تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثاني» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول الفصل الأول" رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني" ___________ ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب __________ قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد. كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي ا...
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الحادي والتسعون 91 - بقلم شمس بكري
الفصل الثاني و التسعون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_________________________
قلبي يحدثني بأنك مُتلفي"
_مقتبس
_________________________
لا خَيرَ بَعدكِ في الحيَاةِ وَإنّمَا أَبكي مَخافةَ أن تطولَ حيَاتي."
- الإمَام عليّ لفاطِمَة بعدَ وَفاتِها.
نظرة عينيه قارنها العتاب و هو يرمقها بغير تصديق مُغلف بالاستنكار، فتجاهلت هي نظرته تلك ثم وجهت حديثها للأخرىٰ و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
تعالي يا طنط حنان اتفضلي"
دلفت "حنان" بخطواتٍ متمهلة تخشى الاقتراب و خاصةً أمام جمود نظراته المصوبة نحوها، و لكن ما أصاب قلبها في مقتل هو تمسكه بابنه و كأنه يخشى عليه من اقترابها نحوه، تنفست بعمقٍ ثم وقفت أمام "هدير" تسألها بصوتٍ مهتز:
ازيك يا هدير ؟! الحمد لله على سلامتك و ربنا يجعله ذرية صالحة ليكم إن شاء الله"
ردت عليها "هدير" بثباتٍ يغلفه الود على الرغم من كونها مُرغمة على ذلك:
الله يسلمك، اتفضلي اقعدي واقفة ليه ؟!"
تحدث في تلك اللحظة "محمود" يقول بنبرةٍ هادئة موجهًا الحديث لمن معه بالغرفة:
طب يلا بقى علشان نسيبهم شوية مع بعض، عن اذنكم"
خرج هو و من معه و أخرهم كانت "مشيرة" التي رمقت "حنان" بغيظٍ مكتومٍ ثم قالت بلهجةٍ ثابتة:
نورتي بس اتمنى إنك متطوليش هنا، البت والدة قيصري و جرحها مفتوح، واخدة بالك ؟!"
حركت "حنان" رأسها بتفهمٍ حتى فرغت الغرفة من الجميع عدا ثلاثتهم و الصغير على ذراعي "حسن" أقتربت منه تسأله بلهفةٍ:
ازيك يا حسن، وحشتني أوي، ألف مبروك يا حبيبي، يتربى في عزك و خيرك"
ابتسم بسخريةٍ و قال متهكمًا:
عزي و خيري ؟؟ آه ما أنا عارف، عزي و خيري اللي أنتِ مستكتراه عليا يا حنان ؟! أنتِ جيتي ليه"
قبل أن تنطق هي و ترد على سؤاله، جاوبت "هدير" بدلًا عنها بقولها:
أنا يا حسن اللي قولتلها، أنا اللي كلمتها و طلبت إنها تيجي تشوف ابن أخوها، و هي كانت خايفة منك و قالتلي إنها هتيجي مرة تانية تكون أنتَ مش موجود فيها"
طالع "هدير" بنفس الجمود فقالت هي بنبرةٍ هادئة تحاول التأثير عليه:
قبل ما تبصلي كدا افتكر اننا مش ملايكة، و بعدين ربنا كرمنا و زورنا بيته و رجعنا ناس تانية من هناك، إزاي و احنا قاطعين صلة الرحم ؟! أنتَ عارف دي جزاتها إيه يا حسن ؟! انتم مهما حصل بينكم أخوات و لحم و دم واحد، و أنا حلمت بماما نادية عاوزاني اصالحكم، علشان "علي" حتى لما يكبر يلاقي عمة"
زفر "حسن" بقوةٍ و ظهر التخبط في نظراته و غلفت الحيرة عيناه فيما قالت "حنان" بأسفٍ:
أنا هشوفه بس مرة واحدة و أوعدك مش هتشوفني تاني، بس عاوزة أشوفه و خلاص"
رد عليها هو بثباتٍ:
حقك طبعًا، تشوفيه و تشيليه و تقعدي معاه، بس أكتر من كدا لأ، دا ابن أخوكِ و أنا علشان راجل بفهم في الأصول مش هحرمك منه، بس أنا لأ يا حنان، اللي في قلبي منك كتير و الأيام مداوتهوش، يدوبك باديء أشم نفسي، فأرجوكِ بلاش تحاولي معايا في حاجة أكبر من طاقتي، أنا مش همنعك من ابني و عمري ما هجيب سيرتك بِـ شر قدامه"
حركت رأسها موافقةً ثم مدت يدها له حتى تحمل ابنه فنظر هو لـ "هدير" حتى حركت رأسها موافقةً حينها زفر مستسلمًا ثم اعطاه لها بقلة حيلة و وقف يتابعها و هي تحمل صغيره البريء على كفها حتى بكت رغمًا عنها بندمٍ بعدما فر منها حقها فيهم كما يفر السراب بظهور الحقيقة، حينها قال "حسن" بجمودٍ و قسوةٍ:
أنا مش هضغط عليكِ و أفكرك باللي ضاع منك، بس هقولك جملة هدير قالتهالي ساعة ظهورك المرة الأولىٰ، قالتلي إن اللي يغيب من المسرحية بمزاجه ميزعلش لما ييجي يلاقي دوره اتاخد، و دورك ملاه كتير اوي يا حنان"
حركت رأسها موافقةً ثم اقتربت من "هدير" تعطيها ابنها و قالت لها بصوتٍ مختنقٍ:
شكرًا إنك محرمتنيش من لحظة زي دي رغم أني مستحقهاش، ربنا يخليكِ لـ حسن و يخليهولك و تفرحوا بابنكم سوا إن شاء الله، ألف مبروك"
ابتسمت لها "هدير" بتفهمٍ و هي تحرك رأسها موافقةً، فاقتربت "حنان" منه تقول بترددٍ و كأنها تجبر فمها على التفوه:
ممكن اسلم عليك و احضنك قبل ما أمشي ؟!"
تأهب جسده و ظهر الانفعال عليه فيما تحركت هي دون أن تنتظر جوابه و ارتمت عليه ببكاءٍ تتمسك به و حينها نظر هو لـ "هدير" فحركت رأسها موافقةً تحثه على الموافقة، زفر هو بقوةٍ ثم رفع ذراعه بترددٍ يربت على ظهرها و عينيه تتابع "هدير" التي ابتسمت بفرحةٍ ثم قبلت كف صغيرها.
_________________________
في الخارج وقف "وليد" مع الشباب يحتسون الشاي مع بعضهم حتى وقع بصره على "حنان" تخرج من المشفىٰ فتحرك هو من موضع الشباب ثم اقترب منها يوقفها و هو يقول بثباتٍ:
كنت متأكد إنها هتكلمك بس متوقعتش إنك تيجي، بس احنا ولاد أصول و ميهونش علينا الزعل بين الأخوات يا مدام حنان، أظن دلوقتي اتأكدتي إن مصلحة أخوكِ معانا احنا بس، الفرحة في عنيه مش محتاجة كلام"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بقلة حيلة:
معاك حق، حقكم عليا مرة تانية و اسفة لو اتسببت في مشاكل"
رد عليها هو بثباتٍ و ثقةٍ كعادته:
لأ ما هي مبتأكلش عيش كلمة آسفة دي، كل اللي عاوزه منك إنك تبطلي تظهري لحسن و هدير، هما كدا مبسوطين، دا لو همك فعلًا مصلحة أخوكِ"
قبل أن تتحدث هي و تعقب على حديثه قال هو بنفس الثبات:
فرصة سعيدة اتمنى متتكررش تاني إن شاء الله"
التفت بعد جملته و تركها فيما تنفست هي بعمقٍ ثم رحلت من المكان و لربما من المحافظة بأكملها، فيما عاد "وليد" للشباب من جديد يقف بجوارهم.
داخل غرفة "هدير" جلس "حسن" أمامها يرفع أحد حاجبيه و هو يراها تتصنع الانشغال بمولودها حتى سألها بنبرةٍ جامدة:
يا شيخة ؟! هتفضلي مكبرالي كدا كتير ؟! عملتي كدا ليه يا حلوة الملامح ؟!"
ردت عليه ببراءةٍ زائفة:
علشانك يا أبو علي، هيكون علشان مين يعني ؟!"
ابتسم بتهكمٍ حتى قالت هي مسرعةً:
لو سمحت متضحكش الضحكة دي، لو عرفت وجهة نظري أنا، أنتَ مش هتقول كدا، بس أنتَ مقموص و مش فاهمة ليه"
رد عليها بنبرةٍ اقرب للانفعال بقدر تماسكه عن إظهار غضبه:
علشان أنتِ اتصرفتي من دماغك يا هدير، مقولتليش ليه ؟؟ تفاجئيني كدا أنها جاية ؟! أنا علشان ميبقاش شكلنا وحش قدام الناس سكت، بس كدا كتير عليا و على أعصابي"
أشارت له حتى اقترب منها فقالت هي بنبرةٍ هادئة و ثابتة:
دلوقتي أنا و أنتَ هنكون أهل، يعني ربنا رزقنا بعيل عاوزين نربيه صح من غير ما نكرر نسخ مننا كانت وحشة، دلوقتي لو أنتَ فضلت شايل من اختك كدا مش هترتاح، لكن مرة مع مرة المسامحة هتيجي و ربك يكرمك عليها، متنساش أنا كنت إيه و بقيت إيه ؟! فاضلي ٥ أجزاء و اختم القرآن الحمد لله، عارف ليه ؟! علشان أنتَ عرفتني أني حلوة و مش قصدي الشكل، أنتَ حسستني أني إنسانة بجد و عندي مشاعر، أنتَ حبيتني و أنا مش عارفة أحب نفسي يا حسن، احنا لو كلنا حبينا بعض مفيش حد هيكون وحش، بص عمتو مشيرة بقت عاملة ازاي ؟! بقت ماشية توزع الحب لكل اللي حواليها و أكترهم خديجة دا علشان هي لقت نفسها محبوبة وسطنا، أختك لو فضلت بعيد عنك كدا القسوة هتملأ قلوبكم، و أكيد مامتك مش مرتاحة في تربتها بحاجة زي دي"
ابتسم هو بقلة حيلة بعد حديثها و لم ينكر فخره بتفكيرها و طريقتها في وزن الأمور حتى سألته هي بتعجبٍ:
أنتَ بتضحك على إيه ؟!"
رد عليها مُردفًا:
بضحك عليكِ، فرحان بيكِ و مبسوط بتفكيرك، بس برضه مش هقدر أعمل كدا"
ظهر التذمر و الضيق على ملامح وجهها و هي ترمقه بغيظٍ فيما قال هو بنبرةٍ هامسة:
على فكرة شكلك حلو أنتِ و هو مع بعض، شكلي كدا هتروح عليا"
ردت عليه هي بضجرٍ:
آه يا حسن هتروح عليك، و يلا اتفضل من هنا بقى سيبني مع ابني شوية، يا إما تصالحني"
رفع حاجبه الأيسر يسألها بضجرٍ:
نعم ياختي ؟! أنا اللي أصالحك بعد كل دا ؟؟"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت بتأكيدٍ:
آه....تصالحني اتفضل"
زفر هو بقلة حيلة ثم قال مستسلمًا لما تريد:
حاضر، حقك عليا يا هدير من الحاجة اللي أنتِ عملتيها و زعلتني، ميصحش أني أعمل كدا"
ابتسمت هي بانتصارٍ له فيما تابعها هو بنظره حتى ضحك رغمًا عنه و ضرب كفيه ببعضهما تزامنًا مع قوله ساخرًا:
دنيا إيه دي يا ربي اللي تخلي واحد زيي يبقى قلبه طري كدا ؟! أنا قلبي بقى خساية من يوم ما شوفتك"
ردت عليها هي بسخريةٍ:
شوف مين اللي بيتكلم !! واحد يوم ما اعترفلي بحبه بيقولي أنا خايف، اقعد بقى خليني ساكتة"
اقترب منها يقول بثقةٍ:
ليه مش فاكرة غير دي ؟! طب و خيال و لعيونك الحلوة ميال ؟؟ طب و بلاقي فيكِ الونس و أنا الغريب في الدنيا دي، طب و مكانش ليا عزيز في الدنيا و جيتي أنتِ خدتي أنتِ مكان الكل، كل دا نسياه ؟!"
حركت رأسها موافقةً ببرودٍ جعله يقترب منها أكثر و قال هامسًا بصوتٍ هاديءٍ:
انسي أنتِ براحتك، بس أنا مش ناسي إنك ونس العمر اللي ربنا رزقني بيه"
ابتسمت هي له فيما اخفض هو رأسه يقبل رأس "علي" و في تلك اللحظة طُرق باب الغرفة لتطل منه "مشيرة" و هي تقول بنبرةٍ مرحة:
يلا يا هدير علشان هنروح النهاردة، الدكتورة قالت إنك تقدري تروحي طالما فوقتي و هترتاحي في البيت"
ابتسمت هي ثم حركت رأسها موافقةً و أخفضت رأسها تنظر لابنها بعاطفة الأمومة لديها و التي ازدادت بمجرد النظر في وجه ذلك الملاك البريء.
_________________________
كانت "عبلة" جالسةً مع "خديجة" في بيت آلـ "الرشيد" و كانت الأولى تحمل أحد ابنائها على ذراعيها و "خديجة" تحمل الأخر حتى قالت بمرحٍ:
حاسة كدا إن الاتنين هيكونوا نسخة واحدة شكل و طبع، بقالهم اربع شهور و أكتر بقوا نسخة واحدة خلاص"
ردت عليها "عبلة" و هي تهدهد صغيرها:
حاسة ؟! و الله العظيم ٣ نُسخ من بعض، كأني عملت كوبي بيست من وليد، فيه عيال عندهم أربع شهور يتعصبوا !!"
ابتسمت "خديجة" بقلة حيلة فتدخلت "خلود" تقول بضجرٍ:
أيوا برضه احنا مروحناش ليه ؟! مش كنا نروح بدل ما نسيب هدير لوحدها ؟!"
ردت عليها "عبلة" مفسرةً:
هنروح فين ؟! وليد قالي افضل هنا علشان مازن و زياد و أخلي بالي منهم، و خديجة هنا لوحدها و جميلة جوة نايمة من التعب و سيادتك بتذاكري، سلمى و عمتو و باقي الستات هناك و هدى معاهم"
حركت رأسها بتفهمٍ ثم اقتربت من "فارس" الذي يجلس على الأرض يلعب بالسيارة الصغيرة الخاصة به، ثم حملته على يدها تدغدغه في أنحاء جسده حتى ضحك هو بصوتٍ عالٍ ثم التفت يعانقها و هو يقبل وجهها.
ابتسمت "خديجة" و هي تراهما سويًا ثم قالت بنبرةٍ ضاحكة:
فارس و خلود من كتر ما هما صحاب بقيت أشوفهم زي القطط و هي بتلعب، و أنا اللي قولت هيفضحنا علشان هدى سايباه !!"
ردت عليها "خلود" و هي تحمله على ذراعيها:
هدى علشان عارفة إن أنا و هو صحاب سابته و هي متطمنة، و هو بصراحة هادي زي وئام بالظبط، فارس دا روح قلبي"
في تلك اللحظة وصل أفراد العائلة معًا بعدما خرجت "هدير" من المشفى و وصلت لبيت أبيها، حينها انتبهت الفتيات لوصول "هدى" و معها "وئام" و هي تركض نحو ابنها الذي ضحك بمرحٍ ثم ذكر اسمها و هو يركض لها فتحدثت "خديجة" تسأل "وئام" بنبرةٍ هادئة:
هدير عاملة إيه يا وئام ؟! هي فين دلوقتي ؟!"
رد عليها بوجهٍ مُبتسمٍ:
زي الفل الحمد لله، جت معانا تحت بس احنا طلعنا علشان فارس و طارق بيجيب حاجات هو و أحمد و حسن معاها"
سألته "عبلة" مسرعةً:
وليد فين ؟! اتأخر و أنا طلبت منه حاجات مهمة للعيال"
رد عليها بهدوء:
هو و ياسين راحوا يجيبوا الحاجات دي و عامر و خالد و ياسر روحوا بيوتهم"
حركت رأسها بتفهمٍ فيما حمل هو صغيره على يده يهدهده حتى ابتسم له "فارس" و هو يذكر اسمه بفرحةٍ كبرى.
_________________________
في الأسفل وقف "أحمد" مع "سلمى" يتحدثان سويًا قبل أن تصعد لشقتهم فسألته هي بنبرةٍ هامسة:
طب و هو أنتَ ضامن يعني إن بابا يوافق ؟! خلاص التيرم دا اخر فيه و كلنا هنخلص امتحانات متأكد يا أحمد !!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مقررًا:
آه ضامن، أنا هقوله اللي عندي و هخليه ياخد أي ضمان يريحه، أنا عاوزك معايا و خلاص، اللي عليا خلصته و طنط سهير قالت لماما إن جهازك و كل حاجة خلصت و أنا ماكنتش عاوز حاجة أصلًا، احنا بس نشوف خديجة اللي قربت تولد و اتطمن عليها و خلود تخلص السنة الصعب دي و أنا ساعتها ابدأ في موضوعنا"
حركت رأسها موافقةً فيما اقترب هو منها يحتضن وجهها بكفيه معًا و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا عاوزك تنجحي و تفرحي و اتشرف بيكِ قدام الكل، بس مش عاوز دا يحصل و أنا بعيد عنك، عاوز اشاركك نجاحك زي ما أنتِ هتشاركيني حياتي كدا"
ابتسمت هي له بفرحةٍ فاقترب هو منها يقبل قمة رأسها ثم احتضنها و هو يتنهد براحةٍ و قال بصوته الرخيم:
عارفة !! أنا بقيت بصحى من النوم فرحان علشان عارف إن مسموحلي أكلمك وأشاركك من غير ما أفكر أني باخد ذنب على كدا، أنا فرحان أني جربت المشاعر الحلوة دي معاكِ بحلال ربنا و أنتِ مراتي، فرحان و أنا بملي عيني منك من غير ما أفكر إن اللي بعمله دا أنا هتحاسب عليه، فرحان إنك أخيرًا بقيتي ليا و إن القلب اللي شبه قلبي بقى زي البيت ليه؛ ونس"
شعرت هي بتدفق الدماء في وجهها من شدة خجلها و ما تشعر به معه هو، فيما ربت هو على كتفها ثم قال بصوتٍ هاديءٍ:
اطلعي يلا فوق علشان محدش يتكلم و أنا هكلم بابا يفاتح عمي في الموضوع"
تحركت هي من أمامه و هي تبتسم بخجلٍ فيما دلف"وليد" في تلك اللحظة و هو يقول بخبثٍ:
اخس عليا جيت في وقت مش مناسب، شكلي كدا قطعت برزقك يا أبو حميد"
وضع "أحمد" كفيه في جيبي بنطاله و هو يقول بثباتٍ يتمزج بالبرود:
لأ و الله خلاص خدت اللي أنا عاوزه، حضن كدا تصبيرة"
رد عليه "وليد" بنفس الأسلوب الخبيث الذي يتميز به كليهما:
آه قولتلي، طب خلي بالك بقى علشان اخرتها هتبقى زي ما إنتَ شايف كدا"
قال جملته و هو يرفع كفيه بالحقائب التي يمسكها تزامنًا مع إضافته متابعًا حديثه:
نص الفلوس حفاضات و النص التاني فيتامينات و الباقي لبن علشان المدام و شامبو استحمام، متتحمسش أوي كدا علشان آخرة الحماس دا هتبقى بشحاتة"
ابتسم "احمد" بسخريةٍ ثم أضاف متهكمًا:
أنتَ اللي مُبخت و رزقك واسع جيبت الاتنين في وقت واحد، حد قالك تعمل كدا في نفسك ؟!"
دلف "ياسين" هو الأخر يلقي عليهما التحية بقوله:
مساء الخير يا شباب، ازيك يا أحمد"
رد عليه تحيته ثم نظر لما يحمله في يده فسأله بتعجبٍ:
أنتَ جايب إيه معاك ؟؟"
رد عليه مفسرًا بتبرمٍ و ضيقٍ:
لأ أبدًا، دا جاتوه، أختك عاوزة تاكل جاتوه بشاي بلبن، فكراه عيد ميلاد و لا إيه مش فاهم ؟"
حاول "وليد" كتم ضحكته لكنه فشل في ذلك فقال من بين ضحكاته:
جاتوه ؟! دا إيه الهم اللي إحنا فيه دا ؟! طب تخليها بسبوسة"
تحدث "أحمد" في تلك اللحظة بتهكمٍ يقول:
لأ الله يطمنكم طمنتوني يا شباب، أنا بقول نفضها سيرة و حلو أوي لحد كدا الكام حضن اللي خدتهم"
ضحك كليهما عليه ثم تحركا نحو الأعلى و في تلك اللحظة قبل أن يصعد "أحمد" دلف "طارق" البيت يحمل في يده حقيبة دواء كبيرة الحجم، فسأله "أحمد" بتعجبٍ:
لمين العلاج دا ؟؟ أنا جيبت العلاج لهدير و حسن خده مني"
ابتسم "طارق" بسخريةٍ و قال:
دا علاج جميلة يا خويا، فيتامينات و مقويات و فوار حموضة، لسه بدري عليك أنتَ متشغيلش بالك"
ضرب "أحمد" كفيه ببعضهما و هو يرى تحرك الأخر نحو الأعلى و قبل أن يصعد وجد "وئام" ينزل على الدرج و معه "فارس" فسأله بتهكمٍ:
خير ؟! رايح فين أنتَ كمان ؟!"
رد عليه "وئام" بقلة حيلة:
رايح أجيب حفاضات و زبادي علشان أستاذ فارس خلص اللي عنده، حاجات كدا خراب بيوت مستعجل، متشغيلش بالك"
تحدث "أحمد" منفعلًا في وجهه:
هو انتوا بتشتغلوني ؟؟ كل واحد فيكم يقهرني بشكل غير التاني و أخرتها يقولي متشغيلش بالك ؟! دا انتوا جيبتوا أجلي"
اقترب منه "وئام" يقول بتفهمٍ:
ماهي دي حلاوتها، صدقني الرزق بيجي من غير ما تعرف بيجي ازاي، الفكرة بقى في فرحتك و أنتَ بتصرف على حد غير نفسك و فرحان بكدا، و لو صرفت على نفسك من غيرهم هتحس بتأنيب ضمير، هدى لما بتاخد مني الحاجة و تدعيلي ربنا يرزقني و يكرمني من وسع ساعتها بعرف أني مطلوب مني المعافرة علشانهم هما، اصلي هعيش لمين غيرهم ؟!"
ابتسم له "أحمد" فأضاف "وئام" مفسرًا من جديد:
صدقني الفرحة اللي بجد و أنتَ شايفهم مرتاحين و فرحانين بسببك أنتَ و بسبب تعبك، ربنا يرزقك بفارس صغير كدا علشان تجرب حلاوة الدنيا اللي بجد"
تحرك "وئام" من أمامه فنظر "أحمد" في أثره و هو يقول براحةٍ:
طمنت قلبي الله يطمنك يا شيخ، روح عقبال ما تخاوي فارس يا رب"
_________________________
في الأعلى في شقة "مرتضى" دلفها كلٍ من "ياسين" و "وليد" معًا، جلسا سويًا بجانب بعضهما فيما أعطى "ياسين" علبة الحلويات لـ "خلود" و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
اتفضلي بقى و حطي لينا كلنا و الباقي خليه لأختك في التلاجة، ماهي مش مضمونة بصراحة"
وكزته "خديجة" في كتفه حتى راقص لها حاجبيه و هو يستفزها، فيما قال "وليد" بنبرةٍ منهكة:
العيال ولادي عاملين إيه ؟! و أم ولادي عاملة إيه ؟!"
ردت عليه بقلة حيلة:
لو على عيالك زي الفل، لو عليا قربت اطفش منك و منهم و الله، خلاص جيبت أخري"
ابتسم هو ثم وجه حديثه لـ "ياسين" بسخريةٍ:
شوفت قلة الأصل ؟! بعدما دفعت دم قلبي تحت اخرتها بقيت كدا !!"
ضحك "ياسين" عليه فيما قالت "عبلة" براحةٍ:
بس الشهادة لله أنا مش هنكر إن وليد أب شاطر اوي، و بيبذل طاقة كبيرة أوي علشان يثبت دوره كأب، و لولا مساعدته ليا أنا فعلًا كان زماني تعبت"
ابتسموا جميعًا لها فأضاف هو بزهو في نفسه:
أومال يا سوبيا اسيبك تحتاري بيهم براحتك ؟! ما هما عيالي أنا"
رد عليه "ياسين" بنبرةٍ هادئة:
ربنا يحفظهملك و تشوفهم احسن ناس في الدنيا كلها"
ابتسم له "وليد" ثم قال بنبرةٍ هادئة:
يا رب يا سيدي، مع إن مش عارف إزاي يعني بس يارب هو أنا أكره !!"
_________________________
في الأسفل في شقة "محمود" كان "حسن" يشعر بسعادةٍ بالغة و هو يجلس على المقعد و يده "علي"، تابع هو قسمات وجهه البريئة و نعومة أظافره و صوته بكائه الرقيق، فحرك ذراعيه به و هو يبتسم له.
كانت تتابعهما "هدير" بعينيها و هي تبتسم بنفس الفرحة البادية على وجهه ثم رفعت رأسها للأعلى تتمتم بكلمات الحمد لله و الثناء على فضله و شكره على ما آلت إليه بعدما خرجت من الظلام إلى النور فكان هو مثل المرشد الذي أرشد خطواتها و أهدىٰ دربها.
لاحظها "حسن" و حينها اقترب منها يعطيها ابنه ثم احتضنهما سويًا و هو يقول بفرحةٍ كبرى:
حاسس إن قلبي بينور من الفرحة يا هدير، العوض بتاع ربنا كان أكتر من اللي استاهله بكتير أوي، وجودي جنبك و ابني معايا من اللي بحبها، خلاني أحمد ربنا ١٠٠٠ مرة على كل حاجة ضاعت مني ماكنتش فاهم الحكمة من ضياعها، الحمد أني ماكنتش فاهم علشان لما فهمت أنا عرفت إن ربنا رحيم بيا أوي و رحيم بعباده إن يتولد طفل بين اب و أم مبيطيقوش بعض بس مجبرين أنهم يكملوا علشانه، النهاردة أنا عرفت ليه ربنا حرمني من أول مرة كنت هحس فيها اني أب، النهاردة عرفت إن ربنا رحمنا إحنا الاتنين أنا و هو كمان"
ابتسمت هي بتفهمٍ ثم أضافت بنبرةٍ خافتة:
طعم العوض حلو أوي و خصوصًا لو بعد عمر من التعب كمان، ربنا سبحانه و تعالى بيقول في كتابه العزيز:
قال تعالىٰ
{يُؤتِكُم خيرًا مما أُخِذ مِنكُم}
لطالما جاء عوَضُ الله غزيرًا، كريمًا، يُنسِيكَ كُلَّ مَرارَةٍ تَذوقتَهَا، يَأتيكَ كَمُكَافَأةٍ عَلَى صَبْرِكَ، و أنتَ و علي بقى مكافأة الصبر دا"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم ربت على ظهرها و قبل رأس صغيره.
_________________________
في شقة "عامر" كان جالسًا على أرض شقته أمام "عمر" الذي بدأ يحبو نحو والده بفرحةٍ فيحمله "عامر" على كتفيه و يدور به ثم يعيد ما قام بفعله مرةً أخرى، و كانت تشاركهما "سارة" في لعبهما سويًا حتى صدح صوت جرس الباب، حينها تحركت هي تفتحه بعدما أحكمت غطاء رأسها فوجدت "عمار" أمامها يبتسم لها و هو يرحب بها، حينها ابتسمت هي الأخرى و ادخلته للداخل.
دلف "عمار" مُطرقًا برأسه للأسفل مراعيًا حُرمة بيت أخيه، فيما ركض له "عُمر" بفرحةٍ يحبو نحوه حينها، اخفض "عمار" جسده ليناسب مستوى الصغير و حمله على ذراعيه و هو يقول بفرحةٍ لرؤيته:
حبيب قلب عمار و روح قلب عمار و كل حاجة حلوة لعمار، وحشتني أوي"
ابتسم "عمر" بسعادةٍ بالغة ثم و هو يقفز على ذراع "عمار" فوقف "عامر" أمامهما يقول مرحبًا بأخيه:
منور يا عمار، تعالى و سيبك من ابن الصايع دا مش هيبطل رقص و لعب، تعالى... سارة حضريلنا عشا"
حركت رأسها موافقةً و قبل أن تتحرك اوقفها "عمار" بقوله:
لأ متتعبيش نفسك، أنا واكل و كله زي الفل، أنا بس جيت أسلم على عامر و أشوف عمر علشان وحشني أوي"
جلسوا سويًا بعدها و "عمر" يجلس على قدم "عمار" فسأله "عامر" بخبثٍ:
أخبار دنيتك إيه ؟! لسه بتجيب أخرك ؟! فاضل كام سنة هانت"
رد عليه "عمار" بتهكمٍ:
آه أنتَ هتقولي ؟! اسكت بالله عليك أنا خلاص تعبت و جيبت جاز"
ردت عليه "سارة" بنبرةٍ ضاحكة:
لأ اجمد كدا، مش عاوزين نروح نطلبها و أنتَ جايب أخرك، احنا عاوزينك تشد حيلك"
حرك رأسه موافقًا ثم قبل رأس "عمر" حينها قال "عامر" بثباتٍ:
على فكرة أنتَ بتعمل اللي عليك و اللي أي حد في سنك طبيعي يعمله، الفكرة إن قلبك عرف طريق الحب يا موكوس، و اسمع مني بقى، الحب دا باب صعب يا تقدر تتحكم فيه و يكون جنتك يا يتحكم هو فيك و يفتح في وشك أبواب النار، خليك محافظ على حُبك ليها و على ارادتك إنك تبني نفسك، و اديك شوفت الرزق اللي جالك اهوه، ربع مليون من ياسر و لا كانوا في أحلامنا، يعني هتقدر تفتح صيدلية و تقف على رجلك، افتكر إن ربنا شايلك الخير طول ما أنتَ مراعي ربنا في خطواتك"
حرك "عمار" رأسه موافقًا ثم قال بامتنانٍ له:
أنا كنت صح لما جيتلك هنا، كنت عارف إنك هتريحني و تشجعني، ربنا بخليك ليا"
ابتسم له "عامر" بودٍ ثم وجه حديثه لزوجته يشاكسها بقوله:
الحب عذاب و حيرة زي الفطير من غير خميرة، و إنتِ عاملة إيه"
ردت عليه بقلة حيلة:
الحمد لله زي الفل أنتَ إيه اخبارك"
رد عليها بضجرٍ:
أنا مالي بيكِ، الكلام دا كان أيام الخطوبة، عاملة أكل إيه أنا جعان"
ضحك "عمار" رغمًا عنه فيما زفرت هي في وجهه بغيظٍ منه.
_________________________
في شقة "خالد" كان يصلي كعادته قيام الليل و بجواره "يونس" الذي تخطى عمره الرابع و اقترب على اتمام الخامس، حتى انتهت الصلاة و قام "خالد" بالتسليم و كذلك ابنه الذي مد كفه الأيمن له بعد الصلاة حتى ابتسم له "خالد" و هو يعانق كف صغيره بكفه الكبير ثم حمله و هو يقول بمرحٍ:
تصدق ياض خايف عليك يجيلك أخ و تدخل الجيش، خسارة اللي زيك و زي الواد عمار في الجيش، يا رب تبقى بنت"
ابتسم له "يونس" دون أن يفهم بعض الكلمات حتى سأله "خالد" بمزاحٍ:
قولي بقى عاوز بنت و لا ولد ؟! عاوز النونة تكون إيه ؟!"
ابتسم له "يونس" و قال بحماسٍ:
بنت !! عاوز بنت"
قام "خالد" برفعه على ذراعيه يحركه بقوةٍ حتى ضحك "يونس" مقهقهًا بين ذراعيه فخرجت لهما "ريهام" ببطنها المنتفخة تحمل هاتف "خالد" و هي تقول بضجرٍ:
أمسك يا خالد، ياسر عمال يرن و مش عارفة اتفرج على المسلسل زهقتوني يا عيلة متعبة"
صرخت في وجهه بتعبٍ ثم اعطته الهاتف و دلفت للداخل من جديد، فيما قال هو بغموضٍ:
لولا البطيخة الصيفي اللي أنتِ حامل فيها دي كان زماني ليا كلام تاني، بس ماشي"
قال حديثه ثم ضغط على زر الايجاب يجاوب على إلحاح المتصل و هو يقول بنفاذ صبرٍ:
ايوا يا ياسر ؟؟ فيه إيه مش هعرف أصلي فرض ربنا كمان ؟!"
رد عليه "ياسر" بضجرٍ:
ما تيجي يا عم تاخد البت زينة !! هموت و أنام و البت ماسكة فيا زي الخفاش"
رد عليه "خالد" بتهكمٍ:
هي بترضى تروح لحد غيرك ؟! ما هي قافشة و ماسكة فيك، خليها تدلع على ابوها بقى"
زفر "ياسر" بقوةٍ ثم أغلق الهاتف في وجه الأخر ثم نظر في وجه ابنته التي تسكن بين ذراعيه دون ان تتحرك لو خطوةً واحدة، دلفت "إيمان" و هي تحمل "زين" ثم ابتسمت بسخريةٍ و هي تقول:
اخبار ضرتي إيه ؟!"
رد عليها هو بقلة حيلة:
هيكون اخبارها إيه ؟! كل ما عيني تغمض تعيط و تصحيني علشان ألعب معاها، خدتها في حضني و زي ما أنتِ شايفة كدا"
حركت رأسها بيأسٍ منهما ثم جلست بجواره و في تلك اللحظة بكت "زينة" حتى حملتها "إيمان" بعدما اعطته ابنه و هي تقول بضيقٍ منها:
بـت !! اقسملك بالله اطلع عليكِ شغل الجنان، و أوريكِ معاملة الضراير، دا أنتِ بتاعة مصلحتك بصحيح، طول ما هو مش هنا ماسكة فيا، أول ما ييجي تروحيله، إيه قلة التربية دي ؟!"
ضحك "ياسر" رغمًا عنه فيما تحركت "زينة" نحو والدها و أخيها تجلس بينهما حتى صرخت "إيمان" بغيظٍ مكتومٍ و ضحك "ياسر" عليهم جميعًا حتى سكون "زين" وسطهم.
_________________________
بعد مرور عدة أيام كثيرة شارفت على الـ ثلاثة أسابيع و خاصةً في ليلة من تلك الليالي كانت "خديجة" جالسة على الفراش في شقة والدها تمسك بطنها بكفيها معًا و هي تتذكر أن خلال ذلك الأسبوع ستضع مولودها الأول و أن خروجه للدنيا أصبح أمرًا يحتاج للقليل من الوقت.
طُرق باب غرفتها فأذنت هي للطارق بالدخول، حتى طل منه "وليد" يحمل صينية على كفيه فابتسمت هي له بفرحةٍ حتى جلس هو أمامها و هو يقول بمرحٍ:
أبو طويلة كلمني و قالي إنك المفروض تاكلي دلوقتي علشان الدوا و قالي أخلي بالك منك لحد ما يرجعوا من مشوار سلمى و جهازها و خلود ترجع من مراجعتها"
ردت عليه هي بتفهمٍ:
سابوني لوحدي و أنا قولت لأحمد ياخدني معاه قالي بلاش أحسن تعمليها و نتفضح في المول، و خلود بدأت امتحانات و عندها مراجعة النهاردة"
وضع هو الصينية أمامها ثم بدأ في ملء الملعقة بالطعام و هو يدخلها فمها حتى ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة و هي تأكل من يده تتذكر أيام صغرهم سويًا، فيما قال هو بحنينٍ لتلك الأيام:
فاكرة لما كنا بناكل سوا و احنا صغيرين ؟! كانت أيام حلوة اوي، و فاكرة كمان لما كنتِ بتحبي الكشري من المحل من غير تقلية؟"
ردت عليه هي بحماسٍ:
أيوا و فاكرة كمان لما ماما أو ماما مروة يعملوا رز بلبن كنا لازم ناكل اللي في الحلة مع بعض، و لازم نتخانق في الأخر على اللي ياخد المعلقة الأخيرة"
ضحك هو بملء شدقيه فيما قالت هي بحماسٍ:
طب فاكر لما كنا بنغني سوا و تفضل تعاند في كل بنات العيلة ؟! فاكر كنا بنغني إيه ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مسرعًا:
فاكر و كنت هفكرك، و فاكر كمان لما كنت بعاند فيهم كلهم و اقولك يا أحلى منهم يا فارقة عنهم أنتِ اللي فيهم و هما فينهم"
ضحكت هي بملء شدقيها و هو يحاول تقليد مطرب الأغنية، فيما تنفس بعمقٍ ثم قال:
الأيام جريت بسرعة اوي، أنا بقيت أب و أنتِ كلها كام يوم و تكوني أم و أشيل ابنك على ايدي زي ما كنت بشيلك و إحنا صغيرين علشان نتصور مع بعض، كل حاجة بقت بتجري بسرعة، بس دي اكتر حاجة أنا حاسس انها بتعدي ببطء، متأكد إن مشاعري ناحية ولادك هتكون غريبة، أنا متحمس ليهم أوي"
ظهر التأثر في نظراتها و لمعة عينيها حتى قال هو بعدما زفر بعمقٍ:
عاوز أطلب منك طلب يا خديجة و مش عاوزك تفهميني غلط"
استطاع بحديثه جذب انتباهها فيما قال هو بثباتٍ يتنافى مع توتره من طلبه:
عبلة صعب تخلف تاني يا خديجة، علشان دا يحصل يبقى أنا بضحي بيها المرة دي، مش عاوز ولادي يكونوا تايهين في الدنيا دي من غير اخت ليهم، عاوز عبلة ترضع ابنك أو بنتك اللي هييجي علشان تكون أخت عيالي، زي ما طول عمرك سند و طوق نجاة لابوهم، ها إيه رأيك ؟!"
رمشت ببلاهةٍ لم تعي ما تحدث عنه هو خاصةً و التوسل يتقطر من نظراته و كأن موافقتها على طلبه طوق النجاة له و
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني والتسعون 92 - بقلم شمس بكري
الفصل الثالث و تسعون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_________________________
تطل أمام عيني من بعيد فيظن قلبي أن هذا هو هلال العيد"
_________________________
_ كُف عن مقارنة نفسك بالآخرين و حرر نفسك من المقارنات القاتلة، فهل رأيت يومًا أحدهم يقارن الشمس و القمر ببعضهما ؟بالطبع لا؛ فلكلٍ منهما وقته في الظهور و كذلك في إخراج ما به من ضوء.
حديثه غريب و طريقته أغرب جعلها تطالعه بدهشةٍ فيما تنفس هو بعمقٍ ثم قال بثباتٍ يتنافى مع توتره:
أنا مش قصدي حاجة وحشة لحد و مش عاوز اتحكم في حد يا خديجة بس أنا أكتر واحد عارف يعني إيه وجود أخت و بتكون سند لإخواتها ازاي، عاوز ولادي يكبروا مع أخت حنينة زي ما أبوهم كبر كدا، بس مش عاوز حاجة تكون حرام تشيل حد منهم ذنب، من رحمة ربنا عليا اننا رضعنا سوا، و علشان كدا عاوز ولادي يتربوا مع أخت تكون واخدة حنية الدنيا كلها، ماهو اللي تتربى في حضن ياسين الشيخ و خديجة الرشيد يبقى دي هتاخد الحنية بالمعلقة زي دوا الشرب"
تنفست هي بعمقٍ ثم سألته بثباتٍ:
يعني هو دا السبب الرئيسي بس ؟! مفيش سبب كدا و ولا كدا ؟!"
ضيق المسافة ما بين حاجبيه يرمقها بتعجبٍ من حديثها فقالت هي بثقةٍ من تفكير الجالس أمامها:
أصل أنا فاهمة وليد و تفكيره و عارفة دار في راسك إيه، لو قولته ليك أنتَ هتتفاجأ أني عارفة طريقة تفكيرك"
انتبه لها بكامل حواسه و حدثه فقالت هي بثباتٍ و ثقةٍ لم تتزعزع:
يعني حضرتك مش خايف الاتنين يكبروا و يحبوا نفس البنت ؟! مش خايف واحد فيهم يميل و أخوه هو كمان يميل ليها"
اتسعت عينيه بدهشةٍ من حديثها فأضافت هي من جديد:
زي ما أنتَ سمعت كدا، أصل أنا حفظاك خلاص، و بصراحة معاك حق تفكر كدا، بس اشمعنا بنتي ؟!"
تنفس بعمقٍ ثم قال مُفسرًا:
بصي، أنا مش هلف و أدور خلاص، بس أنا فرحتي بولادك مش هتكون فرحة عادية، يمكن أحس بكدا مع هدير أو جميلة أو هدى أو سلمى حتى، إنما أنتِ و خلود !! لأ.....غصب عني مش مقتنع غير انكم بناتي، تجيبني يمين تجبيني شمال أنا مش مقتنع غير بكدا، غصب عني عيالكم هياخدوا مكان زيادة في قلبي، و خصوصًا لما عرفت إن عبلة صعب تخلف تاني، بناتكم هيكونوا بناتي يا خديجة، مش عاوزهم يكونوا مع ولادي و بينهم حاجة غلط اتحاسب عليها، بنتك دي لو جت أنا مش هقدر احوش نفسي عنها، و واثق إنها هتكون ليهم زي ما أنتِ كنتيلي، عاوزهم لو زعلوا يلاقوها هي معاهم، صدقيني أنا أكتر واحد عارف يعني إيه مشاعر اخوات و خصوصًا وجود الأخت البنت للولد"
ابتسمت هي بتأثرٍ ثم قالت بصوتٍ متحشرجٍ:
و أنا موافقة و كان نفسي دا يحصل، نفسي بنتي تطلع عندها أخوات ولاد أكبر منها، و أكيد مش هيكون فيه أحسن من ولاد وليد علشان يحافظوا عليها، أكيد اللي حصل ليا و ليك علمنا كتير ازاي نربي عيالنا و نحافظ عليهم، بس أكيد الدنيا دي عندها كتير و لازم الأخوات يكونوا ضهر بعض، مهما الانسان حب صحابه برضه أخواته هما أكبر كنز ليه، و لحد ما ربنا يكرمني تاني و أخلف فولادك هما اخوات ابني أو بنتي اللي جاية"
حرك رأسه موافقًا بفرحةٍ ظهر أثرها في نظره و ابتهاج ملامح وجهه ثم اقترب منها يقبل قمة رأسها و قال بعدها بنفس الفرحة:
خلاص اتفقنا، يلا بقى أأكلك علشان العلاج"
حركت رأسها موافقةً فملأ هو ملعقة الطعام ثم أدخلها فمها و هو يبتسم لها، ثم أمسك قطعة الدجاج ثم قام بتفكيكها من بعضها حتى يسهل عليه اطعامها، و حينها بكت هي كعادتها، و قد ابتسم هو لها و كأنه يسخر منها بذلك فسألته هي من بين بكاؤها:
أنتَ بتضحك ليه ؟! أوعى يكون عليا ؟! هعضك و الله"
ابتسم لها باستسلامٍ و قال بقلة حيلة في أمرها:
علشان أنتِ مش بتتغيري خالص يا خديجة، هتفضل دموعك هي اللي بتتحرك و تحركك معاها، لسه قلبك أخضر و معرفش يعني إيه قسوة، لسه شوية حنية و طيبة قادرين يخلوكِ تفرحي"
ابتسمت هي له ثم مسحت دموعها بظهر كفها و حينها فُتِح الباب و طل منه "ياسين" فابتسمت هي لرؤيته في حين تحدث "وليد" بتهكمٍ:
ما كانت القعدة حلوة و الدنيا زي الفل، جيت ليه ؟!"
رمقه "ياسين" بغيظٍ ثم جلس بجوارها يسألها بنبرةٍ هادئة:
عاملة إيه يا ست الكل ؟! إيه أخبارك النهاردة ؟!"
حركت رأسها موافقةً و قبل أن ترد عليه تجاوب سؤاله لاحظ هو احمرار عينيها فسألها هو باهتمامٍ:
أنتِ كنتِ بتعيطي ولا إيه ؟ الواد دا مزعلك ؟!"
حركت رأسها نفيًا فيما وقف "وليد" يقول بضجرٍ:
الواد !!! يعني أنا سايب عيالي و حالي و محتالي و جاي آكلهالك و اخرتها الواد مزعلك ؟! تصدق إنك أبو طويلة فعلًا"
ضحك "ياسين" رغمًا عنه فيما تحرك الأخر يقترب من الباب و هو يقول بمرحٍ:
أكلتهالك و فرحتهالك و عيطهالك و نكدت عليها و جيت أنتَ سديت نفسها، أروح بقى أشوف حبايب قلب أبوهم"
رد عليه "ياسين" ساخرًا:
و هو حد قالك تسيب حبايب قلب أبوهم و تيجي تقعد هنا ؟!"
رد عليه باستفزازٍ أثار حنقه:
ما تبطل حقد علينا بقى !! و لا هو علشان أنتَ معندكش أخوات بنات و مجربتش المشاعر دي ؟!"
ضحكت "خديجة" بصوتٍ عالٍ فيما أمسك "ياسين" المصباح المجاور للفراش "الأباجورة" بعنفٍ حتى ضحك "وليد" مستسلمًا و قال:
خلاص يا عم بهزر، ربنا يخليكم لبعض و يقومهالك بالسلامة"
ابتسم "ياسين" بيأسٍ منه و هو يرى انسحابه من الغرفة، فسألته هي تلك المرة باهتمام:
عامل إيه ؟! شكلك تعبان النهاردة"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بانهاكٍ واضحٍ:
شوية بس مش أوي، المهم أنتي إيه اخبارك ؟! لسه المغص بيجيلك ؟!"
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة فربت على كفها مبتسمًا براحةٍ و هي تبتسم له و هو يحاول إخفاء حماسه بقدوم طفله الأول منها.
_________________________
عاد أفراد البيت من الخارج و كذلك "خلود" عادت من مراجعتها بضجرٍ لم تعد تتحمل الباقي على الرغم من كونها أخر مادة دراسية سوف تقدم الاختبارات بها.
كانت "سلمى" تشعر بسعادةٍ بالغة وسط أفراد العائلة و كذلك "أحمد" أيضًا و العائلة حولهما يشاهدون ما قاما بجلبه سويًا، و قد شارك معظم أفراد العائلة في مشاهدة تلك الأشياء.
بعد حلول منتصف الليل شعرت "خديجة" بالألم يشتد عليها و خاصةً في منطقة البطن حينها تحاملت على نفسها و أطبقت فمها على بعضه و هي تتمسك بالفراش تحاول تجاهل الألم حتى لا تفزعهم خصوصًا أن البيت بمفرده قد خلد للنوم.
نزلت من الفراش تحاول الذهاب للمرحاض و فجأة شعرت بضرباتٍ في منطقة الرحم و كأن معدتها تتلوك مثل العلكة في الفم فلم تعد تتحمل أكثر من ذلك، حينها صرخت بصوتٍ عالٍ و هي تمسك بطنها و قد قفز "ياسين" من على الفراش منتفضًا و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
فيه إيه مالك ؟! فيه إيه !!"
_"الــــحــقني بـــولد !!"
_"إيـــه ؟! فجأة كدا ؟! أنتِ بتشتغليني ؟!"
صرخ في وجهها بدهشةٍ فيما تأوهت هي بصوتٍ عالٍ ثم قالت بنفس الصراخ:
_"هـو عـيـد مـيـلاد أمــي هـعـزمك عليه !! اتـــصــرف بـــقــىٰ"
تشتت حركته و ظهر تشوشه و هو يسحب أول ما قابله و هو إسدال الصلاة يضعه عليها ثم حملها على يده يركض بها و هي تصرخ بآلمٍ و قد استيقظ أفراد أسرتها بخوفٍ من الصراخ فقال هو منفعلًا بخوفٍ:
خديجة بتولد، تعالى يا أحمد سوق العربية بسرعة يلا"
ركض "أحمد" و خلفه "طه" و سحبت "زينب" عباءتها و حجاب رأسها و هي تركض خلف ابنتها تطمئنها بالحديث و الدموع تنهمر على وجنيتها و على الرغم من ان الموضوع عاديًا لكن صوت صراخ ابنتها جعل قلبها ينتفض من محله.
لاحظ جميع من في البيت صوت صراخاتها فانتفضوا جميعًا يخرجون نحو أبواب الشقق يفتحونها فوجدوا "أحمد" يركض على السلم و أول من أوقفه كان "وليد" حينما سأله بلهفةٍ:
فيه إيه يا احمد ؟! مين بيصرخ كدا ؟! و أنتَ رايح فين دلوقتي!"!
رد عليه "أحمد" بقلقٍ و خوف و هو يحاول اللحاق بأخته:
دي خديجة بتولد يا وليد"
شهق "وليد" بفزعٍ ثم ركض بملابسه البيتية و خلفه "وئام" أيضًا و أثر النوم لازال ظاهرًا على ملامح وجهيهما و خلفهما رجال العائلة الكبار.
ركب "ياسين" سيارته في الخلف و هي على ذراعيه تتأوه بألمٍ يضرب في أنحاء جسدها و بأنفاسٍ متقطعة تحاول سحب الهواء لرئتيها و "أحمد" يقود السيارة و "طـه" يجلس بجواره و يلتفت بجسده يمسك كفيها و هو يدلكهما بخوفٍ عليها خاصةً مع ارتفاع صرخاتها.
_________________________
في المشفىٰ دلفت "خديجة" غرفة العمليات بعدما تم وضعها على الفراش المتحرك و دلف معها الطاقم الطبي و على رأسهم الطبيبة التي طمئنتهم بالحديث بتولي مسئوليتها.
وقف "ياسين" بخوفٍ أمام غرفة العمليات و كذلك "وليد" أيضًا، كليهما وقف يتابع الغرفة بنظره شاردًا في عالمه معها و هو يتمنى من قلبه أن تخرج بمولودها بكامل عافيتها و هو كذلك.
جلست "زينب" ترتجف بخوفٍ على ابنتها فاقتربت منها "مروة" تحتضنها و تربت على ظهرها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
إن شاء الله هتخرج بالسلامة، ادعيلها يا زينب"
رفعت "زينب" رأسها لها و هي تبكي ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ:
صوتها و هي بتصرخ مقطع قلبي يا مروة، مش عاوز يروح من ودني"
ربتت على كتفها و هي تضرع لله بقلبها أن يحفظ لها ابنتها الكبرى، فيما زفر "ياسين" بعمقٍ ثم رفع كفيه يمسح وجهه بعنفٍ فسأله "وليد" بصوتٍ متحشرجٍ يتعجب من حالته:
مالك ؟! هتخرج إن شاء الله"
رد عليه "ياسين" بقلة حيلة:
أحنا كنا متفقين أنها هتولد من غير آلم أو قيصري علشان متتوجعش، بس كدا الولادة طبيعية و بألم، سبحان الله الحِسبة طلعت غلط"
ربت "وليد" على كتفه بتفهمٍ ثم قال بثباتٍ يتنافى مع خوفه:
متقلقش ربنا هيقويها إن شاء الله لحد ما يخرجوا لينا بالسلامة"
رفع "ياسين" رأسه للأعلى و هو يقول بتمني و توسلٍ:
يــا رب .... يــا رب"
في تلك اللحظة ركض "رياض" و معه "زهرة" خلف بعضهما و خلفهما الشباب ليكونوا بجوار أخيهم، و أولهم كان "خالد" الذي سأله بلهفةٍ:
هي عاملة إيه ؟! و أنتَ ؟!"
حرك "ياسين" كتفيه بحيرةٍ و لم يُعقب بكلمةٍ واحدة فـ لازال أثر فذعه و صوت صراخها يتراوح في أذنه روحةً و جيئة حينها اقترب منه "رياض" يربت على كتفه و هو يطمئنه بنظراته فيما جلست "زهرة" بجوار "زينب" ثم ربتت على كفها و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
هتخرج بألف خير إن شاء الله، خديجة طيبة و جميلة و ربنا هيقويها لحد ما تخرجلنا بالسلامة إن شاء الله".
بكت "زينب" رغمًا عنها فيما وقف البقية بقلقٍ بالغٍ عليها و أعمامها بجوار أبيها الذي تابع الغرفة ببصره و لم يقوى على إبعاد بصره و لو لـ سنتيمترًا واحدًا.
بعد مرور بعض الوقت من دلوفها غرفة الولادة و اختفاء أثر صوتها على الرغم من كونها ولادة طبيعية و لكن أبواب الغرفة كتمت الصوت تمامًا، و بعد مرور بعض الوقت من اختفاء الأثر لصوتها خرجت الطبيبة من الغرفة تزفر بقوةٍ ثم قالت بانهاكٍ:
الحمد لله الولادة نجحت، رغم إن المولود راسه كانت هتتحشر بس الحمد لله عدت على خير، جابت بنوتة زي القمر، مبروك"
ظهرت الراحة على وجوههم فسألها "ياسين" و "وليد" في آنٍ واحدٍ:
طب و هي ؟! خديجة عاملة إيه"
نظر كليهما للأخر بتعجبٍ فردت عليهما الطبيبة بنبرةٍ هادئة:
هي بخير الحمد لله نفسها كان طويل معايا، متقلقوش عليهم"
تحركت الطبيبة من المكان فقال "وليد" له بثباتٍ:
لما يخرجوا من جوة كل واحد فينا ياخد اللي يخصه، أنتَ تاخد بنتك و أنا هاخد أختي، أظن كدا أنا موجب معاك"
ابتسم "ياسين" رغمًا عنه بقلة حيلة، فوجد أخوته كلًا منهم يقترب منه يحتضنه و هو يهنئه بقدوم مولودته و هو يبتسم لهم بمجاملةٍ و قلبه و عقله لازالا معها بالداخل و كأنها أخذت معها كل ما يخصه ليغدو بدونها كما العائل بدون ما يحاوطه و يُضلل عليه.
_________________________
بعد مرور ساعات تقريبًا من تقديم كامل الرعاية لـ "خديجة" و ابنتها تم نقلهما لغرفة أخرى طبيعية و كان ملازمًا لهما "ياسين" و "وليد" و "طـه".
كانت "خديجة" على الفراش تبتسم بهدوء و هي ترى ابنتها على ذراع "ياسين" و كأن ما حَلُمت به يومًا ما أصبح واقعًا ملموسًا أمام عينيها و يتجسد في أكثر الهيئات الخاطفة للقلب و سارقة للعقل.
اقترب منها "وليد" يقبل رأسها ثم سحب المقعد يجلس بجوارها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
الحمد لله انكم خرجتولي بالسلامة، شكلها حلو أوي يا خديجة، عاملة زي الهلال في ليلة السحور، فرحة للكل"
ردت عليه هي بوهنٍ:
ياسين مش عاوز يديهالي من ساعة ما فوقت و رضعتها، بس أنا عند وعدي هتكون أخت مازن و زياد"
حرك رأسه موافقًا ثم قبل كفها و قال براحةٍ ظهر أثرها في صوته:
يا بختهم يا خديجة و يا بختي أنا كمان بقى عندي ٣ عيال في سنة واحدة"
ابتسمت هي له فيما جلس "ياسين" على المقعد يحمل ابنته و رغمًا عنه شعر بانتفاضةٍ في قلبه و تجمدت أطرافه من فرط فرحته و كأن الدماء توقفت عن السير في جسده و كذلك الوقت وقف عليه في لحظةٍ لم تكن عابرة و لكن سيبقى أثرها باقي العمر في قلبه، اليوم يبدو و كأنه أول رجلٌ يحمل هلال السماء بين كفيه، لم تكن مجرد أبنة رُزق بها، إنما حياة كاملة وهبها الله لها، طفلةٌ صغيرة وهبها الله لتعوضه عن مشاعر كثيرة ودَّ هو أن يتذوق حلاوتها يومًا ما، انتفاضة قلبه تلك و تحركه بتلك الطريقة يبدو و كأنه ينبض للمرةِ الأولىٰ.
ابتسم بحنانٍ بالغٍ يُقطر من عينيه لها حتى وجد نفسه يرفع ابنته نحو فمه ليقبل رأسها ثم قبضة كفها المتكور و هي تغمض عيناها، وجه "وليد" رأسه نحو "ياسين" بملامحه الهائمة في وجه ابنته، حينها غمز لأخته حتى تنتبه لهما ثم انسحب بهدوء.
تحدثت "خديجة" تلفت نظره لها و هي بضيقٍ زائفٍ:
إيه يا أستاذ ياسين ؟! راحت عليا من أول ساعة كدا ؟! طب عبرني يا عم طيب"
ابتسم هو رغمًا عنه ثم اقترب منها يجلس بجوارها و ابنته على يده ثم قال بوجهٍ مبتسمٍ:
إزاي بس و الفرحة دي أنتِ سببها يا خديجة ؟! تروح عليكِ إزاي و فرحتي دي اللي محسسني بيها أني شايل بنتي على أيدي و هي منك أنتِ، اتطمني مكانك في القلب محفوظ"
نزلت دموعها بتأثرٍ ثم مالت على ابنتها تقبلها و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
ربنا يحفظكم ليا و يفرحنا سوا و مع بعض علطول يا ياسين، انتوا كل دنيتي و الله، حتى هي من أول مرة ايدي لمست جسمها و قربتها من قلبي علشان أرضعها أول مرة أحس بدقة القلب دي، و كدا قلبي دق مرتين في حياتي، المرة الأولى ليك و المرة التانية ليها هي.
رفع ذراعه يقربها منه حتى وضعت رأسها على صدره و ذراعه الأخر يمسك ابنته حتى رفعت هي ذراعها تمسكها معه؛ و في الخارج وقف "طـه" يراقبهم من زجاج باب الغرفة حتى نزلت دموعه بتأثرٍ و قد قرر العودة للخارج و لا يفسد عليهم تلك اللحظة.
_________________________
في اليوم التالي عادت "خديجة" لبيت العائلة في صباحه الباكر و قد أنهت "خلود" امتحانها ثم قامت هي و أبناء العائلة بتزيين البيت و تجهيزه ترحيبًا بشقيقتها و ابنتها الصغرىٰ.
كان العمل على قدمٍ و ساقٍ في البيت حيث جلست "عبلة" و "أحمد" و "سلمى" يقومون بوضع الديكورات المُزينة و معهم الكور البلاستيكية "البلالين" و بقية الشباب يقومون بوضع الاضواء و المقاعد و الحلويات و المشروبات الخاصة بالاحتفال.
توقفت سيارة "ياسين" أمام البيت و نزل منها هو و زوجته و ابنته على يدها و خلفهم "وليد" و بقية أفراد العائلة و مع دخولها البيت انتشرت البهجة و صوت الموسيقى المرحبة بهم الذي تولى "عامر" مهمتها و كذلك اجتماع العائلة أمامها يرحبون بها.
اجتمعت العائلة بأكملها في الطابق الأول بمرحٍ و كذلك الفتيات و معهن أزواجهن و اولادهن الصغار، فيما اقترب "يونس" من "خديجة" يود احتضانها حتى أعطت هي ابنتها لـ "طه" ثم فتحت ذراعيها له حتى ارتمى عليها يشدد عناقه لها و هي كذلك ربتت على ظهره و هي تقول بشوقٍ له:
وحشتني أوي يا يونس، عامل إيه يا حبيبي"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بفرحةٍ:
أنا كويس و أنتِ و النونة ؟!"
تدخل "عامر" يقول بمرحٍ:
أيوا ياض كدا اتطمن على عروستك، النونة عاملة إيه؟!"
ضحكوا عليه جميعًا فيما اقترب "يونس" منها يقبل رأسها ثم التفت للحشد خلفه يقول بمرحٍ:
بص يا بابا دي جميلة"
تحدث "خالد" بثباتٍ:
ابني باس راس بنتك يا ياسين، يعني دي عدم المؤاخذة عندنا زي قراية الفاتحة كدا، ما هو عامر مش أحسن مني علشان يأمن مستقبل ابنه و أنا لأ"
تدخل"وليد" يقول بثقةٍ:
الحمد لله أنا راجل مؤدب و قولت عاوزها أخت لولادي، اصلي هاخدها لمين فيهم ؟! دا أنا ناوي أخدها من ياسين إن شاء الله"
تحدث "رياض" يقول بضجرٍ منهم جميعًا:
طب اتنيلوا و شوفوا اسم ليها و بعدين اتكلموا، جتكم خيبة"
تحدثت "خلود" بمرحٍ:
بصوا علشان حوار الاسم يعني و هما شكلهم متفقوش عليه، أنا عندي فكرة، كل واحد فينا يحط اسم في ورقة و نحطهم في علبة و نخلي يونس هو اللي يسحب الورقة دي و الاسم اللي يطلع يكون هو دا اسمها، رأيكم إيه ؟!"
وافقوا جميعًا على فكرتها فشرعت هي في تنفيذها و قامت بتوزيع الأوراق على كل زوجين معًا لـ يكتبا الاسم سويًا عدا "ياسين" فقد قررت "خديجة" أن يكتب الاسم بمفرده.
قامت "خلود" بإجماع الأوراق أخيرًا ثم وضعتهم في علبة زجاجية و قامت بـ هز العلبة حتى اختلطت الأوراق في بعضها ثم اقتربت من "يونس" حتى يسحب الورقة أمامهم جميعًا فتحدث "حسن" بقهرٍ زائفٍ:
معلش يعني !! اشمعنا يونس هو اللي هياخد بنت ياسين ؟! ليه مش علي ابني، هو أنا مش هأمن مستقبل ابني أنا كمان ؟!"
تحدث "مرتضى" بنبرةٍ ضاحكة:
إن شاء الله طارق و خالد يجيبوا بنات و فارس و علي موجودين، أصلها جمعية اشتراكية ماشيين نوزع فيها عرايس، اتوكسوا"
تحدث "طارق" بثباتٍ:
مع احترامي ليكم كلكم طبعًا، بس طول ما هما صغيرين الكلام دا مش هيتفتح خالص، أظن أنا اكتر واحد مجرب حاجة زي دي و خلاص اتعلمت الأدب، الطفل بيتأثر بالكلام دا و بيحفظه في عقله و قلبه، بلاش نأثر عليهم و لما يكبروا لو هما نصيب بعض يبقى ربنا هيكرمهم ببعض غصب عن الكل.
وافقه الجميع في الحديث فيما قام "يونس" بسحب الورقة ثم اقترب من "خديجة" تفتحها و حينها ابتسمت هي له ثم قامت بأخذ الورقة تقرأ ما تم تدوينه بها ثم ابتسمت بحماسٍ و قامت بوضع الورقة نصب أعينهم جميعًا ليتضح الاسم و حينها ظهر الإعجاب على أوجه الجميع حتى قرأه "ياسين" بفرحةٍ:
نـــغَـم ياسين رياض الشيخ"
صفقوا جميعًا بفرحٍ و قد لاقى الاسم استحسانهم جميعًا، و خصوصًا "خديجة" التي نظرت في وجه ابنتها ثم قالت بعاطفة الأمومة الجياشة:
نَــغـم و هي أحلى نغم في الدنيا كلها، صوتها نـغـم و وجودها زي نغم الألحان بعد السكوت"
اقترب "يونس" يسألها بحماسٍ:
هي اسمها إيه يا خديجة ؟!"
ابتسمت له هي فحمله "ياسين" على ذراعيه و هو يقول بنبرةٍ مرحة:
اسمها نـغَـم يا أستاذ يونس"
ردد "يونس" خلفه بصوتٍ ضاحك:
نـغـم !! هي نــغم و أنا يونس !!"
حرك "ياسين" رأسه موافقًا فابتسم "يونس" ثم صفق بكفيه معًا و هو يثبت نظره عليها دون أن يحيده ثم كرر من جديد ذكر اسمها بقوله:
نــغــم !!"
تدخل "وليد" يقول بحنقٍ:
خلاص يا حبيبي، أنتَ هتلحنها !! مين اللي مختار الاسم دا يا جدعان ؟!"
رد عليه "ياسين" بثباتٍ:
أنا يا سيدي اللي كتبت نغم، أول مرة سمعت صوتها حسيته زي النغمة في الودن، و يونس الله يكرمه سحب الورقة الصح"
ابتسموا له جميعًا فيما قَبل هو "يونس".
استمرت الجلسة المرحة بينهم جميعًا و هم يحتفلون جميعًت بتلك المولودة و كأن السعادة زارت البيت معها.
_________________________
بعد مرور عدة أيام كثيرة من ولادة "خديجة" و انتهاء امتحانات مرحلة الثانوية العامة أقترب موعد النتيجة و إعلان ظهورها أخيرًا، و كان البيت في تلك اللحظة على أهب لحظاته حتى تطمئن قلوبهم على "خلود".
في المساء قبل ظهور النتيجة بيومٍ كانت "خديجة" تبدل ملابس ابنتها على الفراش الصغير في بيت والدها، و "ياسين" معها يعاونها كعادته منذ ولادتها، لم يتركها بمفردها و لو للـحظةٍ واحدة، ابتسمت "نــغـم" على الفراش فيما سألته "خديجة" بحماسٍ:
النتيجة بكرة و وليد مش سايب خلود، بالله عليك متتأخرش علينا بكرة علشان نروح بدري، فيها إيه لو كنا روحنا النهاردة ؟!"
رد عليها هو بثباتٍ و هو يداعب ابنته على الفراش:
البيت كله توتر و زحمة و أنا جاي متأخر و نغم مش هتنام كدا يا خديجة، و مازن و زياد كمان هناك و علي و فارس، خلينا هنا و بكرة قبل ما أروح شغلي هوصلكم حلو كدا ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم حملت ابنتها على يدها بعدما أنهتها من ارتداء الملابس، فوقف "ياسين" يتابعهما بعينيه و هو يبتسم لهما خاصةً حينما دارت بها "خديجة" و هي تمسد على ظهرها و تهدهدها و الأخرى تقوم بعض أناملها الصغيرة، لاحظ "ياسين" الشبه بينها و بين والدتها عدا خصلاتها البنية الناعمة بشكلٍ ملحوظ كما خصلات والدته "زهرة" أما الملامح الهادئة فهي تعود لوالدتها برقتها فتمنى هو أن تكبر على تلك الهيئة.
_________________________
في بيت آلـ "الرشيد" كان "وليد" جالسًا بجوار "خلود" فوق سطح البيت و على ذراعه "مازن" و على ذراع زوجته "زياد" و مقابلًا لهم يجلس "أحمد" و "سلمى"
ربت "وليد" على كتفها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أهو سايب بيتي و حياتي و شقتي و جاي علشانك إنتِ، مالك بقى يا خلود !!"
تنفست هي بعمقٍ ثم قالت بصوتٍ مهتز الوتيرة:
خايفة....وليد دا تعب سنة كاملة عملت فيها كل اللي أقدر عليه، طاقتي كلها خلصت فيها، مفيش فيا نفس احارب تاني، أنا شقلبت وضع حياتي فيها كله، عملت كل حاجة أكبر من طاقتي، خايفة أخد بالقلم على وشي بكرة"
تحدثت "عبلة" تطمئنها بقولها:
يا حبيبتي خير إن شاء الله، طالما عملتي اللي عليكِ يبقى كله خير، و بعدين أنتِ الحمد لله مش معشمة نفسك بحاجة معينة، ربنا يكرمك بكلية حلوة تدرسي فيها الحاجة اللي بترتاحي فيها"
تدخل "أحمد" يسألها بنبرةٍ هادئة:
طب أنتِ نفسك في إيه ؟! عاوزة تدرسي إيه يا خلود ؟!"
ردت عليه هي بحيرةٍ:
مش عارفة بس مش حاسة إن فيه كليات مناسبة لشخصيتي، يعني مثلًا ألسن و الجو دا مش هينفعني، أنا حافظة حروف الانجليزي بالعافية، و برضه الباقي مش حساهم كدا، تربية مش هقدر بصراحة لاني مش بتاعة شرح و خلقي ضيق، بصوا !! أنا هدخل كلية مش عارفة هي إيه، بس هحس كدا أنها شبهي"
نظروا لها بتعجبٍ أما هي فرفعت رأسها للسماء تتمنى من الله أن يكرمها من رحمته في الغد إن شاء هو ذلك.
في شقة "فهمي" كان "عمار" يصلي قيام الليل و في كل سجدةٍ يقترب منها لله سبحانه وتعالى يدعو الله بقلبه أن يوفقها و يدخل السرور على قلبها، لم يتذكر نفسه في الدعاء كما تذكرها هي، لم يغفل و لو لثانيةٍ عن الدعاء لها قبل نفسه.
أنهى صلاته ثم رفع كفيه يقول بخشوعٍ:
اللهم أنك ربي و وليِّ فأكرمني بكرمك و رحمتك، اللهم ربتُ على قلبي و قلبها و لا تذيقني مرار فقدانها و لا تجعلني أشعر بحسرة غيابها، اللهم قلبها و ما به، اكتب لها برحمتك الواسعة السعادة في أمرها، و أجعل السرور يعرف الطريق لقلبها، و الراحة تاخذ سكنًا بين ضلوعها، اللهم لا تريني فيها ما يضعف قوتي، و لا شيءٌ يُظهر حيلتي، اللهم اني وكلتك في أمري و سري و أنتَ خير المُعين"
كان "عامر" واقفًا على أعتاب الغرفة يريد التحدث مع شقيقه و على ذراعه "عمر" الذي اخفض نفسه حتى تركه "عامر" فركض بخطواته الغير منسقة نحو عمه يحتضنه، فالتفت له "عمار" يحمله بين ذراعيه ثم قبل وجنته و هو يقول بصوتٍ متحشرجٍ:
حبيب قلب عمار، الحمد خلصت صلاة و هلعب معاك"
اقترب منه "عامر" يقول بخبثٍ:
خلصت صلاة و لا خلصت الدعا للعروسة ؟! طب افتكرني طيب ؟!! دا أنا أبو عموري"
ابتسم "عمار" رغمًا عنه حتى جلس "عامر" أمامه يقول مطمئنًا له:
فيه إيه يا عم ؟! دا أنتَ يوم نتيجتك مخوفتش كدا !!"
رد عليه "عمار" بلهفةٍ:
علشان المرة دي غير يا عامر، المرة دي أنا شاغل بالي بيها هي، مش عارف هي ممكن تحس بإيه بس إن شاء الله ربنا يفرح قلبها و يستجب لدعائي، أنا بدعيلها قبلي و الله"
ربت "عامر" على كتفه و هو يبتسم له فيما قفز "عمر" على ظهر عمه و هو يضحك بسعادةٍ يريده أن يحمله على ظهره، حينها وقف "عمار" و كبله بذراعيه ثم دار به في الغرفة و الأخر يقهقه بصوتٍ عالٍ و "عمار" يضحك معه و "عامر" يتابعهما مبتسمًا بحنينٍ لما فات عليهم جميعًا و خصوصًا "عمار" ذلك الصغير الذي كان يحمله على ظهره و يدور به في الشقة بأكملها و ها هو يُعاد الزمان من جديد و أخيه يحمل إبنه بنفس الطريقة.
_________________________
في صباح اليوم التالي قام "ياسين" بتوصيل "خديجة" و ابنتهما لبيت العائلة حتى تكون مع أختها في ذلك اليوم، و قد قابلهما "وليد" في الصباح و من شدة فرحته حمل "نــغـم" يقبلها و يداعبها ثم رحب بهما و ذهب مع "ياسين" حتى يتجه لعمله.
صعدت "خديجة" للأعلى بابنتها فركضت نحوها "عبلة" تسحب منها "نــغـم" بمرحٍ و هي تقبلها و تعانقها خاصةً بعدما قامت بارضاعها مع صغارها، فشعرت و كأن الله رزقها بما ظنت أنها حُرمت منه، حيث مـنَّ الله عليها بتلك الفتاة بجوار أبنائها و كذلك "خديجة" كانت تشعر بسعادةٍ بالغة بعدما أرضعت أبناء أخيها.
بعد مرور ساعات تقريبًا من إعلان موعد النتيجة، أجتمعت فتيات العائلة معًا و الرجال و كذلك الشباب ينتظرون إعلان النتيجة و لكن "خلود" تصنعت الثبات و هي تجلس أمام الحاسوب و بجوارها "أحمد" يمسك كفها و كأنها يدعمها بتلك الطريقة و بين الحين و الآخر يربت عليها و هي تنظر له بخوفٍ.
كان "أحمد" يتابع الحاسوب و يتابع الموقع، فقالت هي بتوسلٍ:
يا رب أنا مش طماعة، أنا عاوزة بس مجموع من الـ ٩٠٪ فيما فوق، يا رب ٩١٪"
ضحكوا عليها جميعًا فيما قالت "مشيرة" بحماسٍ:
إن شاء الله هتجيبي أكتر من كدا كمان و تقولي عمتو مشيرة قالت، يا بت كلنا شوفناكِ و أنتِ بتذاكري، متخافيش"
انتفض "ياسين" في تلك اللحظة و هو يقول بحماسٍ:
فتح !! الموقع فتح خلاص"
ظهر الخوف على ملامح وجوههم فيما اندفع "أحمد" نحو الحاسوب يُدخل رقم الجلوس بأنامل ترتعش من شدة الخوف لتظهر النتيجة بعد مرور ثانية أو لربما ثانيتين.
فين نفس الوقت كان "عمار" جالسًا أمام الحاسوب في غرفته و قد قام بإدخال الرقم بعدما أرسله له "ياسين" فجلس منتظرًا النتيجة لثانيةٍ مرت كما الدهر الكامل على قلبه لتظهر بعد مرور ثانيةً أخرى.
قفز "أحمد" و هو يقول مهللًا بفرحٍ:
الله أكبر !! ٩٠٪ يا خوخة"
شهقت هي بقوةٍ ثم نظرت في الحاسوب و بعدها صرخت بملء صوتها و هي تضرب الأرض بقدميها من هول المفاجأة فارتمت عليها "سلمى" تبكي من فرط فرحتها بها و كذلك انطلقت الذغاريد من فم نساء العائلة و الفتيات و "خلود" تبكي بمشاعر عديدة لم تستطع تفسيرها لكنها كانت تعلم أن الله لن يُضيع مجهودها سدىٰ، و هي قامت بما توجب عليها فعله و ها هي نتيجة تعبها.
قفز "عمار" من على الفراش و هو يمسك الحاسوب في يده و هو يرفع صوته الذي غلفته البهجة:
يا أم عامر، خلود نجحت يا أم عامر، ابنك فرحان من قلبه"
ركضت له "سيدة" من المطبخ بتعجبٍ حتى تقابلا سويًا في الرواق فاحتضنها هو بفرحة و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
خلود جابت ٩٠٪ يا ماما، ربنا استجاب ليا و فرح قلبي و قلبها مع بعض، السكة بتقصر على ابنك علشان يفرح"
ربتت على ظهره و بكت تأثرًا بفرحته و هو يلقي برأسه على كتفها و يردد بنبرةٍ خافتة:
الحمد لله يا رب..... الحمد لله"
في بيت آلـ "الرشيد" انتشرت التبريكات و التهنئات بين الجميع و أكثرهم فخرًا بها كان "وليد" الذي أحتضنها أمامهم جميعًا و هي لأول مرّة تظهر تأثرها و تبكي أمامهم، و في تلك اللحظة تحدث "محمد" يلقي بمفاجئته أمام الجميع بقوله:
طب بما إن ربنا كرمنا و فرحنا كلنا خلاص بنتيجة خلود و خلفة خديجة و هدير و حمل جميلة، قررت أني اكمل الفرحة دي و أقول إني استخرت ربنا و موافق إن أحمد يعمل الفرح في الأجازة دي"
نظروا له بدهشةٍ جميعهم و رفرف "أحمد" بأهدابه و كذلك "سلمى" التي فرغ فاهها حتى أوشك على التيبس، فهل ما سمعته كان حقًا ما سمعته أم أنها أمنية من وحي الخيال.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث والتسعون 93 - بقلم شمس بكري
الفصل الرابع و التسعون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_________________________
و ما حيلتي أنا أمام تلك العيون ؟"
_________________________
من الممكن أن يكون اصعب ما يمر على المرء هو الصبر، و قد يظن البعض أن مذاق الصبر؛ مُـر و في الحقيقة أن الصبر هو قمة العطاء، كونك المرء الذي يتحلى بالصبر و ينتظر ما يريده، فهذا الدليل كافٍ على كونك منتصرًا من الأساس، فما جزاء الصبر سوى المنال، حتى و إن كان من بعد الفراق وصال...
_تملكت الدهشة تعابير وجوههم جميعًا خاصةً بعد حديث "محمد" عن زواج ابنته و خصوصًا "سلمى" التي رفرفت باهدابها عدة مراتٍ، فأضاف هو بثباتٍ:
أنا كان طلبي من الأول إن سلمى تدخل كلية صيدلة، و تحقق حلمها و الارتباط و المواضيع دي متأثرش عليها، و هي كتر خيرها التزمت بكل حاجة و جابت تقدير في أول سنة، علشان كدا أنا بقولها أهو أنا موافق إنها تكمل في بيت جوزها، بس شرطي أنها تكمل تعليمها، طالما أحمد جهز نفسه"
ظهرت الفرحة على وجه "أحمد" الذي ابتسم باتساعٍ فقال "محمد" بثباتٍ رغم جموده إلا أن التوسل كان يتقطر من حروفه:
بس عاوز منك وعد إنك تساعدها تكمل، أنا لاحظت أنها معاك بتكون فرحانة و بتعمل كل حاجة أنتَ بتشاركها فيها، توعدني إنها هتكمل ؟!"
نظروا جميعهم لـ "أحمد" الذي نظر لها هي يطالع عينيها التي توسلته بالموافقة، فتدخلت "جميلة" تقول بنبرةٍ هادئة:
صدقني يا خالو فيه بنات كتير زي سلمى كدا و نجحوا في الحاجتين مع بعض، و أحمد أفضل مليون مرة من أجوازهم، صدقني دي حاجة عادية، بنات كتير مرة بيها و نجحوا و اثبتوا نفسهم، متخافش و أحمد بنفسه هيوعدك دلوقتي"
بعد حديثها تنفس "أحمد" بعمقٍ ثم تحرك من أمامهم جميعًا دون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة ثم عاد مرةً أخرى و هم ينظرون له بدهشةٍ يصحبها التعجب؛ فأشهر هو ما في يده أمامهم جميعًا ثم قال بصوتٍ عالٍ:
دا مصحف ربنا أهو يا عمي، يمين هتحاسب عليه و لو أنا بكدب يبقى دا يمين غموس و ملوش كفارة و أني أكون في النار علطول لو بكدب، بس و مصحف ربنا لو هي بقت معايا في بيتي أنا مستحيل اخليها تقصر في حق نفسها و مذاكرتها، و الله العظيم أنا بنفسي هذاكر لها لحد ما تخلص و تتخرج و تشتغل بشهادتها كمان، بس أنا عاوزها معايا نساند بعض احنا الاتنين في الدنيا دي"
ابتسم له "محمد" و كذلك البقية بأكملهم، لم تكن ابتسامةٍ عابرة و إنما فخرًا به و بأخلاقه و دعمه لزوجته، حينها احتضنه "محمد" مربتًا على كتفه تزامنًا مع قوله الحنون:
و أنا واثق فيك إنك قد القول، ربنا يسعدكم و يحفظكم يا بني"
هلل الجميع بفرحٍ و صوتٍ عالٍ فيما تحدث "وليد" متهكمًا:
اومال معايا كانت ناشفة زي المستشفى ليه ؟! دا إيه التفرقة العنصرية دي ؟!"
قبل أن ينطق أيًا منهم صَعد صوت الزغاريد يملأ المكان من الخارج حتى نظروا لبعضهم بدهشةٍ من مصدر الصوت ليتضح بعدها أن الصوت يأتي من فم "سيدة" والدة "عامر" و معها البقية حيث أتت بالفتيات الثلاتة و معهم الشباب و زوجها أيضًا.
خرج معظم أفراد العائلة ليروا من صاحبة الصوت فتفاجئوا بها تقترب من "خلود" تحتضنها و تبارك لها و في الخلف تقف "ميمي" يساندها "ياسر" و "عامر"، أما "عمار" فكان وجهه محتنقًا من أفراد عائلته و تلك الحفلة الغريبة التي قاموا بها.
اقتربت "خلود" من "ميمي" و هي تقول بحماسٍ بعدما ابتعدت عن والدة "عمار":
معقولة جيتي علشاني ؟! أنا مبسوطة اوي يا ميمي، البيت فرحته زادت بوجودك"
ربتت "ميمي" على وجهها بحنانها المعتاد و هي تقول بفرحةٍ غلفت صوتها:
و أجيلك لأخر الدنيا كمان يا حبيبة ميمي، هي الفرحة النهاردة تتوصف ؟! ألف مبروك يا حبيبة قلبي و عقبال ما أجيلك في الفرح يا رب"
احتضنتها "خلود" بحماسٍ و حبٍ تكنه لها فيما قبلت "ميمي" رأسها و هي تمسد على ظهرها ثم نظرت لـ "عمار" الذي ابتسم لها و كأنه يخبرها بنظراته عن مدى الحنان التي تتمتع به "خلود".
جلسوا سويًا مع بعضهم بعدما تحدث "عامر" مفسرًا سبب قدومهم:
احنا عرفنا من ياسين نجاح الآنسة خلود و علشان كدا قولنا نشارككم الفرحة، دا لو مفيهاش إساءة و تطفل عليكم"
رد عليه "طـه" مسرعًا:
إزاي يا بني بس، دا انتم أهلنا و الفرحة متكملش من غيركم معانا، البيت نور بيكم طبعًا، و زيدنا شرف"
تحدث "عامر" بمرحٍ:
لو تزود فرحتنا و يكونوا فرحتين يبقى كتر خيرك و الله"
ضحك الجميع عليه حينما فهموا مقصده فيما تحدث "طـه" بتفهمٍ:
و أنا عند وعدي يشوفوا مستقبلهم و إن شاء الله لو فيه نصيب هي هنا في بيتها محفوظة"
ابتسم له "عمار" ثم قال هو بأدبه المعتاد و طريقته المهذبة:
و أنا مش عاوز غير كدا يا عمي، أنا لسه قدامي حياة بأسسها علشان تليق بوجودها معايا، و إن شاء الله تدخل كلية حلوة و تفرحنا كلنا"
ابتسمت "خلود" بحماسٍ فيما سألها "ياسين" بنبرةٍ هادئة:
و أنتِ بقى يا خلود ناوية على كلية إيه ؟! مجموعك حلو ما شاء الله، قررتي ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
اللي ربنا يكرم بيه إن شاء الله"
_"ما شاء الله دي قسم إيه بقى"
تدخل "عامر" يقول ذلك بمرحٍ يسخر من حديثها، حتى اضافت هي بعد ضحكات الجميع بقلة حيلة:
بجد و الله مش عارفة كلية إيه، مش لاقية كلية تنفع معايا، أنا مليش خلق اذاكر، فما بالكم بحاجة مش حباها ؟!"
تدخل "ياسين" يقول بحكمةٍ:
بصي يا خلود، أهم حاجة تكوني حابة اللي هتدرسيه و ملكيش دعوة بالناس و لا بحد، و سيبك من كلية قمة و كلية قاع، أنتِ عاوزة إيه ؟!"
ردت عليه هي بحماسٍ:
بص أنا كل الكليات مش عجباني، امبارح كنت عمالة ادور و لقيت كليات كتيرة مظلومة علشان تنسيقها قليل، رغم إن فايدتها أكبر بكتير من كليات تنسيقها عالي، و أنا مبكرهش كلمة قد كليات القمة و كليات قاع"
نظروا لها جميعًا باستحسانٍ فيما قالت هي مسرعةً:
يعني فيه كلية آداب علم نفس رغم أني بكره علم النفس، دي كلية تحفة و تنسيقها قليل، و فيه كلية عرفتها بالصدفة و أنا بدور و مسمعتش عنها، كلية خدمة إجتماعية، ازاي كلية زي دي أقل تنسيق في مصر !!! كلية دورها تحفة خاصة برضه بعلم النفس، بطلع اخصائيين نفسيين و بتطلع استشاريين في نفسية الطفل و دكاترة تخاطب و اخصائيين نفسيين في المدارس، كلية زي دي المفروض تكون قمة لأن محدش عارف قيمتها، و كل نظرة الناس لطلابها أنها كلية قاع و أنهم فشلة !! دا عبث"
توقفت عن الحديث ثم أضافت من جديد بنفس الطريقة:
فيه كليات كتير أوي بس الناس فاهمة دورها غلط، بس أنا بقى قررت خلاص هدرس إيه"
نظروا لها جميعًا بحماسٍ و كأنها ستدلي أمامهم جميعًا بسر الحياة فيما أضافت هي بتريثٍ:
كلية الحقوق جامعة القاهرة إن شاء الله، رُفعت الجلسة !!"
ضحكوا عليها جميعًا و على طريقتها فقال "وليد" بمرحٍ:
و الله العظيم أنا قولت البت دي دماغها حقوق، بتاخدي بالك كدا من تفاصيل غريبة و ماشية تدافعي عن الكل، هي هيئتك محامية فعلًا"
تحدث "خالد" باستحسانٍ:
على فكرة حلوة جدًا و هتفيدك عمليًا أكتر من علميًا، مدير الشئون القانونية عندنا خريج حقوق و ماشي يطلع عين الكل"
صفقت بكفيها معًا بحماسٍ فابتسم لها "عمار" ثم حرك رأسه موافقًا، حينها تحدث "أحمد" بمرح:
طب نرجع بقى لموضوعنا، ها نحدد الفرح امتى ؟! بعد شهر من النهاردة ؟!"
نظر له الجميع بتعجبٍ يصحبه الدهشة فقال هو متراجعًا عن السابق بقوله:
خلاص علشان لسه مجهزناش نفسنا، يبقى بعد شهر و أسبوع"
_________________________
بعد تلك الجلسة و بعد الاتفاق على موعد زفاف "أحمد" و "سلمى" انتشرت البهجة في العائلة الفرحة تظهر على أوجه الجميع، و خاصةً "ميمي" التي رأت السعادة تغمرهم جميعًا و ظهر أثرها على الوجوه، أما هي فكانت تحمل "نـغـم" على كفيها و هي تطالع وجهها الناعم، ثم رفعت عيناها تطالع وجه "ياسين" و هو يتحدث مع الشباب و رغمًا عنها ابتسمت بحنينٍ له، مكانته لديها كبرى و لم تقارن حتى بمكانة من حملتهم في أحشائها، كرس حياته لها و تفنن في تعويضها، لطالما كان مثل الدواء لكل الجروح التي مرت عليها.
لمعت العبرات في عينيها تأثرًا و هي تتذكر فرحتها بمولودته حينما وصلها الخبر في الفجر و هي تصلي، حينها بكت من فرط فرحتها و قامت بتأدية ركعتين شكر للمولىٰ عز وجل، كما تذكرت أول مرة رأت فيها تلك الصغيرة، و لأول مرّة تشعر بتلك الفرحة، و كأن الفرحة بميلاد "نـغم" فرحةٍ من نوعٍ خاص، تشبه حروف اسمها، و نعومة أظافرها، نظر لها "ياسين" و رغمًا عنه ابتسم بنعومةٍ ثم اقترب منها يجلس على ركبتيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
عينك بتقول إنك بتفكري فيا، صح ؟! أكيد مش تهيؤات يعني"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بصوتٍ خفيضٍ:
صح، طول عمرك شاغل بالي علشان عمرك ما اشتكيت من حاجة، بس أنا عارفة إنك بتكون زعلان و متضايق، و بعرف لما تكون فرحان و قلبك طاير، و أنتَ من يوم ما خديجة دخلت حياتك و أنتَ فرحان و دلوقتي بقى....عينك بتقول إنك طاير من الفرحة بسبب ست نـغـم، قلبي فرحان ليك أوي أوي"
رفع نفسه يقبل جبينها ثم عاد لموضعه من جديد و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنتِ و أمي فرحتكم بتنور قلبي من جوة، و فرحان ببنتي اللي عمالة تتشحطط من حضنك لحضن زهرة لحضن وليد، ربنا يباركلي في عمرك يا رب"
ابتسمت هي له حتى اقتربت منهما "خديجة" تقول بمرحٍ:
بتتوشوشوا في إيه من غيري ؟! بتبعوني كدا ؟! عيب والله"
ردت عليها "ميمي" بنبرةٍ ضاحكة:
آه بنبيعك، اتفقنا نهرب أنا و هو و نغم و يتجوزني و نسيبك لوحدك"
ابتسمت لها "خديجة" بفرحةٍ ثم قالت بلين قلبها المعتاد:
و ماله، على الأقل هضمن إن نغم تتربى كويس معاكم و تطلع حنينة و قلبها طيب"
ضحك "ياسين" رغمًا عنه بيأسٍ منها حتى "ميمي" هي الأخرى، فيما اقتربت منها "خديجة" تقبل وجنتيها ثم قالت بحماسٍ:
أنا النهاردة فرحانة، هنروح نبات عند بابا رياض علشان بكرة إجازة و هنام براحتي، و خلود اطمنت عليها، و أحمد هيفرحنا قريب، بصوا نفسي ازغرط"
بعد مرور دقائق اجتمعوا أمام البيت جميعًا عدا سكانه، فقال "وليد" يقترح عليهما:
بقولك إيه يا جوز أختي يا حبيبي، ما تجيب نغومة حبيبة قلب خالو تبات معايا، على الأقل علشان تعرف تنام"
ردت عليه "خديجة" بحنقٍ:
فيه إيه يا عم أنتَ !! عندك اتنين و عاوز تاخد مني بنتي ؟ دا إيه الأنانية دي ؟!"
رد عليها "وليد" ببروده المعتاد:
أنانية إيه ؟! دي بنتي غصب عنك و عن ابوها، أنا مراعي مشاعركم المتعطشة للمشاعر دي و مش عاوز أخدها منكم"
رد عليه "ياسين" بتهكمٍ:
متشكرين لكرم أخلاق عيلتك كلها، و على إيه مراعي مشاعري كدا ؟!"
ضحك عليهما البقية ثم رحل الأخرون تباعًا خلف بعضهم و كل منهم يتوجه نحو وجهته.
_________________________
وصل "ياسين" لشقة والده لأول مرّة منذ ولادة "نــغـم"، ضرب جرس الشقة بأنامل كفه الأيسر و الأخر عليه ابنته، و "خديجة" تحمل القطة الخاصة بها "خدوش" في الصندوق الخاص بها، فتحت له "زهرة" الباب و على غير المعتاد خطفت منه "نـغم" ثم دلفت للداخل و هي تهدهدها دون أن ترحب بهما، حينها ضحكت "خديجة" رغمًا عنها فيما نظر لها "ياسين" بدهشةٍ و قال بسخريةٍ:
شكلها كدا راحت علينا يا كتكوتة"
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة فيما اقترب "رياض" من باب الشقة حتى يغلقه و حينما وجدهما لازالا على أعتاب الشقة كما هما، فقال مسرعًا بلهفةٍ:
إيه دا انتوا هنا ؟! معلش أصل نغم هنا، بصراحة ملكوش لازمة"
تلاشت البسمة من وجهيهما و هما ينظران لبعضهما ثم دلف بعدها "ياسين" للداخل و معه "خديجة" التي كانت تحاول كتم بسمتها، بينما والديه جلسا بجانب بعضهما و "زهرة" تحملها بكفيها تهدهدها، و "رياض" بجوارها يبتسم للفتاة التي كانت تعضعض في كفها المتكور، فتحدث حينها "ياسين" بسخريةٍ لاذعة:
طب عبرونا طيب !! بلاش أنا، مش دي خديجة بنتكم اللي كان نفسكم فيها ؟! دا حتى خدوش راحت عليها معانا خلاص كدا !!"
رد عليه "رياض" مؤكدًا صدق حديثه:
لأ ياض عيب متقولش كدا، قال راحت عليكم قال، ميصحش"
فرد "ياسين" ذراعيه بفرحةٍ ثم نظر لزوجته و أعاد بصره لوالده و هو يقول بمرحٍ:
أيوا بقى يا حج رياض، أنا قولت العشرة متهونش برضه"
_"لأ يا حبيب أبوك، انتوا مكنتوش في الحِسبة أصلًا علشان تروح عليكم، بصراحة جت اللي تاخد مكانكم عندنا"
تراخى ذراعيه و اخفضهما بجانبه فيما انفلتت ضحكة خافتة من فم "خديجة" على الأوضاع حولها.
بعد مرور بعد الوقت بدلا ثيابهما دون ابنتهما التي وقعت أسيرة بين أحضان جدتها، و كذلك "رياض" بجوارها يغني لها بمرحٍ.
و بعد مرور بعض الوقت اخذتها "خديجة" تبدل لها ثيابها فذهبت معها "زهرة" فيما قال "رياض" بمرحٍ:
ازيك يا أبو نغم ؟! تصدق حلو ياض ؟؟ اترحمت من كلمة أبو طويلة، بس بقولك إيه ؟! البت عسل و تتاكل"
رد عليه "ياسين" بقلة حيلة:
أهي دي بقى اللي مطيرة النوم من عيني، أقولك حاجة ؟! أنا بقيت مدمن ريحتها الحلوة و فرحان أوي و أنا حاضنها بليل حتى لو هي مش هتنام، كأنها اسم على مسمى، نغم و هي نغم فعلًا"
ربت "رياض" على فخذه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
تتربى في خيرك و عزك و حضنك يا رب، أظن مش محتاج وصية عليها، حنانك هيظهر لوحده"
في الداخل على الفراش كانت "نـغم" تحرك كفيها تزامنًا مع صوتها الرقيق الذي بدا مثل مواء القطة و كأنها تتحدث مع من أمامها و "خديجة" تبدل لها ثيابها و "زهرة" بجوارها تلاعبها ثم قالت بفرحةٍ:
أنا فرحانة يا خديجة أوي بيها، شوفتي شكلها حلو ازاي ؟! شعرها حلو أوي ما شاء الله، عامل زي شعري"
ابتسمت لها "خديجة" و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
بس هي شبه ياسين شوية، لو ركزتي هتلاقيها فيها منه كتير"
ردت عليها "زهرة" بلهفةٍ:
و شبهك برضه، بصي العيون دي بتاعتك أنتِ، الرموش التقيلة دي بتاعة ياسين و رياض، مش عارفة بس هي تتاكل كلها على بعضها كدا"
أنهت جملتها ثم حملتها على ذراعيها تهدهدها و الأخرى مستسلمة لدلال الجميع لها.
_________________________
وصل "وليد" شقته مع زوجته و باقي أفراد العائلة بعدما رحلوا من بيت آلـ "الرشيد"، فاقترب "فارس" منه يمسك يده حينها قالت "عبلة" بنبرةٍ ضاحكة:
طب نامي يا هدى بقى، علشان فارس هيسهر معانا النهاردة، أي خدمة يا ستي"
تدخل "وئام" يقول بتهكمٍ:
انتوا حرين، بس لو طلب ينزل وروني بقى مين فيكم هيضحي"
رد عليه "طارق" بسخريةٍ:
و على إيه، خدهم أنتَ عندك اضمن، محدش ضامن يرميهم عند أنهي جامع"
ضحكوا عليه جميعًا فيما رفع "وليد" صوته و هو يقول منفعلًا:
في إيه يا عم طارق ؟! مكانتش مرة دي اللي سيبت كل واحد فيهم عند حد منكم علشان أنام !! و بعدين أختك كانت تعبانة، دا غلطي يعني ؟! اعتبره امتحان عملي لحد ما ربنا يكرمك"
حدجه "طارق" بغيظٍ و كذلك "وئام" فيما حمل هو "فارس" على ذراعه و يده الأخرى عليها ابنه ثم قال معاندًا لهما:
طب و الله لأخليها ليلة فل على الكل، طالما بكرة الجامعة بقى"
صعد نحو شقته بالصغار، و خلفه "عبلة"، فيما قال "طارق" لزوجته بخوفٍ:
شوفي يا جميلة !! علشان ربنا يكرمنا كلنا إن شاء الله يعني، أول ما تخلفي البت اللي في بطنك دي، احنا نهرب من هنا، نكبرها و نجوزها و بعدين نرجع هنا، أنا مش هستحمل اناسب وليد"
وصله صوته من الأعلى و هو يقول بتهكمٍ:
سِمعتك يا حلو، أنتَ تطول تناسبني ؟! دا أنتَ تصلي ركعتين شكر لله إنك جاري أصلًا"
ضرب "طارق" كفيه ببعضهما و هو يقول بغيظٍ:
سمعني إزاي دا ؟!"
ردت عليه "جميلة" بتعبٍ:
هو ما شاء الله عليه، مخابرات"
في الأعلى و بعد مرور دقائق كانت "عبلة" جالسةً على الفراش و بجوارها "فارس" و أمامها "زياد" و "مازن" يلعبان مع بعضهما و كذلك "فارس" بين الحين والآخر يقترب منهما يقبلهما، أما "وليد" فدلف الغرفة يحمل صينية متوسطة الحجم عليها شطائر الطعام له و لزوجته و لـ "فارس" معهما، و زجاجتين اللبن الخاصة بأولاده حتى جلس على الفراش مقابلًا لزوجته
التي ضحكت عليه ثم أضافت بسخريةٍ:
معقول للدرجة دي بتخاف تقعد معاهم لدرجة انك تعملنا الأكل و تعمل ليهم اللبن ؟! دنيا غريبة"
رد عليها بتهكمٍ:
آه بخاف ياختي، لو واحد فيهم عيط مبعرفش أتصرف، حتى فارس بيعيط معاهم، صح يا فارس ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يقول:
صح !!"
اقتربت منه "عبلة" تقبله و هي تمسك وجهه بكفها، فيما قال "وليد" بخبثٍ:
يا بختك يا ابن المحظوظة، من يوم ما بقيت أب و أنا ماخدتش بوسة يتيمة حتى !!"
ضحكت هي رغمًا عنها ثم اقتربت منه تقبل وجنته ثم قالت بمرحٍ:
بوسة يتيمة أهو علشان عيالي بيغيروا عليا، خليها عليك"
ابتسم هو لها ثم مد يده لها بالطعام فأخذته منه، فكرر هو الكرة من جديد و هو يعطيه لـ "فارس" الذي ابتسم بسعادةٍ ثم أقترب من "وليد" يقبله مثلما فعلت "عبلة" أما هو فأعطى الزجاجة لأولاده و هو يبتسم لهما، ثم أخذ شطيرته يأكلها و هو يوزع نظراته على تلك الأسرة الجميلة التي كانت بمثابة الانتصار بعد عمرٍ من الهزائم.
_________________________
في شقة "ياسر" كان جالسًا على المقعد في الشرفة و "زينة" تجلس أمامه و في يدها دميتها، أما "زين" فكان يجلس بجوارها صامتًا كعادة والده، أما "إيمان" فاقتربت منهم تقول بتعجبٍ:
مالكم قاعدين كدا ليه ؟! كل دا علشان أنا غيبت عنكم ؟! للدرجة دي وجودي مبهج ؟!"
رد عليها "ياسر" بقلة حيلة:
احنا ساكتين علشان أنتِ مش موجودة، تفتكري زينة ساكتة ليه ؟!"
رمقتها بغيظٍ و هي تجلس بجوراه، حينها ركضت "زينة" نحوهما تحتضن "ياسر" و ترتمي عليه حتى لا تترك المساحة لوالدتها، حينها تحدثت "إيمان" بضجرٍ:
يا بت أنا اللي مصبرني عليكِ إنك شبهه، اقسملك بالله لو حطيتك في دماغي هسفلت بوشك الأرض !!"
ضحك "ياسر" رغمًا عنه و هو يقول بنفاذ صبرٍ:
أنا تعبت منكم و الله العظيم، دا أنا كنت اتجوزت اتنين أسهل من الهم دا، ارحموني يا ناس !!"
ردت عليه "إيمان" بقلة حيلة:
يا ياسر البت ضرتي بجد، بص زين حبيب قلب أمه هادي إزاي ؟! شعر أصفر و عيون زرقا و حاجة اللهم صل على النبي، إلا البت دي ؟! حربائة صغيرة متلونة"
ضرب كفيه ببعضهما فيما ردت عليه "إيمان" بلهفةٍ:
تيجي نديها للواد عمر ؟؟ هو أنا هلاقي لبنتي نسب أحسن من عامر و سارة ؟! تيجي ؟!"
رمقها بغيظٍ فيما اقتربت هي من "زين" تحمله على ذراعيها تقبله و هو يبتسم لها، أما "زينة" فعانقت "ياسر" تعاند والدتها.
_________________________
جلست "ريهام" أمام "يونس" على الفراش تعاونه في عمل واجباته الدراسية الخاصة بروضة الأطفال "الحضانة" و كانت بين الحين و الآخر تتألم، حتى قال هو مسرعًا:
خلاص يا ماما نامي انتي"
حركت رأسها نفيًا و هي تبتسم له فسألها هو بلهفةٍ:
هو أنتِ هتجيبي نونة زي نغم و زينة ؟!"
ابتسمت هي له ثم حركت رأسها موافقةً فقال هو بحماسٍ:
اسمها إيه طيب ؟!"
ردت عليه بحيرةٍ:
مش عارفة يا يونس، أنتَ عاوز اسمها إيه طيب ؟!"
قلب شفتيه للأسفل و كأنه يجاوب عن سؤالها بصمته، و في تلك اللحظة دلف "خالد" و هو يمسك طبق الطعام في يده و الملعقة ثم قال بسخريةٍ:
لسه بدري يا حبايبي على اختيار الاسم، يمكن تطلع ولد، بتحصل عادي"
ردت عليه "ريهام" بتهكمٍ:
دا كان أيام زمان يا أبو العريف، احنا عاملين آشعة 3D، و طنط عفاف قالتلي بنوتة"
حرك كتفيه بلامبالاةٍ ثم ادخل الملعقة في فمه، فسأله "يونس" بتعجبٍ:
بتاكل إيه يا خالد ؟!"
_"لما تقولي يا بابا و تحترمني هرد عليك يا عيون خالد"
قالها والده بسخريةٍ فحرك "يونس" كتفيه مثل والده ثم عاد للمذاكرة مرةً أخرى، حينها اقترب منهما "خالد" بالطعام فقالت "ريهام" باشمئزازٍ:
أخرج برة الأكل قلب معدتي بقى، أنتَ بقيت بتاكل كتير ليه؟"
رد عليها بسخريةٍ:
أنتوا اللي عالم تسد النفس، بكرة تولدي و أخد بنتي و أهرب إن شاء الله منك، و هسيبك مع يونس تسرحي بيه و تبيعي مناديل"
رد عليه "يونس" بلهفةٍ:
و ناخد معانا نـغـم ؟!"
نظر له والديه بدهشةٍ فسحبه "خالد" من ثيابه و هو يقول بشرٍ زائفٍ:
ولا !! أنسى ياض اللي بتفكر فيه دا، أنتَ لسه صغير، نغم مين دي اللي تاخدها معاك ؟! أنتَ عاوز ياسين يبلعنا سوا ؟!"
حرك رأسه نفيًا و هو يضحك علر والده الذي قبل وجنته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
حبيب بابا يا يونس، إن شاء الله نجيب بنوتة و تحبها و تاخدها مطرح ما أنتَ عاوز إن شاء الله"
رد عليه "يونس" بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص هحب أختي....و نـغـم برضه"
توقف عن الحديث بعد جملته الاولى ثم اعاد الحديث بذكر اسمها فضحكت "ريهام" بصوتٍ عالٍ فيما حمل "خالد" ابنه يهزه في يده بعنفٍ و الأخر يضحك بملء شدقيه.
_________________________
في شقة "رياض" خلد والديه للنوم و كذلك أوشكت "خديجة" أيضًا التي كانت ترضع ابنتها، لكن الأخرى كان لها رأيًا أخرًا حيث استفاقت من أثر النوم بعدما تناولت رضعتها من صدر والدتها، كان "ياسين" يتابعهما حتى وجد رأس "خديجة" تميل للأسفل بارتخاءٍ، حينها حمحم هو بصوته حتى حركت رأسها ثم قامت بعدل ابنتها على يدها و هي تقول بقلة حيلة:
نامي شوية طيب علشان خاطري، هي طالبة معاكِ بسهر ليه و أنا هموت و أنام ؟!"
اقترب منها "ياسين" يحملها على يده ثم ابتسم لها بهدوء، حينها وضعت "نـغـم" رأسها على كتفه و قد وضع هو كفه في ظهرها يتحرك بها في الغرفة و هو يمسد على ظهرها، فقالت "خديجة" بسخريةٍ:
طب ما هو كدا هي مش هتنام !! و أنا طول ما أنتَ بتتحرك أنا مش هنام، اخرتها إيه؟"
غمز لها بثقةٍ و هو يقول:
هتشوفي اخرتها إيه، صبرك عليا"
عقدت ما بين حاجبيها حتى وجدته يقرأ القرآن بصوته العذب في أذن أبنته التي بدأت في النوم رويدًا رويدًا حتى نامت أخيرًا و كفها الصغير تضعه حول عنقه، حينها ابتسمت "خديجة" حينها بفرحةٍ فوجدته يقترب منها يجلس بجوارها و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
شوفتي بقى ؟! أنا فاهم خلاص"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فقام هو بوضع الصغيرة بينهما على الفراش، ثم رفع الغطاء يدثرهما، و حينها وضعت "خديجة" ذراعها على الصغيرة، فقام "ياسين" بمحاوطتهما يربت على كتف زوجته ثم بدأ في قراءة القرآن للمرة الثانية بنبرةٍ أهدأ من السابق حتى خلدت زوجته للنوم بنفس طريقة ابنته، فابتسم هو بسخريةٍ و قال محدثًا نفسه:
قال يعني كنت قادر على كتكوتة واحدة علشان يكونوا اتنين ؟! سِـد بقى و نَـيم يا ابن الشيخ".
_________________________
اليوم هو يوم السعادة و فرحة العائلة، فبعد مرور المدة الباقية و انقضاءها حل وقت زفاف "أحمد" أخيرًا على محبوبته "سلمى"، مر الوقت بسرعةٍ كبرى على جميع أفراد العائلة عدا هو كان يشعر أن اليوم يمر كما أنه عامًا كاملًا، لم يصدق أن ذلك اليوم قد أتىٰ أخيرًا و ها كل ما في الأمر عدة ساعات قليلة سيغدو الأمر من بعدها كما ظهور الورد في موسم الربيع، نتيجة صبره ها هو يحصل عليها اليوم و هو يتذكر أن تحليه بالصبر كان بمثابة كل الخير له و لقلبه.
كان "أحمد" في شقة والده يرتدي حِلته بعدما قام بتعديل هيئته و تصفيف خصلات شعره الكثيفة، و قبل أن يقوم بوضع رابطة العنق و يحاول ضبطها، دلف "حسن" و على ذراعه ابنه و هو يقول بحماسٍ:
ما تخلص يا عريس !! عامر هيطلع يجيبنا من شعرنا"
رد عليه "أحمد" بقلة حيلة:
البتاعة دي موتراني اوي مش عارف اظبطها يا عم"
أقترب "حسن" من الفراش يضع عليه صغيره ثم اقترب منه يقوم بوضع رابطة العنق "الببيونة" له و هو يبتسم له ثم بنبرةٍ مرحة:
عاوزك تفرح و تزقطط و تهيص، بص عيش و دلع نفسك و دلع مراتك، اقسملك بالله علي مشاركني في هدير مش لاحق حتى اعاكسها"
ضحك "أحمد" رغمًا عنه و هو يقول بقلة حيلة:
ما خلاص يا عم حسن !! ما كفاية هما قلقوني أصلًا، بس أقولك ؟! على قلبي زي العسل و أنا راضي، كفاية الونس في بيتي و هي معايا و قصاد عيوني"
ربت "حسن" على كتفه و هو يبتسم له حتى صدح صوت بكاء ابنه، فزفر بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
دا أنتَ عيل عيوطة زي اللي خلفوك ياض يا علي"
اقترب منه يحمله على يده ثم غمز لـ "أحمد" الذي ضحك رغمًا عنه.
أنهى "أحمد" هيئته و قام بالاتمام عليها و حمل باقة الزهور في يده، و قبل أن يخرج من الغرفة فُتح الباب لتطل منه "خديجة" بفستانها الأزرق و حجابها الفضي و هي تبتسم له ثم قامت بنثر العطر عليه و على ثيابه و هو يبتسم لها، حتى قالت هي بنبرةٍ هادئة:
شكلك حلو أوي، حاسة إن دي فرحة ابني مش أخويا، كبرت أوي لدرجة إن النهاردة فرحك !! مش عارفة أستوعب و الله"
اقترب منها يقبل رأسها ثم قال بنفس الهدوء:
صدقي و افرحي و فرحيني معاكِ، أنا ما صدقت ربنا يكرمني يا خديجة، النهاردة بس قلبي مبسوط و راضي عن كل حاجة"
ردت عليه هي بثباتٍ و حكمة:
بص أنا عاوزة أقولك كلمتين صغيرين، سلمى صغيرة عننا، بس بتحبك حب غريب اوي، اوعى بالله عليك تكسر بخاطرها و تضيع أملها يا أحمد، سلمى عاوزة تنجح و تحقق حلمها، يا تكون معاها قصاد الحلم دا، يا تكون أنتَ و الحلم عليها، راعي ربنا في بنت الناس اللي معاك علشان ربنا يكرمك، و افتكر إن أختك عايشة في بيت مع واحد شايلها فوق راسه، و افتكر إن لسه فيه أخت تانية عندك و عاوزين ربنا يكرمها"
حرك رأسه موافقًا ثم احتضنها حتى يتحدث مُطمئنًا لها:
أنا حالف على مصحف ربنا أني التزم بالعهد قدام الدنيا كلها، متخافيش، سلمى احلى و أجمل إنها تزعل بسببي"
ابتسمت هي براحةٍ له ثم ابتعدت عنه تقول بصوتٍ مختنقٍ:
طب يلا بقى علشان نلحق ؟!"
حرك رأسه موافقًا حتى دلفت "زينب" الغرفة و هي تطلق الزغاريد فرحًا بزواج ابنها و خلفها "طــه" يمسك كوبًا من العصير في يده، ثم اقترب منه يعطيه له و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
اشرب علشان حضرتك ماكلتش من الصبح، مش ناقص تقع مننا"
ابتسم له "أحمد" ثم قال بخبثٍ:
طب ما تيجي تشربني أنتَ يا طه !! هو أنا مشبهش يعني ؟!"
اقترب منه "طه" بالكوب يضعه عند فمه حتى تجرعه "أحمد" على فمٍ واحدٍ فقال له والده بنبرةٍ هادئة:
أنا عيوني ليك و عمري كله، كفاية كل ثانية ضاعت مني من غيركم معايا فيها، ربنا يسعدك يا حبيبي و يفرح قلبك و أفرح بولادك زي ما فرحت ببنت خوخة كدا"
ابتسمت "خديجة" له فقالت "زينب" بحماسٍ:
طب يلا خلود عمالة ترن و أكيد سلمى خلصت، هنتأخر كدا، و بعدين أنا كدا هعيط و الكحل هيسيح، يلا !!"
تحرك "أحمد" ركضًا للخارج و خلفه والدته التي أطلقت الزغاريد من جديد و قبل أن تلحقهما "خديجة" اوقفها "طـه" بقوله المرح:
و هو ياسين سايبك كدا ؟! هتتعاكسي يا خوخة"
دارت حول نفسها بفرحةٍ و هي تقول بحماسٍ:
إيه رأيك يا بابا حلو ؟!"
اقترب منها يقبل رأسها ثم حاوط وجهها بكفيه و هو يقول بعاطفةٍ أبوية:
طول عمرك زي القمر يا حبيبة بابا، شكلك حلو أوي، ذوقه حلو برضه ياسين"
ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة تزداد في كل مرّةٍ تتعامل مع والدها حتى دلف "ياسين" يحمل ابنته على يده و حينما رآهما سويًا قال بسخريةٍ:
كدا يا عم طـه ؟! مذنبني تحت و أنتَ هنا بتحب في مراتي ؟!"
رد عليه "طـه" بنبرةٍ ضاحكة:
ما كل واحد فينا معاه اللي يخصه يا ياسين، زعلان ليه بقى"
اقترب منه "ياسين" يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا مستحيل أزعل طبعًا، ربنا يبارك في عمرك و يفرحك بأحفادك كمان....بس برضه الاتنين يخصوني"
قالها بعبثٍ و هو يرميه بغمزةٍ من عينيه و قبل أن يرد عليه "طـه" دلف "وليد" يقول بثباتٍ يمتزج بثقته:
بس يا حبيبي أنتَ و هو"
اقترب أكثر بعد حديثه يحمل "نـغـم" على ذراعيه و أمسك يد "خديجة" ثم قال بخبثٍ:
الاتنين يخصوني عدم المؤاخذة، و كلمة كمان هحرمكم منهم، يلا يا كتكوتة قدامي"
ضحكت "خديجة" بملء صوتها و هي تسير معه، فيما نظر في أثره الأخرين بشرٍ حتى تحدث "ياسين" بغموضٍ بعد رحيل الأخر بذويه:
قولي يا عم طه، هو أنا لو قتلت وليد دا هيأثر معاكم هنا في حاجة ؟!"
رد عليه "طـه" مسرعًا:
ايدي على كتفك يا حبيبي، بس تفتكر دا ينفع معاه إيه ؟!"
ضيق "ياسين" جفناه فوق مقلتيه و هو يفكر في كيفية ذلك الوليد بمحاولةٍ تنجح منذ أول مرةً، و لكن من المؤكد أمام كل محاولاته ستصبح فاشلةً.
__________________
_الفصل دا إهداء مني لـ نانسي بمناسبة عيد ميلادها و كل سنة و أنتِ طيبة يا قمر💘
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع والتسعون 94 - بقلم شمس بكري
مَـــن صَــبــر ظــفــر"
_________________________
_" ياليت ما تريده يريدك و ياليت ما تمنيت وجوده في حياتك عليك مفروض، و ليس لمقارنتك مفروض، فخير ما تقدمه الأيام للمرء أن يحصل على ما وده، أن ينال ما تمنى و يكون له.
وصلت العائلة بالتتبع خلف بعضهم لقاعة المناسبات و التي قد يتم بها حفل زفاف العروسين، كانت الأجواء مبهجة منذ ركوبهم السيارات و تحركهم على الطريق، حيث السيارات الكثيرة التي تسير خلف بعضها مع اطلاق نغماتٍ عالية من السيارات في تناغمٍ ألهب حماس الجميع حتى وصلوا لقاعة الزفاف و أول سيارة توقفت كانت سيارة "أحمد" الذي نزل يبتسم بفرحةٍ كبرىٰ يريد اخذ الخطوة في اثنتين حتى يراها بفستان الزفاف.
في الداخل انتهت "سلمى" من وضع اللمسات الأخيرة و تم إنهاء تزيينها و تجهيزها حتى تلتقي بزوجها، التفتت لـ "خلود" التي ارتمت عليها تحتضنها و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ نتيجةً لفرحتها:
إيه القمر دا كله ؟! زي القمر يا قلب أختك، اللهم صل على النبي"
سألتها "سلمى" بلهفةٍ:
بجد !! شكلي حلو ؟!"
ردت عليها "خلود" بتأثرٍ:
زي القمر و أحلى كمان يا حبيبة قلبي، أنا زعلي إنك هتسبيني أكتر من زعلي إن أحمد هيمشي"
ابتسمت لها "سلمى" بفرحةٍ و كلتاهما تحتضن الأخرى بنظراتها حتى صعد صوت الزغاريد من فم "سهير" بفرحةٍ تدل على قدوم العريس، حينها توترت "سلمى" و شعرت بالخجل و هي تفرك كفيها معًا فيما غمزت لها "خلود" بعبثٍ.
دلف "أحمد" في تلك اللحظة بضربات قلب تتصارع خلف بعضها من فرط الفرحة و الحماس، لم يتخيل أن يرى ما تمناها أمام عينيه بتلك الطَلة الخاطفة، ففي المعتاد من نظرةٍ واحدة تسرق لبهُ و تُشغل عقله و تحتل مراكز قلبه، فكيف إذًا بهيئتها و هي عروس ؟! كانت يضرب الخطوة في اثنتين حتى يصل لها و حينما وصل أخيرًا !! لم يجد بُدًا من تشبيه نفسه بالمحارب الذي حصل على غنائم بلدةً ظَفر هو في حربه بها، لتصبح هي خير المكاسب في الدنيا.
انتشرت أصوات الزغاريد و الفرحة من خلفه فيما طالعها هو بنظراته يشملها بنظرةٍ هادئة و وجهٍ مُبتسمٍ و يبدو و كأن نجمة من نجوم السماء تقف أمام عينيه فلم يعي لنفسه و هو يقترب منها بلهفةٍ حتى احتضنها بقوةٍ يضغط عليها و هو يقرب جسدها الضئيل من جسده الذي يفرق عنها بطريقةٍ ملحوظة، أما هي فرفعت ذراعيها بتوترٍ تحتضنه حتى همس في أذنها بقوله:
قبل كدا لما قولت الورد صار في أراضينا، أنا مكدبتش، النهاردة بقى أراضينا بترقص من فرحة دخولك فيها"
لمعت العبرات في عينيها تأثرًا بقوله فابتعد عنها هو يقبل قمة رأسها ثم أشار لها حتى تتمسك بمرفقه و بالفعل فعلت ما طلبه هو حينها خرج بها نحو الخارج و فور خروجهما انتشر صوت الألعاب النارية في الهواء بألوانها الساطعة و كذلك النيران من حولهما ترحيبًا بطلتهما الخاطفة و مع ذلك وجود إحدى الفرق التي تقوم بزفاف العروسين بالخيل و الطبول و قد اقترب منه "عامر" يمسك يديه حتى سحبه من جوار العروس و قربه من الخيل و هو يقول بمرحٍ:
يلا يا بني الخيل مستني من الصبح، تطلع خلينا نشوف باقي الفقرات"
ضحك "أحمد" رغمًا عنه و هو يعتلي الخيل الذي تحرك راقصًا وسط العزف على الطبول و الرقصات الشعبية حتى تدخل الشباب جميعهم و الرجال أيضًا يرقصون سويًا مع بعضهم يلتفون في دائرةٍ و "أحمد" في المنتصف على الخيل الذي يرقص كما تم تدريبه.
و كذلك وقفت الفتيات مع بعضهن يصفقن و يطلقن أصوات البهجة و التصفيقات و الفرحة باديةً على الأوجه كافة، حتى انتهت الموسيقى و نزل "أحمد" من على الخيل فوجد "مُحمد" يقف بجوار ابنته و مع اقتراب "أحمد" منهما ابتسم له "محمد" ز قال بنبرةٍ هادئة:
أنا كدا بديلك أخر حتة في قلبي و أنتَ للأسف واخدها مني بدري أوي، ربنا يكرمكم سوا و يرزقكم بكل الخير و يجعلكم خير الزوجين الصالحين لبعض...."
أخرج زفيرًا قويًا يحاول الحد من ظهور تأثره و ردع دموعه و لكن ظهر الاختناق مخيمًا على صوته و هو يقول بنبرةٍ أقرب للتوسل:
حافظ عليها يا بني، أوعى تكسر عمك في يوم في إنك تجبهالي مكسورة الجناح، أنا بديك طير حر و عشمان إنك تكون الجنينة اللي الطير دا هياخد راحته فيها، مش عاوزك القفص اللي يسجنها"
ابتسم له يطمئنه و هو يقول بصوته الرخيم الهاديء أمامهم جميعًا:
أنا مش عاوزك تخاف عليها معايا علشان أنا واحد من بين كل الدنيا دي شايفها كل الخير ليا و لقلبي، اللي بيحب الورد بيراعيه و أنا و الله هحطها في قلبي قبل عيوني، اتطمن، مش هغضب ربنا فيها و مش هستهون بوصية سيدنا محمد عليه افضل الصلاة والسلام في أني أخون العهد فيها"
اقترب منه "محمد" يحتضنه مُباركًا له فيما ابتسمت "سلمى" بفرحةٍ و هي تستمع لكلماته الصادقة التي نطقت بها عينيه قبل لسانه.
دلفوا للقاعة جميعًا، و كان أخرهم "أحمد" بزوجته بطلتها الرقيقة، حيث كان فستانها ناصع البياض مثل حبات اللؤلؤ و حجابها الرقيق يغطي رأسها بالكامل و كذلك مستحضرات التجميل التي وضعتها برقةٍ تتناسب من ملامح وجهها البهي، كما أن عسليتيها لم تحتاج لأي شيءٍ يبرزها، خاصةً أنها نطقت بكل كلمات الفرح و كأن الزهور تتراقص في موسم الربيع.
بدأت رقصتهما سويًا بعد دلوفهما حتى فوضع هو كفه في خصرها و بالكف الأخر أمسك يدها فبدأت الكلمات تعلو من حولهم ليذوبا سويًا في عالمهما الخاص بهما و كلٍ منهما يحتضن الأخر بنظراته حتى قال هو بنبرته الهادئة:
كنت فاكر أننا شمس و قمر صعب يتلاقوا غير بعد كسوف أو خسوف يجمعهم صدفة، بس ربنا أحن على قلبي أني اتعلق كل دا، و في الأخر بقيتي ليا يا كل حاجة حلوة ليا"
تدرجت وجنتيها بحمرة الخجل فقال هو بصوته الرخيم:
الفرحة مش سيعاني إن بيتي هينور بوجودك فيه، و الله العظيم دا اكتر من اللي اتمنيته بكتير"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
خلاص طيب علشان هعيط، أنا كان نفسي أوي أعيش اللحظة دي من زمان، متبوظهاش عليا"
سألها مبتسمًا ببسمته الصافية:
إيه هي اللحظة ؟! قصدك فرحنا يعني ؟؟"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت:
لأ، لحظة الرقصة الـ Slow، كنت عاوزة أعرف بيقولوا فيها إيه، بس شكلي هعيط"
حاول التحكم في ضحكته و قد نجح في ذلك فسألها هو بنبرةٍ هادئة:
طب أنا قولت اهوه كلام حلو، أنتِ مش هتقوليلي ؟! لسه شايفاني برضه أحمد ابن عمك ؟! لسه مأخدتيش عليا ؟؟"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت بنبرةٍ هادئة و هي تحاول الهروب بعينيها منه إلى الحشود المجتمعة خلفهم و هي تقول:
لأ...بص أنا فترة كتب كتابنا دي خلتني اتأكد من حاجة، و هي أني بحبك بجد، و إنك بقيت كل الحاجات الحلوة اللي في حياتي، و أي حاجة مش هيكون ليها طعم من غيرك، يعني....يعني...."
طغى التوتر عليها و هي تحدثه و مما زاد من فرط توترها أكثر هو نظرته لها ينتظر منها المزيد حتى قالت هي من جديد:
مش عارفة أقولك إيه بس بصراحة أنتَ بقيت أغلى ما في الدنيا دي، يمكن أنا قليل لما بعرف أقول حاجة أو أعبر، بس أنتَ مفيش حاجة توفيك حقك"
ابتسم هو بسمة المنتصر في مجادلةٍ حادة، حتى ارتفع صوت الكلمات و الألحان من خلفهم مرةً أخرى فقام هو بتدويرها في يده حتى زادت التصفيقات الحارة و الأصوات العالية من حولهم.
على طاولة الشباب كان كلٍ منهم يجلس بزوجته و أولاده حتى يتركون المساحة للعروسين سويًا، و أكثرهم بكاءًا كانت "نــغم" حتى سأل "ياسين" زوجته بنبرةٍ هادئة:
هي مالها يا خديجة ؟! أوعي تكون عاوزة تغير !!"
حركت رأسها نفيًا فقال "عامر" بسخريةٍ و هو يجلس و "عمر" على قدمه:
كنا شباب زي الفل، الواحد حر نفسه، اخرتها بقينا خايفين على عيل قد عقلة الاصبع علشان مغيرش هدومه !! يا حلاوة"
ضحكوا عليه جميعًا فتحدث "يونس" ببراءته المعتادة:
هي بتعيط ليه يا خديجة ؟!"
ردت عليه بحيرةٍ:
مش عارفة والله يا يونس، ممكن علشان الدوشة و هي واخدة على الهدوء"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منها يربت على بطنها ثم أمسك كفها الصغير يحتضنه و هو يدلكه لها، حينها كان كل الجالسين يتابعونه باهتمامٍ و أكثرهم "ياسين" فنطق "وليد" في تلك اللحظة بضجرٍ:
شيل إيدك يا حبيبي، شيل إيدك ياض بدل ما أعورك أنا"
رد عليه "يونس" بمعاندةٍ:
لأ....هي بتعيط و ماما قالتلي لما حد يعيط بنطبطب عليه، و هي سكتت أهيه"
رمقه "وليد" بغيظٍ فيما قال "ياسين" بضيقٍ زائفٍ:
خالد !! حوش ابنك عن بنتي بدل ما أزعلك و ازعله"
رد عليه "خالد" بلامبالاةٍ:
زعله، لو جالك قلب تعملها وريني نفسك، بقى يونس اللي أنتَ مربيه على أيدك، هتزعله ؟! وريني !!"
زفر "ياسين" مستسلمًا ثم حمل "يونس" على يده ثم قبل وجنته، فقال "يونس" مسرعًا بلهفةٍ:
ياسين هو أنا لما أكبر هحب نغم و أختي كمان !!"
قبل أن يرد عليه "ياسين" تحدث "وليد" بضجرٍ:
اللهم طولك يا روح !! يا بني لم نفسك بدل ما أزعلك !! شكلك كدا مش هتلحق تشوف أختك"
ضحك "ياسر" حينها بصوتٍ عالٍ لفت نظرهم ثم قال متشفيًا:
تصدق أنا فرحان فيك يا وليد !! ربك بيسلط أبدان على أبدان، اللي عملته في الحج محمد، يونس هيطلعه عليك"
ضحكوا عليه جميعًا فيما تحدث "وليد" بقلة حيلة:
دا أنا غيران عليها من أبوها، مش هغير عليها من يونس؟؟"
نظر له "يونس" بتعجبٍ و لم يُعقب فقط وزع نظراته بينهم جميعًا حتى استقر ببصره عليها بعدما سكتت عن البكاء أخيرًا.
بعد مرور دقائق اجتمع الشباب مع بعضهم في منتصف القاعة يرقصون سويًا مع بعضهم بقيادة "عامر" الذي كان يرقص و هو يحمل ابنه معه يرقص بمرحٍ
استمر الفرح بالرقص والغناء و البهجة الواسعة التي شملتهم جميعًا في رحابها فرحًا بأخر شباب العائلة، كانت "خلود" تقف بجوار "سلمى" و لم تفارقها البتة و تبدو منذ الوهلة الأولى و كأنها والدة العروس، و لا سيما أن هناك زوج من الأعين يتابعها بعينيه، في كل مناسبةٍ جمعتهما سويًا تبدو و كأنها هلال السماء ينتظره حشدٌ وسط بلدةً كاملة ليقيموا عيدهم، و ها هو يرى هلال عيده أمامه و هي تضحك بمرحٍ وسط الفتيات و تشاكر توأمي روحها فرحتهما.
تنفس "عمار" بعمقٍ ثم نظر لصديقه "عبدالرحمن" الذي قال متمنيًا:
عقبالنا إن شاء يا عمار، هفضل كدا كل ما أحضر فرح في العيلة دي أتمنى اتجوز، ما تقول لوليد يتبنانا"
ضحك "عمار" رغمًا عنه و في تلك اللحظة أتت لحظتهم المفضلة و هي رقصة الشباب الذي أوصى "عامر" بها حيث تكاتفوا جميعًا بجانب بعضهم و خلفهم كلمات الأغنية المعتادة:
صاحبي اللي كتفه في كتفي بيخليني متطمن....عارفه هيفضل جنبي مهما لقاني بتجنن.... و مش من دمي و لا أخويا و لا عمي لكنه اختار يكون جـــنــبــي"
كانت الرقصة هي المفضلة لكل الشباب مع بعضهم و هم يتكاتفون سويًا في أجواء احتفالية رائعة.
_________________________
انتهى الفرح أخيرًا و بدأت العائلة في التوافد للخارج خلف بعضهم، و كما المعتاد في وجود "عامر" قام بعمل زفة خارجية للشباب جميعهم بالدراجات النارية و كان أولهم "عمار" بدراجته وسط الطريق المزدحم و السيارات المتكدسة على الطريق و خلفه الشباب و السيارات و قد شاركتهم باقي السيارات في فرحتهم حيث قاموا بإطلاق النغمات من السيارات و كأن الفرحة عدوى انتشرت في أرجاء البلدةِ بأكملها.
وصل "أحمد" أسفل شقته بزوجته مع بقية شباب العائلة وسط الزغاريد و الأصوات المبهجة حتى قام الشباب بإطلاق الألعاب النارية فور وصولهم لمقدمة الشارع، و كذلك ارتفعت صوت الموسيقى مرةً أخرى و كأن الفرح يتم إعادته مرةً أخرىٰ بطريقتهم الخاصة.
بعد ذلك صعد "أحمد" بزوجته للشقة، قام هو بفتح الباب فيما وقفت هي خلفه على استحياءٍ تفرك كفيها معًا، فالتفت لها يمسك كفها و هو يبتسم لها حتى بادلت بسمته الهادئة، بأخرى متوترة، حينها فهم هو سبب توترها و خجلها و ذلك لأنها المرة الأولى التي يكونا فيها سويًا بمفردهما، فأغلق هو الباب ثم قال بنبرةٍ هادئة:
مش عاوزك تخافي و لا تقلقي و أنتِ معايا يا سلمى، هنصلي سوا علشان ربنا يكرمنا و نبدأ صح، زي ما أنا من أول لحظة معاكِ ماشي صح"
حركت رأسها موافقةً ثم تحركت من أمامه فيما نظر هو في أثرها ببسمةٍ هادئة، و بعد قليل وقف هو على سجادة الصلاة و هي خلفه، فقام هو بتأدية الصلاة، و لم يشعر بنفسه سوى بدمعةٍ هاربة فرت من بين أهدابه تأثرًا بتلك الحالة التي يشعر بها و هو يصلي و زوجته خلفه !! الفكرة بنفسها تجعل قلبه ينبض بعنفٍ و كأنه أوشك على الخلوع من مكانه و لم يختلف حالها عنه كثيرًا، بل بكت هي بفرحةٍ و لم تصدق أنها تقف خلف "أحمد" ليصلي بها و يبدأ معها حياته من جديد في طاعة الله.
انتهت الصلاة أخيرًا فالتفت لها و هو يبتسم ثم اقترب منها يقبل رأسها و قال بنبرةٍ هادئة:
عقبال ما ربنا يكرمنا سوا و نصلي في الحرم إن شاء الله"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
يا رب، نفسي أروح هناك أوي، نفسي أحس بنفس الاحساس اللي هدير قالتلي عليه، شوفت هدير بقت عاملة ازاي ؟!"
حرك رأسه موافقًا و عينيه تلمع بشغفٍ لها حتى قالت هي بخجلٍ:
على فكرة.... صوتك حلو و أنتَ بتقرأ القرآن، عمري ما اتخيلت إن احساسي و أنا واقفة وراك نصلي سوا يكون حلو كدا"
ابتسم هو بنفس الهدوء ثم تنحنح يُجلي حنجرته ثم قال بصوته الرخيم:
بما أننا بقينا سوا خلاص و بيتي نور بيكِ خلاص، أنا عاوز اتكلم معاكِ شوية، ينفع ؟!"
حركت رأسها موافقةً و قد استحوذ على كامل انتباهها بنبرته تلك و بحديثه الرزين، فأضاف هو بثباتٍ:
دلوقتي أنتِ لسه بتتعلمي و قدامك سنين دراسة، أنا مش عاوزك تخافي منهم خالص، أنا معاكِ و في ضهرك، سواء بالفلوس أو الدعم أو المجهود كمان، أنا مش عاوز دماغك تفكر في حاجة تشغلك عن دراستك حتى لو كان جوازنا نفسه، أنا وجودك عندي قدام عيوني في بيتي بالدنيا و اللي فيها يا سلمى، مش عاوز جوازك مني يكتفك"
نزلت دموعها و هي تسأله بنبرةٍ باكية:
أنتَ إزاي كدا ؟؟ ازاي قدرت تطمني و أنا خايفة، أنا مصدقاك و الله و عارفة إنك معايا علطول، ربنا يكرم قلبك بكل خير و يفرح قلبك علطول يا رب"
اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم ربت على رأسها و هو يقول بنبرةٍ هادئة و صادقة في حروفها:
أنتِ خير الدنيا و عِزها كله"
رفعت هي نفسها ترتمي بين ذراعيه بعد جملته تلك، حتى ضحك هو بسعادةٍ بالغة ثم قال بعبثٍ:
روحي ربنا ينجح مقاصدك دنيا و آخرة يا بنت الرشيد....يا عز أحمد و خيره"
_________________________
تلك المرة لم تمر فقط أيامٌ أو شهور إنما مر الكثير بالفعل، فقد رأينا معًا الكثير و الأكثر في تلك العائلة و ها قد نرى السنون و هي تمر بعد مناسبة أخر شباب عائلة "الرشيد"، إذًا دعونا نتخيل أن الزمن قد توقف لدينا و استمر في التحرك لديهم لنرى معًا تلك العائلة بعد مرور عدة سنواتٍ.
بــــعــد مرور ســـبعــة ســنـوات".
لم تقف العائلة عند هؤلاء الأفراد فقط، إنما ازدادت أكثر من السابق، و اليوم قد يكون يوم السعد، حيث كانت "خديجة" تقف أمام ابنتها الصغرى "چاسمين" تحاول الباسها الفستان الخاص بها و الأخرى تعاندها حتى رفعت "خديجة" صوتها و هي تقول بنفاذ صبرٍ:
يا بنتي البسي بقى !! بقالك خمس مطلعة عين أهلي، البسي"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بمشاكسىةٍ:
عاوزة ياسين هو اللي يلبسني"
زفرت "خديجة" بيأسٍ ثم تركتها و توجهت للغرفة الأخرىٰ، فوصلها صوته يقول للأخر بنبرةٍ جامدة:
اقسملك بالله لو ما بطلت شقاوة أنا هجيبك من شعرك، نعقل و نركز و نبطل عفرتة، عيب يا يزن، احنا بقينا كبار، خمس سنين مش قليلين، احنا بقينا عشرة عمر"
رد عليه "يزن" بقلة حيلة:
هو أنا جاسمين هتفضل كل شوية تحذرني كدا ؟! ما أنا مؤدب أهو يا مهلبية"
ضحك "ياسين" رغمًا عنه بعد كلمة ابنه الأخيرة، حتى دلفت "خديجة" لهما و هي تقول بقلة حيلة:
هات الواد دا ألبسه أنا و روح انتَ للبت اللي محدش قادر عليها دي"
عقد حاحبيه يسألها بتعجبٍ:
مين ؟! نغم ؟!!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بضجرٍ:
لأ، التوأم بتاعة الأستاذ يزن، جاسمين هانم"
حرك رأسه موافقًا ثم تحرك من أمامها فيما اقتربت هي من ابنها تهندم ملابسه و هي تبتسم له حتى قال هو بمراوغةٍ:
حلاوتك يا ست الكل، إيه السكر دا كله، عسل يا ماما"
آبتسمت رغمًا عنها و هي تقول بقلة حيلة أمام حِيله المعتادة:
أنتَ بقيت لبط ياض يا يزن، كل شوية تضحك عليا بكلمتين ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منها يقبل وجنتها و يتعلق في رقبتها حتى حملته و هي تضحك بملء صوتها على أفعاله معها.
في الغرفة الأخرى وقف "ياسين" أمام ابنته صاحبة الخمس سنوات بعدما أكرمه الله بتوأم من بعد ميلاد "نغم" بعامين فقط، أنهت ارتداء ملابسها ثم التفت للمرأة خلفها تطالع نفسها، كانت هادئة تشبه ملامح أختها لحدٍ الكبير و كذلك "يزن" الذي أخذ الكثير من ملامح والده.
سألها هو بصوتٍ به أثر ضحكاته:
ها يا آنسة جاسمين ؟! حلو؟!"
التفتت له تقول بحماسٍ:
أوي يا ياسين، شكلي حلو اوي، زي ماما صح ؟!"
حرك رأسه موافقًا فسألته هي بسرعةٍ كبرى:
مين أحلى أنا و لا هي ؟!"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بحكمةٍ:
انتم الاتنين حلوين، بس لو أنتِ حلوة فأنتِ واخدة حلاوتك من ماما نفسها، هو مش أنتِ بنتها ؟! يعني اكيد حلاوتك دي من حلاوة ماما، تاني حاجة مهمة، اعرفي إن الحلو اللي فينا مش بنشوفه في المراية، الحلو اللي فينا في قلوبنا يا جاسمين"
سألته هي بلهفةٍ:
طب و الناس هتعرف منين اننا حلوين ؟!"
انتبه هو لسؤالها و قبل أن يجاوبها وصله صوتها و هي تقول بنبرةٍ هادئة و رجاحة عقل اكتسبتها من والديها:
مش مهم الناس تعرف إننا حلوين، المهم احنا نكون في عيون نفسنا حلوين، الشكل مش كل حاجة، جمال قلوبنا هو اللي بيحلي شكلنا، لو قلبك جميل.... الجمال هيظهر من غير ما تظهريه"
التفت لها "ياسين" يبتسم بفخرٍ حتى اقتربت منه "نغم" صاحبة السبع سنوات و هي تقول بحماسٍ:
قولت صح يا بابا ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منها يقبل رأسها و قال بنبرةٍ هادئة:
قولتي صح يا روح قلب بابا، ربنا يبارك فيكِ"
ابتسمت هي له حتى وصلهما صوت الأخرى تقول بيأسٍ:
هو أنتَ هتحب فيهم كلهم و أنا لأ ؟! طب خاصمني يا ياسين"
ضحك بيأسٍ منها ثم التفت لها يقول بقلة حيلة:
حاضر يا روح قلب ياسين و حبيبة عقل ياسين و عيون ياسين كمان"
نزلت من على الطاولة التي كانت تقف عليها ثم ركضت إليه حتى يحملها، فوافق على طلبها و أخفض جسده ليصبح في نفس مستواها حتى تعلقت هي بعنقه، و في تلك اللحظة دلفت "خديجة" و في يدها "يزن" الذي وقف يقول معاندًا توأمه:
أنا ماما شالتني جوة و حضنتني و جريت بيا، و بابا الصبح باسني"
ردت عليه بلامبالاةٍ:
عادي....خالو وليد كلمني و قالي إنه جايبلي حاجة حلوة أوي و مش هيدي حد غيري منها"
زفرت "خديجة" بقلة حيلة ثم قالت:
أنا تعبت.... جيبتوا أجلي يا ولاد ياسين"
ردت عليها "نغم" بلهفةٍ:
ألف سلامة يا ماما...حقك علينا"
تحدث "ياسين" بمشاكسىةٍ:
هما برضه ؟! طب دا أنا حاسس أني معايا أربع عيال، أكبرهم أنتِ يا كتكوتة"
ابتسمت رغمًا عنها فقال هو أمرًا أولاده:
طب يلا أتوضوا علشان نصلي المغرب قبل ما ننزل، يلا هنشوف مين أسرع واحد فيكم"
ركضوا الثلاتة خلف بعضهم من أمامه، فاقترب هو منها يسألها بنبرةٍ هادئة:
مالك يا خديجة ؟! فيه إيه؟!"
ردت عليه بقلة حيلة:
تعبت و الله، التوأم دول مطلعين عيني، بس أنا راضية الحمد لله"
ابتسم لها ثم ربت على كتفها و هو يقول بثباتٍ:
إحنا في فضل و نعمة من ربنا سبحانه و تعالى، الحمد لله على نعمة وجودهم حتى لو أشقيا"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ، و قبل أن يتحدث مرةً أخرى وصله أبنائه في آنٍ واحدٍ بملابس الصلاة فابتسم هو بسعادةٍ بالغة و كذلك هي أيضًا.
بعد مرور دقائق كان "ياسين" يقف في مقدمتهم و بجواره "يزن" و في الخلف "خديجة" و ابنتيها معها، فرفع هو كفيه يكبر بقوله:
_"الـلـهُ أكـبـر"
فعلوا مثله جميعًا، فبدأ هو الصلاة بقراءة الفاتحة و ما تيسر من قصار السور في القرآن الكريم في منظر تبتهج العين برؤيته.
_________________________
وقف "وليد" في شرفة شقته يحتسي القهوة الخاصة به حتى وصله صوت زوجته تركض نحوه و هي تقول منفعلة:
أنا تعبت يا وليد !! دول مبهدلين بعض جوة، شوفهم أبوس رجلك"
أشار لها بالتريث ثم ارتشف أخر ما في الكوب ثم أمسك العصا الكبيرة الموجودة بجوار المقعد و دلف بها مباشرةً نحو الغرفة و هي تنظر في أثره بخوفٍ.
وقف "وليد" أمام الباب و قبل أن يفتحه وصله صوت "مازن" يقول بضجرٍ:
هلبس السويت شيرت يا زياد، و هات أخرك بقى وريني هتعمل إيه"
رد عليه "زياد" بنفس الانفعال:
لأ السويت شيرت دا بتاعنا سوا هات أنتَ أخرك يا مازن علشان أنا ماليش أخر يتجاب"
اتسعت عيني "وليد" بدهشةٍ فها هو يرى بدل نسخته المصغرة نسختين و كلٍ منهما يحمل نفس الطباع، فتح الباب بعنفٍ و في يده العصا و حينما وقع بصرهما عليه، سكتا عن الحديث و تبادلت النظرات بينهما حتى قال هو بتريثٍ بث الرعب بداخلهما:
يعني هو أنا معفن ؟! قولولي، أنا بخيل و مش بصرف عليكم ؟! هتموتولي بعض علشان سويت شيرت ؟! و بعدين هات أخرك إيه ياض أنتَ و هو، فوقوا بدل ما أفوقكم أنا، كل واحد يلبس أي زفت بدل ما يمين بالله اقفل عليكم هنا و أروح أنا و أمكم"
حركا رأسيهما بموافقةٍ فزفر هو بعمقٍ ثم رمى العصا من يده بعدما وصل لذروة غضبه، أما هما فقررا ملاحقته للخارج حينما وقف هو أمام "عبلة" يغمز لها، و من بعدها اقتربا منه كليهما فنطق "مازن" أولًا بلهفةٍ:
أنا أسف يا بابا علشان خاطري، حقك عليا و على قلبي بس متزعلش مني"
طالعته "عبلة" بتأثرٍ و هو يتوسل لوالده بنفس الطريقة التي كان يصالحها بها، فاقترب "زياد" يقول بترددٍ رغم ثبات نفسه:
أنا.....أنا آسف يا بابا، حقك عليا، و على فكرة أنا مش بقول آسف دي علشان مش بحبها، بس أنا بحبك أنتَ"
التفت لهما "وليد" يقول بثباتٍ:
و اللي بيحب حد مبيزعلوش، مبيدوسش على محبته يا مازن أنتَ و زياد، أمكم اللي انتم مطلعين عينها دي لو جابت أخرها مننا و مشيت أنا مش هسمي على حد فيكم، مش كل يوم هتعيط بسببكم، أنا لو جيبت أخري منكم هتزعلوا مني، و أنا لحد دلوقتي بقول انتم أهلي و أخواتي و صحابي بس اللي هيستغل الحب دا غلط فيكم أنا هحرمه منه"
مسحت "عبلة" دموعها بعد حديثه بينما هما اقتربا منها سويًا يقبل كليهما كفها، و قبل أن يبتعدا عنها قال "وليد" بنبرةٍ جامدة:
الحيوان اللي طردك من الأوضة مين فيهم ؟!"
ازدردت لعابها بخوفٍ ثم قالت بتوترٍ:
مش فاكرة....كانوا لابسين زي بعض....و الكلام دا كان من ساعة"
رفع حاجبه الأيسر و قبل أن يتحدث مرةً أخرى ازدرد "زياد" لعابه بخوفٍ، حينها قال "مازن" مسرعًا:
أنا....أنا اللي قولت كدا... قولتلها أخرجي برة ملكيش دعوة أنتِ"
نظرت له هي بتعجبٍ و كذلك أخيه، فقال "وليد" بثباتٍ:
و ماله، أنا راجل محبش الظلم، و المساواة في الظلم عدل، عقابكم انتم الاتنين، مفيش مرواح يوم الخميس عند خديجة، و مفيش تليفونات كمان، و اللي هيكتر هسحب منه كل وسائل الترفيه.....ها فيه اعتراض ؟!"
حركا رأسيهما بنفيٍ فيما تشدق هو بنذقٍ:
اتفضلوا يالا البسوا خلونا نلحق نروح علشان نخلص قبل ما الناس تروح"
انسحبا من أمامهما، فاقتربت منه هي تقول بنبرةٍ هامسة:
زياد هو اللي زعقلي، بس مش عارفة مازن قال كدا ليه، علشان خاطري متزعلهمش"
حرك رأسه موافقًا ثم قبل قمة رأسها و قال بنبرةٍ هادئة:
متخافيش والله، أنا عارف إزاي اربيهم من غير ما ازعلهم، دول كل روحي يا عبلة، تفتكري أنا هاجي على روحي ؟!"
حركت رأسها نفيًا فاحتضنها هو مُربتًا على ظهرها ثم قال متأسفًا لها:
حقك عليا أنا و عليهم هما كمان، عارف أنهم بقوا صعب و إن شقاوتهم لا تحتمل بس والله العظيم فيه غيرهم بيعمل أكتر من كدا، دي جينات مهببة"
في تلك اللحظة صدح صوت جرس الباب فركض "زياد" يفتحه و حينما وجد "طارق" أمامه قال بمشاكسىةٍ:
حمايا حبيبي، منور يا أبو رؤىٰ"
زفر "طارق" بقوةٍ ثم قال من بين أسنانه:
هو أنا مش قولتلك بلاش كلمة حمايا دي يالا ؟! دا أنتَ رخم زي اللي خلفك"
اقترب منه "وليد" يقول بتهكمٍ:
ما تخليك في حالك يا عم !! و فين بناتك التلاتة ؟! رؤى و روزي و روشان، إيه خايف عليهم من الحسد ؟!"
رد عليه بسخريةٍ:
لأ خايف عليهم من إبنك، شغال معاكسة وقلة أدب"
اقترب منه "مازن" يقول بمرحٍ:
ازيك يا خالو طارق عامل إيه ؟"
اقترب منه "طارق" يقبل وجنته ثم قال بنبرةٍ هادئة:
زي الفل يا حبيب خالو، أنا جيت اقولكم يلا بس علشان هنتأخر و عمو وئام مستني تحت"
سأله "وليد" بلهفةٍ:
طب و أحمد ؟! مش هيروح؟!"
رد عليه بسخريةٍ:
أحمد مش هيروح ؟! إيه المخ دا ؟! احمد مشي و خد سلمى و ليلىٰ بنته و مشي"
حرك رأسه موافقًا فقال "طارق" بلهفةٍ:
يلا بس علشان نخلص"
_________________________
في شقة "حسن" المهدي دلفها متأخرًا بعدما تولى هو مسئولية العمل عن الشباب، وصل للداخل يبحث عن حياته كما يلقبهم هو، و قبل أن يصدح صوته عاليًا وصله صوتها تقول بمعاتبةٍ:
كدا علي سمع و ذاكر و خلص كل حاجة، روح ألبس بقى علشان منتأخرش"
تحدثت "فاطيما" ابنتها بقلة حيلة:
ملحقتش احفظ يا ماما و الله، بعدين أنا عندي ٦ سنين، هعمل كل دا إزاي ؟!"
ردت عليها "هدير" بضجرٍ:
زي ما بتقفي قدام المرايا تلبسي و تحطي روج من ورايا، روحي ربنا يسامحك بوظتي حاجتي كلها"
ردت عليها "فاطيما" بمعاندةٍ:
اشمعنا أنتِ بتحطي ؟! هو حلو ليكي و أنا لأ ؟!"
ردت عليها "هدير" بيأسٍ:
يا بت تعبتيني، أنا بحط في البيت مش بروح بيه في حتة تانية، ثانيا أنا كبيرة و أنتِ لسه بتخرجي من البيضة، فهمتي ؟!"
دلف "حسن" و هو يبتسم لهم شهقت حينها "فاطيما" و ركضت نحوه تقف بجواره و هي تقول بلهفةٍ:
احضني يا حسن"
ابتسم لها بيأسٍ ثم مال عليها يحملها بين ذراعيه ثم قبل رأسها و وجنتيها و هو يقول بمرحٍ:
لو على حسن ميخرجكيش من حضنه أبدًا يا عيون حسن أنتِ"
قبلت وجنته هي ثم شبكت ذراعيها حول عنقه، فاقترب هو بها نحو "علي" يقبله ثم قال بنبرةٍ هادئة:
منور يا علي يا روح قلب ابوك"
رد عليه "علي" بحماسٍ:
دا نورك يا أبو علي، اتأخرت ليه"
جلس بجانب "هدير" ثم رفع ذراعه يضمها إليه و الأخرى تتعلق بعنقه، فقالت "هدير" مسرعةً:
ما ترد يا أبو علي، اتأخرت ليه ؟! كنت بتخوني صح ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بتبجحٍ:
اتوكسي يا هدير، هو أنا فاضي اسرح شعري لما أخونك ؟! طب دا أنا أخاف من فاطيما قبلك"
ضحكت "هدير" رغمًا عنها و كذلك "علي" فيما سألته ابنته بنبرةٍ جامدة:
ليه يا استاذ حسن هو أنا بخوف؟!"
رد عليه مستسلمًا ببراءةٍ زائفة:
محدش يقدر يقول كدا يا وحش، بس اخاف اجرح مشاعرك يا حبيبتي، لكن هدير، حيالا مراتي و خلاص"
ردت عليه تؤكد حديثه:
صح، هي مراتك بس، و علي راجل، حبني أنا بس علشان أنا صغيرة و عاوزاك تحبني، احضني بقى يا حسن"
شدد عناقه لها بيأسٍ و قلة حيلة فقالت "هدير" بسرعةٍ كبرى:
يلا علشان كدا هنتأخر على الناس، قوموا البسوا و ابقوا حبوا في بعض بعدين"
ركض "علي" بسرعةٍ كبرى و خلفه شقيقته بعدما قبلت والدها، فالتفت هو ينظر حوله ثم مال عليها يقول بنبرةٍ هامسة:
وحشتيني يا أم علي، أخواتي مرمطوا أهلي، و فاطيما هنا مطلعة عين أمي، أبو علي موحشكيش ؟!"
ردت عليه بنبرةٍ هادئة:
وحشني يا سيدي، ربنا يعينك و يقدرك علينا و عليهم"
ابتسم هو بهدوء فقالت هي بنبرةٍ هامسة:
بقولك إيه قبل ما هي تسمعني..... احضني يا حسن"
_________________________
في بيت آلـ"الرشيد" تجهزت "خلود" و قامت بارتداء فستانها و كانت "سلمى" بجوارها تعاونها و "ليلى" بجوارها صاحبة الثلاث سنوات، التفتت "خلود" تسأل رفيقتها:
ها يا سلمى !! شكلي حلو؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بحماسٍ:
زي القمر، فيه إيه يا خلود ؟! ما تخليكي واثقة من نفسك كدا"
ردت عليه بتوترٍ:
خايفة أوي، بصي حاسة أني عاوزة ألغي الموضوع"
شهقت "سلمى" بخوفٍ و في تلك اللحظة دلف "أحمد" و هو يبتسم لهما ثم مال يحمل ابنته و هو يقول بمرحٍ:
حبيب بابا عامل إيه ؟!"
قبلته و هي تبتسم له فقال هو بقلة حيلة:
بكرة ماما تجيب النونة التانية إن شاء الله و أخدكم و نسيبها هنا علشان ماما جبانة"
وكزته "سلمى" في كتفه فقال هو بمشاكسىةٍ:
هانت كلها ٧ شهور و تولدي يا أختي، و ترجعي فراشة خفيفة من تاني كدا"
تحدثت "خلود" تسأله بلهفةٍ:
هما هييجوا امتى يا أحمد ؟!"
حرك كتفيه ببساطةٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أكيد جايين في الطريق يعني متقلقيش، خير إن شاء الله"
انتشر صوت الزغاريد في الخارج فاتتفضت "خلود" من محلها و حينها قالت "سلمى" بنبرةٍ ضاحكة:
متخافيش كدا، دول الشباب بتوع العيلة، التانيين لسه مش دلوقتي"
في الخارج وقف "وليد" بجانب ولديه و معه جميع أفراد العائلة و رجالها و كذلك "وئام" بابنه "فارس" الحفيد الأكبر في أبناء العائلة و صغيرته "سيلينا" تجلس بجوار أخيها صاحبة العامين.
في الأسفل أمام البيت توقفت السيارات و نزل منها "عمار" أولهم و خلفه البقية و معهم "عبدالرحمن" و خطيبته "مريم" مع الفتيات.
مال "خالد" على اذن "عامر" يقول بنبرةٍ هامسة:
لم نفسك و افتكر إن الليلة ليلة أخوك، اوعى تعكها على دماغنا"
أشار على عيناهُ بالتساوي ثم قال ببسمةٍ مكتومة:
عيني الاتنين علشان خاطر عيون زينة بنت ياسوري و مرات ابني مش هعمل حاجة"
استمع "عمر" لجملته فقال بلهفةٍ:
أقسم بالله أنتَ أرجل أب في الدنيا كلها"
غمز له "عامر" فقال "زين" بنبرةٍ هامسة لـ "يونس":
شوفت الأبهات !! عقبالك"
حدجه "يونس" بشررٍ يتطاير من عينيه ثم تنفس بعمقٍ و قبل أن يدخل البيت خلف البقية وجد سيارة والدها تصف في مقدمة الشارع و نزلت هي أولًا منها، دون أن يدري لنفسه ابتسم بفرحةٍ كبرى، كانت ترتدي فستانًا يصل لبعد ركبيتها و خصلاتها البنية خلف ظهرها باسترسالٍ و بسمتها الهادئة التي توزعها عليهم جميعًا، فجأة اقتربت "نـغم" من شقيقته و هي تقول بحماسٍ:
يُسر !! زينة....وحشتوني أوي"
تلاشت بسمته و تصنع الجمود و تجاهل أمر وجودها من الأساس، و أول من لاحظه كان "خالد" و "ياسين" معًا بعدما اقترب منهم الأخر يرحب بهم.
_________________________
في الأعلى كانت الجلسة المقررة حتى يتقدم "عمار" لخطبة "خلود" بعد نهاية كافة مسئولياته و التزاماته، كانت الجلسة تمتلئ بوجود الشباب و الفتيات و "خلود" تقف خلف الستار تستمع لما يُقال عنها حتى أنهى والده الحديث ثم أضاف من جديد:
أنا خلاص خلصت و قولت طلبي، دلوقتي رياض هيتكلم بما إنه مربي عمار معايا و قريب منه"
تحدث "رياض" بثباتٍ و هو يحمل "يزن" حفيده على قدمه:
عمار ابني يا أستاذ طه و ميقلش مَعزة عن ياسين أو باقي الشباب، و كافح و خلص كل حاجة وراه علشان يقدر ييجي يتقدم، عنده الصيدلية بتاعته و مشارك فيها الدكتور عبدالرحمن صاحبه، إيه هي طلباتك علشان نسمع زغروطة حلوة"
ابتسم له "طـه" ثم قال بتفهمٍ:
أنا شايف الكلام رسمي اوي و كأننا غرب عن بعض، عمار ابني و أستاذ فهمي أخونا كلنا زيك يا استاذ رياض، عمار بس يتكلم و يسمعني طلبه"
تنفس "عمار" بعمقٍ، و يبدو أنه لم يتغير كثيرًا، فقط ازداد جسده قليلًا نتيجة اهتمامه بقوة بنيته و يبدو أنه ازداد طولًا و كذلك خصلاته السوداء الكثيفة و لحيته المنمقة، ابتسم بتوترٍ ثم قال بصوته الرخيم:
بص يا عمي، من غير لوع أنا جاي استرد الأمانة اللي ربنا سبحانه وتعالى أمنك عليها، ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز:
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
أنهى قوله بالآية الكريمة ثم تابع قوله من جديد:
ربنا سبحانه و تعالى خلق الست من ضلع الرجل إكرامًا لها، و أنا جاي استرد ضلعي دا إن شاء الله، طمعًا في المودة و الرحمة في الدنيا معاها هي"
نظر له الجميع بدهشةً و فخرًا به، أما هي ففي الداخل، ارتفعت ضربات قلبها بعنفٍ و كأنه ينبض لمرته الأولىٰ، بعدما ظنت أنه نساها و نسىٰ ذكراها، الآن يطلب وجودها باقي حياته !!.
في الخارج قال "طه" بعدما نظر في وجه أخوته:
و أنا أتشرف بوجودك في حياتي كمان يا عمار، نسمع رأي عروستنا و أنا عن نفسي و الله يا بني كفاية فرحتي إنك بس تكون في عيلتنا"
تنفست "خلود" بعمقٍ ثم خرجت لهم بتوترٍ و خجلٍ، فسألها "فهمي" بنبرةٍ ضاحكة:
عروستنا الحلوة رأيها إيه ؟! موافقة يا خلود ؟!"
نظرت له بخجلٍ ثم مررت نظرها على الكافة، حتى التقت نظراتهما سويًا، لم تكن مجرد نظرات عابرة، إنما التوسل من جهته و الجمود منها و سرعان ما حل محله اللين، فقط رآت في نظراته أن الباقي في حياته توقف فقط على وجودها هي.
تنفست بعمقٍ ثم قالت بصوتٍ مهتز:
أنا.....أنا موافقة"
انتشرت الزغاريد على الفور و كذلك مباركات الرجال و الشباب، أما هو فأخرج زفيرًا قويًا يحرر أنفاسه المُقيدة، فقال "عامر" بلهفةٍ:
طب بما إننا داخلين على رمضان و العيد و احنا جاهزين، كتب الكتاب يكون الخميس الجاي و الفرح تاني يوم العيد"
تدخل "وليد" يقول موافقًا باستحسانٍ:
على خيرة الله، و المأذون عليكم و الجاتوه علينا"
ضحك الشباب عليهما و تم الاتفاق من بعدها على كل شيءٍ خاص بتلك المناسبة و تلك المرة كل شيءٍ بصورة رسمية دون أية عوائق تقف في وجهيهما، أما "خلود" فركضت للداخل هربًا منهم جميعًا حتى عانقتها "خديجة" بفرحةٍ و كذلك فتيات العائلة.
_________________________
بدأت أسرة "عمار" تنسحب خلف بعضها، و قبل أن يذهب هو طلب الحديث معها فوافقت هي أخيرًا بعدما ألح عليها "وليد".
وقف ينتظرها في الشرفة حتى دلفت له بملامح وجه جامدة، فسألها هو بنبرةٍ هادئة:
هو أنتِ مش مبسوطة ؟!"
ردت عليه بتهكمٍ:
ازاي بس ؟! دا أنا في قمة انبساطي، واحد معرفش عنه حاجة و الاسم أنه عاوزني معاه في حياته، و غاب عني ٦ سنين حتى نظرة العين مشوفتهاش منه، دا افتكرتك كرهتني"
سألها مستنكرًا كلمتها:
أكرهك !! ليه و علشان إيه ؟! أنا بعدت عن أي حاجة ممكن تجمعني بيكِ علشانك أنتِ"
رفعت حاجبيها بتعجبٍ فقال هو بثباتٍ استعاده بعدما تنفس بعمقٍ:
إن شاء الله قريب هقولك كل حاجة، مش هخبي عنك أي حاجة.... بس افتكري حاجة واحدة، إن الوقت قرب علشان عيونك توفي بالوعد"
قال جملته ثم رحل من أمامها و هي خلفه تنظر في أثره بدهشةٍ.
رحل هو و دلفت هي غرفتها و خلفها "خديجة" التي اقتربت منها تسألها بتعجبٍ:
هو أنتِ مش فرحانة ؟!"
ردت عليها بحيرةٍ:
مش عارفة يا خديجة، أنا فرحانة إن عمار لسه عاوزني، بس دا واحد مرة واحدة مبقتش اعرف حاجة عنه، حتى لو مناسبة صدفة جمعتنا بيهرب منها، علطول محسسني أني أقل منه، أنا فرحت أنه جاي يتقدملي بس فجأة افتكرت أنه كان ناسيني، متلغبطة و مش فاهمة حاجة، بس هكدب لو قولتلك أنا مش فرحانة، أنا فرحانة إن عمار جه"
ربتت على كتفها و هي تبتسم لها فارتمت "خلود" عليها تحتضنها و العبرات تلمع في مُقلتيها.
_________________________
مرت الأيام البقية بسرعة البرق حتى أتى موعد عقد القران، كان العمل في البيت على قدمٍ و ساقٍ و ها هي "خلود" في غرفتها تجلس بتوترٍ، بينما "فارس" و معه بقية أبناء العائلة دلفوا لها الغرفة حتى شهقت هي بخوفٍ و هي تقول بفزعٍ:
بسم الله الرحمن الرحيم!! فيه إيه يا منك ليه و ليها !! إيه الرعب دا ؟!"
سألها "مازن" بنبرةٍ جامدة:
هو أنتِ مش قولتي إنك مش هتمشي ؟! دلوقتي أنتِ هتتجوزي و تمشي"
تنفست بعمقٍ ثم قالت بوجهٍ مبتسمٍ:
أنا مش هسيبكم لسه فاضل شهر و أسبوع لسه، النهاردة بس كتب كتابي زي الخطوبة يعني"
سألتها "نغم" بلهفةٍ:
يعني النهاردة هتباتي معانا هنا ؟! مش هتروحي شقتك ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فهلل الأطفال بفرحةٍ كبرى و هم يحتضنون بعضهم، حتى ابتسمت هي رغمًا عنها بعد رد فعلهم.
بعد مرور بعض الساعات القليلة اجتمع البقية أخيرًا و أتى المأذون يعقد قرانهما، حتى جلس "طـه" و "عمار" يضع كليهما يده في يد الأخر، و يردد خلف المأذون حتى انهتى بكلمة:
بارك الله لكما و بارك عليكما و جمع بينكما في خير"
انتشرت الزغاريد من بعدها بفرحةٍ كبرى من الفتيات بعد توقيع "خلود" لتصبح بذلك زوجته رسميًا، كان "عمار" في تلك اللحظة أشبه بمن جاب عمره بأكمله في الصحراء بحثًا عن الماء حتى وجد بئر المياه أخيرًا، صبرٌ طال لمدة ٩ سنوات !! انتظرها و أحبها و طلب من الله وصالها دون أن يغضب المولى عز وجل بها، أو حتى يتسبب بتهوره في فراقها.
بعد عقد القران، أجلسهما "وليد" سويًا فوق السطح بعدما قام بتزيينه، كان "عمار" ينتظرها بلهفةٍ و هو يفكر هل الآن يحق له النظر لها !! هل الآن يحق له عناق كفها، بل عناقها هي بالكامل ؟! تلك الصغيرة التي لفتت نظره منذ أول مرة تقابلا بها !! أصبحت اليوم له ؟!"
وقف يفكر بها حتى صعدت له بفستانها الأبيض و حجابها بنفس اللون، عينيها الواسعة التي تشبه اللوحات المصرية القديمة و كأنها سرًا فرعونيًا أو رمزًا هيروغليفيًا يحتاج لمن يفك شفراته، لم يعي لنفسه و هو يقترب منها رويدًا رويدًا حتى وقف مقابلًا لها و هي تحاول الهروب من نظراته لها، فقال هو بنبرةٍ هامسة بعدما اقترب من أذنها:
ساكتة ليه ؟!"
اقشعر بدنها من اقترابه بتلك الطريقة و سارت البرودة في جميع أنحاء جسدها فقال هو بنفس النبرة الهادئة:
عارفة أنا بقالي قد إيه مستني اللحظة دي ؟! عارفة أنا بعد للحظة دي من امتى يا خلود ؟! ٩ سنين من أول مرة عيوني شافتك فيها في كتب كتاب ياسين، شغلتي عيوني و قلبي مشافش غيرك من بعدها"
حركت عينيها له فوجدته يحتضنها بنظراته و هو يقول بصوته الرخيم:
٩ سنين بصلي و ادعي بيكِ في كل ركعة، ٩ سنين بتمنى من ربنا يجمعني بيكِ أنتِ، العين مشافتش غيرك و القلب مشغلوش غير طيفك"
نزلت دموعها رغمًا عنها فلم تتوقع كل ذلك منه، فرفع كفه يمسح دموعها و هو يقول بصوته الرخيم:
أنا مبعدتش عنك بمزاجي و الله، بس خوفت أضعف و يبقى العقاب حرماني منك أنتِ، حبي ليكِ غريب، أنا بحبك يا خلود"
اتسعت عينيها بدهشةٍ فور نطقه تلك الكلمة فوضع هو راحة يده على وجنتها و هو يقول بصوته الهاديء:
و الآن فقط حان الوقت لعينيكِ بالوعود أن تفي، و ها أنا حصلت عليكِ من بعد انتظارٍ طال حتى بكِ من العالم أكتفي، أصبحتُ أتغنى بحروف اسمكِ كما الغناء، و ذكر اسمكِ قبل نفسي أتيًا في الدعاء، فأكرمني الله و أهداني ما طلبتُ و شملني برحمته و أعطاني ما أحببت، فسبحان الله الذي وهبني قلبًا أحبَّ عبيرك المُسكر، و ها أنا بكِ من مطالب دُنياي أكتفيت".
استمرت العبرات تنزل من عينيها فاحتضنها هو بقوةٍ و هو يقول بلهفةٍ:
و الله العظيم أنا بحبك، بحبك و محبيتش غيرك في الدنيا دي"
تمسكت هي بسترته و استمرت في البكاء بعدما ظنت به السوء فتفاجئت بكل الخير يأتِ منه لها.
ربت "عمار" على ظهرها ثم شدد عناقه لها و كأنه حتى الآن لا يصدق إنها أصبحت له أخيرًا.
_________________________
مرت الايام الباقية بالتتابع خلف بعضها حتى اليوم و هو أول أيام عيد الفطر المبارك، و من المفترض أن اليوم التالي هو يوم الزفاف المحدد كما اتفقوا عليه.
في صباح ذلك اليوم مع نسمات الهواء الباردة و بداية ظهور الخيط الابيض من النهار انتشر صوت التكبيرات و رائحة حلويات العيد بأنواعها المختلفة، ارتدى "ياسين" عباءته البيضاء و كذلك ابنه أيضًا، فيما ارتدت "خديجة" اسدال الصلاة و كذلك ابنتيها معها.
وقف "ياسين" في صالة شقته يعطيهم العيدية و هو يبتسم لهم جميعًا حتى وصل لزوجته فاقترب منها يقبل قمة رأسها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
كل عيد و أنتِ و هما معايا في حياتي يا رب، كل سنة و أنتِ طيبة"
ابتسمت هي له و قبل أن تتحدث تدخلت "جاسمين" تقول بضجرٍ:
يوه !! و أنا يا ياسين ؟؟"
حملها على يده و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
و أنتِ يا روح قلب ياسين، هو أنا ليا غيرك أنتِ ؟! كلهم برة"
ردت عليه بتعالٍ:
أيوا كدا"
ضحك هو بيأسٍ ثم فتح باب الشقة يشير لهم بالخروج من المكان و هم يضحكون بفرحةٍ.
في الأسفل وقف "عامر" و بحانبه "عمر" و "سارة" تحمل على يدها ابنتها الصغرى "ريتاچ" في عامها الأول، و كذلك نزل "ياسر" بزوجته و معه "زين" و "زينة" و كعادتها كانت تمسك يده و أخيها يسير مع والدته و نزل خلفهم "خالد" بزوجته و "يونس" و "يُسر" معهم.
اقترب منهم "ياسين" يرحب بهم و يعانق أخوته و كذلك الأطفال الصغار يرحبون ببعضهم و هم يرتدون الملابس ناصعة البياض و الفتيات يرتدين اسدالات الصلاة التي قامت "سارة" بعملها لهن.
تحدث "عامر" بلهفةٍ:
استنوا نتصور قبل ما نروح نصلي، و أحنا نضاف كدا"
وقفوا بجانب بعضهم و كلٍ منهم يحمل صغيره و قد التقط لهم الصورة حارس عقار "عامر" الذي أخرج أمواله يعطي الصغار العيدية و هو يضحك بسعادةٍ فسأله "ياسين" بمرحٍ:
و أنا يا عامر ؟! مش هاخد عيدية ؟!"
رد عليه بمعاندةٍ:
الدور على ياسر يدينا، وزع يا ياسر يلا"
رد عليه "ياسر" بضجرٍ:
نعم !! مش مكفيك اللي واخده مني ؟! ياض دول نص مليون جنيه خلي عند أهلك دم"
رد عليه "خالد" بضجرٍ:
هتدينا عيدية و لا نخطف عيل من عيالك ؟! اختار"
تدخلت "إيمان" تقول بلهفةٍ:
اخطفوا زينة، صدقوني هتخلي العصابة تتوب عن أفعالها"
ضحكوا عليها جميعًا و في تلك اللحظة صدح صوت الألعاب النارية الذي قام "عمر" بتشغيلها بجوار "يونس" و "زين" اللاذي ركضا خلفه و هو يضحك بصوتٍ عالٍ فقال "خالد" بيأسٍ يتخلله الضحكات:
الدنيا بتعيد نفسها من تاني"
رد عليه "ياسين" براحةٍ:
و أحلى إعادة في الدنيا كلها، كل سنة و أنتم طيبين"
*****************
_متأسفة عن بارت امبارح علشان بس كنت مضغوطة، البارت نزل اهو إن شاء الله فيه واحد كمان بكرة و تالت يوم العيد و أخر واحد رابع يوم العيد و كدا هتكون الرواية خلصت إن شاء الله، طبتم و طاب عيدكم برفقة من تحبون.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس والتسعون 95 - بقلم شمس بكري
سَرىٰ طَيفُكِ أمام عَيني من بعيد فخفق قلبي فَرحًا و كأنه يوم عيد.
_________________________
_"و الآن فقط حان الوقت لعينيكِ بالوعود أن تفي، وها أنا حصلت عليك من بعد انتظار طال حتى بكِ من العالم أكتفي، أصبحتُ أتغنى بحروف اسمك كما الغناء، و ذكر اسمك قبل نفسي أتيًا في الدعاء، فأكرمني الله و أهداني ما طلبت و شملني برحمته و أعطاني ما أحببت، فسبحان الله الذي وهبني قلبًا أحب عبيرك المُسكر، وها أنا بكِ من مطالب دنياي أكتفيت"
_الله أكبر كبيرًا و الحمد لله كثيرًا و سبحان الله بُكرةً و أصيلًا....الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله.. الله أكبر، الله أكبر.. ولله الحمد
الله أكبر كبيرًا، والحمدلله كثيرًا، وسُبحان الله بُكرة وأصيلا.. لا إله إلا الله، وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.. لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مُخلصين له الدين ولو كره الكافرون.. اللهم صلِّ على سيدنا مُحمّد، وعلى آل سيدنا مُحمّد، وعلى أصحاب سيدنا مُحمّد، وعلى أنصار سيدنا مُحمّد، وعلى أزواج سيدنا مُحمّد، وعلى ذُرية سيدنا مُحمّد وسلم تسليمًا كثيرًا.
انتشر صوت التكبيرات في المكبرات و المساجد، و جلس الشباب بأبنائهم خارج المسجد وسط الرجال و كذلك الفتيات في الداخل وسط النساء ينطقون بتكبيرات العيد سُنةً مؤكدة.
كان المنظر بالخارج تملئه البهجة حيث انتشار الناس فَرحين بذلك اليوم و هو بمثابة الهدية التي أعطاها الله للعباد.
في بيت آلـ "الرشيد" في أقرب المساجد للبيت كان الرجال في المسجد و معهم الاطفال الصغار و في الأعلى السيدات و فتيات العائلة يرتدين اسدالات الصلاة الجديدة، كان العيد لهم جميعًا عيدين حيث اقتراب اليوم التالي و هو موعد زفاف أخر فتيات العائلة "خلود".
أنهى "ياسين" و الشباب الصلاة في المسجد ثم اجتمعوا سويًا في هيئةً خطفت الأنظار نحوهم حيث سار الشباب مع بعضهم يرتدون نفس العباءة البيضاء و كذلك الصِبية الصغار يرتدون مثلهم و أكثرهم لُطفًا كان "يزن" بهيئته الصغيرة تلك و هو يسير بجانب والده يمسك كفه.
بعدها توجهوا جميعًا نحو مكان أمانهم الأول شقة "ميمي".
كانت هي جالسةً على المقعد تنتظر قدومهم بفارغ الصبر حتى فُتح الباب و ركض الأطفال نحوها مهللين بفرحٍ، فصفقت هي بكفيها معًا ترحب بهم و بقدومهم نحوها حتى ارتموا عليها جميعًا و هي تضحك بسعادةٍ بالغة رغم كبر عمرها و سنها إلا أنها لازالت كما هي وسطهم و السبب في ذلك الرعاية التي حصلت عليها من الشباب و الفتيات معهم.
اقتربت منها "نـغـم" تقبل رأسها ثم قبلت كفها و قالت برقتها المعتادة:
كل سنة و أنتِ طيبة يا تيتة، السنة الجاية إن شاء الله تكوني في الحرم، و نروح نوصلك كلنا"
رفعت "ميمي" كفيها و هي تقول بتمني:
ربنا يكتبهالي تاني، الحمد لله روحت هناك و نفسي أروح تاني"
رد عليها "يونس" مسرعًا:
إن شاء الله تبقى المرة الجاية، حج مش عمرة بس، و تقفي على جبل عرفات كمان"
سحبته نحوها تقبله ثم ربتت على ظهره، فسألها "عمر" بلهفةٍ:
فين الترمس يا تيتة ؟! ماما قالتلي إنها عملته و بعتته هنا"
ضحكت بيأسٍ منه فيما قالت "إيمان" بقلة حيلة:
مفيش فايدة فيك، نسخة منه"
رد عليها "عامر" بزهوٍ:
طبعًا، مش حبيب أبوه دا ؟!"
أمسكت "ميمي" حافظة نقودها تفتحها و هي تبتسم لهم جميعًا، فيما قال "يزن" بفرحةٍ كبرى:
الله أكبر يا تيتة، العيدية و حلاوة العيدية"
ارتفعت ضحكات الجميع فيما قال "ياسين" بحنقٍ:
الواد دا أكيد مش واخد جيناتي، دي جينات خاله"
قامت "ميمي" بإعطائهم العيدية و هي تقبل كلٍ منهم على وجنته و تهنئه بالعيد، ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
كدا خلصنا الاطفال، يلا أمهات الأطفال بقى، اقفوا جنب بعض"
وقفت "ريهام" أولًا و البقية خلفها، فقامت "ميمي" باعطائهن العيدية هن الأخريات بفرحةٍ كبرى، حتى نطق "ياسر" يمازحها:
يعني أنتِ اديتي العيال و أمهات العيال و أبهات العيال فين ؟ هتاكلي حقنا يا ميمي؟!"
ردت عليه بدهاءٍ:
هتشتغلني يا ياسر ؟! فين العيدية بتاعتي ؟! هتاكلوها عليا ؟!"
تحدث حينها "عامر" بتهكمٍ:
أهو اتفضل، هما يضحكوا عليها و ياخدوا عيدية، و هي تاخدها مننا تاني، طب ليه التعب كنا ادناهم احنا و خلاص"
ضحك الجميع عليه، فقام الشباب كلٍ منهم على حدة يقترب منها يعطيها العيدية الخاصة بها كعادتهم منذ ريعان شبابهم أو بالاقرب بداية زهور عمرهم.
قامت "سارة" بإعطاء ابنتها الصغيرة "ريتاج" إلىٰ "عامر" ثم دلفت للداخل قامت بجلب حلويات العيد و كافة أنواع التسالي تضعها أمامهم جميعًا فقالت "إيمان" بصوتٍ عالٍ:
قبل ما تاكلوا، اقسم بالله لو لقيت قشرة لب واحدة بس على الأرض ولا ورقاية واحدة، هبلعهالكم، الشقة تفضل نضيفة، طلع عنينا فيها"
أيدتها "خديجة" بقولها:
معاها حق بصراحة، انتوا عيال صعب أوي، مبهدلين الدنيا كلها و خصوصًا جاسمين"
نظرت لها ابنتها بحنقٍ و لم ترد عليها بل ركضت نحو "ياسين" تجلس بجوارها و فعلت مثلها "زينة" هي الأخرى تجلس بجوار والدها، أما "نغم" و "يسر" فجلست كلتاهما بجوار "ميمي"
تابعهم "يونس" بعينيه ثم نظر لـ "ياسين" و "خالد" و بعد تبادل النظرات بينهم اقترب من "زين" يجلسا سويًا على طاولة السفرة بعيدًا عن البقية.
قال "ياسين" حينها بثباتٍ:
تخلصوا بسرعة علشان هنروح نعيد على اجدادكم و بعدها هنروح البيت عند جدو محمود كلنا، ماشي ؟!"
حركوا رأسهم بموافقةٍ جميعهم بفرحةٍ كبرى، فقام "عامر" باخراج هاتفه و هو يقول بمرحٍ:
يلا أجمعوا علشان نعمل تيك توك يا عيال، يلا بسرعة"
اقتربوا جميعهم منه فيما وقف هو في مقدمتهم يمسك الهاتف و يقوم بالتقاط الفيديوهات القصيرة لهم بمرحٍ و هو يقف وسطهم و كأنه من عمرهم، لذا أصبح يتمتع بمكانةٍ كبرى وسطهم جميعًا.
_________________________
أسفل بيت آلـ "الرشيد" وقفوا جميعًا أسفل البيت يلتقطون الصور سويًا و يمرحون معًا حتى قام "وليد" و "أحمد" بالركض لهم يمسكون في أيديهم الألعاب النارية و البالونات الملونة فركض نحوهم الصغار و هما يوزعا عليهم الألعاب فقال "وئام" بنبرةٍ ضاحكة:
تعالوا يلا علشان تاخدوا مني العيدية، قبل ما أنام و أنسى يلا"
ركضوا جميعًا نحو "وئام" الذي أخرج أمواله يوزعها عليهم جميعًا بالتساوي، فقال "وليد" مسرعًا:
أنا هديكم بس لما عمتكم خديجة تيجي، هي هتروح عند جدو رياض الأول و تيجي هنا، علشان منساش حد بس"
اقتربت منه "خلود" و هي تبتسم له، فنظر لها مبتسمًا ثم غمز لها و وضع يده في جيب عباءته البيضاء ثم أخرج لها ورقة مالية يعطيها لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
عروستنا الحلوة، كل سنة و أنتِ و طيبة، دي ملهاش دعوة بالعيدية، دي مني ليكِ علشان خروجتك اللي كمان شوية دي"
حركت رأسها موافقةً فسألها هو بتعجبٍ من صمتها:
مالك يا خلود ؟! أنتِ زعلانة ليه ؟!"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ:
علشان همشي و أسيبكم، مش عاوزة أبعد عنكم و في نفس الوقت أنا متلغبطة أوي"
ربت على رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
عمار طيب و استنى كتير أوي، الواد كان هيروح مننا، أنتِ معاه هتعرفي إن قلب عمار طيب و يشيل الدنيا بحالها كمان"
قبل أن ترد عليه وصل "عمار" أمام البيت و هو يبتسم لهم جميعًا ثم قال بمرحٍ:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل سنة و انتم طيبين"
ردوا عليه جميعهم بينما هو اقترب من الأولاد يعطيهم العيدية و هو يبتسم لهم حتى وقف أمامها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
صباح الخير يا خلود، كل سنة و أنتِ طيبة يا رب"
ردت عليه بثباتٍ:
و أنتَ طيب يا عمار"
أخرج العيدية الخاصة بها و هو يبتسم في ظرف لونه أسود و حروف اسمها عليه من الخارج باللون الذهبي، ابتسمت هي بتعجبٍ فيما قال هو مفسرًا:
دي العيدية بتاعتك، كل سنة و أنتِ طيبة"
نظرت هي في أوجه الجميع ثم مدت يدها تأخذها منه و هي تبتسم باتساعٍ فوجدت بداخل الظرف بطاقة صغيرة الحجم كُتِبَ بداخلها:
خشيتَ أن أكون في ذلك اليوم وحيدًا، و أكون عن مرمى بصرك بعيدًا، رأيتكِ حالًا كما الهلال في السماء مُضيئًا، و رؤية ضحكتكِ تُحتَسبُ عيدًا".
ابتسمت هي باتساعٍ تحاول تجاهل ضربات قلبها المرتفعة بصخبٍ حتى رفعت عينيها تنظر له و هي تبتسم باتساعٍ فغمز لها بعبثٍ ثم اقترب منها يقول بنبرةٍ هادئة:
الكل مشغول في العيد و أنا ضحكتك عندي بالعيد"
حاولت كتم ضحكتها فقال هو بنفس الهدوء:
أنا همشي دلوقتي و أجيلك بليل علشان هنروح مشوار سوا، تجهزي بدري علشان مش هستنى كتير"
حركت كتفيها بتعالٍ و هي تقول:
مش راجل ؟! استنى و فيها إيه يعني ؟!"
رد عليها بتهكمٍ:
استنى أكتر من كدا !! تسع سنين مش مكفينك استنى فيهم"
هربت بعينيها من نظراته فيما قال هو من جديد:
ماشي....هستنى، بس كله من وقتك أنتِ يا خوخة"
رماها بغمزةٍ عابثة دون أن ينتبه له سواها، ثم ودع الجميع و قبل أن يرحل مرة أخرى أوقفه "طارق" بقوله:
استنى طيب يا عمار، اقعد معانا أخواتك هيجيوا هنا كمان شوية"
رد عليه بنبرةٍ هادئة:
هروح أعيد على ميمي علشان متزعلش و هاجي بليل إن شاء الله....يلا سلام عليكم"
رحل بعد توديعه لهم، فيما قال "زياد" بضجرٍ:
اللي مصبرني عليه إنه عم عمر، غير كدا كنت زعلته علشان هياخدك مننا"
ابتسمت له "خلود" بقلة حيلة فيما نظر له "وليد" بتوعدٍ و هو يشير له بالانتظار و كأنه يقول له سترى.
_________________________
في شقة "ميمي" استمر المرح بينهم جميعًا و الضحكات و التقاط الصور و الفيديو الساخرة الهزلية التي يقوم "عامر" بتصويرها بعدة مقاطع ساخرة و ضاحكة، حتى دلف لهم "عمار" و هو يرحب بهم و خلفه "رياض" و "فهمي" و النساء الأربعة مع بعضهن.
سألهم "ياسين" بتعجبٍ:
جيتوا هنا ليه ؟! احنا كنا هنروح ليكم دلوقتي"
ردت عليه "زهرة" بمرحٍ:
احنا قولنا نعيد كلنا هنا سوا علشان رياض عازمنا على رنجة كلنا، كلوا معانا و شوفوا وراكم إيه بعدها، الفرح بكرة خلاص"
ركضت "جاسمين" نحو جدها تقف بجواره و هي تقول بلهفةٍ:
أنا مقولتش لبابا إنك بتحبني أكتر منه و مقولتش ليزن أنك جيبتلي عصير يوم ما روحنا سوا نجيب العيش"
ضحكوا جميعهم عليها، و كذلك "رياض" الذي حملها على يده، فيما قال "عامر" بسخريةٍ موجهًا حديثه لـ "ياسين" بقوله:
بيعجبني في بنتك أنها عمرها ما فتنت و لا طلعت سر حد برة"
رد عليه "ياسين" متهكمًا:
طبعًا، طول عمرها ساترة عليا"
اقترب "عمار" يجلس بجوار "ياسين" فقالت هي بضجرٍ:
متقعدش جنب بابا، أنا أصلًا يعني زعلانة منك"
سألها "عمار" بتعجبٍ:
ليه يا آنسة أنتِ هو أنا جيت جنبك ؟! عملتلك إيه ؟!"
ردت عليه بمعاتبةٍ:
علشان هتاخد خالتو خلود و لما نروح هناك مش هنلعب معاها"
نظروا لها بدهشةٍ فيما وقف هو ثم اقترب منها و هي على ذراع جدها ثم قال بنبرةٍ هادئة و خبثٍ زائفٍ يتناسب مع عمرها حتى تفهمه:
يا هبلة، مش أنا شقتي جنب شقتكم ؟! أنا كدا بجيبها جنبكم علشان تقعدي معاها لوحدك أكتر منهم كلهم"
شهقت هي بفرحةٍ ثم ارتمت عليه بمرحٍ حتى حملها هو فيما قالت بتلقائية تتناسب مع عمرها:
أنا بحبك أوي علشان أنتَ طلعت طيب يا عمار، خلاص اتجوزني مع خالتو خلود"
ارتفع صوت الضحكات أكثر عليها فشدد هو عناقه لها ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
حاضر، هاخد البت بخالتها مع بعض"
_________________________
قام "عبدالرحمن" بتأدية صلاة العيد مع والده ثم صعدا سويًا لشقتهم خصوصًا أنهم لا يعرفون أناسٌ بجوارهم، دلف غرفته يرتمي على الفراش بتعبٍ بعد سهره طوال الليل في الصيدلية مع "عمار".
نام على الفراش و أغلق عيناه و على حين غرة وصله عبيرها فتجاهل كل ذلك و قرر الهروب من هوسه بها في النوم حتى شعر بأناملها تمتد في كف رجله بنعومةٍ ثم دغدغته بمرحٍ حتى انتفض هو بلهفةٍ تمتزج بضحكاته و هي تبتسم له، فقال هو بقلة حيلة:
أنا ملحقتش أنام يا مريم"
ردت عليه هي بتذمرٍ:
فيه واحد ميجيش يعيد على عروسته ؟! أنا هربت منهم علشان اجيلكم"
اقترب منها يقبل وجنتها ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
ماهو لو تبطلي ظلم أنا هرتاح، قطعتي برزقك يا فقر"
انتبهت له فغمز لها ثم أشار خلفها، فالتفتت هي على الفور حتى وقع بصرها على الصندوق المغلف الموجود على أريكة غرفته، شهقت بقوةٍ فقال هو بصوته الرخيم:
دا أول عبد لينا و أنا كاتب كتابي، تفتكري هنساكِ، بس أنتِ علطول متسربعة"
التفتت له تقول بندمٍ:
آسفة بقى علشان كل شوية بظلمك و بسوء الظن فيك، بس أنا بخاف والله، فاكر لما سيبتني قبل كدا ؟!"
رد عليها مسرعًا بلهفةٍ:
بس أنا مسبتكيش يا مريم، أنا كنت بحافظ عليكِ و الله، قربي منك أكيد كان هيحرمني منك، كنا بنتكلم و نضحك و نسلم على بعض، كل دا عرفت إنه غلط لما عرفت عمار، حتى اهالينا كان عندهم كل دا عادي، نهاية كل دا بقى لما انا فهمت صح، إنك بقيتي مراتي و كلها شهرين و حاجات بسيطة و نتجوز خلاص"
ابتسمت هي له بسعادةٍ و فجأة طرق باب غرفته فركضت هي تختبأ خلف الستار في غرفته، فيما دلف والده و هو يقول بثباتٍ:
قوم يلا أغسل وشك و فوق كدا علشان تروح تعيد على مراتك"
حاول "عبدالرحمن" كتم ضحكته فدلفت والدته و هي تقول بلهفةٍ:
البت مريم كانت برة معايا، قومت أعمل الشاي ملقتهاش، هي فين ؟!"
خرج "عبدالرحمن" من الفراش ثم سحب الستار فجأةً لتطل هي من خلفه بانكماشٍ في نفسها، فيما قال هو بزهوٍ:
أقدملكم يا جماعة، مريم مراتي...ورا الستارة في أوضتي"
وكزته في كتفه، فضحك والده و هو يقول بسخريةٍ:
طب يا سيدي كل سنة و أنتم طيبين، يلا يا ستي قدامي خلينا نشرب الشاي و ناكل الكحك.... إبنك هنا بيحلي بالبوتيفور"
ضحك "عبدالرحمن" رغمًا عنه و هو يرى انسحاب والديه من أمامه، و قبل أن تعنفه هي التفت لها يقبل رأسها ثم قال بمشاكسىةٍ:
كل الناس عن قلبي بعيد و فرحتي بشوفتك زي فرحة العيال بالعيد"
ضحكت هي بفرحةٍ فسألها هو بمشاكسىةٍ:
طب إيه مش هاخد عيدية ؟!"
أشارت له بالنفي ثم غادرت من أمامه و هي تتدلل في خطواتها حتى رفع صوته يقول بسخريةٍ:
خليكِ أنتِ حرة، أنا هروح أدي الهدية دي لعمار..... أهو كتر خيره مستحملني".
_________________________
في بيت آلـ "الرشيد" كان البيت تملئه البهجة بكثرة الأحفاد و صخبهم و لعبهم سويًا و دلال الفتيات، حتى وصل البقية لهم و أولهم ركضًا للداخل كان "يزن" الذي بحث عن "زياد" و "مازن" و رفع صوته ينادي عليهما حتى ظهرا سويًا له فركض هو نحوهم.
احتضنه "مازن" بسعادةٍ بالغة فيما وقف "زياد" ينظر لـ "يونس" و كأن السهام تخرج من نظراته نحو الأخر الذي رمقه بغيظٍ و هو يعلم الآتي.
خرج "وليد" من الداخل حينما رآهم، اقترب منهم بلهفةٍ يرحب بالشباب ثم اقترب من "خديجة" يحتضنها و هو يرحب بها، ثم مال على "نـغـم" يقبلها و هو يحتضن وجهها بكفيه و قال بحبٍ بالغٍ لها:
حبيبة قلب خالو و روح قلب خالو كمان، كل سنة و أنتِ طيبة
ردت عليه بفرحةٍ:
حبيب قلبي يا خالو و أنتَ طيب يا رب"
التفت بعدها للأخرى التي قالت بمرحٍ:
شيلني يا خالو
حملها "وليد" يقبل وجهها ثم قال مرحبًا بقولها:
بس كدا يا عيون خالو ؟! روح قلب خالو و نور عين خالو"
دلفوا جيمعًا للداخل و منه نحو سطح البيت حيث التجمع العائلي بالأعلىٰ، وقفوا جميعًا بفرحةٍ يرحبون بهم و بالأولاد فوقف "حسن" في المنتصف و هو يقول بنبرةٍ عالية يلفت نظر الجميع:
أحبائي أحفاد العائلة و العائلات المجاورة، اجمعوا سوا صفين واحد للبنات و واحد للولاد بسرعة"
وقفوا بجانب بعضهم في صفين متناسقين فأخرج "حسن" الأموال من جيب عبائته يوزعها عليهم و البقية خلفه يضحكون بفرحةٍ، بعدها كرر "طارق" نفس الفعل و بعدها "وليد" ثم رجال العائلة و أخرهم كانت "مشيرة" و زوجها.
اقتربا "مازن" و "زياد" معًا من "نغم" فقال الأخر بنبرةٍ هامسة:
عاوزك معانا هنوريكي حاجة، تعالي بسرعة
حركت رأسها موافقةً ثم انسحبت معهما نحو ما أرادا، نزلوا للأسفل في غرفة والدهم بشقة "مرتضى" فسألت هي بتعجبٍ:
خير عاوزين إيه علشان أنا بتوتر اوي، يارب متكونش مصيبة أو أني اقنع خالو بحاجة !!"
ابتسما لها كليهما فيما تحرك "مازن" نحو حقيبة ظهره يفتحها ثم اقترب منها و هو يضحك بينما "زياد" أوقفها أمام المرآة ترى انعكاسها بها بحيرةٍ حتى اقتربا منها كليهما يضعا فوق رأسها تاجًا باللون الفضي يُزين رأسها، فشهقت هي بفرحةٍ كبرى، حتى تحدث "زياد" بحبٍ:
أنتِ أميرة و الأميرات بيلبسوا تاج، و التاج دا قليل عليكِ"
التفتت له بفرحةٍ كبرى فقال "مازن" هو الأخر:
أول ما شوفناه قولنا إنك اكتر واحدة ينفع تلبسه، على فكرة دا بفلوسنا سوا، مش من بابا"
دارت هي حول نفسها بفرحةٍ و صوت ضحكاتها الرنانة يرتفع بصوتٍ عالٍ كما بهجة العصافير فوق الأشجار و تطوف حولها الفراشات
بينما "زياد" و "مازن" ابتسما لفرحتها تلك و كأنهما صنعا انجازًا بضحكاتها تلك، وقف هو في الخارج يختبأ خلف الباب يتابعها بصمتٍ دون أن يُظهر نفسه و حينما دارت حول نفسها بتلك الطريقة ابتسم هو بسعادةٍ بالغة، و قبل أن يلتفت مغادرًا اصطدم بـ "وليد" الذي وقف خلفه، حينها ظهر توتره و قرر الهروب من أمامه، فأمسك "وليد" كتفه يوقفه و هو يقول بثباتٍ:
هما اخواتها يا يونس، يعني يحق ليهم أنهم يكونوا معاها، انما أنتَ غريب عنها، عارف إنك كنت عاوزها تكون صاحبتك، بس مينفعش، حرام إن ولد يصاحب بنت و هي مش أخته، متزعلش نفسك"
ابتسم له ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أنا مش صغير يا عمو وليد، أنا كبير و فاهم، بس أنا مستغرب علشان أنا و هي كنا صحاب و احنا صغيرين، أنا متعود عليها مع يسر علطول، علشان كدا بزعل اننا مش بنتكلم، بس أنا عارف إن غلط نتكلم سوا، عن اذنك"
حرك "وليد" رأسه بتفهمٍ ثم أفسح له المجال حتى يبتعد عنه، ثم وقف يتابعهم ببسمةٍ هادئة حتى قالت "نـغـم" بمرحٍ:
حلو أوي يا مازن، شكرًا يا زياد، أنا كمان لما العيد يخلص هجيب ليكم حاجة حلوة أوي....علشان أنا بحبكم"
تحدث "وليد" في تلك اللحظة يقول مُسرعًا:
طب و أبو مازن و زياد هياخد إيه ؟!"
اقتربت منه تقول بلهفةٍ يخالطها المرح:
ياخد عيوني"
اقترب منها يقبلها ثم طالع عينيها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا زمان كنت فاكر إن خديجة هي حتة من روحي، لما بشوفك بتأكد إن خديجة بكل اللي منها هما روحي، أنتِ الوحيدة اللي وصلتي لنفس مكان خديجة عندي، الوحيدة اللي بقول عليها بنتي بعد خديجة"
ابتسمت له "نـغـم" فاحتضنها هو ثم ربت على ظهرها و غمز لأولاده، حتى غمز له كليهما بعبثٍ، في تلك اللحظة دلفت "جاسمين" و هي تقول بضجرٍ:
هو أنتَ حاضنها هي و أنا لأ ؟!"
ابتعد عن الأخرى التي ضحكت بيأسٍ فقال هو مؤنبًا نفسه:
يقطعني....عيل سافل مترباش"
أشارت له بيدها على كتفيها، ثم أشارت عليه، فهم هو مقصدها، فجلس على الفراش بقلة حيلة و هو يقول:
اتفضلي، يلا خلصيني"
ركضت هي نحو الفراش بفرحةٍ كبرى ثم رفعت نفسها حتى جلست على كتفيه بمرحٍ ثم صفقت لنفسها و البقية يضحكون عليها، و قبل أن يقف بها، سألته هي بدهاءٍ:
رايح فين ؟! فين الحاجة اللي جبتهالي !! مش ناسية"
زفر هو بيأسٍ منها، فيما اقتربا التوأم، فألبسها "زياد" سوار من الفضة يتوسطها وردة صغيرة الحجم، شهقت هي بفرحةٍ كبرى فيما قال "مازن" بنبرةٍ ضاحكة:
وردة حلوة شبه اسمك، عجبك"
حركت رأسها موافقةً ثم قبلت "وليد" على رأسه و حاوطت رأسه بكفيها الصغيرين معًا حتى ضحك هو عليها ثم وقف بها و البقية يسيرون خلفه و قبل أن تخرج "نغم" قال "وليد" لها:
شيلي التاج يا نغم و البسيه بكرة علشان محدش يشوفه"
حركت رأسها موافقةً ثم وضعته في الحقيبة من جديد و هي تبتسم له فيما قالت الأخرى باصرارٍ:
أنا مش هقلع الغويشة دي، بس مش هقول لحد متخافش"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بتهكمٍ:
طبعًا عمرك ما هتقولي لحد، هتقولي لأيام الاسبوع كله"
_________________________
صعد بهم "وليد" للأعلى و الأخرى لازالت على كتفيه، ثم بحثت بعينيها عن توأمها، فوجدته يجلس على قدم "طـه" يمسك هاتفه و القدم الاخرى تجلس عليها "ليلى" ابنة "أحمد" فقالت هي بنبرةٍ ضاحكة:
خالو وليد جابلي غويشة عليها وردة زي اسمي، بس أنا مش هقول لحد و الله"
ضحكوا عليها جميعًا فقال "خالد" بنبرةٍ ضاحكة:
جدك رياض فخور بيكِ أوي، المفروض يكتب الورث باسمك"
رد عليها "يزن" بضجرٍ:
كل حاجة تفتني كدا ؟!"
حركت رأسها موافقةً بشجاعةٍ تشبه شجاعة "خلود" في صغرها، و على ذكر "خلود" انتبهت للتوقيت فوقفت و هي تقول بثباتٍ:
طب عن اذنكم علشان ورايا مشوار مهم، عاوزين حاجة ؟!"
سألتها "زينب" بتعجبٍ:
رايحة فين ؟! النهاردة عيد و الناس قافلة"
تدخل "فارس" يقول بسرعةٍ:
فيه حاجات للفرح هي عاوزاها، أنا هنزلها علشان متتأخرش"
ابتسمت له "خلود" ثم سارت معه للخارج فسألته بنبرةٍ هادئة:
مالك يا فارس ؟! أنتَ زعلان ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
آه زعلان، علشان أنتِ هتمشي من هنا، بس مش مشكلة المهم أنك هتفرحي، أنا بحبك علشان أنتِ فهماني علطول"
لمعت العبرات في عينيها تأثرًا بصدق حديثه، ثم مالت عليه تقبل قمة رأسه و قالت بصوتٍ متحشرجٍ:
متخافش أنا هبقى أجي علطول، و بعدين المكان مش بعيد عنكم، أنا مش هنساكم"
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها، فاقترب منهما "علي" يقول بلهفةٍ:
عاوزة حاجة ؟! أجي معاكِ ؟!"
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة:
تسلم يا علي يا أبو الشهامة كلها، صحيح ابن حسن المهدي"
ابتسم لها "علي" فيما تحركت هي من أمامهم جميعًا نحو الأسفل.
في الداخل جلست "فاطيما" في حضن والدها تمسك بثيابه حتى نامت مكانها، فتحدث "يزن" بسخريةٍ:
الحقي يا خالتو هدير، بنتك نامت مكانها"
ردت عليه "هدير" بسخريةٍ:
نامت علشان سهرانة بقالها ٣ أيام، بنت الهبلة فاكرة أنها لو نامت العيد هيضيع منها"
ضحكوا عليها جميعًا فقالت "إيمان" بسخريةٍ:
ما شاء الله طالعة لأمها، خايفة تنام يوم الوقفة علشان تلحق الصلاة"
انتشرت السخرية و الضحكات عليهم جميعًا، فيما جلست "زينة" بجوار "ياسر" تلتصق به كعادتها منذ صغرها و "عمر" يتابعها بعينيه و هو يضحك حتى رفع صوته دون وعيًا منه و هو يقول:
يا بختك يا عمو ياسر"
ضحكوا جميعهم عليه فيما رفع "ياسر" حاجبيه مستنكرًا قوله، أما هي فكتمت ضحكتها و حركت رأسها للجهة الاخرى، فمال "عامر" على اذن ابنه و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
هربيك يا صايع يا كلب"
رد عليه الأخر بنفس الهمس:
أنا عندي سؤال مهم، هما الحلوين علشان حلوين بيعملوا كدهو ؟!"
ضحك "عامر" رغمًا عنه، فيما غمز له الأخر بمشاكسىةٍ كعادته تماثل مشاكسة والده و كأنه يطبق عمليًا.
_________________________
ارتدت "خلود" فستانًا باللون الأسود، و به زهور صغيرة باللون الأبيض منقوشة بشكلٍ رقيق، و قد أردت أسفل حمالاته العريضة قميصًا باللون الأبيض، و من عند الأكمام توجد تطريزات رقيقة باللون الأسود و زره على شكل نجمة برونزية.
وضعت الحجاب على رأسها باللون الأبيض ثم وضعت سلسالًا في وسط عنقها يحمل شعار مالانهاية، و ارتدت الحذاء باللون الأبيض و الحقيبة الصغيرة تحملها على ظهرها بذراعٍ واحدٍ فقط.
نزلت أسفل البيت تقف في انتظاره فاقترب هو بسيارة "عامر" و هو يبتسم لها، تنهدت هي بعمقٍ ثم ركبت بجواره، فقال هو بمشاكسىةٍ:
اللهم صل على النبي، دا العيد عيدين كدا، وحشتيني"
تجاهلت كلمته و قالت ببرودٍ:
عليه افضل الصلاة والسلام، شكرًا"
رفع أحد حاجبيه فسألته هي بلامبالاةٍ:
هنرجع امتى ؟! علشان منتأخرش و احنا ورانا بكرة فرح لو مش واخد بالك"
رد عليها بنفس البرود:
لأ واخد بالي، بس هو يوم عادي زيه زي أي يوم، هنعمل إيه يعني"
نظرت له بتعجبٍ فتجاهل هو نظراتها ثم قاد السيارة و كأنها لا تعنيه، و في منتصف الطريق سألته بضجرٍ:
هو لسه كتير ؟!"
_آه....كتير أوي، اتعلمي تصبري"
رد عليها بذلك بلامبالاةٍ جعلتها تزفر بقوةٍ ثم نظرت من النافذة، أما هو فنظر لها بتعجبٍ من طريقتها معه، طوال الشهر الماضي و هي تعامله بجمودٍ حتى ظن أنها لا تحبه، و اليوم سيتأكد هو من ذلك بطريقته الخاصة.
وصلت السيارة أمام أحد الأماكن الفخمة المُزينة من الخارج باضاءاتٍ عالية على شكل مثلثاتٍ معكوسة الوضع، نظرت هي له بتعجبٍ، فيما غمز هو لها ثم نزل من السيارة يتوجه نحوها حتى يفتح لها الباب و يمد لها كفه، عانقت هي كفه بتوترٍ فيما أغلق هو السيارة، ثم سار بها داخل تلك المثلثات و هي تمسك بيده.
دلفا سويًا للداخل حيث توجد حديقة واسعة يكسوها اللون الأخضر بالزرع و يتوسطها زهرة دوار الشمس كبيرة الحجم مصنوعة من الخشب و أسفلها كُتِبَ اسمها، انتبهت هي لذلك فرمشت ببلاهةٍ و فرغ فاهها، فاقترب هو منها يقف مقابلًا لها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أنا عمال اكدب في نفسي اللي بتقولي إنك مش بتحبيني، عمال أقول إني بتوهم علشان اكيد دا مش حقيقي، مش معقول الـ ٩ سنين اللي استنيتك فيهم يطلعوا على الفاضي، خلود أنتِ مش عاوزاني ؟!"
رفعت عيناها التي غلفها الاحمرار تطالعه فحرك رأسه لها حتى ترد عليه هي، و قبل أن تتحدث هي، قال مسرعًا:
قبل ما تجاوبي، أنا فيه حاجة مجهزها ليكِ، علشان لو الإجابة وصلتني أكون خلصت كل حاجة كان نفسي فيها معاكِ، استني"
عقدت ما بين حاجبيها و هي تزدرد لعابها بخوفٍ فيما أشار هو للرجل خلفه، فانسحب الرجل من المكان الذي خلا من الجميع عداهما سويًا، بعد مرور ثوانٍ أتى الرجل بطاولةٍ خشبية يسحبها نحوهما و يغلفها بأدوات الطعام المعدنية ثم تركها و رحل من المكان.
بعد مرور ثوانٍ انتبهت "خلود" لقلة الأضواء حولها و ارتفاع قصيدة مؤثراتٍ صوتية كما الطرق على الدفوف صداها يتردد في المكان بالكلمات الآتية من أقوال "ابن الفارص" حينما قالها "عمار" بعدما وقف خلفها :
قلبي يُحَدّثني بأَنّكَ مُتْلِفِي
روحي فِداكَ عرَفْتَ أمَ لم تَعْرِفِ
لم أَقْضِ حَقّ هَواكَ إن كُنتُ الذي
لم أقضِ فيِه أسىً ومِثليَ مَنْ يَفي
ما لي سِوَى روحي وباذِلُ نفسِهِ
في حُبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِف
فلَئِنْ رَضِيتَ بها فقد أسعَفْتَني
يا خَيبَة المَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ
يا مانِعي طيبَ المَنامِ ومانِحي
ثوبَ السّقامِ بِهِ ووَجْدِي المُتْلِفِ
عَطفاً على رَمقي وما أبقَيتَ لي
منْ جسميَ المُضْنى وقلبي المُدَنَفِ
فالوَجْدُ باقٍ والوِصَالُ مُماطلي
والصّبْرُ فانٍ واللّقاء مُسَوّفي
لم أَخلُ من حَسَدٍ عليك فلا تُضِعْ
سَهَري بتَشْنِيع الخَيالِ المُرجِفِ
واسأَلْ نجومَ اللّيلِ هل زارَ الكَرَى
جَفني وكيف يزورُ مَن لم يَعْرِفِ
لا غَرْوَ إن شَحّتْ بغُمْضِ جُفُونها
عيني وسَحّتْ بالدّموعِ الذّرّفِ
وبما جرَى في موقفِ التوديعِ مِنْ
ألمِ النّوَى شاهدتُ هَولَ الموقفِ
إن لم يكن وْصلٌ لدَيْكَ فعِدْ به
أَمَلي وَمَاطِلْ إنْ وَعَدْتَ ولا تفي
فالمَطْلُ منكَ لدَيّ إنْ عزّ الوفا
يحلو كوَصَلٍ من حبيبٍ مُسْعِفِ
أهْفُو لأنفاسِ النّسِيمِ تَعِلّةً
ولوَجْه مَن نقَلَتْ شَذَاهُ تشوّفي
فلَعَلّ نارَ جوانحي بهُبُوبِها
أن تنطَفي وأوَدّ أن لا تنطَفي".
التفتت له "خلود" بلهفةٍ بعدما وقف هو خلفها يردد تلك الكلمات، فيما تابع هو بقوله:
قلبي بحدثني بأنكَ مُتلفي....و أنا طالبٌ من عينيكِ بالوعود أن تفي...."
أخرج تنهيدة حارة من جوفه، ثم تابع من جديد:
فيه وعد عينك قطعته على نفسها من ٨ سنين إنها تكون ليا.... و أنا عبد مسكين عاش على الأمل دا، طمني قلبي يا خلود إن عيونك صانت العهد و هتوفي بالوعد"
كان يحتضنها بنظراته و يشملها كليًا ينتظر منها الجواب، و للحق لم يكن جوابًا فقط، انما هو الحرية لـ سجينٌ عاش مُكبل الذراعين وسط غرفة مظلمة رآى فيها ثُقبًا في أحد جدرانها، كان هو الأمل لمدخل نورٍ ينير ظلماتٍ تقبع في ثنايا روحه.
لم ترد عليه و لم تهرب و لم يظهر عليها أية ما يُطمئن قلبه، فقط ارتمت عليه تحاوط عنقه بذراعيها معًا و قالت بنبرةٍ باكية:
سامحني....سامحني علشان ظلمتك، عمار......أنا بحبك....بحبك أوي كمان".
إن كانت للكلمات دلالةً تتناسب مع الشعور، فها هو الأسير حُرر من إعتقاله ببعض الحروف التي شكلت الحياة في نظره، كم غريبة تلك الدنيا، و كم ضعيف المرء، فهل يعقل أن بعض الحروف الأبجدية إذا اقترنت ببعضها، كانت مثل النور لما عاش في غياهب الظلام ؟!"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس والتسعون 96 - بقلم شمس بكري
_و كأن النهايات توضع و الحُبر شارف على الانتهاء و كذلك أوشكت الصفحات على الالتصاق ببعضها بعد نهاية تلك القصة، و لكن تعلم يا عزيزي أن كل نهاية هي بداية الشيء الجديد، يشبه الأمر مقطوعة موسيقية كلما أنهيت العزف على وترٍ ينهي تلك المقطوعة، تنتقل أناملك لوترٍ أخر يُعيد المقطوعة من جديد بنغماتٍ أجدد، لذا هي معًا لنرىٰ بداية ما بعد النهاية.
***************
قلبي بحدثني بأنكَ مُتلفي....و أنا طالبٌ من عينيكِ بالوعود أن تفي...."
أخرج تنهيدة حارة من جوفه، ثم تابع من جديد:
فيه وعد عينك قطعته على نفسها من ٨ سنين إنها تكون ليا.... و أنا عبد مسكين عاش على الأمل دا، طمني قلبي يا خلود إن عيونك صانت العهد و هتوفي بالوعد"
كان يحتضنها بنظراته و يشملها كليًا ينتظر منها الجواب، و للحق لم يكن جوابًا فقط، انما هو الحرية لـ سجينٌ عاش مُكبل الذراعين وسط غرفة مظلمة رآى فيها ثُقبًا في أحد جدرانها، كان هو الأمل لمدخل نورٍ ينير ظلماتٍ تقبع في ثنايا روحه.
لم ترد عليه و لم تهرب و لم يظهر عليها أية ما يُطمئن قلبه، فقط ارتمت عليه تُحاوط عنقه بذراعيها معًا و قالت بنبرةٍ باكية:
سامحني....سامحني علشان ظلمتك، عمار......أنا بحبك....بحبك أوي كمان".
إن كانت للكلمات دلالةً تتناسب مع الشعور، فها هو الأسير حُرر من إعتقاله ببعض الحروف التي شكلت الحياة في نظره، كم غريبة تلك الدنيا، و كم ضعيف المرء، فهل يعقل أن بعض الحروف الأبجدية إذا اقترنت ببعضها، كانت مثل النور لما عاش في غياهب الظلام ؟.
ارتخى ذراعيه بجانبه و وقف مصدومًا من طريقتها و نبرتها و احتضانها له بتلك الطريقة و كأن للعناق في تلك الأوقات مذاقه الخاص، فيما قالت هي ببكاءٍ:
أنا كنت عارفة إنك هتستنى و كنت عارفة إنك مش هتزهق، عقلي كان بيحذرني منك، بس قلبي والله أمن و صدق بيك إنك مستحيل تزهق و تخلف بوعدك معايا، أنا غصب عني بحبك حتى من غير ما أحس بدا، مش أنتَ لوحدك اللي استنيت والله، أنا كمان زيك، كل يوم كنت بستناك تيجي و كل يوم كنت بقنع عقلي إنك مزهقتش"
سألها هو بنبرةٍ يغلفها التعجب و الدهشة معًا:
طب أنتِ بتعيطي كدا ليه طيب؟!"
ردت عليه بنبرةٍ باكية:
علشان بحبك يا عمار...."
ضمها هو له بقوةٍ و هو يحرر أنفاسه براحةٍ كبرى، ثم قال بصوته الرخيم و هو يتحدث بنبرةٍ هادئة:
أنتِ حييتي عمار من تاني يا خلود.... بس أنا أضعف من أني أغضب ربنا في علاقة محرمة تضيعك مني، قلبي أضعف من أنه يضيعك منك، أنا سيبتك و أنا موكل أمري لربنا يحفظك ليا لحد ما أقدر اخدك من الدنيا كلها و تكوني ليا، الراجل بجد هو اللي يخاف على اللي بيحبها من إنها تشيل ذنب واحد بسببه، كان ممكن احبك و اكلمك و اتواصل معاكِ بس كل دا نهايته كانت مش هترضينا سوا، دي علاقات بدون روابط شرعية بتكسر القلوب و علشان كدا ربنا حرمها"
ابتسمت هي بفرحةٍ تشكلت على مُحياها ببراءةٍ تشبه براءة الأطفال، فيما مسح هو دموعها و قال بصوته الرخيم:
شكرًا إنك خيبتي ظن عقلي"
احتضنته هي تلك المرة تتشبث به فابتسم هو بسعادةٍ بالغة ثم قال بسخريةٍ:
دلوقتي بس عرفت كتب الكتاب حلو ليه، ماهو تسع سنين مش شوية برضه علشان الحضن ميكونش حلو كدا"
ابتعدت عنه بسرعةٍ و هي تردد بحنقٍ:
إيه دا !!! أنتَ طلعت قليل الأدب يا عمار ؟؟"
حرك رأسه مستنكرًا قولها ثم أضاف بسخريةٍ:
و هو فيه راجل مش قليل الأدب يا خلود ؟!"
ردت عليه بسرعةٍ كبرى:
أنا كنت فاكرة إنك مؤدب"
رد عليها هو مُسرعًا:
طب ماهو أنا كنت مؤدب علشان أنتِ مش من حقي، دلوقتي أنتِ مراتي، يعني براحتي، بعدين أنتِ اللي كلبشتي فيا زي الحديد في المغناطيس، أنا مالي"
وكزته في مرفقه بغيظٍ فقال هو بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص يا ستي قلبك أبيض بقى، تعالي علشان تشوفي المفاجأة اللي محضرها"
عقدت ما بين حاجبيها فيما اقترب هو من طاولة الطعام يكشف الطعام بعدما رفع الغطاء المعدني، حينها شهقت هي ببلاهةٍ و فرغ فاهها بينما هو غمز لها بثقةٍ، اقتربت هي منه بلهفةٍ فرأت العديد من طعامها المفضل "الشاورما" قام هو بوضع الشطائر متراصةٍ بجانب بعضها أفقيًا و يربطهم ببعضهم شريط احمر يتوسطه رابطة رقيقة و في المنتصف طبق المقبلات السورية "الثومية" و أطباق البطاطس المقلية بجوارها، اعتدل في وقفته و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
ساندويتشات شاورما و كتر التومية.....كدا جمعتلك كل اللي بتحبيه في مكان واحد أنا و الشاورما و التومية"
_________________________
في بيت آلـ"الرشيد" فوق السطح تحديدًا كانت الجلسة يسودها المرح و المزاح بكثرة عدد الأطفال، و خاصةً فيتات "طارق" الثلاثة و مزاحهن معه و مع البقية، فقال "وليد" بسخريةٍ:
خير يا طارق، مش كل سنتين تجيب بنت، بقالك سنتين اهوه، عاوزين الرابعة بقى إن شاء الله"
رد عليه "طارق" بضجرٍ:
أنتَ مالك يا تنح !! الحمد لله ربنا عالم أني مليش في تربية الولاد، علشان كدا رزقني ب ٣ ملايكة"
سألته "رؤى" بلهفةٍ:
بجد !! أنا ملاك يا بابا ؟!"
حرك رأسه موافقًا بشدة فسألته "روزي" بغضبٍ:
طب و أنا ؟!"
رد عليها مسرعًا:
أحلى ملاك في الدنيا كلها"
نظر للصغيرة التي في عامها الثاني تجلس على قدم والدتها، فقبلها ثم حلمها من زوجته و هو يقول بسخريةٍ:
مش هتفهميني طبعًا يا روشان بس أنتِ أحلى حاجة في الدنيا"
سأله "أحمد" بسخريةٍ:
إيه الاسامي دي ؟! أيه و أميرة و أسماء و إسراء قصروا معاك في إيه مش فاهم ؟!"
تحدث "عامر" في تلك اللحظة بسخريةٍ تمتزج بالتهكم:
جرى إيه يا أبو ليلى ؟؟ اللي يسمعك يقول مسمي شيماء، اتوكس"
ضحكوا عليه جميعًا فقال "احمد" مفسرًا:
أنا بحب الاسامي القديمة أوي، بحب اسم ليلى و فريدة و فريال و فيروز، اسامي رايقة كدا، و إن شاء الله لو سلمى جابت بنت هسميها اسم من دول و لو ولد هيكون "رُحيِّم"
لاحظ "وليد" السهام المبتادلة ما بين "يونس" و "زياد" من خلال نظراتهما الموجهة لبعضهما، فزفر بقوةٍ ثم رفع صوته و هو يقول بنبرةٍ ثابتة:
طبعًا إحنا في عيد و كل سنة و انتم طيبين، بس مينفعش نكون في عيد و فيه أخوات زعلانين مع بعض، علشان كدا يونس و زياد اتفضلوا قدامي هنا"
اشار باصبعه نحو المنتصف و البقية ينظرون له بتعجبٍ، فقال هو من جديد:
أنا مش هكرر كلامي تاني، أظن أنكم مش صغيرين، يونس بقى عنده ١٢ سنة و اكتر و زياد قرب يتم ٩ سنين اتفضلوا قدامي"
تبادلا أولًا النظرات الحانقة لبعضهما ثم وقفا حيث أشار "وليد" على مضضٍ و كأنهما مجبران على ذلك، بينما هو قال بثباتٍ:
طول عمرنا من يوم ما ربنا وصل كل طرقنا ببعض و مفيش واحد فينا زعل من التاني، مفيش حد رفع صوته على التاني، و دايمًا كتف واحد كلنا، هتيجوا انتم و تفرقوا ما بيننا ؟! واحد يعلي صوته التاني يشتمه يروح التاني ضربه ؟! خلاص بقينا بلطجية ؟! يلا صالحوا بعض"
تحدث "زياد" بضجرٍ:
هو اللي ضربني و عورني في ايدي، و أنا شتمته، الشتيمة مأثرتش بس ضربته في كفي مأثرة، أنا اللي اتأذيت مش هو"
رد عليه "يونس" مسرعًا:
طب ما أنتَ زقتني و كنت هقع من على السلم، مش أنتَ اللي بدأت !!"
احتدت نبرة كليهما فاقتربت "نـغـم" تقف في منتصفهما و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
خلاص انتم الاتنين، أنا اللي غلطت من الاول علشان خدت لعبة زياد و اديتها ليونس، و أنا أسفة، بس مينفعش يكون حد فينا زعلان من التاني، ماما قالتلي إن اللي بيبدأ بالصلح دايمًا كسبان راحته، صالحوا بعض علشان نرجع نلعب تاني سوا"
نظر لها كليهما فابتسمت هي لهما ثم اقتربت من الطبق الموضوع على الطاولة به الحلوى المُغلفة و قد أخذت اثنتين منهما ثم اقتربت منهما تمد كفيها و هي تبتسم و تقول:
خدوا حاجة حلوة اهوه و صالحوا بعض يلا، الفرح بكرة"
اقترب "يونس" منها يأخذ الحلوى ثم اقترب من "زياد" و هو يقول بنبرةٍ هادئة و لهجةٍ ثابتة:
حقك عليا أنا غلطان، بما أني الكبير أكيد لازم أكون هادي عن كدا، و ألف سلامة عليك"
نظر "زياد" لها فوجدها تحرك رأسها له تشجعه و تحثه على الموافقة، فقال "زياد" على مضضٍ:
محصلش حاجة يا يونس، أنا مش زعلان منك علشان ضربتني، أنا زعلت علشان أنتَ صاحبي، مزعلتش من الموقف بس زعلت من صاحب الموقف"
رد عليه "يونس" بتفهمٍ:
و صاحب الموقف أهو بيعتذرلك، أنا مش عاوزك تزعل مني و لا نغم كمان، احنا صحاب و مش هينفع نزعل من بعض"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
مش زعلانة منك خلاص، بس وعد إنك مش هتتعصب على حد تاني ؟!"
ابتسم لها بفرحةٍ كبرى ثم قال بوجهٍ مُبتسمٍ:
وعد مني إن شاء الله"
صفقت بكفيها معًا فيما احتضنه "زياد" ثم قال معتذرًا هو الأخر:
و أنا كمان مش هتعصب تاني عليك، بس لما أكون بلعب مع نغم متزعلش علشان هي أختي"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم قال:
حاضر، و أنتَ متفضلش تكيد فيا علشان بتلعب معاها و أنا لأ"
رد عليه "مازن" متدخلًا في الحديث بسخريةٍ و تهكمٍ كما النساء:
مكانش يتعز يا ضنايا، ازاي نبقى ولاد وليد الرشيد ؟!"
ضحكوا عليه جميعًا فقال "ياسين" بحكمةٍ كعادته:
زي ما وليد قال كدا، احنا عزوة لبعض، نقف مع بعض في وش الدنيا و نساند الغريب زي القريب طول ما هو محتاجنا، بلاش نستغل قوتنا ضد بعض، المفروض كلنا نكون مع بعض، دا أنتوا ناس حلوة حتى و احنا في عيد و يوم حلو"
أنهى "ياسين" حديثه ليتفاجأ بصوته المرح رغم صغر سِنه و هو يقول:
_إيه اليوم الحلو دااا ... إيه النــاس الحلوة دي ..... إيه اليوم الحلو دااا ..... إيه الناس الحلوة دي"
وقف "عمر" على المقعد يغني تلك الكلمات بمرحٍ فيما تحرك "وليد" نحو مكبر الصوت يرفع صوت الأغاني الشعبية و هو يقول بمرحٍ:
جدع ياض يا عمر، ابن عامر بصحيح، يلا ياض"
ارتفع صوت الأغنية فيما أمسك "وليد" عصا كبيرة الحجم يرقص بها وسط الأطفال الصغار و كالعادة تطبيقًا لمقولة "جاور جميل الروح تصيبك عدوى جماله" انتشرت الفرحة تعم في الأجواء وسط زغاريد الفتيات و النساء، فيما تحرك "عامر" نحو "طه" يمسك يده و هو يقول بنبرةٍ عالية مرحة:
ارقص يا عم طه.... يا عم طه يا عم طه"
رقص "طه" وسط الصغار فيما قام معه "مرتضى" يرقص هو الأخر فقام الشباب بدورهم وسط البقية و كأن سطح عائلة الرشيد يحتفل بعيديْن مع بعضهما.
_________________________
تناولا كليهما الطعام سويًا و هما يتلقطان الصور لهما سويًا و كأنها أصبحت فتاةً أخرى غير التي قابلته، كانت جلستهما سويًا يسودها الود و المحبة و العشق بين حبيبيْن اجتمعا سويًا بعدما كان كما الشتيتان في الصحراء، فأصبحا كما الروح الواحدة تنقسم في جسدين.
بعدها رحلا سويًا يوصلها لبيتها بسعادةٍ بالغة، فأوقف السيارة في مقدمة الشارع الخاص ببيتهم و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
بكرة إن شاء الله أول يوم هنتجمع سوا، كدا أنا ضمنت إنك بتحبيني و إنك كنتي مستنياني"
ابتسمت له ثم قالت بتلقائيةٍ:
مستنياك من يوم ما عنينا اتلاقوا سوا علشان يعرفوا هيستنوا بعض و لأ، اليوم اللي عنينا قطعت فيه الوعود لبعض أنهم يستنوا بعض"
اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال بصوتٍ رخيم:
ربنا يقدرني و أسعدك و أعوضك عن كل حاجة و عن الصبر اللي صبرناه سوا يا خلود، رغم إن قلبي راضي بيكي عوض من الدنيا كلها عن كل حاجة"
ابتسمت هي بسعادةٍ ثم اقتربت منه تقبل وجنته بمرحٍ و تلقائيةٍ، فرمش هو ببلاهةٍ ثم قال بخبثٍ بعدما استعاد ثباته:
طلعتي قليلة الأدب أنتِ كمان ؟! بتبوسيني يا خلود"
حركت رأسها موافقةً ثم غمزت له بعبثٍ و تحركت من السيارة تنزل منها فيما قال هو بنبرةٍ:
الحمد لله إنه كتب كتاب مش خطوبة بس....عـسـل يا خـوخـة"
رفع صوته و هو ينزل من السيارة و قد وصلها صوت حديثه الضاحك.
نزل من السيارة هو الأخر ثم دلف معها البيت و منه نحو السطح مباشرةً و فور دخولهما رفع "عمر" صوته بصخبٍ و هو يقول:
الـعــروســة وصـلـت.....الـعـريـس وصــل"
بعد تلك الجملة اقترتب الفتيات الصغيرات من "خلود" يمسكن ايديها و كذلك الصبية مع "عمار" و قد أوقفاهما في المنتصف حتى بدأت "خلود" تتمايل مع الفتيات و كذلك "عمار" رقص مع الشباب و الصبية.
بعد مرور ساعة تقريبًا، وصل "عبدالرحمن" و معه "مريم" و خلفه "رياض" و "ميمي" و بقية العائلة.
زاد الاجتماع فوق السطح و زادت البهجة أكثر حينما تبدلت الأغنية إلى أخرى عن الصداقة فقام "عبدالرحمن" باحتضان "عمار" و قال في أذنه بتأثرٍ و فرحةٍ لصديقه:
ألف مبروك يا صاحبي، يا طوق نجاتي في الدنيا دي"
مسد "عمار" على ظهره و قال بصوتٍ مختنقٍ من شدة التأثر:
الله يبارك فيك يا صاحبي، يا هدية ربنا ليا في أيامي"
لمعت العبرات في عين "عبدالرحمن" و كذلك "عمار" فيما رقص الشباب بجانب بعضهم و لكن ما جعل المنظر يزداد بهجةً هو ارتداء الشباب للعباءات البيضاء و يرقصون بها وسط الصغار.
كانت الأجواء سعيدة للغاية بمرحٍ و بهجةٍ جعلت القلوب ترقص فرحًا من فرط بهجتها في المكان و ها اليوم يشهد ذلك البيت سعادةً من نوعٍ أخر و كأنها ليلة الحِنة التي لم يتم التجهيز لها من الأساس.
****************
متأسفة طبعا البارت صغير بس كان فيه مناسبة عائلية عندنا و كان المفروض دا الاخير، بس الاخير بكرة إن شاء الله علشان نحضر فرح عمار من غير كروتة.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع والتسعون 97 - بقلم شمس بكري
قد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا ".
_قيس بن الملوح
_________________________
و مالي كُلما وددت الابتعاد سرت نحو خطاهُ و كلما وددت مَسكنًا نظرت إلى عيناه، أنا الشتيت المُلقىٰ في هوامش الحياة، و هي لي كما طوق النجاة، قد تكون انقطعت بيننا سُبل الوصال و قد يكون البُعد طال، لكن اللقاء أتيًا بين قلوبنا لا محال.
_ما أشبه اليوم بالأمس، حيث انتهت الليلة بفرحتهم جميعًا و غنائهم و مرحهم وسط بعضهم جميعًا و رقص الشباب و مرح الفتيات و إطلاقهن للزغاريد.
بدأ اليوم التالي و هو يوم اجتماع الشتيتين كما قال "عمار"، حتى و إن كانت زوجته لكن اليوم له مذاقٌ خاص، فاليوم ستصبح له بصفةٍ دائمة.
في شقة "ميمي" صباحًا وصل "عمار" و معه "عبدالرحمن" سويًا و قد سبقهما بقية الشباب مع بعضهم إلى هناك و فور دخول الأخرين، رفع "عامر" صوته يرحب بأخيه بمرحٍ كعادته:
العريس أهو.....العريس أهو"
اقترب منه "عمار" يحتضنه و يقبل كتفه فيما احتضنه الأخر مُربتًا على ظهره بحماسٍ ثم قال بتأثرٍ:
عمال تكبر و تكبرني معاك، فرحك بجد يا عمار ؟! دا أنا لسه كنت شايلك على ضهري من مفيش، ربنا يفرحك يا حبيب أخوك"
ابتسم له "عمار" ثم زفر بقوةٍ و قال بنبرةٍ هادئة:
أنتَ حبيبي و أبويا قبل ما تكون أخويا، ربنا يفرحك بولادك زي ما فرحت بيا"
تدخل "ياسر" يقول مسرعًا:
طب يلا بسرعة ألبس علشان تلحقوا الصور بالنهار في القاعة"
حرك رأسه موافقًا فقال "عبدالرحمن" بلهفةٍ يمازحهم:
شباب معلش هو في فرحي هتكونوا معايا كدا و لا بتستغلوني لحد ما عمار يتجوز"
رد عليه "خالد" بثباتٍ يتنافى مع هزل كلماته:
عيب يا عبدالرحمن متقولش كدا، بنستغلك طبعًا لحد فرح عمار"
ضحكوا جيمعهم، فيما اقترب "عمار" من "ميمي" يجلس أمامها على ركبتيه يقول بنبرةٍ هادئة:
حاسس إنك زعلانة، بس متخافيش أنا مش ممكن أنساكِ أبدًا، أنتِ مقامك كبير في قلبي"
ردت عليه هي بودها و حنانها المعتاد الذي أغدقهم جميعًا:
أنتَ اللي مقامك عندي كبير اوي ، أنتَ جيتلي صغير أوي عنهم ربيتك على أيدي و كنت بحسك حفيدي اكتر منهم علشان هما أنا اعتبرتهم ولادي و اعز الولد ولد الولد يا عمار، ربنا يفرح قلبك"
اقترب منها يقبل رأسها و يحاول جاهدًا كتم دموعه التي أوشكت على النزول و فضح أمره، فيما ربتت هي على ظهره و هي تقول بصوتٍ باكٍ:
اللهم اني استودعتك ابني و قلبه و فرحته فاحفظه بحفظك يا ذا الجلال و المن"
تحدث "ياسين" بلهفةٍ:
طب هنروح إحنا بقى علشان نخلص نفسنا و أنتَ يا عمار اجهز و جهز نفسك و العربية مصطفى هيبعتها لما تتذوق، يلا يا شباب علشان نشوف عيالنا"
رحلوا مع بعضهم و ظل فقط "عبدالرحمن" و "عمار" معًا يستعدان للفرح بينما أمسكت "ميمي" المصحف الشريف تقرأ به و هي تبتسم باتساعٍ.
_________________________
وصلت "خلود" للمكان للمخصص لتزيينها و تجهيزها في الفندق الذي سيقام به الفرح و معها "نـغـم" و "سلمى" اللاتي لم يتركانها بمفردها ذلك اليوم و كذلك سيتم تحضيرهن أيضًا مع العروس.
جلست "خلود" على المقعد أمام المرآة، فاقتربت منها "نـغـم" تحتضنها من الخلف و هي تقول بحماسٍ:
أنا فرحانة أوي علشانك يا خالتو، ألف مبروك يا حبيبتي"
ردت عليها "خلود" بفرحةٍ كبرى:
و أنا كمان فرحانة أوي يا خوخة، ربنا يفرح قلبك و يفرحني بيكي يا رب"
ردت عليهما "سلمى" بمزاحٍ:
البت نغم دي سوسة فرحانة علشان هتكوني جارتها و ساكنة معاهم في نفس الشارع"
ردت عليها "نغم" مسرعةً:
أكيد طبعًا، أنا أصلًا هبات عندها مش هسيبها"
تدخلت "خلود" تقول بحنقٍ:
هو أنا مستنية الواد بقالي ٩ سنين علشان تيجي تباتي عندنا ؟! ممنوع الزيارات و يا بخت من زار و خفف"
ضحكت "سلمى" بملء صوتها فيما رمشت الأخرى ببلاهةٍ ثم قالت بتعجبٍ:
يلهوي !! دا ليه حق جدو طه يقول إن ماما مش بتتكلم"
_________________________
في شقة "خديجة" وقفت في الغرفة تقوم بتجهيز الملابس لصغارها و كذلك "ليلى" أبنة أخيها و ملابس "ياسين" أيضًا.
في الخارج جلس "يزن" و معه "جاسمين" و "ليلى" تجلس معهما تلعب وسطهما بألعابها الصغيرة.
دلف "ياسين" في تلك اللحظة يبحث عنهم جميعًا حتى ركضت له "جاسمين" فحملها على ذراعيه يقبل وجنتها ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
إيه مش واقفة قدام المراية تسرحي شعرك و لا تجربي الفستان و لا قرفانا يعني"
ردت عليه بلهفةٍ:
جدو رياض إنه هييجي ياخدني بهدومي و ألبس مع تيتة هناك و قالي مقولش لحد خالص حتى أنتَ"
حاول كتم ضحكته و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
أجدع حاجة إن محدش يعرف خالص، عارفة كمان !! رغم إنك بت عنيدة و شقية و مطلعة عين أهلي كلهم، إلا إنك بتاخدي حقي من ابويا، روحي يا شيخة قلبي راضي عنك ليوم الدين"
قبلها على وجنته ثم دغدغها في وجنتها بمرحٍ و هي تضحك عليه فخرجت لهم "خديجة" و حينما رأته سألته بلهفةٍ:
أنتَ جيت !! طب كويس أنا محتارة أوي و مش عارفة اختارلك بدلة، هتلبس أنهي"
انزل ابنته ثم اقترب منها يقبل رأسها و قال بنبرةٍ هادئة:
حاضر متقلقيش، تعالي معايا و أهم حاجة العيال دي تجهز الأول علشان نخلص"
حركت رأسها موافقةً فاقترب منه "يزن" يقول بضجرٍ:
أنا عاوز أروح ألبس عند خالو وليد أو عند عمو عامر"
رد عليه "ياسين" ببكاءٍ زائفٍ و طريقةٍ تمثيلية:
ليه يا بني !! عملت فيك إيه علشان تعمل فيا كدا و تختار الاتنين اللي هيقصفوا عمري !! خالك وليد مش فاضي و راح شقته يلبس هناك و عمك عامر مشغول مع جدك فهمي علشان المعازيم، البس هنا و الفرح قضيه معاهم"
سأله "يزن" بلهفةٍ:
طب الفرح فيه رقاصة !!"
ضحكت "جاسمين" بملء صوتها فيما شهقت "خديجة" بفزعٍ و نظر له "ياسين" باهتمامٍ ثم اخفض نفسه لمستواه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
رقاصة !! عرفت منين حوار رقاصة دا ؟!"
رد عليه بخوفٍ:
شوفتها في التلفزيون والله، واحد قال إن مينفعش الفرح من غير رقاصة"
تنفس "ياسين" بعمقٍ ثم نظر لزوجته التي حركت كتفيها بحيرةٍ فيما قال هو بحكمةٍ و تعقلٍ:
بص يا يزن، الرقاصة دي حاجة مش كويسة و عيب، و احنا ناس محترمة مش هينفع نجيب حاجة عيب، ثانيًا بقى مش كل الافراح فيها رقاصة، الافراح الوحشة بس دي اللي فيها كدا، انما الافراح الحلوة بتاعتنا دي مش فيها كدا، فهمت ؟! علشان أنا بحبك بقى بلاش تجيب السيرة دي تاني، أنا بحبك و مش عاوز أزعل منك"
حرك رأسه موافقًا فقبله "ياسين" ثم ابتسم له يطمئنه ثم اقترب من "ليلى" يحملها على يده و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
أحلى حاجة انهم سابوكي هنا، طالعة لأبوكي من كوكب زمردة برضه"
ضحكوا عليه جميعًا فقالت "خديجة" بمرحٍ:
خلود صممت إن سلمى تكون معاها و نغم، قولت طالما ليلى مرتبطة بينا أخدها أنا و ألبسها"
حرك رأسه موافقًا ثم ترك الصغيرة مع أولاده و دلف الغرفة و "خديجة" خلفه.
وقف أمام خزانته يحاول الوصول لاختيار حلةٍ مناسبة، فاقتربت "خديجة" من الخزانة تخرج له الحلة السوداء بقميصها الاسود ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
بحبها عليك أوي، كل مرة بشوفك لابسها بحس أني بحبك من تاني فيها"
ابتسم هو لها ثم اقترب منها يقول بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مُبتسمٍ:
دا إيه الروقان دا كله ؟! راضية عني النهاردة يعني ؟!"
ردت عليه هي بسرعةٍ كبرى:
أنا راضية عنك علطول، العيال بس بيعصبوني و بيخلوني اعيط و مطلعين عين نغم معهم و هي علطول بتساعدني، هي صغيرة برضه"
رد عليها بتفهمٍ:
عارف بس أنا لو شايف إنك بتيجي عليها هعرفك، بالعكس أنا شايفكم اتنين صحاب بتشاركوا بعض كل حاجة و مبسوط بيكم، أنا لو شايف غلط هعرفك"
ابتسمت هي براحةٍ بعد حديثه فقال هو بنبرةٍ هامسة:
وحشتيني على فكرة، العيال دول خدوكي مني و أنا مش مسامح"
ردت عليه هي بحنقٍ:
هما عيالي لوحدي ؟! عيالنا سوا على فكرة بس هما مرتبطين بيا ارتباط غريب"
ابتسم هو ثم قال بمرحٍ:
امهم خديجة !! اللي جابت ياسين الشيخ مكفي على وشه في حبها و بقت عينيها دنيته كلها ميرتبطوش بيها ؟! تيجي ازاي يا ست الكل ؟!"
حركت كتفيها بحيرةٍ فيما ضمها هو له ثم قال بهدوء:
طبيعي لما يلاقوا حنية الدنيا كلها عندك هنا و يلاقوا أم مصحباهم و كأنها من سنهم و مشجعاهم دايمًا، طبيعي تكوني كل حاجة ليهم كدا، أنا مكدبتش لما قولت إنك بنتي الأولى، علشان دي الحقيقة، هتفضلي أنتِ أول فرحتي"
ضحكت هي بفرحةٍ كبرى تشكلت على مُحياها فيما قال هو بصوته الرخيم:
و كَأنكِ سِنةُ نومٍ أتت من بعد تعب الليل و السَهرِ، أو كأنكِ ضوءٍ وَهاج أضاء حياتي كما ضوء القمرِ"
ابتعدت عنه تطالعه بدهشةٍ فيما غمز هو لها ثم قال بنبرةٍ مرحة كعادته حينما يغازلها:
خلاص يا ست الكل طالما سكتي يبقى كدا اتثبتي"
احتضنته هي بسرعةٍ كبرى ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ من فرحتها:
أنا بحبك أوي والله و الله"
مسد هو على ظهرها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
و أنا والله كمان بحبك أوي و محظوظ بيكي أوي و أرزاق الدنيا كلها لو خدتهم ٢٤ قيراط، أنتِ ٢٤ قيراط رزق تانيين فوق رزقي".
_________________________
وقف "وليد" أمام المرآة في غرفته و على طرفيه ولديه كلٍ منهما يرتدي حلته الرمادية مثلما يرتدي "وليد" أيضًا و لكن الفرق أنه قميصه باللون الأسود بينما هما باللون الأبيض.
حاول "زياد" ضبط رابطة عنقه حتى تذمر و شعر بالضيق فزفر بقوةٍ ثم رماها من يده، التفت له "وليد" يجلس على المقعد ثم امسكه يوقفه أمامه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أهم حاجة إنك تبطل عصبية علشان تقدر توصل للي أنتَ عاوزه، عصبيتك و نرفزتك دليل على إنك ضعيف الشخصية"
نظر له "زياد" منصتًا بالكامل فيما قام "وليد" بوضع رابطة العنق لابنه ثم قام بالاتمام على هيئته ثم ابتسم و غمز له ثم قال بمرحٍ:
ظبطت أهو يا نجم"
التفت "زياد" ينظر في المرآة ثم ابتسم بفرحةٍ كبرى فاقترب "مازن" من "وليد" يقول مسرعًا:
و أنا كمان يا بابا علشان مش عارف"
حرك رأسه موافقًا ثم قام بتكرير الكرة من جديد مع ابنه الأخر ثم غمز له و قال بمشاكسىةٍ:
ظبطت يا نجم أهوه أي خدمة"
اقترب منه "مازن" يقول بنبرةٍ هادئة:
عارف، رغم أني بحب ماما و علطول متعلق بيها بس برضه أنا بحبك اوي علشان أنتَ صاحبنا، عندي واحد صاحبي في المدرسة لما شافك قالي إنه عاوز باباه يكون زيك، أنا بحبك أوي يا وليد، أنت أحسن صاحب في الدنيا كلها"
احتضنه "وليد" بلهفةٍ يتشبث به و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
هو أنا يعني ليا غيركم يا مازن ؟! انتم أهلي و صحابي و دنيتي كلها هنا معاكم"
اقترب "زياد" يقول بثباتٍ:
بس دي الحقيقة بجد، أنتَ مفيش منك و رغم إنك ساعات بتتعصب بس برضه احنا صحاب و لو حد فينا عاوز حاجة بيقولك، أنا على فكرة مش بخاف منك"
_"هفأ يعني يابن الهبلة !!"
سأله "وليد" بسخريةٍ بعد جملته فيما رد عليه "مازن" بنبرةٍ ضاحكة:
لأ بس أنتَ مش بتضربنا و لما بتزعل مننا إحنا بنزعل، علشان كدا بنحاول نكون محترمين بس صعب والله"
ضحك "وليد" رغمًا عنه فيما قال"زياد" بهدوء والده:
أنتَ شاطر على فكرة علشان خلتنا نخاف على زعلك أكتر من خوفنا منك، لو أنتَ زعلت مني أنا بتعب، علشان كدا بحبك"
فتح "وليد" ذراعه الاخر له فارتمى "زياد" عليه حتى أصبح كليهما بين ذراعيه فقال هو بصوتٍ متحشرجٍ:
أنا ممكن أحط الدنيا كلها في كفة و اللي بحبهم في كفة، بس كأي أب غصب عني هجيب ميزان ليكم لوحدكم علشان كَفتكم تطب، شكرًا على كلامكم و انكم رجالة قد المسئولية"
فتح باب الغرفة في تلك اللحظة و طلت منه "عبلة" و هي تبتسم بسعادةٍ بالغة بعدما ارتدت فستانها الفضي، و حينما رأتهم بذلك الوضع قالت بحقدٍ زائفٍ:
هتفضلوا عالم ندلة و الله العظيم، طول النهار مطلعين عيني و مرة واحدة تحضنوا بعض من غيري، متعرفونيش غير في الخناق بس !!"
ابتعد عنهما "وليد" ثم اقترب منها يمسك كفها ثم ادارها حول نفسها و هو يطلق صفيرًا متناغمًا حتى أصبحت مواجهةً له فقال هو بصوته الرخيم:
دي مش سوبيا بس، دي قشطة كمان....زي القمر يا سوبيا"
ابتسمت هي له ثم أشارت بعينيها نحو ابنائها، فقال هو براحةٍ في حديثه:
و ماله هما عارفين إن ابوهم سافل و دي حاجة مش جديدة"
ضحكت هي بملء صوتها فاقترب منهما "مازن" يمسك الهاتف ثم وقف على المقعد و هو يقول بلهفةٍ:
يلا علشان نتصور كلنا سوا، بسرعة يلا"
وقف "وليد" يضم "عبلة" له فيما اقترب "زياد" يقف بجوار أخيه حتى يتم التقاط الصورة لهم سويًا و البسمة الصافية تشق وجوههم.
_________________________
بعد مرور بعض الوقت بدأ البقية بالتجهز للذهاب لمكان الفرح و كلٍ منهم بذويه و أسرته.
ارتدى "طارق" حلته و تجهز تمامًا ثم دلف غرفة فتياته فوجد "جميلة" تقوم بضبط خمارها بعدما انهت ملابس الفتيات، وجه "طارق" رأسه نحو الفتيات و هو يبتسم باتساعٍ و كأنهن زهورٍ متفتحة حيث ارتدين فساتين باللون الأبيض و فوق رأس كلٍ منهن طوق ياسمين باللون الأبيض أيضًا يزين رأسهن و مقدمة خصلات شعرهن، اقترب منهن يقبل كلٍ منهن على حدة ثم قال بفرحةٍ كبرى:
حبايب عيون طارق و روح قلبه، شكلكم زي القمر عقبال فساتين الفرح يا رب"
ردت عليه "جميلة" بلهفةٍ:
يا رب يا طارق، نفسي أخلص و أنام و أرتاح"
ضحك هو عليها ثم اقترب منها يقبل رأسها ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
طب بالله عليكِ دول حد يزهق منهم، دول مخليين الشقة جَنة"
_"قصدك حِنة !! دول عاملينها فرح و مهرجان، اسكت بالله عليك"
ردت عليه هي بذلك حتى ارتفع صوت ضحكاته ثم قال بقلة حيلة:
ما هما أطفال و مش هقدر اخنقهم بصراحة، خليهم و إن شاء الله بكرة يعقلوا و يكبروا"
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة فيما اقترب هو من أصغرهن يحملها على يده ثم أشار لهن بالتحرك خلفه حتى وصلوا أمام باب الشقة و نزلوا منها فقابلوا "وئام" بأسرته في الأسفل و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
حبايب قلب عمو وئام إيه القمرات دول ؟! شكلي كدا هاخد منكم واحدة للواد علي"
وصله صوته يقول من على الدرج:
هنخش على شغل بعض يا عمي ولا إيه ؟! كلهم عارفين إن خالو طارق حمايا إن شاء الله، صحيح لسه محددتش أنهي واحدة، بس إن شاء الله هختار"
ضحكوا جميعهم فيما رفع "طارق" صوته و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
يا بني هزعلك !! دا أنتَ رخم رخامة يلا !! هموت و أضربك"
_"بعد الشر عنك يا خالو يا حبيبي، إن شاء الله عدوينك"
_"طب و ليه يا زياد تدعي على نفسك كدا ؟؟!"
هكذا دار الحوار بينهما وسط ضحكات البقية حتى نزل "وليد" و "عبلة" و "مازن" خلفهما.
في الأسفل رفع "حسن" صوته و هو يقول بنبرةٍ عالية:
يلا يا عيلة باردة خلصوا، كانت شورى هباب انكم تسكنوا مع بعض"
نزلوا له خلف بعضهم فقال "وليد" مسرعًا:
طب أنا هاخد عبلة و زياد و مازن و علي و فارس معايا، و حسن ياخد وئام و هدى و سيلينا و فاطيما مع بعض و طارق مع مراته و بناته، كدا محلولة اهوه"
ردت عليه "فاطيما" بلهفةٍ:
أنا عاوزة أروح مع عمو طارق و رؤى، سيلينا صغيرة"
قالت "هدير" بفرحةٍ:
أحسن والله، مع السلامة يلا"
ركضت "فاطيما" نحو الفتيات تقف بجوارهن فيما تحرك البقية كما قسمهم "وليد" يتجهون نحو القاعة.
_________________________
أنهى "ياسين" ارتداء حلته السوداء و كذلك "خديجة" بعدما أنهت الاتمام على مظهر الأطفال ارتدت فستانها الذي اختاره هو لها كعادته في كل مناسبةٍ تمر عليهما.
اقتربت منه تقف بجواره و هي تبتسم بنبرةٍ هادئة فالتفت هو لها بوجهه المبتسم يقول بمشاكسىةٍ:
أحببتُ مليحةً وجهها مثل القمر، سلبت مني عينيها النوم و عرفتُ السَهر"
و كعادته أضاف بمرحٍ:
خلاص يا ست الكل طالما سكتي يبقى كدا اتثبتي"
ضحكت هي بصوتٍ عالٍ ثم قالت بنبرةٍ لازال بها أثر ضحكاتها:
مرتين ورا بعض في نفس اليوم ؟! كدا كتير يا مهلبية"
ضحك هو الأخر ثم قال ساخرًا:
ما أنا الخير و البركة برضه مش أي حد"
بعد مرور دقائق خرجا سويًا للخارج ثم نزلوا جميعهم مع الصغار يقفون مع البقية في الأسفل فقال "عامر" مسرعًا:
يا جدعان اتأخرنا عمار قرب يوصل هناك، يلا بقى"
رد عليه "خالد" بقلة حيلة:
يا عم وصلنا كلنا اهوه، ناقص ياسر بس و قرب يوصل خلاص"
في الأعلى في شقة "ياسر" كان واقفًا في المنتصف و بجانبه "زين" و "زينة" تتشبث بذراعه، رفع هو صوته:
يا إيمان يلا هنتأخر، انجزي"
ركضت هي من الداخل تقترب منهم ثم قالت بحماسٍ:
خلصت يا ياسوري اهوه"
ابتسم هو لها فسألتهم هي بلهفة
بقولكم إيه ؟! شكلي حلو ؟؛"
رد عليها "زين" بفرحةٍ:
قمر يا ماما، شكلك حلو و الفستان عليكِ زي القمر"
أرسلت له قبله في الهواء ثم سألت ابنتها بتهكمٍ:
و أنتِ يا ضرتي ؟ إيه رأيك ؟!"
اقتربت منها "زينة" تقول بحماسٍ:
زي القمر يا ماما طبعًا، هو حد يقدر يقول حاجة ؟! بس ياسوري أحلى"
قالتها باستفزازٍ و هي تثير حنق والدتها التي صرخت في وجهها بقولها:
بـــت !! احترمي نفسك ؟! دا ياسوري أنا يا حبيبتي"
راقصت لها حاجبيها ثم اقتربت من أخيها تتمسك بذراعه و تسحبه معها نحو الباب فيما اقترب "ياسر" منها يمسك كفيها المتكورين نتيجة غيظها ثم قال متوسلًا لها:
علشان خاطري هدي نفسك دي بنتك برضه، معلش"
ردت عليه هي بهمسٍ حانق:
هموتها يا ياسر، البت بتتفنن إزاي تقهرني"
حاول كتم ضحكته ثم قبل رأسها يحاول تهدئتها ثم أمسك يدها و نزل خلف أبنائه.
في الأسفل وقف "عمر" بجوار "يزن" يرتدي كلٍ منهما حلةٍ تتناسب مع حلة والده أو بالأحق الشباب من طرف "عمار" يرتدون حلةٍ سوداء و الشباب من طرف العروس يرتدونها باللون الرمادي.
اقتربت "زينة" و معها أخيها منهم تسلم عليهم ثم اقتربت من "يُسر" تقف بجوارها، فقال "عمر" بسخريةٍ لأبيه:
قولي يا بابا هما كل اللي عنيهم زرقا حلوين كدا زي عمو ياسر و زين ؟! و لا فيه ناس أحلى"
تدخل "خالد" يقول بنبرةٍ جامدة:
الأحلى و أحلى الجزمة على دماغك يا عموري، لم نفسك ياض"
ضحكوا جيمعًا فيما نزل "ياسر" بزوجته و بعدها رحلوا جميعًا كلٍ منهم بسيارته و أسرته.
_________________________
وصل "عمار" في سيارته التي قادها "عبدالرحمن" و هو يطلق الموسيقى من السيارة فرحًا برفيق دربه، ثم نزلا سويًا من السيارة و قد ركض له "عبدالرحمن" يتمم على هيئته ثم قال بصوتٍ ضاحك:
يلا يا بطل، و أنا هروح أجيب مريم من الكوافير و أجيلك"
قبل أن يرحل "عبدالرحمن" قال "عمار" بامتنانٍ له:
ربنا يديم وجودك ليا يا عبدالرحمن، و عقبال فرحك"
حرك رأسه موافقًا ثم هرب منه قبل أن يخيم عليهما التأثر و يفسد لحظتهما، بينما "عمار" دلف للداخل ينتظر البقية حتى يأخذ عروسته.
دقائق قليلة مرت و البقية وصلوا بأفراد العائلة جميعهم بوالديه و "ميمي" مع "رياض".
وقفوا يلتقطون الصور في الخارج حتى تأتي لحظة ظهور العروس، و قد وصل "عبدالرحمن" و "مريم" معه.
صعد "وليد" و "أحمد" معًا و "طه" نحو الأعلى حيث غرفة "خلود" و قد طرق "طـه" الباب و دلف الغرفة اولًا فوجدها تنتظرهم و هي تبتسم بسعادةٍ بالغة فاقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال بتأثرٍ:
زي القمر يا حبيبة يا بابا، أحلى عروسة تشوفها العين"
احتضنته بسعادةٍ ثم قالت بحماسٍ:
أنتَ حبيب قلبي و روحي يا طه، ربنا يخليك ليا يا رب"
اقترب منها "وليد" يقول بحماسٍ:
طلعتي قمر يا سوسة، إيه العسل دا كله ؟! يا بخت الواد عمار بيكِ"
ابتعدت عن والدها ثم اقتربت من "وليد" تسأله بنفس اللهفة:
حبيب قلبي يا ليدو، بقولك إيه شكلي حلو في الفستان الأبيض ؟!"
اقترب منها يمسك وجهها بين كفيه ثم قال بحبٍ لها:
زي القمر و كأنك بدر في تمامه، يلا بس علشان الواد مستني"
آبتسمت له حتى اقترب "أحمد" منها يقول بصوتٍ ضاحك يحاول اخفاء تأثره:
شكلك زي القمر و منور في السما، مش قادر اخفي فرحتي بيكي والله، كبرتي و بقيتي عروسة العين تتشرف بيها"
ابتسمت هي له ثم ارتمت عليه و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
أنتَ روح قلبي و حبيبي، و صاحبي و كل حاجة ليا، شكرًا لوجودك معايا و آسفة على كل حاجة عملتها زعلتك مني في يوم، أنتَ عارفني شقية"
قبل رأسها ثم بعاطفةٍ أخوية:
على قلبي زي العسل، أنا و قلبي مرحبين بدلالك علينا"
ابتسمت بمرحٍ فسألتهم "نغم" مسرعةٍ:
طب و أنا يا خالو ؟! شكلي حلو ؟!"
اقترب منها "وليد" يقبل رأسها ثم ضبط وضع التاج فوق رأسها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنتِ أميرة و الأميرات بيلبسوا تاج و أنتِ أحلى أميرة في الدنيا كلها يا نـغـم"
صفقت بحماسٍ فيما حملها "طـه" على ذراعيه يقول بحبٍ بالغٍ لها:
حبيبة قلب جدو و روح قلبه، هو فيه أحلى من كدا ؟! بس متقوليش لجاسمين"
تدخل "وليد" يقول بسخريةٍ:
طبعًا بتتكلم بقلب جامد، أصل لو دي جاسمين كان زمان الخبر متذاع في إذاعة الشرق الأوسط"
ضحك الجميع فيما قالت "سلمى" بنبرةٍ ضاحكة:
خليكم ظالمينها كدا رغم أنها معملتش حاجة، يدوبك عرفت مصر كلها أني حامل بس و هجيب نونو"
بعد مرور دقائق قليلة نزل "طه" يمسك يد "خلود" و ينزل بها درجات السُلم و قدر ارتفع صوت الزغاريد من الأسفل فور ظهورها بينما "عمار" استعد لتلك اللحظة و وقف يبتسم بعينيه قبل فمه و كأنه يرى أحلامه تركض إليه.
اقترب منه "طه" بالفتاة ثم قال بوجهٍ مُبتسمٍ:
الأمانة وصلتك أهو و ضلعك بقى معاك، حافظ على ضلعك من الكسر، بدل ما أنتَ شايف كدا فيه كتير ياخدوا حقها"
رد عليه "عمار" بوجهٍ مُبتسمٍ و عينيه تتابعها بشغفٍ:
قال رسول الله ﷺ :
إنما النساءُ شقائقُ الرجال،
ما أكرمهنَّ إلا كريم، وما أهانهنَّ إلا لئيم"
_صدق رسول الله ﷺ
ابتسموا له جميعًا فيما أضاف هو مُكملًا حديثه السابق:
و أنا مش لئيم متخافش، أنا كريم أوي و بشهادة الكل، و بعدين فيه واحد يضيع أحلامه من أيده بعد ما بقت ليه يا عم طه ؟!"
صفق له الشباب جيمعهم، فربت "طـه" على كتفه ثم قال بتأثرٍ:
أنتَ خيرة الشباب و زينة الرجال كلهم، يسلموا اللي ربوك يا عمار"
أعطاها له "طـه" و قبل أن يقترب منها "عمار" قال "وليد" مسرعًا بلهفةٍ:
أنا لما سلمت خديجة لياسين قولتله أني بحط عمري كله بين ايديه و هو مطلوب منه يحافظ على عمري دا، دلوقتي أنا بسلمك حتة من روحي علشان تصونها، و أنا عارف إنك قد كدا و أكتر بكتير، بس خلود طول عمرها في ضهري و عمرنا ما فارقنا بعض في الوحش قبل الحلو كمان".
قال "عمار" يطمئنه بحديثه:
المكان في القلب محفوظ من سنين، و مكانها تتحط في العين"
انتشرت الزغاريد بصوتٍ عالٍ فيما مالت تقول بنبرةٍ هامسة:
عارف لو طلعت بتحور أنا هعمل فيك إيه ؟! أنا قررت أثق فيك"
نظر لها بتعجبٍ ثم قال ببرودٍ:
هو أنا مقولتلكيش ؟! مش أنا بحور عليكِ يا خوخة ؟!"
ردت عليه هي بثقةٍ:
متجيش دي يا عمار، دا أنا دارسة قانون، يعني و أنتَ بتحور عليا، محسوبتك اتعلمت تحور على الحكومة ذات نفسها"
ضحك هو بصوتٍ عالٍ و هي تتابعه حتى ضحكت معه هي الأخرى ثم تحركا نحو الخارج حتى يتم التقاط الصور لهما سويًا.
بعد ذلك دلفوا جيمعًا للقاعة بعدما دلف البقية قبلهما، و فور دخولهما زادت البهجة و قلت الإضاءة و اشتعلت النيران الصناعية ذات الشرارة العالية و صيحات البقية ترحيبًا بهما، حتى وقف معها يضع كفه في كفها يرقصان سويًا بهدوءٍ على نغماتٍ هادئة.
سألها هو بسخريةٍ:
مالك ؟! مش دي الرقصة اللي كان نفسك فيها ؟! عملنا فرح اهو"
ردت عليه هي بحنقٍ:
هو أنتَ ماكنتش عاوزنا نعمل فرح ؟! دي ليلة العمر"
رد عليها بقلة حيلة:
مبحبش الأفراح بصراحة، بس علشان مش هاين عليا زعلك"
حركت رأسها موافقةً فقال هو بمشاكسىةٍ:
بس أقولك ؟! أنتِ كل شوية بتزيدي حلاوة و جمال اللهم بارك، حاجة كدا زي طابع قديم كل ما الوقت عليه يعدي يزيد جمال"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
عمار لو سمحت اسكت علشان ممكن أبوسك عادي، أنا ورايا تلقائية تودي في ٦٠ داهية"
أدارها هو بكفه عند نهاية اللحن فيما انتهت الاغنية ثم تحركت هي تجلس على المقعد المخصص لها بينما "عمار" وجد الشباب يقتربون منه و هم يصفقون و أولهم "عمر" ابن أخيه فضحك هو لهم ثم رقص معهم على الأغنيات الشعبية بصخبٍ و حماسٍ حتى قلت الإضاءة مرةً أخرىٰ و كذلك اختفت الموسيقى، فيما قال "عامر" في مكبر الصوت:
معلش بقى أنا عارف أني بزهقكم كدا كل فرح، استحملوني....المهم النهاردة أنا مش هبالغ لو قولت إن قلبي بيتحرك من مكانه، فرحتي بعمار تخليني أعمل أي حاجة دلوقتي، عمار أخويا صحيح، بس مقامه عندي أكبر من كدا، هو ابني مش مجرد أخ، فخور بيه و بحياته الجميلة و بصبره و يمكن أكتر خير عملته في حياتي هو أني أنا و أخواتي ربينا عمار سوا، أنا عامل فيديو هدية كدا لعموري قلب عامر و إن شاء الله يعبر لو بجزء بسيط عن فرحتي بيه".
كان "عمار" واقفًا ببلاهةٍ عينيه تبتسم و فمه مطبق على بعضه حتى بدأ الفيديو بصورهما في الصغر منذ ولادة "عمار" و وجود"عامر" بجانبه في كل أوقات حياته على الكلمات الآتية:
في لحظة عايزة اللي يسند ميلك و يسند يشيلك في وسط زحمة حياته يسبق يجيلك....يوصل في ثانية...يسبق بخطوة....يحميك بقوة....ملكش إلا هو.....في حياتنا ناس هما الأساس حبيبي شكرًا من هنا لبكرة..."
كانت الأغنية تدور مع صورهما في الصغر و كذلك صور الشباب معهم في الصغر منذ تعارفهم على بعضهم حتى اكتملت:
في حياتنا ناس هما الاساس ثابتين معانا مهما إيه يجرى....في حياتنا ناس هما الاساس حبيبي شكرًا من هنا لبكرة"
اقترب منه "عمار" يحتضنه و هو يشدد عناقه له فقال "عامر" بصوتٍ دافيء حنون:
من صغرنا سوا و كبرنا سوا، بس برضه لسه شايفك عمار اللي شيلته على أيدي و ربيته و كبرته"
اقترب منه "عمار" يقبل رأسه فيما قال "عامر" في مكبر الصوت:
يلا يا عمار علشان اشيلك على كتفي زي ما بشيلك في صغرك"
رد عليه "عمار" مسرعًا:
تقيل عليك بلاش يا عامر"
ابتسم له الأخر و هو يقول:
ياريت كل تقل الدنيا بخفة وجودك على ضهري يا عمار"
قال جملته ثم اقترب من أخيه حتى ركب "عمار" على كتفيه فوقف به "عامر" في المنتصف وسط البقية و الشباب حولهما يرقصون معًا بالأطفال الصغار وسطهم.
انتهت تلك الرقصة بمرحها و فرحة الجميع و فرحة "سيدة" بأبنائها ثم بدأت الفقرة المحببة لقلوب الجميع و هي رقصة الشباب مع بعضهم على اغنيتهم المعتادة منذ سنواتٍ و لكن إذا كان الموقف في كل مرةٍ يبهج الأنظار، ففي تلك المرة ابهج القلوب حيث قام الصبية الصغار بصنع الدائرة نفسها كما الكبار الذين حاوطوهم بدائرتهم يرقصون جميعهم على الكلمات الآتية:
صاحبي اللي كتفه في كتفي بيخليني متطمن، عارفه هيفضل جنبي مهما لقاني بتطمن....و مش من دمي و لا أبويا ولا عمي لكنه أختار يكون جــنــبي...."
كما المعتاد منذ أن اقترنت عائلة "الرشيد" بعائلة الشيخ و كأنها اقترنت بالفرح معها، لم تكن مجرد ليلة عادية تمر مرور الكرام إنما ليلة في مجملها تكتب ضمن أجمل ليالي العمر.
_________________________
انتهى الفرح بسلامٍ و بعد التحرك على الطريق بالسيارات و عمل زفة أخرى للعروسين تليق بهما و بعددهما، بعدها توجهوا نحو مسكن العروسين، فقام "عامر" برفع الموسيقى من السيارات و اقتربت الطبول منهم تعزف وسط الشارع و قد سحبوا "عمار" معهم يرقص مع أبيه و رجال العائلة بالعصا و شاركه الشباب و الصغار معًا حتى قال "يزن" يثير غيظ البقية:
خالتو خلود بقت ساكنة عندنا، هقعد معاها كل يوم و انتم لأ"
نظر له "علي" بغيظٍ ثم قال موجهًا حديثه لـ "فارس" بغموضٍ:
بقولك يا فارس، مش فيه عيال صغيرة ممكن تتوه بعد الفرح عادي ؟! تعالى نحبسه و نقولهم تاه مننا"
رد عليه "يزن" مسرعًا:
هقول لخالو وليد و مازن و زياد، والله لأخليه يضربكم علشاني"
بعد مرور دقائق صعد "عمار" بزوجته شقتهما بعد توديع البقية و رحيلهم، كانت هي تبتسم بسعادةٍ بالغة لم تصدق أنها معه في مسكنهما سويًا، فيما قال هو بصوتٍ رخيم:
مش مصدقة صح ؟! أنا كنت زيك هنا كدا، لحد ما جيت الصبح أحضر مفاجأة حلوة علشانك و قولت يبقى ترحيبًا بكِ"
عقدت ما بين حاجبيها فيما سحبها هو نحو الداخل في غرفة من الغرفة المخصصة للجلوس، ثم فتح الاضاءة و أشار لها بالتقدم، دلفت بتوترٍ من حماسه حتى شهقت بفرحةٍ كبرى حينما وجدته صمم الغرفة في بيته كما المسجد الصغير، وضع الإضاءة الخافتة و المصحف على حامله المعدني و كتب الاذكار بجوارها
اقترب منها يقف خلفها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
دا مسجد زي اللي كنت عمله في أوضتي، كنت كل يوم بقف أصلي قيام الليل علشان ادعي و في كل مرة الدعوة إنك تكوني معايا، النهاردة برضه هصلي ركعتين شكر لله و هصلي قيام الليل بس و أنا معايا استجابة الدعوة اللي كنت بدعي بيها كل يوم"
احتضنته هي بسعادةٍ بالغة ثم قالت بحماسٍ:
أنا بحبك أوي يا عمار مش خسارة فيك تسع سنين استناك فيهم، طلعت قد القول"
ضحك هو بسعادةٍ ثم قال بقلة حيلة:
دي كانت فترة مآساة والله و قربك مني هو دا اللي هيعافيني، و دلوقتي بقى أنا اتعافيت بقربك من كل حاجة يا خلود"
وضعت النهاية لرحلةٍ طويلة كتب علينا السير فيها معًا لنكتشف ما هو في الاعماق كما الكنز المختبأ في أعماق البحار، لقد مر أبطالنا بالكثير و الكثير حتى تعافوا تمامًا من الحياة فأتمنى لكَ عزيزي القاريء التعافي من أي شيءٍ قد يعكر صفو حياتك.
إن كنت ساهمت لو بقليلٍ في إدخال السعادة أو الاطمئنان لقلوبكم فتذكروني بالخير و إن كنت تسببت لأيٍ منكم في الاحساس بمشاعر سيئة، فأنا أطلب منكم العفو و الرجاء تذكروني بالخير.
********************