تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الأول» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك الفصل الاول تَعَافيِّتُ بِكَ" قيل في معنى الزواج: الغاية من الزواج هي الأُنس..عقلٌ بجوار عقل وقلبٌ مربوطٌ بقلب و يدٌ تُداوي و روح تُعين ونفسٌ تُطمئِن." إنه يوم الخميس أوشكت الشمس على رحيلها، حيثُ أضحت في لونها البرتقالي أثناء غروبها، وفي تلك المنطقة ميسورة الحال نجد بها المباني منها ما هو مُرتفعٍ للغاية، ومنها ما هو منخفض؛ منطقة مختلطة الأزمنة و الأنماط، حيث توجد بها مباني شاهقة العلو قد تصل طوابقها إلى اربعةُ عشر طابقًا و قد صُممت على النمط الحديث، وبها منازل بالكاد تصل طوابقها...
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الواحد والاربعون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الواحد وأربعون"
___________
أَتيْتُ إليكَ بِـقلبٍ مَليءٌ بالندوبِ مِن البَـشرِ ، فَـكُنتُ أنتَ خَيْرَ مَـا أعّطاني القَدّرِ.
___________
سيظل شبح الماضي يطاردك، فإن كنت قوي فلن تحتاج لمن يساندك، أصغ إلى قلبك فهو خير من يساعدك في الخيار و الأختيار، حتى وإن كان عقلك يعاندك.
بعدما أشعل «وليد» نيران غيظ عمه تركه وهو يراقص له حاجبيه، بينما «مرتضى» وقف مقابلًا لـ «محمد» وهو يقول:
خف شوية على وليد يا محمد، الواد مش حِملك ولا حِمل بهدلتك دي"
نظر له «محمد» غير مُصدقًا وهو يقول:
أنتَ برضه فاكر إن أنا اللي مفتري، إبنك اللي مش عامل أعتبار لحد يا مرتضى"
ربت «مرتضى» على كتفه وهو يقول:
وأنا عارف، بس هو بيحبها يا محمد، وهي مراته بشرع ربنا والناس كلها عارفة دا، هو مش بيعمل حاجة غلط، أدعيلهم أنتَ بس"
نظر له «محمد» ثم أصدر إيماءة بسيطة من رأسه ولم يُعقب.
صعد «وليد» إلى شقة «طه» مباشرةً، لإنه كان على علمًا بوجود «عبلة» مع «خديجة» دخل لهن بعدما قام بمشاكسة «زينب»، كانت «خديجة» تنتقي الثياب الخاصة بمشوارها معه، دخل هو يقول بمرحه المعتاد لزوجته:
يا مساء التماسي على واخد قلبي وناسي"
إبتسمت كلتاهما عليه، بينما هو جلس على الأريكة بجانب «عبلة» التي كانت تنظر له بتعجب من حالته، بينما «خديجة» قالت بهدوء:
خير؟! طلعت ليه؟ الصلاة قربت يا وليد"
إبتسم بهدوء ثم قال:
طلعت أشوفكم وبالمرة عاوز أعرف أحمد ماله؟"
سألته «خديجة» بتلهفٍ واضح:
هو حكالك حاجة؟ أو لمحلك حتى طيب؟"
حرك «وليد» كتفيه وهو يقول بهدوء:
لأ، قالي بعد الصلاة هيعرفني، وأنا عارف إن ياسين جاي بعد الصلاة ياخدك، قولت أسألك"
أومأت له ثم قالت بهدوء:
بص هو الموضوع فيه منة، أنا والله مش عارفة أعمل إيه؟"
نظر لها مُتعجبًا وهو يقول:
منة؟ مالها منة إن شاء الله هي كمان"
قصت عليه «خديجة» ما حدث بالأمس من تلك الفتاة، وموقف أخيها ونظرة الحزن التي لمحتها في عينيه، كان «وليد» ينظر لها بضيق، و«عبلة» بإندهاش، أنهت هي حديثها ثم قالت بنبرة حائرة:
مش عارفة أعمل إيه يا وليد؟ وصعبان عليا كسرة خاطره، بس بجد هي أسلوبها مستفز أوي وحقيقي مش مناسبة لأحمد"
سألها «وليد» بتعجب:
هي عبيطة؟ إيه جو الحضانة دا؟ ما تروح تشتكي لأمها وتقولها سرقتي منها الألوان بالمرة؟"
تدخلت «عبلة» تقول بضيق:
هي مالها ومالي أصلًا؟ أنا حرة أكلم مين ومكلمش مين"
نظر لها «وليد» بمرحٍ وهو يقول:
أحبك أنا وأنتِ مسيطرة كدا يا عبلة"
إبتسمت له وهي تقول بضيق منه:
بس بقى أسكت، بابا مبهدلني من إمبارح، هو أنتَ عملت إيه؟"
تصنع البراءة وهو يقول:
معملتش حاجة، عمي محمد هو اللي عصبي"
سألته «خديجة» بهدوء:
طب هنعمل إيه مع أحمد؟ أنا مبحبش حد يزعل، يجي هو يزعل بسببي؟"
نظر لها «وليد» ببرود وهو يقول:
متخافيش، أصلي الجمعة بس وبعد كدا كل حاجة هتتحل"
سألته «عبلة» مستفسرة:
هتعمل إيه يا وليد؟ مش مطمنة"
أجابها بهدوء:
مش هعمل حاجة متخافيش، وأحمد راجل مش عيل"
أومأ له الأثنتين بهدوء بينما هو نظر أمامه بخبثٍ وهو يقول لنفسه:
طلبتيها و نولتيها يا بنت وفاء"
______________
في شقة «ياسين» بعدما تحمم و بدل ثيابه بعباءة الصلاة، جلس بجانب والده الذي كان يقرأ في المصحف الشريف، أنهى «رياض» التلاوة بصوته العذب ثم وضع المصحف بجانبه وهو ينظر لإبنه بإستمتاع، ضيق «ياسين» جفونه وهو ينظر له ثم قال:
مش مرتاحلك يا رياض، خير؟"
حرك «رياض» كتفيه ثم قال بلامبالاة:
عادي يعني، بفرح لما أبص في وشك، برتاح"
تبدلت نظرة «ياسين» إلى الشك وهو يقول:
هو كدا المفروض أني أطمن؟ بقولك إيه البت أول مرة تيجي عندنا، مش عاوزين إحراج، يعني نعقل ونهدا ونبطل هزار مع ياسر وعامر وخالد، ماشي يا حج؟"
نظر له والده بضيق وهو يقول:
أنتَ رخم ياض يا ياسين، علطول كدا فاسد لحظاتي الحلوة"
أومأ له «ياسين» بقوة وهو يقول:
أيوا، استحملني النهاردة بس، علشان خاطري، وبعدين أنتَ مدير شئون قانونية قد الدنيا عيب والله يا حج اللي بتعمله فيا دا"
أتت «زُهرة» من الداخل وهي تقول:
متخافش أنا وصيته، وهو إن شاء الله هيسكت خالص"
نظر لهما بسخرية وهو يقول:
طبعًا وماله"
رفع «ياسين» حاجبه بحنقٍ ينظر لوالدته، ثم وقف وهو يقول بضيق زائف:
أنا نازل علشان ألحق الصلاة، وبعدها هروح أجيب خديجة إن شاء الله، ها خديجة مراتي أول مرة تيجي، يارب تكون الرسالة وصلت"
كان حديثه الأخير موجهًا لأبيه، مما جعل والده ينظر له بسخرية، بينما والدته ضحكت عليهما ثم دخلت المطبخ مرةً أُخرى، أما والده فقام حتى يلحق موعد الصلاة.
في بيت آلـ «الرشيد» نزل الرجال جميعهم إلى الصلاة، أما «خديجة» فإرتدت ثيابها الرقيقة بعدما علمت بعزومتها في منزله، جلست برفقة «عبلة» حتى يأتي موعد نزولها له، وفجأة أتى الرجال بعد الإنتهاء من الصلاة، فقالت «عبلة» بهدوء:
جهزي نفسك يا خديجة، علشان الصلاة خلصت، يعني ياسين قرب يجي"
أومأت لها «خديجة» بهدوء ثم قالت:
أنا جاهزة خلاص، بس مرعوبة والله،أول مرة أروح عند مامته وبصراحة الموقف مرعب"
نظرت لها «عبلة» بقلة حيلة وهي تقول:
بصراحة هو موقف صعب، أنا علشان هنا مع طنط مروة و وليد معايا في نفس البيت مش حاسة برهبة الموقف، بس هما شكلهم ناس طيبين يا خديجة متخافيش"
أومأ لها «خديجة» وهي تبتسم ثم نظرت لـ هاتفها حينما وجدت الشاشة تُضيء برسالة منه محتواها:
جهزي نفسك يا ست الكل، قربت أجيلك"
أغلقت ثم وقفت تهندم ملابسها أمام المرآة، بينما «عبلة» وقفت تقول بتوتر وهي خلفها:
خديجة، هو أنتِ لسه زعلانة مني علشان اللي حصل زمان؟"
إلتفتت «خديجة» تنظر لها بهدوء وهي تبتسم بتعجب ثم قالت:
ليه بتقولي كدا يا عبلة؟ ولازمته إيه سؤالك دا؟"
أوشكت «عبلة» على ذرف الدموع فقالت بنبرة شبه باكية:
علشان أنا كنت وحشة معاكِ أوي، وظلمتك كتير لما كنت عارفة هما عملوا فيكِ إيه يا خديجة، بس غصب عني والله كنت بسمع كلام هدير وعمتو وفاكرة إن هما بيحبوني"
ربتت «خديجة» على كتفها وهي تقول:
متقوليش كدا يا عبلة، أنا فعلًا مش زعلانة منك، وبصراحة أنا مش زعلانة من حد خالص، ومش عاوزة أزعل من حد، كفاية عمري اللي فات كله زعلانة فيه يبقى لازمته إيه بقى أضيع اللي جاي كمان في زعل على حاجات فاتت"
سألتها «عبلة» بهدوء:
يعني بجد من قلبك مش زعلانة مني، ومش شايلة حاجة ليا؟"
إبتسمتة«خديجة» بهدوء ثم قالت:
أيوا مش زعلانة، وبعدين أنتِ مرات وليد، يعني لأجل عين تُكرم ألف عين يا عبلة"
قبل أن تُعقب «عبلة» صدح صوت هاتفها برقمه، فقالت معتذرة:
ياسين وصل تحت، لما أجي هنتكلم سوا يا عبلة متخافيش"
فتحت باب الشقة حتى تنزل له، لكنها تفاجأت حينما أوقفتها «عبلة» بقولها:
خديجة، خلي بالك من نفسك وخليكي عارفة إنك جميلة أوي وهما محظوظين بيكي"
إلتفتت «خديجة» تنظر لها وهي مبتسمة ثم فتحت ذراعيها وهي تقول:
تعالي في حضن أختك يا عبلة"
إرتمت «عبلة» بين ذراعيها بحماس وهي تبتسم بإتساع، بينما «خديجة» ضحكت حينما صدح الهاتف برقمه، خرجت «عبلة» من بين ذراعيها وهي تقول:
أنزلي يا ستي، هيفضل يرن مش هنخلص"
وقفت «خديجة» تنتظر المصعد، لكنه لم يأت لها بسبب وقوف الرجال أمامه وفتحهم بابه، نزلت «خديجة» مع «عبلة» الدرجات وضحكاتهن مرتفعة، وكان هناك زوج من الأعين تراقبهن بحسرة على ما وصلت إليه، دخلت شقتها وهي تبكي في غرفتها بعدما إرتمت على فراشها، لاحظت «فاطمة» حالة إبنتها فدخلت إليها وهي تسألها بتعجب:
مالك يا هدير؟ مين زعلك، بتعيطي ليه؟"
قامت «هدير» وهي تبكي بحرقة ثم قالت:
هدير زهقت وتعبت من اللي هي فيه، مش عارفة أنا عاوزة إيه؟ كل حاجة في حياتي غلط، هعيش لوحدي وأموت لوحدي؟"
قطبت والدتها جبينها وهي تسألها متحيرة:
ليه بتقولي كدا يا هدير ؟ متصدقيش كلام حد يزعلك"
صرخت «هدير» بوجهها وهي تقول:
دا مش كلام حد، دا كلام هدير نفسها، هدير اللي عمالة تخسر في الناس ونفسها، هو الأحساس دا صعب أوي كدا؟ يعني أنا كنت السبب إن خديجة تعيش عمرها كله في الزعل دا؟ فاكرة نفسها وحشة ومحدش بيحبها؟"
زادت حيرة «فاطمة» فقالت بضيق:
أنا مش فاهمة منك حاجة، حصل إيه وإحساس إيه دا اللي خديجة حست بيه؟"
صرخت «هدير» بوجهها من جديد وهي تقول:
إنها وحشة وإننا مش بنحبها، خديجة عاشت عمرها كله لوحدها ومحدش بيحبها، دلوقتي أنا عاملة زيها محدش بيحبني كلهم بقوا بيحبوا بعض وأنا لأ، ليه يا ماما؟"
نظرت لها والدتها بتعجب وهي تقول:
أنتِ جميلة يا هدير متخليش حد يقولك إنك وحشة، وبعدين هما كلهم مش بيحبوا بعض، دي مسألة وقت وكل حاجة هترجع تاني"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول ببكاء:
لأ دا عقاب ليا، علشان اللي عملته من وأنا صغيرة، أنا بقيت بكرهني، لو فعلًا خديجة حست باللي أنا حساه دا يبقى أنا بكرهني بجد وبكرهكم كلكم، حتى أنتِ علطول عاوزاني أنجح علشان أكون أحسن منهم، عاوزاني ألبس لبس جديد علشان أكون أحلى منهم، عاوزاني أخرج علشان أبان أني مبسوطة وعايشين أحسن منهم، علطول سايباني لعمتو وهي تفضل تكرهني فيهم، أنا والله بكرهكم وبكرهني، أطلعي برة، أطـــلـــعــي بــــقولك"
صرخت بكلماتها الأخيرة في وجه والدتها ثم إرتمت على الفراش، بينما والدتها إقتربت منها ببكاء وهي تحاول أخذها بين أحضانها، لكنها قاومتها ثم إرتمت على الفراش مرةً أُخرى، خرجت «فاطمة» من شقتها ثم نزلت شقة «مُشيرة».
_______________
نزلت «خديجة» له بهدوء ومن حسن حظها أن الرجال داخل الشقة الخاصة بالعائلة في الطابق الأول فلم يراها أيًا منهم، نظرت حولها فوجدت سيارته تقف على بعدٍ من بيتهم، وهو بداخلها، سارت حتى وصلت إليه، وركبت السيارة بجانبه، لكنها ضحكت بقوة حينما رآته يرتدي عباءة الصلاة، نظر هو لها بتعجب ثم بإحراج حينما أدرك سبب ضحكها وقال وهو يحك فروة رأسه كثيفة الشعر:
بصراحة كسلت أروح أغير هدومي، قولت أجيلك بعباية الصلاة، وأهو برضه أنتِ مش غريبة، أنتِ مراتي يعني"
زادت ضحكاتها، لكنها حاولت التحكم فيها وهي تقول:
طب كنت قولي، كنت لبست عباية سمرة يا ياسين، علشان نليق سوا"
صرخ في وجهها وهو يقول:
تلبسي إيه ياختي؟؟ عباية سمرة، حلاوتك يا خديجة، أنتِ معندكيش وسط خالص؟"
نظرت له بإندهاش وهي تقول:
أنا بقترح بس والله، وبعدين العباية اللي عندي خليجي"
ضرب كفًا بالأخر وهو يقول:
اللهم طولك يا روح، لأ يا خديجة، لا خليجي ولا هندي، أنتِ حلوة كدا"
إبتسمت له ثم قالت:
طيب يلا سوق بقى علشان منتأخرش"
نظر لها بحنقٍ زائف وهو يقول:
قال عباية سمرة قال، دا أنتِ يومك مش معدي"
بعد دقائق من القيادة أوقف السيارة أسفل البناية الخاصة به نظرت هي حولها ثم قالت بِـحيرة:
إحنا وقفنا هنا ليه يا ياسين؟"
إبتسم هو لها بسخرية ثم قال:
يمكن علشان أنا ساكن هنا مثلًا؟ مفاجأة مش كدا؟"
إتسعت مقلتيها بقوة وهي تقول:
أنتَ ساكن جنبنا أوي يا ياسين، أول مرة أعرف"
ضرب رأسها بكفه وهو يقول بسخرية:
ماهو إحنا لو بنشغل دي، البديهيات دي مش هتروح مننا"
قطبت جبينها تسأله بتعجب:
بديهيات إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة؟"
ضحك هو بخفة ثم قال:
مش أنا أمي مُدرسة وعرفتك عن طريق ميس وفاء زميلتها، أكيد بقى مش هيشتغلوا في مدارس في أخر بلاد المسلمين، يعني هتكون قريبة منهم، فهمتي يا خديجة؟"
إبتسمت هي ببلاهة وهي تقول:
يا قرد !! لفتها صح"
إندهش هو مما وقع على مسامعه فقال بنبرة مُتعجبة:
أنتِ مين يا ست الكل؟ دا كان فيه واحدة بسحب منها الكلام بالقطارة، فاكرة يا خديجة أيام حضرتك يا أستاذ ياسين؟"
ضحكت هي بخفة ثم قالت:
أنتَ تؤمر لو عاوز خديجة التانية، نحضرها"
رد عليها مُعقبًا:
لأ، أهدي كدا و أثبتي يا غالية، إحنا كنا فين وبقينا فين"
قال حديثه ثم نزل من السيارة وهي خلفه وهي تضحك عليه، وقبل دخول البيت وقفت تسأله بتوترٍ وكأن حالها تبدل في ثوانٍ:
ياسين، ممكن أسألك سؤال؟"
كانت نبرتها مهزوزة مما جعله يلتفت لها بتعجب وهو يقول:
مالك فيه إيه؟ ما إحنا كنا كويسين دلوقتي؟"
ردت عليه بخوف:
بصراحة أنا خايفة ومسكوفة، وبعدين خايفة أعك الدنيا"
نظر لها مُتفهمًا وهو يقول:
أنا عارف بس خليكي فاكرة إننا مشينا مشوار طويل سوا، وخليكي فاكرة إنك بنسبة ٨٠٪ معندكيش أي حاجة، واحنا فوق بقى هنقضي على الـ ٢٠٪ اللي فاضلين، وبعدين عكي الدنيا براحتك، أنا موجود"
إبتسمت له ثم قالت:
طب ولو عملت حاجة زعلت حد، أنتَ هتعمل إيه؟"
جاوبها هو بهدوء:
مراتي أعاتبها بيني وبينها، لكن قدام الناس مراتي مبتغلطش وحاسبي بقى علشان جناحاتك دخلت في عيني"
إبتسمت هي بإتساع ثم قالت بحب:
والله العظيم أنا مش لاقية حاجة أقولها"
إبتسم هو أمسك كفها ودخل المصعد، بعد ثوانٍ توقف المصعد أمام الشقة الخاصة به، دخل هو أولًا وهي خلفه، وجد والديه يجلسا سويًا في إنتظارهما، دخلت هي بتوتر، ألقت التحية عليهما بقولها:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
ذهبت «زُهرة» تقف قبالتها ثم أخذتها بين ذراعيها بقوة وهي تقول بحب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، دي أحلى جمعة في حياتي كلها علشان القمر منورنا"
شعرت «خديجة» بالفرحة فشددت من عناقها لـ «زهرة» ، بينما «رياض» قال بمرحٍ:
خلاص يا زُهرة خليني أسلم على قبول أبني الوحيد، قصدي مرات أبني الوحيد"
عض «ياسين» على شفتيه بضيق، بينما هي شعرت بالخجل منه ومن حديثه، فتحدثت «زُهرة» بضيق زائف:
أنتَ تمشي حالًا يا رياض، وتسبني مع بنتي براحتنا، وخد أبنك في سكتك"
إقترب منهن وهو يقول بهدوء:
طب أحكمي أنتِ يا خديجة، عاوزاني أمشي وأسيبك ينفع؟"
حركت رأسها نفيًا بهدوء وهي مبتسمة بينما هو قال يشاكسهما:
ياريت لو تقعدوا أنتم وتسبوني مع القمر دي، لو سمحتوا يعني"
وضع «ياسين» ذراعه على كتفه وهو يقول:
لأ ماهو إحنا هنقعد سوا إن شاء الله ريح نفسك أنتَ"
جلسوا جميعًا في غرفة الصالون فقالت «زُهرة» بحب ونبرة متأثرة:
تعرفي أنا طول عمري كنت مستنية اليوم اللي ربنا يكرم ياسين ببنت الحلال فيه، علشان تكون صاحبتي، ولما عرفت إنك هتيجي النهاردة، كنت هطير من الفرحة"
أبتسمت لها هي بتأثر وأعين مغرورقة بالدموع، بينما «رياض» قال بمرحٍ:
متصدقيهاش، دي بتعمل كدا علشان في الأول بس، بعد كدا بقى هتشوفي منها شغل الحموات، دي زُهرة"
تدخل «ياسين» يقول بضيق:
قولتلك نجبها لما يسافر، أنتِ حرة بقى"
زفرت «زُهرة» بقوة ثم قالت بعدما رسمت بسمة هادئة على وجهها:
متصدقيهوش، أنا لا يمكن أعمل زي الناس المتخلفة دي، إزاي ممكن أكره الوحيدة اللي قلب أبني أرتاح لها، ولا إزاي ممكن أكره الوحيدة اللي ربنا بعتها ليا علشان تعوضني أني مجبتش بنات، أنا واثقة إنك هتكون بنتي يا خديجة"
فرت دمعة من عين «خديجة» رغمًا عنها، و «زُهرة» أيضًا فقال «ياسين» بضيق زائف:
يلهوي على النكد، أنتو إيه يا جماعة؟"
تدخل «رياض» يقول لـ «خديجة» بمزاح:
بقولك إيه يا خديجة، ما تقوليلي بابا كدا، أصل أنا مخلف جحش كرهني في الأبوة"
إبتسمت هي بهدوء ثم قالت:
حاضر يا.. بابا"
خرجت الكلمة منها بهدوء، مما جعل «رياض» يقول بمشاكسة
:
الله!! الكلمة حلوة أوي منك، إيه الحلاوة دي"
نظر لإبنه فوجده ينظر له بحنقٍ وهو رافعًا أحد حاجبيه، فقال له:
قول بابا كدا يا ياسين؟"
زفر «ياسين» بقوة ثم قال:
بابا...نعم يا بابا"
قال «رياض» بتقززٍ واضح:
إيه دا..إيه دا،يا ستار يارب، جحش بيتكلم"
ضحكت عليه زوجته و زوجة إبنه، بينما «ياسين» وقف وهو يقول بضيق:
أنا داخل أغير هدومي، عن إذنكم"
رحل من أمام الجميع بينما «رياض» أخرج صندوق صغير وهو يقول:
تعالي بقى أوريكي فضايح ياسين من يوم ما ربنا كرمني بيه"
ضحكت «خديجة» ،بينما «زُهرة» ضربت كفًا بالأخر وهي تقول:
أنتَ مش هتجبها لبر يا رياض"
أومأ لها مبتسمًا، ثم أخرج حلق صغير من الصندوق وهو يقول:
الحلق دا ياسين كسبه في كيس شيبسي قبل كدا، ومكانش عارف يعمل بيه إيه،ساعتها قال هشيله لمراتي علشان لما تيجي حياتي تعرف أني بفكر فيها من صغري"
ضحكت «زُهرة» بينما «خديجة» أمسكت الحلق وهي تنظر له بفرحة، إبتسم «رياض» ثم أخرج خطاب مدون بخط يده ثم قال:
الجواب دا ياسين كتبه لكِ من قبل حتى ما يعرف يعني إيه جواز، كان عيد جوازنا أنا وزهرة وهو كان عاوز عيد جواز هو كمان، لما فهمناه يعني إيه، كتب الجواب دا لكِ وخباه بين حاجته"
فتحت الخطاب فوجدت به زهرة ملونة ألوان مبهجة وأسفل منها خطاب مدون بخط يده عبارة عن:
زوجتي المستقبلية ..مراتي يعني، مش عاوزك تتأخري عليا لحد ما تيجي، النهاردة بابا عمل عيد جواز وأنا كمان عاوز عيد جواز،لما تيجي هعملك حفلة حلوة زي بتاعته.. بحبك متتأخريش ماشي؟"
ضحكتةهي بإتساع ثم قالت مستفسرة:
هو كتب الجواب دا وهو عنده قد إيه؟"
جاوبتها «زُهرة» وهي تضحك:
كتبه وهو عنده ٩ سنين، تخيلي بيحبك من 20 سنة"
أخرج «رياض» سلسلة صغيرة مصنوعة من قواقع البحر، صنعها هو بيده، تنهد «رياض» ثم قال بحب:
القواقع دي جمعتها أنا و هو علشان نعمل سلسلة لزهرة في المصيف، وهو عمل واحدة برضه لمراته المستقبلية، ياسين من حبي لزهرة ورث الحب دا وبقى بيتصرف زيي في، ومتأكد كمان إنه هيعاملك بما يرضي الله"
رفعت رأسها تنظر له بتأثر ثم قالت:
بصراحة ياسين حنيته كتيرة عليا، ساعات بحس نفسي مستاهلش كل الحنية دي"
أتى هو من الداخل بعدما سمعها وهو يقول:
لأ تستاهلي، وتستاهلي كل حاجة حلوة كمان، علشان الحلو للحلو يا خديجة وأنتِ حلوة يا خديجة"
إقترب منها بعد حديثه يجلس مقابلًا لها وهي مخفضة رأسها للأسفل، ثم قال لأبيه بضيق زائف:
أنا نفسي أعرف أنتَ لاقيني فين؟ أعترف، ماهو أصل الفضايح دي متخرجش من أب أبدًا"
تدخلت «زُهرة» تقول بمرحٍ:
طب على فكرة بقى هي فرحت لما شافت الحاجات دي صح يا خديجة؟"
أومأت لها «خديجة» بخجلٍ، بينما «ياسين» سألها بسخرية:
أنتِ فرحانة بجوزك إنه كان عيل أهبل كدا؟"
أومأت له بهدوء وهي مبتسمة، بينما غمز هو لوالده وهو يقول:
ماتقوم يا رياض كدا تعملنا عصير ولا شاي أي حاجة"
نظر له «رياض» بخبثٍ وهو يقول:
طب ماتقول أمشي يا بابا وسبني أقعد مع مراتي براحتنا"
أومأ له بقوة وهو يقول:
عليك نور يا رياض، أمشي بقى وخد زُهرة معاك"
قام والديه معًا، ظل هما سويًا بمفردهما، فسألها بعد إختفاء أثر والديه:
عاجبك أبويا وعمايله؟ والله العظيم كان سبب خوفي إن أجيبك هو أبويا"
رد عليه مُعقبة بسرعة كبيرة:
خالص والله دا دمه خفيف وحنين أوي، عامل زيك كدا، وماما زُهرة كمان طيبة أوي يا ياسين"
سألها هو بخبثٍ:
حبيتيهم زي ما حبتيني كدا يا خديجة؟"
أومأت له بهدوء وهي مبتسمة بينما هو أخذها من يدها ثم توجه بها نحو الشرفة وهو يقول:
تعالي بقى شوفي بلكونتنا حلوة إزاي؟"
دخلت معه الشرفة وهي تبتسم، استند هو على السور بذراعيه، ثم قال وهو ينظر أمامه:
البلكونة اللي شهدت على سهري في حبك يا خديجة، كنت كل يوم أبص على السما وأتخيلك فيها، نجمة منورة"
وقفت مثله ثم قالت بمرحٍ:
وليه مش القمر يا ياسين؟"
نظر لها ثم قال بهدوء:
علشان القمر باين و منور لكل الناس، لكن النجمة دي بتنور لواحد لوحده، أنا بقى كنت بتخيل إنك نجمة طلعت ليا علشان تنور حياتي وتكون ليا أنا بس يا خديجة"
أخذت نفسًا عميقًا رفعت رأسها تنظر للسماء وهي مغمضة العينين، بينما هو إبتسم على شكلها ثم قال بحب:
عَينايْ لا تَـرىٰ سِـواكِ كَـي له تنظر، و حُـبي لكِ لا عَـرِفه قَـلبٌ و لا عَـلىٰ بَـالٍ يَـخطُر"
فتحت عينيها بتروٍ وهي تنظر له بإندهاش، فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
حركت رأسها بيأس ثم إبتسمت له بهدوء.
___________________
في بيت آلـ «الرشيد» كان «وليد» واقفًا في الشرفة فـ رآى «منة» تخرج من البيت، ركض هو دون أن يراه أيًا من الموجودين، ثم نزل خلفها، سار على خطاها حتى إبتعدت بنسبة كبيرة عن البيت، فأوقفها هو بقوله الهادئ:
آنسة منة، لو سمحتي عاوزك"
إلتفت تنظر له بإندهاش، فوجدته ينظر لها بثبات و نظرة التسلية تضج من عيناه، حركت رأسها وهي تسأله مستفسرة:
خير يا وليد؟ فيه حاجة مهمة تخليك توقفني بالطريقة دي؟"
أومأ لها بقوة وهو يقول بنبرة ثابتة:
آه فيه، وصلني خير اللهم اجعله خير، إنك غلطي في خديجة، يعني حد من اللي يخصوني، دا صحيح؟"
قلبت عينيها بمللٍ وهي تقول:
آه هو الموضوع فيه ست خديجة، أنا مغلطتش في حد، أنا قولت الحقيقة"
أومأ لها بإصرار وهو يقول:
أنا متأكد إنك قولتي الحقيقة، خديجة فعلًا مينفعش تكون صاحبتكم، وأنتِ معاكِ حق"
إبتسمت هي بسخرية ثم قالت:
طب ما أنتَ عارف أهو جاي تعمل مشكلة وتتكلم ليه بقى؟"
ضم ذراعيه أمام صدره وهو يقول بخبثٍ:
أنا مبقولش غير كلام مفيد، خديجة مش زيكم، أصل برضه محدش عاقل هيقارن ألماظ حُر بفضة، وخديجة بصراحة زي الألماظ الحر، مينفعش تتحط وسط الفضة"
إتسعت مقلتيها بقوة، بينما هو أكمل حديثه بهدوء:
وأنا هكمل على كلام أحمد وهقولك طلعي نفسك من الليلة دي ، كلنا في الأخر شايلين إسم الرشيد، أنتِ منة سالم عبد الله، يعني مش مننا أساسًا، وبعدين إيه مش عاوزينك معانا دي؟ إحنا في حضانة، ما نكبر بقى"
نفخت وجنتيها بضيق ثم قالت:
وهو أنتَ جاي ورايا علشان تقولي الكلام دا؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يبتسم لها بإستفزاز ثم قال:
أنا جيت أعرفك إن مش خديجة اللي بعدت عبلة عنكم، لأ لا سمح الله، أنا اللي بعدتها عنكم علشان متلعبش مع عيال رخمة"
كان حديثه ساخرًا مما جعلها تلتفت تعطيه ظهرها بضيق، فقال وهو رافعًا صوته:
المرة الجاية تعالي أتخانقي معانا علشان خدنا منك السندوتشات"
إلتفتت تنظر له بحنقٍ ثم غادرت من أمامه، فنفخ هو وجنتيه ثم قال:
داهية تاخدك أنتِ ومشيرة في ساعة واحدة، ومعاكم هدير خلينا نخلص"
عاد إلى بيته فوجد الجميع جالسين مع بعضهم البعض، جلس هو بجانب زوجته ثم قال لها بهدوء دون أن يلفت الأنظار له:
والله لولا الحالة الإقتصادية، لكنت إتجوزتك بكرة"
إلتفتت تنظر له بتعجب وهي تقول:
ليه مالها الحالة الإقتصادية؟"
أجابها بهدوء:
ماهو أنا لو معايا فلوس تكفي، كان زماني عامل فرحي بكرة، بس نقول إيه، نصيب"
إبتسمت هي ثم قالت:
متقلقش، حتى لو حالتك الإقتصادية ماشية، بابا مش هيوافق دلوقتي"
نظر لها بضيق وهو يقول:
نَــعم؟ ليه إن شاء الله؟"
نظرت حولها ثم جاوبته بهدوء:
علشان سلمى السنة دي ثانوية عامة، وأكيد مش هينفع أتجوز وأسيبها، فهي السنة دي تعدي وبعدين نعمل الفرح"
صرخ هو في وجهها قائلًا:
نــعم يا أختي؟ سنة؟ عاوزاني أستنى سنة"
نظر لهما الجميع بتعجب، بينما «محمد» قال بضيق:
عاوز إيه يا زفت؟ عامل قلق ليه؟"
وقف مُقابلًا له وهو يقول بضيق:
أنتَ فعلًا مأجل فرحنا سنة؟ طب ليه؟"
رد عليه «محمد» بهدوء أثار حنقه:
علشان سلمى، مش هينفع أختها تتجوز وتسيب البيت وهي ثانوية عامة"
رد عليه «وليد» بسخرية:
دا على أساس إن عبلة وزيرة التربية والتعليم؟"
ضحك الجميع عليه فقال هو بضيق:
مفيش منه الكلام دا يا عمي، إعمل حسابك بعد ٣ شهور من دلوقتي عبلة هتكون معايا في بيتي، لو على سلمى هاتها أذاكرلها أنا"
تدخل «مرتضى» يقول بهدوء:
عمك محمد بيهزر، هو بس علشان مرتبط بعبلة أوي، لكن هو أكيد عاوز يفرح بيكم، وأكيد هو مش هيحرج أخواته الكبار يعني"
شعر «محمد» بالحرج من أخوته فقال:
خلاص اللي تشوفوه يا جماعة، بس يصبر شوية"
جلس «وليد» بجانبها مرةً أُخرى وهو يقول:
نصبر وماله، دا حتى الصبر مفتاح الفرج يا حمايا"
نظر له عمه شرزًا، فوضع هو ذراعه على كتفه وهو ينظر له بتحدٍ
في شقة «مُشيرة» قصت عليها «فاطمة» ما حدث من إبنتها،
فسألتها «مشيرة» بتعجب:
هدير قالتلك كدا؟ طب ليه؟ حصل إيه علشان كل دا؟"
ردت عليها «فاطمة» بحزن وهي تقول:
مش عارفة يا مُشيرة، بس البت فيها حاجة، وأنا عارفة إنك بتحبيها وهي بتحبك تعالي معايا سوفيها كدا، يمكن تسمع كلامك تفوق"
نظرت لها «مُشيرة» بخبث وهي تقول:
طبعًا يا فاطمة، يلا بينا، هدير دي بنتي اللي أنا مخلفتهاش"
صعدت كلتاهما شقة «محمود» فوققت «مشيرة» تقول لزوجة أخيها:
خليكي أنتِ يا فاطمة وأنا هدخل أطمن عليها، وأتكلم معاها"
أومأت «فاطمة» ثم جلست على الأريكة بإنهاكٍ واضح، بينما «مشيرة» دخلت الغرفة بهدوء وجدت «هدير» مرتمية على الفراش وهي تبكي، جلست بجانبها وهي تقول بحنين زائف:
وحشتيني يا هدير، كل دا مشوفكيش؟"
نظرت لها «هدير» بغلٍ واضح ولم تُعقب، بينما «مشيرة» حولت نبرتها إلى الخبث وهي تقول:
طب مش عاوزة تقومي علشان نفوقلهم، البت خديجة شكلها كدا..."
_"بــــــــس، أسكتي، مش عاوزة أسمع صوتك كفاية"
خرجت تلك الجملة من «هدير» بصراخ قوي جعل جسد «مشيرة» يرتجف بقوة، بينما «هدير» نظرت لها تقول ببكاء:
هو أنتِ إيه، كل همك إنك تاخدي حقك وخلاص؟ مش همك حد، مش همك الناس بتحس بإيه؟"
نظرت لها «مشيرة» بسخرية وهي تقول:
جرا إيه يا هدير؟ ضميرك صحي دلوقتي؟ فجأة كدا بقيتي بتحسي؟ أوعي تكوني فاكرة نفسك كدا بقيتي حلوة وخلاص ، لأ أنتِ هتفضلي زيك زيي، على الأقل أنا عندي أسبابي، لكن أنتِ بقى أسبابك إيه؟"
نظرت لها «هدير» بحزن، بينما «مشيرة» أومأت لها بإصرار ثم قالت بغلٍ دفين ينبع من داخلها:
زي ما سمعتي كدا، أنتِ اللي زيك طول عمره هيعيش كدا، زي التمثال يتحط زي ما إحنا عاوزين، أنتِ ساعدتيني أبوظ حياة خديجة، وساعدتيني أفرق وليد عن عبلة، وساعدتيني أفش غلي في عيلة الرشيد كلها، حتى أبوك لما ضربني بالقلم زمان، أنتِ باللي فيه دا ساعديتني أفش غلي برضه فيه"
نظرت لها «هدير» بخوف وهي تقول:
أنتِ مجنونة والله العظيم مجنونة، بنتك ربنا نجدها علشان بعدت عنك"
إبتسمت «مشيرة» بحزن وهي تقول:
تفتكري هي لو كانت هنا كنا زماننا وصلنا للي وصلناله دا؟"
نظرت لها «هدير» بأعين خاوية، فوجدتها تعتدل في وقفتها وهي تقول:
ألف سلامة عليكِ يا هدير، أنا اطمنت عليكِ خلاص، وعلى فكرة اللي جاي بتاعي أنا وأنا هعرف آخد حقي"
رحلت «مشيرة» من أمامها بضيق، بينما «هدير» بكت بحرقة ثم أمسكت الكوب الموضوع بجانبها ثم قفزته في المرآة أمامها، بعدها إرتمت على الفراش تبكي بقوة.
_________________
في شقة «ياسين» كانت «خديجة» جالسة في المطبخ مع «زُهرة» تعاونها في الطعام وهي تسعر بسعادة بالغة و «ياسين» جالسًا معهم يقوم بإعداد السمبوسة وهو يُعلم «خديجة» الطريقة، كانت «زُهرة» تنظر لهما بسعادة بالغة وهما مع بعضهما البعض، وفجأة طُرق الباب فخرج الجميع،بينما «ياسين» قال بهدوء:
هتلاقيهم العيال، هما قالوا هيجوا بعد العصر"
وقف الجميع أمام باب الشقة،بينما «رياض» فتح الباب وهو يبتسم بخبثٍ، وجد «خالد» بزوجته ومعه الصغير، وكان حاملًا علبة جاتوه بين يديه، نظر له «رياض» بتفاجىء مصطنع وهو يقول:
معقول تاعب نفسك يا خالد كدا، وجايب جاتوه"
إبتسم «خالد» بسخرية وهو يقول:
ميجيش من بعد خيرك يا رياض"
أشار له «رياض» بالدخول بعدما أخذ العلبة منه وهو يقول:
طب اتفضل يا حبيبي ادخل يلا"
دخل «خالد» وزوجته، بعدها وقف «رياض» أمام «ياسر» وزوجته وهو يقول بتفاجأ مصطنع:
معقول يا دكتور تاعب نفسك وجايب تورتة؟!"
إبتسم «ياسر» وهو يقول بمرحٍ:
كله من خيرك وكرمك يا رياض، لا تعب ولا حاجة"
أشار له «رياض» بالدخول، فدخل هو وزوجته وبدأت التحيات تدور بين الجميع، التفت «رياض» ينظر لـ «عامر» وزوجته وهو يقول:
معقول يا عامر تاعب نفسك وجايب بسبوسة بالقشطة؟"
نظر له «عامر» بضيق وهو يقول بسخرية:
إحنا هنكدب؟ ما أنتَ اللي اتصلت وقولت كل واحد يجيب إيه وهو جاي"
ضحك الجميع عليهما، عدا «رياض» الذي شعر بالحرج فقال:
منك لله عيل مش متربي صحيح"
ضحك الجميع عليهما سويًا ثم
جلسوا جميعًا بجانب بعضهم البعض في غرفة الصالون فتحدث «عامر» يقول:
لأ أنا أخري في الجوع جاب أخره، الأكل فين،أنا مستني الرُقاق من إمبارح"
قامت «زهرة» وهي تقول:
حالًا، كل حاجة جاهزة أصلًا"
قامت الفتيات خلفها حتى يقمن بمساعدتها، بينما الشباب جلسوا على الطاولة التي ترأسها «رياض»، بعد قليل إجتمع الجميع على الطاولة وجلست كل فتاة بجانب زوجها، نظر لهم «رياض» بحب وهو يقول:
أنا قلبي فرحان بيكم أوي، ربنا يديمك لمتكم مع بعض ويبارك في كل كل واحد فيكم مع حبيبه"
نظر له «ياسين» بمشاكسة وهو يقول:
طب ما أنتَ كويس أهوه، أومال مالك من الصبح"
ضحك «رياض» ثم قال:
دي حلاوة روح، وبعدين أنتَ حبيبي يا ياسين، بالمناسبة بقى يا شباب ياسين هو اللي عامل السمبوسة دي وخديجة معاه"
تحدثت «خديجة» تقول بهدوء:
بصراحة هو كان بيعلمني إزاي ألفها علشان مش بعرف"
أمسك «عامر» واحدة من الطبق أمامه وهو يقول بسخرية:
لأ شغل مهندسين بصحيح، عاملي السمبوسة بزاوية قائمة يا ياسين؟ المرة الجاية بقى خليها حادة، ولا بلاش أحسن تقف في زوري"
أمسك «ياسين» السكين وهو يقول بحنقٍ:
دا أنا هديهالك حادة في وشك، صبرك عليا بس يا عامر"
تحدثت «إيمان» تقول بحماس:
الرقاق تحفة يا زوزو بجد، عاوزاكِ تعلميني بقى قبل ما أتجوز"
ردت عليها «زُهرة» بحب:
من عيني بس كدا، أنتِ تؤمري يا إيمان، زي ما ريهام برضه اتعلمت مني"
ردت عليها «ريهام» بمزاح:
بصراحة و طلع بفايدة، لحد دلوقتي ماشية على نفس طريقتك"
نظرت «زُهرة» إلى «سارة» وهي تقول:
وأنتِ يا سارة هتتعلمي مني برضه؟"
تدخل «عامر» يقول بخبثٍ:
لأ أنا متأكد إن سارة بتطبخ حلو؟"
سألته «زُهرة» بتعجب:
إشمعنا يعني؟"
غمز لها وهو يقول:
أصل أنا استويت في حبها"
تدخل «رياض» يقول بضيق زائف:
لم نفسك يا عامر، بدل ما ألمك"
رد عليه «خالد» بهدوء:
ريح نفسك يا رياض، مصر زي ما جابت عميد الأدب العربي، جابت عديم الأدب العربي"
أشار بعد كلمته الأخيرة نحو «عامر» الذي وقف بتمثيل وهو يقول:
لأ طالما بقت كدا، أنا هاخد البسبوسة بتاعتي وأمشي، قومي يا سارة"
رد عليه «رياض» بهدوء:
البسبوسة بتاعتك في التلاجة"
أشار «عامر» نحو زوجته وهو يقول:
لأ أنا قصدي على البسبوسة دي"
ردت عليه بخجلٍ:
يابني أرحمني بقى، ماكانش ساندويتش فول اللي يعمل فيا كدا"
ردت عليها «زُهرة» بحزن مصطنع:
نصيبك يا سارة"
نظر «عامر» إلى «ياسر» وجده يأكل بشهية مفتوحة، فقال له:
كُل يا دكتور بألف وشفا، ورب الكعبة لو طلعت التورتة مش حلوة لأولع فيك"
نظر له «ياسر» بضيق وهو يقول:
أنا غلطان، خايف على صحتكم"
سألته «إيمان» بتعجب:
فهمونا مالكم أنتم الأتنين"
رد عليها «خالد» بهدوء ساخرًا:
أصل جوزك كان واقف ينقي تورتاية خالية من الكوليسترول، فاكر نفسه جاي يزور عود مكرونة أسباجتي"
ضحك الجميع عليهم، بينما «ياسين» مال على أذن زوجته وهي تضحك ثم قال بهدوء:
بذمتك حد يخاف من قعدة زي دي؟ حد يسيب العالم الرايقة دي ويقعد مع مشيرة؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم ثم قالت:
والله لو عليا أبات هنا، علشان الراحة اللي حاسة بيها وسطكم"
قال بخبثٍ وهو ينظر أمامه، وبالكاد الصوت وصل لمسامعها:
طب خليكِ قد كلمتك وباتي معانا النهاردة، وفي حضني، حضن ياسين حبيبك"
شعرت بالخجل فأخفضت رأسها تنظر في الطبق أمامها، بينما «رياض» قال بخبثٍ:
البيت منور والله بيكم، وبقبول إبني الوحيد"
سعل «ياسين» بشدة ، فقدمت «خديجة» له كوب الماء، فقال «رياض» بتشفٍ:
مش قولتلكم قبول أبني الوحيد ؟"
___________
بعد الطعام جلسوا يتناولون الحلويات، جميعهم سويًا، كان «رياض» حملًا الصغير بين ذراعيه يداعبه، بينما «ياسين» خرج من المطبخ وهو يحمل صينية الشاي وهو يقول بضيق زائف:
اتفضلوا الشاي، عايش حياتي كلها أعمل شاي، مش فاهم فيه إيه؟ يارب بعد كدا أعمله وحش"
ضحك الجميع عليه، بينما هو أخذ مقعد بلاستيك ثم جلس بجانب «خديجة»، نظرت لهما «زُهرة» بحب وهي تقول:
مش ناويين تفرحونا أنتم كمان؟ خلاص عامر و ياسر فرحهم فاضل عليه أيام"
رد عليها «ياسين» بخبثٍ:
لأ خلاص هانت، قريب أوي هيحصل مش كدا يا خديجة؟"
أومأت هي بتوتر، بينما «رياض» قال بهدوء:
الحب دا جميل أوي يا عيال، بيغير الناس، حد كان يصدق إن ياسين يبقى عاوز يتجوز بالسرعة دي، لأ وكمان بقى بيغني، ومسجل خديجة على التليفون قبولي الوحيد، صحيح الحب بهدلة"
نظر الجميع إلى بعضهم البعض وهم يضحكون،عدا «ياسين» الذي أمسك خصلاته بضيق وهو يقول:
أشد في شعري منك؟ هو أنتَ إيه معداش عليك الستر خالص؟"
حرك «رياض» رأسه بأستفزاز، بينما «ياسين» نظر لوالدته وهو يقول:
ماتشوفي جوزك ياما"
ثم نظر لزوجته التي كانت مطرقة برأسها للأسفل يقول بأسفٍ:
أنا أسف يا بنتي والله، لو أعرف إن أبويا هيفضحني كدا مكنتش جبتك خالص"
نطقت «إيمان» تسأل زوجها بهدوء:
طب ياسين مسجل خديجة قبولي الوحيد، أنتَ يا دكتور مسجلني إيه؟"
نظر لها «ياسر» بخوفٍ مصطنع وهو يقول:
مـ..مبلاش يا إيمان، دي شكليات"
حركت رأسها نفيًا بقوة وهي تقول:
والله ما هسيبك قبل ما أعرف يا أنا يا أنتَ يا دكتور"
ضحك عليها الجميع، بينما «عامر» أضاف بخبثٍ:
أقول يا ياسر، ولا تقول أنتَ؟"
أخرج «ياسر» هاتفه، ثم أعطاه لها وهو يقول:
خدي أعرفي بنفسك أحسن"
أخرجت هاتفها، تطلب رقمه، وبالفعل وحينما لمحت الإسم قالت بضيق زائف:
الداء و الدواء !! أنتَ فاركني صيدلية الرحمة يا أهطل؟"
ضحك الجميع عليهما، بينما «ياسر» أجاب بهدوء:
وأحلى من صيدلية الرحمة كمان، على الأقل مش بحس بالتعب في وجودك، وبعدين قولتلك إن أنتِ زي المرض في دمي، ووجودك هو الدوا للمرض دا، وبعدين ركزي في الجاتوه اللي معاكِ، والله أول مرة أشوف كنافة بالقشطة بتاكل جاتوه"
نظرت له بهدوء وهي تقول بخجل مصطنع:
أخجلتني خلاص، أقتنعت"
سألت «سارة» زوجها بهدوء:
طب وأنا يا عامر، مسجلني إيه؟"
غمز لها ثم قال:
برطمان عسل حياتي"
نظرت له مُتعجبة وهي تقول:
إيه !! برطمان إيه؟!!"
حرك كتفيه وهو يقول بمرحٍ:
والله زي ما سمعتي كدا، برطمان عسل حياتي"
ضحك الجالسين عليهما، بينما هي قالت بضيق:
يعني أنا مسجلاك، أحلى حاجة في حياتي وأنتَ مسجلني برطمان عسل حياتي؟"
غمز لها يقول بمرحٍ:
طب وهو فيه أحلى من العسل؟"
إستمرت الضحكات عليهما، حتى سألت «إيمان» أخيها بخبثٍ:
وأنتَ يا خالد، مسجل مراتك إيه؟ علشان الفضول هيموتني"
نظر لها بحنقٍ وهو يقول:
وأنتِ مالك ياستي، ما تسيبي خالد في حاله"
تدخل «رياض» يقول بنبرة قوية:
أنا بقى عاوز أعرف، ومش هسيبك"
نظر «خالد» حوله ثم حمحم وقال بإحراج:
مسميها نور البيت"
نظر له الجميع بتعجب، فقال هو بضيق:
محدش يبصلي كدا، هي لما تبعد عن البيت، بحس إنه مضلم من غيرها، علشان كدا هي نور البيت، ونور قلبي كمان يلا بقى"
تصنعت «ريهام» الإنشغال مع صغيرها، بينما الجالسون كانوا ينظرون لهما بحبٍ بالغ، بعد ذلك سألت «سارة» تقول بهدوء:
فيه سؤال ضروري معلش، اللحمة المفرومة دي مين اللي كان عاملها علشان بجد طعمها تحفة"
إبتسم «ياسين» يقول بهدوء:
أنا اللي عملتها، التوابل و الخلطة مني، مجهزها من إمبارح"
سألته «خديجة» بتعجب:
بجد!! أنتَ بتعرف تطبخ يا ياسين؟ طب إزاي"
أجابها «ياسر» متدخلًا بهدوء:
بصراحة القعدة مع ميمي علمتنا حاجات كتير أوي، يعني عندك مثلًا ياسين بقى بيعرف يطبخ، وخالد أحسن واحد يكنس الشقة من غير ما يسيب تراب على الأرض، وعندك أنا بعرف أفرش الشقة كلها وحتى السراير، عندك عامر أحسن واحد يغسل مواعين ويشطب المطبخ"
ضحكت الفتيات بقوة، بينما «خالد» أضاف بهدوء:
بصراحة، بقينا أجمد من الستات في شغل البيت"
نظر «ياسين» إلى «عامر» وهو يقول:
فاكر ياض يا عامر المحشي؟ فاكر حصل إيه اليوم دا؟"
نظر له «عامر» بحنقٍ وهو يقول:
لأ مش فاكر ومش عاوز أفتكر، وأخرس خالص"
تدخلت «سارة» تقول بتلهفٍ:
أنا عاوزة أعرف بقى ضروري"
ضحك «ياسين» ثم قال:
ميمي كانت عاوزة تاكل محشي في مرة، وبصراحة جبنا الطريقة من النت، قولنا ساعتها خالد يروق الشقة، وأنا ياسر نعمل المحشي، وعامر يغسل المواعين، عامر ساعتها صمم يعمل الشوربة علشان المحشي، المشكلة إننا كنا صايمين ساعتها، المهم قعدت أنا وياسر نعمل المحشي، وخالد بيروق ، والمعلم عامر بيعمل الشوربة، بعد ما الفراخ أستوت قولناله يصفيها من الشوربة علشان متتهريش"
سألتها «زُهرة» بحماس:
ها، عمل إيه؟ قول بسرعة"
ضحك «ياسين» بقوة هو وأصدقاءه عند تذكرهم للموقف، بينما الفتيات كلهن كانت نظرة حماس تعتلي ملامح وجهها، أوقف «ياسين» الضحك وهو يقول:
المهم قولنا لعامر يصفي الفراخ من الشوربة، وكان فاضل ساعتين على المغرب، المهم عامر مسك الحلة و دلق الشوربة في الحوض،وساب الفرخة في الحلة"
إرتفعت ضحكات الجميع، بينما «عامر» قال بحنقٍ:
ما خلاص، أنتو اللي محدش فيكم حدد، قولتولي صفي الفرخة، مقولتوش خرج الفرخة تفرق كتير"
نظر له «رياض» بسخرية وهو يقول:
يا فرحتي بيك يا مدير، صحيح عيل أهطل"
نظر له «عامر» بسخرية وهو يقول:
أنا أهطل، الله يسامحك وريني مين بقى هيظبط الماتش"
تدخل «خالد» يقول بهدوء:
برضه عاوز الماتش دا يا رياض؟ ما نكبر بقى"
سألت «خديجة» بهدوء:
ماتش!! ماتش إيه دا؟"
نظر لها «ياسين» بسخرية وهو يقول بسخرية:
ماتش حماكِ العزيز يا خديجة، لكِ شرف تشوفي رياض الشيخ وهو عامل نفسه محمد صلاح"
سأل «عامر» بسخرية:
أنتَ برضه عاوز عمي فاروق معاكم في الليلة دي؟"
أومأ له «رياض» وهو يقول:
آه طبعًا، فاروق دا أحسن باك ليفت"
_"مخلل، قصدك ليفت مخلل، عمي فاروق لو البخاخة فارقته يموت، عمي فاروق دا إحنا رايحين نعزي فيه مرتين"
قال «عامر» حديثه ساخرًا من عمه، بينما «زهرة» سألت بضيق زائف:
أنتَ يا واد يا عامر مش محترم؟ دا عمك يا واد"
نظر لها بوجهٍ ممتعض وهو يقول:
يا سلام؟ أنتِ بنفسك جيتي عزا منهم مرة، وطلع ميت إكلينيكيًا"
تدخل «ياسر» يقول بهدوء:
المهم لو فعلًا الماتش هيتعمل، إلحق ظبط الدنيا يا عامر"
نظر «عامر» لهم بثقة وهو يقول:
عيب عليك أسامي الفرق، والمكان وكل حاجة بقت جاهزة خلاص"
سأله «ياسين» بهدوء:
هو إمتى يا عامر؟"
رد عليه «عامر» بهدوء:
يوم التلات، علشان الملعب بتاع حارة المرغني يكون فاضي اليوم دا"
نظر «رياض» للفتيات وهو يقول:
طبعًا هتيجوا تتفرجوا على عمو يا حبايبي، وخديجة لازم تيجي"
أومأت له بهدوء، بينما «ياسين» قال بهدوء:
كدا كدا هتيجي علشان نشجعك يا مكتسح الملاعب"
أومأ له الجميع بضحك، وإندمجوا في الحديث مرة أخرى، تحت الضحكات والنظرات الفرحة.
___________
مر يوم الجمعة بسلامٍ على الجميع، وعادت «خديجة» إلى بيتها بعد إنتهاء العزومة في بيت زوجها، مرت الأيام التالية بهدوء وكانت مثل غيرها، فكانت «هدير» جالسة في غرفتها لم تتركها، وخديجة وعبلة صارت علاقتهن أقوى، وأحمد الذي أندمج في عمله ولم يفصح عن سره لأبناء عمومته، ومشيرة في شقتها تفكر في حل لمشكلتها، مرت الأيام بهدوء إلى أن أتى يوم الثلاثاء، اليوم المعهود،
كانت «خديجة» تشعر بحماس شديد حتى تذهب لمشاهدة مباراة «رياض» إرتدت ثيابها ثم جلست تنتظره، وبالفعل هاتفها هو ونزلت له كان واقفًا بجانب السيارة ينتظرها، ركضت له بسرعة كبيرة فوجدته يقول بهدوء:
وحشتيني و وحشتني عينيكِ يا خديجة"
إبتسمت له وهي تقول بهدوء:
وأنتَ كمان يا ياسين"
سألها مُستفسرًا بخبثٍ:
أنا كمان إيه كملي؟"
نظرت للأسفل وهي تبتسم بهدوء، بينما تنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرة حنونة مُحبة:
ذَرفْـتُ أدمُـعي شَوقًا لِـرؤياكِ، فَـقلبي لازال يتخذ رَوحكِ وطنه و مَـسكنه عيناكِ"
رفعت رأسها تنظر له وهي تبتسم، فوجدته كعادته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
أومأت وهي تقول بمرحٍ:
حصل والله، ماشاء الله المفروض تعمل كتاب"
إبتسم هو ثم ركب السيارة وهي فعلت مثله، بعد قليل من القيادة، أوقف «ياسين» سيارته أمام الملعب، أمسك كف «خديجة» ثم دخل بها بهدوء وكان الجميع في إنتظارهما، نظر حوله وهي فعلت مثله وفي خلال ثوانٍ انفجرت في الضحك فكان المشهد بالداخل عبثيًا، كان «رياض» يرتدي ملابس رياضية عبارة عن تيشيرت رياضي، وسروال قصير فوق الركبة، وحذاء رياضي أيضًا، ومعه مجموعة رجال أكبر منه سنًا يرتدون نفس الثياب، تعمقت بنظرها أكثر وجدت لوحات مُعلقة في الملعب تحمل إسم الفرق التي قام «عامر» بإختيارها فكانت اللوحات مدون بها:
فريق الأعمار بيد اللهVS فريق إفتكار و رحمة"
عند قراءتها أسماء الفرق لم تتمالك نفسها ، بينما هو ضرب كفًا بالأخر ثم قال:
دي أحلام العصر دي ولا إيه؟"
إقتربت منه وهي تضحك ثم قالت:
أنا مش قادرة والله، حاسة بطني هتنفجر من كتر الضحك"
نظر لها بسخرية وهو يقول:
حقك والله، دا أنا مسكوف منك ووشي في الأرض و...إيه دا؟"
نظر للجهة الأخرى وجد «ياسر» يرتدي البالطو الابيض الخاص بعمله وبجانبه (توك توك) صغير قام «عامر» بطلاءه باللون الأبيض ثم كتب على ظهره:
الأسعافات الأولية، إقرأ القاتحة مقدمًا"
كان «ياسر» جالسًا بجانب التوك توك وفي يده سماعة الطب الخاصة به، ضرب «ياسين» كفيه ببعضهما وهو ينظر لها، وفجأة إقترب منهما «عامر» وهو يقول بضيق:
إتأخرت ليه يا ياسين؟ الماتش هيبدأ، وأمك مستنية جوة"
أمسكه «ياسين» من ثيابه وهو يقول:
دا أنا هولع فيك الليلة دي، إيه اللي أنتَ عامله دا يا عامر؟ عاوز تموتني مشلول؟"
أبعد «عامر» يد «ياسين» عن ثيابه وهو يقول بمرحٍ:
إيدك بس يا حبيبي ، أنا كابتن الفريق هنا"
إقتربت «خديجة» منهما، فوجدت «عامر» يقول لها:
أنا حاجزلك مكان جنب البنات علشان متدوريش كتير"
أشار لها على المكان فأومأت له بهدوء وهي مبتسمة ثم تركتهما وذهبت إلى الفتيات، بينما «ياسين» إتسعت مقلتيه حينما وقع بصره على «سيد» ذلك الرجل الذي يعمل بالمقابر، فأمسك «عامر» من تلابيبه وهو يقول:
عم سيد الحانوتي بيعمل إيه هنا يا عامر؟"
أجابه «عامر» بسخرية:
جاي يرعى الماتش يا ياسين، تفتكر ماتش زي دا مين اللي هيرعاه؟ ميريام فارس!!"
عض «ياسين» على شفتيه وهو يقول:
يا أخي الله يسامحك هموت بالجلطة منك"
إبتسم «عامر» بثقة وهو يقول:
ولسه، إن شاء الله عم سيد هيعمل شغل عالي النهاردة"
تركه «ياسين» على مضضٍ، بينما «عامر» نظر في أثره وهو يقول بغيظ:
أومال لو شاف أم سماح وهي بتخيط هدوم اللعيبة جوة هيعمل إيه؟"
_____________
أمام أحد المولات التجارية أوقف «طارق» سيارته وهو يتحدث في الهاتف مع «وليد» فقال بضيق:
يا وليد إخلص، أنا وصلت، الناس مستنين جوة"
رد عليه «وليد» معتذرًا:
والله الطريق كان واقف، أنا خلاص قدامي خمس دقايق وأوصل عند المول، أطلع أنتَ وشوف الناس لحد ما أجيلك"
رد عليه «طارق» بضيق:
خلاص يا وليد ماشي، أنا هطلع أشوفه وأنتَ تعالى ورايا، وحاول تسرع"
أغلق معه الهاتف ثم صعد إلى الطابق الذي يقع به محل «حسان»، وقف أمام المحل ينظر إلى اللوحة المعلقة أعلاه، فوجد عليها إسم (نور الهدى) أنزل رأسه للأسفل ينظر داخل المحل فوجد فتاة رقيقة تجلس في المنتصف تحمل المصحف في يدها وهي تقرأ منه لايدري لماذا شعر بالراحة حينما نظر إليها، و وجد نفسه يبتسم رويدًا رويدًا، لكنه عنف نفسه بشدة وإلتفت للجهة الأخرى، نظر في ساعة يده فوجد الوقت تعدى المعاد المحدد، لذلك إقترب منها يحمحم بهدوء حتى يلفت نظرها، رفعت رأسها تنظر له، ثم تركت المصحف و خرجت له وهي تقول:
نعم، أؤمر حضرتك"
لا يدري ماذا أصابه حينما وقفت أمامه، لا يدري لماذا يشعر بالراحة وهو ينظر لها، لايدري لماذا لون أعينها يشبه لون أعين جميلة كثيرًا، ذلك اللون العسلي الممزوج باللون الأخضر، كان ينظر لها ببلاهة، بينما هي حركت رأسها وهي تقول:
أيوا حضرتك، خير يا فندم، حضرتك مين؟"
حمحم هو ثم قال:
أنا..أنا طارق صاحب شركة الدعاية والإعلان"
أومأت له ثم إبتسمت وقالت بحماس:
أهلًا و سهلًا، هو ثواني وجاي مش هيتأخر هو بس راح يجيب حاجة من المحل اللي تحت"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
مفيش مشاكل أنا هقف أستنى أخويا برة، لحد ما يجي عن إذنك"
أومأت له بهدوء ثم تركته ودخلت وعادت لما كانت تفعله، وقف هو أمام المحل يضم ذراعيه أمام قفصه الصدري، وفجأة أتى «وليد» يقول ساخرًا وهو يقرأ اللوحة الموضوعة أعلى المحل:
محل نور الهدى للزي الشرعي وملابس المحجبات!! ياترى عن إقتناع بقى يا طارق ؟"
نظر له «طارق» بضيق ثم أطلق زفيرًا قويًا وهو يقول:
يا بني دا المحل اللي هنعمله الدعاية، بطل غباء بقى"
قبل أن يُعقب «وليد» أتى «حسان» ينظر لهما وهو يقول:
حضراتكم بتوع شركة الدعاية والإعلان صح؟"
إقترب منه «طارق» يقول بهدوء:
أيوا أنا يا فندم، مع حضرتك طارق صاحب شركة الدعاية ودا أخويا الصغير"
أومأ لهما «حسان» ثم قال:
أهلًا وسهلًا، معلش متأسف على وقفتكم كدا"
خرجت له «جميلة» وهي تقول بمرحٍ:
إيه يا حج حسان؟ كل دا تأخير"
نظر كلاهما لبعضهما البعض عند ذكرها لإسمه، بينما إبتسم هو لإبنته ثم قال:
معلش يا ستي كنت بجيب العدة"
نظر لهما مرةً أُخرى وهو يقول معتذرًا:
معلش هدخل الحاجة دي المحل، وأرجع لحضراتكم مرة تانية؟"
أومأ له الأثنين بإندهاش بعدما ذكرت هي إسمه، تركهما هو ودخل مع إبنته، بينما «طارق» نظر لـ «وليد» وهو يقول:
أنتَ سمعتها قالته إيه يا وليد؟ قالتله حسان؟"
حرك «وليد» كتفيه وهو يقول بلامبالاة:
عادي يعني، ما مصر مليانة حسان يا طارق"
رد عليه «طارق» بضيق:
لأ هو يا وليد، وأنا هتأكد بنفسي، بس أعرف هي دي مين؟"
دخل «طارق» له المحل وهو يقول بنبرة جاهد حتى تخرج منه طبيعية:
لو سمحت هو حضرتك إسمك إيه بالكامل؟"
إلتفت «حسان» ينظر له بتعجب،بينما «جميلة» تحدثت تقول بفخرٍ:
دا الشيخ حسان عز أبو الفدا، أبويا، يبقى إمام مسجد و شغال تبع وزارة الأوقاف، وأنا جميلة بنت الراجل العظيم دا"
وقف الأثنين كمن سُكب عليهما دلوًا من الماء الباردة في ليالي الشتاء القاسية، ثم نظرا لبعضهما البعض، بينما «حسان» حرك رأسه نفيًا بيأس وهو يقول بضحك:
أظن جميلة بنتي مبخلتش عنكم بأي معلومات، أنتم مين بقى؟"
نظر له «وليد» بخبثٍ وهو يقول:
لأ دا خير ما فعلت، أعرفك أنا بقى بينا، وليد مرتضى، و دا طارق محمد، الرشيد
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الثاني والاربعون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الثاني و الأربعون"
____________
كلما طال بُعدكِ رفعت رأسي أنظر للسماء، أراكِ فيها كَـنجمةٌ و قلبي طامعٌ في اللقاء.
_____________
من أقسى التساؤلات التي كتبها كافكا إلى حبيبته ميلينا: "لقد كان فراقًا عاديًا يزول أثره مع الوقت أو لا يزول، لكنّ السؤال الذي يورِّقُني دائمًا مُحاولاً طردهُ مِن رأسي: كنتُ دائمًا أُضيئُك، كيف استطعت إطفائي؟"
«كافكا إلى ميلينا»
وقف الأثنين كمن سُكب عليهما دلوًا من الماء الباردة في ليالي الشتاء القاسية، ثم نظر لبعضهما البعض، بينما «حسان» حرك رأسه نفيًا بيأس وهو يقول بضحك:
أظن جميلة بنتي مبخلتش عنكم بأي معلومات، أنتم مين بقى؟"
نظر له «وليد» بخبثٍ وهو يقول:
لأ دا خير ما فعلت، أعرفك أنا بقى بينا، وليد مرتضى، و دا طارق محمد، الرشيد"
رفع «حسان» رأسه بقوة ينظر لهما، كمن صُعق بالكهرباء لايدري هل ما سمعه صحيح؟ نظر في وجهيهما يحاول إستبيان ملامحهما التي محاها الزمن من ذاكرته، وجد نظراتهما تشع نيران، فنظر لإبنته يقول لها بصوتٍ مهزوز بعد رؤيته تلك النظرات:
جـ..جميلة...روحي هاتي حاجة للناس تشربها،يلا"
قطبت جبينها تسأله حائرة:
طب ما أكلم حد من الكافيه اللي تحت يطلع يا بابا"
_"لأ، أنزلي أنتِ"
خرجت منه تلك الجملة بنبرة قوية جعلت التعجب باديًا على ملامح وجهها، أما عنهما فقبض «طارق» كف يده بشدة حتى يتمالك نفسه، بينما «وليد» كانت نظرة الخبث تشع من عينيه، نظرت هي في أوجه الجميع، ثم حركت كتفيها وغادرت المكان وهي متعجبة منهم جميعًا، نظر هو أمامه حتى زال أثرها، فإلتفت ينظر لهما بنظرة مذعورة وهو يقول بنبرة مهزوزة يحاول تغير الموضوع:
أهلًا..أهلًا و سهلًا بيكم، ها نتكلم بقى في الشغل؟"
رفع «طارق» حاجبه مُتعجبًا منه، بينما «وليد» رد مُعقبًا بهدوء خبيث:
لا لا لا، مش مقابلة دي يا عمو حسان بعد العمر دا كله، إيه نسيت ليدو حبيبك؟ وبعدين الكلام دا كان قبل ما تخرجها من المحل، لكن للأسف اللي عملته دا خلانا متأكدين إنك عرفتنا"
تحدث «طارق» يقول بضيق ونبرة قوية:
هو أنتَ فاكر إننا ناسين؟ شوف يا أخي الدنيا، بعد العمر دا كله ربنا يجمعنا سوا"
ثم إقترب منه يقف مقابلًا له وأمسكه من تلابيبه فجأة وهو يقول بصياح:
علشان أطلع عليك اللي عملته فيا، لأ وكمان عاوز تتكلم في الشغل، يا بحاجتك يا شيخ"
كان يهزه بقوة، مما جعل «وليد» يقترب منهما وهو يقول:
خلاص يا طارق سيبه، هي ممكن تطلع دلوقتي"
تركه «طارق» على مضضٍ، فكان «حسان» يشبه التائه، بحث عن صوته لكنه لم يجده، فنظر لهما بأعين خاوية، بينما «وليد» قال بنبرة صارمة:
إعمل حسابك، إحنا هناخد جميلة من هنا، وهناخدها لأمها"
إقترب منه «حسان» وهو يقول مُترجيًا بنبرة شبه باكية:
أبوس إيدك بلاش، بنتي لو عرفت هتتصدم، بنتي أصلًا مش فاكرة حد فيكم، بالله عليك متلخبطش حياتنا، أنا ما صدقت أنها تسكت عن سيرة أهل أمها"
رد عليه «طارق» بنبرة لا تقبل النقاش:
للأسف الكلام دا في أحلامك، أنا هاخدها منك علشان تدوق وجع القلب من الفراق، وبعدين هي إزاي مش فاكرة أسامينا؟ البت كانت في سن دخول المدرسة يعني المفروض تكون فاكرة، أنتَ عملت إيه؟! رد عليا"
قبل أن يُعقب «حسان» أتت «جميلة» وهي تقول بصوتٍ مُبهج:
متأخرتش أهوه، جيت بسرعة"
نظر لها الثلاثة رجال، بينما وجه «حسان» نظره لها وهو يقول بإنهاك واضح من الصداع الذي داهمه:
معلش يا جميلة مش هنعرف نتكلم هنا...هننزل تحت نتكلم براحتنا علشان التفاصيل، خلي بالك من المحل"
كان «طارق» ينظر لها بتمعن لا يستطع رفع أعينه من عليها، وكأنه بذلك يشبع حنينه وشوقه لها، رآى «وليد» حالته تلك، فأمسكه من مرفقه وهو يقول:
إحنا هنسبق حضرتك على تحت، يلا يا طارق"
كانت هي أيضًا تنظر له بتمعن لاتدري لماذا لم تستطع إبعاد نظرها عنه، نظر والدها لهما، فرآى نظارتهما لبعضهما البعض فقال بضيق ونبرة متوترة:
يلا يا أستاذ إتفضل علشان نلحق نتكلم في الشغل"
خرج حسان يضرب الأرض بقدميه، وخلفه «وليد» يسحب «طارق» من مرفقه، وهو شاخصًا ببصره نحوها، وهي أيضًا تنظر له وكأنها غائبة عن الوعي، بعد إختفاء أثرهم، تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بصوتٍ مسموع:
هو إيه الجو المتوتر دا؟ وبعدين أنا كنت عاوزة أختار التصاميم ،طب يشربوا العصير اللي تعبت فيه و جبته دا"
ضربت الأرض بقدميها بعد كلمتها الأخيرة وهي تزفر بضيق.
نزل «حسان» إلى الكافيه وخلفه «وليد» و «طارق»، جلس هو أولًا لكنه كان متوترًا بشدة والعرق يتصبب من وجهه ومن لحيته الطويلة، جلس الشباب أمامه، وأول من تحدث كان «وليد» حينما قال مستفسرًا:
إحنا سكتنا قدامها علشان الدنيا متتبهدلش أكتر من كدا، لكن اللي بيحصل دا مينفعش، أحكي وسمعنا صوتك اللي وحشنا دا"
كانت كلماته ساخرة مما جعل «حسان» ينظر له بأعين خاوية وهو يقول بهدوء مستفز:
أتكلم أقول إيه؟"
ضرب «طارق» الطاولة الموضوعة بينهم بكفه وهو يقول بنبرة قوية عالية بعض الشيء:
تتكلم وتحكي كل حاجة، بدل ما قسمًا بربي أخليك تحكي غصب عنك، أنا حايش نفسي عنك بالعافية، عاوز أعرف كل حاجة،ليه مشيت من البيت وليه خدت جميلة معاك؟ وليه فهمتنا إنها ميتة، ليه إتسببت إن قلبي يعيش العمر كله محروق بفراقها"
أخذ «حسان» نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء:
كلامي دلوقتي ملوش لازمة، وأنتم مش من حقكم تجبروني أتكلم، دي بنتي وأنا أبوها، وهي كل معلوماتها إن أمها ميتة، وأهل أمها متخانقين معايا، ومنعرفش طريقهم"
رد عليه «وليد» بإشمئزاز واضح:
إيه يا أخي القرف دا؟ وجالك قلب تعمل كدا، طب وأمها اللي قلبها محروق عليها، طب مفكرتش إن هيجي اليوم اللي الحقيقة تظهر فيه؟"
رد عليه «حسان» بغلٍ واضح:
أمها!! أنا لو عملت حاجة حلوة لجميلة هتبقى أني بعدتها عن أمها، أمها اللي كانت السبب في بهدلتي من محافظة للتانية"
رد عليه «طارق» بسخرية:
لأ معاك حق فعلًا، تفهم البت طول عمرها إن أمها ميتة، وإنها يتيمة الأم، وباعدها عن أهلها، لأ فعلًا شاطر يا عم حسان"
رد عليه «حسان» بضيق:
أنتَ مش فاهم حاجة، أنتَ فاكر سهل عليا أقولها أمك عايشة يا جميلة، وأخواتك أهم روحي معاهم"
ضرب «طارق» الطاولة بكفه للمرة الثانية وهو يقول بحنقٍ:
أنتَ مصمم ليه تعصبني، أخوات مين يا عم أنتَ؟! من إمتى وجميلة كانت أختى؟ أنتَ بنفسك من صغرنا كنت بتقولي إن هي ليا وأنا ليها، وعيشت العمر كله مستنيها، عاوزنا دلوقتي نمشي وكأن محصلش حاجة"
أومأ له وهو يقول بنبرة حادة:
أنتم هتمشوا فعلًا، علشان أنا مش هضيع اللي فات كله في مقابلة منكم، وأنتم هتنسوا إنكم شفتونا، إعتبروه حلم وخلاص"
رد عليه «طارق» بنبرة موجوعة:
ياريت كنت أقدر أنسى، كنت أرتحت بدل ما قلبي أتكتب حبها كأنه خِتم، من يوم ما عيني شافتها وهي فتحت عيونها عليا وأنا عمري ما عرفت أنساها، عيشت أكتر من ١٦ سنة بستنى فيها ترجعلي، انسى أنتَ بقى علشان كل حاجة هتتغير"
تدخل «وليد» يقول بنبرة خبيثة وكأنه لا يعلم:
وبعدين هو إيه اللي حصل بالظبط علشان تمشي من البيت، وإيه اللي بينك وبين زينب مرات عمي طه علشان تبعتلك الجوابات وتوقع بينك وبين عمتي"
نظر له «طارق» مُتعجبًا، بينما «حسان» سأله بنبرة مندهشة:
وإيه علاقة زينب بالموضوع، زينب ملهاش دخل أصلًا"
سأله «طارق» بسرعة وهو مندهش:
أومال مين اللي وصلك الجوابات دي؟ لو مش زينب مرات عمي؟"
نظر لهما «حسان» بتمعن ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:
أنا مش فاهم زينب مالها بالموضوع، بس أنا هقولكم مين اللي باعتلي وباعتلي إيه بالظبط."
__________________
في الملعب كانت «خديجة» جالسة بجانب «زهرة» والفتيات وكان «ياسين» جالسًا أمام مكبر الصوت حتى يقوم بمهمة التعليق على المباراة، وكان «عامر» كابتن الفريق الخاص بوالد «ياسين»، و «خالد» هو الحكم في المباراة، قبل البداية وقف «عامر» يقول بطريقة درامية:
فريق الأعمار بيد الله ركزوا معايا، عاوز كل نقطة حماس عندكم، أظن أنا عملت معاكم الواجب وزيادة، فولتارين وجبت، بنادول وجبت، برشام قلب وضغط وسكر موجودين، مفطركم فول، على الله تخسروا"
نطق «فهمي» والده يقول بنبرة مُستفسرة:
جبت المحلول علشان عمك فاروق يا عامر؟"
رد عليه «عامر» بلامبالاة:
لأ عمي فاروق مش محتاج محاليل، عم فاروق محتاج عَمرة جديدة"
رد عليه «فاروق» بعدما أخذ نفسًا من البخاخ الخاص بالتنفس في يده:
ليه...كدا يا عامر....طب دا أنا صحتي زي صحة الكورة..اللي..اللي هنلعب بيها"
رد عليه «عامر» بسخرية:
الله يطمنك يا عم فاروق، روح بس كمل جلسة التنفس الصناعي قبل ما خالد يبدأ"
أتى «عمار» شقيق «عامر» وجلس بجانب «ياسين» وهو يقول:
جبتلكم شوية كبدة سخنة وبتنجان يا ياسين، مش هتدوق زيهم في حياتك ، خد سلي نفسك وأنتَ بتعلق"
ضرب كفًا بالأخر وهو يقول:
هي الليلة دي ملهاش كبير؟ في إيه يا جماعة!! كبدة إيه اللي هاكلها دي؟ هلاقيها منكم ولا من أبويا؟"
أتى «خالد» وهو يقول لـ «عمار»:
هات سندوتش كبدة يا عمار، أنا جعان"
نظر لهما «ياسين» بسخرية وهو يقول:
هو في إيه بقى؟ وزارة الشباب والرياضة عندها علم باللي بيحصل دا يا خالد؟"
حرك «خالد» رأسه وهو يأكل ثم قال بعدما إبتلع الطعام:
لأ متعرفش علشان لو عرفت هنبات في الحجز الليلة دي"
إتسعت مقلتي «ياسين»، و فجأة أتى «ياسر» وهو يقول بلهفة:
عامر عاوزنا علشان نظبط الدنيا، وقالي أقولكم ونروحله"
ذهب الأربع الشباب له فوجدوه واقفًا في المنتصف وباقي الفريق حوله، وقفوا جميعًا، فوجدوه يقول بصرامة:
إسمعوني كويس، إحنا عاوزين نلعب الماتش دا بكل طاقتنا، يعني نثبت نفسنا ونثبت إن العمر دا رقم، وأنا هسلم الشارة لرياض"
تدخل عمه «فاروق» يقول بإنهاك:
متقلقش يا عامر هنرفع راسك إن شاء الله"
رد عليه «عامر» بسخرية:
بالله عليك يا عمي متتكلمش علشان الكلام بيتعبك"
_"نعم!! ولما الكلام بيتعبه هيلعب إزاي؟"
خرجت تلك الجملة بصراخ من «ياسر»، فرد عليه «ياسين» بسخرية:
والله العظيم بيلعبوا في عداد عمرهم، خليهم"
تحدث فجأة «رياض» يقول بخجلٍ:
فيه مشكلة صغيرة بس عند خليل صاحبي، هو هيقولهالكم"
سأله «عامر» بضيق:
خير يا عم خليل، أؤمرني"
تحدث «خليل» بخجلٍ:
أنا عمري ما لعبت كورة قبل كدا، بس رياض و فهمي قالولي إنهم محتاجين حد يكمل الفريق"
_"لأ بسيطة وسهلة إن شاء الله"
خرجت تلك الجملة بتهكمٍ واضح من «خالد» فحاول الجميع كتم ضحكاتهم، فأضاف «خليل» يقول بأملٍ:
بس فيه حاجة، أنا بتفرج على قناة اون سبورت كل يوم"
رد عليه «عامر» مُبتسمًا ببلاهة:
طب إحنا هنعوز إيه تاني يا عم خليل؟ ما أنتَ زي الفل أهوه"
ضحك الجميع عليه، أما «ياسين» قال بهدوء:
معلش يا جماعة نقرأ أذكار المساء علشان ليلتنا تعدي على خير"
فجأة إقترب منهم رجل كبير في السن وثمين البدن قال بنبرة قوية:
أنا عاوز ألعب معاكم، وعاوز أكون في الفريق"
نظر له الجميع بتعجب، بينما «خالد» أضاف بنبرة قوية:
معلش يا عم حسين مش هينفع، الفريق إكتمل"
سأله بإنزعاج:
يعني إيه الفريق أكتمل؟ أنا عاوز ألعب، وبعدين يا رياض؟"
رد عليه «رياض» بضيق:
أعمل إيه طيب يا حسين؟ أنتَ مردتش عليا، جبنا عمار إبن فهمي مكانك"
أومأ له «حسين» بسخرية ثم قال:
طب أنا بقى كلمت ابني وهو جاي علشان يشوف حل"
رد عليه «عامر» بإندفاع:
يجي إبنك أنتَ هتخوفنا؟ مين إبنك يعني؟"
إقترب منه «عمار» يقول بقلق:
بلاش يا عامر، دا أبو تيتو، متتهورش"
رد عليه «ياسين» متدخلًا:
هو إحنا بنخاف ولا إيه يا عمار! وبعدين يوم ما هنخاف هنخاف من تيتو؟"
_"مين دا اللي مش خايف من تيتو؟"
خرجت تلك الجملة بنبرة قوية من «تيتو» إبن «حسين» جزار المنطقة، إبتعد الرجال يفسحوا له المجال، بينما «رياض» وقف منزويًا عنهم، وقف الخمس شباب ينظرون له بخوف، حيث كان طوله يتخطى المترين، وجسد ضخم مليءٌ بالعضلات التي بثت الرعب في أنفسهم، إقترب هو منهم وهو يقول:
أنا سمعت إنكم مش عاوزين أبويا يلعب معاكم، وعرفت كمان إن فيه واحد مش خايف مني"
رد عليه «ياسين» بسرعة نابعة من خوفه:
مين الكداب اللي قالك كدا، وبعدين يا معلم حد يشوف الحلاوة دي وميخافش، كتفك أبوسه يا كبير"
نظر له «تيتو» بتمعن وهو يقول:
فين اللي مش عاوز يلاعب أبويا معاكم؟"
اشار الجميع نحو «عامر» الذي رفع رأسه بخوف يتفحص «تيتو» من شعر رأسه حتى أخمص قدميه، سأله «تيتو» بنبرة لا تقبل النقاش:
أنتَ اللي مش عاوز ابويا يلعب؟"
حرك «عامر» رأسه نفيًا بذعر ثم أضاف قائلًا:
يتقطع لساني لو رفضت، أبوك لو عاوز يلعب بيا أنا شخصيًا معنديش مانع"
ربت «تيتو» على كتفه وهو يقول:
شاطر، أنا هقعد جنب اللي هيذيع الماتش، وأشوف بنفسي"
تدخل «ياسر» يقول بسرعة:
أنتَ لو عاوز تذيع الماتش أنتَ معندناش مانع، لو عاوز تكون مكان خالد وتحكم أنتَ محدش يقدر يزعلك"
أومأ له «خالد» وهو يقول:
أنتَ لو عاوزنا كلنا نمشي، محدش يقدر يرد كلمتك"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بنبرةٍ قوية:
لأ مش عاوز، عرفوني مين بس اللي هيذيع الماتش"
أشاروا له على «ياسين» فوضع ذراعه على كتفه يضمه بقوة وهو يقول:
أنتَ إبن عم رياض، تعالى بقى علشان هقعد جنبك"
أومأ له «ياسين» بقوة ثم سار بجانبه، بينما «عامر» قال بسخرية وهو ينظر في أثرهما:
سبحان الله، أول مرة أشوف واحد ماشي مع شغله!"
سأله «خالد» بتعجب:
إشمعنا يعني؟"
أشار «عامر» برأسه نحو «ياسين» وهو يقول:
ياسين مهندس معماري، ماشي جنب عمارة ١٢ دور"
ضحك الشباب عليه، بينما «ياسين» جلس على مقعده مرةً أُخرى نظر حوله فوجد «خديجة» تحمل «يونس» بين ذراعيها فإبتسم هو حينما رآها تطبع قبلة على جبهته ثم شددت عناقها له، أخرج هاتفه في تلك اللحظة يلتقط لها تلك الصورة، ونظرًا لجودة هاتفه وكاميرته أستطاع أن يلتقط لها الصورة بجودة عالية، نظر في الصورة بعد إلتقاطها بحب ثم تنهد بعمقٍ، بينما هي كانت شاردة في ملامح الصغير ، الذي يبدو بريئًا إلى حدٍ كبير، لكنها انتبهت على صوت «ريهام» وهي تقول:
هاتيه عنك يا خديجة علشان دراعك، هو بيطول في نومه"
ردت عليها «خديجة» بهدوء وهي مبتسمة:
لأ خالص، خليه ينام كدا في حضني، أنا بحب الأطفال أوي"
تدخلت «زُهرة» تقول بمرحٍ:
عقبال ما تشيلي أطفالك يا رب يا ستي"
أومأت في خجلٍ ثم أخفضت رأسها تحاول وأد بسمتها، وفجاة وصلها رسالة على هاتفها، فتحت الهاتف تنظر به، فوجدت رسالة منه عبارة عن الصورة ودون أسفل منها:
أخبريني كَـيْفَ لِـ صورةٍ أُلتقطت بواسطة آلة معدنية، أن تتحكم في نبضات ذلك القلب الساكن بين أضلعي، أخبريني كيف أراها و أتحكم في أدمُـعي"
رفعت رأسها تنظر له فوجدته يغمز لها، إبتسمت هي وقبل أن تجيبه وجدته يرسل لها:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
أرسلت له هي بمرحٍ:
دا كدا كدا يا ياسين، بس الصورة حلوة علشان أنتَ اللي مصورها"
رفع رأسه ينظر لها فوجدها تبتسم له، ظل ينظر لها وهي تنظر له و فجأة أطلق «خالد» صفيرًا عاليًا، يعلن بها عن بداية المباراة.
________________
في الكافيه إندهش كلاهما مما أخبرهما «حسان» به، أما هو فأضاف قائلًا بنبرة حائرة:
أنا معرفش دخل زينب إيه؟ أنا حكيت اللي حصل بالظبط والله، ربنا يعلم إن دا اللي حصل، ساعتها أنا كنت مجروح، تخيل أنتَ الإنسانة اللي حبيتها تخدعك، أنا سألتها وقولتلها قبل جوازنا، يا مشيرة لو كنتِ بتحبي حد عرفيني، يا مشيرة لو مش عاوزاني عرفيني، قالتلي لأ وقالتلي أني أول حد في حياتها، أنا اللي وصلني نسخة من الجوابات واتنين بس اللي أصلي، بس الكلام اللي كان فيهم صعب راجل يتحمله"
سأله «وليد» بهدوء:
طب كان فيهم إيه و إتبعتوا إمتى؟"
أخذ «حسان» نفسًا عميقًا ثم قال بنبرةٍ موجوعة:
واحد فيهم كان قبل فرحنا بيومين، كانت بتقوله إن هي كرهاني ومش موافقة عليا، وواحد تاني يوم ما عرفت إنها حامل مني وقالت إن دي غلطة هي ندمانة عليها"
رد عليه «طارق» بنبرة قوية:
ولو الجوابات دي وصلتك فعلًا، مواجهتش ليه؟ مفكرتش لو للحظة إن هي من بعد ما خلفت بنتها إتغيرت وبقت بنتها كل حاجة ليها؟ أنتَ حكمت من الماضي؟"
رد عليه «حسان» بإنزعاج:
أنا لو كنت واجهتها كنت قتلتها في إيدي، أنا كل اللي حضر في مخي أني عيشت عمري كله في خدعة وبيضحك عليا، أنا نسيت كل حاجة ساعتها وافتكرت بس معاملتها ليا في أول جوازنا، كانت كرهاني وكارهة وجودي، ساعتها خدت بنتي ومشيت وقولت تعيش يتيمة الأم، أحسن ماتكون بنت أب مسجون في جريمة قتل أمها"
رد عليه «وليد» بنبرة متهكمة:
أنتَ عارف فيه كام حد حياته باظت بسببك وبسبب هروبك؟عارف إن زينب كله شك فيها، وعارف إن مشيرة انتقمت منها في بنتها، وعارف كمان إن طارق عاش عمره كله يعيط علشان حبيبته اللي أنتَ وعدته بيها مش معاه، وعارف إن خديجة دفعت تمن كل دا؟ طب عارف إن طه اتغير وطلع كل اللي حصل في بنته؟ شوفت كام واحد دفع تمن هروبك"
نظر له «حسان» بخوف وهو يقول:
أنا مش حمل ذنوب حد، أنتَ بكلامك دا بتشيلني حمل فوق طاقتي، أرجوك يا وليد أنا عاوز أقابل ربنا خفيف"
تدخل «طارق» يقول بنبرة جامدة:
للأسف مش هينفع ننكر اللي حصل، كل حاجة باظت وكل حاجة اتدمرت بعد غيابك، ولازم أنتَ تظهر علشان كل حاجة تتحل، وخليك عارف أنا مش هسيب جميلة"
زفر «حسان» بضيق ثم قال:
طب أنا لسه راجع القاهرة، ولسه مش مستقر هنا، ممكن بس اظبط أموري وأحاول أمهد لجميلة اللي حصل، علشان صعب عليا أنها تتفاجأ كدا، وواضح من كلامكم إن ظهورنا في بيت الرشيد، هيقلب الدنيا"
رد عليه «طارق» بغضب عارم:
أنسى، أنا هاخد جميلة معايا، وأمها هتشوفها، خلينا ننهي الليلة دي كلها"
قبل أن يُعقب «حسان» تدخل «وليد» يقول بهدوء:
كلامه صح يا طارق، ظهورهم مرة واحدة كدا ممكن يقلب الدنيا كلها، وهو لسه مش مستقر هنا، نسيبه يظبط شغله و دنيته، وبعدها لينا كلام تاني، علشان خاطر جميلة حتى"
رد عليه «طارق» بضيق:
يعني إيه يا وليد؟ أنتَ عاوزني أسيبها بعد العمر دا كله،بعد ما عيني ارتاحت وهي شيفاها أتعبها تاني ببعدها عني، أنتَ تقبلها على نفسك؟"
رد عليه «حسان» بضيق مماثل لنبرته:
أنتَ معشم نفسك، بنتي لا يمكن تكون ليك يا طارق، جميلة عايشة عمرها كله معايا، أنتَ بنفسك لو سألتها حتى بعد الحقيقة ما تظهر مش هتسبني"
تدخل «وليد» يقول بخبثٍ متجاهلًا حديث «حسان»:
ومين قالك هتسيبها؟ أنتَ هتبقى معاها علطول، هو مش إحنا برضه بنعمل دعاية وإعلان للمحل؟ والدعاية دي محتاجة إننا نعاين المكان ونصوره؟ يعني أنتَ هتفضل موجود هنا لحد ما المحل يقف على رجله، وعم حسان راجل عاقل وهيسمع كلامي، بدل ما أجيب مشيرة ونزعل كلنا"
إبتسم «طارق» من طريقة تفكير «وليد»، بينما «حسان» تحدث يقول بحنقٍ:
هو أنتَ بتهددني؟ قصدك إيه يا وليد بتلوي دراعي يعني؟"
حرك «وليد» رأسه يقول بإستفزاز:
لأ لا سمح الله أنا مش بهدد، أنا بتكلم فـ اللي هيحصل فعلًا، لو فكرت بس تمشي من هنا ولا عقلك يخونك إنك تلعب علينا ، ساعتها والله يا عم حسان، هخلي كل العيلة تيجي تاخد حقها منك"
وقف «طارق» ثم قال بنبرةٍ قوية:
على العموم، أنا كدا ناري بردت، وعرفت حبيبتي فين وقلبي إطمن، بس قسمًا برب الكعبة لو مكانك اتغير أنا بنفسي هجيبك وأطلع القديم والجديد"
وقف «وليد» أيضًا ثم قال بنبرة هادئة:
أظن أنتَ عاقل وعارف مصلحتك، وماشاء الله ربيت بنتك، وربيت دقنك، أتمنى تكون مربي ضميرك كمان، وعلى فكرة أنا هكلمك بخصوص الشغل برضه، أصل أنا شخص إنتهازي مش بيضيع فرص"
رحل كلاهما من أمامه، بينما هو ركل المقعد المقابل له بضيق ثم قال بنبرة منزعجة:
إزاي راحت عن بالي إن عبده صاحب محمد و طه، إزاي نسيت إن هو اللي معرفني عليهم؟"
رفع رأسها للأعلى يقول مُترجيًا:
يا رب أنتَ اللي عالم بيا وبحالي، ديم سترك عليا يا رب وساعدني في اللي جاي"
ترك مقعده ثم صعد إلى محله، وجد «جميلة» متذمرة، نظر لها مطولًا، نظرة لم تفهمها، فقامت تقف أمامه وهي تقول:
إيه يا بابا كل دا بتتفقوا على الدعاية والإعلان، أومال لو بنشتري منهم المحل كان حصل إيه؟"
لم يرد عليها بالحديث، لكنه أخذها بين ذراعيه بقوة وكأنه يخشى تركها، تعجبت هي من حالته، لكنها رفعت ذراعيها تربت على ظهره ثم سألته بنبرة مهتزة:
بابا.. بابا أنتَ كويس؟ حصل إيه؟"
أخرجها من بين ذراعيه وهو يقول:
مفيش..بس وحشتيني، وكمان كنت خايف علشان سايبك لوحدك، المهم يلا علشان نروح، أنا تعبان وعاوز أرتاح"
سألته بنبرة تحمل الشك بين طياتها:
يعني بجد هو كدا؟ أنا حاسة إنك متوتر من ساعة ما بتوع الدعاية والإعلان دول كانوا هنا، مالك إحنا صحاب برضه أحكيلي"
وضع يده على رأسها وهو يقول بنبرة حنونة:
لأ، متخافيش عليا أنا كويس الحمد لله، يلا بس علشان حاسس أني مصدع"
أومأت له ثم ذهبت تلملم الأشياء الخاصة بهما، بينما هو نظر في أثرها بحزن ثم مسح دمعة هاربة من بين أهدابه الكثيفة.
__________________
في الملعب كانت المباراة مستمرة و «ياسين» يقوم بالتعليق عليها، نظرًا لمهارته في تقليد الأصوات، وكان «خالد» يحكم المباراة، بينما «عامر» كان جالسًا يشير لفريقه بأماكن التحرك، فجأة سقط «فاروق» أرضًا، ركض الجميع له، ثم حملوه على مقعد بلاستيك ثم ذهبوا به إلى «ياسر» تفحص «ياسر» نبضه فقال متأسفًا:
للأسف يا عم فاروق أنتَ بتلعب في الوقت الضايع، لو ليك أمنية أطلبها دلوقتي أحسن"
رد عليه «فاروق» بإنهاك ونبرة مهتزة:
كنت..كنت عاوز بس أقابل محمد صلاح ، وأقوله إنه مثلي الأعلى"
تدخل «عامر» يقول بسخرية:
ياعمي لم نفسك، أنتَ هتقابل رب كريم دلوقتي، اتقي الله وأنطق الشهادة"
حرك «ياسر» رأسه تجاه «عامر» ثم قال بنبرة منخفضة:
عمك لو كمل الماتش دا عم سيد هيطلع بمصلحة، شوف بديل ليه علشان ميودعناش"
رد عليه «عامر» بسرعة كبيرة:
لأ يودع إيه؟ أنا حاجز القاعة، مش هستنى أربعين و سنوية أنا"
قال جملته ثم التفت يغادر المكان، فسأله عمه بتلهفٍ واضح:
رايح فين يا عامر؟ استنى خدني معاك"
التفت «عامر» له يقول بنبرة ساخرة:
خليك يا عمي هروح أجبلك التأشيرة علشان تلحق محمد صلاح"
بعد قليل عادت المباراة وكانت على وشك النهايات دون فوز أيًا من الفريقين ، ولكن بعد نزول «عمار» تبدلت النتائج إلى الفوز لصالح فريق (الأعمار بيد الله)، أستمرت المباراة حتى أنتهت بفوز فريق (الأعمار بيد الله) بهدفين لصالحهما مقابل هدف للفريق الأخر، انهى «ياسين» التعليق على المباراة، ثم قام بخلع السماعات من أذنيه، فوجد «تيتو» يسأله بنبرة قوية:
إيه اللي جنبك دا يا ياسين؟"
نظر «ياسين» بجانبه فوجد الشطائر التي جلبها «عمار»، فأمسكها وهو يقول له:
إتفضل يا أستاذ تيتو دي سندوتشات كبدة، يارب اللي ياكلها غيرك يجيله مغص"
أخذها منه «تيتو» مبتسمًا ثم شرع في تناول الطعام بطريقة مقززة، وفجاة اقترب «خالد» منهما وهو يقول بتلهفٍ:
ياسين هات السندوتشات علشان أنا جعان والواد عامر وياسر كمان جعانين"
رد عليه «ياسين» بهدوء:
استاذ تيتو كان جعان قام بالواجب"
صرخ به «خالد» قائلًا:
نــعـم!! أنا جعان بقولك، تيتو مين دا اللي خلص الكبدة؟"
وقف «تيتو» له وهو يقول بنبرة قوية:
أنا اللي خلصت الكبدة عندك إعتراض؟"
رفع «خالد» رأسه ينظر له بسبب الفارق الكبير بين جسدهما، فقال بنبرة مهتزة:
والله العظيم ماحصل، أنتَ لو عاوز، أبعت أجبلك عربية كبدة حالًا، ألف هنا و شفا على قلبك يا بركة"
أومأ له «تيتو» ثم تركه وهو رافعًا أحد حاجبيه ينظر له بحنقٍ، بعد رحيله انفجر «ياسين» في الضحك ولم يستطع تمالك نفسه، نظر له «خالد» ثم انفجر في الضحك هو الأخر.
بعد ما يقرب العشر دقائق، إستلم فريق (الأعمار بيد الله) الكأس، بمناسبة الفوز، وقف بعد ذلك «ياسين» و كل ما يخصه يلتقطون الصورة بالكأس أمام الملعب، أنتهت الصورة،التي التقطها «عمار» بواسطة الكاميرا الأمامية بهاتف «ياسين» وبعد ذلك تحدثت «إيمان» تقول بإنهاك:
طب يلا نروح علشان صدعت والله، لسه بكرة هنكمل الحاجات أنا وسارة قبل الفرح"
تدخلت«سارة» تقول:
لأ ولسه هروح أكمل فستانك، وأشوف فستان خديجة وريهام"
نظرت لها «خديجة» مستفسرة بتعجب:
فستاني؟ فستان إيه أنا مش فاهمة؟"
تدخل «رياض» يقول بخبثٍ:
دا الفستان اللي ياستي هتلبسيه في الفرح، ياسين أختاره من عند سارة علشان تظبطهولك، بس دا سر بيننا إحنا الـ ٨ محدش يعرف"
إتسعت مقلتي «ياسين» وهو يقول بحنقٍ:
أنا تعبت والله، مفيش مرة تكتم سري يا حج؟ هو أنا مش بصعب عليك؟"
تدخلت «زهرة» تقول بضيق:
أنتَ الله يسامحك يا رياض، حرقت المفاجأة"
رد عليها مُعقبًا بسخرية:
على فكرة إبنك بيقلدني، علشان أنا قولت لسارة تعملك فستان للفرح، هو مش عامل إنجاز يعني"
نظر «ياسين» لها فوجد نظرتها مندهشة بأعين دامعة،فإقترب منها ثم قال للجميع:
طب أنا هوصل خديجة، بس هناخدها مشي، خدوا أنتم العربية، يلا يا خديجة"
قامت «خديجة» بتوديع الفتيات والجميع بعدما إستعادت رابطة جأشها، ثم سارت معه بهدوء، بعد إبتعادهما عن المكان وبعد فترة صمت، سألته بهدوء:
ليه تعبت نفسك يا ياسين؟ كان ممكن على فكرة ألبس فستان من عندي"
أجابها وهو ينظر أمامه:
لا تعب ولا حاجة يا خديجة، أنا بس أختارته لما هي بعتت فساتين لماما تشوفها، وبعدين أي حاجة بعملها علشانك بتكون راحة ليا أنا، علشان راحتك من راحتي"
توقفت عن السير تسأله بتعجب:
هو أنا لو عاوزة أكون زيك كدا؟ أعمل إيه؟يعني أكون متسامحة وبساعد الناس كدا إزاي؟"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
علشان يا خديجة فيه وقت بيجي على الإنسان تربية أهله بتقف ويبقى عليه هو حمل تربية نفسه، وأنا كنت شغال على نفسي علشان أكون شخص جميل ومش متعب، كل اللي كنت عاوزه أني محدش يتعب وأنا في حياته ، يعني أكون مصدر أمان للكل، وبرضه أنا فيا عيوب كتير بس بحاول أخفيها أو ألغيها، علشان متأثرش على مميزاتي"
كان يسير بهدوء وهي خلفه وهو يتحدث، وبعد جملته الأخيرة سألته هي:
عيوب إيه يا ياسين؟ هاتلي عيب واحد علشان أطمن أني مش بظلمك، أنا مش شايفة غير حنية وحب وشهامة، أنتَ عامل زي طوق النجاة يا ياسين"
ضحك هو بخفة ثم قال:
مانا بقولك بخفيها علشان متأثرش على الحلو اللي فيا، وبعدين حتى لو ظهرت أنا بقدر أتحكم فيها يا خديجة، يعني أنا مثلًا شخص بيراكم كتير، لما بزعل براكم جوايا، ولما بتضايق من حد مش بقدر اواجه دا، باخد جنب علشان بخاف أعاتب وبخاف أتعب حد بكلامي، ودا عيب و ميزة في نفس الوقت ،فساعتها ببان شخص بياع بس دا بيكون من التراكمات والله"
سألته بنبرة مترددة وكأنها تخشى جوابه:
حتى لو زعلت مني؟ يعني أنا كمان لو زعلتك هتبعد عني وتاخد جنب؟"
توقف عن السير ثم نظر لها وهو يقول بحب:
أنتِ الوحيدة اللي مقدرش أزعل منها يا خديجة، حتى في زعلي منك هجيلك أنتِ،علشان أنتِ حالة الصلح وسط خصام العالم كله يا خديجة"
نظرت له بحب وهي تقول:
وأنتَ إستجابة الدعاء يا ياسين، كنت كل مرة بدعي بحد أحن مني على قلبي، وجيت أنتَ يا ياسين، بقيت أحن عليا من العالم كله"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بسخرية:
أنتِ جاية تقولي كدا على عبتة شارعكم يا خديجة؟ طب كنتِ قولتي كدا قدام شوية، أفرضي عاوز أخدك في حضني يا ست الكل يبقى وضعي إيه دلوقتي؟"
إبتسمت هي بهدوء ثم قالت:
معلش بقى خليها عليك، المهم بكرة هناء عاوزانا ياريت متتأخرش وترد عليا بسرعة"
رفع حاجبه ينظر لها بسخرية وهو يقول:
ودا إسمه إيه دا بقى إن شاء الله؟ هي بقت كدا"
ضحكت هي بقوة ثم قالت:
مرة من نفسي يا ياسين، بدل ما كل مرة أنتَ تفكرني"
غمز هو لها ثم قال بمرحٍ:
على رأي الهضبة، بالضحكة دي قلبي متعلق، دي صورتها في دماغي بتعلق"
إتسعت ضحكتها أكثر ثم قالت:
أنتَ شكلك كدا حبيب قديم يا ياسين، عمرو دياب، وأم كلثوم، وعبدالحليم، كدا كتير والله"
رد عليها مُردفًا:
علشان أنا كنت قابلك ماشي في الدنيا زاهد، اللي حصل إن بعد ما شوفت عيونك الحلوة دي بقيت ليها عاشق"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
تصبح على خير يا ياسين، تصبح على حاجة حلوة زي وجودك في حياتي"
نظر حوله فوجد نفسه أمام بيتها، لذلك إبتسم بهدوء ثم قال:
وأنتِ من أهل الخير يا خديجة، وبما إن أنا كل الخير، فـ وأنتِ من أهلى يا خديجة"
تركته هي بهدوء بعدما إبتسمت في وجهه بجمالها البريء الذي ينبع من جمال قلبها، بينما هو نظر في أثرها وهو يقول بهدوء:
يانهار أبيض يا جدعان، دا الواحد كان عنده جفاف عاطفي، بقى بعد ظهورك بقى عنده فيضان مشاعر"
حرك رأسه نفيًا بيأس وهو يبتسم ثم رحل إلى بيته، بينما هي صعدت إلى شقتها مبتسمة وجدت «أحمد» و «خلود» و «سلمى»، و «مروة» و «زينب» ألقت التحية عليهم ثم جلست بجانب أخيها، بينما «مروة» سألتها بحب:
والله يا بت يا خديجة، أنا لو عيشت عمري كله فرحانة هيبقى بسبب فرحتك دي، ياختي وشك منور الله أكبر"
حركت رأسها موافقة وهي تقول:
معاكِ حق والله، الإختيار الصح بينور الوش، سيبك بقى من ماسك الخيار علشان أنا جربت بنفسي"
سألتها «زينب» بخبثٍ:
يعني هو ياسين الإختيار الصح يا خديجة؟"
ردت عليها بحب:
لأ يا ماما، ياسين الإختيار الوحيد الصح، بصراحة أنا عاوزة أعيش عمري اللي جاي كله علشان أفرحه زي ماهو سبب فرحتي كدا"
ردت عليها «خلود» بخبثٍ:
الله أكبر، دا الخُرس نطقوا، شايفة يا سلمى، شايف يا أحمد؟"
ضحك «أحمد» وهو يقول:
شايف و سامع، والله العظيم دي معجزة"
ردت عليهم بحنقٍ زائف:
كدا ماشي، وأنا اللي كنت هاخدكم نسهر فوق السطح، ونجيب عبلة كمان، يلا أدخل أنام بقى"
ردت عليها «سلمى» بسرعة وهي تقول:
لأ علشان خاطري، يلا يا خديجة تعالي معانا، أنا من ساعة موضوع العريس دا وأنا قلقانة أصلًا"
نظر الجميع لها بتعجب، فقالت هي:
أصل صاحب بابا شافني، وعاوز يخطبني لإبنه، بس لما عرف أني ثانوية عامة قال يقرأ فاتحة بس علشان يحجزني وبعدها نعمل خطوبة"
رد عليها «أحمد» بحنقٍ:
أنتِ بتقولي إيه هو عبط وخلاص؟ بعدين يعني يحجزك هو فاكرك بهيمة؟"
نظرت له «سلمى» بتعجب، بينما «خلود» قالت بخبثٍ:
وأنتَ مالك يا فنان واخد الموضوع على أعصابك ليه؟ واحد و غرضه شريف، زعلان ليه بقى؟"
رد عليها مُعقبًا بحنقٍ:
أخرسي يا خلود بدل ما أقوم أديكي على وشك، أنتِ وهي لسه صغيرين ومحدش فيكم هيتخطب قبل ما تخلصوا ثانوية عامة..لأ لما تخلصوا دراسة كمان"
ردت عليه «سلمى» بضيق:
أنا مش صغيرة يا أحمد، أنا عارفة آخد قراراتي كويس، أنتَ خليك في نفسك"
تدخلت «مروة» تقول بضيق:
بس أنتو التلاتة، عيب كدا، وبعدين مالك يا أحمد ماهي حرة، وبعدين هو قال قراية فاتحة، أكيد سهير و محمد موافقين يعني"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
سلمى و خلود معايا علطول، وبخاف عليهم، مش عاوز واحدة فيهم تتشتت، بعدين شافها فين
دا؟ هتخلوني أحلف ماحد فيهم نازل من البيت بعد كدا"
ردت عليه «سلمى» بنبرة حانقة:
أنتَ مالك، طب أنا موافقة، وهخليه يوم الجمعة بقى يجي يتقدم، علشان أدخل ثانوية عامة بنفس مفتوحة"
أومأ لها وهو يقول:
أعمليها علشان أفتح دماغك يا سلمى، أقولك على حاجة.. أنا اللي هتجوزك يا سلمى"
جحظت أعين الجميع إلى الخارج مع شهقة جماعية خرجت من فم الجميع، عدا «خلود» التي قالت في نفسها:
أيوا يا خلود عليكِ وعلى خططك، عسل يا بت"
سألته «سلمى» بنبرة مندهشة:
أنتَ قولت إيه؟ هتتجوز مين أنتَ؟"
رد عليها مُردفًا بثقة:
أنا هتجوزك يا سلمى، بس بعد ما تخلصي ثانوية عامة، ولو الواد دا قرب منك ولا فكر يدخل بيت الرشيد برجله، هكسرهاله"
ردت عليه والدته بنبرة حائرة:
أنتَ بتتكلم جد يا أحمد؟ هو هبل ولا إيه؟"
هب واقفًا وهو يقول بضيق:
تعتبروه هبل، تعتبروه عبط زي ما أنتم عاوزين، المهم أنا هتجوز سلمى"
ترك الشقة ثم صعد إلى التراث، نظر الجميع في أثره بتعجب، بينما «خلود» بعد غلقه باب الشقة وقفت تصفق بكفيها معًا وهي تقول بمرحٍ:
الله عليكِ يا خلود يا جامدة وعلى خطط الحلوة دي، شوفته والله العظيم لو كنت أستنيتوا عليه شوية كمان كان زمانه جايب المأذون"
سألتها «خديجة» بإندهاش:
أنا مش فاهمة حاجة، إزاي دا حصل، طب ومنة اللي كان بيحبها"
نطقت «سلمى» بضيق:
مكانش بيحبها يا خديجة، هو كان فاكر نفسه بيحبها"
سألتها «مروة» بتعجب:
طب أنتم عرفتوا منين؟ يعني اللي أعرفه إن أحمد كان عاوز يخطب منة"
ردت عليهن «خلود» بهدوء:
أنا عرفت من أول إمبارح، أحمد لقيته بيقولي إنه حاسس إنه مش بيحب منة، بدليل إنه لما كانت هي في إسكندرية مكانش بيفكر فيها وكان بيشتغل وفرحان، لما هي رجعت بدأ يفكر فيها تاني"
سألتها «خديجة» بنبرة متعجبة:
طب وهو دا دليل إنه مش بيحبها؟"
نظرت لها «خلود» بخبثٍ وهي تقول:
أنتِ معانا دلوقتي ناسية ياسين؟ وليد عرف ينسى عبلة، طارق أهو عارف ينسى جميلة؟ محدش بينسى اللي بيحبه لو في إيه يا خديجة، أحمد منة بالنسبة له حالة غريبة، يعني واحدة أستايلها حلو وفرفوشة وبتخرج وغريبة عن العيلة، لكن حب موصلش للدرجة دي"
ردت عليها «مروة» بمشاكسة:
أنتِ سوسة يا بت يا خلود، طلعتي عارفة كل حاجة بتحصل جنبك"
ردت عليها مبتسمة:
أنا عارفة إن أحمد معجب بسلمى، وعارفة إنه فاكرها زيي أخته يعني، بس لما فكرت في موضوع العريس دا قولت أستغله، هو صحيح عمو محمد رفض نهائي، بس أدينا هنفرح بعريس جديد في العيلة، عقبال طارق إن شاء الله"
سألتهن «سلمى» بخوف:
تفتكره بيحبني فعلًا؟ ولا قال كدا وخلاص؟"
ردت عليها «خديجة» بضيق زائف:
أنتِ عبيطة يا سلمى؟ فيه حد بيتجوز وخلاص؟ لأ طبعًا هو لو مش بيحبك مش هيقولها ومش هيضايق كدا، المهم أنتِ بتحبيه؟"
أخفضت «سلمى» رأسها في خجلٍ، فقالت «خلود» متدخلة:
يا بنتي الاتنين بيحبوا بعض بس فـ المداري، أسأليني أنا، أكتر واحدة قعدت معاهم وعارفة نظرات المحبين عاملة إزاي"
سألتها «زينب» بإندهاش:
أنتِ عرفتي الحاجات دي إمتى يا خلود؟ أنتِ لسه رايحة تانية ثانوي، لسه محسساني إنك أرملة"
ضحكن النساء عليهن، بينما «خلود» أضافت تقول بطريقة درامية:
الحياة بتعلم بدري يا زينب والله، واللي زيي الحياة علمته كتير، يلا بنفرح الناس عقبال ما نلاقي اللي يفرحنا"
حركت «خديجة» رأسها بيأس وهي تقول:
مفيش فايدة، كلمي عبلة خليها تطلع تقعد معانا"
أومأت لها «خلود» ، بينما «خديجة» نظرت لـ «سلمى» وجدتها تقترب منها وترتمي بين ذراعيها، أحتضنتها هي ثم ربتت على ظهرها بحنان بالغ.
___________
في السطح، قام «أحمد» بتشغيل الأغاني الرومانسية وهو يبتسم بحالمية، ثم رفع رأسه ينظر للسماء وهو يقول:
بعد كل دا، طلعت سلمى في الأخر!! ياربي على دي دنيا، سلمى اللي علطول فاكرها زي خلود، أخرتها أغير عليها وقلبي يتقبض علشان هتكون لغيري، أشرب يا عم أحمد، أنتَ من ساعة ما شوفتها بتتعاكس في فرح وئام وأنتَ بتضحك على نفسك، يا رب ساعدني أصلح الغلط اللي كنت بغلطه قصاد طارق"
أسفل البناية توقف سيارتي كلًا منهما، خرج كلاهما من سيارته في أنٍ واحد، كان «طارق» يبتسم بعذوبة لأول مرة منذ سنوات، وكأن عمره تراجع عقدًا كاملًا، نظر له «وليد» بتعجب وهو يقول:
ودي إيه الضحكة دي إن شاء الله ؟"
تنهد «طارق» بعمقٍ ثم قال:
تخيل كدا حب عمرك طلعت عايشة، وزي القمر وأحلى ما تخيلتها كمان، صحيح هتعب علشان أوصلها، بس مش مشكلة كفاية إن عيني شافتها، بس أنا خايف دا كله يطلع حلم، وأفوق"
ربت «وليد» على كتفه وهو يقول:
لأ مش حلم، إحنا شوفناها فعلًا، وهي موجودة وزي ما أنتَ تخيلت وأحلى كمان، بس خلي بالك من اللي جاي علشان تقيل يا صاحبي، لو خطوة طلعت غلط، هنضيع كل حاجة مننا"
أومأ له «طارق» ثم قال:
طب يلا نطلع السطح، علشان مش هعرف أنام النهاردة، والجو جميل بصراحة"
نظر له «وليد» بخبثٍ وهو يقول:
الجو برضه اللي جميل يا طارق؟"
نظر له «طارق» بحرجٍ وهو يقول:
شوف يا أخي كل حاجة حلوة مرتبطة بيها هي، تعرف؟ كان نفسي آخدها في حضني أوي، وأهرب بيها من قدام حسان لما أتأكدت إنها هي، وبرضه قلبي واجعني لما عرفت إنها مش فكراني، يعني أنا أعيش العمر كله مستني بس رجوعك، وأنتِ أصلًا مش فاكرة أنا مين؟"
نظر له «وليد» متأسفًا وهو يقول:
مش بإيدها يا طارق، هي برضه معذورة، حسان عملها غسيل مخ، وبعدين طبيعي تكون مش فاكرة دي يدوبك كانت ٥ سنين أو أقل،دا أنا أهو مخي متفرمط من إعدادي، وبعدين تاخد مين بالحضن؟ دا أنا أبوك فاضحني وأنا كاتب كتابي على سنة الله ورسوله، عاوز أنتَ تحضن كدا علطول كدا؟"
ضحك عليه «طارق» ثم أخذه من ذراعه، وصعد معه، أوقف «وليد» المصعد في طابق «خديجة» سأله «طارق» فرد عليه بهدوء:
تعالى بس أعرف أمي أني جيت، وأجيب أحمد بالمرة يقعد معانا"
أومأ له «طارق» ثم خرج من المصعد، فجأة صعدت «عبلة» على قدميها وهي تبتسم حينما رآت السارتين أسفل البناية، إلتفت «وليد» ينظر لها بحب وحينما إقتربت منه أخذها بين ذراعيه وهو يقول:
عبلة حبيبتي، تعالي في حضن جوزك ، وحشتيني"
شعرت هي بالخجل من أخيها،فقالت بحرجٍ:
بس يا وليد عيب كدا طارق واقف"
شدد عناقه لها وهو يقول بخبثٍ:
أنا واحد كاتب كتابي على سنة الله ورسوله، مش لسه هبدأ أدخل حياتك، وبعدين أنا من حقي أحضنك ٨ مرات في اليوم"
أبعده «طارق» عنها وهو يقول:
٨ عفاريت يلبسوك ميلاقوش اللي يخرجهم منك"
رفع «وليد» حاجبه بخبثٍ ثم قال موجهًا حديثه لزوجته:
عارفة يا عبلة الساعة اللي أنتِ جبتهالي و المج و المَدلية، شايلهم في أوضتي علشان لما نتجوز أفرج عيالي وأقولهم شوفوا ماما جابت لبابا إيه؟"
كان ينظر لـ «طارق» بخبثٍ وهو يتحدث وكأنه يريد إيصال رسالة معينة له، بينما «عبلة» نظرت له مُتعجبة وهي تقول:
طب ما أنتَ قولتلي كدا إمبارح، بتعرفني تاني ليه؟"
رد عليها مُردفًا بهدوء و ببراءة كاذبة:
علشان أعرفك إن كتب الكتاب دا حلو وجميل، كفاية إنك بتتكلم براحتك، وتجيب هدايا براحتك، تحضن براحتك،..."
_"بـــس، إخرس خالص"
صرخ «طارق» بتلك الجملة، مما جعل «عبلة» ترتعد خوفًا، أما «وليد» فحاول جاهدًا كتم ضحكته، فأمسكه «طارق» من ثيابه خلف رقبته وهو يدخله المصعد و يقول بنبرة قوية:
إحنا طالعين السطح، لو أحمد جوة خليه يحصلنا يا عبلة"
أومأت له بهدوء وهي لا تدري ما يصير حولها، لكنها ضحكت بقوة حينما سمعت «وليد» يقول بنبرة عالية:
بحبك يا عبلة"
سمعت صوت أخيها يقول بنبرة شبه باكية:
يابني إرحم مشاعري بقى، هي مش بتحبك"
صرخت هي الأخرى حتى يصل الصوت لهم بداخل المصعد:
لأ يا طارق، أنا بحبه ، وبحبه أوي كمان"
إتسعت مقلتيه، وقبل أن يخرج من المصعد ضغط «وليد» الزر، فتحرك فجأة، نظر له «طارق» بشررٍ يتطاير من عينيه، فوجده يقول بمزاح:
أثبت يا طارق، إحنا بين السما و الأرض"
أخرج «طارق» زفيرًا قويًا ثم إبتسم رويدًا رويدًا، نظر له «وليد» بتعجب وهو يقول:
طارق!! هو أنتَ ملبوس؟"
توقف المصعد فجأة، فقال بنبرة خائفة:
هما حضروا بجد ولا إيه؟"
ضحك «طارق» عليه ثم خرج من المصعد، خرج «وليد» خلفه وهو يقول بتعجب:
يا جدع أنتَ أنا بكلمك، بتضحك على إيه؟"
إلتفت «طارق» يقول مبتسمًا:
أصل بصراحة سرحت كدا وتخيلت لو جميلة معايا ، أكيد هعمل أكتر من كدا، على رأي الشيخ أنس:
المُحب إذا حُرم الوصال مع حبيبه لو قاعد وسط ألف واحد، يظل مستوحش!
أهو أنا أول مرة أحس بالونس النهاردة، زي التايه الل لقى مكانه يا وليد"
ربت «وليد» على كتفه ثم قال:
طب تعالى نشوف العندليب اللي جوة دا ماله، وقعتكم بيضة يا ولاد الرشيد"
دخل كلاهما السطح، كان «أحمد» ممدًا على الأرض ينظر للسماء وهو يدندن مع أغنية العندليب، نظر كلاهما لبعضهما البعض، ثم ضحكوا، و ارتميا بجانبه، نظر هو حوله وجد كلاهما ممدًا مثله وهو في منتصفهما، قال «طارق» بهدوء:
يا أخي دا حتى العندليب صوته حلو النهاردة، قولي يا أحمد أنتَ مشغله عادي ولا حالة حب؟"
نظر «أحمد» إلى السماء وهو يقول بنبرة حالمة:
حالة حب بقالها ساعة بالظبط"
تدخل «وليد» يقول بسخرية:
ياه للدرجة دي؟ دا أنتو بقيتوا عشرة عمر"
تنهد «أحمد» ثم قال:
هي فعلًا عشرة عمر، وأحلى عمر كمان، و بغبائي كنت هضيعها من إيدي، كنت هختار اللي أندم العمر كله وأنا معاها"
قطب كلاهما جبينه،فسأله «طارق» بهدوء:
اللي أنا فهمته من كلامك إنها مش منة، أومال مين يا أحمد"
نظر له «أحمد» يسأله بخوفٍ:
طارق هو...هو أنتَ رايق؟"
تدخل «وليد» يقول بخبثٍ:
رايق بس؟ دا فـ أروق حالاته، لو طلبت عيون طارق دلوقتي هتاخدها"
رد عليه «أحمد» بسرعة وهو يقول:
لأ مش للدرجة دي مش عاوز عيون طارق"
رد عليه «طارق» بهدوء:
حبيب قلبي"
_"أنا طالب إيد سلمى"
إتسعت مقلتي «طارق»، بينما «وليد» عقب ساخرًا:
ياريتك طلبت عيونه، أهون"
رفع «طارق» جزعه العلوي وهو يقول بضيق:
أنتَ قولت إيه؟ عاوز تطلب إيد مين؟!"
رفع «أحمد» جزعه هو يقول بهدوء:
طلبت إيد سلمى أختك"
هب «طارق» واقفًا وهو يقول:
أنتَ مجنون، أكيد مجنون يا أحمد، أنتَ لسه من أسبوع كنت عاوزني أطلبلك بنت الجيران، عاوزني النهاردة أجوزك أختي؟"
تدخل «وليد» يقول بسخرية وهو لازال على وضعه:
أحمد ماشي بمبدأ دا لو إتساب غيره يتجاب، صحيح هنستنى إيه من واحد أسمه أحمد"
رد عليه «أحمد» بضيق:
أنا مش بهزر يا وليد، أنا فعلًا طالب إيد سلمى، ولو على منة دا كان غباء مني، أنا محبتهاش أصلًا، دي كانت إعجاب أو حالة غريبة عليا، بدليل إن في غيابها كنت مبسوط ومفيش حد بيرتاح في غياب اللي بيحبه يا طارق، وأنتَ أكتر واحد عارف دا"
رد عليه «طارق» بسخرية:
آه والنهاردة بقى بقيت بتحب سلمى كدا عادي، دي مشاعر يا أحمد، مش لعبة في تليفون بنختارها في وقت فراغنا، وإفرض أنا وافقت أضمن منين إنك مش بتنسى منة بـ سلمى أختي، وبعدين مين أصلًا اللي دخل الفكرة في دماغك"
تنهد «أحمد» بعمقٍ ثم قص عليه ما حدث بأكمله، كان «طارق» ينظر له بإندهاش، بعد إنتهاء «أحمد» من حديثه سأله «طارق» بسخرية:
وأنتَ علشان قالولك فيه عريس، حسيت إنك غيران، فا قولت أتجوزها أنا وخلاص"
رد عليه «أحمد» بضيق من سخريته:
أنتَ ليه حاسبها كدا يا طارق؟! بقولك حسيت بنار بتاكل فيا لما قالوا إن سلمى جايلها عريس، خليني أقولك إن جميلة عايشة ومتجوزة ولا حتى مخطوبة هتحس بإيه؟"
تدخل «وليد» يقول بسخرية وهو ينظر للسماء:
أخترت غلط يا غالي، جيت في اليوم الغلط وترمي المثال الغلط"
سأله «أحمد» بهدوء:
يعني إيه أنا مش فاهم؟"
وقف «وليد» ثم قال:
يعني سيبك من الكلام دا دلوقتي، وانزل نام وأنا هقنعلك طارق"
أومأ «أحمد» بهدوء ثم نظر لـ «طارق» وهو يقول بنبرة متأثرة:
أنتَ لما قولتلي مش قدامك غير إنك تدعي، أنا ليلتها كنت بصلي الفجر وجيت أدعي قلبي أتقبض، ولساني مقدرش يكمل الدعوة إنها تكون ليا، عرفت ساعتها إنها مش نصيبي، النهاردة وأنا بدعي لقيت لساني سابقني بذكره إسم «سلمى»، صدقني أنا كنت بهرب من حبي ليها علشان كنت فاكرها زي خلود، بس ورب الكعبة،هي اللي القلب عاوزها يا طارق، أنتَ دوقت طعم البُعد، متحكمش على غيرك بيه"
قال حديثه ثم رحل من أمامهما، بينما «وليد» قال بصدق:
تصدق والله العظيم نبرته صادقة، أحمد بيحب سلمى يا طارق، هو بس متخلف وفسر مشاعره غلط"
نظر له «طارق» بخبثٍ وهو يقول:
وماله، هو فسرها غلط، والعبد لله يصلحهاله"
سأله «وليد» بخبث:
يعني قصدك إنك هتربيه؟"
أومأ له ثم قال بمرحٍ:
بمناسبة ظهور حب عمري، مش هزود عليه، هيبقى درس تقوية بس"
ضحك «وليد» ثم قال بمشاكسة:
طب بمناسبة ظهور حب عمرك بقى، وأنزل وطلعلي عبلة، أصلها وحشتني"
عض «طارق» على شفته ثم تركه وخرج من السطح، فرفع «وليد» يسأله ببلاهة:
هتطلعلي عبلة طيب؟..خلاص هنزل أخدها أنا...وخلي عم محمد يستعوض ربنا في صحته بقى"
ضحك بعد جملته الأخيرة ثم نظر للسماء وهو يقول:
هو إزاي القمر في السما وأنا سايبه في شقة عم طه تحت؟"
ضحك هو ثم قال بسخرية:
دا أنتَ واقع من الدور التاسع في حبها"
______________
في صباح اليوم التالي كان «طارق» واقفًا أمام المحل الخاص بـ «حسان» استند بمرفقه على الدرابزون أمام المحل ينتظر قدومهما، صدح صوت هاتفه عاليًا فأخرج هاتفه وجد رقم «وليد» فَـ رد عليه، وجد «وليد» يقول بخبثٍ:
طبعًا الأستاذ قاعد قدام المحل زي الشحات مستنيهم يعطفوا عليه ويجوا يفتحوا،بس خليك كدا لحد ما نتفضح"
تنهد «طارق» ثم قال بنبرة حزينة:
والله العظيم أنا ماسك نفسي بالعافية، طول الليل مش عارف أنام، فكرة إنها موجودة وأنا عارف مكانها دي مخلية قلبي وعقلي وكل ذرة فيا مش عاوزة غير بصة من عينها"
تنهد «وليد» ثم قال بعمقٍ:
هي رؤية الحبيب كدا يا طارق، بتفرح القلب و العقل وكل حاجة بتحلو في وجوده، المهم خليك فاكر إنك رايح علشان شغل، علشان الدنيا متوسعش منك، وحسان يطلبلك الأمن"
رد عليه «طارق» بسخرية:
خليه، ساعتها هطلبله مشيرة"
لمح «طارق» فجأة طيفها من بعيد، فأغلق الهاتف في وجه «وليد»، اقتربت هي من المحل فوجدته يقف أمامه، قطبت جبينها، فوجدته يقترب منها وهو يقول بنبرة جاهد حتى لا تفضح شوقه لها:
صباح الخير إزيك؟"
ردت عليه بإيجاز:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،أؤمر؟"
شعر هو بالحرج منها فقال:
هو الحقيقة أنا كنت قولت لأستاذ حسان أني هاجي أصور المكان النهاردة وأعرف منه التفاصيل علشان نلحق الوقت، هو كان مصدع امبارح معرفناش نتكلم في تفاصيل"
أومأت هي له بهدوء ثم قالت معتذرة:
هو فعلًا كان تعبان شوية إمبارح، بس الحمد لله عدت على خير، بس هو حضرتك جاي بنفسك لحد هنا؟"
رد عليها بنبرة حالمة دون أن يدري:
وأجي لأخر الدنيا كلها، مش هنا بس"
نظرت له متعجبة، فوجدت والدها يقول من خلفهما بنبرة جامدة:
خير يا أستاذ طارق؟ جاي بدري يعني"
إلتفت «طارق» ينظر له بتحدٍ وهو يقول:
لأ أبدًا دا بدري من عمرك،أنا جاي علشان أصور المحل زي ما اتفقنا، وعلشان آخد رأي الآنسة جميلة في تصميمات الدعاية، هي بنت وأكيد عندها ذوق عننا، ولا حضرتك ليك رأي تاني؟"
صفقت هي بكفيها معًا مثل الأطفال ثم قالت بفرحة:
أنا فرحانة أوي بجد، أنا كنت جايبة حاجات كتير علشان أعمل الدعاية زيها، شكرًا بجد على الفرصة دي"
إبتسم «طارق» بإتساع نتيجة لفرحتها تلك، ثم قال بنبرة حنونة:
أنا تحت أمرك في أي حاجة، كل اللي تعوزيه يتنفذ"
تدخل «حسان» يقول بضيق:
طب مش يلا نبدأ الشغل، علشان حضرتك تلحق تروح شغلك؟"
ظهرت نظرة التسلية على وجه «طارق» وهو يقول:
لأ، ماهو أنا هقضي اليوم كله هنا عند حضرتك في المحل علشان أعرف اصوره، وأدرس الحملة الإعلانية صح"
نظر له «حسان» بضيق فوجده يقول:
وطبعًا حضرتك صاحب كرم يا أبو جميلة"
تدخلت هي تقول بهدوء:
إحنا تحت أمرك، شوف محتاج إيه واحنا معاك، كفاية تعب حضرتك"
رد عليها هو بهدوء مُبتسمًا:
لا تعب ولا حاجة، أنا بس محتاج أصور المحل على مدار اليوم كله، صور وفيديوهات ودا مش علشاني، لأ دا علشان أعرف أعمل شغل مظبوط"
تدخل «حسان» يقول بإنزعاج:
طيب يلا يا أستاذ طارق علشان نبدأ شغل، طالما حضرتك منورنا اليوم كله"
نظر له «طارق» بخبثٍ وهو يقول:
يلا يا..أبو جميلة"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الثالث والاربعون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الثالث و الأربعون"
___________
أتيتُ إليكِ بشوقي أودُ لو تُلبين لقلبي النداء، أصرخ من قهرتي في بعدكِ عني ومما عرفه القلب من عناء.
___________
أنا من أخطأ في حق نفسهِ ، أنا مَن اختار القطار الخطأ ليقوم بتوصيله ،وحينما اكتشفت الخطأ تماديت به؛ لم أملك الشجاعة لإتخاذ قرار النزول ،و حينما أردتُ النزول زادت المحطات وزادت معها صعوبة الرجوع لبداية الطريق من جديد.
مر اليوم بهدوء حتى أتى موعد الطبيبة النفسية، أتى «ياسين» بسيارته و وقف أسفل بنايتها نزلت هي له بسعادة بالغة كعادتها كلما حان موعد إلتقاءهما سويًا، ركبت بجانبه السيارة فوجدته يقول بهدوء:
هناء قالتلي إن خلاص إحنا في الأواخر، يعني بعد الجلسة دي هتحدد درجة التعافي"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
الحمد لله يا ياسين، أنا حاسة إني بجد أني فرحانة وحاسة إن المعجزة دي حصلت بوجودك، عمري ما كنت أتخيل أني ممكن أخرج وأتكلم وأصاحب ناس وحد يهتم بكلامي، و حاجات كتير، اتحولت من واحدة كله بيتريق على سكوتها وقعدتها لوحدها وعدم خروجها، لواحدة عاوزة تفرد جناحتها في الدنيا، بس برضه أنا غلطت في حق نفسي علشان أنا اللي استسلمت لخوفي يا ياسين"
إبتسم هو لها ثم قال بهدوء:
الحمد لله يا خديجة، كله بفضل ربنا سبحانه و تعالى، المهم نحافظ على اللي وصلناله، وبعدين هي الدنيا كدا لازم نتعلم وناخد دروس علشان نفوق لنفسنا ونعرف نكمل حياتنا"
أومأت له وهي تبتسم ثم قالت:
معاك حق، المهم يلا علشان منتأخرش، سارة قالتلي إنها عاوزاني علشان أجرب الفستان"
قام بتحريك بالمقود وهو يقول بمرحٍ:
وأنا بصراحة هموت وأشوف الفستان، و اللي هتلبس الفستان، شكلها هيكون عامل إزاي فيه؟"
حاولت وأد بسمتها وهي تنظر من نافذة السيارة، بينما تحرك هو بالسيارة من أمام البيت، تحركا سويًا وهما في غفلة عن زوج الأعين الذي يراقبهما بأعين تشع نيران حاقدة.
بعد قليل توقفت السيارة أسفل البناية التي تقع بها العيادة، دخلت «خديجة» و هو معها، وجدت ثلاثة فتيات في إنتظارها في نفس المكان الذي قامت فيه بشرح أجزاء الكتاب، والطبيبة جالسة بجانبهن ومعها مساعدتها، تعجبت «خديجة»، فسألته بهدوء:
ياسين هما مين دول؟ أنا الدكتورة مقالتش ليا إن حد هيكون موجود غيري؟"
حرك كتفيه وهو يقول بنبرة حائرة تدل على جهله بالأمر:
مش عارف يا خديجة والله، أنا كل اللي أعرفه المعاد بس، بس خلاص هنعرف دلوقتي"
قامت الطبيبة ترحب بهما وهي تبتسم بإتساع، بينما «خديجة» سألتها بتوتر طفيف:
هما مين دول يا دكتورة، أنا معرفش إن فيه حد هيكون معايا في الجلسة هنا"
إبتسمت لها الطبيبة وهي تقول:
متقلقيش، دول طلاب عندي وعندهم تدريب، النهاردة يا خديجة عاوزاكِ تساعدي الطلاب دول يفهموا يعني إيه تطور في الذات، عاوزاكِ تثبتي إن الطاقة اللي عندنا تقدر تغيرنا كتير، أنتِ هتكملي شرح الكتاب معانا ومعاهم"
تدخل «ياسين» يقول بنبرة جامدة وقوية:
بس أنا مراتي مش حالة للتدريب يا دكتور!!"
نظرت له «خديجة» بتعجب، بينما الطبيبة عقبت على حديثه بتفهم:
أنا مقولتش إنها حالة يا أستاذ ياسين، أنا بقول إنها هتثبت عمليًا و علميًا نجاحها في تخطي المرحلة دي"
تدخلت «خديجة» تقول له بهدوء:
زي ما الدكتورة قالت كدا يا ياسين، خليني أجرب، أنا حاسة بجد أني أقدر أعمل كدا، على عكس المرة اللي فاتت"
نظر لها مطولًا، ثم أخرج زفيرًا قويًا وهو يقول:
ماشي يا خديجة اللي أنتِ عاوزاه"
إبتسمت له بهدوء، بينما الطبيبة قالت:
يلا علشان بعدها عندنا جلسة عادية مهمة"
وقفت «خديجة» بجانب الطبيبة، وتعارفت على الفتيات، وبعد قليل جلس الجميع أمامها حتى تبدأ هي في شرح المراحل الباقية من الكتاب، نظرت هي في أوجه الجميع، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت بتوتر بسيط على غير عادتها القديمة:
أنا خديجة، والنهاردة هشرح أجزاء مهمة في الكتاب، و أتمنى يعني حد يفهم حاجة من كلامي، ربنا يسترها"
ردت عليها إحدى الفتيات:
متخافيش، إحنا واثقين فيكِ، وكمان متحمسين جدًا علشان نسمعك"
إبتسمت هي بهدوء ثم قالت:
دا شرف ليا، ويارب الحماس دا يكون بفايدة و ميكونش على الفاضي، علشان الدكتورة متجريش ورايا"
أومأ الجميع لها ، بينما هو إبتسم على حديثها، فمالت الطبيبة تقول له بنبرةٍ منخفضة، بعدما التفتت هي توليهم ظهرها:
شوفت الفرق يا أستاذ ياسين، هي عمرها ما كانت تقدر تتكلم بعفوية كدا قدام حد، بس هي حاليًا بتحارب نفسها علشان تتكلم"
نظر هو للطبيبة ثم أومأ هدوء، بعدها حرك رأسه ينظر لها وهي ترسم المخطط السابق حتى تقوم بشرح ما قامت بتلخيصه من الكتاب، التفتت لهم مرةً أخرى وهي تقول بهدوء:
النهاردة هتكلم عن الإعتقاد وهو ما يطلق عليه
(مولد التحكم بالذات)
الاعتقاد هو مولد الطاقة في الإنسان، بمعنى إن إحنا كل تحركاتنا واخدينها من إعتقادنا، ودا حصل زمان من واحد كان مقتنع نفسه إنه جثة وإنه مش عايش زينا، رغم إثباتات الأطباء النفسيين في علاجه إلا إنه كان مصمم على إنه جثة، ساعتها الدكتور سأله سؤال مهم جدًا وهو
(هل من المعقول أن تنزف الدماء من الجثة؟)، ساعتها المريض رد عليه وقاله(لأ طبعًا، مفيش جثة بتنزف دم) ساعتها الدكتور ضربه بإبرة في إيده، إيده ساعتها جابت دم علطول، الراجل استغرب وبص بدهشة لإيده، ساعتها الدكتور قاله(الآن فقط اقتنعت أنه من الممكن أن تنزف الدماء من الجثث)
الفكرة هنا إن المريض دا كان مقتنع إنه جثة، وكل أنواع العلاج كان رافضها،لكن بعد تغير إعتقاده أنه ممكن ينزف عادي لأنه ببساطة مش جثة أدرك ساعتها أنه كان عنده مشكلة"
خرج الحديث منها طبيعيًا وكأنها متمرسة في شرح تلك الأشياء، كان الجميع ينظر لها بفخرٍ، فأكملت هي بثقة:
الإعتقاد مش بيتطلب أن الشيء يكون حقيقة، لكن الإعتقاد لازم يكون حقيقة، لأن هو الأساس اللي بنبني عليه كل الأفعال، وأهم خطوة في خطوات النجاح هي إننا نؤمن إننا قادرين ننجح فعلًا، وفي نهاية المرحلة دي حكمة بتلخصها وهي:
(ما يدركه و يؤمن به عقل الإنسان يمكنه أن يحققه)"
أخذت نفسًا عميقًا بعد انتهاء حديثها، فوجدت تصفيقات حارة من الجميع، بينما هناك فتاة من الجاليات أشارت لها الطبيبة فوقفت وهي تقول بهدوء:
طب سؤال مهم يا خديجة، إزاي أقدر أقوي الإعتقاد الإيجابي، وإزاي أتخلص من الإعتقاد السلبي؟"
رغم تفاجيء «خديجة» من السؤال إلا أنها ردت عليها بهدوء:
فيه طرق كتير جدًا تخليني أتخلص من السلبيات، يعني مثلًا أني أجمعهم كلهم في ورقة وأكتب قصاد كل اعتقاد سلبي بحسه إمتى، يعني مثلًا أنا عندي إعتقاد أني شخص مش بيعرف يتكلم، وبتوتر قصاد الناس، لكن بعد كدا عرفت أني أقدر أتكلم وأعبر وأقول اللي فـ بالي، لما الأعتقاد دا يجيلي في عقلي تاني تلقائيًا بفكر نفسي بالفترة الأخيرة وأني قدرت أعمل حاجات كتير، برضه زي الأعتقادات الإيجابية أكتبها وأبدأ أشتغل عليها، يعني مثلًا لو عندي إعتقاد أني أقدر أشتغل وأكون مسئولة عن نفسي ساعتها هقدر أعمل كدا، لأن أنا هكون شغالة على نفسي علشان أقدر فعلًا أحقق اللي أنا عاوزاه"
وقفت الطبية وهي تقول بهدوء وفخر:
أنا فخورة بيكِ بجد، رفعتي راسي وراس ياسين كمان، دلوقتي بقى أنتهت الجلسة دي يلا بينا نبدأ جلستنا سوا"
خرجت الطبيبة والفتيات خلفها بعد توديعهن لها، بينما هو إقترب منها يقول بخبثٍ:
هو الشغل العالي دا كان متدراي عننا ليه، خايفة من الحسد؟"
إبتسمت هي على طريقته ثم قالت:
لأ والله، مكنتش أعرف إنه موجود أصلًا، زيي زيك يعني يا ياسين"
إبتسم هو الأخر ثم قال:
طب أنا هطلع أستنى برا لحد ما تخلصي كلامك مع الدكتورة"
أومأت له، فتركها هو وجلس في الخارج، أما هي فدخلت الغرفة التي تتم بها الجلسة، دخلت لها الطبيبة تقول بوجهٍ بشوش:
على فكرة أنا كدا هبدأ أغير فكرتي عنك، وأقول إنك كنتِ بتمثلي علينا يا خديجة، ماشاء قدرتك على الكلام وتوصيل المعلومة عالية جدًا، ودا شيء مش كل الناس بتتمتع بيه"
إبتسمت «خديجة» بخجلٍ ثم قالت:
والله كل دا بفضل ربنا ثم مجهودك و وجود ياسين اللي مساعدني كتير"
ردت عليها الطبيبة بصدق:
وبرضه بفضل إردادتك يا خديجة، المهم بقى دلوقتي فاضل ١٠٪ كمان عاوزين نخلي بالنا منهم"
قطبت جبينها تسألها بتعجب:
إزاي؟ هو أنا لسه مخفتش خالص؟"
حركت الطبيبة رأسها نفيًا بهدوء ثم قالت:
بصي يا ستي مريض الرُهاب الإجتماعي دايمًا معرض لإنتقادات كتيرة جدًا، زي مثلًا إنه شخص متكبر و صعب وغليظ في المعاملة، ودا نتيجة سكوته وإنه مش بيقدر يتعامل مع اللي حواليه، ودا بيخلي الأنظار عليه، هو ساعتها بيفسرها غلط وبالتالي بيحس إنه مش في مكانه، ودا أنا عاوزة أشوفه عندك عمليًا"
سألتها «خديجة» بهدوء:
إزاي؟"
أجابتها الطبيبة قائلة بهدوء:
يعني عاوزين نجرب ونشوف بنفسنا بس مش دا المهم دلوقتي، المهم يا خديجة إن الرهاب الاجتماعي من أكتر الأمراض المعرضة للإنتكاسة و دا علشان هو مرض مرتبط بالحالة المزاجية للشخص، حالة المريض بتكون قبل التعافي عاملة زي قطعة التلج، ومع أول خطوات التعافي بيبدأ التلج دا يسيح، وساعتها بيغرق الدنيا، هي نفس الفكرة، الطاقة اللي عند الشخص بتكون قوية أوي في إنه يدخل علاقات كتير ويتحرك ويخرج، لكن مع المجتمع اللي حوالينا هو مش بيقدر يوصل لدرجة التعامل الصح وبالتالي ساعات بيتعرض للإستغلال سواء في الجامعة أو الدروس أو الشغل، وساعات كمان بيحصله مشاكل كتير علشان هو شخص عفوي أوي، بالتالي هو بيرجع تاني يحس إنه مش مناسب للتعامل فيضطر يقفل على نفسه من جديد، وساعتها دي بتكون الإنتكاسة علشان قوتها بتكون أكبر من قوة تحمله للفكرة"
ردت عليها «خديجة» بملامح تحمل القلق بوضوح:
طب أنا لو مش عاوزة دا يحصل أعمل إيه؟ أنا مش هيبقى عندي إستعداد أني أرجع تاني زي ماكنت، بصراحة الإحساس نفسه كان مرعب، فكرة أني شخص فاشل مش عارف يحقق إنجازات وكمان اتخليت عن حلمي، وكمان مش عارفة أخلي صاحبة واحدة في حياتي، ولا حتى بنات عمي، لكن حاليًا أنا حاسة أني عملت حاجات كتير، يعني بتكلم وقربت من عبلة وخلود وسلمى، وكمان صحاب ياسين كلهم، ولسه عاوزة أحقق حاجات كتير"
أومأت لها «هناء» بهدوء وهي تقول:
أنا عارفة كل دا، علشان كدا يا خديجة أخر ١٠٪ عاوزين نعاملهم صح، وفي نفس الوقت عاوزني ننزل مكان يكون فيه كل اللي عاوزينه،يعني ناس تكون شبهك، وناس بتساعد غيرها وكمان تمارسي فيه أنشطة أنتِ بتحبيها وحاجة نفسك تشتغلي فيها"
قطبت جبينها وهي تسأل بِـحيرةٍ من أمرها:
طب وهو فيه مكان أقدر أعمل فيه كل دا؟ مرة واحدة وكمان يساعدني؟ دا أكيد في الأحلام يا دكتور!!"
ردت عليها «الطبيبة» وهي مبتسمة:
آه فيه يا خديجة، هنروح يوم الجمعة دار أيتام تبع جميعة خيرية، وهناك كل اللي إحنا عاوزينه هنوصله"
أومأت لها في تفهم بينما الطبيبة قالت وهي توضح لها:
دور الأيتام والمسنين والجمعيات الخيرية يا خديجة، أكتر أماكن تستحق طاقتنا علشان نقدر نتجاوز مشاكل كتير، تخيلي مثلًا في مكان واحد بتساعدي الناس و بتفرحي أطفال وبترسمي الضحكة على الوشوش، وكمان بتتعرفي على ناس شبهك، وتقدري تنمي مهاراتك الإجتماعية، كل الناس اللي كانوا عندهم مشاكل في التواصل الاجتماعي مع غيرها بتروح الأماكن دي،بتكون النتيجة مبهرة، ودا تم أثباته علميًا في ٢٠١٩ في بحث عملته جامعة الشارقة في الإمارات العربية، علشان كدا يا خديجة هنستغل الطاقة اللي عندك في الخير".
__________________
في المول كان «طارق» جالسًا بجانبها يقوم بشرح عمله لها بهدوء وهو ينظر لها بتمعن وكأنه بذلك يشبع حنينه لها، كانت مندمجة هي معه بكامل تركيزها،و كان «حسان» يراقبهما بضيق، وفجأة قال بنبرةٍ قوية:
أنا بقول كفاية كدا يا أستاذ طارق، حضرتك تعبت معانا وأظن صورت المحل بما فيه الكفاية"
نظر له كليهما، هي كانت تنظر بحرجٍ، أما هو رفع حاجبه مُتعجبًا، فقال هو حينما رآى تلك النظرات:
أنا قصدي يعني حضرتك تعبت معانا وطول اليوم شغال، اتفضل حضرتك روح شوف شغلك وشكرًا لمجهودك"
ظهرت التسلية في عينيه وهو يقول:
لأ دا كله علشان خاطر عيونكم، وبعدين أنا قولت أنتَ هتمسك فيا نتغدا سوا، وأنا بصراحة جعان"
رد عليه «حسان» بحنقٍ:
مش أنا جبت لحضرتك فطار من شوية؟ وقولت إنك مش جعان؟"
رد عليه «طارق» ببراءة مصطنعة:
معرفتش آكل لوحدي بصراحة، وقولت أنكم هتاكلوا معايا بس محصلش"
_"لأ إزاي بقى؟ هناكل كلنا سوا وأنا معاكم ولا هو الغايب ملوش نايب؟"
خرجت تلك الجملة بخبثٍ من «وليد» الذي كان يقف على أعتاب المحل، وإستمع للحوار الدائر بينهما، التفت الجميع ينظر له، وأول من تحدث كان «حسان» الذي قال:
آهلًا و سهلًا يا أستاذ وليد، الليلة فعلًا كان ناقصها وجودك"
دخل «وليد» وهو ينظر بخبثٍ لهم ثم قال:
وأنا محبش حاجة تكون نقصاني، علشان كدا جيت أكمل اللية"
تدخلت «جميلة» تقول بهدوء:
حضرتك نورت يا أستاذ وليد، إحنا تعبناكم معانا جدًا، شكرًا على مجهودكم معانا"
نظر «وليد» لرفيقه، ثم نظر لها وهو يقول بهدوء خبيث:
لأ، متقوليش كدا إحنا تحت أمركم، وبعدين دا عمو حسان حبيبنا ومن طرف الغاليين"
رد عليه «حسان» بحنقٍ واضح:
طيب يا حضرات أنا متشكر ليكم جدًا، ممكن تتفضلوا بقى"
رد عليه «طارق» بخبثٍ:
لأ لما ناكل سوا الأول، وبعدين الآنسة جميلة تعبت معايا من الصبح في إختيار الصور و الفيديوهات"
تدخل «وليد» يضيف بخبث:
وعلشان كدا أنا جبت اللاب توب اللي عليه التصميمات علشان الآنسة جميلة تختار اللي يناسبها من التصميمات وكمان طارق يقدر يصمم حاجات جديدة ليها"
إتسعت مقلتي «حسان»، بينما «طارق» وقف مقابلًا لـ «وليد» وهو يقول له بنبرة خفيضة بالكاد وصلت إلى مسامعه:
أقسم بالله أنتَ رجولة، لو عاوز تتجوز عبلة بكرة أنا معنديش إعتراض"
رد عليه «وليد» وهو يصر على أسنانه:
هو أنتَ فاكرني مستنيك علشان آخد رأيك في جوازي من عبلة؟ لو عاوز هتجوزها الليلة دي"
سألتهما هي بحذرٍ:
هو فيه حاجة مضايقة حضراتكم؟"
إلتفت «طارق» ينظر لها وهو يقول مبتسمًا:
بقولوا إن إحنا جعانين وعاوزين ناكل، بس هناكل كلنا سوا"
نظر لهما «حسان» ولم يعقب عليهما، بينما هي قالت بهدوء:
مفيش مشاكل، ممكن أكلم المطعم اللي هنا في المول ويجبلنا الأكل لحد هنا"
تدخل «وليد» يقول بخبثٍ:
أنا بقول طارق ينزل يجيب لنا الأكل وياريت لو حضرتك تنزلي معاه علشان هو ميعرفش حاجة هنا"
نظرت هي لوالدها تسأله، فلم تستطع تفسير نظرته لها،فنظرت لهما بهدوء ثم تنهدت وهي تقول:
اتفضل يا أستاذ طارق مفيش مشاكل"
إبتهج وجه «طارق» بشدة بينما «وليد» قال بمرحٍ:
الله يجبر بخاطرك زي ما جبرتي بخاطرنا"
أومأت له ثم خرجت من المحل و «طارق» خلفها، بينما «حسان» أوشك على ملاحقتهما، فأمسكه «وليد» من مرفقه وهو يقول بسخرية خبيثة:
لأ لأ يا عمو، مش طريقة دي!! دول رايحين يجيبوا لينا أكل،ولا نجيب عمتو بقى وناكل كلنا سوا؟"
نظر له «حسان» بضيق ثم نفخ وجنيته، فإبتسم له «وليد» وهو يقول بإستفزاز:
خلاص، أنا بقول نكلم عمتو أحسن"
أمسك «حسان» يده وهو يقول بنبرة مترجية:
خلاص خلاص، متكلمش حد مش ناقصة هي"
إبتسم «وليد» بتشفٍ وهو يقول:
أيوا كدا، تعجبني يا عمو حسان، ولا أقولك يا أبو جميلة؟"
نفخ «حسان» بقوة، فرد عليه «وليد» بسخرية:
بطل نفخ بقى، أنتَ راجل كبير وعارف إن كدا عيب"
نظر «حسان» للجهة الأخرى بينما «وليد» أخرج هاتفه حينما سمع صوته يصدح، وجد «حسن» يهاتفه فقام بالرد عليه، سمع حديثه فرد عليه قائلًا:
لأ أنا و طارق عندنا مشوار تبع الشغل، روح أنتَ مع وئام و أحمد، وإحنا هجيلكم علشان نقعد فوق السطح"
أغلق الهاتف مع صديقه ثم إقترب من «حسان» وهو يقول بنبرة خبيثة:
منور يا جوز عمتي، يوه!! قصدي يا أبو جميلة"
______________
في بيت آلـ «الرشيد» وصل الشباب إلى البيت، فقال «وئام»:
أنا هدخل عندنا أشوف هدى خدت العلاج ولا لأ، وأنتَ يا حسن اسبقني مع احمد على السطح"
رد عليه «أحمد» بهدوء:
أنا هطلع أغير هدومي، جو البدلة دا خنقني"
رد عليهما «حسن» بهدوء:
شوفوا شغلكم أنتو الاتنين وأنا هطلع السطح أستناكم، كدا كدا أنا مش غريب دا بيتي"
أومأ له كلاهما، فتركهما هو و ركب المصعد،دخل هو السطح بهدوء، لكن أعينه إتسعت بقوة حينما رآى ظلًا لشخصٌ يحاول الانتحار من فوق الغرفة المخصصة للمصعد، نظر هو بتمعن أكثر حتى يتعرف على هوية الشخص، وحينما أستبين ملامحها، صعد هو الآخر، وحينما أوشكت على القفز وهي تبكي وجدته يمسك يدها وهو يقول بنبرة قوية:
أستني هنا رايحة فين؟ أنتِ مجنونة!!"
إلتفتت تنظر له بذعر، فوجدته يقول وهو يلهث بقوة:
أنتِ غبية يا ست أنتِ؟ عاوزة ترمي نفسك من هنا؟ أنتِ شكلك مش طبيعية"
صرخت هي في وجهه:
ملكش دعوة بيا و سبني في حالي، ابعد عني بدل ما تروح أنتَ في داهية"
علم هو أن تلك الطريقة لن تجدي معها نفعًا، لذلك أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء:
طب يلا ننط سوا ومع بعض، أنا كان نفسي أجرب من زمان"
نظرت له بحدقتي على آخرهما وهي مندهشة، فوجدته يقول بإستفزاز:
مالك مستغربة ليه؟ أنا وحيد وأرمل ومعنديش حد أعيش علشانه، وعندي تِلت الشركة ومفيش حد أصرف عليه، يبقى يلا شجعيني وننط سوا"
حركت رأسها هي بغير تصديق ثم قالت:
أنتَ متخلف والله، سبني بقولك أنا هنط، خليني أهرب من الوجع دا بقى"
نظر هو لها بتمعن وهو يقول بنبرة قوية:
أنتِ غبية، أنتِ بتهربي من وجع قيراط علشان تروحي وجع ٢٤ قيراط، تخيلي الدنيا دي مش بتاعتنا ومش مكاننا وعاوزة تسيبيها بمزاجك وأنتِ كافرة علشان تعيشي حياتك الحقيقة في النار، وهو دا الوجع الحقيقي"
بكت هي رغمًا عنها ثم قالت بصراخ ونبرة موجوعة:
أنتَ مش فاهم حاجة، أنا محدش بيحبني، كلهم بقوا بيكرهوني بسببها، أنا أذيت ناس كتير، كنت هبوظ سمعة بنت، وكنت هفرق ناس بتحب بعض، و كسرت بخاطر واحدة العمر كله، كله بيكرهني بسببها، هما مش عاوزني معاهم"
رد عليها مُعقبًا بحنقٍ:
دا غباء لو أنتِ هتخسري حياتك علشان شوية بشر، هما مش بيحبوكي بس افتكري إن ربنا بيحبك، لو ربنا مش بيحبك مكنتش ظهرت أنا دلوقتي علشان ألحقك قبل ما تنطي، كنتِ هتموتي كافرة وتعيشي عمرك كله في النار، يبقى خسرتي بجد، إحنا هنا عايشين علشان نوصل للجنة، أنتِ إزاي عاوزة تضحي بكل دا؟"
صرخت وهي تقول:
حتى ربنا مش هيسامحنى، ومش هيقبلني وأنا كلي أذى للناس كدا، كنت فاكرة إن هي بتحبني زي بنتها وإن هي الوحيدة اللي بتحبني وسطهم، طلعت بتستغل وجودي علشان تنتقم منهم، أنا كنت بسمع كلامها علشان بحبها والله، بس هي محبتنيش، أبوس ايدك سبني أخلص من اللي أنا فيه دا"
رد عليها هو يقول بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
لأ مش هسيبك، لو هسيبك بجد يبقى وأنا رامي نفسي معاكِ، وبعدين أنتِ ليه بتفتري على ربنا، دا إسمه جحود، ربنا إسمه الغفور الرحيم، ربنا اللي بيكرم العاصي والتائب، و بيدينا فرص علشان كل يوم نعيش ونفوق لنفسنا، أنتِ بقى تيجي تقولي مش هيسامحني؟ ربنا اللي بيغفر كل الذنوب حتى الزنا اللي هي أكبر المعاصي بيغفرها، أنتِ بقى لو طلبتي منه المغفرة هيرفض؟، روحيله أنتِ بس وهو مش هيردك تاني"
رفعت أعينها الباكية تنظر له بإندهاش بعد جملته الأخيرة، فوجدته يقول بمزاح:
لأ أنتِ فهمتي إيه؟ مش قصدي تروحيله كدا متودنيش في داهية، أنا قصدي تروحي تصلي ركعتين وتطلبي منه المغفرة من قلبك، والله هتحسي إنك مرتاحة وإنك اتولدتي من جديد
ولو مش مصدقاني أسمعي يا ستي"
والله سبحانه وتعالى فاضت رحمته وشملت رأفته عبادَه ، فهو حليم لا يبطش بنا ولا يعذبنا ولا يهلكنا حالا بل يمهلنا
ويأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن كرمه سبحانه :
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )
وكمان أسمعي
قال رسول الله ﷺ
(ما مِن مُسلمٍ يُذنِبُ ذنبًا ثم يتوضَّأُ ويُحسِنُ الوضوءَ، ويُصلِّي ركعتينِ ويَستغفرُ اللهَ، إلَّا غفَرَ اللهُ له )
صدق رسول اللَّه ﷺ
بكت هي بعدما سمعت حديثه بكاءًا حارًا نابعًا من قلبها، و فجأة ركعت على ركبتيها وهي تصرخ ببكاء:
يـــا رب، ســاعــدنـي"
بكى هو رغمًا عنه من حالتها ثم قال بنبرة متحشرجة:
انزلي دلوقتي صلي ركعتين لله، قبل ما ولاد عمك يطلعوا، وافتكري كلامي كويس، ربنا بيغفرلنا ذنوبنا كلها، رحمته واسعة بينا أوي"
أومأت له ثم إعتدلت واقفة، وقبل أن تنزل الدرجات الحديدية القصيرة وجدته يسبقها ثم مد يده لها حتى تستطع النزول، نظرت له بأعينها الدامعة فوجدته يومأ لها، أمسكت يده بهدوء و تردد ثم نزلت الدرجات، سارت حتى وصلت أمام المصعد وقبل دخوله وجدته يقول من خلفها:
مفيش أي حد في الدنيا دي كلها يستاهل إنك تكفري بربك علشانه، زي ما برضه مفيش حد بيعيش في الألم علطول، أنتِ إنسانة ربك خلقها علشان تعبده و تعمر الأرض، مش علشان نتعب في نص الطريق وننهيه بمزاجنا"
إلتفتت تنظر له بإمتنان وهي تقول بنبرة مهزوزة:
شــ..شكرًا يا.."
_"محسوبِك حسن، حسن المهدي، أرمل، عندي ٣٠ سنة للتعارف الجاد"
خرجت تلك الجملة منه بمرحٍ، جعلها تنظر له بأعين متسعة، فضحك هو ثم قال:
خلاص متتخضيش كدا، بهزر معاكِ يا آنسة هدير"
ردت عليه هي بهدوء بعدما مسحت دموعها:
هدير..هدير بس"
قالت جملتها ثم فتحت باب المصعد، فوجدت أبناء عمومتها يخرجا منه، نظرت هي له وكأنها تترجاه لا يخبرهما، فوجدته يومأ لها وكأنه يطمئنها، نظرت هي لهما ثم ركبت المصعد، بينما «وئام» سأله بتعجب:
هي هدير كانت بتعمل إيه هنا؟"
رد عليه «حسن» بثبات:
كانت طالعة تشم هوا، وأنا افتكرتها أنتو و خضيتها، بس هي نزلت لما لقتني هنا"
رد عليه «أحمد» بسخرية:
يا أخي أكبر بقى، عيب عليك"
حرك «وئام» رأسه نفيًا وهو يقول:
مستحيل، اللي زي دا ربنا خد منه نعمة العقل، هي ساعات بتضرب منه كدا"
تنهد «حسن» بعمق ثم قال بنبرة حزينة:
كتر القعدة لوحدك تعمل أكتر من كدا، أنا بقيت أتكلم مع الحيطان"
نظر له كلاهما بحزن شديد، بينما هو نظر أمامه بشرود بعدما أخرج زفيرًا قويًا.
في المول أنتهوا من الطعام، فتحدث «وليد» يقول بخبثٍ:
والله أول مرة أشوف طارق بياكل كدا من زمان أوي، تحديدًا من وهو في ٦ إبتدائي"
سألته هي بتعجب:
ياه للدرجة دي؟ ليه كدا"
نظر «وليد» في وجه «حسان» فوجد نظرته حانقة، ثم نظر في وجه «طارق» فوجد نظرته هادئة فإبتسم لها وهو يقول بخبثٍ:
أصله من ساعتها عنده إلتهاب...في المعدة"
إتسعت مقلتيها وهي تقول بحزن:
كل دا؟ ربنا يتمم شفاك على خير يا أستاذ طارق"
أومأ لها «طارق» مبتسمًا بهدوء، ثم نظر لرفيقه متوعدًا له.
نظر «حسان» في ساعة يده ثم قال بنبرةٍ قوية:
أنا بقول كدا كفاية يا أستاذ طارق، علشان ورايا حاجات كتير، أنا مضطر أروح وجميلة كمان ترتاح"
نظر كلاهما لبعضهما بضيق، بينما «جميلة» قالت:
طب هو إحنا كدا خلصنا الاعلان والتصوير والتصميمات؟"
رد عليها «طارق» بهدوء:
آها كدا خلاص، هيبقى فاضل حاجات بسيطة في التفاصيل، لو إحتجناها هاجي أخدها منكم"
وقف «وليد» يقول بنبرة صارمة:
طب تستأذن إحنا طيب، علشان نشوف شغلنا قبل يوم السبت، يلا يا طارق"
وقف «طارق» يقول بهدوء وهو ينظر لها:
عن إذنكم إحنا بقى، هنبقى نرجع تاني، وممكن لو إحتاجت حاجة أجي أتأكد منها"
رد عليه «حسان» بحنقٍ:
لأ ملوش لازمة تيجي، ممكن تكلمني وأنا هبلغك بكل اللي محتاجه"
نظر «طارق» له بضيق وقبل أن يرد عليه سمع صوت «وليد» يقول بخبثٍ:
لأ هو إحنا ممكن نكلم رقم تاني يساعدنا، وطبعًا حضرتك عارف إن الرقم دا هيساعدنا أوي، وخصوصًا أنتَ"
سألته «جميلة» بتعجب:
رقم!! رقم مين دا؟!"
رد عليها «وليد» بمرحٍ:
دا رقم المؤسس العام لحقوق النشر و الطباعة، وعضو منتدب في مساعدة الأخرين، هنبقى نعرفك عليه"
تحدث «طارق» يقول بلهفة:
طب عن إذنكم، هنضطر نمشي إحنا علشان نلحق نظبط الحاجة، مع السلامة"
رحل الأثنين سويًا، تحت نظرات الحنق من «حسان» والهدوء من «جميلة»، نظر «حسان» لها بعد رحيلهما وهو يقول:
أنتِ بتبصي عليهم كدا ليه؟"
نظرت له هي بتوتر وهي تقول:
ها!! لأ أبدًا، كل الحكاية بس إن هما جدعان أوي وبيساعدونا، مكنتش متوقعة إني هلاقي حد يساعدنا هنا في القاهرة، وبعدين طارق دا ماشاء الله عليه، ذوق و محترم"
رد عليها مُعقبًا بقوة:
ربنا معاهم ، هما هيخلصوا شغلهم هنا وملناش دعوة بحد بعد كدا"
أومأت له ثم تنهدت بعمقٍ وهي تنظر في اثارهما بهدوء.
________________
في مقر عمل «سارة» زوجة «عامر»، كان الجميع جالسون هناك، الشباب في الخارج والفتيات في غرفة تجربة الثياب، أول من قامت بالتجربة كانت «إيمان» كانت ترتدي فستانًا من اللون الأبيض اللامع وكان رقيقًا يناسب بشرتها البيضاء وأعينها الواسعة التي تمتاز باللون البني الداكن، وجسدها الممشوق وقفت أمام المرآة وهي تضحك بإتساع إقتربت منها «ريهام» تقول بحب:
زي القمر يا إيمان، بجد كل حاجة فيكِ حلوة جمالك وخفة دمك، عروسة زي القمر، ماشاء الله"
وقفت «خديجة» بجانبها وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
أنا بجد بحب اللحظات دي أوي، عمري ما جربتها وعمري ماكنت أتخيل إني ممكن تكون اللحظات دي بتفرح أوي كدا"
بكت بقوة رغمًا عنها، إحتضتها «إيمان» وهي تسألها بإندهاش:
مالك بس يا خديجة؟ بتعيطي ليه؟ حد زعلك"
خرجت «خديجة» من بين ذراعيها وهي تقول ببكاء:
علشان مكانش عندي صحاب وعمري ما كنت أتخيل إن ممكن حد يخليني أجرب اللحظات دي معاه، كنت ساعات بخاف من فرحي علشان معنديش صحاب يخرجوا معايا ويكونوا اليوم دا"
وقفت «سارة» بجانبها وهي تقول بتأثر:
إحنا معاكِ يا خديجة، مس هنسيبك، إحنا الأربعة أخوات، وعلى فكرة أنا كنت زيك كدا ومش عندي صحاب ولا قرايب، أقولك على حاجة؟ أنا محدش حضر كتب كتابي غيرهم هما وماما وأختي، ساعتها خالد كان وكيلي و ياسين شاهد من طرفي، شوفتي الوجع بقى، من ساعتها وهما كل عيلتي، حتى لما عامر اتخانقت مرة معاه، خالد و ياسر و ياسين هما اللي دافعوا عني، صدقيني هما كل حاجة عندي"
أومأت لها «خديجة» ثم مسحت دموعها، بينما «إيمان» قالت بضيق مصطنع:
أنتِ سوسة يا خديجة، عيطتي كدا علشان ياسوري ميدخلش يشوفني صح؟ بس برضه هيدخل مش هريحك"
نظرت لها «خديجة» بمقلتين متسعتين، بينما «إيمان» قالت بتشفٍ:
أيوا كدا، بطلي عياط ونكد علشان جوزك لو لمحنا كلنا كدا وأنتِ بتعيطي هيولع فينا"
ضحكت رغمًا عنها بينما «ريهام» أضافت:
والله العظيم أنتِ بت صعب، المهم يلا علشان ياسر يدخل يشوفك"
أومأت لها، فخرجت «ريهام» تطلبه من وسط الشباب، فقال «خالد» بمرحٍ:
تتفرج بس، لكن تعاكس ولا تنطق أنتَ حر يا ياسر"
رد عليه «عامر» بسخرية:
إعمل اللي أنتَ عاوزه ياض، دي مراتك وخلي بالك اللحظة دي بتكون حلوة أوي وممكن تعيط عادي"
نظر له «ياسر» بحب وهو يقول:
أنا طول عمري حلم حياتي أشوفها في الفستان الأبيض وكنت طول عمري عاوزها تكون لبساه ليا، لو أغمى عليا حد فيكم يجبلي عصير"
خرجت جملته الأخيرة بمرحٍ، ثم تركهم ودخل، نظر «ياسين» في أثره بحب لكنه انتبه على حديث «عامر» وهو يقول له ساخرًا:
عقبالك يا بيضة، لما تجرب الإحساس دا أنتَ كمان"
تنهد «ياسين» بعمقٍ ثم قال:
ومين سمعك، بس كله خير، هانت خلاص"
في الداخل كان «ياسر» يتنهد بعمقٍ، التفتت له «إيمان» بفستانها الرقيق وهي تبتسم بخجلٍ قلما نجده لديها، إتسعت عيناه بدهشة ثم قال بنبرة متأثرة بعدما إقترب منها:
طول عمري بحب السما بكل حاجة فيها يا إيمان، أنا دلوقتي شايفك نجمة من نجوم السما قصاد عيني، بفستانك الأبيض دا حاسس أني بحقق اللي كان نفسي فيه، طول عمرك كنتِ بتقولي ليا إن أنا في دنيا غير الدنيا اللي البشر عايشين فيها، بش أنا موجود في دنيا مفيهاش غيري أنا وأنتِ يا إيمان"
إقترب منها يطبع قبلة هادئة على جبينها ثم وضع يده يربت على وجنتيها بحب وهو يقول:
أحلى عروسة شافتها العين، وأحلى واحدة عشقها القلب"
إحتضنته هي بقوة وهي تقول:
وأنتَ رجلي و روح قلبي يا ياسر ، ربنا يخليك ليا"
تحدثت «ريهام» تقول بمرحٍ:
آه لو خالد سمعك يا إيمان؟ هيكسر رقبتك"
نظرت لها «إيمان» وهي تقول بحب:
خالد دا أبويا يا ريهام، أنا مليش غيره ولا ليا غير حضنه وكتفه من قبل وجود ياسر، خالد ضحى بعمره كله علشاني، يعني ميتقارنش بحد، وياسر عارف كدا"
رد عليها «ياسر» متفهمًا:
أنا عارف، علشان أنا مجرب الإحساس دا، ولو يا إيمان فكرتي في يوم إن خالد يتقارن بيا ساعتها أنا هخاف منك"
دخل «خالد» في تلك اللحظة وهو يقول:
تخاف منها ليه يا دكتور، فاكرها أم أربعة و أربعين؟"
إبتعد عنها «ياسر» فإقترب منها «خالد» لم يتمالك نفسه من البكاء ففرت الدموع من بين أهدابه، إقتربت هي تمسح دموعه ورغمًا عنها فرت دموعها، فقالت بنبرة باكية:
خالد، أنتَ بتعيط؟ طب ليه؟"
رد عليها هو بنبرة متأثرة:
علشان كنت خايف أقابل أبوكِ وأنا مش قد مسئوليتك يا إيمان، كنت خايف أروحله قبل ما أطمن عليكِ، كبرتي وبقيتي عروسة قدام عيون أخوكِ، وشكلك حلو في الفستان أوي، الواد ياسر محظوظ بيكي"
إحتضنته وهي تبكي بحرقة ثم قالت من بين شهقاتها:
أنتَ أبويا يا خالد، أنا عمري ما قدرت أتخيل حياتي وأنتَ مش فيها، أطمن يا خالد وأرفع راسك أنتَ كنت قد الحمل وأكتر"
شدد هو عناقه لها ثم قال:
ربنا يفرح قلبك و يريحه يا إيمان زي ما فرحتي قلبي"
حمحت «سارة» تقول بهدوء:
طب يلا علشان ياسين دوره هو كمان يشوف مراته"
أومأ لها كلاهما، و إنسحبا سويًا بعدما طبع كلاهما قبلة بسيطة على جبهتها، بعد قليل إرتدت «خديجة» فستان من اللون البترولي وهو ضمن درجات اللون الأزرق، كان الفستان من خامة الستان وكان ضيق واسع يناسب ذوقها ويناسب منحنيات جسدها المتناسق إلى حدٍ ما، نظرت إلى نفسها في المرآة بإندهاش لم تتخيل أن تبدو بهذه الرقة، نظرت الفيتات إليها بحب، بينما هي قالت بفرحة وكأنها طفلة صغيرة:
الله!! شكلي حلو أوي، أول مرة ألبس فستان حلو كدا ولونه حلو أوي"
ردت عليها«سارة» بهدوء:
الفستان دا ياسين أختاره بحب، وأنا عملته بحب، وأنتِ لبستيه بفرحة وحب لينا، طبيعي يكون مبهر كدا يا خديجة"
تحدثت «إيمان» تقول بمزاح:
هطلع أنادي ياسين، علشان يشوف فستان مراته اللي هو اختاره"
نظرت هي لنفسها في المرآة وهي تبتسم بحب، بينما «إيمان» جلبته بهدوء، دخل وهو يبحث عنها بعينيه، فوجدها واقفة أمام المرآة، حمحم هو ثم قال:
أظن من حقي إنك تلفي علشان أشوفك يا خديجة"
إلتفتت هي تنظر له بخجلٍ فوجدته يبتسم بإتساع، كما أن البسمة وصلت إلى أعينه وكأنها تنطق بحبها لها، إقترب هو منها يقول بهدوء:
زي القمر يا خديجة، عاملة زي الهلال في جماله"
سألته هي بحماس:
بجد ؟! بجد يا ياسين شكلي حلو فيه؟"
أومأ لها يقول بحب:
تَبدين كَـهلالٍ يَنتظرهُ أهْلّ الصِيام لِيقيموا عِيْدهُم، تُشبِهينَ النِجوم التي أضاءتْ لَيلهم"
نظرت له هي بحب فوجدته يغمز لها وهو يقول بنبرته المرحة:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
إبتسمت هي بحب ثم أحضتنه بقوة، أصيب هو بجحوظ في العينين لكنه تدارك نفسه ثم رفع ذراعيه يربت عليها وهو يقول ببسمة هادئة:
ربنا يسعدلي قلبك الجميل يا خديجة، ربنا ما يوريني حزن في قلبك ولا دمع في عيونك"
شددت هي عناقها له وهي تقول ببكاء:
ويخليك ليا يا ياسين، أنا بحبك أوي، والله"
تحدثت «إيمان» تقول بخبثٍ:
أيوا بقى، دا أنتم شكلكم ناويين تقطعوا علينا، ماشي ربنا يسهلكم"
ضحك هو ثم قال:
لأ متخافيش، أنتو نجوم الليلة برضه"
تحدثت «سارة» تقول بمزاح:
طب يلا بقى علشان دا دور خالد، برة من غير مطرود"
أومأ لها ثم قال:
حاضر يا ستي، ألف مبروك مقدمًا"
خرج «ياسين» لهم ، فوجد «عامر» يقول بسخرية:
هاه يا أخويا جربت؟"
أومأ له «ياسين» بهدوء ثم قال:
عقبال الفستان الأبيض يا رب، ساعتها أنا هكون فرحان فعلًا"
رد عليه «ياسر» بهدوء:
على فكرة بتبقى لحظة حلوة أوي، خصوصًا لو مع اللي قلبك مختارها"
أومأ له «ياسين» ثم إبتسم وهو يتذكر شكلها بالفستان.
في الداخل وقفت «ريهام» بذهول أمام المرآة وهي تقول:
إيه دا، مش دا الفستان اللي أنا أخترته، بس دا أحلى بكتير"
قالت لها «سارة» بهدوء:
علشان دا ذوق خالد، هو كان قايل عليه من بدري وخلى إيمان تبعتلي الصورة وأنا عملته، بس هو علشان كتوم أوي معرفتيش، أو يمكن علشان عمو رياض مش حماكِ"
ضحكت الفتيات بقوة وهن ينظرن لخديجة التي قالت بمزاح:
أنا شوفته مرتين، والمرتين مسترش على ياسين فيهم"
أومأ لها الجميع، بينما «ريهام» شعرت بإرتفاع ضربات قلبها، فتنهدت بعمق، بعد قليل دخل «خالد»، نظر لها بحب، فوجدها تقول له بمشاكسة:
طلعنا حلوين وبنعمل مفاجأت حلوة كمان"
رد عليها بغرور يناسب وسامته:
طبعًا، هو أنا قليل ولا إيه؟ ولا أنتِ فكراني مش رومانسي، كل الحكاية أني بتقل، علشان آخد حاجة نضيفة"
إبتسمت هي ثم قالت:
طب إيه رأيك، طمني"
إقترب منها يقول هامسًا بهدوء:
زي كل حاجة حلوة في حياتي بسبب وجودك، طلتك عليا دي نورت قلبي..يا نور البيت، ورأيي
بقى هقوله في البيت براحتي"
أخفضت هي رأسها بخجل، فقالت «إيمان» بخبثٍ:
أنتَ بتقول إيه، أنا عاوزة أسمع"
إلتفتت يقول لها بضيق:
هبقى أخلي ياسر يقولك لما تتجوزيه"
حركت كتفيها ثم قالت:
عادي، مش عاوزة أسمع أصلًا"
رفع حاجبه مُتعجبًا وهو يقول:
يا شيخة؟"
ردت عليه تقول بنبرة مترجية:
هموت واعرف قولي علشان خاطري"
إبتسم هو بتشفٍ وهو يقول:
والله ما هريحك يا إيمان"
قال جملته ثم تركهن وخرج بعدما حمل الصغير من على الأريكة الموضوعة، كان نائمًا، فنظر له «خالد» وهو يقول بمرحٍ:
خليك أنتَ نايم كدا، أمك شكلها حلو في الفستان، وشكلنا كدا هنحصل عمك ياسين ونكسر قاعات إحنا كمان"
ضحك على جملته ثم خرج والفتيات يضحكن عليه.
بعد قليل وقف الجميع في الخارج وكل فتاة تقف بجانب زوجها، عدا «سارة» التي كانت تتمم على إغلاق المكان مع زوجها، بعدها وقف «عامر» بالقرب من الجميع وهو يقول بمشاكسة:
معلش يا جماعة كل واحد دخل شاف فستان، يطلع بالفلوس، علشان أخوكم بيكح تراب و داخلين على مصاريف فرح"
نظر له الجميع بتعجب، فقال هو مُردفًا بجدية:
لأ محدش يبصلي كدا، أنا ورايا لسه بدلة وشهر عسل، والله لولا شكلنا قدام الناس، كنت عملته فرح بنقطة"
رد عليه «ياسين» بهدوء:
أطلع أنتَ منها علشان الموضوع ميخصكش، وبعدين سارة اللي من حقها تطلب الفلوس دي"
رفع «عامر» أنفه ينظر له بوجهٍ ممتعض وهو يقول:
نعم يا أخويا؟ هو إيه دا؟ ومين اللي حابب ماكنة الخياطة؟ رد عليا"
ردت «سارة» عليه بضيق:
أنا تعبت والله، كان يوم مش فايت ما جبتلي ماكنة الخياطة"
نظر هو لها يقول بخبثٍ:
بقولك إيه صحيح معاكِ خريطة؟"
قطبت جبينها تسأله بتعجب:
خريطة؟! لأ ليه؟"
غمز لها وهو يقول بمرحٍ:
أصل العبد لله تايه في عينيكِ"
ضحكت هي بإتساع، بينما «خديجة» سألته بهدوء وهي مبتسمة:
أنا عندي سؤال لحضرتك يا أستاذ عامر، هو بجد حضرتك إزاي مدير شركة الفاروق للسياحة، أصلها شركة كبيرة، أكيد مديرها لازم يكون صارم"
ضحك الجميع عليها، بينما «ياسين» قال بسخرية:
شوفت أديك كاسفنا قدام الناس، على العموم يا خديجة، إحنا كلنا شغالين تبع الفاروق، أنا في شركة من شركات الهندسة بتاعته، و خالد في محاسب في شركة أدوية، وياسر دكتور في مستشفى عنده، وعامر للأسف مدير شركة من شركاته"
قطبت جبينها تسأله بتعجب:
يعني أنتم زمايل؟"
رد عليها «خالد»:
في المسمى الوظيفي، آه يعتبر تبع كيان واحد، لكن في العمل الفعلي لأ، هو عم رياض الله يكرمه اللي شغلنا كلنا، ممتاز الفاروق يبقى صاحبه وهو اللي شغلنا"
أومأت هي في تفهم ثم قالت:
طب وأستاذ عامر إزاي بقى مدير؟ علشان بجد مش مصدقة"
ضحك «عامر» ثم قال:
كل الحكاية إن كان فيه مصيبة في الشركة اليوم دا، حصل لغبطة بين مواعيد الأفواج السياحية وعلشان فرق التوقيت، اتكتبت ٧ الصبح بدل ٧ بليل"
سألته تلك المرة«إيمان»:
طب فين المشكلة؟ دي بتحصل عادي"
رد عليها هو بهدوء:
لأ مش عادي، لو الأفواج مترتبة غلط، اللي حصل إن الأتنين وصلوا في يوم واحد، فوج وصل الضهر، وفوج وصل ٧ بليل"
سألته زوجته:
طب وحصل إيه يا عامر؟"
نظر هو أمامه يقول بهدوء:
هقولكم أنا إيه اللي حصل"
(منذ ماضٍ قريب)
كان «عامر» جالسًا في مكتبه يتصفح الحاسوب أمامه، فجأة دخل عليه أحد زملائه وهو يقول بنبرة متلهفة:
إلحق يا عامر، الفوج بتاع ٧ الصبح وصل دلوقتي"
وقف «عامر» يصرخ في وجه زميله قائلًا:
إيه؟ إزاي دول معادهم ٧ الصبح"
رد عليه صديقه بِـحيرة:
والله ما أعرف، الظاهر فيه لغبطة، بس نتصرف إزاي كل المرشدين السياحيين مش هنا مع الفوج التاني، حتى العربيات مفيش منها"
وقف «عامر» حائرًا وفجأة وجد الأصوات تتعالى من السياح، خرج هو لهم، وجد الغضب يخرج من أعين الجميع، إقترب منه صديقه يقول:
إلحق يا عامر، بيقولوا إنهم هيشتكوا في السفارة، علشان إهمالنا"
نظر «عامر» أمامه بضيق ثم أخرج هاتفه وهو يهاتف إبن عمه «عمرو» ، رد عليه قريبه، فقال هو بهدوء:
ركز معايا يا عمرو، لو فيه فرح من اللي أنتَ بتروحهم دول، عرفني علشان محتاجه ضروري"
وصله الرد،فقال بهدوء:
خلاص تمام، أبعتلي عربية عم فهيم"
بعدما يقرب النصف ساعة توقفت سيارة نصف نقل أمام الشركة، وقف «عامر» يقول للسياح:
معلش يا جماعة، نورتوا إيچيبت، دلوقتي هنركب العربية دي علشان نروح نبدأ رحلتنا"
قام بوكز رفيقه، وهو يقول:
انزل بالترجمة"
قام صديقه بترجمة حديثه، فوجد السياح يصفقون تصفيقًا حارًا، أبتسم هو ثم قال بخبثٍ:
متيسرة إن شاء الله"
قام بإركاب السائحون في العربة من الخلف، وكان الجو مليء بالمرح وهو كان يصفق ويقول:
بسم الله الرحمن الرحيم و هنبدأ الليلة"
كان يدندن هو تلك الكلمات والسائحون معه يفعلون مثله، وبعد القيادة توقفت السيارة في أحد الأحياء الشعبية، انزل السياح من السيارة ثم دخل بهم أحد الأفراح الشعبية، وبعد فترة إندمج الفوج وسط السكان بفرحة عارمة في جو قد يكون غريبًا عليهم، لكن البهجة كانت تملأ وجوههم أما هو فتنهد بأريحية.
(عودة إلى الوقت الحالي)
_"نهار أهلك مش فايت يا عامر، خدت السياح فرح في بولاق أبو العلا؟ أنتَ إيه يلا معندكش مخ؟"
خرجت تلك الجملة من «خالد»، أما الجميع فكانت نظراتهم مندهشة، بينما «خديجة» سألته ببلاهة:
يعني بجد ركبت السياح عربية نص نقل؟ وخدتهم فرح شعبي؟"
أومأ لها وهو يقول بمرحٍ:
أيوا والله، هعمل إيه يعني؟ ناس جايين فجأة وعاوزين يقدموا شكوى في السفارة، أنا حليت المشكلة وساعتها أعلى تقارير جت كانت ليا و للفوج بتاعي، وساعتها البلد كلها جت علشان يجربوا الفرح الشعبي"
سأله «ياسر» بحنقٍ:
أنتَ أهبل يا عامر؟ مسمعتش عن الأهرامات ولا المعز؟ طب جنينة الحيوانات؟"
رد عليه «عامر» بسخرية:
إيه الحلو في دا بقى؟ الأهرامات وهما حافظينها، شارع المعز وهما عارفينه فين التجديد؟ وبعدين إيه الحلو اللي في جنينة الحيوانات، إيه الحلو لما أروح أشوف الفيل و هو بياكل جذر، ولا سيد قشطة وهو بيتكرع، وبعدين أخدهم عند القرد وهو بياكل موز و سوداني، طب ما أنا كنت أجيب موز وسوداني وأخلي ياسين وياسر وخالد ياكلوا قدامهم"
ضحك الجميع عليه فقال هو بضحك:
والله العظيم الموضوع فعلًا غريب، بس الحمد لله الليلة قضيت، والفوج فرح، وفرح الشعب كله معاه.
_____________
أمام بيت آلـ الرشيد توقفت سيارة «طارق» الذي كان يقودها «وليد»، كان «طارق» يتصفح هاتفه ، فسأله «وليد» بعدما أوقف السيارة:
أنتَ بتعمل إيه في التليفون من الصبح يا طارق؟ متكلمتش معايا حرف واحد"
تنهد «طارق» بعمق ثم قال:
بتأكد يا طارق إن سن جميلة ساعتها ممكن ينسى كل المعلومات، بس دا مستحيل، هي كانت ساعتها في سن مدرسة، يعني المفروض حتى تكون فاكرة الأسامي"
نظر له «وليد» بتعجبٍ وهو يقول:
قصدك إيه؟ إن جميلة مش ناسية؟"
أومأ له «طارق» بقوة ثم قال:
جميلة أكيد فاكرة أسمي وإسم خديجة، وإسم أمها، علشان إحنا التلاتة اللي كنا معاها علطول، يعني جميلة أكيد نسيت بمزاجها مش غصب عنها، أو عاملة نفسها ناسية"
رد عليه «وليد» بِـحيرة:
مش عارف والله يا طارق، بس ممكن يكون دا كله علشان الذاكرة بقالها كتير؟"
أومأ له وهو يقول:
ماشي أنا معاك، بس حتى لو كدا، هتفضل فاكرة الأسامي اللي كانت بتتعامل معاها بإستمرار وهيفضل صداها مستمر في العقل، يعني النسيان التام مش موجود أصلًا"
في شقة «حسان» تأكدت هي من نوم والدها، فأخرجت هاتفها تطلب رقم جدتها «نوال»، ردت عليها جدتها فقالت هي بتوتر:
تيتة، فاكرة لما قولتيلي قبل كدا إن أنا كنت علطول كنت بعيط على ماما الله يرحمها و خديجة و طارق؟"
ردت عليها جدتها بهدوء:
أيوا فاكرة يا جميلة، بتسألي ليه؟"
سألتها هي بنبرة مهتزة:
طيب مين طارق ومين خديجة؟"
ردت هي تُحيبها بهدوء وكأنه لا مفر:
خديجة المفروض إنها بنت خالك طه، و طارق إبن خالك محمد"
سألتها بتلهفٍ:
طب عيلة ماما كان إسمها إيه؟ بالله عليكِ قوليلي، علشان دماغي هتقف"
تنهدت «نوال» ثم قالت:
أمك إسمها مشيرة فايز الرشيد"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الرابع والاربعون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الرابع و الأربعون"
___________
من يصنع السعادة بداخلك هو من يستحقك."
(جبران خليل جبران)
____________
إذا كنت تظن أن العيش في الغربة شعورٌ قاسي الآن اقدم لك شعور أكثر صعوبة، ألا وهو شعور أن تعيش الغربة بك، هذا الشعور هو أقسى ما يمر به المرء على الإطلاق، أن تقف أمام المرآة لا تعرف الشخص الظاهر بها شعورٌ قاسي، أن تعيش وسط أشخاص لا يعرفونك شعورٌ قاسي، أن تجهل قيمة ذاتك شعورٌ قاسي،أن ترى نفسك غير محبوب و غير مرحب بك شعورٌ قاسي، حتى وإن كانت الغربة هي البعد عن الأوطان ولكن بها وجدت ذاتك هنيئًا لك انت لم تفقد نَفسكَ بعد.
إتسعت مقلتيها بدهشة وفرغ فاهها، بينما «نوال» سألتها بنبرة متعجبة:
روحتي فين يا جميلة؟ يا بنتي متوجعيش قلبي بقى"
حاولت البحث عن صوتها، وها هي وجدته، لكنه كان مبحوحًا بشدة، فقالت بنبرة جاهدت حتى تخرج منها:
معاكِ...أنتِ قولتي أمي إسمها إيه؟"
تنفست «نوال» الصعداء ثم قالت بنبرة حزينة:
أمك إسمها مشيرة فايز الرشيد، وقبل ما تسألي أنا معرفتكيش ليه قبل كدا، علشان مكنتش عاوزاكِ تتعشمي خصوصًا إن حسان كان معترض على رجوعكم القاهرة"
فرت دموعها رغمًا عنها من بين أهدابها، وقالت ببكاء:
يعني عيلة ماما إسمهم عيلة فايز الرشيد، وكدا طارق و وليد اللي ظهروا بتوع الدعاية والإعلان قرايبها، ماهو مش طبيعي يكون تشابه أسماء، دول قرايبي ومن ريحتها صح؟"
ردت عليها «نوال» بضيق ولكنها تدري أنه لا مفرٍ من إجابتها، فقالت:
وارد يكونوا هما يا جميلة، اللي حسان قالي عليه إنك كنتِ علطول مع طارق و خديجة، وطارق من ساعة ما اتولدتي وأنتِ مكنتيش بتسبيه، علشان كدا لما جيتوا من القاهرة فضلتي تطلبي في دول"
مسحت دموعها وهي تقول ببكاء:
شكرًا يا تيتة، بس أنا عاوزة أسأل بابا علشان يجاوبني على كل حاجة"
عقبت عليها «نوال» بنبرة حزينة:
حسان كان خايف يا جميلة، خاف حد منهم ياخدك منه وهو ملوش غيرك، أعذريه يا حبيبتي، والأحسن متسأليهوش دلوقتي، علشان طارق و وليد ممكن حسان يمنعك منهم"
ردت عليها بسرعة وبنرةٍ باكية:
لأ خلاص أنا مش هقوله، كفاية أني اشوفهم قصادي وهما من ريحتها، بس أنا كنت عاوزة اتأكد إن إحساسي صح، حسيت أني أعرفهم من زمان، وحسيت إنهم مش مجرد ناس عادية"
ردت عليها «نوال» بصوتٍ باكٍ:
متزعليش نفسك يا جميلة، كل حاجة بتحصلنا نصيب، أنتِ لما جيتي كنتِ عيلة صغيرة في سن دخول المدرسة وساعتها حسان كان مش عارف يتصرف، ساعتها قالك إنك مش هتشوفيهم تاني، وأنتِ مع الوقت نستيهم وبطلتي تطلبيهم، بس ربنا كتبلك نصيب تشوفيهم من تاني"
أغلقت جفونها بشدة وهي تضع كفها على فمها حتى تكتم شهقاتها وتوقف ذرف الدموع، ثم قالت:
شكرًا يا تيتة، تصبحي على خير"
_"وأنتِ من أهل الخير يا جميلة،ربنا يجبر بخاطرك ويريح قلبك"
خرجت تلك الجملة من «نوال» بنبرة تحمل الوجع بين طياتها.
___________________
في بيت آلـ «الرشيد» جلس الشباب جميعهم فوق السطح، قص «طارق» عليهم ما حدث، وسط نظرات الدهشة منهم جميعًا، أنهى حديثه ثم قال بنبرةٍ متألمة:
وأنا مش عارفة أعمل إيه؟ عاوز أقولها وأعرفها وفي نفس الوقت خايف الدنيا تتقلب هنا"
رد عليه «وئام» بذهول و نبرة مندهشة:
أنت بتتكلم جد يا طارق؟ حسان وجميلة عايشين؟"
أومأ له «طارق» بهدوء ثم أخرج زفيرًا قويًا، بينما «أحمد» جلس مقابلًا له وهو يقول بنبرة قوية لا تقبل النقاش:
هو سؤال واحد يا طارق علشان أرتاح، أمي اللي عملت كدا في عمتك؟"
تدخل «وليد» يقول بهدوء:
إحنا معرفناش نتكلم معاه يا أحمد، علشان جميلة متعرفش حاجة عن اللي حصل، وكمان حسان مش معرفها أي حاجة عننا ولا عن أهل أمها"
إلتفت «أحمد» ينظر له بإستنكار وهو يقول بحنقٍ:
يعني إيه؟ يعني بعد العمر دا كله هنسيبه والدنيا بايظة كدا؟ العمر اللي ضاع وعمتك فاكرة إن أمي السبب في خراب بيتها، ولا خديجة اللي عاشت حياتها بتدفع تمن غلطته، أنتو إزاي سبتوه، إزاي محدش فيكم جابه من قفاه؟"
رد عليه «طارق» بإنزعاج:
وبعدين؟! نعمل كدا واحنا مش عارفين الحقيقة، ولا عارفين نتكلم معاه، إحنا لولا هي قالت إسمه بالكامل مكناش هنعرف، إهدا يا أحمد علشان الحكاية مش قفش، دي حياة ناس هتخرب وناس تانية هتتبرأ وليلة كبيرة، الوقت مش نافع للعك دا"
تدخل «حسن» يضيف بحكمة:
طارق بيتكلم صح يا أحمد، وبعدين إحنا كنا فين وبقينا فين؟ هو طلع عايش خلاص، وعرفنا مكانه واحدة واحدة بقى علشان اللي جاي دا عاوز عقل"
نفخ «أحمد» وجنتيه بضيق ثم قال:
ماشي خليني معاكم لما نشوف أخرتها، بس ورب الكعبة لو حصل حاجة من مشيرة تاني هخرب الدنيا"
ربت «طارق» على كتفه وهو يقول بهدوء:
إهدا كدا مش عاوز هطل، في الأول و الأخر هي عمتك، وبعدين متخلنيش أندم أني حكيت، أنا علشان عارف إن إحنا الخمسة واحد ومحدش فينا بيخبي حاجة عن التاني، والله العظيم كل واحد حقه هيرجع بس بالعقل، وحسان دا ورب الكعبة ما هخليه يشوف يوم راحة، علشان في الأول و الأخر هو الغلطان في الليلة دي كلها"
أضاف «وليد» يقول بمرحٍ:
فككم بقى من النكد دا، وخلينا نشوف الأفراح اللي هتهل علينا، طارق خلاص لقاها يعني مش هيسيبها غير وهي مراته"
سأله «وئام» بتعجب:
طب وأنتَ مالك؟ وبعدين هو فرح واحد، خليتهم أفراح؟"
رد عليه بثقته المعهودة:
طبعًا، وبعدين أنتم ناسيين فرحي أنا و عبلة، وفرح خديجة وياسين، وطارق وجميلة وأحمد و سلمى إن شاء الله بعد عمرٍ طويل"
سأله «حسن» بإندهاش:
أحمد و مين يا أخويا؟ سلمى مين هي مش كانت منة؟"
رد عليه «أحمد» ببسمة هادئة:
لأ هي عمرها ما كانت منة ومكانش ينفع تبقى منة، هي من البداية سلمى بنت عمي"
رد عليه «حسن» بسخرية:
أنتَ مجنون يلا؟ قلبك دا ولا غرف فندقية؟"
ضحك الجميع على جملته، فتدخل «وئام» يضيف قائلًا:
أنا زيي زيك، أول مرة أعرف إنه عاوز سلمى، الأبديت دا موصلش ليا"
تحدث «وليد» يقول بسخرية:
بس يا جماعة خلاص، الواد مشاعره مضطربة برضه"
رد عليه «طارق» مُعقبًا:
هو كله أساسًا مضطرب ومش عارف هو عاوز إيه، أحمد دا منفصم والله"
نظر لهم «أحمد» بضيق وهو يقول:
هو علشان أنا أصغركم هتحلووا عليا ولا إيه؟ وبعدين حتى لو مضطرب بس مش بتمادى في الغلط، لما عرفت مشاعري عاملة إزاي قولت وماخوفتش، لما عرفت إن قلبي كان بيوهمني، عرفت إنه هيغرقني ويوديني في داهية، منة مكانتش شبهي ولا زيي، وبصراحة خديجة كانت علطول تقولي أوعى تسلم قلبك لغير أهله، وبصراحة كدا سلمى هي أهله"
رفع «طارق»أحد حاجبيه وهو يقول بضيق:
لم نفسك بدل ما أقوم ألمك، مش هتبقى أنتَ و وليد عليا"
رد عليه «وليد» مُعقبًا بضيق زائف:
مالك أنتَ ومال وليد؟ أنا واحد كاتب كتابي هاه؟ يعني براحتي ، الدور والباقي عليكم، واحد هي متعرفوش، والتاني قراية فاتحة مع وقف التنفيذ"
ضحكوا عليه جميعًا، فقال «طارق» بنبرةٍ حائرة:
مش دا المهم دلوقتي، المهم هشوفها إزاي بكرة؟"
رد عليه «وليد» بمرحٍ خبيث:
هو أنا مقولتش لكِ، مش أنا نسيت الكشكول اللي فيه المعلومات جنب رف الطُرح"
نظر له «طارق» بتعجب وهو يقول:
هو مش كان معاك في إيدك؟ نسيته إزاي؟"
_"قضاء و قدر، هتعترض على حكم ربنا يا طارق؟ روح بكرة بس هاته"
خرجت تلك الجملة من «وليد» ببراءة كاذبة، فتبدلت نظرة «طارق» إلى الإندهاش، بينما «وئام» قال بنبرة تحمل الفخر:
والله العظيم الواد أخويا دا معلم و عنده بعد نظر، شوف سابلك الكشكول علشان تعرف تروح تاني، علشان تقدره وتجوزه عبلة بقى"
رد عليه «وليد» بفخرٍ:
صحيح أخويا إبن أمي وأبويا، ربنا يكرمك بتوأم يارب"
تدخل «حسن» يقول بضيق:
خـــلاص، كفاية تطبيل كلتوا دماغي"
رد عليه «طارق» وهو يضحك:
عاملين زي النبطشي ماصدق مسك حديدة على المسرح"
تدخل «أحمد» يقول مُقترحًا:
فككم بقى من الجو دا ويلا نتفرج على الفيلم اللي محمله جديد، نظروا إلى بعضهم البعض ثم إقتربوا منه حتى يشاهدوا الفيلم على الحاسوب".
_________________
قام «ياسين» بتوديع أصدقائه ثم أخذها وركب سيارته، كانت هي شاردة بهدوء فسألها هو مُستفسرًا بتعجبٍ:
مالك سرحانة فـ إيه يا خديجة؟"
نظرت له وهي مبتسمة ثم قالت:
ولا حاجة، كل الحكاية بس بفكر في اللي جاي بعد كدا، يعني من كلام هناء إن المرحلة الجاية دي مهمة، أنا بقى بفكر إزاي أحافظ على اللي وصلتله"
أومأ لها متفهمًا ثم قال:
أنا واثق إنك هتقدري تحافظي على اللى وصلتيله واللي عملتيه، أنا بس عاوز أسألك عاملة إيه مع والدك؟"
قطبت جبينها وهي تسأله بتعجب:
كويسة، بس بتسأل ليه؟"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بهدوء و نبرة عادية:
عادي يعني بسأل علشام أطمن إن مفيش حاجة مضيقاكِي،وبعدين متنسيش إنها خطوة مهمة في علاجك"
زفرت هي بضيق ثم قالت:
أنا بتعامل معاه عادي، يعني مش بخاف منه زي الأول، بس هبقى كدابة لو قولتلك نسيت يا ياسين، يمكن نظرة الندم في عيونه بتخليني أعامله عادي، لكن النسيان صعب، وكمان فيه حاجة دلوقتي مخوفاني"
قطب جبينه يسألها بتعجب من حديثها:
حاجة مخوفاكي؟ إيه هي طيب، قوليلي؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
خايفة حد يعرف إن أنا كنت بتعالج نفسيًا، هو..هو أنتَ ممكن تقول لحد يا ياسين؟"
كانت نبرتها مهزوزة وكأنها بذلك تنذره بخوفها من إجابته عليها، بينما هو قال بعدما زفر بقوة:
أنا مش فاهم إيه اللي ممكن يكون مخوف الناس من العلاج النفسي وأنهم اتعالجوا نفسيًا، خديجة العلاج النفسي مش عيب ومش حرام، ومش حاجة تخوف إن حد يعرفها، وبعدين أنتِ كنتِ ضحية لمرضى نفسيين يا خديجة، أنا عاوزك بس تطمني وتريحي نفسك، وبعدين يا ست الكل تفتكري إن أنا ممكن أقول سرك لحد؟"
ردت عليه بهدوء وهي تحرك رأسها نفيًا:
لأ أنا واثقة إنك مش هتعرف حد، بس يا ياسين مش كل الناس فاهمة يعني إيه مريض نفسي، الناس كلها فاكرة إنه هو بيكون مجنون، أنا مش حمل نظرة عينهم ليا، حتى لو محدش فيهم قالها بلسانه نظراتهم هتقولها يا ياسين"
رد عليها مُعقبًا بهدوء:
علشان دا جهل يا خديجة، المفروض أي حد يتعب نفسيًا يطلب العلاج، زيها زي الجرح بالظبط مينفعش أسيب الجرح بينزف يا خديجة علشان خايف من العلاج، هي نفس الفكرة بالظبط، طالما مش مبسوطين وتعبانين نفسيًا يبقى نتعالج، إن لنفسك عليك حق، وبعدين مالهم المرضى النفسيين يعني دول أجدع ناس والله"
نظرت إليه تسأله بحذر وكأنها تصارع نفسها حتى تتحدث:
طب وهو أنتَ يا ياسين.. ممكن تندم إنك ارتبطت بواحدة زيي؟ يعني ممكن يجي اليوم اللي تحس فيه إن أنا قليلة عليك؟"
قطب جبينه بقوة وبوجهٍ عابس قال:
إيه واحدة زيك دي؟ مالك ياما ناقصك إيد ولا ناقصك رجل؟ وبعدين هو مش إحنا تخطينا المرحلة دي من زمان يا ست الكل"
سألته هي بِـحيرة من أمرها:
طب أعمل إيه، خايفة نوصل للمرحلة دي، وخايفة يجي يوم وتندم فيه"
رد عليها بنبرةٍ مُحبة:
أندم يا خديجة بعد ما لقيتك؟ تفتكري ممكن أندم بعد ما لقيت أنيس الروح؟ العلاقات يا خديجة بالنسبة ليا مقدسة يعني مش مجرد ناس في حياة بعض وخلاص، لأ الموضوع أكبر من كدا، وعلى رأي عبد الرحمن الأبنودي "أصل المحبة مش بالقول يا تداي جروحي يا إما بلاش"
إبتسمت هي ثم قالت بنبرة ظهر بها الإطمئنان جاليًا بوضوح:
شكرًا علشان بتطمني كل مرة يا ياسين"
رد عليها هو بمرحٍ:
من العفو يا خديجة، بس ياريت الكلمة دي تتلغي من الوجود"
إبتسمت هي بهدوء ثم قالت بصوتٍ منخفض وهي تنظر من النافذة:
على فكرة أنا بحبك برضه"
نظر هو لها بخبثٍ ثم قال:
طب ما إحنا حلوين أهو، أنا بقول نكتر من القعدة مع سارة و ريهام وإيمان، علشان بركتهم حلت علينا"
نظرت له وهي تبتسم بإتساع، بينما قال هو بهدوء:
بكرة كلنا هنروح عند ميمي، علشان الكابتن خالد ينظم الفرح ويرتبه، هتيجي معايا ولا أروح لوحدي زي المسكين لا ليا حبيب ولا ونيس؟"
أومأت له وهي تقول بإبتسامة:
لأ هاجي، علشان إيمان حلفت لو مجتش هتجبني من شعري، مش عارفة ليه بس هي قالتلي كدا، تفتكر ممكن تعملها؟"
رد عليها هو بهدوء مُبتسمًا:
آه أفتكر عادي جدًا، ولو أنتِ عاوزة ليلتك تعدي على خير معاها روحي باتي هناك أحسن"
نظرت له مُتعجبة ثم قالت بحذرٍ:
طب فيه حاجة كمان، ممكن اروح لوحدي بكرة؟ يعني ترجع من شغلك على هناك وأنا أنزل أروح لوحدي وأركب مواصلات ينفع؟"
نظر لها بإستنكار وكأنه بذلك يعبر لها عن رفضه للفكرة، فأضافت هي تقول:
علشان خاطري عاوزة أحس أني بعرف أتصرف لوحدي، مرة بس أجرب، علشان بعد كدا أعرف أتحرك وأروح في أي مكان"
أخذ هو نفسًا عميقًا ثم قال:
ماشي يا خديجة، بس خلي بالك من نفسك وتليفونك يفضل مفتوح، وأنا هكلمك أطمن عليكِ كل شوية، ولا أجي آخدك أحسن؟"
ردت عليه بسرعة كبيرة وكأنها تخشى مقترحه:
لأ بلاش بالله عليك، والله أنا حافظة الطريق وعارفة كمان بنركب العربية منين، وهبقى أكلمك"
أومأ لها بهدوء ثم أوقف السيارة أمام بيتها، فنظرت هي له بإحباط وهي تقول:
هو خلاص كدا؟ وصلنا؟"
رفع له حاجبه مُتعجبًا وهو يبتسم، فوجدها تقول بتلعثمٍ:
أقصد يعني وصلنا بسرعة، خلاص أشوفك بكرة إن شاء الله"
حرك كتفيه يقول بخبثٍ:
لو عاوزة تفضلي معايا أنا معنديش أي مشاكل، بيتنا موجود وبيت ميمي موجود"
إتسعت مقلتيها بشدة وهي تشهق بقوة، ثم قالت بضيق:
تصبح على خير يا ياسين"
غمز لها وهو يقول بخبثٍ:
وأنتِ من أهل الخير يا قلب ياسين"
نزلت من السيارة تنظر له وهي مضيقة جفونها، فوجدته يرسل لها قبلة في الهواء، ضحكت هي وحركت رأيها بيأسٍ ثم لوحت له بكفها تودعه، دخلت المصعد فوجدته يهاتفها، ردت عليه فوجدته يقول بإنزعاج زائف:
والله عيب دي مش معاملة، يعني أنا أبعتلك بوسة وأنتِ تشاوريلي بإيدك؟ هي دي المعاملة يا خديجة؟"
ضحكت وهي تقول:
طب أعمل إيه طيب؟ وبعدين عيب كدا يا ياسين، أنتَ مش صغير"
رد عليها مُعقبًا بحنق:
يا سلام ياختي؟ هو أنا لو صغير هعمل كدا عادي؟كدا هبقى مش متربي"
ضحكت هي على طريقته ثم قالت:
طب سلام بقى علشان الاسانسير وقف، وداخلة الشقة"
تنهد هو ثم قال:
ماشي يا ستي تصبحي على خير، ومتنسيش هكلمك برضه بكرة"
دخلت الشقة في هدوء فوجدت والديها في إنتظارها، أخذت هي نفسًا عميقًا ثم قالت:
أنا آسفة لو اتأخرت عليكم، بس كنت مع البنات علشان الفرح الأسبوع الجاي وكنا بنجهز الحاجة"
إبتسم «طه» و رد عليها بهدوء:
ولا يهمك، تعالي بس علشان ناكل سوا، ولا مش جعانة؟"
ردت عليه تقول بمرحٍ:
جعانة أوي بصراحة، رغم إن ياسين أصر ناكل سوا بس كنت عاوزة آكل السبانخ بتاعة زينب"
ضحكت والدتها وهي تقول:
طب كويس إن أنا عملتها، علشان كلهم كانوا عاوزين مكرونة"
تدخل «طه» يقول بإحراج:
بصراحة أنا مش بحب السبانخ، بس علشان خاطر عيون خديجة يبقى ناكل كلنا سبانخ وأمرنا لله"
أتت «خلود» من الداخل وهي تقول بضيق:
فيه حد يحب السبانخ؟ أنتو بتحبوا جلد الذات ليه؟"
ردت عليها «خديجة» بضيق:
بعينك يا خلود، برضه بحبها"
ضحك «طه» وهو يقول:
طب أكلونا يا جدعان، مش كفاية هناكل سبانخ؟"
أرسلت هي لأبيها قبلة في الهواء وهي تقول بمرحٍ:
والله بحبك يا ياسـ...إحم...بابا"
ضحك والدها وهو يقول بخبثٍ:
مقبولة منك يا آنسة خديجة، هنمشيها بابا"
شهقت هي بقوة ثم ركضت من أمام الجميع إلى غرفتها حينما علمت أن والدها فهم ما كانت ستتفوه به عن طريق الخطأ،بينما نظر هو أثرها ثم تنهد بعمقٍ، سألته زوجته بحذرٍ:
طه، أنتَ زعلت؟ هي ممكن تكون مش قصدها"
حرك هو رأسه نفيًا بهدوء ثم قال:
لأ مش زعلان يا زينب، هي حقها تحبه وحقها كمان إنها ماتشوفش غيره، ياسين غير خديجة ولولا وجوده هو كان زمانها لسه بتخاف مني يا زينب"
أومأت هي له ثم قالت بنبرة آملة:
ربنا يبعد عنهم الأذى و الشر يا رب، ياسين دا عوض ربنا لخديجة"
أومأ هو لها ثم نكس رأسه للأسفل بحزن على حاله وعلى ما فاته من العمر مع إبنته.
______________
في شقة «محمود» كانت «هدير» جالسة تبكي في غرفتها بحرقة شديدة، كانت نائمة في وضع الجنين، لاتدري ماذا تفعل ولا من أي طريق ستبدأ، فجأة وصلتها رسالة خاصة عبر موقع الفيسبوك، وجدت الرسالة منه محتواها:
أنا بقالي ساعة من ساعة ما روحت وأنا بمنع نفسي أكلمك، طمنيني أنتِ عايشة ولا عملتيها و أنتحرتي؟"
مسحت دموعها بكفيها ثم أرسلت له بهدوء:
لأ منتحرتش، أنا عايشة الحمد لله"
أرسل لها يمازحها:
طب واللي بيكلمني دا أنتِ ولا عفريتك؟"
ردت عليه هي بعدما وأدت بسمتها:
لأ دي أنا برضه مش عفريت ولا حاجة، شكرًا"
أرسل لها هو من جديد:
العفو، المهم صليتي وعملتي اللي قولتلك عليه؟ أنا عارف إنك خايفة بس مفيش حاجة هتخليكي تطمني غير إنك تصلي وتقربي من ربنا"
أجابته هي بخجلٍ حينما أرسلت:
بصراحة أنا بقالي كتير مش بصلي، وخايفة أروح أصلي وأنا بقالي كتير بعيد عن طريق ربنا"
قام هو بتسجيل رسالة صوتية ثم أرسلها لها وكان محتواها:
إحنا كلنا بنغلط ونقع، بس ربنا رحيم بينا أوي، ومن ضمن رحمته بينا إنه بيفرح بينا لما نتوب ونرجعله، فقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته التي عليها طعامه وشرابه فأضلها في أرض فلاة، فاضطجع قد أيس منها، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة على رأسه فلما رآها أخذ بخطامها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
وهذا يدل على فضله وإحسانه جل وعلا وأنه سبحانه يحب لعباده أن يتوبوا إليه وأن يستقيموا على طاعته حتى يفوزوا بجنته ونعيمه والفرح من الله جل وعلا مثل سائر الصفات كالرضا والغضب والرحمة والمحبة وغير ذلك كلها صفات تليق بالله يجب إثباتها لله على الوجه اللائق به ، وليست من جنس صفات المخلوقين، فغضب الله ليس كغضب المخلوقين، وفرحه ليس كفرحهم، ورضاه ليس كرضاهم، وهكذا رحمته ومحبته وكراهته وسمعه وبصره وغير ذلك كلها صفات كاملة تليق بالله، يعني فرحة ربنا بالعبد التائب زي فرحة الشخص اللي خيره و زاده تاه منه في الصحرا و رجعله مرة تانية"
بكت وهي تسمع التسجيل الصوتي من شدة تأثرها، أنهت سماع التسجيل ثم أرسلت له بأنامل مترددة:
طب وهما هيسامحوني؟أنا عاوزة والله أبدأ من جديد، بس دايمًا الشيطان بيلعب في دماغي إن هما بيكرهوني، وإن اللي عملته كان كتير وصعب حد ينساه"
أرسل هو لها بهدوء:
ماهو دا دوره، إنه يصعب مهمة رجوعك، يخليكي حاسة علطول إنك مذنبة وإنك مستحيل ترجعي للطريق الصح تاني، بس إحنا لازم نغلب شيطاننا، علشان نلحق نرجع للطريق الصح"
أغلقت الهاتف هي بعدما وضعت علامة الإعجاب على حديثه، ثم قامت تتوضأ، بينما على الجهة الأخرى زفر هو بضيق ثم قال:
وبعدها لك ياعم حسن؟ أخرتها إيه في سنتك البيضة دي؟"
________________
في صباح اليوم التالي ذهب الرجال إلى العمل، لكن الشباب أعطاهم «طارق» عطلة رسمية، كانت الأمور تسير على مايرام، وفي منتصف اليوم كان «وليد» و «طارق» يقفا سويًا في سطح المنزل، أرتدى «طارق» حلته السوداء وهو يقول بضيق:
متأكد يا وليد إنك سايب الكشكول دا هناك؟ ولا شكلي هيبقى زفت؟"
رد عليه «وليد» بضيق:
والله العظيم سبته هناك، روح أنتَ بس وهتلاقيه، المهم متتأخرش هناك علشان متلفتش النظر"
أومأ له بهدوء ثم أخرج زفيرًا قويًا، ربت «وليد» على كتفه ثم قال حتى يؤازره في محنته:
ربنا يجبر بخاطرك، والله بعد كل الصبر اللي صبرته دا ربنا هيعوضك ويجبر بخاطرك يا طارق"
رفع هو رأسه للسماء يتضرع بقلبه قبل فمه، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:
طب أنا هلحق أروح علشان أرجع قبل ما حسان دا يقرفني"
ضحك «وليد» بخفة وهو يقول:
لأ متخافش، أديله واحدة هكلملك مُشيرة، هيجيب ورا"
نظر له «طارق» مُتعجبًا، فوجده يقول بثقة:
أسمع من أخوك، والله بيخاف من سيرتها، عمتك مش سهلة برضه"
حرك رأسه نفيًا وهو يضحك ثم تركه ونزل، رفع «وليد» رأسه يأخذ نفسًا عميقًا وهو مغمض العينين، فتحهما بتروٍ، فوجدها أمامه تبتسم بهدوء، إتسعت مقلتيه وهو يقول بمرحٍ:
دا حلم ولا واقع يا عبلة؟"
ضحكت هي ثم إقتربت منه تقول بمشاكسة:
واقع وحلم وخيال وكل حاجة، أنا وراك وراك يا ليدو"
أمسكها هو من خصرها يقربها منه وهو يقول بخبثٍ:
دا كدا كدا يا روح ليدو، تفتكري أنا ممكن أسيبك ولا حتى ممكن أبعد عنك؟ غلطانة، أنتِ زي الهوا عندي، أنتِ اللي القلب بحبها أستقام، وأتبنالك في العقل أعلى مقام"
تبدلت نبرته إلى نبرة حنونة مما جعلها ترفع بصرها تنظر له وهي تقول باندهاش:
طالما أنتَ بتحبني أوي كدا ليه خبيت وليه مقولتش من الأول إني مهمة عندك كدا، ليه سبتني من غير حبك دا"
رفع حاجبه ينظر لها بإستنكار وهو يقول بحنقٍ:
خبيت إيه يا ختي؟ أنتِ عندك زهايمر ولا إيه حكايتك؟نسيتي منك لله يا وليد، أنا مش بديلة لحد يا وليد؟ دا أنتِ سففتيني تراب سلم العمارة كلها"
كان يتحدث بطريقة مُضحكة مقلدًا طريقتها معه قبل زواجهما، فوضعت هي كفها على فمه وهي تقول بسرعة نابعة من ضيقها:
خلاص خلاص أنتَ مبتنساش؟ أسكت بقى يارتني ما سألتك"
أنزل هو كفها ثم طبع قبلة هادئة في راحته وهو يقول بنبرة هادئة نابعة من القلب المحب:
كل حاجة تخصك مقدرش أنساها يا عبلة، قولتلك أنتِ عندي زي الهوا وبعدين وحشتيني،تعالي في حضن جوزك"
أرتمت هي بين ذراعيه بقوة ثم شددت عناقها له وهي تأخذ نفسًا عميقًا، بينما وضع هو كفه فوق رأسها وهو يقول بهدوء:
والله لولا خايف على مشاعر أبوكِ كنا رحنا أسكندرية على رأي حماكِ الحج مرتضى"
ضحكت وهي تقول بمشاكسة:
والله الحج محمد ممكن يطلع يرمينا من هنا وساعتها هنروح الجنة"
ضحك كليهما سويًا لكن فجأة توقفا عن الضحك حينما سمعا صوت باب المصعد يفتح مما يدل على قدوم شخصٌ ما، سألها هو بعدما إبتعدت عنه نسبيًا:
تفتكري أبوكِ جاي ياخد حقه؟ ولا هيبعتنا الجنة؟"
دخلت «هدير» وهي تقول بهدوء:
مساء الخير، إزيكم؟"
نظر لها كليهما بإندهاش ولم يرد أيًا منهما التحية، فقالت هي بنبرةٍ مهزوزة:
السلام عليكم طيب يمكن تردوا عليا"
تنفس هو الصعداء ثم قال بضيق:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا هدير، خير؟"
إقتربت منهما تقف قبالتهما وهي تقول بنبرة موجوعة حينما رآت «عبلة» تشخص ببصرها للجهة الأخرى:
أنا مش طالعة أضايق حد، أنا بس طالعة أقولكم محدش يزعل مني ولو ينفع تسامحوني يبقى كتر خيركم، أنا والله مش عاوزة حاجة تاني غير كدا"
رفع هو حاجبه مُتعجبًا، بينما «عبلة» ضمت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بإستنكار واضح:
والله؟! ودي إيه يا هدير بقى لعبة جديدة من عمتو ولا طريقة أخترعتيها علشان تعرفي تجمعينا من تاني حواليكي"
حركت «هدير» رأسها نفيًا ببكاء وهي تقول:
لأ والله أبدًا، أنا والله العظيم بطلت أكلم عمتو وبعدت عنها، أنا بس عاوزاكم تسامحوني علشان أعرف أبدأ حياة جديدة، والله العظيم مش بكدب عليكم، أنا فوقت والله"
أجهشت في بكاء مرير، بينما «وليد» سألها مُستفسرًا بشكٍ:
ودا من إيه إن شاء الله؟ جالك حموضة فوقتك؟"
مسحت دموعها ثم قالت:
لأ، علشان أنا عاوزة ربنا يسامحني على اللي عملته، ربنا كرمني بفرصة تانية وعمر جديد علشان أقدر أصلح اللي عملته زمان"
نظرت لها «عبلة» بإستنكار، بينما هو قال مستفسرًا:
يعني إيه ربنا كتبلك عمر جديد وفرصة تانية؟ أنتِ عملتي إيه يا هدير؟"
ضغطت على جفنيها بشدة ثم قالت بعدما فتحتهما بتروٍ:
أنا حاولت أنتحر يا وليد، بس ربنا رحمته كانت أكبر مني ومن ذنوبي، وبعتلي اللي يلحقني"
تحدثت تلك المرة «عبلة» تقول بإندهاش:
أنتِ بتقولي إيه؟ يعني إيه تنتحري أنتِ مجنونة؟"
تدخل«وليد» هو بهدوء ونبرة مقررة:
أحكيلي إيه اللي حصل بالظبط، عاوز أسمع كل حاجة منك؟"
نظرت له زوجته بحاجبٍ مرفوع بينما «هدير» أومأت له ثم قالت:
حاضر، هحكيلك علشان أنا عاوزاكم أخواتي ومش عاوزة حد منكم يفضل زعلان مني"
قصت عليهما ما حدث يوم أمس، دون التطرق إلى التفاصيل التي لن تلزمهما وهي التفاصيل الخاصة بحديثها مع «حسن»،
_"يا نهارك مش فايت!! أنتِ إيه يا هدير عبيطة؟ يعني عيشتي عمرك كله صفرا و عاوزة تموتي كافرة؟"
ردت عليه ببكاء ونبرة موجوعة:
كان غصب عني، لما حسيت بالوجع اللي ممكن حد يحسه بسببي مقدرتش أتقبل الفكرة، أنا أذيت كل اللي في حياتي"
رد عليها بحنقٍ:
وأنتِ مكانش قدامك غير الأسانسير ترمي نفسك منه؟ عاوزة عفاريتك تموتنا، هو أنتِ حالفة تنكدي علينا حية أو ميتة؟"
أجابته هي بترددٍ:
والله العظيم كان غصب عني، أنا صليت إمبارح ركعتين لله وطلبت منه يغفرلي ذنوبي، وطمعانة فيكم تسامحوني، والله مش عاوزة حاجة تانية، علشان خاطري يا عبلة سامحيني، حقك عليا"
ردت عليها «عبلة» بضيق ونبرة متأثرة:
صعب يا هدير، صعب أنسى اللي عملتيه فيا، صعب أنسى إن وليد كان هيسبني بسببك، وصعب أنسى إنك راهنتي على سمعتي، وصعب أرجع أضحك في وشك تاني وأنا قلبي شايل منك"
نظر «وليد» لهن بتمعن دون أن يتدخل في الحديث، بينما «هدير» قالت ببكاء:
أنا عارفة إنه صعب وعارفة إن أنا غلطت كتير، بس كلنا بنغلط ولسه عاوزة أصالح خديجة ودي حملها تقيل في رقبتي، أنا أصلًا مش عارفة أكلمها بأي حق، بس أنا هحاول كتير والله"
تدخل «وليد» يقول بنبرة قوية:
سيبي خديجة في حالها بقى، أنتِ إيه يا هدير؟ خديجة حياتها بدأت تتحسن خلاص مش محتاجة حد منكم ولا حد مننا، ربنا كرمها باللي يعوضها عن اللي شافته"
ردت عليه تُردف بنبرة مترجية:
والله العظيم عاوزاها تسامحني بس، أنا لو فضلت زي ما أنا كدا هأذي نفسي وهأذي اللي حواليا"
نفخ «وليد» وجنتيه بضيق ثم قال لزوجته:
سامحي يا عبلة، سامحي زي ما خديجة سامحتك، وبعدين الحمد لله كل حاجة كانت بتحصل قربتنا لبعض أكتر، لولا هدير و اللي عملته مكنتش زمان كتبت الكتاب، وكان زماني بشحت أني أشوفك، سامحيها"
نظرت «عبلة» لهما بضيق، وحينما رآت نظرة «هدير» قالت بنبرة مختنقة:
هسامحها بشرط، لما خديجة تسامحنا إحنا الأتنين، ساعتها أنا هسامح هدير،خديجة لحد دلوقتي لسه فيه فجوة بيننا بسبب هدير وإنها كانت مفهماني إن خديجة بتغير مننا وبتكرهنا، لو عرفتي تصلحي كل دا يبقى أنا هسامحك على كل حاجة"
أضاف «وليد» يقول بحماس:
كلامها صح يا هدير، وفيه حاجة كمان ياريت تتعالجي نفسيًا، الفترة اللي فاتت كنتِ عايشة كأنك واحدة تانية، ودلوقتي أنتِ هتبقي زي اللي عنده إنفصام في الشخصية، يعني هيبقى فيه اتنين هدير، وممكن ندمك يكون ندم وهمي، ومجرد مسامحتهم لكِ هترجعي تاني زي الأول و أكتر، لازم تتعالجي يا هدير وأنا معاكِ وعبلة معاكِ، وخديجة كمان هتبقى معاكِ"
بكت وهي تسمع حديثه الذي كان يشبه نصل السكين الحاد، بينما هو نظر لزوجته ثم أشار برأسه وكأنه يحثها على معانقتها، أومأت له في تردد، ثم ضمتها بفتور نسبيًا، تمسكت بها «هدير» وكأنها طفلًا صغير يخشى ترك أمه ثم بكت بحرقة تبعتها بقولها:
متسبونيش لوحدي علشان خاطري، خليكم معايا، مش عاوزة أموت لوحدي"
بكت «عبلة» هي الأخرى ثم نظرت لـ «وليد» وجدته يقترب منها يمسح دموعها بأنامله، ثم إبتسم لها بحب.
________________
في شقة «ميمي» وصلت «خديجة» وهي تهاتفه، سمعت حديثه فقالت وهي مبتسمة:
والله العظيم وصلت جوة الشقة خلاص، هما كلهم شاهدين"
سمعته يقول بعدما تنهد بعمقٍ:
طب الحمد لله، أنا كلها دقايق وأكون عندك، أسأليهم كدا عاوزين حاجة أجبها وأنا جاي؟"
سألت الجميع فكان الجواب النفي منهم، أخبرته هي بما وصلها من إجابة، ثم أغلقت الهاتف وقامت بالترحيب بالجميع، وجلست على المائدة الطويلة وبجانبها مقعد فارغ له، كان «خالد» يترأس الطاولة، فسأله «عامر» بضيق ساخرًا منه:
لسه كتير يا مستر خالد؟ هنبدأ شرح إمتى ياعم أنا زهقت؟"
نظر له «خالد» بضيق ثم قال بنبرةٍ قوية:
مش عاوز أسمع صوتك خالص، بتحرجنا يا عامر؟ بتكلم مدير القاعة من ورايا؟ صبرك عليا يا إبن سيدة"
لوح له «عامر» بيده بينما «ياسر» سأل بإندهاش:
هو عامر فعلًا كلم مدير القاعة؟ دا أنتَ يومك مش فايت"
في تلك اللحظة دلف «ياسين» وهو يلقي التحية على الجميع ، جلس بجانبها بهدوء وهو ثم مال على أذنها وهو يقول:
أشطر كتكوت عرف يجي هنا لوحده؟ دا إحنا عدينا كل المراحل خلاص"
ردت عليه وهي مبتسمة بهدوء:
على فكرة الطريق كان سهل وكدا أنا ممكن أروح أي مكان"
سألها هو بخبثٍ:
يعني أعتمد عليكِ توصلي العيال للمدرسة؟"
قطبت جبينها تسأله بتعجب:
عيال؟! عيال مين دول؟"
رد عليها مُردفًا بثبات:
عيالنا إن شاء الله"
_"إيه؟"
_"إيه أنتِ"
نطق «خالد» يقول بنبرة قوية:
ركزوا معايا علشان أنا خلقي ضيق وممكن أمد إيدي عادي، الكلام اللي هقوله مهم وأول مرة أقوله"
حمحم «ياسين» بقوة ثم قال ساخرًا:
اتفضل يا أستاذ خالد، أنا معاك، كلنا معاك"
نظر في أوجه الجميع ثم قال موجهًا حديثه لـ «ميمي»:
مبدائيًا أنتِ هتيجي الفرح عادي، أنتِ بقيتي تمام مش عاوز دلع"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
ملوش لزوم يا خالد، كفاية فرحتكم"
تدخلت «إيمان» تقول بإنفعال:
فرحتنا مش هتكمل غير بوجودك، أحسن والله ما أحضرش الفرح، أنا ممكن أعملها عادي"
إتسعت مقلتي «ياسر» فقال بإندهاش:
يا نهارك أبيض!! ما تحضريش إيه يا متخلفة أنتِ؟"
تدخلت «ريهام» تقول بمشاكسة:
خلاص يا جماعة محدش فينا هيحضر طالما ميمي مش هتحضر"
ردت عليهم بنفاذ الصبر:
خلاص، هروح الفرح أمري لله، أنتو عيال صداع"
تنفس «خالد» الصعداء ثم قال:
المهم الفرح يوم الجمعة الجاية"
_"بجد والله ؟ ألف مليون مبروك، مفاجأة بصراحة مكانتش متوقعة، إحنا هنهزر؟ ماتقول الكلام الجديد اللي عندك"
خرج ذلك الحديث من «عامر» بسخرية، جعلت «خالد» يقول بضيق:
قسمًا بربي لو محترمتش نفسك، لأعلمك الأدب علشان لسه مصيبتك سودا"
سألت «سارة» بخوف:
هو عمل إيه؟ وبعدين يا جماعة معلش سامحوه لحد ما نتجوز"
سأل «ياسين» وهو يحاول كتم ضحكته:
هو عمل إيه يا خالد؟ أو بمعنى أصح هبب إيه؟"
نظر له «خالد» بضيق وهو يقول بنبرة منزعجة:
الأستاذ بيحرجنا، بيكلم مدير القاعة يقوله عاوز أدخل على حصان، فاكر نفسه رايح يفتح عكا"
إتسعت أعين الجميع على وسعها وهم ينظرون له، بينما «ياسين» سأله وهو يتمنى منه النفي:
حصل الكلام دا يا عامر؟ عملت كدا فعلًا؟"
أومأ «عامر» في هدوء وهو يقول:
والله العظيم قولت تجديد، بدل الحاجات التقليدية دي؟"
رد عليه «ياسين» مُعقبًا:
ليه يا حبيبي؟ فاكر نفسك صلاح الدين الأيوبي؟ حصان إيه اللي هندخله القاعة هو طهور؟"
ضحك الجميع عليه، بينما هو قال بضيق:
خليكم أنتو كدا ناس قديمة متعرفش حاجة جديدة، والله لو سمعوا كلامي مدير القاعة دي مش هيلحق الحجوزات بعد كدا"
تدخل «ياسر» يضيف في هدوء:
ماهو مش هيلحق فعلًا علشان هيكون اتحبس"
ضرب «خالد» على الطاولة وهو يقول بنبرةٍ منفعلة:
مش عاوز نفس حد فيكم يطلع، واللي هقوله تركزوا عليه، علشان الغلط مش مسموح بيه"
أومأ له الجميع بخوف من قوة نبرته، فزفر هو بضيق ثم قال:
الفرح يوم الجمعة الجاية، يعني بعد أسبوع من دلوقتي، اللي هيحصل كالتالي، ياسين ربنا يجبر بخاطره هياخد البنات يوم الجمعة الصبح ويبعتهم القاعة علشان اللبس و المكياج، فيه مكان هناك مخصص لكدا، وبعدين يرجع لنا تاني هنا عند ميمي علشان نصلي الجمعة وعم أنور الحلاق هيطلع يظبطنا هنا، بعد كدا ياسين هياخد أبوه و أمه وأبو و أم عامر معاه في العربية"
نظر له «عامر» بشكٍ وهو يقول:
هو أنا ليه حاسس والله أعلم أني بتشتم؟"
رد عليه «خالد» ببهجة مصطنعة:
لأ لأ عيب يا جدع متقولش كدا، الشتيمة لسه هتيجي قدام"
سأله «ياسر» بخوفٍ:
طب سؤال معلش، أمي أنا هعمل فيها إيه؟"
نظر له «خالد» بمللٍ وهو يقول:
متقلقش الحجة في عينيا، هي وأمي معايا في العربية بتاعتي وعمار أخو عامر، علشان عارف إن أخواتك هيحضروا مع بعض"
سأله «ياسين» بحذر:
طب معلش سؤال ضروري، هنشوف البنات هناك على إمتى؟"
نظر له «خالد» وهو يعض على شفته بضيق ثم قال ساخرًا:
بين العصر و المغرب يا روميو، وإحنا بنصور صور الفرح، وركز معايا وسيبك من جو كاظم الساهر دا"
ضحك الجميع عليه، بينما «خديجة» أخفضت رأسها في خجلٍ، أما «سارة» سألت هي الأخرى بتردد:
طب معلش بقى سؤال مهم، القاعة مظبطة كل حاجة؟ يعني علشان منتفجأش بعد كدا بحاجة غلط"
رد عليها «خالد» بهدوء:
أنا الحمد لله أنا و ياسين ظبطنا كل حاجة، متخافيش أنتِ"
غمز لها «عامر» وهو يقول بمرحٍ:
أحبك وأنتَ حريص كدا يا ولا، ليلتنا هتبقى خضرا إن شاء الله"
أخفضت رأسها وهي تحاول وأد بسمتها، بينما «خالد» زفر بعمق وهو يقول:
اللي عاوز حاجة يقولها، واللي نفسه في حاجة يقولها، لسه معانا أسبوع نتحرك فيه أهوه"
رفع «عامر» يده وهو يقول بمشاكسة:
معلش يا مستر خالد، بالله عليك لو الواد بتاع الكاميرا لمحته في الفرح بيصور الناس وهما بياكلوا تديله بالقفا، علشان أنا مفضوح في كل الأفراح اللي حضرتها وأنا باكل"
ضحك الجميع عليه بشدة، حتى «خالد» لم يتمالك نفسه من الضحك هو الآخر، أما «ميمي» فضربت كفًا بالأخر وهي تقول من بين ضحكاتها:
يابني حرام عليك بقى، أتكلم جد في حياتك مرة واحدة"
حرك كتفيه وهو يقول بلامبالاة:
مش بإيدي والله دي خارج إرادتي، بس ورب الكعبه لو لمحته بس هجيبه من شعره، علشان دا تاني أقذر واحد شفته في حياتي بعد محمود المليجي"
سألته «خديجة» بتعجب:
إشمعنا محمود المليجي؟ماله"
رد عليها هو بثقة:
علشان هو شرير، أنا عمري ما شوفته طيب"
عقبت هي على حديثه وهي مبتسمة:
أيوا بس هو ممثل عادي يعني، مش بمزاجه"
سألها هو بذهول:
قولي والله، يعني هو مش كدا في الحقيقة؟"
حركت رأسها نفيًا فضرب هو كفًا بالأخر وهو يقول:
كان نفسي حاجة تشفعله، طلع هو صاحب المركز الأول في الشر"
سأله «ياسر» بتعجب:
هو مين يابني؟"
_"المصور"
خرجت تلك الكلمة من «عامر» بحزن مصطنع، جعل الجميع ينفجروا من الضحك عليه، أوقف «خالد» الضحك ثم قال:
أنا حاسس على ما الفرح دا يخلص هكون مفارق الحياة"
أضافت «إيمان» تقول بخوف:
متقولش كدا بس إن شاء الله هتكون زي الفل وتفرح بيا أنا و ياسوري"
أومأ لها بقوة وهو يقول بضيق زائف:
أنا عاوز أجوزك علشان أرتاح منك ومن ياسورك يا ختي"
تحدث «عامر» يقول لزوجته بمرحٍ:
وأنا مش هتقوليلي يا عموري؟ أي حاجة تجبري بخاطر الغلبان اللي زيي"
مالت على أذنه تقول بهدوء:
أنتَ عموري و عمري و حبيبي"
صرخ هو يقول مهللًا:
الله أكبر، إيه الحلاوة دي يا جدعان، هو الفرح مينفعش الليلة دي"
رد عليه «ياسين» بهدوء خبيث:
هو لو علينا عادي، لو على خالد الحاجة الوحيدة اللي تنفع الليلة دي هي دفنتك"
أومأ «خالد» بثقة ثم أشار له على عنقه وكأنه يبث الرعب بداخله.
______________
في المول وصل «طارق» أمام المحل وهو يحاول تنظيم أنفاسه المتلاحقة، نظر داخل المحل وجدها تجلس بشرود وكأنها طفلة صغيرة فقدت دميتها، أما عن والدها فكان منشغلًا مع أحد الزبائن، إنتظر «طارق» خروج الزبائن ثم دخل المكان وهو يقول بنبرة جاهد حتى لا تفضح شوقه:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عاملين إيه؟"
رفعت هي رأسها تنظر له بسرعة كبيرة، وإبتهج محياها على الفور حينما رآته، بينما «حسان» نظر له بضيق وهو يقول:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، نورت يا أستاذ طارق، خير؟"
كان «طارق» ينظر لها وهي أيضًا تنظر له تلك المرة بشوق غريب وكأنها تحاول مقارنة ملامحه بما تحاول تذكره، لم يرد عليه «طارق»، فتحدث «حسان» بنبرة أقوى تلك المرة:
خير يا أستاذ طارق؟"
نظر له «طارق» بإحراج وهو يقول:
معلش أنا متأسف، بس وليد إمبارح نسي الكشكول اللي فيه التفاصيل وكنا محتاجينها ضروري"
ردت عليه هي بحماس قائلة:
أيوا أنا لقيته الصبح هو معايا في شنطتي"
قامت هي حتى تجلب الدفتر الصغير، بينما «حسان» كان ينظر لهما بترقب وكأنه يحاول إستنباط ما يدور بينهما، اقتربت هي منه ثم أعطته الدفتر وهي تقول بهدوء:
أنا قولت أكيد هتحتاجوه، علشان كدا حطيته في الكيس الصغير دا يمكن يفكركم بحاجة"
أومأ لها «طارق» بهدوء ثم قال معتذرًا:
لو مفيهاش تعب لكِ ينفع تجبيلي إزازة مياه من تحت علشان أنا عطشان؟"
فهمت هي أنه يود الحديث مع والدها لذلك أومأت له بهدء ثم إقتربت من الباب وقبل خروجها أوقفها هو بقوله:
أستني طيب يا آنسة جميلة، خدي الفلوس اللي هتيجيبي بيها"
إلتفتت هي تنظر له نظرة لم يستطع هو تفسيرها هل هي معاتبة أم مشتاقة، لكنه خرج من تفكيره حينما سمعها تقول:
إحنا بنفهم في الأصول برضه يا أستاذ طارق، ثواني وهجبلك المياه"
خرجت من المحل وهي في حالة غريبة، بينما هو تبدلت ملامحه إلى الشر وهو يقول بنبرة قوية:
أنتَ عملت فيها إيه؟ولا قولت ليها إيه علشان تبقى فـ حالتها دي؟ رد عليا هببت إيه؟"
رد عليه «حسان» بضيق ونبرة شديدة القوة:
أنا معملتش حاجة، وبعدين دي بنتي، أنتَ مالك أنتَ"
ضرب «طارق» سطح المكتب بيده وهو يقول بنبرة مختنقة إثر حديثه:
متجننيش، أنتَ عارف هي بالنسبة ليا إيه؟بنتك دي أنتَ كنت بتسافر وهي معايا، أنا اللي مربيها من ساعة ما إتولدت، يعني تفوق من الهبل اللي أنتَ فيه دا، بدل ما ورب الكعبة أجيب أمها هنا وساعتها هنندم كلنا"
نفخ «حسان» وجنته بضيق ثم قال:
أنتَ بتهددني؟ أسمع بقى بنتي مش هتسبني هي ملهاش غيري وأنا مليش غيرها، أنتَ مجرد ماضي و عدى"
نظر له «طارق» بثقة وهو يقول:
حلوة ماضي دي، أنا بقول بقى نتصل بالماضي ويجي معانا في الحاضر، ودا علشان مستقبل أفضل إن شاء الله"
فهم «حسان» مقصده من مرمى الحديث فقال بعدما أخرج زفيرًا قويًا:
نهاية القول، عاوز إيه علشان جميلة زمانها طالعة؟"
حرك «طارق» كتفيه وهو يقول:
مش عاوز حاجة غير أني أشوفها قصاد عيني وقت ما أحب، ودا طبعًا مؤقتًا لحد ما تكون مراتي، غير كدا متلومش غير نفسك يا..يا أبو جميلة"
دخلت هي في تلك اللحظة وهي تقول بمرحٍ:
أتمنى مكونش أتأخرت عليكم"
نظر لها «طارق» وهو يقول بنبرة حزينة:
اتأخرتي كتير...كتير أوي، بس ملحوقة إن شاء الله"
قطبت جبينها وهي تنظر له بتعجب سرعان ما تلاشى تدريجيًا حينما فهمت مقصده، فقدمت له زجاجة المياه وهي تقول بهدوء:
طب اتفضل المياه"
أخذها منها وهو يقول متأسفًا:
متشكر جدًا، أنا مضطر أستأذن"
وقبل خروجه من المكان أوقفته هي بقولها المفاجيء:
معلش ممكن سؤال هو حضرتك عندك أخوات بنات؟"
نظر لها والدها بإستنكار، بينما «طارق» إلتفت ينظر لها بهدوء رغم تفاجئه من سؤالها، فوجدها تقول معتذرة:
أنا متأسفة جدًا، بس أنا مش عندي صحاب هنا، لو حضرتك عندك أخوات ممكن تجبهم المحل هنا وبالمرة ينفعونا"
إبتسم هو ثم قال بهدوء:
عندي بنتين أخوات، وعندي بنات عم، كلهم عندي واحد"
سألته هي بسرعة كبيرة:
طب هما إسمهم إيه طيب؟ وقد إيه"
نظر هو لـ «حسان» فوجد نظرته مذعورة، فنظر لها وهو يقول بهدوء:
فيه عبلة و سلمى دول أخواتي، و هدى و هدير دول بنات عمي، و خديجة و خلود دول بنات عمي التاني"
سألته هي بحماس شديد ونبرة مترجية:
طب ينفع أشوفهم مرة؟ يعني بدل ما أنا هنا معرفش حد خالص؟"
أخذ نفسًا عميقًا ثم رسم الثبات على وجهه وهو يقول ببسمة هادئة:
قريب، قريب أوي إن شاء الله هتشوفيهم و تتعرفي عليهم كمان، وهيكونوا أكتر من أخواتك، عن إذنكم"
رحل و تركهما خلفه ينظرا في أثره، وكليهما نظرة غير الأخرى هي كانت تتمنى لو تذهب معه، أما والدها تمنى لو أن حديثه كاذب ومجرد هراء لا يهمه منه شيئًا.
_________________
أنتهت تلك الأمسية على الجميع، وأنارت الشمس من جديد في صباح يوم مليء بالكثير و الكثير، ففي هذا اليوم هناك من سيحصل على نهاية محنته و مرضه، وهناك من يُجبر بخاطره وهناك من يتغلل في حقده أكثر وأكثر.
نزلت «خديجة» في صباح يوم الجمعة إلى «ياسين» وهي ممتلئة بالحماس ، ركبت بجانبه السيارة ثم قالت بعد الترحيب به:
أنا مبسوطة أوي يا ياسين، حاسة أني عندي طاقة كبيرة أوي لليوم دا و المكان دا"
أومأ لها وهو مبتسمًا ثم أضاف:
بصراحة وأنا كمان، كان نفسي أصلًا أعمل حاجة زي كدا من زمان، شكرًا يا خديجة علشان بظهورك حققت كل اللي كان نفسي فيه"
ردت عليه بسرعة كبيرة:
متقولش كدا، أنا اللي فرحانة وعاوزة أشكرك علشان بوجودك ساعدتني أني أعمل كل اللي كنت بخاف منه"
تحرك هو بالسيارة وهو يقول بسخرية:
هنفضل نشكر في بعض كتير كدا؟ يلا يا ست الكل، هناء قالتلي نكون هناك الساعة ٩"
أومأت له ثم أخرجت من حقيبتها طعام وهي تقول:
أنا عملت أكل لينا علشان معرفش الدنيا هتبقى عاملة إزاي هناك"
إبتسم هو ثم قال بمرحٍ:
سبحان الله القلوب مرتبطة ببعضها، أصل أنا كمان جايب أكل لينا هتتلاقيه في الكنبة ورا عندك، طلعي وأكليني وأنا بسوق، أعملي أي منظر كدا، ولا أبص برة يا خديجة"
نظرت له بشرٍ وهي تقول:
بص برة يا ياسين، عادي هعملك إيه يعني ؟"
سألها هو بضيق:
يعني أنتِ مش بتغيري عليا؟ نهارك أبيض، لأ نهارك مش فايت، أومال هتعملي إيه لو اتجوزت عليكِ؟"
إبتسمت هي بهدوء وهي تقول بمشاكسة:
إتجوزني أنا الأول وبعدين أتجوز عليا، اتنيل يا ياسين"
إتسعت مقلتيه وهو يقول بغير تصديق:
اتنيل؟ بس كدا نتنيل علشان خاطر عيونك، دا أحمد خالد توفيق اتنيل، أنا مش هتنيل؟!"
ردت عليه هي بضيق:
قال يبص برة قال، دا أنا أقفلهم لك خالص"
نظر لها بذعر وهو يقول بنبرة مهتزة:
خلاص يا ست الكل، قلبك أبيض ، بنهزر"
أخرجت هي الطعام ثم وضعته في فمه بقوة وهي تقول بحنقٍ:
ألف هنا و شفا يا أستاذ ياسين، ها ألف هنا وشفا، يا رب تشبع"
رد عليها والطعام في فمه:
خلاص، خلاص شبعت والله"
غمز هو لها وهو يقول بمرحٍ بعدما ابتلع الطعام:
عيب عليكِ لما تصدقي يا خديجة إن عيني ممكن تشوف غيرك، ولا قلب يشغله غير طيفك"
نظرت هي له بحب وقبل أن تتحدث وجدته يقول بنبرةٍ محبة:
أنتِ اللي القلب أختارها والعين عشقتها يا خديجة، عيونك الحلوة دي ملجأ أمان، صوتك هو حنية الزمان"
إرتفعت ضربات قلبها بشدة فوجدته يضيف هامسًا بعدما أخذ نفسًا عميقًا:
أنتِ اللي زيك بيجي مرة واحدة في العمر يا خديجة، مرة واحدة والقلب المحظوظ هو اللي أنتِ تكوني ليه"
نظرت هي من نافذة السيارة وهي تضغط على جفونها بشدة وتحاول منع دموعها من الهطول على وجنتيها، بينما هو ربت على يدها وهو يقول:
كل الكلام الحلو اللي في الدنيا مش كفاية على عيونك يا خديجة"
إلتفتت تنظر له بهدوء ثم قالت بنبرة محبة:
ربنا يباركلي فيك يا ياسين"
إبتسم هو ثم نظر أمامه بينما أرجعت هي رأسها للخلف وهي تنظر له بحب.
__________________
في بيت آلـ الرشيد إرتدى «وليد» عباءة الصلاة ثم توجه نحو شقة عمه «محمد»، فتح له عمه، فوجده أمامه يقف بعباءة الصلاة وعلى ذراعه سجادة الصلاة، وهو يبتسم له بإستفزاز، فسأله عمه بتعجب:
خير يا أخويا؟ نعم على الصبح؟"
رد عليه «وليد» بإستفزاز:
صباح النور يا حمايا، جيت أفطر معاكم علشان مفيش خد يفطرني فوق"
نظر له عمه بوجهٍ ممتعض وهو يقول:
نعم يا أخويا؟ هو إحنا شئون إجتماعية؟ وبعدين لابس هدوم الصلاة دلوقتي ليه؟ وجاي بيها عندنا ليه؟"
رد عليه بهدوء وهو مُبتسمًا:
جاي لمراتي تبخرني، أصل البخور خلص من عندنا"
نظر له عمه بإستنكار، فوجده يدفعه عن طريقه بهدوء وهو يقول:
وسع بس يا عمي خليني أدخل"
دلف «وليد» الشقة فوجد الجميع بها يتناولون الإفطار، فجلس وهو يقول:
صباح الخير على عيون الحبايب، الله شاي باللبن؟ فين كوبايتي"
تحدثت «عبلة» بحب:
ثواني يا وليد وهجبلك كوبايتك"
رد عليها هو بحب:
عيون وليد من جوة، روحي يارب تشربي من زمزم"
وكزه «محمد» في كتفه وهو يقول:
ما تحترم نفسك يا حيوان، وإعمل حساب لعمك اللي قاعد دا"
رد عليه «وليد» بسخرية وهو يثير حنقه:
لما يبقى أبويا صاحب بنك أبقى أعملك حساب إن شاء الله يا عمي، وبعدين دي مراتي"
تدخل «طارق» يقول بضيق:
ما تلم نفسك بقى، دا أبويا برضه"
راقص «وليد» حاجبيه وهو يقول:
بس كدا؟ من عيني ليك أنتَ وأبوك، أنا بقى آخد مراتي ومحدش يصدعني، شكلكم كدا ناسيين"
رفع «محمد» صوته وهو يقول:
خلصي يا عبلة، خلي الأستاذ ياخد الجرعة بتاعته"
_"إيه هتخليني أحضنها؟"
خرجت تلك الجملة من «وليد» بسرعة كبيرة جعلت عمه ينظر له بشررٍ يتطاير من عينيه، بينما هو حمحم ثم تصنع الإنشغال في هاتفه.
_____________
وصلت «خديجة» دار الأيتام معه وهي تشعر بسعادة بالغة، قابلتهما الطبيبة هناك ثم رحبت بهما ثم شرحت لهما نظام اليوم والطريقة التي يسير بها، أضافت مستطردة حديثها وهي تقول بهدوء:
الدار هنا مبنية على فكرة الدمج، يعني النهاردة هنجمع دار مسنين مع دار أيتام، بحيث إننا نعوض الطرفين عن الحاجة اللي نقصاهم، هي فكرة من زمان موجودة بس كنا عاوزين نطورها وننميها"
أومأت لها «خديجة» بحماس، فوقفت الطبيبة تقول بهدوء:
دلوقتي هتلبسي التيشيرت وأستاذ ياسين كمان وبعد كدا أنتِ هتكوني مع البنات وهو مع الشباب، هتكوني مسئولة عن طفل النهاردة والمرة الجاية لو هتيجي برضه هيكون الطفل عرفك والمرة الجاية هنجمع دار الأيتام مع دار المسنين، بس لازم نعرفكم بالأطفال الأول، وممكن حضرتك وأستاذ ياسين تختاروا نفس الطفل بما إنكم متجوزين"
نظرت هي له فوجدته يومأ لها ثم قال:
أنا معنديش مانع، المهم خديجة تكون مرتاحة"
ضحكت الطبيبة وهي تقول:
لأ من الناحية دي خديجة هتفرح أوي وحضرتك كمان"
إرتدت «خديجة» الزي الموحد وهو أيضًا، وبعد قليل وقفت بجانبه وهي تختار الطفل الذي سترعاه، وقع نظرها على طفل صغير يجلس بمفرده وكأنه لايريد الإنخراط مع من حوله، نظرت هي له وهي تقول بهدوء:
بصراحة الولد دا شكله بيفكرني بيا، حاسة أني عاوزة اساعده يا ياسين، هو ممكن يكون مش عارف يندمج معاهم"
حرك هو كتفيه بهدوء ثم قال:
مش عارف يا خديجة، بس أكيد هيحتاج مجهود علشان تعرفي تتكلمي معاه وتاخدي عليه"
ردت عليه هي بسرعة:
بالعكس والله، أنا عارفة إزاي ممكن أخليه يتكلم ونهزر ونلعب سوا"
أومأ لها «ياسين» ثم إقترب منه وهو يقول:
صباح الخير يا نجم، أخبارك إيه؟"
نظر له الطفل وهو يقول بنبرة خالية من المشاعر:
كويس"
نظر هو لها وكأنه يقولها:
شوفتي؟"
أومأت هي له ثم إقتربت من الطفل وهي تقول بمرحٍ:
سيبك منه هو أصلًا مش تبعي، خليك معايا أنا، أسمي خديجة وأنتَ؟"
نظر لهما الطفل ثم إبتسم لها وهو يقول:
إسمك حلو، أنا أسمي بلال"
رفع «ياسين» حاجبه وهو يقول بسخرية:
طب ماهو كدا مش حلو يا معلم بلال، أنا جيتلك الأول، تشكر يا غالي"
رد عليه الطفل بإحراج:
أنا آسف والله بس هي ممكن تزعل، بس متزعلش أنتَ كمان وألعب معانا"
رد عليه «ياسين» بتحدٍ:
كدا كدا مش هسيبها معاك لوحدها، ولا أنتَ عندك رأي تاني؟"
حرك الطفل رأسه وهو يقول:
أنا عاوزكم تلعبوا معايا علشان محدش هنا بيرضى يلعب معايا، ينفع؟"
ردت عليه «خديجة» بحماس:
طبعًا إحنا جايين علشان نلعب كلنا سوا وهو كمان هيكون معانا"
صفق الطفل بكفيه وهو يقول:
الله، طب يلا نلعب سوا"
وقف الطفل ثم أمسك كفيهما وركض حتى يقف في الصف وسط الاطفال، لكي يتم تقسيم الأدوار، أما هي فرفعت نفسها حتى تصل لأذنه وهي تقول:
شوفت إن هو عاوز بس حد ينكشه وبعدها هيبقى زي الفل"
رد عليها هو بخبثٍ:
أيوا زي مانا نكشتك كدا"
أومأت له هي بهدوء ثم نظرت أمامها تحاول وأد بسمتها.
بعد تقسيم الأدوار اختارت هي دور الشرح وتعليم الأطفال، وكان هذا الاقتراح نابعًا من قلبها ، وبالفعل نجحت هي في تلك المهمة، كانت الطبيبة تراقبها من على بعدٍ حتى ترى تطورها، وهو
أيضًا على الرغم من مساعدته للشباب إلا أن كانت أعينه تراقبها وكأنه يرى نجاح الثمرة التى ذرعت بواسطتهما.
بعد انتهاء اليوم الذي فعلت به «خديجة» الكثير و الكثير كانت تشعر بالفرح بعد إنتهاء اليوم، وبعد ممارستها للكثير من الأنشطة، وما أسعدها حقًا هو إندماج «بلال» معها ومع «ياسين»، ركبت بجانبه السيارة وهي تقول بسعادة:
اليوم كان حلو أوي يا ياسين، واتعرفت على ناس كتير حسيتهم شبهي، شوفتني وأنا بشرح للأطفال إزاي نكتب الحروف"
كانت تثرثر بسعادة جعلت قلبه يرقص فَرِحًا لفرحتها تلك، أوقفت حديثها ثم أعادته تقول من جديد:
الناس هناك كلهم بيساعدوا بعض يا ياسين، والأطفال كمان بيفرحوا أوي لما نفرحهم، بس أنا عاوزة أسألك أنتَ إزاي شوفتني وأنا واقفة وسط البنات، كنا كلنا لابسين زي بعض، عرفتني إزاي؟"
ضحك هو ثم قال بحب:
لأ مش أنا اللي شوفتك، دا قلبي اللي شافك يا خديجة، وبعدين انتِ لو وسط مليون قلبي وعيوني يطلعوكي ويعرفوكي"
نظرت له وهي تبتسم بحب، فوجدته يقول بنبرةٍ مُحبة:
أعيْبٌ في عَـيْني أن أراكِ في كُلِ مَـكان...أم أنَّ العَالم بَعد ظهوركِ أضحى بلا سُكان؟"
نظرت له بسرعة وهي ترفع رأسها فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
أومأت هي له ثم نظرت من النافذة التي بجانبها، وبعد ما يقرب الساعة توقفت السيارة أمام بيتها، ولكن لسوء حظهما كان الرجال جميعهم يقفون أمام البيت بعد عودتهم من صلاة العصر، نزل هو من السيارة وهي خلفه، فوجد «طه» يقول بحب:
أنا بقول تيجي تقعد معانا يا ياسين شوية، العيلة كلها هتجتمع فوق وبالمرة تتعرف علينا بدل ما تنسانا"
ضحك «ياسين» ثم قال:
مقدرش ارفضلك طلب يا عم طه، أنا تحت أمرك"
تحدث «وليد» يقول بمرحٍ:
حظك للأسف حلو، عمتو مستنيانا كلنا علشان نتغدا سوا، تعالى وأتغدا معانا"
أومأ له «ياسين» ثم نظر لزوجته وجدها تومأ له بحماس، بعد قليل صعد الجميع إلى الشقة التي تقع في الطابق الأول، كانت هي جالسة بجانبه على الأريكة، أما «مشيرة» فكانت تنظر لهما نظرة لم يستطع هو فهمها، لكنها كانت نظرة لا تنذر بالخير، فرفع حاجبه يتحداها، أما هي إبتسمت بشرٍ وهي تقول بصوتٍ عالٍ يجذب إنتباه الجميع:
قوليلي صحيح يا خديجة، هي الدكتورة النفسية اللي أنتِ بتتعالجي عندها دي حلوة؟ يعني جابت نتيجة معاكِ ولا أي كلام؟"
وقع الحديث على أذن الجميع وقع الصاعقة، أما «خديجة» فشحب وجهها وهي تنظر حولها بخوف، فقالت «مشيرة» بنفس الثقة:
إيه يا خديجة، ما تعرفينا علشان عندي واحدة صاحبتي مجنونة عاوزة تتعالج نفسيًا"
إقترب منها «وليد» يصرخ في وجهها وهو يقول:
أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ مجنونة؟ محدش هنا عاوز يتعالج غيرك"
ردت عليه هي وكأنها لا تخشى شيئًا:
متزعلش نفسك أوي كدا يا وليد، ماهو أنتم ماشاء الله عليكم يا أحفاد الرشيد، واحدة بتتعالج عند دكتورة مجانين، و واحد كان بيتعالج من الإدمان، قولي كنت بتحس بإيه يا وليد"
كانت «خديجة» تبكي بقوة وهو ضاممًا لها بين ذراعيه ويربت عليها، وهو يحاول التحكم في إنفعالاته، بينما «وليد» إقترب منها أكثر وهو يقول بتشفٍ وصوتٍ يشبه فحيح الأفعى لكن الجميع سمعه:
كنت بحس بنفس اللي هتحسيه لما أقولك أني جميلة بنتك عايشة وأنا عارف مكانها بس قسمًا برب الكعبة ما هريح قلبك ولا أطفي نارك يا مشيرة"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الخامس والاربعون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الخامس و الأربعون"
______________
كيف حالك بدوني، يا من أفديها بعيوني"
______________
أنا أيضًا أَملُك لسانًا ، و أيضًا أستطيع أن أجعله لازعًا كما يفعل الآخرون ، فأنا أستطيع أيضًا أن أنطق بكلمات تترك علامات سوداء في القلوب ، و ربما أستطع أيضًا ترك كلمات تخترق صدرك كما يفعل سهم العدو، لكنني و بملء إرادتي أردتُ أن أتجاوز تلك الكلمات و ربما قد يكون هذا أنبل و أعظم اختياراتي.
(مشهد عودة إلى يوم الأربعاء)
نزلت «خديجة» في ذلك اليوم له حتى تذهب معه إلى الطبيبة، ركبت بجانبه السيارة، و كانت «مُشيرة» في تلك اللحظة عائدة من الخارج بعدما جلبت مشترياتها، ولسوء حفظهما كانت لاتزال في داخل سيارة الأجرة التي تأخذها في المشاوير الخاصة بها و بتسوقها، إنتظرت هي حتى تحرك هو بسيارته ثم قالت بهدوء للسائق وكأنها تحارب حماسها حتى لا يظهر أمامه:
معلش يا علي خليك ماشي ورا العربية دي وأنا هديك اللي أنتَ عاوزه"
رد عليها السائق بحماس مُرحبًا بطلبها:
تحت أمرك يا ست مُشيرة، اللي تؤمري بيه، ولو عاوزة حاجة أنا موجود تحت أمرك"
ردت عليه بضيق وهي تحرك رأسها وتراقب حركة سيارته:
لأ، ركز بس و إلحق العربية دي بسرعة"
حرك رأسه موافقًا ثم شرع في القيادة وهي لا يتطرق إلى التفاصيل، بالطبع هو لا يهمه سوى ما سيحصل عليه منها، حتى وإن أرادت أن يجوب بها الطرقات طوال الليل لن يرفض لها طلبًا، بينما هي كانت تنظر أمامها بأعين تشبه نظرات الصقر وهي تتابع السيارة الخاصة بـ «ياسين» وتنقلها، بعد فترة قصيرة من القيادة توقفت سيارة الأجرة، مما جعلها تحرك رأسها وكأنها تتفحص المكانؤ فقالت بنبرة مستنكرة:
إحنا وقفنا هنا ليه يا على؟"
رد عليها هو بهدوء:
العربية وقفت هنا يا ست مُشيرة، وأنا وقفت هنا علشان محدش ياخد باله إننا ماشيين وراهم"
كانت كلماته الأخيرة بنبرة خبيثة وكأنه بذلك يرسل لها رسالة مبطنة أنه يعلم ما تريده هي، أومأت له بعدما نظرت له بضيق، ولكنها انتفضت في مقعدها حينما لمحتهما يخرجا سويًا من السيارة، ثم دخلا بناية حديثة البناء مصممة على أحدث التصميمات، يكثر بها اللوحات الطبية التي تحمل أسماء الأطباء، نزلت هي بهدوء ثم وقفت تقرأ ما دون على اللوحة بتعجب، فوقفت تقول بنبرة مستنكرة:
دكتورة نفسية؟ لأ صعب، طب ماهي العمارة مليانة دكاترة برضه"
زفرت بضيق ثم وجهت بصرها نحو الأريكة الموضوعة بجانب البناية فوجدت رجل في منتصف العقد الرابع من عمره يجلس بإسترخاء واضح، إقتربت هي منه تقول بهدوء وهي تجبر شفتيها على الإبتسام:
مساء الخير"
وقف هو منتفضًا من جلسته المسترخية وهو يقول بتلهف:
مساء النور، أؤمري يا هانم ، تحت أمرك"
أخرجت أوراق مالية من حقيبة يدها ثم دستها في كفه وهي تقول:
الأمر لله، ركز بس وقولي الأساتذة اللي لسه طالعين دول طالعين فين؟"
نظر هو داخل الممر الرخامي ثم أشار برأسه نحو سيارته وهو يقول مُقررًا أكثر من كونه مُستفسرًا:
قصدك الأستاذ صاحب العربية دي و جماعته؟"
_"آه هما، دول طالعين فين بقي؟"
خرجت منها تلك الجملة المستفسرة بتلهفٍ، جعله يقول لها بحماس:
الأستاذ و جماعته دول بيطلعوا عند الدكتورة النفسية اللي فوق، إسمها دكتورة هناء عادل دكتورة شاطرة أوي، تؤمري بحاجة تاني؟"
تنفست الصعداء وظهرت الشماتة في نظرتها قبل نبرتها وهي تقول:
لأ تسلم لحد كدا، طبعًا محدش يعرف حاجة خالص"
قالت جملتها ثم أخرجت ورقة مالية أخرى تدسها في كفه، وهي تنظر له نظرة مُحذرة إلتقطها هو على الفور مما جعله يومأ له عدة مرات برأسه وكأنه بذلك يؤكد نظرتها، تركته هي ثم ركبت سيارة الأجرة مرةً أُخرى كانت تفكر من منهما يأتي لتلك الطبيبة ومن منهما بحاجة للعلاج النفسي ولكنها لم تدم في تفكيرها طويلًا حتى أتى في مخيلتها و وقع على مسامعها جملة «خديجة» في ذلك اليوم المنشود حينما نظرت لها بثبات وهي تقول:
أنتِ فاهمة غلط، ياسين جوزي مش زي حد و ميتقارنش بحد"
حينما تذكرت هي تلك الجملة إبتسمت بتهكم وهي تفكر أن ذلك التغيير المفاجئ الذي طرأ على «خديجة» لم يأت عبثًا، بل كان نتيجة العلاج النفسي، إبتسمت هي بخبثٍ وهي تفكر أن هذه النقطة ستقع لصالحها حتى وإن لم تأتِ لها بما تريد و تهوى، لكنها ستطيب عيناها حين ترى نظرة الإنكسار في عينيها أمام الجميع، تنهدت هي حينما آخذها تفكيرها إلى تلك النقطة.
(عودة إلى الوقت الحالي "يوم الجمعة")
كنت بحس بنفس اللي هتحسيه لما أقولك إن جميلة بنتك عايشة وأنا عارف مكانها بس قسمًا برب الكعبة ما هريح قلبك ولا أطفي نارك يا مشيرة"
خرجت منه تلك الجملة بفحيح يشبه فحيح الأفعى بجانب أذنها لكنه وصل لمسامع الجميع، وفقًا للصمت الدائر في المكان بعدما ألقت هي بحديثها الخبيث، أما عن الجميع فكانت حالتهم تشبه حالة من يحلق الطير فوق رؤوسهم، بِخلاف «مشيرة» التي تحدثت تقول بسخرية وكأنها ترفض تصديق حديثه:
أنتَ أكيد إتجننت، ولا تلاقيك لسه بتاخد حاجة من الهباب اللي كنت بتاخده، جميلة مين دي اللي تعرف مكانها"
إعتدل في وقفته بعدما إبتعد عنها نسبيًا وهو يقول بخبثٍ:
وماله، أنتِ حرة بس متوجعيش دماغي بعد كدا علشان تعرفي مكانها، أصل أنا قلبي أسود أوي ومش بعرف أنسى"
صرخت هي في هياج بعد حديثه الواثق ونبرته التي لا تبشر بالتلاعب مما يدل على صدق حديثه:
أنتَ بتكدب عليا، بتقول كدا علشان زعلان على خديجة، بس أنا معايا حق خديجة مجنونة، والله مجنونة"
حسنًا هو لم يستطع تمالك نفسه أكثر من ذلك، مما جعله يترك «خديجة»، ثم إقترب منها يقف مقابلًا لـها بعدما أمسك رسغها بشدة ثم ضغط عليه وهو يقول صاررًا على أسنانه:
يمين بالله لو سيرة مراتي جت على لسانك دا تاني لأكون معرفك مقامك، و ساعتها أنا هنسى أنتِ مين وأنا مين"
أبعدت هي يدها من يده وهي تقول بنبرةٍ قوية وكأنها تعانده:
أنا مقولتش حاجة غلط، مش أنتَ برضه بتاخدها تتعالج نفسيًا عن دكتورة هناء ولا أنا بكدب؟ وأنتَ يا وليد مش كنت مدمن واتعالجت لما فهمتنا إنك في السويس مع خالك؟"
صرخت «مروة» تقول بغير تصديق:
أنتِ كدابة، أنا إبني كان مع خاله بجد، إيه الجنان اللي أنتِ بتقوليه دا"
صرخت بجملتها ثم إقتربت تقف أمام «وليد» وهي تترجاه بقولها:
رد عليها يا وليد، قولها إنها كدابة وإنك كنت بتشتغل مع خالك، رد عليها علشان خاطري"
لم يستطع هو رفع أعينه في أعين والدته، فأخفضها في خزيٌ وإنكسار، بينما «مروة» حركت رأسها بغير تصديق وهي تقول:
لأ علشان خاطري، رد يا وليد، أنتَ معملتش كدا صح؟ مشيرة بتكدب علشان تغيظني، أبوس إيدك ريح قلبي"
لم يُعقب هو بل ضغط على جفونه بشدة، بينما «ياسين» هزها من مرفقها وهو يقول بضيق:
أنتِ اللي زيك إيه؟ عاجبك كدا!! أنا من ساعة ما دخلت العيلة دي مشوفتش حد عاوز يتعالج غيرك من السواد اللي عندك، أنتِ مريضة والله، لأ أنتِ عاوزة تتربي من الأول وجديد"
ردت عليه بنبرةٍ متحدية لحديثه وكأنها تناست ما تفوه به «وليد»:
المريضة هي مراتك، وأقولك على حاجة أنتَ هتسيبها علشان أنا كلمت أمك وعرفتها إن مرات إبنها الوحيد تبقى مريضة نفسيًا، يعيني متعرفش إن إبنها حب مجنونـ.."
قبل أن تكمل جملتها وجدت صفعة قوية تضرب وجهها، مما جعله يلتفت للجهة الأخرى وتنزف الدماء من أنفها إثر تلك الصفعة، نظر الجميع بمقلتين على وسعيهما من هول المفاجأة التي قام «طه» بفعلها، أما هي فرفعت رأسها تنظر له بغير تصديق فوجدته يدفعها نحو الأريكة ثم أمسك كتفيها وهو يقول بصوتٍ مليءٌ بالغضب المشحون:
إخرسي يا مشيرة، لو لسانك نطق بكلمة كمان على بنتي والله العظيم لأدفنك الليلة دي، كفاية بقى أنتِ إيه يا شيخة؟مبترحميش!"
ردت عليه هي بصراخ:
أنتَ بتمد إيدك عليا يا طه؟ بتضربني علشان المـ..."
_"وأكسر عضمك كمان يا مشيرة، والله لو لسانك دا نطق حرف على بنتي لأكون مخلص الدنيا من شرك، أنتِ إيه معندكيش قلب؟"
قال حديثه وهو يضربها على كتفها بقوة، مما جعلها تصرخ في وجهه من قهرتها:
أنا مكدبتش عليكم، وليد كان مدمن فعلًا وخديجة بتروح عند دكتورة نفسية، اللي بيحصل دا حقي وبيرجعلي من زينب و مروة"
قبل أن يتفوه «طه» وقفت «خديجة» تصرخ في وجهيهما وهي تقول بنبرةٍ تحمل الوجع بين طياتها:
كفاية بقى أبوس إيدك، أنتِ مبتحسيش؟ مسألتيش نفسك أنا بتعالج ليه؟ مفكرتيش مين كان السبب في اللي أنا فيه دا؟ مين اللي كان بيفضل يتريق عليا وعلى شكلي وعلى طريقة كلامي، مين اللي كان كل يوم والتاني يلبسني مصيبة تخليني أتضرب علقة مقومش منها غير أخر الليل، مين اللي فضلت تنتقم من الناس الغلط، مين اللي كل ما تشوفني فرحانة تيجي تنكد عليا"
قالت جملتها بصراخ و نبرة موجوعة نابعة من آلام القلب، ثم إلتفتت تنظر لأبيها ودموعها تُذرف على وجنتيها وكأنها شلالات، نظرت له وهي تبتسم متهكمةً ثم قالت بسخرية:
وأنتَ يا أستاذ طه جاي دلوقتي تضربها و عاوز تكسر عضمها فعلًا؟ جاي على المرة الوحيدة اللي قالت فيها الحق وتتكلم و تنفعل؟ جاي بعد عمر ضاع في الخوف و الرعب حتى من نفسي تتكلم وتاخد حقي، طب ماهو أنتَ اللي ضيعت حقي دا، أنا بسببكم بتعالج نفسيًا، بسببكم هعيش العمر كله مكسورة قدام جوزي، عارفين ليه؟ علشان هو جه يبني اللي أهلي هدوه، ودلوقتي قدام أهله كمان لما يعرفوا إن إبنهم مراته بتتعالج عند دكتور نفساني، جدعة يا مشيرة عرفتي المرة دي تخليني مكسورة صح، بس أنتِ حسبتك غلط، عارفة ليه؟ علشان خديجة التانية ماتت واللي موجودة دلوقتي واحدة هترد عليكِ وتقولك إن أنتِ اللي مريضة نفسيًا، وربنا نجد منك بنتك لما بعدت عنك مع أبوها، خليتي هدير نسخة منك علشان تعرفي توصلي للي أنتِ عاوزاه، شوفتي المفاجأة بقى إن أنا حفظاكِ، يا شيخة دا أنا حاسة بالذنب دلوقتي علشان حاسة إني بردلك الوجع، أنتِ قلبك دا مبيحسش؟ فرحانة أوي وأنا و وليد عنينا مكسورة كدا، فرحانة بقهرة مروة قدامك، ردي عــــلــيــا؟"
صرخت بكلماتها الأخيرة تحت نظرات الدهشة من الجميع، أما هي فإلتفتت تنظر حولها في أوجه الجميع وهي تقول بهياج وصراخ:
وأنتم بتبصولي كدا ليه؟ لو أنتو فاكرني مجنونة زي ما هي ما بتقول يبقى أنتو اللي مجانين، أنا معملتش حاجة غلط أنا كنت بتعافى من اللي عملتوه فيا كلكم، بتعافى من سكوتكم في حقي ومن ضرب أبويا ليا ومن إفترا مشيرة عليا، أنا مش مجنونة، سامعين..ســـامــعين!!"
صرخت بكلماتها ثم إرتمت على الأريكة وهي تشهق بقوة، كان الجميع ينظرون لبعضهم البعض بخزي، حتى «طه» الذي أخفض رأسه في إنكسار بعد مواجهة إبنته له، تحرك «ياسين» يجلس بجانبها ثم ربت على كتفها فوجدها فجأة تخبتيء بين ذراعيه وهي تبكي بقوة، أخرج هو زفيرًا قويًا ثم شدد عناقه لها وهي تبكي، وفجأة إقترب «وليد» يقف أمام «مشيرة» بعدما استعاد رابطة جأشه وهو يقول بنبرة واثقة وكأن إنكساره تبدل للقوة في خلال ثوانٍ:
خديجة لما كانت بتتعالج كانت بتتعالج منك ومن أبوها، وأنا لما اتعالجت من الإدمان كان بسبب شوية عيال صيع ضحكوا عليا وأستغلوني وأفتكرتهم صحابي، لكن أنتِ بقى هتعملي إيه لما تعرفي إن بنتك موجودة على وش الدنيا، لأ ومش بس كدا، دي بتصحى كل يوم الصبح تقرأ الفاتحة وتدعي لأمها المرحومة مشيرة، ربنا يفشفش الطوبة اللي تحت راسها"
وقفت منتفضة تمسكه من تلابيبه وهي تصيح به هائجة بنبرة عالية:
أنتَ بتقول إيه؟ أنتَ بتكدب عليا، وحتى لو عايشة هي أكيد مستنية تشوفني صح؟، أنتَ بتعمل كدا علشان تقهرني"
أمسك كفيها وأنزلهما من عليه وهو يقول مبتسمًا بخبثٍ:
لأ أنا مش محتاج أقهرك، كفاية عمرك كله ضاع من غيرها، وكفاية إحساسك لما تعرفي إنك كنتِ بتنتقمي من الناس الغلط، بنتك موجودة فعلًا وأنا شوفتها وأتكلمت معاها، وهي فعلًا مستنية تشوفك بس في الآخرة بقى، مع إن دا صعب، والشهادة لله حسان عرف يربي صح، لما شوفتها عرفت إن ربنا رحيم بالبت دي علشان متربتش معاكِ"
حركت رأسها نفيًا وكأنها ترفض تصديق حديثه وفجأة إقتربت تقف أمام «طارق» وهي تصرخ به بنبرةٍ منفعلة:
أنتَ ساكت ليه؟ رد عليه بيقولك جميلة عايشة، مش دي حبيبتك اللي عيشت العمر كله تدور عليها وتستناها؟ اسأله هو بيكدب ولا لأ؟"
تحدث «وليد» من خلفها يقول بتشفٍ:
ريحي نفسك، أنتِ تفتكري أنا ممكن أخبي حاجة على طاروق برضه، دا صاحب عمري، طارق شافها معايا واتكلم معاها، دا تقريبًا قرأ الفاتحة إمبارح"
كان الجميع يحسبون أنفسهم داخل حلم، بالطبع ذاك لم يكن واقعًا، تلك الحقائق و المواجهات التي تلقى أمام الجميع ماهي إلا كابوسٍ عاد من الماضي حتى يأكل في ثبات الحاضر ويهدم ترميم المستقبل، نظرت هي في أوجه الجميع ثم فجأة وقفت أمام «مرتضى» وهي تقول:
إيه اللي إبنك بيقوله دا يا مرتضى؟ إبنك بيكدب علشان يقهرني، رد على إبنك، قوله إن هو مينفعش يكدب في حاجة زي دي"
نظر لها «مرتضى» بإشمئزاز وهو يقول بحنقٍ:
ملكيش دعوة بإبني يا مشيرة، طلعي وليد من دماغك وإبني مبيكدبش ولا عمره كان ليه في السكة دي"
تحدث «محمد» يقول بنبرةٍ حانقة متدخلًا في الحديث:
لأ إبنك كدب يا مرتضى، إبنك كدب ومقالش إنه كان مدمن واتجوز بنتي وهو كداب، إبنك أكبر ملاوع في الدنيا"
رفعت «عبلة» رأسها تنظر لوالدها بتعجب، بينما «وليد» وقف أمامه وهو يقول مستفسرًا بنبرةٍ مهزوزة:
قصدك إيه يا عمي؟ وضح كلامك؟"
رد عليه «محمد» بنبرة حانقة والضيق ظاهرًا بها:
يعني خلاص كدا يا وليد، أرمي اليمين على بنتي، أنا مش هسمح لها تتجوز واحد كان مدمن مع أول خلاف بينهم يرجع للهباب دا تاني، أنا مش هرمي بنتي الرمية السودا دي"
سأله «مرتضى» بإستنكار واضح:
أنتَ بتقول إيه يا محمد، أنا كنت عارف باللي حصل لوليد، وإبنك طارق كان معايا هو و وئام، أبني معملش كدا بمزاجه، إبني اتضحك عليه وهو إعترف على اللي عملوا كدا واتحبسوا كلهم"
رد «محمد» عليه بإنفعال واضح:
أنا ميهمنيش كل دا، أنا يهمني إن الجوازة دي مش لزماني، أنا معنديش أغلى من بناتي، واللي أنا شايفه إن إبنك مش نافع بنتي"
رد عليه «طارق» بنبرة مختنقة:
أنتَ بتقول إيه يا بابا، لو فيه حد في الدنيا دي كلها ينفع عبلة يبقى وليد، وليد كتير أصلًا على عبلة، وليد دا عاش عمره كله بيحارب علشانها، و لما عرف اللي حصله وعرف إنه مدمن طلب يتعالج وساعتها قال إنه عاوز يكون واحد يستاهل عبلة، واحد زي دا أنا اشيله العمر كله فوق راسي، وبنتك لو رفضته يبقى متستاهلش واحد زيه، وساعتها أنا هخليه يسيبها فعلًا علشان ياخد اللي تستاهله"
كان «حديث» طارق يحمل رسالة مبطنة لشقيقته، بينما «وليد» وقف أمام «محمد» ينظر له بثبات وهو يقول:
أنتَ عاوز إيه يا عمي؟ سمعني طلبك بقى"
رفع «محمد» رأسه ينظر له بتحدٍ وهو يقول:
عاوزك تسيب بنتي يا وليد، أنا أصلًا مش عاجبني الموضوع"
رد «وليد» عليه بثبات دون أن يرمش له جفن:
وأنا موافق يا عم محمد، طلباتك أوامر"
نظر له الجميع بغير تصديق، بينما «خديجة» وقفت منتفضة تقول له:
أنتَ بتقول إيه يا وليد؟ هتضحي بحبك علشان كلام فاضي؟ هتسيب عبلة اللي عيشت عمرك كله تتمناها"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بنبرة جامدة خالية من المشاعر:
عمي طلب وأنا هنفذله طلبه بس بشرط، بنته ترفع عينها في عيني وتطلب مني أخرج من حياتها، والله العظيم لو حصل ما هقف ثانية هنا تاني، وهطلع من حياتكم كلها، فـ يلا يا عبلة خلصينا من الليلة دي، علشان دماغي مصدعة و عاوز أنام"
نظر الجميع له بإندهاش إثر ردة فعله البارة الغير متوقعة، أما هو إقترب من «عبلة» التي كانت مخفضة لرأسها تنظر في الأرض، فسألها هو مُستفسرًا:
خلصي يا عبلة عاوزة إيه؟ عاوزاني أسيبك؟ ارفعي عينك في عيني وأطلبي وبطلي خوف، عاوزاني أرجع تاني زي ماكنت؟"
على الرغم من ثباته إلا أن نبرته كانت موجوعة، إن دلت على شيء فهي تدل على آلام قلبه، لم ترد هي على حديثه، فسألها بنبرةٍ أكثر ألمًا ورغمًا عنه ذُرفت دموعه على وجنتيه وهو يقول:
ردي يا عبلة متسكتيش كدا، عاوزاني ولا لأ؟ أنـــطـقــي"
صرخ بكلمته الأخيرة ، مما جعل جسدها يجفل بقوة وكانت نتيجة تلك الرجفة إرتماءها بين ذراعيه وهي تتمسك به بشدة قائلة من بين شهقاتها:
عاوزاك معايا، متسبنيش يا وليد، علشان خاطري مش عاوزة أرجع أخاف تاني من غير حبك، متسمعش كلامه وخدني معاك مكان ما هتروح"
بكى هو رغمًا عنه وهو يشدد عناقه لها فوجدها تبتعد عنه نسبيًا ثم مدت أناملها المرتعشة تمسح دموعه وهي تقول ببكاء:
أنتَ بتعيط ليه؟ أنتَ عبيط؟"
نظر لها بتعجب فوجدها تقول له بحب جملته التي دونها بخط يده أسفل صورتهما سويًا:
إن كان أوشك قلبي على الممات فحبك أحياه وصنع المعجزات، عاوزني بقى أسيبك يا وليد؟"
أخذها بين ذراعيه وهو يتنفس الصعداء بعمقٍ وكأنه بذلك يخرج الضيق الذي يعتلي صدره، بينما «مرتضى» تحدث بنبرة شامتة في أخيه قائلًا:
خير يا محمد مش سامعك يعني؟"
لوح له «محمد» بكفه وهو يقول بضيق:
هما أحرار مليش دعوة بحد، بس بعد كدا مترجعش تعيط"
إبتعدت هي عن «وليد» ثم وقفت أمام والدها وهي تقول بهدوء:
العياط دا أعيطه وأنا بعيد عن وليد، لكن طول ما أنا معاه هفضل عمري كله مبسوطة، وليد بيديني الحاجة اللي محدش بيعرف يديهالي وهي أني أكون مطمنة، وأنا مكاني مينفعش غير في حضن وليد"
نظر والدها لها ثم نظر في وجه «وليد» وهو يقول بإحراج:
خلاص يا ختي أنتِ بتغظيني، عرفنا إن مينفعكيش غير سي زفت، خلينا بقى نشوف حكاية حسان وجميلة"
تلك المرة تحدث «ياسين» بنبرة شامتة في «مشيرة» وهو يقول:
خير يا حجة مشيرة مش سامعلك حس يعني، شوفي يا شيخة أخرة عمايلك؟، أنتِ لو فاكرة إنك كدا بتفضحيهم تبقي غبية، إيه العيب إن واحدة اتعالجت نفسيًا؟ على فكرة بقى الدكتورة قالت إن أنتِ اللي مريضة، يعني خديجة تستاهل صقفة علشان إستحملت قرفكم بصراحة، ولو على وليد هو إتعالج وواضح من كلامهم كدا إنه راجل أوي لدرجة إنه طلب يتعالج لما عرف، أنتِ بقى علاجك إيه؟بصراحة اللي زيك حلال فيه الموت"
كانت تبكي في صمت ولكن بعد حديثه وقفت تصرخ في وجه «وليد» بهياج وهي تقول:
رد عليا، بنتي فين يا وليد؟ أبوس إيدك تاخدني أشوفها لو هي عايشة زي ما بتقول، أبوس رجلك، ريحني وقولي هي فين؟"
مال هو برأسه نحوها وهو يقول ببسمة أثارت حنقها:
أنتِ لسه شوفتي حاجة؟ أومال هتعملي إيه لما تعرفي إن زينب بريئة وإن الجوابات وصلت لحسان من حبايب قلبك، وصلت من مديحة و مجدي، لأ ومين ثبت التهمة عليكِ بقى ؟ مين ياترى، مين يا طنط فاطمة اللي حسان سألها وشهدت ضد عمتي؟"
نظر الجميع لها فوجدوها تبتلع لُعابها بقوة، كما أن بشرتها شَحُبت بقوة وكأنها أصبحت في عداد الموتى، بينما «وليد» وقف قبالتها وهو يقول:
ما تردي يا طنط فاطمة، مش أنتِ برضه صاحبة مديحة أخت مجدي اللي عمتي كانت عاوزة تتجوزه؟ ومش أنتِ برضه اللي حسان سألك وأنتِ قولتيله إن عمتي كانت على علاقة بمجدي؟ ومش أنتِ برضه اللي قولتي إنك شوفتي زينب وهي واقفة مع حسان وساعتها هي حلفت إنها كانت بتديله لبس عم طه؟ ما تردي؟"
في تلك اللحظة وقفت «هدير» وهي تقول:
وليد بيقول إيه يا ماما ردي أنتِ كمان!! أنتِ كنتِ عارفة إن طنط زينب مظلومة؟ كنتِ عارفة إن فيه واحدة و بنتها مظلومين وبرضه كنتِ بتخلينا نكرههم؟"
نظرت لها «فاطمة» بحزن، وقبل أن يعقب أيًا من الموجودين وقفت «مشيرة» أمامها وهي تقول بنبرةٍ قوية غير مصدقة:
ما تردي يا فاطمة، أنتِ كنتِ عارفة إن مش زينب اللي عملت كدا؟ عارفة إن مجدي و مديحة اللي عملوا فيا كدا؟ أنتِ السبب أني أعيش عمري كله مقهورة؟ ردي عـــلــيـا، متسكتيش كدا"
صرخت بكلماتها الأخيرة مما جعل «فاطمة» تصرخ في وجهها قائلة:
أيوا أنا، أنا اللي حسان سألها على الجوابات و قولتله إنك كنتِ بتحبي مجدي، و أنا كنت عارفة إن مديحة هتعمل كدا، أبوكِ هو السبب، كان شايف نفسه علينا علشان بنشتغل عنده، كان رافض جوازي من إبنه علشان مش لايقة عليه وهو خريج جامعة وأنا بنت بتاع الجاز، ومجدي و مديحة اللي حصل فيهم من أبوكِ بعد ما طردهم من الشغل كان صعب، هما إنتقموا منه فيكِ أنتِ، وأنا ساعتها قولت الحقيقة إنك كنتِ بتحبي مجدي مكدبتش يعني"
صرخت «هدير» في وجهها وهي تقول:
لأ كدبتي، كان ممكن تبرأيها وتقولي إن هي كانت بتحبه قبل ما تتجوزه، كان ممكن تشهدي إن زينب متعملش كدا، كان ممكن تعملي مليون حاجة علشان الأمور متوصلش لكدا، بس برضه ربك عادل، اللي خديجة شافته بسببي أنا شوفته أنا كمان، كلهم كرهوني وكنت هنتحر وأموت كافرة،كنت هعيش حياتي الجاية كلها في النار، كل كلامك كان غيرة منهم ومن حياتهم وأنا مش فاهمة ليه، كل دا من النقص اللي عندك، فاكرة الحياة كلها لبس و خروج وأكل وشرب، نسيتي إن أهم حاجة فيها رضا ربنا علينا، أنا مش هقدر أسامحك ولا هقدر أبص في وشك"
إقترب «محمود» يقف أمامها وهو ما يقول بنبرة مصدومة:
أنا اللي سمعته دا حسسني إني عيشت عمري كله مخدوع، أنتِ يا فاطمة تعملي كدا؟ أنتِ تكوني السبب في خراب بيت أختي وتدمير حياة زينب و خديجة؟ أنتِ السبب إن بنتك تعيش العمر كله ماشية ورا عمتها لحد ما نسيت إننا أهلها؟أنا لولا وصية أبويا ليا عليكِ أني مسبكيش علشان ملكيش حد كنت رميتك في الشارع، بس هتروحي فين؟ وأنتِ ملكيش مكان تاني غير دا، بس لعلمك أنتِ هتعيشي هنا لوحدك، وتفضلي على ذمتي علشان كلام الناس، لكن تنسي أني ممكن أسامحك، ولا حتى تفتكري إنك مراتي، ويا خسارة الحب اللي حبيته لكِ يا فاطمة"
أمسكت كفه تترجاه بقولها بنبرة باكية:
متعملش كدا يا محمود، والله حسان حلفني على المصحف و قولتله إن هي فعلًا كانت بتحب مجدي والله مقولتش غير كدا ودي الحقيقة، والله زينب فعلًا كانت واقفة مع حسان ساعتها والله أنا شوفتها"
صرخت «زينب» تقول بقهرٍ:
وليه فهمتي غلط؟ ليه مقولتيش إن أنا كنت بديله شنطة طه يوصلهاله، ليه مقولتيش إن أنا معملش كدا وأفتري على حد"
تدخل «طارق» يضيف بهدوء:
أهدي يا طنط زينب، إحنا سألنا حسان وهو اللي قالنا كل حاجة، ومن الأول إحنا كنا عارفين إنك بريئة، بس الموضوع كان مليان خيوط داخلة فـ بعض"
ردت «زينب» عليه بذهول قائلة:
بعد إيه يا طارق؟ بعد نظرات الشك اللي كنت بشوفها منكم؟ولا بعد حياتي وحياة بنتي ما باظت؟ ولا بعد ما مشيرة عاشت عمرها كله تنتقم مني علشان بعد بنتها عنها؟ يا أخي دا أنتَ نفسك عيشت عمرك كله بعيد عن جميلة، دي حياة ناس يا طارق مش لعبة اتكسرت"
أخفض الجميع رأسهم في خزي، بينما «ياسين» وقف مقابلًا لـ «زينب» وهو يقول:
وعلشان هي حياة ناس سامحي، سامحي من قلبك وركزي مع بنتك اللي بقت زي الفل، بنتك اللي بقت بتخرج وبتتكلم ونجحت في حاجات كتير أوي، أنسي اللي فات وبصي على نعم ربنا اللي عندك، ولا إيه يا خديجة؟"
إلتفت برأسه يسألها فوجدها تمسح دموعها ثم إقتربت من والدتها وهي تقول:
سيبك منهم كلهم، أنا مش زعلانة والله، يمكن اللي حصل دا يكون سبب علشان حاجات كتير جاية حلوة، مين عارف مش يمكن لو كنت شخص طبيعي كان ياسين رفضني، ومش يمكن لو الحياة كملت زي ما إحنا عاوزين كانت المشاكل بقت أكتر؟ الحمد لله على كل حال، نحمد ربنا ونشكره على فضله وكرمه علينا"
كان ينظر لها بفخرٍ وكأنه يرى نجاحه، أما هي نظرت له تسأله بأعينها فوجدته يومأ لها بثقة وكأنه يؤكد حديثها، بينما «طه» إقترب من زوجته و إبنته وهو يقول بإنكسار:
سامحوني أنتو الأتنين، أنا غلطت في حقكم، سامحيني يا خديجة علشان خاطري وأنتِ يا زينب سامحيني"
ردت عليه «خديجة» بنبرة خالية:
أنا مسمحاك والله، بس مش هقدر أنسى ودا حقي، أنا مش بإيدي أنسى أكتر من ١٥ سنة ضاعوا من حياتي وأنا خايفة منك، أنا بنتك وليك حق عليا، بس غصب عني هتفضل حتة سودا معلمة جوايا منك، علشان جرح الأهل عمره ما بيتنسي"
أخفض «طه» رأسه حتى يُخفي دموعه، وفجأة صُدم الجميع حينما وقعت «مشيرة» مغشية عليها وكأنها لم تستطع تحمل ما حدث، إقترب منها الجميع، لكن «ياسين» صرخ فجأةً وهو يقول:
ابعدوا عنها علشان النفس، محدش يقرب منها، أحمد إنزل هات الدكتور"
أومأ له «أحمد» ثم ركض من أمامه، بينما شباب العائلة حملوها على أيديهم ثم وضعوها بداخل الفراش، وبعد ما يقرب الربع ساعة من الصمت التام ناهيكم عن النظرات المتبادلة بين الجميع، وفي تلك اللحظة فاضت الأعين بما لا تستطع الألسنة نطقه، دخل «أحمد» ومعه الطبيب، وبعد الفحص قياس ضغط الدم، تحدث الطبيب يقول متأسفًا:
للأسف عندها هبوط حاد في الدورة الدموية، دا غير إن ضغطها نزل خالص، ياريت نراعي حالتها ونبعد عنها أي توتر وأي ضغط عصبي، أنا هعلقلها محاليل علشان تعوض شوية من الهبوط دا والأدوية دي تاخدها بإنتظام من غير أي لغبطة، هي ممكن تفضل نايمة كدا فترة طويلة متقلقوش دا من أثر الصدمة، طبعًا مش هوصيكم بالراحة والأكل يكون مظبوط وخالي من الاملاح أو السكريات طبعًا دا علشان الضغط، ربنا يتمم شفاها على خير إن شاء الله"
خرج الطبيب مع «أحمد» و «وليد» بينما الجميع إنسحبوا تباعًا من الغرفة وكأنهم بذلك يعلنوا تخليهم عنها،نظرت «خديجة» بإندهاش لهم وهي تقول:
أنتو بتعملوا إيه؟ هتسبوها تعبانة كدا؟ محدش هيفضل معاها؟"
كانت «عبلة» على أعتاب الغرفة فإلتفتت لها تقول بنبرة خالية من المشاعر:
ربنا يشفيها يا خديجة، هنعملها إيه يعني؟"
ردت عليها «خديجة» بسرعة:
نخلي بالنا منها، هي ممكن تفوق في أي وقت وحالتها هتبقى صعبة، مينفعش تفضل لوحدها"
حركت «عبلة» كتفيها وهي تقول بلامبالاة:
أنا مش هقدر بصراحة أبات معاها، ولا أنتِ ينفع، هاتي هدير"
نظرت «خديجة» لها بتعجب فوجدتها تنسحب من أمامها بهدوء، نظرت خلفها فوجدته واقفًا بجانب الخزانة الفارغة، سألته هي بنبرةٍ حائرة:
طب أعمل إيه طيب؟ مش هقدر أجبر حد يفضل معاها وفي نفس الوقت مش هقدر أسيبها ولا هقدر أكون معاها لوحدي"
وقف مقابلًا لها وهو يقول بهدوء:
مش عارف والله يا خديجة، بس برضه دي إنسانة للأسف يعني أقل ما فيها حد يتابعها بس"
سألته هي بتلهفٍ واضح وكأنها تذكرت للتو:
ياسين هي عرفت منين أني بتعالج عند دكتورة هناء؟"
نظر هو لها نظرة حائرة وهو يقول:
مش عارف والله ، أكيد مش أنا يعني اللي هقولها"
أومأت له مؤكدة وهي تقول:
أنا مقولتش أنتَ اللي قولت، أنا بقول هي عرفت إزاي؟ ممكن تكون مشيت ورانا؟"
نظر هو على «مشيرة» وهي على الفراش ثم نظر لزوجته وهو يقول بنبرة حائرة:
ممكن الله أعلم، المهم دلوقتي اللي حصل النهاردة وإنكم إتأكدتم إن بنتها عايشة، وإن مامتك ملهاش دعوة بحد"
سألته هي بنبرة مهتزة تعبر عن ترددها:
هو ... هو أنتَ هتعمل إيه يا ياسين؟"
قطب جبينه يسألها بتعجب:
هعمل إيه فـ إيه، مش فاهمك تقصدي على إيه؟"
أخذت نفسًا عميقًا وهي ترد عليه بحذر:
هتعمل إيه في مامتك و باباك هما أكيد عرفوا علشان عمتو قالت إنها كلمتهم"
حرك كتفيه وهو يقول ببساطة:
طب وفيها إيه يعني؟ ما يعرفوا"
شعرت هي بالضيق منه فقالت بنبرة منفعلة:
لأ فيها كتير أوي، إزاي هقبل إنك تتكسف قصادهم، إزاي هقبل إن شكلك يبقى وحش وأنتَ بتكدب عليهم، إزاي هقبل إن نظرتهم ليا تتغير بعد ما شوفت الحب في عيونهم، أنا مش أنانية علشان أختار كل مرة راحتي على حسابك"
إقترب منها يقف مقابلًا لـها وهو يقول بضيق مماثل لنبرتها:
قصدك إيه يا خديجة؟ اللي فهمته من كلامك إنك عاوزة تسيبيني؟ ويارب أكون فاهم غلط"
فرت دموعها من بين أهدابها وهي تقول بوجع:
أنا مش عاوزة أشوفك مكسوف قدام حد، مش عاوزة في يوم تحس إنك مش عارف ترفع عينك في عين أهلك بسببي، أنا مش هقدر اقولهم إني بتعالج بسبب أهلي، اللي هما المفروض يكونوا سبب قوتي، علشان كدا بقولك أنساني وقولهم أني كنت بستغلك، دا عندي أهون عليا من أني أتسبب فـ كسرة عينك، أنا شوفت وليد كان مكسوف إزاي قدامنا مش هقدر أشوفك كدا أو أحس إنك ممكن تجرب نفس الإحساس دا"
أمسكها من مرفقها بقوة وهو يقول بضيق:
أنتِ ليه كل مرة تحسبيها كدا؟ مين قالك إن الحل في البعد؟ ليه كل مرة تختاري الحل الأسهل؟ مفكرتيش فيا أنا"
نظرت له ببكاء وهي تقول:
أنا علشان بفكر فيك عاوزاك تسبني، أهلك ناس طيبين ميستاهلوش إن إبنهم يتجوز واحدة مجنونة، وأنا عارفة إن عمتو قالت لهم أني كنت بستغلك، وأنتَ بنفسك هتعرف كدا من أهلك، يبقى حرام عليا أتسببلك إنك تكذب عليهم"
دفع مرفقها بضيق وهو يقول بنبرةٍ منفعلة:
أنتِ اللي أخترتي يا خديجة، تصبحي على خير"
إتسعت مقلتيها بقوة فوجدته يخرج من الغرفة وهو يضرب الأرض بقدميه ، أرتمت هي على الأرضية تبكي بحرقة ثم صرخت بأعلى صوتها:
يـــاســيــن"
كانت صرختها قوية خارجة من قلبها، تبعتها بالبكاء الحار الذي مزق نياط قلبها بعدما أخفضت رأسها بين ركبتيها، فجأة وجدت نفسها بين ذراعيه وهو يربت عليها بعدما أخذها في حضنه، زاد بكاءها وهي تقول:
متسمعش كلامي و تسبني، أنا مش عاوزة أرجع أخاف تاني من غيرك، علشان لو الدنيا دي كلها ضلمة أنتَ نورها الوحيد "
ربت هو على ظهرها وهو يقول بنبرة متأثرة:
وأنا مقدرش أسيبك يا خديجة، مش بمزاجي ولا حتى بقلبي و عقلي، أنتِ ليا وأنا ليكِ غصب عن الدنيا كلها، عاوزاني أسيبك علشان كلام عبيط خارج من واحدة مجنونة؟"
كانت كلماته ساخرة مما جعلها تخرج من بين ذراعيه ثم ضربته في كتفه وهي تقول بضيق زائف:
متقولش مجنونة، مجنونة في عينك"
رفع حاجبه ينظر لها مُتعجبًا وهو يقول بسخرية:
طب ماهو دا كلامك يا بنت الحلال، مش أنتِ اللي قولتي سبني يا ياسين علشان أنا مجنونة؟ ورب الكعبة هسيبك مرة بجد علشان تتعلمي الأدب يا بنت طه، يا أنا يا كلامك الأهطل دا"
ضحكت هي ثم وضعت رأسها على فخذه وكأنها بذلك تعلن إستسلامها للتعب، تنهد هو بعمقٍ ثم ربت بيده على رأسها بحب بعد ذلك أرجع رأسه للخلف ولازال كفه يربت على رأسها حتى علم هو من إنتظام أنفاسها أنها غاصت في ثباتٍ عميق، فجأة دخل عليه والديها، لم يتحرك بل ظل ثابتًا كما هو، سأله «طه» بحرجٍ:
معلش يا بني تعبناك معانا طول اليوم، ممكن تحاسب علشان آخد خديجة؟"
_"تاخدها فين؟"
خرجت منه تلك الجملة بنبرة جامدة، جعلتهما ينظرا له بتعجب، فقال والدها بنبرة محرجة:
آخدها ترتاح فوق، هصحيها يعني"
وقف «ياسين» ثم حملها بين ذراعيه بقوة تحت نظراتهما المندهشة من فعلته، خرج هو بها الشقة وهما خلفه، ركب المصعد وتم إتباعه من خلالهما، فقال والدها بنبرة مهزوزة:
عنك طيب يا حبيبي...أو صحيها"
بنفس النبرة الجامدة ونظرات التحدي رد عليه:
محدش ليه دعوة، مراتي وأنا حر، ولا عندك كلام تاني؟"
نظر «طه» لزوجته ثم نظر له بهدوء وهو يحرك رأسه نفيًا، بينما هو ظهرت نظرة التسلية والتحدي في عينيه، دخلوا الشقة جميعًا، أما هو أدخلها غرفتها ثم وضعها على الفراش، بعد ذلك مال على رأسها يطبع قبلة على جبينها بعدما ربت عليها وقام بتغطئتها، بعد ذلك خرج من الغرفة وهو يقول بثبات:
لو عندك أي أسئلة أتفضل أسأل علشان أعرف أمشي، وياريت ملكش دعوة بيها ولا تسألها هي"
أخذ «طه» نفسًا عميقًا ثم قال:
ليه عالجت بنتي؟ وعرفت منين إنها عندها مشكلة نفسية؟"
نظر له بسخرية وهو يقول متهكمًا:
هو أنتَ كمان مش عاوزها تتعالج؟ آه صحيح أنتَ كنت خايف يتقال عليها مجنونة، ودا حصل فعلًا، بس ورب الكعبة اللي هيجيب سيرتها بكلمة متعجبنيش لأفرمه تحت إيدي، بنتك اللي إستحملت الضرب منك والإهانة من عمتها، بنتك اللي عيل خايب زي راشد دا وقف يهينها قصادكم، أنا بس سؤالي ليك إزاي جالك قلب تعمل كدا في عيلة صغيرة؟ إزاي مقدرتش تبقى حنين عليها، دا أنا أهوه وحاسس إنها بنتي و مسئولة مني، أنتَ إيه بقى؟"
رد عليه «طه» ببكاء:
أنا أب زبالة، بعد العمر دا كله طلعت أزبل شخصية، بس أنا كنت زي المضروب على راسي، مراتي و بيتهموها بخراب بيت أختي، وكل كلامهم إن بنتي شقية وإن تصرفاتها هتبقى زي تصرفات أمها، أنا كنت موجوع وأنا مش لاقي دليل يثبت كلامي، ومشيرة كنت كل مرة أقول هي برضه غلبانة حياتها إتدمرت بسببنا، أنا كنت زي اللي بيحارب في كل الجهات، بحافظ على بيتي من الخراب، وبحافظ على بنتي وفي نفس الوقت مع أختي اللي حياتها بايظة ومعهاش حد"
رد عليه «ياسين» مُعقبًا بحنقٍ:
أنتَ بتقول إيه؟ دا عذر أقبح من ذنب على فكرة، إعترف إنك كنت ضعيف الشخصية ومقدرتش تختار بين بيتك ولا أختك، أنتَ إختارت الحل الوسط ليك تحكم بيتك بالعنف وتقف مع أختك على حساب مراتك و بنتك، يا أخي دي كل مرة تنزل عينها في الأرض لما تيجي سيرتك، أنتَ عملت كدا إزاي؟"
نظر له «طه» بقلة حيلة وهو يقول:
ربنا ما يحكم عليك بالحيرة اللي اتحكم عليا بيها، أنا عارف أني مينفعش أكون أب، وعارف أني زوج فاشل، بس أنا مش عاوز بنتي تكرهني، مش عاوزها تسبني وهي كارهاني، مش عاوزها ماتصدق تخرج من بيتي"
رد عليه «ياسين» بسخرية مؤلمة:
ياريتها عارفة تكرهك، بنتك اللي بهدلها في حياتها هو إنها مش عارفة تكرهك، هي مش بتعرف تكره حد، خديجة عودت نفسها اللي يحبها تشيله في عينها، واللي يزعلها عينها أصلًا متشفهوش"
تبدلت نظرة «طه» إلى التعجب، فأضاف «ياسين» يقول بنبرة متهكمة:
مستغرب صح؟ بتسأل إزاي قدرت أحفظها كدا وإزاي عرفت طريقة تفكيرها، بس اللي أنا عاوز أقوله ليك إن بنتك متستاهلش غير الحب بس"
قبل أن يذهب من أمامه أوقفه «طه» بقوله:
أنا عاوزك تاخدني عند الدكتورة اللي عالجت بنتي، ينفع؟"
أومأ له «ياسين» ثم قال بلامبالاة:
بكرة هاخدك عندها، جهز نفسك، تصبح على خير"
تركهما ورحل،بينما والدتها قالت بقيلة حيلة:
أنا هنزل لمروة علشان نبات مع مشيرة، عن إذنك"
أوقفها هو بنبرة مهزوزة:
زينب؟ هو أنتِ مسمحاني؟"
إلتفتت تنظر له بهدوء ولكن نظرتها كانت موجوعة مثل نبرتها في قولها:
مسمحاك يا طه، المهم تعرف أنتَ تسامح نفسك"
تركته وخرجت من الشقة، بينما إرتمى هو على الأريكة بحزن شديد وبعد ثوانٍ إجهش في بكاء مرير وكأنه طفلًا صغيرًا
____________________
في شقة محمد كان «مرتضى» جالسًا بجانب شقيقه، و الشباب جميعهم حتى «أحمد» وأول من تحدث كان «محمد» بعدما قص عليهم «طارق» ماحدث، فقال:
يعني إيه؟ فين البت مخدتوهاش منه ليه يا طارق"
تدخل «وليد» يقول بنفاذ الصبر:
قولنا مينفعش علشان هي متعرفش حاجة، فاكرة أمها ميتة، نروح نقولها إيه تعالي نعرفك على الجثة؟"
أضاف «طارق» يقول:
زي ما وليد قالك كدا يا بابا، مينفعش نروح نفاجئها بكل المفاجأت دي، إذا كان مشيرة المؤذية متحملتش اللي حصل"
خرجت «عبلة» في تلك اللحظة وهي تحمل صينية الشاي للرجال، وضعتها على الطاولة ثم قالت:
طب هي عاملة إزاي؟ شكلها حلو أقصد يعني شبه مين؟"
رد عليها «طارق» بهدوء:
شكلها زي القمر، شبهك يا عبلة حتى عيونها عسلي زي عيونك بس فيهم لون أخضر من عيون ابوها، لابسة خمار وشكلها ماشاء الله حافظة قرآن علشان كانت بتكمل مع الآيات لما تشتغل"
تدخل «وليد» يقول بسخرية:
ماشاء الله كل دا وبتقول بروح اشتغل؟ لأ ماهو الشغل واضح فعلًا، هات بقى الكشكول اللي فيه المعلومات علشان نشوف شغلنا خلينا نفوق للي جاي"
فتح «طارق» درج الطاولة الصغيرة أمامه وأخرج منها الحقيبة الصغيرة التى أعطتها «جميلة» له، أخرج الدفتر منها، ثم رآى شيئًا غريبًا يلمع بها أخرجه من الحقيبة وما لبث ثوانٍ حتى شهق بقوة نظر الجميع له بإستنكار فـهبَ واقفًا وهو يقول:
السلسلة دي كانت في رقبة جميلة وهي صغيرة، أنا اللي جبتها لها، إزاي جت هنا؟"
وقف «وليد» هو الأخر وهو يقول:
مش يمكن دي بتاعة سلمى ولا عبلة؟"
رد عليه «طارق» بضيق:
أنتِ غبي يا وليد؟ أنا لسه مخرجها قدامك، الكلام دا معناه واحد بس"
سأله «مرتضى» بتعجب:
معناه إيه يا طارق؟"
نظر لعمه وهو يقول:
معناه إن جميلة أفتكرتني، أيوا علشان وهي بتديني الشنطة قالتلي يا رب تفكركم بحاجة، أكيد قصدها على السلسلة"
نظر الجميع إلى بعضهم بتعجب، بينما «وليد» قال بهدوء:
طب إهدا كدا، علشان كدا كدا عمتك مش هتسكت وهتطلب بنتها، لما تفوق بس،لولا طولة لسانها مكناش وصلنا هنا"
رد عليه «أحمد» بحنقٍ:
اللي حصل حصل خلاص ملوش لازمة الكلام دا، ربنا يسترها بس و متروحش فيها"
نظر له «وليد» بسخرية وهو يقول:
أستاذ أحمد؟ معقولة!! كنت فين يا حلويات، فالح بس تعلي صوتك وتقول لو مشيرة عملت حاجة هخرب الدنيا، أنا مشوفتكش حتى تفيت في وشنا"
ضحك الجميع على طريقته، عدا «أحمد» الذي نظر له بحنق وهو يقول:
هي سوق؟ كلامي مكانش ليه لازمة، وبعدين أنتَ قولت كل حاجة وعكيت الدنيا خلاص"
تنهد «مرتضى» ثم قال:
طب يلا ننام علشان نشوف إيه اللي هيحصل بعد كدا، و مروة و زينب و سهير بايتين مع مشيرة تحت، ربنا يسترها"
وقف «مرتضى» و وقف «وليد» أيضًا، بينما «عبلة» خرجت وراءهما كانت تسير خلف «وليد» الذي كان ينظر خلفه بطرف عينه ثم إلتفت فجأة يعانقها بقوة، ضحكت هي ثم عانقته هي الأخرى، ضحك «مرتضى» بخفة ثم خرج من الشقة، فجأة أتى «محمد» و «طارق» و «وئام» من الداخل، وأول من تحدث كان «محمد» حينما رآى وضعهما فقال بضيق:
يا أخي لم نفسك بقى، كل ما أشوفك ألاقيك حاضنها ، أنتَ إيه يلا"
أخرجها من بين ذراعيه وهو يقول بنبرة باردة:
نعم يا عمو، حضرتك عاوز حاجة"
رد عليه عمه بسخرية:
عمو؟ يا واد يا ملاك؟ شوف إحنا وحشيين إزاي، أخرة الأحضان دي إيه يا وليد؟"
حرك كتفيه وهو يقول ببراءة مصطنعة:
دا أنا بنفذ كلام الدكتورة مش كلامي، وأنتَ عرفني نقطة ضعفي سماع الكلام"
سأله عمه بسخرية تشبه طريقته:
ودي دكتورة مين دي يا أخويا؟ بتكشف عند أخت أسامة منير؟"
ضحك «طارق» و «وئام» على طريقة «محمد»، بينما «وليد» أضاف بثقة:
دي واحدة الله يباركلها إن كانت عايشة، و يرحمها إن كانت ميتة،إسمها فرچينا ساتير، قالت إيه بقى يا حمايا، ٤ أحضان يوميًا للبقاء على قيد الحياة، و ٨ أحضان لتأهيل نفسك، و ١٢ حضن للنمو السليم، ودا علشان نقلل التعرض للاكتئاب و نقدر نحل مشاكلنا، يرضيك بنتك تتجوز واحد غير مكتمل النمو وفاقد الأهلية؟"
نظر «محمد» له بإندهاش وهو يقول بنبرة متعجبة:
أنتَ من قلة أدبك محضر دكتوراه في الأحضان؟ طب يا أخويا ركز في حاجة تنفعك"
غمز له «وليد» بوقاحة وهو يقول:
ماهو دا اللي هينفعني"
ثم إلتفت يقبل «عبلة» من وجنتيها وهو يقول:
تصبحي على خير يا عبلة"
ثم وقف مقابلًا لـ عمه بعدها إحتضنه رغمًا عنه وهو يقول بمرحٍ:
تصبح على خير يا حمايا، عقبال ما أحضنك يوم فرحي إن شاء الله، ولا متجيش أحسن يجيلك جلطة"
أبعد عمه عنه ثم ترك الشقة،بينما «محمد» رفع صوته يقول:
هو أنا لسه هتجلط؟ ما خلاص يا إبن مرتضى جاتلي جلطة بسببك"
نظر له «وئام» متأسفًا وهو يقول:
أنا أسف يا عمي،هو بس بيحب الهزار حقك عليا"
ربت «محمد» على كتفه وهو يقول:
متقولش كدا، هو واد صعب، لولا هي بتحبه كان زماني مخلصهم من بعض"
أومأ له ثم قال:
عن إذنكم علشان هدى و هدير مستنيين آخدهم و أمشي"
سأله «طارق» متعجبًا:
ليه هتروحوا فين؟"
زفر «وئام» بضيق ثم قال:
مش عاوزين يقعدوا مع فاطمة، عاوزين يبعدوا عنها هاخدهم شقتي يرتاحوا فيها على ما الدنيا تهدا شوية"
تحدث «محمد» يقول بحزن:
عين العقل يا بني، ربنا يكرمك، خلي بالك منهم بس علشان هما دلوقتي موقفهم صعب أوي"
أومأ لعمه في هدوء ثم تركه ونزل لشقة عمه «محمود»، دخل الشقة وجد الحزن مخيم عليها، زفر بقوة ثم أمسك حقيبة زوجته و حقيبة «هدير» أيضًا، بينما «فاطمة» صرخت وهي تقول:
خليكم معايا أنتم هتروحوا فين؟ متسبونيش لوحدي"
تحدثت «هدى» تقول ببكاء:
مش هقدر أبص في عينك، ومش هقدر أفضل قاعدة في الجو المقرف دا، وقعادك لوحدك دا جزء صغير من اللي غيرك حسه بسببك، يلا يا وئام"
تمسكت بذراع «هدير» التي كانت بتكي بقوة ثم قالت:
حتى أنتِ هتسبيني؟ أنا بحبك يا هدير، أنا ماما اللي بجبلك اللي أنتِ عاوزاه؟ هتمشي أنتِ كمان؟"
إبتسمت «هدير» بسخرية مريرة وهي تقول:
ياريتك ما كنتِ عملتي كدا، خلتيني أنانية و وحشة و بكره الناس، بقيت بكره أشوف غيري مبسوط، خلتيني عاوزة الناس كلها تحت و أنا فوق، خلتيني عاوزة كل الحلو ليا والوحش للناس، أفرحي بقى بعد ما دمرتي كل حاجة، كان في إيدك تلحقي الدنيا دي كلها بس أنتِ فرحتي إن غيرك هتبقى صورته وحشة قدام الناس، بس الحق مش عليكِ، الحق عليا أنا علشان سلمت ليكم ودني ومشيت ورا كلامكم، يلا يا هدى خلينا نروح ننضف شوية"
ذهب الثلاثة من أمامها، بينما هي إرتمت على الأريكة ببكاء مرير ثم ضربت وجها عدة مرات بكفيها معًا، راقبها «محمود» من الداخل ثم أغلق باب غرفته وهو يضغط على جفنيه بشدة ثم ألقى بجسده الضخم على الفراش وهو يتنهد بحرارة.
_____________
وصل «ياسين» أمام شقته ينظم أنفاسه بعد ذلك اليوم المشحون، المليء بالمناوشات، دخل في هدوء فوجدهما في إنتظاره جلس مقابلًا لهما ثم قال:
السلام عليكم، أتمنى تكونوا كويسين"
نظرت والدته لوالده ثم قالت:
وعليكم السلام، إيه اللي حصل النهاردة يا ياسين؟"
نظر لها بثبات وهو يقول:
خير يا ماما حصل إيه يعني؟"
ردت عليه بثبات هي الأخرى:
المكالمة اللي جتلنا من عمة خديجة، دي إيه وبعدين مش فاهمة يعني إيه خديجة تتفق معاك تعالجها؟ إزاي توافق على حاجة زي دي؟"
نفخ هو وجنتيه بضيق ثم قال:
هو أنتِ هتصدقي كلام المجنونة دي؟ وبعدين مراتي مش مجنونة ولا فيها حاجة، هي بس كانت مخنوقة شوية"
سألته والدته بنبرة حائرة:
من إيه طيب يا حبيبي، أنا مصدقتهاش، بس عاوزة أفهم، ليه عمة مراتك تقول كدا؟"
زفر هو بضيق ثم قص عليهما القصة بإيجاز، دون التطرق إلى التفاصيل الخاصة، أنهى حديثه ثم قال:
هاه خلاص ارتحتي؟ أديني قولتلك"
نظرت له والدته بفخر ثم قالت:
أنا دلوقتي اتأكدت أني عرفت أربي، تسلم يا ياسين، ومراتك تحطها في عينك يا بني، دي غلبانة"
نظر لها بشكٍ وهو يقول مستفسرًا:
يعني أنتِ مش هتطلعي شغل الحموات على البت بعد كدا؟ وقبل أي حاجة أنا مش هسيبها ولا هبعد عنها"
حركت والدته كتفيها وهي تقول ببساطة:
أنا مقولتش سيبها ولا طلبت تبعد، وبعدين هو أنتَ فاكرني جهلة؟ أومال مدرسة بطلع أجيال إزاي وأنا مش عارفة أخلي عندهم سلام نفسي؟ إزاي أكون بطلع أجيال وأنا عنصرية مش عارفة أخليهم يساعدوا بعض، أنتَ فاكرني إيه يا ياسين ؟"
رد عليها مُردفًا بإحراج:
أنا مش قصدي حاجة، كل الفكرة أني خوفت من طريقة فهمكم للموضوع، وعلشان عارف إن هي تستحق تكون فرحانة بعد فرح ياسر و عامر هحدد معاد فرحنا، كفاية ضغط على أعصابها أكتر من كدا"
تدخل «رياض» يقول بهدوء:
عين العقل يا بني، وخليك أنتَ سندها يا ياسين، وطبعًا الكلام دا محدش يعرفه وياريت هي كمان متعرفش إننا عرفنا، علشان متحسش بإحراج"
نظر له «ياسين» متأسفًا وهو يقول:
للأسف هي عرفت النهاردة، عمتها منها لله قالت إنها كلمت ماما، وعكت في الكلام ساعتها خديجة طلبت تسبني علشان شكلي قصادكم وعلشان محدش فيكم يحس بالكسوف منها"
تدخلت «زهرة» تقول بنبرة حزينة لأجلها:
يا حبيبتي يا بنتي؟ هو فيه ناس مؤذية كدا؟ ياسين خلي بالك منها هي غلبانة والدنيا شكلها جت عليها، أوعى تكون أنتَ كمان عليها يا ياسين"
أضاف «رياض» يقول بحكمة:
أوعى تخليها تخاف معاك، حتى لو بيتها مش مطمنها خليك أنتَ مطمنها، صدقني يا بني اللي زي مراتك دي رزق، مفيش منها الأيام دي"
تنهد «ياسين» بعمق وهو يقول بحب وبنرةٍ حائرة:
أنا مش عارف مين فينا اللي محتاج التاني أنا ولا هي، ساعات بحس إني مطمن علشان هي معايا، وساعات بحس أني أقدر أعمل أي حاجة علشان بس هي معايا، أنا مجرد ضحكة منها بحس أني مبسوط وأني عملت إنجاز، اللي محيرني إزاي باخد قوتي من إنسان ضعيف زيها، إزاي ضعفي بيبان قدامها وأنا عمري ما عرفت أبينه حتى قدام نفسي"
رد عليه «رياض» وهو يضحك بهدوء:
علشان هو دا الجواز يا ياسين، الجواز سكن، أتنين بيسكنوا بعض، سيبك بقى مين ليه إيه ومين عليه إيه، هو علاقة مقدسة ربنا خلقها في أحسن صورة وعظمها في كتابه، مجرد أتنين غُرب عن بعض ربنا ربط كل الطرق علشان يجتمعوا، وقلبين بيرتبطوا ببعض علشان كل واحد فيهم يربط على التاني في حزنه، متسألش ليه بقى علشان دا السر اللي ربنا خلق بيه العلاقة دي، علاقة الزواج، يد تطيب، عقل يكمل عقل، قلب بيربط على قلب تاني"
أومأ له «ياسين» ثم إرتمى برأسه على فخذ والدته، التي مدت أناملها تداعب خصلاته، أغلق هو جفنيه ثم غاص في ثباتٍ عميق، بينما نظرت هي لزوجها وجدته يبتسم لها فبادلته نفس البسمة.
__________
في اليوم التالي كانت الأوضاع أهدأ كثيرًا، أما «مشيرة» فظلت على وضعها كما هي مستسلمة لنومها، قام «وليد» بتغيير المحلول لها قبل المغادرة لعمله، أما «خديجة» فجلست بجانبها تقرأ في المصحف لها، وبجانبها «زينب» و «مروة» التي كانت تنظر لإبنها بضيق من تخبئته عليها أمر علاجه من الإدمان، لم يذهب «طه» مع أخوته للعمل، إنما ذهب مع «ياسين» للطبيبة النفسية، رحبت هي بهما فوجدته يقول بخزي:
أنا طه أبو خديجة، أنا بس عاوز أعرف بنتي كان مالها"
نظرت هي في وجهيهما ثم قالت:
بنت حضرتك كان عندها رهاب إجتماعي واضطرابات نفسية كتير نتيجة تعامل حضرتك ليها، خديجة للأسف من كتر تعرضها للعنف كانت أحيانًا بتخاف من نفسها و تفكيرها، خديجة مشيت مشوار طويل علشان تخلص من خوفها، والحمد لله الفضل بعد ربنا يرجع لياسين"
نظر لها «طه» بإنكسار وهو يقول:
طب وهو مجرد معاملتي ليها هي اللي عملت فيها كدا؟"
أومأت له بثقة ثم قالت:
للأسف يا أستاذ طه، فيه فرق بين الطفل الساكت علشان خايف من أهله وبين الطفل الساكت علشان محترم أهله، فيه فرق بين طفل بيعمل اللي بيطلب منه بحب لأهله، وبين اللي بيعمله بخوف من رد فعلهم، للأسف يا أستاذ طه خديجة كل حركاتها كانت خوف منك ومن رد فعلك"
سألها هو بنبرةٍ مهتزة:
طب وهو أنا ممكن أعمل إيه علشان أعوضها؟ أنا مش عاوز كرهها يكبر ناحيتي"
حركت كتفيها تقول ببساطة:
عوضها يا أستاذ طه، قرب منها واتكلم معاها، هاتلها عروسة بدل اللي وزعتهم على بنات العيلة، خدها وانزلوا إشتروا طلبات البيت سوا، خد رأيها في حاجات تخصك، واحدة واحدة التلج دا هيدوب، صدقني يا أستاذ طه خديجة بس عاوزة تتحب وحد يحسسها إنها كل دنيته، هي لو لقت دا منك، مستحيل تقابل الحب دا برفض أو كره، حتى أسأل أستاذ ياسين"
نظر هو لها ثم نظر لـ ياسين، بعد ذلك أومأ لها ثم وقف حتى يرحل ، نظر لها «ياسين» فوجدها تومأ له بثقة تركها هو الأخر ثم خرج خلفه، نزلا كلاهما من العيادة فأوقفه طه حينما أحتضنه مرةً واحدة وهو يقول بنبرة شبه باكية:
شكرًا يا بني، ربنا يكرمك ويعوضك، جميلك دا في رقبتي، أنتَ رجعت لي بنتي تاني بعد ما كانت زي الأموات"
سرت رعشة تشبه الكهرباء في جسده نتيجة تفاجئه برد فعل «طه» لكنها لم تدم طويلًا حيث رفع ذراعه يحتضنه هو الأخر ثم قال:
أنا مش عاوز شكر يا عمي، أنا عاوزك تخلي بالك من خديجة، علشان اللي معاه خديجة بيفضل طول عمره كسبان، خديجة هي الراحة وسط تعب الدنيا كله"
خرج «طه» من بين أحضانه ثم قال:
يارتني كنت عرفت أحب بنتي زي ما أنتَ حبيتها كدا، مكانش زماني ببكي كدا"
ربت «ياسين» على كتفه ثم قال:
متزعلش نفسك، وعلى فكرة أنتَ بتحبها، بس محتاج تخرج حبك دا علشان تحس بيه، وهي كمان بتحبك أوي"
أومأ له «طه» ثم قال:
معاك حق، يلا أنا هلحق أروح الشغل علشان أخواتي مستييني هناك"
أومأ له «ياسين» ثم تنهد بعمقٍ، ركب «طه» سيارته ثم ركب «ياسين» هو الأخر سيارته وذهب لعمله بعدما أخذ الإذن لذلك المشوار.
______________
في شركة أحفاد آلـ «الرشيد» كان «طارق» يحاول الوصول لـ «حسان» مرارًا و تكرارًا عبر الهاتف لكن دون جدوى، وقف فجأة وهو يقول لوليد:
أنا هروح أشوفه في المحل، كدا مش هينفع"
وقف «وليد» بجانبه وهو يقول بهدوء:
طب إهدا كدا طيب، ويلا نروح سوا"
خرج الأثنين معًا من مقر عملهما، ثم ركبا سيارة «طارق»، بعد القيادة أوقف السيارة أمام المول، دخلا معًا كلاهما، ولكنهما تفاجأ حينما وجدا المحل الخاص به مغلق، نظر «طارق» لـ «وليد» وهو يقول بحنقٍ:
دا إسمه إيه إن شاء الله؟ حسان هرب تاني يا وليد؟"
حرك «وليد» كتفيه وهو يقول:
أكيد ملحقش يا طارق، ممكن يكون بس فيه حاجة، جرب تتصل كدا"
حاول «طارق» من جديد لكن دون جدوى، وضع الهاتف في يد «وليد» بضجرٍ وهو يقول:
اتفضل مبيردش، الأستاذ مش بيرد، بيهرب مننا"
نظر «وليد» حوله، وثوانٍ وابتهج وجهه، ترك هو «طارق» ثم ذهب إلى رجل يبدو عليه الوقار، وقف أمامه وهو يقول:
حضرتك أستاذ عماد صاحب المول صح؟"
أومأ له «عماد» وهو يقول بتعجب:
ايوا أنا مين حضرتك؟"
مد «وليد» يده يقوم بتحيته وهو يقول:
معاك وليد الرشيد، مدير تنفيذي في شركة الرشيد للدعاية والإعلان"
مد «عماد» يده يقوم بتحيته وهو يقول بحبور:
آه أهلًا و سهلًا، اؤمر"
إبتسم له «وليد» وهو يقول بثبات:
إحنا كنا جايين بخصوص أستاذ حسان علشان الشغل بتاع المحل بتاعه، بس هو قافل المكان والتليفون بتاعه مش بيرد ممكن لو حضرتك تعرف مكانه علشان شغله بس ميتعطلش"
رد عليه «عماد» بحماس:
آه طبعًا مفيش مشاكل، اكتب العنوان عندك، هو جاري كمان وساكن معايا في نفس البيت"
إلتمعت أعين «وليد» بخبثٍ ثم قال:
ونعم الجيرة يا أستاذ عماد"
عاد مرةً أُخرى لـ «طارق» الذي كان يراقبه بتعجب وهو يقول:
يلا يا طارق عرفت مكان حسان،تعال معايا"
سأله «طارق» بتلهفٍ واضح:
عرفت مكانه؟ عرفت إزاي قولي"
نظر له «وليد» بثقة وهو يقول:
دي حاجات كبيرة عليك، لما تكبر هقولك"
تركه وهو يضحك بغرور،بينما «طارق» ركض خلفه بقوة.
في شقة «حسان» كان جالسًا و «جميلة» أمامه تسأله بنبرة شبه باكية:
علشان خاطري قولي قبرها فين؟ خدني أزوره مرة واحدة بس"
هب هو واقفًا بضيق وهو يقول بحنقٍ:
خلاص يا جميلة، أنا تعبت من إمبارح مش وراكي سيرة غير قبر أمك، قولتلك نسيت مكانه وأنا معرفوش"
وقفت هي الأخرى تقول بصراخ:
يعني إيه متعرفوش، أنتَ بتهرب مني ليه؟ أنتَ لو مش خايف من حاجة مش هتقعد من الشغل النهاردة، ريحني وخليني ازور قبرها"
قبل أن يُعقب عليها صدح صوت جرس الباب، نفخ هو وجنتيه ثم تركها وذهب حتى يفتح الباب، لكنه تفاجأ حينما وجد «طارق» و «وليد» ينظرا له بخبثٍ وأول من تحدث كان «وليد» حينما قال بمرحٍ خبيث:
عمو حسان، وحشتني أوي"
دخل «حسان» ثم أولاهما ظهره وهو يقول بضيق:
اتفضلوا خير، الشغل هنا كمان"
خرجت «جميلة» بعدما إرتدت إزدالها وتحمل في أيديها العصير، نظرت لكليهما بشوق فاضح وكأنها تحاول إستبيان الشبه بينهما وبين والدتها، رحبت بهما، بينما «حسان» صرخ بها قائلًا:
أنتِ خرجتي ليه، أدخلي أوضتك تاني"
أوشك «طارق» على الإقتراب منه حتى يعنفه، فوجد «وليد» يضغط على كفه، فأغلق جفنيه بشدة حتى يتحكم في نفسه، بينما هي نظرت بتحدٍ لوالدها وهي تقول:
كان زمان يا بابا، بس دول قرايبي وأنا عرفت إن أمي أسمها مشيرة فايز الرشيد، وهما أحفاد فايز الرشيد"
إتسعت مقلتي «حسان»، بينما هما نظرا لبعضهما البعض بإندهاش، فإقتربت هي تقف قبالتهما وهي تقول بترجي:
علشان خاطري حد فيكم ياخدني ازور قبرها، مرة واحدة بس"
إرتسمت بسمة خبيثة على وجه «وليد» وهو يقول:
لأ لأ، إزاي تقولي كدا، هو فيه حد عايش بيكون ليه قبر برضه؟"
تبدلت ملامح الجميع وهم ينظرون له ، فوجدوه يقول بنفس الخبث:
زي ما سمعتي يا جميلة، ماما عايشة ونفسها تفرح بيكِ وتشوفك عروسة زي القمر"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل السادس والاربعون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل السادس و الأربعون"
__________
_"إني أراكَ بعين قلبي جنّةً
يا من بقُربك مُرّ الحياةِ يطيبُ!"
__________
أنا شخص بسيط أؤمن أن العلاقات خُلقت للراحة، للود والتفاهم واللين في التعامل بيننا، لم تُخلق للدفاع عن أنفسنا، لتجميلها، وللفوز في معارك المناقشات، كلمة لطيفة كفيلة بإنهاء أي خلاف لمجرد أنني أحبك.. أنا شخص أبسط من تعقيد العلاقات ."
ألم يحن الوقت حتى تكف تلك الصراعات و المناوشات؟ هكذا كان يفكر «حسان» بعدما تفوه «وليد» بجملته الأخيرة التي جعلت الرعشة تسير في الأجساد من هول المفاجأة، إقتربت هي منه بمقلتين على وسعيهما وهي تقول بذهول:
أنتَ بتقول إيه؟ مين دي اللي عايشة"
نظر هو في أوجه الجميع ثم أعاد بصره لها وهو يقول بنبرة جادة:
أمك مشيرة فايز أحمد الرشيد عايشة يا جميلة، ومستنياكِ ترجعيلها"
إلتفتت تنظر لأبيها ودموعها على وجنتيها دون إرادةً منها وهي تقول مستفسرة بنبرةٍ غير مصدقة:
رد عليه يا بابا، بيقولك إن أمي عايشة، رد وقول أي حاجة متسكتش كدا"
أخفض «حسان» رأسه في خزيٌ، فلم يقوى على الكذب أمام عينيها، بينما هي حركت رأسها وهي تقول بصراخ:
أنتَ بتسكت ليه قول أي حاجة يا بابا، رد أبوس إيدك"
_"عـــايــشـة، مـــشــيـرة عـايـشـة"
إرتمت هي على الأريكة من هول المفاجأة، بينما «وليد» و «طارق» نظر كلاهما لبعضهما البعض بأسى وحزن لأجلها، حركت هي رأسها عدة مرات وكأنها بذلك تخرج ذلك الحديث من أذنيها، ثم رفعت رأسها تنظر لوالدها وهي تقول بنبرة قوية جامدة:
أنتَ دلوقتي هتقولي كل حاجة، إزاي أمي عايشة وإزاي كل حاجة طلعت كدب كدا، فــاهــم"
أخذ نفسًا عميقًا بعدما صرخت هي بكلمتها الأخيرة، بعد ذلك جلس على الأريكة المقابلة لها وهو يقول بهدوء:
حاضر، حاضر يا جميلة"
ثم وجه بصره لهما وهو يقول بنبرة خالية:
أنا هقولك كل حاجة علشان أرتاح، يمكن أعرف أنام"
تدخل «وليد» يقول بسخرية مريرة:
لأ وأنتَ مسكين أوي مبتنامش كل دا"
زفر «حسان» بضيق ثم شَرَعَ في سرد الماضي بقوله:
أنا حسان عز أبو الفدا، كنت شاب في أواخر العشرينات لما أبويا مات و سابني مع عمي اللي كان ساكن معايا في نص البيت، وبما أني مليش حد، عرض عليا أتجوز بنت من بناته يا ياخد البيت كله لحسابه، رفضت الفكرة كلها، ودخلت ناس كبيرة حلوا المشكلة بينا، وعلشان أخلص من زنه نزلت القاهرة ساعتها اتعرفت على عبده لما أجرت أوضة فوق السطح عندهم، فضلت أدور على شغل لحد ما أبو عبده دا شافلي شغل عند فايز أحمد الرشيد في مخزن الأعشاب الطبيعية، قولت أهي أحسن من القعدة، وروحت أشتغلت معاه فعلًا، كان معايا مجدي و أخته مديحة و كنا إحنا التلاتة بنشتغل سوا، بس أنا من شطارتي في الحسابات الحج فايز عجبه شغلي، وعرفني على عياله، واعتبرني إبنه الخامس، ساعتها شوفت مشيرة هناك، كانت جميلة و رقيقة أوي، بس أنا علشان أمانة الراجل اللي دخلني بيته، طلعت الموضوع من دماغي وقولت أني لازم أفوق لشغلي، هي بصراحة كانت طيبة أوي وكانت ذوق معايا، كانت بتيجي الشغل عندنا علشان مديحة، أو أنا اللي كنت فاكر كدا، هي كانت بتيجي علشان مجدي، الحج فايز معجبوش الموضوع وحس بحاجة، ساعتها طلب مني أتجوزها، ولما أنا رفضت قالي إن بنته طيبة ومن غيره هتتعب، أنا مكنتش واخد بالي من موضوع مجدي دا، وفضلت مكمل في شغلي زي ما أنا، بعدها فايز بدأ يتعب وساعتها أمرني أتجوزها وهو كلمته كانت سيف."
أوقف حديثه وكأنه يرى الماضي يمر أمام عيناه، ثم أخذ نفسًا عميقًا، لكنه أعاد السرد من جديد بعدما قال «طارق» بضيق:
كمل، وقفت ليه؟!"
أومأ له ثم أستطرد حديثه قائلًا:
ساعتها أجبرها على الجواز وهي كانت بتحب مجدي، بس مجدي كان ملاوع وإبن سوق عاوز يوصلها علشان فاكر إن الحج كدا هيزود مركزه و يسلمه مخزن من بتوعه يديره، أتجوزتها وعيشت معاها في بيت الحج فايز بعدما بنى البيت الجديد وكان ليا شقة فيه، بعدها مات هو ومفيش شهور وحصلته الحجة، مشيرة كانت طول جوازنا بعيد عني و كرهاني، وخلفت مني جميلة برضه وهي كرهاني ساعتها قالتلي إنها ندمانة، فضلت عايش معاها علشان طلب أبوها وعلشان جميله اللي في رقبتي الراجل برضه شغلني وسكني وعملي قيمة وسط عياله وعمري ما حسيت بغربة وسطهم، بس للأسف هي الوحيدة اللي حسيت بالغربة وأنا معاها، بعدها هي عرفت إنها حامل، برضه كانت زعلانة وفي نفس الوقت فرحانة، أنا مكنتش عارف أعمل إيه بس كنت مستحمل طريقتها، بعدها خلفت جميلة وأنا كنت شوية في القاهرة وشوية مع طه و محمود في أسوان، وشوية مع مرتضى في السويس، علشان أسيبها براحتها، مع الوقت بدأت هي تعرف قيمة غيابي، بس كان فات سنين، لحد ما مجدي رجع بالجوابات دي تاني، وساعتها بعتهم ليها وقالها إنه هيتجوز ومش عاوز تكون بينهم، للأسف دا اللي عرفته متأخر لما طارق و وليد ظهروا"
سألته هي بنبرة مهتزة وخالية من المشاعر:
جوابات إيه دي؟ وكان فيها إيه؟"
نظر لها وهو يقول بنبرة موجوعة:
الجوابات الغرامية اللي كانت بينهم، جالي نسخة منها وخط مشيرة و إمضتها أنا حافظها صم، ومع الجوابات صور ليهم سوا في رحلة الحج فايز كان عاملها وكانوا ماسكين إيد بعض، بس كل دا كان قبل جوازها مني، ساعتها مديحة جت ورتني الصور والجوابات وقالتلي إن مشيرة وأخوها بيحبوا بعض، وإن هي هتبدأ تعاملني حلو علشان بس أأمن ليها وهي تطلق مني وترجعله، ساعتها الدم غلي في عروقي وكان قدامي إختيارين ملهمش تالت يا أقتلها و أشرب من دمها، يا أخدك وأهرب بيكِ منها علشان متتربيش على إيد واحدة زيها، ساعتها سألت فاطمة مرات محمود بحكم إنها كانت بتشتغل معاهم و قالتلي إنهم فعلًا كانوا بيحبوا بعض وكانوا مخططين للجواز، مقدرتش أواجه ساعتها علشان مموتهاش وبنتي تبقى بنت قتال قتلة، روحت بعدها من سكات للمأذون وطلقتها،وروحت بليل كانت نايمة، خدتك من حضنها ومشيت و سبتلها جواب، لكن اللي معرفوش إن فيه ناس بريئة هتتظلم بسببي، أنا عيشت عمري كله غريب و تايه مليش حد، شوفت فيها كل أهلي وهي شافتني مجرد عابر سبيل، مشيت وروحت إسكندرية تاني بعت الشقة لعمي وهناك جميلة تعبت وجالها تسمم، والناس افتكرتها ماتت، خدتها من المستشفى وطلعت بيها على عمتي في الصعيد، وهناك بدأت حياتي أنا وجميلة بعدما أقنعتها إن أمها ماتت، فضلت تعيط علشان خديجة و طارق بما إنهم هما اللي مربينها، مع الوقت نسيتهم أو عملت نفسها نسيتهم، وبس رجعنا هنا تاني علشان كل حاجة تبان وعلشان المظلوم حقيقته تبان"
وقفت هي بسرعة كبيرة كمن لدغتها حية وهي تقول بذهول:
أنتَ بتقول إيه؟ أنتَ أكيد بتكدب، أكيد كل دا مش حقيقة، أنتَ ليه بتقول كدا؟"
وقف هو مقابلًا لها يقول بنبرةٍ منفعلة:
لأ حقيقة، هي دي الحقيقة يا جميلة، أمك عايشة، و كل حاجة كانت بايظة بينّا، بس أنا حبيتها بجد، وهي بدأت تحبني بس في الأواخر، بعد ما كل حاجة كانت حلوة ضاعت"
صرخت «جميلة» في وجهه بإنفعال واضح:
أنتَ أناني، أنتَ اللي زيك مبيفكرش غير في نفسه، ليه ظنيت فيها السوء؟ ليه مسألتهاش؟ ليه مرجعتش تاني بعدما هديت شوية؟ ليه وجعت قلبها عليا؟ ليه فضلت مخبيني عليها، أنا لا يمكن أسامحك، أنا بـــكـــرهـــك"
إلتفتت تنظر لهما وهي تقول بنبرة لا تقبل النقاش:
وأنتو أنا هاجي معاكم علشان تاخدوني ليها سامعين؟"
نظر كلاهما لبعضهما البعض، فقال «وليد» بهدوء:
طب ريحي النهاردة، وبكرة أنا هاجي آخدك ليها، علشان هي تعبانة ومش هتقدر تشوفك"
صرخت في وجهه بنبرةٍ قوية منفعلة:
أنا قولت هروح أشوفها يعني هروح، فــاهـم..أنا هـرو..."
وقبل أن تُكمل جملتها سقطت مغشيةً عليها، فصرخ «طارق» بفزعٍ:
جَـــمــيـلــة"
بينما «وليد» إبتسم بسخرية وهو يقول:
أنا كدا اتأكدت إنها بنت مُشيرة"
___________
في بيت آلـ الرشيد قرب صلاة العصر كانت «خديجة» جالسة تنظر لعمتها بأسى، ففي خلال ساعات شحب لون بشرتها وظهر السواد أسفل عينيها، كانت «خديجة» تفكر، كيف لها أن تتحول في تلك الساعات القليلة إلى ما هي عليه الآن؟ تلك المرآة التي إمتهرت القسوة و الجبروت في شخصيتها، كيف للمرض أن يفعل بها تلك الأفاعيل؟"
وقبل أن تسترسل في التفكير فجأة صدح صوت هاتفها برقم «إيمان» ضغطت على زر الإيجاب فوجدت «إيمان» تقول بإنفعال ونبرة قوية:
أنتِ فين يا بت يا خديجة؟"
تفاجأت «خديجة» من نبرتها لكنها ردت عليها بهدوء:
إيه يا إيمان؟ أنا في البيت"
ردت عليها «إيمان» بحنقٍ:
يا نهارك مش فايت؟ بصي يا بت أنتِ قدامك نص ساعة تكوني في بيت ميمي، لو روحت يا خديجة وأنتِ مش هناك ساعتها هجيبك من شعرك بجد، ســامـعـة؟"
ردت عليها «خديجة» بخوف:
حاضر.. حاضر والله هاجي متخافيش"
في تلك اللحظة دخلت «زينب» الغرفة، فقطبت جبينها حينما سمعت حديث إبنتها، أغلقت «خديجة» الهاتف، فوجدت والدتها تسألها بتعجب:
كنتِ بتكلمي مين يا خديجة؟و هتروحي فين؟"
ردت عليها بقيلة حيلة تقول:
دي إيمان مرات واحد من صحاب ياسين، والمفروض إن هما عاوزني معاهم النهاردة، بس أنا هكلمها شوية كدا و أقولها أني مش هعرف أروح علشان فيه ظرف عائلي"
سألتها «زينب» بتعجب:
ليه يعني؟ ما تروحي فيها إيه؟"
ردت عليها «خديجة» بتوتر و بنبرةٍ مهتزة:
بصراحة محرجة علشان عمتو تعبانة، يعني هي تعبانة و مصدومة وكل شوية الدكتور يجي هنا، مش حلوة أروح أفرح مع صحابي"
إبتسمت «زينب» لها بحنو وهي تقول:
أنا بحبك يا خديجة"
تفاجأت «خديجة» من قول والدتها فإتسعت مقلتيها بشدة، لكنها وجدتها تقول بنبرة متأثرة وأعين باكية:
متستغربيش، أنا بحبك فعلًا، علشان قلبك جميل أوي، في عز كل اللي حصلك لسه قلبك بيحس باللي حواليه، ولسه بتخافي على زعل غيرك، حد غيرك كان عمل فرح علشان مشيرة حصلها كدا، بعد اللي شافه منها، لكن أنتِ قلبك أبيض أوي يا حبيبتي، علشان كدا ربنا هيجبر بخاطرك و يعوضك"
إقتربت منها «خديجة» ثم مالت بجزعها على كف والدتها تقبله ثم قالت بنبرة شبه باكية:
وأنا كمان بحبك، علشان استحملتي كتير، وكله علشاننا في الأخر، وأنا والله مش عاوزة حاجة من الدنيا غير أني أكون إنسان طيب والناس كلها بتحبني و تأمن ليا، ياسين قالي إن دي أهم حاجة في الحياة إننا نحافظ على قلوبنا من السواد و الشر، ساعتها حياتنا هتكون حلوة"
ربتت والدتها على رأسها وهي تقول بحب:
ربنا يكرمك و يكرمه يا خديجة، ياسين دا بقى في غلاوتك ويمكن بقيت بعتبره أبني كمان"
ضحكت هي ثم قالت بحب:
هو بصراحة ميستاهلش غير الحب بس، إنسان نضيف ربنا خلقه علشاني و خلقني علشانه، ياسين بعد ما كان أهم حاجة في حياتي بقى هو كل حياتي، عالجني و صالحني و خلاني أشوف الحياة بعيونه هو، حتى لما قولتله يسبني لقيته رجعلي تاني، ياسين ميستاهلش غير إنه يتشال في العين"
كان يسمع حديثها عبر هاتف «خلود» بعدما حاول الوصول لها لكنه فشل، إبتسمت «خلود» بخبثٍ وهي تسأله بنبرةٍ هامسة:
ها؟ إيه رأيك يا أستاذ ياسين؟متنساش الحلاوة"
تنحنح هو ينقي حنجرته من إثر تلك المشاعر القوية التي داهمته بغتتة من حديثها وبعد نجاحها في ذلك رد عليها بهدوء وبنبرة الفرح ظاهرٌ بها:
متشكرين يا خلود، ومن عينيا الأتنين لكِ، هو أنتِ فيه أعز منك يا غالية؟"
أغلقت معه الهاتف ثم تصنعت اللامبالاة وكأنها لم تسمع شيئًا مما تفوهت به «خديجة» بعد دخولها الغرفة قالت بهدوء:
خديجة أفتحي تليفونك علشان ياسين حاول يكلمك مش بتردي"
قطبت جبينها وهي تنظر للهاتف في يدها فوجدته نافذ الطاقة، ضربت رأسها بكفها وهي تقول:
فصل شحن، من الصبح شغال على القرآن جنب عمتو، وأكيد إيمان هتبهدلني"
ردت عليها والدتها بهدوء:
روحي يا خديجة ليهم، وأنا ومروة و سهير مع عمتك هنا"
تدخلت «خلود» تضيف مقترحة:
وخدي الباور بانك بتاع أحمد معاكِ علشان ياسين حاول يكلمك كذا مرة"
أومأت لهن في هدوء ثم إنسحبت إلى شقتها حتى تقوم بتبديل ثيابها، بينما «خلود» نظرت لعمتها ثم قالت بنبرةٍ خالية من المشاعر:
هي مطولة ولا إيه؟ خليها تفوق كدا علشان تشوف بنتها خلينا نشوف المرار اللي جاي علينا"
ردت عليها والدتها بنبرةٍ حانقة:
لمي نفسك يا خلود، دي عمتك برضه"
لوحت لها «خلود» بيدها بضيق ثم قالت:
نعملها إيه يعني؟ ربنا يشفيها ولا يهديها بقى، والله هي مش هتفوق غير لما أنا و وليد نقعد جنبها شوية"
إتسعت مقلتي «زينب» وهي تقول بخوفٍ زائف:
أنتِ و وليد مع بعض؟ قصدك تروح فيها"
حركت كتفيها بلامبالاة ترد على والدتها:
والله دا هيبقى قضاء و قدر"
____________
بعد مرور النصف ساعة كانت «خديجة» تقف أمام شقة «ميمي» ضربت الجرس، فقامت «إيمان» بفتح الباب وهي تقول بهدوء بث الرعب داخل «خديجة»:
آهلًا و سهلًا بالهانم اللي بتقفل الموبايل،دا أنتِ مصيبتك سودا"
تلعثمت «خديجة» وهي تُجيبها في هدوء:
ثواني بس ريحي نفسك، أدخل جوة وأعملي اللي عاوزاه فيا"
إبتعدت «إيمان» عن الباب حتى تفسح لها المجال في الدخول للشقة، دخلت هي وألقت التحية على الجميع وجلست بجانب «ميمي» التي قالت لها بحب:
نورتي يا حبيبتي، كدا كل دا مشوفكيش؟"
ردت عليها «خديجة» متأسفةً:
حقك عليا يا ميمي، بس حصل شوية لغبطة كدا، وبعدين هما يومين بس مش كتير"
تدخلت «سارة» تقول بحماس:
والله لو ساعة برضه بالنسبة ليها كتير، هي كدا من حبها فينا بتشوف الوقت كتير في بعدنا"
أضافت «ريهام» تقول بحب:
أنا بصراحة بحبها أكتر من أمي، هي وماما عفاف مامة خالد، أحن عليا من أمي والله"
جلست «إيمان» تقول بضيق زائف:
أنا بقى مش بحبها، علشان بغير على ياسوري منها، وهتجوزه ومش هخليه يشوفها تاني، يا أنا يا أنتِ يا ميمي"
ردت عليها «ميمي» بإستفزازٍ حتى تثير حنقها:
بعينك يا إيمان، أنا الأولى في قلب ياسر وبرضه هيرجعلي علشان عيوننا زرقا زي بعض"
نفخت «إيمان» وجنتيها بضيق وهي تنظر لـ «ميمي» بشررٍ يتطاير من عينيها، في تلك اللحظة دلف الثلاثة شباب دون «ياسين»، ألقوا التحية عليهن، كانت هي تبحث عنه بعينيها فلم تجده، بينما «ياسر» سألها بهدوء:
هو ياسين مجاش معاكِ؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول:
لأ للأسف، هو غالبًا ميعرفش إن أنا هنا"
رد عليها «خالد»:
متخافيش هو عرف علشان ريهام قالتلي إنك هتيجي هنا وأنا كلمته وعرفته"
أومأت له في هدوء فوجدت «إيمان» تقول لزوجها بطريقة مثل طريقة الأطفال:
ياسر ميمي بتقولي إنها الأولى في قلبك و إنك هترجعلها علشان عيونها زرقا، رد عليها وقولها إن قلبك ليا أنا"
إبتسم هو بمرحٍ ثم قال:
مقدرش اكدبها، ميمي دي حبي الأول"
تدخل «عامر» يقول بحنقٍ:
حب مين يا حبيبي؟ ميمي حبيبتي أنا ، وبعد فرحي أنا و سارة هتجوزها"
رد عليهما «خالد» بضيق زائف:
لم نفسك أنتَ وهو علشان ميمي تخصني أنا وأنا الكبير هنا"
دلف «ياسين» في تلك اللحظة وهو يقول:
ميمي مين اللي تخصك؟ ميمي لياسين و ياسين لميمي معروفة"
ضحكت هي بغرور وهي تنظر للفتيات ثم قالت:
هيموتوا بعض عليا، مش ممكن"
ضحك الجميع عليها، بينما «ياسين» ذهب إليها يقبل قمة رأسها وهو يقول بحب:
أنتِ مجاش أعز منك يا ميمي، ومش هيجي"
نظرت له بخبثٍ وهي تقول:
يا واد بطل كدب، دا أنتَ عينك منزلتش من عليها من ساعة ما دخلت الشقة"
ضحك هو ثم إحتضنها بقوة، بينما «خديجة» أخفضت رأسها في خجلٍ، بعد ذلك تحدث هو بعدما جلب مقعد صغير جلس عليه بجانبها موجهًا حديثه لـ «عامر»:
ها خير يا أستاذ عامر، مجمعنا ليه؟ إيه المهم اللي مخليك تزن علينا من الصبح؟"
إبتسم «عامر» يقول بفرحة:
النهاردة هننقل العفش اللي في شقة ميمي على شققنا أنا و ياسر، أنا ظبطت كل حاجة"
قطب «خالد» جبينه يسأله بتعجب:
طب مقولتش ليه؟ كنا عملنا حسابنا؟"
رد عليه بثقة:
متخافش أنا مظبط كل حاجة ومكلم عمار أخويا وهو كلم زيزو صاحبه يجيب عربيتين واحدة ليا و واحدة لياسر"
أومأ له الجميع فأضاف «خالد» يقول بحكمة:
بقولك إيه، عاوزين كل حاجة بالعقل من غير شوشرة و فضايح، يعني في المعقول علشان ربنا يكرمنا كدا"
إرتمى «عامر» عليه يحتضنه وهو يقول:
متخافش يا حبيب أخوك، كل حاجة في هدوء و..."
قبل أن يكمل جملته إرتفع صوت الألعاب النارية التي تُضرب في المناسبات الشعبية، جحظت أعين الجميع، فخرج «عامر» من بين ذراعي «خالد» الذي قال بشكٍ:
إيه الأصوات اللي برة دي يا عامر؟"
رد عليه «عامر» بتوتر و تلعثمٍ:
أصل...أصل أنا نسيت أقولك إن زيزو هيجيب شلته كلها علشان يجاملونا"
عض «خالد» على شفته السفلى وهو ينظر له بشررٍ يتطاير من عينيه، بينما الجميع حاولوا كتم ضحكاتهم، وفجأة إرتفع صوت الموسيقى الشعبية مصاحبًا صوت الألعاب النارية، فقال «خالد» بنبرة منفعلة:
و إيه اللي أشتغل دا كمان؟"
رد عليه بنفس التوتر:
أصل..أصل زيزو شغال على دي _جي، وبعدين عاوزني اقولك الليلة هتبقى سكيتي وهي هتبقى حنة بلدي؟"
امسكه «خالد» من فروة رأسه وهو يقول بضيق وبنبرةٍ حانقة:
أعمل فيك إيه؟ أموتك وأخلص منك؟، علطول كاسفنا كدا؟"
مد «عامر» يده ثم أمسك فروة رأس «ياسين» وهو يقول بنبرة حانقة:
سيب شعري يا خالد، علشان أسيب شعر ياسين"
رد عليه «ياسين» بنفس الحنق:
أنا مالي يا متخلف أنتَ وهو؟ سيبوني!!"
رد عليه «خالد» بعناد:
طب مش سايب وروني اللي عندكم"
مد «ياسين» ذراعه يمسك فروة رأس «ياسر» وهو يقول بإختناق:
سيبوني، علشان أسيب ياسر"
كانت الفتيات تنظر لهم بضحك و إستمتاع عدا «خديجة» التي كانت تشاهد ما يحدث بخوف، لكنها فجأة شعرت بالدهشة حينما سمعت «ياسر» يقول بعدما أمسك فروة رأس «خالد»:
سيبوني و أنا أسيب خالد"
فجأة قام «عامر» بركل «خالد» في بطنه بقدمه وهو يقول:
الأول، وأدي خالد"
قام «خالد» ينظر له بشررٍ يتطاير من عينيه ثم ركل «ياسين» وهو يقول:
وأدي ياسين"
قام «ياسين» بركل «ياسر» وهو يقول:
يا سلام وأهو حبيبكم ياسر"
رد عليه «ياسر» بضيق:
حلو أوي كدا يا هندسة"
قال جملته ثم ركل «عامر» في معدته وهو يقول:
وأهو سي زفت عامر"
قالت «خديجة» بخوف:
يا جماعة حد يفكهم كدا هيموتوا بعض، دي أول مرة تحصل"
وفجأة وجدتهم يجتمعون فوق بعضهم البعض وكلًا منهم يقوم بدغدغة الأخر و ضحكته على أعلى درجاتها ، إتسعت مقلتيها بتعجب، فوجدت «ميمي» تقول بنبرة ضاحكة:
هو دا هزارهم، هزار بهايم شوية، بس في الأخر بتخلص عليهم لما يفرهدوا ويترموا على الأرض"
نظرت لهم وجدتهم جميعًا يرتمون على الأرضية، وهم يلهثون بقوة وكأنهم بذلوا قصارى جهدهم في تلك اللعبة السخيفة، فجأة وجدت «خالد» يهندم سترته الچينز وهو يقول بطريقة جدية:
يلا علشان الناس مستنية تحت"
وقف الجميع بنفس الجدية يتبعونه وكأن شيئًا لم يكن، أما «ياسين» فقال بهدوء:
أنا هدخل أغير هدومي علشان الهدوم دي متتبهدلش، عن إذنكم"
أومأ له الجميع حتى هي فقال هو بهدوء:
معلش يا خديجة تعالي عاوزك ثانية"
نظرت حولها بحرجٍ وكأنها تنبهه بمكانهما، فوجدت «ميمي» تقول:
روحي شوفي جوزك يا خديجة، يلا قومي"
دخل هو الغرفة وهي تتبعه بهدوء، دخلت هي تبحث عنه في الغرفة فوجدته يغلق الباب من خلفها وهو يقول بخبثٍ:
وقعتي ومحدش سمى عليكِ يا قطة"
إلتفتت تنظر له بخوف وهي تقول بتلعثمٍ:
مالك بس يا ياسين؟ إهدا"
نظر لها بهدوء وهو يقول:
تليفونك كان مقفول ليه؟ و جيتي هنا إزاي من غير ما تقولي لشوال البطاطا اللي في حياتك؟"
ردت عليه بتلعثم نتيجة خوفها:
والله كان فاصل شحن، وبعدين أنا جيت هنا علشان إيمان حلفت تجبني من شعري"
رفع حاجبه مُتعجبًا منها وهو يقول:
هي إيمان دي إيه؟ مخوفاكم كلكم ليه؟"
ردت عليه بسرعة كبيرة:
مش عارفة والله هي شخصيتها قوية، وعلطول بنسمع كلامها"
باغتها هو بإحتضانه لها وهو يقول بعدما أخذ نفسًا عميقًا:
وحشتيني، وحشتيني أوي يا خديجة"
إتسعت حدقتيها بتعجبٍ منه، فوجدته يضيف هامسًا بهدوء:
وحشتيني و تعبتيني يا خديجة"
رفعت ذراعيها تحتضنه وهي تقول بتعجب:
مالك بس يا ياسين؟ ما أنتَ كنت كويس وعمال تهزر؟"
إبتعد عنها نسبيًا وهو يقول بهدوء:
الأكشن اللي شوفته في بيتكم إمبارح بوظ أعصابي، طبعًا شقة ميمي بالنسبة لبيتكم كوكي بارك؟"
ضحكت هي بقوة، فوجدته يضحك هو الأخر ثم قال:
والله العظيم حسيت إنكم في مسلسل هندي، ماهو مستحيل دا يكون واقعي"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بهدوء:
للأسف واقعي، هي عيلتنا كدا مرعبة شوية أو شويتين، بس المهم إننا خلصنا من كل دا، ناقص جميلة تشوف مامتها بس"
سألها هو بحنو:
وأنتِ كويسة صح؟ مش زعلانة ولا حاسة إنك متضايقة؟"
ردت عليه بقلة حيلة:
مش عارفة أحدد مشاعري، بس كل حاجة بالنسبة ليا غريبة أوي، أنا كنت هزعل فعلًا لو كنت مشيت و سبتني زي ما طلبت منك"
إبتسم هو بسخرية ثم أضاف قائلًا:
دا أنا مبعرفش أسيبك وأنتِ فرحانة،عاوزاني أسيبك وأنتِ زعلانة يا خديجة؟ وبعدين أنا وقفت جنب الباب علشان أشوف رد فعلك، ولما صرختي وأترميتي على الأرض، دخلت تاني مقدرتش أسيبك وأنتِ كدا"
إحتضنته بقوة وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية من تأثرها بحنانه:
أنا بحبك أوي و مش عارفة أقولك إيه؟"
شدد هو عناقه لها ثم قال بخبثٍ:
لأ متقوليش حاجة، أنا سمعت كل حاجة قولتيها لزوزو النهاردة"
إتسعت مقلتيها بشدة، فوجدته يقول بطريقة تُحاكي طريقتها في الحديث عنه مع والدتها:
هو بصراحة ميستاهلش غير الحب بس، إنسان نضيف ربنا خلقه علشاني و خلقني علشانه، ياسين بعد ما كان أهم حاجة في حياتي بقى هو كل حياتي، عالجني و صالحني و خلاني أشوف الحياة بعيونه هو، حتى لما قولتله يسبني لقيته رجعلي تاني، ياسين ميستاهلش غير إنه يتشال في العين"
خرجت من بين ذراعيه وهي تقول بنبرةٍ مندهشة:
أنتَ حفظت كلامي؟ دا أنا نسيت أنا قولت إيه"
إبتسم هو ثم ضربها على وجنتها بخفة وهو يقول:
أنتِ ياختي مش أنا، أنا مبنساش أصلًا"
نظرت له بخجل وهي تقول:
طب يلا نخرج علشان كدا عيب، وبعدين نشوف مين فينا بينسى"
نظر هو لها بتعبٍ مصطنع:
أنا تعبان والله، ما تيجي كدا نريح شوية، وبالمرة أقولك الشغل متعب إزاي؟"
إبتعدت عنه تقول بضيق زائف:
لم نفسك بقى عيب كدا، إحنا مش في بيتنا !!"
نظر هو لها بسخرية وهو يقول بنبرةٍ متهكمة:
بيتنا؟ هو فين بيتنا دا يا غالية؟ يسمع منك ربنا يا خديجة، وأشوفك في بيتنا يا رب"
ردت عليه هي بحب:
يا رب يا ياسين إن شاء الله"
ضحكت هي عليه بخفة ثم طبعت قبلة بسيطة على وجنته ثم تركته وخرجت من الغرفة، نظر هو أثرها بتعجبٍ بأعين على وسعها من هول مفاجأته ثم قال مندهشًا:
يارب يا ياسين؟؟! يــعنــي أنــتِ مـــوافــقـة؟"
رفع صوته في جملته الأخيرة وهو يسألها بإندهاش، فضحكت هي من الخارج بقوة، فقال هو بسعادة بالغة:
الله !! دي أول مرة متتهربش وتقولي لما أخف، لأ ثانية !! دي باستني !!"
خرج هو بعدما بدل ثيابه بأخرى بيتية مريحة، ثم نزل للشباب مباشرةً، بعدها صعد الجميع إلى شقة «ميمي» مرةً أُخرى حتى يقوموا بتنزيل الأشياء من شقتها، كان الجميع ملتفون حول السيارتين وهم ينهالون بالمباركات على الشباب ، فهم يحظون بالحب من المنطقة بأكملها، كان «عامر» يرقص فَرِحًا وسط الشباب بالألعاب النارية، وبعد قليل تشارك معه أصدقائه بعدما انتهوا من حمل الأجهزة، ورقصوا جميعًا بفرحة عارمة، بعد قليل تحركت السيارات إلى المكان الذي تقع به شقق الشباب، وقف «عامر» بجانب «ياسر» وهو يقول بغرورٌ مصطنع:
ياسين و عمار أخويا وشادي هيطلعوا حاجتي، وخالد و زيزو ومروان يطلعوا حاجة ياسر، يلا يا حبيبي أنتَ وهو"
نظر له كلاهما بحاجبٍ مرفوع بحنقٍ، فوجداه يقول بتكبرٍ:
جرى إيه يا حبيبي أنتَ وهو؟ إحنا عرسان مش هينفع نشيل، يلا ورونا الهِمة"
أومأ له كلاهما بضيق، ثم شرعوا جميعًا في حمل الأجهزة إلى الشقق، كان «عامر» جالسًا على مقدمة إحدى السيارتين وهو يراقص جزعه العلوي، أوشك «ياسين» على الإقتراب منه حتى يقوم بضربه، فوجد «خالد» يمسكه من مرفقه وهو يقول بهدوء خبيث:
خليه يرقص ورب الكعبة هرقصه أنا على حق، صبرك عليا"
كان «ياسر» يساعد الشباب بهدوء، لمحه «عامر» فقال بإنزعاج زائف:
يابني سيبهم هما يشيلو الليلة، خليك أنتَ برنس زيي كدا"
نظر له «خالد» وهو يلهث بقوة ثم قال:
ماشي يا إبن فهمي، ورب الكعبة هظبطك"
أطاح له «عامر» برأسه ثم رفع صوت الموسيقى عاليًا، إجتمع السكان إثر إرتفاع الصوت فوقف هو يقول بمرحٍ:
الله يبارك فيكم يا جماعة كلكم، أنا العريس أيوا، ودا أخويا عريس برضه معايا"
أنهال عليهما الجميع بالمباركات والتهنئات والترحيب بهما في المنطقة، أما «خالد» و «ياسين» فنظر كلاهما للأخر بتعجب بعدما وقفا سويًا بجانب بعضهما البعض بين البناياتين.
_____________
في شقة «حسان» أتى الطبيب يفحصها بعدما وقعت مغشيةً عليها، وقف الطبيب بعدما قام بإعطائها إبرة طبية، فسأله «طارق» بتلهفٍ:
طمني يا دكتور هي مالها؟"
رد عليه الطبيب بهدوء:
متقلقش هي بس أغمى عليها من قلة التغذية و واضح إنها اتعرضت لإنفعال شديد، المهم بس تاكل و تشرب سوائل كتير وياريت تتغذى كويس لأن واضح كدا إنها مهملة في صحتها"
نظر «طارق» لـ «حسان» بضيق ثم نظر للطبيب وهو يقول:
طب فيه أدوية أو حاجة مهمة نقدر نمشي عليها؟"
أومأ له الطبيب ثم أعطاه الروشتة الطبية وهو يقول مُردفًا:
آه طبعًا، دا دوا تاخده كل ٢٤ ساعة، و دا مكمل غذائي ياريت تاخده علشان شكلها عندها ضعف شديد، ربنا يطمنكم عليها"
أوشك «حسان» على ملاحقته، فأمسكه «وليد» وهو يقول بنبرةٍ منخفضة وصلت إلى مسامعه:
خليك أنتَ هنا علشان متحصلش بنتك، طارق لو مسكك ورب الكعبة مش هنلحقك"
نظر له «حسان» بتعجب فوجده ينظر أمامه وهو يقول:
وصل الدكتور يا طارق، وهات أنتَ الدوا، علشان عمو حسان مش معاه فكة"
أومأ له «طارق» بضيق ثم أشار للطبيب حتى يسبقه، نظر «وليد» في أثرهما وبعد تأكده من خروجهما من الشقة، ذهب خلفهما يغلق باب الشقة بالمفتاح، بعدها رسم ملامح مُرعبة على وجهه وهو يقول لنفسه:
استعنا على الشقا بالله"
دخل الغرفة مرةً أُخرى فوجد «حسان» جالسًا بجانب إبنته يبكِ بقوة وهو ممسكًا كفها بين كفيه، تحدث «وليد» يقول بهدوء:
بقولك إيه، خلصنا بس كدا علشان عاوزك ضروري، جو المشاعر الفياضة دي مش وقته"
ضغط «حسان» على جفنيه بشدة ثم قام وإتبع «وليد» إلى الخارج وهو يقول بنبرة جامدة:
خير يا أستاذ وليد؟ نعم !!"
إلتفتت «وليد» ينظر له بثقة وهو يقول:
أنعم الله عليك يا عمو حسان، دول يا سيدي وصلات أمانة لقيتها عندنا أنتَ ماضي عليها، خد بصة كدا؟"
مد يده بأوراق قديمة من دفتر إيصالات أمانة، أخذها «حسان» منه بيدٍ مرتجفة، نظر فيها ثم قال بهدوء:
و المطلوب مني إيه؟ و الوصولات دي مالها؟"
جلس «وليد» بثقة وهو يقول بمرحٍ خبيث:
أنا هقولك الورق دا ماله، كل الحكاية إن جميلة بنتك عرفت حقيقتك، وهتعرف حقيقة أمها برضه يعني أقل حاجة هتطلبها إنها تسيب الدنيا وتمشي، وطبعًا أنتَ الطرف الأقوى يعني ممكن تاخدها وتمشي تاني بعدما هي تعرف أمها عملت إيه، المهم الوصولات دي أنتَ كنت بتمضيها على نفسك علشان البضاعة اللي كنت بتروح تجيبها لجدي، كتأمين يعني"
رد عليه «حسان» منفعلًا بنبرةٍ حانقة:
أنتَ عاوز إيه؟ ما تخلصني"
أومأ له «وليد» وهو يقول بثقة:
الوصولات دي وقعت في إيدي من ضمن ورق كتير كان عند ابويا، المهم يا سيدي، دلوقتي لو أنا روحت زي الشاطر وقولت لكل العيلة إنك هربت علشان عليك وصولات أمانة لجدي و إن الحوار دا كله محصلش، وإنك هربت لما عمي طه قرر يطلب فلوس أبوه، فأنتَ قررت تهرب، تخيل بس لو عيلة الرشيد كلها سمعت الكلام دا، لو كل واحد فيهم بس سلم عليك، مش هنجيب دكتور يخيط لأ، دا العباسية كلها بطقم العمال هتخيط فيك يا حسان"
نظر له «حسان» بثقة وهو يقول بسخرية:
وهما بقى هبل و هيصدقوا، وأصلًا الإيصالات دي ملهاش لازمة، دي فات عليها زمن يعني قانونًا مينفعش"
أومأ له «وليد» ساخرًا وهو يقول:
يا جدع دول فضلوا ١٥ سنة مصدقين إن زينب هي اللي عملتها، هيجوا دلوقتي ويكدبوني، وبعدين عجبتني مذاكر قانون كويس، بس للأسف مش مذاكر وليد الرشيد!!"
سأله «حسان» بضيق:
يعني إيه برضه مش فاهم؟"
مال «وليد» بحزعه العلوي يقول بثقة:
الحق بالمطالبة في القانون يسقط بالتقادم بعد ١٥ سنة، يعني لو الوقت دا فات لا يجوز للدائن مطالبة المدين بحقه، و أنتَ كنت بتمضي من غير تواريخ، أنا بقى علشان مش محترم كتبت تاريخ قبل دا بعشر سنين يعني قانونًا معايا كام سنة محترمين أعرف أطالب بحقي بصفتي من ضمن ورثة فايز الرشيد، يعني على ما المحكمة بقى تشوف الحقيقة و الوصولات دي يتعملها صحة توقيع طبعًا دا غير عقد الشقة اللي بإسمك ودا برضه أقدر أطالب بحقي فيها، وعلى ما يدققوا في الخط، هتكون عيلة الرشيد كلها خدت حقها منك، علشان كدا أسمعني كويس فاللي هقوله دا"
شَحبَ وجه «حسان» وهو يستمع إلى حديث «وليد»، فوقف مرةً واحدة وهو يقول:
يعني إيه اللي أنتَ عاوزه دا؟ أنتَ مجنون يا وليد؟"
أومأ له «وليد» موافقًا وهو يقول بثقة:
أيوا مجنون و كنت مدمن و شمام، يعني من الأخر تربية مصحة إدمان، خلينا بقى نخلص من الفيلم الهندي دا علشان لسه ورايا فرح ومصاريف جواز، وأنتَ عارف يا عمو العيشة بقت صعبة"
نظر له «حسان» بسخرية لازعة وهو يقول بمرارٍ:
ياه على الدنيا...بقى دا وليد اللي كنت بشيله على رجلي ألاعبه لحد ما ينام في حضني؟ دا أنتَ اتربيت في شقتي أنا وعمتك"
رد عليه «وليد» بسخرية مماثلة سخريته:
بس متقولش شقة بس، وبعدين التربية طمرت وطلعت الله أكبر عليا واد مفتح، ركز بس أنتَ في اللي جاي علشان يوم الجمعة، يوم المواجهة"
أتى «طارق» ووقف يضرب الجرس، قام «وليد» يقول بثقة ومرحٍ:
خليك أنتَ يا عمو علشان صحتك، أنا هفتح الباب"
قام «وليد» بفتح الباب، فدخل «طارق» يحمل أكياس بلاستيكية من الأطعمة المتنوعة ومعه الدواء، وضع الأشياء على الطاولة ثم قال بنبرة جامدة:
الحاجات دي علشانها، ياريت تهتم بيها و بصحتها وتركز معاها"
أضاف «وليد» يقول بخبثٍ:
ياريت علشان لما ناخدها تشوف ماما يوم الجمعة يكون في الخير و البركة إن شاء الله، ولا ماما تيجي تأكلها بنفسها؟"
نظر «حسان» لهما بجمود ولم يعقب، بينما «طارق» دخل الغرفة ينظر عليها قبل رحيله، وجدها تبكي بصمتٍ على الفراش، حمحم هو بهدوء ثم وقف أمام الفراش وهو يسألها بنبرةٍ حاول صبغها بالنبرة الطبيعية:
عاملة إيه دلوقتي؟ طمنيني؟"
دخل خلفه «وليد» و «حسان» بينما هي نظرت له ببكاء ولم تعقب، سألها تلك المرة «حسان» بنبرة حزينة موجوعة:
طمنيني عليكِ يا جميلة، طمنيني عليكِ يا بنتي"
صرخت هي في وجهه بإنفعالٍ واضح:
مــتــقــولــش بــنــتـي، فاهم، أنتَ مش أب،أنا بكرهك"
أخفض رأسه في إنكسار، بينما «وليد» قال في هدوء:
طب يلا يا طارق ننزل نروح إحنا علشان شغلنا الواقف دا"
هبت هي منتفضة في جلستها وهي تقول بفزعٍ:
انتو رايحين فين؟ أستنوا هنا"
نظر لها كلاهما، فقالت هي مقررةً:
أنا هاجي معاكم علشان أشوف أمي، أنتو هتاخدوني ليها"
نظر لها كلاهما بهدوء، فقالت هي بضيق:
أنا مش هستناكم تبصوا لبعض، أنا عاوزة أشوفها"
تحدث «طارق» يقول بهدوء وكانت نبرته مهتزة تدل على إضطراب موقفه:
للأسف مش هينفع هي مسافرة بتعمل إشاعات وتحاليل وهترجع يوم الجمعة"
سألته هي بخوف و بنبرة باكية:
هي مالها فيها إيه؟ أنتو قولتوا إنها مستنياني، صح؟"
بكت في كلمتها الأخيرة، فجلس «طارق» بجانبها يقول بحنوٍ بالغ:
مستنياكِ والله، بس هي مع خالك بتعمل إشاعات وهترجع تاني، أنتِ بقى خلي بالك وكلي كويس علشان الدكتور كان هنا وقال إنك مهملة أكلك و صحتك"
نظرت له مُتعجبة بنظرة وجع وهي تقول:
آكل؟! عاوزني بعد كل دا آكل، آكل ليه؟"
رد عليها «وليد» بسرعةٍ كبيرة:
تاكلي علشان صحتك، وعلشان تقدري تروحي تشوفيها، وعلشان لما تتقابلوا متقعيش من طولك تاني، أنتِ محتاجاها وهي محتاجاكِ"
أومأت هي لهما في هدوء ودموعها تسيلُ على وجنتيها، فوقف «طارق» يأخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
الدوا و الأكل اللي برة علشانك ياريت تخلي بالك من نفسك علشانها وعلشان تقدر تشوفك"
نظرت هي له بحزن ولم تحرك ساكنًا، بينما «وليد» وقف أمام «حسان» ينظر له مثل الصقر يرسل له رسالة مبطنة بنظرته، إلتقط «حسان» نظرته فأخفض رأسه بسرعةٍ، أما هي فنظرت في أثرهما بعد خروجهما، حاول «حسان» الجلوس بجانبها، فوجدها تصرخ في وجهه وهي تقول:
اطلع برة و سبني أنام"
رد عليها بنبرةٍ حزينة و مستاءة أيضًا:
علشان خاطري فرصة بس يا جميلة، أنا عملت كدا علشانك"
نظرت له مُتعجبة بتهكمٍ واضح وهي تقول:
لأ فعلًا، عملت كدا علشاني، حرمتني من أمي، و هربت بيا، و ظلمتها و شكيت فيها كمان، لأ كتر خيرك يا أستاذ حسان، جمايلك مغرقانا كلنا"
وقف هو منتفضًا يقول بحزن:
إحنا مش واحد يا جميلة، كل واحد فينا بيحكم على الأمور من وجهة نظره، أنا ساعتها الدنيا اسودت في وشي، كنت مش عارف اروح فين، عمري ما تخيلت إن الحب اللي حبيته ليها ممكن يعمل فيا كدا، اللي قهرني أني مش عارف أكرهها، أنا وقتها مكنتش لاقي مبرر لأفعالها معايا، لكن بعد ما الجوابات دي ظهرت قدامي كل اللي كانت بتعمله فيا وضح سببه قدامي، نسيت الكام يوم اللي عاملتني فيهم كويس، وافتكرت بس السنين اللي كانت مش طيقاني فيهم"
إبتسمت بتهكمٍ وهي تقول بسخرية لازعة:
أنتَ إيه؟ مش عاوز تقتنع إنك ظالم؟ أنتَ مفتري، وضيعت حياتي و حياتها بسبب إنك أناني، والله أعلم حالها إيه ولا ناس مين اللي إتظلموا وأنتو مش عاوزين تجاوبوني، من فضلك أخرج برة و سبني أنام، ومن هنا لحد يوم الجمعة مش عاوزاك تتعامل معايا"
أومأ لها في خزيٌ ثم خرج من الغرفة مُنكسرًا مُطرقًا رأسه للأسفل، أما هي فأمسكت الزجاجة التي بجانبها ثم ألقتها على الأرضية بجانبها بعدها ألقت جسدها على الفراش بحزنٍ ثم فرت دموعها رغمًا عنها تبعتها بصرخة مكتومة أسفل يدها الموضوعة على فمها، سمع هو ما حدث من الخارج، فإلتفت يضرب رأسه في الحائط الذي كان بخلفه.
____________
في بيت «ميمي» وصل الشباب جميعهم وهم يشعرون بالألم في جميع أنحاء جسدهم إثر المجهود المبذول في حمل الأشياء، حتى «عامر» شعر بالألم هو الأخر لكن من كثرة رقصه مع الجيران بعدما أعلنها صراحةً أنه يريد من الجميع مشاركته في الرقص كَتعبيرًا منهم عن فرحتهم به، دخل الجميع وهم يشعرون بوخز الآلام، فإرتمى كلًا منهم على أريكة من الثلاث، أما «ياسين» فإرتمى على الأرضية مكان جلوسها هي، ثوانٍ ورفع رأسه يضعها على فخذها، تعجبت هي بادئ الأمر، وبعد ثوان مدت أناملها تداعب خصلاته، فوجدت «ميمي» تقول بهدوء:
هينام كدا يا خديجة، ياسين طالما لعبتي في شعره بينام"
رد عليها هو بحنقٍ زائف:
ياستي سيبيها أنتِ قطاعة أرزاق ليه؟ كملي يا بنتي الله يكرم أصلك"
إبتسمت هي بإتساع ثم داعبت خصلاته من جديد بحب شديد كما لو أنه طفلها الصغير، ثوانٍ و خرجن الفتيات الثلاثة من الداخل، نظرت لهم «إيمان» بسخرية وهي تقول:
الله أكبر عليكم، كل واحد فيكم مرمي زي الجثة؟ فوقوا منك ليه"
رد عليها «خالد» بضيق و نبرة منفعلة:
يمين بالله يا إيمان لو فتحتي بوقك لأقوم أدوقك اللي دوقته،
أنا لوحدي شايل تلاجة وطالع بيها الدور السادس، أخرسي أحسن لك"
تحدث «ياسين» يضيف بإنهاك واضح:
أومال أنا أعمل إيه؟ أنتَ ياسر ساعدك من الأول، أنا عمار سابني مع التلاجة وضهري طرقع، تقريبًا تلاجة عامر جاية بأكلها"
رد عليه «عامر» بسخرية:
سيبوا عامر في حاله، أنا ضهري أتقطم منكم لله، اتهديت رقص وصوتي راح"
قذفه «ياسر» بزجاجة المياه وهو يقول بضجرٍ من أفعاله الصبيانية:
ماهو من قلة أدبك، فضحتنا قدام الناس ولميت علينا الشوارع كلها، فاكر نفسك عيل صغير راكب العربية تصقف و ترقص، وياريتك ساعدتنا"
رد عليه «عامر» ببراءة كاذبة:
الله !! فيها إيه يا ياسر مش أنتو أخواتي برضه، وبعدين بذمتك عمرك شوفت عريس بيروح من غير هيصة"
صرخ «ياسين» بضيق و هو يقول:
أخرس خالص مسمعش صوتك، منك لله يا بعيد، اقولك ناولني الأنبوبة تقوم حدفها على رجلي، أنتَ مجنون يالا؟"
ضحك «خالد» وهو يقول بسخرية:
أنا قولت أنتَ هتتجبس النهاردة، بس الحمد لله قدر و لطف"
تحدثت «سارة» تقول بقلة حيلة:
ياربي كل دا حصلكم؟ حرام والله الرجالة بتتعب أوي، دا إحنا هنا عمالين نرتب شنط هدوم وتعبنا"
أمسكت «ريهام» صغيرها وهي تقول:
طب يلا يا جماعة نروح علشان الاسبوع دا صعب أوي، لسه هنفضل نروح نفرش الشقق"
سألتها «إيمان» بنبرة حائرة:
طب ودي نعملها إزاي؟"
ردت عليها «سارة» بهدوء:
هنتجمع إحنا الأربعة في شقة كل واحدة يومين لحد ما نخلص فرش الشقة"
ردت عليهن «خديجة» بفرحٍ مثل الأطفال:
أنا بحب الحاجات دي أوي، ينفع أجي معاكم؟"
ضحك الجميع عليها حتى «ياسين»، بينما «إيمان» إقتربت منها تمسكها من مرفقها وهي تقول بضيق و بنبرةٍ مُخيفة:
شوفي بقى علشان أنا جبت أخري منك، تربيتك مش نافعة معايا، قولتلك من هنا ورايح عاوزاكِ جامدة، يعني مش عاوزاكِ تستأذني لأ، عاوزاكِ تاخديها عافية زوق، فهمتي يا خديجة؟ وبعدين البت قالت هنروح إحنا الأربعة تفتكري من الرابعة؟ أمي يا خديجة!!"
حركت «خديجة» رأسها نفيًا بقوة، فقالت «إيمان» بهدوء وهي تبتسم بسمة شيطانية بثت الرعب بداخلها:
أيوا كدا جدعة، بعد كدا تعملي حسابك إنك مننا غصب عننا، يعني مفيش حاجة إسمها ينفع أجي معاكم، لأ هي إسمها أنا جاية معاكم، ماشي يا كتكوتة؟!"
أومأت لها عدة مرات بخوفٍ ثم بعد ذلك إبتسمت بإتساع، وقفت «إيمان» بعدما كانت مستندة على ركبتيها وهي تقول:
ناس متجيش غير بالعين الحمرا"
رد عليها «ياسين» بسخرية:
متشكرين يا ستي، هي عجباني وهي كتكوتة كدا"
ردت عليه «إيمان» بنبرة شريرة:
وأنتَ فاكر أني هسيبهالك كدا؟ صبرك عليا أتجوز بس، وهفوقلكم"
تدخل «ياسر» يقول بإنهاك واضح:
خد مراتك و إهرب يا ياسين، إهرب ربنا معاك"
رد عليه «ياسين» بشكٍ وهو يسخر منه:
ليه حاسس كدا والله أعلم يا ياسر أنك بتتريق؟"
رد «عامر» بنفس السخرية:
حاسس !! يا جدع دا واخدك تلسية"
قام «ياسين» وإعتدل في جلسته وهو يقول بعدما تثاءب:
أنا هاخدها وأهرب فعلًا علشان ألحق أروحها قبل ما أنام"
وقفت هي الأخرى ثم قالت بهدوء:
بصراحة أنا متأخرة أوي عن كل مرة، وكمان علشان أعرف أجي ليكم كل يوم"
ودعت هي الجميع ثم نزلت معه، ركبا السيارة معًا، كان هو يتثاءب بإستمرار وهي تنظر له بتعجب، فسألته بنبرة مندهشة:
أنتَ نايم ولا صاحي ولا حكايتك إيه يا عم ياسين؟"
رفع حاجبه ينظر لها مُتعجبًا ثم قال بسخرية:
صاحي يا نجم متخافش، وبعدين إيه عم ياسين دي يا خديجة؟ أنتِ قعدتك مع إيمان كدا خطر"
ضحكت ثم قالت مبتسمة:
لأ والله دي عسل أوي، و اتعلمت منها حاجات كتير"
غمز لها بوقاحة ثم تبع فعلته بخبثٍ:
آه مانا خدت بالي من اللي عملتيه النهاردة"
إتسعت مقلتيها حينما فهمت مقصده، فوجدته يقول بمرحٍ:
براحتك يا ست الكل أنا مش غريب، عودًا حميدًا يا خديجة، كدا مبروك رجوعك رسميًا"
لوحت له بيدها ثم قالت بضيق:
يوه بقى خلاص دي كانت حركة عفوية غصب عني يعني"
غمز لها يقول بخبثٍ و وقاحة:
ياستي إحنا قولنا حاجة؟ ربنا يكتر عفويتك ويبارك فيها"
نظرت هي له بشكٍ ثم قالت بضيق زائف:
أنتَ ليه بقيت قليل الأدب؟ أنتَ ماكنتش كدا"
رد عليها مُعقبًا بحنقٍ:
يا جهلة دي مش قلة أدب، قلة الأدب لو مع حد غريب، لكن أنتِ مراتي"
ردت عليه هي بنفس الحنق:
متقولش جهلة، أنتَ اللي جاهل يا ياسين"
نظر لها يبتسم بهدوء ثم قال بنبرةٍ مُحبة تخرج منه حينما يُغازلها:
حَتـىٰ وإنْ كُـنتُ في تِلـك الحَـياةِ جـاهـلًا إلا إنـني في حُبكِ فيلسوف...حتـىٰ وإنْ سِرتُ في الطُـرقاتِ زاهـدًا إلا أنـني لِـرؤية بسمتكِ شَغوف"
نظرت له بأعين متسعة و فاهٍ مفتوح، فوجدته يضيف هامسًا بمرحٍ بعدما غمز له بطرف عينه:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
ضحكت هي بقوة تلك المرة فوجدته يقول بِـحُب:
تِـلك الضَحكات الجَميلة تَسرقُ قَـلّبي المسـكين..فَـيرقُص بيْن أضلُعي فَرِحًا و يَفيضُ من عيني الحـنيّن"
زادت بسمتها إتساعًا فوجدته يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
نظرت له ببلاهة وهي تقول:
مرتين ورا بعض؟ قولتها مرتين ورا بعض يا ياسين؟"
أومأ لها مؤكدًا حديثها وهو يقول:
بصراحة أنا لو عليا أثبتك العمر كله يا خديجة معنديش أي مانع"
أخفضت رأسها في خجلٍ تحاول كتم ضحكتها ناهيكم عن ضربات قلبها التي أوشكت على التوقف من قوتها بسبب فرحتها من حديثه الذي دائمًا و أبدًا يطرب آذانها.
___________
مرت الأيام التالية بسرعة كبيرة وكانت تشبه ما سبقها كثيرًا، كانت «خديجة» طوال الأيام تجلس نهارًا بجانب عمتها التي ساء وضعها كثيرًا و تم وضعها على الأجهزة الطبية داخل البيت، وفي المساء كانت تذهب مع زوجات الشباب تساعدهن في تجهيز شققهن الزوجية، كان «وليد» يحاول طوال الأسبوع مراضاة والدته، لكنها كانت ترفض و تتركه، أما عن «طه» فكان يحاول عودة العلاقات مع إبنته لكنه لم يستطع بسبب عدم تواجدها في البيت، كانت «جميلة» طوال الأيام الماضية جالسة في غرفتها تأكل فقط بعض اللقيمات الصغيرة، وكان «حسان» يحاول التحدث معها لكنها كانت ترفض رفضًا قاطعًا، فلم تستطع حتى «نادية» جارتها إخراجها من حزنها، اما عن «ياسين» وأصدقائة فكان جميعهم يعملون على قدمٍ و ساق حتى يتم التجهيز للفرح،
تحديدًا في يوم الجمعة، إستيقظت «خديجة» بحماس لتلك المناسبة السعيدة التي جعلت قلبها يرقص من شدة الفرح، تجهزت وأخذت ثيابها بعدما إطمئنت على عمتها، بعد ذلك ذهبت إلى بيت «ميمي»، في بيت آلـ الرشيد كان الجميع يجلسون في الشقة الموضوعة بها «مشيرة» وهم يشعرون بالأسى لأجلها، كانت «فاطمة» جالسة في شقتها بمفردها تبكي بعدما عجزت عن التواصل مع بناتها، خرجت «سلمى» بهدوء وهي تقول:
جماعة عمتو شكلها فاقت، فتحت عينها"
ركض الجميع إلى الداخل حتى يروها، فقالت هي بنبرةٍ متقطعة إثر إنهاك روحها قبل جسدها:
هو....حصلي إيه...أنا فين؟"
ردت عليه «زينب» بنبرةٍ شبه باكية:
أنتِ في بيتك يا مشيرة، ألف حمدًا لله على سلامتك"
بكت «مشيرة» حينما تذكرت ما حدث ثم قالت ببكاء:
هي....هي عايشة بجد؟ يعني دا.... مكانش حلم؟"
رد عليها «مرتضى» بهدوء:
أيوا حصل، بنتك عايشة، فوقي بقى علشان تشوفك"
نظرت هي لـ «وليد» ثم قالت بنبرةٍ مترجية ببكاء:
اعتبرني بموت يا وليد...وهاتها ليا، علشان خاطري،.... لو عاوزني أبوس رجلك...معنديش مانع"
نظر هو لها باندهاش فوجدها تحاول الأعتدال في جلستها حتى تستطع الوصول إلى كفه حتى تقبله، ابعد هو يده عنها وهو يقول بجمود:
أنا مش عاوز منك حاجة، وبنتك هجبهالك، هي دلوقتي عرفت إنك عايشة"
سألته هي بغير تصديق:
بنتي عرفت إن أمها موجودة؟ طب هي فين؟ مجاتش تسأل عليا؟"
كانت تسأله بنبرةٍ موجوعة، فـرد عليها «طارق» بهدوء:
هتيجي النهاردة، ارتاحي أنتِ وهي هتيجي علشان تشوفك"
سألته بحماس رغم ألمها:
بجد؟ هتيجي، هشوف بنتي؟"
أومأ لها الجميع، فألقت هي جسدها على الفراش تبكِ بقوة نظر لها الجميع بأسى، أما «وليد» فخرج وهو يحاول كتم دموعه، رآته «عبلة» على حالته تلك فخرجت وارءه وهي تقول بتعجب:
وليد !! استنى بتعيط ليه؟"
إلتفت ينظر لها بأعين دامعة ثم قال بثبات مصطنع:
أنا مش بعيط ولا حاجة، هي بس حاجة دخلت في عيني"
إقتربت منه تمسح دموعه بأناملها وهي تقول بهدوء:
هتكدب عليا يا وليد؟ هو دا وجودي في حياتك؟ قولي مالك؟"
أمام نبرتها الحنونة تلك وجد نفسه يحتضنها وهو يقول ببكاء:
خايف، أنا خايف يا عبلة، كل حاجة بقت بتخوفني اللي فات كله مخوفني واللي جاي مخوفني، شكلها فكرني بنفسي في المصحة لما كنت بتحايل عليهم يرحموني من الوجع، كنت بموت علشان حد فيهم يريحني، أنا تعبت ساعتها و مش عاوز حد يتحايل على حد تاني، حتى أنتِ متسبنيش يا عبلة والله هضيع من غيرك"
بكت هي الأخرى ثم رفعت ذراعيها تربت عليه وهي تقول كما لو أنها تعامل صغيرها:
متخافش أنا معاك، وعمري كله مش هسيبك فيه، وبعدين فوق كدا علشان أنتَ اللي بتعمل كل حاجة، مش هينفع تضعف و غيرك بيستقوى بيك يا وليد، أنا أفديك بعمري والله، بس مش عاوزاك تضعف أنتَ اتعافيت خلاص يا وليد"
إبتعد عنها ثم ربت على وجنتيها وهو يقول بحب وبنبرة متأثرة:
أنا إتعافيت بوجودك يا عبلة، حبك كان محركني، ودلوقتي هيحركني تاني علشان أكمل اللي عاوزه"
أتى «محمد» من الخلف وهو يقول بسخرية:
يا سلام يا اخويا؟ قال إتعافيت بوجودك قال، قصدك اتعافيت بحضنك يا عبلة"
إلتفت ينظر له بثبات بعدما إستعاد رابطة جأشه وهو يقول:
أنتَ إيه اللي جابك كنت لسه هبوسها يا عمي"
نظر له بضيق وهو يقول بسخرية:
ودي تبع كورس التعافي برضه يا وليد؟"
غمز له يقول بوقاحة:
لأ دي تبع كورس الفرفشة يا حمايا"
أتى «طارق» من الداخل وهو يقول بضيق:
يلا يا وليد خلينا نروح نشوف مشوارنا، علشان نشوف أخرة اللي إحنا فيه دا"
أومأ له «وليد» ثم نظر لزوجته يقول بهدوء:
أدعيلنا يا عبلة، النهاردة يوم مرعب و كلمي وئام خليه يجي"
أومأت له، في تلك الحظة دخل «أحمد» نظر له «وليد» بإستفسار فوجده يومأ له بثقة، بادله «وليد» نفس الإيماءة ثم نزل مع «طارق» حتى يأتوا بـ «جميلة».
___________
وصلت «خديجة» إلى بيت «ميمي» وبعد إجتماعهن أخذهن «ياسين» بسيارته ثم ذهب إلى القاعة حتى يتجهزن بها في المكان المخصص لهن، عاد هو مرةً أُخرى إلى شقة «ميمي» ضرب جرس الباب ففتح له شخصٌ يرتدي ملابس داخلية بيضاء اللون و وجهه باللون الأبيض يبدو وكأنه (عفريت) إتسعت مقلتي «ياسين» بفزعٍ وهو يقول:
أعوذ بالله من الخبث و الخبائث !! أنتَ مين؟"
رد عليه «عامر» بهدوء وكأنه لم يفعل شيئًا:
أنا عامر يا ياسين، أنتَ نستني؟"
نظر له «ياسين» بإندهاش وهو يقول بنبرة متعجبة:
أنتَ شايف إنك عادي يعني؟ إيه اللي في وشك دا؟"
دخل «عامر» الشقة وهو يقول بتكبرٍ:
دا علشان أنا العريس، آه صحيح ما أنتَ لسه بدري عليك"
دخل «ياسين» ثم أغلق الباب خلفه لكنه شهق بقوة حينما رآى البقية بنفس وضع «عامر» حتى «ميمي» نظر هو في أوجه الجميع ثم قال بتعجب:
أنتو اتجننتوا ولا إيه؟ ما أنا سايبكم كويسين، حصلكم إيه؟"
رد عليه «خالد» بضيق و نبرة حانقة:
دا قرار سي زفت، عاوزنا منورين و نشرفه في الفرح"
إبتسم «ياسين» بسخرية وهو يقول:
المهم هو يشرفنا و ميفضحناش قدام الناس"
تحدثت «ميمي» تقول بضيق:
أنا وشي تعبني من البتاع دا، منك لله يا عامر"
خرج هو من الداخل يقول بمرحٍ:
أستحملوني النهاردة بس علشان دا أخر يوم في حياتي العادية"
سأله «ياسر» وهو قاطبًا جبينه بتعجب:
أخر يوم في حياتك العادية؟ ليه يعني؟"
رد عليه بثقة:
بعد كدا هبقى إنسان متجوز، علشان أنا هبقى أستاذ عامر"
ضحكوا عليه جميعًا، بينما هو وقف بجانب «ياسين» وهو يقول:
يلا يا ياسين علشان أحطلك ماسك أنتَ كمان، دا ياسر اللي شبه مهند حط، يلا أنتَ كمان"
رد عليه «ياسين» بضيق:
أمشي يلا من قدامي، الماسك دا على جثتي أحطه"
(بعد مرور النصف ساعة)
_"عامر هو الماسك دا بينشف إمتى؟ عاوز أغسل وشي زيكم"
خرجت تلك الجملة المستفسرة من «ياسين»، ضحك الجميع عليه فقالت «ميمي» بسخرية:
بيعجبني فيكم الثبات عل المبدأ"
نظر لها «ياسين» بفخرٍ مصطنع وهو يقول:
طبعًا أنا كلمتي سيف، حتى أسألي عامر"
ضحكوا جميعًا وفجأة إرتفع صوت الموسيقى عاليًا ، تفاجأ الجميع وهم ينظرون لبعضهم البعض، لكن تفاجأهم لم يدم طويلًا حينما خرج «عامر» من الغرفة وهو يرقص على تلك الأغاني الشعبية الصاخبة، لم يستطع أيًا منهم تمالك نفسه في التعبير عن فرحته فوققوا جميعًا يرقصون سويًا بعدها إلتفوا حول «ميمي» يرقصون حولها وهم يصفقون تصفيقًا حارًا متناغمًا مع لحن الكلمات، كانت هي تصفق معهم و دموعها تسيل على وجنتيها من شدة فرحها، فجأة إجتمعوا سويًا يحتضنوها، فزاد بكاءها وهي تقول:
ربنا يباركلي فيكم، ويكمل فرحتكم على خير، أنا قلبي هيقف من الفرحة"
نطق «ياسر» بخوف:
لأ أبوس راسك،أوعي تنكدي علينا"
تدخل «عامر» يقول بفزعٍ:
لأ علشان خاطري،أستني أرجع من شهر العسل"
إتسعت مقلتيها وهي تقول بحنقٍ زائف:
يا ندل أنتَ وهو؟! يعني بعد الفرح أعملها وأتكل يعني؟"
رد عليها «خالد» بهدوء:
لا بعد الفرح ولا قبله، إحنا عاوزينك معانا العمر كله، علشان أنتِ بيتنا يا ميمي"
ربتت على وجنته وهي تقول بحب:
ربنا خد مني ولدين، و رزقني بأربع ملايكة، أنتو رزق ربنا ليا و عوضه عن أيامي الوحشة"
إحتضنوها مرةً أُخرى بحب وكلًا منهم يشدد العناق على الأخر، فكانت هي في المنتصف وهم جميعهم يشكلون دائرة حولها.
____________
وصل «طارق» و «وليد» أسفل البناية التي يقطن بها «حسان» ، لكنهما تفاجئا حينما وجدوهما أسفل البناية في إنتظارهما، نظر كلاهما للأخر بتعجب، فتحدث «حسان» يقول بثبات مصطنع على الرغم من خوفه من تلك المقابلة:
جميلة من الصبح مستينة إنكم تيجوا، علشان كدا نزلت تستناكم هنا"
أومأ له «وليد» وهو يقول:
مفيش مشاكل اركبوا يلا علشان نلحق الوقت"
لم تتحدث هي بحرفٍ واحدٍ بل ركبت السيارة بصمت مُخيف، قبل أن يركب «حسان» هو الآخر أمسكه «وليد» من مرفقه وهو يقول بضيق:
أنتَ عملت إيه؟ هي مالها ساكتة ليه؟ دا منظر واحدة رايحة تشوف أمها بعد غياب أكتر من ١٥ سنة، أنتَ قولتلها على اللي بيننا؟"
أبعد «حسان» يده بضيق وهو يقول بنبرة حانقة:
أنا مقولتش حاجة، هي اللي مصدومة مش أكتر، يلا بقى خلينا نخلص من اليوم دا"
أومأ له «وليد» ثم ركب بجانب مقعد القيادة الذي كان يجلس عليه «طارق»، كان الجميع طوال الطريق صامتون، أما هي فكانت تشعر بمشاعر عِدة، الخوف و الفرح و الأمل والحماس و الذعر، يا الله كيف لقلب ضعيف أن يتحمل كل تلك المشاعر في آنٍ واحد؟ رغمًا عنها فرت دموعها على وجنتيها، وهي تشعر بالخوف يزيد مما هو قادم، كانت شاردة طوال الطريق، و «طارق» يتابعها بعيناه في الخلف، أما «وليد» لم يرسل نظارات بل كانت شعاعات من الرعب يبثها في قلب «حسان» جعله يخشى مما هو قادم و مما هو سابق، أوقف «طارق» السيارة أمام البيت وهو يقول بعدما حمحم بهدوء:
دا البيت إحنا وصلنا"
رفعت هي رأسها من على النافذة بسرعةٍ كبيرة تنظر حولها،فوجدت والدها يومأ لها، حركت هي رأسها للجهة الأخرى
بضيق منه، ثم نزلت من السيارة، وقفت بجانبهم فأشار لها «طارق» بالدخول للبناية، أومأت له في هدوء ثم أمسكت كفيها ببعضهما البعض وهي تضغط عليهما بخوف من القادم، دخل كلاهما وهي و والدها يتبعهما كانت تقدم قدمًا و تؤخر الأخرى، يبدو أن قدماها لن تسعفها في تلك المهمة، ما هذا؟ كيف تسير مثل الجسد بلا روح؟ فجأة وجدت نفسها أمام أشخاص كثيرون جميعهم ينظرون لها بأعين تفيض من الشوق أطنانًا، كان الجميع يلقون عليها التحية تارة تجد نفسها بين ذراعي إمرأة و فجأة بين ذراعي رجل من أخوان والدتها، وفجأة بين ذراعي فتاة تقربها في العمر، لم تعي هي لما حولها،فقط تبحث بعنياها عن والدتها، ذلك اللقاء المنتظر منذ عدة أعوام، دخل «حسان» بعدها وهو يقول بنبرة مهزوزة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
نظر له الجميع بضيق، وأعينهم تشع نيران حانقة عليه، إقتربت «زينب» من «جميلة» تمسكها من يدها وهي تقول بهدوء وببسمةٍ بشوشة:
تعالي علشان هي مستنياكِ، بقالها اسبوع نايمة، وسبحان الله ربك أراد تفوق النهاردة علشان تشوفك"
أومأت لها «جميلة» بأعين باكية ثم سارت معها بخوف و ضربات قلبها تضرب مثل الصاعق الكهربائي، بالطبع هذه لا يمكن أن تكون مجرد نبضات، هذه من المؤكد كهرباء تسير في الجسد، وقفت «زينب» أمام الباب، ثم أخذت نفسًا عميقًا بعدها فتحته بهدوء، إلتفتت بعد ذلك تشير برأسها إلى «جميلة» تحثها على دخول الغرفة، نظرت لها بأعين تحمل الكثير من النظرات و بوجهٍ يُظهر الكثير من المشاعر، دخلت الغرفة وهي تنظر على الفراش، إتسعت حدقتيها وهي ترى إمرأة تشبهها إلى حدٍ كبير، تتوسط الفراش، و الإبرة الطبية موصولة في المحاليل، أما عن جفونها فهي مغلقة ويبدو أنها إستسلمت لمرضها، لم تستطع منع نفسها من الإقتراب و كأن روحها تقودها إلى حيث أتت، سارت بخطى مهزوزة حتى وصلت إلى الفراش، جلست بجانبها وهي تبكي بشدة ولم تستطع التحكم في يدها وهي ترتفع تربت على وجنتيها بحنوٍ بالغ، وعند تلك النقطة إجهشت في بكاء مرير وكأنها تخشى أن ما هي عليه الآن يصبح مجرد خيال من ضمن آلاف الخيالات التي ظنتها في عقلها مرارًا و تكرارًا، فتحت «مشيرة» أعينها حينما شعرت بكفين ناعمين يربتا على وجنتيها، نظرت لها «مشيرة» بتمعن تتفحص ملامحها، فوجدت «جميلة» تسألها ببكاء و بنبرةٍ مهتزة:
مـ..ماما ؟!"
رغمًا عنها بكت بقوة حينما سمعت تلك الكلمة التي ظنت نفسها لن تسمعها مرةً أُخرى في حياتها، و لم تستطع التحكم في ذراعيها وهما يرتفعا حتى يحتضنا إبنتها، إرتمت هي بين ذراعي والدتها وهي تصرخ من بين شهقاتها:
مـــامـــا"
ربتت عليها «مشيرة» وهي تقول ببكاء هي الأخرى:
أيوا أيوا أنا يا قلب ماما..أنا يا جميلة"
صرخت «جميلة»فجأة بقوة وكأنها بذلك تخرج النيران التي تلتهم صدرها:
آه..يا ماما..آه"
بكت «زينب» هي الأخرى و زادت شهقاتها، وحينما أوشكت على الخروج من الغرفة، تحدثت «مشيرة» تقول بنبرةٍ مترجية:
استني يا زينب، متمشيش، جميلة لازم تعرف كل حاجة"
نظرت لها «زينب» بإندهاش فوجدتها تومأ وكأنها تخبرها أنه لا مفر، نظرت «جميلة» لهن بتعجب وبأعين باكية، فقالت «مشيرة» بنبرة مهتزة و منهكة إثر مرضها:
خليهم يدخلوا يا زينب.... كلهم"
بعد قليل إجتمعت العائلة بأجمعها في غرفة «مشيرة» عدا «حسان» الذي كان يقدم قدمًا و يؤخر الأخرى، فهو حتى الآن لم يقوى على مواجهتها، لكنه حسم أمره ودخل الغرفة في نهاية الأمر، نظرت هي له بالكثير من المشاعر المضطربة جميعها معًا، الشوق و الحب والخوف والخذلان، و الإشمئزاز، بينما هو نظر لها بحب و شوق، وأول من تحدث بضيق كان «طه» حينما قال:
ياريت نخلص، وتقولي عاوزة إيه مننا"
نظرت له «جميلة» بتعجب، بينما «مشيرة» نظرت له بإنكسار ثم أخذت نفسًا عميقًا وهي تقول:
عاوزة أقول أنا كمان....عاوزة أكفر عن ذنوبي....ذنب خديجة
و زينب و مروة و وليد... عاوزة أخلص من اللي على قلبي دا"
نظر لها الجميع باندهاش، فإلتفتت هي تنظر لابنتها بأعين منكسرة وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
أنتِ رجعتي تاني وأنا شوفتك...أنا بقى عاوزة أقولك عملت إيه في غيابك"
نظرت لها «جميلة» مستفسرة بتعجب فوجدتها تأخذ نفسًا عميقًا، ثم شرعت في سرد أفعالها الماضية تجاه «خديجة» و «زينب» وكل ما حدث للجميع منها كان الجميع يسمعون الحديث بضيق و حُنق من تلك الذكريات المريرة، أما «جميلة» فكانت أعينها تتسع تارة و ملامحها تتبدل للإنكسار تارةً أخرى، أنهت «مشيرة» سرد أفعالها حتى كشف السر الخاص بـ «خديجة» وعلاجها عند الطبيبة النفسية، فوقفت «جميلة» منتفضة وهي تصرخ في وجهها قائلة بتقزز:
بــــس، كِــــفاية، أنتِ إيه؟!"
تفاجأ الجميع من رد فعلها، فقالت هي من بين دموعها:
أنا جيت هنا ليه؟ وأنتو ظهرتوا في حياتي ليه؟ أنتِ مش إنسانة؟ مش بتحسي؟ تظلمي عيلة صغيرة معاكِ علشان تنتقمي ليا؟ تأذي واحدة بريئة متعرفش أي حاجة في الحياة علشان فاكرة إنك كدا بترجعي حقي و حقك؟ عيلة صغيرة بدل ما تعيش طفولتها تطلع معقدة و توصل لدكتور نفساني؟ طفلة بدل ما تاخديها في حضنك، كنتِ بتتهميها بقلة الأدب و السرقة؟ عيلة بدل ما تحضنيها و تطبطبي عليها تاخد كل يوم علقة لحد ما تنام من الوجع؟ انتو إيه؟ إيه القـــرف دا؟"
ثم نظرت لأبيها وهي تقول بضيق وإنفعال:
وأنتَ يا أستاذ حسان؟ بتظلم و تسوء الظن بالناس؟ شوفت أخرة عملتك السودا؟ شوفت فيه كام حد دفع التمن؟ شوفت وصلت بتسرعك لفين؟ شوفت أخرة الغباء إيه؟"
هَمَ بالرد عليهما فأوقفته تقول بهياجٍ واضح:
بــــس...متتكلمش، مش عاوزة أسمع صوتك ولا صوتها، وأنسوا بقى جميلة من حياتكم، أنا هرجع تاني الصعيد، عند الناس اللي مش شبهي، هما انضف مليون مرة منكم، يارتني كنت مُت قبل ما أشوف القرف دا"
أوشكت «جميلة» عل الخروج من الغرفة فأوقفتها «مشيرة» تقول ببكاء و بنبرةٍ مترجية:
جميلة....بنتي"
إلتفتت تنظر لها بصراخ وهي تقول:
متقوليش بنتي، أنا مش بنتك، ومليش شرف أكون بنتك ، ولا بنته، وزي ما أنا كنت فاكرة نفسي يتيمة الأم هفضل كدا، وزيادة معاها يتيمة الأب، للأسف أنا بكرهكم"
ركضت من الغرفة و ركض الجميع خلفها عدا «مشيرة» التي ألقت رأسها على الفراش خلفها وهي تضربها بقوة، والدموع تسيل على وجنتيها، قبل أن تخرج «جميلة» من الشقة دخل «أحمد» و معه رجل في العقد الخامس من عمره، نظر لهما الجميع بتعجب، فإبتسم «وليد» بأريحية ثم قال:
معلش يا جميلة مش هينفع تخرجي من هنا"
إلتفتت تنظر له بحنقٍ وهي تقول:
نعم ؟! يعني إيه مش هخرج من هنا، أنا محدش يقدر يمنعني"
نظر لها «طارق» بضيق ولم يعقب، فقال «وليد» بثقة و بنبرةٍ جامدة لا تقبل النقاش:
فيه عروسة محترمة برضه تسيب كتب كتابها و تمشي ؟"
رد عليه «طارق» بضيق وهو يقول بإنفعالٍ:
أنتَ بتقول إيه يا وليد، أنتَ إتجننت ؟!"
نظر له «وليد» وهو يقول مباركًا له ببرود خبيث:
ألف مبروك يا طارق، كتب كتابك النهاردة على جميلة، المأذون موجود و الشهود، حد يسمعنا زغروطة"
ا
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل السابع والاربعون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل السابع و الأربعون"
___________
أهواكِ و أهوى الوقع في تلك العيون..صِرت في حُبك مصانٌ كما الدُر المكنون.
__________
لقد مضيتُ عمري بأكمله وأنا أساند الجميع ، لم أتمنى يومًا قط أن يمدحني أحدهم أنني شخصٌ ذو ملامح جميلة أو أن ملابسي أنيقة ، بل كل ما تمنيته أن يعرفني الجميع أنني كملجأ الأمان لهم، و كتفٍ لراحة تعبهم، أود أن يضحى الجميع آمنٌ في رفقتي ، مطمئنٌ في صُحبتي.
ألف مبروك يا طارق، كتب كتابك النهاردة على جميلة، المأذون موجود و الشهود، حد يسمعنا زغروطة"
تفوه «وليد» بتلك الجملة بثباتٍ يُحسد عليه أمام الجميع الذين إتسعت أعينهم من هول المفاجأة، أما هي فإلتفتت بكامل جسدها تنظر له بضيق وهي تقول بنبرةٍ منفعلة حانقة:
أنتَ بتقول إيه؟ كتب كتاب مين !! أنتَ أكيد مجنون رسمي، لا يمكن أوافق على حاجة زي دي"
أومأ لها بثقته المعهودة و ببروده المستفز قال:
لأ هتوافقي، زي ما الحج حسان ربنا يكرمه كدا وافق، ودا علشان مصلحة الكل إن شاء الله"
أمسكه «طارق» من مرفقه بغضب وهو يقول بنبرةٍ منفعلة:
أنتَ اتجننت يا وليد ؟ فيه حاجات مينفعش فيها الهزار و لا اللعب بالأعصاب، الدنيا مش متحملة"
أبعد «وليد» يده عنه بضيق ثم قال بنبرة جامدة:
بالراحة بس يا طارق، و أهدا كدا علشان نشوف اللي داخلين عليه"
_"أحنا مش هندخل على حاجة، أنا همشي دلوقتي و أرجع الصعيد تاني، و الجوازة دي مش هتّم ، أنا خلاص ميشرفنيش إن أسمي يرتبط بالعيلة دي"
تفوهت «جميلة» بذلك الحديث أمام الجميع بنبرة حادة لا تقبل النقاش، مما جعل «وليد» يقف مقابلًا لـها وهو يقول بهدوء:
أنا مقدر موقفك، بس لازم أنا وأنتِ نتكلم سوا علشان فيه حاجات مهمة لازم تعرفيها"
ردت عليه بضيق:
أنا مش هتكلم مع حد، وأبعد عني بدل ما أكلم البوليس وأقولهم إنكم خطفني"
وضع كفيه داخل جيبي بنطاله وهو يقول بثقة:
وماله، كلميهم بس أظن إنك كبيرة و واعية و عارفة إن دي مش حالة خطف، لأن ببساطة أهلك كلهم هنا و أبوكِ نفسه هنا ، يعني مش قدامك غير إنك تقدمي بلاغ بالعنف الأسري وإحنا هنا محدش كح في وشك حتى، يعني البلاغ و سكته مش نافعة معانا"
تدخل «محمود» يقول بخزيٌ و بنبرةٍ منكسرة:
إهدي بس يا بنتي إحنا لا يمكن نزعلك هنا ولا حد يقدر يجرحك، وحدي الله بس"
نظرت له مبتسمة بسخرية مريرة وهي تقول:
كل دا و محدش يقدر بجرحني؟ كل دا ومحدش يعرف يزعلني؟ أنا من ساعة ما رجعت وكل حاجة مزعلاني، أنا اتدمرت، لأ أنا اتهديت"
تدخل «وليد» بثباته و ثقته المعهودة:
وأنا هعملك إعادة ترميم متخافيش، أديني فرصة بس نتكلم سوا، أنتِ برضه حافظة قرآن ربنا وأكيد عارفة إن كل حاجة بتحصلنا نصيب"
أخذت هي نفسًا عميقًا ثم مسحت وجهها بكفيها معًا، أخذها «وليد» غرفة داخل الشقة وكانت على مقربة من الجميع، أما «طارق» فنظر لهما بضيق والنيران تشتعل بصدره، قام «وليد» بمواربة باب الغرفة ثم وقف مقابلًا لـها وهو يقول بهدوء:
أنا أسف على طريقتي برة، بس أنتِ شايفة الجو عامل إزاي،المهم شوفي دول كدا ؟"
مد يده لها بإيصالات الأمانة التي قد سبق و مضى «حسان» عليها منذ سنوات ماضية، أخذتها منه بأنامل مرتعشة، نظرت بداخلهم فإتسعت مقلتيها بشدة وهي تقول بنبرةٍ مهتزة:
إيه دا، أنا مش فاهمة دول إيه؟"
إبتسم هو بثقة حينما آى الخوف باديًا على قسمات وجهها الهاديء فقال:
دي يا ستي وصولات أمانة، الاستاذ حسان كان مضى عليها علشان يأمن على البضاعة اللي بيجبها لجدي و لعمامي، المهم يا ستي بعد الحركة اللي الحج حسان عملها دي، كل العيلة عاوزين ياخدوا حقهم و خصوصًا عم طه اللي بنته لحد دلوقتي مش عارفة تتعامل معاه عادي، فهما حاليًا هيقدموا الإيصالات دي و يطلبوا حقهم، الحاجة الوحيدة اللي ممكن توقفهم عن موقفهم دا هو إنك تتجوزي طارق، ساعتها هما ممكن كمان يدفعوله فلوس، ها قولتي إيه؟"
رفعت رأسها تنظر له بأعين مغرورقة بالدموع، فوجدته يقول بثقة:
وافقي علشان خاطر أبوكِ، مهما كان عمل إيه برضه أنتِ قلبك أبيض مش هتقبلي إنه يتسجن علشان وصولات زي دي !!"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
طب وأنا إيه يضمنلي إن هو ميحصلوش حاجة ؟ وأضمن منين إن طارق دا ميكونش شبهكم هنا"
رد عليها مُعقبًا بتهكم:
لأ متخافيش طارق متربي مش زيي"
إبتسمت هي بسخرية ثم قالت بطريقة لازعة:
كويس إنك عارف إنك مش متربي، من ساعة ما شوفتك وأنتَ عمال تتكلم و تحرك فـ كل اللي حواليك ومش عامل حساب لحد"
أيد هو حديثها وهو يقول ببسمة مستفزة:
بصراحة أنا بحب كدا، أنتِ بنفسك هتيجي تشكريني بعد كدا، أنا بساعدك تنقذي أبوكي، اللي إتسبب في مشاكل و أذية ناس بِـهروبه، دا غير إن هما كانوا فاكرينك ميتة يعني دي تهمة جديدة ممكن يستغلوها ضده"
نفخت وجنتيها بضيق ثم أومأت له وهي تقول وكأنها جسد فقط بلا روح:
يعني هيبقى أكتر من اللي حصلي؟ أمي طلعت عايشة وياريتها عايشة عادي لأ دي ست ظالمة، وأبويا بيكدب عليا و هربان بيا منها، و أنا الله أعلم مصيري بعد كدا، أنا كل حاجة في حياتي باظت، أنا عايشة متكسرة ١٠٠ حتة، وهسيبها تيجي زي ما تيجي"
تبدلت نظرته إلى الحزن لأجلها ثم قال بعدما زفر بقوة:
ربنا هيعوضك عن كل دا، المهم فيه حاجة تانية طالما أنتِ وافقتي كدا"
نظرت له بحذرٍ و أعين تدل على القلق مما هو قادم ، فوجدته يقول:
بما إنك معندكيش مكان غير بيتك مع حسان، و بما إنك مش هتقعدي مع مشيرة في نفس الشقة، فأنتِ هتقعدي مع جوزك في بيته"
نظرت له بأعين على وسعيها وهي تقول بإنفعال:
أنتَ بتقول إيه؟ كدا كتير بقى"
حرك رأسه نفيًا بهدوء ثم أضاف قائلًا:
لأ مش كتير، أنتِ عاوزة تسيبي جوزك و تروحي فين إن شاء الله؟ هو دا شرع ربنا اللي أنتِ درساه؟"
نفخت وجنتيها بضيق ثم سألته بضجرٍ من طريقته:
أنا عاوزة أفهم أنت بتجوزنا ليه؟ إيه الإستفادة؟"
نظر لها بتمعن ثم أضاف بهدوء:
علشان عمو حسان ميتسجنش، الوصولات دي بمليون جنيه، أبوكي معاه مليون جنيه؟ و بعدين ظهوركم دلوقتي هيخرب الدنيا، و بصراحة كدا أنا مش بحب الصداع"
في خارج الغرفة كان «طارق» يجول ذهابًا و إيابًا إثر القلق الذي يأكله و يفتك بأحشائه وفجأة وجدها تخرج من الغرفة وهي تنظر في أوجه الجميع، كانت نظراتهم متسائلة، فتنفست هي بعمقٍ ثم قالت:
أنا موافقة، يلا نكتب الكتاب"
تنهد الجميع بأريحية، بينما «حسان» أخفض رأسه في خزيٌ، أما «وليد» فقال ببرود:
يلا يا حمايا مد إيدك في إيد عمو حسان ، خلي الفرحة تدخل بيتنا"
نظر له الجميع بتعجب ، فإبتسم هو ثم قال:
يلا يا جماعة، يلا يا طاروق وأنا و وئام هنشهد"
جلس الجميع و جلست «جميلة» بجانبه و بجانبها «فتيات العائلة» وقفن على مقربة منها، كان «حسان» ممسكًا بيد «محمد» و المأذون يقوم بعقد القران.
بارك الله لكما و بارك عليكما و جمع بينكما في خير"
أنهي المأذون عقد القران بتلك الجملة، و كان المشهد غريبًا إلى حدٍ كبير، فكانت الوجوه جميعها مستاءة من ذلك الوضع، خرج «أحمد» و المأذون معًا من البيت، أما «وليد» فوقف يقول بصوتٍ عالٍ حتى يصل إلى مسامع الجميع:
ألف مبروك رجوعك لينا يا جميلة، ألف مبروك يا مرات أخويا"
نظرت له بضيق ولم تعقب، بينما «حسان» قال بضيق:
يلا يا جميلة علشان نمشي"
نظر له الجميع بتعجب، فقال «طارق» منفعلًا:
يلا فين يا عم حسان؟ هو أنتَ واخد على المشي وخلاص؟"
أضاف «وليد» يقول بخبثٍ:
غالبًا عمو حسان فاهم غلط، نسي إنه بقى حماك خلاص، بس معلش هو معذور برضه، بس علشان إحنا بنفهم في الأصول هو هيقضي اليوم معانا و يطمن قلبه على بنته و يمشي علشان يشوف أشغاله"
تحدث «محمد» يقول بنبرةٍ حانقة:
بنته مش مع حد غريب، بنته مع أهلها يعني مش محتاج يطمن، وكفاية أوي كل اللي حصل والحمد لله إن الأمور وصلت لكدا"
نظر «وليد» في ساعته وهو يقول:
طب يلا ننزل نصلي العصر، علشان نشوف الدنيا بعد كدا.. عبلة خدي جميلة عندكم تريح شوية و خلي بالك فيه دوا بتاخده بعد الأكل"
نظرت له «عبلة» بإستفسار، فوجدته يومأ لها وكأنه يحثها على التحرك، فعلت هي مثلما أراد وأمسكتها من يدها، سارت معها هي كالجسد بلا روح دون أن تحرك ساكنًا في وجهها فكانت تعبيراتها جامدة، وقبل الخروج من الشقة نظرت لأبيها بإنكسار فبادلها هو نفس النظرة ففرت دموع كليهما على وجنتيه في تلك اللحظة، بعدها ركضت من أمامه حتى لا تضعف و ترتمي بين ذراعيه، و بعد خروجهن من الشقة و لِحاق «سلمى» و «خلود» بهن وقف «طه» يقول بضيف:
ياريت حضرتك تتكرم وتقولنا كل حاجة، علشان نفهم بس إيه اللي حصل و اللي بيحصل"
نظر هو لـ «وليد» ثم أعاد النظر إليهم وهو يقول بإنكسار و نبرةٍ مهتزة:
حاضر...حاضر يا طه هحكيلك"
___________
في شقة «ميمي» تجهز الشباب جميعهم بعدما أتى «أنور» الحلاق لهم وقام بضبط هيئتهم هم الأربعة، بعدها شرعوا جميعًا في إرتداء الثياب الخاصة بالفرح، وأول من أنتهى من إرتداء حِلته كان «ياسين» الذي إرتدى حِلة من اللون الأسود وأسفل منها قميص بنفس اللون فكانت وسامته تلك المرة غير متواضعة مع ملامحه الهادئة و بسمته العذبة التي تزين محياه، بعدها تبعه «ياسر» بعدما إرتدى حِلته السوداء وأسفلها قميص باللون الأبيض و رابطة عنق صغيرة (ببيونة) من نفس اللون الاسود، وقف «ياسين» يهندم ملابس صديقه وهو يقول بمرحٍ:
أيوا يا ياسور، مين قدك يا عم، فرحان يا ياسر؟"
كان يتحدث وهو يُعدل من وضعية رابطة عنق صديقه، فقال «ياسر» بنبرةٍ متأثرة:
فرحان بس؟ أنا حاسس أني طاير في السما، كل حاجة في حياتي مفرحاني يا ياسين، وجودك معايا، ووجود عامر و خالد، النهاردة بتجوز إيمان حب عمري، ومعايا ميمي و أخواتي و أمي، تفتكر هبقى مش فرحان؟"
نظر له «ياسين» بعمقٍ وهو يمعن النظر في وجهه، بعدها تنهد بعمقٍ ثم قال:
لأ فرحان، بس فرحتك ناقصة ودا باين في عينك ، وجوده ملوش لازمة يا ياسر، أنتَ وصلت لكل حاجة من غيره، دا مكانش أب، دا واحد جاحد"
نظر له «ياسر» مندهشًا من قدرته على قراءة أفكاره فوجده يقول بمزاح:
متبصليش كدا بقى، عينك فضحاك، بس والله أخويا راجل وأجمد عريس عيونه زرقا وشعره دهبي"
ضحك «ياسر» ثم احتضنه وهو يقول بحب ونبرة مبتهجة:
ربنا يباركلي فيك يا قلب أخوك، أنتَ ضهري يا ياسين"
أتى «عامر» ثم صفعه على رقبته من الخلف وهو يقول:
هو بس اللي ضهرك؟ تمام يبقى نكسره يا دكتور"
إبتعد كلاهما عن الأخر و هما يضحكان عليه، فنظر لهما هو بضيق ثم قال:
بتحضنوا بعض من غيري؟ يومكم مش فايت، هو ياسر بس اللي عريس؟ مانا كمان عريس"
ضحك «ياسين» ثم وضع ذراعه على كتف «عامر» وهو يقول:
لأ إزاي وأنتَ كمان أحلى عريس، بس أنتو كدا متأكدين إنكم مش جرسونات في القاعة؟"
نظر كلاهما للأخر، فكانت حلتيهما متطابقة في خامة (القطيفة) و اللون الأسود حتى لون القميص، ضحك «ياسين» عليهما ثم قال:
حصل خير بتحصل في كل الأفراح، كدا كدا الجواكت هتتقلع"
قبل أن يرد عليه أيًا منهما وصلهم صوت «خالد» يقول بإنفعالٍ من الداخل:
يابني إلبس بقى، بتلبس إزاي أنتَ؟"
ركضوا جميعًا وجدوه يحاول تعديل ثياب صغيره،ضحكوا عليه، بينما «ياسين» إقترب منه يقول متعجبًا:
بتعمل إيه يا خالد؟ هو أنتَ كدا بتلبسه؟"
رد عليه «خالد» بضيق:
ياعم أنا عمري ما لبسته أصلًا غير الجزمة، وقولت لريهام مش هعرف أتعامل، قالتلي لبسه سهل، بقالي ساعة بلبسه البنطلون"
إقترب منه الجميع فتحدث «عامر» بهدوء:
سيبهولنا إحنا نلبسه، وروح أنتَ كمل لبسك إحنا لبسنا وأنتَ لسه"
أومأ لهم «خالد» ثم أكمل إرتداء حِلته الرمادية والتي زادته وسامة فوق وسامته في حين أن الشباب أكملوا للصغير ملابسه وكانت حِلة من اللون الرمادي تتشابه مع حِلة أبيه، بعد الإنتهاء أمسكه «عامر» بين ذراعيه وهو يقول بمرحٍ:
حبيب عمو بقى عريس زي القمر، عقبال ما أحضر فرحك يا يونس"
وقف «خالد» بجانبهم وهو يقول بسخرية:
أنا هجوزه في إعدادي، مش هستنى لما يكمل العشرينات حتى، اللي زي يونس إبني دا لما يكبر هيطلع عين أمي"
سأله «ياسر» مُتعجبًا:
الواد كله سنتين، عملك إيه يا ظالم؟"
رد عليه «خالد» بحنقٍ:
الواد دماغه ناشفة يا عم ياسر، دا بيغير مني في البيت، مش عاوزني معاهم"
ضحكوا عليه فأضاف هو:
والله بيغير مني، عاوزني أنزل و اسيبه مع أمه، لو دخلت أوضتهم بيطردني بالأدب منها"
تدخل «ياسين» يقول بهدوء:
على فكرة أنا كنت زيه كدا وأنا صغير، كنت بغير على أمي علشان كنت لوحدي، أنتَ بقى صاحبه وخليك معاه علطول"
أومأ له «خالد» وهو يقول بضيق:
ماشي أنا معاك، يا عم دا مش طايقني دا لحد دلوقتي مقالش يا بابا !!"
_"با..با"
خرجت متقطعة من الصغير وهو يضحك، ضحكوا هما عليه بينما «خالد» إتسعت مقلتيه بذهول وهو يقول:
دا غير إنه أكتر واحد في الدنيا بيحرجني"
بابا"
خرجت مرةً أخرى من الصغير وهو في حضن «عامر» فزادت ضحكاتهم جميعًا، أخذه «خالد» وهو يقول ساخرًا:
تعال يا خويا، جاي دلوقتي وتقول بابا، ماشي يا يونس صبرك عليا"
أخرج «عامر» هاتفه وهو يقول بمرحٍ:
طب يلا نعمل تيك توك قبل ما ننزل"
رد عليه «ياسين» بضجرٍ:
تيك توك إيه يا مهزق أنتَ؟ فيه عريس فاضي للهبل دا؟ أكبر بقى"
رد عليه «عامر» مُعقبًا بضيق:
آه أنا فاضي، وهنعمل تيك توك، يا والله مش رايح القاعة"
تدخل «ياسر» يقول مُنفعلًا:
يا بني بقى أرحمنا، عاوزين ننزل العربيات زمانها على وصول"
خرجت «ميمي» من الداخل وهي مستندة على عكازها، وقالت بتعجب:
انتو واقفين كدا ليه؟ خلصوا بقى"
رد عليها «عامر» بضيق:
مش عاوزين يعملوا معايا تيك توك يا ميمي، مش عاوزين يفرحوني في أخر يوم عزوبية"
ضحكت هي عليه وقبل أن ترد صدح صوت هاتف «عامر» برقم شقيقه، فأخرج الهاتف ورد عليه بضيق قائلًا:
قبل اي حاجة اسمعني يا عمار، تروح القاعة وتقول للواد بتاع الدي جي يشغل كل الاغاني بتاعة غدر الصحاب و وقاحتهم وعن الصحاب الندلة، جو أعز
صحاب دا يتلغي أنا معنديش صحاب"
نظر له الثلاثة بإندهاش فوجدوه يضيف بنفس النبرة الحانقة:
وتقوله كمان يحط ملاية في نص القاعة علشان نفصل الفرحين عن بعض، خليهم يشبعوا ببعض"
أغلق الهاتف مع شقيقه وهو ينظر لهم بضيق، فقالت «ميمي» بنبرةٍ ضاحكة:
والله العظيم واد أهبل، اعملوا اللي هو عاوزه خلونا نخلص"
رد عليها «خالد» بإنفعال:
نعمل إيه؟ إحنا مستحيل نعمل الهبل دا، قال تيك توك قال؟ مـسـتـحـيـل"
_"السود عيونه..."
قالها «عامر» وهو واقفًا بشموخ ممسكًا بالهاتف و بعدها أكمل الثلاثة بعدما وقفوا فجأةً من خلفه وهم يضيفون:
يــا ولا"
فأكملوا الأغنية معًا، «عامر» يبدأ وهم يكملون من وراءه، تحت ضحكات «ميمي» الساخرة وهي تحمل الصغير بين ذراعيها ، أنهوا المقطع فوجدوه يقول مُترجيًا لهم:
علشان خاطري واحد كمان.. علشان خاطري"
نطق «ياسر» بضجرٍ:
يابني خلصنا بقى هنروح متأخر كدا"
أضاف «ياسين» بهدوء:
خلاص بقى يا عامر، عاوزنا نقول للناس معلش يا جماعة جينا متأخر،أصل كنا بنعمل تيك توك؟"
ترجاه «عامر» بقوله:
علشان خاطري يا ياسين، واحد كمان على أغنية أنا جاي أجامل اخويا و أقوله يا عريس..يا عريس"
كان يقولها «عامر» وهو يقوم بتلحين الكلمات ويراقص جزعه تزامنًا مع تفوهه بالكلمات، نظروا لبعضهم البعض فلم يجدوا سبيلًا للرفض أمام فرحة صديقهم، وقفوا خلف بعضهم البعض كان «ياسين» خلف «ياسر» و «خالد» خلف «عامر»، قام الاخير بتشغيل المقطع وضغط على زر التصوير، فبدأ المقطع بالكلمات الآتية:
أنا أنا جاي أجامل أخويا وأقوله يا عريس...يا عريس"
كان «ياسر» و «عامر» يرقصا في المقدمة و «خالد» و «ياسين» في الخلف يشيرا عليهما ببهجة، أنهوا التصوير وإحتضنوا بعضهم البعض، نظرت «ميمي» لهم بفرحٍ وقبل أن تتحدث طُرق الباب بواسطة والدة «عامر» و معها البقية والدة خالد و والدة ياسر و معهن والدة ياسين، دخلن الشقة و هن يطلقن الزغاريد، سألهن «خالد» بهدوء:
انتو بتعملوا إيه هنا؟ وإيه اللي معاكم دا؟"
ردت عليه والدته «عفاف»:
هنلبس هنا وميمي كمان هتلبس معانا، ودا الأكل بتاع العرسان حد فيكم ياخده يوديه"
إقترب «عامر» من والدته وهو يقول بحماس:
ماما عملتيلي المكرونة بالبشاميل ولا لأ؟"
ردت عليه «زُهرة» بضيق:
يابني لم نفسك، أنتَ عريس مكرونة إيه دي اللي بتسأل عليها ليلة فرحك؟"
حرك كتفيه يقول ببساطة:
وفيها إيه يعني؟ دي علشان تكون فتحة خير علينا"
إقتربت منه والدة «ياسر» وهي تقول:
أنا بقى عملتلك الحمام وكمان زهرة عملتلكم رقاق"
صرخ هو مُهللًا:
الله أكبر إيه الحلاوة دي، بحبكم "
فجأة إرتفع صوت السيارات أسفل البيت، فقال «خالد» بسرعة:
دي عربيات الزفاف وصلت، يلا بقى علشان الصور، لسه هتتصوروا لوحدكم الأول"
إقربت «ميرفت» تقف أمام «ياسر» وهي تقول بدموع الفرح من أعينها الزرقاء التي تشبه أعين إبنها:
ربنا يحميك يا حبيبي، طول عمرك راجل يا ياسر، ربنا يجبر بخاطرك ويسعدك أنتَ و إيمان يا رب"
إقترب منها «عامر» يقول بمزاح:
لأ مش عاوزك تعيطي، أنتِ مراتي التالتة بعد ميمي، أخلص بس فرحي على سارة وأجي أشوف هتجوزك إمتى"
ردت عليه بسخرية:
يا أخويا دا هو مستحملش وسابني وطفش"
راقص هو حاجبيه يقول مشاكسًا:
هو غبي ملناش دعوة بيه، لكن أنا بقدر العيون الزرقا كويس"
أمسكه «ياسر» خلف رقبته وهو يقول بضيق:
لم نفسك بقى، بتعاكس أمي قدامي، أحترمني شوية"
رد عليه «عامر» بحنقٍ:
يا عم بقولك بحبها، وهتبقى مراتي التانية"
ردت عليه «سيدة» والدته بسخرية:
طب اتجوز الأولى يا أهبل، جتك خيبة"
رد «ياسين» متدخلًا بسرعة:
طب مفيش وقت يلا يا ياسر أنتَ و عامر انزلوا علشان تروحوا القاعة، وأنا هروح أحط الأكل في الشقق، خالد خليك معاهم هنا لحد ما الباقي يجهز"
أومأ له الجميع، ونزل الأربع شباب معًا وسط الزغاريد و المباركات من الجيران، وقف «عامر» أمام سيارته ثم قام بتشغيل الألعاب النارية التي تطلق أنوار مبهجة في السماء، بعدها أتى «عمار» ومعه أصدقائه وهم يركبون الدراجات الناريه، سألهم «ياسين» مستفسرًا:
الموتوسيكلات دي ليه يا رجالة؟"
رد عليه «عمار» بفخرٍ:
علشان الزفة يا ياسين، أومال عاوزهم يروحوا كدا سكيتي؟"
نظر له «ياسين» متعجبًا فوجده يقترب منه وهو يقول هامسًا:
بقولك إيه هي جماعتك جاية الفرح؟"
قطب «ياسين» حاجبيه مندهشًا وهو يقول:
آه أكيد جاية، أنتَ مالك بتسأل ليه؟"
إقترب منه أكثر يضيف هامسًا بهدوء:
أختها جاية معاها؟"
أمسكه «ياسين» من تلابيبه وهو يقول بضيق:
لم نفسك يا حيوان بدل ما ألمك، ملكش دعوة بيها خالص"
رد عليه بهدوء:
والله بطمن بس، على العموم أنا هسكتلك بس علشان أكيد هحتاجك لما أروح أخطبها"
نظر له «ياسين» مندهشًا وهو يقول:
يابني اتربى بقى، وبعدين أنتَ شوفتها مرة واحدة"
_"لأ دا أنا بايت في الإنستجرام بتاعها وبتاع عيلتها كلها"
خرجت تلك الجملة من «عمار» بسرعة كبيرة، مما جعل «ياسين» يمسكه من رقبته وهو يقول بنبرة حانقة:
يا ليلة أهلك السودا، صبرك عليا عامر يتجوز و أفضالك، غور من وشي"
تحدث «خالد» يقول بهدوء للسائقين:
يلا يا ريس اتحركوا على القاعة"
أومأ له كليهما بعدها ركبا السيارتين، أما «عامر» إحتضن أصدقائه ثم ركب سيارته، وفعل «ياسر» المثل ثم ركب سيارته هو الأخر، فجأة عند تحرك سيارة «عامر» خرج هو بجسده من سقفها وهو يراقص جزعه العلوي كما لو أنه طفلًا صغيرًا، ضحك عليه الشارع بأكمله أما «خالد» ضرب كفًا بالأخر وهو يقول متعجبًا:
يا أهبل يا أبن الهُبل؟ الواد مخه لسع من قبل الفرح !!"
أتى «ياسين» يقف جواره وهو يقول مُتعجبًا:
لأ دا مخه لاسع من يوم الولادة، أنا مرعوب والله يعملنا مصيبة في القاعة"
نظر له «خالد» بذعرٍ وهو يقول:
نهاركم مش فايت، دا أنا دافع تأمين !! و رب الكعبة لو عملها لأخلي شهر العسل سواد على دماغه"
ضحك «ياسين» ثم وضع ذراعه على كتفه وهو يحاول كتم ضحكته ثم قال:
خلاص ياض بقى، ربنا يفرحهم المهم محدش فيهم يكون زعلان"
ربت «خالد» على ظهره وهو يقول بِـحبٍ:
اليوم دا بس يعدي على خير، ويبقى فاضل أنتَ علشان قلبي يطمن"
رد عليه «ياسين» بحماس:
هانت خلاص، ربنا يخليك ليا"
أومأ له «خالد» ثم قال:
طب يلا خد الأكل وصله الشقق المفاتيح معاك أهيه، وتعال على هنا علشان نلحق نتحرك وراهم"
أومأ له «ياسين» ثم ركب سيارته، بينما «خالد» نظر في أثره بأعين دامعة وهو يقول:
ربنا يفرح قلبك الطيب دا أنتَ كمان"
بعدها أخذ نفسًا عميقًا ثم قال مُتعجبًا:
إيه دا ؟! أنا مشاعري بقت جياشة كدا ليه؟"
______________
في بيت آلـ «الرشيد» قص «حسان» على الجميع ما حدث، كان الجميع مذهولون مما وقع على مسامعهم، فهم لم يتوقعوا أن الأمور وصلت إلى ذلك السوء، أنهى هو حديثه ثم قال بنبرةٍ قوية منفعلة:
ها يا ولاد فايز، لو حد منكم كان مكاني كان عمل إيه، ردوا عليا؟ واحد كرامته مجروحة زيي، أنا لو كنت فضلت هنا كنت موتها"
رد عليه «مرتضى» بضيق:
وبرضه هروبك غلط يا حسان، تحرم أم من بنتها وتفهمها إنها ميتة، إحنا دوخنا على مكانك علشان نوصلك"
رد عليه «حسان» بضيق:
أنا مكنتش قاصد أفهمكم إنها ماتت، أنتو على ما وصلتوا لعنواني في اسكندرية كانت هي شبه ميتة، أنا ساعتها طلعت من المستشفى علشان أجيب فلوس، كنت بايت هناك معاها، ولما رجعت الجيران قالولي إنهم افتكروها ماتت وإن هما قالولكم كدا، أنا مكانش قدامي غير أني أهرب على الصعيد علشان ابدأ من جديد، بنتي كانت بتروح مني وحياتي متدمرة،ساعتها كنت هرجع لمشيرة علشان تطمن على بنتها بس خوفت من اللي حصل "
رد عليه «محمد» بضيق:
أنتَ غلطان وهي غلطانة، بس الغلط الأساسي على مجدي و مديحة ربنا ياخدهم وعلى فاطمة"
رد عليه «حسان» بضيق:
ربنا خَدهم فعلًا، البيت بتاعهم ولع بيهم هما الاتنين وأمهم معاهم"
رد عليه «طه» بحزن:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"
سأله «محمود» بنبرة مهتزة:
طب وأنتَ عرفت منين؟"
رد عليه «حسان» بهدوء:
لما رجعت القاهرة هنا من قبل ظهور وليد و طارق، روحت علشان ازورهم وقولت أفهم الدنيا وصلت لفين، جارتهم قالتلي إن البيت بتاعهم ولع من أربع سنين وماتوا هما وأمهم"
مال «وليد» على أذن «طارق» وهو يقول:
أنا دلوقتي عرفت ليه جوازة عمتك مكملتش"
نظر له «طارق» مستفسرًا بهدوء، فوجده يومأ وهو يقول:
تخيل كدا لو السلالة دي تكاثرت، كان زماننا ماشيين نتكعبل في عقارب صغيرة"
نظر «طارق» أمامه بضيق ولم يُعقب فقال «وليد» هامسًا:
إفرد وشك يا طارق، أنتَ عريس الليلة دي"
إبتسم «طارق» بسخرية ثم قال بنبرةٍ متهكمة:
آه صح، قال عريس قال، اسكت يا وليد بالله عليك"
تحدث «وليد» يقول بنبرةٍ عالية:
طب أنا هطلع أغير هدومي علشان ورايا مشوار مهم، وأنتَ يا طارق اطلع اطمن على مراتك"
نظر له «طارق» بضيق، فوجد «محمد» يضيف قائلًا:
اطلع اطمن على مراتك يا طارق، مراتك زمانها تعبانة من اللي حصل، يلا يا بني"
زفر «طارق» بضيق ثم وقف متأهبًا وهو يقول:
حاضر، هطلع أطمن عليها"
في شقة «محمد» كانت «جميلة» جالسة في غرفة «عبلة» وهي واجمة الوجه، تشعر بالضيق من كل ما حولها، كانت الفتيات تنظر لها بتعجب، وأول من تحدثت كانت «خلود» حينما قالت بضيق زائف:
بقولك إيه يا ست الصامتة أنا خلقي ضيق، اتكلمي معانا، دا مش شكل عروسة دا"
نظرت لها «جميلة» بحزن ولم تعقب على ما تفوهت به، فقالت «سلمى» بمرحٍ:
البت دي بتفكرني بخديجة قبل ما تتجوز ياسين، كانت عاملة زيها كدا علطول"
تدخلت «عبلة» تقول بهدوء و ببسمةٍ مرسومة على وجهها:
بصي أنا عبلة أخت طارق جوزك، ودي سلمى أختي ودي خلود بنت عم طه وأخت خديجة وأحمد أخوكي في الرضاعة"
نظرت لها «جميلة» بأعين خاوية ثم قالت بنبرةٍ خالية من المشاعر:
أهلًا و سهلًا اتشرفت بمعرفتكم"
رفعت «خلود» حاجبيها ثم قالت بخبثٍ:
على فكرة بقى أنا ضرتك هنا، أنتِ اتجوزتي طارق زينة شباب العيلة، يعني أنا وأنتِ كدا مش نافعين مع بعض، فوقي كدا بدل ما أخده منك وأنا بصراحة سوسة وأعملها"
لم تستطع «جميلة» التحكم في بسمتها من الظهور، فإبتسمت رويدًا رويدًا وهي تحرك رأسها بيأس، فقالت «خلود» بنبرةٍ مبتهجة:
الله دي ضحكت أهيه، اومال قفلاها في وشنا ليه بس يا ستي"
اخذت «جميلة» نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء:
على فكرة أنا بحب الهزار و الضحك أوي بس أنا تعبانة شوية"
سألتها «عبلة» بقلقٍ واضح:
مالك طيب، وليد قال إن فيه علاج بتاخديه، أجبهولك ؟!"
حركت رأسها نفيًا في هدوء وهي تقول:
لأ شكرًا، أنا مش تعبانة التعب دا، أنا تعبانة تعب من نوع تاني"
دخلت «سهير» تحمل الطعام والعصير في يدها وهي تقول بمرحٍ:
الأكل الحلو علشان مرات أبني، الغالية اللي البيت نور بوجودها"
نظرت لها «خلود» بضيق زائف وهي تقول:
يا سلام يا سهير؟ طب ما أنا و وليد بنيجي هنا مشوفناش منك عيش و ملح حتى ؟!"
نظرت لها «سهير» تقول بإشمئزاز:
يلهوي بتفكريني ليه، ربنا ينجدني منكم، أنتِ و السوسة الكبير دا"
_"هو اللي بيقول الحق يبقى سوسة برضه يا حماتي؟"
خرجت تلك الجملة من «وليد» بثباتٍ وهو واقفًا على أعتاب الغرفة خلف «سهير» إلتفتت تنظر له بودٍ مصطنع وهي تقول:
لأ يا جوز بنتي، دا يبقى سكر زيك كدا"
أومأ لها ثم قال:
أيوا كدا شاطرة، مش هتبقي أنتِ و جوزك عليا"
نظرت له «عبلة» تتفحصه وهي تقول بشكٍ:
الأستاذ لابس كدا ورايح فين؟"
نظر هو لنفسه ينظر لهيئته يتفحصها حيث كان يرتدي قميص من اللون الأبيض على بنطال من اللون الاسود و حذاء رياضي من نفس لون القميص مع ساعة كبيرة، رفع رأسه وهو يحرك كتفيه ببساطة ثم قال:
دا العادي بتاعي يعني، ورايا مشوار مهم"
رفعت حاجبها تنظر له بضيق فوجدته يقول موجهًا حديثه لـ «جميلة»:
عاملة إيه دلوقتي يا أنسة جميلة؟"
نظرت له بضيق ولم تعقب، بينما قال هو مُغيرًا مجرى الحديث:
أنا هروح مشواري وأبقى أرجع تاني عن إذنكم"
خرج هو من الغرفة فإصطدم بـ «طارق» واقفًا في مقدمة الرواق المؤدي إلى الغرف فَـ ربت «وليد» على كتفه وهو يقول:
فك وشك كدا علشان جميلة متحسش إنك مغصوب عليها، مش هفضل أصلح من كل ناحية أنا"
أتت «عبلة» من الخلف وهي تقول:
مش عاوزة تاكل برضه، ادخل يا طارق أكلها"
رد عليها «طارق» بضيق و بنبرةٍ منفعلة:
إزاي بس يا عبلة؟ جميلة لو بتكرهني قيراط، بعد النهاردة هتكرهني ٢٤ قيراط"
رد عليه «وليد» بثقة:
غلطان، جميلة لو بتحبك قيراط، فإيدك تخليها تحبك ٢٤ قيراط، أنا عارف أنا بعمل إيه كويس يا طارق"
زفر «طارق» بضيق، فربتت «عبلة» على يده وهي تقول بهدوء:
هي حاسة إنها لوحدها، ادخل وعرفها إنك معاها ومش هتسيبها"
نظر هو في وجهيهما، فوجد نظراتهما مشجعة له، أخذ نفسًا عميقًا ثم دخل لها، نظر «وليد» في أثره بهدوء ثم أخذ نفسًا عميقًا، كانت «عبلة» تنظر له بشكٍ، إلتقط هو نظرتها تلك، فرفع حاجبه يسألها بضيق زائف:
نعم ؟! بتبصيلي ليه؟"
سألته بنبرةٍ مقررة لا تقبل النقاش:
أنتَ رايح فين بالظبط؟ وقولي من غير كدب ؟!"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال ببساطة وكأنه يخبرها عن الوقت:
رايح المعادي، هقابل هناك"
قطبت جبينها تسأله بتعجب:
تقابل ؟! تقابل مين هناك؟"
رد عليها مُردفًا بثبات:
هما اتنين بصراحة، مش واحدة"
ردت عليه بحنقٍ:
كمان اتنين، الله أكبر يا أستاذ وليد؟ ومين بقى الاتنين دول؟"
زفر هو بقوة ثم قال بهدوء:
هدير بنت عمك عاوزة تقابلني، والتانية نور فريد"
ردت عليه بإنفعالٍ واضح:
إيــــه ؟! هدير و نور ليه إن شاء الله؟"
رد عليها هو بهدوء:
هدير كلمتني وعاوزة تشوفني ضروري، و نور عاوزاني في شغل"
ردت عليه بحنقٍ:
طب هدير ماشي، لكن نور دي عاوزة إيه؟ مش دي اللي كانت بتحبك وأنتَ في الجامعة؟ صح؟"
أومأ لها، فردت عليه بنبرةٍ شبه باكية:
طب يا وليد اتفضل، بس يانا يا المشوار دا بقى؟"
رد عليها مُعقبًا بحنقٍ:
أنتِ عارفة أني في كل مرة بختارك يا عبلة، بس مينفعش مشوار زي دا تقارني نفسك بيه، أنتِ أكبر من أي حاجة، وأنا لو واحد مش كويس مش هقولك على حاجة أصلًا"
ردت عليه بإنفعالٍ:
ياريتك ما قولت يا وليد، دلوقتي النار بتاكل فيا"
إبتسم هو لها بحبٍ ثم قال:
طب علشان كلامك الحلو دا يا عبلة، ألبسي و تعالي معايا"
سألته هي بحماسٍ:
بجد يا وليد؟ قول والله"
ضحك هو على رد فعلها ثم قال:
آه والله بجد، مفيش حاجة ولا حد يستاهل أزعلك علشانه، بس بسرعة علشان ألحق أشوف العقارب اللي مستنيني"
قبلته هي على وجنته بسرعة كبيرة ثم ركضت من أمامه، نظر هو في أثرها بحب ثم قال:
صحيح أنيس الروح...دوا الجروح"
في داخل الغرفة الخاصة بـ «طارق» كان جالسًا بجانب والدته أمامها منتظرًا منها تبدأ في تناول الطعام، لكنها لم تفعل، بل كانت تفرك كفيها معًا بخوفٍ، زفر هو بضيق ثم قال بنبرةٍ هادئة إلى حدٍ ما:
ياريت تاكلي علشان الدوا بتاعك، متنسيش إنك وقعتي من طولك قبل كدا"
رفعت رأسها تنظر له بضيق ولم تعقب، فبادلها هو نفس النظرة، رآت والدته نظراتهما لبعضهما البعض فدخلت تضيف بهدوء:
طب أأكلك أنا طيب؟ أنتِ زي بناتي"
حركت رأسها نفيًا بهدوء وهي تقول:
شكرًا لحضرتك، بس أنا مش قادرة والله، مليش نفس"
قام «طارق» يجلس بجانبها ثم أمسك الملعقة وقام بملئها بالطعام ثم مد يده لها وهو يقول بحب:
طب مش عاوزة تاكلي من إيدها هي، كلي من إيدي أنا"
نظرت له و ليده الممدود بالطعام، فقالت «خلود» بخبثٍ:
يا بختك يا جميلة، زينة شباب العيلة الكاريزما بيأكلك بنفسه، يارتني كنت أنا"
ضحك الجميع على حديثها بينما قال هو مبتسمًا بهدوء:
طب هتاكلي ولا أأكل خلود؟ خلي بالك خلود دي محدش بيقف قصادها هنا"
أومأت له ثم أخذت الطعام من يده، تنهد هو بأريحية في حين أشارت «سهير» للفتاتين باللحاق بها إلى الخارج، خرجت هي و هن خلفها، نظرت «جميلة» في أثرهن و بعد خروجهن قالت له بهدوء:
شكرًا يا أستاذ طارق، هما خلاص خرجوا، ملوش لزوم تتعب نفسك"
رفع هو حاجبه ينظر لها مُتعجبًا فوجدها تضيف بخوفٍ:
لو سمحت أنا مش عاوزاك تبصلي كدا علشان أنا خايفة"
سألها هو مندهشًا:
خايفة ؟! خايفة مني أنا يا جميلة"
بكت وهي تجيبه بنبرةٍ موجوعة:
أيوا خايفة منك، وخايفة من نفسي و خايفة من أهلي، أنا واحدة عاملة زي لوح إزاز مكسور، أنا وافقت على الجواز دا علشان أحل مشكلة، غير كدا تنساني زي ما أنا نسيتك"
نظر لها متفاجئًا من حديثها فوجدها تستطرد حديثها قائلة بإنفال و بنبرةٍ شبه باكية:
أنساني بقولك و هما كمان ينسوني، ويارب أنا كمان أنسى نفسي، أنا بكرهكم..ســامـع..بــكـرهكـم"
____________
في القاعة وصل «عامر» و «ياسر» معًا إلى القاعة و معهما الشباب أصدقاء «عمار» بالدراجات النارية، دخلا سويًا إلى الحديقة المخصصة لإلتقاط الصور الخاصة بالعرس في القاعة، وقفا معًا و كلًا منهما معه مصور خاص له، أنتهيا من الصور الفوتوغرافيه ورحل المصور وهو يقول لهما:
دلوقتي بقى المفروض العرايس تجهز علشان نصوركم سوا صور الفرح، هنظبط الدنيا لحد ما ينزلوا"
أومأ له كليهما، وبعد رحيل المصور،وقف «عامر» ينظر حوله يتفحص المكان و فجأة ابتهج وجهه بشدة فقال بحماسٍ:
واد يا ياسر، تعالى معايا"
قال جملته ثم ركض من أمامه، أما «ياسر» فنظر في أثره بتعجبٍ ثم لحقه وهو لا يعلم أين سيذهب به «عامر».
في الغرفة المخصصة لتجميل السيدات في القاعة كانت الفتيات يضعن اللمسات الأخيرة لهيئتهن، بعد الإنتهاء خرجت الفتيات المتخصصة بالجميل، تحدثت «إيمان» تقول بسعادة بالغة:
هموت وأشوف ياسوري عامل إزاي في البدلة"
ردت عليها «ريهام»:
وأنا هموت وأشوف خالد و يونس وحشوني أوي"
ردت عليهن «خديجة» بحب:
وأنا هموت وأشوف ياسين شكله عامل إزاي، مسمعتش صوته من إمبارح"
لم تشاركهن «سارة» بل كانت ملامحها حزينة تدل على الإنكسار، نظرن الفتيات لها فوجدوها شاردة بحزن، إقتربت منها «خديجة» تقول مستفسرة بتعجب:
مالك يا سارة زعلانة ليه؟ حد جه جنبك؟"
نظرت لها «سارة» بحزن وهي تقول:
صعبان عليا نفسي، كان نفسي بابا يسلمني لعامر، أو حتى عمي يكون معايا، بدل ما هو زعلان مننا علشان الورث، كان نفسي حد يسلمني لجوزي و يوصيه عليا، بس للأسف مفيش غير ماما وأختي وجوز أختي"
أحتضنتها «خديجة» ببكاء وهي تقول:
متزعليش نفسك والله كل حاجة هتكون كويسة،و عامر طيب أوي مش محتاج وصية"
أومأت لها «سارة» ثم رفرفت بأهدابها حتى تتحكم في دموعها ثم قالت مغيرة لتلك الأحداث:
خلاص بقى علشان مش عاوزة نكد، و الميكب هيبوظ"
أحتضنتها «خديجة» من جديد ثم نظرت بجانبها وجدت «إيمان» هي الأخرى،فسألتها «خديجة» بإندهاش:
بتعيطي ليه يا إيمان أنتِ كمان، هو أنا جبتلكم عدوى نكد ولا إيه؟"
ردت عليها «إيمان» من بين شهقاتها:
كان نفسي بابا يكون معايا و مع خالد، خالد تعب أوي علشاني وبقى أبويا...بس برضه كان نفسي بابا يكون معايا"
قامت «ريهام» تحتضنها بهدوء وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
متزعليش يا إيمان و بعدين خالد معاكِ و مش هيسيبك"
ردت عليها «سارة» بأسى:
إحمدي ربنا يا سارة إنك معاكِ خالد، غيرك لوحدها و شكلها زفت قصاد الناس"
في تلك اللحظة طرق الباب الخاص بغرفتهن توجهت «ريهام» نحوه تفتحه فتفاجأت حينما رآته يقف أمامها بهدوء وهو يقول:
مساء الخير، عرايسي الحلوين فين؟"
نظرت كلتاهما للأخرى بإندهاش فلم يأت في مخيلة أيًا منهن أن يقف هو أمامهن.
__________
في الأسفل وصل «خالد» و «ياسين» داخل القاعة و هما يتمما على التفاصيل، أتى لهما المصور وهو يقول:
يا فندم إحنا محتاجين العرسان علشان صور الفرح، كدا هنتأخر"
ادخل «خالد» عائلتهم ثم أجلسهم في الأماكن الخاصة بهم ومعهم «فهمي» بعدها إقترب من المصور وهو يقول:
طب ما هما برة هما فين يعني؟"
رد عليه «المصور» بضيق:
دورت عليهم مش موجودين والمفروض العرايس نازلة علشان الصور"
رد عليه «ياسين» بهدوء:
طب إحنا هنطلع نشوفهم ونرجع لحضرتك، متقلقش"
تركهما المصور وخرج من القاعة بينما «خالد» سأل «ياسين» بقلقٍ واضح:
العيال راحو فين يا ياسين؟"
رد عليه «ياسين» بنفس القلق:
و رب الكعبة ما أعرف، ما أنا معاك أهو، متقلقش أنتَ بس"
رد عليه «خالد» مستفسرًا بقلقٍ:
العيال هروبوا يا ياسين؟ هيفضحونا قدام الناس؟"
إتسعت مقلتيه بقوة فقال بنبرةٍ متوترة:
إهدا بس هتلاقيهم في الحمام ولا في أي مكان، ولا عامر بياكل حتى"
أتى في تلك اللحظة أحد العمال في القاعة وهو يقول بطريقة مهذبة:
يا فندم فيه مشكلة برة بسبب العرسان، ياريت حضراتكم تفضلوا معايا علشان نحلها"
نظر كليهما للأخر بقلقٍ واضح اتخذ مكانته في وجهيهما.
عند «عامر» و «ياسر» كانا كلاهما جالسًا على لعبة تشبه الميزان فكان كلًا منهما جالسًا بجانب وكلما ارتفع واحدًا منهما، انخفض الأخر، كانت ضحكاتهما مرتفعة بشدة و بجانبهما طفلين صغيرين ينظرا لهما بضيق و شررٍ يتطاير من عينيهما، تحدث «عامر» يقول بنبرةٍ متهكمة حتى يثير حنقهما:
يلا يا ياسر دوس جامد علشان اترفع لفوق أكتر"
ضحك «ياسر» ثم ضغط أكثر على اللعبة بكامل جسده، فإرتفع «عامر» وهو يضحك بسعادة تشبه سعادة الأطفال، ثم فعل هو المثل و ضغط على اللعبة، فإرتفع «ياسر» هو الآخر وضحكته مرتفعة بشدة، تحدث أحد الطفلين يقول بضيق:
خلاص بقى يا عمو بقالكم كتير، عمو راح يجيب باباكم علشان تنزلوا من على اللعبة"
رد عليه «عامر» بطريقةٍ طفولية:
أنا بابايا مجاش لسه وهو أبوه مسافر"
قال جملته ثم أخرج لسانه للأطفال، فتحدث «ياسر» يقول بقلق ولا زال كلاهما مستمرًا في تحريك اللعبة:
بقولك إيه ياض، كفاية كدا البنات شكلهم نزلوا، خالد و ياسين زمانهم وصلوا"
رد عليه «عامر» بلامبالاة و بنبرةٍ مصطبغة بالمرح:
كمل بس لعب دي لعبة حلو أوي ترد الروح"
_"للي خالقها، هترد الروح للي خالقها يا عــامـر الـكـلـب"
تفوه «خالد» بتلك الجملة بضيق شديد و بنبرةٍ منفعلة، جعلت كليهما أعينه تتسع بشدة من الخوف، في حين تحدث «ياسين» يقول بضيق:
فيه يالا أنتَ وهو هو إحنا جايبين عيال اختنا نفسحهم؟ يلا يالا منك ليه ربنا يهدكم"
تحدث أحد الأطفال يقول بحزن:
ياعمو بقالهم ساعة مش عاوزين ينزلوا من على اللعبة وقولنا لعمو يروح يقول لباباهم"
سأله «عامر» بضيق:
ولا أنتَ إسمك إيه يا رخم أنت وهو"
رد عليه الأخر بضجرٍ:
أنا مالك و هو مازن"
رد عليهما «عامر» بسخرية:
فوق ياض أنتَ وهو أنتو آخركم محلات شاورما، أنا لو جبتلكم أبو حيدر مش هسمع صوت حد فيكم"
حاول «ياسين» كتم ضحكته لكنه فشل و «ياسر» أيضًا الذي أوشك على السقوط من أعلى اللعبة، مما جعل «خالد» يخرج حزام بنطاله وهو يقول بهدوء مخيف:
وليه تجيب أبو حيدر و تتعب نفسك، أنا هوديك بس أبو زعبل يا إبن****"
ركض «عامر» من على اللعبة فجأةً مما إدى إلى سقوط «ياسر» من أعلى اللعبة، ذهب «ياسين» إليه يوقفه، فوقف «ياسر» متألمًا لكنه حينما رآى نظرة «خالد» وهو يلف الحزام على كفه قال بصوتٍ مهزوز:
سامحني يا ياسين، سامحني يا صاحبي"
لم يفهم «ياسين» مقصده، حتى دفعه «ياسر» ثم لحق «عامر» راكضًا هو الآخر، أمسك «خالد» صديقه قبل سقوطه أرضًا وهو يقول متوعدًا لهما:
ماشي... ماشي هاتوا أخركم، ورب الكعبة لأربيكم"
___________
في غرفة الفتيات دخل «رياض» يقول بمرحٍ:
عرايسي الحلوين فين علشان أسلمهم لعرسانهم"
نظرت له الفتيات بتعجب، فأضاف هو بحب:
يلا علشان منتأخرش عليهم"
قال جملته ثم وقف مقابلًا لـ «سارة» وهو يقول بحب:
يلا علشان أسلمك للخرابة اللي أسمه عامر، سامحيني يا بنتي على الرمية دي"
لم تتمالك نفسها من البكاء عند نعته لها بإبنته فإنفجرت في البكاء متأثرةً من الموقف، فمد هو أنامله يكفكف دموعها وهو يقول بحبٍ:
فيه عروسة زي القمر كدا تعيط يوم فرحها؟ عاوزة عامر يجري ورايا؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم له، فإقترب هو منها يقبل رأسها وهو يقول:
ربنا يسعدك و يفرح قلبك يا بنتي يا رب"
أومأت له هي بهدوء ثم قالت من بين دموعها:
ويخليك ليا يا بابا"
ربت هو على رأسها ثم وقف مقابلًا لـ «إيمان» وهو يقول بحبٍ و مرحٍ:
وأنتِ بتعيطي ليه أنتِ كمان؟ يلا علشان أوصيكِ على ياسر، أصل بصراحة الواد غلبان
قصادك"
إبتسمت هي من بين دموعها فوجدته يمسح دموعها وهو يقول بهدوء:
مش عاوزكم تعيطوا بقى أنا معاكم أهو، و على الله كلب منهم يزعل واحدة فيكم هموته"
تدخلت «ريهام» تقول بمزاح:
وصي عليا خالد أنا كمان علشان خاطري"
إلتفت ينظر لها وهو يقول مشاكسًا:
لأ، أنتِ خلاص راحت عليكِ يا أم يونس"
نظرت له بضيق مصطنع وهي تقول:
كدا يا عمو رياض ماشي !!"
نظر لها بضيق زائف وهو يقول:
علشان خاطر عمو رياض دي بقى هخليه يتجوز عليكِ يا ريهام"
ضحكت الفتيات عليه عدا «خديجة» التي كانت مخفضة رأسها للأسفل لم تقوى على النظر له بعدما علم بمرضها النفسي، نظر هو لها بحزن وهو يقول بهدوء:
وأنتِ يا خديجة مش عاوزاني أوصي ياسين عليكِ؟"
رفعت رأسها تنظر له بتوتر وهي تقول:
شكرًا...شكرًا يا عـ.."
قبل أن تكمل جملتها وجدته يقول منفعلًا بنبرةٍ زائفة:
ها كملي و قولي عمو أنتِ كمان علشان أخليه يتجوز عليكِ مع خالد"
إبتسمت هي بهدوء فوجدته يبادلها نفس البسمة الهادئة، بعدها وقف هو يهندم حِلته وهو يقول:
يلا علشان أسلمكم لجوز الخيل اللي تحت"
أومأت له كلتاهما ثم تمسكت بذراع من ذراعيه، خرج هو بهن من الغرفة و «ريهام» و «خديجة» خلفه، نزل هو درجات السلم الرخامي، وهو ينظر لهن بحب و فخرٍ، في نهاية تلك الدرجات كان «عامر» واقفًا و بجانبه «ياسر»، ابتهج وجهيهما حينما لمحا «رياض» ينزل الدرجات بالفتاتين، كان «ياسين» و «خالد» خلفهما ينظرا لبعضهما البعض بتأثرٍ، قام «رياض» بتسلم «سارة» لـ «عامر» وهو يقول بحكمة أنهاها بالمزاح:
أسمع بقى يا بني، دي بنتي و نور عيني هتزعلهالي هزعلك دي لسه رافضة سفير إمبارح"
رد عليه «عامر» بسخرية:
أنتَ هتفتي يا رياض؟ أنتَ لسه شايفها إمبارح"
ضحك الجميع عليهما ، فأضاف «رياض» بضيق زائف:
يا أخي سيبني أعيش الدور، المهم خليها في عينك يا عامر، و أفتكر إن هي دي اللي هتدخلك الجنة، وافتكر كمان دي وصية الرسول صل الله عليه وسلم، يعني تعاملها بما يرضي الله"
إقترب «عامر» منها يطبع قبلة هادئة على قمة رأسها وهو يقول بنبرة حنونة:
سارة هي بيتي يا رياض، يعلم ربنا إن قلبي كله ليها هي، هي الأولى و الأخيرة في عيني، ربنا يقدرني وأكون ليها زوج و أب و أخ و صاحب، أنا مش عاوز بس غير وجودها في حياتي علطول"
كان يتحدث وهو ينظر في عينيها، فربت «رياض» على ظهره وهو يقول بفخرٍ:
هو دا إبني حبيبي، يلا خد عروستك علشان تتصوروا"
أومأ له «عامر» ثم مد لها ذراعه حتى تتمسك به، فنظرت هي بتأثر لـ «رياض» وهي تقول:
شكرًا لِك علشان محرمتنيش من اللحظة دي، شكرًا علشان خلتني أرفع راسي قدامه"
نظر هو لها بحبٍ وهو يقول:
مفيش بنت بتشكر أبوها يا سارة، و أنتِ بنتي، و عامر أبني، ربنا يكمل فرحتكم على خير"
أومأت له بحب، فقال «عامر» بمرحٍ:
يلا يا ستي لسه ورانا ليلة كبيرة"
تمسكت هي بذراع «عامر» ثم إبتعدت عن الدرج معه حتى يلتقطا الصور الخاصة بهما، أشرأب «رياض» برأسه وهو يقول لـ «خالد»:
تعالى سلم أختك لجوزها يا خالد يلا"
إقترب منه «خالد» يقول بهدوء:
لو أنا أخوها، أنتَ أبونا يا رياض، سلمهاله أنتَ يا كبيرنا"
نظر له «رياض» بفخرٍ ثم أومأ له، بعدها إلتفت ينظر لـ «ياسر» وهو يقول:
شوف بقى يا دكتور، دي بنتي و نور عيني حافظ عليها، مش علشان دكتور تتعبها في حياتها، خليك فاكر إن دي السبب في دخولك الجنة، دي نص دينك، و دي اللي الرسول صل الله عليه وسلم وصاك عليها، يعني عاملها بما يرضي الله و رسوله، وبعدين دي رافضة طيار إمبارح"
رد عليه «ياسر» بسخرية:
أنتَ بتوزع عرسان بمزاجك يا رياض؟ وبعدين لو فيه عريس اتقدم لها امبارح أنا كدا أموتها"
إتسعت مقلتيها وهي تقول بحنقٍ:
نـــعـم ؟! تموت مين يا دكتور، شكلك ناويها الليلة دي"
ضحك الجميع عليها، فأضاف هو بحبٍ:
تفتكري أنا ممكن أفكر حتى ازعلك؟ أنتِ نصي التاني اللي من غيره النص الأولاني يضيع، إيمان أنتِ مش بس مراتي، لأ أنتِ بنتي و صاحبتي وكل اللي ليا، لو في يوم زعلتك هبقى أكيد مزعل نفسي، علشان أنتِ عندي أهم مني أنا"
فرت دموعها رغمًا عنها ثم إرتمت بين ذراعيه فجأة وهي تقول ببكاء:
وأنا بحبك أوي يا ياسوري، ربنا يقدرني و أسعدك يا رب"
ربت هو على ظهرها بحبٍ ثم قبل قمة رأسها وهو يقول:
ربنا يقدرني و أكون زوج صالح لكِ يا إيمان، يا كل حاجة ليا"
تحدث «رياض» من خلفهما وهو يقول بمرحٍ:
طب يلا علشان تتصوروا، يلا خلونا نبدأ ليلتنا"
أومأت له وهي تقول بنبرةٍ مهزوزة:
شكرًا يا رياض، و على فكرة أنا بحبك أوي"
رد عليها «رياض» بغرورٍ مصطنع:
كلهم بيحبوني، فين الإنجاز بقى"
ضحكت هي بخفة ثم لوحت له بكفها بعدما تمسكت بذراع زوجها، إقترب منه «خالد» يربت على ظهره بحبٍ وهو يقول:
ربنا يبارك لينا في عمرك يا رياض، و تفضل علطول ضهر لينا"
إبتسم له «رياض» بحبٍ وهو يقول:
ربنا يبارك فيكم و يبعد عنكم الشر، و يلا خد مراتك بقى وشوف إبنك اللي زمانه لم عليهم القاعة دا"
أومأ له «خالد» ثم أمسك كفها وهو يقول بحبٍ:
ربنا يباركلي في وجودك معايا، و يقدرني و أفرحك علطول"
نظر لها «رياض» يقول بمرحٍ:
شوفتي ؟! مش محتاج وصية، هو لوحده حافظ"
غمز له «خالد» وهو يقول:
تربيتك يا رياض، يلا أسيبكم بقى علشان أشوف يونس"
تركهم بعدما أخذ زوجته حتى يدخل القاعة مرةً أُخرى، وقف «ياسين» ينظر لها بتمعن وهو بتفحصها كانت تبدو رقيقة إلى حدٍ كبير، حيث كانت ترتدي فستانًا من اللون البترولي، و حجاب من اللون البيج و حذاء من نفس درجة الحجاب، كانت رقيقة بجمالها المتواضع، لكنها كانت حزينة و هذا ما ظهر عليها من خلال تنكيسها لرأسها و إخفاضها لبصرها، نظر لهما «رياض» فكان «ياسين» واقفًا في نهاية الدرج وهي في منتصفه خلف «رياض» الذي تنهد بعمقٍ ثم إقترب منها وهو يقول بعتابٍ واضح:
أنا زعلان من بنتي، ينفع كدا يعني؟"
رفعت رأسها تنظر له بتوتر ولا زالت نظرتها تحمل الخجل، فقال هو بهدوء:
العيون دي مينفعش تبص في الأرض، العيون دي تترفع علشان تسعدنا بنظرتها، و أوعي تفتكري إن فيه حاجة ممكن تغير نظرتنا لكِ، أنتِ بنتي و حبيبتي من قبل ما تكوني مرات ياسين، يعني كلنا عيلتك، أوعي يا بنتي تنزلي عينك ولا توطي راسك في الأرض، ساعتها هحس إننا منستاهلش وجودك معانا"
بكت هي بقوة وهي تقول من بين شهقاتها:
أنا والله مكانش قصدي أخبي عليكم ، و أسفة ليكم علشان الموقف الصعب دا، بس أنتو كتير عليا والله"
مد «رياض» أنامله يمسح دموعها وهو يقول:
أنتِ اللي كتير على أي حد، حتى أبني نفسه يا خديجة، و بعدين أنتِ زي القمر كدا ليه؟ أنا كدا هحقد على أبني"
ضحكت هي بعد حديثه المرح ذلك فوجدته يربت على ذراعها وهو يقول بهدوء:
ربنا يعوضك و يسعدك و يفرح قلبك أنتِ و الجحش دا"
صعد «ياسين» لهما تلك الدرجات الفاصلة بينهم وهو يقول بمرحٍ:
طب حاسب علشان الجحش مراته وحشته و مشفهاش ولا سمع صوتها طول اليوم"
غمز له «رياض» وهو يقول بخبثٍ:
أيوا يا عم الله يسهلك، هروح أنا بقى أشوف مراتي علشان وحشتني أوي"
قال جملته ثم تركهما بمفردهما، نظر لها «ياسين» متفحصًا وهو يقول:
يعني كل الحلاوة دي و أنتِ بتخفي نفسك عني يا خديجة، وكمان مش بصالي؟"
رفعت أعينها تنظر له بحبٍ فوجدته يقول بهدوء و بنبرةٍ حنونة:
قولتلك عيونك دي متنزلش الأرض طول ما أنا معاكِ، عيونك دي علشان أبص فيهم و أتوه أحلى توهة في حياتي يا خديجة، عيونك هما دنيتي الحلوة اللي من غيرها كل حاجة تبقى بايخة و ملهاش طعم"
تبدلت نظرتها خلال ثوانٍ من الخوف و التوتر إلى الحب فوجدته يضيف هامسًا بهدوء:
وحشتيني و وحشتي قلبي يا خديجة، اليوم من غيرك بيمر بسنة و الحياة في بُعدك ما فيها هنا"
قبل أن تتحدث وجدته يضيف بنفس النبرة الهامسة المحبة التي تخرج منه حينما يُغازلها:
أما عَن قَـلّبـي فَـهو يــسألـكِ كَـيْفَ حَـالِـك يَـا مَـن تُـلقُـي حُـروفْ أُسـمُكِ فـي قَـلـبـي السَـكيـنة، يَـا مَـن سَـلّـمتُ لَـها قَـلّبي فَـكانت لَـه خَـيْر اليَـدِ الأمْـينة؟"
نظرت له بأعين دامعة مصطبغة بنظرة إندهاش فوجدته يضيف هامسًا بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
لم تجد تعبيرًا عن فرحتها أقوى من الإرتماء بين ذراعيه وهي تقول بحب:
و أنا قلبي بيقولك مش عاوز غيرك يا ياسين"
ربت هو على ظهرها بحنان ثم شدد عناقه لها وهو يقول:
قلبك دا حبيبي يا خديجة"
خرجت هي بعد ما يقرب الدقيقة من بين ذراعيه وهي تقول بهدوء:
طب يلا علشان شكلنا بقى وحش كدا، الناس ممكن تشوفنا"
نظر هو خلفه فلم يجد أحد، لكنه نظر لها بحب وهو يقول:
يلا عقبال ما أشوفك نزلالي من هنا بالفستان الأبيض"
إتسعت بسمتها ثم تمسكت بذراعه بحبٍ، ثم سارت بجانبه وهما يدلفا القاعة سويًا.
_____________
في بيت آلـ الرشيد، في غرفة «طارق» تحديدًا وقف ينظر لها بتمعن فوجدها تبكي بحرقة وهي تقول وكأنها سارت في عالم أخر ولكن نبرتها كانت موجوعة تمزق نياط قلبها و قلب من يسمعها:
كل حاجة طلعت كدب، هو و هي، حتى أنا، طلعوا ناس وحشة أوي، ظلموا و أفتروا على غيرهم، كنت طول عمري بترحم عليها و أقول أكيد هشوفها في الجنة علشان هي طيبة و الطيبين بيكونوا هناك سوا، حتى دي طلعت كدب، حتى أنتَ ظلموك لما بعدوني عنك، وليد قالي إنك عيشت عمرك كله مستني رجوعي، حتى أنتَ ظلموك، بس للأسف رجعت ليك وأنا مهدودة و عيني مكسورة، أنساني يا طارق، وأعتبرني لسه مرجعتش، علشان أنا معنديش حاجة اديهالك، أنا كنت ناوية أسلم لـ شريك عمري قلبي، بس حتى دا هما كسروه لما بقيت بنت لـ أب و أم زي دول"
سألها هو بنبرةٍ موجوعة:
عاوزاني أنساكِ بجد؟ أنساكِ بعد ما بقيتي قصاد عيني؟ أنساكِ بعد ما بقيتي مراتي و على أسمي؟ انساكِ بعد ما عيني ارتاحت بشوفتك؟ ردي عـــلـيــا !!"
اجفل جسدها بعد صرخته الأخيرة في وجهها مما جعله يفتح خزانته وهو يقول بنبرةٍ منفعلة:
طلعي نفسك من هنا ؟ طلعي نفسك من الصور و من اللعب بتاعتك اللي باخدها في حضني كل يوم، طلعي نفسك من قلبي و عقلي يا جميلة، طلعي نفسك من كل ذرة فيا، من يوم ما أتولدتي و أنتِ في إيدي و متربية على دراعي، من يوم ما عيني شافتك من ساعة ما اتولدتي و أنا حبيتك، كبرتي معايا، أول يوم حضانة كنت معاكِ و أول شنطة لكِ كانت مني، أول كراسة خلصتيها في الحضانة لسه عندي"
كان يتحدث بإنفعالٍ وهو يخرج الأشياء من الخزانة ويلقيها على الفراش أمامها بقوة، كانت تنظر له وهي تبكي بذهول، فوجدته يقف امامها مرةً أُخرى بنفس النبرة الموجوعة:
لو يإيدي كنت ارتحت و نسيتك، بس أنا قلبي عجز في حبك يا جميلة، كل ستات الدنيا مفيش واحدة فيهم قدرت تتحكم في قلبي زيك حتى في بُعدك عني، لو عندك طريقة أرتاح بيها من حبك، ريحيني بيها يا جميلة"
كان يبكي هو بقوة وكأنه بذلك يخرج الألم الذي يخيم على صدره منذ سنوات فقدها، أما هي فمدت أناملها المرتعشة تمسح دموعه وهي تقول ببكاء:
أنا أسفة والله أنا أسفة"
أخذها هو بين ذراعيه ثم شدد عناقه لها وهو يقول مترجيًا لها:
أنا مش عاوز غيرك يا جميلة، علشان خاطري متمشيش تاني، أرحمي قلبي من وجعه"
زاد بكاءها أكثر وهي تشهق بقوة فوجدته يبتعد عنها نسبيًا ينظر لها متعجبًا، تمسكت هي به من جديد وهي تقول ببكاء يشبه بكاء الطفل حينما يترجى والدته:
أنا خايفة منهم كلهم هنا، علشان خاطري متسبنيش مع حد فيهم لوحدي، مش عاوزة أكون معاهم، خليك أنتَ معايا"
نظر لها مندهشًا فوجدها تترجاه بقولها الموجوع الذي مزق نياط قلبه:
خليك معايا علشان خاطري، أنا بكرههم و خايفة منهم"
إرتمى بها على الفراش وهي بين ذراعيه ثم ربت عليها وهو يقرأ لها آيات من القرآن الكريم، ظلت تشهق هي بقوة وهو يربت عليها حتى غطت في ثباتٍ عميق وهي غافية بين ذراعيه، أما هو فتنهد بعمقٍ، ثم شدد عناقه لها وكأنه يخشى فراقها من جديد.
في أحد الكافيهات الراقية في منطقة «المعاد» كان «وليد» جالسًا برفقة «عبلة» منتظرًا قدوم «نور»، نظرت «عبلة» حولها وهي تقول بضيق:
الست نور هتتأخر يا وليد؟ ولا هي عرفت أني جيت قالت خلاص أخليها مرة تانية"
نظر هو في ساعة يده وهو يقول بلامبالاة:
أنا اللي جبتك بدري علشان نقعد سوا و نشرب حاجة، اللي زي نور دي هتتأخر عِند فيا..الصنف دا أنا فاهمه كويس"
نظرت له هي بتعجب وهي قاطبة الجبين، و فجأة وجدته يبتسم بخبثٍ وهو يقول:
قابل و قعد يا غالي"
نظرت أمامها فوجدت فتاة غاية في الجمال غير محجبة و شعرها باللون البني مسترسل خلف ظهرها حتى آخره، كانت ترتدي تيشرت أبيض نصف ذراع، و بنطال باللون الاسود الواسع، وقفت أمامهما وهي تقول بتكبرٍ:
مساء الخير"
وقف «وليد» أمامها وهو يقول ببرود:
مساء الخير يا نور، نورتي"
ضربته «عبلة» بقدمها في قدمه، لكنه لم يبالي و لم يتأثر بفعلتها الطفولية تلك، فأشار لها وهو يقول:
اتفضلي أقعدي يا نور"
جلست هي مقابلةً له وهي تقول:
أختك زي القمر يا وليد، مش شبهك خالص"
نظر هو في وجه «عبلة» ثم قال بحبٍ:
لأ دي مش أختي، دي عبلة بنت عمي"
رفعت «عبلة» حاجبها بحنقٍ غير غافلة عن البسمة التي زينت ثغر «نور» وقبل أن تنطق وجدته يضيف قائلًا بهدوء:
دي عبلة بنت عمي و حبيبتي و مراتي يا نور"
أرتخت قسمات وجه «عبلة» بينما «نور» شعرت بالضيق، فقال «وليد» بعدما حمحم بقوة:
ها يا نور؟ أؤمري، طارق قالي إنك بقالك كتير بتحاولي توصلي ليا"
تصنعت هي الثبات وهي تقول بهدوء يعكس النيران التي تلتهمها:
أنا فتحت مؤسسة جديدة للتنمية البشرية و الكورسات المحفزة للشباب، وعاوزاك تعملي دعاية و إعلان يا وليد"
إبتسم هو لها بثقة ثم قال ببرود:
مفيش مشاكل يا نور، بس يا ترى بقى عندك علم الباكدچ على بعضه كام؟"
ردت عليه بغرورٍ:
أنا معنديش مشاكل، الفلوس مش بتفرق معايا وأنتَ عارف كويس يا وليد"
نظرت لها «عبلة» بضيق من طريقتها المتعالية، بينما «وليد» أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بثباتٍ يُحسد عليه:
بقولك إيه يا نور، أنا السكة دي مش بحبها، من الأخر أنا بحب الدُغري، جو المحور دا بيخنقني"
نظرت له «عبلة» بإندهاش من طريقته، بينما «نور» نظرت له بضيق، فوجدته يضيف بخبثٍ:
أنتِ يا نور جاية ليا مخصوص علشان تعرفيني إنك نجحتي و إن حياتك ماشية كويس أوي، بعد ما رفضت حبك في الجامعة، ساعتها أنا قولتلك إن قلبي مش ملكي، و ساعتها برضه أنتِ معرفتيش تمسكي عليا غلطة، علشان أنا موعدتكيش بحاجة، بس أنتِ غلطانة يا نور"
سألته هي بسخرية:
إيه هي يا أستاذ وليد؟"
إبتسم لها بنفس السخرية وهو يقول:
أكثر ما يحاول المرء إظهاره، هو عكس ما يخفيه بداخله، يعني أنتِ مش قادرة تتخطي رفضي لكِ يا نور، واسمحيلي أقولك إن مكانك دا مش هينجح، عارفة ليه؟ علشان صاحبته مش عارفة تتخطى قصة في حياتها، ربنا يعوض عليكِ يا نور ويكرمك بإبن الحلال اللي يقدرك"
وقفت هي بضيق بعدما إستمعت حديثه وقبل أن تلتفت حتى تغادر المكان وجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
هعزمك على فرحي قريب يا نور، المكان هينور بوجودك، بس مش أكتر من نور عبلة في حياتي، أصل دي اللي القلب شاور عليها"
نظرت هي في وجهيهما ثم قالت بتهكمٍ واضح:
ألف مبروك مُقدمًا يا وليد، مبروك يا عروسة"
قالت جملتها ثم تركهما و فرت بعيدًا ، نظرت «عبلة» في أثرها بتعجب ثم قالت بحزن:
هي إيه دي يا وليد؟ مين دي"
زفر هو بضيق ثم قال:
دي واحدة من ضمن المرضى النفسيين اللي مرت على الواحد، واحدة ابوها رباها على إن كل حاجة تبقى ليها حتى لو إنسان، افتكرتني من ضمن الحاجات اللي هي عاوزاها، وساعتها أنا رفضتها و قولتلها إن قلبي بيحب و مش ملكي، من ساعتها فضلت تلف و تدور، بقت تتصور و تسافر و تبعتلي الصور على أساس إنها بالغلط، وفتحت المركز الخايب بتاعها دا، علشان تثبتلي إنها نجحت، بس هي افشل إنسان في الدنيا علشان الناجح مش محتاج يثبت حاجة لحد، وفي النهاية القلب مكتوب عليه حُبك أنتِ"
نظرت له بحب و فخر فوجدته يشير برأسه للأمام وهو يقول:
أهيه المريضة رقم اتنين وصلت"
ضحكت هي و نظرت أمامها فوجدت «هدير» آتية عليهما بإنكسار واضح، جلست هي أمامهما و هي تقول:
ازيكم، وحشتوني"
رد عليها «وليد» ببرود ساخرًا:
الحمد لله، أحسن منك يا هدير"
أومأت له وهي تقول بنبرةٍ مهزوزة:
دي حقيقة، أنتم فعلًا أحسن مني، أنا جاية بس علشان أعرفك يا وليد، إن أنا اللي قولت لعمتو إن أنتَ كنت مدمن، بس دا والله من بدري من قبل كتب كتابك على عبلة حتى، والله العظيم كان قبل ما أفوق يا وليد، من قبل ما أتكسر حتى"
إبتسم هو بتهكم ثم قال بسخرية لازعة:
قصدك قبل جرعة السم ما تخلص يا هدير، بس على العموم أنا مش زعلان، ولا فرحان أنا بس مش عاوز وجه دماغ يا هدير، عاوز أعيش في أمان، مش عاوز أفضل خايف، لا منك و لا من غيرك"
بكت هي بقوة وهي تقول من بين شهقاتها:
أنا آسفة والله، كل حاجة حواليا كانت غلط، حتى أمي نفسها، علشان خاطري ساعدني اتعالج زي ما قولتلي، عاوزة أنام من غير خوف، عاوزة أعرف أعيش اللي جاي في عمري يا وليد"
ربتت «عبلة» على ظهرها بتأسف وهي تقول بحزن عليها نابع من قلبها:
إحنا معاكِ يا هدير، مش هنسيبك، بس أهم حاجة إنك فعلًا تكوني ندمتي"
مسحت «هدير» دموعها وهي تقول بألم و بنبرةٍ موجوعة:
قصدك اتكسرت يا عبلة، أنا اتكسرت و اتذليت كمان، حتى أمي، مش عاوزة أشوفها، بس مش دا المهم، المهم أنا عاوزة أتكلم مع خديجة"
أومأ لها «وليد» وهو يقول بهدوء:
حاضر يا هدير، أنا هكلمها و هظبط معاد تتقابلوا فيه سوا"
أومأت له ثم وقفت وهي تقول:
أنا همشي علشان هدى لوحدها في البيت، عن إذنكم"
أومأ لها كليهما، فتركتهما هي و فرت بعيدًا عنهما، أما «عبلة» فنظرت له وهي تقول مستفسرة بنبرةٍ متعجبة:
ليه أنتَ يا وليد؟ ليه نور حبتك أنتَ، وليه هدير اتشدت ليك أنتَ، و ليه منة لما جت البيت كانت بتعاكسك أنتَ، ليه أنا حبيتك أنتَ يا وليد؟"
نظر لها مُتعجبًا، فوجدها تُضيف:
ليه يا وليد اللي زيك كلهم بيثقوا فيه و يحبوه، ليه يا وليد بتساعدهم كلهم و أنتَ موجوع منهم"
أمسك هو كفها يضغط عليه بحب وهو يقول مُطمئنًا لها:
مش مهم هما بيحبوا مين؟ المهم أنا بحب مين، أنتِ اللي القلب شاور عليها من بينهم، أنا بساعد اللي بيحتاجني علشان مبحبش أشوف حد محتاج مساعدة يا عبلة، أما قلبي أختارك أنتِ و بقى مطمن علشان أنتِ في حياتي، الحوجة وحشة يا عبلة، ربنا مايحكم عليكِ بالإحتياج لحد"
ردت عليه بسرعة بعدما تأثرت بحديثه:
أنا مش محتاجة حد غيرك أنتَ، يا رب بس تستحمل وجودي يا وليد"
ضحك هو بخفة ثم قال ساخرًا:
قصدك يا رب أستحمل أبوكِ عم محمد"
ضحكت هي الأخرى ثم قالت:
بصراحة فـ ديه معاك حق"
______________
في قاعة الأفراح جلست «خديجة» بجانب «زهرة» و النساء بعدما تعارفت عليهن جميعًا، أتى «ياسين» بجلس بجانب والدته وهو يقول مشاكسًا لها:
هي القمر اللي جنبك دي مخطوبة؟"
كان يشير على «خديجة» التي إبتسمت بإتساع، فقالت له والدته بضيق زائف:
لأ مش مخطوبة، و بدور لها على عريس كمان"
حرك فمه هو متهكمًا ثم قال:
و ياترى بقى منمرة على حد بعينه ولا بالبركة كدا ؟!"
ضيقت «زهرة» جفونها وهي تقول بسخرية:
منمرة على واد حليوة كدا لابس بدلة كلها أسود في أسود، وكمان مهندس"
هندم هو ملابسه بغرور وهو يقول بمرحٍ:
عارفه أنا الواد دا، عيل إبن حلال و طيب و رومانسي و شقته جاهزة، إيه رأيك يا عروسة"
حركت هي كتفيها بغرورٍ ثم أضافت تتحدث بنبرةٍ متكبرة:
والله أفكر، مش هشتري سمك في مياه"
رفع حاجبه ينظر لها بحنقٍ زائف وهو يقول:
بقى كدا ؟! ماشي بشوقك يا جميل.. بكرة قلبك يميل"
ضحك الجالسون عليهم، فأضاف «خالد» يقول بمرحٍ:
وافقي يا بنتي دا واد غلبان، عاوزين نستره قبل ما يخلل جنبنا"
فجأة وصلهم صوت عامل الموسيقى وهو يطلب من العرسان التقدم إلى منتصف القاعة حتى يرقصا معًا، أمسك كلاهما يد زوجته ثم توجه بها إلى المنتصف ثم شرعا في الرقص على أغينة رومانسية هادئة وهي:
الدنيا بترتب صدف و كل قلب وإحساسه..فجأة الطريق بينا بيقف والحب بيجمع ناسه...وإحنا إتقابلنا و جه أوانا...شوفتك بقلبي اللي أتمنى ورتني أيام الجنة...ومليت بحبك أوقاتي...حــلـم حَـيـاتي....و صحيت وياك على يوم عيدي حضنك قلبي و لمساك إيدي.
كانا كلاهما يرقص مع زوجته وهو غارقًا في كلمات الأغنية، كان «ياسين» واقفًا بجانبها ينظر لها بحب وهي تشاهد تلك الرقصة، فمال على اذنها وهو يقول بهدوء:
فكريني أشغلها في فرحنا، كل كلمة فيها حاسسها بوجودك يا خديجة"
رفعت رأسها تنظر له بتعجب فوجدته يقول بخبثٍ:
متبصليش بقى علشان مبوسكيش في وسط القاعة وأنتِ شكلك قمر كدا"
نظرت هي له وهي تقول بهدوء:
يا جدع حرام عليك دي
القاعة كلها بنات زي القمر"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بصدق:
بس العين مش شايفة غيرك أنتِ"
نظرت له بشكٍ فوجدته يقول بنبرةٍ مُحبة:
كُـل نِـسـاءِ الأرّض فـي عَـيْنّي سَـواء...أنـتِ وَحــدَكِ بَـيْـنّـهـنَ إســتّثْـنَـاء"
إبتسمت بحبٍ وهي تنظر أمامها فوجدته يميل على أذنها يقول بمرحٍ:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
فجأة زادت إضاءة القاعة بعد إنتهاء الرقصة، فإجتمع الشباب مع بعضهم يرقصون جميعهم ، بعدما إنسحبت هي تجلس من جديد بجانب والدته، كانت الرقصة بين «ياسين» و أصدقائه، فجأة أختفى «عامر» و معه «ياسر»، فنظر «ياسين» حوله بتعجبٍ فلم يجدهما، إقترب من «خالد» وهو يقول بهدوء:
عامر و ياسر أختفوا من القاعة، ربنا يسترها"
نظر «خالد» حوله بخوف فقال بقلقٍ:
ربنا يسترها يا ياسين، أنا حاسس إننا هنبات في الحجز الليلة دي"
فجأة أنطفأت أضواء القاعة بأكملها و أنطفأت الموسيقى، نظر الجميع إلى بعضهم بتعجب، و فجأة فتح الباب الخلفي للقاعة مصاحبًا له صوت أغنية شعبية من إختيار «عامر» وهي:
امنوا المداخل... البابا داخل"
بعدها دخل «عامر» القاعة بدراجة نارية و «ياسر» خلفه ممسكًا في ثيابه، إرتفعت الأغنية عاليًا وعندها قام «عامر» بالدوران داخل القاعة بالدراجة على شكل حلقات دائرية، عندها زاد تهليل الشباب و إرتفع التصفيق الحار، بينما «خالد» وضع كفه على رأسه وهو يقول:
ابني أمانة في رقبتك يا ياسين، هموت مجلوط من ابن فهمي"
ضحك «ياسين» وهو يقول بمرحٍ:
والله دخلته حلوة و عملت حس للقاعة"
نظر له «خالد» مُتعجبًا فوجده يحرك جسده تزامنًا مع كلمات الأغنية، بعدها قام «عامر» وأخرج الدراجة من القاعة بعد تأدية فقرته، بعدها إرتفعت الموسيقى من جديد ولكن تلك المرة أغنية للأصدقاء وهي:
صاحبي اللي كتفه في كتفي بيخليني مطمن"
نظر الأربعة إلى بعضهم البعض بحب ثم تكاتفوا معًا في نمط يشبه الدائرة و هم يلتفون و يرقصون على كلمات الأغنية بحبٍ شديد، كان الجميع ينظر لهم بحب و هم يتمنون أن يحظوا بتلك الصداقة المميزة، بعدها انتهى ذلك المقطع و تبدل بأغنية أخرى وهي:
بحبك يا صاحبي"
عندها قام «خالد» بحمل «ياسر» على كتفه، و قام «ياسين» بحمل «عامر» و الشباب ملتفون حولهم يرقصون ببهجة، فكان المنظر مبهج للقلب، كما أن الفتيات رقصن عليها وهما بجانب بعضهن البعض بعدما أنضمت لهن «خديجة» و «ريهام».
ا
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الثامن والاربعون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل الثامن و الأربعين"
____________
تشبهين الفراشة في سحرها..تأخذين من الزهور دلالها
___________
تسير في الدروب المعتمة تائهٌ بها، تشبه ورقة شجر تساقطت في الخريف..لتكون في مهب الريح كلما أشتدت العاصفة تدمرت خلاياها..حتى يأتي من يأخذك بين كفيه ليحافظ عليك و يكتفي بك فقط لنفسه.
بعد رقصة الشباب و إنتشار الفرحة في المكان، كانت النظرات جميعها فَرِحة بذلك المنظر المحبب للقلب، أنهوا الرقصة جميعًا باحتضانهم لبعضهم البعض، بعدها جلسوا جميعًا حتى يأخذوا قسطًا من الراحة، جلس «ياسين» بجانب والدته و زوجته مقابلًا له والده و «فهمي» والد «عامر»، فتحدث «رياض» بمرحٍ:
ألف مبروك يا فهمي، الحمد لله خلصت من المصيبة الأولى، عقبال الكارثة التانية"
ضحكوا جميعًا عليه، فـ رد عليه «فهمي» وهو يضحك قائلًا:
يا رب يا رياض خليني أخلص، وعقبال ياسين إن شاء الله"
أتى «خالد» في تلك اللحظة يقول متوعدًا لـ «عامر»:
إبنك دا و رب الكعبة هربيه على إيدي، صبرك عليا، فاكر نفسه داخل حنة بلدي، جاي بموتوسيكل !! حاضر"
نظر له «فهمي» بسخرية وهو يقول:
يا سلام يا أخويا؟ ما أنتو كنتو بترقصوا مع بعض من شوية ؟! جاي دلوقتي تقول هربيه ؟ وبعدين أنتَ اللي مدلعه، أشرب بقى"
اضافت «ميمي» بحب:
والله عسل ربنا يحميه، دا الواد مخلي الفرح كله واقف على رجل ، والله لولاه كان زمانه ميتم"
رفع «خالد» حاجبه ينظر له بحنقٍ، فوجد «ياسين» يضحك بشدة، نظر له هو الأخر بضيق وهو يقول:
وأنتَ يا أستاذ ياسين واقف ترقصلي و تقولي دَخلته عاملة حِس للقاعة؟ ماشي يا نجم صبرك عليا"
تحدث «رياض» بضجرٍ منه قائلًا:
أنتَ عدو الفرحة ليه يا خالد؟ ما العيال فرحانة و الليلة ماشية حلو أهوه"
تدخلت «عفاف» والدته تقول بفرحة:
والله شكلهم زي العسل، يفرحوا القلب الحزين، و الواد عامر عسل ربنا يسعده، مخلي للفرح بهجة كدا"
ضرب «خالد» كفيه ببعضهما البعض وهو يقول مُتعجبًا:
أنا مش عارف أنتو إيه بجد؟ على العموم ربنا يستر و مدير القاعة ميتكلمش على حركة الموتوسيكل دي"
في الجهة الأخرى عند «عامر» و «ياسر» تحدثت «سارة» تسأل «عامر» بضيق زائف:
أنتَ مجنون يا عامر؟ داخل القاعة بموتوسيكل ؟! أنتَ عاوز تضحك الناس علينا؟"
رد عليها يُعقب على حديثها بلامبالاة:
و فيها إيه يعني؟ أنا كنت ناويها يوم فرحي أدخل القاعة بموتوسيكل، طب بذمتك مش شكلي كان حلو؟"
أومأت له وهي تبتسم بهدوء، فوكزها هو بكتفه في كتفها وهو يقول:
شوفتي مش هتقدري تكدبي، أنا كدا كدا أي حاجة بعملها لازم تبقى حلوة، حتى اختياري لكِ كان هو أحلى حاجة"
نظرت له مندهشة فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ:
ماهو مفيش أحلى من كدا بصراحة، الواحد كدا مش عاوز حاجة تانية، كفاية إنك هتبقي أول حاجة أبدأ يومي بيها، وأخر حاجة أنام وأنا شايفها"
أخفضت رأسها في خجلٍ، فاقترب هو منها يطبع قبلة هادئة على جبهتها.
عند «ياسر» و «إيمان» كانت هي تتحدث بمرحٍ وهي تقول له:
شكلك كان قمر أوي يا ياسوري وأنتَ راكب الموتوسيكل مع عامر، كان نفسي أجي و أركب وراك و تلف بيا القاعة، بس علشان الفستان مكانش هينفع"
نظر لها مندهشًا فوجدها تسترسل في حديثها بنفس الحماس قائلة:
يارتني كنت خليت سارة تعملوا أضيق شوية، بس مش مشكلة نعوضها"
تحدث هو بضيق من حديثها بنبرةٍ منفعلة:
أنتِ مجنونة يا بت أنتِ؟ موتوسيكل إيه و فستان إيه؟ فاكرة نفسك متجوزة مدرب باليه ؟ فوقي يا إيمان بدل ما أنكد عليكِ في الليلة دي !!"
ضحكت هي ثم تمسكت بذراعه وهي تقول بمشاكسة:
لأ خلاص، أنا كنت بنكشك بس، بحبك وأنتَ متعصب أوي"
غمز لها بخبثٍ وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
أيوا كدا هو دا الكلام، وأنا بحبك علطول حتى وأنتِ مجنونة و ضاربة منك"
إبتسمت هي بحب ثم مالت برأسها تُلقيها على كتفه، فأمسك هو كفها ثم طبع قبلة بسيطة عليه.
_____________
في بيت آلـ الرشيد تحديدًا في غرفة «طارق» غفت هي بين ذراعيه وهي تتشبث به و كأنها تخشى تركه، أما هو فكان ينظر لها بحبٍ و كأنه يُشبع حنينه و شوقه لها منذ أعوام ماضية، زفر هو بضيق حينما تذكر هيئتها الباكية وهي تترجاه يظل بجوارها، ربت على عليها بكفه، ثم تركها و غادر الغرفة بل و الشقة بأكملها، صعد إلى سطح المنزل، وجد «وليد» جالسًا بمفرده وفي يده كتاب يقرأه، نظر له «طارق» بسخرية ثم جلس بجانبه دون أن يتفوه بِـحرفًا واحدًا، نظر له «وليد» بخبثٍ ثم أعاد بصره للكتاب من جديد وكأنه لا يكترث، نفخ «طارق» وجنتيه بضيق، فتحدث «وليد» بحنقٍ:
لأ هتطلع تقرفني في عيشتي، غور على شقتكم، دا أنتَ حتى عريس"
نظر له «طارق» بضيق وهو يقول مُتهكمًا:
عريس صح، بالله عليك تسكت خالص، علشان المفاجأة اللي أنتَ عاملها دي، حد يفاجأ حد بكتب كتابه يا وليد ؟!"
أومأ له «وليد» بثقة وهو يقول بلامبالاة:
آه عادي يعني، مش أحسن ما تتفاجأ بيها وهي ماشية، أنا بعمل اللي شايفه في مصلحة الكل"
نظر له «طارق» بحزن وهو يقول:
لا ارتاحت في بعدها عني، و لا ارتاحت لما رجعت، أنا مضطر أبدأ من جديد يا وليد"
أغلق «وليد» الكتاب ثم ربت على كتفه وهو يقول مؤازرًا له:
كل اللي هي فيه دا طبيعي يا طارق، دي واحدة اتخدعت في ابوها اللي عاشت معاه العمر كله، كان بيبص كل يوم في عينها وهو عارف إن أمها عايشة، واحدة كانت فاكرة إن أمها ميتة و بتصحى كل يوم تترحم عليها، فجأة تلاقيها عايشة و مفترية و ظالمة ناس، طبيعي يا طارق إنها تبقى كل حاجة قصادها سودا"
زفر «طارق» بقوة ثم قال:
جميلة علشان تبدأ من جديد حياتها لازم مشيرة و حسان يمشوا من قصادها، لازم يغوروا هما الاتنين، الحياة مش هتمشي غير لما هما يمشوا"
إبتسم له «وليد» بخبثٍ وهو يقول:
متقلقش، عامل حسابي على كل حاجة ، المهم أنتَ ركز في الشغل و ركز مع مراتك، كفاية صدمات لحد كدا، دي عاشت أسبوعين أكشن قسمًا بالله تاخد أوسكار علشان استحملته، إحنا بس نخلص القرف اللي هنا و بعدها نطلع على اسكندية"
نظر له «طارق» بسخرية وهو يقول بنبرةٍ متهكمة:
أنا نفسي في ربع برودك تجاه الحياة والله مش عاوز حاجة تانية يا وليد، أنتَ إيه ياض؟ تلاجة !!"
إبتسم «وليد» بإستفزاز حتى يثير حنقه ثم أضاف قائلًا:
علشان تنجح يا طارق في حياتك أو أي حاجة عاوزها لازم تتعلم كذا فن مع بعض، أهم فن فيهم لو مش موجود عندك هتموت مجلوط، وهو فن الامبالاة، الشخص اللي بيهتم باللي حواليه و بكلامهم دا بيموت بسرعة، زي الفكرة اللي مش لاقية حد ينفذها، وأنا معنديش أستعداد أبقى مجرد فكرة، أنا عاوز أبقى الفعل اللي ملوش رد فعل"
أمسك «طارق» الكتاب ينظر على غلافه فوجده لـ «ديستوفيسكي» إبتسم بسخرية ثم قال:
خليك أنتَ مع الكتب كدا، المهم إنك بتطبق اللي بتقرأه"
أشار «وليد» على رأسه وهو يقول بفخرٍ:
المهم إن دي تشتغل صح، مش مهم إنها تطبق وخلاص، و يلا يا طارق اتفضل علشان عاوز أكمل، خليني أعرف أفكر كويس"
أومأ له «طارق» ثم قال بعدما أخذ نفسًا عميقًا:
أنا هنزل علشان أشوف جميلة، على فكرة إحنا واخدين أجازة فترة، حسن هو المسئول دلوقتي و وئام، خلينا نفوق لـ الهم اللي هنا"
أومأ له «وليد» موافقًا ثم أمسك الكتاب من جديد، بينما «طارق» نزل شقته و دخل غرفته، نظر لها وهي غافية على الفراش تشبه الطفل الصغير، و قد اتخذت وضع الجنين في نومها بعدما تململت على الفراش، جلس بجانبها ثم ربت بذراعه على كتفيها، بعدها أخذها بين ذراعيه وهو يتنهد بعمقٍ، كان ينظر على قسمات وجهها البريء، لازالت كما هي تتمتع بالبراءة في ملامحها، بعدها غاص في تفكيره، هل هي حقًا عادت له من جديد؟ هل يراها أمامه كما تصورها و رسمها في أحلامه مرارًا و تكرارًا، بل عادت له أفضل مما توقع، نظر لها من جديد فوجد نفسه يبتسم باتساع وكأنه أدرك الآن حقيقة عودتها، بل وأنها أصبحت زوجته، تلك الأمنية التي كان يُشبعها داخل قلبه أنها ستعود من جديد و ستصبح له كما أخذ هو وعدًا على نفسه في صغره، عندها شدد عناقه لها ثم أخرج زفيرًا قويًا لعله يقوم بتهدئته قليلًا.
___________
أمام القاعة كان الجميع يتجهز للرحيل،فجأة اقترب منهم «رياض» وهو يقول بمرحٍ:
الف مبروك يا حبايب قلبي، أنا جدع معاكم أهوه و مقولتش على المفاجأة بتاعة شهر العسل، أي خدمة"
ضحك الجميع عليه، أما «عامر» فضرب كفيه ببعضهما وهو يقول بضيق:
هو أنتَ لو سترت علينا هيجرالك حاجة؟ دا كان يوم مش فايت يوم ما عرفتك"
تدخل «ياسر» يضيف بنفس النبرة الحانقة:
أنتَ بتقول إيه؟ دا مش عارف يستر ابنه هيستر علينا إحنا"
سألت «إيمان» بانفعال:
بقولكم إيه مفاجأة إيه دي؟ أنا عاوزة أعرف علشان الفضول هيموتني"
ربت «ياسين» على ظهر والده وهو يقول بسخرية:
اتفضل يا غالي جاوب، حرام عليك، بوظت للعيال المفاجأة"
ضحك «رياض» ثم قال بنبرةٍ مبتهجة:
ممتاز الفاروق لما عرف إن ياسر و عامر بيتجوزوا وهما شغالين عنده،عملهم رحلة لِـ دهب علشان شهر العسل، ياسر و عامر كانوا عاملينها مفاجأة ليكم،بس حصل خير"
قفزت «إيمان» بسعادة بالغة ثم احتضنت زوجها وهي تقول بفرحة:
أنا فرحانة أوي بجد، هروح دهب الله"
ضحك «ياسر» ثم قال بحب:
ربنا يفرحك دايمًا يا إيمان"
بينما «سارة» سألت زوجها بهدوء:
طب و أنتَ مقولتش ليه؟ كنت هتقول إمتى يعني؟"
رد عليها «عامر» بضيق زائف وهو ينظر لـ «رياض»:
كنت هقولك يوم الحد، علشان بكرة هنقضي اليوم في شقتنا، بس نقول إيه بقى رياض الله يسامحه، عمره ما ستر على واحد فينا"
أتى «عمار» يقول بمرحٍ:
يلا يا رجالة علشان نعمل الزفة التانية، مفيش وقت"
نظر له «خالد» بتعجبٍ وهو يقول:
هو أنتَ متخصص في الزفة؟ مش وراك حاجة غير إنك تزف وخلاص ؟!"
أتى «شادي» صديق «عامر» وهو يقول من على دراجته النارية:
ياعم خالد أنتَ المفروض تقدرنا، إحنا بنحيي الليلة، وبعدين يعني إيه عامر أخونا يكون بيفرح وإحنا منعملش الواجب"
نظر له «خالد» بشرٍ ثم وقف بجانب «عامر» يمسكه من ثيابه وهو يقول بنبرة جامدة:
تعالى ليا بقى يا عم عامر، بقى أنتَ بتحرجني و تدخل بموتوسيكل؟ عاوز الراجل ياكل وشي ؟ عارف لو مدير القاعة شم خبر باللي حصل إحنا هيحصل فينا إيه؟"
في تلك اللحظة أتى «مدير القاعة» وهو يقول بطريقة مهذبة:
معلش يا أستاذ عامر، عاوزين حضرتك ضروري"
نظر «عامر» له بخوفٍ وهو يقول بنبرة مهتزة:
نعم يا فندم ؟! خير"
أشار له على جانب منزوي عن الأنظار وهو يقول:
عاوز حضرتك على إنفراد معلش"
تدخل «خالد» يقول بنبرة قوية:
معلش يا فندم إحنا أخوات وكلنا واحد، لو حضرتك عاوز عامر إحنا كمان هنيجي معاه"
حرك الرجل كتفيه وهو يقول ببساطة:
مفيش مشاكل، ممكن حضراتكم تتفضلوا معايا"
نظروا إلى بعضهم البعض ثم ذهبوا معه بعدما ركبت النساء في السيارات، و ركب رياض ومعه «زهرة» و «خديجة».
وقف الرجل وهو يقول بهدوء:
دلوقتي الأستاذ عامر دخل القاعة بموتوسيكل، ودي حاجة عمرها ما حصلت قبل كدا"
نظروا جميعهم لـ «عامر» الذي كان وجهه باللون الاحمر، فتحدث «ياسين» يقول معتذرًا بالنيابة عنه:
إحنا متأسفين يا فندم جدًا، هو بس من فرحته مقدرش يسيطر على الفكرة، لو فيه أي أضرار لحضرتك أنا مستعد ليها"
رد عليه الرجل بمرحٍ وهو يقول:
إطلاقًا يا فندم، أنا بس بستأذن أستاذ ياسر و أستاذ عامر ننزل الفيديو على جروب و بيدج القاعة علشان تكون زي الدعاية، طبعًا دا بعد إذنهم اللي هما يأمروا بيه أنا تحت أمرهم"
تبدلت ملامح كليهما إلى الاسترخاء، بينما «ياسين» و «خالد» نظرا لبعضهما البعض باندهاش، فأضاف الرجل يسأل بحذرٍ:
ها يا فندم حضراتكم عندكم إعتراض؟"
رد عليه «عامر» بنبرةٍ ودية تحمل المرح بين ثناياها:
خالص يا فندم تحت أمرك، ولو فيه أي فرح بعد كدا عاوزني أجي بالدَخلة دي أنا معنديش أي مانع"
_"آه، خلاص يا فندم كفاية دَخلة فرحي، وألف مبروك للعروسين"
قالها «عامر» بعدما ضربه «خالد» في قدمه بقوة، جعلته يغير حديثه في خلال ثوانٍ، مما جعل الرجل يبتسم بهدوء ثم قال:
طب يا فندم أنا متشكر لحضراتكم جدًا، و ألف مبروك"
أومأ له الجميع دون أن يعقب أيًا منهم، و بمجرد إختفاء أثره ضرب «خالد» كفيه ببعضهما وهو يقول بنبرةٍ مذهولة:
الراجل دا مجنون والله العظيم، دا فرحان بجد"
ضحك «عامر» بصخب وهو يقول بنبرة أثارت استفزاز «خالد»:
ياه يا خالد على شكلك الوحش، ياه لو تصبر بعد كدا و تهدا علينا كل حاجة هتبقى زي الفل، خليك أنتَ كدا واخد كل حاجة على أعصابك لحد ما تموت"
أمسكه «خالد» من ثيابه وهو يقول بشرٍ:
صبرك عليا تسافر و ترجعلي و رب الكعبة همسكك السلك العريان في محل أبوك، هخليك واصلة عمومي للمنطقة كلها"
تدخل «ياسر» يقول بخوفٍ:
علشان خاطري يا خالد سامحه، عريس و عاوز يفرح"
ترك «خالد» ثياب «عامر» ثم أمسك ثياب «ياسر» وهو يقول بهدوء بث الرعب بداخله:
و أنتَ يا دكتور يا محترم، راكبلي وراه، صبرك عليا"
ابعده عنه «ياسين» وهو يقول حتى ينهي ذلك الموقف:
خلاص بقى يا عم خالد، الليلة قضيت و الدنيا مشيت زي الفل، يلا بقى علشان عاوز أنام، لسه فيه زفة ورانا"
أومأ له «خالد» ثم أخذ نفسًا عميقًا وهو يقول بمرحٍ و كأنه تبدل في ثوانٍ:
تعالى ياض أنتَ وهو في حضن أخوك، مبروك يا حمار أنتَ و هو"
نظروا لبعضهم البعض، ثم تعانقوا هم الأربعة و كلًا منهم يربت على ظهر الآخر، تحدث «رياض» من خلفهم وهو يقول بضيق زائف:
يا سلام ياخويا أنتَ وهو؟ أنا الكبير هنا يلا أنتَ و هو"
أنسحبوا من أذرع بعضهم البعض، ثم نظروا لبعضهم بخبثٍ و فجأة حملوا «رياض» فجأة وهم يضحكون و هو أيضًا، ذهبوا به إلى السيارة الخاصة بياسين ثم وضعوه عليها وهم يضحكون بشدة و كل من حولهم أيضًا.
بعدها وقف «عامر» ينظر حوله فوجد والده يركب سيارة عمه «فاروق» إبتسم بسخرية ثم مال على السيارة وهو يقول بنبرة ساخرة:
بقولك إيه يا عمي أنتَ عارف شقتي فين؟ ولا ناوي تسبقنا على الآخرة؟"
نظر له عمه بضيق وهو يقول بنبرةٍ منهكة:
عارف يا أخويا... المهم أنتَ متتأخرش..بس في الزفة"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بنبرة ضاحكة:
المهم أنتَ توصل، بابا معاك البخاخة بتاعته ؟!"
ضحك «فهمي» وهو يُجيبه قائلًا:
معايا يا عامر، روح أنتَ بس علشان مراتك في العربية لوحدها"
أومأ له ثم وقف بجانب سيارته وجد والدة زوجته تبكِ بجانبها، فوقف خلفها يقول بمرحٍ:
لأ يا عزة دي مش طريقة دي، بتعيطي ليه؟ هو أنا رايح ابيع أعضائها؟ دا أنا هتجوزها"
التفتت تنظر له بأعين دامعة وهي تقول:
سارة كل حاجة ليا يا عامر، هي بنتي و صاحبتي و راجل البيت كمان بعد أبوها، فراقها صعب عليا"
إقترب منها يطبع قبلة حنونة على قمة رأسها وهو يقول:
من النهاردة أنا راجلكم، أي حاجة بس تتمنيها تبقى عندك، وبعدين أنا مش هحوشها عنك، أنا هخليكِ تزهقي منها"
ربتت هي على وجنته بحب ثم قالت بفخرٍ:
من غير ما تقول وأنتَ راجلنا وقد القول يا عامر، ربنا يعلم لو عندي ابن مش هحبه زي ما بحبك كدا"
ابتسم هو بسخرية ثم قال:
لأ ما هو واضح، هو أنتِ لو عندك ابن هتنكدي عليه كدا؟ على العموم الحقي حوشي فلوس المحامي"
شهقت بفزع وهي تضرب صدرها ثم قالت:
يلهوي محامي ليه بس يابني كفى الله الشر"
غمز لها بقول بمرحٍ:
علشان أشحططها في محكمة الاسرة أنتِ نسيتي؟"
أحتضنته بحب وهي تقول:
والله أنتَ قلبك طيب و ربنا عوض بنتي بيك"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
ربنا رزقني بيها هي و بوجودها معايا"
أومأت له ثم ودعت ابنتها و ركبت سيارة ابنتها الأخرى، ركب هو بجانب زوجته فوجدها تبكِ هي الأخرى، فمال عليها يقبل وجنتها بحنان ثم مد أنامله يكفكف دموعها وهو يقول بنبرة حنونة:
مش عاوزك تعيطي يا سارة، طول ما أنا معاكِ مشوفش دموعك، وبعدين عيب في حقي تبقي مرات عامر فهمي و غاوية نكد، دا أنا قالب الشركة مراجيح، دول مسميني رئيس مراجيح مولد النبي"
ضحكت هي بقوة فوجدته يقول مهللًا:
الله أكبر، ليلتنا فل إن شاء الله"
حركت رأسها نفيًا بيأس وقبل أن تتحدث دخل السائق السيارة وهو يقول:
يلا يا فندم هنتحرك دلوقتي، ألف مبروك"
أومأ له «عامر» ثم غمز لزوجته.
عند «ياسر» مالت «عفاف» على نافذة السيارة وهي تقول لابنتها:
كان نفسي أوصي ياسر عليكِ، بس ياسر طيب و غلبان و متربي على ايدي، قسمًا بالله يا إيمان لو زعلتيه هتبقى وقعتك سودا، أنا قولتلك أهوه"
نظرت لها «إيمان» باندهاش، بينما «ياسر» ضحك بقوة ثم قال:
الله يباركلي فيكِ يا عفاف، والله العظيم أمي مش حماتي، مش هوصيكي أنتِ وميرفت على بعض في غيابي، بلاش مشاكل مع أم مدحت ابوس راسكم"
لوحت له بكفها وهي تقول بنبرة حانقة:
والله بطلنا من زمان، من ساعة الجمعية الأخيرة"
ضرب كفيه ببعضهما وهو يقول بتعجب:
جمعية إيه بس يا حماتي، هو حد فينا مخليكم محتاجين حاجة؟"
ضحكت هي عليه ثم قالت:
دا علشان المستقبل يا واد يا ياسر، يلا ليلتكم فل، خلي بالك من بنتي ياض"
تركته وهي تضحك باتساع بينما هو نظر لزوجته وجدها تضحك هي الأخرى، حرك رأسه نفيًا بيأس ثم خرج من النافذة وهو يقول:
يلا يا أسطى، عاوزين نلحق الزفة"
تحركت السيارات خلف بعضها، في سيارة «ياسين» كان يقودها هو و زوجته بجانبه و والديه في الخلف، سألهم هو بمرحٍ:
حد فيكم بيخاف؟"
رد عليه الثلاثة في آنٍ واحد:
آه طبعًا بنخاف"
ضحك هو باتساع ثم ضغط على مكابح السيارة مما أدى إلى ارتفاع سرعتها، صرخت «خديجة» تقول بخوفٍ:
علشان خاطري يا ياسين، هدي السرعة شوية، هموت من الخوف والله، ابوس راسك"
ضحك هو ثم قال بخبثٍ:
طب ما أوقفها خالص وابوسك أنا أحسن"
تحدثت والدته تقول من الخلف بضيق زائف:
لم نفسك يا قليل الأدب، أنتَ بقيت سافل ليه يا واد أنتَ"
ابعد يده من على مقود السيارة حيث كان ضاغطًا على الجزء المخصص به الذي يخرج صوتًا عاليًا، ثم قال بعدما التفت لها:
مين قالك أني بقيت سافل، مش يمكن أنا سافل من الأول بس مكنتش لاقي فرصتي ؟!"
تحدث «رياض» بفخرٍ وهو يقول:
صحيح تربيتي، تربية سافلة"
ضحكوا عليه، ثم غمز هو لـ «خديجة» وهو يقول بعتابٍ زائف:
عجبك كدا؟ فضحتيني قصادهم، طول عمرهم فاكرني حمل وديع"
رد عليه «رياض» مُعقبًا بمرحٍ:
دا..دا متربي مرتين دا...دا بيصلي بينا إمام في المسجد دا"
بعد قليل توقفت السيارات في شارع شقق الشباب، بعدها أخرج «عمار» الألعاب النارية هو و أصدقائه بعدها كلًا من «ياسر» و «عامر» أمسك واحدة من تلك الألعاب وبعدها أنضم لهما «ياسين» و «خالد» مع ارتفاع الأغاني داخل السيارات ساعد على انتشار الفرحة في المكان، بعدها صعد كلًا منهما شقته، وعند رحيل أسرة «ياسين» خرج هو من السيارة ثم اقترب من «عمار» وهو يقول:
بقولك إيه هات مفاتيح الموتوسيكل بتاع عامر"
نظر له «عمار» بتعجب فوجدها يقول مُتعجلًا:
خلص أنتَ لسه هتبصلي، هات المفاتيح و اركب ورا حد من صحابك"
أعطاه «عمار» المفاتيح، فذهب «ياسين» يقف بجوار سيارته ثم مال بجزعه داخل السيارة وهو يقول لزوجته:
بقولك إيه يا غالية عمرك ركبتي موتوسيكل؟"
قطبت جبينها تنظر له باستفتسار، فوجدته يقول بنبرة حماسية:
ها يلا بسرعة؟ ركبتيه قبل كدا؟"
ردت عليه باندهاش:
لأ طبعًا، عمري ما ركبته قبل كدا"
أومأ لها ثم قال:
طب يلا يا ست الكل هركبك موتوسيكل النهاردة"
قال جملته ثم قذف المفاتيح لوالده وهو يقول:
يلا يا رياض، سوق أنتَ العربية و خلي بالك، وأنا هوصل خديجة بالموتوسيكل و هرجع تاني"
تحدثت «زهرة» بقلق:
خلي بالكم من نفسكم، وخلي بالك يا خديجة وأمسكي فيه كويس"
نظر هو لزوجته بخبثٍ وهو يقول:
ايوا اسمعي كلام ماما زهرة، وأمسكي فيا كويس"
ضحكت هي بخفة ثم نزلت من السيارة، وقفت تنظر له بتعجب، فوجدته يقول بمرحٍ:
طب والله أنا واد لُقطة مفيش مني اتنين، خلي بالك مني بقى، علشان اللي زيي عليهم العين"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول مبتسمة بشرٍ:
وماله يا هندسة، العين اللي تبصلك نقفلها خالص"
اتسعت مقلتاه باندهاش فوجدها تقول بتعالٍ:
يلا بس علشان منتأخرش، ولا مستني العيون تبقى عليك ؟!"
غمز لها وهو يقول بمرحٍ:
حلاوتك يا نجم وأنتَ شرس كدا، والله يا جدعان لقد هُرمنا بجد"
ركب هو الدراجة وهي خلفه بحماس، فقال هو قبل أن يبدأ القيادة:
سمي الله و أقرأي الفاتحة و انطقي الشهادة علشان دي حتة حديدة على الهوا"
سألته هي بخوفٍ:
هو أنتَ بتعرف تسوقه يا ياسين؟ ولا هنروح في داهية؟"
رد عليها بضيق زائف:
هو إحنا اي حد ولا إيه يا ست أنتِ، طبعًا أول مرة أسوقه"
شهقت بقوة فوجدته يضحك وهو يقول:
يا ستي متخافيش ركبته كتير قبل كدا، كنت باخده من عامر أجيب بيه حاجات"
تمسكت هي به بقوة ثم قالت بمرحٍ:
طب الله يطمنك، أنا أصلًا مش بخاف و أنتَ موجود ولا من غيرك، علشان عارفة إنك موجود"
رفع صوته حتى يصل لها من بين صوت الهواء:
الله أكبر يا خديجة، أنا شكلي كدا هاخد الأوسكار في تغييرك، اللي بيحصل دا معجزة بكل المقاييس والله"
ضحكت هي ثم وضعت رأسها على ظهره وهو يقود الدراجة، فتحدث هو بخوفٍ:
اوعي تنامي يا خديجة، ساعتها هتبقى وقعتنا سودا بجد"
تحدثت هي بهدوء:
مش نايمة متخافش"
ضحك هو ثم ضغط على السرعة يرفعها، بعد قليل أوقف الدراجة النارية أسفل بيتها، تنهدت هي ثم نزلت منها بهدوء وهي تشعر بالفرحة، نظر هو لها فوجد الفرحة تضج في عيناها، فسألها هو مُستفسرًا:
شكلك فرحان أوي، ممكن أعرف السبب ؟!"
أومأت له بقوة ثم قالت:
فرحانة علشان حضرت فرح، دي أول مرة أحضر فرح من زمان أوي، و فرحانة علشان ركبت وراك الموتوسيكل، دي حاجة كان نفسي أعملها من زمان، بصراحة اليوم كله كان حلو أوي و أنتَ وصحابك شكلكم كان حلو أوي"
ابتسم هو لها ثم قال:
ربنا يفرحك علطول يا ستي، يعني طلعنا قد القول و عرفت أفرحك؟"
أومأت له ثم أضافت قائلة:
أنتَ من ساعة ما ظهرت في حياتي وأنتَ مفرحني، و دي حاجة الكل ملاحظها، بس عاوزة اسألك حاجة مهمة"
قطب جبينه يسألها بتعجب:
حاجة؟ حاجة إيه أسألي؟"
نظرت حولها كأنها ستفصح عن سرًا حربيًا ثم قالت بنبرة هامسة:
هو فرحنا إحنا كمان إمتى؟ بصراحة اتحمست أوي لفرحنا يا ياسين، مش عارفة ينفع أقول كدا ولا لأ؟ بس هو بجد فرحنا فاضل عليه كتير؟"
اتسعت مقلتاه باندهاش، بعدها حرك رأسه في عدة جهات و كأنه يحاول استيعاب ما قالته، بعدها سألها بذهول:
هو أنتِ والله بتسألي عن فرحنا؟ دا إيه العسل دا، يا سكر أنتِ"
ضحكت هي على كلماته ثم أومأت له فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم قال:
هاجي أحدد معاد مع عم طه، على ما يكون عامر و ياسر خلصوا شهر العسل بتاعهم، علشان يكونوا معايا"
اتسعت بسمتها ثم تنهدت بعمقٍ وهي تقول بحب:
عاوزة أبدأ معاك من جديد يا ياسين، عاوزة أهرب من بيت الرشيد اللي مش لاقية فيه ذكريات حلوة دا، عاوزة ألحق أحافظ على ذكرياتي الحلوة من ساعة ظهورك في حياتي"
أمسك كفها يربت عليه بحب ثم قال:
إن شاء الله هنعمل ذكريات أحلى كتير يا خديجة، كل اللي عاوزه منك تنسي أي حاجة تزعلك أو زعلتك علشان نعرف نبدأ حياتنا الجديدة"
ردت عليه هي بحماس:
أنا علشان عاوزة أحافظ على اللي عملته معاك، عاوزة نكون سوا، حاسة أني فرصتي هاخدها وأنا جنبك والله"
نظر لها مندهشًا ثم قال بنبرةٍ غير مصدقة:
أنتِ اتغيرتي خالص يا خديجة، أنتِ مين يا ست الكل؟ دا لو ابو الهول نطق و قالي أني هسمع كدا منك والله ما هصدقه"
ضحكت هي ثم إقتربت منه تقول بنبرة هامسة:
مُـنذُ التـقيْتُـك غَـدوتُ عَـلّى الـصِـعابِ قَـادرًا...و الـقَـلـب السَـاكِـن أضّـحـىٰ لأجـلِـك نابـضًا...أمّـا الـجَـمـيع فـ رآوني بَـعـدَ ظـهُـوركَ مُـتـغُيـرًا...و أنـا أَوْدُ أنّ أسـألـكَ...ألّـم يَـكُن حُـبـي لَـكَ فـي عَـيْنّي ظـاهـرًا؟"
إتسعت مقلتاه باندهاش ولم يستطع أن يُعقب على حديثها الجميل الذي أطرب آذانه، أما هي فابتسمت بهدوء ثم غمزت له و تبعت فعلتها تلك بقولها المرح:
خلاص يا ياسين طالما سكت يبقى كدا أتثبت"
نزل هو من على الدراجة ثم احتضنها بقوة وهو يقول بنبرة غير مصدقة:
كفاية بدل ما أطلع أحدد الفرح دلوقتي، خلاص دا أنتِ اتغيرتي جدًا يا ستي"
ضحكت هي ثم ابتعدت عنه وهي تقول بحب:
بصراحة كنت كتباها علشانك، قولت يعني أنا سمعت منك كل كلام الدنيا الحلو، يعني نوجب معاك يا هندسة"
ضحك هو عليها ثم قال بمرحٍ:
طب أطلعي نامي يا خديجة، بدل ما أخطفك بعد هندسة دي"
أومأت له ثم تركته ودخلت البيت، تنهد هو بحرارة بعد إختفاء أثرها من أمامه، بعدها قام بتشغيل الدراجة ثم رحل من أمام البيت، أما هي فصعدت شقتها بفرحة عارمة، فوجدت «خلود» تنتظرها في غرفة الصالون، نظرت لها «خديجة» بتعجب وهي تقول:
أنتِ قاعدة كدا ليه يا خلود؟ عليكِ ندر؟"
وقفت «خلود» أمامها تقول بحنقٍ:
مستنية ترجعي علشان أعرفك حصل إيه في غيابك، البيت كان مقلوب"
سألتها «خديجة» بخوفٍ:
أوعي تقولي عمتو ماتت؟ ولا راحت مستشفى ؟!"
حركت «خلود» رأسها نفيًا وهي تقول:
للأسف محصلش، بس حصل حاجات أكتر من كدا، بس أنتِ خايفة على مشيرة ليه؟"
ردت عليها «خديجة» بخجلٍ:
أصل بصراحة ياسين هيجي يحدد معاد فرحنا مع بابا، وبصراحة كدا يا خوخة أنا عاوزة أتجوز"
ضحكت «خلود» ثم قالت:
طب اسمعي بقى اللي حصل علشان عاوزة أنام"
أرهفت «خديجة» السمع لها وهي تقص عليها ما حدث في غيابها منذ الصباح، كانت تقص عليها ما حدث منذ دخول «جميلة» البيت حتى جلوسها في غرفة عبلة و طارق، قصت عليها تفاصيل اليوم بأكملها، أنهت «خلود» حديثها، فوجدت «خديجة» تقف منتفضة وهي تقول:
فين وليد يا خلود؟ إيه اللي هو عمله دا؟ إزاي يجوزها بالطريقة دي؟"
ردت عليها «خلود» ببساطة:
وليد فوق على السطح، شوفته طالع من شوية، بس ممكن يكون نام الله أعلم"
أومأت لها «خديجة» ثم دخلت غرفتها تبدل ثيابها، بعدها ارتدت عليها ازدال الصلاة ثم صعدت له السطح.
____________
دخلت هي تنظر حولها تبحث عنه بعينيها، فوجدته جالسًا على الأريكة و في يده ذلك الكتاب يقرأه، حركت رأسها بيأس ثم اقتربت منه تقول بضيق:
إيه اللي عملته دا يا وليد؟ إزاي تجوز جميلة و طارق بالطريقة دي، إزاي تظلمها كدا"
رفع رأسه ينظر لها بلامبالاة ثم أعادها للكتاب من جديد، فسألته هي بنبرةٍ أكثر حُنقًا:
بكلمك يا سيدي رد عليا، فهمني مرة واحدة طريقة تفكيرك يا وليد، مش عاوزة أفضل تايهة فيك كدا كتير"
ألقى الكتاب على الطاولة الموضوعة أمامه ثم قال ببروده المعتاد:
نعم يا خديجة؟ خير عاوزة إيه، و قبل ما تتكلمي أقعدي علشان مبحبش حد يقف قصادي كدا"
عضت على شفتها السفلى ثم جلست أمامه وهي تقول بانزعاج:
طيب يا وليد، قولي بقى أنتَ إيه اللي عملته دا، إزاي تظلم جميلة كدا، إزاي تزود وجعها كدا"
رد عليها مُعقبًا بحنقٍ:
أهدي بدل ما أديكي على وشك، وأسمعيني يا خديجة، علشان أنا مش ظالم، أنا لو ظالم هرد لمشيرة اللي عملته فيا و فيكِ، أنا لو ظالم زي ما بتقولي هخلي بنتها تدوق اللي دوقتيه، لو ظالم بجد هخلي مشيرة تتحسر على بنتها لما تسيبها و تمشي، جميلة دي كانت هترجع الصعيد تاني، يعني كانت هتشوف الويل، واحدة زي دي مستحيل تثق في حد تاني، يعني بقت في حكم اليتيمة، أسيبها بقى ترجع الصعيد تاني و بعدها حسان يروحلها و يكسب تاني؟ حسان اللي شوفنا الذل بسبب عملته؟ أنا آمنت ليها مستقبل بنتها، سلمتها لأكتر قلب هيحافظ عليها، قلب طارق اللي كان بيعدي الثواني في بعدها، أنا مش ظالم يا خديجة، جميلة دي كانت هتدخل في دور اكتئاب، أسيبها إزاي و فيه واحد تاني قلبه محروق من بعدها عنه، ها يا خديجة..لسه شايفة أخوكِ ظالم؟"
حركت رأسها نفيًا ببكاء ثم أحتضنته وهي تقول ببكاء:
أخويا مش ظالم..أخويا أحسن راجل في الدنيا كلها، أنا بحبك أوي يا وليد، كل حاجة حلوة في حياتي أنتَ السبب فيها، حتى وجود ياسين، أنتَ السبب فيه بعد ربنا سبحانه وتعالى، علشان خاطري متزعلش مني"
ضحك هو بخفة ثم ربت عليها وهو يقول بحب:
أزعل من بنتي برضه؟ أنتِ مش أختي يا خديجة، أنا طول عمري بعاملك إنك بنتي، مبعرفش أزعل منك، و عارف إنك بتقولي كدا علشان مستغربة الموقف، بس والله أنا عملت كدا علشان جميلة و طارق، الاتنين والله يستاهلوا يفرحوا، ساعات بناخد قرارات غريبة بس بتكون هي أسلم حل لينا و لغيرنا يا خديجة"
نظرت له هي بتعجب ثم قالت مندهشة:
هو أنتَ هتعمل إيه تاني يا وليد؟" قلبي مش مرتاح ليك"
أخذ هو نفسًا عميقًا ثم قال:
خديجة أنتِ ناوية على إيه مع طه و هدير و مشيرة ؟!"
نظرت له نظرة استفسار ممزوجة بالدهشة، فوجدته يسأل بنبرةٍ أقوى:
هسألك السؤال بصيغة تانية، يعني ناوية على ايه في حياتك يا خديجة؟ قوليلي كدا علشان أعرف تحركاتي بعد كدا؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
أنا لأول مرة هكون صريحة يا وليد و أقولك أبويا و هتعامل معاه عادي بس زي ما قولتله غصب عني مش هعرف أسامحه وهتفضل علامة سودا في قلبي منه، بس في النهاية الأيام هتنسيني، هدير و ممكن اسامحها علشان دي ضحية زيي بس برضه مش هعرف أأمن ليها، فاطمة و مشيرة بقى مستحيل يا وليد، واحدة فيهم كانت عارفة إن أمي مظلومة و التانية مفيش مرة كانت بتندم يا وليد"
سألها هو بهدوء:
طب ما أنتِ قعدتي جنبها وهي تعبانة و كنتِ هتنامي جنبها، دا معناه إيه؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
علشان كلهم سابوها و مشيوا يا وليد، واحدة زي دي عندها هبوط حاد و محدش عاوز يقعد جنبها، أنا مهما كان مش زيهم، أنا أحسن منهم، هما قلبهم قاسي،بس أنا قلبي أنضف منهم، لكن أني أسامح كدا هبقى متخلفة و بسيب حقي يا وليد، و بصراحة أنا عاوزة أكمل حياتي بعيد عن بيت الرشيد، و ياسين جاي يحدد معاد الفرح مع بابا، عاوزاك بقى تحدد المعاد بسرعة على قد ما تقدر، أكتر حاجة تكون أسبوعين"
نظر لها مُبتسمًا بسخرية ثم أضاف بنبرة متهكمة:
هو مش دا ياسين اللي كان هسيبك علشان ميعرفش شخصيتك عاملة إزاي؟ و مش دا اللي بشر مش ملاك، و مش دا اللي زي راشد و ..."
صرخت هي في وجهه بضيق ثم قالت بنبرةٍ حانقة:
بس أخرس، راشد في عينك، ياسين دا مفيش منه اتنين، او فيه..أنتَ يا وليد، أنتو الاتنين زي بعض، كل واحد فيكم بيختار راحة الناس التانية على حساب راحته، هو بيعمل كدا بالهدوء و أنتَ بالتخطيط، و بصراحة أنا ربنا بيحبني علشان رزقني بيكم أنتو الاتنين يا وليد"
وضع ذراعه عليها وهو يقول بمرحٍ:
كبرتي يا خديجة و بقيتي بتعرفي تتكلمي، و كمان عاوزة تحددي معاد الفرح، ماشي يا ستي، هاتي ياسين علشان نحدد الفرح"
سألته هي بحماس:
بجد يا ليدو؟ قول والله"
ضحك هو ثم ضربها على رأسها وهو يقول بمرحٍ أنتهى بالحزن الزائف:
هو أنتِ مش هتكبري أبدًا، قولتلك كلمتي بتكون زي الساعة ماشية مظبوط، المهم أنتِ روقي أعصابك كدا علشان نفوق لفرحك، خليني أفوق لنفسي بقى يا ناس، عمال أوفق كل راسين في الحلال و أنا والله على حافة الطلاق، عم محمد حلف حضن كمان و هيطلقها مني"
ضحكت هي ثم وكزته في كتفه وهي تقول:
ما أنتَ اللي مفضوح، العيلة كلها شاهدة عليكم ، دا حيطان البيت قربت تنطق و تقول هي كمان"
رد عليه بنبرة غير مبالية:
طب وفيها إيه مش مراتي؟ و بعدين المفروض عم محمد يكافئني، دا أنا جوزتله الباير ابنه الكبير"
تنهدت هي بعمقٍ ثم سألته بقلق:
وليد أنا كدا مش أنانية صح؟ يعني أنا بفكر في فرحي و عاوزة أبدأ حياتي من جديد، أنا معايا حق صح؟ بس والله أي حاجة تانية غصب عني، مش هقدر أسامح و أنسى، أنا هكتفي ببعدي عنهم وربنا يقدرني، بس والله ربنا يعلم أنا مش هشيل في قلبي حاجة ليهم"
رد عليها هو بهدوء:
عارفة يا خديجة، أفلاطون عاش معظم حياته بيعمل مدينة خالية من الفروق العنصرية، في وقت كان لسه فيه أسياد و عبيد، هو كان مقرر إن الناس كلها سواسية، و فضل ماشي بالمبدأ دا قصاد كل فلاسفة عصره، لحد ما أثينا دي اتهزمت من اسبرطة هزيمة ساحقة، ساعتها مدينة أفلاطون الفاضلة دي اتهدت على دماغ أهله كلهم، ساعتها أول حاجة عملها طالب بالفروق بين الأسياد و العبيد و قال إن العبيد هما السبب في الهزيمة دي، علشان هو اتساهل معاهم، لو بصينا على المدينة الفاضلة دي يا خديجة هنلاقيها شبه شقة عمتك قبل ما حسان يمشي"
قطبت جبينها تنظر له باستفسار ممزوج بالتعجب،فوجدته يستطرد حديثه قائلًا:
يعني يا خديجة شقة عمتك كانت لمانا كلنا مع بعض، حتى هدير رغم إنها صفرا من يومها بس لما كانت بتكون معانا كانت بتنسى تربية فاطمة ليها، بعدما حسان مشي بجميلة، مشيرة اتحولت على العيلة كلها، و أول حاجة عملتها فرقت بيننا، وساعتها الوحيدة اللي فضلت في صفها تشربها المكر كانت فاطمة الله يهدها، لما سرحت مع نفسي لقيت إن الحياة دي غريبة، حتى الشر فيها مش مطلق، يعني مشيرة كانت رد فعل لفعل حسان، و حسان رد فعل لفعل مجدي و مديحة، و طه كان رد فعل لفعل حسان في مشيرة، الوحيدة اللي كنت محتار فيها كانت فاطمة، وبرضه طلعت رد فعل لظروفها و لرفض جدي جوازها من عمي محمود، محدش بيتولد وحش يا خديجة، و كلنا فينا الخير و الشر، بس بدرجات متفاوتة، يعني العاقل فينا اللي يعرف يحكم إمتى يكون طيب و إمتى يكون جامد، وأنتِ الله يحميكِ لشبابك..أكبر موكوسة شافتها عنيا يا خديجة، بعد كل دا و لسه شايفة إنك أنانية، دا ياريت الدنيا فيها منك كتير والله مكانش حد غلب في حياته"
ضحكت هي ثم قالت بهدوء:
علشان خايفة أصحى يوم الأقي نفسي زيهم، شخص مؤذي و خلاص، بس أنا مش كدا، اللي داق الظلم يخاف غيره يدوقه، واللي اتوجع مش هيحب غيره يتوجع، آه يمكن أكون سلبية شوية، بس مش مشكلة، المهم أني بعرف أنام و أنا مش ظالمة حد، غير كدا ميهمنيش يا وليد، كفاية أني كويسة في عين نفسي، عين اللي قصادي متهمنيش"
رد عليها هو بهدوء:
صح معاكِ حق، المهم عينك عين اللي قصادك متهمكيش"
_____________
في صباح اليوم التالي، استيقظ «طارق» ينظر على صدره بعدما شعر بثقلٍ عليه، فوجدها هي نائمة، و متشبثة به، رفرف باهدابه عدة مرات يحاول استيعاب ما يراه أمامه، بعدها أخرج زفيرًا قويًا ثم حاول فك حصار جسده، فاستيقظت هي بفزعٍ وهي تقول:
فيه إيه؟"
نظر هو لها وهو يقول بهدوء و بصوتٍ متحشرج إثر نومه:
مفيش أي حاجة، كل الحكاية بس أني عاوز أخرج من السرير وأنتِ ماسكة فيا زي اللي ماسك حرامي"
نظرت هي على يدها المتشبثة به بخجلٍ ثم نظرت له وجدت التسلية في نظرته، مما جعلها تتركه بسرعة وهي تقول بنبرةٍ مُحرجة:
أنا...أنا أسفة بس علشان كنت خايفة إمبارح"
رد عليها هو بخبثٍ:
لأ يا شيخة متقوليش كدا، أنا مش غريب أنا جوزك برضه، المهم أنتِ كويسة؟"
كانت نبرته حنونة في سؤاله مما جعلها تنظر له بعمقٍ، فتنهد هو بعمقٍ ثم قال:
عارف إنك مش كويسة، و عارف كمان إنك هتاخدي وقت علشان تنسي اللي حصل، أو تتجاوزيه، بس عاوزك تعرفي إن أنا معاكِ علطول، و مش هسيبك تاني تروحي مني يا جميلة، ولو على حياتك الجاية فهي خلاص بقت معايا، بالرضا بقى بالعافية...أنسي إنك تمشي تاني ولا تغيبي عني تاني"
ردت عليه هي بإحراج:
أنا مش عاوزة أسيبك...أنا مش أنانية علشان تفضل موقف حياتك عليا وأنا أرجع أقولك أني مش عاوزاك...أنا بس طالبة وقت أتعود على اللي أنا فيه، أنا كنت مخططة لحاجات كتير في حياتي هنا اتهدت على دماغي"
قطب جبينه يسألها مستفسرًا:
حاجات إيه طيب وأنا أساعدك فيها، أنا أقدر أعملك أي حاجة"
نظرت له بهدوء ثم قالت:
كنت عاوزة أشتغل هنا في القاهرة، أنا خريجة تربية قسم لغة عربية، بس أنا معرفش حد هنا يساعدني"
نظر هو لها بعتاب ثم قال:
وأنا إيه يا جميلة؟ أنا هنا كل حاجة لكِ، قومي بس علشان نفطر وأنا هشوفلك موضوع الشغل دا، و أي حاجة تانية تحتاجيها أطلبيها مني أو من عبلة أختي لو هتتحرجي يعني"
سألته هي بسرعة:
هي خديجة فين؟ أنا عاوزة أشوفها...بس هي هتوافق أشوفها...ولا هتاخد مني موقف"
تحولت نبرتها من السرعة إلى التردد، مما جعله يُجيبها بسخرية:
صدقيني دي أطيب واحدة في الدنيا كلها، دي مستحيل تاخد منك موقف..دي معرفتش تقسي قلبها على اللي آذوها...هتقسيه عليكِ وأنتِ ملكيش ذنب؟"
سألته هي من جديد:
يعني ينفع أشوفها؟ عاوزاك تيجي معايا و نطلع ليها"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
مفيش مشاكل نفطر و نطلع ليها نشوفها"
أومأت له ثم نظرت بجانبها على الطاولة الموضوعة بجانب الفراش، فوجدت صورتها وهي صغيرة، أمسكت الصورة بأنامل مترددة، فوجدته يقول بنبرة موجوعة من تذكره للماضي:
دي أخر صورة لكِ قبل ما تمشي من البيت يا جميلة، خدتها من شقتكم و حطيتها جنب سريري علشان تبقى أول حاجة و أخر حاجة أشوفها، أنا حبيتك بطريقة تخلي الحجر يلين، كل الناس عرفوا حبايبهم و بدلوهم و أنا احتفظت بحبي لكِ، مش بلومك على غيابك اللي مش بايدك، بس مش عاوزك تمشي تاني...عاوزك هنا يا جميلة...زي ما كنتِ علطول معايا"
نظرت له بأعين دامعة فوجدته يمد أنامله يكفكف دموعها وهو يقول:
كفاية عياط بقى...أنا من ساعة ما شوفتك و أنتِ بتعيطي بس يا جميلة، ربنا يقدرني و أوقفلك الدموع دي خالص"
وقف بعد حديثه ثم اقترب من الباب وهو يقول:
أنا هطلع برة علشان تاخدي راحتك، عبلة جابت هدوم علشانك هنا في دولابي، لو عوزتي حاجة تانية قوليلي"
أومأت له ثم ابتسمت له بتوتر، فأومأ له هو الأخر ثم بادلها بسمتها المتوترة بأخرى أكثر اتساعًا ثم قال:
شكرًا يا جميلة...شكرًا علشان رجعتي ليا تاني، شكرًا علشان أثبتي إن القلب عمره ما كدب على صاحبه... القلب دا دليل قوي ، و يا بخت اللي قلبه دليله"
أنهى حديثه ثم تركها وغادر الغرفة في هدوء، نظرت هي في أثره بتعجب ثم قالت بمزاح:
الواد دا غلطة في العيلة دي ولا إيه؟ دا باينه العوض بجد... إيه دا أنا مهزقة ولا إيه؟"
قامت هي ثم انتقت عباءة مناسبة لها من بين الملابس التي وضعتها «عبلة» لها، بعدها خرجت من الغرفة وهي تحمل الثياب على ذراعها، نظرت حولها تبحث عن المرحاض، بعدها وجدت «عبلة» تخرج منه وقفت تنظر لها بإحراج فوجدت «عبلة» تقترب منها وهي تقول مبتسمة:
صباح الخير يا قمر، ادخلي غيري هدومك و خدي دش حلو كدا، طارق في الحمام التاني"
أومأت لها «جميلة» ثم دخلت المرحاض، خرجت بعدها، تنظر حولها كما لو أنها لص، رفعت رأسها فجأة، وجدته ينظر له باندهاش، فقالت هي بهدوء:
بصراحة أنا تايهة...مش عارفة أخرج من أنهي ناحية...متعرفش أخرج منين؟"
حاول هو كتم ضحكته وهو يقول بنفس النبرة الهامسة التي تتحدث بها:
يمين في شمال...هتلاقي طرقة صغيرة و بعدها الشقة كلها، أي خدمة؟"
ارتخت قسمات وجهها وهي تقول:
شكرًا ربنا يجبر بخاطرك"
رفع حاجبيه معًا إثر جملتها، فوجدها تتركه وهي تلوح له بكفها، نظر هو في أثرها بتعجب ثم قال:
البت دي ملبوسة؟ مش كانت عمالة تعيط امبارح؟ والله ما فارقة كدا كدا على قلبي المهزق زي العسل"
خرج بعدها وهو يضحك على نفسه وعلى ما وصل إليه، وجد أسرته بأكملها جالسة على طاولة الطعام، وهي معهم أيضًا، جلس هو بجانبها، فتحدثت والدته تقول بفرحٍ:
أنا صاحية من النوم و قلبي فرحان برجوعك تاني يا جميلة، أنا قلبي كان واجعني في غيابك أوي، و طارق ابني كمان..نسي يا حبة عيني الأيام الحلوة في بعدك"
نظرت لها «جميلة» بخجل وهي تقول:
شكرًا لحضرتك جدًا...بس أنا خايفة أكون بتقل عليكم"
ردت عليها «عبلة» بضيق زائف:
بت أنتِ متعصبنيش، هجبلك خلود والله، تتقلي إزاي على بيتك"
تدخلت «سلمى» تقول بخبثٍ:
شكلها الله أعلم كدا نسيت إنها بقت مرات طارق، بس مش مشكلة نفكرها إحنا"
إبتسمت لها «جميلة» ثم نظرت له وجدته يبتسم هو الأخر، تحدثت «سهير» تقول بهدوء:
كلي يا جميلة، ولا أخلي طارق يأكلك زي امبارح؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم بتوتر ثم أخذت الطعام من أمامها، وشرعت في تناوله، بينما «طارق» أخرج هاتفه ثم تحدث مع «وليد» كان حديثه مقتضب بشدة لم تستطع أيًا منهن تفسير ما يتفوه به، أغلق هو الهاتف فوجد نظراتهن مسلطة عليه، نظر هو لهن ثم قال:
خير فيه حاجة؟"
سألته «عبلة» بحماس:
دا وليد صح؟ هو فين قولي بالله عليك"
رد عليها هو بهدوء:
طالع عند عمك طه، مستنيني فوق عند خديجة"
نظرت له «جميلة» بحماس وهي تقول:
طب ينفع أطلع اشوفها؟ أنا عاوزة أتكلم معاها ضروري"
أومأ لها «طارق» ثم قال بنبرةٍ مقررة:
كلي كويس وأنا أطلعك ليها، غير كدا مش هقدر"
أومأت له ثم أمسكت الطعام من جديد تحاول قطم بعض اللقيمات الصغيرة، كانت تحاول رغمًا عنها لكن معدتها لم تقبل الطعام، و رفضته، تركت هي الطعام وهي تقول له بتوسل:
مش هعرف أأكل والله، ممكن بس تطلعني ليها و بعدها أنا هبقى أأكل...من فضلك يا طارق"
نظر هو لها عند ذكرها إسمه فوجد نظرتها مُحرجة منه، أما هو فقال بمرحٍ:
حاضر يا جميلة...علشان خاطر قولتي طارق بس...يلا"
أومأت له ثم دخلت من أمام الجميع الغرقة مرةً أخرى، قامت بـ لف خمارها على العباءة التي كانت ترتديها ثم خرجت وهي تقول بهدوء:
أنا جاهزة يلا بينا"
سألتها «سلمى» بتعجب:
هو أنتِ عملتي إيه؟ مش كنتِ لابسة طرحة"
أومأت لها في هدوء ثم قالت:
أيوا بس لبست الخمار علشان وليد هيكون فوق، و ممكن يكون فيه حد تاني الله أعلم"
نظر لها «طارق» بفخرٍ ثم قال:
ربنا يزيدك و يبارك فيكِ"
ابتسمت له بتوتر ثم أخفضت أسها حينما لمحت نظرته، بينما هو أخذ نفسًا عميقًا ثم أشار له تسبقه، بعد مرور ثوانٍ، وقف هو أمام شقة «طه» طرق هو الباب وهي خلفه تفرك كفيها معًا، فُتح الباب بواسطة «وليد»، نظر لهما ثم قال بخبثٍ:
يا أهلًا بالغاليين ولاد الغاليين...صباحية مباركة يا عرسان"
تدرج وجهها بحمرة الخجل، أما «طارق» فنظر له بضيق ولم يُعقب، فأشار لهما «وليد» وهو يقول:
اتفضلوا دا البيت نور بيكم والله"
اتت «خديجة» من الداخل وهي تقول:
مين يا وليد؟ و أوعى تقولي ملكيش فيه، همد إيدي عليك"
نظرت حولها فوجدت «طارق» و «جميلة» يقفا سويًا بجانب «وليد» عدلت هي من غطاء رأسها ثم وقفت أمامهما وهي تقول بنبرة مذهولة:
أنتِ...أنتِ جميلة؟"
أومأت لها «جميلة» ثم سألتها هي الأخرى بتوتر:
أنتِ أكيد خديجة"
أومأت لها «خديجة» ثم احتضنتها فجأة، اتسعت أعين «جميلة» من هول المفاجأة فوجدت «وليد» يقول بمرحٍ:
لأ متخافيش، هي مشاعرها جياشة كدا، المثل بيقولك متخافش من الهبلة خاف من خلفتها..دي هي و أمها هُبل بالختم"
شددت «خديجة» من عناقها لها، فوجدت «جميلة» تجهش في البكاء وهي تشدد العناق هي الأخرى، فمال «وليد» على أذن «طارق» وهو يقول بخبثٍ:
مش كنت أنتَ أولى بالحضن دا..على الأقل تعوض الجفاف اللي جالك في مشاعرك"
نظر له «طارق» بضيق ولم يعقب، بينما هن بكت كلتاهما بين ذراع الأخرى، ابتعدت «خديجة» عنها وهي تقول:
وحشتيني أوي...شكلك حلو زي ما تخيلتك و أحلى كمان"
نظرت لها «جميلة» بخجل وهي تقول:
أنا بصراحة مكنتش فاكرة شكلك..بس أنا جاية أعتذرلك عن اللي حصلك في غيابي بسببها بسببه"
قطبت «خديجة» جبينها تسألها بتعجب:
تعتذري ليه؟ و هما مين دول السبب"
ردت عليها «جميلة» بخزي و إنكسار في نبرتها:
بعتذر لك علشان عرفت إنك شوفتي كتير أوي... وهما مين، قصدي على حسان و مشيرة"
نظرت «خديجة» لهما، ثم نظرت لها وهي تقول بهدوء:
لأ أنتِ مش من حقك تعتذري، أنتِ ملكيش ذنب، في النهاية دا نصيب، محدش بياخد أكتر من نصيبه، وبعدين الحمد لله أنا خفيت وبقيت زي الفل"
ردت عليها «جميلة» بإنكسار:
بس اللي شوفتيه كان كتير، دا أنا سمعت منها مقدرتش أستحمل"
تدخل «وليد» يقول بهدوء:
طب يلا تعالوا معايا علشان عاوزكم مع بعض في حاجة مهمة"
نظر له الجميع بتعجب فقال هو مردفًا:
تعالوا بس و هتفهموا"
خرجوا جميعًا من الشقة، و ركبوا المصعد، ضغط «وليد» على زر الطابق الأول، بعدما وصل المصعد خرجوا جميعًا منه ثم دخلوا الشقة، بعدها وقفوا أمام غرفة «مشيرة» تحدثت «جميلة» تقول بضيق:
بس أنا مش عاوزة أدخلها، ومش عاوزة أشوفها"
رد عليها «وليد» بسخرية:
ليه إن شاء الله؟ دي خديجة نفسها مش معترضة، أيًا كان دي أمك برضه"
نظرت له بقوة وهي تقول:
مش مشكلتي...أنا مبحبش الناس الظالمة، وهي ست ظالمة"
أومأ لها «وليد» ثم قال بسخرية:
شخصيتك قوية..كل يوم بتأكد إنك بنتها فعلًا"
رد عليه «طارق» بضيق:
ما تهدا شوية يا وليد، وخلينا نخلص"
دخل «وليد» الغرفة ثم قال لوالدته و لزوجات عمه:
معلش يا جماعة، عاوز زينب و مشيرة هنا بس، مروة و سهير يطلعوا برة، نظرت له كلتاهما فأومأ هو لهن بثقة، خرجت كلتاهما من الغرفة ثم أدخل هو البقية، نظرت «مشيرة» في أوجه الجميع حتى وقع بصرها على ابنتها، أما «جميلة» فأخفضت رأسها تنظر في الأرض حتى لا تلتقي عيناها بعيني والدتها، أما «خديجة» فنظرت لها بمشاعر مضطربة، تحدث «وليد» يقول بهدوء:
دلوقتي أنا عاوز أخلص من الهم اللي حل علينا دا، جميلة عندك استعداد تسامحي أمك"
نظرت له بضيق وهي تقول بنبرة لا تقبل النقاش:
مستحيل..لا هي ولا هو...واحد كداب و واحدة ظالمة،أسامحهم ازاي؟"
أخفضت «مشيرة» رأسها وهي تبكي بقوة، أما «وليد» فسأل «زينب»:
وأنتِ يا زينب مسامحة ولا لأ؟"
نظرت «زينب» لها تتفحص هيئتها المريضة، فقالت بعدما نظرت له من جديد:
مسامحة يا بني...أنا مش عاوزة حاجة غير إن حقيقتي تظهر و حقي يرجعلي، و أظن الحمد لله ربنا ظهر حقيقتي...و إن بنتي تكون مبسوطة في حياتها، الحمد لله ربنا جبر بخاطري واللي عاوزاه حصل"
أومأ لها «وليد» ثم نظر لـ «خديجة» التي كانت تنظر في وجه عمتها ثم قال:
وأنتِ يا خديجة؟ مسامحة؟"
نظرت له «خديجة» ثم نظرت لعمتها من جديد وفي تلك اللحظة لم تسمع شيئًا حولها سوى صوتًا واحدًا:
علـشان خاطــري يا بابا والله معملتش كــدا... والله عمتو هي السبب..يــا ولــيـد...والله هي اللي عملت كدا مش أنا...يا ماما خليه يطلعني من هنا...يا ولـــيـد"
لم تسمع سوى صراخاتها وهي تتوسل للجميع بفك حصارها من تلك الغرفة حركت رأسها في عدة جهات غير متناسبة وهي تبكِ بقوة ثم ركضت تحتضن «وليد» وهي تتشبث به بقوة ثم قالت ببكاء:
أنا عاوزة أنسى...علشان خاطري خليها تسكت... عمالة تعيط في ودني يا وليد"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل التاسع والاربعون
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
الفصل التاسع و الأربعون"
__________
كل حنان العالم أجمع وجدته في عيناه...حتى قلبي الساكن لم يتحرك لـ سواه.
__________
الآن و بكل أسى الدنيا أخبركم أن أصعب ما يمر على المرء أن يفقد الشغف في منتصف الطريق تجاه الأشياء التي احترق شوقًا للحصول عليها، الآن و أنت تقف في المنتصف تائه لا تدري إلى أي طريق تخطو قدماك، هل تعود لنقطة البداية وتسير نفس الطريق المليء بالصعاب مرةً أخرىٰ ،أم تُكمل سيرك نحو شيء مجهول الهوية؟ ولكن الأصعب من ذلك وذاك هو أنك أنت المسئول الوحيد عن النتيجة.
أنا عاوزة أنسى...علشان خاطري خليها تسكت... عمالة تعيط في ودني يا وليد"
قالتها «خديجة» ببكاء وهي تتشبث بـ «وليد» كعادتها منذ صغرها، فدائمًا و أبدًا كان هو حصنها المنيع، تمسكت به أكثر وهي تبكِ بقوة، أما هو فنظر لـ «مشيرة» التي كانت تتابع ما حدث بأعين مندهشة.. أخرج هو زفيرًا قويًا ثم ربت عليها وهو يقول بهدوء كما لو أنه يهدهد طفلًا صغيرًا:
خلاص يا خديجة، كل دا خلص و مش هيحصل تاني...أنتِ دلوقتي كبرتي و خفيتي و اتجوزتي ياسين... متخافيش محدش هنا يقدر بقربلك وأنا موجود"
كانت «جميلة» تتابع الموقف بأعين دامعة، فهي حتى الآن لم تتصور كم المعاناة التي شعرت بها «خديجة» بسبب غيابها، أما «طارق» فزفر بضيق ثم نظر في وجه عمته بشررٍ يتطاير من عيناه، خرجت «خديجة» من حضن «وليد» تنظر له بشكٍ فوجدته يومأ لها بقوة، نظرت هي حولها من جديد بعدما مسحت دموعها، ثم خرجت من الغرفة، نظرت «زينب» في أثرها بحزن، ثم تبعتها إلى الخارج، بينما «وليد» قال بنبرة حادة بعض الشيء:
أنا عمري ما أقدر أجبر إنسان يسامح في حقه، وعمري ما هقدر أخلي خديجة تنسى اللي عملتيه فيها...هي آه خفت بس منسيتش يا مشيرة، دلوقتي بس اتأكدتي إنك ظالمة؟"
نكست رأسها للأسفل من جديد ثم أجهشت في بكاء مرير، بينما «جميلة» وقفت أمامها تقول بنبرةٍ متهكمة حانقة على أفعال والدتها:
عارفة أنا إيه اللي مخليني مش عارفة أسامحك؟ هو إنك غلطانة من بداية حياتك، واحدة زيك ارتبطت بواحد من غير أي علاقة شرعية بينهم طبيعي النهاية تكون مش مرضية..علشان اللي عملتيه كان حرام و ميرضيش ربنا... بعدها ربنا كرمك و قفل باب مجدي في وشك..فضلتي تحاربي علشان الباب يتفتح...ربنا كرمك و عوضك بحسان و للأسف بيا...برضه شوفتي إن دي غلطة وإنك مش عاوزة تخلفي منه... وبعتي جواب لمديحة توصله لأخوها علشان تعرفيه إنك حامل وإنك هتكملي حياتك مع حسان بس غصب عنك...طبيعي إن تركيزك في النقم، يمنع عنك النعم..أنتِ لو كنتِ فرحتي بعوض ربنا لكِ، و بدأتي من جديد معاه...مكانش حصلك كدا، لكن أنتِ طماعة...وياريت بعد اللي حصل عرفتي تكوني حد تاني..لأ ، سلمتي نفسك لشيطانك، و انتقمتي من عيلة صغيرة و أمها، بتاخدي حقك من ناس ملهاش ذنب، حتى لو طنط زينب عملت كدا فعلًا بس بنتها ملهاش دعوة..يا شيخة دا ربنا سبحانه وتعال قال:
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ}
عارفة يعني إيه؟ يعني ربنا مبياخدش حد بذنب حد تاني، يعني محدش بيتحاسب على غلطات غيره...تقدري تقوليلي شكلها وهي بتعيط كدا ريحك؟ واحدة عاشت طفولتها و مراهقتها كلها مشوهة بسببك، أنا والله مش لاقية حاجة ابرر بيها عملتك دي، عمري ما كنت اتخيل إني أقابلك وأنتِ كدا، يا شيخة يارتني ما لقيتك"
أجهشت «مشيرة» في بكاء عنيف، أما «جميلة» فركضت من أمام الجميع خارج الغرفة، و «طارق» يتبعها، وجدت «خديجة» تبكِ على الأريكة بين ذراعي والدتها، نظرت لـ «طارق» ثم أعادت النظر إلى «خديجة»، أخذت نفسًا عميقًا، ثم جثيت على ركبتيها أمامها وهي تقول بنبرةٍ متأسفة:
حقك عليا أنا...والله أنا عارفة إنها كلمة سخيفة...بس مش بإيدي حاجة تانية غيرها...بس لو عاوزاني أمشي من هنا علشان تحس بوجع القلب أنا ممكن أعمل كدا...أي حاجة تعوزيها ممكن أعملها بس مش عاوزة أشوفك كدا"
ابتعدت «خديجة» عن والدتها ثم مسحت وجهها بكفيها إثر دموعها المنسابة على وجنتيها، بعدها أمسكت «جميلة» من ذراعيها توقفها بهدوء وهي تقول بنبرة متحشرجة نتيجة بكائها:
أنتِ ملكيش ذنب يا جميلة، أنتِ زيك زيي..ضحية برضه، وأنا الحمد لله اتغيرت كتير عن الأول...كل الحكاية بس أني مقدرتش أقول أني مسامحة...كأن خديجة التانية بتفكرني بطريقتها اللي حصل فيا، رغم والله أنا حاولت أنسى وأسامح...بس طلع غصب عني بجد"
في تلك اللحظة أتى «وليد» يقف مقابلًا لـها وهو يقول:
و دا حقك يا خديجة، ماهو أنتِ برضه مش إنسان آلي، المهم إنك متفضليش زعلانة كتير، و افتكري إنك تعبتي مع ياسين علشان توصلي للي أنتِ فيه دا"
نزلت دموعها رغمًا عنها ثم قالت بنبرة مختنقة إثر البكاء:
أنا عاوزة أطلع أرتاح شوية...عن إذنكم"
أومأ لها الجميع، فتركتهم هي بعدما طالعت «جميلة» بهدوء و كأنها تخبرها أن الأمر ليس من شأنها، نظرت «زينب» في أثرها بحزن ثم قالت:
هي مش كانت زي الفل...حصلها إيه تاني بس؟ خديجة هتفضل طول عمرها موجوعة كدا يا وليد"
اقترب منها «وليد» يربت على ذراعها وهو يقول:
خديجة كويسة و زي الفل...علشان لو خديجة لسه زي الأول كانت هتفضل تصرخ و مكانتش هتسمعني...خديجة اتغيرت أوي، هي بس هترتاح علشان اللي حصل...وأنا عارف إيه اللي هيريحها"
نظرت له «زينب» باستفسار فوجدته يغمز لها وهو يبتسم بخبثٍ، ابتسمت هي الأخرى حينما فهمت مقصده، بينما «طارق» قال بعدما حمحم بهدوء:
طب و الحل إيه يا وليد؟ حتى عمك طه رافض وجود مشيرة"
نظر «وليد» أمامه ثم قال بغموض دائمًا يليق بشخصيته:
متقلقش أنا عارف الليلة دي آخرها إيه"
صعدت «خديجة» إلى غرفتها، تنهدت بعمقٍ حتى تُحد من قوة بكائها التي داهمتها بقوة،و كأن دموعها مثل الشلالات تود لو تنفجر في تلك اللحظة، ارتمت على الفراش بقوة و رغمًا عنها نزلت دموعها، بعدها غاصت في ثباتٍ عميق، كعادتها القديمة كلما حدث لها ما يحزنها.
______________
رحل الجميع من شقة «مشيرة» عدا «زينب» التي جلست في الخارج مع «وليد»، أتت «مروة» من الخارج حتى تدخل الشقة نظرت في وجهيهما، وعند التقاء عيناها بعيني «وليد» أدارت وجهها للجهة الأخرى حتى تتركه و تذهب، ركض هو إليها يمسكها من مرفقها وهو يقول مُترجيًا لها:
علشان خاطري أستني، أنا والله مكنتش عاوز أقولك علشان خايف عليكِ، أنتِ وزينب عندي غاليين و مقدرش أشوف عينكم مكسورة، أنا والله كنت خايف عليكم، عمري ما كنت أتخيل إن الموضوع هيتكشف كدا، والله كان علشانكم أنتو، و خديجة عرفت لما لقتني مش قادر أبص في عينها، وأنا غصب عني مش بعرف أخبي حاجة عن خديجة"
طالعته والدته بأعين منكسرة وهي تقول بنبرةٍ تحمل الخيبات:
و دلوقتي شكلي كان حلو وأنا زيي زي الغريب؟ شكلي كان حلو و أنا ابني بيتوجع و أنا معرفش؟ كنت بعيد عن عيني،بس اسأل أبوك علطول كنت حاسة بيك، قلبي كان بيقولي إنك بتتوجع وإنك محتاجني، حتى صبري اخويا لما كان بيقولي إنك نايم كنت بحس إنه بيكدب عليا، أنا مش زعلانة إنك خبيت، قد ما زعلانة أني مكنتش معاك و أنتَ بتتوجع يا حبيبي"
تحولت نبرتها من الخذلان إلى الحزن الدفين لأجله، مما جعل دموعه تنزل رغمًا عنه، فاحتضنته هي وهي تقول ببكاء:
علشان خاطري متزعلش مني، والله لو أعرف ما كنت سيبتك تغيب عن قلبي و عيني يا نور عيني"
إقتربت منهما «زينب» وهي تقول ببكاء هي الأخرى:
خلاص يا مروة كفاية نكد بقى، هو الواحد هيفرح إمتى يعني في بيت الرشيد؟ عمري كله ضاع في النكد هنا، و بعدين الواد زي الفل أهو وراجل اي واحدة تتمناه، متنكديش علينا بقى"
فتح هو ذراعه الآخر بعدما إبتعد نسبيًا عن والدته وهو يقول:
تعالي يا زينب أنتِ كمان في حضني، ربنا يباركلي فيكم، بس خلاص بقى ننسى الأيام السودا اللي فاتت، علشان اللي جاي كله هيبقى فل إن شاء الله"
ابتسمت كلتاهما له ثم ألقت رأسها على كتفه، في تلك اللحظة دخلت «سهير»، رآت ذلك المنظر فقالت بسخرية:
يا سلام يا خويا؟ ماشي خلي زينب و مروة ينفعوك"
نظر هو لها ثم قال بلامبالاة:
عاوزة تيجي في حضني يا حماتي أنتِ كمان تعالي، مش عاوزة أبقي هاتي عبلة أحضنها"
وكزته «سهير» في كتفه وهي تقول بضيق زائف:
عيب كدا يا حيوان لم نفسك، وبعدين عمك محمد لو سمعك هيموتك"
لوح لها بذراعه وهو يقول بنبرةٍ باردة غير مبالية:
هو حر خليه يجي، و نشوف مين فينا اللي هيعملها فـ التاني"
ضحكت ثلاثتهن عليه أما هو فقال بجدية:
هي فاطمة مرات عمي محمود فين؟ محدش فيكم بيشوفها؟"
نظرت كلًا منهن بملامح وجه تدل على الاستنكار، فـ قطب هو جبينه ثم قال:
نهار مش فايت؟ هتروح فين يعني لا تكون جرالها حاجة"
ردت عليه «سهير» بفزعٍ:
مش عارفة يا واد يا وليد؟ شوف كدا لا تكون تعبانة"
ردت عليها «مروة» بخوف هي الأخرى:
طب ما هو لو فيه حاجة محمود هيقول، هو بيبات كل يوم في شقته"
نظر هو خلفه يبحث عن شيئًا ما، وحينما وجده أخذه بهدوء ثم قال:
تعالي معايا يا ماما علشان نشوفها، المفاتيح اللي هنا بتاعة الشقق مفتاحهم فيها، أنتِ ادخلي وأنا هدخل وراكي"
أومأت له والدته ثم تبعته حينما خرج من الشقة، وقف هو أمام شقة عمه و أعطى المفتاح لوالدته وهو يقول بهدوء:
دي روح برضه يا ماما، شوفيها كدا يمكن تكون تعبانة ولا حاجة، أو ابعتيلي وأنا أدخلها، علشان خاطر هدى حتى و اللي فـ بطنها دا"
ربتت «مروة» على كتفه ثم قالت:
ربنا يديك على قد طيبة قلبك يا حبيبي، والله يا وليد أنتَ والبت خديجة خسارة في العيلة دي"
إبتسم هو بخفة ثم قال مُغيرًا مجرى الحديث:
يا ستي أدخلي شوفيها بس، و بعدين نشوف مين مكسب و مين خسارة"
أومأت له والدته ثم دخلت الشقة في هدوء، وقف هو منزويًا بجانب باب الشقة، فجأة وجد والدته تركض إليه وهي تقول بخوف:
الـــحـقــنـي يــا ولـــيــد...الـــشـقـة فــاضــيـة"
دخل هو الشقة راكضًا يبحث عنها في الشقة بأكملها، بعدها وقف يتنهد بعمقٍ ثم قال:
فاطمة هتلاقيها عند أهلها بتزورهم يا ماما"
نظرت له بإستفسار فوجدته يقول بهدوء:
هتلاقيها راحت المقابر تزورهم، المهم حد فيكم يركز بس معاها علشان لو رجعت في أي وقت"
أومأت له «مروة» ثم رفعت رأسها للأعلى وهي تتضرع، فقال هو وكأنه انتبه لتوه:
ماما أوعي هدى تعرف حاجة، هي من غير حاجة نفسيتها متدمرة، علشان اللي في بطنها حتى، و هدير كمان برضه نفسيتها تعبانة و متدمرة"
أومأت له ثم تبعته في خروجه من الشقة، تنهد هو ثم قال بهدوء:
أنا هروح عند طارق، وبعدها أشوف خديجة علشان فيه حد جاي بليل و لازم أشوف الدنيا هتبقى ماشية إزاي"
أومأت له والدته ثم قالت بقيلة حيلة:
ماشي يا حبيبي وأنا هروح أعمل الغدا لمشيرة علشان العلاج"
إقترب منها يطبع قبلة هادئة على قمة رأسها بعدها نظر لها بحب وهو يقول:
والله العظيم أنتِ أغلى حد عندي، أنا ساعتها اتضحك عليا و كانوا بيحطوا ليا الزفت دا في العصير علشان ياخدوا مني فلوس، بس والله لما عرفت اللي هما عملوه فيا...طلبت من وئام و طارق يساعدوني وهما وقفوا معايا و طارق دفع كل اللي معاه علشاني، و وئام دفع فلوس جوازه، والله أنا مدخلتش السكة دي بمزاجي...بس اختارت الخروج منها بمزاجي، السكة دي اخرتها اتنين يا موت يا سجن...بس ابنك جامد برضه وأختار يبقى وليد الرشيد"
ضحكت هي بعد كلمته الأخيرة التي خرجت منه بمنتهى الغرور و التكبر، بعدها تنفست الصعداء ثم قالت:
الحمد لله إنك راجل عاقل و بتحسبها صح... طول عمرك بتعرف تختار الصح يا وليد، زينب ربيتك صح...الفضل في تربيتك ليها هي"
ضحك هو ثم قال:
أنتو الاتنين ربنا يبارك في عمركم، كل واحدة فيكم السبب إننا نبقى كدا، حتى سهير برضه عرفت تربي طارق صح، مفيش غلطة غير في البت هدير الصفرا ودي من حقها، مشيرة كانت بتفطرها خبث و تعشيها لؤم"
تركته ولدته وهي تضحك عليه، بينما هو تنهد بأريحية ثم صعد شقة عمه «محمد»، فتحت له «عبلة» وحينما رآته ابتهج وجهها وهي تقول:
وحشتني، فينك من إمبارح"
إبتسم هو بحب وبادلها النظرة بنفس نظرتها ثم قال متهكمًا:
محسوبك بقى حاوي ياختي، عمال ألِف على كل شقة شوية، أصالح في الزعلان و أراضي الغضبان، بقيت مطيباتي"
إقتربت منه تقول بنبرة هامسة:
علشان كدا بحبك، علطول شايل هم اللي حواليك كلهم، بحسك الأب الروحي للعيلة كلها يا وليد"
احتضنها هو ثم قال بعدما دفن رأسه بين عنقها و كتفها بنبرةٍ منهكة:
وأنا بحبك علطول يا عبلة، بس خلاص هانت، أخلص من حوار مشيرة و بعدها فرح خديجة، و علاج هدير و أتجوزك، يدوبك خمس سنين"
شهقت هي بفزعٍ تزامنًا مع ابتعادها عن ذراعيه، نظر هو لها مُتعجبًا فوجدها تقول بنبرةٍ حانقة:
نعم يا أخويا؟ خمس سنين، أومال لو مش بتحبني بقى؟!"
ضحك هو عليها ثم دفعها من طريقه وهو يقول بضيق:
وسعي ياختي كدا، خليني أشوف عم طارق دا كمان"
وقفت أمامه تسأله بتعجبٍ:
ماله طارق هو كمان؟ خير يا وليد؟"
زفر بقوة ثم قال:
جميلة مش طايقة وجود أمها و أنا حاولت أخليها تسامحها هي و خديجة، بس خديجة افتكرت زمان و عيطت، ساعتها جميلة قالت لأمها كلام صعب أوي بس معاها حق فيه، دلوقتي بقى هنشوف الحل علشان رافضة مكان وجودها مع أمها"
أومأت له ثم قالت بهدوء:
طب اقعد هنا و أنا هدخل أنادي طارق و جميلة، تشرب حاجة أجبهالك ؟"
نظر لها بهدوء ثم قال بإنهاك واضح في نبرته:
اعمليلي فطار يا عبلة، أنا ماكلتش من امبارح"
نظرت له بحزن ثم قالت:
من عيني الاتنين، و أحلى كوباية عصير علشان عيون ليدو حبيبنا الغالي"
قالت جملتها بمرح وهي تشير على أعينها، ضحك هو بخفة ثم ألقى رأسه على الأريكة، بعد مرور ثوانٍ أتى له «طارق» و برفقته «جميلة»، اعتدل «وليد» في جلسته بهدوء، فوجد «طارق» يقول:
يابني حرام عليك نفسك بقى، نام شوية علشان جسمك، عمال تلف على العمارة كلها"
ابتسم له «وليد» بسخرية ثم قال:
طبعًا دا كلام ماما عبلة، بتقولك كدا علشان تنصحني، بس أنتَ عارف أنا مبعرفش ارتاح و الدنيا حواليا معكوكة"
جلس «طارق» بجانبه، بينما «جميلة» جلست أمامه، بعدها أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بنبرةٍ متوترة:
معلش بس أنا عاوزة أقولك حاجة ضروري.."
نظر لها كلاهما بتعجب و أتت «عبلة» في تلك اللحظة تضع الطعام أمام زوجها، بعدها جلست بجانبه، بينما «جميلة» استطردت حديثها قائلة بتوتر:
أنا عاوزة أعتذرلك عن طريقتي معاك، بصراحة أسلوبي كان زفت، من ساعة ما شوفتني وأنا بعاملك بطريقة مستفزة، بس والله أنا عمري ما قصدت أزعل حد مني، وبعتذر بسرعة للي غلطت في حقه، و شكرًا علشان اللي عملته و بتعمله كمان"
حرك هو رأسه نفيًا تزامنًا مع ابتسامته، بينما «عبلة» و «طارق» نظرا لبعضهما البعض بتعجب، فتحدث «وليد» يقول بهدوء:
أنا مش زعلان منك، أنا مقدر موقفك وعارف إن اللي مريتي بيه صعب، المهم إنك تبدأي مع طارق من جديد هو أستنى كتير بصراحة"
سألهما «طارق» بنبرة جامدة:
أنا مش فاهم حاجة، هو فيه إيه بيحصل، و جميلة بتعتذرلك ليه يا وليد؟"
أمسك «وليد» الخبز أمامه ثم قام بصنع الشطيرة وهو يقول:
محصلش حاجة، هي بس اتعصبت عليا ساعة موضوع جوازكم، بس بصراحة أنا مزعلتش، هي معاها حق"
أخفضت هي رأسها في خجلٍ، بينما «طارق» ربت على فخذه وهو يقول بامتنان حقيقي:
شكرًا يا وليد...أنتَ رديت فيا الروح من جديد، ربنا يديمك في كتفي يا أخويا"
نظر له «وليد» وهو يمضغ الطعام ثم قال بنبرة غير مبالية:
بصراحة متأثرتش بربع جنيه حتى، سببني آكل، يمكن أحس بحاجة، ولا خلي عبلة تأكلني يمكن مشاعري تتحرك"
نظرت له «عبلة» بضيق زائف فوجدته يضع الطعام في فمها وهو يقول:
كلي يا حبيبتي، خليني أشوف الحكاية"
سأله «طارق» متعجبًا:
حكاية إيه تاني؟ هو لسه فيه حكايات ؟"
أومأ له «وليد» ثم قال:
آه فيه حكاية مشيرة و حسان"
امتعض وجه «جميلة» عند ذكر أسمهما فوجدت «وليد» يضيف بهدوء:
أنا عارف إن بعد اللي حصل دا كله صعب حد فينا يسامح، وعلشان وجودهم هيفضل مفكرنا بالماضي الزفت، أنا همشيها من البيت"
رفعت «جميلة» رأسها بسرعة كمن لدغتها حية فوجدته ينظر لها وهو يقول:
بصراحة أنا الخطوة دي هاخدها علشان جميلة تعرف تعيش هنا، وعلشان خديجة تفوق لنفسها ولحياتها"
سألته «جميلة» بنبرةٍ مهزوزة حاولت صبغها بالنبرة الطبيعية قدر المستطاع:
طب...طب هي هتروح فين؟ هو أنتو عندكم مكان تاني غير دا؟"
نظر الجميع لها فزاد توترها، بينما «وليد» قال بهدوء:
متخافيش...أنا عارف هعمل إيه كويس، عن إذنكم بس علشان هعمل مكالمة مهمة"
أومأ له الجميع فخرج هو للشرفة تحدث في الهاتف ثم عاد يجلس بجانبهم من جديد.
____________
في غرفة «خديجة» استيقظت هي من نومها في وسط اليوم، كانت «خلود» جالسة بجانبها، نظرت «خديجة» حولها بفزع ثم اعتدلت في جلستها، وقفت «خلود» تسألها بنبرة حنونة تحمل الخوف معها:
خديجة أنتِ كويسة؟ طمنيني عليكِ"
نظرت لها «خديجة» بتعجب فوجدتها تربت عليها وهي تقول بهدوء:
أنتِ طلعتي من تحت تعبانة و معيطة، من شوية جالك كابوس و سمعت صوتك بتصرخي، بس بعدها نمتي تاني و معرفتش أصحيكي"
أغلقت «خديجة» جفونها بشدة عندما استعادت أحداث اليوم، فوجدت «خلود» تقول بفخرٍ:
جدعة يا بت إنك معرفتيش تسامحي، بعد كل دا مشيرة تدخل الجنة علشان سامحتيها؟ دي تبقى قهرة ليا"
ردت عليها «خديجة» بضيق:
يا بنتي حرام اللي بتقوليه دا، جنة و نار دي مش بإيدنا يا خلود، و بعدين بصراحة أنا كنت فاكرة نفسي نسيت، طلعت بتأقلم"
ردت عليها «خلود» بخبثٍ:
لأ ماهو مع ياسين هتنسي و تعيشي و هتشوفي كل حاجة حلوة، هو معندهوش أخوات أصغر منه؟"
إبتسمت «خديجة» بسخرية ثم قالت:
لأ معندهوش، هو وحيد أبوه و أمه"
ضربت «خلود» كفيها ببعضهما كتعبيرًا منها عن انزعاجها تزامنًا مع قولها:
أنا قولت برضه، أكيد فيه مجهود مبذول عليه، متربي بمقام ١٠ لوحده"
أمسكت «خديجة» الوسادة تقذفها بها وهي تقول بنبرة حانقة:
أمشي من وشي، إن شاء الله هتتجوزي واحد يطلع عينك"
حركت «خلود» كتفيها ببساطة وهي تقول بلامبالاة:
عادي يعني، هو يجي بس وأنا والله هشوف مين فينا هيطلع عين التاني"
خرجت من الغرفة بعد جملتها تلك بتعالٍ وهي تهز كتفيها معًا حتى تثير حنق «خديجة»، ضربت «خديجة» كفيها ببعضهما وهي تقول باندهاش:
الله يسامحك يا وليد، البت بقت مش متربية، الله ينجده اللي هتبقى من نصيبه"
فور انتهاء جملتها طُرق باب غرفتها فرفعت صوتها تقول:
ادخلي يا بنت طه، لما نشوف أخرتها"
فُتح الباب و أشرأب هو برأسه وهو يقول بمرحٍ:
طب مينفعش ابن رياض الشيخ؟"
اتسعت مقلتاها باندهاش حينما رآته يقف أمامها، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم دخل الغرفة وهو يقول:
إيه يا خديجة،خدتي عين ولا إيه؟ ما إحنا كنا كويسين"
نظرت هي له باندهاش وهي تقول مستفسرة بنبرةٍ متعجبة:
أنتَ جيت إزاي يا ياسين؟ و مين قالك؟"
جلس هو المقعد المجاور للفراش وهو يقول بهدوء:
وليد كلمني و قالي يا خديجة، وبصراحة أنا كنت كدا كدا هاجي علشان أحدد معاد الفرح، بس لما وليد كلمني جيتلك علطول، يدوبك غيرت هدومي، حصلك إيه يا خديجة، مش كنا خلصنا من كل دا؟"
نظرت له بحزن ثم قالت بنبرة متعبة من فرط مجهودها و صراعها الداخلي:
خفت يا ياسين، لما جيت أقول مسامحة خديجة التانية طلعت علشان تفكرني باللي حصل فيها، حسيت زي ما يكون بتقولي هتفرطي فـ حقي كدا؟ ودلوقتي أنا حاسة أني وحشة، بس مش عارفة أعمل إيه، وخايفة أنتَ تزعل مني علشان مش عارفة أسامح أو انسى"
نزلت دموعها رغمًا عنها، فمد هو أنامله يمسحها وهو يقول بحنان:
أنا مقدر موقفك و موقف خديجة التانية، ولأ يا ستي مش زعلان منك، أنا عارف إن دا مجهود صعب عليكِ، و عارف كمان إنك بتحاربي علشان تتجاوزي الماضي، بس فيه حاجة اسمها النظرية النسبية يا خديجة، يعني مش كل اللي يعجبك يعجب غيرك، و مش كل اللي أنتَ بتقدر تتجازوه غيرك يقدر يعديه، وعلى أي حال أنا فخور بيكِ أوي يا خديجة، دا أنا حتى جبتلك الحاجات اللي بتحبيها"
قال جملته ثم رفع ذراعه يضع الحقيبة البلاستيكية على الفراش وهو يقول بنبرة مرحة:
أمسكي ربنا يجعل كلامنا خفيف على الاكتئاب و الإنطفاء يا خديجة"
نظرت له مُتعجبة وهي قاطبة الجبين فوجدته يقول بطريقة مرحة:
عاوزة يجيلك اكتئاب يا خديجة وأنا معاكِ؟ دا رياض يدفني حي، ماهو لما تزعلي وأنا مصالحكيش حتى لو مش أنا سبب الزعل، يبقى وجودي لزمته إيه بس؟"
أخفضت رأسها في خجل، فمد يده يعدل خصلات شعرها المتمردة وهو يقول:
شكلك حلو و أنتِ بشعرك يا خديجة، بس برضه بالحجاب حلوة، آه علشان مخك ميروحش لبعيد"
ضحكت هي ثم قالت بهدوء:
على فكرة كلنا أحلى بشعرنا، علشان كدا ربنا فرض الحجاب علشان نداري جمالنا دا للناس اللي تستحقه، يعني مش من حق اي حد يشوف الجمال دا"
قبل ان يتحدث دخلت «خلود» الغرفة بعدما حمحمت بهدوء، حيث كان باب الغرفة مفتوح على مصراعيه، نظر لها «ياسين» فوجدها تحمل في يدها كوب عصير وهي تقول بمرحٍ:
العصير دا عصير مانجا، بيطلع للغاليين بس والله، عقبال ما تشربوه في الكوشة يا رب"
ضحكت «خديجة» بهدوء، بينما نظر هو لها متعجبًا وهو يقول:
هما بيشربوا مانجا في الكوشة؟ مش كان عصير برتقان؟"
ردت عليه «خلود» بسخرية:
عصير برتقان إيه بس يا فنان؟ فاكر نفسك متجوز دور برد؟"
ضحك هو بقوة، بينما «خديجة» قالت بضيق:
يا بنتي لمي لسانك شوية، عفويتك دي هتوديكي في داهية"
رد عليها «ياسين» يعارضها بهدوء:
خليها يا خديجة، والله دمها خفيف، ربنا يفرح قلبها علطول"
سألته «خلود» بطريقة عفوية:
ينفع أسألك سؤال واقف في زوري من ساعة ما جيت؟"
أومأ لها ثم اضاف مؤكدًا:
طبعًا اتفضلي، تحت أمرك"
اقتربت منه تقول بنبرة منخفضة:
هو الطقم دا بالأمانة بتاعك ولا شحته من حد؟"
شقهت «خديجة» بقوة بينما هو نظر لثيابه يتفحصها بهدوء ثم رفع رأسه يقول ببراءة:
بتاعي والله، مش واخده من حد ليه فيه حاجة؟"
ردت عليه هي بطريقة ساخرة:
فيه إيه؟ لابس قميص كاروهات زيتي و تيشيرت أبيض و بنطلون بيج بوي فريند، و كوتشي أبيض، ودا كله فيه إيه؟ والله العظيم أنتَ لو أخويا مش هسيب هدومك دي في حالها، أصل أحمد عنده طقم زي دا وأنا هموت و ألبسه"
ضحك هو بقوة ولم يستطع تمالك نفسه، أما «خديجة» فقالت بإنزعاج:
يا بنتي اسكتي بقى، عيب كدا يا خلود"
نظرت لها «خلود» بضيق وهي تقول:
يا ستي الراجل مش زعلان، أنتِ مالك، خليكِ في حالك بس يا خديجة"
قالت جملتها ثم نظرت له وهي تقول مبتسمة بوجهٍ بشوش و بنبرةٍ مرحة:
بقولك إيه يا ياسين أنا سقف طموحاتي ارتفع بسببك، والله العظيم لو ملقتش زيك هزعل، فأمانة عليك، لو لقيت حد زيك بيدور على عروسة متنساش خلود أختك الصغيرة"
نظر هو لزوجته ثم نظر لـ «خلود» وهو يقول بنبرة ضاحكة:
من عيني يا خلود، حاضر أول ما الأقي مني تاني هقولك"
أومأت هي له ثم قالت بمرحٍ:
روح ربنا يجبر بخاطرك، إلهي نحضر فرحك قريب يا رب"
حرك رأسه نفيًا بيأس ثم قال وهو يحاول التحكم في ضحكاته:
طب أنا هطلع استى برة، تكوني جهزتي نفسك علشان هنروح نبارك لعامر و ياسر قبل ما يسافروا شهر العسل"
أومأت له في هدوء، فوقف هو ثم قال بهدوء:
متتأخريش علشان نرجع بدري و ألحق أفاتح عمي في موضوعنا"
نظرت له بحب بينما غمز هو لها ثم ترك الغرفة و «خلود» تتبعه، بينما «خديجة» تنهدت بعمقٍ ثم إبتسمت باتساع وهي تنظر داخل الحقيبة التي أعطاها لها وهي ممتلئة بكل ما تشتهيه نفسها من الحلويات و العصائر.
_____________
خرجت هي بعدما ارتدت ملابسها وجدته في انتظارها، و معه والدتها، وقفت هي تقول بهدوء:
أنا جهزت خلاص يلا يا ياسين"
نظر هو لها وجدها ترتدي فستانًا من اللون الأسود منساب على جسدها بطريقة لائقة، لا يبرز أي تفاصيل منه وعليه حجاب باللون الزيتي، و حذاء رياضي لونه أبيض، فوقف يقول مُبتسمًا:
طب يلا علشان خالد و ريهام مستيين"
أومأت له وقبل خروجهما من الشقة، طُرق الباب بواسطة شخصٌ ما، فتحته «خلود» فوجدت «هدير» أمامها، نظرت لها «خلود» بتعجب، فوجدتها تقول بنبرة منكسرة:
إزيك يا خلود،.. ينفع أدخل لخديجة؟"
أتت «خديجة» من الداخل تنظر لها وهي تقول:
تعالي يا هدير، ادخلي"
أومأت لها «هدير» ثم دخلت خلفها، وجدت «ياسين» ينظر لها بحنقٍ رافعًا أحد حاجبيه، نظرت هي في أوجه الجميع ثم قالت بنبرة مهتزة:
أنا عارفة أني مليش عين أدخل هنا...و عارفة أني شخص وحش...بس والله أنا كنت كدا...لكن خلاص والله فوقت... و هروح اتعالج كمان علشان أخلص من تربية مشيرة و فاطمة..بس قبل أي حاجة عاوزة خديجة تساحمني...عارفة أني ساعدت مشيرة كتير تزعلك بس والله، كنت بتحرك كدا من حبي ليها، كانت مفهماني إنها الوحيدة اللي بتحبني في العيلة، عارفة إن دا مش مبرر، بس والله أنا ندمت، كفاية أني عرفت إن أمي هي اللي عملت كدا"
نظرت «خديجة» في أوجه الجميع ثم نظرت لها وهي تقول بحزن:
جيتي متأخر يا هدير، أنتِ عارفة أني طول عمري بحبك زي أختي الكبيرة، بس أنتِ مختارتيش حبي، اختارتي بعدك عني...بس والله أنا مش زعلانة منك، مشيرة الله يسامحها كانت مفرقة بينكم و بيني، المهم أنتِ تفوقي لنفسك و تبدأي حياتك صح"
احتضنتها «هدير» وهي تقول ببكاء:
والله العظيم اتكسرت يا خديجة، وحقك عليا كل مرة زعلتك بالكلام فيها"
شعرت «خديجة» بكهرباء تسير في جسدها إثر عناق «هدير» لها، نظرت بأعين دامعة إلى «ياسين» وجدته يومأ لها وكأنه يحثها على عناقها، رفعت ذراعيها بترددٍ تربت على ظهر «هدير»، بعدها ابتعدت «هدير» عنها ثم وقفت أمام «زينب» وهي تقول بإنكسار:
حقك عليا يا طنط زينب، والله مكنتش أعرف إن ماما هي السبب في اللي حصل زمان، أنا وهدى والله مش بنكلمها، وكمان أنا ناوية أبدأ من جديد من غيرها، علشان خاطري متزعليش مني، أنا عارفة إنك زعلتي بسببي كتير أنتِ و خديجة، بس معلش والله، ربنا برضه مش بيضيع تعب حد"
تنفست «زينب» الصعداء ثم ربتت على ذراعها وهي تقول بحب:
متتأسفيش يا هدير، وبعدين أنا أم برضه وقلبي بيحس بالأم اللي زيي، المهم أنتِ ربنا يكرمك و يعوضك بإبن الحلال اللي يسندك و يقوم خطواتك"
أومأت لها ثم قالت ببكاء:
شكرًا يا طنط زينب، أنا كنت متأكدة إنك مش هتكسفيني، ربنا يخليكم ليا، وعلى فكرة أنا هروح عند هناء علشان اتعالج"
أومأ لها الجميع وهم ينظرون لها بفخر، بينما «هدير» وقفت أمام «ياسين» تقول له معتذرة بنبرة تحمل الخجل معها:
أنا...أنا أسفة على أي حاجة ضايقتك أو ضايقت خديجة مني، بس والله أنا كنت واحدة تانية غير دي، أتمنى إنك متزعلش مني"
إبتسم هو لها بودٍ ثم قال:
أنا مش زعلان في النهاية دا سوء تفاهم بين بنات عم، ربنا يبارك فيكم لبعض، و خديجة طيبة و هتبقى أخت لكِ في أي وقت، ربنا يوفقك إن شاء الله"
حركت رأسها موافقة وهي تنظر له بامتنان ثم تركتهم و رحلت من الشقة، نزلت هي حتى وصلت لمدخل البيت فوجدت «فاطمة» في وجهها، نظرت لها بضيق ممزوج بالعتاب، بعدها همت بالرحيل، فأوقفتها «فاطمة» تقول بنبرة متلهفة وهي تمد ذراعها تحاول إمساك يدها:
هدير ؟! جيتي علشاني صح؟"
إبتسمت «هدير» بسخرية ثم قالت بنبرةٍ متهكمة ممزوجة بالبكاء:
لأ ريحي نفسك مجتش علشانك ولا حاجة، أنا جيت أطلب السماح من اللي كنتِ سبب في تخريب حياتهم، لكن لو عليا مش عاوزة أعرفك تاني، إزاي كنتِ بتبصي في عين زينب و مشيرة وأنتِ ظلماهم؟ إزاي كنتِ بتقنعيني إن خديجة وحشة زي أمها وأنتِ نفسك عارفة إن أمها معملتش حاجة؟ إزاي كنتِ شايفة إن عيالك هما اللي حلوين و باقي الناس وحشة؟ أنا بضرب نفسي كل يوم علشان مشيت وراكِ، و على فكرة هدى مش عاوزة تسمع صوتك تاني، ياريت تبطلي تتصلي على رقمها، علشان محدش فينا هيرد عليكِ، سلام"
القت حديثها الذي يشبه نصل السكين الحاد في وجه والدتها ثم غادرت البيت و دموعها على وجنتيها، بينما «فاطمة» نظرت في أثرها باندهاش ثم حركت رأسها في عدة جهات غير متناسبة وهي تحرك تبكِ بقوة، بعدها صرخت بقوة، ثم أجهشت في بكاء مرير وهي تصعد الدرجات الصغيرة المؤدية إلى المصعد.
_____________
خرجت «خديجة» من البيت برفقته،ثم ركبت معه السيارة، كانت شاردة أمامها وهو ينظر لها بتمعن، فجأة سمعته يقول بمرحٍ:
الغزال الشارد ماله بس؟"
نظرت له بهدوء وكأنها تخبره أنها على ما يرام، فقال هو بنفس النبرة المرحة:
كدابة يا ست الكل، عيب تبقي ست كبيرة و كدابة كدا، مين زعلك بس يا خديجة وإحنا نقوم بالواجب مع عيلته كلها، في ضهرك رجالة برضه"
ضحكت هي بخفة ثم قالت بعدما أخذت نفسًا عميقًا:
محدش مزعلني بس بفكر في هدير، أو مش هدير بعينها في الناس عمومًا، يعني ليه يا ياسين منحبش بعض من الأول، ليه لازم يحصل خلافات و مشاكل، ليه بعد الحاجة ما تضيع مننا نعرف قيمتها، هدير دي أنا كنت بتمنى بس أتكلم معاها، علطول كانت شايفاني أقل منهم، دلوقتي الزمن بيلف و هدير جاية عاوزاني اسامحها، ليه مش من الأول؟"
نظر هو لها وهي يقول بهدوء حكيم كعادته:
علشان يا خديجة، البشر عمومًا بيحبوا اللي يهملهم، لكن اللي بيحبوهم بجد بيبقى بالنسبة ليهم مضمون ، يعني موجود معاهم للأبد، البشر يا خديجة واخدين على الإهمال، كل ما تهمل حد، كل ما يمسك فيك أكتر، كل ما تكون مشهور و ناجح يحبوك و يدعموك، لكن و أنتَ مطفي محدش منهم هيعبرك حتى، علشان كدا العاقل بجد هو اللي يعرف يمشي حياته بعيد عن البشر"
قطبت جبينها بعد حديثه، ثم نبست بهدوء وكأنها تسأل نفسها:
طب ما أنتَ حبتني و أنا حبيتك من غير إهمال؟ إزاي دا"
سمعها هو فتحدث يجيبها بهدوء:
علشان إحنا الاتنين شبه بعض، روحنا واحدة يا خديجة، حبنا لبعض حب مش مشروط، أنا بحبك علشان أنتِ خديجة، وأنتِ حبتيني علشان أنا ياسين،
المهم إنك تلاقي الروح اللي تشوف فيها روحك، القلب اللي يطيب بخاطر قلبك، و الكتف اللي يشيل حملك في تعبك وبعدين أنتِ لكِ عين تسألي بعد اللي عملتيه فيا و فـ قلبي يا خديجة؟"
كانت جملته الأخيرة مرحة، فجعلتها تنظر له بتعجب وهي تحاول وأد البسمة التي تحارب للظهور على شفتيها، و أخيرًا وجدت صوتها الهارب، فسألته بثباتٍ:
و هو أنا عملت إيه في قلبك يا ياسين؟"
نظر لها بحبٍ ثم صبغ نبرته المرحة بنبرته المُحبة التي تخرج منه حينما يُغازلها:
كَــانَ قَــلّبـيّ بَــريّئًـا كَـالـقُــدس..فَـأتـىٰ حُـبـكِ و أقَــام عَـليهِ الإحـتـلال..يَـا مَـنْ عَــشـقّتْ الـعَـيْنِ رؤيْــتِها و عَــرِفَـت بِـها الـراحـة طَـريق البَـال"
كَــانَ قَــلّبـيّ بَــريّئًـا كَـالـقُــدس..فَـأتـىٰ حُـبـكِ و أقَــام عَـليهِ الإحـتـلال..يَـا مَـنْ عَــشـقّتْ الـعَـيْنِ رؤيْــتِها و عَــرِفَـت بِـها الـراحـة طَـريق البَـال"
إتسعت مقلتاها باندهاش حينما سمعت تلك الكلمات التي خرجت منه بنبرة هادئة حنونة، تدل على صدق كلماته التي دومًا تأسرها بعيدًا عن ضجيج ذلك العالم المؤذي والذي لم ترى ما فيه من جمال قبل ظهوره و دخوله في حياتها، نظرت له بأعين دامعة، فوجدته يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
ضحكت هي بهدوء ثم سألته بنبرة غير مصدقة وكأنها تسأله لنفسها:
أنا لحد دلوقتي مش لاقية السبب اللي يخليك تحبني كدا يا ياسين، لحد دلوقتي مش مصدقة أني اتحبيت بالطريقة اللي اتمنيتها، كل تفصيلة في حبك ليا كان نفسي فيها، كلامك و حنيتك و تفهمك ليا، بجد كل حاجة زي ما فكرت فيها"
غمز لها بطرف عينه وهو يقول بهدوء محبب لقلبها إثر نبرته:
عملتي كتير يا خديجة، طمنتي قلبي اللي طول عمره كان بيدور على شبيهه، وبعدين على رأي الهضبة
روح لوم عينيك هي اللي نادتني..فتنت عليك قوام وحكتلي"
ضحكت هي باتساع ثم قالت بمرحٍ:
عمرو دياب عامل معاك شغل عالي أوي يا ياسين، كل موقف بكوبليه أجمد من اللي قبله"
أوقف السيارة أسفل بناية «ياسر» وهو يقول:
اي خدمة، المهم إنك متزعليش و على رأي من قال:
إحنا عاوزين ننول الرضا"
حركت رأسها نفيًا بيأس تزامنًا مع ابتسامتها الهادئة، خرج هو من السيارة وهي خلفه، وقفت بجانبه وهي تقول متسفسرة بهدوء:
هو ليه حاسة أني جيت هنا قبل كدا؟ حتى من قبل ما نيجي نفرش الشقق، برضه حسيت المكان مش غريب عليا"
اتسعت مقلتاه باندهاش ثم سألها بنبرة غير مصدقة تحمل التعجب بين ثناياها:
ثانية واحدة هو أنتِ بجد مش عارفة المكان دا إيه؟"
حركت كتفيها تجاوبه ببساطة وهي تقول بهدوء وكأنها لا تبالي:
لأ مش عارفة...بس بجد حاسة إنه مكان مش غريب عليا"
حرك فمه متهكمًا يمينًا و يسارًا تزامنًا مع حركت يده التي تشبه حركة النساء الشعبية، نظرت هي له باندهاش وهي تقول:
إيه يا ياسين؟ أنتَ هتردحلي ولا إيه؟ قلبك أبيض يا هندسة"
نظر هو له بضيق زائف وهو يقول:
أنتِ بجد مش عارفة الشارع اللي فيه شقتنا؟ محدش قالك إن أنا وخالد و ياسر و عامر ساكنين في مكان واحد الفرق بينا عماير بس؟"
شهقت بقوة تزامنًا مع اتساع مقلتاها على وسعها، فابتسم هو ساخرًا ثم قال بنبرةٍ متهكمة:
دا أنتِ غرقانة عند البراميل والله؟ روحي ربنا يكرمك يا خديجة"
هم بالخطى فأمسكته هي من مرفقه وهي تقول بتعجب:
قول والله إن شقتنا إحنا كمان هنا؟ أنا مش فكراها ولا فاكرة شكل الشارع"
ضحك هو رغمًا عنه من ذاكرتها التي تنافس ذاكرة السمك في النسيان، كانت تنظر هي له بحنقٍ، فقال هو بقيلة حيلة:
يا بت هتشليني، ابوس راسك ركزي يا خديجة، دا شارع عامر و ياسر و خالد ساكن هنا كمان، إحنا العمارة اللي جنب عمارة عامر دي الفرق بينا كام متر"
كان يحدثها وهو يشير إلى بناية «عامر» و بنايته التي تقربها، وبعدها التفت يشير إلى أول الشارع وهو يقول:
دي بقى عمارة خالد اللي على أول الشارع"
قال جملته ثم التفت ينظر أمامه وهو يقول:
والحلوة دي عمارة ياسر، برضه معانا في نفس المكان"
ردت عليه هي بحماس و بنبرة فرحة تشبه نبرة الأطفال:
الله ؟! يعني أنا و ريهام و إيمان و سارة هنبقى مع بعض هنا كمان، أنا فرحانة أوي، يارب نعمل فرحنا بسرعة علشان أكون معاهم"
رد عليها مُعقبًا بحنقٍ:
إيه ياختي؟ أنتِ عاوزانا نتجوز علشان تكوني مع صحابك؟ طب وأنا يا خديجة؟ دا كنت ياسين الشيخ بقيت ياسين الشاعر"
اقتربت منه تقول بنبرة هامسة بعدما نظرت حولها تتفحص المكان:
لأ...و عاوزة أكون معاك برضه يا ياسين، هو أنتَ أي حد ولا إيه؟"
ضحك هو باتساع ثم أشار لها حتى تتقدمه في دخول البناية
بعد مرور ثوانٍ طرق هو الباب ومعه في يده حقيبة هدايا لصديقه، فتح له «خالد» الباب، فنظرت له «خديجة» بتعجب، أما «ياسين» قال بذهول:
لأ متلغبطوناش؟ شقة مين دي؟"
رد عليه «خالد» بلامبالاة:
شقة أختي"
أومأ له «ياسين» وهو يقول بسخرية:
آه كدا ماشي، ورثتوا الواد بالحيا من أول يوم جواز؟"
تركه «خالد» ودخل الشقة ولم يعقب، بينما «ياسين» حرك رأسه بيأس، بعدها دخلا الشقة سويًا، ركضت إليها «إيمان» تحتضنها وهي تقول:
خديجة روح قلبي وحشتيني أوي"
تعجبت «خديجة» من فعلتها، فردت عليها بذهول وكأنها تحاول استيعاب الموقف:
كويسة يا إيمان، ألف مبروك يا روح قلبي"
احتضن «ياسين» صديقه وهو يقول:
ألف مبروك يا ياسور، ربنا يسعدك يا حبيب قلبي يا رب"
ربت «ياسر» على ظهره وهو يقول:
الله يبارك فيك يا حبيبي، عقبالك يا رب، خلاص فاضل أنتَ يا ياسين"
رد عليه «خالد» بحقد زائف:
خليه ابن المحظوظة، بدل ما يفضل يدور طول الليل على علبة لبن"
ضحك عليه الجميع، فأمسك هو «يونس» على ذراعه وهو يقول:
تعبتني يا يونس و طلعت عين أمي، حتة عيل سنتين زيك و مخليني ألف حوالين نفسي"
ردت عليه «إيمان» بانفعال:
ملكش دعوة بيه، سيب الواد في حاله يا مُعقد، هو أنتَ عاوزه نسخة منك"
نظر هو لها بسخرية وهو يقول:
أنا مش طالب غير إن ياسر يسامحني على جوازك منه"
رد عليه «ياسر» بحب:
يا عم دا أنا عاوز أبوس راسك، و بعدين كفاية أني اصحى الصبح ألاقي إيمان قصادي، دي بالدنيا وما فيها"
ردت عليه «إيمان» بحب ممزوج بالمرح:
روح ربنا يجبر بخاطرك يا ابن ميرفت يا رب، والله تستاهل إنك تتجوزني فعلًا، ربنا يحميني والله و يحفظني ليك"
ضحك هو عليها ولم يعقب بل غمز لها، أما «خالد» فقال بسخرية:
أمك صاحية الصبح و تكلمني و تقولي ياسر فين؟ ابقى فكرها يابني"
ردت عليه «إيمان» بسخرية هي الأخرى:
دي وراثة بقى؟ الأستاذ صاحي الصبح يقولي بتعملي إيه عندنا؟"
ضحك الجميع عليه، فقال هو بضيق زائف:
يا جماعة اعذروني برضه، إيمان دي حلم حياتي، لما أصحى الصبح كدا الاقيها قصادي عادي، طبيعي اندهش، و فضلت أحمد ربنا على كرمه عليا و على اللي وصلناله"
نظر له الجميع بحب وهي أيضًا، أما «ياسين» ربت على ظهره تزامنًا مع قوله:
ربنا يبارك فيكم و يسعدكم إن شاء الله"
قال جملته ثم أعطاه الحقيبة وهو يقول:
دي حاجة بسيطة بقى بمناسبة الجواز"
اخذها «ياسر» من يده وهو يقول بضيق:
ليه كدا يا ياسين هو إحنا غُرب؟ أنتَ وخالد بتهزروا؟ كل واحد فيكم جاي بحاجة شكل"
رد عليه «خالد» بمرحٍ:
ياعم أخواتك بيوجبوا معاك، ولسه هنروح للجزمة التاني"
تحدث «ياسين» بعدما نظر في ساعة يده:
طب يلا علشان نلحق قبل الوقت ما يتأخر، وعلشان تجهزوا نفسكم للسفر بكرة"
وقفوا جميعهم يودعون بعضهم، فقام «ياسين» بإخراج مبلغ مالي موضوع في ظرف صغير وهو يقول:
دي حاجة بسيطة، وألف مبروك"
هَمَ «ياسر» بالرد عليه و رفض المبلغ، فوجده يقول مقاطعًا له:
اصبر بس عليا، أنتَ مسافر بكرة، إحنا مش غرب عن بعض، مصاريف الفرح دي تهد أجدعها شنب"
احتضنه «ياسر» وهو يقول بامتنان:
ربنا يباركلي فيك يا أخويا"
أتى «خالد» ثم فعل مثل ما فعل «ياسين» وهو يقول بهدوء:
ياسين أظن فهمك، مبروك يا دكتور، المهم تخلوا بالكم من نفسكم"
نظر له «ياسر» بحب ثم احتضنه هو الأخر وهو يقول بحب ممزوج بنبرة تشبه البكاء:
ربنا كرمني بيكم، بدل الاب و الأخ كرمني بتلاتة"
ربت على وجنته بحب ثم قال:
أنتَ ونعم الرجال كلهم، أنتو التلاتة ولادي قبل ما يكون يونس ابني"
رد عليه «ياسين» بسخرية:
طب يلا يا اخويا علشان فيه واحد من عيالك لو مروحناش ليه، هيرفع عليك قضية حجر"
عند الفتيات وقفن على مقربة من باب الشقة فتحدثت «إيمان» تقول بتوسل:
طب ما تيجوا معانا دهب، علشان خاطري والله هنفرح كلنا"
ردت عليها «خديجة» بنبرةٍ متهكمة:
طب ريهام و خالد ماشي، لكن أنا أجي إزاي؟ إحنا لسه كاتبين كتاب بس، وبعدين دا شهر عسل بتاعكم نيجي معاكم إزاي"
تدخلت «ريهام» تقول بسخرية:
مش أنتِ كنتِ عمالة تزني علشان تروحي شهر عسل، واكلة دماغنا ليه"
ردت عليها «إيمان» بحنقٍ:
تصدقوا بالله أنا غلطانة، أنا هروح مع ياسوري خليكم يا نكد منك ليها"
أتى «ياسر» ومعه صديقيه في تلك اللحظة وهو يقول:
اقعدوا معانا شوية طيب، لسه بدري على السفر"
رد عليه «ياسين» بإنهاك:
لسه هنروح لعامر اللي مستنيني من الصبح، وعاوز أروح خديجة علشان أحدد معاد الفرح مع عم طه"
بارك لهما الجميع عند سماع جملة «ياسين»، بينما «خالد» حنيما أوشك على الخروج من الشقة وقف مقابلًا لـ «إيمان» وهو يقول:
ابوس راس أمك عفاف مش عاوز مشاكل مع السياح في دهب، أنا مش ملاحق على مشاكلك محليًا لما هلاحق إقليميًا"
ردت عليه بثقة و نبرة تحمل الفخر:
عيب عليك يا خالود، هو إحنا أي حد ولا إيه؟ إن شاء الله هرفع راسكم قدام الدول المجاورة كلها"
ضحك الجميع عليها،أما «خالد» احتضنها بحب وهو يقول:
ارحميني يا بت بقى، المهم خلي بالك من نفسك وخلي بالك من العيون الزرقا اللي معاكِ الواد دا هو اللي هيحسن النسل في عيلتنا"
____________
بعد مرور دقيقة و نصف وقف الجميع أمام شقة «عامر»، لكنه وقف خلف الباب دون أن يفتحه لهم، نبست «سارة» بنبرة حانقة:
يا بني افتح بقى عيب كدا، يقولوا إيه"
رد عليها هو بمرحٍ:
ياستي أخواتي وأنا حر، روحي بس جهزي العصير"
حركت رأسها نفيًا بيأس منه ثم تركته ودخلت تنفذ ما طلبه، أما هو ضغط على مقبس الحائط يغلق النور عليهم في الخارج، فرفع «خالد» صوته تزامنًا مع ضغطه على جرس الباب وهو يقول:
افتح يا عامر بدل ما افتح دماغك، افتح يالا"
ضحك هو داخل الشقة، بينما «ياسين» قال بخبثٍ:
حلو كدا، خليه ميفتحش بقى، وعلى رأي عبلة كامل النقطة دي خليها عيالك أولى بيها"
ضحك الجميع في الخارج على جملة «ياسين» بينما «عامر» فتح باب الشقة وهو يقول بمرحٍ:
ياعم بهزر معاكم، هو أنتو غرب برضه"
نظر له «خالد» بحنقٍ وهو يقول:
عيل معفن، خايف على النقطة"
احتضنه «عامر» وهو يقول بحب:
ياعم وحشتني من امبارح والله، مش لاقي حد ينكد عليا"
ابتعد عنه «خالد» وهو يضحك ثم دخل الشقة، اقترب «ياسين» منه وهو يقول بضيق و بنبرة حانقة:
اكبر بقى يالا، دا أنتَ بقيت راجل في بيتك"
راقص له «عامر» حاجبيه وهو يقول بمرحٍ:
عقبال ما أشوفك جاموسة في غيطك"
ضحك «ياسين» عليه ثم دخل الشقة، جلسوا جميعًا، فأتت «سارة» من الداخل وهي تحمل العصير ثم قالت بنبرةٍ ودودة:
نورتوا يا جماعة، بجد والله الشقة نورت بوجودكم"
رد عليها «عامر» بسخرية:
ليه إن شاء الله شايفاهم لُمض فينوس، وبعدين النجف اللي احنا جايبينه يزعل لما يسمعك"
نظر له «ياسين» بحنقٍ ثم قال:
عيل قليل الذوق، علطول فاضحنا و كاسفنا"
نظر «عامر» على يده وهو يقول:
هو إيه اللي فـ إيدك دا يا ياسين؟ وخالد كمان معاه إيه؟"
رد عليه «خالد» بضيق من طريقته:
دي هدايا الفرح، بنجبها للناس المتربية اللي عندهم ذوق، بس نقول إيه بقى؟"
اقترب هو منهما يجلس بينهما وهو يقول بحماس ممزوج بالمرح:
نبقى نشوف موضوع التربية دا بعدين، وروني بس جايبين إيه، أنا بحب الهدايا أوي"
أعطاه «ياسين» الحقيبة بلامبالاة، ففتحها «عامر» يتفحصها وهو يقول:
الله البرفان اللي بقلبه منك يا ياسين، وكمان تيشيرت، وواضح كدا إن فيه هدية ليا و لسارة كمان، بس...إيه دا يا ياسين؟"
قال جملته تزامنًا مع إخراجه شيء من الحقيبة وهو يقلبه بين كفه يتفحصه، فـ رد عليه «ياسين» مُردفًا له بهدوء:
دا اسمه شمعدان يا عامر، ديكور"
رد عليه «عامر» بانفعال متقن:
شــمـعـدان إيــه بـس يـا يـاسـين، أنتَ جاي تزور رقاصة، ما تقوم ترمي عليا النُقطة بالمرة"
ارتفعت ضحكات الجميع عليهما، فقال «خالد» من بين ضحكاته:
قولتلك دا مهزق مبيفهمش في الذوق، كنت دخلت عليه بقفص مانجا أحسن"
رد عليه «ياسين» بحنقٍ:
يا أخي أنا غلطان، قولت السفرة مش عليها شمعدان، بس نقول إيه عالم عاوزة الحرق"
تحدثت «خديجة» تقول بهدوء وهي مبتسمة:
دا شمعدان بيتحط على السُفرة، زي الأفلام يعني"
رد عليها «عامر» بسسخرية:
وليه ضيق التنفس دا؟ ما إحنا زي الفل من غير شمع، ولا هو تعب قلب وخلاص"
أومأ له «ياسين» موافقًا ثم أخذه من يده وهو يقول:
أنا غلطان لأهلك، هاتوا بقى لشقتي علشان أنا على وش جواز"
قام «عامر» بخطف الشمعدان من يده وهو يقول بنبرة مقررة:
دي جيالي أنا يا حبيبي، ألف مبروك ربنا يعوض عليك"
ردت «ريهام» بسخرية:
ماهو كان ضيق تنفس من شوية"
أومأ لها «عامر» وهو يقول بثقة:
ماهو أنا بقى بحب ضيق التنفس"
وضع «خالد» ذراعه عليه وهو يقول بهدوء:
المهم ركز معايا، عاوزك تلم نفسك مع السياح يا عامر، ايوا جو فرح بولاق ابو العلا دا مش هينفع، ابوس راسك يا جدع، عاوزك ترفع راسنا هناك"
أشار «عامر» على عينيه وهو يقول:
عيب عليك يا جدع، أخوك هيسمع في دهب كلها"
تحدثت «سارة» بخوف زائف:
يبقى ربنا يسترها علينا و على السياح"
______________
في بيت آلـ الرشيد دخل «طارق» غرفته بعدما كان جالسًا مع «وليد»، وجد «جميلة» تصلي، وقف ينظر لها بفخرٍ، أنهت هي الصلاة ثم جلست تسبح على كفها، بعدها رفعت كفها تضرع إلى الله سبحانه وتعالى حتى يريح قلبها و يزيح عنها ما تشعر به، سمع هو صوت أنين بكائها، فاقترب منها ثم جثى على ركبتيه أمامها، نظرت هي له بأعين دامعة فوجدته يمد أنامله يكفكف دموعها بحنان وهو يقول بحب:
أنتِ مؤمنة بالله وعارفة إن كل شيء بيحصل لينا قسمة ونصيب، و أكيد ربنا ليه حكمة من اللي حصل دا، زي مثلًا رجوعك ليا تاني و بقيتي مراتي، و ربنا كرمني و كلمت واحد صاحبي هيشوفلك الشغل اللي نفسك فيه، وحاجات كتير إحنا لسه مش واخدين بالنا منها، بس أنا عاوزك تعرفي حاجة مهمة، ربنا أحن و أكرم علينا من قلوبنا نفسها، و فيه مقولة أنا بحبها أوي بتقول: كل اللي يجي من عند حبيبي..حبيبي
يعني كل حاجة ربنا يكرمنا بيها نحبها و نرضى بوجودها، يعني مثلًا عندك أنا لما أنتِ مشيتي و سبتيني، أنا كنت هموت من الزعل علشان كنت متعلق بيكِ أوي، وهما قالولي إنك هتبقي مراتي، لما كبرت و قربت من ربنا أيقنت إن اللي حصل دا خير ليا، صحيح كنت موجوع و نفسي تكوني معايا علطول، بس كنت راضي و صابر والله، ودا اللي عاوزه منك، إنك تبطلي تزعلي على أي حاجة في الدنيا وافتكري دايمًا:
إن رَضيتم رُضيتم و أمر اللّٰه نافذ
و إن سخطتم بُليتم وأمر اللّٰه نافذ
يبقى إيه الحل يا جميلة؟"
ابتسمت له بحب، بعدما طمأنها هو بحديثه الذي بدل خوفها و حزنها إلى الأمان التام، بعدها آخذت نفسًا عميقًا ثم قالت له بهدوء:
يبقى الحل إننا نحمد ربنا على كرمه و نعمه علينا، و نقول الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"
ابتسم هو لها ثم اقترب منها يطبع قبلة هادئة على قمة رأسها وهو يقول:
ربنا يقوي إيمانك يا جميلة، على فكرة من كرم ربنا عليا هو رجوعك عليا كدا، حافظة القرآن و ماشاء الله على أخلاقك، بصراحة ربنا رحيم بيا أوي يا جميلة"
أومأت له بهدوء ثم أخفضت رأسها في خجلٍ منه، بينما هو قال بهدوء:
أنا جيت علشان أقولك يلا علشان العشا جاهز، و خالك برة بنفسه مستنيكِ تاكلي معاه"
قطبت جبينها تنظر له بتعجب، فوجدته يقول بهدوء وهو مُبتسمًا:
خالك محمد أبويا و حماكِ يا جميلة"
أومأت له ثم قالت بهدوء:
آه معلش اتلغبطت، بس أنا لحد دلوقتي مش عارفة أحفظهم"
ضحك هو الأخر ثم قال بإحباط:
تصدقي بالله، ولا أنا عارف أحفظهم، لحد دلوقتي بتلغبط فيهم"
ضحكت هي بقوة فوجدته يقول بهدوء:
يلا يا جميلة، خلينا ناكل علشان أنا بصراحة اليومين دول نفسي بقت مفتوحة"
____________
في الشقة التي تقبع بها «مشيرة» كان «وليد» جالسًا بجانبها و معه «مروة» تطعمها الحساء الساخن، أنهت الطعام وهي تقول بنبرةٍ منهكة:
خلاص... بالله عليكِ يا مروة كفاية....مش قادرة"
ردت عليها «مروة» بهدوء و بوجهٍ مقتضب:
يا مشيرة علشان العلاج اللي بتاخديه دا، الدكتور قال إن علاجك في الأكل و الصحة النفسية"
ابتسمت «مشيرة» بسخرية ولم تعقب، بينما «وليد» قال بنبرةٍ متهكمة:
كلي يا مشيرة، هيبقى معندكيش سلام نفسي ولا سلام صحي كمان؟"
نظرت له «مشيرة» بتمعن وهي تقول بنبرة حزينة:
هو أنتَ ليه بتقعد معايا...واحد غيرك كان موتني"
ابتسم ساخرًا ثم قال بنبرة متهكمة:
واحد غيري لو كانت طمرت فيه تربيتك، بس أنا واطي...تربيتك مطمرتش فيا....ودا من حسن حظك"
لم ترد «مروة» عليه بل انسحبت من الغرفة بهدوء، أما هو فقال بعدما زفر بقوة:
المهم حسان طالع كمان شوية هنا، عاوزك تبقي ثابتة كدا قصاده علشان اللي جاي هيهزنا كلنا"
قطبت جبينها تنظر له بتعجبٍ من حديثه الغريب، أما هو خرج لوالدته وهو يقول بهدوء:
معلش يا ماما اطلعي فوق و ابقي تعالي كمان شوية"
نظرت له بقلة حيلة وهي تقول بنبرةٍ حائرة:
طب يابني مشيرة لسه هتاخد الدوا، و سهير و زينب بيعشوا عيالهم"
أمسك هو الدواء من يدها وهو يقول بمرحٍ خبيث:
لأ دوا ضغط مشيرة دا تخصصي أنا.... و خصوصًا الليلة دي"
قطبت والدته جبينها وهي تقول بنبرةٍ حائرة:
أنا مش فاهمة حاجة...أنتَ عاوز إيه"
رد عليها هو بمرحٍ كعادته:
اطلعي شوفي مرتضى اللي قرب يتجوز عليكِ دا، و حضريلنا العشا، وأنا هطلع وراكِ"
أومأت له والدته بقيلة حيلة ثم تركته و ذهبت إلى شقتها، أما هو نظر في اثرها بعمقٍ و بسمته تتلاشى شيئًا فـ شيء، بعدها زفر بعمقٍ، وصلته رسالة عبر هاتفه،فأخرجه ينظر في قائمة الإشعارات، حينما وجد مبتغاه، فتح باب الشقة، وجد «حسان» في وجهه، رحب به بطريقته الساخرة المعتادة:
عمو حسان وحشتني أوي، دا البيت نور بوجودك والله"
نظر له «حسان» بضيق وهو يقول بنبرة جامدة:
خير يا وليد كلمتني ليه؟ بنتي كويسة؟"
نظر له «وليد» بسخرية وهو يقول:
جرى إيه يا أبو العروسة؟ جاي دلوقتي تسأل بنتك كويسة ولا لأ ومن على الباب كمان؟ طب أدخل الأول"
دخل «حسان» الشقة وقبل أن يجلس على الأريكة، تحدث «وليد» يقول بنبرة قوية:
أنتَ بتقعد هنا ليه؟ هو أنا قولتلك اقعد؟"
نظر له «حسان» باندهاش، فوجده يقترب منه يمسكه من مرفقه وهو يقول بخبثٍ:
تعالى معايا بس هدخلك عند الحبايب"
كان يتحدث وهو يسحبه من مرفقه، دخل به الغرفة عند «مشيرة» التي انتفضت في جلستها عندما رآتهما في غرفتها، نظر لها «حسان» بمشاعر كثيرة مع بعضها ولكن ما طغى على تلك المشاعر كانت المشاعر المشتاقة، أما هي فنظرت بانكسار و حزن و عتاب كل تلك النظرات ممتزجة مع بعضها في نظرة واحدة، وقف «وليد» يراقب نظراتهما لبعضهما البعض، فحمحم بقوة ثم تبع فعلته بقوله:
طب إيه طيب؟ هنتكلم إمتى؟"
أخفضت «مشيرة» رأسها بانكسار، أما «حسان» فنظر له وهو يتنهد بعمقٍ، فقال «وليد» بخبثٍ:
نيجي بقى للكلام المهم...دلوقتي بعد الفيلم الهندي اللي إحنا عايشينه بقالنا كام يوم و بعد عودة الاستاذ حسان برفقته الحبيبة المصونة للأستاذ طارق....حياتنا بقت كرب...دكاترة داخلة خارجة ودي وحشة في سمعة عيلة الرشيد، المهم أنتو الاتنين زي بعض...غلطانين انتو الاتنين، مشيرة محافظتش على اللي عندها ومشيت ورا شيطانها...وأنتَ صدقت الكلام اللي اتقال في حق مراتك وهربت من غير مواجهة....علشان كدا أنتو الاتنين أحق ببعض، جميلة مش مستعدة تشوف حد فيكم هنا... وخديجة مش عارفة تسامح...وعمي طه لو سبته عليكم محدش فيكم هيخرج من تحت إيده سليم....هيضرب كل قلم خديجة خدته منه فـ ١٠ زيه، علشان كدا مشيرة لازم تمشي من هنا"
سألته «مشيرة» بذهول من حديثه الذي كانت تتابعه بتعجب:
أمشي من هنا أروح فين بس؟...أنتَ عارف أنا معنديش مكان تاني غير دا"
التفت ينظر لها بمرحٍ و تسلية تضج من عيناه وهو يقول:
ومين قالك إنك معندكيش بيت تاني؟ مش عيب تقولي كدا وبيت جوزك موجود؟"
نظر له كلاهما باندهاش، فقال هو بمرحٍ خبيث:
ألف مبروك يا مشيرة... عريسك موجود، ماهو فايز الرشيد مش أحسن مني علشان يجوزكم لبعض"
سألته «مشيرة» بانفعال ممزوج بالحنق:
أنتَ بتقول إيه؟ أنتَ مجنون؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يبتسم لها باستفزاز، ثم تبع فعلته تلك بقوله:
لأ خالص دا أنا أعقل واحد في العيلة دي...ولا أنا علشان عاوزك تخلفيلنا عقرب صغير كدا أبقى غلطان"
سأله «حسان» بضيق وبنبرة منفعلة:
أنتَ عاوز إيه يابني بقى تعبتني؟"
رد عليه بسخرية:
لا عاش ولا كان اللي يتعبك يا عمو حسان... عاوزك تتجوز عمتي...طبعًا مش هلاقي لمشيرة عريس مناسب أكتر من كدا...ماشاء الله الطيور على اشكالها تقع...بس هنا نخليها العقارب على سمومها تقترب"
رواية تعافيت بك الجزء الأول الفصل الخمسون 50 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الفصل الخمسون والاخير
الفصل الخمسون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ"
_____________
كل ما أردته فقط هو الهروب من ضجيج العالم بين ذراعيك.
_____________
كل الطرقات الآن أصبحت مُهيئة لك، عليك فقط اتخاذ القرار...لكن الأمر المؤسف هو أنك لا تستطع الفرار...حتى أنك مفتقد رفاهية الانهيار...لذا كل ما عليك فعله فقط هو اختيار المسار.
سأله «حسان» بضيق وبنبرة منفعلة:
أنتَ عاوز إيه يابني بقى تعبتني؟"
رد عليه بسخرية:
لا عاش ولا كان اللي يتعبك يا عمو حسان... عاوزك تتجوز عمتي...طبعًا مش هلاقي لمشيرة عريس مناسب أكتر من كدا...ماشاء الله الطيور على اشكالها تقع...بس هنا نخليها العقارب على سمومها تقترب"
نظر كلاهما لبعضهما البعض باندهاش و بحدقيتي على وسعيهما من هول المفاجأة، فقال هو بخبثٍ:
لأ لأ لأ... مش طريقة دي، هو أنا بقول ههربكم؟، دا أنا بقول هجوزكم، يعني هنجمع راسين في الحلال"
رد عليه «حسان» بنبرة أهدأ مع نظرة عينه التي تحولت لإشراقة الأمل والتي لم تخفى على «وليد»:
مينفعش يا وليد...الوقت اللي فات كان كتير...مش كل اللي بيتكسر بينفع يتصلح"
رد عليه «وليد» بنبرة متعالية:
أي حاجة في الدنيا بتتكسر بينفع تتصلح تاني...بس لو الصنايعي شاطر، وبعدين أنا واخد بالي من نظراتكم...ولا اي يا مشيرة؟"
قال جملته الأخيرة بتلميح مبطن لـ عمته وكأنه بذلك يخبرها بما يدور حوله، أما هي فنظرت له باندهاش، جعله يومأ لها بقوة ثم استطرد حديثه قائلًا:
أنا أهم حاجة عندي هو إن البيت دا ميكونش فيه مشاكل...و بصراحة وجودكم سبب كفيل لأي مشاكل، دلوقتي بقى هسيبكم تتكلموا سوا...تشوفوا هترسوا على إيه؟ بس ياريت الكلام يبقى بهدوء بلاش جو المحاضرات و الصريخ دا، أنا هقف برة الأوضة علشان مينفعش تبقوا مع بعض لوحدكم، كفاية ذنوب بقى"
نظر في وجهيهما وهما ينظرا لبعضهما البعض، فـ زفر بضيق ثم خرج من الغرفة يقف على أعتابها بعدما قام بمواربة الباب بيده، وفي يده الأخرى هاتفه يقوم بمراسلة شخصٌ ما.
في الغرفة زفر «حسان» بقوة ثم قال بنبرةٍ مهتزة وكأنه يصارع نفسه حتى تتحدث فقال:
ها يا مشيرة، موافقة على كلام وليد؟...عاوزانا نكون مع بعض تاني؟"
نظرت له بقوة ممزوجة بالعتاب وهي تقول بنبرةٍ شبه صارخة ممتزجة بالبكاء:
لــيه؟ ليه عملت فيا كدا؟ ليه سبتني لوحدي يا حسان؟ أنتَ عارف أني بخاف أكون لوحدي، وعارف أني طول عمري بنت وحيدة وسط ولاد محدش فيهم اهتم بيا، ليه مشيت بعدما حبيتك، ليه مشيت بعد ما أنا اطمنت إن فيه حد عاوزني، ليه صدقت الوحش فـ حقي، رد عــلـيا"
صرخت بكلماتها الأخيرة في وجهه مما أدى إلى انفعاله فـ رد عليها مُعقبًا بنبرة منفعلة:
وأنتِ ليه محبتنيش من الأول يا مشيرة؟ ليه استنيتي بعد ما طاقتي خلصت علشان تختاريني، أنا كنت يتيم و مليش حد، لا أهل ولا أخوات، شوفت فيكِ أنتِ كل دا، ليه حبتيه هو من الأول، ليه سلمتي مشاعرك لواحد زي دا بيستغلك، أنا عارف إنه كان قبل جوازك مني، بس ليه تعملي كدا في نفسك؟"
بنفس النبرة الصارخة ردت عليه هي:
علشان اهتموا بيا، مجدي و مديحة اهتموا بيا، طول عمري لوحدي وسطهم هنا، هما ولاد وأنا البنت الوحيدة، كل واحد فيهم كان دوره يبقى مصلح اجتماعي، محدش فيهم قرب مني غير طه، كان هو اقرب واحد ليا، و جت زينب بقى بيهتم بيها هي و أهملني، بعدها جيت أنتَ، بدأت آخد على وجودك وخلفت منك، أنا آه كنت رافضة الخلفة، بس لما شوفتها كل دا مشي وساعتها ملقتش غير الحب ليها و ليك، ليه قهرتني ببعدك عني؟ ليه خلتني تاني أخاف من غيرك، بعد ما اطمنت في وجودك....لــيه؟"
قالت حديثها ثم اجهشت في البكاء، فابتسم هو بسخرية ثم قال بنبرة موجوعة:
علشان قلبي اللي تعب من الجري وراكي، علشان كل حاجة فـ حياتي كانت مربوطة بوجودك أنتِ، كل يوم كنت بقيس حلاوته بوجودك فيه، يوم ما تضحكي معايا كان بيبقى يوم الهنا، ويوم ما تشاركيني أي حاجة بتحبيها، قلبي كان بيرقص من الفرحة، لحد ما اتصدمت إنك كنتِ بتحبي مجدي، راجل زيي كرامته اتوجعت و اضرب بسكينة في رجولته، طبيعي يكون رد فعلي مختلف، أنتِ نفسك لو حد كان جابلك حاجة زي دي ليا، كنتِ هتطلبي الطلاق و مكنتيش هتفضلي على ذمتي ثانية واحدة، أنا غلطت علشان مواجهتش، بس ساعتها لو كنت واجهت الله أعلم كان تصرفي هيبقى إزاي"
_"آه فـ الحل بقى إنك تقهرني على بنتي، وإنك تسبني زي الجثة من غير روح، عيشت عمري كله فاكرة إن أنا اللي صح، رجعت أخاف تاني، طول ما كنت بعيد عني عمري ما عرفت أنام في الأوضة، حتى أوضة جميلة، كنت كل ما أدخلها و أشوفها فاضية قلبي يتقطع ١٠٠ حتة، كنت كل يوم بقعد في البلكونة وأقول قلبه هيحن و يرجع ليا، بس للأسف محصلش، لحد ما القسوة مسكت فيا، وطلعت القديم والجديد، على زينب و خديجة، كنت كل ما افتكر إن هي مبسوطة وأنا بسببها عايشة في نكد، قلبي كان بيتكسر، كل ما أشوف خديجة فرحانة و افتكر إن جميلة عايشة من غيري بسبب أمها أحس أني عاوزة أقهر زينب زي ما قهرتني، في الآخر طلعت بعمل كل حاجة غلط، بنتقم من واحدة أنضف من إن اللي زيي يبص في عينها، ودلوقتي أنا بموت علشان بنتي بس تبص في عيني"
ردت هي عليه بذلك الحديث، مما جعله يقول لها بنبرة قوية:
إحنا الاتنين غلطنا يا مشيرة، أنا مش ملاك، وهروبي كان أكبر غلطة، بس أنتِ غلطك أكبر، وأنا علشان أصلح غلطتي هرجعك لذمتي تاني، يمكن أقدر أعوض جزء من الذنب في حقك و حق خديجة وأمها"
ابتسمت هي بتهكمٍ ثم قالت بنبرة باردة:
لأ كتر خيرك والله، جاي بعد ما الروح اتحرقت و الجسم اتدمر، و عاوز تحييهم تاني؟"
رد عليها هو بضيق:
أنا بعمل كدا علشان جميلة وعلشانك، أخواتك مش قابلينك بينهم، هسيبك لمين يا مشيرة؟ لا أنا ولا أنتِ لينا حد غير بعض"
قبل أن تتفوه مُعقبةً على حديثه دخل «وليد» في تلك اللحظة يقول ساخرًا:
كل دا و بتتكلموا بالراحة؟ أومال لو قايلكم بالهدوء بقى كنتوا علمتوا إيه؟ فتحتوا مطاوي على بعض؟"
نظر له «حسان» بضيق، فقال «وليد» بعدما أمعن نظره لهما و تفحص وجهيهما:
من الواضح كدا إننا هنبارك للعرسان، أنا بقول خير البر عاجله"
أنهى جملته ثم أخرج هاتفه وهو يهاتف صديقه قائلًا:
هات المأذون و اطلع يا حسن، عقبال كتب كتابك"
ردت عليه «مشيرة» بانزعاج جلي بوضوح على ملامحها و نبرتها:
بس أنا مش موافقة، أنا هشوف مكان تاني أعيش فيه علشان ابعد عن جميلة و خديجة"
رد عليها «وليد» بوقاحة زائدة:
بطلي كدب بقى، أنتِ مريضة ومش حمل ذنوب، عينك فضحاكِ يا عمتو، وبعدين إحنا عيلة محافظة مبنسبش حريمنا في مكان غريب"
طرق باب الشقة في تلك اللحظة فأشار «وليد» إلى حسان وهو يقول بمرحٍ:
افتح الباب للمأذون يا عريس"
نظر «حسان» له دون أن يظهر أي ردة فعل مما أدى إلى تحول نظرة «وليد» إلى السخرية وهو يقول:
يعيني دا مصدوم من المفاجأة، روح يا عمو افتح الباب، ربنا يفتحها في وشك"
خرج «حسان» وهو يزفر بضيق، أمام «وليد» فـ راقص حاجبيه لـ عمته وهو يقول بمرحٍ خبيث:
مبروك يا عروسة، والله لو بعرف كنت زغرط"
ادارت وجهها للجهة الأخرى وهي تتنهد بعمقٍ، أما هو زفر بقوة ثم فتح الطاولة الموضوعة في الغرفة، دخل «حسن» و معه المأذون و «حسان» خلفهما، نظر «وليد» للمأذون وهو يقول بسخرية:
معلش يا مولانا تاعبينك معانا، من ساعة كتب كتاب خديجة و أنتَ الله ينور كل اسبوع تيجي تجوز حد عندنا، أنا هبقى أسيبلك نصيب من الورث، دا أنتَ من الأعضاء المؤسسين في العيلة دي"
رد عليه المأذون بهدوء وهو مُبتسمًا:
ربنا يبارك فيكم يا بني، بس يلا نبدأ علشان الوقت متأخر"
تدخل «حسن» يقول بمرحٍ:
يلا يا مولانا أنا عاوز أنام، والعريس زي ما أنتَ شايف كدا تعبان هو كمان"
أومأ لها ثم فتح دفتره بعدما جلس على الأريكة الموضوعة في الغرفة، أخبره «وليد» بانفصالهما عن بعضهما من قبل، تفهم المأذون الوضع ثم شرع في تجديد عقد قرانهما سويًا، كانت «مشيرة» تراقب الوضع بأعين خاوية خالية من المشاعر وكأنها في حلم، بالطبع ذلك لم يكن سوى حلم، أما «حسان» فكان يحاول استيعاب الوضع حوله، نظر «وليد» لهما يراقب انفعالتهما، أما «حسن» مال على أذنه وهو يقول بمرحٍ:
الدماغ دي متكلفة صح ياض، دماغ معلم بصحيح"
رد عليه «وليد» بتكبرٍ:
ياض إحنا أبطالها لحد ما نبطلها"
رد عليه «حسن» وهو يحاول وأد ضحكته:
حقك يا معلم، هو احنا كلنا نيجي حاجة في الدماغ دي؟"
______________
في شقة «طه» جلس «ياسين» مقابلًا لوالدها و «أحمد» وهو يقول بهدوء:
أنا بستأذن حضرتك يا عمي فرحنا يبقى بعد اسبوعين من النهاردة، يعني الخميس اللي بعد الجاي"
أتت «خديجة» في تلك اللحظة وهي تضع العصير أمامهم ثم جلست أمام «ياسين»، أما «أحمد» فـ رد عليه بهدوء:
مش بدري كدا يا ياسين؟ مفيش وقت على كلامك كدا"
ابتسم له «ياسين» ثم قال بهدوء:
أنا شقتي كلها جاهزة و مفيهاش أي حاجة ناقصة، يعني مش محتاجة وقت، وغير كدا المدارس قربت يعني صعب إن حد يعرف يجي وأنتَ عارف إن الناس بتبدأ تجهز حاجتها، فحرام علشان الناس متحسش إنها مضغوطة"
أتت «زينب» من الداخل وهي تقول بحب و فخر:
ربنا يبارك فيك يا حبيبي، اسألني أنا لما حد كان بيعزمني على فرح في الوقت دا، كنت بحس أني مخنوقة، ربنا يبارك فيكم"
نظر «طه» في وجه «خديجة» فوجد علامات الارتياح على وجهها و الفرحة تضج من عيناها، لم يستطع انكار فرحتها بكونها ستتزوج «ياسين»، ضغط على جفنيه بشدة تزامنًا مع تنفسه بعمق، بعدها رفع رأسه ينظر لـ «ياسين» وهو يحاول جبر شفتيه على الإبتسام وهو يقول بنبرةٍ مهتزة:
أنا موافق يا بني، ربنا يسعدكم يا رب، و يتمم فرحتكم على خير"
إرتسمت علامات الارتياح على أوجه الجميع و تحديدًا «ياسين»، في حين
نظرت له «خديجة» باندهاش فوجدته يقول لها بعدما نظر في وجهها بنبرةٍ شبه باكية:
مبروك يا خديجة، بقيتي عروسة زي القمر...و...."
لم يستطع تمالك نفسه فاجهش في بكاء مرير بعد مباركته لها، نظرت هي بحزن له ثم اقتربت منه تجلس بجانبه على الأريكة وهي تبكِ هي الأخرى، بعدها مدت أناملها المرتعشة تمسح دموعه وهي تقول ببكاء:
طب أنتَ بتعيط ليه طيب؟"
نظر لها بانكسار وهو يردف بنبرةٍ حزينة:
علشان هتسيبيني، ملحقتش اشبع منك وأنتِ قريبة مني، لسه ماخدتكيش في حضني كفاية، لسه ملحقتش أعوضك يا خديجة، علشان خاطري سامحيني و متكرهنيش، والله مش عاوز غير إنك بس تضحكي في وشك من قلبك"
لم تستطع التحكم في رغبتها باحتضانه، فقامت بإلقاء نفسها بين ذراعيه وهي تبكِ بقوة، نظر لهم الجميع بحزن، فوجدوه يجهش هو الآخر في البكاء، أما هي فقالت:
والله مسمحاك، غصب عني مش قادرة أقسي قلبي عليك، ولو عاوزني أفضل معاك أنا موافقة"
تحدثت «خلود» بعدما أتت من الداخل وهي تقول بسخرية:
كدابة والله العظيم، دي هاين عليها تمشي من بكرة"
تحدث «ياسين» بهدوء متدخلًا في الحديث:
طبعًا يا عمي أنا مقدر موقفك، بس عاوزك تعرف حاجة مهمة أنا لا يمكن أحوش خديجة عنكم هنا، وعاوزك كمان تطمن هي هتبقى فـ بيت راجل يصونها، كل همي في الحياة إنها تكون مبسوطة، وبعدين أنا عمري ما أقدر أزعلها أصلًا"
نظر له «طه» بحزن ولا زالت هي قابعة بين ذراعيه ثم قال بأسى:
أنا عارف يابني إنك ابن اصول، و عارف كمان إنك أحن عليها من أبوها نفسه، ربنا يسعدكم إن شاء الله"
تدخلت «خلود» تقول بمرحٍ:
يعني خلاص نعتمد البوست الرسمي للعروسة على مواقع التواصل الاجتماعي كلها"
ضحك الجميع عليها أما «ياسين» نظر لها بخبثٍ وهو يقول:
أنا دلوقي بس اتأكدت من اللي في دماغي"
سألته هي بنبرةٍ متعجبة:
هو إيه اللي فـ دماغك؟"
ابتسم لها بهدوء وهو ينظر في أوجه الجميع ثم قال:
إنك مش شبه خديجة، بصراحة بحسك زي وليد"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بطريقة مُضحكة:
آه وليد، الأب الروحي ليا دا..
علمني اللي لا فيه مدرسة ولا درس يعلمهولي"
رد عليها «أحمد» بضيق زائف:
هو إحنا ملاحقين على وليد، لما نلاحق عليكِ، ربنا يهديكم انتو الاتنين"
وقف «ياسين» وهو يقول بهدوء:
طب عن اذنكم يا جماعة، و هبقى اكلم حضرتك يا عمي علشان التفاصيل، الفرح برضه هيكون في نفس القاعة اللي كان فيها فرح وئام، أنا عرفت منهم إن دا أقرب معاد فاضي، قبل المدارس"
وقف «طه» مقابلًا له ثم احتضنه وهو يقول بحب:
ربنا يبارك فيك يا بني، ويكمل فرحتك على خير، أنا لو لفيت الدنيا دي كلها مش هلاقي لبنتي أحسن منك"
خرج «ياسين» من بين ذراعيه وهو يقول بمرحٍ:
أنا سايبهالك اسبوعين أهوه تلحق تشبع منها، مش عاوزك تيجي بعد الفرح بأسبوع و تطلبها"
ضحك الجميع عليه أما هي أخفضت رأسها في خجلٍ، فـ رد عليه «طه» بمرحٍ هو الأخر:
بقـى كــدا؟ ماشي يا سيدي، شكرًا لكرمك علينا"
ضحك «ياسين» ثم احتضنه من جديد وهو يقول بهدوء:
ربنا يريح قلبك إن شاء الله، و صدقني مش عاوزك تخاف من فراقها، هي مع أكتر واحد يتمنى رضاها في الدنيا دي"
أومأ له «طه» بعدما ابتعد عنه نسبيًا ثم قال بهدوء:
أنا متأكد من دا والله، ربنا يطمن قلبك زي ما علطول مطمني و مطمنها معايا"
ودع هو الجميع ثم تركهم و رحل من بيت آلـ الرشيد، أما هي حينما وجدت الأنظار مسلطة عليها شعرت بالخجل من الجميع فركضت إلى غرفتها، وصلها ضحكات الجميع عليها وعلى فعلتها تلك، أما هي كعادتها دارت حول نفسها عدة مرات بفرحة كبيرة تشبه فرحة طفلة صغيرة بهطول المطر، فهرولت ترقص تحتها، بعدها تنهدت بعمقٍ ثم قامت بإخراج قطعة قماش صغيرة حتى تقوم بصنع (طارة) له، تلك الهواية التي تركتها منذ زمن، عادت لها من جديد و أول من يستحق أن ينال تلك الطارة بالطبع هو، فمن غيره يستحق أن تبذل مجهود لأجله، هو من أعاد بريق الحياة في عيناها من جديد، بعد أن فقدت تلك اللذة من زمنٍ بعيد.
_______________
في الأسفل أنهى المأذون تجديد عقد القران، ثم رحل من البيت، نظر «وليد» لهما وهو يقول بهدوء:
دلوقتي من حقكم تتكلموا براحتكم، طبعًا أنتَ هتاخدها معاك الليلة دي، مش عاوز الصبح يطلع و مشيرة هنا"
أومأ له «حسان» ولم يرد على حديثه، أما «وليد» فأشار لـ «حسن» وهو يقول:
يلا يا حسن، خلينا نسيب العرسان شوية مع بعض"
أومأ له «حسن» ثم تبعه خارج الغرفة، جلس «وليد» على الأريكة في الخارج ثم تبعه «حسن» و جلس بجانبه وهو يقول مستفسرًا:
هو أنتَ ليه جبتني أنا و مجبتش طارق و لا وئام"
رد عليه «وليد» بطريقة تشبه طريقة الفتيات:
علشان أنا بحبك يا سونة، هو أنا عندي أعز منك"
اشمئز «حسن» من طريقته فنظر له بوجهٍ ممتعض، مما جعل «وليد» يضحك وهو يقول بهدوء:
خلاص يا عم متزعلش نفسك أوي كدا، أنا جبتك أنتَ علشان طارق مش هيقدر يكدب على مراته وهي كدا ممكن تكون شايفاني ظالم، و وئام الله يعينه مراته تعبانة و بسبب اللي حصل و أكيد أنتَ عرفته بقى بيحارب علشان هدى و هدير كمان، محدش فيهم مستحمل حمل تفكير تاني"
رد عليه «حسن» بضيق زائف:
آااه علشان كدا بقى ملقتش غيري مليش حد و فاضي"
ضحك «وليد» وهو يومأ له بقوة ثم قال:
بصراحة كدا آه، قولت بدل القعدة بتاعتك تيجي تعملك أي حاجة، بدل ما تتلبس، وياسيدي عقبال كتب كتابك أنتَ كمان"
ابتسم له «حسن» بحزن وهو يقول بعدما تنهد بعمقٍ:
كتب كتابي إيه بقى؟ أنا تعبت وأنا لوحدي خلاص، عارف لما كلمتني و قولتلي إنك عاوزني علشان كتب كتاب عمتك والله فرحت إن فيه حد بيفكر فيا و بيشاركني في حياته، أنا اللي زيي جاب أخره يا وليد، مش عارف ألاقي حياتي بعدما ضاعت مني، حتى الانتحار منفعش معايا"
رد عليه «وليد» بانفعال:
اوعى تكون فكرت تعملها تاني يا حسن؟ بطل هبل الانتحار دا أكبر مصيبة الانسان ممكن يعملها في حياته"
رد عليه «حسن» بهدوء:
متخافش أنا من ساعتها معملتهاش تاني، وبعدين أنا خلاص بقى أنا قربت من ربنا و عرفت إن الدنيا دي متسواش حاجة، هي بس بتيجي اوقات الانسان بيصعب عليه نفسه، بخاف أموت لوحدي يا وليد"
نظر له «وليد» بخبثٍ وهو يقول:
أنتَ كمان خايف تموت لوحدك؟ هي فِرة ماشية في البلد؟"
نظر له «حسن» وهو يقول متعجبًا:
قصدك إيه يا وليد؟ مش فاهم؟"
رد عليه «وليد» بخبثٍ تزامنًا مع يده وهي تربت على كتفه:
لأ متشغلش بالك أنتَ، المهم تعالى وصلنا بعربيتك شقة حسان"
سأله «حسن» وكأنه انتبه لتوه:
هو أنتَ ليه قولت إن مرات طارق هتعتبرك ظالم؟ مش فاهمك"
أخذ «وليد» نفسًا عميقًا ثم قال:
علشان أبوها و أمها رجعوا لبعض، بس هما مش شايفين الوضع بعيوني أنا، مشيرة و حسان الدنيا فرقتهم غصب عنهم و افعالهم دي رد فعل للظروف، مشيرة لو فضلت هنا هتفضل تحارب علشان بنتها تسامحها، في النهاية جميلة هتحسبها صح و تسامحها علشان دي أمها، وحسان بيحب مشيرة مش عارف ينساها، و هيفضل يجي هنا بحجة يشوف بنته، يبقى حرام عليا اسيب ابواب للذنوب مفتوحة بينهم، دلوقتي هي تروح بيت جوزها وهما أحرار بقى، تسامحوا... تولع فيه...يبخوا سم في وش بعض مش بتاعتي دي"
ابتسم «حسن» بفخر وهو يقول:
لأ دماغ فعلًا، أكيد فايز الرشيد كانت دماغه متكلفة كدا"
في داخل الغرفة زفر «حسان» بعمق حينما رآى دموعها تسيل على وجنتيها ثم قال بهدوء:
يلا يا مشيرة خلينا نمشي قبل ما الوقت يتأخر، وليد قال إن الليلة دي لازم تمشي من البيت"
نظرت هي له بأعين دامعة وهي تقول بحزن:
هي جميلة مش هتسامحني؟ أنا عاوزة أحضنها تاني قبل ما أمشي"
نظر هو لها بحزن وهو يقول بنبرةٍ موجوعة نابعة من ألم قلبه:
جميلة زيك يا مشيرة بتدي كل حاجة حقها و خصوصًا الزعل، بس قلبها أبيض أوي ولما بتسامح بتنسى أصلًا إيه اللي زعلها، سيبيها يا مشيرة وربك قادر يحنن قلبها"
ردت عليه ببكاء و بنبرةٍ شبه صارخة:
ليه عملت كدا؟ ليه حرمتني من حقي فيها يا حسان، ليه حرمتني من الحاجة اللي أي ست بتتمناها؟ ليه"
اقترب هو منها ثم مد أنامله يكفكف دموعها وهو يقول بوجع حقيقي:
مكانش سهل عليا يا مشيرة والله، كان قلبي بيتوجع أكتر منك، كانت كل يوم تجيب سيرتك و تحكي إنها عاوزة أمها، كنت بحس بوجع، والله عمري ما جبت سيرتك بالوحش قصادها، كان كل كلامي إنك ست جميلة، بس مفيش حاجة بتستخبى طول العمر"
دخل «وليد» في تلك اللحظة وهو يقول بخبثٍ:
شكلي قطعت لحظة رومانسية، معلش بقى أصل حمايا يبقى عم محمد، على العموم يلا علشان ألحق أرجع تاني، ماهو أنا برضه لازم أطمن على عمتي"
أومأ له كلاهما أما هو فتنهد بعمقٍ، و بعد فترة قليلة من القيادة أوقف «حسن» السيارة أسفل البناية التي تقع بها شقة «حسان»، نظر لهما «وليد» في الخلف وهو يقول بهدوء:
يلا علشان نطلع، وحسن هيستناني هنا"
أومأ له الجميع أما «حسن» فقال بهدوء:
ألف مبروك يا جماعة، ربنا يكرمكم يالذرية الصالحة إن شاء الله"
ضحك «وليد» بصخبٍ ثم قال بنبرة ضاحكة:
هما بس يجيبوا الذرية ونبقى نشوف حوار صالحة دا بعدين"
نظر «حسان» إلى «مشيرة» بقلة حيلة ثم نزل من السيارة وهي تتبعه، كانت تسير بانهاك واضح و الابرة الطبية في يدها، أما «وليد» ففتح باب المصعد وهو يقول بسخرية:
ادخلي الأسانسير برجلك اليمين يا عروسة"
نظرت له بضيق ولم تعقب، تبعها «حسان»، وبعدهما «وليد»، بعد قليل وصل المصعد أمام شقة «حسان» وقف «وليد» يقول بهدوء:
أنا لحد كدا دوري انتهى، بس مش علشان أنا اللي مجوزهالك يبقى تيجي عليها، أي وقت حد فيكم يحتاج للأسف يعني... يكلمني في أي وقت، تصبحوا على خير"
اوقفته «مشيرة» قبل التفاته و رحيله من أمامها بقولها:
شكرًا يا وليد...أنتَ تستاهل كل خير....مروة و زينب عرفوا يربوا"
التفت يقف أمامها بكامل جسده وهو يقول بسخرية:
دلوقتي بس عرفتي إن هما عرفوا يربوا؟ أنا مش عاوز منك شكر، عاوزك بس ترجعي لربنا و تحاولي تبدأي من جديد، ربنا باب رحمته واسع...كلنا نقدر نقف على بابه نطلب السماح...مع السلامة"
_____________
انتهى ذلك اليوم بفرحة «خديجة» و رحيل «مشيرة» مع زوجها و عودة «وليد» إلى بيته في منتصف الليل، أتى صباح اليوم الجديد يحمل معه الكثير من المواقف و ردود الأفعال حيث اجمتعت عائلة «الرشيد» بأكملها في الشقة التي كانت «مشيرة» تجلس بها في مرضها، كان «وليد» جالسًا في تلك الشقة منذ ظهور خيوط الشمس الذهبية، نظر له الجميع بتعجب، أما هو فقال بنبرةٍ باردة:
قبل أي حاجة، مشيرة مش هنا، مشيرة بقت في بيت جوزها"
تحدث «محمود» يقول بانفعالٍ:
يعني إيه في بيت جوزها؟ جوزها مين يا وليد؟"
ابتسم هو ببرود ثم قال وهو يهندم قميصه:
مشيرة في بيت جوزها حسان يا عم محمود، عقبال ما تفرح بهدير إن شاء الله"
خرجت شهقة قوية من الجميع بعد تفوه «وليد» بحديثه الأخير الذي أثار تعجبهم، فتحدث «محمد» يقول بانزعاج جلي بوضوح على نبرته:
يعني إيه يا وليد؟ ازاي يا بني حسان مطلق مشيرة من زمان، حرام عليك يا بني"
رد عليه «وليد» بانفعال هو الآخر:
جرى إيه يا حمايا؟ أنتَ فاكرني إيه؟ امبارح كان كتب كتاب مشيرة و حسان وهي دلوقتي في بيت جوزها، إحنا معندناش ستات تقعد برة بيت جوزها"
رد عليه «طه» بلامبالاة:
يا زين ما فعلت...المهم خديجة فرحها بعد اسبوعين من دلوقتي، أنا عرفتكو أهو علشان محدش يقولي خبيت علينا"
أنهالت عليهم المباركات و التهنئات، فقال «طارق» بهدوء:
طب الحمد لله ألف مبروك يا عمي، أنا ربنا كرمني و لقيت شغل لجميلة في مدرسة جنبنا هنا، هيعملوا ليها مقابلة بكرة الصبح قبل ما الدراسة تبدأ"
التفتت هي تنظر له باستفسار و بعيون تصج بالفرحة، فوجدته يومأ لها وهو يقول بعدما رسم بسمة هادئة على ملامح وجهه:
قولتلك كل حاجة بتحصل لينا خير، ربنا كرمنا من وسع رحمته، وهتحققي حلمك و تشتغلي الشغل اللي كان نفسك فيه"
أومأت له هي بهدوء ثم قالت بنبرةٍ منخفضة:
شكرًا يا طارق...مش عارفة أقولك إيه بجد"
بادلها هو بسمتها بمثيلتها وهو يقول:
متقوليش حاجة... كفاية بس إنك موجودة معايا"
أخفضت رأسها في خجلٍ، بينما «وليد» قال بنبرةٍ مُحبة لـ «خديجة»:
كنت فاكر نفسي هفرح علشان هتتجوزي، بس أنا حاسس أني عاوز أرجع في كلامي...فكرة إن تبعدي عني طلعت رخمة أوي يا بت...أنا هأجل الفرح بصراحة مش جاي معايا أنك متكونيش في البيت"
ردت عليه هي بحب بعدما تمسكت بذراعه:
وأنتَ وجودك أحلى حاجة في حياتي كلها...كل حاجة حلوة بتحصلي لازم تكون أنتَ سببها، حتى فرحي دا لولا وجودك معايا أنا عمري ما كنت شوفت فرح في حياتي"
احتضنها هو فجأة وهو يقول بنبرة متأثرة:
مش عاوز غير أني أشوف توأم روحي مبسوط، ساعتها أنا كمان هكون مبسوط يا خديجة، ربنا يعلم إنك عندي أعز من نفسي والله، علشان كدا فرحك هيبقى محصلش"
ابتعدت عنه نسبيًا وهي تقول له بخبثٍ:
طب و تأجيل الفرح؟"
ضربها على رأسها بخفة وهو يقول:
يا ستي خلي الواد يفرح بقى..دا جاب جاز معانا...والله أنا مقدرش ازعله ابن رياض الشيخ دا"
تحدثت «عبلة» بحنقٍ وهي تضع يدها في خصرها:
يا سلام يا خويا؟ وأنا مين هيفرحني؟ وليد أنا زعلانة أنا كمان"
ضحك الجميع عليها، أما «وليد» فوقف أمامها وهو يقول بمرحٍ:
بس كدا...من عنيا أصالحك أنا يا عيون وليد، بس لما عم محمد يطلع من هنا علشان ميضربنيش"
رد عليه «محمد» بسخرية:
لأ و أنتَ بتحترم وجودي أوي يا ولا، نفسي أعرف أنتَ ليه مش وئام"
رد عليه «مرتضى» بضيق زائف متدخلًا في الحديث:
ما قولتلك كسلت يا محمد، وبعدين ماله وليد؟ حبيب أبوه دا"
ضحك «محمد» وهو يقول بنبرة ساخرة:
صحيح القرد في عين ابوه غزال، و مين يشهد للعريس"
ضحك الجميع عليه، فمال «أحمد» على أذن «وليد» وهو يقول بنبرة هامسة بعدما اقترب منه يقف بجواره:
بقولك إيه طالما أنتَ ماشي تجوز في الناس، فاتح عم محمد في موضوعي بالله عليك"
نظر له «وليد» بتعجب وهو يقول:
عاوز إيه أنتَ كمان؟ وبعدين لسه قدامك كتير يا أحمد"
رد عليه «أحمد» بتوسل:
علشان خاطري بس قوله أنتَ، خلي قلبي يرتاح لما أضمن إنها هتبقى ليا"
أومأ له «وليد» ثم قال بنبرةٍ عالية حتى يجذب إنتباه الجميع له:
معلش يا جماعة ركزوا معايا..بعد إذن عم محمد، أحمد ابن عم طه عاوز يطلب ايد سلمى بنتك"
اتسعت مقلتي الجميع من هول المفاجأة أما «سلمى» فأخفضت رأسها في خجل من نظرات الجميع لها، نظر لها والدها يراقب انفعالات وجهها وحينما رآى خجلها، علم بموافقتها، فقال هو بهدوء:
ليه يا أحمد؟ عاوز سلمى ليه؟"
تدخل «وليد» يقول بسخرية:
هياخدها يحطها في متحف، أكيد عاوز يتجوزها، هيكون طالب ايدها استبن يعني"
رد عليه «محمد» بضيق:
تصدق بالله أنا لو كنت موافق...وليد سبب كافي علشان أرجع في كلامي، وبعدين أنا بنتي لسه صغيرة و لسه وراها ثانوية عامة"
اقترب «أحمد» منه يقول بأدب و بنبرةٍ هادئة:
أنا عارف والله...بس أنا عاوز سلمى تكون مراتي و عارف كمان إن لسه بدري على جوازي دا...بس أنا مبحبش أخدع حد و طارق نفسه عارف أني عاوز اتجوز سلمى"
تدخل «طه» يقول بفخرٍ:
جدع ياض يا أحمد... تصدق بالله لو مكنتش ابني كنت جوزتك بنتي"
اقترب منه «أحمد» يقبل كتفه وهو يقول بمرحٍ:
حبيبي يا حج طه... ربنا يكرمك"
رد «محمد» بحكمة و هدوء:
بص يابني أنا عارف إنك راجل و عارف إن المحظوظ اللي أنتَ تكون من نصيب بنته، بس سلمى لسه ثانوية عامة يعني لازم تأمن مستقبلها زي أخواتها...بعد الثانوية العامة تتقدم ليها، بس بشرط سلمى تجيب مجموع و تدخل صيدلة زي ما هي عاوزة، غير كدا مشوفش وشك عندنا، ودا حقي كـ أب، ولا كلامي غلط"
سأله «أحمد» بحماس و ووجهٍ مبتهج:
قول والله إنك موافق يا عمي، بالله عليك موافق؟"
نظر «محمد» في أوجه الجميع فوجدهم يحاولون كتم ضحكته، فقال هو بهدوء:
موافق بس بشروط، سلمى تجيب مجموع عالي و تدخل الكلية اللي نفسها فيها، ومفيش كلام ولا أي حاجة بينكم، تمام كدا؟"
تدخلت «جميلة» تقول بهدوء:
و برضه المفروض ميتقابلوش و لازم كل واحد فيهم تكون نيته خير يعني الجواز علشان يكونوا أسرة صالحة، يعني يعتبروا نفسهم لسه ميعرفوش حاجة عن بعض لحد ما تبقى مراته، مش بس خطيبته، علشان الخطوبة دي مجرد وعد بالزواج في الإسلام، وربنا يكرمكم و يجمعكم على خير"
نظر لها الجميع بفخرٍ بينما «وليد» كعادته قال بسخرية:
أنا دلوقتي عرفت إنك مش شبه مشيرة، ماشاء الله رصيتي خطبة الجمعة في وشنا كدا"
ضحك الجميع عليه أما هي فأخفضت رأسها تحاول وأد ضحكتها التي تحارب للظهور أمام الجميع، فقال «وليد» بعدما نظر في ساعة يده:
معلش يا جماعة شوفوا وراكم إيه بقى، علشان أنا عاوز طارق ضروري هنا"
أومأ له الجميع ثم انسحبوا من الشقة تباعًا واحدًا تلو الآخر، نظر «طارق» في أثرهم بتعجب ثم قال بهدوء:
خير يا وليد؟ فيه إيه"
أشار له «وليد» بيده وهو يقول:
اصبر و هتفهم كل حاجة دلوقتي، بس فيه حد جاي ضروري"
جلس «طارق» و بعدها «وليد» جلس أمامه، بعد مرور دقائق مرت في صمت، طُرق باب البيت بواسطة شخصٌ ما، ابتسم «وليد» بخبثٍ ثم قام بفتح الباب ، وجد «صباح» أمامه تلك الفتاة التي تقوم بتنظيف البيت و ترتيبه و تحديدًا شقة «مشيرة»، سألته هي بلهفة:
هي الست مشيرة موجودة يا أستاذ وليد؟"
أومأ لها ثم قال بمرحٍ خبيث:
طبعًا و مستنياكِ من الصبح كمان، اتفضلي بس يا صباح"
دخلت هي الشقة و بمجرد رؤيتها لـ «طارق» ابتهج وجهها وهي تقول له بحب:
إزيك يا أستاذ طارق عامل إيه؟ ليك وحشة والله...قـ...قصدي كلكم ليكم وَحشة والله"
رد عليها «طارق» بهدوء و بنبرة غير مبالية:
كويس يا صباح...أنتِ إيه اخبارك؟"
تدخل «وليد» يقول بخبثٍ:
طارق كويس أوي يا صباح باركيله بقى، طارق اتجوز جميلة"
ابتسم «طارق» بهدوء، بينما هي ارتسمت تعبيرات الحزن على وجهها، فاسترسل «وليد» في حديثه قائلًا:
للأسف بقى يا صباح المياه اللي كنتِ بترشيها كل جمعة على السلم علشان طارق يحبك، للأسف طلعت على الفاضي، عارفة ليه علشان طارق بينزل متوضي من بيته، يعني يفسد اي حاجة بتعمليها"
اتسعت مقلتي «صباح» تزامنًا مع حركة فمها وهي تحاول التحكم في لُعابها، أما «طارق» فقال بنبرةٍ منفعلة:
أنتَ بتقول إيه يا وليد؟ مياة إيه ورش إيه؟ أنا مش فاهم حاجة؟"
رد عليه «وليد» بهدوء:
الاستاذة صباح بترش مياه في البيت على عتبة شقتكم علشان تخليك تحبها، متعرفش إن دا كفر بالله، ومش بس كدا لأ، دي كمان عمالة تزن على مشيرة علشان تعمل عمل لخديجة و لـ زينب، بس حظها الأسود إن تليفون مشيرة وقع في إيدي، وبصراحة مشيرة لحد أخر لحظة كان عندها ثبات انفعالي جامد، وكل مرة كانت بتهزق فيها، ودي حاجة خلتني اقدر مشيرة و أعرف إنها لسه طيبة، ها يا صباح أنا بكدب ولا بقول الحقيقة"
اقترب منها «طارق» يقف مقابلًا لها وهو يقول بنبرة منفعلة:
انطقي بدل ما أنطقك أنا، أنتِ عملتي كدا فعلًا؟"
تحدث «وليد» يرد عليه بلامبالاة:
متتعبش نفسك يا طارق، أنا بكلمها بقالي ٣ أيام على أني مشيرة، وهي قالت كل حاجة، وقالتلي كمان إنها كانت بترمي المياه علشان تخليك تعجب بيها وقالت كمان إنه بدأ يشتغل، بس هي متعرفش إنها كانت بتتكلم معايا"
نظر لها «طارق» بإشمئزاز وهو يقول بضيق ممزوج بالانفعال:
ليه كدا يا بنتي؟ ليه تكفري بربك علشان خاطر عبد زيك؟ ليه تشركي بالله و تكفري بنعمه عليكِ؟ ليه تستعيني بعبد ضعيف زيك علشان تخالفي إرادة ربنا؟ اللي عملتيه دا كُفر بربك اللي خلقك، ليه كدا يا بنت الحلال؟"
بكت وهي تسمع حديثه، فتدخل «وليد» يقول بنبرة حانقة:
دا غير لعبها في دماغ الناس علشان تجرهم الشيخ بركة بتاعها دا، يعني شايلة ذنوب ناس دا غير ذنبها هي، علشان كدا الشيخ مبروك دا أنا بلغت عنه لما هي قالتلي على العنوان، على أساس أني مشيرة"
نظرت «صباح» إلى «وليد» باندهاش، فوجدته يقول بخبثٍ:
هو أنتِ فكراني بتاع بليلة؟ أنا كلمتك من تليفون مشيرة و قولتلك أني موافق على العمل علشان تيجي هنا، حرام عليكِ يا شيخة هي خديجة كانت ناقصة عمل منك أنتِ كمان؟ يعني البيت بقى فعليًا كان مليان بالخبث و الخبائث، روحي يا بنتي الله يهدك أنتِ و أختك، على فكرة اللي أنتِ بتعمليه دا من الكبائر، يعني كفر صريح، الله يعينك بقى على الذنوب دي"
ذهب «طارق» يفتح باب الشقة على مصراعيه وهو يقول بنبرة منفعلة:
اطلعي برة يا صباح، بدل ما و رب الكعبة أطلعك أنا بس أسلمك للبوليس و أقولهم إنك نصابة، بـــرة"
صرخ بكلمته الأخيرة مما جعل جسدها يجفل بقوة، أما «وليد» فقال بتشفٍ:
أيـــوا...أسمعي كلام طاروق بقى وبرة البيت علشان عيشك اتقطع من عندنا، وعلى فكرة كل الناس اللي اشتغلتي عندهم عرفوا عملتك السودا دي"
اقتربت منه تقول بنبرة مترجية:
علشان خاطر ربنا يا استاذ وليد بلاش والله ورايا كوم لحم، والله مش هعمل حاجة تاني، بس بلاش"
رد عليها هو بنبرةٍ متهكمة:
دلوقتي علشان خاطر ربنا؟ مفكرتيش في ربنا وأنتِ بتعملي سحر و أعمال للناس؟ مفكرتيش في ربنا و أنتِ عاوزة تأذي واحدة مأذتكيش؟ علشان خاطري سي زفت بتاعك يديكي الحلاوة؟ الله لا يسامحك و لا يرضى عنك، غوري بقى من هنا علشان قسمًا بالله هخلي ستات العيلة كلهم يعملوا معاكِ الواجب و زيادة"
أومأت له في هدوء وهي منكسة رأسها للأسفل، ثم مسحت دموعها، بعدها نظرت لهما في انكسار، فوجدت «طارق» يقول بنبرة قوية:
شوفي حل علشان تتوبي و ترجعي لربنا، أظن عملتك السودا دي ملهاش حل غير إنك تلحقي نفسك قبل ما ربنا ياخدك و أنتِ كلك معاصي و ذنوب كدا"
أومأت له ثم رحلت من أمامهما، نفخ «وليد» وجنتيه بضيق ثم قال:
داهية تاخدك أنتِ و أختك و ضرتها كمان"
سأله «طارق» بتعجب رغم عبوس ملامحه:
طب و ضرة أختها مالها هي كمان؟"
رد عليه «وليد» بسخرية:
علشان وافقت تتجوز سباعي، فيه واحدة تتجوز واحد اسمه سباعي؟ أكيد تستاهل اللي حصل فيها"
ضحك «طارق» رغمًا عنه ثم فتح ذراعيه لـ «وليد» حتى يرتمي بداخلهما، حرك «وليد» رأسه بيأس ثم ارتمى بين ذراعيه وهو يقول بحب:
ادخل في حضن أخوك يا طاروق، وحشتني يا جدع"
ربت «طارق» على ذراعيه وهو يقول بفخرٍ:
وأنتَ كمان وحشتني أوي يا وليد، ربنا يديمك ليا يا رب من غيرك أنا هضيع"
بنفس النبرة التي يتحدث بها «طارق» تحدث «وليد» بمثيلتها وهو يقول:
أنا بقى من غيرك أنتَ و أبوك هعرف أحضن عبلة براحتي، يا أخي تعبتوني عاوز اتجوزها بقى"
ضحك «طارق» عليه ثم ابتعد عنه وهو يقول بمرحٍ:
بعد فرح خديجة إن شاء الله نعمل فرحك أنتَ و عبلة و فرحي أنا و جميلة"
______________
انقضت الأيام التالية بسرعة كبيرة، دون أي تغير يُذكر، كانت «خديجة» تذهب إلى شقتها في الأيام الأخيرة برفقة زوجات الشباب و بنات عائلتها حتى تقوم بتجهيز الشقة، حتى «جميلة» تعرفت عليهن جميعًا و شعرت معهن بالألفة، كانت «هدير» لازالت على وضعها مع شقيقتها، و كانت «فاطمة» والدتهن تحاول التواصل معهن لكن دون جدوى، كانت محاولاتها جميعها هباءًا منثورًا، مرت الأيام سريعًا حتى أتى اليوم المنتظر وهو يوم عرس «خديجة» على فارس أحلامها «ياسين»، ذلك الملاك كما لقبته هي، ففي خلال الأيام الماضية كانت تتحدث معه يوميًا عن حياتها المقبلة معه و عن حماسها في مشاركته في ادق تفاصيل حياته، كان هو سعيدًا للغاية بها و بحديثها الذي كان يتمناه هو.
في صباح يوم العُرس استيقظ «ياسين» بحماس شديد، وجد والديه يجلسان في الخارج ينتظراه، اقترب هو منهما وهو يقول بمرحٍ:
صباح الخير على أحلى ناس في الدنيا، اليوم حلو أوي النهاردة كدا ليه"
ربتت «زهرة» على وجنته بحب وهي تقول بنبرة متأثرة شبه باكية:
اليوم حلو علشان ابني كبر و بقى أحلى عريس في الدنيا كلها، اليوم اللي عيشت عمري كله بتمناه يا ياسين، دلوقتي قلبي فرحان و حاسس إن الدنيا مش سيعاه"
تأثر هو من حديثها فـفرت دموعه رغمًا عنه ثم مال على كفها وهو يقبله بحب ثم قال:
أنتِ اللي أحسن أم في الدنيا كلها، تعبك و تربيتك و سهرك كله طلع بفايدة، ربنا رزقني بيكم يا ماما"
أتى «رياض» يقف مجاورًا له وهو يقول بحب هو الأخر:
طول عمري عايش متحاوط بنعم ربنا عليا، ربنا كرمني في تعليمي و في شغلي و لما زهرة بقت مراتي، و كرمني أكتر لما أنتَ بقيت أبني، و النهاردة ابني كبر و بيتجوز علشان يعمل عيلة جميلة زيه، و برضه الحمد لله ربنا كرمنا بخديجة، اللي كل جمال الدنيا في قلبها، تفتكر بقى اليوم بعد كل دا المفروض ميكونش حلو؟"
احتضنه «ياسين» بقوة ثم قال ببكاء نابع من رقة قلبه اللين:
أنا بحبك أوي، طول عمرك أخ و صاحب في ضهري، أنا شرف ليا بس أني أقف و أقول إنك أبويا، صدقني أنتَ كتير عليا"
ابتعد عنه «رياض» نسبيًا ثم قال بمرحٍ:
طبعًا ياض شرف ليك أنتَ تطول؟ دا كفاية اسم رياض الشيخ اللي منور جنب اسمك دا"
ضحك «ياسين» بقوة ثم أيد حديثه قائلًا:
طب والله معاك حق، كفاية إسم رياض الشيخ جنب أسمي، المهم أنا همشي علشان متأخرش، العيال مستنين من الصبح عند ميمي، و خديجة مشيت من الصبح"
تدخلت «زهرة» تقول بحب:
ربنا يفرح قلبك و يكمل ليلتك دي على خير، روح يلا علشان متتأخرش على فرحك"
أومأ لهما ثم تركهما حتى يذهب إلى أصدقائه، نظرت «زُهرة» في اثره بأعين دامعة ثم قالت لزوجها:
البيت هيبقى وحش أوي من غيره يا رياض، هو كل حياتي، صعبان عليا فراقه أوي"
احتضنها «رياض» وهو يقول مواسيًا لها:
يا زهرة هو بنت؟ دا راجل ملو هدومه، و بعدين شقته كلها نص ساعة من هنا، متزعليش نفسك بس علشان هو كمان ميزعلش"
أومأت له ثم قالت ببكاء:
هيوحشني أوي، يارتني ما كنت خليته يتجوز"
وكزها هو برفق وهو يقول بمرحٍ:
يا ست أنتِ بطلي نكد بقى، وبعدين البيت هيفضى علينا أفضل أعاكس فيكِ براحتي، و أغني لكِ بصوتي الحلو دا، بدل ما موهبتي ادفنت كدا"
ضحكت هي ثم قالت بحب:
ربنا يباركلي في وجودك يا رياض، أنتَ كل حاجة ليا والله"
رد عليها هو بخبثٍ:
طب ما أنتِ حلوة أهوه، ياريت ياسين كان مشي من بدري.
وصل «ياسين» إلى شقة «ميمي» و كالمعتاد كان «عامر» يرقص فَرِحًا على الأغاني الشعبية، دخل «ياسين» بهدوء وجد فوجد «خالد» يقترب منه يجذبه من ذراعه حتى يرقص معه و بالفعل اندمج معهم «ياسين» و رقص وسطهم، تحدثت «ميمي» تقول بفرحٍ:
أخر واحد في عيالي بيتجوز، دا أنا لو مت دلوقتي خلاص مش عاوزة حاجة تاني"
اقترب منها «عامر» يقول بضيق زائف:
هو في إيه يا ست ميمي؟ أنتِ عاوزة تموتي في فرح أي حد فينا وخلاص؟ ما تهدي شوية، وبعدين متموتيش دلوقتي معيش فلوس أعمل عزا"
وكزته في معدته وهي تقول بحنقٍ زائف:
امشي يا ولا من هنا، عيل معفن صحيح"
أتى «ياسر» يقول بسخرية:
أنا شوفت اسبوع رعب والله العظيم مع عامر، لأ دا مكانش شهر عسل، الواد كان عامل نفسه عمدة المصريين"
سأله «ياسين» بعدما أغلق الموسيقى:
هو عمل إيه بالظبط هناك؟ ريحني"
نظر «ياسر» إلى «عامر» بتشفٍ ثم قال بعدما أعاد بصره للجميع:
البيه كان كل يوم بيجمع السياح و يقعد يغني و يرقص عند حمام السباحة اللي فـ الفندق، البيه كان مخلي دهب كلها تدور عليه علشان يقعدوا بس معاه، كان مخلي كل جنسيات العالم تدور عليه هناك...قال إيه عامل جو سياحي جديد، مش دي المشكلة إنه كان معاه دُف، أموت و أعرف جابه منين"
ضحك «عامر» بصخبٍ ثم قال بفخرٍ:
هما ٥٠ جنيه لواد شغال في الفندق و جابلي الدُف لحد عندي، دي حاجات كبيرة عليك يا ياسر، لما تكبر زيي كدا هبقى أعلمك"
تحدث «خالد» يقول بضيق:
أنا مرعوب والله، عامر من ساعة فرحه و هو مخوفني، و يارب الليلة دي تعدي على خير"
تحدث «ياسين» بذعر وهو يقول:
لأ أبوس رجلك يا عامر، أنا عاوز أفرح و أدخل دنيا، علشان خاطري لم نفسك"
تحدثت «ميمي» تقول متدخلة في الحديث:
واد يا عامر أنتَ في فرحك دخلت بموتوسيكل، المرة دي بقى عاوزينك تدخل بمركبة فضائية"
أشار على عيناه وهو يقول بمرحٍ:
من عيني، بس أنا بقى محضر دخلة حلوة علشان ياسين النهاردة"
رد عليه «ياسين» بخوف زائف:
علشان خاطري كفاية، أنا مرعوب لوحدي من غير أي حاجة"
ضحك الجميع عليه أما «عامر» راقص حاجبيه وهو يقول:
دا أنتَ هتنبهر، صبرك عليا بس"
____________
عند «خديجة» كانت الغرفة ممتلئة بالفتيات، كان معها صديقاتها، و فتيات عائلتها دون «هدير» و «هدى»، تحدثت «جميلة» تقول بحب:
شكلك زي القمر يا خديجة، ملامحك هادية أوي"
تحدثت «إيمان» تقول بمرحٍ:
بتفكرني بعرايس الكارتون، عاملة زيهم أوي"
ردت عليها «خديجة» باندهاش:
كارتون؟ أخرتها بقيت كارتون يا إيمان؟ حرام عليكِ"
تدخلت «عبلة» تقول هي الأخرى بمزاح:
تصدقي أنتِ بتفهمي يا إيمان؟ هي علطول بحسها عيلة صغيرة"
تحدثت «خلود» بضيق زائف:
بالراحة على نفسك يا كتكوتة أنتِ و هي، مالكم و مال أختي"
تدخلت «ريهام» تقول بمرحٍ:
محدش جه جنبها يا ستي، أنتِ مالك متعصبة ليه؟"
تحدثت الفتاة المختصة بتزيين «خديجة» وهي تقول بهدوء:
طب يلا علشان نكمل، و حضراتكم هتكونوا في الأوضة التانية"
أومأ لها الجميع ثم خرجوا من الغرفة، أما هي اقتربت من «خديجة» وهي تقول بحب:
على فكرة كلهم بيحبوكي أوي، كل واحدة فيهم فضلت ساعة توصيني عليكِ، أنتِ محظوظة مش كل البنات بيكون معاها ناس بتحبها كدا في يوم زي دا"
أومأت لها «خديجة» ثم قالت:
بصراحة عمري ما كنت اتخيل إن اليوم دا يكون فيه حد معايا زيهم كدا، بس الحمد لله، ربنا كتبلي أفرح من قلبي اليوم دا"
أومأت لها الفتاة ثم قالت:
ربنا يفرح قلبك دايمًا، يلا بقى علشان نكمل"
______________
في شقة «ميمي» تجهز الشباب جميعهم، ارتدوا أصدقائه نفس الحِلة السوداء، و اسفلها قميص من نفس اللون، كان كلًا منهم يتمتع بوسامته التي تميزه، ارتدى «ياسين» حِلة سوداء أسفلها قميص لونه أبيض ، مع رابطة عنق صغيرة ( ببيونة) سوداء، و كان «يونس» يرتدي نفس حِلة «ياسين»، خرجوا جميعًا من الغرفة، نظرت لهم «ميمي» بحب وهي تقول:
ربنا يبارك فيكم و يحرسكم من العين، و يبعد عنكم كل عين تشوفكم ولا تصليش على النبي"
دخل «عمار» الشقة في تلك اللحظة وكان يرتدي نفس حِلة الشباب وهو يقول بمرحٍ:
استني ادعيلي أنا كمان معاكِ، دا أنا دخلت صيدلة و بقيت بتاع كيميا قد الدنيا"
ردت عليه هي بحب:
بدعيلك يا عمار، وبكرة تبقى دكتور قد الدنيا كلها، و تفتح الصيدلية بتاعتك"
تدخل «عامر» يقول بمرحٍ:
سيبك بقى من كل دا وركز معايا، عاوزك في أول سنة في الكلية تعرفلي طريقة صنع المخدرات، الفقر اللي إحنا فيه دا مش نافع"
ضحك الجميع عليه، فقال «ياسر» بضيق:
سيبك منه دا صايع ملناش دعوة بيه، ركز وذاكر علطول علشان الكليات اللي زي طب و صيدلة دي محتاجة مذاكرة إلى أن يرث الله الأرض بمن عليها"
رد عليه «خالد» هو الأخر:
والله يابني كل حاجة عاوزة مذاكرة، طالما قررت تكمل تعليمك في مصر، يبقى تموت و إيدك على الكتاب"
رد هو عليهم بلامبالاة تزامنًا مع ذراعه وهو يلوح لهم:
على الله بقى، مش دخلت الكلية اللي كنت عاوزها؟ نبقى نشوف بقى هنذاكر إمتى"
قال جملته ثم اقترب من «ياسين» وهو يقول:
بقولك إيه يا غالي هي جماعتك جاية الفرح؟"
ضحك الجميع عليه بشدة، فتحدث «خالد» يقول بحنقٍ:
غبي نفس غباء أخوه بالظبط، رايحين الفرح علشان العروسة متجيش"
رفع «ياسين» حاجبه ينظر له بشررٍ يتطاير من عيناه وهو يقول:
جاية يا عمار، خير؟"
رد عليه «عمار» بحماس:
يعني اختها جاية، يبقى نطلبها في نص القاعة بقى"
أمسكه «ياسين» مت تلابيبه وهو يقول بصياح:
أعملها كدا علشان أولع في عيلتك كلها يا عمار، هو أنتَ و أخوك حالفين تفضحوني في فرحي ليه؟"
رد عليه «عامر» بنبرةٍ متعالية:
عيب يا جدع إحنا هنشرفك، سلملنا نفسك بس"
رد عليه «ياسين» بخوف حقيقي:
ربنا يسترها إن شاء الله"
بعدها ارتفع صوت السيارات أسفل شقة «ميمي» فقال «عمار» و كأنه انتبه لتوه:
يا نهار مش فايت؟ أنا جاي علشان اقولكم إن العربيات جهزت و وصلت، يلا بينا"
أومأ له الجميع، فقال «ياسين» بهدوء:
أنا طبعًا هركب العربية المتزوقة، و أنتو بقى معاكم ربنا، و بابا هيجي ياخد ميمي من هنا"
أومأ له الجميع فودعهم هو بعدما احتضن الجميع، بعدها مال على رأس «ميمي» يقبل قمة رأسها بحب ثم قال:
ابنك الصغير بيتجوز، ربنا كرمه و قلبه اتفتح للي هتملى عليه دنيته كلها، أنا كنت علطول أقولك مشوفتش فيهم اللي تحرك قلبي، بس الحقيقة بقى إن هي اللي علشانها اتخلق قلبي دا، خديجة النهاردة هتبقى ليا علطول، بسبب كلامك ليا اني أمشي ورا قلبي و أسمعه، شكرًا لكِ"
ربتت هي على وجنته ثم قالت بنبرة متأثرة:
أنتَ طيب و هي طيبة، يعني تستاهلوا بعض، روح علشان تلحقها ربنا يسعدكم"
أومأ لها ثم رحل من الشقة، نزل هو أولًا فوجد «عامر» يتبعه وهو يلقي عليه ملح الطعام وهو يقول بطريقة تشبه طريقة النساء:
عين الحسود فيها عود، خمسة و خميسة الله أكبر"
التفت «ياسين» ينظر له بتعجب وهو يقول بنبرة مذهولة:
أنتَ بتعمل إيه ياض أنتَ؟ فاكر نفسك أمي؟"
رد عليه «عامر» بخوف:
والله العظيم أمك هي السبب، قالتلي أبخرك و أرش ملح علشان عين عم لطفي"
ضحك «ياسين» بيأس ثم تركه و رحل من البيت.
في القاعة انتهت «خديجة» من وضع اللمسات الأخيرة على وجهها، ثم جلست في انتظار الجميع، دخل عليها والدها وهو يقول بهدوء:
قالولي برة إنك خلصتي، قولت أدخل أشوفك"
التفتت هي له، فرآها هو و رآى جمالها بفستانها الأبيض الذي صنعته له «سارة»، كانت جميلة به حيث كان لونه ناصع البياض، و كأنها تنافس نجوم السماء في سطوعها، لم يستطع «طه» التحكم في دموعه، فقال بنبرةٍ باكية:
كنت عمال اتخيل فيكِ و أنتِ عروسة، بس طلعتي أحلى من كل مرة تخيلتك فيها، الواد ياسين دا محظوظ بيكِ أوي يا خديجة"
ضحكت هي باتساع بعد حديث والدها فوجدته يقترب ثم طبع قبلة على قمة رأسها، بعدها نظر في وجهها، فوجدها تبكِ، مد أنامله يكفكف دموعها وهو يقول بحب:
أنا أخر حاجة عاوز أشوفها هي دموعك يا خديجة، و بالذات لو بسببي، كفاية عياط بسببي بقى"
ردت عليه هي من بين دموعها:
بس المرة دي بعيط عياط حلو"
ضحك هو عليها ثم قال بنبرة ضاحكة:
أنتِ طيبة أوي يا خديجة، فيه حاجة اسمها عياط حلو؟"
ردت عليه هي بسرعة:
أيوا فيه، العياط الحلو دا بنعيطه لما تحصل حاجة حلوة نفسنا فيها، زي النهاردة كدا"
أومأ لها ثم ربت على رأسها وهو يقول بحب:
ربنا يرزقك بكل اللي نفسك فيه يا رب"
دخلت «زينب» الغرفة وهي تقول:
يلا يا خديجة ياسين زمانه على وصول، مامته كلمتني و قالتلي إنهم نزلوا"
أومأت لها «خديجة» ثم قالت بهدوء:
أنا جاهزة خلاص يا ماما"
رد عليها «طه» بحزن يخيم على نبرته:
هي خلاص كدا...ماشية صح؟"
أتى «وليد» و «أحمد» من خلفه فقال الأول بمرحٍ:
آه ماشية يا طه، سيبها بقى تشوف حياتها، ولا أنتَ عاوزها تعنس جنبك"
رد عليه «طه» بنفس النبرة الحزينة:
عاوزها تبقى فرحانة يا وليد، وهي فرحتها مع ياسين مش معايا"
أخفضت رأسها في خجل، أما «أحمد» فقال بهدوء:
طب يلا علشان ياسين وصل، هاتها و تعالى يا بابا"
أومأ له «طه» ثم مد لها ذراعه حتى تتمسك به، أما «زينب» فأجهشت في بكاء مرير، سألها «أحمد» باندهاش:
أنتِ بتعيطي ليه؟ هي راحة تتجوز مش راحة سوق العبيد، و بعدين اللي تتجوز زي ياسين دي المفروض يعملولها فرح أسبوع كامل"
ردت عليه «زينب» ببكاء:
محدش فيكم هيفهمني، خديجة دي مش بنتي، دي صحبتي و أختي وكل حاجة ليا، حزننا و فرحنا كان مع بعض، أقرب الناس لقلبي و أول فرحة عرفها القلب و شافتها العين"
اقتربت منها «خديجة» تمسح دموعها وهي تقول بهدوء:
وأنتِ كل حاجة حلوة في حياتي، طول عمرك مستحملة علشاني كتير، اللي زيك يستاهل تمثال، بس علشان خاطري كفاية عياط بقى"
احتضنتها «زينب» بحب وهي تقول ببكاء:
هتوحشي قلبي و عيني يا خديجة، ربنا يديم فرحة قلبك و يسعد أيامك"
تحدث «وليد» بضيق زائف:
يلا يا جماعة، الواد هيفتكرنا بنتقل عليه"
قال جملته ثم اقترب منها يقف مقابلًا لـها وهو يقول بحب:
الواد ياسين دا خد مني نور عيني، توأم روحي زي ما بيقولوا، بصراحة عاوز أخدك معايا البيت تاني، بس برضه ياسين يستاهلك ، هنسامحه علشان طيب بس"
احتضنته هي بقوة وهي تقول بحب:
أنتَ اللي هتوحشني أوي، طول عمري معاك في كل حاجة، و كان نفسي فرحنا يكون في نفس اليوم ، بس مش مشكلة علشان أفوق لك"
رد عليها هو بفخرٍ بعدما ابتعد عنها نسبيًا:
مانا جاهز قدامك أهوه، ولابس بدلة بيج محدش لبسها قبل كدا"
ابتسمت هي بسخرية، فقال هو باحراج:
محدش لبسها غيري أنا وأحمد و طارق و وئام و حسن"
اتسعت ضحكتها أكثر فوجدته يقول بضيق زائف:
الله يسامحه عامر بقى، قال رجالة العريس يلبسوا بدل كلها سودا، و رجالة العروسة يلبسوا بدل بيج وقمصان سودا، فاكرنا شاي بلبن"
رد عليه «أحمد» بتعجب:
مش دي المشكلة، المشكلة إننا بنسمع كلامه، مسيطر بصراحة"
أومأت لهما «خديجة» ثم قالت مبتسمة:
هو ما شاء الله عليه، يقدر يقنع أي حد بأي حاجة، حتى ياسين"
بعد قليل كانت «خديجة» تنزل الدرجات مع والدها، و جميع النساء خلفها، يطلقن الزغاريد، كان «ياسين» واقفًا في نهاية تلك الدرجات و بجانبه والده و خلفه جميع الرجال، نزل «طه» وقبل أن يقترب أكثر من «ياسين» وقف فجأة، نظر له الجميع بتعجب، فتنهد هو بعمقٍ ثم قال:
أنا مش هقدر انزل أكتر من كدا، هما كلمتين هقولهم من مكاني، خديجة دي بنتي و نور عيني، يمكن أنا عرفت دا متأخر بس الحمد لله أني عرفت، بس فيه حد تاني أحق مني يسلمها ليك، وهو وليد، اللي طول عمره شايل خديجة و واقف في ضهرها، علشان كدا وليد هو اللي هيسلمهالك مش أنا...هو أحق مني"
أتى «وليد» في تلك اللحظة ينظر له بأعين دامعة،فوجد «طه» يربت عليه بفخرٍ وهو يقول:
أنتَ تستاهل إن خديجة تحبك، خديجة بتحبك حب غريب يا وليد، طول عمرها في زعلها و فرحها بتجري عليك، سلمها لجوزها زي ما جمعت طرقهم سوا"
أومأ له «وليد» ثم قبل قمة رأسها، بعدها مد ذراعه لها حتى تتمسك به، أخذها ثم نزل بها الدرجات المتبقية، وقف «أمام» ياسين الذي كانت أعينه تضج بالفرحة، و زادت فرحته أكثر حينما اقتربت منه، نظر لهما «وليد» ثم قال بحب:
بغض النظر عن إنك حبيبي، بس أنا كدا مش بسلمك خديجة، لأ، أنا بخرج روحي من جسمي و أسلمهالك، خديجة دي بنتي اللي الأيام هدتني بيها، ممكن تبان صغيفة، بس اللي يتسند عليها كأنه مسنود على بيت كامل، خديجة دي دليل إن فيه حاجات حلوة كاملة إحنا مش واخدين بالنا منها، صدقني والله أنا بسلمك عمري كله بين إيديك، حافظ على عمري دا يا ياسين، علشان كسرتي اللي بجد من كسرة خديجة"
تنهد «ياسين» بعمق ثم اقترب منهما أكثر، مد انامله يمسح دموعها وهو يقول بنبرة حنونة هادئة:
صدقني أنا مش عاوز غير إنها تكون فرحانة بس، وزي ما بتقول إن خديجة هي روحك، هي بقت كل دنيتي يا وليد، حتى النفس فيا بقى بيطلع علشانها، الدقة اللي القلب بيدقها بقت علشانها و علشان وجودها، خديجة دي النجمة اللي طلعت ليا علشان تونس حياتي، و طلتها عليا بالفستان الابيض دا خلتني أحس أني ماسك نجوم السما في إيدي، اطمن يا وليد، خديجة مع قلب مش بس حبها، دا قلب بيدق باسمها"
صفق الجميع تصفيقًا حارًا بعد حديث «ياسين» أما هو اقترب منها يطبع قبلة هادئة على قمة رأسها وهو يقول بحب:
هَــا قَــد سَــطَـعَ نَــجْــمّي الــصَـغِــير...حَــتـى يُــضِـيف لِــحـياتـي وَهــجٌ كَــبْيـر"
نظرت له بحب فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
بعد قليل دخل الجميع القاعة أما «خديجة» فدخلت برفقته وهي ممسكة بذراعه، وقفا سويًا في وسط القاعة، بعدها بدأت الأغنية التي أختارها هو حتى يرقصا عليها سويًا وهي:
يا كل حياتي و أمالي و يا أجمل سنين فاتت...ويا حبي و كل أشواقي و كل لحظة معاك كانت، أنا منك و كلي ليك...حياتي ليك و رهن إيديك...بشوف العمر فيك أنتَ و أشوف الدنيا دي بعنيك...
تصحي فيا أنا الاحساس..و على جناح الخيار أطير.. واشوفك أنتَ كل الناس...ومن نفسي عليك أغير...بتسرق كل أوقاتي و تشغل ياما تفكيري...وخلتني أعيش الحب في دنيا ما عاشها يوم غيري"
كانت تنظر له بحب وهو أيضًا و هما يتحركا على كلمات الأغنية التي تعبر عنهما معًا، انتهت رقصتهما سويًا، فسألته هي بهدوء:
برضه عمرو دياب يا ياسين؟"
غمز لها بطرف عينه وهو يقول بنبرة مرحة:
عيب عليكِ دا الهضبة حبيبي"
بعدها ارتفع صوت الموسيقى الصاخبة و اجتمع الفرح بأكمله يلتفون حول العروسين، عدا «جميلة» التي جلست بمفردها على طاولة منزوية عن الانظار، أتى «طارق» لها وهو يقول بهدوء:
أنتِ قاعدة لوحدك ليه؟ على فكرة هما محضروش الفرح علشان متزعليش"
ردت عليه هي بهدوء:
أنا مش واخدة على الأفراح بصراحة، أول مرة أحضر فرح بالطريقة دي...حاسة نفسي مستغربة الجو، أومأ هو لها ثم قال بهدوء:
طب تحبي تخرجي برة شوية؟ بس أنا بقول خليكِ هنا خدي على الجو علشان فرحنا إن شاء الله"
نظرت له باندهاش فوجدته يضيف هامسًا بثقة:
عيونك الحلوة دي قالوا كل حاجة، و عرفت انك بتحبيني، كفاية لمعتهم ليا و أنا داخل الشقة، بس برضه زيك زي كل البنات...يتعملك فرح...ولا إيه يا جميلة"
أخفضت رأسها في خجلٍ منه، فوجدته يقول بمرحٍ:
السكوت علامة الرضا إن شاء الله"
_"مش شرط على فكرة، أنا لما بسكت بشتم في سري"
قالها «وليد» بمرحٍ خبيث من خلفهما بعدما سمع حديث «طارق»، التفت «طارق» ينظر له بشررٍ يتطاير من عيناه وهو يقول:
خير يا وليد نعم؟ وبعدين أنتَ بيفرق معاك حد علشان تشتم في سرك؟"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ متهكمة:
دا علشان مشاعر اللي قدامي بس، ويلا علشان عامر عاوزنا جوة"
أومأ له «طارق» ثم أمسك يد زوجته وهو يقول:
تعالي اقعدي مع هدى و هدير هما هناك اهوه"
أومأت له بهدوء ثم سارت معه،وصلوا عند طاولة «هدى» و «هدير»، كان «وئام» جالسًا معهن، نظرت له زوجته بضيق وهي تقول:
مش عارفة ليه يا وئام شكلك معصبني، حاسة أني عاوزة أقوم أخنقك"
نظر هو لها باندهاش، بينما «هدير» قالت بنبرة شبه باكية:
حرام عليكِ يا هدى، أنتِ ملبوسة؟ كل شوية تشتمي حد فينا"
رد عليها «وليد» بسخرية:
دي هرمونات الحمل يا ختي، خليها كدا لحد ما أخليه يتجوز عليها"
ردت عليه «هدى» بحنقٍ:
غور من وشي علشان مش طايقاك، و ريحتك معصباني، أمشي بقى"
رد عليه «وليد» بنبرة حانقة:
هو فرح أهلك؟ دا فرح أختي، وبعدين مالها ريحتي يعني هو أنا علبة تونة قصادك؟"
رد عليه «وئام» بضيق:
يا عم الله يرضى عليك اسكت، دي مطلعة عين أمي، بس أنا هقوم علشان هي مش طيقاني"
وقف «وئام» حتى يرحل، فأمسكته هي من ذراعه وهي تقول ببكاء:
خليك معايا متمشيش علشان خاطري"
ضحك عليهما الجميع، فمال هو عليها يقبل قمة رأسها ثم قال:
هروح أشوف عامر عاوزنا ليه، و هرجعلك تاني"
أومأت له ثم وضعت كفها على بطنها المنتفخة، أما «جميلة» فقالت لها بهدوء:
ربنا يبارك فيكم، شكلكم بتحبوا بعض أوي"
إبتسمت لها «هدى» بحب ثم تحولت ملامحها إلى الضيق وهي تقول بنبرةٍ حانقة:
ولا بطيقه... كويس إنه مشي"
نظرت لها «جميلة» بتعجبٍ و لم تعقب، أما «هدير» فركضت خلف «وليد» ثم أوقفته وهي تقول بهدوء:
عملت إيه يا وليد في موضوع هناء..
عاوزة أورح علشان أفوق لنفسي، حياتي كلها واقفة و مش عارفة أحركها"
أومأ لها هو بهدوء ثم قال:
متخافيش كلمتها والله، وبعد فرح خديجة هنروح ليها أنا مش ناسي"
أومأت له في هدوء، فأتى «حسن» في تلك اللحظة وهو يقول بنبرة حماسية:
يلا يا وليد، عامر قال نكون جوة كلنا، لحد ما يجي"
أومأ له «وليد» ثم قال:
طارق و أحمد و وئام دخلوا، يلا بينا إحنا كمان"
نظر «حسن» لها ثم قال بهدوء:
إزيك يا آنسة هدير عاملة إيه؟"
ابتسمت هي له بتوتر ثم قالت بهدوء:
كويسة يا أستاذ حسن حضرتك عامل إيه؟"
أومأ لها ثم قال بهدوء:
أنا كويس الحمد لله، و كويس أني شوفتك"
تدخل «وليد» يقول بهدوء:
روحي يا هدير عند البنات يلا، وأنتَ يا حسن تعالى معايا علشان عامر مستني، ولا نسيت؟"
أومأ له «حسن» بهدوء ثم رحل معه بعدما تركتهما هي.
على مقاعد العروسين، نظر «ياسين» يتفحص المكان و فجأة قال بخوف:
خديجة أنا خايف...عامر اختفى ولم الرجالة كلها معاه...ربنا يستر"
ردت عليه بنبرةٍ خائفة هي الأخرى:
وأنا كمان خايفة أوي، بس إن شاء الله خير و...."
قبل ان تكمل جملتها، انقطع النور عن القاعة بأكملها فرد هو عليها بنبرةٍ ساخرة:
لا ما هو واضح إنه خير فعلًا"
فجأة تم تشغيل اضاءة خافتة في القاعة تزامنًا مع فتح الباب الخلفي و دخول الرجال منه ولكن بهيئة مختلفة، فقد كان كل رجل منهم يرتدي جلباب صعيدي معه عماءة بيضاء و في يده عصا خشبية كبيرة الحجم، عند وصولهم منتصف القاعة تم تشغيل اغينة من أختيار «عامر» وهي:
اللي أبوه صعيدي ميخافش... إحنا الصعايدة أهم... حضروا....وصلوا"
عند استكمال باقي كلمات الأغنية، ذهب «عمار» ثم أخذ «ياسين» من جانب العروس، وضع عليه جلباب صعيدي و شارب صغير ثم أخذه حتى يرقص مع الشباب، كان المنظر غريب للبعض، و متوقع للآخرين، بعدها اندمج «ياسين» وسط الجميع وهم يرقصون على كلمات الأغنية بالعصا، كان «ياسين» في المنتصف، و جميع الرجال حوله يلتفون في تناغم، بعدها قام المسئول بتشغيل أغينة
صاحبي اللي كتفه في كتفي بيخليني مطمن"
تلك المرة كانت الدائرة اكبر، حيث دخلها رجال عائلة الرشيد، مع «ياسين» و أصدقائه، كان المنظر مبهج و محبب للقلب.
_____________
بعد انتهاء الفرح و توديع العروسين من قبل عائلتهما، وصل «ياسين» شقته معها، دخل هو اولًا وهي خلفه، اغلق باب الشقة ثم قال بنبرةٍ ساخرة:
دي شقتنا يا خديجة خلي بالك، لا تكوني نسيتي ولا حاجة"
ردت هي عليه بنبرةٍ حانقة:
خلاص يا ياسين بقى، هتفضل ماسكهالي كتير؟ قلبك أبيض"
ضحك عليها ثم قال بهدوء:
طب يلا غير هدومك علشان نصلي مع بعض، خلينا نبدأ حياتنا صح"
اومأت له وهي تبتسم بهدوء، ثم تركته و دخلت الغرفة، أما هو فنظر في أثرها بارتياح ثم قال:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"
بعد قليل كان هو يتلو القرآن الكريم بصوته العذب الذي اسار القشعريرة في بدنها فبكت رفمًا عنها وهي تسمع صوته، أما انهى صلاته ثم رفع ذراعيه يتضرع بقلبه قبل لسانه إلى الله أن يبارك له في زواجه منها، و يجعلها خير الزوجة الصالحة، انهى تضرعه، ثم التفت ينظر لها وجدها كعادتها تبكِ، فمد انامله يمسح دموعها، بعدها امسك كفها، وهو يقوم بخِتم الصلاة عليه، حتى يقتسما الاجر سويًا، بعدها قال بهدوء و بنبرةٍ حنونة:
الحمد لله يا خديجة...أنتِ بقيتي معايا في بيتي ودا من كرم ربنا عليا...عاوزك تعرفي إنك هنا مع نصك التاني يا خديجة، يعني مهما كانت الحياة برة...معايا هنا حياة تانية...ربنا يعلم أني هبذل كل طاقتي علشان املا البيت دا حنان ليكِ، أنتِ رزق ليا وأنا كراجل عاقل لازم أحافظ على الرزق دا"
أومأت هي له بهدوء ثم مدت يدها تجلب شيء صغير من على الطاولة الموضوعة بجانبهما، ثم أعطتها له وهي تقول بهدوء:
أنا كنت بعمل الحاجات دي من زمان...بس جت فترة عليا و بطلت...بس أنتَ الوحيد اللي تستاهل أني أعمل اي حاجة علشانه"
قطب جبينه ينظر لها بحيرة تزامنًا مع فتحه الطارة التي قدمتها هي له، فاتسعت مقلتاه باندهاش حينما وقع بصره على تفاصيلها، فوجد اسمه مزخرف بالخط العربي بكامل تشكيل حروفه، و أسفل منها قامت بتدوين عبارة غزل تشبه كلماته لها وهي:
فـي حِــدودْ ذِراعَــاكْ تَــكْمُـن مَــدائِنُ طَــمأنِـينـةُ قَـلّـبي...يَـا مَــن وَجَــدتُ فِــيكَ الــراحَـة عِــندَ تَـعَـبي."
وأسفل تلك الكلمات وجد زهور صغيرة تشبه زهور دوار الشمس، و أسفل تلك الظهور أسميهما سويًا.
رفع رأسه ينظر لها بحبٍ فوجدها تقول بهدوء:
كل تفصيلة فيها معمولة علشانك... محدش غيرك يستاهل أعمل اي حاجة علشانه يا ياسين"
قبل هو وجنتيها بحب ثم نظر في عينيها وهو يقول بنبرة حنونة هادئة:
ظننتُ أن قلبي هذا لم يخلق له الحب، و ظننتُ أنني لم أملكُ يومًا قلب، إلا أن وقعت عيناي على عيناكِ ففرح قلبي برؤية محياكِ، فوقفت أمام العالم صامدًا أقول:
أحببتُ جميلةٌ وجهها صَبوحًا"
كُلما تبسمت زاد جمالها وضوحًا"
احتضنته هي بحبٍ ثم قالت:
ربنا يباركلي فيك يا ياسين، أنتَ من ساعة ما ظهرت في حياتي وأنا اتعافيت بيك"
تَــــمـــتْ بـــحمد الله.