تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثاني» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول الفصل الأول" رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني" ___________ ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب __________ قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد. كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي ا...
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم شمس بكري
"
أعِنّى عَلىّ فإنّى عَدوّي و أنتّ عَليمُ بكُلّ الخَفايا"
_________________________
"لربما يُكتَب لنا يومٌ نلمس به أحلامنا و تتحقق أمانينا، و ربما نجد كلماتٍ نلحنها و نصنع أغانينا، فياليت ما جال بخاطري تحقق و ياليت الورد ظل في أراضينا، و ياليت وقف الزمن عند لحظةً كانت أحن علينا من أنفسنا، ياليت وقفنا عند ماضينا."
صدمةٌ حُلت على الجميع و خصوصًا "محمد" بعد حديث شقيقه الكبير عن عقد قران صغيرته في هذا اليوم ؟! عقد قران !! هكذا فكر "محمد" بعد حديث شقيقه، لذلك هب منتفضًا و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
"نــعــم !! كتب كتاب إيه دا ؟!"
رد عليه "وليد" بثباتٍ:
"كتب كتاب أحمد على سلمى بنتك، دا وعد بيننا و مُلزم تنفذه يا عمي، و رجالة العيلة كلها أهيه حاضرة و شاهدة"
قبل أن يتفوه "محمد" من جديد تحدث "محمود" بقوله آمرًا:
"اسمع يا محمد !! كلمة الرجالة بتكون سيف على الكل، أنا لو شايف إن أحمد ميستاهلش سلمى مستحيل اسانده أو أوافق في حاجة زي دي، اسمحلي بكلمتين مع أخوك الكبير على جنب ؟!"
طلب منها بكل هدوءٍ أن يتحدثا سويًا على انفرادٍ بينهما حتى هز "محمد" رأسه موافقًا بعدما نظر في وجه "أحمد" الذي طالعه بأملٍ و توسلٍ.
فتحدث "محمود" موجهًا حديثه للأخر بقوله الثابت:
"تعالى يا وليد معانا، عاوزك"
تحركا سويًا نحو غرفة من الغرف الموجودة بالشقة و لحقهما "محمد"، فتحدث "محمود" بنبرةٍ هادئة ممتزجة بالثبات يقول:
"بص يا محمد !! أحمد لما طلب منك سلمى أنتَ شَرط شرطين، أولهم إن سلمى تركز في مذاكرتها و تدخل صيدلة، و التاني إن أحمد يراعي ربنا فيها و ميقربش منها و لا حتى يخلف بوعده و الواد وفى بوعده و زيادة !!"
طالعه "محمد" بنظرةٍ جامدة فتدخل "وليد" يقول مُسرعًا بلهفةٍ يلحق عمه قبل أن يتحول من جديد:
"بص يا عمي ؟! أنا لو عارف إني بظلم سلمى أو بظلمك أنتَ نفسك أنا مستحيل أخد خطوة واحدة في موضوع زي دا، بس تقدر تقولي الخطوبة لازمتها إيه ؟! و لا ليها فايدة، الخطوبة معمولة علشان الاتنين يعرفوا بعض، و أظن أحمد و سلمى كتابين مفتوحين قصاد بعض، لو مصمم على الخطوبة و مش عاوز كتب كتاب يبقى براحتك عادي، بس خليك عارف إنك كدا هتشيل ذنبهم، أحمد بقاله أكتر من سنة ساكت و مش بيتكلم، و مراعي ربنا في غيابك قبل حضورك، وافق يا عمي و فرح قلبهم"
زفر "محمد" بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة و غُلبٍ:
"وليد ؟؟ دا كتب كتاب مش هزار، بنتي لو حصلها حاجة هتبقى مطلقة ؟! أنتَ مستوعب؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
"عارف يعني إيه، بس الكلام دا لو إحنا منعرفش أحمد مين، جرب كدا تقول إن سلمى هتكون لواحد تاني و ساعتها أنتَ بنفسك هتشوف أحمد و سلمى حالتهم هتبقى إيه، وافق الله يرضى عليك"
_________________________
في الخارج ساد التوتر و خيم على الجميع و كأن ذلك اليوم خُلق فقط ليوترهم جميعًا مرورًا بالنتيجة منذ الصباح و حتى تلك اللحظة و موضوع عقد القران، جلس "أحمد" مقابلًا لها يسألها بتوترٍ:
"بصرف النظر عن اللي بيحصل جوة يا سلمى، أنا بس عاوز أعرف رأيك أنتِ، موافقة على حاجة زي دي ؟! موافقة إنك الليلة دي تكوني على اسمي ؟! و الله العظيم لو مش موافقة أنا مش هزعل و هسيبك براحتك، أنتِ موافقة ؟؟"
سألها بنبرةٍ متوسلة يرجوها أن تطمئنه حتى تنهدت بعمقٍ و قال بصوتٍ مبحوحٍ:
"أنا مش عاوزة غير اليوم دا يا أحمد، صدقني أنا معاك في أي حاجة"
في تلك اللحظة خرج "محمود" و "وليد" بتعبيرات وجهٍ خالية لم يستدل منها على شيءٍ و خلفهما "محمد"، نظروا جميعًا له بخوفٍ و ترقبٍ و وقف "أحمد" بجسدٍ يرتعش خوفًا من القادم، فتحدث "محمد" أمرًا ابنته بنبرةٍ جامدة:
"قومي يا بت أطلعي فوق يالا"
نظروا لبعضهم البعض بخوفٍ و ترقبٍ و خاصةً "سلمى" التي سارت القشعريرة في جسدها فقال والدها بتهكمٍ:
"عاوزة تتجوزي و أنتِ لسه حتى معتبتيش الجامعة ؟! اطلعي ياختي"
تحدث "مرتضى" بسخريةٍ:
"شوف مين بيتكلم ؟! مش الأستاذ برضه خطب مراته و هي في تالتة دبلوم ؟! و لا إحنا بنتبلى عليك ؟! آه نسيت.... كانت في تانية لسه"
حاولوا جاهدين كتم ضحكتهم لكن دون جدوى خرجت الضحكة منهم جميعًا، و حينها رمق "محمد" أخيه بسخطٍ و هو يقول:
"هو أنتَ إيه يا جدع ؟! مبتسترش ؟! على أساس إنك كنت محترم أوي في خطوبتك؟"
رد عليه "مرتضى" بتبجحٍ و وقاحة:
"يا سلام !! هو أنا كنت قولت أني شيخ جامع ؟! أنا قدام أخوها بوست أيدها و أنا خاطبها قدام أخوها نفسه، أخلاقي متسمحليش أني أعمل حاجة من وراهم"
قبل أن ينطق "محمد" مُحتجًا على حديث أخيه تدخل "طـه" يقول بضجرٍ منهما:
"بــس بقى أنتَ و هو !! إيه الفضايح دي ؟! خلصونا !!"
زفر "محمد" بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة يشوبها بعضٍ من اللين:
"يلا يا بت أطلعي فوق جهزي نفسك، كتب كتابك بعد العِشا"
انطلقت زغرودة من فم "إيمان" و "زينب" في آنٍ واحدٍ فرحةً بهما، فيما تحرك "أحمد" نحو عمه يحتضنه بحماسٍ و هو يهلل حتى عانقه عمه برضا و قلة حيلة.
أما "وليد" فاقترب من الشباب يقول بثقةٍ و ثباتٍ:
"إيه رأيكم يا سكر أنتَ و هو ؟! ها ؟! أنفع و لا لأ ؟!"
تحدث "حسن" بتعجبٍ يمتزج بالدهشة الخالصة:
"إزاي يا جدع ؟؟ عملتها ازاي دي ؟! عم محمد ؟! أقنعت عم محمد ؟!"
ابتسم بثقته المعهودة و قال بزهوٍ و شموخٍ معتزًا بنفسه:
"قولتلكم قبل كدا اللي قدامكم دا ملوش أخر يتجاب، جهزوا نفسكم بقى علشان كتب الكتاب بعد العشا"
اقترب "عامر" منه يقول بلهفةٍ:
"ماكنتش عارف تستنى سنة كمان ؟! كان زماننا كتبنا لخلود و عمار سوا ؟! هنستنى كل دا ؟!"
رد عليه "وليد" بسخريةٍ قاصدًا توجيه حديثه لـ "عمار":
"فكرني كدا يا عمار أنتَ في سنة كام ؟؟ قول لأخوك اللي قرب يموتني مشلول"
تحدث "ياسين" في تلك اللحظة بثباتٍ:
"عمار جدع و فاهم كويس الدنيا هتمشي ازاي، هو عارف إنه لسه قدامه تعليم و جيش و دا كان كلامه لعم طه، و لا إيه يا عمار ؟!"
هز "عمار" رأسه مومئًا على حديثه ثم أضاف مؤكدًا:
"بالظبط، أنا دا كان اتفاقي مع عم طه، لسه بدري، و ظروفي غير ظروف أحمد، أحمد ربنا كرمه و خلص لكن أنا لسه"
ربت "وليد" على كتفه بفخرٍ ثم أضاف معتزًا به:
"ربنا يكرمك إن شاء الله يا عمار، أنا واثق فيك و عارف إنك قدها و قدود، كلنا واثقين فيك و لو على خلود !؟ اقسملك بالله السنة الجاية عم طه لو زهق منها هيبعتلك تيجي تخلص، اسمع مني، صوتهم هيسمع في الدائري الإقليمي"
ضحك عليه الشباب جميعًا حتى هو ثم ابتسم بسمة هادئة تشكلت على محياهُ و هو يفكر في قدوم ذلك اليوم.
_________________________
في الأعلى رفعت الفتيات صوت الأغاني و بدأن في التجهز لتلك المناسبة التي لم تخطر على بالٍ من قبل سابق، كانت البهجة تعم المكان و الغرفة بأكملها، فتحدثت "جميلة" بنبرةٍ ضاحكة تسخر من الأخر:
"وليد بقاله كتير مجوزش حد، بس بصراحة كدا أحسن الخطوبة في حالتكم ملهاش أي لازمة، انتم عارفين بعض و فاهمين بعض، و أحمد بدأ في الشقة و سلمى تركز في جامعتها لحد ما أحمد يخلص أموره"
سألتها "إيمان" بتعجبٍ:
"هو أحمد لسه مش جاهز ؟!"
ردت عليها "خلود" مسرعةً:
"لو على بابا هو جاهز ، بس أحمد حابب يعتمد على نفسه و يعمل الشقة من شغله و سلمى معاه تختار كل حاجة، علشان كدا موقف كل حاجة"
ابتسمت "سلمى" بفرحةٍ كبرىٰ حتى اقتربت منها "هدير" تقول مسرعةً:
"أنتِ لسه هتسهميلي ؟! فوقي كدا يلا علشان نجهزك، أنتِ فرحتك اتنين النهاردة، ربنا يديم عليكي فرحة القلب يا رب"
وقفت "سلمى" تسألهن بغير تصديق و كأنها انتبهت لتوها لما يحدث:
"ثانية بس يا جماعة ؟؟ هو بجد كتب كتابي النهاردة ؟! قولوا و الله كدا ؟!.... طب .... طب ثانية هو أنا بجد نجحت ؟! و خلصت خلاص ؟! طب هتوتر بسبب إيه بعد كدا ؟!"
ضحكت الفتيات عليها بصوتٍ عالٍ فاقتربت منها "خديجة" تمسك كتفيها تدعم وقوفها و هي تقول بمؤازرةٍ لها:
"سلمى ؟! و حياة أمك فوقي كدا !! كل حاجة خلصت خلاص، أنتِ طالعة من أوائل الجمهورية أصلًا !! دا كويس إن ابوكِ مستخسركيش في أحمد"
تدخلت "إيمان" تقول بيأسٍ منها:
"يا جماعة سكتوا خديجة بقى دي بتعك الدنيا، عم محمد لو سمعها هيجيب لبنته مِنحة و يسفرها، بس يا كتكوتة"
ضحكت "خديجة" و هي تقول بقلة حيلة و غُلبٍ:
"أعمل إيه طيب ؟! بشجعها"
وقفت "عبلة" بجانب شقيقتها و هي تقول بحبٍ:
"أنتِ تستاهلي كل خير يا سلمى، حبك لأحمد من زمان و عمرك ما عملتي حاجة تغضب ربنا، سلمتيه أمر قلبك و ربنا كرمك بيه، و برضه دراستك حاربتي و ذاكرتي و كل ما تيأسي ترجعي من تاني علشاننا و علشان بس تفرحينا كلنا في يوم زي دا، تستاهلي إنك تفرحي يا سلمى"
بكت "سلمى" و هي تستمع لحديثها فاحتضنتها "عبلة" و بكت معها هي الأخرى و هي تربت على ظهر اختها، فتحدثت "خلود" بضجرٍ منهما:
"جرى إيه يا عيلة نكد ؟؟ هو انتوا معندكوش رحمة خالص ؟! غاويين نكد ؟! شدوا حيلكم كدا و سمعونا كام زغروطة يلا"
انطلقت الزغاريد من فم الفتيات و خاصةً "إيمان" و بدأن في تجهيز العروس حتى يستلمها زوجها في يومٍ كُتبت لهما السعادة به.
_________________________
في الأسفل كان العمل على قدمٍ و ساقٍ من قِبل الشباب يقومون بتجهيز البيت و تزيينه حتى يليق بالعروسين، و لكن ما أثار تعجب "محمد" هو تحضير كل شيءٍ على ما يرام و كأن العائلة بأكملها تأمرت عليه !!.
مر "وليد" من جانبه يحمل المقاعد الحديدية فامسكه عمه من رقبته و هو يقول بعدما أطبق اسنانه ببعضها:
"هو أنتَ يالا عملي الأسود في الدنيا ؟! جهزت كل الحاجات دي إمتى ؟! يا أخي تعبتني في عيشتي"
حاول "وليد" وأد بمسته و كتمها لكنها فضحت أمره حينما نظر في وجه عمه المُحتقن بشدة، لذلك قال بسخريةٍ:
"بالراحة يا حمايا لو سمحت !! واحد غيرك كان شالني فوق راسه، دا أنا مجوزلك عيالك التلاتة كدا، و بعدين اطمن أنا مبخالفش الأصول، و اسأل طارق ابنك كمان، يا طارق !!"
اقترب منهما "طارق" يسأل بنفاذ صبرٍ:
"نعم !! خير يا أستاذ وليد؟؟"
سأله "وليد" بتهكمٍ:
"أنا استأذنتك و لا لأ ؟؟ خدت موافقة كبير العيلة عمك محمود ولا لأ ؟! هل أنا عملت حاجة حرام ؟؟"
رد عليه "طارق" بنفاذ صبرٍ:
"لأ يا سيدي، اللي عملته دا كان عين العقل، و عداك العيب كمان، سيبني بقى أروح علشان خالد يوصل النور"
قبل أن يتحرك "طارق" من أمامهما أوقفه "محمد" بقوله:
"حتى أنتَ يا طارق ؟؟"
رد عليه مؤكدًا:
"آه يا بابا، أنا مقتنع و كلنا مقتنعين، هما مش صغيرين، و سلمى هتدخل كلية و أحمد من حقه يكون معاها، أنتَ بقى هتسيبه يقرب منها و هو خطيبها ؟!"
حينما وُضِع "محمد" في خانة اليَك و تم حصاره بزواياها حينها زفر بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
"لأ يا سيدي، كدا أحسن، خلاص ارتاحتوا ؟!"
في تلك اللحظة اقترب منهم "عامر" و في يده زجاجة عصير، اقترب منه يعطيها له و هو يقول بمرحٍ:
"وحد الله يا حج محمد كدا، و اشرب العصير و ريح علشان كلنا نرتاح، أصلها مش ناقصة يعني هم بصراحة، خلينا نفوق للي إحنا فيه"
طالعه "محمد" بغرابةٍ فسحبه "عامر" معه ثم غمز لـ "وليد" الذي غمز له هو الأخر، فيما وقف "طارق" متعجبًا منهم جميعًا حتى وجد والده يجلس بجوار أخوته و "رياض" معهم.
في الأعلى تجهزت "سلمى" و ارتدت فستانًا باللون البيج و حجاب بنفس اللون و قد نزل كان الفستان ضيقًا إلى حدٍ ما حتى منطقة الخصر و فيما بعد كان مُتسعًا يلائم جسدها و لم يبرز أية تفاصيل منه، و ارتدت حذاء بنفس اللون و قامت الفتيات بوضع مساحيق التجميل في وجهها مع عينيها العسليتين التي لم تحتاج لأية اضافات.
انتهت "سلمى" أخيرًا فقامت الفتيات بإطلاق الزغاريد لها و قد ارتمت "خلود" عليها تحتضنها بفرحةٍ و كذلك الفتيات تباعًا خلف بعضهن.
في الأسفل ارتدى "أحمد" حِلته التي أختارها له الشباب و قد تناسبت مع لون فستان العروس حيث كان البنطال باللون الأسود و كذلك القميص أيضًا و سترة الحِلة "الجاكيت" باللون البيج.
دلف له "حسن" الغرفة و هو يبتسم بسعادةٍ بالغة و ما إن أبصره حتى لمعت عينيه بوميضٍ غريبٍ عليه، و في تلك اللحظة طالعه "أحمد" بتعجبٍ خاصةً أنه كان يحمل في يده باقة زهورٍ بنفس لون الحِلة، لذا سأله "أحمد" بتعجبٍ مما يحمله:
"إيه اللي في إيدك دا يا حسن ؟؟ هو مش دا بتاع العروسة ؟! و مالك فرحان كدا ليه ؟!"
اقترب منه "حسن" حتى وقف مقابلًا له و هو يقول:
"دا جايبه ليك علشان تسلمه لعروستك، خليك فَهيم بقى، و شكلي فرحان كدا علشان أخويا بيتجوز يا أحمد، صحيح اتحرمت من النعمة دي بس وجودك في حياتي كأنك أخ صغير ليا، فرحان لفرحتك، ربنا أراد يفرحنا سوا اليوم دا"
عانقه "أحمد" بشدة و هو يحرك كلا ذراعيه على ظهر الأخر تزامنًا مع قوله المُمتن له:
"ربنا يخليك ليا يا حسن، طول عمرك أخويا و صاحبي يمكن أكتر من وئام و طارق، ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يقوم هدير بالسلامة إن شاء الله و تشوف عوضك بعينك"
ربت "حسن" على ظهره و في تلك اللحظة طُرق باب الغرفة لِـيطل منه "ياسين" و هو يبتسم لهما و في يده زجاجة عطر أقترب منهما ثم قام بنثر العطر على ثياب "أحمد" و وقف يهندم ملابسه و يتمم على هيئته ثم قال:
"الله أكبر !! عريس زي القمر"
ابتسم له "أحمد" و هو يقول بفرحةٍ طغت على نبرة صوته:
"حبيبي يا ياسين، عقبال ما نفرح بعوضك يا رب إن شاء الله، عقبال ما نباركلك أنتَ كمان"
رد عليه "ياسين" بهدوء:
"ربنا يكرم إن شاء الله يا أحمد، دا رزق و ربنا يكرم ييجي وقت ما ييجي بقى، كله خير إن شاء الله"
تدخل "حسن" يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"كله كوم و الحيوان اللي اسمه وليد دا كوم تاني، من ساعة ما عرف أنه هيبقى أب قبل ما يبقى خال لعيالي و عيال ياسين و هو نافش ريشه علينا، خليه بكرة يتربى"
رد عليه "ياسين" بسخريةٍ:
"مش هو نفسه في بنوتة علشان متبقاش شقية ؟! إن شاء الله ربنا يكرمه بولد زيه كدا يطلعه على جِتته بلا أزرق"
دلف "وليد" في تلك اللحظة و هو يقول بسخريةٍ بعدما استمع لهما:
"كتر يا سكر أنتَ و هو، ها أخرة خفة دمكم دي إيه ؟! بعدين مش دي الحقيقة ؟! أنا هبقى أب قبلكم، عارفين ليه ؟! علشان قلبي أبيض و الله و سالك"
تحدث "ياسين" بسخريةٍ يقول:
"طبعًا على يَدنا قلبك أبيض و سالك أوي، من غير حلفان يا جدع باين على وشك"
حدجه "وليد" شزرًا ثم رفع طرف أنفه و هو يسخر منه و في تلك اللحظة صدح صوت الزغاريد من الفتيات و النساء يعلنن عن نزول العروس، حينها اندفع "أحمد" بجسده حتى يخرج من الغرفة فوقف الثلاثة شباب أمامه يقطعون الطريق عليه حتى قال هو ببلاهةٍ:
"فيه إيه يا جدعان ؟! مالكم ؟!"
اقترب منه "حسن" يضع باقة الزهور على ذراعيه و قام "ياسين" بغلق زر سترته و قام "وليد" بالاتمام على خصلات شعره و ما إن انتهوا جميعًا حتى غمز له "ياسين" و أشار له بالخروج.
في الخارج وصل المأذون فصدح صوت الزغاريد مرةً أخرى، أدخله "عبدالرحمن" للبيت بعدما أرسله "وليد" حتى يأتِ به و كذلك نزلت "سلمى" و بجوارها "خلود" و خلفها بقية الفتيات و لكن ما جعل المنظر مُضحكًا هو منظر الفتيات الحوامل ببطونهن المنتفخة ينزلن خلف بعضهن الدرجات بتعبٍ و كانت أخرهن "سارة".
تفاجأت "سلمى" بالبيت المُزين و بالديكورات التي تم وضعها حتى تُلائم تلك المناسبة و تضفي للبيت منظرًا رائعًا حيث تم وضع أريكة صغيرة خاصة للعروسين و خلفها ديكوراتٍ من الزهور البيضاء يتوسطها إطار كبير الحجم و عليه اسم العروسين و بينهما خاتمٌ كبير الحجم يمتليء بمادة الهيليوم و كذلك حرفي العروسين أيضًا.
تم وضع إضاءة ذهبية مُزينة خلف أريكة العروسين و كذلك في المكان بأكمله و تم تزيين البيت منذ بدايته حتى نهايته و أمامه أيضًا، كل شيءٍ تم في غضون ساعاتٍ قليلة و كأنه مدروسًا منذ أسابيعٍ كاملة.
جلس المأذون في المنتصف و "أحمد" على يمينه و "محمد" على يساره و بدأ عقد القران بين روحٍ واحدة في جسدين، لحظةٌ مهيبة مرت على الجميع بفرحٍ و سعادة و في تلك اللحظة عاصته عينيه و ثبتت عليها كأنها تخون رغبته في حفظ العهد، حيث وقف "عمار" حالمًا و هو يراها تقف بجوار "سلمى" و الفرحة تضج من عينيها و انفعلات جسدها الحماسية و كفيها المطبوقين فوق بعضهما في محاولةٍ منها للسيطرة على حماسها.
ابتسم هو رغمًا عنه بسمةٍ هادئة حتى وكزه "عبدالرحمن" و هو يقول بسخريةٍ:
"فوق يا عم ؟! حبيت افكرك إن فات سنة و الـ ٦ هانت إن شاء الله، متقلقش"
نظر له "عمار" و حينما تلاقت نظراتهما ضحكا سويًا على حالهما معًا و كلٍ منهما يبك على ليلاه.
"بــارك الـلّٰـه لَكُما و بـارك عــليـكـمـا و جـمـع بينكما فـي خـير"
قالها المأذون لينهي بها عقد القران بعدما وقعت "سلمى" و بصمت أيضًا لتصبح في تلك اللحظة زوجته و حلاله، وقف "أحمد" أمامهم جميعًا يقول بقلة حيلة و غلبٍ:
"غلبتيني و غيرتيني يا سلمى، تعبت علشان أستاهلك في الأخر"
ضحك الجميع عليه فيما اقترب هو منها يقبل رأسها و لأول مرّة يقترب منها بتلك الطريقة و يلامسها مباشرةً و في تلك اللحظة أدرك هو الهدف من الحفاظ على حبه حتى يشعر بالبركة في تلك اللحظة.
أما هي فلمعت العبرات في عينيها تأثرًا بتلك اللحظة حتى وجدته يعطيها باقة الزهور و هو يبتسم لها أخذتها منه بخجلٍ فاقترب يهمس في أذنها:
"من الليلة دي بقيتي ليا يا سلمى، الليلة دي كل حاجة هتعرفيها إن شاء الله"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له، فاقترب "حسن" بالكاميرا الخاصة به و هو يقول بمرحٍ:
"يلا يا غاليين علشان الصور، جهزوا نفسكم كلكم يلا"
على الجهة الأخرى جلست "خلود" تتابع فرحتهما معًا بفرحةٍ تماثلهما لا تصدق أن تلك اللحظة حانت و تزوج أخيها ممن أحبها، و كان "عمار" يتابعها بعينيه فاقترب منها يقول بثباتٍ:
"أنا حجزتلك دروس تالتة ثانوي خلاص، كلها أسبوع كدا و تبدأي إن شاء الله، عاوزك متخافيش و اعرفي إن أي مساعدة هتحتاجيها أنا هكون موجود معاكِ في أي وقت"
ابتسمت له بهدوء ثم ازدردت لُعابها و هي تقول بخوفٍ و قلقٍ و تشاركه ما يجول بخاطرها:
"خايفة يا عمار، خايفة معرفش أفرحهم زي ما سلمى فرحتهم النهاردة، أنا مش بتاعة مذاكرة و لا التزام و دَح، أنا عشوائية أوي و الروتين بيخنقني"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
"طول ما أنتِ مقتنعة بكدا يبقى هو دا اللي هتطوليه في الأخر، مفيش حد حاول و جاب صفر يا خلود، كل الفكرة إنك تضحي شوية، تضحي بشوية لعب زيادة، تضحي بحلقات المسلسل، ضحي بالحاجات الصغيرة علشان هييجي عليكي يوم تستمتعي بالحاجات دي كلها بس و أنتِ مرتاحة، مش و أنتِ هربانة من تأنيب الضمير ليهم، صدقيني أنا لو من أول مرة استسلمت لخوفي كان زماني دلوقتي خسران كتير أوي و بندب حظي، بس أنا فخور بنفسي و أيًا كان اللي بعمله و اللي هعمله علشان في كل مرة أنا كنت بتحدى واحد و لازم أكسبه، عارفة هو مين ؟!"
حركت رأسها نفيًا فأضاف هو مُفسرًا بإيجازٍ:
"أنا !! و أعوذ بالله من كلمة أنا"
عقدت ما بين حاجبيها فأضاف هو بهدوء:
"الشخص الوحيد اللي مطلوب منك تصارعيه هو أنتِ، و الشخص اللي يحقلك إنك تسبقيه برضه أنتِ، الدنيا دي مش سباق مع حد، السباق لازم يكون مع نفسك القديمة، لازم تتحدي كسلك و خوفك و ضعفك و قلة حيلتك، لازم تقومي و تجربي مرة و اتنين و تلاتة، لازم ترمي نفسك على الحاجة و تديها طاقتك و مجهودك علشان هي تديكي النجاح، سلمى لما اختارت طريق و ركزت عليه و حطت كل طاقتها فيه شافت نتيجة أكبر مما توقعت بكتير، لأنها حاربت نفسها، و لسه عارف بالصدفة أنها كانت شايلة ملحق كيميا في أولى ثانوي، هي ركزت على الهدف و مهمهاش نفسها القديمة، هي حطت سلمى قدام عينيها و قالت تتحداها، لو كانت ركزت مع الملحق دا و هربت كان زمانها بتلوم نفسها، أنا واثق إنك هتحاربي برضه علشان تثبتي نفسك، و واثق إن خلود هتتحدى خلود"
استطاع بحديثه اشعال حماستها و لهيب المنافسة ازداد بين نفسها حتى قالت بحماسٍ:
"كلامك خلاني عاوزة أطلع أجيب الكتب أطبق عليها، شكرًا بجد، شكرًا على كل حاجة"
ابتسم لها ثم قال بهدوء:
"لا شكر على واجب، دا واجبي".
تحرك من أمامها بعدما حرك رأسه موافقًا فيما تحدثت هي بهيامٍ تكرر حديثه من جديد:
"لا شكر على واجب....دا واجبي، و الله لو تكمل واجبك و تكتب الكتاب دلوقتي يبقى كتير خيرك"
انتبهت لنفسها فحركت رأسها عدة مراتٍ و هي توبخ نفسها بقولها:
"بس أنتِ كمان !! إيه قلة الأدب دي ؟! احترمي نفسك"
_________________________
رحلوا جميعًا من البيت يتوجهون نحو مساكنهم بعدما أحتفلوا بالعروسين و التقطوا الصور و انتشرت الأغاني و المرح بينهم جميعًا، و ظل فقط أبناء العائلة في بيت آلـ «الرشيد».
كان "أحمد" يجلس في انتظارها فوق سطح البيت بعدما زينه له الشباب و قام "وليد" بضبط كل شيءٍ به و تجهيزه ليناسب جلستهما الأولى سويًا، صعدت "سلمى" له بخطواتٍ متمهلة و لأول مرة تشعر بكل ذلك التوتر، فهي أصبحت الآن زوجته ؟! تلك الكلمة كلما رددتها لنفسها شعرت بالغرابة تجتاحها، في تلك اللحظة شعر هو بها فوق سطح البيت و عبر نسيم عطرها إلى أنفه فابتسم هو بهدوء ثم التفت لها بعدما كان يوليها ظهره.
كانت كما هي بنفس فستانها و هو بِـ حلته كما هي، أمعن النظر فيها يتفحصها و لأول مرّة يُملي عيناه منها بتلك الطريقة، في كل مرّة كان يحكم الحصار على نفسه حتى لا تخونه و تعصيه و في كل مرّة كان يتذكر أنه يملك أختًا و بالطبع لن يقبل أن ينظر لها أحدهم بنظرةٍ غريبة، في تلك اللحظة شعر بالانتصار و كأنه المنتصر الوحيد في حربٍ حصل فيها على كل السبايا.
يا الله هادئة و جميلة و رقيقة، اجتمعت بها كل الخِصال التي تمنى قلبه أن يحصل عليها، تقف أمامه و تنظر في جميع الجهات عدا هو !! هل هي معتوهة ؟؟ أم بلهاء ؟! هكذا فكر "أحمد" و هو ينظر لها لذا تحرك نحوها حتى يقف مقابلًا لها و في تلك اللحظة كانت هي تسير للخلف من فرط خجلها و توترها حتى كادت أن تسقط أو لربما سقطت حقًا؛ لكنه لحقها و وضع ذراعه حائلًا بينها و بين الحائط التي كادت تسقط عليه.
في تلك اللحظة سارت القشعريرة في كامل جسدها كما تسير الكهرباء في الأجساد، تواصلت النظرات بينهما في ملحمةٍ لأول مرّةٍ تدور بتلك المباشرة بينهما حتى استقام هو في وقفته و هي معه أيضًا لكنه لم يتركها، بل ظل كما هو يده تعانق يدها و كفه الأخر يوجد خلف ظهرها و كأنه يحتضنها.
قبل أن تسحب كفها من كفه و تنسحب من تلك المعركة التي تدور بين القلب و العقل، حيث طلب أحدهما الوقوف أمامه بهيئته الثابتة و العقل يطلب منها الرجوع و إعادة تلك المقابلة لوقتٍ آخرٍ، في تلك اللحظة ضغط على كفها و ثبت ذراعه خلف ظهرها يقربها منه و هو يقول بثباتٍ:
"استني !! أنا مستنيتش كل دا علشان تهربي مني و تمشي كدا، أنا عندي كتير عاوز أقوله و عاوزك تسمعيه، دا أنا ما صدقت الزمن حن عليا"
سكنت حركتها و ثبتت عينيها داخل في عمق عيناه فزفر هو بعمقٍ ثم قال بتوترٍ من تلك اللحظة الغريبة عليه و على قلبه:
"أنا عاوز أقولك أنا أسف يا سلمى، آسف على كل مرة وجعتك فيها و أنا بجيب سيرتها قدامك و بتكلم عنها، أسف على كل مرة كدبت فيها نظرتك ليا و افتكرتها من خيالي، أسف أني من الأول بصيت غلط لقلب مش شبه قلبي"
تأثرت من حديثه و صدق نبرته فقال هو مُضيفًا بعدما وضع كفها نحو موضع قلبه مُشيرًا إليه بقوله:
"أسف علشان دا كان بيكدبك دايمًا، كل مرة كنت بحس بعيونك بتقولها، كانت بتقول أنا أهو شوفني و ركز معايا، رغم كدا عمرك ما قولتي حاجة، كل مرة كنت ببصلك فيها كنت بشوف نفسي في عيونك و أفضل أقول أنا مستاهلهاش، أنا ماكنتش كدا، أنا حاربت نفسي علشان ابقى واحد يستاهلك، كنت عاوز أكون واحد يليق بيكي و بقلبك، كنت عاوز أبقى واحد يستاهل جمالك دا.....كنت عاوز استاهل حُبك علشان أنا....."
توقف عن الحديث لبرهةٍ و عينيه تتصل بعينيها و هي تبكي من كثرة ما تعايشه و تشعر به و لربما كانت كل تلك المشاعر كثيرة عليها حتى تنفس هو بعمقٍ و قال:
"علشان أنا بحبك .... بحبك يا سلمى و مليش غيرك في الدنيا، أنا وفيت بوعدي و حافظت عليكي حتى من نفسي، علشان اللحظة دي تيجي و أنتِ ليا، عيونك الحلوين دول ليا و أنا غلبان و مشكلتي كلها في عيونِك"
نزلت الدموع تسيل على وجنتيها بغزارةٍ حتى احتضنها و هو يتنفس بعمقٍ و كأنه يتنفس لأول مرّةٍ في الحياة، و كذلك هي رفعت ذراعيها تتشبث به و هي تقول من بين بكاؤها و صوتها المتقطع:
"و أنا....أنا كمان.... بحبك"
لم يتوقع هو أن تنطقها هي لذا ابتعد عنها يمسك كتفيها و هو يقول بلهفةٍ:
"قولتي إيه ؟؟ قوليها تاني كدا"
مسحت دموعها و قالت بصوتٍ مختنقٍ نتيجة البكاء:
"أنا كمان بحبك و الله، مش عارفة ليه أنتَ تحديدًا و مش عارفة إمتى ؟! بس أنا حبيتك من قبل حتى ما أنتَ تحس بوجودي في حياتك، كل مرة كنت بتحاول فيها علشاني كنت بفرح أوي، شكرًا إنك وفيت بوعدك و حافظت على كل الطرق اللي جمعتنا ببعض"
حملها هو بين ذراعيه و قد باغتها بفعله لذلك ثم دار بها عدة مراتٍ و هي تضحك بصوتٍ عالٍ و تتشبث بعنقه بكلا ذراعيها حتى انزلها هو و قال بصوته الرخيم:
"النهاردة اليوم اللي الدنيا كلها ضحكتلي فيه يا سلمى، النهاردة بس عرفت يعني إيه عافر توصل و عرفت يعني إيه حد لمس أحلامه بأيديه"
اقتربت منه تضع رأسها على صدره و هي تبتسم باتساعٍ و فرحةٍ تعزف على أوتار فؤادها، فيما رفع هو ذراعيه يحتويها بين أحضانه.
وقف "وليد" يتابع كل ذلك من على بُعدٍ منهما حتى ابتسم بهدوء و هو يتذكر نفسه و فرحته التي ماثلت تلك الفرحة ثم نزل بهدوء حتى لا يزعجهما سويًا، توقف المصعد في طابق عمه "محمد" و فتح الباب ليتفاجأ كلًا منهما بالأخر و لم يحتاج "وليد" وقتًا طويلًا ليدرك سبب وقوفه هنا، لذا سحبه داخل المصعد و أغلقه و الأخر يطالعه بتعجبٍ، فقال "وليد" بضجرٍ منه:
"بص بقى ؟! علشان أنا تعبت خلاص و حطيت صوابعي العشرة في الشَق منك !! سيب الواد يشم نفسه شوية، اقسملك بالله لو كترت معاهم لأخلي الفرح الخميس الجاي، سيب الواد في حاله !!"
رد عليه "محمد" بتهكمٍ:
"يعني إيه بقى ؟! هبقى شجرة وسطهم ؟! دي لسه صغيرة !!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"متبقاش شجرة، خليك نخلة عالية و محدش بيطولها، حمايا !! سيب الواد يشم نفسه بدل ما يمين بالله أحرمك من حفيدك"
شهق "محمد" بقوةٍ ففاجئه "وليد" حينما ضغط على زر الطابق الخاص بشقة والده.
توقف المصعد فخرج هو أولًا و ظل عمه واقفًا كما هو، حينها سحبه "وليد" من يده ثم شبك ذراعه بذراع عمه و وقف يطرق الباب، فتح له "وئام" و حينما رآهما سويًا قال بسخريةٍ:
"إيه اللي لم الشامي على المغربي ؟! اوعوا تقولوا رايحين تعملوا محضر لبعض !!"
رد عليه "وليد" بغموضٍ:
"لسه !! بس على وشك إن شاء الله"
ضحك "وئام" عليهما فدلف "وليد" و هو يمسك ذراع عمه حتى أجلسه بجوار أبيه و هو يقول بثباتٍ و نبرةٍ جامدة:
"بقولك إيه يا حج مرتضى ؟! قعدوا جنبك كدا و شربه أي حاجة، خلي الواد يفضفض بمشاعره، لو قام أنتَ حر"
ابتسم "مرتضى" بشرٍ و هو يقول:
"متخافش ياض !! لو عتب برة باب الشقة هطلع الـ CD بتاعه، و نشوف بقى بطولات ميامي"
احتقن وجه "محمد" و هو يحدج أخيه بسخطٍ و يرمقه بسهام عينيه، فيما تحرك "وليد" يتوجه نحو الداخل فأوقفه "محمد" بقوله:
"خد هنا يالا ؟! رايح فين ؟!"
رد عليه ببرود:
"رايح لمراتي اللي هي بنتك يعني و أم ابني اللي جاي في السِكة، واخد بالك ؟! أم ابـنـي"
اتكأ على حروف كلماته معاندةً لعمه ثم دندن بمرحٍ و هو على مقدمة الرواق المؤدي للغرف:
"كتبوا كتابك يا نقاوة عيني، أحلى كلام بينك يا حلوة و بيني، جه اليوم اللي تكوني فيه حلالي ما أنا أصلي طيب و أمي دعيالي"
ضحك"وئام" و كذلك "مرتضى" فيما ضرب "محمد" كفيه ببعضهما و هو يقول بضجرٍ:
"يا بجح يابن السافل ؟!"
_________________________
في الأسفل في شقة "محمود" جلس هو في الخارج يقرأ في المصحف الشريف كعادته يقضي ليله في تلاوة كلام الله عز و جل ، حتى خرجت له "هدى" من غرفتها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"الحمد لله فارس نام، على ما وئام بقى يجي ينام هو يصحى، كل مرة على الحال دا"
أغلق المصحف و هو يقول مُبتسمًا:
"الحمد لله إن وئام عاقل و متفاهم، يعني بيقوم يشيله لحد ما ينام، واحد كدا أعرفه ممكن يقوم يطرد الواد و أمه"
ضحكت "هدى" و هي تقول:
"أول حرف من اسمه وليد صح؟"
حرك رأسه موافقًا فأمعنت هي النظر في وجه والدها حتى سألته بتعجبٍ من الراحة التي تشكلت على ملامح وجهه:
"إيه سر الراحة دي كلها ؟! أول مرة من بدري أشوفك مرتاح و فرحان كدا"
رد عليها مُبتسمًا:
"يمكن علشان أكتر سبب كان مخوفني في الدنيا بقى مطمني؟! هدير أختك بقت حاجة تانية خالص يا هدى، لبست الخمار و بقت بتصلي الفرض بفرضه و النوافل و عرفت كمان إنها بقت بتحفظ قرآن و جميلة بتساعدها، حياة هدير اتقلبت خالص، و النهاردة عرفت انها هتبقى أم، الدنيا مش مكفية فرحتي و الله، ربنا يكرمه حسن و يباركله إن شاء الله"
ردت عليه "هدى" بتأثرٍ:
"ربنا يكرمهم سوا يا رب يا بابا، صدقني هدير طيبة و الله بس هي كانت متأثرة بحاجات تانية، بس لما ربنا نور بصيرتها، كلنا شوفنا هدير تانية خالص"
حرك رأسه موافقًا ثم تنهد بعمقٍ فيما جلست "هدى" بجواره و هي تقول بمشاكسىةٍ:
"خدني في حضنك بقى، هنفضل في سيرة الأستاذة كتير ؟! اهيه جوة مع حسن مش هتعبرنا"
ربت "محمود" على ظهرها و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"خليهم يا ستي يفرحوا مع بعض، ربنا يكرمهم إن شاء الله"
في داخل غرفة "هدير" كان "حسن" يقف على سجادة الصلاة و هي خلفه تقف بفرحةٍ و روحها تحلق مثل الفراشة بين الزهور و عبيرها، أنهى "حسن" الصلاة ثم التفت لها و هو يبتسم و قبل رأسها و تنهد بعمقٍ، كل ذلك كانت هي تبتسم له حتى قال هو بنبرةٍ هادئة:
"أنا صليت ١٠ ركعات شكر و حاسس إنه مش كفاية، إيه الفرحة الغريبة دي ؟! حاسس إني عاوز افضل ساجد العمر كله"
ردت عليه هي تؤكد حديثه:
"معاك حق و الله يا حسن، من كل ناحية تبصلها تلاقيها خير، الحمد لله على الهدى و الحمد لله على كل حاجة جت و الحمد لله على حاجات كتير ماستجابش ليا فيها و بدلني خير عنها، فوق كل دا الحمد لله على نعمة وجودك"
احتضنها هو بين ذراعيه ثم قبل قمة رأسها و قال بهدوء:
"في كل حاجة بتحصل حكمة احنا كبشر عمرنا ما هنفهمها، واحد زيي اتعقد من الحياة كلها و قولت مستحيل أحب أو آمن لواحدة تاني و أسلمها قلبي، و حصل و حبيتك، بعدها خوفت و قولت مش هكرر غلطي و أخليها تحمل و سبحان الله ألاقي نفسي غصب عني بدعي ربنا يكرمني منك بالرزق دا، الإنسان بطبعه نمرود مبيشكرش، بس و الله من أول ما عينك دول حبوني و أنا حمدت ربنا و رضيت بيكي الرزق الحلال في الدنيا دي"
ابتسمت له فقال هو بمشاكسىةٍ:
"مش أنتِ برضه بتحبيني يا أم علي ؟!"
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة:
"افرض طلعت بنت ؟! هيبقى إيه الوضع يا حسن ؟!"
اخفض رأسه و رفعت رأسها حتى تقابلت نظراتهما سويًا فقال هو بهدوء:
"هيبقى وضع زي الفل إن شاء الله، كفاية إنها هتكون منك أنتِ، و يا رب تبقى شبهك كدا"
اخفضت رأسها من جديد تضعها على صدره فرفع هو رأسها للأعلى و هو يبتسم بامتنانٍ.
_________________________
دلف "وليد" غرفته بعدما آثار حنق عمه، فوجدها تجلس على الفراش و الحاسوب على فخذها، جلس بجوارها و هو يقول بسخريةٍ:
"بطيختي الحلوة عاملة إيه ؟!"
حركت رأسها بضجرٍ و هي تقول من بين أسنانها:
"بس بقى بطل استفزاز !! الله ؟! ما هو ابنك يا أخويا، دا إيه دا !!"
ابتسم هو رغمًا عنه بسبب طريقتها فأمسكت هي ثمرة التفاح من جوارها تقضم منها قطعة كبيرة فقال هو مسرعًا بتهكمٍ:
"هو أنتِ بتاكلي في أخر زادك ؟! بالراحة يا سوبيا ؟؟ بالراحة"
ردت عليه هي بغيظٍ:
"بس علشان أنا ماكلتش كويس لو سمحت !! حاسة أني مهبطة"
صرخ في وجهها بقوله:
"نــعم !! ماكلتيش كويس !! واكلة طبقي و طبقك و طبق طارق و سلمى، و ماكلتيش كويس ؟!"
ردت عليه بقلة حيلة:
"أعمل إيه باكل لينا إحنا الاتنين مع أني حاسة إن هو بياكل أكتر مني"
رد عليها بتهكمٍ:
"بطلي افترا و ظلم !! عيل في الشهر الرابع هياكل كل دا ؟؟"
ردت عليه هي بحزنٍ:
"هو أنتَ زعلان مني ؟! حاسة كدا إني مزعلاك"
رد عليها مسرعًا بلهفةٍ و هو يقدر حالتها و تقلباتها المزاجية:
"و الله العظيم ما حصل أبدًا، بالعكس أنا فرحان بيكي أوي و مبسوط و أنا شايفك كدا قدامي"
ابتسمت هي بسعادةٍ ثم ارتمت عليه تحتضنه و في تلك اللحظة طُرق باب الغرفة و تحدث "طارق" من الخارج يستأذن الدخول فسمح له "وليد" ليطل منه و معه "جميلة" تحمل صينية الطعام في أيديها.
سألهما "وليد" بتعجبٍ:
"خير ؟! و إيه اللي جميلة شايلاه دا ؟! إحنا عندنا أكل كتير برة"
رد عليه"طارق" مُفسرًا:
"دا يا سيدي أكل لعبلة علشان هي ماكلتش كويس، متشغلش بالك أنتَ بس"
اقتربت "جميلة" تجلس بجوارها و هي تقول بحماسٍ:
"يلا يا عبلة علشان آكلك، ألف هنا و شفا على قلبك يا رب"
تحدثت "عبلة" بامتنانٍ لها:
"الله ينصرك و يجبر بخاطرك يا رب يا جميلة، عقبال ما أشوفك بطيخة زيي كدا إن شاء الله"
حاول "وليد" كتم ضحكته بجهادٍ حتى نجح في ذلك فيما تحدث "طارق" مستفسرًا:
"هو عمي مرتضى ماسك أيد أبويا برة كدا ليه ؟! هو عليه تار"
رد عليه"وليد" مفسرًا:
"لأ بس أبوك عاوز يضيق الدنيا على أحمد، سلط عليه أبويا و عمك طه هو كمان، خلينا نشوف أخرتها معاه".
ضحك "طارق" رغمًا عنه ثم جلس على المقعد فتحرك "وليد" يجلس بقربه و هو يتابع زوجته التي تأكل بشراهةٍ و كأنها تأكل لأول مرّة منذ عدة أيامٍ على الرغم من كونها تناولت الطعام للمرة العاشرة على سبيل المثال في ذلك اليوم.
_________________________
أسفل عيادة الطبيبة النسائية توقف "ياسين" بسيارته و معه "خديجة" أيضًا زفرت هي بقوةٍ و خوفٍ يسيطر عليها من القادم فقال هو مُطمئنًا لها:
"مش عاوزك تخافي يا خديجة، دي دكتورة بنت صاحبة أمي، إن شاء الله تطمنا و ميكونش فيه حاجة"
ردت عليه هي بتوترٍ:
"طب هي طلبت تحاليل من قبل ما نروح ليها ليه ؟! فضلت تسألني في الموبايل على حاجات غريبة بصراحة خوفت أكتر"
سألها هو بتعجبٍ من حديثها:
"خوفتي من إيه ؟!"
_"خايفة من اللي جاي علينا، خايفة نكون مش قده علشان نستحمله، خايفة من كل حاجة"
ردت عليه بذلك تعبر عن مخاوفها حتى أمسك كفها بين كفيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا مش عاوزك تخافي، الخلفة دي رزق و ربنا هو اللي بيكرم بيه، لو كتبه لينا يبقى خير و بركة، محصلش يبقى الحمد لله على كل حال، كفاية إنك معايا و أنا هعتبرك بنتي و خلاص، مش عاوزك تسلمي دماغك للشيطان و افتكري إن اللي يتفائل بالخير بيلاقيه، ابشري"
تنهدت هي بعمقٍ ثم ردت عليه بوجهٍ مبتسمٍ:
"قـبـلـت البـشـرىٰ"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"بشرك الله بما تتمنيه و رزقكِ بما تُريديه"
تنفست بعمقٍ ثم سألته بحذرٍ:
"هو احنا هنا بنعمل إيه ؟! طالما هي رزق ؟!"
رد عليها مفسرًا يتفهم خوفها و قلقها:
"علشان الزرق عاوز سعي، احنا جايين نتطمن، إحنا بقالنا سنة و نص جواز و لسه مفيش أي حاجة، هنتطمن و خلاص و ربنا يكرم إن شاء الله"
حركت رأسها موافقةً ثم نزلت من السيارة بعدما نزل هو، أمسكت يده تصغط عليها من فرط قلقها فيما ابتسم هو يُطمئها حتى دلفا سويًا لدى الطبيبة التي كانت تنتظرهما من الأساس.
رحبت بهما بعد جلوسهما حتى مد "ياسين" يده لها بالأوراق و هو يقول بثباتٍ يتنافى مع خوفه:
"التحاليل اللي حضرتك طلبتيها مني و منها أهيه يا دكتور، اتمنى إن حضرتك تطمنينا، و لو فيه أي حاجة ياريت حضرتك تبلغينا سوا احنا متفاهمين و مقدرين الموقف"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم لهما قرآت التحاليل الخاصة بهما ثم تنهدت بعمقٍ و سألتهما بنبرةٍ عملية:
"لو حد من حضراتكم مُصر على الخلفة و التاني عنده مشكلة فيها ؟! هل دا هيفرق في حاجة ؟!"
حسنًا لقد استطاعت بحديثها بث الرعب بداخلهما سويًا فنظرا لبعضهما البعض بخوفٍ و تحدث هو مُقررًا بثباتٍ:
"لأ طبعًا، دي أرزاق ربنا بيقسمها، محدش بياخد كل حاجة، فيه ناس رزقها فلوس و ناس رزقها شريك صالح و ناس رزقها في الأولاد و ناس رزقها في كل دول، بالنسبة ليا مفيش مشكلة، وجودي هنا بس علشان نتطمن مش أكتر"
ابتسمت له الطبيبة و هي تقول بتعجبٍ من طريقة تفكيره:
"ما شاء الله ؟! إيه التفكير دا ؟! ربنا يكرمك و يكتر من أمثالك"
عقد ما بين حاجبيه فقالت هي بسخريةٍ:
"أصل من يومين بالظبط كان فيه زوجين هنا برضه و لما عرف إن المشكلة من عند مراته رمى عليها اليمين و خرج من هنا لوحده"
شهقت "خديجة"بخوفٍ و نظر لها "ياسين" بعينين مُتسعتين فزفرت الطبيبة بقوةٍ ثم قالت بوجهٍ مُبتسمٍ:
"على العموم اتطمنوا و افرحوا لأن أنا شايفة كل حاجة تمام قدامي، مفيش أي موانع عند أي حد من حضراتكم، مجرد تأخير طبيعي جدًا بيحصل في حالات كتير زي دي، متخافوش ربنا هيكرمكم قريب إن شاء الله"
ابتهج وجه كليهما فسألتها "خديجة" بلهفةٍ:
"بجد ؟؟ يعني أكيد كل حاجة تمام ؟! أنا اعصابي باظت خلاص"
ردت عليها مؤكدةً:
"أكيد كل حاجة تمام و الله متخافيش، بصي يا ستي دا طبيعي جدًا يحصل لحد ما كل حاجة بتحصل بالنصيب، و زي ما أستاذ ياسين قال، دا رزق و جايز يتأخر، دي حكمة من عند ربنا متقلقيش أنتِ بس"
تنفست "خديجة" بعمقٍ و كذلك "ياسين" ثم نزلا سويًا من عند الطبيبة بحالٍ غير الحال و كأن الروح عادت لهما من جديد، جلست "خديجة" في السيارة بفرحةٍ كبرى و هو أيضًا حتى سألها:
"ارتاحتي ؟! الحمد لله طلع طبيعي كدا بقى نطتمن و نرتاح لحد ما الرزق يجيلنا، إيه رأيك؟"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
"معاك طبعًا، الحمد لله على كل حال، بس أنا قررت قرار تاني كدا و عاوزاك تساعدني فيه"
عقد ما بين حاجبيه فقالت هي مسرعةً:
"فاكر قولتلي قبل كدا لو عاوز حاجة و نفسك فيها تعمل إيه؟"
حرك رأسه موافقًا ثم جاوبها بتيهٍ:
"الحاجة اللي عاوزها تجيلك روح و ساعد بيها غيرك، بس اشمعنا ؟"
ردت عليه هي بحماسٍ:
"دلوقتي أنا بقيت بروح الدار و الجمعية الخيرية كتير اوي و بقيت مسئولة هناك، عاوزة أساعد الاطفال اللي بيعانوا من الأمراض النفسية و بتأثر على تشكيل شخصيتهم، عاوزة أخليهم يخلصوا من كل العقد و كل الآلام النفسية اللي عندهم، كل طفل من دول لو حد بس ركز معاه في صغره هناخد بالنا بيعانوا فعلًا و إن حياتهم كلها متوقفة على طفولتهم، هتساعدني في حاجة زي دي ؟!"
ابتسم لها و هو يقول:
"الحاجة اللي عاوزها تجيلك !! روح وساعد بيها غيرك !! حاضر هساعدك يا ست الكل"
ابتسمت بسعادةٍ ثم ارتمت عليه تمسك ذراعه و هي تقول بحماسٍ:
"الله !! أنا فرحانة أوي النهاردة، سلمى نجحت و فرحتنا كلنا و أحمد فرحان و هدير حامل و فرحانة و عبلة البطيخة فرحانة، و أنتَ دلوقتي بقيت فرحان، يا رب نفضل فرحانين علطول"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"عقبال ما نفرح بخلود و عمار يا رب، علشان تبقى كدا كملت"
ضحكت هي بملء صوتها و هو أيضًا و كلًا منهما يفكر هل من المعقول تلك الدقائق القليلة لدى الطبيبة أعادت لهما الحياة من جديد بعد توترٍ دام لليالٍ من قبل النتيجة، و لكن الآن عادت الروح تستقر داخل أجسادهن من جديد في بدايةٍ جديدة تكتب لهما سويًا.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم شمس بكري
"إِن غِبت لَم أَلقَ إِنسانًا يُؤنسُني
وَإِن حَضَرت فَكُلُّ الناسِ قَد حَضَروا"
_مقتبس
_________________________
قيل في أحد المراسيل سابقًا:
"أن الحُب مثل العمى يُصيب القلوب، فتنغلق رؤيتها عدا رؤية من تُحب، فسبحان من جعل قلبًا أصيب بالعمى عن الحب يبصر برؤياكِ، سبحان الله خلق القلب ساكنًا و لم ينبض سوى لِـ عيناكِ.
في اليوم التالي خاصةً في الجمعية الخيرية ازداد حماس "خديجة" في معاونة الأطفال و اتخاذ أولى خطواتها بِـ همةٍ و نشاطٍ بعدما خطط معها "ياسين" و عاونها على الرغم من كونه لم يفهم شيئًا مما تريده هي لكنه قرر معاونتها فيما تريد، فيكفيه فرحتها و حماسها و البريق الساكن بين عينيها.
جلست هي في الغرفة مع "نوف" التي قررت معاونتها هي الأخرى فيما تريد و حينما سألتها عنما تود فعله أجابتها "خديجة" بحماسٍ:
"بصي يا ستي ؟! دلوقتي بما إنك بتدرسي سيكولوجية الطفل و بما إن الدار هنا فيها أطفال كتير باين عليهم المشاكل النفسية، فأنا عاوزة أساعدهم"
عقدت "نوف" ما بين حاجبيها و هي تقول بتعجبٍ منها:
"نساعدهم ؟! طب ما إحنا بنساعدهم فعلًا، مش فاهمة قصدك !!"
ردت عليها "خديجة" بنفس الحماس تفسر لها الأمر أكثر:
"يعني دلوقتي فيه كام طفل هنا سلوكهم غريب عن الباقي، منهم اللي عصبي أوي و منهم المنطوي الساكت و منهم اللي بيتكلم كتير و ملفت للنظر، كل دول غير اللي حواليهم، الأنواع دي لو ركزنا معاها هنلاقي إن المشاكل النفسية عندهم هتكبر و تتفاخم أكتر، احنا بقى هنحاول نحجم المشكلة و نلحقها قبل ما تتطور، بمعنى إننا نفهم سبب المشكلة و نحلها....ها فهمتي ؟!"
حركت "نوف" رأسها بتفهمٍ لحديثها بعدما ادركت مقصدها، ثم سألتها بلهفةٍ:
"طب ثانية !! أنتِ تعرفي الأطفال اللي عندهم المشاكل دي ؟؟ و لا لسه هتابعي ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
"عرفتهم و كتبت اساميهم و كمان جهزت كل حاجة، عاوزة بس منك الأسباب اللي خليتهم ييجوا هنا"
قالت حديثها ثم أخرجت ورقة من حقيبتها و هي تقول بحماسٍ:
"دي الأسماء بتاعتهم أهيه، بنت و ٣ ولاد، كل واحد فيهم عنده مشكلة غير التاني، المشاكل دي لو فضلت تكبر معاهم كدا عمرهم كله هيروح بطريقة غلط"
أيدت "نوف" حديثها لذلك قالت بهدوء تحاول التفاهم معاها:
"أنا فهماكي و كل حاجة بس دلوقتي أنتِ لاحظتي إيه ؟؟"
تنفست "خديجة" بعمقٍ ثم أجابت بتريثٍ و هدوء:
"بصي !! دلوقتي فيه ريماس دي أكتر بنت لفتت نظري هنا، علطول ساكتة و قاعدة لوحدها حتى اللعب مش بتلفت نظرها، و لو قعدت وسط البنات يدوبك ١٠ دقايق و تروح تقعد تاني لوحدها"
ردت عليها "نوف" بثباتٍ:
"علشان ريماس دي كانت وسط الأطفال في الشارع، للأسف مرات باباها بعد وفاته خليتها تنزل الشارع تبيع مناديل و حاجات غريبة كدا، و ريماس وسطهم كانت مظلومة و علطول مهمشة، علشان كدا واحدة كلمتنا و خليتنا أخدناها و جبناها هنا، حاولنا كتير معاها بس برضه هي مصممة تفضل ساكتة و لما تحاول تقعد معاهم بتحس إنها مش مرغوبة"
ردت عليها "خديجة" بلهفةٍ:
"أيوا خدت بالي، و غالبًا دي عندها بوادر رهاب اجتماعي، يعني لو كبرت على كدا هيتحكم فيها و يضيع حياتها، فيه ٣ ولاد كمان منهم واحد عنيف جدًا أقل حاجة تواجهه يكسر و يضرب و لما يكون هادي أوي بيشتم، فيه واحد تاني غاوي يلفت الانتباه ليه بأي شكل، بمعنى إنه فيه انانية و عاوز يكون هو اللي ظاهر بس حتى لو معملش حاجة غاوي يظهر أنه هو اللي ضحى و لاحظت أنه كاره أي حد غيره يتشكر فيه"
ردت عليها "نوف" تتفاهم مع حديثها و تفسره لها:
"يمكن علشان هو كان مُهمش أوي وسط الناس و علطول حاسس إن كلهم ظاهرين ميعادا هو علشان كدا غاوي يعمل شقاوة و يغطي على الكل بحضوره حتى لو كلامه ملهوش لازمة"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
"بالظبط و فيه واحد تاني طباعه غريبة يعني غاوي يخليهم يتخانقوا مع بعض و يضربوا بعض و بيكون فرحان رغم إن مفيش منهم صحابه، بس هو مش طايق أنهم يكونوا كويسين مع بعض و علطول لسانه طويل"
توقفت عن الحديث ثم أضافت من جديد:
"الفكرة هنا هي أني احولهم و أخليهم حاجة تانية، بس الفكرة ازاي اصلًا هقدر اتفاهم معاهم و أقنعهم ؟!"
ردت عليها الفتاة بهدوء و هي تفكر:
"الفكرة ازاي أصلًا نستغل الفكرة، يعني حاليًا في الدار سهلة ممكن نتعامل، لكن برة العالم مليان أطفال بتعاني نفسيًا و كل واحد منهم لأسباب الأهالي مش قادرة تفهمها"
ايدتها "خديجة" ثم أضافت:
"بالظبط، كل الحكاية في برة الدار و في المدارس و ازاي المدرسين اللي معندهمش ادراك لنفسية الطلاب بيكونوا سبب من أسباب الضغط عليهم، أنا عاوزة افهم الناس حاجة هما مش واخدين بالهم منها"
_"إيه هي يا خديجة ؟؟"
"إن الطفل زيه زي الشخص الكبير، إنه بيحس و بيتأثر و بيزعل، إن الطفل عادي يعيط لأن الراجل من حقه يعيط، لازم يفهموا إنه بيواجه مشاكل على قد سِنه، لازم يفهم إن العالم الصغير بتاعه دا فيه هموم برضه و إن العالم مش مناسب برائته"
عقدت الفتاة ما بين حاجبيها فهبت "خديجة" منتفضة من مكانها و هي تقول بسرعةٍ كبرى:
"أنا عندي حل، عن اذنك يا نوف، هروح ضروري و هكلمك"
حملت حقيبة ظهرها الصغيرة ثم رحلت على الفور بعدما أخرجت هاتفها، فيما نظرت "نوف" في أثرها بتعجبٍ من حملها و طريقتها تلك لكن داخلها تأكد أن "خديجة" ستنجح فيما تريده.
_________________________
في أحد الأسواق التجارية الكبيرة التي تحتوي على الكثير من المحال التجارية التابعة لماركات عالمية و مخلية و تحتوي على كل شيءٍ كان "أحمد" يسير في الرواق الكبير بين المحال و "سلمى" معه و تسير بجواره.
ابتعيا سويًا عدة أشياءٍ تلزم كلًا منهما لأول مرّة يخرجا سويًا بمفردهما بعدما أصبحت له أخيرًا و زال كل عائق وقف في طريقهما يمنع وصولهما، أشار لها أن يجلسا معًا في أحد الكافيهات.
جلست هي أولًا بعدما سحب لها المقعد ثم جلس هو مقابلًا لها و هو يبتسم بهدوء و ثباتٍ حتى سألته هي بتعجبٍ:
"إيه ؟! بتضحك كدا ليه ؟! علطول بشوفك مكشر"
رد عليها هو بثباتٍ:
"مستغرب.... أو مش مصدق، سلمى بقت ليا و معايا و خارجين سوا لوحدنا !! إحساس حلو بصراحة"
حاولت كتم بسمتها حتى قال هو بعدما زفر بقوةٍ:
"الفكرة نفسها إن الصبر حلو و نتيجته أحلى، بفكر بصراحة لو أنا كنت عملت حاجة غلط أو لفيت و دورت كتير أكيد كان هيبقى العقاب حرماني منك، دا في حد ذاته مرعب أصلًا"
ردت عليه هي بوجهٍ مُبتسمٍ:
"ماهو علشان مش كل الناس تقدر تتحكم في نفسها و هواها، أنتَ كان عندك إرادة إنك تحافظ عليا علشان أكون ليك، طبيعي إن النتيجة تكون وجودي معاك، صحيح أنا مستغربة حكاية كتب الكتاب دي، بس يلا مشيها"
رفع حاجبه بتهكمٍ و هو يقول:
"لأ يا شيخة ؟! و الله ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"خلاص متبقاش كِشري كدا و فك بهزر معاك، بس بجد أنا استغربت حكاية كتب الكتاب"
رد عليها هو مُسرعًا يفسر سبب عقد قرانهما سويًا بتلك السرعة:
"علشان اللي جاي علينا عاوز وجودي معاكِ، و أنا مقدرش أني أقدر التزم بفترة خطوبة و عارف إن عمي هيتعبني فيها، علشان كدا كتبت الكتاب و بقيتي مراتي رسمي، لكن برضه حياتك زي ما هي أنا هفرض نفسي عليكِ"
عقدت ما بين حاجبيها بحيرةٍ تملكت من ملامحها فقال هو مفسرًا:
"يعني كأنك مخطوبة، زي ما أنتِ في بيت أهلك و مع أخواتك و أنا دوري أشجعك و أدعمك و أكون في ضهرك، مش عاوزك تحسي إن جوازنا بيكتفك، طول ما أنتِ صح أنا معاكِ لحد ما تتخرجي و أكون جهزت نفسي"
ابتسمت هي بفرحةٍ و فخرٍ به حتى قالت:
"أنا كنت هتكلم معاك في كدا، كنت هقولك لسه إني محتاجة وقت علشان أخد على وضعنا سوا، بس خوفت تزعل أو تفهمني غلط"
تبدلت نظرته إلى التفهم لذلك قال بهدوء و وقارٍ يناسب ركوز شخصيته:
"واحد تاني غيري يفهمك غلط، لكن أنا حافظك و عارفك و عارف تفكيرك كويس، أنا مش عاوز علاقتي بيكِ تكوني حِمل عليكِ، عاوزك تطمني إن من الدنيا دي كلها أنا معاكِ و بدعمك و في ضهرك، عاوز نكون صحاب و حبايب، أنا و الله هحاول بكل طاقتي علشان أوفرلك كل اللي تحتاجيه في علاقتي بيكِ"
حركت رأسها موافقةً ثم تنفست بعمقٍ و قالت بهدوء:
"عارف !! أول مرة أخد بالي إن تفكيرك حلو و واعي كدا، فيك. مميزات كتير بس أنتَ مش بتظهرها"
تحدث هو بثباتٍ:
"علشان أنا مش محتاج أثبت حاجة لحد، كل واحد مصمم يشوف الناس بعينه هو، فيه واحد شايفني حلو و ذوق و مؤدب و حابب يتعامل معايا، و واحد تاني شايفني رخم و بارد و تنح و مش طايق حتى وجودي، سواء دا أو دا أنا مش مطالب أثبت لحد فيهم أي حاجة، شوفني زي ما أنتَ عاوز و أنا هعاملك زي ما أنا حابب"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"دا طلع فيه وليد تاني جواك أهوه، أنا قولت قبل كدا إنك نسخة منه و الله قالولي مستحيل"
رد عليها مُبتسمًا:
"علشان أنا مداريه و مش غير بيخرج للحبايب بس"
أنهى حديثه ثم أضاف لها من جديد بثباتٍ:
"أنا بس عاوز أقولك حاجة، أنتِ داخلة على الجامعة يعني حياة تانية، أنا طبعًا واثق فيكِ و في أخلاقك بس مش عاوزك تأمني لأي حد هناك بسرعة، عاوزك تختاري الناس هناك بعناية، طبعًا ولاد ممنوع أصلًا يكون فيه تعامل معاهم"
ردت عليه هي مُسرعةٍ:
"أيوا، جميلة قالتلي حرام و إن فيه أداب اختلاط لازم أعرفها و إن لازم أغض بصري عن أي حد، بس هي متعرفش حاجة"
عقد ما بين حاجبيه فأكملت هي بتلقائيةٍ:
"أنا عيني مش شايفة غيرك"
تفاجأ هو من كلمتها التي خرجت منها بكل تلك العفوية حتى أضافت هي بتلعثمٍ:
"أقـ....أقصد يعني إني مش بشوف حد غيرك....يعني أنا بحبك أنتَ، أكيد لازم أحافظ على حبك دا، و أحلى حاجة حصلت اننا كتبنا الكتاب، علشان أكون معاك"
رد عليها هو بعدما زفر بقوةٍ:
"أنا عارف و الله كل حاجة و ساعات بفكر أني مستاهلش حبك دا، بس أنا بحارب علشانك و سيبت كل حاجة كانت بتضايقك مني و لا مش واخدة بالك !!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
"لأ واخدة، بطلت قعدة الكافيهات و القهاوي و صحابك إياهم و كمان شلة الجامعة و البنات اللي فيهم بطلت تكلمهم، خلود فتنت و قالتلي كل حاجة"
ضحك رغمًا عنه و هو يقول بيأسٍ منها:
"أنا محدش موديني في داهية غير خلود دي و الله، ماشي.... صبرها عليا"
ردت عليه هي بثباتٍ:
"و هو أنتَ غيرت نفسك علشاني ؟! و لا حاجة تانية ؟!"
تحدث هو يجاوبها مُفسرًا:
"علشانك أنتِ و الله، أنا عارف إنك كنتي علطول تضايقي من قعدتي معاهم و عارف إنك كنتي بتعلقي على أسلوب حياتي، بس أنا لما حطيتهم في كفة و حطيتك في الكفة التانية، كفتك طبت، غلاوتك عندي كانت أهم من كل حاجة و لقيت نفسي بحارب نفسي علشانك أنتِ برضه"
ازدردت لُعابها بتوترٍ حتى أمسك يدها و هو يقول بسرعةٍ:
"تعالي معايا بسرعة علشان نلحق اليوم من أوله، يلا بينا"
أمسك يدها و الحقائب بيده الأخرى و هو يسحبها معه و هي تسير خلفه بتعجبٍ منه لكنها تعلم تمام العلم إنها معه في أمانٍ.
________________________
توقفت سيارة الأجرة أسفل بيت آلـ «الرشيد» و نزلت منه "خديجة" و هي تهاتف "ياسين" حتى رحلت سيارة الأجرة فقالت هي بصوتٍ هاديءٍ:
"الحمد لله وصلت أهو و بقيت تحت بيتنا، تعالى بعد ما تخلص شغلك و نروح سوا، بس متتأخرش"
رد عليها هو بيأسٍ:
"حاضر يا أستاذة خديجة، حاجة تاني ؟! أؤمري"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"الأمر لله يا سيدي، تعالى بسرعة بس علشان عاوزاك و عاوزة وليد معاك، متتأخرش عليا"
_"مقدرش يا ست الكل"
رد عليها بذلك حتى تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بسرعةٍ:
"طب خلاص بقى يا سيدي، متتأخرش و أنا هطلع لبابا"
أغلقت معه الهاتف ثم دلفت البيت و وقفت أمام المصعد و قد فُتِح بابه و خرج منه كلًا من "طارق" و معه "جميلة" ابتسمت هي لهما و هي تقول:
"حبايبنا الرايقين ؟! رايحين فين كدا ؟! مش تستنوا نقعد سوا ؟!"
رد عليها "طارق" مفسرًا بنبرةٍ ضاحكة:
"هو بصراحة احنا رايقين فعلًا و رايحين فرح مُدرسة صاحبة جميلة، بس مش هنتأخر شوية و راجعين، عاوزة حاجة ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
"لأ شكرًا ربنا يسعدكم إن شاء الله، أنا يدوبك هطلع أقعد مع بابا شوية يكون وليد رجع من شغله، عن اذنكم"
ردت عليها "جميلة" مسرعةٍ:
"طب خليكي هنا لحد ما نرجع تمام ؟! عاوزة أقعد معاكِ شوية"
حركت "خديجة" رأسها موافقةً ثم ودعتهما و ركبت المصعد بحماسٍ، فيما نظرت "جميلة" في أثرها بفرحةٍ يتخللها تَعجبٍ فسألها "طارق":
"مالك بتبصي كدا ليه ؟! فيه حاجة ؟؟"
ردت عليه مفسرةً:
"مستغربة خديجة بصراحة، بقت حاجة تالتة خالص غير ما حكيتولي عنها و غير ما شوفتها أنا، أنا بحبها أوي"
رد عليها "طارق" بهدوء:
"هي غلبانة أوي و تستاهل كل خير، زيها زيك كدا قلبها جميل أوي"
ابتسمت هي له حتى أمسك يدها و هو يقول بسرعةٍ:
"يلا يا ستي، علشان تلحقي ترجعي و تقعدي مع خديجة"
_________________________
في شقة "ميمي" جلس "خالد" بجوار ابنه "يونس" يعلمه كتابة أحد الحروف و لكن كل المحاولات باءت بالفشل لذا تحدث "خالد" بيأسٍ و قلة حيلة:
"يابني !! اقسم بالله الأربعة سنتين بس، مبننزلش بيها لأخر الصفحة، تعبتني يالا"
تدخل "عامر" يقول بحنقٍ و صوتٍ عالٍ:
"بالراحة يا عم !! الله ؟! ما تسيبه براحته، ينزل بيها لأخر السطر، هو بينزل بيها على دماغك !!"
رفع "خالد" حاجبه له فرجع "عامر" عن حديثه متقهقرًا بقوله:
"خلاص....ياكش ينزل بيها على الجيران هو حر هو و أبوه"
تدخل "ياسر" يقول مُعقبًا على قرار دخول "يونس" الحضانة:
"بصراحة مكانش وقته يا خالد، يونس لسه صغير أوي، دا يدوبك ٣ سنين و نص، كدا هيتخنق"
ردت "ميمي" مسرعةٍ:
"لا كدا حلو، علشان على دخول المدارس يكون اتعود و خد على الجو، يونس ما شاء الله نبيه و دماغه حلوة الأحسن يستغلوا طاقته ديه"
أيدها "خالد" ثم أضاف:
"بالظبط، الفكرة كمان إنه خد على المشاركة، بقى واخد على الناس و بقى فاهم إن فيه ناس غيره، بصراحة مش ندمان أنه دخل الحضانة غير إنه عنده عقدة مع رقم أربعة"
اقترب "عامر" يحمل "يونس" على قدمه ثم أمسك القلم بيد "يونس" و يده هو الأخر ثم قال يتفاهم معه:
"بص يا يونس عامر هيكتب ازاي، بص و أعمل زيي يلا"
حرك "يونس" رأسه موافقًا ثم صب كامل نظره على كف "عامر" و هو يكتب الرقم الكبير وسط الصفحة، كتبه "عامر" ثم كرر الكرة من جديد حتى أبعد كفه ثم ترك "يونس" يكتبها بمفرده، حاول "يونس" عدة مراتٍ حتى نجح في المرة الخامسة، حينها قبله "عامر" ثم قال مُهللًا:
"برافو يونس، برافو...صقف ياض منك ليه، صقفوا بدل ما أخليه يصقف على وشوشكم"
قال حديثه لكلٍ من "ياسر" و "خالد" حتى صفقا سويًا له فقال "يونس" و هو يصفق لنفسه بمرحٍ:
"برافو .... يونس .... برافو"
اقتربت منه "ميمي" تحمله بيدها و قد عاونها في ذلك "ياسر" حتى جلس على فخذها فرفعت كفها تمسح وجهه ثم استقرت بكفها فوق رأسه تقرأ له أياتٍ من القرآن الكريم حتى وضع هو رأسه على كتفها كعادته و هو يبتسم لهم، فقال "عامر" بتشككٍ:
"هو الواد دا بيكيدني !!"
تحدث "ياسر" بيأسٍ منه:
"يابني بقى !! طلع الواد من دماغك، بعدين دا متربي ريح نفسك مش هيكيد حد دا"
رفع "عامر" حاجبيه فوجد "يونس" يغمز له حينها شهق بقوةٍ و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
"أهـــو !! و الله بيـكـيـدني"
نظر كلًا منهما للأخر بيأسٍ فيما ضحكت "ميمي" بصوتٍ عالٍ و كأنهما طفلين صغيرين في عمر الزهور.
________________________
في الداخل بِـ إحدىٰ الغرف الموجودة بالشقة كانت تجلس الفتيات مع بعضها و كلًا منهن تقوم بتجهيز الحقيبة الخاصة بالولادة و "ريهام" تعاونهما في ذلك، زفرت "سارة" بيأسٍ فسألتها "ريهام" بتعجبٍ:
"مالك !! أوعي تعمليها دلوقتي احنا لسه مقفلناش سوستة الشنطة، فيه إيه ؟!"
ردت عليها "سارة" بقلة حيلة:
"تعبانة أوي يا ريهام، حاسة أني مش قادرة، من ساعة ما دخلت في التاسع و أنا كل شوية اتعب"
تدخلت "إيمان" تقول بتعبٍ هي الأخرىٰ:
"طب أنتِ و بدأتي في التاسع، أنا بقى مال أمي ؟! بتعب في التامن ليه ؟!"
ردت عليها "ريهام" بضجرٍ منها:
"مشوفتش في بجاحتك، عاوزة تكوني حامل في توأم و كمان مش عاوزة تتعبي، مخبية على ياسر انهم توأم ليه ؟!"
ردت عليها بخبثٍ:
"عملهاله مفاجأة يا ستي، و بعدين احنا منعرفش هما بنتين و لا ولدين و نوعهم إيه، الدكتورة قالتلي توأم و خلاص، اللي مساعدني إن بطني طبيعية الحمد لله مش كبيرة أوي"
تنهدت "ريهام" بعمقٍ ثم قالت:
"إن شاء الله تولدوا و تقوموا بالسلامة و يكرم خديجة هي كمان إن شاء الله و جميلة معاها، علشان كدا تبقى حضانة ميمي رسمي"
ضحكت "إيمان" و هي تقول من بين ضحكاتها:
"أنا متخيلة مثلًا بعد كام سنة كدا كلنا هنا بالعيال دي كلها إن شاء الله، هتبقى حاجة سكر"
ضحكت كلًا منهن و هي تتخيل الآتِ عليهن فهل سيكون مثلما أتى بذاكرتهن ؟!"
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» وصلت "خديجة" شقة والدها فوجدته يجلس بمفرده و والدتها بالداخل، جلست معه بمفردها تتحدث معه حتى تحدث هو بنبرةٍ ضاحكة:
"بس الشهادة لله محمد لو مماتش مجلوط من وليد هيموت مشلول من أحمد أخوكي، الاتنين طبعهم صعب و هو الله يصبره"
ضحكت هي بصوتٍ عالٍ ثم سألته من جديد:
"يعني أحمد خرج مع سلمى من غير ما عمي محمد يعرف ؟! يا وقعة سودا ؟! استر يا رب، بابا !! أكيد هتقف في ضهر أحمد صح"
تلاشت بسمته تلقائيًا و قال مسرعًا بخوفٍ:
"ها.....آه طبعًا، بس أنا هخلي مرتضى و محمود يكونوا مكاني، محمد هيستهيفني اكمني أنا الصغير"
لوت فمها بتهكمٍ حتى خرجت والدتها من الداخل تقول بقلة حيلة:
"هما الجوز السِوَس منهم لله، كبروها في دماغه و وليد قاله اتطمن و خلود أمنت الدنيا ليهم، لسه لما محمد يعرف هو راح مشوار تبع الشغل"
ابتسمت "خديجة" تطمئنها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"متخافيش يا ماما عمو محمد بيحب وليد أوي و أكيد هيقدروا، عمو محمد بيحترم دماغ وليد أوي"
_________________________
"دا أنا هكسر دماغ أبوك الليلة دي يا ابن مرتضى !! أخــرج يـالا مــن الـبـلكـونة"
صرخ "محمد" بذلك الحديث في شقته و هو يقف داخل الشرفة و "وليد" خارجها يقف ببرود حتى حرك كتفيه و هو يقول:
"قولتلك بالهدوء و أنتَ مش راضي تسمعني، حصل إيه يعني لما خد مراته يخرجها ؟! البت خارجة من كبت ثانوية عامة، بطل أفورة بقى !!"
ضرب عمه الباب من الداخل فراقص "وليد" حاحبيه له حتى اقتربت "عبلة" تقول بقلة حيلة و ضحكاتها اليائسة تتخلل حديثها:
"خلاص بقى !! هو انتوا ضراير ؟! يا ماما تعالي شوفي حل بقى أنا تعبت منهم"
خرجت "سهير" من المطبخ تتأفاف بضيقٍ و ضجرٍ من ذلك الازعاج و حينما وجدت "محمد" داخل الشرفة شهقت بقوةٍ و هي تقول بسخريةٍ:
"يا وقعتك السودا ؟! حابس عمك يا حيوان ؟! افتح يالا"
ركض "وليد" يقف خلف زوجته ثم قال بقلقٍ بالغٍ:
"طب استني ؟! أنا هقف ورا عبلة و أنتِ افتحي الباب علشان لو فكر بس يقرب مني أرمي عليه بنته و اللي في بطنها، يلا"
اقتربت "سهير" تفتح الشرفة لزوجها الذي اتقدت عينيه بشررٍ يرمق به "وليد" الذي أمسك كتفي زوجته من الخلف و هو يزدرد لُعابه بخوفٍ و قبل أن يركض نحوه عمه تحدث هو بسرعةٍ كبرى:
"حلفتك بالله تستنى !! أقف و أنا هراضيك حالًا، مقدرش على زعلك أنا و الله"
توقف "محمد" و هو يزفر بقوةٍ فاقترب منه "وليد" يقف مقابلًا له و هو يقول بنبرةٍ هادئة ثابتة:
"أنا عارف أني تعبتك و جيت عليك، بس أحمد بقى جوزها و لازم تفهم كدا، الناس كلها عرفت و صورهم غرقت الدنيا خلاص يا عم محمد، و أنا ميرضنيش زعلك، اتفضل"
وضع كفه في جيب بنطاله ثم أخرج منه حقيبة بلاستيكية صغيرة الحجم، سألها عمه بنبرةٍ جامدة:
"إيه اللي في إيدك دا ياض ؟!"
وضعه "وليد" في كفه و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"دا دوا الضغط يا عمي، بالشفا"
ركض بعد جملته تلك نحو باب الشقة حتى قذفه "محمد" بالدواء و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
"يالا يا بجح يا سافل"
خرجت "عبلة" خلف زوجها من الشقة و هي تضحك عليه هي الأخرىٰ، فارتمى حينها "محمد" على الأريكة و قد اقتربت منه "سهير" تجلس بجواره ثم ربتت على كتفه و هي تحاول كتم ضحكتها و حينها قال هو بقلة حيلة:
"ربنا مسلط عليا وليد يا سهير، الواد بيخلص مني اللي عملته و أنا صغير، وليد بيربيني يا سهير....دماغي تعبت منه"
ربتت على كتفه من جديد و هي تقول بقلة حيلة:
"معلش يا محمد، أنتَ عارفه شقي و لبط بس قلبه أبيض، و عارف كمان إن أحمد عنده حاجة تانية، طول عمرهم صحاب و قريبين من بعض، طب دا الكل فاكرهم توأم"
زفر بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
"دماغي صدعت منه و ورمت من تربية مرتضى"
ردت عليه هي بسرعةٍ و تلقائيةٍ:
"أجيبلك دوا الضغط ؟!!"
حرك رأسه نحوها بسرعةٍ كبرى حتى حمحمت هي ثم قالت بتوترٍ:
"آه...طب هقوم أشوف الغدا قبل ما طارق يرجع، عن اذنك"
تحركت من أمامه ركضًا نحو الداخل حتى ضرب كفيه ببعضهما و هو يقول بقلة حيلة:
"يا رب....أنتَ العالم بحالي، خدلي حقي من بيت المجانين دا"
_________________________
"صار الوَرد فِي أراضِينا....عَرِفت الفَرحة اغانينا"
عبارة دونها "أحمد" الرشيد و هو يوثق علاقته بـ "سلمى" عبر موقع الفيسبوك لتصبح الأيقونة مُثبتة بكلمة زوجته ثم بعدها بدأ في يومه الذي خطط هو له حيث وقف في المول التجاري و خاصة ّ أمام مدينة الألعاب الإلكترونية ثم سألها بهدوء:
"إيه رأيك ندخل نلعب شوية و نقضي اليوم هنا ؟! تيجي؟!"
حركت رأسها موافقةٍ بحماسٍ ثم أضافت بخجلٍ بعدما أدركت المكان:
"بس.... بس أنا مبعرفش ألعب الحاجات دي أصلًا، يعني شكلي هيبقى وحش أوي قدامك"
ابتسم هو بهدوء ثم اقترب منها يمسك كفيها و هو يقول بصوته الرخيم:
"يعني هو أنا اللي بعرف ؟! تعالي معايا بس و نجرب حظنا سوا"
ابتسمت هي له ثم حركت رأسها موافقةً و قبل أن يدلف بها المكان قال بهدوء بعدما ارجع رأسه للخلف:
"على فكرة شكلك عمره ما يبقى وحش أبدًا، أنا علطول فخور بيكِ"
ارتفعت ضربات قلبها نتيجةً لحديثه الطَرِب على أذانها فيما ضغط هو على كفها ثم سحبه خلفه، كان المكان ممتلئًا بالإضاءة الملونة و شاشات الألعاب بادواتها و بعض النظارات الكرتونية كبيرة الحجم، وقفا مع بعضهما يلعبان سويًا و هو يُعلمها طريقة اللعب دون أن يكشف مهاراته أمامها، و كلما ربحت هي كانت تقفز بفرحةٍ كبرى حتى ازداد حماسها و احتضنته دون أن تعي هي لذلك أما هو فابتسم بهدوء ثم قال بخبثٍ بقرب أذنها بنبرة هامسة:
"روحي يا شيخة ربنا ينجح مقاصدك دايمًا، كتب الكتاب دا طلع حلو أوي"
اصطبغ وجهها باللون الاحمر و هي تبتعد عنه، حتى غمز هو لها بثباتٍ ثم قال بعدما حمحم بخشونةٍ:
"تعالي نروح مكان تاني، أنا واثق إنه هيعجبك أوي، تعالي يلا"
ذهبت معه حتى خرجا من المكان و دلفا الأخر الذي يمتليء بالشباب و الفتيات، عقدت ما بين حاجبيها و سألته:
"هي إيه الزحمة دي كلها يا أحمد ؟! إيه المكان دا ؟!"
رد عليها بنبرةٍ ضاحكة:
"دي أوضة التنطيط، هنتنطط سوا أنا و أنتِ إيه رأيك ؟!"
زاد الحماس في نظراتها و انفعلات وجهها و ودت في تلك اللحظة أن تقفز و تصرخ بملء صوتها، فيما تحرك هو نحو الداخل و هي معه و بعد مرور دقائق بدأت للأصوات ترتفع و صوت الهتاف المرح من الجميع و خاصةً هي حيث كانت تقفز معه و هو يمسك كفيها معًا و صوت ضحكاتهما الرنانة تختلط بأصوات البهجة خلفهما.
_________________________
في بيت آلـ "الرشيد" جلس "وليد" مع "خديجة" و "عبلة" معهما حتى أتى "ياسين" من عمله و جلس معهم جميعًا بعدما اخبرتهم هي بأنها تريدهم جميعًا.
بعد أن حدثتهم هي عنما تريده لم يفهم أيًا منهم ماذا تريد حتى سألها "وليد" بحنقٍ منها:
"بـــت !! أنا مش فاهم منك حاجة، أنتِ عاوزة إيه يا ست أنتِ ؟! ما تشوف مراتك يا عسلية ؟!"
وجه حديثه لـ "ياسين" الذي قال بقلة حيلة:
"ماهو أنا لو فاهم هفهمك، بقولك إيه يا ست الكل ؟! واحدة واحدة كدا علينا و اعتبرينا اغبيا، عاوزة إيه ؟!"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
"بصوا !! عاوزة انشر فكرة الوعي في التعامل مع الطفل، بمعنى أني أخلي الناس كلها تعرف إن الأطفال أنواع و مش كلهم حاجة واحدة، يعني فيه طفل عاوز المسايسة و طفل عاوز الحكمة و طفل عاوز الحنية و الهدوء، أنا هبدأ في الدار، بس عاوزة الناس كمان برة الدار، يعني الأهالي في البيوت تفهم طريقة تعامل ولادها و المدرسين في المدارس و بالتالي هيشجع الطلاب أنهم يروحوا و يذاكروا، ها فهمتوا !!"
رد عليها "وليد" مفسرًا قولها بقوله:
"بصي !! على حسب ما فهمت منك يعني إنك عاوزة تخلي الناس تتعامل مع الاطفال زي الكبار، صح ؟! عاوزة بقى تنشري الفكرة في العموم، دي بقى نعملهالك ازاي ؟!"
ردت عليه بتهكمٍ:
"دا على أساس إنك فَران ؟! أومال الدعاية و الإعلان اللي حضرتك بتشتغل فيها إيه ؟!"
رد عليها هو بتهكمٍ يماثل طريقتها:
"نَــعم !! و مين هيحاسبنا ؟! هي الشركة دي سبيل لله كدا ؟! إيه الثقة دي ؟؟"
ردت عليه بتلقائيةٍ:
"علشان دي شركة أخواتي، يعني شركتي، و لا أنتَ ليك كلام تاني"
تدخل "ياسين" يقول بسخريةٍ:
"يعني علشان هي شركة أخواتك نيجي على الناس ؟! الحملة الدعائية دي بتكلف كتير أوي"
ظهر الاحباط على ملامح وجهها و نظرة عينيها حتى لاحظها "ياسين" فوقف بجوارها و هو يقول بثباتٍ:
"بس أنا معاكِ و اللي أنتِ عاوزاه أنا هنفذه، قوليلي عاوزة إيه ؟!"
حركت رأسها نحوه مُسرعةٍ و قد تحولت نظراتها إلى أخرى متلهفة و متوسلة، حتى قال هو يُطمئنها:
"أنا هتكفل بمصاريف الدعاية، و وليد و الشباب يساعدونا، حلو كدا ؟!"
حركت رأسها موافقةً فتدخل "وليد" يقول بقلة حيلة:
"يا عم استنى بس أنا مش قصدي على الفلوس، بس عاوز خديجة تفهم حاجة معينة، إن الحكاية مش سهلة كدا، يعني لو الموضوع لا قدر الله فشل مش عاوزها تيأس و تكتئب، خديجة أنا عارفها، طالما اختارتي طريق يبقى تتحملي نتايجه مهما كانت"
ردت عليه باصرارٍ و حماسٍ في آنٍ واحدٍ:
"متخافش، حتى لو منجحش هبقى حاولت علشانهم، أنتَ مش متخيل كم الأطفال اللي حياتها بتبوظ و تطلع مُعقدة نفسيًا بسبب الإهمال النفسي، صدقني و الله أنا عاوزة أخد الخطوة دي"
تدخلت "عبلة" تقول بحماسٍ هي الأخرى:
"معاكي حق، أنا كمان موافقة و عاوزة أساعدك يا خديجة، هستغل الحاجات اللي اتعلمتها و هساعد وليد فيها، و وئام و طارق أكيد مش هيقولوا لا و حتى حسن و أحمد، اتطمني كلنا هنساعدك"
ابتسمت هي لها فقال "وليد" مسرعًا:
"خلاص أنا هعمل page خاصة بالحملة دي و الفكرة ككل، و نبدأ ننشرها و أنا هعمل تصاميم كدا تليق بالحملة دي إيه رأيك ؟!"
اقتربت منه تسأله تمسك ذراعه و تسأله بلهفةٍ:
"بجد ؟! هتعمل كدا علشاني ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"آه هعمل كدا علشانك، المهم إنك تكوني مبسوطة و مش متضايقة"
احتضنته هي بحماسٍ حتى ربت هو على كتفها و قال بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يفرحلي قلبك دايمًا يا رب"
في تلك اللحظة خرجت "خلود" من الداخل و حينما رآتهما مع بعضهما قالت بتهكمٍ:
"و الله ؟! أباجورة أنا هنا ؟!"
فتح "وليد" ذراعه الأخر لها و هو يضحك حتى اقتربت منه بحماسٍ تحتضنه هي الأخرى، فتحدث "ياسين" بسخريةٍ:
"مكوش على كله مش عاتق نفسه و لا عاتق حد"
راقص "وليد" حاجبيه له ثم قال موجهًا حديثه لزوجته:
"تعالي يا سوبيا أنتِ كمان في حضن أخواتك"
اقتربت منهم "عبلة" و هي تضحك فقال "وليد" يعاند الأخر:
"روح بقى يا ياسين و لا اقعد في حتة هنا على جنب زي ما أنتَ شايف احنا أخوات في بعضينا"
رمقه "ياسين" بغيظٍ فابتعد عنهن "وليد" ثم اقترب منه يقول بثباتٍ يشوبه مرحٍ طفيفٍ:
"بس دا ميمنعش إنك أخويا الكبير و حبيبي، آه أنا مش قليل الأصل"
ضحك "ياسين" رغمًا عنه ثم احتضنه و هو يقول بقلة حيلة و كأنه غُلب على أمره:
"يا أخي تعبتني بقى، مصيبتي أني بحبك و بحب عيلة الرشيد"
سأله "وليد" بخبثٍ:
"بتحبني و بتحب عيلة الرشيد برضه ؟! هنمشيها ؟!"
ضربه "ياسين" على ظهره بضجرٍ منه حتى ضحك "وليد" رغمًا عنه و هو يتأوه فضحكت الفتيات عليهما.
_________________________
توقف "أحمد" بالسيارة أسفل البيت و كانت "سلمى" بجواره تبتسم بفرحٍ حتى سألها قبل أن يخرج من السيارة:
"ها إيه رأيك ؟! فرحتي ؟!"
ردت عليه بلهفةٍ:
"فرحت بس ؟! أنا أول مرة أفرح كدا، أقولك على حاجة، الأماكن دي كنا بنروحها كتير بس مكنتش بفرح فيها، النهاردة بس فرحت فيهم و أنا معاك"
ابتسم هو باتساعٍ حتى قالت هي بهدوء تثني عليه بأخلاقه:
"عارف ؟! أنا فخورة بيك أوي يا أحمد، بجد و الله، عمري ما كنت أتخيل إنك تبقى كدا، كنت بخاف عليك أوي تضيع نفسك، علطول كنت بحس أني عاوزة اتطمن عليك، عاوزة انصحك، بس كنت بخاف أوي تزعل مني أو تفهمني غلط"
ضيق جفنيه فوق مقلتيه و هو يسألها بغموضٍ و تشككٍ:
"علشان كدا كنتي بتفضلي تعملي لينا كلنا mention على الفيسبوك علشان كدا ؟! بتدسي السم في العسل ؟!"
رفعت حاجبها و هي تقول بسرعةٍ هي الاخرى:
"يا سلام ؟؟ طب ما أنتَ نزلت أغنية أنا مش معاهم أنا معاكِ، دي كانت إيه ؟! نشرة أخبار ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف بوجهٍ مُبتسمٍ:
"لأ دي كانت حقيقة، كنت بوصلك رسالة أني عاوز أعمل أي حاجة علشانك أنتِ، اكتر حتة بحبها في الأغنية هي أنا كنت تايه و صغير و الحب خلاني أتغير علطول بشوفني أنا و أنتِ في الأغنية دي، لو العمى حب بيصيب القلوب، فأنا قلبي بصيرته نورت بوجودك معايا"
لمعت العبرات في عينيها تأثرًا بصدق حديثه و نبرته حتى أضاف هو بثباتٍ:
"كدا الورد فعلًا بقى أراضينا و كدا الفرحة بقت في أغانينا"
ابتسمت هي له ثم فتحت باب السيارة فنزل هو الأخر ثم حمل الحقائب من يدها و قبل أن تصر على حملهم، قال هو مسرعًا:
"لأ، أنا مش كيس جوافة، اتفضلي، أنا اللي هشيل"
صعدا سويًا حتى قابلا "ياسين" و "خديجة" و "وليد" و "عبلة" معهما أمام شقة "محمد"، انتشرت أصوات الترحيب بهم و المباركات و في تلك اللحظة فُتح باب الشقة بواسطة "محمد" و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"يا أهلًا يا أستاذ أحمد ؟؟ يدوبك أول يوم و راجعلي بيها بليل كدا ؟! لو الوضع هيفضل كدا يبقى دي فيها كلام تاني"
شعرت "سلمى" بالخوف و قبل أن يتحدث "وليد" أوقفه "أحمد" حينما أشار له بكفه ثم التفت يقول لعمه بثباتٍ و ثقةٍ:
"كلامك حلو و فوق راسي، بس محله غلط عندي ملوش إعراب يا عمي، دي مراتي و أنا معملتش حاجة غلط، خرجت معاها علشان دا حقي و حقها، أظن لحد أخر لحظة أنا كنت قد كلمتي و حافظت عليها و هي كمان جابت المجموع و طالعة من أوائل الجمهورية و كلها يومين و التلفزيون ييجي يصور معاها هنا، أنا مش وليد هفضل أضحك و أهزر و أعاند، لأ ... أنا يوم ما هيفيض بيا، هقولك مراتي معايا و مسئوليتي و أنا قادر اتكفل بيها، أبوس رجلك بلاش نكد و خلينا فرحانين كلنا .... تمام ؟!"
لم يرد "محمد" على حديثه فاقترب "أحمد" يقبل رأسها أمامهم جميعًا ثم قال لها بوجهٍ مُبتسمٍ:
"تصبحي على خير، بكرة إن شاء الله هروح أسأل في الجامعة و أشوف كدا كل حاجة محتاجينها علشان أجهزها ليكي....عن اذنكم"
ابتعد عنها ثم رحل بعدما استأذن منهم جميعًا و حينها ابتسم "ياسين" بيأسٍ من شباب تلك العائلة، فيما اقترب "وليد" منه عمه يقول مُتشفيًا به:
"اللهم لا شماتة، بس أنا شمتان و الله، الواد طلع جامد زيي، تربيتي"
أمسكه "محمد" من رقبته يهز جسده بعنفٍ حتى انقذه "ياسين" من بين ذراعيه و هو يضحك و يقول من بين ضحكاته:
"خلاص يا عم محمد حقك عليا أنا، نصيبك بقى إنك تلبس في عيال أخواتك، خليها عليا أنا"
تركه "محمد" على مضض فسعل "وليد" بشدة ثم قال و هو يلهث بقوةٍ و يهندم ملابسه:
"ماشي....لما أخليك تشوف أحفادك في محكمة الأسرة متبقاش تزعل بقى"
قبل أن يركض "محمد" خلفه ركض "وليد" و سحب "ياسين" معه على درجات السلم فيما ركبت كلًا من "خديجة" و "عبلة" المصعد فطالعت "سلمى" والدها بخوفٍ حتى سألها هو بسخريةٍ:
"ها يا ست ورد ؟! نورت أراضيه ياختي ؟! يلا يا حلوة ادخلي"
دلفت الشقة و هي تحاول كتم ضحكتها حتى قالت بقلة حيلة:
"بس و الله طيب و غلبان، دا كاتب Captain سكر زيه"
_________________________
في الأسفل وقف الأربعة مع بعضهم، فتحدثت "عبلة" تسألهما:
"طب انتم هتروحوا فين دلوقتي ؟!"
ردت عليها "خديجة" بتعبٍ:
"هنروح عند ميمي علشان البنات هناك و عاوزينا نروح سوا، انتو نازلين دلوقتي ليه؟!"
رد عليها "وليد" مفسرًا:
"عبلة مخنوقة و عاوزة تتمشى شوية، هنلف بالعربية نجيب شوية حاجات و أمشيها شوية و نيجي، تيجوا معانا ؟!"
رد عليه "ياسين" بأسفٍ:
"العيال مستنييني هناك و لو مروحتش هيزعلوا، مرة تانية إن شاء الله"
حرك "وليد" رأسه موافقًا فسألت "خديجة" بتعجبٍ:
"صح هي هدير فين ؟! أنا مشوفتهاش و لا حتى هدى و وئام"
ردت عليها "عبلة" مفسرةً:
"هدى خدت هدير للدكتور و حسن و وئام معاهم، زمانهم جايين"
حركت رأسها موافقةً ثم ودعتهما ورحلت مع "ياسين" و خلفهما رحل "وليد" بزوجته و هو يقول بسخريةٍ:
"ورايا يا بطيخة"
وكزته في ذراعه برمفقها بغيظٍ منه حتى ابتسم هو لها ثم شبك ذراعه في ذراعها و قال بنبرةٍ ضاحكة:
"طب و الله العظيم بقيتي سكر في الحمل، إيه العسل دا يا سوبيا"
_________________________
على أحد الكافيهات العامة على النيل جلس "حسن" و "وئام" زوجاتهما، فسألته "هدى" بيأسٍ من إصراره:
"ها يا أستاذ حسن ؟! اتطمنت ؟ قولتلك طبيعي أنها ترفض الأكل، مكبر الموضوع ليه بقى ؟!"
رد عليها مُفسرًا:
"كدا أحسن الحمد لله يا أم فارس، على الأقل أنا اطمنت انها بخير و زي الفل، ربنا بس يقومهالي بالسلامة إن شاء الله"
ابتسمت له "هدير" فسأله "وئام" بتعجبٍ:
"بس اشمعنا هنا يعني ؟! ما كنا قعدنا في مكان برة بدل دا بعيد أوي عن الطريق"
نظر "حسن" لها و شبح ابتسامة هادئة يرتسم على ملامح وجهه حتى ابتسمت له هي الأخرى و تذكرت اول مقابلة جمعتهما في هذا المكان دون حتى أن تعلم اسمه، تلك الليلة التي كانت تبكي فيها في ذلك المكان بمفردها، تواصلت النظرات بينهما و كلًا منهما يتذكر ذلك اليوم و كأنه بالأمس و لم يمر عليه سنتين حتى الآن ؟!.
سأل "وئام" من جديد بصوتٍ عالٍ:
"يا عم ؟! أنا بكلمك، اشمعنا هنا يعني ؟!"
رد عليه "حسن" بعدما حمحم بخشونةٍ و قال و لازالت نظراته موجهة نحوها:
"بحبه....بحب المكان دا....أول مرة أشوف النيل بحلاوته و جماله كان هنا، أول مرة أشوف لمعة عيونه الحلوة كان هنا"
حاولت "هدير" كتم بسمتها حتى لا يفتضح أمرها، فيما سأله "وئام" بتعجبٍ:
"أول مرة شوفت عيونه الحلوة ؟! عيون مين يا حسن ؟!"
_"النيل يا وئام، النيل"
"النيل بلمعة عيونه ؟! هو النيل عنده عيون يا حسن ؟!"
_"النيل عيونه حلوة أوي يا وئام يا أخويا، أوي، عيون تستاهل و الحرب علشانهم مش بالساهل"
رفعت "هدير" رأسها للأعلى تنظر للسقف ففهم "وئام" ما يدور حوله لذلك قال بخبثٍ:
"آااه....قولتلي....لأ و أنتَ واد محارب أوي يا ابن المهدي، واخدني مَعدية ؟!"
ضحك "حسن" رغمًا عنه و كذلك"هدير" و "هدى" و كان أخرهما "وئام" الذي ضحك هو الأخر بيأسٍ.
_________________________
بعد مرور عدة أيام كثيرة كانت "خديجة" تقابل الفتيات في الجمعية الخيرية حتى تختار من بينهن من تساعدها، ارتمت على المقعد تشعر بالتعب، فسألتها "نوف" بنبرةٍ ضاحكة:
"خلاص تعبتي ؟؟! قولتلك ريحي بقى، أنتِ بقيتي بتيجي هنا تخلصي طاقتك و تمشي"
ردت عليها بصوتٍ مهتز:
"بصراحة تعبت شوية و صدعت، بس علشان مطبقة من امبارح بتواصل مع البنات، بس خير إن شاء الله"
ابتسمت لها الفتاة، و في تلك اللحظة دلف "ياسين" بلهفةٍ حتى وقع بصره عليها فقال مسرعًا:
"خديجة، يلا معايا سارة مرات عامر بتولد و أم عامر خدتها و مشيت، و كلهم رايحين على هناك"
انتفضت بخوفٍ من مكانها تقترب منه ثم أخذت حقيبتها و قالت بتوترٍ للفتاة:
"معلش يا نوف، ربنا معاكي بس أنا مضطرة أمشي، هكلمك"
ردت عليها الفتاة بلهفةٍ:
"طب بالراحة طيب يا خديجة، خلي بالك منها يا أستاذ ياسين، هي تعبانة"
لم ينتبه "ياسين" لما قالته الفتاة، بل تحرك معها و هي تسحبه نحو الخارج حتى تلحق صديقتها والقلق يخيم بين جنبات صدرها.
في المشفى وصلت "سارة" في سيارة أجرة و معها "عمار" و "سيدة" و بعدها لحقهم "عامر" إلى هناك ركضًا بخوفٍ و قلقٍ فقابله "عمار" يطمئنه و هو يقول بتوترٍ:
"اهدا يا عامر، هي دخلت العمليات متخافش، خير إن شاء الله، اهدا"
جلس "عامر" على المقعد و هو يرتعش من الخوف و القلق، و في تلك اللحظة دلف "خالد" و "ياسر" و معهما زوجاتهما، فركض "عامر" نحو "خالد" بخوفٍ و قد احتضنه "خالد" و هو يقول بثباتٍ:
"متخافش !! هتبقى كويسة و هيخرجوا ليك بخير، اتطمن و ادعيلهم، ربك كريم"
رد عليه بصوتٍ مختنقٍ:
"سارة قالتلي إنها خايفة من الولادة و قالتلي إني لازم أكون معاها، بس أنا ماكنتش موجود غصب عني و الله"
ربت "خالد" على ظهره مثلما يعامل صغيره فنزلت دموع "عامر" بخوفٍ حتى دلف "ياسين" و معه زوجته فركضت هي نحو الفتيات، أما "ياسين" فاقترب من "عامر" يقول مُطمئنًا له:
"خير إن شاء الله، بطل خوفك الزيادة على حبايبك دا، هيخرجوا ليك إن شاء الله بخير هما الاتنين، ادعيلها يا عامر"
جلست "إيمان" على المقعد البلاستيكي بتعبٍ و هي تمسك بطنها المنتفخة، و القلق يأكل في أحشائها، فسألتها "خديجة" بتعجبٍ:
"مالك يا إيمان ؟! إيه اللي تعبك كدا ؟! مش لسه قدامك كتير ؟!"
ردت عليها بصوتٍ متقطعٍ:
"لسه داخلة في التاسع، بقالي كام يوم بس.....، بس مش قادرة يا خديجة.....مش قادرة"
نظرت لها "خديجة" بخوفٍ و قبل أن تسألها من جديد صرخت "إيمان" بألمٍ تطلب العون حتى ركض لها "ياسر" و "خالد" معًا فصرخت هي من جديد حينها قالت "ريهام" بقلقٍ:
"دي بتولد !! الحقوها بسرعة"
صرخ "ياسر" يطلب العون حتى تم حملها على الفراش المتحرك لتدخل غرفة العمليات هي الأخرى و الجميع خلفها عدا "خديجة" التي ارتمت على المقعد و "ياسين" ، في تلك اللحظة دلف "وليد" يسألهما بلهفةٍ و خوفٍ:
"طمنوني أخبارها إيه ؟! دخلت العمليات ؟!"
رد عليه "ياسين" بقلة حيلة:
"انهي واحدة فيهم ؟! سارة و إيمان بيولدوا مع بعض"
شهق "وليد" بقوةٍ و حرك رأسه نحو "خديجة" التي ارتعشت على المقعد و شحب وجهها، فسأل هو "ياسين" بتعجبٍ من حالتها:
"هي خديجة مالها ؟! فيه إيه ؟!"
التفت لها "ياسين" و فور التفاتته وجدها تسقط من على المقعد مغشيةً عليها حتى صرخ كليهما باسمها و ركضا نحوها معًا بعدما سقطت من على المقعد تصطدم بالأرض و فور رؤيتهما لها بذلك الوضع شعر كليهما و كأن الروح تنسحب من أجسادهما.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث والثمانون 83 - بقلم شمس بكري
"العَين لا ترىٰ سواكِ كي له تنظر، و قلبي لِـ غيركِ لا يُبصر"
_________________________
لم يخْجَل حين قال:
"خشِيت على نفسي فذهبتُ إلى خديجة "
لم يذهب إلى قبيلتهِ ولا عشيرتهِ اللّذان هما الأحَق...كأنّهُ أرادَ إخبارَنا فيما بعْد
"خديجة هي قبيلتي وكل أُناسي".
إنه الحَبيب المُصطفى الذي علَّمنا كيف يكُون الحب حقاً...صلُّوا عليهِ و سلِّموا تسْليمًا.
انسحبت الروح من جسديهما فور سقوطها مغشيةً عليها، لذا ركضا نحوها بسرعةٍ كُبرىٰ و قد التقطها "ياسين" بين ذراعيه و هو يناديها بلهفةٍ و خوفٍ و "وليد" يربت على وجنتها و زاد خوفه أكثر و هو يرى شحوب وجهها، و كأنها في خلال ثوانٍ دخلت ضمن عداد الموتى !! رفعها "ياسين" ما أن أدرك أدرك وضعها او ربما حينما زاد خوفه، و خلفه "وليد" يركضان بها حتى اقتربت منهما احدى الممرضات تشير له على غرفةٍ من الغرف حتى يدخل بها، لاحظت "ريهام" حركتهم فاقتربت من الغرفة تسأل بلهفةٍ:
"خديجة مالها يا وليد ؟؟! حصل إيه هي مش كانت كويسة ؟!"
رد عليها بخوفٍ و صوتٍ مهتز و عينينه تدور بتشوشٍ:
"مش....مش عارف....ممكن تكون اتخضت أو خافت من الصوت، ماهي مبتستحملش حاجة"
دلفت الغرفة بسرعةٍ كبرىٰ فوجدت "ياسين" يضعها على الفراش و يفك حجابها حتى لا تختنق، و في تلك اللحظة دلفت الممرضة مرةً أخرى و معها الطبيبة التي تحدثت بنبرةٍ عملية ثابتة:
"اتفضل برة حضرتك و أنا هكشف و اطمنك، اتفضل يا فندم"
رد عليها مسرعًا بخوفٍ:
"لأ مش هينفع، أنا مش هسيبها، أكشفي عليها و أنا معاكِ هنا، أنا مش هخرج و أسيبها"
اقتربت منه "ريهام" تقول بنبرةٍ هادئة تحاول اقناعه:
"معلش يا ياسين، اخرج دلوقتي و أنا معاها هنا، بس علشان الدكتورة تكشف براحتها، اتفضل"
زاغت عينيه في المكان حتى استقرتا عليها و هي تنام على الفراش و عينيها مغلقتين فوق بعضهما باحكامٍ و كفها يرتمي على الفراش بوهنٍ كما شُحِب وجهها بشدة و استحال لونه إلى الأصفر و بُهِتَّ على الفورِ، حركت "ريهام" رأسها تحثه على الخروج حتى وافق هو على مضضٍ.
في الخارج وقف "وليد" بخوفٍ حتى جلس على المقعد يمسك رأسه بكفيه معًا بقلقٍ عليها حتى خرج "ياسين" و جلس بجواره بكتفين متهدلين بخيبةٍ فسأله هو بلهفةٍ:
"مالها يا ياسين ؟! فيها إيه ؟؟ أنا مش هقدر اشوفها كدا....هي كويسة ؟!"
حرك كتفيه كدليلٍ منه على عدم معرفته بالأمر ثم ارجع رأسه للخلف و زفر بقلة حيلة و في تلك اللحظة دلفت "عفاف" تركض بخوفٍ و في يدها "يونس" و خلفها "ميرفت" والدة "ياسر"؛ رآهما "ياسين" فوقف حينما وجدها تقترب منه تسأله بخوفٍ:
"إيمان فين يا ياسين ؟؟ بنتي فين ؟! طمني ؟!"
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
"اتطمني يا طنط متخافيش، إيمان في العمليات، اتطمني"
سألته و هي تلهث بنبرةٍ متقطعة:
"طب و أنتَ هنا بتعمل إيه ؟؟ أوعى تكون بتكدب عليا !!"
حرك رأسه نفيًا ثم زفر بقوةٍ و قال بنبرةٍ هادئة:
"دي مراتي هي اللي هنا، تعبانة شوية و أغمى عليها، خير إن شاء الله"
سألته "ميرفت" بلهفةٍ:
"يا حبيبتي ؟! ألف سلامة عليها يا ياسين، طب هي فيها إيه ؟!"
حرك كتفيه ثم قال بقلة حيلة:
"معرفش و الله معرفش مالها"
ربتت "عفاف" على كتفه و هي تقول مُطمئنةً له:
"ألف سلامة عليها يا حبيبي، ربنا يطمن قلوبنا عليهم هما التلاتة"
حرك رأسه موافقًا فمسك "يونس" يده بعدما ترك يد جدته، فقالت هي مسرعةٍ:
"خليه معاك يا ياسين معلش، عن اذنك هروح أشوف إيمان و سارة"
حرك رأسه موافقًا فتحركتا من أمامه فيما جلس هو على المقعد و تابع الغرفة بنظره و ثبت عيناه عليها و بجواره "يونس" الذي كان يجلس دون أن يفهم شيئًا، و حينما حرك رأسه نحو "وليد" فوجده مُطرقًا برأسه للأسفل و يحرك قدماه بانفعالٍ و تشنجٍ فاقترب منه "يونس" يربت على فخذه و هو يقول ببراءةٍ:
"معـلش"
رفع "وليد" رأسه ينظر له بتشوشٍ فمد "يونس" يده له يعطيه حلوى مُغلفة أخرجها من جيب بنطاله، حينها امسكه "وليد" يرفعه على قدميه ثم تنهد بعمقٍ و مسح وجهه ثم قبل وجه "يونس" و ربت على ظهره، تابعهما "ياسين" و ابتسم رغمًا عنه ثم تنهد بعمقٍ و كل ما يجول بخاطره هو إهمالها في صحتها و طعامها و خاصةً بعدما تولت مسئولية في الدار، فأصبحت تعطيها كامل طاقتها و وقتها و أخر ما تفكر به نفسها هي.
_________________________
أمام غرفتي العمليات وقفوا بتوترٍ و خوفٍ، و نظرهم لازال مُثبتًا على الغرفتين التي تلد بكلٍ منهما "سارة" و "إيمان" و نظرًا لعمل "ياسر" بالمشفى كانت الأمور على ما يرام في الداخل مع كافة الرعاية التامة التي توفرت لهما، لكن الوضع في الخارج كان صعبًا للغاية، فكلٍ منهما كان يأكله قلبه من الخوف و خصوصًا "عامر" وقف بجانب غرفة زوجته يحاول الاستماع لأي شيءٍ يطمئنه و يثلج نيران خوفه التي تحرق روحه، فيما وقف "ياسر" بثباتٍ يتنافى مع خوفه لكنه آثر أن يقف ثابتًا، لكن داخله كانت رأسه تعُج بالأفكار و الخوف هو الأخر.
داخل غرفة "خديجة" فاقت هي من غفوتها بعد الكشف و كامل الفحوصات، و "ريهام" بجوارها لم تتركها حتى قامت الطبيبة بوضع الإبرة الطبية في كفها تصلها بالمحلول الطبي، طالعتها "خديجة" بخوفٍ خاصةً أنها تكره تلك الإبرة و موضع دخولها الذي يلتهب في كل مرّة تستخدمها، و حينما لاحظت
"ريهام" خوفها سألت الطبيبة بصوتٍ مهتز:
"معلش يا دكتورة هي مالها، كويسة و لا فيه حاجة تعباها، ممكن تكون اتخضت بس من الوضع برة ؟!"
نظرت لها الطبيبة و هي تقول بهدوء و لهجة صوتٍ عملية:
"هي للأسف شكلها مهملة أكلها، و دا غلط مينفعش، لازم تاكل كويس و ترتاح، مينفعش تهمل صحتها كدا"
ردت عليها "خديجة" بلهفةٍ:
"لأ و الله باكل بس مش كتير، يعني مش بعرف أفطر، بتغدى مع جوزي لما يجي من الشغل"
ردت عليها الطبية بثباتٍ:
"لأ مينفعش، خصوصًا إنك في الأول يعني أي اهمال أو استهتار نتايجه هتكون سلبية، المراحل الأولى هي الأهم"
عقدت "خديجة" ما بين حاجبيها فيما سألتها "ريهام" باستنكارٍ:
"مراحل إيه يا دكتورة ؟؟ هي مالها ؟!"
_"المدام حامل بقالها غالبًا اسبوعين، و دا اللي التحاليل هتوضحه إن شاء الله، هو حضرتك متعرفيش ؟!"
نظرت لها "خديجة" بعينين متسعتين و كسا الاستنكار ملامح وجهها لم تصدق ما وقع على سمعها، فيما ابتهج وجه "ريهام" و هي تسألها بلهفةٍ ممتزجة بالفرحة:
"بــجد ؟؟! بجد يا دكتورة ؟! خديجة حامل ؟!"
ابتسمت لهما الطبيبة و هي تقول بتفهمٍ:
"واضح كدا أنكم متعرفوش، على العموم ألف مبروك بس أهم حاجة تخلي بالك من نفسك و تهتمي بيها و بأكلك، بلاش تتعبي نفسك خاصةً في الشهر الأول دا...عن اذنكم"
خرجت الطبيبة من الغرفة فتحدثت "خديجة" بغير تصديق و استنكارٍ لحديث الطبيبة:
"بجد ؟! هي قالت أني حامل يا ريهام ؟؟ هي قالت كدا و لا أنا بيتهيألي ؟!"
اقتربت منها "ريهام" تجلس بجوارها و هي تقول بحماسٍ و لهفةٍ:
"أيوا يا خديجة مبروك يا روح قلبي، أنتِ حامل، مش سمعتيها بنفسك ؟!"
سألتها بتيهٍ و تشوشٍ:
"ازاي بس ؟! أنا كنت عند الدكتورة من شهر و قالت إني ممكن اتأخر شوية، ازاي ؟!"
ابتسمت "ريهام" و هي تقول بقلة حيلة:
"دا أنتِ ضايعة خالص يا خديجة، يا ستي افرحي و فرحي جوزك، ألف مبروك ليكم، ربنا يقومك بالسلامة يا رب"
نزلت العبرات من عينيها تعرف السبيل جيدًا نحو وجنتيها، فاحتضنتها "ريهام" و هي تقول مؤازرةً لها:
"بس يا حبيبتي بتعيطي ليه ؟! أنتِ مش فرحانة ؟!"
بكت "خديجة" و هي تقول من بين صوتها المتقطع:
"فرحانة.... فرحانة علشان كنت خايفة اتأخر أكتر من كدا، ياسين هيفرح صح ؟!"
ربتت "ريهام" على ظهرها بتفهمٍ لتخبط مشاعرها، ثم وقفت و هي تقول بهدوء:
"أنا هخرج اطمنهم و اتطمن على سارة و إيمان، خلي بالك من نفسك"
حركت رأسها موافقةً ثم رفعت كفها الحر تمسح دموعها و الكف الأخر موصول بالإبرة الطبية، و في تلك اللحظة خرجت "ريهام" و تركت "خديجة" خلفها كما هي على الفراش لكنها حركت كفيها تحاوط بطنها بهما و هي تبتسم بغير تصديق.
خرجت "ريهام" من الغرفة فسألها "ياسين" بلهفةٍ:
"ها يا ريهام ؟! هي مالها الدكتورة قالتلي كويسة و مشيت، هي كويسة ؟!"
ابتسمت له تطمئنه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"اتطمن هي بخير متخافش عليها، ادخلوا شوفوها هي مستنياكم جوة، عن اذنكم....يلا يا يونس تعالى معايا"
قالت حديثها لابنها الذي حرك رأسه موافقًا ثم ترك كف "ياسين" و اقترب منها يقف بجوارها فأمسكت كفه و هي تبتسم لهما ثم تحركت صوب غرفة العمليات.
دلفا سويًا لها بقلقٍ و لهفةٍ و كانت هي تنتظر دخولهما، حتى اقترب منها "وليد" يسألها بقلقٍ بالغٍ:
"طمنيني عليكي أنتِ كويسة ؟! عاملة إيه دلوقتي ؟!"
حركت رأسها موافقةً فاقترب "ياسين" منها يقبل قمة رأسها ثم قال بمعاتبةٍ:
"أكيد طبعًا قلة الأكل و الاهتمام بنفسك هي اللي عملت فيكي كدا، ليه يا خديجة ؟!"
أوشكت على التحدث فتدخل "وليد" يقول بنبرةٍ جامدة:
"بصي !! من ساعة ما بدأتي الفكرة بتاعتك و أنتِ خسيتي و أهملتي نفسك، يمين بالله لو ما ظبطي و خدتي بالك من نفسك لأخليه يحبسك في البيت، أنا مش هفرح لما تضيعي مني"
قالها منفعلًا في وجهها بنبرةٍ أقرب للصراخ، فقالت هي مسرعةً:
"و الله ماكنتش أعرف، بس هيـ..."
توقفت عن الحديث حينما حدجها "ياسين" بسخطٍ و هو يقول:
"خديجة ؟! أنا مش عاوز أمنعك من النزول للجمعية علشان عارف إنك فرحانة اللي بتعمليه دا، بس لو هتيجي على نفسك بلاش خالص"
ردت عليه هي بصوتٍ خافتٍ:
"شكلها كدا مفيش تاني، أنا حامل"
انتبه لها كليهما، فتأهب جسد "وليد" و فك ذراعيه من بعضهما، أما "ياسين" فسألها بدهشةٍ:
"إيه ؟؟ قولتي إيه يا خديجة ؟!"
وزعت نظراتها بينهما بالتساوي لترى الحماس الذي أشبه بالنيران المتقدة يطل من نظراتهما فقالت بحماسٍ نتج عنه اختناق صوتها:
"و الله أنا حامل، الدكتورة هي اللي قالتلي"
نظر لها كليهما بدهشةٍ فحركت رأسها موافقةً عدة مراتٍ و حينها
اعتصرها "ياسين" بين ذراعيه في عناقٍ ساحق و هو يردد بصوتٍ مختلط المشاعر:
"الحمد لله يا رب، الحمد لله"
رفعت ذراعها تربت على ظهره و الدموع تنهمر على وجنتيها بغزارةٍ و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
"اكتر حاجة مفرحاني هي فرحتك أنتَ، أول مرة أحس أني فرحتك بجد"
ابتعد عنها يربت على رأسها و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"و الله العظيم من ساعة ما عرفتك و أنا فرحان و مبسوط، أنتِ وش السعد عليا يا خديجة"
ابتسمت هي له فاقترب "وليد" في تلك اللحظة يمسك "ياسين" من ذراعه حتى ابعده عنها و الأخر يتابعه بتعجبٍ، فيما جلس "وليد" بجوارها يقول بلهفةٍ:
"بجد ؟! حامل ؟! يعني أنا ربنا كرمني و هشوف ابني و ابنك في سنة واحدة ؟! هبقى خال ؟"
حركت رأسها موافقةً و الدموع تسيل على وجنتيها فاقترب منها "وليد" يقبل قمة رأسها ثم قال بتأثرٍ:
"شوفتي كنا فين و بقينا فين ؟! شوفتي كرم ربنا علينا حلو أزاي؟"
حركت رأسها موافقةً و هي تقول:
"شوفت.... شوفت و فرحت"
أمسك كفها الحر يربت عليه ثم قبل رأسها مرةً أخرى و قال بصوتٍ مختنقٍ:
"كنت خايف و زعلان علشانك، كنت حاسس إن فرحتي مش كاملة من غير فرحتك، بس دلوقتي أنا فرحان و مبسوط، كل يوم بتأكد إن اللي في قلبي ليكِ مش زي حد تاني"
ابتسمت له هي ثم رفعت نفسها تقبل رأسه و قالت براحةٍ:
"ربنا يباركلي فيك و يكرملي قلبك يا رب، أنا بحبك اوي"
اقترب "ياسين" منهما يقول بغيظٍ مكتوم:
"احمدوا ربنا أني متفهم و عاقل، واحد تاني كان ضربكم بالجِزم فوق دماغكم، وسع يالا"
أمسك "وليد" من ثيابه يبعده حينما دفعه بعيدًا عنها حتى أوشك "وليد" على السقوط لكنه استند على طرف الفراش فضحكت عليه "خديجة" و حاولت كتم ضحكتها حينما جلس "ياسين" بجوارها ثم أمسك حجابها يلفه على رأسها و هي تبتسم له، كل ذلك تابعه "وليد" بوجهٍ مُبتسمٍ و حينما لاحظ تواصل نظراتهما سويًا قال بتهكمٍ:
"لولا أنها فرحانة و مبسوطة كان زماني مزعلها عليك، بس يلا، أنا هسكتلك بمزاجي"
رفع "ياسين" حاجبه له فتنحنح "وليد" بخوفٍ و تراجع متقهقرًا و هو يقول:
"طب... سلام عليكم أنا بقى، هروح اتطمن على مراتي أصلها بطيخة و احنا في صيف....سلام"
فتح باب الغرفة و التفت حتى يغادر الغرفة و قبل خروجه رمى غمزة من عينيه و هو يقول بمشاكسىةٍ:
"أيوا يا أبو طويلة، هتبقى أب"
ضرب "ياسين" كفيه ببعضهما فيما ضحكت "خديجة" بملء شدقيها حتى أغلق هو الباب و خرج منه، فاحتضنها "ياسين" مربتًا فوق رأسها و هو يبتسم بخفةٍ و هي تتنفس الصعداء و كأنها تتنفس للمرةِ الأولى.
_________________________
في بعض الأحيان قد تمر عليك الدقيقة و كأنها مثل الدهر الكامل على المرء، مثل السيف البتار الذي تخشى ضربته لتمر عليك تلك اللحظة بهدوء حركتها مثل ذلك السيف يقطع في عنقك دون رحمةٍ و كذلك الانتظار يفتت روحك دون شفقةٍ منه.
هكذا كان الوضع على الجميع أمام غرف العمليات و خاصةً بعدما خرجت "خديجة" من الغرفة تجلس في الخارج و لقد زاد توترها و خوفها أكثر و هي ترى القلق باديًا على أوجه الجميع، لولا وجود "وليد" و "ياسين" معها لكانت بكت من الخوف أمامهم جميعًا.
خرجت الطبيبة من غرفة "سارة" فهبوا جيمعًا واقفين و أول من ركض إليها كان "عامر" و قد سألها بلهفةٍ:
"طمنيني عليها !! هي كويسة، هما....هما عاملين إيه ؟!"
ابتسمت له تطمئنه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"متخافش الحمد لله قامت بالسلامة و جابت ولد زي القمر يتربى في عزك"
ابتهج وجهه على الفور و شهق بفرحةٍ و احتضن "عمار" و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"أنا بقيت أب يا عمار، الحمد لله يا رب، أنا بقيت أب"
ربت "عمار" على ظهره و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"ربنا يبارك فيه يا حبيبي و يحفظه، ربنا يجعله ذرية صالحة ليك و لمامته يا رب"
اقترب من "خالد" يحتضنه و هو يقول بفرحةٍ:
"أنا بقيت بابا يا خالد"
اقترب "ياسر" منه يربت على كتفه و هو يقول بوجهٍ مُبتسمٍ:
"ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يفرحك بيه و يباركلك فيه"
احتضنه "عامر" و رغمًا عنه بكى و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"ربنا يطمن قلبك عليهم إن شاء الله، هيخرجوا ليك بالسلامة، متقلقش"
تشبث به "ياسر" بخوفٍ و هو يقول بصوتٍ خافتٍ و كأنه يحدث نفسه:
"يا رب يا عامر، يا رب"
مرت دقائق قليلة حتى خرجت "سارة" من غرفة العمليات و خلفها الممرضة تحمل الصغير على يدها، فاعطته لـ "عامر" و هي تبتسم و تقول:
"اتفضل يا أستاذ يتربى في عزك، ربنا يكرمكم و يبارك فيه يا رب"
نظر لها "عامر" بتعجبٍ فاقترب "فهمي" منها يعطيها ورقة مالية و هو يأخذ منها الصغير حتى دعت هي الله أن يحفظه و يبارك فيه، اقترب "فهمي" من "عامر" يقول بوجهٍ مُبتسمٍ:
"اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، أمسك ابنك يا عامر، سَمِ الله و شيل ابنك"
مد "عامر" ذراعيه المرتجفين يحمل الصغير على يده و في تلك اللحظة نزلت دموعه و شعر بانتفاضة قلبه و كأن تحرك من موضعه، ابتسم و هو يرى وجه الصغير الذي أشبه بالملاك النائم، كهرباء مست جسده بالكامل، و ضربت أطرافه و هو يحمل قطعةً مصغرة منه على يده و كأنه النور الذي أضاء عتمة ليله، لم يشعر "عامر" بما يحدث حوله، فقط وقف يتابع الصغير الذي استكان بين ذراعيه حتى اقترب منه "ياسين" يربت على كتفه و قال بحكمةٍ و هدوء:
"دلوقتي بس بقى معاك أمانة تانية تحافظ عليها و تصلح رعايتها، افتكر إنك هتقف قدام ربنا و يسألك عليه، طلعه راجل زيك، خليه عامر صغير يفرح الناس كلها"
رفع "عامر" عيناه له و هو يسأله بخوفٍ:
"تفتكر هقدر ؟! هقدر أربيه ؟!"
ابتسم له "ياسين" و قبل أن يتحدث اقترب منه "خالد" يقول بثباتٍ:
"طالما سألت نفسك السؤال دا يبقى هتقدر تربيه، بعدين عيب دا أنتَ عامر حتى، مفيش حاجة بتصعب عليك"
ابتسم له "عامر" فأشار له "ياسين" و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"روح يلا الأوضة بتاعة مراتك و خليك هناك علشان لما تفوق تلاقيكم معاها، روح يلا"
حرك رأسه موافقًا ثم وجه بصره نحو "ياسر" الذي وقف أمام الغرفة بخوفٍ و ظهر عليه الحزن، فقال "عامر" بحزنٍ لأجله:
"خلوا بالكم من ياسر، خليكم معاه، و أنا هخرجله تاني"
تحرك "عامر" بصغيره نحو غرفة زوجته، فتحرك "خالد" و معه "ياسين" نحو "ياسر" الذي ارتمى عليهم يضع رأسه في كتف "خالد" الذي ربت على ظهره و "ياسين" الذي وقف بجواره يربت على كتفيه و هو يقول:
"خير إن شاء الله متخافش، هيخرجوا ليك بالسلامة إن شاء الله، خير"
تنهد "ياسر" بعمقٍ و أغمض عيناه و هو يفكر في حديث الطبيبة عن حالتها و أن ولادتها قد تكون صعبة و تخالطها المشقة، لم يتخيل أن تلد بتلك المفاجأة و بتلك الطريقة.
بعد مرور ساعة تقريبًا خرجت الطبيبة الأخرى من غرفة العمليات و هي تزفر بقوةٍ فسألها "ياسر" بلهفةٍ:
"طمنيني يا دكتورة سما ؟؟ عاملة إيه، كل حاجة تمام ؟!"
ابتسمت له تطمئنه و هي تقول:
"متقلقش يا دكتور ياسر، الحمد لله عدت على خير، جابت ولد و بنت زي القمر"
رفرفرف بأهدابه و هو يقول مستنكرًا:
"إيه ؟! ولد و بنت ؟! مين دي ؟"
ردت عليه هي بثباتٍ:
"مدام إيمان مرات حضرتك، هو حضرتك متعرفش إنها حامل في توأم ؟!"
عقد ما بين حاجبيه و هو يردد:
"توأم ؟! مين دي ؟!"
ابتسمت له ثم قالت:
"شكلك مصدوم يا دكتور ياسر، ألف مبروك و ربنا يبارك لحضرتك فيهم، شكلها كانت عملاها مفاجأة لحضرتك"
تحركت الطبيبة من أمامه و هي تحاول كتم ضحكتها، فيما ضرب هو كفيه ببعضهما حتى اقتربت منه والدته تقول بفرحٍ:
"ألف مبروك يا ياسر، ربنا ببارك فيهم و يجعلهم ذرية صالحة ليك يا رب، توأم دول رزق يا واد"
ابتسم هو رغمًا عنه ثم احتضن والدته و هو براحةٍ تخللت نبرة صوته:
"الحمد لله يا ماما، الحمد لله إن هي و هما بخير، الحمد لله"
اقترب منه "خالد" يحتضنه و هو يقول بفرحةٍ و مرحٍ:
"ألف مبروك يا دكتور يتربوا في عزك يا حبيبي، ربنا يفرحك بيهم"
في تلك اللحظة خرجت الممرضة تحمل الصغيرين على ذراعيها ثم اقتربت منه تقول بودٍ:
"ألف مبروك يا دكتور ياسر، ربنا يحفظهم ليك، الخالق الناطق أنتَ، اتفضل"
حملهما "ياسر" على ذراعيه و هو يبتسم لها و سرعان ما نزلت الدموع على وجنتيه و هو يتذكر ما مر عليه و تسبب في كسر قلبه، لذلك قال بصوتٍ باكٍ:
"وعد مني أني أكون أب ليكم، أب يقف في ضهركم لحد ما الموت ياخدني منكم، وعد إني مخليش الدنيا دي تكسركم و لا تشوفوا اللي أنا شوفته، ربنا يجعل نصيبكم أحسن من نصيب أبوكم في الدنيا دي"
نزلت الدموع من الجميع و خاصةً بعد حديثه الموجع للقلوب المكلومة، فاقترب منه "ياسين" يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"يا بختهم إنك أبوهم، ربنا حبك و عوضك و كرمك بزرق كبير، احمد ربنا على هديته ليك و حافظ عليهم، و شوف هتسميهم إيه، نقي اسامي حلوة ياض"
ابتسم له "ياسر" ثم حرك رأسه ينظر للصغيرين على ذراعيه حتى ارتفعت ضربات قلبه فورًا لذا تنهد بعمقٍ ثم قال بتأثرٍ و صدقٍ نبع من قلبه:
"الحمد لله على ما أُعطيت و الحمد لله على ما منه مُنعت، و سبحانك اللهم ربي فأمري و حالي و حيرتي و تقلبي كله بين يديك، الحمد لله دائمًا و أبدًا على ما منه حُرمت لأكتشف بفضلك و رحمتك على عبدك الضعيف أنني منه رُحِمت".
ابتسموا له جميعًا و تنفس هو بعمقٍ لتخرج في تلك اللحظة "إيمان" على الفراش المتحرك و تمر أمام نظره بكامل ضعفها فازدرد هو لعابه ثم تحرك خلفها مباشرةً و صغيريه على ذراعيه.
في تلك اللحظة ابتسم "وليد" و هو ينظر لـ "خديجة" التي مالت عليه تقول بنبرة صوتٍ هادئة:
"كلها أربع شهور و تجرب الاحساس دا، ربنا يكرمك و يبارك فيهم و في عبلة يا رب"
ربت على كتفها و هو يبتسم بخفةٍ ثم قال:
"ربنا يباركلي فيكم انتم الاتين يا رب، إن شاء الله أشوف ولادك و أشيلهم على أيدي، ربنا يحفظك و يبعد عنك أي أذىٰ"
ألقت رأسها على كتفه تشعر بالتعب و خاصةً أن "ياسين" انشغل في إجراءات المشفى و البقية انشغلوا بـ "سارة" و "إيمان" و لكن هل يعقل أن ينشغل عنها "ياسين" ؟!، اقترب منها "عمار" يقول بأدبه المعتاد:
"اتفضلي يا خديجة، ياسين بعتلك العصير و السندويتش دا و بيقولك خلصيهم، يا وليد يتصرف معاكِ"
اخذتهم من يده و هي تبتسم له ثم قالت له بامتنانٍ:
"شكرًا يا عمار معلش تاعبينك معانا، عقبال ما نتعب يوم شهادتك كدا"
ابتسم لها فتدخل "وليد" يقول بخبثٍ:
"و ليه يوم شهادته ؟! ما أنتِ كدا كدا هتتعبي يوم فرحه، مش أخت العروسة ؟؟"
ابتسمت "خديجة" رغمًا عنها فيما تحدث "عمار" بيأسٍ منه:
"أنا خلاص اتفضحت على إيديكم، شكرًا يا سيدي"
_________________________
في بيت آلـ "الرشيد" كان "أحمد" في غرفته يرتدي ثيابه، و بعد أن انتهى قام بنثر العطر الخاص به ثم تمم على خصلات شعره و هو يبتسم برضا لنفسه بالمرآة، كان يرتدي حِلة سترتها باللون الرمادي و أسفلها القميص باللون الأسود و البنطال أيضًا بنفس اللون، تنهد بعمقٍ و في تلك اللحظة دلفت "خلود" غرفته دون أن تطرق الباب و قبل أن تتحدث بانفعالٍ هدأت ثورتها و هي تقول بسخريةٍ:
"إيه دا ... إيه دا ... إيه دا ؟! رايح فين كدا بحلاوتك دي ؟! لابس بدلة و مظبط الدنيا ؟! عملها مفاجأة لعمك محمد و ناوي تتجوز سلمى النهاردة ؟!"
حرك رأسه ينظر لها بتهكمٍ و هو يقول بضجرٍ:
"و هو أنا لو هتجوز النهاردة هيبقى دا وضعكم ؟؟ اتطمني ياختي، خارج أنا و سلمى خروجة كلاسيك، ربنا يوعدك بيها إن شاء الله"
اقتربت منه تمسك كتفه و هي تقول بضجرٍ:
"نعم !! مخرج مين أنتَ ؟! طب و أنا هفضل هنا كدا ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف ببرود:
"آه، هتفضلي هنا عارفة ليه ؟؟ علشان تذاكري يا خوخة و لا ناسية إنك خلاص بدأتي دروس"
ضمت ذراعيها أمام صدرها و هي تقول بتهكمٍ:
"هو كل واحد فيكم يحبلي واحدة من بنات عم محمد حاله يتقلب كدا ؟! أومال لو مش أبوها خانقكم و قارفكم و مطهقكم و مزهقـ....."
قطع حديثها حينما رفع صوته في وجهها يقول:
"خـــلاص !! خـــلاص اسكتي بقى، روحي ذاكري يلا"
تمسكت بذراعه و هي تقول بلهفةٍ:
"طب خدني معاك علشان خاطري، أنا بقيت لوحدي مش معايا حد هنا، علشان خاطري مش هعمل صوت و الله، هسكت خالص، بالله عليك يا أحمد"
نظر لكفها المتشبث بذراعه ثم رفع رأسه ينظر لها فوجدها تطالعه بتوسلٍ و قبل أن ينطق هو تحدثت بلهفةٍ و صوتٍ أقرب للبكاء:
"علشان خاطري و الله العظيم الدراسة جاية على وشي و بابا بيديني التابلت يوم الخميس بس، خدني معاك و مش هضايقكم"
زفر بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
"مصيبتي أني مبعرفش أرفضلك طلب يا خلود، يلا البسي و أنا هقول لسلمى و أعرفها إنك جاية"
_"نــعم !! هي هترفض ولا إيه بنت محمد ؟! متخلنيش اتجنن عليها، و أوريها شغل العمات"
رفع "أحمد" حاجبه بعدما رفعت صوتها بـ حديثها ذاك حتى تنحنحت هي و قالت برقةٍ زائفةٍ:
"آه...دا حقك طبعًا ربنا يخليكم لبعض، استأذنها و أنا هروح البس بقى، ربنا يسعدكم يا رب"
تحركت من أمامه حينما وجدته كما هو يحدجها بشررٍ فالتفتت تغادر من الغرفة ركضًا بخوفٍ منه، في تلك اللحظة ضحك رغمًا عنه ثم حرك رأسه نفيًا بيأسٍ منها.
في الأسفل تجهزت "سلمى" و ارتدت فستانًا باللون الأسود و حجاب باللون الرمادي و حذاء بنفس اللون، وقفت تتابع نفسها في المرآة بملامحها الهادئة الخالية من مساحيق التجميل و حينها تنفست بعمقٍ ثم خرجت من الغرفة حتى قابلتها "عبلة" في الرواق تحمل ثمرة الموز في يدها و في يدها الأخرى واحدة تأكل منها، ابتسمت لها "سلمى" و هي تقول بمرحٍ:
"ازيك يا بطيخة ؟! عاملة إيه"
ردت عليها "عبلة" بضجرٍ:
"ليدو بس اللي يقولي يا بطيخة، غير كدا مش مسموح، اتطمني حلوة ياختي، رايحة فين كدا ؟"
ردت عليها بهدوء:
"أحمد هيخرجني و عازمني على العشا، و خلود هتيجي معانا"
ابتسمت لها "عبلة" بقلة حيلة و هي بغلبٍ:
"عمتك خلود ؟! خروجة سعيدة إن شاء الله يا حبيبتي"
ابتسمت لها "سلمى" و قبل أن تتحدث طرق الباب بواسطة "أحمد" و قد ركضت إليه تفتح الباب بسرعةٍ كبرى و هي تبتسم له حتى وجدت "خلود" أمامها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"قبل ما تتفاجئي أحمد تحت مستني يلا انزليله"
عقدت "سلمى" ما بين حاجبيها و هي تسألها بتعجبٍ من حديثها:
"و أنتِ مش هتيجي معانا ؟! و بعدين ملبستيش ليه ؟!"
ردت عليها "خلود" مفسرةً:
"لأ مش هاجي، روحوا انتم اتبسطوا و أنا هقعد مع عبلة لحد ما ماما و عمتو و مراتات عمامك يرجعوا"
قبل أن تتحدث"سلمى" زفرت "خلود" بقوةٍ ثم دفعتها من وجهها بنفاذ صبرٍ حتى نزلت "سلمى" من الشقة و دلفت "خلود" مكانها تقول بصوتٍ عالٍ:
"يا سوبيا !! عبلة أنتِ فين ؟!"
عقدت "عبلة" ما بين حاجبيها بحيرةٍ حتى دلفت لها "خلود" الغرفة و هي تبتسم باتساعٍ فسألتها "عبلة" بتعجبٍ:
"مروحتيش معاهم ليه ؟! مش كنتي ناوية تخرجي أنتِ كمان ؟"
تنهدت بعمقٍ ثم دفعت نفسها على الفراش و هي تقول بهدوء يتنافى مع طبيعتها:
"بصراحة لما فكرت لقيتها عيب يعني، هما اتنين مخطوبين و حقهم يكونوا سوا مع بعض، بلاش أكون عازل وسطهم، قولت اقعد معاكي هنا لحد ما هما يرجعوا من المشوار بتاع سارة و إيمان دا"
وكزتها "عبلة" في كتفها و هي تقول بخبثٍ:
" دا إيه العقل دا كله ؟! من إمتى ؟! طب و أنتِ مروحتيش ليه ؟! مش واجب برضه تطمني على سلفتك ؟! مش أنتِ مرات عم المولود دا"
رمقتها "خلود" بغيظٍ فقالت "عبلة" بسرعةٍ كبرى:
"خلاص هتاكليني !! قومي بقى هاتلينا أي حاجة نتفرج عليها و قومي هاتي لب و فاكهة من برة"
صفقت "خلود" كفيها مع بعضهما ثم قفزت من على الفراش فضحكت "عبلة" رغمًا عنها و هي تقول بقلة حيلة:
"طب ماهي طلع جواها طيب أهو، أومال مالها ؟!"
_________________________
في شقة "حسن" جلست "هدير" تنتظره بمفرده و هي تشعر بالملل خاصةً أنه تأخر عليها على عكس المعتاد، و حينما زاد الملل أكثر قامت بفتح التلفاز على أحد الأفلام الكرتونية تشاهده حتى يحين موعد عودته لها.
مر بعض الوقت حتى شعرت بحركته خارج الغرفة و قبل أن تتحرك هي دلف هو لها مبتسمًا و ما إن رأى عبوس وجهها تحدث بآسفٍ:
"أنا آسف و الله على التأخير بس ولاد عمك مشيوا واحد ورا التاني و أنا كملت مكانهم، حقك عليا"
ابتسمت له و هي تقول بقلة حيلة:
"هعمل إيه يعني ؟! خلاص مسمحاك يا سيدي، بس هما راحوا فين ؟!"
جلس بجوارها على الأريكة و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"عقبالك كدا إن شاء الله مرات عامر و مرات ياسر ولدوا، ربنا يقومك ليا بالسلامة إن شاء الله"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
"ما أنا كل شوية أكلم ريهام و هي تطمني عليهم، و عرفت كمان إن خديجة حامل، فرحتلها أوي الحمد لله، ربنا عوض صبرها السنة و كام شهر دول خير، ربنا يقومها بالسلامة يا رب"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه موافقًا فسألته هي بلهفةٍ:
"طب أقوم ألبس علشان نروح نشوفهم ؟؟! هما هيخرجوا بكرة و أنا عاوزة أشوفهم علشان خاطري"
زفر بقوةٍ ثم قال بتعبٍ بلغ أشده:
"تعبان و الله العظيم يا هدير، حاسس إن جسمي مكسر، خليها لما يروحوا بيوتهم و خلاص"
تهجم وجهها و حل العبوس محل الراحة عليه و قالت بحنقٍ:
"يا حسن !! أنتَ من ساعة ما عرفت أني حامل و أنتَ حابسني هنا، مش عاوز حتى تخليني أخرج لوحدي، متجبهاش في تعبك علشان حتى لو أنتَ تعبان برضه مش هتتأخر عليا"
زفر بقوةٍ ثم قال بثباتٍ:
"آه يا هدير خايف عليكِ، الدكتورة قالت إن مناعتك ضعيفة و إن أي تعب أو أي حاجة ابعدي عنها، أنا مش هستنى لما أخسرك، و بعدين أنتِ عارفة إن تعبك بيتعبني"
اقتربت منه تمسك كفيه و هي تقول بحماسٍ تحاول اقناعه:
"بالعكس لما أخرج و انزل كدا نفسيتي هتتحسن، علشان خاطري يا حسن بقى، يلا و مشيني بعدها و شربني عصير كوكتيل نفسي فيه"
طالعها بغير تصديق فوجدها تتوسله بنظراتها، حينها اقترب منها يقبل رأسها ثم قال:
"ماشي يا هدير، قومي البسي خلينا نروح نشوفهم"
أقتربت منه هي تقول بحماسٍ:
"أنا بحبك و الله يا أبو علي، أقولك على حاجة ؟!"
حرك رأسه موافقًا منتظرًا تكملتها حتى قالت هي بنبرةٍ ضاحكة:
"احضني يا حسن"
احتضنها و هو يضحك بيأسٍ حتى ألقت رأسها على كتفه و هي تتتفس بعمقٍ و راحةٍ تلقاها بجواره هو فقط.
_________________________
في المشفى و بعد مرور ساعتين و بعد وصول "حسن" و "هدير" فاقت كلتاهما من أثر المخدر و تم وضعهما في غرفةٍ واحدة و الأشخاص يتوافدون على الغرفة لتهنئتهم جميعًا و منهم أفراد عائلة الرشيد.
تحدث "رياض" أمامهم جميعًا:
"العيال دول اسمهم إيه ؟! بقالهم كام ساعة من غير اسم، فيه حد يخلف من غير ما يكون مسمي عياله ؟!"
رد عليه "ياسر" بتهكمٍ:
"يا مؤمن دا أنا لسه عارف النهاردة انهم توأم و لا كأني أبوهم، بتخبي عليا يا إيمان ؟! لسه هحسدهم ؟!"
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة:
"كنت عملهالك مفاجأة يا ياسوري، الله ؟! دا جزائي يعني"
رمقها بغيظٍ حتى قالت هي بنفس الطريقة:
"بص عليهم كدا لما فتحوا عيونهم، شكلهم حلو أوي بعيونهم الزرقا دي، لو حطيتهم في متحف بقى محدش يزعل"
ضحكوا عليها جميعًا فقال "مرتضى" بضجرٍ منهم:
"ما تخلصونا العيال دي اسمها إيه ؟! هنفضل كتير كدا ؟!"
تحدث حينها "عامر" بلهفةٍ:
"أنا ابني اسمه عمر، عمر عامر فهمي"
ابتسمت له "سارة" و هو أيضًا، فقال "رياض" بخبثٍ:
"عمر ؟! بدل ما تسميه فهمي على اسم أبوك ؟! اخس على دي رباية"
رفع "عامر" طرف أنفه بتشنجٍ فقال "فهمي" بضيقٍ منه:
"يا رياض أنتَ كمان، فيه طفل يبقى اسمه فهمي ؟! إيه الحِزن دا"
ضحكوا جميعًا عليه فقال "رياض" مستسلمًا:
"خلاص حلو عمر، مبروك عليك يا أبو عمر، عمر عامر فهمي، ها ياسر هتسميهم إيه ؟!"
وجه "رياض" حديثه لـ "ياسر" الذي نظر في وجه طفليه ثم تنهد و قال بنبرةٍ مرحة:
"أدي الزين و أدي الزينة، هسميهم زين و زينة"
ردت عليه "إيمان" بمرحٍ:
"حلوين اوي و الله العظيم سكر، اسم على مسمى ولاد الإيه"
تدخل "عامر" يقول بنبرة ثابتة و طريقةٌ جادة تتنافى مع هزل كلماته:
"طب بما أني حماها إن شاء الله، ممنوع حد يقولها أي اسم غير زينة، لحد ما عموري الصغير قلب عامر يكبر و يدلعها هو"
حاول الموجودين كتم ضحكاتهم فيما تحدث "ياسر" بحنقٍ منه:
"عموري مين و حما مين يا جدع أنتَ ؟! دا بعينك يا عامر"
رفع "عامر" حاجبه و هو يقول بتهكمٍ:
"طب متكترش يا ياسر علشان مخلاكش تروح من غيرها، عُمر لزينة و زينة لعمر، بَطل أنانية بقى مستخسر في أخوك جوز عيون زُرق من اللي معاك ؟! اخس على الطفاسة"
ضرب "ياسر" كفيه ببعضهما فتحدث "عامر" من جديد:
"كتر و استخسر فيا كمان و بعدين يا أخويا إيه البجاحة دي ؟! بنتك اللي لما لقت الواد نازل يشم نفسه، جت تكتم على نفسه، تسميه إيه دا إن شاء الله ؟!"
وضع "ياسر" كفيه في خصره منتظرًا تكملة الأخر فقال "عامر" بمعاندةٍ له:
"اسمه غِيرة، بنتك غيرانة على ابني و أول ما الواد نور الدنيا، جت بنتك كتمت على مراوحه و ساحبة معاها أخوها، بطلوا بجاحة بقى"
انفعل "ياسر" في وجهه و هو يقول بضجرٍ منه:
"بطل أنتَ بقى قلة أدب و سفالة، و لا ليه هستنى منك إيه ؟!"
تحدث "عامر" بزهوٍ و فخرٍ بنفسه:
"معاك عامر فهمي عديم الأدب العربي، حاجة مش جديدة عليا"
قبل أن ينطق "ياسر" تحدث "ياسين" بضجرٍ منهما:
"ما خلاص بقى يا زفت أنتَ و هو ؟! شايفينا واقفين نحجز الكوشة ؟! دول لسه مكملوش كام ساعة"
هدأت ملامح كلًا منهما، فتحدث "خالد" متشفيًا بهما:
"اللهم لا شماتة، لو عمر دا كان جه بنت كان زماني دلوقتي بدفع المهر، الحمد لله يا رب"
ضحكوا عليه جميعًا فقال "عامر" معاندًا له:
"طب صبرك عليا أجيب بنتين واحدة تاخد يونس و التانية تاخد زين، إيه رأيك بقى ؟!"
تحدثت "ريهام" بنبرةٍ ضاحكة:
"لأ يونس عروسته جاية في السكة إن شاء الله، خديجة كلها كام شهر و تجيب نونو هي كمان"
اصطبغ وجه "خديجة" باللون الأحمر و هي ترى الأنظار موجهة نحوها، فاقترب منها "طـه" يقول بلهفةٍ و صوتٍ باكٍ:
"بجد دا ؟! أنتِ حامل ؟!"
حركت رأسها موافقةً بخجلٍ و حينها سحبها هو بين ذراعيه و هو يبكي بشدة و يرتجف من كثرة البكاء حتى بكت معه هي الأخرى و هي تتشبث به و تقول من بين دموعها بصوتٍ متقطعٍ:
"بتعيط ليه طيب ؟! أنا و الله مش بحبك تعيط، بزعل لما تعيط"
ابتعد عنها يمسح دموعه ثم أمسك وجهها بين كفيه و هو يقول بحبٍ بالغٍ و عاطفةٍ أبوية:
"و أنا بحبك و الله، غصب عني بحبك و نفسي أشوفك علطول فرحانة يا خديجة، ابتسمت له فوجدته يحتضنها من جديد يغلق عليها بين ذراعيه و هو يبكي بحرقةٍ.
نظر "رياض" لـ "ياسين" بتفهمٍ و كلٍ منهما يفهم نظرات الآخر حتى طمئنه "ياسين" بنظراته أن علاقتهما اصبحت على ما يرام.
في تلك اللحظة تحدث "مرتضى" بنبرةٍ ضاحكة:
"إن شاء الله أنا و رياض هنفتتح حضانة اسمها حضانة الرشيد، قولنا نستثمر العدد دا و احنا أولى الغريب، ها رأيكم إيه ؟!"
ردت عليه "مشيرة" بسخريةٍ:
"طب و هو أنتَ هتعلمهم إيه إن شاء الله ؟!"
_"الفرفشة، علشان العيال تبقى مرحرحة و روحهم حلوة، و لا عاوزاهم يبقوا نكديين و عالم مقفلة ؟!"
رد عليها "مرتضى" بذلك الحديث وهو ينظر لأخيه "محمد" بحنقٍ، فتحدث "محمد" يسأله بنبرةٍ جامدة:
"قصدك إيه يا مرتضى ؟! تقصد مين بالكلام دا إن شاء الله ؟!"
رد عليه "مرتضى" بتبجحٍ:
"قصدي عليك أنتَ يا أخويا، هيكون قصدي على مين ؟! و بعدين اشمعنا أنتَ اللي سألت، ما الأوضة كلها ناس مقفلة، مش يكمن بلقح على وئام ابني أو طارق إبنك ؟!"
نظر كلًا منهما للأخر و هو يحاول كتم ضحكته، فقال "طارق" بنبرةٍ ضاحكة:
"مقبولة منك يا عمي، متشكر"
_"من العفو يا أخويا"
رد عليه "مرتضى" بذلك و استمرت الجلسة على هذا الحال بالسخرية و الضحكات حتى مال "حسن" على اذن "عامر" يقول هامسًا:
"مش كنت فصلت الأوضتين عن بعض بدل الفضايح دي ؟! عجبك كدا ؟!"
غمز له "عامر" و هو يقول بثباتٍ:
"اتقل دا أنا دلوقتي هقرا فاتحة ابني على الزينة بنت ياسر"
_________________________
أمام نهر النيل جلس "أحمد" بجوار "سلمى" و نسمات الهواء الباردة تعبر عبر انفهما برحيقٍ أزهر نفوسهما، حتى سألها "أحمد" بهدوء:
"إيه رأيك في الخروجة ؟!"
ابتسمت و هي تقول براحةٍ:
"حلوة أوي، اليوم رايق و جميل، كان نفسي اروح المستشفى بس الحمد لله أني وافقت أجي معاك هنا"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"طب أنا راضي ذمتك، حد يسيب الخروجة دي و يروح المستشفى ؟! دا يبقى اسمه فقر يا سلمى"
ابتسمت هي بخجلٍ من تفكيرها، حتى سألها هو بثباتٍ:
"كلميني عن نفسك كدا يا سلمى، نفسك في إيه ؟! بتحلمي بإيه ؟؟ قوليلي يمكن أساعدك"
تنفست بعمقٍ ثم تحدثت بحالميةٍ:
"نفسي أدرس الصيدلة و أحقق في المجال دا انجازات كتير، و في نفس الوقت عاوزة أكون زوجة شاطرة يعني عاوزة بيتي يكون دافي و حنين و روحه حلوة، عاوزة أكون شاطرة في كل حاجة اتحط فيها، أنا هادية و طلباتي هادية أوي، أنا عاوزة أيامي تعدي من غير مشاكل، أنا عاوزة أيام عادية يا أحمد، مش عاوزاها حلوة حتى، أنا اتعودت إن اليوم اللي يعدي بالستر من غير مشاكل هو دا أفضل النعم"
ابتسم لها بهدوء و هو يقلب حديثها في رأسه حتى تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت له بنبرةٍ لم تكن عادية لربما خالطها التوسل و هي تقول:
"أنا عاوزة أطلب منك طلب و اعتبره أهم طلب أنا بطلبه منك، أنا حياتي حلوة و مبسوطة فيها و راضية عنها، بس قلبي غالي عليا أوي، و عزة نفسي عندي بالدنيا دي كلها، أبوس إيدك متكسرنيش في كرامتي و تذل عزة نفسي، أنا سلمتك قلبي بكل رضا و اتعشمت فيك من الدنيا خير، عاوزة لأخر لحظة أنا معاك فيها، مندمش لحظة أني أمنتلك، هتقدر ؟؟"
تفاجأ هو من حديثها و ظهر ذلك بوضوح على ملامح وجهه فقالت هي متابعةٍ:
"صدقني أنا بديك أغلى حاجة أملكها و هو قلب بريء ميعرفش غيرك و مشافش غيرك أنتَ، حافظ عليه يا أحمد و أعتبرني بديك هدية، موافق ؟!"
سألته بحذرٍ حتى وجدته يقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال بثباتٍ و هدوءٍ:
"وعد مني لحد أخر نفس فيا، لحد ما الموت ييجي و ياخدني من الدنيا أكون ليكِ الراجل اللي بتتمنيه، اطمني أنا مش شايف غيرك أنتِ، و رغم إنك مش الوحيدة اللي ربنا خلقها في الدنيا دي، بس أنتِ الوحيدة اللي حبها اتخلق في قلبي."
ابتسمت رغمًا عنها له و العبرات تلمع في عينيها تأثرًا بصدق حديثه و نبرته حتى ابتسم هو الآخر لها و كلًا منهما يوعد الأخر بنظراته.
_________________________
رحلوا من المشفى جميعًا الأزواج و النساء والدات الفتيات، و قد وصل "ياسين" شقته مع زوجته و هو يبتسم بفرحةٍ تنبثق من نظراته، و هي أيضًا لم تختلف عنه كثيرًا بل كانت فرحتها تماثل فرحته و أكثر.
جلسا سويًا في غرفتهما و هي بجواره على الفراش بين ذراعيه تسأله بنبرةٍ ضاحكة:
"شوفت عمو رياض و هو بيغيظ بابا ؟! من دلوقتي بيحصل كدا أومال لما أولد هيعملوا إيه ؟؟"
مسد على خصلات شعرها بهدوء و هو يقول بحنقٍ:
"دماغي هتورم من أولها، مش دي المشكلة، المشكلة إن أبويا وسط العيال دي كلها ممكن يطرد أمي و يتبنى العيال كلها، ساعتها دا ورم الدماغ اللي بجد"
ضحكت هي بيأسٍ ثم تنفست بعمقٍ و هي تسأله مقررةً أكثر من كونها مستفسرةً:
"مبسوط صح ؟! أنا حاسة بكدا"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بعدما تتفس بعمقٍ:
"فرحان علشان واثق إنك ارتاحتي يا خديجة، أنتِ حتى لما الدكتورة طمنتنا أنتِ كنتي قلقانة، بدليل إنك طلبتي نكشف تاني، بس أنا قولتلك إنها رزق تيجي زي ما تيجي، حتى لو مكانش حصل أنا ماكنتش هتأثر، بالعكس أنا برضه فرحان إنك معايا"
تنفست بعمقٍ ثم قالت:
"الحمد لله بقى ربنا كاتبلي أني أكون أم و أنتَ تكون باباهم، واثقة إنك هتكون أب مهلبية"
ضحك رغمًا عنه بيأسٍ منها حتى سألته هي بتعجبٍ:
"صحيح هي طنط كانت بتسألك على فكرتي ليه ؟؟ أوعى تكون مش عجباها ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال مفسرًا:
"بالعكس، ماما قالتلي انها هتاخد ميعاد من الاخصائيين النفسيين في المدرسة عندها و تخليكي تقعدي معاهم في مرة علشان تفهميهم أنتِ عاوزة تعملي إيه، و قالتلي إن الفكرة عجباها أوي"
اندفعت من جواره تعتدل في جلستها حتى اصبحت مقابلةً له:
"بجد ؟! يعني طنط زهرة عجبها كلامي و فكرتي ؟؟! نفسي تطبق أوي و الناس كلها تنفذها، نفسي يلحقوا الأطفال قبل ما يكبروا"
سألها بإيجاز:
"ليه يا خديجة ؟!"
فهمت هي مقصد سؤاله فتنفست بعمقٍ و قالت بثباتٍ:
"اتطمن أنا نسيت كل حاجة و اتعافيت كمان منها، طبعًا دا بوجودك أنتَ، بس فكر كدا معايا و احسبها زيي، لو بصينا للموضوع هتلاقي فيه مليون خديجة زيي، و قصاد المليون دول ١٠٠ ياسين بس، لو اللي زي خديجة دول متعافوش من صغرهم لو كبروا بالوضع دا حياتهم هتضيع، هيخاف من العلام و يضيع كلية أحلامه زيي، و هيخاف من العلاقات و يعيش مسجون في وحدة متليقش بيه، عاوزة الناس تاخد بالها من الطفل الباهت اللي مبيتكلمش و مش ظاهر وسط الناس، عاوزاهم يعرفوا إنه لو خد فرصته هيكون زي باقي الأطفال، عاوزة المدرسين يحسبوها صح، و بدل ما يركز مع الطالب الشاطر اللي دمه خفيف بس، يشوف اللي ساكت علطول و مش قادر يحاول حتى مع نفسه، الأطفال هنا عندهم قدرات عجيبة، بس محدش عارف يستغلها علشان للأسف احنا بناخد بالمظاهر، بس أنا مش هيأس و الله هحاول تاني و تالت لحد ما كل الأطفال تاخد حقها أنها تكون زي غيرها"
ابتسم هو لها بفخرٍ ثم قربها منه يحتضنها و هو يقول بهدوء:
"و أنا معاكِ و في ضهرك و بشجعك لحد ما توصلي للي نفسك فيه، معاكِ لحد ما توصلي للي بتتمنيه، و واثق إنك هتكوني أحن و أطيب أم في الدنيا كلها، هتبقي كتكوتة بصحيح"
ابتسمت و هي تتخيل نفسها في ذلك الوضع فيما شدد هو عناقه لها ثم تنهد براحةٍ بعدما من الله عليهما بتلك النعمة، و خصوصًا هو بعدما تأكد من أنها هي من ستصبح أمًا لأولاده و عندما أخذه عقله لِـ تلك الفكرة شعر براحةٍ تكفيه الدنيا بأكملها.
_________________________
بعد مرور ثلاثة أيامٍ و تحديدًا يوم الخميس بعدما خرجت الفتيات من المشفىٰ، قرر الشباب الذهاب لإحدى القرىٰ الريفية حتى يجلبون منها الأضاحي للمولودين، و حينها ذهب "ياسين" و معه الشباب جميعهم، بعدما دلهم "رياض" على عنوان الرجل في إحدى المحافظات.
في السيارة الكبيرة الخاصة بعائلة "الرشيد" جلس بها الشباب جميعًا و خلفهم سيارة نقل كبيرة الحجم حتى يتم بها نقل الأضاحي للقاهرة، و في سيارة الشباب تحدث "خالد" أمرًا أخوته بقوله:
"عارفين لو حد فيكم نطق أنا هعمل إيه ؟؟! عامر !! لو فتحت بوقك بحرف واحد أنا هيتم ابنك و أخلي ياسين يضحي بيك"
ضحك عليه الشباب فيما رفع "عامر" صوته يقول بضجرٍ:
"إيـــه يــا عــم !! هو ابنك و لا ابني ؟! إيه القرف دا ؟! طب هتكلم بقى"
حدجه "خالد" بشررٍ يتطاير من نظراته فقال "ياسر" بثباتٍ:
"أنا عليا الفلوس بس و خلاص على كدا، أي حاجة تاني معرفهاش، غير أني اقطع اللحمة"
تحدث "حسن" بنبرةٍ ضاحكة:
"سامع يا عامر ؟! سامع كلام الناس المؤدبة ؟!"
رد عليه بحنقٍ:
"يا عم أنا مش متربي، ما تتكلم يا عم وليد، خلاص اتربيت ؟!"
رد عليه "وليد" بنبرةٍ ضاحكة:
"ياض افهم أنا ساكت علشان لو أنا كمان اتكلمت هيزعلونا كلنا، متخافش أنا بعمل تمويه و بأمنك"
تحدث "وئام" مستفسرًا:
"هو الراجل دا تبع مين يا ياسين ؟! تعرفوه ؟!"
رد عليه "ياسين" موضحًا:
"آه يا وئام دا تبع أبويا، صاحبه من زمان و قالي اعرفه أني ابنه علشان يكرمنا و مناخدش حاجة عجوزة، متقلقش أنا مظبط الدنيا"
تحدث "خالد" مؤكدًا:
"مش هقول تاني، مش عاوز نفس منكم، أمين ؟! أمين يا عامر؟!"
رد عليه "عامر" بنفاذ صبرٍ:
"يا عم خلاص ورمت دماغ أمي، أمين خلاص، متقرفناش بقى"
زفر "خالد" بيأسٍ و هو يرمقه بشكٍ.
توقفت السيارات أمام المنزل الذي قصده "ياسين" حينما قاد السيارة و أخبر الشباب أنهم أخيرًا وصلوا للمزرعة المقصودة، نزل الشباب خلف بعضهم تِباعًا و سيارة النقل في الخلف بالسائق.
خرج لهم الرجل و هو يقول مُرحبًا بهم:
"يادي النور يادي النور، يا ألف أهلًا و سهلًا، اؤمرني خير"
اقترب منه "ياسين" يسلم عليه بهدوء و هو يبتسم له و قال معرفًا نفسه:
"مع حضرتك ياسين رياض الشيخ، ابن المحامي رياض الشيخ"
رفع الرجل صوته مرحبًا بهم:
"الله أكبر، تبع الأستاذ رياض !! حبيبنا الغالي، دي البهايم بترقص من فرحتها بيكم، أنا نفسي عاوز ارقص من فرحتي"
حاول "عامر" كتم ضحكته لكنه فشل في ذلك فالتفت يوليهم ظهره حتى سأله "وليد" بنبرة هامسة:
"بتضحك على إيه يا حيوان ؟!"
_"مش قادر امنع نفسي أني اتخيل الراجل دا و البهايم بيرقصوا ترحيبًا بينا"
رد عليه "عامر" بذلك حتى كاد يضحك "وليد" هو الأخر حينما تخيل المنظر لكنه تحلى بالثبات ثم اعتدل هو و "عامر" فتحدث الرجل بعد التعارف عليهم:
"طب اؤمروني يا بهوات عاوزين إيه ؟! خير رقابتي سدادة ليكم"
قبل أن ينطق أيًا منهم تدخل "عامر" يقول بمرحٍ و حماسٍ نبع عن تلقائيته:
"عقبال ولادك و حبايبك إن شاء الله عندنا عقيقتين بتوع ابني و ولاد أخويا و عاوزين عِجلين حلوين زيك كدا علشان الأضحية."
تلاشت البسمة من على وجوه الجميع و اتسعت الأعين بغير تصديق و خيم الصمت و في تلك اللحظة هل الركض يفيد بشيءٍ ؟! أم أنهم سيلاحقون مصيرًا مجهولًا لم يعلمه أيًا منهم ؟!
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم شمس بكري
"الفصل الخامس و الثمانون"
"رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_________________________
" لا خير لي بعدك في دنياي، فمنكِ أملي و لكِ مسعاي"
_________________________
اكتفيت من الدنيا بنفسٍ طيبة و كفيت لكل العالم شري، فلم يأتٍ يومٌ و أردت فيه أن يتبدل خيري، لم أرد يومًا أن يمدحني أيًا منهم لكن فقط وددت أن ينالوا من عطفي و خَيري، وددت فقط أيامًا عادية بنفسٍ هادئة لا يقارنها خوفي و لا يمس مذاق الحزن جوفي.
رفع الرجل صوته مرحبًا بهم:
"الله أكبر، تبع الأستاذ رياض !! حبيبنا الغالي، دي البهايم بترقص من فرحتها بيكم، أنا نفسي عاوز ارقص من فرحتي"
حاول "عامر" كتم ضحكته لكنه فشل في ذلك فالتفت يوليهم ظهره حتى سأله "وليد" بنبرة هامسة:
"بتضحك على إيه يا حيوان ؟!"
_"مش قادر امنع نفسي أني اتخيل الراجل دا و البهايم بيرقصوا ترحيبًا بينا"
رد عليه "عامر" بذلك حتى كاد يضحك "وليد" هو الأخر حينما تخيل المنظر لكنه تحلى بالثبات ثم اعتدل هو و "عامر" فتحدث الرجل بعد التعارف عليهم:
"طب اؤمروني يا بهوات عاوزين إيه ؟! خير رقابتي سدادة ليكم"
قبل أن ينطق أيًا منهم تدخل "عامر" يقول بمرحٍ و حماسٍ نبع عن تلقائيته:
"عقبال ولادك و حبايبك إن شاء الله عندنا عقيقتين بتوع ابني و ولاد أخويا و عاوزين عِجلين حلوين زيك كدا علشان الأضحية."
تلاشت البسمة من على وجوه الجميع و خيم الصمت و في تلك اللحظة هل الركض يفيد بشيءٍ ؟! أم أنهم سيلاحقون مصيرًا مجهولًا لم يعلمه أيًا منهم ؟، تأهب جسد الرجل و طغى الضيق على ملامحه و ظهر ذلك من خلال نظرة عينيه فاقترب منه "خالد" بلهفةٍ يقول بتوترٍ إثر حديث الأبله الذي وقف يرمش ببلاهةٍ:
"معلش يا معلم اعذره، هو الفرحة مش سيعاه و الكلام داخل في بعضه، معذور اصله جاي بعد شوقة"
نظر له الرجل نظراتٍ ثاقبة ثم قال بقلة حيلة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، حصل خير يابني، ربنا يكرمه و يتربى في عزه....بـس الكلام كدا ميصحش، عيب كدا"
قبل أن ينطق أيًا منهم تدخل "وليد" يقول بحنقٍ:
"الله !! ما خلاص يا معلم متكبرش الموضوع، قولنالك فرحان و العيل جاي بعد شوقة، و بعدين هو قال عِجلين يعني حاجة معتبرة، أومال لو كان قال خروفين بقى ؟!"
شهق "حسن" في تلك اللحظة بدهشةٍ فيما لطم "طارق" وجهه بكلا كفيه و هو يقول بأسفٍ على تلك اللحظة:
"بيعكها ابن مرتضى، بيعكها على دماغنا"
اتسعت عيني الرجل بدهشةٍ و ظهر الشر في نظراته و لم يختلف حال "خالد" عنه كثيرًا بل نظر لهما بسخطٍ و في تلك اللحظة رفع "ياسين" ذراعيه يقول بشجاعةٍ:
"بــس !! الباقي عليا أنا يا معلم"
نظروا له بدهشةٍ جميعهم فاقترب هو منهما يمسكهما من ثيابهما من الخلف و ابتسم بسمةٍ هادئة تزامنًا مع قوله:
"هدي نفسك يا معلم، أنا هريحك و أريح الدنيا كلها"
سحبهما بعد جملته تلك من ملابسهما و أشار لـ "حسن" و "ياسر" يتبعانه للخارج، خرجا خلفه كليهما و هو يقوم بجر الأخرين حتى وصل للخارج فقال بصوتٍ عالٍ لهما:
"و رب الكعبة اللي هسمع صوته فيكم لأجيب أجله و آكله للبهايم، ولا منك ليه ؟! لو واحد فيكم خرج برة العربية أنا هروحه سحب في العربية"
نظر "عامر" و "وليد" لبعضهما فصرخ "ياسين" بصوتٍ عالٍ:
"حــسـن !! يــاسر !! افتحوا العربية"
فتح "ياسر" السيارة و هو يحاول جاهدًا كتم ضحكته فقام "ياسين" و "حسن" بوضعهما في السيارة و أغلق عليهما "ياسين" بعدها و هو يشير لهما بالتريث.
جلس "وليد" و "عامر" داخل السيارة بمللٍ بعدما دخل الثلاثة مرةً أخرى للداخل فتحدث "وليد" بتعجبٍ:
"هو ماله ؟؟ أول مرة أشوفه متعصب كدا، الواد كان هادي"
رد عليه "عامر" مفسرًا:
"كدا ياسين متعصب بجد، اسألني أنا على قلبته ممكن يكسر الدنيا و بعدها يفوق كأن محصلش حاجة"
حرك "وليد" رأسه متفهمًا فقال "عامر" بتوترٍ و صوتٍ مهتز:
"هو....هو أنا عكيت الدنيا أوي ؟؟ على فكرة مكانش قصدي أصلًا"
رد عليه "وليد" بثباتٍ:
"أنتَ مغطلتش ياض في حاجة، دا حقك، دا أنتَ مكبره كمان، عارف العِجلين بكام ؟! هو اللي مخه ضيق، مش احسن لو كنت قولتله عاوز جِديين حلوين و لا خروفين ؟!"
ابتسم "عامر" بوجهٍ مبتهج و هو يقول بمرحٍ:
"أيوا صح !! طب و الله أنتَ بتفهم، أقولك ؟! فيه سندوتشات لسه في الشنطة هاتهم ناكلهم لحد ما يخلصوا"
ابتسم له "وليد" فقام "عامر" بسحب الحقيبة الممتلئة بالطعام يأكلا منها سويًا و قبل أن يشرعا في تناول الطعام تحدث "عامر" بحماسٍ تغلفه اللهفة:
"تيجي نعمل تيك توك ؟!"
ابتهج وجه "وليد" و ابتسم ببلاهةٍ فيما أخرج "عامر" هاتفه و شرع في فتح التطبيق لتصوير الفيديو القصير لهما سويًا.
في الداخل وقع الاختيار على الماشيتين أخيرًا و تم دفع المبلغ المالي و قام صاحب المزرعة بأمر العمال بنقلهم للسيارة، و من بعدها خرج الشباب من المكان و قبل وصولهم للسيارة تحدث "ياسر" بتشفٍ:
"تلاقيهم متكدرين في العربية و مفيش واحد فيهم طايق نفسه، يستاهلوا هما الجوز"
نظر له الشباب بثقةٍ و كلًا منهم يؤكد صدق حديثه بنظراته
_"بحبك يا صاحبي.....من و أنا لسه بَحبي و أنا مسنود عليك"
كانا كلًا منها يرددها و هما يجلسان في السيارة يقوما بتصوير الفيديو عبر أحد التطبيقات و كأنهما لم يفعلا شيئًا من الأساس.
وصل الشباب للسيارة حتى تفاجئوا بـ بما يفعله كليهما في السيارة حينها تلاشت ثقتهم و حل الوجوم محل الراحة في وجوههم، حينها اقترب "خالد" من السيارة يفتحها بعدما خطف المفتاح من "ياسين" ثم فتح النافذة المطلة عليهما و مال عليها فترك "عامر" الهاتف و كذلك اعتدل "وليد" في جلسته بوقارٍ يتنافى مع ما كان يقوم بفعله منذ قليل، حينها قال "خالد" بتهكمٍ حينما رآى مظهرهما الجاد:
_"يا جدع ؟! اللي يشوفكم كدا يقول موظفين في شئون الطلبة ؟! حاضر، احفظوا القعدة دي بقى علشان إن شاء الله هتقضوا اللي جاي من حياتكم كلها على تربيزة ميمي بنفس الوضع"
نظر "عامر" لـ "وليد" بخوفٍ فركب الشباب السيارة تباعًا و كلًا منهم ينظر لهما بتوعدٍ.
_________________________
في بيت آلـ "الرشيد" جلست "خلود" بجانب والدتها تقول بحنقٍ و "أحمد" بجوارها:
"يا ماما بقى !! يعني من ساعة ما عرفت أني هبقى خالتو و أنا مشوفتهاش، هي فين ؟!"
زفرت "زينب" بقوةٍ ثم قالت:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، يا بنتي هي دلوقتي عند زهرة حماتها، بكرة في العقيقة هنشوفها إن شاء الله، ذاكري أنتِ بس"
زفرت "خلود" بيأسٍ فيما تحدث "أحمد" بضجرٍ منها:
"بطلي نفخ بقى !! بكرة هنشوفها، هي عند حماتها أنتِ أيه مزعلك ؟!"
ردت عليه بقلة حيلة:
"كنت عاوزة احضنها كدا و أفرح بيها علشان هي كان نفسها من بدري تخلف، عاوزاها تيجي تقعد معانا هنا بصراحة"
رد عليها "أحمد" بضجرٍ:
"يعني الناس طلبوها مننا و عم رياض طلب أنها تبقى تقعد عندهم متخليش شكلنا وحش بقى"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ فقال "أحمد" بهدوء:
"بعدين مش أنتِ كنتي فرحانة ؟! إيه مخك اتلط ؟!"
ابتسمت له "خلود" و قالت بحماسٍ:
"لأ مبسوطة علشان خديجة أوي، هي كانت قالتلي إنها خايفة من تأخيرها دا، و فرحانة علشان ليدو و عبلة، و فرحانة لهدير و حسن أوي، بصوا كل حاجة حلوة منها لله الدروس منكدة عليا حياتي"
تحدثت "زينب" تقول بآسفٍ:
"البت بنت أم يارا بتاعة الخضار بنتها برضه في ثانوية عامة و الفلوس معاها مش مكفية، عمالة تندب حظها انها مدخلتش دبلوم"
سألها "أحمد" مستنكرًا:
"يا سلام ؟! هتفرق إيه بقى دبلوم من ثانوية عامة !!"
ردت عليه والدته بتعجبٍ:
"مش عارفة و الله يا أحمد، بس هي حاطة في دماغها إنها مش هتتعب في الدبلوم زي الثانوية"
تدخلت "خلود" تقول بحنقٍ:
"دا إيه الهطل دا ؟! لأ طبعًا كلها تعب و مجهود، هي ثانوي دي بيذاكروا فيها و دبلوم بيغنوا ؟! طب ما زمايلي في دبلوم و بيتعبوا و يذاكروا و ربنا يصبرهم لازم يجيبوا مجموع عالي علشان يدخلوا كلية محددة و لو محصلش فرصه بتضيع، أنا بتعصب من الناس اللي بتقارن بين كل حاجة دي، كل حاجة فيها تعب و مجهود و كل حاجة عاوزة وقت و طاقة علشان تاخد منها حقك، الدبلومات الفنية أو أيًا كانت هما زيهم زي أي طالب و اللي يقلل منهم يبقى غبي، لأنه ببساطة طالب زيه زي كل الطلاب بيحاول و يجاهد طول السنة و بياخد دروس كمان و يعمل معادلة علشان الكلية، يبقوا أكيد بيتعبوا"
تحدث "أحمد" بنبرةٍ ضاحكة:
"أنتِ لسه بتتعصبي من التصنيفات ؟! ريحي نفسك يا خلود الناس مش هتبطل تقارنهم ببعض، دا وضع من قديم الأزل"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
"علشان عنصريين، أي حد في دبلوم يبقى فاشل و مش بتاع علام و أي حد أدبي يبقى بيتدلع و داخل ثانوي يهزر، هما ناسيين إن مفيش حاجة واحدة و إن كلنا غير بعض، دبلوم زيه زي ثانوية عامة و أي طالب يبص لغيره إنه أقل منه و ميستحقش يبقى محتاج يتعلم الأدب من جديد قبل ما يتعلم"
جلس "أحمد" بجوارها يربت على رأسها و هو بمزاحٍ حتى يشاكسها بعدما وجدها منفعلة بذلك الشكل:
"انصرفوا.... انصرفوا....هتهدى أهيه متخافوش"
حاولت دفعه بعيدًا عنها لكنه تمسك بها أكثر و هو يضحك معاندًا لها، حينها رفعت صوتها تقول بضجرٍ منه:
"بس بقى !! أنتَ مروحتش معاهم تجيب البهايم ليه ؟!"
ابتعد عنها على مضضٍ و هو يضحك عليها ثم اوقف الضحكات و قال بنبرةٍ هادئة:
"قالولي أفضل هنا و هما راجعين في الطريق هيكلموني اقابل عمار و نروح نجهز المخزن"
حركت رأسها موافقةً فتنهدت "زينب" و قالت بنبرةٍ هادئة ممتنة لله:
"الحمد لله ربنا طمن قلبي على خديجة و أحمد كمان، عقبالك يا خلود تخلصي السنة دي على خير و تدخلي الجامعة إن شاء الله"
ابتسمت لها "خلود" بهدوء ثم قالت لهما:
"طب أنا هدخل اذاكر بقى عن اذنكم، يدوبك ألحق قبل ما اليوم يتلغبط"
دلفت غرفتها و هي تتنهد بعمقٍ ثم جلست على مكتبها الذي جهزته هي و أعدته حتى يناسبها و قبل أن تبدأ المذاكرة نظرت للحائط و للجمل التحفيزية التي كتبتها هي بخط يدها و التي عبارة عن حديث "عمار" في وريقات صغيرة ملونة و كان أخرهم جملته حينما قال:
"أنا واثق إنك خلود هتتحدى خلود و تكسبها كمان"
ابتسمت بحماسٍ ثم قامت بفتح كتابها لتبدأ في المذاكرة و هذه هي المرة من المرات النادرة التي تذاكر هي فيها دون أن يأمرها أحدٌ بذلك، لكن شجاعتها و حماسها كانا الدافعان لها حتى تتحرك و تتخلى عن كسلها.
_________________________
في شقة "رياض" كانت "خديجة" تجلس في الشرفة تقوم بكتابة بعض الملاحظات التي سوف تساعدها في التعامل مع الأطفال، و اندمجت في عملها ذاك حتى اقتربت منها "زهرة" تحمل في يدها كوبين من العصير الطازج و هي تقول بمرحٍ:
"يلا يا خديجة، اشربي العصير"
ابتسمت "خديجة" بيأسٍ و أغلقت الدفتر و هي تقول بقلة حيلة:
"يا ماما حرام و الله أنا مش قادرة من الصبح عمالة آكل و أشرب بس، اقعدي معايا و متشغليش بالك بقى"
جلست "زهرة" و هي تقول برفضٍ قاطعٍ:
" مستحيل !! يا سلام ؟! لازم أغذيكي و أخلي بالي منك، ياسين قالي إنك مهملة في نفسك و أنا مش هقبل بكدا خالص"
تنفست "خديجة" بعمقٍ ثم قالت بتوترٍ و كأنها تخشى التحدث:
"عارفة يا ماما !! أنا كنت خايفة أوي يكون فيه حاجة تمنع الخلفة علشان أنتِ متتغيريش معايا، أنا بحبك أوي بس الوسواس مسكني بقى و خلاني افكر في حاجات كتير كلهم أصعب من بعض"
امسكت "زهرة" وجهها بين كفيها و هي تقول لها بعاطفة الأمومة الطاغية:
"صدقيني و الله مفيش حاجة بأيدينا خالص، منكرش أني أكيد كنت هزعل طبعًا بس علشانك قبل ياسين، أنا ست و عارفة دماغك لفت ازاي و راحت فين، أنا بحبك أنا كمان و قولتلك أني ما صدقت ربنا كرم ياسين بيكي علشان تكوني بنت ليا أنا قبل ما تكوني مراته هو، فيه أم برضه تزعل بنتها ؟!"
حركت "خديجة" رأسها نفيًا و هي تبتسم لها و كذلك "زهرة" التي قالت بهدوء:
"طب يلا اشربي العصير، اشربي بدل ما اوريكي شغل الحماوات"
_"ياريت و الله يا ماما، أنا نفسي اشوفك حما من ساعة ما اتجوزت، محصلش برضه"
ردت "خديجة" بذلك على حديثها و هي تبتسم حتى طالعتها "زهرة" بدهشةٍ ثم ضحكت عليها بيأسٍ.
دلف "رياض" الشقة في تلك اللحظة يبحث عنهما حتى وجدهما في الشرفة تجلسان سويًا، اقترب منهما و في يده حقائب بلاستيكية كبيرة الحجم و هو يقول مرحبًا بها:
"البيت نوره بقى بيزيد بوجودك، وحشتيني يا خديجة"
ردت عليه هي بهدوء:
"و حضرتك كمان و الله وحشتني أوي، عامل إيه ؟!"
جلس بجوارها و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"أنا زي الفل، بس قوليلي أنا وحشتك أكتر و لا ياسين ؟!"
ردت هي بخجلٍ منه:
"حضرتك وحشتني و هو كمان"
تدخلت "زهرة" تقول بضجرٍ منه:
"هو أنتَ غاوي تكسفها ؟! ما تسيبها في حالها بقى !!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بقلة حيلة و غُلبٍ:
"ياستي خلاص بهزر معاكم، بعدين اطلعي منها أنتِ و خليكي في حالك أنتِ و أبو طويلة"
ابتسمت "زهرة" رغمًا عنها فيما تحدث هو موجهًا حديثه للأخرى:
"طمنيني اخبار الفكرة بتاعتك إيه ؟!"
ردت عليه بحيرةٍ:
"مش عارفة و الله لحد دلوقتي، بس لما بشوف الردود و تفاعل الناس على الموضوع بحس إنه مبشر، هو بس عاوز مني شوية شرح و مجهود و ياسين الفترة دي مشغول مع عامر و ياسر، بعدها إن شاء الله هنرتب كل حاجة"
تدخلت "زهرة" تقول بحماسٍ:
"أنا عندي ليكي فكرة، إيه رأيك تبدأي يالمدرسة عندنا ؟! فيها مدرسين كتير و كلهم هيفهموا كلامك، و كمان الاخصائيين اللي عندنا عددهم كبير أوي و مبيعملوش حاجة غير لو فيه خناقة بين الطلاب بس"
ردت عليها "خديجة" بحماسٍ:
"بجد ؟! ينفع ؟ طب هروح ليهم ازاي ؟!"
ابتسمت "زهرة" لها و هي تقول:
"هتروحي معايا بصفتك بنتي، حد هيقدر يمنعك يعني ؟! جهزي بس كل حاجة و يوم الحد هنروح سوا و هعرفهم كلهم، إيه رأيك ؟!"
حركت رأسها موافقةً فقال "رياض" بثباتٍ:
"طب ادخلوا بقى جهزوا الأكل و أنا هكلم العيال و اتطمن عليهم، مش عارف ليه حاسس إن عامر جرى البهايم كلها و وقع المزرعة على دماغهم"
_________________________
أسفل شقة "ميمي" و خاصةً في المخزن الذي يقع بجوار البيت وقف كلًا من "عمار" و "عبدالرحمن" سويًا ينظفا المخزن و يقوما بتجهيزه و بعدما انتهيا أخيرًا ارتميا سويًا على الأريكة المتهالكة الموضوعة بالمخزن فتحدث "عمار" بتعبٍ واضحٍ:
"يلهوي ياما ؟! تعبت يا عمار، خلاص مش قادر، أخواتك يخلفوا و احنا نشيل الطين ؟!"
تحدث "عمار" بصوتٍ ضعيف ساخرًا على حالهما:
"عارف المشكلة فين ؟! إن إحنا شيلنا الطين بجد مش هزار، عم لطفي فاكر المخزن ارض ذراعية، حد يزرع هنا بتنجان ؟!!"
ضحك "عبدالرحمن" رغمًا عنه و "عمار" أيضًا فقال الأول متمنيًا بحالمية:
"و الله اللي مصبرني أني عمري ما هجرب الجو دا، علشان كدا بعمل معاك بقلب جامد، حِلني بقى لحد ما أبقى خال دا لو اختي وافقت تتجوز أصلًا"
ابتسم له "عمار" و قال بودٍ:
"ما هما ولاد أخواتك أنتَ كمان، هو أنتَ غريب عننا ؟! بكرة أنتَ بنفسك تهرب منهم و خصوصًا عمر ابن عامر"
دلف "أحمد" في تلك اللحظة عليهما و هو يرحب بهما حتى ردا عليه التحية كليهما فقال هو بثباتٍ و هدوء:
"هما كلموني و زمانهم جايين في الطريق خلاص، كلها نص ساعة، انتوا عاوزين حاجة اعملها أو أجيبها ليكم ؟!"
رد عليه "عمار" رافضًا:
"لأ متتعبش نفسك كل حاجة تمام تعالى اقعد لحد ما ييجوا معلش بقى مفيش شاي و لا حاجة هنا، بس هنطلع لميمي و نظبط كل حاجة سوا"
وصلت سيارة الشباب و خلفها سيارة النقل التي تحمل على متنها الماشيتين، نزلوا من السيارة جميعهم فتحدث "خالد" بنبرةٍ جامدة:
"اقسم بالله يا عامر لو عملت حاجة كدا و لا كدا لأكون مطلعه على دماغك و ساعتها !! عمر في رقبتي و أنا هربيه"
رمقه "عامر" بغيظٍ منه و كذلك "وليد" فيما تحرك باقي الشباب ليقوموا بتنزيل الماشيتين من السيارة، اجتمعت الناس إثر الصوت الذي ارتفع في محاولتهم لتنزيل الماشيتين حتى نجحوا في ذلك أخيرًا و قاموا بربطهم في المخزن.
صعدوا لشقة "ميمي" بعدما أغلقوا المخزن و حينها تحدث "حسن" بتعجبٍ من الحال بأكمله:
"متأكدين انهم هنا في أمان ؟! محدش هيحاول ييجي جنبهم ؟! أنا خايف بس المنطقة كلها تتلم و العيال تتجمع"
تحدث "خالد" بفخرٍ:
"لأ عيب عليك متخافش محدش يعرف أصلًا و بعدين العيال طالما الباب مقفول خلاص هيسكتوا"
في تلك اللحظة صدح صوت الأطفال من الأسفل عاليًا فنظر الشباب لبعضهم البعض و دلف "ياسر" الشرفة يرد عليهم و قال:
"إيه يا عُدي ؟! عاوزين إيه؟!"
رد عليه بصوتٍ عالٍ و الأطفال حوله:
"جايين نتصور مع البقرة، عمو عامر قالنا يوم ما تيجي هيصورنا معاهم، هو فين ؟! خليه ييجي يصورنا"
نظر "ياسر" لهم باستغرابٍ بينما في الداخل توجهت الأنظار نحو "عامر" الذي ازدرد لُعابه بخوفٍ و قال بتلعثمٍ واضحٍ شَوش على كلماته:
"هقولكم....أصل يعني هما أطفال و الأطفال أحباب الله....فـ بس يعني قولت افرحهم....فيه إيه بقى ؟!"
لم يأتيه الرد منهم؛ فقط النظرات مُسلطة عليه و حينها ركض "خالد" من على الأريكة و قد أدرك "عامر" الوضع و حينها ركض هو الأخر لخارج الشقةِ بأكملها فتوقف "خالد" عن الركض و زفر بقوةٍ و هو يتوعد له بينه و بين نفسه وسط الضحكات التي تأتيه من الخلف.
_________________________
انتهى اليوم دون أن أحداثٍ أخرى تذكر فقط عاد كلٍ منهم إلى بيته حتى يجتمعا سويًا في اليوم التالي في شقة "ميمي" لعمل الطعام و الوجبات و توزيعها على الناس و الجيران.
في صباح اليوم التالي يوم "الجمعة" وصلت الفتيات بأطفالها و قد كانت "ميمي" على أهبة الاستعداد و الحماس حتى ترى احفادها الجُدد، اقتربت منها اولًا "سارة" بصغيرها، فأخذته منها "ميمي" و هي تقول بشوقٍ و تأثرٍ:
"حبيب قلب تيتة يا ناس، اللهم صل على سيدنا محمد، الله أكبر"
حملته على يدها و هي تبتسم و
دون إن تشعر بشيءٍ نزلت دموعها تأثرًا من الموقف فتحدثت بصوتٍ مختنقٍ:
"ربنا يحفظك و يبارك فيك و يجعلك ذرية صالحة ليهم و ابن حنين و طيب زي أبوك"
قالت حديثها ثم طبعت قبلة هادئة على جبينه و من بعدها أخذته بين ذراعيها تعانقه و هي تبكي مرةٍ أخرى، اقتربت منها "سارة" تحتضنها و تربت على ظهرها فقبلتها "ميمي" ثم أعطتها المولود.
اقتربت منها "إيمان" و هي تقول بمرحٍ حتى تمازحها:
"أوعي تعيطي كفاية عليا ميرفت و عياطها، شوفي زين و زينة"
أعطتها الولد فقبلته "ميمي" و أمعنت النظر في وجهه و هي تقول بصوتٍ متحشرجٍ:
"ربنا يحفظك و يجعلك العوض لأبوك من الدنيا كلها يا رب، إن شاء الله تبقى اسم على مسمى و تبقى زين الشباب كلهم زي أبوك"
أخذته منها "إيمان" ثم أعطتها "زينة" فابتسمت لها "ميمي" و هي تقول بنفس التأثر:
"اللهم صل على النبي، زي البدر في تمامه، شبه ميرفت بالظبط، ربنا يحفظها و يحميها و يبعد عنها العين و تبقى أحن عليكِ و على ياسر من نفسكم"
اقتربت منها "خديجة" و "هدير" في آن واحدٍ ففتحت لهما ذراعيها و هي تقول بحماسٍ:
"حبايب قلبي قربوا كدا، خلوني أبارك ليكم، خلوا بالكم من نفسك أنتِ و هي لحد ما إن شاء الله تخلفوا و تقوموا بالسلامة، كدا أنا ربنا جبر بخاطري و اطمنت على عيالي كلهم ناقص طارق إن شاء الله"
تحدثت "هدير" بلهفةٍ:
"و الله أنا كنت عاوزة أجيلك من بدري بس معرفتش، قولت هنتقابل سوا النهاردة، وحشتيني اوي يا ميمي"
ردت عليها "ميمي" بهدوء:
"أنتِ اللي وحشتيني اوي يا حبيبة قلب ميمي، طمنيني اخبارك إيه ؟!"
ابتسمت لها و هي تطمئنها و كذلك "خديجة" أيضًا و بعدها صعدت بقية الفتيات و النساء معهن حتى يقومن بالتجهيزات قبل صلاة الجمعة.
_________________________
في الأسفل بعد مرور بعض الوقت و خاصةً بعد الإنتهاء من صلاة الجمعة وقف الشباب في المخزن و معهم الرجال أيضًا فتحدث "وليد" بضجرٍ:
"ما تخلص يا ياسين ؟! ادبح بقى احنا قربنا نبقى العصر، مستني منهم يولدوا يعني ؟!"
حدجه "ياسين" بسخطٍ و لم يعقب على حديثه، فيما تحدث "ياسر" بنبرةٍ هادئة كعادته:
"أنتَ مستني إيه ؟! ما تخلص لسه ورانا حاجات كتير"
تنفس "ياسين" بعمقٍ ثم زفر بقوةٍ و قال بقلة حيلة:
"ماشي خلاص نزلوهم علشان يتفرجوا لحد ما أجهز العِدة"
أخرج "رياض" هاتفه يطلب من زوجته النزول مع الفتيات فيما قام "ياسين" بتجهيز نفسه و تجهيز أدوات الذبح و قبل أن يتخذ أي إجراءٍ في بداية عمله وصله صوته و هو يقول بتهكمٍ من خلفهم على أعتاب المخزن:
"شوفتوا بقى أنكم اندال و كنتوا هتعملوها من غيري ؟! مش قادرين تستنوني شوية ؟!"
التفتوا نحو مصدر الصوت و سرعان ما ابتهجت وجوههم بعد رؤيتهم له فركض نحوه "وليد" و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
"يــوسـف !! نورت الدنيا"
احتضنته "يوسف" و هو يبتسم بخفةٍ ثم قال بصدقٍ:
"وحشتني و الله يا وليد، وحشتني أوي، مبروك يا سيدي ياسين قالي إنك هتبقى أب خلاص"
ابتسم له "وليد" هو الأخر ثم قال بعدما خرج من عناقه:
"عقبالك إن شاء الله، ربنا يكرمك بس و تلاقي بنت الحلال"
ضحك له "يوسف" ثم اقترب من الرجال و الشباب الذين رحبوا به بحماسٍ و حفاوةٍ حتى وصل لـ "ياسين" الذي عانقه بشدة و هو يقول بصوتٍ تخللته الراحة:
"الحمد لله إنك جيت، كنت هزعل و الله لو محضرتش، طمني عليك"
رد عليه يُطمئنه بنبرة ثابتة:
"أنا زي الفل متخافش، الحمد لله الشغل هناك ماشي تمام، و أنا مبسوط، طمني أنتَ"
ابتسم له "ياسين" ثم قال:
"الحمد لله إنك بخير، أنا يا سيدي زي الفل و مراتي حامل كلها شهور و تحضر عقيقة ابني هو كمان"
ابتهج وجه "يوسف" و ظهر ذلك على ملامحه ثم بارك لـ "ياسين" و اقترب من "عامر" و "ياسر" يقول مستسلمًا:
"أهو أديني جيت أحضر العقيقة، علشان تعرفوا إن كلمتي واحدة"
رد عليه "عامر" بثباتٍ:
"طول عمرك قد القول و راجل كمان يا يوسف، صدقني كدا الفرحة كملت بيك و بوجودك وسطنا"
ابتسم "يوسف" له فتحدث "مرتضى" بسرعةٍ كبرى:
"يلا بقى مفيش وقت علشان الناس مستنية".
بعد مرور دقائق نزلت الفتيات و اجتمع الأطفال في الخلف يقفزون بمرحٍ و أصوات بهجتهم تنتشر في المكان حتى قام الشباب بإسقاط الماشية الأولى أرضًا و حينها قام "ياسين" بوضع السكين على رقبتها و هو يقول بثباتٍ:
"بسم الله .... الله أكبر....اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد و بارك في مولودونا و اجعله خير الذرية الصالحة لوالديه، اللهم أن هذا لك و إليكَ وهذه العقيقة عن عمر ابن عامر فهمي، فتقبل اللهم منا و بارك لنا فيما رزقتنا....بسم الله حلال الله أكبر"
مرر السكين على رقبة الماشية الأولى بعد حديثه حتى ظهرت الدماء فورًا فتراجع الشباب من عليها حتى تخرج منها الروح بسلامٍ دون أذىٰ، و حينها صرخ الاطفال في الشارع بفرحةٍ و النساء أطلقن الزغاريد، فأمر "ياسين" الشباب بقوله:
"ارفعوها بقى و دخلوها و أنا هنضف المكان علشان التانية تيجي"
تكاتف الشباب مع بعضهم و قاموا برفع الماشية بعد ذبحها و حينها تحدث "يوسف" بثباتٍ:
"بقولكم إيه ؟! هقطع و أسلخ أنا"
اقترب منه "ياسر" ثم قال بهدوء:
"تمام و أنا معاك، بتعرف تقطع و لا هتكسفنا ؟!"
ابتسم له "يوسف" ثم قال بثقةٍ:
"متقلقش، ثق فيا، هنجهزها بس لحد ما نخلص و نشوف التانية"
بعد مرور بعض الوقت و بعد تنظيف المكان و اخفاء أثر الذبح قاموا بجلب الماشية الأخرى و كرر الشباب الكرة من جديد و قاموا بايقاعها أرضًا حينها اقترب "ياسين" بنفس الوضع و هو يقول بثباتٍ و هدوء:
"بسم الله .... الله أكبر....اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد و بارك في مولودونا و اجعله خير الذرية الصالحة لوالديه، اللهم أن هذا لك و إليكَ و هذه العقيقة عن زين و زينة ابناء ياسر سمير ، فتقبل اللهم منا و بارك لنا فيما رزقتنا....بسم الله حلال الله أكبر"
قام بذبح الماشية الثانية بنفس الطريقة التي سبق و استخدمها في ذبح الأولىٰ على طريقة السُنة الإسلامية، و حينها سألت "سلمى" بتعجبٍ:
"هو احنا ليه بندبح للمولود لما يتولد ؟! أنا دي تالت مرة أحضرها بس مش فاهمة ليه"
ردت عليها جميلة مفسرةً:
"دي سُنة عن سيدنا محمد صل الله عليه وسلم، بمعنى إن سيدنا محمد عقَّ عن الحسن و الحسين لكلٍ منهما شاتين، و دي بتكون لله خالصة النية، و ممكن نقول اسم المولود أو نكتفي بالنية، يعني أستاذ عامر و دكتور ياسر نيتهم خالصة لله فيها، و دي بتكون شكر لله على فضله و نعمته".
ابتسمت لها "سلمى" بتفهمٍ و كذلك بقية الفتيات بعدما فهمن مقصدها و نيتها.
_________________________
بعد مرور ساعاتٍ قليلة قاموا بتسوية الطعام و تغليفه في العلب البلاستيكية كما فعلوا في عقيقة "فارس" سابقًا، و نظرًا لكثرة العدد و العمل المتعاون بينهم كانت النتيجة فوق الرائعة و مذهلة في آنٍ واحدٍ.
كان "يونس" في تلك الاثناء في الغرفة التي ظل بها الأطفال الثلاثة، فكان يقف مبتسمًا و هو يراهم بحجمهم الصغير مقارنةٍ به، وقف بجوار الفراش يبتسم بخفةٍ و كأنه يرتكب جريمة خاصة أن الغرفة فارغة من الكبار بعدما خرجت "سارة" و "إيمان" لتناول الطعام و الدواء.
دلفت "ريهام" صدفةً تبحث عنه حينما وجدته مختفيًا من الخارج فدلفت الغرفة بهدوء لتجده يجلس على ركبتيه مستندًا بحسده على الفراش و هو يتابع الصغار و كأنه تولى حمايتهم منذ صغرهم.
ابتسمت "ريهام" رغمًا عنها و اقتربت منه بهدوء تجلس بجواره و هي تقول بنبرة هامسة:
"شوفت النونة يا يونس ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها فحملته هي و قالت له بنبرةٍ هادئة:
طب أنتَ هنا بتعمل إيه ؟! مش قولتلك خليك مع تيتة ؟"
رد عليها ببراءةٍ تتناسب مع عمره و هو يشير على الصغار:
"عاوز ألعب"
"دول مش زي يونس، دول صغيرين، مش يونس بقى كبير و بيروح الحضانة؟! صح ؟!"
حرك رأسه موافقًا فقبلته هي ثم قالت بنفس الهدوء:
"دول صغيرين بوسهم و خليهم نايمين كدا و تعالى برة معايا نلعب مع بابا و تيتة، ماشي ؟"
رد عليها بلهفةٍ:
"و خديجة"
ابتسمت له بقلة حيلة ثم قبلت وجنته و قالت:
"حاضر و نلعب مع خديجة كمان، يلا بقى علشان يناموا، يونس شاطر و هيسيبهم صح ؟!"
اقترب هو منهم يقبل كلٍ منهم على حِدة ثم حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها و قبل أن يخرج من الغرفة مع والدته اقترب منهم يضع الحلوى الذي وضعها في جيبه بجوارهم على الفراش حتى حملته "ريهام" هي تقول بفخرٍ:
"تصدق ياض بحبك أنتَ و أبوك ؟! عسل يا يونس عسل"
قبلته على وجنته و هي تضحك بمرحٍ حتى تفاجئت بـ "خالد" يقف أمامها و هو يقول بسخريةٍ:
"الواحد يبقى ماشي في أمان الله يلاقي نفسه بيتعاكس و كمان بيتحب، و تيجوا تشتكوا من المعاكسة ؟! طب اتقوا الله"
ضحكت هي رغمًا عنها فأشار "يونس" على الصغار و هو يقول بمرحٍ:
"بص يا خالد بص"
حرك "خالد" رأسه نحو الصغار و ابتسم رغمًا عنه ثم اقترب منهم يطالعهم من عِليته ثم اخفض جسده يقبلهم على حِدة بتأثرٍ فاقتربت منه زوجته تقول بنبرةٍ هامسة:
"شكلهم حلو أوي جنب بعض، ما شاء الله ربنا يحفظهم و يبعد عنهم العين"
حرك رأسه موافقًا ثم حمل "يونس" و قبله هو الأخر و قال بثباتٍ يتنافى مع هزل كلماته:
"مش كنت عاوز نونة ؟! ربنا كرمك بـ تلاتة في ساعة واحدة يا ابن المحظوظة"
ضحكت "ريهام" على طريقته فغمز لها بعبثٍ و هو يقول:
"عقبالك إن شاء الله لما تجيبلنا نونة أنا و يونس نلعب بيها كدا أصل الوحدة صعبة بعيد عنك يا ريهام ياختي"
ضحكت هي عليهما ثم تركت الغرفة بأكملها بعدما رمقته بتكبرٍ فيما قبل "خالد" وجنتي صغيره ثم خرج به هو الأخر.
_________________________
_"يا وقعتك السودا !! قولت للراجل عاوزين عجلين حلوين زيك كدا ؟! و هو سِكت ؟!"
تفوه "يوسف" بذلك مستنكرًا حديث "عامر" و الشباب فرد عليه "عامر" بقلة حيلة:
"الله !! طلعت مني بعفاوية، كان قاصدي أقوله عاوزين عجلين حلوين زي اللي عندك كلهم، اتفاجئت بنفسي بقوله كدا، الحمد لله عدت على خير"
تدخل "حسن" يقول متهكمًا:
"عدت على خير ؟! إمتى دا ؟! بإمارة ما البيه أتدخل يقوله خرفان ؟! انتوا مع بعض متنفعوش سوا !! تخرسوا خالص"
رد عليه "يوسف" بسخريةٍ يقلل من حجم الأمور:
"لأ خلاص طالما وليد و عامر مع بعض و اتكلموا المفروض استغرب انتوا رجعتوا ازاي أصلًا، الحمد لله إنه معزمش البهايم عليكم"
رد عليه "وليد" بضجرٍ:
"هو اللي راجل قفوش، الواد كبره و احترمه و قاله عِجلين و أظن هو عارف العِجلين تمنهم كام"
تحدث "ياسين" بيأسٍ من الاخر:
"وليد ممكن يقنعك من هنا لبكرة باللي هو عاوزه، بس مستحيل يقتنع إنه غلطان، لما خلاص جيبت أخري"
تحدث "خالد" منهيًا ذلك الحوار:
"طب يلا ريحنا و شربنا الشاي، يلا علشان الحاجة تتوزع قبل ما تبرد، أظن كلكم متقسمين"
وقف "وليد" ثم قال موجهًا حديثه للأخر:
"يلا يا يوسف علشان نروح سوا احنا نوزع، و الباقي عارفين برضه أماكنهم"
رحل الشباب تباعًا مع بعضهم يقومون بتوزيع الوجبات الغذائية على الأقارب و الجيران و العمال في الطريق حيث تم توزيعه بالعدل و نظرًا لحجم الدبائح الكبيرة كانت الوجبات كثيرة و نال منها الجميع.
بعد عودتهم من التوزيع التفوا حول المائدة الكبيرة يتناولون الطعام سويًا و وسطهم "يوسف" يشعر أنه وسط عائلته الحقيقية و أخوته و خاصةً بعد ترحيب الرجال به و كأنه أحد أبناء العائلة و عاد لهم بعد غيابٍ طال.
مال "ياسين" على أذنه يقول بنبرةٍ هامسة:
"كل و بطل تفكر كل شوية، اللمة دي مش هتشوفها غير بعد اربع شهور في عقيقة ابن وليد و كام شهر إن شاء الله عقيقة ابني، كُل طالما مصمم تسافر الصبح"
رد عليه "يوسف" بقلة حيلة:
"أنا جيت علشان أنتَ حلفتني و علشان إصرارك على حضوري، بس والله الاتوبيس هيطلع الفجر و لازم أكون فيه، يا كدا يا هستنى اسبوعين كمان و ساعتها هيبقى ضرر ليا، يرضيك ؟!"
حرك رأسه نفيًا فيما حرك "يوسف" كتفيه ببساطةٍ فقال "رياض" لهما:
"ياسين و يوسف !! كلوا و بطلوا كلام، الكلام مش هيطير منكم"
ابتسم كليهما له ثم عادا لتناول الطعام و كذلك النساء و الفتيات يأكلن في الغرفة الكبيرة بالداخل مع بعضهن، و كانت الفرحة تموج بأصواتها وسطهم جميعًا حتى البيت نفسه زادت بهجته و كأن جدرانه أقسمت على مشاركتهم تلك الفرحة.
________________________
بعد مرور يومين كاملين و خاصةً يوم الأحد صباحًا في شقة "رياض" ارتدت "خديجة" ثيابها و تممت على مظهرها فاقترب منها يقف بجوارها و هو يقول بثباتٍ:
"مش فاهم لازمته إيه مشوارك مع ماما دا ؟! خديجة أنتِ حامل و شكلك تعبانة، اقعدي شوية بس و ريحي كدا و سيبي كل حاجة"
ردت عليه هي بسرعةٍ:
"لأ و الله مش تعبانة و إذا كان قصدك على المغص يعني دي حاجة عادية بتحصل، متخافش أنا مع ماما مش لوحدي"
زفر بقوةٍ ثم حرك رأسه موافقًا على مضضٍ و قال بقلة حيلة:
"طب يلا علشان اوصلكم بابا نزل و أنا يدوبك هروح الشغل، يلا يا كتكوتة"
تحركت من أمامه بحماسٍ و هو خلفها حتى قابل والدته في صالة الشقة، اقترب منها يقبل رأسها ثم قال بهدوء:
"صباح النور يا زوزو، جهزتي خلاص ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي ترد عليه تحيته ثم رحبت بزوجته و أخبرتها بالاستعداد و حينها قال "ياسين" متوسلًا لوالدته:
"خلي بالك منها يا ماما علشان ديه في الطراوة، متخليهاش تتعب نفسها بالله عليكِ"
ردت عليه والدته تطمئنه بقولها:
"متخافش هي معايا مش مع حد غريب و أنا هستأذن بدري و أرجع معاها علشان مترجعش لوحدها متقلقش عليها"
طالعته "خديجة" بقلة حيلة و هي تهز كتفيها، فيما تحرك هو و هما خلفه لخارج الشقة.
وصل هو أمام المدرسة و أوقف سيارته حتى نزلت والدته و قبل أن تلحقها "خديجة" أمسك يدها و هو يؤكد عليها حديثه السابق:
"خديجة ؟!! خلي بالك من نفسك ابوس ايدك، اوعي المراجيح اللي جوة دي تغريكي و تنسي إنك حامل، ركزي ها !! ركزي"
ابتسمت هي بيأسٍ و قالت:
"و الله العظيم أنا تعبت خلاص، ثق فيا بقى عيب عليك أنا مع ماما و هي أكيد مش هتسيبني، اتطمن يا مهلبية"
رمش ببلاهةٍ فيما نزلت هي من السيارة ثم أقتربت من والدته حتى رحل هو بعدما تأكد من دخولهما.
دلفت "زهرة" بها غرفة المعلمين و هي ترحب بهم ثم قالت بمرحٍ:
"خديجة بنتي و حبيبتي، هي مرات ابني بس أنا عاملة نفسي مش واخدة بالي"
ضحكت المعلمات عليها و كذلك "خديجة"، فقالت أحداهن بمرحٍ:
"زهرة مأكدة على الاجتماع دا من كام يوم، لحد ما حمستنا إننا نقابلك يا خديجة، ما شاء الله شكلك هادية و رقيقة و ملامحك جميلة"
ابتسمت لها "خديجة" ثم قالت بخجلٍ من حديثها:
"متشكرة لحضرتك جدًا تسلمي من كل أذى يا رب"
تحدثت أخرى تقول بحماسٍ:
"ها يا ستي اشرحي لينا فكرتك بقى علشان نفهمها !! إيه هي ؟!"
قبل أن تتحدث "خديجة" فتحت الغرفة و دلفت منها سيدة تناسب "زهرة" في العمر و قد نظرت لهن بتعجبٍ فقالت احدى المعلمات مرحبةً بها:
"اتفضلي يا ميس محاسن، اقدم لكم يا جماعة ميس محاسن مدرسة منقولة هنا جديد و هتبدأ معانا من أول السنة إن شاء الله"
اقتربت منهن المعلمة ترحب بهما و هي تبتسم فقالت لها "زهرة" باحترامٍ و تقديرٍ:
"أهلًا و سهلًا بحضرتك، أنا سمعت كتير عن حضرتك بس دي أول مرة نتقابل، إن شاء الله تكون معرفة خير"
ردت عليها المرأة بتقديرٍ يناسب تقديرها فقالت لها المعلمة:
"طب مين العسولة مش تعرفينا ؟!"
ابتسمت لها "زهرة" و هي تقول بفخرٍ و حماسٍ:
"آه طبعًا دا شرف لينا، دي خديجة بنتي"
رحبت بها السيدة و ابتسمت لها فتحدثت المعلمة الأخرى تقول بحماسٍ:
"تعالي بس يا ميس محاسن علشان نشوف خديجة هتقولنا إيه، أنا متحمسة لكلامها أوي"
جلست السيدات و وقفت "خديجة" في المنتصف في موقفٍ لا تحسد عليه خاصة أن جميعهن في انتظار حديثها هي، تنفست بعمقٍ و راجعت ما مر عليها و تدربت على القيام به و حينها قالت بثباتٍ أجادت رسمه:
"الفكرة اننا عاوزين نركز أكتر مع الأطفال يعني الموضوع ميقتصرش على المادة العلمية بس، لأ...يكون لأسباب نفسية كمان بمعنى إن الطفل ياخد حريته في المشاركة و التعبير عن رأيه و يسأل ليه و ازاي و من حقه يجاوب غلط و يتكلم و يبطل خوف، فيه اطفال بتبقى مطفية تمامًا، عاوزين احنا نركز معاهم، نديهم اهتمام أكتر و نلاحظ وجودهم، يعني مثلًا لو كل مدرس دخل الفصل و بص على الطلاب حواليه مش هيلاقيهم نموذج واحد، هيكونوا مختلفين بكل الاشكال، منهم اللي بسبب صحابه و منهم اللي بسبب عيلته و منهم اللي مش فاهم نفسه، كلهم بلا استثناء عندهم مشاكل، دورنا إننا نشوف كل طفل مطفي و نوره، نشاركه و ندعمه و نشيل عنه خوفه"
لاحظت الاهتمام المرسل من نظراتهن فأكملت حديثها باستفاضة أكثر تفسر لهن الأمر و كيفية التعامل مع الأطفال الصغار في مختلف الأعمار.
انهت حديثها فوجدت الشكر و الثناء عليها و على تفكيرها و أخلاقها حتى ابتسمت "زهرة" بفخرٍ و زهوٍ و هي ترى النظرات موجهة نحو ابنتها، حتى تحدثت احدى المعلمات:
"صح هيكون فيه تكريم بليل في نادي نقابة المعلمين لينا و زهرة اسمها موجود، أكيد هتيجي !! و ميس محاسن كمان تيجي تشوف الدنيا و تتعرف علينا أكتر"
تحدثت "زهرة" بحماسٍ:
"هاجي و أجيب خديجة معايا و ياسين و رياض، علشان يصوروني مش أكتر"
ابتسمت لها "خديجة" فيما تحدثت "محاسن" بحماسٍ هي الأخرى:
"خلاص طالما كلكم هتروحوا و أنا عارفاكم يبقى هاجي إن شاء الله، كفاية إن خديجة هتيجي"
ردت عليها "خديجة" بوقارٍ:
"متشكرة لحضرتك جدًا دا شرف ليا والله، و إن شاء الله نتقابل على خير.
_________________________
في وسط النهار عاد "وليد" و "حسن" من عملهما لبيت آلـ "الرشيد"، فتحدث "وليد" موجهًا حديثه للأخر:
"ما تبات هنا و خلاص يا حسن، هتمشوا ليه يعني ؟! أنا بقيت ببات هنا من ساعة حمل عبلة"
رد عليه "حسن" رافضًا حديثه:
"يا عم خليني أروح بقى، أنا باخد راحتي في بيتي و هدير كمان بترتاح هناك، حلو كدا احنا هنا من يوم الجمعة"
حرك "وليد" رأسه موافقًا بقلة حيلة فتركه "حسن" و توجه نحو شقة "محمود" و قبل أن يتوجه "وليد" نحو شقتهم تفاجأ بـ "مشيرة" تنزل أمامه و هي تبتسم له ترتدي ملابس أنيقة، فسألها بتعجبٍ:
"رايحة فين دلوقتي كدا ؟!"
ردت عليه بثباتٍ زائفٍ:
"رايحة أجيب شوية حاجات مهمة، مش هتأخر، أنتَ عاوز حاجة ؟!"
رد عليها نافيًا ثم سألها من جديد:
"طب أجي أوصلك طيب ؟! الليل قرب يدخل و كدا مش هنلاقي مواصلات"
ردت عليه مسرعةً:
"لأ خليك، أنا هروح لوحدي المكان مش بعيد، شكرًا يا وليد، خليك بس مع مراتك و خلي بالك منها"
عقد ما بين حاجبيه حتى رحلت هي من أمامه و هي تبتسم له بتوترٍ فيما نظر هو في أثرها بتعجبٍ و قلب شفتيه بحيرةٍ من أمرها.
_________________________
في عيادة الطبيبة النفسية "هناء" كانت تجلس "مشيرة" أمامها و هي تقول بنبرة هادئة:
"حاسة أني بقيت أحسن بكتير بعد جلسات العلاج اللي كملتها هنا، ماكنتش متخيلة إن ممكن ييجي يوم و أعرف فيه الفرق بين الحياة و الموت، أنا بقيت بفكر في كل اللي حواليا أكتر من نفسي، مشيرة القديمة لو كانت لسه موجودة كان زماني ميتة، أنا رجعت تاني بفرح بكل حاجة بسيطة، حتى كلمة صباح الخير بقت بتفرحني، أنا كدا بقيت كويسة صح ؟!"
ابتسمت لها "هناء" و هي تقول بنبرة صوتٍ هادئة:
"أنتِ كويسة بالظبط من ٩ شهور، من أول مرة جيتي هنا فيها علشان أعالجك من عقدك و ساعتها قولتيلي أنا عاوزة أكون إنسانة بتحس، احنا كملنا الخطوات سوا و أنتِ كان عندك إرادة كبيرة أوي تغيرك، أظن كدا بقيتي على الأقل بتعرفي تقعدي وسطهم صح ؟!"
حركت رأسها موافقةً فقالت "هناء" بثباتٍ:
"كلنا كبشر جوانا الخير و الشر يا مشيرة، بمعنى اننا فينا الحلو و الوحش بس بنسب متفاوتة، بيحصل لينا كم صدمات و أزمات يعيد تأهيل نفسنا من تاني، زي مثلًا اللي حصلك دا موت مشيرة المسالمة و صحى مشيرة تانية عاوزة تاخد حقها من أي حد، طبقًا للدراسات العلمية دا اسمه "الأنا العليا" بمعنى إن فيه مرحلة جوانا بتوصل إن الإنسان يفضل نفسه على كل اللي حواليه، عاوز حقه بأي شكل و بأي طريقة مهما كانت، اللي حصل خلى الأنا العليا عندك فاقت و صحيت تاخد حقها، كل الجلسات اللي فاتت كنا بنموت فيها الأنا العليا علشان نصحي مشيرة التانية، أظن أنتِ حاسة بالفرق"
ابتسمت لها "مشيرة" ثم حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ و استمر الحديث بينهما حتى نهاية الجلسة و خرجت "مشيرة" من الغرفة فوجدته يجلس في الخارج و هو يبتسم بثقةٍ و قال بثباتٍ:
"ماهو أنا مش عيل صغير يا عمتو علشان تشتغليني كل دا"
اتسعت عينيها بدهشةٍ من تواجده هنا خاصةً و هو يتحدث بتلك الثقة أما هو فرفع حاجبه لها و هي تطالعه بتوترٍ و تفرك كفيها معًا.
_________________________
في سيارة "ياسين" بعد عودته من عمله كانتا والدته و زوجته في الخلف على الأريكة فيما قال هو بضجرٍ:
"يعني مش كفاية شحططة الصبح و بليل كمان ؟! خير يا زوزو ؟!"
ردت عليه والدته بضجرٍ:
"هو أنتَ ابن ضرتي ؟! بقولك رايحة اتكرم يا جزمة، تعالى علشان تفتخر بأمك"
رد عليها هو بعدما ابتسم لها:
"مش محتاجة تكريم أنا علطول فخور بيكي أصلًا، و رياض كمان"
سألته تلك المرة "خديجة" بتعجبٍ من عدم تواجده:
"هو عمو رياض مجاش ليه صح؟"
رد عليها "ياسين" بسخريةٍ:
"عمو فهمي عاوزه ضروري، أنا بس مستغرب إنك رايحة و إنك مصممة تحضري الحفلة"
ابتسمت هي له فيما تحدثت والدته تقص عليه حديث زوجته في الصباح و فخر النساء بها و بفكرتها التي تسعى لنشرها.
وصل "ياسين" معهما للنادي فنزلوا من السيارة و دلفوا للنادي و بعد مرور دقائق قليلة جلسوا معًا على طاولةٍ واحدة يشاهدون الأجواء حولهم حتى اقتربت منهم المعلمات أصدقاء والدته يرحبن به و هو يرحب بهن، جلسوا جميعًا مع بعضهم حتى اقتربت منهم "محاسن" نظر لها "ياسين" متعجبًا فقالت له "خديجة" بنبرةٍ هامسة:
"دي طنط محاسن، مدرسة جديدة زميلة طنط زهرة كانت معانا الصبح"
حرك رأسه موافقًا ثم وقف احترامًا لها دون أن يمد يده فقالت "زهرة" بفخرٍ:
"اقدملك بقى ياسين ابني، مهندس معماري"
ردت عليها السيدة بمرحٍ:
"الله أكبر ربنا يحفظهم ليكي، عيني عليهم باردة"
جلست معهم على نفس الطاولة تتابع الأجواء حولها فسألتها إحدى المعلمات:
"هو حضرتك جاية لوحدك ؟؟ مش معاكي حد ؟!"
ردت عليها بوجهٍ مُبتسمٍ:
"ابني و جوزي جايين في الطريق، بس أنا سبقتهم خايفة اتأخر"
تفاهموا حديثها و حينها بدأت الاسماء تذكر لتكريمهم على مجهود طوال العام فقالت "زهرة" بحماسٍ:
"يلا يا خديجة علشان تصوريني"
ابتسمت لها "خديجة" و رحلت معها فيما جلس "ياسين" يتابعهما بنظره و اامعلمات تنسحب من جواره تباعًا عدا "محاسن" التي قالت بهدوء:
"ما شاء الله ربنا يحظك لوالدتك شكلك بتحبها أوي"
انتبه لها و قال بوقارٍ و عزةٍ:
"حضرتك اهو قولتي والدتك، يعني هي كل حاجة ليا، آه بحبها و أوي كمان"
ابتسمت له و هي تقول:
"ربنا يحفظها ليك و يحفظك ليها، و يحفظلكم خديجة، مع أني عاوزة أخدها منكم"
عقد ما بين حاجبيه ينتظر منها تكملتها فقالت هي بحماسٍ:
"أنا عاوزة أطلب منكم ايد خديجة لابني هو زمانه جاي في الطريق و هتشوفه و إن شاء الله ربنا ييسر"
رمش ببلاهةٍ عدة مراتٍ لم يصدق ما يسمعه هل تلك المرآة مجنونة ؟! تطلب من الله التيسير في أمر الزواج لابنها من زوجته ؟! أخذه تفكيره لتلك النقطة و سرعان ما اتسعت عينيه بشررٍ و هو يفكر فيها و هي تطلب الزواج لابنها من زوجته و بكل راحةٍ و تيسيرٍ !!!
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم شمس بكري
الفصل السادس و الثمانون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_________________________
أنا الأسير في جمالكِ....تُشبهين القمر في دلالك".
_________________________
كُتِبَ علىٰ قلبي أن يحيا في ظلامٍ دامسٍ، امتلكت الأحلام و لم أحققها في يومٍ، أحببت الحياة لكنها كرهتني بشدة، عاملتُ دنياي باللين؛ فصفعتني بضربات القسوة، بئس المصير لاحقني حينما تمنيت كل الأشياء البسيطة و رغم ذلك لم تتحقق لي و حصل عليها غيري و كأنني خُلقت فقط للحلم دون تحقيقه.
عقد ما بين حاجبيه ينتظر منها تكملتها فقالت هي بحماسٍ:
أنا عاوزة أطلب منكم ايد خديجة لابني هو زمانه جاي في الطريق و هتشوفه و إن شاء الله ربنا ييسر"
رمش ببلاهةٍ عدة مراتٍ لم يصدق ما يسمعه هل تلك المرأة مجنونة ؟! تطلب من الله التيسير في أمر الزواج لابنها من زوجته ؟! أخذه تفكيره لتلك النقطة و سرعان ما اتسعت عينيه بشررٍ و هو يفكر فيها و هي تطلب الزواج لابنها من زوجته و بكل راحةٍ و تيسيرٍ !!
تنفس بحدة يسحب الهواء داخل رئتيه ثم قال بنبرةٍ جامدة غَلِظة دون أن يعي لنفسه:
اللي بتطلبيه دا مستحيل يحصل غير على جثتي دي مـ..."
قبل أن يُكمل حديثه أوقفته و هي تقول بلهفةٍ:
استنى بس عماد وصل أهو و هيشوفها و يقول رأيه، استنى"
تركته و رحلت من أمامه دون أن تعطيه فرصةً لإكمال حديثه أما هو فقد ضرب كفيه ببعضهما و لربما ضُرب عقله و كاد أن يفتك بتلك المرأة التي رحلت من أمامه تقترب من ابنها و زوجها، زفر هو بقوةٍ ثم وقف و ترك جلسته فتفاجأ بتلك "المحاسن" تقترب منه تبتسم ببشاشةٍ و هي تقول:
عماد أهو يا بشمهندس ياسين"
حدجها "ياسين" بشررٍ فتحدث ابنها بلهجةٍ حادة:
هو أنا سايب اللي ورايا و شغلي و جاي علشان اتعرف على ياسين ؟! فين العروسة ؟! البت فين خليني أشوفها ؟!"
قلبت والدته شفتيها بتهكمٍ من طريقته فيما اقترب منه "ياسين" يلف ذراعه على كتفه و هو يقول بنبرةٍ ثابتة تشبه هدوء ما قبل العاصفة:
عاوز إيه يا عمدة ؟؟ سمعني تاني كدا ؟! ارفع صوتك يلا !!"
نظر الشاب لذراع "ياسين" الملفوف حول كتفه ثم نظر له و هو يقول بنفاذ صبرٍ:
جاي علشان أشوف العروسة خلونا نخلص، نعم حضرتك مين ؟!"
همَّ "ياسين" بالنطق معرفًا عن نفسه لِـ تتدخل المرأة تقول مسرعةٍ بعتابٍ لابنها:
يوه ؟! ما قولتلك دا ياسين"
في تلك اللحظة اقتربت "زهرة" منهم و معها "خديجة" التي طالعتهم بتعجبٍ و حيرةٍ غلفت نظراتها فقالت "محاسن" بفرحةٍ و صوتٍ مُبهج:
أهيه عروستنا الحلوة جت أهيه، إيه رأيك يا عماد ؟! حلوة صح ؟!"
اتسعت عيني "خديجة" بدهشةٍ و هي تزدرد لُعابها خوفًا من القادم فيما تحدثت "زهرة" بنبرةٍ جامدة تسأل الأخرى:
عروسة مين دي ؟! قصدك إيه يا ميس محاسن ؟!"
ردت عليها مسرعةً:
عاوزة أطلب أيد خديجة بنتك لعماد ابني، إيه رأيك يا ميس زهرة ؟!"
شهقت "زهرة" بخوفٍ و نظرت للأخرى التي حركت رأسها نفيًا بحركةٍ خافتة فتحدث "ياسين" بتهكمٍ:
إيه رأيك يا ميس زهرة ؟! ها يا موافقة ؟! ولا ناخد رأي عروستنا ؟! أنا بقول نشوف رأي العروسة"
طالعته "خديجة" بخوفٍ بسبب تهكمه و نظرته المعاتبة التي استشفتها هي، فيما تحدث "عماد" ببلاهةٍ:
طب نقعد مع بعض شوية ؟! نتكلم و نتفاهم ؟! إيه رأيك يا عروسة ؟!"
تحدثت "زهرة" تلك المرة بخوفٍ بعدما لاحظت النيران المنبثقة من نظرات ابنها لهم:
يا بني بس أنتَ بتنيل الدنيا ؟! تتجوز مين أنتَ ؟! إيه الهطل دا ؟!"
سألتها "محاسن" بلومٍ و معاتبةٍ:
ليه يعني يا ميس زهرة ؟! هو عماد مش قد المقام ولا إيه ؟!"
تحدث "عماد" بنبرةٍ جامدة:
احنا نشوف رأي العروسة ؟! إيه رأيك يا عسل ؟! بصراحة أنا اتفائلت خير"
ضغط "ياسين" على كتفه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
و تاخد رأي العروسة ؟! ما تاخد رأي جوزها بروح أمك !!"
شهقت النساء فيما رماهُ "ياسين" على الطاولة يخنقه بيده اليسرى و هو يقول بلهجةٍ حادة:
عاوز تتجوز مراتي ؟! و عاوز تقعد معاها ؟! أنا اللي مضايقني طريقتك الزبالة يعني أنهي انثى ممكن تقعد بالوضع دا !!"
كان يتكأ على حروف كلماته حتى اقتربت منه "محاسن" تبعده عن ابنها بلهفةٍ خوفٍ فيما تحدثت "زهرة" تتوسل ابنها بقولها:
خلاص بقى يا ياسين ؟! فيه سوء تفاهم أكيد سيبه يا حبيبي عيب كدا، خــلاص"
كان "ياسين" ضاغطًا على عنق الشاب بغلٍ و شرٍ تجسد في نظراته التي حدجت الأخر بسهامٍ فيما اقتربت "خديجة" منه تتوسله هي الأخرى ببكاءٍ و تقول:
علشان خاطري أنا طيب خلاص، سيبه بقى خلاص هيموت في إيدك"
أغمض عيناهُ فور استماعه لصوتها الباكي و هي تتوسله أن يتوقف و يبتعد عن الشاب، لذا رفع الشاب بيده حتى اضحى واقفًا في مواجهته حينها قام "ياسين" بحدفه على الطاولة البلاستيكية حتى سقطت به أرضًا فتأوه الشاب بعنفٍ و قال بنبرةٍ جامدة وصوت متقطعٍ:
هتلاقيها مش طايقاك يا جاموسة، اقسملك بالله لو كنت أعرفها قبلك ما كنت سيبتهالك"
حسنًا إن اردتم اخراج الوحش الكامن بداخله فعليكم متابعة الآتي و لأول مرة يتنازل "ياسين" عن أدبه و أخلاقه و قام بالقفز على الشاب و هو يسبه بِـ سبةٍ بذيئة ثم قام بلكمه في وجهه و متفرق أنحاء جسده، حتى ابعدته كلٍ من "زهرة" و "خديجة" أخيرًا عن الشاب الذي سعل بقوةٍ، فيما اقتربت منه والدته تحاول معاونته على الوقوف.
تنهد "ياسين" بقلة حيلة و صدره يعلو و يهبط من فرط الانفعال، ثم حدجهما بنظره و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
قـــدامـــي !! يــالا !!"
حركت والدته رأسها بخوفٍ فيما تسمرت الأخرى مكانها بذعرٍ تمكن منها و حينها أمسك يدها يسحبها خلفه بعنفٍ حتى نزلت دموعها دون أن تدرك ذلك، فقط هيئته و نبرة صوته العالية عكست شخصًا آخر لديه و كأنها لم تعرفه يومًا قط !! وصلوا للسيارة فقام هو بفتح الباب الخلفي لوالدته التي حمحمت بهدوء و قبل أن تتحدث وضع سبابته على فمه مُشيرًا لها بالصمت، ثم أشار بكفه لها حتى تدخل السيارة؛ فانصاعت هي لأمره بخجلٍ و خوفٍ منه.
أما الأخرى فكانت دموعها تنزل على وجنتيها و عينيها زاغتا في الفراغ لا تعي ما حولها، فقام هو بفتح الباب المجاور لمقعد القيادة و أدخلها به دون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة، و كأنه فقد نطقه بالداخل و نظراته جامدة بثت الرعب في نفسيهما و خاصةً "زهرة" التي لوت فمها بتهكمٍ ثم حاولت كتم ضحكتها و كأنها منفصمة شخصيًا !! تحرك هو بالسيارة بعنفٍ حتى أصدرت صريرًا عاليًا فور احتكاك الاطارات بالأرض الاسفلتية.
_________________________
في أحد الكافيهات العامة جلس "وليد" أمامها يحتسي قهوته و هي تطالعه بتوترٍ بسبب نظراته الموجهة نحوها حتى سألها بثباتٍ:
مقولتليش ليه إنك بتيجي لدكتورة هناء ؟؟ دي حاجة في صالحك على فكرة !! و كانت هتكبرك في نظري أكتر، خبيتي عليا ليه ؟!"
زفرت هي بقلة حيلة ثم قالت:
علشان مش عاوزة أكبر في نظر حد، كفاية أعرف أنا اتقبل نفسي و أخلص من عيوبي، بعدين أنتَ شاغل نفسك بيا ليه ؟؟"
رفع حاجبه لها و هو يقول بنفس الثبات:
يعني إيه شاغل بالي بيكي ليه ؟! أنتِ عمتي و أظن خلاص أي حاجة كانت بيننا عدناها و نسيناها خلاص، ها بتروحي فين تاني غير عيادة هناء ؟!"
ظهر التوتر أكثر على ملامح وجهها و زاغ بصرها في الفراغ حولها، حتى سألها هو من جديد بنبرةٍ جامدة:
ها !! بتروحي فين يا عمتو ؟!"
سألته هي تلك المرة بحدة:
هو أنتَ بتراقبني ؟! مالك أنتَ بروح فين ؟! أديك عرفت أني باجي عند هناء أهوه، هكون بروح فين تاني ؟!"
ابتسم بثقةٍ:
هقولك أنا، من يوم الحد لغاية يوم الأربع بتنزلي كل يوم من الساعة ٥ للساعة ١١ بليل، و ساعات عم حسان هو اللي بيجيبك، بتروحي فين ؟! و باقي الأيام من الصبح لحد المغرب، مش معقول يكون شغل ؟! الله أكبر كل شهر بتقبضي من أخواتك نصيبك في الشغل، دا غير بقى إنك لحد دلوقتي ساحبة فوق الـ ٢٠ ألف جنيه و محدش عارف المصدر اللي راحوه، أو محدش يعرف عنهم حاجة غيري، فَـ متحوريش عليا أحسنلك علشان أنا حافظ كل خطواتك، ها هتعرفيني و لا أكلم العيلة كلها تعرف منك أحسن ؟!"
أغمضت عيناها فورًا و أطبقت فمها بشدة حتى تنفست بعمقٍ و حركت رأسها موافقةً و قالت بصوتٍ خافتٍ موجزةٍ في حديثها:
طيب !! تعالى معايا"
عقد ما بين حاجبيه فقالت هي بتعجبٍ من سكون حركته و صمته:
الله ؟! مش عاوز يابني تعرف بتهبب أروح فين ؟! قوم معايا"
أخرج الحساب يلقيه على الطاولةِ ثم قام و هي تجمع حاجتها و لحقته حتى خرجا من المطعم سويًا و ركبا السيارة و هي بجواره، فقاد هو السيارة و هي تُشير له على الطُرقات التي يجب عليه سَلكها حتى يتوجه نحو الوجهة التي لا يعرفها هو و لا يدرك أي سُبلٍ توصله بها.
بعد تقريبًا عشرون دقيقة من القيادة السَلِسة أوقف السيارة أمام بناية قديمة إلىٰ حدٍ ما بعدما طلبت منه هي ذلك، فـ قطب جبينه مُتعجبًا حتى سحبت الهواء داخل رئتيها ثم قالت بتوترٍ منه:
هـ...هـننزل هنا و أنتَ هتيجي معايا بس مش عاوزة منك أي كلمة، عاوزاك تكون هادي، ممكن ؟!"
حرك رأسه موافقًا و لا زالت الحيرة الممتزجة بالدهشة تغلف نظراته و تظهر عليه بوضوحٍ و قد نزلت هي من السيارة و هو خلفها مباشرةً مُقررًا الاستسلام لها على الرغم من مظهر البناية القديمة و الظلام المحيط لها فيما عدا لوحة كبيرة مُضاءة و جلد اللوحة المخصص للدعاية متهالكًا لم يظهر منه شيءٌ، قبل أن تدلف البناية من البوابة القصيرة اوقفها هو قائلًا بسخريةٍ:
استني عندك ؟! أنتِ بتاجري في الأعضاء ولا إيه ؟! رايحين فين إحنا ؟!"
التفتت له بضجرٍ و هي تقول بنفاذ صبرٍ:
جايباك هنا !! علشان تعرف أنا بروح فين ؟! مش واثق في عمتك ولا إيه ؟!"
_"لأ طــبـعًـا"
قالها دون تردد أو تفكيرٍ حتى سألته هي بلهجةٍ حادة:
أنتَ بتقول إيه ؟!"
رد عليها بتبجحٍ كعادته:
بقولك الحقيقة، لأ مش واثق فيكي، أثق فيكي ازاي ؟!"
زفرت هي بقوةٍ ثم سحبته من يده بعدما أطبقت اسنانها في بعضها، فيما رفع هو حاجبه ثم دلف معها لذلك المكان، فهو اقرب في تصميمه إلى بيتٌ قديم الأزل أو مشفى متهالكة، شيءٌ من هذا القبيل أو ما شابه.
دلفت هي أولًا بعدما تركت يده فقعد هو ما بين حاجبيه و زوى نظراته نحوها و هي تتقدمه للداخل، و قد غابت عن نظراته لمدة دقيقة تقريبًا ثم عادت له من جديد تأخذه معها نحو الداخل، حينها فقط شعر بالقلق حينما وجد المكان أشبه بالمشفى حقًا و قد ظهر ذلك من خلال أجهزة التنفس الموضوعة و الغرفة التي كُتِبَ عليها "العيادة" كل ذلك تابعه هو بتوترٍ و كل ما فكر به أن عمته تابعة لإحدى العصابات الدولية في متاجرة الأعضاء و حينها شهق بقوةٍ ثم قال ببلاهةٍ دون أن ينتبه لصوته العال:
يا وقعتك السودا يا مشيرة ؟؟ طلعتي بتاجري في الأعضاء ؟! طب استني افرح بابني و خدي العضو اللي تعوزيه"
نظر لهما العاملون بالمكان بدهشةٍ فيما كممت هي فاههِ و هي تقول بقلة حيلة:
بس يخربيتك أمك !! هتفضحنا يا حيوان، بس و يلا قدامي"
حرك رأسه موافقًا فابعدت كفها عن فمه و هي تتنفس الصعداء ثم قالت للناس خلفها:
معلش أنا متأسفة ابني بس بيحب يهزر كتير، كملوا شغلكم"
عادوا لما كانوا يفعلونه فتحدث هو متهكمًا بسخريةٍ لاذعة:
دا إيه دا بقى إن شاء الله ؟! دكاترة التخدير ؟؟ أوعي تكوني تاجرة مخدرات ؟!"
أغمضت عيناها و هي تستغفر ربها في سرها ثم أخرجت مفتاحًا من حقيبتها و قامت بفتح أحد الأبواب الخشبية الموجودة في المكان، كل ذلك تابعه "وليد" بتعجبٍ فسبقته هي نحو الداخل ثم عادت له من جديد تطلب منه الدخول معها.
دلف "وليد" بخوفٍ من المكان و الوضع بأكمله ليقع بصره على إمرأة مُسنة تجلس على أحد المقاعد الخشبية الكبيرة حجم و قديمة الطراز، فوزع حينها نظراته بينهما حتى اقتربت منه "مشيرة" تقول بنبرةٍ هامسة:
خليك هنا متعملش صوت، هروح اكلمها و أجيلك تاني"
حرك رأسه موافقًا و لازال بصره مُثبتًا على تلك المرأة التي تجلس بسكونٍ تام و كأنها ضمن عداد الموتى، فجلست "مشيرة" على ركبتيها أمامها و هي تقول بتأثرٍ و صوتٍ مختلط المشاعر المتأججة:
ازيك يا ماما ؟! أنا جيتلك أهوه و متأخرتش عليكِ، اوعي تكوني زعلانة مني ؟!"
حركت السيدة رأسها نحوها و هي تقول بنبرة صوتٍ واهنة تدل على تقدم عمرها:
هيثم فين ؟! جبتيه معاكِ ؟!"
حركت "مشيرة" رأسها للخلف تنظر نحو موضع وقوفه فحرك هو رأسه مستنكرًا، حينها أعادت رأسها تنظر للمرأة من جديد و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ بعدما داهمها البكاء:
جيبته....هو معايا اهوه....تعالىٰ يا ولـ....يا هيثم"
وقف متسمرًا في مكانه و خاصةً و هو يرى عمته تذكره باسم شخصٍ غيره، فنادته هي تلك المرة بنبرةٍ أقوى:
تعالى يا هيثم، ماما أهيه تعالى"
اقترب منها بخطى متمهلة و كأنه يخشى الاقتراب حتى جلس بجوار عمته أمام تلك السيدة و نظرًا لِـ رقة قلبه المنافي لطباعه الجامدة شعر بوخز الدموع خاصةً حينما رفعت المرأة كفيها تحاوط وجهه و هي تقول بنبرةٍ باكية:
هـ...هيثم..... وحشتني اوي....كل دا مستنياك تيجي، مش قولتلي إنك رايح تحط البنزين و راجع؟"
كانت نبرتها معاتبة و متألمة و منكسرة، كان عتابًا بخرج من فم أمٍ مكلومٍ قلبها حتى وجد نفسه يشاركها الوجع حينما شعر بسخونة تسري على وجنتيه كان منبعها الدموع، فقال بصوتٍ مختنقٍ:
معلش.... الدنيا كانت زحمة و روحت اغير و رجعتلك تاني، بس أنتِ و أجدع مني علشان استنتيني، شكرًا"
اقتربت منه تقبل قمة رأسه و طالعت عيناه و هي تقول ببكاءٍ:
واستناك العمر كله كمان، متتأخرش عليا تاني"
حرك رأسه موافقًا فبكت هي من جديد و معهما "مشيرة" أيضًا بشفقةٍ عليها و على عمرها.
_________________________
في شقة "رياض" وصلوا جميعهم للشقة و قد كان "رياض" في انتظارهم، فدلفوا معًا و حينها هب هو منتفضًا و هو يقول بلهفةٍ:
جيتوا بدري يعني ؟! دا أنا قولت انتوا هتيجوا آخر السهرة، كويس أني ماكلتش"
ألقى بحديثه دُفعةً واحدة في وجههم دون أن ينتبه لهيئتهما الخائفة و مظهره القاسي و خلو نظراته من اللين، فسأل بتيهٍ:
إيه مالكم فيه إيه ؟! حصل حاجة في الحفلة ؟! مالكم يا زهرة ؟!"
اقتربت منه بخوفٍ تقف خلفه و تأخذه حاميًا لها من مظهر ابنها فيما وقفت "خديجة" مطرقةٍ برأسها للأسفل لم تقو على رفع رأسها و مواجهته بذلك الجمود، أما هو فزفر بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة قبل أن ينطق والده:
مش عاوز حد يتكلم معايا !! لو سمحتوا، و بالنسبة للأستاذة خديجة تنسى الجمعية بالموضوع كله على بعضه أنتِ مش هتكملي فيه، و بالنسبة لخروجك مع أمي، دا بقى ممنوع نهائي، خروجك معايا أنا بعد كدا"
التفت بعد حديثه دون أن ينتظر رد فعلهم أو ملامح وجوههم ثم دلف غرفته و صفع الباب خلفه بعنفٍ أجفلت أجسادهم بسبب قوة الصفعة، و على الفور بكت "خديجة" بشهقاتٍ مثل الطفل الصغير حتى اقتربت منها "زهرة" تحتضنها و هي تربت على كتفيها، فتشبثت بها "خديجة" و هي تبكي بشدة، و قد وقف "رياض" تائهًا بحيرةٍ لا يدري ماذا حدث لكل ذلك حتى يرى ابنه بتلك الهيئة التي يكرهها هو به حتى أنه هو نفسه يكره ذاته بتلك الشخصية.
جلست "خديجة" على الأريكة بجوار "زهرة" التي كانت تربت عليها و تحاول تهدئتها فيما جلس "رياض" أمامهما يقول بسخريةٍ:
هو إيه اللي حصل علشان هولاكو دا يخرج منه كدا ؟! عملتوا في الواد إيه ؟!"
زفرت "زهرة" بقوةٍ ثم قصت عليه ما حدث بنبرة صوتٍ منخفضة حتى لا يصل الحديث لابنها في الداخل، انصت هو لها بدهشةٍ لا يصدق ما حدث، فأضافت هي بترددٍ و خزيٌ من نفسها:
هو بصراحة يعني الغلط غلطي، أنا ماشية عمالة اقول إنها بنتي و نسيت أوضح إنها مرات ابني، بس والله أنا مش بعتبرها كدا، هي بالنسبة ليا بنتي يا رياض"
طالعها "رياض" بقلة حيلة ثم وجه بصره نحو "خديجة" التي كانت تبكي فسألها بتعجبٍ:
و أنتِ بتعيطي ليه ؟! هو أنتِ غلطانة في حاجة ؟!"
ردت عليه بصوتٍ متقطعٍ بسبب الشهقات التي خرجت من بكاؤها:
علشان أنا ماليش ذنب و الله، هو هيمنعني من الحاجة اللي بحبها و عاوزة أعملها..... أنا ماليش دعوة و ماكنتش أعرف حاجة والله"
احتضنتها "زهرة" من جديد تربت عليها فتحدث "رياض" بهدوءٍ جاهد ليتصف به:
متخافيش يا خديجة، ابني و أنا عارفه، هو لما يفكر و يحسبها صح أكيد مش هيفضل على رأيه"
مسحت دموعها و حركت رأسها موافقةً ثم قالت بصوتٍ باكٍ:
طب أنا هدخل غير علشان عاوزة أنام عن اذنكم"
سألتها "زهرة" بتعجبٍ:
مش هتتعشي معانا طيب ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم وقفت حتى تدخل الغرفة، سارت بخوفٍ حتى وصلت للغرفة ثم فتحت الباب بخوفٍ فتفاجئت به يجلس على الأريكة بعدما بدل ثيابه و ارتدى أخرى بيتية، فاقتربت منه هي و قبل أن تنطق هي، سبقها هو بقوله:
أنا مش عاوز كلمة الله يرضى عنك، أنا على أخري و الله يا خديجة، تصبحي على خير"
طالعته بدهشةٍ و تحجرت الدموع في عينيها و وقفت متسمرةً مكانها لم تصدق أنه يحدثها بتلك الطريقة، أما هو فزفر بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ خافتة:
معلش أنا مخنوق شوية، عن اذنك"
تحرك من أمامها بعد حديثه يتوجه نحو الخارج هربًا منها و من سلطتها على قلبه و على الرغم من أنه يحتاج للحديث معها، لكن بداخله رغبة جامحة تؤيد خروجه من أمامها حتى لا تصل الأمور إلى نِصابٍ مغلقة.
جلست "خديجة" على الفراش تبكي من جديد حتى تكورت على نفسها و هي تكتم صوت بكاؤها في الوسادة حتى لا يصل صوتها للخارج.
_________________________
في بيت آلـ "الرشيد" كان "حسن" جالسًا بجوار زوجته و "محمود" و هو يشاهد صور زوجته في صغرها بمختلف الأعمار، منذ ولادتها حتى صور تخرجها من الجامعة، كان "حسن" يشعر بسعادةٍ بالغة و هو يسخر منها و معه والدها أيضًا، فقامت هي بوكزه في ذراعه و هي تقول بحنقٍ:
يوه ؟! خلاص بقى يا حسن، كل شوية تتريق عليا ؟! خليك هيقعدلك في عيالك كدا، أنتَ حر"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
يلهوي رخمة من يومك، فيه حد يتصور كدا، إيه التكبر دا ؟؟"
ظهر التبرم و الضيق على ملامح وجهها فقال هو مُعدلًا على الصور:
مين الحمار اللي كان بيصورك دا ؟! شكلك يموت من الضحك"
تدخل "محمود" يقول بنبرةٍ ضاحكة هو الأخر:
صحابها و ولاد عمها البنات و هدى اختها، هدير ليها في كل مراحل حياتها صور، من يوم ما عنيها فتحت على الدنيا، كنت جايب كاميرا و مخليها هنا علشانها هي مخصوص، هدى مش بتحب الصور، لكن هدير تعيش في استوديو عادي"
ضحك "حسن" و هي أيضًا و استمرت جلستهم بذلك الوضع حتى استأذن منهما "محمود" يدخل غرفته، و بعد اختفاء أثره قالت "هدير" بأسفٍ له:
معلش بقى هنبات هنا علشان بابا مسك فيا، عارفة إنك ماكنتش عامل حسابك"
ابتسم لها يُطمئنها و هو يقول:
لأ خالص متقوليش كدا، أنا مقدرش اقول لعمو محمود لأ، بعدين أنا حاسس بيه و عارف إن احساس الوحدة عليه صعب، و بعدين هو أبويا برضه ولا إيه ؟"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له ثم اقتربت تجلس بجواره تلتصق به حتى فهم هو ما تريده، و احتواها بين ذراعيه و هو يقول بسخريةٍ مقلدًا لها:
احضني يا حسن !! صح ؟!"
ضحكت هي رغمًا عنها و هي تهز رأسها موافقةً بحماسٍ فتنهد هو بعمقٍ ثم لَثمَ جبينها و قال بهدوء:
و حسن معاكي اهوه يا ستي احضنيه براحتك يا هدير، احضنيه بعدما نورتي حياته و لسه هتنوريها تاني كمان بابني اللي جاي منك"
ردت عليه هي بهيامٍ:
أنا أصلًا مش مصدقة أني هكون أم، بصراحة يعني مش قادرة اجمع شكلي، أو يمكن علشان محطيتش في دماغي إن دا يحصل، أقولك على حاجة ؟! أنا متلغبطة، خايفة من كل حاجة، و خايفة أكون أم فاشلة، خايفة يكونوا زيي بسبب حبي ليهم"
عقد ما بين حاجبيها فقالت هي بندمٍ:
اللي ضيعني إن ماما كانت بتحبني حب غريب، حب ضيعني منها من غير ما تحس، دلعتني و خلت عندي كل حاجة، بس المشاعر و الحنية دول أنا ماكنتش أعرف عنهم حاجة، علشان كدا بخاف، لأني متأكدة أني هحبهم حب غريب، خايفة حبي ليهم يضيعهم مني"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال مُطمئنًا لها:
مش عاوزك تفكري بالطريقة دي علشان ساعتها هتتعبي نفسك على الفاضي، فكري فيها بطريقة تانية، زي ما حبي ليكي غيرك و خلاكي واحدة تانية و زي ما حبك حياني من جديد، حبك ليهم أكيد هيكون في صالحهم، هياخدوا أم حنينة و طيبة زيك، يا بخته بيكي و يا بختهم بيا علشان مش هيلاقوا أب زيي يحبهم و يحب أمهم كدا"
ابتسمت بيأسٍ منه ثم ألقت رأسها على كتفه فقال هو بلهفةٍ:
تتفرجي معايا على كروتون ؟!"
رفعت رأسها و عينيها تلمع بشغفٍ أشبه بوميض النجوم في السماء، فقام هو بفتح التلفاز على أحد أفلامهما المفضلة و هو "الجميلة و الوحش" فابتسم كليهما للآخر و جلسا معًا يشاهدا الفيلم سويًا حتى مدت هي يدها تملس بطنها بفرحةٍ و هي تفكر في اليوم الذي سوف يأتِ لتشاركه هو و ابنائه في مشاهدة أفلامهما المفضلة بتلك الطريقة.
_________________________
جلس "وليد" بجوار المرأة يطعمها الغِذاء في فمها و هي تبتسم له بفرحةٍ و عمته بجوارها تعتني بها و تتاولها الماء بين الحين و الآخر ثم قامت بتمشيط شعرها و أنهت عنايتها بها ثم خرجت من الغرفة هي و "وليد" معًا و قبل أن يرحل طلبت منه المرأة أن يأتي لها من جديد و أخذت منه وعدًا أن يعود لها من جديد فقال هو بتأثرٍ:
أوعدك.... هاجيلك تاني"
حركت رأسها موافقةً ثم وضعت رأسها على الفراش تنعم بنومةٍ هادئة بعدما اعتنى بها ابنها أو هكذا تظن، خرج من عندها بعدما تبدل حاله و كأنه شخصًا غير الأخر، و كذلك عمته، ركبا السيارة سويًا فسألها هو بتيهٍ:
مين دي يا عمتو ؟! و بتيجي هنا تعملي عندها إيه ؟! و مين هيثم ؟!"
تنفست بعمقٍ ثم قالت:
دي ماما سميحة، كانت مُدرسة و معندهاش غير ابن وحيد اسمه هيثم، كبرته و علمته و صرفت عليه و جوزته و للأسف تعبت و بدأت تتوه و تنسى، خدها رماها في الشارع و معاها ورقة و فلوس إن اللي يلاقيها يحطها في أقرب دار مسنين و معاها صورة بطاقتها، أخر حاجة هي فكراها إنه قالها رايح أحط بنزين، و نزلت من العربية تستناه و لسه لحد دلوقتي من ٣ سنين مرجعش و لا هي نسيته"
لمعت العبرات في عينيه من جديد و كساها الاحمرار فقالت "مشيرة" ببكاءٍ:
باجي هنا علشان اساعدها يمكن أسامح نفسي، صدقني والله من يوم ما بقيت معاها و أنا بقيت واحدة تانية، قلبي بقى مسالم و هادي و مش عاوزة غير أني أموت وسطكم بس و أنا مستورة في بيتي، كل مرة بشوفها واقعد معاها هنا بحس بتأكد أنها دنيا ملهاش لازمة، اوعدني أني ميحصلش فيا كدا، اوعدني اموت وسطكم في بيتي و انتم حواليا..... اوعدني يا وليد"
لم يرد عليها بالحديث فقط خطفها بين ذراعيه يبكي معها هو الأخر حتى شهقت هي بين ذراعيه فقال هو بصوتٍ متحشرجٍ:
بس متقوليش كدا، ربنا يخليكِ لينا و تفضلي معانا لحد ما تفرحي بأحفادك و بعيالهم كمان، أنا معاكِ و الله و عمري ما هسيبك، متخافيش"
تمسكت به تبكي بحرقةٍ و هو الأخر ربت عليها بحنانه المعتاد ثم قبل رأسها و دموعه تنهمر على وجهه تأثرًا من اليوم بأكمله و بكل تفاصيله.
_________________________
جلس "ياسين" في الشرفة بمفرده يفكر فيما حدث و في تصرفاته معها، هي لم تُخطيء في شيءٍ و هو لم يخطيء، إذن من السبب في كل ذلك ؟! لما يشعر و كأن ضيق الدنيا بأكملها يخيم فوق صدره، لم يعد يعلم هل هو فوق الارض أم هي من تجثو فوقه ؟! زفر بقوةٍ ثم رفع كفيه يمسح وجهه و رأسه بعنفٍ، فتفاجأ بوالده يقف مقابلًا له ضاممًا ذراعيه أمام صدره، رفع "ياسين" رأسه يطالع الواقف أمامه ثم اعتدل في جلسته احترامًا له و هو يقول:
اتفضل يا بابا اقعد، فيه حاجة؟"
جلس "رياض" أمامه و هو يقول بنبرةٍ هادئة لكن بين ثناياها المعاتبة:
ينفع اللي حصل دا ؟؟ هو دا ياسين الهادي العاقل ؟! خلاص ما بقيت تصدق تتعصب تخرج أسوأ ما فيك ؟!"
زفر بقوةٍ ثم قال:
يعني أنا اللي غلطان كمان ؟! رايح حفلة علشان احضر خطوبة مراتي ؟! خلاص شوال بطاطا مليش لازمة ؟! طبعًا مقدرتش اتحكم في نفسي، و كويس إنه خرج من تحت ايدي سليم"
ضيق "رياض" عيناه و هو يقول بثباتٍ:
و خديجة ذنبها إيه ؟! الغلط من عند أمك من الأول يا ياسين، زهرة هي اللي قالت إنها بنتها، لكن البنت مفيش عليها أي ذنب"
تنهد "ياسين" بعمقٍ ثم قال بقلة حيلة و خجلٍ منه نفسه:
عارف إنها ملهاش دعوة و عارف إنها مكانتش تعرف حاجة، بس أنا لو كنت اتكلمت كنت هخليها تزعل علشان كدا خرجت و سيبتها"
حدجه "رياض" بغيظٍ و هو يقول:
ولا ؟! أنا مش قصدي على كدا، أنا بتكلم على موضوع الجمعية، هي مالها توقف مستقبلها ليه ؟! منكد عليها و مزعلها ليه ؟!"
رد عليه "ياسين" بنبرةٍ جامدة:
علشان أنا مش فاضي كل شوية حد ييجي يحرق دمي، أنا عاوزها تنجح و تحارب و تعمل اسمها بس أنا خايف، خايف هي تضيع مني، الدنيا دي غدارة و أنا مش هقبل إنها تغدر بيا في خديجة، أنا غلطان أنا عارف بس أنا بحبها و الله"
ابتسم له "رياض" بتفهمٍ فقال "ياسين" بنبرةٍ أهدأ:
أنا النار مسكت فيا أول ما سمعت الواد و أمه، كل اللي فكرت فيه إن الدنيا بتضربني بالقلم و بتاخدها مني، أنا مش أناني و مش وحش، بس أنا خايف هي تضيع مني"
ربت "رياض" على كتفه بتفهمٍ ثم تحرك من أمامه فيما جلس هو بمفرده من حديد يرفع رأسه للسماء بشرودٍ، أما هي فكانت تجلس على الفراش بعدما بدلت ثيابها و رغمًا عنها بكت كلما تذكرت طريقته معها، شعرت به يقترب من الغرفة و حينها نزلت بجسدها للفراش و دثرت نفسها جيدًا و أولت الباب ظهرها حتى لا يراها، دلف الغرفة يتنهد بقلة حيلة و خاصةً حينما رآها نائمةً، اقترب من الفراش يجلس عليه بجوارها، كانت كما هي توليه ظهرها و تمسح دموعها دون أن ينتبه هو لها، فمال عليها يسألها بنبرةٍ هادئة:
خديجة ؟؟ أنتِ صاحية؟!"
لم يصله منها ردٌ، فقط صمت و حينما حاول كشف الغطاء عنها، حينها سحبته هي بعنفٍ تدثر نفسها جيدًا، فخرج هو من الفراش و سحب المقعد يقربه من جهتها و يجلس عليه ثم كشف الغطاء عنها دون أن تعانده هي، أما هو فوقع بصره على وجهها الأحمر و عينيها المنتفختين و سهام العتاب التي ترمقه بها من نظراتها، تنهد هو بعمقٍ ثم رفع كفه يمسح دموعها و قال بنبرةٍ هادئة:
قومي يا ست الكل علشان نتكلم سوا، قومي مينفعش تنامي زعلانة و لا معيطة"
رفعت كفها تسمح وجهها ثم اعتدلت تجلس على الفراش مقابلةً له و نظراتها تسأله عما يريد دون أن تتفوه بكلمةٍ واحدة، فقال هو بلينٍ و هدوءٍ:
حقك عليا متزعليش، أنا أسف و الله يا خديجة، أنتِ ملكيش ذنب بس أنا غلطت لما دخلت الدنيا في بعضها، حقك عليا"
نزلت دموعها من جديد و هي تستمع لحديثه، فقال هو مسرعًا:
أنا أسف و الله بس غيرتي عليكِ هي اللي خلتني اتصرف كدا، حطي نفسك مكاني و خلي واحدة تيجي تقولك أنا عاوزة اتجوز ياسين، شوفي نفسك هتعملي فيها و فيا إيه"
تبدلت نظرتها من المعاتبة إلى الحِدة فقال هو مسرعًا:
شوفتي بقى ؟! عينك بس هتاكلني، و أنا بقولك فكري بس، رغم إنك ست و أنا راجل بس المشاعر عندي مفيهاش الكلام دا، المشاعر واحدة و كلنا بنحس، متزعليش مني بقى"
ردت عليه هي بلومٍ و معاتبةٍ:
طب و أنا ذنبي إيه؟! تشخط فيا و تمنعني من حلمي ؟! تقف في وشي ؟! دا أنا مليش غيرك و الله"
استطاعت بحديثها أن تحمله فوق طاقته فأمسك هو كفيها و قال بأسفٍ و ندمٍ:
أنا مكانش قصدي و الله ازعلك، أنا الدم غلي في عروقي لما حسيت بس إن حد غيري بيفكر فيكِ، مين دا اللي يجي ياخد مني خديجة ؟! مين اللي محاسن داعية عليه علشان يبص للكتكوتة ؟! مين اللي يبص لدنيتي و يعوز ياخدها مني ؟!"
ابتسمت رغمًا عنها بعد حديثه فاقترب منها يقبل رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
حقك عليا و على راسي من فوق، أنا عيل مترباش و غلط، و أنتِ ست الكل قلبك كبير و هتسامحيني"
سألته هي بمعاتبةٍ:
طب و الجمعية ؟! و الفكرة اللي مشيت فيها كتير ؟! هتمنعني برضه ؟؟ لسه عند رأيك ؟!"
زفر بقوةٍ ثم تحرك من المقعد و لف حول الفراش يجلس بجوارها و هي تتابعه بتعجبٍ من صمته، فاقترب منها يسحبها بجواره و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أهي دي بالذات أنا مش عارف أعمل فيها إيه ؟! بس برضه مش هاين عليا ازعلك، أنا مش وحش علشان أقف في طريقك بس أنا بحبك و عاوز أحافظ على نصيبي فيكِ من الدنيا، لما حسيت إن فيه حاجة هتاخدك مني قولت بلاها و خلاص، بس لما فكرت قولت مينفعش أزعلك مني، الزعل غلط علشانك و علشان ابني اللي جاي في السِكة دا ميلاقنيش منكد عليكِ"
ابتسمت هي له فأضاف هو مُكملًا:
هتروحي عادي و كملي اللي بتعمليه بس و الله العظيم لو حصل حاجة كدا تاني أنا هحبسك في البيت و أخلص"
اقتربت منه تحتضنه بفرحةٍ فضحك رغمًا عنه ثم مسد بكفه على ظهرها و سألها بوجهٍ مُبتسمٍ:
خلاص يا ست الكل مش زعلانة ؟! قوليلي و أصالحك أنا عيوني ليكي"
ابتعدت عنه تقول بنبرةٍ جامدة:
لأ طبعًا أنا زعلانة احنا هنهزر؟!"
قلب عينيه مفكرًا ثم قال بحيرةٍ:
طب أصالحك ازاي ؟! اعملك إيه علشان ترضي عني ؟! أنا أصلًا مش طايق نفسي علشان زعلتك"
ردت عليه هي بحماسٍ:
بقالك كتير مقولتش ليا كلام حلو بالفصحى، قولي يلا"
لوى فمه بتهكمٍ من حديثها فقالت هي بسخريةٍ:
إيه الحروف ضاعت منك ؟؟ يلا يا مهلبية، اتحفني"
دفع الغطاء بعيدًا عنهما ثم عدله من جديد يدثر نفسه و هي معه ثم قال بسخريةٍ:
نامي يا خديجة، البرد غلط عليكِ و على اللي في بطنك، نامي يا كتكوتة"
عاندته هي بقولها:
طب مش هنام غير لما اسمع كلام حلو باللغة العربية الفصحى"
تنهد هو بعمقٍ ثم احتواها بين ذراعيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
حفظتُ كَلمات الغَزل و نِصوص الحُبِ لَكنْ مَن غَيركِ يَستحق ذلك كي له أقول، فقد أحياني حُبكِ كما تُحيا الزهرة بعد الذبول، فحبي لكِ لم يخطر على قلبٍ و لم يجول بالعقول، أنتِ فقط من استأنس قلبي بها، و ازدهرت حياتي بحبها"
ابتسمت براحةٍ تشكلت على محياها فقال هو بمرحٍ كعادته بعدما يغازلها:
خلاص يا ست الكل طالما سكتي يبقى كدا اتثبتي"
ابتسمت هي له ثم حركت رأسها موافقةً فقبل هو جبينها ثم سألها بنبرةٍ هادئة حنونة:
لسه زعلانة مني ؟! أو فيه حاجة مزعلاكي أصلًا"
هزت رأسها سلبًا تنفي حديثه فاحتضنها هو ثم ربت على ظهرها و هو يشعر بالراحة خاصةً بعدما استطاع محو حزنها و تأكد هو من ذلك حينما ألقت برأسها على كتفه و قبل أن يسألها إن كانت نائمةً أو غير ذلك فتفاجأ بها تقول بنبرةٍ خافتة من بين الصحو و الغفوة:
الـــدار أمـــان يـا يـاسـيـن"
ابتسم هو لها ثم قبل قمة رأسها و وضع رأسه فوق رأسها مُبتسمًا بأمان اقتبسه من تواجدها بجواره.
_________________________
في اليوم التالي كانت الأمور على ما يرام مع الجميع عدا "خلود" التي كانت تشعر بالتوتر خاصةً أن نتيجة امتحانها الأول في المركز التعليمي شارفت على الظهور بعد قليل، ارتدت ثيابها حتى تذهب للمركز التعليمي، لم يهمها من الأساس الاختبار أو درجاته لكن ما يهمها حقًا هو نتيجة تعبها و سهرها على الرغم من كونها مرتها الأولى.
دلفت "سلمى" غرفتها و هي تقول بضجرٍ منها:
هو أنتِ لسه مخلصتيش ؟! يلا علشان الدرس هتتأخري عليه و علشان أحمد يوصلك قبل ما يتعصب علينا"
حركت رأسها موافقةً ثم حملت حقيبة ظهرها و هي تقول بقلة حيلة:
هعمل إيه يعني ؟! الامتحان نتيجته هتظهر في الدرس النهاردة و أنا خايفة أوي، دي أول مرة اخاف من نتيجة امتحان كدا"
سألتها "سلمى" باهتمامٍ:
ليه طيب ؟! مش أنتِ ذاكرتي؟"
ردت عليها بقلة حيلة:
ما هو دا اللي مقلقني، أني ذاكرت و دي أول مرة اذاكر بضمير كدا و ابقى عاوزة أشوف نتيجة اللي عملته، أنا لو جيبت درجة وحشة مش هقدر أكمل بنفس الحماس و الطاقة دي"
امسكت "سلمى" كتفيها و هي تقول بثباتٍ و تشجيعٍ لها:
أوعي تفكري كدا !! حاولي تاني و تالت و دوسي على نفسك و حاربيها، صحيح المذاكرة ممكن تتعب يوم أو اتنين أو تيرم كامل، بس اهمالها تعبه طول العمر و خصوصًا لما تكوني اهملتي في حق نفسك، أنا معاكِ هنا اهو مش هسيبك، أنا في ضهرك يا خوخة"
احتضنتها "خلود" بعاطفة جياشة و هي تبتسم بتأثرٍ فيما ربتت "سلمى" على ظهرها، و في تلك اللحظة دلف "أحمد" الغرفة و حينما وجدهما في عناق بعضهما اقترب منهما يقول بحماسٍ:
طب و الله ما يحصل من غيري، خدوني معاكم أنا غلبان هنا"
اقترب منهما بعد حديثه يحتضنهما و هو يضحك بمرحٍ و فرحةٍ و كلٍ منهما بين أسفل ذراعه، فقال هو براحةٍ:
أنا بحب اشوفكم مع بعض أوي، بتطمن و انتوا سوا، ربنا يخليكم ليا يا كل ما ليا"
ابتسمت كلتاهما له فقام هو بطبع قبلة هادئة على جبين كلٍ منهما ثم سأل أخته بخبثٍ:
بقولك يا خوخة !! ما تخرجي كدا و تخلي أخوكِ يفضفض مع مراته بكلمتين حلوين، يلا"
سألته هي بسخريةٍ:
هو أنتَ مدريتش ؟! مش عمو محمد جندني عنده و بأجر شهري كمان ؟! يرضيك أخون الأمانة ؟!"
ضحكت "سلمى" بصوتٍ عالٍ فيما قال هو بغموضٍ:
طب و الله لأسلط عليه وليد"
بعد مرور دقائق نزلوا سويًا و كان "حسن" في انتظارهما في الأسفل، و بمجرد ما رأهم سألهم بلهفةٍ:
إيه اللي أخركم كدا يا جماعة الراجل قرب يوصل هناك و لسه هنوصل خلود كمان، بسرعة يالا"
ركبت "سلمى" السيارة و بجوارها "خلود"، فاقترب "أحمد" من "حسن" يحدثه بنبرةٍ خافتة و هو يقول:
بقولك !! أنا الفلوس اللي محوشها من شغلي مش كتير و لسه معرفش بابا شايلي كام، فهم الراجل إن التوضيب يكون في الحنين لحد ما أشد حيلي كدا"
وضع "حسن" يده على كتفه و هو يقول بتفهمٍ معه:
ملكش دعوة بحاجة أنا معاك و في ضهرك يا أحمد، متشيلش هم حاجة، لو ربنا كان كرمني بأخ من دمي كنت هديله دم قلبي مش فلوسي بس، و أنتَ بقى ؟! غلاوتك عندي زي غلاوة أخويا و أكتر و شقتك كأنها شقة أخويا، أنا معاك و لو احتاجت حاجة مَيِل على أخوك هيسندك، و متزعلنيش منك علشان أنا عشمي فيك كبير إنك اكتر من أخويا"
احتضنه "أحمد" و هو يقول بتأثرٍ:
ربنا يديمك ليا أخ و صاحب جدع، شكرًا إنك علطول معايا"
رفع "حسن" كفه يربت على رأس "أحمد" ثم قال بعدما تنهد بعمقٍ:
و يخليكم كليا ليا يا رب"
بعد ذلك ركب "حسن" السيارة و بجواره "أحمد" ثم تحركوا جميعًا نحو المركز التعليمي أولًا لكي يتم توصيل "خلود" و بعدها نحو بيت آلـ الرشيد حتى يقوم "أحمد" بالبدء في تجهيز شقته لعش الزوجية.
دلفت "خلود" المركز بتوترٍ و اقتربت من مكتب الاستقبال لكي تدفع ثمن الحصة فتفاجئت به أمامها يقوم بتسجيل الاسم، رفرفت باهدابها ببلاهةٍ فقال هو بثباتٍ:
سجلت اسمك يا آنسة اتفضلي الحصة قربت تبدأ و النهاردة مفيش امتحان"
اعطته ثمن الحصة فأعطاها هو البطاقة الخاصة بالدخول، دلفت الحصة بتوترٍ زاد أكثر خاصةً بعد تواجده هنا، نعم هي تعلم أنه عاد للعمل حتى تبدأ الدراسة من جديد لكنها لم تتصور أنه يعمل هنا، دلف المشرفون و بقية الطُلاب لقاعة الشرح و أخرهم كان المُعلم، تنفست بعمقٍ ثم قالت بصوتٍ خافتٍ:
يا رب أجبر بخاطري مرة واحدة و أحس أني شاطرة، مرة واحدة بس، إن شاء الله لو أخر واحدة أنا راضية"
بدأ المعلم بذكر اسماء الطلاب الذين حصلوا على الدرجات العليا في الاختبار و بدأ بطريقةٍ تصاعدية بدءًا من الأقل حتى الأعلىٰ، وقف "عمار" في الخلف يتابع ما يحدث بتوترٍ هو الأخر و هو يرى المعلم يذكر اسم الطالب فيقوم من موضعه و يقترب منه يأخذ الشهادة و حقيبة الهدايا الصغيرة، استمر الوضع كذلك حتى انهى المعلم ذكر الاسماء دون أن يذكر اسمها من الضمن، فظهر الاحباط على ملامح وجهها و هو أيضًا، لم يكن حزنًا منها، إنما حزنًا لأجلها، زفر هو بعمقٍ و خاصةً حينما اخفضت رأسها للأسفل، فقال المعلم بطريقةٍ عملية:
طبعًا أنا كرمت الطلاب من الأقل للأعلى لحد أخر واحد ناقص نص درجة بس، طبعًا الامتحان دا مش آخر الدنيا و مستني منكم تعويض في اللي جاي، أدينا بنجرب لحد ما ربنا يكرم و تبقى تجربة بجد أخر السنة، طبعًا دي مش نهاية التكريم، لأن فيه نتيجة أعلى من كدا، طالب واحد بس اللي حصل عليها، و الحقيقة إن الطالب دا اتحدى نفسه كتير و الفرق بان من أول السنة لحد الامتحان دا و إنه بذل مجهود خرافة، كانت نتيجته إنه قفل الامتحان"
أوقف المعلم الحديث عن ذاك الطالب ثم قال من جديد بنبرةٍ أعلى و حماسٍ أشد:
حييوا معايا خلود طه فايز الرشيد، لحصولها على الدرجة النهائية في أول امتحان شامل في مادة اللغة الإنجليزية"
ابتسم "عمار" بفرحةٍ و كذلك هي الأخرى و رمشت عدة مراتٍ حتى طلبها المعلم فقامت له بمشاعر مختلطة و لأول مرّة تشعر بتلك المشاعر، فأعطاها المعلم شهادة تقدير ورقية كبيرة الحجم و صندوق هدايا متوسط و ورقة مالية فئة الـ مئتين جُنيه.
طالعت الاشياء بدهشةٍ ثم رفعت رأسها تنظر حولها و كأنها تتأكد أن هذا هو واقعها و لم يكن حُلمًا من خيالها نسجه عقلها اثناء نومها، و حينما تلاقت نظراتهما سويًا رفع ابهامه يُحييها و كأنه يخبرها أن كل شيءٍ على ما يرام في تلك اللحظة تأكدت هي أن هذا هو خيالها، فهل من الممكن أن ترضى عنها دنياها في يومٍ واحدٍ بتلك الطريقة.
_________________________
في شقة "عامر" أجتمع الشباب بزوجاتهم بعدما أصر هو عليهم أن يقضوا اليوم معه و يتناولون الطعام سويًا، و أمام الحاحه وافقوا أخيرًا و اجتمعوا في شقته.
كانت الطاولة ممتلئة بالطعام والشراب و هم يتناولون الطعام في مرحٍ مع بعضهم، فقال "خالد" بنفاذ صبرٍ:
العزومة دي كانت عليا أنا، مش عارف صممت ليه إنك تعزمنا أنتَ، يابني لسه خارجين من عقيقة و فلوس ولادة، شموا نفسكم شوية"
رد عليه "عامر" بحنقٍ منه:
وحد الله يا خالد مطفحناش اللُقمة، كل و أنتَ ساكت، يا عم قولت مرة من نفسي اعزمكم، تصدق بالله أنا راجل واطي محدش رباني"
أيده "ياسين" موافقًا ثم أضاف:
بالظبط محدش رباك، قوم بقى يا عديم الرباية ناولني المياة من وراك"
أمسك "عامر" الزجاجة من خلفه ثم قذف "ياسين" بها في وجهه دون أن يقصد ذلك حتى ضحكوا جميعهم فحدجه "ياسين" بشررٍ و قبل أن يقترب منه أمسكت "خديجة" يده توقفه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
وحد الله كدا و اهدا و افتكر إنه بقى أب"
زفر "ياسين" بقوةٍ فقال "عامر" بسخريةٍ:
كل يا ياسوري، أنتَ معاك توأم يعني الله يصبرك، حاجة كدا زي البيضا أم صفارتين تفرح بس تشبع بسرعة"
انتشرت الضحكات عليه فقام "ياسر" بامساكه من رأسه و الأخر يتأوه بعنفٍ حتى ابعدت "إيمان" زوجها و هي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
و الله العظيم أنا حاسة إن التوأم دول هما انتو، كم الصدف اللي حصلت معاكم تموت بصراحة، و أنتَ يا ياسوري كل كدا و اتغذا علشان أنتَ معاك توأم يعني عاوز صحة تانية على صحتك"
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
اللي بيرزق هو ربك متشيليش هم الصحة و الفلوس علشان دول مش بأيدينا، دول بيد ربنا سبحانه و تعالى و بعدين طالما ربنا رزقني بيهم يبقى أكيد معاهم رزقهم"
ردوا جميعًا عليه في آنٍ واحدٍ:
و نعم بالله العلي العظيم"
في تلك اللحظة صدح صوت جرس الباب فقال "عامر" بسخريةٍ:
إيه دا معقول الرزق جه بالسرعة دي ؟!"
ضحكوا عليه فاقترب هو من الباب يفتحه فوجد أمامه حارس العقار و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
معايا واحد برة بيسأل عن الدكتور ياسر يا أستاذ عامر، محروس بعته على هنا و قاله إنه عند حضرتك"
رد عليه "عامر" بتعجبٍ:
أيوا ياسر عندي هنا، بس واحد مين دا معرفتش ؟!"
اقترب منه رجل أقرب إليه في السن يبدو عليه الهيبة و الوقار و هو يقول بصوتٍ رتيب:
مساء الخير ؟! ممكن لو دكتور ياسر موجود أقابله ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم عاد بجسده للخلف و هو يقول لأخيه:
واد يا ياسر !! شكل الرزق جالك بجد تعالى كلم حد عاوزك"
عقد "ياسر" ما بين حاجبيه و قام من موضعه و خلفه "ياسين" و "خالد" فقال هو بنبرةٍ هادئة:
أيوا يا فندم ؟! مع حضرتك ياسر أبو اليسر الغزولي، مين حضرتك ؟!"
ابتسم له الرجل و هو يقول برزانةٍ و هدوءٍ يليق بمظهره المنمق:
أهلًا يا دكتور ياسر، مع حضرتك جورج سامح، محامي و جاي أسلم حضرتك ميراثك في والدك الاستاذ سمير رحمة الله عليه"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم شمس بكري
الفصل السابع و الثمانون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_________________________
قال واصفًا الشعور بخيبته:
كمن أحضر حِلته لحضور حفل زفافٍ و لم تأتيه دعوةٌ بعد"
_________________________
يرهقني أنني مليءٌ من الداخل بخبايا و أسرارٍ لم استطع البوح عنها لكنها تفيض من عيناي، شخصٌ مثلي اعتاد القلق و السهر في جوف الليل خَلعًا من نفسي قبل الناس، لكن لا بأس فهي دنيا و لا يوجد بها راحةٍ، فأيقن قلبي أن الأمر كله بيد الله و لسان حالي يردد:
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.
كم هي قاسية صفعات الخذلان بعد الانعام بالراحةِ ؟! حيث يشبه الأمر في حقيقته الحصول على بئر المياه وسط الصحراء بعدما سرت عَطِشًا طوال الليالي و حينما ركضت إليه بكامل قوتك؛ تفاجئت به فارغًا و كأن أحلامك سقطت فوق رأسك، هكذا كان حال "ياسر" و هو يقف أمام المحامي الذي أخبره بوفاة والده و كأن الكهرباء مَست جسده ليقف متسمرًا !! فقال المحامي من جديد:
أنا أسف أني فاجئت حضرتك كدا بس أنا بحاول أوصل لحضرتك من اسبوعين و مش عارف، البقاء لله"
رأرأت عينيه و كأنها خالية من الحياة و لم يبادر حتى بالنطق على المحامي، فتحدث "خالد" بثباتٍ:
و نعم بالله، اتفضل حضرتك مينفعش الكلام من على الباب كدا"
تحرك "عامر" بعد حديثه أخيه أمرًا الفتيات بجمودٍ:
ادخلوا جوة كلكم محدش يطلع دلوقتي"
تحركت الفتيات بتعجبٍ و نظرات الاستنكار تدور بينهن و كلٍ منهن تنظر للأخرى بحيرةٍ حتى اختفى أثرهن، فدلف الشباب معًا للداخل و أمامهم المحامي و خلفهم "ياسر" يسير بلا روحٍ كما الجسد الخاوي.
جلسوا جميعًا فقال "حورج" بنبرةٍ عملية:
أنا متأسف للمرة التانية اني جيت من غير ميعاد بس حارس العمارة عند استاذ ياسر قالي إنه هنا عند أخوه، اعذروني معلش"
رد عليه "ياسين" بنبرةٍ هادئة و عينيه تتابع قسمات وجه "ياسر":
ولا يهمك يا فندم حضرتك نورتنا طبعًا، بس هو توفى امتى ؟!"
رد عليه "جورج" متأسفًا مراعيًا حالة الأخر:
من شهر تقريبًا، بس على ما خلصت الإجراءات و الورق و جيت هنا الموضوع خد مني وقت كبير"
تنفس "ياسر" بحدة محاولًا الثبات أمام نفسه قبلهم جميعًا لكن هل في ظروفه تلك سيتطع الثبات ؟! كانت الأعين جميعها موجهةً نحوه فقال هو بنبرةٍ متحشرجة مختنقة:
أنا مقدر مجهود حضرتك و وقتك كمان بس اعذرني، أنا مش هقدر أخد حاجة من دول، تقدر حضرتك ترجعها لصحابها و قولهم أنا مباخدش شفقة من حد"
نظر أخوته لبعضهم فيما قال "جورج" بثباتٍ:
أنا مقدر حالتك و عارف الظروف الخاصة بيك و بوالدك، بس دا حقك أنتَ، الفلوس دي والدك اشتغل بيها و كبرها و عمل بيها اسم، يعني دا حقك أنتَ و أخواتك مش شفقة منهم !!"
رد عليه "ياسر" بنبرةٍ جامدة:
الفلوس دي اللي هو سابنا علشانها ؟! الفلوس اللي جت بكسرة قلبي أنا و أخواتي ؟! الفلوس اللي قهرني بيها علشان تبقى معاه ؟!"
رد عليه "جورج" بوقارٍ:
أديك قولت أهو سابك علشانها !! و في النهاية رجعتلك أنتَ و أخواتك و دا حقكم، الفلوس دي كانت مبلغ صغير مع المدام قبل جوازها من والدك، هو كبره و شغله و عمله بمجهوده، يعني فلوس حلال و حقك أنتَ اكتر من أي حد تاني، و الاستاذ فادي بنفسه هو اللي صمم إن الحق دا يوصلك"
نظر له "ياسر" بامعانٍ فقال هو بوقارٍ و ثباتٍ:
الاوراق مع حضرتك أهيه راجعها و شوف كل حاجة فيها و أنا هنا في مصر فترة و مسافر تاني اتمنى إن حضرتك تمضي علشان أسلم حضرتك الحاجة، عن اذنكم ورايا ميعاد، و مش عاوز من حضرتك رد دلوقتي"
وقف "جورج" بعد حديثه بعدما قطع كل سُبل المعارضة على الأخر فوقف "ياسر" يقول بنبرةٍ متحشرجة:
عن اذنكم هوصله و طالع تاني"
نظروا لبعضهم البعض بقلة حيلة يتابعوا خروجهما خلف بعضهما و نظرات الاستفهام تغلف ملامح وجوههم، فيما نزل "جورج" و معه "ياسر" هو الأخر الذي ذهب في وادٍ أخر، حتىٰ توقف المصعد و خرج منه كليهما، فقال "جورج" متفهمًا حالته:
عن اذنك يا دكتور ياسر، منتظر ردك و متأكد إنك هتحسبها صح، دا حقك شرعًا و قانونًا"
حرك "ياسر" رأسه موافقًا ثم مد يده للآخر يودعه و لازالت الدموع كما هي متحجرة في عينيه تأبى الخروج من مصدرها، فابتلع غصة مريرة في حلقه و كأنها أشواك تُخيم على حلقه و تؤلمه، شعر بكف أحدهم يوضع على كتفه من الخلف فحانت منه التفاتة برأسه حتى يتسنى له رؤيته فوجد "ياسين" يقول بنبرةٍ خافتة:
تعالى في حضن أخوك و عيط، بلاش تكتم وجعك كدا، تعالى"
قالها "ياسين" بألمٍ و كأنه يناصف الأخر في حزنه فيما ارتمى "ياسر" عليه يتشبث به و هو يبكي بحرقة قلبٍ مكلومٍ حتى ارتفع صوت بكائه و تقطعت أنفاسه من الشهقات و حينها احتواه "ياسين" بين ذراعيه و هو يبكي معه ألمًا على صديقه و ما حل به، و فجأة فتح المصعد ليركض منه "عامر" و "خالد" سويًا نحوهما و هما يبكيان بعناق بعضهما، فاقترب "عامر" يربت عليهما و "خالد" الذي سحب "ياسر" بين ذراعيه يُضلل عليه محاولًا الثبات أمامه، لكن هيهات ففي تلك اللحظة تشارك أربعتهم الوجع و كأنه مس قلوبهم جميعًا و ليس واحدًا منهم.
_________________________
أنهت "خلود" الدرس و التكريم و قام المعلم بالتقاط صورةً معها فخرًا بها و كادت تجزم هي أنها أصبحت في خفة الفراشات المُحلقة على أغصان الشجر.
وقفت أمام المركز التعليمي تنتظر قدومه بعدما اتفقت معه أن يمر عليها و يأخذها إلى البيت نظرًا لتأخر الموعد، أتى "عمار" من خلفها يقول بنبرةٍ هادئة:
دي يدوبك البداية لسه، صدقيني مفيش حاجة هتديها وقتك و طاقتك و مجهوك و هتبخل عليكِ، كلنا عندنا الطاقة و القوة بس محتاجين حد يشاورلنا عليها طالما احنا مكتشفناش دا، و أنا واثق إن طاقتك كبيرة و البداية مبشرة أهوه"
ابتسمت و التفتت له تقول بنبرةٍ هادئة على عكس عادتها:
أول مرة اتكرم أو احس أني شاطرة، طول عمري عندي عقدة بسبب المدرس اللي بيهتم بطالب و الباقي لأ، كنت مبذاكرش عندًا فيه علشان هو مش مديلي فرصة حتى أحاول مع نفسي، و أنا من النوع اللي الكلمة تخليه يكسر الدنيا و كلمة تنيمه باقي العمر، بس الحمد لله طلعت شاطرة أهو"
ابتسم لها "عمار" و هو يقول بنفس الهدوء:
ربنا يوفقك و يديم عليكِ النجاح يا رب، أنتِ قدها و قدود إن شاء الله"
حركت رأسها موافقةً بإيماءةٍ بسيطة و في تلك اللحظة توقفت سيارة "وليد" أمام المركز و خرج هو من السيارة يقول مستفسرًا:
ها اتأخرت عليكِ ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم اقتربت منه تقول بنبرةٍ هادئة:
لأ أنا لسه نازلة أهوه يدوبك، يلا بس علشان ورايا درس بدري بكرة و عاوزة أراجع على اللي ذاكرته"
رمش "وليد" ببلاهةٍ فتحركت هي تجلس بجواره فيما حرك هو رأسه نحو الأخر يقول بسخريةٍ:
هتراجع على اللي ذاكرته ؟! خلود ذاكرت و هتراجع كمان ؟! بركاتك يا شيخ عمار"
ابتسم له "عمار" فقال هو له بثباتٍ:
يلا علشان أوصلك معايا في طريقي، تعالى يلا"
اعتذر منه "عمار" و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
تسلم يا وليد أنا معايا الموتوسيكل بتاع عامر و مش هينفع أسيبه، روح أنتَ و تتعوض مرة تانية"
ابتسم له "وليد" بتفهمٍ ثم ودعه و رحل من أمامه بالسيارة فنظر "عمار" في أثرهما مبتسمًا براحةٍ و كأن النجاح يخصه هو.
في السيارة كانت "خلود" تعرض عليه ما حصلت عليه من المُعلم بفرحةٍ كبرى و حماسٍ غريب عليه منها هي تجاه الدراسة، حتى قالت هي بنفس الحماس:
خدت ٢٠٠ جنيه حتة واحدة يا ليدو، أنا عمري ما خدت ١٠ جنيه حتى قبل كدا، طلعت شاطرة"
ابتسم هو لها ثم قال بثباتٍ:
أنتِ طول عمرك شاطرة بس مش واثقة في قدرات نفسك، من صغرك بتخافي تذاكري، بس لما تقعدي ساعة واحدة بضمير بتقومي فاهمة و مركزة، صدقيني أنتِ لا فاشلة ولا حاجة أنتِ بس عاوزة اللي بشجعك و يديكِ زَقة"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ ثم قالت بنفس الحماس مرةً أخرى:
بس أنا فرحانة أوي بجد، و عاوزة أكل شاورما و طبعًا ليدو هيعزمني صح ؟!"
نظر لها بطرف عينه ثم تنهد بقلة حيلة و حرك رأسه موافقًا و قال بضجرٍ زائفٍ:
ماشي !! جاية على اللي خلفوني بخسارة بس حاضر دي الليلة عيد، خلود مذاكرة و هتراجع"
ضحكت هي على سخريته فقال هو متابعًا حديثه:
بقولك !! مش هناكل في المحل هنروح البيت ناكل سوا علشان عبلة تمام ؟؟"
حركت رأسها موافقةً ثم سألته بتشوشٍ:
هي عبلة معندهاش أكل في البيت ؟!"
رد عليها بهدوء:
لأ فيه طبعًا، بس أنا مش هعرف أكلها من غيرها، كتر خيرها شايلة ابني و ساكتة"
ردت عليه"خلود" بنبرةٍ هادئة:
ربنا يخليكم لبعض و يقومهالنا بالسلامة، هانت خلاص كلها كام شهر"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه موافقًا و عاد النظر أمامه من جديد و هو يفكر في اليوم الذي سيمسك به قطعة صغيرة منه تشاركه في حب زوجته و قلبه ينبض للمرة الثانية لأجله هو.
_________________________
وقف "أحمد" مع "سلمى" في شقتهما يتابعانها و "حسن" على بعدٍ منهما هو و الشباب و مهندس الديكور صديق "حسن" منذ الدراسة.
تحدث "أحمد" يسألها بنبرةٍ هادئة:
شوفي كل اللي نفسك فيه و أنا هعمله متشيليش هم حاجة، عاوزة إيه ؟!"
حركت كتفيها بحيرةٍ ثم قالت:
بصراحة معنديش حاجة معينة في دماغي، أنا بحب الحاجات الهادئة أوي، و في نفس الوقت مش عاوزة اتقل عليك، كفاية إنك أنتَ اللي شايل المسئولية دي"
ابتسم لها ثم قال يُطمئنها:
ملكيش دعوة بحاجة لسه معانا وقت كتير الراجل يظبط على مهله و أنا اتصرف، المهم شوفي كدا إيه رأيك ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم تابعت الشقة بنظرها و قالت بصوتٍ هاديءٍ:
بص !! احنا نخليها نفس نظام الشقق اللي هنا، يعني نفس التقسيمة بس اللي هيختلف توزيع العفش و الدهان، لكن غير كدا كل حاجة هنا حلوة و خايفة نبوظها"
حرك رأسه موافقًا فاقترب منهما "طارق" يقول بوجهٍ مُبتسمٍ:
إيه يا عروسة عجبتك الشقة ؟! أول مرة تدخلي هنا صح ؟!"
حركت رأسها موافقةً بخجلٍ فقال "طارق" لهما بهدوء:
اعملوا اللي نفسكم فيه هنا و اللي تحتاجوه احنا موجودين، اختاري أنتِ و أحمد اللي يعجبكم، أحمد مظبط كل حاجة و عامل حسابه للي نفسك فيه، طلع سوسة و محوش من ورانا"
ابتسمت هي له ثم قالت بتفهمٍ:
مش محتاج تقول كدا يا طارق علشان تكبره قصادي، أحمد عاقل و مكافح و لو عمل أقل حاجة بحب ليا و لوجودي معاه صدقني أنا هفرح من كل قلبي، كفاية إنه معتمد على نفسه"
ابتسم "أحمد" بسعادةٍ طغت على نظراته و ملامح وجهه السمحة فيما قال "طارق" بتفهمٍ:
ربنا يخليكم لبعض يا ستي بس هو محتاج حد يتكلم عنه علشان يكبر، أحمد فعلًا عامل حسابه علشانك و بقى بيشتغل أضغاف مضاعفة علشان لو ربنا كرمه بدري بدري يقدر يخلص و يتجوزك و تكملي هنا في بيته، و لو دا حصل أنا واثق فيه إنه هيسد في الدور، شدوا حيلكم انتوا بس"
نظرا لبعضهما بحبٍ فاقترب "وئام" يقول بثباتٍ:
هيبدأ من أول الأسبوع الجاي في تشطيب الحمام و المطبخ علشان السيراميك، و البلكونة متشطبة تبع وجهة البيت، حلو كدا ؟!"
حركت رأسها موافقةً فقال "طارق" من جديد:
اختاروا بقى السيراميك علشان نركبه ليكم و علشان نجهز كل حاجة، طبعًا إحنا معاهم هنا يعني محدش فيكم يشيل هم حاجة، تمام ؟!"
رد عليه "أحمد" ممتنًا بقوله:
ربنا يبارك فيكم، استحملوني لحد ما أبقى جاركم هنا، مش فاضل كتير يعني"
اقترب "حسن" و المهندس منهم فقال الأول:
كدا تمام يا أحمد كل حاجة اتظبطت و اتقسمت زي ما أنتَ عاوز، اللي فاضل مش كتير خلاص، المهندس أول ما يبدأ كل حاجة هتمشي زي الفل و هو معانا يعني تبعنا"
أيده المهندس مؤكدًا حديثه ثم أخبرهم بطريقته في العمل و التكلفة تقريبًا و التي كانت وفق موارد "أحمد" المالية.
رحل المهندس من البيت فتحدث "حسن" بنبرةٍ هادئة:
يلا بقى علشان نروح هدير ليها ميعاد دوا و هجيبه، عن اذنكم"
تحدث "وئام" بلهفةٍ:
استنى يا عم أنتَ !! رايح فين ؟! اتعشوا معانا و بعدها امشوا"
رد عليه "أحمد" مسرعًا:
لأ علشان عم محمد بيتلكك مش ناقصة هي، هو قالي مأخرهاش و أنا محترم كلامه طالما هو مش تاعبني في عيشتي"
ابتسم له الشباب فاقتربت هي من أخيها "طارق" تحتضنه و تودعه ثم رحلت مع زوجها و "حسن" معهما، فيما نظر كلٍ منهما للأخر فقال "وئام" بنبرةٍ ضاحكة:
تصدق شكلهم حلو مع بعض ؟! عمري ما كنت اتخيلها بس أحمد و سلمى لايقين لبعض أوي"
وضع "طارق" يده على كتف الأخر و هو يقول بدهاءٍ:
من يوم ما اتعاكست في فرحك و هو اتخانق علشانها و اتحمق أوي كدا و أنا كنت شاكك فيه، بس هو كان أهطل و شاف غلط"
ابتسم له "وئام" فصدح في تلك اللحظة صوت صغيره ينادي عليها حينها تحدث "طارق" ساخرًا:
رد عليه يا أبو فارس، الواد ساب الكلام كله و مسك أوي في الكلمة، رد يا أخويا رد"
ضحك عليه "وئام" ثم قال:
روح ربنا يرزقك بعيل زيه كدا كل ما تنام يصحيك"
تحرك "وئام" بعد حديثه فرفع "طارق" صوته قائلًا بسخريةٍ:
يعني هيجيبوا من برة ؟؟ طالع لعمه، مصيبة سودا فوق دماغنا لو اللي جاي في السكة هو كمان زيه"
ارتفعت ضحكات "وئام" أكثر و "طارق" أيضًا معه خوفًا مما يفكران به.
_________________________
في شقة "عامر" صعد الشباب مرةً أخرى بعدما هدأت نوبة بكاء "ياسر" و عَبَر عن حزنه أمام أخوته، خرجت الفتيات أيضًا تجلس معهم و بعد معرفتهن بما حدث ظهر الحزن على وجوههن و خاصةً "إيمان" التي طالعت زوجها بأسىٰ و شفقةٍ، فيما قال "خالد" له بحكمةٍ:
سمير الله يرحمه بقى يا ياسر، و الفلوس دي حقك و لازم تاخدها، يا أخي اعتبرها تعويض من الدنيا عن اللي حصل، أنتَ ليه غاوي وجع قلب ؟!"
انتفض "ياسر" من مجلسه يقف أمامه و هو يقول منفعلًا بصوتٍ عالٍ يخالطه الانكسار و الآلم:
أنتَ ليه مصمم تتعبني ؟! ليه مش عاوز تفهمني ؟! الفلوس دي جت بوجع قلبي أنا و أهلي !! مش دي الفلوس اللي هو سابنا علشانها ؟؟ مش دي الفلوس اللي وقف قصادي و قالي أنا مش ملزم بيكم علشانها !! مش دي الفلوس اللي خلتني اتمرمط في الشوارع من صغري ؟! بعد كل دا أمد ايدي و أخدها ؟!"
رمقه "خالد" بقلة حيلة فيما انتفض"عامر" هو الأخر يقول منفعلًا بصرامةٍ:
أديك قولت !! جت بتعب القلب !! جت من تعبك أنتَ و سهرك و شغلك، ليه مش عاوز تريح نفسك ؟! ليه مصمم توقف حياتك على واحد زي دا ميستاهلش أصلًا دمعة واحدة منك ؟! الفلوس دي جت رزق العيلين اللي ربنا كرمك بيهم، حقهم من جدهم اللي باع الدنيا كلها علشان الفلوس و في الأخر ماخدش معاه حاجة، الكفن ملوش جيوب يا ياسر، تقدر تقولي هتوديهم فين الفلوس دي ؟؟ هترجعهم تاني لفادي ؟؟ مش محتاجهم أصلًا، و لا فارق معاه، لكن إحنا يهمنا، تقدر تقولي عيالنا دول مين ضامن حياتهم ؟؟ ولا أي حد !! مفيش واحد فينا عامل حسابه حتى لمدة سنة، هي حتة جمعية كل واحد فينا هيقبضها و تتحط ليهم، على ما يكبروا مش هتضمن حتى تعلمهم، ركز يا ياسر و بطل تظلم نفسك"
طالعه "ياسر" بتيهٍ فأضاف"خالد" مكملًا على حديث الأخر:
عامر كلامه صح، لا أنا و لا أي واحد فينا مأمن مستقبل عياله، اهوه قدامك مصاريف ولادة بس و كام يوم شوف صرفت قد إيه ؟؟ بس الحمد لله ربك اللي بيرزق، و رزقك جالك اقبله و ريح نفسك علشان بعد كدا هتندم، نسيت نومتك في الشارع ؟؟ نسيت تعبك علشان توضب الشقة ؟! نسيت الديون اللي كنت ملتزم بيها علشان تجوز أخواتك و ماخدتش من واحد فينا جنيه ؟! كل دا حقك الدنيا كانت شايلاه ليك و جالك"
ضرب "ياسر" كفيه ببعضهما و هو يقول منفعلًا بنفاذ صبرٍ:
برضه هيقولي حقي !! حقي منين و أنا مشقيتش فيه ؟!"
تدخل "ياسين" يقول هو الأخر بانفعالٍ في وجهه:
مشقيتش فيه آه، بس شقيت بسببه !! و لا نسيت ؟! هو لو كان معاك كان هيحصل فيك كدا ؟! كنت هتتعب كدا ؟! كنت هتشوف اللي شوفته و عديت بيه ؟! دا حقك في الدنيا تاخده منها و تحط إيدك في بوقها و تسحبه، لو مزعلك أوي كدا، اعتبره رزق عيالك و جالهم و أنتَ أمين عليه لحد ما ياخدوه، بطل تظلم نفسك بقى يا أخي !!"
مسح "ياسر" وجهه بعنفٍ فيما قال "ياسين" بنبرةٍ أهدأ:
دا ورث يا ياسر يعني مفروض عليك تاخده، حقك و حق أخواتك غصبٍ عن الكل، خده و ريح نفسك و ريح اللي حواليك، مترفضش النعمة اللي ربنا أنعم عليك بيها"
تنفس "ياسر" بحدة ثم قال بثباتٍ و نبرةٍ جامدة:
طيب !! الفلوس دي أيًا كان هما كام بعد نصيب ندى و نيرمين هتتقسم على أربعة، و انتوا قبليا"
اتسعت عيونهم بدهشةٍ، فيما أضاف هو مُقررًا بنفس الثبات:
قولت اهوه !! قابلين تتقسم علينا احنا الأربعة يبقى خلاص هاخدها، لو واحد فيكم اعترض يبقى يرجعوا زي ما كانوا؛ ميلزمونيش"
اقترب "خالد" منه يقف مجاورًا له و هو يقول بنبرةٍ جامدة هو الأخر:
هو أنتَ اتهطلت ؟؟ فلوس إيه دي اللي ناخد منهم ؟! بإمارة إيه إن شاء الله ؟!"
رد عليه "ياسر" مفسرًا:
بإمارة إن مفيش واحد فينا الدنيا ضحكتله لوحده و لا التاني الدنيا ضربته لوحده، زي ما طول عمرنا كتف واحد يبقى الفلوس دي تخصنا كلنا، يتقسموا علينا و عمار معانا هو كمان، نصيبنا يتحط في البنك لعيالنا، و عمار يفتح صيدلة بعد تخرجه، يمين بالله لو حد اعترض لأخدهم تاني أرجعهم، لو وافقتوا !! همضي حالًا و امضي اخواتي، ها !!"
كست الدهشة ملامح وجوههم جميعًا و كذلك الفتيات فرفع "ياسر" حاجبيه يستفسر منهم عن إجابتهم فيما وقفوا هم بدهشةٍ لم يصدق أيًا منهم ما وقع على سمعهم.
_________________________
في بيت آلـ "الرشيد" كان "وليد" جالسًا بجوار زوجته و "خلود" أمامهما تذاكر دروسها و تأكل من الطعام الذي جلبه "وليد" لهما، و كذلك هو يتناول الطعام أيضًا و يطعم "عبلة" بين الحين و الآخر.
صعد لهم "أحمد" و "سلمى" معًا و جلسوا سويًا فقال "أحمد" بمعاتبةٍ زائفة:
كدا يا ليدو ؟! شاورما من غيرنا ؟! اخس على العشم اللي بيننا ؟!"
قدم له "وليد" الحقيبة البلاستيكية و هو يقول بضجرٍ:
أمسك و مترغيش كتير، فيه معاك اربع سندوتشات كنت جايبهم لعبلة بس نفسها مسدودة باين كلت الـ ٨ التانيين بس"
وكزته "عبلة" في كتفه فتأوه هو صارخًا و قال بألمٍ:
آه....خلاص خلاص كلت ٦ بس، بألف هنا و شفا"
ضحكوا عليهما جميعًا فقالت هي بضجرٍ منه:
ألف هنا و شفا على قلبي و قلب ابني حبيبي، هو اللي مغذيني"
رد عليها "وليد" بضجرٍ:
اخرتها بقت هو اللي مغذيكي ؟! و أنا اتحرق يعني ؟!"
ابتسمت له باستفزازٍ أثار حنقه فسألها هو بنبرةٍ هادئة:
إلا أنتِ بقيتي في الشهر الكام يا شابة ؟؟"
وضعت كفيها على بطنها و هي تقول بحماسٍ:
خلاص اهوه بنشطب في الخامس و داخلين في السادس"
زادت الضحكات أكثر بعد حديثها فقال هو بتهكمٍ:
إيه دا ؟! أنتِ حامل في شيكارة اسمنت ؟! احترمي ابني اللي في بطنك لو سمحتي، بطلوا قلة قيمة بقى"
صعدت "هدير" في تلك اللحظة و معها "مشيرة" و خلفهما "حسن" يحمل صينية كبيرة الحجم يتوسطها أطباقٌ من الحلويات فسألهم "وليد" متعجبًا:
إيه دا أنتوا مروحتوش ؟! غريبة يعني"
ردت عليه "مشيرة" بثباتٍ:
لأ هما هيفضلوا معانا هنا علشان محمود متضايق إنه لوحده، و بعدين ادينا قاعدين سوا أهوه، دوقوا بقى عملتلكم بسبوسة و أم علي كمان، طلبك اهوه يا عبلة"
نظرت لها "عبلة" بتوسلٍ ألا تفضح أمرها فيما تابعت "مشيرة" بمرحٍ دون أن تنتبه لنظرات الأخرى:
عبلة بقالها يومين تطلب مني ام علي، قولت بما أني فاضية النهاردة بقى اعملها ليها علشان تاكلها"
رفع "وليد" حاجبيه مستنكرًا قول عمته و هو يقول بسخريةٍ:
عبلة ؟! قصدك علبة، عمالة تاكل ما شاء الله، أنا خايف و الله يطلع دا كله حمل كاذب و البطن دي من كتر الأكل"
نفخت وجنتيها بضيقٍ منه فيما تدخل "حسن" يقول بسخريةٍ:
أومال هدير مش عاوزة تاكل ليه من أول الحمل ؟! دا أنا و عم محمود بقينا نتحايل عليها تاكل منابها بس"
رد عليه "وليد" يعانده و هو يراقص حاجبيه:
أنا مراتي بتاكل و أنتَ لأ"
تدخلت "خلود" تقول بمرحٍ:
خلاص لو زعلانين كدا أنا هعتبر الحلويات دي بمناسبة نجاحي و تكريمي، مش أنا اتكرمت النهاردة"
قالتها بحماسٍ ثم قامت بعرض الهدايا أمامهم جميعًا حتى قالت "هدير" بفرحةٍ:
اللهم بارك يا خلود، فرحانة بيكي أوي ربنا يبارك فيكي و ييسرلك كل أمر صعب و يناولك ما في بالك يا رب"
اقتربت منها "خلود" تقبل وجنتها ثم طوقت كتفيها من الخلف بذراعيها و هي تميل عليها و قالت بحبٍ:
أنا بحبك أوي يا هدير، كل يوم بقيت بحبك أكتر من اللي قبله، الخمار مخليكي طيبة أوي"
ضحك "حسن" بعدما حاول كتم ضحكته فيما قالت "هدير" بسخريةٍ:
يعني هو الخمار اللي مخليني طيبة ؟! حاضر مش هقلعه طول عمري و ربنا يكرمك بيه إن شاء الله"
ابتسمت لها "خلود" ثم فكرت في الأمر لبرهةٍ عابرة من الزمن، هل حقًا ستأخذ تلك الخطوة ؟!
_________________________
في شقة "عامر" بعد نزول الشباب جلس هو يحمل "عمر" على ذراعيه و هو يربت عليه بذهنٍ شاردٍ في حديث صديقه حتى اقتربت منه "سارة" بعدما أنهت عملها بالمطبخ و كانت تتحدث لكنه لم يصغ لها، فسألته هي بتعجبٍ:
مالك يا عامر ؟! سرحان في إيه"
انتبه لها فأغمض عيناه ثم قال:
سرحان في اللي حصل يا سارة، ياسر دماغه قفل و صمم اننا ناخد من الفلوس و حاطط علاقتنا بيه في كفة و الفلوس في كفة، هي حقه هو مش حقنا احنا بس هو مش فاهم"
ربتت على كفه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
هو عنده وجهة نظر غيركم هو حاسبها انكم اخوات و مش أغراب عنه، و دي حاجة حلوة إنه مقدر علاقتكم بيه، يعني متعتبوش عليه يا عامر"
زفر بقوةٍ ثم قال مستاءًا من الفكرة بأكملها:
أنا خايف، خايف يكون حاطط علاقتنا بيه في نقطة إنه بيرد حق وقفتنا سوا، دي توجعنا أوي"
حركت رأسها نفيًا ثم اضافت مسرعةً:
لأ، بلاش تفكروا كدا، ياسر عاقل و مستحيل يقلل من قيمة اللي بينكم بالطريقة دي، ياسر عاوز الخير ليكم كلكم زيه يا عامر، مش عاوز يكون هو أكتر منكم في الرزق، بلاش تظلم أخوك و تخلي الشيطان يلعب بدماغك"
حرك رأسه موافقًا باستسلامٍ لها ثم نظر في وجه ابنه الذي غفى على ذراعه.
في شقة "خالد" كان الوضع لم يختلف كثيرًا عن شقة "عامر" حيث فكر "خالد" مليًا في عرض أخيه و كالعادة لم يجد بُدًا من التفكير سوى مشاركة "ريهام" التي عاونته بدورها و أرشدته هو الأخر.
في شقة "رياض" وصل "ياسين" و كان والده في انتظارهما عدا والدته التي انشغلت بالقطة و داعبتها بعدما أحبتها و كأنها أبنة لها، أخبرهما "ياسين" بما حدث و قص على والده حديث صديقه فقال "رياض" بهدوء و حكمةٍ:
ياسر حسبها انكم أخوات طول عمركم و مشيتوا الطريق مع بعض، محدش فيكم زعل لوحده و لا حد فرح لوحده، من يوم ما ربنا كرم قلوبكم و جمعها في روابط الأخوة و السكة واحدة بيكم انتم مهما كان الطريق صعب، طبيعي إنه يرفض الخير ليه لوحده، أقبلوا عرضه و أنتم مع بعض ربنا هيكرمكم"
سأله "ياسين" مستنكرًا حديث والده:
أنتَ اللي بتقول كدا يا بابا ؟! أنتَ عارف كل حاجة و الوضع عامل ازاي، اخرتها نقبل فلوس سمير ؟! طب ياسر ابنه، احنا دورنا مين؟!"
رد عليه "رياض" متكئًا على حروف كلماته:
أخــواتــه....انتوا أخوات ياسر، اللي بينكم أخوة و اكتر من كدا، ربنا يخليكم لبعض"
نظر له "ياسين" بإمعانٍ ثم وجه نظراته لزوجته التي حركت رأسها موافقةً بحركةٍ خافتة فزفر هو بعمقٍ ثم سأل والدته بسخريةٍ:
و ماما رأيها إيه ؟! و لا خلاص القطة شغلتك عننا"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
خدوش دي بنتي، غلاوتها من غلاوتك كدا بالظب، أو يمكن أكتر شوية"
ضحك والده و زوجته أيضًا فرفع هو حاجبيه بتعجبٍ حتى كررت والدته جملتها و هي تقول:
علشان متزعلش يعني !! بحبها نفس حبي ليك و أنتَ محترم و متربي، مش عربجي و قليل الأدب"
رمقته بغيظٍ فقال هو بسخريةٍ:
حاضر المرة الجاية لما مراتي يتقدملها عريس هروح أبل الشربات و أجيبك تزغرطيلنا"
تجاهلت حديثه و هي تداعب القطة فضرب هو كفيه ببعضهما حتى قالت "خديجة" بقلة حيلة:
خدوهم يا ياسين و ريحوا نفسكم و ريحوا ياسر معاكم، و بعدها بقى بعد كام سنة رجعوله الفلوس تاني، أكيد الوقت هيكون كتير و الزمن هدا الموضوع"
تدخل "رياض" يقول مؤيدًا لها باستحسانٍ:
برافو عليكي يا حبيبة بابا، كلامك صح و مظبوط، هما دلوقتي يوافقوا و يخلوا الفلوس كلها مع بعضها باسمهم، بعدها بقى يبقوا يتصرفوا طالما مش محتاجينهم دلوقتي"
استسلم "ياسين" لهم بعدما أيدت والدته ذلك الحديث و هو يفكر في الأمر خاصةً بعدما أجبرهم "ياسر" و وضع صداقتهم في مأزقٍ
_________________________
في شقة "ياسر" جلس أمام طفليه يتابع نومهما بجوار بعضهما و الدموع تسيل على وجنتيه حتى دلفت "إيمان" الغرفة و وقفت جواره تضع يدها على كتفه فمسح هو دموعه على الفور حتى وقفت هي مقابلةً له تقول بصوتٍ مختنقٍ:
عيط و ازعل و زعق و أعمل كل اللي نفسك فيه، قول إنك زعلان عليه و إنك موجوع من فراقه بالطريقة دي، صدقني محدش هيلومك، أنا حاسة بيك علشان جربت الاحساس دا لما بابا مات و سابني"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بوجعٍ يبوح لها بما في صدره:
قلبي متكسر ١٠٠ حتة و مش عارف أعمل إيه، لو كان حسبها مرة واحدة صح و كان اختارنا كان زماني شوفته قبل ما يمشي و كان زماني سانده في تعبه، بس هو مسابليش فرصة واحدة بس تخليني أفكر فيه هو، الفلوس اللي جري وراها مشي من غيرها، كان فين قلبه و عقله ساعتها؟! إزاي الاتنين اتفقوا إن أب يكسر شوكة عياله كدا ؟!"
نزلت دموعه و هو بتحدث حتى قالت هي بصوتٍ باكٍ:
صدقني دا اختبار من ربنا ليك، بيختبر قوة صبرك و حمدك، بيشوفك هتركز في النعم اللي عندك و لا هتبص على اللي راح و سابك، أنتَ بقيت أب دلوقتي لاتنين مش واحد !! بقى معاك زين و زينة رزق لوحدهم، احمد ربنا و سامح في اللي فات علشان تقدر تفرح باللي جاي، محدش بيقف عند الماضي يخبط على بابه و يرجع يستغرب دنيته مش ماشية ليه، احمد ربنا يا ياسر على الرزق و على اللي عندك"
حرك رأسه موافقًا ثم مال بجسده على طفليه يقبل قمة رأس كلٍ منهما ثم قال متأسفًا:
أنا أسف، أسف على فرحتي اللي انطفت بيكم، مش بايدي و الله هي دنيتي كدا، بس وعد و الله مخليش حاجة تأثر على حياتي معاكم، هتفضلوا انتوا أحلى حاجة جت في حياتي"
تخصرت "إيمان" بشرٍ تمثيلي حتى ابتسم هو من جانب فمه ثم قال متراجعًا:
بعد إيمان طبعًا علشان هي أول حاجة تخليني أخرج من زعلي"
اقتربت منهم هي ثم قبلت كف صغيرتها و رأس صغيرها ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
أنتَ و هما رزق و أنا محظوظة بيكم، ربنا يبعد عنك الحزن و يبعد عنهم الشر و الأذىٰ"
_________________________
مرت الأيام سريعًا و كأن الدهر لم يتوانى و لو ثوانٍ حتى، كانت الأيام تمر على الجميع متشابهة و كما غيرها حتى مر الكثير و الكثير و أتى اليوم الذي انتظره "وليد" بشغفٍ حيث يوم ميلاد ابنه، ذلك اليوم الذي انتظره الجميع و أولهم "عبلة".
في غرفة المشفى جلست "عبلة" على الفراش تمسك بطنها و هي تبتسم بهدوء بعدما أخبرتها الطبيبة بنوع الجنين و قام بتخبئة الأمر عليه حتى يتفاجأ، دلف لها الغرفة بهدوء ثم اقترب من الفراش يميل عليه مقبلًا قمة رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
عاملة إيه يا سوبيا ؟! جاهزة؟"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له فقال بعدما تنفس بعمقٍ:
مش عاوزك تخافي، هتولدي من غير تعب و لا ألم إن شاء الله، أنا اتأكدت منهم و قالولي إنها عملية ولادة مضمونة، خير إن شاء الله"
بكت هي رغمًا عنها فسألها هو بخوفٍ:
مالك بس ؟! بتعيطي ليه أنا معاكِ و كلهم برة موجودين علشانك أنتِ"
ردت عليه بصوتٍ باكٍ:
خايفة، خايفة أوي و مرعوبة، ادعيلي علشان خاطري، دماغي عمالة تجبلي افكار وحشة أوي"
احتضن وجهها بكفيه ثم حرك كفه مرةً أخرى يكفكف دموعها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
بلاش بالله عليكِ تخلي دماغك تلعب بيكِ، أنتِ كويسة و هتكوني زي الفل إن شاء الله، ربنا يقومك أنتِ و هي بالسلامة إن شاء الله"
عقدت ما بين حاجبيها فقال هو يمازحها:
مش هي هتبقى بنوتة برضه إن شاء الله ؟! صح ؟"
حركت كتفيها بحيرةٍ فقبل هو رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
مش مهم، المهم أنها منك أنتِ، أنا راضي بأي حاجة، بس عاوزك أنتِ معايا"
نزلت دموعها من جديد فاحتضنها هو حتى يُطمئنها و لكن ما قلقه هو تمسكها به بتلك الطريقة التي بثت القلق داخل ثنايا قلبه و فتت أحشائه.
طرقت الممرضة الغرفة فابتعد عنها هو ثم مسح وجهها بكفيه و هو ينظر لها مبتسمًا و قد بادلته البسمة هي الأخرىٰ.
دلفت "عبلة" غرفة العمليات بعدما ودعتهم جميعًا، و خاصةً و هي تقوم بتوصية "خديجة" على "وليد" و مولودها، حينها بكت "خديجة" بخوفٍ عليها لكنها طمأنتها بحديثها.
اقترب "وليد" يجلس بجوار "خديجة" التي انتفخت بطنها بشكلٍ ملحوظ حيث أصبحت في الشهر الرابع في حملها، احتضنته هي فيما جلس "ياسين" بجواره يربت على ظهره فبكى هو بخوفٍ غريبٍ عليه و لو كان الأمر بيده لكان دلف لها غرفة العمليات و شاركها تلك اللحظة بدلًا من القلق الذي يأكله في الخارج.
استمرت الولادة في الداخل دون أن يدري من هم بالخارج شيئًا عما يصير في غرفة العمليات و بعد حوالي ساعة تقريبًا بعد مرور الكثير من القلق خرج الطبيب أخيرًا فركض له الجميع و أولهم كان "وليد" الذي كان متابعًا للغرفة بعينيه، فقال الطبيب بهدوء:
الحمد لله جابت ولدين توأم، ألف مبروك، ربنا يبارك فيهم"
ظهرت تعابير الفرحة على أوجه الجميع و الأصوات المهللة عدا "طارق" الذي تأكل قلبه على شقيقته و "سلمى" أيضًا فيما
سأله "وليد" بلهفةٍ دون أن يشعر بنفسه او بحديث الطبيب:
طب هي، هي عاملة إيه ؟! فاقت ؟!"
رد عليه الطبيب بأسفٍ:
إحنا بنحاول و الله، دعواتك ليها إن شاء الله تقوم بالسلامة، للأسف الولادة كانت صعبة أوي، ادعولها"
تاه "وليد" منهم و زاغ بصره بعد حديث الطبيب و كأنه ضُربَ بسوطٌ على جلده العاري في ليالي الشتاء و نظر لـ "خديجة" يسألها بنظراته حتى اقتربت منه تحتضنه و هي تبكي، فبكى هو أيضًا و هو يتمنى أن حديث الطبيب يكون من وحي خياله و أن لا يذوق ألم فقدانها.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع والثمانون 87 - بقلم شمس بكري
الفصل الثامن و الثمانون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_________________________
كم قاسي الكتمان في حين أن كل ما بداخلك يود الصراخ"
_________________________
هل ظننتُ أن هذه الحياة ستتوقف عن تلقينك الدروس على هيئة صفعاتٍ موجعة؟ هل ظننتُ أن كل ما لديها من جديدٍ انتهىٰ؟ فلازالت تملك من الدروس المزيد و كل درسٍ يترك أثرًا لا يزول من القلب حتىٰ و إن زالت الحياةِ نفسها.
لم يصدق "وليد" ما وقع على سمعه و ارتمى في حضن "خديجة" مثل الطفل الصغير الذي يبحث عن ملجأه وسط خوفٍ من قبيلةٍ بأكملها، صدمة لم يتحملها عقله و قلبه و أثرت على كيانه، فيما نظر "طارق" لـ "سلمى" التي ارتمت عليه تبكي بقوةٍ و هي تتذكر حديث شقيقتها معهما بالأمس.
دلف الطبيب لها من جديد فيما وقفوا جميعهم بالخارج ينتاب القلق قلوبهم و يغلف الخوف نظراتهم و أكثرهم تأثرًا كانت "هدير" نظرًا لمكانة الأخرى لديها، فارتمت على "حسن" تبكي بخوفٍ فرفع كفه يربت عليها و هو يحاول طمئنتها لكن خوفها تغلب عليها و خاصةً بعد حديث الطبيب و نظراته المتأسفة.
كان "وليد" بين ذراعي "خديجة" و هي تربت عليه و "ياسين" أيضًا يُطمئنه حتى خرجت له الممرضتين بعد مرور ساعتين أخرتين تحمل كلٍ منهما طفلًا على ذراعيها، حينها وقف "وليد" أمامهما فمدت الأولى يدها له و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
اتفضل ابنك الأول"
أخذه من يدها بكفين مرتجفين و حمل "مرتضى" الأخر على يده و هو يبتسم بتأثرٍ، فسألها "وليد" بخوفٍ و صوتٍ مختنقٍ:
طب هي ؟! عبلة عاملة إيه طيب ؟! كويسة صح ؟!"
ابتسمت له تطمئنه و هي تقول:
الحمد لله، سيطرنا على الوضع، هتخرج قريب إن شاء الله من العمليات"
تنهد هو براحةٍ، فاقترب "طارق" يسألها بلهفةٍ:
بجد ؟؟ يعني هي هتبقى كويسة طيب ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم تحركت من أمامه، فأعطىٰ "وليد" ابنه لـ "طارق" و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
أنا مش هسيبها يا طارق، أمسك"
أخذ "طارق" منه الصغير فيما ابتعد "وليد" عنهم يطلب من "ياسر" بتيهٍ:
أنا عاوز أدخلها يا ياسر، ينفع ؟"
رد عليه "ياسر" بثباتٍ مقدرًا حالته و ما يشعر به:
مش هينفع يا وليد، دي أوضة عمليات و مش اي حد يدخلها، اتطمن طالما الممرضة طمنتك يبقى خير إن شاء الله"
ابتلع "وليد" غصة في حلقه ثم نكس رأسه للأسفل فاقترب منه "عامر" يربت على ظهره و هو يقول مؤازرًا له:
متخافش والله دا اختبار من ربنا ليك، ادعي و إن شاء الله تخرجلك بالسلامة زي ما ولادك خرجولك"
رفع رأسه للأعلى يقول بقلبٍ موجوعٍ:
يـــا رب !! خرجهالي بالسلامة"
اقترب منه "وئام" يقول بنبرةٍ هادئة يحاول إزالة خوفه:
هتخرج إن شاء الله، صدقني ربك كريم و رحيم بعباده و أنا جربت احساسك دا من سنة و أكتر لما هدى كانت مكانها، ربنا يطمن قلبك عليها زي ما طمنك على ولادك، تعالى شوفهم"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بنبرةٍ متحشرجة:
مش هشوفهم و لا اسميهم غير و هي معايا، دا كان اتفاقنا سوا، إننا نشوفه سوا و نسميه مع بعض و لحد ما هي تخرج أنا مش هعمل أي حاجة"
ربت "خالد" على كتفه ثم قال بتأكيدٍ لحديث أخيه:
صدقني !! هتخرج و هتشوفوهم سوا، أنا مقدر اللي أنتَ فيه، اتطمن و متقلقش"
حرك رأسه بحركةٍ خافتة بالكاد تُرى بالعين ثم حرك رأسه للخلف ينظر لـ "طارق" الذي أمسك الصغير على يده و هو يحاول الثبات أمامهم جميعًا و "سلمى" التي كانت تبكي بخوفٍ و "أحمد" بجوارها يربت على كتفها، حينها تحرك "وليد" يجلس على ركبتيه أمام "طارق" يسأله بخوفٍ:
هي...هي عبلة لما طلبتك أنتَ و سلمى امبارح كانت عاوزاكم ليه ؟! قالتلك حاجة أنا معرفهاش ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم اخفضها من جديد يتابع الصغير على يده، فاقترب منه "محمد" يربت على ظهره و هو يقول:
قلبي بيقولي أنها هتخرج إن شاء الله، صدقني يابني، عبلة هتبقى زي الفل و أنتَ بنفسك هتتأكد من كدا لما تخرجلك، قلبي مش هيكدب عليا في حب بنتي"
سأل "وليد" الأخر بنبرةٍ جامدة:
هي قالتلك إيه يا طارق ؟!"
نظر له "طارق" ثم بدأ القول بحديثها معهما في الأمس حينما طلبتهما لغرفتهما
(بالأمس قبيل منتصف الليل)
كانت تجلس على الفراش تحتضن بطنها بكفيها حتى دلف لها "طارق" و "سلمى" خلفه، فابتسمت هي لهما ثم أشارت لهما حتى يجلسان بجوارها، جلسا سويًا فتنفست بعمقٍ تُهديء من توترها ثم قالت:
أنا جايباكم علشان أوصيكم لو حصلي حاجة وليد و عيالي أمانة في رقبتكم، الدكتورة قالتلي انهم توأم إن شاء الله، وليد طيب و حنين أوي و عمره ما زعلني و حتى لو حصل فدا حصل من غير قصده، عاوزاك تكون معاه يا طارق، مش عاوزاك تسيبه"
لمعت العبرات في عينيه تأثرًا بحديثها ثم سألها بلهفةٍ:
أنتِ بتقولي إيه يا عبلة ؟! إن شاء الله هتخرجي و تبقي زي الفل كمان، مين قالك إنك مش هتخرجي ؟! ليه تفكري كدا ؟!"
حركت كتفيها ثم قالت ببساطةٍ و نبرةٍ يخالطها البكاء:
يمكن علشان أنا حاسة بكدا ؟! قلبي بيقولي اني هتعب أوي و ممكن مخرجش منها، يا رب تبقى أوهام مش أكتر"
اقتربت منها "سلمى" تحتضنها و هي تقول بسرعةٍ:
أوهام إن شاء الله، كل دا هيبقى أوهام و هتخرجي زي الفل إن شاء الله، و هتفرحي بيهم كمان، بطلي خوف بقى و ادعي ربنا يخيب ظنونك دي"
بكت "عبلة" بين ذراعيها و هي تقول بنبرةٍ باكية:
أنا خايفة أوي يا سلمى، أول مرة أخاف كدا، علشان خاطري خلوا بالكم منهم لحد ما أخرجلكم، و وليد طمنوه علشان بيخاف أوي و علطول بيعمل نفسه جامد"
اقترب منها "طارق" يخطفها بين ذراعيه ثم ربت على ظهرها و قبل قمة رأسها ثم تحدث بثباتٍ يتنافى مع خوفه:
كل الكلام دا فاضي و ملوش أي لازمة، مش دي عبلة اللي أنا ربيتها على أيدي، عبلة متبقاش خايفة كدا، إن شاء الله هتخرجي لينا بالسلامة أنتِ و عيالك كمان"
تشبثت في ثيابه و "سلمى" تربت على رأسها؛ أما "طارق" فشرد أمامه و هو يفكر في طريقتها و خوفها و الذي للأسف أضرم النيران في صدره.
قص "طارق" حديثها على "وليد" فيما زاغ بصر "وليد" في الفراغ و هو يتذكر عناقها له و حديثها مع "خديجة"، خرجت الطبيبة من غرفة العمليات تطلب قدوم زوجها، فركض لها "وليد" مسرعًا بلهفةٍ، حينها طلبت منه الحديث على انفرادٍ فوافق على الفور و دلف معها الغرفة و البقية خلفه ينظرون في أثره بخوفٍ و خصيصًا والدتها التي ارتمت على "مشيرة" تبكي بقوةٍ و "خديجة" بجوارها تربت عليها.
في الداخل وقف أمام الطبيبة بتوترٍ فقالت هي بثباتٍ يتناسب مع طبيعة عملها التي تتطلب منها الرسمية:
أنا طلبت حضرتك علشان ابلغك الكلام دا ضروري جدًا، مدام عبلة الرحم عندها كان ضعيف و للأسف حصل أضرار كتيرة أثناء الولادة كانت هتسبب إننا نشيل الرحم بس دكتور زاهر جراح كبير و متخصص في الحالات دي و سيطر على الوضع كويس، الخلفة تاني هتبقى صعبة شوية غير لما تتعالج تمامًا، بعد ما تفوق من الولادة و تأثيرها يفضل إنها تتابع مع دكتورة نسا علشان تعالج الأضرار اللي عندها، أنا متأسفة بس كان لازم أعرف حضرتك بما إنك جوزها"
تنهد هو بعمقٍ ثم سألها بجمودٍ:
عبلة كويسة ؟! دا اللي يهمني أنا، إنها تكون بخير و مش فارق معايا أي حاجة تاني، لو على الخلفة الحمد لله ربنا رزقنا بتوأم فضل و نعمة، المهم هي تخرجلي بالسلامة و أنا مش طالب حاجة تاني غيرها"
ابتسمت له تطمئنه ثم قالت بهدوء:
هي هتبقى كويسة إن شاء الله، لحد أخر لحظة كنا هنشيل الرحم خالص، بس الحمد لله ربنا كتبلها عمر جديد و فرصة تانية تعيش بيها، اتطمن و كلها ساعات و هتخرج و تبقى زي الفل"
خرج هو من غرفة الطبيبة يقف أمام غرفة العمليات ثم أغمض عيناهُ و ضرب رأسه في الباب و كل ما يجول برأسه أنه منذ لحظات كان على وشك فقدانها للأبد لولا كرم الله عليه أعطاها فرصة أخرى لتعيش معه و كأن حياته تفننت في اعطائه الدروس بمنتهى القسوة دون أن ترأف به لو لبرهةٍ عابرة !!"
اقتربت "خديجة" منه تقف بجواره و هي تربت على كتفه فحرك رأسه لها حتى قالت هي بنبرةٍ هادئة:
اتطمن و وكل أمرك و أمرها لله، فاكر قولتلك إيه ؟! لما تحب حاجة و تخاف عليها قول استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه، و أنتَ من امبارح مسلمها لله في رعايته، تفتكر بقى ربنا هيبخل على قلبك برعايته و حفظه ليها ؟!"
حرك رأسه نفيًا و كأنه طفلٌ يستمع لحديث والدته فأضافت هي تؤكد حديثها:
طيب !! يبقى بطل خوف من حاجة بيد ربنا سبحانه و تعالى و احنا كل اللي علينا بس اننا نطلب منه اللطف بينا و بحالنا"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ متحشرجة:
شكرًا علشان أنتِ موجودة"
ربتت على كتفه ثم قالت هي بتمني:
إن شاء الله تخرجلك بالسلامة و تبقى أحسن من الأول كمان، ربنا يجمعكم سوا و ما يفرقش بينكم"
_________________________
تم أخذ الصِغار في الحضانة لتوفير الرعاية لهما لحين موعد خروج والدتهما، و كان معهما "ياسر" و "ياسين" أيضًا الذي قرر البقاء بجوارهما و كأنه يرعاهما منذ صغرهما، و بعض أفراد العائلة في الخارج يقفون أمام الحضانة و البقية في الأعلى أمام غرفة العمليات.
في الأعلى خرجت "عبلة" اخيرًا من العمليات و تم وضعها في غرفة عادية تخلو من الجميع عداها هي و "وليد" فقط الذي قرر المكوث بجوارها رغمًا عن الجميع حتى سمحت له المشفى بذلك بعد تعقيمه و تأهيله لذلك.
كانت هي على الفراش ساكنة الحِراك تمامًا لم تدري بما حولها، بل كانت مُغيبةً تمامًا في حين سحب هو المقعد يجلس بجوار الفراش ثم أمعن النظر في وجهها و هو يبتسم بخفةٍ، اختلطت بسمته بالوجع و الألم حتى تنفس بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ متحشرجة:
و الله ما كنت أعرف إنك هتتعبي كدا، حقك عليا المرة دي، بس هما قالولي إنك هتكوني بخير و العملية مضمونة، قومي علشان نشوفهم سوا، قومي علشان مش عارف أفرح بيهم من غيرك أنتِ، عملتي فيا مقلب محترم و جبتيلي ولدين حتة واحدة ؟! بس مش مهم، كفاية إنك أمهم و إنك معايا نربيهم و نكبرهم، عارفة ؟! خيالي عمره ما وصل بيا لمرحلة أني أبقى أب، معاكِ أنتِ كل دا اتحقق و حصل، قومي عبلة علشان مقصر معاهم و مش عاوز أخلف وعدي و أشوفهم من غيرك، قومي يا سوبيا !!"
قالها بصوتٍ مختنقٍ و في تلك اللحظة ظهر ضعفه و قلة حيلته فألقى رأسه على الفراش كفه موضوعٌ على كفها الحر حتى شعر بها تتململ في نومتها و تنازع بألمٍ فانتفض هو على الفور يتابعها حتى بدأت بفك حصار عينيها و هي تطلب بنبرةٍ واهنة و كأنها لم تتحدث من الأساس:
مياه.....عاوزة أشرب"
انتفض هو من مكانه يركض للخارج و هو يطلب الطبيب بلهفةٍ و خوفٍ حتى ركضت له الطبيبة إثر صراخه و تهليله و خلفها الممرضة، تعاملت معها الطبيبة و تابعت المحلول الطبي، و قد بدأت "عبلة" في الافاقة على الرغم من تشوش الرؤية لديها و تيه وضعها، لكنها تحاملت على نفسها تاركةً التفكير في الألم حتى ابتسمت لها الطبيبة و هي تستفسر منها عن وضعها فأجابتها "عبلة" ببداية إداركٍ بدأ يتوغل لعقلها، و "وليد" يتابعها بعينيه حتى ابتسمت له الطبيبة ثم طمئنته و طمئنت الجميع بالخارج فركضت لها والدتها و "سلمى" أيضًا و كلٍ منهما بلهفةٍ نحوها حتى بكت "سهير" و هي تحتضن ابنتها و كذلك "سلمى" فوقف "وليد" متابعًا لهما من على بُعدٍ بعدما سمحت لهم الطبيبة بالدخول لها لكن فُرادةٍ أو بتقسيمةٍ حتى لا يتسببون لها في إزعاجٍ، أخر من دلف لها كان "طارق" و معه "جميلة"
اقترب منها شقيقها يقبل رأسها ثم قال بمرحٍ بعدما صبغ حديثه به حتى يمازحها:
شوفتي بقى إنك خوفتي على الفاضي ؟! أهو فوقتي و بقيتي زي الفل كمان، بتخضينا ليه بس"
ابتسمت له بقلة حيلة ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
أعمل إيه ؟! كنت حاسة أني هتعب و أطول و أهو قعدت يوم كامل، بس هما فين يا طارق ؟! عاوزة أشوفهم"
حرك رأسه موافقًا لها فيما قالت "جميلة" بحماسٍ:
دول اللهم بارك قمرين، ربنا يحفظهم و يبارك فيهم يا رب"
ابتسمت لها "عبلة" و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
طب شدي حيلك بقى و هاتيلهم عروستين علشان ميضوعوش منكم، عملالكم خصم علشان عيون طارق"
ابتسم "وليد" رغمًا عنه و كذلك هما ثم رحلا من الغرفة أخيرًا و فرغت عليهما فاقترب منها هو يجلس على طرف الفراش مقابلًا لها و عينيه تتابع قسمات وجهها بشغفٍ حتى احتضنته و هي تقول بفرحةٍ:
أنا كنت حاسة أني مش هخرج و الله، هما عاملين إيه ؟! شوفتهم؟!"
رفع ذراعيه يحتضنها و هو يمسد على ظهرها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
لسه، مشوفتهمش أنا وعدتك مشوفهمش من غيرك، و لا حتى سميتهم، مقدرتش افرح فرحة زي دي من غيرك و الله"
ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة فيما ابتعد عنها ثم قال بألمٍ:
و الله ماكنتش أعرف إن الولادة صعبة كدا، هما طمنوني عليكِ و قالولي إنها ولادة سهلة"
ردت عليه هي مسرعةً:
دا نصيب يا وليد، كل حاجة بإذنه و إرادته هو مش بايدينا احنا، الحمد لله فوقت اهوه و أكيد هبقى كويسة"
ابتسم هو لها ثم قبل رأسها و وقف بعدما ابتعد عنها فسألته هي بتعجبٍ:
رايح فين ؟!"
رد عليها بوجهٍ مُبتسمٍ:
هكلم ياسر علشان يطلعهم لكِ"
بعد مرور دقائق صعد "ياسين" و معه "ياسر" و كلٍ منهما يحمل طفلًا على ذراعيه حتى دلفا معًا لغرفة "عبلة" التي ابتسمت بفرحةٍ متناسية كل آلامها و اوجاع جسدها، فاقترب منها "ياسر" يعطيه لها و كذلك "ياسين" أعطاه لـ "وليد" ثم قال بنبرةٍ هادئة:
يتربوا في عزك إن شاء الله، ربنا يحفظهم هما و والدتهم ليك و ميوجعش قلبك عليهم"
رد عليه "وليد" بلهفةٍ:
يا رب يا ياسين، ادعيلي"
ربت "ياسين" على كتفه ثم اقترب من "ياسر" حتى يخرجا من الغرفة فأوقفهما "وليد" بقوله مستفسرًا:
دكتور ياسر ؟! اعذرني معلش بما إنك خبرة، بتتعامل ازاي مع التوأم ؟!"
ابتسم له "ياسر" و هو يقول بثباتٍ:
اللي يعيط بالقلم علطول"
ظهر الاستنكار على ملامح وجوه البقية فأضاف هو مفسرًا بقلة حيلة:
بالقلم على وشك علشان اللي أنتَ عملته في نفسك، لنا الله يا بني"
رد عليه "ياسين" بسخريةٍ:
الواد لسه بيقول يا هادي يا ياسر، قولتلك هاتلي زين اربيه أنا أنتَ مش راضي"
رد عليه "ياسر" بغيظٍ:
شوف قلة الأصل ؟! عاوز ياخد زين و يسيبلي زينة، علشان مبتطلش عياط"
ابتسم له "ياسين" باستفزازٍ ثم حرك رأسه موافقًا ثم خرج هو أولًا و خلفه "ياسر".
نظرت "عبلة" في وجه صغيرها فترقرت الدموع في عينيها تأثرًا بذلك الشعور الذي اجتاحها و لمس قلبها، فيما ابتسم "وليد" براحةٍ و هو يرى صغيره على يده، حينها جلس أمامها على الفراش كلٍ منهما يحمل طفلًا على يده، فقال "وليد" بنبرةٍ متحشرجة:
الحمد لله اننا حسينا الاحساس دا سوا و فرحنا بيهم مع بعض، حلوين أوي يا عبلة"
حركت رأسها موافقةً و هي تذرف الدموع ثم احتضنت ما تحمله في يدها فاقترب منها "وليد" يقبل قمة رأسها ثم أعطاها الأخر و حمل هو ما كانت تحمله فسألته هي بصوتٍ خافتٍ:
هنسميهم إيه ؟! من ساعة ما عرفت انهم ولدين توأم و أنا عمالة افكر، هنعمل أيه ؟!"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بوجهٍ مُبتسمٍ:
مازن و زياد، إيه رأيك ؟!"
ابتسمت هي باتساعٍ ثم سألته باستنكارٍ:
أنتَ لسه فاكر لما قولتلك المفروض يبقى اسمك زياد علشان كلهم أشقيا ؟!"
حرك رأسه موافقًا فابتسمت هي ثم قالت بهدوء:
حلوين مازن و زياد، أنا بحب اسم مازن أوي"
احضتنها أسفل ذراعه و هو يقول براحةٍ كبرى:
أنا بحبك و بحبهم و دلوقتي بس ارتاحت و شميت نَفسي"
وضعت رأسها على كتفه فيما وقف هو يوزع نظراته على الثلاثة و هي معهما مُجزمًا بأنه أصبح مُمتلكًا للدنيا و ما فيها.
_________________________
في الخارج وقفت "هدير" بجوار "حسن" بعدما اطمئنت على "عبلة" فمال هو عليها يقول بنبرةٍ هامسة:
مش يلا نمشي احنا بقى علشان ميعاد الاستشارة ؟! أنتِ تعبتي من الوقفة النهاردة و كفاية تعب الأعصاب دا عليكِ"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بنفس النبرة التي يحدثها بها:
طب هعرف بابا و عمو مرتضى و نمشي احنا، عبلة خلاص بقت كويسة و أنا كدا ارتحت"
حرك رأسه موافقًا فاقتربت هي من عمها و هو معها فقالت هي بنبرةٍ هادئة:
معلش يا بابا، معلش يا عمو مرتضى همشي بقى علشان عندي ميعاد كشف النهاردة و اتأخرت عليه، بس هروح على البيت عندكم"
رد عليها "محمود" بتفهمٍ فيما قال "مرتضى" يمازح "حسن" بقوله:
شد حيلك بقى يا حسن، عاوز أفرح بأحفادي كلهم مفاضلش غيرك أنتَ"
رد عليه "حسن" بضجرٍ:
أعمل إيه تاني يعني ؟! ماهي حامل قدامكم أهيه، انفخ في وشها أولدها يعني ؟!"
ابتسموا له فيما قال "مرتضى" بتهكمٍ:
اهوه أنتَ مش فالح غير في الكلام و بس !! ياباي منك عيل"
وضع "حسن" كفيه على بعضهما و هو يقول بقلة حيلة:
حاضر يا عم مرتضى !! أنتَ تؤمر، حاجة تاني ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
آه....عم مرتضى دي مسمعهاش منك تاني !! حفيدي اللي جاي يقول عليا إيه لما يلاقي أبوه بيقولي يا عم ؟! اسمي بابا مرتضى، لو مضايقاك يبقى بابا ميمو"
ضحك "محمود" و "هدير" و "وئام" أيضًا الذي وقف على مقربةٍ منهم فابتسم "حسن" رغمًا عنه ثم قبل رأسه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
طول عمرك أبويا و فوق راسي يا حج مرتضى، عيني هقولك يا بابا....سلام يا بابا "
ابتسم له "مرتضى" ثم ربت على كتفه و قال بنبرةٍ هادئة:
روح ربنا يكرمك و يجبر بخاطرك، خلي بالك من مراتك و حفيدي، عقبال طارق علشان ابقى اطمنت عليكم انتوا الأربعة كدا"
انسحب "حسن" بزوجته من أمامهم فقال "محمود" لشقيقه:
ربنا يكرمك على حبك لحسن يا مرتضى، الواد وشه نور بعد كلامك معاه"
ابتسم له "مرتضى" بتأثرٍ ثم قال بقلة حيلة مفسرًا حديثه:
حسن طيب و الدنيا كسراه، طول عمره حاسس إنه أقل من الكل، بس و الله مش ببالغ بحبه نفس حبي لعيالي، يوم ولادة هدير إن شاء الله كلنا هنيجي هنا علشان حسن و علشان يعرف إنه عنده عيلة يتسند عليها، ربنا يكفيك شر اليُتم و الاحساس بالكسرة"
ربت "محمود" على كتفه ثم قال بنبرةٍ أقرب للبكاء:
حسيت بيه يا مرتضى، للأسف حسيت بيه و قدرت حسن و حطيته فوق راسي بعد اللي حصل و خصوصًا تقديره لبنتي"
على مقربةٍ منهم كانت "خديجة" تجلس مع "طـه" يعتني بها خاصةً بعد ابتعاد "ياسين" عنها منشغلًا مع أخوته، فسألها "طـه" باهتمامٍ:
طمنيني اخبارك ايه ؟! تعبانة؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت بوجهٍ مُبتسمٍ:
لا الحمد لله، كنت حاسة بس بشوية تعب علشان عبلة و قلقانة عليها، بس لما شوفتها و اطمنت خلاص كدا ارتحت، الله يعين ياسين بليل بقى هطلع عينه"
ابتسم لها "طـه" ثم سحبها داخل عناقه يربت عليها حتى قالت هي بفرحةٍ:
أنا بحب حضنك أوي، بس بلاش دلوقتي علشان لو نمت هتبقى فضيحة"
ابتسم "طـه" ثم ابعدها عنه و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
لأ و على إيه ؟! خليكِ صاحية مين هيشيلك ؟! خليكِ معايا قبل ما ياسين ياخدك و يمشي"
ابتسمت هي له فسألها هو باهتمامٍ:
صحيح عاملة إيه في الجمعية و تنفيذ فكرتك ؟! ماشية كويس ؟!"
ظهر الحماس في نظراتها و هي تقول بلهفةٍ تُجيب على سؤاله:
في الدار بقت كويسة جدًا و الأطفال مستواهم اتحسن كتير و ظهر دا في كل تصرفاتهم مع اللي حواليهم، برة الدار بقى مش عارفة بس وليد قالي إنها ماشية كويس و ياسين قالي إنه بقى بينشر الفكرة كتير و ساعدني و عرفني على ناس ليهم علاقة بالموضوع دا و قالي أنهم هيفيدوني، لسه مش عارفة، تفتكر هنجح ؟؟"
سألته بترددٍ و ترقبٍ خوفًا من إجابته فقال هو مسرعًا:
طبعًا هتنجحي و هتشوفي كمان نجاحك هتبقى فكرته عاملة إزاي، أنا و كل اللي يعرفوكي واثقين فيكِ، أوعي تخافي أو تيأسي"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له فاحتضنها هو مُربتًا على ظهرها يتنعم بكل ثانية تسمح له بالقرب منها ليصنع بها حياة جديدة تُزيل عبء الماضي المُر الذي تجرعت هي منه بما يكفي.
_________________________
في عيادة الطبيبة النسائية أتى دور "هدير" في الكشف فدلفت مع "حسن" ثم جلست على المقعد أمام الطبية التي سألتها بنبرةٍ ضاحكة:
متأكدة إنك حامل ؟! بطنك صغيرة خالص على أواخر الشهر الخامس، فين بطنك !"
حركت "هدير" كتفيها بحيرةٍ و هي تبتسم لها فاشارت لها الطبية حتى تذهب لفراش الكشف، فمددت عليه "هدير" جسدها و فارقت ما بين قدميها حتى تستطيع الطبيبة مباشرة الكشف.
وضعت الطبيبة جهاز السونار على بطنها و "حسن" بجوارها لم يفهم شيئًا، فقط وقف يتابع بتشوشٍ و الطبيبة تشير على الجنين في بطن والدته حتى قالت بنبرةٍ ضاحكة:
ما شاء الله اللهم بارك، تحبوا تعرفوا نوعه ؟! و لا عادي ؟!"
نظرا لبعضهما و هما يبتسمان فقالت الطبية مسرعةً:
إيه رأيكم تسمعوا نبضات قلبه؟"
زاد الحماس أكثر فقامت الطبيبة برفع صوت الجهاز حتى يصلهما صوت نبضات قلب طفلهما، فأغرورقت في الحال عيني "هدير" و هي تشعر بضربات قلبه و كأنها تنبض مع قلبها إذا توقف أحدهما وقف معه الأخر فيما ابتسم "حسن" و هو يقول بهيامٍ بعدما استشعر نبضات قلبه:
قلبي بيقولي أنه ولد !! حاسس بنبضاته كدا، هو ....هو ولد صح"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
ولد آه، ربنا يحفظه و ييجي بألف خير و سلامة يا رب"
ابتسمت "هدير" بسعادةٍ و دخلت في عالم الأحلام حتى قالت الطبيبة بنبرةٍ ودودة:
إن شاء الله الفيتامينات زي ما هي تمشي عليها و برضه تخلي بالك من الأكل و العصير"
اومأت لها "هدير" فيما سألها "حسن" عن التعليمات و كيفية التعامل معها بكل آذانٍ صاغية و بعدها خرجا سويًا من العيادة و ركبا السيارة فقالت هي بنبرة ضاحكة:
كدا اتأكدنا إنه علي رسمي، مبروك يا أبو علي، ربنا يكرمك و يجيلك بالسلامة"
ابتسم لها و هو يقول بفرحةٍ:
ربنا يقوملي أم علي نفسها بالسلامة، ربنا يكرمك و أشوفك أحسن أم في الدنيا كلها"
ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة ثم ألقت رأسها على كتفه و هي تتمسك بذراعيه حتى أوقف هو السيارة بعد مدة من القيادة أمام أحد المحال التجارية الخاصة ببيع منتجات الأطفال، عقدت ما بين حاجبيها و لازالت هناك بسمة تهدد بالظهور على طرف شفتيها، فقال هو مفسرًا:
بما اننا اتأكدنا إنه علي خلاص، يلا بينا علشان نجيبله حاجته، مكتوبلي انقيها أنا برضه زي ما بنقي لأمه"
ابتسمت هي ثم خرجت من السيارة بعدما تممت على حجابها فأمسك هو كفها ثم دلف بها المكان و هي معه بفرحةٍ كبرى بمجرد وقوع بصرهما على منتجات الأطفال بكامل أنواعها.
________________________
رحلوا جميعًا من المشفى و معهم "عبلة" أيضًا بعدما أصرت على ذلك نظرًا لكرهها للمشافي بأنواعها و عدم شعورها بالراحة بها، عادت لبيت والدها مع زوجها و أبنائها بعدما تم اخبار الجميع عن اساميهما و قد نالت الاسماء استحسان الجميع.
جلست "عبلة" في غرفتها و معها نساء العائلة كلٍ منهن تحاول معها حتى تقوم بارضاع صغيرها، و كم كان الأمر شاقًا في بدايته حتى نجحت أخيرًا و قامت بارضاعهما من تلك الهبة التي أنعم الله عليها بها و هي لبن الأمومة التي تربط بين قلب المرء و أمه، كانت "عبلة" تشعر بفرحةٍ غريبة و هي تحتضن صغارها لم تتخيل أن يمن الله عليها بتلك الهبة الثمينة.
خرجت النساء تباعًا من الغرفة بعد اطمئنانهن عليها و تناولها الطعام؛ فدلف "وليد" أخيرًا الغرفة يطمئن عليهم، حتى وجد الصغيرين في الفراشين المصنوعين من الخشب لعمرهما و هي تنام على الفراش من فرط التعب.
تنهد هو بعمقٍ ثم جلب مقعدًا خشبيًا يجلس عليه أمامهم و في يده المصحف الشريف فتحه ثم قام ببدء التلاوة بقلبٍ وجلٍ خاشعٍ بعدما استشعر نعم الله عليه في وجود أغلى ما ملكه ذات يومٍ أمام عينيه بكل خيرٍ.
_________________________
في شقة "ياسين" بعد منتصف الليل كانت "خديجة" تشعر بعدم الراحة و ثمة بعض الروائح الكريهة تنوه عن نفسها، كانت هي تجلس على الفراش و هو ممدًا بجوارها لم يشعر بشيئًا من فرط التعب و المجهود الذي بذله في المشفى في تقديم المعاونة للجميع و عرض خدماته.
وكزته في كتفه حتى ينتبه لها، فتململ هو في الفراش ثم فتح عينيه بقدر ما سمح له الضوء، فقالت هي بضجرٍ:
أنتَ نايم و سايبني ليه ؟!"
رفع جسده على الوسادة خلفه و هو يقول بسخريةٍ:
تربية ناقصة بقى نقول إيه ؟!"
زفرت هي في وجهه ففرك هو وجهه بكفيه معًا فسألته هي بنبرةٍ أقرب للبكاء:
ياسين أنا مخنوقة !! عاوزة أصرخ و مش عارفة، و عاوزة أعيط و برضه مش عاوزة، أعمل إيه ؟!"
ربت على كتفها و هو يقول بإيجازٍ:
نامي يا ست الكل"
رمقته بغيظٍ فقال هو بقلة حيلة:
أنا بيدي إيه أعمله و معملتوش طيب ؟! مش أنتِ اللي قولتيلي إنك عاوزة تروحي شقتك ؟! جيبتك هنا، عاوزة إيه تاني ؟!"
حركت كتفيها بحيرةٍ فتنهد هو بعمقٍ ثم سألها:
طب تاكلي ؟! أقوم احضرلك حاجة تاكليها ؟!"
ردت عليه بتقززٍ:
لأ قرفانة من الأكل و الأوضة ريحتها وحشة اوي"
رفع طرف أنفه يستنشق هواء الغرفة ثم وجه بصره نحو جهاز المُعطر الذي يعمل دون هوادة، فقال هو بتلقائيةٍ:
الأوضة زي الفل و ممسوحة كمان و ريحتها فل"
أجابته هي بتلقائيةٍ:
ماهو الفل دا اللي مقرفني، ريحته مش حلوة، قلبت معدتي"
مسح وجهه بكفيه مرةً أخرى ثم أقترب من الجهاز يغلقه و هو يقول بنفاذ صبرٍ:
حلو كدا ؟! كتمتلك أمه خالص"
تجاهلته هي ثم فتحت الهاتف تتفحصه ثم قالت بحماسٍ:
الحق !! حد بيشوي درة ؟! فين دا بسرعة ؟!"
حرك كتفيه بتعجبٍ فقالت هي بحماسٍ:
بالله عليك شوف مين بيعمل درة !! ريحته ضربت في دماغي، هو فين ؟!"
رد عليها ببساطةٍ:
و الله العظيم معرفش !! أكيد محدش هيشوي درة في عمارة الساعة ١ بليل !! دا هطل"
_"أو وحم !! أنا بتوحم على درة"
قالتها هي بسرعةٍ كبرى بعد حديثه فلوىٰ هو شفتيه بتهكمٍ و ظهر الاحباط على ملامح وجهها و هي تفكر في كيفية الحصول على مبتغاها في ذلك التوقيت !! فقال هو مسرعًا:
بقولك إيه ؟! مش أنتِ زهقانة ؟! تعالي أمشيكِ و أجيبلك درة !! إيه رأيك ؟!"
انتفضت هي من موضعها فقال هو من جديد:
بسرعة قرري !! هتيجي ؟!"
اقتربت منه هي تقبل وجنته ثم صفقت بكفيها و رحلت من أمامه بطريقةٍ أثارت ضحكاته حتى قال بسخريةٍ:
الكتكوتة عسل و هي حامل"
بعد مرور بعض الدقائق ارتدت هي ثيابها ثم جلست على المقعد تحاول ارتداء الحذاء حتى نجحت أخيرًا في ذلك فصفقت بكفيها معًا لنفسها و هو يحاول كتم ضحكاته.
اقترب منها يقف مقابلًا لها فتلاشت بسمتها و هي تسأله بنبرةٍ جامدة:
إيه اللي أنتَ لابسه دا ؟! إيه الهدوم الحلوة دي ؟! ادخل غير"
رفع حاجبه لها و هو يقول بسخريةٍ:
يا عسل ؟! لابس قميص زيتي و بنطلون بيج !! هو أنا لابس بدلة غطس ؟!"
ردت عليه هي بحنقٍ:
الطقم حلو !! مشكلتك إن الطقم حلو و خايفة تتعاكس مني، هعيط كدا"
رد عليها بضجرٍ:
مين هيعاكسني الساعة ٢ بليل ؟! و بعدين دي اوهام في دماغك، الكلام دا يتقال لياسر مش ليا، يوسف نفسه عاكس ياسر"
ضحكت هي رغمًا عنها فقال هو بقلة حيلة:
ربنا يهون علينا فترة حملك إن شاء الله علشان نعدي كلنا بيها على خير لحد ما اللي جوة دا يشرف"
نزل هو من البيت و هي معه حتى ركبا السيارة و بعد فترة من القيادة أوقفها أمام أحد العربات المتخصصة في عمل الذرة المشوي و تحديدًا عند أول مرة تناولا فيها الذرة مع بعضهما.
جلست هي على المقعد البلاستيكي و هو بجوارها و أمامهما نهر النيل فتنفست بعمقٍ و هي تبتسم فقال هو بخبثٍ مُشيرًا بحديثه لموقفٍ مثل ذاك فيما يقرب العامين:
المناظر الطبيعية أكتر حاجة بتخليكي تخلصي من التوتر و تساعد على هدوء الأعصاب، مش كدا ؟!"
وجهت رأسها نحوه و هي تبتسم باتساعٍ و سرعان ما ضحكت بقوةٍ ثم قالت:
سبحان الله كأن الموضوع دا كان امبارح، سنتين عدوا هوا و كانوا أحلى سنتين في عمري كله، مين كان يصدق !!"
ابتسم لها ثم نظر أمامه بشرودٍ حتى وصلهما الذرة المشوي فابتسمت هي باتساعٍ و هي تشم رائحته، فضحك هو عليها بيأسٍ و هي تعامل الذرة و كأنه ثروة قومية حصلت عليها.
_________________________
في شقة "عامر" كان ابنه يبكي بشدة و لم يتوقف و "سارة" تدور به تهدهده حتى تتوقف نوبة بكائه، و كان "عامر" يتابعها بشفقةٍ حتى ارتمت هي على المقعد تمسك رأسها و هي تقول بقلة حيلة:
يابني بقالي شهرين على الحال دا !! نام علشان خاطري بقى !!"
اقترب منها "عامر" يمسكه منها فقالت هي بقلة حيلة:
يا عامر قولتلك نام بقى علشان شغلك !! هترجع تعبان و مصدع، خلاص اتعودنا بقى على كدا"
حرك رأسه نفيًا ثم حمله على يده يهدهده ثم رفعه على كفيه حتى أصبح مقابلًا له ثم حدثه بمرحٍ حتى توقف "عمر" عن البكاء أخيرًا و هو يشهق بسبب صوت بكائه، فحمله "عامر" على يده كعادته كلٍ يومٍ بمجرد حمله على ذراعه يصمت عن البكاء و يظل متشبثًا بوالده.
لاحظت "سارة" ذلك فقالت بضجرٍ زائفٍ:
الواد دا ندل !! بيرضع مني و يصحيني و أول ما أنتَ تصحى و تشيله يسكت ؟؟ ليه هو أنا سكاتة ؟!"
ابتسم لها "عامر" بسخريةٍ ثم قال:
الواد طالع لأبوه، لازم اشيله و أهديه، أنتِ هتقارني علاقتك بيه، بعلاقتك بيا ؟! أنا أبوه !!"
ضربت كفيها ببعضهما فيما هدهد هو صغيره حتى ابتسم له و كأنه يفهم طريقته فجلس "عامر" به من جديد ثم وضع كفه على رأس "عمر" و قرأ له ما تيسر من القرآن الكريم حتى نام "عمر" أخيرًا بين ذراعي والده و كفه يقبض على ملابس "عامر" حتى ابتسم "عامر" ثم ربت على خصلاته السوداء الكثيفة تشبه لون خصلات والدته بنفس كثافتها، اقتربت منه "سارة" تقول بامتنانٍ:
و الله العظيم لولا أنك كل يوم تصحى كدا معايا كان زمان عقلي فك مني، ربنا يخليك ليا و ليه"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ خافتة:
دا واجبي أنا على فكرة و عمو رياض قالي لو معملتش كدا هبقى نطع و واطي، رغم إن أم ياسين قالتلي كان بينام ساعات و يسيبها، بس أنا مش هيجيلي قلب أنام و هو صاحي بيعيط و لا و أنتِ تعبانة"
ابتسمت هي له وضعت رأسها على كتفه تتثاءب ثم قالت:
نيمني بقى زي ما نيمته كدا"
وضع كفه على رأسها يقرأ لها آياتٍ من القرآن الكريم حتى نامت هي على كتفه و ابنه على ذراعه فابتسم هو بسخريةٍ و قال محدثًا نفسه:
يا ولاد الدايخة !! بتغفلني يا عمر أنتَ و أمك ؟! ماشي"
_________________________
في شقة "خالد" كعادته هو ترك ابنه و زوجته بمفردهما يسهران سويًا بعد يومٍ شاقٍ مر عليه في المشفى دون طعامٍ.
كان "يونس" جالسًا برفقة والدته يتابع التلفاز و هي معه و هو يناقشها في مشاهدة فيلمه المفضل بين الحين و الأخر مشاورًا على التلفاز و هي تبتسم له بوهنٍ حتى أرجعت رأسها للخلف مغشيةً عليها دون أن تشعر بما حولها، فيما انتبه لها "يونس" فانتاب القلق قلبه فرفع جسده على الأريكة يحاول ايقاظها و هو يضرب وجهها، ثم اقترب منها يقبل وجنتها عدة مرات ظنًا منها أنها تداعبه كعادتها، لكنه تفاجأ بسكون حركتها و طيلة رد فعلها في الصدور.
ركض من مكانه لغرفة والده بهلعٍ من صمت والدته ثم قفز على الفراش يحاول ايقاظه حتى تقلب "خالد" على الفراش ثم قال بنفاذ صبرٍ:
ياض أنتَ مش خدت مني مراتي ؟! سيبني أنام، هتاخد مني شوية الراحة ؟!"
حاول "يونس" هز جسده بخوفٍ فقام "خالد" بسحب الغطاء على كامل جسده فبكي "يونس" بصوتٍ عالٍ بخوفٍ من سكون الأجواء حوله و خاصةً بعد رؤيته لوالدته في تلك الحالة.
لم يستمع "خالد" لصوت ابنه الذي نزلت دموعه تنهمر على وجنتيه فصعد "يونس" على ظهر والده وهو يبكي لعله ينتبه له فهل سيحدث ذلك و يشعر به "خالد" ؟!
___________________
الفصل صغير، بس أنا متأسفة جدًا لكدا و إن شاء الله فيه فصل بكرة هيكون صغير كدا برضه و إن شاء الله ينزل بدري، كل سنة و حضراتكم طيبين.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثامن والثمانون 88 - بقلم شمس بكري
الفصل التاسع و الثمانون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_________________________
قد نال فيكِ قلبي ما ودده و أحببا، فكنتِ خير مما أراد و أطيبا.
_________________________
مر العمر دون أن انتبه له و كأنه لم يمر، تفوت الأيام كما القطار السريع و في كل حينٍ انتبه لما فاتني، لازلت اتذكر طفولتي و صِغر عمري، فـ يبدو و كأن الأيام لم تحبني حتى تأخذني معها.
كان "يونس" طوال أيام عمره الصغيرة مستأنسًا بوالديه و لأول مرة يوضع في مثل هذا الموقف خائفًا بمفرده، فلم يجد حلًا سوى القفز على والده و هو يبكي فانتبه له "خالد" أخيرًا حينما استمع لصوت بكاءه، فاعتدل "خالد" بلهفةٍ بعدما ظن أن صوت ابنه هذا أحد أحلامه المعتادة دومًا، حتى تأكد أنه واقعه بالفعل و "يونس" يبكي بجواره، فحمله على يده بخوفٍ و هو يقول بدهشةٍ غلفت نبرة صوته:
يونس !! مالك يا حبيبي ؟! بتعيط كدا ليه ؟! فين ماما"
شهق "يونس" بتقطع و لم يقو على الرد، فقط مسح وجهه في ثياب والده و حينها سقط قلب "خالد" فانتفض من الفراش و ابنه على ذراعه يهرول مسرعًا للخارج، حتى وجدها تميل بجسدها للخلف فظن في بدء الأمر أنها نائمة، زفر بعمق ثم اقترب منها يهزها بذراعه الحر في حين أن الأخر يحمل ابنه عليه، حاول هزها برفقٍ و هو يقول بصوتٍ متحشرجٍ:
ريهام !! اصحي يا ستي، أنتِ نمتي و سيبتي الواد ؟! ريهام !!"
لم تصدر أي ردة فعل فانتاب القلق قلبه، حينها مال عليها بجسده يتفحص نبضها فعلم أنها مغشيةً عليها، حينها ترك ابنه على الأريكة وهو يقول بنبرةٍ هادئة يشوبها التوتر بعدما حاول هو الثبات أمامه:
يونس !! خليك هنا هدخل ماما تنام و هاجي تنام جنبها، ماشي؟"
حرك "يونس" رأسه موافقًا و لا زال يشهق شهقاتٍ متقطعة، فيما قبل "خالد" رأسه ثم حمل زوجته و دلف بها الغرفة يضعها على الفراش ثم فرك كفها بين كفيه ثم سحب زجاجة عطره يفتحها و يسكب منها على راحة يده ثم قربها من أنفها حتى امتعض وجهها و انكمشت ملامحها، و بدأت في الاستيعاب رويدًا رويدًا؛ حينها زفر "خالد" بعمقٍ ثم قال بلهفةٍ:
مالك يا ريهام ؟! أنتِ كويسة طيب ؟!"
أمسكت رأسها بكفيها معًا تحاول احجام الآلم البادي عليها، فيما وقف هو بدهشةٍ حتى سألته هي بخوفٍ:
يونس !! يونس فين ؟! ابني فين يا خالد ؟!"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال موجزًا:
برة، خوفت أجيبه هنا يخاف عليكِ، كفاية الخضة اللي هو اتخضها"
زاد خوفها أكثر عليه، فيما تحرك "خالد" من أمامها للخارج ثم عاد لها من جديد بـ "يونس" الذي ركض إليها يحتضنها حتى تمسكت هي به تتنفس بعمقٍ و كأنها حررت انفاسها من الحصار، فتشبث بها "يونس" و هو يقبل وجنتها، فقال "خالد" بنبرةٍ هادئة:
طب أنتِ كويسة طيب ؟! يا ستي ردي عليا !! اللي حصلك دا من إيه ؟!"
رفعت رأسها تنظر له ثم حركت كتفيها مما يدل على جهلها بالأمر، فقال هو مسرعًا بلهفةٍ:
أنا هكلم ياسر ييجي يكشف أحسن، مش هفضل قلقان كدا"
قبل أن تهم هي بالرفض أو التحدث أشار لها بالتوقف ثم اقترب من هاتفه يسحبه ثم خرج من الغرفة بأكملها، فيما طالعت هي "يونس" بوجهٍ مُبتسمٍ و هي تقول بنبرةٍ هادئة تحاول طمئنته:
أنا كويسة اهوه، مالك بتعيط ليه ؟!"
احتضنها من جديد و هو يقول بصوتٍ مرتجف:
خايف"
حاوطته هي بذراعيها ثم قبلت رأسه، و هي تمسد عليه و تقرأ له أياتٍ من القرآن الكريم لعله يهدأ من نوبة خوفه تلك، فدلف "خالد" لهما من جديد يقول بثباتٍ:
ياسر هييجي دلوقتي يكشف عليكِ لحد ما بكرة إن شاء الله نروح للدكتور، أنتِ كلتي حاجة وطيتلك الضغط ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بتيهٍ:
لأ ماكلتش حاجة والله من ساعة ما أنتَ رجعت و كلنا سوا، بس أنا مرة واحدة كدا حسيت إن دماغي بتلف بيا، و بطني وجعتني مرة واحدة، اخر حاجة فكراها إن يونس كان بيشاورلي على الفيلم، بس"
حرك رأسه موافقًا و في تلك اللحظة صدح صوت جرس الباب فأشار لها "خالد" ترتدي اسدالها، فتحركت هي تنفذ ما طلبه و "يونس" بجوارها يلتصق بها لا يريد تركها.
بعد مرور دقائق قليلة دلف "خالد" أولًا و خلفه "ياسر" بحقيبة الكشف الخاصة به، فألقى عليهم التحية و هو يقول بصوتٍ ناعسٍ:
معلش بقى جيتلكم فجأة كدا"
عقدت "ريهام" ما بين حاجبيها فيما قال "خالد" بنبرةٍ جامدة:
ما تفوق يا ياسر !! أنا اللي جايبك يابني، صباح الفل"
_"صباح العسل"
رد عليه "ياسر" تحيته بوجهٍ مُبتسمٍ ثم تثاءب بقوةٍ فقالت "ريهام" بأسفٍ:
معلش بقى يا دكتور، نزلناك بليل كدا و أكيد أنتَ ما صدقت تنام"
رد عليها بسخريةٍ:
ما صدقت آه، أنا والله من ساعة ما بقيت أب نسيت النوم و طار من عيني، هنام امتى يا ناس !!"
رد عليه "خالد" بتهكمٍ:
مش خلفت !! هتنام في الحنة إن شاء الله، روح جتك خيبة"
اقترب "ياسر" من "ريهام" بجهاز الضغط يقوم بوضعه على ذراعها و هو يتابع بنظره الجهاز ثم تمم كشفه مراعيًا كافة الاحترازات في التلامس بينهما، حتى أغلق حقيبته و تثاءب و اقترب من الباب يخرج منه دون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة أو يطمئنهم، فسأله "خالد" بنبرةٍ جامدة يوقف تحركه:
أنتَ يالا !! يا ابن الهبلة أنتَ"
التفت له "ياسر" بتعجبٍ فسأله من جديد بنفس الحدة:
يا بني مالها !! أنتَ كشفت و مشيت ؟! فيه إيه ؟!"
زفر "ياسر" بقوةٍ ثم تحدث موجزًا باستفسارٍ:
هو أنا مقولتلكمش ؟!"
نظر "خالد" لزوجته بتعجبٍ ثم قال متهكمًا:
لأ مقولتلناش، خير إن شاء الله؟"
رد عليه "ياسر" و هو يتثاءب:
مبروك يا سيدي، المدام حامل، تصبح على خير"
التفت بعد جملته حتى يرحل من المكان فانقض عليه "خالد" يمسكه من تلابيبه و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
ولا !! فوق يخربيتك، مالها ريهام ؟؟! أنتَ بتحلم ؟!"
زفر "ياسر" بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
يا عم ألف مبروك مراتك حامل، هو أنا هشتغلك يعني ؟! بياع بومب أنا ؟! مش مالية عينك الشنطة دي ؟!"
_"عرفت منين إنها حامل ؟!"
سأله "خالد" بتعجبٍ يغلفه الاستنكار، فقال "ياسر" بتهكمٍ:
مخاوي عقبال أمالتك، حبايبنا هما اللي قالولي، يا عم ارحم أمي العيانة، بقولك أنا دكتور"
احتضنه "خالد" بفرحةٍ و هو يقول بحماسٍ:
الله يبارك فيك يا وش السعد، تصدق فرحتني و طيرت النوم من عيني ؟! روح ربنا يرزقك بتوأم يا ياسـ..."
قبل أن يُكمل حديثه كمم "ياسر" فمه و هو يصرخ في وجهه بصوتٍ عالٍ:
لاااااأ !! لو كملتها هرمي اليمين على أختك و أجيبها تنام بعيالها هنا و أنام أنا لوحدي في الشقة، كمل كدا !!"
حاول "خالد" كتم ضحكته فزفر "ياسر" في وجهه ثم تحرك من أمامه بغيظٍ بعدما بارك لـ "ريهام" التي تابعتهما بملامح وجه ضاحكة، فخرج "خالد" يوصله للخارج ثم عاد لها من جديد و هو يبتسم حتى ابتسمت له هي الأخرىٰ فاقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
ألف مبروك، ربنا يقومك بالسلامة إن شاء الله"
ردت عليه هي بنفس الهدوء:
الله يبارك فيك يا رب، على فكرة أنا كنت حاسة بس قولت أكيد دا من وحي خيالي، أظن كدا أنتَ فرحان !!"
حرك رأسه موافقًا ثم نظر على ابنه الذي نام بجوار والدته و هو يتشبث بها، فمال عليه يقبله ثم قال بصوته الرخيم:
عاوز يونس يكون عنده أخوات و ميفضلش لوحده كدا كتير، عاوز بنوتة حلوة زيك كدا علشان أشوف حنيته عليها، يونس هيبقى حلو أوي و هو أخ"
حركت رأسها موافقةً فيما تحرك هو على الفراش حتى نام في المنتصف ثم أخذهما بين ذراعيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
ربنا يبارك فيكم و يقدرني إن شاء الله"
نامت "ريهام" على كتفه و هي تبتسم فشدد هو عناقه على "يونس" يضمه إليه و هو يفكر فيما عايشه من خوفٍ على والدته.
_________________________
ذهب "ياسر" إلى شقته بجسدٍ رخو بسبب قلة نومه، فوجد الشقة صامتةً على غير العادة، عقد ما بين حاجبيه ثم دلف غرفة نومه و قد تفاجأ بـ خلوها من زوجته، حينها ذهب للغرفة الخاصة بطفليه، فوجد كلٍ منهما فى فراشه المتحرك الصغير الخاص بحديثي الولادة، و هي في حالٍ جعله يشفق عليها حينما غفيت أسفل الفراشين تستند بجسدها على الأريكةِ خلفها، اقترب منها يجلس على ركبتيه أمامها و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
إيمان !! يا إيمان !! إيمي !!"
ذكرها باسم دلالها حتى يظهر أثر مزاحها ظنًا منه أنها تشاكسه أو تتدلل عليه، لكن تعبها تغلب عليها و هي تتحرك للجهة الأخرى تميل عليها بجسدها، فزفر هو بعمقٍ ثم حملها على ذراعيه و توجه بها نحو الغرفة الخاصة بهما ثم وضعها على الفراش و دثرها بالغطاء جيدًا، ثم عاد لغرفة أبنائه يجلس على الأريكة أمامهما ثم سحب المفرش الصغير يضعه على جسده و قام بتشغيل الإضاءة الخافتة بجوار الفراشين ثم تابعهما بنظره حتى غفىٰ هو مكانه.
_________________________
في الشارع انتهت جلسة "ياسين" و "خديجة" بعدما تناولا حبات الذرة المشوي، ثم سارا بجانب بعضهما على أقدامهما بعدما طلبت هي منه ذلك، و على الرغم من تعبه و إنهاك جسده، إلا أنه وافق مرحبًا بما تريد و هما يسيران مع بعضهما في الطرقات الخالية من البشر في ذلك التوقيت.
بعد مدة من سيرهما سويًا، جلست هي على أحد المقاعد الخشبية على الطريق فجلس هو بجوارها و هو يسألها بهدوء:
حلو كدا ؟! اتمشيتي ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ ثم قالت بنبرةٍ ضاحكة:
حلو أوي كدا، نردهالك في الفرح يا مهلبية"
أغلق عيناه بيأسٍ ثم فتحهما على مضضٍ ثم سألها بثباتٍ مقررًا الدخول في الموضوع مباشرةً:
خديجة !! هو أنتِ خلاص كدا مع عم طه و لا لسه فيه حاجة في قلبك ناحيته ؟!"
عقدت ما بين حاجبيها و هي تنظر له بتعجبٍ فقال هو بترددٍ:
علشان.....علشان هو كان يعني قالي قبل كدا إني أحاول معاكِ حتى لو زعلانة منه، و أنا بسألك أهوه"
ابتسمت له بتوترٍ ثم تنفست بعمقٍ و قالت بثباتٍ أجادت رسمه:
على الأقل حاول يا ياسين، زعلي منه بجد لو مكانش حاول علشاني، لو مكانش اتأثر بغيابي، بعدين أنا سامحت الكل و واخدة عهد على نفسي أني مقساش و مش عاوزة اقسى، غصب عني فطرتي حركتني و حنيتله، غصب عني قصاد حضنه بحس نفسي متطمنة، غصب عني هفضل بحتاج لمشاعره معايا علشان هو أبويا، غصب عني حتى لو مكانش حاول كنت هتمنى ييجي اليوم اللي يحضني فيه، أنا هبقى أم !! يعني كل اللي عاوزاه أوفر مكان سوي لعيالي علشان يقدروا يكونوا سويين نفسيًا، إزاي أطلع ناس سوية و أنا قلبي فيه قسوة ؟!"
ابتسم لها ثم قال براحةٍ ظهرت في تعابير وجهه و نبرة صوته:
طمنتيني الله يطمنك يا رب، على فكرة عم طه مقارنة بسمير يكسب، سمير كان اقسى و أصعب بكتير، يمكن عم طه أنتِ كنتِ قدام عينه، إنما سمير مشي و ساب ٣ ستات في رقبة عيل صغير مكانش معاهم حتة تمن الفطار، بس ياسر عمل المستحيل ، و اخرتها إنه ورث هو سمير و احنا معاه كمان"
ابتسمت هي له بقلة حيلة ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
أنا مش عاوزة غير أني انجح في اللي بعمله، عاوزة أوصل للأطفال و قلوبهم، عاوزة أنشر افكاري أكتر و أكتر علشان الناس تتعلم و تلحق بكرة عند الأطفال، بلاش يطلعوا مشوهين يا ياسين، حرام احلى سنين عمرهم تضيع في خوف و حبسة و كتمان"
سألها بنبرةٍ أظهرت اهتمامه:
طب نعمل ايه تاني ؟! و الله كلنا بنساعد بس هي ولادة عبلة اللي جت مرة واحدة و عطلت وليد، بس هو كان ماشي حلو أوي في الموضوع"
ردت عليه هي بحماسٍ:
عاوزاهم يركزوا أكتر، يعني مثلًا لو دخلنا مكان لقينا فيه أطفال كتير، نوزع الاهتمام على الكل، دايمًا بيكون فيه طفل شقي و مرح بيلفت النظر ليه، و طفل تاني مطفي و هادي و شبه مبتكلمش، كتر الاعتياد هيخلي الطفل الباهت دا شخص مطفي علشان من صغره خد إنه يتهمش، الفكرة في المكان اللي حواليه، أنا كل اللي بحاول أوصله أني أفهم الناس حاجة زي دي، أي تجمع أو أي لمة ياريت يركزوا مع الأطفال الساكتة اللي مش عارفة تتعامل، دا هيشجعهم أكتر، ها فهمتني ؟!"
رد عليها بلاهةٍ:
يعني كل طفل مطفي أرزعه لمبة في دماغه ؟!"
تلاشت بسمتها و انطفأ حماسها تلقائيًا بعد حديثه الساخر، فحاول هو جاهدًا كتم ضحكته و قال مُسرعًا قبل أن يزيد حزنها:
بهزر والله العظيم قولت افكك بدل ما أنتِ متنشنة كدا، أنا أكتر واحد ممكن يكون فاهمك و اكتر واحد متحمس اوي لحاجة زي كدا، أنا طول عمري كنت طفل هادي و مش بتكلم و قضيت كل سنين ابتدائي كدا، علطول كنت حاسس أني في مكان غلط، مش عندي صحاب و محدش فيهم عاوزني معاه، بس لما بقيت في اعدادي و لقيتهم كانوا قشاية و أنا الغريق، كنت محتاج احس أني مش لوحدي و عندي أخوات و هما كانوا أخواتي و عيلتي و كل حاجة ليا، أنا فاهم كل كلمة و فخور بيكِ و بتفكيرك، أنا معاكِ"
ابتسمت هي له بسعادةٍ بالغة فالتفت هو ينظر حوله ثم قال بسخريةٍ:
مش يلا نروح يا ست الكل ؟! الفجر قرب علينا، يلا !!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بخجلٍ طفيفٍ:
يلا....علشان بصراحة أنا جعانة و عاوزة أكل"
ابتسم هو بيأسٍ ثم قام بمساندتها و هما يسيران سويًا نحو السيارة حتى يعودوا لبيتهما.
_________________________
في اليوم التالي بعد انتهاء تلك الليلة أخيرًا، اخبر "خالد" أخوته بخبر حمل زوجته و كذلك أخبرت "ريهام" فتيات عائلة الرشيد و صديقاتها، و قد زاد الحماس في قلوب الجميع منتظرين ذلك اليوم بفارغ الصبر لتكتمل العائلة بأكملها فيما عدا "طارق" !! و على ذكر "طارق" قد بدأ الأمر يجول بعقله بسبب تأخرهما في الإنجاب.
دلف هو صباح اليوم يطمئن على شقيقته و أبنائها، فوجد "وليد" يجلس مقابلًا لها و هي تتناول الطعام من يده و طفليه أحدهما على ذراعها و الأخر على فراشه.
أقترب منهما "طارق" يبتسم لهما ثم قال بنبرةٍ هادئة:
طب الحمد لله كدا اتطمنت عليكم، طمنوني حبايب خاله عاملين إيه ؟!"
ابتسمت له أخته فيما قال "وليد" بنبرةٍ مرحة:
كويسين يا سيدي، سوسة أنتَ جاي تطمن على مستقبل عيالك !! ناوي تاخد عيالي مني يا طارق !"
رد عليه "طارق" بوجهٍ مُبتسمٍ:
ياريت، لو توافق أنا عاوز واحد منهم أربيه، لحد ما ربنا يكرم إن شاء الله و يكتبلي أكون أب"
ابتسم له "وليد" و هو يقول مقدرًا حديثه:
و هما عيالك من غير ما تقول، مش محتاج تطلب إنك تهتم بيهم، عيب عليك يا طارق"
ابتسم له "طارق" ثم اقترب من النائم على الفراش يقبل قمة رأسه ثم كرر الكرة مع الأخر، فقالت "عبلة" بمرحٍ:
دا زياد اللي على أيدي و التاني مازن، قولت أوفر عليك الاحراج و السؤال"
فرك "طارق" فروة رأسه بكفه، فيما قال "وليد" بثباتٍ:
مش عارف ولادي ؟؟ أومال جاي تطمن على إيه ؟ اتوكس"
ردت "عبلة" بنبرة صوتٍ خبيثة:
والله ؟! طب أقولك يا طارق ؟! وليد لحد دلوقتي مش عارف يفرقهم عن بعض، بس أنا خلاص عرفتهم"
ابتسم لها "طارق" فيما امتعض وجه "وليد" و هو يرمقها بغيظٍ، حتى استأذن منهما "طارق" فجلس "وليد" أمام "عبلة" يقول بنبرةٍ هادئة:
عبلة، أنا بليل هنزل مشوار ضروري إن شاء الله، مش عاوزك تزعلي يعني، بس المشوار دا مهم"
ردت عليه هي بتعجبٍ:
مشوار ؟! طب هتروح فين ؟!"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بثباتٍ:
مشوار مهم بس وعد مني أول ما تفوقي أنا هاخدك معايا، بس أنا لازم أروح النهاردة و مش هتأخر"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
الكل النهاردة هيتجمع هنا، أوعى تتأخر !! مش معقول يكونوا جايين علشان ولادك و أنتَ مش موجود"
اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال بتفهمٍ:
حاضر و الله، أنا مش هتأخر، و هجيب حاجات و أنا جاي علشان الناس اللي هتيجي بليل دي، اطمني"
في غرفة "طارق" كان جالسًا بمفرده حتى دلف له "وئام" و على ذراعه "فارس" فانتبه له "طارق" و اعتدل على الفراش و هو يقول مرحبًا بهما:
تعالى يا وئام، مقولتليش ليه إنك عاوزني ؟!"
جلس "وئام" أمامه ثم سأله بثباتٍ و نظراتٍ ثاقبة:
مالك أنتَ يا طارق ؟! إيه اللي مضايقك و متقوليش إنك قلقان على عبلة !! أنا فاهمك و حافظك"
زفر "طارق" بقوةٍ ثم قال:
جميلة مش عاوزة تيجي معايا نكشف و نتطمن، بتقولي دا رزق و ييجي في وقته زي ما ييجي"
عقد "وئام" ما بين حاجبيه فقال "طارق" بنفس الغلب:
أنا مش بجبرها على حاجة بس أنا عاوز اتطمن إن أنا و هي معندناش موانع، دا رزق أنا مقولتش حاجة بس اسأل و أعرف، و لا اقعد استنى رزقي من غير ما ادور ؟!"
ربت "وئام" على كتفه ثم قال مؤازرًا له:
أنا حاسس بيك، بس دا طبيعي يعني يدوبك بقالكم سنة، على يدك ياسين و خديجة قعدوا سنة ونص و أكتر كمان، سيبها على الله و إن شاء الله خير، بعدين متقلقش هتخلف و تفرح بعيالك إن شاء الله، لو حاسس في نفسيتك اوي، خد فارس ربيه، دا حتى نسخة من وليد أخوك و أنتَ و هو حبايب أوي"
ابتسم له "طارق" ثم حمل "فارس" على يده يقبل وجنته، فقام "وئام" بسحبه داخل عناقه ليحتوي كليهما مربتًا على كتف "طارق".
_________________________
في مقر الجمعية الخيرية في وسط اليوم كانت "خديجة" جالسةً مع "نوف" تتابع تطور حالات الاطفال، حتى قالت "نوف" بحماسٍ:
أنتِ مش متخيلة بجد الفرق بان ازاي؟! يا خديجة دول بقوا بيساعدوا غيرهم، فيهم ولد هنا بقى بيساعد كل صحابه و بقى متعاون بشكل ملحوظ، مجرد الاهتمام بيه شوية و التركيز معاه خلاه يعيد حساباته في تعامله في صحابه، و غير كدا كمان، كل اللي بييجي هنا بنعرفه فكرتك و نفهمه الدنيا عاملة ازاي و هو بيساعد فيها في عيلته و قرايبه و بدأوا يلاحظوا الاطفال و تغييرهم، و الله أنتِ نجحتي فعلًا، اوعي تيأسي !!"
ابتسمت لها "خديجة" برقةٍ و هي تقول:
أنا عارفة والله بس برضه عاوزة أوصل لكل الأطفال برة و جوة، عاوزة الأهالي نفسهم جوة البيوت يفهموا حاجة زي دي، يحاولوا مثلًا، عاوزة الأخوات نفسهم جوة البيوت يكونوا داعمين لأخواتهم، نطلع من دايرة الصحاب و نركز إن أخواتنا برضه هما صحابنا و إن وجودهم مهم، إن شاء الله الفكرة تنتشر و تبدأ تتعرف"
ربتت "نوف" على كفها و هي تقول بحماسٍ:
عارفة !! غسان بعدما اتجوزنا، أخته تعبت أوي نفسيًا علشان هو سابهم و مشي، و مامته بقت عصبية معاها شوية، بس لما قولتله على فكرتك نفذها، و أهتم بأخته و كلم مامته تقدر نفسيتها و حصل فعلًا، الفكرة دي أنا خدتها منك أنتِ و لاحظنا كلنا الفرق"
زادت فرحة "خديجة" أكثر بكثير عن السابق، و في تلك اللحظة دلف "ياسين" و هو يقول مبتسمًا:
السلام عليكم، يلا علشان عيلة الرشيد كلها مستنيانا و لو اتأخرت وليد هيعلق راسي على الباب"
اقتربت منه هي ترحل معه فرحبت به "نوف" و اوصته عليها حتى رحلا سويًا من أمامها.
_________________________
ذهب "وليد" للوجهة التي قررها هو كعادته منذ ما يقرب الخمسة أشهر يأتي لها و يجلس معها كأنه ابنها من صُلبها، و كذلك "مشيرة" كرثت معظم وقتها لها.
كان "وليد" مُمسكًا صحن الطعام في يده و الملعقة يناولها منها الطعام في فمها و هي تبتسم له بسعادةٍ حتى سألها هو بمرحٍ:
ها يا ماما سميحة ؟! شبعتي ؟"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
الحمد لله شبعت علشان أنتَ اللي بتأكلني، لما باكل لوحدي مش بشبع، بس لما أنتَ بتيجي أنا بفرح أوي، هي كانت مقسياك عليا صح ؟!"
عقد ما بين حاجبيه فقالت هي بحزنٍ و نبرةٍ أقرب للبكاء:
هي كانت علطول تقولك أني بشتمها و ازعلها، بس أنا مش كدا، هي اللي كانت بتتعصب عليا و قالتلي إنها قرفت مني، أنتَ مصدقتش مراتك صح ؟!"
رد عليها هو بلهفةٍ:
مصدقتهاش و الله، طب أقولك ؟! أنا علمتها الأدب و هي عاوزاكي تسامحيها كمان، و عاوزة تيجي علشان توريكي عيالي، بس أنا مش هجيبها غير لما أنتِ تسامحيها"
ردت عليه بلهفةٍ:
بجد ؟! امتى ؟! هشوفهم امتى"
سألها هو بثباتٍ:
الأول مسمحاها ولا لأ ؟! دا اللي يهمني"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بصوتٍ باكٍ:
مسمحاها بس هاتهم علشان خاطري، عاوزة أشوف ولادك، أنا مشيت و هي حامل، فاكر لما عيطت و قولتلك استنى أحضر السبوع ؟! جابت إيه ؟!"
مسح وجهه حتى يخفي أثر دموعه و حمحم حتى يزيل صوته الباكي ثم قال بزهوٍ:
ولدين !! جيبت مازن و زياد، إن شاء الله هيكونوا وليد الصغير"
سألته بتعجبٍ من ذكره "وليد":
وليد مين ؟!"
اتسعت عينيه بدهشةٍ فحركت هي رأسها له تطلب منه الجواب حتى قال هو ممازحًا لها:
وليد دا يا ستي واحد صاحبي، بس بحبه أوي و حكايته كلها أكشن و حزن و وجع، بحبه اوي و بموت فيه، و لو عليا اعمله تمثال و الله تقديرًا لثباته و أدبه و أخلاقه اللي بيتميز بيها"
ضحكت هي على طريقته ثم قالت بنفس النبرة الضاحكة:
للدرجة دي بتحبه ؟؟ خلاص المرة الجاية تحكيلي حكايته بقى، هخلي مشيرة تفكرني"
ابتسم هو لها ثم سألها بنبرةٍ هامسة:
قوليلي بصحيح مشيرة عاملة معاكِ إيه ؟! لو مزعلاكِ نغيرها و نجيب واحدة غيرها، المهم راحتك يا موحة"
ابتسمت بودٍ و طيبةٍ و هي تقول:
خالص، دي طيبة و غلبانة ربنا يكرمها، اكتر واحدة ريحتني هنا، كفاية إنها مش بتتعصب عليا و لا تزعلني"
اقترب منها يقبل كفها مُربتًا عليه بعدها بكفيه، فقالت هي بحماسٍ:
مش هتغنيلي زي ما قولتلك ؟! أنا مستنية الأغنية منك"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بصوتٍ لما يناسب الغناء البتة لكنه حاول بقدر استطاعته:
بس هتغني معايا، ماشي !!... بتونس بيك و أنتَ معايا، لما تقرب أنا بتونس بيك و لما بتبعد أنا بتونس بيك"
كانت هي تغني معه و تصفق بكفيها و هو يبتسم لها و يبادلها البهجة بمثيلتها، حتى دلفت عليهما "مشيرة" تحمل ملابسها على ذراعيها ثم جلست أمامهما تغني معهما ثم اقتربت من "سميحة" تحتضنها حتى ضحكت "سميحة" بفرحةٍ أنستها ما عانته.
_________________________
في بيت آلـ "الرشيد" تم تزيين السطح و تجهيزه للتجمع العائلي الذي سيقام للعائلة بأكملها، و بدأوا يتوافدون على البيت خلف بعضهم و كان أخرهم "عامر" بزوجته.
اجتمعوا سويًا مع بعضهم فوق السطح، فصعد "حسن" و معه "عمار" و "أحمد" يحملون في أيديهم الحلويات و المشروبات الغازية، و خلفهم "ياسين" و "وئام" يحملان التسالي.
تحدث "عامر" بمرحٍ و هو ينظر للأشياء حوله:
الله أكبر !! إيه الحاجات الحلوة دي كلها ؟! دا بدل العقيقة يعني ؟! بتشتغلنا يا عم مرتضى ؟"
رد عليه "مرتضى" بتهكمٍ:
أنا مال أمي ؟! وليد هو اللي أجل العقيقة و قال لما عبلة تفوق شوية و لما خديجة و هدير يقوموا بالسلامة إن شاء الله"
رد عليه "حسن" بحماسٍ:
هو قالي كدا برضه و أنا قولت خلاص نعلمها سوا كلنا مع بعض، على الأقل توصل لناس أكتر بدل ما كل مرة نوزع لنفس الناس"
أيده الجميع في القول فسأل"ياسين" بتعجبٍ من غياب الأخر:
هو فين أبو الرجال ؟! مجمعنا كلنا و هو مش هنا، فالح بس يقولي لو اتأخرت هعمل و أسوي ؟! ماشي"
ضحكوا عليه جميعًا فيما تحدث "محمد" بحنقٍ و هو يقول موجهًا حديثه لأخيه:
هو أنتَ هتفضل مكوش على العيال ؟! مقعد فارس على رجلك و يونس جنبك و شايل كل واحد من التوأم على أيدك ؟! و احنا يا عم ؟!"
رد عليه "مرتضى" بحنقٍ:
تعالى خد اللي تعوزه منهم، هو أنا قولتلك لأ يعني ؟!"
اقترب "محمد" نحو أبناء ابنته يأخذ أيًا منهما فقال "مرتضى" بنبرةٍ جامدة:
إيدك ؟! لو لمست واحد فيهم هزعلك يا حج محمد"
زفر "محمد" بقوةٍ فاقترب منه "عامر" يعطيه "عُمر" و هو يقول بمرحٍ:
متزعلش نفسك يا عم محمد، عُمر ابني اهوه شيله و هشتكه و فرحه و نيمه، و لو عاوز غيرله كمان"
ابتسم "محمد" رغمًا عنه و هو يحمل الصغير فقال "محمود" بقلة حيلة:
و الله العظيم أبويا لو كان عاش و شاف اللي بيحصل دا، كان زمانه طردهم من البيت"
قال حديثه ثم وجه رأسه نحو "طه" و هو يقول بفخرٍ به:
جدع يا طه، خليك أنتَ عاقل كدا ربنا يكرمك إن شاء الله"
ابتسم له "طـه" ببساطةٍ و هدوء حتى اقترب منه "حسن" يقول بسخريةٍ:
طبعًا عم طه ميعملش كدا، هو بس اتصور معاهم و شالهم و حضنهم و طلب مني أصوره مع العيال كلها قبل ما حد من اخواته يتصور معاهم"
تلاشت البسمة من على وجهي"طه" و "محمود" فيما ارتفعت ضحكات البقية عليهما، و في تلك اللحظة صعدت "جميلة" السطح بعدما أتت من الخارج، ثم توجهت نحو زوجها تجلس بجواره و خاصةً بعد ضيقه من حديثهما سويًا، تابعها هو بعينيه حتى جلست بجواره ثم همست بجوار أذنه:
خلاص بقى متزعلش مني، مش مستهلة كشف و الله يا طارق"
زفر بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة:
ملهاش لازمة ؟! قفلي على الموضوع يا جميلة أحسن و نتكلم لما نروح بيتنا"
ابتسمت هي له ثم قالت بنبرةٍ هامسة:
أنا حامل أنا كمان، روحت كشفت علشان مزعلكش و الدكتورة بالصدفة عرفت أني حامل"
يبدو أن أحلامه امتزجت بواقعه و كأنهما أختلطا سويًا، فهل ما سمعه هو الواقع أو أن عقله هو ما صور له ذلك ؟!
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التاسع والثمانون 89 - بقلم شمس بكري
الفصل التسعون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_________________________
فُرضت عليَّ حرب مسلوبة الراء؛ كان سهم عينيكِ فيها بتارًا"
_________________________
_لم اتصور في حياتي أن يأتي اليوم الذي أتنازل فيه بكامل إرادتي عن أكثر الأشياء التي احترقت شوقًا للحصول عليها، لم أتوقع و لو لمرةٍ واحدة أني و بملء إرادتي قررت المضي قدمًا تجاه أكثر الأشياء البعيدة عني و عن قلبي، لم يكن الأمر سهلًا، لكن ما قدمته لي الأيام؛ جعلني أصنع من هزائمي نصرًا جديدًا يُكتَبُ لي.
و كأنما اختلط واقعه بحلمه فلم يعد يعي ما وُقع على سمعه، حتى نظر لها "طارق" ببلاهةٍ فأكدت هي قولها حينما حركت رأسها موافقةٍ بحماسٍ، حينها ظهر شبح ابتسامةٍ هادئة على شفتيه يطلب منها المزيد من التأكيد فحركت هي رأسها موافقةً للمرةِ الثانية ثم قالت بهمسٍ امتزج بالحماس:
والله مش بكدب عليك، أنا لما فكرت روحت كشفت و الدكتورة بالصدفة طلبت مني تحاليل و أنا جهزتها لقيتها بتقولي أني حامل في الشهر الأول، شوفت بقى الثقة في ربنا !!"
فور انتهاء حديثها وجدت نفسها بين ذراعيه في عناقٍ لم تدري هي متى دخلته حتى اصطبغ وجهها بحمرة الخجل حينما أدركت تواجد الجميع حولهما، فيما لاحظ البقية ما فعله "طارق" فرفع هو صوته بنبرةٍ عالية:
شوفتي بقى أنا فرحت ازاي ؟! اهوه أنا كنت مستني اللحظة دي من شهور علشان أفرح كدا معاكِ"
ابتعد عنها بعد حديثه ينظر في عينيها ثم اقترب منها يُلثم جبينها و لازالت هي أسيرة خجلها فقال "أحمد" بتهكمٍ موجهًا حديثه لعمه:
إيه يا حج محمد ؟! مش سامعلك صوت يعني !! و لا هو علشان ابنك ؟!"
ارتفعت ضحكات الجميع فيما حدجه "محمد" بوجهٍ ممتعضٍ فقال "طارق" بفرحةٍ خنقت صوته من فرطها:
اعذرني يا أحمد، بس أنا دلوقتي عاوز اتنطط زي المجنون، جميلة حامل يا جماعة"
اختلفت التعابير من بين شهقاتٍ فرحة و بين حماسٍ و استنكارٍ فاقترب "حسان" من ابنته يسألها بلهفةٍ و عبراتٌ تلمع في مُقلتيهِ:
بجد ؟! طارق بيتكلم بجد يا جميلة ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم فعانقها "حسان" بفرحةٍ و عاطفةٍ أبوية لم يقو على التأثير عليها فاحتضنته و هي تبكي بتأثرٍ و من بعدها توالت الأدوار في ردود الأفعال من العائلة بأكملها و كان آخرهم "أحمد" الذي اقترب منها يحتضنها و هو يقول بفرحةٍ ظهرت عليه:
ألف مبروك يا حبيبة قلب أخوكِ، ربنا يفرح قلبك و أشوفك أحسن أم في الدنيا كلها، أنا فرحان علشانك اوي"
احتضنته هي تلك المرة تقول بحماسٍ:
و أنا واثقة إنك هتكون أحسن و أجمل خال في الدنيا كلها، زي ما أنتَ أجمل أخ كدا"
ربت على رأسها بودٍ و امتنانٍ لها ثم اقترب من "طارق" يحتضنه مُباركًا له و كذلك بادله الأخر العناق بمثيله و في تلك اللحظة صعد "وليد" و معه "مشيرة" في آنٍ واحدٍ مع بعضهما، و حينما لاحظا الأوضاع حولهما من حماس الفتيات و فرحة الرجال و عناق "طارق" و "أحمد" حتى قال بسخريةٍ:
جرى إيه هو احنا مفسدين الفرحة عليكم ؟!"
رد عليه "ياسين" بتهكمٍ يسخر منه:
لأ يا راجل، هو أنتَ وش ذلك برضه ؟! اخس على اللي يقول كدا"
اقترب "وليد" منه يقف مقابلًا له و هو يقول بنفس التهكم:
خلي بالك بقى أنتَ خدت عليا أوي، فاكر أستاذ وليد ؟"
أطاح له "ياسين" برأسه و هو يقول بضجرٍ منه:
أمشي يالا من هنا، قال أستاذ وليد قال، الله يرحم"
دلفت "مشيرة" تقترب من الجميع و هي تقول بتعجبٍ من حالتهم:
مالكم فيه إيه ؟! شكلكم فرحان اوي، ربنا يفرحكم دايمًا"
اقتربت منها "جميلة" تقول بفرحةٍ بادية على وجهها و نبرة صوتها:
أنا حامل يا ماما"
اتسعت عيني "مشيرة" بصدمةٍ لم تتصور ما سمعته من ابنتها، فاقتربت "جميلة" تمسك كفيها و هي تقول بحماسٍ:
و الله حامل في الشهر الأول، أنا فرحانة أوي"
احتضنتها "مشيرة" ببكاءٍ و هي تقبل وجهها و رأسها و كفيها معًا، فيما ابتسم "وليد" بتفهمٍ لما تشعر به عمته بعدما حاولت مرارًا في محو ما سبق، اقترب هو من "جميلة" يبارك لها ثم اضاف بسخريةٍ:
ياريت يبقوا بنتين توأم علشان مليش خلق ادور على عرايس، كان نفسي أخد بنت ياسر بس عامر سبق بقى"
تحدث "عامر" مندفعًا:
ولا !! أوعى حسك عينك تفكر بس مجرد التفكير فيها، بعدين دي أكبر من عيالك"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
و فيها إيه ؟! الفرق مش كتير يدوبك شهور، بعدين هو أنتَ سايب فرصة لحد ؟؟ البت نزلت من بطن أمها كنت قاري فاتحتها"
تحدث "ياسر" بقلة حيلة:
رجالة !! أنا أسف على المقاطعة و الله مش قصدي، بس دي بنتي اللي انتوا بتبيعوا و تشتروا فيها، يا رب نهدى و نتلم !!"
سكت "عامر" و "وليد" أيضًا فيما تحدث "رياض" بنبرةٍ ضاحكة يسخر منهم:
يا سلام بقى لو كبرت و اديتكم على دماغكم كلكم و جابت عريس من برة !! ساعتها هتبقى كسفة ليكم كلكم"
تحدث "عامر" بنبرةٍ جامدة:
أقسم بالله أعوره، اللي هييجي جنب زينة بنت ياسوري أنا هزعله، زينة لعموري قلب عامر معروفة"
تحدث "خالد" مؤيدًا له:
حصل و أنا خالها و شاهد"
كل ما فات كان عاديًا أمامهم جميعًا حتى تحدث "خالد" بذلك الحديث فنظروا له بدهشةٍ حينها قال هو مفسرًا بإحراجٍ من نظرتهم له:
مالكم بتبصولي كدا ليه ؟! لأ ماهو عامر صحيح جايبلي الكافية بس برضه ليه غلاوة عندي و معاه في أي حاجة، دا عاموري قلب خالد"
قال جملته الأخيرة بسخريةٍ مقلدًا طريقة "عامر" في التحدث فارتفعت صوت الضحكات عليهم جميعًا، فيما قال "حسن" بتعجبٍ من حالتهما:
أنا بستغربكم بجد، ناقر و نقير علطول و مع ذلك بحس أنكم قريبين لبعض بطريقة غريبة"
رد عليه "ياسر" بسخريةٍ:
ماهو القط ميحبش إلا خناقه"
ظهرت ملامح السخرية المرحة على أوجه الجميع فتحدث "خالد" بقلة حيلة:
بحبه، و الله العظيم بتشل منه بس بحبه، الفكرة أني بلاقي مع عامر خالد الصغير، هو بيرخم و أنا برخم و البقاء للأرخم بقى"
أيده الجميع و "عامر" أيضًا و استمرت الجلسة بينهم جميعًا في فرحٍ و تهانٍ و مباركات تتبادل بينهم في ليل أُنسٍ على الجميع.
_________________________
في غرفة "طارق" طلبت منه جميلة أن يؤدي كلٍ منهما ركعتي شكر لله على فضله و كرمه عليهما، أنهت هي الركعتين قبله و أنهى هو بعدها ثم رفع كفيه يدعو الله أن يديم عليه الفضل و الكرم، و يثني عليه فضله، كانت هي تتابعه بعينين دامعتين ثم اقتربت منه تجلس أمامه و هي تبتسم فابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
ربنا دايمًا مخليكِ سبب فرحتي يا جميلة، من يوم ما وعيت على الدنيا و أنا كانت الفرحة مش سيعاني بيكِ، و لما رجعتيلي من تاني أنا الروح ردت فيا، و لما عيشتي معايا حياتي احلوت و دلوقتي هكون أب و برضه منك أنتِ"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت باحراجٍ منه:
أنا أسفة أني زعلتك و قولتلك أنه مش وقته، بس أنا كنت خايفة إنك تكون يأست من رحمة ربنا، أحنا بقالنا سنة و حاجات بسيطة مش كتير اوي، خوفت تكون سلمت دماغك للشيطان يوسوس جواك، علشان كدا قولتلك نصبر على الرزق"
تحدث هو بلهفةٍ:
محصلش، أنا بس خدت بالاسباب إننا نسعى و نشوف الحل علشان لو فيه مشكلة، غصب عني حسيت أني عاوز المشاعر دي زي كل اللي حواليا، أنتِ مش غلطانة و أنا مش غلطان بس كل واحد فينا ليه وجهة نظر"
ابتسمت هي بتفهمٍ ثم قالت بخجلٍ حينما تذكرت:
خلاص بقى اللي حصل حصل، و بعدين شكلي كان وحش أوي قدام الدكتورة و أنا رايحة اكشف و في الأخر طلعت حامل، حاجة مضحكة أصلًا"
سألها هو بتعجبٍ من ذهابها بمفردها:
و ليه روحتي لوحدك ؟؟ ماخدتنيش معاكِ ليه؟"
حركت كتفيها ثم قالت بترددٍ:
بصراحة.....يعني ماكنتش حابة إن يكون فيه حاجة تخلي واحد فينا يزعل، علشان كدا قولت اكشف أنا لو فيه حاجة أعرفك بس أصلًا قبل ما أكشف لقيت نفسي حامل و شكلي كان أهطل أوي و أنا رايحة عبيطة كدا"
ابتسم هو لها بقلة حيلة فسألته هي بحماسٍ عاد لها من جديد:
المهم !! أنتَ مبسوط ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منها يقبل وجنتها و قال بعدها بنبرةٍ هائمة:
مينفعش السؤال دا يتسأل و أنتِ معايا، الإجابة محسومة"
ابتسمت هي بفرحةٍ ثم جلست بين ذراعيه تقص عليه حياتهما القادمة سويًا و حماسها في رؤية طفلهما تربيه هي كما تريد و هو يعاونها في ذلك و لأول مرّةٍ يشعر بلذة تلك الأحلام معها دون أن تجحمه خيالاتٍ تشتت ثبات نفسه.
_________________________
في غرفة "وليد" قام هو بنقل كافة أشياء أبنائه إلى غرفته في شقة والده بعد إلحاحٍ دام لهم جميعًا من قبله وأمام اصراره وافقوه أخيرًا، و كان الوضع في غرفته كالآتي أمسكت "عبلة" أحد الصغيرين تُرضعه و الأخر على ذراعي والده يهدهده و هو يدور به في الغرفة مُمعنًا النظر في قسمات وجهه و رغمًا عنه زاحمت الراحة نظراته و هو بينهم ممررًا بصره على ذويه حتى نام "مازن" على يد زوجته فتنهدت هي براحةٍ ثم قالت بنبرةٍ هامسة:
الحمد لله نام، حساه هادي اوي عن اللي معاك، أول ما برضعه بيفوق، ربنا يعينا يا ليدو"
اقترب منها بصغيره على يده ثم جلس أمامها على الفراش و هو يقول بنفس النبرة الهامسة:
هيعينا، أنا طالب من كل قلبي إنه يقدرني على تربيتهم، غلاوتهم اللي اتزرعت في القلوب دي مش من فراغ يا عبلة، قلبي اللي دق دقة غريبة عليه أول ما بصيت ليهم مش حاجة عادية إن حد يحس بيهم، مازن اللي على ايدك و زياد اللي على أيدي دول، حياة تانية ربنا بيوهبها للإنسان علشان يعيد حسبته في كل حاجة، دول بس أنا مجبر أربي نفسي علشانهم هما، و علشانك أنتِ، كفاية عليكِ نسخة واحدة مني"
استطاع بحديثه التأثير على مشاعرها و عاطفة الأمومة لديها، فأخفضت رأسها تنظر لصغيرها على يدها ثم وجهت بصرها نحو الأخر على ذراع والده، فابتسمت بسخريةٍ و هي تقول بقلة حيلة:
يؤسفني أقولك إن للأسف هما هيكونوا نسخة واحدة منك هما الاتنين، قلبي قالي كدا"
ابتسم هو بخبثٍ ثم قال:
الله يصبرك بقى على اللي هتشوفيه، مش بايدي دي"
استيقظ من كان يحمله "وليد" و هو "زياد" فابتسمت هي بيأسٍ و هي تحرك رأسها نفيًا فيما ابتسم هو رغمًا عنه و نظراته نطقت بقلة حيلة بدلًا من لسانه:
مش قولتلك !!"
_________________________
أسفل بيوت الشباب توقفت السيارات بعدما تسوقوا في عودتهم و قاموا بجلب المشتريات للبيت سويًا، وقفوا جميعًا مع بعضهم في الشارع فلاحظوا جميعهم أن "ياسر" يقف بنعاسٍ تغلب عليه، فتحدثت "إيمان" بضجرٍ:
يا ياسر !! فوق بقى يا ياسر"
فرق ما بين جفنيه بتعبٍ و هو يتثاءب ثم قال بقلة حيلة:
نعم !! عاوز أنام يا إيمان هيكون مالي؟ من يوم ما بقيت أب و أنا فارقني النوم"
ابتسموا بسخريةٍ فقال "عامر بتشفٍ في "خالد":
تصدق أني كنت بدأت أحسد الواد خالد ؟! قوم إيه بقى !! ربك يكرمه بعيل تاني علشان النوم يطير من عينه و يكرر اللي حصل"
رمقه "خالد" بغيظٍ فقال "ياسر" مقترحًا على "عامر":
بقولك يا عامر، مش أنتَ كنت طالب مني أيد زينة بنتي لعمر ابنك ؟!"
انتظر "عامر" تكملته و كذلك البقية فأضاف هو بنبرةٍ ناعسة:
مش عيب أنتَ و ابنك تسيبوا بنتكم كدا تبات برة البيت ؟؟ دا أنا دافع مهر نص مليون جنيه حتى لابنك، هات ٣٠٠ ألف و خدها يا عم"
حاول الواقفين كتم ضحكتهم فيما اتسعت عيني "عامر" بدهشةٍ حتى أضاف "ياسر" متابعًا:
اسمع مني أنا كدا كارمك و الله، خدها من دلوقتي و أنا أنام أسبوع كدا ولا حاجة و نبقى نصحى نقرأ الفاتحة"
رفع "عامر" صوته و هو يقول منفعلًا بضجرٍ منه:
ما تفوق بقى يا عم !! أنتَ مخك فوت من يوم ما بقيت أب !! ما تشوف أخوك يا عم خالد"
مال "خالد" بجزعه على الصغيرة "زينة" على يد والدتها ثم قال موجزًا:
بقولك إيه ؟! خلص على ٢٥٠ ألف و أنا هكلمه ليك في الباقي"
حاول "ياسين" كتم ضحكته و كذلك "خديجة" التي رمشت ببلاهةٍ لا تصدق ما تراه عينيها، فيما ضرب "عامر" كفيه ببعضهما و هو يقول بغير تصديق:
ما شاء الله عيلة واطية بالوراثة، عرق داسس في العيلة كلها، فوق يالا، دا بيبعلي بنت أختك !!"
رد عليه "خالد" بلامبالاةٍ:
و فيها إيه ؟! البت عيونها زرقا و شعرها أصفر، على الأقل هتحسن النسل اللي جاي، اسمع مني كدا احنا كارمينك"
اقتربت "خديجة" من "إيمان" تقول بلهفةٍ تقترح عليها:
بقولك إيه ؟! هاتيها تبات معايا و بكرة الصبح و ياسين رايح الشغل هخليه يجيبهالك، علشان خاطري"
نظرت لها "إيمان" بدهشةٍ فقالت "ريهام" بسخريةٍ:
وحدي الله بس يا كتكوتة، أنتِ لسه بدري على الكلام دا، تاخدي مين أنتِ ؟!"
ردت عليها بتلقائيةٍ:
هاخد زينة، أنا مش بنام غير الصبح تقريبًا و هي كمان زيي، حرام نخلي زين و دكتور ياسر يناموا و أنا أسهر معاها بدل ما ياسين بيسيبني و ينام"
ضحك الشباب على حديثها فيما حدج "ياسين" فيها بصدمةٍ فقالت هي بتوترٍ:
اقصد يعني أنه بيتعب من السهر جنبي فبينام، علشان خاطري يا إيمان هاتيها و الله لو عيطت هجيبهالك"
ردت عليها "إيمان" بقلة حيلة:
أنا مش عاوزة ازعلك والله، بس هي بتصحى بليل علشان ترضع، هنتصرف فيها إزاي دي ؟! إن شاء الله تشد حيلها شوية و أنا هسيبهالك"
نظرت لها "خديجة" بإحباطٍ فقال"ياسر" متدخلًا في الحديث:
طب خلاص خالد ياخدها تبات عنده المهم أنام يوم واحد"
سأله "خالد" بسخريةٍ:
و هو أنتَ هتسيب بنتك تبات عندي و أنا عندي شاب أعزب ؟"
رد عليه الأخر يستفسر بنفس السخريةِ:
دا على أساس أنه ابن حمدي الوزير ؟؟ ماله يونس زينة الشباب و الرجالة ؟!"
نظروا له بدهشةٍ فقال هو بقلة حيلة:
خلاص يا جماعة ناموا أنتم و أنا هسهر ببنتي زي كل يوم إن شاء الله لحد ما نشوف أخرتها"
صعدوا جيمعًا كلٍ منهم إلى شقته أخيرًا بعدما انتهت وقفتهم سويًا، و بعد مرور بعض الوقت و كعادة "ياسر" منذ أن أصبح أبًا، حمل "زينة" على يده يهدهدها و هو يتحرك بها في أنحاء الشقة حتى نامت هي أخيرًا فجلس هو على أقرب مقعد يقابله بعدما زفر براحةٍ، فحدث نفسه بسخريةٍ و هو يقول:
تعبتيني يا بنت الكلب، تصدقي ؟! أنا عذرت أبويا، ما هو أكيد مستحملش الهم دا، حتى دي مسبهاش ليا أتصرف فيها، لولا بس اني خايف يقولوا عليا طالع لأبوه كان زمان طافش و سايبكم، بس خوفت يتقال إن العرق دساس، المهم نامي أنتِ و أنا هسهر أحرسك، لحد ما نشوف أخرها يا زينة"
استمعت "إيمان" لحديثه بالكامل فاقتربت منه تقول بسخريةٍ:
اطفش يا حبيبي، هو احنا ماسكين فيك يعني ؟؟"
رمقها بلامبالاةٍ فاقتربت هي منه تأخذ ابنتها حتى تضعها في الفراش و بمجرد ابتعادها عنه بكت بملء صوتها حتى ضرب رأسه بكفيه ثم اخذها بين ذراعيه من جديد فسكتت "زينة" على الفور و حينها قالت "إيمان" بضجرٍ من ابنتها:
لأ دا شغل ضراير رسمي، البت دي من هنا و رايح هتبقى ضرتي و هحطها في دماغي"
ابتسم "ياسر" رغمًا عنه و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
بس أنا فرحان أنها متعلقة فيا كدا، حاسس أني بنجح في دور لسه مبدأش"
رفعت زوجته صوتها بحنقٍ من همسه:
أنتَ موطي صوتك ليه يا عم !! موطي صوتك ليه ؟! خايف على مشاعرها ؟! طب و مشاعري !"
ابتسم هو بقلة حيلة فاقتربت منه تجلس بجواره و حينها بكت "زينة" من جديد، فتحدث هو مُسرعًا:
قومي يا إيمان نامي جوة و لا روحي عند أمك بقى، البت مش طايقة وجودك"
نظرت لهما بغموضٍ ثم ابتعدت عنهما بعدما زفرت في وجهه بقوةٍ فابتسم هو بسخريةٍ و قال لابنته بنفس النبرة الهامسة:
تصدقي فرحان فيها ؟؟ أحسن"
________________________
في شقة "حسن" كانت "هدير" ممدةً على الفراش تنام دون أن تشعر بما حولها و هو بجوارها يملس خصلات شعرها بحنانه المعتاد كما لو أنها ابنته، ابتسم "حسن" بسخريةٍ و هو يتذكر ما مر عليه معها مرورًا بنزاعهما في الصغر حتى نومها جواره ببطنها المنتفخة، ارتفع صوت ضحكاته أكثر و هو يتذكرها في صغرها، فاستيقظت هي على إثر صوت ضحكاته الرنانة و فركت وجهها ثم سألته بصوتٍ متحشرجٍ:
إيه يا حسن في إيه ؟! أنتَ ملبوس ؟ بتضحك لوحدك"
تحكم في ضحكاته ثم قال بنبرةٍ لازال بها أثر ضحكاته:
لأ كل الحكاية بس أني كنت بفتكر شكلك و أنتِ صغيرة، و بصراحة مش قادر أمسك نفسي و أنتِ بطنك منفوخة كدا، شكلك يموت من الضحك يا هدير"
وكزته في كتفه بغيظٍ فتأوه هو بعنفٍ ثم قال:
إيه دا !! نحلة بتقرصني ؟؟"
ابتسمت هي بقلة حيلة ثم اقتربت منه تضع رأسها على صدره و هي تقول بنبرةٍ ناعسة:
الله يسامحك ما بصدق أنام شوية، بعد كدا مش هنام غير بعد ما أنتَ تنام، دا إيه التعب دا"
ربت على كتفها و كفه الأخر مرره في خصلاتها و هو يقول بثباتٍ:
بعد الشر عليكِ من التعب، تتعبي إزاي بس و أنا موجود"
ابتسمت بسمة بجانب شفتيها فقال هو مسرعًا بلهفةٍ:
صح أنا كلمت عم محمود و اعتذرتله اننا مشينا، علشان هو كان مصمم نقعد معاهم شوية"
ردت عليه هي باستحسانٍ:
طب كويس، أنا فهمته أني بتعب بليل و هنا أحسن ليا، أنا مش برتاح غير هنا"
ابتسم هو لها ثم قال بمراوغةٍ:
هو أحسن بصراحة كتير، أعاكسك براحتي، أرخم عليكِ، أصحيكي بعدما تنامي، أنا حر في بيتي، أنا واحد مش بتطمن غير في بيتي مع مراتي"
تمسكت به أكثر و هي تقول بسخريةٍ هي الأخرى:
يعني هو أنتَ بتحب البيت هنا و أنا بحب البيت الأبيض ؟! ما أنا بحب هنا أنا كمان و بحبك يا أبو علي، هو بابا بس بيحبنا نقعد عنده علشان لوحده"
ابتسم هو براحةٍ ثم حرك رأسه متفهمًا فيما قالت هي بنبرةٍ هادئة:
احضني يا حسن و طبطب عليا علشان أنام زي ما صحتني، اقسملك بالله لو منمتش هزعلك"
_________________________
في شقة "ياسين" اشتد التعب على "خديجة" و زاد الأمر إلى الغثيان و التقيؤ، فقضت ليلها روحةً و جيئة في الذهاب للمرحاض حتى خارت قواها و ارتمت على أول المقاعد التي قابلتها، و كل ذلك كان هو معها لم يتركها بمفردها حتى في المرحاض كان داعمًا لها و هي تستند عليه.
جلست على المقعد تنتفض بألمٍ في أنحاء جسدها حتى أمسك هو المنشفة يمسح لها وجهها، فقالت هي بنبرةٍ باكية بسبب رؤيته لها في هذا الوضع:
أنا آسفة والله، ماكنتش عاوزاك تشوفني كدا، قرفتك معلش"
ابتسم هو بقلة حيلة ثم قال مُطمئنًا لها و يرفع عنها حرجها:
بس يا عبيطة، أنتِ بتقولي إيه يا خديجة ؟! دا فرض عليا و الله، أنا لو معملتش كدا ابقى قليل الأصل، المهم أنتِ"
ارتجفت هي بسبب البكاء فقال هو بنبرةٍ هادئة:
تعالي علشان تاخدي الدوا، تعالي يا خديجة و بطلي هبل"
مسحت دموعها ثم تنفست بعمقٍ فيما سندها هو نحو الغرفة ثم أجلسها على الفراش و جلس هو مقابلًا لها على ركبتيه يمسح وجهها مرةً أخرىٰ ثم سحب فرشاة الشعر من جواره يُعيد ترتيب خصلاتها المشعثة و هي تبتسم له حتى انهى هو ما يفعله ثم غمز لها يشاكسها و هو يقول ممازحًا لها:
أي خدمة يا ست الكل، استغليني بقى علشان مقلبش على الوش التاني و أسيبك و أنام"
ردت عليه هي بنبرةٍ خافتة:
ميعملهاش، ياسين اللي أنا عرفاه ميعملش كدا أبدًا، هيستحملني لحد ما الفترة دي تعدي على خير"
جلس هو بجوارها ثم ضمها بين ذراعيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة و هو يربت على ظهرها:
إن شاء الله هتعدي على خير و تبقي زي الفل أنتِ و اللي في بطنك كمان، إن شاء الله خير و أنا متطمن"
بكت هي بين ذراعيه بصوتٍ عالٍ لفت نظره فسألها بقلقٍ بالغٍ:
مالك طيب بتعيطي ليه ؟! لسه فيه حاجة وجعاكي طيب ؟؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
عاوزة أكل محشي بتنجان و فراخ محمرة بس مش هقدر أعملهم"
اتسعت عينيه بدهشةٍ ثم سألها بترقبٍ للآتي:
خديجة ؟! عاوزة المحشي دا دلوقتي ؟! النهاردة يعني ؟"
حركت رأسها موافقةً فيما لوى هو فمه بتهكمٍ مثل النساء و قال محدثًا نفسه بسخريةٍ:
محشي بتنجان و فراخ محمرة الساعة ١٢ بليل !! لأ متيسرة"
قرر الانصياع لرغبتها حتى لا يُلقى اللوم عليه، فقام بطلب رقم أحد المطاعم المختصة في عمل تلك الانواع من الأطعمة و على الرغم من إحراجه من ذلك الطلب في ذلك التوقيت لكنه قرر تحدي خجله و قرر المجازفة و طلب المطعم لكنه تعجب من ترحيب المكان بطلبه في ذلك الوقت حتى حدث نفسه بتعجبٍ:
هي مصر كلها متوحمة على محشي ولا إيه ؟! مش كانت رنجة باين ؟! و لا دي اشتغالة"
وصلهما الطعام أخيرًا فجلست هي بجواره تأكل بشهيةٍ مفتوحة دون أن يشاركها هو الطعام، فقط كان يراقبها و هو يحتسي مشروبه المفضل "النسكافيه" فمدت يدها له بالطعام و فمها ممتلء، فرفع كفه يضعه على صدره و هو يقول بسخريةٍ:
ألف هنا و شفا يا ست الكل، لسه متوحم على طاجن بامية باللحمة، مرة تانية إن شاء الله"
ضحكت هي بصوتٍ عالٍ بعدما ابتلعت الطعام، فضحك هو رغمًا عنه ثم ضرب كفيه ببعضهما و هو يقول بسخريةٍ مما يراه:
يا وقعة سودا ؟؟ دا أنا شكلي هشوف المر بكاسات العذاب ألوان"
_________________________
بعد مرور عدة أيام قليلة شارفت على الاسبوع بعد ولادة "عبلة" قرر "وليد" الوفاء بوعده أخيرًا و قام باصطحابها إلى المكان الذي يتردد عليه معه عمته دومًا دون أن يعلم أيًا من أفراد العائلة بذلك.
توقفت السيارة أمام الدار و "عبلة" في الخلف مع أبنائها تطالع ما حولها بخوفٍ و ترقبٍ حتى التفت هو لها يقول مُطمئنًا لها:
متخافيش أنا معاكِ، هو المكان بس شكله مرعب حبتين تلاتة، و تحسيه مشرحة زينهم و ضلمة كأنه مكان تجارة أعضاء و تحسيه بيت الرعـ...."
صرخت في وجهه و هي تقول بصوتٍ عالٍ:
ما خلاص يا بني !! هو أنتَ بتخوفني و لا بتطمني ؟!"
ابتسم هو لها ثم نزل من السيارة يعاونها في النزول حتى نزلت هي و حمل هو أحد أبنائه و حملت هي الأخر حتى يدلفان سويًا، كانت الأوضاع حولهما أكثر من مُخيفة و خاصةً بسبب الصمت الذي خيم على المكان، و يبدو كأنه شعر بها، فالتفت لها يُطمئنها و هو يقول:
متخافيش والله أنا معاكِ، بطلي التوتر دا، هتطمني دلوقتي"
حركت رأسها بخوفٍ سيطر عليها فاقترب هو من الغرفة يقف أمام الباب و قبل أن يطرقة التفت بلهفةٍ و كأنه انتبه لتوه:
عبلة، أنا جوة هيبقى اسمي هيثم و أنتِ اسمك أميرة، تمام ؟! لو اتشتمتي مشيها، لو اتقالك إنك عديمة الرباية عديها، لو اتقالك إنك حيوانة فوتيها ولو اتقالك إنك بنتـ....."
اوقفت حديثه و هي تسأله هامسةً بحنقٍ حتى لا تلفت الأنظار نحوهما:
و لما هو أنا بت زبالة كدا متجوزني ليه، إيه السُمعة دي"
غمز لها بمشاكسىةٍ و هو يقول:
اتجوزتك علشان أنتِ السوبيا بتاعتي، و حقي في الدنيا"
ابتسمت هي له ففتح هو الباب لها حتى تدلف معه و بالفعل دلفا سويًا لتتسع عينيها بدهشةٍ حينما وجدت عمتها تجلس أسفل قدم المرأة المُسنة تقوم بوضع الجهاز الطبي لها في قدمٍ من قدميها، فحمحم "وليد" حتى انتبهت له عمته و قامت و هي تبتسم لهما، حينها وزعت "عبلة" نظراتها بينهما بخوفٍ لم تفهم ما يدور حولها.
_________________________
في مقر الجمعية زاد عدد الشباب بها و زاد الإقبال على فكرتها حيث توافد الشباب بمختلف نوعيهما حتى يتم معرفة الأمر بطريقةٍ أفضل بعدما قدم لها أفراد عائلتها كل الدعم للوصول لهؤلاء البشر.
كان "عمار" من ضمن هؤلاء الشباب الذين ذهبوا إلى هناك حتى يعاون في شئون الجمعية و كان هذا هو السبب الظاهري و لكن ما خفي كان غير ذلك حيث طلب منه "ياسين" ذلك حتى يطمئن عليها أثناء غيابه في العمل.
اقترتب "خديجة" من مكان جلوس "عمار" تجلس أمامه و هي تبتسم بغموضٍ، فسألها هو بتعجبٍ:
خير بتبصيلي كدا ليه ؟!"
ردت عليه بشرٍ زائفٍ:
عاوز تقنعني يعني أنك بقالك أسبوع كدا بتيجي هنا كل يوم علشان تعمل خير ؟! بتروح محاضراتك و تجيلي على هنا !! مش غريبة دي"
ابتسم هو لها بقلة حيلة حينما تأكد من كشف أمره ثم أضاف:
والله النية مكانتش كدا من البداية بس سبحانه ربك مغير الأحوال بقى"
في تلك اللحظة دلف أحد العاملين بالجمعية و معه رجلٌ أخر يسير خلفه، فتوقف العامل أمامها باحترامٍ يلفت نظرها لمن خلفه فاشار لها "عمار" بالوقوف ثم اقترب هو منهما يقول بأدبٍ:
اؤمر، تحت أمر حضرتك"
اعطاه الرجل ورقةً بيضاء و هو يقول بنبرةٍ عملية:
دي ورقة عاوزين أستاذة خديجة تمضي عليها"
عقدت ما بين حاجبيها فيما أخذ "عمار" منه الورقة يقرأ ما دون به حتى ردد ببلاهةٍ:
إيه دا ؟؟ إخطار من الوزارة جاي باسمك أنتِ ؟!"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التسعون 90 - بقلم شمس بكري
الفصل الواحد و تسعون"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_________________________
لقد حان الوقت لعينيك بالوعودِ أن تفي"
_________________________
_قيل في قديم الأزل أن أكثر ما تخشاه هو أكثر ما يعطيك الأمان، و إذا أمعنت نظرك في تلك المقولة للوهلةِ الاولى قد تبدو لك مجرد خرافة و اذا امعنت بها نظرك من جديد ستجدها حقيقة، فلو ما كان الأمر يعنيك ما كنتُ شعرتُ به من الأساس.
صدمةٌ حُلت عليها لتشل حركتها و توقفها محلها، لم تفهم شيئًا مما قاله "عمار" لذلك رفرفت باهدابها عدة مراتٍ حتى اقترب منها "عمار" يمد يده لها بالورقة يقول بحماسٍ استعجبته هي بسبب خوفها، لذا قال هو مُشجعًا لها:
خديجة، أمضي هنا علشان الراجل يمشي، مالك خايفة كدا ليه ؟!"
زاغ بصرها نحوه تحرك رأسها بالسلب و كأنها تنفي تهمةٍ كاذبة عنها، حتى حرك رأسه لها يحثها على توقيع اسمها، فامتثلت هي لما يريد بأنامل مرتعشة، فيما أخذ هو الورقة يعطيها للرجل ثم سألها بعد رحيله:
مالك ؟! أنتِ كويسة ؟!"
حركت رأسها نفيًا و هي تقول بخوفٍ:
أنا مش فاهمة حاجة، هو دا إيه ؟! أنا معملتش حاجة و الله"
عقد ما بين حاجبيه و هو يقول بحيرةٍ غلفت نظراته:
ماشي معملتيش حاجة مفهوم، بس أنتِ ليه خايفة و الموضوع مش مستاهل؟!"
قبل أن ترد عليه قد وصل "ياسين" لها بعد عودته من العمل، فاقتربت منه هي بلهفةٍ كما الغريق الذي عثر على طوق النجاة، و قد تعجب هو من حالتها تلك و قبل أن يسأل هو، تحدث "عمار" مسرعًا:
كويس إنك جيت، طمنها بقى علشان هي خايفة و أنا مش عارف اتصرف، شوفها كدا"
سألهما "ياسين" عما حدث و جعلها تتوتر بتلك الطريقة فقص عليه "عمار" ما حدث بالكامل و أعطاه الورقة يقرأ ما دون بها، أخذها منه "ياسين" بثباتٍ و هدوء و سرعان ما ابتسم بفرحةٍ و حماسٍ و بدت انفعالات جسده تُظهر فرحته تلك، فسألته هي بترقبٍ:
ها !! فيه إيه ؟! أنا معملتش حاجة و الله العظيم، حصل اي"
رد عليها بنفس الحماس البادي عليه:
دا إخطار من وزارة التضامن، جاي ليك بضمان فكرتك، فاكرة زميلي و مراته اللي عرفتك عليهم ؟! هما دول قدموا الفكرة باسمك و تم ضمانها وفق الجمعيات الخيرية و وزارة التربية والتعليم"
رمشت ببلاهةٍ فيما ظهر حماس "عمار" بعد حديث "ياسين" لذا سأله بفرحةٍ:
بجد ؟! هو دا ينفع أصلًا ؟!"
رد عليه "ياسين" بثباتٍ:
آه عادي، هما عندهم مؤسسة شبابية تابعة لوزارة الشباب و الرياضة، يعتبر وجودهم واسطة لأي وزارة تانية، أنا قولتلهم على فكرة خديجة و هما قالوا إنهم هيحاولوا، بس النتيجة بانت و أكيد الموضوع عجبهم"
اقتربت منه تمسك مرفقه و هي تسأله بصوتٍ مختنقٍ إثر حماسها و فرحتها:
بجد ؟! يعني كدا احنا نجحنا ؟!"
ابتسم لها ثم قال متكئًا على حروف كلماته:
نجحتي !! أنتِ نجحتي في اللي بتعمليه، سهرك و تفكيرك و مجهودك بان للكل خلاص، دي أقل حاجة قدام مجهودك و تعبك"
ابتسمت هي بفرحةٍ كبرى و لمعت عينيه بوميضٍ أقرب لضوء النجوم في السماء، حتى قال "عمار" بلهفةٍ:
طب أنا كمان ممكن اساعدك، اتحاد الطلبة عندنا يقدموا مساعدات كتيرة للرعاية النفسية و معاهم كلية علم نفس و كلية خدمة اجتماعية، الاتنين عاملين مجهود حلو أوي، و أكيد فكرتك هتساعد كتير و هما يقدروا ينشروها".
رد عليه "ياسين" بحماسٍ:
ياريت يا عمار بجد، ربنا يكرمك و تعمل كدا و تبقى قدمت لينا كلنا خدمة العمر"
وقفت هي توزع النظرات بينهما و هي ترى الأوضاع تذهب لأكثر مما تمنت و أكثر مما أرادت، لكن السبب وراء ذلك بعد فضل الله عليها، هو ذلك الملاك الذي يقف بجوارها و كان أكثر من مُشجعًا و دعمها و نشر حديثها و فكرتها مثل المصباح الوهاج الذي سُلط ضوئه على الكنز المفقود لبلدةٍ عاشت في غياهب الظلام.
_________________________
_وقفت "عبلة" بتيهٍ لا تصدق ما تراه عينيها، عمتها تجلس أسفل قدم امرأةٍ مُسنة و زوجها يعلم أيضًا ؟! نظرت "مشيرة" له بمعاتبةٍ فأومأ هو لها بأهدابه موافقًا و كأنه يُطمئنها بذلك ثم التفت لزوجته يقول بمرحٍ لعله يزيل التوتر الذي خيم عليهم جميعًا:
يلا يا أميرة سلمي على ماما و أعتذري ليها عن كل حاجة حصلت منك، يالا و عرفيها إن هيثم ابنها طيب و بيحبها"
حركت رأسها موافقةً بتوترٍ ثم اقتربت بابنها من المرأة و هي تقول بخجلٍ:
ازيـ.....ازيك يا ماما، عاملة إيه؟"
ردت عليها المرأة ببكاءٍ:
أنتِ أميرة ؟! جيتي علشاني ؟!"
نظرت لهما "عبلة" بتأثرٍ و حينما وجدت التأثر باديًا على ملامح وجهيهما؛ حركت رأسها موافقةً ثم قالت مجاهدةً دموعها:
أكيد جيت علشانك، أومال هاجي علشان مين يعني ؟!"
فتحت المرأة ذراعيها لها و هي تبكي فاقتربت "عبلة" منها و طوقتها المرأة بكلا ذراعيها و هي تمسح على ظهرها و رأسها، ثم سألتها بنبرةٍ باكية:
دا ابنك صح ؟! ينفع أشيله؟! متخافيش مش هعمله حاجة"
حركت "عبلة" رأسها موافقةً بقوةٍ و حتى الآن لم تجد صوتها الهارب، ثم مدت يدها للمرأة بابنها، و قد اقترب "وليد" في تلك اللحظة بابنه الأخر و هو يقول ممازحًا لها:
دا زياد اخوه، قولتلك أني هجيبهم ليكي، إيه رأيك بقى في المفاجأة دي ؟!"
ردت عليه بنبرةٍ باكية:
حلوة أوي، أنا خلاص كدا لو عاوزة أموت مش عندي مانع، كفاية أني شوفتك هنا و شوفت عيالك، ربنا يخليك ليا و متسبنيش تاني"
ابتسم لها ثم قال بنبرةٍ ثابتة تنافي تأثره بها:
طب يلا بوسيهم كدا و احضنيهم خليهم ياخدوا منك شوية حنية، إيه رأيك ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم ثم قبلت رأس الصغار ثم حملتهما على ذراعيها و هي توزع النظرات بينهما بفرحةٍ كبرى؛ تلك الفرحة التي تشبه نزول الغيث على أرضٍ جارفة.
بعد مرور بعض الوقت و انتهاء جلستهم مع تلك السيدة طيبة القلب التي لاقت من كل حياتها القسوة و العذاب، اطمئنت عليها "مشيرة" ثم دثرتها بالغطاء و خرجوا جميعًا من الغرفة نحو الخارج و لا زالت "عبلة" تحت تأثير الصدمة فيما وقفت "مشيرة" و معها "وليد" الذي حمل ابنه على يده و زوجته تحمل الأخر، فقال الطبيب بحماسٍ تغلفه العملية المناسبة لطبيعة عمله:
الحمد لله الفضل بعد ربنا سبحانه و تعالى في إنها توصل للمرحلة دي، هو وجود حضرتك، أنا كنت خايف إن حضرتك متداومش على متابعتها و دا كان هيأثر عليها، زي كتير جُم هنا و مكملوش دورهم و دا كان بيرجعنا لنقطة الصفر و السكوت من تاني، لكن حاليًا هي بقت أفضل و عندها قابلية لكل حاجة، بعد ما كانت قاطعة الكلام تمامًا، أظن إن وجود حضرتك بأسرتك النهاردة دا هيوصلنا لنقط كتير أفضل في حالتها"
سألته "مشيرة" باستنكارٍ:
طب و بالنسبة إنها شايفاه ابنها ؟؟ دا ممكن يأثر بعد كدا في حاجة ؟!"
رد عليها مُخمنًا حديثه:
مش اوي غير لو استعادت الجزء اللي طار من ذاكرتها، أستاذ وليد بالنسبة ليها هو البديل اللي بيعوضها عن مشاعرها مع هيثم، علشان كدا هي مدققة في تفاصيل ملامحه أو حتى شكله، هي بس عاوزة تحس إن ابنها لسه باقي عليها، و دا الدور اللي أستاذ وليد ماشي عليه، بيخليها تحس أنها محبوبة و إن هيثم لسه متمسك بيها"
تحدثت "عبلة" بلهفةٍ قبل أن ينطق زوجها:
واحنا إن شاء الله هنيجي هنا علطول و مش هنقصر معاها، أنا و عيالي و وليد كمان، لو دا هيفرحها يعني"
سألته بحذرٍ فقال الطبيب بعمليةٍ:
ياريت طبعًا، دا هيفرحها و يأثر تأثير إيجابي ملحوظ و خصوصًا في وجود الأطفال".
ابتسم له "وليد" بتفهمٍ ثم اتفق معه على النظام الجديد و تولي مسئوليتها هو و عمته التي تولت مسئولية علاجها و الإنفاق على كافة مستلزماتها.
في سيارة "وليد" ركبوا جميعًا في الخلف و "وليد" على مقعد القيادة، فسألته "عبلة" بتشوشٍ:
عرفتها منين أنتَ و عمتو يا وليد ؟! و مقولتليش ليه طيب!"
رد عليها بتلقائيةٍ:
همشي أعلن نشرة يعني يا عبلة ؟! ست أنا بساعدها و عمتو هي اللي معرفاني عليها، غيرانة ولا إيه ؟!"
سألها بخبثٍ و هو ينظر لها في مرآة السيارة حتى قالت هي بضجرٍ:
يا عم اقعد بقى، أنا بتكلم إنك تجيبني معاك، حاسة انها محتاجة لرعاية اكتر.... أنا نفسيتي بتتعب أوي لما بشوف حاجة زي كدا و مش بفرح بالعكس بزعل، طب دي واحدة و احنا معاها، الباقي مين بيساعده و يرعاه"
انتبه "وليد" لحديثها و أمعن التفكير به فأضافت "مشيرة" بقلة حيلة:
فيه كتير غيرها للأسف و حالات أصعب، و فيه ناس بتيجي تساعد بس للأسف مش علطول، أو الناس عمومًا تفكيرهم واقف عند حاجة معينة، ياريت الناس تفهم بس"
تحدث "وليد" بغموضٍ يرد على حديث عمته:
هيفهموا إن شاء الله، لو اتصرفنا صح هيفهموا"
_________________________
قام "ياسين" بتوصيل "عمار" أولًا لبيت والده و بعدها وصل بزوجته إلى شقة والده حتى ترعاها والدته و تكون معها في أوقات تعبها.
دلفت هي بفرحةٍ كبرى و حماسٍ خنق صوتها من فرطه و هي تقص على والديه ما حدث معها، و قد استطاعت توصيل مشاعرها الفرحة و تقديرها لزوجها و هي تقول بحماسٍ:
الفضل كله بعد ربنا يرجع لياسين يا بابا، ساعدني كتير و حاول أكتر مني أصلًا، أنا كنت بفكر معاه بصوت عالي، و ماما كمان ساعدتني كتير، شكرًا ليكم بجد"
ابتسم لها "رياض" و هو يقول بتفهمٍ:
مش أنا قولتلك إنك بنتي ؟! و زهرة قالتلك أنها طول عمرها كان نفسها في بنوتة حلوة زيك كدا ؟! صدقيني إحنا كلنا محظوظين بيكِ، أنتِ مكسب لينا كلنا، و فكرتك نجحت علشان هي هدفها مساعدة غيرك، مش الغرض منها الشهرة أو الفلوس أو منفعة خاصة ليكِ، أنا فرحان بيكِ أوي و بنجاحك"
ابتسمت هي له ثم نظرت لـ "زهرة" و هي تقول بامتنانٍ لها:
شكرًا يا ماما علشان مساعدتك ليا، بصراحة ماكنتش اتوقع إن المساعدة دي تيجي من حضرتك، شكرًا من كل قلبي"
احتضنتها "زهرة" بعاطفة الأمومة الجياشة التي تُكنها لها، و هي تقول بلهفةٍ:
أنتِ حبيبة قلبي يا خديجة، أنا يعني لو كان عندي بنت كنت هبخل عليها بالمساعدة دي ؟! خلي بالك بس من نفسك و بلاش حماسك يخليكِ تنسي إنك هتكوني أم و محتاجة راحة و رعاية"
تنفست "خديجة" بعمقٍ ثم نظرت له ولازالت كما هي بين ذراعي والدته، فغمز لها هو بمشاكسىةٍ حتى ابتسمت و اخفضت رأسها تهرب بنظراته منه.
بعد تناول وجبة العشاء و الطعام مع والديه، انسحبا سويًا نحو غرفته، فجلست هي أمام الحاسوب الخاص به هو و قد تركه لها حتى تتابع عملها، و جلس على بُعدٍ منها يتصفح هاتفه ثم اقترب منها يجلس مقابلًا لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
شكلك فرحان صح ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فجلس هو بجوارها ثم فتح لها ذراعه حتى ارتمت هي على صدره و هي تبتسم بسعادةٍ فربت على كتفها بعدما أخفض رأسها ينظر لها و هو يقول بسخريةٍ:
مش نفسك في حاجة ؟! فكري كدا، محشي ؟! فرخاية محمرة، كوز درة ؟! عصير لب ؟! أي حاجة من طلباتك المستحيلة؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت و هي تجاهد لكتم ضحكتها:
لأ يا سيدي شكرًا مش عاوزة، أنتَ عاوز إيه ؟! عاوز بنوتة و لا ولد ؟!"
ابتسم هو بعد جملتها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
بصي هو كله فضل و نعمة طبعًا، و الحمد لله على كل حال، بس بصراحة أنا نفسي في بنت، بحس إن البنات دي سبب كدا في فرحة البيت، الولاد رزق و بيكون ونس، بس أنا كان نفسي بيتنا يكون فيه بنت اوي، علشان كدا أنا نفسي في بنوتة تكون حلوة زيك كدا، حنينة و طيبة و رقيقة، مش عاوز أكتر من كدا"
ردت عليه هي بوجهٍ مُبتسمٍ:
طنط عفاف مامة خالد قالتلي إن شكلي حلو في الحمل، يبقى هجيب بنوتة، معرفش هي عرفت ازاي ؟! بس قالتلي وشك منور"
ضحك رغمًا عنه و قال بنبرةٍ ضاحكة:
لا خلاص طالما طنط عفاف قالت يبقى نصدق، دي اصدق من أجدع سونار، اسمعي مني"
انفلتت ضحكة خافتة من بين شفتيها، فيما قال هو بصوته الرخيم:
بس برضه هما رزق، ربنا بيكرم بيه و يا رب نقدر نخليه ذرية صالحة لينا، إن شاء الله يعني، يعني لو جه ولد برضه هحبه و أربيه زي ما أهلي ربوني، بصي يعني ؟! مش عارف بس أكيد هيشوف حب أول مرة أنا أحس بيه و أديه لحد"
ظهر التأثر في نظراتها و ابتسمت له فقال هو بنبرةٍ هامسة:
بس برضه محادش هيزاحمني في حبك، أنتِ حاجة تانية"
_________________________
في بيت آلـ"الرشيد" و خاصةً فوق سطح البيت كان "أحمد" جالسًا برفقة زوجته و "خلود"، جلس هو على مقربةٍ منهما مقابلًا لهما، و الاثنتين أمامه، تقوم كلتاهما بمذاكرة دروسها و هو يتصفح هاتفه مبتسمًا حتى لاحظته "خلود" و قامت بوكز "سلمى" في مرفقها تشير بخبثٍ نحو أخيها حتى انتبهت لها الأخرى فسألته بنبرةٍ جامدة:
بتضحك على إيه يا أستاذ أحمد ؟! خير السبب اللي بيضحكك متنيل بيذاكر"
أغلق هاتفه بعدما انتبه لها ثم سألها بخبثٍ:
هو الورد غيران ولا إيه ؟!"
حركت كتفيها بتعالٍ و هي ترد عليه بلامبالاةٍ واهية:
لأ طبعًا، هغير على أي و من مين ؟! دي شكلها تهيؤات عندك"
رفع حاجبيه مستنكرًا ثم سأل شقيقته التي انشغلت عنهما في المذاكرة بنبرةٍ جامدة:
إيه يا سوسة ؟! سبحان الله راسك ضربت في الكتاب بِـ غِرا !! على أساس إن مش أنتِ اللي شاورتي ليها ؟!"
حمحمت بهدوء و تصنعت البراءة حتى اقترب هو منهما بهاتفه ثم وضعه نُصب عينيهما، و قد عقدت كلتاهما حاجبيها فقال هو بنبرةٍ هادئة:
دي الشقة بتاعتنا أنا و سلمى بعد ما خلصت و فاضل فيها حاجات بسيطة، الراجل صورهالي و كدا فاضل حاجات غالبا تخلص في أسبوع و بعدها العفش بقى"
ظهرت الفرحة في ملامحهما فخطفت منه "سلمى" الهاتف بفرحةٍ و "خلود" بجوارها تشاهد معها الشقة حتى قالت "سلمى" بحماسٍ:
عمل الحيطة زي ما اخترتها بالظبط، خوفت يبوظها، طلع شاطر فعلًا"
رد عليها "أحمد" بفخرٍ:
طارق و وئام بصراحة مش سايبينوا، و هو صاحب حسن و شايل خاطره كمان، بس أنا عاوز أقولكم مفاجأة تانية"
استطاع بحديثه جذب انتباههما فقال هو بحماسٍ:
طارق قالي إن بعد التيرم التاني ما يخلص، هتكون كدا سلمى هتبقى في سنة تانية، و خلود تكون خلصت ثانوية عامة إن شاء الله، قالي بعد النتيجة أقدر اتجوز سلمى و تكمل تعليمها في بيتي و قالي إن كلهم هنا موافقين و هيساعدوني"
سألته "خلود" بتعجبٍ:
بتهزر ؟! تتجوز سلمى و هي لسه في الكلية ؟؟ طب استنى حتى سنتين كمان"
رد عليها بنبرةٍ جامدة:
إيه اللي يخليني استنى ؟! هي مراتي و أنا بحبها و عاوزها معايا و لو هي موافقة تكون معايا في بيتي أنا هساعدها و أكتر ما بساعدها هنا كمان، بس لسه فاضل حوالي ٤ شهور و ربك يحلها"
ردت عليه "سلمى" بلهفةٍ:
أنا عن نفسي مستعدة أسد في الحاجتين عادي، بس أنتَ هتقدر ؟! هتقف جنبي لحد ما اتخرج و أخلص ؟!"
اقترب منها يمسك كفها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
هقدر إن شاء الله طالما كل حاجة غرضي فيها رضا ربنا، أنا مش عاوز حاجة حرام و لا حاجة تزعل ربنا، أنا عاوز أكون مع مراتي، عاوزك مسئولة مني و أنا واثق إني هشيلك في عيوني، أنتِ هتقدري تستني على وضعنا دا خمس سنين كمان يا سلمى ؟! أنا عاوز كل اللي جاي ألحقه معاكِ و مش عاوز عمري يضيع من غيرك، طالما اتكفيت على وشي و حبيتك يبقى تتكفي أنتِ كمان معايا و نكمل رحلة العمر سوا، الرحلة اللي ربنا قسم فيها كل واحد للتاني"
ابتسمت هي له بسمتها الصافية ثم قالت محمسةً له:
و أنا معاك نخلص بس السنة دي و أنا هكون في ضهرك لحد ما كل واحد فينا يوصل للي هو عاوزه"
تدخلت "خلود" تقول بسخريةٍ:
يا كتاكيت !! تصدقوا فشعرت ؟! حركتوا مشاعري و أنا متزفتة في تالتة زفت، اخرسوا بقى !!"
أمسك "أحمد" الكتاب ثم قذفه في وجهها حتى اختبأت خلف "سلمى" و هي تهدده بقولها:
و الله العظيم أخلي الضرب كله ييجي فيها هي، ابعد عني"
ابتسم هو ببراءةٍ ثم وقف بهدوء حتى يرحل من أمامهما ثم عاد لهما من جديد يحمل في يديه وسائد كبيرة الحجم يضربهما بها و هو يضحك بقوةٍ حتى فتحت "سلمى" الزجاجة الموضوعة أمامها تنثر المياه على وجهه و قفزت "خلود" على ظهره تكبل حركته فدار هو بها لتضحك بصوتٍ عالٍ و هو معها أيضًا فقامت "سلمى" حينها تلتقط لهما الصور سويًا ثم قالت بحماسٍ:
هنزل افضحكم و اوريها للعيلة كلها و وليد كمان".
ركضت من أمامهما و هما خلفها بصوت ضحكاتٍ من وسط الحديث في فرحةٍ سكنت قلوبهم جميعًا.
_________________________
بعد مرور شهر تقريبًا من تعميم فكرة "خديجة" و الاخطار الذي وصلها من وزارة التضامن الاجتماعي، حدث ما هو غير متوقعٍ حيث أُصدر قرارٌ بتكريمها ضمن أكثر الشباب المؤثرين فكريًا في المجتمع.
كانت العائلة بأكملها برفاقها كلهم سويًا يشاهدون نجاحها و هي تقف بجائزتها أمام الجميع و شهادة التقدير في يدها، كان "ياسين" واقفًا منزويًا عن الجميع يبتسم بحماسٍ و فخرٍ و هو يقوم بالتقاط الصور لها أثناء تكريمها، لم تكن نظرته لها في تلك اللحظة نظرة زوج لزوجته، لكنها نظرة متخلفة المشاعر تبدو و كأنها نظرة أب لابنته في نجاحها.
كانت هي تبحث عنه وسط الحشد بعينيها حتى حركت رأسها للجهة اليسرى فأشار لها بـ ابهامه يُحييها حتى ابتسمت هي له فتحدثت الفتاة تطلب منها التوجه نحو مكبر الصوت حتى تتحدث عن فكرتها، و رغم الخوف البادي عليها، أقتربت من المنصة تتنفس بعمقٍ عدة مراتٍ ثم نظرت له من جديد فحثها هو برأسه يدفعها للتحدث و كأنه أخبرها بنظراته عن مدى ثقته بها، فسحبت هي الهواء داخل رئتيها ثم قالت بوجهٍ مُبتسمٍ أمامهم جميعًا:
مساء الخير، أنا خديجة طه فايز أحمد الرشيد، الحقيقة إني متوترة شوية أو كتير مش قادرة أحدد، بس كوني واقفة هنا قصاد حضراتكم و بتكلم، أنا هعتبر دا إنجاز ليا، بس أنا مش واقفة هنا علشان اتكلم عني".
لمعت العبرات في عينيها تأثرًا من الموقف و كأن ما مر عليها في حياتها يمر أمامها من جديد، فسحبت نفسًا عميقًا ثم قالت:
أنا جاية اتكلم عن كتير غيري، جاية اتكلم عن اطفال كتير ضاعت حياتهم بسبب قلة الوعي، للأسف اطفال كتير ضاعوا مننا و كبروا غلط و حياتهم كلها نقط سودا معلمة في القلب، كلمة تتقال ليهم تحبطهم، نظرة صعبة تكسر نفسهم، مقارنات قاتلة مع غيرهم تخليه يقف مكانه مدى العمر، أمراض نفسية بتتكون من صغره، على ما يكبر نشوف نسخ صعبة من إنسان أصله كان جميل، للأسف محدش عنده ثقافة إن الطفل مش طفل، دا إنسان بمشاعر و عنده احساس زي الكبار و أكتر كمان بكتير، يمكن الشخص الكبير يقدر يوزن الكلمة، لكن الطفل لأ، هي بالنسبة له كلمة صعبة خرجت من حد قدامه و هو اللي حس بيه بس إنه بيتوجع، إحنا نقدر نوقف كل دا و نحسب كلمتنا معاه، سواء أهالي في البيوت، أو قرايب في التجمعات أو مدرسين في المدارس، هنقدر أكيد نساعدهم يكونوا أفضل"
انتشرت أصوات التصفيق الحار فخرًا بها و بحديثها، و أكثرهم من بين الجميع كان "وليد" الذي لمعت العبرات في عينيه فخرًا بها ليزاحمه نفس شعور "ياسين" حيث وقف لا يصدق أن أخته الصغيرة تقف أمامهم جميعًا تتحدث بتلك الطريقة بعدما كانت تخشى التحدث مع نفسها حتى !!.
انتبه "وليد" لحديثها من جديد حينما أضافت بفخرٍ:
الحقيقة أني معملتش أي حاجة تُذكر علشان أقف هنا، فيه غيري تعبوا كتير و أكتر مني كمان، جوزي و أخواتي و عيلتي و صحابي، حقيقي عملوا كل حاجة أكبر من توقعاتي و مجهودي"
صفقوا لها جميعًا فأضافت هي من جديد بثباتٍ:
الحقيقة إن فيه حاجة كمان أنا عاوزة انوه عنها، زي ما سلط الضوء على صغار السن، فيه فئة تانية لازم نسلط الضوء عليها و دي وليد هو اللي هيكلم حضراتكم عنها"
نظر "وليد" ببلاهةٍ لها فأشارت هي له حتى يقترب منها، و حدثته "عبلة" بهمسٍ:
قوم يلا علشان أصورك و أنتَ بتتكلم، يلا يا ليدو"
وقف "وليد" بتوترٍ و هو يفكر في كيفية التحدث بتهذيبٍ أمام ذلك الحشد دون أن يفسد الأمر على شقيقته و يؤدي الأمر إلى طردهم جميعًا.
وقف "وليد" بجوارها و قبل أن يتحدث هو، رفعت نفسها حتى تصل لأذنه و هي تقول بنبرةٍ هامسة:
أكيد مش هتكون خايف ؟! هتيجي أصعب من واحدة كانت مريضة رهاب اجتماعي ؟!"
ابتسم هو لها ثم اقترب من مكبر الصوت و هو يقول بنبرةٍ ثابتة:
السلام عليكم، أنا متأسف لأني مش واخد أني اتكلم بطريقة رسمية، بس أنا مضطر لكدا"
ضحكوا عليه جميعًا فيما قال "عامر" بنبرةٍ هامسة يحدث "خالد":
حاسس كدا إن كلنا هنطرد من هنا، بعد كلام وليد هيحدفونا بالأوطة، أو الشباشب"
رد عليه "خالد" و هو يحاول كتم ضحكته:
أومال ليه أنا حاسس اننا هنتحجز هنا زي البهايم في العيد الكبير ؟!"
تدخل "ياسر" يقول بنبرةٍ هامسة:
طب الواد دا هينجح و يرفع راسنا هتشوفوا"
انتبهوا جيمعًا لحديث "وليد" الذي وقف بجانب شقيقته و هو يقول بثباتٍ:
الفكرة إن زي ما الأستاذة خديجة قالت إننا سلطنا الضوء على الأطفال، فيه كمان ناس كتير محتاجة أنها تفرح، الناس دول هما فئة كبار السن، الفئة دي محتاجة سؤال و دعم و مساعدة، لو قررنا بس اننا نضحي بيوم من أيام الأسبوع نروح ليهم و نفرحهم و نقعد معاهم، ممكن احنا كقرايب أو شلة صحاب أو ناس أيًا كانت علاقتهم ببعض ممكن ندور على أماكن فيها مسنين و نكرس ليهم أوقات نساعدهم و نقعد معاهم و نفرحهم، الفكرة من البداية ممكن تبان حاجة غريبة مش مضمونة، بس مضمونها نفسه فيه سعادة كبيرة تفرحك أنتَ قبلهم، لو بس فكرنا إن كل حاجة بنعملها بتاخد لفتها و ترجع لينا، ساعتها احنا مش هنقدم غير كل خير للغير"
انتشرت أصوات التصفيق و أطلق "عامر" صفيرًا عاليًا و اقترب منهما "ياسين" يقول بعد هدوء التصفيق و هو يقول بنبرةٍ ثابتة:
أنا قررت أني إن شاء الله هضم فكرة الأستاذ وليد لفكرة الأستاذة خديجة و تبقى الفكرة شاملة مختلف الأعمار، و طبعًا الطريق هيحتاج مساعدة الكل، و حضراتكم قبلنا"
بعد مرور دقائق قليلة من تكريم "خديجة" و حديثها أمام الجميع، وقفوا جميعًا بالخارج مع بعضهم فقال "عامر" موجهًا حديثه لـ "خلود" بمرحٍ:
عقبالك كدا يا خلود لما تتكرمي إن شاء الله، احنا مستنيينك"
ردت عليه هي بتهكمٍ يمتزج بالاحباط:
إن شاء الله، دا لو السنتر نفسه عبرني يبقى بحق، دا أنا عربية عطلانة وسط الطريق"
تدخل "عمار" يقول منفعلًا بصوتٍ عالٍ:
نــعم !! بعد كل دا !!"
انتبهوا له جميعًا فتراجع هو متقهقرًا و هو يقول بخجلٍ من اندفاعه:
أنا قصدي يعني إن مش بعد كل دا اخرتها يجيلك إحباط كدا، شدي حيلك بس شوية هانت، كلنا جيبنا جاز....ها !!"
ابتسمت هي رغمًا عنها فقال "عمار" بنبرةٍ ضاحكة:
عموري تعب خالص يعيني، شدي حيلك يا آنسة خلود بقى"
تدخل "طـه" يقول بثباتٍ:
شدوا حيلكم بس و إن شاء الله انتوا قدها و قدود، و اهو كلنا مستنيين"
نظر لها "عمار" و كأنه يتوسلها بنظراته أن تتحمل ما تبقى حتى يجتمعان سويًا و كأنه يخبرها دون أن يتحدث أن موعد وفاء وعدها شارف على القدوم.
_________________________
تسير الحياة و تمر و يمر العمر و يمر و لن يبقى الحزن أمدًا و لا يدوم المر، فمرت الأيام الباقية مثل سير المياه وسط الأراضي الزراعية، فمرت الفترة المتبقية لحمل "هدير" و اليوم هو يوم وضع مولودها الأول و ها هي تجلس مع زوجها في المشفىٰ.
كانت "هدير" جالسةً على مقعد من مقاعد المشفى في الغرفة و "حسن" أمامها يؤدي بها صلاة العصر، و هي تُصلي على المقعد خلفه حتى انهيا الصلاة سويًا، فالتفت هو لها يقوم بالتسبيح على كفها الأيمن و هي تبتسم له حتى أنهى ما يقوم بفعله ثم قال بتعجبٍ:
على فكرة ليكِ عُذرك إنك متصليش، الدين يسر و ربنا عالم بحالك"
ردت عليه هي بإصرار:
جرى إيه يا أبو علي ؟! أنا الحمد لله ربنا مقدرني و هولد قيصري، و بعدين دا بدل ما تشجعني ؟!"
اقترب منها يقبل رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
ربنا يتقبل منك و إن شاء الله ييسرلك الولادة و تخرجي ليا أنتِ و علي بخير إن شاء الله"
صفقت بكفيها معًا بفرحةٍ لا تتناسب مع الموقف فطالعها هو بدهشةٍ و هو يقول:
أنتِ عبيطة يا هدير ؟! داخلة تولدي قيصري و هيفتحوا بطنك و أنتِ بتصقفي و فرحانة ؟! إيه الهم دا ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
يا عم دي حلاوة روح، بس أنا فرحانة أوي علشان هشوف ابننا يا حسن، أنا عمري ما كنت اتوقع أني أكون أم، بس الاحساس نفسه ملغبطني و مفرحني، و بعدين أنا داخلة و مسلمة أمري لله و استودعته نفسي و ابني و فرحتك و بطلب منه يحفظك ليا"
لمعت العبرات في عينيه تأثرًا من حديثها فدلفت "مسيرة" في تلك اللحظة و هي تقول بحماسٍ:
حبيبة قلب ماما، يلا علشان الأوضة بتاعة العمليات جهزت"
ابتسمت لها "هدير" و رغمًا عنها نزلت دموعها فاقتربت منها "مشيرة" تعطيها زجاجة عصير و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
يلا يا حبيبتي اشربي العصير علشان متهبطيش من الخوف"
اقتربت منها تُسقيها العصير و هي تبتسم لها و "مشيرة" أيضًا ترمقها بحنانٍ، فيما وقف "حسن" يتابعهما حتى دلفت الممرضة تأخذ زوجته و تقوم بتجهيزها.
بعد مرور دقائق قليلة دلفت "هدير" لغرفة العمليات فيما وقفت بقية العائلة في الخارج و خاصةً الشباب مع "حسن" يساندوه و أكثرهم دعمًا له كان "مرتضى".
وقفت "مشيرة" ترفع كفيها و هي تتضرع لله سبحانه و تعالى أن تخرج "هدير" لها بكل خيرٍ فوقفت "جميلة" بجانبها تقول بنبرةٍ خافتة:
هتخرج يا ماما متخافيش، هدير الحمد لله إيمانها قوي و مش خايفة، هتخرج إن شاء الله"
ابتسمت لها "مشيرة" ثم قالت من بين جهادها لدموعها:
إن شاء الله يا حبيبتي، ربنا يطمن قلبي عليكم كلكم"
كان "حسن" واقفًا يتابع الغرفة بنظره بعدما أصبحت كل دنيته بداخلها، فحاول صرف الأفكار القديمة عن رأسه متيقنًا بأن الله أكرم على قلبه و أحن من أن يذيقه مثل هذا العذاب.
مر بعض الوقت كما الدهر الكامل من لحظات الترقب و الخوف و القلق، حتى خرجت الطبيبة بوجهٍ مُبتسمٍ فانتبه لها الجميع حينها قالت هي بتفهمٍ:
مالكم خايفين كدا ليه ؟؟ الحمد لله قامت بالسلامة و جابت علي الحمد لله، هي اللي قالتلي قبل ما أخدرها"
ظهرت الهمسات الفرحة و السرور على وجوههم فارتمى "حسن" بين ذراعي "مرتضى" يقول بحماسٍ امتزج ببكاء الفرح:
جابت علي يا بابا، بقيت أب الحمد لله، الحمد لله يا رب"
احتضنه "مرتضى" بفرحةٍ و هو يقول بحماسٍ له يمازحه:
مبروك ياض يا حسن، كدا كملت"
ابتسم له "حسن" ثم اقترب من "وليد" يقول ممتنًا له:
مش هنسى ثقتك فيا إنك تسلملي هدير، شكرًا على وجودك في حياتي، شكرًا على كل فرحة حسيت بيها بسببك"
ابتسم له "وليد" فيما قال "عامر" يعاتبه بلومٍ زائفٍ:
يا جدع ؟؟ أومال أنا بعمل إيه"
ضحك له "حسن" ثم قال بفرحةٍ:
أنتَ حبيبي اللي هيودينا في داهية، أنا فرحان دلوقتي يعني ممكن ابيع كليتي للي عاوزها"
بعد مرور بعض الوقت كانت "هدير" في الغرفة العادية بعدما تم نقلها لهناك و كل ذلك كان "حسن" معها لم يفارقها و معهما في الغرفة "علي"، دلفت العائلة تطمئن عليها بعدما استفاقت هي ألم التخدير و استعادت وعيها.
كان "محمود" جالسًا بالغرفة مع ابنته و معه أخوته و "حسن" و الشباب في الخارج يقفون مع بعضهم، و فجأة طرق الباب الخاص بالغرفة، أذن "حسن" للطارق بالدخول و هو يحمل ابنه على يده ينظر في وجهه بابتسامةٍ صافية سرعان ما تلاشت بعدما رأى وجه الطارق لتتسع عينيه بدهشةٍ ثم هب منتفضًا يقول بنبرةٍ جامدة:
أنتِ بتعملي إيه هنا ؟! مين اللي قالك تيجي ؟!"
نظرت له بخوفٍ من اندفاعه فيما قالت "هدير" بثباتٍ بعد رؤيتها لها:
أنا يا حسن، أنا اللي قولتلها تيجي"
التفت "حسن" ينظر لها بدهشةٍ غلفت نظراته الموجهة نحوه و حينما رأى الإصرار في نظراتها تؤكد حديثها، فبادلها النظرة بخيبة أملٍ منها قارنها العتاب الموجه من سهام عينيه لها.
_____________
خلاص احنا بنودعهم للأسف علشان متقولوش أني فاجئتكم، لقد أوشكت الرحلة على الإنتهاء"