملامح وجهيهما فقالت «مروة» بنبرة مُختنقة من شدة تأثرها بالموقف:
بس شوفتي شكلها يا زينب، جابت كل الألوان اللي في الدنيا، كانت فكراه المسموم راشد و هيعمل زيه"
تنهدت «زينب» براحة ثم قالت مُبتسمة:
بصراحة عمري ما هنسى شكلها، ولا هنسى فرحة قلبي بالموقف، أنا لو عليا أبوس إيده على جبره لخاطر بنتي، ورفعه لراسنا قدام الناس كدا والعيلة كلها"
قالت حديثها ثم بكت، ربتت «زينب» على ذراعها ثم قالت:
خديجة طيبة وتستاهل كل خير يا زينب، صدقيني دا عوض ربنا ليها بعد اللي شافته من طه و مشيرة"
بكت «زينب» أكثر ثم قالت من بين دموعها:
تعبت كتير يا مروة، اتضربت منه كتير واتحبست أكتر، وسكتت أكتر وأكتر ياما ظلمها هو وكلهم"
إحتضنتها «مروة» ثم بكت هي الأخرى وقالت:
خلاص بقى هي هتنسى كل دا، وأهوه أنتِ شوفتيها بعنيكِ النهاردة، ربنا يكرمها ويقربهم لبعض أكتر"
أومأت «زينب» وهي تؤمن وراء دعاؤها،
في الأسفل وصل «ياسين» برفقة «خديجة» بعدما تبدل حالها كثيرًا قبل نزولهما سويًا، كانت تسير بجانبه بهدوء وهو أيضًا، لكنه كل عدة ثوانٍ يقف يسألها عن حالتها بنبرة إحتفظت بحنان العالم بين طياتها، وفي المرة الأخيرة وقف يسألها أمام البيت، إتسعت ضحكتها رغمًا عنها ثم قالت:
خلاص يا ياسين والله أنا كويسة وبخير متقلقش"
إبتسم لها ثم قال:
طيب أنا كدا إطمنت، المهم العصير عجبك"
وعلى عكس عادتها أجابته بحماس قائلة:
جدًا بجد عمري ما كنت أتخيل إني أحب العصير دا كدا؟"
تبدلت نظرته إلى الخبث ثم قال:
يعني حبيتي العصير واللي عرفك على العصير مش قادرة تحبيه، والله دا ظلم"
خجلت من حديثه وظهر التوتر عليها بوضوح، وحينما لاحظ توترها أمسك كفها وهو يقول:
يلا علشان أسلمك ليهم زي ما خدتك منهم"
أومأت له دون أن ترفع رأسها، أخذها وركبا المصعد سويًا وكفه يُعانق كفها بشدة، وصل المصعد أمام شقتها، فــفتحت والدتها لها ظنًا منها أنه «أحمد»، ولكنها تفاجأت حينما رأت «خديجة» و «ياسين» معًا، رحبت بهما، بينما هو إعتذر قائلًا:
أنا متأسف جدًا على التأخير بس الوقت سارقنا معلش"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
لأ يا حبيبي متقولش كدا، الوقت متأخرش أوي ، المهم يلا أتفضل مينفعش تقف كدا"
أومأ لها نفيًا ثم قال:
المرة دي فعلًا أنا متأخر بجد وعندي شغل بكرة الصبح، أنا بس طلعت علشان أعتذر عن التأخير"
أبتسمت له والدتها ثم قالت:
تعتذر على إيه بس؟ أنا اللي عاوزة أشكرك على كلامك النهاردة وعلى جبرك خاطر بنتي"
كانت نظرتها ممتنة له، فقال هو لكي يرفع الحرج عنها:
أنا مش عاوز شكر ولا عاوز أي إمتنان، هي دي الحقيقة وخديجة فعلًا مكسب لأي حد"
مسحت «زينب» دمعة بسيطة فرت من بين أهدابها، بينما «ياسين» التفت ينظر إلى «خديجة» وجدها تنظر له بإعجاب واضح، و أمام والدتها إقترب منها وطبع قُبلة بسيطة على جبهتها ثم قال:
تصبحي على خير"
إبتسمت والدتها على فعلته تلك بينما «خديجة» زاد توترها وخجلها وزادت ضربات قلبها حتى أنها أجزمت على أنهما سمعا صوت قلبها النابض بقوة، حينما إنتبه «ياسين» إلى الموقف بأكمله حمحم بإحراج ثم قال:
عن إذنكم أنا أتأخرت"
قال جملته ثم أسرع خطواته إلى المصعد، بينما «خديجة» كانت على وشك البكاء، حتى أنها شعرت بالخوف ولوهلةٍ ما خشيت وجود والدها فإرتمت بين أحضان والدتها، لاحظت والدتها إرتجافها، فربتت على كتفها ثم قالت:
بس إهدي مفيش حاجة يلا ندخل علشان ترتاحي".
____________
بعدما نزل من الشقة كانت بسمة بلهاء مرسومة على شفتيه، وحينما تذكر نظرة والدتها قال:
شكلي كان متخلف بس مش مشكلة بتحصل"
إتسعت إبتسامته أكثر، وخرج من البيت، سار على قدميه وهو يتذكر اليوم بأكمله وكلما تذكر بسمتها وهدوئها ورقتها شعر بالحب يغمره أكثر تجاهها، وبعد فترة من سيره على الأقدام وجد نفسه أسفل بيت «ميمي» حرك رأسه بيأس حينما وصل صوت الأغاني المُرتفعة من الشقة، وكالعادة قام بفتح الباب وجد «خالد» نائمًا على الأريكة و «ميمي»تضحك بقوة على «ياسر» و «عامر» يدربه على الرقصات الشعبية التي يقوم بها بمهارة، ضحك «ياسين» على المنظر ثم قال بصوتٍ عالٍ:
حمار بيعلم أهطل، لا الحمار عارف يعلم ولا الأهطل عارف يتعلم"
ضحك الجميع على جملته بينما هو إقترب من الأريكة وقام بإيقاظ «خالد» من نومه، إستيقظ «خالد» وهو يسأله مُستفسرًا:
إيه اللي أخرك كدا ياض؟ هما كانوا عازمينك على السحور ولا إيه؟"
إبتسم «ياسين» والجميع أيضًا، ثم قال:
لأ يا خويا أنا مكالتش أصلًا وجعان ، عاملين حسابي في أكل؟"
أومأ له «خالد» وقبل أن يتحدث، تحدث. «ياسر» قائلًا:
آه فيه أنا عامل حسابك في أكل هتلاقيه في فرن البوتجاز مخبيه من عامر"
نظر له «عامر» بحنقٍ ثم قال بسخرية:
مخبيه من عامر ليه يا حبيبي فاكرني من سلالة يأجوج و مأجوج؟"
ردت «ميمي» مُعقبة:
يعني يا عامر لو كنا قولنالك إن فيه أكل لـياسين كنت هتسيبه؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بثقة:
لأ طبعًا دا أنتم بتحلموا، بس برضه كنتم عرفوني"
رد عليه «ياسين»:
يعني أكل ولا لأ؟ لخص؟"
أطاح له «عامر» برأسه ثم قال:
لأ مليش نفس كُل أنتَ خلاص"
حرك «ياسين» رأسه بيأس ثم أخرج زفيرًا قويًا وقام ليجلب الطعام، خرج من المطبخ وجلس على طاولة السُفرة، وأثناء طعامه إنتهت الأغنية الشعبية، وتبدلت بأخرى رومانسية، قام «عامر» ليبدلها لكن «ياسين» أوقفه بسرعة قائلًا:
لأ سيبها يا عامر متقلبهاش، أنا عاوز أسمعها"
نظر له الجميع بتعجب، وأول من تحدث كان «ياسر» حينما قال:
إيه فكرتك بخديجة ولا إيه؟"
كانت نبرته خبيثة أكثر من كونها مُستفسرة، نظر الجميع منتظرين إجابة «ياسين» أما هو حينما سأله«ياسر» إبتسم بحالمية ثم قال:
وهو أنا بنساها علشان أفتكرها؟
خرج تصفيقًا حارًا من الشباب وإتسعت ضحكاتهم حتى وصلت إلى القهقهات، أما هو شعر بالإحراج فحمحم لكي يقلل من موقفه المحرج، بينما «خالد» سأله بخبث:
ألا قولي يا ياسين أنتَ مبتنسهاش ليه؟"
إبتسم «ياسين» ثم رد عليه مُجيبًا إياه:
مَن يَسكُن الرَوْحِ كَيْفَ لـِلقلب أن ينـساه؟"
وقبل أن يجيبه أيًا من الجالسين، رد «عامر» مُعقبًا:
إيه دا هو أنتَ بتحب إسبونج بوب؟"
نظر له الجميع بتعجب مصحوب بالدهشة فقال بسرعة كبيرة بعد نظرتهم تلك:
آه لامؤاخذة يا رجالة، دا التاني من يسكن البحر ويحبه الناس"
ضحك الجميع عليه حتى و صلت ضحكاتهم إلى القهقهات بينما «ياسين» نظر له بحنقٍ ثم قال:
منك لله خرجتني من الحالة اللي كنت فيها"
وبعد توقف ضحكات الجميع تحدث «ياسر» قائلًا:
تعالى بقى إتفرج على الحاجة اللي جبناها عقبال حاجتك"
أومأ له «ياسين» ثم قام لكي يرى ما قام أصدقائه بشرائه.
______________
بعد إنتهاء الأمسية في منزل «ميمي» ذهب كل شابٍ منهم إلى بيته، وصل «ياسين » منزله وجد والدته في إنتظاره، فسألته قائلة:
إتأخرت ليه دا أنا مستنياك من زمان، أجبلك تاكل؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
أتأخرت علشان روحت لميمي، وبصراحة كدا كلت هناك"
أومأت له والدته ثم قالت:
طب كويس طالما إطمنت عليك خلاص"
وقبل أن تتركه وتتوجه إلى غرفتها صدح صوت هاتفه برقم «خديجة» أخرج الهاتف وهو يظنه أحد أصدقائه وحينما رآى إسمها وقف بسرعة كبيرة تحت نظرات التعجب من والدته فقالت له:
أنتَ عبيط يلا ولا إيه مالك؟"
توتر هو نتيجة حركته تلك فقال بسرعة:
لأ مفيش عن إذنك ، بصي تصبحي على خير"
ركض إلى غرفته بعد جملته تلك، أما والدته فضربت كفًا بالأخر ثم قالت:
لأ دا مجنون بجد، بس والله شكلها خديجة ورا جنانه دا"
دخل غرفته وقام بالرد عليها بسرعة كبيرة وهو يقول:
والله العظيم ما مصدق نفسي إنك بتتصلي بيا كدا"
أما هي فور إجابته على مكالمتها شعرت بالتوتر أكثر، لكنها حاولت إستجماع بعض الشجاعة وهي تقول:
أنا...أنا بس..أنا بصراحة كدا عاوزة أشكرك على اليوم كله"
إبتسم على حديثها ثم قال:
من العفو بس أنا مش غريب علشان تشكريني، بس على العموم دي بداية حلوة إنك تكلميني، إحنا بدأنا تطوير الذات من نفسنا اهوه"
إبتسمت بسخرية ثم قالت:
ياريتها كانت على قد كدا وبس، لسه فيه حاجات تانية كتير محتاجة تتغير"
وافقها في الحديث قائلًا:
وأنا معاكِ في اللي أنتِ عاوزاه وزي ما قولتلك أنا معاكِ علطول"
إبتسمت على حديثه ثم قالت:
شكرًا يا ياسين على كل حاجة أنتَ بتعملها وهتعملها علشاني"
زفر بقوة ثم قال:
يعني كلمة شكرًا دي بقت سخيفة أوي بجد، فيه حاجات كتير تانية أحلى منها"
سألته مُستفسرة دون وعي:
طب زي إيه طيب؟"
كان على وشك أن يجيبها لكنه إبتسم ثم قال:
هيجي يوم وتعرفيها لوحدك"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الثالث والعشرون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الثالث والعشرين"
__________
حُسنكِ أغوى تائبٌ عن الحب..وفي لقاكِ ينبض القلب"
__________
الحب هو أن لا تخاف وأنتَ وسط بحر من الظلمات، أن تُسلم قلبك لقلبٍ أخر يعتني به، فيكون ذلك القلب لقلبك السكن والسكينة والمسكن.
في صباح اليوم التالي، كانت «خديجة» مستيقظة في غرفتها بعد ليلة هاجرها النوم بها، لم تستطع تفسير ما تشعر به، كل تلك المشاعر التي داهمتها بقوة نتيجة حديثهما سويًا، وليلة الأمس بأكملها، تنهدت بعمقٍ ثم إبتسمت وخرجت من غرفتها لكي تتوضأ وتصلي صلاة الصبح، وقفت أمام المرحاض ظنًا منها أن «أحمد» هو الذي بالمرحاض، فُتح الباب فجأة ولكنها تفاجأت بـ «طه» يقف أمامها وينظر لها مُتفحصًا، خشيت نظرته لها فأخفضت بصرها بسرعة كبيرة حتى تتحاشى النظر له فيصيبها الخوف، بعد تفحصه لها قال بنبرته الجامدة:
أنتِ رجعتي إمتى إمبارح؟"
شحب وجهها من نبرته الجامدة، ومن طريقة إلقاء سؤاله ولكن ما أنقذها هو صوت والدتها حينما أتت مُسرعة من المبطخ وأجابته قائلة بثبات:
في إيه يا طه ما قولتلك رجعت بعد ما أنتَ نمت علطول"
زاره الحرج من سؤاله وطريقته التي خرجت جامدة بعض الشيء ، لكنه حمحم بإحراج ثم قال:
أنا مش قصدي حاجة يا زينب، أنا بطمن عليها بس، عن إذنكم"
ألقى حديثه، وفر من أمامهن، أما «زينب» ربتت على كتف إبنتها بهدوء وهي مبتسمة ثم قالت:
أنتِ خايفة ليه يا خديجة؟ ياسين دا جوزك والناس كلها عارفة يعني مفيش حاجة عيب ولا حرام"
أومأت لها «خديجة» في هدوء، ثم دخلت المرحاض وهي تشعر بالتوتر والخجل تحديدًا من حديث والدتها عن «ياسين» فهي فهمت أن والدتها تُشير إلى فعلته بالأمس.
تناول والدها وجبة الإفطار ثم ذهب مع أخوته العمل، أما «خديجة» بعد صلاتها، بدأت في مساعدة والدتها في العمل بالبيت كعادتها، وبعد قليل صدح صوت جرس الباب، توقعت أنه «وليد» وبالفعل كان هو، دخل بمرحه المعتاد ، رحبت به «زينب» ثم قالت:
إيه طارق مديكم إعفا ولا إيه النهاردة ؟ أنا قولت هتصحوا من الفجر"
إبتسم لها ثم قال:
لا مش لدرجة إعفاء، كل الحكاية إنه راح يوصل عبلة الكورس، وهيروح بعدها الشركة وأنا وأحمد هنروح وراه"
أومأت له «زينب» وقبل أن تجلس بجانبه، تحدث «وليد» قائلًا:
لأ أنتِ هتقعدي ولا إيه؟ جهزيلي فطار أنا وأحمد، أمي نايمة ومحدش فطرني"
إبتسمت له ثم قالت بحماس:
بس كدا ؟ أنتَ تؤمر يا حبيب قلبي، واحلى فطار لعيون ليدو حبيب زينب"
نظرت لهما «خديجة» بسخرية ثم قالت:
والله؟ مانا من الصبح قدامك وعمالة أروق مشوفتش حتى بوق مياة؟"
نظر لها «وليد» بإستفزاز قائلًا:
والله لما يبقى إسمك وليد نبقى نفطرك"
مسكت «خديجة» الوسادة الموضوعة على الأريكة بجانبها وضربته بها، بينما «زينب» ضربت كفًا بالأخر ثم تركتهم ودخلت المبطخ، وبمجرد دخولها نظر «وليد» في أثرها ثم قال:
تعالي أقولك بقى عملت إيه في مُشيرة إمبارح بعد ما مشيتي أنتِ و ياسين"
جحظت عيناها للخارج ثم قالت بحماس:
أحكي بسرعة عملت إيه؟"
أومأ لها ثم شرع في قص ما قام بفعله مع عمته.
______________
في نفس الوقت إستيقظ «ياسين» من نومه على صوت هاتفه، قام من فراشه وتحمم في مرحاض غرفته، ثم قام بتأدية صلاة «الصبح»، ثم جلس بعدها يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ولكن ذكرها هي «خديجة» كان الغالب في الدعاء، فبدون أن يشعر وجد نفسه يدعو لها بصلاح الحال وأن يجعلها خير زوجة له وأن يقربهما سويًا في طاعته.
بعد تضرعه لله، خرج من غرفته ثم تناول وجبة الإفطار مع والديه تحت نظرات الخبث منهما على وجهه المشرق المرتسم عليه بسمة عذبة، كما أن هذه لم تكن عادته تناول الفطار صباحًا، فتحدث والده بخبث قائلًا:
دا صحيح الحب بيغير يا زُهرة، هو بقى فاتح شهية الأيام دي؟"
وبنفس نبرة الخبث ردت عليه «زُهرة»:
بتقول كدا ليه يا رياض ؟ ولا قصدك يعني على إن فيه ناس بقت تفطر وتغني؟"
كل هذا الحديث الدائر و «ياسين» يتصنع التجاهل، لأنه يعلم أن الحديث عائد عليه، فسأله والده مُستفسرًا بخبث:
متعرفش يا ياسين دا إيه دا ؟"
نظر له «ياسين» بخبث قائلًا:
لأ يا رياض معرفش دا إيه، مش أنتَ حبيب قديم وفي الكار دا بقالك كتير قولي أنتَ بقى دا إيه"
رد عليه «رياض» بِفطنة:
دا الحب يا ياسين ومتنكرش علينا، علشان أنا حافظك، اللي أنتَ فيه دا أول حاجة بعد دقة قلبك للحب"
إبتسم «ياسين» ثم قال:
بالظبط كدا يا رياض اللي أنا فيه دا حب، ومش هنكر علشان أنا نفسي مش مصدق إن ممكن كان يجي يوم وأحب حد كدا"
إبتسمت «زُهرة» ثم قالت:
ياولا دا أنتَ حتة مني وأنا عارفاك وعارفة كل حاجة فيك، ربنا يسعدك ويجبر بخاطرك"
إبتسم «ياسين» على حديثهما ثم ألقى تحية الوداع عليهما وذهب إلى مقر عمله.
وعلى الجهة الأخرى في شقة «خديجة» قام «وليد» بـ قص ما فعله على «خديجة» التي شهقت بقوة مما فعله بعمته ثم قالت بحنقٍ:
ليه كدا يا وليد؟ ليه تعمل كدا، إفرض زعلت"
نظر لها بسخرية ثم قال:
أنتِ عبيطة يا خديجة؟ ما تزعل عادي ماهي نفسها قالت إنها بتكرهك وبتكره أمك، وإمبارح كان كل همها إن تحرجك قدام ياسين بس هو بقى طلع ناصح وعرف يسكتها"
تنهدت براحة ثم قالت:
ربنا يهديها يا وليد، علشان دي حاجة متفرحش إن عمتي يبقى بيننا وبينها صراع كدا"
وقبل أن يجيبها خرجت «زينب» بالفطار، وأتى بعدها «أحمد» وتناولوا الفطار جميعهم، وبعد ذلك غادر كلًا من «أحمد» و «وليد» معًا، وجلست «خديجة» برفقة «خلود» أختها، وثوان وصعدت «سلمى»، كانت «خديجة» جالسة تتصفح صفحته الشخصية على موقع الفيسبوك بعد أن قام بإرسال طلب لها، كانت تتجول في صفحته وهي تبتسم دون إرادة كلما رأت صوره الشخصية، وتعلقياته مع أصدقائه، وما لفت نظرها هو تعلقه الشديد بهم وكثرة صوره برفقتهم.
كان هناك أزواج من الأعين تراقبها وتراقب بسمتها وهي أعين «خلود» و «سلمى»، وأول من نطقت منهن كانت «سلمى» حينما قالت:
إلحقي يا خلود، دا في ناس بقت بتضحك وهي بتبص في التليفون"
إنتبهت «خديجة» لجملتها فقامت بإغلاق الهاتف ونظرت لها ثم قالت:
خير يا سوسة في إيه؟ أؤمري"
ردت عليها «سلمى» وكأنها لم تفعل شيئًا:
مالك يا خديجة بس هو حد جه جنبك ولا داسلك على طرف"
ضيقت «خديجة» أهدابها وهي تنظر لها ثم قالت:
طيب يا سلمى أنا هسبهالك و أدخل أوضتي، علشان تكونوا براحتكم"
تلك المرة نطقت «خلود»:
علشان إحنا برضه اللي نكون براحتنا ؟ على العموم الله يسهلك يا ستي"
نفخت «خديجة» وجنتيها ثم غادرت إلى غرفتها، جلست لتُكمل تصفحها، وبعد قليل تنهدت بعمقٍ ثم ضغطت موافقة على قبول طلبه، وبمجرد قبولها، وجدت رسالة منه محتواها:
كل دا علشان تقبليني عندك؟ للدرجة وجودي تقيل؟ مكانش عشمي يا قبولي الوحيد"
ضحكت على كلماته وهي تتوقع شكله أثناء قوله ذلك، ولكنها كتبت وهي تبتسم:
معلش بقى خليها عليك"
إبتسم هو على الجهة الأخرى ثم كتب لها:
أنا لو علشانك أخلي الدنيا كلها عليا"
إبتسمت مرةً أخرى ثم كتبت:
شكرًا"
قام بإرسال رمز تعبيري من التطبيق رافعًا أحد حاجبيه مما يدل على حنقه، بينما هي إتستعت إبتسامتها أكثر ثم أرسلت له:
دا إيه دا إن شاء الله ؟"
إبتسم ثم أرسل:
لأ ولا أي حاجة، بتقوليلي أكتر كلمة سخيفة بسمعها في حياتي"
إبتسمت أكثر ثم أرسلت:
معلش خليها عليك يا هندسة"
أرسلت جملتها ثم أغلقت التطبيق وهي تتنهد براحة كبيرة، أما هو إتسعت ضحكته نتيجة رسالتها الأخيرة، ثم عاد لينغمس في عمله من جديد.
___________
كان «طه» جالسًا في عمله وهو يفكر في «خديجة» و ردود أفعالها تجاهه وتجاه لمسته، فهي دائمًا تخشاه وتخشى وجوده في نفس المكان، حتى نظرتها له دائمًا تحمل الذعر منه.
عاد بذاكرته إلى زمنٍ بعيد، حيث يوم كانت العائلة بأكملها مُجتمعة
(مُنذ عدة سنوات)
كانت «خديجة» تريد اللعب مع فتيات العائلة ولكن «هدير» رفضت رفضًا قاطعًا فهي منذ صغرها تكره «خديجة» نظرًا لأنها كانت أكثر الفتيات خُلقًا في العائلة منذ صغارها، بعد رفض «هدير» لـمشاركة «خديجة» في اللعب، جلست «خديجة» تبكي وحينما لاحظت الدُمية الخاصة بـ «هدير» مُلقية على الأرض، اقتربت منها وأخذتها تلعب بها، لكن بعد قليل إقتربت منها «مُشيرة»و قامت بتخريب الدُمية، ثم بعد ذلك قامت بإجماع العائلة وهي تقول:
مينفعش كدا يا طه، مش علشان مش هتلعب معاهم يبقى تبوظ اللعب بتاعتهم، كدا غلط وبنتك كدا مش متربية يا طه"
كان كلامها جارحًا لدرجة كبيرة لم يستطع «طه» تحملها، فصرخ بوجه «خديجة» قائلًا:
أنطقي يا خديجة وقولي بوظتي العروسة ليه؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تبكي ثم قالت:
والله ما أنا يا بابا عمتو هي اللي بوظتها"
صرخت «مُشيرة» بوجهها قائلة:
يعني مش بس قليلة الأدب وكمان بتكدبي عمتك، شوفلك حل معاها يا طه، ومتسبهاش لزينب وتفتكر إن بنتك هتتربى كويس"
صرخت بها «خديجة» قائلة:
أنتِ اللي بتكدبي مش أنا، والله أنا معملتش حاجة"
وضعت «مُشيرة» يدها في خصرها ثم قالت بحنقٍ:
وهو أنتِ هتجيبي البجاحة من برة يعني طالعة لأمك"
وقبل أن تعقب «خديجة» وجدت صفعة قوية تنزل على وجهها من أبيها، إرتمت على الأريكة من قوة الصفعة وصرخت بأعلى صوتها، إقتربت منها «زينب» وهي تبكي وضمتها بقوة، فقالت «خديجة» من بين شهقاتها:
مش أنا...مش أنا والله يا ماما، هي عمتو"
وعند جملتها الأخيرة سحبها «طه» من حضن والدتها ثم قام بجرها خلفه، تبعته العائلة بأجمعها وهو لم يبالي بما يدور خلفه، أخذها للجهة الأخرى ثم فتح الغرفة المُظلمة ووضعها بها وكأنه يلقي جثة على الأرض، صرخت «زينب» بقوتها، وحينما إقتربت من الباب لكي تُخرج صغيرتها، أوقفها قائلًا:
عندك يا زينب، أنا هسيبها لحد ما تتربى، وتتعلم الأدب ومتكدبش الأكبر منها"
إقتربت منه «زينب» وهي تبكي قائلة:
أبوس إيدك خرجها،دي عيلة يا طه لسه"
صرخ بملء صوته قائلًا:
عيلة بس عاوزة تتربى يا زينب، العيلة دي بتكدب عمتها قصادنا، هي هتفضل هنا لأخر الليل، ولو عاوزة تخرجيها، يبقى أخر ليلة تشوفيها فيها وساعتها مش هتشوفي عيالك تاني"
بكت «زينب» بقوة وهي تنتحب بشدة، وكانت «خديجة» تفعل المِثل في الداخل، وحينما لم يرد عليها أيًا من الواقفين بالخارج، صرخت تستنجد بـ «وليد» وهي تقول:
علشان خاطري أفتحلي يا وليد قوله إني معملتش حاجة"
كان «وليد» يبكي بجوار والدته وحينما سمع إسمه ركض لكي يحررها من الغرفة،لكن «طه» أوقفه قائلًا:
بس يا وليد ملكش دعوة، ولو دخلت تفتحلها مش هخليك تشوفها تاني أنتَ كمان".
خرج «طه» من شروده، وكان أخر صوت سمعه قبل أن يفيق من ماضيه:
يا ولـــيــد علشان خاطري إفتحلي"
هز رأسه بقوة وكأنه يخرج من قوقعة زكرياته بذلك، ثم بعد ذلك مسح دموعه الهاربة من بين أهدابه، رآه «مرتضى» أخيه ورآى حالته تلك، فإقترب منه وهو يقول:
مالك يا طه في إيه؟ شكلك متضايق"
زَفر «طه» ثم قال:
مفيش يا مرتضى كنت مخنوق شوية بس"
جلس «مرتضى» مُقابلًا له ثم ربت على كتفه وهو يقول:
أحكيلي مالك بس يا طه، شكلك مرهق أوي ، أنا أول مرة أشوفك كدا"
أخذ «طه» نفسًا عميقًا ثم قال:
خديجة يا مرتضى، صعبان عليا أوي إن بنتي هتتجوز وتسبني وهي بتكرهني، وفي نفس الوقت مش قادر ألومها أنا اللي غلطان وسلمت عقلي لمشيرة"
تبدلت نظرة «مرتضى» له ثم قال بعنف:
ومين السبب في الكره دا يا طه مش أنتَ، مين اللي علطول يعاقب ويزعق ويتعصب ويعلي صوته، وبعدين لما وعرفت إن أختك هي السبب، خوفت اللي كررته مع خديجة تكرره مع خلود، فبقيت تعامل أختها أحسن منها، مبتشوفش محمود و محمد بيعاملوا بناتهم إزاي؟"
أومأ له «طه» ثم قال بنبرة حزينة:
أنا عارف كل دا يا مرتضى، بس أهيه هتمشي وهي كرهاني يا مرتضى، بنتي بمسك دراعها خافت مني واتمسكت بإيد جوزها"
بكى بعد حديثه ذلك، فإحتضنه «مرتضى» ثم قال:
متزعلش نفسك وإبدأ من جديد يا طه، متسبهاش تمشي من بيتك وهي بتخاف منك، مينفعش تسيبها تروح بيت واحد تاني وهي مش عارفة إن بيت أبوها هو اللي هترجعله لو في حاجة مزعلاها"
أومأ له «طه» ثم قال:
معاك حق يا مرتضى".
________________
إنتهى اليوم في عمل «ياسين» وبعد الإنتهاء من عمله ذهب إلى المقهى التي يجلس عليها برفقة أصدقائه، جلس في إنتظارهم، ثم أخرج هاتفه يتفحصه وتحديدًا قام بفتح الرسائل الخاصة به ثم أرسل لها:
على فكرة بقى أنا مضحوك عليا في الجوازة دي، يعني فين رسايل قبل الشغل ورسايل بعد الشغل، لأ أنا كدا عاوز تجديد عقد"
وصلتها الرسالة وهي جالسة وسط أمها و شقيقتها تشاهد التلفاز، تفحصتها ثم إبتسمت وهي ترسل له:
على فكرة بقى أنا مش بحب الرسايل دي ولا بحب الشات أصلًا"
إبتسم ثم أرسل لها:
حلو يعني أجي أتكلم وش لـ وش وأنا بتلكك أساسًا"
إتسعت إبتسامتها ثم أرسلت:
طيب يا سيدي الله يكرمك باللي نفسك فيه"
أرسل لها يُشاكسها:
مانا بكلم اللي نفسي فيه كله أهوه، مش عاوز حاجة تانية"
أرسل جملته ثم أرسل نفس الرمز التعبيري الذي يعبر عن غمز بطرف العين.
إبتسمت ثم أغلقت الهاتف وهي تشعر وكأن الدماء تسيل على وجنتيها من شدة الخجل، كل هذا كانت تراقبه «خلود» و «زينب» والبسمة والنظرات الخلثة متبادلة بينهما، وبعد قليل وصلها إشعار أن «ياسين» قام بإرسال رسالة لها على موقع الفيسبوك، وكانت عبارة عن:
يا أخي الواحد يفضل على الثبات لحد ما يقابل رموش مبيرحموش، وعيون قتالة متراعيش الحالة؛ فيتهز"
شعرت بالإحراج والخجل معًا، ولم تجد مفرًا سوى الهروب لغرفتها تحت نظرات التعجب من «زينب» و «خلود» وقبل أن تتحدث «خلود» تحدثت «زينب» قائلة لها:
سيبيها متحرجيهاش يا خلود"
نظرت لها «خلود» بحنقٍ ثم قالت:
ليه كدا يا ماما ما تخليني بس أنكشها، مش عيب"
نظرت لها بضيق وهي تقول:
ملكيش دعوة بيها يا خلود، هي أصلًا عمرها ما كلمت حد في التليفون غير وليد وكان بيطلب منها أكل علشان مروة مش بتكون عملاله أكل، سيبيها علشان تتعود على وجوده"
أومأت لها «خلود» ولم تتحدث، بينما «خديجة» في الداخل كانت تنصهر خجلًا من مما قام بكتابته، ظلت تقضم أظافرها بقوة ، بينما كان هو متوقعًا حالتها تلك، فقام بإغلاق الهاتف وهو ينتظر أصدقائه.
وبعد قليل أتى «عامر» وهو يبتسم بإتساع،جلس مقابلًا لـ «ياسين»،نظر له «ياسين» يتفحصه ويتفحص فرحته ثم قال:
خير يا أستاذ عامر الضحك من الودن للودن ليه؟"
إتسعت إبتسامة «عامر» أكثر من ذي قبل ثم قال:
كل الحكاية إن سارة ربنا كرمها وكلمتني علشان نحدد معاد الفرح، أنا دلوقتي حاسس إني ماسك النجوم في إيدي يا ياسين"
لم يستطع «ياسين» تمالك فرحته بصديقه، فاقترب منه وأخذه بين أحضانه وهو يقول بصوتٍ مليءٌ بالمرحِ:
مبروك يا جحش هتتجوز ونفرح بيك"
وفجأة إقترب منهما «ياسر» و «خالد» وصدح صوت الاخير قائلًا:
خيانة عامر وياسين، من غيرنا طب كنتم أستنوا الحضن يبقى جماعي"
وفور انتهاء جملته وجد «ياسر» يحتضنه وهو يقول:
متزعلش نفسك يا خالد أنا موجود"
ضحك الجميع وجلس البقية، فقال «ياسر» بهدوء:
فهموني سر الحضن دا إيه علشان مقلقش"
ضحك «خالد» و «عامر»، بينما «ياسين» رد مُجيبًا إياه:
أصل عقبال عندك سارة وعامر هيحددوا معاد الفرح خلاص"
فرح البقية وقاموا بتهنئة أصدقائهم، بينما «ياسر» قال لـ «خالد»:
إيه رأيك لو نحدد معاد فرحنا إحنا كمان يا خالد"
رد «خالد» مُتعجبًا:
فرحكم أنتَ ومين؟"
ضحك «عامر» ثم رد متدخلًا:
يعني هيكون فرحه على الست الوالدة، أكيد فرحه على أختك بطل غباء"
أومأ له «خالد» ثم قال:
آه، أنا لو عليا نفسي والله أخلص من إيمان، بس لسه ناقصها حاجات كتير وأختي رخمة أساسًا"
رد «ياسر» عليه:
يا عم أنا عاوزها من غير حاجة، هاتها بس وملكش دعوة"
هز «خالد» كتفيه ثم قال:
والله هشوفها كدا، ولو تمام هرد عليك ونحدد معاد الفرح"
صفق «ياسر» تصفيقًا حارًا بينما نظر له أصدقاءه بدهشة، وبعد مدة من الصمت تحدث «عامر» قائلًا لـ «ياسين»:
وأنتَ يا عم قيس بن الملوح، هاكل الجاتوه بتاعك إمتى"
ضحك الجميع على لقبه لـ «ياسين»، بينما «ياسين» رد عليه:
وعد مني في نص قاعة فرحي لأطفحك الجاتوه بإيدي دي لحد ما تقول إكتفيت"
إنتشرت الضحكات بينهم جميعًا، وبعد ثوانٍ رن هاتف «خالد» برقم زوجته، قام بالرد عليها مُبتسمًا، وبعدها قامت «إيمان» بمهاتفة «ياسر» قام بالرد عليها، وبعدها «سارة» قامت بمهاتفة «عامر» جلس «ياسين» ينظر لهم وهو يتمنى أن تهاتفه هي مثلما فعل زوجات أصدقائه، ويبدو أنها علمت بما يفكر وقامت بمهاتفته، لم يستطع إخفاء فرحته فقام بالرد عليها سريعًا ثم قال:
هو أنا حظي حلو، ولا العيون القتالة بقت تراعي الحالة"
إبتسمت على جملته ثم قالت بهدوء:
لأ أنتَ عادي ولو حظك حلو مش هيجمعك بيا يعني"
إختفت إبتسامته ثم قال:
لأ يا خديجة، أنا حظي حلو علشان جمعني بيكِ، لو الحياة دي أرزاقها متقسمة على ٢٤ قيراط، فأنا بجانب حظي في شغلي وصحتي وصحابي وأهلي، ربنا كرمني بـ ٢٤ قيراط تانيين وهما وجودك في حياتي يا خديجة"
زادت ضربات قلبها نتيجة حديثه الذي يحمل معه من اللُطف الكثير، وبعد ثوانٍ من الصمت تحدثت قائلة:
المهم أنا عاوزة أقولك إني عاوزة أقابل الدكتورة هناء، علشان...علشان نبدأ العلاج"
إبتهج وجهه ثم قال:
بجد يا خديجة يعني مستعدة إنك تقابليها خلاص، أنا مكنتش عاوز أضغط عليكِ تاني"
أومأت برأسها كأنه يراها ثم قالت:
أنا مش عاوزة أفضل خايفة، مش عاوزة أعيش كدا، عاوزة أحس إني مطمنة فعلًا، نفسي أعيش الحياة اللي فاتتني دي"
صمتت تأخذ نفسًا عميقًا ثم أضافت قائلة:
وكمان عاوزة أبدأ اللي جاي معاك من غير ما أكون خايفة، علشانك أنتَ كمان وعلشان محسش بالذنب ناحيتك"
إبتسم لها ثم قال:
لو أنا بقيت من ضمن الحاجات اللي بتفكري فيها، صدقيني دا كدا من أحسن الحاجات اللي حصلتلي في حياتي"
إبتسمت على حديثه ثم قالت بهدوء:
تصبح على خير يا ياسين"
أغلقت هاتفها ثم إرتمت على فراشها وهي تفكر في حديثها وقرارها، بينما هو عاد لينغمس مع أصدقائه في الحديث، ولكن تلك المرة بإبتسامة أكثر إشراقًا ووجهٌ مبتهج عما كان عليه قبل مكالمتها.
________________
مر ثلاثة أيام على مكالمتهم تلك،كان «ياسين» في الأيام السابقة يهاتفها صباحًا و مساءًا، قبل الذهاب لعمله، وبعد العودة منه، حتى إنه أحيانًا يقص عليها تفاصيل يومه ،أما هي كانت تشعر في تلك الأيام كأنها فراشة أضحى لها جناحات، وفي يوم أثناء حديثه معها باغتها بقوله:
خديجة المفروض نروح لدكتورة هناء بكرة جاهزة"
على الرغم من خوفها من الفشل ومن والدها، إلا إنها إستجمعت جزء من شجاعتها وقالت:
جاهزة يا ياسين"
إبتسم ثم قال:
تمام بكرة هكون عندك، علشان نروح سوا"
اغلق هاتفه معها، وبعدها بثوانٍ وجد «ياسر» يهاتفه قام «ياسين» بالرد عليه لكنه يبدو عليه الضيق فقال:
مالك يا ياسر شكلك مخنوق؟"
زفر «ياسر» بعمقٍ ثم قال:
إيمان يا ياسين مش عاوزة تحدد معاد الفرح دلوقتي بتقول إن في حاجات كتير نقصاها"
تكلم «ياسين» بحكمته المعتادة:
طب إديها كام شهر يا ياسر بس تكون جهزت نفسها"
تحدث «ياسر» بضيق قائلًا:
هي مش عاوزة السنة دي أصلًا"
سأله «ياسين» مُستفسرًا:
ليه يا ياسر؟"
زفر «ياسر» بقوة ثم قال:
بتقول إنها نفسها في حاجات كتير في جهازها ، وبتقول كمان إنها مقدرة ظروفي وظروف خالد
ومش عاوزة تضغط حد فينا"
قال «ياسين» مُتفهمًا:
متقلقش يا ياسر، إحنا نتقابل ونظبط الدنيا سوا"
شعر «ياسر» بالراحة فقال:
ربنا يخليك ليا يا ياسين، أنا كلمتك علشان أنتَ العاقل،لو كنت كلمت خالد كان عصبني ، ولو كلمت عامر كات موتني"
إبتسم «ياسين» وهو يقول له:
متقولش كدا إحنا أخوات، وإن شاء الله ربنا هيكرمك ويجمعكم سوا"
أغلق مع صديقه ثم عاد إلى عمله مرة أخرى لينهيه.
______________
في شركة أحفاد آلـ «الرشيد»، كان الأربع شباب برفقة «حسن» يجلسون سويًا، وأول من تحدث كان «أحمد» حينما قال:
الحمد لله المطبعة كلمتني النهاردة، الناس استلمت التصميمات كدا أنا عملت اللي عليا وإشتغلت أهوه"
نظر له «طارق» بفخر ثم قال:
على فكرة أنا مبسوط منك أوي علشان قررت إنك تروح وتتعامل أنتَ، دي خطوة كويسة منك، حتى الناس كلموني وقالولي إن أسلوبك معاهم كويس"
إتفق معه «وئام» وهو يقول:
أيوا كدا إرفع راسي متعملش زي وليد بالله عليك"
ضحك «حسن» بملء صوته ثم قال:
أنا مش متخيل إن عيلة الرشيد فيها واحد عاقل غير طارق، وبصراحة أنا قولت أحمد دا هيودينا في داهية بس خالف كل توقعاتي"
أومأ «طارق» وهو يضحك ثم قال:
أنا بصراحة كنت خايف أنا كمان بس أحمد طلع راجل، المهم بالمناسبة دي كلكم أجازة بكرة علشان الكام اللي عدوا علينا عملنا مجهود فيهم"
صفق الجميع وخرجت أصوات الفرحة بينما «طارق» أوقفها قائلًا:
ماعدا وليد يجي يمسح الشركة وإحنا مش هنا"
نظر له «وليد» بوجهٍ ممتعض، ثم قال:
نعم ليه بقى إن شاء الله، مانا عوضت اللي أنا عملته، وبعدين أنا بكرة أجازة، علشان من حقي أزور خطيبتي اللي أنتَ مانعها عني دي"
ضحك الجميع على حديثه فتدخل «وئام» قائلًا:
خلاص يا طارق بقى خليها عليك المرة دي"
أومأ «طارق» ثم بضيق:
ماشي يا وليد، وأنا هخليك تقعد مع خطيبتك، بس أنا هكون موجود علشان تحترم نفسك"
إبتهج وجه «وليد» ثم قال:
يا عم إقعد في النص معانا المهم أشوفها ولا حتى أكلمها"
ضحك الجميع، بينما «حسن» وقف قائلًا:
طب هستأذن أنا بقى علشان عاوز أنام، وورايا غسيل"
تبدلت نظرة الجميع إلى نظرة حزينة، فرد عليه «وئام»:
وأنتَ تفضل لوحدك ليه يا حسن، روح يا بني أقعد مع أختك زي ما طلبت منك، جوزها بيحبك زي إبنه وأنتَ علطول تحكيلي كدا"
أطاح له «حسن» برأسه وهو يقول:
يا عم سيبك الواحد مش بيرتاح غير في بيته بصراحة"
رد عليه «طارق» مُعقبًا:
دا لما يبقى بيت يا حسن، مش سجن ذكريات أنتَ قافل على نفسك فيه من ساعة اللي حصل دا، ليه يابني"
هز كتفيه وهو يقول:
مش بإيدي يا طارق هي كانت مالية عليا حياتي آه أنا حبيتها بعد الجواز، بس هي برضه متتعوضش، وحاولت أنساها بس مش قادر، وبعدين مين اللي بيتكلم يعني"
فهم «طارق» ما يشير إليه «حسن» فقال:
على رأيك شوف مين بيتكلم"
رحل «حسن» من مقر العمل عائدًا إلى بيته، وفعل مثله بعد قليل شباب آلـ «رشيد»، ركب «أحمد» مع «وليد» في سيارته، وركب «طارق» سيارته، أثناء قيادة «طارق» شرد في ماضٍ بعيد
(منذ عدة سنوات)
عاد «طارق» راكضًا من مدرسته إلى البيت و «وئام» خلفه، كانا في أخر سنوات المرحلة الابتدائية ، دخل البيت مُهللًا وهو يقول:
يا ماما أنا قفلت الإمتحان أهو ، اليوم كله هلعبه مع جميلة، مليش دعوة"
وبعد جملته تلك نظر حوله وجد «مُشيرة» ممسكة بالخطاب في يدها، و«فاطمة» زوجة عمه «فاطمة» جالسة بجانبها، فإقترب من والدته وسألها مُستفسرًا:
هي عمتو مالها يا ماما وجميلة فين؟"
أخذته والدته بين أحضانها ثم قالت:
إطلع نام يا طارق دلوقتي ولما تصحى هقولك"
هز رأسه ثم قال:
لأ جميلة قاعدة مع طنط زينب فوق هطلع لها، ألعب معاهم و وئام كمان هيجي معايا"
أنهى جملته فوجد «مُشيرة» تصرخ به قائلة:
زينب هي اللي ضيعت منك جميلة يا طارق، زينب هي اللي قالت لحسان وخد بنتي ومشي، جميلة اللي أنتَ بتحبها وبتلعب معاها مش موجودة يا طارق"
خرج من شروده حينما وصل أمام البيت، أوقف محرك السيارة ثم مسح دمعة فرت من عينيه، بعد ذلك مسح وجهه بكلتا يديه، ليُمحي أثار استياءه، نزل من السيارة ودخل البيت وقف يطلب المِصعد، نزل المصعد له لكنه تفاجأ بـ «زينب» أمامه، إبتسمت له ثم قالت:
إزيك يا طارق يا حبيبي عامل إيه، هو أحمد مجاش معاك"
نظر لها بضيق ولم يجيب على سؤالها، ثم تركها وصعد إلى شقته على قدميه, أما هي تنهدت بعمقٍ ثم قالت:
منك لله يا مُشيرة ، حتى الواد كرهتيه فيا"
وقبل أن تخرج من البيت وجدت «أحمد» يركض من «وليد» وضحكاتهم مرتفعة، إختبأ «أحمد» خلفها وهو يقول:
حاسبي يا زوزو وليد عاوز يغرقني بالعصير"
نظرت لهما بحنقٍ وهي تقول:
أنا بقول تكبروا بقى علشان كدا عيب، إحنا مش ساكنين هنا لوحدنا، معانا جيران ومحدش في البيت كله بيطلعله صوت زيكم، وبعدين طارق جه قبلكم كنتم فين؟"
حمحم «وليد» قائلًا:
معلش يا زوزو بقى كنا بناكل كبدة على العربية بس إيه حاجة عظمة السندوتش بـ ٢ جنيه أغلى حاجة عند الراجل"
حاول كتم ضحكته بعد جملته تلك،أما هي نظرت لهما بتقزز وهي تقول:
حاجة عظمة وبـ ٢جنيه؟ جتكم القرف"
أوشكت على الخروج من البيت لكن «أحمد» أوقفها قائلًا:
طب أنتِ رايحة فين دلوقتي؟"
أجابته دون أن تلتفت له:
ياسين جوز أختك جاي بكرة، ومش موافق يتغدى معانا، هجيب أي حاجة نقدمهاله علشان لما يجي"
قالت جملتها ثم تركتهم وخرجت من البيت، بينما «وليد» إقترب من «أحمد» وهو يقول له:
هي مالها يا أحمد حد زعلها؟"
هز «أحمد» كتفيه ثم قال:
وأنا هعرف منين مانا كنت معاك"
أومأ له «وليد» ثم صغعه بقوة وركض على درجات السلم، بينما «أحمد» صرخ عاليًا وهو يقول:
وربنا ما هسيبك يا وليد"
_________________
إنتهى اليوم بأكمله على الجميع ، وفي اليوم التالي كلما تذكرت «خديجة» حضوره للبيت خشيت أكثر وزاد توترها، لكنها كانت تصرف ذلك التوتر في ترتيب البيت ظنًا منها أنها بذلك تبعد التفكير عن رأسها.
في مقر عمل «ياسين» كان منغمسًا في إحدى الرسومات الهندسية أمامه، لكنه توقف حينما صدح صوت هاتفه عاليًا بمكالمة جماعية من أصدقائه، إبتسم ثم قام بالرد عليهم، فأول من تحدث كان «ياسر» حينما قال:
جهز نفسك علشان هنتقابل سوا في القهوة بليل"
زفر «ياسين» ثم قال:
مش هينفع النهاردة يا ياسر، ولو رجعت هرجع متأخر"
تدخل «خالد» قائلًا:
ليه إن شاء الله وراك إيه"
حمحم «ياسين» ثم قال:
ورايا مشوار مهم مع خطيبتي، مش هينفع آجله"
صدح صوت «عامر» عاليًا وهو يقول:
اللهم صلي على النبي، ياسين بقى بيقول خارج مع خطيبتي، لأ دي معجزة"
ضحك «الجميع» عدا «ياسين» الذي قال بحنقٍ:
أهو أنا مكنتش عاوز أقول علشان لسانك دا"
تبدلت نبرة «عامر» إلى نبرة تشبه صوت الفتيات وهو يقول:
يعني لو قولتلك أنا ولا مراتك يا ياسين هتختار مين فينا؟"
بدون تفكير أجابه «ياسين» قائلًا:
مراتي ومن غير تفكير طبعًا"
إرتفع صوت ضحكاتهم فتحدث «خالد» قائلًا:
شكلك وحش أوي يا عامر، متتكلمش تاني بقى"
رد عليه «عامر» معقبًا:
خليه يا خالد، سيب الحلو على هواه، وبكرة أنا هديله على ققاه"
ضحكوا جميعًا على جملة «عامر» فقال «ياسين» ينهي المكالمة:
خلاص بقي روحوا شوفوا وراكم إيه، وأنا هحاول أخلص مشواري بدري وأجيلكم"
_____________
في بيت آلـ «رشيد» كان «وليد» جالسًا برفقة «عبلة» و «طارق» في شقتهم وبعد مشاكسته لهما وقف قائلًا:
طيب أنا مضطر استأذن علشان ياسين جاي وعمي طه نش موجود وأحمد لوحده مش هيعرف يتصرف"
تحدثت «عبلة» بصوت مليء بالفرح:
جماعة أنا فرحانة ليها أوي بجد، شوفتوا كان بيقول عنها إيه ، والله عمري ما كنت أتخيل إن خديجة حد يحبها كدا، ودا مش تقليل ليها، لأ علشان هي مش بتفتح قلبها لأي حد"
وافقها «طارق» قائلًا:
أنا أحترمتوا فعلًا بعد كلامه دا أكتر بكتير، وحسيت للحظة كدا إنه يستحقها"
وبعد جملته تلك وقف «طارق» مقابلًا لـ «وليد» ثم قال:
أنا عاوز أطلع معاك لطنط زينب يا وليد"
نظر كلًا من «عبلة» و «وليد» له بتعجب، بينما هو قال:
اقعد بس يا وليد وأنا هحكيلك عملت إيه"
جلسا الأثنين معًا فقام «طارق» بـ قص ما حدث منه لزوجة عمه، وبعدما أنهى حديثه قال:
بس أنا بقى ساعتها كنت لسه فاكر اللحظة دي وإفتكرت كلام مشيرة، بس أنا عاوز أصالحها، علشان هي ملهاش ذنب إني أعاملها كدا"
أومأ له «وليد» ثم قال:
الحكاية فيها جزء كبير ناقص يا طارق، واحنا برضه مش فاهمين حاجة، والدنيا دي كلها مش هتتظبط غير بظهور حسان"
وافقه «طارق» و «عبلة» في الحديث ثم قال «طارق»:
طب يلا يا وليد، علشان ألحق أتكلم معاها قبل ما ياسين يجي"
في الطابق التالي إرتدت «خديجة» ثيابها وكلما تذكرت ذلك المشوار شعرت بالتوتر أكثر، فهي الآن ستواجه جزء كبير من ذكرياتها المريرة، ولكنها هدأن نفسها بقولها:
إهدي إهدي هما شوية وخلاص"
ولكن توترها كان أكبر نها لتستطع السيطرة عليه، إنتبهت لصوت جرس الباب وخرجت من غرفتها ظنًا منها أن «ياسين» هو الطارق ولكنها تفاجأت بأبناء عمومتها، دخلت غرفتها مرة أخرى، بينما في الخارج تفاجأت «زينب» بوجود «طارق» أمامها مع «وليد» لكنها رحبت بهما قائلة:
منورين يا حبايبي تعالوا ادخلوا"
دخلا الشقة سويًا، جلس «طارق» بينما «وليد» ظل واقفًا، تحدثت «زينب» قائلة:
تشرب إيه يا طارق أنتَ من زمان مدخلتش هنا"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
متتعبيش نفسك أنا بس جيت أعتذر عن موقفي إمبارح أنا آسف بس كنت متضايق شوية حقك عليا"
شعرت بالفرحة من حديثه فقالت:
شكرًا يا حبيبي وأنا مش زعلانة منك، وإنك تيجي تعتذرلي دي بالدنيا عندي"
وقبل أن يجيبها طُرق الباب بواسطة «أحمد» و معه «ياسين»
تم الترحيب به من قبل شباب العائلة، وبعد قليل خرجت «خديجة» وجلست بعيدًا عنه نسبيًا بعدما ألقت عليه التحية، نظرًا لعلامات التوتر وزيادة نبضات قلبها التي أوشك على الوقوف من التوتر، حينما رآها على حالتها تلك قرر المغادرة بها ذلك المكان، وبالفعل إستأذن من الجميع وأخذها ونزل من البيت، ركبت السيارة بجانبه وهي صامته وتفرك كفيها ببعضهما، وبعد فترة من القيادة أوقف السيارة أسفل البناية التي تقع بها عيادة الطبيبة النفسية، التفت ينظر لها وهو يقول:
لو مش عاوزة أنا ممكن أروحك دلوقتي، بس بلاش نظرة الخوف دي يا خديجة"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
لأ أنا عاوزة أطلع ، عاوزة أعمل حاجات كتير خوفي مانعني منها"
كانت على وشك البكاء وهي تتحدث لكنه ربت على كفها يطمئنها ثم قال:
وطبعًا مش محتاجة أقولك إن أنا معاكِ علطول"
أومأت له وهي تأخذ نفسًا عميقًا، نزل من السيارة ونزلت هي أيضًا، أمسكها من كفها الذي كان يرتجف بشدة نتيجة لتوترها، صعدا طابق العيادة سويًا، أخبرتهم موظفة الاستقبال أن هناك حالة بالداخل وهما بعدها، جلست «خديجة» تنظر للأرض وهي تشعر بآلام في معدتها، أما هو وكزها في كتفها ثم قال:
بدل ما تبصي للأرض بصيلي أنا"
رفعت رأسها بعد جملته تلك فوجدته يغمز لها بطرف عينيه، شعرت بالخجل منه فأخفضت رأسها مرة أخرى ،لكنها رفعتها سريعًا حينما سمعته يقول:
تعرفي يا خديجة إن الناس اللي بتغرق في البحر دول بيصعبوا عليا؟"
نظرت له مُتعجبة من حديثه فوجدته يقول:
أصل فيه ناس هنا بتغرق في مكان أضيق"
تحولت نظرتها للإستفسار فوجدته يومأ لها وهو يقول:
هما هناك بيغرقوا في البحر وأنا هنا بغرق في عينيكِ"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الرابع والعشرون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الرابع والعشرين"
____________
أجمل ما فيكِ لن يظهر على المرآة، لأن أجمل ما فيكِ لا يُرى بالعين.
(شمس التبريزي)
_______________
عيناكِ البريئة تأسرني، وحبكِ في قلبي يغمرني، ولكن سؤالي هنا كيف لقلبٌ يشبه الجماد في سكونه أن ينبض بعد رؤيتكِ؟
هما هناك بيغرقوا في البحر وأنا هنا بغرق في عينيكِ"
بعد تلك الجملة التي خرجت منه وهي تنظر له بتعجب ممزوج بالدهشة، بينما هو غمز لها بطرف عينه ثم قال:
طالما سكتي كدا يبقي أتثبتِ يا ست الكل"
وقبل أن تعقب على حديثه، ذكرت موظفة الاستقبال إسمها تطلب منها الدخول للطبيبة، أما هي شعرت بالخوف والتوتر وسارت رجفة عنيفة بجسدها، حينما رآى هو تلك الرجفة في يديها، أمسك كفها مُربتًا عليه ثم قال بنبرة هادئة:
متخافيش أنا معاكِ"
كانت تلك أصدق جملة سمعتها في حياتها فهو حقًا معها ويدعمها، حتى نبرته تلك تبثها حنان العالم أجمع، كانا ينظرا لبعضهما البعض وفي تلك اللحظة قالت الأعين ما تعجز الألسنة عن قوله، ذكرت الموظفة إسمها للمرة الثانية، فقام هو وأوقفها بعده، وقبل أن يدخل بها للطبيبة أوقفته الموظفة قائلة:
لو سمحت يا فندم، مش هينفع حضرتك تكون معَاها، لازم هي لوحدها"
بعد تلك الجملة تمسكت بذراعه أكثر وهي تنظر له بخوف، بينما هو ربت على ذراعها ثم قال بهدوء:
متخافيش يا خديجة، أنا موجود والله"
ثم أضاف مستطردًا حديثه للموظفة:
ممكن بس أدخل معاها للدكتورة وأخرج تاني، أنا فاهم القواعد كويس، بس لازم أنا أدخل معاها"
كانت نظرته مترجية لها فلم تستطع الرفض وقالت بهدوء:
تمام يا فندم، بس ياريت حضرتك تكون عارف إن كله علشان مصلحتها هي"
أومأ لها ثم قال لـ «خديجة»:
يلا يا خديجة"
أخذها ودخل غرفة الطبيبة، بينما هي كانت تسير بتروٍ وكأنها تسير على جسر من الأشواك، أول ما رأتهما الطبيبة وقفت قائلة:
أنا كنت عاوزة خديجة النهاردة لوحدها يا أستاذ ياسين"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
أنا عارف والله بس أنا جيت معاها علشان أشجعها تدخل، وهخرج تاني"
من فرط خوفها وتوترها، أوشكت أعينها على ذرف الأدمع، بينما أجلسها «ياسين» على المقعد ثم قال:
أنا دلوقتي هخرج يا خديجة بس متخافيش أنا علطول معاكِ، ومش هسيبك، بس لازم تكوني لوحدك هنا علشان تعرفي تتغلبي على خوفك دا"
أومأت له بهدوء ثم قالت بنبرة مهتزة:
هخرج ألاقيك موجود صح؟"
أومأ لها مؤكدًا ثم قال:
إن شاء الله، وأنا هنا علشانك أصلًا"
قال جملته ثم اقترب منها يطبع قبلة بسيطة على جبهتها، قال بعدها:
أنا واثق فيكِ إنك قدها وقدود"
خرج وهو ينظر لها و لهيئتها التي تدل على خوفها وعلى صعوبة ما تشعر به، جلس ينتظرها في الخارج، بينما الطبيبة دخلت لها بعدما انسحبت من الغرفة لتترك لهما المساحة الكافية للحديث، جلست الطبيبة على المقعد الخاص بالمكتب، ثم قالت بوجهٍ بشوش:
ها يا خديجة؟ أتمنى تكوني مستعدة"
كانت «خديجة» تتنفس الصعداء، وهي تفرك كفيها ببعضهما، نظرت لها الطبيبة نظرة مُتفحصة، وحينما لاحظت أعراضها تلك، قامت لكي تجلس على المقعد المقابل لها، جلست الطبيبة ثم أمسكت كفها وهي تقول:
أنا مش عاوزاكِ تخافي مني، ومش عاوزاكِ تعتبريني دكتورة وأنتِ حالة عندي، أنا عاوزاكِ تعتبريني كأنك أنتِ بالظبط، يعني تتكلمي براحتك كأنك بتتكلمي مع نفسك، واللي هيحصل هنا كله محدش في الدنيا دي كلها هيعرف حاجة عنه، اتفقنا؟"
أومأت لها بقوة وهي تأخذ نفسًا عميقًا، ابتسمت الطبيبة ثم قالت:
على بركة الله يبقى نبدأ"
أخذتها الطبيبة على مقعد أخر أكثر راحةً، حتى تستطع الإسترخاء عليه، وجلست بجانبها ثم قالت:
أنا جبتك هنا علشان الوضع يكون أهدا لكِ، دلوقتي بقى إفردي جسمك وخدي نفسك جامد"
فعلت «خديجة» كما طلبت منها الطبيبة وجلست على المقعد بوضع أكثر إسترخاءً من ذي قبل، تحدثت الطبيبة بعملية قائلة:
يلا يا خديجة عرفيني عن نفسك"
أخذت «خديجة» نفسًا عميقًا خرج منها مهزوزًا لدرجة كبيرة ثم قالت بنبرة مهتزة:
خديجة طه فايز أحمد الرشيد،
عمري ٢٤ سنة،
عندي رُهاب إجتماعي"
______________
تلك الأحلام الضائعة هل يمكننا إيجادها من جديد، هل يمكننا التمسك بما نريد حتى يتحقق ويصبح لنا بالفعل، هكذا كانت تفكر هي في غرفتها وهي تحاول إيجاد طريقة تُقنع بها والدها بما تُريد، خرجت من غرفتها الكبيرة ثم ذهبت لـغرفة جدتها، وجدتها مُمسكة بالمصحف في يديها تقرأ منه، جلست أمامها وهي تبتسم بهدوء كعادتها، بينما العجوز أغلقت المصحف وهي تُصدق ثم قالت:
خير يا ست جميلة، هتنكدي علينا إزاي النهاردة، وتخرجيه عن شعوره؟"
تبدلت نظرتها إلى الحزن ثم قالت:
هو اللي مش راضي يديني فرصة أقوله اللي أنا عاوزاه، فيها إيه يعني لو يسمعني؟"
أردفت جدتها بقلة حيلة:
يا بنتي اللي أنتِ عاوزاه دا صعب، أنتِ عاوزاه يسيب حياته هنا في الصعيد ويرجع القاهرة تاني ؟"
أومأت بقوة ثم قالت:
أيوا علشان أنا مش قادرة أعيش هنا أكتر من كدا، المكان هنا مش شبهي، وعلى يدك أهوه اتخرجت من الجامعة السنة دي ومفيش فايدة، تخيلي مُدرسة عربي هنا ومش لاقية شغل؟"
نظرت جدتها لها بسخرية ثم قالت:
ومين قالك بقى لما تروحي القاهرة هتلاقي شغل؟"
قالت بنبرة يملؤها الحماس:
أكيد هناك في مدارس خاصة كتير، وتقديري هيخليهم يقبلوني"
نظرت لها جدتها وهي مُحتارة ثم قالت:
يعني أنتِ عاوزة إيه دلوقتي برضه يا جميلة؟"
نظرت لها بفرح ثم قالت:
أنا هقولك بس إسمعيني كويس يا نوال"
بعد حديثها مع جدتها، خرجت من الغرفة ثم توجهت إلى المطبخ وقامت بإعداد كوبين من الشاي بالنعناع وبعد أن أمسكت الحامل في يدها قالت بقيلة حيلة موجهة حديثها للشاي:
أنا عارفة إنك زهقت مني بس أعمل إيه مفيش قُدامي غيرك يروقه"
أخذت نفسًا عميقًا وكأنها تُعد نفسها لحربٍ ما، بعد ثوانٍ وصلت أمام غرفته وهي تطرق الباب بخفة، أذن لها والدها من الداخل لتدخل، رسمت بسمة هادئة على وجهها ثم قالت بمرح:
حسان روح قلب جميلة بيعمل إيه؟"
كان «حسان» جالسًا على مقعد مكتبه يتفحص الأوراق المالية أمامه، فنظر لها من فوق نظاراته الطبية قائلًا بنبرة جامدة:
حسان مش عاوز لف و دوران وعاوز كلام علطول يا جميلة"
وضعت الشاي على المكتب ثم قالت:
طيب أنتَ اللي طلبت، أنا عاوزة أروح أعيش في القاهرة"
مسح وجهه بكلتا يديه بقوة ثم قال:
ولو أنا زي كل مرة قولت نقفل كلام في الموضوع دا هتعملي إيه؟"
إقتربت منه ثم قالت:
صدقني أنا مش عارفة أعيش هنا، المكان هنا مش شبهي ومش زيي، ليه أضيع عمري في مكان زي دا مش لاقية فرصتي فيه"
نظر لها بحزن وكأن سنوات الماضي تمر أمام عينيه ثم قال:
صدقيني أنتِ لو روحتي هناك هتندمي، هتدعي عليا، أنا هنا مأمنك"
عندما وجدته يسترسل في الحديث قالت:
ليه بس، وعلشان إيه أدعي عليك، أنتَ كل حاجة ليا وبعد موت أمي أنتَ بقيت كل حاجة ليا بقيت الأب والأم والأخ والصاحب، علشان خاطري وافق وسبلي فرصة"
حديثها جعله يشعر بالإختناق فقال بصوتٍ مليءٌ بالرفض:
جميلة، اخرجي دلوقتي واقفلي الموضوع دا خالص، ومتفتحيهوش تاني"
خرجت وهي تبكي من الغرفة، فوجدت جدتها واقفة خارج الغرفة، نظرت لها بحزن ثم ركضت إلى غرفتها، زفرت جدتها بضيق وهي تهز رأسها بيأسٍ ثم دخلت الغرفة له وجدته ينظر من الشرفة، وقفت بجانبه وهي تقول:
لو أنتَ فاكر نفسك نسيت تبقى غلطان يا حسان، لو فاكر إن بنتك هتسكت أكتر من كدا يبقى بتزيد في غلطك"
التفت ينظر لها ثم قال:
عاوزاني أعمل إيه يعني يا عمتي؟ عاوزاني أخدها هناك علشان تتعذب زيي، ولا عاوزاني أخدها لأمها اللي ندمت إنها هتخلفها مني، رُدي عليا"
ربتت على كتفه ثم قالت بهدوء:
تحسبها بالعقل يا حسان، أنتَ فهمتها إن أمها ماتت وهي صغيرة، وفهمت أمها إنها هي ميتة، بس صدقني مفيش حاجة بتتخبى العمر كله وهيجي يوم وكله يتكشف"
نظر لها مُستفسرًا وهو يقول:
يعني إيه يا عمتي؟ مش فاهمك"
قالت بنبرة بها مغذى:
يعني طالما اليوم دا هيجي يبقى خلاص خليك مستعد ليه ويجي دلوقتي أحسن، حرام عليك بنتك اللي عيونها دبلت من كتر العياط دي"
زفر بقوة ثم نظر لها وهو يشعر بالحيرة بينما هي إبتسمت تشجعه ثم قالت:
فكر وإحسبها كويس يا حسان"
_____________
في عيادة الطبيبة النفسية، في خارج الغرفة كان «ياسين» يقرأ القرآن من هاتفه، بينما في الداخل بعدما عرّفت «خديجة» عن نفسها وعن سنها، قالت الطبيبة بهدوء:
المفروض يا خديجة يكون لينا جلسات أولية بحيث أني أتعرف على حالتك أكتر وبعدها تبدأ جلسات العلاج، لكن إحنا مش في حاجة الجلسات الأولية دي، ودا لأني على علم بحالتك، دلوقتي بقى يا خديجة قوليلي بتحسي بإيه من ناحية الرُهاب الإجتماعي؟"
أخذت «خديجة» نفسًا عميقًا ثم قالت:
أنا طول عمري بحس إني خايفة، بخاف من كل حاجة، من الكلام ومن الناس ومن الزحمة"
كانت الطبيبة تدون ما تقوله «خديجة»، فسألتها مُستفسرة:
قوليلي يا خديجة لو أنا دلوقتي قولتلك إنك لازم تنزلي شغل هتحسي بإيه؟"
نظرت لها «خديجة» بخوف ثم قالت:
هحس بالخوف، فكرة إني أكون وسط الناس بتخوفني"
كان حديثها يخرج منها مهزوزًا وبصعوبة، لكنها كانت تجاهد حتى تستطع الإسترسال في الحديث، سألتها الطبيبة مرة أخرى:
ممكن تقوليلي يا خديجة أكتر بتحسي بإيه أو بتتعاملي إزاي في التجمعات؟"
أوشكت على البكاء وهي تتذكر مشاعرها في تلك المواقف:
بحس إني...متراقبة، علطول بحس إني هغلط في الكلام وحد هيحاسبني، بحس إني شخص مش مرحب بيه وسطهم"
أومأت الطبيبة ثم قالت:
قوليلي يا خديجة عندك صحاب؟"
عند هذا السؤال لم تستطع التحكم في دموعها أكثر من ذلك وقالت:
لأ...عمري ما كان عندي صحاب"
وبنبرة هادئة سألتها الطبيبة:
ليه يا خديجة مش عندك صحاب؟"
مسحت دموعها ثم قالت:
من أول ما دخلت المدرسة وأنا بخاف من كل حاجة، ومن ضمن خوفي إني مبعرفش أتعامل مع حد هما كانوا بيتريقوا عليا كلهم، ومعرفتش أصاحب حد، حتى في العيلة كانوا بنات أعمامي يتجمعوا مع بعض من غيري وعلطول كنت لوحدي، لحد ما اتعودت إني أفضل لوحدي"
سألتها الطبيبة بنبرة مترددة:
قوليلي يا خديجة، إيه أكتر حاجة بتخوفك في الحياة"
نظرت لها «خديجة» بحزن ثم قالت بنبرة جاهدت حتى تخرج منها:
بابا هو أكتر حاجة بتخوفني".
____________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت «مُشيرة» جالسة مع «هدير» فقالت لها:
هي البت خديجة بتروح فين مع ياسين دا، هي مش مبتحبش الخروج ولا النزول؟إيه فجأة كدا بقت بتنزل وتخرج؟"
رفعت «هدير» رأسها من على هاتفها ثم قالت:
عادي يا عمتو هي بتخرج مع جوزها مش حد غريب"
نظرت لها «مُشيرة» بخبث وهي تقول:
لأ إزاي ودي تيجي برضه، لسه مبقاش جوزها،يدوبك كاتب كتابه بس،يعني ممكن في أي لحظة يسيبها وطه أخويا ميعجبوش الحال المايل"
نظرت لها «هدير» وهي تقول بنفس النبرة الخبيثة:
قصدك إيه يا مُشيرة؟"
إبتسمت «مُشيرة» بإتساع ثم قالت:
هقولك أنا قصدي إيه، قصدي إن طه يبدأ يقلل خروج بنته مع جوزها دا لحد ما تبقى مراته وفي بيته، بس مش دلوقتي خليهم يفرحوا شوية ببعض"
في الطابق الخامس تحديدًا الطابق الخاص بشقة «محمد»
طُرق باب الشقة، خرج «طارق» من غرفته وقام بفتح الباب وجد «وليد» و «خلود» و «سلمى» أمامه ويحملون أشياء في أيديهم، نظر لهم مُتعجبًا ثم قال:
خير يا شباب الخير، نعم؟"
إبتسم «وليد» بإتساع ثم قال:
يا عم دخلنا إحنا جايين وشايلين حتى"
أفسح لهم «طارق» المجال ليدخلوا الشقة، قام «وليد» بوضع الأشياء على طاولة السُفرة، هو والفتيات تحت نظرات التعجب من «طارق»، خرجت زوجة عمه، و «عبلة» بعدما إرتدت حجابها من الداخل، فقالت الأولى:
بتعمل إيه يا وليد؟ وإيه اللي معاكم دا؟"
إقترب منها ثم أمسك كفها وهو يقول:
حماتي العزيزة، انزلي شقتنا هتلاقي نصيبك تحت مع أمي و طنط زينب"
نظرت له مُتعجبة ثم قالت:
نصيب إيه يا بني أنا مش فاهمة حاجة؟"
فتح باب الشقة وهو يقول:
إنزلي بس يا سُهير يلا متتعبيش قلبي معاكِ، هتبقي أنتِ وعيالك عليا؟"
ضحكت بتعجب، وقبل أن تعقب على حديثه وجدته يغلق باب شقتها في وجهها، ضربت كفًا بالأخر وهي تضحك بإتساع ثم نزلت شقة «مروة»، في شقة «طارق» وقف ينظر للجميع بحنقٍ ثم قال:
ممكن أفهم شغل العبط دا ليه؟"
أخذ «وليد» نفسًا عميقًا ثم قال مُردفًا:
مش أنتَ قبضتنا النهاردة؟ أنا وأحمد بقى هنحتفل بالقبض أنا عليا البيتزا وهو عليه التسالي"
نظر له «طارق» بشك وهو يقول:
و ليه بيتزا تحديدًا يعني؟ ليه مش حاجة تانية؟"
إبتسم «وليد» وقال موجهًا حديثه لـ «عبلة»:
أصل قلبي بيحب البيتزا"
إتسعت إبتسامة «عبلة» بخجل، بينما «طارق» تحولت عيناه للون الاحمر ثم قال بصوتٍ جهوري:
ولــيـد إتلم بدل ما ألمك قصاد العيال الصغيرة"
حمحم «وليد» بإحراج ثم قال:
أنا أسف يا طارق يلا بس قبل ما الأكل يبرد، جهزوا الحاجة لحد ما أحمد يرجع و.."
وقبل أن ينهي جملته طُرق الباب بواسطة «أحمد»،إبتسم «وليد» بإتساع ثم قال:
أحمد وصل أهوه، يلا بقى"
قال جملته ثم ركض ليفتح الباب تحت ضحكات الفتيات، بينما «طارق» ضرب كفًا بالأخر ثم قال:
إيه اللي أنا عملته في نفسي وفي أختي دا؟"
وبعد قليل جلسوا جميعًا على طاولة «السفرة» التي كان يترأسها «طارق»، وقبل الشروع في الطعام إبتسم ثم قال:
لسه زي ما أنتم لما ربنا يكرمكم تفرحوا كل اللي حواليكم"
بادله «وليد» نفس البسمة ثم قال:
بصراحة هي فكرة أحمد، علشان دا أول قبض له، بس أنا قولت أساعد معاه"
تحدث «أحمد» بفرح وهو يقول:
بصراحة أنا متوقعتش إن القبض يكون مُرضي كدا، وعلشان كدا قولت أفرحكم كلكم معايا"
إبتسمت الفتيات له، وكلًا منهن تشكره، بينما «طارق» قال بفخر:
دا علشان بس أنتَ قررت إنك تتعامل مع الناس، وقولتلي إنك هتروح المطبعة، وكمان الناس شكروا في أسلوبك و إحترامك ليهم، فكان طبيعي تاخد حقك، وبعدين أنا مش عاوز أجيب موظفين تانين علشان زي ما حسن قالك قبل كدا، كل واحد فينا مبدع في اللي بيعمله، وبدل ما أقسم المرتب على أتنين ولا تلاته، ياخده واحد أحسن بيقوم بشغلهم مع بعض"
إبتسم له «أحمد» ثم قال:
شكرًا يا طارق على ثقتك فيا، وشكرًا علشان الفرصة دي حقيقي هتعلمني حاجات كتير"
بادلته «عبلة» الإبتسامة ثم قالت:
وأشكر وليد كمان علشان هو أقنع طارق بشغلك معاهم"
نظر لها الجميع بتعجب، بينما «وليد» إتسعت بسمته، نظر لهما «طارق» ثم قال بسخرية:
والله دلوقتي أشكر وليد، فين أيام ما كنتِ مش طايقاه،ياه يا أخي على البشر دول"
ضحك الجميع فقالت «خلود» بخبثٍ:
خلاص بقى أبيه طارق، متكسفهاش أكتر من كدا"
نظر لها «طارق» بوجهٍ محتقن وهو يقول:
أبيه؟! أنا مبحبش الكلمة دي يا خلود، بتخنقني بحس كأني ماسك عصاية"
إبتسمت له ثم قالت:
خلاص يا طاروق متزعلش، حلو كدا؟"
إبتسم ثم قال:
أي حاجة منك حلوة يا ستي، يلا بقى ناكل أنتم هتزلونا"
وقبل أن يبدأ في الطعام، صرخ «وليد» قائلًا:
لأ أستنوا أصور الأول"
ضحكوا جميعًا عليه بينما هو أخرج هاتفه وشرع في التصوير، وأخذ بعض الصور له برفقة الجميع، وعندما حاول التقاط صورة مع «عبلة» دخل «طارق» في الصورة ليفسدها له، بعدها انتشرت ضحكاتهم، فنظر لهم «طارق» بإستمتاع ثم قال:
ربنا يخلينا لبعض يا رب، ونفضل سوا كلنا"
آمن الجميع وراء الدعاء بينما رفع «أحمد» و «وليد» ذراعيهما و قالوا في نفس الوقت:
وأبعد عننا مُشيرة و هدير يارب"
بعد طريقتهم وجملتهم تلك إنتشرت الضحكات، وعلت الأصوات المليئة بالبهجة.
____________
في العيادة نظر «ياسين» في ساعته بمللٍ ثم عاد لما كان يفعله من قبل، في الداخل قالت الطبيبة بهدوء:
بتخافي منه إزاي يا خديجة؟"
أخذت نفسًا عميقًا تهديء به نفسها قليلًا ثم قالت:
علطول يعاقبني، علطول يحسسني إني فاشلة في كل حاجة، لحد ما خلاني متأكدة من دا، بقيت بخاف أروح الجامعة، وبخاف أنزل شغل برغم إن فرصي كويسة جدًا، بس إحساس الخوف دايمًا ملازمني"
أومأت الطبيبة بتفهم ثم قالت:
بصي يا خديجة أنا دلوقتي هكلمك عن الرُهاب الإجتماعي، وعن كل حاجة فيه، ودا علشان أعرفك إنه عدو حقيقي للنجاح"
أومأت لها «خديجة» وهي تشعر بحماس في معرفة كل تفاصيل ذلك المرض الذي سُجنت بداخله، طيلة عمرها، بدأت الطبيبة حديثها قائلة:
الرُهاب الإجتماعي دا يا خديجة زي سجن بالظبط، والمريض فيه بيتحرك زي المحكوم عليه، المشكلة بتبدأ تكبر لما يتم إهمالها، بتظهر المشكلة دي بقى في بداية سن المراهقة"
نظرت لها «خديجة» بإنتباه أكثر وهي تسمعها، فعند ذِكر المراهقة بدأت مشكلتها تتفاخم أكثر من ذي قبل، أضافت الطبيبة قائلة:
اضطرابات الرُهاب بتأثر على الفرد ونشاطه الإجتماعي، دا غير الفرص اللي بتضيع عليه سواء عمليًا، أو دراسيًا، أو حتى عاطفيًا، لأنه ممكن يخاف من وجود شريك معاه في حياته ، رغم إن الشريك دا بيكون مناسب جدًا ليه"
تذكرت «خديجة» بداية قصتها مع «ياسين» حينما كانت تريد رفضه، ولكن ما شجعها على قربها منه هو «وليد»، عادت من شرودها على صوت الطبيبة وهو تقول:
المريض بالرُهاب الإجتماعي، دايمًا بيحس إنه متراقب وإن الناس مستنياه يغلط علشان تحكم عليه، ودا بيسبب له إرتباك في التعامل والنطق مع الأخرين"
أومأت لها «خديجة» بقوة، وكأنها تؤكد حديث الطبيبة، فهي تصف ما تشعر به تفصيلًا، أضافت الطبيبة قائلة:
من أكثر الأسباب اللي بتخلي الإنسان يشعر بالإكتئاب هو الرُهاب الإجتماعي، ودا لإنه دايمًا بيخليه يحس بالفشل وإنه مش زي الناس في نجاحهم، رغم إنه ممكن يكون أفضل منهم في جوانب معينة، لكن الفرصة راحت لغيره، فيدخل في دوامة كبيرة وهي إنه فاشل وغير جدير بالفرص دي"
كل حديث الطبيبة كان يصف حالتها وكل ما تشعر به، صمتت الطبيبة وهي ترى تعبيرات وجهها ثم قالت بهدوء:
الفكرة هنا إن مريض الرُهاب الإجتماعي مش بإيده لأن المرض دا نتيجة البرمجة السلبية اللي نشأ عليها، زي ما قولتلك قبل كدا"
أومأت لها «خديجة» ثم قالت بهدوء:
يعني المشكلة مش مني من الأساس؟"
نظرت لها الطبيبة بعمق ثم قالت:
إزاي يا خديجة المشكلة فيكِ أنتِ؟"
أخذت «خديجة» نفسًا عميقًا ثم قالت:
يعني أنا علطول فاكرة إن المشكلة مني، وإن أنا اللي متحبش عشان أنا شخص فاشل"
حركت الطبيبة رأسها نفيًا بقوة ثم قالت:
إطلاقًا يا خديجة، كل الحكاية إن البيئة حواليكِ مساعدتكيش على إنك تطوري من مهاراتك الاجتماعية، دا غير طريقة والدك معاكِ واللي هي السبب الرئيسي في اللي أنتِ فيه"
أومأت لها «خديجة» بينما الطبيبة ذهبت إلى مكتبها وأحضرت منه ورقتين واحدة باللون الأبيض والأخرى باللون الأسود، جلست مرة أخرى أمام «خديجة» وهي مبتسمة بقوة ثم قالت:
على فكرة أنا فخورة بيكِ أوي، أنتِ معترفة بمشكلتك وبتسعي علشان تحليها، دلوقتي بقى هبدأ معاكِ العلاج النظري، قبل العملي"
نظرت لها «خديجة» مُستفسرة ثم قالت:
يعني إيه علاج نظري وعلاج عملي، هو أنا مش هاخد علاج؟"
كان سؤالها طفولي إلى درجة كبيرة، فإبتسمت الطبية على طريقتها ثم قالت:
لأ مش هتاخدي علاج، لأن علاج الرُهاب الإجتماعي علاج معرفي، يعني مكتسب زي الصفات كدا،المهم أمسكي الورق دا"
أخذت «خديجة» الورق منها بتعجب، بينما الطبية قالت:
الورقة السودا دي خديجة السلبية اللي طلعت نتيجة الظروف اللي حواليها، والورقة البيضا دي خديجة الإيجابية اللي برضه محبوسة نتيجة الظروف اللي حواليها"
تحولت نظرة «خديجة» إلى الإستفسار ، فأومأت لها الطبيبة قائلة:
دلوقتي الورقة السودا دي هتكتبي فيها سلبياتك، وإزاي بتحسي نفسك وبتشوفيها إزاي..،والورقة البيضا دي هتكتبي فيها إيجابياتك وإزاي عاوزة تشوفي نفسك، فهمتي يا خديجة؟"
أومأت لها بهدوء، فأضافت الطبيبة قائلة:
عاوزة منك في كل ورقة خمس إجابات، بس بشروط"
سألتها مستفسرة:
شروط إيه يا دكتورة؟"
أجابتها الطبيبة قائلة:
لازم الإجابات تكون واضحة، متكونش فيها غموض، ولازم كمان تكون بتعبر عن الحاضر مش عن اللي فات ولا عن اللي لسه هيجي،تمام يا خديجة؟"
أومأت لها وهي تأخذ نفسًا عميقًا، بينما الطبيبة ذهبت لمكتبها وهي تطلب من الموظفة إدخال «ياسين»، في الخارج أخبرته الموظفة بطلب الطبيبة، وقف بسرعة كبيرة، وهو يزفر بقوة، ثم
دخل الغرفة، وعيناه تبحث عنها، إبتسمت الطبيبة ثم قالت، هتيجي دلوقتي، جلس «ياسين» على المقعد وبعد ثوانٍ اقتربت منه «خديجة» وهي تنظر للأرض، نظر للطبيبة مُستفسرًا، لكنها أومأت له لكي تطمئنه، ثم قالت:
تعالي يا خديجة أقعدي"
جلست «خديجة» أمامه ولم تستطع أن ترفع أعينها وتنظر له، بينما تحدثت الطبيبة قائلة:
دلوقتي أنا طلبت منها واجب يا أستاذ ياسين وبما إن حضرتك الداعم الأول ليها، لازم حضرتك تكون على علم بالخطوة دي"
أومأ لها ثم قال:
أنا تحت أمرك في أي حاجة، بس هو الواجب دا عبارة عن إيه بالظبط؟"
إبتسمت الطبية ثم قالت:
طلبت منها خمس رسايل إيجابية و زيهم خمسة سلبية، بس الرسايل دي لازم تكون واضحة و محددة، ولازم كمان تكون إيجابية، ولازم تدل على الوقت الحاضر، ولازم يكون إحساسها قوي علشان العقل الباطن يقدر يستوعبها، يعني يعني تكون نابعة من إرادة قوية، ولازم تكررها لنفسها كذا مرة، علشان تقدر تشجع نفسها ليها"
أومأ لها «ياسين» ثم أمسك كف «خديجة» لكي يُطمئنها، وقال بهدوء:
وأنا مستعد لدا وهي كمان مستعدة مش كدا يا خديجة؟"
رفعت رأسها تنظر له ثم أومأت له بهدوء، بينما هو إبتسم مُشجعًا لها، فأردفت الطبية قائلة:
كدا النهاردة تمام أوي كدا، أشوفكم يوم الجمعة الجاية"
أومأ لها «ياسين» ثم أخذ «خديجة» وخرجا من الغرفة، ركبا السيارة سويًا، كانت شاردة أمامها كعادتها، بينما هو كان ينظر لها مُتفحصًا تارة وللطريق تارةً أخرى، أوقف السيارة في مكانهما المعتاد، أمام كورنيش النيل، نظرت له ثم قالت بنبرة مهزوزة:
ممكن أروح يا ياسين؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
لأ مش ممكن يا خديجة، أنا مش هسيبك تمشي كدا"
أرجعت رأسها للخلف ثم قالت:
بس أنا مش فيا حاجة أنا كويسة والله"
رد عليها بسرعة:
لأ مش كويسة، وأنا مش هسيبك قبل ما أعرف أنتِ مالك، فيكِ إيه"
ألقى حديثه في وجهها ثم خرج من السيارة، فتح الباب لها، أما هي أخذت نفسًا عميقًا ثم خرجت من السيارة، نزلا سويًا الدرجات الصغيرة، المؤدية أمام نهر النيل مباشرةً، جلسا سويًا على المقاعد الرُخامية، كانت عيناها مليئة بالحزن، استطاع هو رؤيتها فأخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
ممكن أعرف مالك يا خديجة، ومتخبيش عليا"
أومأت له ثم قالت بهدوء:
كل الحكاية إني حسيت بالذنب النهاردة أوي علشانك"
نظر لها مُستفسرًا ثم قال:
ليه يا خديجة، وإيه اللي خلاكي تحسي بكدا؟"
زفرت بعمق ثم قالت:
ليه تقضي أيام المفروض إنها أجمل أيام حياتك مع واحدة زيي، ليه بدل ما تخرج وتفرح تقعد تستنى في عيادة وياريتها عيادة عادية ، لأ دي عيادة دكتورة نفسية، واحد زيك بشكلك دا وتعليمك وأخلاقك، يبقى مصيره مع واحدة زيي، حتى أبسط الحاجات اللي الإنسان بيعملها بفشل فيها، حتى شكلي بكرهه"
كان على علم مسبق أن تلك الجلسة ستتسبب في صراعات كتيرة لها، حيث أخبرته الطبيبة بذلك حينما كانت تخبره بالموعد، لذلك أردف بهدوء:
أنا فعلًا بقضي أجمل أيام حياتي في وجودي معاكِ، ومش عاوز حاجة تانية، وأنا أصلًا زهقت من الخروج و الفُسح، وواحد زيي بتعليمي وأخلاقي يستاهل واحدة زيك بكل الحلو اللي فيها، وشكلك اللي مش عاجبك دا غيرك بيتمنى بس يصحى عليه كل يوم، وعيونك دي اللي بالنسبة ليا زي البحر بغرق فيه، ليه تفكري نفسك بكل حاجة تزعلك"
نظرت له بعد حديثه ثم سحبت نفسًا عميقًا وتحدثت بنبرة جاهدت حتى تخرج منها ثابتة:
يا بختك يا ياسين لو أنتَ شايف الدنيا زي ما أنتَ فاكرها كدا"
نظر أمامه للسماء ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال بعده:
عارفة يا خديجة ملامحك الهادية دي بتفكرني بأيه؟"
حركت رأسها نفيًا ،بينما قال هو:
ببراءة الأطفال، وكأن روحك البريئة مرسومة على ملامح وشك، بحس لما ببصلك أني ببص للبدر في تمامه، حاجة كدا زي ضي القمر اللي طلع يأنس نجمة شاردة في ليلها"
نظرت له بقوة ولم تستطع التحكم في أدمعها أكثر ثم قالت بنبرة مهتزة:
يعني...أنا شكلي حلو مش وحش؟"
أومأ موافقًا لها ثم قال:
ومشوفتش أحلى منه، ولا عيني حفظت ملامح زي ما حفظت ملامحك يا خديجة"
نظر حوله ثم قال:
يلا أروحك علشان النهاردة كان يوم صعب عليكِ"
أومأت له موافقة ثم قالت ببسمة هادئة:
يلا يا ياسين"
_________________
في بيت آلـ «الرشيد» كان «طه» جالسًا برفقة أبنائه وزوجته، نظر في ساعة يده ثم قال:
هي خديجة لسه مرجعتش؟"
أجابته زوجته قائلة:
لأ لسه يا طه والوقت مش متأخر يعني لسه يدوبك العشا هتأذن"
أومأ لها ثم قال:
وأنتَ يا أحمد عامل إيه في شغلك مع ولاد عمك؟"
قال «أحمد» في هدوء:
الحمد لله يا بابا، وطارق فرحان مني أوي وكمان قبضني مرتب حلو"
شعر «طه» بالفخر من إبنه ثم قال لصغيرته:
وأنتِ يا خلود،بتعملي إيه في حياتك غير التنطيط مع سلمى"
تحدثت معه بمرحها المعتاد:
بتعب أوي يا طه بجد، يعني بصحى من النوم أفطر أنزل لسلمى، نروح نتمشى شوية ونقعد قدام مسلسلاتنا، حقيقي حياة صعبة أوي بجد"
ضحك أخيها ووالدتها عليها بينما والدها نظر لها بسخرية ثم قال:
شوف إزاي يعيني، بتتعب فعلًا، ربنا يكتب عليا التعب دا"
في الأسفل وقفت سيارة «ياسين»، كانت هي تبتسم وهي تتذكر حديثه لها عن ملامحها وبراءتها وجمال قلبها، نظر لها مُبتسمًا ثم قال:
أنا فرحان علشان شوفتك فرحانة كدا، دلوقتي أقدر أطلعك بنفس راضية"
أومأت له ثم قالت:
أنا كنت واثقة إنك مش هتسبني كدا، علشان علطول حزني بيختفي في وجودك"
خرج الحديث منها بطريقة عفوية من قلبها، بينما هو قال ببهجة:
الله أكبر إحنا كنا فين وبقينا فين"
بينما هي شعرت بالخجل مما تفوهت به، فأردف قائلًا:
طب يلا قبل ما تكبر في دماغي وأخدك نلف بالعربية وأنا عندي استعداد لكدا عادي"
إبتسمت ثم قالت:
لأ وعلى إيه يلا ننزل، الطيب أحسن"
وقبل نزولها من السيارة قالت له:
ياسين أنا بصراحة عاوزة أقولك حاجة مهمة أوي"
نظر حوله ثم قال يمازحها:
أنا كنت متأكد إنك مش هتعرفي تخبي مشاعرك أكتر من كدا قولي يا خديجة"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
أنا بس كنت عاوزة أقولك شكرًا"
نظر لها بوجه محتقن ثم قال بسخرية:
شــكـرًا!! إطلعي يا شاطرة إعملي الواجب يلا"
ضحكت على جملته وطريقته ثم نزلت من السيارة، نزل هو معها ثم أمسك كفها، ركبا المِصعد سويًا، وبعد ثوانٍ وصلا أمام الشقة، طرق «ياسين» الباب وهو ينظر لها مُبتسمًا، وهي أيضًا، لكنه تفاجأ حينما وصله صوت «طه» قائلًا:
أهلًا يا ياسين منور".
تحولت نظرتها في ثوانٍ إلى الخوف، بينما هو وقف ثبات ومازال كفه يعانق كفها ثم قال:
دا نورك يا عمي، شكرًا"
نظر «طه» لكفيهما بضيق، ثم قال:
اتفضلوا يا حبايبي ادخلوا"
قال جملته ثم دخل الشقة، أما هي مالت عليه ثم قالت بصوتٍ منخفض:
ينفع تدخل معايا علشان خايفة"
نظر لها مُتعجبًا، ألهذه الدرجة تخشاه؟ لكنه أومأ لها ثم قال:
حاضر علشان خاطرك هدخل"
دخل «ياسين» معها الشقة، وجلس على المقعد المقابل لمقعد والدها، بينما هي جلست على المقعد المجاور لمقعد «ياسين» رحب الجميع به، وأجلبت له والدتها العصير والحلويات، تحدثوا في شتى المواضيع، وكان «طه» يراقب إنفعالتها عن كثب، فكان «ياسين» يمازح الجميع وهي تبتسم له، بعد مدة قليلة، خرج «ياسين» من بيت آلـ «رشيد»، وركب سيارته، بينما «خديجة» همت بالدخول إلى غرفتها لكن والدها أوقفها قائلًا:
خديجة"
شعرت بالخوف مما هو آتٍ، لكنها نظرت له ثم قالت بصوتٍ مهزوز:
نـ...نعم يا بابا"
سألها بنبرة حنونة بعض الشيء:
حصل حاجة زعلتك النهاردة؟"
جحظت عيناها للخارج من سؤاله، ولم تستطع أن تجيبه، بينما هو قال:
أقصد يعني اتبسطي النهاردة؟"
أومأت له في هدوء ثم قالت بنبرة مهتزة:
آه..شك...شكرًا"
ولم تستطع الوقوف أمامه أكثر من ذلك، بينما هو نظر في أثرها بحزن ثم أخرج زفيرًا قويًا، ربتت زوجته على يده ثم قالت:
متقلقش واحدة واحدة، مش من أول مرة يعني"
بنفس النظرة الحزينة نظر لزوجته ثم قال:
يا رب يا زينب، أنا مش هقدر على بعدها عني وهي كرهاني"
أومأت له زوجته تطمئنه ثم قالت:
سيبها على الله، وطالما أنتَ ناويت من قلبك يبقى متخافش"
في داخل غرفة «خديجة» كانت جالسة وهي تشعر بالتعجب من والدها، فتلك هي أول مرة في حياتها تجده يحدثها بتلك الطريقة الحنونة، فدائمًا علاقتها معه مرتبطة بالخوف منه ومن حديثه له، ولكن ما أخرجها من حالة الذهول تلك هو أخيها حينما طرق الباب وهو يقول ممازحًا من الخارج:
يا أهل الله ياللي جوه؟ حد خالع راسه؟"
إبتسمت ثم قالت:
وحتى لو خالعة راسي، أدخل يا أهبل"
دخل الغرفة وهو ممسكًا شيئًا ما في يده، ثم قال:
أنا فرحان إني لحقتك قبل ما تنامي، المهم دي هدية بسيطة بمناسبة أول قبض ليا يارب تعجبك"
نظرت له مُتعجبة ثم قالت:
هدية ليا أنا ليه طيب؟"
جلس بجانبها ثم قال:
علشان أنتِ اللي قولتي لوليد أشتغل معاهم، وعلشان أنتِ اللي شجعتيني أشتغل وأبني نفسي بدل ما أسافر، وعلشان كل حاجة بتعمليها ليا يا خديجة"
كانت على وشك البكاء، لكنها أمسكت منه الهدية وهي تقول:
طالما جايبهالي من قلبك يبقى أكيد هتعجبني"
فتحت الهدية ولكنها شهقت بقوة ثم وضعت كفها على فمها من هول المفاجأة، بينما هو قال بحب:
بصراحة يعني عارف إنك هتتجوزي وتسيبينا، وقولت إنك أكيد هتخرجي كتير مع جوزك، علشان كدا جبتلك طقم الصلاة دا والمصحف اللي كان نفسك فيه، ومعاه كمان النوت بوك اللي كان نفسك فيها"
نظرت له بدهشة من طريقة تفكيره وحنانه لها، ثم قالت وهي تبكي:
هو أنتَ كبرت كدا إمتى يا أحمد"
أحتضنها ثم قال:
لسه إمبارح كنت قاعد زهقان قولت أقوم أكبر شوية، في إيه يا خديجة ما أنتِ عارفة إن بقالي فترة، عاقل وراسي"
خرجت من حضنه وهي تقول:
بطل رخامة، أنا بس فرحانة بيك وفرحانة بتفكيرك"
أومأ لها ثم قال:
الحمد لله إن ذوقي عجبك، خليها بقى لجهازك علشان لما تتجوزي تفتكريني بيها"
إبتسمت له ثم قالت:
أنا مش هنساك أصلًا، ولا هعرف أنسى وجودك في حياتي"
أومأ لها ثم قال والدموع تلمع في عينيه:
خلاص بقى علشان أنا ممكن أعيط، هروح أنام علشان طارق مدينا أجازة بكرة كمان"
أومأت له،بينما هي بمجرد خروج شقيقها، لمست الهدايا بيدها وهي تفكر كيف للحياة أن تصالحها في يومٍ واحد بتلك الطريقة.
___________
أثناء قيادة «ياسين» وصلته رسالة من «عامر» يطلب منه القدوم إلى منزل «ميمي»، وصل «ياسين» لهم ، وجد الجميع في إنتظاره ولكن ما أدهشه هو وقوف «ميمي» مستندة على ذراعي «ياسر» و «عامر»، لم يستطع «ياسين» تمالك نفسه فإقترب منها وهو يقول:
إزاي دا حصل؟ هي الجلسات نفعت يا ياسر؟"
أومأ له «ياسر» ثم قال بصوت مختنق من الفرحة:
طب حصل إيه أحكيلي؟"
كان «خالد» واقفًا وإبنه على ذراعيه، فقال:
طب قعدوها هي بقالها كتير واقفة طيب"
أجلسها الشباب على المقعد وهي مبتسمة، بينما «ياسر» قال بفرح:
دكتور عصام كان جاي يعمل جلسة زي كل مرة ليها، المرة دي طول معاها لحد ما قدر يوقفها، وقال على تمارين نعملها في البيت هنا هتساعدنا كتير "
أغرورقت أعين «ياسين» بالدموع ثم قال بعدما اقترب منها:
أنا مش مصدق نفسي، حاسس إني عاوز أخرجك من هنا وأفسحك، صدقيني دا يوم المنى"
ربتت على ذراعه ثم قالت:
أنا عارفة إنك فرحان من قلبك، زي ما كلهم فرحوا كدا، ربنا يخليكم ليا يارب"
بكى «ياسين» وهو يحتضنها ثم ولكن ما أخرجه من تلك الحالة «عامر» حينما قال:
طب إيه طيب، أكلوني بمناسبة الخبر الحلو دا"
ضحك الجميع عليه وعلى طلبه، فقال «خالد»:
يابني أرحم أمي بقى، أنتَ حياتك كلها أكل؟"
أومأ له «عامر» ثم قال:
أنا لو مش إنسان بحس وعندي دم، كنت خليت ميمي عملتلي محشي بمناسبة وقوفها"
رد عليه «ياسر» بسخرية:
لأ فعلًا متشكرين لكرم أخلاق أهلك، إيه يا واد الإحساس دا"
قبل أن يُعقب «عامر» وجد «يونس» ممسكًا بحلويات في يده، فقال بهدوء:
يونس هات حتة لعامر علشان جعان"
تدخل «خالد» قائلًا لإبنه:
أوعى تديله حاجة، همد أيدي عليك"
ضحك الجميع، بينما «ياسين» قال:
أنا خايف يكسفك يا خالد أصل متنساش إن عامر مربيه"
نظر له «خالد» بضيق ثم قال:
طب يعملها كدا، وأنا أرميه قدام باب جامع وأنا مروح"
إقترب منه «عامر» ثم قال:
يا سلام أنا هوريك عملي، تعالى لعمو يا يونس"
وبمجرد إقترابه منهما، مال عليه الصغير وهو يضحك، بينما الجميع ضحكوا على «خالد» وملامح وجهه المحتقنة، فتحدث هو قائلًا:
الله يسامحك يا يونس، شمت فيا اللي يسوى و عامر"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الخامس والعشرون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الخامس والعشرون"
____________
"أنتِ لستِ الوحيدة التي خلقها الإله في الدنيا لكنك أنتِ الوحيدة التي خلقها الإله في قلبي".
_____________
كنتُ وحيدًا قبل أن ألقاكِ، وأستأنستُ بِكِ يوم ألتقت عيناي بعيناكِ..وابتهجت روحي فور رؤية محياكِ.
كان «ياسين» لازال جالسًا برفقة أصدقائه في شقة «ميمي»، وهم يضحكون سويًا على مشاكسة «عامر» للجميع ، وفجأة تحدث «خالد» موجهًا حديثه لـ «ياسر» وهو يقول:
بقولك إيه يا ياسر كلمها علشان دماغي وجعتني، إيمان رغاية، ومراتي رغاية، كأنهم في شركة صابون، خلصني منهم"
نظر الجميع لـ«ياسر» بينما زفر هو بضيق ثم قال:
أنا برضه اللي كلمها يا خالد؟ بقالي ٣ أيام متنكد عليا وأنا كمان اللي غلطان"
تدخل «عامر» قبل أن يجيب أيًا من الموجودين قائلًا:
آه أنتَ اللي تصالح، عارف ليه علشان هما ستات يا ياسر، وكلامهم على قدهم، وأنتَ الراجل اللي المفروض يطول باله"
أومأ له «ياسر» بقوة ثم قال:
ماشي أنا معاك، بس دي عملالي بلوك من كل حاجة، دا حتى تليفون أمي عملتله بلوك، أكلمها منين من خرطوم الغسالة؟"
ضحكوا جميعًا عليه وعلى طريقته، فإقترب منه «ياسين» قائلًا:
روحلها يا ياسر علشان تكون عملت اللي عليك"
أضاف «خالد» قائلًا:
بص إيمان طبعها شديد شوية ودا بسببي علشان يعني ربيتها تربية ناشفة،بس قلبها أبيض أوي والله، روح كلمها واتفاهموا متخليش الزعل يطول بينكم"
أخرج «ياسر» زفيرًا قويًا على مهلٍ ثم أومأ موافقًا للجميع، ودخل الشرفة لكي يحادثها، بينما في الخارج جلس «ياسين» بجانب «ميمي» وأعينه تطلق شعاع الفرح، نظر لها ثم قال:
والله مش مصدق نفسي من الفرحة، واللي مفرحني أكتر فرحة عينيكِ دي"
إبتسمت هي بإمتنان ثم ربتت على كتفه وهي تقول:
أنا اللي مفرحني بجد هو وجودكم جنبي، عمري ما كنت أتخيل إن بعدما عيالي رموني،إن ربنا يكرمني بولاد زيكم، أربع شباب زي الورد عملوا علشاني اللي ميتعملش، أنا لو عيشت عمري كله تحت رجليكم مش هيكفي فضلكم عليا"
إنزعجوا من حديثها، فإقترب منها «عامر» قائلًا:
هو أنتِ خزان نكد يا ميمي؟ وبعدين دا إحنا طلعنا عينك من ساعة ما دخلنا حياتك، دا أمي معرفتش تستحملني زي ما أنتِ أستحملتيني"
نظرت لهم بإمتنان حقيقي ثم قالت:
أنا مش عاوزة حاجة تاني من الدنيا غير فرحتكم دي والله، وإنِ أشوف كل واحد فيكم مبسوط في حياته، وزي ما خالد فرحني وخلاني جدة، نفسي أشيل عيالكم أنتم كمان وساعتها هبقى خدت كل حاجة من الدنيا"
إقترب منها «خالد» ثم وضع إبنه الذي يشبهه إلى حدٍ كبير وكأنه نسخة مصغرة منه على قدميها ثم قال بنبرة حنونة:
أنتِ عارفة إن أنتِ الوحيدة اللي بسمحلها تشوف ضعفي؟ قدام الناس كلها خالد الجامد اللي مبيتهزش، بس أنتِ الوحيدة اللي شافت دموعي"
قال حديثه ولم يستطع التحكم في دموعه أكثر من ذلك، لكنه محاها فورًا ثم أضاف قائلًا:
أنتِ الوحيدة اللي شافت خالد بجد، وأنتِ الوحيدة اللي شاركتها حاجات محدش يعرفها غيرك، صدقيني أنتِ قيمتك كبيرة أوي عندنا"
أومأت له ثم مسحت بكفيها دموعه بعدما أقترب منها أكثر، بينما «ياسين» و «عامر» كانا ينظرا لبعضهما البعض وكلًا منهما يبادل الأخر نظرة الفرح.
في داخل الشرفة بعد عدة محاولات باءت بالفشل من «ياسر» لوصوله إلى «إيمان» قامت أخيرًا بالرد عليه وهي تتأفف قائلة:
نــعم؟ حضرتك عاوز حاجة؟"
شعر بالضيق من طريقة حديثها، فبادلها الحديث بنفس الطريقة قائلًا:
يا بجاحتك يا شيخة، ٣ أيام بحالهم مش عارف أوصلك وكل ما أكلمك من رقم تاني تعمليله بلوك، أنتِ عيلة يا إيمان؟"
تصنعت الثبات وهي تقول:
يا سلام وهو مين اللي غلطان مش أنتَ؟ وبعدين يا ياسر أنتَ ليه محاولتش توصلي؟"
تحولت نبرته الهادئة إلى أخرى حانقة وهو يقول:
نــعم يا ختي؟ محاولتش إيه؟ سمعيني كدا تاني، بقى بعد ١٣٧ رسالة، و ٨٧ مكالمة، و بلوكات من كل حتة محاولتش أوصلك؟!، إيه كنتِ عاوزاني أبعتلك جوابات مع حمام زاجل؟"
كادت تبتسم على حديثه وطريقته، لكنها وأدت ذلك، ثم قالت:
كنت اتصرفت يا ياسر، بس أنتَ استسلمت لكل دا"
زفر بقوة ثم قال:
يا بنت الحلال وهو مين اللي وصلنا لكدا مش أنتِ؟ أقولك نحدد معاد الفرح تقوليلي لأ نصبر مش دلوقتي، أقولك طب نأجله دلوقتي خالص، تقوليلي أنتَ مش عاوزني، أعمل إيه يا إيمان علشان أرضيكي؟"
شعرت «إيمان» بالإختناق فظهر ذلك على صوتها حينما قالت:
مش عاوزة حاجة يا ياسر خلاص تصبح على خير"
وقبل أن تغلق الهاتف، تحدث هو بنبرة خرجت جامدة بعض الشيء:
أستني يا إيمان، أنا مش هقفل غير لما تقوليلي مالك، وإيه اللي مخليكي متلغبطة كدا، وأركني بقى زعلنا على جنب، كأنك بتفضفضي ليا"
أخرجت زفيرًا قويًا ثم تأفأفت بعده بضيق ثم قالت:
بصراحة خايفة يا ياسر"
رد عليها بهدوء:
وإيه اللي مخوفك عرفيني بالراحة كدا"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
أنتَ وخالد تعبتوا في حياتكم أوي، وبصراحة خايفة أتقل على حد فيكم، وفي نفس الوقت أنا بنت وعاوزة حاجات كتير في جهازي لسه، خالد عاش طول عمره مسؤول عني وعن ماما، وأنتَ عيشت طول عمرك شايل مامتك وأخواتك"
شعر «ياسر» بالفخر من حديثها، لكن نبرته تحولت للخبث وهو يقول:
طب خوفك على خالد مُبرر علشان أخوكي، خوفك عليا سببه إيه؟"
إسترسلت في حديثها معه دون خوف:
خالد أخويا وأبويا وكل حاجة ليا، وأنتَ صاحبي وحب الطفولة والعمر كله، يعني خوفي عليكم أنتم الاتنين دا شيء طبيعي ، علشان ببساطة معنديش أعز منكم"
إبتسم «ياسر» بحنو ثم قال بنبرة مصطبغة بالحنان:
أنا كدا أطمنت إن إيمان اللي أنا حبيتها لسه زي ماهي قلبها كبير وبتحس باللي حواليها، بس عاوز أقولك حاجة، أنا أو خالد أخوكي كل همنا في الحياة هو فرحتك، علشان كدا إحنا على استعداد دايمًا لأي حاجة أنتِ عاوزاها يا إيمان"
تحدثت «إيمان» بنبرة خفيضة وهي تقول:
يا ياسر أنتَ تعبت كتير في حياتك، ومن صغرك وأنتَ بتشتغل، أنا مش عاوزة أزود في تعبك دا"
بنفس نبرته الحنونة قال:
لو هتعب علشانك أنتِ يبقى تعبي كله هيروح بضحكة منك، ولو وجودك أنتِ في حياتي نتيجة لتعبي، ساعتها يا إيمان أنا مش طالب حاجة تاني من الدنيا"
إبتسمت إثر حديثه ونبرته تلك، ثم قالت:
ياسر على فكرة بقى أنا بحبك"
إبتسم ثم قال بغرور:
عارف على فكرة من غير ما تقولي"
شعرت بالضجر من حديثه فقالت:
هي دي الرومانسية؟ بدل ما تقولي وأنا كمان ، وبعدين متأكد منين إني بحبك يعني؟"
تحولت نبرته إلى الخبث وهو يقول:
علشان العيون الزرقا دي مفيش منها تاني، وعلشان أنتِ مش ضامنة حد يجي يتقدملك زيي تاني ، علشان القطعية دي خلصت من زمان"
توردت وجنتيها خجلًا من حديثه، فهو يذكرها بأول لقاء لهما بعد عقد القران، حينما سألها عن مشاعرها تجاهه وصارحته بذلك الإعتراف، طال صمتها وحينما لاحظ هو ذلك تحدث قائلًا:
إيه روحتي فين ، ولا القطة كلت لسانك؟"
حمحمت بإحراج ثم قالت:
على فكرة بقى أنتَ مستفز يا ياسر"
إبتسم بإتساع ثم قال بصوت ظهرت به البسمة:
أنا عارف برضه، بس المهم إن أنا كمان بحبك وكل اللي يهمني هي فرحتك،ولو على الجهاز والعفش، إحنا نقدر نجيبه مع بعض واحدة واحدة"
إبتسمت بإتساع ثم قالت بنبرة خفيضة:
حاضر يا ياسر، إبقى تعالى إتفق مع خالد على معاد الفرح،بس ياريت يبقى قبله فترة بسيطة"
خفق قلبه فَرِحًا ثم قال:
حاضر والله متقلقيش، المهم روحي فُكي البلوكات اللي أنتِ عملاها دي ومتعمليش كدا تاني"
إبتسمت بخجل وهي تتذكر ما فعلته، ثم قالت:
حاضر والله، اعتبرهم اتفكوا"
أغلق «ياسر» الهاتف مع زوجته ثم خرج للبقية في الخارج، وجد الجو هاديء إلى نسبة كبيرة، حيث كان «ياسين» يحمل «يونس» على ذراعيه حتى يجعله يخلد في ثبات عميق، و «خالد »جالسًا أمام التلفاز يشاهد المباراة، و «عامر» يراسل زوجته، خرج «ياسر» وجلس بجانب «ميمي» التي كانت تقوم بحياكة بعض الملابس، ظل الوضع هادءئًا حتى خرج «ياسين» من الغرفة بعدما وضع الصغير على الفراش بالداخل، جلس بجانب «ياسر» ثم ربت على فخذه وهو يقول:
ها يا معلم كله تمام؟"
أومأ له «ياسر» في سعادة بالغة، ثم قال مُبتسمًا:
الحمد لله عدت على خير، بعد ٧ محاولات فاشلة في الوصول ليها"
إبتسم «ياسين» و «ميمي» أيضًا، فتحدث الأول قائلًا:
ووصلت إزاي في الأخر بقى؟"
إبتسم بفخرٍ ثم قال:
بعت رسالة لتليفون الحجة أم خالد، وهي كانت متأكدة إن دا أنا، فـ فكت البلوك و ردت عليا"
حرك «خالد» رأسه بيأس وهو يضحك ثم قال:
والله البت أختي دي هبلة وملهاش كلمة"
نظروا جميعًا إلى «عامر» بعدما طال صمته، وأول من تحدث بعدما نظروا إلى بعضهم البعض كان «خالد» حينما قال:
إيه يا عم عامر، قالب وشك ليه؟إتعملك بلوك أنتَ كمان؟"
ضحكوا جميعًا على حديث «خالد» بينما رد عليه «عامر» قائلًا:
بعد الشر يا حبيبي ، دا بعينك، كل الحكاية إن سارة مخنوقة شوية وقفلت معايا ، بعدها بقى لقيت عمار فاتح النت وهو عنده إمتحان كمان كام يوم"
عند ذِكر «عمار» أغلق «خالد» التلفاز ثم قال بهدوء:
بمناسبة عمار بقى كنت عاوز حد فيكم يتكلم معاه، أنا كلمته مرة ومش هعرف أكلمه تاني"
إنتاب القلق قلب «عامر» إثر حديث «خالد» عن «عمار» فسأله مُتريثًا:
متقلقنيش يا خالد وقولي عمل إيه عمار"
أخذ «خالد» نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء:
متقلقش هو معملش حاجة، بس المهم ياسين ميتعصبش من اللي هقوله"
تعجب «ياسين» مما سمع، فسأله مُستفسرًا:
وأنا إيه اللي يعصبني يعني"
زفر«خالد» على مهلٍ ثم قال:
أنا هحكيلكم بس، محدش فيكم يفهم غلط".
أومأ له الجميع بهدوء، فَشرع هو في الحديث.
____________
خلد الجميع في شقة «طه» إلى النوم، عدا «خديجة» التي جلست ممسكة ما جلبه لها أخيها وهي تنظر له بفرحة كبيرة، كانت جالسة في غرفة الصالون تحت الأضاءة الخافتة، كانت تبتسم وهي تتفحص الهدايا، وبعد قليل أغلقت الصندوق وهي تتنهد براحة كبيرة، ثم جلست تفكر كيف للحياة أن تبتسم لها بتلك الطريقة؟ فَـبعد كل ما مرت به حتى الآن لم تتصور حتى ولو بأحلامها أن تكافئها الحياة بتلك الطريقة، حسنًا فاليوم هو يوم حظها كما ظنت، اليوم خطت أول خطوة في علاجها النفسي لكي تتخلص من إضطراباتها، وأخيها قام بمهاداتها، حتى والدها اليوم كانت نبرته حنونة معها، حتى «ياسين» اليوم أثنى على ملامحها وقلبها وبراءتها، وعند ذكر «ياسين» خفق قلبها بشدة وهي تبتسم، حتى وإن لم تستطع أن تعترف له عما تشعر به تجاهه، لكنها تأكدت من مشاعرها، فهي أصبحت عاشقة له، وعندما أخذها تفكيرها له، فتحت دفترها تدون به بعض الكلمات التي تعبر عن ما يجول بخاطرها، ثم بعد ذلك أغلقت الدفتر وهي تتنهد براحة كبيرة ثم دخلت إلى غرفتها لكي تخلد لنوما.
____________
قام «خالد» بِـقص ما حدث من «عمار» يوم عقد قران «ياسين»، ثم قال بعد ذلك:
أنا مش بقول كدا علشان حد فيكم يزعلوا، أنا عاوز حد فيكم بس يفهمه إن سنه لسه صغير وإن المشاعر والإرتباط والحاجات دي لسه مش وقتها خالص، على الأقل لما يدخل جامعة ويقدر يقف على رجله"
أومأ الجميع له في تفهم، بينما تحدثت «ميمي» قائلة:
معاك حق يا خالد، بس أنا شايفة إن أنسب واحد يكلمه هو عامر أخوه"
نظر لها «عامر» مُتعجبًا ثم قال:
أنا ؟ إشمعنا يعني أنا يا ميمي؟"
تحولت نظرتها إلى الحنان ثم قالت:
علشان أنتَ أخوه يا عامر، آه أنا عارفة إنكم كلكم واحد ومفيش فرق بينكم، بس برضه أنتَ أقرب واحد ليه، يعني الكلام منك هيكون مختلف"
وافقها «ياسين» قائلًا:
ميمي معاها حق يا عامر، عمار ممكن يكون معتبرنا صحابه زيك كدا، لكن أنتَ هتفضل أخوه يعني لِك مكانة خاصة عنده"
نظر «عامر» للجميع ثم قال بتفهم:
خلاص أنا النهاردة هتكلم معاه، طالما دا الصح يعني"
عقب «ياسر» على حديثه قائلًا:
بس بالله عليك تكلمه بالعقل، مش عاوزين شغل الهطل بتاعك"
ضحك «عامر» ثم قال:
لأ متخافش أنا بعرف أفصل كويس بين الجد والهزار".
رحل الجميع من شقة «ميمي» بعدما أغلقوا المنافذ بأكملها، وكلًا منهم يُتمم على جزء في البيت حتى تكون بأمان، عاد كلًا منهم إلى بيته، دخل «ياسين» غرفته وأخرج هاتفه لكي يراسلها ولكنه وجد اخر ظهور لها منذ ما يقرب الساعة فعلم أنها خلدت لنومها، تنهد بأريحية كبيرة ثم بدل ملابسه، لكي يخلد في النوم هو الأخر.
دخل «عامر» بيته وتحديدًا غرفة أخيه، وجده يتصفح هاتفه، زفر بضيق ثم قال بنبرة جاهد حتى تخرج طبيعية ولكنها خرجت جامدة بعض الشيء وهو يقول:
بتعمل إيه يا عمار عندك في التليفون؟"
توتر «عمار» من وجود أخيه في غرفته،لكنه تصنع الثبات حينما قال:
أ..أبدًا كنت بشوف حاجة بس وهرجع أكمل مذاكرة"
بعد جملته تلك إقترب منه «عامر» ثم جلس على الكرسي الموضوع بجانب مكتب المذاكرة الخاص بشقيقه ثم قال بهدوء:
وأنا هصدقك وأعمل نفسي معرفش إنك بتدور في صفحة أخت مرات ياسين"
توتر «عمار» وشحب وجهه، وحاول أن يرد على أخيه، لكن «عامر» أوقفه قائلًا:
متردش، أنا بس عاوز أقولك حاجة مهمة يا عمار، أنتَ سنك لسه صغير مش علشان طولت ورجلك شالتك شوية تفتكر نفسك كدا خلاص بقيت راجل، لأ أنت لسه قدامك طريق طويل، وسلم لازم تطلعه درجة درجة"
شعر «عمار» بالخجل من شقيقه فتحدث قائلًا:
صدقني أنا معملتش حاجة والله ، أنا بس كنت بشوف البروفايل بتاعها، حتى والله مبعتش رسايل ولا حاجة"
إبتسم «عامر» ثم قال بهدوء:
ماهي مش هتبدأ كدا يا عمار، دلوقتي بتدخل صفحتها، بعد كدا هتلاقي نفسك مش قادر توقف شيطانك وهتلاقي نفسك بتبعت لها رسايل، والله أعلم إيه اللي ممكن يحصل ممكن تعرف حد من أهلها والدنيا تتعك بعد كدا"
نظر له أخيه بخوف ثم قال:
أنا مكنتش هعمل كدا والله، صحيح جه في بالي أبعتلها بس خفت في الأخر"
ربت «عامر» على كتفه ثم قال بتفهم:
بص أنا عارف إنِ علطول بهزر وبحب الضحك وبكره النكد كره العمى، لكن برضه في حاجات مينفعش فيها هزار، وأنتَ مش أخويا لأ أنتَ إبني يا عمار يعني مفيش في غلاوتك عندي، ويهمني إن أخويا يكون فرحان ومبسوط"
نظر له «عمار» بأعين مغرورقة بالدموع ثم قال:
أنا بحبك أوي يا عامر، ربنا يخليك ليا"
أخذه «عامر» بين أحضانه ثم قال:
وأنا بحبك يا عمار، وعلشان كدا إسمعني كويس"
خرج أخيه من بين ذراعيه ثم أومأ له بهدوء، فتنهد «عامر» بعمق ثم قال:
بص يا سيدي العلاقات العاطفيه في سن المراهقة عاملة زي الهدوم، يعني أنتَ ممكن تشتري قميص حلو أوي وتحبه وتلبسه علطول، بس مع الوقت هيصغر عليك ومش هتعرف تلبسه تاني حتى لو لسه بتحبه، ودا لإنك بتكبر، دا غير إن ممكن موضته تقدم بالنسبة لك أو أنتَ تزهق منه"
كان «عمار» ينظر بكل تركيزه لأخيه، فأكمل «عامر» قائلًا بعدما زفر بقوة:
لو طبقنا بقى الكلام دا هنلاقي إن مفيش حد مبيكبرش في السن دا ذهنيًا، يعني لو بصيت على نفسك من ٣ سنين هتقول إيه العبط اللي كنت بعمله دا، حتى لو مختار الشخص الصح هتخسره مع الوقت، علشان الوقت نفسه هيكون غلط، يبقى الحل إننا نستنا لحد ما مقاسك يثبت وساعتها إعمل اللي أنتَ عاوزه بس برضه بالحلال من غير ما تغضب ربنا"
أومأ له «عمار» مُبتسمًا وهو يشعر بالفخر من حديثه أخيه، إتسعت إبتسامة «عامر» أيضًا ثم قال:
وبعدين مستعجل أوي على إيه يا أخويا؟ مانا قدامك أهو فضلت أحب في مُدرسة العربي وأنا فاكرها سينجل لحد ما جابت حفيدها تعرفني عليه، وكانت تاني مرة قلبي يتكسر في الحياة"
تحولت جملته الأخيرة إلى نبرة حزن مصطنعة، فسأله شقيقه مُستفسرًا:
وأول مرة مين كسر قلبك يا عامر"
نظر له «عامر» وهو يقول:
أمك لما بطلت رضاعة، تخيل عيل عنده سنتين ويقطعه عنه مصدر الغذا، حقيقي مش قادر أسامحها على كسرة خاطري ساعتها"
نظر له أخيه بتعجب ثم قال:
وهو أنتَ لسه فاكر من وأنتَ عندك سنتين؟"
هز «عامر» كتفيه ثم قال بلامبالاة:
لأ طبعًا، بس أكيد أنا زعلت ساعتها، وخاطري اتكسر"
ضحك أخيه على حديثه بقوة، فبادله «عامر» الضحك أيضًا ثم قال:
كدا أنتَ جاهز تذاكر، يلا ربنا معاك وذاكر بدل ما أخد منك التليفون"
أومأ له «عمار» ثم نظر له بإمتنان، وقف «عامر» لكي يغادر الغرفة وقبل الخروج منها أوقفه «عمار» قائلًا:
شكرًا يا عامر، وشكرًا لخالد وياسين وياسر، علشان من غيركم هضيع"
إبتسم له «عامر» ثم قال:
هتضيع؟! يابني أنتَ ضعت خلاص"
ثم غمز له بطرف عينه ورحل إلى غرفته، بينما «عمار» أمسك الهاتف ثم قام بمسح إسمها من سجلات البحث وهو يتنهد براحة بعد حديث أخيه.
_________
مرت الأيام التالية بشكل طبيعي على الجميع، عدا «خديجة» التي كانت كل يوم تمسك الأوراق بيدها، وتنظر أمامها، ولا تستطيع أن تدون أي شيء بداخلها، كانت تشعر بالفشل الذريع، حتى أتى يوم الخميس، وقبل الظهيرة، هاتفها «ياسين» وهو يقول:
صباح الخير، حبيت أفكرك إن بكرة معاد الجلسة، وإنك عندك واجب لازم يتعمل"
زفرت بضيق ثم قالت بتوتر:
أنا أصلًا خايفة ومتوترة مش عارفة أعمل إيه؟ ولسه لحد دلوقتي مكتبتش حاجة"
تحولت نبرته إلى التفهم وهو يقول:
أنا عارف، بس لازم تحاولي علشان تثبتِ نفسك، لازم تتحدي خوفك يا خديجة، علشان تقدري تعيشي الحياة اللي فاتتك مش دا كلامك؟"
أومأت بهدوء وهي تقول:
أيوا فعلًا، بس الفكرة إن أنا مليانة عيوب كتير أوي، خايفة أواجه كل العيوب دي"
تحولت نبرته إلى أخرى صارمة وهو يقول:
لأ يا خديجة أنتِ مش مليانة عيوب ولا حاجة، كل الحكاية بس إنك مبترمجة غلط، يعني أخرك كدا عاوزة سوفت وير، لكن على المستوى الشخصي والإنساني فأنتِ مفيش منك"
خفق قلبها بشدة إثر حديثه ثم قالت بهدوء:
عارف، أنا بشكر الصدفة اللي جمعتني بيك"
خفق قلبه أيضًا فَرِحًا نتيجة قولها ثم قال بصوتٍ مُحب:
إنْ كان في صُدَفِ الأزمانِ رائعةٌ
فإنّك خيرُ ما جادتْ به الصُّدَفُ"
إختفت إبتسامتها ثم قالت بصوتٍ متلعثم:
أنت بتحب أبيات الشِعر دي؟"
إبتسم ثم قال بهدوء:
مكنتش بحبها، لحد ما حبيتك بقيت بحبها"
إزدادت ضربات قلبها وتوترت اكثر وزاد تعرق وجهها على الرغم من جلوسها تحت المكيف، فقالت بتوتر:
طب سلام بقى علشان أعمل الواجب"
ولم تنتظر ردًا منه ثم أغلقت الهاتف في وجهه، بينما إبتسم هو بحب، وعاد مرة أخرى إلى عمله.
جلست هي أمام الأوراق ثم أخذت نفسًا عميقًا وأمسكت بالورقة السوداء وقامت بكتابة ما شعرت به مناسب، انتهت من الكتابة عليها وهي تتذكر حديث الطبيبة، ثم بعد ذلك أمسكت الورقة البيضاء ثم ابتسمت وكأنها تحمس نفسها لذلك، وأيضًا قامت بكتابة ماشعرت به مناسب، انتهت من مهمة الكتابة، ثم وضعت الأوراق في شكل منظم داخل حقيبة ظهرها الصغيرة، وبعد ذلك خرجت من غرفتها، لكي تعاون والدتها إن كانت في حاجة إليها، فهذه هي عادتها، الإنغماس الدائم في أعمال المنزل، حتى أصبحت أمهر من والدتها في تلك الأعمال، نتيجة لوحدتها، وفقرها في إمتلاك الأصدقاء فهي حتى الآن لم تملك صديقة واحدة بعد، حتى فتيات العائلة لم تستطع أيًا منهن التقرب منها، على الرغم من. محاولاتها مرارًا و تكرارًا، إلا إنهم لم يتقبلوها بينهن نظرًا لإختلاف شخيصتها عن شخصيتهم، خرجت تعرض معاونتها لوالدتها، لكن والدتها قالت بهدوء:
البيت متروق يا خديجة إمبارح،والأكل جاهز وموجود، وكل حاجة تمام، أنا هروح أقعد مع مروة و وفاء تيجي معايا"
إبتسمت «خديجة» بتوتر ثم قالت:
لأ يا ماما، أنا هقعد أتفرج على مسلسل هنا أو حاجة، وأنتِ خليكِ براحتك"
إبتسمت لها والدتها ثم غادرت الشقة، بينما «خديجة» تنهدت بعمق ثم قامت بفتح التلفاز وهي تبحث عن شيء تشاهده.
__________
في إحدى قُرى الصعيد وتحديدًا البيت الذي يقطن به «حسان» كانت «جميلة» جالسة في غرفتها وهي تبكي، كلما تذكرت حديثها مع والدها منذ عدة أيام، لكنها مسحت دموعها فورًا حينما سمعت إقتراب خطواته من غرفته، طرق على باب الغرفة، ولكنها لم ترد عليه، فقال بهدوء:
براحتك أنا كدا كدا هدخل"
وبعد جملته تلك فتح الباب، وهو مُبتسمًا، بينما هي اشاحت بوجهها للجهة الأخرى حتى لا تقع عيناها عليه، جلس على الفراش بجانبها، ثم أدار وجهها له، وهو يقول بنبرة حنونة:
قلبك مطاوعك متبصيش ليا كدا؟"
لم تستطع الصمود أكثر من ذلك أمام نبرته الحنونة، فهزت رأسها نفيًا وهي تبكي، إبتسم هو ثم قال:
طب جالك قلبي تسيبيني أخرج على الطريق كدا من غير ما تضحكي في وشي، وإحنا بنفطر سوا؟"
هزت رأسها نفيًا مرة أخرى، بينما اتسعت إبتسامته ثم أخذها بين أحضانه وهو يقول:
يبقى تضحكي في وشي وتيجي تفطري معايا، علشان نوال كمان زعلانة مني على زعلك"
إبتسمت له ثم قالت:
بس أنتَ اللي هتعمل الفطار"
بادلها البسمة ثم قال:
ماشي يا ستي طلبات الست جميلة أوامر، بس أنتِ هتساعديني على فكرة"
قفزت من على الفراش بسرعة ثم قالت:
من عيني يلا بس"
وقف قبالتها ثم حمحم بإحراج وقال بعد ذلك:
جهزي العرض بتاعك لحد بكرة علشان بعد ما أجيب البضاعة، وأرجع بكرة الصبح هنقعد نفكر سوا ونشوف موضوع القاهرة دا"
شهقت بقوة ثم قالت بأعين فَرِحة:
بجد يعني أنتَ وافقت خلاص"
تحولت نبرته إلى الحزم قليلًا ثم قال:
لأ أنا لسه موافقتش، أنا بس بقولك جهزي العرض بتاعك وأنا هحسبها وأفكر"
إحتضنته وهي تقول:
مش مشكلة، طالما هتفكر يبقى في أمل لسه، يلا بقى نفطر قبل ما تمشي"
قالت حديثها ثم خرجت من الغرفة راكضة، بينما «حسان» نظر في أثرها بحب ثم قال:
حتى لو صعب عليا، بس يهون علشان فرحتك دي يا جميلة".
__________
مر اليوم بسلام وعاد «ياسين» من عمله وجلس برفقة والديه يتناول العشاء، وأثناء طعامه قالت له والدته:
بقولك إيه يا ياسين عاوزنين نعزم مراتك يا حبيبي"
ترك «ياسين» ملعقته قبل أن يدخلها فمه، ثم سألها بهدوء:
ليه يا ماما؟"
أجابته وهي مبتسمة:
علشان أتعرف عليها يا حبيبي، أنا ما صدقت ربنا يكرمك وتتجوز علشان مراتك تبقى بنتي وصحبتي"
ضحك «رياض» ثم قال بسخرية:
متصدقهاش ياض، أمك عاوزة تختبرها يعني تشد شعرها وتديها بندق تكسره بسنانها، يعني جو حماوات السبعينات دا"
إبتسم «ياسين» على حديث والده ثم قال:
لأ وعلى إيه هي عجباني كدا، شكرًا يا حجة"
ردت عليه والدته بسرعة كبيرة:
يابني متصدقهوش، أنا بس والله عاوزاها تاخد عليا خصوصًا إن وفاء قالتلي إنها خجولة وهادية أوي، يعني هتاخد وقت لحد ما تتعرف عليا"
شعر بالتوتر قليلًا لكنه قال بثبات:
أنا عارف يا ماما والله، أنا وبابا بنهزر أصلًا، بس حاضر في أقرب وقت هخليها تتعرف عليكِ، خصوصًا إنها لسه يدوبك بتتعرف عليا"
وافقه «رياض» وتحولت نبرته إلى الجدية وهو يقول:
فعلًا يا زُهرة البنت خجولة أوي، وإبنك شكله لسه في البدايات، شوية كدا عشان متتوترش"
أومأت لهما في تفهم ثم قالت:
مفيش مشاكل مع أنِ نفسي أخرج معاها كدا وننزل نشتري حاجات سوا بس مش مشكلة هانت"
حينما سمعها «ياسين» حرك فمه بطريقة شعبية بعدما أخفض رأسه ثم قال ساخرًا بصوتٍ منخفض:
تاخديها تشتري حاجات؟ خديجة لو سمعتك هتفتكرها حدوتة رعب"
نظر له والده فوجده يحدث نفسه فقال له بسخرية:
أنتَ بتقول إيه ياض؟"
نظر له «ياسين» ثم نظر لوالدته وقال:
بقول كل سنة وأنتَ طيب يا رياض"
قال جملته ثم ترك والديه وهما يضحكان خلفه، دخل غرفته وهو يبتسم بخفة، أمسك هاتفه لكي يراسلها، فكتب لها وهو يبتسم:
عملتي الواجب ياست الكل، ولا هتقوليلي البراية ضاعت مني؟"
إبتسمت على رسالته ثم كتبت له:
لأ متخافش عملت الواجب، أنا شاطرة أوي برضه"
إبتسم ثم أرسل لها:
دا كدا كدا يعني، المهم بكرة متتأخريش علشان نخلص بدري مع هناء"
أنتابها الفضول، فأرسلت له:
ليه طيب ما معاد كل مرة كويس"
أرسل لها ذلك الرمز التعبيري الذي يعبر عن الحنق ثم أرسل بعده:
ما تسمعي الكلام بقى، هو أنتِ يوم ما هتجادلي تجادلي العبد لله؟!"
إتسعت إبتسامتها ثم أرسلت له:
لأ وعلى إيه لا جدال ولا حاجة، حاضر هنزل بدري حاضر"
إبتسم ثم أرسل لها:
طيب روحي شوفي وراكي إيه علشان مطولش عليكِ"
كانت ستقوم بإرسال شيئًا ما لكنها قامت بحذفه فورًا، لاحظ هو ذلك فأرسل لها:
كنتِ هتبعتي إيه؟"
توترت من رسالته، لذلك كتبت له:
لأ عادي كنت هقولك ربنا معاك"
لم يرد على رسالتها، لكنه قام بمهاتفتها، حينما رآت رقمه أعلى الشاشة توترت أكثر وقالت لنفسها:
هو أنا عكيت الدنيا ولا إيه؟"
وقبل توقف المكالمة، قامت هي بالضغط على زر الإيجاب، ردت عليه بصوت متلعثم قائلة:
نـ..نعم يا ياسين"
سألها بنبرة لا تقبل المزاح:
قولي كنتِ هتبعتي إيه؟ ومش عاوز كدب"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
بصراحة يعني ك...كنت..خلاص بالله عليك"
أصر أكثر وهو يقول:
قولي بس ومتخافيش، اعتبريني زيك كدا"
إبتسمت ثم قالت له:
بصراحة يعني كنت هقولك لو مش وراك حاجة ممكن تتكلم معايا شوية"
إبتسم ثم قال لها بصوت مليء بالفرح:
يعني بجد أنتِ كنتِ هتبعتي كدا؟ وأنا اللي كنت فاكر نفسي متقل عليكِ!"
ردت عليه بسرعة كبيرة وهي تقول:
لأ خالص... اقصد يعني...بص أتكلم في أي حاجة وأنا هسمعك"
خفق قلبه فَرِحًا بما قالت، فهو لم يتخيل حتى لو بأحلامه أن تطلب منه مثل ذلك الطلب، لذلك تحدث بصوتٍ حاول قدر الإمكان أن يخرج طبيعي ، لكن نبرته خانته وخرج صوته مهزوزًا وهو يقول:
وأنا مش عاوز حاجة غير إنِ أشاركك تفاصيل يومي وحياتي كلها كمان"
أبتسمت بحب ثم قالت:
طب أحكي بس بسرعة علشان هتغدى"
إبتسم على حديثها ثم قال:
هتبعيني بوجبة غدا يا خديجة؟ الله يكرم أصلك يا ستي، بس على العموم هحكيلك حاضر"
_________________
مر الوقت سريعًا على «خديجة» وهي تتحدث معه في الهاتف، كانت تارة تبتسم،وتارة أخرى تضحك بإتساع، على أفعاله في الصغر، وبعد فترة من المكالمة، طلبتها شقيقتها حتى تتناول وجبة الغداء معهم، فاستأذنت منه قائلة:
معلش يا ياسين هروح آكل بقى عن إذنك"
كانت متوترة وهي تحادثه، لكنه تفهم حالتها وقال:
روحي أنتِ كلي بألف هنا وشفا، وأنا ورايا حاجات هخلصها، وهبقى أكلمك"
أغلقت معه الهاتف وهي تشعر بالسعادة تغمرها، خرجت تتناول الطعام مع أسرتها، كانت تأكل بشهية وهذه غير عادتها، لم يلحظ ذلك سوى أبيها، الذي نظر بفرحة لها ثم وكز زوجته لكي تنظر على إبنتها، إبتسمت والدتها بحب، وظلت تدعو الله أن تظل إبنتها على ذلك الحال.
في غرفة «هدير» كانت جالسة تتصفح هاتفها، ولكنها جحظت عيناها بقوة للخارج حينما رآت ذلك الخبر، أغلقت الهاتف وهي تتأفأف، هاتفت «عبلة» بعدما أمسكت الهاتف مرة أخرى، حينما أجابت «عبلة» قالت لها «هدير»:
إنزليلي الشقة بسرعة يا عبلة"
تعجبت «عبلة» من نبرتها ومن طلبها، فقالت:
في إيه يا هدير ، متقلقنيش"
لم ترد على سؤالها، لكنها قالت بضيق:
إنزلي بس يا عبلة أنا مش طايقة نفسي"
مرت دقائق قليلة، وبعدها كانت «عبلة» بداخل غرفة «هدير» فتحدثت بضجرٍ قائلة:
خير يا هدير في إيه ، خضتيني"
كانت «هدير» تشتعل من الغيظ، فقالت بصوت مليء بالضيق:
هو شريف فعلًا كتب كتابه على نهى حامد؟"
أومأت لها «عبلة» بلامبالاة ثم قالت:
أيوا يا هدير فيها إيه يعني ؟"
نظرت لها بضيق ثم قالت:
يعني اي فيها إيه ؟ بقى بعدما أنا سبته يروح يكتب كتابه على دي ؟بعد ما حفي ورايا و اترجاني اخرتها يتجوز نهى!"
بادلتها«عبلة» نفس نظرات الضيق ثم قالت:
وفيها إيه يعني نهى مش فاهمة، هدير أنتِ ليه بتحسسيني إن البشر كلهم أقل منك؟ فيها إيه يعني لما يكتب كتابه على واحدة أنا وأنتِ عارفين إنها كانت بتموت فيه، وأنتِ بالذات أول واحدة كانت عارفة بحبها دا،ولا نسيتي يا هدير"
رفعت «هدير» أحد حاجبيها ثم قالت بسخرية:
والله! بقيتي بتتكلمي زي خديجة و وليد يا عبلة، دي يدوبك خطوبة، أومال لما تتجوزوا هتعملوا إيه؟"
تحولت نظرة «عبلة» إلى الحزن ثم قالت:
يارتني كنت سمعت كلامهم من بدري يا هدير، بس على العموم أنا عاوزة أقولك إن كدا كتير، كفاية آذية في الخلق بقى يا هدير، وإفرحي ليهم علشان ربنا يعوضك، وسيبك من تربية عمتك دي"
نظرت لها «هدير» بِـغل ثم قالت:
شكرًا على النصيحة يا عبلة"
تركتها «عبلة» على مضدٍ، بينما «هدير» شعرت بالغل يتمكن منها أكثر.
______________
في اليوم التالي إستيقظت «خديجة» ببعض الحماس، وجهزت نفسها حتى تستطع النزول برفقة «ياسين»، بينما هو ذهب إلى شقة «ميمي» وكعادته نزل إلى الصلاة برفقة أصدقائه، ثم عاد مرة أخرى وبدل ثيابه قبل أن تأتي الفتيات، وحينما أوشك على الخروج من البيت وجد الفتيات الثلاثة في وجهه، إبتسم لهم ثم رحب بهم، وتم الترحيب بهما من قِبل الجميع، خرج «ياسين» من الشقة وعاد مرة أخرى وهو يقول بهدوء:
بقولكم إيه يا بنات ينفع أطلب منكم طلب؟ دا بعد إذن ياسر وخالد وعامر"
إنتبه الجميع لحديث «ياسين»، فقال «ياسر» بهدوء:
في إيه يا ياسين، ما تقول علطول"
أخذ نفسًا عميقًا أخرجه على مهلٍ ثم قال:
بصراحة، مراتي معندهاش صحاب، وأنا نفسي تكونوا صحابها، بس في مشكلة هي مش بتاخد على الناس بسرعة يعني ممكن في الأول تكون متوترة وخايفة، بس هي جميلة والله وقلبها جميل، هينفع تتقبلوها وتكونوا صحابها"
نظر له الجميع بتعجب، فقالت «إيمان»:
ما إحنا قولنالك قبل كدا عاوزين نصاحبها، مالك عامل فرق بيننا ليه؟"
أيدها الجميع في الحديث، فتدخلت«سارة» قائلة:
هاتها و متقلقش، إحنا شوفناها يوم كتب الكتاب و حبناها ربنا يخليكم لبعض"
إبتسم بعمق ثم تنهد بأريحية وهو يقول:
ربنا يطمنكم خلاص، أنا كام يوم كدا وهخليها تقابلكم"
إبتسم له الجميع بحماس، بينما هو غادر والبسمة تعلو وجهه، بعد قليل من القيادة كان ينتظر أسفل البناية التي تقطن بها، وفي خلال ثوانٍ كانت تقف أمامه، وهي مرتدية بنطال واسع من خامة الجينز، وقميص أسود أسفل منه تيشيرت من اللون الأبيض، وحجاب لونه مزيج بين الأبيض والأسود، كانت أنيقة إلى حدٍ كبير، ركبا السيارة سويًا بينما إبتسم لها ثم قال:
وحشتيني على فكرة"
توترت من حديثه فقالت بهدوء:
شكرًا بس يلا علشان منتأخرش "
إتسعت إبتسامة «ياسين» ثم قال:
حاضر يا خديجة ، المهم عملتي اللي طلبته منك؟"
أومأت في توتر ثم قالت:
أيوا بس خايفة منها أوي، حاسة إنِ عكيت الدنيا"
ضحك عليها ثم قال بعد ذلك:
خايفة من إيه بس يا خديجة، هي مدرسة عربي وأنتِ مش عاملة واجب النحو؟"
نظرت له بحنق بينما أكمل هو:
قصدي يعني إنك شاطرة علشان بتواجهي مخاوفك، وبتدوري على الأحسن علشانك وعلشاني معاكِ، دا في حد ذاته إنجاز يخليني فخور بيكِ أوي"
إبتسمت له ثم قالت بهدوء بعدما زفرت بعمق عدة مرات:
ليه بتعمل كدا يا ياسين، علشان مين تتحمل كل دا؟"
أوقف السيارة أسفل البناية التي تقع بها عيادة الطبيبة النفسية ثم زفر بقوة وهو يقول:
علشانك أنتِ"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل السادس والعشرون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل السادس والعشرون"
_____________
كنتُ رافضًا للحبُ..حتى التقت عيناي بعيناكِ"
______________
ألتقيت بِكِ فأصبحتُ كـنجمًا شاردًا في السماء، وذكر أسمكِ غالبٌ في الدعاء، بعد ظهورك عرف القلب معنى الهناء، حتى أنه نسى العناء.
علشانك أنتِ"
خرجت منه تلك الجملة صريحة، دون تفكير بها حتى، وهو مُحق تمامًا، فكل ما يفعله في حياته منذ إلتقاء أعينهما سويًا أصبح لأجلها فقط،أما هي أطربت أذانها بما سمعت فنظرت له والبسمة ترتسم على شفتيها رويدًا رويدًا، بينما هو لاحظ صمتها ونظرتها له، فتحولت نظرته إلى المرح وهو يقول:
يالا يا ست الكل، طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
قال جملته ثم تبعها بغمزة من طرف عينه، بينما هي شعرت بالخجل أكثر فأخفضت رأسها للأسفل، خرج من السيارة وتبعته هي، وقبل دخولهما العيادة وقفت هي تأخذ نفسًا عميقًا، علم هو بحالتها، فوقف وأصبغ نبرته بالحنان قائلًا:
أنا عارف إنك خايفة، وعارف كمان إنك زي اللي فـ حرب من غير سلاح، بس أنا واثق فيكِ، وعارف إنك تقدري على كل حاجة"
نظرت له وهي على وشك البكاء، ثم قالت بنبرة هادئة:
أنا بس خايفة أكون عملت حاجة غلط، أو اللي هي طلبته مني غلط، أنا أصلًا بخاف أجرب أي حاجة جديدة"
أومأ بهدوء ثم قال:
خوفك دا طبيعي،لكن اللي مش طبيعي إنك تخلي الخوف هو اللي بيحركك، مينفعش هو اللي يتحكم فيكِ يا خديجة، لازم العكس."
شعرت بحماس غريب يجتاحها بقوة، وكأن حديثه كالرياح المُحركة لِـشراع السفينة، فأومأت له ثم زفرت عدة مرات بعمق، بينما إبتسم هو لها ثم أخذها ليدخلا العيادة سويًا.
_________
في منزل «ميمي» كانت الفتيات يجلسن سويًا، والشباب على مقربة منهن، كانت «إيمان» تبتسم بخفة على «ياسر» ومشاكسته لها من بعيد، كان «خالد» ينظر لهما ويتابعهما، وحينما رآى «ياسر» يرسل لها قبلة في الهواء صدح صوته عاليًا وهو يقول:
قسمًا برب الكعبة، لو ملمتوش نفسكم لألمكم أنتم الأتنين"
ضحك الجميع عليهما، بينما «إيمان» شعرت بالخجل فأخفضت رأسها، في حين أن «ياسر» تحدث بضجرٍ:
في إيه يا عم دي مراتي، وبعدين أنتَ مركز معانا ليه، ما تخليك في حالك"
كان «عامر» ينظر لـ «سارة» بكل تركيزه غير مبالٍ لما يدور حوله، وحينما أمعن النظر أليها، علم أنها لم تكن على ما يرام، لذلك وقف وهو يقول بهدوء:
معلش يا جماعة عن إذنكم عاوز سارة في كلمة على إنفراد"
نظرت له «سارة» نظرة مُتسائلة، فأومأ لها وكأنه يؤكد حديثه، قامت وسبقته على الشرفة، دخل خلفها ثم زفر بقوة وقال:
مالك يا سارة ومتقوليش كويسة، علشان أنا عارف إنك هتقولي كدا"
زفرت بضيق ثم قالت:
لأ أنا مش كويسة يا عامر، وحاسة إنِ عاوزة أعيط، ومش عارفة"
تعجب من حديثها ولهجتها فسألها مستفسرًا:
وليه كل دا، أنا زعلتك طيب، أنا ضايقتك، طب قولت حاجة متتقالشِ؟"
هزت رأسها نفيًا، فتنهد هو بأريحية ثم قال ساخرًا:
ولما هو لأ، سايباني عامل نفسي بهاء سلطان ليه؟"
إبتسمت بهدوء ثم قالت:
شوفت بتاخد كل حاجة هزار إزاي؟"
أشار لها على المقعد ثم قال:
أقعدي بس كدا علشان نعرف نتفاهم، اقعدي بس البلكونات دي ليها سر باتع، حتى أسألي خالد"
إبتسمت بتعجب ثم قالت:
إشمعنا يعني خالد؟"
ضحك بقوة ثم قال:
لولا البلكونات دي مكانش زمان ياسر وإيمان كتبوا الكتاب"
ثم بعد ذلك قص عليها ماكان يفعله «ياسين» مع «خالد» حتى يقنعه بأمر الزواج، ضحكت هي بقوة ثم قالت:
على كدا لو مكانش في بلكونة مكانش زمانهم بقوا سوا"
هز رأسه نفيًا ثم قال:
لأ كانوا هيتصرفوا، خصوصًا إن ياسر كان على إستعداد يعمل أي حاجة علشانها"
وافقته في الحديث بإيماءة بسيطة خرجت منها، بينما هو عمق نظره لها وقال:
قوليلي بقى مالك؟ ومين اللي زعلك"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
عامر هو أنا فاشلة؟"
تعجب من سؤالها فَـرد عليها:
ليه بتقولي كدا؟"
أجابته بسرعة:
رُد عليا بس، أنا فعلًا فاشلة، أو أنا مستحقش الوصية اللي بابا وصاني بيها؟"
أقترب منها ثم أمسك كفها وقال بنبرة حنونة:
لأ يا سارة أنتِ أبعد ما يكون عن الفشل، الفشل دا أنتِ متعرفيش طريقه، كفاية إنك كملتي حياتك بعد والدك ووقفتي المكان تاني وبقى ليه إسمه، وكفاية إنك جهزتي أختك وجوزتيها، وكفاية إنك لسه بتحاربي، وكفاية الضحكة اللي بتترسم على وشي لما أشوفك ، كل دا وبتقولي على نفسك فاشلة؟"
إغرورقت أعينها بالدموع ثم قالت:
أومال هي قالتلي كدا ليه؟"
سألها مُستفسرًا:
هي مين وقالتلك إيه؟"
مسحت دموعها ثم قالت:
منى اللي كانت زميلتي في الجامعة قالتلي إنِ فشلت نفسي ومنفعتش في حاجة"
شعر بالضيق مما تشعر هي به ومن دموعها التي يكرهها، فهو من طبعه يكره البكاء ويخشى على من هم حوله الحزن، لذلك قال بنبرة خرجت حازمة:
وهو أنتِ أي حد يقولك حاجة تصدقيها يا جرثومة أنت؟"
استعادت جزء من شجاعتها وقالت بصوتٍ قوي:
وأنا أعمل إيه طيب مش هي اللي قالتلي كدا، أنا مالي؟"
بنفس نبرته قال:
علشان أنتِ غبية يا سارة، واحدة زي دي بتتنطط في شغلها عند حد وملهاش لازمة لو مشيت من الشغل هيجي ١٠٠ غيرها، فسخت خطوبتها ومعرفتش توازن بين الشغل وبين خطيبها، جاية تقولك إنك فاشلة، وأنتِ صاحبة مكان بإسمك بيجيلك ناس من كل مكان علشان شغلك، لو يوم بس قولتي مش هكمل، هتلاقي كتير افتقدوكي، واحدة زيك شالت أسرتها بعد والدها، ونفذت وصيته وكمان نجحت في علاقتها بجوزها يبقى مين فيكم اللي فاشل؟"
إبتسمت بقوة على حديثه ثم قالت بهدوء:
طب هي قالتلي كدا ليه يا عامر، لوحدها يعني؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
لأ بس في ناس بعيد عنك عندهم عقدة النقص، يعني بيشوفوا غيرهم حقق اللي هو محققهوش يبقى خلاص الكره يملى قلوبهم، ويبدأ يكرهك في اللي أنتِ بتعمليه، وأنا متأكد إنك اللي مزعلك هو تفكيرك إن شغلانة والدك دي مش لايقة بِكِ صح؟"
أومأت له في خزيٌ، بينما هو قال بهدوء:
علشان تبقي عارفة يا سارة، كل حاجة في حياتنا قسمة ونصيب ومكتوبة لينا، بس برضه إحنا لازم نحارب علشان نصيبنا دا، يعني أنتِ دلوقتي نجحتي في شغلك وفي علاقتك بأهلك، ومعايا مخلياني مش عارف أشوف غيرك ولا قادر حتى أستوعب إن الحياة دي ممكن تفرحني تاني زي ما فرحتني بوجودك جنبي، كل دا أنتِ اللي عملتيه علشان مستسلمتيش للأمر الواقع"
إتسعت إبتسامتها اكثر من ذي قبل حتى أوشك فمها على التيبس، ثم أرتمت داخل أحضانه فجأة وهي تقول:
هو أنا قولتلك أني بحبك قبل يا سوفسطائي؟"
ضحك بقوة ثم قال:
قولتيها كتير بس أنا بحب أسمعها منك يا جرثومة"
___________
في الخارج بعدما قام «ياسر» بعمل بعض التمارين لقدم «ميمي» وقف وهو يقول:
كدا تمام زي ما عصام علمني، المرة الجاية هيكونوا أكتر يا ميمي"
اومأت له في هدوء ثم قالت:
بس رجلي وجعتني أوي يا ياسر النهاردة"
تدخل «خالد» قائلًا:
دا طبيعي، متنسيش إنك بقالك كتير مش بتحركيها يا ميمي، المهم دلوقتي ركزي مع ياسر ومتخافيش"
أومأت له، بينما قال «ياسر»:
تعالي بقى أتمشي شوية لحد الأوضة جوه، علشان ترتاحي لحد وقت الغدا، تعالى ساعدني يا خالد"
قام «خالد» و عاونهما في السير حتى وضعوها على الفراش، خرجا سويًا بعد ذلك، كان الصغير نائمًا على قدم والدته، فنظر لها «خالد» وقال:
ريهام دخليه ينام جنب ميمي جوه هي بتحب تاخده في حضنها وبدل ما تذنبي نفسك كدا"
أومأت له بهدوء ثم قالت:
حاضر يا خالد هدخله"
دخلت ووضعت الصغير بجانب «ميمي» ثم خرجت وجلست بجانب «إيمان» فتحدث «ياسر» قائلًا:
أنا هنزل أنا وإيمان نجيب حاجة الغدا سوا"
نظر «خالد» حوله ثم قال:
الواد عامر راح فين؟"
ردت عليه «إيمان»:
هو وسارة في البلكونة بيتكلموا سوا"
نظر إلى زوجته وهو يبتسم، فتحدث «ياسر» قائلًا بصوتٍ عالٍ:
يــا بــنــي هاخد إيمان وننزل"
عض «خالد» على شفتيه بضيق ثم قال:
غوروا في داهية تخلصني منكم أنتم الأتنين"
صفقت «إيمان» بقوة ثم قالت وهي تضحك بإتساع:
مش مشكلة طالما داهية مع ياسر أنا موافقة"
ولم تنتظر التعقيب من الموجودين، بينما أمسكت يد «ياسر» وخرجت من الشقة تحت نظرات التعجب منه، في حين أن «خالد» قال بصوتٍ عالٍ حتى يصل لها:
ماشي يا بنت عفاف، أنا هربيكِ علشان تبقي تروحي معاه في داهية كويس"
نظر لزوجته بعد ذلك وجدها تضحك بإتساع ولم تستطع التحكم في قهقهاتها، فتحولت نظرته إلى السخرية ثم قال:
بتضحكي؟ أضحكي ياختي أضحكي، أنا هربيهم هما الجوز"
أوقفت الضحك ثم قالت وهي لازالت محتفظة بنبرة المرح:
طب هما عملولك إيه طيب، سيبهم في حالهم"
تحولت نبرته إلى السخط وهو يقول:
هو البيه مش كان منكد عليها، وهي وخداكي مني علشان تهوني عليها"
نظرت له مُتعجبة ثم قالت:
طب وفيها إيه يا خالد ما أنتَ كنت بترجع من الشغل علينا وكنت بتبات في الشقة"
تبدلت ملامحه ثم قال مُتهكمًا:
بيت؟! وهو البيت من غيرك دا بيت؟ دا سجن ياما، نهاية الكلام هترجعي معايا النهاردة هما خلاص بيتكلموا وزي الفل"
شعرت بالفرحة تغمرها إثر حديثه، فقالت بهدوء:
قولي بقى البيت عامل إزاي من غيري فيه، إحكيلي بالتفصيل"
هز كتفيه ثم قال بنبرة هادئة:
بُصي البيت من غيرك زفت ونيلة، ومن كتر نومي على الكنبة هيجيلي الغضروف"
إبتسمت له ثم قالت:
حاضر والله هروح معاك النهاردة خلاص كدا"
غمز لها ثم قال بمرحٍ:
أيوا كدا هو دا الكلام، وبعدين إيه طيب ؟ يعني الجو هادي خالص والدنيا هُس هُس، وأنا وأنتَ يا حبيبي والنجفة وبس"
وعامر يا حبيبي موجود في كل وقت وكل مكان"
خرجت تلك الجملة بسرعة كبيرة من «عامر» بعدما خرج من الشُرفة، شعرت «ريهام» بالحرج وتحولت وجنتيها إلى اللون الأحمر فتحدث «خالد» بسخطٍ:
أنتَ إيه اللي جابك؟"
تحدث «عامر» بسخرية:
جيت علشان أكون مع النجفة يا أخويا"
ضحكت الفتيات، بينما «عامر» و «خالد» نظرا لبعضهما البعض بإستفزاز.
_____________
في عيادة الطبيبة النفسية كان «ياسين» جالسًا في الداخل و «خديجة» جالسة أمامه، والطبيبة على مقعدها، فسألت بهدوء:
ها يا خديجة عملتي اللي طلبته منك؟"
كانت «خديجة» تشعر بالتوتر، لذلك وجهت بصرها نحوه، فوجدته يومأ لها بقوة ليشجعها، فأخذت هي نفسًا عميقًا ثم قالت:
آه يا دكتور عملته"
إبتسمت الطبيبة ثم قالت:
عظيم يا خديجة ، وريني بقى"
ارتجفت يد «خديجة» من التوتر ولكنها زفرت بقوة ثم قامت بإخراج الاوراق من حقيبتها، أعطتها للطبيبة ثم اخفضت رأسها في خجلٍ، بينما الطبيبة نظرت في الورق ثم إرتسمت بسمة على شفتيها رويدًا رويدًا، كان «ياسين» يتابع تعبيرات وجه «الطبيبة» بتعجب، فتحدثت هي بصوت مليء بالفخر:
هايل يا خديجة أنتِ كدا فهمتي صح، من الواضح إنك عندك طاقة هايلة علشان تغيري كل اللي السلبيات اللي أنتِ حاسة بيها"
رفعت «خديجة» رأسها بسرعة كبيرة، ثم نظرت للطبيبة، فوجدتها تبتسم لها، بينما «ياسين» تحدث قائلًا:
هي عاملة إيه يا دكتورة؟"
أمسكت الطبيبة بالورقة السوداء ثم قرأت ما تم تدوينه بها وهي تقول:
خديجة قدرت تجمع كل النقط اللي مسببة لها حالة الذُعر، يعني هي كاتبة
١_أنا لا أساوي شيئًا
٢_أنا شخص فاشل لا يستحق النجاح
٣_أنا إنسان خجول لدرجة كبرى
٤_لا أستطيع التحدث أمام الأخرين ولا التعامل معهم
٥_أترك نفسي للأخرين ليتحكموا بي وبشخصيتي،ولا أدافع عن نفسي"
كانت تشعر بالخجل وتفرك كفيها ببعضهما، على الرغم من إرتجافة يدها، لكن الطبيبة تحدثت بالفخر وهي تقول:
خديجة في الورقة البيضا، كاتبة عكس كدا و كذبت كل الكلام دا،ودا يدل على إرادتها القوية اللي هتقدر تغيرها لشخص تاني هي نفسها تتحول ليه"
كان حديث الطبيبة عنها مُشجعًا لدرجة كبيرة، وكذلك نظرة «ياسين» الفخورة بها، إبتسمت لهما في توتر ،فقالت الطبيبة بهدوء:
دلوقتي بقى هطلب منك طلب ولازم تنفذيه"
خرج صوتها مهزوزًا وهي تسأل الطبيبة قائلة:
طلب إيه دكتورة إتفضلي؟"
قدمت لها الطبيبة الورقة السوداء التي بها «السلبيات» ثم قالت بهدوء:
عاوزاكِ تقطعي الورقة دي خالص هنا وقدامنا"
نظرت «خديجة» بتعجب لهما ثم قالت:
طب ليه اقطعها، ما ممكن تفضل مع حضرتك"
هزت الطبيبة رأسها نفيًا ثم قالت:
لأ أنا عاوزاكِ تقطعيها بنفسك لسبب معين"
تدخل «ياسين» قائلًا:
قطعيها بس الأول، وبعدين نشوف السبب"
أومأت لهما في توتر ثم قامت بتمزيق الورقة إلى قطع صغيرة، تنهدت الطبيبة ثم قالت مُبتسمة:
كدا تمام، هفهمك بقى يا خديجة أنا عملت كدا ليه، اللي أنا عملته دا إسمه التحدث مع الذات، يعني كدا أنا برمجت إشارات مُخك على سلبياتك دي اللي دلوقتي بالنسبة له شيء مرفوض لإنك لما كتبتي الورقة دي كنتِ على علم إنها سلبيات لازم تتغير، ودا اللي هيحصل عند أي حاجة سلبية تأثر عليكِ مُخك تلقائيًا هيتعامل على إنها سلبيات وشيء مرفوض بالنسبة له، والدليل هنا هو ورقة الايجابيات دي اللي أنتِ كتباها بإرادة قوية قدرت تخلي المُخ يحفظها "
أومأ لها الأثنين في تفهم، فقالت «الطبيبة»:
دلوقتي بقى أنا خلصت العلاج النظري، نبدأ العلاج العملي يا خديجة"
ثم وجهت بصرها نحو «ياسين» و قالت له:
استأذن حضرتك يا أستاذ ياسين تنتظر برة شوية، وهتدخل مرة تانية"
نظر لها «ياسين» ثم وجه بصره نحو «خديجة» التي كانت نظرتها ترجوه أن يبقى معها، لكن الطبيبة تحدثت بهدوء قائلة:
هنتكلم أنا وأنتِ سوا يا خديجة، وهيدخل مرة تانية متقلقيش"
أخذت نفسًا عميقًا ثم أومأت في هدوء، بينما «ياسين» خرج من الغرفة ولكن نظره لازال مُعلقًا بها، بعد خروجه من الغرفة أخذتها الطبيبة ثم توجهت بها نحو المقعد الوثيرء الذي جلست عليه المرة السابقة بإسترخاء، بعد إسترخاء «خديجة» تحدثت الطبيبة قائلة بهدوء:
ها يا خديجة قوليلي حاسة بإيه دلوقتي بعد ما قطعتي الورقة دي؟"
أخذت «خديجة» نفسًا عميقًا ثم قالت:
حاسة أنِ عاوزة أكون خديجة جديدة..لأ أنا..أنا عاوزة خديجة القديمة ترجع تاني"
أُعجبت الطبيبة بإجابتها فقالت بهدوء:
أيوا، ومين هي خديجة القديمة، والسؤال الأهم خديجة القديمة دي راحت فين؟"
رفعت «خديجة» رأسها تنظر للأعلى ثم قالت بتوتر ظهر جليًا في صوتها حينما قالت:
خديجة اللي محبوسة جوايا، هي دي اللي نفسي أخرجها، خديجة اللي قدامك دي أنا معرفهاش أصلًا، أنا جوايا واحدة بتحلم وعندها أمنيات كتير نفسها تحققها، خديجة دي أنا معرفهاش واحدة جبانة بتخاف تتكلم وبتخاف تعبر وبتسكت عن حقها"
كانت الطبيبة تدون ما تتفوه به، فسألتها مُستفسرة:
مين الناس اللي بتحسي معاهم إنك على طببعتك، يعني مش خايفة تتكلمي قصادهم"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
ماما و أحمد و وليد و خلود و..."
توقفت عند الكلمة الأخيرة فسألتها الطبيبة:
ومين يا خديجة قولي؟"
زفرت «خديجة» بعمق ثم قالت بهدوء:
و مؤخرًا ياسين".
_______________
في بيت آلـ «رشيد» إجتمعت العائلة بأكملها في الطابق الأسفل، فأول من تحدث كان «محمود» حينما قال:
أنا كلمت خالي أطمنت عليه، هو بقى كويس بس محتاج شوية راحة علشان كدا معرفش يجي النهاردة"
رد عليه «طه» قائلًا:
خلاص كمان كام يوم لو خلصنا شغل بدري نروح نطمن عليه، أو ممكن أخد مُرتضى أو محمد معايا"
وافقه أخوته فتدخلت «مُشيرة» قائلة:
لما تروح قولي يا طه علشان مش هعرف أروح لوحدي"
وقبل أن يجيبها «طه» تدخل «محمد» قائلًا:
طب خلاص العيلة مليانة عربيات وممكن نطلع عربية طه كمان ونلم العيلة كلها بالشباب ونروح"
تحمس الجميع لهذه الفكرة، بينما «محمود» قال:
لأ يا محمد العدد هيكون كبير أوي، وبعدين بيت خالك مليان ناس زينا، إحنا الأخوات نروح ومشيرة معانا، ولما يخف نبقى نروح كلنا"
أيد الجميع فكرة «محمود» نظرًا لأنها الأكثر عملية، بينما «مُشيرة» نظرت حولها ثم سألت مُستفسرة:
أومال هدير فين يا عبلة مش معاكِ ليه؟"
نظرت «عبلة» لـ «وليد» أولًا ثم نظرت لعمتها وقالت بهدوء:
خرجت يا عمتو مع صحابها، علشان مخنوقة شوية"
نظرت لها «مُشيرة» بتعجب ثم قالت:
ومن إمتى وأنتِ مبتخرجيش معاها يا عبلة؟"
قبل أن تجيب «عبلة» سؤالها، تدخل «وليد» مُجيبًا إياها وهو يقول:
لأ أصل عبلة مش فاضية للخروج والكلام دا، يدوبك تظبط نفسها علشان نبدأ نجهز لفرحنا"
نظر الجميع إلى بعضهم البعض، بينما «مُشيرة» قالت له بغرور:
أنا بسأل بنت أخويا عن بنت أخويا التاني، وبعدين مش أنتَ قولت قبل كدا أنا مش هتجوز غير لما أطمن على أختي"
قلدت طريقته في جملتها الأخيرة حينما قال قبل ذلك، أنه سيتزوج بعد إطمئنانه على «خديجة»، فَـرد عليها مُعقبًا:
والله خلاص خديجة إطمنت عليها، وبقت مع ياسين، صحيح كاتبين كتابهم بس خلاص كدا أنا قلبي مرتاح"
شعرت «مُشيرة» أن هذه هي فرصتها لتذم في «خديجة» فقالت بهدوء:
وهو مش عيب تكون هنا وأختك برا البيت، من غير حتى ما تخرج معاها وسايبها لوحدها"
شعر الجميع بالضيق من حديثها، ولكن أكثرهم ضيقًا كان «طه» لذلك أردف قائلًا:
هي مش مع حد غريب يا مشيرة دا جوزها، وهو مستأذن مني"
نظرت له «مُشيرة» بحنق ، فهي لم تتخيل أن «طه» يُدافع عن إبنته، وقبل أن تتحدث مرة أخرى وجدت «وليد» يقول بهدوء:
أنا مطمن علشان هي مع راجل جدع، أضمنه برقبتي، وبعدين عادي يعني يا عمتو كل العرسان الجداد بيخرجوا سوا ويتكملوا سوا علشان يتفاهموا، ولا علشان أنتِ بقالك كتير برا الكار دا متعرفيش؟"
نظرت له والشرر يتطاير من عيناها، بينما «مُرتضى» تحدث بضيق قائلًا:
عيب يا وليد تكلم عمتك كدا، إيه قلة الأدب دي فاكر نفسك لسه عيل"
رغم ضيقه من حديث والده إلا أنه قال ببسمة هادئة على وجهه:
يا بابا أنا بهزر معاها، والله بتمنى من كل قلبي ربنا يكرمها بعريس إبن حلال يعوضها عن كل اللي شافته ويديها على قد طيبة قلبها يا رب"
نظرت له «مُشيرة» بسخرية ثم قالت:
دا أنتَ حبيب عمتو يا..يا ليدو"
كان الجميع ينظر لذلك الموقف وكلًا منهم بنظرة مختلفة منهم من هو شامت ومنهم من هو فرح ومنهم من يشعر بالضيق، ولكن الأكثرية الساحقة كانت من نصيب الفرحين بـ «مشيرة»
_______________
في عيادة الطبيبة النفسية بعدما ذكرت «خديجة» إسمه أخذت نفسًا عميقًا بينما سألتها الطبيبة مُستفسرة:
يعني أنتِ مش بتخافي من ياسين؟"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بتلعثم:
ياسين مينفعش أخاف منه، ياسين دا طوق النجاة اللي طلعلي وأنا بغرق في عرض البحر، أو العوض بعد سنين العُجاف، جه متأخر بس سبق كل اللي في حياتي"
كان الحديث يخرج من قلبها دون أن تشعر به، وبعد أن أنتبهت لما تفوهت به، أخفضت رأسها ثم قالت بنبرة مهتزة إثر التوتر:
أ..أنا أسفة سرحت في الكلام"
إبتسمت الطبيبة ثم قالت:
بس أنا مش عاوزة إعتذار، أنا عاوزة شجاعة منك، أنتِ دلوقتي وأنتِ بتتكلمي الأعراض مظهرتش عليكِ، معنى كدا إن الكلام خرج مباشرةً من غير خوف، يعني مفيش رعشة إيد، مفيش عرق في الإيد والوش ومتأكدة كمان إن مفيش آلام في المعدة صح؟"
نظرت لها «خديجة» بتعجب ثم أومأت لها في هدوء، تنحنحت الطبيبة تُنقي حنجرتها ثم قالت:
دلوقتي يا خديجة ياسين هيدخلؤ علشان اللي هقوله لازم يكون هو موجود فيه بما إنه مساعد معايا في التغير دا"
أومأت لها «خديجة» ثم قالت بعدما أخذت نفسًا عميقًا:
تمام يا دكتور"
طلبت الطبيبة «ياسين» كما المرة السابقة فدخل وهو مُتلهفًا، جلس على المقعد وبعد ثوانٍ جلست هى على المقعد المقابل له، إبتسمت لهما الطبيبة ثم قالت:
دلوقتي إحنا هناخد خطوة جريئة في العلاج، وأستاذ ياسين لازم يساعدنا فيها في الأول وبعد كدا كدا هتبقى خديجة لوحدها"
أومأ لها ثم قال:
أنا طبعًا موافق ومستعد، وهي كمان مستعدة معايا"
إبتسمت الطبية ثم قالت:
بس أنا عاوزة أسمع الكلام دا منها هي"
نظرت «خديجة» له وجدته يومأ لها بهدوء، فأومأت هي مثله ثم رسمت بسمة على شفتيها، بادلتهما الطبيبة. البسمة ثم قالت:
الرُهاب الإجتماعي يا خديجة أو الاضطرابات النفسية اللي بتؤدي للإنطوائية حلها الوحيد في المواجهة، يعني الرُهاب الإجتماعي دا أنواع في نوع أولي، ودا زي اللي عند خديجة، يعني ليه أعراض نفسية وبدنية بتظهر بقوة كبيرة، وفي رُهاب إجتماعي ثانوي ودا بيكون لسه بدائي يعني بيكون مجرد خوف من المناسبات ودا بيكون لأسباب عادية زي الكسل مثلًا، أو قلة الحماس للمناسبة نفسها، بس لو تم إهماله بيتحول لرُهاب حقيقي ويبدأ يتحكم في حياة الشخص"
كان كلًا من «ياسين» و «خديجة» ينصتا لها بكل حواسهم، فأضأفت الطبيبة قائلة:
الحل هنا علشان خديجة، لازم نواجه الخوف بإننا نتقابل معاه وش لـ وش، يعني نبدأ ننزل تجمعات نبدأ ناكل برا في مطاعم لأن من ضمن الأعراض اللي عند خديجة إن هي مبتعرفش تاكل في مطاعم أو لمة، لو ركزنا على العلاج النظري بس وسيبنا العملي الوقت هيكون مضاعف"
كانت «خديجة» تشعر داخلها برهبة من حديث الطبيبة نعم هي تعلم أن تلك الخطوة مطلوبة لكنها لم تتخيل أن تكون بتلك السرعة، شردت قليلًا تُفكر في حديث الطبيبة، لكنها خرجت من شرودها على صوت «ياسين» قائلًا:
طب نبدأ من إمتى يا دكتور؟"
إبتسمت الطبيبة ثم قالت:
ياريت لو نبدأ من النهاردة، يعني تاكل في مطعم، تتعرف على ناس جديدة، تبدأ تخرج في أماكن فيها ناس، تتولى أدوار قيادية في حياتها، كل دا هيساعدنا بس الأهم نبدأ بأول خطوة"
خرجا سويًا من عيادة الطبيبة، بعد الإتفاق على موعد في منتصف الأسبوع، ركبا السيارة وكانت هي شاردة أمامها تُفكر في حديث الطبيبة ، بينما هو لم يتفوه بِـحرفًا واحدًا، وبعد فترة من القيادة أوقف السيارة ثم نظر لها بهدوء، بينما هي نظرت حولها ثم قالت له بصوتٍ يحمل الخوف بين طياته:
لأ متقولش إن إحنا هننزل هنا!!"
إبتسم لها بإستفزاز ثم أومأ لها بهدوء، بينما هي زاد خوفها أكثر.
_______________
في بيت «حسان» في الصعيد كانت «جميلة» تنظر في ساعة هاتفها بقلق نظرًا لتأخر وصول والدها عن الموعد المحدد، أتت «نوال» وجلست بجانبها وهي تقول:
مالك بس يا جميلة بقالك ٣ ساعات متوترة يا حبيبتي، زمانه على وصول"
نظرت لها وهي على وشك البكاء ثم قالت بتوتر:
قلقانة عليه أوي يا تيتة، كل مرة بيلحق صلاة الجمعة هنا، أول مرة يتأخر للوقت دا العصر آذن والمغرب هيأذن خلاص ومش بيرد عليا"
ربتت «نوال» على كتفها بحنو ثم قالت:
متقلقيش نفسك أنتِ بس وكل حاجة هتبقى كويسة،زمانه على وصول"
وقبل أن تعقب على حديثها وجدت الباب يُفتح بواسطة والدها، إنفرجت أساريرها بمجرد ما لمحت طيفه، وركضت إليه ثم إرتمت داخل أحضانه بقوة، تنهدت «نوال» بأريحية ثم إبتسمت بقوة، بينما هو شدد من عناق إبنته ثم قال:
أنا عضمي لو واجعني بعد رميتك دي إتكسر خلاص"
شددت من مسكتها له ثم قالت:
خوفت عليك أوي، أنتَ أتأخرت عن كل مرة قلبي واجعني عليك"
أبعدها عنه ثم قال بمزاح:
قال يعني البت زعلانة علشان اتأخرت ، مش علشان الموضوع بتاعها مش هنتكلم فيه"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
لأ خالص والله أنتَ عندي أهم من الدنيا كلها، وجودك قدامي كويس كدا بالدنيا ومافيها، وعلشان تصدقني خلاص نقفل الموضوع دا الأيام دي لحد ما أنتَ تطلب مني"
إبتسم لها ثم قال بحنو:
ربنا يباركلي فيكِ يا رب، أنا هطلع أرتاح شوية وأصحى لما الأكل يجهز"
أومأت له بهدوء، بينما هو ألقى التحية على عمته ثم صعد إلى غرفته، إقتربت منها «نوال» ثم قالت بهدوء:
إيه يا حبيبتي أنتِ زعلتي منه؟"
نظرت لها بتعجب ثم قالت:
لأ خالص يا تيتة، أنا فرحت إنه رجعلي تاني، وسرحت لو كان فعلًا جراله حاجة بعد الشر كنت هعمل إيه من بعده"
ربتت «نوال» على كتفها ثم قالت:
حسان روحه فيكِ يا جميلة، بعد اللي حصل وأنتِ بقيتي كل دنيته، طبيعي إنه يخاف عليكِ ويخاف إنك تسيبيه، أنتِ مشوفتيش بيفضل يبص عليكِ إزاي وأنتِ بعيد عنه، كأنه خايف تتخطفي"
تنهدت «جميلة» ثم قالت:
أنا عارفة والله و وجوده جنبي عوضني عن حاجات كتير، أنا خلاص هقفل الكلام في الموضوع دا لحد ما هو يبقى مستعد"
________________
نظرت «خديجة» حولها بخوف ثم قالت بصوتٍ مهزوز:
بلاش يا ياسين علشان خاطري عندك"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
خاطرك كبير أوي عندي والله بس علشانك أنتِ يا خديجة، تعالي معايا أنا موجود والله متخافيش"
نزل من السيارة ثم أنزلها خلفه، كانت ترتجف بقوة، وزادت ضربات قلبها من الإضطراب والخوف، بينما هو ربت على ذراعها بهدوء ثم قال:
أنا هموت من الجوع والله، وأنتِ كمان جعانة باين على وشك، وأنا مش بخيل علشان اروحك جعانة كدا"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
مش هقدر والله خليها مرة تانية، بص تعالى البيت عندنا ناكل سوا"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
مش هينفع أنتِ سمعتي هناء قالت إيه، لازم نبدأ الخطوات العملي، والنهاردة البداية، وأنا أهوه معاكِ وأنتِ مش لوحدك"
قال حديثه ثم أمسك كفها وأخذها داخل المطعم، جلسا سويًا على طاولة بعيدة عن الأنظار إلى حدٍ ما، كانت تنظر حولها بخوف وتوتر، بينما قال هو بهدوء:
أهدي يا ست الكل، مفيش حد مركز معانا أصلًا، وأنا موجود هنا يبقى العبد لله أولى بالتركيز دا"
نظرت له ثم قالت بتوتر:
أنا بصراحة عمري ما كلت برا البيت، ودايمًا بحس إنِ مقدرش على خطوة زي دي"
سألها مُستفسرًا:
ليه يا خديجة متقدريش على خطوة زي دي"
زفرت بعمق ثم قالت:
علشان مكانش عندي صحاب أو حد يجي معايا، يعني مش عندي اللي يشاركني إهتماماتي، دا غير إن بابا مكانش بيوافق إن أنا أخرج"
قبل أن يجيبها أتى النادل، فقام «ياسين» بطلب الطعام، بعدما رحل النادل قال لها هو بهدوء:
أنا طلبتلك على ذوقي ويارب تكوني بتحبي الأكل دا"
أومأت له بهدوء ثم قالت:
شكرًا بس أنا بجد مش هقدر آكل"
رفع أحد حاجبيه، ثم قال بحنق:
لأ هناكل سوا علشان يبقى بيننا بانيه وبطاطس محمرة"
نظرت بجانبها لتُخفي بسمتها ولكن ما حدث أبهر «ياسين»حيث تعامدت أشعة الشمس في غروبها على أعين خديجة مما جعلها تُشبه أنهار العسل الصافية ، على الرغم من أن لونها بُني، لكنه إنبهر حينما رآى ذلك اللون، فقال بصوتٍ مليءٌ بالحب:
تَعَامدت آشعة الشَمس على عيناكِ فتوغل الدفء إلى قلبي"
_______________
كانت «هدير» جالسة في أحد الكافيهات التي تجلس بها دائمًا، كانت تنتظر صديقة لها وهي تتصفح هاتفها، لكنها تفاجأت بإحدى صديقاتها القُدامى تقترب منها وهي تقول:
مش معقول هدير الرشيد هنا، دي أحلى صدفة في الحياة"
إقتربت منها «هدير» واحتضنتها بقوة ثم قالت بعد ذلك:
وحشتيني يا هيام أوي فينك يا بنتي اختفيتوا فجأة كدا"
تنهدت «هيام» بعمق ثم قالت:
حصلت شوية ظروف كدا أضطرينا نمشي من هنا ونروح إسكندرية، إحنا جايين بس علشان كتب كتاب نُهى"
تبدلت نظرة «هدير» ثم قالت:
وماله يا حبيبتي ربنا يخليكم لبعض، المهم هشوفك إمتى تاني"
هزت «هيام» كتفيها ثم قالت:
بصي هو خلاص كتبوا الكتاب وأنا كنت هنا عند عمتي، ممكن يومين تلاتة كدا أمشي تاني، أنا معايا رقم عبلة ممكن أكلمها ونتقابل"
سألتها «هدير» مُستفسرة:
معاكِ رقم عبلة من إمتى؟"
قالت «هيام» بنبرة طبيعية:
معايا من حوالي شهر كدا، صحيح مش بنتكلم بس أهو خدته منها على الفيسبوك"
أومأت «هدير» في تفهم ثم قالت:
تمام يبقى لازم نتقابل، على الأقل نفتكر الزمن الجميل"
إبتسمت «هيام»ثم قالت:
لأ وأنتِ كنتِ خارباها، بس قوليلي صحيح مين اللي كان متصور مع علبة وطارق دا؟"
نظرت لها «هدير» متعجبة ثم قالت:
مين دا اللي متصور مع علبة وطارق ماخدتش بالي"
إبتسمت «هيام» ثم قالت:
واحد كدا كان كاتب على الصورة بتاعته معاهم
(أنا وعبلة والنجفة ملحوظة النجفة هو طارق يا شباب) وهي كانت واخدة الصورة من عنده بس خافية الإسم"
تذكرت «هدير» أمر تلك الصورة فقالت بنبرة جاهدت حتى تكون طبيعية:
آه دا وليد إبن عمي مرتضى،"
تعجبت «هيام» فقالت:
إيه دا بجد دا وليد؟ وماله أتغير ليه كدا، وكمان شكله أحلو أوي أنا معرفتوش خالص"
تنهدت «هدير» ثم قالت:
هو فجأة كدا إهتم بنفسه، وراح چيم ورجع للرياضة تاني"
سألتها «هيام» مستفسرة:
طب وهو قاعد مع طارق وعبلة ليه، اللي أنا أعرفه إنهم قط وفار"
إبتسمت «هدير» بسخرية ثم قالت:
لأ دا كان زمان دلوقتي مخطوبين خلاص"
تعجبت «هيام» فقالت بسرعة كبيرة:
إيه مخطوبين؟! وطارق موافق عادي؟"
أومأت لها «هدير» في هدوء ثم قالت:
وفيها إيه يعني، عادي ما طارق و وليد طول عمرهم صحاب"
قالت «هيام» متفهمة:
ماشي بس إزاي يوافق إن أخته تتجوز واحد كان مُدمن؟"
أمعنت «هدير» النظر إليها ثم قالت:
مين دا اللي كان مدمن مش فاهمة؟"
أكدت «هيام» حديثها قائلة:
وليد إبن عمك مرتضى كان مُدمن، وبيتعالج مع عمر إبن عمي في نفس المصحة"
إقتربت منها «هدير» وهي تقول:
أنتِ متأكدة يا هيام من كلامك دا؟"
أومأت لها «هيام» بقوة ثم قالت:
بقولك كان بيتعالج مع عمر إبن عمي، وأنا بنفسي شوفته هناك مرة"
إبتسمت «هدير» ثم قالت بخبثٍ:
الله أكبر، لأ أنتِ تحكيلي كل حاجة واحدة واحدة"
_______________
ملحوظة/ الخطوات بتاعة العلاج النفسي دي كلها صحيحة ومؤكدة بنسبة كبيرة جدًا وأخر إستخداماتها كان سنة ٢٠١٩
ومعلومة كمان مريض الرُهاب الإجتماعي الأولي ميقدرش ياكل في أماكن عامة ولا قدام حد غريب، علشان دي معلومات مؤكدة.
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل السابع والعشرون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل السابع والعشرون"
____________
كُتِبَ على ذلك القلب المسكين أن يقع في حبكِ سجين
____________
لا تسير الحياة كما نريد، فـكيف يحدث ذلك إن كنا نحن لا نعلم ماذا نريد، وما نحن سوى أناسٌ مشتتون ، نُقِشَ بداخلهم الحزن كما على الحجرِ ينقشون.
تَعَامدت آشعة الشمس على عيناكِ فتوغل الدفء إلى قلبي"
بعد تلك الجملة التي خرجت منه دون أن يشعر بماذا يتفوه صمتت هي ولم تُعقب بينما لاحظ هو صمتها فقال:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
نظرت له وهي تبتسم بقوة تلك المرة على جملته الدائمة لها بعد أن يلقي عبارات الغزل بوجهها
قد يبدو الأمر طبيعيًا ، ولكن ما رآه أدهشه حقًا، فكان لون أعينها جميل وهاديء لدرجة مُريحة لأعصابه، بينما هي إبتسمت له ثم قالت بهدوء:
شكرًا، بس هي لونها عادي يعني، بس في الشمس بتفتح"
حرك رأسه نفيًا ولازالت البسمة الهادئة تعلو ملامح وجهه، ثم قال:
أبدًا والله ما عادية، دي دوبتني وأنا مكاني، حسيت بحاجة غريبة كدا مش قادر أوصفها، بس أنا قولتلهالك قبل كدا يا خديجة، كل العيون مرت منسية إلا عيونِك"
أخفضت رأسها في خجلٍ منه، بينما هو أخرج زفيرًا قويًا، ثم تنحنح يُنقي حنجرته وقال:
المهم إعملي حسابك الفترة الجاية هننزل كتير، أنا خلاص خدت القرار، وأنتِ لازم تنفذيه"
نظرت له بأعين خاوية ثم قالت:
أصلًا كل اللي أنتَ بتعمله معايا دا بيحسسني إنِ متقلة عليك، وحاسة إنك شايل فوق طاقتك"
إبتسم لها ثم قال:
يا ست الكل أنا راضي وقولتلك أنا بعمل كل دا علشانك أنتِ، وعلشان أنتِ ملزومة مني خلاص"
قبل أن ترد عليه أتى النادل ووضع الطعام أمامهما، وتسأل بهدوء:
حاجة تانية يا فندم؟"
إبتسم «ياسين» بمجاملة له ثم قال بهدوء:
متشكر جدًا"
كانت «خديجة» تنظر بجانبها على منظر الغروب، كانت متعمدة الإنشغال عنه حتى لا تضطر لتناول الطعام، نظر لها هو ثم أخرج زفيرًا قويًا وقال بهدوء:
يالا يا خديجة، علشان تاكلي"
حركت رأسها نفيًا ثم رسمت بسمة متوترة على شفتيها وهي تقول:
صدقني مليش نفس آكل،كُل أنتَ بألف هنا وشفا"
رفع أحد حاجبيه، ثم نظر لها بحنقٍ وهو يقول:
آه وماله، آكل أنا وأنتِ تتفرجي عليا، دا على أساس أنِ جايبك من سوق العبيد؟يالا يا ست الكل"
نظرت له بتعجب من تبديل لهجته ونبرته بتلك الطريقة، بينما قال هو بنبرة أعمق:
يالا يا خديجة كُلي"
____________
إستمعت «هدير» لما تفوهت به «هيام» حيث قالت الأخيرة في هدوء:
وليد إبن عمك كان بيتعالج مع عمر إبن عمي ،بس كلمة حق وليد إضحك عليه، لكن إبن عمي دخل الطريق دا بمزاجه، بس إزاي أنتم بيت عيلة ومتعرفوش، دا طارق و وئام هما اللي عالجوه"
حمحمت «هدير» ثم قالت بصوتٍ متلعثم:
ها..عادي يعني هو غاب عن البيت فترة كبيرة، وساعتها إفتكرناه في شغل أو حاجة، خصوصًا إن أنا وهو مش على وفق مع بعض وكدا"
هزت رأسها في تفهم ثم قالت:
بس الحمدلله ربنا عوضه وكرمه بعبلة أهوه، وإبن عمي برضه خطب وفرحه قرب"
إبتسمت «هدير» بتكلف ثم قالت:
ربنا يكرمهم هما الأتنين، المهم عاوزة رقمك علشان نتكلم بقى، ربنا يعلم مقابلتك دي فرحت قلبي إزاي"
خرجت الجملة الأخيرة منها بخبثٍ كبير، بينما الأخرى إبتسمت لها ثم قالت:
طبعًا ولازم نتقابل تاني قبل ما أسافر"
أنهت «هدير» تلك الجلسة بأخذها رقم «هيام» ثم سارت مُسرعة نحو بيتها، دخلت «البيت» ولكنها دلفت لشقة «مُشيرة» أولًا بالمفتاح المـخصص لها، دخلت الشقة فوجدت والدتها تجلس مع عمتها، تعجبا الأثنتين حينما دخلت «هدير» الشقة، فأول من تحدثت كانت «فاطمة» حينما سألتها مستفسرة:
رجعتي بدري يعني يا هدير، مش عادتك"
تحدثت «هدير» بنبرة عادية وهي تقول:
عادي يعني يا ماما خلصت بدري وجيت، المهم أطلعي أنتِ شوفي بابا وجهزيلي العشا"
تدخلت «مُشيرة» قائلة:
أنا عاملة الأكل اللي بتحبيه، كُلي معايا وخلاص، أنا لسه ماكلتش"
نظرت لها «هدير» نظرة ذات مغذى، ثم قالت:
خليها بس تطلع تشوف بابا علشان ميشدش عليا لما أطلع"
فهمت «مُشيرة» أن إبنة أخيها تود أن تخبرها شيئًا هامًا، لذلك أردفت بهدوء:
خلاص روحي شوفي محمود يا فاطمة، وتعالي تاني وعرفيه إنها معايا هنا، بدل ما يكون دا كله فاكرها برة البيت"
نفخت وجنتيها بضيق ثم قالت بضجرٍ:
ماشي يا مُشيرة أنتِ و هدير، لما أشوف أخرتها معاكم"
خرجت من الشقة، فإقتربت «مشيرة» من هدير وهي تقول:
ها قوليلي خليتي أمك تطلع من الشقة ليه، أكيد عاوزة تقولي حاجة مهمة"
أومأت «هدير» بقوة ثم قالت:
أيوا و حاجة هتريح قلبك كمان"
أنتاب الفضول «مُشيرة» فقالت بسرعة كبيرة:
قولي بسرعة في إيه وبخصوص مين"
إبتسمت «هدير» بإتساع ثم قالت:
أنا عرفت الفترة اللي وليد أختفى فيها من البيت كان فين"
نظرت لها «مُشيرة» بسخرية ثم قالت:
يا فرحة فاطمة بكِ ياختي، ما كلنا عارفين إنه كان عند خاله إبراهيم في السويس علشان يساعده في المصنع بتاعه"
رفعت «هدير» حاجبها ثم قالت بثقة:
دا اللي أنا وأنتِ والعيلة كلها عارفاه، اللي متعرفيهوش بقى إن وليد كان ساعتها بيتعالج في مصحة إدمان"
إتسعت حدقتي «مُشيرة» و رفرفت بأهدابها الكثيفة عدة مرات، ثم قالت بنبرة مهتزة:
أنتِ بتقولي إيه يا هدير؟ بقى وليد كان مدمن ! أنتِ متأكدة من كلامك دا؟"
أكدت «هدير» حديثها بنبرة أكثر قوة وهي تقول:
والله العظيم زي ما بقولك، عرفت من هيام اللي كانت معايا في الجامعة، عمر إبن عمها كان مع وليد في نفس المصحة وهي شافته هناك وكان طارق و وئام عنده"
نظرت «مُشيرة» أمامها بشرود وهي تتذكر موقف «مروة» تجاهها بعدما ألقت «مُشيرة» التُهم على «زينب»، وقتها وقفت «مروة» تدافع عن صديقتها بقوة وهي تقول:
زينب متعملش كدا أبدًا يا مُشيرة، زينب عمرها ما تخرب بيت حد ولا عمرها تفضح حد"
إقتربت منها «مُشيرة» وهي تصيح بصوتها المرتفع قائلة:
وهو أنا هفتري عليها ليه، محدش غيرها يعرف حاجة عن الجوابات دي ولا الصور"
تحولت نظرة «مروة» إلى العِتاب وهي تقول:
وهو إيه اللي يخلي واحدة محترمة يا مشيرة تشيل معاها الحاجات دي وهي على ذمة راجل تاني؟"
نظرت لها «مُشيرة» بقوة وهي تقول:
يعني أنتِ هتسيبي غلط زينب وتمسكي فيا تغلطيني يا مروة، ولا هي علشان صاحبتك؟"
نفخت «مروة» وجنتيها بضيق ثم قالت:
أنتِ اللي غلطانة يا مُشيرة، واحدة زيك على ذمة راجل تفكر في راجل تاني إزاي، وإيه اللي يخلي بينكم جوابات وصور من قبل ما تكوني على ذمته، أنتِ غلطتي يا مُشيرة، واللي حصل دا عقاب من ربنا لكِ"
خرجت «مُشيرة» من قوقعة زكرياتها على صوت إبنة أخيها وهي تقول بصوتٍ عالٍ:
يـــا عــمـتـو، إيـــه روحـتي فين؟"
هزت «مُشيرة» رأسها ثم قالت:
إيه يا هدير أنا معاكِ أهو"
نظرت لها «هدير» بشكٍ ثم قالت:
آه ماهو واضح إنك معايا، سرحتي في إيه؟"
تنهدت «مُشيرة» ثم قالت:
سرحت في الأيام، زمان مروة ذمت في حقي، وقالتلي إن اللي حصل ليا دا عقاب من ربنا، وأهو ربنا عاقبها في الحيلة إبنها"
ربتت «هدير» على كفها ثم قالت:
علشان تعرفي إنهم هيشوفوا الويل في حياتهم، المهم هنعمل إيه بعد ما عرفنا، نقول للعيلة ولا إيه؟"
إبتسمت «مُشيرة» ثم قالت:
لأ مينفعش دلوقتي خالص، أستني شوية كدا، لما أظبط زينب هي كمان، علشان ناري تكون بردت من ناحية الأتنين"
أومأت لها «هدير» ثم قالت:
طب أعرف عبلة ولا إيه رأيك، هي أكيد متعرفش، وطارق عمره ما هيعرفها حاجة زي دي"
نظرت «مُشيرة» أمامها ثم قالت:
لأ دي عاوزة حِسبة تانية خالص يا هدير".
____________
في داخل المطعم، قام «ياسين» بمخادعة «خديجة» حيث إستمر في أحاديثه الغريبة وهي معه بكامل تركيزها، وكان بين الحين والآخر يشير لها بأعينه حتى تتناول الطعام، كانت تفعل كما يريد وتتناول الطعام، في بادئ الأمر كانت تشعر بالتوتر، لكن خدعة «ياسين» لها أنطوت عليها وتناولت الطعام، وحينما لاحظ «ياسين» إنتهاء طعامها زفر بإرتياح ثم قال:
الحمد لله تمت المهمة بنجاح"
نظرت له بتعجب من جملته، فوجدت إبتسامة لهوٍ و تسلية على وجهه، وجهت بصرها نحو الأطباق، فجحظت عيناها للخارج وهي مندهشة حينما رآتها فارغة، تحولت نظرتها إلى الخجل بينما هو قال بنبرة حنونة:
أنا مش عاوزك تتكسفي كدا، أنا عاوزك تفرحي إنك غلبتي خوفك وعملتي حاجة من زمان خوفك منعك منها"
رفعت بصرها تنظر له ثم قالت بتوتر:
بـ...بس أنا كلت من غير ما أحس فعلًا"
أومأ لها مؤكدًا ثم قال:
ودا اللي أنا كنت عاوزه أصلًا، المهم يلا علشان نلحق اليوم قبل ما أروحك البيت"
أومأت له في هدوء وهي تشعر بالتوتر والسعادة معًا، ولكن تفكيرها إنتقل إلى نقطة أُخرى وهي كيف يحدث لها ذلك برفقته، وكيف تطمئن إلى هذه الدرجة وهي معه.
دفع «ياسين» الحساب وخرج من المطعم برفقتها، ركبا السيارة سويًا، فسألته هي بتوتر:
هو...هو إحنا يعني...هنروح فين بعد كدا؟"
إبتسم لها ثم غمز بطرف عينه وهو يقول:
بذمتك موحشكيش عصير القصب باللبن؟"
إبتسمت له ثم أماءت له إيماءة بسيطة، بينما هو شَرَعَ في القيادة، وبعد ثوانٍ وجدته، يقوم بتشغيل الموسيقى داخل السيارة نظرت له متعجبة فوجدته يقول بهدوء:
دلوقتي بقى هفتح الشباك وطلعي راسك من العربية"
نظرت له متعجبة فوجدته يومأ بتأكيد ثم قام بفتح نافذة السيارة، بعد ذلك قام برفع الصوت بينما هي نفذت ما طلبه منها، وأخرجت رأسها من السيارة كانت نسمات الهواء تداعب وجهها، وفي خلال ثوانٍ إتسعت بسمتها، ثم أخرجت كفها تلوح به في سعادة دون أن تدري ماذا تفعل، كان يراقب هو حركاتها تلك وقلبه يرقص فَرِحًا نتيجة لفرحتها البادية على ملامح وجهها، وقبل أن يصل إلى المكان المنشود قام بتغير وجهته حتى تستطع هي الإستمتاع لمزيد من الوقت، وبعد فترة من القيادة كانت هي تراقب الشوارع المتكدسة بالزحام، والبسمة تعلو وجهها، وكلما رآت مجموعة أصدقاء مع بعضهم البعض يضحكون سويًا، تمنت أن تفعل مثلهن، كان هو يراقب تَصرفاتها عن كثب، وفي النهاية أوقف السيارة عند العربات المخصصة لعمل العصائر، ثم قال بهدوء:
ننزل هنا ولا نلف تاني بالعربية اللي أنتِ عاوزاه أنا معاكِ فيه"
إبتسمت له بمجاملة ثم قالت بهدوء:
لأ ننزل هنا خلاص"
أومأ لها ونزلا سويًا من السيارة، أجلسها على المقعد بجانب العربة ثم جلس بجانبها كانت تنظر له بإهتمام وكأنها تراقبه، بينما هو نظر لها ثم قال والضحكة مرسومة على وجهه:
إيه يا ست الكل مالك بتبصيلي كدا؟"
شعرت بالإحراج ولكنها قالت بهدوء:
هو أنتَ إزاي كدا؟ أو أنتَ إيه يا ياسين، يعني لسه في زيك أصلًا؟"
فهم ما تفكر به فقال بهدوء:
أنا إزاي كدا، علشان أنا إنسان من لحم ودم ومشاعر طبيعي أحس باللي حواليا، أنا إيه بقى ..فأنا إنسان قلبه حَب بجد، في زيي ولا لأ؟ آه يا خديجة في مني كتير الدنيا زي ما فيها الوحش فيها الحلو كمان"
أومأت له في هدوء ثم قالت:
طيب وهو كل اللي قلبه بيحب بيعمل زيك كدا"
ضحك بقوة ثم قال:
كل واحد على حسب طبعه، يعني اللي طبعه حنين هتلاقي تصرفاته حنينة، واللي طبعه شديد هتلاقيه غصب عنه قلبه بيلين، الخُلاصة يعني الحب بيغير يا خديجة"
أومأت له ثم قالت وهي تبتسم:
طب و أنتَ طول عمرك قلبك حنين كدا؟"
إتسعت بسمته ثم قال:
يعني أنا طبعي الحنية، وكنت متأكد إنِ هكون رومانسي، بس في العادي مكنتش كدا"
وبنفس البسمة المرتسمة على وجهها قالت:
طب إيه اللي حصل وغيرك كدا؟"
نظر لها بحب ثم قال:
اللي حصل إنه خلاص جت اللي شغلت بالي و شقلبت حالي"
إتسعت إبتسامتها اكثر من ذي قبل، ثم أخفضت رأسها في خجلٍ، وثوانٍ وأتى «حمادة» بالعصير دون أن يطلبه منه «ياسين» ثم قال مُبتسمًا:
أنا قولت مش معقول إن أستاذ ياسين يكون هنا ويطلب حاجة غير القصب باللبن، علشان كدا جبته من غير ما حضرتك تطلبه"
إبتسم «ياسين» له ثم قال:
جدع يا حمادة، كل مرة بقى تشوفني هنا، تجهز العصير"
أومأ له الشاب ثم أشار إلى عيونه وهو يقول:
من عيوني الأتنين يا أستاذ ياسين"
رحل الشاب بينما هو سألها بذوق:
خديجة لو العصير فعلًا مش عاجبك قوليلي أجبلك حاجة تانية"
نظرت له باستغراب ثم قالت:
ليه بتقول كدا؟"
هز كتفيه ثم قال:
عادي يعني علشان لو مش عاجبك أو نفسك في حاجة تانية"
هزت رأسها نفيًا ثم قالت بهدوء:
لأ خالص والله، عجبني جدًا وكمان حبيته"
غمز لها ثم قال بخبثٍ:
يا بخته عقبال ما أتحب أنا كمان"
أمسكت العصير بسرعة كبيرة ثم أشاحت بصرها للجهة الأُخرى لكي تُخفي عنه خجلها، بينما هو ظهرت التسلية على وجهه.
___________
في بيت آلـ «رشيد» جلس «طارق» على التراث وهو ممسكًا بصورتها ينظر لها، ثم بعد ذلك رفع رأسه ينظر إلى القمر، تنهد بعمقٍ ثم تسأل:
يا ترى شكلك بقى عامل إزاي دلوقتي، وياترى فيكِ من طبع مُشيرة، ولا زي ما زينب علمتك، يارب تكوني لسه زي ما أنتِ"
أتى «وئام» وجلس بجانبه على الأريكة الموضوعة فوق التراث، لم يستطع «طارق» أن يخفي الصورة، نظر له رفيق عمره بحزن ثم ربت على كتفه وقال:
أدعي ربنا يجمعك بيها، والله هترجع وهتطلع عايشة"
نظر له «طارق» بحزن ثم قال:
والله قلبي مش راضي يصدق غير أنها موجودة، حاسس أن الوعد اللي قطعته على نفسي ليها رابطني من رقبتي"
احتضنه «وئام» ثم قال بحنو:
يبقى أمشي ورا قلبك دا، وصدقني هتكسب"
ثم بعد ذلك قرر تغير مسار الحديث بقوله:
قولي صحيح أنتَ جايب الثقة في الواد أحمد منين؟ وإزاي قادر تسلمه حاجات كبيرة زي دي؟"
تحولت نبرة «طارق» إلى الحزن ثم قال حينما تذكر الماضي:
خايف اللي حصل لـ وليد يحصل لأحمد، إحنا لو كنا ركزنا معاه كان عمره ما هيحصله كدا، ويضيع سنة من عمره في الهوا"
تفهم «وئام» حديث «طارق» فقال بهدوء:
وعلشان كدا أنا مركز مع أحمد، يعني كل واحد فينا يركز مع واحد منهم"
أومأ له «طارق» ثم قال بهدوء:
إحنا هنا كلنا واحد يا وئام، يعني مفيش حد فينا يختلف عن التاني، ودا اللي عاوز وليد وأحمد يفهموه"
قبل أن يُعقب «طارق» على حديثه وجد «وليد» يركض من «أحمد» إلى التراث بعدما صفعه بقوة على وجهه، إختبأ خلف «وئام» وهو يقول:
أنا في حمايتك يا وئام"
نفخ «طارق» وجنتيه ثم هز رأسه بيأس وهو يقول:
يا بني أنتَ وهو أكبروا بقى، عيب عليكم، وأنتَ يا وليد ما تتلم بقى ولا أقولك غور من هنا وريحنا"
نظر له «وئام» بسخرية ثم قال:
واللهِ؟ أومال فين الأحتواء و وليد وأحمد أخواتنا ونركز معاهم؟! كله كلام في الهوا"
أمسك «طارق» «وليد» من عنقه ثم قال:
يعني وحياة ربك دا واحد ينفع معاه عقل، دا واحد ينفع أعامله بهدوء؟"
أبعد «وليد» نفسه عن «طارق» ثم قال بطريقة درامية:
خلاص يا جماعة أنا فعلًا متقل عليكم، وزودتها أوي خلاص كدا، أنا هنزل أقعد مع عبلة، هي الوحيدة اللي هتستحملني"
وقبل أن يخطو خطوة واحدة من مكانه، صدح صوت «طارق» عاليًا وهو يقول:
لو رجلك خطت خطوة واحدة برة السطح، هلبسك الكفن، أقف عندك يلّا"
ولكن «وليد» قرر أن يستفزه ثم ركض في جميع أنحاء السطح وفي كل مرة يوهم «طارق» أنه سيهبط الدرجات، وبعد قليل شاركهم «أحمد» و «وئام» الركض وضحكاتهم مرتفعة في منظر محبب للقلب.
في الأسفل توقفت سيارة «ياسين» أمام البناية، كانت «خديجة» تنظر له باطمئنان، فنظر لها هو ثم إبتسم من نظرتها له وقال:
يعني أنا لو فاهم صح، دي نظرة مطمنة وفرحانة صح؟"
أومأت له في هدوء، فتنهد هو بأريحية ولكنه أمعن النظر لها فشعر أنها تود أن تسأله عن شيئًا ما فقال بهدوء:
وبرضه شكلك عاوزة تسألي عن حاجة، فياريت تسألي من غير خوف"
شعرت بالتوتر من قدرته على قراءة أفكارها، لكنها أخذت نفسًا عميقًا ثم باغتته بسؤالها:
هو أنتَ ممكن تسيبني أو تبعد عني؟"
فهم ما تفكر به، فإبتسم لها بهدوء ثم قال:
قوليلي إزاي أقدر أعمل كدا يا خديجة، إزاي وأنا قلبي بقى ملوش غيرك"
نظر لها وجد نظرتها مازالت قَلِقة، فتنهد بعمقٍ ثم قال:
أخبريني كيف أنساكِ، فَـوالله كتب على قلبي المسكين أن يقع في حبكِ سجين"
إبتسمت بإتساع أكثر ثم تنهدت بإرتياح، بينما هو تبدلت نبرته وقال بطريقة هادئة بعدما نقى حنجرته:
بصي يا خديجة الحياة دي إمتحان، وكلنا مجبورين على خوض الإمتحان دا، اللي أنا عاوزه منك إنك تكوني جاهزة وتكملي الإمتحان للأخر، حتى لو أنا مش معاكِ"
إنتابها الخوف من حديثه، فإلتفتت له تسأله بقلق:
هو أنتَ ليه بتقولي كدا،هو أنتَ ممكن متكملش معايا؟"
هز رأسه نفيًا بهدوء ثم قال بنبرة رخيمة:
لأ يا خديجة أنا عمري ما أبعد عنك بإرادتي ودا لو حصل هيكون غصب عني"
أوشكت على ذرف الدموع فقالت بنبرة مُتأثرة:
إزاي غصب عنك؟"
هز كتفيه ثم قال:
مش عارف يا خديجة، كل اللي أعرفه إن أنا مقدرش أسيبك، بس في حاجة ممكن تفرقنا ودي مش بإيدي"
نظرت له مُتعجبة فوجدته يومأ لها ثم قال:
الموت يا خديجة ،هو دا بس اللي هيفرق بيننا"
تحولت نظرتها إلى الخوف وهزت رأسها نفيًا ثم قالت:
متقولش كدا، إن شاء الله دا مش هيحصل"
بعد حديثها بكت بقوة ثم شهقت، تعجب هو من حالها فإقترب منها وأخذها بين ذراعيه، بينما هي ظلت تنتحب بشدة في حضنه، ربت هو على ظهرها بهدوء ثم قال:
مالك بس إيه اللي زعلك ووصلك لكدا ؟"
خرجت من بين ذراعيه وهي تمسح دموعها، ثم قالت:
كلامك يا ياسين، هو دا اللي زعلني، فكرة إنك تسبني دي صعبة، أنا ما صدقت أطمن مرة واحدة في حياتي"
إبتسم لها ثم قال بصوت مليء بالفرح:
بجد يا خديجة، يعني أنتِ مطمنة معايا، وخايفة أنِ أسيبك"
أومأت له في خجلٍ، بينما هو أخذها بين ذراعيه مرة أخرى من فرحته ثم قال:
وأنا مش عاوز حاجة تانية غير دي والله، وربنا يقدرني وأفضل دايمًا مطمنك كدا"
أومأت داخل حضنه بهدوء، وبعد ثوانٍ إنتبهت لوضعهما سويًا، فخرجت من بين ذراعيه بسرعة كبيرة، بينما هو تنحنح في حرجٍ ثم قال:
طب يالا أركبك الأسانسير، علشان الحق أرجع أنا بقى"
أومأت له في هدوء ثم مسحت دموعها، نزل هو من السيارة ثم تبعته هي، وقف أمام المصعد ثم قال بهدوء:
أنا مش هعرف أطلع النهاردة، بس هبقى أكلمك،ماشي؟"
إبتسمت له ثم قالت بهدوء:
حاضر"
وصل المصعد وقبل أن تدلفه،عادت تقف بقربٍ منه وهي تقول في هدوء:
ممكن أقولك على حاجة؟"
أومأ لها مُتعجبًا، بينما هي قالت بنبرة مهتزة:
أنا النهاردة تاني أحلى يوم في حياتي"
نظر لها مُستفسرًا ثم قال:
وإيه هو أول يوم حلو؟"
أخفضت رأسها ثم قالت بخجلٍ:
يوم ما إتقابلنا بعد كتب كتابنا، يوم ما أعترفتلي بِحُبك"
أمسك وجهها بين كفيه ثم قال بنبرة حنونة:
ربنا يقدرني وأخلي كل أيامك حلوة"
ثم طبع قبلة بسيطة على جبهتها، بينما هي تعالت دقات قلبها من فرط تلك المشاعر والأجواء المتوترة ،إبتعد عنها ثم قال:
طب يالا أطلعي، وأنا هكلمك"
صعدت إلى شقتها بينما هو ركب سيارته، ثم شَرَعَ في القيادة، دخلت «خديجة» الشقة والبسمة تعلو ملامح وجهها، ألقت التحية على الجميع ثم دخلت غرفتها جلست على الفراش ثوانٍ معدودة، ثم وقفت تدور حول نفسها بسعادة وكأنها طفلة صغيرة ترقص فرحًا تحت الأمطار، بينما هو قام بمهاتفتها قبل أن يصل إلى شقة «ميمي» توقفت عن الدوران عندما تهادى إلى مسامعها صوت هاتفها، أمسكت الهاتف وهي تشعر أن قلبها أوشك على الوقوف من سرعة نبضاته، قامت بفتح المكالمة، بينما هو كل ما وصله منها فقط صوت تنفسها العالي، فقال بخبثٍ:
إيه يا خديجة أنتِ شكلك كدا كنتِ بتتنططي من الفرح صح؟"
إتسعت حدقتيها بدهشة حينما قام بتخمين ما كانت تفعله، بينما هو لاحظ صمتها فقال بضحكة واسعة:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
حمحمت بإحراج ثم قالت:
لأ..لأ عادي يعني كنت بدور على حاجة مهمة بس"
تحولت نبرته ثم قال:
مع أني مش مقتنع، بس ماشي يا خديجة، المهم عاوزة حاجة؟"
هزت رأسها ثم قالت بهدوء:
عاوزة سلامتك"
إبتسم على جملتها، ثم قال:
وأنا سلامتي في إنك تكوني فرحانة وبخير"
أغلق «ياسين» المكالمة مع «خديجة» ثم صعد إلى شقة «ميمي» وجد الشباب في إنتظاره، دخل وألقى التحية على الجميع بوجهٍ بشوش إثر حديثها له، جلس بجانب «ميمي» فقالت له بحنو:
تشرب إيه؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
لأ شاي إيه بصراحة أنا جعان"
نظر له الجميع بدهشة بينما تحدث «خالد» قائلًا:
هو الواد عامر جابلك عدوى ولا إيه"
وقبل أن يُجيب «ياسين» تدخل «عامر» مُعقبًا:
ما أنا قاعد في حالي، مالكم ومالي يا جماعة"
رفع «ياسين» كفه ثم قال:
لامؤاخذة يا عامر، عندي دي"
فسألت «ميمي» «ياسين» قائلة:
جعان فعلًا يا حبيبي؟"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
آه والله جعان وعاوز آكل"
تحدث «ياسر» قائلًا:
ياسين مبيجوعش كدا غير لو كان مبسوط، صح؟"
إبتسم «ياسين» بسعادة بالغة ثم قال:
الله ينور عليك يا دكتور ياسر، بالظبط أنا فرحان"
تدخل «خالد» قائلًا:
طب يا سيدي ربنا يفرح قلبك دايمًا، المهم إحنا عملنا سمك مقلي و مشوي، هتلاقي جوه سمكتين واحدة مقلية، والتانية مشوية"
أومأ «ياسين» في هدوء ثم دخل المطبخ، بينما «عامر» توتر ثم تصنع الإنشغال في هاتفه، كان «خالد» يراقبه، ثم وكز «ياسر» وقال بعد ذلك:
أنتَ هببت إيه يا عامر؟"
هز «عامر» كتفيه ثم قال وهو يتصنع الثبات:
وأنا هعمل إيه يعني، معملتش حاجة"
وقبل أن يُعقب «خالد»، خرج «ياسين» من المطبخ مُتزمرًا ثم قال:
أنتَ بتشتغلني يا خالد، لقيت سمكاية واحدة مقلية ومفيش مشوي"
رفع «خالد» أحد حاجبيه وهو يوجه بصره نحو «عامر»، بينما «ميمي» و «ياسر» إتسعت ضحكاتهما، تحت نظرات التعجب من «ياسين» الذي قال:
ما تفهموني في إيه يا جماعة؟"
حرك «خالد» رأسه نحو «ياسين» ثم قال:
لأ عادي، دا عامر كان بيختبر الأكل"
وضع «ياسين» الطعام على الطاولة ثم قال:
ليه يا عامر يا حبيبي؟ أنتَ علطول مخلص على الأخضر واليابس كدا؟"
هز «عامر» كتفيه بلامبالاة ثم قال:
أنا هفهمك أنا روحت وصلت سارة رجعت جعان، ملقتش غير أكل أخويا أعمل إيه يعني؟"
رد عليه«ياسر»:
يابني جايب نفس منين، دا إحنا كلنا مش هناكل غير بكرة"
رد عليه «عامر» بضجرٍ:
الله، في إيه يا ياسر، عندي سوء تغذية"
رد عليه «ياسين»:
لأ يا حبيبي وأنتَ الصادق دي سوء تربية"
أومأ له «عامر» ثم قال بهدوء:
بص مش هجادل معاك كتير أنا فعلًا متربتش"
وافقه الجميع في الحديث حتى «ميمي»، وبعدما تناول «ياسين» الطعام، ادخل الصحون ثم قام بغسلها و قام بعمل الشاي له و للجميع، جلس بجانبهم يحتسي الشاي، فسألته «ميمي»:
قولي بقى إيه اللي مفرحك أوي كدا"
هز كتفيه ثم قال:
عادي يعني، كنت خارج مع مراتي واتكلمنا سوا، طبيعي أرجع فرحان"
نظر الجميع له، بينما تحدث «عامر» بخبثٍ:
بس اللهم صلِ على النبي، حالك إتشقلب، يا جدع دا أنتَ وشك منور كأنك بتخرج مع لمبة"
ضحك الجميع على حديث «عامر» بينما «ياسين» نظر له بضيق ثم قال:
مفيش مرة أتكلم برومانسية ويسيبني أكمل، يأخي أرحم أمي"
ضحكوا جميعًا على منظره الحانق، بينما سأله «ياسر»:
المهم إنك فرحان، مش مهم بقى إيه الأسباب"
أومأ له «ياسين» ثم قال:
أنا بس سؤالي إزاي القلب الساكن بعد ظهورها هي دَق"
إبتسم الجميع، فتدخل «خالد» قائلًا:
ولا إزاي القلب القاسي ليها رَق"
أتى دور «ياسر» فقال:
ولا لما تزعل منك، تحسي إن الدنيا ماشية معاك بالزَق"
فكان «عامر» أخر من تحدث حينما قال:
كله كوم وضحكتها كوم تاني، تحسسك إن الدنيا كلها معاك على حَق"
نظروا جميعًا إلى بعضهم البعض، ثم إنفجروا في الضحك بعد ذلك، بينما «ميمي» تحدثت بسخرية قائلة:
يا فرحتي بيكم، وعلى اللي الحب عملوا فيكم"
ثم بعد ذلك تحولت نبرتها إلى الحنان وهي تقول:
بس عارفين أنا فرحانة ليكم أوي، علطول كنت بحس فرحتي بعامر و خالد ناقصة علشان ياسين و ياسر، لحد ما ياسر كتب كتابه على إيمان، وبعدها ياسين، ساعتها كدا فرحتي كملت إن كل واحد فيكم بقى مع نصه التاني"
أومأ لها الجميع في هدوء والبسمة تُزين وجوههم جميعًا وكلًا منهم يتذكر شريكة عمره .
_____________
داخل غرفة نوم «طه» كان جالسًا وهو يفكر في تغير حال إبنته الذي أصبح ملحوظًا للجميع، إقتربت منه «زينب» ثم جلست على الفراش وهي تقول:
شوفتها كانت داخلة فرحانة إزاي ؟ أنا قلبي كان بيرقص وأنا شايفاها فرحانة كدا يا طه"
نظر لها بحزن ثم قال:
وأنا قلبي وجعني يا زينب، بنتي ومش قادر أكون سبب فرحتها، ويجي الغريب هو اللي يكون سبب في فرحتها كدا، أنا لو عليا دلوقتي عاوز أروح أبوس راسها، بس هي هترضى؟"
نفخت وجنتيها بضيق منه ثم قالت:
عارف مشكلتك إيه يا طه؟ إنك ضعيف، يعني مش بتقدر تاخد قرار، عاوز بنتك في حضنك وأنتَ مبتاخدش أي خطوة لدا، وعاوزها تكون فرحانة علشان تنسى اللي حصلها زمان، وفي نفس الوقت صعبان عليك إن الفرحة دي سببها حد تاني غيرك ، أنتَ كدا أناني يا طه"
قالت حديثه ثم إعتدلت وأخذت وضع النوم، بينما هو كان يفكر في حديث زوجته، فهو غير قادر على تكذيبها ، فكل ما قالته عنه صحيح، لكن شخصيته أضعف من إنه يعترف بذلك.
_______________
بعد مرور عدة أيام أتى يوم الجلسة التالية لـ «خديجة» بعدما هاتفته الطبيبة، وأخبرته بموعد الجلسة، بعدما أنهى «ياسين» وقف أسفل البناية التي تقطن بها، نزلت هي له وهي مبتسمة، نظر لها مُتعجبًا ثم قال:
يارب تكون الضحكة الحلوة دي علشان شوفتيني"
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
بصراحة آه من غير كدب يعني"
فتح لها باب السيارة ثم قال بنبرة خالية:
طب أدخلي يالا يا ست الكل"
تعجبت منه ولكنها دخلت السيارة، فعل هو المثل وركب سيارته، شَرَعَ في القيادة دون أن يتفوه بِـحرفًا، نظرت هي له بتعجب ثم قالت:
هو أنا زعلتك طيب، إيه اللي حصل؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال وهو يضحك بقوة:
بصراحة إتفاجأت وفرحت اللي هو لقد هُرمنا يا ست خديجة"
إبتسمت بخجل ثم قالت:
يعني حاجة من اللي عليا"
ضحك على حديثها ثم قال بسخرية:
حاجة من اللي عليكِ؟! هي جمعية بنردها لبعض يا خديجة، أنا مش عاوزك تعملي حاجة ليا علشان تكون مقابل ليا، لو هتعملي الحاجة علشان طالعة من قلبك يبقى دا اللي يفرحني"
أوقف السيارة أسفل العيادة، بينما هي كان حديثه يدور برأسها، أشار لها مُبتسمًا لكي تنزل من السيارة، نزلت هي وهو يسبقها، حينما ذكرت الموظفة إسمها لكي تدخل، أمسك هو كفها وحينما أمسك مقبض الباب لكي يفتحه، مالت هي على أذنه ثم قالت:
على فكرة بقى أنا فعلًا ضحكت لما شوفتك علشان دي حاجة فعلًا بتفرحني"
نظر لها مُتعجبًا والبسمة تعلو ملامح وجهه رويدًا رويدًا، ثم بعد ذلك دخلا سويًا إلى الطبيبة التي رسمت بسمة هادئة على وجهها حينما رآتهما سويًا، ثم قالت:
أتمنى يكون في تطور ملحوظ إن شاء الله"
إبتسمت«خديجة» بتوتر، بينما «ياسين» قال بهدوء:
الصراحة التطور باين وملحوظ جدًا، حتى أنا وهي أكلنا في مطعم المرة اللي فاتت"
سألتها الطبيبة مُستفسرة:
دا بجد يا خديجة فعلًا؟"
أومأت «خديجة» في هدوء وهي تبتسم ثم قالت:
أنا كمان حاسة إن نظرتي أختلفت في حاجات كتير، أو الخوف مبقاش بنفس النسبة"
أومأت الطبيبة ثم قالت:
دا طبيعي طول ما أنتِ بتنفذي اللي بطلبه منك، المهم لسه مستمرة على كتابة السلبيات والإيجابيات وبتقطعي السلبيات ؟"
أومأت «خديجة» في هدوء، بينما الطبيبة نظرت إلى «ياسين» ثم قالت:
أستأذن حضرتك يا أستاذ ياسين تنتظرها برة؟"
أومأ «ياسين» في هدوء ثم خرج من الغرفة، بينما الطبية نظرت لها تسألها في هدوء:
قوليلي يا خديجة، كنتِ حاسة بإيه وأنتِ جاية النهاردة؟"
تنهدت براحة ثم قالت:
مش عارفة بس كنت حاسة إنِ متحمسة أو الخوف أقل من قبل كدا، بس مش عارفه السبب"
إبتسمت الطبيبة في تفهم ثم قالت:
دا طبيعي يا خديجة، علشان أنتِ واجهتي خوفك مرتين ورا بعض، وخلاص المكان بالنسبة لكِ رهبته مش موجودة، زي بالظبط لما كلتي في المطعم صح؟"
أومأت «خديجة» في هدوء ثم قالت:
بالظبط، الخوف في الأول كان موجود بس بعد كدا حاسة إنه بيقل"
أتفقت معها الطبيبة ثم قالت:
الرُهاب الإجتماعي يا خديجة عامل بالظبط زي اللي واقف بين بابين واحد بيولع والتاني في مطر، هو واقف عند النار وخايف يروح للمطر علشان ميغرقش، بس لو حسبناها هنلاقي إن المطر أرحم من النار، بمجرد بقى ما يعدي ناحية المطر يفرح ويلاقي نفسه عارف يتصرف، هو دا بالظبط إحساسك الرهبة الأولى، بس أنتِ خلاص كدا عقلك الباطن دلوقتي يقدر يميز بين الأتنين"
أومأت لها «خديجة» ثم قالت:
طب ولو أنا مش قادرة؟"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
لأ يا خديجة أنتِ لو حطيتي في دماغك إنك مش هتقدري يبقى فعلًا مش هتقدري، المهم عاوزين نزود التجمعات والخروجات أكتر، ويفضل لو متقعديش في أوضتك لوحدك كتير، لأن دا بيسبب آثار مضادة لتطورات شخصيتك"
أومأت لها «خديجة» ثم بعد ذلك خرجت إلى «ياسين» الذي تعجب وقال:
خلاص كدا النهاردة؟"
أومأت له في هدوء فأضاف هو قائلًا:
واضح كدا إنك شاطرة أوي وبتنفذي كلامها بالظبط"
أتسعت بسمتها ثم قالت:
دا علشان أنتَ بتساعدني بس"
نظر لها مُتعجبًا ثم قال:
لأ والله أنا مش هقدر على كدا".
نزلا من العيادة سويًا وركبا السيارة، وبعد فترة من القيادة أوقف السيارة أسفل منزل «ميمي» فنظرت له مُتعجبة، بينما هو قال:
في حد هنا عاوز يشوفك من أول يوم أنا شوفتك فيه"
سألته مُستفسرة بتوتر:
حد مين دا؟"
نزل من السيارة ثم أنزلها بعده برفق، إحتل الخوف معالم وجهها بينما هو قال بهدوء:
أنا مفيش حاجه ممكن تزعلني غير إني أشوف نظرة الخوف في عينيكِ، خليكِ واثقة فيا يا خديجة"
أومأت له في توتر ولم تستطع أن تجيبه وكأن صوتها هَرِب منها، صعدت معه ولكنها تعجبت حينما رآته يأخذ المفتاح ويقوم بفتح الباب، دخل هو قبلها وتركها أمام الباب، كانت مُتعجبة من أفعاله، لكن التعجب زاد حينما رآته يبتسم بإتساع وهو يقول:
تعالي حظك حلو إنها مش نايمة دي فرحانة إنها شافتك"
لم يمهلها فرصة للتفكير، بل أخذها بسرعة كبيرة إلى الداخل ثم أغلق الباب بعد ذلك، دخلت معه إلى الشرفة وإتسعت حدقتيها حينما رآت إمرأة عجوز، تجلس على مقعد مُتحرك وهي تبتسم بإتساع ثم قالت:
البيت نور بوجود الغالية مرات الغالي"
________________
في بيت «حسان» كانت «جميلة» جالسة في ردهة البيت الواسعة تشاهد التلفاز وهي منتظرة أبيها حتى يعود من عمله، وماهي إلا ثوانٍ و وجدت والدها يدلف البيت، ألقى التحية عليها بهدوء ثم قال:
أنا عاوزك تقوليلي بقى هنروح القاهرة نعمل إيه؟"
إلتفتت له بسرعة كبيرة ثم قالت بفرحة عارمة:
بجد يعني أنتَ مستعد إنك تسمعني خلاص؟"
أومأ لها ثم قال:
آه بس لو العرض مش مقنع يبقى خلاص أنسي"
قفذت بسعادة ثم قالت:
لأ والله أنا دارسة الموضوع كويس، بص صاحبتي خالها فتح مول في القاهرة وفيه محلات كتير أوي، بس مفيش هناك محل ملابس شرعية، إحنا بقى نقدر نروح نأجر محل وهي هتكلمه علشان هي خطيبة إبنه، يعني هيكون مهاود معانا وكمان نقدر نأجر شقة هناك، وأنا هشتغل بشهادتي مُدرسة هناك"
نظر لها بتمعن ثم قال:
طب وشغلنا هنا أعمل فيه إيه؟"
إبتسمت بإتساع ثم قالت:
دي مش هتفوتني برضه، زي ما هما تيتة نوال وبنتها يمسكوا المحل والمخزن، وإحنا نبقى كل فترة نتابع معاهم، علشان خاطري وافق"
ظل يفكر لمدة ثوانٍ ثم حمحم بإحراج وقال:
طب يا جميلة كلمي صاحبتك دي وخليها تديني رقم خالها"
أرتمت داخل أحضانه بسعادة بالغة وهي تقول:
أنا بحبك أوي والله، شكرًا شكرًا شكرًا"
شدد هو عناقه لها ثم قال:
أنا معنديش أعز منك يا جميلة علشان أتمنى أشوف فرحتك"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الثامن والعشرون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الثامن والعشرون"
____________
ليتها ترىٰ نفسها بعيني لِتُدرك كَم أحبها"
____________
تلك القلوب التي أنهكتها الحياة، أصبحت تشبه دُمية ملقاه في المياه، حتى يأتي مَن ينتشلك ويكون لك طوق النجاة
وقفت «خديجة» مشدوهة مما رآته عيناها، فهي لم تتصور ولو بأحلامها أن تقابل ما قابلته اليوم، حيث وجدت «ميمي» تفتح ذراعيها على وسعيهما وهي تقول:
البيت نور بوجود الغالية مرات الغالي"
وجهت بصرها نحو «ياسين» الذي كان واقفًا بجانب مقعد «ميمي»، حينما نظرت له أومأ لها مُشجعًا، فذهبت بتوتر إلى «ميمي» التي أخذتها في أحضانها بقوة، بينما «خديجة» اتسعت مقلتيها مُتعجبة من ردة فعل «ميمي» ، ضحك «ياسين» ثم قال:
براحة على البت، لسه متعرفش أنتِ مين ومخضوضة يا ميمي"
أخرجتها «ميمي» من بين ذراعيها ثم ربتت على وجنتيها وهي تقول بصوتٍ متأثر:
غصب عني مقدرتش أمسك نفسي وأنا شايفة مراتك قصاد عيني، أنا كنت بتمنى اليوم دا من زمان"
إبتسمت «خديجة» بتوتر ثم نظرت له، كانت نظرتها مُتسائلة، فحمحم هو ثم قال:
أنا هدخل أجيب مياه و حاجة نشربها، وهفهمك كل حاجة"
تركهن «ياسين» بمفردهن، بينما «ميمي» أمسكت كفها وأجلستها بجانبها ثم قالت:
تعالي يا نور عيني، دا أنا كنت قربت أحلم بِكِ من كتر ما ياسين كلمني عنك"
أومأت لها في توتر ملحوظ خاصةً أنها لا تعلم مدى قرابتها من «ياسين»، كانت تفرك كفيها كعادتها أثناء توترها، وبدا التعرق واضحًا على جبينها، مُصاحبًا لكل ذلك آلام في معدتها من إثر التوتر، كانت «ميمي» على علم مسبق بحالتها، لكنها شعرت بالحزن لأجلها حينما رآت حالتها تلك، لذلك مدت كفيها وأحتضنت كف «خديجة»، ثم ربتت عليه بحنو وهي تقول:
أنا مش عاوزاكِ تخافي مني، أنتِ عندي في غلاوة ياسين بالظبط، أوعي تحسي إنك متوترة أو قلقانة وأنتِ معايا"
نظرت لها ومازال التوتر باديًا على ملامح وجهها، ولكنها أومأت بهدوء، خرج «ياسين» ثم حمحم وقال بعد ذلك:
عملتلك معانا شاي بالنعناع، ولو عاوزة أي حاجة تانية قوليلي أجبهالك"
إبتسمت بتوتر ولكنها لم تستطع أن تجيبه، فقد فر صوتها منها وكأنها أصبحت بلا لسان، بينما «ياسين» جلس على المقعد المقابل لها ثم قال مُبتسمًا:
أنا أسف على المفاجأة الغريبة دي، بس بصراحة ميمي مكانتش هتتحمل أكتر من كدا من غير ما تشوفك"
نظرت «خديجة» لـ «ميمي» فوجدتها تضحك بإتساع، بينما «ياسين» رسم الجدية على ملامح وجهه ثم قال:
كل الأسئلة اللي بتفكري فيها ميمي هتجاوبك عليها حالًا"
ربتت «ميمي» على ذراعها بهدوء ثم قالت:
قوليلي عاوزة تعرفي إيه بالظبط؟"
لم تُجيبها هي، بل تدخل هو قائلًا:
لأ أحكيلها كل حاجة من الأول، من أول مرة عرفناكِ فيها"
تنهدت «ميمي» بقوة و إبتسمت بحزن ثم قالت وكأن الماضي يدور أمام عينيها:
أنا ياستي مفيدة عصمت ممتاز، زي ما أنتِ شايفة كدا ست مُسنة كنت عايشة لوحدي، جوزي الله يرحمه سابني بدري ومات معايا ولدين، كان سايب بيت بإسمهم وقالي علشان يقدروا يعيشوا من بعده، المهم ولادي طمعوا وباعوا البيت علشان يسافروا ويظبطوا نفسهم، وسط كل دا بقى نسيوا أمهم، فضلت أحارب فيهم علشان البيت بس لا حياةً لمن تنادي، كانوا الاتنين في السن القانوني يعني مقدرش أعمل حاجة معاهم، وباعوا البيت وسافروا، بس الشهادة لله طلعوا فيهم حتة حنينة وأجرولي الشقة دي ودفعوا شهور مُقدم، لحد ما جه اليوم اللي صاحب البيت كان عاوز يطردني من الشقة دا كان يوم السعد في حياتي يوم ما دخل حياتي الأربع ولاد"
كان «ياسين» ينظر لها بحزن، وكذلك «خديجة» أيضًا التي نست ما تشعر به وإندمجت في حديث «مُشيرة» بكامل قوى تركيزها
(منذ عدة سنوات)
كانت «ميمي» تبكي بحرقة، وبجانبها «لُطفي» صاحب البيت وهو يقول بصوتٍ عالٍ:
خُلاصة القول يا ست مُفيدة، الإيجار اللي عيالك دفعوه خلاص وقته خلص، أنا أعمل إيه بقى؟ ماهو أنا مش فاتحها جمعية خيرية، أنا ورايا كوم لحم"
إقتربت منه وهي تقول بصوتٍ مختنق من أثر البكاء:
والله هتصرف بس أنا معرفش حد والله حتى أختي مسافرة مع جوزها مش عارفة أوصلها، سبلي فرصة أحب على راسك"
نظر لها بوجهٍ متهجم ثم قال:
لأ معطلكيش بقى يا ست مفيدة، دا أخر يوم لكِ هنا، والحمد لله إنك من غير عفش ولا حاجة، تاخدي هدومك وبرة البيت"
خطى خطوات قليلة ثم عاد إليها وهو يقول بصوتٍ مليءٌ بالقوة:
أنا هروح أصلي العصر وأرجع ألاقيكِ برة البيت"
جلست تبكي أمام عتبة الشقة، وهي تضع كفيها على رأسها وتفكر في حل لتلك المعضلة التي وقعت بها دون إرادة منها، وبعد ما يقرب النصف ساعة عاد «لُطفي» ومعه زوجته وأخته، وحينما رآها على وضعها ذلك، أمرهن بصوتٍ متعالٍ:
برضه لسه موجودة؟ أمسكوها ونزلوها يا عايدة يالا و واحدة منكم ترجع تلملها هدومها"
وبالفعل قاما الأثنتين بمسك دراعها رغمًا عنها وهي تبكي بِحرقة، وألقوها خارج المنزل بقوة، في نفس الوقت نزل الأربعة شباب من البيت المجاور لمنزل «ميمي» حيث كانوا يأخذون درسًا خصوصيًا في ذلك البيت، نزل الأربعةِ وهم يتسابقون لنزول الدرجات، وجدوا الناس مجتمعون بجانب إمرأة تبكي وفجأة نزلت فتاة في العقد الثالث من عمرها وألقت بملابسها في وجهها دون رحمة منها، كانت النظرات جميعها مُشفقة عليها، نظر الصبية إلى بعضهم البعض ،ولكن أول من إقترب منها كان «ياسين» جثى على ركبتيه أمامها ثم مد كفه ومسح دموعها، نزل «لطفي» وهو يمسح كفيه ببعضهما البعض وقال بغلاظة:
كدا خلاص هدومك معاكِ، وملكيش حاجة هنا الناس بكرة هتيجي تاخد الشقة تتصرفي وتشوفي مكان تاني يلمك"
وفور إنتهاء جملته وجد «خالد» يمسكه من تلابيبه، على الرغم من إنه كان في الخامسة عشر من عمره إلا أنه كان صارمًا بشدة، ثم صاح به بصوتٍ عالٍ:
يا راجل يا زبالة بتطرد ست من البيت وترميها في الشارع علشان فلوس ؟ دا بدل ما تساعدها، ولا حتى تصبر عليها لحد ما ربك يفرجها"
أنزل «لطفي» كفي «خالد» من ملابسه ثم قال:
يالا من هنا يلا أنتَ، هو أنا موظف شئون إجتماعية يا اخويا، ما اصرف عليها بالمرة، خلاص الايجار وقته خلص، تتصرف وتدفع الشهرين اللي عليها، وتدفع شهر مُقدم وأنا هسيبها تقعد في الشقة، غير كدا معطلش حد فيكم"
وقف «عامر» بجانب «خالد»، بينما «ياسر» و «ياسين» كلًا منهما يُربت على كتف «ميمي» و يمسحا دموعها، نطق «عامر» بقوة قائلًا:
الخُلاصة يعني الفلوس دي كام؟"
شعر «لُطفي» بإنه على وشك الفوز وهو يحتال الصبية الصغار فقال:
٨٠ جنيه الـ ٣ شهور"
صرخت «ميمي» قائلة:
يا ضلالي الـ ٣ شهور بـ ٦٠ جنيه بس"
نظر لها «لُطفي» بغضب وهو يقول:
ومش فيه كهربا و مياه ولا دول لله كدا؟"
نظر الصبية إلى بعضهم البعض، وكلًا منهم يفهم تلك النظرة، فتحدث «ياسين» قائلًا:
بعد المغرب هتبقى الفلوس عندك، وزيادة كمان بس بشرط، تدخلها الشقة تاني"
رفع «لُطفي» حاجبه ينظر لـ «ياسين» وهو يفكر في حديثه ثم قال:
ولو محصلش والفلوس جت النهاردة، عارفين هعمل فيكم وفيها إيه؟"
تحدث «خالد» بنفس النبرة الصارمة:
إحنا مش عيال صغيرة قُدامك، الفلوس هتجيلك النهاردة وزي ما قال بزيادة، بس تدخلها الشقة، ومحدش يتعرض لها"
أومأ «لُطفي» ثم قال بطريقة مُستفزة:
وماله، محدش قال إنكم عيال، أنتم رجالة كبار كمان، بس لو العشا أذنت ومحدش فيكم جه، يبقى قولوا على نفسكم يا رحمن يا رحيم"
أوقفها «ياسر» و «عامر» معًا، بينما «ياسين» و «خالد» وقفا يتحدثا مع بعضهما، بعد ذلك قام الأربعة شباب بتدخيلها شقتها، كانت «ميمي» تسير معهم كالمُغيبة، بعد ذلك تحدث «خالد» قائلًا:
بصي يا حجة إحنا دلوقتي هنروح نتصرف ونرجع تاني، وهنسيب معاكِ عامر دا علشان لو الراجل دا رجع تاني"
وقف «عامر» بحنق وهو يقول:
وليه أنا ماجيش معاكم؟ ما تقعد أنتَ ولا أي حد فيكم"
تدخل «ياسين» قائلًا:
علشان لو هو رجع لازم يكون في حد معاها، وأنا مش هعرف أتصرف لوحدي، و ياسر زيي برضه، وخالد لازم يجي معانا علشان نتصرف ولو خالد فِضل هنا ممكن يضرب الراجل دا لو دخل هنا"
أومأ «عامر» في هدوء ثم قال:
خلاص ماشي، بس لو جه وأنا جبتله شلل محدش يحاسبني"
ضحكوا جميعًا بينما «ياسين» ربت على كتفه ثم قال:
لو عملت كدا تبقى خدمتنا خدمة العمر"
نزلوا الشباب عدا «عامر» الذي جلس ينظر لـ «ميمي» التي كانت شاردة ولم تتفوه بـِحرفًا واحدًا، وكأنها في عالم آخر، حمحم «عامر» ثم قال:
إزيك يا طنط عاملة إيه؟"
وجهت أعينها المنتفخة من البكاء نحوه ثم أومأت له في هدوء ، تنحنح هو ثم قال:
أنا عامر فهمي، الصايع الرابع بتاع العيال اللي كانوا هنا"
نظرت له دون أن تتفوه، بينما هو جذب المقعد وجلس أمامها ثم قال:
بصي أنا مش عارف إيه القصة، بس لو الراجل دا جه هنا هتشوفي أعملك فيه إيه"
أمعن النظر لها فوجد وجهها شاحبًا من قلة الطعام، فأخرج من حقيبة ظهره الذي يرتديها في الدروس طعامًا، حمحم قبل أن يقول لها:
شكلك كدا مكالتيش حاجة، بصي أنا كنت عامل سندوتشات ليا و لصحابي يالا ناكلهم سوا"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بهدوء:
شكرًا يا حبيبي مش عاوزة حاجة"
حرك رأسه وهو يبتسم ثم قال:
لأ والله ما يحصل أبدًا، لازم تاكلي علشان تساعديني، ماهو أنا مش هعمل كل حاجة لوحدي"
تعجبت من حديثه فسألته مستسفرة:
أساعدك إزاي يعني؟"
غمز لها ثم قال بمرحٍ:
علشان لو عم لُطفي دا جه نعرف نجبله جلطة مع بعض"
إبتسمت على حديثه ثم قالت بغلبٍ:
شكلك غلباوي يا واد أنتَ"
إبتسم بفخرٍ ثم قال:
لأ دا أنا أعجبك أوي، يالا بقى كُلي معايا"
أومأت له في هدوء ثم أخذت الطعام من كفه الممدود لها
في منزل «ياسين» كان جالسًا برفقة أصدقائه أمام والدته و والده، وقص عليهما ما حدث، نظر لهم «رياض» ثم قال:
طب وأنتم هتعملوا إيه يعني؟"
رد عليه «خالد» قائلًا:
هنساعدها يا عمو علشان حرام تترمي في الشارع، عم لطفي دا راجل صعب أنا عارفه من أيام أبويا الله يرحمه"
أومأ لهم «رياض» ثم نظر لزوجته وجدها تومأ له، فقام وجلب المال وأعطاه لهم، ثم قال:
أنا هاجي معاكم، ونروح لفهمي علشان فهمي عارفه"
وبالفعل ذهب الشباب مع «رياض» لمحل والد «عامر» أعطاهم «فهمي» جزء من المال ثم قال لـ «رياض»:
أنا هسيبهم هما يروحوا النهاردة، عارف ليه علشان ميفتكرش إنهم عيال، وبكرة أنا هكلمه وأخليه يتلم، وبعد كدا يبقى أنا وأنت يا رياض ندفع الإيجار"
وقف «الشباب» أمام المسجد قبل صلاة المغرب، وبعد ثوانٍ اتى «لُطفي» إبتسم لهم بسخرية ثم قال:
إيه بتحمعوا الصدقة ولا إيه؟ قولتلكم مش هتعرفوا تتصرفوا؟"
ضحك الشباب على حديثه بسخرية، فقام «ياسين» بإمساك كفه ووضع به «١٠٠» جنيه ثم قال:
فلوسك أهيه و بزيادة، لو حد قربلها أو زعلها، هتبقى أنتَ اللي أخترت"
أخذ «لطفي» الأموال من يد «ياسين» ثم قال بنبرة طامعة:
هاه؟ وماله لأ طلعتوا رجالة و جيتوا قبل المعاد"
وقبل أن يدلف داخل المسجد أوقفه «خالد» وهو يقول بذكاء:
أستنى بس ، نخرج من الصلاة نلاقي وصل بإننا دفعنا، وجهز نفسك كل شهر هناخد منك وصل"
نظر له «لُطفي» بتعجب ثم قال بنبرة مُتعجبة:
لأ وكمان ناصحين! ماشي ياخويا نخلص الصلاة وهسلمك الوصل"
تركهم و دخل المسجد بينما «ياسين» و «ياسر» نظرا لـ «خالد» بتعجب، ضحك هو وقال بفخر:
هفهمكم الوصل دا لإيه؟ إحنا مأجرين شقق للناس في بيتنا، وهما لما بيدفعوا أمي بتديهم وصل بالدفع، علشان يبقى إثبات"
نظرا له صديقيه بفخر فتحدث «ياسر» قائلًا:
يابن اللعيبة يا خالد جدع ياض"
تدخل «ياسين» قائلًا:
المهم دلوقتي متبقي معانا ١٠ جنيه، نعمل بيها إيه؟"
أجابه «خالد» ببساطة:
نرجعها لأبوك ولعم فهمي، دي فلوسهم"
رد عليه «ياسين» بسرعة وكأنه وجد الفكرة:
أنا بقول طالما الفلوس دي ليها، يبقى نجيب حاجات ليها في البيت يعني أكل وحاجات شكلها معهاش حاجة خالص"
وافقه «ياسر» ثم اضاف:
وأنا هروح أجيب حاجات من المحل عندنا وأنتم كملوا"
وبعد قليل وصل الشباب إلى شقة «ميمي» بعدما أخذوا الإيصال من «لطفي» وهم يحملون في أيديهم طعام ومشتريات للبيت، نظرت لهم متعجبة، وأول من أقترب منها كان «ياسين» الذي قال:
الحمد لله المشكلة اتحلت متقلقيش، محدش هيقدر يجي جنبك"
نظرت لهم متعجبة ثم قالت:
إزاي، انتم عملتوا إيه؟"
تحدث «عامر» بثقة:
مش قولتلك دول صحابي، يعني محدش يقدر علينا"
جلس «خالد» بجانب «ياسين» ثم قال:
الوصل أهو يثبت حقك، ودي حاجات علشانك، ولو عوزتي حاجة قوليلنا يا...هو إسمك إيه صحيح؟"
ادمعت أعينها ، ولكنها تحدثت بصوتٍ جاهدت حتى يكون طبيعيًا:
إسمي مفيدة"
أومأ لها الجميع، بينما «ياسين» تحدث بسرعة كبيرة وهو يقول:
ميمي، إحنا نقولك يا ميمي إيه رأيك؟"
أعجب الجميع بالإسم، بينما هي إبتسمت ثم قالت:
حلو ميمي دا"
نظر لهم «خالد» حتى يرحلوا فوقفوا جميعًا، بينما هي تحدثت بخوف قائلة:
هو أنتم هتروحوا فين؟"
إقترب منها «ياسر» وقال بحنو:
إحنا كنا في درس هنا، وهنروح نذاكر"
أدمعت أعينها للمرة الثانية ثم قالت:
طب هشوفكم تاني طيب؟"
نظروا جميعًا إلى بعضهم البعض، فتحدث «عامر» بمشاكسة قائلًا:
وإحنا نقدر نسيبك يا عسل أنتِ، هنرجعلك تاني"
إبتسمت هي بينما «ياسين» جثى على ركبتيه أمامها ثم قال بحنوٍ بالغ:
مش هنسيبك يا ميمي، هنرجعلك مرة تانية"
(عودة إلى الوقت الحالي)
تنهدت «ميمي» بعدما قصت قصتها على «خديجة» التي كانت تبكي تارةً وتبتسم تارةً أُخرى، فأضافت «ميمي» قائلة:
ومن يومها محدش فيهم سابني، خلصوا مدرسة و جامعة وشغل وكل حاجة وهما معايا، الأربعة عندي واحد، كلهم أحن عليا من قلبي، ربنا عوضني عن عيالي وعن اللي عملوه فيا بيهم، فيهم اللي طبعه هادي زي ياسر، وفيهم الحنين زي ياسين وفيهم العصبي زي خالد، وفيهم المرح زي عامر، بس في لحظة كدا تحسي إن الأربعة كلهم واحد وطبع واحد"
تنهدت «خديجة» بعمق ثم نظرت لـ «ياسين» الذي إبتسم لها بتوتر، نظرت «ميمي» لهما و لنظرتهما لبعضهما البعض، بينما «ياسين» أضاف قائلًا بعدما تنحنح يُنقي حنجرته:
ومن ساعتها وأنتِ بقيتي كل حاجة عندنا يا ميمي، وعمرنا ما عرفنا نبعد عنك، كان بيتك لينا زي الملجأ"
نظرت إلى «خديجة» فوجدتها صامتة، فقالت:
إيه يا خديجة، مالك ساكتة ليه؟"
حمحمت «خديجة» ثم قالت بتوتر :
لأ أبدًا بس مش قادرة اتخيل إن ممكن حد يعمل كدا في مامته، يعني يسيبها من غير حتى ما يطمن قلبه عليها"
تدخل «ياسين» قائلًا:
على قد ما أنا نفسي أشوفهم وأخلص منهم اللي عملوه، على قد ما أنا فرحان إنهم سابوها علشان تدخل حياتنا وتكون معانا"
أومأت له «خديجة» ثم نظرت له بفخرٍ، ولكن ما أخرجها من نظرتها وحالة الفخر تلك، رنين هاتفها برقم والدتها، توترت «خديجة» ثم قالت:
ماما بتتصل أنا..أنا شكلي أتأخرت"
ثم وقفت ترتدي حقيبة ظهرها الصغيرة بتوتر وخوف، وقف «ياسين» وأمسك كفها ثم قال:
إهدي طيب شوية، وأنا هوصلك،متخافيش أنتِ مع جوزك"
تحدثت «ميمي» بهدوء:
طب يالا يا ياسين روح وصلها علشان متتأخرش"
قبل خروجهما من الشقة، تحدثت «ميمي» قائلة:
خديجة هشوفك تاني؟"
إبتسمت «خديجة» بتوتر ثم أومأت بهدوء،
وبعد قليل وصل «ياسين» أسفل البناية الخاصة بها بسيارته ، كانت هي طوال الطريق تشعر بالخوف، نظر لها ثم قال بهدوء:
إحنا متأخرناش على فكرة، دا لسه بدري أوي، تحبي أطلع معاكِ"
حركت رأسها بخوف ثم قالت:
لأ خليك هنا وأنا هبقى أطمنك، أنا بس متسغربة إن ماما إتصلت بيا ودي أول مرة تعملها"
ربت على كفها بهدوء ثم قال:
متخافيش خير إن شاء الله"
__________________
في شقة «خديجة» كانت زينب جالسة بهدوء أمام التلفاز ، إقترب «طه» منها ثم قال:
كلمتي خديجة يا زينب ؟"
أومأت له ثم قالت:
آه يا طه ومردتش عليا، على فكرة لسه بدري أوي على قلقك دا"
نظر لها بضيق ثم قال:
عاوز أطمن عليها يا زينب، مش بنتي يعني"
قبل أن تجيبه أتت «خلود» وقالت بهدوء:
إطمن يا حاج محدش قالك حاجة، بس برضه دي مع جوزها ولسه فترة تعارف يعني منتقلش عليهم"
نظر لها بسخرية ثم قال:
ياختي أنتِ واعية أوي كأنك أنتِ الكبيرة مش خديجة"
غمزت له ثم قالت:
تربيتك يا حاج طه،لكن خديجة دي تربية زينب و مروة"
رفعت والدتها حاجبيها بتعجب ثم قالت:
قصدك إيه يا خلود؟ لمي نفسك بدل ما ألمك"
حمحمت «خلود» بإحراج ثم قالت:
مقصديش حاجة يا ماما، أنا أقصد إنك طيبة وطنط مروة طيبة، طبيعي خديجة تبقى طيبة"
تعجب «طه» من إجابتها فقال:
يعني هو أنا اللي شرير يا بنت طه؟ أنتِ بتعكي الدنيا خلي بالك"
وقفت وهي تقول:
لأ القعدة معاكم صعبة، أنا هنزل لـسلمى أحسن"
نزلت «خلود» من الشقة بينما «طه» نظر لزوجته وقال:
ما تتصلي بخديجة كدا يا زينب"
حركت «زينب» رأسها نفيًا ثم قالت بإستفزاز:
عاوز تطمن إتصل أنتَ يا طه"
نفخ وجنيته ولم يُعقب ولا ينفذ ما قالته
في الأسفل وقفت «خديجة» تنتظر المصعد، و«ياسين» بجانبها، نزل «المصعد» ودخلته هي بينما «ياسين» قال بهدوء:
متخافيش و خليكِ جامدة كدا متتوتريش ماشي؟"
حركت رأسها موافقة بتوتر، فإبتسم هو ثم قال:
لأ ما هو واضح بصراحة"
زفرت بقوة ثم قالت:
طب حاسب بقى علشان الأسانسير يتحرك"
أومأ لها في هدوء ثم إبتعد، صعد المصعد وكانت «خديجة» تزفر بقوة حتى تُهديء نفسها، ولكنها تفاجأت حينما توقف المصعد في الطابق الثالث، رفعت رأسها وجدت «هدير» في وجهها، شعرت «خديجة» بالتوتر أكثر بينما «هدير» رفعت حاجبها وقالت بسخرية:
خديجة ؟ وشك ولا وش القمر؟"
تلعثمت «خديجة» أمامها وهي تقول:
آه..إزيك يا هدير؟"
تحدثت «هدير» بثقة:
أنا كويسة أوي الحمد لله، أنتِ إيه أخبارك، مع أني واثقة إنك كويسة أوي"
تعجبت «خديجة» من حديثها وطريقتها الغريبة فقالت بهدوء:
ليه بتقولي كدا يا هدير؟"
نظرت لها «هدير» بخبث ثم قالت:
لأ أصلك مفهمة العيلة كلها إنك البت اللي مفيش منها ومبتخرجش ومبتنزلش ومتعرفش حد، وأول ما كتبتي كتابك كل حاجة ظهرت، بقيتي بتخرجي وتلبسي كمان وواخدة بالك من نفسك"
في الأسفل وقف «ياسين» يراقب حركة المصعد من خلال لوحة الأرقام الموضوعة بجانبه، وحينما لاحظ طيلة وقوف المصعد في هذا الطابق تحديدًا شعر بالقلق وخشيْ أن يكون والدها هو من قابلها، عند «خديجة» إتسعت مقلتيها من حديث «هدير» وشعرت بالتوتر فقالت:
لـ...ليه بتقولي كدا يا هدير؟"
وبنفس النبرة الخبيثة أضافت «هدير» قائلة:
خديجة أنتِ فكراني بصدق الهبل بتاعك دا؟ يعني دور البت الخام اللي متعرفش حاجة، وبتتوتر من أقل حاجة، أنا أكتر واحدة عارفاكِ بدليل إن ياسين دا لسه مكمل معاكِ ودا كله بسبب ذكائك"
أتى صوته من خلفها وهو يقول:
لأ والله يا آنسة عبير، حسبتيها غلط، أنا مكمل معها علشان بحبها وعلشان ما صدقت لقيتها، مش ذكاء منها ولا حاجة"
إتسعت حدقتي «خديجة» بينما «هدير» وقفت كمن سُكب عليها دلوًا من الماء البارد في ليالي الشتاء القاسية، إقترب منهن «ياسين» ثم وقف مقابلًا لـ «هدير» وهو يقول:
ياريت حضرتك متدخليش في حاجة متخصكيش، يا آنسة عبير، مع أني واثق إن دا صعب عليكِ"
رفعت حاجبها بحنقٍ ثم قالت:
بس أنا أسمي هدير، مش عبير؟"
نظر لها «ياسين» بسخرية ثم قال:
أصلًا؟ والله أنا دا كله عمال أخمن في الإسم، أصل أنا معرفش هنا غير إسم خديجة"
ثم غمز لها بطرف عينه،
ضمت ذراعيها أمام صدرها ثم قالت بنبرة ساخرة:
والله بكرة تندم يا ياسين ، أصلك وقعت غلط"
نظر «ياسين» خلفه وجد «خديجة» تبكي بهدوء، فإلتفت مرة أخرى لـ «هدير» ثم قال:
والله أنتِ معزورة أصلك مشوفتيهاش بعيني علشان تعرفي هي عندي وبحبها إزاي؟ ودي أنا اللي أقررها مش أنتِ، وبعدين ليه ميكونش اللي وقع غلط هو اللي هيفكر يرتبط بواحدة زيك كدا؟ بتسيء للناس من غير مبرر، أنا بس عندي سؤال ضروري أنت مستفادة إيه من اللي بتعمليه؟"
وقبل أن تجيبه، صدح صوت «وليد» قائلًا بسخرية:
عفوًا يا عزيزي، لقد بُلينا بقومٍ يظنون أنفسهم محور الكون وهما آخرهم زي رشة الكمون"
بعد جملته تلك وقف بجانب «ياسين» ثم نظر لها بضيق،
بينما «هدير» قالت بهدوء:
أطلع منها أنتَ يا وليد، متدخلش بينا"
رفع «وليد» أحد حاجبيه بحنق ثم قال:
واللهِ؟ عاوزاني أشوفك بتزعلي أختي وأسيبك كدا؟"
تدخل «ياسين» بخبثٍ وهو يقول:
قولي صحيح يا وليد إشمعنا قولت زي رشة الكمون؟"
رُسمت نظرة التسلية على وجه «وليد» وهو يقول:
أنتَ لو قدامك طبق فول بالزيت الحار ونسيت تحط رشة الكمون هتفرق معاك في حاجة؟"
بنفس الخبث رد عليه «ياسين»:
خالص والله، خصوصًا إني مبحبش الكمون أصلًا"
رد عليه «وليد»:
هما الناس دي كدا، ملهمش لازمة زحمة على الفاضي"
نفخت «هدير» وجنتيها ثم هربت من تلك الحرب التي أوقعت نفسها بها و هُزمت بداخلها هزيمة ساحقة. بعد إختفاء «هدير» من أمامهم نظرا الأثنين إلى «خديجة» التي بدت وكأنها في عالمٍ آخر، إقترب منها «ياسين» وهزها برفق شهقت هي بقوة، ثم نظرت لهما، سألها «وليد» بهدوء:
خديجة أنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة؟"
هزت رأسها نفيًا ثم قالت بعدما مسحت آثار أدمعها:
آه أنا كويسة، عاوزة أطلع أوضتي"
نظر لها «ياسين» مُتعجبًا ثم قال:
طب أجي معاكِ طيب؟ ولا تحبي أخدك تفكي شوية تحت"
حركت رأسها نفيًا دون أن تنظر له ثم قالت:
مش عاوزة حاجة، أنا عاوزة أطلع بس"
أمسك «وليد» كفه وضغط عليه برفق، ثم قال:
خلاص يا خديجة، أطلعي أنتِ ارتاحي"
إبتعدا الأثنين عن المصعد حتى يفسحا لها المجال، وقف «ياسين» مشدوهًا مما حدث، فقال مُستفسرًا:
هو إيه اللي حصل يا وليد، أنا مش فاهم حاجة؟"
أخذ «وليد» نفسًا عميقًا ثم قال:
دي هدير بنت عمي، ودي نبذة عن طريقتها مع خديجة، وزي ما أنتَ شوفت كدا خديجة لا بتصد ولا بترد، يدوبك هتدخل أوضتها تنام معيطة، وتبكي على اللي جاي واللي راح"
شعر «ياسين» بالضيق فقال:
يعني إيه الهبل دا ؟ وهو مفيش حد يوقفها عند حدها، ولا كبير يعرف يوقفها؟"
حرك رأسه آسفًا ثم قال:
لأ للأسف هي علطول بتعرف تبرأ نفسها كويس أوي، وبتعرف إمتى تكدب غيرها"
شد «ياسين» فروة رأسه بقوة و زفر بضيق، ثم قال:
ماشي يا وليد، أنا كنت ماصدقت خدت عليا شوية وبدأنا نتفاهم سوا"
ربت «وليد» على كتفه ثم قال:
متقلقش هي هتزعل شوية بس وهتبقى زي الفل، ممكن تصحى أصلًا ناسية اللي حصل".
أومأ له «ياسين» ثم رحل من أمامه ، بينما «وليد» نفخ وجنيته ثم قال:
ماشي يا هدير يا أنا أنتِ يا بنت فاطمة"
عاد «ياسين» إلى منزله وهو يشعر بالضيق مما حدث، خصيصًا أنه منذ خروجه من بيتها يحاول جاهدًا الوصول إليها ولم يستطع، جلس بجانب والدته التي كانت تشاهد التلفاز، بينما والده كان في الأسفل، ألقى برأسه على فخذ والدته التي تعجبت من فعلته تلك فقالت بتعجب:
مالك يا حبيبي؟ أنتَ تعبان ولا إيه؟"
قال بعدما زفر بعمقٍ:
لأ ، أنا كويس"
وضعت كفها داخل شعره وهي تمرر أصابعها بحنو ثم قالت:
كداب يا إبن زُهرة، طول عمرك بتنام على رجلي لما تكون مخنوق كدا، بس قولي بقى إيه اللي مزعلك؟"
خديجة"
قالها بهدوء دون تفكير، فتعجبت والدته وقالت:
خديجة هي اللي مزعلاك؟ أنتو لحقتوا؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
أنا مش زعلان من خديجة، أنا زعلان علشان خديجة"
زادت دهشة والدته فقالت:
ليه مالها؟ حصلها حاجة؟"
إعتدل «ياسين» في جلسته ثم قال:
في بس حاجة مضيقاها وأنا مش عارف أعمل إيه"
ربتت والدته على كفه ثم قالت:
طب أدخل غير هدومك، و فوق نفسك كدا، وكلمها متسيبهاش تزعل كتير، علشان وقت الزعل دا بيحصل فيه حاجات كتير"
أومأ لها ثم دخل غرفته، تحمم وبدل ملابسه بأخرى مريحة، عبارة عن بنطال رياضي (شروال) من اللون الأسود و تيشيرت من اللون الأبيض، جلس على الفراش وهو يحاول الإتصال بها فلم يأتيه ردًا منها زفر بضيق، وبعد ذلك خرج الشرفة جلس بها، حاول مرارًا و تكرارًا وأيضًا نفس النتيجة دون رد، تحدث بسخرية قائلًا لنفسه:
يا فرحتك بإبنك يا زُهرة، بقى مستني رسالة و رد من أحدهم، يا حلاوة"
دخل «والده» وهو يضحك بسخرية ثم قال:
مش بدري إنك تكلم نفسك يا ياسين؟ دا أنتَ لسه على البر"
نظر لوالده بضيق ثم قال:
رياض لو هتقعد تتريق، يبقى روح أقعد مع زُهرة، هتساعدني يبقى إتفضل؟"
حرك والده رأسه بيأسٍ ثم قال:
وهو أنا عبيط زيك كدا ياض ؟ إسمع بقى من حبيب قديم هتعمل إيه؟"
إقترب «ياسين» من والده بمقعده وهو يقول:
اشجيني يا رياض يا عظمة"
سأله والده مُستفسرًا:
قولي بقى إيه اللي زعلها؟"
شعر «ياسين» بالحرج من والده، ففي النهاية هذه حياة زوجته الخاصة ولا يستطع أن يُفشيها أمام الآخرين ، لكنه قال بهدوء:
بص علشان دي حاجة متخصناش يعني، حصل موقف رخم من قريبتها، وهي زعلانة هو حقها بصراحة بس أنا مال أمي مش بترد عليا ليه؟"
ضحك والده، فأثار حنقه فقال بضيق:
أطلع برا يا بابا روح لماما يالا، أنا غلطان علشان بحكيلك"
أوقف والده الضحك ثم قال:
ياض أهدا خلاص، إسمعني بقى وأنا هحللك الموقف دا كله"
____________
في شقة «خديجة» كانت في غرفتها تفكر في حديث «هدير» ورغمًا عنها بكت بقوة، هي مازالت ضعيفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها، وبعد ذلك هاجمتها خيباتها وذكرياتها المريرة، هاتف «وليد» «خلود» واخبرها أن «هدير» تعامدت إهانة «خديجة»امام «ياسين» لكنه طلب منها أن لا تخبرها بما حدث وطلب منها أن تقوم بالتهوين عليها، وهو سيأتي برفقة «أحمد»، فعلت «خلود» كما آمرها ودخلت لأختها الغرفة وبعد محاولات كثيرة، خرجت «خديجة» معها وهي تشعر بالضيق، جلست مع اختها و والدتها في الخارج ، فتحدثت والدتها بهدوء:
حد مزعلك يا خديجة؟ شكلك معيط؟"
رسمت «خديجة» بسمة متوترة ثم قالت:
لأ محدش مزعلني أنا مصدعة شوية بس"
أومأت لها والدتها في شك ثم نظرت لـ «خلود» التي هزت كتفيها وكأنها لا تعلم ماذا حدث، جلست «خديجة» وهي واجمة الوجه، وحديث «هدير» يدور برأسها أن «ياسين» لا يستحق فتاة مثلها.
في منزل «ياسين» إستمع إلى والده ثم إقترب منه وقبل رأسه وهو يقول:
راسك ابوسها يا حاج، دماغ معلم بصحيح"
نظر له والده بفخرٍ ثم قال:
أي خدمة يا أخويا علشان تعرف إنك من غيري تضيع"
أحتضن والده بقوة ثم قال بحب:
أنتَ عارف إن أنتَ حبيب قلبي وصاحبي، يعني من غيرك أضيع فعلًا"
ربت والده على ذراعه ثم قال:
طب يلا قبل الوقت ما يتأخر أكتر من كدا"
ركض «ياسين» من أمام والده، بينما «رياض» ضحك بقوة ثم قال:
أهل الحب صحيح مساكين"
بعد ما يقرب النصف ساعة كان «ياسين» يصف سيارته أسفل بنايتها، زفر بقوة ثم قال:
يارب يطلع رياض معاه حق ، وأعرف أشوفها"
ركب المصعد، لكنه شهق بقوة وإتسعت حدقتيه، حينما وجد نفسه بتلك الملابس البيتية، فحدث نفسه قائلًا:
يعني مش بس جاي بليل كدا؟ لأ كمان جاي بشروال وتيشيرت وكوتشي؟ هو أنا جاي ازور حسن شحاته إيه العبط اللي أنا عامله دا؟"
وقف أمام باب شقتها وهو ممسكًا بحقيبة نسائيه في يده، زفر بقوة ثم طرق الباب،
في الداخل كانت «خلود» تقوم بعمل ما يخص مشاهدة المسلسل، وكانت «خديجة» جالسة مع والدتها وهي ترتدي منامة بيتية عبارة عن تيشيرت من اللون الأسود عليه رسمة كرتونية، وبنطال لونه اسود ايضًا ، لم تكن المنامة ضيقة نظرًا لأن خديجة تخجل كثيرًا من إرتداء الملابس الضيقة، وشعرها
ربطته على شكل ذيل الحصان،لم تكن نعومته مبالغ فيها، بل كان عاديًا و نعومته تشبه الكثير من الفتيات وطوله متوسط يصل لمنتصف ظهرها ولكن شكلها كان رقيق يناسب الرقة التي بداخلها
في الخارج زفر هو بقوة ثم قال:
شكلك ضيعتني الله يسامحك يا رياض"
فتحت هي له الباب، فإبتسم بقوة ثم قال:
إيه الحلاوة دي، الله يباركلك يا رياض"
نظرت هي له بتعجب ممزوج بالدهشة من أعلى لأسفل وفعل هو المِثل فهذه أول مرة يراها بتلك الهيئة، وحينما لاحظ طيلة دهشتها تحدث بسخرية قائلًا:
بقولك إيه يا خديجة، لا تعايرني ولا أعايرك اللبس البيتي طايلني وطايلك"
_________________
دخل «ياسين» شقتها وهو ممسكًا بحقيبة نسائيه خاصة بوالدته، وجلس بتوتر من وجوده في هذ الوقت بتلك الملابس، دخلت «خديجة» وأرتدت إزدال الصلاة وخرجت جلست على مقربة منه، أتت والدتها وهي تحمل العصير ثم قالت بفرحٍ:
البيت نور يا ياسين أنا كنت عاوزة أشوفك والله من بدري"
إبتسم بتوتر لها ثم قال:
أنا آسف أني جيت في الوقت دا، بس أنا لقيت شنطة خديجة في عربيتي وقولت أكيد هتحتاجها "
تعجبت «خديجة» من حديثه فقالت:
بس دي مش شنطتي، شنطتي معايا وبعدين أنا مش بلبس الشنط الكبيرة دي"
تصنع الإندهاش وهو يقول:
دا بجد والله؟ يعني مش دي شنطتك؟غريبة"
تدخلت والدتها قائلة:
ممكن تكون شنطة والدتك يا حبيبي"
أكد «ياسين» حديثها بقوله:
فعلًا ممكن تكون بتاعة ماما هي كانت بتجيب حاجات هي وبابا النهاردة"
كانت «خلود» تنظر له بخبثٍ فقالت له:
وهو أنتَ إيه اللي خلاك تنزل للعربية في الوقت دا؟"
شعر هو بالتوتر بينما والدتها وكزتها ثم قالت:
وأنتِ مالك يا سوسة أنتِ بتدخلي ليه؟"
تدخل قائلًا بهدوء:
لأ يا طنط خليها، أنا فعلًا نزلت أجيب الشاحن من العربية ولقيت الشنطة فخمنت إنها بتاعة خديجة"
وبنفس نبرة الخبث قالت له:
وكمان الشاحن كان في العربية؟ طب ما تعيشوا في العربية وخلاص أريح لكم"
شعرت والدتها بالخجل منها و«خديجة» أيضًا، بينما هو حدث نفسه قائلًا:
أنا دلوقتي بس اتأكدت إنك مينفعكيش غير عمار"
نظر «ياسين» لـ «خلود» ففهمت نظرته وأومأت له بهدوء، بعدما التقطت نظرته تلك، فتحدثت قائلة:
ماما تعالي معايا جوه عاوزاكِ ضروري"
وبعد ثوانٍ عادت «خلود» له ثم قالت بهدوء بعدما جلست بجانبه:
بص أنا دلوقتي هخدمك خدمة العمر ، هتدخل معاها البلكونة تتكلموا سوا، وأنا هشغل عنكم الحج والحجة"
نظر لها «ياسين» بفخرٍ ثم قال:
روحي ربنا يكرمك دنيا و آخرة، صحيح الحياة ما تصبح متيسرة غير بوجود الأخت الصغيرة"
وبعد قليل كان «ياسين» جالسًا أمامها في الشرفة وهي تفرك كفيها كعادتها نتيجة لتوترها وخجلها نتيجة رؤيته لها بتلك الهيئة، إقترب منها وقال بهدوء:
ممكن أعرف بقى مالك، ومش بتردي عليا ليه؟"
زفرت هي بضيق ثم قالت:
ممكن أعرف أنتَ جيت في الوقت دا ليه، وعلى فكرة حوار الشنطة مدخلش عليا"
إبتسم لها ثم قال:
بصراحة ولا أنا، أصلها فكرة رياض يعني"
تعجبت من حديثه فسألته:
رياض مين؟"
تحدث بفخرٍ:
رياض الشيخ أبويا ، وحماكِ إن شاء الله"
أومأت له في هدوء ولم تتحدث، بينما هو زفر بضيق ثم قال:
وبعدين إي إيه اللي جابك دي، هي دي معاملة الضيف عندكم"
ردت عليه بسرعة:
بس أنتَ مش ضيف"
إبتسم بثقة ثم قال:
عارف أني مش ضيف، وعارف كمان إنك زعلانة من اللي حصل قدامي، وعارف كمان إنك مكنتيش هتعرفي تنامي من غير ما تكلميني، ليه يا خديجة تبعدي نفسك عني كدا"
زفرت بضيق وقالت وهي على وشك البكاء:
علشان أنا حسيت أني هتقل عليك لو كلمتني وأنا كدا ، وكمان أنا في زعلى بكون رخمة أساسًا ومحدش بيقبلني"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بحنوٍ:
لأ يا خديجة، لما تلاقي نفسك زعلانة تعاليلي أنا، لو الدنيا كلها رفضتك أنا هقبلك، ولو العالم دا بوسعه رفضك دراعاتي بضيقهم يضموكي"
شعرت بالإحراج والخجل من حديثه فأخفضت رأسها للأسفل تُخفي بسمتها بينما هو نظر لها بخبثٍ وهو يقول جملته المعتادة:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
رفعت رأسها تنظر له فوجدته يغمز لها، تدرجت وجنتيها بحمرة الخجل نتيجة لأفعاله تلك، بينما هو مد يده لها بحقيبة والدته وهو يقول:
أفتحي بقى شنطة زُهرة دي مليانة خير كتير"
أخذت منه الحقيبة التي كانت ثقيلة لحدٍ كبير، تعجبت ووضعت الحقيبة أمامها على الطاولة الصغيرة، نظرت له فوجدته يومأ لها مبتسمًا، فتحت الحقيبة وشهقت بقوة بينما هو ضحك نتيجة لفرحتها البادية على ملامح وجهها،رفعت رأسها ثم سألته وهي مندهشة:
كل دا علشان مين؟"
ضحك على سؤالها ثم أجابها ساخرًا:
لا أنا مش عاوز غباء مش علشان هي شنطة أمي تسألي السؤال الغبي دا"
زادت دهشتها فقالت:
يعني الشيبسي والشيكولاتة والبسكوت والكيك وكل دا علشاني حتى العصير؟"
أومأ لها ضاحكًا ثم قال:
أنا بصراحة عمري ما عرفت إن فيه حد زعلان وسيبته لزعله، فما بالك بقى بقبولي الوحيد؟"
وبعد جملته تلك غمز لها مرة أخرى، بينما هي تنهدت بعمقٍ ثم قالت دون وعي منها:
تعرف إنك أحن حاجة جت في العمر يا ياسين؟"
إبتسم بإندهاش ورفع حاجبيه معًا إثر جملتها بينما هي شعرت بالخجل فأخفضت رأسها سريعًا.
_______________
إنتهت الأمسية بسلام أخيرًا ورحل «ياسين» بعدما جلس قليلًا برفقة خديجة وأسرتها، ولكن ما أثار تعجبه هي نظرة «طه» له طيلة الجلسة شعر كأنه على وشك طرده من البيت، في صباح اليوم التالي وصل عمله بعدا هاتفها واطمئن عليها، أخبرته هي أنها على ما يرام، وعلى الرغم من أن الحزن كان على وشك التخييم عليها لكن ما حدث منه وما جلبه لها اخرجها من حزنها وأثناء إندماجه في عمله وصله مكالمة هاتفية من الطبيبة تطلب منه الحضور للعيادة برفقة «وليد»، وعلى الرغم من تعجبه من طلبها ألا أنه وافقها بثباتٍ ثم قام بمهاتفة «وليد» وأتفق معه على الذهاب للعيادة سويًا
في مقر عمل «عامر» كان جالسًا يشعر بالانتصار بعدما قام بفعلته تلك، وبعد قليل وجد مكالمة هاتفية من «سارة» إبتسم بخفة ثم قام بالرد عليها قائلًا:
خير يا جرثومة بتكلميني في شغلي ليه؟"
ردت عليه بحنقٍ:
إيه اللي أنتَ عملته دا يا عامر ؟"
تصنع الجهل بالأمر وهو يقول:
عملت إيه بس يا قلب عامر ،أنا راجل محترم في شغلي أهو"
وبنفس النبرة الحانقة قالت:
متستهبلش، عاملي حملة دعم على النت؟ فاكر نفسك مين يا عامر"
تنحنح يُنقي حنجرته ثم قال:
أنا مش فاكر نفسي حد، أنا عامر اللي بيحبك يا سارة وبفتخر بوجودك جنبي، وطبيعي لما ألاقيكِ زعلانة يكون ليا رد فعل، كل اللي عملته إني عملت شير للصفحة بتاعة شغلك وأنا صحابي وحبايب صحابي كتير، قاموا بالواجب"
إتسعت إبتسامتها ثم قالت:
بس أنتَ عندك ناس ليهم وقار، يعني ممكن حد يتكلم عليك"
أجابها بهدوء:
يقولوا اللي يقولوه أنا واحد بيحب مراته، وطبيعي أشجع نجاحها وأفتخر بيها"
تحدثت بحب وهي تقول له:
عامر أنا بحبك أوي"
إبتسم على حديثها ثم قال:
طب ما أنا عارف، المهم أنا عاوز أسألك على حاجة مهمة"
تخيلت أن سؤاله سيكون رومانسيًا فقالت:
أسأل وأنا هجاوبك، أي حاجة أنتَ عاوزها"
حمحم ثم قال:
ممكن تطمنيني على ماكينة الخياطة أصل قلبي واجعني عليها اوي"
لم يأتيه ردًا منها بل أغلقت الهاتف في وجهه، إتسعت ضحكته بقوة ثم عاد لما كان يفعله قبل مهاتفتها له.
بعد إنتهاء عمل «ياسين» وقف ينتظر «وليد» أسفل البناية التي تقع بها عيادة الطبيبة النفسية، صعدا معًا للطبيبة التي قامت بالترحيب بهما ثم قالت بهدوء:
أنا عارفة طبعًا إنكم قلقانين بخصوص طلبي ليكم هنا, بس أنا مش هطول عليكم،أنا عارفة يا أستاذ ياسين إن خديجة شخصيتها بدأت تتغير بطريقة ملحوظة، بس التغير دا مع حضرتك بس لأن هي خلاص خدت على وجودك وبقى أمر مسلم بيه، لكن لو طلبنا منها تخرج أو تنزل او تتعامل مع أغراب عنها هيبقى صعب برضه زي الأول "
تدخل «وليد» يسألها مُستفسرًا:
يعني هي مخافتش؟"
إبتسمت بهدوء ثم قالت:
مش كدا يا وليد، كل الحكاية إنها لسه مش جاهزة بنسبة ١٠٠٪ يعني الخوف مازال موجود، خديجة طول عمرها مش إختيار لحد ودا نتيجة تعامل والدها معاها ونتيجة إنها معندهاش صحاب وكمان بنات العيلة اللي من سنها كانوا بعاد عنها، فبالتالي برمجت نفسها إن محدش ممكن يختارها، لكن بظهور أستاذ ياسين في حياتها، رجعلها جزء من خديجة القديمة، يعني دلوقتي هي إتأكدت إن وجودها في حياته مهم وبالتالي هي بتصارع نفسها علشان تتعالج علشانه"
سألها «ياسين» مُستفسرًا:
طب وغيابي عنها ممكن يسبب لها أضرار؟"
أومأت له الطبيبة ثم قالت بهدوء:
للأسف دا ممكن يسبب إنتكاسة، يعني الحالة ترجع أصعب من الأول"
شعر «ياسين» بالخوف فقال بسرعة كبيرة:
طب ممكن أعرف الخطوات الجاية هتكون إيه؟"
حمحت الطبيبة ثم أضافت قائلة:
الفترة الجاية مطلوب منكم التركيز على العملي، وأنا هركز على العامل النفسي يعني هخليها تحكيلي أكتر عن حياتها وعن نفسها زمان، وحضراتكم بقى تركزوا على حياتها يعني نخليها تخرج كتير، تتعامل مع ناس أكتر، تستشيروها في قرارات مهمة، دايمًا اثبتولها إن وجودها مهم، وعلى فكرة مريض الرُهاب الإجتماعي لو ملقاش دعم من الاي حواليه هيفضل طول عمره بيخاف"
سألها «وليد» مُستفسرًا:
معلش يا دكتور مش المفروض الخطوات دي تكون في الأخر؟"
أومأت له ثم قالت بهدوء:
الكلام دا لو أنا عاوزة أدرس حالتها لسه، لكن أنا عندي علم مسبق بالحالة ، غير كدا أنا كان لازم اخليها تواجه العقل الباطن بخوفها، وأخليها تثبت لنفسها إن خديجة اللي موجودة دلوقتي هي نسخة من خديجة تانية شجاعة وقوية"
أومأ لها الأثنيني ثم رحلا من العيادة، في الأسفل أوقف «وليد» «ياسين» وأمسكه من ذراعه وهو يقول بنبرة قوية:
هو أنتَ بتسأل الدكتورة عن بعدك عن خديجة ليه؟ أنتَ ناوي تسيبها؟"
تعجب «ياسين» من حديثه فقال بتعجب:
أسيبها؟ بقى بعد ما أخيرًا لقيتها ولقيت اللي قلبي ارتاح معاها اسيبها أنا"
شعر «وليد» بالحرج من دفعته فقال:
أنا قولت يمكن زهقت و عاوز تخلع ولا حاجة؟"
إبتسم «ياسين» بسخرية ثم قال:
إطمن يا وليد أنا لو زهقت من العالم دا كله هتفضل خديجة هي المكان اللي أهرب له، ولو العالم دا كله مستكترني عليها ،فأنا شايف إن أنا اللي قليل ليها علشان أخد واحدة في براءة عينيها وجمال قلبها"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل التاسع والعشرون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل التاسع و العشرون"
____________
الحب هو أن لا تخاف وأنتَ وسط بحرٍ من الخوف
____________
ألتقيتُ بِكِ فأصبحتِ لقلبي كل الأماني، كنت تائهًا لكني أتخذت من عيناكِ عنواني، يا من تطرب الأذن بسماع صوتها، يا خير ما أعطاني زماني.
عاد «ياسين» إلى منزله بعدما ودع «وليد» وتم الإتفاق بينهما سويًا على القيام بعدة أشياء فقط لأجلها، كان وجهه مُبتسمًا، على عكس الأمس بأكمله، نظر له والديه بخبثٍ، فقالت والدته له:
شكلك جاي فرحان، إيه رأيك بقى ناكل سوا؟"
أومأ لها بنفس البسمة ثم قال:
ياريت يا زوزو علشان أنا جعان أوي والله"
نظرت له بحنان ثم قالت:
بس كدا ؟ حاضر يا حبيبي ثواني والأكل يبقى جاهز"
رحلت والدته، فإقترب منه والده وهو يقول بمرحٍ:
ها يا روميو عملت إيه إمبارح، أكيد أكيد الخِطة نجحت"
نظر له بسخرية ثم قال:
أوي يا رياض، ماشاء الله كلهم شكوا فيا، حتى هي كمان"
نظر له والده بإستفزاز ثم قال:
ماهو أنتَ اللي غبي، قولتلك شنطة صغيرة، رايح تاخد محل شنط؟ إيه فاكر نفسك عنترة بن شداد؟"
ضحك «ياسين» على حديث والده ثم قال:
أعمل إيه طيب؟ مش علشان تكفي الحاجة اللي قولتلي عليها، بس على العموم مقدرش أنكر مجهودك إنك تخليني أشوفها وأتكلم معاها كمان، شكرًا يا بابا"
ربت والده على كتفه ثم قال بفخر:
شُكر إيه ياض يا أهبل أنتَ، دا أنتَ حتة مني، وبعدين أنتَ مكنتش هتعرف تنام طول الليل وهي زعلانة أصلك طالعلي، المهم قولي قالتلك إيه؟"
شرد «ياسين» في حديثها حينما قالت له:
تعرف إنك أحن حاجة جت في العمر يا ياسين"
إبتسم بقوة و زادت ضربات قلبه، كان والده يراقبه بتعجب، فقال بصوتٍ عالٍ بعض الشيء:
إيه ياض روحت فين؟ قولي قالتلك إيه؟"
حمحم «ياسين» ينقي حنجرته ثم قال:
لأ عادي متاخدش في بالك، مقالتش حاجة"
نظر له والده بشكٍ ثم قال بخبثٍ:
طب تمام، أنا بقى هعرف زُهرة إنك خدت الشنطة من عندها إمبارح"
أوشك والده على القيام، لكن «ياسين» أوقفه قائلًا بسرعة:
أقعد بس رايح فين، هقولك يا سيدي قالتلي إيه؟"
نظر له والده بحنقٍ ثم قال:
أيوا كدا، ناس متجيش غير بالعين الحمرا"
إقترب منه «ياسين» ثم قال والبسمة تعلو ملامح وجهه:
قالتلي تعرف إنك أحن حاجة جت في العمر يا ياسين"
إبتسم والده بإتساع ثم قال:
ماهي معاها حق، هتلاقي فين في حنية قلبك دي، دا أنتَ الحنان عندك بالجُملة"
نظر له «ياسين» مُبتسمًا، وقبل أن يستطرد حديثه، أتت والدته و نادتهما لتناول الطعام.
____________
في بيت آلـ «رشيد» عاد «وليد» إلى بيته ولكنه صعد لشقة عمه «محمد» كان «طارق» يتناول الطعام مع أسرته، دخل «وليد» ورحب بالجميع فتحدثت زوجة عمه قائلة:
حماتك اللي هي أنا بتحبك يلا تعالى كل معانا"
إبتسم لها بإتساع ثم قال:
وهو أنتِ تقدري متحبنيش برضه؟ ولا حد هنا يقدر ميحبش ليدو؟"
نظرت «سلمى» بخبثٍ لأختها ثم قالت:
على رأيك والله دا حتى كان فيه ناس مبتحبكش، حالهم إتبدل، يلا إن الله حليمٌ ستار"
إرتسمت على وجهه تعابير التسلية حينما رآى خجل «عبلة»، ثم بعد ذلك جلس على المقعد المجاور لمقعد «طارق» والمقابل لمقعد «عبلة» ثم قال بمرحٍ:
عبلة طبخت إيه بقى في الأكل دا؟"
نظر له «طارق» بسخرية ثم قال:
إيه عاوز تطمن على مستقبلك ولا إيه ؟"
أومأ له بثقة ثم قال:
طبعًا هو أنا بشتري سمك في مياه، مش لازم أعرف؟"
نظرت له «عبلة» بحنقٍ ثم قالت:
يا سلام ولو مبعرفش أطبخ يعني هتعمل إيه يا وليد؟"
نظر لها بحب ثم قال:
أنا قابل بِيكِ زي ما أنتِ، مش الطبخ اللي هيخليني أسيبك يعني، ريحي نفسك يا عبلة أنا عمري ما هسيبك"
نظر له الجميع بتعجب من جرأته تلك، فأضاف عمه «محمد» في ضيق زائف:
ولا هتقعد بآدبك أهلًا و سهلًا، مش هتقعد محترم يبقى برة البيت دا لحد ما أخلي مرتضى يلمك"
نظر لعمه بضيق ثم قال:
حاضر هقعد بآدبي، بس وربنا لما أكتب كتابي ماحد فيكم هيعرف يتنفس معايا"
ربت «طارق» على كتفه بقوة ثم قال:
لما تبقى تكتب الكتاب يا أخويا، غير كدا لِم نفسك"
أومأ له «وليد» ثم مال على أذنه وهو يقول بصوتٍ منخفض:
أنا عاوزك ضروري بعد الأكل، أنا هسبقك على السطح وأنتَ حصلني"
أومأ له «طارق» ثم قال:
لأ، استنى نشرب الشاي ونطلع سوا"
وبعد إنتهاء العشاء، صعدا الأثنين سويًا وكان «أحمد» في إنتظارهما، جلس الشباب على الأريكة وأول من تحدث كان «طارق» حينما قال:
خير يا وليد عاوزنا ليه؟ مع أني مش مطمن"
أخذ «وليد» نفسًا عميقًا ثم قَص عليهما ما قامت «هدير» بفعله مع «خديجة» أمام «ياسين»، أنتهى بحديثه عما حدث بأكمله وعن حديثه لها، واضاف قائلًا:
أنا كنت ساعتها مستني الأسانسير ولما لقيته طول كدا طلعت على رجلي وسمعت كل حاجة وبصراحة كنت هتدخل من الأول بس كنت عاوز أشوف رد ياسين عليها"
وبمجرد إنتهاء الحديث وقف «أحمد» صائحًا بقوة:
كفاية بقى لحد هنا، أنا هنزل أربي هدير، يا أنا يا هي"
وقبل أن يخطو خطوة واحدة أوقفه «طارق» وهو يقول بصوتٍ قوي:
استنى هنا يا أحمد، من إمتى وأنتَ بتتصرف من غير أخواتك؟ أنا موجود هنا يبقى خلاص"
نظر له «أحمد» بضيق ثم قال:
أنا تعبت يا طارق من هدير و من مُشيرة، وخديجة تعبت، مش هعيش حياتي كلها أنا وخديجة بنتعاقب على اللي حصل"
وقف «طارق» قبالته ثم قال:
وأنا عارف كل دا، وعارف كمان إن كلنا كنا ظالمين خديجة لما كانت صغيرة، بس صدقني أنتَ لو نزلت دلوقتي الدنيا هتكبر وأعمامك وأبوك وعمتك هيشدوا مع بعض، المواقف دي عاوزة حكمة مش تهور، أنا هكلمها متخافش"
أيده «وليد» في الحديث ثم أضاف قائلًا:
بالظبط كدا يا طارق، وعلشان كدا أنا عرفتك، هدير مبتتكسفش، واللي يخليها تقول كدا قدام ياسين يبقى أكيد مش هتكون أخر مرة"
ربت «طارق» على كتف «أحمد» ثم قال:
إهدا يا أحمد ومتقلقش، لِك عليا إنها تكون أخر مرة"
زفر «أحمد» بقوة ثم قال:
ماشي يا طارق علشان خاطرك أنتَ بس"
________________
في شقة «خديجة» كانت تتناول الطعام مع أسرتها، كان «أحمد» ينظر لها بتمعن وهو يدقق في ملامح وجهها ليرى علامات الحزن بادية عليه، بعد إنتهاء الطعام ساعدت والدتها في تنظيف الطاولة، ثم قامت بإعداد الشاي للجميع وجلست وهي تفكر في أحداث الأمس بأكمله، عند تذكرها لحديث «هدير» شعرت بالإختناق، وقبل أن تستسلم لتلك الدوامة، أتى هو بمخيلتها ليمحي أثار حزنها، فتذكرت فعلته بالأمس وحديثه وإتسعت بسمتها رويدًا رويدًا، نظرت للهاتف في يدها بعدما أصدر هزة بسيطة، فلمحت رسالةً منه أعلى شاشة الهاتف محتواها:
ياترى قبولي الوحيد فاضي يكلمني ولا السوبر ماركت اللي عندك شاغلك عني؟"
وكالعادة أسفل رسالته ذلك الرمز التعبيري الذي يعبر عن غمز بطرف عينه، إبتسمت ثم قامت بإرسال:
والحاجات دي مين اللي جابها مش أنتَ؟ يعني لو إنشغلت عنك برضه أنتَ السبب"
إبتسم هو على رسالتها تلك ثم كتب:
لأ لو الحاجات دي هتشغلك عني يبقى أرجع آخدها تاني"
أرسلت له رمزًا تعبيريًا يدل على اللامبالاة ثم ارسلت بعده:
تعالى عادي يعني"
إرتسمت على وجهه تعابير الخبث ثم قام بإرسال:
حلو كدا، أنا بقى هعتبرها رسالة منك أني وحشتك، وأنتِ عاوزة تشوفيني"
إتسعت حدقتيها، وتوترت مما قام بإرساله، هي بالطبع لا تقصد ما وصل لـذهنه، حينما طال صمتها دون ردًا عليه، أرسل لها يُشاكسها:
طب السكوت علامة الرضا نص ساعة وأكون عندك"
أرسلت له بسرعة كبيرة:
لأ لأ خليك والله مش قصدي كدا"
نظر حوله فوجد والديه يتحدثان معًا، فقام ودخل الشرفة، وقام بمهاتفتها نظرت هي حولها فوجدت الجميع منشغلين عنها فكان اخواتها ينظرا في هواتفهما، ووالدتها ووالدها يشاهدا التلفاز، إنسحبت بهدوء لكي تدخل غرفتها، فقال والدها لها بنبرة طبيعية:
رايحة فين يا خديجة؟"
نظرت له بتوتر ثم قالت:
هدخل أوضتي يا بابا عن إذنك"
نظر لها بهدوء ثم قال:
طب ما تقعدي معانا هنا، ليه تقعدي لوحدك؟"
نظرت له بتعجب، وكانت تريد أن تقول له أن يسأل نفسه ذلك السؤال، فهو السبب في كل ما هي عليه، حتى أنها أصبحت تخشى الجلوس وسط الآخرين، طال صمتها وهي تنظر لوالدها، بينما والدها نظر للهاتف في يدها فوجد شاشته تضيء بإسم «ياسين»، فقال بصوتٍ حاهد حتى يخرج طبيعيًا:
طب يا خديجة اتفضلي، بس خلي بالك تليفونك بيرن"
نظرت للهاتف في يدها بتوتر، ثم أسرعت في خطواتها حتى تدخل غرفتها وتهرب من نظرة والدها، جلست على الفِراش وهي تزفر بعمقٍ، نظرت لكف يدها وجدته يرتجف وهو متعرق بشدة، مسحت كفيها معًا ثم أمسكت الهاتف وقامت بالرد عليه، كان هو يحاول مرارًا و تكرارًا الوصول لها، وبمجرد ضغطها على زر الإيجاب وجدته يقول بقلقٍ:
إيه يا خديجة أنا كنت بهزر، روحتي فين بس يا ست الكل"
أخذت نفسًا عميقًا تُحد به من توترها ثم قالت:
أنا بس كنت معاهم برة ولما أنتَ اتصلت كنت مش عارفة أسيبهم وأدخل"
قال لها مُتفهمًا:
طيب يا خديجة المهم أنتِ أكيد كويسة صح؟"
إبتسمت بهدوء ثم أجابته:
آه الحمد لله، أنتَ كويس؟"
بنفس نبرته الهادئة قال:
دلوقتي بقيت كويس، من ١٠ دقايق كدا كنت مستغرب وعلى فكرة كنت هاجيلك بجد"
إتسعت حدقتيها ثم قالت:
بجد كنت هتيجي يا ياسين؟"
بكل بساطة رد عليها قائلًا:
آه والله كنت هاجيلك لو مكنتش عرفت أوصلك، بس الحمد لله أنتِ لحقتيني"
إبتسمت ثم قالت له بهدوء:
أنا لحد دلوقتي مش قادرة أصدق إن أنتَ ياسين اللي جِه إتقدملي، صحيح أنا كنت متوترة بس فاكرة إنك كنت شخص هادي إيه اللي حصل؟"
إبتسم حينما تذكر أول يوم رآها فيه ثم قال:
لأ دا كان في الأول بس، لكن خلاص أنتِ بقيتي مراتي يعني أنتِ دلوقتي أمانة ليا عندهم لحد ما ترجعلي"
إبتسمت على حديثه ثم قالت:
طيب يا سيدي، عن إذنك بقى الأمانة هتروح تشوف الدكتورة طالبة منها إيه تنفذه"
تعجب مما قالته فسألها مستفسرًا:
هي طلبت منك حاجات تعمليها؟"
أومأت في هدوء كأنه يراها ثم قالت:
طلبت مني تمارين للتنفس زي اليوجا نص ساعة كل يوم، يعني علشان التوتر والرعشة اللي بتجيلي، وطلبت مني كتابة ملحوظات في يومي، وكمان طلبت مني عمل ملخص عن الرُهاب الإجتماعي "
زادت دهشته فسألها مرةً أُخرى:
طب دا لازمته إيه كله؟"
هزت كتفيها ثم قالت:
بتقول إن دا كله بينشط حركة الجسم، مع زيادة الوعي في العقل الباطن"
أومأ وهو يقول:
آه، فهمت، طب تمام المهم بس للمرة الأخيرة قبل ما انزل، أنتِ أكيد تمام مفيش حاجة مزعلاكي؟"
إتسعت إبتسامتها ثم أضافت قائلة:
لو زعلانة بعد اللي أنتَ عملته وبتعمله يبقى كدا أنا بنكر مجهودك وأنا مش من طبعي أنكر مجهود حد"
إبتسم على حديثها ثم قال:
ماشي يا ستي، بس معلومة صغيرة أنا مش حد، أنا أنتِ وأنتِ أنا"
إرتفعت ضربات قلبها من حديثه وصمتت ولم تعرف بماذا تجيبه، بينما هو لاحظ صمتها فأضاف بخبثٍ:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
إبتسمت على حديثه ثم قالت:
بصراحة آه"
استطرد حديثه قائلًا:
طب كدا تمام إطمنت عليكِ، هنزل بقى ولما أرجع هبقى اكلمك، وأنتِ لو عاوزة حاجة قوليلي"
أجابته بسرعة قائلة:
تروح وترجع بالسلامة"
أضاف بخبثٍ يقول:
طب خليها ترجعلي بالسلامة طيب؟"
توترت من لهجته فأجابته بسرعة:
طيب سلام يا ياسين علشان هما عاوزني برة"
أغلق معها الهاتف مُبتسمًا ثم قام بتبديل ثيابه لأخرى مريحة ليذهب بها إلى أصدقائه.
______________________
في شقة «مُشيرة» قصت «هدير» ما حدث بالأمس منها ومن البقية، كانت تشعر بالضيق، بينما عمتها كانت تنظر لها بعمقٍ، إنتهت «هدير» ثم أضافت:
والزفت وليد جه كمل عليا هو كمان، هي كانت نقصاه؟"
وضعت «مُشيرة» قدمًا فوق الأخرى ثم قالت بهدوء:
مشكلتك إنك غبية يا هدير ومتسرعة، إستفادتي إيه لما حرقوا دمك؟ ولا أي حاجة، وكدا ياسين بقى مقتنع إنك أنتِ اللي شخص مستفز وجه وليد كمان آكد كدا"
نظرت لها «هدير» بحزن:
طب وأنا أعمل إيه مكنتش أعرف إن الأتنين هيطلعوا، وكمان هي كانت لوحدها والوقت كان ليل وهي مش عادتها تخرج في الوقت دا، يبقى أكيد كانت بتشتغلنا"
نظرت لها عمتها مُستفسرة وهي تقول:
هي البت دي بتروح فين؟ يعني خروجها معاه كدا مش طبيعي، لا يكون بيضحك عليها؟"
نظرت لها «هدير» بتعجب ثم قالت:
يعني إيه يا عمتو بيضحك عليها دا جوزها؟"
نظرت لها «مُشيرة» بخبثٍ:
ممكن يكون بيتسلى ويجي قبل الجواز يمشي، وممكن يكون أصلًا مش بتاع جواز"
رفضت «هدير» حديثها وهي تقول:
لأ مظنش كدا، شكله إبن ناس ومحترم، مش من النوع اللي بيتسلى ويمشي"
رفعت «مُشيرة» حاجبها بثقة ثم أضافت:
فكري فيها كدا؟ واحد زي دا يقبل بواحدة زي دي ليه؟"
نظرت «هدير» أمامها بشرود وهي تفكر في حديث عمتها الخبيث، وقبل أن تندمج في التفكير أكثر من ذلك، وجدت جرس الباب يُضرب بواسطة شخصٌ ما، تركت عمتها وقامت لتفتح الباب وجدت «طارق» أمامها ينظر لها بضيق، تعجبت هي من وجوده فقالت:
طارق! خير إيه اللي جابك؟"
سألها بنبرة جامدة:
عمتو هنا يا هدير ولا أجي وقت تاني؟"
أومأت له في هدوء ثم أشارت له بالدخول، دخل هو الشقة وألقى التحية على عمته، جلست «هدير» أمامه فباغتها بسؤاله:
إيه اللي أنتِ عملتيه مع خديجة إمبارح دا يا هدير؟"
_________________
ذهب «ياسين» إلى المقهى التي يجلس عليها برفقة أصدقائه وجد «عامر» فقط ينتظره، فسأله مُتعجبًا:
أومال فين خالد و ياسر يا عامر؟"
هز «عامر» كتفيه ثم قال:
مش عارف والله، خالد كلمني من شوية وقالي لو ياسر جه أقوله وأنا قاعد مستني الاتنين"
هز «ياسين» رأسه ولكنه لازال مُتعجبًا، وفجأة أتى «خالد» وهو يزفر بضيق، ثم قال:
ياسر مظهرش ؟ "
أنتاب القلق قلوبهما فسأله «ياسين»:
هو ماله يا خالد، أخر مرة كلمته كانت إمبارح من ساعتها مكلمنيش تاني"
وقبل أن يجيبه هاتفته «إيمان» قام بالرد عليه، سمع سؤالها فجاوبها بضيق:
أعمل إيه طيب والله دورت عليه، يمكن بايت في المستشفى؟"
وهي على وشك البكاء جاوبته قائلة:
لأ يا خالد مش بايت هناك، أنا كلمته الصبح كان مخنوق، ومن ساعتها مردش عليا تاني، وكلمت مامته قالتلي نزل من بدري"
زفر «خالد» بضيق ثم قال:
طيب يا إيمان أنا هشوفه ومش هروح غير لما نلاقيه، إرتاحي أنتِ"
أغلق الهاتف معها فسأله «عامر» بقلق:
حصل إيه يا خالد، وياسر ماله؟"
هز «خالد» كتفيه ثم قال:
والله مش عارف يا عامر، كل اللي أعرفه إنه كان مخنوق وكلم إيمان برضه كان مخنوق"
سأله «ياسين»بهدوء:
طب زعلته في حاجة طيب ولا أختك زعلته؟"
أجابه «خالد» قائلًا:
لأ والله محصلش حاجة، وأخر مرة فضلنا نهزر"
نظر له «عامر» بشكٍ ثم قال:
والله بخبرة الظابط اللي جوايا دي جريمة قتل مكتملة الأركان، خالد قـ.تل ياسر علشان ميتجوزش أخته، والجـ.ثة أختفت، ليه يا خالد تعمل كدا، ليه تقـ..تل العيون الزرقا اللي فينا دي ؟"
إتسعت مقلتي كلًا من «خالد» و «ياسين» معًا، من طريقة تفكير «عامر» وأول من نطق كان «خالد» الذي قال بحنقٍ:
يابني أنتَ عبيط ولا إيه؟ الله يخربيت دماغك، خلاص بقيت قـ.تال قُـ.تلة، وكمان خفيت الجـ.ثة، هو أنا أبو لهب قدامك؟"
كان «ياسين» يضحك عليهما سويًا، تعجب «عامر» فأضاف قائلًا:
والله من هنا لحد الساعة ١٠ لو الجـ.ثة مظهرتش...قصدي ياسر مظهرش هبلغ عنك"
أوشك «خالد» على ضرب «عامر» فتدخل «ياسين» قائلًا وهو يحاول التحكم في ضحكاته:
بس إهدا يا خالد، وخلينا نشوف ياسر الأول، وأنا أوعدك جـ.ثة عامر الليلة هتكون في القبر"
بعد عدة محاولات من الشباب في الوصول لـ «ياسر» باءت جميعها بالفشل، أول من صفق تصفيقًا حارًا كان «عامر» ثم أضاف قائلًا:
بس أنا عرفت ياسر فين، ياسر أكيد عند غِية الحمام"
اعتدل «خالد» و «ياسين» في جلستهما، فسأله «ياسين»:
إيه اللي خلاك تقول كدا؟"
زفر «عامر» بضيق ثم قال:
النهاردة الذكرى بتاعة اليوم اللي أبو ياسر طفش فيه، وهو كل مرة بيقضي اليوم هناك، السنة دي بقى أخت خالد هي اللي خدت بالها"
نظر له «خالد» بشكٍ ثم قال:
هو بيقضي كل سنة اليوم هناك كدا؟"
أومأ «عامر» في هدوء ثم أضاف قائلًا:
أنا عرفت بالصدفة لما عمار أخويا كان في الغية واتقابلوا هناك"
وقف «ياسين» ثم قال:
طيب يلا نروحله، لو فضل هناك لحد بكرة كدا، هيموت من الزعل، وأنتَ يا خالد كلم أختك خليها تحصلنا على هناك"
أومأ «خالد» بهدوء، فتحدث «عامر» بمرحٍ:
يعني كدا ياسر مماتش وخالد مش هيدخل السجن؟"
نظر له «ياسين» وهو يعض على شفته السفلى بضيق، بينما «خالد» رفع أحد حاجبيه بضيق ولم يُعقب.
بعد مرور عدة دقائق وصل الشباب إلى بيتٍ من البيوت القديمة المُتهالكة، كان البيت عبارة عن أربعة طوابق وفي الطابق الأخير غِية حمام، صعد الشباب بهدوء، وكما قال «عامر» كان «ياسر» جالسًا على الأرضية وهو مستند بظهره على السور خلفه، وكان واضعًا رأسه على ركبتيه، وضاممًا ذراعيها على ركبتيه، من يراه يظنه سجينًا حُكم عليه مدى الحياة، نظر الشباب إلى بعضهم البعض بحزن على حال صديقهم ، وبهدوء جلسوا بجانبه، لم يشعر «ياسر» لما يدور حوله، إلا أن تحدث «خالد» وهو يقول بصوتٍ متأثر:
طول عمرك زي العيل الصغير، الجسم جسم راجل والقلب قلب طفل لسه عنده ١٠ سنين"
رفع «ياسر» رأسه بسرعة كبيرة ثم نظر له بأعين منتفخة من كثرة البكاء ثم نظر لـ «ياسين» و «عامر» ولم يتفوه بِـحرفًا واحدًا، فأضاف «خالد» قائلًا:
عارف؟ طول عمري بخاف عليك زي إبني، حاسس إنك مسئول مني زي يونس إبني كدا، لما طلبت مني تتجوز إيمان أنا كان خوفي عليك أنتَ، ماهو مستحيل تتخانقوا سوا واضطر أختار واحد فيكم، كان خوفي كله أختي تفرق بيننا، لما بتزعل بحس أني قصرت في حقك، بس النهاردة عرفت إنك بتكدب عليا في كل مرة تقول أنا نسيته فيها"
أرجع «ياسر» رأسه للخلف وقال بصوتٍ جاهد حتى يخرج منه:
عاوزني أنسى إيه يا خالد؟ أنسى إن أبويا سابني في أول الطريق بمزاجه، أنسى إني أضطريت اشتغل شغلتين في اليوم علشان أعرف أكمل دوره، ولا أنسى إنه وقف قدامي وقال إنه مش ملزم يصرف علينا أكتر من كدا؟ عارف أنا كنت كل يوم أبص من الشباك وأقول هيرجع أكيد، مش معقول يسيبني في أول الطريق أغرق وهو عايش، بس كل مرة كنت بنام مكسور الخاطر"
لم يستطع التحكم في دموعه أكثر من ذلك، فنزلت رغمًا عنه، وكذلك أصدقائه، إقترب منه «ياسين» ثم أخذه بين ذراعيه وقال:
محدش بينسى الوجع يا ياسر، بس أنتَ راجل متخليش الحزن يتحكم فيك، قولتلك قبل كدا إن التركيز في النِقم بيمنع عنك النِعم، أنتَ دلوقتي حققت حلمك وبقيت دكتور ومعاك صحابك، ومعاك إيمان حب عمرك كله، وأخواتك جوزتهم وإطمنت عليهم، يبقى ليه تزعل نفسك علشان واحد زي دا خسارة فيه دموعك أصلًا"
إقترب منهما «عامر» ثم قال بمرحٍ:
بقى العيون الزرقا دي تعيط برضه؟ والله أبوك دا مكانش فيه حاجة عِدلة غير عيونه اللي ورثهالك دي، وياسيدي لو على كلمة بابا قولهالي أنا و إعتبرني أبوك يلا على الأقل ضامن أحفادي شكلهم هيطلع حلو"
ضحك الجميع عليه بينما «خالد» ربت على كتفه وقال:
تخيل كدا عامر يبقى أبوك، يبقى عليه العوض من العوض فيك"
ضحك «ياسر» رغمًا عنه، ثم مسح وجهه بكفيه، وقال بصوتٍ متأثر من الموقف :
ربنا يخليكم ليا، أنا من غيركم في حياتي هحس أني يتيم"
ثم فتح ذراعيه لأصدقائه، إرتموا جميعًا في حضنه، بينما «إيمان» حمحمت بإحراج بعدما مسحت دموعها، خرج الأصدقاء من ذلك الحضن الدافئ، وأول من وقف كان «ياسر» الذي تعجب من وقوفها أمامه، فسألها بتعجب:
أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ ومين عرفك أصلًا؟"
تدخل «عامر» بهدوء:
أشكرها علشان لولا هي لاحظت غيابك، مكناش هنعرف مكانك"
نظر لها «ياسر» مندهشًا، بينما «خالد» إقترب منه وربت على كتفه ثم قال:
إتكلموا سوا وابقى وصلها البيت"
رحل الثلاثة وتركوا «ياسر» و «إيمان» معًا
______________
نظرت «هدير» بتوتر لـ «طارق» ثم نظرت لعمتها التي هزت كتفيها وكأنها لا تعلم، سألته «هدير» وهي تتصنع الثبات:
عملت إيه لخديجة يا طارق أنا مجتش جنبها أصلًا، دا كان كلام عادي يعني"
رفع أحد حاجبيه ثم قال:
واللهِ؟ وهو الكلام العادي دا يبقى بإهانة الناس والتقليل منهم يا هدير ؟ وقدام جوزها كمان، يقول علينا إيه لما يلاقي بنات العم بيعملوا كدا في بعض، قوليلي شكل خديجة إيه قدامه وأنتِ بتقللي منها؟"
تدخلت «مُشيرة» تسأله بثبات:
مين اللي قالك يا طارق، خديجة ولا وليد؟"
زفر بضيق ثم قال:
وليد اللي قالي، ومش دا المهم، المهم عندي إن الموقف دا حصل فعلًا ، ولأخر مرة يا هدير تبعدي عن خديجة و عبلة أختي كمان، هما من الأساس مش زيك ومش شبهك، ركزي بقى في حياتك وسيبك من الناس علشان تعرفي تعيشي"
نظرت له «هدير» بغلٍ ثم قالت:
يعني كلهم ملايكة وأنا اللي زبالة فيهم؟ على فكرة أنا بكرة هثبت لكم إن كلكم غلطانين"
صرخ بها «طارق» بصوتٍ هادر:
أنا مش عاوز إثبات ولا زفت أنا عاوزك تلمي نفسك، وأنا المرة دي كلمتك قصاد عمتك علشان عارف إنك مبتخبيش عليها حاجة، المرة الجاية هيبقى الكلام مع عمي محمود نفسه"
تحدثت «مُشيرة» وهي تتصنع الطيبة:
معاك حق يا طارق، هدير غلطت فعلًا، بس دا مش هيتكرر تاني وأنا بنفسي هصلح الموقف دا"
نظر لها بشكٍ لكنه لم يستطع تكذيبها، فأومأ لها بهدوء ثم قال:
تمام يا عمتو،وأنا عارف إنك هتعقليها،وعارف كمان إن هدير واعية وعاقلة ومش هتغلط تاني"
أومأت له عمته، بينما «هدير»إبتسمت بتصنع ثم نظرت لعمتها فبادلتها نفس النظرة
تركهن «طارق» و رحل إلى شقته، و تبعته «هدير» إلى شقتها، دخلت بضيق إلى غرفتها وجلست على الفراش، ثم أمسكت الهاتف وضغطت على رقم ما، قام الرقم بالرد عليها فتصنعت الثبات وهي تقول:
إزيك يا شهاب عامل إيه؟"
وصلها رده من الجهة الأخرى فقالت بهدوء:
يارب دايمًا، قولي صح أنتَ لسه عاوز تكلم عبلة بنت عمي ؟"
أجابها هو:
آه طبعًا وقولتلك أبعتيلي رقمها أكلمها"
إبتسمت بخبثٍ ثم قالت:
لأ الكلام في التليفون مش هينفع، أنا هخليك تقابلها أي خدمة يا عم"
فرح هو بشدة فقال:
بجد يا هدير يعني خلاص فاتحتيها في موضوعنا؟"
إبتسمت بتصنع ثم قالت:
مش بالظبط كدا، كل الحكاية أني لمحت قصادها، ولقيتها مش ممانعة ،قولت الباقي بقى عليك أنتَ".
أغلقت «هدير» الهاتف مع «شهاب» ذلك الشاب الذي يجلس معهم في الكافيه، و يكن حب كبير لـ عبلة، دون أن يعلم بأمر خِطبتها من «وليد» وتم الاتفاق بينهما على الموعد الذي سوف يقابلها به.
_________________
جلست «إيمان » بجانب «ياسر» نظرت حولها ثم قالت بسخرية:
على كدا بقى الحمْام دا أحسن مني علشان تيجي تقعد معاه وتسبني؟"
حرك رأسه بيأسٍ ثم قال:
هي الليلة دي كان ناقصها جنانك فعلًا"
وكزته في ذراعه ثم قالت بضيق:
رُد عليا يا إبن ميرفت بتسبني وبتيجي تقعد مع الحمام؟ ليه يا أخويا مش مالية عينك؟"
نظر لها بتعجب ثم أردف قائلًا:
أنتِ غيرانة من الحمْام يا إيمان؟ وبعدين أجيلك إزاي وأنا مهزوم كدا؟ أجيلك أعيطلك وأقولك إني الدنيا كلها خذلتني"
نظرت له بحزن ثم قالت:
وليه متشاركنيش الحزن يا ياسر؟ وبعدين مين دا اللي خذلك يا ياسر؟"
تنهد بعمقٍ ثم قال بنبرة حزينة:
الدنيا خذلتني لما دا بقى أبويا، وخذلتني لما إتمرمط في الشوارع وأنا عيل صغير وساعات كنت ببات في المحل علشان أعرف أجمع فلوس للبيت وإتخذلت لما المدرسة كلها إتريقت عليا وأنا في إبتدائي، وإتهزمت لما كنت فاكر نفسي شاطر وعرفت أنسى، طلعت بكدب على نفسي"
أمسكت وجهه بين كفيها ثم ضغطت عليه فجأة وهي تقول بضيق:
قولت كل دا يا إبن ميرفت ومجبتش سيرتي خالص ، وبعدين إزاي تقول إنك أتهزمت في الدنيا ومتقولش إنك إنهزمت قدام براءة عينيا؟"
أبعد كفيها عن وجهه بضيق ثم قال بحنقٍ:
حاسبي يا متخلفة وشي، أديني فرصة أكمل كلامي، وبعدين وحياة ربك دي عيون فيها براءة علشان تهزمني؟"
وضعت يدها في خصرها ثم قالت بضيق:
أومال فيها إيه يا دكتور ياسر؟ رُد عليا؟"
نظر في أعينها ثم قال بِحب:
فيها الحاجة الوحيدة اللي مصبراني على الدنيا، فيها سحر مبيطلعش غير ليا، فيها إيمان اللي إتولدت على إيدي، فيها ياسر العيل الصغير اللي لسه جواه حلم كبير معاكِ وبوجودك أنتِ هيتحقق، فيها كلام لو قولته عاوز العمر كله، فيها القوة اللي بحتاجها علشان أقدر أكمل حياتي، فيها حبك ليا اللي بيخليني عاوزك معايا النهاردة قبل بكرة،و عاوزك أم ليا قبل ما تكوني أم عيالي يا إيمان"
أنهى حديثه فوجدها ترتمي و تبكي بين ذراعيه، إبتسم بخفة ثم ربت على ظهرها بحنان وقال بسخرية:
مش لو كان صبر القاتل على المقتول كان إرتاح وريحنا؟"
شددت من عناقها له ثم قالت:
ربنا يخليك ليا يا ياسر ويقدرني وأفرحك وأعوضك"
طبع قبلة بسيطة على رأسها ثم قال:
ربنا يخليكي ليا ويقدرني أنا وأسعدك"
أنتهت تلك الليلة المليئة الأحداث على الجميع، بعدما أوصل «ياسر» زوجته إلى بيتها وقد تبدل حاله كثيرًا بعد جلوسه معها، وعاد لأصدقائه وجلس برفقتهم على المقهى، عاد الجميع إلى منازلهم، ومر اليوم التالي بسلام و هدوء دون أي أحاديثٍ تذكر عدا مكالمات «ياسين» لخديجة التي يشرف فيها على ما تقوم بفعله وكلما شعرت بالخوف أو الفشل قام بتشجيعها، في اليوم التالي وهو يوم الجمعة يوم جلسة علاج خديجة، كانت الجلسة في ذلك اليوم في الصباح فلم يستطع الذهاب إلى شقة «ميمي»، وقف بسيارته أسفل بنايتها فوجدها تقترب منه وهي مبتسمة، غمز لها بثقة ثم قال:
عينيكِ بتقول أني وحشتك صح؟"
شعرت بالإحراج والخجل ولم تستطع أن تؤكد حديثه،ولا تستطع تكذيبه،بينما هو رسم ملامح الخبث على وجهه حينما رآى تأثير كلماته عليها"
ركبا السيارة سويًا فسألها هو مُستفسرًا:
عملتي كل اللي هي طلبته منك؟ ولا لسه محتارة فـ حاجة؟"
إبتسمت بهدوء ثم قالت:
آه الحمد لله، الفضل ليك بعد ربنا ساعدتني كتير"
نظر لها بحنان ثم أردف قائلًا:
أنا معملتش حاجة، أنتِ اللي شاطرة وبتتعلمي بسرعة"
من حديثه شعرت بالثقة الكبيرة، وأنها قادرة على فعل الكثير، بعد قليل أوقف السيارة أسفل البناية، نزل من السيارة ونزلت هي الأخرى خلفه، صعدا معًا للطبيبة، وكعادته دخل معها، تحدثت الطبيبة بهدوء:
ها يا خديجة إلتزمتي بالتدريبات اللي قولتلك عليها؟"
أومأت لها في هدوء فتحدثت الطبيبة قائلة:
هايل جدًا، طب التنفس والإسترخاء بتلتزمي بيهم؟"
أومأت لها أيضًا، فأشارت الطبيبة إلى «ياسين» بالخروج من الغرفة، فعل هو كما طلبت منه، بينما الطبيبة آخذتها إلى المقعد الكبير وأجلستها في وضع الإسترخاء، ثم جلست على المقعد أمامها وهي تقول:
قوليلي بقى يا خديجة، الفترة الأخيرة بقيتي بتحسي بإيه؟"
نظرت «خديجة» أمامها بشرود ثم قالت:
حاسة أني في صراع، خديجة القديمة عاوزة تطلع تحقق اللي نفسها فيه وتلحق حاجة من اللي فاتها، وخديجة التانية مكتفاها وبتفكرها بخوفها، وبين دي و دي فيه خديجة تالتة مش عارفة تعمل إيه غير إنها تستسلم"
أومأت الطبيبة ثم سألتها بهدوء:
قوليلي يا خديجة أنتِ فاكرة، خديجة القديمة قبل ما دي تظهر كانت عاملة إزاي؟ كلميني عنها"
شردت «خديجة» أمامها ثم قالت دون وعيًا منها:
كانت جميلة أوي وشجاعة عمرها ما خافت من حاجة، ولا من حد كانت شقية وبتضحك وبتلعب وبتعمل كل اللي نفسها فيه، كانت بتدافع عن أي حد، لحد ما دلوقتي بقت بتخاف تدافع عن نفسها"
سألتها الطبيبة بنفس النبرة الهادئة:
ليه بتخاف تدافع عن نفسها؟ إيه اللي حصل"
أجابتها «خديجة» وكأنها في عالمٍ آخر:
اللي حصل إن الدنيا عاندتها وأبوها عاندها وكله إستكتر عليها روحها الحلوة، إتحولت من طفلة دمها خفيف بتحب الضحك والهزار لإنسان آلي"
عند هذه النقطة بدا صوتها مهزوزًا وإرتجفت يديها، لاحظت الطبيبة تلك الأعراض، ولكنها لم توقفها من الإسترسال في الحديث، أكملت «خديجة» بصوتها المهزوز:
طفلة زيها بدل ما تدخل أوضة لعب...تدخل أوضة ضلمة ويتقفل عليها، بدل ما ...بدل ما يجيبولها عروسة لعبة ياخدوا عرايسها يوزعوها على بنات العيلة علشان تتقهر أكتر، بدل ما تلعب زي اللي في سنها يبصولها إنها لو إتحركت من مكانها هتضرب"
سألتها الطبيبة بهدوء:
ليه كل دا حصلها؟"
تنهدت «خديجة» لعلها تخرج ما يعتلي به صدرها:
علشان تتعاقب على ذنب أمها اللي هي أصلًا معملتوش، أنا بس سؤالي... إزاي قلبه كان بيطاوعه لكدا، إزاي ولا مرة صعبت عليه ودخل ليا قبل ما الليل يدخل، إزاي كل مرة كنت أحلفله إني ...إني معملتش حاجة كان يضربني أكتر، إزاي كل مرة أدافع فيها عن نفسي العقاب يزيد، ليه إفتكرني وحشة وأنا والله مش كدا..والله عمري ما عملت حاجة من اللي ضربني علشانها...أنا كنت كل مرة بستناه يحبسني في حضنه ....كان مرة واحدة يطمني ويقولي إنه هيصلح كل حاجة...أنا بقيت نسخة وحشة من واحدة كان أصلها جميل"
بكت بشدة بعد حديثها، بينما الطبيبة إقتربت منها أكثر ثم قالت بصوتٍ صارم:
لأ يا خديجة أنتِ مش وحشة، كل الحكاية إنك مستسلمة للواقع وللمجتمع ولآراء الناس ومخلياهم يتحكموا فيكِ، لكن أنتِ جميلة أوي من كل حاجة قلبك طيب وجميل كفاية إنك مش بتأذي حد، كفاية إن وسط كل الناس دي أنتِ قلبك لسه خايف يزعلهم، أنتِ جميلة زي ما أنتِ أوعي تغيري نفسك علشان حد، أرجعي خديجة القديمة تاني قوية وبتضحك وتهزر، أخرجي من عزلتك وإكتائبك دا، عيشي سنك يا خديجة، ربنا عوضك بياسين إبدأي معاه وشوفي الحياة عاملة إزاي"
نظرت لها «خديجة» بحزن ثم قالت:
ودا كبه أعمله إزاي ؟ ياريته سهل"
حركت رأسها نفيًا بقوة ثم أجابتها:
لأ يا خديجة دا علشان أنتِ مصعبة الدنيا على نفسك، خرجي خديجة القديمة وأديها فرصة ترجع تاني"
خرجت «خديجة» من غرفة الطبيبة لم تجد «ياسين» فسألت «الموظفة» التي أخبرتها بنزوله للصلاة في المسجد، أومأت «خديجة» في هدوء وظل حديث الطبيبة يدور برأسها عن شجاعتها، نزلت من العيادة تنتظره، كانت خائفة ومتوترة بشدة فهذه أول مرة تقف بدونه، وقفت بجانب السيارة تنظر للمارة وهم ينظرون إليها، شعرت بالتوتر ثم إلتفتت حولها، جف حلقها من الخوف، وقبل أن تصعد للعيادة مرةً أخرى بعدما إشتد خوفها و قلقها، وجدته يركض نحوها، تنهدت براحة ثم ركضت إليه وبدون وعيًا منها أرتمت داخل أحضانه، تعجب هو من حالتها لكنه ربت على كتفها بهدوء ثم قال بنبرة حنونة:
أنا آسف والله روحت أصلي قولت لحد ما تخلصي، مكنتش أعرف إنك هتخلصي بدري كدا"
خرجت من بين ذراعيه بتوتر ثم قالت:
أنا..أنا أسفة بس أنا معرفش المكان هنا وكنت خايفة أقف لوحدي، حسيت إن الناس بتبص عليا"
أمسك كفها يربت عليه بحنوٍ ثم قال:
إهدي خالص، متخافيش أنا معاكِ المهم يلا علشان نفطر ونلحق يومنا"
نظرت له مُستفسرة، فوجدته يومأ لها ثم قال:
أنا مستأذن منهم إنك اليوم كله معايا، متخافيش يدوبك اليوم سوا"
وبعد قليل كانا الأثنين يتناولا الفطور في السيارة، كانت تأكل بتوتر وهو يراقبها بهدوء، وحينما لاحظ شرودها أشار أمام عينيها بهدوء ثم قال:
إيه يا ست الكل روحتي فين؟"
نظرت له بحزن ثم قالت:
في الجلسة النهاردة كانت صعبة أوي، وأفتكرت حاجات كتير اوي مكنتش عاوزة أفتكرها، بس إكتشفت إن أنا أصلًا مش عارفة انساها"
ربت على كفها بهدوء ثم قال:
لأ هتنسي علشان أنا موجود معاكِ، وعلشان أنتِ بتحاولي بكل طاقتك، وعلشان أنتِ جميلة وتستاهلي أيام جميلة شبهك"
نظرت له بِـحيرة ثم سألته:
تفتكر أنا مش هفشل فـ ديه زي ما فشلت قبل كدا"
أكد حديثها بقوله:
أنا متأكد من دا إنك تقدري تعملي كل حاجة، وأنا موجود في ضهرك"
نظرت له بحب ثم قالت:
هو أنتَ إزاي علطول بتيجي في الوقت المناسب؟ يعني إزاي في كل الطرق بتكون موجود علشاني؟"
تنهد بعمقٍ ثم قال بنبرة مُحبة:
علشان أنا موجود ليكِ أنتِ، لكن إزاي بقى في كل الطرق بكون موجود فيها علشانك؟"
صمت قليلًا، ثم نظر في أعينها بِـحب وقال:
كُل الطُرق أصبحت تؤدي إليكِ..
كُل المساكن وجدتها في عينيكِ"
نظرت له وهي صامتة والبسمة الخجولة على وجهها بينما قال هو بمرحٍ بعد طيلة صمتها:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
ضحكت بشدة على جملته وهو ينظر لها بحب، ثم أضاف قائلًا:
ربنا يقدرني وأفرح قلبك علطول"
تنحنحت هي بهدوء ثم قالت:
أنا واثقة من دا على فكرة"
إتسعت بسمته بعد جملتها تلك، فهي أصبحت تثق به كثيرًا، كما أنه أصبح يرى في عينيها الاطمئنان والحب حتى وإذا لم تعترف بحبها بعد يكفيه أنه يراها في عيناها.
______________
في الصعيد وتحديدًا في بيت حسان جلس مع «مُسعد» زوج إبنة عمته، وقام بتعريفه بالعمل بأكمله ونظام البيع، والأسعار فأضاف «مُسعد» بحزن:
برضه هتمشي يا حسان؟ أنا ما صدقت ربنا يكرمني بأخ هنا"
نظر له «حسان» بحزن أيضًا ثم قال:
هعمل إيه يعني يا مُسعد، مفيش قدامي غير الحل دا، مش عاوز أزعل جميلة مني، أنا مليش غيرها"
ربت «مسعد» على فخذه ثم قال:
على البركة إن شاء الله، المهم متنسناش"
إبتسم له «حسان» بحب ثم قال بنبرة متأثرة:
أنسى أهلي وناسي يا مسعد، أنتم كل حاجة ليا، إطمن أنا واثق إننا هنرجع تاني"
في الأعلى كانت «جميلة» جالسة مع جدتها فسألتها بِحيرة:
يعني أنتِ متعرفيش عنهم أي حاجة ولا عنوان؟"
نفخت «نوال» وجنتيها بضيق ثم قالت:
لأ يا جميلة معرفش عنهم حاجة ومعرفش المنطقة إسمها إيه، كل اللي أعرفه إن بعد موت والدتك، حسان إتخانق معاهم علشان مشاكل عائلية وجابك وجه على هنا"
جلست «جميلة » تفكر لمدة ثوانٍ ثم قالت فجأة:
طب أنا اوصلهم أزاي طيب؟ أكيد عاوزين يشوفوا بنت بنتهم دي، وبعدين أنا إزاي نسيتهم كدا، يعني مش قادرة أفتكر حد خالص؟دا إيه اللي أنا فيه دا؟"
إقتربت منها «نوال» ثم ربتت على كتفها بحنوٍ بالغ و قالت:
أنتِ لما جيتي هنا كنتِ لسه في الحضانة، يعني صعب تفتكري حاجة علشان مفيش ممارسة للذكريات دي، غير كدا علشان خاطري متتعبيش حسان معاكِ وتفكريه بزمان خليه كدا ما صدق ينسى"
نظرت لها بحزن ثم قالت:
طب هو أنا إتولدت هنا إزاي؟ يعني شهادة ميلادي معمولة على الصعيد"
تنهدت نوال بعمق ثم قالت:
علشان حسان لما جابك مكانش معاكم ورق أو حاجة ، طلعنالك شهادة ميلاد من هنا طبعًا بفلوس علشان تعرفي تدخلي المدرسة وتمارسي حياتك هنا"
قبل أن تسألها مرةً أُخرى وجدت والدها يناديها من الأسفل، فتركت جدتها وركضت له، نظرت «نوال» في أثرها بحزن ثم قالت:
الله يهديكي يا جميلة، ويصبر حسان على اللي جاي معاكِ"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الثلاثون 30 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الثلاثون
الفصل الثلاثون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
_________________
ما بال الفؤاد في عشق هواكِ متيمٌ..
كُلما إستدار عنكِ عاد تحت ثُرى قدميكِ مخيمٌ
_________________
أخبريني كيف لِـمشردٌ بالطريق أن يصبح في بحور عيناكِ غريق، يا من خفق قلبي الساكن لأجلها، يا من يفيض شوقي من عيني لها و تُضيف لِـحياتي وهجٌ و بريق
كُل الطُرق أصبحت تؤدي إليكِ..
كل المساكن وجدتُها في عينيكِ"
بعد تلك الجملة التي ألقاها على مسامعها لِـتطرب آذانها، وتمر على أُذينها، كان قلبها يخفق فَرِحًا وعلى الرغم من حبه الظاهر لها إلا أن حديثه دائمًا يلقي الطمأنينة بداخل قلبها،
تحرك هو بالسيارة وهي تبتسم تارة و تارةً أُخرى تتورد وجنتيها خجلًا كلما تذكرت حديثه، وبعد مرور ما يقرب خمسة عشر دقيقة، توقف هو بسيارته أمام أحد الكافيهات الهادئة نسبيًا، نظرت له وجدته يبتسم لها بهدوء، نزل هو من السيارة وهي خلفه بتوتر واضح، وقبل دخولهما التفت لها ورسم بسمة بسيطة على وجهه وقال بنبرة هادئة:
المكان دا هادي شوية هنقعد فيه علشان تهدي من التوتر شوية وبعد كدا هنبدأ يومنا اللي أنا مخططله"
أماءت له في هدوء ولم تُعقب دخل الكافيه وهي خلفه مُطرقة برأسها للأسفل، سحب لها المقعد لتجلس أولًا ، ثم جلس هو مُقابلًا لها، نظر لها بتمعن وجد التوتر باديًا على ملامح وجهها، أخذ هو نفسًا عميقًا ثم مد كفه وإحتضن كفها وقال بهدوء:
مالك بس إيه اللي مخوفك أنا معاكِ أهو"
نظرت له بهدوء ثم قالت:
مش عارفة بس الأماكن دي بتوترني، يمكن علشان مش واخدة عليها أو يمكن علشان أنا بطبعي مش بحب الأماكن دي"
ربت على كفها وقال بنفس النبرة الهادئة:
بصي يا ستي من أهم الخطوات في علاج الرُهاب الإجتماعي إنك تعملي الحاجة اللي بتخافي منها، يعني تتحدي خوفك دا وبعدين إحنا مش جربنا قبل كدا وكان اليوم حلو؟ يبقى ليه تخلي خوفك يعجزك،افتكري دايمًا إنك قدها و قدود وإفتكري إني واثق فيكِ"
إبتسمت دون أن تعي لذلك، ثم أخذت نفسًا عميقًا لعلها تُهدئ به نفسها قليلًا، و هزت رأسها موافقة بهدوء ثم قالت:
تعرف إن دا نفس الكلام اللي الدكتورة قالته النهاردة؟ قالتلي برضه إني أقدر وإني لازم أخلي خديجة التانية تخرج وتتعامل مع الناس أنا ساعات بحس إني فعلًا محتاجة حياتي يكون فيها ناس وساعات بحس إني خايفة منهم بس الأكيد اني مش مبسوطة كدا"
أومأ لها مُتفهمًا حالتها، وقبل أن يُعقب على حديثها اتى النادل ليأخذ طلباتهما، حمحم «ياسين» ثم نظر لها قائلًا:
بتحبي الجوافة باللبن؟"
إبتسمت بهدوء ثم أومأت له، بادلها نفس البسمة ثم طلب ما يريده من النادل الذي ذهب بعد ذلك من أمامهما بإحترام، نظر لها وهو يسألها بنفس البسمة الهادئة:
طب بتضحكي ليه طيب؟"
إتسعت بسمتها أكثر ثم قالت بهدوء:
لا أبدًا أصل افتكرت يوم عصير القصب باللبن، والحقيقة مستغربة حبك الغريب للعصاير باللبن، علشان أنا مبحبش اللبن"
إتسعت بسمته فقال بهدوء:
كل الحكاية إن أمي بتحب اللبن أوي، وعلشان تقدر تخليني أحبه بقت بتحطهولي في كل حاجة، فبقيت أحب العصاير كلها باللبن، بس إزاي مش بتحبي اللبن ولما سألتك عن عصير الجوافة باللبن قولتي آه"
حمحمت بإحراج ثم قالت بهدوء:
بصراحة يعني أنا عندي ثقة في ذوقك، يعني أنا مشربتش جوافة باللبن قبل كدا، بس متوقعة إنها تكون زي عصير القصب باللبن"
أومأ لها بهدوء ولم يتفوه بِـحرفًا، أتى النادل ووضع العصائر أمامهما ثم رحل، نظرت «خديجة» هي حولها تتفحص المكان بأعينها فوجدته هادئً يوجد به عدد قليل من البشر، وكلًا منهم غير مبالٍ لما حوله، كان هو يتابع حركاتها بهدوء، فقال حتى يخفف حدة توترها:
بصي كدا كل واحد فيهم في حاله، يعني محدش مركز مع التاني ولو حد فيهم مركز يبقى مركز مع اللي يخصه و بس، أنا عاوزك دايمًا تكوني متأكدة من كدا إنك محدش بيراقبك ومحدش مستني منك غلطة علشان يمسكهالك"
أومأت له بتوتر، ثم أمسكت الكوب لكي ترتشف منه، بينما هو إبتسم لها ثم فعل المثل، وبعد الإنتهاء من تناولهما المشروب وقف «ياسين» بعدما أخرج النقود ووضعها على الطاولة، نظرت له هي متعجبة، فقال لها بهدوء:
علشان نلحق اليوم من أوله، لسه يومنا سوا طويل"
أومأت له ثم وقفت بجانبه أخذها من يدها ثم وقف بجانب السيارة وهو يقول بمرحٍ:
هعيشك يوم يا ست الكُل تحلفي بيه طول حياتك"
إبتسمت بهدوء ثم أومأت له، ركبا السيارة سويًا، وشرعا في بداية رحلتهما.
__________________
في بيت آلـ «رشيد» كان الشباب يجلسون سويًا على سطح البيت، وكان «وئام» معهمم، كانت الأحاديث دائرة بينهم عن العمل وعن الفترة القادمة، وبعد الإنتهاء من الأحاديث وقف «وئام» وهو يقول:
طب أنا هنزل أطمن على هدى رجعت ولا لأ من عند الدكتور، وهرتاح شوية تحت"
أومأ له الجميع، فوقف «أحمد» أيضًا وهو يقول:
خدني معاك، أروح المطبعة أأكد عليهم التصاميم وبعدها أروح لصحابي شوية"
تدخل «طارق» يقول بحكمة:
لو مش قادر خليك وأنا أروح معنديش مشاكل، المهم أنتَ متكونش متضايق"
إبتسم له «أحمد» ثم قال:
لأ متقلقش، أنا فعلًا عاوز أروح المطبعة خلاص اتعودت"
نظر له «وليد» بخبثٍ وهو يقول:
دا علشان بس مش لاقي حد يتابع أخباره هنا، بيلهي نفسه بالبعد"
شعر «أحمد» بالتوتر فأشار لـ «وليد» بالصمت لكن «وليد» ضحك بشدة ليثير إستفزازه، بينما «طارق» و «وئام» نظر كلاهما لبعضهما البعض بتعجب، فتحدث «وئام» قائلًا:
ماتفهمنا أنتَ وهو في إيه؟ إيه حكايتكم؟"
تحولت نبرة «وليد» إلى الجدية وهو يقول:
كل الحكاية إن أحمد بيحب بنت الجيران، هو قالي مقولش لحد، بس أنتم مش حد علشان كدا قولتلكم"
جلس «وئام» مرةً أخرى ثم قال بهدوء:
مين بقى دي إن شاء الله؟"
وقبل أن يتحدث أيًا منهما، نطق «طارق» بقوة:
منة بنت الأستاذة وفاء صح؟"
شهق «أحمد» بقوة وإتسعت مقلتيه، بينما «وليد» أضاف مؤكدًا:
الله ينور على أهلك هي منة"
جلس «أحمد» بحنقٍ ولم يُعقب، بينما تحدث «طارق» بجدية:
أنا مش أهبل ولا أنا عيل صغير، أنا عارف كل حاجة، وعارف كمان إن رقبتك إتلوحت من كتر البص على البلكونة اللي فوقك، بس قولي هي السبب في التغير دا؟"
زفر «أحمد» بضيق ثم قال:
يعني مش بالظبط كدا؟"
تدخل «وئام» قائلًا بِـحدة:
يعني إيه مش بالظبط كدا؟"
أخذ «أحمد» نفسًا عميقًا زفره على مهلٍ ثم قال:
أنا أعجبت بيها بصراحة، ولما كنت هكلمها خديجة حست بالموضوع فـ نصحتني وقالتلي إن اللي مقبلوش عليها أو على خلود مقبلوش على بنات الناس وإن مينفعش أكلمها من غير أي علاقة رسمية بينا"
نظر له «طارق» بتمعن وهو يقول بنبرة جامدة:
وبعدين عملت إيه بعد كدا؟"
هز «أحمد»كتفيه ثم قال:
ولا أي حاجة خرجت الموضوع من دماغي، وكمان خديجة قالتلي أشتغل وأبني نفسي علشان لما أتقدم رسمي مترفضش ، فبدأت معاكم شغل والصراحة لقيت نفسي بدل ما أنا كنت مقضيها خروج و نزول، واللي ساعدني أكتر إنها راحت عند أختها وقاعدة معاها يعني مبشوفهاش خالص"
قام «وئام» وإقترب منه ثم ربت على كتفه وهو يقول:
طالما بتتقي ربنا يبقى ربنا مش هيخذلك، والله طول ما أنتَ بتبعد عن الحاجة اللي تغضب ربك، ربك هيكرمك باللي يفرح قلبك"
أضاف «طارق» وهو يبتسم:
شوفت كلام أختك موزون إزاي؟ وشوفت أنتَ حياتك بقت عاملة إزاي؟ على العموم كمل معانا زي ما أنتَ ووعد مني أنا هطلبهالك بس بعد ما نخلص فرح خديجة، ونشوف فرح وليد وعبلة"
وبمجرد إنتهاء جملته وجد «وليد» ينهال عليه بالقُبلات وهو يقول:
الله يجبر بخاطرك ويراضيك يا طارق يا بن سُهير"
أبعده «طارق» عنه وهو يقول بحنقٍ:
إيه يا متخلف أنتَ حد يعمل كدا"
وقف «وليد» وهو يدور حول نفسه ويقول بفرحٍ:
هتجوز عبلة بجد، يعني قربت خلاص من حلم حياتي؟"
ضحك عليه الشباب بقوة وكلًا منهم يضرب كفًا بالأخر تعجبًا من حالته، بعد ذلك وقف «وئام» ثم قال بجدية:
أنا هنزل بقى علشان أشوف هدى، وأنتَ يا أحمد هتنزل؟"
أومأ له «أحمد» موافقًا ثم نزل معه، نظر «طارق» في وجه«وليد» وجده شاردًا وعلامات التوتر بادية على وجهه وكأن حاله تبدل خلال ثوانٍ، إقترب منه ثم هزه برفق وهو يقول:
إيه يا وليد حصلك إيه؟ ما أنتَ كنت كويس دلوقتي؟"
نظر له «وليد» والدموع تلمع بمقلتيه وهو يقول:
طارق تفتكر عبلة هتوافق عليا لو عرفت إن أنا كنت مدمن؟"
ربت «طارق» على كتفه بهدوء ثم قال:
إيه اللي خلاك تفكر كدا؟ ليه افتكرت دا دلوقتي؟ إحنا نسينا الفترة دي خالص أنا وأنتَ و وئام وأبوك و خديجة، دول بس اللي عارفين في العيلة ولا واحد في دول يقدر يقولها"
زاد خوف «وليد» أكثر فقال:
مش عارف ليه خايف وحاسس إنها مش هتقبل بيا، عبلة متسرعة ومش هتفهم أني اضحك عليا، بس والله ما كان بمزاجي أنا كنت فاكرهم صحابي وهما اللي عملوا فيا كدا"
أخذه «طارق» بين ذراعيه حينما لاحظ الإهتزاز في صوته واضحًا بقوة ثم ربت على كتفه وهو يقول:
محدش فينا يقدر يلومك ولا يتهمك بحاجة، أنتَ لما عرفت القرف اللي عملوه فيك جيت وطلبت نعالجك، ممكن واحد غيرك كان داس في السكة دي لحد ما الطريق ينتهي بموته أو رميته في السجن، بس أنتَ اخترت نفسك علشانها، وخليك فاكر كويس يا وليد، أنا شرف ليا إني أقف قدام الناس وأقول إنك جوز أختي، وشرف لعبلة نفسها إنها تكون مراتك"
خرج «وليد» من بين ذراعيه ومسح دموعه ثم قال بهدوء:
طب لو حصل وعرفت وقررت تسبني هعمل إيه ساعتها؟"
إجابه «طارق» بقوة نابعة من داخله:
يبقى هي الخسرانة ، وصدقني ساعتها متستاهلش حبك ليها"
أومأ له «وليد» بهدوء، وهو يفكر في رد فعلها حينما تعلم بما حدث له في الماضي، دون علم أو إرادةً منه.
______________
في شقة «ميمي» جلس الشباب فقط دون الفتيات، كان «عامر» ممسكًا في يده ورقة و قلم يقوم بترتيب زفافه قام فجأة وهو يصرخ قائلًا:
لأ كدا كتير، أنا ضغطي عِلي بيحسبوها إزاي دي؟"
كان «خالد» يأكل الفواكه التي أمامه هو و «ميمي»، بينما «ياسر» كان ممدًا على الأريكة، وحينما لاحظ «عامر» تجاهل الجميع له صرخ مرةً أُخرى قائلًا:
يا جدعان عبروني بتعملوها إزاي دي، يعني أروح اقولهم إيه؟"
نظر له «خالد» بضيق ثم قال بصوتٍ عالٍ:
فيه إيه ياض أنتَ، رفعتلي الضغط مالك قارفنا ليه؟"
نظر له «عامر» بضيق وهو يقول:
مش عارف يا خالد أحسبها، ولا أحلها إزاي ؟ عمار بيمتحن وأنا مش عارف أعمل إيه العفش هيروح الشقة إزاي؟ وفي نفس الوقت ياسر عاوزنا معاه علشان ننقل العفش بتاعه والمفروض أشوف القاعة وأحجزها"
زفر «خالد» بضيق، بينما «ميمي» تحدثت بهدوء كعادتها قائلة:
يا بني سلمها لربك، متفضلش تحسبها علشان تدابير ربك أجمل بكتير"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء:
ماشي يا ميمي بس خلاص الوقت مش فاضل فيه كتير، وبعدين أنا مش فاهم أحجز القاعة إزاي بقى؟"
رفع «خالد» حاجبه و أنفه فأصبح وجهه ممتعضًا وهو يقول:
نعم يا أخويا يعني إيه مش عارف تحجز القاعة إزاي؟ أنتَ عيل صغير؟"
نظر له «عامر» بضيق ثم قال بطريقة طفولية:
أيوا يعني أروح أقول للراجل يا عمو فرحي الأسبوع الجاي خلي القاعة فاضية علشان مزعلش منك؟"
ضحكت «ميمي بقوة على طريقته و «خالد» أيضًا، بينما «ياسر» إستيقظ وقال بسخرية:
دا لما تكون رايح حجز كورة يا أهطل، مش قاعة ليلة العمر"
نظر له «عامر بسخرية مماثلة لطريقته ثم قال:
صح النوم يا دكتور، أنا مش عارف جايلك نوم إزاي والدنيا مكركبة على دماغنا كدا، يابني أنتَ مش فرحك بعدي بحاجات بسيطة؟"
هز «ياسر» كتفيه بلامبالاة وهو يقول:
طب وفيها إيه يعني، هتتحل متخافش، أنتَ بس اللي متوتر وموترنا معاك"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
أنا مش عارف مالي بجد حاسس إني عاوز كل حاجة تكون مظبوطة ومش عاوزها تزعل، في نفس الوقت حاسس إن مش هلحق، حاسس...حاسس كدا من فرحتي إني عاوز أطلقها"
فرغ فاه الجميع مما قاله ، بينما «ياسر» حرك رأسه بقوة، ثم قال:
هو أنا مش فاهم بالظبط أنتَ عاوز إيه؟بس اللي متأكد منه إنك بتعك الدنيا"
وافقه «خالد» في الحديث ثم أضاف قائلًا:
بيعكها على دماغه و دماغنا، المهم لو على القاعة أنا هحجزها لك ، ولو على الناس أنا هعزمهم شوف حاجة تانية توتر نفسك عليها"
قام «عامر» وإحتضنه بقوة وهو يقول:
بجد يا خالد هتتولى أنتَ المهمة دي مكاني؟"
ربت «خالد» على كتفه بحنان ثم قال وهو يبتسم:
متقلقش يا عامر كل حاجة هتبقى زي ما أنتَ عاوز وأحسن إن شاء الله"
تدخل «ياسر» بحنقٍ:
يا سلام وأنا هتبعني كدا يا خالد؟ عامر هيشغلك عني؟"
فتح «خالد» ذراعه الأخر لـ «ياسر» حتى يأتي له، أقترب منه «ياسر» مُتذمرًا، ضم «خالد» الأثنين بين ذراعيه ثم قال بنبرة حنونة:
ولا أي حاجة في الدنيا دي كلها تقدر تشغلني عن واحد منكم أنتَ التلاتة حتى الواد ياسين زيكم بالظبط، وفرحة واحد فيكم كأنها فرحتي بالظبط، مش عاوز واحد فيكم يخاف طول ما أنا معاكم ماشي؟"
نظرت لهم «ميمي» و الدموع تلمع بمقلتيها على هذا المشهد المحبب لقلبها، وهي ترى كلًا من «ياسر» و «عامر» ينام على كتف «خالد» وخالد ضاممًا إياهم بين ذراعيه بحب.
_____________
بعد فترة من القيادة، كانت «خديجة» تراقب فيها الشوارع والمارة بها وهي تأخذ نفسًا عميقًا ثم تزفره على مهلٍ, توقفت السيارة أمام كورنيش النيل، إتسعت إبتسامتها ثم نظرت له وهي تقول:
لأ فعلًا مكان جديد مكنتش متوقعاه خالص يا ياسين؟"
غمز لها بطرف عينه ثم قال بثقة:
لأ أنا واثق إن الجاي كله أنتِ مش متوقعاه، صبرك عليا بس يا ست الكُل"
نزل من السيارة ثم تبعته هي بهدوء، إحتضن كفها بين كفيه ثم قال:
خدي نفسك بقى علشان اللي جاي كله دا عاوز بال رايق يا خديجة"
أومأت له في هدوء ولازالت البسمة الهادئة تُزين وجهها، نزل بها عدة درجات، ثم اقترب من أحد المراكب الصغيرة التي تتحرك داخل نهر النيل، وجد رجلًا في أواخر العقد السادس من عمره تتميز ملامحه بالبساطة والهدوء، ذهب إليه وألقى عليه التحية بحرارة وأحتضنه بشدة، تعجبت «خديجة» مما رآته، بينما نظر لها الرجل بهدوء ثم قال:
قولتلك يا ياسين إن السنة دي هتيجي ومعاك عروستك مصدقتنيش"
ابتسم له «ياسين» ثم قال:
غلبتني يا عم عبدالله، وأهو طلع كلامك صح وجيت بيها"
ربت الرجل على كتفه ثم قال:
ربنا يسعدكم يا بني و يفرح قلوبكم، أنا جهزت طلبك كله وهتلاقي عبدالرحمن إبن ابني معاكم"
إتسعت إبتسامة «ياسين» ثم قال:
ربنا يباركلي في عمرك يا رب"
نظر لها «ياسين» وجد التعجب باديًا على ملامح وجهها، تحولت نظرته إلى الخبث ثم قال:
صحيح يا عم عبدالله سندس روح قلبي عاملة إيه؟"
علم «عبدالله» بنظرته الخبيثة، فقرر مجاراته بقوله:
بتسلم عليك وبتقولك إنك وحشتها أوي"
احتقن وجه «خديجة» ضيقًا مما سمعته، بينما «ياسين» قرر إثارة إستفزازها أكثر حينما رآى ضيقها، فقال:
وهي وحشتني أوي، سلملي عليها وبوسهالي لحد ما أشوفها وأسلم عليها بنفسي"
ضحك «عبدالله» ثم قال:
بس هي بتسأل عن خطيبها ياسر"
بادله «ياسين» الضحك ثم أضاف قوله:
آه علشان عينهم زرقا زي بعض يعني؟ على العموم ماشي علشان نلحق اليوم من أوله"
ثم بعد ذلك أمسك كفها لكي ينزل بها للمكان المخصص للمراكب، كانت تود سحب يدها من يده، لكنه ضغط عليها برفق ثم قال بصوتٍ منخفض:
إهدي يا ست الكل مالك، ننزل بس المركب وهفهمك كل حاجة"
نظرت له والدموع تلمع بمقلتيها ولكنها كانت متحكمة بها وحينما أطال نظره لها أومأت له في هدوء تام، أخذها وركب المركب وهي أمامه جلس هو أولًا ثم أشار لها بالجلوس، جلست هي على بعدٍ منه، إبتسم على حالتها تلك، وعلى الرغم من ضيقه من حزنها إلا إنه كان مستمتعًا بِـ غيرتها عليه، إقترب منه وهو يبتسم بشدة ثم قال:
يعني هنقضي الوقت وأنتِ زعلانة كدا؟ ينفع تضيعي علينا الوقت الحلو دا؟"
نظرت له بحزن ثم قالت:
أنا مبضيعش حاجة، روح أنتَ لـ سندس يا ياسين"
زادت بسمته إتساعًا ثم قال:
يا ستار يا رب على البنات وهما غيرانين، على العموم ياستي سندس دي عندها ٣ سنين مش أكتر من كدا، وإحنا كنا هنا في عيد ميلاد يونس إبن خالد وشوفناها وهي حبتنا، ولو مش مصدقة أستني"
أخرج هاتفه ثم أخرج صورة للفتاة الصغيرة معه ومع أصدقائه، إنفرجت أساريرها بمجرد رؤياها للصورة، ثم إبتسمت ، بينما هو قال بحب:
أنا عمر عيني ما شافت غيرك يا خديجة علشان تحبه، ولا حد يقدر يشغلني عنك"
أماءت له في هدوء والبسمة ترتسم على شفتيها رويدًا رويدًا، فقال هو:
ها يا ستي كلميني عن نفسك بقى عاوز أعرف عنك كل حاجة"
نظرت له مستفسرة ثم قالت:
أنتَ أكيد عارف عني حاجات كتير، وليد ميتوصاش"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
أنا عاوز أسمع منك أنتِ، عاوزك تشاركيني كل حاجة يا خديجة، حزنك و فرحك وكل حاجة لكِ"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
وأنا حاسة إني عاوزة أشاركك، مش عارفة ليه بس حاسة أني هرتاح كدا"
ربت على كفها ثم قال:
الأول أستني عليا بس أجيب الحاجة اللي مجهزهالك"
تركها ثم ذهب للشاب الصغير الذي يعمل بالمركب ثم أخذ منه صندوق يحافظ على المثلجات، ثم عاد لها مرةً أخرى، نظرت له ولما يحمله بيده بتعجب، بينما إبتسم هو ثم قال:
الأمر ميسلمش في الحر اللي إحنا فيه دا"
نظرت له مستفسرة ثم قالت:
إيه دا يا ياسين؟
إبتسم بفخرٍ ثم قال:
دا أيس بوكس فيه إيه بقى يا ستي؟ فيه تورتة وفيه حاجات سقعة علشان ترطب على قلوبنا"
قال حديثه ثم شَرَعَ في إخراج محتويات الصندوق أمام عينيها، إتسعت بسمتها ثم قالت:
لأ بجد أنتَ إزاي كدا؟
هز كتفيه ثم قال:
كدا إزاي يعني، أنا إنسان"
تبدلت نظرتها له إلى الحب ثم قالت:
بس مش أي إنسان يا ياسين، وبعدين سؤال مهم عرفت منين أني كان نفسي أركب مركب في النيل، ولا جت معاك صدفة؟"
إبتسم لها ثم قال:
بصراحة أنا خمنت يعني، وبعدين هو إزاي أنتِ مش بتخافي منهم؟"
هزت كتفيها ثم قالت:
مش عارفة بس يمكن علشان أنا بحب الحاجات الهادية دي، أنا برضه إستغربت إني مخوفتش منها"
أومأ لها ثم قام بتقطيع القالب ثم وضعه أمامها وقال:
يلا بقى أحكيلي عن نفسك"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
أنا خديجة، عندي ٢٤ سنة، خريجة كلية تجارة، زي ما أنتَ شايف كدا بخاف من كل حاجة، بس مش بسببي، بسبب اللي حواليا"
نظر لها مُستفسرًا ثم قال:
ليه عملولك إيه؟"
أخذت نفسًا عميقًا وبدأت في الشرود في ماضيها وكأنه يمر أمامها ثم قالت:
خديجة دي كانت جميلة أوي وشقية والكل بيحبها، بس لما بدأت تضرب وتتعاقب كله بدأ يكرهها، الفكرة كلها إني ولا مرة إضربت على حاجة عملتها فعلًا، كل مرة كان الذنب مش ذنبي"
لاحظ إرتجافة يدها و إهتزاز صوتها، فربت على كتفها بهدوء وقال:
لو مش عاوزة تحكي خلاص، المهم أنك متكونيش متضايقة"
حركت رأسها نفيًا بهدوء ثم قالت:
لأ يمكن أرتاح شوية لما أشاركك أو يمكن انسى"
حرك رأسه موافقًا في هدوء بينما أسترسلت في الحديث قائلة:
كل مرة كنت بفضل أقول أنا معملتش كدا مكانش بيصدقني، وكل مرة أدافع عن نفسي يتهموني بالكدب، لحد ما بقيت بسكت عن حقي، في يوم بقى دا كان أكتر يوم إتضربت فيه دا مش بنساه خالص"
سألها مُستفسرًا:
يوم إيه دا؟ وإيه اللي حصل ساعتها؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بنفس النبرة المهتزة:
ساعتها كان أخر يوم ليا في إمتحانات ٦ إبتدائي، في ولد اليوم دا لقى الورقة بتاعة الملخص اللي كنت عملاه قبل الإمتحان وكنت كاتبة إسمي عليها، خدتها منه قدام المدرسة كلها عادي وروحت لجنة الإمتحان، روحت البيت اليوم دا هدير بنت عمي قالتلهم إنها شافت زميلي بيديني جواب، الدنيا قامت مقعدتش، وساعتها فتحوا شنطتي يفتشوها لقوا فعلًا جواب وقبل ما أدافع عن نفسي لقيت قلم ورا التاني على وشي، بعد كدا محستش بنفسي غير بليل لما صحيت لقيت نفسي في الأوضة اللي بترمي فيها و وليد ساعتها كان بيحاول يصحيني"
فرت دموعها بعد ذلك وزادت إرتجافتها وتوقفت عن الحديث ولم تستطع الإسترسال أكثر من ذلك، رآى هو حالتها تلك فآخذها بين أحضانه ثم ظل يربت على ظهرها وهو يقول بنبرة حنونة:
إهدي علشان خاطري، متحكيش أكتر من كدا، كفاية"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بنبرة باكية:
بس أنا عاوزة أحكي، عاوزة أخرج كل اللي جوايا"
ربت مرةً أُخرى على ظهرها ثم قال:
أحكي يا خديجة لو دا هيريحك، بس خليكِ كدا في حضني"
أومأت بهدوء ثم قالت بعدما أخذت نفسًا عميقًا:
ساعتها وشي كله كان وارم، وجسمي أزرق والمفروض آخر يوم إمتحانات بدل ما أفرح فيه شوفت اصعب يوم في حياتي، ساعتها طارق إبن عمي قال لأخته متكلميش خديجة تاني، وعمتو قالت لهدير ملهاش دعوة بيا علشان أنا مش محترمة، كلامهم ساعتها وجعني اكتر من الضرب، ونظرتهم ليا قتلتني من غير رحمة، وفضلت أفكر أنا فعلًا وحشة كدا ومستاهلش حد فيهم يحبني؟ لحد ما براءتي ظهرت بعدها بـ ٣ سنين"
تعجب مما قالته فسألها مستفسرًا:
٣ سنين إزاي ؟ وكل دا محدش فكر يسأل عن الجواب ولا مين الولد دا؟ وبعدين الجواب دا جالك إزاي"
خرجت من بين ذراعيه ثم مسحت دموعها وقالت:
ساعتها دا كان أخر يوم إمتحانات، وبعدها عدى فترة كبيرة أوي ونقلوني مدرسة بنات بس علشان يعني اتربى، ساعتها وليد كان أكبر مني بسنة، وبالصدفة قابل الولد دا في مدرسة الثانوي وسأله عن الجواب، الولد ساعتها قاله إنها كانت ورقة ملخص أنا عملاه، وبعد السؤال والتحريات طلعت هدير هي اللي حطالي الجواب"
إندهش «ياسين» مما وقع على مسامعه فسألها بذهولٍ:
هدير؟ طب وإيه اللي حصل لها يعني عملوا معاها إيه؟"
هزت كتفيها ثم قالت بنبرة حزينة:
ولا أي حاجة خلاص كان فات ٣ سنين وكانت هي أكبر مننا أنا و وليد وقالت إنها كانت صغيرة، كانت ساعتها في مبنى إعدادي اللي في المدرسة، وعمتو دافعت عنها وقالت إن انا غلطانة علشان كلمت ولد و وقفت معاه وقالت إن هدير كانت عاوزة تعلمني درس بس جه صعب شوية"
ربت على كفها ثم قال بنبرة حنونة:
حقك عليا أنا يا خديجة، حقك عليا من الدنيا كلها"
إبتسمت له ثم قالت:
عارف عيشت عمري كله لوحدي وفاكرة نفسي متحبش، أو أنا مستاهلش إن حد يبقى معايا، يعني عمري ما كان عندي صحاب، وعمري ما حد كان قريب مني، عشت طول عمري كله فاكرة نفسي مبعرفش اتكلم..لحدما..."
_"لحدما إيه كملي؟"
خرجت منه تلك الجملة بنفس النبرة الهادئة، فأكملت هي بهدوء:
لحدما قابلتك، لقيت نفسي بتكلم ولقيت نفسي عاوزة أتغير حسيت أني جميلة أوي، كل مرة بشوف نفسي في عينك يا ياسين بحس أني أجمل بنت في الدنيا"
إبتسم ثم أضاف قائلًا ليؤكد حديثها:
أنتِ جميلة أوي فعلًا يا خديجة، جميلة من كله، في قربك عني وفي بعدك عني زي نجوم السما، عينك جميلة ومن نظرة منها بطمن، أنتِ اللي زيك مكسب لأي حد، وخسارة في أي حد"
رفعت رأسها تنظر له والدموع تلمع بمقلتيها ثم قالت:
عارف من ضمن الأسباب اللي خلتني اوافق على جوازي منك كان خوفي منهم في البيت لو رفضت، وكنت عاملة حسابي إن بعد فترة أطلب منك تسبني"
سألها بمرحٍ:
طب و دلوقتي يا ست الكل برضه عاوزاني أطلقك؟"
حركت رأسها نفيًا بقوة ثم قالت:
أنا دلوقتي مش عاوزة غير وجودك أنتَ يا ياسين، ولو فيه حاجة في حياتي تستحق أني أتغير علشانها يبقى أنتَ برضه يا ياسين"
إرتفعت ضربات قلبه بشدة من إعترافها ذلك، ثم إقترب منها وطبع قبلة حنونة فوق جبينها ثم قال:
وأنا والله مش عاوز غير إن عمري كله يكون معاكِ، بس وأنا مفرحك فيه، مش عاوزك تزعلي تاني يا خديجة علشان اللي زيك الزعل مش علشانه"
أومأت له في هدوء، ثم أمسكت الطبق الذي أمامها وبدأت تتناول منه في هدوء وفعل هو المِثل، وبعد ذلك حمحم ثم صفق بكفيه معًا وقال:
يلا بقى علشان نمحي فقرة الحزن اللي فاتت دي"
نظرت له بتعجب فوجدته يوقفها وهو يبتسم بشدة اوقفها ثم وقف هو خلفها وهو يقول:
من غير غِش هتغمضي عيونك، ومتلفيش غير لما أقولك"
إبتسمت بتعجب ثم قالت:
إيه يا ياسين أنتَ عازم السمك عليا النهاردة ولا إيه؟"
ضحك هو من خلفها ثم قال:
لا حول ولا قوة إلا بالله، صحيح من إعتاد القلق ظن الطمأنينة فخًا"
إتسعت هي بسمتها أكثر ثم قالت:
طب إيه طيب هفضل كدا كتير؟ أنا قربت أدوخ"
أخرج هو شيئًا من جيبه سترته ثم قال:
لأ خلاص والله أهو لفي بس وأنتَ مغمضة عيونك"
إلتفتت له ولازالت البسمة تُزين وجهها، حمحم هو ثم قال:
فتحي عينك بقى"
فتحت عيناها بهدوء فوجدته ممسكًا بخاتم من الفِضة يتوسطه فراشة صغيرة والبسمة العذبة تُزين محياه، شهقت هي بقوة ثم فرت دموعها رغمًا عنها، بينما هو إقترب منها أكثر ثم قال:
تتجوزيني يا خديجة؟"
نظرت له بتعجب ثم قالت بهدوء:
طب ما أنا مراتك يا ياسين ؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بصوتٍ قوي:
لأ يا خديجة أنا عاوز أسمعها منك برضاكِ من غير خوف من حد"
صمتت وهي تنظر له بينما هو امعن النظر لها أكثر وحينما طال صمتها أكثر، سألها بنبرة حزينة:
إيه يا خديجة مش هتردي عليا؟"
إقتربت منه وهي تمد كفها له ثم قالت:
طبعًا موافقة يا ياسين، ولو في عمره كله بعمل أي حاجة الإجبار أنتَ الوحيد اللي القلب والعقل يوافقوا عليه"
تنهد هو بعمقٍ ثم ألبسها الخاتم بجانب دبلته التي تُزين إصبعها، أما هي إبتسمت بعمق ونظرتها له تعبر عن الحب الذي تكنه له في قلبها.
___________________
في بيت آلـ «رشيد» قررت «هدير» عودة العلاقات بينها وبين «عبلة» حتى تستطع تنفيذ مخططها،لذلك هاتفتها لكي تجلس معها فوق سطح البيت، صعدت «عبلة» لها ثم نظرت لها بضيق وقالت:
خير يا هدير، أؤمري المرة اللي فاتت قولتيلي إني بقيت زي خديجة و وليد ، المرة دي بقى هكون زي مين؟"
علمت «هدير» أن «عبلة» لازالت تشعر بالضيق منها، فوققت تقول بمزاح:
ياستي بهزر معاكِ، وبعدين أنا كنت مخنوقة وأنتِ بدل ما تواسيني رميتي كلام زي السم في وشي"
نظرت لها «عبلة» بطرف عيناها ثم قالت:
واللهِ؟ ماشي يا هدير بس أنا مش هسمحلك إنك تغلطي في وليد أو خديجة أو أي حد ، كفاية كدا بقى يا هدير"
تصنعت «هدير» الهدوء ثم قالت:
ماشي يا عبلة بس بجد متزعليش مني أكتر من كدا، أنا حاسة أني لوحدي من غيرك هو وليد من الخطوبة بعدنا عن بعض ، أومال لو كتب كتاب هيعمل إيه؟"
نظرت لها «عبلة» بهدوء ثم قالت:
لأ وليد ملوش علاقة، أنا بس إنشغلت في الكورس وفي الحاجات اللي بتابعها على النت علشان تساعدني في حياتي"
أمسكت «هدير» كفها ثم قالت:
طب ومن إمتى وأنا معرفش عنك حاجة؟ إحنا إتحسدنا على فكرة"
إبتسمت «عبلة» بهدوء كعادتها ثم قالت:
ماشي يا هدير تعالي بقى أعرفك عملت إيه في الكورسات"
أومأت لها «هدير» بفرحٍ ثم قالت:
تعالي بقى أفرجك أشتريت إيه أول إمبارح"
إبتسمت لها «عبلة» باطمئنان، بينما «هدير» الخبث كان يلمع داخل بمقلتيها وهي تشعر بالإنتصار من قرب ما تخطط له.
في شقة «مُشيرة» انتهت «صباح» من ترتيب شقة «مُشيرة» ثم خرجت لها بهدوء وقالت:
ست مُشيرة أنا خلصت الشقة كلها خلاص، تؤمري بحاجة تانية؟"
حركت «مُشيرة» رأسها نفيًا بهدوء ثم قالت:
لأ يا صباح تسلمي، خدي دول وفي شنطة فيها حاجات مهمة خديها"
أعطتها أوراق مالية ، ثم اشارت على مكان الحقيبة، ذهبت تلك الفتاة التي على وشك الدخول في العقد الثالث تجاه الحقيبة ثم أمسكتها بفرحة كبيرة، تفحصت الحقيبة ثم قالت:
بس دي فيها كتير أوي يا ست مشيرة"
إبتسمت لها ثم قالت:
دي حاجات لكِ و لبنات أختك، صحيح هي عملت إيه مع جوزها"
جلست «صباح» أمامها وهي تقول بصوتٍ خبيث:
رجعته تاني وطلق مراته ورماها رمية الكلاب في الشارع"
نظرت لها «مُشيرة» بإستفسار ثم قالت:
إزاي يا بنتي مش قولتي إنه إتجوز عليها علشان الولد"
أومأت «صباح» بقوة ثم قالت:
وفعلًا حملت، بس البركة في الشيخ عزيزي ومراته عملولها عمل خلاها سقطت وأختي تاني يوم كانت ظع جوزها في البيت"
نظرت لها «مشيرة» بتعجب ثم قالت:
إزاي يا بنتي وفين ياختي الشيخ عزيزي دا؟"
إلتفت «صباح» حولها وكأنها ستفصح عن سرًا حربيًا ثم قالت بنبرة خفيضة:
الشيخ عزيزي دا في الفيوم أختي راحتله مع مرات عمي لما كانت هناك في زيارة، بس بركة في خلال إسبوع كانت كل حاجة رجعت تاني"
نظرت لها «مُشيرة» بتمعن ثم قالت:
إزاي دا يا بت يا صباح، وهو التخاريف دي بتنفع؟"
أومأت «صباح» بقوة تؤكد حديثها ثم أضافت:
آه ورب الكعبه بتنفع أسأليني أنا، عدم المؤاخذة يعني يا ست مشيرة، مش أنتِ عندك مشاكل هنا مع الست مروة و الست زينب؟ إيه رأيك تيجي معايا؟"
تحولت نظرة «مُشيرة» إلى الجد ثم قالت بنبرة قوية:
أنتِ هبلة يا بت أنتِ ولا إيه، عاوزاني على أخر الزمن أعمل سحر وتخاريف لمراتات أخواتي؟"
شعرت «صباح» بالإحراج فقالت بنبرة خَجلة:
حقك عليا يا ست مُشيرة، والله كان قصدي مصلحتك"
نظرت «مشيرة» لها بِـحدة ثم قالت:
لو الموضوع دا إتفتح تاني مشوفش وشك هنا تاني مفهوم؟"
أومأت لها بهدوء بينما «مشيرة» نظرت أمامها ولم تُعقب.
_______________
بعد غروب الشمس خرج «ياسين» و «خديجة» برفقته بعدما التقط لها صورًا عديدة داخل المركب والتقط له صورًا برفقتها والبسمة تُزين وجهيهما، ركب السيارة وهي معه كانت تنظر للخاتم بإصبعها بفرحة كبيرة ،و عندما شرع في القيادة نظر لها بطرف عينه فوجدها تنظر للخاتم وهي تبتسم، فتنحنح ينقي حنجرته وقال:
أتمنى إن اليون يكون عجبك وتكون المركب وشها حلو عليكِ"
نظرت له وهي تبتسم ثم قالت بنبرة حماسية:
اليوم بدايته كانت صعبة شوية، بس بجد دا أحلى ٣ يوم حلو في حياتي يا ياسين"
نظر لها وهو يضحك ثم قال:
أنتِ هتعدي على نفسك الأيام الحلوة يا خديجة؟ المهم الخاتم عجبك؟"
_"أوي، يا ياسين رقيق أوي، أنا كمان بحب الفضة أوي"
خرجت منها تلك الجملة بسعادة بالغة ولم تستطع السيطرة على نبرتها، فرح هو نتيجة لفرحتها، بينما باغتته هي بسؤالها:
بس ليه فراشة بالذات؟"
نظر لها ثم قال وهو يضحك:
أنا من ساعة ما شوفتك حاسس إنك عاملة زي الفراشة يا خديجة، جمالك مُبهر وأنتِ بذات نفسك متعرفيش جمالك دا"
نظرت له بحب ثم قالت:
هي الفراشات عاملة إزاي؟"
أجابها دون تفكير:
عاملة زيك كدا"
سألته بتعجب:
إزاي يعني؟"
هز كتفيه ثم قال:
زيك كدا تِسحرك لما تشوفيها، وعندها جمال غريب يدوخ"
إرتفعت ضربات قلبها بينما هو نظر لها ثم قال بمرحٍ:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
قال جملته ثم غمز لها بطرف عينه، أعادت هي نظرها للخواتم بإصبعها، ثم ملست بإصبعها عليهما، حيث كان خاتم الفراشة بجانب الإصبع الذي يتوسطه الدِبلة التي تحمل إسمه.
أوقف السيارة أمام مكان يشبه الأماكن المُخصصة للأطفال كانت ألوانه جميعها مُبهجة بشدة نظرت له بتعجب فوجدته يومأ لها وهو يقول:
بصراحة أنا جوايا طفل صغير محتاج يلعب، ومش هلاقي أعز منك أشاركه طفولتي، فـ تسمحيلي بالفرصة دي؟"
مد كفه لها بهدوء فلم تستطع رفض تلك الفرصة فأومأت له بهدوء وهي تبتسم بتوتر ، خرج هو من السيارة ثم خرجت هي خلفه، دخلت معه المكان لكنها شهقت بقوة حينما رآت المكان مليء بالألعاب والأطفال الصغار، التفتت تنظر له فوجدته يبتسم ثم قال:
مكان زي دا بقى مش عاوز خوف أعتبري نفسك في قناة كارتون"
نظرت له بتوتر ثم قالت:
طب إحنا هنا بنعمل إيه إحنا مش معانا أطفال؟"
إقترب منها يقول بمرحٍ:
مين قالك إننا مش معانا أطفال، أنتِ أهو يا خديجة"
نظرت لنفسها بتعجب ثم قالت:
طب إزاي وهنعمل هنا إيه؟"
أخذها من كفها ثم قال:
هنعمل حاجات كتير أوي، تعالي معايا بس"
أخذها و سار بسرعة كبيرة، ثم وقف فجأة أمام عربة
(غزل البنات) كانت ألوانها مبهجة جلب لها وله أيضًا، مد يده لها حتى تأخذه منه فنظرت له بتوتر ثم قالت:
مش هعرف آكله صدقني "
تفهم ما تشعر به، فأشار لها حتى تنظر خلفها، فعلت كما طلب منها فإتسعت مُقلتيها بقوة، حينما رآت رجلٌ عجوز وزوجته تماثله في العمر يتناولا غزل البنات معًا، نظرت له مرةً أخرى وجدته يبتسم بإتساع ثم قال:
يعني الحج و الحجة دول مش مكسوفين وأنتِ مكسوفة, يلا خدي متكسفيش إيدي"
أخذتها من يده وهي تبتسم، فـ سار بها قليلًا ثم توقف أمام أحد الألعاب وهي عبارة عن مناطق للقفز، نظرت له بتعجب فوجدته يومأ وهو يقول:
هندخل ننط شوية ونخرج تاني، المكان دا هيخرج الطاقة السلبية اللي عندك من ٢٠ سنة"
حركت رأسها نفيًا بقوة ثم قالت بتوتر:
صدقني...صدقني مش هينفع والله"
أخذها من يدها ثم قام بقطع تذكرتين، وبعد ذلك دخل بها المكان ثم أمسك كفها بهدوء، كان المكان عبارة عن غرف مغلقة للأزواج، فكانت هي برفقته بمفردها والغرفة فارغة من حولهما، وهذا مالم تتوقعه هي، فجأة إرتفع صوت الموسيقى حولهما، كإشارة على بداية الجولة، لم تفهم هي ماذا يحدث حولها وفجأة وجدت «ياسين» يقربها منه بشدة إتسعت حدقتيها ونظرت له بتعجب فوجدته يغمز لها وهو يقول بنبرة مَرِحة:
جاهزة يا ست الكل؟"
وقبل أن تجيبه وجدته يقفز بها بقوة، داخل منحدر صغير نهايته تؤدي إلى غرفة مليئة بالألوان المبهجة وأماكن القفز، عند نزولهما لتلك الغرفة وجدته يقفز عدة مرات بعدما إعتدل في وقفته، ثم مال عليها وأمسك كفيها وقال:
إرجعي ١٥ سنة ورا، ويلا"
وبالفعل في خلال دقيقتين كانت تشاركه القفز والبهجة تملأ وجهها حتى صوت ضحكاتها كانت تصل له على الرغم من صوت الموسيقى.
إنتهت الجولة، فخرجا الأثنين معًا، كانت تأخذ أنفاسها بصعوبة بالغة، أجلسها في كافيه داخل هذا المكان، كان ينزر لها بفرحٍ والبسمة تُزين وجهه، نظرت له فرآت نظرته تلك سألته مُستفسرة:
مالك بتبصلي كدا ليه؟"
حمحم بهدوء ثم قال بنفس البسمة:
لأ أبدًا كنت شايفك فرحانة النهاردة من قلبك وضحكتك كانت منورة وشك، وشاركتيني حاجة كان حلم حياتي أعملها،نهايته يعني عاوز أشكرك علشان اليوم الحلو دا"
نظرت له بتعجب ثم قالت:
بعد كل دا أنتَ اللي بتشكرني؟ ياسين أنتَ رجعتني طفلة تاني اللي أهلي معملهوش علشاني أنتَ عملته أضعاف مُضاعفة"
حرك رأسه نفيًا في هدوء ثم قال:
لأ يا خديجة، أنا اللي عاوز أشكرك علشان أنا كنت عن سكة الحب دي توبت"
سألته وهي مبتسمة:
طب وإيه اللي حصلك بعد كدا؟"
إبتسم هو أيضًا لها ثم قال:
شوفت عينك الحلوة دي وفيها دوبت"
أخفضت رأسها خجلًا تُخفي بسمتها فسمعته يقول:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
رفعت رأسها ولازالت البسمة تُزين وجهها ثم أومأت له في هدوء.
__________________
في الصعيد تحديدًا في بيت «نوال» انتهت «جميلة» من تجهيز الحقائب، ثم قامت بغلق غرفتها ونزلت لوالدها، ولجدتها في الأسفل، وجدته يُنهي الحسابات مع عمته، جلست بجانبه ثم تنهدت بأريحية، نظرت لها «نوال» بحزن ثم قالت:
خلاص جهزتي كل حاجة وهتسبيني وتمشي؟ هان عليكِ نوال يا جميلة؟"
أوشكت «جميلة» على البكاء، فإقتربت منها ثم وضعت ذراعها على كتف «نوال» ثم قالت:
والله مقدرش أنساكِ، أنتِ كل حاجة ليا يا نوال"
نظرت لها «نوال» بحزن ثم قالت:
ماهو واضح يا جميلة من ساعة ما حسان كلم خال صاحبتك دا وأنتِ عمالة تلمي في حاجتك"
نظرت هي لـ والدها فوجدته يهز كتفيه وكأنه يقول لها أن الأمر لن يخصه، أخذت «جميلة» نفسًا عميقًا ثم قالت:
يرضيكي أعيش عمري كله هنا مش عارفة احقق أحلامي، ولا حتى عارفة أتأقلم معاهم؟"
نظرت لها «نوال» والدموع تلمع في مقلتيها ثم قالت:
يعز عليا فراقك يا جميلة، أنتِ كل حاجة ليا طول عمرك في حضني، غلاوتك عندي من غلاوة بنتي وأكتر "
إحتضنتها «جميلة» ثم بكت وهي تقول:
علشان خاطري متزعليش مني، أنا مش هقدر على بعدك أصلًا، وأسبوعين بالكتير وهرجعلك"
ربتت «نوال» على ذراعها ثم قالت لـ «حسان»:
ظبط كل حاجة ولا لسه يا حسان؟ ولا هتروح هناك تحتار ؟"
أومأ لها ثم قال:
متخافيش يا عمتي، عماد بعتلي صور الشقة اللي هنأجرها والمحل كمان وفيه واحد صاحبي لقيت رقمه الأرضي صدفة وطلع شغال بيظبطلي الدنيا هناك"
أومأت له ثم نظرت له نظرة ذات مغذى وهي تقول:
طب المكان حلو وأنتَ عارفه ولا إيه ؟"
قبل أن يجيبها وقفت «جميلة» تقول بفرحٍ:
دا من أجمل الأماكن اللي في القاهرة، حاجة كدا زي اللي بتيجي في التلفزيون"
أومأت لها جدتها ثم قالت:
روحي بقى إعمليلنا شاي بالنعناع حلو من إيدك وأنا هكلم بابا في حاجة مهمة"
ظنت «جميلة» أن جدتها تريد الحديث مع والدها في خصوص المال، لذلك أومأت وإنصرفت من أمامهما في هدوء، إقتربت منه «نوال» ثم قالت:
جميلة مش هتبطل تسأل عن أمها وأهل أمها يا حسان"
نظر لها مُتعجبًا ثم قال:
ليه بتقولي كدا يا عمتي؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء:
بنتك كل يوم تسألني وأنا مش هقدر أخبي عليها أكتر من كدا، بس خليك فاكر إن اليوم دا قرب يا حسان، مفيش حاجة بتتخبى علطول"
نظر أمامه بشرود وهو يفكر في حديث عمته.
______________
بعد الإنتهاء من تناول العصير أخذها «ياسين» إلى مقر الألعاب الإلكترونية ثم قام بتعليمها ومشاركتها في اللعب، وكلمت إنتصر في لعبة نسب الإنتصار لها حتى يرى فرحتها بالفوز، وبعد قليل خرجت من ذلك المقر وهي تحمل في يدها حقيبة مُحملة الألعاب التي فازت بها، كان قلبها يرقص فَرِحًا، لدرجة أنها نست خوفها ورُهابها واطلقت العنان لـ نفسها القديمة تتحرك اليوم، إقتربا سويًا من بوابة الخروج وهي ممسكة بيده بشدة، وقبل خروجهما أوقفها بقوله:
خديجة أستنيني هنا هرجعلك بعد ثواني"
نظرت حولها بتوتر ثم قالت:
هتسبني لوحدي هنا؟ طب هتروح فين"
أخذها بجانب البوابة وأوقفها هناك ثم قال بنبرة هادئة:
حاجة ضرور وهرجعلك تاني متخافيش، ولا تحبي تقعدي في العربية؟"
حركت رأسها نفيًا بهدوء ثم قالت بشجاعة زائفة:
لأ أنا هقف هنا"
أومأ لها مبتسمًا ثم قال:
وأنا مش هتأخر عليكِ وهرجعلك تاني"
تركها وسار للداخل مرةً أُخرى، إقتربت منها إمرأة تقول بنبرة هادئة:
معلش يا آنسة هو الدخول يمين ولا شمال؟"
نظرت لها «خديجة» بتوتر ثم قالت بصوتٍ مهزوز:
نعم؟"
سألتها المرأة مرةً أُخرى، أخذت هي نفسًا عميقًا ثم أشارت لها حهة اليسار، فإبتسمت لها المرأة وقالت:
شكرًا يا قمر تسلمي يا رب"
تركتها المرأة ورحلت بينما «خديجة» إبتسمت بقوة ثم قالت لنفسها:
هو أنا جاوبتها بجد؟ يعني مسبتهاش ومشيت؟"
_"لا حول ولا قوة إلا بالله، للدرجة دي بعدي عنك مجننك ومخليكِ تكلمي نفسك"
خرجت منه تلك الجملة بمرحٍ حينما سمعها تحدث نفسها، بينما هي إتسعت إبتسامتها ثم قالت:
في واحدة سألتني عن المكان وأنا شاورتلها من غير ما أسبها وأمشي، وهي قالتلي شكرًا"
نظر لها هو مبتسمًا ثم قال:
مش قولتلك أنتِ شاطرة وبتتعلمي بسرعة"
أومأت له في سعادة ثم نظرت لِـيده وجدته يمسك حقيبة هدايا متوسطة الحجم نظرت له مستفسرة فوجدته يمد يده لها بالحقيبة وهو يحمحم ثم قال:
دي علشانك ويارب تعجبك"
أخذت منه الحقيبة بتعجب ثم تركت الأخرى على الأرض بجانبها، أخرجت العلبة من الحقيبة وبمجرد إخراجها للعلبة شهقت بقوة وتجمعت الدموع بمقلتيها، حيث تحتوي العلبة على عروس رقيقة من أجود الأنواع والخامات، كان ترتدي فستانًا من اللون الزيتي ، وحزاء بنفس اللون، وشعرها بني طويل ، ورموشها كثيفة وأعينهت بنية تُشبه لون أعين خديجة.
رغمًا عنها بكت بشدة، بينما هو إقترب منها ثم ربت على ذراعيها وقال:
أنا مش عاوزك تعيطي تاني كفاية دموع يا خديجة"
رفعت رأسها تنظر له ثم قالت:
أنا بعيط علشان من زمان كان نفسي في عروسة، بس مقولتش لحد، عرفت إزاي"
أخذ نفسًا عميقًا ثم رسم بسمة بسيطة على وجهه وهو يقول:
من أول ما دخلنا المكان دا وأنا مراقب كل تحركاتك، وأكتر حاجة شدتني هي نظرة عينيكِ للعرايس، فَـ عرفت إنك نفسك في واحدة فيهم، أستنيت تطلبي مني بس محصلش قولت أخليها أخر حاجة أختم بيها اليوم دا"
نظرت للعروس مرةً أُخرى ثم سألته:
طب ليه فستانها زيتي مش لون تاني؟"
إتسعت بسمته ثم قال:
علشان دا لون الفستان اللي شوفتك بيه أول مرة، وعلشان يوم ما أعترفت بحبي لكِ كنتِ لابسة نفس الفستان، ولون عينيها زي لون عيونك، حسيت وأنا ببص على العروسة دي أني شايفك قصادي"
أخفضت رأسها في خجلٍ تنظر للعروس بيدها مرةً أُخرى، بينما هو تنهد بأريحية حينما رآى لمعة الفرح بأعينها.
بعد قليل كان «ياسين» يقود السيارة وهي بجانبه غطت في ثبات عميق والعروس بين ذراعيها، نظر لها، فوجد البسمة الهادئة تزين وجهها على الرغم من نومها، وصل أسفل البناية التي تقطن بها، حاول إيقاظها بهدوء لكنه لم يستطع، نزل هو من السيارة ثم فتح الباب الخاص بها جلس على ركبتيه يحاول إيقاظها و لكنه فشل، فأخرج زجاجة المياه وقام بسكب القليل على وجهها، شهقت هي بقوة بينما قال هو بهدوء:
إهدي أبوس راسك، أبوكي لو شافنا كدا هيفتكرني كنت خاطفك"
التفتت حولها بفزع ثم قالت:
بابا...هو فين شافني؟"
أمسكها هو وقال بهدوء:
أهدي أهدي، باباكِ مش هنا بس فوقي علشان إتأخرنا"
مسحت على وجهها بكفيها ثم قالت:
هو أنا كنت بحلم ولا اللي حصل دا بجد؟"
نظر لها بسخرية ثم قال:
الله أكبر، سلوك العقل الواعي لمست في سلوك العقل الباطن وروحنا في داهية"
إبتسمت على جملته ثم نظرت للعروس بجانبها، حينما رآتها قالت له بهدوء:
لأ خلاص إفتكرت دا كان حقيقة حلم"
أومأ لها ثم قال ضاحكًا:
يعني العروسة هي اللي فكرتك، ماشي يا ست الكل"
ضحكت على جملته ثم خرجت من السيارة، وقفت بجانبه أمام المصعد بتوتر ثم قالت له:
هو إحنا اتأخرنا أوي ولا الساعة كام يعني؟"
تحدث بنبرة غير مُبالية قائلًا:
لأ يدوبك الساعة ١١ بليل"
شهقت بقوة وقبل أن تجيبه وجدت باب المصعد يُفتح بقوة بواسطة شخصٌ ما، وصوته الجهوري وصل آذانهم وهو يقول:
ما بدري يا أستاذ ياسين؟ هي دي الأمانة!"