تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثاني» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول الفصل الأول" رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني" ___________ ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب __________ قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد. كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي ا...
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم شمس بكري
أكتبي بـ حُبكي عهدًا جديدًا للفؤاد...فـ يكفي ما مَر به من قسوةٍ يكفيه مذاق البعاد.
_________________________
ليتنا سمعنا من قال أن السلام ينبع من كثرة الآلام، و ها أنا عدت مُحملًا بالخيبات بعدما حاربت الأيام، تلك المرة لم أخطئ و لم أتمادى و لكنه قدري كالعادة، وقفت الآن و رآسي تمتليءُ بالحكايات حتى أوشك القلب على الممات، الآن كل ما أرجو؛ بنفسي و ذاتي أنجو.
وقف «عمار» بخوفٍ يحاول التفكير في حل معضلته و تلك الخُدعة التي وقع بها، فوجد «زيكا» يقترب منه وهو يقول بتشفٍ:
"أنا هريحك و أريح الدنيا كلها، علشان أخواتك ميجروش وراك بعد كدا"
تلبسته الشجاعة و القوة التي تربى عليها لذلك رفع رأسه بشموخٍ وهو يقول:
"اضرب، كفاية إنك جاي تضربني في ضهري و لفيت زي الحريم، و كفاية أني هروح و أنا راسي مرفوعة، بس كان نفسي أموت على إيد نضيفة بصراحة"
ابتسم له بشراسةٍ وهو يراه مُكبلًا بين ذراعي رجاله و قبل أن يمد يده بالسكين حتى يطعنه أغلق «عمار» جفنيه بشدة ينطق الشهادة و قلبه يرتجف بقوةٍ و كأنه تأكد من نهاية مصيره، و حينما استسلم لتلك الفكرة لم يشعر بأي شيئٍ بعدها، يريد الموت بشهامةٍ على الرغم من سؤاله لنفسه بأي ذنبٍ تُأخذ روحه؟ هكذا كان يفكر وهو ينتظر ضربة السكين و لكنه تفاجأ حينما سمع صوت السكين على الأرض ففتح عينيه بخوفٍ، حينها وجد «وليد» يكبل «زيكا» وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
"حظك يا زيكا إنك وقعت مع واحد مبيثقش في صوابع إيده، عاوزني أثق فيك أنتَ يا شمام !!"
كان يتحدث وهو يشدد مسكته على عنقه حتى اختنق في يده وهو يرفع ذراعه يلوح به، بينما رَجليه قبل أن يتخذ أيًا منهما رد فعل، كان «حسن» خلفهما و في لمح البصر أمسك رقبة أحدهما و لواها للخلف، ثم هجم على الأخر ضربه على رأسه حتى وقع كليهما و ما ساعد «حسن» في التعامل معهما هو ترنح جسدهما نتيجة المخدرات، بينما «عمار» اندفع بِـ غله نحو «زيكا» ثم صفعه على وجهه بعدما أرخى «وليد» قبضته عليه، حينها لم يشعر «عمار» بنفسه إلا وهو ينهال عليه بالضربات نتيجة ما عايشه من قليل، حتى اقترب منه «حسن» بعدما تأكد من خمول الأثنين و عدم قدرتهم على الحِراك، ثم أبعده عن «زيكا» و «وليد» و بعدها أمسك فروة رأسه يشدد مسكته عليها وهو يقول بنبرةٍ جامدة ممتزجة بغلظته:
"بقى أنتَ يا روح أمك عاوز تغفلنا ؟! فاكر إننا هنأمن ليك يا تربية الزرايب أنتَ؟ بس ملحوقة"
قال جملته ثم مال بجسده نحو الأرض يحمل قالب طوب من عليها ثم اقترب منه من جديد وهو يقول بنبرةٍ متريثة:
"هسيبلك تذكار حلو مني علشان كل ما تصحى تفتكر وش حسن المهدي"
قال جملته ثم ضربه على رأسه بقالب الطوب حتى نزف بشدةٍ، بينما «وليد» تحدث يقول مُتشفيًا بعدما امسكه من جديد:
"تيجي تصيده يصيدك، عارف يالا، هاين عليا ألِف بيك المنطقة و أفرجهم عليك بعدما أقلعك هدومك دي، بس أنا مش هعمل كدا"
كان «زيكا» يلهث بقوةٍ من فرط انفعاله، بين ذراعيه فوجد «حسن» يضيف هامسًا بنبرةٍ متوعدة:
" مش أنا اللي يسيب حقه، عاملناك على إنك راجل بس طلعت متستاهلش، و أخرتها عاوز تغفل أخويا"
في تلك اللحظة اقترب «ديشا» من الرجال وهو يقول بقلقٍ واضح:
"خير يا أستاذ كلمتني ليه؟! و زيكا عامل كدا ليه"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ جامدة:
"كلمتك علشان تيجي تلحق صاحبك عِرة الرجالة، اللي كان عاوز يغدر بعمار و كدا لينا حق تاني عندكم"
اقترب «ديشا» من صديقه يمسكه من تلابيبه وهو يقول بصراخٍ في وجهه:
"ليه يا غبي ؟! دول دافعوا عن أختي و حماها بسمعته، و مسح صورها مع الزفت، لـــيـــه !!"
رد عليه بـ غلٍ دفين يصرخ في وجهه:
"فوق يا ديشا !! أحنا فضلنا نعمل هيبة لينا وسط الناس و في الأخر حتة العيل دا خلانا نبوس راسه و علم علينا و المنطقة كلها ملهاش سيرة غير إن عيل علم على كبارها برجولته"
هزه «زيكا» في يده وهو يقول بوجعٍ:
"علشان دي الحقيقة، سكت في حق سمعته و أختي كانت بتبوظ سمعته، فضل راجل لحد أخر لحظة و شال شيلة مش بتاعته، جزمته هشيلها فوق راسي العمر كله، فوق أنتَ يا زيكا"
تدخل «حسن» يقول بنبرةٍ جامدة:
"تاخد صاحبك و تروح دلوقتي، يمين بالله يا زيكا لو طرقنا اتقابلت تاني لأكون مموتك في إيدي، و أنا هحترم كلام ديشا، و كفاية الرسالة اللي سبتها في وشك"
وقف «عمار» بجانب «حسن» وهو يقول بنبرةٍ متألمة:
"أبوس راسك حِل عني أنتَ و أختك و صحابك و عيلتك كلها، أنا مش بتاع مشاكل و مليش فيها، ابعد عني و أنساني و أنا ربنا يقويني و أنسى اللي عيشته بسببكم دا، و الله العظيم مسامح كمان في حقي"
أخفض «ديشا» رأسه بخزيٍ منه وهو يقول بنبرةٍ مهتزة لم يقوى على التحدث أمامه:
"حقك عليا يا أستاذ عمار و كلمة شرف و رجولة مني محدش هيتعرضلك تاني، و ألف شكر على رجولتك معايا"
زفر «عمار» بقوةٍ فوجد «ديشا» يكرر الاعتذار ثم أخذ صديقه الذي أخفض رأسه هو الآخر و رجليه بعدما أوقفهم و كلًا منهما يترنح بين يديه و لكن نظرًا لوجود كبيرهم صمتوا احترامًا له، رحل من أمامهم مع الآخرين، بينما «حسن» اقترب من «عمار» يسأله بقلقٍ و لهفةٍ:
"أنتَ كويس ؟! حد فيهم عمل فيك حاجة أو جِه جنبك؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"لأ متخافش عليا يا حسن، أنا كويس الحمد لله، بس هو أنتو عرفتوا إنه كان هيعمل كدا إزاي؟"
ابتسم «حسن» وهو يشير برأسه نحو «وليد» ورافق إشارته تلك قوله الساخر بمرحٍ:
"الشكاك إبن عيلة الرشيد اللي مش بيثق في حد خالص، من امبارح واكل دماغي إنه خايف من زيكا لحد ما خوفني أنا كمان و اتفقنا نأمنك، بس حضرتك غيرت طريقك و لخفتنا"
فتح فمه و هو يرمش عدة مرات فوجد «وليد» يضيف بسخريةٍ:
"دا أنا مش عارف أأمن لنفسي و اللي حواليا ، تفتكر شمام زي دا ممكن يخليني أثق فيه، نظرته و هو بيعتذرلك كانت بتقول إن الواد دا مش هيسكت، حظه إنه وقع معايا يا عمار"
اقترب منه «عمار» أكثر وهو يقول بنبرةٍ ظهر بها امتنانه:
"ربنا يكرمك يا وليد، و الله موقفك دا في رقبتي العمر كله، أنا خلاص اتشاهدت على نفسي و كنت فاكر إنها خلصت كدا"
ربت «وليد» على كتفه وهو يقول بنبرةٍ متأثرة:
"متقولش كدا، أخوك معاك و في ضهرك، و بعدين عاوزك تقل أدبك شوية علشان تربية أخواتك دي مش نافعة الدنيا دي عاوزة اللي يدوس فيها يا عمار"
رد عليه «عمار» بسخريةٍ من ذاته:
"صعب أغير مبادىء و أصول متربي عليها يا وليد، بس أنا متطمن إنك معايا و في ضهري"
رد عليه «حسن» بحنقٍ زائف:
"إيه يا عم دا ؟! أنا ماشي خلاص، طالما وليد هو اللي أخوك و أنا أتحرق و أولع بقى، و العقد بتاع الأخوة دا قطعوا خلاص"
التفت له «عمار» و على حين غرة احتضنه وهو يقول بنفس الامتنان:
"صدقني نفس المعزة و الغلاوة بالظبط والله، شوفتك مرتين و لقيتك بتدافع عني كأنك أخويا و أعز كمان، أنا قولتلك أسمحلي ابقى أخوك"
ربت «حسن» على ظهره وهو يقول بنبرةٍ متأثرة بعدة مشاعر:
"و أنا قولتلك يشرفني دا ، و لو مش معتبرك أخويا مش هشغل بالي بيك و أفضل افكر ازاي أأمنك، صدقني أنا محظوظ بيك"
تدخل «وليد» يقول بنبرةٍ مرحة:
"طب يلا الوقت اتأخر، عاوزين نروحه علشان أهله ميقلقوش عليه"
رد عليه «عمار» بسرعةٍ يقاطع حديثه:
"أنا كنت هروح عند ميمي علشان فيه حقنة هتاخدها و البنت اللي في بتديها ليها مش موجودة، أنا ياسر معرفني ازاي اديها الحقنة"
رد عليه «حسن» بلهفة لا يدري سببها لرؤيتها:
"طب ينفع نروح معاك ؟! يعني نشوفها و نسلم عليها و نتأكد إنها كويسة"
رد عليه يوافق حديثه:
"طبعًا ينفع، هي هتفرح أوي لما تشوفكم و هتطمن كمان أكتر"
سأله «وليد» بحنقٍ طفيف:
"ثانية بس أنتَ و هو، هنروح معاك إزاي؟ نقولها كنا فين، إحنا مش هينفع نعرف حد باللي حصل دا أصلًا"
رد عليه «حسن» ببساطةٍ:
"عادي نقولها قابلنا عمار و جينا معاه، بس تعالى نشوفها مش هنخسر حاجة"
أومأ له بقلة حيلة خاصةً أنه يعلم مشاعره كيف تتحرك تجاهها، لذلك وافق على مضضٍ ثم توجه معه و مع «عمار» نحو السيارة و منها يتوجهون نحو شقة «ميمي»، بينما «حسن» جلس على مقعد القيادةِ بفرحةٍ لا يدري سببها، فرحة تشبه تلك الفرحة التي يشعر بها التائه عند وصوله.
_________________________
في شقة «رياض» تجهز «ياسين» و «خديجة» حتى تتم عودتهما إلى سكنهما معًا، فاقتربت منه «زهرة» تقول بمعاتبةٍ:
"طب هو إحنا زعلناك علشان تمشي؟ أنا زعلتك يا خديجة مني"
اقتربت منها تقول بنبرةٍ ممتزجة باللهفة القاطعة و الحزن:
"خالص يا ماما و الله، ليه بتقولي كدا بس؟ ربنا يعلم و الله غلاوتك في قلبي و حبي ليكي"
سألتها بتأثرٍ:
"طب هتمشي ليه؟ مش اتفقنا نقعد سوا كام يوم و قولتلك عاوزاكي معايا علشان هجيب حاجات؟"
تدخل «ياسين» يقول بنبرةٍ هادئة و بوجهٍ مبتسم:
"يا ماما إحنا هنا من يوم الجمعة، و بكرة الأربع يعني داخلين في اسبوع هنا، خليني أروح شقتي بقى، أنا ما صدقت خديجة توافق"
خرج والده من الداخل وهو يقول بحنقٍ:
"يا بجاحتك يا أخويا، كمان بتزن على مراتك علشان تمشي؟ طب هي كلمة بقى، انتو مكملين معانا لحد يوم الجمعة و بعدها أمشوا براحتكم"
ابتهج وجه «زهرة» و «خديجة» أيضًا بينما «ياسين» رفع طرف شفته وهو يقول بتعجبٍ:
"دا إيه دا ؟! هو إيه دا يا بابا؟!"
رد عليه والده مُقررًا:
"دلوقتي أنتَ بتروح شغلك و ترجع اخر النهار، و أنا و أمك بنروح و نرجع قبلك ، مراتك بقى بدل ما تفضل لوحدها هناك لحد ما ترجع أنتَ، تفضل هنا و زهرة تيجي و يقعدوا سوا، كمل الأسبوع هنا بقى"
تنهد «ياسين» بقلة حيلة ثم رفع رأسه يطالع وجه «زهرة» و أمام نظرتها و تلك الراحة المرسومة عليه لم يستطع الرفض، لذلك حرك رأسه ينظر لزوجته ففي النهاية لن يجبرها على البقاء فوجدها لم تختلف عن نظرات والدته لذلك حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم قال:
"ادخلي غيري هدومك يا خديجة، مش هزعل رياض و زُهرة مني و لا هزعلك أنتِ كمان"
حركت رأسها موافقةً على حديثه، بينما والدته اقتربت منه تحتضنه وهي تقول بفرحةٍ:
"حبيب قلبي والله، أنا كنت عارفة إنك مش هتزعلني، و كنت عارفة إنك أنتَ اللي عاوز تروح مش خديجة"
رد عليها هو مُردفًا:
"أيوة كنت عاوز أروح، بس خلاص مش هزعل ٣ علشان راحة ١، عن أذنكم بقى هاخد مراتي نغير و نخرج ليكم علشان نتعشى سوا"
قال جملته ثم أمسك كفها و دخل بها الغرفة الخاصة به، بينما والديه نظرا في أثره بتعجبٍ منه و من طريقته، دلف هو الغرفة وهي معه ثم أغلق الباب خلفه طالعته هي بريبةٍ فوجدته يسألها بنبرةٍ هادئة:
"عاوزة تمشي ولا تقعدي؟ اللي أنتِ عاوزاه أنا هعمله، المهم إنك تكوني مرتاحة"
ردت عليه هي بنبرةٍ متعجبة ممتزجة بحيرةٍ طفيفة:
"لأ عاوزة أقعد معاهم، هو أنتَ بتسأل ليه يا ياسين؟ و ليه مصمم إننا نروح أصلًا"
اقترب منها يقول بهدوء:
"علشان فاكر قبل كدا إنك قولتيلي بحب بيتي و عاوزة أفضل فيه و أخليه هادي و أستناك لما ترجع، و كنت فاكر إن ماما و بابا مأثرين عليكي علشان تفضلي"
ردت عليه هي بسرعةٍ تنفي حديثه:
"خالص و الله، أنا أصلًا مبسوطة معاهم و مش حاسة أني غريبة وسطهم، و طنط كمان شكلها كان نفسها في بنوتة علشان كدا كل يوم بتفضل معايا سهرانة و بقت تتفرج معايا كمان على المسلسل"
ابتسم لها رغمًا عنه من طريقتها البريئة التي يتعجبها لذلك سألها هو بتعجبٍ:
"خديجة هو أنتِ لسه مكبرتيش؟ يعني حياة الكبار دي معدتش عليكي؟ مش ممكن طريقتك دي والله"
سألته هي بقلقٍ من حديثه على الرغم من وجهه المبتسم:
"يعني إيه يا ياسين ؟! هو أنا عملت حاجة غلط؟ متخوفنيش بقى"
حرك رأسه نفيًا وهو يجاوب سؤالها:
"خالص، مش بتعملي حاجة غلط خالص يا خديجة، بس لو حد مكانك كان هيقولي نروح و أقعد في بيتي، أو تطلب مني تروح بيت أهلها زي ما جت لأهلي، يعني زي المشاكل اللي بسمع عنها في الشغل من زمايلي و الناس"
حركت كتفيها ببساطةٍ ثم اقتربت منه تقول بنبرةٍ هادئة:
"مش عارفة بصراحة المفروض يكون موقفي إيه، بس أنا بحبك و بحب هنا أوي و بحب مامتك و باباك، بحس معاهم بأمان و مشاعر غريبة عليا، و في النهاية هما أهلك يعني برضه هحبهم علشان حبي ليك، لكن الناس اللي بتحكي عنهم دول، أكيد فاهمين الدنيا غلط، هي مش منافسة بين أهلي و أهلك، و بعدين أنا بكلم ماما و بابا كل يوم و خلود و عبلة، أكيد مش هروح أقعد معاهم يعني و أسيب جوزي"
سحبها هو من يدها يقربها منه وهو يقول بنبرةٍ هامسة:
"قولي جوزي كدا تاني، أصل الواحد كان قرب ينسى و الله"
تلوت هي بين ذراعيه وهي تقول بحنقٍ طفيف:
"قربت !! أنتَ الجمعة اللي فاتت كنت ناسي أصلًا أنا في حياتك ولا لأ، فوق يا بابا"
باغتها هو بسؤاله المفاجئ التي لم تتوقعه هي:
"خديجة هو أنتِ بتحبي أبويا و أمي؟! و لا بتشتغليني؟"
توقفت عن الحركة وهي تقول بتعجبٍ:
"طبعًا بحبهم و بحبهم أوي كمان إيه بتشتغليني دي؟ شكلك اتهبلت بجد و الله؟"
اقترب منها هو يقول بخبثٍ بنبرةٍ هامسة:
"طب مش عاوزة تخليهم تيتة زهرة و جدو رياض؟ فرحيهم"
طالعته بتشككٍ و فجأة شهقت بقوةٍ فوجدته يبتعد عنها للخلف وهي تقول بنبرةٍ متوعدة ممتزجة بالخجل:
"يا سافل يا قليل الأدب، عيب كدا، أنا هطلع أقول لباباك و مامتك علشان يجوا يشوفوا تربية ابنهم"
رد عليها هو بحنقٍ:
"هو إحنا في حضانة ؟! مالك يا ست الكل؟ و بعدين لو جدعة و عندك بـ ٢ جنيه شجاعة اطلعي و قوليلهم على كلامي"
دفعته بعيدًا عنها وهي تقول بضجرٍ منه:
"كفاية قعدة مع وليد بقى، بقيت وقح زيه، كانت نسخة واحدة مش عارفين نسد قصادها، خليك متربي بقى"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"مش أنتِ مراتي يا خديجة؟! عاوز أبقى أب يا ستي، وليد نفسه يمسع كلمة خالو، يرضيكي أزعل وليد؟"
حركت رأسها موافقةً وهي تقول بنبرةٍ مقررة:
"زعله يا ياسين، عادي مش أخويا بقولك زعله و اضربه كمان لو فتح بوقه، و بعدين أنا هخاف من مسئولية زي دي"
حينها طالعها «ياسين» بتمعنٍ لأنه يعلم بخوفها من الأمومة و تلك المسئولية، حتى أنه تعمد فتح الكلام معها بتلك الطريقة حتى يعلم طريقة تفكيرها، لذلك سألها بنبرةٍ مهتمة:
"إزاي يا خديجة ؟! خايفة ليه؟"
حركت كتفيها وهي تقول ببساطةٍ:
"دا إحساس طبيعي يا ياسين، و بعدين ماما زهرة قالتلي أعيش حياتي معاك شوية قبل ما أجيب بيبي و يشقلب حياتنا، قالتلي كمان إن ديه أحلى فترة نعيشها سوا، قبل ما يجي عيل يغير حياتنا كلها "
ابتسم هو لها و لكن بسمته تلاشت شيئًا في شيء وهو يسألها بتشككٍ:
"و هي أمي قصدها إيه بعيل شقلب حياتهم ؟! يا وقعة سودا أنا جيت بوظت حياة أمي ؟!"
ضحكت عليه هي بقوةٍ فوجدته يطالعها بوجهٍ ممتعض:
"ماشي يا زُهرة، طب عندًا فيكي أنا هخلف عيل و أخليكي تربيه علشان يشقلب حياتك كويس"
اقتربت منه تقول له بقلقٍ:
"طب ينفع متقولهاش أني قولتلك كدا ؟! علشان متزعلش مني و تفتكر أني بزعلك منها؟"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
"أنا فاهم كويس إيه يتقال و إيه ميتقالش متخافيش، و بعدين بلاش الحساسية دي في التعامل يا خديجة، أمي و أبويا دماغهم كبيرة مش عيال صغيرة"
ردت عليه هي تنفي حديثه:
"مش قصدي و الله، بس مش كل الناس بتستوعب الكلام صح، و ممكن أقوله بنية يوصل بنية تانية خالص، و مش قصدي على باباك و مامتك، أنا بتكلم في العموم علشان كنت علطول بتكلم بعفوية و كانت بتتاخد عليا لقطات كدا و يتعمل بيها موضوع كبير و أنا نيتي بتكون غير كدا و الله، علشان كدا بخاف اتكلم بعفوية"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة يرفض تفكيرها:
"غلط يا خديجة، تفكيرك غلط، اتكلمي براحتك و قولي كل اللي عاوزاه و اعملي اللي نفسك فيه، اليوم بيعدي و غيره بيجي بعده، مينفعش تعيشي النهاردة و تحكمي فيه بغلطات و عقل امبارح، و بعدين عفويتك دي أنا بحبها أوي و الله، بتخرج خديجة جديدة عليا، بلاش تخافي من نفسك، علشان أنا بحبها و شاريكي زي ما أنتِ كدا"
أخفضت رأسها بخجلٍ منه فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ:
"خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
حركت رأسها موافقةً عدة مرات فوجدته يقول هامسًا:
"برضه مش عاوزة تخليهم تيتة و جدو؟"
رفعت رأسها بحدةٍ فوجدته يراقص حاجبيه وهو يشاكسها، بينما ابتسمت هي بيأسٍ منه وهي تحرك رأسها.
_________________________
في شقة «عامر» هاتف شقيقه يطمئن عليه و علم منه أنه مع «ميمي» برفقة «حسن» و «وليد» و على الرغم من تعجبه إلا أنه أثر الصمت عن وجودهما معه ثم أغلق الهاتف، بعدها اقترب من زوجته يسألها بتشككٍ:
"فكري معايا كدا إيه اللي يخلي حسن و وليد مع عمار عند ميمي؟ و ليه النهاردة بالذات؟"
ردت عليه بتعجبٍ من حديثه:
"مش عارفة يا عامر، بس طالما اتطمنت على أخوك يبقى بلاش تفكير كتير، الحمد لله إنه بخير"
ضيق جفنيه بشدةٍ وهو يفكر في الموضوع، ثم قال بنبرةٍ حائرة يلقي بها اقتراحاته أمام زوجته:
"يا هما رايحين لميمي علشان حسن يشوفها و يقعد معاها، يا إما كانوا بيأمنوا عمار علشان محدش يُغدر بيه"
قطبت جبينها بحيرةٍ وهي تحرك رأسها تسأله بصمتٍ عن ماذا يتحدث فوجدته يضيف مردفًا:
"الحل الأكيد إنهم كانوا بيأمنوا عمار، و لو عملوا كدا فعلًا يبقى دا جميل في رقبتي مش هنساه"
سألته هي بخوفٍ:
"عامر هما كانوا ممكن يغدروا بعمار ؟! مش دا كلام رجالة و المفروض إن الموضوع خلص خلاص؟ بيفتحوه ليه بقى؟"
رد عليها هو بسخرية:
"دا لما نكون بنخلص حوار مع مدير بنك، إنما دول كُبار منطقة و ليهم وضعهم يا سارة، و عمار باللي عمله دا علم عليهم صح"
سألته هي بنبرةٍ تحمل القلق و الخوف معًا:
"متخوفنيش على عمار بقى، أنا ما صدقت اتطمن عليه و بقى عندي أخ زيه، بلاش تدخل الأفكار دي في دماغي و تخليني أخاف عليه"
سألها هو بتعجبٍ:
"هو أنتِ أصلًا بتحبي عمار !! ساعات بحس إنك مش طايقاه و مش عارف ليه"
ردت عليه هي بحزنٍ من حديثه:
"ليه كدا يا عامر ؟! عمار دا أخويا زي ما هو أخوك، و ربنا يعلم أنا نفسي أفرح بيه هو و خلود أوي، كلامه عنها جميل و قلبه جميل أوي يا عامر، الغريب هو إزاي أخوك أصلًا"
قالت جملتها الأخيرة بتعجبٍ فوجدته يقول بفخرٍ:
"هو يطول يبقى أخويا ؟! أصلًا عمار دا طول عمره بيغير مني و منفسن"
ردت عليه هي بتهكمٍ ممتزج بضحكاتٍ طفيفة:
"هو برضه !! هو اللي طالع من الأوائل في إعدادي و لما روحت معاه اتريقوا عليه؟ بقى يا مؤمن خلال ٣ سنين واخد فيهم ٦٣ استدعاء ولي أمر ؟! ليه يا عامر عملت إيه"
رد عليها هو بحنقٍ:
"هي أمي حاكتلك ؟! أنا منبه عليها محدش يعرف غير هي و خالاتي و عماتي و أم ياسر و ام خالد و أم ياسين و كل ستات الشارع، تيجي تحكيلك أنتِ؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"فعلًا ملهاش حق خالص، بس قولي يا عامر بجد واخد ٦٣ استدعاء ليه يا عامر؟"
ابتسم لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"مكانوش بيحبوا يصاحبوني يا سارة، الاستدعاءات دي كانت و أنا في ٤ ابتدائي لحد سنة ٦ و ساعتها مكنتش لسه عرفت العيال، و كلهم كانوا بيبعدوا عني، كنت بخرج الطاقة اللي عندي في الشقاوة و خفة الدم على المدرسين، كنت بعمل كدا علشان أعرفهم إني موجود، بس برضه مكانوش بيحبوني، لحد ما زودت فيها، و حصل اللي حصل بقى في إعدادي و عرفتهم، من ساعتها و أنا مليش غيرهم ماسك فيهم بايدي و سناني، و مش هسيبهم أصلًا"
تأثرت هي من حديثه لذلك سألته بنبرةٍ مختنقة:
"طب و هو أنتَ عرفتهم إزاي؟ يعني دخلوا حياتك إزاي يا عامر؟"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة حينما تذكر:
"ياسين و أنا كنا مع بعض في ابتدائي، بس هو مكانش ليه علاقة بيا علشان مامته كانت حريصة عليه، لما دخلت إعدادي بقى كنت لوحدي و ياسين اتعرف على ياسر في الفصل علشان كان محترم زيه و الاتنين نُضاف زي بعض، المهم أخر يوم في الاسبوع اتخانقت مع شلة كدا الصبح و استنوني بعد المدرسة، ياسين من يومه شهم راح ساعتها جاب ياسر علشان يلحقني، و ياسر طبعًا راح يجيب أخوه الكبير وهو خالد بما إنه كان ساقط سنة و عارف عيال أكبر مننا، و في ثانية بقينا أربعة ومعانا ناس أكبر مننا قصاد الأربعة و من بعدها بقينا مع بعض، بسبب ياسين و ياسر"
تنهد هو بعمقٍ مع لمعة غريبة لمعت في مقلتيه وهو يتذكر كيف بدأ ذلك الرابط المتين، فوجدها تقول بمرحٍ:
"سكر خالص و الله، متخيلة شكلكم في إعدادي كدا و أنتو بتتخانقوا، و أنتَ السبب و كمان بتضرب"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
"الغريب إن من ساعتها و أنا معاهم، من ساعتها و أنا بخاف يسيبوني يا سارة، عيشت من غير صحاب و كانوا كلهم بيبعدوا عني و دول حبوني بعيوبي، لما كنت بضحكهم و يقولولي دمك خفيف كنت بفرح أوي"
ردت عليه هي بنبرةٍ متأثرة:
"عامر أنتَ صعبت عليا و الله، يخربيت كدا، دموعي قريبة أوي طلعت مراكم كتير زينا كلنا"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ جادة:
"كلنا عانينا و شوفنا حاجات صعبة يا سارة، بس هي بتفرق على حسب تعامل كل واحد فينا مع مشاكله دي، أنا عن نفسي بهرب في الضحك و الهزار، ياسين بيهرب من الكل لو غلطان، ياسر بيروح يتفرج على الحمام وهو بيطير و خالد بيكسر و يزعق، بس فيه حاجة مشتركة و هي إننا بنتوجع كلنا"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ حائرة:
"عامر أنا آسفة ، أرجع تاني هزر و أضحك أنا راضية بيك تبقى زي الأطفال، علشان كدا هتقلبها نكد علينا كلنا"
رفع ذراعه يضعه عليها يقربها منه وهو يقول بمرحٍ:
"على فكرة بقى أنا بحبك علشان قبلاني بعيوبي، خالتي قبل كدا قالت لأمي وريني مين هتقبل إبنك بعيوبه ديه، و جيتي أنتِ يا أحلى ما في يومي يا مقطقطة زي الجبنة رومي، فرحت معاكي و نسيت همومي و في سمايا بقيتي كل نجومي"
أبتسمت باتساعٍ حتى تحولت بسمتها إلى ضحكاتٍ فوجدته يربت على ذراعها ثم قال معتذرًا:
"ادعيلي و أدعي لعمار و لأخواتي كلهم يفضلوا كويسين علشان افضل كويس أنا كمان، اليومين اللي فاتوا دول كانت أعصابي مشدودة علشان عمار، بس وعد أني مخرجش عامر دا تاني علشان متزعلوش كلكم"
حركت رأسها موافقةً على حديثه و هي ترى اعتذاره و نظرته التي تصرخ بأسفه و كأنه طفلًا صغيرًا يود الاعتذار من عائلته على مشاكسته، حينها ابتسمت وهي تقارنه بالأطفال بقلبه النقي.
_________________________
في شقة «ميمي» أنهى «عمار» دوره و تمم على دوائها و طعامها ثم قال بنبرةٍ معتذرة:
"طب أنا كدا مضطر أمشي علشان ورايا جامعة بكرة، عاوزين مني حاجة؟ همشي علشان أمي قلقانة و زمانها بتاخد العزا دلوقتي"
ضحكوا عليه جميعًا، بينما «وليد» بنظرةٍ واحدة في وجه «حسن» علم أنه يريد التحدث مع «ميمي» لذلك وقف يقول بنبرةٍ مقررة:
"تمام أنا هنزل أوصلك بعربية حسن و أرجع تاني، علشان متمشيش لوحدك"
رد عليه يرفض حديثه بنبرةٍ عادية:
"متتعبش نفسك يا وليد، أنا بيتي في الشارع اللي ورا يعني دقيقتين بالكتير، هروح البيت و أنتَ خليك معاهم"
رد عليه هو بإصرارٍ أكثر:
"قولت هوصلك أنا و كلامي مش برجع فيه، يلا"
نظر له نظرة ذات مغذى يذكره بما حدث من قليل معه و محاولة الغدر به، بينما الأخر حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم سبقه للخارج بعدما لوح لهما يودعهما و تبعه «وليد» نحو الخارج، في داخل الشقة نظرت له «ميمي» تتفحص هيئته و خجله، لذلك قالت بنبرةٍ ضاحكة:
"طب هو أنتَ جاي علشان تشوفني و لا علشان تسكت قصادي؟ جيت ليه طيب"
رفع رأسه لها وهو يقول بنبرةٍ مهتزة:
"جيت علشان فكرتيني بأمي الله يرحمها و يديكي الصحة، كانت جميلة و طيبة زيك كدا، من ساعة ما شوفتك و أنا حاسس أنها وحشتني، أو يمكن حاسس إنك هتقومي بدورها اللي هي مكملتوش، اللي أعرفه أني فرحت لما جيتلك هنا"
أمسكت كفه بين كفيها وهي تقول بعاطفة أم حنونة:
"و أنا عاوزاك تعتبرني والدتك يا حسن، قولتلك إمبارح إنهم كلهم بيجولي لما الدنيا تضيق بيهم، و أنتَ زيهم، قولي بقى مالك مهموم ليه و عينك شايلة كتير"
تبدلت نظرته من التأثر إلىٰ التعجب و الدهشةِ فوجدها تقول:
"هو أنا عيلة صغيرة ؟! أنا من بَصة في وش اللي قدامي بعرف طريقة تفكيره إيه، قولي مالك يمكن تلاقي علاجك هنا"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ متألمة:
"مفتكرش إن اللي زيي وجعه ممكن يتعالج أصلًا، أنا واحد طول عمره كل ما يحب حاجة تروح منه، أبويا و أمي و مراتي و ابني، مش عارف أصالح دنيتي، فيه واحدة معايا عمال أغرق فيها و بقيت عاوزها معايا بس، في نفس الوقت خايف تسبني، رغم إنها أكدتلي إنها مش هتعمل كدا، بس أنا خايف"
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ مقررة:
"هدير بنت عم خديجة مش كدا ؟! ساعة اللي حصل دا وليد كان هنا مع الشباب بيتفق معاهم على اللي هيحصل، و هو سألني قبل ما يمشي قراره دا صح و لا غلط ساعتها أنا أيدته في قراره إنه يجمعكم سوا"
اتسعتا حدقتيه بقوةٍ بعدما استماعه لحديثها فوجدها تسأله بنبرةٍ هادئة ممتزجة بإصرارٍ طفيف:
"قولي بقى نتيجة القرار دا كان إيه؟ ارتحت معاها و لا وليد غلط لما جمعكم سوا؟"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بشرود و كأنه يراها أمامه:
"أنا مفيش حاجة حصلتلي حلوة في حياتي غير أني بقيت مع هدير، من ساعة ما شوفتها أول مرة خالص و حسيت إن فيه حاجة هتربطني بيها، و لما حصل و قالولي أقول أني خطيبها أنا ساعتها استغليت الموقف و طلبت إنها تكون مراتي بجد و خدت حِجة بعدها أني أساعدها تتعالج علشان أكون جنبها، كنت فاكر أني بساعدها بس أنا كنت بساعد نفسي، و دلوقتي بقيت بحس بتأنيب ضمير"
سألته هي بنبرةٍ متعجبةٍ من جملته الأخيرة:
"تأنيب ضمير ؟! ليه"
رد عليها هو بقلقٍ:
"بخاف يكون نصيبها حد غيري و أنا وقفت في طريقها، و حاليًا أنا بقيت مش عاوز غيرها معايا، و حاسس إنها بتحبني، بس خايف اتصدم و يكون بيتهيألي و تطلع وخداني فترة بس في حياتها"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
"لأ يا حسن متهربش من مشاعرك بإنك تنكر مشاعرها ناحيتك، بلاش تخلي دماغك توهمك بحاجات غلط علشان الماضي واخد أكبر من حجمه في حياتك، متبقاش زي خالد كدا"
سألها هو بحيرةٍ:
"ماله خالد ؟! ما هو متجوز و مخلف كمان ما شاء الله"
ابتسمت هي بسخريةٍ:
"خالد كان زيك كدا مش عاوز يعترف بمشاعره، و كان عمال يهرب و يقول هتمشي و هتسبني، كل دا علشان أبوه مات و هو عيل صغير و بقى مسئول عن بيتين لحد ما نسي يعني إيه مشاعر، خالد كان هيتأخر و يندم أوي و كان هيعيش عمره كله يعض إيده اللي ضيعت نعمة حبه من إيده"
سألها هو بقلقٍ واضح على هيئته و نبرته المهتزة:
"ياه للدرجة دي؟ يعني ممكن هدير تضيع مني؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
"آه طبعًا، الست ميفرقش معاها أي حاجة غير الكلام و المشاعر، لو جايبلها الدنيا كلها و مفيش كلمة حلوة عمرها ما هتحس بيها، الست بتحب بودنها، و لو زهقت من السكوت و قلة المشاعر هتمشي و مش هتعرف ترجعها تاني، و هتتأكد إنك مش بتحبها"
رد عليها هو بلهفة يقطع استرسال حديثها:
"لأ بحبها، هي مينفعش تحس أني مش بحبها علشان لو حست بكدا هتسبني، و أنا مش عاوزها تسبني"
ردت عليه هي بخبثٍ:
"و بتحبها بجد و لا كلام علشان تفضل معاك تملى الفراغ اللي عندك؟ فكر كدا في كلامك"
شرد أمامه من جديد وهو يقول بنبرةٍ هائمة في تفاصيلها:
"بحبها بجد، هدير مينفعش متتحبش أصلًا، خفة دمها و شقاوتها و هزارها و عنادها و الحنية اللي فيها و بتحاول تداريها، حتى ضعفها اللي بتداريه في قوتها المزيفة، هدير هي النور اللي نور ضلمة حياتي، حبيت كل حاجة كنت بكرهها بسبب وجودها هي، حبيت بيتي و حبيت النوم بدري و حبيت أكل البيت و حبيت النور اللي بقى منور في الشقة كلها، حبيت أفلام الكارتون اللي عمري ما اتفرجت عليها و حبيت أماكن الخروج اللي هي بتحبها، الوحيدة اللي خدتها مكاني المُفضل و حبه في قلبي زاد علشان هي معايا فيه، كل ما افتكر أني كنت بقول لطارق يتجوزها علشان ينسى بيها جميلة ببقى عاوز أضرب نفسي، أنا بقيت بحب أي حاجة ليها علاقة بهدير، حتى العياط معاها بحبه رغم أني بكره دموعي و ضعفي اللي بيظهر و أنا لوحدي، بس لما هي حبت ضعفي دا أنا كمان حبيته، فكرة إنها تسبني بقت اتقل من نفس الغريق"
ربتت على يده وهي تقول بتأثرٍ:
"روح قولها هي الكلام دا، هدير أحق واحدة تسمع كلامك دا مش أنا، روح عرفها أنك عاوزها معاك مراتك و حبيبتك و صاحبتك، روح قولها حبيت الحياة بوجودها، لو ركزت على أخواتك كلهم هتلاقيهم مبسوطين علشان مع اللي بيحبوهم، كلهم بيتعافوا من الدنيا في علاقاتهم، خليك زيهم و خلي علاقتك بهدير هي اللي تعافيك من الدنيا كلها يا حسن"
سألها هو بحيرةٍ و تخبطٍ:
"يعني أعرفها أني بحبها؟ تفتكري هتقبل حبي دا و لا هتهرب منه زيي؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ مقررة:
"مستحيل بعد دا كله تهرب منك يا حسن، هدير أكيد حبتك و خدت على وجودك دا لو مكانتش مستنية منك كلمة تبرد نار مشاعرها، ممكن لو أنتَ اعترفت ليها هي تصارحك بمشاعرها، خلي أملك في ربنا كبير"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه موافقًا فوجدها تبادله النظرة بمثيلتها و هي تحثه على إتخاذ خطوةً في علاقته بزوجته.
_________________________
أسفل شقة «عمار» توقفت السيارة و قبل أن ينزل منها هو سأل «وليد» بحيرةٍ:
"هو أنتَ ليه جيت هنا متأخر كدا؟ و إيه اللي خلاك تيجي تلحقني و ليه حسن بس؟"
تنفس «وليد» بعمقٍ ثم قال:
"علشان أنا مبعرفش أثق في حد يا عمار، خوفت عليك منه، و الوحيد اللي حس زيي كان حسن، لما قالي إن نظرة الواد خوفته عليك، و قبل ما نكبر الموضوع و نعرف الباقيين قولنا نتعامل إحنا معاهم، بس أنتَ غيرت طريقك و ساعتها العربية خدت مننا وقت علشان نعرف نلف بيها، و لما اتأخرنا أكتر كل واحد فينا دخل من شارع، و قبل ما هو يقرب عليك بالسكينة كنت أنا موجود بضربه"
حرك رأسه بتفهمٍ ثم قال بنبرةٍ موجوعة ممتزجة بحيرةٍ:
"أنا تعبت بجد و أعصابي باظت، أنا مش بحب المشاكل و مش بحب الصراعات، أنا لو عليا أفضل مسالم طول حياتي مأذيش حد و لا حد يأذيني، و الله يا وليد أنا مش بتاع مشاكل و لا بتاع حوارات، أنا في حالي"
ابتسم له «وليد» وهو يقول بوجعٍ هو الآخر:
"كلنا كنا في حالنا يا عمار، محدش فينا اتولد و هو بيجر شكل للبيع، الدنيا دي دورها تعلمك اللي لا مدرسة و لا جامعة هتعملوا ليك، متفتكرش إنك هتفضل في حالك و هي هتسيبك، هي هتنكشك لحد ما تطلع أوحش ما فيك و ساعتها تسبلك الندم، الخلاصة يا عمار إنك تاخد اللي الدنيا تعملوا فيك بصدر رحب و تتعلم منه، علشان اللي جاي ميعلمش عليك"
حرك رأسه موافقًا وهو يكرر خلفه بتريثٍ:
"اتعلم من اللي الدنيا هتعملوا فيك علشان اللي جاي ميعلمش عليك"
رد عليه «وليد» بثقةٍ:
"بالظبط !! احفظها كويس علشان هتحتاجها كتير الأيام الجاية، عاوزك من هنا لحد خطوبتك على خلود تفضل تتعلم"
طالعه بدهشةٍ فوجده يقول بنبرةٍ ساخرة:
"هو أنتَ رجعت في كلامك ولا إيه؟ أنا قولت أنتَ عيل أصلًا و مـ.."
أوقف حديثه حينما رد عليه «عمار» بضجرٍ منه:
"يا بني بقى ثق فيا شوية، مستحيل طبعًا أرجع في كلامي، خلود هتفضل هي السبب اللي يخليني أتحرك و أسعى في حياتي، أسأل ياسر كدا هيقولك أني قبل الشغل قابلته علشان اسأله أصبر إزاي على غيابها زي ما هو صبر، صدقني خلود مينفعش تتنسي يا وليد"
تنفس «وليد» بعمقٍ ثم تبعه بقوله:
"لو أنا مش شاهد على تربيتك كنت عرفتك إنك مينفعش تتكلم كدا على أختي خصوصًا إن مفيش حاجة بينكم، بس أنا واثق فيك و علشان مخبيش عليك أنا كنت زيك كدا بتمنى نظرة بس من اللي حبيتها، كنت بتغنى بالشِعر في جمالها"
سأله «عمار» بنبرةٍ حائرة:
"طب و بعدين ؟! بقت معاك و لا؟"
ابتسم «وليد» بشدة و هو يقول:
"كنا بنختار الأوض من يومين ربنا يكتبهالك يا سيدي، إحساس طلع حلو على فكرة"
ضحك «عمار» بقوةٍ فوجده يربت على كتفه ثم قال بهدوء:
"بلاش تخلي اللي حصل النهاردة دا يأثر عليك، أنساه و أحمد ربنا إنه كتبلك عمر جديد علشان تعيش حياتك صح، الحمد لله إنك كويس و الحمد لله أني مبثقش في حد، أنا كدا شكلي هرجع في كلامي"
قطب جبينه يسأله بتعجبٍ:
"ترجع في كلامك !! اللي هو إيه بالظبط؟ أوعى يكون أنا و خلود"
رد عليه هو بحنقٍ:
"يعني و حياة أمك دا بس اللي لفت نظرك في كلامي؟ سبت كل اللي قولته و مسكت في دي؟ اطمن يا سيدي مش موضوعك أنتَ و خلود، الموضوع خاص بيا أنا"
أومأ له موافقًا ثم تنفس بعمقٍ، بعدها فتح باب السيارة و قبل أن يخرج منها طالعه بنظرة إمتنان وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"شكرًا يا وليد، أنا عارف أن مفيش شكر بين الأخوات بس أنا لازم أشكرك على كل حاجة بتعملها معايا، و اشكرلي حسن تاني، حسن ابن حلال و طيب"
أومأ له موافقًا وهو يبتسم له ثم تابع انسحابه من أمامه حتى دلف البيت و أغلق الباب خلفه، بينما هو أخرج هاتفه يراسل «حسن» حتى يتجهز و يتجهز للرحيل.
_________________________
في شقة «ياسر» جلس يتابع عمله في هدوء و زوجته أمامه تلتقط له صورًا عديدة و هي جالسة على الأرجوحة أمامه، فتحدث هو دون أن يرفع رأسه من على الحاسوب الخاص به:
"بطلي هبل يا متخلفة أنتِ، بتصوري إيه يا إيمان؟ هو أنا أخلص من عامر تطلعيلي أنتِ؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"بصورك علشان لما توحشني يا ياسوري، و بعدين أنتَ تطول أني أصورك؟"
رفع رأسه يطالعها بتقززٍ ثم أنزلها من جديد، بينما هي اقتربت منه تجلس بقربه و هي تسأله بلهفةٍ:
"هو أنتَ بتعمل إيه؟ مركز أوي كدا حساك بتذاكر"
ابتسم هو على طريقتها وهو يقول:
"بذاكر فعلًا و الله، بصي يا ستي دي حالات عندي أنا مسئول عنها، الحالات دي عندها نوع أنيميا اسمها انيميا منجلية و دي عبارة عن إن كرات الدم البيضا أكتر من كرات الدم الحمرا، فيه ٣ حالات فيهم حالتهم متأخرة و لازم ياخدوا دم بسرعة خلال الفترة دي، أنا بقى بشوف الحالات دي هقدر أساعدهم و لا أخلي دكتور تاني مسئول معايا؟ بس هما أطفال و مش مستوعبين حاجة، الوضع كبير على عقلهم يفهموه"
قطبت جبينها بحيرةٍ وهي تسأله:
"أنا أول مرة أسمع عن النوع دا من الانيميا، أول مرة أعرف إن فيه حاجة كدا أصلًا"
رد عليها هو مُفسرًا:
"فيه أنواع كتير من الأنيميا يا إيمان، و كلهم علميًا أغرب من بعض، بس دي أكبرهم في الأعراض علشان الهيموجلوبين بيقل في الجسم بدرجة محلوظة و بناءً على كدا لازم يتاخد دم للجسم باستمرار، حاليًا أنا بحاول أشوف إيه أحدث الأجهزة اللي تخليني اعتمد عليها مع الحقن قبل موضوع الدم دا، يعني علشان الأطفال و أهاليهم، خصوصًا إن الموضوع مش هَيْن"
ابتسمت له هي بهدوء وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"طلعت دكتور شاطر أوي، كنت فاكرة خلقك ضيق و ملكش في التعامل مع الأطفال، بس رافع راسنا أهوه"
ابتسم هو بيأسٍ منها فوجدها تقول بفخرٍ:
"ليها حق مامتك تتباهى بيك و الله، ميرفت دي طيبة زيك يا ياسر و هادية أوي"
رد عليها هو بأسى:
"ميرفت لو مش طيبة مكانتش وقعت في إيد واحد زي سمير، كانت سابته و مشيت من قبل ما تتورط في ٣ عيال، ميرفت لو مش طيبة مكانوش أهلها رموها لقريبها رمية زي دي، كانت نتيجتها ست مقهورة طول العمر و ٣ عيال مكسورين الضهر منهم عيل ميعرفش يعني إيه طفولة، أنا نفسي الدنيا تجمعني بيه مرة واحدة"
سألته هي بترقبٍ و خوفٍ:
"ليه ؟! عاوز الدنيا تجمعك بيه ليه؟ إحمد ربنا إنه اختفى من حياتكم بقى"
رد عليها هو بأعين تطلق شرارها:
"علشان أرد اللي عمله فينا، علشان أقوله إني مش ملزم بيه و أني مش عاوزه يكون أب ليا، علشان أقوله إن حياتي نضفت لما أب زي دا اتخلى عني، علشان أقوله إنه ساب أم قامت بالدورين و أحسن منه، أنا عاوز القدر يخليني اقابله قبل ما أضعف، نفسي اسأله ليه؟! طب هو محسش كل دا أني وحشته؟ محسش في مرة أني ممكن أكون محتاجله؟ محسش في مرة أني ممكن أكون بكدب على نفسي و بيني و بينها محتاج أقول كلمة بابا !! حكم عليا باليُتم و هو عايش و سابني أشحت الحنان و السند من عم رياض و عم فهمي، عاوز أشوفه علشان أقوله إن الغريب ليا كان أحن عليا منه"
بكى وهو يتحدث رغمًا عنه حينما تذكر ما مر و جرحه الغائر الذي تركه له والده، لازال حتى الآن الجرح ينزف دون توقف، كلما اختلى بنفسه و تذكر تلك الليلة وجد نفسه يبكي بقوة و كأنه يود الصراخ، أما هي فأخذته بين ذراعيها و كأنها تحمي صغيرها من شرور العالم، بينما في داخلها كان يبكي قهرًا و خوفًا من تلك المقابلة التي تتمنى لا تحدث يومًا من الأيام فهي ترى فقط البداية.
_________________________
في شقة «خالد» هاتفته شقيقته بعدما تأكدت من نوم زوجها و كانت تبكي بقوةٍ على حاله، فوجدته يقول لها برزانةٍ:
"بطلي عياط أنتِ يا إيمان و بالراحة علشان أفهم منك، و بعدين أنتِ بتجيبي سيرة الزفت دا ليه أصلًا؟"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
"هو اللي اتكلم و جاب سيرته، أنا كنت بتكلم عن مامته يا خالد هو اللي افتكر و اتلكم و أنا مش بقاطعه علشان يرتاح، علشان خاطري أتصرف، ريحني و قولي إنهم مش هيتقابلوا"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
"دا كلب يا إيمان، ناسي حياته القديمة و ناسي كل حاجة، متخافيش مش هيتقابلوا و لا هيجمتعوا سوا، خليكي مع جوزك أنتِ بس و بلاش يعرف حاجة، إيمان !! ياسر لو زعل بسببك أنا هزعلك، صحيح أنتِ أختي بس هو في حياتي من قبلك، أوعي تجرحيه و لا تزعليه، أنا عاوزك تفضلي معاه علشان هو ملوش غيرك أنتِ"
حركت رأسها موافقةً عدة مرات و كأنه يراها ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
"متخافش، و الله مش عاوزة غير إنه يفرح من قلبه و ينساه، أنا و الله ما هقدر أزعله و لا هقدر على زعله أصلًا"
أغلق معها الهاتف بعدما أوصاها عليه ثم ألقى الهاتف بجانبه بعدها رفع كفيه يمسك رأسه فوجد زوجته تمد يدها له بالدواء و هي تقول بنبرةٍ خافتة:
"الدوا يا خالد، دماغك مصدعة بقالك كتير، و إيمان أكيد زعلتك بعياطها دا"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ وهو يأخذ منها الدواء و بعدما تناوله عاد بجسده للخلف على الفراش وهو يقول بحيرةٍ:
"مش عارف أعمل إيه ؟! دماغي تعبتني يا ريهام، خايف نقوله علشان ميزعلش مننا يروح يتغابى و يضيع نفسه، و خايف نسكت يعرف بالصدفة و يزعل مننا، في الحالتين ياسر هيضيع مننا، و أنا هبقى مجبر أتحمل أي رد فعل منه إلا إنه يبعد عني"
سألته هي بتأثرٍ من حديثه:
" و هو أنتَ إيه اللي يفرق معاك؟ مش إن صاحبك يكون مرتاح؟ شوف إيه يريحه و أعمله"
رد عليها هو بنبرةٍ تائهة:
"مفيش حاجة ممكن تريح ياسر غير إنه يشفي غليله من أبوه، و دا أحنا مش هنسمح بيه يحصل، لو على رقبتنا، ياسين و عامر قالوا إنهم هيعملوا المستحيل، ياسين أصلًا قالي إنه خلى عم رياض يكلم ممتاز دا و يفهمه الوضع و إن ياسر مش هينفع يكون في حفلة الشراكة اللي هتبقى بينهم و كلنا مش هنروح"
ربتت هي على كتفه وهي تقول بحزن:
"ربنا يديم ستره عليكم إن شاء الله، المهم إن إيمان و ياسر يفضلوا مع بعض علشان حاجة زي دي هتقلب الدنيا"
تنهد هو بعمقٍ شرد أمامه يفكر فيما هو قادم عليهم جميعًا.
_________________________
في شقة «حسن» بعدها تأخر هو في عودته على غير عادته دخلت «هدير» غرفتها ثم أخرجت أحد الفساتين الخاصة بها ترتديها و هي تتذكر حياتها المرفهة التي كانت تعيشها دون أن تعلم أنها كانت تخطئ في حق نفسها قبل الآخرين حتى استيقظت على واقعًا مريرًا و هو أنها تخلت عن كل من أحبوها و ركضت خلف أشياءًا واهية لم تنفعها، لكن رحمة الله عليها جعلتها تلتقي بـه ذلك الذي تعلمت معه الكثير و الكثير و أهمها قيمة تلك الحياة، ابتسمت هي بسخريةٍ حينما وجدت التفكير يقودها إليه، لذلك قررت ترك تفكيرها و تذكر نفسها القديمة، و بدأت في ارتداء الفستان الذي كان عبارةٍ عن قماش حريري باللون الأسود عاري الكتفين و منطقة العنق و كان منسابًا على جسدها بشدةٍ حتى لأسفل ركبتيها بقليل، بعدها قامت بـ فرد شعرها خلف ظهرها ثم وقفت تطالع نفسها في المرآة وهي تتذكر حيويتها و حركتها حينما حضرت به ليلة الحِنة الخاصة بشقيقتها و كانت هي صاحبة الطلة المميزة وسط الفتيات، حيث كان الاحتفال بسيطًا يجمع الفتيات فقط حتى تكونن على راحتهن، حينها دارت حول نفسها و هي تشعر بفرحةٍ غريبة لا تدري سببها، فسرتها هي عدم تواجده هنا لذلك شعرت ببعض الراحة في تجربة اشياءها المُفضلة لكنها تفاجئت بطرقاتٍ على باب الغرفة وهو يقول مستفسرًا:
"هدير أنتِ صاحية ؟! أدخل؟"
ابتلعت ريقها هي بتوترٍ ثم أخفضت رأسها تطالع هيئتها و جسدها العاري من الأعلى حينها اتسعتا حدقتيها بقوةٍ فوجدته يكرر الكرة من جديد و هو يقول بنبرةٍ أعلى من السابق:
"طب أنا مش غريب بقى، أنا داخل يا هدير"
شهقت بقوةٍ و قبل أن تبدي أعتراضها وجدته أمامها بعدما فتح باب الغرفة، لكنه تجمد مكانه حينما وجدها تقف أمامه بهيئتها تلك، بينما هي تورد وجهها بالكامل بحمرة الخجل من نفسها و من موقفها الغريب الذي وضعت نفسها به، بينما هو حرك جسده رغمًا عنه حتى يصل لها فوجدها تغلق جفنيها بشدةٍ، بينما هو مد يده ثم حرك شعرها للخلف بعدها عاد للخلف يطالعها بعينيه، و حينما لاحظت هي ابتعاده عنها فتحت عينيها بخوفٍ فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"خليكي زي ما أنتِ متتحركيش، اقفي يا هدير كدا"
حركت رأسها موافقةً بخوفٍ، بينما هو خرج من الغرفة يدخل الغرفة المقابلة لها، تعجبت هي منه فوجدته يركض لها من جديد بعد مرور دقائق و في يده كاميرا حديثة التصنيع، طالعته بدهشةٍ فوجدته يغمز لها ثم قال بنبرةٍ مرحة:
"اللوحة اللي قدامي حرام عليا لو مصورتهاش، محدش يشوف الجمال دا كله و يسكت عليه"
قال جملته ثم التقط صورًا لها و هي كما هي على وضع سكونها، بينما هو اقترب منها يقول هامسًا بهدوء:
"أنا طول عمري بحب الصور الطبيعية اللي الناس بتبقى فيها واقفة بتلقائية، و أنا بصورك شوفتك زي عروسة البحر"
رفعت عينيها تطالعه بأعين شبه باكية نتيجة خجلها، فوجدته يترك الآلة ثم سحبها خلفه للخارج حيث صالة الشقة، كانت تسير خلفه على استحياءٍ غير قادرة على مواجهته بسبب خجلها، بينما هو توقف في المنتصف ثم تركها و من بعدها توجه نحو الإضاءة المُضاءة يقوم بتقليلها، و من بعدها توجه نحو السماعات الموضوعة في الشقة يقوم بتشغيلها على إحدى الاغنيات الرومانسية، بينما هي كانت تطالعه بتعجبٍ من حركاته و ما يفعله، حتى كادت تجزم أنه أصيب بالجنون، لكنها تفاجأت به حينما وقف أمامها يقول بنبرةٍ هادئة من وجهه المُبتسم:
"تسمحيلي بالرقصة دي يا هدير؟ و لو سمحتي حاجات كتير هتبدأ من الليلة دي، ممكن ؟!"
حركت رأسها موافقةً على طلبه ثم عانقت كفه بكفها فوجدته يبتسم لها باتساعٍ ثم شرع معها في الرقص على كلمات الأغنية التي تمنى هو عدة مرات أن يرقص عليها مع شريكة عمره، و لكنه حتى الآن لم يقتنع أن من فاتت في عمره تعتبر زوجته، إنما تلك التي تقف أمامه هي حبيبته و شريكته و الليلة ستصبح زوجته إذا وافقت على حبه، انتظر حتى بدأت الكلمات وهي:
"لمستك نسيت الحياة....و أنتَ اللي بحلم أعيش يوم معاه...و الليلة هي البداية و خليك معايا...دا عمري الليلة دي ابتدا.... لمستك نسيت الحياة....و أنتَ اللي بحلم أعيش يوم معاه....و الليلة هي البداية و خليك معايا.... دا عمري الليلة دي ابتدا"
بعدها أدارها في يده عند تكملة الكلمات و ارتفاع اللحن وهي:
"و لازم نعيش يلا قرب كمان... تعالى حبيبي لأبعد مكان....ننسى اللي ضاع من إيدينا نعيش بس لينا....خلاص اللي جوانا بان....و لازم نعيش يلا قرب كمان....تعالى حبيبي لأبعد مكان....ننسى اللي ضاع من إيدينا نعيش بس لينا....خلاص اللي جوانا بان"
التفتت له من جديد تطالعه بعدة مشاعر مختلطة و هي تنظر في عمق عينيه فوجدته يطالعها بنظرةٍ تعبر عن صدق مشاعره تنافي تلك التي اعتادت عليها خائفة دومًا، كانا يتحركا على اللحن بانسيابية حتى عادت تكملة الكلمات:
"سرحت بعيونك لفين؟!....أيوا أنتَ جنبي و هعيشلك سنين.....و حياتي قرب عليا....يا عمري و عنيا نعيش الحياة لو يومين.....سرحت بعيونك لفين؟!....أيوا أنتَ جنبي و هعيشلك سنين.....و حياتي قرب عليا....يا عمري و عنيا نعيش الحياة لو يومين.....و لازم نعيش يلا قرب كمان....تعالى حبيبي لأبعد مكان....ننسى اللي ضاع من إيدينا نعيش بس لينا....خلاص اللي جوانا بان.....و لازم نعيش يلا قرب كمان....تعالى حبيبي لأبعد مكان.... ننسى اللي ضاع من إيدينا نعيش بس لينا خلاص اللي جوانا بـــان"
عند الكلمة الأخيرة لفها من جديد بذراعيه و هي تتنفس بصعوبةٍ تود البكاء الآن، فمن المستحيل أمام نظرته تلك و مشاعره يكون غير مُحبًا لها، إذا توهمت بذلك ستبكي قهرًا، فهي الآن تحلق فوق السماء تشبه الطير الذي حُرر لتوه من القفص، بينما هو استطاع رؤية خوفها و تخبطها لذلك سحبها نحوه حتى التصقت به و هي تطالعه بقلقٍ فوجدته يميل برأسه نحو أذنها وهو يقول هامسًا بانتشاء:
"هدير أنا بحبك..."
صعقت هي من جملته التي تمنتها مرارًا و تكرارًا لذلك ابتعدت عنه تطالعه بدهشةٍ من عينيها الدامعتين، فوجدته يستطرد حديثه بنفس النبرة وهو يتابع عمق عينيها الصافية:
"بحبك و مش عاوز غيرك معايا في الدنيا دي، أنا جايلك مهزوم من كل الحروب، خليكي أنتِ السلام ليا و لقلبي، زي ما كنتي النور وسط الضلمة"
رغمًا عنها وجدت دموعها على وجنتيها تأثرًا من حديثه، فوجدته يضيف من جديد:
"العمر اللي هيبدأ النهاردة أنا هعتبره عيد ميلادي يا هدير، هتبقي الانتصار الوحيد اللي قلبي حس بيه وسط الهزايم، متسكتيش كدا و ردي عليا ، موافقة ؟!"
سألها بترقبٍ و خوفٍ من رفضها ذلك الحب، فوجدها تحرك رأسها عدة مرات بموافقةٍ، حينها طالعها بدهشةٍ فوجدها تقول بنبرةٍ باكية:
"موافقة يا حسن، و دا من حظي حبك دا، صدقني أنا كنت مستنية حبك علشان يحييني من تاني، زي ما كنت سبب في كل حاجة حلوة حصلت ليا"
سألها هو بلهفةٍ:
"يعني أنتِ بتحبيني؟"
اقتربت منه وهي تحرك رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ تغلب عليها العاطفة:
"لو مش واخد بالك تبقى أهبل يا حسن، لو مش واخد بالك من عيني اللي بتطمن لما تشوفك و لا من قلبي اللي بيدق لما تقرب مني، و لا من حالي اللي اتشقلب بسببك، حُبك مش بإرادتي، زي البحر و غرقت فيك"
احتضنها هو فجأةً وهو يقول بنبرةٍ مندهشة غير مُصدقًا حديثها الذي أحياهُ من جديد:
"و أنا دلوقتي هاين عليا أخطفك و أهرب بيكي من الدنيا كلها، هدير أنا عاوزك معايا علطول مراتي و صاحبتي و بنتي و كل الدنيا و عاوزك تكوني أم عيالي موافقة؟"
حركت رأسها موافقةً بخجلٍ بعدما ابتعد عنها هو يطالعها بأعين تتوق للإجابةٍ تثلج نيران الروح و تُشفي ندوب القلب، فسألها هو بحذرٍ:
"ساعتها مش هتمشي من هنا و لا مسموحلك تسيبيني، هنبقى زي أي اتنين في الدنيا زوج و زوجة أنتِ فهماني؟"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
"يا بختي يا حسن لو أنتَ هتبقى أب لعيالي، و عاوزة أطلب منك طلب، عاوزاك تفضل زي ما أنتَ معايا كدا، خليك أنتَ الحاجة الصح اللي أفضل اتباهى طول عمري"
اقترب منها يقبل جبينها قبلةً طويلة ثم قال بنبرةٍ مرحة:
"طب يلا نصلي بقى علشان نبدأ صح بكرم ربنا علينا، اعتبريها ليلة فرحنا يا ستي"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
"من بدري و أنا نفسي أصلي وراك أوي يا حسن، بس بتكسف أطلب منك"
رد عليها هو مُعقبًا:
"كل دا هيتغير من الليلة دي، كل حاجة هتبقى من غير كسوف يا هدير، أنا حبيبك مش عدوك، أطلبي نجوم السما أجبهالك، مع أني معايا واحدة منهم قصادي"
ردت عليه هي بحنقٍ طفيف:
"بقولك إيه بقى مش علشان اعترفت هتستحلاها، أنا مبعرفش أقول كلام حلو، بس مسموحلك عادي علشان تعود فترة الاستهبال اللي فاتت"
ابتسم هو لها ثم قال:
"طب يلا ادخلي غيري هدومك و اتوضي علشان أصلي بيكي يا هدير"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ ثم ركضت من أمامه نحو الداخل، بينما هو تنفس بعمقٍ ثم أغلق عينيه وهو يتذكر هيئتها و هي ترقص بين يديه و نظرتها التي اعترفت له بحبها مما شجعه على ذلك الاعتراف و هو ينوي بداية حياته من الليلة عازمًا على ترك الماضي و الخطى نحو المستقبل معها هي فقط.
________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كان «وليد» جالسًا مع «أحمد» يقص عليه ما حدث الليلة و طلب منه بخجلٍ طفيف:
"مش عاوزك تفهمني غلط، بس عاوزك تركز مع عمار يا أحمد، الواد دا خام أوي، ميغركش شياكته و شكله دا أبيض أوي"
سأله «أحمد» بتعجبٍ:
"دا أعمله إيه بقى ؟! هاته يشتغل معايا أنا و حسن و هو هينطق بعد كدا، بس هو متربي زيادة عن المطلوب، في زمن عاوز شمامين"
حرك «وليد» رأسه موافقًا وهو يقول بسخريةٍ:
"هو و عامر مش راكبة يكونوا أخوات، تحس إن العلاقات عندهم فيها حاجة غلط، عامر المفروض يكون ابن عم رياض، و عمار أخو ياسين و ياسر يبقى عصبي و خالد المفروض يكون توأم ياسين في الشكل، شلة غريبة"
رد عليه «أحمد» بنبرةٍ ضاحكة:
"بس رجالة و الله، بحب وقفتهم في ضهر بعض رغم إنهم غرب عن بعض، يعني إحنا ولاد عم و حسن متربي وسطنا، لكن هما صحاب، بس حلوة فكرة إنهم يضمونا سوا دي"
ضحك «وليد» بقوة وهو يقول:
"أنتَ لسه شوفت حاجة؟! احضر معاهم حنة شعبي كدا و لا روح معاهم ملعب الكورة هتلاقي حياة تانية خالص"
ابتسم «أحمد» بشدةٍ ثم تنهد بعمقٍ، لاحظ «وليد» حالته فسأله بتعجبٍ:
"مالك يا عم أحمد ؟! شايل الهم مرة واحدة ليه؟"
رد عليه بنبرةٍ خافتة:
"خايف أكون مستني و بعافر على الفاضي، خايف أزهق من الانتظار، خايف الحاجات اللي سبتها أرجع ليها تاني"
سأله «وليد» بترقبٍ:
"حاجات إيه ؟! قصدك حياتك القديمة؟"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
"صحابي و الكافيهات و البنات اللي كنت عارفهم في الجامعة، بس أنا سِبت كل دا لما حسيت أني بحب، و طلعت أعمى و مختار غلط، بس لما اتأكدت من اللي بحبها، بقيت بحب اللي بعمله، حابب اتغير علشانها، حابب أكون واحد يستاهلها، كل ما افتكر أني كنت بجيب سيرة منة قصادها من غير ما أراعي شعورها بحس أني عاوز أروح أعتذر ليها"
سأله «وليد» بتعجبٍ قاصدًا استفزازه:
"دا أنتَ بتحبها بجد بقى، كنت فاكرك بتتسلى شوية"
رد عليه هو بنبرةٍ جامدة ممتزجة بحنانه:
"لأ طبعًا إيه الهبل دا ؟! بحبها بجد و بحب نفسي الجديدة علشان هي حبتها، حابب إنها فخورة بيا و حابب إني اتغيرت علشانها هي، الحب بيغير يا وليد، أنا كنت مش لاقي حاجة أعملها و علطول قاعد في الكافيه و مقضيها، بس لما حسيت أني عاوز آخد خطوة جد لقيت نفسي بتغير واحدة واحدة، أنا عاوز بس حاجة تأكدلي إنها هتبقى ليا، عاوز حاجة تقولي كمل زي ما أنتَ، لو ركزت هتلاقيني أكتر واحد هنا تايه"
احتضنه «وليد» وهو يقول بعاطفةٍ أخوية:
"لأ أنتَ مش تايه، أنتَ بس مستعجل يا أحمد، بس صدقني ربك كريم و كرمه و جبره عظيم، كل ما تتعب كل ما تدوق هنا و فرح، أنا أهو قدامك، عمري ما اتخيلت أني أعرف افرح من قلبي، بس ربنا كرمني و رزقني باللي أنا عاوزه و الشهادة لله أكتر من اللي أستحقه كمان، متخافش أنتَ صح، كمل بس زي ما أنتَ"
ابتعد عنه «وليد» ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يباركلي فيك و تفضل علطول معايا، رغم إنك منفضلي بقالك شوية حلوين، بس أنا مكبر بمزاجي خلي بالك"
رد عليه «وليد» بمرحٍ:
"عيب عليك و أنا عمري نسيتك؟ دا أنتَ الغالي و أقرب حد ليا يعرف كل المصايب بتاعتي، كل الحكاية بس أني بدور على وليد تاني ضاع مني، و مستنيه يرجع"
ابتسم له «أحمد» وهو يقول:
"ربنا يجمعك بيه على خير، أنا هنزل بقى أنام علشان الشغل بكرة، هتنزل و لا قاعد شوية؟"
رد عليه بهدوء:
"أنا قولت لخلود تجبلي أكل و تطلع علشان عبلة نايمة، اقعد كل معايا و ننزل بعدها"
رد عليه و هو يتثأب:
"لأ بألف هنا....و شفا، أنا هنزل أنام علشان طارق قالي أوصل جميلة و خلود بكرة، تصبح على خير"
أومأ له موافقًا وهو يتابع تحركه من أمامه ثم سحب الكتاب الموضوع بجواره يقرأ به كعادته يغرق بين صفحات الكتب يجد بها ما يسع ذهنه و يشرح قلبه و يقوم فكره، لطالما كانت الكتب له حياةٍ أخرى يعيش بها، و أبان انغماسه في القراءة وجدها تضع الصينية أمامه وهي تقول بمرحٍ:
"شوية محشي عمايل إيد أمي و أمك يستاهل بوقك و الله يا ليدو، و حطيتلك الفراخ في الفرن تتشوي و جبتلك زيتون و طلعتلك مانجا مخصوص علشان عيونك"
رد عليها هو بضجرٍ من طريقتها:
"أنتِ هتذليني يا خلود ؟! خلصي جعان، و بعدين دا مش علشان خاطر عيوني أكيد"
ردت عليه هي مقررةٍ تحولت للتوسل:
"طبعًا، دا علشان تقولي حصل إيه مع عمار، ارضي فضولي أبوس راس أمك مروة"
حرك رأسه نفيًا حتى يثير حنقها فوجدها تقول بترجي:
"علشان خاطري قولي، البت دي عملت إيه فيكم؟ ريحني بقى"
تنهد هو بعمقٍ ثم سرد عليها ما حدث بإيجازٍ دون التطرق للتفاصيل الغير هامة، كما أنه أخفى عليها ما حدث الليلة، بينما هي بعدما استمعت له سألته بتعجبٍ ممتزجًا بحنقها:
"و هو عمار دا أهبل ؟! ساكت عن حقه و سُمعته علشانها؟ ليه إن شاء، تخصه في إيه علشان يعمل كدا؟"
طالعها «وليد» بخبثٍ وهو يقول:
"و أنتِ مالك زعلانة كدا ليه؟ أصلًا كان احتمال يكون فيها مشروع خطوبة"
ردت عليه هي بضجرٍ:
"إيه !! مشروع إيه يا بابا؟ خطوبة من مين إن شاء الله؟"
رد عليها هو ببساطة:
"مشروع خطوبة من سمية دي، أخوها قال إن الحق يرجع بأنه يخطبها علشان يتأدب، بس عدت على خير"
شعرت هي بغيرةٍ لا تدري سببها من الأساس، و لكنها منذ علمها بما حدث له وهي تفكر به و بحالته خصيصًا أن مواعيد دروسها لا تناسب مواعيده المسائية غير يومي الأربعاء و الخميس، بينما «وليد» أمعن النظر بها و بشرودها فقال بنبرةٍ جامدة:
"روحتي فين ؟! يا خلود ياما !!"
ردت عليه هي بتعجبٍ:
"ها !! أنا أهو معاك هروح فين يعني، المهم الموضوع خلص على خير و أنتو كويسين؟"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"هو كويس الحمد لله، و اطمنت عليه و روحته بيته، عمار راجل ميتخافش عليه، متربي على أصول تمشي بلد كاملة، اللي زي دا يتضربله تمثال، لو عندي اخت مش هعزها عليه و الله"
سألته هي بنذقٍ:
"و الله ؟! أنتَ هتستهبل؟"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"بصراحة آه، الواد كله شهدله بأخلاقه و رجولته و كلهم بيحلفوا بيه، عمار رفع راس أخواته كلهم يا خلود"
ردت عليه هي بلامبالاةٍ زائفة:
"طب و أنا مالي ؟! ربنا يكرمه إن شاء الله"
_"بيكي، عمار مش عاوز غيرك يا خلود، بطلي طريقتك دي كأنك مش فارق معاكي"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة بحديثه ذاك، بينما هي اندهشت من صراحته فوجدته يقول مفسرًا:
"عارف إنك صغيرة و عارف إنك هتكابري مع نفسك، و عارف إنك مش مراهقة و كل الكلام اللي في بالك دا، بس بلاش تتصنعي الجمود"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
"و أنا مش بسأل علشان عمار بعينه، أنا بتكلم في العموم على موقف أي حد شهم عمل زيه"
سألها هو بسخريةٍ:
"بجد !! و الله حلو دا؟ معنى كدا لو عمار دا جه اتقدملك مش هتوافقي؟"
ردت عليه بمنتهى الثبات:
"لما يجي وقتها إن شاء الله يحلها ربنا، دا لو أنا وافقت يجي يتقدم يعني؟"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"لو وافقتي ؟! الواد دا شكله هيتعب معاكي أوي يا خلود"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ ثم أضافت بنبرةٍ مرحة:
" دا بيشوفني بيتلخم يا وليد ؟! مين اللي المفروض فينا يتلغبط؟"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"ما علشان أنتِ جاحدة يا خلود، هو من إمتى فيه حاجة بتأثر فيكي؟ طول عمرك مشاعرك جامدة"
ردت عليه هي تفسر وضعها:
"لأ، أنا عملية مش أكتر، كل حاجة عندي في وقتها الصح، و أنتَ اللي معلمني كدا يا وليد"
ابتسم لها بسخريةٍ وهو يقول:
"علمناهم الشحاتة، أهو دلوقتي أنا اللي محتاج افتكر كلامي دا علشان شكلي نسيته".
_________________________
في شقة «عمار» استيقظ قبل الفجر و هو يشعر بنيران تخيم على صدره، كلما تذكر ما مر به اليومين الماضيين شعر بالضيق من نفسه و من طريقته، فحتى بعد انقاذ سمعة تلك الفتاة، حاول أحدهم الغدر به، لذلك ارتدى ثيابه ثم خرج من الشقة بأكملها يتوجه إلى ذلك المكان الذي كلما تاه بين دروب الحياة لجأ إليه، وقف أمام المسجد يتنفس الصعداء و هو يشعر براحةٍ تجتاحه، ثم دلف بهدوء فوجد الشيخ «أيوب» يجلس بجانب المنبر يقرأ القرآن بصوته العَذب و كأن تلك الرسالة القُرآنية أتت له تجاوب على أسئلته حينما قرآها الشيخ أيوب، قال تعالى:
﷽ ﴿ ۞ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
| سورة: آل عمران ، الآيات من ﴿١٨٦ إلى ١٩١﴾
بكى رغمًا عنه و هو يستمع للآيات القرآنية التي زلزلت ثباته و كيانه، بينما الشيخ «أيوب» التفت ينظر خلفه حينما شعر بصوت أحدهم خلفه، فوجد «عمار» يجلس و دموعه تنهمر على وجنتيه، اقترب منه وهو يقول بوجهه البشوش:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا عمار، مالك بس"
مسح «عمار» دموعه ثم قال بصوت متحشرج نتيجة دموعه:
"و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا شيخ أيوب، الحمد لله أنا كويس"
ابتسم له و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"يا رب دايمًا بخير يا عمار، بس وجودك هنا دلوقتي بيأكد إنك تعبان و شكلك باين كمان"
حرك رأسه موافقًا ثم تنفس بعمقٍ و بعدها سرد ما حدث له دون أن يمس سمعة الفتاة، هو فقط قص عليه مركز الحوار و ما صار معه بعد ذلك، أنهى حديثه ثم تابع من جديد:
"كل الحكاية أني توهت و احتارت و خوفت، طول عمري ماشي جنب الحيط و أنتَ عارفني، ليه الضرر يصيبني و أنا مغلطتش؟"
رد عليه هو ببسمةٍ هادئة:
"علشان دا اختبار من ربنا سبحانه و تعالى يا عمار، أنتَ صبرت و تحملت و لحد أخر لحظة كنت مؤمن بقضاء ربنا و رحمته عليك إنه مش هيخذلك، وثقت فيه و في كرمه عليك، و الحمد لله براءتك ظهرت و رفعت راسك تاني، يبقى ليه تتعب نفسك؟ و أنتَ ليك رب رحيم و كريم أحن منك على قلبك"
رد عليه بنبرةٍ تائهة:
"و دا كان ليه من البداية؟ أنا في حالي مليش علاقة بيهم، اتفاجئت بنفسي متهم و متحرش و عيلة كاملة عاوزة تاخد حقها مني، أنا اللي شوفته كان صعب عليا أتحمله"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
ربنا سبحانه و تعالى إذا أحب عبدًا ابتلاه، حتى تؤجر على بلاءك دا يا عمار، المؤمن الصادق بيؤجر على كل حاجة بتتعبه، حتى الشوكة لو غزتك بتاخد أجر عليها، المؤمن بياخد أجر على كل حاجة يا عمار بتحصله، حزنه و زعله و ثقل همه و كل آهٍ يأنِ بها، إحمد ربك إنك مبتلى، غيرك عايشين في نعم كتير و ناسيين ربنا، حتى الشيطان زين أعمالهم و هما، الحمد لله يا عمار إنك خدت أجر و ثواب على حاجة كانت إشارة ليك إنك في طريق الحق"
ابتسم له «عمار» رغمًا عنه فوجده يقول بنبرةٍ هادئة:
"السكينة مدبحتش سيدنا إسماعيل، و النار محرقتش سيدنا إبراهيم، و البحر مغرقش سيدنا موسى و الحوت مأكلش سيدنا يونس، إنما هي إرادة ربنا فوق كل شيء يا عمار، تذكر قوله تعالى:
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
ربنا سبحانه و تعالى هو من يملك الحكمة و القرار، سلم نفسك لكرم ربنا و رحمته عليك و أنتَ هتعرف إنك في طريق النعم و اصبر على الابتلاء و ارضى بقضاء ربنا، و أحمد ربك في السراء و الضراء يا عمار، و افتكر كل ما يجي من عند ربنا سبحانه وتعالى هو رحمة و خير لقلبك"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم شمس بكري
كُلما سَـرىٰ طَـيْـفُكِ أمّـام العَـيْن، خَـفقَ القـلـب وَ تَـسألتْ الـرَوح حُـبكِ سيأخدنا إلـىٰ أيْـن؟
_________________________
أنا من أقسم عن كل طرق الحب أن يتوب، الآن أصبحت أمام أعينها أذوب،و بعد أن عشتُ عن العشق والهوى زاهدًا، الآن أصبحت لمحياها عاشقًا، وجدتُ فيكِ ملاذي و دنياي....يا من يفيض شوقي لها من عيناي، يا ليت قلبي آمنٌ بالحب، يا ليتني لم أنكر خفقة القلب.
تلك الراحة التي يشعر بها بالطبع جديدة عليه، لا يدري لماذا يريد التحليق في السماء مثل الطيْر الذي لأول مرّةٍ يعرف مذاق الحرية، بعدما عاش سجينًا طوال عمره، وقف «حسن» في شرفته يفكر بتلك الطريقة بعدما استيقظ مُبكرًا حتى يطلب منهم إجازة من العمل بعدما تحجج بمرضه الكاذب، ابتسم هو حينما تذكر مشاكسة «وليد» له ثم استنشق الهواء و هو يخطط لـ برنامج اليوم لهما سويًا، و قبل أن يندمج في التفكير وجدها تخرج له من الداخل و هي ترتدي إسدال الصلاة، فابتسم هو بسخريةٍ هو يقارن هيئتها الأمس بما هي عليه اليوم، اقتربت منه تسأله بتشككٍ بعدما ضيقت جفنيها فوق أعينها:
خير بتضحك على إيه يا أستاذ حسن؟ أصلها ضحكة متطمنش بصراحة"
كانت تتحدث وهي تقترب منه حتى توقفت أمامه في الشُرفةِ، فوجدته يقول بنبرةٍ مرحة ممتزجة بسخريةٍ طفيفة:
منظرك دلوقتي مقارنةً بامبارح فكرني بفيلم حسن و مرقص، بصراحة مفيش مقارنة"
رفعت كفها تمسك ذقنه وهي تقول بدلالٍ أنثوي:
طب و أنهي أحلى بقى يا أبو علي"
أخفض بصره نحو موضع كفها ثم رفعه من جديد يطالعها ببلاهةٍ فوجدها تقول ببسمةٍ هادئة:
ها، أنهي أحلى بقى؟ هدير دي ولا دي؟ أنا بقول خلينا في هدير دي طالما أنتَ تنحت كدا"
رد عليها هو بلهفةٍ قاطعة:
و الله ما حصل، بصي...الاتنين حلوين، بس شكلك إمبارح كان حاجة تانية، هتفضل أحلى صورة صورتها في حياتي"
ابتسمت له هي بسمةً صافية ثم سألته تغير مجرى الحديث لعل ذلك يزيل خجلها منه:
طب قولي بقى مروحتش شغلك ليه رغم إنك صاحي بدري؟ استغربت بصراحة"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة يجاوب سؤالها و يرضي فضولها:
هعتبر نفسي عريس جديد و هاخدك و ننزل شوية مع بعض، دا لو أنتِ موافقة طبعًا، مش موافقة هلبس و أنزل شغلي"
ردت عليه بلهفة ممتزجة بحماسٍ يُشبه حماس الطفلة الصغيرة:
لأ استنىٰ بس، هاجي معاك طبعًا، هو إحنا نطول؟ بس قولي هنروح فين؟"
اتسعت بسمته عند رؤيته لحماسها فجاوبها بمرحٍ:
طالما وافقتي يبقى الباقي عليا بقى، المهم جهزي نفسك و ألبسي حاجة تتحمل المرمطة"
حركت رأسها بقوة و كأنها تحاول استيعاب ما تفوه هو به، فوجدته يقول بنبرةٍ ضاحكة:
أيوا زي ما سمعتي كدا....حاجة تستحمل المرمطة، علشان اليوم هيبدأ من دلوقتي"
اقتربت منه هي ثم لفت ذراعيها حول عنقه و هي تسأله بنبرةٍ مدللة:
طب و دا بقى علشاني و لا علشان تعوض فترة الاستهبال اللي فاتت؟"
ابتسم هو على طريقتها العفوية تلك و سرعان ما تحولت نظرته إلى أخرى و كأنه يفكر في جواب سؤالها، بينما هي حركت رأسها تستفسر منه بصمتٍ فوجدته يقول بنبرةٍ ظهر بها مرحٍ طفيف:
دا علشاني أنا أولًا، و علشانك أنتِ ثانيًا، و علشان فيه كلام كتير عاوز أقوله ليكي، ها إيه رأيك؟"
امتعض وجهها من جوابه المغرور لذلك ردت عليه هي بحنقٍ طفيف:
علشانك أولًا؟ يعني أنتَ اللي سكت كل دا و جاي كمان تقول علشاني أولًا؟"
قالت جملتها تزامنًا مع إزاحة ذراعيها من على عنقه، بينما هو ابتسم بسمةٍ أكثر اتساعًا على تذمرها ثم وضع ذراعه على ظهرها يقربها منه وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
ما هو علشان سكوتي دا أنا هعوضك الليلة دي، و علشان كلامك ليا إمبارح أنا قررت مبقاش غبي أكتر من كدا"
رفعت عينيها تطالعه بتعجبٍ ممتزجًا باستفسارٍ لم تُفصح عنه، فوجدته يقول بخبثٍ:
هاتي بوسة كدا و عوضي معايا الفترة اللي فاتت"
ابتسمت هي بخجلٍ و لكنها وأدت بسمتها تلك و هي تقول بنبرةٍ هامسة:
طب غمض عيونك الأول يا حسن"
امتثل هو لمطلبها ثم أغلق جفنيه فوق مقلتيه وهو يبتسم متخيلًا ما ستقوم بفعله هي، لكنه تفاجأ حينما ضربت بـ مخيلته عرض الحائط حينما صفعته بخفة على وجنته، فتح عينيه بسرعةٍ من مفاجأته فوجدها تقول بضجرٍ:
يلا يا أستاذ علشان ننزل، قال بوسة قال، احترم إسدال الصلاة اللي أنا لبساه دا حتى"
قالت حديثها ثم حدجته بنظرةٍ حانقة و من بعدها انسحبت من أمامه وهو ينظر في أثرها بدهشةٍ، و بعدما اختفى أثرها من أمامه، رفع صوته يقول متوعدًا:
طب مفيش نزول بقى من هنا من غير البوسة يا هدير، بقولك عاوز أعوض فترة الاستهبال"
قال جملته ثم ركض من موقعه حينما ارتفعت ضحكتها عليه، بينما هو رغمًا عنه ابتسم على ضحكتها تلك.
_________________________
في كلية الصيدلة أمام المُدرج الخاص بالطلاب وقف «عمار» وهو يشعر بحالةٍ أخرى تنافي تلك التي تمكنت منه خلال اليومين الماضيين، حينها شعر أن حديث الشيخ «أيوب» كان في وقته الصحيح، فها هو يبدأ مرةً أخرى و هو يحاول جاهدًا محو تلك الفترة من ذاكرته على الرغم من شعوره بالحزن لما كان على وشك الحدوث له، لكنه أيقن أن الله سبحانه و تعالى هو من يملك الحكمة في أمره، حينها ابتسم رغمًا عنه ثم دلف المُدرج الخاص بالمحاضرات العملية بمفرده و معه الأدوات الخاصة به، و بعد جلوسه أقترب منه أحد الشباب وهو يقول بمرحٍ:
يا عم فينك، بدور عليك من بدري، أنا حاجزلك جنبي"
رفع «عمار» رأسه بتعجبٍ يسأله بنبرةٍ سيطر عليها الاستنكار:
هو حضرتك بتكلمني أنا؟ حضرتك تعرفني طيب؟"
جلس بجانبه وهو يقول بنبرةٍ ودودة و كأنهما صديقين منذ عدة أعوام:
أيوا يا عم عارفك، أنا عيني لقطتك كدا من أول يوم و حسيتك متربي، معاك عبد الرحمن، أنتَ إسمك إيه بقى؟"
ابتسم له رغمًا عنه و هو يجاوبه بنبرةٍ هادئة:
عمار، أنا عمار فهمي، اتشرفت بمعرفتك يا عبد الرحمن"
رد عليه الأخر بفخرٍ:
الشرف ليا أنا، صدقني أنا من أول ما شوفتك و أنا حسيت أني مرتاح ليك، حسيت إنك زيي، كلهم هنا مش شبهي"
ضيق «عمار» ما بين حاجبيه وهو يقول بنبرةٍ مستفسرةٍ:
زيك إزاي يعني؟ و إشمعنا أنا؟"
رد عليه الأخر مُردفًا بنبرةٍ تحمل المرح بين طياتها:
العين صيادة يا عمار، كلهم هنا فاكرين نفسهم بقى كبروا و بقوا في جامعة علشان كدا مش هعرف أندمج معاهم، لكن أنتَ شكلك مصروف عليك أصول و تربية، لو متضايق مني ممكن أقوم عادي"
سأله بترقبٍ و حذرٍ، فوجده يقول بلهفة يقطع حديثه:
لأ خالص، أنا كمان ارتحت ليك و الله، و فرحان أني لقيت حد تفكيره كدا، متقولش كدا؟"
تنهد الأخر بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ مقررة:
بقولك إيه أنا لفيت الجامعة كلها و حفظتها، عرفت الأماكن كلها و الأكل و الشرب، يعني معايا أنتَ في أمان هنا"
حرك رأسه موافقًا و لازال ثُغره مُزينًا ببمسةٍ هادئة و سرعان ما تذكر أمرًا هامًا لذلك سأله بنبرةٍ متلهفة:
طب معلش سؤال مهم، المسجد اللي هنا فين؟ يعني الضهر قرب و هما حاطين فاصل بين المحاضرتين، نصلي فيهم الضهر أحسن"
طالعه الأخر بنظرةٍ غريبة لا يدري إن كانت فخورةً به؟ أما أنه تعجب من حديثه، لذلك حرك رأسه يسأله بصمتٍ، فالتقتط الأخر سؤاله، لذلك رد عليه بتأثرٍ:
مش قولتلك العين صيادة؟ أنا من ساعة ما جيت هنا مشوفتش حد سأل على المسجد، بس أنتَ غيرهم، اطمن أنا عرفت مكانه و هنروح نصلي سوا"
ابتسم «عمار» له من جديد ثم حرك رأسه موافقًا بحماسٍ ، فـ ابتسم له ثم ربت على كتفه، بينما «عمار» في تلك اللحظة شعر لوهلةٍ أنه فاز بـ صديقًا يمر معه بتلك المرحلة الجامعية، و على الرغم من ذلك لم ينسى تحذير «وليد» له بالحذر من ذلك المجتمع الجديد عليه كُليًا.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت «هدى» في غرفتها تشعر ببعض الآلام و التشنجات في بطنها، لكنها تحاملت على نفسها و قررت ترك التفكير في الآلم و التوجه نحو تلك الأشياء التي جلبها زوجها معها لـ طفلهما وهي تبتسم بحنوٍ بالغٍ عند رؤيتها لتلك الأشياء الصغيرة ذات الألوان المُبهجة، و لكن رغمًا عنها تبدلت ملامحها للانقباض من شدة الألم الذي تشعر به، فها هي في الشهر السابع من حملها لذلك شعرت بمخاوف عديدة، لذلك توجهت نحو الأريكة تجلس عليها وهي تتنفس بصعوبةٍ، فوجدت كلًا من «مروة» و «زينب» يطرقا باب الغرفة، تحدثت هي بصعوبةٍ من شدة ألمها بعدما استمعت لصوتهما
ادخلي يا ماما مروة، الباب مفتوح"
دلفت كلتاهما فتحدثت «مروة» تقول بلهفةً واضحة:
طمنيني عليكي يا حبيبتي، وئام قالي إنك من الصبح حاسة بتعب"
تنفست هي بعمقٍ ثم أجبرت شفتيها على التبسم و هي تقول بنبرةٍ تجاهد حتى تخرج منها متوازنة:
الحمد لله يا ماما، بس شوية ألم كدا، يمكن علشان دخلت الشهر السابع و عمالة أفكر كتير، أنا كويسة"
تدخلت «زينب» تقول مقررةٍ بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
بقولك إيه أنا هقوم أجهزلك الأكل و الدوا و بعدها تشربي عصير علشان شكلك الهفتان دا، أنتِ مش عجباني بقالك كام يوم"
ردت عليها هي بنبرةٍ ظهر بها الامتنان و الشكر:
شكرًا يا طنط زينب، ربنا يباركلي فيكم، و الله تعبتكم معايا"
ردت عليها «زينب» بلومٍ و عتابٍ:
اخس عليكي يا هدى، دا كلام يتقال برضه؟ ما تشوفي يا مروة أخرتها؟"
طالعتها «مروة» بعتابٍ هي الأخرى فوجدتها تقول بنبرةٍ باكية و رافق حديثها عبراتها المنسابة:
غصب عني والله، كان نفسي ماما تكون معايا و تشوف حفيدها و تفرح بيه، بس هي سابتني، و على قد كل حاجة حصلت انتو معايا و معاكم طنط سهير، مفيش واحدة فيكم سايباني، غصب عني حاسة بحاجات كتير أوي"
ربتت «مروة» على كتفها وهي تقول بتأثرٍ مُجاهدةً حتى لا تبكي هي الأخرى:
إحنا معاكي كلنا لحد ما تقومي لينا بالسلامة يا هدى، محدش فينا هياخد مكان فاطمة الله يرحمها، بس و الله يا بنتي أنتِ في غلاوة وئام و وليد، متزعليش نفسك، و أدعي ربنا يرحمها و يجمعكم بيها في الجنة"
ألقت بنفسها بين ذراعي «مروة» وهي تبكي بقوةٍ، بينما كلتاهما بكت رغمًا عنها من تأثرهما بالموقف، فشددت هى العناق على «مروة» وهي تقول من بين شهقاتها:
وحشتني أوي....كان نفسي تكون معايا في اليوم دا، غصب عني و الله"
اقتربت منها «زينب» ثم ربتت على ظهرها وهي تقول بتأثرٍ بعدما رفعت كفها تمسح دموعها:
دا قضاء ربنا يا هدى، هي عمرها كدا و الحمد لله على حكمته و قدره، و هي أكيد هتبقى فرحانة لما تعرف إنك مخلية بالك من نفسك و من اللي في بطنك، ادعيلها يا هدى أحسن"
ابتعدت عن حماتها ثم رفعت كفيها تمسح وجهها، فوجدت «مروة» تربت على كفها وهي تقول بمرحٍ حتى تغير تلك الأجواء:
بقولك إيه أوعي تعمليها يا هدى و تولدي في السابع، هيطلع خلقه ضيق زي عمه وليد، كفاية ابني عليا"
ابتسمت رغمًا عنها فوجدت «زينب» تقول بتذمر:
مالك و ماله يا مروة؟ مش عاجبك وليد؟ دا حبيب قلبي ليدو دا"
لوحت لها بذراعها وهي تقول بحنقٍ:
ياختي روحي بقى أنتِ و هو، أهو مطلع عنينا كلنا بشقاوته"
ردت عليها «هدى» بنبرةٍ هادئة:
و حامينا برجولته، وليد طول عمره حامي لكل اللي حواليه، و أنا مش ناسية وقوفه مع هدير و لا معايا"
ابتسمت لها والدته بينما «زينب» تحدثت تقول بفخرٍ:
طول عمره يقولي أنا راجلك هنا، و طول عمره واقف في ضهري، و أهو هنشوفه أحسن عريس في الدنيا كلها"
تألمت «هدى» رغمًا عنها من جديد، لكنها حاولت الانخراط في الحديث متجاهلةً ذلك الألم الذي اشتد عن ما سبق.
_________________________
في شركة أحفاد «الرشيد» كان «وئام» يتحدث مع والدته يطمئن على زوجته بعدما تركها صباحًا تشعر بالألم، و كان «وليد» جالسًا أمامه يتابعه بكامل تركيزه، أنتظر حتى أغلق شقيقه الهاتف و حينها سأله بنبرةٍ مهتمة:
ها طمني عليها ؟! كويسة و لا لسه تعبانة و لا إيه الدنيا؟"
تنهد هو بقلة حيلة ثم حرك رأسه موافقًا وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
ماما قالتلي إنها كويسة الحمد لله، بس برضه حاسة بوجع لو فضلت كدا هنروح للدكتور يطمننا أحسن"
حرك «وليد» رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ حاول صبغها بالثبات:
وئام، بابا قالي إنك دفعت الفلوس لعمو محمد من معاك ليه عملت كدا؟"
طالعه «وئام» بتعجبٍ فوجده يتابع حديثه بنفس النبرة:
قصدي يعني ليه؟ أنا كنت هدفعهم من معايا أصلًا"
رد عليه هو بنبرةٍ هادئة:
علشان أنتَ أخويا و دا حقك عليا يا وليد، أنا دفعت الفلوس علشان دي هدية فرحك مني، و بعدين أنتَ مالك؟"
رد عليه الأخر بضجرٍ:
يا بني مراتك على وش ولادة، يعني عاوز كل مليم علشان اللي جاي عليك، و بعدين أنا مبحبش حد يدفعلي حاجة"
طالعه شقيقه باستنكارٍ وهو يقول بتعجبٍ ممتزج بالعتاب:
حد !! أخرتها بقيت حد يا وليد؟ تشكر يا سيدي، مكنتش أعرف إني حد غريب عليك"
شعر «وليد» بالحنق من نفسه لذلك ترك مقعده ثم اقترب من شقيقه يجلس على ركبتيه أمامه وهو يقول متأسفًا:
متزعلش مني، حقك عليا يا وئام، بس و الله أنتَ عارفني نفسي عزيزة و مش بعرف أخد حاجة مش من حقي، أنا لسه مردتش ليك فلوس المصحة و اللي صرفته عليا ساعتها و دي كانت فلوس جوازك، و مش ناسي العلاج النفسي اللي أنتَ اتحملته علشاني بعد ما خرجت و مش ناسي الأوضة اللي جددتها ليا أنتَ و حسن و طارق، اللي عليا كتير أوي، و أنا مش هقدر أعيش بكل الجمايل دي في رقبتي"
رد عليه «وئام» بحنقٍ من حديثه:
جمايل إيه يا وليد ؟! من إمتى في أخ بيشيْل أخوه جِميلة، فوق يا وليد و بطل عَبط، و بعدين أنتَ مش أخويا، أنتَ ابني اللي ربنا كرمني بيه، عيب يا وليد لما تقول كلام زي دا ليا"
ابتسم رغمًا عنه لشقيقه فوجده يتنهد بعمقٍ وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
عارف على قد حبي ليك، على قد خوفي عليك، بحس ساعات أني عاوز أراقبك و أمشي وراك علشان أأمنك، بس أنا قلبي مطمن عليك، علشان أنتَ مبتعملش حاجة وحشة في حد"
ارتمى «وليد» بين ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ متأثرة:
أنا بحبك أوي و الله، عارف أني مش بقولها ليك كتير بس أنا بحبك و عاوزك متزعلش مني، أنا أسف، و خليك عارف إن وليد الرشيد مبيتأسفش غير للغالليين عليه بس"
ابتعد عنه شقيقه وهو يقول بخبثٍ:
عبلة ها ؟! حقك عليا و على قلبي يا عبلة"
ضحك «وليد» رغمًا عنه وهو يقول بيأسٍ:
طارق الفتان هو اللي قالك أكيد، بس هي فعلًا اللي أنا بتأسف ليها علشان هي أكتر واحدة جيت عليها يا وئام"
تحولت جملته الأخيرة إلى لوم نفسه فوجد شقيقه يسأله بتعجبٍ:
بس أنا شايف إنك بتعاملها كويس، و شايف إنك مش مقصر معاها"
رد عليه هو ينفي حديثه:
لأ مقصر يا وئام، تعبتها كتير و علطول مخوفها مني بسبب خوفي، بس غصب عني و الله، أنا واحد مش عارف يدي لنفسه الأمان، عاوزني إزاي آمن للناس و الزمان؟"
ربت شقيقه على كتفه وهو يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بإصرارٍ:
أدي لنفسك الفرصة علشان تعيش معاها صح، عبلة طيبة و بتحبك، و حرام عليك تخسرها علشان شوية حاجات عدت و فاتت، مش هقولك أنسى اللي فات علشان محدش بينسى، بس هقولك صالح ماضيك علشان تقدر تستمتع باللي أنتَ فيه"
حرك «وليد» رأسه موافقًا ثم قال مقررًا:
أنا قررت أبطل أشكي من اللي حصل فيا علشان مفيش حاجة هتتغير، و همشي بمبدأ إن لم تستطع المقاومة لما تعايشه، فاستمتع بما تتعلمه"
ابتسم له شقيقه فوجده يقول بلهفةً واضحة:
بقولك صح هو أنا ينفع أروح مشوار مهم و أرجع تاني؟ بس حاسس أني عاوز أروح المشوار دا"
سأله «وئام» بتعجبٍ:
مشوار إيه دا اللي عاوز تروحه و إحنا يدوبك لسه مصليين الضهر؟"
رد عليه هو بسخريةٍ:
إيه علاقة إننا مصليين الضهر بالمشوار؟ هو أنا بقولك رايح كباريه يا وئام؟"
امتعض وجه شقيقه وهو يقول بضجرٍ منه:
شوفت أسلوبك زفت إزاي؟ غور مكان ما أنتَ عاوز، عيل حيوان"
ضحك رغما عنه وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
طب أنا هغور بقى، لو طارق سأل عليا قولوا راح عند عبلة و جميلة خليه يتشل شوية"
رد عليه «وئام» بإشفاقٍ:
يا بني اتهد بقى كفاية عمك محمد عليه، طارق جاب أخره خلاص"
ابتسم له وهو يحرك رأسه موافقًا ثم ودعه و خرج من أمامه، بينما «وئام» نظر في أثره بتأثرٍ و داخله يتمنى له الراحة، و لكنه يعلم كل العلم أن معجمه لم يحتوي على تلك الكلمة.
_________________________
في شقة «رياض» قامت «خديجة» بترتيب البيت بأكمله ثم جلست أمام التلفاز وهي تفكر في أعمال اليوم، و قبل أن تتصل بـ «زُهرة» وجدتها تدلف الشقة، وقفت هي احترامًا لها وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
حمدًا لله على سلامتك يا ماما، كنت لسه هكلمك دلوقتي"
ردت عليها «زهرة» بنبرةٍ هادئة من وجهها المبتسم:
الله يسلمك يا روح قلبي، خير فيه حاجة كنتي عاوزاها مني؟"
ردت عليها هي ببساطة:
لأ خالص كنت هسألك بس نعمل أكل إيه علشان أحضره، أنا عارفة إنك هترجعي تعبانة"
ردت عليها هي بشرٍ و توعد في نبرتها:
مش هنعمل أكل، أنا مش ناسية حركة رياض و بدور، هو يجيب لينا أكل و يعوضنا، إحنا مش هنطبخ"
ردت عليها هي بنبرةٍ ضاحكة:
يلهوي !! أنتِ لسه منسيتيش؟ خلاص فات كام يوم على الموضوع"
ردت عليها هي بنبرةٍ جامدة:
لأ أنا قلبي أسود و مبنساش حاجة، و بعدين دي أشكال ينفع الواحد ينساها؟ طب و الله قولتلهم هي و المسلسل اللي هي مخلفاه دا أخرتهم هتبقى سودا"
ضحكت «خديجة» رغمًا عنها فوجدت «زهرة» تقول بتوعد:
خليه بقى علشان أعرف انتقم، أنا هخليه يجيب أكل و يظبطنا النهاردة"
فور انتهاء جملتها صدح صوت هاتف «خديجة» برقم زوجها، فقالت «زهرة» بهدوء حتى تترك لها مساحتها الشخصية:
طب أنا هدخل أغير هدومي و أنتِ ردي على تليفونك يا خديجة"
أومأت لها موافقةً ثم أجابت على مكالمته فوجدته يقول بتذمرٍ بمجرد فتحها للخط الهاتفي:
لأ لأ يا خديجة، أنا كدا هتجوز عليكي أو أبص برة، جرى إيه يا ست الكل؟"
سألته هي بنبرةٍ تائهة غير مُدركة سبب تذمره:
هو أنا عملت حاجة يا بني؟ مالك داخل فيا كدا ليه؟ أنا مجيتش جنبك أصلًا"
رد عليها هو مردفًا:
ما هو علشان كدا، كلميني كدا أو انكشيني أو لاغيني، أعملي أي أكشن كدا"
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة بعدما فهمت مقصده:
فهمتك يا سيدي، حاضر بكرة بقى هكلمك و انكشك و ألاغيك، حاجة تانية؟"
رد عليها هو بسخريةٍ:
أنتِ بتاخديني على قد عقلي يا كتكوتة؟ ماشي يا خديجة، شكرًا"
سألته هي بحنقٍ:
أنتَ عاوز إيه دلوقتي يا ياسين؟ نعم يا سيدي؟"
رد عليها هو مردفًا بنبرةٍ عادية:
كنت بقولك أني هتأخر شوية؟ علشان خالد كلمني و عاوزني أنا و عامر في الشركة عنده، قولت أعرفك علشان متقلقيش"
بعد جملته الأخيرة قررت هي إثارة حنقه و مشاكسته:
عادي يعني هقلق ليه؟ هو أنتَ عيل صغير؟"
رد عليها هو بضجرٍ:
هو أنا مكلمك علشان أحرق دمي يا ست أنتِ؟ سلام يا بت"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص خلاص بهزر، كويس إنك قولت علشان منقلقش كلنا، أنتَ الخير و البركة برضه"
تهكم هو في رده عليها بقوله:
الخير و البركة ؟! دي مستحيل تكون مكالمة واحد لمراته، أكيد دي مكالمة واحد لحفيدته"
و قبل أن ترد عليه هي تفاجئت به يغلق في وجهها بعدما قال كلمةً واحدة "سلام" و قبل أن يصله ردها أغلق الهاتف بسرعةٍ كبرى، أما هي فشهقت بقوةٍ وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
يا وقعتك السودا !! لما تيجي"
_________________________
في منطقة المُقطم و تحديدًا في أحد الكافيهات التي تطل على الجبال مباشرةً و تم تصميمها على الطراز البدوي من خلال الحُصر البدوية الموجودة على الأرض الجبلية و بعض المقاعد الصغيرة التي صُممت بنفس الخامات البدوية و ما أكمل تلك الجلسة هو مظهر الغروب و قرص الشمس بلونه البرتقالي، جلس «حسن» يتابع المنظر حوله براحةٍ احتلت ملامحه بينما «هدير» تحدثت تسأله بنبرةٍ مرحة:
جايبني المُقطم يا حسن؟ شكلك كدا كنت خاربها، جيت كام مرة مت غيري و مع مين، انطق"
حرك رأسه للأمام يطالعها بعدما كان يراقب المنظر حوله، فوجد نظراتها لا زالت متسائلة، حينها تنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
جيت كتير لوحدي يا هدير ، كل الأماكن اللي هتيجي معايا فيها محدش غيرك شاركني فيها، و مش عارف ليه، بس حاجة جوايا مأكدالي إنك هتشيلي كل الوِحش اللي شوفته قبلك"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ مهتزة تحاول إيقاظه من أحلامه تلك قبل أن ينتبه هو:
حسن أنا موافقة أكمل معاك و بحبك بجد و شايفة إنك فرصة العمر ليا، بس لازم تفهم أنا كنت إيه يا حسن؟ لازم تعرف إن أنا أذيت ناس كتير، لازم تعرف أني مش ضحية زي ما أنتَ مقتنع"
نظر أمامه مرةً أخرى وهو يقول بنبرةٍ غير مُبالية:
و أنا مش فارق معايا هدير اللي فاتت، اللي يهمني هدير اللي معايا دلوقتي، هدير اللي لما باخدها في حضني بحس إن أنا مرتاح و دي حاجة أنا عمري ما جربتها، الراحة اللي لقيتها معاكي تخليني واثق إنك ضحية"
ردت عليه هي ببكاء:
لأ مش ضحية، المؤذي مش ضحية يا حسن، أنا عمري ما هنسى أني كنت قاسية، عمري ما هنسى أني كنت ظالمة و بوظت حياة ناس"
زفر هو بقوةٍ ثم اقترب منها يرفع كفه يكفكف دموعها وهو يقول بنبرةٍ هامسة:
و أنا شايف قصادي واحدة ندمانة و حاولت تغير من نفسها، مليش دعوة باللي كنتي فيه، أنا ليا دعوة بيكي من بعد ما دخلت حياتك، سيبي اللي فات بقى يا هدير و خلينا نعيش اللي جاي و نفرح بيه"
حركت رأسها موافقةً، فوجدته يقول بمرحٍ:
نكدتي علينا يا بومة و نستيني كنت هقولك إيه، حرام على أهلك كلهم"
مسحت دموعها وهي تسأله بنبرةٍ مختنقة إثر دموعها:
طب وهو كنت عاوز تقولي إيه أصلًا؟ مش أنتَ جايبني علشان تفرحني؟"
أومأ لها هو موافقًا ثم أنزل كفه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنتِ بقيتي مراتي يا هدير قدام ربنا و قدام الناس، غصب عني مقدرتش أفرحك زي كل البنات و أعملك فرح و فستان أبيض، و غصبٍ عني مقدرتش أعمل أي حاجة تثبت حُبي دا، حتى شبكة مجبتش ليكي و....."
قبل أن يُكمل حديثه قاطعته هي بنبرةٍ تائهة:
كل دا أنا مش عاوزاه أصلًا، أنا مش فارق معايا فرح و فستان و لا كل دا، أنا اللي فارق معايا هو أنتَ، طالما أنا مبسوطة معاك يبقى خلاص، تغور الدنيا كلها قصاد عينك و هي مطمناني، و بعدين شبكة إيه دي؟"
زفر هو بقلة حيلة ثم أخرج من جيب سترته السوداء علبة قطيفة باللون الزيتي، أما هي قطبت جبينها بحيرةٍ فوجدته يمسك كفها ثم قام بإدخال دبلة من الذهب في إصبعها و في الأصبع المجاور له خاتم أسر عينيها وهو عبارة عن كفين كلًا منهما يعانق الأخر، رفعت عينيها تطالعه بتأثر سيطر عليها فوجدته يضع دبلةً رجالية باللون الأسود في يدها وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
لبسيني الدبلة يا هدير، أنا لبستك دبلتك و الخاتم بتاعك"
ضغطت على جفنيها تحاول ردع تلك الدموع التي تهدد بالنزول، ثم امتثلت لمطلبه و قامت بإدخال الدبلة في إصبعه، فوجدته يبتسم باتساعٍ وهو يتابع الحرف الذي تم حفره عليها باللغة الإنجليزية وهو "H" حركت رأسها هي تراقب موضع بصره فرأت الحرف المطبوع على خاتمه لذلك سألته بنبرةٍ ثابتة:
و إشمعنا حرف الـ H يا حسن؟ للدرجة دي حرفي عاجبك؟"
رد عليها هو بنبرةٍ غير مُبالية:
أنا مالي و مال حرفك؟ H دي علشان أسمي حسن، إيه علاقتك بالموضوع؟"
شهقت بقوةٍ من جوابه و الذي يصدمها به للمرة التالية فوجدته يقول بنبرةٍ ضاحكة بعد رؤيته لتبدل ملامحها:
بهزر و الله، دا حرفك أنتِ و أنا طلبت إمبارح يتحفر على الدبلة زي ما اتحفر جوايا، يعني أهيه حاجة بسيطة علشان تأكدلي إنك معايا و ليا"
ابتسمت بخجلٍ له وهي تُخفض رأسها فوجدته يبتسم هو الآخر وهو يقول بمراوغة حتى يُشاكسها:
اللي يشوفك و أنتِ مكسوفة دلوقتي، ميشوفكيش الصبح و أنتِ متعلقة في رقبتي، و لا شكلك بالفستان إمبارح"
ردت عليه هي بجرأة زائدة:
مش أنتَ جوزي برضه يا حسن؟ ولا أنا بتدلع عليك غلط يعني؟ و بعدين الفستان دا هو اللي فك عقدتك"
رد عليها هو بتهكمٍ:
لأ ياختي و أنتِ الصادقة أنا كنت جايلك بعقدتي مفكوكة خِلقة، بس أنتِ كملتي بقى"
طالعته هي بتعجبٍ فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة حينما شرد في مقابلته مع «ميمي»:
اللي فكرت فيه طلع صح و هي اللي طلع عندها الجواب، القلب دليل صاحبه و يا بخت اللي مصدق قلبه"
سألته هي بحنقٍ:
مين دي إن شاء الله ؟! شايفاك هايم و سرحان كدا، مش مالية عينك مثلًا؟"
سألها هو بنبرةٍ تائهة:
هدير هو أنتِ بتغيري أوي كدا ليه؟ و لا بتغيري عليا أنا بس؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
أنا عمري ما غيرت على حد في حياتي، بس أنت حاجة تانية، حاسة أني بغير عليك من الهوا، حسن أنا حُبك دا هيلبسني في الحيطة و الله"
رد عليها هو بنبرةٍ متأثرة:
و أنا طول عمري كان نفسي أجرب إحساس إن حد يغير عليا و على حبي، كنت عاوز حد يعتبرني كل حاجة ليه، لو أنتِ هتحسسيني بكدا يبقى أنا خدت اللي أنا عاوزه خلاص"
ابتسمت له ثم أمسكت كفه و هي تقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بمرحٍ طفيف:
اطمن هكبس عليك علشان أنا مش هسيب حد يبصلك بس، استحمل أنتَ بس يا أبو علي"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
الوحيدة في الدنيا كلها اللي مسموح ليها تقولي يا أبو علي، غير كدا مستحيل، بس علشان عيونك الحلوين أنا قابل أي حاجة منك"
تنهدت هي بعمقٍ ثم سألته تغير مجرى الحديث:
متشتغلنيش بقى و قولي هناكل إيه في الجو البدوي دا؟"
رد عليها مُردفًا بمرحٍ:
طلبت حواوشي يا هدير، وحشني أوي و الله أيام أكل الشوارع و العشوائية"
ردت عليه هي بحماسٍ:
الله !! كان نفسي أجرب حاجة زي دي، بقولك إيه بقى زود طحينة و هات بيبسي"
طالعها هو بدهشةٍ فوجدها تقول بنبرةٍ أهدأ:
خلاص بلاش بيبسي، خليه شويبس رومان"
_________________________
في عيادة الطبيبة النفسية كان «وليد» جالسًا في الخارج ينتظر دخوله للطبيبة، لكنه تفاجأ بالعدد الموجود، فوجد نفسه يبتسم بسخريةٍ و هو يفكر هل جميع من رآهم يعانون مثله؟ هل جميعهم مرضى بالفعل أم أن العالم هو من أوهمهم بذلك؟ قبل أن يغرق أكثر في شروده وجد دوره و كان هو أخر الحاضرين، حينها دلف للطبيبة وهو يقول ساخرًا من الوضع:
ما شاء الله، المرضى زادوا ربنا يوسع رزقك، عاوزين ندبحلك عجل على باب العيادة"
ضحكت هي بيأسٍ على طريقته وهي تشير له بالجلوس، بينما هو امتثل لمطلبها فوجدها تسأله بنبرةٍ هادئة:
قولي بقى يا سيدي؟ طلبت تيجي تقابلني ليه؟ فرحني و قولي إنك سمعت كلامي و إنك بدأت تمشي على الخطوات"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بطريقةٍ تمثيلية ممتزجة بالمرح:
لأ و الله كان نفسي بس محصلش، أنا جاي علشان أقولك أني ضربت بكل كلامك عرض الحيطة، و أني مش هقدر أثق في حد، ليه بقى؟ علشان لما موثقتش في حد، انقذت واحد من الموت، و دا دليل إني مينفعش أثق في حد"
رفعت كفيها تضعهما على رأسها بيأسٍ من حديثه، فوجدته يقول بنبرةٍ خجلة:
بس دا ميمنعش أني عاوز أثق في الناس، يعني عاوز أتكلم برضه"
تنهدت هي بعمقٍ ثم أشارت له نحو المقعد الكبير حتى يجلس عليه و تبدأ جلستها معه، انصاع هو لأمرها ثم تركها و توجه نحو المقعد و هي تلحقه و في يدها دفترها، و بعدما تأكدت من استرخاء جسده سألته بنبرةٍ عملية:
احكيلي بقى حصل إيه يا وليد علشان نرجع لـ ورا كدا تاني؟ و إيه اللي خلاك تقول كلامك دا؟"
تنهد هو بعمقٍ ثم حرك رأسه موافقًا و من بعدها بدأ في سرد ما حدث مع «عمار» و محاولة اغتياله على يد «زيكا» و كيف من خلال عدم الوثوق به استطاع انقاذ حياة فتى بريئًا، أنهى سرده للحكاية ثم تابع قوله بنبرةٍ تائهة تُعبر عن حيرته:
أنا ساعتها اتلجمت و وقفت أفكر لو مكنتش شكيت في زيكا دا كان إيه الوضع دلوقتي؟ كان زمان عمار دا ميت أو مرمي في المستشفى، كان زمان أبوه و أمه و أخواته كلهم قلبهم محروق عليه، الثقة دي البشر ميستاهلوهاش، علشان ببخونوها"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت بنبرةٍ هادئة تحاول السيطرة على انفعالاتها:
يا وليد كل الحكاية إن الثقة شيء متبادل، بمعنى أني أثق في اللي حواليا علشان هما آهلين بالثقة دي، يعني مرتبطة بالأشخاص، مينفعش تيجي أنتَ بناءًا على موقف نادر الحدوث و تقول إن محدش يستاهل الثقة دي، مينفعش علشان موقف واحد أوقف عليه حياتي كلها، كدا غلط، هتفضل طول عمرك تعاني من قلة الثقة يا وليد"
تنفس هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ متألمة و بوجعٍ ظهر جليًا على تقاسيم وجهه:
كل الحكاية إن اللي شوفته وحش كان أكتر من الحلو، أنا مع كل وجع لأي حد بشوف وجعي أنا كمان، كل ما أقول الجرح قفل و خلاص، ألاقيه بينزف من جديد، و أنا مش عاوز أفضل أعيط على وجعي، عمار دا فكرني بنفسي لما كنت مسالم، حاسس أني عاوز أخده في حضني، يمكن كلهم عارفين معاناته بس أنا الوحيد اللي حسيت بيه، أنا الوحيد اللي حسيت بكسرته و هو بيقول إنه موجوع، هو أنا لسه مش بنسى؟ كلهم بينسوا و يفرحوا بس دماغي رافضة دا، نار جوايا كل ما أقول خلاص هتطفي ترجع تولع من جديد مع أي جرح لأي حد و كأنها عدوى بتتنقل ليها، أنا عيشت بوجعي و بوجع اللي حواليا بعدما اتعديت منهم"
زفرت هي بقوةٍ ثم سألته بنبرةٍ جامدة:
قولي كدا يا وليد بما إنك قربت على فرحك، إحساسك هيكون إيه؟ أو تقدر تقولي طريقة تعاملك مع عبلة هتكون إزاي و أنتَ مش عاوز تتعافى كدا؟"
حرك رأسه حتى يتسنى له رؤيتها وهو يقول بنبرةٍ تائهة:
أنا دماغي مش قادرة تساعدني افرح بحاجة زي دي، كل ما أفكر أني هبقى معاها في بيت واحد و يضلل علينا نفس السقف أفرح و أحس أني عاوز اليوم دا يجي النهاردة قبل بكرة، و فجأة خوف غريب يسيطر عليا إن هي مش هتستحمل العيشة معايا، خوف مسيطر عليا إنها هتتعب مني، أنا بحبها و الله، بس غصب عني مش عارف أثق في دنيتي اللي بتقلب عليا"
وهو يتحدث و دون أن يشعر بنفسه وجد دموعه تنزل على وجهه، بينما الطبية تنهدت بأسى ثم قالت بنبرةٍ عملية جاهدت حتى تُخفي تأثرها بها:
عبلة ليك هتفضل الدينامو زي ما أنتَ قولت يا وليد، خليها هي اللي تحركك، هقولك دلوقتي على خطوات لازم تكون عندك علشان تعرف تعدي فترة اللي حصل مع عمار، و اللي للأسف عقلك بعتلك بيه إنذار خطر و خلاك ترجع تاني في الخطوات"
أومأ لها موافقًا بقلة حيلة فوجدها تقول مفسرةً له:
أول حاجة لازم تفكر إن قلة الثقة و الشك عواقبهم وخيمة أوي عليك و على اللي حواليك، بمعنى إنها محرك أساسي في كل العلاقات، و علاقتهم طردية، فيه ثقة فيه إستمرار في العلاقة، مفيش ثقة يبقى مفيش استمرارية في العلاقة، مينفعش أكون بعامل حد و أنا مش عارف آمن ليه"
ابتسم هو بسخريةٍ وهو يقول:
طب و آمن لنفسي إزاي بقى؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ثابتة:
حبها و شجعها و اقبلها بعيبها قبل مميزاتها، افتكر هي استحملت إيه و عدت بإيه"
زفر هو بقوةٍ فوجدها تتابع من جديد:
فكر كدا في اللي أنتَ مستنيه من الناس التانية هتلاقي إن توقعاتك أعلى من من اللي مفروض يكون حاصل، بمعنى إن اللي حواليك مش بيقرأوا أفكارك يا وليد، يعني اللي أنتَ ممكن تكون مستنيه منهم هما معندهمش أدنى فكرة بيه، بمعنى إنهم مش هيعملوا الحاجة اللي أنتَ عاوزها لأن ببساطة هو شيء مجهول ليهم، دا غير إنك أحيانًا بتفشل في التعبير عنها"
حرك رأسه يطالعها من جديد بنظرةٍ متعجبة، فوجدها تتابع من جديد:
الفكرة في العقل نفسه اللي بقى بيقارن بين الخذلان اللي فات و بين اللي بيحصل حاليًا، قلة الثقة دي مرض غريب دوره بس إنه ينكد عليك حياتك و يحجم طاقتك"
ابتسم هو بسخريةٍ وهو يقول:
تعرفي إن الفكرة دي مأثرة عليا، لدرجة خلتني أفكر جديًا أني أسيب عبلة؟ حسيت للحظة كدا أني مش جدير بحبها"
سألته هي بتعجبٍ:
هو أنتَ لسه بتخاف من عبلة يا وليد؟ لسه قلبك مش عارف يأمن ليها؟"
رد عليها هو بثباتٍ:
تعرفي أني إمبارح قبل ما أنام كنت بفكر في الإجراءات اللي ممكن أخدها ضدك لو حصل و غدرتي بيا؟ حتى أنتِ مَسلمتِيش من تفكيري"
أغلقت دفترها وهي تقول بنبرةٍ جامدة:
قوم روح أحسن، أنا بقول كفاية كدا قبل ما أموت مجلوطة"
اعتدل في جلسته حتى لمست قدميه الأرض وهو يقول بنبرةٍ مُتعبة:
أنا فعلًا تعبت و الله و محتاج أرتاح، بس كلامك حلو و وعد مني هعمل بيه، أكيد أنا مش حابب نفسي و أنا مقسوم نصين كدا"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
يا بني أنتَ اللي تاعب نفسك و الله، أسمع مني و حارب علشان اللي في حياتك كلهم"
_________________________
في مقر عمل «خالد» كان جالسًا في انتظار صديقيه بملامح وجه مُقتضبة و في يده قلمًا يضغط عليه بقوةٍ حتى يُحد من توتره، حتى فُتح باب مكتبه و دلف كليهما و أول من تحدث بضيق كان «عامر» وهو يقول:
نعم يا ابن عليان ؟! خير إن شاء الله ؟ و لو أني أشك إنه خير أصلًا"
رد عليه «خالد» بضجرٍ:
اترزع يا عامر أنا مش ناقص، مش جايبك علشان تجلطني"
رد عليه «ياسين» متدخلًا:
يا عم مالك فيك إيه؟ و ليه جبتنا دلوقتي و إحنا المفروض نروح"
رد عليه بقلة حيلة:
سمير جايب محاسب قانوني و جاي يراجع معايا ملف مهم في الحسابات في الصفقة الأخيرة اللي كانت بينه و بين الشركة، و أنا مسئول عن الملف دا"
تأهب جسد كليهما و ظهر ذلك في حركتهما و تبدل ملامح وجهيهما، بينما «خالد» تابع من جديد:
أنا جايبكم علشان أنا هقابله لوحدي، هو كان عاوزها مقابلة ودية بس أنا صممت إنها تكون هنا علشان خاطر ياسر"
رد عليه «عامر» بنبرةٍ جامدة:
و هو أنتَ عاوزنا نشوفه و نتعامل عادي؟ أنتَ مجنون يا خالد؟"
رد عليه بضجرٍ:
أومال أنا جايبكم ليه؟ أنا مش هقدر أمسك نفسي و علشان كدا عاوزكم معايا، عامر أنا مش عاوز مشاكل علشان ياسر ميعرفش"
سأله «ياسين» بنفس النبرة المحتدة:
فوق يا عم خالد، أنتَ كدا بتحط النار جنب البنزين و عاوزهم ميولعوش، أنتَ عارف كل واحد فينا موقفه إيه؟ بصراحة مش ضامن نفسي أسكت"
نفخ وجنتيه بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة:
عامر و ياسين، أنا مش عاوز هبل علشان خاطر ياسر حتى، عاوزكم بس تقعدوا تشوفوا الوضع إيه؟ أي حاجة تاني هتحصل هتبقى بنهاية اللي بينا"
طالعه كليهما بقلة حيلة و أبان ذلك طُرق مكتبه فعلم هو هوية الطارق لذلك سمح له بالدخول بنبرةٍ جامدة، و فجأة فُتح الباب ليظهر منه ذلك الرجل الذي يبغضه ثلاثتهم، رجلٌ يملك من الهيبة و الوقار قدرًا كبيرًا، يشبه صديقهم إلى حدٍ كبير، و لكن ذلك نظرته جامدة تخلو من اللين ، على عكس الأخر تقطر عينيه حنانًا أغدق الجميع به، دلف هو المكتب أولًا وهو يقول بنبرةٍ عملية تخلو من الود:
مساء الخير، أنا سمير الغزولي"
طالعه كليهما بتقززٍ، بينما «خالد» طالعمها بتحذير ثم وجه بصره نحوه وهو يرد عليه بنفس الجمود:
أهلًا وسهلًا يا فندم، اتفضل اقعد"
جلس أمامه و مقابلًا له مساعده الخاص، فحرك رأسه يطالع الجالسين بالخلف، فقال «خالد» بنبرةٍ جامدة:
دا البشمهندس ياسين رياض الشيخ، مسئول قسم المعمار في شركة الفاروق للهندسة، و دا أستاذ عامر فهمي مدير شركة الفاروق للسياحة فرع القاهرة"
ابتسم لهما باقتضابٍ و كأنه بذلك يبدأ التحية لهما، بينما هما نظرا لبعضهما ثم بادلوه التحية بنفس الطريقة، و قبل بداية العمل، مال «عامر» على أذن «ياسين» و هو يقول بنبرةٍ خافتة:
الراجل دا مبقع كدا ليه يا ياسين؟ وشه عمل زي علبة الكوكتيل من فوق موز كتير و في النص فراولة"
رد عليه «ياسين» بنفس النبرة:
يخربيت أمك أسكت، هتودي اللي خلفونا في داهية، كوكتيل إيه يا جاموسة؟"
رد عليه مُفسرًا:
بص عليه كدا؟ وشه ملون و إيه شعره دا؟ تحس إنه تيشيرت أبيض باهت عليه لون أحمر؟ يكونش هو دا مستر كنتاكي و دا صاحب سر الخلطة"
عض «ياسين» على شفته السفلى فوجد «عامر» ينظر له من جديد وهو يراقب ملامح وجهه، أما على الجهة الأخرى بدأ العمل على دراسة الملف و شرح تفاصيله من قِبل «خالد» فوجد «سمير» يسأله بنبرةٍ جامدة:
أنتَ متأكد من الحسابات دي يا أستاذ خالد؟ أنا معنديش تهاون في الشغل و دي صفقات كبيرة"
رد عليه «خالد» بنبرةٍ جامدة:
الملف معاك أهو تقدر تراجعه براحتك، و أظن المحاسب اللي معاك شاطر و يقدر يراجع كلامي، أنا هنا مش عمره مسك عليا غلطة واحدة"
رد عليه هو بلامبالاةٍ:
أتمنى كلامك يبقى صح، على العموم هنشوف"
زفر «خالد» بقوةٍ، بينما «عامر» شعر بالغضب لأجل «خالد» و حينها أخرج هاتفه و قام بتمثيل مكالمةً هاتفية و هو يقول بنبرةٍ عالية:
ما هي دي غلطتك أنتِ، قولنا ١٠٠ مرة اللبس الأبيض يتغسل لوحده و الألوان لوحده علشان منبقاش عالم مبقعة، كل حتة فينا لون"
اتسعتا حدقتي «ياسين» بقوةٍ حينما رآى الجميع موجهون بصرهم نحوهما، بينما «عامر» تابع من جديد:
يعني من برة ابقى أبيض في أحمر و من جوة أسود شبه كياس الزبالة؟ هبقى استفدت إيه أنا بقى؟"
رفع «سمير» حاجبه وهو يحرك رأسه يطالع «عامر» الذي أبعد الهاتف عن أذنه وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
معلش دي الشغالة بتاعتنا، تخصص حاجات مبقعة"
تدخل «خالد» يقول بنبرةٍ جامدة:
طب أنا كدا خلصت معاكم مراجعة الملف، و النسخة دي أنا مجهزها علشان تراجعوا الملف براحتكم، دلوقتي أحنا مضطرين نستأذن"
أومأ له «سمير» ثم وقف و هو ينهي ذلك الاجتماع و من بعدها خرج هو و مساعده تاركًا الشباب خلفه في الغرفة، أما «خالد» فسار خلفهم حتى وصل إلى الباب و قام بغلقه بالمفتاح، أما «عامر» حينما لاحظ نظراته كان الأسرع حينما ركض يقف على المكتب الخاص بصديقه وهو يقول بخوفٍ:
ياسين أنا في حمايتك، الحقني منه أبوس راس أبوك رياض"
اقترب منه «خالد» وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
الغلط مش عليك، الغلط عليا علشان جبت عيل زيك و كنت فاكر إنه هيسد، مبقع !! بقى دا مبقع؟"
رد عليه «عامر» بضجرٍ:
أنا غلطان علشان اتحمقت لواحد زيك، مستحملتش إنه يعصبك و يعلي صوته عليك، ما ترد يا زفت أنتَ كمان"
قال جملته الأخيرة لـ «ياسين» الذي مد يده له وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
انزل يا عامر و بطل هبل، الكلام دا في شقة ميمي مش هنا، انزل"
رد عليه «عامر» بحذرٍ و خوف:
خالد يديني كلمة شرف إنه مش هيعملي حاجة، بدل ما قسمًا بالله أفضحكم هنا أنا مجنون و ممكن أعملها"
زفر بقوةٍ ثم قال:
أنزل يا عامر مش هعملك حاجة، هو راجل مستفز و عاوز الحرق"
قفز «عامر» لهما وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
كدا أنتَ حبيبي، قولي بقى هو علطلول كدا مش طايق نفسه؟"
حرك رأسه موافقًا وهو يقول:
راجل راكن مشاعره على جنب و ماشي مش همه حد، ياسر ميعرفش حاجة عن اللي حصل، ماشي؟"
حركا رأسهما على مضضٍ يدليا بموافقتهما على حديثه، و كلًا منهم رأسه تفكر ماذا سيكون الحل إذا تمت تلك المقابلة؟"
_________________________
في شقة «رياض» دلفها «ياسين» بإنهاكٍ واضح فوجد والدته و زوجته يجلسا سويًا تتابعا التلفاز على أحد المسلسلات التركيه التي دومًا تتابعهم زوجته، زفر هو بيأسٍ ثم اقترب منهما يقبل رأس كلتاهما على حدة، ثم جلس في منتصفهما وهو يقول بمرحٍ:
خدوني جنبكم بقى علشان أنا مش قادر أتنفس، و جعان"
ربتت والدته على كتفه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
سلامتك يا حبيبي، قوم غير هدومك دي بس و خد دش لحد ما رياض يجي"
سألها هو بتعجبٍ:
هو بابا لسه مرجعش لحد دلوقتي؟ غريبة يعني؟"
ردت عليه والدته مردفةً:
هو جه بس نزل تاني علشان يجيب حاجات و زمانه على وصول"
أومأ لها موافقًا ثم قال لزوجته بسخريةٍ حتى يشاكسها:
إزيك يا كتكوتة؟ الخير و البركة ها ؟! صبرك عليا، هخلي الخير و البركة دول يهبلوكي حاضر"
حاولت هي كتم ضحكتها فوجدت والدته تحدثه بحنقٍ:
ملكش دعوة بيها يالا، قوم شوف أنتَ رايح فين أجري"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
أنا هقوم أغير لحد ما تسخنوا الأكل، علشان أنا جعان أوي"
ردت عليه والدته بلامبالاةٍ:
مفيش أكل علشان مطبخناش، غير هدومك بس و تعالى"
سألها هو بحنقٍ:
مفيش أكل ؟! يعني إيه إن شاء الله؟ سايب اتنين ستات علشان أرجع ملاقيش أكل؟"
ردت عليه «خديجة» بخجلٍ:
طنط جت تعبانة و لما سألتها قالتلي إنها ملهاش نفس تاكل من البيت"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
خديجة !! قعدتك مع أمي هتفسد أخلاقك و أنتِ زوجة صالحة، بلاش تسمعي كلام أمي علشان أمي غاوية حقوق مرأة و المرأة جابت أخرها و الله"
ردت عليه والدته بضجرٍ:
آه غاوية حقوق مرأة، و يا أنا يا أنتَ و أبوك في الشقة دي؟ و بقى معايا خديجة أهو يعني اتنين قصاد اتنين"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
ملكيش دعوة بخديجة و خليها في حالها، خليكي أنتِ كدا يا زُهرة لما نشوف أخرتها، و بعدين أنتِ طول عمرك بتكرهي المسلسلات التركيه، بقيتي بتتفرجي عليها إمتى؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
خديجة خلتني اتفرج على المسلسل دا و تابعته، أنتَ مالك؟ مش كفاية عمري اللي ضاع هنا معاك أنتَ و أبوك لما نستوني يعني إيه مجمتع نسائي"
كرر هو كلمتها خلفها بتعجبٍ:
مجمتع نسائي !! و هو أنتِ عاوزاني أنا المهندس ياسين الشيخ و أبويا المحامي و مدير الشئون القانونية رياض الشيخ نعيشك في مجتمع نسائي إزاي؟ نلبسلك چِيب و لا ندهنلك الحيطان بمبى مسخسخ؟"
أبان ذلك دخل «رياض» و في يده الحقائب وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
جبت الأكل أهو، أكلونا بقى بدل ما آكلكم انتم، يلا"
وقفت «خديجة» وهي تقول بنبرةٍ هادئة من وجهها المبتسم:
تسلم إيدك يا بابا، حالًا هجهز الأكل أهو"
ابتسم هو لها ثم اقترب منها يقبل قمة رأسها، فاخفضت رأسها بخجلٍ، فتحدث «ياسين» بحنقٍ:
و دا إيه إن شاء الله ؟! أنا بقالي أسبوع مش عارف أخد بوسة؟ جرى إيه يا جدعان هو أنا هنا مين بالظبط؟"
ردت عليه والدته بلامبالاةٍ:
أبو طويلة هتكون مين يعني؟"
طالع والدته باستنكارٍ واضح فوجدها تتركه ثم توجهت نحو المطبخ بعدما أمسكت يد زوجته تسحبها خلفها، أما «رياض» فجلس بجانبه وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
أمك طلعت سلاح المرأة و بتنتقم مني على البارد، بس على مين؟"
سأله «ياسين» بتعجبٍ سؤال لم يمت الحوار بصلةٍ:
هو أنتَ مش هتبوس راسي أنا كمان؟ و لا هي خديجة بس؟"
ضحك والده عليه فوجده يضحك هو الأخر لكن «رياض» أخذه أسفل ذراعه يضمه إليه وهو يقول بعاطفةٍ أبوية:
هبوس راسك و أحضنك كمان، أنتَ حبيب بابا"
ابتسم «ياسين» باتساعٍ وهو يتذكر صغره حينما كانت تلك هي جلسته المفضلة بين ذراعي والده الذي رفع يده يربت عليه بحبٍ بالغ، و أبان ذلك كانت «خديجة» تراقبهما من على بعدٍ و هي تبكي دون إرادةٍ منها، حتى شعرت بكف «زهرة» على كتفها، حينها التفتت لها تطالعها بعينيها الدامعتين فوجدتها تقول بتأثرٍ:
رياض طول عمره ملوش حد في الدنيا يا خديجة، لا أهل ولا أخوات من بعد ما ساب البلد و جه القاهرة، رياض لما بيحضن ياسين بيبقى هو اللي محتاج الحضن دا، لما كنت بشوفهم كدا كنت بسيبهم في حضن بعض علشان عارفة إن واحد فيهم محتاج التاني، أنا عيشت عمري كله بصلح في حياة رياض و أحافظ على حياة ياسين، و واثقة إنك هتعملي كدا و تكملي محافظة على حياة ياسين"
حركت رأسها موافقةً بقوةٍ فوجدتها تربت على كتفها وهي تقول بمرحٍ:
طب يلا نجهز الأكل علشان مياكلوناش إحنا".
_________________________
في شقة «فهمي» وصل «عمار» إلى بيته بعد انتهاء يومه الدراسي لكنه تفاجأ حينما وجد شقيقه الأكبر في شقتهم و معه زوجته، فسأل هو بتعجبٍ:
عامر !! بتعمل إيه هنا؟"
كان يتحدث تزامنًا مع اقترابه منهما فرد عليه شقيقه بنبرةٍ هادئة:
قولت أجيب سارة و أجي نقعد معاكم شوية و بعدها هنروح متخافش"
جلس بجانبه وهو يقول بسخريةٍ:
أخاف من إيه يا عم أنتَ منورنا، إزيك يا سارة عاملة إيه؟ عامر عامل معاكي إيه؟"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
الحمد لله، لسه متجننتش، بس على وشك خلاص مش بعيد"
خرجت والدته من الداخل وهي تقول بطريقةٍ مضحكة و كأنها تهدهد طفلًا صغيرًا:
عمار حبيب ماما !! روح قلب ماما يا ناس، نور البيت يا ناس"
رد عليها «عامر» بتذمرٍ:
و إشمعنا أنا لما جيت مقولتيش ليا كدا ؟! هو عمار أحسن مني؟"
ردت عليه هي بنفس الطريقة:
عامر قلب ماما يا ناس، روح قلب ماما يا ناس، نور البيت يا ناس"
ضحك «عمار» و «سارة» عليهما بينما «عامر» قال بحنقٍ طفيف:
مش حاسسها بس ماشي، يلا"
وقف «عمار» وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
طب عن إذنكم بقى هدخل أغير هدومي و أرجع تاني ليكم، عن إذنك يا سارة"
ردت عليه هي بودها المعتاد:
اتفضل يا عمار، براحتك"
انسحب من أمامها هو، بينما «عامر» تبعه للداخل نحو غرفته، فسأله «عمار» بتعجبٍ ثم قبل أن يدخلا الغرفة:
فيه إيه يا عامر؟ داخل أغير عاوز حاجة ولا إيه؟"
رد عليه «عامر» موافقًا:
ادخل علشان أنا عاوزك يا عمار في كلمتين ضروري"
انتاب القلق ملامحه و شعر بريبةٍ من طريقة شقيقه الجادة و التي قلما وجدها عنده، و بعد دلوفهما الغرفة سأله بقلقٍ:
ها يا عامر خير؟ أنا أصلًا أعصابي بايظة لوحدها"
رد عليه هو بثباتٍ:
متخافش يا عمار، أنا بس عاوز أسألك حصل إيه علشان حسن و وليد يروحوا معاك عند ميمي؟"
ازدرد لُعابه بتوترٍ فوجده يتابع من جديد:
و مش عاوز لف و دوران علشان لو عاوز هعرف بطريقتي، قولي حد منهم كان ناويلك الغدر؟"
تنهد هو بقلة حيلة ثم حرك رأسه موافقًا على مضضٍ، فوجد «عامر» يسأله بنبرةٍ جامدة:
عملوا إيه بقى ؟! و حصل إيه علشان دماغي متقفش"
أمام اصراره قرر «عمار» مصارحته و قام بسرد ما حدث تلك الليلة بأكمله و أثناء حديثه كانت نبرته تهتز بين الحين والآخر، حتى أنهى سرده فتابع من جديد:
لولا وليد و حسن كان زماني الله أعلم بيا بقى ميت ولا مرمي في الشارع، بس بالله عليك يا عامر مش عاوزك تعمل حاجة تاني، و ياريت وليد و حسن ميعرفوش أني قولتلك علشان ميبقاش شكلي وحش، أنا لو مش عارف إنك ممكن تعمل أي حاجة علشان تعرف كان زماني معرفتكش حاجة"
أغمض عينيه بألم وهو يتخيل ما كاد يحدث لشقيقه و رأسه ترسم أمامه ألاف السيناريوهات و كلًا منهم أسوأ من الأخر، ثم فتح جفنيه على مضضٍ يطالع شقيقه بتركيزٍ واضح و كأنه يتأكد من سلامته، و على حين غرة احتضنه فجأةً وهو يقول بنبرةٍ متأثرة:
الحمد لله إنك رجعتلي تاني يا عمار، علشان دا لو كان حصل أنا كان زماني ميت وراك، المهم إنك تبقى كويس"
رد عليه هو بنبرةٍ مسالمة:
الحمد لله على كل حال، أنا روحت للشيخ أيوب و اتكلمت معاه و رجعت من عنده مرتاح يا عامر، بس لوهلة كدا حسيت نفسي صعبت عليا، لما أبقى معملتش حاجة وحشة و الدنيا بتيجي عليا كدا؟ أومال لو بقيت وحش هيحصلي إيه؟"
ربت على ظهره وهو يقول بسخريةٍ:
هي كدا يا عمار مبتجيش غير على الغلبان، إنما الجامد دا بيسلك فيها عادي، أنا أصلًا جاي هنا علشانك، و علشان عارف إن نفسيتك مش هتكون متظبطة، قولت نقضي اليوم سوا"
حرك «عمار» رأسه بتشككٍ فوجده يقول بنبرةٍ مرحة:
و الله جيت علشانك أنتَ، و علشان اطمن عليك، ماهو مش هيجي على قلبي أعز منك برضه"
إبتسم له «عمار» بسمة صافية فوجده يشرأب برأسه وهو يقول بتعجبٍ:
إيه دا !! إيه اللي على التسريحة دا يا عمار؟"
حرك «عمار» رأسه للخلف ثم نظر له مرةً أخرى وهو يقول:
دا غسول علشان الجامعة بدل ماتبوظه و اللي جنبه دا كريم للقشرة"
اقترب «عامر» يمسك تلك الأشياء في يده وهو يقول بتفكيرٍ:
غسول !! يا بني دا أنا فضلت أربع سنين جامعة بروح بعماصي، و أنتَ جايبلي غسول !! و كمان للوسامة؟"
رد عليه «عمار» بحنقٍ:
أنتَ كنت معفن أنا مالي بيك ؟!"
سأله «عامر» بلهفةٍ و كأنه انتبه لتوه:
بقولك يا عمار، لو حطيت من الغسول دا هيخليني شبه الواد ياسر كدا ؟!"
رد عليه «عمار» بيأسٍ:
ما تسيب ياسر في حاله بقى !! عينكم جابت الواد الأرض خلاص"
أومأ له موافقًا ثم وضع العبوة في جيبه حينها اقترب منه شقيقه وهو يقول بنبرةٍ مستنكرة:
أنتَ بتعمل إيه يا حبيبي؟ سيب يا حبيبي علشان مزعلكش، يلا"
ابتسم له باستفزازٍ ثم خطى بقدمه اليسرى حتى يرحل من أمامه و قبل أن يحدث ذلك قفز عليه «عمار» وهو يقول متوسلًا:
سيب يا عامر إلهي يا رب ربنا يفتحها في وشك، مش معايا فلوس أجيب تاني"
أمسكه «عامر» بقوةٍ وهو يقول بمرحٍ:
تعالى ألف بيك الشقة و نغني زي ما كنا بنعمل زمان !! يلا"
حاول «عمار» النزول من على ظهره وهو يقول بخجلٍ:
معلش مخدتش بالي إني على ضهرك، نزلني علشان أنا تقيل عليك"
رد عليه «عامر» دون أن يلتفت و ينظر له:
ياريت حمل الدنيا كدا زي خفة وجودك، أنتَ مش تقيل يا عمار و لا حاجة، أخوك كتفه موجود يشيلك العمر كله"
تأثر «عمار» بذلك الحديث لكنه تفاجأ حينما وجد «عامر» يركض به نحو الخارج وهو يضحك بقوةٍ تزامنًا مع تلك الجلبة التي أحدثها في المكان بمرحه و نبرته، أما «سارة» فطالعتهما بدهشةٍ حتى وجدتهما يدورا في المكان و «عمار» على ظهر «عامر» و كلًا منهما يغني مع الأخر أحدى الأغنيات الكرتونية القديمة و في تلك اللحظة شعرت و كأنها ترى طفلين أمامها و ساعدها على ذلك التخيل اقتراب والدتهما منهما تضحك بقوةٍ وهي تداعبهما.
_________________________
أوقف «حسن» السيارة في منطقةٍ ما، بينما «هدير» حركت رأسها تتفحص المكان حولها بتعجبٍ ثم سألته هو بنبرةٍ حائرة:
هو إحنا فين هنا ؟! و وقفنا ليه يا حسن؟"
حاول هو إيجاد كلماتٍ مناسبة، لكنه لم يستطع، لذلك قال لها صراحةً:
طول عمري كنت بحلم باليوم اللي أدخل على أمي فيه بالبنت اللي بحبها و قلبي أختارها، بس حتى اللحظة دي الدنيا حرمتني منها يا هدير، من فترة كدا أنا كان معايا البنت اللي بحبها بس، لكن من كام يوم أنا بقى عند الأم اللي أقدر أعرفها عليكي و أعرفك عليها علشان أحس باللي كان نفسي أجربه، مش عارف دي أنانية ولا لأ بس ممكن تيجي معايا؟"
استطاعت هي التقاط نبرته المتألمة لذلك حركت رأسها موافقةً على مطلبه دون ترددٍ، فابتسم هو لها ثم أشار لها حتى تتبعه، و بعد مرور دقيقة من خروجهما من السيارة، كانت هي تمسك بذراعه بقوةٍ أثناء صعودهما الدرج، فمد هو كفه يربت على كفها الممسك بذراعه، حتى وقفا أمام الشقة و حينها تذكر هو موضع المفتاح كما أخبرته هي، فقام بفتح الباب وهو يقول بنبرةٍ عالية:
ميمي !! أنتِ صاحية ؟!"
رفعت صوتها تجاوبه هي بمرحٍ:
صاحية يا سيدي تعالى أنا في البلكونة أهوه"
ابتسم هو باتساع ثم حرك رأسه للخلف فوجد نظراتها تحمل العديد و العديد معها حينها أمسك كفها بعدما أغلق الباب ثم توجه بها نحو «ميمي» التي اتسعت بسمتها أكثر عند رؤيتها لهما معًا أمامها و كفيهما متعانقين بشدةٍ، فوجدته هو يجثو على ركبيته أمامها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
دي هدير يا ميمي، مراتي"
ابتسمت له حينما فهمت مقصده، ثم حركت رأسها تطالع تلك التي تنظر لها بحيرةٍ حتى اقتربت منها تقول بنبرةٍ خافتة و كأنها تجاهد حتى تتحدث:
إزي حضرتك عاملة إيه ؟! أنا أسفة أني جيت من غير ميعاد بس أنا مكنتش أعرف و الله"
ردت عليها هي بنبرةٍ ضاحكة:
محدش هنا بياخد مواعيد في بيت ميمي يا هدير، و بعدين مالك خايفة كدا ليه؟ مش أنتِ واثقة في حسن؟"
حركت رأسها بتوترٍ حينما رآت نظرته لها، فتحدثت «ميمي» تقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بمرحٍ طفيف:
طب اقعدوا قصادي كدا، الزمن بيعيد نفسه تاني، سبحان الله"
جلسا كليهما أمامها فقالت هي:
فكرتوني بأول مرة ياسين جاب خديجة فيها هنا، كانت برضه عاملة كدا و قلقانة، كأن الشقة دي بيت الرعب"
ابتسم «حسن» لها بينما «هدير» عند ذكر اسم «خديجة» رفرفت بأهدابها و هي تحاول التوصل لما يصير حولها، فوجدت «ميمي» تقول بنبرةٍ هادئة:
أنا هريحك و أقولك أنا مين و أعرف خديجة منين و حسن كمان عرفني إزاي، علشان أريحك"
حركت رأسها موافقةً و هي تتلمس منها الجواب لـ أسألتها، فبدأت «ميمي» بسرد حكايتها بإيجازٍ ثم قصت عليها كيف تعرفت على «حسن» و البقية دون أن تخبرها بحديثهما عنها، هي فقط اكتفت بقص الحديث المفيد الذي يرضي فضولها، بينما «هدير» وجهت بصرها نحوه فوجدت نظراته خجلة بعض الشيء، حينها تحدثت «ميمي» تقول بنبرةٍ مقررةٍ:
أنا بعتبرهم كلهم ولادي يا هدير، حتى حسن رغم أني أعرفه من أيام، بس أنا قلبي أتفتح ليه و ليكي أنتِ كمان، أنا بس عاوزة أقولك حافظي عليه و على قلبه زي ما طلبت منه يحافظ عليكي قبل ما تروحي منه"
حرك رأسه ينظر لها بتعجبٍ فوجدها تقول بنبرةٍ جامدة بعض الشيء:
مش أنتَ معتبرني أمك ؟! يبقى دوري أوصي مرات أبني على أبني بقى"
سرت قشعريرة في جسده بعد استماعه لحديثها فوجدها تتابع من جديد:
حسن بيحبك بجد يا هدير و اللي أنا شايفاه إنك أنتِ كمان بتحبيه، اعتبريني بسلمك أمانة و طالبة منك تحافظي عليها"
أومأت لها موافقةً لكنها تفاجأت به يبكي رغمًا عنه ثم اقترب من «ميمي» فوجدها تمسح دموعه بيدها و بكفها المُجعد، ثم ربتت على رأسه، فاجهش هو في البكاء من جديد يعلن لحظة ضعفه أمامهما، فوجد «ميمي» تقوم بوضع رأسه على فخذها ثم ربتت ظهره بحنانها وهو يبكي بقربها بكاءًا لا يدري سببه، كانت «هدير» تطالع الموقف ببكاءٍ هي الأخرى و دون أن تشعر لنفسها وجدت ذراعها يتحرك حتى استقر فوق رأسه تربت عليها بكفها و «ميمي» تبتسم لها من بين دموعها.
_________________________
في شقة «رياض» بعد تناول وجبة العشاء جلسوا جميعًا في الشرفة و هم يلعبون سويًا لعبة "الكوتشينة" و كانت «خديجة» صاحبة الحظ المتعسر حيث وقعت في يدها ورقة "الشائب" و بالتالي سيتم إصدار الحكم ضدها، و مع توتر ملامحها استطاع «ياسين» فهم سبب ذلك التوتر لذلك حرك رأسه يسأله بصمتٍ، فوجدها تحرك رأسها بخوفٍ حينها أومأ لها بأهدابه ثم قام بسحب تلك الورقة من يدها حينما أتى دوره في السحب، و مع استمرار اللعبة. انتهت بهزيمة «ياسين» أمام الجميع، فتحدث «رياض» متشفيًا به:
عامل نفسك جامد و أنتَ أهبل أصلًا، يلا يا حلو كل واحد فينا هيحكم عليك علشان متبقاش تنفخ نفسك تاني"
حرك رأسه ينظر لزوجته و كأنه يقول لها "أرأيتي؟" فوجدها تطالعه بأسفٍ، فحرك رأسه وهو يقول بنذقٍ:
يلا بقى هتحكموا بإيه ؟!"
تحدث والده يقول مُقررًا:
نبدأ بمراتك، ها يا خديجة هتحكمي بإيه؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ متوترة بالطبع لن تستطع إصدار الحكم ضده و هو من انقذها من تلك الورقة:
بصراحة مش هقدر أحكم عليه، أنا مسمحاه"
صفق «ياسين» بكفيه وهو يقول بمرحٍ:
و رب الكعبة أنا مختار صح، طب و الله مش بحبها من فراغ يا جماعة"
ابتسموا على حديثه جميعهم، بينما والده تحدث متذمرًا بحنقٍ:
خليكي كدا هبلة و بيتضحك عليكي، أنتِ حرة"
رد عليه «ياسين» بحنقٍ زائف:
يا عم هو أنتَ مش أبويا ؟! ما تسيبها تنصفني"
لوح له والده ثم قال:
يلا يا زهرة احكمي عليه الأهبل أبو طويلة دا"
ابتسمت والدته وهي تقول بنبرةٍ مقررة:
بدل ما تمشوا يوم الجمعة الصبح، تمشوا بليل و مش هقبل الرفض"
راقص له والده حاجبيه، بينما هو زفر بقوةٍ ثم حرك رأسه موافقًا على مضضٍ بقلة حيلة فهو لن يقوى على الرفض، أما والده وقف وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
أنا بقى هروح أجيب حاجة العقاب و أجي، صبرك عليا"
طالعوه بريبةٍ بينما «ياسين» حرك فمه يمينًا و يسارًا تزامنًا مع كفه الذي يلوح بسخريةٍ و تهكمٍ، فوجد والده يأتي مرةً أخرى وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
محضرلك حكم ياض يا ياسين حلو زيك كدا"
أنهى حديثه ثم قام بوضع طبقًا من الطحين الأبيض (الدقيق) وهو يقول مفسرًا:
دلوقتي حضرتك مطلوب منك تجيب الـ ٢٠٠ جنيه اللي جوة الطبق دا بس ببوقك يا ياسين"
شهقت «خديجة» بقوةٍ، بينما «زهرة» ضحكت بخفةٍ حينما رأت ملامح ابنها الممتعضة، فتحدث «ياسين» بثقةٍ:
طب و بعد ما أطلع الـ ٢٠٠ جنيه؟ هيحصل إيه؟"
رد عليه والده بنبرةٍ جامدة:
طلعهم بس و نبقى نشوف بعدين إيه اللي هيحصل"
أومأ له موافقًا ثم وضع وجهه في طبق الطحين الأبيض و بعدما جاهد مع نفسه، استطاع أخيرًا التقاط الورقة المالية و حينما رفع وجهه استمع لصوت ضحكاتهم عليه حتى زوجته التي لم تستطع تمالك نفسها هي الأخرى، و أول من أوقف الضحكات كان والده وهو يقول بنبرةٍ جاهد حتى يتحدث بها:
شاطر ياض طالع لأبوك، دلوقتي بقى تلبس و تاخد مراتك و ....."
و نروح بيتنا بقى صح؟"
قاطعه «ياسين» بذلك و هو يقولها بلهفةٍ فوجد والده يحرك رأسه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
لأ يا روح أمك، تنزلوا سوا تجيبوا لينا حاجات بالـ ٢٠٠ جنيه دي، يلا"
زفر بقوةٍ فوجده يقول بسخريةٍ:
و أنا اللي قولت أخليك تنزل تفك رجلك شوية و تتمشوا مع بعض، شكلك مش وش خير، أقولك هاخدها و أنزل أنا"
رد عليه هو بلهفة يقاطعه:
لأ أنا ما صدقت، هنزل أنا و هي، قومي يا ست الكل البسي يلا".
قال جملته ثم ركض من أمامهم، بينما هم ضحكوا عليه من جديد.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» دلف «وليد» شقتهم و قبل أن يدخل غرفته سمع صوت جرس الباب، عاد مرةً أخرى يفتحه ظنًا منه أن الطارق أحد أفراد أسرته، لكنه تفاجأ حينما وجد «مشيرة» أمامه، فسألها بنبرةٍ جامدة:
نعم يا مشيرة ؟! محدش هنا غيري عاوزة حاجة؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ متوترة:
أنا جاية علشانك أنتَ يا وليد، أنا عارفة إنهم عند هدى تحت"
حرك رأسه باستنكارٍ فوجدها تمد يدها له بطبقًا ممتليء بالحلويات وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
الـ...الحلويات دي أنا اللي عملاها و لما و شيلت نصيبك منها، أنا....أنا عارفة إنك بتحب أم علي اللي أنا بعملها....بألف هنا و شفا"
تنفس هو بعمقٍ ثم قال بنفس الجمود:
أنا كلت برة و شبعان الحمد لله، ممكن تديه لجميلة أو طارق هما أكيد بيحبوها"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية:
هما كلهم خدوا نصيبهم يا وليد، دا نصيبك أنتَ، أنا مستنياك من بدري علشان تيجي و أديك نصيبك"
تحدث هو بلامبالاةٍ:
خلاص سيبيه بس أنا مش هاكله أصلًا، و بعدين مليش في الحلويات أصلًا"
حركت رأسها موافقةً ثم وضعت الطبق على الطاولة وهو يتابعها فوجدها تبكي تأثرًا بموقفه معها، و قبل أن تعتدل في وقفتها مسحت دموعها قبل أن تنزل من وجهها، بينما هو حينما رآى وضعها ذلك، انتظر حتى اعتدلت في وقفتها و قبل أن تهم بالمغادرة أوقفها يقول بنبرةٍ جامدة:
استني !! هدوقها علشان لو حلوة أشرب جنبها شاي"
ابتسمت هي ببلاهةٍ فوجدته يأخذ قطعة من الطبق و للحق لم ينكر هو مذاقها الشهي و مهارتها في صنع الحلويات، ابتلع هو الطعام ثم قال لها ساخرًا من نفسه و منها:
أنا دوقتها بس علشان أتأكد إنك بتعملي الحاجات دي حلو و لا لأ، و قولت بدل ما أكون دوقت منك المُر بس أكون دوقت حاجة حلوة"
قبل أن ترد عليه هي استمعت لصرخةً عالية هزت أرجاء البيت و كانت تلك الصرخة متألمة، فركضا الأثنين معًا للأسفل فوجد «خلود» تقول بخوفٍ:
تعالى بسرعة هدى شكلها بتولد و مش عارفين نجيب الإسعاف"
اتسعت حدقتيه بقوةٍ بينما «مشيرة» تركتهما ثم ركضت للداخل حتى تطمئن عليها و لكن الأخرى استمرت في الصراخ بنفس الألم.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم شمس بكري
أما بعد كل ما أنتصرت به في حياتي هزم أمام براءة عيناك"
كيف لا أحبك وأنا عيوني أصيبت بالعمى عن الجميع ويوم عاد بصرها، كنت أنت أول ما رات، أخبرني كيف لقلب لم يهدأ إلا بجوارك، وعقل لم يجد طمأنينته إلا بكنفك ولا أحبك.
بعدما قام «وليد» بإثارة حنق عمته تركها وذهب إلى الشباب مرة أخرى، أما النساء فصعدن إلى الشقة المخصصة لهن نظرت «عبلة» حولها فالتقت أعينها بأعين «هدير» لم تستطع عبلة» التحكم في دموعها، فركضت إلى غرفة من الغرف الموجودة بالشقة ، سحبت «هدير» نفسها بهدوء خلفها ودخلت الغرفة التي تقبع عبلة بداخلها، نطقت بنبرة مهتزة
ع.. عبلة ، أنت كويسة ؟"
نظرت لها «عبلة» نظرة حادة ولم تُجيبها، بينما «هدير» حاولت الإقتراب منها، فصرخت «عبلة» بوجهها وهي تقول:
إبعدي عني .. مش عاوزاك تقربي مني تاني فاهمة"
حرکت «هدير» رأسها نفيًا بهدوء وقالت بتمثيل مصطنع:
أنا عملت كدا علشانك والله كنت عاوزة أساعدك"
وقفت «عبلة» متأهبة وهي تقول:
والله ؟ بتساعديني، فتدمري سمعتي ؟ ولا إنك تخلي شكل أخويا وخطيبي زفت قدام صاحبهم، ولا إنك تستغلي واحد زي شهاب ردي عليا
خرجت كلمتها الأخيرة بصراخ، مما جعل جسد «هدير» يجفل بقوة، بينما عبلة » مسحت دموعها وقالت:
للأسف مفيش عندك رد عارفة يا هدير أنا طول عمري طارق يحذرني منك و وليد كمان دا حتی سلمی و خلود وأنا اقولهم هدير لو زعلت الدنيا كلها مستحيل تزعلني هدير دي أختي وصاحبة عمري، وكلهم يكدبوني، مش عارفة أنا كنت واثقة فيك إزاي"
رفعت «هدير» رأسها وهي تقول بصوت متأثر بعض الشيء: " والله كنت فاكرة إنك مش بتحبي وليد، وكمان أنا عارفة إن شهاب بيحبك بجد بكرة لما تعرفي حقيقة وليد هتندمي والله
صرخت «هدير» بوجهها وهي تقول:
بس مش عاوزة أسمع صوتك، متجبيش سيرته على لسانك تاني، لاهو ولا خديجة، على الله أسمع منك حاجة عليهم تاني"
نظرت لها «هدير» بتعجب وهي تقول: "هما لحقوا يقلبوكي عليا يا عبلة ؟ غسلولك مخك؟"
إبتسمت لها «عبلة» بسخرية وهي تقول:
اللي مش عاجبينك دول، ضحوا بكل حاجة علشاني، وليد دا إستحمل مني أسلوب زفت وكلام يتعب أي حد ومع ذلك برضه صبر عليا، وخديجة اللي كنت بتقوليلي بتغير مننا وبتكره قربنا من بعض دي بقى طول الليل أنا نايمة في حضنها، وفي كتب الكتاب مسابتنيش رغم إنها بتخاف من الزحمة والناس لأ و كمان كانت بتقولي متخافيش دا كتب كتاب عادي وهي نفسها يوم كتب كتابها كانت مرعوبة خديجة اللي كسرنا بخاطرها أكثر ما إتنفسنا"
رفعت «هدير» حاجبها وهي تقول:
دلوقتي بقت حبيبتك ؟ ولما هي حلوة أوي كدا، كنت
بتوافقي على اللي بعمله ليه ولا هو كلكم بقيتوا ملايكة في الأخر؟"
نظرت لها «عبلة» غير مصدقة لما تراه أمامها ثم قالت:
أنا مش مصدقة والله، أنت مريضة نفسيا، عمتك مشيرة شربتك الكره اللي جواها كله ربنا يهديكي يا هدير
إبتسمت «هدير» بسخرية ثم قالت:
عمتك دي علمتني إزاي أعرف أدافع عن نفسي، وإزاي أكون قوية، أنا لو معملتش كدا كنت هبقى زي خديجة ضعيفة وكل من هب ودب يجي عليا، حتى أنت هبلة وبتصدقي أي حاجة "
كانت «هدير» تتحدث وهي تنظر أمامها بغل واضح، كما أن بؤبؤ عينيها كان يدور في أماكن مختلفة، نظرت لها «عبلة» بتمعن وهي تراقب تعبيراتها وتيقنت أن «هدير» تعاني من إضطرابات نفسية، وظهر ذلك أكثر حينما سمعتها تقول:
أنتم كلكم هنا ظالمين واللي بيسكت عن حقه بيتفرم، عمتو إتظلمت واتجوزت غصب عنها، وخديجة شالت ذنب مش ذنبها، أنا عمري ما أسيب نفسي للمرحلة دي"
إقتربت منها «عبلة» و وقفت قبالتها وقالت:
فوقي لنفسك يا هدير علشان هتندمي بس هيبقى متأخر أوي، سيبك من عمتك ومن كل حاجة هنا وأبدأي حياتك صح"
نظرت لها «هدير» بقوة وقالت
ملكيش دعوة أنت كفاية أنت تبدأي صح، بس خليك فاكرة يا عبلة أنا برضه هدير".
تركتها «هدير» وخرجت من الغرفة بثبات تحسد عليه، بينما عبلة» ارتمت على الأريكة وهي تبكي غير مصدقة لما رأته أمامها ولا ما سمعته بأذنها.
حاول «وليد الإنسحاب من الشباب ونجح في ذلك، صعد إلى الشقة المخصصة للنساء، كانت بها نساء العائلة فقط وكانت «خديجة » جالسة أمام باب الشقة أشار لها، فخرجت هي له بهدوء، سألته مستفسرة:
خير يا وليد فيه حاجة ؟"
أومأ لها وقال:
آه، هي عبلة فين مش قاعدة معاكم ليه؟"
نظرت خلفها، ثم قالت وكأنها تذكرت للتو
آه صحيح، ماما مروة طلعتني أجيب الجاتوه من فوق أول ما طلعنا الشقة هنا، وعبلة سبتها وسط الستات ممكن تكون في الحمام"
شعر بالقلق ينتابه، فقال بهدوء
طب أنا عاوز أشوفها ضروري، أعملي أي حاجة تخليني
أشوفها "
شعرت هي الأخرى بالخجل فقالت:
أعملها إزاي دي مش هينفع يا وليد"
تبدلت ملامحه وقال متأثرًا:
ألشان خاطري، حولي ألشان خاطري أكوك"
أومأت له بقيلة حيلة ثم قالت:
طب خليك واقف هنا، وأنا هتصرف وأرجعلك"
دخلت الشقة و ثوان وخرجت له وهي تقول بصوت مرتفع بعض الشيء حتى يصل للجميع
تعال يا وليد الحمام اللي جوة فاضي
إقترب «وليد» من الشقة وهو يقول بإحراج معلش يا جماعة الحمام هناك مش فاضي، مضطر أدخل هنا "
أومأ له الجميع ببسمة هادئة، وأنهالت عليه المباركات حتى وصل إلى المرحاض، دخل المرحاض ثوان ثم دخل الغرفة المجاورة، وجدها جالسة تبكي في هدوء، تنهد هو بضيق، ثم ذهب وجلس أمامها بهدوء وقال:
أنا لو مش عارفك كنت قولت إنك مغصوبة عليا، عياطك دا ممكن يخليني أفهم غلط يا عبلة"
رفعت رأسها تنظر له وقالت:
أنا بعيط علشان زعلانة من نفسي ومش قادرة أسامحها
ظلمتك وظلمت خديجة، وكمان ظلمت نفسي معاكم، أنا بجد مصدومة و.."
أجهشت في البكاء ولم تستطع الإسترسال في حديثها، فرفع هو كفه ومسح دموعها بهدوء وقال:
كلنا علشان نكبر ونتعلم ونقدر نتصرف لازم نمر بصدمات وكام ضربة محترمين يا عبلة أه الضربات دي بتوجع خصوصا لو من حد قريب منك بس بتعلمك إن مش أي حد يستاهل طيبة قلبك، أحيانًا لازم تتعاملي بالذكاء"
سألته هي بهدوء رغم بكاءها:
ليه يا وليد؟ لازم أعامل الناس وأنا حويطة، ليه مينفعش أعاملهم طبيعي، ليه نشغل دماغنا على بعض و نمثل على بعض ؟"
أخذ هو نفسا عميقًا ثم ربت على وجنتها بهدوء وقال: "علشان إحنا بشر، مش ملايكة وعلشان حياتنا دي كلها قايمة على اللي بنتعلمه من اللي حوالينا"
أومأت له في هدوء وكأنها ذهبت فى عالم آخر، فنظر هو لها
بتعجب وقال بنبرة حنونة
عبلة ؟ أنت كويسة صح ؟"
حركت رأسها نفيًا بقوة ثم أجهشت في البكاء مرة أخرى، فأخذها هو بين أحضانه وظل يربت على ظهرها، وهو يقول بهدوء
عارفة، أنا عمري ما تخيلت إن يجي اليوم اللي أقدر أوصلك فيه، طول عمري حاسك بعيدة عني زي نجوم السماء من صغرنا وهما بعدنا عن بعض علشان أنا مش أخوك، وكل ما كان البعد بينا يزيد حبك في قلبي يزيد يا عبلة، لحد ما جبت أخري وبقيت حاوي علشان أوصلك، وفي الآخر وصلتلك بس بعد ما شغلت الجمجمة "
ضحك هو على جملته الأخيرة، بينما هي خرجت من بين ذراعيه ومسحت دموعها وقالت بندم
أنا آسفة والله غلطت في حقك سامحني يا وليد"
إبتسم بسخرية وقال بعدما أشار نحو موضع قلبه
ياريت دا يقدر يزعل منك، ولا حتى ياخد على خاطره، أنا مش زعلان منك أنا زعلان علشان زعلك اللي موجود لناس متستاهلش."
أومأت له بأعين دامعة، بينما هو أخذها بين ذراعيه وقال بحنان
متنكديش علينا بقى خليني أعرف أنكد على مشيرة بمزاج"
ضحكت هي بين أحضانه، فابتسم هو ثم قال:
أيوا كدا أضحكي خلي دنيتي تنور"
خرجت من ذراعيه وهي تمسح دموعها ثم قالت :
أنا عاوزة أقولك هدير قالتلي إيه علشان أنا وعدت نفسي مش هخبي حاجة عليك تاني"
أومأ لها بهدوء وهو يقول:
أحكي، أنا سامعك"
في الخارج كانت «خديجة» تنتظر خروج «وليد» من الداخل، وحينما طال الوقت دون خروجه، قررت أن تدخل لهما، وقفت خارج الغرفة تحمحم بهدوء لكي تلفت إنتباههما ، فـ هب «وليد» واقفًا بعدما سمع ما قالته «هدير» لها، ثم قال:
تعالي يا خديجة"
دخلت بتوتر مصحوب بالخجل وهي تقول: "أنا آسفة أني جيت فجأة كدا بس برة لاحظوا تأخيرك"
أومأ لها ثم قال موجها حديثه لـ «عبلة»:
عبلة، أغسلي وشك من العياط وأخرجي، وأنت يا خديجة تعالي معايا، ولو حد سأل نقولهم أرتاحت شوية من الصداع"
أومأ له الأثنتين، فخرج هو أولا و «خديجة» خلفه بعدما إطمأنت عليها، نظر حوله فوجد عمته جالسة مع نساء العائلة وهي تبتسم بتكلف واضح وكأنها تجبر شفتيها على الإبتسام أمعن النظر أكثر حتى يرى «هدير» لكنه لم يراها، فخرج من الشقة وذهب عند الرجال بعدما أخرج هاتفه وقام بعمل شيئا
هاما، جلس بجانب «ياسين» و «عامر» إبتسم له «عامر» ثم قال:
معلش بقى خالد و ياسر عندهم شغل معرفوش يجوا بس هتتعوض في الفرح، المهم بس متعملوش مفاجأة كدا زي كتب الكتاب"
إبتسم «وليد» له ثم قال:
لا متقلقش الفرح ممكن يطول شوية، والبركة فيك أنت وياسين ربنا يخليكم لبعض"
رد «یاسین» عليه مبتسما :
ويخليك لينا يا رب أنتَ إبن حلال يا وليد، وتستاهل كل خير"
وقبل أن يتحدث أيا منهم أتت «خديجة ووقفت أمام باب الشقة، قام لها «ياسين» بتعجب وهو يقول:
فيه حاجة ولا إيه يا خديجة ؟"
نظرت له بإحباط وهي تقول:
بصراحة كلهم سابوني وطلعوا، وعمتو في الشقة هناك معايا خوفت منها
نظر لها «ياسين» نظرة حادة وهو يقول:
يعني إيه خوفتي منها ؟ هي تقدر تعملك حاجة أصلا وأنا موجود؟"
حرکت رأسها نفيا بهدوء وقالت:
لأ مش كدا، بس نظرتها بتخوفني، وبصراحة مش مرتاحة وأنا قصادها حاسة إنها هتاكلني"
أومأ لها بهدوء ثم قال:
إحنا قربنا نمشي كدا كدا خليك واقفة معايا لحد ما أنزل"
أومأت له في هدوء ووقفت بجانبه أمام باب الشقة، إشراب «عامر» برأسه فرأهما سويًا، فقام لهما مبتسما وقال:
ألف مبروك يا خديجة، وعقبالك أنت و ياسين يا رب"
رفع «ياسين» كفيه وهو يقول:
يسمع منك يا رب يا عامر
إبتسمت هي بتوتر وقالت:
الله يبارك فيك يا رب عقبالك إن شاء الله"
إبتسم «عامر» ثم قال:
ياسين هات تليفونك أصوركم سوا"
شعرت هي بالخجل فأخفضت رأسها وهي تفرك كفيها ببعضهما، بينما «ياسين» قال بمرح
واد" يا عامر أنا بحبك ماتجيب بوسة "
نظر له «عامر» مثل الفتيات وهو يقول بسخرية " ولد" عيب كدا الناس تقول علينا إيه"
كانت «خديجة» تنظر لهما بتعجب وهي تبتسم بهدوء، بينما «ياسين» حمحم بإحراج وقال:
خلاص كفاية علشان شكلنا مهزق قدام الناس لينا بيت ميمي يلمنا"
ثم أخرج هاتفه وأعطاه لـ «عامر» وقال: "أمسك، بس صورنا حلو
بلاش الصور المتخلفة بتاعتك"
نظرت «خديجة» له بخجل وهي تقول بصوت مهزوز "بلاش" يا ياسين علشان خاطري أنا بتكسف أوي حد يصورني"
نظر لها بهدوء وهو يقول:
هي صورة للذكرى هناخدها سوا، وإحنا شكلنا حلو كدا، ولا أروح بقى أتصور مع البت اللي عاكستني؟"
إبتسمت هي بخجل وقالت:
والله العظيم أنت رايق، حاضر أمري لله"
وقفت بجانبه وهي تضم كفيها معًا، وقف هو بجانبها ينظر لها مبتسمًا، نظر لهما «عامر» بضيق وهو يقول:
إيه يا جماعة هي صورة بطاقة، ما نعمل قعدة صلح بالمرة اقفوا عدل"
مال «ياسين» على أذنها وهو يقول:
أعملي أي منظر، أمسكي إيدي متخليش عامر يشمت فيا"
حرکت رأسها نفيا بقوة ثم قالت:
لا هو حلو كدا، و احمد ربنا أني هتصور أصلا"
تبدلت نظرته إلى الخبث وأشار لـ «عامر» بيده دون أن تراه هي، ثم مال على أذنها أكثر وقال بنبرة هادئة:
هو أنا مقولتش لك رأيي في الفستان دا صح ؟"
إبتسمت هي بهدوء وحركت رأسها نفيا، فوكزها بكتفه في كتفها وهو يقول:
طب بصيلي طيب علشان أقولك شكلك عامل إزاي فيه ؟"
رفعت رأسها تنظر له بتوتر فوجدته ينظر لها بحب وهو يقول:
شكلك فيه زي القمر، وفيه حاجة كمان عاوز أقولهالك"
إبتسمت بخجل وأخفضت رأسها مرة أخرى، بينما هو أكمل حديثه قائلا:
من أول ما شوفتك بيه كنت عاوز أقولك...
سرى طَيفُكِ أَمَامَ عَيْنِي مِن بَعِيد، فَخَفَقَ قَلْبِي فَرِحًا و كإنه يَوْمُ عِيد"
رفعت رأسها بسرعة كبيرة تنظر له بحب وأعين تلمع بوميض الدهشة المحببة لقلبها، فأشار هو لـ «عامر» حتى يلتقط الصورة، وبالفعل التقطت الصورة لهما سويا، وكانت هي تنظر له بحب وهو يماثلها نفس النظرة المحبة، قام «عامر» بالتقاط الصورة ثم قال بصوت عال:
جزء"
إرتجف جسدها من شدة صوت «عامر» وأمسكت سترته بينما هو غمز لها بطرف عينه وقال بخبث
خلاص يا ست الكل طالما سكت يبقى كدا أتثبت "
ابتعدت عنه بسرعة وأخفضت رأسها في خجل، بينما «عامر» قرب الهاتف في وجه «ياسين» حتى يراها، أخذ منه «ياسين» الهاتف ثم ربت على كتفه وهو يقول:
عقبال صور فرحك إن شاء الله يا عامر"
رفع «عامر» صوته وهو يقول: "يا رب، اللهم أمين"
وقبل أن يعقب «ياسين» أنت «مُشيرة» تقول بضيق:
إيه الصوت دا البيت فيه ناس وسكان إحنا مش لوحدنا وأنت واقفة كدا ليه ، متخافيش مش هيطير
كان حديثها الأخير بالطبع موجها لـ «خديجة» التي أخفضت رأسها بحزن بينما «ياسين» نظر لـ «عامر» ثم نظر لـ «خديجة» وحينما رأى وضعها ذلك، إقترب منها يضع ذراعه على كتفها وهو يقول بتحد لـ «مشيرة»:
والله هي مش واقفة مع حد غريب، أنا جوزها والناس كلها عارفة كدا حضرتك عندك مشكلة أو حاجة ؟"
نظرت له مشيرة » بضيق ولم تعقب بينما «ياسين» وقف مقابلا لـ «خديجة » ثم قام بتقبيل جبينها بهدوء وهو يقول بنبرة هادئة
أنا همشي علشان متأخرش أكثر من كدا، وبكرة هشوفك إن شاء الله"
أومأت له وهي تبتسم بسمة هادئة مخلوطة بنظرة حزن فأومأ لها يطمئنها ثم ابتعد عنها ووقف مقابلا لـ «مشيرة»
وهو يقول بنبرة مرحة قاصدًا إثارة حنقها بقوله:
ألف مبروك يا عمتو ربنا يديم الفرح في بيتكم يا رب"
نظرت له بضيق وهي تقول:
إيه عمتو دي ؟ أنا مبحبهاش أصلا الكلمة دي"
إقترب منهما «عامر» يقول بضيق مصطنع "إيه عمتو دي يا ياسين؟ دي حتى كلمة شمعتها زفت يا أخي، إحنا آسفين يا حجة، وألف مبروك، نجيلكم في الأفراح دايما يا رب"
كان حديثه ساخرًا لدرجة كبرى جعلت مشيرة» تذهب من أمامهما بضيق، وثوان بعد رحيلها وأنفجر الثلاثة في الضحك بعدما أنضمت «خديجة» لهما، بعد توقف الضحك، حمحم «ياسين» ثم قال:
طب هنمشي إحنا طيب، قبل ما عمتك تحدفنا من هنا، وآه هعرف عم طه إني هنزل معاك بكرة، عاوزة حاجة ؟"
حركت رأسها نفيا ببسمة هادئة ثم قالت:
عاوزة سلامتك "
أومأ لها ثم تركها ونزل للأسفل و «عامر» خلفه.
بينما هي تنهدت بعمق ثم ابتسمت بإتساع وصعدت إلى شقتها.
في الأسفل نزل «ياسين» ومع صديقه ، ثم وقف بجوار «طه» وهو يبتسم بهدوء وقال:
بستأذن حضرتك يا عمي معلش بكرة أنا وخديجة هننزل سوا"
نظر له «طه» بضيق ثم قال:
ليه، ما أنت معاها النهاردة، خير؟"
شعر «ياسين» بالإحراج فقال بهدوء وهو مبتسما :
حضرتك عارف إن إحنا معملناش فترة خطوبة ولسه يعتبر في فترة التعارف غير كدا إحنا مكتوب كتابنا يعني مفيش حاجة عيب أو حرام"
قبل أن يتحدث «طه» تدخل «عامر» ولكن بحكمة تلك المرة وهو يقول:
أنا عامر يعتبر أخو ياسين الفترة دي معلش الآنسة خديجة هتنزل كتير علشان فرحي قرب ومراتي معندهاش أخوات وربنا يعلم بقت بتعتبر الآنسة خديجة أختها، فمعلش حضرتك تستحملنا الفترة دي"
نظر له «ياسين» بتأثر حقيقس من موقفه، بينما «طه» تبدلت نظرته إلى اللين وهو يقول:
مفيش مشاكل يا بني، ألف مبروك ربنا يتمم بخير، المهم يا ياسين إنك تخلي بالك منها، مش هوصيك"
نظر له «ياسين» بهدوء ثم عقب قائلا:
من غير ما تقول يا عمي خديجة مش محتاجة توصية من حد عليها ، ومع ذلك متقلقش هي في عيني"
تنهد «طه» بأريحية ثم قال مبتسما :
ربنا يكرم أصلك يا رب يا ياسين، وهو دا اللي أنا عاوزه بس"
نظر له «ياسين» بمرح ثم قال:
يعني كدا خلاص نرجع براحتنا صح؟"
تنهد «طه» بعمق ثم قال:
أنا هسيبك لضميرك بقى في النقطة دي"
تدخل «عامر» بمرح هو الآخر يضيف قائلا: "لأ في النقطة دي متقلقش ياسين ضميره حي"
ضحك «ياسين» و «طه» أيضًا، فتحدث «ياسين» قائلا: بس بصراحة مش حي أوي، بس هحاول حاضر
ربت «طه» على كتفه وهو يقول:
ربنا" يطمن قلبك يا بني، أنا واثق فيك يا ياسين"
أومأ له «ياسين» مبتسما ثم قال: وربنا يقدرني وأكون قد الثقة دي يا رب"
بعد ذلك رحل «ياسين» و «عامر» أيضًا معه، بينما «طه» نظر في أثرهما ثم تنهد بأريحية وهو مبتسمًا.
في شقة «خديجة قامت بتبديل ثيابها ثم خرجت إلى غرفة الصالون تجلس برفقة «سلمی» و «خلود»، سألتهن هي بهدوء
قولولي فين باقي البيت كلهم أختفوا مرة واحدة كدا"
أجابتها «خلود» بعدما رفعت أعينها من على هاتفها وهي تقول:
ماما و طنط مروة وطنط سهير نزلوا يرتبوا الشقة، وليد دخل شقتهم يرتاح، وعبلة غيرت هدومها وبترتاح شوية وهدير هتلاقيها مرمية تحت وهدى مرتاحة علشان النونو والرجالة في المدخل قاعدين سوا"
أومأت لها «خديجة» في هدوء ثم أمسكت هاتفها تتفحصه فوجدت صورتها معه قام هو بإرسالها وقام بإرسال جملة أسفل الصورة وهي:
لو نيل أرمسترونج أول واحد يطلع القمر، في العبد لله أجمد علشان أنا أول واحد يتصور معاه"
وأسفل رسالته أرسل لها رمزا تعبيريًا يدل على غمز بطرف العين كعادته حينما يراسلها دوما
في السيارة كان «عامر» يقودها و «ياسين» بجانبه، أخرج هاتفه ينظر في محادثتها فوجد الإشارة باللون الأزرق تدل على قراءتها للرسالة، فإبتسم هو ثم قام بإرسال
خلاص يا ست الكل طالما سكت يبقى كدا أتثبت "
إبتسمت هي بهدوء ثم أرسلت:
جدا والله، تاخد ۱۰/۱۰ ونجمة في التثبيت"
أرسل لها بخبث بعد قراءته رسالتها:
وليه نجمة ؟ ما تخليها ۱۰/۱۰ و بوسة "
توردت وجنتيها خجلا فقامت بإغلاق المحادثة، بينما هو إبتسم على الجهة الأخرى حينما تخيل ردة فعلها ثم وضع الهاتف في سترته.
دلف «طه» الشقة بهدوء وألقى التحية على الفتيات، ولكن «خديجة» كانت في عالم آخر، فلم ترد على تحيته، جلس والدها أمامها وهما على مقربة من الفتيات ينظر لها متعجبا ثم قال بهدوء:
خديجة أنت كويسة؟ سرحانة في إيه؟"
شعرت بالتوتر فقالت بنبرة جاهدت حتى تخرج طبيعية "ها .. آه معلش أنا آسفة والله ... كنت بس سرحانة في اليوم متزعلش مني"
نظر لها هو بتعجب من ردة فعلها المبالغ فيها ثم قال:
لأ عادي أنا بس بطمن أشوفك سرحانة في إيه، المهم إنك كويسة"
أومأت له في هدوء ثم قالت:
أنا ... أنا كويسة الحمد لله، عن إذن حضرتك"
وقبل أن تقف قال هو بهدوء:
أستني يا خديجة أنا عاوزك"
شعرت بالخوف يلازمها فقالت بتوتر وهي تضم كفيها ببعضهما وظهر الإهتزاز في نبرتها
ن.. نعم، يا بابا خير فيه حاجة حصلت ؟"
إبتسم هو لها ثم قال:
لأ يا خديجة، كل الحكاية بس إن الفترة الجاية ياسين ومرات صاحبه دا عاوزينك معاهم علشان الفرح، وعرفوني إنك هتنزلي معاهم، أنا قولت أعرفك"
أومأت هي له بتوتر، لاحظه هو من إرتجافة يدها، وتعرق جبينها، فإقترب منها حتى يكون على مقربة أثناء الحديث فوجدها ترجع للخلف، أغلق هو جفونه بشدة، بينما هي إرتفعت ضربات قلبها من شدة الخوف، تنهد هو بعمق ثم قال:
أنا مش عاوزك تفضلي خايفة مني كدا، ومش عاوزك تمشي من بيتي وأنت بتخافي مني ينفع يا خديجة تديني فرصة تانية ؟"
إتسعت مقلتيها بشدة مما وقع على مسامعها، فهي لم تتصور أن يأتي يوم ويحادثها والدها بتلك الطريقة، كيف يريد ذلك بعد تلك الندوب التي تركها في قلبها؟، شخصت ببصرها للجهة الأخرى وهي تأخذ نفسًا عميقًا، بينما هو إنتظر إجابتها على أحر من الجمر، وحينما طال صمتها تنحنح هو حتى يلفت إنتباهها، فنظرت له مرةً أخرى، سألها هو بهدوء:
ها یا خديجة ؟ قولتي إيه؟"
أومأت له عدة مرات بخوف التقطه هو على الفور، فأخذ نفسا عميقًا ثم قام وقبل قمة رأسها على الرغم من إرتجافتها من لمسته، في نظرت كلا من «سلمی» و «خلود» بتعجب، نظرت كلتاهما للأخرى، بإندهاش، بينما «طه» إبتسم لها بتوتر ثم قال:
تصبحي على خير يا .. يا خوخة
نظرت له بأعين دامعة فور نطقه لإسم تدللها في صغرها حينما كان يناديها هو به فوجدته ينظر لها والدموع تلمع في مقلتيه، لم تستطع هي التمالك أكثر من ذلك فركضت من أمامه إلى غرفتها، نظر هو في آثرها بحزن ثم تنهد بضيق وأرجع جسده للخلف على الأريكة، تحت نظرات الحزن من الفتاتين.
في شقة «وليد» كان جالسًا يتصفح هاتفه ويبدو أنه يقوم بشيئا هاما، ظل ينتظر لكن دون فائدة، ألقى الهاتف بجانبه
ثم زفر بضيق، وإرتمى بجسده على الأريكة وهو يتذكر «عبلة» و وجودها داخل أحضانه، إبتسم رغما عنه ثم قال بصوت عال:
دا باين كدا الدنيا بتضحكلي أخيرًا، وعبلة بقت ليك يا ليدو"
أتت والدته من الخارج بعدما دخلت الشقة بهدوء، فقالت حينما سمعته يتحدث مع نفسه
من أولها كدا بتكلم نفسك ؟ لسه بدري يا إبن مروة"
إعتدل هو في جلسته ثم قال بمرح
أنت بتقولي فيها، دا أنا خلاص على ما كتبت الكتاب كنت ضربت خلاص"
إبتسمت له والدته قالت:
وماله طالما فرحان من قلبك خلاص أنا ميهمنيش غير فرحتك دا أنت نور عيني"
قام هو و وضع ذراعه على كتفها وهو يقول: " وأنت مش نور عيني بس لا أنت دنيتي كلها، أنت الحب القديم يامروة
وكزته في كتفه وهي تقول بمشاكسة
يا ولا، شوف النصب، قال حب قديم قال البركة في عبلة يا.. يا عنترة"
ضحك هو بصوت عال ثم قال:
إزاي بس؟ أنت متتقارنيش بحد، أنت لوحدك في حتة تانية "
ربتت هي على كتفه ثم قالت:
وأنا عارفة ومتأكدة من دا، ربنا يخليك ليا ويكمل فرحة قلبك على خير"
أحتضنها هو بقوة ثم تنهد بعمق وهو يقول:
ويخليكي ليا يا رب يا عمر وليد كله
أتى «مرتضى» و معه وئام» وكلاهما ينظر للأخر بتعجب حينما رأوا ذلك العناق ين الأم وصغيرها، فتحدث «مرتضى» بضيق
هو أنت علشان محضنتش مراتك تحضن مراتي أنا ؟ فيه إيه ياض"
خرج «وليد» من حضن والدته وهو يقول بمشاكسة ومين قالك إني محضنتش عبلة ؟ أنا حضنتها وطبطبت عليها، وهونت عليها كمان
نظر له وئام» بضيق وهو يقول:
ما تلم نفسك يلا بقى إيه قلة الأدب دي؟"
تدخل «مرتضى» قائلا:
يعني جاي تحضن مراتي كمان إرحم نفسك يا أخويا"
ترك والدته ثم إقترب من والده يحتضنه وهو يقول:
عيب عليك يا حاج مرتضى، دا أنا طالعلك حتى"
جلس وئام» على الأريكة وهو يقول بسخرية
يلهوي على البكش عيل نصاب بياكل بعقل الناس كلها حلاوة"
نظر له «وليد» بسخرية ثم قال:
بقولك إيه ماتروح تبات في شقتك مش عاوزين صداع بصراحة "
شهقت والدته ثم قالت بضيق مصطنع
أمشى يا ولا، قال صداع قال دا حبيب أمه أول فرحتى "
راقص وئام» حاجبيه لأخيه ثم فتح ذراعيه وهو يقول: "تعالي يا مروة يا روح قلبي في حضني"
قبل أن تذهب له قام «مرتضى» ووقف قبالتها وهو يقول: " ياختي عمالة تحضني فيهم، وأنا إيه أدور على كفيل؟"
ضحك عليه أبناءه فتدخل «وليد» يقول بعدما غمز بطرف عينه
مش قولتلك أنا طالعلك ؟"
إنتشرت الضحكات والمشاكسات في شقة «مرتضى» في جو مليء بالمرح.
في شقة «محمود» كانت «هدير» جالسة في غرفتها بضيق وهي تهز قدميها بإنفعال واضح، ثم قامت بإمساك هاتفها وجدت به رسالة من رقم مجهول، قامت بالضغط على الرسالة فأغلق الهاتف، على الفور زفرت هي بضيق ثم ألقت الهاتف على الفراش بضيق، دخلت «هدى الغرفة وهي تقول بهدوء
هدير أنا عاوزة أتكلم معاك شوية"
زفرت «هدير» بقوة لعلها تهدئ توترها قليلا ثم قالت:
تعالي يا هدى خير فيه حاجة ؟"
جلست «هدى» أمامها على الفراش ثم قالت:
آه فيه، إيه اللي حصل بينك وبين عبلة، وقبل ما تسألي عرفت منين شكلكم باين من إمتى وأنتم بعاد عن بعض كدا؟"
شعرت «هدير» بالضيق فقالت وهي منفعلة
عادي يعني مفيش حاجة، كل الحكاية إن كتب الكتاب جه مفاجأة ومكناش عاملين حسابنا"
رفعت «هدير» حاجبها وهي تقول:
إيه اللي دخل كتب الكتاب في اللي بقوله، أنا بقولك عبلة شكلها متضايق منك ليه ؟"
وقفت «هدير» متأهبة وهي تقول بضيق: معرفش هي عندك أبقي أسأليها هي أنا مليش دعوة"
وقفت «هدى» هي الأخرى وقالت:
يعني هي فعلا زعلانة ؟ أتمنى بقى تكوني معملتيش حاجة ليها "
نظرت لها «هدير» بإنفعال وهي تقول:
آه هي بقت سلفتك، وأنت خايفة على زعلها علشان زعل المحروس جوزك، لما يزعل على أخوه صح ؟"
نظرت لها أختها بإندهاش وهي تقول:
إيه الهبل دا ؟ أنا خايفة عليكِ أنتِ وعلى منظرك قدام الناس، مهما كانوا غاليين عندي أنت أختي يعني أغلى الناس على قلبي"
نفخت «هدير» بضيق وهي تقول:
بقولك إيه أنا مش عاوزة فلسفة، أنا همشي من وشك"
تكلمت «هدى بنبرة جامدة وهي تقول:
أستني عندك رايحة فين؟"
إبتسمت لها «هدير» بإستفزاز ثم قالت:
نازلة أبات عند عمتو خير عندك إعتراض "
إبتسمت «هدى» بسخرية ثم قالت:
آه قولي كدا، عمتو براحتك يا هدير وخلي عمتك تدلع فيك براحتها، كدا كدا أنت اللي هتخسري"
تركتها «هدير» وهي تقول: "سبتلك أنت المسكب يا هدى"
نظرت أختها في أثرها بحزن ثم حركت رأسها بيأس.
في شقة «مرتضى» قفز «وليد» من على الأريكة حينما وصله الإشعار الذي يريده، أمسك هاتفه وهو يبتسم ثم جلس مرة أخرى وهو يتنهد بأريحية، ضُرب جرس الباب، فتحدث وئام» بصوت عال من غرفته
إفتح الباب يا وليد دي شكلها هدى"
قام «وليد وفتح الباب ثم وقف قبالتها يقول بإستفزاز خير جاية عندنا ليه ؟ معندكوش شقة تباتي فيها"
إبتسمت له هي الأخرى بإستفزاز وهي تقول: "عندنا بس جاية أبات مع جوزي خير عندك مانع ؟"
أومأ لها ثم قال بنفس النبرة المستفزة:
آه، عندي مانع ماما قالتلي متدخلش الرخمين شقتنا"
حرکت رأسها بيأس وهي تبتسم رغما عنها ثم قالت:
والله أنا مصدعة مش قادرة أناهد فيك، وعندي طلب منك طول فترة حملي بالله عليك ابعد عني علشان اللي في بطني ميبقاش نسخة منك"
إعتدل في وقفته ثم قال بجدية "لأ في دي معاك حق مرضهاش لك دي"
دخلت الشقة وهي تبتسم بينما أوقفها هو بقوله:
هدى، هي هدير أختك فين؟"
نظرت له بتعجب وهي تقول: هدير عند عمتو مشيرة، بتسأل ليه؟"
حمحم هو ثم قال بجدية
لأ" عادي أصل لقيتها أختفت مرة واحدة كدا"
أومأت له بهدوء ثم دخلت الغرفة لزوجها، بينما هو دخل
المطبخ ثم قام بفتح الثلاجة، رفع حاجبه وهو يقول مبتسمًا بخبث
إستعنا على الشقا بالله يا كريم يا رب
في شقة مشيرة جلست بجانب «هدير» وهي تربت على كتفيها ثم قالت:
روقي يا هدير وسيبك منهم خليك معايا هنا، وفوقيلي كدا علشان نفوق للعيلة دي"
أومأت لها «هدير» ثم قالت بغل:
أنا أصلا عاملة حسابي، متقلقيش، والله ما هسيب حقي"
وفجأة طرق باب الشقة، قامت «هدير» و فتحت الباب وتفاجأت بـ «وليد» يقف أمامها مبتسمًا باستفزاز، بينما هي قالت:
خير، جاي ليه"
فتح هو الباب بكفه الأخر، حيث كان الثاني يحمل به طبقا دخل ووقف أمام عمته ثم قال:
يا مساء الأناناس على أطيب الناس"
نظرت له عمته بضيق وقالت:
خير يا أستاذ وليد نعم؟ لك حاجة عندنا ؟"
أومأ لها مبتسمًا، فوقفت «هدير» بجانب عمتها ثم أشارت برأسها إلى ما يحمله بيده وقالت:
إيه اللي أنت جايبه في إيدك دا؟"
نظر هو للطبق ببراءة مصطنعة ثم قال:
دا جاتوه، أصل مينفعش عمتو و تربية عمتو مياكلوش من جاتوه فرحي عيبة والله"
ردت مشيرة عليه بضيق:
شكرا يا سيدي مش عاوزين منك حاجة، وألف مبروك"
جلس على الأريكة ثم وضع قدمًا فوق الأخرى وهو يقول:
الله يبارك فيك يا عمتو يا رب، المهم علشان مطولش عليكم، أنا كنت جاي أقولكم إن اللي حصل كله أنا كنت عارف إنه ميخرجش براكم، ودا مش ذكاء مني لا سمح الله، إنما توقعات "
نظرت كلتاهما للأخرى بتعجب، بينما هو غمز بطرف عينه
وقال:
بصراحة كدا خطة فاشلة وخارجة من فيلم هندي، أو يمكن أنا اللي رد فعلي مختلف عن توقعاتكم، الله أعلم"
نظرت له مشيرة» بحنق وهي تقول: "طب يا سيدي ألف مبروك، أنت كسبت، خير؟"
وقف يهندم ملابسه البيتية بغرور مصطنع، ثم قال:
أنا بس حبيت أعرفكم إني سابقكم بكام خطوة، يعني يا أستاذة هدير موبايلك بقى يصعب على الكافر"
نظرت به بتعجب ممزوج بالسخرية وهي تقول:
ودا من إيه بقى يا عم المؤمن؟"
غمز لها بطرف عينه ثم قال:
مش أي لينك يجيلك فيه عروض ميك اب تفتحيه، أصل فيه ولاد مفترية بيهكروا التليفونات، ومنهم واحد إسمه وليد"
أمسكت هاتفها بسرعة كبيرة تتفحصه ثم رفعت رأسها تنظر له وهي تقول:
يعني إيه ، قولي أنت عملت إيه"
إبتسم بتكبر ثم قال:
كل حاجة تخص عبلة مراتي راحت من على تليفونك حتى رقمها، أصل أنا مش ضامن ممكن تعملي إيه بالصور ديه"
نظرت هي لـ عمتها بإندهاش، بينما عمتها ابتسمت بتهكم ثم قالت:
تصدق بالله أنا دلوقتي صدقت إنك تربية زينب، ماهو الخبث دا ميطلعش من مروة زينب طلعت نسخة منها بس على أصعب"
أصدر صوتا من فمه يدل على النفي ثم أشار لها بإصبعيه حتى تقترب منه ففعلت هي ما يريد، مال هو برأسه على أذنها وقال:
أنت فاهمة غلط خالص، دي زينب أغلب من الغلب، الخبث دا دم مشيرة اللي بيجري في دمي ماهو أنت عمتي برضه
غمز لها ثم إبتعد عنها حتى يذهب إلى باب الشقة، لكنه التفت إليها مرة أخرى وهو يقول:
آه بألف هنا وشفا صحيح ، قصدي الجاتوه طبعا ثم غمز لهن نظرت كلتاهما للأخرى بضيق، بينما هو أخرج ميدالية مفاتيحه يلفها على إصبعه وهو يدندن ويراقص جزعه العلوي:
كتبوا كتابك يا نقاوة عيني، أحلى كلام بينك يا حلوة بيني جه اليوم اللي تكوني فيه حلالي، ما أنا أصلي طيب وأمي دعيالي"
التفت ينظر لهن مرةً أخرى ثم قال وهو يراقص حاجبيه "آه ، هستنى رأيكم في الجاتوه"
قال جملته ثم غادر الشقة، وتركهن خلفه وعلامات الصدمة تعتلي ملامح وجه كلتاهما
أنتهت تلك الأمسية بصراعاتها، وحل اليوم التالي وكان كل شيئًا على طبيعته، حيث ذهب رجال العائلة إلى عملهم
وكذلك الشباب أيضًا، بينما «خديجة» كانت تفكر طوال الليل في حديث والدها، وهي تشعر بالذنب من معاملتها له، وفي نفس الوقت ترى نفسها محقة في حق نفسها، بدا الإرهاق على وجهها بوضوح من كثرة التفكير، مر يومها بهدوء بعدما شاركت والدتها في بعض الأعمال المنزلية، ثم جلست فى غرفتها حتى إقترب موعدها المحدد مع الطبيبة إرتدت ثيابها ثم جلست تنتظر مهاتفته لها، وفي خلال دقيقة أضاءت شاشتها برقمه فتنهدت هس بعمق ثم نزلت له
نزلت بوجه حزين فوقفت أمامه دون أن تبتسم له كما تفعل دوما، فنظر هو لها بتعجب ثم قال:
يا ستار يا رب مالك؟ إتحسدنا ولا إيه ؟"
حرکت رأسها نفيا بهدوء ثم قالت:
مفيش حاجة أنا كويسة متقلقش "
نظر لها يتفحصها، فعلم أنها ليست على ما يرام، لذلك تنهد بعمق ثم قال:
طيب وأنا هعمل نفسي مصدقك لحد بس بعد الجلسة
بعدها فيه كلام تاني"
أومأت له ثم ركبت السيارة في هدوء نظر هو عليها بتعجب ثم ركب السيارة، وبعد مرور دقائق من القيادة أوقف السيارة أسفل البناية التي تقع فيها العيادة نزلت هي من السيارة، ثم نزل هو خلفها، دخلت للطبيبة بهدوء أيضًا دون أن تحادثه بينما هو حك فروة رأسه بحيرة ثم جلس ينتظرها بهدوء.
داخل العيادة، لاحظت الطبيبة التغير الذي طرأ عليها، فبدت هي وكأنها في أول جلسات علاجها فسألتها بهدوء:
مالك يا خديجة؟ إيه اللي حصل أو إيه اللي إتقالك وصلك لكدا ؟"
أخذت «خديجة نفسًا عميقًا ثم قصت عليها ما حدث من والدها، وقصت ردة فعلها على حديثه لها، تفهمت الطبيبة ما تشعر به فقالت:
طب وأنت إيه تحديدًا اللي مزعلك ؟ كلامه ولا تصرفك؟"
حركت «خديجة » كتفيها بهدوء وقالت بنبرة أوشكت على البكاء:
مش عارفه بس يمكن زعلت علشان مقدرتش أفرح بتصرفه أو يمكن علشان عشمت نفسي أني لما أتعالج هنسى، أو يمكن نظرة الندم في عينه خلتني أحس بالذنب، ويمكن زعلت من نفسي علشان اتعاطفت معاه بس الغالب في كل دا إن أنا مش مبسوطة، أنا جوايا نصين نص فرح أوي لما سمع منه كلمة خوخة، ونص تاني صعبت عليه نفسه"
وضعت الطبيبة الدفتر من يدها ثم قالت بحكمة "أنا مقدرش أقولك هتنسي وتعدي، لكن هقولك حكمة جميلة إذا لم تستطع تغير الواقع فإستمتع ، يعني لو مش هتقدري تنسي يبقى تأقلمي، يعني واحدة واحدة ساعدي نفسك يعني إنك تسامحيه حتى لو دا صعب عليك، بس افتكري إنك تستاهلي حياة حلوة"
نظرت لها «خديجة » بسرعة كبيرة ثم قالت: بس دا صعب عليا أنا مش هقدر أبذل مجهود أكبر من طاقتي، أنا لسه بخاف منه صعب أنسى كل اللي حصل وأتعامل عادي"
إقتربت منها الطبيبة وهي تقول:
أنا مقولتش تبذلي مجهود، أنا بقولك تحاولي تساعدي نفسك، إفتكري إنك دلوقتي خفيتي بنسبة ٤٠% يا خديجة ودا حصل في وقت قياسي"
نظرت لها «خديجة» بتعجب وهي تقول:
٤٠، كل دا و ٤٠ بس؟"
أمات لها الطبيبة ثم قالت بهدوء:
آه، علشان لسه محصلش محادثات خارجية، لسه مبقاش فيه أصدقاء، ولسه حاجات كتير
سألته «خديجة» مستفسرة:
زي إيه؟ وبعدين هو فاضل كتير؟"
أومأت الطبيبة ثم قالت:
أنت لسه بتخافي تتكلمي يا خديجة مع حد غريب عنك ساعات يا خديجة تلاقي طالب مجتهد جدًا ودماغه حلوة أوي بس بمجرد ما يقوم علشان يجاوب تلاقيه أتوتر وخاف ، وعرق جامد وساعات طالب تاني يكون ميعرفش حاجة بس بكلمتين منه للمدرس يقدر يطلع من الموقف المحرج وزيه برضه في الشغل تلاق واحد مبدع وأفكاره
عظيمة بس مقدرش يواجه وضيع على نفسه الفرصة، عارفة الفرق بين اللي بيتكلم وبين اللي بيتحرج إيه؟"
حركت «خديجة» رأسها نفيا بهدوء، فأضافت الطبيبة قائلة: زي بالظبط الفرق بين طفل متكتف، وطفل تاني بيلعب جنينة، هي نفس الفكرة اللي بيتوتر ويخاف دا ماخدش فرصته في التعبير والكلام، والتاني دا إتعود يتكلم ويعبر حتى لو غلط، هو بيتلعم وخلاص، إحنا بقى عاوزينك تتكلمي يا خديجة "
سألتها «خديجة بنبرة هادئة:
ودا ينفع أصلا؟ وهل طريقته سهلة ؟"
أومأ الطبيبة ثم قالت بهدوء:
طبعًا ينفع، مفيش حاجة صعبة على الي بيحاول يوصل قوليلي بس أنت إيه أكثر حاجة بتضيعي فيها وقتك؟"
حرکت «خديجة » كتفيها ثم قالت بهدوء مش حاجة محددة بس ممكن القراءة، بحب أقرأ كتير"
أومأت الطبيبة بإعجاب ثم قالت:
عظيم جدًا، أنا بقى مستغل أكثر حاجة بتحبيها في علاجك ، يعني أنت هتختاري كتاب على ذوقك وتقرأيه، المطلوب منك بقى بعد قرائته إنك تعملي ملخص عن أفكار الكتاب دا وعن الحاجات اللي لفتت نظرك فيه، وبعدها تتناقشي مع نفسك في النقط المهمة اللي لاحظتيها، وبعد كدا هتناقشيه بس مش لوحدك
سألتها «خديجة» بتعجب: "أومال مع مين ؟"
إبتسمت الطبيبة ثم قالت:
معايا أنا وياسين"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم شمس بكري
ألقيتي بسحر عينيك على قلبي السلام... فـ هامَ بهما القلب و نسيت الروح الألام
_________________________
كانت حياتي على المَحك و كتب عليَّ خوض حروبًا لا تنتهي، كنت أظن نفسي الرابح الوحيد في السباق و حينما فتحتُ عيني وجدت نفسي خارج المسابقةِ من الأساس، لا الكلماتُ تؤنسني و لا المواساة تُسعفني، ها أنا آثرت الصمت و كل ما يخرج مني فقط تنهيدةً، تنهيدةٌ قالت مالم تستطع الثمانية و عشرون حرفًا قوله، أنا من حسبت نفسي مركز الصورة و في الحقيقة أني خارج الإطار.
_"فارس وئام مرتضى فايز أحمد الرشيد"
تفوه بها كلًا من «وليد» و «خديجة» في آنٍ واحد بمرحٍ يشبه مرح طفلين في تلك اللحظة يُدليا بإسم شقيقهم الصغير، و من بعدها انتشرت التصفيقات وسط التصفير من عامر و من بعدها قام يتشغيل الأغنية مرةً أخرى و سادت الفرحة تلك الأجواء، أبان ذلك كانت «عبلة» تراقبه و هو يضحك بقوةٍ مع الشباب و «فارس» على ذراعيه، و رغمًا عنها ابتسمت حينما رآت مداعبته للصغير و من بعدها اقترابه من «خديجة» يمازحها و هي الأخرى تداعب الصغير و بجانبها زوجها، و حينما تعمقت بشرودها به، تفاجئت بـ «خديجة» تقف أمامها وهي تبتسم بسمتها الصافية و حينما انتبهت لها هي وجدتها تمسك كفها ثم سحبتها نحو موضع تواجده، رفع هو عينيه يطالعها باهتمامٍ، بينما هي ابتسمت بتوترٍ فوجدته يمد يده لها بالصغير وهو يحرك رأسه موافقًا، أخذت الصغير من يده وهي تبتسم رغمًا عنها، فوجدته هو يحتضنهما سويًا و كأنهما طوق النجاة للغريق في منتصف البحر، بكت «خديجة» تأثرًا من ذلك الموقف، فوجدت «ياسين» يميل على أذنها وهو يقول بنبرةٍ خافتة بالكاد وصلت إلى مسامعها:
هما زعلانين من بعض؟"
حركت رأسها موافقةً وهي تتابعهما، بينما «ياسين» حرك رأسه موافقًا وهو يطالعهما من جديد و داخله ينتوي فعل شيئًا لإنقاذ تلك العلاقة، أما هما حينما لاحظ الجميع وضعهما تحدث «مرتضى» يقول متعجبًا:
هي عبلة بتعيط ليه؟! مالها يا وليد؟ فيه حاجة مزعلاكي؟"
طالع والده بخجلٍ من نفسه فحتى الآن لم يقوى على التحدث، فوجدها هي تتنفس بعمقٍ ثم أخفضت رأسها تهرب من نظرات الجميع المصوبة نحوها، فتحدث «محمد» بنبرةٍ جامدة:
أنا عاوز أفهم في إيه ؟! مالها عبلة يا وليد؟ و أنتَ ساكت ليه؟"
أخيرًا وجد صوته الهارب فتحدث يقول بنبرةٍ خافتة:
أنا اللي مزعلها...."
بكت هي من جديد فوجدت «هدى» تأخذ الصغير من على ذراعها بينما «هدير» اقتربت منها تحتضنها، فسأله عمه بنبرةٍ جامدة:
و هي دي حاجة جديدة ؟! ما طول عمرك مزعلها، عينها دبلت من العياط بسببك"
نظر هو حوله يتابع نظرات الجميع، فوجدها جميعها حزينة لأجله و لأجلها معه، فزفر هو بقوةٍ، فسألها «طارق» بإصرارٍ:
و هو إيه اللي حصل ؟! عملك إيه يا عبلة علشان تعيطي كدا"
مسحت هي دموعها ثم قالت بنبرةٍ جامدة:
معملش حاجة، و أصلًا مفيش حاجة علشان نتكلم فيها قدام الناس، أنا علشان شيلت فارس على إيدي حسيت بإحساس غريب، مش فاهمة انتو كبرتوا الموضوع ليه؟ و هو مش مزعلني"
حرك رأسه نحوها بسرعةٍ كُبرىٰ، فها هي للمرةِ التي لا يعلم عددها هي من تنصفه و تدافع عنه، بينما هي أجبرت شفتيها على التبسم وهي تقول بمرحٍ زائف:
انتو غاويين نكد ليه ؟! فيه إيه يا جماعة، إحنا حلوين أهو و فرحانين بفارس، اللي خلاني أعيط دا، فكوا كدا و شغلوا الأغاني"
رغم أن الموقف برمته أثار ريبتهم و خصيصًا أمام صمته، فهو «وليد الرشيد» كيف له أن يصمت بتلك الطريقة، لو كان تحدث بفظاظته و وقاحته المعتادة لكانوا صدقوا جميعًا، لكن صمته خير الدليل على أن هناك مشكلةٍ بينهما و لكنهم فضلوا الصمت أمام أصدقاء «ياسين»، حتى تحدث «مرتضى» يقول بفرحةٍ بحفيده:
وئام أنا كلمت الراجل زي ما قولتلي، و العقيقة هتبقى يوم الجمعة الجاية، زي النهاردة يعني، يوم الأربع تروحوا علشان تشوفوها أنتَ و طارق"
رد عليه «طارق» بموافقةٍ:
تمام يا عمي مفيش مشاكل، المهم كلم الجزار و أكد عليه علشان منتوهش ساعتها"
تدخل «عامر» يقول بمرحٍ:
و جزار ليه ؟! ياسين و خالد موجودين، ولا إيه يا رجالة؟"
وجه الجميع بصرهم نحوهما فتحدث «عامر» مفسرًا بنفس المرح:
مش بهزر و الله، إحنا مش بنجيب جزار في العيد الكبير، الأضحية بتاعتنا هما اللي بيدبحوها خالد بيمسكها و ياسين بيدبحها و ياسر بيقطعها"
انتشرت الضحكات عليهم، فسأله «حسن» ساخرًا منه:
و أنتَ بقى يا عامر بتعمل إيه؟"
تدخل «ياسر» يقول بتهكمٍ:
صاحب أهم حاجة في الليلة دي كلها..... بياكلها"
ضحكوا عليه جميعًا فأضاف «عامر» بفخرٍ:
لأ و الأهم أني بصورها....دي أهم حاجة هي أني أوثق اللحظة دي"
تحدث «وئام» غير مُصدقًا ذلك الحديث لذلك قال:
بجد من غير هزار، بتعرفوا تدبحوا؟! و لا دا كلام و خلاص؟"
رد عليه «خالد» مؤكدًا:
بندبح و الله، بطلنا نجيب جزار من بدري، من ساعة ما ياسين اتعلم و بقينا كلنا بندبح سوا"
أخيرًا خرج «وليد» من قوقعة صمته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
طب حلو و الله، كدا انتو اللي هتدبحوا بقى، علشان الجزار بتاعنا بارد"
أومأ له الجميع بموافقةٍ، فتحدث «ياسين» مؤكدًا:
من غير ما تطلب، إحنا موجودين بس هي العقيقة هتبقى إزاي؟"
سأله «محمود» بتعجبٍ:
هتبقى زي الناس، هندبح و نعمل أكل و نأكل الناس و نوزعه"
رد عليه «خالد» مفسرًا:
أنا عملت عقيقة إبني بس بطريقة حلوة أحسن من الصواني و البهدلة"
سأله «وئام» بإهتمامٍ:
عملت إيه طيب؟ علشان لو هتفيدنا تبقى أحسن"
رد عليه هو بنبرةٍ متريثة يفسر لهم ما قام بفعله:
جبت أطباق فويل و حطيت فيها الرز و اللحمة و جبت علب صغيرة حطينا فيها السلطة و معاهم رغيفين عيش و حطيتهم في شنطة و بقت زي الوجبات"
اعتلى الاستحسان ملامح الجميع فأضاف «ياسين» هو الأخر:
كدا أحسن و بتبقى الحاجة مقفولة و مضمونة، و التوزيع بيكون جزء للقرايب و الجيران و جزء في المساجد و جزء في محطة مترو أو قطر علشان العمال و ناس كتير بتكون موجودة"
تحدثت «مشيرة» تقول بفرحةٍ:
طب والله حلو أوي، إحنا مرة عملنا أكل بس كان صواني و الدنيا اتبهدلت"
رد عليها «خالد» مؤكدًا حديثها و مفسرًا حديثه:
ماهو علشان كدا أنا بقول نعمل كدا، و الأكل يروح لناس تستحقه، و ساعتها يبقى هو دا الخير يعني مش مجرد عقيقة و خلاص"
سألهم «وئام» بحيرةٍ:
طب و دي نعملها ازاي ؟!"
رد عليه «ياسر» مُقترحًا:
لو انتو عاوزينا معاكم هنا يومها، احنا ممكن نظبطلك الدنيا متقلقش"
تدخل «طارق» يقول بضجرٍ منه:
عاوزينكم معانا ؟! انتو شكلكم هبل، دا ابن اخوكم يعني تيجوا من غير ما إحنا نطلب منكم"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
بص لو الموضوع فيه فَتة يبقى أنا هبات هنا و الرجالة كمان، أصل دي فتة يعني بصراحة"
ضحكوا عليه جميعهم، فقال «طارق» بمرحٍ:
عنينا ليك يا عامر، هندوقك فتة عيلة الرشيد، حاجة مُعتبرة عمايل إيد الستات هنا"
تدخلت «مروة» تقول بفخرٍ:
الفتة بتاعتي كله بيشهد بيها هنا، لو مشيرة بقى تشد حيلها و تعمل رز بلبن نوزعه كمان يبقى حلو أوي كدا"
ردت عليها «مشيرة» تؤكد حديثها:
من غير ما تقولي يا مروة أنا كنت هعمل كدا فعلًا، و قولت لأحمد يجيب الحاجة علشان أجهزه يوم الخميس بليل و يتوزع الجمعة الصبح"
ابتسم الجميع بحماسٍ و هم يخططون لتلك الليلة، و من بعدها قام «حسن» بتوزيع الحلويات في جوٍ يسوده المرح و كلًا منهم يشعر بالفرح بذلك الصغير الذي بدأ في البكاء بصوته الضعيف
_________________________
انتهت الأمسية و بدأوا الجميع في التجهز للرحيل، و لكن قبل المغادرة استأذن «ياسين» من زوجته ثم طلب التحدث مع «عبلة» بمفردهما في مدخل البيت، توجهت هي له بخوفٍ و توتر نظرًا لقلة تعاملهما سويًا، فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
متقلقيش كدا، أنا طلبت اتكلم معاكي علشان عاوزك بخصوص وليد"
نظرت له هي بتعجبٍ ممتزج بحيرتها، فوجدته يفسر قوله:
واضح إن فيه مشكلة بينكم، أنا مش بتدخل بس هقولك إن وليد راجل يستاهل إنك تحاربي علشانه، و هقولك كمان إنه بيحبك بجد، بس هو محتاجك جنبه مش أكتر"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية:
أكتر من كدا ؟! أعمل إيه طيب علشان أريحه و أرتاح أنا كمان، أنا خايفة غصب عني إيدي تفلت منه"
تحدث هو بإصرارٍ:
غلط، هو مش عاوز غير إنك تمسكي فيه، زي علاقتي مع خديجة كانت محتاجة تطمن ليا علشان تسلمني قلبها، وليد زيها بالظبط، عاوزك تطمنيه"
ردت عليه هي ببكاءٍ من حرقتها:
و أنا بحاول بس هو مش مديني فرصة، لو تعرف إزاي أعمل كدا قولي و دلني عليها، حرام قلبي و قلبه يضيعوا من بعض"
ابتسم هو لها ثم قال بنفس الهدوء:
الحل إنك تحاربي علشان حُبك، علشان الهدف نفسه مش علشان صاحب الهدف، وليد راح لهناء علشانك يا عبلة، يبقى نقدر مجهوده دا، و أنا هديكي رقم دكتورة هناء و تكلميها هي الوحيدة اللي هتقدر تساعدك، و الله حرام حبكم لبعض يضيع في الدنيا دي، الحب اتخلق علشان نهرب فيه من الدنيا مش علشان يكون حِمل علينا في الدنيا؟ أنا واثق فيكي إنك هتساعدي نفسك و تساعدي وليد"
حركت رأسها بموافقةٍ من بين دموعها، بينما هو أخرج من جيب سترته الكارت الخاص بالطبيبة، فأخذته هي من يده و هي تقرأ ما كُتب عليه، بينما هو أضاف مؤكدًا:
افتكري إن وليد يستاهل إنك تحاربي علشانه زي ما هو حارب كل حاجة علشانك، الإدمان و المرض النفسي، و الخوف، اللي وليد شافه كان كتير أوي"
قال حديثه ثم انسحب من أمامها و في خاطره يتأكد أنها ستفعل المستحيل لإنقاذ علاقتها بحبيب عمرها، ثم توجه إلى سيارته يقف مقابلًا لزوجته التي كانت تنتظره بقلقٍ، و أصدقائه في سيارة «خالد» عدا «عمار» الذي وقف ينظر للأعلى يراقب تلك التي وقفت في الشرفة تتحدث في الهاتف بمرحٍ، و للحق لم ينكر شوقه لها بعدما ترك العمل في المركز التعليمي، كانت تتحدث هي بمرحٍ و ظهر ذلك من خلال انفعالات جسدها و حركة يدها، ابتسم هو رغمًا عنه حتى وجد «عامر» يخرج رأسه من النافذة وهو يقول بسخريةٍ:
يلا يا عم روميو....مفيش شجرة تطلع عليها يا حلو، خلينا نمشي يلا"
زفر «عمار» بقوةٍ ثم استغفر في سره و من بعدها فتح الباب يدخل بجوار شقيقه، فوجد «ياسر» يقول ساخرًا منه:
جرى إيه يا عمار....متفكرنيش بنفسي و أنا واقف في البلكونة علشان أشوفها"
رد عليه «خالد» بحنقٍ:
يا نهار أهلك مش فايت !! أنتَ كنت بتستغفلني يا ياسر ؟! كنت بتقف في البلكونة تشوف أختي"
ابتسم له باستفزازٍ وهو يقول مؤكدًا:
أقولك على الكبيرة بقى ؟! أمك كانت عارفة، و كله كان عارف إلا أنتَ يا خالود"
ضحك «خالد» رغمًا عنه وهو يقول:
كنت خايف عليك، كنت خايف أخسر واحد فيكم بسبب العلاقة دي، بس هي نصيبك و أنتَ حُر، المهم إنكم تكونوا مبسوطين"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
فكرة إنك تتجوز اللي بتحبها دي احتياج مش رفاهية ليك، حاجة كدا زي احتياج المكرونة للفراخ البانيه أو احتياج الجاتوه للباتون ساليه"
ضحكوا بيأسٍ من حديثه، فأضاف هو بطريقةٍ جادة:
خلاص و الله مش بهزر، بس أنا كعامر شايف إن لولا الطرفين بيحبوا بعض كان زمان كل العلاقات انهارت، الموضوع أكبر من جواز و خلاص"
رد عليه «خالد» مؤكدًا:
ربنا سبحانه و تعالى كرمنا بالقلب علشان يحس بالمشاعر و العقل علشان يقوم طريق المشاعر دي، و من رحمة ربنا سبحانه وتعالى علينا إن القلب يحس باللي العين تشوفه، لو العين مشافتش صح القلب مش هيقتنع"
رد عليه «عمار» بنبرةٍ هائمة:
و سبحان الله مكتوبلك تتشغل و تسهر و أنتَ حتى مش عارف تتكلم، تحس إنك عينك شافت إكتشاف، حاجة زي الفَلتة، مفيهاش غلطة غير حاجة واحدة البُعد"
حركوا ثلاثتهم رأسهم له، فقال هو بخجلٍ عند رؤيته لتلك النظرات:
أنا بقول نشوف ياسين خلونا نتحرك بقى، اتأخرنا هو فين؟"
على الجهة الأخرى طمأن هو زوجته بحديثه فوجدها تسأله بلهفة:
يعني هي مش عندها اعتراض تكلمه ؟! أنا عارفة إننا بنيجي عليها، بس هي الطرف الأقوى مش هو، هو مش هيسمع لحد"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بهدوء:
متخافيش و الله، هي هتتصرف صح، لو حبها بجد ليه.... اطمني أنا هساعدهم"
أبتسمت هي له و لكن الحزن سيطر على تلك البسمة، و حينها استمع لصوت سيارة صديقه و كأنه يلفت نظره للوضع، فزفر هو بقوةٍ ثم طلب منها دخول السيارة، فامتثلت لمطلبه و من بعدها تحركت السيارة و الأخرى تتبعها.
_________________________
في غرفة «عبلة» جلست على فراشها بعدما انسحبت من أمام الجميع و في يدها الكارت الخاص بالطبيبة و هي تصارع نفسها حتى تأخذ تلك الخطوة و بالفعل استطاعت أخذ تلك الخطوة و قامت بمهاتفة الطبيبة، و حينما وصلها الرد تحدثت بتوترٍ:
مساء الخير....أنا آسفة على الوقت اللي بكلم حضرتك فيه و من غير ميعاد...بس أنا محتاجة اتكلم مع حضرتك ضروري، أنا عبلة مرات وليد الرشيد"
ردت عليها «هناء» بتفهمٍ و قالت بنبرةٍ ودودة:
تحت أمرك طبعًا في أي وقت، و على فكرة أنا متوقعة المكالمة دي من بدري، ممكن تكون اتأخرت شوية بس أنا كنت متأكدة إنها هتحصل"
تنفست هي الصعداء تحاول التحكم في حديثها و نفسها حتى استطاعت أخيرًا فقالت بتوترٍ:
أنا عاوزة أعرف إزاي أساعد وليد....إزاي أخليه ينسى كل حاجة و يفرح......أنا عاوزة أساعده"
على الجهة الأخرى ابتسمت الطبيبة وهي تقول لها مُستحسنةً حديثها:
كلامك محترم و يخليني أعرف هو حبك ليه.....طالما عاوزة المساعدة علشانه هو يبقى كدا أنتِ تستاهلي حبه"
ردت عليها ببكاءٍ بعدما أعلنت عبراتها العصيان عليها:
و الله علشانه هو، مش عاوزة أحسه مكسور علشان هيجي يوم و حد فينا طاقته هتخلص و هيبقى صعب عليه يكمل في علاقة بتاخد طاقته على الفاضي"
ردت عليها «هناء» تؤكد حديثها:
مفيش إنسان مُجبر إنه يكمل في علاقة بتستنزف طاقته يا عبلة، و لو كملت هتبقى تمثال خالي من الروح مهما كان الحب و مهما كانت قوة الرابط، لازم يكون فيه طرف متمكن أكتر من التاني علشان هيجي يوم و العلاقة تبقى زي الغزال الشارد على الجبل؛ لا هتقدر تكمل طريقها و لا هتقدر ترجع زي الأول و لا هتقدر تقف مكانها عند نقطة مُعينة، نفس الفكرة في العلاقات مهما كانت العلاقة سواء حب أو صداقة أو أخوة"
سألتها هي بتيهٍ و ضياعٍ:
طب أعمل إيه ؟! غير أني اطمنه؟ وليد بقى بيعاملني أني شيء مضمون و بقى بيجيلي بس وقت إحتياجه"
ردت عليها هي بنبرةٍ ظهرت بها الشفقة:
أنا مقدرش أظلمه يا عبلة، الإنسان في الدنيا عبارة عن طاقة محدودة، و للأسف وليد طاقته خلصت بدري و ضاع منه كتير، عاش في بيت يحارب فيه علاقاته بعمته و بهدير و اضطر يكون أب لخديجة، و لما خرج للعالم برة لقى نفسه في كلية غير اللي هو حبها علشان درجات بسيطة ضيعت حلمه و صاحب ناس افتكرهم هيهونوا الرحلة عليه و من بعدها بقى مدمن و دخل مصحة و بقى مع ناس مش شبهه، و لما حارب علشانك و راح لشركة أحلامه اترفض علشان موضوع إدمانه، اضطر إنه يكمل حياته و نزل شغل مع أخواته في شغل مش بتاعه و مش شبه طموحه لكنه قرر إنه يكمل و لما قرر يعترف بحبه اترفض من اللي قلبه اختارها و ساعتها كانت خسارة كبيرة لروحه، وليد زي الجسم اللي مليان جروح و كل حرج فيهم بينزف و لسه محدش عرف يداويه"
شعرت هي بسخونة الدموع على وجنتيها و هي تسمتع لمعاناته من الغريب، فكيف يشعر هو إذًا؟ و قبل أن تتحدث وجدت الطبيبة تضيف مفسرةً و كأنها استطاعت قراءة أفكارها:
وليد لما أنتِ رجعتي في حياته ظهرت مشكلة اضطراب الثقة عنده و دا بان أكتر في خوفه إنك تسيبيه و دا علشان هو شايف إنه بقربه مش كفاية و هيأذيكي، وليد مقتنع إن قربه منك أذى علشان هو واخد إنه يكون شخص غير مرحب بيه في العالم دا، العلاقة الوحيدة اللي وليد لقى نفسه فيها هي علاقته بخديجة، الرابط بينهم قوي لأن في فترة من الفترات كانوا هما طوق النجاة لبعض، كلام الاتنين عن بعض يحسسك قد إيه هما اتظلموا و شافوا كتير، وليد كل كلامه إن لولا وجود خديجة و عياطه في حضنها و هي بتهون عليه كان زمانه يا ميت يا ساب البلد كلها، أعذريه يا عبلة علشان الناس اللي زي وليد شافوا كتير من غير ما يعملوا حاجة تأذي حد، هما بس ضحايا لعالم مؤذية"
سألتها بنفس البكاء بنبرةٍ متوسلة:
طب و أنا بإيدي أعمله إيه؟ إزاي أنسيه الجروح و إزاي أخليه يأمنلي؟"
ردت عليها هي بنبرةٍ عملية:
المهم إنه يأمن لنفسه مش يأمنلك أنتِ، يثق في نفسه علشان يعرف إنه ممكن يضيع الحاجة اللي هو خايف أصلًا تضيع منه، وليد لازم يحب وليد"
تنفست هي بعمقٍ، فوجدت الطبية تقول بنبرةٍ مقررةٍ:
اسمعي كلامي يا عبلة و نفذي اللي هقولك عليه علشان ترتاحوا انتو الاتنين"
_________________________
في شقة «مرتضى» خرج «وئام» من غرفته و «فارس» على ذراعه حتى جلس على الأريكة في الخارج يهدهد صغيره و هو يبتسم بخفةٍ على حركته البسيطة بين ذراعيه و على صوت بكاءه، حتى وجد «وليد» يخرج من غرفته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
الواد ابنك زنان زي عمته مشيرة و فاطمة الله يرحمها، إيه العياط دا كله مش عارف أنام؟"
ابتسم له «وئام» وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
بس علشان هدى نامت شوية، ما صدقت أخيرًا اقنعها تنام و تسيبه ليا، تعالى بص شكله حلو إزاي؟"
كان يتحدث عن صغيره بفرحة طفلًا صغيرًا بلعبته الجديدة، فجلس بجانبه «وليد» وهو يبتسم بحبٍ لهما فوجد «وئام» يقول بتأثرٍ:
عارف ؟! غصب عني لما شيلته على إيدي قلب دق دقة غريبة أوي يا وليد، حسيت بكهربا في جسمي و كأن قلبي بيدق لأول مرة، مش دقة حب زي اللي بيدقها لهدى و مش دقة خوف زي لما بقلق من حاجة، دقة ضربت في جسمي كله و أنا شايل حتة مني على إيدي و بتتحرك، مكانش فارق معايا هو لحد ما اطمنت عليها و دا علشان أنا مكنتش شوفته، بس لما شيلته على إيدي فيه وئام تاني اتولد معاه، أنا بحبه أوي يا وليد"
ربت «وليد» على كتفه وهو يقول بنبرةٍ هادئة و هو يجاهد حتى لا يبكي:
علشان دول ٣ قلوب ارتبطوا ببعض، قلبك و قلبه و قلب هدى، و كانت النتيجة وجوده على إيدك، أنتَ هتبقى أشطر أب في الدنيا كلها"
أومأ له موافقًا بحركةٍ خافتة ثم سأله بنبرةٍ صارمة:
مالك و مال عبلة يا وليد ؟! مزعلها ليه؟ الفيلم اللي حصل تحت دا كان ليه؟"
رفع رأسه له يطالعه بخزيٍ من نفسه، فوجده يتابع حديثه:
ليه يا وليد ظالم نفسك كدا؟! ليه مش عاوز تأمن لطوق النجاة اللي ربنا كرمك بيه؟ فاكر لما و أنا صغير شربت سجاير ؟! ساعتها هدى عرفت و قالت لعمك محمود إنها لا يمكن توافق عليا علشان بشرب سجاير و أنا ساعتها قولتلها إنها حاجة صغيرة مش مستاهلة و إحنا كنا في الجامعة، بس هي قالتلي إن اللي يتهاون بالصغير هييجي عليه يوم و يعمل الحاجة الكبيرة من غير خوف، هدى ساعتها كانت زي بوصلة عرفت تصلح طريقي، هي برضه عبلة كدا، يبقى حرام عليك تضيع قلب حبك"
تنفس هو بعمقٍ ثم هرب منه بقوله المضطرب:
خلي بالك من فارس.... أنا طالع فوق السطح علشان هدى تاخد راحتها هنا، تصبح على خير يا وئام"
طالعه أخيه بعتابٍ لم يتحدث به لكن الأخر التقطه من نظرته فهرب من أمامه و من نظراته، و بمجرد خروجه من الشقة وجد نفسه يتنفس بحدةٍ كأنه يصارع للبقاء على قيد الحياة، سار على قدميه حتى وصل إلى سطح البيت و بمجرد دلوفه وجدها في انتظاره، حينها تنهد بعمقٍ و هو يأمل في الحديث معها، لكنها كانت الأسرع حينما التفتت له تطالعه بجمودٍ، بينما هو اقترب منها يقول بلهفةٍ حزينة:
كويس إنك هنا.....عاوز أتكلم معاكي يا عبلة، كنت عــا......"
أوقفته هي بقولها الحاد:
لأ.....دا دوري أنا المرة دي يا وليد، مش كل مرة الكلمتين يترموا قصادي و أسمعهم و خلاص و أسامح، أنا طاقتي بتروح مني علشان أقدر أحافظ على علاقتي بيك.....تعبت و مش قادرة أكمل خلاص"
انتاب القلق ملامحه و نظرته التي غزاها الدمع، فوجدها تقول بنبرةٍ باكية:
غلطت مرة زمان و كان غصب عني و لحد دلوقتي بكفر عن ذنبي دا، لحد إمتى يا ابن الناس هفضل كدا ؟! كلهم فرحانين و مبسوطين و أنا زي اللي مادد إيده لواحد بيغرق و كل ما يمسكها يسيبها بمزاجه، قولي إيه يريحك و أنا أعمله؟ قولي إزاي أطمن قلبك و أنا هطمنك، ليه بتبعد عن القلب اللي أنتَ اختارته؟ ليه مش راضي تريح قلبين من التعب؟"
أجهشت في البكاء و هي تتحدث و ظهر ذلك من خلال تهدج صوتها، فتوقفت هي تتنفس بعمقٍ ثم قالت بنفس البكاء:
حاولت أعوض قلبي و قلبك لكن مفيش فايدة، الاتنين اتكتب عليهم التعب، و شوفت منك كتير و مش بلومك على دا، بس على الأقل شوية الطاقة اللي عندي هعيش حياتي بيهم"
طالعها هو بدهشةٍ من عينيه الدامعتين فوجدها تقترب منه وهي تقول بنبرةٍ جامدة و بإصرارٍ لم يعهده منها من قبل:
لحد كدا الطاقة راحت و الفرص ضاعت و وقتك معايا خلص، و الحكاية خلصت يا وليد"
أمسك هو مرفقها وهو يسألها بلهفةٍ و بنبرةٍ مبحوحة:
حكاية إيه اللي خلصت ؟! حكايتنا !! قبل ما تبدأ أصلًا؟"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
علشان البداية واضحة يا وليد، علاقة زي دي حصل كل دا في بدايتها أومال أخرتها إيه؟! وليد أنا بحارب نفسي و بحارب الدنيا بس خلاص كدا كفاية"
استسلم للبكاء وهو يقول بخوفٍ:
بس و الله أنا ببعد من خوفي عليكي، لو قربت منك هأذيكي، أنا كل مرة بتكلم معاكي فيها بزعلك مني، علشان كدا بختار البعد، بخاف من الدنيا علينا إحنا الاتنين.....لو مش بحبك مش هخاف عليكي"
ردت عليه هي بصراخٍ في وجهه:
و هو الحل إنك تجرحني كدا ؟! أنا فين في حياتك ؟! جرب مرة واحدة تيجي ليا مش أنا اللي أجيلك، جرب مرة تعتبرني كل حاجة ليك، اللي بيحب حد مبيضمنش وجوده، و أنتَ ضمنت وجودي و جيت عليا...علشان كدا بقولك إن اللي أنتَ ضمنته ضاع منك يا وليد... أنا هستنى منك ورقتي"
أبعد ذراعيه عنها و هو يطالعها بأعين خاوية و كأنه يرى أسوأ كوابيسه تتحقق أمام ناظريه، أما هي ركضت بعد جملتها تلك حتى تهرب منه، أما هو حينما أدرك واقعه و حقيقة ما استمع إليه وجد نفسه يلحقها للأسفل راكضًا نحو شقتهم بعدما دلفت هي غرفتها و أغلقت الباب خلفها بعدما وصلت شقتها و فتح لها «طارق» الباب لكنه وقف مذعورًا حينما رآها تركض باكيةً نحو الداخل و قبل أن يغلق الباب وجد «وليد» يدفع الباب وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
افتح الباب يا طـــارق....."
فتح الآخر له الباب فوجده يركض نحو الداخل حتى وصل إلى غرفتها يطرق الباب وهو يقول بنبرةٍ منفعلة
افتحي يا عبلة !! بقولك أفتحي... سمعيني كلامك تاني، أنتِ كنتي بتهزري صح ؟!"
لحقه «طارق» نحو الداخل و «جميلة» خلفهما، فأكمل هو فعله مع قوله الصارخ:
افتحي بقولك.....متعمليش فيا الحاجة اللي قلبي خاف منها، عبلة قولي إنك بتهزي و إنك مش هتسيبيني، طب اطلعي ليا"
صرخت هي من الداخل بوجعٍ بعدما جلست القرفصاء خلف الباب:
لأ مش هطلع....أنا تعبت منك و أنتَ مش مأمنلي، سيبني بقى و أمشي، الله ياخده قلبي اللي حبك، جاب لنفسه التعب"
قبل أن يتدخل «طارق» أمسكت «جميلة» يده و هي تحرك رأسها نفيًا حتى تمنعه و تردع دخوله، فوجدت «وليد» يتحدث بنفس الوجع و هو يقول:
و أنا قلبي تعب و الله.....أنا تعبت مني و زهقت، كل الكلام أني لازم أسيب الحاجة اللي بتأذيني طب أسيب نفسي إزاي؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ متألمة:
أديك قولت سيب اللي بيأذيك، و أنتِ بتأذيني زي ما بتأذي نفسك، حرام عليك بقى"
ارتمى هو أمام الغرفة يجلس بنفس الوضع التي تجلس به هي في الداخل و هو يقول بنبرةٍ متألمة و بوجعٍ ظهر عليه و على صوته:
مجنون مين اللي يسيب ونيسه في الدنيا دي عبلة؟! عاوزاني أسيب السبب اللي مخليني أحارب دنيتي؟ عاوزاني أخرج روحي من جسمي؟"
ردت عليه هي ببكاءٍ و ألمٍ:
مفيش حد بيهمل روحه يا وليد، و أنا مش حاسة بأمان معاك....عاوزني إزاي أتطمن معاك"
رد عليها هو بصراخٍ:
و أنا مين يطمني ؟! أنا واحد اتخدع من طوب الارض، أنا ببعد عنك علشان قُربي بيأذيكي، أنا عارف أني بظلمك و عارف أني تعبتك و عارف أني بقيت لا أطاق، بس غصب عني و الله....غصب عني"
تهدج صوته من جديد فوجدها تقول بنبرةٍ صارخة:
و أنا عملت إيه لكل دا ؟! حاولت أطمنك و اهتميت و مفيش فايدة....ليه مشيلني ذنب دنيتك؟"
رد عليها بنفس الصراخ و هو يضرب الباب بيده:
علشان أنا تعبت و خوفت....بتلوموني على إيه؟ على جروح الدنيا فيا؟ مشوفتنيش و أنا بعيط علشان مبقيتش مهندس زي ما كنت بتمنى علشان تنسيق حقير ضيع حلمي، مشوفتنيش و أنا بحاول أرضي نفسي و بعمل صحاب زي أي شاب في سني و كانت النتيجة أترمي في مصحة إدمان و جسمي مكسر و مش عارف أنا في صيف و لا شتا من كتير ما جسمي بايظ
مشوفتنيش و أنا متكتف من الممرضين علشان حقنة أخدها تهديني و بعدها بساعة أحس بروحي تتسحب مني، مشوفتنيش و أنا بقدم في شركة أحلامي و يتقالي بعد التدوير لقينا إنك كنت مدمن و اترفض... مشوفتنيش و أنا بحلم ببيت معاكي و اشتغلت مع طارق علشان أقدر اتقدم ليكي و انسى معاكي اللي فات و اتفاجأ بيكي بتكسريني قدام أخويا و أخوكي، مشوفتنيش و أنا بوطي عيني المكسورة بعدما عمتك فضحتني أني خريج مَصحة، بـــتـلومـوني ليه ؟! علشان مش عارف آمن ليكم ؟! طب و آمن لنفسي إزاي؟ أنام إزاي من غير كوابيس؟ ليه بتعملي الحاجة اللي قلبي خايف منها دايمًا؟"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
علشان خوفك اتنقل ليا...بقيت بحارب الكل علشانك، بابا و طارق و حياتي، بقيت حطاك قصاد الكل في كفة، و أنا و هما في كفة تانية، قصاد كل دا أنتَ مش حاططني في ميزان حياتك أصلًا... شوف خديجة عندك إيه و أنا عندك إيه؟"
رد عليها هو بسخريةٍ رغم بكاءه:
علشان هي الوحيدة اللي مكسرتنيش، هي الوحيدة اللي عرفت إزاي تداوي جروحي، الوحيدة اللي من غير كلام كانت عارفة وجعي، يوم ما عيطت علشان أنتِ رفضتيتي خديجة ساعتها عيطت قبلي، يومها لقيتها بتقولي إنها هتنزل تبوس راسك علشان توافقي، و كانت نازلة فعلًا.....الوحيدة اللي وليد الصغير لسه موجود في عنيها....كلهم شايفين وليد و هي لسه عندها وليد اللي ضاع مني....متلومينيش على حُبي ليها علشان هو اللي بيروحلها مش أنا....هو اللي عارف إن دواه عندها مش أنا...."
مسحت دموعها وهي تقول بنبرةٍ حاولت صبغها بالثبات و الجمود:
و الحل ؟! هفضل كدا كتير ؟! يبقى خلاص خليك مع وليد التاني و هاتلي ورقتي"
حرك رأسه يبكي بقوةٍ وهو يقول من بين شهقاته:
ياريت أقدر على كدا....لو بإيدي كنت ريحتك من الوجع و ريحت نفسي معاكي....أنا الغُربة عايشة فيا يا عبلة.....متلومنيش على خوفي و أنا واحد جروحه كلها مفتوحة و بتنزف....افتحي الباب بقى"
بكت هي في الداخل على بكائه فوجدته يقول بنفس البكاء:
على عيني تكوني قصادي و أخفي عيوني عنك.....على عيني أوجع قلبك بالطريقة دي....افتحي يا عبلة متخبيش عيونك عني"
كانت «جميلة» تتابع ما يحدث أمامها ببكاءٍ و ألم لأجلهما سويًا، بينما «طارق» لا يدري ماذا يفعل فكليهما على حقٍ، و كليهما من ذويه هو رفيقه و هي شقيقته، لذلك مسح وجهه بكفيه، ثم اقترب منه يجلس على ركبتيه أمامه و هو يقول مُجاهدًا دموعه:
قوم يا وليد.....قوم و سيبها النهاردة تريح شوية.....انتو الاتنين تعبتوا"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بنبرةٍ باكية حاول صبغها بالثبات:
لأ....أنا مبعرفش أتعب.... خليها تفتح يا طارق و أنا مش هزعلها تاني، و الله مش هضايقها بعد كدا، بس خليها تفتح الباب.... أنا جروحي كلها مفتوحة و مستنيها علشان أداوي الجروح دي....بلاش تخليها تسيبني"
حرك «طارق» رأسه نحو الغرفة فوجدها أغلقت الأضواء، حينها زفر بقلة حيلة ثم قال بنبرةٍ خافتة:
الباب اتقفل يا وليد خلاص و النور كمان....صعب"
أرجع رأسه للخلف يضرب بها الحائط خلفه و هو يشعر بالهزيمة حقًا، فها هي أكبر مخاوفه تتحقق أمام عينيه، من عاش يُمني قلبه بالفوز بها ها هي تتركه و تنفذ طاقتها رغمًا عنها، بينما في الداخل وضعت كفها على فمها و هي تبكي، و على الرغم من صعوبة الموقف إلا أنها كانت مُجبرةً عليه، تركه من أصعب ما واجهته في حياتها، و الآن تواجه ذلك الصعب مباشرةً، في الخارج ربت «طارق» على كتفه فوجده يعلن عن هزيمته بالصراخ الممتزج بالبكاء، تلك الصرخة التي تركها لوقتٍ آخر و الآن أصبحت أصعب من خروج الروح من الجسد، و حينما احتضنه «طارق» تحدث من بين دموعه بوجعٍ:
أنــا بـحـبـهـا و الـلّٰـه بحبها..."
رد عليه «طارق» متشدقًا بحزنٍ:
بس وجعتها و وجعت نفسك معاها يا صاحبي...."
حرك رأسه موافقًا ثم تنفس بعمقٍ و من بعدها اعتدل في وقفته، و قبل المُغادرة تحدث يقول بنبرةٍ خافتة و هو يعلم إن حديثه سيصل لها:
أنا معرفتش أخرج النفس الأخير فيا و لا مرة.....كل مرة اتهزمت فيها حاربت بنفس جديد....بس اللي أنتِ عاوزاه هيحصل...."
اتسعت أعين الثلاثة؛ هي في الداخل بعدما رفعت رأسها من على ركبتيها، و أخيها و زوجته في الخارج، أما هو تحرك بكتفين متهدلين من الهزيمة و لكن تلك المرة لم يكن مجرد قسطًا من الراحة لمحاربٍ بالمعركة إنما هزيمةٍ ساحقة نزلت على رأسه و كان هو الخاسر الوحيد بها.
_________________________
في شقة «ياسين» وصل هو و زوجته و هي تشعر بالحزن و الخوف على أخيها، بينما هو حينما رأى شرودها و حزنها جلس على الأريكة ثم قال بنبرةٍ هادئة حتى يلفت نظرها:
هيبقوا كويسين متخافيش، وليد هيتمسك بـ عبلة و عبلة هتعرف إزاي تحارب علشان حُبها، أنتِ إيه اللي مزعلك؟"
حركت رأسها تنظر له بحزنٍ و هؤ تقول بقلقٍ واضح في نبرتها:
وليد ضعيف أوي يا ياسين، أضعف مما تتخيل، و عبلة متعرفش غير حاجات بسيطة عن اللي هو مَر بيه، خايفة يتوهوا من بعض، هما ليه مش زينا؟"
سألها هو بكامل إهتمامه:
يعني إيه مش زينا ؟! اللي هو إزاي يعني؟"
ردت عليه هي تفسر حديثها:
يعني ليه مش عارفين يعدوا مع بعض الحواجز ؟! ليه كل واحد فيهم بيبص للتاني و مستني منه يمد إيده رغم إنهم مع بعض هيعدوا من غير ما حاجة تزعلهم"
أومأ له بتفهمٍ لحديثها ثم قال هو يُردف وَضعهما:
الفرق بين علاقتنا و علاقتهم إن وليد هو اللي مكانك مش عبلة، علشان كدا العلاقة مش مستقرة"
حركت رأسها باستنكارٍ لم تستطع التوصل لفهم مقصده فوجدته يقول شارحًا وجهة نظره:
يعني لما أنتِ اللي كنت خايفة ساعتها كنت أنا اللي بطمنك و دا علشان أنا الراجل و طبيعي إن أمانك يكون مسئوليتي، إنما عبلة و وليد العكس، هو الراجل يعني أمان العلاقة مسئوليته هو، علشان كدا هو و عبلة مش مستقرين سوا، وليد محتاج يقتنع إن علاقته بيها أكبر من أي حاجة في الدنيا"
سألته هي بنبرةٍ تائهة:
إزاي يعني ؟! اقصد إن وليد بيحب عبلة أوي، أنتَ مشوفتوش طول عمره و هو بيتكلم عنها"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
ماشي أنا معاكي يا خديجة، بس العلاقة اللي ربنا خلقها بين الراجل و الست غير باقي العلاقات، ركزي كدا في الفكرة نفسها هتلاقي إن ربنا سبحانه و تعالى خلى اتنين غُرب عن بعض مفيش طريق يجمعهم يجي يوم و يكونوا روح واحدة، تدوري أكتر تلاقيها إن الست مخلوقة من ضلع الراجل، إحنا بنبقى محتاجين علاقة أقوى من كل العلاقات اللي في الدنيا، علاقة أكبر من علاقة الأب و الأم و الأخوات و دي في الإسلام إسمها السكن و إحنا مش بتكون محتاجين مجرد علاقات و خلاص إحنا محتاجين ناس زي البيوت نسكنها، وليد بقى محتاج يفهم الكلام دا، محتاج يفهم إن كل العلاقات اللي مر بيها شيء و علاقته بيها هي تحديدًا شيء تاني، و لحد ما يقتنع يا رب عبلة تفضل مستنية"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
طب ما تقوله أنتَ، كلامك حلو و أسلوبك حلو أوي يا ياسين، هو لو سمع كلامك هيقتنع أوي و الله، أعمل كدا علشان خاطري"
حرك رأسه موافقًا و هو يقول بنبرةٍ خافتة:
هحاول و الله علشان أنا نفسي أشوفه فرحان زي ما شوفتك فرحانة كدا، نفسي ينسى و يعيش حياته زي ما أنتِ قدرتي"
أبتسمت له و هي تقول بمرحٍ طفيف تحاول به تغير تلك الأجواء:
بس أنا كان معايا ياسين، و أظن يعني دي حاجة كفاية أوي علشان أي حد حياته تتصلح"
وضع ذراعه عليها وهو يقول بفخرٍ:
يعني أخرتها طلعت مادة خام للصُلح ؟! بتضربوا بيا المثل في التعافي؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
و في كل حاجة حلوة و الله، روح ربنا يبارك في أهلك على جودة الإنتاج دا"
حرك رأسه للخلف باستنكارٍ وهو يقول بنذقٍ:
لأ يا شيخة ؟! طب و الإنتاج نفسه مش هياخد دعوة حلوة؟"
ردت عليه بمشاكسةٍ:
إزاي بقى ؟! دا أنتَ الخير و البركة برضه؟"
ابتعد عنها هو و على حين غرة وجدته يحملها على يده و هو يقول متوعدًا لها:
دا أنا هخلي الخير و البركة دول يطلعوا عينك يا كتكوتة، أنتِ بتكلمك جدك يا بت ؟!"
ردت عليه هي بدلالٍ لم تقصده هي لكنه خرج منها بعفويةٍ:
بتدلع عليك....أظن دا حقي يعني"
ابتسم لها وهو يسير بها نحو الداخل تزامنًا مع قوله المرح:
اقسملك بالله أنا نفسي تدلعي، و رب الكعبة نفسي أشوف دلعك عليا"
ضحكت هي رغمًا عنها بنبرةٍ عالية فوجدته يطيل النظر في وجهها و حينما نظرت له هي وجدته يسألها بنبرةٍ هائمة:
مِــن أَيْ أنّــوَاعِ الــسِـحّـر خُــلّـقَـتْ عَــيْـنَـيْـكِ؟ ...... تِــلّـكَ الــتي كُــلّـمّــا خَــطَـوتُ فِــي حَــيْـاتِــي قَــادتــنّـي بِــ سِــحّـرَهــا إلــيْــكِ"
حركت رأسها و هي تشهق بقوةٍ تطالعه بدهشةٍ فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
حركت رأسها مؤكدةً ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
طب ممكن تنزلني؟ علشان عاوزة آخد رأيك في حاجة؟"
أومأ لها موافقًا ثم أنزلها على الأرض، فوجدها تفتح باب الغرفة بعدما توقفا أمامها، و بعدما دخلت هي دلف هو خلفها فوجدها تفتح الدرج الخاص بها ثم أخرجت منه قطة قماش مطويةً، كان هو يطالعها بتعجبٍ فوجدها تبتسم له ثم قامت بفرد تلك القطعة و هي تقول برقتها المعتادة:
كنت بفكر أعمل إيه لوئام و ابنه علشان تكون هدية حلوة و كلها حب، بس لقيت إن الطارة دي هتبقى حلوة، أنا عملتها بإيدي، تفتكر هتعجبهم؟"
سألته بحذرٍ و هي تمد يدها له بالقطعة القماشية حتى يراها، أما هو فأخذها منها و هو يرفرف بأهدابه عدة مرات بعدما آسرته تلك القطعة، حيث كانت تحتوي على إسم «فارس» في المنتصف و بجوار إسمه قلبين و داخل كلًا منهما إسمًا؛ و هما «وئام» و «هدى»، و أسفلهما دونت عبارةٍ باللغة العربية الفصحىٰ:
خُلقتي أَنتِ مِن ضِلّعّي لِـتكوني شَريكة عُمّري....و أَتّىٰ هُـو مِنّ قَلّبِي لِيَغدو رَفِيقًا لِـدَرّبي.... و هَا أنّا أَصّبَحتُ سعيدًا و أَنّا أَشّهَدُ وُجّودهُ؛ و هُوَ يُؤَكِدُ نَتِيّجَةُ حُبّي"
حينما قرأ هو تلك العبارة رفع رأسه من على الطارة ليطالعها هي فوجدها تقول بخجلٍ:
بصراحة مكسوفة أوي أقدمها ليهم و في نفس الوقت حساها حلوة أوي و خسارة تتركن هنا"
رد عليها هو بلهفةٍ يُقاطع حديثها و يرفض تفكيرها:
أوعي !! حرام عليكي الجمال دا كله يضيع علشان شوية كسوف يا خديجة، دي تُحفة فنية و الجملة المكتوبة دي لخصت العلاقة في كلام يأسر العين زي صاحبته، دي إزاي لسه هنا لحد دلوقتي؟"
قضمت أظافرها بتوترٍ و هي تقول حانقةً على نفسها و خجلها:
يوه !! مكسوفة بجد و الله، خايفة تطلع حاجة هبلة، هي الحاجات دي رجعت تاني و بقت موضة في الهدايا بس بجد أنا مرعوبة و الله"
رد عليها هو بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
دا هطل يا ست الكل ؟! دي تحفة، أنتِ عارفة بيعملوها بكام دي؟ حرام عليكي و الله خوفك يظلم شغلك كدا، دي لازم توصلهم"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بقلة حيلة:
خلاص و الله، وعد مني ليك هديها ليهم، أنا أصلًا عملتها من ساعة ما هي ولدت، بس يا رب تعجبهم"
رد عليها هو مؤكدًا:
مش أنتِ بتثقي في ذوقي ؟! و الله حلوة أوي و تحفة فنية كمان، ثقي فيا علشان هي هتعجبهم أوي زي ما عجبتني هي و صاحبتها كدا"
لفت ذراعيها حول عنقه و هي تقول بخجلٍ:
و أنا بعملها كنت بفكر لو عملتها لينا هيبقى شكلها عامل إزاي؟ و بعدين رجعت فكرت هعملها قبل و لا بعد الولادة"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
المهم إن أنتِ اللي تعمليها يا خديجة، مش مهم قبل و لا بعد"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له بينما هو حرك رأسه مرةً أخرى يطالع تلك القطعة القماشية و هو يفكر في تلك الموهبة التي لم ينصفها العالم
_________________________
في شقة «محمود» و تحديدًا في غرفة «هدير» جلست هي على الفراش و هي تفكر في شقيقتها، حتى وجدته يدخل الغرفة و هو يقول بمرحٍ:
عم محمود و عم مرتضى مبهدلين بعض فوق علشان فارس، لو الواد بينطق كان قال كلمة أبيحة و وئام يعيني قرب يعيط"
ابتسمت هي رغمًا عنها ثم قالت بسخريةٍ:
الواد دا هيشوف الويل هنا يا حسن، كلهم مستنينه، دا كفاية عمو مرتضى بس"
جلس هو بجانبها و هو يقول بنفس السخرية المرحة:
ابوكي فوق عمال يتحايل عليه يشيله بس عمك مرتضى طرده و قاله انزل نام و حاليًا بيتخانقوا مين فيهم هيروح بيه الجامع"
ضحكت هي بقوةٍ فوجدته هو يتنهد بعمقٍ ثم نظر أمامه بشرودٍ و على الرغم من قلة الأيام التي عاشت بها معه لكنها فهمت سبب صمته، فتفاجأ هو بها حينما وجدها تحرك رأسها نحوها و هي تقول بنبرةٍ خافتة:
هما أهلك برضه على فكرة و أنتَ مش غريب عليهم، و بكرة بنفسك تشوف لما ابنك يجي هنا هيتخانقوا عليه إزاي؟ و هما هما نفس الاتنين، مش أنتَ بتعتبر عمو مرتضى باباك؟"
حرك رأسه موافقًا بوجعٍ ظهر في عينيه فوجدها تقترب منه هي ثم طبعت قبلةً على وجنته ثم قالت بمرحٍ بعدها:
طب ما أنتَ شاطر و بتسمع الكلام أهوه، بطل نكد بقى علينا إحنا فرحانين يا نكدو"
رفع حاجبه لها و هو يسألها مُستنكرًا:
نكدو !! دا أنتِ طلعتي حكاية و الله يا هدير"
ردت عليه هي بفخرٍ:
بس بذمتك مش حكاية مُسلية؟ قولي مبسوط معايا و لا لأ؟"
رد عليها هو بهدوء ينافي عفويته:
اللي مريحني هو إني مبسوط معاكي، فاكرة لما قولتيلي في العربية يوم ولادة هدى هخليك تقول ارتاحت معاكي ؟! أنا ساعتها مردتش عليكي، بس أنا فعلًا ارتاحت معاكي يا هدير، لقيت فيكي البيت اللي كنت بدور عليه، على ما أظن كدا إن إحساس البُعد عنك زي اللي اتفرض عليه اليُتم، و أنا دوقت إحساس اليُتم و مش عاوز اجربه تاني فيكي"
وضعت رأسها على كتفه وهي تقول بنبرةٍ هامسة:
و أنا مش هخليك تجربه يا حسن، و بعدين هو أنا يعني كنت بخليك تعترف ليا بحبك علشان أخليك تجرب إحساس اليُتم؟"
ابتسم هو حينما تذكر تلك الليلة و هيئتها فوجدته يسألها بخبثٍ:
بقولك إيه هو مفيش فستان حلو كدا زي بتاع الاعتراف، يعني بقولك يتيم و خارجين من فترة استهبال، اعطفي على الأيتام اللي زيي"
ضحكت هي رغمًا عنها ثم تحدثت أخيرًا تقول مقترحة:
بص هطلب منك طلب، أنتَ تتعامل معانا عادي هنا كلنا أهلك و أخواتك و أصحابك، و أنا مراتك و حبيبتك و صاحبتك، لو وافقت أنا هعطف عليك عادي، إيه رأيك؟"
رد عليها هو بتهكمٍ:
دي مساومة ياما !! بتساومي جوزك يا هدير؟"
حركت رأسها نفيًا ثم تحدثت تتكأ على حروفها و هي تقول:
بصلح حياة حبيبي، تفرق لو سمحت"
اندهش هو من تلك الكلمة الغريبة التي سمعها منها، فوجدها تسأله بحنقٍ:
فيه إيه بقى ؟! هو أنتَ متجوزني علشان تستغرب يا حسن؟ فيه إيه؟"
رد عليها هو بنبرةٍ تائهة:
مندهش....أنا كحسن مندهش و الله يا هدير، من كام يوم كنت بقولك إحنا صحاب، و بعدين يعني الكلام الحلو دا أنا بخاف منه، ممكن أرزعك واحدة ربنا يجبر بخاطرك تجيب أجلك"
شهقت بقوةٍ بعد كلمته الأخيرة فوجدته يقول مؤكدًا:
شوفتي !! أديكي هتروحي مني أهوه، بس استني أنا مش حيطة أوي كدا، أنا برضه بفهم"
طالعته باستنكارٍ فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
مرة زمان سمعت عبد الرحمن الابنودي و هو بيقول في جوابات الأسطى حراجي لفاطمة:
أنا ربنا جبني الدنيا دي من غير ورث و اداني منابي فيكي و مش طالب بس غير إنه يبارك فيكي"
ساعتها الكلام علق معايا أوي، و افتكرت إن أنا اللي في الدنيا من غير ورث، بس فين اللي هشوف فيها منابي من الدنيا؟ بس لما ظهرتي في حياتي عرفت أني صحيح من غير ورث بس ربنا كرمني باللي لقيت فيها منابي من الدنيا كلها، و أنا و الله قلبي راضي بيكي منابه و شايفك ورثه من كل الدنيا، أنتِ كنتي ملجأ لواحد يتيم عاش حياته كلها يجري في المطر و ما صدق لقى مأوى لروحه"
سألته هي ببكاءٍ بعدما تأثرت من حديثه:
حسن هو...هو الكلام دا ليا أنا؟"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مؤكدًا بنبرةٍ مختنقة:
الكلام دا ليكي أنتِ و الله العظيم خارج من كل قلبي يا هدير"
ابتسمت هي بفرحةٍ كبرى لم تستطع السيطرة عليها فوجدته يحتضنها ثم قبل قمة رأسها و من بعدها أخرج زفيرًا قويًا و هو يشعر بسعادةٍ غريبة بحديثه عنها و داخله يتمنى دوام تلك النعمة في حياته و هي نعمة وجودها.
_________________________
انتهت تلك الليلة بين الوجع و الفرح و السرور، و كان الوجع الأكبر من نصيب «وليد» الذي عاش أسوأ ليالي عمره مرةً أخرى و هو يرى انتهاء علاقته بتلك التي حارب حتى يصل لها، و لكن هل تلك القصة كُتِبَت نهايتها قبل أن تبدأ؟ هل حقًا سيستسلم لمطلبها و يخضع لسطوة الفراق؟ حينما سيطرت عليه الفكرة وجد نفسه يبكي بقوةٍ و ألمٍ عاش به طوال السنوات الماضية و هو من ظن نفسه بدأ في عيش حياته، لم يشعر بنفسه سوى و هو يضرب الكوب التي أمامه في الطاولة الرخامية حتى نزفت يده و لولا الدماء التي أغرقت الطاولة لكان كما هو دون أن ينتبه لجرحه، ابتسم هو بسخريةٍ فحتى جرحه لم يشعر به، و كأن جراحه الداخلية أعلنت عليه انتصارها و حينها قام بربط الجرح بقطعة قماش مجاورةً له ثم ألقى بجسده على الأريكة و دموعه تنهمر رغمًا عنه، أما هي فلم يختلف وضعها كثيرًا عنه، بل قضت ليلتها في البكاء المكتوم في وسادتها، كلما تذكرت وجعه و حديثه شعرت بالنيران تشتعل في جوفها، و لكن ما باليد حيلةً، هذه هي نهاية المطاف الذي أنهك روحهما سويًا.
_________________________
في صباح اليوم التالي تحديدًا في كلية الصيدلة وصل «عمار» مبكرًا قبل صديقه الذي تعمقت علاقته به كثيرًا عن الأيام السابقة، فوجده يركض إليه و هو يقول بمرحٍ:
حقك عليا بس لو عرفت أنا اتأخرت ليه هتقدرني و الله يا عمار، أوعى تقفش عليا !!"
رد عليه «عمار» بحنقٍ طفيف:
هو أنتَ فُرقع لوز يا عبد الرحمن؟ كنت فين يا سيدي؟"
ابتسم له ثم أخرج من ظهره مذكرتين خاصتين بالدراسة، و حينها طالعه «عمار» بتعجبٍ فوجده يقول بفخرٍ:
جبت الكبسولة اللي مدوخة كلية الصيدلة كلها، علشان تعرف إنك من غيري هتتسوح و تشيل"
شهق «عمار» وهو يقول بنبرةٍ مندهشة غير مُصدقًا:
الكبسولة اللي مدوخة جروب الدفعة كله ؟! جبتها إزاي دي زي المخدرات هنا"
رد عليه بنبرةٍ متعالية:
دا علشان كلكم هُبل، دي اللي فيها خلاصة الخلاصة، ملزمة أصيلة تسد معاك شفوي و سكاشن و محاضرات و ميد تيرم، جبت واحدة ليا و واحدة ليك معايا، أكيد محتاجها"
رد عليه مؤكدًا:
أكيد طبعًا محتاجها، أنا لقيتهم مرة واحدة بيقولوا الكبسولة نزلت و فيه ناس قالوا خلصت و ناس قالوا لسه منزلتش أصلًا"
رد عليه هو مُفسرًا:
علشان الدكاترة بتوع الجامعة متعملش ليهم مشاكل هما بينزلوا منها عدد معين، و اللي يلحق بقى، أنا بقى اتصاحبت على ابن صاحب المكتبة علشان لما تنزل تاني يقولي و ساعتها بقى نظبطه"
ابتسم له «عمار» وهو يقول بامتنانًا حقيقيًا:
أنتَ طيب أوي يا عبد الرحمن، ربنا يسامحني علشان شكيت فيك و قلقت منك، بس لحد دلوقتي مشوفتش منك حاجة وحشة و الله"
رد عليه الأخر بمرحٍ:
يا عم طبيعي تشك فيا، أنا دخلت عليك دَخلة تقلق، بس و الله ربنا طمني من ناحيتك و حسيت أني هلاقي فيك الأخ و الصاحب، و بعدين سنين الجامعة لازم حد يهونها عليك، دول ٦ سنين يا عمار !!"
ابتسم له «عمار» وهو يقول ساخرًا:
مخي كان فين و أنا بعمل في نفسي كدا ؟! حوار ٦ سنين دا إزاي ملفتش نظري أني بتدبس؟"
رد عليه الأخر بسخريةٍ:
عادي كان ممكن تدخل كلية ٤ سنين و تشيل سنتين و برضه تقضي ٦ سنين"
ابتسم هو بسخرية وهو يوافقه في الحديث، بينما الأخر أخفض رأسه ينظر للمذكرات بين يديه.
_________________________
في عيادة «هناء» دلفها هو بغضبه و كامل حزنه و ضجره دون حتى أن يأخذ السماح من المساعدة الخاصة بالطبيبة و نظرًا لأن الموعد كان في الصباح الباكر و هذا من حظه أن العيادة كانت تخلو من المرضى، و لكن ما أثار ريبته هو ثباتها أمام هيئته تلك و كأنها تنتظر تلك المقابلة، فوجدته يصرخ بها منفعلًا:
أنتِ كدبتي عليا !! قولتيلي أثق في الناس علشان أعرف أعيش و لما وثقت اتجرحت للمرة اللي مش عارف عددها....أنا دلوقتي بنزف من كل حتى فيا.....الوحيدة اللي عيشت بتمنى قُربها اختارت البُعد عني....شوفتي أني كنت صح من الأول و قولتلك إنهم مش قد الثقة دي؟ شوفتي بقى أني بيتغدر بيا كل مرة ؟!"
تنفست هي بعمقٍ فوجدته يتحدث بنفس الوجع:
ليه مش عارف أرتاح و أريحها هي كمان ؟! ليه مش قارد أنسى الوحش و افرح بالحلو ؟! ليه كل يوم أسأل نفسي أنا وحش و لا لأ ؟ هو أنا وحش طيب؟"
رافقت دموعه قوله و هو يتحدث بتلك الطريقة و النبرةِ الموجوعة، أما هي ما لفت نظرها هو نزيف الدم من يده و هو يضغط على كفه، حينها تركت مقعدها ثم ركضت نحوه تمسك كفه و هي تقول منفعلة في وجهه:
أنتَ مجنون ؟! إيدك بتنزف يا وليد و كدا غلط الجرح دا كبير"
ابتسم بوجعٍ وهو يقول:
و الجروح اللي هنا أكبر منه، لأول مرة أتأكد أني مؤذي، لما سمعت كلامها عرفت أني طلعت اللي الدنيا عملته فيا....فيها هي، عرفت إن ضحكتها اختفت بسببي أنا، يمكن الجرح دا بينزف بس اللي جوة دا جرحه اتفتح من تاني"
سحبته هي خلفها ثم أخرجت صندوق الإسعافات الخاص بها و بعدها جلست على الأريكة و هو أمامها على المقعد الصغير المقابل لها، فوجدها تبدأ بتمضيض الجرح، حينها صمت هو و استسلم لها و حينما ضغطت على الجرح استشعر هو الألم و حينها أجفل جسده أسفل لمستها و ضغطها، فوجدها تقول بتريثٍ:
الجرح لما بيتساب و نركنه علشان نهرب من وجعه، نهاية آلمه بتبقى صعبة يا وليد، أنتَ ركنت جروحك علشان تكمل و لما جه الوقت المناسب علشان تعالجها اتفاجأت بكمية الجروح اللي جواك، و دا علشان أنتَ زي المُحارب اللي كل ما يخلص جولة يدخل على اللي بعدها، من غير ما يقف ياخد نفسه و لا حتى يشوف مكان جرحه، أنتَ عملت في نفسك كدا بالظبط"
تنفس بعمقٍ فوجدها تسأله بنبرةٍ هادئة تحاول ابعاد تفكيره عن الجرح:
حصل إيه خلاك تيجي مهزوم كدا؟ ليه المرة دي وجعك صعب"
رد عليها هو بعدما جاهد للتحدث:
عبلة امبارح قالتلي إنها جابت أخرها و طاقتها خلصت، و إنها مش هتقدر تكون في علاقة بتاخد طاقتها و روحها بالبطيء و قالتلي إن دي البداية أومال النهاية عاملة إزاي؟.... الحاجة اللي جيت هنا علشانها ضاعت مني.... عبلة اللي كانت كل مرة سبب استمراري بقت هي سبب كسرتي و وجعي، و أنا مش هقدر ألومها، علشان أنا السبب من البداية...أنا اللي وثقت فيها"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت بنبرةٍ جامدة:
لأ....أنتَ ضمنت يا وليد مش وثقت و فيه فرق بين الثقة و الضمان، أنتَ لما لقيت الأدوار بتتعكس و عبلة بقت هي الطرف المتمسك بقيت أنتَ مبسوط، ضمنت إن عبلة بقت ليك و بقت بتحارب علشانك، الثقة بعيدة كل البعد عن الضمان، الضمان دا ممكن يكون تحت التهديد عادي، ممكن تكون هي مكملة علشان منظرها و متبقاش مطلقة و يمكن علشان العيلة و علاقة الأخوات ببعض، إنما الثقة دي حاجة تانية، الثقة يعني الطرفين عارفين إن اللي بينهم أقوى من كل حاجة، الفرق بين الضمان و الثقة هو إن اللي بيضمن بيهمل، لكن الواثق بيمسك بإيده و سنينه"
رد عليها هو بوجعٍ:
طب بعد إيه بقى ؟! امبارح طلبت مني أسلمها ورقتها، و اخرجها من ذمتي"
سألته هي بتعجبٍ:
و هو وليد الرشيد برضه بيسمع كلام حد ؟!"
طالعها هو بريبةٍ وهو يقول:
أومال أجبرها عليا ؟! أنا قولتلها قبل كدا أني لا يمكن أجبرها عليا طلبت منها فرصة لكن لما هي قالت إنها تعبت، أنا عرفت إنها خلصت"
ردت عليه هي بنبرةٍ حادة:
إسمع !! قدامك فرصة تصلح كل العك دا، عبلة ممكن ترجع لو لقت الطرف التاني متمسك بيها، لكن أنتَ كدا بتعلن هزيمتك و تخليك عنها، عبلة لو مش بتحبك مش هتعمل كدا دا"
تنفس هو بعمقٍ ثم سألها بقلقٍ و ترقب من الجواب:
تفتكري فيه أمل ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
فيه أمل طول ما عبلة موجودة في حياتك....عبلة هي الدينامو اللي كل الاحداث بدأت منه، إلا لو أنتَ بطلت تحبها"
رد عليها هو بنبرةٍ قاطعة و كأنه يصرخ في وجهها:
إزاي بـــس ؟! أبطل أحب السبب اللي شوفت فيه دنيتي كلها ؟! إزاي أسيب ونيس العمر اللي مستني نفسي أتغير علشانها؟"
ردت عليه هي مفسرةً:
يبقى تروح تدي علاقتك بيها فرصة، اثبت إنك متمسك بيها و إنها لسه ليك الأمل في الدنيا، وليد أنتَ لما جيت بعد موقف زيكا كنت فرحان و حاسس بانتصار عظيم علشان زيكا طلع مش قد الثقة، كلامك عن قلة الثقة ساعتها كان غريب و إنك مش هتقدر تعمم الفكرة على الكل، و بما إن أكتر طرف في حياتك محتاج للثقة دي هي عبلة ، كانت هي أكتر شخص قابله الضرر، أنتَ ما صدقت حاجة تثبت ليك إن محدش آهل للثقة دي و من ساعتها و أنتَ فرحان إنك طلعت صح؟"
ازدرد لُعابه بقلة حيلة حينما شعر بجفاف حلقه ثم تحدث يقول بنبرةٍ متهكمة:
أنا طول حياتي معنديش وسط، يا أبيض يا أسود، خوفت كتر قربي منها يكرهها فيا، خوفت كتر وجودي معاها يخليها تزهق من المُجاهدة، خوفت أشوف نفسي وحش في عيونها هي كمان، أنا غصب عني حولتها لنسخة باهتة من واحدة كانت زي الطفلة الصغيرة، بس أنا لازم أرجعها ليا....وليد مينفعش من غير عبلة، لو هو خايف منها أنا مش خايف، لو هو مش راضي يسامح دنيته أنا هسامح علشانها، حرام عليا أكسر قلبين مش قلب واحد"
لمحت هي الإصرار في حديثه فوجدته يقف وهو يقول مُقررًا:
أنا مبخسرش....عبلة حقي من الدنيا و أنا متعودتش أسيب حقي، لو هي هتسيب همسك أنا، حتى لو نفسي هيتقطع، كفاية عليا أموت و أنا عارف إني بحاول علشانها"
ابتسمت هي له فوجدته يتنفس بعمقٍ ثم قال معتذرًا:
أنا أسف على الطريقة اللي دخلت بيها هنا، بس أنا مخبوط على راسي و مش عارف أعمل إيه"
ردت عليه هي بمعاندةٍ:
لأ أنا زعلانة منك بصراحة، و ليا عتاب جامد عندك"
رد عليها هو بوقاحته المعتادة:
لأ مع نفسك بقى، أنا مش نانسي عجرم هطبطب و أدلع، سكتك خضرا"
أُصيبت بجحوظٍ في العينين من دهشتها حينما رآت تغيره في أقل من ثوانٍ وهي تقول بيأسٍ:
أنتَ إيه ؟! أول حالة أقف عاجزة عن تفسيرها كدا، أنتَ عندك انفصام؟"
ابتسم بثقةٍ وهو يقول:
أنا وليد الرشيد....اللي كل ما الدنيا تحاول تجيب أخره يجيب هو أخرها، أنا واحد لما فاق لقى نفسه مش جوة السباق، بس ساعتها عملت سباق مع نفسي علشان مخسرش قصاد حد، و أنتِ بنفسك هتشوفي أني مبخسرش"
قال حديثه ثم خرج من أمامها تاركها خلفه تبتسم بخبثٍ حينما استطاعت إيقاظه من خلال الضغط على ذلك الجرح الغائر، فهي حتى الآن أصبحت تملك كل مفاتيح شخصيته و تعلم تمامًا ما يجب عليها فعله معه.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» اجتمعوا سكان البيت في الطابق الأول حول «هدى» و «وئام» و معهم «عبلة» و هي تحاول الثبات أمام الجميع و الانخراط معهم حتى تستطع نسيان ما حدث بالأمس، و كانت الجلسة للحق ممتعة وسط مشاكسات الجميع على الصغير، حتى تحدث «محمود» يقول بحنقٍ:
مرتضى دا بارد، طردني الساعة ٣ الفجر معندوش ذوق"
ضحكوا عليه جميعًا فتحدث «مرتضى» بضجرٍ منه:
أنا برضه اللي بارد ؟! وئام نام و هدى نامت و الواد نام و أنتَ ماسكه على دراعك جرى إيه يا محمود ؟! هو حفيدك لوحدك؟"
ابتسمت «هدى» وهي تقول بيأسٍ:
خلاص بقى يا جماعة، يارتني كنت جبت توأم بدل المرار دا"
ردت عليها «هدير» بسخريةٍ:
دا واحد و روحنا اتسحبت عليكم، أومال لو كانوا توأم بقى؟"
رد عليها «وئام» مؤيدًا:
طب و الله معاكي حق، دا أنا كنت زي الشحات و أنا قاعد قصاد باب الأوضة و مستنيهم بس يطمنوني، الحمد لله إنهم خرجولي بالسلامة"
ردت عليه «خلود» بمرحٍ:
بس عسل خالص و الله، أنا كنت هنزل أقعد معاه الساعة ٦ الصبح"
رد عليها «طه» بسخريةٍ:
دي هبلة، دخلت أوضتها لقيتها فاتحة الشباك علشان تسمع صوته و هو بيعيط"
رد عليه «أحمد» ساخرًا:
و مشوفتهاش و هي بتدور على أغاني علشان تغنيهاله ؟! جماعة الواد دا ميقعدش مع خلود مش ناقصة هبل"
وكزته في ذراعه وهي تقول بتوعدٍ:
صبرك عليا أقسملك بربي هدومك كلها هتتحول أوضتي و ابقى وريني هتمشي بإيه؟"
تحدثت «زينب» تقول بضجرٍ:
اكبروا بقى أنا تعبت !! يلهوي عليكم، جوز بهايم"
ردت عليها «سلمى» بمرحٍ:
هما مبيكبروش ليه يا طنط ؟! الاتنين ما شاء الله عاوزين تعديل مسار لعقلهم"
ردت عليها «جميلة» بسخريةٍ:
يا عاقلة يا راسية أنتِ ؟! ما شاء الله عبارة رزانة متحركة"
ابتسم لها «أحمد» وهو يقول ساخرًا:
قوليلها يا جميلة، دي عمة الهُطل كلهم دي، بس في المتداري كدا"
تدخل «محمد» يقول بحنقٍ:
ملكش دعوة يا بارد، خليك في حالك كفاية أنتَ و خلود و جريكم ورا بعض اللي مسمع"
ضحكوا جميعًا عليهم و أبان ذلك دلف «وليد» وهو يقول بهدوء:
السلام عليكم"
ردوا عليه جميعًا عدا هي التي أخفضت رأسها تنظر للأسفل و هي ترد التحية بنبرةٍ خافتة، أما هو فجلس بجانب شقيقه و دون أن يتحدث سحب الصغير من على ذراعه، و لكن هيئته الغريبة و شعره المشعث و ثيابه الغير منمقة و هي عبارةٍ عن قميص باللون الاسود و بنطال جينز بنفس اللون لكنه واسعًا، و على الرغم من ذلك لازال كما هو أنيقًا، هكذا كانت تفكر وهي تطالعه بينها و بين ذاتها و هم يتحدثون، و لكن ما لفت نظرها هو حديث والدته القلِق:
إيدك مالها يا وليد ؟! شكل جرحك كبير، أنتَ طالع كويس"
ابتسم لها حتى يُطمئنها وهو يقول:
متخافيش يا ماما، كنت بعمل كوباية شاي فوق السطح و طرقعت في إيدي، بس لحقتها"
شهقت «زينب» و هي تقول بخوفٍ:
طب قوم نروح نطمن عند الدكتور، يلا كدا كتير"
رد عليها هو رافضًا:
أنا روحت عند دكتور و الحمد لله طمني، أنتو إيه الأخبار هنا طمنوني؟"
ردت عليه «مشيرة» بفرحةٍ:
فرحانين طبعًا مش فارس نور البيت ؟! الحمد لله كلنا مبسوطين"
حرك رأسه موافقًا وهو ينظر لذلك الذي يحرك كفه على يده، فابتسم رغمًا حتى قال «حسان» بنبرةٍ هادئة:
عارف يا وليد ؟! أنا متأكد إن فارس هيطلع نسخة منك، و متأكد أنك هتحافظ عليه بإيدك و سنانك"
رد عليه بنبرةٍ هادئة على غير عادته معه:
يا رب يا عم حسان، و يا رب بس نصيبه ميكونش زي نصيبي، ربنا يكتبله الفرح و الهنا"
طالعته «عبلة» بشفقةٍ و هي تتذكر حديثه بالأمس عن جرحه و وجعه، أما «حسن» فقال بسخريةٍ:
جماعة حفاظًا على حياة أبو الفوارس، ياريت أنا و وليد تبعدوه عننا، دا علشانه هو و الله"
رد عليه «وئام» مؤيدًا:
أنا فكرت في كدا إمبارح و لقيت أسلم حل أني ابعده عنك و عن وليد و عن خلود و هدير، دا علشان ميطلعش مُشتت نفسيًا"
ردت عليه «هدير» بسخريةٍ:
هو احنا مضطربين قصادك ؟! و بعدين مش بمزاجك بقى دا ابن أختي أنا"
ردت عليها «سهير» تقول بمرحٍ:
بت يا هدير هاتي بت علشان نجوزها لفارس و كدا تبقي حجزتي العريس أول بأول، أصل فيه أزمة عرسان في البلد"
أبتسمت هي بخجلٍ فوجدت «حسن» يقول بتهكمٍ:
يعني أجيب أنا بنت علشان آمن مستقبل ابن وئام ؟! ما ترد يا وليد"
حمحم «وليد» ثم حرك رأسه نحوها فوجدها تتجاهل وجوده من خلال تصفحها لهاتفها، حينها أعطى الصغير لشقيقه ثم وقف وهو يقول بنبرةٍ جامدة بعض الشيء:
جماعة معلش أنا عاوز اقولكم حاجة مهمة و خصوصًا عبلة"
نظر إليه الجميع بخوفٍ و تحديدًا «طارق»، بينما هو اقترب منها ثم عليها حتى يصبح في نفس مستوى جلوسها وهو يقول:
أنتِ استحملتي و تعبتي و دا حقك....و أنا ظلمت و اتظلمت و دا عقابي....علشان كدا اللي أنتِ عاوزاه كله هيحصل يا عبلة"
حركت رأسها تطالعه بترقبٍ فوجدته يقول بنبرةٍ يجاهد للتحدث بها:
طلبك أنا هنفذه علشان اللي داق الظلم ميرضاش بيه للناس و أنا ظالم معاكي أوي، و حرام عليا أعمل فيكي اللي أنا خايف منه يحصلي"
تنفست هي بخوفٍ من القادم فوجدته يقول بصوتٍ مبحوح:
مهما فات العمر و عدت السنين هيفضل حلو العُمر في وجودك و المُر في غيابك، و أنا قلبي اتكتب عليه يدوق المُر"
قال جملته ثم ربت بيده على رأسها و من بعدها سحب نفسًا عميقًا ثم اعتدل في وقفته و من بعدها حرك رأسه ينظر في أوجه الجميع فوجد الاستنكار و القلق يكسو تلك الملامح، حينها زفر بقوةٍ ثم تحرك من أمامهم هاربًا من تلك النظرات، أما هي فلم تستطع التماسك أكثر من ذلك فسحبت نفسها بهدوء هي الأخرى، و قبل أن يتحدث أيًا من الموجودين و خصوصًا «محمد»، تحدث «طارق» يقول بنبرةٍ جامدة:
أنا مش عاوز حد يتدخل بينهم !! هما مع بعض أحرار و هيوصلوا لحل سوا، أظن أنا فهمتكم الوضع، محدش فينا ليه دعوة و مش هكررها تاني"
أومأ له الجميع بقلة حيلة بينما هو ارتمى على المقعد المجاور لزوجته فوجدها تمسك يده بامتنانٍ لفعلته تلك التي من المؤكد ستنقذهما.
_________________________
في شقة «ميمي» و تحديدًا بعد عودة الشباب من عملهم اجتمعوا سويًا و معهم زوجاتهم، فتحدث «ياسر» ساخرًا:
سبحان الله يا عامر، مش المفروض تكون فوق السفرة ؟! إيه اللي مقعدك وسطنا كدا"
ضحكوا عليه جميعًا بينما هو قال بتعالٍ زائف:
قولت أنزل اقعد مع عامة الشعب، خلينا متواضعين"
رد عليه «خالد» بحنقٍ:
يا ولا !! شكرًا لكرم أخلاق اللي خلفوك"
ردت عليهم «ميمي» بمرحٍ:
ملكوش دعوة بعامر أنتَ و هو !! عامر دا حبيبي و يعمل اللي هو عاوزه"
رد عليها هو بفرحةٍ:
روحي ربنا يكرمك بثري عربي يهيصك و يهيصنا معاكي"
رد عليه «ياسين» ساخرًا:
ثري عربي يهيصنا !! إحنا محتاجين معونة بعددنا دا، ولا دولة الكويت كلها تقدر تكفينا"
في تلك اللحظة خرجت الفتيات من الداخل و في أيديهم الكعك و الشاي، و خلفهم «يونس» يحمل قطعة كعك في يده لكنه ركض أمامهم ثم أعطى كلًا من الشباب قطعة صغيرة بيده من تلك القطعة الكبيرة التي يمسكها، و حينما وصل أمام «عامر» حمله وهو يقول بفخرٍ:
حبيب عامر و قلب عامر كله، أكلك أنتَ بدل الحلويات دي يالا؟ بحبك يا ابن الكلب"
كان «يونس» يضحك معه بقوةٍ، بينما «خالد» تحدث يقول بضجرٍ:
ماهو ابن كلب فعلًا علشان اداني أنا أصغر حتة و أنتو كلكم خدتوا حتة كبيرة"
تحدث الصغير بعدة كلمات غير مفهومة، فتحدث «خالد» يسأل بتعجبٍ:
فين المترجمة ؟! بيقول إيه دا"
ردت عليه «ريهام» بنبرةٍ ضاحكة:
بيقولك أنا اديت ماما و رص أسامي البنات كلهم، و جه هنا يعمل كدا و يدي تيتة و عمو"
ابتسم «ياسر» وهو يقول:
سبحان الله فضلنا في كلية الطب نتعلم و في الأخر الأم هي اللي تفهم النعكشة دي"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
ولادة فارس ابن وئام فكرتني بولادة يونس لما كنا في المستشفى"
رد عليه «ياسين» بضجرٍ:
و يارب عقيقة فارس متبقاش زي عقيقة يونس علشان مموتكش في إيدي"
سألته «خديجة» بتعجبٍ:
ليه هو عمل إيه ؟! مع أني أتوقع أي حاجة بصراحة"
ردت عليها «إيمان» بحنقٍ:
دا كان هيودينا كلنا في داهية، الحمد لله ربنا سترها و الخساير جت قليلة"
سألتهم «سارة» بترقبٍ:
عمل إيه يا جماعة ؟! ريحوني"
طالعوه جميعهم بخبثٍ ثم شردوا فيما حدث منذ ما يقرب الثلاثة سنوات.
(منذ ما يقرب الثلاثة سنوات)
وقفوا الشباب في الشارع أسفل شقة «ميمي» و في المخزن الخاص بالبيت قاموا بوضع «الماشية» الخاصة بعقيقة «يونس» و هم ينتظرون بعد صلاة الجمعة حتى يقومون بذبحها، و قبل بداية الصلاة تحدث «ياسين» يقول مفسرًا:
هنروح نصلي بس الاول نقفل باب المخزن كويس، المشكلة إن عم لطفي معاه القفل و هو مش هنا، نروح بسرعة و نرجع"
سأله «ياسر» بقلقٍ:
طب كدا مش ممكن تتسرق يا ياسين؟ الناس هتبقى في الصلاة و الشارع فاضي"
رد عليه «خالد» بحنقٍ:
مين الحيوان اللي هيسرق بهيمة يوم الجمعة و وقت الصلاة؟ خلاص بقوا كفار؟"
رد عليه «ياسين» ينفي حديثهما:
يا عم متقلقش إن شاء الله مفيش الكلام دا، المهم يلا بس هاتوا عامر من جوة علشان نروح نصلي، خلونا نيجي نشوف دنيتنا"
خرج «عامر» من الداخل وهو يقول بمرحٍ:
كنت بلبس الجلبية، وبعدين هنروح نصلي كلنا ؟ و نسيب الباب مفتوح هنا؟"
رد عليه «خالد» بقلة حيلة:
الحل الوحيد هنعمل إيه يعني، بس املنا في ربنا كبير؟"
رد عليه هو بلهفةٍ:
طب روحوا بسرعة يلا و أنا هاجي وراكم هعمل حاجة بس"
سأله «ياسين» بحذرٍ:
هتعمل إيه إن شاء الله ؟!"
رد عليه هو متشدقًا بنذقٍ:
ملكش دعوة بس، هأمن الدنيا، روحوا و أحجزولي جنبكم يالا"
انسحبوا من أمامه بقلة حيلة بينما هو دلف للداخل قام بفعل ما أراد و بعدها أنزل الباب الجرار عليها، و من بعدها توجه نحو المسجد حتى يقوم بتأدية الفرض، و بعدها عادوا جميعًا و خلفهم الأطفال و الجيران و هم يشعرون بالفرحة لرؤية تلك الأضحية، وقفوا جميعًا أمام باب المخزن و هم يروم الحماس في وجه الأطفال و الشباب، فتحدث «عامر» بفخرٍ:
الحمد لله محدش جه جنبها، مفيش خساير الحمد لله"
سأله «ياسر» بتعجبٍ:
ليه هو أنتَ عملت إيه بالظبط؟"
رد عليه بتعالٍ:
اتصرفت صح، عاوزني اتغابى زيكم؟ هتشوف بنفسك"
قال جملته ثم أخفض جسده يقوم برفع الباب الجرار وهو يبتسم بفخرٍ و سرعان ما تلاشت بسمته و هو يمسع الصرخات حوله، بعدما ركضت الماشية «البقرة» و انطلق في الشارع و هو يركض خلف الجميع و خصيصًا «ياسين» و «خالد» و «ياسر» و هم يرتدون الجلباب الابيض الخاص بصلاة الجمعة، و الأطفال أمامهم و جميع السكان و الصرخات تنتشر بالمنطقة، أما «عامر» فركض خلف الماشية وهو يصرخ بأسماء أخوته حتى استطاع الوصول إليها و أمسكها من ذيلها، فوجدها تلتفت له و حينها تبدل
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم شمس بكري
ليتكِ لقلبي الدواء كما كان حُبك الداء._________________________
ألم أخبركِ سابقًا أنني سِرت وحيدًا لا أبالي حتى ظفرتُ بكِ يا من سَكنتِ القلب الخالي؟ ألم أقول لكِ أنكِ أحلى ما مر بعمري و أقبحه كان غيابك؟ الآن أنا أمامك و كأني مُذنبٌ و أنتِ تُلقين عِتابك، الآن قلبي يسأل صارخًا هل ستقبلين بي حبيبك أم أنكِ سَتُغلقين بوجهي بابك؟
_"من حفر حفرةً لأخيه"تلك الجملة التي رددها الجميع بعدما قام «عامر» بِـ فك الحبل من رقبة الماشية حتى تركض خلف من يحاول سرقتها و لكنه لم يضع في الحُسبان تحركها بقرب الباب و بمجرد فتحه للباب انقلب كل شيءٍ رأسًا على عقبٍ و ركضت خلفهم في الشارع و خاصةً الشباب نظرًا لعلمها بتواجدهم بجابنها طيلة اليوم، و لكن حينما انعكس الوضع و ركضت خلف «عامر» حينها صعد هو فوق الحوض الرخامي خوفًا منها و من نظرتها له و هو يصرخ بملء صوته:"يـــا خـــالــد....يــا يـاســيـن....يــا يــاســر....الحقونـــي"
في الخلف كان كلًا من «ياسين» و «ياسر» يرتمي أرضًا من كثرة الضحكات و «خالد» يجاهد حتى يستطع انقاذ ذلك "الأبله" قبل هجومها عليه، و حينها توجه للماشية يحاول مسكها و هو يقول منفعلًا في صديقيه:
"قــوم يــا حَــيوان مِــنك ليه.. الحوض هيتكسر بيه و لطفي هيجي يولع في أهالينا"
كان «عامر» واقفًا فوق الحوض و هو يقول بطريقةٍ درامية:"يا حظك الأسود يا عامر....هتموت على إيد جاموسة يا عامر !!....كل دا علشان كنت طمعان في الكوارع ؟!... خلاص مش هحطك على الفَتة هاكلك لوحدك"
بعدما استطاعا كليهما الوقوف ارتميا مرةً أخرى على الارض من الضحكات على حديث «عامر» و الاطفال في الخارج يصرخون من الخوف و الرجال يشرأبون برأسهم يحاولون مطالعة ما يحدث داخل المخزن، حتى انفعل «خالد» من جديد وهو يقول:"يا بني منك ليه قوموا بقى، بقينا فُرجة يا بهايم، ربنا ياخدكم كلكم في ساعة واحدة"
كتم كليهما ضحكته و هو يعتدل في وقفته ثم ذهبا إلى «خالد» الذي كان يحاول جاهدًا التحكم بها حتى يقوم بربطها مرةً أخرى و حينما ساعده «ياسين» في ذلك، حينها ذهب «ياسر» إلى «عامر» ثم عاونه في النزول من على الحوض و من بعدها سادت لحظة صمت عليهم و من بعد نظرتهم لبعضهم انتشرت ضحكاتهم بقوةٍ على الموقف بأكمله حتى «خالد» الذي نزلت دموعه رغمًا عنه.
(عودة إلى الوقت الحالي)
كانت الجلسة يحتلها الضحكات و الصخب منهم جميعًا أثناء حديث الشباب عن الذي حدث في ذلك اليوم، فتحدثت «سارة» تقول بتعجبٍ:
"يا جماعة بجد إزاي صابرين عليه ؟! فيه حد يعمل كدا يا عامر، بتفكها ليه يا بني؟"
رد عليها هو بحنقٍ من حديثها:"ما هو لو حد كان دخل يسرقها كان هيتفاجأ بيها مفكوكة، و هي كانت في أخر المخزن، معرفش إنها هتتحرك لحد الباب و تجري ورانا كدا"
رد عليه «ياسر» بنبرةٍ ضاحكة:"كله كوم و منظرنا بالجلاليب دا كوم تاني و احنا بنجري، معرفش هي كانت مستنيانا و لا إيه؟"
رد عليه «ياسين» مفسرًا بسخريةٍ مَرِحة:"هي علشان كانت عارفة إننا عندها الصبح، متعرفش هي جريت ورانا غالبًا من العِشرة اللي بقت بيننا من ٣ أيام"
ردت عليه «خديجة» بصوتها الذي يضحك ببراءةٍ:"مرة في العيد الكبير قبل الدبح أول ما نيموها و لسه الجزار هيدبح ساعتها هي وقفت من تاني و ساعتها ضربت الجزار براسها و كسرت ماسورة المياه بتاعة شقة عمتو مشيرة، كان يوم مسخرة والله"
سألها «عامر» بلهفةٍ بصوته الضاحك:"طب و عمتك عملت إيه و وليد عملها إيه؟"
زادت ضحكاتها وهي تقول:"عمتو فضلت تتعصب و زعقت علشان نجيب سباك و قالت إنها مش هتسكت بس الحقيقة إن وليد هو اللي مسكتش"
(عودة إلى الماضي)
وقفت «مشيرة» بعد كسر تلك الماسورة تصرخ بملء صوتها و هي تنفعل في وجه العائلة:"يعني هي سابت كل المواسير و كسرت ماسورة شقتي ؟! كلم حد يا محمد يجي يصلحها، المياه مقطوعة عن البيت كله"
رد عليها «مرتضى» بضجرٍ:"هنكلم مين يا مشيرة ؟! الناس كلها أجازة و إحنا في عيد"
ردت عليه هي بحنقٍ:"هنفضل من غير مياه يعني ؟! و بعدين هي كسرت ماسورة شقتي أنا يعني لو حد فيكم شغل المياه أنا شقتي هتخرب، هقول إيه بهيمة بصحيح"
تدخل «وليد» يقول ببروده المعتاد أمامها في تلك المواقف:"يلا بقى اتبلي على الجاموسة و قولي إنها عاملة كدا قاصدة، حتى الجاموسة مفيش عَمار بينك و بينها"
تحدثت هي تقول بصراخٍ:"بقولك إيه يا ابن مروة ؟! ابعد عني و عن وشي الساعة دي، مش ناقصة قلة أدبك هي، شوف ابنك يا مرتضى، بدل ما اربيهولك"
رد عليها هو بوقاحةٍ:"اسمي وليد مش ابن مروة، و لما تجيبي سيرة أمي تتكلمي عِدل، و كلمة كمان هفتح المياه و أخلي شقتك تبقى زي الترعة، ها ؟!"
تدخل «مرتضى» يقول منفعلًا في وجهه:"خلاص بقى يا وليد !! عيب و لم نفسك و ابعد من وشي دلوقتي، و أنتِ يا مشيرة اهدي، طارق قال هيكلم حد و أحمد راح لواحد يشوفه"
كانت «خديجة» تتابع ذلك الموقف من على درجات السلم و حينما اقتربت منها «مشيرة» طالعتها بحنقٍ و قبل أن تلقي بحديثها اللاذع وجدت «وليد» يركض خلفها وهو يقول ساخرًا:"حاسبي لعمتو يا خديجة، أصل الجاموسة لسه معلمة عليها"
التفتت له عمته و هي تقول ساخرةً منه:"و بتجيب سيرة نفسك ليه بس يا وليد؟"
ابتسم هو بثقةٍ وهو يقول:"و الله لو أنا علشان علمت عليكي هبقى جاموسة أنا معنديش مانع لو بالحق، أحسن ما أبقى حرباية بالباطل"
زفرت هي بقوةٍ ثم تركته و رحلت من أمامه حينما التقطتت تلميحه بكلمته الأخيرة لها، فضحك هو بقوةٍ عليها و هو يطالع «خديجة» التي وقفت مذهولة مما تراه أمام عينيها.
(عودة إلى الوقت الحالي)
لم تقص عليهم مشاكسته الأخيرة مع عمتها، إنما اكتفت بسرد محور الحوار و اكتفت إنهما تشاكسا سويًا دون الإفصاح عن تلك الأحاديث فهي لن تقص تاريخ تلك العائلة أمام الجميع حفاظًا على مظهرهم، و بعدها أنهت حديثها وهي تقول:
"فضلوا يتناقروا سوا مع بعض و هي مسكتتش غير لما جبنا السباك من عند أهل مراته و بعدها دبحنا"
رد عليها «ياسين» بسخريةٍ:"مش سهلة برضه عمتو مشيرة دي بس حاليًا بقت طيبة خالص"
ضحكوا عليه جميعًا ثم انخرطوا في الأحاديث الأخرى المرحة و الساخرة._________________________
في بيت آلـ «الرشيد» لم تستطع «مروة» الصمود أكثر من ذلك فركضت خلف «وليد» إلى شقتها، و حينما دلفتها توجهت مباشرةً إلى غرفته فوجدته يجمع حاجته داخل الحقيبة الخاصة بالسفر، حينها وجدت نفسها تركض نحوه وهي تسأله بنبرةٍ مختنقة ممتزجة بلهفتها و حزنها:"بتعمل إيه يا وليد....بتلم حاجتك و رايح فين كدا؟..... وليد !!"
أغمض عينيه بألمٍ و هو يجاهد نفسه بالثبات، بينما هي أمسكت كتفيه و هي تقول ببكاءٍ:"علشان خاطري خليك معايا هنا، أنتَ ليه بتبعد عني يا وليد؟ أنا أمك و مليش غيرك، لو عبلة هي اللي مزعلاك نكلمها، هي بتحبك أوي، بس بلاش تمشي"
أحتضنها هو بقوةٍ فوجدها تنهار باكيةً بين ذراعيه، بينما هو ربت على ظهرها وهو يقول بنبرةٍ متحشرجة من اختلاط كلماته ببكائه:"عبلة مش مزعلاني، أنا اللي مزعلها و مزعل نفسي معاها، خدت واحدة من بيتها و خلصت طاقتها و ظلمتها، و دلوقتي هي جابت أخرها خلاص، و أنا هريحها من اللي عملته فيها"
ابتعدت عنه والدته حتى تستطع مطالعته، فوجدته يتنهد بقلة حيلة ثم قال بنبرةٍ باكية بعدما طلق العنان لدموعه:
"أنا من خوفي أذيتها أوي، كلامها ليا فوقني و خلاني أعرف إن العلاقة دي صعب تكمل، زي اللي بيشد حَبل من بير عمال يدبح في كف إيديه و فاكر نفسه هيطلع بدهب، بس في النهاية هو عارف إن اللي هيطلعله هي الخيبة، و هي شدت كتير و طلع ليها الخيبة في الآخر"
ردت عليه والدته بطيبتها المعتادة من صوتها الباكي:"يا وليد كل اتنين مع بعض لازم يحصل بينهم مشاكل، و هما بيعدوا المشاكل دي سوا، خليك معانا متغيبش عني...."
تهدج صوتها و نزلت دموعها فوجدته يحرك رأسه نفيًا وهو يقول:"صعب ... و الله صعب أوي، لازم ابعد عنها علشان إحساسي بالذنب يقل، مش هقدر أفضل في مكان واحد هي فيه و أنا عارف إن دموعها نازلة بسببي"
قال حديثه ثم التفت يهرب من توسل والدته التي استمرت في التوسل له بالبقاء و هو يستمر في جمع حاجته حتى أغلق الحقيبة ثم أنزلها من على فراشه، و قبلها قبل جبين والدته ثم قال كلمةً واحدة بصوتٍ موجوع أخذ خيبات العالم في نبرته:"ادعيلي..."
بكت و هي تستمع لصوته المكسور، فوجدته يأخذ الحقيبة و هو يتحرك من أمامها، ركضت هي خلفه و هي تصرخ بأسمه، فوجدته يترك الحقيبة ثم ركض عاد لها وجدها تقول بنفس الوجع:"متمشيش.....طب أقولك !! تعالى نروح عند خالك السويس.... غير جو و أنا أكون معاك....بس بلاش"
تنفس هو بعمقٍ ثم قال بصوتٍ مبحوح:"أنتِ عارفة أني لازم أكون لوحدي، و عارفة أني مش هقدر أقعد وسط الناس و أنا زعلان، بلاش تصعبي عليا موقفي بقى، ادعيلي"
لم تجد حلًا أخر غير «فارس» لذلك سألته بلهفةٍ و هي تأمل في اقناعه:"طب عقيقة فارس مش هتحضرها ؟! مش هتفرح معانا بابن أخوك؟ هتنكد عليا في يوم زي دا ؟!"
رد عليها هو بقلة حيلة:"لسه فاضل أسبوع، محدش عارف الاسبوع دا بيحصل فيه إيه، سلميها لله"
بكت من جديد و هي ترى عناده فوجدته يبتعد عنها ثم اقترب من الحقيبة يمسكها و هو يحاول التحكم في تلك الدموع و هي خلفه ارتمت على الأريكة و هي ترى إصراره بتلك الطريقة و لولا خوفها من العواقب لكانت صرخت بملء صوتها، لكنه آثرت راحته في نهاية الأمر حتى يستطع التفكير في معضلته، نزل هو من شقته ثم توجه نحو شقة «محمد» و التي كان بها هو و أسرته، فتحت «سلمى» له الباب فوجدته هو أمامها يقف بثباتٍ و الحقيبة بجواره، طالعته بريبةٍ في باديء الأمر، فوجدته يقول بنبرةٍ متحشرجة:"عبلة موجودة يا سلمى ؟"
حركت رأسها بخفوتٍ فوجدته يغمض جفنيه بشدةٍ يحاول الاتصاف بالثبات، ثم دخل الشقة فوجدها بين ذراعي «طارق» تبكي و هو يحتضنها، ابتسم هو بسخريةٍ وهو يتذكر ذلك العناق الذي من المفترض تأخذه منه، ثم اقترب منهما، فرفعت هي رأسها تطالعه بعينيها الدامعتين، فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا عمري ما قصدت أوجعك و لا عمري قصدت آذي حد، بس غصب عني نقلت العدوى ليكي و بقيتي زعلانة بسببي، أنا اتوجعت مرة بسببك قبل كدا و يعلم ربنا ما كانت نيتي إني أزعلك أو أخليكي تحسي في يوم بحاجة وحشة، و لا أنا و لا قلبي قصدنا الشر لحد في يوم، للمرة الأخيرة هقولهالك حقك عليا و على قلبي بجد يا عبلة، حقك عليا علشان دموعك اللي منزلتش غير بسببي، و حقك عليا من الهَجر و البُعد اللي شوفتيهم مني، و قبل ما أمشي هقولك إنك كنتي الحلو اللي مستني أنسى بيه طعم المُر"
أجهشت في البكاء بعد كلماته تلك فوجدته يميل عليها ببكاءٍ هو الأخر ثم قبل رأسها و من بعدها طالع عينيها و هو يقول بوجعٍ:"ياريت قُربك لقلبي كان الدوا، زي ما حُبك كان العِلة"
اعتدل في وقفته بعد تلك الجملة و قبل أن يواجه نظراتهم ركض نحو الخارج حتى لا تشتبك نظراتهم سويًا، بينما هي ارتمت في حضن أخيها مرةً أخرى فوجدته يشدد عناقه لها و هي تصرخ بقهرٍ بعدما رأت رحيله أمام عينيها، بينما والدها تحدث يقول بحزنٍ:"مش قادر ألومه و لا قادر ألومك يا عبلة، بس من الأول وليد كان لازم حياته تتصلح قبل ما يدخل حياتك، ربنا يريح قلوبكم يا بنتي"
ردت عليه زوجته بقهرٍ:"هما عملوا إيه يا محمد علشان يحصل فيهم كدا ؟! اتنين بيحبوا بعض و عاوزين بعض، ليه كدا ؟"
رد عليها هو بتهكمٍ و هو يسخر من نفسه و حزنه:"اللي حصل زمان معاكي بيحصل مع بنتك يا سهير، افتكري كدا لما كنا بنحب بعض و أهلك رفضوني، الدنيا هي اللي عاوزة كدا ليهم"تنهد «طارق» بوجعٍ ثم قبل رأسها و هي بين ذراعيه تبكي بحرقةٍ على ما وصلت الأمور إليه، بينما هو ركض من البيت بأكمله و في يده حقيبته ثم ركب سيارته و من بعدها حرك المَقود و إطارات السيارة تحتك بالأرض الأسفلتية و كأنه يصارع مع الأرض، ثم أخرج هاتفه و هو يقود السيارةِ يطلب رقمه، و على الجهةِ الأخرى، كان «ياسين» وسط عائلته يضحك بقوةٍ مع الشباب و هو يداعب «يونس» على يده، حتى صدح صوت هاتفه برقم «وليد» حينها ابتعد هو من الجلسة وهو يقول بنبرةٍ هادئة:"ازيك يا وليد ؟! إيه فينك يا بني مجيتش ليه تقعد معانا شوية؟"
تنفس «وليد» بعمقٍ ثم قال:"معلش يا ياسين، مش هقدر، بس ممكن لو خديجة عندك تنزلها ليا؟ أنا هقف بالعربية تحت شقة ميمي، مش أنتو عندها زي ما قولتلي امبارح؟"
رد عليه الأخر بنبرةٍ يحاول صبغها بالثبات:"آه إحنا عندها لسه، تعالى اقعد معانا شوية علشان شكلك مش كويس و صوتك ميطمنش"
رد عليه بنبرةٍ جامدة:"لأ أنا كويس متخافش عليا، عاوزك بس تنزلي خديجة، لو مش هينفع خلاص مفيش مشاكل، أنا بس كنت محتاجها"
رغم قلقه من فكرة تواجدهما سويًا و بالتالي ستتم مشاركته في الجرح، لكنه يعلم مكانتها عنده و أنه في أمس الحاجة إليها، لذلك وافق بقلة حيلة على مطلبه، ثم أغلق الهاتف معه و من بعدها توجه نحو التجمع و هو يقول بنبرةٍ حاول جعلها طبيعية قدر الإمكان:"خديجة تعالي علشان وليد هيجي تحت و عاوزك ضروري، عن إذنكم يا جماعة، و هرجع تاني"
وافق الجميع على حديثه بمرحٍ ظنًا منهم أن الأمر على ما يرام، بينما هو حاول الهروب من نظراتها المُتسائلة، ثم تحرك أمامها و هي تتبعه بعدما ودعت الجالسين، ثم نزلت تقف بجواره بجانب باب البيت و هي تتحدث بقلقٍ و خوف:
"فيه إيه يا ياسين ؟! وليد هيجي ليه حصل حاجة؟"
رد عليها هو بنبرةٍ حائرة:"مش عارف و الله يا خديجة، بس هو كلمني و قالي إنه محتاجك معاه، و أنا طبعًا مقدرش أحوشك عنه، هو زمانه جاي، و هنعرف منه"
تنفست هي بخوفٍ و كأن الخوف يدب في أوصالها حتى أوشكت على الصراخ، بينما هو حرك رأسه حتى يراه و بالفعل لمح السيارة تدخل الشارع، و قتها أمسك كفها ثم خطى خطوةً واحدةً حتى يراهما و حينها اقترب هو بسيارته و بعد توقفه مال «ياسين» على نافذة السيارة وهو يقول بنبرةٍ حاول جعلها هادئة:
"مالك يا وليد ؟! فيك إيه يا صاحبي؟"
ابتسم هو بوجعٍ وهو يقول:"صاحبك ضهره اتقطم و حمله تِقل يا ياسين، كل ما أمشي خطوة أرجع قصادها عشرة"
تبدلت نظرته إلى الشفقة عليه فوجده يقول مُغيرًا للحديث:"مش مهم، قولي خديجة هينفع تيجي معايا مشوار مهم ؟! مش هأخرها عليك"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:"و هو أنتَ عاوزها فين ؟! و عاوزها ليه أصلًا؟"
رد عليه هو بتهكمٍ ممتزج بالآلم:"حتى السؤال دا مش عارف أجاوب عليه، بس هو عارف إن الإجابة عندها هي، زي ما راحته عندها هي"
حرك رأسه موافقًا ثم اعتدل في وقفته و هو يشير لها حتى تقترب تركب السيارة، و رغم قلقها و توترها إلا أنها جلست بجانبه بعدما دلفت السيارة فوجدته يميل نحو نافذتها وهو يقول له:"مش هأخرها عليك يا ياسين، شوية و هرجعهالك هنا تاني"
أومأ له موافقًا دون أن يتحدث، ثم تحرك للخلف و هو يتابع تحرك السيارةِ من أمامه، بعدها زفر بقوةٍ ثم دخل البيت مرةً أخرى، و في السيارة طالعته هي بتعجبٍ من صمته، و أخيرًا سألته بنبرةٍ خافتة و كأنها تخشى التحدث أمام حالته تلك:"مالك يا وليد ؟! و ليه كلمت ياسين و طلبتني؟ انطق يا بني"
تنفس هو بعمقٍ ثم قال دون أن يحرك رأسه و يطالعها:"هنطق اقولك إيه ؟! معنديش حاجة تتقال، بس مكانش ينفع أمشي من غير ما أشوفك، مكانش ينفع أغيب و أسيبك قلقانة عليا"
بكت هي رغمًا عنها وهي تقول بنبرةٍ متحشرجة:"أنتَ هتغيب تروح فين ؟! هو إيه اللي حصل علشان تمشي يا وليد؟"
أوقف هو السيارةٍ ثم أغمض جفنيه بشدة وهو يقول بنبرةٍ متقطعة:"عبلة...عاوزة تطلق مني، جابت أخرها من المريض النفسي اللي اتجوزته"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ و الدموع تسيل على وجنتيها رغمًا عنها، فوجدته يقول بوجعٍ على حاله و حالها:"ظلمت قلب حبني و جيت عليه، ضمنت وجودها و بقيت بروحلها وقت ما أحس أني مرتاح، طلبت مني أحاول و أنا وافقت، بس مع موافقتي دي ظلمتها هي، لا عرفت ارتاح في القُرب و لا قدرت اتخطى البُعد يا خديجة"
ردت عليه بلهفةٍ من بكائها:"هي بتحبك يا وليد، حرام عليك تسيبها من غيرك، حرام عليك تظلم نفسك"
صرخ هو في وجهها بألمٍ:"و الحب مش كفاية مع واحد مريض زيي، هيعمل إيه الحب لواحد مش عارف يأمن لنفسه؟ هيعمل إيه الحب لواحد كل ما يحاول يديها فرصة يجيله كابوس اللي فات يفوقه؟ هيعمل إيه الحب لواحد كل ما يطلب حاجة تروح منه؟ أنا كل حاجة طلبتها كانت سهلة و عادية، و من الغُلب مفيش حاجة منهم جاتلي...."
ردت عليه ببكاءٍ:"يبقى الحل إنك تهرب ؟! الحل إنك تسيب كل حاجة؟ هو دا وليد اللي لو ليه حاجة في بوق الأسد بياخدها؟ هتخسر حبك قدام الدنيا؟"
حرك كتفيه وهو يقول بلامبالاةٍ واهية تشبه المحارب المستسلم:"أحسن ما يجي يوم و ألاقيني بخسر نفسي هي كمان، مش كل الناس عايشة مع اللي بيحبوهم، أنا لازم أبعد يا خديجة علشان مبقاش مرض غريب بينتشر و نهايته تبقى بموت الجسم كله"
مسحت دموعها بكفيها وهي تقول بنبرةٍ متحشرجة:"و هو أنتَ ليه عاوز تمشي؟ علشان إيه أصلًا؟ جاي دلوقتي و عاوز تمشي؟ دلوقتي و عاوز تسيب كل حاجة من إيدك؟ بعد كل حاجة مرينا بيها يا وليد؟ نسيت عياطنا سوا؟ نسيت خديجة القديمة اللي مكانتش بتخرج من البيت؟ نسيت هزايمنا مع بعض؟"
رد عليها هو بوجعٍ و دموعه تنهمر على وجنتيه:"أنا همشي علشان مفيش مكان تاني أتوجع منه، كل حاجة بقت بايخة و مفيش حاجة نصفتني يا خديجة، كان ذنبنا إيه في كل اللي حصل؟ كان إيه ذنبنا نتوجع منهم؟ كان إيه ذنبنا ننام معيطين كل يوم؟ كان ذنبنا إيه يظلمونا و إحنا نخاف عليهم من الوجع؟ اللي تاعبني أني أنا اللي كنت سبب وجعها يا خديجة، اللي عيشت طول عمري أخاف منه حصل و جرحت عبلة و ظلمتها، عينها قالت كلام اللسان ميقدرش يقوله، بس العقل ترجمه و فهمه، أنا اتقبلت كل حاجة في حياتي إلا أني أكون شخص مؤذي"
بكت هي مع بكائه فوجدته يقول بنفس الألم البادي عليه:"أنتِ الوحيدة اللي قلبي مش عارف يشيل منها يا خديجة، من العالم منصفنيش غيرك أنتِ، شكرًا علشان متعبتيش مني"
ردت عليه بسخريةٍ من بين دموعها و تأثرها:" اتعب منك أنتَ ؟! أتعب من اللي شايل همي طول عمره؟ أنا شوفت فيك كل حاجة يا وليد، كنت أبويا و أخويا و صاحبي، أنتَ هتفضل طول عمرك غير الكل عندي"
تنفس بعمقٍ و هو يقول ساخرًا:"و بيسألوني بحبك ليه ؟! علشان محدش فيهم زيك، و أنا عارف إنك فهماني يا خديجة"
حركت رأسها موافقةً فوجدته يتنفس الصعداء فسألته هي بحذرٍ:"طب أنتَ هتعمل إيه يا وليد؟ عبلة أكيد هتتوجع في بُعدك عنها"
رد عليها هو بوجعٍ ظهر على محياه و نبرة صوته:"هعملها الحاجة اللي هي عاوزاها يا خديجة، لا يمكن أجبرها تفضل في وضع مش هيريحها، أنا مش ظالم، هي طلبت و أنا هنفذ"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ فوجدته يومأ لها بقلة حيلة ثم حاول ح جاهدًا التحكم في دموعه، و لكن دون جدوى، فنزلت منه و هو يشهق بقوةٍ فوجدها تخطفه بين ذراعيها و هي تبكي معه و كعادتها شاركته الهزيمة حتى امتزج البكاء بصوتهما سويًا._________________________
في بيت آلـ «الرشيد» صرخ «وئام» في والدته وهو يقول منفعلًا:"يعني إيه مشي ؟! راح فين يا ماما؟ سبتيه يمشي إزاي؟ مقفلتيش الباب ليه و طلبتيني أنا ولا بابا؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:"مشي علشان تعب، جاب أخره، كل ما يستنى حاجة تروح منه و تكسر بخاطره، ابني بقى مكسور، أخوك تعب يا وئام، سيبته يمشي علشان عارفة إن كل حاجة هنا بتوجعه"
ردت عليها «هدى» ببكاءٍ:"يا ماما وليد مينفعش يفضل لوحده، وليد كدا هيراكم أكتر و يتوجع أكتر، هو إيه اللي حصل بس؟"
تدخل «مرتضى» يقول بوجعٍ على صغيره:"اللي حصل إنه شال كتير أكتر من طاقته، اللي حصل إنه كان بيتوجع و هو عمال يضحك و يهزر و يتكلم علشان مناخدش بالنا، بقى واحد كله تعب و خلاص لازم بجيب أخره، بس المرة دي أخره جه متأخر أوي، علشان يفوقه على كل اللي فات"
بكت «مروة» بحرقةٍ وهي تقول بنبرةٍ متألمة:"قلبي وجعني عليه أوي يا مرتضى، زي اللي انطفى نور عينيها، عاوزة ابني يا مرتضى، عاوزاه يرجع تاني ليا"
جلس بجانبها وهو يبكي هو الأخر فوجدها تبكي بقهرٍ و هي تقول ببكاءٍ:"منها لله الدنيا دي، وجعته و هو قلبه طيب، ليه تيجي عليه و هو مأذاش حد طول عمره؟ ليه هو يحصله كدا يا مرتضى؟ ليه اللي زيه و زي خديجة مش بيعرفوا يفرحوا؟ غلطتنا إننا عودناهم على الطيبة؟ كان المفروض أخليهم قاسيين؟ كان المفروض اقولهم دوسوا على اللي يجي جنبكم؟ اقولهم اللي يقرب منكم كلوه بسنانكم؟"
نظر إليها ثلاثتهم، فقالت هي بنبرةٍ متألمة:"والله عملت كدا علشان يعرفوا يعيشوا، يارتني كنت قسيت قلبهم، يارتني كنت خليتهم يتجاحدوا، طلعت الاتنين طيبين علشان يتجرحوا و يكتموا جواهم، يا رب ريحني و ريحهم"صرخت بجملتها الأخيرة فوجدت زوجها يحتضنها بقوةٍ ثم شاركها البكاء هو الآخر حتى انهارت هي بين ذراعيه._________________________
في غرفة «عبلة» انهارت هي بين ذراعي «هدير» و الفتيات حولها يطالوعها بشفقةٍ، حتى تحدثت «هدير» تقول بنبرةٍ باكية:"ليه تيجي عليه كدا يا عبلة ؟! وليد زي القنبلة الموقوتة و ما صدق الوقت جه انفجر، ليه تدوسي على الجرح كدا؟"
ردت عليها هي بصراخٍ من بين شهقاتها:"مكانش قُدامي غير كدا يا هدير، دا الحل الوحيد علشان يتكلم..... كان لازم يخرج كل اللي جواه و يقول هو شايل إيه في قلبه؟..... كان لازم يعرف أن الجروح مفتوحه مقفلتش.......، هي بس متخدرة و أول ما المفعول هيروح الوجع هيبقى الضعف .....كان لازم يدوق طعم الخسارة علشان يعرف المكسب، أنا مكنتش مستنية منه يسيبني، أنا كنت مستنية منه يصلح كل حاجة فاتتنا.....بس هو خسرني"
ردت عليها «جميلة» بنبرةٍ جامدة:"مين قالك إن هو سابك و مشي ؟! هو أكيد بيعيد حساباته، كان لازم يهرب مننا كلنا هنا، كان لازم يفصل بين جروحه، كلامه و هو بيشكي همه و حزنه خلاني أعذره، واحد زي دا إزاي أصلًا قادر يكمل و يعافر؟ واحد زي دا إزاي أصلًا فيه حيل يتمسك بحد؟ ماظنش إنه ظالم يا عبلة، لو رجعنا لنقطة الأصل هنلاقي إن دا العدل، علشان تعرفي هو حس بإيه، يمكن دا يكون لصالحكم شوية"
ردت عليها «هدير» بخجلٍ ممتزج بالبكاء:"اللي حصل زمان كان بسببي، و دي أنا مش هقدر أنكرها، و لولا اللي عملته فيكم كان زمان الوضع غير أصلًا"
ردت عليها «خلود» بنبرةٍ جامدة:"و عبلة لو وافقت على الكلام دا تبقى غبية، مش أي حد بيقولنا حاجة بنصدقها يا هدير، و هي فين ثقتها فيه؟ مواجهتش ليه؟ سكتت ليه و صدقت اللي اتقال؟ نسيت بسبب الهروب حصل إيه؟ عمو حسان مشي و خد جميلة معاه و كلكم كنتوا شاهدين على علاقة جميلة بطارق، عبلة موثقتش فيه و صدقت أول حاجة تتقالها عليه علشان هي خايفة منه، و اللي بيحصل دا رد حق لوليد، هو مردش حقه، بس ربك عادل أوي و الإحساس اللي غيرك داقه منك مسيرك تدوقيه و هتحسيه، لو لسه شايفة إنه ظالم يبقى متستاهليش وليد أصلًا"
بكت هي رغمًا عنها من جديد، بينما «خلود» تركتها ثم رحلت من الغرفة و هي تبكي بقوةٍ لأجل رفيق دربها كما تلقبه هي، و من بعدها توجهت نحو شقتهم و بمجرد رؤيتها لـ «أحمد» ارتمت بين ذراعيه تبكي بقوةٍ وهي تقول:"خايفة عليه أوي يا أحمد....وليد تعب و لسه هيتعب تاني.....مظلوم أوي في الدنيا"
ربت على ظهرها وهو يتمتم بخفوتٍ:"ربنا يريح قلبه يا خلود....هو هرب من الوجع هنا، ادعيله أحسن، تليفونه أتقفل من بدري"استمرت في البكاء بين ذراعي شقيقها و هو يبكي هو الأخر على «وليد» الذي رحل تاركًا خلفه الحياة بأكملها._________________________
رحل الشباب جميعهم من عند «ميمي» و «ياسين» أيضًا توجه نحو شقته بعدما هاتف «خديجة» و أخبرها بذلك، فأغلقت هي معه المكالمة فوجدت «وليد» يقول بنبرةٍ هادئة:"هروحك بيتك و أشوف طريقي من بعدها، خلينا نخلص بقى من الهم دا"
ردت عليه بتوسلٍ:"بلاش يا وليد....أقولك سيب كل حاجة كدا و تعالى اقعد معايا أنا و ياسين، أنتَ بتحبنا إحنا الاتنين......علشان خاطري"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بإصرارٍ:"مستحيل يا خديجة، أنا عاوز أرتاح بقى، أنا كنت متأكد إن قعادي معاكي هيجي بفايدة، و أنا ارتاحت لما شوفتك، كدا هقدر أمشي"
بكت من جديد فوجدته يقبل رأسها ثم طالعها بعاطفةٍ أخوية وهو يقول:"لأول مرة تحصل و أوصيكي أنتِ يا خديجة، خلي بالك منهم، و خلي بالك على نفسك، أنا كدا مليش غيرك أنتِ"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:"خليك معايا و متمشيش، أقولك ؟! خدني معاك، ياسين طيب أوي زيك و الله، لو قولتله مش هيقولك حاجة، هو كمان ممكن يجي معانا و نهرب من كل الناس اللي مش زينا"
ابتسم لها وهو يقول بسخريةٍ من ألمه و طيبتها:"ملهاش حل غير الانتحار دي، علشان كلهم مش زينا، محدش فيهم شبهنا يا خديجة، خليكي مع ياسين علشان هو أحق واحد بيكي، هو اللي شبهنا و يستاهل قلبك"
حركت رأسها موافقةً فوجدته يربت على يدها، و من بعدها حرك السيارة حتى تعود إلى مسكنها، و هي بين الحين و الآخر تطالعه بأعين دامعة، بينما هو من خلال نظراتها نحوه يكاد يجزم أن الحزن يخيم عليهما سويًا، الوحيدة التي استطاعت مشاركته ذلك الآلم و الوحيدة التي لم تلقي اللوم عليه، هي فقط تفهمت الوضع و استطاعت تجميله في عينيه، و بعد القيادة و صل هو أمام بيتها وهو يقول بنبرةٍ خافتة:"اطلعي يلا الجو برد يا خديجة، و طمني ياسين و أنا هبقى أعتذرله، يلا علشان أخرتك عليه"
سألته هي بصوت حزين منكسر:"طب هتعمل إيه دلوقتي ؟!"
حرك كتفيه وهو يقول بقلة حيلة:"هعمل اللي مفروض يتعمل، هسلمها راحتها يا خديجة، أنا قولتلها اللي عاوزاه هيحصل، و أنا مبرجعش في كلامي، أنا مش قابل فكرة أني ظالمها معايا، و مش هتقبل إنها تفضل معايا زي الأسيرة، ربنا يكرمها إن شاء الله و يعوض عليا"
لمعت العبرات في مقلتيها فوجدته يمد يده يمسحها وهو يقول متوسلًا:"بلاش عياط يا خديجة، بلاش وجع قلب بقى، كفاية تعب قلب"
ردت عليه هي من بين دموعها:"من إمتى حد فينا عيط لوحده؟! من إمتى مشاركتش حزنك؟ عاوزني افرح إزاي؟"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:"افرحي علشان أفرح يا خديجة، طول عمري فرحتي مربوطة بفرحتك، خلي واحد فينا يضحك على الدنيا بدل ما هي بتضحك علينا كدا، افرحي بجوزك و بحياتك معاه علشان ياسين مش هتلاقي زيه تاني و تعب معانا أوي و كتر خير متحمل كتير"
طالعته هي بقلة حيلة فوجدته يحثها على النزول من السيارة، امتثلت هي لما يريد و هي تطالعه بعدة مشاعر و الدموع تسيل على وجنتيها، فوجدته يقول بمرحٍ:"اللي بيحصل دا ميمنعش أني عاوز أبقى خال برضه، متضحكيش عليا"
ضحكت هي رغمًا عنها من بين دموعها فوجدته يلوح لها بيده ثم رحل من أمامها بسيارته حتى لا يضعف مرةً أخرى، بينما هي ركضت نحو الداخل حتى لا تنهار هنا، و بمجرد دلوفها شقتها بعدما فتح الباب لها، ارتمت بين ذراعيه و هي تبكي بقوةٍ، فوجدته يغلق الباب ثم لف ذراعيه حولها و هو يقول بصوتٍ خافت ممتزج بالحزن:"كنت عارف و متأكد إنك هترجعي عاملة كدا يا خديجة، كنت عارف إن جروحك هتتفتح مع جروحه"
حركت رأسها تطالعه وهي تقول من بين شهقاتها:"صعب عليا أوي يا ياسين، اللي حصله كتير أوي...... إن إنسان يتحمله، وليد عمال يتظلم من كل حاجة و مفيش حاجة نصفته في الدنيا.....طول عمرنا بنحزن مع بعض، ليه أنا فرحت و هو لأ ؟"
حرك يده على ظهرها وهو يقول بنبرةٍ مقررةٍ:"دا نصيب و مكتوب، يمكن علشان يتعلم من اللي جاي و يمكن علشان يفوق لنفسه، وليد مش عارف يأمن للي هتبقى مراته يا خديجة، مش عارف يسلمها قلبه و يتأكد إنها هتصونه، وليد بيهرب منها و فاكر إنه بيحميها، اللي حصل دا كان لازم يحصل"
طالعته بدهشةٍ وهي تقول بصوتٍ ضائع:"دا كان لازم يحصل ؟! كان لازم يتوجع علشان يفوق ؟! كان لازم يتكسر بالمنظر دا علشان يعرف يعدي حياته ؟! هو دا الحل ؟! طب ليه ؟!"
رد عليها هو بقلة حيلة:"علشان الجروح النفسية اللي عنده و اللي هو أهمل علاجها و بقت جرح فوق الجرح و كل واحد فيهم بيوجع أكتر من اللي قبله، أحيانًا لازم نتألم علشان نفوق و علشان نتعلم"
ابتعدت عنه وهي تقول بنبرةٍ منفعلة ببكاءٍ:"غلط يا ياسين....الكلام دا غلط، لا أنا و لا هو ولا اللي زينا يستاهلوا حتى العياط، ليه إحنا اللي نعيط و هما لأ ؟! ليه هما اللي يفرحوا بوجعنا و إحنا نسهر كل يوم نتوجع و نعيط من كلامهم ؟!
ليه هما يشوفونا المذنبين و إحنا المجني علينا ؟! ليه إحنا بنسكت و هما بيدوسونا؟ مين نصفنا منهم ؟! مين وقف يطلب بحقنا ؟! مين شاف الجروح اللي محدش عارف يداويها، لا أنا و لا هو لينا ذنب في حاجة.....أنتَ مشوفتوش و هو بيعيط قصادي، مشوفتوش و هو بيقول إنه مش هيتعشم تاني، وليد بيهرب من الدنيا كلها و ناسي إن اللي هو بيهرب منه عايش جواه"
نزلت دموعه رغمًا عنه مع دموعه و هو يراها أمامه تنهار بتلك الطريقة حتى ارتمت على الأرض تجلس القرفصاء، فوجدته يجلس بجوارها وهو يقول ببكاءٍ و بصوتٍ متحشرج:
"علشان هما برة مرضى نفسيين، كل واحد فيهم عنده عقدة ماشي يطلعها على غيره، كل واحد فيهم زعل من حاجة يستخسر الفرحة في الناس و يزعلهم، أنتِ فاكرة أني متوجعتش أنا كمان ؟! أنا اتعاملت معاهم و شوفت منهم برضه، شوفت واحد في الجامعة بقى معيد على قفايا لما خلاني أساعده في مشروع التخرج و استغل أني سوي نفسيًا، واحد داس عليا و راح سرق فكرة مشروعي و بقى معيد بالواسطة و أنا قبلها بأيام مهزوم و مش عارف هعمل مشروع تاني إزاي،
و لا لما مرة واحد عمل لأبويا مشكلة في الشغل و بات في الحبس و دا كله علشان رفض الغلط منهم و حافظ على الأمانة و ساعتها روحت زي العيل الصغير اترجاه يقف معانا و أنا فاكره محترم و ساعتها قالي إنه لو يقدر يجبله تأبيدة مش هيتأخر و لولا إن أبويا مأمن نفسه و خلاني سلمت الورق لصاحب المصنع كان زمان عمره ضاع في السجن، أنا مغلطتش لما قفلت حياتي على ابويا و أمي و أخواتي و ميمي، و مش عاوز غيرهم، و كنتي أنتِ الوحيدة اللي كسرت الحاجز دا علشان أنتِ زيهم، الوحيدة اللي أمنت بيها و القلب اطمن قدام عنيها، كلهم كانوا قاسيين بس أنتِ عينك كان فيها حنية الدنيا كلها"
حركت رأسها لليمين قليلًا حتى تستطع رؤيته فوجدته يقول بنبرةٍ باكية و هو ينظر أمامه:"كل اللي كنت عاوزه هو أني أعيش مع واحدة بنت أصول تصوني و أصونها، واحدة أهرب من الدنيا برة ليها هي، لقيت دا فيكي أنتِ بس الفرق إن أنتِ جاية مجروحة منهم يعني حرام عليا أجرح فيكي تاني، ساعتها اتحولت من واحد عاوز مأوى لواحد بيحارب علشان يكون ليكي أمان، و كل همي أني أبعد أذى الدنيا عنك"
رفعت كفها تمسح دموعها ثم مدت كفيها تمسح دموعه هو الآخر فوجدته يبتسم وهو يقول ساخرًا:"و اللحظة دي كان نفسي أجربها برضه، بس و هي دموع الفرح"
ابتسمت رغمًا عنها فوجدته يتنهد بقوةٍ ثم قال بصوتٍ متحشرج:"عارفة أنا كاتم دا كله بقالي قد إيه؟ كتير أوي و الله، الوحيدة اللي شهدت على الهزيمة دي هي أنتِ"
تنفست هي بعمقٍ ثم فتحت له ذراعيها وهي تقول بصوتٍ مبحوح:"و لو هتقدر تعيط تاني عيط علشان ترتاح يا ياسين، عيط علشان متراكمش و ترجع تتفاجأ بجروحك زينا"
ارتمى هو بين ذراعيها و لأول مرّةٍ تنعكس الأدوار و تربت هي على ظهره و هو يبكي بصمتٍ يعلن ضعفه أمامها بعدما عاش يخفيه حتى من نفسه.________________________
في شقة «محمود» و تحديدًا بغرفة «هدير» جلست على الفراش تسب نفسها و تلقي اللوم على عاتقها بعدما رأت ما تسببت به بفعلتها الماضية، جلست القرفصاء على الفراش و هي تُخفي رأسها بذراعيها لا تستطع الهروب من الشعور بالذنب، دلف «حسن» الغرفة بعدما اقنع والدها في الخارج أنها طبيعية و لكن ركضها نحو الغرفة بتلك الطريقة جعل قلبه ينفطر عليها، لذلك جلس بجانبها بهدوء و هو يستمع لصوت شهقاتها فرفع يده يربت على ظهرها وهو يقول بصوته الرخيم:"ممكن تعرفيني بتعيطي ليه طيب؟ حصل إيه علشان تجري كدا قدامنا بعياطك دا ؟"
رفعت رأسها وهي تقول بوجعٍ:"علشان أنا السبب يا حسن، وليد و عبلة بيتعذبوا بسببي و بسبب أنانيتي زمان، كانت النتيجة إن فيه قلبين موجوعين، أنا كرهت نفسي أكتر من الأول بكتير، عياطها بين إيدي كان صعب"
رد عليها هو رافضًا حديثها:"كنتي سبب مش السبب، و دي تفرق كتير، صحيح غلطتي و أنا مش هبرر غلطك دا لإنه كبير في حقهم، بس فيه حاجات تانية كتير يا هدير غيرك، فيه الحياة اللي وليد عاشها و أحلامه اللي ضاعت منه، فيه قلة ثقة عبلة من الأساس و من قبل اللي أنتِ عملتيه هي أصلًا كانت بتعامله معاملة جافة، بدل ما نقعد نندب حظنا و غلطنا اللي عملناه يبقى الأفضل إننا نقوم نصلح الغلط دا، إحنا كل يوم بنتطور و نتغير و ننضج أكتر، مينفعش نقف عند غلطة من سنين ألوم نفسي و أحكم بعقل و خبرة النهاردة، قولتلك إحنا بشر، و ربنا سبحانه وتعالى بيغفر الذنوب مين إحنا علشان منغفرش و نتوب؟ مين إحنا علشان نحكم إن الغلط ميتسامحش فيه؟ قومي يا هدير و حاربي علشانك قبل أي حد، جلد الذات مش هيفيدك بحاجة لو أنتِ مش بتحاولي تساعدي نفسك، رفعت كفيها تمسح دموعها و هي تستغفر في سرها، فوجدته هو يربت على ظهرها وهو يقول بنبرةٍ خافتة:"تعالي معايا برة علشان عم محمود قلقان عليكي و كان مكسوف يدخلك"
حركت رأسها موافقةً ثم نزلت من الفراش فوجدته هو قبل خروجه سحب منديلًا ورقيًا ثم وقف مقابلًا لها يمسح وجهها و دموعها العالقة بأهدابها، فابتسمت هي رغمًا عنها له، فبادلها هو البسمة بمثيلتها فوجدها تقول بنبرةٍ هادئة:
"كنت فاكرة نفسي ربنا مبيحبنيش علشان اللي عملته و اللي كنت بعمله و لحد وفاة ماما كنت متأكدة أني مستاهلش حد يحبني، بس وجودك أثبتلي إن ربنا بيحبني، علشان يكرمني بيك أنتَ، طلعت أحلى من الحلو نفسه"
شعر بضربات قلبه تتسارع بقوة لكنه رسم الثبات بجديةٍ و هو يقول بمرحٍ طفيف:"روحي ربنا يجبر بخاطرك يا رب يا هدير، الله يفرحك"
امتعض وجهها من طريقته لكنها قالت بقلة حيلة:"شكرًا على الدعوتين الحلوين، بس مش معايا فَكة ليك، أنتَ بتشحت يا حسن ؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:"شوفتي ؟! فكيتي أهو الحمد لله، و الله قولت كدا علشان أضحكك و أخليكي تغيري جو الكئابة دا يا نكدو"
شهقت بقوةٍ و هي تقول بغير تصديق:"أنا برضه اللي نكدو ؟! طب و الله لأجريك من هنا بطولك دا"
قالت جملتها ثم التفتت خلفها تحمل زجاجة المياه فوجدته يركض في الغرفة وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:"يا بنت المجانين، بهزر خلاص يا بومة"
ضحكت هي رغمًا عنها و هي تركض خلفه تحاول قذفه بالمياه و هو يضحك و يتجول بين ارجاء الغرفة الواسعة و هي خلفه حتى وجدها ترتمي على الفراش و هي تقول بانهاكٍ:
"الله يسامحك يا حسن....معندكش وسط يا انهيار و عياط يا ضحك و مسخرة ؟! قلبنا الأوضة مراجيح"
اقترب منها يجلس بجوارها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:"لو عليا مش هخلي فيه حزن أصلًا و لا عياط، هخليه كله ضحك و هزار، لو بإيدي مش عاوزك تزعلي و الله أصلًا، ضحكتك حلوة أوي بترد الروح"
ابتسمت هي بخجلٍ فوجدته يقترب منها ثم قبل وجنتها و من بعدها غمز لها و هو يقول بمرحٍ:"أنا هستناكي علشان ناكل و علشان عم محمود ميزعلش"
ردت عليه هي بسخريةٍ:"عم محمود !! عمك محمود عند فارس دلوقتي يا حسن، أنتَ فاكره هيستنى هنا ؟!"
ابتسم هو بقلة حيلة فوجدها تقترب منه بخبثٍ و على حين غرة قامت بنثر المياه على وجهه من الزجاجة التي كانت تمسكها و حينها شهق هو بقوةٍ و قبل أن تركض من جواره وجدته يمسكها و هو يتوعد لها بمرحٍ حتى ضحكت هي بقوةٍ عليه و على هيئته._________________________
في محافظة الأسكندرية و بعد منتصف الليل وصل «وليد» البيت الخاص بالعائلة في تلك المحافظة، و دلف شقتهم تحديدًا و يشعر أن ذلك المكان سيكون له الفضل في بدايته الجديدة، دلف غرفته أول شيء ثم قام بفتح الشرفة التي تطل مُباشرةً على البحر و هو يتنفس الصعداء و يستنشق الهواء الممتزج برائحة البحر في تلك البدايات الخريفية، و فجأة أغلق أهدابه و هو يستمع لصوت تلاطم الأمواج خلف بعضها بصوتها الذي زلزل كيانه و هي تذكره بنفسه، حينما ترك نفسه لموجات الحزن دون أن يوليها ظهره، إنما ترك نفسه للحزن، و لكن قبل أن يتعمق بتفكيره وجد نفسه يتطرق بالتفكير بها و في حالها بدونه؟ هل شعرت بالراحة بعد رحيله؟ هل تلك النهاية التي رضتها و رضت هواها؟! أين حديثه عن انتصاره و تمسكه بها ؟! هي من رغبت بذلك و هو سيلبي تلك الرَغبة، شدد قبضة أهدابه فوق عينيه حينما وجد صورتها ترتسم أمامه و كأن خياله يذكره بخلودها في وجدانه، لم تكن مجرد شخصٌ عابر في الحياة إنما كانت له كل الحياة، لكن تلك النتيجة هو أحق بها بعدما عاشته هي بسببه، و فجأة رفع رأسه للسماء و هو يقول بصراخٍ وجعٍ:"كــدا خــلصت صـــح ؟! لــيه أنـا اللي عمال أتوجع؟! ليه كلهم ظلموني، ليه مش عارف أرتاح زي ما بريح الكُل ؟! طب أنا مش صعبان عليهم ؟! نفسي تعبت من كتر ما بتصعب عليا... لو فيه حكمة في كدا أنا راضي بيها و الله راضي حتى لو قلبي بيموت و حزين بس.....هفضل لحد أخر نفس فيا راضي"
انفجر في البكاء من بعدها ارتمى على الأرض الرخامية في الشرفة يضم ركبتيه أمامه ورأسه على الحائط خلفه، و الدموع كما هي على وجنته، و لكن ما حدث جعله في حالة غريبة بين التيه و اليَقظة حينما نزل المطر فجأةً دون إنذارٍ مُسبق، حرك رأسه فوجد السماء تنزل بالسيول، لم تكن مجرد قطرات المطر، إنما سيول تشبه تلك التي يبكي بها منذ الأمس، و فجأة ركض من موضعه ثم خرج من الشقة بأكملها و منها ركض نحو البحر مُباشرةً تحت قطرات المياه و هو يتلمس منها إزالة جروحه و في الخلف في أحد الكافيهات الموجودة على البحر مباشرةً أغنيةً تصف جرحه و كأنها بتلك الطريقة تضاعف الجرح و مع هدوء المطر وصلته الكلمات الأتية:"من البداية قولتِلك.....إن مش دايمًا يكون الحب كافي.....و الحياة ليها حِسبة تانية يومها نزلت دمعة منك فوق كتافي.....قولتي حاول قولت حاضر....بس أوعي متمكليش....لو هتمشي أمشي حالًا....لو فضلتي متبعديش.....قولتي حاول.....قولت حاضر بس أوعي متمكليش....لو هتمشي....أمشي حالًا .....لو فضلتي متبعديش"
"أنا مكنتش عاوز أعلق نفسي بحب نهايته جروح.....ليالي ابني في وهم و حلم و ييجي في ثانية دا كله يروح.....و أديني خدت نصيبي من حبيبي....جرح قاسي كبير.....ساعات لما الجرح بيجي بسرعة بيبقى أهون بكتير"
عند تلك الكلمات وجد نفسه يجهش في البكاء و كأن كل شيء حوله يعارضه في التخطي و التعافي، يبدو أن تلك القصة ستبصبح من قصص المُخلدين، قصةٌ سُطرت منذ بدايتها بالحبر الخاطيء حتى أصبحت إزالته أمرًا مُستحيلًا، قصته تُشبه قصص الأساطير، تلك القصص التي كتب عليها الفشل المُحتم، و مع انهياره باكيًا ارتمى على ركبتيه أمام البحر و هو يبكي و حبات المطر تنزل عليه و الكلمات خلفه تزداد ارتفاعًا:"قولتي حاول.....قولت حاضر ...بس أوعي متمكليش.....لو هتمشي....أمشي حالًا لو فضلتي متبعديش.....قولتي حاول....قولت حاضر..... بس أوعي متمكليش.....لو فضلتي متبعديش"تنفس بعمقٍ نفسًا أخرجه على مهلٍ بعدما رفع رأسه و هو يبكي و يُصدق نهاية تلك القصة التي كُتِبَت نهايتها بالدمع نتيجة القهر الذي أصابه و أصاب قلبه نتيجةً لماضٍ عجز هو عن تخطيه._________________________
و كأن الوجع يشتد حينما تشعر به بمفردك، لولا أكتاف من نحبهم في المِحن لكانت الحياة مثل شوك الصبار، و أكبر دليل لذلك هو بكاء «خديجة» بين ذراعي «ياسين» طوال الليل حزنًا على توأم روحها كما لقبته هي، لكن ما بيدها حيلة، هي مدركة أنه لن يتهاون في ذلك الجرح، و على الجهة الأخرى كانت «عبلة» تتشبث بـ «طارق» تبكي بين ذراعيه وهي بجانبها يبكي لأجلها و في الأسفل نظر «حسن» بجانبه لتلك الغافية بين ذراعيه بعدما بكت مرةً أخرى و هي تشعر بالذنب، بينما هو رفع يده يربت على خُصلات رأسها و داخله يتمنى أن يتبدل ذلك الوضع، فأين تلك الفرحة التي رآها منذ ميلاد «فارس»؟ يبدو و كأن الحزن أقسم بالبقاء في ذلك البيت و من بعد تلك الليلة القاسية استمرت بعدها عدة أيام على نفس المنوال حتى خيم الحزن عليهم و كسا الدمع أعينهم و انقلب كل شيءٍ رأسًا على عقبٍ، حتى أتى يوم الخميس و من المفترض اليوم التالي هو اليوم المُخصص لعقيقة «فارس» و لكن كيف تتم تلك الفرحة بعد غياب أحد أهم أفراد تلك العائلة ؟! كيف ستكتمل الفرحة و هناك فردًا من المفترض أنه يشارك الجميع في تلك الفرحة خصيصًا بعد فشلهم في التوصل إليه و حينما تواصل «طارق» مع حارس البيت أخبره أنه لم يراهُ بعد، و أن البيت كما هو فارغًا.
في كلية الصيدلة كان «عمار» يجلس بجوار صديقه يقوم بمراجعة المُذكرة التي يمسكها بيده و الآخر يفعل المثل، و فجأة صرخ «عبد الرحمن» مُهللًا:"صح !! طلعت صح يا عمار، مش قولتلك موجودة في الملزمة، احنا هنبقى دكاترة جامدة يا عمار"
نظر «عامر» في المذكرة و هو يقول بلهفةٍ:"وريني كدا الله يطمنك يا شيخ"و بعدما طالع السؤال تنهد بعمقٍ ثم قال براحةٍ كبرى:"الحمد لله.... دكتور جاحد، فيه حد يعمل امتحان سؤال واحد ؟! و يقولك هو كدا ؟!"
رد عليه «عبد الرحمن» بنبرةٍ ساخرة:"مش أحسن ما كان سأل شفوي و كنا روحنا في داهية؟ دا كدا فُل أوي و الله"
أومأ له بقلة حيلة ثم قال:"معاك حق هو معقد أساسًا، فيه معيد يعمل كدا ؟! دا ركبلي العصبي"
وضع «عبد الرحمن» يده على كتفه و هو يقول بفخرٍ:"بس إيه رأيك في المحشي بتاع أمي ؟! شوفت كانت فرحانة بيك إزاي لما جيت ؟! و الله يا بني عمر ما جالنا ضيوف غيرك"
ابتسم له و هو يقول بمرحٍ:"لأ بصراحة كان حاجة مفيش زيها، تسلم إيدها و الله، مامتك ست عسل أوي"
رد عليه الأخر بضجرٍ زائف:"أنتَ هتعاكس أمي قصادي يا عمار ؟! خلي بالك أبويا رجع من السفر و هيفرمك دا عقيد شرطة ومبيرحمش"
رد عليه هو بنبرةٍ ضاحكة:"طب والله أبوك طيب و فضلت تخوفني منه و طلع هَشكة زي عامر أخويا، دا داخل عليكم بورد يا عبد الرحمن"
لوح له بيده وهو يقول بحنقٍ:"كان دخل بفرختين و لا كيلو جمبري أحسن، قال ورد قال"
اتسعت ضحكة «عمار» و هو يقول بمرحٍ:"نفسي تقابل عامر أخويا و الله العظيم هتبقوا جامدين مع بعض أوي"
رد عليه الأخر بنبرةٍ آملة:"أنا بقيت عاوز أشوف أخواتك من كتر كلامك عنهم، عاوز أشوف اللي ربوك كدا عاملين إزاي؟"
تمتم هو بنبرةٍ خافتة و كأنه يحدث نفسه:"هما أحسن حاجة في الدنيا كلها، لو شوفتهم هتعتبرهم أخواتك يا عبد الرحمن و هما هيحبوك"
رد عليه الأخر بحزنٍ:"مجربتوش أنا الإحساس دا قبل كدا يا عمار، أنا ولد و أختي أكبر مني في أكاديمية الطيران، و بتيجي أجازات و تمشي و بابا زيها، مليش غير ماما، علشان كدا مسكت فيك و طلبت منك تصاحبني رغم أني عمري ما عملتها مع حد، أنا معنديش صحاب نهائي، و لما جيت عندنا كنت فرحان، دا أنا روقت أوضتي علشانك يا عمار"
قالها بمرحٍ و هو يسخر من نفسه فوجد «عمار» يحتضنه وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:"يا بني تعبتني بقى، يا بتاع مريم ها أكمل ؟!"
وضع يده على كفه و هو يقول بضجرٍ:"بس يخربيتك !! إيه الفضايح دي ؟! أقول عليك إيه يا بعيد ؟!"
أبعد كفه و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:"خلاص و الله بهزر، بس أنتَ بطلت تكلمها صح ؟! سمعت كلامي و لا لسه برضه"
رد عليه هو بلهفةٍ:"و الله بطلت و عملت زي ما قولتلي كلمت أخوها و طلع محترم و قالي ركز في دراستك و هي هنا في بيتنا، و لما تكون مستعد تعالى أطلبها و دا شجعني و احترم أني بطلت أكلمها"
رد عليه بفخرٍ:"قولتلك أسأل مجرب، نصايح الشيخ أيوب دي عمرها ما تزعل حد، علطول هي الدليل للقلب و راحة العقل، ربنا يكرمه هو كمان"
أومأ له «عبد الرحمن» ثم قال متمنيًا ما يرجوه القلب:"يا رب بس تخلص زي ما أنا رسمت و اتمنيت يا عمار، مريم هي كل حاجة ليا و الله، صحابي و أنا معنديش صحاب و أهلي و أختي، أمي بتحبها أكتر مني أصلًا، علشان كدا أنا متفائل"
ربت على كتفه وهو يقول بحكمةٍ تسبق سنه:"طالما سبت الحاجة الحرام يبقى الحلال هيجيلك لحد عندك، و طالما سبتها لربنا يبقى هتشوف العوض و تفرح بيه، دا وعد ربنا سبحانه وتعالى لينا، مش كلامنا، ادعي بقى ربنا يجبر بخاطرنا كلنا"_________________________
في أحد الكافيهات العامة جلس «حسن» و معه «أحمد» و هما يتفقا على دعاية وإعلان لذلك المكان و هو من أقدم الاماكن التي تقوم شركتهم بالدعاية عنها، و بعد الاتفاق على التفاصيل تركهم صاحب المقر ثم خرج من المكان، بينما «حسن» قال بمرحٍ:
"أنا عرفت هقضي رأس السنة فين خلاص، هنا بعون الله، اللي عاوز يجي معايا يتفضل، تيجي معايا يا أحمد ؟!"
رد عليه «أحمد» بتشككٍ:"يعني أنتَ هتسيب هدير و تجبني أنا ؟!"
رد عليه الأخر بحنقٍ:"إيه القرف دا ؟! لأ طبعًا مش هيحصل ، بقى أسيب هدير روح قلبي و أجيبك أنتَ بدقنك دي ؟! طب أبوسك إزاي ؟"
ضحك «أحمد» بقوةٍ و الأخر معه فتحدث الأول يقول بعدما أوقف الضحكات بنبرةٍ حزينة:
"فكرتني بوليد، البيت وحش أوي من غيره يا حسن، و قلبي واكلني عليه و أنا مش عارف حاجة عنه، هي الرسالة اللي باعتها في جروب العيلة و من ساعتها محدش عارف عنه حاجة، قلبي كلني عليه أكتر"
رد عليه «حسن» بنفس الحزن:"يمكن يفوق يا أحمد من اللي هو فيه، خليه لوحده يمكن يعيد حساباته و يرجع من تاني أقوى من الأول"
رد عليه بلهفةً و هو يخمن:"و يمكن يرجع أضعف من الأول، الحكاية خلصت يا حسن، عبلة عينها دابت من الحزن و وليد غاب، و خديجة كل يوم تعيطلي علشانه و علشان غايب عنها، تفتكر فيه أمل ؟!"
تنهد «حسن» بقلة حيلة ثم قلب شفتيه للاسفل كدلالةً منه عن الحيرةِ، بينما «أحمد» مسح وجهه بكفيه ثم شرع في جمع أدوات عملهم، و الأخر معه، و بعد خروجهما من المكان و قبل أن يدلفا السيارة وجدا مشاجرةٍ بين عدة أشخاصٍ أمام ذلك "الكافيه" فحركا رأسهما ينظرا لتلك المشاجرة و التي يبدو أنها بين عدة شباب مراهقين، و بعدها اقتربا من المكان و كانت بين مجموعة أصدقاء و كانت بينهم «منة» ابنة الجيران، و حينما رآها «حسن» مال على أذن «أحمد» و هو يقول ساخرًا:"إلحق....مش دي بنت الجيران ؟! هي البت دي مبتقعدش في بيتهم؟! إيه دا"
رد عليه «أحمد» بسخريةٍ:"أنا كنت بفكر إزاي لما افتكرت اني بحبها ؟! أكيد كنت مسطول"
رد عليه بخبثٍ:"هقولك كنت بتفكر إزاي بس مش هنا علشان متزعلش"
طالعه «أحمد» بريبةٍ فوجده يضحك عليه و قبل أن يرفع يده حتى يشاكسه، ارتفع صوت فتاةٍ من الفتيات التي تقف وسط تلك المشاجرةِ، فاقتربا كليهما و نطق «حسن» بطريقته الشعبية:
"فيه إيه يا وحش منك ليه؟! عالهادي يا رجالة كدا عيب ؟"رد عليه أحد الشباب يقول بضجرٍ:"دا حوار صحاب مع بعض يا سيدي، لو سمحت خليك برة الموضوع دا"
اقترب منه «أحمد» و هو يقول بسخريةٍ:" هو فيه صحاب برضه بيعملوا في بعض كدا ؟! دا أنتو فاضحين بعض و كدا عيب علشان بنات الناس اللي معاكم حتى"
طالعته هي بخوفٍ و ريبةٍ فوجدته ينظر لها بتقززٍ كارهًا حتى النظر إليها حتى أخفضت رأسها بخجلٍ منه و من نظراته، بينما «حسن» تحدث يقول بنبرةٍ جامدة:"فيه إيه يا شباب بس علشان الموضوع يكبر كدا ؟! أعتبروني أخوكم الكبير"
رد عليه أحد الشباب بتبجحٍ:"الحوار كله علشان حاجة بيننا و يلا سيدي اتفضل من هنا"
رفع «حسن» حاجبه و هو يقول بنبرةٍ متهكمة:"هي بقت كدا ؟! طب الآنسة منة دي بقى ابوها صاحبي و معايا رقمه، تحبوا أكلمه و يجي هو بنفسه يشوف الحوار دا؟ استاذ سالم أنا عارفه"
ازدردت لُعابها بخوفٍ فوجدته يخرج هاتفه و هو يقول بخبثٍ:"أنا بقول نكلمه أحسن، هو أكيد هيجي جري علشان بنته"
تحدث الشاب الثالث وهو يقول بخوفٍ:"بلاش خلاص، الحوار كله علشان منة و صاحبتها، الاتنين بيتخانقوا عليها، أنا مليش دعوة يا عم، أنا هاخد صاحبتي و أمشي"
نظر «حسن» إلى «أحمد» أولًا ثم وجه بصره لها بعتابٍ فوجدها تخفض رأسها منه، بينما هو قال بنبرةٍ جامدة:"روح يا حبيبي أنتَ و هو و كدا عيب، علشان ابوها لو وصل هنا و شاف المنظر دا هيفرمكم و هي قبلكم، يلا يالا منك ليه، غوروا"
ركض الشابين من أمامه بينما هو نظر لها بجمودٍ وهو يقول لها:"و الحلوة اللي مدوخة العدارة وراها ؟! يلا علشان أوصلك لأهلك، و كلمة كمان هجيب أبوكي بجد"
حركت رأسها بخوفٍ موافقةً ثم حركت رأسها تنظر لـ «أحمد» فوجدته يتجاهلها ثم تحرك نحو سيارة «حسن» الذي ركبها هو و قبل أن تفتح الباب المجاور لمقعد القيادة، وجدت «حسن» يسألها بتهكمٍ:راحة فين أنتِ ؟! المكان دا مفيش ست تقعد عليه غير مراتي ربنا يطولي في عمرها و أمي و دي الله يرحمها، أنتِ إيه ؟! روحي اقعدي ورا"
أغلقت الباب بحدةٍ ثم فتحت الباب الخلفي، بينما «أحمد» انتظر حتى جلست هي في الخلف ثم جلس هو بجانب «حسن» الذي قال ساخرًا و هو يطالعها في المرآة:"عندي ليكي عريس و الله ما يستاهل غيرك، لو هو معجبكيش صاحبه موجود، اختاري منهم، زيكا و ديشا"
حاول «أحمد» كتم ضحكته و لكنه فشل في ذلك، فوجد «حسن» يحرك رأسه نفيًا بيأسٍ ثم ضحك هو الأخر و هي تطالعهما بحنقٍ، و حينما زادت ضحكاتهما قالت بضجرٍ:"على فكرة أنا مش مادة للسخرية منكم، أنا ركبت معاكم بس علشان متتحرجوش قدامهم، لكن أنا محدش يمشي كلامه عليا"
التفت لها «أحمد» و هو يقول بتهكمٍ و سخريته اللاذعة:"علشان كدا العيار فالت، على العموم إحنا اتدخلنا علشان خاطر أهلك مش علشان سواد عيونك، لولا كدا كنا مشينا عادي أصلًا"
سألته هي بتعجبٍ ممتزجًا بالحزن:"أحمد أنتَ بتكلمني كدا ليه ؟! هو أنتَ زعلان مني؟"
رفع حاجبه وهو ينظر لـ «حسن» الذي حاول كتم ضحكته الساخرة، بينما هي عادت للخلف تضم ذراعيها أمام صدرها و هي تقول بخجلٍ:"على فكرة أنا ماليش علاقة بالخناقة دي، هما اللي اتخانقوا عليا، هما صحابي بس مش أكتر"
رد عليها «حسن» بوقاحةٍ تناسب فظاظتها:"محدش سألك أصلًا و دا أولًا، ثانيًا بقى مفيش حاجة اسمها صحابي، إسمها محدش رباني إن عيب ولاد و بنات يخرجوا بمناظركم دي و يقفوا يتخانقوا على بنت في الشارع، و الله لولا الوقت كنت جبتلكم عمار يعرفكم يعني إيه تربية، بس أخاف عليه"
سألته هي بحنقٍ:"أنتَ مين أنتَ و بتتكلم كدا ليه؟"
رد عليها هو بتعالٍ أنهاه بالسخريةِ:"أنا حسن المهدي جوز هدير الرشيد، مين أنتِ بقى ؟! إيه مميزاتك يعني ؟! آه نسيت .. منة حارقة قلوب العدارة"نفخت هي وجنتيها بقوةٍ، بينما «أحمد» ابتسم له بيأسٍ فوجده يغمز له بعدما استطاع إثارة حنقها._________________________
في محافظة الأسكندرية جلس هو على شاطئ البحر و هو يفكر في حال من تركهم خلفه دون أن يسأل عن أحوالهم، حتى «فارس» اشتاق إليه، و اشتاق لصوت بكائه، حياته التي هرب منها يشعر بالشوق يقتله لها، لكنه لن يستسلم لذلك الأبله الذي يضرب بين جنبات صدره يطلب منه العودة لما تركه، تنفس بعمقٍ و هو يتذكر كيف مرت تلك الأيام عليه، بعدما يقضي يومه بأكمله أمام البحر و في المساء أمام التلفاز و هو يشعر بالملل، و حينما يشتد ضجره، يتجول في المدينة ليلًا على قدميه و إن تذكر معدته يقوم بشراء بعض الطعام حتى يستطع اسكاتها، و في القاهرة كانت «عبلة» كما هي تنعي حظها و استسلامها لـ رغبة «هناء» فها هي أكملت ستة أيام دون تراه أو حتى تستمع إلى صوته، طلبت منه الوصال و رد عليها بالهجر، و على الرغم من أنها تشعر بالحزن منه، إلا أن قلبها يصرخ خوفًا عليه، تود فقط الاستماع لخبرًا يُطمئنها على صحته و أنه بخير، و لكن كل ما يأتيها فقط الصمت مما يدل على عدم التوصل له، و حال البيت بأكمله من حالها، حالة حزن تخيم على الجميع حتى الصغير الذي ارتفع صوت بكائه عن السابق و كأنه يشارك الجميع في الوجع.
أوقف «حسن» سيارته أمام البيت و هو يقول لتلك التي تجلس في الخلف:"اسمعي علشان أنا كلامي مبكرروش، الحقي نفسك قبل ما الطريق يخلص بيكي و أنتِ كدا، يدوبك لسه فـ جامعة و عندك فرص كتير غيرك نفسه في ربعها، عندك أهل و عندك فلوس و عندك بيت يلمك، فوقي يا بنت الحلال علشان هتصحي في يوم تضربي نفسك ١٠٠ جزمة على اللي ضاع من إيدك"
أنهى حديثه فوجدها تخرج من السيارةِ ثم أغلقت الباب بقوةٍ و هي تمتم بعدة كلماتٍ غير مفهومة و لكن يبدو تبرمها و ضيقها من خلال ملامح وجهها، فالتفت «حسن» حينها لـ «أحمد» و هو يقول بغير تصديق:
"إيه البت دي يا عم ؟! مفيش ذوق و لا أدب خالص ؟! أهلها ناس محترمة أوي، إيه التربية دي؟"
رد عليه «أحمد» بلامبالاةٍ:"نعملها إيه يعني يا حسن ؟! هي حرة طالما متخصناش يبقى مع السلامة، مش قضيتنا"
سأله «حسن» بحذرٍ و خوفٍ:"أحمد هو أنتَ مش حاسس بحاجة ناحيتها صح ؟! أوعى تكون بتهرب من إحساسك دا"
ابتسم له يطمئنه و هو يقول:"اللي مفرحني إني مبحسش بحاجة أصلًا و هو دا الانتصار بعينه، و لو على الإحساس اطمن، قلبي حاسس بسلمى و مستنيها كمان"ابتسم له «حسن» بفخرٍ ثم ربت على كتفه، و بعدها دلفا البيت كليهما معًا
و بعد مرور بعض الوقت أتى الشباب حتى يقوموا بالتجهيز للغد بعدما طلب منهم «ياسين» ذلك، و فجأة تحدث «عامر» يسأله بتعجبٍ:"مش هما قالوا طالما وليد مش هنا يبقى ملهاش لازمة ؟! إحنا جايين نعمل إيه هنا ؟!"
رد عليه «ياسين» مُردفًا:"جايين نجهز للعقيقة زي ما قولتا و زي ما وئام قالي، لو على وليد هو مش راجع دلوقتي خالص"
حرك رأسه موافقًا ثم ابتسم حينما وجد رجال العائلة يرحبون بهم بقوةٍ، و بعد جلوسهم سويًا تحدث «خالد» مستفسرًا:"لسه مفيش أخبار عنه ؟! محدش فيكم حاول يوصله ؟!
رد عليه «وئام» بنبرةٍ حزينة:"لسه يا خالد، طارق عمال يلف عليه حتى بيت اسكندرية راحه بس لقى البيت فاضي و كل حاجة فيه زي ما هي، و خالي إسماعيل قال إنه مجاش السويس"
رد عليه «طارق» بقلة حيلة:"أنا لو بإيدي كنت فضلت هناك بس للأسف عبلة بليل بتتعب و أنا لازم أفضل معاها، أنا عاوز أتطمن عليه بس مش عاوز حاجة تانية، عاوزه يفرح وسطنا"
رد عليه «ياسر» بألم لأجله:"سيبوه يمكن دا أحسن ليه، بس وليد جدع و أكيد مش هيقدر يبعد عن ناسه، هو مش واخد على الخسارة"
رد عليه «مرتضى» بوجعٍ:"بس المرة دي الخسارة صعبة أوي، مرة واحدة كل حاجة اتسحبت منه و بقى زي المَضروب على راسه، وحشني أوي، بس وليد خسر و خسر كتير أوي المرة دي"
في تلك اللحظة دلف «وليد» وهو يقول بنبرةٍ واثقة و شموخٍ:"وليد مبيخسرش...يريح حبة و يفوق أجمد من الأول، قال يخسر قال"
وقفوا جميعًا بدهشةٍ فقال هو ساخرًا منهم جميعًا:"كنتو عاوزين تأكلوا الفتة من غيري ولا إيه ؟! عيب عليكم"
ركض إليه «وئام» يحتضنه وهو يبكي بقوةٍ فوجد يعانقه هو الآخر، فقال الأول بمعاتبةٍ:"سحبت روحي مني لما مشيت من هنا، حرام عليك قلبي اللي بقى بيشوف الويل بسببك دا"
رد عليه هو بأسفٍ:"حقك عليا و الله، بس أنا كان لازم أرتاح شوية من اللي حصل، و علشان أعرف افكر في اللي جاي"
ابتعد عنه شقيقه و هو يقول بنبرةٍ خافتة:"و عرفت هتعمل إيه ؟!"
ابتسم بسخريةٍ و هو يقول:"معروفة من الأول، حكاية غلط في غلط يبقى لازم تخلص"
أغمض جفنيه بشدة فوجد الشباب يقتربون منه يحتضنوه بقوةٍ و هم يرحبون به و بين الترحيب و المعاتبة، أتى «طارق» أخيرًا و هو يقول بنبرةٍ حاول صبغها بالثبات:"كويس إنك رجعت كويس، حمدًا لله على سلامتك يا وليد"
ابتسم له بمجاملةٍ ثم حرك رأسه موافقًا و فجأة وجدها تصرخ باسمه من الخلف، فابتسم هو بيأسٍ ثم التفت لها فوجدها تركض نحوه تتشبث به بقوةٍ و هي تجهش في البكاء، فوجدته يربت على ظهرها و هو يقول بشوقٍ إليها:"كفاية عياط يا خديجة، أنا رجعت خلاص، بلاش زعل بقى"
ردت عليه هي من بين شهقاتها:"لما شوفت العربية مصدقتش نفسي.....وحشتني أوي يا وليد، هونت عليك ؟! طب بلاش هان عليك نفسك طيب ؟!"
ابتعد عنها وهو يقول بنبرةٍ موجوعة:"أنتِ متهونيش و عمرك ما تهوني عليا أبدًا، لو على نفسي فهي هانت من زمان، على الله بس أقدر أعالجها"ربتت على كتفه وهي تبتسم له بخفةٍ فوجدته يقبل قمة رأسها ثم ابتسم لها و من بعدها وجد أفراد العائلة بأكملها بنسائها حتى «هدى» التي أعطته «فارس» على يده و هي تبكي، أخذه هو منها ثم شدد عناقه عليه و هو يتنفس بعمقٍ، بينما والدته ابتسمت باتساعٍ ثم أمسكت رأسه تقبلها بحبٍ، و من بين كل هؤلاء العين لم تلقطها، و كأنها أفلتت يدها بالكامل منه، من المفترض إنه حتى يحررها من قبضته، لكن أين هي حتى تحصل على مرادها؟ و فجأة وجدها أمامه تلهث بقوةٍ و كأنها تصارع حتى تصل إليه، لما أصبحت جميلة بتلك الطريقة ؟ ملامحها الشاحبة و تلك الكنزة البيضاء التي ترتديها و حجابها الأسود الذي يلائم درجة بشرتها، و عينيها تلك التي يرى بهما دنيته الأخرى التي تمنى أن يحصل عليها، هل كل ذلك سيحصل عليه غيره؟ هل تلك التي تأسره بنظرةٍ ستعتقل الآخرين؟"
مع شروده بها و هي تقترب عليه بتوترٍ و جد والدته تأخذ الصغير من يده، بينما هو تحرك لها فوجدها تمد يدها و هي تقول له بتوترٍ و هي تجاهد للسيطرة على شوقها الذي جعلها تركض إليه بتلك الطريقة:"إزيك يا وليد ؟!.... طمني عليك، أنتَ كويس ؟!"
نظر ليدها الممدودة له ثم رفع عينيه ينظر لها، فوجدها تحاول خفض بصرها للأسفل، فتنهد هو ثم مد كفه يعانق كفها و هو يقول بنبرةٍ خافتة:"أنا كويس الحمد لله .... أنتِ كويسة ؟"
حركت رأسها موافقةً و الدموع تلمع في عينيها، فوجدته يترك يدها ثم التفت يوليها ظهره بينما هي لعنت نفسها و شوقها و نزولها أمامه الذي جعلها تقف أمامه بتلك الطريقة، أما هو وجد عمه «محمد» يتحدث بتهكمٍ:"و هو أنتَ غايب كل دا و رجعت النهاردة علشان الفتة ؟! جيت ليه يا سي وليد؟!"
نظر البعض له بتعجبٍ و حنقٍ من البعض الأخر، فقال هو بعدما زفر بقوةٍ:"جيت علشان أصلح الوضع و علشان أخد بقيت حاجتي اللي هنا، خلاص نويت استقر و كل حاجتي هنا، همشي بعد العقيقة"
عاد الحزن من جديد يخيم عليهم، فتنهد هو بقلة حيلة ثم قال:"قبل ما أمشي بس عاوز أقول لعبلة حاجة، علشان ممكن متشوفنيش تاني هنا"طالعته هي بترقبٍ فوجدته يقترب منها يقول بنبرةٍ هادئة يحاول صبغها بالثبات لكن دون جدوى:"أنا محبتش غيرك في كل حياتي دي، و كنت راسم لينا صورة مع بعض و كنت كل يوم بنام و أصحى عليها، بس الحياة استكترت عليا الصورة دي زي كل حاجة اتاخدت مني، أنا قلبي مش زعلان منك علشان أنتِ مغلطتيش، أنتِ كتر خيرك لحد أخر نفس فيكي كنتي ماسكة فيا و أنا بسيب، يبقى حرام عليا أني ألومك"بكت و هي تسمع كلماته و نبرته الموجوعة فوجدته يضيف بنفس الطريقة:"أنا جيت علشان أحررك من إيدي اللي عاملة زى ماسكة النار على رقبتك، جيت علشان أنفذ طلبك يا عبلة"
طالعته هي بخوفٍ من القادم فوجدته يتنفس بعمقٍ ثم قال بألم نبع من داخله:"الكام يوم اللي فاتوا من غيرك كانوا صعبين، بس اللي زود صعوبتهم أني عرفت أني بظلمك، و إن دي علاقة لا يمكن تكمل بالشكل دا، دلوقتي أو بعدين كان لازم حد فينا إيده تفلت من التاني، بس و الله عرفت قيمتك و عرفت إن اللي زيك خسارة في واحد زيي"
أغلقت جفونها بقوةٍ، فوجدته يسألها بنبرةٍ هادئة:"أنا عاوز أسألك بس....لو حصل و اتطلقنا هتعملي إيه ؟! هتروحي فين و اعتبريه فضول"
مسحت دموعها ثم رفعت رأسها تجاوبه بشموخٍ:"يوم ما تطلقني أنا هتحرر منك، و هشوف حياتي مع حد ابن حلال يقدرني يا وليد، مش هتقف عليك"
_"ليه هو ابن حرام يا عين أمك و لا إيه ؟! يمين بالله ما فيه طلاق، أنتِ شكلك مجنونة"رد عليها هو بذلك أمام الجميع و نظرات الدهشة تعتلي ملامح وجههم، فأضاف هو بثقةٍ:
"أنا خسرت كتير من الدنيا و معنديش استعداد أخسرك أنتِ، علشان أنتِ حقي يا عبلة و وليد الرشيد مبيسبش حقه، كل خساير الدنيا تهون قصادك عيونك و دنيتي فيهم، أنا المرة دي اللي هتمسك، سيبي براحتك و أمشي و ارفضي، بس هتلاقيني قتيل عليكي، زي ما طول عمري قتيل على حقي، تفتكري وليد عمره هيسيب حقه
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم شمس بكري
كان حبك معركةً فاز فيها الجميع، و كُنتُ أنا الخاسر الوحيد بها.
_________________________
علمته الرماية و لما أشتد ساعده رماني، و كم علمته نُظم القوافي و لما قال قافيةً هجاني.
مدت يدي لكِ؛ راغبٌ في وصالك، أطرق بابك بكامل قوتي أملٌ في رؤية جمالك، لطالما كان قرب الحبيب للحبيب واجبًا....فـ أكرمي قلبي و أريني حنانك، أتيتُ إليك مُحملًا بهزائم الطريق أريد فقط سماع صوتك حتى و إن كانت كلمات عتابك.
_"أنا خسرت كتير من الدنيا و معنديش استعداد أخسرك أنتِ، علشان أنتِ حقي يا عبلة و وليد الرشيد مبيسيبش حقه، كل خساير الدنيا تهون قصاد عيونك و دنيتي فيهم، أنا المرة دي اللي هتمسك، سيبي براحتك و أمشي و ارفضي، بس هتلاقيني قتيل عليكي، زي ما طول عمري قتيل على حقي، تفتكري وليد عمره هيسيب حقه؟"
تفوه «وليد» بذلك أمام الجميع بإصرارٍ ضاربًا بقرار انفصالهما عرض الحائط، أما هي حاولت اسكات تلك المضخة التي ترقص فرحًا بداخلها وهي تحاول التحكم في تنفسها، فوجدته يقترب منها و تلك البسمة الخبيثة ترتسم على محياهُ وهو يقول بنفس الإصرار:
فيه ثوابت مفيش فيها تغيير يا عبلة و هي العين بالعين و السن بالسن و عبلة الرشيد ملهاش غير وليد، هاتي أخرك يا بنت محمد علشان وليد ملوش أخر يتجاب"
ابتسمت هي رغمًا عنها من طريقته المغرورة التي اشتاقت لها كثيرًا، فوجدته يميل عليها مُقبلًا قمة رأسها أمام الجميع و تبع فعلته تلك بقوله الهادئ:
مينفعش أنا اللي ازعلك يا عبلة، مينفعش عيونك تدمع بسببي، شكرًا علشان فوقتيني قبل فوات الأوان"
طالعته بعينيها الدامعتين و كأنها تعتذر له عن ما بدر منها، فوجدته يمد يده لها و هو يقول بصوته الرخيم:
أنا اللي بمد ليكي إيدي و عاوزك معايا كل يوم يا عبلة، عاوزك مراتي و حبيبتي و صاحبتي، عاوز أنسى اللي شوفته بوجودك، عاوزك السوبيا بتاعتي...يا سوبيا"
قال جملته الأخيرة بمرحٍ فارتفعت ضحكات الجميع حوله، بينما هي مدت يدها تعانق كفه و هي تقول بنبرةٍ تجاهد حتى تتحدث بها دون بكاءٍ:
و أنا معاك و الله، قولتلك دا حِملك و دا كتفي و مينفعش تميل لوحدك من غير ما كتفي يسندك، بس كان لازم يكون فيه رد فعل مني يلحقنا إحنا الاتنين"
بعد حديثها وجدته يحتضنها بقوةٍ يشبع شوقه و حنينه لها و هو يقول بوجع الاشتياق:
آااه يا عبلة....وحشتيني و وحشتي قلبي و عيني، غيابك تعبني يا سوبيا"
وضعت رأسها على كتفه وهي تجهش بالبكاء لا تصدق إنه عاد لها من جديد و هي بين ذراعيه الآن ، بينما هو ربت على ظهرها وهو يقول بندمٍ:
متزعليش مني يا عبلة، قدامهم كلهم أهو أنا هحاول تاني بس مش عاوزك تسيبيني في نص الطريق أنا مش هعرف أرجع تاني لوحدي لو دا حصل"
ابتعدت عنه تحرك رأسها موافقةً ببكاءٍ و هو يبتسم لها، بينما «عامر» صفق بيديه و هو يقول بمرحٍ:
هايل يا فنانين، يلا المشهد اللي بعده، خلصونا بقى"
ضحك الجميع عليه، بينما هي ركضت بخجلٍ من أمام الجميع نحو شقتهم، فضحك هو على رد فعلها ثم التفت ينظر لعمه و هو يقول مُتشفيًا به:
طبعًا على عينك اللي بيحصل دا صح ؟! و كنت مستني ورقتها بجد؟ بس ريح نفسك علشان بنتك ملهاش عندي غير ورقة واحدة و هي ورقة شهادة الوفاة لما تخرج من بيتي، غير كدا ملكوش ورق عندي و لو رقصتوا على صوابع إيديكم مش هسيب حقي فيها يا عمي، و كلمة طلاق دي تتشال من دماغكم كلكم، و لأخر مرة هقولها طلاق مبطلقش"
وقفت هي في الخارج تبتسم بشدةٍ حتى أوشك فمها على التيبس و من بعدها ركضت نحو شقتهم بعدما وقفت تتنصت عليه، و في الداخل رد عليه عمه بضجرٍ منه:
أنا مليش دعوة بيك أنتَ، بس دي بنتي يا وليد و صعب عليا دموعها، قولتلك قبل كدا لو بنتي عيطت بسبب أي حد مَهمًا كان هو مين، و في نفس الوقت أنتَ ابن اخويا يعني ليك غلاوة عندي، بس حافظ عليها و على نفسك من الدنيا دي، و خلص بقى عاوزين نحضر فرحكم"
اقترب منه ثم احضتنه و هو يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بالندم:
حقك عليا يا عمي، بس وعد مني عبلة في عيني و بداية من جديد على حق"
ابتعد عنه عمه يطالعه بفخرٍ و هو يقول:
و هو دا عشمي فيك، كنت مستنيك ترجعلنا أجمد من الأول، وليد الضعيف دا مكانش لايق عليك، ربنا يسعدكم يا بني"
ابتسم له بسمةٍ صافية، ثم جلس في المنتصف مع الشباب و هو يستمع لسخريتهم و مرحهم، و لكن من بين الجميع التقت عينيه بعيني «ياسين» الذي غمز له بمرحٍ فبادله تلك النظرة بأخرى ممتنة له، أما «خديجة» فراقبت نظراتهما لبعضهما و من خلال تلك النظرات استطاعت فهم ما يدور بينهما و حينها رفعت نفسها حتى تقول له هامسةً بامتنانٍ:
شكرًا....أكيد أنتَ السبب"
حرك رأسه ينظر لها و عند رؤيته لملامحها وجد نفسه يبتسم لها و كأنه يقول لها بنظرته "لا عليكِ" فزادت بسمتها إتساعًا عند تأكُدها من ظنونها، بينما «طارق» ابتسم لهما بحبٍ و هو يتذكر ما حدث ذاك اليوم.
(منذ حوالي يومين)
كان «وليد» جالسًا في الشقة الخاصة بهم أمام التلفاز و دموعه على وجنتيه بقوةٍ و هو يحاول التوصل لحلٍ يرضي جميع الأطراف، لا البعد في قدرته و لا البقاء بتلك الطريقة يُفيد، مهما حدث و مهما مر عليه ستظل هي من طلب القلب وصالها و تغزلت العين في جمالها و أثرى فمه في دلالها، هي حبيبته و فجأة فتح هاتفه على صورتها و هو يقول لها ببكاءٍ و كأنه يحدثها بوجعٍ:
أعمل إيه يا عبلة علشان ارضيكي و ارضيني؟ أعمل إيه علشان افرح بنظرة عيونك ليا؟ مشيت طريق كنت فاكر إنه هيجمعني بيكي و اكتشفت في أخره إنه بيضيعني و يضيعك مني.....ليه علشان أعرف قيمة اللي عندي اتعذب كدا؟ ليه يا عبلة حبيتك أنتِ، و ليه هو اختارك أنتِ، أنا و الله حاولت أهرب من حبك....بس غصب عني عيونك تتحب....عينك دي شوفت فيها دنيا منيت نفسي بيها....و كل دا لسه بحبك....و مش هقدر أفضل في مكان أنتِ فيه و مش ليا.....بس هريحك و أمشي"
تنفس بعمقٍ ثم ابتسم للصورة و كأنها هي تبتسم له، و أسفل المنزل تحديدًا قبل الظهر توقفت سيارة «ياسين» و بجانبه «طارق»، فسأله و هو يتفحص المكان بعدستيه:
هو دا البيت يا طارق ؟! تفتكر هيبقى فوق و لا جينا على الفاضي؟"
رد عليه «طارق» مؤكدًا تفكيره:
وليد هنا يا ياسين، أنا حافظه و عارف دماغه، و لولا أني عارف طريقتك و دماغك و إنه بيحبك مكنتش تعبتك معايا كدا"
رد عليه «ياسين» بلومٍ و معاتبةٍ:
عيب الكلام دا يا طارق انتو اخواتي، ربنا يريح قلوبهم و يرجعوا لبعض، رغم أني مستغربك أوي"
طالعه «طارق» بتعجبٍ فوجده يقول مُفسرًا:
يعني إنك جاي لحد هنا علشان تخليه يرجع لأختك و تكلمه؟ واحد غيرك كان فكر بطريقة تانية و قال إنه يختار صف اخته"
ابتسم له بسخريةٍ و هو يقول:
وليد أخويا زيه زي عبلة يا ياسين، شوفنا مع بعض كتير، الوحيد اللي كنت بفتكر جميلة قصاده و أفضل أعيط و أنا الوحيد اللي شوفته لما كان في المصحة، كل مرة كان بيخرج يسأل عن عبلة و خديجة، و لما اتعالج برضه كان علشان عبلة و خديجة، وليد بيحب عبلة و روحه فيها، و عبلة بتحبه و نفسها تشوفه فرحان، لازم أتدخل علشان الاتنين يخصوني"
ربت «ياسين» على كتفه و هو يقول بـ إشفاقٍ عليهم و حزنٍ لأجلهم:
المُقابلة دي هتجيب نتيجة يا طارق و هتقول ياسين قال، صدقني ، المهم يلا بس"
خرج كليهما من السيارةِ و من بعدها نحو شقة «وليد» يطرقا باب الشقة، تعجب «وليد» في بادئ الأمر لكنه مسح وجهه بكفيه ثم أغلق الهاتف و بعدها توجه نحو باب الشقة يفتحه، و رغم مفاجأته بوجودهما سويًا إلا أنه افسح المجال لهما و هو يشير نحو الداخل بصمتٍ، نظر كليهما لبعضهما ثم دلفا الشقة، فارتمى هو على الأريكة بلامبالاةٍ و كأنه لا يكترث لهما فتحدث «طارق» يقول بضجرٍ:
يا برودك يا أخي، مفيش عندك ريحة الدم ؟! خلاص مفيش إحساس؟ بقى تحت الصفر عندك"
رفع حاجبه له و هو يقول بتهكمٍ:
و هو البيه سايب القاهرة و ناسها و جاي علشان يقيس أداء إحساسي؟"
اغتاظ «طارق» من طريقته و قبل أن يتحدث، تدخل «ياسين» يقول بنبرةٍ هادئة:
إحنا جايين علشانك و علشان نطمن عليك، ينفع تغيب و تسيب دنيتك كلها كدا و تيجي هنا ؟!"
نفخ وجنتيه بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة:
و أنتَ سايب خديجة و جاي ليه ؟! هي دي الأمانة اللي مأمنك عليها؟"
رد عليه «ياسين» بحدةٍ من طريقته:
ملكش دعوة بخديجة، دي مراتي و أنا عارف إزاي اتصرف، البيه بقى عارف إن أخته هارية نفسها عياط علشانه و مرمي هنا؟ عارف إنها عاوزة تسمع صوته بس و هو مهانش عليه يطمنها ؟! طب بلاش هان عليك تكسر بخاطرهم و هما فرحانين بابن أخوك؟"
لم يستطع التحمل أكثر من ذلك، لذا انفجر يصرخ به قائلًا بألم نبع من داخله:
و أنا ؟! أنا فين في كل دا ؟! مش مسموحلي أهرب و أتوجع حتى....كلهم مهانوش عليا بس قلبي هان عادي، أنا من كتر ما نفسي بقت بتصعب عليا بقيت أتعب.....حتى العياط مش من حقي؟ صعبان عليكم أني مكملتش فرحتكم؟ أنا من يومين بالظبط مكنتش لاقي حد يقفل جروحي اللي اتفتحت....أنا كل مكان فيا موجوع.....و وجع ملوش نهاية، طول العمر فاكر نفسي شاطر علشان مبعيطش، بس طلعت حمار علشان الدموع كانت نازلة مني جوايا"
تبدلت النظرات من الجمود إلى الشفقة، فاقترب منه «ياسين» يجلس بجواره و هو يقول بصوته الرخيم:
جروحك كانت متخدرة بس مكانتش مقفولة، أنتَ زي اللي ركن العلاج الأساسي و فرح بالمسكن، رغم إنك عارف إن المُسكن دا ليه وقت و هيروح فيه و المفعول هيطير، و المشكلة هتزيد، بس خوفك من العلاج الأصلي خلاك تهرب للمسكن يا وليد، سكنت جروحك و لما راح المفعول اكتشفت إنها مفتوحة لسه و بتنزف، لحد ما بقيت مش ملاحق، كان لازم جروحك تتفتح علشان تعرف إنها لسه بتوجع و لسه عاوزة اهتمام"
رفع عينيه يطالعه بأعين دامعة، فوجده يربت على يده و هو يقول:
أنتَ مش وحش بس دُنيتك هي اللي وحشة، كل ما تحب حاجة تاخدها منك، بس أنتَ قدها و قدود، لازم تطلع ليها لسانك و تضحك عليها، ليه عامل في نفسك كدا"
ابتسم بوجعٍ و هو يقول ساخرًا:
علشان اللي جربته كان صعب يا ياسين، كان صعب أني أعيش بحارب في كل الجهات بسلاح واحد، لا قرايب نصفوني و لا صحاب و لا حتى اللي حبيتها، كلهم سابولي جروح في قلبي، و أنا اتحملت و كملت، زعلانين مني علشان موثقتش فيهم و هما معملوش حاجة تخليني آمن ليهم، ميعرفوش أني مش عارف أثق في نفسي حتى"
اقترب منه تلك المرة «طارق» يجلس أمامه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
و هو لما أنتَ جيت ليا أنا و أخوك علشان تتعالج دا مكانش انتصار ؟! و لما عبلة بقت ليك دا مكانش انتصار ؟! و لما روحت لهناء دا مكانش إنتصار ؟! و حياة خديجة اللي اتغيرت بسببك و بسبب إنك جوزتها ياسين دا مكانش انتصار؟"
ازدرد لُعابه بتوترٍ فوجده يتابع بنفس الثبات:
حياتك مليانة انتصارات علشان هزايمك كانت كتير، و أنا أعرف إن قصاد كل مرة اتهزمت فيها انتصرت من جديد، بلاش تخلي الدنيا تضحك عليك علشان هي فاكرة إنها هزمتك"
أضاف «ياسين» مُكملًا:
الدنيا دي عاوزة المقاتل....يخسر شوية و يكسب شوية، عياطك مش هيفيد بحاجة لما تصحى تلاقي نفسك مضيع كل حاجة"
أغمض عينيه بقوةٍ، فوجد «طارق» يعتدل في وقفته و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
أنا كدا وصلت ليك رسالتي، بس هقولك حاجة كمان، عبلة فيه ألف واحد يتمناها يا وليد، بس أنا مشيتهم كلهم علشان كنت عارف إن مفيش غيرك يستاهلها، متخلنيش أندم أني سلمتك أختي"
فتح عينيه على مضضٍ و هو يطالعه بشررٍ يتطاير من عينيه له، فوجد «ياسين» يقول بحكمته المعتادة:
ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز، قال تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
_"صدق الله العظيم"
نطقها كليهما بعد ذكر تلك الآية، بينما «ياسين» قال بنفس الحكمة:
ربنا خلق أعظم روابط الأرض بين قلوب البشر و دي علاقة فيها سر محدش يقدر يوصله و ربنا له حكمة في كدا، خلق الست من ضلع الراجل و دي كانت معجزة، مجاتش من راسه و لا من رجله و لا أي مكان تاني، إنما ربنا كرمها لما اتخلقت من ضلعه علشان تكون أقرب للقلب، و سبحانه و تعالى ذكر في كتابه كلمة "لتسكنوا إليها" علشان العلاقة تبان، إحنا مش عاوزين مجرد ناس في حياتنا و خلاص،
لأ...إحنا عاوزين نشوف بيوتنا فيهم، ناس نسكنهم و يسكنوا فينا، أي راجل في الدنيا مهما كانت قوته لازم يضعف قدام شريكته، لازم يكون معاها الطفل اللي الدنيا كبرته قبل ميعاده، هو دا السكن، حد أقرب ليك من أهلك و من كل اللي حواليك حتى نفسك، عبلة بقى هي السكن اللي ربنا كرمك بيه، صحيح فيه شرخ من الأيام، بس أنتَ و هي هتقدروا ترمموا البيت دا تاني،
ربنا سبحانه و تعالى خلق بين الراجل و الست حاجة أعظم من الحب و العشق و هي المودة و الرحمة، المودة و الرحمة اللي مهما كانت العلاقة قادرة ترجع تاني من جديد، تلاقي ناس واقفة على الطلاق و حياتها على المَحك و بسبب المودة و الرحمة يرجعوا تاني و كإن مفيش حاجة حصلت، إحمد ربنا إنك لقيت سكنك و حافظ عليه علشان لو ضاع، مفيش سكن في الدنيا كلها هيعوضك"
طالعه «وليد» بتمعنٍ و كأن تلك الكلمات أجابت حيرته و فكره، في كيفية التعامل في تلك العلاقة و نسيْ هو أنها من رحمة ربنا عليه، كرمه بها حتى يستطع تخطي ما حدث له، مثلما تخطت «خديجة» ما مرت به، و مع انغماسه في التفكير، وجدهما يقفا حتى يرحلا و قبل أن يتفوه هو وجد «طارق» يقول بنبرةٍ جامدة:
عقيقة فارس يوم الجمعة و احنا هنجهز يوم الخميس، لو جيت يومها هعرف إنك فوقت و اختارت صح، سلام"
(عودة إلى الوقت الحالي)
ابتسم ثلاثتهم لبعضهم و هم يتذكرون تلك المُقابلة و التي أتت بخير النتائج، فتحدث «وئام» يقطع تلك اللحظة بقوله المرح:
بقولكم إيه ؟! الأستاذ كان منكد علينا، يلا خلونا نفرفش كدا و نقوم نشوف اللي ورانا، يلا يا عامر عاوزك تفرحنا كلنا"
اشار «عامر» على عينيه و هو يقول بمرحٍ:
من العين دي قبل العين دي يا ابو فارس، فين السماعات اللي هنا علشان نبدأ احتفالنا"
تدخل «خالد» يقول بهدوء:
طب بما إننا هنا كتار الحمد لله، الستات ممكن تطلع فوق و الرجالة هي اللي تشتغل"
تدخلت «خلود» تقول بمرحٍ ممتزج بالتوسل:
لأ....أنا بحب الحاجات دي و عاوزة أعمل معاكم، بصوا اطلبوا أي حاجة و أنا هساعدكم"
رد عليها «عامر» بفخرٍ ممتزج بالمرح:
أصيلة و الله أصيلة....و يا بختنا بيكي يا خلود"
اتسعت الأعين المدركة سبب الحديث، و البقية لم يتوصولوا لمقصد كلماته، فقال هو مُردفًا بتوترٍ طفيف:
قصدي يعني إن كل الناس بتهرب من الشغل في الحاجات دي، بس الآنسة خلود إحنا محظوظين بيها علشان هتساعدنا، عاملة زي أخويا عمار"
حاول الشباب الأربعة كتم ضحكتهم، بينما هي طالعته بخجلٍ ثم أخفضت رأسها تحاول كتم ضحكتها هي الأخرى، بينما «ياسين» قال بنبرةٍ هادئة:
المهم عاوزين نجهز الحاجة علشان بكرة منتفاجأش إننا ناسين حاجة، عاوزين علب و معالق و شنط، و عاوزين خضار علشان السلطة"
رد عليه «مرتضى» بفرحةٍ لم يستطع التحكم في اخفائها:
معاك في أي حاجة، المهم الناس تفرح و تتبسط، أحمد هياخد العربية و يروح يجيب كل حاجة تطلبها منه حتى العلب و المعالق"
رد عليه «ياسر» مُردفًا:
فيه واحد بنجيب منه و حاجته خامتها حلوة و سعره حنين، بس عاوز حد يروح تبعنا علشان يعرفه و يوجب معاه"
تحدث «خالد» مفسرًا:
أنا قولت لعمار يجي على هنا علشان لو احتاجنا حاجة هو يجيبها و هيجيب معاه عِدة الدبح، أكيد هنا مفيش"
رد عليه «عامر» بخبثٍ لكنه مرحٍ:
أحسن حاجة إنك كلمت عمار، هيفيدنا أوي هنا و هيتبسط، اصله بيحب الحاجات دي و بيفرح لما يشوفها"
تكرر الموقف مرةً أخرى، فقال «وليد» مغيرًا للحديث:
طب أنا هطلع أغير هدومي و أنزل علشان أعرف اتحرك معاكم، مش هتأخر"
رد عليه «محمد» بسخريةٍ:
قال يعني إحنا مش عارفين إنه طالع لست عبلة، روح يا أخويا"
رد عليه هو بتبجحٍ:
مراتي و حقي، فيها إيه لما السوبيا توحشني؟"
قال حديثه و هو يتحرك من أمام عمه الذي ضحك رغمًا عنه و هو يقول بقلة حيلة:
المصيبة إنه كان واحشني ابن مرتضى، يلا ربنا يهديه"
ضحك الجميع عليه ثم بدأوا الحديث عن "العقيقة" و كيفية التجهيز لها.
_________________________
في الأعلى صعد «وليد» إلى شقة عمه «محمد» فوجد الباب مفتوحًا، دلف هو مباشرةً نحو موضع غرفتها و قبل أن يطرق الباب وصله صوتها وهي تقول من الداخل:
أيوا زي ما بقول لحضرتك كدا، وليد رجع و قالي اللي قولته ليكي، أنا بصراحة مقدرتش أجي عليه أكتر من كدا، كفاية أوي وجعه الأيام اللي فاتت، إحنا كدا ماشيين حلو"
قطب جبينه و هو يستمع لحديثها، لم يستطع التوصل لمن تحدثه، فوجدها تقول بنبرةٍ منفعلة إلى حدٍ ما:
يا دكتورة افهميني، هو كدا اتكلم و قال عن اللي حاسس بيه، و موقفي دا كان لازم يحصل، أنا بحبه و عمري ما هقدر أزعله تاني، أنا اللي عاوزاه إن وليد يفرح شوية بحياته"
أغمض جفنيه بشدة حينما أدرك أنها تتحدث مع «هناء»، فوصله صوتها من جديد و هي تقول بتوسلٍ:
أنا معاكي في أي حاجة غير البُعد عنه، لا أنا و لا هو نستاهل البعد عن بعض، بس أنا هكمل معاكي علشان شوفت النتيجة بعيني، حقيقي مجهودك بان"
تنفس بعمقٍ لا يصدق تلك اللعبة التي اقامتها عليه كلتاهما، و قبل أن يفتح الباب وصله صوت الأغاني من الداخل و هي تغني معها الكلمات الآتية بفرحٍ:
بقالي ليالي بنادي حبيبي ما جاني....لا ريح بالي و لا داري باللي جرالي....طب أعمل إيه في اللي بحبه يا ويلي و يا ناري، و أنا شايف صورته قصاد عيني يابا طال ليلي و نهاري....طب ليه بيداري كدا....و أنا أداري كدا....ولا داري كدا ولا لأ؟......"
قبل أن تكمل الكلمات وجدته يفتح الباب بقوةٍ و هو يقول بصوته الجهوري:
أنا هقولك ليه بيداري كدا و ليه بيداري كدا و هطلع عين أهلك كلهم في إيدي"
شهقت هي بقوةٍ و هي جالسة على فراشها و السماعات الكبيرة "الصب" بجوارها، فوجدته يدلف الغرفة ثم أغلق الباب بقدمه و هو يقول بتهكمٍ:
بقى أنا يتعمل عليا لعبة منك أنتِ و هناء ؟! بقى أنا يتعمل فيا كدا منكم ؟! وليد الرشيد اللي طول عمره ماشي يحط على أتخن تخين، يتحط عليا منكم ؟!"
وقفت هي على الفراش و هي تقول بتلعثمٍ و خوفٍ:
استنى....هـ....هفهمك و الله...كل حاجة كانت علشانك أنتَ، و الله مكانش قصادي غير أني أعمل كدا"
اقترب من الفراش و هو يسألها بنبرةٍ جامدة:
مكانش قدامك غير إنك تدوسي على جروحي؟! مكانش قدامك غير إنك تخوفيني أني أخسرك؟"
ردت عليه هي بخجلٍ ممتزج بصوتٍ باكٍ:
و الله العظيم كان هو دا الحل الوحيد، هي قالتلي إنك طول ما أنتَ ساكت هتفضل تتعذب مني، أنا متقبلتش خوفك مني يا وليد"
تنفس بعمقٍ يحاول التحكم في غضبه، فوجدها تنزل له تقف أمامه و هي تقول بألمٍ:
الفترة اللي فاتت من غيرك أنا اتعذبت فيها، كنت كل يوم أصحى على كابوس بشع و كلهم اصعب من بعض، متزعلش مني، طب أنتَ ساكت ليه"
ابتسم هو رغمًا عنه ثم حملها على يده فجأةً و هو يقول بمرحٍ:
علشان اقولك طب ليه بيداري كدا ؟! مش عاوزة تعرفي برضه؟"
ابتسمت له باتساعٍ و هي تلف ذراعيها حول عنقه فوجدته يُطيل النظر في وجهها و هو يتعمق في عينيها، فسألته هي بحذرٍ من صمته المفاجئ:
وليد !! أنتَ سكت تاني كدا ليه"
رد عليها هو بثباتٍ ينافي حديثه:
بفكر أعمل عزا هناء في عمر مكرم و لا في الحامدية الشاذلية؟"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ فوجدته يقول بنفس الطريقة:
أنا بقول في عمر مكرم علشان صلاح سالم يكون فاضي"
لحظة صمت مرت عليهما و من بعدها انفجرا سويًا في الضحك فوجدته يدور بها و هي على ذراعيه و صوت البهجة يخيم على تلك الغرفة التي شهدت على البكاء منذ عدة أيام.
_________________________
في الأسفل وقف «عامر» في الطابق المخصص لمناسبات العائلة و هو يقوم بغسل الأدوات الخاصة بتسوية الطعام و هو يغني مع المهرجانات الشعبية التي قام هو بتشغيلها و بجانبه «وئام» و «حسن» و كليهما يقوم بتنضيف الخضروات و غسلها بعدما استقر كليهما على الأرض، أما في الخارج كان «ياسر» و «خال» يقومان بتنظيف المكان حتى يستطيعون التحرك به، و في الخارج وقف «ياسين» و «طارق» مع بعضهما يقومان بتنظيف الشارع و أمام البيت بعدما طلب «محمود» أن يقوموا بعمل مائدة الطعام في الشارع للعمال حولهم، و فجأة اقترب «طارق» من«ياسين» الذي كان يقوم بـ كنس الشارع ثم ربت على كتفه من الخلف، التفت له «ياسين» فوجده يقول بنبرةٍ ممتنةٍ له:
وليد رجع النهاردة بفضل كلامك بعد فضل ربنا سبحانه وتعالى، وليد رجع و عرف إزاي يحافظ على عبلة و إزاي يسلمها قلبه، ربنا يباركلنا فيك"
ابتسم له «ياسين» وهو يقول بنبرةٍ ودودة حتى يرفع عنه الحرج:
متقولش كدا يا طارق، وليد كان هيرجع من غير كلامي حتى، وليد عمره ما كان هيخرب فرحتكم علشان هو عارف إن العيلة هنا نفسها تفرح، و بعدين أنا اخوكم برضه مش غريب وسطكم"
أومأ له موافقًا ثم قال بخجلٍ و كأنه يتحدث لأول مرّة:
هقولك على حاجة و يارب متزعلش مني أو تفهمني غلط، بس هما قبل كدا كانوا عاوزيني أتجوز خديجة، و قالولي إني أولى بيها من الغريب"
تبدلت نظرته و تلاشت بسمته بعد حديث «طارق» فوجده يضيف مُسرعًا:
بس و الله أنا كنت رافض تمامًا مش علشان حاجة، بس خديجة طول عمرها غلبانة و طيبة و أنا كنت هظلمها معايا و حرام عليا علشان أنسى جميلة أظلم خديجة، و كنت دايمًا مستني أشوف مين اللي هياخد الطيبة و الحنية دي كلها،
و كان جوايا خوف إن اللي ياخد خديجة يظلمها، بس أنتَ حاجة تانية، أنتَ من أول ما شوفتك و أنا حاسس إن أي حد أنتَ في حياته هيكون محظوظ بيك، أنا اطمنت على خديجة علشان هي معاك، متزعلش مني علشان كلامي بس و الله دا اللي حصل، و خديجة نفسها متعرفش حتى، الكلام دا كان من أبويا و عم مرتضى"
تنهد «ياسين» بقلة حيلة ثم ابتسم له و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
حصل خير و كتر خيرك إنك مستغلتهاش علشان تنسى بيها واحدة تانية، شكرًا إنك طلعت إنسان نضيف و حافظت على كرامتها في غيابي، علشان تكون من نصيبي يا طارق، خديجة هي مكسبي في الدنيا، و أنا مقدر إنكم عيلة واحدة و أكيد حاجة زي دي كانت واردة تحصل، بس أنا مش فاهم سبب كلامك بصراحة"
سأله بنبرةٍ تائهة محتفظة بالحذر فوجده يقول مُفسرًا:
كلامي معناه إنك أحق واحد بخديجة و إن خديجة تستاهلك أنتَ، طول عمري شايفها زي عبلة و سلمى عندي، ربنا يخليكم لبعض و تفرح بعيالك منها يا ياسين و يباركلي في وجودك"
ابتسم له بحبٍ فوجده يتركه بعدما ربت على ظهرها، بينما هو ابتسم بطيبةٍ و هو يتذكر حديقه و خجله منه، لكنه احترم صراحته و موقفه و أخويته التي يشعر بها نحوها، على الرغم من أن الفكرة بأكملها لم يستصغيها من الأساس، لكنه يعلم «طارق» و يعلم طريقة تفكيره.
في الداخل خرج الثلاثة من المطبخ بمرحٍ و هم يضحكون على مشاكسة «عامر» لهم و سخريته عليهم و في الخارج انتهيا «خالد» و «ياسر» من تنظيف المكان ثم قاما بترتيب الطاولات التي سيتم العمل عليها، و من بعدها التفوا جميعًا حول تلك الطاولات الخشبية كبيرة الحجم و بعد مرور دقائق انضم إليهم «ياسين» و «طارق» فتحدث «وئام» بحماسٍ:
ها المفروض نعمل إيه دلوقتي؟! أنا حاسس أني عندي حماس غريب و فرحان أوي"
ضحكوا عليه جميعًا و على حماسه المُفرط، فتحدث «خالد» مُقدرًا موقفه لكن بسخريةٍ:
هي بتبدأ كدا أنا عارف و مجرب، لحد ما نوصل لمرحلة الحفاضات بتبقى أحقر مرحلة في تاريخ أي إنسان، يا جدع دا بيرتاح في المرة بـ ٥ جنيه، دا لو حمام عمومي مش هيكَسب كدا"
ارتفعت ضحكات الجميع عليه فأضاف هو بحنقٍ طفيف:
لأ و إيه بقى ؟! فيه نوع مفضل، فاكر نفسه بيلبس من زارا بروح أمه"
زادت الضحكات أكثر و هو معهم، فقال «حسن» بمرحٍ:
أنتَ شكلك شايل أوي يا خالد، هاته يا عم و أنا هجبله الحفاضات لو مزعلاك أوي كدا، أنا بحب العيال أوي"
رد عليه «طارق» بسخريةٍ:
مين دا اللي بيحب العيال ؟! نسيت العيال اللي في الشركة اللي كانوا في الحضانة اللي كانت جنبنا ؟! لحد دلوقتي العيال لو شافونا صدفة بيجروا"
رد عليه «وئام» بقلة حيلة:
يعني هما دول كانوا عيال ؟! العمارة كلها كانت بتشتكي منهم، دا فيهم واحد إسمه مروان مكانش بيسيب ست في العمارة من غير ما يعاكسها، عيل سافل"
رد عليه «عامر» مُسرعًا بلهفةٍ:
مروان ؟! الواد دا شعره بُني و نازل على عينيه؟ و عنده سِنة مكسورة؟"
رد عليه «حسن» بتعجبٍ من وصفه للفتى:
آه هو ابن السافلين دا، تعرفوا منين يا عامر ؟!"
رد عليه «عامر» بتهكمٍ:
دا حبيبي....أعرفه عز المعرفة ولو ليكم تار عنده تعالوا خدوه، بس هي الحضانة دي إسمها إيه"
رد عليه «طارق» بسخريةٍ:
هي دي كانت حضانة ؟! كنت كل ما أبص على العيال فيها أندم على سنين عمري اللي فاتت، كان إسمها K.F.Y، حتى إسها غريب"
رد عليه «ياسين» بتعجبٍ و هو يسخر منهم:
هو إيه دا ؟! حضانة دي و لا فرع كنتاكي؟ إسمها إيه برضه"
رد عليه «وئام» بنبرةٍ ضاحكة:
و الله مفيش واحد فينا قدر يعرف إسمها لحد دلوقتي، بس العيال فيها متدلعة أوي، دول بيجيبوا ليهم مطربين في الحفلات"
رد عليه «عامر» بغموضٍ:
طبعًا مش فيها ابن مدام زيزي؟! لازم يبقى متدلع، و الله و وقعت تحت إيدي يا مروان الكلب"
رد عليه «ياسر» بعدما أدرك سبب حديثه:
هو دا الواد اللي خليتنا نقفل عليه الأسانسير علشان بيعاكس مراتك؟"
ضحكوا جميعًا بقوةٍ، بينما هو قال بحنقٍ:
هو ابن زيزي، بس على مين دا بقى بيخاف حتى يتنفس قدامي"
_________________________
في سيارة «طه» كان «أحمد» جالسًا بها و معه «عمار» بعدما قاما بجلب الأدوات البلاستيكية التي طلبها منه «ياسين» حتى يتم توزيع الطعام بها، و خرج «أحمد» حينها و قابل «عمار» في الطريق حتى يذهب معه إلى ذلك المكان، و فجأة تحدث «أحمد» يقول بعد الصمت:
إيه يا عمار ساكت ليه ؟! اتكلم معايا يا عم، مبحبش السكوت دا، و لا أنتَ مش عاوز تتكلم معايا؟"
قالها بمرحٍ حتى يشاكسه، فابتسم له «عمار» و هو يقول نافيًا حديثه بقلة حيلة:
ليه بس يا أحمد ؟! أنا بس راجع من الكلية و منمتش كويس، لو تنزلني عند بيتي يبقى كويس"
رد عليه «أحمد» بضجرٍ طفيف:
يعني إيه مش هتيجي البيت عندنا ؟! عيب عليك يا عم، دا إحنا محضرين ليلة في الدور الأرضي و كلنا هنبات سوا حتى «عامر» أخوك، دي ليلة و لا ليالي العُمر"
ابتسم له و رافق بسمته تلك قوله الهادئ:
ربنا يبارك فيكم و يديم عليكم الفرح إن شاء الله، أنا هاجي معاك علشان شنطة العِدة بتاعة الجزارة، ياسين طلبها و جبتهاله، بس البيت فيه ستات و أكيد مش هينفع رجالة غريبة تبات في البيت، علشان يكونوا على راحتهم"
ابتسم له بفخرٍ و هو يقول بمرحٍ:
دا أنتَ يتعمل قاموس تربية بإسمك و الله، إيه يا بني الاخلاق دي ؟! الله أكبر"
رد عليه هو مُفسرًا بأدبٍ:
دي أصول و متزعلش، أكيد العيلة هتكون مع بعضها كلها، أنا مش عارف إزاي الشباب هيباتوا عندكم؟"
رد عليه هو مفسرًا بمرحٍ:
يا عمي هنبات في الدور الأول دا لو حد فينا نام أصلًا، ياسين قال إننا هنفضل لحد الصبح نجهز في الأكل و بعدين تعالى فُك معانا كدا و متشيلش هم، و بعدين كل الستات اللي في البيت أخواتك يا عمار"
ابتسم له «عمار» بتوترٍ و هو يفكر فيها و في ظهورها أمامه، تلك التي كلما ظهرت أمامه أُفتضح أمره و ظهر شوقه في عينيه لها، يكفيه بعاده عنها بعدما ترك العمل و أصبحت رؤيتها مستحيلة، كيف له أن يصمد أمام نظراتها؟!
هكذا كان يفكر «عمار» في «خلود» و في تواجدهما سويًا حتى توقفت السيارة أمام البيت و تفاجأ بها تخرج راكضةً من البيت و هي تميل نحو نافذة شقيقها و هي تقول بمرحٍ:
أنا اللي هطلع الحاجة يا أحمد، هات قبل ما طاقتي تخلص و أفرهد منك"
مال «عمار» ينظر لها و هو يبتسم بخفةٍ عليها، فوجدها تشهق بقوةٍ ثم اعتدلت في وقفتها و من بعدها التفتت توليهم ظهرها و هي تلعن تهورها و هي تظن أن شقيقها عاد بمفرده كما حال ذهابه، لم تضع في الحسبان وجود «عمار» معه، لكنها استعادت رابطة جأشها ثم التفتت لهما تقول بهدوء ينافي حماسها و طريقتها السابقة:
حمدًا لله على سلامتكم يا جماعة، هشيل أنا الحاجة علشان أنتو تعبتوا و أنتو بتجبوها"
قالت حديثها المتوتر ثم تحركت نحو شنطة السيارة بعدما ضغطت أخيها على الزر يفتحها لها، فوقفت هي تقوم بأخذ الأشياء منها بتوترٍ تحاول إخفائه و خصيصًا حينما خرجا كليهما من السيارة، فحملت هي بعض الأشياء حتى تهرب من أمامه، و لكن من فرط توترها سقطت بعض الأشياء من يدها، فركض هو لها ثم حمل الأشياء من الأرض، بينما «أحمد» حتى لا يقوم باحراجها أمامه قال بمرحٍ:
يا ستي ربنا يفرحك دايمًا، كل دا علشان فارس؟ معلش يا عمار هي اتحمست شوية"
ابتسم له «عمار» و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
عادي يا عم ربنا يبارك فيه و يزود أفراحكم إن شاء الله، هاتيهم عنك يا آنسة خلود"
ردت عليه هي بنبرةٍ عادية:
مفيش مشاكل أنا هطلعهم، و شكرًا علشان موقفك"
قبل أن تتحرك من أمامه أوشكت الأشياء التي تحملها على السقوط، فوجدته يقول بنبرةٍ جامدة:
يا ستي هاتي الحاجة بقى، هيقعوا تاني و يبوظوا، حرام عليكي بقى"
قال حديثه ثم خطف ما كانت تحمله في يدها دون أن يلمسها و قبل أن تتحدث هي تدخل «أحمد» يقول لها حتى يوقفها:
عمار ياخدهم أحسن علشان يدخلهم عند الشباب علطول و أنتِ خليكي فوق بقى، لو احتاجنا حاجة هنقولك"
حركت رأسها موافقةً ثم تركتهما و رحلت بينما «عمار» ابتسم على خضوعها لأخيها ثم تحرك خلفه داخل البيت حتى يدخل للشباب الذين هللوا فَرحين بمجيء الشابين، و بعد دلوفهما اقترب «حسن» من «عمار» و هو يقول بشوقٍ له:
وحشتني و الله يا عمار، إيه الغيبة دي كلها علينا؟ مشوفتكش من يوم ولادة فارس"
رد عليه هو بنبرةٍ ودودة:
أنا الحمد لله كويس أوي، أنتَ إيه أخبارك؟ طمني"
رد عليه بحبٍ:
كويس أوي الحمد لله، و بقيت كويس علشان شوفت أخويا كمان، و هبقى كويس لما نقضي الليلة كلها هنا و إحنا مع بعض"
تدخل «ياسر» يقول بقلقٍ زائف:
بقولك إيه يا خالد؟! أكدت عليهم إننا هنبات علشان العقيقة؟ علشان متفاجئش بيها زعلانة"
رد عليه بنبرةٍ ضاحكة من كثرة قلقه:
و الله العظيم عرفوا و هيباتوا مع بعض عندي، ارتحت كدا؟ و معاهم سارة كمان، اتطمن هما هيفرحوا أساسًا"
تحدث «طارق» يقول ساخرًا:
جرى إيه يا دكتور ياسر؟ أنتَ خايف و مقلق كدا ليه؟ دا عامر معملش كدا"
ضحك الجميع على سخريته من «عامر» الذي قال بمرحٍ:
لأ أنا بحب مراتي أوي، و مبخافش منها، دا حب من أول نظرة دا"
سأله «وئام» بتعجبٍ:
إيه دا بجد ؟! حب من أول نظرة إزاي احكيلي، أنا بحب القصص دي"
رد عليه هو بنبرةٍ هائمة:
عيني جت في عنيها و أنا اتخضيت بصراحة، كهربتني بنظرة منهم، قولت بس هي دي اللي تستحق تبقى معانا في بطاقة التموين، هي دي اللي تستاهل تشاركنا في السكر و الزيت، هي دي اللي بنصيبها ينفع نجيب علبة سمنة"
ارتفعت ضحكات الشباب بصخبٍ بعد حديثه و هو معهم أيضًا، و كانت الجلسة مرحة و لكن ينقصها فقط «وليد»، فاستمر الشباب في الضحكات و السخرية عليه في جوٍ ممتليء بالألفة و المودة بينهم جميعًا.
_________________________
اقتربت «جميلة» من غرفة «عبلة» تفتحها بسرعةٍ و هي تقول بلهفةٍ:
يا عبلة هاتي اللبن علشانـ..."
قطعت استرسال حديثها حينما وجدت «وليد» غافيًا على الأريكة و «عبلة» بين ذراعيه و كليهما في حضرة الآخر أمنًا، و لكن بسبب دخولها و اندفاعها استيقظ «وليد» و هو يفتح عينيه على مضضٍ فتفاجأ بـ «جميلة» تقف متسمرةً بحيرةٍ لا تدري ماذا تفعل، فتحدث هو بنبرةٍ متحشرجة نتيجة استيقاظه:
جميلة !! "
سألته هي بخبثٍ:
آه جميلة يا ليدو، قولي بقى بتعمل إيه هنا و إيه اللي نيمك كدا؟"
ابتسم هو حينما تذكر مرحهما سويًا حينما دار بها في الغرفة حتى سقطا على الأريكة سويًا فوجدها تبكي رغمًا عنها و هي تظن أن عودته من نسج خيالها الذي أتعبه شوقها له حتى غفيت بين ذراعيه بعدما ربت هو عليها و طمأنها بوجوده، و فجأة خرج من شروده و هو يقول بنبرةٍ هادئة لكنها فرحة:
فضلنا نهزر مع بعض شوية لحد ما هي نامت بين إيدي و أنا بصراحة اتلككت علشان أحضنها، من ساعة اللي حصل و أنا مش عارف أنام و دي أول مرة عيني تغمض"
ردت عليه هي بلمحة حزن أثرت عليها:
هي كمان شافت كتير يا وليد، كانت كل يوم تصحى تعيط في حضني أو حضن طارق، كل يوم كابوس يصحيها من النوم و تفضل تلوم نفسها، عبلة بتحبك أوي و الله"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه يقبل قمة رأسها و بعدها انسحب من جوارها ثم حملها حتى يضعها على الفراش، ابتسمت له «جميلة» على حنانه المفرط، فوجدته يغمز لها ثم قال بخبثٍ:
هبقى أقول لطارق يعملك كدا"
ابتسمت هي بيأسٍ منه فوجدته يبتسم هو لها ثم خرج من الغرفة، فاقتربت هي من «عبلة» حتى توقظها و تطلب منها ما أتت لأخذه، لكنها تفاجئت بـ «عبلة» تنتفض في نومتها و هي تقول بخوفٍ:
وليد !! هو فين ؟!"
ردت عليها «جميلة» تطمئنها:
اهدي اهدي....وليد كويس"
سألتها هي بلهفةٍ:
يعني هو كان هنا بجد ؟! أنا مكنتش بحلم صح ؟!"
ابتسمت لها ثم قالت:
كان هنا و كان نايم جنبك على الكنبة، و هو اللي شالك ينيمك على السرير كمان، و أنا اللي دخلت و شوفتكم سوا"
ردت عليها هي بحنقٍ حينما تذكرت:
و إيه اللي دخلك بس يا جميلة ؟! ليه يا فقر قطع الأرزاق دا ؟"
ردت عليها بضجرٍ:
قومي يا حلوة، كلنا طلعان عنينا تحت و أنتِ هنا في حضن وليد، قومي يا بت"
ابتسمت «عبلة» بفرحةٍ ثم قفزت عليها تقبلها و هي تقول بمرحٍ:
هقوم و أساعدكم و ارقص كمان، هاين عليا أزغرط، وليد رجع، رجع يا جميلة"
ابتعدت عنها بضيق و هي تقول منفعلة بحنقٍ:
خلاص يا زفتة، يعني هو راجع من العُمرة ؟! قرفتونا انتو الاتنين، و نكدتوا علينا و على طارق"
ابتسمت لها «عبلة» و هي تقول بخبثٍ:
طارق ها ؟! كل اللي شاغلك طارق ؟! الله يرحم أيام ما كانت جوازتكم بالغصب"
أشارت لها حتى تقترب منها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
تعالي يا عبلة قربي....عاوزاكي"
اقتربت منها بمرحٍ فوجدتها تمسك خصلاتها و هي تقول بحنقٍ من بين أسنانها:
كان حلال فيكي الطلاق علشان تتربي، بقيتي سافلة"
ضحكت «عبلة» و هي تقول بتوسلٍ:
خلاص خلاص بهزر و الله، يا ستي قلبك أبيض بقى"
تركتها «جميلة» فوجدتها تحتضنها بقوةٍ و كلتاهما تضحك من قلبها على الأخرى.
_________________________
في شقة «طه» أنهت «خديجة» أخر حروف الطارة بعدما أضافت تفصيلةً صغيرة و هي تلك الجملة التي سبق و كتبها لها «ياسين» يوم خطبتهما و هي:
رَقِــيـقٌ بِــمّا يَـكْـفِي لِــيُـنـاسِبَكَ"
ابتسمت هي باتساعٍ حينما رآت ما صنعته بيدها بكل حبٍ حتى تقدمه لأخيها، و فجأة وجدت «طه» يقف أمامها و هو يقول بمرحٍ:
كنت متأكد إنك هتعملي واحدة ليهم، أصل مش معقول خديجة متوصلش حبها ليهم"
ابتسمت هي له فوجدته يجلس بجانبها و هو يقول بحماسٍ:
وريني بقى عاملة إزاي ؟!"
اعطتها له بتوترٍ خشيةً من رد فعله فوجدته يُبدي إعجابه من خلال قوله:
يا بنت اللذين ؟! دي تحفة يا خديجة، ما شاء الله"
سألته هي بلهفةٍ:
بجد ؟! يعني مش وحشة؟ أنا حاسة أني مزوداها، بس هي اتعملت بمزاج رايق من تاني يوم ولادته"
ابتسم لها والدها و هو يقول بفخرٍ:
جميلة زيك بالظبط، كل حاجة فيها حلوة زيك و الله، بس أنتِ عرفتي إزاي إسمه من قبل حتى يا يسموه ؟!"
ابتسمت له و هي تقول بحماسٍ:
لما اتولد روحت سألت وئام هتسموه إيه قالي إن وليد هو اللي هيسميه علشان هو و هدى متفقين على كدا، و لما روحت لوليد اتخابثت عليه شوية و قولتله لو أنتَ اللي هتمسيه هتسميه إيه؟ قالي إنه هيسميه نفس الإسم اللي كان نفسه يتسماه، وأنا علشان طنط مروة كانت بتحكيلنا حكاية الفارس اللي أنقذ بلده، ساعتها قولت أكيد هيبقى فارس، و زي ما توقعت طلع فارس"
ابتسم هو لها بحنانٍ و كأنه يراها للمرةِ الأولى، فوجدها تُخفض رأسها بخجلٍ منه، حينها اقترب منها يجلس بجوارها ثم احتضنها و هو يقول بعاطفةٍ أبوية:
و أنا زي ما اتوقعت إنك حلوة أوي يا خديجة، يا بخت الواد ياسين بيكي، خدك معاه طول العمر"
ابتسمت هي بفرحٍ له فوجدته يطالعها و هو يقول بنبرةٍ تائهة:
حرام عليا أني حرمت نفسي من نعمة وجودك، دا أنا طلعت بحبك أوي"
رفعت عينيها تطالعه بدهشةٍ و لكن رغمًا عنها اختلطت دهشتها ببكائها، فوجدته يحرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ مختنقة من كتمه للدموع:
بحبك أوي كمان، و عرفت كدا لما سبتيني، قيمة الحاجة بنعرفها لما تضيع مننا، أنتِ مضعتيش مني، بس أنا ضيعت كل الوقت الحلو اللي كان ممكن أعيشه معاكي و أنتِ في حُضني"
احتضنته هي بقوةٍ وهي تبتسم بحبٍ فوجدته يربت بيده على رأسها ثم حرك رأسه حتى يُقبل قمة رأسها، و هي بين ذراعيه تُشدد عناقها له حتى تنعم بدفء ذلك العناق.
_________________________
في شقة «وليد» نزلها هو بعدما خرج من شقة «عبلة» ثم دلف غرفته حتى يقوم بتبديل ثيابه إلى أخرى بيتية مُريحة حتى يستطع التحرك بها مع الشباب، فارتدى هو بنطالًا باللون رياضيًا باللون الأسود و فوقه سترةً خريفية "سويت شيرت" باللون الرمادي، و قبل خروجه من الغرفة وجد والدته تدلف الغرفة و في يدها كوبًا من العصير و هي تقول بمرحٍ:
حبيب قلب ماما، أشرب العصير دا علشان متهبطش مني، وحشتني أوي"
ابتسم هو لها ثم اقترب منها يأخذ الكوب منها ثم أرتشف منه و بعدها قال بمرحٍ:
عصير مانجا ؟! دي بتطلع للغالليين بس على رأي خلود"
ردت عليه هي بحنانها المعتاد:
و هو فيه أغلى منك برضه على قلبي؟! رغم إنك تاعبني و واجع قلبي بحركاتك دي، بس خلاص مفيش بُعد تاني عننا"
ابتسم هو لها ثم قال بهدوء:
مفيش بعد تاني خلاص، بس فيه حاجات كانت لازم تتغير، بس مش مهم خلينا نفرح بالمعلم الصغير"
بعد حديثه و مرحه مع والدته تركها و نزل للشباب الذين استمروا في الضحكات و السخرية حتى دلف هو، فقال «ياسين» بضجرٍ زائف:
أهلًا !! أهلًا بالبيه الندل اللي سابنا محتاسين، كنت فين يا حلو؟"
طالعه بلامبالاةٍ ثم جلس بجوار «عامر» الذي قال بسخريةٍ:
خلاص يا جماعة محدش يحرجه، هتلاقوه كان قاعد مع الجاموسة بيودعها"
ضحكوا عليه جميعًا، فسأل «ياسر» بتعجبٍ:
صحيح هي فين أنا مش سامع ليها صوت، هي لسه ماجتش هنا"
رد عليه «وئام» مُفسرًا:
لأ موجودة في المخزن المقفول اللي تحت، بابا و عمامي معاها تحت و كنت سامع عم طه بيقول إنه هيغير هدومه و ينزل"
تحدث «خالد» يقول مُستحسنًا:
طب كويس إنها ليها مكان تبات فيه، عم لُطفي الندل بياخد بيات الليلة بـ ١٠٠ جنيه"
رد عليه «وليد» بوقاحته المعتادة:
ليه بايتة في أوضة نوم أمه ؟!"
للمرة التي يفشلون في عدها ارتفع صوت ضحكاتهم جميعًا حتى شاركهم الضحك هو الآخر، فتحدث «وليد» يسأل بطريقةٍ جادة:
بجد و الله مش بهزر ليه ١٠٠ جنيه في الليلة، دا لو هتبات على سرير أمه مش هياخد كدا"
رد عليه «عامر» مفسرًا بسخريةٍ:
علشان الإضاءة و علشان المياه و علشان الخدمات اللي بيقدمها للجاموسة"
رد عليه «حسن» بتهكمٍ:
إيه هي الخدمات مش فاهم يعني ؟! أكيد مش جايبلها عمرو دياب يغنيلها أول يوم في البعد"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
لأ هتلاقيه جايب لها أحمد شيبه يغنيلها أنا بتقطع من جوايا و نسيت طعم الفرح"
ارتفع صوت ضحكاتهم مرةً أخرى و كلًا منهم يضرب كفيه ببعضهما و هم يتخيلون منظر المُطرب و هو يُغني بجوار الماشيةِ.
_________________________
في الطابق الأول اجتمعت النساء مع بعضهن بأكملهن و هن يقومن بالتجهيز لذلك اليوم بحماسٍ و الضحكات منتشرة بينهن كحال الشباب في الأسفل، حتى نزلت «خديجة» خلف والدها و جلست معهم جميعًا وسط تلك الجلسة المُضحكة و التي محت آثار الأسبوع المُنصرم بآلامه، و فجأة انسحبت «هدير» من بينهن حينما هاتفها زوجها ثم أرسل لها طالبًا منها أن تسبقه نحو شقة والدها، امتثلت هي لمطلبه و بعد مرور ثوانٍ من دخول الشقة وجدته خلفها، اقتربت منه تسأله بلهفةٍ:
إيه يا حسن خضتني؟! أنتَ كويس صح؟!"
ابتسم لها وهو يقترب منها ثم قال بصوته الرخيم:
أنا كويس علشان شوفتك دلوقتي، وحشتيني أوي النهاردة"
ابتسمت له هي بتشككٍ فوجدته يقول بنبرةٍ ضاحكة:
طب و الله وحشتيني أوي، بُصي أنا مرة واحدة حسيت أني عاوز أقولك حاجة مُهمة"
سألته هي بترقبٍ فوجدته يأخذ نفسًا عميقًا ثم قال بفرحةٍ سيطرت على صوته:
أول مرة من زمان أجي البيت هنا و أحس أني منهم، طول عمري كنت بحس أني غريب وسطهم، و دا كان غصب عني يا هدير، علشان طول عمري حاسس أني غريب على الدنيا كلها، بس حاليًا أنا هنا بصفتي جوزك أنتِ، يعني أنتِ السبب"
ابتسمت هي بفرحٍ و العبرات تلمع في عينيها فوجدته يقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال بنبرةٍ ممتنة لها:
ربنا يباركلي فيكي يا هدير، يا كل ورثي من الدنيا دي، أنا هبات تحت مع الرجالة، و لو عرفت هسحب نفسي و أجيلك"
ابتسمت هي بسمةٍ يائسة فوجدته يسألها بترددٍ و خجلٍ:
هدير ؟! ينفع تحضنيني؟"
حركت رأسها موافقةً و هي تقول ببسمةٍ هادئة:
من غير ما تطلب يا حسن، تعالى"
فتحت ذراعيها بعد جملتها تلك فوجدته يقترب منها حتى تحتضنه، و بعدها رفعت كفها تربت على ظهره، فوجدته يقول بصوتٍ مختنق:
إحساس اليُتم اللي بيجيلي دا مفيش حاجة قادرة تمشيه غير حُضنك يا هدير، أنا بكره إحساس أني غريب في الدنيا، بس معاكي أنا بلاقي فيكي كل أهلي و ناسي"
ابتعدت عنه تطالعه بدهشةٍ فوجدته يبتسم لها ثم أمسك كفها بين كفيه يربت عليه، و فجأة وجدته يقول بمرحٍ:
عن إذنك بقى هنزل علشان ورايا شكارة رُز هنقيها و دي أهون من تقطيع البطل"
ضحكت هي بقوةٍ عليه فوجدته يغمز لها ثم لوح بكفه حتى يودعها، فنظرت هي في أثره بفرحةٍ كبرى ثم تنهدت بعمقٍ.
_________________________
صعدت «خديجة» إلى شقتهم بعدما طلبت منها والدتها ذلك، و بمجرد دخولها الشقة وجدته خلفها يطرق الباب، تعجبت هي و ظنت انها شقيقتها لكنها تفاجأت حينما وجدت زوجها، فابتسمت له و هي تقول بمرحٍ:
إيه يا عم ياسين ؟! بقالي كام ساعة مش شايفاك قُصادي، نسيتنا ولا إيه؟"
أغلق هو الباب خلفه و هو يقول بسخريةٍ مرحة:
أنساك دا كلام ؟! متجيش أبدًا دي و أنساكي، أنسى الكتكوتة برضه؟"
أبتسمت له و هي تسأله بتشككٍ:
طب و إيه اللي جابك دلوقتي ؟!"
قلب عينيه و كأنه يفكر في الجواب و فجأة وجدته يقول بنبرةٍ هادئة محتفظة ببسمتها:
بصراحة ؟! وحشتيني أوي، و قولت قبل ما أنام اتطمن عليكي"
اقتربت منه تقف أمامه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
أنا كنت هكلمك علشان أقولك إن اليوم حلو أوي، رجوع وليد و بابا و كلامه ليا، و وجودكم مع بعض، أنا حاسة أني فراشة والله بجد، بس مع التفكير لقيتك أنتَ السبب في كل دا، ربنا يديم وجودك الحلو ليا"
سألها هو بحيرةٍ زائفة:
ليه هو أنا عملت إيه يعني علشان تشكريني؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ مؤكدة:
نظرات وليد ليك و نظراتك ليه كانت بتقول إن أنتَ السبب إنه يرجع، لما أنتَ بصيتله و غمزت أنا اتأكدت إنك ليك يد، أنتَ طيب أوي و حلو أوي و أنا بحبك أوي و نفسي أفرحك زي ما أنتَ مفرحني، أعمل إيه علشان افرحك"
اقترب منها هو يمسك كتفيها ثم قبل رأسها و بعدها نظر في عينيها و هو يقول بنبرةٍ هادئة و صوتٍ رخيم:
عاوزك علطول فرحانة علشان أفرح أنا كمان، عاوزك تثبتي ليا أني قد الأمانة و إني حافظت على وصية سيدنا محمد ليا، أنتِ وصية الرسول يا خديجة، و رياض كان علطول يقولي علشان تبقى راجل يبقى تحافظ على عهدك مع ربنا و تنفذ وصية الرسول، و أنا بحاول و الله علشان ربنا يكرمني فيكي دايمًا"
لمعت العبرات في مقلتيها فوجدته يمد يده يمسح تلك الدموع ثم ابتسم لها فوجدها هي تحتضنه و هي تبكي رغمًا عنها، فابتسم هو بيأسٍ من تلك الدموع لكنه رفع ذراعيه ثم ضمها إليه و هو يقبل رأسها.
_________________________
كان «أحمد» جالسًا مع الشباب و معه «عمار» بقربه، و فجأة وصلته رسالةٍ تطلب منه الصعود فوق سطح البيت، تعجب هو الرسالة و محتواها و خمن أنها «خلود» تشاكسه كعادتها، فانسحب هو من بين الشباب حتى يصعد إلى السطح، و حينما صعد وجده فارغًا قطب جبينه بتعجبٍ باديًا على ملامح وجهه و قرر المغادرة و قبل أن يعود أدراجه وجد «منة» أمامه و هي تبتسم له، فسألها هو بنبرةٍ جامدة:
أنتِ بتعملي إيه هنا ؟! و إيه اللي مطلعك في الوقت دا؟"
اقتربت منه تقف مقابلةً له و هي تقول بطريقتها المتصنعة:
أنا طلعت هنا علشانك، كنت عاوزة أقولك حاجة مهمة"
سألها هو بنفس الجمود:
خير ؟! و بعدين جبتي رقمي منين أصلًا؟"
ردت عليه هي بمرحٍ:
جبته من على فيسبوك، هغلب يعني يا أحمد؟"
عند رؤيته لدلالها بتلك الطريقة شعر بالتقزز منها فقال بحدةٍ:
أنتِ عاوزة إيه يا منة ؟! خير إن شاء الله؟"
ابتسمت له و هي تقول:
كنت عاوزة أشكرك على موقفك النهاردة معايا، أنا كنت متأكدة إنك مش هتقدر تنساني"
رد عليها هو بحنقٍ:
نــعم !! أنسى مين ؟! و أنساكي ليه و أنا مش فاكرك أصلًا ؟!"
ردت عليه هي ببراءةٍ زائفة:
مش هتقدر تنساني علشان أنتَ بتحبني، أنا عارفة من بدري، بس موقفك معايا النهاردة خلاني اتأكدت إنك بتحبني"
طالعها هو بدهشةٍ غير مُصدقًا عن ماذا تتفوه فوجدها تقترب منه تمسك يده و هي تقول بفرحةٍ و كأنها سمعت اعترافه للتو:
و أنا كمان بحبك يا أحمد، بحبك أوي كمان"
رمش هو بأهدابه عدة مرات و هو يحرك رأسه بتعجبٍ في نفس اللحظة التي شهقت بها «خلود» و تسمرت «سلمى» في مكانها بعد استماعمها لجملة «منة» و لكن دون أن ينتبه عليهما «أحمد»، و لكن ذلك المأذق كيف سيخرج منه؟!"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم شمس بكري
كل مُدن الجمال عادية أمام عيونك....كُل الأماكن شاغرة و إن كانت مزدحمة؛ بدونك
_________________________
الطيور على أشكالها تقع و أنا طيرٌ حُر و أنتِ لم تليقين بي، سبق و قلبي طلب منكِ الوصال، فـ تعاليتي عليه بالدلال، و بعدما دار الزمان رغبتي في وجودي ظنًا منكِ أنني أصبحتُ أمرًا مُحال، صدق من قال تأتي الرياح بما لا تشتهيه السُفن، فها أنتِ أتيتِ و أنا أؤكد لكِ أن وجودي مَعكِ يُشبه الخيال.
_"أنا كمان بحبك يا أحمد، و بحبك أوي كمان"
تفوهت «منة» بذلك بعدما أمسكت كفه على عين غُرة و كأنها ترد على اعترافه لها، بينما هو رمش بأهدابه ببلاهةٍ لا يصدق حديثها، و على الطرف الأخر وقفت كلتاهما تتابع ما يحدث بعدما أخرجت «خلود» شهقةً قويةً و «سلمى» بجوارها دموعها تنزل رغمًا عنها و حينما همت بالمغادرةِ أمسكتها «خلود» و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
اقفي نشوف أخرتها، متكرريش غلط ناس قديمة مرة تانية و تتسببي في جروح للناس"
طالعتها بعينيها الدامعتين بنظرةٍ تائهة، فوجدتها تومأ لها برأسها تحثها على التوقف حتى تتابعا ما يحدث و قبل أن تتحدث «سلمى» أوقفتها الأخرى بقولها الصارم:
وعد مني يا سلمى، لو حصل حاجة تزعلك أنا بنفسي هاخد حقك حتى لو منه هو"
بكت «سلمى» من جديد و هي تحرك رأسها تطالعهما سويًا، فوجدتها تسأله بتعجبٍ من صمته:
أنتَ ساكت ليه يا أحمد ؟! بقولك بحبك أنا كمان و عارفة إنك بتحبني، رد عليا"
حرك رأسه للأسفل ينظر لكفها الذي يمسك كفه فابتسم بسخريةٍ ثم ابتعد عنها يزفر بضيقٍ منها و من تصرفاتها، فسألته هي بقلقٍ:
أنتَ ساكت ليه؟! مش أنتَ بتحبني؟! قول و متداريش يا أحمد"
أغمض عينيه بألمٍ ثم التفت لها يقول بنبرةٍ جامدة:
أخـــرسي !!"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ فوجدته يقول منفعلًا في وجهها:
أحب مين ؟! أحبك أنتِ ؟! ليه هو أنا مجنون علشان أبلي نفسي بيكي ولا إيه ؟!"
ابتسمت «خلود» على الطرف الأخر بينما «سلمى» تبدلت نظرتها إلى الدهشة من حديثه فوجدته يتابع من جديد:
أنتِ مينفعش تتحبي يا منة، و لا ينفع حتى أفكر فيكي مجرد التفكير، أنتِ هوا"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
بس أنتَ كنت مهتم بيا قبل كدا و نظراتك كمان، أنا عرفت النهاردة"
ابتسم هو بسخريةٍ وهو يقول:
سبحان الله !! عرفتي النهاردة و أنا جايبك من خناقة شباب عليكي ؟! و بعدين أنا كنت أهبل لما فكرت فيكي، كنت فاكر نفسي بفكر في الهنا طلعت بظلم نفسي و قلبي معاكي، فوقي يا منة"
حركت رأسها بتعجبٍ و هي تقول بغير تصديق:
يعني إيه؟! أومال موقفك معايا النهاردة كان إيه؟"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
كان موقف رجولة لواحدة متعرفش يعني إيه أدب و أخلاق، أنا واحد طالع من شغلي لقيت شباب بيتخانقوا على بنت و هي واقفة فرحانة بنفسها، و لولا العشرة و وجود حسن معايا أنا كان زماني مشيت عادي"
سألته هي بنبرةٍ تائهة:
أنا كنت فكراك غيران عليا، نظراتك كانت بتقول إنك متضايق"
_"منك....أنا متضايق منك أنتِ، اللي بتعمليه في نفسك صعب أوي، خروج و سهر و شلة و لبس ضيق، و حجاب ساعات و ساعات، لولا أني عارف إن أهلك ناس طيبين كنت غلطت فيهم"
رد عليها هو بذلك بنبرةٍ جامدة يلقي بسهام حديثه أمام وجهها، و الأخرتين تستمع له في الخلف، أما هي حينما رأت فشل ما أتت لفعله، سألته بلهفةٍ مرةٍ أخرى:
أنا ممكن أسيب كل دا علشانك، ممكن اتغير لو أنتَ هتساعدني"
رد عليها هو بثباتٍ:
و أنا مش عاوزك أصلًا علشان اساعدك، أنا واحد في حالي مش بتاع قرف، مينفعش اروح أربط نفسي بالقرف كله، مشكلتك إنك فاكرة نفسك حاجة"
طالعته بدهشةٍ من طريقته الفظة معها فوجدته يقول بنبرةٍ جامدة:
مش مستوعبة صح ؟! أنا غلطت مرة زمان لما فهمت عيني إنها مشغولة بيكي، و دي الحقيقة أنتِ مشغلتيش غير عيني بس، لكن لما عرفت يعني إيه القلب يحب عرفت إنك بالنسبة ليا مجرد حاجة بتعدي قدام العين و خلاص، لكن تتحبي لأ"
سألته هي بتهكمٍ:
و هو أنتَ بقى بتحب مين؟"
رد عليها هو بتبجحٍ:
مش شغلك أنا بحب مين، حاجة متخصكيش، اللي بحبها دي حاجة متتقارنش بحد أصلًا، منة خرجيني من دماغك أحسن"
ردت عليه بثقةٍ:
مش هعرف خلاص، اتشغلت بيك زي ما أنا شغلتك قبل كدا"
تهجمت ملامح وجهه و هو يقول بسخريةٍ لاذعة:
المصيبة إني كنت بفتكرك غصب عني، عارفة أنتِ عاملة زي إيه ؟! أنتِ عاملة زي الصداع يا منة، بيجي بالغصب للإنسان، بس لو ريح حبة حلوين و خد مُسكن هيرتاح، هو أنتِ كنتي صداع بس الفرق أني مخدتش مسكن، أنا خدت علاج نهائي منك لما سلمت قلبي للي ضامن إنها تستاهله، زي ما أنا بحارب علشان استاهلها"
ابتسمت «سلمى» بفرحٍ و هي تجاهد حتى لا تركض إليه تحتضنه بعد حديثه، بينما «خلود» تحدثت تقول بفخرٍ:
توب الرجولة متفصل عليه، حبيب قلب أخته دا"
في الداخل اقترب هو منها ثم قال بجمودٍ و بطريقةٍ فظة:
خرجيني من دماغك زي ما أنا عميت عيوني عنك، علشان اللي زيك مرار للقلب، و أنا قلبي واخد على الورد ملوش في الصبار....ها هتعرفي تنزلي و لا أنزلك أنا، بس بطريقة مش كويسة خالص"
رمقته بغيظٍ ثم التفتت حتى تتركه، فوجدته يقول بخبثٍ من خلفها:
منة ؟! اللي حصل النهاردة كله من أوله لأخره مش هجيب سيرته لحد، و أنا فاهم أنتِ كنتي طالعة ليه، أنا مش واطي علشان أروح أقول لأهلك على عمايلك السودا و أقهرهم، بس لو كترتي ساعتها لساني هيفلت و أنا لساني لو فلت بيبقى صعب"
غادرت من أمامه و قبل أن تخرج من الباب وجدتهما أمامها و كلتاهما تنظر لها بتشفٍ، فبادلتهما النظرة بأخرى متوعدةً، ثم تحركت من المكان، فركضت «خلود» نحو شقيقها تحتضنه و هي تقول بفخرٍ:
أنا فرحانة بيك أوي، أنتَ تستاهل كل خير يا أحمد"
ابتسم هو على طريقتها ثم لف ذراعيه حولها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا اللي فرحان بيكي و فخور إنك أختي يا خلود، أنا بحبك أوي على فكرة"
ابتعدت عنه و هي تبتسم له فوجدت «سلمى» تقترب منهما و هي تبتسم بخجلٍ و عينيها يكسوها الاحمرار، فحمحم هو بتوترٍ حتى يُجلي حنجرته، فوجدها تنبس بترددٍ و كأنها تجاهد حتى تتفوه أمامه:
بص أنا أسفة، بس أنا مشيكتش فيك و الله، بس للحظة خوفت أكون بوهم نفسي، خوفت تحصل حاجة تكسر عشمي فيك، بس أنا بشكرك يا أحمد علشان مخيبتش ظني، و شكرًا علشان تستاهل محاولاتي علشانك"
ابتعد عن شقيقته ثم اقترب منها يقف مقابلًا لها و هو يقول بنبرةٍ متريثة:
أنا من الأول بصيت لعيون غُرب على قلبي و كنت فاكر هتونس بيهم، كنت زي اللي اختار الغربة يعيش فيها تايه و يسيب وطنه، أنا عمري ما حبيتها، علشان أنا مبحبش الغُربة"
ابتسمت هي له فوجدته يغمز لها، أخفضت رأسها بخجلٍ منه، فأمسكت «خلود» يدها و هي تبتسم بثقةٍ هي الاخرى و قبل أن تتحرك أيًا منهما، سألهما هو بتعجبٍ:
صح هو انتو طلعتوا إزاي ؟! إيه اللي طلعكم هنا؟!"
ردت عليه «خلود» مُردفةً:
كنا تحت و شوفناك و أنتَ طالع قولنا نطلع نرخم عليك شوية، مكنتش أعرف إن الحربوئة دي هنا، بس هو إيه اللي حصل علشان تقولك موقفك معايا؟"
زفر هو بقوةٍ ثم قال معاندًا لها:
أنا مش هقولك علشان أنتِ سمعتي كل حاجة، و دي بنت زيك، يعني لمي نفسك بدل ما ألمك أنا"
ردت عليه هي بحنقٍ:
هتشل لو معرفتش التفاصيل، طب بص احكي حاجات مبالغ فيها و أنا هخمن معاك"
ابتسم رغمًا عنه لهما ثم تحرك من أمامهما متجاهلًا نظرة الفضول التي تنبثق من عينيها، و بمجرد خروجه ابتسمت لرفيقتها ثم احتضنتها بقوةٍ ورافق فعلتهم تلك أصوات صراخ مُبهجة.
_________________________
في الأسفل نزلت السيدات بالطعام للرجال حتى يتناولون العشاء معًا، و خلفهن «مُشيرة» بصينية كبيرة عليها العديد من أنواع الحلويات التي قامت هي بإعدادها و هي تقول بمرحٍ:
عملالكم شوية حلويات كدا تتسلوا بيها بعد الأكل إنما إيه، يا رب تعجبكم"
ابتسموا لها جميعًا، بينما «عامر» اقترب منها يقول بمرحٍ:
وريني يا عمتو عاملة إيه ؟! و لا أقولك يا حجة مشيرة؟"
ضحكوا جميعًا عليه، بينما طالعته هي بحنقٍ و هي تقول:
أنتَ قلبك أسود ليه ياض أنتَ ؟! و بعدين الحلويات دي علشانهم كلهم مش علشانك أنتَ"
رفع طرف أنفه يرمقها بوجهٍ ممتعض فوجدها تبتسم له ثم قالت بنبرةٍ مرحة:
بهزر معاك خلاص، أمسك الصينية دي مني، و أنا هطلع أعملكم الشاي"
رد عليها «ياسين» مقاطعًا لها بمرحٍ:
لأ متتعبيش نفسك، أنا هعمله ليهم، أنا تخصص شاي في العزومات و المناسبات"
رد عليه «خالد» متدخلًا:
أيوا بصراحة الليلة دي مش هيظبطها غير ياسين و الشاي بتاعه، مهندس فيه"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص بألف هنا عليكم، أنا هطلع علشان أشوف الستات و أعشيهم هما كمان، لو احتاجتوا حاجة كلموني"
رد عليها «عامر» بمرحٍ حتى يشاكسها:
ألف شُكر يا حجة، ربنا يكرمك"
رمقته بغيظٍ فوجدته يقول بنفس مرحه المعتاد:
بهزر يا عمتو، أنتِ شكلك لسه مخدتيش عليا"
طالعته بيأسٍ ثم غادرت من أمامهم، بينما هو نظر للحلويات بين يديه و هو يقول باشتهاءٍ واضح في نبرته:
يلهوي يا جدعان، أنا و الحلويات دي كلها لوحدنا !! و مع بعض"
رد عليه «وليد» بحنقٍ:
نعم يا روح أمك ؟! بتاعتنا كلنا، أنا بقالي أسبوع باكل من الشارع و دوقت المُر، عاوز حاجة حلوة تنسيني بقى"
رد عليه «عامر» بتهكمٍ:
و هو أنتَ فاكر نفسك خليل مطران؟ رايح تبكي على الأطلال قدام البحر؟ اتوكس، أنا لو مكانك كنت طلعت كلت لقمتين حلوين و شربت كوباية شاي و لا كأن حصل حاجة، قولتلك قبل كدا كل مشكلة ليها اوردر أكل"
بعد حديثه ركض «وليد» فجأة فوجده يفر هاربًا نحو الداخل و هو يصرخ و الحلويات معه، و مع ارتفاع الضحكات عليهما، نظر «حسن» لـ «عمار» و هو يقول بيأسٍ ممتزجًا بالحيرة:
هو أنتَ أخوه إزاي ؟! بجد و الله، إزاي بطن واحدة هي اللي شالتكم أنتو الاتنين ؟!"
ابتسم له «عمار» و هو يقول بيأسٍ و قلة حيلة:
قسمتي و نصيبي، بس حظي الحلو إنه أخويا علشان بصراحة طول عمره في ضهري"
ربت «حسن» على كتفه و هو يقول بفخرٍ:
ربنا يباركلك فيه، عامر قلبه أبيض و طيب و دمه الخفيف هو اللي محبب الناس فيه"
أنهى جملته فوجد «عامر» و بجانبه «وليد» يضع يده على كتفه و كليهما يتذوق من الحلويات و كأن شيئًا لم يكن، و هما يضحكان سويًا بصخبٍ جعل الأعين تتابعهما بتعجبٍ، فتحدث «طارق» يقول ساخرًا بتعجبٍ:
دا سحر أسود أكيد، خليهم هما في الحلويات و سيبونا إحنا مع الأكل الحلو دا"
أيده الجميع و هم يلتفون حول المائدةِ التي أعدتها فتيات العائلة و نسائها، بينما «عامر» ترك «وليد» و الحلويات ثم ركض يجلس على الطاولة وسطهم، فتحدث «وليد» يقول بضجرٍ:
أنتَ واطي يا عامر، سبتني علشان الأكل، طب و ربي ما فيه حلويات تاني ليك"
لوح له بيده وهو يقول بلامبالاةٍ:
مش مهم كلت منها كتير، يلا بس تعالى ناكل علشان نشوف ورانا إيه"
_________________________
في الطابق الأول اجتمعت نساء العائلة بأكملها حول المائدة الطويلة و كانت تلك المرة الأولى التي تجتمع فيها النساء مع بعضها دون أن ينقصهن واحدةٍ، كانت جلستهن مريحة و مرحة خالية من الشوائب القديمة التي كانت تحتل نفوسهن، و فجأة تحدثت «مشيرة» تسأل بتوترٍ طفيف و هي تحاول فتح الحديث مع «خديجة»:
بقولك صح يا خديجة ؟! كلمتي أهل ياسين و البنات علشان يجوا بكرة ؟! يعني... يقضوا اليوم معانا و يفرحوا بالعقيقة"
طالعهما البقية بقلقٍ، بينما «خديجة» حركت رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
كلمتهم و هيجوا إن شاء، و أكدت عليهم يجوا بدري"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم لها فوجدتها تحرك رأسها موافقةً ثم أخفضت رأسها تنظر في الطعام أمامها و هي تحاول الثبات أمام الجميع، حتى وجدت «خلود» تميل على أذنها تقول بهمسٍ:
فيها عِبر الدنيا كلها، بس عليها طبق حلويات و طاجن أم علي يخليكي تبلعي ليها الزلط"
حاولت «خديجة» كتم ضحكتها فوجدتها تضيف بنفس الهمس:
و الحاجة التانية هي جميلة بنتها، البت دي عسل أوي و تتحب، عيبها الوحيد إنها بنت مشيرة"
زادت ضحكتها أكثر من قبل فوجدتها توكزها في ذراعها حتى تلفت الأنظار عليهما، بينما «هدى» تحدثت تقول بنبرةٍ مرحة:
إحنا نبوس فارس بقى علشان جمعنا كلنا سوا كدا، و الله دا يوم ولا في الأحلام"
ردت عليها «زينب» بطيبتها المعتادة:
ربنا يباركلك فيه يا هدى و تفرحي بيه أنتِ و وئام"
ابتسمت لها «هدى» و هي تؤمن وراء دعائها، و من بعدها استمرت الأحاديث الفرحة و «عبلة» معهن تتحدث بمرحٍ و كأنها تبدلت إلى واحدةً أخرى بعد عودته حتى شاكستها «جميلة» بقولها:
شوف اللي كانت منكدة علينا كلنا، عمالة تتكلم و تضحك كمان"
ردت عليها هي بضجرٍ يشبه ضجر الأطفال:
يا رخمة متفضليش تفكريني كل شوية، و بعدين أنا كنت مكتئبة علشان وليد كان بعيد عني، صحيح في قربه مبهدلني، و بقعد بالأسبوع معرفش عنه حاجة بس أنا مليش غير قربه و وجوده"
ابتسموا لها جميعًا فقالت هي بنبرةٍ بها خجلٍ من فِعلتها القديمة:
زي ما هو اتوجع مني كان لازم أجرب اللي هو شافه، مع إن دا ميجيش نقطة في بحر وجعه، بس أنا مش هسيبه تاني، و مش هينفع اسيبه"
كانت النظرات لها بين فخورة و بين أخرى متعاطفة و بين أخرى نادمة على ما فعلته، و لكن أكثرهم كانت مراعاةً لها هي «خديجة» التي أشارت لها حتى تتحدث مع بعد انتهاء الطعام.
أنهوا طعامهم و قاموا بتنظيف الطاولةِ ثم تحركت «خديجة» أولًا و «عبلة» خلفها بخجلٍ، حتى ابتسمت لها ثم قالت برقتها المعتادة حينما رآت رأسها المنكسة للأسفل:
ارفعي راسك يا عبلة، متتكسفيش مني، مالك؟"
تهدج صوتها و هي تقول بنبرةٍ أوشكت على الاختلاط بالبكاء:
علشان كنت سبب في زعل وليد....أنا عارفة غلاوته عندك عاملة إزاي، و أنا المرة دي اتغابيت كتير، أنا أسفة علشان حطيت نفسي في مقارنة واحدة معاكي، كان لازم أفهم إنك متتقارنيش بحد"
ردت عليها هي بنبرةٍ هادئة كعادتها:
و أنا مش زعلانة منك و هو أكيد مش هيزعل، وليد طيب أوي و حنين يا عبلة، هو بيحاول علشانك و مشيل نفسه الذنب، بس هو ملوش ذنب إن كل دنيته تعانده كدا، وليد جميل أوي و الله، و على فكرة هو فعلًا مينفعش نتقارن ببعض، لأن أنا أخته و مهما كان علاقتي بيه هتفضل علاقتك بيه ليها نظرة تانية، علشان أنتِ مراته و حبيبته و شريكته في الحياة اللي ربنا قسمها له هو، يعني روح واحدة و ربنا ألِف بين قلوبكم سوا علشان تكملوا الطريق مع بعض، مينفعش حد عاقل يقارن بين الأخت و الزوجة لأن غصبٍ عننا المشاعر مختلفة، هتفضلي أنتِ برضه ليكي مكانة تانية"
رفعت رأسها و هي تطالعها بدموعها و تقول:
وليد طول عمره معتبرك محطة أمان، طول عمره شايف فيكي حاجة غير الكل، منكرش أني كنت بستغربها ساعات، بس لما كان بيتكلم في الليلة اللي دي، قالي إنك الوحيدة اللي مكسرتيهوش، وليد شاف معاكي كتير أوي يخليه ميأمنش لحد غيرك يا خديجة، ياريت أقدر اساعده و أساعد نفسي معاه"
ابتسمت لها و هي تقول:
هتساعديه، طول ما قلبك محركك معاه هتساعديه يا عبلة، خليكي معاه و حاوطيه، اتكلمي معاه و شاركيه اللي جاي و فكري معاه في بيتكم و حياتكم، بلاش لما هو يبعد تسكتي أنتِ للبعد دا، وليد طول عمره نفسه في مأوى يشبه قلبه، و أنتِ جميلة زيه بس محتاجة تتحركي معاه شوية علشان تقدري تعدي معاه السكة"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ فوجدتها تربت على يدها و هي تحثها على الحركة خلف قلبها و الانصياع له.
_________________________
في الأسفل عند الشباب أجتمع «حسن» مع «أحمد» في الشرفة و هو يقص عليه ما حدث مع «منة»، و بعدما انهى سرده سأله الأخر بنبرةٍ جامدة:
تحب اربيهالك ؟! دي بجحة أوي ، ليها عين تتكلم بعد ما شوفناها في موقفها دا؟! واحدة تانية تحط عينها في الأرض مننا"
زفر هو ثم قال:
أنا ربيتها بالكلام و لو عملت حاجة تاني أنا هقول لعم سالم أحسن، أنا ما صدقت حياتي تنضف شوية يا حسن، على يدك كنت خاربها و مطنش للدنيا كلها، مش عاوز أرجع تاني أحمد القديم، أنا عاوز أفضل أحمد اللي بيحارب علشان سلمى"
ربت «حسن» على كتفه بفخرٍ ثم قال بهدوء:
يبقى خلاص شيلها من دماغك زي ما شيلتها من قصاد عينك، و افتكر إنك بتحاول و محدش بيحاول و محاولته بتضيع، افتكر يا أحمد إن المحاولة نفسها هتعلمك كتير أوي"
حرك رأسه موافقًا له ثم تحرك من أمامه يجلس مع الشباب في الخارج، بينما «حسن» ابتسم وهو ينظر في أثره ثم تنفس بعمقٍ و بعدها أخرج هاتفه حينما وصلته رسالةٍ منها فابتسم بشدةٍ حينما وجد المكتوب:
ها نقيت الرز و لا لسه يا أبو علي؟"
أسفل تلك الجملة ارسلت له رمزًا تعبيريًا و هو غمز بطرف العين و كأنها تشاكسه، فتحولت بسمته إلى ضحكةٍ طفيفة ثم ارسل لها بسخريةٍ:
لسه ياختي، كنا بناكل و بعدها كل واحد هيقعد يعمل حاجة، بس خير يعني بتكلميني ليه؟"
عند رؤيتها للرسالة، ارسلت له بضجرٍ و أصابعها تتحرك بعنف:
أنا متربيتش بطمن عليك، روح شوف كنت بتعمل إيه أنا غلطانة"
أبتسم هو عند رؤيته لرسالتها و خصيصًا و هو يتذكر هيئتها اثناء الكتابة، لكنه قام بتسجيل رسالةٍ صوتية بصوته الرخيم:
خلاص يا ستي بهزر معاكي، و كويس إنك كلمتيني أنا واقف لوحدي في البلكونة و مش شايف القمر و كنت قلقان، بس طلعت بكلمه أهوه"
أرسل لها رسالته و هو يبتسم بخفةٍ و أعينه ينبثق منها شعاع الفرح لما يشعر به بسببها هي، بينما هي في الأعلى ارتدت سماعتها حينما رآت رسالته الصوتية و هي تجلس وسط النساء، و حينما استمعت لكلماته و صوته، تنفست بقوةٍ ثم ارسلت له بأنامل مهتزة:
طب كدا أنا اتثبت منك و دي حاجة جديدة عليا، قولي مش محتاج مساعدة؟"
ارسل لها كتابةً:
لو أنتِ اللي هتساعديني أنا محتاج جدًا بصراحة و محتاس، لو حد غيرك، اطمني جوزك جامد"
ابتسمت هي مرةً أخرى ثم أرسلت له مُلصقًا و هو عبارةٍ عن قلبًا باللون الأحمر و أسفلة جملة
خلي عندك قلب و دوس على القلب"
قطب جبينه بتعجبٍ عند رؤيته تلك الجملة و ضغط على الملصق فوجد صورته تظهر له و أسفلها:
طلعت أنتَ اللي جوة القلب"
ضحك هو بقوةٍ حتى وصلت ضحكته إلى القهقهات من طريقتها الغريبة، و من بعدها ارسل لها كتابةً:
لو أنا جوة القلب فأنتِ كل القلب"
اغلق هاتفه بعدها ثم وضع في جيبه و من بعدها خرج للشباب يجلس معهم و يحظى بمرحهم، فوجد الضحكات تنتشر بقوةٍ و هم يسخرون على بعضهم، فسأل هو بتعجبٍ:
خير مين اللي معمول عليه الحفلة و بيتضحك عليه؟"
رد عليه «ياسر» بنبرةٍ ضاحكة:
عامر، بيحكيلهم إزاي اترفد اسبوع من المدرسة بسبب علبة كُشري"
طالعه بتعجبٍ فوجده يقول بفخرٍ:
أنتَ مكنتش موجود، بص يا سيدي كنت جعان و طلبت معايا أكل كشري في المدرسة، المهم أني طلبت من الفراش و هو مرضاش يخرج، روحت واقف على السور بس منطتش مهمًا كان أنا برضه عندي أخلاق، و حدفت الفلوس للراجل بتاع الكشك و قولتله يجبلي علبة كشري و هاخد من عنده إزازة بيبسي، و هو وافق، المهم المديرة مكتبها بيطل على المدرسة كلها، شافتني و أنا قاعد على السور، صرخت من فوق و فضلت تزعق، روحت ناطط لبرة من خضتي، و دخلت الكشك لحد ما عمو جه، و من غبائي بقى طلعت على السور تاني بس خوفت على علبة الكشري تبوظ لو نطيت بيها علشان أنا كنت مخلي الراجل يمسكهالي، قولت خلاص أقعد أكلها و نبقى نشوف الحوار هيخلص على إيه، و يدوبك خلصت علبة الكشري و لسه هطلب منه البيبسي لقيت المدرسة كلها واقفة تحت السور، و من هنا لهنا خدت رفد أسبوع و أسمي اتكتب على لوحة المشاغبين طول الترم"
زادت الضحكات مرة أخرى عليه، فقال «وئام» بيأسٍ:
أنا كنت فاكر إن مفيش حد شقي في الدراسة و بتاع مشاكل غير وليد أخويا، الحمد لله طلعت نسخة منه بس بمرح شوية"
تحدث «ياسين» يسأله بتعجبٍ:
هو وليد كان زي الأستاذ كدا ؟!"
رد عليه «طارق» بضجرٍ حينما تذكر:
من ابتدائي و هو بيجيب مصايب، مرة كسر لواحد سنانه علشان خديجة، و ساعتها دفعنا فلوس لأبوه علشان يسكت"
اتسعت أعينهم بدهشةٍ فقال هو بجمودٍ:
أعمل إيه يعني ؟! واحدة نزلالي تعيط و تقولي يوسف ضربني بالقلم، أسمي على أمه؟"
سأله «ياسين» بحنقٍ:
هو عملها إيه الحلو دا إن شاء الله؟! يعني أيه يضربها يعني؟"
رد عليه «حسن» بسخرية:
يا عم دا كان من زمان، أنتَ مزعل نفسك ليه؟"
تحدث «وليد» يقول بثباتٍ:
الحلو كان واقف على الفصل و هما صغيرين و هي جنبها صاحبتها بتكلمها، و هو علشان يثبت نفسه قدام صاحبتها علشان بيحبها رسم الشبحنة على وش أختي"
سأله «عمار» بحذرٍ و ترقب:
طب هو لما عمل كدا أنتَ عملت إيه؟"
ابتسم هو بثقةٍ و هو يقول:
هو رسم بالشبحنة على وش أختي، و أنا رسمت بالكرامة على رجولته"
اتسعت الأعين بقوةٍ بينما هو عاد بذاكرته إلى الماضي و هو يقص عليهم ما حدث
( منذ عدة سنوات)
في وقت الفسحة الدراسية و حينما كان «وليد» في الصف الأول الاعدادي و «خديجة» في الصف السادس الابتدائي، نزلت له و هي تبكي بقوةٍ و وجنتها حمراء و كأنها ملتهبة و ما جعل الأمر يزداد سوءًا هو تورمها، فسألها هو بخوفٍ:
مالك يا خديجة ؟! مين عمل فيكي كدا مين مد إيده عليكي"
ردت عليه هي من بين شهقاتها:
يوسف....يوسف اللي معايا في الفصل، سما كانت بتكلمني و هو جه ضربني أنا علشان كان واقف على الفصل.....أنا معملتش حاجة والله....كلهم ضحكوا عليا"
احتضنها هو بقوةٍ و هو يربت على ظهرها بحنانه المعتاد عليها ثم قبل رأسها و من بعدها ابتعد عنها و هو يقول بهدوء:
اطلعي الفصل أنتِ و لو حد كلمك عرفيني و أنا هشوف الموضوع دا بعد المدرسة"
حركت رأسها موافقةً ثم سألته بخوفٍ:
وليد !! لو ضحكوا عليا تاني أعمل إيه ؟! أنا عمالة أعيط علشان ضحكهم"
ابتسم لها بخبثٍ و هو يقول:
خليهم يضحكوا و أنا برضه هبقى أضحك معاهم"
حركت رأسها موافقةً حينما فهمت مقصده، بينما هو صعد إلى فصله و هو يفكر في أخته حتى نهاية اليوم الدراسي، اجتمعا سويًا في منتصف الحوش و هو يتفحص المكان بعدستيه و كأنه فهدًا ينتظر فريسته، حتى وجده يركض مع أصدقائه، حينها أمسك كفها ثم اقترب منه و هو يوقفه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
ضربت خديجة ليه يا يوسف؟! هو فيه راجل يمد إيده على بنت برضه؟"
رد عليه «يوسف» بتبجحٍ و قلة حياء:
هي أختك اللي غلطت و اتكلمت و أنا واقف على الفصل"
_"إيه يعني اتكلمت و أنتَ واقف على الفصل؟! هو أنتَ واقف إمام مسجد يعني؟"
رد عليه «وليد» بذلك بطريقته المعتادة مع الجميع منذ صغره، بينما الأخر اغتاظ من طريقته فقال مُردفًا:
بقولك اتكلمت و أنا واقف على الفصل، هي اللي غلطت و أنا عاقبتها"
و بنفس الطريقة المعتادة قال:
غلطت و أنتَ عاقبتها ؟! ليه بتتعلم في قسم النزهة بروح أمك ؟! ولا إيدك متتمدش على أختي بدل ما اقطعهالك"
عض «يوسف» على شفته السفلى و على حين غرة دفع «خديجة» التي كانت تقف بجوار أخيها و هو يقول معاندًا له:
طب أهوه بقى"
قبل أن تقع على الأرض أمسكها هو بيده كعادته حتى اعتدلت في وقفتها، بعدها تنفس بعمقٍ و على حين غرة و خاصةً حينما رآى الفتاة التي يحبها ذلك الولد، أخفض جسده ثم انزل بنطال «يوسف» فجأةً و قبل أن يدرك الآخر الوضع و يقوم بدفعه عرقله «وليد» بقدمه حتى سقط أرضًا ثم مال عليه ينهال عليه بالضربات و كل ما يتخيله هو منظر بكائها و وجنتها الحمراء، و ظل مستمرًا في ضربه و هي تحاول ابعاده عنه حتى أتى أحد المُعلمين ثم فصل بينهما أخيرًا.
(عودة إلى الوقت الحالي)
كان يقوم بسرد الحكاية أمام الجميع بثباتٍ و فخرٍ، ة بعد نهايته لسرد الحكاية أضاف:
هو حب يرسم نفسه و يعمل شبح عليها و هزر معاها، أنا برضه هزرت معاه بس بطريقتي"
رد عليه «عامر» بنبرةٍ ضاحكة:
مش متخيل إن ممكن ياسين مرة يزعل أختك و تيجي تعمل فيه زي ما عملت في يوسف، يا رب متحصلش"
ضحكوا عليه جميعًا، بينما «ياسين» قال بحنقٍ طفيف:
أنتَ عارف أني عمري ما أعمل كدا، و عارف كمان إنها في عيني، أنا اللي مضايقني هو إنها علطول غلبانة و بتتاخد في الرجلين"
رد عليه «وليد» بثقته المعتادة:
و أنا عيشت طول عمري بقطع الرجل اللي بتفكر تاخدها، خديجة قبل ما تكون أختي هي بنتي"
سأله «عمار» بنبرةٍ حائرة:
طب و هما عملوا إيه فيك بعد كدا ؟! أكيد المشكلة كبرت"
تدخل «طارق» يقول بمرحٍ:
أبو الواد طلع ندل و خد فلوس تعويض عن اللي حصل و علاج سنانه كانت علينا إحنا"
ازدادت الضحكات مرةً أخرى فتحدث «وئام» يقول بضجرٍ:
أنا قولت هيكبر يدخل الجيش و يتربى بس هما خافوا علشان هو بتاع مشاكل و عمو محمود كلم صاحبه و خلصله الموضوع من غير ما يروح، و خد إعفا، أنا أروح الجيش و هو لأ"
طالعوه جميعهم بقلة حيلة، بينما «خالد» قال بحنقٍ:
نفس اللي حصل مع عامر، قولنا هيروح الجيش يتربى و فضل يعيط يوم التقديم و الكشف، و إحنا معاه زعلانين علشانه بس الحظ خدمه كالعادة"
سأله «وليد» بنبرةٍ ضاحكة:
ليه عمل إيه؟! هو المفروض يكون دخل الجيش علشان عمار"
رد عليه «عامر» بفخرٍ ممتزج بالمرح:
هقولك يا سيدي، روحت أقدم و أخلص الكشف الطبي و أنا متأكد أني هقبل علشان طولي و جسمي، أنا ١٧٨ سم و أكيد يعني هيقبلوني، يطلع على حظي الحلو إن فيه واحد قريبه واسطة جامدة أوي و جايبله إعفاء، بس هو علشان فقر ورقة إسمه وقعت من الظابط و علشان يلحقوا الدنيا قبل ما تتعك قالوا كل اللي جُم النهاردة إعفاء و ملهمش جيش و ساعتها ختمولي الورق إعفا علشان معرفتش أجري كويس، و طلعت براءة من الجيش"
ارتفعت ضحكات الجميع عليه، بينما «أحمد» قال بتعجبٍ:
لأ بجد اللهم ربع حظك يا عامر، تخيل تبقى سالك و أبيض لدرجة إن الواسطة تخدمك من غير ما تعرفك"
رد عليه «ياسين» بمرحٍ:
هو هو نفس الحظ اللي خلى الفوج يجي بليل بدل الصبح و هو يتولاهم و في يوم و ليلة يتحول من منظم للأفواج السياحية لمدير الشركة كلها"
رمش بعضهم ببلاهةٍ فقال هو بفخرٍ:
الحمد لله طول ما قلبك ابيض يبقى هتعيش مرتاح، أنا ماشي زاهد في الدنيا دي، بتفاجأ بكرم ربنا عليا و رحمته بيا"
تدخل «ياسر» يقول بنفس الضحك:
مرة و عمار في تالتة إعدادي تحديدًا في الترم الأول، كان الكمبيوتر بيضاف للمجموع و عمار مكانش يعرف حاجة فيه، و إحنا كنا عند المدرسة بناخده بعد الامتحان، بس اللي حصل السنة دي كان ولا الأفلام"
ابتسم «عمار» بخجلٍ حينما تذكر ما حدث، بينما الشباب انفجروا الضحكات و هم يتذكرون ما حدث في ذلك اليوم، و مع إلحاح «وئام» و «أحمد» بدأ «خالد» في سرد الحكاية
(منذ عدة أعوام)
أمام مدرسة «عمار» الإعدادية، و كان اليوم هو اليوم المخصص لامتحان مادة الحاسب الآلي و في ذلك اليوم كانت أعصاب الشباب متوترةً لأجل أخيهم نظرًا لجهله في تلك المادة و التي لم يدرك هو أنها تضاف للمجموع، و فجأة خرج العامل من المدرسة و هو يقول:
معرفش يحل حاجة يا أستاذ عامر، المدرسة كلها فوق مش عارفة تحل و المراقبين دول غُرب، معرفش حد فيهم"
نفخ وجنتيه بضيقٍ، فتحدث «خالد» يقول بنبرةٍ حائرة:
طب هنعمل إيه ؟! إحنا اتفاجئنا إمبارح إنها بتضاف، ياسين أنتَ مذاكرله قد إيه فيها؟"
رد عليه «ياسين» بضجرٍ:
يا بني أنا كنت معاه و هو بيذاكر الإنجليزي، و الكمبيوتر أصلًا ركناه على جنب قولنا خسارة الوقت يضيع عليه"
وضع يده على رأسه، فوجد «ياسر» يقول بتعجبٍ:
كمبيوتر إيه اللي بيضاف دا يا جدعان؟! هي مش دي المادة اللي كنا بنام فيها؟ بقى ليها امتحان و كمان بيضاف للمجموع؟"
حركوا كتفيهم بحيرةٍ من الأمر بأكمله، و هم ينتظرون"الفرج" كما أخبرهم «عامر»، و فجأة مرت أمامهم سيارة "الروبابيكيا" و هي سيارة مختصة في بيع و شراء الخُردة و الأشياء القديمة و رافق تلك السيارة مُكبر صوت يتحدث منه السائق، رفع «عامر» حاجبه وهو يفكر في حلٍ للجميع ، و فجأة ترك أصدقائه و أوقف السيارة، و بعد الحديث مع السائق ابتسم هو بقوةٍ ثم أخرج هاتفه تحت نظرات التعجب من أصدقائه، بينما هو هاتف ابن عمه و حينما وصله الرد قال بلهفة:
إزيك يا سعيد، بقولك المدرسة اللي أنتَ شغال فيها مدرس ألعاب، فيها مدرس كمبيوتر؟"
_"آه يا عامر، فيه عاوزه ليه؟ هو قدامي أهو واقف إشراف على البوابة"
رد عليه بذلك بحيرةٍ، فوجده يقول بلهفةٍ:
طب هاته أكلمه بسرعة، عمار جوة مش عارف يحل حاجة، يلا بس يارب عم فاروق يروح يحج"
تعجب ابن عمه من طريقته لكنه ذهب إلى صديقه ثم أعطاه الهاتف و بعد حديثه مع «عامر» و إلحاحه وافق أخيرًا و هو يضحك بيأسٍ على إعطاءه للإجابات، حينها ابتهج وجه «عامر» ثم أخذ مكبر الصوت يتوجه به نحو المدرسة و الهاتف على أذنه و هو يقول من خلال المكبر:
مدرسة الهلال الكريمة، ركزوا يا عيال علشان هقول الإجابات، اجهزوا"
ركض إليه الشباب و هم يضحكون عليه، فأكمل هو:
هبدأ بالصح و الغلط
أول اتنين صح و الباقي غلط، ركزوا"
وصلهم صوت صياح الطلاب من الداخل و هم يهللون بفرحٍ، فأعطى هو مكبر الصوت إلى «ياسين» ثم قال:
كمل أنتَ، زوري وجعني...أنا هقولك الإجابات المستر معايا على التليفون"
أومأ له «ياسين» موافقًا على مضضٍ و الأثنين الأخرين يضحكان بقوةٍ عليهما، فتابع «ياسين» بعدما عاد «عامر» المكالمة و هو يمليه الاجابات، فقال «ياسين» بصوتٍ عالٍ:
ركزوا يا عيال، هقولكم سؤال أختر كله، أول واحدة محرك البحث.......تاني واحدة برنامج الاكسل......تالت واحدة وورد ٢٠٠٨ ....رابع واحدة هتبقى اختصار للمواقع الحكومية....هقولهم تاني و ركزوا"
ضحك «عامر» بقوةٍ و الناس في الشارع بعد الجلبة التي أحدثوها، بينما «خالد» لمح «المدير» يخرج من بوابة المدرسة الخلفية، حينها شهق بقوةٍ و هو يشير لصديقيه أثناء استرسال «ياسين» في الجواب، و فجأة حينما خرج البقية خلف المدير، ركض «خالد» و «ياسر» سويًا نظر «عامر» في اثرهما بتعجبٍ و حينما لمح المدير، ركض مثلهم و هو يقول بقلقٍ:
الله يعينك يا ياسين"
بينما «ياسين» نفسه بعد انتهائه من إعطاء الإجابات، تابع حديثه بصوتٍ عالٍ يقول دون أن ينتبه لركض أصدقائه:
واد يا عمار ركز و اعمل دايرة على الاختيار بلاش خط.....عمار وضع الصح و الغلط......بقولك صح هنجيب فطار و نعمل حسابك معانا بلاش تفطر لما تخرج و تـ...."
توقف عن حديثه حينما شعر بيد أحدهم توضع على كتفه، فحرك رأسه لليسار قليلًا فوجد حينها المدير و أعوانه يتوعدون له بالنظرات، حينها حرك رأسه للأمام يقول في مكبر الصوت:
عمار !! إحنا في شقة ميمي، تعالى ورانا"
قال جملته ثم ركض و مكبر الصوت في يده و هو يقول للسائق:
تعالى ورايا يسطا علشان تاخد المَكروفون"
ضحك السائق بقوةٍ و كان يقرب عمرهم إلى حدٍ كبير و هو يسير خلفهم بسيارته، و المعلمون يقفون ببلاهةٍ ينظرون في أثره بعدما ركض هو و السائق خلفه.
(عودة إلى الوقت الحالي)
ضحك الشباب بقوةٍ حتى سقطوا من مواضعهم، حتى «عمار» الذي تذكر ما حدث و انفجر في الضحكات هو الأخر، و كلما توقفت الضحكات عادت من جديد و كلًا منهم يتخيل هيئة الشباب في ذلك الوقت و هم يركضون بمكبر الصوت، و استمرت الليلة على ذلك حتى انتهوا الشباب مما كانوا يقومون بفعله و أنتهت عليهم الأمسية بتلك الضحكات الرنانة.
_________________________
في صباح اليوم التالي قبل صلاة الجمعة حاول البعض الخلود للنوم و البعض الأخر يقوم بتجهيز و تحضير الأشياء و كان أكثرهم مرحٍ «عامر» حتى أتى عليهم الصباح، فجلسوا سويًا قبل النزول للصلاة، و أول من تحدث كان «ياسر» الذي قال بشوقٍ:
كان زماننا دلوقتي بنحضر نفسنا علشان نطلع عند ميمي بعد صلاة الجمعة، ميمي لو العقيقة دي كانت عندها كانت هتفرح أوي، ميمي طول عمرها بتفرح بالحاجات دي"
رد عليه «ياسين» بقلة حيلة:
لو كنت أعرف كنت روحت جبتها، بس هي مش هترضى، لو خلصت بدري أخد وئام و ابنه و نروح ليها"
تحدث «عامر» يقول بمرحٍ:
معاك في أي حاجة المُهم ناكل الفَتة، لو كلنا الفتة و اتحركنا كل حاجة هتبقى تمام"
دخل في تلك اللحظة «طه» و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
يا عم جهزوا نفسكم بس علشان تدبحوا، إحنا مستنيين أهوه"
رد عليه «ياسين» بإحترامٍ:
حاضر يا عمي بعد الصلاة علطول هاجي أدبح، إحنا محهزين كل حاجة من إمبارح"
أومأ له موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة لم تخلو من فرحتها:
طب يا حبيبي ربنا يكرمكم، أنا هنزل اقعد مع الرجالة تحت شوية، لحد الصلاة، عن إذنكم"
ردوا عليه جميعًا الإذن، بينما هو نزل من أمامهم حتى يجلس مع أخوته في الأسفل، بينما الشباب جلسوا سويًا مرةً أخرى.
في الأعلى قامت «خلود» بسرد ما حدث بالأمس لـ «خديجة» التي انصتت لها بتمعن حتى اتسعتا حدقتيها بقوةٍ بعد الإستماع لما حدث بالأمس، و فجأة قالت بنبرةٍ جامدة:
إيه قلة الأدب دي ؟! إزاي تعمل كدا مع ولد ميحقش ليها تلمسه و لا تتكلم معاه ؟! و الله لو أمها مش ست طيبة و معانا من بدري كان زماني قولتلها، بس هي مش هتتحمل"
ردت عليها «خلود» بأسى:
أنا كنت قلقانة أحمد يعك الدنيا و يضعف مرة واحدة، خصوصًا إن كلامها كله طريقة تصنع و خبث"
زفرت «خديجة» بقوةٍ و فجأة وجدت «ياسين» يحمحم بقوةٍ بعدما دلف الشقة و فتح الباب بالمفتاح الخاص بشقيقها، فوقفت «خلود» تقول بمرحٍ خبيث:
طب هنزل أنا بقى علشان مبقاش عزول بينكم، عن إذنكم يا كتاكيت"
ابتسمت لها شقيقتها بيأسٍ و هي تتابع تحركها من المكان، بينما هو حاول جاهدًا كتم ضحكته حتى خرجت تمامًا من الشقة و بعدها جلس بجانبها و هي تبتسم له فقال هو بمشاكسةٍ:
افضلي اضحكي كدا عليا و عاوزك تضحكي أكتر بقى لما تشوفي جوزك و هو بيدبح"
تلاشت بسمتها و امتعض وجهها وهي تقول:
يع ؟! ياسين بلاش بجد تدبح أنا عاملة نفسي ناسية أصلًا بس أنتَ كل شوية تفكرني، بجد الفكرة مرعبة أوي"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
إيه المرعب أني هدبح ؟!"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
شوف نفسك بتقول إيه !! بتقول إيه المرعب أني هدبح ؟! ياسين الجملة نفسها مرعبة أوي"
وضع يده على كتفها يضمها إليه و هو يقول مُطمئنًا لها بمرحٍ:
دا خير يا بت مالك ؟! و بعدين رياض محلفني معملش حاجة من غير ما هو يجي، هتشوفي جوزك و هو بيشرفك قدام العيلة كلها"
ضحكت رغمًا عنها و هي تقول بيأسٍ:
أنتَ ليه محسسني إنك هتاخد وسام في الشجاعة ؟! ياسين بجد أنا ممكن أخاف منك أوي لو شوفتك و أنتَ بتدبح، أنا بترعب أصلًا"
تنهد هو بعمقٍ ثم ابتعد عنها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
متترعبيش و متخافيش مني، أنتِ بنفسك هتفرحي أوي و الله لما تشوفي الأضحية و المنظر الجميل دا، سامحني يارب"
قال جملته الأخيرة بنبرةٍ خافتة بعدما أخفض رأسه، فضحكت هي عليه ثم قالت بتوترٍ:
بص أنا هفضل هنا مش هنزل اتفرج، و أنتَ بقى الله يعينك يا ياسين، ولو وليد هيقف معاك يبقى خليكم انتو الاتنين مع بعض و أنا هفضل حوالي سنة ضوئية كدا احاول انسى الموقف أو انساكم"
طالعها هو بخبثٍ و هو يقول:
طب عيني في عينك كدا هتقدري تنسيني؟! كدابة يا ست الكُل، متقدريش تنسي ياسين"
ابتسمت هي بيأسٍ ورافق بسمتها تلك الإيماءة البسيطة التي حركت بها رأسها موافقةً، فوجدته هو يغمز لها ثم قال بنبرةٍ هامسة:
على فكرة أنتِ وحشتيني أوي، بقالك كتير بعيد عني"
ردت عليه هي بتعجبٍ:
فين دا ؟! هو إمبارح بس يا ياسين، لكن طول الفترة اللي فاتت كنت معاك"
رد عليها هو بمعاتبةٍ:
بس عقلك كان مع وليد يا خديجة، كتر زعلك عليه و تفكيرك فيه بعدك عني و خلاكي كل يوم تفضلي تعيطي و مشيلة نفسك الذنب"
ردت عليه هي بخجلٍ من نفسها:
أنا أسفة و الله تعتبتك معايا، بس غصب عني كنت زعلانة علشانه هو، وجعه و جرحه كان صعب أوي يا ياسين، كلامه ليا عن الوجع و عن اللي كان بيحس بيه صعب أوي، و أنا اتعودت اداوي جروحه دي، بس المرة دي كنت عاجزة، و اتفاجئت بيك أنتَ كمان موجوع زينا"
تنهد هو بعمقٍ ثم ربت على كفها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
الحمد لله كل حاجة خلصت و عدت على خير، و ضحكتك الحلوة نورت وشك تاني، بلاش تزعلي يا خديجة علشان الزعل مش ليكي، أنتِ الحلو كله اتعمل علشانك.... علشانك أنتِ"
ابتسمت هي باتساعٍ له فوجدته يضع ذراعه عليها حتى يضمها إليه فوضعت رأسها على صدره و حينما ربت هو على رأسها قالت هي بتشككٍ:
ياسين !! أنتَ دا كله بتلهيني علشان أنسى موضوع الدبح ؟! أنسى يا بابا"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
أنتِ هتنكدي علينا و تطفحينا اللُقمة ليه ؟! الجاموسة نفسها مش معترضة على الدبح، متبقيش قطاعة أرزاق بقى يا كتكوتة"
ضحكت هي بيأسٍ فوجدته يبتعد عنها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا هدخل أغير هدومي علشان صلاة الجمعة علشان هاجي أدبـــــح علطول"
اتكأ على كلمة "الدبح" فوجدها ترمقه بغيظٍ فراقص لها هو حاجبيه ثم تحرك من أمامها و هو يدندن بصوتٍ عالٍ:
سنة حلوة يا جميل..... سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا.... سنة حلوة...."
ردت عليه هي بسخريةٍ بنبرةٍ عالية:
دي بتتغنى في أعياد الميلاد، لكن دا سبوع يا أهبل، مش عارف الفرق ؟!"
رد عليها هو من الداخل بصوتٍ عالٍ:
عارف يا كتكوتة، دا موكوس بقاله أسبوع و التاني موكوس بقاله سنين، في كل الحالات موكوس جديد اتضاف لقايمة المواكيس"
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة:
روح ربنا يجبر بخاطرك بتوأم مواكيس يا رب، علشان القايمة تزيد"
ضحك هو من الداخل بقوةٍ عليها و هي في الخارج أيضًا تضحك بقوةٍ.
_________________________
فوق السطح كانت «خلود» جالسةً و بجانبها هِرة صغيرة تقوم هي بتربيتها فوق السطح، و أثناء جلوسها وجدت «هدير» تدخل السطح و في يدها عدة مقاعد بلاستيكية و هي تلهث بقوةٍ، و لكن عند رؤيتها للهرة صرخت بقوةٍ ثم ركضت تقف على الأريكة المجاورة لها و هي تقول بخوفٍ:
ابعديها يا خلود، انزلي بيها علشان خاطري من هنا..... دخلت إمتى دي ؟! يا ناس"
اقتربت منها «خلود» بخبثٍ و القطة في يدها، فاستمرت هي في الصراخ بخوفٍ و هي تنظر للقطة في يد «خلود» التي ابتسمت و هي تقول ببراءةٍ زائفة:
فيه إيه بس يا هدير ؟! دي قطة طيبة و جميلة خالص، خايفة منها ليه ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ أوشكت على البكاء:
أنا بترعب منهم يا خلود، علشان خاطري مشيها، أنا جسمي بيتعب منهم أصلًا، أنا عندي منهم فوبيا"
اقتربت منها أكثر فصرخت أكثر فقالت لها بخبثٍ:
هعالجك من الفوبيا يا هدير، أنتِ متعرفيش إن الفوبيا حلها في المواجهة ؟!"
ردت عليها هي بذعرٍ:
علشان خاطري يا خلود بقى، و الله بخاف منهم و أنتِ عارفة.....يا ستي حرام عليكي هعيط"
خرج «حسن» من المصعد فوجدها تتوسل لها ببكاءٍ حتى تبتعد عنها بالقطة، فاقترب هو منهما و هو يسأل بتعجبٍ:
فيه أيه انتم الاتنين؟!
ردت عليه «هدير» بلهفةٍ و كأنها وجدت ملاذًا أمنًا:
تعالى يا حسن، خلود معاها قطة و عمالة تخوفني، علشان خاطري قولها أني بترعب منهم"
اقترب منهما يقف أمامها يوليها ظهره وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
معلش يا خلود هي عندها فوبيا منهم و مبتتحملش وجودهم، معلش"
ردت عليه هي بخجلٍ منه:
أنا كنت بهزر معاها بس و الله مش قصدي حاجة، أنا مكنتش أعرف حوار الفوبيا دا، أنا كنت فكراه مجرد خوف طبيعي"
ردت عليها هي بلهفةٍ:
لأ و الله فوبيا و مش بتحمل وجودهم في مكان، من ساعة ما خربشوني و أنا صغيرة، معلش يا خلود متزعليش مني"
طالعتها «خلود» ببلاهةٍ فوجدتها تضيف مُردفةً:
علشان صرخت و اتعصبت عليكي يعني، بس بجد وجودها مرعب أنا حاسة إنها زي الأسد على إيدك"
ردت عليها هي ببلاهةٍ:
هدير أنتِ بتتأسفيلي بجد ؟! الله يا جدعان ؟! بركاتك يا حسن"
طالعها الأثنين بتعجبٍ فقالت هي بسخريةٍ:
هدير الرشيد بتتأسفلي أنا ؟! عجايب و الله، دي القعدة مع حسن طلعت حلوة و مفيدة أهوه، فيه واحدة حبيبتي عاوزاكم تاخدوها معاكم يمكن ربنا ينفخ في صورتها و تتأدب أو يكرم و يعجل بطلوع روحها"
نظر لبعضهما بحيرةٍ فقالت هي مغيرةً للحديث:
خلاص خلاص مش مشكلة، المهم يعني أنا كنت بهزر يا هدير و دي أول مرة أهزر معاكي فيها، متزعليش و ياريت تقبلي هزاري"
أبتسمت لها بسمةٍ هادئة و هي تقول بهدوء:
مش زعلانة خلاص، بس بلاش هزارك يكون بالقطط أي حاجة تانية براحتك أنا معاكي فيها"
ابتسمت لها بحبٍ و على حين غرة مدت يدها بالقطة و كأنها ستلقيها عليها فوجدتها تقفز على ظهر «حسن» و هي تقول بتوسلٍ:
اجري يا حسن، بسرعة أبوس رجلك، دي حقيرة و ندلة"
ضحك هو بقوةٍ فوجد «خلود» تقترب منهما أكثر من قبل، و حينها ركض بها و هي على ظهره تصرخ بملء صوتها حتى ابتعدا عن المكان و أصبحا في الطابق الذي يسبق السطح، فتوقف وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
خلاص هبل بقى انزلي، لو حد شافنا هيقول علينا إيه؟"
نزلت من على ظهره بخجلٍ و هي تقول بتلعثمٍ:
أ...أنا أسفة بجد مأخدتش بالي.... معلش الموقف كان رخم شوية"
ابتسم هو لها و هو يقترب منها أكثر حتى التصقت هي في الحائط خلفها فوجدته يقترب أكثر و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
بقى برضه فيه حد يتأسف قدام الشخص اللي جوة قلبه ؟! طب القلب يقول علينا إيه؟"
التقطت هي مغذىٰ حديثه فوجدته يحرك رأسه باستفسارٍ بسؤالٍ لم يفصح عنه بلسانه، بينما هي حاولت الهروب من نظراته و هي تقول بخجلٍ:
يعني علشان....علشان خلود كانت واقفة.....خوفت تكون اتحرجت....يعني علشان منظرك برضه"
ابتسم هو على توترها و خجلها منه فرفع وجهها بيده و بعدما طالعها و طالع وجهها تحدث يقول بنبرةٍ تائهة:
فيه شاعر عظيم قال مرة قبل كدا
للهِ سِرُّ جمَالٍ أنتِ مَوضِعُهُ
والسرُّ حيْثُ يَشاءُ اللهُ يُودِعُهُ"
وأنتِ الجمال كله فيكي يا هدير"
رفرفت بأهدابها فوجدته يقبل وجنتها ثم ابتعد عنها يبتسم عليها و هي تقف ساكنة الحِراك، و حينما طال صمتها تحرك هو من أمامها تاركها خلفه تنظر ببلاهةٍ حتى استوعبت ما حدث للتو و حينها ركضت خلفه و هي تقول بمرحٍ:
استنى يا بني، المفروض أني أقولك ربنا يجبر بخاطرك علشان تحس بيا"
وصلتها ضحكته الرنانة بقوةٍ فركضت هي بحماسٍ أكثر.
_________________________
في الأسفل وصلت الفتيات مع بعضهن كما طلبت منهن «خديجة» حتى يحضرن اليوم بأكمله، بينما «خالد» أثناء جلوسه مع الشباب لمح صغيره يركض على الدرجات الصغيرة و هو يقول بصوته الطفولي:
بابا....خالد....بابا"
شهق هو بفرحةٍ فوجده يركض إليه حتى يحتضنه، فمال «خالد» له ثم حمله على ذراعيه و هو يقول بشوقٍ:
حبيب قلب بابا يا يونس، وحشتني أوي، عامل إيه"
حرك رأسه موافقًا بخجلٍ من الجميع فاحتضنه «خالد» مرةً أخرى و هو يقبله، فوجده يتحدث بعدة كلمات غير مفهومة و لكنه التقط منها كلمة "النونة" فقال «عامر» ساخرًا:
أنا سمعت كل حاجة بس مفهمتش حاجة، غير كلمة نونة، اعتقد ابنك فاكرها بنت و جاي يحجز؟"
اقترب منه «وليد» يحمله على ذراعه و هو يقول بمرحٍ:
حبيب قلب ليدو، تعالى يا روح قلبي أخليك تشوف النونة، مش أنتَ عاوز تشوفها ؟!"
حرك رأسه بحماسٍ، بينما «وئام» اقترب منه و الصغير على يده و هو يقول بمرحٍ له:
أهو يا يونس النونة، بوسه يلا"
مال «يونس» بجسده على الصغير يقبله على جبينه و لكن ما حدث بعدها جعل الأعين تتسع بدهشةٍ حينما أخرج «يونس» قطعة الحلويات "البونبوني" ثم وضعها على الصغير و هو على ذراع والده، فتحدث «ياسين» مردفًا بفخرٍ:
هو علشان متعود اللي معاه يدي للي معهوش و هو شايفه صغير زيه علشان كدا إداله، طمرت فيك التربية يا يونس"
تدخل «طارق» يقول بفخرٍ:
اللهم بارك ربنا يبارك فيه و يحفظه من كل شر، عسول خالص يا خالد"
تدخل «وليد» يقول باستحسان:
لأ و نزيه و شيك، بص شياكته، لابس سويت شيرت اسود و تحتيه تيشيرت أبيض و بنطلون بيج و كوتشي ابيض، الطقم دا عندي أخوه فوق، هطلع ألبسه، مين الاستايلست بتاعك يا يونس"
رد عليه «عامر» بفخرٍ:
أنا....ببعت ليهم صور الطقم و هما يجيبوه و ياسر الدكتور الرسمي بتاعه، أما ياسين هو نبع الحنان، أما خالد فهو البنك اللي بيصرف"
هزه «وليد» على يده و هو يقول بمرحٍ:
أنتَ مطلع عين العيال دي؟! أنتَ مخليهم كل واحد فيهم يعمل لسيادتك حاجة؟"
حرك رأسه موافقًا بقوةٍ و نظرات الخجل تخرج من عينيه، بينما «عمار» اقترب منه و هو يقول بمرحٍ:
تعالى لعمار، وحشتني يا يونس"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
نو.....لأ"
نظر «عمار» إلى شقيقه وهو يقول معاتبًا له بمرحٍ:
عجبك كدا ؟! من يوم ما حفظتهاله و هو مش بيقول غيرها، طب انقل على اللي بعدها"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
لأ ما هو أنا كنت غايب في باقي الحصص"
ضحكوا عليه بيأسٍ، فتحدث «وئام» بتعجبٍ:
هو حسن راح فين؟! أنا شوفته نازل مرة واحدة و افتكرته هيقعد معاهم تحت، الصلاة قربت"
رد عليه «طارق» بحيرةٍ:
أنتَ عارف دماغه، هتلاقيه راح يجيب حاجة و جاي، هو خد عربيته؟!"
جاوبه «أحمد» مردفًا:
آه مشي بيها، أنا افتكرت حد فيكم بعته يروح يجيب حاجة"
طالعوه بقلة حيلة و هم يحركون رأسهم نفيًا، بينما «وئام» شرد في صديقه و في ذهابه من أمامهم.
_________________________
في شقة السيدات دخلت الفتيات تبارك لـ «هدى» و كلًا منهن تقدم لها هديتها بعد التعارف بينهن جميعًا، فتحدثت «إيمان» تقول بمرحٍ:
طب هو فين بقى أنا عاوزة أشوفه علشان أنا نقطة ضعفي الأطفال"
ردت عليها «خديجة» بنبرةٍ ضاحكة:
هيجي دلوقتي مع باباه، أنا كلمت وئام و قالي هطلع بيه"
ردت عليها هي بشوقٍ لها:
بس أنتِ علشان وحشتيني و كدا هقوم أبوسك قدامهم كلهم، اسكتي و أنتِ عاوزة تتاكلي كدا"
ضحك الجميع عليها فقالت «ريهام» بنبرةٍ ضاحكة:
معلش يا جماعة اعذروها هي إيمان كدا، بتحب خديجة أوي"
تدخلت «هدير» تقول بنبرةٍ ضاحكة:
طب و الله أنا اللي حبيتكم أوي، و حاسة كدا إن إيمان دي شبهي في الأخر، حساها زيي كدا قلبها جامد"
تدخلت «سارة» تقول موافقةً:
فعلًا كلنا بنسمع كلامها و الله، إيمان دي أمنا كلنا، محدش يقدر يلج قصادها"
اقتربت «هدير» تجلس بجوارها وهي تقول بحماسٍ:
بقولك إيه قبل ما تمشي هاتي رقمك، أنا بفرح لما ألاقي ناس كدا، لو ينفع طبعًا"
قالت جملتها الأخيرة بحذرٍ فردت عليها هي مؤكدةً:
عيب عليكي كلها نص ساعة و تلاقي جروب على الواتساب منور بينا كلنا"
تحدثت «مشيرة» تسأل «سارة»:
أنتِ أكيد مرات عامر صح ؟! باين عليكي أوي"
قطبت جبينها بحيرةٍ فوجدتها تقول بنبرةٍ ضاحكة:
شكلك مستحملة كتير، الله يعينك، بس و الله جدع و مش سايبنا، البيت من امبارح كإن فيه حنة بلدي"
ردت عليها هي بنبرةٍ هادئة:
أيوا أنا مراته، هو بيحب الفرح و الهزار أوي، طول عمره بيكره الكئابة، اتمنى بس ميكونش أزعج الجيران"
ردت عليها «مشيرة» بلامبالاةٍ:
ما يتضايقوا، دا بيتنا و بيتهم، و بعدين خلونا نفرح بقى، هنشيل هم ليه؟"
ردت عليها «جميلة» بمرحٍ:
على رأيك، كفاية نكد يا جماعة بجد تعبتوني، أنا بسببكم قربت أهاجر، كفاية المدرسة عليا"
أيدتها «عبلة» و هي تقول:
معاكي حق أنا طالعة من دور اكتئاب طازة و الله، فرحونا بقى"
في تلك اللحظة دلف «وليد» وهو يقول ساخرًا:
ماهو أنتِ اللي منكدة علينا يا بومة، لو ربنا يكرمك و تعقلي شوية؟! بس إزاي ؟!"
طالعته بوجهٍ ممتعض فسألته والدته بنبرةٍ ضاحكة:
اهدوا بقى إحنا لسه بنقول يا هادي، أنتَ كنت فين؟"
نظر هو لزوجته بخبثٍ وهو يقول:
كنت بشوف ليه بيداري و أنا أداري كدا"
طالعه الجميع بتعجبٍ بينما والدته قالت بتيهٍ:
إيه ؟! بتقول إيه أنتَ ؟!"
رد عليها هو بلامبالاةٍ وهو يرى خجلها الذي تحاول إخفائه:
لأ خلاص متشغليش بالك، دا موضوع تخين لما يرفع هقولك عليه، المهم وئام طالع و الشباب معاه"
أومأ له الجميع بموافقةٍ، و بعد مرور ثوانٍ دلف و ابنه على يده و الشباب خلفه و كلًا منهم يطالع زوجته و كأنه يرحب بها، حتى توقفت «خديجة» ثم اقتربت من «وئام» و هي تقول بخجلٍ تخاول التغلب عليه:
أنا بصراحة كنت محتارة في هدية ليك و لا لهدى و لا لفارس نفسه، و كنت عمالة أفكر، لحد ما عملت حاجة ليكم انتم التلاتة، يا رب تعجبك"
حرك رأسه لها باستفسارٍ فوجدها تمد يدها له بالطارة التي قامت هي بصنعها له و لأسرته، فأخذها هو منها بتعجبٍ سرعان ما تحول للدهشة الممتزجة بالفرح و الحب حتى اقترب منها يقول بنبرةٍ مختنقة:
إيه الجمال دا كله يا خديجة ؟! دي أحلى هدية في الدنيا كلها، مفيش كلام يوصف جمالها"
سألته هي بلهفةٍ:
بجد ؟! يعني عجبتك بجد و لا بتجاملني؟"
رد عليها هو بنبرةٍ قاطعة:
أجاملك إيه بس ؟! دي ميكفيهاش مجاملة، أنا همشي افتخر بيها طول حياتي، طول عمرك موهوبة فيها"
ردت عليه هي بتأثرٍ:
بصراحة كنت عاوزة الهدية توصلكم بكل الحب، ة الحاجات اللي بتتعمل بالإيد دي بتخرج مشاعر كتير أوي بتوصل في الأخر على هيئة الشيء دا، أنا فرحانة أوي إنها عجبتك"
اقترب منها أكثر ثم احتضنها و هو يقول بعاطفةٍ أخوية:
أنتِ حبيبة قلب أخوكي يا خديجة، فاكرة لما كنت بقولك أنتِ و وليد كبرتوني قبل سني؟! طول عمركم عيالي مش أخواتي، الحمد لله إن أمي رضعتك، علشان تكوني عمة فارس رسمي"
ابتسمت له بحبٍ وهي تطالعه بعينيها الدامعتين فوجدته يمسح تلك الدموع و هو يقول بنبرةٍ مرحة:
يا بت كفاية دموع بقى، طول عمرك عيوطة كدا؟! مبتخلصش دموعك دي يا خديجة؟"
حركت رأسها نفيًا ببكاءٍ تأثرًا من موقفه، فوجدته يقبل رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
لو بتحبي أخوكي بطلي عياط، فكرتيني بامتحانات الثانوية و أنا رايح أوصلك، كنتي لازم تركني حبة تعيطي كدا"
ابتسمت رغمًا عنها من بين دموعها فتدخل «وليد» يقول ساخرًا:
دي مش عندها قنوات دمعية لأ؟! دي عندها قنوات النيل للمنوعات، مغرقة مصر بدموعها"
ضحكت هي بقوة فوجدت «هدى» تخطف القماشة من يد زوجها تطالعها بدهشةٍ و هي تقول:
تحفة يا خديجة، ما شاء الله ذوقك حلو و كلامك حلو حتى، جميلة زيك و الله"
تدخل «ياسين» يقول بسخريةٍ:
تخيلوا كانت مكسوفة تديها ليكم؟ كانت فاكرة إنها مش حلوة ، قولوا ليها حاجة علشان هي مش مصدقة"
تدخل «عامر» يقول بمرحٍ:
بصي هي مش حلوة أوي يعني، لو تعملي واحدة بإسمي و إسم سارة و إسم عيالي اللي لسه معرفهمش هتكون أحلى"
ضحك الجميع عليه، فقالت «خلود» بنبرةٍ مرحة:
لو بقى تعمليلي واحدة ليا بإسمي يا سلام"
أضافت «إيمان» تقول هي الأخرى:
طبعًا كدا كدا هتعملي ليا من غير طلب، أنا حبيبتك"
كانت تحرك رأسها نحو كل من يتحدث حتى رفعت صوتها تقول:
بــــس !! حاضر كل واحد عاوز هعمله من عنيا، بس مش كدا !!"
طالعها الجميع بدهشةٍ قطعها «حسن» حينما دلف المكان وهو يقول بفخرٍ ممتزج بالمرح:
بصوا أنا جبت مين ؟!"
التفت الجميع ينظرون له فابتعد هو عن الباب حتى يفسح المجال لها، و حينما وقع بصرهم عليها وقفوا جميعًا بفرحةٍ كبرى لم يتوقعوا أنها تأتي إلى هنا بنفسها تحضر تلك المناسبة العائلية، فصرخت «خديجة» و «هدير» في آنٍ واحد:
مـــيــمــي !!"
و بعد صرختمها ركضت كلتاهما نحوها و هي تستند على عكازها حتى تحتضنها و هي تبستم باتساعٍ، بينما «وليد» ابتسم لـ «حسن» حينما تأكد من ظنونه.
_________________________
بعتذر جدًا ليكم عن البارت القادم اللي المفروض ينزل يوم السبت علشان عندي أول يوم في امتحانات الفاينال يوم الحد، فأنا متأسفة جدًا بجد و إن شاء نلتقي يوم الاتنين على خير و هحاول أعوضكم عن اليوم دا، و ربنا يوفقنا جميعًا و يكرمنا برحمته الواسعة.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التاسع والثلاثون
سُبحان من جَعل تلك العيون جميلة، ليقع قلبي بهما و أصبح أنا في حُبهما ما بيدي حيلة.
_________________________
لقد مررت بالكثير و الكثير حتى اصبحت ما أنا عليه اليوم، لقد عانيت و بالقسوة مررت، حتى حياتي سئمت، و كأني مُذنبٌ أو مثل المحارب سُرق سيفي و في النهاية بمفردي بقيت، لا الفرار أنقذني و لا على البقاء استطعت، أنا من عاش كريمًا حتى الآخرين لا أؤذي حتى تفاجئت في نهاية المطاف أن من ذاق مني الأذىٰ كان نفسي.
_"مــيــمــي"
تفوهت بها كلًا من «خديجة» و «هدير» و من بعدها ركضا نحوها تحت نظرات التعجب من الأخرين، حتى ارتميا عليها و كلًا منهما تستقر أسفل ذراعها حتى انتبهت «خديجة» لوضع «هدير» المماثل لوضعها فابتسمت لها الأخرى و كأنها تقول لها سأخبرك، و في لمح البصر اجمتعت بقية الفتيات حولهن و أصوات فرحهم و حديثهم المرح برؤيتها تنطلق في المكان، و بقية العائلة تقف بملامح مستنكرة حتى تحدثت «ميمي» تقول بقلة حيلة:
طب اقعد طيب علشان طلعت السلم و رجلي تعبتني، قعدوني يا عيال"
أخذتها «خديجة» و «هدير» أيضًا و أجلسوها على الأريكة وسط السيدات، فتحدث «ياسين» مُردفًا للجميع:
دي ميمي يا جماعة، أمنا اللي ربتنا و كل حاجة لينا، انتو شوفتوها في فرحي، هي كانت موجودة"
اجتمعوا حولها يرحبون بها بحبورٍ و تحية وتقدير لوجودها بين الجميع، حتى أتت لها «هدى» بعدما اشار لها زوجها و معها «فارس» و هي تمد يدها لها و رافق فعلتها تلك قولها:
اتفضلي شوفيه إسمه فارس"
حملته «ميمي» على يدها بمشاعر كثيرة و تأثر ظهر في عينيها و ملامحها و هي تجاهد بالثبات أمام الجميع و هي تطالع الصغير على يدها حتى تحدثت تقول بصوتٍ مختنق إثر فرحتها:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم بارك، ربنا يجعله خير الذرية الصالحة، و تشوفيه أحسن واحد في الدنيا كلها"
اقتربت منها «هدى» بتأثرٍ و دون أن تعي لنفسها قبلت رأسها ثم قالت بنبرةٍ متأثرة:
ربنا يبارك في وجودك و شكرًا لدعواتك الحلوة دي، ربنا يكرمنا و تستجاب"
طالعتها «ميمي» بعينيها الدامعتين ثم أخفضت رأسها تطالع ذلك الذي استكان على يدها و كأنه وجد ملاذًا أمنًا له، فابتسم «حسن» و هو يقول بمرحٍ ساخر:
أنتِ عملالنا سحر يا ميمي ؟! الواد نام على إيدك !!، دا عيوطة زي ناس كدا بقى"
رمقته «هدير» بتوعدٍ في تلك اللحظة، بينما البقية ابتسموا على حديثه، فقالت هي مُفسرةً:
أي طفل في الدنيا دي لما حد كبير بيمسكه لازم يهدى على دراعه، و دي حاجة معروفة، أو يمكن أنا اللي سري باتع بقى"
قالت جملتها الأخيرة بمرحٍ، فتحدث «وليد» بتأثرٍ:
دي حقيقة، الحنية اللي عندك يا ميمي مش موجودة في الدنيا كلها، و يا بخت القلوب اللي حنيتك تداويها"
ابتسمت له هي بمعاتبةٍ اتضحت على معالم و جهها و نبرتها عند قولها:
لسه فاكر !! نسيت ميمي يا أستاذ وليد ؟! أنا مش هتكلم قصادهم، ليك روقة"
اقترب منه هو ثم جلس مقابلًا لها على ركبتيه وهو يقول معتذرًا:
أنتِ مينفعش تزعلي مني و لا ينفع إنك تقللي من مكانتك علشان أنتِ عارفة غلاوتك عندي، بس حقك عليا برضه"
رفعت كفها تمسح على رأسه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
مش زعلانة منك، بس عاوزاك تفضل زي ما أنتَ جامد و سند للي حواليك كلهم، عاوزاك تفضل وليد الجدع، بلاش يا بني تخليها تسرق منك أيام عمرك و تتفاجأ بعدها إنه ضاع منك من غير ما تفرح فيه"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها، فوجد «عبلة» تقترب منهما ثم جلست بجوراه، فوجدت «ميمي» تقول بنبرةٍ مرحة:
عبلة صح ؟! حسيت بكدا من من ساعة ما شوفتك، عاوزة أقولك يا بختك بالواد دا، قلبه أبيض و حنين و يداري مهما يداري برضه حنيته باينة"
سألها هو بدهشةٍ مرحة:
يداري مهما يداري !! هي قالتلك و لا إيه ؟!"
اخفضت «عبلة» رأسها بخجلٍ منه، بينما البقية تعجبوا منه فقال هو بنفس المرح:
وصيها عليا علشان دي جاحدة و مطلعة عيني و عين الغلبان دا، فاكرة نفسها مرات عنترة ابن شداد"
ضحك الجميع عليه بينما هي وكزته في ذراعه بملامح وجه حانقةً عليه، فابتسم هو لها و فجأة صدح صوت «يونس» يركض نحوها بعدما دلف مع «خلود» و هو يقول بمرحٍ:
تيتة !!"
ركض نحوها فوجدها تحمل الصغير على يدها، حينها اقترب منه و قبله مرةً أخرى على جبينه و بعدها غمغم بعدة كلمات غير مفهومة كعادته، فوجد «وليد» يحمله و هو يقول بمرحٍ:
أنا لو افهمك هريحك يا ابن خالد، نفسي أفهم أنتَ عاوز إيه"
تدخل «عامر» يقول بسخريةٍ:
على ما أظن بيرحب بميمي، بُص أخبطه و رجه كويس هيتعدل معاك"
ردت عليه «إيمان» بحنقٍ:
نهارك مش فايت !! يرج مين يا عامر ؟! ابن اخويا أنا، و أنا اقول الواد طالع عنده خلل ليه؟"
ضحك الجميع عليها فأضافت هي تسأل أخيها:
و أنتَ يا أستاذ خالد سايبه يرج ابنك عادي كدا؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
أنا نفسي رجيته مرتين قبل كدا"
شهق المعظم شهقة قوية مُستنكرين بها حديثه، فتحدث «ياسين» و هو يجاهد ضحكاته:
أنتو فاكرينه بيتربى بالساهل كدا ؟! لازم يتهز و يترج علشان يتعدل"
تدخل «طارق» يقول بتعجبٍ:
هو تلفزيون يا ياسين !! ما تنزله تردد جديد بالمرة ؟! أنا خوفت على الواد منكم يا عالم يا مجانين"
رد عليه «ياسر» مفسرًا بنبرةٍ ضاحكة:
يا عم بنهزر، يونس مين دا اللي يترج ؟! الفكرة إنه عنده جمل مفيدة مش قادرين نتوصل ليها"
تحدثت تلك المرة «خلود» وهي تقول بفخرٍ في ذاتها:
يبقى الحل إنكم تسيبوه ليا، هرجعه ليكم بيغني كمان، أنا حبيته أوي و الله"
طالعها «وليد» بفخرٍ و هو يقول:
معاها حق، دي ممكن تنطق العفريت، دي هتنطق فارس خالص، يونس هتغلب فيه ؟!"
في تلك اللحظة دلف الرجال خلف بعضهم من الأسفل و اقتربوا يرحبون بـ «ميمي» و تواجدها في بيتهم، و في تلك اللحظة همس «عامر» في أذن «حسن» و هو يقول بسخريةٍ:
أنا مستني اللحظة اللي بتبقى زي المسلسلات الهندي دي، و فيهم واحد يشبه على ميمي و تطلع حبيبة الحاج فايز القديمة، ياه على المتعة"
طالعه «حسن» بتعجبٍ و هو يحرك رأسه باستنكارٍ فوجده يضيف بنفس الهمس:
و الله تبقى لحظة حلوة أوي و كلها حماس كدا، بس شكله خيالي الواسع"
تحدث «حسن» يقول هامسًا بسخريةٍ:
المريض !! خيالك المريض يا أهطل، يلا يالا علشان نصلي الجُمعة"
أطاح برأسه له و هو يسخر بملامح وجهه منه، فتحدث «محمود» يقول أمرًا للجميع:
يلا علشان نلحق الخُطبة في المسجد و علشان نرجع نشوف ورانا إيه، و الستات كلها تصلي محدش فيكم يأخر الصلاة، يلا يا رجالة"
رد عليه «وئام» بمرحٍ:
كلنا جايين وراك يا عم محمود أهوه، بس معلش عندي سؤال مهم"
انتبه له الجميع فسأل هو بترددٍ:
ينفع أخد فارس معايا الجامع ؟!"
ظهر الاستنكار على وجوههم جميعًا فقال هو مُفسرًا بلهفةٍ:
قصدي يعني علشان يتعود يجي معايا، يوه محدش يبصلي كدا، أنا فرحان بيه يا جماعة"
رد عليه «مرتضى» بسخريةٍ:
يا قلب أبوك !! يلا يالا بطل هبل، لما يشد حيله شوية، دا لسه عنده أيام، إيه الهبل دا"
تدخل «محمد» يقول بمرحٍ:
يلا يا عم منك ليه، أنا عاوز أشوف ياسين و هو بيدبح، خلصونا هنتأخر على الصلاة"
طالع «ياسين» زوجته بخبثٍ فوجدها ترمقه بغيظٍ مما سيقوم بفعله، و بعدها نزل الشباب يتركون البيت خلف بعضهم و معهم «يونس» الذي أمسك يد «عامر»، بينما النساء مع بعضهن يتجهزن للصلاة، حتى اقتربت «مشيرة» تجلس بجانب «ميمي» التي كانت تطيل النظر لها و كأنها تحاول سبر أغوارها، و مع اختفاء النساء خلف بعضهن، حدثتها بخفوتٍ و هي تقول:
نورتي البيت، البركة هلت علينا بوجودك فيه و الله"
ربتت «ميمي» على يدها و هي تقول:
البيت منور بناسه يا مُشيرة، مش أنتِ مشيرة برضه ؟!"
حركت رأسها لها بتيهٍ و تشوشٍ فوجدتها تبتسم لها و كأنها تبثها الطمأنينة و لكن الأخرى تعمقت بفكرها في كيفية تعرفها على هويتها من بين الجميع.
_________________________
في الأسفل و بعد نهاية الصلاة وقف الرجال مع بعضهم يمازحون بعضهم و يسخرون على البعض حتى «وليد» الذي كان يركض مع «يونس» و خلفهما «عمار» و «حسن» و كأن اليوم يشبه صباح العيد ببهجته و مرحه، حتى توقفت سيارة أجرة أمام البيت و نزل منها «رياض» و زوجته، فعلت أصوات الرجال ترحيبًا بهما حتى صعدت زوجته إلى النساء في الأعلى، فتحدث «رياض» يقول بسخريةٍ مرحة:
ها العيال دي تعباكم في حاجة ؟؟ أنا عارف إن محدش يتحملهم و خصوصًا عامر"
رد عليه «طه» نافيًا حديثه:
لأ متقولش كدا يا أستاذ رياض، ربنا يعلم معزتهم عندنا و وجودهم فخر و شرف لينا، و خصوصًا عامر"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
حبيبي يا عم طه، خلاص هأكلك معايا من صينية الفتة بتاعتي"
ارتسم اليأس على وجوههم منه، فتحدث «وئام» يقول بحنقٍ زائف:
ما تخلص يا عم ياسين و ادبح بقى، الناس هتاكل إمتى و هنوزع إمتى ؟! ياض أخلص بقى"
رد عليه هو بنبرةٍ ضاحكة:
يا عم عيوني ليكم دلوقتي أهوه، اجهزوا و أنا هطلع أغير هدومي دي، جهزوا الأضحية"
تدخل «أحمد» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
معلش البنات هتنزل الشارع تتفرج هما قالولي استأذن منكم علشان السلم مش هيكفي"
رد عليه «محمد» بضجرٍ:
إزاي دا !! هيقفوا في الشارع وسط الناس و الزحمة و كله واقف عاوز يتفرج ؟!"
تدخل «محمود» يقول ناهيًا للموضوع:
عادي يا محمد خليهم يفرحوا، ابقوا افتحوا البوابات خلي الناس تتفرج و خلاص"
تدخل «ياسين» يقول مسرعًا:
طب أنا هطلع أغير هدومي و أنزل تكونوا جهزتوا كل حاجة و هقول للبنات تنزل كمان"
أومأوا له بموافقةٍ فصعد هو للأعلى و قبل دخوله المكان حمحم بقوةٍ حتى أذنت له «مشيرة» بعدما سمعت صوته فتحدثت هي تقول:
بيصلوا يا ياسين، تعالى يا حبيبي، عاوز حاجة طيب؟"
رد عليها هو مُردفًا:
أنا هطلع أغير و خليهم ينزلوا علشان يتفرجوا، عم محمود قالي انزلهم"
ردت عليه هي بفرحة:
حاضر يا حبيبي، ربنا يفرح قلوبكم يا رب كمان و كمان"
رحل هو من المكان بينما هي جلست بجانب «ميمي» مرةً أخرى، و هي تنظر لـ «فارس» الذي استكان على ذراعي «ميمي» و والدته تحضر له الطعام، و بقية الفتيات يقومون بتأدية الصلاة أما «ميمي» فقامت بتأدية الفرض موضع جلوسها، و «مشيرة» أيضًا، حتى ظهرت أول الفتيات و هي «جميلة» فقالت لها والدتها:
جميلة قولي للبنات ينزلوا يتفجروا على الدبيحة، ياسين طلع يغير و خالك محمود وافق و قال ينزلوا"
صفقت بكفيها معًا و هي تقول بحماسٍ شديد:
بجد !! طب أنا هقول لعبلة و سلمى و الباقي، تعالى اتفرجي معانا يا ماما"
ردت عليها «مشيرة» بتقززٍ:
لأ يا حبيبة أمك، أنا بقرف أوي، اتفرجوا انتم و افرحوا مع بعض"
تركتها و ركضت من أمامها، بينما «ميمي» قالت لها بنبرةٍ مقررة:
كويس إنها بقت كويسة معاكي، ياريتك يا مشيرة تقدري النعمة اللي عندك و رحمة ربنا عليكي، و إنه رغم كل حاجة برضه كرمك"
طالعتها «مشيرة» بريبةٍ و خوف فوجدتها تتابع بنفس الاصرار:
أنا عارفة كل حاجة، و كان نفسي أشوفك من بدري، قوليلي يا مشيرة، عرفتي حكمة ربنا من اللي حصلك ولا لسه؟!"
تنفست «مشيرة» بعمقٍ تحاول التحكم في دموعها و ثباتها فوجدتها تتابع حديثها:
اللي بيحصل كله إنها نفوس بشرية يا مُشيرة، و إن الإنسان مهما استقوى و افترى هيجي عليه يوم و يحس بضعفه قدام رحمة ربنا عليه، الحكمة من كل دا إن الوقت مهما فات على الإنسان و هو عايش جامد هيجي يوم غصب عنه و يضعف، قوليلي يا مشيرة دلوقتي أنتِ عاوزة إيه ؟!"
تنفست الصعداء ثم حاولت تنظيم نفسها و التحلي بالثبات و هي تقول بصوتٍ متهدج:
عاوزة الزمن يرجع بيا علشان افوق عن كل حاجة غلط عملتها، عاوزاه يرجع بيا علشان أحافظ على النعم اللي كانت عندي و ضاعت مني بسبب قلة عقلي، لو كنت أعرف أني هظلم ناس كدا كنت هربت و سيبتهم في حالهم"
ردت عليها «ميمي» بنبرةٍ هادئة لكنها تحمل الاصرار في ثناياها:
عرفتي يا مشيرة إن كلمة ياريت عمرها ما هتفيد بحاجة !! عرفتي إن لولا الشكر و الرضا باللي عندنا كان زماننا دلوقتي في حال غير الحال ؟! الحقي عوضيهم يا مشيرة و الحقي رجعي اللي فاتهم بسببك"
سألتها هي بتشتتٍ و تيهٍ:
تفتكري هينفع !!"
ردت عليها هي بنبرةٍ مقررة:
مفيش حد بيحاول و ربنا بيخذله، كل اللي حاولوا على الأقل حسوا بالرضا عن نفسهم، أظن إنك محتاجة ترضي عن نفسك يا مُشيرة"
حركت رأسها موافقةً فوجدتها تربت على كتفها حتى أجهشت الأخرى في البكاء و حينها احتضنتها «ميمي» أسفل ذراعها و «فارس» على فخذيها و هي تربت عليه باليد الحرة، حتى دلفت «هدير» المكان لكنها تعجبت عند رؤيتها لذلك المنظر، فرمشت بأهدابها عدة مرات، و حينما شعرت بها «مشيرة» فابتعد عن «ميمي» و هي تمسح دموعها، فتحدثت «هدير» بخجلٍ من تواجدها هنا:
أنا....أنا آسفة بس جيت أخذ فارس علشان هدى ترضعه و هرجعه تاني ليكم، عن إذنكم"
أومأت لها كلتاهما فحملته هي على يدها بعدما اقتربت منهما، ثم رحلت من المكان، فربتت «ميمي» على يدها و هي تقول:
انزلي اقفي معاهم تحت و افرحي و فرحي بنتك يا مشيرة، بلاش تقعدي هنا"
سألتها هي بصوتٍ مختنق نتيجة عبراتها:
طب و أنتِ هتقعدي هنا لوحدك؟ خليني قاعدة معاكي، أنا مرتاحة و أنا جنبك هنا"
ابتسمت لها و هي تقول بنبرةٍ مرحة:
عيالي مش هيسبوني لوحدي، هتشوفي دلوقتي بنفسك، عمري ما فضلت لوحدي"
قطبت «مشيرة» جبينها بتعجبٍ و الأخرى تطالعها بثقةٍ حتى دلف «حسن» و «خالد» في تلك اللحظة فتحدث «خالد» يقول بمرحٍ:
يلا يا ميمي، حطينالك الكرسي في موقع استراتيجي تحت علشان تعرفي تتفرجي، حاجة كدا مزاج"
اتسعت بسمتها أكثر من ذي قبل فأضاف «حسن» بفخرٍ بها:
يلا علشان البركة تحل بوجودك و دعوتين حلوين منك كدا يهدوا الجاموسة بدل ما تاخد ياسين في وشها"
ضحك عليه الموجودين فاقتربا منها كليهما يساندونها في حتى تنزل للأسفل و تشارك الجميع في تلك الأجواء المُفرحة، بينما في الأسفل وقف «عامر» أمامها و هو يقول بتأثرٍ:
صعبانة عليا والله، عشرة الكام ساعة اللي ما بيننا كانت حلوة و اتعلمت منك حاجات كتير أهمهم الصبر، و الله فراقك صعب أوي"
في تلك اللحظة وجد صفعة قوية تنزل على رقبته من الخلف، فالتفت هو ينظر خلفه و رافق التفاتته تلك تأوهه، حتى وجد «وليد» يقول بضجرٍ:
صعبانة عليك !! خلاص مفيش فتة و هكلم مشيرة اقولها تكنسل طاجن الكوارع اللي قولتها تعمله"
رد عليه هو بلهفةٍ:
لأ مع السلامة يا عم، دا أنا بحب جو العقيقة أوي، المهم خليها تدخل الطواجن في الفرن"
_"هي مين دي؟"
قالها «وليد» بتعجبٍ فرد عليه «عامر» مفسرًا ببلاهةٍ:
عمتو مشيرة !! مش قولت هتعمل طواجن ؟!"
ضحك «وليد» بيأسٍ منه فوجده يحتضنه ثم قال بهدوء:
تعرف إنك كنت واحشني أوي ؟! كنت عاوز أجيلك علشان متفضلش زعلان لوحدك، أنا مبحبش حد يزعل و يكون لوحده خالص، علشان في زعلي بلاقيهم معايا"
ابتعد عنه «وليد» يطالعه بتعجبٍ ممتزجًا بالدهشة فوجده يتابع:
لما ياسين قالي إنه عارف مكانك أنا كنت فرحان و كنت هقوله و نجيلك كلنا، بس هو قال إنه سايبك بمزاجه"
ربت «وليد» على كتفه وهو يقول بتأثرٍ:
أنتَ فيك حنية و جدعنة مش موجودة في بلد كاملة، أنا ليه مخدتكش معايا إسكندرية ؟!"
رد عليه الأخر بضجرٍ زائف:
علشان ندل، لو كنت كلمتني كنت جيت معاك و كلنا سمك سوا على البحر، بس نقول إيه عيل كئيب، حد يروح اسكندريه يكتئب فيها !! دي علاج الروح"
أتى «ياسر» و «وئام» من خلفهما فتحدث الأول يقول متعجلًا لهما:
خلص يا سيدي منك ليه، البنات نازلين و ياسين كمان، يلا يا وليد خرجها"
أومأ له موافقًا ثم قام بحل عقدتها من الحائط ثم دلف بها ردهة البيت، حتى وجد الفتيات تنزل من على درجات السلم فابتعد هو يفسح لهن المجال و حينما أوشكت «عبلة» على النزول صدح صوته يقول بخبثٍ:
الحقي يا عبلة الجاموسة فكت و نازلة السلم"
شهقت هي بقوةٍ و خوف و هي تعود للخلف و الجميع حولهما يضحكون بقوةٍ فقال هو بنبرةٍ ضاحكة:
انزلي يا هبلة انزلي، ما هي في إيدي و أنا رابطها أهوه، ربنا يتوب عليكي من الهيافة"
اقتربت منه هي تقول هامسةً بحنقٍ:
و الله ما فيه حد هايف غيرك أنتَ، صبرك عليا هوريك"
غمز لها و هو يدندن بخبثٍ:
طب ليه بيداري كدا و أنا أداري كدا و لا داري كدا....الله"
حدجته بنظرةٍ حانقة ثم ابتعدت عنه تقف بجوار الفتيات حتى نزلت «خديجة» هي الأخرى و خلفها «خلود» و «سلمى»، وقفن بجوار «ميمي» التي جلست على المقعد على مقربةً من التجمع، فاكتملت العائلة بأكملها أمام بوابة البيت و في الخلف الجيران و أطفال الشارع حتى نزل «ياسين» أخيرًا، فهلل الشباب بفرحةٍ بوصوله للأسفل، فمالت والدته على اذن «خديجة» تقول بضجرٍ:
من ساعة ما بقى بيعرف يدبح و بقى بيحس بإحساس غريب اليوم دا، عيل مقرف و الله، بيفرح إزاي بالمنظر دا"
ردت عليها «خديجة» بنبرةٍ حانقة:
بس علشان أنا على أخري منه و الله، مش متخيلة إنه يدبح و يقطع و يبقى فرحان كدا"
طالعهما هو بعينيه و فجأة تحدث يقول بنبرةٍ عالية:
وحدوا الله في قلبكم و صلوا على النبي كدا علشان ربنا يبارك، بلاش لاوية البوز علشان بتعقرب الدنيا"
رمقته «خديجة» بحنقٍ فوجدته يغمز لها و هو يحاول التحكم في ملامح وجهه، حتى تحدث «حسن» يقول بمرحٍ:
يلا يا عمنا هنوقعها و نخلص !! و لا هنبحلق كتير ؟!"
في تلك اللحظة أعطاه «خالد» السكين الكبير من الخلف حتى لا تراها الاضحية و من بعدها اجتمع الشباب فوقها حتى يستطيعون إلقائها أرضًا، و حينما حدث ذلك حينها أخفض «ياسين» جسده نحوها وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
بسم الله....الله أكبر....أشهد أن لا إله إلا الله.....و أشهد أن سيدنا محمد رسول الله.... اللهم إن هذه العقيقة عن فارس ابن وئام مرتضى.....حـــلال الــلــهُ أكـــبــر"
قال جملته الأخيرة بنبرةٍ عالية في حالة حماس من الجميع، و بعدها مُباشرةً قام بذبح الأُضحية حتى ظهرت الدماء من عنقها بعدما قام هو بذبحها على الضوابط الشرعية التي حددها الإسلام، و فور ظهور الدماء على ثيابه و ذراعه ابتعد فورًا حتى تخرج الروح منها نهائيًا، و كذلك الشباب أيضًا فحركت الأضحية حينئذٍ جسدها على الأرض بقوة، و الأطفال يهللون بفرحٍ في الشارع و كذلك الجيران و الجميع، بينما «خديجة» رغمًا عنها ابتسمت و هي تراه يقوم بالذبح و ظهر ذلك على مُحياها بفرحةٍ كُبرى زادت أكثر حينما طالعها هو و ألتقت عينيهما سويًا فابتسم هو رغمًا عنه عليها حينما اشاحت ببصرها للجهةِ الأخرى تحاول اخفاء بسمتها، حتى تحدث «طه» يقول بنبرةٍ عالية موجهًا حديثه للجميع:
يلا البنات تطلع فوق تجهز الدنيا فوق علشان لما نطلع الحاجة، يلا يا بنات"
أومأت له الفتيات بموافقةٍ ثم رحلن تباعًا خلف بعضهن إلى الأعلى، و خلفهن بقية النساء و «ميمي»، بينما الشباب بدأوا في قطع الأضحية، فتحدث «خالد» يقول مقررًا:
أطلع غير يا ياسين و انضف كدا و جهز الشوربة و أنا و ياسر هنقطع و نبعتلك على فوق و خد معاك حسن و عامر"
أومأ له موافقًا ثم ركض من أمامه، فبدأ «خالد» في فصل الجلد عن الجسد من الأضحية بمساعدة «طارق» و «ياسر» معه، بينما «وليد» و «عمار» قاما سويًا بتنظيف الدماء من ردهة البيت، حيث كان يلقي «وليد» المياه و «عمار» يقوم بمسحها حتى صدح صوت هاتف «عمار» برقم صديقه «عبد الرحمن»، حينها أخرج الهاتف من جيب بنطاله، ثم ضغط على زر الإيجاب و هو يقول:
إيه يا عبد الرحمن ؟! عامل إيه"
_"كويس الحمد لله، بقولك هتقابلني تاخد مني الملازم و لا استنى بكرة ؟! بس علشان تلحق تذاكرها الليلة دي، الامتحان يوم الحد"
رد عليه هو بإحراجٍ:
مش عارف يا عبد الرحمن، بس أنا في العقيقة دلوقتي و مش هعرف اقابلك، و لسه قدامنا وقت كتير، دا يدوبك الضهر لسه مأذن، خليها بكرة و هذاكرها لما أرجع و خلاص"
تحدث «عبد الرحمن» يقول بتمني و هيامٍ:
يا بختك يا سيدي، لأ لو كدا متجيش خلاص، فيه حد يسيب الجو العائلي دا و يجي ياخد ملزمة !! دا كدا يبقى فقري"
رد عليه «عمار» بتعجبٍ:
فيها إيه يعني !! عادي يا عبد الرحمن دي عقيقة، تعالى شوفني بعمل إيه ؟! دا أنا بمسح دم، اتنيل على عينك"
كان «وليد» يتابع المكالمة بتمعن و اهتمام يحاول التحكم في فضوله لكنه لم يستطع ذلك حتى توقف أمامه يسأله بجمودٍ:
هو أنتَ بتكلم مين يا عمار ؟!"
رد عليه «عمار» ببساطةٍ:
بكلم عبد الرحمن صاحبي في الجامعة، خير يا وليد؟!"
رد عليه «وليد» مقررًا:
طب خليه يجي يحضر العقيقة معانا، و يتعرف علينا هنا"
حرك رأسه له باستنكارٍ واضح فوجده يحرك رأسه مؤكدًا و في لمح البصر خطف الهاتف من يده و هو يحدث الأخر قائلًا بمرحٍ:
إزيك يا عبد الرحمن، معاك وليد عم الجثة الجديدة، تعالى اقعد معانا و شوف العقيقة بنفسك"
رد عليه «عبد الرحمن» بإحراجٍ:
أنا متأسف ليك، بس أنا كنت هقابل عمار أسلمه الملازم، مرة تانية إن شاء الله"
تحدث «وليد» مُقررًا بنبرةٍ حاول صبغها بالمرح:
يا عم متكسفنيش بقى، تعالى قضي اليوم معانا و إلحق دوق الفتة معانا، دي عقيقة فارس الرشيد، هخلي عمار يبعتلك اللوكيشن"
وافق الأخير بقلة حيلة أخيرًا على طلب قدومه إلى البيت ثم أغلق الهاتف معه بعدما أملاه العنوان، بينما «وليد» ابتسم لـ «عمار» و هو يعطيه الهاتف، فسأله هو بتعجبٍ:
أنتَ عزمت عبد الرحمن ليه ؟! على فكرة هو هيتكسف لما يجي هنا، ثم إنه هيجي بصفته إيه؟"
رد عليه هو بلامبالاةٍ:
هيجي بصفته صاحبك، و أنتَ مش غريب، أنتَ أخونا هنا يا عمار، المهم عبد الرحمن دا تعرفه من إمتى ؟!"
رد عليه هو بنبرةٍ عادية يشوبها حيرةٍ طفيفة:
من أول أسبوع في الدراسة ممكن من بعد مُشكلتي بتاعة زيكا كدا، ليه يعني يا وليد؟"
ربت على كتفه و هو يقول بلامبالاةٍ واهية على عكس ما يدور بخلده:
لأ متشغلش بالك أنتَ، كنت بتطمن بس، كمل بس مسح الميغة دي قبل ما صاحبك يجي، خلص يلا علشان نشوف ورانا إيه"
رحل من أمامه بعد حديثه بينما الأخر حرك رأسه بتعجبٍ في عِدة جهات بيأسٍ منه و من طريقته.
_________________________
في الأعلى قام «ياسين» بالاستحمام و تبديل ثيابه بأخرى مريحة مثل التي كان يرتديها، حتى دلفت «خديجة» الغرفة الخاصة بها و هي تقول بضجرٍ:
اسمع يا أستاذ أنتَ، هدومك دي تترمي لأ هولع فيها، مشوفش التيشيرت و البنطلون دول في حتة تاني، بص هفرمك لو شوفتهم"
ابتسم هو على طريقتها فاقترب، لكنها كانت الأسرع حينما عادت للخلف و هي تقول بخوفٍ:
ابعد !! معاك سنة ضوئية أو سنتين لحد ما أنسى المنظر دا"
رد عليها هو بحنقٍ:
نعم يا ختي !! سنة سنتين !! ليه إن شاء الله ؟! بت اتمسي"
حدجته هي بشررٍ ثم قامت بتقليد طريقته و هي تقول بسخريةٍ:
حلال الله أكبر ....و فرحان أوي بنفسك ؟! ليه أنا أشوف المنظر دا و يخوفني، الله يسامحك"
حاول كتم ضحكته و هو يقول مُفسرًا بضيقٍ:
مش بدبح على السُنة !! عاوزاني أدبح من غير ما أسمي و اكبر كمان ؟! ليه بدبح لهنود؟"
حركت رأسها بإشمئزاز فوجدته يقول بسخريةٍ:
و بعدين مالك مكبرة الموضوع ليه ؟! دي الجاموسة كانت فرحانة و أنا بدبحها، طب انكري كدا إن شكلي كان حلو ؟!"
ابتسمت رغمًا عنها من طريقته فوجدته يغمز لها و هو يقول بمرحٍ:
أهو ضحكتك أي خدمة، فُكي يا نكدية بقى، خلينا ناكل الفتة بنفس مفتوحة، دا أنتِ هتدوقي شوية شوربة، حاجة عظمة"
ضحكت هي عليه و على حديثه فوجدته يقترب منها و علامات الخبث ترتسم على وجهه، رمقته هي بشررٍ و هي تقول:
انزل يا بتاع الجاموسة شوف أنتَ رايح فين، لو قربت مني هصوت و الله"
رد عليها هو ببراءةٍ زائفة:
أنا كنت بس هسألك عاملة إيه ؟! وحشتيني و الله"
تحدثت هي بضجرٍ:
يا سلام !! ولا ؟! ابعد عني أحسنلك، هطلع جناني عليك و الله"
اقترب هو أكثر و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
طب ما طلعيه هو أنا أكره يعني ؟! ورينا جنانك يا ست الكل"
رفرفت بأهدابها فوجدته يقترب منها أكثر حتى ثبتت هي عينيها عليه فوجدته يقول بنفس الهمس:
سبحان الله خلق العيون دي جميلة و أنا وقعت فيهم و ما باليد حيلة"
ابتسمت رغمًا عنها فوجدته يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
تحولت بسمتها إلى ضحكةٍ طفيفة فوجدته يقول بنفس المرح:
و الله الواحد بقاله كتير مقالهاش و حاسس إنه مفتقدها، ما تيجي كدا أقعد أطربك بشوية غزل فصحى حلوين"
ردت عليه بسخريةٍ:
انزل يا حبيبي الناس مستنياك تحت، ربنا يهديك يا رب"
رفع رأسه بشموخٍ وهو يقول بتعالٍ:
أنا أصلًا مش عاوز افضل معاكي، دا أنتِ بت رخمة يا ستار يا رب منك، مش وش نعمة و الله"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت مؤكدة:
معلش بقى تقول إيه ؟! وش فقر ربنا يبعده عنك يا سيدي"
رد عليها هو بتهكمٍ:
ليه يا ختي ما أنا اتجوزت الفقر شخصيًا، روحي نامي و لا روحي اقعدي في حتة على جنب"
رمقته هي بغيظٍ و هي تقلد طريقته فوجدته يمسكها من أذنها و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
أنتِ بتعملي إيه يا بت أنتِ ؟! بتتريقي عليا يا خديجة ؟! طب عندًا فيكي أنا هشتغل مع عم سيد و تيتو جزار بعد الضهر، هو عرض عليا و أنا كنت رافض، و علشان غلاوتك عندي بقى هشتغل معاه يا خديجة"
شهقت بقوةٍ و هي تبعد رأسها عنه، فوجدته يبتسم لها باستفزازٍ وهو يقول بنبرةٍ مؤكدة:
و الطقم اللي مزعلك اللي أنتِ هترميه دا بقى، هخليكي متغسليش غيره طول عمرك بعد كدا، عرض مُغري يا كتكوتة"
تنفست هي بعمقٍ ثم قالت بهدوء حاولت الاتصاف به:
انزل يا ياسين ربنا بهديك إن شاء الله و تبطل هبل علشان إحنا مش ناقصين، يلا خلينا نشوف ورانا إيه العصر هيأذن"
حرك رأسه موافقًا بطاعةٍ أثارت ريبتها و حينما اقترب من الباب و مر بجوارها مال على حين غرة ثم قبل وجنتها معاندًا لها، و قبل أن تعارضه هي وجدته يفتح الباب ثم خرج من الغُرفة، بينما هي ضحكت بيأسٍ و كأنها تقول لا فائدة، و بعدها خرجت من الغرف بل من الشقة بأكملها حتى تتوجه للأسفل و تساعد البقية.
نزل «ياسين» الطابق الأول الخاص بالمناسبات فوجد «حسن» و «عامر» و معهما «مُشيرة» و «زينب» و «سهير»، دلف هو بمرحٍ فوجد «حسن» يقول بضجرٍ:
يلا يا عم ياسين بقى، جهزت الشوربة أهوه أحط إيه تاني ؟!"
رد عليه هو ببساطةٍ:
الحاجات اللي كنت مجهزها امبارح في الكيس هي دي بس، المهم اقفل عليها كويس علشان البخار"
تحدث «عامر» يقول بنبرةٍ عادية:
ياسر تحت بيقطع علطول و وليد هيطلع الحاجة على هنا علطول، المهم الرز و الحاجة جهزت؟"
تدخلت «مشيرة» تقول مفسرةً:
آه جهزتهم، الرز على النار جوة و العيش أحمد جابه من الفورنة، و سهير أهيه بتجهز حاجة الصلصة"
تدخل «حسن» يقول مُستحسنًا:
طب كدا حلو أوي، ناقص باين السلطة و دي حد يضحي و يعملها"
ردت عليه «سهير» بمرحٍ:
الاربعة الحلوين الكبار، هدير و جميلة و خديجة و عبلة، بدل الرغي يقطعوا حاجة السلطة، سيبوهم، أنا مستحلفة ليهم"
رد عليها «ياسين» مؤيدًا بقوله:
يا زين ما هتعملي و الله، لو فيه بصل بقى خلي خديجة تقطعه هي، أصلها بتحب الدموع أوي"
تدخلت «زينب» تقول بحنقٍ طفيف:
إيه يا ياسين ؟! مالك و مال خديجة خير يا حبيبي إن شاء الله"
رد عليها هو بمرحٍ و بنبرةٍ ضاحكة:
و الله بهزر، أنا اقدر أزعلها برضه ؟! دي جوة العين و الله"
تدخل «عامر» يقول بسخريةٍ:
عالم تخاف متختشيش و الله، روح يا بني ربنا يهديك، تاعب بنت الناس معاك و مبهدلها، و الله لو من العيلة المحترمة دي ياخدوها منك و تفضل هنا معززة مكرمة"
رد عليه هو بخبثٍ:
سبحان الله نفس اللي هيحصل لما الحجة أم سارة تعرف برضه إنها جوزت بنتها لمختل عقليًا"
قبل أن يرد عليه «عامر» تدخل «حسن» يقول بسخريةٍ:
أنا شايف إنكم ارتاحتوا لينا أوي، بجد و الله مشوفتش فضايح كدا في حياتي"
لوح له «عامر» بذراعه وهو يقول بلامبالاةٍ:
هو أنتم غُرب يعني يا حسن ؟! دا إحنا أهل، وعد مني لما نكون فاضيين هقولك على كل البلاوي، من أول المدرسة لحد ما جينا هنا"
سأله هو بتعجبٍ:
هو فيه غير علبة الكشري و حوار امتحان عمار ؟!"
رد عليه «عامر» بفخرٍ:
يوه مشوفتش بقى حوار علبة المحشي اللي المدير أكل منها و طلع عنده حساسية من الشطة"
ضحكت النساء عليه، بينما «ياسين» تحدث يقول بخجلٍ:
قدر و لطف يا عامر، إحنا كدا ارتحنا ليهم بجد، خلاص فضايح بقى، حماتي قاعدة"
ردت عليه «زينب» بنبرةٍ ضاحكة:
دا أنا ستر و غطا عليك يا حبيبي، احكيلي بس مصايبكم واحدة واحدة"
تدخلت «سهير» تقول بلهفة:
آه يا عامر احكي لحد ما يطلعوا باللحمة، أدينا بنتسلى، بس استنى اقطع العيش و احكيلي و أنا بقطع"
ابتسم هو باتساعٍ و هو يقول:
أنا حبيتكم أوي و الله، تحبوا نرجع من أول ما اطردت من البلد؟"
ضربت «ياسين» وجهه بكفيه معًا فوجده يقول بمرحٍ:
بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ من أول ما طردوني"
_________________________
في الجزء الأخر في الجزء المعتاد لجلوس النساء، كانت الفتيات تتحدث بحماسٍ و مرحٍ و هن يتعارفن على بعضهن، نزلت لهن «خديجة» و معها العصائر حتى ترحب بهن، ثم جلست بجوار «إيمان» التي سألتها بنبرةٍ هادئة:
إيه يا ستي فينك ؟! مش شايفاكي من بدري، خليكي قاعدة معانا أحسنلك"
ابتسمت لها و هي تقول بنبرةٍ مرحة لكنها هادئة كعادتها:
ياسين كان بيغير و كنت بديله الهدوم و قولت أجيب العصير و أجي ليكم أهوه، طالما مش محتاجين مني حاجة"
سألتها «هدير» بتعجبٍ:
محدش فيهم عاوزنا هناك ؟! حاسة إنهم هيفاجئونا بطلب يقطم ضهرنا كلنا"
ردت عليها «إيمان» بمرحٍ:
هاخدك و نخلع من هنا، شكلك كدا فرهودة مش بتاعة شغل يا هدير، و كدا هحبك أكتر و الله"
تدخلت «عبلة» تقول بنبرةٍ ضاحكة:
طول عمرها بتكره شغل البيت بس الشهادة لله، هي شاطرة أوي فيه، يعني لو اتحطط في موقف فيه شغل و مسئولية ساعتها بتسد بجد"
تدخلت «ريهام» تقول هي الأخرى:
زي سارة و إيمان يعني، الاتنين بيكرهوا شغل البيت بس شاطرين فيه أوي و خصوصًا سارة"
ابتسموا جميعًا فتحدثت «جميلة» تسأل «سارة» بخجلٍ:
هو أنتِ سارة اللي عملتي فستان فرح خديجة ؟! صح"
ردت عليها هي بوجهٍ مبتسم:
آه أنا، اشمعنا يعني؟!"
ردت عليها مفسرةً حديثها:
أصله كان حلو أوي و فيه تفاصيل كتير هادية و رقيقة، كان شبه خديجة كدا، بجد تسلم إيدك"
تدخلت «خديجة» تقول بهدوء:
و هي اللي هتعمل فستانك و فستان عبلة كمان، جهزوا الفساتين اللي عاوزينها"
تحدثت «عبلة» تقول بلهفةٍ:
بجد !! يعني ابعتلك الفستان و هتعمليه ليا زي ما أنا عاوزة ؟! اقصد يعني على مزاجي"
ردت عليها هي بتأكيد:
طبعًا و بالتفاصيل اللي تطلبيها كمان، زي فستان خديجة كدا تفاصيله كلها كان ياسين مختارها و هي معاه، اختاري كدا و شوفي و أنا تحت أمركم"
تدخلت «جميلة» تسألها بخجلٍ:
طب أنا هكون بالخمار في فرحي برضه، هتعمليلي الفستان بالخمار عادي ؟! يعني يكون زي الفستان؟"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت بودٍ:
عيوني ليكي، عملت فساتين كتيرة بالخمار لعرايس حلوين زيك كدا و شكلهم كان حلو أوي"
تدخلت «زهرة» تقول بفخرٍ:
سارة مُصممة شاطرة جدًا، موهوبة ما شاء الله، و خليت صحباتي كتير عملوا فساتين عندها، بجد تستاهل و الله علشان شغلها بكل حب"
تحدثت «ريهام» تقول بمرحٍ:
معاكي حق و الله يا طنط، زي خديجة بالظبط عملت طارة حلوة أوي عليها إسم فارس و مامته و باباه و طلعت تحفة، كانت مخبية علينا"
طالعتها «زهرة» بذهولٍ و هي تقول:
بجد يا خديجة !! بتعرفي تعملي طارارت ؟! من غير ما تعرفيني ؟! إخس هي دي الصحوبية اللي ما بيننا"
ردت عليها هي بخجلٍ:
و الله يا ماما مكنتش بقول علشان بتكسف أعملهم، بس هعملك واحدة بإسمك و كمان إسم عمو معاكي"
ابتسمت لها هي فتحدثت «هدير» تقول بفخرٍ:
عملتلي واحدة في عيد ميلادي قبل كدا و لسه معايا لحد دلوقتي في الدولاب بتاعي"
حركت «خديجة» رأسها نحوها بتعجبٍ ممتزج بالدهشة فوجدتها تقول بنبرةٍ مؤكدة:
و الله لسه معايا لحد دلوقتي، و لما روحت بيتي خدتها معايا مع حاجتي اللي كانت هنا، الطارة دي مميزة أوي علشان كانت من أول الحاجات اللي خديجة عملتها ليا"
ظهر الاستنكار على ملامح «خديجة» ظنًا منها أنها لم تُعجب بها حينذاك، لكنها تفاجأت بحديثها الآن، حتى تحدثت «هدير» تقول بمرحٍ:
ساعتها أنا مكنتش أعرف دي اسمها إيه و لا معناها إيه بس هي عجبتني اوي و أنا علشان كنت رخمة أوي مقولتش ليها، بس شيلتها في حاجاتي المفضلة"
ابتسمت لها «خديجة» بقوةٍ فوجدتها تغمز لها بمشاكسةٍ، حتى تدخلت «إيمان» تقول بتعجبٍ:
جماعة أنا قربت أمِل !! مفيش أي أنشطة ممكن نعملها هنا ؟!"
دلفت «خلود» في تلك اللحظة و على ذراعها «يونس» و هي تقول بمرحٍ:
ممكن نلعب و نغني و نرقص كمان، اللي انتو عاوزينه كله معاكم فيه"
ردت عليها «سارة» بنبرةٍ ضاحكة:
أهلًا يا خلود انضمي لإيمان بسرعة، حساكي كدا نفس الميول و الله، كدا معانا هدير و خلود و إيمان، ها مين زيهم بسرعة"
تدخلت «سلمى» تقول بتشتتٍ:
بصي أنا مُذبذبة في النص كدا يعني مليش ميول مُحددة، اعتبريني شوية شبه خلود، و شوية مليش شخصية، يعني لو تعرفي مكان أجيب منه شخصية أكون متشكرة لافضالك و الله"
ردت عليها «ريهام» بسخريةٍ:
تعالي جنب أختك يا حبيبتي، و وشوفيلنا شخصية إحنا الاتنين"
_________________________
في الأسفل عند الرجال انتهوا من تقطيع جزءًا كبيرًا من الأضحية ثم أخذه «عمار» و «وليد» إلى الأعلى حتى تتم تسويته، و بعدها نزلا سويًا حتى هاتفه «عبد الرحمن» يتأكد من البيت قبل وصوله، و بعد الوصف و الشرح اقترب هو من البيت حينما لمح الرجال يجلسون أمامه، خرج له «وليد» و «عمار» خلفه، أمعن «وليد» النظر له فوجده شابًا من نفس عمر «عمار» يبدو عليه علامات الرقي و التهذيب فحتى هيئتهه تذكره بنفس هيئة «عمار» حتى ملابسه المنمقة و تلك الحقيبة التي يحملها بيده يبدو أنها هدية للمولود، اقترب منه «عمار» بعدما تخطى «وليد» ثم رحب به و حينها اقترب منهما «وليد» يرحب به هو الأخر بقوله:
نورت بيت الرشيد يا عبد الرحمن، شرف لينا هنا وجودك"
طالع «عمار» أولًا ثم طالعه و هو يقول بخجلٍ:
الشرف ليا أنا، متشكر لحضرتك جدًا، و متأسف أني جيت كدا ، أكيد دي مناسبة عائلية"
رد عليه هو يرفع الحرج عنه:
متقولش كدا يا عبد الرحمن، معاك وليد الرشيد، اخو وئام، و عم الجثة الجديدة زي ما قولتلك، نورتنا"
مد يده له وهو يقول:
اتشرفت بمعرفتك يا أستاذ وليد، أنا عبد الرحمن عز الألفي، زميل عمار في الجامعة"
مد يده له و هو يقول بمرحٍ:
بلاش أستاذ بقى دي، أنا مش واقفلك هنا بعصاية يا عبد الرحمن، خليها وليد بس، و تعالى أعرفك على الرجالة بتاعة العيلة"
أومأ له موافقًا وهو يبتسم له، ثم سار معه قرب رجال العائلة يرحب بهم و يعرفهم بنفسه، تفاجأ هو حينما وجدهم يرحبون به بشدة و هو من ظن أن معاملتهم له ستكون جافةً، و بعد ذلك دلف للشباب في الداخل و تعارف عليهم، و حينما تعرف على «وئام» قدم له الحقيبة و هو يقول بخجلٍ:
أنا متأسف دي حاجة بسيطة مش قد المقام، لو كنت أعرف من بدري كنت جبت حاجة تليق بيكم، ياريت تقبلها مني"
ابتسم له «وئام» وهو يقول بتعجبٍ ممتزج بالحيرة من موقفه:
مكانش ليه لازمة تتعب نفسك كدا، و بعدين دا بيتك برضه، أنا مش فاهم ليه تكلف نفسك كدا"
رد عليه هو بنبرةٍ مرحة:
لا تكلفة ولا حاجة، دي حاجة بسيطة جدًا، ربنا يباركلك فيه و تشوفه راجل ملو هدومه تفتخر بيه"
رد عليه هو بتأثرٍ:
أنا هبقى طماع و اتمنى أشوفه زيك و زي عمار، كدا أنا هبقى مبسوط أوي يا عبد الرحمن"
أبتسم له و هو يقول:
و أحسن كمان مننا، ربنا يجبر بخاطرك فيه"
لم يستطع «وليد» إنكار إعجابه بموقفه و طريقته المهذبة و لباقة حديثه، حتى أن دواخله كانت تنذره بشهامته و شيءٍ ما بداخله حدثه بالطمأنينة له، و قبل أن يغوص في التفكير وصله صوته وهو يسأل:
أومال فين عامر و ياسين ؟! أنا كدا و فيه حسن كمان على ما أظن؟"
رد عليه «أحمد» بنبرةٍ ضاحكة
الحبايب هنا كتير أوي يا عبده يا أخويا، فوق هتلاقيهم بيجهزوا الحاجة و إحنا هنا بنقطع و نطلع ليهم"
أبتسم له هو فوجد «وليد» يقول بهدوء:
تعالى أعرفك عليهم يا عبد الرحمن، هما فوق و هيفرحوا لما يشوفوك"
قال جملته ثم سبقهما للأعلى و هما خلفه حتى وصل إلى الشقة التي يجلس بها «ياسين»، دلف «وليد» أولًا و هو يقدمه لهم، فرحب به الجميع و خصوصًا «عامر» الذي مازحه بمرحٍ جعل الأخر يتعجب من كونه أخًا لـ «عمار»، و بعد مرور دقائق جلس هو بجانب الشباب و هم يقومون بالتجهيز للطعام.
_________________________
بعد مرور عدة ساعات و فوق سطح البيت كانت «هدير» تحاول سحب المقاعد التي قامت بوضعها فوق السطح، لكنها لم تستطع بسبب كثرة عددهم الذي أصبح مضاعفًا، نفخت هي وجنتيها بضيقٍ ثم ضمت ذراعيها أمام صدرها حتى وجدته يخرج من المصعد و هو يبحث عنها، فنادته هي بملء صوتها حتى وصل لها و هو يقول متعجلًا:
يلا يا ستي عاوزين الكراسي علشان الرجالة تتغدى قبل ما نوزع الأكل، إيه اللي أخرك كدا؟"
ردت عليه هي بضجرٍ:
مش عارفة أحرك الزفت من مكانهم، الصبح كانوا زي الفل، حصل إيه النهاردة يعني ؟!"
تشدق هو بسخريةٍ:
يمكن يكون علشان العدد بقى الضعف و زاد، هاتي ياما الله يرضى عليكي"
ازاحها هو من أمامه حتى يأخذ المقاعد فوجدها تضع يدها على كتفه و هي تسأله بترددٍ:
حسن !! هو أنتَ ليه روحت جبت ميمي ؟!"
حرك رأسه يطالعها بتعجبٍ من سؤالها، فالتقتط هي نظرته لذلك فسرت سؤالها بقولها:
مش قصدي حاجة، أنا بس مستغربة إنك روحت جبتها، مفهمتش ليه عملت كدا، لو مش عاوز تقولي عادي"
تنهد هو بقلة حيلة ثم حرك رأسه نحوها من جديد و هو يقول بنبرةٍ يحاول صبغها بالثبات حتى لا يتضح تأثره:
روحت جبتها علشان أنا أكتر واحد بحس بيها يا هدير، ميمي عيالها سايبينها و مش سألين فيها، و أنا كنت متساب برضه، لما قالوا على عقيقة يونس و إنها كانت فرحانة، عرفت إنها زيي ما بتصدق فرصة تيجي ليها علشان تحس بإحساس هي غصب عنها عارفة إن الدنيا مش هتدوقه ليها كتير، علشان كدا روحت جبتها تفرح وسطنا و تحس إنها جدة فارس"
أبتسمت هي له و هي تقول بنبرةٍ مختنقة إثر كتمها لدموعها:
أنا بتعلم منك حاجات كتير أوي يا حسن، أهمهم هو إحساسك باللي حواليك، أنتَ طيب أوي و تستاهل إنك تفرح من قلبك، زي ما أنتَ بتفرح الناس"
رد عليها هو بوجهٍ مبتسم:
و أنا معاكم هنا فرحان، من زمان مفرحتش كدا و أنا حاسس أني ليا عيلة و ضهر"
ردت عليه هي تسأله ببراءةٍ زائفة:
عيلة و ضهر بس !! يعني مفيش حاجة تانية؟!"
تحدث هو مستفسرًا بحيرةٍ:
أيوا، المفروض يكون فيه إيه يعني ؟! هنا أهلي و اصحابي و أخواتي كمان، هو فيه حد تاني؟"
رمقته بغيظٍ و هي تقول بحنقٍ:
لأ مفيش !! و واضح كدا إنه هيبقى مفيش بجد يا حسن، حاسس بكل الناس إلا أنا"
قبل أن تتركه و تنزل للأسفل وجدته يمسك يدها ثم قربها فوجدها تطالعه بحزنٍ من حديثه، فقال هو مُردفًا بنبرةٍ هادئة:
أنا كنت بهزر و أنتِ عارفة أني غاوي هزار كتير، أنا قولتلك هما هنا أهلي و أخواتي و أصحابي، بس أنتِ قصادهم كلهم يا هدير"
رفعت عينيها تطالعه بأعين دامعة فقال هو مُردفًا بهمسٍ:
كل حاجة هنا بقت حلوة علشان بقيت معاكي، و فكرة وجودي هنا بقيت بحبها علشان مبقتش غريب عنهم برضه بسبب وجودك، حاجات كتير اتصلحت في حياتي يا هدير لما اسمك بقى على اسمي"
ابتسمت له هي و فجأة احتضنته و هي تتنفس بعمقٍ فوجدته يقول بسخريةٍ تزامنًا مع رفعه ذراعيه يحتضنها هو الأخر:
الله يرحم أيام الخطط و الشحاتة، فاكرة كنت بشحته منك إزاي الحضن دا ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
الله يسامحه اللي كان السبب، مش أنتَ اللي كنت ساكت يا حسن ؟! هو بإيدي يعني"
ربت على ظهرها و قبل أن يتحدث هو استمع لصوتٍ يأتي من خلفه وهو يقول بضجرٍ:
حلاوتك يا حلوين أنتم الاتنين !! هربانين منهم هنا"
ابتعد عنه وهو يدفعها نحو المقاعد بقوةٍ فوجده يقول بمرحٍ:
خلاص ياض يا حسن أنا عمك مرتضى مش محمد، أمان يعني"
رد عليه هو ببلاهةٍ:
يعني احضنها تاني ؟!"
تحدث عمها يقول بضجرٍ:
لأ يا أخويا لم نفسك، انزلي يا هدير يلا عند الستات"
حركت رأسها موافقةً ثم غمزت له و هي تمر بجانبه فطالعها هو بدهشةٍ من فعلتها تلك، فوجد «مرتضى» يضحك بقوةٍ وهو يقول:
تربية مشيرة برضه يا حسن، معلش بقى حقك علينا لبست فيها، لو عاوز تخلص نفسك قولي ، أنا المسئول عنك"
رد عليه هو بلهفةٍ:
لأ لأ....أنا فرحان أصلًا إنها بقت معايا، دي أحلى لبسة لبستها في حياتي كلها يا عم مرتضى"
ابتسم له وهو يقول مقررًا بهدوء:
عارف و متأكد من حاجة زي دي يا حسن، أنتَ فاكرني مش واخد بالي منك و مطنشك !! أنتَ زيك زي وئام و وليد عندي"
رفع «حسن» رأسه بتعجبٍ و هو ينظر له بدهشةٍ من حديثه، فتابع هو من جديد:
أنتَ فاكرني مش عارف كل حاجة عنك يا حسن ؟! أنا عيشت عمري كله و الله يا بني بحاول أحسسك إنك مننا هنا و في نفس الوقت مبالغش علشان متحسش بحاجة من ناحيتي، طمني عليك يا حسن"
تنفس بعمقٍ ثم اقترب منه و هو يقول بنبرةٍ متأثرة:
أنا كويس يا عم مرتضى الحمد لله، اتطمن عليا و ريح قلبك"
وضع يده على كتفه وهو يقول بتأثرٍ هو الأخر:
ياريتك أنتَ و وليد تريحوا قلبي يا حسن، نفسي اشوفكم فرحانين و نفسي احس أني مش مقصر في حقكم"
رد عليه هو مقررًا بقوله:
مش مقصر يا عم مرتضى، طول عمرك مش مقصر، جريك ورايا في المحاكم و وقوفك في ضهري أيام مشكلتي مع حماتي بعد موت ريم، و لما كل أول يوم رمضان تجبني اقضي اليوم معاكم علشان مكونش لوحدي و كمان لما العيد بيجي و أنتَ بتصمم أكون معاكم، عمرك ما قصرت علشان بسببك أنا عرفت يعني إيه الواحد يكون عنده ضهر بيحميه و أنتَ طول عمرك بتحميني"
لمعت العبرات في عين «مرتضى» تأثرًا بحديثه فوجده يقول بنبرةٍ باكية:
تعرف إن لولا وجودكم في حياتي كان زماني اتجننت ؟! الوحدة مرعبة أوي و صعبة على الإنسان إنه يحس بيها، بس بحركة وليد لما جوزني هدير أنا رجعت حي تاني و الروح ضربت في جسمي، حبيتها غصب عني و بقت هي كل حاجة ليا، ربنا يباركلي في وجودك"
فتح «مرتضى» ذراعيه له وهو يقول بتأثرٍ:
تعالى في حضن أبوك ياض، وحشتني يا حسن"
اقترب منه يحتضنه بقوةٍ فوجده يربت على ظهره بمشاعر أبوية يُكنها له، بينما الأخر أخذ نفسًا عميقًا و هو يشعر بحضن الأب لأول مرةً منذ عدة سنوات بعد وفاة والده و تولي «مرتضى» حمايته و الدفاع عنه مثل أبنائه.
_________________________
في الأسفل قامت العائلة بتجهيز الطعام لهم أولًا حتى يستطيعون توزيع الطعام الذي جُهز بكمياتٍ كبيرة، و بعد مرور دقائق اجتمعت النساء في جزء و الرجال في الجزء الأخر يتناولون الطعام، و بعد الإنتهاء من الطعام اجتمع الشباب مع الرجال يقومون بتغليف الطعام و تجهيزه للتوزيع بعدما قامت الفتيات بعمل "السلطة" و قامت «مشيرة» بإخراج الحلويات التي قامت بصنعها، جلس الشباب مع بعضهم بمرحٍ يغلفون الطعام و معهم «يونس» الذي كان يأخذ العلبة الفارغة من «عامر» ثم يعطيها لـ «ياسين» و كان يضحك بقوةٍ وهو يعاونهم حتى حمله «عبد الرحمن» على يده وهو يقول ممازحًا له:
لو يسيبوك تيجي تقعد معايا يا يونس أنا هفرح أوي و الله، نفسي حد يملى عليا حياتي زيك كدا"
سأله «وليد» بتعجبٍ:
هو أنتَ معندكش أخوات !!"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول:
عندي واحدة أكبر مني في أكاديمية الطيران، و بشوفها صدفة، و أبويا عقيد شرطة و ملوش مواعيد و أنا و ماما مع بعض علطول، بيتنا شبه القبر"
ضحكوا جميعًا على كلمته الأخيرة فقال هو من جديد:
مش بهزر و الله، بس البيت فاضي أوي عندنا و ساكت كدا"
رد عليه «خالد» بمرحٍ:
عيني ليك يا عبده يونس ميغلاش عليك، بس لو جدع استحمل كف واحد منه"
قطب جبينه وهو يقول:
يعني إيه !!"
فور انتهاء جملته ضربه «يونس» على وجهه بكفه الصغير الذي يملك تأثيرًا واضحًا، فتأوه
«عبد الرحمن» و البقية يضحكون عليه حتى تحدث «عامر» يقول بمرحٍ ساخر:
يعني كدا يا بودي، معلش اصل يونس دَقيق جدًا و يحب يشرح عملي، دي تربيته بقى"
ضحك الجميع مرةً أخرى بينما «يونس» انسحب من على ذراعه حينما لمح نظرة «خالد» له ثم أمسك زجاجة العصير الموضوعة على الأرض يقدمها له، فتحدث «طارق» يقول بتعجبٍ:
طب و دا إيه إن شاء الله ؟!"
رد عليه «ياسر» مفسرًا:
هو كدا بيصالحه علشان هو عرف إن القلم كدا غلط لما خالد برقله، بيصلح غلطته يعني"
حمله «عبد الرحمن» على يده وهو يقول بمرحٍ:
غلطة مين بس !! دا لو أطول اشيله في عيني مش هبخل عليه بكدا، براحتك يا يونس"
دلف «رياض» و «طه» في تلك اللحظة فتحدث الأول يقول بحنقٍ زائف:
خلص يا بني منك له الأكل كدا هيتأخر لحد ما يروح للناس، و لا علشان انتم كلتوا يعني؟"
رد عليه «عامر» معاندًا له:
آه علشان احنا كلنا مش هنأكل حد، على أساس إننا كلنا لوحدنا"
حدجه «رياض» بتوعدٍ ثم قال موجهًا حديثه لابنه:
خلص يا ياسين و اللي عبتوه وزعوه علشان متتأخروش أكتر من كدا"
تحدث «طه» مفسرًا:
أحمد وزع على الشارع هنا و على الجيران كلهم، شوفوا هتودوا فين تاني ؟!"
تدخل «ياسين» يقول بحيرةٍ:
هنروح عند الشارع اللي ورا بيت ميمي و عامر، دا فيه عمال كتير بيباتوا في المصانع و فيه مخزنين هناك، و فيه الجامع الكبير"
رد عليه «خالد» مقترحًا:
خلاص خد اللي جهزناه دا و روح بيه، و إحنا هنا هنكمل و الشباب كتير ما شاء الله، الحق بس و شوف هتاخد مين معاك"
أوما له موافقًا ثم قال:
اجهز يا وليد و تعالى معايا أنتَ، ولا وراك حاجة هنا !!"
رد عليه هو بسخريةٍ:
يعني ورايا الوزارة أنتَ كمان !! ما إحنا كلنا هنا معكوكين مع بعض"
أومأ له موافقًا ثم أشار إلى «عمار» وهو يقول:
تعالى يا عمار نزل معايا الشنط و بالراحة علشان مفيش حاجة تتبهدل فيها، حطهم في شنطة عربيتي"
أومأ له موافقًا ثم أخذ منه مفاتيح السيارة فوقف
«عبد الرحمن» وهو يقول:
هات أنا كمان هنزل معاه، أنا معملتش حاجة من الصبح"
ابتسم له «ياسين» وهو يقول:
طبعًا اتفضل، أنتَ منورنا و الله"
ابتسم له بحبٍ ثم حمل الحقائب مع صديقه حتى يضعها في السيارة بالأسفل.
بعد مرور بعض الوقت و بعد التوزيع على المصانع و المخازن أوقف «ياسين» السيارة أمام المسجد الكبير، طالعه «وليد» بتعجبٍ فوجده يقول مُفسرًا:
جايبك هنا علشان ترتاح شوية، هنا كل التايهين لقوا طريقهم يا وليد، جايبك هنا مخصوص علشان ترتاح شوية بعد الفترة اللي فاتت عليك دي"
اكتست الحيرة ملامح وجهه فوجده ينزل من السيارةِ، فتبعه هو بقلة حيلة و بتعجبٍ من تواجدهما هنا تحديدًا، حتى دلف «ياسين» أولًا و حينما وجد مبتغاه ابتسم باتساعٍ ثم حرك رأسه له يحثه على الاقتراب، فدخل «وليد» خلفه حتى وجده يجلس بقرب شاب يقربه في العمر، ملامحه هادئة و مريحة للعين، شرد في ملامحه حتى استمع لـ «ياسين» وهو يقول:
السلام عليكم يا شيخ أيوب، عامل إيه ؟! وحشتني"
رد عليه الأخر مرحبًا به:
و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا ياسين، خلاص نسيت أيوب !! هي دي العِشرة اللي بيننا"
رد عليه هو بخجلٍ:
حقك عليا أنا عارف أني مقصر معاك، كلنا بصراحة، بس أهو جيتلك هنا"
ربت على كتفه وهو يقول:
و يا ترى بقى جيت محتار و تايه و لا لقيت طريق؟"
حرك رأسه نحو «وليد» وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
هو اللي تايه مش أنا، محتاجك ترجعه للطريق زي ما طول عمرك ترجعنا تاني من التوهة"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب من «وليد» وهو يمد يده له و رافق حركته تلك قوله الهادئ:
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، معاك أيوب عبد القادر العطار"
مد له يده وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أنا وليد، وليد الرشيد أخو مرات ياسين"
رحب به بهدوء ثم جلس معه في منتصف المسجد فبادر هو بسؤاله:
ها يا وليد !! مالك بقى يا سيدي"
نظر هو أولًا لـ «ياسين» ثم نظر له مرةً أخرى و حينما وجد نظرات الأخر مُشجعةً له، حينها تحدث يقول بنبرةٍ تائهة:
الحقيقة أني تعبت....أو بمعني أصح جبت أخري من الدنيا، بتيجي عليا لحظات بحس إن حتى النفس مش قادر عليه، مش عارف أثق في نفسي و أصدقها و بالتالي مش قادر أثق في اللي حواليا، حياتي مش قادر أصلحها"
ابتسم له وهو يقول:
دا أنتَ جاي فاقد الروح خالص يا أستاذ وليد !! طب و فين ثقتك في ربك ؟! فين رضاك بحكمته ؟!"
رد عليه هو مسرعًا:
راضي والله العظيم من كل قلبي راضي بحكمته و كرمه، بس غصب عني أنا إنسان و إرادتي ضعيفة، غصب عني بحس أني ضعيف و غريب عن نفسي و أنا مش قادر اساعدها"
تحدث هو يقول بحكمةٍ:
دا غلط يا وليد، لما تسيب الماضي و لا أي حاجة مهما كانت خطورتها تتحكم في حياتك يبقى كدا أنتَ بتغلط في حق نفسك، ربنا سبحانه و تعالى خلقنا بشر بنشعر و نحس و ميزنا عن سائر المخلوقات بالعقل علشان نفكر و نحسبها صح، يبقى ليه أنتَ بقى تسيب حاجة فاتت تتحكم في حياتك"
أجابه هو بتشوشٍ:
يمكن علشان هو مبني عليه حاجات كتير !! و لا يمكن علشان هو كان أساس اللي هيجي بعده ؟!"
رد عليه هو نافيًا حديثه:
اللي فات بيد ربنا سبحانه وتعالى و اللي أنتَ فيه بيد ربنا سبحانه وتعالى، و اللي جاي برضه بيد ربنا سبحانه وتعالى، يبقى تخاف من إيه ؟! أنتَ معاك الضامن الوحيد و هو ربنا عز و جل، ربنا يملك أهم صفتين و هما الضمان و الثقة، يبقى ليه أخاف من اللي جاي و أنا واثق إنه بيد ربنا سبحانه وتعالى ؟!"
طالعه بدهشةٍ فوجده يسأله:
قولي يا وليد !! هو أنتَ لو في الطيارة و راكبها في الهوا، أنتَ هتحس بإيه ؟! رغم إن الكابتن بتاعها شاطر أوي، بس أنتَ متعرفوش"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول:
عادي هطمن طالما الكابتن شاطر و أكيد هيقدر يتصرف صح"
اعتلى الاستحسان ملامح وجهه لذلك كرر سؤاله وهو يقول:
طب و لو عربية في الهوا كدا حتة حديدة بكام كاوتش قولي هتحس بإيه ؟! رغم إن السواق برضه شاطر ؟!"
رد عليه بنفس الإجابة قائلًا:
أكيد برضه هطمن، مش هيفرق معايا أصلًا، بس ليه يعني؟"
أبتسم له وهو يقول مفسرًا:
لله سبحانه وتعالى المثل الأعلى طبعًا بس هي دي حياتك يا وليد، ربنا كرمك بيها و بيقودها ليك، تفتكر ربنا هيبخل عليك بحاجة ؟! تفتكر رحمته التي وسعت كل شيء مش هتطولك و أنتَ إنسان من خلقه ؟! حياتك زي الطيارة و زي العربية اللي أنتَ كنت واثق في السواقين بتوعها و أنتَ متعرفهمش، بس الفرق إن حياتك بيد عظمة ربنا، تخيل ربنا سبحانه و تعالى هو اللي بيدبر حياتك و بيكرمك و يرزقك و تعصيه و يكرمك بالتوبة، فتعصيه مرة تانية فيلهمك الإستغفار و تتوب، ربنا سبحانه و تعالى قادر على كل شيء و أياته و معجزاته خير الدليل على دا"
تنهد «وليد» بعمقٍ بعدما أغمض عينيه فوجده يقول من جديد:
هقولك جملة تريحك و تحل مشكلتك،
أي حاجة لو جاتلك فهي خير ليك، لو مجاتش و ظنيت إنك اتحرمت منها يبقى احمد ربنا علشان في الحقيقة إن ربنا رحمك و ريحك منها، ربنا أكرم منك على نفسك، لإنك بطبعك بتمشي ورا هواك، و هواك هيأذيك، لكن رحمة ربنا بعباده لما بتدخل في شيء بتريح القلب و العقل معاها، تذكر يا وليد قوله تعالى:
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
_"صدق الله العظيم"
افتكر دايمًا إن حياتك ماشية بكرم ربنا و لطفه بعباده، إحنا في حياتنا مسئولين عن السعي و بناخد أجرنا على السعي، يبقى خلي سعيك في طريق ربنا سبحانه و تعالى علشان ترتاح في حياتك، و افتكر دايمًا إذا رضيت بما كُتب لكَ أرحت قلبك و بدنكَ، ربنا جميل أوي يا وليد، كرمنا و أعطانا و رزقنا و فرحنا، لكننا نفوس بشرية، تميل نحو الهوى، خالف هواك و ثق في كرم ربنا و تأكد إنه الضامن الوحيد اللي تقدر تعتمد عليه في حياتك"
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت «خديجة» جالسة مع الفتيات فنظرت حولها تبحث عن شقيقتها حتى تحدثت مستفسرةً:
هي خلود راحت فين !! قولتلها تطلع تجبلي الشاحن من فوق"
ردت عليها «جميلة» مفسرةً:
خلود فوق السطح لسه منزلتش، كلميها كدا"
وقفت «خديجة» و هي تقول مقررةً:
لأ أنا هطلع ليها أحسن، لا تكون نامت فوق زي ما بتعمل"
ضحكت عليها الفتيات فرحلت هي من أمامهن حتى تصل لشقيقتها بالأعلى، و صعدت هي فوجدت شقيقتها تقف على مقربة من الدرجات و أمامها «منة» و قبل أن تقترب منهما وصلها صوت شقيقتها وهي تقول بصراخ في وجه تلك التي تقف أمامها:
أنا ساكتة عليكي يا منة علشان العِشرة و الجيرة، لكن و الله أنا ممكن أجيبك من شعرك، ابعدي عن أخويا و سلمى أحسنلك"
ردت عليها هي باستفزازٍ اثار حنقها:
مش بمزاجك، و بعدين أنتِ بتدخلي ليه أصلًا ؟! مبقاش غير العيال كمان هي اللي تدخل ؟!"
ردت عليها «خلود» بوقاحةٍ:
عيال بس متربية يا منة، الدور و الباقي على اللي خرباها، لحد ما هتخرب فوق دماغها إن شاء الله"
اقتربت منهما «خديجة» وهي تقول بنبرةٍ منفعلة:
بــس !! فيه إيه يا خلود ؟! مالها منة و مالك؟"
ردت عليها الأخرى بضجرٍ:
أنتِ مالك يا خديجة !! بتحشري نفسك ليه في اللي ملكيش فيه"
طالعتها «خديجة» بدهشةٍ بينما «خلود» وكزتها في كتفها و هي تقول بحنقٍ:
لمي نفسك و كلمي أختي عدل بدل ما أجيبك من شعرك"
شهقت «منة» بقوة حينما وكزتها «خلود» و قبل أن تمد يدها حتى تضربها حينها قامت «خلود» بلف ذراعها للخلف ثم أمسكت فروة رأسها و هي تصر على أسنانها، بينما «خديجة» اقتربت منهما تحاول ابعادهما عن بعضهما، لكن «خلود» صرخت في وجهها وهي تقول:
ابعدي يا خديجة، و رب الكعبة هربيها بنت وفاء علشان شكلها متربتش، أنا هعرفها إزاي تقل أدبها عليكي"
اقتربت منها «خديجة» مرةٍ أخرى و هي تصرخ بإسمها تحاول ابعادها عن الفتاة، لكن ما حدث صدمهما حينما رفعت «منة» قدمها و ذراعها الحر ثم دفعت «خديجة» من على درجات السلم و نظرًا لقوة الدفعة الغير متوقعة نزلت «خديجة» الدرجات على ظهرها حتى منتصفها بعدما اصطدم جبينها بطرف درجات السلم و جسدها من جهة الشمال الذي تحمل ثقل باقي الجسد، بعدما صرخت شقيقتها بإسمها عدة مرات، و الأخرى بين تقف مذعوة في تلك المصيبة التي تسببت بها.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم شمس بكري
تائهٌ وجد في عينيك العنوان، خائفٌ عرف بكِ معنى الأمان.
_________________________
و ما الخطأ تلك المرة في كوني لا أؤذي الآخرين؟ ما الخطأ بأنني اخترت بملء إرادتي أن أكون لطيفًا بالآخرين؟ ذلك الشخص الأخر الذي يعيش بداخلي يود لو انتقم أشد الانتقام لذاته، و ذلك الأخر يرفضه و يود العيش في سلام حتى لا تتكرر معاناته، أنا و بملء ارادتي اخترتُ أن أكون كاظمًا للغيظ عافيًا عند المقدرة، أخترت أن أكون أنا..
كل شيء حدث بلمح البصرِ، سقطت «خديجة» من على درجات السلم الكثيرة حتى وصلت منتصفها قبل الدرجة العريضة و حينها اصطدم جبينها بطرف الدرجة عند اندفاع باقي جسدها للاسفل بتلك الطريقة، و كل ما خرج منها فقط تأوهًا بصوتٍ منخفض فحتى ذلك الصوت لم تستطع على إخراجه و كل ما يصل لها فقط صرخات شقيقتها باسمها و هي تركض نحوها بعدما دفعت «منة» من طريقها، و مع صوت صرخات «خلود» صعد المعظم من الأسفل و كان أولهم «أحمد» الذي ركض درجات السلم و ما إن رأى الدماء تنزل على وجهها و هي بين التيه و الواقع بتلك الطريقة حينها اندفع نحوها بلهفةٍ يذكر إسمها بخوفٍ و هو يربت بكفه على وجنتها حتى أتى «وئام» و الشباب خلفه و عند رؤيتهم لذلك الوضع تحدث «طارق» بلهفةٍ هو الأخر:
بسرعة يلا على المُستشفى، انتو لسه هتتفرجوا دماغها اتفتحت"
و في تلك اللحظة كأن حديثه هو جرس الإنذار لعقلهم، حتى حاول «أحمد» رفعها من على الدرجات ولكنها صرخت بألمٍ حينما وضع يده أسفل ركبتيها، فتدخل «خالد» يقول مقررًا:
الرِجل ممكن يكون فيها كسر، حد يشيلها عِدل كدا مش هينفع"
حينئذٍ اندفع «وئام» بخوفٍ نحوها حتى أحكم مسكته لها و حملها على يده بخوفٍ و حينها لم يسعفه عقله باستخدام المِصعد حتى ركض بها درجات السُلم و البقية خلفه، بينما «أحمد» انتبه لحالة «خلود» التي وقفت تبكي بقوةٍ و كأنها في عالمٍ أخر، حينها اقترب منها يمسك مرفقها وهو يسألها بنبرةٍ جامدة و مشاعر متخبطة في بعضها:
حصل إيه يا خلود يخليكي تعيطي كدا ؟! انطقي مالك واقفة كدا ليه ؟! مين عمل كدا في خديجة ؟!"
رفعت عينيها تطالعه ببكاءٍ و تشنج في ملامح وجهها بل و جسدها بالكامل، فهزها هو بعنفٍ و هو يقول بنفس الجمود:
انطقي يا خلود !! مين عمل كدا و أختك وقعت إزاي من على السلم"
قبل أن تجاوبه هي تدخلت «منة» بعدما ركضت إليه و هي تقول بتبجحٍ و كأنها لم تفعل شيئًا:
خلود هي اللي زقتها !! كانت بتضربني و خديجة حاولت تبعدها عني و هي زقتها من على السلم"
اتسعتا حدقتي «خلود» و هي توجه رأسها نحو «منة» التي رسمت الثبات بنجاح على هيئتها، بينما «أحمد» حرك رأسه نحو شقيقته و هو يسألها منفعلًا في وجهها:
الكلام دا حصل يا خلود !! انطقي أنتِ اللي زقيتي أختك كدا؟!"
ردت عليه هي بصراخٍ في وجهه:
أنـــتَ اتـــجــننـت !! أنا هعمل كدا في خديجة ؟! هتصدق البجحة دي، هي اللي زقتها و أنا مسكاها"
ردت عليها بنفس الوقاحة:
أنتِ كدابة !! أنتِ اللي زقتيها من على السلم علشان كانت بتبعدك عني"
قبل أن تتحدث «خلود» صرخ «أحمد» في وجهيهما:
بــــس !! مش عاوز أسمع صوت منكم، بس قسمًا بربي اللي مش هحلف بيه كدب، اللي هعرف إنها عملت كدا في أختي لأخليها تترحم على نفسها في إيدي"
رمى بحديثه أمامهما ثم رحل للأسفل راكضًا لشقيقته، و «خلود» تتبعه هي الأخرى تاركة خلفها تلك الحمقاء حتى يحين موعد تربيتها من جديد، بينما هي نفسها ركضت خلفهما تتوجه نحو شقتهما و خاصةً أن والديها مع العائلةِ بالأسفل يحضرون تلك المناسبة.
في الأسفل وقف «طه» مذعورًا و هو يرى فتاته على يد أخيها و «مروة» تحاول كتم دمائها التي تنزف من رأسها و والدتها التي كانت تبكي بقوةٍ و هي تمسك يدها و تصرخ بإسمها، أما هي فكانت في حالةٍ مشوشة من قوة الصدمة على جسدها و والدها يبكي و هو يربت على وجهها قائلًا بصوتٍ باكٍ:
خـديجة !! فوقي يا خديجة و متوجعيش قلبي عليكي، فوقي طيب و كلميني"
رد عليه «وئام» بقلقٍ اتضح في نبرته و صوته:
هتفوق و هتبقى كويسة، يلا يا طارق تعالى بسرعة سوق العربية"
أومأ له «طارق» موافقًا ثم ركض نحو الأسفل يفتح السيارة حتى دلفها «وئام» و هي على ذراعه و في الأمام جلس «حسن» بجوار «طارق» و في السيارة الخاصة بالشباب ركبوا سويًا ثلاثتهم خصيصًا بعدما حاولوا التوصل لـ «ياسين» أو «وليد» لكن النتيجة واحدة و هي أن هواتفهما مغلقة و خلفهم سيارة «طه» هو بها و «أحمد» و «عبد الرحمن» الذي صمم على الذهاب معهم، بينما في البيت بقيت النساء حول «زينب» التي استمرت في البكاء و الصراخ على صغيرتها و الفتيات حولها يحاولن تهدئتها، و لكنها استمرت في البكاء خاصةً بعدما رفضوا جميعًا ذهابها معها بتلك الطريقة.
_________________________
في السيارةِ التي كان يقودها «طارق» كان «وئام» في الخلف و هي بين ذراعيه و هو يحدثها ببكاءٍ:
فوقي يا خديجة طيب و ردي عليا !! إيه بيوجعك طيب ؟! حاسة بإيه"
حركت رأسها للجهة الأخرى لم تستطع التحدث بعد كل تلك الآلام التي تشعر بها في عظامها و جسدها، حتى أغلقت أهدابها تستسلم لتلك الحقبة السوداء التي هربت بها من الوجع التي تشعر به، بينما «وئام» صرخ في رفيقه:
دوس يا طارق شوية دي أغمى عليها، دوس بسرعة"
رد عليه «طارق» بخوفٍ:
بدوس أهو يا وئام، بس خايف جسمها يوجعها، أنا بحاول أهوه"
تدخل «حسن» يقول مؤيدًا:
دوس بس بسرعة خلينا نوصل قبل الدم ما ينزف أكتر، بسرعة يلا"
عند حديثه ضاعف «طارق» السرعة وهو يصارع الأرض أسفل سيارته، و لحقته سيارة الشباب و سيارة «طه» التي قادها «أحمد»، حتى سأله والده ببكاءٍ:
هو إيه اللي حصل يا أحمد !! مين عمل في أختك كدا ؟!"
رد عليه هو بنبرةٍ منفعلة:
مش عارف يا بابا، أنا طلعت لقيتها على السلم واقعة و مش حاسة بحاجة و خلود جنبها بتعيط و منة بتـ....منة !!"
انتبه لتوه على حالة «منة» و تخبطها و كأن لحظة التشوش التي وقف بها أمامها زال أثرها الآن، و انتبه على حالة تلك الحمقاء التي تُدعى «منة»، بينما والده سأله:
ها كمل !! مالها منة يا أحمد"
لمعت عينيه بنظرة توعد لكنه محاها سريعًا و هو يرد على والده بنبرةٍ جامدة:
لما خديجة تفوق يا بابا هنعرف، متخافش بس أنتَ"
رد عليه والده ببكاءٍ و ضعف تمكن منه و من صوته:
مخافش !! مخافش و أنا شايفها على إيد وئام غرقانة في دمها ؟! مخافش عليها إزاي بس ؟! أنا تعبت ليها و الله من الدنيا دي"
تدخل «عبد الرحمن» يقول مؤازرًا له بخجلٍ:
اطمن يا عمو هتبقى كويسة إن شاء الله، متخافش ربنا يطمن قلوبكم عليها، ادعولها بس"
رفع رأسه يدعو الله ببكاءٍ و وجع في نبرته نابعًا من ألم جوفه و هو يقول:
يــا رب....يــا رب"
في سيارة الشباب حاول «عامر» مرارًا و تكرارًا الوصول إلى صديقيه لكن دون جدوى و كأن تلك الهواتف لا تنفع بشيء، فنفخ وجنتيه بضجرٍ و هو يقول:
راحوا فين بس !! ما حد فيهم يرد عليا و يجي ورانا"
رد عليه «ياسر» بقلة حيلة:
كدا أحسن يا عامر بدل ما يتخضوا، أنتَ عارف الاتنين ملهمش غيرها، يعني لو محدش فيهم جه كمان يبقى أحسن"
أيده «خالد» من خلال قوله:
ياسر معاه حق، ممكن واحد فيهم يتهور و لا حاجة في السواقة، خلينا بس نوصل و نطمن عليها و بعدها نكلمهم و نشوف كدا"
_________________________
في المسجد تحدث الشيخ «أيوب» مُكملًا حديثه بنفس الحكمة قائلًا:
يقول الشافعي "إذا حارَ أمرُكَ في مَعْنَيَيْن ولم تدرِ حيثُ الخطأ والصوابُ؛ فـخَالِفْ هَوَاكَ فإنَّ الهوَى يقودُ النفوسَ إلى ما يعابُ"
يعني نفسك دايمًا هتقودك للخطأ و للحاجة اللي تُهلكك يا وليد، بيبقى قصادك نِعم كتير و غصب عنك بتدور على اللي مش عندك، ربنا سبحانه و تعالى قسم لنا أرزاق و كرمنا بيها، بس كل واحد على قد مقدرته، تلاقي واحد فقير و معندوش أي حاجة، بس مقابل دا عنده زوجة رحيمة بيه و بظروفه و أولاد مصبرينه على الدنيا،
تلاقي واحد تاني ملهوش أهل و لا عيلة و لا أي حد في الدنيا بس ربنا مهون عليه بأصحاب معاه في الوحش قبل الحلو، تلاقي واحد عنده كل حاجة فلوس و بيت و صحاب بس عنده مشكلة في صحته، كل واحد ليه رزقه زي ما ربنا قدره ليه، لا فاتك بتاعك و لا اللي ليك هيضيع منك، يبقى أنتَ خايف ليه أصلًا ؟!
كلية مجاتش ليك تبقى مش بتاعتك، ملكش رزق فيها، ربنا مختارلك كلية تانية أحسن علشان تبدع فيها، اصحابك غدروا بيك مع السلامة هما مكانوش شبهك و لا شبه قلبك، و مين عارف يمكن تتعرف على ناس غيرهم و تبقى نهايتك اصعب، ممكن تتعرف على ناس تانية و فيه ضرر برضه يحصلك و عواقبه تكون أكتر، ثق في ربك و حكمته علشان تقدر تفهم حياتك و ترتاح فيها، مع إنها دنيا لم تخلق للراحة، إنما الراحة في الجنة، ربنا يوعدنا و يوعدك بيها يا رب"
ابتسم له «وليد» و هو يقول بصوتٍ ظهرت به الراحة و تخللت قسمات وجهه:
يمكن لو كنت جيتلك من بدري كنت فهمت حاجات كتير، و يمكن لو كنت قعدت مع نفسي و سمعت ليها كان زماني مرتاح في حياتي شوية، بس الحمد لله، أكيد ربنا له حكمة في كدا علشان اتعرف عليك و أشوفك يا شيخ أيوب"
رد عليه هو بنبرةٍ هادئة:
أنا فرحان أني شوفتك أوي، بالمناسبة أنا مش شيخ ولا حاجة، أنا أيوب بس، أخوك و صاحبك لو حبيت و وقت ما تتعب أو تتوه تعالى ليا هنا"
رد عليه هو بسخريةٍ:
أتوه !! هتوه و أنا كبير كدا ؟"
رد عليه هو بأسى:
للأسف إحنا متوهناش غير لما كبرنا يا وليد، اسأل ياسين و هو يقولك على توهة الكبار، لما تتوه روح بيت ربنا و خصوصًا لما تكبر"
فهم هو مقصد حديثه فابتسم له بتفهمٍ تزامنًا مع حركة رأسه بالإيجاب، بينما «ياسين» ابتسم براحةٍ هو الأخر حينما تأكد أن تلك الجلسة أتت بالنتائج التي ظنها هو.
خرجا سويًا من المسجد بعدما أعطوا الطعام للشيخ «أيوب» حتى يعطيه للناس الذين يعرفهم هو بقرب المسجد، و بعدها ركبا السيارة مرةً أخرى، فتحدث «وليد» يقول بنفس الراحة:
إيه الراجل دا يا ياسين ؟! كان فين من بدري ؟! كلامه حلو أوي و ريحني أوي"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ مرحة:
دا الشيخ أيوب، دا اللي بيلحقنا لما نتوه يا وليد، عارفينه من و إحنا في ثانوي، بس هو سافر فترة و رجع و استقر هنا من قريب، عرفت مكانه أهوه لما تتوه و تتعب تعالى هنا"
حرك رأسه موافقًا ثم تنهد بعمقٍ و هو يفكر في حديثه مرةً أخرى، بينما «ياسين» حرك مقود السيارة حتى يتوجه نحو البيت مرةً أُخرى.
في المستشفى وصلت السيارات تباعًا، فنزل «وئام» و هي على يده يركض بها نحو الداخل حتى قابلته إحدى الممرضات و هي تسأله بلهفةٍ:
خير يا فندم مالها بس !!"
رد عليها هو بتشوشٍ في حديثه:
بصي هي وقعت من على السلم و أنا مش عارف حصل إيه، بس جسمها بيوجعها...شوفيها كدا"
أشارت له نحو الغرفة حتى يدخلها بها، وضعها على الفراش فوجد الطبيبة تدلف الغرفة و هي تقول بنبرةٍ عملية:
اتفضل حضرتك برة علشان نقدر نكشف عليها، هي وقعت من إمتى ؟!"
رد عليها «طارق» مسرعًا:
ميكملش ساعة لحد ما جينا هنا، شوفيها يا دكتور بعد إذنك ؟!"
سألتهما هي بنبرةٍ جامدة:
مين فيكم جوزها !! و إيه اللي وقعها وقعة زي دي؟"
رد عليها «وئام» منفعلًا:
هنقعد نسأل كتير !! ما تشوفيها دماغها متعورة، و بعدين نجاوبك"
سألته هي بنفس الجمود:
أنتَ شكلك جوزها و أنتَ اللي عملت فيها كدا، مش أول مرة تيجي حالة كدا ليا، بس هنشوف"
طالعها كليهما بدهشةٍ فتدخل «حسن» يقول بنبرةٍ جامدة:
يا ستي محدش فيهم جوزها، احنا اخواتها و جوزها في الشغل، شوفيها و بعدين طلعي روح المرأة الحُرة اللي جواكي"
أشارت لهم و هي تقول بضيقٍ:
برة !! اتفضلوا برة انتو التلاتة يلا و على فكرة أنا هعمل محضر لو لقيت كسور"
خرج الثلاثة من الغرفة خلف بعضهم و «خديجة» على الفراش نائمة لا حول لها و لا قوة غافية كعادتها مسالمة لتلك الحياة و لما تفعله بها، حتى اقتربت منها الطبيبة تبدأ فحصها، بينما في الخارج وقف الشباب بجانب بعضهم، و «طه» على ارتمى على المقعد يبكي بحرقةٍ عليها و قلبه يصرخ خوفًا عليها، لم يستطع تمالك و هو يتذكر هيئتها على ذراع «وئام» و في تلك الحظة مر شريط حياته معها بذكرياته الأليمة، تلك العصفورة الصغيرة التي كسرت الحياة جناحيها حتى افقدتها القدرة على الطير بواسطته هو، و ها هو يرى ضعفها من جديد، بينما «وئام» رغمًا عنه بكى حينما تذكر ضعفها بين ذراعيه، فتنهد بعمقٍ و صديقيه بجواره يربتا على كتفيه، بينما «أحمد» وقف مصدومًا و هو يفكر فيما حدث، و في كل الحالات هو المتسبب الوحيد في أذيتها، بينما الشباب اقتربوا منهم يقفون بجوراهم منتظرين خروجها من غرفة الكشف.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت «خلود» تبكي بين ذراعي «جميلة» و هي تشهق بقوةٍ فحتى الآن لم تستطع أن تتفوه بما حدث، بينما «مشيرة» سألتها منفعلة في وجهها:
ما تنطقي يا خلود !! مين عمل كدا و خديجة وقعت إزاي ؟! بتعيطي ليه طيب ؟"
ردت عليها هي بصراخٍ:
علشان وقعت بسبب غبائي يا عمتو، لو مكنتش أنا اتعصبت و مسكت منة مكانش دا حصل"
سألتها «زُهرة» بتمعن و اهتمام:
و هو إيه دخل منة في الموضوع ؟! و خديجة وقعت ازاي؟"
مسحت دموعها بعدما خرجت من بين ذراعي «جميلة» و هي تقول بصوتٍ مختنق:
كنت بتخانق مع منة فوق السطح، و خديجة طلعت شافتنا سوا، و لما حاولت تدخل منة شتمتها، دمي اتحرق علشان خديجة و مسكت منة من شعرها و خديجة بتحاول تدافع عنها ضربتها بالرجل و خديجة وقعت و خدت السلالم كلها لحد ما راسها اتخبطت في السلم"
انتفضت «مشيرة» من جلستها تسألها بجمود:
و هي بنت وفاء اللي عملت كدا في بنتنا !! ردي عليا يا خلود"
حركت رأسها موافقةً و هي تقول ببكاءٍ:
هي و الله يا عمتو، أنا كنت مسكاها في إيدي و خديجة قدامها على طرف السلم راحت ضارباها برجليها و دراعها لحد ما خديجة وقعت"
طالعها الجميع بدهشةٍ مما وقع على مسامعهم فحتى الآن لم يأتي بمخيلتهم أن «منة» تفعل ذلك بكل جرأة، بينما في الأعلى كانت «وفاء» جالسة في شقتها و هي تمصمص شفتيها إشفاقًا على «خديجة» تزامنًا مع قولها:
أنا مش عارفة البت دي حظها عامل كدا ليه ؟! دي طيبة و عمرها ما زعلت حد، ربنا يسترها عليها و تطلع حاجة بسيطة"
ردت عليها «منة» بلامبالاةٍ:
عادي يعني متكبروش الدنيا هتبقى كويسة، هتلاقيها بتمثل و لا بتعمل الشويتين بتوعها"
طالعتها والدتها بضجرٍ و هي تقول:
أنتِ إيه يا بت ؟! جايبة الجحود اللي قلبك دا منين ؟! هقول إيه ما أنتِ ستك أمينة، طبيعي تطلعي جاحدة زيها، جتك القرف"
ردت عليها هي بجمودٍ:
آه ما هي الست خديجة حبيبتك، خليكي زي خديجة يا منة، نفسي أشوفك زيها يا منة، خديجة مفيش منها اتنين، باردة أصلًا و أنا مبطيقهاش"
صرخت والدتها في وجهها و هي تقول بحنقٍ:
بـــس أنتِ إيه ؟! يطلع يشوفله صرفة معاكي أنا جيبت أخري منك، روحي ربنا يخلصني من قرفك بقى"
ردت عليها بوقاحةٍ:
و هو أنتِ لو بتحبيني أنا مش كنتي جبتيلي أنا ياسين دا اتجوزه ؟! و لا تروحي تجبيه لحبيبة القلب؟"
أمسكتها والدتها من ذراعها و هي تقول لها بضجرٍ و تقززٍ منها:
أنتِ متربتيش و سافلة، بس دي مش غلطتك، دي غلطتي علشان سيبتك لستك تربيكي على الجحود، كنتي عاوزاني اجبلك ياسين تتجوزيه أنتِ بإمارة إيه ؟! متربية أوي و هترفعي راسي ؟! ريحي نفسك هو كان عاوز واحدة محترمة مش زيك"
نظرت لوالدتها بحقدٍ و غل دفين سيطر على نظرتها و حركة فمها، بينما والدتها دفعتها على الأريكة و هي ترمقها بتقززٍ و شفقة، فوقفت هي حتى تدلف غرفتها لكن صوت الباب و قوة الصفع عليه أوقفها مكانها، بينما «وفاء» فتحت الباب بتعجبٍ فوجدت «مشيرة» في وجهها و هي تقول بصوتٍ أقرب للصراخ:
بنتك فين يا وفاء ؟! فين المحروسة ست الحسن و الجمال؟"
طالعتها «وفاء» بتعجبٍ من هيئتها و عنفها البادي عليها، فصرخت في وجهها من جديد بقولها:
انطقي !! فين بنتك يا وفاء"
أقتربت «منة» تقف بجوار والدتها و هي تقول لها بصراخ:
عاوزة إيه يا ست أنتِ ؟! هي مش زريبة علشان تخبطي كدا"
ردت عليها «مشيرة» بصوتٍ عالٍ:
لأ زريبة يا روح أمك، و أنا هقطع رقبة الجاموسة اللي مطلوقة على الخلق، بتزقي خديجة ليه يا بت أنتِ"
تدخلت «وفاء» تقول بذهول:
بتقولي إيه يا مشيرة !! منة هتزق خديجة ليه يعني؟"
ردت عليها بتبرمٍ و سخريةٍ:
اسألي ست الحسن بنتك، انطقي يا بت ضربتيها ليه؟ الله في سماه ما هسيبك؟"
ضمت «منة» ذراعيها أمام صدرها و هي تقول بسخريةٍ و تهكمٍ:
و دي إيه الطيبة دي كلها يا طنط يا مشيرة !! خلاص خديجة بقت حبيبتك كدا ؟! بقيتي طيبة و بتحبيها؟"
لمعت عيني «مشيرة» بخبثٍ و هي تقول:
لأ طيبة إيه بقى ؟! مبتأكلش عيش يا حلوة، يا بختك يا منة أول واحدة هتتعامل مع مشيرة القديمة من جديد"
قبل أن تعي كلتاهما معنى حديثها، هجمت على «منة» تمسكها من شعرها و هي تقول:
نسيتي يا بت لما كنتوا جايين مش لاقيين مكان بعد ما ستك طردتكم من البيت ؟! نسيتي يا حلوة لما كنا بنقعدك وسط عيالنا هنا، مش هسيبك يا ناكرة الجميل أنتِ"
صرخت في يدها بينما والدتها حاولت الدفاع عن ابنتها من يد «مشيرة»، لكن الأخرى صرخت في وجهها و هي تقول:
ابعدي يا وفاء علشان مجبكيش مكانها، يا أنا يا عديمة التربية دي"
صرخت «منة» في يدها بقوةٍ و في تلك اللحظة صعدت «جميلة» و «هدير» نتيجة الصوت المرتفع، فتحدثت «منة» تتوسل لـ «هدير» بقولها:
الحقيني يا هدير، خليها تسيبني، شعري آااه"
شدت «مشيرة» مسكته و هي تقول بتوعدٍ:
دا أنا هقطعه في إيدي شعرك دا، هخليكي زي عساكر الجيش، علشان تمدي إيدك على حد تبعنا بعد كدا"
دفعت «مشيرة» نحو الحائط حتى صرخت بقوةٍ حينما اصطدم ظهرها بالحائط، حينها شهقت «جميلة» بينما «هدير» صرخت في وجهها و هي تقول:
يا ليلة أهلك السودا !! بتضربي عمتي، كدا جبتيه لنفسك يا بنت وفاء"
هجمت عليها «هدير» هي الأخرى و هي تحاول ابعادها عن عمتها و في نفس الوقت تضربها بيدها الأخرى، بينما «جميلة» اقتربت من والدتها حينما رآت شحوب وجهها نتيجة الاصطدام بالحائط، فصرخت «وفاء» بقوةٍ تطلب المساعدة حتى صعد زوجها و معه «محمود» و «محمد»، تدخل «محمود» يسحب شقيقته و الفتاتين، بينما «سالم» اقترب نحو ابنته و هو يسأل بصوتٍ منفعل:
حصل إيه ؟! فيه إيه يا جماعة و إيه اللي إحنا شوفناه دا ؟!"
ردت عليه «هدير» مفسرةً بجرأة:
بنتك ضربت خديجة و هي اللي وقعتها من على السلم و مش بس كدا، دي زقت عمتي، ربيها بدل ما أربيهالك أنا"
تدخل «محمود» يقول أمرًا لهم:
بس !! يلا على تحت كلكم، خدهم يا محمد و انزل، يلا"
أومأ له «محمد» موافقًا ثم أخذ الجميع معه، بينما «محمود» وقف أمام «سالم» يقول بنبرةٍ جامدة:
لو كلام هدير صح هيبقى فيها حساب تاني يا سالم"
طالعه «سالم» بخجلٍ منه و خاصةً من خلال قسمات وجه ابنته التي تؤكد صدق حديثهم بينما «محمود» رحل من أمامهم بعد رمقهم بتوعدٍ لم يفصح عنه بلسانه، بل اكتفى بنظرته.
_________________________
في الأسفل جلست «مشيرة» تتأوه من آلام ظهرها، فتحدثت «إيمان» تقول بضجرٍ:
هي ملهاش كبير البت دي ؟! مش عاملة اعتبار للجيرة و العشرة حتى ؟! بس خلوها شكلها هتحصل بنت أم عمرو على إيدي"
تأوهت «مشيرة» من جديد بوجعٍ أكثر فسألتها«ميمي» بقلة حيلة:
و بتطلعي ليه يا مشيرة ؟! كنتي استني لما خديجة ترجع و نطمن عليها، استفدتي ايه بقى؟"
ردت عليها هي بإنهاكٍ من ألمها:
دي بت قليلة الرباية و بجحة، الله في سماه ما هرحمها، بقى تعمل كدا في خديجة ؟! دي الوحيدة اللي كانت بتدافع عنها لما أمها تتخانق معاها، نسيت نفسها بنت وفاء، ربنا يسترها و خديجة ترجع بالسلامة"
قالتها بتوسلٍ و تمني حتى رد عليها «ياسين» من على عتبة الشقة و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
ترجع بالسلامة منين ؟! هو حصل إيه و فين خديجة؟"
سألهم بعدما حرك رأسه يبحث بعينيه عنها في المكان و لكن ما وصله كان الصمت من قِبلهم جميعًا، و ما لفت نظره هو بكاء والدتها بين ذراعي والدته فسأل بنبرةٍ منفعلة:
ما حد ينطق فيكم حصل إيه ؟! خديجة مالها و طنط زينب بتعيط ليه؟! مـــا تـــردوا"
صرخ في وجههم جميعًا حتى صعد «وليد» من الأسفل و هو يسأل بتعجبٍ:
فيه إيه صوتك عالي ليه ؟! مالكم يا جدعان إيه العزا دا"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ منفعلة أقرب للصراخ:
مش عاوزين يردوا عليا، انطقوا في إيه و خديجة مالها، قولي أنتِ يا ماما"
طالعته والدته بخجلٍ و حينما كرر هو سؤاله من جديد ردت عليه «مشيرة» بقلة حيلة:
خديجة وقعت من على السلم و راحوا بيها المُستشفى"
وقف كليهما و كأن صاعقة رعدية مست جسديهما سويًا من هول الصدمة، فتحدث «وليد» يسأل منفعلًا في وجههم:
خديجة مين دي اللي وقعت ؟! أنتو هتهزروا ؟! وقعت إزاي حد ينطق؟!"
ردت عليه «عبلة» بنبرةٍ تائهة:
منة وقعتها من على السلم، و الشباب و عمو طه راحوا بيها المُستشفى"
تحدث «ياسين» يسأل بصوتٍ حاد:
و محدش فيكم قالنا !! مراتي وقعت و خدوها المستشفى و أنا أخر من يعلم ؟!"
ردت عليه والدته بضجرٍ:
يا حبيبي تليفونك مقفول و تليفون وليد كمان، إن شاء الله خير متخافش"
تحدث «وليد» يسأل بصراخٍ:
راحوا مستشفى إيه بسرعة !! انطقوا ؟!"
ردت عليه «هدير» بقلقٍ واضح:
راحوا بيها المُستشفى الحكومي اللي جنبنا هنا، كلمت حسن و قالي إنهم هناك بس خرجوهم برة"
فور انتهاء حديثها ركض كليهما نحو الأسفل يسابق الزمن حتى يصل لها، و بعد مرور ثوانٍ كان إطار السيارة يحتك الأرض حتى أوشك على خروج نيران نتيجة الاحتكاك، بينما «وليد» أخرج هاتفه حتى يقوم بفتحه و ما إن فتحه حتى وجد الرسائل تصل إليه خلف بعضها من الشباب بأكملهم، أما «ياسين» فتملك منه خوفًا غريبًا على زوجته، لا يدري لماذا دماغه لم تسعفه و تنصفه في تفكيره، بل ظلت ترسم له آلاف السيناريوهات و كلًا منهم أكثر سوءًا عن الأخر، حينها ضغط على مكابح السيارة بقوة حتى اصطدم «وليد» في نافذة السيارة نتيجة التحرك العنيف الذي اصدره «ياسين»، و بعد مرور دقائق ركض كليهما في الرواق المؤدي إلى داخل المشفى حتى وقع بصر «ياسين» على الشباب يقفون بالخارج دون «وئام» و «أحمد» ، فركض إليهم و هو يلهث بقوةٍ و الأخر يلحقه حتى وقف أمامهم وهو يقول بنفسٍ متقطع:
خديجة !! خديجة فين يا عم طه ؟! هي كويسة طيب ؟!"
وقف «خالد» بجواره يربت عليه محاولًا تهدئته و هو يقول:
بالراحة طيب يا ياسين، خد نفسك، إهدا"
رد عليه بانفعالٍ في وجهه:
أهدا إزاي يا خالد ؟! أنا مش فاهم حاجة و مش عارف مراتي فيها إيه و فينها ؟! حد فيكم يقولي هي فين؟"
رد عليه «طه» بصوتٍ تائه:
مش عارف يا بني، محدش هنا عارف يكلمهم و لا حد عارف يتفاهم معاهم، خيطوا دماغها مكان الفتح و قالوا هنعملها إشاعات علشان نشوف العضم لو فيه كسور و أحمد و وئام معاها جوة"
فتح «ياسين» عينيه على وسعيهما بعد استماعه لجملة حماه، بينما «وليد» صرخ في وجهه قائلًا بخوفٍ:
يــعـني إيه ؟! هو إيه اللي كسور و فتح في الدماغ، ليه بلدوزر موقعها ؟! هما فين"
رد عليه «طارق» بضيقٍ:
جوة محدش فينا عارف يدخل، كل شوية حد فيهم يطردنا، احنا دافعين فلوس علشان نقف هنا بدل ما يخرجونا في الشارع"
ركض «ياسين» نحو الداخل دون أن يستمع لأيًا منهم، و حينما اوقفه عامل الأمن، حينها أخرج من جيبه ورقة مالية فئة الـمئتين جنيه و هو يقول له بصراخٍ:
خد دي خليها معاك، مبسوط كدا !! قولي فين أوضة الاشاعات اللي هنا"
رد عليه بطريقةٍ مهذبة:
اتفضل يا باشا....ربنا معاك، هتلاقيها في الدور الأول تاني أوضة على إيدك اليمين"
ركض هو و «وليد» خلفه نحو الطابق الذي أخبرهم هو به، و بعد سؤالهم للجميع على الغرفة تحديدًا وصلا أمامها و كان حينها «وئام» و «أحمد» يقفا بالخارج في انتظار خروجها، حينها اقترب منه «ياسين» يسأله بخوفٍ:
هي فين ؟! فين خديجة يا وئام ؟! هي كويسة صح؟"
رد عليه هو بإنهاكٍ واضح على صوته و هيئته:
كويسة يا ياسين متخافش، دلوقتي بيجبسوا رجليها فيها كسر من عند الكف، و إيدها الشمال اتجزعت هيعملها جبيرة و الباقي كدمات في العضم، بس هي كويسة متخافش"
رد عليه هو بحزنٍ اتضح في نبرته و لمعة عينيه:
كل دا و مخافش ؟! استغفر الله العظيم يا رب"
اقترب «وليد» يسأله بصوتٍ متهدج و هو على مشارف البكاء:
أنتَ شوفتها طيب !! طمني عليها أنتَ عارف هي عندي إيه؟"
رد عليه «أحمد» بنبرةٍ باكية:
أخر مرة شوفناها و هما ناقلينها على الأوضة دي علشان الأشعة، بس لما فاقت صرخت من وجع رجليها و هما بيعملوا الأشعة"
بكى «وليد» رغمًا عنه و هو يستمع لحديث «أحمد»، فوجد «وئام» ينهره قائلًا:
أنتَ هتعيط أنتَ كمان !! وليد امسك نفسك شوية و فوق كدا"
صرخ في وجهه منفعلًا:
أفوق !! أنتَ عارف خديجة عندي إيه يا وئام مش حاجة جديدة، أنا عاوز أفهم هي بتعمل إيه علشان تشوف كل دا ؟! دي بتأذي مين علشان تعاني كدا؟"
ضغط «ياسين» على جفنيه بشدة يحاول ردع الدموع التي تهدد بالنزول، و زاد وغزها عند حديث «وليد» فهو محقًا، ما ذنبها في كل تلك المعاناة ؟! هي أبرأ ما قابل في حياته، كتب عليها فقط المعاناة منذ طفولتها حتى الآن، خرج من شروده على خروج سيدة سمينة الجسد من الغرفة و هي تقول بغلظةٍ لهم:
يلا يا فندي أنتَ و هو حد فيكم يروح يجيب كرسي متحرك علشان تخرجوها عليه"
نظروا لها بدهشةٍ من طلبها الذي أوقع قلوبهم، فتابعت هي بنفس الطريقة:
يوه !! ما حد فيكم يتحرك هتخرج إزاي هي من الأوضة ؟! روحوا هاتوا كرسي ، اتحركوا"
تحرك «وليد» نحو موضع إشارتها نحو رجلًا في العقد الرابع من عمره بالتقريب يجلس بالقرب من المقاعد المتحركة التي يستخدمها المرضى في التحرك في المشفى يتصفح هاتفه دون أن يكترث لما حوله، سار حتى توقف أمامه يسأله بنبرةٍ هادئة إلى حدٍ ما:
لو سمحت يا أستاذ عاوز كرسي من دول علشان هنقل أختي عليه"
لوح له بيده و هو يقول:
محجوزين يا أستاذ، اطلع شوف واحد عند الإسعاف برة"
رفع «وليد» حاجبه و هو يسأله بنبرةٍ جامدة:
هو إيه اللي محجوز ؟! بقولك هات كرسي من اللي جنبك علشان انقل اختي عليه، مبقولكش هات بهيمة من المواشي اللي مربيها"
رد عليه الأخر بتأففٍ:
يوه !! أنا مش فايقلك يا جدع أنتَ، فيه ناس حاجزة دول و سايبين بطايقهم، روح هات واحد من برة عند الإسعاف، مش بعيد يلا"
سأله هو بخبثٍ:
قولتلي سايبين بطايقهم ؟! معاك واحد مقطع بطاقته و مش باقي على حاجة"
فور انتهاء جملته أمسكه من تلابيبه يسحبه من مقعده تزامنًا مع قوله:
ولا !! هات الكرسي بدل ما اقعدك عليه العمر كله، هات يلا أنا مجنون و مش فارقلي حاجة"
اجتمع الرجال حولهما و «وئام» الذي ركض نحو أخيه قائلًا بحدة:
بس يا وليد كدا مينفعش، سيب الراجل خلينا نشوف أختك، بس"
رد عليه بصراخ:
ماهو يحترم نفسه و يديني الكرسي علشان نغور من الزريبة دي، دا بيساومني على الكرسي !!"
اقترب «ياسين» منه يقول بضجرٍ:
خلاص يا وليد، سيبه و هناخد الكرسي برضه، بس مش كدا، سيبه بقى أنا اللي فيا مكفيني"
صرخ في وجهه بتعبٍ و نبرة صوتٍ أوشكت على البكاء، فتركه «وليد» على مضضٍ حينما دفعه على المقعد مرةً أخرى و انسحبت الناس من حولهم، فأخرج «ياسين» بعض الأموال من محفظة نقوده يعطيها له و هو يقول بقلة حيلة:
ممكن تديني الكرسي خليني أخدها من هنا ؟!"
قام بفتح القفل الذي سبق و أغلق به على المقاعد و هو يقول بخجلٍ منه بعدما رأى الأموال وأخذها منه:
مش القصد يا باشا، بس فيه ناس ولاد حرام بياخدوا الكراسي و دي عُهدة عليا، مترضاش ليا الأذى برضه"
رد عليه «وليد» بتبجحٍ:
الأذى دا هو أنتَ بعينك، لو أنتَ متلقح تشوف شغلك كويس و تسيب المحروق اللي في إيدك محدش هياخد حاجة منك و يديك على قفاك"
رمقه الرجل بحنقٍ وهو يقول:
أنا هسكتلك علشان الراجل الكُبرة دا، غير كدا ليا كلام تاني"
حاول «وليد» الاقتراب منه وهو يقول له بتوعدٍ لكن «وئام» وقف حائل بينهما:
لو جدع قرب مني علشان و رب الكعبة أخليك قاعد على الكرسي دا الباقي من عمرك متفارقوش و ساعتها أنا بنفسي اللي هقعدك عليه"
أخذ «ياسين» المقعد و هو يزفر بقوةٍ حتى يتوجه نحو الغرفة، وقف أمامها فوجد الطبيبة تخرج له و هي تقول بذوقٍ منعدم:
يلا يا أستاذ هي جوة على السرير اتفضل خدها يلا خلينا نشوف حد غيرها"
حدجها هو بتقززٍ من طريقتها الفظة، و قبل أن يدلف الغرفة سألته هي باهتمام:
هو أنتَ مين ؟! فين الأستاذ التاني اللي كان معاها من الأول"
رد عليها هو بصوتٍ خافت:
أنا جوزها، الأستاذ التاني يبقى أخوها، ممكن بقى ادخل ؟!"
سألته هي باتهامٍ واضح:
هو سيادتك اللي عملت فيها كدا ؟! منك لله يا بعيد"
سألها هو بحنقٍ:
أنتِ بتقولي إيه ؟! أعمل كدا في مين يا مجنونة أنتِ ؟؟"
ردت عليه هي بنفس الطريقة:
كلهم كدا، يضربوا ستاتهم و يجوا هنا يعملوا غلابة، و طبعًا حضرتك هتهددها و تاخدها غصب عنها"
اقترب منها «وليد» وهو يقول بطريقته المعتادة:
هو أنتِ فيه حاجة في مخك ؟! جوزها مين دا اللي يعمل فيها كدا؟ وسعي من وشي خليني أخد أختي"
لوحت له بيده وهي تقول بضجرٍ:
انتو احرار، أنا كنت شايلة همها، هي شكلها غلبانة و مش هتاخد معاكم حق و لا باطل، بقولك بس ابقى أكلها و شربها عصير علشان شكلها مهبطة"
سألها هو بتهكمٍ:
و العصير اللي هنا فين ؟ شربتيه أنتِ و لا طلعتيه رحمة و نور على روح المرحوم ؟!"
رمقته بغيظٍ ثم تركته و رحلت من أمامه، بينما في داخل الغرفة كانت «خديجة» جالسة على طرف الفراش، و لكن حالتها جعلتها تطالع نفسها بتعجبٍ، ذراعها الشمال موضوعًا داخل حاملة الأذرع و كفها أيضًا داخل تلك "الجبيرة" و جبينها وضع عليها الشاش الطبي يخفي جرحها أسفله، أما عن قدمها اليسرى، فهى لم تستطع رؤيتها بسبب ذلك الجبس الذي يقيد حرية قدمها، تنهدت هي بقلة حيلة و هي تطالع نفسها لكنها تذكرت أن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى حينها رفعت رأسها تتمتم بعدة كلمات تحمد الله بها حتى فُتح الباب بواسطته و المقعد في يده، رفعت رأسها هي بسرعةٍ ظنًا منها أنها الطبيبة، لكنها تفاجأت به يقف على اعتاب الغرفة يطالعها بعدة مشاعر مختلطة، و رغمًا عنه بكى فور وقوع بصره عليها، أما هي حركت كتفيها بقلة حيلة لكنه ألمها عند تلك الحركة حينها تأوهت بصوتٍ منخفض، فركض هو لها يسألها بصوتٍ متقطع:
أنتِ...أنتِ كويسة صح؟! طمنيني عليكي بالله عليكي يا خديجة، كويسة !!"
ابتسمت له و هي تقول بنبرةٍ خافتة:
أنا كويسة الحمد لله، اطمن وراك رجالة، بس مش أوي يعني بصراحة"
حاولت صبغ حديثها بالمرح حتى تطمئنه و تزيل ذلك الخوف من على وجهه، لكنه اقترب منها يجلس على ركبتيه أمامها و هو يقول بصوتٍ مختنق:
حقك عليا و الله أني سيبتك و مشيت، لو كنت أعرف إن فيه حاجة ممكن تزعلك كنت فضلت معاكي، مكنتش سيبتك أصلًا"
ابتسمت له و هي تقول:
دا نصيب و مكتوب، كان ممكن تكون موجود معايا و برضه كنت هقع، محدش عارف الخير فين، و بعدين عادي كلها أيام و كل حاجة ترجع زي ما كانت، متشغلش بالك يا ياسين"
رد عليها هو مُسرعًا يقطع حديثها بصوتٍ باكٍ:
مشغلش بالي بيكي ؟! خديجة أنتِ مش عارفة أنتِ عندي إيه ؟! أنا و قلبي ملناش غيرك أنتِ، و الدنيا كلها تغور قصاد إنك تكوني كويسة، أعيش ازاي و أنتِ مش معايا، دا أنا ما صدقت لقيتك"
تنهدت هي بعمقٍ، فوجدت «وليد» يدخل الغرفة فجأةً و حينما رآها تجلس بذلك الوضع اقترب منها بأعين باكية حتى وقف بجوارها فوجدها تبتسم له و هي تحاول جاهدةً منع العبرات من النزول، فوجدته يميل على رأسها يقبلها و حينها نزلت دموعه رغمًا عنه، فهو لم يتخيل أن يراها بتلك الحالة، الجانب الأيسر في جسدها تحمل ضررًا كبيرًا، بعدها حرك رأسه ينظر لها فوجدها تبتسم له ببراءةٍ ممتزجة بخجلٍ طفيف فوجدته يسألها بمعاتبةٍ:
ليه تعملي في نفسك كدا ؟! ليه يا خديجة مفكرتيش في نفسك و فيا ؟! لو جرالك حاجة هعيش إزاي ؟! هان عليكي نفسك ؟! هان عليكي توقعي قلبي بالشكل دا ؟! أنا كنت هموت علشانك"
خرجت كلماته الأخيرة بصوتٍ متقطع نتيجة دموعه، بينما هي ردت عليه بنبرةٍ باكية:
اللي حصل حصل خلاص، الحمد لله أنا كويسة و زي الفل، مشوني بس من هنا علشان هما عصبيين أوي و بصراحة خوفوني"
سألها «ياسين» بنبرةٍ جامدة:
حد فيهم زعلك ؟! انطقي حد قالك حاجة تضايقك؟!"
ردت عليه هي مسرعةً:
لأ و الله خالص، هي بس فضلت تقولي جوزك اللي عمل فيكي كدا، قولي و كانت عاوزة تعمل محضر، بس قولتلها إني وقعت لوحدي علشان الدنيا كانت ضلمة، و هي مصممة إن جوزي ضربني و عمل فيا كدا"
اعتدل «ياسين» في وقفته ثم قال لـ «وليد»:
يلا يا وليد اعدل الكرسي خلينا نمشي من هنا، لما نشوف أخرتها"
أومأ له موافقًا ثم قام بفتح المقعد، فحملها «ياسين» و قام بوضعها عليه برفقٍ و هي تتأوه بخفوتٍ، ثم حرك المقعد لخارج الغُرفة و ما إن رآها «أحمد» حتى ركض إليها يجلس أمامها على ركبتيه و هو يقول ببكاءٍ:
حقك عليا أنا، بس طمنيني عليكي يا خديجة، طمني قلبي و ريحيه إن روحه بخير، خديجة أنتِ كويسة صح؟"
رفعت كفها السليم تحاوط به وجهه و هي تقول بتأثرٍ:
أنا كويسة متخافش هما شوية حاجات بسيطة تترد على البارد و كل حاجة هتبقى فل، أنتَ ملكش دعوة يا أحمد، دا نصيب"
تدخل «وئام» يقول بتأثرٍ هو الآخر:
خضتيني يا خديجة، أنا قلبي وقف عليكي، القطة بتاعتي اللي مربيها على إيدي وقعت كدا ؟! أنا بحبك أوي والله، مش ناسي أني أنا اللي مربيكي على إيدي أنتِ و الواد وليد، ربنا يبعد عنكم التعب و الشر كله"
ردت عليه هي بامتنانٍ له:
ربنا يخليك ليا يا وئام، فضلت شايلني و رايح جاي بيا، أنا كنت حاسة طشاش كدا، ربنا يديم وجودكم كلكم ليا"
حرك «ياسين» المقعد و هو يقول:
طب يلا يا ست الكل البيت كله مستني، عاوزين نطمن الباقي عليكي"
حرك المقعد نحو الخارج حيث ساحة الانتظار الذي وقف بها الشباب و «طه» معهم و ما إن عبر «ياسين» بالمقعد نحو الخارج حتى وجدهم يركضون نحوها و أولهم «طه» الذي اقترب منها يقبل جبينها و كف يدها بشوقٍ لصغيرته التي بكت عند رؤيته له في تلك الحالة فلم تتوقع مهما عاشت و مهما رسمت بخيالها أن يأتي اليوم الذي يبكي به «طه» لأجلها بتلك الطريقة، بينما هو رفع رأسه يطالعها و هو ببكاءٍ و هو يقول:
ألف سلامة عليكي يا نور عين طه، يارتني أنا و لا أنتِ يا خديجة، متزعليش مني حقك عليا أنا"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
أنا كويسة و الله يا بابا متزعلش نفسك، خلاص و الله اقوم أقف على رجلي بس بلاش تعيط"
أقترب منها يقبل جبينها ثم نظر في عينيها و هو يقول بصوتٍ مختنق:
لو هتتعبك بلاش تعملي حاجة و لو هيريحك اشيلك على اكتافي مش هتأخر، و فوق راسي كمان، بس تكوني كويسة يا خديجة"
تدخل «عامر» يقول ممازحًا له:
طب شيلها يا عم طه يلا، و لا هو كلام بس؟!"
ضحكوا عليه فتحدث «وليد» يسأل بضجرٍ:
مين الحيوان اللي جه الخرابة دي؟! هي دي مستشفى ؟!"
رد عليه «حسن» بقلة حيلة:
النهاردة الجمعة يا حلو، يعني دي أقرب حاجة لينا و للبيت و دماغها كانت بتنزف، أنتَ كنت فين بقى؟"
رد عليه هو بنبرةٍ جامدة:
كنت مع ياسين بنوزع الحاجة، و بعدين مروحتوش المستشفى اللي ياسر بيشتغل فيها ليه؟!"
رد عليه «ياسر» بحنقٍ:
أنا مش فاهم دي مستشفى ازاي؟! ربنا يشفي كل مريض علشان ميقعش تحت إيدهم هنا"
انهى جملته فوجد إحدى الممرضات تركض نحوهم بلهفةٍ و هي تقول:
يا أساتذة الأشعة خدوها معاكم، أهو ربنا يطمنكم عليها"
أخذها منها «وليد» فوجدها تقول بحرجٍ زائف:
أنا شيلتها في عيني و الله و كنت حنينة معاها، اسألها حتى، مش كدا يا عسل ؟!"
ردت عليها «خديجة» تشكرها:
متشكرة لحضرتك جدًا يا طنط، ربنا يكرمك و يجبر بخاطرك"
ردت عليها هي مسرعةً:
ياختي على العسل !! بسكوتة و الله، أنا كنت واقفة جنبها يا أستاذ و الله مسبتهاش"
فهم «ياسين» مقصدها من الحديث و حينها أخرج ورقة مالية يعطيها لها فوجدها ترفع يديها للسماء و هي تدعو الله بقولها:
روح ربنا يباركلك فيها و يخليكم لبعض و ميخضكش عليها تاني، بنت الأصول المتربية دي، يعلم ربنا أدب و أخلاق و مطيعة و بتسمع الكلام"
رد عليها «وليد» بسخريةٍ:
ما خلاص أنتِ بتدوريلها على عريس ؟! دي مراته يعني هو عارف كل دا"
ابتسمت هي لـ «ياسين» وهي تقول بمرحٍ:
ياختي على العسل !! و الله حلوين و لايقين على بعض، أنتَ مش عاوز عروسة يا أستاذ؟"
سألت «وليد» بسؤالها الاخير فوجدته يرد عليها بسخريةٍ:
عروسة إيه يا حجة !! دي مستشفى و لا مكتب جوزني شكرًا ؟! أنا متجوز للأسف"
رمقته بحنقٍ و هي تقول بندمٍ:
يادي الخسارة، حصل خير، بقولك يا أجنبي أنتَ مش عاوز عروسة ؟! هجبلك عروسة سورية قمر زيك كدا، شكلك سوري"
وجهت حديثها لـ «ياسر» فوجدته يرد عليها بنبرةٍ ضاحكة:
لأ أنا مصري و الله، و متجوز الحمد لله و مراتي مصرية برضه، اجيبلك عيالي بقى، للأسف حظك إننا كلنا متجوزين"
لوحت لهم بيدها ثم تحركت من أمامهم و هي تغمغم بعدة كلمات لم يفهم أيًا منهم منها شيئًا، بينما «عامر» تحدث يقول ساخرًا:
عاوزة توفق راسين في الحلال بأي طريقة، مش دي المشكلة، المشكلة إنها واقفة تنقي، تقريبًا فكرانا بالجُملة؟! بس خسارة للأسف"
سأله «خالد» بتعجبٍ:
خسارة إيه دي ؟!"
رد عليه هو ببساطةٍ يفسر قوله:
كانت جابت لينا العروسة السورية ناخد منها طريقة التومية بدل ما بنجبها من برة"
ضحكوا عليه جميعًا بقلة حيلة من مزاحه فتدخل «عمار» يقول بتهديدٍ صريح:
أنا بقول نجيب سارة تشوف بنفسها و مين عارف مين هيتعمل منه تومية"
رمقه بغيظٍ و هو يلوح له برأسه، بينما «وليد» سأله بتعجبٍ:
صاحبك فين صح ؟! هو كان موجود ساعة اللي حصل؟"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
مامته كلمته علشان عندها دكتور النهاردة و هو كان معانا هنا و لسه ماشي من شوية"
تدخل «طارق» يقول بفخرٍ به:
محترم أوي عبد الرحمن دا، مسبناش و كان مصمم يدخل جوة علشان يخلي والده يكلم الدكاترة يوصيهم، بس إحنا قولنا مش مستاهلة"
تحدثت «خديجة» تقول بنبرةٍ متعبة:
ممكن نروح علشان بجد صدعت و الله، مش قصدي حاجة بس الجو برد أوي"
خلع «ياسين» سترته الجينز ثم وضعه عليها و هو يحاول تغطئتها به و ظل هو بقميصه الأسود حتى وصل بها السيارة ثم حملها و وضعها بها، و في الأمام جلس «وليد» و «ياسين» على مقعد القيادة، بينما «أحمد» أخذ المقعد ثم أعاده للداخل مرةٍ أخرى، و منها توجه نحو سيارة والده يقودها و معهما «عمار» و سيارة الشباب خلفهم، بينما في سيارة «ياسين» رفع رأسه يطالعها في المرآةِ يسألها بحنوٍ بالغ الأثر:
أنتِ كويسة و لا فيه حاجة تعباكي ؟؟ الجاكت دا مدفيكي ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
آه و الله مدفيني، بص الدكتورة قالتلي إن جسمي هيوجعني بليل و هحس بصداع نتيجة الخبطة، بس الإشاعات مفيهاش حاجة، و قالتلي فيه دوا المفروض أخده من عندهم بس هو مش موجود، كتبت إسمه في ورقة هتلاقيها مع الأشعة"
رد عليها «وليد» بتعجبٍ:
هو إيه دا !! يعني إيه دوا مش موجود ؟! ياسين اطلع على المستشفى اللي ياسر بيشتغل فيها، خلينا نتطمن عليها"
ردت عليه هي بلهفةٍ قاطعة:
لأ !! روحني ابوس رجلك يا وليد مش قادرة خلاص، كفاية اللي عملوه فيا هنا، علشان خاطري بجد تعبت خلاص"
سألها «ياسين» بنبرةٍ جامدة:
هما عملوا فيكي إيه يا خديجة ؟! انطقي بدل ما ادخل أكسرهم هما"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
يوه يا ياسين !! جابولي صداع، كل شوية اسمع صويت و زعيق و ادتني حقنة غبية أوي، روحني بقى خليني اريح شوية"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ، بينما «وليد» سألها مباشرةً دون أن يقوم بتزييف الحقيقة:
هي منة زقتك ليه يا خديجة !! حصل إيه علشان تحدفك الحدفة دي من على السلم؟"
طالعته هي بتوترٍ و هي تقول بنبرةٍ مترددة:
محصلش حاجة و بعدين منة مزقـ..."
توقفت عن الحديث حينما صرخ في وجهها قائلًا:
متعصبنيش !! زقتك ليه بنت وفاء بدل ما أخلي أمها تلبس الأسود متقلعهوش تاني، انطقي"
اغمضت جفنيها بشدةٍ ثم فتحتهما على مضضٍ و هي تقول:
كانت بتتخانق مع خلود و خلود مسكتها من شعرها، و لما حاولت ابعدهم عن بعض زقتني برجليها لحد ما وقعت من على السلم و خدت الدرجات كلها على جنبي الشمال"
نظر كليهما لبعضهما البعض و هي في الخلف تطالعهما بخوفٍ من تلك النظرات، بينما في سيارة «طه» هاتف شقيقته و طمأنها على «خديجة» و قبل إغلاق المكالمة سألها بنبرةٍ جامدة لا تقبل النقاش:
مين اللي زق خديجة يا خلود ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ مختنقة إثر كتم الدموع:
منة و الله العظيم منة يا أحمد، و عمتو مشيرة و هدير طلعوا ضربوها، هي اللي ضربتها بالرجل"
أغلق الهاتف في وجهها فور استماعه لحديثها ثم ضغط على مكابح السيارة بقوة حتى يصل للبيت، بينما والده نظر له بقلة حيلة فصوت «خلود» وصلهما من الهاتف، أما هو فكأنه في وادٍ أخر يفكر في كيفية أخذ حق شقيقته و والدته الأخرى كما يلقبها في بعض الأحيان.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» طمأنتهم «خلود» على شقيقتها و أخبرتهم بعودتهم إلى البيت، فوقفت «زينب» في الشرفة تراقب عودة ابنتها حتى تشبع شوقها لها، و أول سيارة وصلت كانت سيارة «طه» نتيجة ركض «أحمد» نحو البيت مُسرعًا، فنزل هو منها و خلفه والده و «عمار» و كان رجال العائلة بأكملها يقفون في الأسفل انتظارًا لهم و معهم «رياض»، بينما «أحمد» ركض نحو الأعلى دون أن ينتبه للجميع ، و منها توجه نحو شقة «سالم» و قبل أن يطرق الباب أخرج هاتفه يطلب رقمها و ما إن وصله الرد حتى قال لها بنبرةٍ جامدة:
اطلعي أنا واقف برة، و لو مجتيش أنا هطلع جناني عليكي و على ابوكي دلوقتي، ورايا على السطح"
أغلق في وجهها ثم توجه نحو الأعلى يسبقها و هو متيقن أنها ستتبعه نحو الأعلى، و بعد مرور ثوانٍ خرجت من الشقة نحو الاعلى حيث مكان تواجده، شعر هو بحركتها خلفه فالتفت لها يسألها بثباتٍ حاول جاهدًا الإتصاف به:
حصل إيه يا منة ؟! خلود ضربتك ليه؟! و زقيتي خديجة ليه؟"
ردت عليه هي ببكاءٍ زائف:
خلود ضربتني علشان فكراني بجري وراك، و خديجة وقعت و هي بتحاول تبعد خلود عني، بس خلود زقتها و وقعتها"
سألها هو بتمعن:
يعني مش أنتِ اللي زقيتي خديجة ؟! و خلود هي اللي عملت كدا؟!"
ردت عليه هي ردًا منطقيًا:
يعني هي تدافع عني و أنا أزقها !! مش منطقي يا أحمد، هي خلود اللي عملت كدا بس طبعًا علشان خافت منهم جابتها فيا و كانـ....."
توقفت عن الحديث حينما وجدته يدفع الطاولة بقدمه، حينها شهقت بقوةٍ، فوجدته يقترب منها يقول بهمسٍ بث الرعب بداخلها دون أن يمسها:
أنا ممكن دلوقتي أخليكي تنزلي من هنا واحدة تانية و اوريكي قلة أدب و سفالة من واحد متربي في الشوارع، بس مش هوسخ نفسي بسبب واحدة زيك، انطقي حصل إيه بدل ما أنطقك أنا"
طالعته هي بخوفٍ فوجدته يصرخ في وجهها:
انــطـقـي !! حصل إيه"
ردت عليه هي بصوتٍ متقطع:
قولتلك خلود هي اللي زقتها، مش أنا.....و لا هو انتو هتلزقوها فيا يعني علشان أختك متتأذيش؟!"
اقترب منها و على حين غرة أمسك ذقنها بكفه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
اكدبي كدا كمان و لاوعي معايا علشان أطلع روحك في إيدي، قسمًا بربي مش هيكفيني عيلتك كلها قصاد ضافر منها، اللي بسببك دخلت المستشفى النهاردة دي ضافرها اللي بيطير بعينة مليون زيك، أنطقي يا بت بدل ما أنطقك أنا"
ضغط على فكها من جديد فوجدها تقول بوجعٍ:
آه....خلاص....خلاص هقول، أنا اللي زقيتها و الله مش خلود....خلاص"
دفعها هو بتقززٍ من لمستها وهو يقول لها بحديث يشبه نصل السكين الحاد:
للأسف لمستك و أنا عمري ما عملت حاجة زي دي و سلمت حتى على واحدة، بس دي حاجة مش غريبة عليكي، أظن أنتِ خرباها بما فيه الكفاية"
طالعته هي بدهشةٍ من طريقته التي يحدثها بها فوجدته يضيف:
إيه زعلانة !! هو أنتِ بتحسي أصلًا ؟! أنتِ اللي زيك لازم رقبته تتقطم، و أنا هقطمها بنفسي"
اقترب منها أكثر فوجدها تلتصق بالحائط خلفها بخوفٍ منه، بينما هو أبتسم بسخريةٍ وهو يقول لها بنفس الهمس السابق:
خايفة !! دي أقل حاجة أنا ممكن أعملها فيكي و هو خوفك دا، هخليكي تشوفي أحمد تاني مني يطير النوم من عينك"
قال حديثه ثم بصق في وجهها و بعدها نزل للأسفل مرةٍ أخرى، بينما نظرت في أثره بدهشةٍ سرعان ما تحولت للتوعد بعد حديثه حتى دلفت السطح مرةً أخرى و هي تفكر في كيفية استغلال الوضع لصالحها.
في الأسفل نزل «أحمد» يقف في أمام البيت فوجد السيارات تصف أمام البيت، نزل «ياسين» أولًا ثم فتح الباب الخاص بها يحملها على يده، بينما هي كانت تشعر بخجلٍ من ذلك الموقف و خاصةً أمام اعمامها و «رياض»، أما هو فلم يكترث لخجلها حتى صعد بها الطابق الأول و هي على ذراعه، و العائلة بأكملها تقف في انتظارها، حتى وضعها على الأريكة فالتفوا حولها جميعهم و كلًا منهم يرحب بها بطريقتهم و حديثهم، بينما «زينب» جلست أمامها على ركبتيها و هي تقول بصوتٍ مختنق نتيجة عبراتها:
طمنيني عليكي....أنتِ كويسة صح؟؟ فيكي إيه بيوجعك علشان أنا قلبي وجعني عليكي"
ردت عليها هي تطمئنها:
أنا كويسة يا ماما و الله، مالكم يا جماعة مخوفني كدا ليه ؟! دي حاجات بسيطة و هتروح لحالها"
ردت عليها «مروة» بحنقٍ:
طول عمرك تفضلي تتريقي على نفسك و تعبك كأنك مبتحسيش، بنتي و أنا اللي مربياكي، جسمك بيوجعك صح ؟!"
ابتسمت لها و هي بقلة حيلة:
أوي بصراحة مش هكدب يعني، تقريبًا دي وقعة من على السلم الموسيقي"
ابتسموا على سخريتها، فتحدثت «إيمان» تقول بفخرٍ:
بقولك إيه يا كتكوتة شدي حيلك كدا، و قومي علشان تربي البت دي، مع إن عمتو مشيرة و هدير عملوا الواجب و زيادة"
حركت «خديجة» رأسها نحوهما فتحدثت عمتها تقول بتوعدٍ:
و لسه هو أنا هسيبها بنت وفاء ؟! دي بت سفلة متربتش، تربية ستها أمينة بصحيح، المهم يا خديجة أنتِ كويسة؟!"
ابتسمت لها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
كويسة يا عمتو الحمد لله، شكرًا علشان اللي عملتيه، مكانش ليه لزوم"
ردت عليها هي ترفض حديثها:
شكرًا إيه ياختي ؟! هو إحنا عندنا كام خديجة يعني ؟! هي واحدة"
مال «ياسين» على أذنها يقول بسخريةٍ:
الحقي اشبعي من مشيرة دي قبل ما تتحول علينا، دي أحلام العصر صح؟؟"
ابتسمت هي بخفةٍ فوجدته يعتدل في وقفته مرةً أخرى، و لكن ما أثار ريبته هو اختفاء «وليد» من محيط بصره، لكنه رجح أنه مع الشباب و بقية الرجال بالأسفل، أما «ميمي» فاقتربت منها تستند على عكازها حتى جلبت لها «عبلة» المقعد تجلس عليه أمامها حاولت «خديجة» الاعتدال أمامها فوجدتها تنهرها بقولها:
بس بتعملي إيه ؟! هو أنتِ فيكي نفس يا خديجة؟؟ طمنيني عليكي حاسة بإيه"
ابتسمت لها و هي تقول بنبرةٍ هادئة حاولت صبغها بالمرح:
أنا الحمد لله و الله كويسة أوي، و بعدين فرحانة علشان شوفتك يا ميمي، دا أنتِ منورانا"
ردت عليها هي بنبرةٍ متأثرة:
ربنا ميوجعش قلبي عليكي و لا على حد فيكم يا خديجة، حرقة قلب الضنا وحشة أوي و أنتِ بنتي"
أيدتها «زهرة» من خلال قولها:
معاكي حق يا ميمي، بنتنا كلنا، منها لله منة بقى، حارقة قلب أمها طول عمرها و قلب كل اللي يعرفها"
ردت عليها «سهير» بقولها:
طول عمرها بت براوية كانت تدخل بين بنات العيلة تفرق بينهم و تعمل مشاكل بينهم و تغير كدا لو لقت اتنين حلوين مع بعض، حاولت تفرق بين عبلة و هدير و بين سلمى و خلود، زي الحية كدا"
ردت عليها «هدير» بندمٍ:
كان نفسي أكمل بيها مسح السلم بس أبوها طلع و بابا معاه، بس على مين أنا قعدة هنا هروح فين يعني؟"
ردت عليه «خديجة» بتعجبٍ:
هو أنتِ عملتي إيه يا هدير ؟! هي وصلت إنك تمسحي بيها السلم؟!"
ردت عليها «جميلة» بفخرٍ:
الاتنين قطعوا شعرها في إيدهم، بس بصراحة البت تستاهل كل خير، مشوفتش كدا في حياتي و الله، بجاحة غريبة، مامتها بجد سكر و محترمة، دي حاجة صعب"
كل ذلك و «خلود» تقف في الداخل لم تقوى على الخروج أمام شقيقتها ظنًا منها أنها من تسبب في ذلك، بينما «خديجة» بحثت عنها بعينيها لكنها لم تجدها، فذكرت إسمها بنبرةٍ عالية:
يا خلود !! خلود فين يا سلمى؟! خلود....خــلود"
خرجت لها «خلود» من الداخل بخجلٍ و هي تبكي، فتحدثت هي بمعاتبةٍ بمرحٍ:
كدا !! مش عاوزة تيجي تشوفيني يا خلود ؟! صحيح ناس مني و من دمي محدش فيهم شال همي"
تحدث «ياسين» بسخريةٍ:
هي الخبطة أثرت على المخ ولا إيه يا ست الكل ؟! طالبة معاكي بقناة المولد ليه؟! آه صح نسيت إنك واقعة من على السلم الموسيقي"
ابتسموا جميعًا على سخريته، بينما هي أشارت لشقيقتها بذراعها الحر، حتى ارتمت «خلود» عليها تبكي بحرقةٍ على ما وصلت إليه شقيقتها بسببها، بينما «خديجة» رفعت ذراعها تربت عليها و هي تقول بوجهٍ مبتسم:
بتعيطي ليه طيب ؟! هو أنا زعلتك يا خلود ؟! أنتِ عارفة أني مبحبكيش تعيطي، بتعيطي ليه"
ابتعدت عنها تطالعها بحزنٍ و هي تقول:
علشان اللي حصلك بسببي، لو مكنتش اتهورت و مديت إيدي عليها كان زمانك مروحتيش المستشفى و لا كان زمانك حصلك كدا، بس و الله مستحملتش إنها تغلط فيكي يا خديجة"
مسحت «خديجة» وجه شقيقتها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
دا نصيب يا خلود، بيكي من غيرك كان هيحصل، أنتِ بس سبب من ضمن الأسباب، كان ممكن اتكعبل و اقع من غير ماحد يكون فوق و كان ممكن افضل فوق وقت أطول، و برضه كان ممكن أركب الأسانسير و يقع بيا، برضه دا كان وارد يحصل، الحمد لله على كل حال، احنا اتعودنا نحمد ربنا على كل حاجة و إحنا مش فاهمين علشان لما نفهم هنشكره أكتر، متزعليش نفسك يا خلود"
حركت رأسها موافقةً لها فوجدتها تحتضنها مرةً أخرى ثم قبلت جبينها، و في تلك اللحظة اقترب «يونس» يسألها ببراءة الأطفال:
أنتِ واوا !!"
تلك الكلمة التي يطلقها الاطفال على الإصابات نطقها هو أمامها، فحركت رأسها هي بتأثرٍ له، فوجدته يخفض نفسه ثم قبل ذراعها موضع الجبيرة، ثم رفع نفسه يقبل رأسها حينها أمسكت وجهه ثم قبلته و هي تقول بمرحٍ تحاول به إخفاء دموعها:
أنا بدوب في جمالك يا يونس، يارب تفضل كدا طول عمرك، إيه السكر دا"
أخرج من جيب بنطاله قطعة حلوى يضعها لها على ذراعه المُصاب و هو يبتسم لها بنفس البراءة، فتحدثت هي تقول لوالدته بتأثرٍ:
ريهام أمشي أنتِ و خليه يبات معايا، الحلويات دي مينفعش تسيبني"
ردت عليها «ريهام» بنبرةٍ ضاحكة ممتزجة بالسخرية:
خديه يا حبيبتي، بس كدا نصك اليمين هيحصل نصك الشمال، يونس لو نام جنبك هيكمل عليكي"
ردت عليها «سارة» مسرعةً:
لأ خلاص هي لما تفك كل الحاجات دي تبقى تاخده براحتها، يونس بس يكتفي بشوية اللطافة دي و إحنا هنفرح كلنا"
ضحكت «خديجة» عليهما فوجدت «يونس» يضع رأسه على قدمها و هو يربت على موضع الألم، حينها ابتسمت رغمًا عنه و الجميع يطالعونه بتأثرٍ من موقفه ذاك، بينما «ياسين» تنهد بعمقٍ وهو يرى ثمرة جهده و جهد أخوته يتم حصدها الآن أمام ناظريه و نتيجتها مُبشرة
_________________________
فوق سطح البيت جلست «منة» كما هي تتصفح هاتفها دون أن تكترث لما تسببت به، حتى وجدت الباب يُدفع بقوةٍ و حينما رفعت رأسها وجدته أمامها يطالعها بسهام عينيه، و حينما وجدها أمامه حينها شعر أنه وجد فريسته التي سينقض عليها، بينما هي وقفت بلامبالاةٍ واهية على عكس ما تشعر به من خوفٍ بداخلها، و قبل أن تمر من عتبة الباب وجدته في لمح البصر يغلق الباب بقدمه، فصرخت هي في وجهه:
أنتَ مجنون !! افتح الباب خليني انزل من هنا بدل ما ألم عليك الناس"
ابتسم هو لها بشرٍ و هو يقول:
صوتي و هاتي الناس، و أنا هفرح و اتكيف و اللي يسألني هقوله هي اللي طالعة و مستنياني، هاتي أخرك بقى علشان وليد ملوش أخر"
رمقته هي بحنقٍ و هي تقول بتهكمٍ:
دا أنتَ جامد بقى و مش همك !! طب بلاش، مش خايف على منظرك قدام عبلة؟! مش دي برضه حبيبتك ؟!"
تبدلت نظرته إلى الثقة و هو يقول بثباتٍ:
أديكي قولتي حبيبتي، يعني مستحيل تصدقك لو رقصتيلها على صوابع إيدك، عملتي إيه في خديجة يا منة؟!"
نفخت هي وجنتيها بضيقٍ:
يادي النيلة عليا و على خديجة بدري !! هو مفيش في الدنيا كلها غير ست خديجة، ما تكبروا شوية بقى"
حاول تمالك نفسه عند حديثها عن أخته بتلك الطريقة، فوجدها تتابع بنفس الطريقة:
حضرتك بقى سايب اللي وراك و اللي قدامك و جاي علشان تسألني على ست خديجة، اقولك علشان أريحك، يمكن تريحني أنتَ كمان ؟!"
رد عليها هو مُسرعًا بوقاحةٍ:
لأ يا روح أمك الراحة دي مش هتشوفيها غير في قبرك، مع أني أشك بصراحة، و بعدين أنا مش مخدة فايبر علشان أريحك، انطقي يا بت"
اغتاظت هي من طريقته فردت عليه بتبجحٍ زائد عن حده:
طب هريحك أنا، آه زقتها و آه كنت قاصدة و آه أنا اللي عملت كدا، ارتحت؟! واخدة أكبر من حجمها بصراحة خديجة دي، مش هي رجعت بالسلامة خلاص"
ابتسم هو لها بخبثٍ وهو يقول:
هو خلاص فعلًا يا منة، و بما إنه خلاص أنا كنت بختار من يومين مكان عزا لحد غالي عليا، و الله مش خسارة فيكي"
طالعته هي بثباتٍ بينما هو أخفض جسده للأسفل و خاصةً بجوار الأريكة الموضوعة خلف الباب ثم اعتدل واقفًا و في يده عصا كبيرة الحجم، ازدردت هي لُعابها بخوفٍ فوجدته يسألها بنبرةٍ هادئة بثت الرعب بداخلها:
قوليلي بقى كلامك كدا تاني ؟؟ ها زقيتي خديجة ليه؟!"
رفعت رأسها بثباتٍ تحسد عليه و هي تقول بنفس الطريقة الوقحة:
أنتَ هتخوفني باللي في إيدك دي؟! روح يا بابا هزر بيها مع عيل صغير، بدل ما أصوت و أخلي الناس كلها تطلع و هقولهم إنك حاولت تتهجم عليا، ابعد عني و سبني انزل أحسنلك"
حرك العصا في يده و هو يقول بنفس الهدوء المرعب:
مرة زمان عيل ضربني و أنا في ابتدائي و علشان كنت لوحدي مقولتش لحد و هو فضل شايف نفسه عليا لحد سنة رابعة كدا، هو كان فاكرني ناسي و مش فاكر، بس هو غبي علشان أنا فضلت بحوشله علشان يوم ما يجي معاد حقي أخده صح، قولتلك قبل كدا اخرجي من سكتنا و اطلعي برة حتتنا مصممة تُحشري نفسك، الواد يوم ما جه تحت إيدي أنا كسرت رجله و مش بس كدا أنا خليته طول السنين الباقية يخاف يرفع عينه فيا، أنتِ زيك زيه، بس الفرق بقى إنك مجتيش عليا، أنتِ جيتي على الغالية عندي، و دي عقابها ضعفين، صوتي بقى علشان هاخد حقي و حق الغالية، يا....يا غالية"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الأربعون 40 - بقلم شمس بكري
"
غدوتُ غريقًا في بحور عينيكِ
وجدتُ مسكني بين ذراعيكِ
_________________________
تُشبهين راحةٍ رُزق بها القلب بعد عمرٍ من العناء، أو كأنكِ كما عصفورٌ صغيرٌ و في دروب العشق غَنَّاء، مثلي من اعتاد القلق كيف له بنظرةٍ منكِ يطمئنُ و يجد الهناء؟ كيفَ لُحسنكِ أن يغويِّ تائبًا عن الحُب، كيف جعلتي القلب يتواضع في حبكِ و أنتِ تسيرين في مدارات حبي بكل خيلاء.
حرك «وليد» العصا في يده و هو يقول بنفس الهدوء المرعب:
مرة زمان عيل ضربني و أنا في ابتدائي و علشان كنت لوحدي مقولتش لحد و هو فضل شايف نفسه عليا لحد سنة رابعة كدا، هو كان فاكرني ناسي و مش فاكر، بس هو غبي علشان أنا فضلت بحوشله علشان يوم ما يجي معاد حقي أخده صح، قولتلك قبل كدا اخرجي من سكتنا و اطلعي برة حتتنا مصممة تُحشري نفسك، الواد يوم ما جه تحت إيدي أنا كسرت رجله و مش بس كدا أنا خليته طول السنين الباقية يخاف يرفع عينه فيا، أنتِ زيك زيه، بس الفرق بقى إنك مجتيش عليا، أنتِ جيتي على الغالية عندي، و دي عقابها ضعفين، صوتي بقى علشان هاخد حقي و حق الغالية، يا....يا غالية"
كان يتحدث وهو يحرك العصا بين كفيه يلوح بها أمام ناظريها، أما هي فتصنعت الثبات و كأنها لا يُهمها من الأساس حتى تحدثت بنبرةٍ أوضحت عدم اكتراثها:
مش هتقدر تعملي أي حاجة، أنتَ جبان أصلًا، و بعدين هي الست خديجة هتخليك مُجرم على أخر الزمن ؟!"
ابتسم لها تلك البسمة التي لا تنم عن الخير و ورافق تلك البسمة قوله:
أنا مش هحاسبك على النص الأول في كلامك، أنا هرد على النص التاني و أقولك أني علشانها ممكن أحرق البلد باللي فيها، علشان خديجة أنا ممكن أفرم اللي يجي على سكتها"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول بنبرةٍ اثارت حنقه:
ما يمكن هي اللي جت على سكتي ؟! و أنا اللي يجي على سكتي ممكن أموته عادي، يعني الحمد لله إنها عايشة من الأساس، يا شيخ ياريتها كانت ماتت و خلصنا منها"
حسنًا هي ارادت أن تخرج الوحش الكامن بداخله و استطاعت فعل ذلك بجدارةٍ، فبعد ذلك الحديث وجدته يمسك المقعد البلاستيكي المجاور له ثم قذفها به دون أن ينتبه أنها فتاةٍ و كأنها أودت بأخر ذرة ثبات لديه، أما هي فصرخت بملء صوتها حينما وجدت المقعد يُقذف عليها حتى سقطت على الارض بعدما تعرقلت في طرف السجادة الموضوعة خلفها، حينها هو اقترب منها يجثو على ركبتيه و هو يقول بهمسٍ مخيف:
أنا لحد أخر لحظة كنت هكتفي أني أخوفك بس و أخليكي تنزلي من هنا سليمة، بس بعد كلامك دا لو عرفتي تنزلي من هنا تبقى أمك داعيالك في ليلة مفترجة"
طالعته هي بغلٍ دفين لم تتدخر جهدًا في إظهاره و هي تقول:
أنا بكرهكم، اللي زيك و زي خديجة دول بياخدوا كل حاجة، خدت مني كتير، خدت مني حب أهلي و خدت مني صحابي، حتى و هما بعيد عنها كانوا برضه بيدافعوا عنها قصادي"
صرخ في وجهها بقوله الحاد:
بـــس !! اخرسي بدل ما أخرسك أنا، خدت منك إيه يا حلوة ؟! إذا كان حقها هي سابته أصلًا، لو على صحابك هما عرفوا إنهم نضاف مينفعش يفضلوا جنب القرف بعدوا عنك، لكن أنتِ زيك زي الزبالة متتخيريش عنها يا منة، يا ويلك من اللي جاي"
رمقته بغيظٍ من حديثه رغم الخوف الذي تسلل قسمات وجهها لذلك و قبل أن تركض من أمامه و تهم بالهروب وجدته يوكزها بالعصا في كتفها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
اتـــرزعــي !! عارفة ؟! شكلك و أنتِ خايفة كدا مفرحني أوي و نفسي أضربك و اتكيف بيكي و أنتِ بتتوجعي زيها، بس أنا لو ضربتك هركب نفسي غلط و عيبة، و أنا مينفعش اصغر قدام نفسي علشان مديت إيدي على بنت، قومي غوري من وشي"
تنفست هي بعمقٍ بعد حديثه و في لمح البصر اعتدلت واقفة حتى تركض من السطح و لكنها تفاجأت بأخر من توقعت وجودها هنا، حيث وجدت «مشيرة» أمامها تقف على أعتاب السطح، و قبل أن تتخطاها و تخرج من السطح، وجدتها تدفعها و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
رايحة فين يا حلوة ؟! هو دخول سطح الرشيد زي الخروج منه ؟! متجيش دي"
ابتسم «وليد» بثقةٍ ثم اعتدل واقفًا وهو يقول من خلفها بخبثٍ:
نسيت أقولك يا منة، أنا مقدرش أمد أيدي على بنت حتى لو كانت زيك كدا، بس في نفس الوقت أنا مقدرش أنام و حقي بايت برة، و خديجة مش ليها حق بس، دي ليها عندك كتير و من زمان، علشان كدا أنا هقف اتفرج على حقي و هو بيرجع"
التفتت له فوجدته يميل بجزعه على الطاولة الصغيرة يقوم بإشعال شمعة صغيرة فسألته هي بريبةٍ:
أنتَ...أنتَ بتعمل إيه ؟! هو فيه إيه ؟!"
اعتدل واقفًا من جديد وهو يقول بخبثٍ كعادته ممتزج بالمرح:
بولعلك شمعة علشان تتمزجي، هدلع الروح قبل ما تروح"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ فوجدته يرتمي على الأريكة وهو يقول لعمته:
يلا يا عمتو، خليني اصفالك شوية و خدي حق خديجة و حقي و حق أحمد و خلود، أصل منة الله أكبر ماشية تدوس براحتها"
ابتسمت له بشرٍ ثم أغلقت الباب ثم خلعت حجابها تلقيه على الأريكة و بعدها شمرت ساعديها و هي تنظر لتلك التي تقف أمامها بثباتٍ لا يهمها شيئًا حتى تفوهت بوقاحةٍ:
هو انتم الاتنين هتخوفوني ؟! مش هتقدري تعملي حاجة أصلًا، سيبيني انزل بدل ما تحصلي ست خديجة أنتِ كمان"
ابتسم «وليد» بسخريةٍ و قبل أن تكتمل بسمته وجد «مشيرة» تهجم عليها و هي تقول بنبرةٍ أقرب للصراخ:
أنتِ إيه يا بت ؟! ملكيش كبير يكسر عينك ؟! دا أنا هموتك في إيدي"
أنهت حديثها ثم دفعتها على الأريكة و بعدها انهالت عليها بالصفعات و اللكمات و الأخرى تصرخ في يدها تطلب النجاة، بينما «مشيرة» كممت فمها بيدها و باليد الأخرى تضربها في أنحاء جسدها، حتى ضربتها «منة» بقدمها في بطنها، حينها ارتدت «مشيرة» للخلف حتى أوشكت على السقوط لكن يد «وليد» منعتها من ذلك، فطالعته هي بتعجبٍ، فوجدته يحرك رأسه أمرًا لها بقوله:
كملي يا مشيرة، اللي زي دي متستاهلش الشفقة، شوفي شغلك"
اندفعت «مشيرة» من جديد تضرب رأسها بيد الأريكة ثم أمسكت قدمها تلويها للجهة الأخرى و هي تقول بصراخٍ:
لــيه يا بنت وفاء !! جيتي على الغلبانة اللي كله جاي عليها لـــيه ؟! أنا و وأبوها و دنيتها و كانت نقصاكي أنتِ كـــمان !! مش هرحمك من إيدي، مش هسيبك"
صرخت «منة» في وجهها بوجعٍ:
يا شيخة ربنا ياخدك و ياخدها و يخلصني منكم، غوري"
تدخل «وليد» يتحدث بنبرةٍ جامدة:
لمي نفسك يا بت بدل ما أكمل أنا عليكي، لسه اللي جاي هيفرحك أوي، اتقلي على رزقك"
تركت «مشيرة» قدمها ثم كررت نفس الموضوع في ذراعها اليمين و هي تقول بتوعدٍ:
هكسر عضمك كله، زي ما هي اتوجعت هخليكي أنتِ كمان تتوجعي يا منة، صبرك عليا يا حلوة"
بعد جملتها الأخيرة ضغطت على ذراعها و هي تلويه للخلف حتى صرخت «منة» بألمٍ و هي تقول:
آاااه....خلاص خلاص ....ســيبــينـي بــقـــى"
تركتها «مشيرة» على مضضٍ و فجأة أمسكت خصلات شعرها تهزها في يدها بعنفٍ و هي تقول:
أمك و أبوكي تحت بيتطمنوا على خديجة و بيتأسفوا ليها على عملتك السودا، يلا يا حلوة تعالي علشان تعملي زي بابا و ماما"
ردت عليها بشموخٍ رغم الألم البادي على ملامح وجهها:
مش هتأسف لحد، أنتِ بتحلمي"
تدخل «وليد» يُبعد عمته عنها ثم أخفض جزعه حتى يصبح في نفس مستواها و هو يقول بنبرةٍ جامدة لا تقبل المفاوضة:
لأ يا روح أمك هتتأسفي و تبوسي راسها و تحقي نفسك قدامهم كلهم تحت، و الحكم اللي هيتحكم عليكي بيه هيمشي زي السيف، يا كدا، يا أخد الحج سالم يوم من أوله لأخره لفة حلوة على الكافيهات و بيوت صحابك اللي بتروحوها تعملوا فيها الحفلات بتاعتكم، ها !!"
طالعته هي بخوفٍ من حديثه، فنبرته و إصراره لم يكن مجرد تهديد، لذلك تحدثت بنبرةٍ مشتتة:
أنتَ بتقول إيه ؟!.... أكيد يعني مش هيصدقك، أنتَ مجنون، أنا بقى اللي هيسألني هقوله إن أحمد حاول يتحرش بيا و لما جيت اتكلم عملتوا الشويتين دول، مش لوحدك اللي بتفكر"
اخفضت «مشيرة» جزعها تخلع نعالها ثم اقتربت منها تضربها به و هي تتحدث بغلظةٍ:
يا بنت***** إيه يا بت ؟! جبروت يخربيت أمك، دا أنا اتهديت و الزمن جه عليا، أنتِ إيه"
ابعدها «وليد» عنها حينما استمع لصوت صراخاتها في يد عمته، ثم أخرج هاتفه و هي تطالعه بتعجبٍ، أما هو فتحدث بنبرةٍ جامدة و هو يقول لمن يهاتفه:
اطـــلـــع !!"
أغلق الهاتف مرةً أخرى وهو يرمقها بسهامه و لو كانت النظرات تقتل لكانت هي الآن صريعة تلك النظرات، بينما «مشيرة» أخذت حجابها تلفه على رأسها، و في تلك اللحظة دلف «أحمد» السطح و كأنه ينتظر الهجوم على فريسته، نظرت هي له بخوفٍ، فوجدته يقترب منها و هو يقول لها بصوتٍ منخفض لكنه بث الخوف داخلها بنجاح:
أنا دلوقتي مقسوم نصين، نص فرحان بمنظرك دا وهو شايف حقه بيرجع و نص تاني ندمان إن الحق دا مرجعش بإيده، عارفة اللي أنتِ عملتي فيها كدا دي تبقى لينا إيه ؟! عارفة فيه كام واحد حياته واقفة عليها !! بس دي حاجة أشكالك متعرفهاش، أنا دلوقتي ممكن أوري صورك لأبوكي و أنتِ في الكافيه بس أنا مش هعمل كدا، علشان مقهرهوش، و أنتِ يا شاطرة هتنزلي قدام الكل تذلي نفسك لحد ما أنا أوافق، يا كدا يا قسمًا بالله هربيكي على إيدي، و يا ويلك لو أنا حطيتك في دماغي"
اقتربت منه «مشيرة» تربت على كتفه و هي تقول بفخرٍ:
جدع ياض، مع أني بقول نسيبها تتربى شوية في إيدي تربية الزرايب دي، خلوني اشفي غليلي منها"
تدخل «وليد» يقول لها بنبرةٍ جامدة:
لأ، كفاية كدا علشان تعرف تتكلم تحت، يلا يا عمتو وقفيها و ارمي عليها الطرحة خليها تنزل علشان تتأسف، و يا رب تغلط علشان أوريها ضرب الرجالة عامل إزاي"
أقتربت «مشيرة» تسحبها من على الأريكة فوقفت أمامها تحاول التمسك على آلامها و لكن هيئتها أصبحت أخرى، شعرها المشعث و تلك الجروح التي اصابت وجهها نتيجة أظافر مشيرة، حتى جسدها الذي انتشرت الآلام به، لم تستطع التوقف على قدمها حتى سقطت على الأريكة مرةً أخرى، فسحبتها هى بنفس الطريقة ثم قامت بربط الحجاب على شعرها، بقوةٍ حتى صرخت «منة» بوجعٍ، حينها ضغطت «مشيرة» على يدها ثم سحبتها خلفها حتى تنزل بها للأسفل، بينما «وليد» ربت على كتف «أحمد» وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا خليتك تطلع تطمن بنفسك إن حق أختي أنا مش هسيبه يبات برة، أي حاجة تانية مش هنقدر نعملها، سالم و وفاء ميستاهلوش عينهم تتكسر كدا، كفاية الخلفة العار دي"
حرك رأسه موافقًا وهو يقول بنبرةٍ ظهر بها التعب:
أنا مكنتش هعمل حاجة بالصور دي، و إحنا بنشتغل في الكافيه الصور دي قابلتنا على الكاميرا علشان اللي حسن بياخد منها مقاطع الدعاية، إحنا الغرب زعلنا، ما بالك بأبوها بقى"
حرك رأسه موافقًا له ثم أشار له حتى يلحقه للأسفل.
_________________________
في الأسفل اجتمعوا حول «خديجة» يطمأنون عليها حتى اعتذرت منها «وفاء» أمام الجميع و هي تبكي بخجلٍ من فعلة ابنتها، و من حسن حظها أنها وقعت مع «خديجة» التي ابتسمت لها بهدوء ثم قالت:
متعتذريش يا طنط وفاء، حضرتك ملكيش ذنب، و بعدين أنا قد بناتك برضه يعني مينفعش تعتذري ليا، الحمد لله جت بسيطة"
ردت عليها «إيمان» بنبرةٍ جامدة تدخل في الحديث:
هي إيه اللي جت بسيطة ؟! أنتِ نصك الشمال باظ، مش دي غلطة بنتها ؟! أنتِ ليكي حق و لازم تاخديه"
أيدتها «هدير» بقولها المنفعل:
بتتكلمي صح يا إيمان، و لولا الوقت و الجيرة أنا كان زماني رميتها من فوق السطح"
طالعتهما «خديجة» بيأسٍ ثم نظرت لزوجها فوجدت نظراته جامدة لم تستطع فهمها، حينها زفر هو بقوةٍ ثم أغلق عينيه يحاول التحكم في ثباته، بينما في الأسفل وقف «سالم» يعتذر من «طه» بقوله:
أنا أسف يا طه، أكيد فيه حاجة غلط في الموضوع علشان الأمور توصل لكدا، حقك عليا و الله، أنا تحت أمرك في أي حاجة، اللي تؤمر بيه"
رد عليه هو بنبرةٍ جامدة:
اللي خديجة هتؤمر بيه هيتنفذ يا سالم، و لسه أنا هعرف بنتك عملت كدا ليه في بنتي، أصلها مش طيشة هي"
رد عليه هو بخجلٍ منه:
محدش قال إنها طيشة و أنا بنفسي هربي بنتي...بس أنا مش عاوز أخسركم و أنتم أهلي، و لسه إحنا مش فاهمين حاجة"
تدخل «وئام» في الحديث بصوتٍ هادر:
بقولك إيه يا عم سالم أنتَ على عنينا و راسنا، بس اللي حصل في أختي لو زي ما أنتَ بتقول بنتك هي السبب محدش هيسكت، هخلي ستات العيلة كلهم ياخدوا حقها، أنتَ مشوفتش منظرها و هي غرقانة في دمها و لا صوت صريخها و هما بيجبسوها، دي سحبت روحي بعياطها"
نكس رأسه للأسفل بخجلٍ و خزيٌ من فعلة ابنته الغبية، و على حين غرة استمعوا جميعًا لصوت صرخات عالية من «منة» و «مشيرة» تسحبها خلفها من مرفقها، و الأخرى تتألم من قوة الوجع المنتشر في انحاء جسدها حتى دفعتها «مشيرة» داخل الشقة و هي تقول بصوتٍ منفعل:
ادخلي يا روح أمك، ليكي عين تصرخي و تبجحي كمان ؟!"
اتسعت الأعين بقوةٍ و صعد الرجال من الأسفل على صوت الصرخات تزامنًا مع حديث «مشيرة»، بينما «حسان» اقترب من زوجته يسألها بنبرةٍ جامدة:
إيه اللي أنتِ عملتيه دا ؟! أوعي تكوني أنتِ اللي عاملة فيها كدا يا مشيرة ؟!"
ردت عليه هي بنفس الجمود:
آه أنا اللي عملت فيها كدا و لو كترت هجيب أجلها و أخرج روحها في إيدي، بص خديجة عاملة إزاي بسببها، شوف جسمها المتجبس"
اقتربت في تلك اللحظة «عبلة» من «منة» تمسك ذراعها و هي تقول بصوتٍ حاد:
أنا سكتالك من بدري و عمالة أفوت، قوليلي ضربتي خديجة ليه ؟! انطقي"
حينما رآت والدها تمكنت منها بعض الشجاعة و هي تقول بصوتٍ أشبه للصراخ:
أوعي إيدك أنتِ مجنونة !! هي و أختها اللي اتهجموا عليا و ضربوني، أنا كنت بدافع عن نفسي، دا أنتو عيلة مجانين"
في تلك اللحظة هجم «وليد» عليها يدفع نحو الحائط و يده على عنقها يضغط عليه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
و ربي اللي خلق الخلق كلهم هندمك على قلة أدبك دي و حالًا، أنا مختار أكون محترم و أنتِ بتجبريني أقل أدبي"
في تلك اللحظة اجتمع حوله «حسن» و الشباب يحاولون أبعاده عنها حتى نجحوا في ذلك بعد صراخ والدتها و صوت والدها الذي ارتفع في المكان يدافع عن ابنته، بينما «وليد» صرخ في وجههم:
أنا مش غلطان !! بس هي اللي مش متربية، لسه بتبجح و تقاوح، الحلوة عمالة تلف على أحمد و علشان هو متربي و مش راضي يديها وش عمالة تزود في قلة الأدب، و أخرتها جاية على خديجة، لولا إني راجل و هي بنت كنت عرفتها الحق بيتاخد إزاي، انطقي يا بت أحسنلك"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية ممتزجة بالصراخ:
ربنا ياخدني علشان ترتاحوا كلكم، أنا معملتش حاجة، كنت بتكلم أنا و خلود و خديجة اتدخلت و أنا دافعت عن نفسي مأجرمتش يعني"
ردت عليها «خديجة» بصوتٍ منفعل في وجهها:
أنتِ كدابة و مش محترمة، علشان أنا كنت بدافع عنك و أنتِ اللي بدأتي بالغلط و غلطتي فيا، لأول مرة في حياتي افرح في حد، بس أنتِ تستاهلي بصراحة، و بعدين أحمد قالك إنه مش بيحبك، بتجري وراه ليه!!"
ردت عليها «منة» بصراخ في وجهها:
ما أنتِ رجعتي اهوه يعني كان حصلك حاجة ؟! و عمتك ضربتني و أخوكي كمان، خلاص خدوا حقك كلهم"
اقترب منها «ياسين» يقف مقابلًا لها وهو يقول بصوتٍ هادر:
هما خدوا حقها بس أنا لأ، و أنا حق مراتي غالي أوي مش هسيبه"
طالعته بخوفٍ فوجدته يشير بنظره لـ «إيمان» التي اقتربت منها تمسكها من ذراعها تلقيها على الأرض أسفل قدم «خديجة» و هي تقول بصوتٍ حاد:
اتأسفي يا بت بدل ما أجيبك من شعرك، و اتأسفي بأدب و ضمير بدل ما أطلع شعرك في إيدي، يلا يا عروسة، و لا تحبي أكمل على مجهودهم ؟!"
لوهلة شعرت «منة» بالخوف منها و من إصرار حديثها لذلك تحدثت بصوتٍ منكسر و هي تقول:
حقك عليا يا خديجة.....أنا أسفة على كل حاجة عملتها معاكي.....متزعليش مني"
ردت عليها «خديجة» بقلة حيلة:
قومي يا منة خلاص، بس ياريت مشوفكيش تاني، بصراحة مش هقدر أصفالك طول عمري"
أقتربت «هدير» في تلك اللحظة تجلس على ركبتيها أمامها و هي تقول بهمسٍ مخيف:
أظن أنتِ عارفاني و عارفة أنا عاملة إزاي و كنت إيه، متخلنيش أرجع تاني اقلب بعد ما ربنا هداني، لو جيتي جنب حد من عيلة الرشيد تاني أنا هفرمك في إيدي، غوري من وشي بدل ما أقطع وشك"
أومأت لها بقلة حيلة ثم اعتدلت في وقفتها، بينما «محمود» تحدث يقول بنبرةٍ هادئة:
اللي حصل دا غلط كله يا سالم، البيت بيتك طبعًا و الشقة اللي أنتَ مأجرها دي من أبويا خلاص وقتها خلص، هي صحيح قانون قديم بس إحنا عاوزين شقتنا، أظن أنتَ عندك بدل الشقة اتنين دلوقتي و لسه ساكن هنا من غير حاجة، وجودك على عينا و راسنا بس وجود بنتك مش مُرحب بيه، شوف هتمشي من البيت امتى، احنا عيلة كلنا في بعض، و مش عاوزين غُرب وسطنا"
رد عليه هو بثباتٍ:
حقك يا حج محمود، أنا كنت قولتلك أني همشي و أسيب البيت، و طالما بنتي غلطت كدا أنا محقوق ليكم"
ردت عليه هي بصراخٍ:
هو مش أنا اعتذرت !! ملوش لازمة خلاص نمشي من هنا"
في تلك اللحظة نزلت صفعة قوية على وجهها من والدتها و هي تصرخ في وجهها:
اخرسي بقى أنتِ ليكي عين ؟! غوري ربنا ياخدك و يريحني منك بقى، حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب إنك تبقي كدا، غــــوري"
ركضت «منة» بعد صراخ والدتها بينما «وفاء» اقتربت من «خديجة» تقبل رأسها و هي تقول معتذرة لها:
متزعليش مني حقك عليا أنا، أنتِ عارفة أني بحبك أوي"
ردت عليها «خديجة» بتأثرٍ:
و أنا و الله بحبك أوي يا طنط، مش زعلانة منك أنتِ ملكيش ذنب في حاجة"
حركت رأسها موافقةً ثم رحلت من أمامهم جميعًا، بينما «سالم» وقف يعتذر منهم جميعًا ثم أخبرهم بموعد رحيله من البيت بعدها صعد إلى الأعلى.
بينما «وليد» اقترب من «خديجة» حينما لمح العتاب في نظرتها،وهو يجلس أمامها و يقول بنبرةٍ هادئة حاول صبغها بالمرح:
الحمد لله إنك كويسة و أني اطمنت عليكي، بس أنا مكانش ينفع أنام و حقك بايت برة، عيشت طول عمري باخد حقك من الكبير قبل الصغير، لو منة كانت نامت سليمة النهاردة، أنا كنت هتعب، يرضيكي أخوكي يتعب ؟!"
حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم له فوجدته يقبل رأسها ثم نظر في عينيها و هو يقول بنبرةٍ متأثرة من هيئتها يحاول جاهدًا التحكم في دموعه:
حقك عليا يا خديجة لو فيه حاجة زعلتك أو فيه حاجة تعبتك، لأول مرة أخذلك و أكون مش موجود وقت ما تحتاجيني"
رفعت ذراعها السليم تحاوط بكفها وجهها و هي تقول بنبرةٍ مختنقة:
دا غصب عنك و غصب عننا كلنا، صدقني أنا مش زعلانة و الله دا كله خير من ربنا، هفكرك بكلام خالو إسماعيل ؟! إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، كدا كدا كان هيحصل، يبقى الحمد لله على كل حال لحد ما نعرف الحكمة فين يا وليد"
احتضنها هو و رغمًا عنها بكى و هو يتذكر ألمها و المعاناة التي قد تكون عاشتها بسببه، بينما «ياسين» رغمًا عنه بكى هو الأخر على مظهرهما، و كلًا منهما يبكي مع الأخر، فتفاجأ بـ «يونس» يميل عليه من على ذراع «خالد» ثم احتضنه يربت على ظهره حينها مسح «ياسين» دموعه بكفٍ و بالكف الأخر حمل «يونس» الذي استمر يربت على كتفه و كأنه صديقًا يواسي صديقه في محنته، حتى ابتعد «وليد» عن «خديجة» التي بكت معه هي الأخرى، ثم أشار لـ «ياسين» حتى يأتي و يجلس محله، فامتثل «ياسين» لرغبته و جلس محله و «يونس» على ذراعه، فسألته هي بنبرةٍ باكية:
طب وليد و عارفة إنه بيعيط علشان هو طول عمري بيحب يعيط قصادي، أنتَ بقى بتعيط ليه؟!"
رد عليه هو بنبرةٍ باكية:
علشانك.... بعيط علشانك يا خديجة، هو دا وعدي إني احافظ عليكي ؟! زعلان علشان أكيد اتوجعتي جامد"
مسحت دموعه من على وجهه و هي تقول بهدوء:
مش أوي و نسيت وجعي الحمد لله، ربنا مصبرني أوي، بلاش تعيط أنتَ كمان بقى، خليني اشوف طه اللي بيعيط وراك دا"
التفت «ياسين» ينظر خلفه فوجد «طه» يقف منزويًا و الدموع تسيل على وجنتيه، حركت هي رأسها حتى يتسنى لها رؤيته، فوجدته يقترب منها ثم أخفض نفسه لمستواها يقبل رأسها و بعدها ربت بيده على رأسها و هو يقول بصوتٍ مختنق:
أنا بعيط على نفسي يا خديجة، و على اللي عملته و مش عارف اسامح نفسي عليه، بعيط كل ما افتكر إني مش قادر ألوم الغريب و أنا تعبتك أكتر منه، بعيط علشان لحد دلوقتي لسه مش عارف أشيل السلسلة بتاعتك من جيبي و مش عارفة تفارقني و يوم ما كنت هديهالك حصلك كدا"
حركت عينيها تطالعه بتعجبٍ من عينيها الدامعتين فوجدته يخرج قلادة من الذهب بها صورته معها منذ صغرها و ذات مرة من المرات التي ضربها بها قامت هي بقطعها ثم ألقته في وجهه، حينها أخذها «طه» ثم وضعها معه و حتى الآن لم تفارقه تلك القلادة، مد يده لها بها و هو يقول بنبرةٍ باكية:
ينفع تاخديها تلبسيها ؟!"
حركت رأسها نفيًا فوجدته يطالعها بدهشةٍ، بينما هي ابتسمت له و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
لبسهالي أنتَ"
اقترب منها يضعها على عنقها وهو يبتسم بقوةٍ، بينما هي ابتسمت له تطمئنه بذلك و كأنها تخبره أنها لم تحمل في قلبها شيئًا له، فتحدثت «مشيرة» تقول بمرحٍ طفيف:
خلاص هجبلك سلسلة دهب حلوة كدا علشان تضحكي في وشي زي ما ضحكتي لطه، أنتِ طيبة أوي يا بت يا خديجة، بتفكريني بنفسي زمان"
تدخل «وليد» يتحدث بتهكمٍ:
مين دي ؟! خديجة زيك ؟! دا أنتِ البت اتفرمت منك فوق و شعرها اتقطع في إيدك، دي عاوزة سنة تعالج فيه"
التفتت له تسأله بفخرٍ:
بس إيه رأيك في عمتك ياض ؟! شوفتني و أنا جامدة ياض ؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
مرة من نفسي يا عمتو، قولت استثمرك في الحق"
تدخل «عامر» يقول بنبرةٍ مرحة كعادته:
الشهادة لله شكل البت بيقول إنك كنتي بايتة على مسلسلات غادة عبد الرازق"
تدخل «حسن» يقول ساخرًا:
أو نادية الجندي، نفس المستوى، حاجة كدا جبروت إمرأة"
رمقتهما هي بتوعدٍ وهي تقول بخبثٍ:
حسن و عامر و معاكم وليد، تحبوا تجربوا إحساس منة؟!"
ضحك الجميع عليهما بينما ثلاثتهم نظروا لبعضهم ثم ضحكوا هم أيضًا، بينما «مرتضى» تحدث يقول بنبرةٍ هادئة:
طب يلا اكلوا الناس دي طلع عينها و علشان خديجة كمان، إحنا داخلين على الفجر، يلا"
أومأت له النساء بموافقةٍ ثم ذهبوا من أمامه يحضرون الطعام بينما «رياض» اقترب في تلك اللحظة يجلس مقابلًا لخديجة وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
ألف سلامة عليكي يا نور عين رياض، كدا تخضينا عليكي كدا؟ مش كنتي تخلي بالك من نفسك"
ردت عليه هي بهدوء كعادتها:
و الله كل حاجة حصلت فجأة، أنا متخيلتش إن حاجة زي دي ممكن تحصل، بس جت سليمة الحمد لله"
ربت على يدها وهو يقول لها بنبرةٍ هادئة:
ألف سلامة عليكي و ربنا يبعد عنك أي حاجة وحشة يا رب، المهم إنك تقومي بسرعة أحسن ياسين يروح يتجوز عليكي"
ابتسمت له بيأسٍ فوجدت «ياسين» يسأله بحنقٍ:
فيه إيه يا غالي ؟! اتجوز على مين أنا ؟! ما تخليك محضر خير يا بابا"
رد عليه هو بسخريةٍ:
قال يعني هسيبك تعملها ؟! هبهدل أبوك في المحاكم يا أخويا"
تدخل «مرتضى» يقول بسخريةٍ:
ما أنتَ هتبهدل نفسك كدا يا رياض، استفدت إيه بقى ؟!"
رد عليه «عامر» ساخرًا:
علشان يبقى اللي زهق من المكرونة بصلصة و راح يجيب كشري، بدل ما يجيب محامي غريب يودي ابنه في داهية"
أشار له «رياض» بالتريث وهو يقول بخبثٍ:
صبرك عليا لما أحطك على التقلية متبقاش تزعل"
ضحكوا عليه جميعًا، بينما «عمار» أخرج هاتفه حينما وحده يصدح برقم والده، فقال هو بقلقٍ:
يا ليلة مش فايتة !! أبوك بيتصل يا عامر، هقوله إيه و أنا لحد دلوقتي برة البيت"
رد عليه «رياض» مقررًا:
هات هكلمه أنا متشيلش هم، هات التليفون"
أومأ له موافقًا ثم أعطاه له بينما «رياض» قام بمهاتفة «فهمي» و أخبره بأن «عمار» معه حتى الآن و سيعود معه، بينما «خلود» دلفت في تلك اللحظة وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
يلا يا جماعة الأكل جهز هناك اتفضلوا يلا"
ابتعد «يونس» عن «ياسين» ثم ركض نحوها، فحملته هي على ذراعها وهي تبتسم له فوجدت «خالد» يقول ساخرًا:
يونس ابني خد على كل اللي هنا، اجتماعي أوي و كدا خطر"
ردت عليه «خلود» بنبرةٍ هادئة:
بس كلنا فرحانين بيه و الله، و أنا بالذات علشان بحب الأطفال أوي، ربنا يبارك فيه"
تدخل «عامر» يقول بصوتٍ مبتهج:
و أنا و عمار بنحب الأطفال أوي، يا بخت الأطفال و الله"
رمقه «ياسر» بحنقٍ فتجاهله هو ثم قال موجهًا حديثه لها بعدما وجد أخيه يخفض رأسه أرضًا:
قوليلي صحيح عاملة إيه في السنتر ؟! حد بيضايقك هناك ؟! خاصةً بعدما عمار مشي"
ردت عليه هي بنبرةٍ تحاول صبغها بالثبات بقولها:
ها !! لأ أنا تمام و مستر عمار ربنا يكرمه موصيهم عليا أنا و سلمى كمان، متشكرة لحضرتك جدًا"
رد عليها هو بنبرةٍ حاول جعلها ثابتة:
لأ و لا يهمك يا آنسة خلود أنا تحت أمرك، لو فيه حاجة خلي أحمد يكلمني و أنا تحت أمركم"
أومأت له موافقةٍ ثم تحركت من أمام الجميع تنسحب بخجلها بينما «عمار» طالع أخيه بعتابٍ من حديثه، فابتسم له «عامر» بخبثٍ.
_________________________
بعد تناول الطعام بدأ الجميع في التجهز للرحيل، لكن «عمار» حمل المقاعد البلاستيكية يضعها فوق السطح لكنه تفاجأ حينما وجد «خلود» تجلس على الأرض و هي تبكي بقوةٍ و كأنها تؤنب نفسها بتلك الطريقة، لم يتحكم هو في فضوله حتى اقترب يقف خلفها و هو يسألها بثباتٍ حتى لا تتضح لهفته:
آنسة خلود أنتِ كويسة ؟! صوتك كأنك بتعيطي ليه؟!"
مسحت هي دموعها فورًا و هي ترد عليه بصوتٍ مختنق نتيجة البكاء:
لأ....أنا مش بعيط و لا حاجة، أنا بس كنت مخنوقة شوية و لما قعدت لوحدي حسيت إن الخنقة زادت"
جلس بجانبها هو و ترك مسافةً بينهما وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
بس شكلك دلوقتي معيط !! لو فيه حاجة مزعلاكي احكيها لحد ممكن يساعدك أو على الأقل ترتاحي شوية"
تنهدت هي بعمقٍ و هي ترد على حديثه بقولها:
ياريت بس مفيش حد هيفهمني، و في نفس الوقت أنا غلطانة"
حرك رأسه نحوها يطالعها بعدما كان ينظر أمامه، بينما هي رفعت رأسها للسماء تحاول التحكم في عبراتها التي خذلتها من جديد و نزلت رغمًا عنها، بينما هو سألها بصوته الرخيم:
ممكن تتكلمي و أنا أسمعك على الأقل لو ملقناش حل يبقى ارتاحتي شوية من الكتمان....دا لو مش هيضايقك طبعًا"
ردت عليه هي دون سابق إنذار بصوتٍ باكٍ:
أنا بعيط علشان خديجة، مش هعرف أسامح نفسي و أنا السبب في اللي حصلها كله، كل مرة اتهور و هي تتأذي"
رد عليها هو بتعجبٍ من حديثها:
و أنتِ مالك و مال اللي حصل ؟! دا نصيب و كلنا شوفنا إن البنت دي هي السبب، ملكيش دخل أصلًا"
ردت عليه هي بنبرةٍ منفعلة:
لأ ذنبي، أنا اللي بدأت و مديت إيدي عليها، و هي وقعت بسببي رغم إنها كانت بتدافع عنها، ذنبها إيه تفضل كدا متكتفة في الجبس؟!"
تنفس بعمقٍ ثم تحدث بحكمةٍ كعادته:
أنا متأسف بس تفكيرك غلط يا آنسة خلود، دا نصيب و كان ممكن يحصل من غيرك عادي، كان ممكن منة دي تشوفها لوحدها و يتخانقوا سوا و تزقها زقة أكبر من دي، أو كان ممكن يحصل العكس و خديجة هي اللي تزقها و البنت كانت تتأذي و ساعتها الضرر يزيد، لكن اللي حصل دا حكمة من ربنا، ربنا قال في كتابه العزيز،
قال تعالى:
وَ عَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَ عَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ "
_"صدق الله العظيم"
عارفة تفسير الآية دي إيه ؟! إن إحنا ممكن بجهلنا نتمنى لنفسنا حاجة و إحنا فاكرينها خير و عمالين نطالب بيها لكن هي شر لينا و هتأذينا، و نفس الحكاية ساعات اللي حصل يبقى هو الخير و قمة العطاء بس إحنا فاكرينه شر، الحكمة كلها إن ربنا سبحانه و تعالى هو القادر المُعطي، كل حاجة بتحصل خير لينا حتى لو إحنا مش فاهمين دا، لو ركزتي في الموضوع هتلاقي فيه جوانب كتيرة أوي، و كلهم خير، و لو فضلتي تقولي ياريت اللي جرى ما كان أنتِ كدا بتشيلي نفسك فوق طاقتها، لأن اللي حصل كله خير من رب العالمين، كان ممكن يحصل أسوأ من كدا بكتير بس ربنا اختارلنا اللي فيه الخير، و كان ممكن دا كله ميحصلش أصلًا بس بعد كدا يحصل حاجات أكبر و نتائج تكون أسوأ، أحمدي ربنا على اللي حصل و ارضي بقضاءه و متشيليش نفسك فوق طاقتها"
ابتسمت رغمًا عنها بعد حديثه الذي بثها الطمأنينة داخل قلبها، بينما هو أضاف من جديد:
في مقوله بتقول
{لو اطلعتم علي الغيب لأخترتم الواقع}
والحقيقه اني بلاقي راحة نفسية في الجملة دي و بتحسسني قد إيه إن تدابير ربنا مفيش أحلي ولا أحسن ولا أحن منها، بتعرفني قد إيه إن إحنا كبشر تفكيرنا و دماغنا محدودة قصاد عظمة ربنا سبحانه وتعالي وبتأكدلي إني في عناية ربنا و
اللي عمري ما اقلق طول ما أنا فيها وتحت ضلها، و يا بخته اللي يسلم قلبه و نفسه لرحمة ربنا"
تنهدت هي بعمقٍ بعد حديثه الذي أوفى بغرضه و أكثر بكثير، بينما هو ابتسم لها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
اتمنى تكوني ارتاحتي شوية، و أتمنى إنك تسيبيها على ربنا و تتوكلي عليه يا آنسة خلود، عن إذنك"
اعتدل واقفًا بعد حديثه بينما هي تحدثت دون أن تتحرك و تنظر له أو تطالع أثره:
شكرًا يا أستاذ عمار، كلامك وفى الغرض و زيادة و حقيقي جه في وقته بالظبط، تفكيرك عظيم ما شاء الله"
اتسعت بسمته أكثر وهو يرد عليها بصوته الرخيم:
الشكر لله سبحانه و تعالى يا آنسة خلود، احمدي ربنا و اشكريه إني كنت سبب يريحك شوية"
خرج هو بعد جملته تلك بينما هي لم تستطع إنكار إعجابها بتفكيره و حكمته في التصرف و الأمور، حتى وجدت نفسها تبتسم تلقائيًا عند تفكيرها به.
_________________________
رحل الشباب بزوجاتهم و معهم «رياض» و «عمار» و «زهرة» و «ميمي» الذي ذهب كلًا من «حسن» و «وليد» لتوصيلها، بينما «ياسين» حمل زوجته إلى شقة والدها بعدما طلب منهم الرحيل و لكن ما حصل عليه كان الرفض من قِبل الجميع، دخل بها غرفتها ثم وضعها على الفراش و هي تنظر له بخجلٍ، بينما هو حمل الوسائد يضعها خلف ظهرها حتى تكون في وضعٍ أكثر راحةٍ، و بعد تأكده من راحتها جلس مقابلًا لها فوجد الاعتذار باديًا على ملامح وجهها، فسألها هو بنبرةٍ جامدة:
خديجة !! أنتِ بتبصيلي كدا ليه؟! يارب أكون فاهم غلط"
ردت عليه هي بنبرةٍ مترددة:
بصراحة يعني....عاوزة أعتذرلك، عمال تشيلني و تحطني، حاسة أني تقلت عليك يا ياسين"
رمش بأهدابه ببلاهةٍ فوجدها تضيف مُردفةً بلهفةٍ:
مش قصدي حاجة و الله، بس حاسة إنه مجهود عليك"
زفر هو بقوةٍ ثم تحدث يقول بنبرةٍ جامدة:
تحبي أخلي النص اليمين يحصل النص الشمال يا خديجة ؟! و ساعتها تبقي تقيلة بجد؟!"
ردت عليه هي بقلقٍ:
لأ خلاص خلاص... تعيش و تشيل يا رب، أنا غلطانة ليك، خايفة على صحتك"
رد عليها هو بضجرٍ:
ملكيش فيه لما أبقى أشتكي ابقي اتكلمي، مش فاهم إيه الجوازة اللي مبصوص فيها دي"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
و هو مين هيبصلك في الجوازة دي ؟! دا نصيب يا ابن الحلال، لو مش عاجبك نفضها سيرة بقى"
حرك رأسه للجهة الأخرى وهو يقول بسخريةٍ:
يا شيخة !! إحنا ممكن نُفضها فعلًا بس على روح واحد فينا، جالك قلب تقوليها في وشي"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بوجهٍ مبتسم:
لأ و الله، أنتَ عارف أنا بحبك يا ياسين، و مقدرش استحمل غيابك عني، و الله العظيم أنا وجعي مش حاسة بيه علشان وجودك معايا"
ابتسم هو لها فوجدها تغمز له كما يفعل هو معها، فتحدث هو بنبرةٍ ضاحكة:
أنا بقول خليكي كدا، خفة الدم و الشقاوة دي مبشوفهاش كتير"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
و ممكن تكون حلاوة روح و أفرفر بعدها محدش ضامن"
امتعض وجهه و هو يرمقها بغيظٍ تزامنًا مع قوله بتهكمٍ:
بومة و الله لبست في بومة، بس أقولك حاجة أنا شمتان فيكي، عارفة ليه يا كتكوتة !! علشان اتريقتي عليا و أنا بدبح، اشربي يا حلوة"
طالعته بتقززٍ و هي تقول:
يع !! بس بقى متفكرنيش، أهو طلع عليا أهو، ملحقتش أتكيف من العقيقة، أنا هقول لوئام يعيدها تاني"
ابتسم هو رغمًا عنه فوجدها هي تضحك بخفةٍ تزامنًا مع رفعها ذراعها الحر تحاول فك حجابها، اقترب هو منها ثم خلعه لها، فوجدها تقول بنبرةٍ هادئة:
الله يكرمك يا بني و الله، حتى الدراع السليم فيه مشكلة و واجعني، دي وقعة سلم موسيقي بجد مش هزار"
أمسك هو وجهها وهو يسألها مُقررًا أكثر من كونه مُستفسرًا:
خديجة هو فيه حاجة بتوجعك ؟! كتر هزارك و تريقتك دي مش المفروض إنها تطمني"
تنفست هي بعمقٍ ثم قالت بهدوء:
آه يا ياسين جسمي كله و دماغي و جعاني، غالبًا رموشي نفسها وجعاني، بصراحة عاوزة أعيط من الوجع"
طالعها هو بخوفٍ فوجد الدموع تسيل على وجنتيها، حينها ابعد يده عن وجهها فوجدها تحاول التحكم في نفسها خاصةً مع ذهاب مفعول المُسكن حينها زادت الآلام في جميع أنحاء جسدها، كانت تحاول إخفاء ذلك الآلم في المزاح و السخرية حتى تُخفيه عنه، بينما هو احتضنها يربت على ظهرها و هو يحاول ردع عبراته من النزول، تأوهت هي من ألم رأسها المُفاجيء، فوجدته يبتعد عنها يسألها بلهفةٍ:
أعمل إيه طيب علشان متتوجعيش كدا ؟! خديجة أنتِ مش كويسة صح؟!"
مسحت دموعها ثم قالت بنبرةٍ حاولت صبغها بالثبات:
أنا كويسة متخافش، غالبًا بس مفعول الدوا بدأ يروح يا ياسين، هاخد الدوا اللي بابا جابه"
ابتعد عنها ثم توجه نحو التسريحة الخاصة بغرفتها يأخذ الدواء من عليها ثم توجه إليها يعطيه لها بنفس اللهفة و الخوف البادي عليه، بينما هي تناولت الدواء ثم أرجعت رأسها للخلف و هي تُجاهد حتى لا تصرخ من الآلام المُتفرقة التي تشعر بها في جسدها و خاصةً رأسها، بينما هو جلس بقربها يطالعها باهتمامٍ حتى وجدها تضع رأسها على صدره و هي تتثاءب، بينما هو سألها بنبرةٍ تائهة:
هو سؤال !! هتنامي كدا إزاي ؟! دراعك هيوجعك يا خديجة، المفروض تعلقيه"
ردت عليه هي بصوتٍ خافت مختلط بالتيه:
مش عارفة....طبطب عليا يمكن أنام يا ياسين أو هات شاكوش و اضربني بيه على راسي"
قطب جبينه بتعجبٍ فوجدها تتحدث من بين اليقظة والنوم:
هو أنتِ ليه مش بتقولي كلام حلو ؟! علشان مكسورة يعني؟"
حرك رأسه ينظر لها فوجدها تتثاءب بقوةٍ ثم حركت رأسها على كتفه وهي تقول بنبرةٍ خافتة بالكاد وصلت له:
مش مشكلة كدا كدا بحبك برضه، هو أنا كنت أطول يعني"
ابتسم رغمًا عنه من طريقتها و حديثها، فمال برأسه عليها و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
تطولي و نص كمان يا ست الكل، دا يا بخت القلوب اللي تحبها خديجة"
ابتسمت رغمًا عنها ثم غاصت في ثباتٍ عميق، بينما رفع هو يده يربت على رأسها بحنوٍ بالغ الأثر و باليد الأخرى حاوط جسدها و هو يتلو آيات الذكر الحكيم ممرًا يده موضع الآلام، و هي غافية بين ذراعيه لا حول لها ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، بينما هو بين الحين و الآخر كان يشعر بالشفقة عليها و على ما تشعر به لكنه استمر في قراءة ما تيسر من القُرآن الكريم و هو يدعو الله لها بالشفاء.
_________________________
في غرفة «خلود» جلست على طرف فراشها تتذكر حديث «عمار» عن ما حدث اليوم و حينما أمعنت التفكير في حديثه حينها رفعت رأسها تحمد الله في سرها و هي تدعو الله أن يُشفي شقيقتها و تعود كما كانت، و فجأة فتح باب غرفتها بواسطة «أحمد» الذي دخل فجأةً، حركت رأسها تنظر له و حينما وجدته أمامها حركت رأسها تتجاهله و هي تطالع الفراغ، بينما هو زفر بقوةٍ حينما تأكد من غضبها منه ثم اقترب منها يقول ممازحًا لها:
جرى إيه يا خوخة !! قاعدة لوحدك ليه تعالي، مش عوايدك يعني"
أخرجت نفسًا عميقًا ثم أغلقت عينيها حتى لا يقع بصرها عليه، بينما هو اقترب منها يجلس بجوارها وهو يسألها بتعجبٍ:
مالك يا خلود ؟! أنا أول مرة أشوفك كدا ؟! مين زعلك طيب"
ابتسمت هي بسخريةٍ من حديثه فوجدته يسألها بنبرةٍ جامدة:
انطقي يا زفتة بقى مالك !! مين مزعلك يا خلود ؟! أنا مبحبش أشوفك زعلانة"
صرخت في وجهه بقهرٍ:
أنتَ.....أنتَ يا أحمد اللي مزعلني، جالك قلب تشك فيا ؟! جالك قلب تصدق أني أعمل كدا و في مين ؟! في خديجة اللي بعتبرها أمي"
سألها هو بتعجبٍ:
أشك فيكي !! أنتِ اتجننتي يا خلود ؟! إزاي تقولي كدا ؟! و بتقولي كدا بناءًا على إيه ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
سؤالك ليا كل شوية و لما الزفتة دي قالتلك أني زقيتها أنتَ ساعتها سألتني تاني، أنا زعلي منك أنتَ"
تحرك هو يجلس على ركبتيه أمامها وهو يقول بلهفةٍ حزينة:
متقوليش كدا و تزعليني من نفسي، أنا لا يمكن أشك فيكي، حطي نفسك مكاني، طلعت لقيت أختي مرمية على السلم بتنزف و أختي التانية واقفة مسهمة و بتعيط !! أنا وضعي إيه؟! و الزفتة دي كانت بعيد و فجأة قربت مني تقولي إنك عملتي كدا، طبعًا مستحيل أصدقها لإن مش ديه اللي ينفع أخد بكلامها، بس سكوتك ساعتها خضني و اللي شل تفكيري إن لو هي فعلًا اللي زقتها يبقى من الأصل خديجة كانت بتدافع عنها، و دي حاجة مقدرتش اقبلها، لكن أشك فيكي !! يا خلود دا أنا مليش غيرك في الدنيا، أنا واحد بيتوه و يرجعلك أنتِ، علشان خاطري متعيطيش بسببي"
اجهشت في البكاء و كأنها على وشك الإنفجار من كثرة الضغوطات التي شعرت بها منذ وقوع الحادث، بينما هو خطفها بين ذراعيه يربت عليها و هو يقول بنبرةٍ هادئة حتى يُطمئنها:
علشان خاطري كفاية عياط بقى، بتعيطي ليه ؟! لو بسببي أنا ممكن أضرب نفسي بالجزمة علشان زعلتك، مالك يا خلود ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
بعيط علشان خديجة....صعبانة عليا أوي هي مش هتعيط و مش هتتوجع بس أنا حاسة إنها موجوعة و صعبان عليها نفسها...يارتني أنا اللي كنت مكانها، كان زماني بعيط و بتوجع عادي، بس هي متعودتش على كدا"
قبل رأسها ثم زفر بقوةٍ بعدها قال مُقررًا:
لا أنتِ و لا هي يا خلود بعد الشر عنكم انتم الاتنين، أنا مليش غيركم، منها لله منة بقى، بس هما طفوا ناري و خدوا حقي و حق أخواتي منها"
احتضنته هي بشدة تود الاحتماء بأخيها و لأول مرة تعلن «خلود» ضعفها بتلك الطريقة التي لم تجد حلًا أخر غير البكاء الذي شكل هزيمتها بأبلغ الأشكال، بينما «أحمد» حاوطها بذراعيه سامحًا لها تخرج ما يجيش به صدرها، و هي تبكي بقوةٍ حتى امتزج البكاء بصوت الشهقات العالية.
_________________________
فوق سطح البيت جلس «وليد» كعادته و في يده صورتهما سويًا هو و «خديجة» و هما في عمر السابعة، كان يطالع الصورة و الدموع تسيل على وجنتيه، لم يتخيل أنها عانت دون وجوده، تلك التي قسم معها سنون عمره و أيام صغره، تلك الروح التي نُصفت بينهما، لتكتمل كلًا منهما بوجود الآخر مثل التوأم طوال عمرهما، هو حاليًا يشعر بها و بآلمها حتى وغز الدموع الحارقة يشعر به أيضًا، و لكن ما أطفأ نيران صدره هو رؤيته لـ «سالم» يعود بابنته من المشفى و يبدو أن والدتها أكملت فعل العائلة، حينها شعر هو أن حقه أصبح معه، و حينما أخفض رأسه يطالع الصورة بكى من جديد حتى وجد يد أحدهم تُوضع على كتفه، حينها رفع كفيه يمسح فوجد «عبلة» تجلس مقابلةً له و الدموع تلمع في مقلتيها، و حينما أخفض رأسه ينظر للأسفل يحاول إخفاء الدموع، حينها رفعت هي رأسه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
مالك بس ؟! مش خدت حقك و حقها ؟! إيه اللي مزعلك و مخليك كدا يا وليد؟! مبحبش أشوفك زعلان كدا"
زفر هو بقوةٍ فوجدها تمسح دموعه بيدها و هي تقول بصوتٍ باكٍ:
مالك يا وليد ؟! احكيلي أنا معاك أهو، قولي إيه مزعلك و إيه واجعك و أنا أخد الوجع دا عنك، ريحني الله يرضى عليك"
رد عليه هو بصوتٍ مختنق:
تعبت....و الله العظيم تعبت و أخري جاب أخره مني خلاص، كل ما فيه حاجة تبقى موجودة تريحني الدنيا تحاربني فيها، ما صدقت ارتحت لما بقيتي ليا، لقيت الدنيا بتبعدنا و شوفت أسبوع صعب....خديجة اللي مقوياني على الدنيا كانت هتروح مني، و دلوقتي بتتوجع و لأول مرة أكون مش معاها، أنا مش هعرف هخسر منين تاني، بس و الله مش قادر على أي خسارة"
أمسكت كفه بين كفيها تربت عليه و هي تقول بنبرةٍ هادئة إلى حدٍ ما:
مفيش خسارة هتيجي، أنا معاك أهو و مستحيل أسيبك بعد ما جربت أسبوع من غيرك و كان أصعب أسبوع يعدي عليا في حياتي، و خديجة كويسة الحمد لله، صحيح هي هتاخد وقت لحد ما تخف بس هي معانا و إحنا مش هنسيبها، و قولت لياسين يخليها معانا هنا علشان عارفة إنك مش هتتحمل بعدها عنك في الحالة دي، و هو وافق و مقدر، يبقى اطمن و ريح قلبك"
طالعها هو بدهشةٍ فوجدها تضيف مُردفةً:
اطمن و متخافش هي هتفضل معانا هنا لحد ما أنتَ بنفسك تطمن عليها، أنا اقنعتها و أقنعت ياسين بالعافية، بس الحمد لله وافقوا علشانك"
سألها هو بنبرةٍ تائهة:
هو أنتِ اللي خلتيهم يوافقوا إنها تفضل هنا !! ياسين صمم يمشي أصلًا....طب ليه؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ مقررة:
علشانكم انتم الاتنين، خديجة لازم يكون معاها حد ياخد باله منها و يراعيها، تقدر تقولي مين هيعمل كدا و هي في بيتها !! و ياسين و شغله ؟! و أنتَ مش هتتحمل إنها تكون تعبانة و بعيدة عنك، علشان كدا كان لازم يفضلوا هنا، كدا أحسن للكل و كدا هنطمن عليكم انتم الاتنين"
تخللت الراحة قسمات وجهه بعد حديثها معه لذلك سألها بلهفةٍ:
عبلة هو أنتِ خلاص مش زعلانة مني ؟! يعني إنك تسيبيني خلاص شيلتيها من راسك"
ابتسمت له و هي تجاوبه بمرحٍ طفيف:
أسيب مين يا بني !! قاعدة على قلبك يا وليد طول العمر، معاك في اللي جاي كله لحد ما أنسيك كل حاجة راحت و زعلتك"
أقترب منها هو و على حين غرة قبل رأسها، طالعته هي بخجلٍ فوجدته يفتح ذراعيه وهو يقول بمرحٍ:
وحشتيني يا سوبيا...."
ارتمت بين ذراعيه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
و أنتَ و الله وحشتني أوي، كل حاجة بايخة و ملهاش طعم من غيرك يا وليد، حتى العمر ميتحسبش من غير وجودك فيه"
ربت بذراعه عليها و باليد الأخرى حاوطها و هو يشعر أخيرًا بالراحة منذ عِدة أيام، تلك التي أشتاق إليها كثيرًا حتى ذلك العناق الذي يجد به ملاذه الآمن، بينما هي استكانت بين ذراعيه و هي تبتسم باتساعٍ بعدما شعرت به يبتسم هو الآخر، فسألته هي بتعجبٍ:
أنتَ بتضحك على إيه ؟! لو عليا هزعلك يا وليد، دا مبدأيًا يعني"
رد عليها هو مُسرعًا:
لأ مش عليكي....بضحك على الدنيا، غريبة يا عبلة عمالة تجمع فينا و إحنا أغراب و تفرق بينا و إحنا ملناش غير بعض، عرفت إن ضعفي مبيظهرش غير قصادك و قصاد خديجة، أنا ضعيف من غيركم و ضعيف بضعفكم"
شددت عناقها له و هي تقول بنبرةٍ هادئة تطمئنه بذلك:
لأ أنتَ مش ضعيف و لا حاجة، أنتَ أحسن واحد في الدنيا كلها و الله، شوفت كتير و اتحملت كتير و لسه بتدي مبتاخدش، أومال أنا بحبك ليه؟!"
قبل رأسها ثم تنهد بعمقٍ، بينما هي سألته و كأنها انتبهت لتوها:
صح يا وليد هو أنتَ و مشيرة إزاي ضربتوا منة !! اتفقتوا سوا !!"
رد عليه هو مردفًا بثباتٍ:
قبل ما أطلع قابلت أحمد نازل من فوق و كنت أنا راجع مع خديجة و من شكله عرفت إن فيه مصيبة، وقف و حكالي اللي حصل و أنا طلعت و كنت ناول أطلع روحها في إيدي، بس كدا هركب نفسي عيبة لو ضربت بنت، مفيش راجل مهما كانت رجولته ينفع يمد إيده على بنت مهما كانت أفعالها، لقيت مشيرة عمالة تركز معايا و تبصلي غمزتلها و هي فهمت الغمزة، خوفت تبقى غبية و متجيش بس هي مشيرة برضه، و لحقتني"
ابتسمت هي رغمًا عنها فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم قال بهدوء:
أنا بكرة هروح لهناء، و دا علشاني و علشانك و علشان حياتنا الجاية مع بعض"
ابتعدت عنه تقول بحذرٍ:
لو مش عاوز بلاش، ولو حاجة زي دي هتتعبك برضه بلاش، مش أنتَ خلاص معايا و مش هتسبني ؟!"
حرك رأسه موافقًا وهو يقول مؤكدًا:
عمري يا عبلة ما هسيبك بإرادتي، و عمري ما أقصد ليكي الزعل، أنا عاوز افرح معاكي و عاوز ابدأ أجهز بيتي معاكي بس و أنا فرحان من غير خوف، من غير ما دماغي تلعب بيا، سيبيني أخد الخطوة دي علشان أرتاح"
تحدثت هي بلهفةٍ:
خلاص خدني معاك"
_"اللي بياخد العباد ربنا ياختي مش أنا، أخدك معايا فين"
رد عليها هو بذلك ردًا غير متوقع منه جعلها ترمقه بغيظٍ فوجدته يقول بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص خلاص......مش هينفع بكرة و الله علشان هطلع من الشغل على هناك، و علشان تكوني مع خديجة، ممكن ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له بتفهمٍ فوجدته يغمز لها وهو يسألها بخبثٍ:
عبلة ؟! مش عاوزة تعرفي ليه بيدار كدا و لا داري كدا ؟!"
ضحكت هي بقوةٍ فوجدته يحتضنها ثم قبل رأسها و هو يشعر براحة غريبة تسيطر عليه بقربه منها، وزادت أكثر مع تأكده من راحتها بجواره، حينها رفع رأسه يطالع السماء كعادته و البسمة الصافية تُزين ثغره.
_________________________
في غرفة «هدير» بعد عودة «حسن» من عند «ميمي» دخل غرفة زوجته ثم أخرج الحاسوب الخاص به ينهي الأعمال المتراكمة عليه، بينما «هدير» جلست بجواره على الفراش و حينما شعرت بالألم يشتد على ذراعها حينها كشفت ذراعها لتجد به جرحًا نتيجة اشبتاكها مع «منة»، زفرت هي بقوةٍ ثم قامت بتخبئته أسفل ملابسها، بينما «حسن» حرك رأسه لها يسألها بتعجبٍ من صمتها:
ساكتة ليه يعني مش عوايدك؟! مالك يا هدير ؟؟"
ردت عليه تطمئنه بقولها الهادئ:
لأ أنا كويسة متخافش، بس اليوم كان صعب أوي و أنا مستنية الفجر يأذن علشان أصلي و أنام"
حرك رأسه موافقًا لها ثم أغلق حاسوبه الخاص، ثم خرج من الفراش و توجه يفتح أحد الادراج الموجودة في أثاث الغرفة، ثم عاد لها مرةً أخرى في يده علبة تشبه علبة الاسعافات وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
مينفعش تسيبي الجرح مفتوح من غير ما تطهريه أو حتى على الاقل تمسحيه، دا غباء يا هدير"
ردت عليه هي بخجلٍ:
أنا شايفاك بتشتغل يا حسن، و مش هعرف أعمله لنفسي لو هدى كانت هنا كنت خليتها تعمله ليا، بعدين أنتَ شوفته إزاي"
ابتسم لها وهو يقول:
عيني مبتغفلش عنك طول ما أنتِ قصادي، حتى لو بشتغل برضه عيني متبعاكي"
ردت عليه هي بخجلٍ من حديثه:
علشان عيونك حلوين بس....و أنتَ كمان جواك حلو أوي..."
حرك رأسه يسألها بتشككٍ:
يا شيخة !! أنا وجودي حلو ؟! دا أنا كنت هقولك أروح الشقة و أسيبك هنا لوحدك ترتاحي مني"
سألته هي بصدمةٍ من حديثهُ:
هيجيلك قلب تروح الشقة من غيري ؟! خلاص يا حسن زهقت مني؟؟"
ابتسم هو لها بحبٍ وهو يقول:
مفيش حد بيزهق من ونيسه في الدنيا يا هدير، أنا مليش غيرك أنتِ في كل الدنيا، و دا بجد، شيلي من دماغك حكاية أني ازهق منك دي علشان مش هيحصل أصلًا"
ابتسمت له براحة، بينما هو كشف ذراعها ثم بدأ في تمضيض الجرح و معالجته و هي تبتسم له فوجدته يسألها بتعجبٍ:
مش بيوجعك !! أنا قولت هتفرجي عليا الناس"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
مقارنةً باللي خديجة فيه يبقى كدا عبط و دلع، دي يا حبيبتي تعبانة أوي و وئام قال إن الكتورة قالتله بليل هتتعب لما البنج مكان الخياطة يطير و مسكن العضم يروح، صعبانة عليا أوي"
رد عليها هو بأسى:
للأسف هي ملهاش ذنب في حاجة و دا اللي يضايق أكتر، بس ربنا رحيم بعباده و أكيد هيصبرها على الآلم، أنا كنت عاوز أقولك أني فرحان بيكي"
حركت رأسها بتعجبٍ للخلف من جملته الأخيرة فأضاف هو مفسرًا:
فرحان بيكي علشان أنتِ دافعتي عن بنت عمك و كنت واقفة في ضهرها، موقفك دا يستاهل التقدير، ربنا يخليكم لبعض يا هدير"
ابتسمت له هي بفرحة عارمة سيطرت على ملامحها و نظرتها بعد حديثه، فوجدته يعود من جديد لتمضيض الجرح ثم وضع عليه اللاصق الطبي، بعدها رفع رأسه لها وهو يقول بمرحٍ طفيف:
أي خدمة يا ستي، بقيت تمرجي علشانك أهوه، المهم إنك تكوني مرتاحة و مفيش حاجة بتوجعك"
حركت رأسها موافقةً فوجدته يجلس بجانبها ثم اخفض جسده على الفراش حتى ينام، بينما هي التصقت به ثم قالت أمرةً له:
احضني يا حسن....هو أنا لازم أقولك ؟!"
تعجب هو من طريقتها لكنه أخفى تعجبه ثم رفع ذراعه يحتضنها فوجدها تبتسم له وهي تقول بمرحٍ:
شاطر يا حسن برافو عليك....خليك صاحي بقى علشان تصحيني أصلي الفجر"
رد عليها هو بضجرٍ طفيف:
صبرني يا رب، حاضر يا هدير نامي و أنا هفضل صاحي و أصحيكي تصلي الفجر"
رفعت رأسها تقبله ثم عادت لموضعها من جديد وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
أقولك على سر ؟!"
سألها هو بمرحٍ ساخر:
أنتِ اللي قتلتي موفاسا ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
لأ الحمد لله، بس بجد هكلمك جد و الله مش هزار و مش عارفة ليه عاوزة أقولك كدا"
حرك رأسه لها بريبةٍ من حديثها فوجدها تقول بنبرةٍ هادئة:
لما كنت بتيجي البيت هنا عند عمو مرتضى كنت بستغربك أوي، حاجة جوايا كانت بتخليني أفكر فيك اللي هو إزاي عايش لوحده كدا و بيجي هنا يقعد معاهم، بصراحة ساعات تانية كنت بخاف منك،
علطول كِشري و مقفل، بس ساعة الانتحار ساعتها كلامك كان حلو أوي، و خلاني أبدأ أصلي من تاني، ساعتها عرفت إن لُقانا مكانش صدفة يا حسن، و اتأكدت أكتر لما حصل موضوعي و بقيت مراتك، اتعلمت منك كتير ، أهم حاجة هي قلبك الطيب اللي علطول بيهون على الكل و حاسس بيهم، عاوزة أقولك أني فرحانة بموقفك مع ميمي، أنا حاسة إننا اتنين كانوا ضايعين لقوا طريقهم عند بعض"
ابتسم هو لها بسمته الصافية فوجدها تبتسم له و هي تقول بمشاكسةٍ:
بس برضه ساعات بحس أني هتشل منك، يعني كل دا و مردتش عليا، طب إيه طيب"
قبل رأسها بهدوء ثم طالع عينيها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
هدير أنا بحبك"
اتسعت بسمتها أكثر وهي تقول بهيامٍ بعد حديثه:
شوفت كل اللفة دي علشان أسمعها منك !!، بحب أسمعها منك أوي يا حسن"
ابتسم بسخريةٍ وهو يقول:
و أنا مبحبهاش، بس بحبك أنتِ"
قبل أن ترد عليه تناقشة صدح صوت المؤذن، فأشار لها وهو يقول:
الفجر يلا علشان نصلي"
سألته هي بحماسٍ:
هتصلي بيا يا حسن ؟!"
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها فوجدها تقبله على وجنته ثم ركضت من جواره بمرحٍ جعله ينظر في أثرها بفرحةٍ هو الأخر.
________________________
في غرفة «خديجة» صدح صوت هاتفها عاليًا يعلن عن موعد أذان الفجر، فاستيقظت هي على أثر الصوت لكنها تأوهت حينما نسيت و حاولت تحريك ذراعها، بينما «ياسين» أستيقظ على صوت ألمها وهو يقول بخوفٍ:
خديجة !! أنتِ كويسة ؟! مالك"
ردت عليه هي بصوتٍ متقطع:
أنا كويسة.....متخافش....بس نسيت و حركت كتفي....يلا علشان تصلي الفجر"
حرك رأسه موافقًا ثم تحرك من جانبها فوجدها تسأله بتعجبٍ:
هو أنا هصلي إزاي يا ياسين ؟! عاوزة اتوضا"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
هنصلي سوا يا خديجة، هحطلك كرسي تقعدي عليه، تعالي بس علشان أوضيكي"
ابتسمت له هي بحبٍ فوجدته يحملها على يده، حينها تحدثت بخجلٍ:
يا ياسين سيبني أمشي طيب، الجبس اتقل مني أساسًا"
رد عليها هو بسخريةٍ:
هو أنتِ فيكي حاجة يا خديجة ؟! و بعدين مينفعش تدوسي على رجلك و هي متجبسة"
خرج بها من الغرفة حتى يتوجه بها نحو المرحاض لكنه تفاجأ بوالدتها في الممر المؤدي للغرف و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
كنت لسه هصحيك علشان تصلي يا حبيبي، دخلها معلش علشان اوضيها"
أومأ لها موافقًا ثم ادخلها المرحاض، بينما «طه» جلب طبقًا كبيرًا ثم وقف بجانب زوجته يعاونها في التعامل مع «خديجة» بينما «ياسين» وقف تائهًا، فتحدثت «خديجة» قبل أن تبدأ الوضوء توجه حديثها له:
ياسين أوضة أحمد فيها حمام، ادخلها هو صاحي علشان يصلي الفجر برضه"
تدخل «طه» مؤيدًا حديثه:
روح يا ياسين عند أحمد بدل ما تقف تستنى، لسه الإقامة بتاخد وقت"
رد عليه هو بثباتٍ:
لأ أنا هصلي بخديجة هنا مش هقدر انزل معاكم المسجد، هي مش هتعرف تصلي لوحدها"
ابتسم له «طه» بتفهمٍ، بينما «ياسين» تركهم ثم توجه لغرفة «أحمد» يطرق بابها، فتح له الباب وهو يبتسم له، فتحدث «ياسين» بحرجٍ منه:
معلش يا أحمد هتوضا عندك هنا علشان هما بيوضوا خديجة هناك، لو مش هزعجك يعني"
رد عليه هو بسخريةٍ:
لأ هتزعجني و جامد كمان، يا عم البيت بيتك خُد راحتك، هروح أصحي الجثة خلود، دي فيها ٣ ساعات"
ابتسم له «ياسين» بينما «أحمد» دله على المرحاض في غرفته ثم توجه نحو غرفة شقيقته و كالمعتاد وجدها نائمة على الفراش و الهاتف في يدها، ابتسم هو بسخريةٍ عليها ثم أخذ الهاتف يفتحه حتى يقوم بتشغيل الصوت حتى يعاونه في إيقاظها، لكنه تفاجأ حينما وقع بصره على حساب «عمار» عبر موقع الانستجرام و «خلود» تتصفح صوره !! اتسعتا حدقتيه بقوةٍ و هو يفكر فيما بينهما حتى تتصفح شقيقته صوره و حسابه الخاص عبر موقع الصور، بالطبع الموضوع لم يكن خيرًا خاصةً أن شقيقته لم تكن من ذلك النوع الذي يكترث بتلك الأشياء، فكيف له أن يتصرف في تلك المُشكلة؟!