تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثاني» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول الفصل الأول" رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني" ___________ ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب __________ قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد. كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي ا...
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شمس بكري
فُتنَ فتىٰ فِي فتاةٌ فـتاه...فأذدهرت له الحياة
__________________
خُلقت الحياة حتى؛ نتعثر...نتألم....نتعلم، حتى نعتاد التأقلم، فما من دروبٍ كُتِبَ علينا السير بها إلا و سلكناها حتى نهايتها، فـلا الوقوف في المنتصف يجوز و لا العودة لبداية الطريق تنفع بشيء، لذلك لا يتطلب منك سوىٰ السير في دروبك المعتمة حتى تصل للسلام وتنير طرقاتك المُظلمة..
_"الغريب لو دخلت مرة و لقيت وضعهم غير كدا"
تفوه بها «ياسين» ساخرًا من تعجب «وليد» و دهشته و قبل أن يُعقب الأخر، وجده يمسكه من ذراعه ثم اقترب من الأريكة يجلس بجانب «ميمي» التي كانت تتابع ما يحدث بحنقٍ، رحبت بهما بصوتٍ عالٍ نتيجة صوت «خالد» و «عامر» المرتفع و هما يتعاركان سويًا، جلس الأثنين بجانبها و هما يتابعان ذلك النزاع، فصرخ «خالد» من جديد يقول منفعلًا:
انزل يا عامر و لِم نفسك بقى، أنا تعبت منك و من هزار أهلك دا"
رد عليه مُتسرعًا:
دا الحل الوحيد علشان تيجي، هما كلهم سمعوا الكلام، أنتَ كنت هتطلع عين أمي و جيت بالعافية"
أبان ذلك خرج «ياسر» من الداخل و في يده كوب شاي، وقف بجانب الطاولة يتابع صديقيه بهدوء و كأن الموقف لا يعنيه، رفع «وليد» رأسه يتابع الموقف ثم اعتدل في جلسته و هو يقول بنبرةٍ تائهة غير مُصدقة:
هو إيه العبث دا يا جدعان، أنتو ليه محسسني إننا داخلين و هما بيصلوا العشا، طب محدش فيكم مندهش مثلًا ؟"
ردت عليه «ميمي» بقلة حيلة:
خلاص خدنا على كدا، حاجة مش جديدة و الشارع كله عارف، ترابيزة السُفرة دي لو بتنطق كانت اشتكت من خالد و عامر"
اتسعت حدقتيه بقوة تزامنًا مع تحريك رأسه بيأسٍ، ثم هَبَ واقفًا يقترب منهما و هو يقول بهدوء يحاول حل الموقف:
بالراحة كدا يا رجولة أنتَ و هو و عرفوني حصل إيه بس علشان بصراحة عامر منظره مهزق أوي"
التفت له «خالد» يقول منفعلًا:
ماهو مهزق أنتَ مبتكدبش، البيه خلاني أجري زي المجنون و أركب العربية حافي علشان البيه بيهزر"
_"أنتَ اللي معفن و قاعد من غير شبشب أعملك إيه، دا درس يعلمك يا حافي إنك تلبس شبشب بعد كدا"
تفوه «عامر» بذلك بنبرةٍ حانقة أثارت ضُجر الآخر مما جعله يرفع يده بالعصا حتى يضربه بها فتفاجأ بـ «وليد» يمسك يده و هو يقول بتوسل:
اهدا يا عم خالد أنتَ حِمقي كدا ليه؟ فهمنا بس عمل إيه...ما تقوم يا عم ياسين تحل الدنيا دي"
وقف «ياسين» ثم اقترب من الطاولة من الجهة الأخرى فكان المشهد كالآتي: «وليد» بجانب «خالد» و «ياسر» عند طرف الطاولة و «ياسين» عند الطرف الآخر و «ميمي» تجلس على الأريكة تشاهد ما يحدث، فأول من تحدث كان «ياسين» حينما قال:
فهموني حصل إيه علشان الساعة داخلة على ٩ و احنا ورانا شغل بكرة"
زفر «خالد» بقوة ثم قال بطريقةٍ منفعلة يسرد لهم ما حدث:
الأستاذ كلمني من شوية قالي أنا نازل عند ميمي ورايا حاجة مهمة تيجي معايا؟ قولتله لأ يا عامر يونس طلع عين أمي طول النهار جري ورايا ماصدق قعدت معاه و جسمي مكسر و عندي شغل بكرة، يدوبك نص ساعة و لقيته بيصرخلي في التليفون يقولي لقيت ميمي واقعة على الأرض و مش بترد عليا و هو عارف إن عندي فوبيا من حاجة زي دي من ساعة أبويا خلاني بقيت اجري زي الأهبل و نزلت حافي، أنا مش حِمل كدا"
نظروا جميعهم لـ «عامر» الذي ازدرد لعابه بخوفٍ و هو يضيف هامسًا بنبرةٍ مهتزة إثر خوفه:
استهدوا بالله كدا و أنا هفهمكم، و الله....كل الحكاية أني محتاجكم معايا و خالد لو رقصتله مش هيوافق يسمع كلامي....أنا كنت عاوزنا كلنا سوا"
رد عليه «ياسين» بضجرٍ:
مش كدا يا عامر، فيه حاجات مقبولة و حاجات لأ، لو كان ساق بسرعة و جراله حاجة فـ الطريق و كان راح فيها، كنت هتفرح ساعتها؟ أنتَ و أبويا هزاركم غبي و ممكن حد يروح فيه"
رد عليه بخزيٌ بعدما أدرك موقفه:
ياعم أنا مفكرتش في كدا، و بعدين هو دخل و لقانا زي الفل و ياسر كان في الحمام"
_"دخلت لقيته بيرقص...ابن الباردة اللي مترباش و ميعرفش يعني إيه أدب لأ و يقولي إيه؟....خالد اتأخرت ليه الشاي هيبرد و ياسين زمانه جاي"
تفوه «خالد» بذلك منفعلًا ثم قام بمحاكاة طريقة «عامر» في نهاية حديثه مما جعل الضحكات تنتشر بين الشباب و «ميمي» التي قالت بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص بقى يا حبايبي علشان وليد حتى اللي جديد هنا ميقولش علينا بيت مجانين"
تدخل «ياسر» يقول بسخرية:
قال يعني هو مقالش كدا، أنا لو منه أطلع اجري من الشقة الملبوسة دي"
رد عليه «وليد» بمرحٍ:
ياعم أهي حاجة نفك بيها بدل الأكشن اللي أنا عايشه فـ بيتنا، اعتبرها موجة كوميدي"
فور انتهاء جملته سقط «عامر» من أعلى الطاولة حينما كان يسير على طرفها فتفاجأ الجميع بما حدث فتحدث «وليد» مُستفسرًا باندهاش:
إيه دا حصل إيه ؟"
_"جبنا قناة نايل دراما، نورتنا يا وليد"
قالها «ياسين» بسخرية من الموقف بأكمله و من اندهاش «وليد» مما بحدث في الشقة، فجأة تحدث «ياسر» يقول بهدوء بعدما أوقف «عامر» و هو يتأوه بشدة فـ نظر في ساعة يده:
طب يلا نشوف البيه عاوزنا ليه علشان ورانا أشغال بكرة"
أمسك «ياسين» ذراع «خالد» و هو يقول بهدوء حتى يقوم بتلطيف الأجواء:
يلا يا خالد هو وقع أهوه و أخد جزاءه خلينا نشوف بقى عاوزنا ليه، دا مسيبنا بيوتنا و مراتاتنا"
_"يعني هو أنا مسيبكم الحدود، دا أنا عاوزكم في خير و حاجة هتروق علينا كلنا"
قالها «عامر» متهكمًا بسخرية جعلت «خالد» يضغط على شفته السفلى، فتدخل «وليد» يقول بضيق:
ما خلاص يا جدعان بقى، أنا عاوز أنام ورايا شغل في المطبعة بكرة، دا انتو شلة مقرفة"
بعد مرور ١٠ دقائق جلسوا جميعًا على الانتريه و «ميمي» في منتصفهم، كانوا ينظرون لـ «عامر» بشررٍ يتطاير من أعينهم فقال هو بتلعثمٍ واضح:
قبل ما حد فيكم يبصلي كدا....أنا...أنا كنت عند ابويا النهاردة بعد صلاة العصر....المهم قابلت زيكو و قالي إن فيه ساعة ماتش بليل و فيه خمسة عندهم حالة وفاة مش هيجوا الماتش...أنا بقى اتسحبت من لساني و قولتله هنيجي احنا الساعة دي علشان هو حاجز الملعب....هو بقى كلمني و محتاجنا"
رد عليه «ياسر» معقبًا بحنقٍ:
إيه يا روح أمك؟ هو أنتَ جاررنا وراك علشان ساعة ماتش ؟ هو أنتَ مهزق يلا؟"
زفر «عامر» بقوة قبل أن يُجيبه بطريقة تشبه طريقة الأطفال:
يا ياسر و الله قولتله هنيجي على أساس إن المشكلة تتحل و خلاص، لكن هو مسك في الكلمة و طلبني علشان نروحله"
_"شوفتوا إنه مترباش؟ شوفتي يا ميمي إن عامر عاوز يضرب بالجزمة علشان يتلم و يلم نفسه؟ الاستاذ فاكر نفسه موسيماني"
خرج ذلك الحديث من «خالد» بحنقٍ من أفعال صديقه، بينما «ياسين» رد عليه بضجرٍ:
و أنا مشحطط وليد معايا و جايبه على أساس مساعدة خيرية و في الأخر عاوزنا علشان ساعة كورة؟"
رد عليه «عامر» بتوسلٍ:
وافقوا يا جماعة علشان خاطري الواد مستنينا و أنا اديته كلمة و بعدين هو دفع إيجار الملعب يعني حرام يخسر، أبوس راسكم شكلي هيبقى زبالة"
تدخل «وليد» يقول بهدوء:
بص هو أنا ملعبتش كورة من كام شهر كدا بس أنا معاك تمام و موافق عادي و ممكن لو زنقت أجيب أحمد و طارق"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
و رب الكعبة أخويا و رجولة، اقولك على حاجة من النهاردة أنتَ اللي ليا و هما فول و طعمية"
ضحكوا جميعًا بيأسٍ منه، فتحدث «ياسر» يقول بقلة حيلة:
طب و لو هنلعب...نلعب بهدومنا دي إزاي؟ أنا لابس بدلة و الباقيين لابسين قمصان و بناطيل"
رد عليه «عامر» بطريقةٍ مُبسطة:
بسيطة فيه هنا تيشيرتات كورة قد كدا كل واحد فينا ياخد تيشيرت حتى وليد هو كمان وافقوا يلا بقى"
_"مش رايح و ابعد عني علشان مخلصش روحك في إيدي الليلة دي، ورايا شغل و مش فاضي"
تحدث «خالد» بذلك الحديث بغضبٍ واضح في نبرته، مما جعل «ياسين» يقول بهدوء:
خلاص يا خالد بقى خلينا نروح شوية و نرجع قبل نص الليل، بقالنا كتير ملعبناش مع بعض"
رد عليه «خالد» بانفعالٍ واضح:
قولت لأ يعني لأ.... مش عاوز جدال و محدش يناقشني"
بعد مرور نصف ساعة توقفت السيارات أمام الملعب الرياضي فنزل «خالد» من سيارته و «عامر» برفقته و «ياسر» و «ياسين» برفقة بعضهما من سيارة الأول و «وليد» خرج من سيارته، و كان كلًا منهم يرتدي سترةٍ رياضية ترمز لأحد الفرق الرياضية العالمية مع بنطال رياضي"
نظر «وليد» حوله يتفحص ما حوله و فجأة ضحك بقوة ثم حرك رأسه في عدة جهات غير متناسبة، و هم ينظرون له باندهاش، و حينما لاحظ هو نظراتهم قال هو بعدما حمحم بقوة:
بصراحة شكلنا حلو أوي و أنا بحب الحاجات دي بس نادرًا لما أجربها، و المضحك أكتر هو وجود خالد معانا"
رد عليه «خالد» بنبرةٍ مرحة ممتزجة ببعض الضيق الطفيف:
أعمل إيه يعني يا عم وليد؟ مقدرش أزعل واحد فيهم و في نفس الوقت أنا خلقي ضيق أصلًا"
تحدث «عامر» يقول على عُجالة:
ما يلا يا جماعة علشان نلحق نخلص بدري بدري، الواد عمال يرن عليا".
أومأ الجميع له ثم تبعوه للداخل و كلًا منهم يشعر بالتناقض من حاله، فهم حتى الآن لا يعلموا كيف انصاعوا لمطلب ذلك الوغد «عامر» حتى أتى بهم إلى ذلك المكان.
_________________
في شقة «محمد» جلست «جميلة» بمفردها في الشقة بعد خروج والديه و جلوس «عبلة» مع الفتيات فوق سطح المنزل و فجأة وجدت «طارق» يجلس بجانبها و هو يقول بتعجبٍ:
قاعدة لوحدك ليه يا جميلة؟ طب قوليلي أجي أقعد معاكي بدل ما أنا متلقح جوة كدا لوحدي"
ابتسمت له بخجلٍ ثم قالت بهدوء:
أنا بس كنت سرحانة شوية يا طارق، بس أقعد معايا عادي شوية لو مش وراك حاجة"
أومأ لها موافقًا ثم سألها مُستفسرًا بهدوء:
مالك بقى سرحانة فـ إيه، و عيونك الحلوين دول مين محيرهم كدا يا جميلة"
حركت كتفيها ببساطة وهي تُجيبه بهدوء:
عادي و الله مش سرحانة فـ حاجة معينة، بس بستغرب هو الوضع دا هيفضل كدا ؟ يعني تايهين و مفيش حاجة محددة"
قطب جبينه يسألها مستفسرًا بنبرةٍ حائرة:
مش فاهمك يا جميلة؟ مالك فـ إيه، أنتِ عاوزة حاجة محددة يعني ولا بتتكلمي في المُطلق"
تنفست الصعداء ثم أخرجته على مَهلٍ ثم أجابته مُردفةٍ:
يعني أنا كدا مراتك و لا ضيفة هنا و لا إيه حكايتنا، و هشتغل و أعيش هنا و لا هنزل شقتنا اللي تحت، و هفضل كتير مقاطعة ماما و بابا ولا أكلمهم و خلاص، أنا محتارة يا طارق، أنا حاسة أني لوحدي أوي و أول مرة أحس بكدا"
أومأ هو لها مُتفهمًا ثم أضاف قائلًا بحكمة:
أنتِ مراتي يا جميلة و حقي في الدنيا دا أمر مفروغ منه، لكن أنا مستني يتعملك فرح زي أي بنت في الدنيا و تلبسي فستان أبيض زي ما تخيلتك طول عمري بيه، إنما علاقة أهلك دي حاجة مفروغ منها، مهما كان هما أهلك يا جميلة، يعني فطرة الإنسان مهما كانت بتحن غصب عنه لأهله، دي حاجة مؤكدة، أما بقى هنعيش فين، هنعيش في شقتنا اللي فـ بيت شباب العيلة"
رغم استماعها لحديثه بالكامل إلا أن ما لفت نظرها حقًا هو حديثه الأخير فسألته بتعجبٍ:
بيت الشباب ؟ إيه بيت الشباب دا يا طارق، دا هنا برضه"
ابتسم هو لها ثم أجابها بهدوء ممتزج ببعض المرح:
دا يا ستي البيت اللي خِلانك بنوه لينا سوا، يعني بدل ما كل واحد فيهم يروح يجيب شقة في مكان غريب، راحوا اشتروا حتة أرض و بنوا عليها بيت و كل واحد في الشباب له دور هناك و أنا شقتي في الدور التاني"
سألته هي باندهاش:
أنا فاكرة إنكم بتقعدوا هنا علشان عرفت من هدى إن شقتها إيجار قريبة من هنا، فافتكرت إنكم برضه بتقعدوا في إيجار"
حرك رأسه نفيًا وهو بجيبها بحماسٍ:
لأ خالص كل واحد فينا له شقة هناك بس هدى و وئام قاعدين فـ إيجار علشان البيت فاضي و هدى مش هتعرف تقعد لوحدها هناك، وئام أجر شقة سكنية قريبة مننا هنا لحد ما الباقي ربنا يكرمهم و يتجوزوا و يروحوا هناك، ساعتها وئام هيروح هناك هو كمان".
أومأت له في تفهم بعدما أدركت حقيقة الأمر ثم أضافت بمرحٍ:
ربنا معاهم و يصبر قلوبهم، هي صعبانة عليا أوي و بالذات بعد ما هدير مشيت من البيت و هي حالتها صعبة، نفسي و الله أهون عليها أوي بس مش عارفة أعمل إيه، و هي كلها كام شهر و تخلف يعني لازم يكون فيه اتزان نفسي"
تنهد هو بقلة حيلة ثم رد عليها بنبرةٍ حزينة لأجل رفيقه:
طول عمري أنا و هي و وئام مع بعض، حتى لما اتخانقوا سوا أنا اللي كنت بصالح بينهم و كنا مع بعض في الدروس و كل حاجة، عمري ما كنت أتخيل إن وئام و هدى ممكن يكونوا كدا، طول عمرهم مبسوطين و هما مع بعض"
حركت رأسها بإيماءة بسيطة توافق حديثه ثم أضافت:
بس هو طيب أوي و معاها مش سايبها، بصراحة شايفاه بيعمل مجهود علشانها، من يوم تعب مامتها و وئام متحمل كتير"
رد عليها هو مُردفًا بثباتٍ:
علشان وئام بيحبها من صغره، هدى هي كل حاجة ليه، مراته و أخته و صاحبته و شالته كتير أوي و لما أجل فرحه كذا مرة علشان الظروف مكانتش سامحة طلعت كل فلوسها و حاجتها عنده و قالتله يعمل فرح و يكمل الجهاز بتاع شقتهم، طول عمري كان نفسي أكون عندي حد زيي يقسم معايا الليالي بحملها التقيل، بس كان نصيبي أعيش دا كله لوحدي، هو بقى كان مشاركها فـ كل الليالي"
سألته هي ببسمةٍ هادئة رسمتها على وجهها بوضوح:
أنا أصلًا لحد دلوقتي مش قادرة أصدق إنك استنيت كل دا بجد، أنا لو مكانك مش هستنى كدا بصراحة، مش كل الناس مخلصة كدا يا طارق"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بنبرةٍ عملية:
اللي عاوز يتحمل هيتحمل يا جميلة، فيه ناس بتحب ناس تانية من مجرد السمع عنهم، لكن أنا عارفك و كبرتي قدام عيوني و بنيت كل حاجة قصادي على إنك ترجعيلي و نكمل حياتنا سوا، صحيح ماخدتش بالي الوقت كان قد إيه بس أهو فات و أنا مستنيكي، و ربنا عوض صبري خير برجوعك ليا، و قطعت وعد قدام نفسي و قدام كل العيلة إني مش هتجوز غيرك و دا حصل الحمد لله و كل دا نساني البعد أصلًا يا جميلة"
نظرت له نظرة هائمة ثم تحدثت تقول له بنبرةٍ ممتزجة بالخجل:
بصراحة إرادة من حديد إنك تصبر كل دا، علشان كدا أنا بحبك يا طارق...من ساعة ما جيت هنا و أنا عاملة زي البنت اللي متعلقة في باباها و مش عاوزاك تبعد عني، حاسة أني هخاف من غيرك"
اقترب منها هو يقول بهمسٍ طفيف:
اعتبريني كل حاجة ليكي يا جميلة، أنا مش عاوز غير إنك تكوني مبسوطة و أنتِ معايا و متحسيش إنك اتسرعتي في جوازك مني"
ردت عليه بسرعة كبيرة تنفي حديثه:
مستحيل يا طارق، عمري ما أندم و أنا معاك و عمري أحس إن وجودي جنبك غلط، يمكن دا الحاجة الحقيقة وسط كل الكدب اللي هنا، عينيك حنينة أوي يا طارق و بصراحة أنا طول عمري ناقصني حنان"
ضحك هو بخفة ثم أقترب منها أكثر يأخذها بين ذراعيه و هو يقول بمرحٍ ممتزج بالحنان:
و أنا كلي حنان و الله خليكي في حضني بقى علشان أعوض الجفاف اللي جالنا احنا الاتنين"
ابتسمت هي باتساع ثم رفعت رأسها تُقبل وجنته بعدها أخفضت رأسها من جديد على كتفه و هي تتشبث به بقوة و كأنها تخشى فراره و ليس العكس، أما هو رفرف بأهدابه عدة مرات بعد فعلتها تلك ثم ابتسم باتساع تزامنًا مع تحريك يده على كتفها يربت عليه.
بعد فترة من الصمت السائد بينهما و هما على وضعهما و هي بين ذراعيه حتى ظن أنها غفت في ثباتٍ عميق فتحدث يسألها بهدوء:
جميلة أنتِ نايمة؟"
ردت عليه هي بهدوء بعدما رُسمت بسمة هادئة على فمها:
لأ....صاحية، بس مرتاحة كدا يا طارق لو أنتَ متضايق عرفني"
رد عليها هو بسخرية:
اتضايق إزاي بس يا جميلة، كل الحكاية أني عاوزك معايا علشان ننزل عند هدى و وئام نطمن عليها، وئام كلمني و قالي إنها مش عاوزة تاكل، ينفع تيجي معايا"
ابتعدت عنه بسرعة و هي تقول بضيق بعد حديثه:
و لسه فاكر تقولي يا طارق؟ حرام عليك دا كله عمالين نرغي سوا و حاض....."
شهقت هي بعدما أوقفت كلمتها الأخيرة بخجلٍ حينما أدركت ما كانت ستتفوه به، أما هو فابتسم بخبثٍ يلمع في مقلتيه فوجدها هي تخفض رأسها في خجلٍ فرفع هو رأسها ثم قال بنبرةٍ شبه ضاحكة و هو يحاول كتم ضحكته:
ماهو بصراحة القعدة معاكي تنسي الدنيا باللي فيها، أنا حبك هيغرقني و أنا مبعرفش أعوم"
ابتسمت هي بهدوء فوجدته يضيف بهدوء:
يلا علشان ننزل نطمن عليها قبل ما تنام زي كل يوم، ربنا يقدرنا بس و نعرف نغير حالتها دي"
ضيقت جفونها بشدة ثم قالت بحماس شديد:
يلا بسرعة يا طارق، تعالى معايا جاتلي فكرة هتغير حالة هدى خالص و نطمن بيها على هدير كمان".
__________________
في شقة «محمود» و تحديدًا في غرفة «هدى» جلس «وئام» على مقعد خشبي أمام الفراش و في يده صحنًا من الحساء الدافئ فقال بنبرةٍ منهكة:
يا هدى علشان خاطري بقى كلي ، اللي فـ بطنك ملوش ذنب لكل دا، و الدوا معاده فات من ساعة"
ردت عليه هي بحزن:
مليش نفس و الله و مش قادرة آكل خالص، وبعدين آكل إزاي بس و أنا معرفش هدير عاملة إيه ولا حتى ينفع أكلمها، عاوزة أعرف هي أكلت ولا لأ، خايفة ولا متطمنة، دي بنتي يا وئام و قلبي عمال يتقطع من قهرته عليها"
وضع الصحن على الفراش ثم مد يده يمسك كفها يعانقه بين كفيه و هو يقول بهدوء:
أنا عارف احساسك عامل إزاي، علشان جربته لما وليد كان في المصحة أول يوم سبته في السويس كان هاين عليا أروح ابات على السلم هناك، احساس إن حتة منك بعيد عنك و الله أعلم باللي هي فيه، أنا جربته و جريت على طارق أعيط زي العيل الصغير من خوفي على ابني....آه ماهو وليد ابني مش أخويا، ساعتها منمتش غير في حضن طارق و أنا بعيط، بس أنتِ حاجة تانية، هدير مع حسن يا هدى، حسن دا أضمنه برقبتي علشان تربية أبويا، و الله هدير في أمان معاه، حسن هيديها وقته و حياته و كل مجهوده، هيرجعها هدير تانية عمرنا ما شوفناها"
سألته هي بحماس تلتمس منه تأكيد حديثه:
بجد ؟! يعني هدير مش هتخاف معاه، هدير جبانة أوي يا وئام و الله بتخاف أوي من كل حاجة في حياتها، يمكن تكون غلطت كتير بس و الله مكانش حد معاها ينصحها و يصلح وراها، هدير مكسورة أوي، دي حتة مش قادرة تعترض على أي حاجة بتحصلها"
رغمًا عنها امتزج حديثها بالبكاء و هي تتحدث عن معاناة شقيقتها فوجدته يمد يده يمسح دموعها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
هدير مكسورة و حسن طول عمره مكسور و يمكن ربنا جمع طُرقهم مع بعض علشان يعوضوا بعض، و الله خلي عندك ثقة فيا و في وليد و في حسن علشان محدش فينا عمره هيخذلك ولا يخذل هدير"
أومأت له موافقة عدة مرات و فجأة طرق باب الغرفة عليهما بواسطة عمه و هو يقول بهدوء:
طارق و جميلة برة يا وئام عاوزين هدى و عاوزينك"
رد عليه هو بهدوء:
حاضر يا عمي جاي ورا حضرتك أهوه، و هدى كمان هتيجي معايا"
قال جملته ثم نظر لها يقول بهدوء ممتزج بالحنان:
يلا معايا علشان جميلة مستنية برة و هي كل شوية تيجي تطمن عليكي"
خرجا معًا من الغرفة للخارج عند «طارق» و «جميلة»، فوقفت «جميلة» متأهبةً تقول وهي تقول بنبرةٍ متسرعة:
هدى أخبارك إيه طمنيني عليكي"
اومأت لها بهدوء ثم قالت بنبرةٍ شبه مسموعة:
أنا كويسة يا جميلة، شكرًا على تعبك معايا أنا طلعت عينك من ساعة ما رجعت البيت هنا"
ردت عليها «جميلة» بـ لومٍ و عتاب:
كدا يا هدى أخرتها تشكريني !! هو أنا مش زي هدير ؟ ليه عاوزة تعملي فرق بيننا كدا"
ردت عليها الأُخرى باحراج:
خالص و الله متقوليش كدا، بس بجد أنا حاسة بتعبك معانا هنا، ربنا يعلم غلاوتك من غلاوة هدير بالظبط عندي، ربنا يكرمك و يراضيكي"
ابتسمت لها باتساع ثم قالت:
طب طمنيني كلتي ولا لأ ؟ أنا موصية وئام عليكي أوي، أوعي يكون مقصر"
رد عليها «وئام» بنبرةٍ مُحرجة:
و الله مقصر و مش قارد عليها تاكل خالص، و ماخدتش علاجها النهاردة، شكلي هطلع مقصر فعلًا"
ضحكت «جميلة» في وجهها و هي تقول بنبرةٍ مرحة بعض الشيء:
هي هتاكل علشان تعرف تشوف هدير و علشان تعرف تركز معاها"
سألتها «هدى» بسرعة كبيرة نتيجة حماسها:
هشوف هدير ؟! إزاي بس وفين علشان خاطري قوليلي هشوفها إزاي"
اشفقت «جميلة» عليها لذلك ربتت على كتفها و هي تقول بهدوء ممتزج بالحزن عليها:
كلي دلوقتي و خدي علاجك و أنا هقولك إزاي نكلمها و أخليكي تطمني عليها".
بعد مرور نصف و تحديدًا بعد تناول «هدى» طعامها و الدواء صعدت لـ سطح البيت و معها البقية، دلفت هي مستندة على ذراع زوجها فوقفت «خلود» تقول بمرحٍ:
أيوا بقى مؤسسين السطح الأصليين طلعوا، وحشتونا و الله"
ضحكوا جميعًا عليها أما «جميلة» سألتها بتعجبٍ:
أنا مش فاهمة حاجة، يعني إيه المؤسسين الأصليين دي"
غمزت لها «خلود» بخبثٍ و هي تضيف:
أصل وئام صاحب أول قصة حب تدخل عيلة الرشيد، ليه هنا بطولات عظيمة ولا إيه يا هدى، فاكرة"
ضحكت «هدى» بقوة رغمًا عنها حينما التقطت حديث «خلود» فأخفض «وئام» جسده حتى وصل لأذنها يقول معاتبًا لها:
يعني جميلة بتعرف تأكلك و خلود بتعرف تضحكك، و أنا اولع يعني؟ ضحكتك وحشتني يا أوي يا هدى"
رفعت عيناها تطالعه بأسفٍ فوجدته يومأ بها بأهدابه حتى يطمئنها و فجأة تحدثت «خلود» بخبثٍ:
جرى إيه البطولات وحشتكم ولا إيه؟ بتتوشوشوا فـ إيه انتو الاتنين ؟"
تدخل «طارق» يقول بحنقٍ:
تصدقي يا بت أنا صعبان عليا اللي هيتجوك هو و عبلة أختي علشان هي حظها طلع وليد و هو حظه فيكي أنتِ"
تدخلت «عبلة» تقول بتهكمٍ واضح بعدما وضعت يدها على خصرها:
و ماله وليد إن شاء الله؟ طول ماهو مش هنا تجيب سيرته عدل هو صحيح مجنني و مخليني ألف حوالين نفسي بس أنا راضية"
جلسوا جميعًا فتحدث «وئام» مستفسرًا:
هو فين البيه ؟ مختفي من الصبح و مش لاقيينه"
رد عليه «أحمد» بنبرةٍ عادية يجيبه:
جاله تليفون و فجأة قال ورايا مشوار مهم، نزل و سابنا ممكن يجي دلوقتي"
سأل «طارق» شقيقته بسخرية:
و أنتِ يا ختي متعرفيش هو فين؟ أباجورة معانا يعني"
ردت عليه بتعالٍ:
طبعًا عارفة ليدو مش بيخبي حاجة عني أصلًا، هو بيعمل خير و زمانه جاي، ربنا يكرمه"
تدخلت «جميلة» تقول بسخرية:
لأ و هو ماشاء الله عليه وش خير، ربنا يسترها إن شاء الله"
ضحك الجميع على حديثها الساخر بينما «عبلة» نظرت لها بشرٍ و هي تقول بهدوء مخيف:
أهدي على نفسك بدل ما أسلط عليكي خلود، آه خلود أصلًا عندها ربع مش موجود و كلنا بندور عليه"
تدخلت «سلمى» تقول مستفسرة:
قبل ما تبدأوا هزار بس هو إيه سبب إنكم تطلعوا هنا علشان أنا كنت بحل الواجب و خلاص كدا مش هقدر أكمل و أنتو قاعدين"
ردت عليها «جميلة» بهدوء:
طالعين علشان نكلم هدير و نتطمن عليها كلنا"
سألتها «عبلة» بتعجبٍ:
إزاي بس؟ ياريت نعرف نكلمها حتى وليد قالي مش هنعرف نكلم حسن علشان ميتحرجش"
أجابتها «جميلة» بفخرٍ:
هنكلمها فيديو و هي لما تلاقينا بنحاول نوصلها و نطمن عليها هتفرح أوي و هتحس إننا مهتمين بيها، بدل ما نسبب احراج ليهم، أنا هكلمها فيديو من عندي و هي فاتحة نت أصلًا"
نظر لها الجميع بفخرٍ ممتزج بالراحة بعد مقترحها الذي أخبرتهم به .
على الجهة الأخرى جلست هي الأريكة بعدما تناولت الشاي، ثم قامت بضم ركبتيها على صدرها، أما هو فخرج في تلك اللحظة من الداخل يقول بمرحٍ:
عارفة يا هدير الراجل اللي اخترع غسالة الأطباق دا عاوز ابوسه بوسة؟ هو و مخترع التكييف و اللي اخترع الحضن يحتاجوا وقفة تقدير و احترام"
نظرت له بتعجبٍ وهي تحرك رأسها باستفسار فوجدته يرتمي بجانبها على الأريكة و هو يقول بمرحٍ:
أصل غسيل الأطباق دا رخم أوي بجد و حاجة متعبة، الغسالة دي بقى ترمي الأطباق فيها و تخرج حاجة تانية، و اللي اخترع التكييف دا لازم البشرية كلها تعمله صدقة جارية على روحه، يعني فكرة إنه يحولك الحر لتلج كدا، دا لازم نبوسه بصراحة، أما اللي اخترع الحضن دا لازم كلنا نحضنه علشان الفكرة الجامدة دي، فكرة إن مجرد دراع يضمك و تعيطي فيه و تخرجي زعلك دي حاجة غريبة، فيه ناس حياتها بتتجدد بحضن يا هدير"
أومأت له توافق على حديثه فوجدته ينظر لها بهدوء و هو يطيل النظر في وجهها أما هي فأخفضت رأسها حينما لاحظت رنين هاتفها برقم «جميلة»، قطبت جبينها متعجبةً مما رآت فوجدته يأخذ منها الهاتف و هو يقول بمزاح:
استني بقى مدير أعمالك يرد مكانك، أي حفلات أو سهرات مع العبد لله"
رغمًا عنها ابتسمت باتساع فوجدته يضع الهاتف أمام وجهها في تلك اللحظة بعدما ضغط على زر الإيجاب، كانت هي تنظر له نظرة حائرة و هي تضحك عليه و فجأة وصلها صوت «هدى» و هي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
هدير ؟! أخبارك إيه طمنيني عليكي، و حشتيني أوي"
حركت «هدير» رأسها تنظر للهاتف بعدما كانت تنظر له هو و حينما رآت شقيقتها عبر شاشة الهاتف فاض الحنين من مقلتيها لها ثم حركت رأسها موافقة عدة مرات، فتدخل «حسن» يقول بمرحٍ:
بتقولك إنها كويسة جدًا و فرحانة أوي و مستغربة إزاي كانت طايقة تعيش معاكم....صح يا هدير ؟"
ابتسمت من جديد باتساعٍ أكثر فوجدت «خلود» تقول بخبثٍ بعدما تدخلت تنظر للهاتف:
الله من أولها ضحكنا أهو، أنا متفائلة خير و الله"
رد عليها «حسن» بمرحٍ:
أنتِ بتفهمي والله، بس اطمنوا هي كويسة و كلت و شربت اللبن و هتغسل سنانها وتنام دلوقتي"
ردت عليه «هدى» بامتنان حقيقي ممتزج بنبرةٍ باكية:
شكرًا ليك يا حسن، خلي بالك منها بالله عليك، دي بنتي و أول ما عيني شافت و الله"
التفت ينظر لـ «هدير» فوجد التأثر باديًا على ملامح وجهها، لذلك نظر أمامه من جديد ثم صبغ نبرته بالحنان أنهاها بالمرح :
هدير في عيني متخافيش، و بعدين سؤال معلش، يعني دلوقتي في مقام حماتي؟ يا نهار مش فايت على دماغ أهلي"
تدخل «وئام» يقول بحنقٍ زائف:
لم نفسك يا حيوان و أنتَ بتتكلم مع مراتي، خلي بس من هدير لحد ما ناخدها تاني منك"
تبدلت ملامح «حسن» في ثوانٍ إلى الضيق الممتزج بالحزن لذلك حاول تنقية حنجرته ثم قال ينهي تلك المكالمة:
على العموم احنا كويسين و هي كويسة، سلام يلا علشان بصراحة عاوز أنام، أنا صاحي من بدري"
تم اغلاق المكالمة بينهم و كانت هي تتابع ملامحه الواجمة التي تبدلت بعد المكالمة، أما هو أخفض رأسه ينظر للأسفل و هو يحرك الهاتف في يده يلوح به، تعجبت هي من تغيره لكنها أدركت أن سبب تغيره هو حديث ابن عمها لذلك رفعت كفها تضعه على كتفه و كأنها تستفسر منه عن حالته بذلك، فوجدته يخرج من شروده و هو يقول بهدوء بعدما ابتسم لها باقتضاب:
نعم عاوزة حاجة؟"
حركت رأسها نفيًا ثم أخذت منه الهاتف ثم ارسلت له تسأله بتعجبٍ من تغير حالته:
أنتَ كويس يا حسن؟"
وصلته رسالتها عبر هاتفه فأخرجه يقرأ ما أرسلته له، فتنهد بعمقٍ ثم ارسل لها:
أنا كويس الحمد لله، أنتِ كويسة؟ محتاجة مني حاجة"
_"أنا كويسة الحمد لله، بس عاوزة أنام ممكن ؟"
ارسلت له ذلك عبر هاتفها و حينما قرأ هو ما أرسلته، أومأ لها موافقًا ثم قال لها:
طبعًا ممكن، تعالي يلا علشان أنا كمان عاوز أنام".
قال جملته ثم اعتدل واقفًا ثم أمسك يدها يوقفها هي الأخرى، فعلت ما أراد ثم سارت بجانبه في هدوء حتى وصلا الغرفة، دخل هو أولًا ثم أشار لها بالتقدم، فامتثلت لمطلبه و ذهبت إلى الفراش فوجدته يقول بهدوء:
أنا هنام قصادك يا هدير على السرير دا، تليفونك جنبك لو عوزتي مني حاجة رني عليا، لو مصحتش أول مرة كرري تاني، مصحتش برضه ارمي مياه في وشي، كل دا و مصحتش معاكي ادعي عليا و أنا هأمن وراكي علشان دا حقك"
قال حديثه الأخير بمرحٍ جعلها تومأ له عدة مرات بعدما ابتسمت له موافقة، فوجدته يميل بجذعه ثم رفع قدميها على الفراش، أجفلت هي من لمسته لها فوجدته يقول مُطمئنًا لها:
متخافيش أنا بس هغطيكي علشان التكييف عالي و أكيد هتبردي"
أومأت له بخوفٍ عدة مرات فوجدته يرفع الغطاء يدثرها بها بحنانٍ بالغ كما لو أنه يهدهد طفلًا صغيرًا، بعدها ابتعد عنها يسير نحو فراشه الصغير و فجأة وجدته يخلع ملابسه العلوية ثم ارتمى على الفراش فجأةً، اتسعت حدقتيها بقوة حينما وجدته عاريًا لذلك أحكمت الغطاء عليها بالكامل، أما هو فـ زفر بقوة ثم اغلق جفنيه يذهب في ثباتٍ عميق، أما هي بعد مرور دقائق لاحقته في النوم حينما تأكدت من جمود حركته.
___________________
في الملعب وقف «خالد» في المنتصف حتى يقوم بركل كرة القدم و كان ذلك الهدف هو الفاصل بين الفريقين، فإذا قام «خالد» باحراز الهدف سيصبح الفوز حليفهم، و إذا أخطأ سيصبح الفوز حليف الفرقة الأخرى، كانت لحظة من التوتر يسودها القلق و الترقب من «ياسين» و من معه، و مع إطلاق صافرة الحكم قام «خالد» بركل الكرة و لحسن حظهم أصيب الهدف و أصبح الفوز حليفًا لهم، حينها ركض «عامر» و «وليد» يحملون «خالد» معًا، ثم تبعهما باقي الفريق و هم يهللون فرحًا بنصرهم في تلك المباراة حتى و إن كانت مباراةٍ ودية، إلا أن النصر بها كان عظيمًا، و بعد ما يقرب النصف ساعة جلس الشباب جميعهم بجانب بعضهم برفقة باقي أعضاء فرقتهم عدا «عامر» الذي اختفى، فتحدث «وليد» يسأل «خالد» بتعجب:
صحيح يا خالد أنا عاوز أسألك سؤال، شكلك لعيب ماشاء الله، بس هو إزاي كان واقف يمين و أنتَ حدفتها يمين ؟ و جت"
رد عليه «خالد» بفخرٍ:
أنا الكورة دي حياتي و كان حلم حياتي ابقى لعيب مشهور بس الحظ مأسعفنيش، المهم أنا جبتها يمين علشان هو واقف يمين أصلًا"
سأله «وليد» بتعجبٍ:
يعني إيه برضه مش فاهم؟"
رد عليه «خالد» يجيبه بهدوء:
هو قاصد يقف يمين و يسيبلي الشمال فاضي علشان أحدفها شمال و هو يعرف يميل بجسمه يوقفها، لكن لما حدفتها يمين مكان وقوفه جسمه تلقائيًا اتحرك في العكس و الناحية بقت فاضية و الكورة دخلت، مفيش حاجة اسمها الجون بيجي في ثانية، علشان قبل الثانية دي في دقايق بتمر في التفكير"
أومأ له «وليد» باستحسان حينما أدرك ماهية تفكيره و قدرته على احراز الهدف، في تلك اللحظة اقترب منهم «عامر» و هو يلهث بقوة من قوة ركضه، فتحدث «ياسين» يسأله حائرًا:
اختفيت فين يا زفت؟ و إيه اللي معاك دا يالا"
رد عليه «عامر» بصعوبة:
كنت....كنت بجيب الدُف دا علشان نحتفل بالفوز زي كل مرة"
تدخل «زيكو» يقول بمرحٍ:
الله ينور عليك يا عامر، دايمًا دماغك عالية و مروق علينا"
تدخل «وليد» يقول بتعجبٍ:
هو أنتو كل مرة بتكسبوا و كمان بتحتفلوا؟ أنا فاكرها حاجة جديدة عليكم"
رد عليه «ياسر» بمرحٍ ممتزج بالفخر:
لأ دي عادتنا علطول، احنا لينا ماتش زي دا كل فترة و بنكسب بفضل خالد و تقسيم ياسين و بجاحة عامر علشان بيضرب و بيبجح و محدش بياخد معاه حق ولا باطل"
رد عليه «عامر» متشدقًا بنذقٍ:
آه إن شاء الله، يلا بقى علشان نحتفل، خلي ياسين يغني و يسمعنا"
سأل «وليد» بنبرةٍ مندهشة:
ياسين ؟ هو كمان بيعرف يغني؟ كدا كتير عليا و الله"
أومأ له «ياسين» ثم أخذ الدُف من «عامر» و هو يقول بمرحٍ:
بغني و برقص و بشكل و بعمل كل اللي نفسك فيه، ها تحب تسمع إيه علشان نوجب معاك"
رد عليه «وليد» بمرحٍ:
حيث كدا بقى سمعني عبد الباسط حمودة، الجو هادي خالص"
تدخل «خالد» يقول ساخرًا:
كدا هتبقى ليلة فل، قال جو هادي قال"
جلس الشباب جميعهم حول «ياسين» و «عامر» بجانبه يضرب بكفه على الدف في تناغم مع صوت «ياسين» الذي شرع في الغناء بقوله:
الجو هادي خالص و الدنيا هس هس و أنا و أنتَ يا حبيبي يا حبيبي و نجوم الليل و بس.....الجو هادي خالص و الدنيا هس هس و أنا و أنتَ يا حبيبي يا حبيبي و نجوم الليل و بس، لا فيه عزول ما بينا ولا خلق يغيروا منا، و الكل ناموا ننة و فضلت أنا و أنتَ بس"
أكمل «ياسين» الغناء و الشباب حوله يصفقون بكفيهم في تناغم مع اللحن و صوته، كانت الجلسة ممتعة جعلت «وليد» يشعر بالراحة وسطهم حتى ارتفعت ضحكاته تدريجيًا مع انبساط ملامح وجهه، و بعد قليل ارتفع صوت التصفيق عاليًا حينما أنهى «ياسين» الغناء، و بعدها قال «عامر» بتوسلٍ:
يلا يا ياسين علشان خاطري سمعني بهاء سلطان، علشان أنا بحبه أوي"
رد عليه «ياسر» بضجرٍ:
يا بني اخلص بقى و بعدين هي ناقصة نكد يعني؟ بهاء سلطان مين دا اللي نسمعه ؟"
رد عليه «عامر» بطريقة تشبه طريقة الأطفال حتى يتوسله:
علشان خاطري خليه يغني أغنية قوم أقف و أنتَ بتكلمني علشان بحبها، بس ليا طلب عندكم أول ما ياسين يجي عند الحتة بتاعة قوم أقف نقوم نقف كلنا و نرقص و نصقف، بالله عليكم محدش يحرمني من المتعة دي"
رد عليه «خالد» بضيق حانقًا عليه و على افعاله الصبيانية:
الوقت اتأخر و احنا لسه في الملعب يا عامر، خلصنا علشان نروح"
رد عليه بتوسل حقيقي:
يا خالد مرة من نفسي علشان خاطري، يلا يا ياسين متزعلنيش احنا قدامنا قرن كمان علشان نتجمع كدا"
تدخل أحد الشباب يقول بمرحٍ:
خلاص بقى يا عم ياسين من بدري متجمعناش سوا كدا، يلا علشان خاطر زيكو و صُحبته"
أومأ له «ياسين» ثم قال بهدوء مُرحبًا بطلبه:
عيني ليك يا حودة أنتَ تؤمر، يلا يا عامر طبل خليني ابدأ"
احتل الحماس تلك الجلسة الشبابية المرحة، فقام «ياسين» بالامتثال لطلبهم و شرع في الغناء:
علشان أصالحك و أرضى عليك حاجات كتير لازم تعملها...علشان أصالحك و أرضى عليك حاجات كتير و دي أولها.......قوم أقف و أنتَ بتكلمني....قوم أقف بصلي و فهمني"
في تلك اللحظة وقف الشباب معًا يرقصون تزامنًا مع تصفيقهم و هم يتحدثون في آنٍ واحد مع «ياسين»:
قوم أقف و أنتَ بتكلمني....قوم أقف بصلي و فهمني، و لا تتكلم و أنا بتلكم و إن غلطت ابقى أمشي و ســـبــنــاي"
عند الكلمة الأخيرة وقف «عامر» على المقعد و في يده الدُف و هو يطرق عليه بقوة أشعلت الجلسة بأجواءٍ حماسية جعلتهم يتراقصون جميعهم، و «ياسين» يصفق بكفيه معًا و هو يغني بملء صوته العذب الذي تمكن هو بتقليد المطرب الأساسي لتلك الأغنية.
بعد قليل رحل الشباب تباعًا خلف بعضهم عدا الخمسة شباب، وقفوا جميعهم مع بعضهم فقال «وليد» بمرحٍ:
بجد دي تاني أحلى ليلة في حياتي بعد فرح خديجة، و الله أنتو القعدة معاكم حياة تانية"
رد عليه «خالد» بمرحٍ:
أي خدمة...ابقى تعالى أنتَ بس كتير و احنا عنينا ليك"
أومأ له موافقًا ثم شرع في توديعهم، و بعدما ابتعد عنهم، لحقه «ياسين» حتى وقف بجانبه أمام سيارته و هو يقول بهدوء:
فرحت معانا يا وليد؟ يعني كنت مبسوط معانا"
نظر له «وليد» بتأثرٍ و هو يقول بنبرة تائهة بعض الشيء:
مش عارف....بس كنت مرتاح و دا مش طبعي، اللي زيي مش بالسهل يتطمن لحد بس معاكم حاجة تانية، أنا عمري ما كان صحاب و عمري ما أعرف وجودهم عامل إزاي، بس وجودهم بيوجع و دا اللي أنا أعرفه يا ياسين، بس أنتو مش كدا خالص....أطمن أنا فرحت أوي"
ابتسم له «ياسين» بتفهمٍ ثم ربت على كتفه و هو يقول بهدوء:
احنا مش صحاب.... احنا اربع أخوات و يشرفنا نبقى خمسة بيك يا وليد.....ها رأيك إيه"
نظر له «وليد» باندهاش فوجده يومأ له بقوة ثم أضاف:
مستغرب ليه؟ احنا فعلًا عاوزينك معانا يا وليد علشان احنا حاسبينك واحد مننا"
زفر «وليد» بقوة ثم رد عليه مُعقبًا:
كلامكم فوق راسي يا ياسين بس أنا صعب افرض نفسي على حد، و انتو عشرة عمر طويلة هاجي أنا أبقى دخيل بينكم؟ أنتَ بس لما تلاقي ماتش زي دا قولي علشان أجي أخرج شوية طاقة من اللي عندي"
رد عليه «ياسين» بـ لومٍ و عتاب:
عيب عليك لما تقول لأخوك كدا في وشه، هما أصلًا اللي قالولي إنك تبقى معانا علطول هما جدعان أوي يا وليد، متحرمناش من متعة وجودك معانا"
ابتسم له «وليد» ثم أومأ له موافقًا بعدها قال بهدوء:
سبني اروح بقى علشان دي مش عادتي اتأخر كدا، و بعدين أنتَ إزاي سايب أختي لوحدها لحد دلوقتي"
تلاشت بسمة «ياسين» تزامنًا مع اتساع حدقتيه بعدها قال بذهول:
يا ليلة مش فايتة؟! أختك !! خديجة....دا أنا سايبها زعلانة اصلًا"
_"يا ليلتك السودا ؟! منكد على أختي يا ياسين، شكلي كدا هبدأ امشي في إجراءات الطلاق"
تفوه «وليد» بذلك الحديث متشدقًا بسخرية، جعلت الآخر يتركه فجأة ثم ركض نحو سيارته و هو يقول بسرعة:
يلا يا عامر اركب بسرعة، الوقت اتأخر و كل واحد فينا سايب مراته في البيت، يلا حلو منك ليه"
رحلت السيارة و الأخرى تتبعها، فابتسم «وليد» بسخرية ثم حدث نفسه متهكمًا:
و الله العيال دي عسل.... أجري أنا كمان بقى لعبلة"
_________________
صعد كلًا منهم شقته بسرعة كبيرة حينما تأخر الوقت إلى ذلك الحد، و كلًا منهم يتمنى مرور تلك الليلة بسلام عليه مع زوجته...أمام شقة «ياسر» حاول ادخال المفتاح في الباب فدخل لكن دون جدوى حيث قامت هي بوضع المفتاح من الداخل و غلق الباب بالمقابض الداخلية، حاول مرارًا و تكرارًا و حينما باءت محاولاته بالفشل أخرج هاتفه يطلب رقمها، في المرة الأولى لم يصله منها نتيجة و في المرة الثانية نفس الشيء و في المرة الثالثة أغلقت في وجهه، فرفع هو صوته قائلًا:
افتحي يا إيمان الوقت اتأخر و كدا مينفعش....أنتِ صاحية و كدا عيب"
ردت عليه من خلف الباب بنزقٍ:
و ماله....إن شاء الله"
تحدث هو متوسلًا لها:
و الله الوقت اتأخر و جسمي مكسر افتحي بس و هفهمك يا إيمان يخربيت دماغك"
ردت عليه بنبرةٍ حانقة:
روح شوف أنتَ كنت فين و خليك هناك يا دكتور، أقولك بات أحرص الشقة على السلم علشان أنا بخاف"
ضغط على شفته السفلى ثم رفع حاجبه بخبثٍ بعدها أخرج هاتفه ثم قام بتشغيل نغمة الرنين، تصنع هو الإجابة على الهاتف بقوله:
أيوا يا دكتورة نورين ؟.... لأ و لا يهمك صاحي طبعًا....إيه عاوزاني دلوقتي في المستشفى علشان حالة معاذ؟ .... لأ هاجي طبعًا، روحي حضرتك يا دكتور و أنا هبات هناك الليلة دي .... المدام عند والدتها .....خلاص مفيش مشاكل مسافة السكة و أكون عندك"
عند جملته الأخيرة سمع صوت الباب يُفتح من الداخل فابتسم بخبثٍ يلمع في مقلتيه ثم أعاد ثبات ملامح وجهه من جديد و هو يتجه نحو المصعد، فوجد «إيمان» خلفه تسأله بشرٍ:
رايح فين يا ياسر في نص الليل كدا يا حبيبي؟ إيه رايح تكمل صياعة ؟"
التفت لها ثم حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بنبرة غير مبالية:
نامي أنتِ متشغليش بالك، دكتورة نورين كلمتني علشان حالة معاذ و مستنياني هناك، هاجيلك الصبح عاوزة حاجة؟"
استشاطت غضبًا منه فخرجت تمسك كفه تسحبه خلفها بقوة و هو خلفها يحاول كتم ضحكته لكنه كان مسالمًا لها في سيره معها نحو الشقة و قبل أن يدلف الشقة معها أوقف قدميه ثم قال بحنقٍ زائف:
استني هنا بقولك رايح المستشفى، بتدخليني معاكي؟ مش هينفع هما مستنيني هناك"
التفتت له بضيق و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
مفيش بيات برة البيت، أنتَ هتبات معايا هنا و جنبي"
رد عليها هو بسخرية:
مش قولتيلي اروح اكمل صياعة برة، هروح بقى أشوف حالي و أصيع مع محلول و لا إزازة بنج تكون مضروبة"
صرخت في وجهه ثم دفعته للداخل و هي تغلق الباب بقدمها، بعدها التفتت تغلق الباب عدة مرات بالمفتاح ثم أحكمت المقبض الداخلي، التفتت من جديد تنظر له فوجدت نظرته خبيثة ممتزجة بتسليةٍ واضحة تضج من أعينه، فقال هو بمرحٍ:
كان لازم اشتغلك يعني و أقولك يعني أني هبات برة البيت علشان تفتحي الباب ؟ ستات متجيش غير بتشغيل الدماغ"
سألته هي باندهاش حقيقي:
تشغيل دماغ ؟! آه يا ابن ميرفت، قولي يا دكتور يا محترم كنت فين لحد دلوقتي و الساعة داخلة على اتنين كدا"
رد عليها هو باحراج حقيقي:
و الله العظيم كنا بننقذ موقف، واحد لو كنا سبناه كان شكله بقى وحش أوي"
أقتربت منه تمسك سترته الرياضية تتفحصها و هي تقول بسخرية:
شوف و أنا اللي ظنيت فيك ظن سوء ؟! بس هو عمل الخير دا يخليك تقلع البدلة اللي نزلت بيها و ترجعلي بـ تيشيرت ليفربول؟ خير كنتوا بتساعدوا محمد صلاح؟"
اقترب منها يقول بخبثٍ:
ما تسيبك بقى من محمد صلاح و الدوري الانجليزي كله و ركزي معايا كدا علشان وحشتيني و كنت ضايع من غيرك"
ردت عليه هي بحنقٍ:
أنتَ ضايع علطول أصلًا و بصراحة كدا مش عاوزة أعبرك"
شبك كفيه خلف ظهرها بعدما اقترب منها أكثر و هو يقول بمرحٍ:
طب مش عاوزة تعرفي أنا كنت فين؟ ولا عملت إيه و أنا بعيد عنك"
رغم الفضول البادي على ملامحها و الواضح في نظرتها إلا أنها حركت كتفيها ببساطة وهي تُجيبه:
لأ مش عاوزة أعرف حاجة عنك و ابعد عني يا ياسر علشان أنا زعلانة منك و الله"
أومأ لها موافقًا ثم اقترب منها يقبل رأسها بعدها سألها بهدوء:
زعلانة مني لسه؟"
أومأت له موافقة فوجدته يبتسم بهدوء ثم حملها فجأة كالطفل الصغير على ذراعيه و هو يقول بمرحٍ:
و أنا واد متربي و مقدرش أسيب إيمان زعلانة مني، هصالحك أنا"
ردت عليه بلامبالاة:
براحتك كدا كدا مش هتصالح زي كل مرة، أنا أصلًا أصلًا بقيت بكرهك خلاص"
_"و أنا بحبك و بتمنى بس عمري كله يكون معاكي قصاد عيونك هنا، و انجازي في الحياة هو إنك بقيتي مراتي يا إيمان"
قال حديثه ذلك بكل الحب و الحنان في نبرته مما جعل بسمتها تتسع و لكنها وأدتها بسرعة كبيرة ثم قالت له:
لو فاكر بكلامك دا إنك هتضحك عليا و أعديها زي كل و كلامك هيعجبني؟ ..... يبقى معاك حق برافو عليك علشان أنا بحبك أوي"
ضحك هو بقوة ثم قال بمرحٍ حتى يشاكسها:
و الله العظيم أنتِ عندك ربع ضايع و محتاج حد يلاقيه"
________________
عند كلًا من «خالد» و «عامر» وجد كلاهما زوجته نائمة دون إدراك لما يدور حولهم فمر يومهم بسلام بعدما غاص كلًا منهما في ثباتٍ عميق بجانب زوجته.
عند «ياسين» دخل الشقة بهدوء يبحث عنها بعينيه لكن دون جدوى، دخل غرفته يبحث عنها و لم يجدها و كرر الكرة من جديد في الشقة بأكملها و حينها ازداد قلقه حينما لاحظ الشقة خالية من وجودها، و فجأة تذكر الشرفة لذلك أسرع الخطى نحوها ثم وقف على اعتابها فوجدها توليه ظهرها و هي غافية، فتنهد بأريحية ثم جلس بجانبها دون أن يقترب منها فقط جلس يراقب سكونها و فجأة استند بكفيه على الأرضية الرخامية خلفه و هو يخرج صفيرًا متناغمًا ثم شرع في الغناء بسخرية:
دخل الحرامي و أنا نايمة شوف قلة أدبه ؟! و أنا نايمة.....قرب عليا و أنا نايمة ....شوف قلة أدبه ؟!...و أنا نايمة.... قرب عليا و أنا نايمة.... شوف قلة أدبه....و أنا نايمة.... خد مني بوسة و أنا نايمة شوف قلة أدبه ؟ و أنا عاملة نفسي نايمة..... و أنا عاملة نفسي نايمة ....و أنا عاملة نفسي نايمة"
حاولت هي كتم ضحكتها و نجحت أخيرًا في ذلك فوجدته يقول بصوتٍ مسموع لها و كأنه يحدث نفسه:
زي الملاك و هي نايمة بشعرها المفرود، طول عمري نفسي أتجوز علشان أشوف مراتي و هي نايمة كدا....بس الحلو مبيكملش للأسف...صوت شخيرها عالي أوي"
عند تلك الجملة انتفضت من نومتها تسأله بحنقٍ ممتزج بالدهشة:
مين دي اللي بتشخر يا كداب؟ دا أنتَ هتولع في النار بسبب كدبك دا"
سألها هو بدهشة زائفة:
إيه دا خديجة أنتِ صاحية؟ مأخدتش بالي خالص، افتكرتك نايمة يعيني"
زفرت بقوة في وجهه ثم عادت كما كانت من قبل فتنهد هو بقوة ثم مال عليها يقول بمرحٍ بعدما استند على مرفقه:
هتنامي دلوقتي يعني ؟ دا كله مستنياني و في الأخر تنامي و تسيبيني يا خديجة ؟"
ردت عليه هي بضيق منه:
أنا مكنتش مستنياك أصلًا، بس أنا نومي خفيف حسيت بـ باب الشقة و هو بيتفتح، لكن أنا نمت عادي يعني"
سألها هو بمشاكسة:
كدابة يا ست الكل علشان صوتك طبيعي و مفيهوش أثر نوم، و ملامحك عادية و شكلها طبيعي، بس و الله وحشتيني الشوية دول"
نظرت له نظرة خالية من المشاعر ثم أغلقت أهدابها، فوجدته يسألها بتعجبٍ:
أنتِ مش هتنامي ولا إيه الوقت اتأخر و دي مش عادتك"
ردت عليه بلامبالاة:
لأ أنا هنام هنا، الجو في البلكونة حلو"
رد عليها هو بضجرٍ منها:
أنتِ عبيطة يا ست الكل؟ بلكونة مين دي اللي تنامي فيها؟ قومي يا خديجة علشان ننام في اوضتنا"
ردت عليه هي بنفس النبرة الباردة:
مش عاوزة أنام فيها أنا حرة، نام أنتَ فيها يا حبيبي"
_"حبيبك ؟! ليه حاسسها ردح"
سألها هو بذلك ساخرًا منها فوجدها تزفر بقوة ثم التفتت أكثر حتى تمنع رؤيته لها، فوجدته يقول بنبرة حادة بعض الشيء:
هي بقت كدا يعني ؟! ماشي يا خديجة تصبحي على خير"
وقف هو بعد جملته تلك ثم خرج من الشرفة أما هي فنظرت في أثره بلامبالاة ثم غاصت في التفكير لا تدري إن كان سبب حزنها منه أو من تأخره حتى ذلك الوقت، أم أن رؤيتها لنسرين أفسدت يومها أم أن جيوش الذكريات الأليمة هجمت عليها شعرت بسخونة على إحدى وجنتيها دون أن تشعر كـ دليلًا على دموعها، مدت كفها تزيل تلك الدموع و فجأة وجدته يدخل الشرفة و في يده غطاء كبيرة و وسادة كبيرة أيضًا، و فجأة وجدته يلقي ما بيده في الأرض فاعتدلت جالسة تسأله بتعجبٍ:
أنتَ بتعمل إيه ؟ ما تنام جوة"
رد عليها بلامبالاة:
هنام هنا، و لا هو الجو الحلو دا ليكي أنتِ بس"
ردت عليه بحنقٍ:
بس أنا عاوزة أنام لوحدي هنا و مش عاوزة ازعاج"
رد عليها هو بسخرية:
ازعاج إيه هو أنا ماتور هنام جنبك و بعدين براحتي بلكونتي و شقتي أعمل اللي أنا عاوزه"
أومأ لها بحزن ثم أضافت:
صح دي شقتك...تصبح على خير أنا هروح أنام جوة علشان تعرف تاخد راحتك"
وقفت هي بهدوء و هو يراقبها و فجأة وجدته يمسك يدها بسرعة كبيرة ثم سحبها بقوة حتى أخفضها لمستواه و هو يقول بهدوء:
عرفيني مالك و إيه اللي مزعلك علشان مش أنا اللي هسيبك لزعلك يا خديجة، شكلك نسيتي مين ياسين"
ابتسمت هي بسخرية ثم ردت عليه تعاتبه:
و ياسين نسيني و معبرنيش، أنتَ عارف أني بخاف و أنا لوحدي و عارف أني مش بعرف أقعد من غيرك هنا و اللي زاد و غطا أن النور قطع....و اتصلت بيك كتير مردتش عليا، الساعتين اللي النور قطعهم أنا شوفت ساعتين رعب فيهم"
حينما عاتبته هي بذلك الحديث وجدته يأخذها بين ذراعيه ثم قال بأسفٍ:
و الله العظيم حقك عليا أنا، أنا مردتش عليكي علشان التليفون كان فـ العربية و الله و حوار النور دا أنا عمري ما اتخيلت إنه ممكن يحصل، أنا عارف إنك بتكرهي الضلمة و عارف إنك بتطمني علشان أنا موجود معاكي، بس أنتِ ما شاء الله، طالبة معاكي نكد من الصبح"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
مش عارفه عاوزة أعيط من الصبح و حاسة أني مخنوقة أوي ، بس غصب عني حاولت أخرج من دوامة الزعل دي معرفتش و لقيت نفسي بفتكر حاجات كتير وحشة و صعبة عليا"
تنهد هو بعمقٍ ثم عاد للخلف و هي بين ذراعيه ثم ربت على كتفه وهو يقول بهدوء:
علشان أنتِ استسلمتي لزعلك يا خديجة و خلتيه يتحكم فيكي، كان المفروض تحمدي ربنا و تشوفي كنا فين و بقينا فين المفروض الخوف دا ميعرفش طريقك"
ردت عليه هي بسرعة:
الخوف مش بيسأذن يا ياسين، الخوف بيهجم ورا واحدة، أسألني أنا عيشت عمري كله في خوف من كل حاجة، كان صعب عليا أوي دا أنا كل ما افتكر أني عديت بكل دا بحس أني عاوزة أعيط من تاني"
شدد هو ضمته لها ثم رفع الغطاء يدثرها جيدًا قم قال بانهاكٍ واضح:
لا نعيط من تاني ولا من الأول ولا نعيط أصلًا، احنا ننام دلوقتي في البلكونة و بكرة نعيط على الآلام و الجراح....و مش بس كدا و على اللي عدىٰ و اللي راح"
ابتسمت هي بخفوت على طريقته الساخرة التي يتحدث بها فوجدتها يميل على أذنها يقول هامسًا:
أيوا كدا اضحكي و نوري حياتي بوجودك فيها علشان الغلابة اللي زيي مش عاوزين غير ضحكة منك و من عيونك"
رفعت رأسها تطالعه بتعجبٍ فوجدته يقترب منها هو الآخر ثم طبع قبلة هادئة على وجنتها، فابتسمت هي بخجلٍ منه فسمعته يقول بمرحٍ:
شوفتي شكلك حلو إزاي و أنتِ مبتسمة و بتضحكي؟ ربنا ميحرمناش من الضحكة الحلوة دي أبدًا"
اتسعت بسمتها أكثر ثم تمسكت به بقوة تود الإلتصاق به أكثر حتى تنعم بذلك الأمان و تلك الراحة، هي من عاشت طوال حياتها تتمنى قيد أنملة حنان فاكرمها الله بذراع كامل من الطمأنينة.
________________
كانت «هدير» تركض داخل غرفة معتمة لا ترى بها شيئًا و كلما اقتربت من بداية الغرفة وجدت نفسها في نهايتها من جديد و الأعاصيف تلعب بها و كأنها ورقة في مهب الريح سقطت في البدايات الخريفية حتى دهستها الأقدام بعدما ذَبلت و كسر عرقها، فجأة وجدت حائط كبير أوشك على السقوط عليها و حينما حاولت الصراخ كان دون فائدة فحتى صوتها خذلها هو الأخر وقبل أن يسقط الجدار عليها وجدته هو يمسكه بيده وباليد الأخرى يدفعها بعيدًا عن الجدار و قبل أن تنظر له وجدته يركض نحوها يأخذها بعيدًا قبل سقوط الجدار عليهما و لكن ما حدث كان مفاجأةٍ كبرى حينما رفعت كفها تدفعه بعيدًا فسقط الكوب الزجاجي الموضوع بجانب فراشها نتيجة ذراعها الممدود الذي يلوح في الفراغ، استيقظ «حسن» من نومه نتيجةً لصوت الزجاج و سرعان ما أدرك الوضع فركض إلى الفراش نحوها وجدها تحرك رأسها في عدة جهات و جبينها متعرق بشدة و هي تحاول جاهدة التحدث، نظر لها بشفقة ثم أمسك المياه الموضوعة بجانب الفراش ثم نثر منها على وجهها وهو يربت عليه قائلًا بهدوء:
فوقي يا هدير دا كابوس مش أكتر.... فوقي و قومي شوفي نفسك إنك كويسة"
فتحت أعينها بسرعة كبيرة و كأنه هو طوق النجاة في تلك اللحظة كما هو دائمًا لها، فهبت منتفضة على الفراش تنظر حولها حتى وجدته بجانبها ينظر لها بترقبٍ و حينما أدركت سلامته ارتمت بين ذراعيه و كأنها تود التأكد من وجوده بجابنها، سرت قشعريرة مثل الكهرباء في جسده نتيجة اقترابها منه و هو عاري الجزء العلوي، لكنه رفع ذراعيه يحتضنها بقوة لا يريد منها مفارقته هو فقط يريدها بجواره هنا كما هي، أما هي فتنهدت بعمقٍ و حينما وجدته يحتضنها بين ذراعيه أدركت فعلتها فشعرت بالحرج منه و من وجودها بجانبه و هو عاري الجسد و هي بدون حجاب منذ أول ليلة معه ؟! هكذا كانت تفكر و فجأة ابتعدت عنه بسرعة كبيرة من المفترض تثير ريبته لكنه أدرك شعورها في تلك اللحظة، لذلك التفت يسألها باهتمام كبير:
أنتِ كويسة دلوقتي؟ حاسة إنك أحسن يعني، محتاجة حاجة أجبها ليكي"
حركت رأسها نفيًا بهدوء فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم أرجع رأسه للخلف ناظرًا في الفراغ و هو يقول بوجعٍ حقيقي بعدما ابتلع تلك الغصة القوية في حلقه:
أنا عارف أنتِ شوفتي إيه، و عارف كمان حاسة بإيه.... أصل أنا زيك يا هدير....كنت عيل صغير عندي ٦ سنين و أبويا مات في الامارات و ماكنتش فاهم حاجة غير أني مش هعرف أشوفه تاني....و كنت زعلان أني مش فاهم..... رجعنا مصر تاني و عيشت مع أمي و حنان أختي لحد ما بقيت ١٨ سنة، كنت متعلق بيها أوي كانت كل حياتي و دنيتي عمري كله كانت هي بس، بس الحياة استكترتها عليا
و رجعت من برة في مرة و كنت طلبت منها الأكلة اللي بحبها الصبح بس للأسف لقيت الأكلة.... و هي ملقتهاش....ضاعت مني و أنا ساعتها كنت بتمنى أكون مش فاهم إن اللي في الكفن دي أمي، ساعتها معيطش و متأثرتش و مسكت نفسي علشان الناس قالولي أنتَ راجل....خلي بالك من أختك.... طب أختي عمالة تعيط و تصوت...صحيح هي أكبر مني بكتير بس هي بتعيط، أنا عاوز أعيط زيها هعيط إمتى؟ و ركنت عياطي عليها لحد ما فاض بيا و بعدها بشهر مع أول إحساس صعب قابلني انفجرت في العياط زي المجنون.....صحيح كان عياط متأخر بس ريحني....من ساعتها وأنا مش براكم العياط، آه عيشت حياتي كلها نفسي في حضن و نفسي حد يمسح الدموع دي بس أحسن ما تفضل جوايا.....يمكن في حزني مكنتش عاوز غير إيد حنينة و اللي زيي اتحرم من الحنية مرتين و لما افتكر إن التالتة دي هي العوض، طلعت كاس مليان قسوة، فرجع قلبي تاني يدور على إيد تمسح دموعه"
كان يتحدث بنبرةٍ متألمة مهتزة نتيجة بكاءه و تذكره لما حدث له فوجدها تمد أناملها المرتعشة ثم مسحت دموعه بها، زُهل هو من فعلتها تلك فحرك رأسه ينظر لها باندهاش فوجد نظرتها متأثرة لحزنه و الدموع متحجرة في أعينها فوجدته يزفر بقوة ثم قال بنبرةٍ متحشرجة:
عيطي...عيطي يا هدير و متعمليش زيي علشان العياط المتأخر بيوجع أوي....خليكي أنتِ أنصح من حسن"
بعد حديثه ذلك انهمرت الدموع على وجنتيها كما لو أنها شلالات ضخمة كانت متوقفة بسبب السدود المنيعة التي تحطمت مع أول سيل من الأمطار، كان البكاء صامت دون أنين أو شهقات و لكن على الأقل هي تبكي، فجأة وجدته يمد يده ثم مسح دموعها المنهمرة فوجدها تزداد في الانهمار لذلك احتضنها فجأة يربت على ظهرها و هي تبكي بقوة دون صوت أما هو فكأن دموعها عدوى أصابته لذلك وجد دموعه تفر من أعينه بقوة، فنزل بجسده على الفراش يتشبث بها فوجدها هي الأخرى تتمسك به مع ازدياد بكاءها بقوة و كلًا منهما يريد مؤازرة الأخر في محنته.
________________
في بيت آلـ الرشيد جلس «وليد» على سطح البيت بمفرده يفكر في اليوم و جلوسه مع أصدقاء «ياسين» و تلك الحياة التي ود أن يعيشها مرةً واحدة، لكن كل مرة كانت تنتهي بالخذلان، أما هو حاليًا يفكر هل حقًا سيستطع التقرب منهم و الوثوق بهم أما أن خوفه سيمنعه من جديد، فجأة ابتسم باتساع ثم قال بعدما رفع رأسه للسماء:
تعالي يا سوبيا إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي يا شابة"
اقتربت منه تقول بمشاكسة:
معرفتش أنام و أنتَ برة البيت و بصراحة مكنتش ناوية أطلع تاني و كنت هقلب عليك شوية حلوين علشان تبطل هزارك دا، بس مهنتش على قلبي يعمل فيك اللي أنتَ بتعمله فيا"
طالعها هو بأسفٍ يعتذر لها عن ما بدر منه فوجدها تجلس بجانبه و هي تقول بنبرةٍ معاتبة:
فيه حد قالي مرة إن إحنا اتخلقنا بشر علشان نتعافى ببعض و علشان الحياة لو صعبة وجودنا مع بعض يخليها أسهل، أنتَ مش عاوز تثق فيا براحتك، لكن أنا واثقة فيك و عارفة إن اللي معاه زيك كسبان كتير أوي، و الله أنتَ كتير على أي حد أصلًا"
تنفس هو بعمقٍ ثم رد عليها بنبرةٍ بها لمحة حزن:
أنا عارف أني تعبتك معايا و عارف إن اللي زيي صعب التعامل معاه و عارف إن طاقتك مش حمل تعب أعصاب كل شوية، بس خلاص"
سألته هي بقلقٍ واضح في نبرتها:
خلاص ؟؟! يعني إيه خلاص يا وليد"
نظر لها بهدوء ثم أجابها:
حرام عليا أعيشك في رعب التفكير كل شوية يا عبلة، بخوفك مني و من أني أسيبك و من أني كنت مدمن لازم كل دا يتغير علشان أعرف أعيش حياتي الطبيعية"
سألته متشدقة بنفس القلق:
أيوا و إيه اللي هيحصل يعني"
زفر بقوة ثم رد عليها بعدما رفع رأسه للسماء يطالعها:
أنا هروح اتعالج عند هناء ، اللي زيي مريض نفسي و لازم يحل مشكلته"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شمس بكري
ما هي الحياة بدونك؟... يا من تُحييني نظرة عيونك...
________________
نحن أناسٌ جميعنا تعرضنا للرفض، فهناك من رفضه حب حياته و هناك من رفضه حلمه و هناك من رفضته عائلته و هناك من رفضه صديقه، جميعنا بلا شك خُذلنا من قِبل الآخرين، لكن السؤال هنا:
هل الرفض سيظل قرينًا لنا...أم أن الحياة ستفاجئنا بقبولٍ يُزهرنا من جديد ؟!.
أنا هروح اتعالج عند هناء ، اللي زيي مريض نفسي و لازم يحل مشكلته"
تفوه «وليد» بذلك الحديث بعدما زفر بقوة يخرج ما يُجيش به صدره أما هي فنظرت له نظرةً حائرة لا تدري بماذا ترد عليه؟ شخصٌ مثله لن تجد ما يجدي معه نفعًا، لذلك آثرت الصمت فوجدته يلتفت برأسه يسألها مستفسرًا بنبرةٍ شبه حادة:
إيه يعني مسمعتش رد منك، سكتي ليه يا عبلة؟"
زفرت هي بقوة ثم ردت عليه بهدوءٍ يشوبه حنقٍ طفيف:
علشان أنا احترت و تعبت يا وليد...بخاف أتكلم قصادك"
التفت بِـ كامل جسده لها يسألها مُتعجبًا من حديثها:
يعني إيه؟ تقصدي إيه يا عبلة مش فاهمك؟ بتخافي ازاي"
حسنًا ستجيبه بما تفكر به تجاهه لذلك حسمت أمرها ثم قالت بنبرةٍ جامدة:
أنا تعبت يا وليد... فكرة إنك مش عارف تأمن على نفسك معايا تعباني و فكرة إنك بتختبر حبي كل شوية دي صعبة عليا، أنتَ لسه من مفيش كنت بتختبر حبي ليك و قارنتني بواحدة قليلة الأصل و متكلمتش، دلوقتي كلامك دا عاوز اجابتين بسببك برضه"
قطب جبينه يسألها بنبرةٍ يشوبها بعض التهكم:
إيه هما الاجابتين؟ و بسببي ليه"
ردت عليه هي بهدوء بعدما زفرت بقوة:
علشان كل مرة تفهم الكلام غلط، لو قولتلك برافو روح اتعالج هتقولي يعني أنتِ شايفاني مريض و محتاج اتعالج و مش قبلاني زي ما أنا؟....و لو قولتلك لأ متروحش هتقولي خايفة الناس يقولوا عليا مجنون؟ و برضه أنا اللي هبقى غلطانة"
نظر لها بغير تصديق و هو يتحدث متشدقًا بتهكمٍ:
ياه !! أنا ضاغط على أعصابك أوي كدا يا عبلة ؟ طب مستحملة ليه ؟ ما تسيبيني"
ابتسمت هي بسخرية ثم أجابته بنبرةٍ شبه مستهزقةً من حالها:
ياريت كان ينفع أسيبك، بس القلب اتكتب عليه يدوق الحيرة معاك زي ما برضه عرف الحب معاك، أنا قبلاك زي ما أنتَ و زي ما تحب نفسك، شوف أنتَ عاوز إيه و أنا معاك فيه"
تنفس الصعداء ثم رفع رأسه للسماء يمعن النظر بها و هي تنظر له بترقبٍ، و بعد ثوانٍ قليلة أنزل رأسه للأسفل ثم قال دون أن يحرك رأسه ينظر لها:
أنا قررت هروح اتعالج علشان أعرف أكمل حياتي من غير قلق، و أسف على تعب أعصابك كل شوية دا....بس أنا مبحبش حد يعاني بسببي، علشان كدا هبعد فترة عنك لحد ما اتظبط شوية و ساعتها أنا بنفسي هصلح كل حاجة"
لا تدري هل لو مدت ذراعيها و قامت بشنقه سيفيدها ذلك بشيء ؟! أم تمسك تلك الزجاجة المعدنية تضربه بها ؟ ذلك البارد متبلد المشاعر، هكذا كانت تفكر بعد حديثه وقبل أن تتخذ رد فعل سمعته يقول و لازال كما هو يتجاهل نظراتها:
انزلي نامي يا عبلة الوقت اتأخر، و مش عاوزك تطلعي ليا هنا تاني، و أنا هبقى أكلمك"
وقفت هي متأهبةً و قبل أن تخطو خطوةً واحدة أشهرت سُبابتها في وجهه تقول بنبرةٍ حادة:
أسمع يا وليد علشان أنا خلقي بقى ضيق، براحتك في اللي أنتَ عاوزه بس ياريت فعلًا تبعد عني زي ما بتقول علشان أفوق لنفسي ، أنا مش ازازة عصير بتخليها معاك احتياطي في المشوار"
قالت حديثها ثم ركضت من أمامه تضرب الأرض بقدميها حانقةً عليه و على أفعاله أما هو فأرجع رأسه للخلف يتنهد بعمقٍ لا يدري هل ما تحدث به صحيح أم لا، لكنه يعلم أنها مُحقة فيما تشعر به، فهو لم يتوان في الضغط على أعصابها لذلك يرى نفسه مُحقًا في خطوة علاجه النفسي حتى يسطتع الوثوق بالآخرين و تقبل ذاته دون تقليلٍ منها.
زفر بقوة ثم ارتمى بكامل جسده على الأريكة لعل جسده يرتاح قليلًا و لازال عقله و قلبه يتفقان على قراره معًا و كانت هذه هي المرة الأولى منذ أمدٍ بعيد أن يتفق كلاهما مع الآخر.
____________________
مر ذلك اليوم بما فيه من كل الأحداث حتى أتى صباح اليوم التالي على الجميع، بعد انهاكٍ واضح في الأمس، استيقظت «خديجة» على صوت رنين هاتفه بعدما قام بضبط منبهه، فتحت عينيها على مضضٍ بقدر ما سمح لها ضوء الشمس النافذ من الزجاج الخارجي للشرفة، فوجدت نفسها بين ذراعيه و هو يخفيها كأنها طفلة صغيرة، ابتسمت بهدوء ثم أيقظته بنبرةٍ هادئة متحشرجة:
ياسين....ياسين يلا علشان الشغل....يــاســيـن"
صرخت بكلمتها الأخيرة حتى يستقظ بعدما فشلت في ذلك بنبرتها الهادئة مما جعله ينتفض قائلًا بفزعٍ:
إيـــه على الصــبح....عامر ولع فينا !!"
ابتسمت على رد فعله و هي تحاول جاهدةً وأد تلك البسمة فوجدته يرتمي من جديد على الأرض الرخامية و هو يزفر بقوة واضعًا كفه على وجهه فوجدها تقول بمرحٍ:
على فكرة صحيتك بالأدب منفعش، مكانش فيه قدامي غير قلة الأدب"
ابتسم هو بسخرية ثم اعتدل جالسًا يقول متهكمًا:
يعيني عليكي يا ضنايا...هي دي قلة الأدب عندك ؟ دا أنتِ على نياتك خالص، بس لما أرجع هقولك أنا"
قطبت جبينها متعجبةً منه فسألته بنفس التعجب البادي على ملامحها:
هتقولي ؟! هتقولي على إيه"
غمز لها بعدما ارتسم الخبث على ملامح وجهه ثم أضاف:
هقولك على قلة الأدب بس لما أرجع من الشغل"
شهقت بقوة ثم ضربته في كتفه تزامنًا مع قولها الحانق:
قليل الأدب و مش متربي و الله العظيم، فين أهلك علشان يشوفوا الأستاذ ابنهم"
رد عليها هو بمرحٍ يشوبه بعض التعالِ:
طب دا أنا كل الناس بتسأل على قاموس التربية بتاعي، إنتِ إيه عرفك أنتِ"
ظلت تستغفر ربها في سرها و هو ينظر لها بتسليةٍ واضحة في عينيه، فوجدها تنظر له وهي تقول بنبرةٍ مرحة كأنها تعامل طفلًا صغيرًا:
طب يا حبيبي يلا قوم روح شغلك كدا هتتأخر...يلا يا ياسين ربنا يهديك على الصبح"
ابتسم هو باتساع حينما وجدها تهدهده كما الطفل الصغير ثم هَبَ واقفًا و هو يقول بنبرةٍ عادية:
أنا أصلًا همشي علشان هوصل ياسر في سكتي"
سألته هي بتعجبٍ:
هتوصل ياسر إزاي ؟ مش هو بيروح مواصلات ؟"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف وهو يفرد ذراعيه و يحرك رأسه في عدة جهات:
آه ماهو علشان كدا أنا هاخد ياسر في سكتي و خالد الله يعينه هياخد عامر"
أومأت له في هدوء ثم وقفت هي الأخرى تحمل الأشياء من على الأرض الرخامية فوجدته يقول بسخرية:
بس حلو نوم البورش دا، أبقي فكرينا نكررها تاني كنوع من أنواع جلد الذات يعني"
حركت كتفيها ببساطة حينما أدركت مقصد حديثه ثم قالت بنبرةٍ باردة:
براحتك...أنا مضربتكش على إيدك أنتَ اللي جيت نمت جنبي مش مشكلتي"
غمز هو لها و رافق غمزته تلك قوله المرح يشوبه بعض العاطفة:
أنا معاك إنشالله لو في السجن يا عسل، قولتهالك قبل كدا السجن في وجودك بَراح يا خديجة"
ابتسمت هي باتساع له بسمةً مشرقة جعلته يطيل النظر لها و هي تقوم بحمل الأشياء على ذراعيها و حينما وجهت بصرها نحوه وجدته يقول باحراجٍ:
إحم....طب....طب هلبس أنا بقى علشان متأخرش و علشان ياسر كمان ميتأخرش"
أومأت له مبتسمة و هي تراقب انسحابه من أمامها، فتبعته هي و خرجت من الشرفة حتى تقوم بوضع تلك الأشياء في الغرفة، و بعد مرور دقائق كانت تقف في المطبخ تعد وجبة الإفطار فخرج هو من الداخل بعدما ارتدى ثيابه دخل المطبخ لها جلس على الطاولة، تناولا فطورهما في صمت و فجأة صدح صوت هاتفه برقم صديقه فوقف هو يقول بنبرةٍ متعجلة:
طب هنزل أنا بقى علشان ياسر بيرن، عاوزة مني حاجة"
حركت رأسها نفيًا له ثم قالت بنبرةٍ ظهرت بها العاطفة:
عاوزة سلامتك و عاوزاك كويس علطول"
أومأ لها موافقًا قال بهدوء:
أنا هعدي على ماما النهاردة يعني ممكن أتأخر شوية، اجهزي أنتِ لحد ما أجي علشان هرن تنزليلي علطول"
قطبت جبينها متعجبةً من حديثه تزامنًا مع تحريك رأسها مستفسرةً فوجدته يتنهد ثم أضاف قائلًا:
هروح اشوفهم علشان وحشوني و لو خدتك معايا مش هيسبونا نرجع، و بصراحة أنا عاوزك في مشوار مهم"
سألته هي بحماس:
مشوار !! مشوار إيه قول بسرعة علشان خاطري"
ابتسم لها باستفزاز ثم أضاف:
ملكيش دعوة، أسمعي الكلام و أنتِ ساكتة بقى"
حركت كتفيها و هي تقول باستفزازٍ هي الأخرى:
خلاص مش هاجي، كدا كدا هنام بدري علشان مش بحب السهر"
ضحك هو بسخريةٍ ثم أضاف قائلًا:
آه طبعًا ما أنا عارف، هتنامي زي امبارح كدا"
نظرت له باستفسار فوجدته يضحك باتساع و هو يراقص جزعه العلوي تزامنًا مع غناءه:
و أنا عاملة نفسي نايمة....و أنا عاملة نفسي نايمة....و أنا عاملة نفسي نايمة"
خرج من أمامها ولا زال كما هو يغني و هو يراقص جزعه العلوي لها بطريقةٍ مُضحكة جعلت ضحكتها ترتفع على تصرفاته المرحة.
_______________
في شقة «ياسر» تجهز هو و وضع محتوياته في الحقيبة فوجد «إيمان» تركض من الداخل وهي تقول بصوتٍ عالٍ:
أستنى ياض يا ياسر، متنزلش"
التفت ينظر لها مُتعجبًا فوجدها تقترب منه و البسمة العذبة تزين وجهها وهي تقول بمرحٍ:
أنا صحيت الصبح عملتلك السندوتشات دي تخليها معاك علشان أنتَ مش بتعرف تاكل في المستشفى، بدل ما تفضل مجوع نفسك لحد ما ترجع"
تبدلت نظرته إلى الحنان و هو يطالعها بحبٍ بالغ فوجدها تقول بهدوء قلما تتسم هي به:
أنا عرفت إنك مش بتاكل هناك من مامتك قالتلي كدا و أنا بطمن عليها، علشان كدا قولت أكيد هتاكل من ايدي أنا...ها ؟"
اقترب منها هو ثم طبع قبلة هادئة على جبهتها ثم قال بعدما زفر بقوة:
علشان كدا مش بحب أزعلك مني، أنا شايف فيكي دنيتي كلها و علطول حاسس إنك بنتي يا إيمان و في نفس الوقت خوفك عليا بيحسسني أني مطمن...شكرًا"
أمسكت تلابيب قميصه تقول بحنقٍ زائف:
أخرتها شكرًا ؟! مفيش حضن و لا بوسة حتى ؟ مفيش رومانسية خالص كدا، دا إيه دا"
ابتسم هو على طريقتها ثم أخذها بين ذراعيه بحنانٍ بالغ و هو يقول بمرحٍ:
احنا آسفين لحضرتك يا أستاذة إيمان، حلو كدا؟ بس يدوبك اتحرك علشان ياسين رن عليا"
ابتعدت هي عنه ثم أومأت له بهدوء فوجدته يقبل رأسها ثم لوح لها و هو يقول بهدوء:
أشوفك بليل، لا إله إلا الله"
تنهدت هي بعمقٍ ثم أضافت:
سيدنا محمد رسول الله، ترجعلي بالسلامة"
خرج هو من الشقة ثم نزل لصديقه فوجده ينتظره أمام بنايته، ركب السيارة بجانبه و هو يقول بمرحٍ:
صباح الخير يا هندسة"
_"صباح النور يا دكترة"
تفوه بها «ياسين» بنفس المرح الذي تحدث به صديقه، ثم حرك مقود السيارة و هو يسأله بنبرةٍ يشوبها بعض المرح:
شكل ليلتك عدت على خير و متنكدش عليك امبارح"
ابتسم «ياسر» باتساع ثم قال بفخرٍ:
الحمد لله قدر و لطف، صحيح كان هيبقى فيها بيات على السلم بس جت سليمة"
رد عليه «ياسين» بحنقٍ زائف:
يعني إيه تنام على السلم ؟ ليه و بيت أخوك فين؟ انشف كدا يا ياسر و خليك جامد، و تنام في شقتك براحتك مكان ما أنتَ عاوز مش مكان ما هي موجودة"
فور انتهاء جملته صدح صوت هاتفه برقمها، فقام بالضغط على زر الإيجاب و لكن الهاتف كان موضوعًا أمامه على تابلوه السيارة و الصوت عاليًا فقال هو بهدوء:
أيوا يا خديجة، فيه حاجة ولا إيه"
ردت عليه هي باستفسار:
آه كنت هسألك على حاجة، امبارح لما أنتَ نمت في البلكونة أنا كنت سايبة الازاز مفتوح حاجة بسيطة، دلوقتي ببص لقيته مقفول خالص، أنتَ اللي قفلته بليل؟"
اتسعت حدقتيه بقوة أما «ياسر» فـ علت ضحكته عاليًا و لم يستطع التحكم بها، فسألته هي بنبرةٍ متعجبة:
إيه روحت فين؟ و مين اللي بيضحك كدا"
رد عليها هو بضيق:
أنا معاكي ياختي هكون روحت فين يعني؟ آه يا خديجة أنا اللي قفلته بليل، روحي الله يسترك زي ما أنتِ ستراني كدا"
اغلق المكالمة معها دون انتظار الرد منها، ثم التفت ينظر لصديقه الذي يحاول جاهدًا كتم ضحكته، لذلك قال هو بضجرٍ:
ما خلاص يا عم ياسر، إيه أنتَ مش متجوز ولا إيه، دا بيتها هي، يعني تعمل اللي هي عاوزاه...اعتبر نفسك فيه ضيف"
أومأ له «ياسر» بسخرية ثم ربت على كتفه وهو يقول بنبرة ضاحكة:
طبعًا يا حبيبي من غير ما تقول، تعيش و تقفل شبابيك يا رب"
تبدلت نظرة «ياسين» إلى المرح ثم ضحك بقوة و صديقه يشاركه الضحك هو الآخر.
__________________
في شقة «خالد» تجهز هو فوجد «ريهام» تسأله باصرار:
ايوا أنتَ كنت فين لحد بليل كدا و راجع واخد برد في عضمك و أنتَ جسمك مش بيستحمل"
قلب عينيه بمللٍ ثم قال بهدوء يشوبه بعض الضيق:
خلاص يا ريهام قولتلك كنت مع العيال امبارح و رجعنا متأخر، هو تحقيق يعني ؟ و بعدين خليكم بعيد عني علشان متاخدوش العدوى مني، مش ناقصة هي"
زفرت بضيق ثم قالت له بلامبالاة:
أنتَ حر خليك كدا ترد عليا ببرود و ساعات متردش خالص، و تيجي تقولي أنتِ بتزعلي ليه، أنا خايفة عليك و أنتَ بتتبارد عليا"
تنهد هو بقلة حيلة ثم قال بهدوء:
أنا نازل دلوقتي علشان متأخرش أكتر من كدا، لما أرجع بليل هقولك كنت فين ماشي ؟ سلام و بوسيلي يونس لما يصحى"
قال جملته ثم انسحب من أمامها بعدما حمل محتوياته في حقيبة ظهره، أما هي فنظرت في أثره بقلة حيلة ثم دخلت عند «يونس».
في شقة «عامر» وقف هو بجوار زوجته و هو يقول معتذرًا:
خلاص بقى خلي قلبك أبيض بقى، إيه يعني نمتي من غير عشا و استنتيني أربع ساعات؟ بتحصل يا سارة"
التفتت له تقول بنبرةٍ حانقة:
بطل روقانك اللي يعصب دا؟ و بعدين بقولك كنت فين تقول ماتش كورة مهم جدًا، هتشلني يا عامر و الله"
رد عليها هو بلامبالاة:
أشلك إزاي بس دا أنتِ حبيبتي و الله، بس أنا هعوضك متزعليش"
سألته هي بسخرية:
هتعوضني إزاي بقى؟ أحسن يكون عندك دوري ابطال المنطقة ولا حاجة"
اقترب منها يقول بخبثٍ:
ما تسيبك من الأبطال اللي في المنطقة و خليكي مع البطل اللي هنا، دا واد حوار بيهزم الأشرار"
تنهدت هي بقلة حيلة ثم ابتسمت له وهي تقول:
نعم ؟! عاوز إيه"
ابتسم هو لها باتساع ثم قال:
مش عاوز حاجة غير إن عيونك تضحك و أنا هبقى مَرضيّ كدا، سلام علشان خالد مستني تحت و أنا بصراحة خايف منه أصلًا"
ردت عليه هي بسخرية:
من إمتى و أنتَ مش خايف منه؟ طول عمركم قط و فار"
أخذ زجاجة المياه الموضوعة أمامه و هو يقول متعجلًا:
طب سلام بقى بدل ما أنزل الاقيه ماسكلي بندقية و بيجري ورايا.
في الأسفل وقف «خالد» بسيارته أسفل بناية «عامر» فوجده يركض له من المصعد مثل الطفل الصغير الذي يهرول بعد انتهاء اليوم الدراسي، حرك رأسه نفيًا بيأس بمعنى لا فائدة منه، فوجده يفتح الباب الباب الخلفي للسيارة، فخرج له من النافذة يقول بحنقٍ:
أطلع يا ابن***** اقعد جنبي علشان أنا مش السواق بتاع أهلك"
زفر «عامر» بقوة ثم تحرك بهدوء يفتح الباب الخاص بالمقعد المجاور لمقعد «خالد» و بعدما جلس عليه وجده يقول بحنقٍ:
ما تلم نفسك بقى هو أنتَ ورايا ورايا؟ كل مصيبة تقع على راسي سببها زفت الطين عامر"
رد عليه «عامر» بضجرٍ:
هو أنا ابن مرات أبوك يا عم، طالما مش طايقني مصاحبني ليه؟ ما تسبني في حالي"
رد عليه «خالد» بقلة حيلة:
ماهو أنا مهزق و بحبك، صحيح قربت أموت بسببك بس من غيرك حياتي مملة، شوفتي وكستي معاك بقى"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
روح ربنا يطولك في عمري و يزيد وكستك كمان و كمان يا رب"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
مفيش فايدة فـ أهلك، يلا علشان نلحق نمشي"
قال جملته ثم حرك السيارة حتى يذهبان إلى عملهما، و فجأة ارتفع صوت «عامر» قائلًا:
وقف بسرعة يا خالد...بسرعة بس"
أوقف الأخر السيارة متعجبًا فوجد صديقه يقول بمرحٍ:
قولي بقى تشرب عصير و لا بيبسي ؟!"
قدم «خالد» جسده للأمام حتى يرى سبب توقفه بتلك الطريقة و حينما لمح كشك بقالة صغير أدرك حديث صديقه لذلك عاد للخلف من جديد يقول بهدوء بث الرعب في قلب «عامر»:
من دمك....أنا عاوز أشرب من دمك علشان أرتاح"
_"برضه مقولتليش عاوز عصير و لا بيبسي ؟"
قالها «عامر» بلامبالاة جعلت «خالد» يضع كفيه على رأسه بقلة حيلة جعلت «عامر» يحرك كتفيه ثم نزل من السيارة حتى يجلب مشتريات له و لصديقه و بعد دقائق دخل السيارة بمنتهى الحماس و في يده حقيبة كبيرة جعلت «خالد» ينظر له باستنكار متعجبًا منه أما هو قال بمرحٍ:
لقيت عنده البسكوت اللي بحبه فكرني و احنا راجعين أجيب كرتونه علشان مش بلاقيه كتير"
رد عليه «خالد» منفعلًا بضجرٍ:
يــا بــنــي هتموتني...حرام على أهلك كلهم، هو أنا رايح أوصلك للحضانة؟ دا أنا رايح أوصل مدير شركة من أكبر الشركات السياحية في مصر، داخل عليهم بشنطة فيها لمبادا و هوهوز ؟! ما تجيب لوليتا بالمرة"
_"و الله سألته قالي مفيش بس هتيجي بليل، ابقى فكرني أجيبها بليل مع البسكوت"
قالها «عامر» بمنتهى البساطة و كأنه يخبره عن دواء، أما «خالد» فألقى بجسده للأمام يضرب رأسه في مقود السيارة نتيجة افعال صديقه.
________________
في بيت آلـ «الرشيد» بعدما قضىٰ «وليد» ليلته حائرًا حتى زاره النوم عند شروق الشمس، استيقظ هو بهدوء ثم نزل من السطح توجه إلى شقته، فوجد والده ينتظره في شقتهم، دخل هو ثم القى تحية الصباح عليه بقوله:
صباح الخير يا بابا، مروحتش الشغل ليه"
رد عليه «مرتضى» بهدوء مُردفًا:
أنا و طه رايحين نجيب حاجات تبع الشغل، و محمد خد محمود و نزله علشان يغير جو شوية"
أومأ له ثم التفت حتى يدخل غرفته فسمع صوت والده يقول:
طارق و وئام و أحمد مشيوا من غيرك بيقولولك روح المطبعة أنتَ علشان حسن مش هينزل دلوقتي"
أومأ له ثم سأله و كأنه تذكر لتوه:
هو وئام مشي و ساب هدى إزاي؟"
أجابه «مرتضى» بعدما نظر في ساعة يده:
الستات كلهم معاها و البنات كمان، يدوبك هنزل أنا علشان طه مستني، سلام"
أومأ له وهو يتابع انسحابه من أمامه، أما هو فدخل غرفته ثم تحمم و بعدها ارتدى ثيابه و هي عبارة عن قميص من اللون الزيتي و بنطال من اللون البيج و حذاء رياضي باللون الأبيض و كان في غاية وسامته، بعدها تنهد بعمقٍ ثم حسم الأمر فيما يريد.
في شقة «محمود» في الأسفل تحدثت «زينب» تقول بمرحٍ طفيف:
كلي بقى يا هدى علشان وئام محلفنا كلنا عليكي، حجتك كانت هدير و طمناكي عليها خلاص"
أومأت لها ثم أضافت تقول بحماسٍ:
الحمد لله يا طنط زينب قلبي أطمن لما شوفتها امبارح، أنا قلبي مطمن عليها مع حسن دا، حسيت ان عينها مش فيها خوف"
أضافت «جميلة» تقول بنبرةٍ يشوبها بعض الحزن:
أنا واثقة فيه علشان كل رجالة العيلة واثقين فيه و دي حاجة حلوة، طارق و وئام و وليد واثقين في حسن أوي"
تدخلت «سهير» تقول بهدوء:
حسن ابن حلال و احنا مربينه معانا هنا، زي ما ربينا ولادنا و مروة طول عمرها تعامله زي ما بتعامل وئام"
أومأ الجميع بموافقة، عدا «عبلة» التي جلست على مقعد منزوي عنهن و ملامح وجهها حزينة بشدة تفكر فيما تفوه هو به بالأمس، و فجأة طرق باب الشقة بواسطته، فقامت «مروة» تفتح الباب و حينما وجدته أمامها قالت بنبرةٍ سريعة:
كنت فين يا وليد، فضلت مستنياك امبارح و منزلتش، قلقتني عليك"
حينما سمعت ذكر اسمه تحركت تلقائيًا من على المقعد و قبل أن تقوم من على المقعد عادت تجلس عليه من جديد، أما هو فقال بهدوء:
نمت فوق السطح يا ماما مقدرتش أنزل، المهم أنا جاي أتطمن عليكم علشان رايح مشوار تبع الشغل و هتأخر فيه"
ربتت هي على كتفه ثم قالت بمرحٍ:
طب تعالى ادخل سلم عليهم، دي عبلة هنا هي كمان"
حمحم هو بقوة ثم قال بصوتٍ عالٍ بعض الشيء:
لأ أنا هنزل علشان أروح المطبعة و علشان ورايا مشوار مهم بعد كدا، هبقى أجي أطمن عليكم بليل، شوفي هدى كدا عاوزة حاجة قبل ما أمشي ؟"
أتت «هدى» من الصالة حتى وصلت أمام باب الشقة ثم قالت له تشاكسه بمزاحٍ:
لأ مش عاوزة منك حاجة، و ابعد عني علشان أنا حامل"
رد عليها هو متهكمًا بسخرية:
هو أنتِ كل ما تشوفي وش أمي تقوليلي أنا حامل، عرفنا يا ست إنك حامل، كلنا حاملين والله مش أنتِ لوحدك، أنتِ حامل في جنين، غيرك حامل في مرض و ضغط و سكر و صداع....اللي جابلك يخليلك"
حركت رأسها بمعنى لا فائدة منه ثم نظرت له بوجهٍ ممتعض، فوجدته يبتسم لها ثم قال:
أنا نازل علشان ورايا مشوار مهم لو عاوزة حاجة مني قوليلي أجبهالك و أنا جاي"
ابتسمت له هي الأخرى و هي تقول بامتنان:
عاوزاك تفضل كويس و فرحان يا وليد، صدقني دي الحاجة اللي ممكن أطلبها منك"
أومأ هو لها ثم ودعهن و نزل من البيت، أما «زينب» فكانت تتابع الموقف بتعجبٍ منه و بعد اغلاق الباب و عودة «هدى» و «مروة» قالت هي باندهاش:
غريبة يعني وليد مدخلش ليه؟ عرف إن عبلة موجودة و مدخلش؟"
نظرت لها «عبلة» بحزن حاولت صبغه بالثبات لكن دون جدوى، فتدخلت «سهير» تقول بمرحٍ:
يمكن علشان عمه محمد مش هنا، أصل وليد محترم أوي مبيقربش من عبلة غير لو عمه موجود"
وقفت هي تقول بحنقٍ طفيف حتى تغلق ذلك الموضوع:
طب أنا هطلع علشان فيه كورس اونلاين دلوقتي قبل ما سلمى و خلود يرجعوا"
قالت حديثها ثم تحركت من الشقة تاركة النساء خلفها ينظرن في أثرها بتعجبٍ من تغير حالتها.
__________________
في السنتر التعليمي وقفت «سلمى» ثم قالت بهدوء:
حصتي هتبدأ دلوقتي يا خلود، أنا هدخل علشان أقعد قدام و علشان اعلم الواجب، درسك امتى ؟"
ردت عليها «خلود» وهي تقوم بالضغط على زر هاتفها تنظر في ساعته ثم أجابتها بعدما رفعت رأسها لها تطالعها:
فاضل نص ساعة، بس دي حصة تجربة يعني ممكن يتأخر، أنا جيت معاكي علشان محدش فينا يبقى لوحده، و كدا كدا هخلص معاكي و هستناكي هنا برضه"
أومأت لها «سلمى» ثم تركتها حتى تدخل القاعة التعليمية، أما «خلود» فأمسكت هاتفها تتصفح احدى صفحات التواصل الاجتماعي، و هي غافلة عن زوج الأعين التي تراقبها بهدوء و هو جالسٌ على المقعد الجلدي أمام طاولة الاستقبال، و فجأة ازدحم المكان بمجموعة شباب من نفس صف «خلود» حتى يقوموا بتجربة الشرح، شعرت هي بالضيق لذلك أغلقت هاتفها ثم ضمت ذراعيها أمام صدرها، و لسوء حظها نظر لها شابين من عمرها، و حينما لاحظت هي نظراتهم حركت رأسها للجهة الأخرى حتى لا تتقابل نظراتهم و مع حنقها ذلك زادت عصبيتها التي أضحت واضحةً من خلال تحريكها لقدميها بانفعالٍ حقيقي، قام «عمار» بتسجيل الاسماء و بعد ابتعاد الشباب عن نظره، لاحظ هو نظرة الشابين لها و انفعالها البادي على ملامحها و حركة جسدها، لذلك سحب المقعد المجاور لمقعده ثم قال لها بنبرةٍ جامدة:
تعالي هنا يا آنسة علشان الشباب يقعدوا براحتهم بدل ما عينهم عمالة تلف كدا في المكان"
نظر له كلاهما بحنقٍ و توعد، فأضاف هو لها بنفس النبرة الجامدة:
تعالي يا آنسة علشان هما يقعدوا هناك، اتفضلي هنا، دا أخوكي صاحب السنتر حتى"
قال هو جملته الأخيرة بتلميحٍ مبطن التقطه كلاهما على الفور، أما هي جمعت أشياؤها الخاصة ثم اقتربت منه تجلس على المقعد الذي أشار هو عليه بعدما ابعده هو بيده مساحةٍ كافية حتى تجلس بجوار المكتب و في نفس الوقت تكون بعيدةً عنه حتى لا تلفت الأنظار لها، أما هو قام بتسجيل الأسماء لفتاتين من نفس عمرها ثم قال بطريقةٍ مهذبة:
اتفضلوا هنا جنب الآنسة"
أومأت له كلتاهما ثم جلسن بجانب «خلود» التي نظرت في هاتفها من جديد، أما «عمار» فرفع حاجبه ينظر للشباب نظرةٍ حادة كـ تحذيرًا منه، فجأة دخلت فتاة من نفس عمر «خلود» ولكن هيئتها غير ذلك و لا تتناسب مع عمرها، حيث كانت ترتدي ملابس ضيقة بشدة تبرز مفاتن جسدها و حجاب قصير يشبه القبعة أخرجت منه نصف خصلاتها، ثم وقفت أمام «عمار» تقول بطريقة مائعة جعلت التقزز باديًا على ملامح «خلود» و «عمار» أيضًا:
ازيك يا عمار عامل إيه؟ المستر جه؟"
رد عليها هو بحنقٍ بعدما أخفض رأسه حتى لا يطالعها:
لسه يا آنسة مجاش، اكتبي اسمك لحد ما المشرفين يوصلوا و يجمعوكم جوة القاعة"
أومأت له موافقة ثم أعطته بياناتها، ثم سحبت مقعد حديدي تجلس عليه أمام المكتب حتى تصبح مقابلةً له، نظر هو لها بتعجب فوجدها تقول بمرحٍ:
أنتَ ليه علطول قافش كدا يا عمار، مكشر في وش البنات و مش بتتكلم معانا زي باقي المشرفين، حتى في الجروب بتاع السنتر محدش عارف يتعامل معاك، عليك تار ولا إيه؟"
رفعت «خلود» حاجبها من طريقتها المصطنعة تلك، فوجدته هو يقول بنبرةٍ جامدة:
علشان أنا جاي اشتغل مش ألعب يا آنسة، و المفروض حضرتك جاية تتعلمي مش تتسلي، و ياريت حضرتك تقعدي في صف البنات دا علشان سنة تالتة جايين دلوقتي"
ابتسمت هي له ثم قالت بنفس الطريقة المصطنعة:
هتحرك علشان هعتبرك غيران عليا، تُشكر يا عمار"
نظر هو لـ «خلود» بجانبه فوجدها تنظر بتقززٍ واضح لتلك الفتاة فحرك رأسه ينظر لها من جديد وهو يقول بنبرة حادة:
اسمعي يا آنسة علشان أنا مش هكرر كلامي مرتين أنا هنا بشتغل و لو أنا مش قد الشغل دا المكان دا مش هيقبلني، و أنا مش غيران على حد، بس أنتِ بنت و أنا مش هسمح لحد يضايقك لأن انتو هنا أمانة لحد ما تخرجوا من السنتر دا، ياريت كلامي يكون اتفهم"
رَفع صوتهِ أبان حديثه حتىٰ يصل للجميع مما جعل الفتاة تشعر بالاحراج ثم جلست بجانب الفتيات و هي تشعر بالضيق منه و من حديثه الغليظ من وجهة نظره، أما «خلود» فلا تدري لماذا شعرت بالفخر به و بحديثه، رغم أن طريقته صلبة إلى حدٍ ما إلا أن حديثه يُحترم و يجعل الأعين تضج فخرًا به و بتربيته.
أما هو فزفر بقوة ثم أرجع رأسه للخلف حينما شعر بالضيق من تلك الفتاة و التي لم تكن الوحيدة التي تحاول التحدث معه و لكن غيرها كثيرات من الفتيات في عمرها يحاولن التقرب منه و معاكسته من خلال الرسائل الإلكترونية، أما هو فدائمًا يسد الطرقات عليهن حتى لا يهيء لهن سهولة التقرب، ناهيك عن قلبه الذي يدق فقط عند رؤيتها تلك التي تجلس بجواره، هكذا كان يفكر بعد موقف تلك الفتاة ثم حانت منه التفاتة بسيطة نحوها فوجدها تنظر له و حينما حرك رأسه باتجاهها حركت رأسها بسرعة تتصنع الانشغال في الهاتف.
______________
استيقظ «حسن» باكرًا من نومه بعد ليلة كاملة قضاها في البكاء و هي بين ذارعيه تفعل المثل و كأن كليهما أول مرة يبكِ في حياته حتى غفت هي بين ذراعيه مما جعله يشدد عناقه لها يخفيها بين ذراعيه و كأنه يود حمايتها من ذلك العالم الموحش الذي ألم قلبها، انسحب هو من جانبها ثم ذهب إلى المطبخ يقف به يقوم بتجهيز الفطار لهما معًا، أما هي فحسمت أمرها ثم خرجت له بعد تفكيرٍ عميق نتيجة خجلها منه بعد قضاءها ليلةٍ كاملة بين ذراعيه، خرجت له بخجلٍ واضح على هيئتها من خلال كفيها التي شبكتهما في بعضهما تضغط عليهما بقوة حتى تُحد ذلك التوتر، أما هو فحينما لمح ظلها التفت لها يقول بهدوء:
صباح الخير يا هدير، عاملة إيه طمنيني؟"
أومأت له هي كأنها تخبره أنها على ما يرام، فوجدته يقترب منها ثم قال مُبتسمًا:
ممكن أبان قلبي جاحد شوية علشان اللي هقوله دا، بس أنا فرحان أوي إنك عيطتي امبارح و إن أنا كمان عيطت، أنتِ متعرفيش أنا بتعذب ازاي علشان أعيط، وجودك امبارح ريحني....علشان دي أول مرة حد يمسح دموعي فيها"
رفعت رأسها له تطالعه بأعينها الجميلة و كأنها تستشعر حديثه فوجدته يقترب منها أكثر وهو يقول بمرحٍ يشوبه بعضٍ من الخبث:
بس إيه رأيك في عياط امبارح؟ ليكي عليا كل يوم حفلة عياط زي دي، و أخدك في حضني بعدها لحد ما تنامي، إيه رأيك ؟"
رافق حديثه تحركه نحوها يقترب منها و هي تعود للخلف بهدوء حتى أوشكت على التعثر فوجدته يمسكها من خصرها و هو يقول بمرحٍ:
حاسبي يا هدير، كنتي هتقعي"
حركت رأسها نحوه بخوفٍ فوجدته يطيل النظر في مقلتيها و هو يقول بنبرةٍ تائهة:
يا نهار أبيض !! هما لونهم إيه و لا هما نفسهم إيه ؟!"
حركت رأسها تستفسر منه عن ما يتحدث، فوجدته يشير برأسه نحوهما و هو يقول بنفس النبرة التائهة:
عيونك يا هدير.... هما بني فاتح ولا عسلي غامق و لا أخضر زي زرع الشجر ؟!"
أحدقت هي النظر فيه بنفس التيه فوجدته يمد كفه ثم رفع بعض الخصلات الشاردة على جبهتها ثم قال بهدوء:
شعرك و هو مرفوع كدا أحلى مع عيونك، هما حلوين...بس كدا أحلى"
ارتفعت ضربات قلبها بعد حديثها و في تلك اللحظة كانت هذه المضخة هي جرس انذار لعقلها، لذلك ابتعدت عنه فورًا ثم ركضت من أمامه نحو الصالة تجلس على الأريكة بخوفٍ ظهر جليًا فـي ملامحها، مما جعله يزفر بضيق ثم ضرب الطاولة الرخامية الموضوعة أمامه و هو يقول بحنقٍ محدثًا نفسه:
غـــبـي...أكيد خافت مني"
بعد استشعاره بتسرعه عاد لتجهيز الطعام من جديد ثم وضعه على صينية كبيرة و حملها بين يديه حتى خرج إليها، أما هي فجلست على الأريكة و رغمًا عنها بكت من جديد لا تدري لماذا، لكنها وجدت راحةً كبرى في البكاء ظنت أنها حُرمت من تلك الراحة حينما تحجرت الدموع في مقلتيها، بينما في داخلها كان يصرخ من البكاء و عدم القدرة عليه، لمح هو بكاؤها حينما اقترب منها لذلك وضع ما بيده على الطاولة ثم جلس بجانبها يقول بهدوء:
أنا لما قولتلك العياط بيريح مكانش قصدي يفضل عمال على بطال كدا، كنت عاوزك تعيطي علشان ترتاحي، لكن أنا مرضاش أشوفك بتعيطي كدا و أقف ساكت، قوليلي بتعيطي ليه"
مدت يدها تسمح دموعها ثم أمسكت هاتفها تكتب له:
بعيط علشان أرتاح، من ساعة ما عيطت امبارح و أنا مرتاحة، ما صدقت أعيط أصلًا"
قرأ هو ما دونته له ثم تحدث يقول متفقًا معها:
أنا معاكي إن العياط بيريح و معاكي إنك حقك تعيطي علشان اللي فارقتك دي كانت أغلى حد فـ حياتك، بس لازم توازني بين العياط و بين الحياة"
بعدما استمعت لحديثه أرسلت له هي و لازالت الدموع كما هي تفر من منبعها:
صعب عليا و الله.....دي كانت أمي و أغلى حاجة ليا....ماتت قصاد عيني و كنت حاسة أني عاجزة عن مساعدتها...صعب...والله صعب"
ارسلت ذلك و هي تبكي بقوة حتى ارتجف جسدها فوجدته يفعل مثلما فعلت هي بالأمس ثم مد كف يده بأنامله القوية ثم مسح دموعها و هو بنبرةٍ مهتزة ممتزجة بالبكاء:
طول ما العياط مريحك و طول ما أنا معاكي هنا، يبقى عيطي براحتك و أنا موجودك علشان أمسح الدموع دي....و أخدك في حضني كمان تعيطي فيه براحتك"
رغمًا عنه بكى حينما تذكر ما مر به وقت الفقدان و أنه قضى تلك الليالي بمفرده يبكي بقوة دون أن يكون هناك من يمسح تلك الدموع أو يحتضنه في حزنه، لذلك هو يرى نفسه بها، هي من تحتاج لـ يده حتى تمسح دموعها و ذراعيه حتى يحتويها بداخلهما، و فجأة وجد نفسه يأخذها بين ذراعيه و هي تبكي بقوة بكاءًا صامتًا و كم وددت لو أن بكاءها امتزج بالشهقات لعلها تخرج و لو جزءًا طفيفًا مما يعتل به صدرها، أما هو فأغلق جفنيه بشدة حتى يزيل تلك الدموع المنهمرة، و لكن إذا توقفت دموع العين كيف له أن يوقف دموع القلب، هكذا كان يفكر و هو يشدد مسكته لها و هي تزداد بكاءًا على والدتها و على صوتها و على خروجها من بيتها و على زواجها بتلك الطريقة في نفس اسبوع وفاة والدتها.
___________________
في منتصف اليوم و بعد انتهاء «وليد» من عمله في المطبعة وصل لعيادة الطبيبة النفسية «هناء» بعدما أخذ قراره في علاجه النفسي، صعد للعيادة و لحسن حظه وجدها فارغة من المرضى و الطبيبة في الداخل تنتظره، دخل إليها هو في هدوء ، فوجدها تقول بمرحٍ طفيف:
أنا استغربت إن أمال قالتلي إنك عاوز معاد ليك، و قولت يا هشوف معاك حسن أو ياسين، إنما أنتَ جاي لوحدك خير"
تنهد هو بعمقٍ ثم جلس على المقعد المقابل لها و هو يقول بهدوء:
أنا مش جاي علشان هدير و مش جاي علشان خديجة و لا حتى هسألك عن ازاي اتصرف مع مشيرة، أنا جاي علشاني أنا"
قطبت جبينها متعجبةً من حديثه فوجدته يقول بهدوء يشوبه بعض الضيق:
أنا اللي عاوز اتعالج من اللي عندي دا، أنا مريض نفسي و محتاج أصلح حياتي"
حينما لاحظت هي حدة نبرته سألته بنبرةٍ أكثر تفهمًا:
طب معلش عرفني يا وليد كدا أنتَ عندك إيه؟ أو حاسس بإيه يمكن يكون مفيش مشكلة أصلًا"
رد عليه هو بسرعة ممتزجة بنبرةٍ جامدة:
لأ....أنا عندي مشكلة فعلًا، أنا اللي زيي مش عارف يثق فـ حد و لا عارف أعيش حياتي مبسوط، لسه لحد دلوقتي مش قادر آمن للي في حياتي و لما بأمن ليهم برجع أخاف من تاني، أنا مش عارف أثق في حد، بأذي اللي في حياتي من غير ما أحس"
سألته هي بنبرةٍ مندهشة من حديثه لأنها أدرى الناس بالتعامل معه:
معقول يا وليد ؟! أنتَ !! إزاي بس، دا أنا علطول بحس إنك متفاهم و عندك ثقة في كل اللي حواليك، ودا وضح من خلال ثقتك في ياسين إنه يشيل مسؤلية خديجة، و اتكرر الموقف من تاني مع هدير و حسن، إزاي بقى كلامك دا"
أخفض رأسه هو ثم قال بنبرةٍ مهتزة إثر حزنه:
أنا وثقت فيهم علشان الظروف هي اللي كانت عاوزة كدا، لكن لحد دلوقتي أنا خايف و مش عارف أنام....لسه بخاف من كل حاجة....بخاف من ادماني و بخاف من حبي لعبلة، و بخاف من عمي محمد....خايف من كل حاجة....أنا واحد بينام زي الديابة عين مفتوحة و عين مغمضة...أنا بس عاوز أتطمن....هو صعب اللي زيي يتطمن ؟!"
سألها هو سؤاله الأخير بنبرةٍ حزينة جعلتها تنظر له بشفقة فهذه أول مرة تراه في هذه الحالة، أما هو زفر بقوة ثم استطرد حديثه قائلًا:
أنا مش عارف أسلم حياتي لحد، خايف من اللي.....اللي حصلي زمان....حتى البنت اللي بحبها مش عارف أثق فيها و لا عارف آمن على حياتي معاها....و عمال أوجعها..... و أوجعني معاها"
تفهمت الطبيبة حالته لذلك تركت مقعدها ثم جلست على المقعد المقابل له و تقول بنبرةٍ ودودة:
أنتَ معندكش أي عيب يا وليد، أنتَ اللي زيك يستاهل يعيش مبسوط زي ما أنتَ باسط كل اللي حواليك، حرام عليك تجرح نفسك كدا، أنتَ كدا ظالم نفسك يا وليد"
كان حديثها حادًا يشبه نصل السكين، لذلك ضرب هو المكتب بكف يده و هو يقول بانفعالٍ واضح ممتزج بالألم:
و هما لما جرحوني مكانش ظلم ؟! لما شوية عيال ضحكوا عليا و خلوني أدوق العذاب في المصحة علشان الزفت دا يخرج من جسمي دا مكانش جرح؟
و لما واحد زي طه دا وجع بنته و اضطريت ابقى ابوها أنا مكانش ظلم ؟! و لما اللي حبيتها وقفت قصادي ترفضني و عينها في عيني دا مكانش ظلم؟ و لما واحدة زي مشيرة دي وقفت تعايرني أني خريج مصحة دا مكانش ظلم ؟!
و لما واحدة زي هدير دي لعبت عليا علشان تحرمني من اللي بحبها دا مكانش ظلم ؟! و لما بعد خروجي من المصحة روحت اشتغل في المكان اللي بحلم بيه و طردوني منه لما عرفوا أني كنت مدمن دا مكانش ظلم ؟!.... أنا اللي كل اتوجعت منهم كانوا مني و من اختياري....اللي زيي الحياة عندت معاه لحد ما ضيعت منه وليد القديم... اللي أنا بقيت بكرهه علشان هو السبب في كل دا."
رغمًا عنه امتزج حديثه بالبكاء نتيجة حزنه و ألمه النفسي، أما هي حينما تأكدت من مشكلته النفسية و هذا ما ظهر لها من خلال اهتزاز نبرته و فرار الدموع من مقلتيه دون أن يشعر، هو من جعل الحزن يتراكم عليه و مع أول اختبار للثقة وجد نفسه يرسب به نتيجة التراكمات النفسية و قلة ثقته بالآخرين و عدم القدرة على الوثوق بهم من جديد نتيجة ما تعرض له في حياته، أما هي تركت مقعدها ثم التفتت تجلس على المقعد الأساسي لها و هي تقول بنبرةٍ عملية:
أنا دلوقتي بس اتأكدت إنك عندك مشكلة نفسية، و دا ظهر من خلال نبرة صوتك و حركة ايدك و بؤبؤ عينيك اللي بيلف، اللي زيك يا وليد يستاهل إنه يعيش مبسوط زي ما أنتَ بتبسط كل اللي حواليك، يعني وجودك هنا لازم يكون علشانك أنتَ، علشان كدا هسألك سؤال مهم و عاوزة اجابة صريحة"
رفع رأسه يطالعها بأعين حمراء نتيجة البكاء الذي داهمه فجأةً فوجدها تسأله بنبرةٍ جامدة:
أنا عاوزة اعرف سبب وجودك هنا بالظبط علشان أعرف اساعدك"
أغلق هو جِفنيه ثم فتحهما بتروٍ و رافق حركته تلك قوله الموجوع:
أنا جاي هنا علشان ... علشان عبلة اللي أنا عمال أوجع فيها دي و هي ملهاش ذنب، من حقها تطمن إنها مع واحد بيحبها و بيثق فيها....بس إزاي و أنا مش قادر أثق في نفسي....إزاي اطمنها و أنا مش عارف أطمن نفسي ؟"
سألته هي بنبرةٍ عملية يشوبها بعضٍ من الاقرار:
و طبعًا أكيد حصل قصادك موقف خلاك تفكر إنك ممكن تتعرض للرفض من جديد، أو ممكن تكون اتعرضت للرفض علشان كدا مش عندك ثقة فـ حد"
أومأ لها مؤكدًا حديثها ثم أضاف يسرد لها ما حدث مع صديقه و بعد نهاية سرده و جدته يسترسل حديثه قائلًا باحراج:
أنا غصب عني قارنتها بيها علشان أنا خايف حاجة زي دي تحصلي، أنا لحد دلوقتي عمري ما قدرت اثق في حد يساعدني علشان أنا مش بعرف أثق في حد.....بس صعب عليا إن اللي بحبها أخاف منها.... عينيها اليوم دا كانت موجوعة و أنا بشك فيها"
تفهمت الطبيبة حالته لذلك سألته بنبرةٍ أهدأ عن ذي قبل:
طب هي عبلة وجودها فارق معاك؟ يعني عبلة وجودها مهم قد إيه فـ حياتك يا وليد علشان تاخد خطوة زي دي علشانها هي"
نظر أمامه ثم حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بنبرة محبة ممتزجة بالحزن:
عبلة هي كل حاجة بتخليني أتحرك و أعرف أعيش، عبلة دي كانت الدينامو اللي بيحركني .....فـ كل حاجة، عيونها جنة ليا و الدنيا من غيرهم غُربة اللي زيي يضيع فيها..... أنا ساعات بحب نفسي علشان عبلة بتحبني، و ساعات بكره نفسي علشان بزعلها مني، الوحيدة اللي موجودة علشاني في كل وقت....و نفسي أصدق إنها هتبقى معايا في كل وقت...ببساطة عبلة يعني الأمل لـ وليد....و غيابها هو ألم وليد"
أومأت له الطبية ثم تنفست الصعداء تزامنًا مع ضمها لكفيها في بعضهما ثم قالت بهدوء:
دلوقتي بقى أقدر أقولك عندك إيه، أنتَ عندك مشكلة ثقة يا وليد أو ما يطلق عليها مؤخرًا (تراست ايشوز) بمعنى إن الشخص بيكون معندوش قدرة إنه يسلم نفسه للحواليه، و دا بيكون مع حاجات كتير جدًا، مش أشخاص بس، تلاقيه دايمًا عنده شك في كل الناس و في كل ما هو حوله، يعني لو في المياه تلاقي الناس كلها بتفرح و عايشة حياتها و هو الوحيد اللي خايف يسلم نفسه للموج، برضه في الحياة الواقعية نفس الشيء الناس كلها ماشية في حياتها و هو خايف من كله"
سألها هو بنبرةٍ سريعة و هو يلتمس منها ما يطمئن قلبه:
طب و دي ليها حل و لا زي العمل الأزرق كدا، هموت بيها"
ابتسمت هي عليه ثم قالت بهدوء بعدما حركت رأسها بيأس:
ليها يا وليد...أنا هشرحلك أكتر، قلة الثقة دي بتيجي نتيجة تجارب سابقة و نتيجة خذلان من أشخاص معينة لسه ليك تعامل معاهم، دايمًا بتحس إن صوتك من دماغك يعني مش عاوز حد يشاركك في التفكير و لا أي حاجة، بتاخد القرار من نفسك و تفاجئ بيه الناس، دايمًا تحس إنك عاوز تحمي نفسك من اي جرح و من أي حد حواليك لأن تلقائيًا عقلك بيهجم بذكريات سلبية تخليك تقلق أكتر و تشيل فكرة الثقة من دماغك، دا غير إن حكمك على الناس بيكون بالباطل و السلب، و للأسف دي مشكلة كبيرة و لازم تتحل، لأن بعد كدا بتتحول لاضطراب نفسي خطير زي الوسواس و حتى نفسك هتشك فيها و في قدراتها و هتفضل تهرب من علاقاتك و مسؤلياتك اللي عليك"
أومأ لها موافقًا يؤكد مصداقية حديثها حينما وصفت ما يشعر به هو دائمًا، فوجدها تضيف بنبرةٍ قوية حتى لا تتراجع عن حديثها:
دلوقتي بقى عاوزاك تبعد عن عبلة كام يوم، أسبوع أو ١٠ ايام كدا و دا جزء من العلاج"
تحولت نظرته إلى الضيق و هو ينظر لها باستنكار، فوجدها تقول بهدوء مردفةً له:
قبل ما تبرقلي كدا، أنا عاوزة ابدأ معاك علاج عملي علطول، علشان كدا عاوزاك تبعد عن عبلة فترة كويسة كدا، عارفة إنه صعب عليك و عليها، بس دا مطلوب علشانكم إنتو الاتنين"
زفر بقوة ثم أضاف قائلًا:
أنا طلبت منها امبارح تبعد عني و أنا هبقى أكلمها لما أحتاجها، بس دا على اساس أني لسه هفكر في خطوة العلاج، لكن أسبوع كتير علينا احنا الاتنين"
تحولت نبرته إلى الحنق في نهاية حديثه مما جعلها تعود للخلف في مقعدها و هي تقول بلامبالاة:
براحتك، أنا كنت عاوزة أساعدك و اساعدها، لكن كدا أنتَ بتصعب الطريق علينا احنا الاتنين، و هيجي يوم تخسر عبلة فيه علطول، لكن دي فترة مؤقتة"
وقف هو ثم قال بنبرةٍ جامدة:
مش مهم....المهم أني افضل معاها، لكن اني ابعد اسبوع دي كتير عليا"
التفت حتى يغادر المكان فوصله صوتها من خلفه تقول مقررةً:
خليك عارف يا وليد إن الانسان طاقة و عبلة بشر يعني طاقتها هتبقى محدودة و أنا ست زيها و لو جوزي فضل يحطني في اختبارات كدا هتعب و هطلب اسيبه علشان مش هستحمل قلة ثقته فيا"
زفر هو بقوة ثم عض على شفته السفلى، بعدها التفت لها يسألها بضيق:
طب....طب بعد كدا إيه اللي المفروض يحصل ؟"
حركت كتفيها ببساطة ثم قالت بهدوء:
أسمع الكلام بس و أنا هتواصل معاك و أنتَ معايا رقمي، بس خليك فاكر إن وجودك هنا علشان عبلة يا وليد"
أومأ لها موافقًا ثم انسحب من أمامها بعدما أغلق الباب بقوة، جعلتها تنظر في أثره باندهاش ثم قالت بصوتٍ مسموع:
إيه العيلة الغريبة دي ؟! أنا اعرف الناس بتورث اراضي و فلوس و بيوت، دول بيورثوا عقد نفسية ؟! منه لله فايز الرشيد"
__________________
انتهى العمل لدى الشباب و أول من وصل بيته كان «خالد» حينما دخل بيته بهدوء فوجد «يونس» يركض نحوه و هو يقول بفرحة كبيرة:
خالد....بابا"
وضع «خالد» ما في يده على الطاولة ثم حمله و هو يقول بمرحٍ:
روح قلب خالد من جوة، وحشتني ياض"
احتضنه الصغير ثم القى رأسه على كتفه مما جعل بسمة «خالد» تتسع بقوة ثم ربت على ظهره بحنان، و فجأة خرجت «ريهام» من المطبخ و حينما رآت وضعما ابتسمت بحبٍ و لكنها وأدت تلك البسمة حينما تذكرت حديثه لها في الصباح و قبل أن تعود ادراجها للداخل سمعته يقول بخبثٍ:
رايح فين بس يا يونس ؟ ما تخليك مع بابا هنا بقى...متبقاش رخم زي ماما كدا"
ابتسم الصغير باتساع حينما سمعه، أما هي فرفعت حاجبها بحنقٍ، فوجدته يضيف بنفس الخبث:
بدل ما تقف بعيد كدا يا يونس تعالى احضن بابا جاي من الشغل تعبان، خلي عندك دم"
اقتربت هي منه في تلك اللحظة ثم أخذت الصغير من بين ذراعيه و هي تقول بنبرةٍ باردة حتى تثير حنقه:
تعالى هنا يا يونس عن الناس اللي عندها برد علشان هما مش ناقصين، خليك مع ماما"
اقترب منها «يونس» ثم احتضنها بقوة و حينما التفتت حتى تتركه للداخل سمعته يقول بنفس النبرة:
طب مش تخلي عندك اصل يا يونس و تيجي تشوف بابا جابلك إيه؟ و الله بابا دا طيب و غلبان"
توقفت هي عن السير حينما سمعته فوجدته يحمل ما وضعه على الطاولة ثم وقف أمامها يقول بهدوء:
جبتلك التورتة اللي بتحبها يا يونس، علشان أنا ضايقتك الصبح، بس عيب عليا اسيبك زعلان"
رفعت رأسها تطالعه بتعجبٍ فوجدته يغمز لها ثم اقترب منها اكثر مما جعلها تبتسم بخجلٍ و فجأة وجدته يقبل صغيره على ذراعها ثم قال بنفس الاستفزاز:
دي بوسة ليونس، خير حضرتك عاوزة حاجة يا فندم؟"
نظرت له بضيق ثم انزلت الصغير على الأرض يقف بينهما ثم اعتدلت في وقفتها تشهر سبابتها في وجهه و هي تقول بانفعالٍ:
شوف بقى علشان أنا تعبت من الجنان دا، شكلك ملبوس و الله، امبارح كنت معانا حلو، و الصبح محدش عارف يتكلم معاك و دلوقتي جاي حلو، فيه إيه هو احنا في من سيربح المليون ؟ كل شوية بحل شكل؟"
كانت تتحدث بانفعال حقيقي و صدرها يعلو و يهبط من فرطه مما جعله ينظر لها مُتعجبًا ثم اقترب منها يقول هامسًا بهدوء:
بالراحة علينا يا نجم علشان احنا مش وش كدا، و بعدين هو طبيعي حد يتعصب و يبقى حلو كدا؟ طب ما أنا طول عمري متعصب و مش قمور زيك، اشمعنا أنتِ يعني ؟"
طالعته بإندهاش من تغيره المفاجيء و فجأة وجدت جسمها يخذلها حتى اوشكت على السقوط عليه فوجدته يمسكها و هو يقول بخبثٍ:
حاسب يا يونس كنت هتقع يا حبيبي"
حركت رأسها نفيًا بيأس ثم سألته بتعجبٍ:
خالد هو أنتَ ملبوس ؟! ولا بتخوني أصل صعب عليا اتقبل إنك شخص واحد"
ضحك هو على حديثها ثم اقترب منها أكثر يقبل وجنتها بعدها اعتدل في وقفته ثم رد عليها مُردفًا:
أنا واحد و الله،.. بس بغزالة مش أكتر، عاوزك بس تعرفي إن أبو غزالة دا غزالته مش رايقة علطول، بس أنتِ بقى حاجة تانية علشان خالد معاكي خالد وبس، من غير أي حاجة تانية، و بعدين اعتبريني يونس يا ستي"
ردت عليه هي بخبثٍ:
طب يونس لسه في مرحلة التربية، تحب اربيك زيه يا خالد"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
ياريت... أنا عن نفسي معنديش اعتراض، أصل هما أهملوني و أنا صغير و بصراحة عاوز حد يهتم بيا و يربيني"
حركت رأسها نفيًا بيأس و كأنها تقول لا فائدة ثم أخفضت جسدها تحمل الصغير على ذراعيها فسمعته يقول بنفس الخبث:
طب و ابو يونس يا ستي، دا أنا جايب تورتة و مكلف، حرام و الله دا ظلم"
عادت له تقول بنبرةٍ أثارت حنقه من برودتها:
خليك كدا يا ملبوس، أصل أنا غزالتي دلوقتي مش رايقة، ولا إيه يا ابو غزالة؟"
قالت حديثها ثم تركته للداخل من جديد، أما هو فنظر في أثرها بتعجب ثم قال بنبرةٍ عالية:
شكلي أنا اللي هربيكي أنتِ و الكلب اللي على دراعك دا، علشان أنا حاسس إنه ضرتي"
________________
في شقة «عامر» وصل قبل زوجته من عمله و حينما وجد المكان خاليًا منها ابتسم بخبثٍ يلمع في نظرته ثم بدل ثيابه و شرع في تنفيذ ما خطط له، و بعد فترة من التنفيذ لما يريد نظر في ساعة يده ثم اغلق جميع الاضواء و بعدها رفع صوت السماعات على أغنية شعبية، و حينما سمع صوت المفاتيح تدخل في الباب، قام برفع الصوت ثم وقف على المقعد و في يده صينية معدنية و مع دخولها الشقة وجدته يطرق على الصينية و هو يغني مع المطرب:
أنا دايمًا في احتياجك....و كل اللي في مزاجك يا سيدي أنا هعمله، و مادام قلبك في إيدي أنا طوع أمرك يا سيدي و طريقنا نكمله.....أديني حب أكتر.....أديك الشوق يا سكر....أديني حب أكتر.....أديك الشوق يا سكر....و أنا و أنتَ لوحدنا....و أنا و أنتَ لوحدنا،..... الجو هادي خالص و الدنيا هس هس....و أنا و أنتَ يا حبيبي و نجوم الليل و بس"
كان يغني على المقعد بمرحٍ و هو يشير عليها، أما هي أغلقت الباب ثم اقتربت منه تطالعه باندهاش، فوجدته ينزل من على المقعد ثم أمسك كفها و قام بتدويرها بين يده ثم أمسك كفها يرقص معها و هو يغني مع المطرب، أما هي اتسعت ضحكتها أكثر فوجدته يقول بمرحٍ:
دا بدل ليلة امبارح اللي بوظتها، بغبائي، بس قوليلي إيه رأيك؟"
ابتسمت هي له ثم قالت بحب:
أي حاجة بتعملها يا عامر بحبها، قلبك كبير و طيب أوي و فعلًا عوضتني عن حنان الدنيا كلها، اطمن علشان أنا عمري ما أزعل منك"
ابتسم هو لها بنفس الحب التي تنظر له به ثم سألها بهدوء:
يعني مش هتزهقي مني خالص؟ اصل بصراحة الله يعينك عليا و الله"
ردت عليه تنفي حديثه بقولها المرح:
مستحيل، اللي معاها زيك يا عامر تمسك فيه بايدها و سنانها"
اقترب هو منها ثم قال بمرحٍ:
دا أنتِ طلعتي صاحبة عيون حلوة و كلها شقاوة....زي رغيف فينو سايح فيه حلاوة"
ضحكت هي بقوة عليه فوجدته يغمز لها ثم قال بمرحٍ:
ما تيجي نعمل زي عمو عبد الباسط ما قال"
قطبت جبينها تسأله بتعجب:
و هو عمو عبدالباسط قال إيه"
صبغ نبرته بالمرح الخبيث و هو يقول:
اديني حب أكتر أديك الشوق يا سكر، تعالي ناكل بقى علشان أنا هموت من الجوع"
زادت ضحكتها أكثر فوجدته يسحبها معه نحو الداخل و هو يرقص و يكمل الغناء بنفس المرح.
__________________
في شقة «رياض» جلست «زهرة» بجانبه تقول بشوقٍ بالغ:
ياسين وحشني أوي، صحيح بكلمه كل يوم بس برضه وحشني حضنه أوي، البيت فاضي من غيره أوي"
ابتسم لها «رياض» متفهمًا شعورها ثم قال بهدوء:
دا راجل يا زُهرة، يعني لازم يشيل مسؤلية و يفتح بيت، و بعدين ركزي معايا أنا و سيبك من ياسين، أنا يتيم الأب و الأم، يعني أنا أحق من ابنك"
ابتسمت هي له بيأسٍ ثم سألته بمرحٍ:
نعم يا أستاذ رياض، خير مش عاوزني اقلق على ابني و لا يوحشني"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف:
آه علشان ابنك مع مراته و مبسوط، خليني بقى مع مراتي أنا كمان ما صدقت الجحش دا يخرج من هنا علشان أعرف أعبرلك عن مشاعري يا زوزو"
ابتسمت هي باتساع ثم قالت بنبرةٍ ظهر فيها الاشتياق:
الله...زوزو من زمان مسمعتهاش منك يا رياض، وحشتني منك أوي"
رد عليها هو بحنقٍ:
علشان كان فيه جحش عايش معايا، بس خلاص بقى لقى قبوله الوحيد و حَل عن سمايا، صحيح وحشني بس برضه هو جحش"
_"و هو الجحش دا بنجيب في سيرته و هو غايب كدا يا....يا أبو الجحش"
تفوه «ياسين» بذلك بعدما دخل الشقة بهدوء حتى وصل إلى غرفة الصالون، و بمجرد ما لمحت والدته طيفه ركضت نحوه تقول بحب ممتزج بالشوق:
ياسين و حشتني يا حبيب ماما، وحشتني أوي و وحشت عيوني"
ابتسم هو لها ثم مال بجسده يحتضنها بقوة وهو يقول بحب:
و أنتِ يا زوزو وحشتيني أوي و علشان كدا جيت افاجئكم و اشوفكم مقدرتش استنى أكتر من كدا"
وقف «رياض» يقول بمرحٍ:
وحشتني ياض و الله، صحيح أنا واخد راحتي في بيتي، بس برضه وحشتني و الله"
ابتعد هو عن والدته ثم اقترب من والده يحتضنه بقوة و هو يقول بنبرةٍ مرحة:
رغم إنك علطول فاضحني بس وحشتني والله، مش لاقي حد يجرسني غيرك"
ابتعد عنه والده ثم سأله بهدوء ممتزج بالمرح:
فين قبولك الوحيد ياض؟ اوعى تكون طردتك من البيت، متبقاش موكوس زي اللي خلفك كدا"
ابتسم هو له ثم قال بفخرٍ:
عيب عليك ابنك جامد برضه، أنا اللي سِبت البيت بمزاجي طبعًا"
ربت على كتفه بفخرٍ ثم قال:
جدع ياض خلي عندك مبدأ كدا"
تدخلت «زهرة» تقول بقلقٍ واضح:
دا بجد يا ياسين؟ أوعى تكون مزعلها بجد؟ هزعل منك و الله"
ابتسم هو لها ثم قال بحب:
متخافيش و الله ما زعلتها، أنا جيت أشوفكم و راجع تاني، و علشان تطمني نازلين سوا النهاردة أنا و هي، متخافوش"
______________
بعد جلوسه مع والديه استأذن منهما ثم تركهما حتى يذهب إلى بيته ينتظرها كما أخبرها، وبعد مرور ثوانٍ نزلت تركض له و هي تسأله بحماسٍ:
ها هنروح فين بقى، علشان متحمسة أوي بجد"
ابتسم هو لها ثم قال بهدوء:
اركبي و أنتِ هتعرفي، بس مبدأيًا كدا أنا خاطفك زي كتب الكتاب كدا .... فاكرة"
أومأت له بقوة ثم ركبت السيارة و هو أيضًا، بعدها وجدته يقوم بتشغيل المذياع في السيارة و هو ينظر لها بحبٍ ثم شرع في الغناء بقوله:
أحلى واحدة في المكان قدامي....ترقص و أتوه من الجمال....كل ما أجي أقول يا ليل يا عين....اتلغبط و أنسى أنا الكلام....أنتِ مين واسمك إيه ماشية ليه رايحة فين....ارجعي....ارجعي....دا الغنا مش مكفي اللي أنا حاسس بيه ... دي بتحصل مرة فـ ١٠٠ سنة ...مش شايف غير أنتِ و أنا .....أنتِ أحلى من صورة في خيالي .....أحلى حتة في الموال.....لو بس ترضي تريحي بالي ....لو بس تجاوبي على السؤال"
كان يغني بصوته مع المذياع و هو يشير نحوها بحب أما هي فكانت تبتسم باتساع حينما وجدته يعبر لها بتلك الطريقة، و في نهاية الأغنية وجدته يقترب منها يهمس بهدوء:
أهو أنا عندي استعداد افضل أغني طول عمري كدا علشان ضحكتك الحلوة دي....لو بس تريحيني و تقوليلي رايحة فين"
غمزت له ثم قالت بمرحٍ:
متخافش مش هسيبك و امشي، أنا قاعدة على قلبك"
غمز لها هو الأخر ثم أضاف:
يا بخت قلبي بيكي"
ضحكت باتساع فوجدته يستأنف الأغنية من جديد و هو يغني معها حتى هي شاركته الغناء بنفس الحماس، و بعد فترة قصيرة وجدته يوقف السيارة أمام أحد المطاعم الشعبية ثم قال بهدوء:
قدامك أختيارين، تاكلي على العربية بمنتهى العشوائية و لا ندخل زي الناس ناكل جوة ؟"
صفقت بكفيها معًا ثم قالت بحماس:
مش محتاجة سؤال أكيد ناكل بعشوائية على العربية"
ابتسم هو لها ثم قال بمرحٍ:
على البركة ورايا على المطعم"
بعد مرور دقائق خرج بالطعام في يده و هو يضحك لها ثم وضع الطعام على مقدمة السيارة و هو يقول بمرحٍ:
أي خدمة شاورما سوري أهو، المرة الجاية نبقى ناكل كبدة بقى"
ابتسمت هي له بحبٍ ثم قالت:
و الله كنت هقولك ننزل نعمل كدا، بس قولت إنك بترجع من الشغل تعبان و محتاج ترتاح"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف مردفًا:
بالعكس لما تطلبي مني حاجة عمري ما أتأخر عنك فيها، حتى لو برجع من الشغل تعبان، فكرة إنك هتكوني فرحانة بتلغي التعب كله يا خديجة"
أومأت له بتفتهمٍ، فوجدته يمسك أحد الأرغفة الموضوعة أمامه ثم مد يده به لها، أخذتها هي منه فوجدته يقول بهدوء بعدما أخذ نفسًا عميقًا:
أنا عارف إنك مخنوقة من ساعة ما قابلنا نسرين دي، علشان كدا جبتك معايا النهاردة نخرج سوا و نتكلم مع بعض"
تبدلت نظرتها خلال ثوانٍ وكأنها تستفسر من أين عَلم بما تشعر به، فوجدته يحرك رأسه مؤكدًا ثم أضاف:
أنا صح، بصتك دي أكدت كلامي، علشان كدا عاوزك تفكي علشان نعرف نتكلم سوا"
وضعت الطعام من يدها ثم قالت بنبرةٍ جامدة:
لو عاوزني أفك بجد يا ياسين، روح هاتلنا اتنين جهينة ميكس شوكلاتة.....كدا ممكن ارقص معاك كمان.
___________________
في بيت آلـ الرشيد وصل «وليد» البيت ثم وقف أمام المصعد ينتظره و هو يفكر في حديث الطبيبة و فجأة فُتح المصعد بواسطة كلًا من «جميلة» و «عبلة» نظر هو لهن بتعجبٍ فوجدها ترمقه بعدة مشاعر مختلطة و ما غلب عليها هو العتاب، لذلك وجه بصره نحو جميلة يسألها بهدوء:
رايحين فين يا جميلة؟"
ردت عليه هي بهدوء:
رايحين نجيب دوا هدى و عصير علشان اللي فوق خلص، و بالمرة قولت بدل الخنقة دي و عبلة كمان شكلها مخنوق"
وكزتها «عبلة» في مرفقها فقالت هي بمرحٍ:
خلاص عبلة مش مخنوقة، أنا اللي مخنوقة يا سيدي عن اذنك بقى علشان متأخرش"
خطت هي عدة خطوات حتى تترك لهما مساحة في الحديث، أما «عبلة» رفعت رأسها تنظر له فوجدته ينظر للأسفل حتى لا تقع عينيه عليها، لذلك سألته بحنقٍ:
دا اسمه إيه بقى إن شاء الله؟ خلاص عملت مقاطعة ؟"
زفر هو بقوة ثم دخل المصعد ولا زال نظره بعيدًا عنها ثم قال:
معلش يا عبلة علشان مش فاضي، هبقى أكلمك أنا"
قال جملته ثم اغلق باب المصعد أمام وجهها وهي تنظر له باندهاش و حينما تحرك المصعد، رغمًا عنها فرت دموعها على وجنتيها تأثرًا من تجاهله لها
صعد هو فوق سطح البيت فوجد «خلود» بمفردها تجلس في مكانه المخصص، اقترب هو منها ثم ارتمى على الأريكة بحزن، جعلها تنظر له بتعجبٍ ثم قالت بتهكمٍ:
خير يا أستاذ وليد مالك؟ شكلك مهموم كدا ليه؟"
رد عليها هو بنفس التهكم:
و أنتِ قاعدة زي خيبة اللي حب و مطالش كدا ليه؟"
حركت كتفيها ببساطة ثم قالت بهدوء:
بفكر....بصراحة بفكر يا وليد"
اعتدل هو في جلسته ثم سألها بنبرةٍ متعجبة:
استر يا رب، خلود بتفكر يبقى فيه سواد جاي علينا"
ابتسمت هي بهدوء ثم تنهدت بعمقٍ بعدما رفعت رأسها للسماء ثم نظرت له و هي تقول بترددٍ:
هو أنا ممكن اقولك على حاجة و تقولي أعمل إيه؟ علشان أنا محتارة"
أومأ لها موافقًا فوجدها تسرد عليه ما حدث أمام ناظريها في المركز التعليمي و هي تقص عليه موقف «عمار» مع الفتاة و معها حينما أبعدها عن الشباب، أنهت حديثها ثم أضافت:
أنا بس حسيت أني فخورة بيه أوي، أصل مش كل شاب زي بنت تكلمه و هو يصدها كدا، حسيت انه مختلف بصراحة، وفي نفس الوقت موقفه معايا محترم، بس أنا مش عارفة أعمل إيه"
تفهم هو تخبطها و حيرتها لذلك قال بهدوء:
أنا حاسس بيكي و بحيرتك، بس عاوزك تعرفي أني بثق فيكي أوي و علطول مربيكي على إنك بنتي مش أختي و أنتِ الوحيدة هنا اللي تفكيرها عملي زيي، علشان كدا هقولك إن الحياة اولويات يا خلود، و دراستك أولوية مهمة، يعني المشاعر دي تتركن على جنب علشان تشوفي مستقبلك، لما تدخلي جامعة و تبقي واقفة على أرض صلبة يبقى ساعتها المشاعر تدخل مع الدراسة"
أومأت له موافقة ثم أضافت مؤكدة:
أنا معاك في كل كلمة، أنتَ عارف مبدأي في الحياة يا وليد، أنا عمري كنت بتاعة ارتباط ولا مراهقة و الجو دا، لأن مفيش حاجة اسمها ارتباط، المسألة كلها مسألة جواز، يعني الارتباط الصح هو الجواز و أنا سني صغير على الجواز، أنا بس بحكيلك علشان كنت شاكة فيه قبل كدا، لكن بصراحة هو محترم أوي حتى عينه مش بتترفع على أي بنت هناك"
ابتسم هو لها ثم قال:
علشان تربية ياسين الشيخ، أنا عرفت منهم كدا إن ياسين و أصحابه هما اللي مربيين عمار دا، علشان كدا طالع زي ما بتقولي، بس برضه أنا محتاج أعمله اختبار صغير"
قطبت جبينها متعجبةً من حديثه فوجدته يضيف مردفًا لها:
مش يمكن يكون بيعمل كدا علشان يخليكي تفكري فيه زي ما أنتِ بتعملي دلوقتي، و يمكن يكون بيخربها من تحت لتحت"
قطبت جبينها أكثر و هي تقول بهدوء توضح له وجهة نظرها:
بس هو شكله نضيف و ابن ناس، يعني مش صايع"
ابتسم هو لها بخبثٍ ثم قال:
الصياعة مش إن الناس تشهد إنك صايع....الصياعة بجد إنك تصيع من غير ما حد يقفش عليك إنك صايع"
ابتسمت له هي الأخرى بخبثٍ فوجدته يزفر بقوة ثم قال:
أنا هشوف و أحكم بنفسي، بس برضه فيه اختبار صغير كدا"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شمس بكري
وجدتُ فيكَ ضالتي، أتيتُ لـ تأنس وحشتي.
________________
كل ما هو حولك يدعوك للبكاء، فـ حتى ذلك لم تقوى عليه، أنتَ مجرد شخص تُركَ في مهب الريح لا يملك حتى رفاهية الإنهيار، تجلس بمفردك تبكي من الخذلان و الجروح، لا عائلتك استطاعت احتوائك و لا أصدقائك استطاعوا تأنيس وحدتك.... أما الآن أنتَ تجلس بمفردك تشبه الشريد في وحدتك.
نظر لها «ياسين» مندهشًا من طلبها فوجدها تقول بمرحٍ أكثر:
خلاص بلاش جهينة ميكس، خليها بيبسي علشان نهضم"
ابتسم هو باتساع ثم قال:
بس كدا ؟ أنتَ تؤمر يا جميل"
ابتعد عنها بعد جملته تلك ثم ذهب إلى المحل المجاور لمكان وقوفهما ثم جلب لها عدة أشياء بعدها اقترب منها بمرحٍ ثم مد يده بالحقيبة الممتلئة وهو يقول:
عيشي بقى مع نفسك، كل اللي نفسك فيه هتلاقيه هنا"
ابتسمت باتساع و هي تأخذ منه الحقيبة ثم فتحتها تنظر بها بعد شهقت بقوة ثم رفعت رأسها تطالعه و هي تقول بحماسٍ:
كل دا....أنتَ جبت كل دا علشاني ؟"
أومأ لها موافقًا بهدوء وهو مُبتسمًا فوجدها تقول بمرحٍ:
أنا كدا هتعود على الدلع دا كله، علشان تعمل حسابك بس"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
طالما أنا موجود و ربنا كرمني و مديني الصحة يبقى طلباتك تتنفذ كلها و أنا عيوني ليكي"
نظرت له بحب و حينما وجدته ينظر لها هو الآخر حركت رأسها للجهة الأخرى تهرب من نظراته مما جعل بسمته تتسع ثم مد يده لها بالطعام و هو يقول بهدوء:
يلا ناكل بقى علشان أنا جعان، و بعدين دا أنا ضحيت بأكل أمي علشان أجي آكل معاكي"
أخذت منه الطعام و أخذ هو الأخر ثم تناولا الطعام معًا في مرحٍ منهما و حنانه عليها، و بعد انتهاءهما من الطعام تنهد هو ثم قال بمرحٍ:
يلا بقى علشان نكمل يومنا و نعرف نتكلم سوا...أنا عاوزك أصلًا علشان عاوز اتكلم معاكي"
أومأت له تتابع حركته و هو يركب السيارة ثم لحقته هي و ركبت السيارة خلفه، فشرع هو في قيادة السيارة و هي تراقبه و تراقب انفعالات وجهه حتى تستشعر فيما سيتحدث معها، أما هو كان ينظر لها بخبثٍ و هي تراقبه، فوجدته يقول بمرحٍ:
أيوا افضلي مبحلقة فيا كدا و في الأخر تعملي نفسك ملاك بريء، هتاكليني بعيونك"
ضحكت هي بقوة ثم قالت بنبرةٍ امتزجت بضحكاتها:
يا أخي سبني بقى أبص عليك، ما هو مفيش أحلى من كدا العيون ترتاح بشوفتها يا ياسين"
حرك رأسه ينظر لها هو بتعجب غير مصدق ما تفوهت به:
دا احنا جامدين أوي و كلامنا حلو أهوه، أومال إيه بقى، بنتهطل ليه و تطلب معانا نكد ليه يا وليه يا مفترية"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول بلامبالاة تزامنًا مع تحريك رأسها للخلف:
عادي كدا كدا أنتَ مطلوب منك تستحمل، متنساش إنك واخدني مضطربة نفسيًا يعني عاوزة معاملة خاصة، مش هتقدر يبقى خلاص يا ابن الحلال نفضها سيرة أحسن"
رد عليها هو بسخرية:
أيوا صح زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف و حقي هاخده منكم يا عيلة الرشيد، هجيب عامر و نيجي نردحلكم تحت البيت"
ضحكت هي بقوة حتى تحرك جسدها للامام فضحك هو الأخر على ضحكتها ثم قال:
أكيد تخيلتي المنظر و احنا بنردح تحت البيت"
أومأت له بقوة من بين ضحكاتها فوجدته يحرك رأسه بيأس ثم أخرج زفيرًا قويًا تبعه بقوله لها بنبرةٍ محبة:
هي الحياة من غيرك أنتِ تسوى إيه.... ياللي نظرة من عينك بالعالم و اللي فيه"
طالعته بنظرةٍ محبة فوجدته يغمز لها بطرف عينه وهو يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
أومأت له موافقة ثم تنهدت بأريحية و هي تمعن النظر في وجهه و بعد مرور دقائق وجدته يوقف السيارة في مكانٍ شهد على الكثير بينهما منذ اللقاء الأول، حركت رأسها تنظر له بتعجبٍ فوجدته يقول بهدوء:
دا أول مكان اتكلمنا فيه سوا بعد ما ربنا كرمني بيكي و بقيتي على اسمي، هنا أول مرة اعترفت بحبي و هنا أول مرة عيطتي قصادي و هنا أول مرة اتكلمنا في موضوع خوفك، و هنا كانت أول مرة تطمنيني إنك عاوزاني معاكي، و هنا برضه هنتكلم عن اللي مزعلك، يلا ورايا"
تمكنت منها الدهشة حينما ذكرها هو بتفاصيلهما سويًا و حينما أتى بها إلى ذلك المكان، نزلت هي خلفه و كأول مرة لهما معًا وجدته يمسك يدها حتى ينزل بها الدرجات الصغيرة المؤدية أمام نهر النيل، كانت تسير معه و هي تتذكر أيامهما الأولى و البسمة العذبة تزين وجهها، فوجدته يقترب منها عند نفس المقاعد الرخامية و هي معه تجلس بجانبه.
____________________
جلست «هدير» تشاهد التلفاز بمللٍ غير قادرة على الخروج من ذلك الجو الكئيب، فبعد بكاءهما معًا تناولا فطورهما سويًا تحممت ثم قامت بتأدية فروضها و سار اليوم على ذلك المنوال بعدها جلست على الأريكة و هو في الداخل انسحب من أمامها حتى يترك لها المجال تتحرك في الشقة كما تريد، و فجأة وجدته يقترب منها وهو يقول بمرحٍ:
مساء الخير يا فندم، حضرتك تؤمري بأي حاجة؟"
ابتسمت على طريقته ثم حركت رأسها نفيًا، جلس هو ينظر أمامه على الشاشة و ما تشاهده فقال بسخرية:
بتتفرجي على الظالم و المظلوم ؟! هي ناقصة اكتئاب يعني يا هدير؟ دا الدموع من امبارح فتحت في وشنا زي الخزان المخروم"
ضحكت باتساع على سخريته ثم حركت كتفيها بقلة حيلة، فوجدته ينسحب من جانبها ثم اقترب من الشاشة و قام بوضع فلاشة بها و هو يقول بمرحٍ:
وليد قبل كدا اداني الفلاشة دي و قالي عليها أفلام عبلة بتحبها، ما تيجي نشوف كدا بتقول إيه"
أومأت له موافقة فوجدته يجلس بجانبها من جديد ثم أمسك جهاز التحكم يُقلب بين محتويات الفلاشة و فجأة اتسعت ضحكته وهو يقول بسخرية:
هي العيلة كلها عندها عرق عبط بالوراثة؟ دي افلام كارتون، خلاص بقينا عيال للدرجة يعني"
ابتسمت هي له ثم أمسكت هاتفها تكتب له بمرحٍ:
لو سمحت متجبش سيرة عيلتنا...دا أولًا، ثانيًا بقى أنا بحب الكارتون أنا كمان على فكرة بس بقالي كتير مش متابعة، أنتَ بقى عندك حاجة غير الظالم و المظلوم"
قرأ رسالتها هو و حينما استشعر المرح في حديثها اتسعت بسمته الودودة ثم ارسل لها:
طب يا ستي حقك على دماغنا أنتِ و عيلة الرشيد كلها، طالما بتحبي الكارتون شغليلنا حاجة حلوة بقى"
قرأت رسالته هي فاتسعت بسمتها هي الأخرى ثم أخذت الجهاز من يده تختار الفيلم الذي ستشاهده و بعد ثوانٍ وجدها تترك الجهاز من يدها ثم أشارت له حتى يوجه بصره نحو الشاشة، امتثل هو لمطلبها فابتسم بسخرية وهو يقول:
أخرتها هنتفرج على سمكة تايهة؟ إيه النكد دا يا هدير"
نظرت له بتوعد ثم أمسكت هاتفها ترسل له بسرعة:
على فكرة بقى حلو و بحبه، لو مش عاجبك ادخل نام يا حسن و أنا هتفرج لوحدي"
حرك رأسه نفيًا باستفزاز ثم قال:
مش بمزاجك بقى على فكرة أنا كمان بحبه، و هتفرج معاكي عندًا فيكي....ولا أنتِ بجد عاوزاني أدخل تاني.... أهم حاجة تكوني مرتاحة"
سألها بجملته المستفسرة بخوفٍ و ترقب يخشى اجابتها، فوجدها تبتسم له ثم أمسكت هاتفها ترسل له:
لأ طبعًا خليك...أنا مبحبش أكون لوحدي و مش جاية هنا علشان كل واحد يقعد لوحده...و طالما أنتَ بتحبه اتفرج معايا بقى"
قرأ ما أرسلته له فوجد بسمته تتسع تلقائيًا عند تيقنه من تقبلها لوجوده، فألقى الهاتف من يده اعتدل في جلسته يقترب منها أكثر ثم قام بفرد ذراعها خلفها، حركت رأسها و تصنعت التجاهل فوجدته يقربها منه حتى نزلت رأسها على كتفه، فرفعت رأسها تنظر له بقلقٍ فوجدته يقول بخبثٍ ممتزج بمرحٍ طفيف:
خليكي كدا بقى دا فيلم كله مياه و توهة و هنغرق و احنا مش معانا عوامات.... رجعي راسك الله يرضى عليكي"
ابتسمت هي على طريقته المرحة فوجدته يمسك رأسها بيده يقربها منه و بيده الأخرى وضعها على كتفها، أما هي أمام ذلك الشعور الغريب الذي شعرت به لأول مرة، تنهدت بعمقٍ ثم ثبتت رأسها على كتفه، ابتسم هو حينما رآى خضوعها بتلك الطريقة، فمد يده ثم ربت على خصلاتها الناعمة و البسمة العذبة تزين ثغره، لا يدري لماذا لكنه يشعر أن له حياة أخرى معها ستزيل معاناة ما شعر هو به من قبل، ابتسمت هي باتساع حينما شعرت بأنامله تمتد داخل رأسها يدلكها بهدوء و لو تستطع التحدث لـ كانت طالبته بالبقاء هكذا بقية عمرها.
___________________
أنهى «عمار» عمله في المركز التعليمي و أثناء عودته لمنزله وهو يشعر بالحيرة و التخبط لا يدري ماذا يفعل، و لماذا هي فقط من يشعر القلب بذلك تجاهها، لماذا يرى فيها استثناء عن الجميع، لا يدري إن كان محقًا أم لا، لكن عيناه تشعر بالراحة عند رؤيتها، و مع زيادة تخبطه وجد نفسه يقف أمام المسجد، تنهد هو بعمقٍ خلع حذاءه و دخل المسجد، فوجد الشيخ «أيوب» و هو شاب من سن «ياسين» و كان صديقًا لهما في الصغر قبل سفره للخارج يكمل دراسته، اقترب منه «عمار» يقول مُرحبًا به:
السلام عليكم يا شيخ أيوب، وحشتني و الله"
رد عليه «أيوب» بمرحٍ:
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته يا عمار، قولتلك بلاش شيخ دي بحس انك داخل تسلم على جدك ..طبعًا دا شرف ليا أني اكون شيخ، بس خليها أيوب بس، زي ما بتنادي أخواتك"
رد عليه هو بطريقةٍ مهذبة:
شرف ليا و الله، بس أنتَ على راسنا كلنا يا شيخ أيوب، و كلنا بنحبك، المهم قولي أنتَ إيه أخبارك"
ابتسم له برضا ثم قال مجيبًا بنبرةٍ ممتنة:
الحمد لله في زحام من النعم و كرم ربنا عليا يا عمار، أنتَ إيه اخبارك مش بشوفك تصلي في الجامع يعني بقالك كام يوم"
أومأ له ثم قال مُردفًا:
أنا الحمد لله ربنا كرمني بشغل في السنتر اللي كنت باخد فيه الدروس، بس فيه مسجد هناك بصلي فيه الحمد لله..."
أومأ له باستحسان ثم سأله بتشككٍ:
إيه سبب الزيارة الكريمة دي طيب، أكيد احتارت علشان كدا جيت هنا"
تنهد «عمار» تنهيدةٍ قوية ثم قال بهدوء:
أنا فاكر لما كنت في ثانوية عامة أنا جيتلك علشان كنت خايف و محتار و كنت حاسس اني بذاكر على الفاضي و مش هوصل لحاجة، ساعتها أنتَ سألتني عن جدولي و فرحت لما شوفته علشان ياسين كان حاطط الصلاة و ورد القرآن أساسي في الجدول، ساعتها قولتلي إن حيرتي دي طبيعية و لما احتار تاني أجي بيت ربنا و هنا هلاقي الطريق الصح...صح؟"
أومأ له «أيوب» بـ حيرة فوجده يقول بنبرةٍ مهتزة:
أنا دلوقتي محتار....مش عارف أنا صح ولا غلط بس واثق إن إجابة السؤال هلاقيها هنا"
رد عليه «أيوب» بنبرةٍ مُشجعة:
اتكلم يا عمار مالك، قولي و أنا معاك أهو و ربنا يجعلني سبب لرشدك"
أومأ له إيماءة بسيطة ثم باغته بسؤاله الغير متوقع:
هو الحب حرام يا شيخ أيوب؟"
ابتسم له ثم قال بنبرةٍ مرحة:
الحكاية فيها حب ؟...لأ يا عمار الحب مش حرام"
سأله «عمار» بتعجبٍ:
طب لما الحب مش حرام ليه مينفعش نتكلم مع اللي بنحبهم"
رد عليه بحكمة مُردفًا له:
علشان اللي بيحصل باسم الحب يا عمار، الناس بقت بتستغل الكلمة دي في أغراض بشعة علشان توصل لهدفها، الحب دا معنى جميل و من أسمى المشاعر اللي ربنا خلقها في البشر، لأن هما بفطرتهم مُحبين .... لكن الحب مش حرام أبدًا"
سأله «عمار» بنبرةٍ تائهة:
طب لو هو مش حرام فعلًا، ليه مروحش أقول للي بحبه أني بحبه و خلاص، أحسن ما افضل كاتم المشاعر دي"
أجابها هو بهدوء يردف له أكثر:
علشان العلاقات العاطفية في السن الصغير دا و بدون روابط شرعية بتكسر القلوب و بتسبب جروح صعب تدواى مع الزمن، علشان كدا ربنا سبحانه وتعالى حرمها حفاظًا على سلامة القلوب، لأنها عاملة زي الحبل اللي بيلف حوالين رقبتك يا عمار، واحدة واحدة تلاقي نفسك بتقع في معاصي و ذنوب أكبر من طاقتك، و تلاقي نفسك في الأخر محروم من الحاجة اللي حبيتها، علشان البداية كانت غلط"
تفهم «عمار» حديثه و أدرك مقصده لذلك قال بهدوء:
أنا حبيت واحدة...شوفتها كام مرة و غصب عني حسيت بمشاعر ناحيتها، بس و الله العظيم عمري ما حاولت اتكلم معاها، دايمًا محافظ عليها حتى من مجرد نظرة عين، علشان أنا نفسي ربنا يكرمني بيها"
ابتسم له «أيوب» ثم قال:
ما شاء الله يا عمار، أنتَ راجل ناضج مش مجرد عيل صغير، عامر كان علطول يقول إنه عاوز يزرع فيك الرجولة من صغرك و بصراحة اخواتك نجحوا في دا"
بادله «عمار» البسمة بمثيلتها وهو يقول بحب:
هما الأربعة علموني كل حاجة في حياتي، كبرت و وعيت على الدنيا بوجودهم فيها، أي قرار باخده في حياتي بيكون بعد اتفاقهم عليه، و دلوقتي برضه أنا خدت قراري بعد كلامهم"
سأله «أيوب» بهدوء:
قولي يا عمار أنتَ بتشوف البنت دي؟ يعني بتتعاملوا سوا"
أومأ له بخجلٍ ثم قال:
مش بايدي و الله بس هي جت تاخد دروسها في نفس المكان اللي أنا بشتغل فيه و غصب عني هي قصادي علطول"
أومأ له مُتفهمًا ثم قال بحكمة:
بص يا عمار الحب دا هو أساس الحياة و علشان هو شيء بغير ارادتنا ربنا جعل الجواز هو رابط الحب دا علشان كل شيء يكون بالحلال، ربنا خلق سيدنا أدم في الجنة لوحده و لما سيدنا أدم افتقد الونس ربنا خلق أمنا حوا من ضلعه يعني من جنب قلبه، الجواز هو شيء عظيم بيربط قلوب المحبين ببعض، إنك تحب دا شيء كويس، لكن إزاي تحافظ على الحب هو دا السر"
سأله «عمار» بتعجبٍ من حديثه:
سر ؟! سر إزاي يعني"
رد عليه مُردفًا:
إنك تحافظ على قلبك و قلب اللي بتحبه من الوجع، إنك تبعد عن الذنوب والمعاصي اللي ممكن تدخل بينكم، إنك متغضبش ربنا فيها علشان ربنا يجمعك بيها، إنك تدعي ربنا يجمعك بيها علشان الطريق يسهل عليكم، حافظ على نفسك و عليها علشان تبقى هي مكافأتك في الدنيا"
ابتسم له باتساع ثم سأله ببلاهة:
يعني الحب مش حرام ؟!"
حرك رأسه بيأسٍ تزامنًا مع ضحكته الطفيفة ثم بهدوء:
الحب لو حرام مكانش سيدنا محمد صلَّ الله عليه وسلم حب و دا ظهر من قوله:
لم يخْجَل حين قال
{خشِيت على نفسي فذهبتُ إلى خديجة }
لم يذهب إلى قبيلتهِ ولا عشيرتهِ اللّذان هما الأحَق...كأنّهُ أرادَ إخبارَنا فيما بعْد
خديجة هي قبيلتي وكل أُناسي"
إنه الحَبيب المُصطفى الذي علَّمنا كيف يكُون الحب حقاً...صلُّوا عليهِ وسلِّموا تسْليمًا، ولا قول الإمام على -
لا خَيرَ بَعدكِ في الحيَاةِ وَإنّمَا أَبكي مَخافةَ أن تطولَ حيَاتي."
- الإمَام عليّ لفاطِمَة بعدَ وَفاتِها.
تفتكر كل دا و الحب حرام ؟ إحنا اللي بنعمل الغلط و نرجع نحرم في الحلال علشان بنغلط و نمشي في غلطنا أكتر، عندك أهو اخواتك الأربعة ربنا كرمهم و اتجوزوا علشان مفيش واحد فيهم عمل حاجة حرام، و أسأل أي واحد فيهم هتلاقيه فرحان علشان اختياره كان بالحلال، و أكبر مثال فيهم دكتور ياسر شوفت كام مرة قصادك يجي يدعي ربنا يجمعه بيها و عمره ما فكر يعمل حاجة غلط و لا تغضب ربنا، و في الأخر الحمد لله ربنا كرمه و جمعه بأمنيته، الفكرة يا عمار إن أي حاجة هتغضب ربنا علشانها هتتحرم منها و هتدوق وجع فراقها، لأن بدايتك فيها كانت غلط"
ابتسم له «عمار» بحبٍ ثم قال:
أنا اختارت صح لما جيت هنا، ربنا يكرمك يا شيخ أيوب و عاوزك تدعيلي ربنا يكرمني".
___________________
أمام نهر النيل و مع نسمات الهواء الدافئة التي داعبت وجهيهما ابتسمت هي باتساع و هي تتنفس الصعداء بعمقٍ و هو يراقبها باهتمام حتى اتسعت بسمته على ملامحها ثم قال بهدوء:
أحسن دلوقتي ولا لسه فيه حتة هطل عندك، طمنا عليك يا نجم"
نظرت له و هي تبتسم ثم قالت:
أنا كويسة علشان معاك و فرحانة بوجودي جنبك، غير كدا بصراحة مش فارقلي يا ياسين"
اقترب منها أكثر في جلسته ثم سألها بنبرةٍ مقررة:
و أنا أتمنى ان كلامك يكون صح و مش مع أول حاجة تزعلك تاخدي جنب مني علشان أنا مينفعش تزعلي مني أصلًا"
أومأت له مؤكدة ثم أضافت:
بص علشان مبقاش كدابة يعني أنا اتضايقت لما شوفتها علشان حسيت إنها قللت مني و هي معاها حق فعلًا إن مستوى تعليمها أحسن مني و يمكن جمالها ما شاء الله مُبهر أوي، حسيت ساعتها إني فاشلة و ضيعت عمري كله من غير أي نجاح يذكر فيه.... بس برضه سرحت أكتر افتكرت إنك بتحبني كدا يعني أنا لو وحشة مش هشوف الحب في عينك كدا يا ياسين"
زفر هو بقوة ثم رد معقبًا:
قولتلك قبل كدا إن أنا فخور بيكي أيًا كان اللي بتعمليه يا خديجة، أنا عيوني ملهمش غير عيونك أنتِ، و مش نجاح و لا شغل و لا جمال حد هو اللي بيحدد قيمته يا خديجة، اللي بيحدد قيمة البشر هو قلبهم و طيبتهم و قدرتهم على فرحتهم لغيرهم، تقدري تقوليلي واحدة زي نسرين دي لما شافتك شوفتي في عينها فرحة ليكي؟ خالص....دا يدل على إن الشخص دا ملوش قيمة أصلًا، طول ما فرحة غيرك مسببة ليك زعل يبقى أنتَ إنسان ناقص و غير سوي نفسيًا و هي معندهاش سلام نفسي فاكرة إن الحياة صراع و حرب علشان مين أنجح و مين أشطر و نسيت إن الكرم كله من عند ربنا و إن الأرزاق بيده سبحانه و تعالى
و بعدين هي لو قللت منك أنا مسكتش و عمري ما أسمح حد يزعلك و لا حد يفكر يهينك و أسكتله، علشان كرامتك من كرامتي و أهم كمان"
ابتسمت باتساع حتى أوشك فمها على التيبس فوجدته يزفر بضيق ثم قال بهدوء:
هحكيلك حدوتة حلوة أوي يا خديجة،
فيه واحد يا خديجة لقى حجر كريم نادر أوي و ابنه معاه، المهم ابنه سأله هنعمل بيه إيه مش هنعرف نتصرف بيه، أبوه قاله هتروح أربع أماكن و كل مكان فيهم تروحوا تقولهم عاوز أبيع الحجر دا و كل ما حد يسألك على سعر شاور بإيدك رقم اتنين و تعالى قولي عملت إيه من غير ما تبيعه"
كانت تنصت له بحماس و بكامل تركيزها فوجدته يضيف من جديد بعدما تأكد من انصاتها له:
المهم اليوم الأول الولد راح فعلًا لمكان صغير زي محلات الخردة و قالهم عاوز أبيع الحجر دا و لما سأله على السعر الولد شارو بايده على رقم اتنين، الراجل ساعتها قاله ٠٠ ٢ جنيه ؟ المهم الولد سابه و مشي و راح مكان تاني خاص بالتحف بس كان على قده شويه، ساعتها الراجل سأله على السعر
الولد شارو بايده على رقم ٢ ساعتها الراجل اتكلم بكل حماس و قاله ٢٠٠٠ جنيه، سابه الولد و مشي و راح لمكان تالت أكبر و أرقى من اللي قبله و برضه سأله على السعر شاور بإيده على نفس الرقم الراجل رد عليه و قاله معقول ٢٠٠٠٠ جنيه، سابه الولد و مشي و راح مكان زي القصر بيفهم في التحف و الانتيكات كويس جدًا، طلعله الولد الحجر و قاله إنه عاوز بيبعه الراجل سأله على السعر، فـ الولد شارو بايده على رقم اتنين ساعتها الراجل قاله مش معقول ٢٠٠٠٠٠ جنيه؟ الولد ساعتها استغرب أوي و بان على وشه الراجل ساعتها قاله إن دا حجر نادر جدًا و إنه موجود في أماكن قليلة أوي علشان لما بياخد طاقته من الشمس بيدي إضاءة و دي معلومة مش كله يعرفها، الولد سابه وراح قال لباباه كل حاجة حصلت، ساعتها باباه قاله إن هيفهموا الغرض من الحكاية و إن كل عين بتشوفك على حسب ما هي متعودة، اللي واخد على الفرحة لغيره هيفرح ليهم حتى لو هو زعلان و اللي واخد دايمًا يعمل قيمة للناس هيشوفهم كلهم حلوين، الغرض التاني إن جمالك في قلبك و إن اللي عارف حقيقتك بجد هو الوحيد اللي هيقدر جمالك و قيمتك، كل مكان فيهم ادى سعر للحجر على حسب تعودهم و على حسب السعر المتداول في إيديهم...ها فهمتي حاجة ؟"
أومأت له بقوة و كأنها طفلة صغيرة تستمع لحديث والدها تزامنًا مع بسمتها التي رسمت على وجهها تزينه، فوجدته يبتسم هو الأخر لها لذلك اقتربت منه تقول بهدوء:
عارف لو مكناش في الشارع، كنت بوستك و الله علشان الكلام الحلو دا"
ابتسم هو بسخرية تزامنًا مع رفعه لذراعه يلوح به و هو يقول متهكمًا:
يا شيخة اتنيلي، دا أنتِ مبوستنيش في بيتنا هتبوسيني في الشارع، بطلي فشر بقى"
ردت عليه بحنقٍ:
تصدق أنا غلطانة و الله، يلا علشان عاوزة أشرب الجهينة ميكس بسرعة"
ضحك هو عليها ثم أمسك رأسها و هو يقول بانفعالٍ زائف:
يا بت هتشليني .... أنا حاسس أني مخرج عيلة صغيرة"
ابتعدت عنه و هي تبتسم باتساع ثم قالت بمرحٍ:
يعني هو أنا كبرت يا عم ؟ و بعدين أنا اتحرمت من طفولتي خليني بقى أطلعها عليك"
رغم لمحة الحزن التي ظهرت على وجهه إلا أنه آثر إخفاؤها بقوله المرح:
و أنا عيوني ليكي يا خديجة، المهم إن بيتي يفضل هو أأمن مكان ليكي في الدنيا"
اتسعت بسمتها أكثر ثم شبكت كفها في كفه بقوة ثم رفعت رأسها تطالعه بحب فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ:
يلا نروح علشان تبوسيني في البيت طالما حِجتك الشارع"
___________________
نزل «وليد» غرفته ثم جلس بها بعدما بدل ثيابه و تواصل مع أخوته يخبرهم بتفاصيل العمل و بعد إنتهاء المكالمة وقف يستند على مكتبه و رغمًا عنه وقع بصره على صورتهما سويًا أخذ الصورة ينظر لها بأعين دامعة ثم رفع أنامله يتلمسها و رافق فعلته تلك الدموع من مقلتيه نزلت رغمًا عنه و هو يتذكر نظرة اللوم التي طالعته بها و هو يتركها زفر هو بقوة ثم احتضن الصورة و هو يقول ببكاء محدثًا نفسه:
حقِك عليا و الله....أنا بعمل كدا علشانك أنتِ، مش عاوز وليد القديم يضيعك مني زي ما هو ضاع مني....غصب عني والله....و الله غصب..."
أجهش في البكاء بعد كلمته الأخيرة و الدموع تسيل على وجنتيه و كأنها أمطار موسمية، تحرك نحو فراشه و الصورة في يده ثم ارتمى عليه و بعدها أخرج هاتفه ثم فتحه على صورتها و هي تضحك باتساع فوجد نفسه يبتسم بقوة و كأنها تبتسم له بعدها قام بتكبير الصورة حتى وصل إلى عينيها فتنهد بعمقٍ ثم قال بحب وهو يحدق النظر بهما:
عيونك لونهم زي العسل الصافي، شفا للقلب و أنا بخت قلبي بعيونك، هما الجنة ليا و من غيرهم أنا فـ غربة اللي زيي يضيع فيها"
____________________
في غرفة «عبلة» جلست هي تبكي بقوة بعد تجاهله لها، فأمسكت هاتفها ثم وضعت مقطع فيديو قصير عبر تطبيق الواتساب و كان المقطع لمغني عربي شهير و كلماتها تعبر عن حالتها معه و هي:
أحلام بيك افتكرت هحققها و في ليلة نمت مصدقها.....و صحيت لقيتها كلام....و ياريت أنا خدت بالي من الأول كان العذاب مش هيتطول ولا بالندم حسيت...أحلام بيك افتكرت هحققها و في ليلة نمت مصدقها...و صحيت لقيتها كلام"
بعدها جلست تبكي من جديد، فوجدت كلًا من «جميلة» و «طارق» و أحدهما يطرق الباب، فمسحت دموعها بكفيها معًا ثم سمحت لهما بالدخول بنبرةٍ متحشرجة من البكاء، فدخلا سويًا و أول من أمعن النظر في وجهها كان شقيقها، الذي اقترب منها مسرعًا يمسك وجهها بين كفيه و هو يسألها بنبرةٍ متلهفة:
مالك يا عبلة بتعيطي ليه؟ عينك وارمة من العياط ليه"
أمام لهفة شقيقها عليها احتضنته بقوة ثم بكت بين ذراعيه بقوة، أما فتعجب منها لذلك جلس بجانبها و هي بين ذراعيه تبكي بقوة فحرك ذراعه الحُر ربت عليها و هو يقول بحنانه:
بس....بس علشان خاطري و عرفيني مالك، مين زعلك يا عبلة"
مسحت دموعها ثم قالت له بنبرةٍ مختنقة:
محدش زعلني، أنا مخنوقة شوية مش أكتر"
تحدث هو يقول بسخرية:
و هي الخنقة دي تخليكي تسمعي تامر عاشور و تنكدي على عامة الشعب كدا؟ وليد هو اللي مزعلك صح"
كانت جملته مقررة أكثر من كونها مستفسرة مما جعلها تخفض بصرها للأسفل حتى تهرب من مواجهته لها، فوجدته يزفر بقوة ثم قال:
يبقى هو، تحبي أطلعله أتكلم معاه علشان و أخليه يعيط زيك كدا، و لا تحبي نفضها سيرة خالص و أخليه يرمي عليكي اليمين ؟"
تدخلت «جميلة» مسرعة و هي تقول:
أنتَ بتقول إيه يا طارق ؟ لأ طبعًا مينفعش دي مشاكلهم و هما أحرار سوا، لكن إحنا مينفعش نتدخل بينهم"
رد عليها مُردفًا بثبات:
ليه يعني؟ طالما مش عارف يقدر قيمتها يبقى يسيبها أحسن، من دلوقتي و عمالة تعيط أومال نهايتها هتبقى إيه يعني...خلاص أنا هطلع أقوله يسيبها أحسن"
و قبل أن يهم بالوقوف وجد «عبلة» تمسكه من يده و هي تقول بتوسلٍ ممتزج بالبكاء:
لأ يا طارق معلش....دي مشكلتي أنا و هو سوا و هنحلها مع بعض، هو أصلًا مخنوق بقاله فترة و أنا علشان كدا مخنوقة"
سألها هو بنبرةٍ أقوى:
يعني مش عاوزاني أكلمه يا عبلة؟ أنتِ عارفة إنك بنتي و عمري ما أستحمل حاجة عليكي و لا حتى دمعة من عيونك دي"
أومأت له بتفهمٍ ثم أضافت:
عارفة يا طارق بس علشان خاطري خلينا احنا نتصرف مع بعض بطريقتنا علشان الأمور متاخدش أكبر من حجمها"
وافقتها «جميلة» في الحديث من خلال قولها:
جدعة يا عبلة، و الله العظيم أنا فرحانة بيكي و بتفكيرك أوي، أصل أنتو الاتنين واحد و الزعل هيصفى بمجرد كلمة حلوة من حد فيكم، لكن الأهل هما اللي بيفضلوا زعلانين و طارق و وليد شكلهم مرتبطين ببعض"
تدخل «طارق» يقول بتوعد:
بس دا ميمنعش إني برضه هربيه..... علشان عبلة أختي مينفعش تعيط كدا و لا تستاهل إنه يزعلها كدا"
_____________________
في شقة «حسن» تابع هو الفيلم بحماس و هي معه حتى غفت قبل نهايته و هي بين ذراعيه، و بعد نهاية نظر في وجهها فوجدها مستسلمة للنوم العميق و كفها متشبث بملابسه بقوة، فوجد نفسه يبتسم تلقائيًا فوجد نفسه يرفع كفه ثم ربت على رأسها بحنان و هو يتذكر بكاءه معها حينما مدت أناملها تمسح دموعه و كانت هذه أول مرة منذ سنوات تحدث له و فجأة تذكر أن كليهما منذ وجبة الإفطار لم يتناول شيئًا بعدها، لذلك أيقظها وهو يقول متعجلًا:
هدير ... هدير أصحي يلا"
استيقظت هي منتفضة من بين ذراعيه فوجدته يقول مطمئنًا لها:
إهدي... إهدي، أنتِ نمتي في نهاية الفيلم و أنا كملته قولت أصحيكي علشان تنامي جوة"
أومأت له موافقة ثم اعتدلت في جلستها على الأريكة و هي تفرك كفيها معًا فوجدته يقول بخبثٍ:
تعالي يلا علشان تنامي و علشان أغطيكي"
نظرت له بتوترٍ تريد اخباره بجوعها لكنها غير قادرة على ذلك فوجدته يمسك يدها ثم أوقفها و هو يقول بهدوء:
اللي أنتِ عاوزاه أطلبيه مني علشان دا بيتك، أنتِ هنا ملكيش غيري و لا أنا ليا غيرك يا هدير مش هنروح نقول للجيران عاوزين إيه، المهم أنتِ جعانة؟"
أومأت له موافقة بقوة فوجدته يضحك عليها ثم أمسك كفها و هو يقول:
طب تعالي معايا المطبخ يمكن نلاقي حاجة حلوة فيه....أصل أنا مبعرفش أطبخ"
ابتسمت هي له ثم أخرجت هاتفها من جيب ردائها ثم أرسلت له بهدوء:
أنا بعرف أطبخ على فكرة، آه مدخلتش بقالي شهور بس بعرف أطبخ الحمد لله افتحلي التلاجة بس و ملكش دعوة"
أخرج هاتفه يقرأ ما أرسلته له فابتسم لها ثم بدل ملامحه إلى أخرى متوعدة و هو يقول:
في الأخر طلعتي بتعرفي تطبخي و سايباني لايص في المطبخ لوحدي، حرام عليكي يا ستي"
ابتسمت هي له فوجدته بدلف بها المطبخ ثم قام بفتح الثلاجة الممتلئة بالطعام و المعلبات، نظرت هي باندهاش للثلاجة ثم أرسلت له:
التلاجة مليانة حاجات كتير تتفع و سريعة، أومال أنتَ متعرفش إزاي"
رد عليها هو بإحراج تزامنًا مع رفعه لكفه يحك فروة رأسه و هو يقول:
مش عارف أنا قولت لأم أمل تطلب من السوبر ماركت حاجات كتير علشان الشقة كانت فاضية، أنا دفعت الحساب بس مش أكتر"
أومأت له متفهمة ثم اقتربت من الثلاجة و بعد فحصها أخرجت منها علبة كبيرة الحجم و يرافقها علبة صغيرة الحجم، ثم أغلقت الثلاجة، فوجدته يقطب جبينه و هو يسألها بنبرةٍ حائرة:
هما دول أكل أصلًا ؟ أنا فاكرهم علب أيس كريم و الله و مستغرب حجمهم"
حركت رأسها نفيًا بيأس ثم وضعت الأشياء من يدها بعدها أخرجت هاتفها ترسل له:
حرام عليك يا حسن هتموتني و الله، دي علبة فراخ جاهزة على التحمير و دي علبة بطاطس زيها برضه جاهزة على التحمير، أي عيل صغير ممكن يعملهم أصلًا"
قرأ رسالتها بعدما وصلته عبر هاتفه، فوجد نفسه يبتسم تلقائيًا لذلك قال هو بحزن مصطنع:
ربنا يكفيكي شر العذوبية و الوحدة، أنا حافظ رقم مطاعم مصر كلها و بيتي مخروب بالدليفري لو أعرف إن فيه أكل سهل كدا كنت جبته"
ابتسمت له ثم أرسلت له بهدوء:
حصل خير ، أنا هنا خلاص متشيلش هم حاجة و خصوصًا الأكل"
قرأ هو الرسالة فرفع رأسه يبتسم لها و هو يقول بحب:
أنا واثق إن فـ وجودك حاجات كتير هتتصلح"
_________________
انتهى اليوم على الجميع منهم من يشعر بالأمل و منهم من يشعر بالخذلان و منهم من يشعر بالانتصار، عدة مشاعر مختلطة على الجميع و في صباح اليوم التالي ذهب الجميع إلى عملهم في يوم روتيني يشبه سابقه، حتى «هدير» غفت بين ذراعيه بعدما تحجج هو بكوابيسها، و في وسط اليوم في عائلة الرشيد ، دخل «أحمد» شقة عمه «محمد» باحراجٍ من الجميع فوجد عمه يقول بحنقٍ:
أسمع ياض أنتَ لولا هي رجعت من الدرس مش فاهمة حاجة مكانش زماني موافق، قال يعني هي هتركز في الدرس معاك"
ابتسم له باستفزازٍ ثم قال:
عارف يا عمي، أنا مش جاي علشان أحب أنا جاي علشان أشرحلها اللي مش فهماه و هغور من هنا، عاوز حاجة تانية"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بنفس الحنق:
هعوز منك إيه يعني ادخل يلا علشان تشرح الدرس، ادخلي يا عبلة هاتيله كوباية عصير زيه زي أي مدرس غريب"
حرك رأسه بيأسٍ من عمه ثم جلس أمام «سلمى» على الطاولة، فخرجت له زوجة عمه تقول بمرحٍ:
عقبال ما ربنا يجبر بخاطرنا و أشوفكم قاعدين كدا يوم كتب الكتاب و المأذون بينكم يا رب"
أخفضت «سلمى» رأسها بخجلٍ بينما «أحمد» اتسعت بسمته أكثر ، لذلك قال «محمد» بحنقٍ:
ادخلي جوة يا سهير بدل ما أجيب المأذون يطلقنا، أنتِ هتشليني"
لوحت له بكفها ثم قالت بلامبالاة:
خليك كدا مكلبش فيهم لحد ما يهجوا و يسيبوك"
تدخلت «جميلة» تقول بنبرةٍ ضاحكة:
بصراحة يا خالو أحمد راجل محترم أوي و صاين العهد، و وليد عبلة مراته يعني أنتَ مزودها شوية"
نظر لها بتعجبٍ ثم قال بحنقٍ زائف:
بقى كدا ؟ طيب من النهاردة تنامي في أوضة عبلة أو سلمى، طالما أنا مزودها"
تدخل «أحمد» يقول بحنقٍ زائف:
بقولك إيه يا عمي ملكش دعوة بأختي، هي حرة تعمل اللي هي عاوزاه و تنام مكان ما هي عاوزة، مش عاجبك يبقى تطلع بيت أخوها فوق"
ردت عليه «جميلة» بحب:
الله يباركلي فيك يا أحمد، تصدق أنا اللي هجوزهالك"
بعد دقائق انسحب الجميع من أمامهما عدا جميلة التي جلست على مقربةً منهما، و «عبلة» التي جلست في الشرفة تتابع الزهور الموضوعة بها، في الخارج شرع «أحمد» في شرح المنهج لـ «سلمى» و هي تنصت له و «جميلة» التي تتابع شرحه باعجابٍ واضح و بعد فترة قصيرة سمعته يقول:
كدا أنتِ فهمتي الجرامر الباقي بقى عليكي أنتِ علشان كله تبع حفظ الكلمات"
ردت عليه هي بهدوء:
أنا كانت مشكلتي في تصريفات الأفعال مش أكتر، لكن كدا فهمتها منك حلو أوي و هحل عليها و أبقى أوريك الحل"
أومأ لها موافقًا فوجد «جميلة» تقترب منه تقول بمرحٍ:
دا أنتَ طلعت مدرس شاطر أهو، عجبتني طريقة شرحك و على فكرة أنتَ هتبقى مدرس شاطر جدًا"
ابتسم هو لها ثم رد معقبًا:
ربنا يجبر بخاطرك إن شاء الله، بس أنا مش هكمل في مجال التدريس، أنا حابب الشغل مع أخواتي و بصراحة مش حمل أني أناهد مع عيال بقى"
ردت عليه تنفي حديثه:
بالعكس أنتَ ممكن تكون مدرس ليك تأثير لأنك صبور ماشاء الله مش عصبي و اللي زيك بيكونوا قليلين جدًا"
تدخلت «سلمى» تقول بخجلٍ:
على فكرة شرحه حلو أوي...أقصد يعني فهمت علشان المعلومة وصلت بسرعة، و فهمت من وليد برضه"
ردت عليها «جميلة» بمرحٍ:
أنتِ مين قدك أنتِ، أحمد هيذاكرلك انجليزي و وليد هيذاكرلك كيميا و فيزيا و أنا هذاكرلك العربي و طارق الأحياء و الجيولوجيا و الله العظيم لو مطلعتيش من الأول تبقي بتستعبطي"
أتى «محمد» من الداخل يقول بمرحٍ:
خليها كدا تقصر في دراستها علشان مخليهاش تتجوز أحمد و لا أخليه يشوفها تاني"
تدخل «أحمد» يقول بتوسلٍ:
أبوس رجلك تذاكري و تجيبي مجموع علشان أبوكي واقف معايا على الزرار، دا بيتلكك"
________________
في شركة أحفاد الرشيد كان ثلاثتهم مع بعضهم يتابعون العمل، فقال «وئام» بنبرةٍ عملية:
دلوقتي فيه شركة بعتت تصميمات غريبة أنا مش فاهم منهم حاجة و بيقولولي حرك اللوجو شمال شوية، سألت حسن قالي ابعتهم و هو هيتصرف معاهم .... أشيل إيدي خلاص كدا"
أومأ له «طارق» ثم قال بنفس الطريقة العملية:
خلاص طالما حسن قالك كدا يبقى هو هيتصرف أحسن، روح بس ابعتله الحاجة علشان يخلص الشغل من البيت و يبعته"
أومأ له «وئام» ثم تحرك من أمامهما، أما «طارق» فرفع حاجبه ينظر لذلك المتبلد الذي يجلس أمامه بملامح وجه غير مبالية، لذلك سأله بحنقٍ:
أنتَ إمتى هتبطل برود و تناحة علشان أنا جبت أخري منك"
زفر بقوة ثم سأله بضيق:
نعم يا طارق خير؟ مضايقك فـ إيه"
رد عليه «طارق» بحنقٍ:
هو أنتَ مش شايف نفسك غلطان خالص؟ مزعل عبلة و مخليها تنام معيطة و شايف إن دا عادي ؟ احنا ما صدقنا تكونوا سوا بتبعدها عنك ليه"
نظر لها بتهكمٍ واضح ظهر جليًا فـي نبرته و هو يقول:
و هي الاستاذة بقى اشتكتلك يا طارق؟ و جاي تحاسبني و لا إيه"
رد عليه «طارق» بانفعالٍ واضح:
يا بني متعصبنيش بقى، هو دا كل اللي همك؟ هي لو اشتكت أنا هرتاح، لكن أنا بكلمها شيلت نفسها الغلط، و عبلة مبتغلطش نفسها علشان أي حد غير لو هو ليه غلاوة عندها"
أومأ له «وليد» ثم قال بهدوء:
هو سوء تفاهم و هيخلص إن شاء الله متشغلش بالك أنتَ"
تحدث يقول بنبرةٍ معاتبة:
يعني هو أنا لو مشغلتش بالي بأخواتي هشغله بمين، أنتَ النهاردة هتيجي معايا نحل سوء التفاهم دا، مش هسيب الزعل يدخل بينكم"
زفر «وليد» بقوة و قبل أن يرد عليه وصلته مكالمة هاتفية من رقم «خالد» تعجب هو حينما رآى رقمه لكنه قام بالرد عليه فوصله صوته يقول بمرحٍ:
قبل ما تستغرب أني كلمتك حبيت أعرفك إننا هنتجمع عند ميمي النهاردة و عاوزينك معانا"
حمحم «وليد» بقوة ثم قال باحراج:
خليها مرة تانية يا خالد معلش، ورايا كذا حاجة و عندي مشوار بليل"
رد عليه «خالد» مقررًا برفض:
مستحيل، أنتَ هتيجي معانا علشان خاطر ميمي حتى، و بعدين يعني هي دي الأخوة اللي بينا"
شعر «وليد» بالاحراج منه لذلك قال بهدوء:
خلاص متبقاش قفوش كدا، هاجي معاكم بليل، يدوبك اتحرك من الشغل"
كان «طارق» ينظر له بترقبٍ فوجده يقف و هو يقول متعجلًا:
سلام يا طارق علشان ورايا مشوار مهم، هبقى أكلمك أنا بليل"
قال حديثه ثم أمسك محتويات على عجالة و هو يهرب من نظرات «طارق» المتعجبة منه.
على الجهة الأخرى في سيارة «خالد» تحدث «عامر» يسأله مستفسرًا:
برضه مش فاهم ليه أنتَ اللي كلمته مش ياسين؟ متحسسنيش أني غبي"
رد عليه «خالد» بسخرية:
لأ فشر يا حبيبي، أنتَ المفروض تتأكد إنك غبي، بس هقولك أنا، ياسين قال نكلمه علشان يحس إنه مننا و إنه مش غريب وسطنا، يعني هو محروج مننا و فاكرنا مش هنقبله وسطنا"
أومأ له «عامر» بتفهمٍ، فوجده يوقف السيارة أمام أحد الأسواق التجارية الكبرى ثم نظر له و هو يقول بتهديدٍ واضح:
شوف بقى ..أنا نازل أجيب حاجات ليونس من هنا يمين بالله لو خرجت لقيتك عامل مصيبة لأخلي وقعتك طين فوق دماغك، تستنى بأدب لحد ما أخرج"
رد عليه «عامر» بانفعالٍ واضح:
فيه إيه يا عم خالد هو أنا عيل صغير؟ عيب عليك أنا راجل محترم و فاتح بيت، متصغرناش بقى يا عم"
أومأ له «خالد» ثم قال بجدية:
شاطر يا عامر، قول لنفسك بقى الكلام دا لحد ما أخرج من هنا.
___________________
بعد فترة قصيرة من الوقت تقابل كلًا من «ياسين» و «وليد» و «ياسر» أسفل بيت «ميمي» و بعد تبادل التحيات بينهم، سأل «وليد» بتعجبٍ:
أومال فين عامر و خالد؟ مش المفروض وقتكم واحد"
تدخل «ياسر» يقول مُردفًا:
هما سبقونا علشان أنا كان عندي حالة مهمة ولازم أتأكد من التقرير قبل ما أمشي علشان كدا اتأخرنا"
أومأ له بتفهم ثم صعدوا معًا إلى الشقة و بمجرد دخولهم الشقة وجدوا المنظر كالمعتاد دائمًا حيث «عامر» فوق الطاولة و «خالد» في الأسفل يقف له بتوعد و هو يقول بضجرٍ:
انزل يا عامر علشان السفرة جابت آخرها منك و مني معاك"
ضحكوا ثلاثتهم بيأسٍ، أما «وليد» فاقترب منهم يقول بنبرةٍ ضاحكة:
حصل إيه بقى المرة دي؟ على ما أظن كدا المشاكل عامر خلصها كلها خلاص"
تدخلت «ميمي» تقول بضيق:
و الله يا بني ما حد عارف، أنا قاعدة فـ أمان ليه لقيت عامر بيفتح الباب و داخل يجري على السفرة و خالد وراه و فـ إيده مولة سرير واخدها من قصاد الجيران"
ضحك الجميع عليهما، فتدخل «ياسين» يقول بهدوء مستفسرًا:
هببت إيه يا اللي ربنا يريحنا منك؟ هو أنتَ مفطوم على قلة الأدب يالا؟ خلاص مزاج عندك"
رد عليه يقول بقلة حيلة:
يا جدعان خالد اللي عصبي، و الله أنا كنت بحل موقف، هو اللي جه في الوقت الغلط"
سأله «ياسر» بتهكمٍ:
خير مين كان مزنوق المرة دي؟ رونالدو بنفسه"
_"ربنا يسامحك يا ياسر بقى أخرتها بتتريق على أخوك، مكانش العشم"
تفوه «عامر» بذلك بنبرةٍ مصطنعة الحزن، جعلت «خالد» يقول بتوعد:
دا أنا هخلي العشم ينور على كل حتة في وشك يا ابن سيدة"
سأله «وليد» بضجرٍ:
يا بني أنتَ و هو احكولنا هبب إيه سي زفت"
زفر «خالد» بقوة ثم قال بضيق ممتزج بالانفعال:
الأستاذ كان معايا و احنا راجعين من الشغل المهم وقفت قدام كارفور علشان أجيب حاجات ليونس، و سبت العربية قدام السوبر ماركت حلو؟"
_"حـــــلــــــو"
خرجت من الجميع في آنٍ واحد، فأكمل هو حديثه بنفس النبرة:
أخرج و أنا شايل الحاجة ملقيش العربية و لا الأستاذ و أفضل ألف عليهم زي البطة البيكيني اللي ضايع منها عيالها"
نظروا جميعهم لـ «عامر» الذي ازدرد لعابه بخوفٍ فأضاف «خالد» يقول بصوتٍ جهوريًا:
و بعد ربع ساعة تدوير على الأستاذ ألاقيه في الجراج بيلعب بعربيات السوبر ماركت مع العيال الصغيرة و مش بس كدا، دا كمان ضارب عيل صغير جوة علشان يركب العربية مكانه، و اللي زاد و غطا و أنا خارج بيه لقيت الأمن بيوقفني بالعربية علشان البيه مشغل أغاني في العربية و بيرقص جنبها فكرها حنة أمه"
ارتفعت الضحكات عليه فقالت «ميمي» بقلة حيلة:
يخيبك يا عامر، أكبر بقى أنتَ مش صغير على حركاتك دي، أنتَ راجل مسئول دلوقتي"
رد عليه مردفًا بخوف:
و الله فيه واحدة كانت بتدور على ركنة و أنا حليت الموقف و سبتلها المكان و دخلت الجراج أستناه زهقت قولت أشغل مهرجان حلو كدا لحد ما يجي، ببص لقيت العيال بيلعبوا روحت ألعب معاهم، مش ذنبي أني جوايا طفل صغير"
أنزله «وليد» و هو يقول بهدوء:
طب خلاص بقى علشاني أنا يا خالد، و بعدين هو أنا جاي علشان أشاهد جمال أهاليكم على الترابيزة دي ولا إيه؟"
رد عليه «ياسين» بمرحٍ:
لا إحنا جايين ناكل الرز بلبن بتاع ميمي، و قولنا لازم تدوقوا معانا"
اقترب منها «عامر» يقول بحماس:
بقولك إيه شيلتي الحَلة اللي فيها البواقي على جنب و لا... غسلتيها"
خرجت كلمته الأخيرة باحباطٍ واضح جعلها تضحك بقوة ثم ربتت على كتفه و هي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
شيلتها متخافش، هتلاقيها جوة و متغطية على البوتجاز"
بعد مرور دقائق التفوا جميعًا حول الطاولة و هي معهم، و كلًا منهم أمامه طبق كبير من الحلو التي قامت بصنعه هي، فتحدث «ياسين» بعدما تذوق الحلو قائلًا باعجاب شديد:
تسلم إيدك يا ميمي، و الله ما حد بيعرف يعمل رز بلبن حلو زيك كدا، جامد"
ردت عليه هي بحب:
ألف هنا و شفا على قلبك يا حبيبي، ألف هنا و شفا على قلوبكم كلكم"
رد عليها «وليد» بمرحٍ:
بصي أنا مليش في الحلويات بس هو مغري أوي يعني تسلم إيدك بجد و الله"
تدخل «ياسر» يقول بمرحٍ:
أنا مش هقول لإيمان علشان متزعلش منك، و علشان أنتِ عارفة إنها بتحب الرز بلبن بتاعك"
ضحكت هي باتساع ثم قالت:
ريح نفسك أنا عاملة حساب البنات و كل واحد فيكم هياخد علبتين و هو ماشي، كالعادة واحدة يفطر بيها الصبح و واحدة لمراته، علشان ميتنكدش عليكم بسببي"
رد عليها «خالد» بطريقةٍ مسرعة:
الله يرضى عليكي، كفاية نكد يوم الماتش بسبب عديم الأدب دا، مش ناقصة نكد بقى"
ابتسم «وليد» بسخرية و هو يقول:
للأسف أنا ظالم و منكد عليها بقالي كام يوم و شكلي هنكد كام يوم كمان"
نظر له الجميع بدهشة فقال هو مُردفًا بنبرةٍ مهتزة:
فترة خطوبة بقى و بنشد و نرخي، بس بصراحة أنا شديت جامد"
سأله «عامر» بطريقة درامية:
بقولك إيه لقحت عليك ؟"
حرك رأسه نفيًا بهدوء فوجده يضيف:
طب بتسمع مين من ساعة ما زعلتها"
حرك «وليد» كتفيه ببساطة وهو يقول:
مش عارف بس أنا مش بفتح أصلًا نت كتير و لا بشوف أي حاجة لأي حد"
ضيق «عامر» جفنيه بشدة ثم قال بهدوء غريب:
ركز معايا يا بني، طول ما هي ساكتة و ملقحتش عليك يبقى تخاف و تقلق، و طول ما هي قافلة نت تخاف أكتر، شوفها بس منزلة إيه أخر حاجة"
أومأ له «وليد» ثم أخرج هاتفه و قام بتفتح تطبيق الواتساب ثم قام بالبحث عن إسمها فوجد المقطع التي قامت هي بتنزيله، فرفع الصوت و هو يقول بنبرةٍ مهتزة:
هي .... هي منزلة دي، معناه إيه يا عامر"
رد عليه «عامر» بنبرةٍ مشفقة:
لأ لأ ... يا ستار يا رب دي بتسمع تامر عاشور، يعني دخلت في سكة الطلاق"
تدخل «ياسر» يسأله حائرًا:
ماله يعني تامر عاشور يا عامر؟ هتلاقي الأغنية حزينة و عجبتها مش أكتر"
رد عليه هو بسخرية:
تامر عاشور دا سارة سابتني مرتين بسببه، بس أنا كنت برد عليها بأغاني عبدالباسط حموده"
تدخل «ياسين» يقول بهدوء:
أحسن حاجة إنك تحل الموقف بسرعة و متسبش تراكمات بينكم، لأن عمومًا الستات بيفرق معاها مدة الزعل أكتر من إنك تصالحها، ربنا يصلح بينكم إن شاء الله"
تدخل «عامر» يقول بمرحٍ:
ركز معايا يا عم وليد علشان أنتَ بقيت أخويا، أنا هبعتلك فيديو دلوقتي تنزله على الواتساب بليل، الصبح هتلاقيها بتكلمك"
نظروا جميعهم له فرفع حاجبه يقول بخبثٍ:
عاوزين نصون الوعد و لا يفرقنا بُعد"
قبل أن يستفسر «وليد» منه وجد هاتفه يصدح برقم «خلود»، فرد عليها هو بهدوء وجدها تقول بتلهفٍ:
وليد لو مش وراك حاجة تعالى معايا علشان عندي درس الساعة ٨ و هرجع الساعة ١١ و أحمد مش هنا نزل مع ماما"
سألها هو بتعجبٍ:
و هو فيه حد يدي درس الساعة ٨ بليل يا خلود؟ دا إيه الغباء دا"
انتبه «عامر» عند ذكر إسمها لحديث «وليد» فوجده يقول بقلة حيلة:
خلاص يا خلود أنا جاي اجهزي أنتِ أنا قريب من البيت أصلًا، بس أنا هستنى هناك و لا أرجع تاني"
ردت عليه هي بضيق:
مش عارفة يا وليد، تعالى بس وصلني علشان الوقت متأخر و المكان هناك وحش بليل و ابقى ارجع خدني تاني"
أغلق معها الهاتف و هو معتذرًا:
معلش بقى خلود عندها درس متأخر و هروح أوصلها، علشان أحمد مش في البيت"
تدخل «عامر» يقول مسرعًا:
طب ما عمار أخويا هناك، اطمن عليها و متقلقش"
نظر له الشباب جميعهم بضجرٍ و توعد عدا «وليد» الذي نظر له بحنقٍ رافعًا أحد حاجبيه، فأضاف هو بتلعثمٍ واضح:
أنا...أنا قصدي يعني...إنه زي أحمد و هيخلي باله منها علشان هي تبع ياسين"
أومأ له «وليد» باستحسان ثم أضاف:
معلش علشان الطريق زحمة و بعدين خلود مش بتحب تتحرك لوحدها علطول سلمى ملازماها"
قال جملته ثم وقف هو يقول بهدوء:
عن إذنكم و هبقى أكلمكم أنا و نتقابل تاني"
بعد حديثه مال على يد «ميمي» ثم قبلها بعدها نظر لها يقول بحب:
تسلم إيدك على الرز بلبن، دي أول مرة أكله في حياتي علشان أنا مش بحبه"
ربتت هي على رأسه ثم قالت بهدوء:
ألف هنا و شفا، وعد مني أعملك مرة لوحدك و تاكل فيه براحتك، أنا حبيتك أوي زيهم بالظبط"
أومأ هو لها موافقًا ثم لوح بيده للجميع و انسحب من أمامهم، و بعد مرور نصف ساعة توقف بسيارته أسفل بنايتهم، فوجد «خلود» تركض له ثم جلست بجانبه و هي تقول:
بسرعة علشان فاضل نص ساعة بس و المكان أكيد زحمة"
أومأ لها ثم سألها بهدوء:
هو عمار دا هناك علطول، يعني هروح ألاقيه هناك"
أومأت له موافقة ثم قالت:
آه هو مشرف في السنتر مش تبع مدرس"
أومأ لها موافقًا ثم شرع في تحريك مقود السيارة، و بعد ما يقرب العشر دقائق أوقف السيارة أسفل المركز التعليمي، ثم نزل و هي خلفه صعد هو أولًا و هي خلفه و قبل دلوفهما وجدته يمسك كفها بقوة ثم اقترب من مكتب الاستقبال و هو يقول بنبرةٍ جادة:
لو سمحت يا كابتن عاوزين نحجز درس تانية ثانوي بتاع التاريخ"
رفع «عمار» رأسه يطالعه حتى وقع بصره عليها و هي تمسك يده بقوة، شعر بالضيق منها لذلك رفع رأسه يطالعها بحدة، فبادلته هي النظرة بأخرى جامدة، أما «وليد» فتابع نظراته بخبثٍ و حينما طال صمته، قال بنبرةٍ جامدة:
ركز معايا يا أستاذ، عاوزين نسجل للآنسة، فيه ولا نروح"
زفر «عمار» بقوة ثم قال بهدوء حاول الاتسام به:
فيه يا فندم، الدرس فاضل عليه تِلت ساعة تقريبًا، بس هو مين حضرتك أول مرة أشوفك هنا مع الآنسة"
كان يسأله بنبرةٍ حزينة مهتزة، و قبل أن تتحدث «خلود» و جدت «وليد» يضغط على يدها ثم قال هو بثباتٍ:
لأ ابدًا أنا خطيب الآنسة مش أكتر"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شمس بكري
الأمر كله أمام تلك العيون....هي من جعلت القلب القاسي حنون.
___________________
المعضلة الوحيدة هنا أنك تملك عقلًا ناضجًا يبرز لك أن تلك الحياة لن تنفعك بشيء، مع قلبٍ رقيق مثل جناح الفراشة يخشى الوحدة حتى لا يصبح ممزقًا، و يقع كلاهما في جسدٍ هزيل لن يقوى على المقاومة... في كل الأوضاع أنتَ الخاسر الوحيد، الدموع في عيناكَ متحجرة و البكاء لن يفيد.
_"لا أبدًا أنا خطيب الآنسة مش أكتر"
تفوه «وليد» بقوله بملامح وجه ثابتة أمام ذلك الذي يطالعه بتعجبٍ تحول إلى الصدمة على الفور، أما هي فآثرت الثبات رغم ارتجافة يدها بين يده، أما «عمار» سأله بنبرةٍ مهتزة نتيجة صدمته:
أنتَ....أنتَ بتقول إيه، خطيبها إزاي يعني؟"
_"خطيبها زي الناس، هي الناس بتخطب ازاي يعني"
جاوبه «وليد» بنفس الثبات و بلامبالاة جعلت «عمار» يشعر بغصة قوية في حلقه و هو يزدرد لُعابه بقوة، ثم وجه بصره نحوها يسألها بنبرةٍ متقطعة:
هو ...خطيبك فعلًا ؟!"
قبل أن تُجاوبه هي وجدت «وليد» يقول بنبرةٍ جامدة:
كلامك معايا أنا، و بعدين هو أنا هكدب عليك يعني؟ خلينا بس في موضوع الدرس، فيه و لا أخدها ونمشي أحسن؟"
ضغط «عمار» على جفنيه بشدة حينما شعر بالخذلان، لكنه فتحهما بتروٍ ثم حرك رأسه بإيماءةٍ بسيطة ثم سجل بياناتها دون أن يطلب منها، بينما «وليد» ارتسم الخبث على ملامحه ثم وجه بصره نحوها فوجد نظرتها متسائلة عن ماهية ما يفعله، فحرك هو رأسه من جديد ينظر له فوجده مُطرقًا برأسه للأسفل و هو يدون بياناتها، فسأله بخبثٍ:
هو أنتَ مش هتطلب بياناتها؟ ولا هي مفتوحة على البحري"
رفع «عمار» رأسه يطالعه بضيق ممتزج بعلامات الحزن و هو يُجيبه:
أنا حافظ البيانات مش محتاج أني أسأل عليها، علشان هي مش مفتوحة على البحري"
حينما خرجت كلمته الأخيرة بتهكمٍ واضح رفع «وليد» حاجبه و هو يقول بسخريةٍ:
و هو أنتَ بقى حافظ بيانات كل الطُلاب كدا ؟ ماشاء الله دا أنتَ موسوعة بقى"
زفر «عمار» بقوة ثم أمسك البطاقة المخصصة لدخول الطلاب و هو يقول بهدوء لها:
اتفضلي كارت الدخول أهو يا آنسة، الحصة قربت تبدأ و المشرفين جوة"
قبل أن تمد يدها تأخذ البطاقة وجدت «وليد» يمد يده و يأخذها هو ثم التفت ينظر لها وهو يقول بثباتٍ:
ادخلي القاعة يا خلود يلا علشان فيه ناس طالعة"
أومأت له بهدوء ثم سألته بنبرة متسرعة:
طب صح، أنتَ هتشمي و لا هتعمل إيه، يعني هرجع إزاي أنا"
رفع صوته حتى يصل لذلك الواقف خلفه يتابعهما باهتمام قائلًا:
لأ طبعًا أنا هستنى هنا لحد ما تخلصي علشان أروحك"
قال جملته ثم التفت ينظر لـ «عمار» و هو يقول بمرحٍ خبيث:
صحيح يا كابتن هي الكراسي دي ينفع أقعد استنى عليها، و لا لازم يكون معايا عضوية في السنتر"
زفر «عمار» بقوة ثم رسم الثبات على ملامح وجهه رغم الحزن البادي في نظرته و نبرته المهتزة و هو يقول:
براحتك يا أستاذ الكراسي و السنتر تحت أمر حضرتك"
أومأ له باستحسان ثم التفت لها من جديد يقول لها بحب:
يلا يا خوخة ادخلي و أنا هستنى هنا طالما مسموح"
نظرت له نظرة التقطها هو على الفور و كأنها تقول له لا فائدةٍ منك أبدًا، أما هو أومأ لها بأهدابه بثقة و كأنه يخبرها بأنه من يتولى زمام الأمور، انسحبت هي من أمامهما و كان واحدًا منهما يطالعها بخبثٍ و الآخر بحزن ممتزج بمرارة الخذلان، تلك التي تأسره في كل مرة تقع عيناه عليها، أما «وليد» فجلس على المقعد المقابل له حينما رآى الطُلاب يتوافدون خلف بعضهم يقفون أمام «عمار» حتى يقوم بتسجيل بياناتهم و لكن شتان بينه حاليًا و بين حاله عند دخولهما، راقبه «وليد» فوجده يأخذ بيانات جميع الطلاب، فتأكد مما ظن به أن «عمار» يهتم بها هي فقط، لذلك ارتسمت نظرة الاستمتاع على وجهه حينما أنهى «عمار» تسجيل بيانات الطلاب ثم ارتمى على المقعد بانهاكٍ واضح مع كتفين متهدلين و كأن عمره أصبح الضعف خلال ثوانٍ، ثم رفع رأسه ينظر أمامه فوجد «وليد» يجلس بثباتٍ و هو يحدق النظر به، ترك «عمار» مقعده ثم اقترب منه يجلس بجانبه، فطالعه «وليد» باستنكار من فعلته فوجده يقول بنبرةٍ مهتزة و كأنه يصارع نفسه للتحدث:
هو احنا اتقابلنا قبل كدا ؟ أصل حاسس أني شوفتك أو اتعاملت معاك"
حرك «وليد» كتفيه ببساطة و هو يقول بلامبالاة:
لأ مش فاكر بصراحة، بس هو أنتَ تعرفنا يعني؟ أصل حاسس إن فيه عشم بيننا كدا"
أومأ له «عمار» إيماءةٍ بسيطة ثم قال بهدوء بعدما ابتسم له باقتضاب:
آه، يعني معرفة من بعيد أصل أخت الآنسة خلود تبقى مرات أخويا"
تصنع «وليد» الاندهاش و هو يقول بذهول:
إيه دا معقولة أنتَ أخو ياسين ؟بس اللي أعرفه إن ياسين معندهوش أخوات أصلًا"
تنهد «عمار» ثم جاوبه بنبرةٍ ظهر الحب بها رغمًا عنه بقوله:
لو بالدم هو مش أخويا، لكن لو بالقلب و الحب هو أبويا، مش هو لوحده هو و ياسر و خالد و عامر، أخواتي برضه، أكيد تعرفهم"
أومأ له «وليد» ثم قال بهدوء:
عارفهم و هما صحابي أصلًا، أصل أنا ابن عم خديجة و خلود.... و فيه مشروع خطوبة بيننا لسه على البر"
نظر له «عمار» بحزن و هو يزدرد لُعابه بقوة فوجده يضيف:
أنا افتكرتك كدا، أنتَ أخو عامر صح؟ أصل أحمد قالي إنك بتشتغل هنا، مش هوصيك بقى على خلود اعتبرها أختك يعني أي حد يزعلها تعرفني و ياريت تاخد رقمي"
أومأ له بانكسارٍ واضح و هو يسمع تأكيده للمعلومة للمرة التي لا يعلم عددها فوجده يمليه رقمه، أخرج هاتفه ثم طلب منه البداية من جديد، أملاه «وليد» الرقم بثباتٍ، أما «عمار» جلس بجانبه ينظر للفراغ و هو يتمنى أن كل ما حدث يصبح حلمًا لا أكثر، راقب «وليد» انفعالاته و تغير ملامح وجهه لذلك رأف بحاله ثم ابتسم له و هو يربت على كتفه، خرج «عمار» من شروده ينظر له مُتعجبًا فوجده يحمحم بقوة ثم قال بنبرةٍ عادية:
أنا عاوز أقولك على حاجة بس ياريت تفضل سر بيننا و محدش يعرف أني قولتلك"
حرك رأسه باستفهام يطلب منه التوضيح أكثر فوجده يقول بثقة:
أنا مش خطيب خلود، أنا أخوها الكبير بس علشان محدش يضايقها بقول أني خطيبها"
اتسعت حدقتي «عمار» بذهولٍ واضح و تبدلت نظرته إلى التوسل و كأنه يَتَلمس منه تأكيد قوله، فأومأ له الآخر ثم قال بهدوء:
بس دا سر بيننا بقى علشان أنا استجدعتك و شايفك رجولة، و ياريت هي متعرفش أني قولتلك"
انفرجت شفيته ببسمةٍ بلهاء و هو يقول بمرحٍ مستفسرًا:
يعني بجد مش خطيبها و لا أنتَ بتقول كدا و خلاص؟"
ابتسم له «وليد» ثم ربت على كتفه وهو يقول بطريقةٍ جادة:
روح كمل شغلك يا عمار، أنا مش ههزر معاك"
أومأ له بقوة ثم سأله بخجلٍ واضح ممتزج بتردده:
طب...طب سؤال معلش، أخوها إزاي و أنا عارف إن أخوها أسمه أحمد و أختها الكبيرة مرات ياسين"
تنهد «وليد» بقوة ثم جاوبه بلامبالاة:
أنا ابن عمهم و أخوهم في الرضاعة، خير تحب تتأكد بنفسك ؟"
قالها «وليد» بنبرةٍ جامدة، أما «عمار» فـحرك رأسه نفيًا ثم سأله بتعجبٍ :
لأ طبعًا أنا مصدقك، بس مستغرب ليه قولت إنك خطيبها، يعني طالما أخوها قول كدا و خلاص؟"
رد عليه «وليد» بثباتٍ يُوضح له حقيقة الأمر:
علشان محدش يضايقها و لا يجيلها معاكسات زي ما كان بيحصل السنة اللي فاتت، مش فاضي كل شوية أروح سنتر اتخانق فيه"
ابتسم «عمار» ببلاهة بعد تأكده من حقيقة الأمر و هو يقول بفرحة:
الـلـّٰه قولي بقى تشرب إيه بمناسبة الخبر الحلو دا"
نظر له «وليد» بحنقٍ فوجده يقول بترددٍ نتيجة خوفه منه بعد نظرته تلك:
أنا قصدي يعني إن....إن وجودك هنا و طلعت أخوها و قاعد معايا دي حاجة حلوة ، قولي بقى تشرب إيه"
ضحك «وليد» رغمًا عنه ثم جاوبه بنبرةٍ مرحة:
هات قهوة علشان مصدع، عقبال ما نشرب شربات فرحك يا رب"
_____________________
دلف «ياسين» شقته بهدوء، فوجد المكان خاليًا منها، قطب جبينه بـ حيرة و هو يذكر أسمها بنبرةٍ عالية و حينما مر على الشرفة وجدها بها تبكي بخوفٍ و الحاسوب أمامها، اقترب منها بلهفة و هو يقول باندهاش:
بتعيطي كدا ليه يا خديجة؟ مالك طيب !!"
وجدها تبكي من جديد لذلك ضمها إليه وهو يربت عليها بقوة تزامنًا مع قوله الحنون:
إهدي طيب و عرفيني مالك و إيه اللي زعلك كدا، أوعي يكون فيلم هندي من بتوعك، هرميكي من هنا والله"
قال جملته الأخيرة بمرحٍ جعلها تحرك رأسها نفيًا بقوة ثم ابتعدت عنه بقول بنبرةٍ متقطعة نتيجة بكاؤها:
أصل....أصل، هقولك و متزعقليش و لا تزعل مني ؟"
نظر لها مؤكدًا حديثها بإيماءة بسيطة فوجدها تقول بخجلٍ بعدما مسحت دموعها:
أنا كنت قولت لعبلة تبعتلي لينك كورسات من اللي هي بتاخدهم... و هي بعتتهم ليا بس قالتلي اشغلهم من على الاب توب أحسن من الموبايل....أنا حاولت والله لقيت الإيميل بتاعك مفتوح، روحت قفلته و جيت أدخل بالإيميل بتاعي نسيت الرقم و بعدين لقيت نفسي بدوس على حاجات كتير لحد ما كل حاجة اختفت حتى الحاجات بتاعتك، و من ساعتها وأنا عمالة أعيط علشان عكيت الدنيا وضيعت حاجتك"
تنهد هو بعمقٍ ثم سألها بهدوء يشوبه بعض المرح:
و هي حاجة زي دي تخليكي تعيطي كدا يا خديجة؟ دا أنا افتكرت فيه عصابة خرجتلك من الشاشة علشان تعيطي بالمنظر دا"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية:
علشان مش بحب أبوظ حاجة لحد و مش بحب حد يزعل مني، فما بالك أنتَ بقى؟ خايفة تزعل مني ولا أكون بوظتلك الدنيا"
ابتسم هو لها بحنانٍ ثم اعتدل في وقفته وهو يقول بهدوء:
أنا هدخل أغير هدومي و أجيلك نصلح كل حاجة و أسجلك أنا، خلي الرز بلبن دا معاكي ناكله سوا"
قال جملته و هو يمد يده لها بالحقيبة التي أعطتها له «ميمي»، أخذتها منه ثم تفحصتها بعدها سألته بمرحٍ:
إيه دا أنتَ كنت فـ عقيقة ابنك ولا إيه"
أومأ لها ثم أضاف ساخرًا:
آه، و علشان احنا عالم بِجحة حلفنا تدوقي عقيقة ابن ضرتك، عقبال عقيقتك يا ضنايا"
ابتسمت هي على طريقته فوجدته يتنهد بقلة حيلة ثم ذهب من أمامها بضيقٍ زائف.
بعد ما يقرب الـ ٢٠ دقيقة وجدته أمامها بعدما تحمم و بدل ثيابه بأخرى مريحة، ثم جلس مقابلًا لها و هو يسألها بهدوء:
ها يا كتكوتة، وريني كدا بقى حصل إيه علشان مش فاهم منك حاجة"
وجهت الحاسوب نحوه بقلقٍ و هي تقول بتلعثمٍ واضح:
بص كدا شوفوا جايب الشاشة دي و مش فاهمة منها حاجة"
أخذ الحاسوب ثم قام بوضعه على فخذه و هو يقول بسخرية بعدما أتضحت له المشكلة:
يا شيخة خضتيني، دي مشكلة لو يونس ابن خالد هيعرف يحلها، هدخل الباسوورد تاني و كل حاجة هترجع تاني"
_"بجد يعني مفيش حاجة ضاعت منه ولا هو باظ !!"
سألته بتلهفٍ واضح جعله يضحك على رد فعلها ثم أدخل الرقم و أعاد كل شيء لموضعه كما كان، ثم وجه الحاسوب نحوها و هو يقول بهدوء:
أهوه يا ستي كل حاجة بتاعتي رجعت تاني زي ما كانت، خلينا فيكي بقى عاوزة إيه أنتِ"
تنهدت هي بأريحية بعدما رآت ما يُطمئنها ثم قالت مُردفةً له:
عاوز أسجل على لينك الكورسات هنا علشان أبقى أعرف أفتحه، بس أنا مش بعرف اتعامل مع اللاب توب"
أومأ هو لها موافقًا ثم اقترب منها بمقعده يجلس بجانبها ثم قال بهدوء:
وريني كدا عاوزة تسجلي إيه و أنا هعملك اللي أنتِ عاوزاه"
أومأت له ثم فتحت هاتفها له حتى يرى ما تريده و هي تقول بنبرةٍ شبه خَجِلة:
هو دا اللينك عبلة قالتلي إنه عليه كورسات اونلاين كتير و هتفيدني عمومًا في حياتي علشان هي مهتمة أوي بالحاجات دي"
نظر هو لها بتشككٍ ثم سألها بنبرةٍ مقررة أكثر من كونها مستفسرة:
و هي فكرة الكورسات دي ظهرت كدا و لا من ساعة نسرين؟ جاوبي بصراحة يا خديجة"
زفرت هي بقلة حيلة ثم قالت بثباتٍ حاولت الاتسام به:
بصراحة بقى آه، أنا عاوزة أستغل الوقت فـ حاجة مفيدة اتعلم حاجة جديدة تخليني مبسوطة و حاسة أني اتغيرت فعلًا، ياسين أنا طول حياتي مفيهاش حاجة ممكن أتباهى بيها عملتها، كل اللي فـ سني بيسافروا و يشتغلوا و يجربوا حاجات جديدة، لكن أنا مخرجتش من بيتنا أصلًا، حد يصدق إن واحدة فـ سني محضرتش فرح غير وهي عندها ٢٤ سنة، يمكن أكون خفيت و خوفي قل، لكن برضه إحساس الفشل ملازمني و دا غصب عني"
تنهد هو بعمقٍ ثم ابتسم لها يقول بهدوء:
أنا عارف كل حاجة و عارف أنتِ حاسة بإيه يا خديجة، و فوق كل دا أنتِ شخصية عظيمة في عيني، أنتِ مش مؤذية و مش بتاعة انتقام من حد، أنتِ بنت أصول محافظة على الحلو اللي فيكي وسط ناس بتجري علشان تبقى وحشة و تثبت نفسها، من حقك طبعًا تطوري نفسك و تنجحي و أنا واجب عليا أدعمك و أقف معاكي زي أي حد سوي نفسيًا، لكن اللي مش مقبول أني أشوفك حاسة بالذنب على حاجة ضاعت مش بإيدك تغيريها، اللي فات مشي و مش بتاعنا يا ننساه يا نتعلم منه، مش نفضل نتألم منه ؟! ها فهمتي؟"
أومأت له بامتنان حقيقي فوجدته يبتسم لها ثم قال بمرحٍ:
ابعتيلي اللينك بقى علشان أسجلك، كدا كدا مراتي شاطرة مش محتاجة حاجة علشان تثبت بيها نفسها"
صفقت بكفيها معًا بحماس شديد ثم أمسكت هاتفها ترسل له رابط التقديم، أخرج هو هاتفه ثم قام بربط الهاتف بالحاسوب ثم وجه الحاسوب نحوها و هو يقول بهدوء مُردفًا لها:
بصي يا ستي أنا عملت إيميل جديد ليكي علشان التاني أنتِ نسياه، خدي بقى أعملي باسوورد علشان تفضلي فكراه"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول بهدوء:
طب ما تسجله أنتَ، كدا كدا هنساها أساسًا، الحاجات البسيطة اللي زي دي بتقع مني ساعات"
_"على يدي طبعًا، دا أنتِ نسيتي شقتنا مش هتنسي باسوورد الإيميل بتاعك"
قالها هو بسخرية جعلتها تنظر له بحنقٍ فضحك على هيئتها ثم أضاف مُردفًا بمرحٍ:
متضايقيش أوي كدا يا ست الكل، ما هو أنتِ غريبة برضه، أي بنت بتحلم تشوف شقتها اللي هتعيش فيها طول عمرها مع حبيبها، يعني فين الحماس بقى"
ردت عليه بتعالٍ زائف و هي ترفع رأسها بشموخٍ قائلة:
أنا أصلًا محبتكش غير بعد فترة كبيرة، يعني مكنتش مهتمة أني أشوف مكاني معاك بصراحة"
حرك رأسه للجهة الأخرى ينظر لها بتشككٍ فوجدها كما هي تتكبر عليه، لذلك اقترب منها يقول هامسًا بخبث:
كدابة يا ست الكل، عينك من أول مرة شافوني حبوني، نطقوا و قالولي إنهم مستنييني، أنتِ وقعتي فيا من أول مرة بس كنتِ بتعاندي مش أكتر، علشان كدا أنا أتمسكت بيكي"
أمام نبرته تلك ردت عليه بقلة حيلة:
أعمل إيه طيب، هما اللي ضحكوا عليا و قالولي أني مش حلوة علشان كدا معشمتش نفسي، علشان ماخدش على دماغي"
ابتسم هو لها بهدوء ثم تحدث متشدقًا بنبرةٍ ظهرت فيها عاطفته حينما قال:
كَــاذبٌ مَــن قَــال أنّــكِ لَـــسـتِ جَــمّيـلة....فَــأنّــتِ تَــمــلُكـينَ قَــدرًا مِــن الـجََمـال؛ يَــجعَل الـقَـمَـر يَــودُ مُــجـاوَرَتَـكِ حَــتـىٰ يَــصِـلّ لِـلإكـتـمال"
طالعته بدهشة جلية على ملامح وجهها و نظرتها حينما فاجئها بقوله المُحب، فوجدته يغمز لها بطرف عينه وهو يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
اقتربت منه تمسك وجهه ثم طبعت قبلة قوية على وجنته ثم تبعتها بقولها المرح:
إيه الحلاوة دي، تتاكل أكل والله، عيني عليك باردة يا ابن زُهرة"
ضحك هو عليها بقوة ثم أضاف قائلًا بمرحٍ:
طب أكلي ابن زُهرة علشان جعان لحد ما أخلص تسجيل، علشان أعرف أحلي بمزاج"
خرجت كلمته الأخيرة بخبثٍ فطالعته هي بحنقٍ، فوجدته يضيف مردفًا ببراءة كاذبة:
هحلي بالرز بلبن يا ستي مالك، محدش جاب سيرتك يا بقلاوة"
ضحكت هي على طريقته ثم تركته حتى تقوم بتجهيز العشاء، أما هو استأنف التسجيل من جديد و هو يبتسم على طريقتها المرحة معه.
____________________
جلس «وليد» يراقب «عمار» مع الطلاب و للحق أُعجب بطريقته المهذبة مع الفتيات و مرحه مع الشباب و كأنه رفيقًا لهم، و ما تأكد منه هو نظرته التي تحمل الحُب لها و خاصةً تبدل ملامحه عندما علم أنها شقيقته، لذلك ابتسم بأريحية ثم قال مُحدثًا نفسه بسخرية:
شكلك هتتعب معانا شوية يا عمار....بس كله يهون علشان خوخة"
بعدها خرجت «خلود» من الدرس ثم اقتربت منه و هي تقول بانهاكٍ واضح:
يلا يا وليد علشان عاوزة أنام، دماغي ورمت"
أومأ لها موافقًا ثم حرك رأسه جهة اليسار قليلًا، يُطالع «عمار» المُبتسم لهما و هو يراهمًا معًا بعدما علم برابطتهما سويًا، فسأله بمرحٍ يشوبه بعض الخبث:
عاوز حاجة يا عمار؟ احنا هنمشي بقى"
رد عليه الآخر بهدوء:
تسلم يا وليد، شرفتنا و هستناك تيجي تاني بقى"
نظرت له «خلود» بتعجبٍ من تغيره و من طريقتهما سويًا، فوجدت «وليد» يمسك يدها ثم أنسحب بها من أمامه بعدما لوح له مودعًا، أما «عمار» فتنهد بعمقٍ و علامات الراحة مرتسمة على ملامح وجهه ثم أخرج هاتفه و هو يطلب رقمٍ ما و حينما وصله الرد قال هو بحماس:
و عليكم السلام يا شيخ أيوب، أنا عاوز أقولك أني هحافظ على قلبي و قلبها علشان متضيعش مني، أنا جربت إحساس صعب من شوية و بصراحة عاوز أتكلم معاك"
وصله الرد من الجهة الأخرى فقال هو بنفس الحماس:
خلاص و أنا مروح هعدي عليك علشان أحكيلك كل حاجة"
في الأسفل ركبت «خلود» بجانبه السيارة و هي تسأله مقررةٍ:
أنا بقى عاوزة أعرف حصل إيه و اللي عملته دا كان لازمته إيه يا وليد؟ وبعدين قولتله إيه خليته اتكلم معاك كويس كدا ؟!"
زفر هو بقوة و هو يحرك السيارة ثم رد عليها مُردفًا:
أنا قولتلك أني عاوز أختبره و فرصتي جاتلي لحد عندي يا خلود، كان لازم أعرف طريقة تفكيره، و اللي حسبته طلع صح، منكرش أنه فاجئني بطريقته، لكن كان لازم أعرف أختي مين بيحوم حواليها"
سألته هي بنبرةٍ حائرة بعد حديثه:
طب و أنتَ فكرت فـ إيه يعني يا وليد؟ و بعدين فاجئك إزاي يعني؟"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بهدوء بعدما نظر لها:
عمار دا بيحبك يا خلود، و شكله كدا واقع كمان، و دا أنا متأكد منه و باين في كل تصرفاته"
نظرت له باستنكارٍ واضح على وجهها فوجدته يضيف بتأكيد:
دي حاجة مؤكدة خلاص، أنا قصدت أقول إنك خطيبتي علشان أشوف رد فعله و هو زعل و عينه نطقت بالحزن، و لما راقبته و هو بيشتغل خد أسامي الطلاب كلها بنات و ولاد، لكن أنتِ كتب بياناتك من غير طلب، و دي تفاصيل صغيرة مش بتعلق مع أي حد، الغريب إنه يا متربي أوي زيادة عن اللزوم يا حويط و بيرسم صح، حاجة كدا نظام تشويق"
سألته هي بنبرةٍ تائهة:
طب و أنتَ ليه بتقول كدا؟ أقصد يعني، ليه بتقول عنه كدا"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول مُردفًا:
كل الحكاية يا خلود إنه عينه و نبرته فضحاه و خصوصًا و أنا بقوله إنك مش خطيبتي و أني أخوكي، هو حاله اتبدل و لولا المكان كان خدني في حضنه، بس طبعًا أنتِ عارفة هتعملي إيه"
حركت رأسها نفيًا بهدوء فوجدته يقول مؤكدًا:
أنتِ لسه صغيرة يعني قدامك دراسة و تعليم و علشان تدخلي الكلية اللي أنتِ عاوزاها موضوع عمار دا تشليه من راسك خالص، على الأقل لحد دخولك الكلية، و أنا وعد مني لو هو فعلًا جد و محترم زي ما هو واضح قدامي كدا، موضوعك دا أنا اللي هخلصه، زي ما وعدت أحمد إني أخلص موضوعه مع سلمى"
ردت عليه بنبرةٍ مصطنعة التجاهل و اللامبالاة:
على فكرة مش فارق معايا أصلًا، و ياريت ميعشمش نفسه علشان مستحيل طرقنا تتقابل، أنا ورايا تعليم و جامعة و عاوزة أثبت نفسي، هو لو قدامه فرصة ربنا يكرمه، كدا كدا مش مقتنعة بطريقته أصلًا"
ابتسم هو بسخرية ثم قال:
فيه حاجات لازم نحسبها بالعقل علشان تتم صح، و حاجات لازم يبقى فيها عاطفة علشان تاخد حقها، الحلو هنا إنك توازني بين الاتنين، عمار دخل دماغك، يعني لو سنكم أكبر و جه يتقدم ليكي كنتي هتوافقي عادي، لكن سنكم صغير و علشان كدا صعب، لما يجي وقتها أكيد كل حاجة هتكون اتغيرت يا خلود، بس أهم حاجة إنك تفضلي زي ما أنتِ، لا كلام و لا أي حاجة"
أومأت له مؤكدة ثم قالت حتى تغير مجرى الحديث بعد شعورها بخجلٍ طفيف يداهمها:
طب فكك بقى من الحوارات دي و قولي هتأكلني إيه علشان جعانة و نزلت من غير أكل"
ابتسم هو لها ثم قال بهدوء:
شوفي أنتِ عاوزة تاكلي إيه علشان أنا كمان ماكلتش من الصبح"
نظرت له بحماس و هي تقول:
حواوشي و بيبسي و مخلل و اعمل حساب أحمد معانا"
أومأ هو لها موافقًا ثم قال مُرحبًا بمقترحها:
ماشي يا ستي عيني ليكي، نجيب حواوشي و نعمل حساب أحمد معانا"
___________________
عند «عمار» أنهى عمله ثم توجه نحو المسجد للشيخ «أيوب» حتى يخبره بما حدث معه، و بالفعل دخل له و جلس بجانبه و كان الآخر في انتظاره، تنهد بعمقٍ ثم قام بسرد ما حدث في المركز التعليمي من قِبل «وليد» تجاه «خلود» و الآخر يستمع إليه بانصاتٍ واضح، أنهى هو حديثه ثم أضاف من جديد بنبرةٍ حائرة:
أنا لما سمعته بيقول خطيبها حسيت إن الدنيا اتهددت فوق دماغي و غصب عني صعبت عليا نفسي، طلع إحساس إنك تغير على حد مش من حقك دا صعب أوي، كنت عاوز أعيط ساعتها، و لما هو قالي إنه أخوها أنا فرحت و اتغيرت فـ ثانية و حسيت بأمل جديد بيتولد جوايا إنها هتبقى معايا، سؤالي هو ليه أحس بحاجة زي دي صعبة عليا و أنا واعد نفسي أحافظ عليها لحد ما ربنا يكرمني بيها"
تنهد الشيخ «أيوب» يقوة ثم قال مُردفًا:
اللي حصل دا يا عمار جرس انذار لقلبك و إشارة من ربنا ليك، مش كل الناس محظوظة إنها تتنبه بالخير زيك كدا، أنتَ النهاردة جربت إحساس إنها ممكن تضيع منك و ممكن تكون مش ليك أصلًا، خلي الاحساس دا دايمًا قصادك إنك جربت فكرة إنها مش ليك، الشيطان يا عمار مش هيسيبك في حالك، أنتَ امبارح سألتني عن الحب و أنتَ اقتنعت بكلامي، بس هواك و شيطانك مقتنعوش، بل بالعكس الشيطان هيخليك تغلط و يزين غلطك دا على أساس إنه صح من كذا باب بقى زي، إنك عاوز تكلمها علشان تضمن إنها ليك، و من باب إنك عاوز تتأكد من مشاعرها، و من باب إن حيرتك تهدا شوية، و من باب إنك بتفاتحها علشان تتأكد إن مفيش غيرك، كل دي أبواب للغلط مجرد واحد فيهم ما يتفتح معاك هتلاقي الغلطات أكتر و أكتر"
رد عليه «عمار» بلهفةٍ ممتزجة بتعجبه:
أنا فعلًا فكرت كتير فـ كدا، بس إيه الخطوة اللي ممكن واحد زيي ياخدها علشان يتطمن إنها هتبقى ليه، و في نفس الوقت أنا حياتي فيها خطوات كتير أوي و جامعتي لسه مشوارها طويل"
جاوبه «أيوب» ببسمةٍ هادئة:
الحل إنك تسيب الدنيا زي ما هي و تتوكل على الله، و تدعي من قلبك إن ربنا يكرمك بيها، بس طالما بتقول أخوها إداك رقمه يبقى تكلمه و تشرحله موقفك و ظروفك، و هو أكيد هيتفهم وضعك و ظروفك، دا أنتَ كمان هتكبر في نظره كونك إنك احترمته و معملتش حاجة حرام، صدقني أنتَ الكسبان الوحيد اللي في الموضوع، حتى لو هي مش ليك يبقى أنتَ كسبت راحة بالك"
أومأ له «عمار» موافقًا ثم قال موافقًا اقتراحه:
أنا فعلًا هكلم أخوها و هو أكيد هيفيدني، أنا متفائل بيه و حاسس إنه هيساعدني"
________________________
بعد مرور عدة أيام على تلك الأحداث حتى أتى يوم الخميس، و كانت الأيام تحت شعار و يبقى الحال كما هو عليه، فالأوضاع جميعها كما هي «وليد» ذهب لعمله و يعود في المساء يجلس في غرفته أو يتحدث مع «ياسين» و أصدقائه، أما «عبلة» فهي كما هي في حزنها و صمتها و ما زاد دهشتها هو تهربه منها ففي خلال الأيام المنصرمة لم تتقابل معه، ولا دارت بيهما أية أحاديث بل مقاطعة تامة أثارت تعجب العائلة بأكملها،
أما «هدير» فاعتادت على وجود «حسن» معها يوميًا حتى أنها تقوم باعداد الطعام و هو يساعدها به و يتلعم منها و في المساء تقوم هي بتشغل أحد الأفلام الكرتونية و تشاهده برفقته وهي مُلقية لرأسها على كتفه كما اعتادت في الأيام السابقة و هو يحضتنها بذراعه حتى شعر معها بالونس الذي افقتده طوال حياته، حتى في زواجه للمرةِ الأولى أما الآن هو يشعر أن هي من تناسبه حتى تنير عتمة ليله و تنير بوجودها قلبه.
أما «خديجة» فكانت تشعر بالحماس و هي تتابع كورسات التنمية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، و «ياسين» يدعمها و يقوم بمتابعة ما تتعلمه و هو فخورٍ بها.
و في يوم الخميس في وسط النهار أنهى «وليد» عمله ثم ذهب لمقابلة الطبيبة النفسية دخل و هو يقول بانفعالٍ واضح:
بصي بقى أنا سمعت كلامك إزاي معرفش، و عمري ما قدرت حد و اتكلمت معاه، بس أنا بعدت عنها أسبوع كامل و دي حاجة كانت مستحيلة بالنسبة ليا، أكتر من كدا مش هقدر أبعد عن عبلة، حتى لو علشاني أنا، شوفتها مرتين عينها قالت كل كلام العتاب اللي في الدنيا"
كانت نبرته منفعلة بشدة حتى توقف عن الحديث و هو يلهث بقوة، أما الطبيبة فعادت للخلف وهي تقول بثقة:
أولًا أنتَ سمعت الكلام علشان خاطر نفسك مش علشاني، خوفك إنك تخسر عبلة للأبد هو دا اللي حركك، و بعدين أنتَ اللي جيت طلبت مني مساعدة لكن أنا مطلبتش منك تيجي هنا علشان تنفعل عليا كدا، و اقعد بقى علشان أعرف اتكلم معاك"
زفر هو بقوة ثم اقترب منها يجلس على المقعد المقابل لها فوجدها تمد يدها له بزجاجة المياه، أخذها هو منها بهدوء ثم ارتشف منها بقوة، أما هي فتنهدت ثم قالت مستفسرة:
ها قولي بقى الأسبوع مر عليك إزاي من غيرها؟ يعني إيه اللي حصلك و أنتَ بعيد عنها"
زفر هو بقوة حينما تذكر مرارة الأيام السابقة عليه و هو يقول بهدوء ممتزج بالحزن:
كان أصعب أسبوع يعدي عليا من بعد أيامي في المصحة، أسبوع كان كله ألم و وجع عليا و على قلبي، بصراحة كل يوم كنت بقول أني هكلمها خلاص تيجي حاجة تانية تخوفني من فكرة ضياعها مني، أنا قولتلك إن عبلة هي الأمل يعني وجودها بيطمني أني ممكن أرتاح في حياتي حتى ولو لفترة مؤقتة، طول الاسبوع دا كان نفسي أبص في عينها، بس إزاي و أنا مش قادر على حاجة زي دي، إزاي و أنا سبب دموعها دي....أسبوع متنماش حتى عدوي يشوفه"
ابتسمت هي له ثم قالت مُردفةً بثبات توضح له موقفها:
أنا فرحانة بيك إنك قدرت تكمل الاسبوع دا، و فرحانة أكتر إنك معترف بمشكلتك و إنك عاوز تكون حد تاني يستاهل عبلة، مشكلتك يا وليد إنك عانيت فترة من الخذلان سواء من أصحابك اللي خلوك تدمن، أو من أفراد عيلتك زي عمتك و هدير أو عبلة و اللي حصل زمان لما رفضتك و رفضت حبك، عقلك علطول مجهزك إنك تكون واخد وضع الدفاع و الهجوم مع بعض، يعني لو جاتلك فرصة تصاحب ناس و تثق فيهم غصب عنك هتخاف، و لو جاتلك فرصة إن حد متقبل عيوبك و ماضيك برضه هتشك إنك غير مقبول لأن خذلانك الدائم مخليك تخاف من العلاقات، و مع أول موقف حصل لحد غيرك لقيت نفسك بتخاف لأن عقلك عمال يحط في تنبيهات ليك و أنتَ بترفضها"
قطب جبينه يسألها بنبرةٍ حائرة:
طب و ليه خلتيني أبعد عن عبلة أسبوع كامل، إيه الاستفادة يعني؟"
ردت عليه بنفس الثبات:
علشان أخلي عقلك يستوعب خطورة بعدها عنك، أنا بصراحة قولت إنك مس هتكمل الاسبوع من غيرها، بس إرادتك من حديد في حبها، دلوقتي بقى أنا عززت قوة تمسكك بيها علشان تكمل معايا خطوات العلاج الصح، ممكن تعتبر إن النهاردة مكافأة ليك علشان استحملت الاسبوع من غيرها و تكلمها النهاردة"
نظر لها باستنكارٍ واضح على ملامح وجهه فوجدها تحرك رأسها موافقة تؤكد حديثها ثم أضافت:
أهم حاجة في المرحلة الجاية يا وليد هي علاقاتك، يعني الاستقرار فيها يكون عالي جدًا سواء العائلية أو العاطفية أو الصداقة، عاوزاك تحاول تركز أكتر مع كل اللي معاك و تكون أنتَ الطرف المتمسك بيهم، دلوقتي بقى تقدر تروح تصالح عبلة و أنا هتواصل معاك"
أومأ لها موافقًا ثم هبَ واقفًا حتى يتركها لكنه أعاد أدراجه من جديد يلتفت لها و هو يسألها بنبرةٍ مستفسرة:
صح بالنسبة لهدير إيه الدنيا؟ يعني البت هتفضل على الصامت كدا كتير؟ عاوزين نسمع صوتها إنشالله حتى تكاكي في وشنا"
ابتسمت و هي تحرك رأسها بيأسٍ منه و من طريقته ثم قالت مُردفةً:
طول ما حالتها النفسية مستقرة دي حاجة كويسة جدًا و أنا اتواصلت مع حسن و قالي إنها عيطت كذا مرة"
أومأ لها مؤكدًا ثم أضاف متهكمًا:
أنا عارف إنها عيطت الحمد لله، بس عاوزينها تتكلم، نعمل إيه علشان نسمع صوتها"
تنهدت هي بعمقٍ ثم أضافت توضح له:
اللي عند هدير دا اضطراب بعد صدمة يعني علاجه صعب و بياخد وقت، أهم حاجة إنها تكون مستقرة نفسيًا، و دا واضح من كلام حسن، لكن إن صوتها يرجع دي ليها عدة أشكال كتير جدًا"
نظر لها متسائلًا يود منها التوضيح أكثر، فوجدها تتابع:
اقصد إن حالة ربط اللسان دي ساعات بترجع لوحدها و ساعات نتيجة صدمة جسدية زي وقعة أو خبطة جامدة بيحصل حالة رد لـ اللسان أو ممكن مشاجرة عنيفة تخلي الادرينالين يندفع في جسمها و بالتالي رغبتها في الكلام هتزيد و ممكن يحصل و تتكلم فعلًا، خلينا بس منتظرين استقرار نفسي أكتر و خاصةً إن حسن قادر يتعامل مع وضعها"
رغم لمحة الخبث البادية في نظرته إلا أنه قال بثباتٍ:
تمام يا دكتور عن اذنك بقى علشان ورايا مشوار مهم"
أومأت له موافقة و هي تراقب انصرافه من أمامها، أما هو بمجرد خروجه من العيادة دلف سيارته ثم أخرج هاتفه يقوم بعمل شيئًا هامًا و بعدها ابتسم باتساع حينما وصل لما يريد ثم توجه لمنزل «ميمي» كما طلب منه الشباب.
_____________________
في شقة «حسن» قاما سويًا باعداد وجبة الغداء و سط المرح منه و سخريته عليها أما هي فكانت تحرك رأسها بيأس و هي تتابع ما تقوم به، خرجا معًا من المطبخ و هما يحملان الطعام في إيديهما ثم وضعاه على الطاولة الصغيرة الموضوعة في الجهة المقابلة للشاشة، أما هو ارتمى على الأريكة ثم قال بمرحٍ:
شغليلنا بقى فيلم كارتون حلو من بتوعك دول، علشان بصراحة حبيت الكارتون أوي يا هدير"
أومأت له بقوة و هي مبتسمة ثم أمسكت جهاز التحكم تختار ما سيشاهداه معًا، و هو يراقبها ببمسةٍ هادئة على وجهه لا يصدق حتى الآن أن الله أكرمه بمن يشاركه و حدته و ظلمة لياليه، فجأة وجدها تحرك رأسها نحوه بحماسٍ شديد و رافق حركتها تلك بسمةٍ متسعة على وجهها مع رفع ذراعها نحو الشاسة، حرك هو رأسه بـ حيرةٍ واضحة نحو الشاشة حتى وقع بصره عليها، و حينما رآى الفيلم ابتسم لها باتساعٍ ثم سألها بهدوء:
دا فيلم Frozen بتحبيه يا هدير"
أومأت له بقوة ثم تنهدت بقوة مع لمحة حزن ظهرت على وجهها فوجدته يرفع رأسها بعدما أطرقتها للأسفل و هو يقول مستفسرًا بحنان:
زعلتي ليه كدا مالك يا هدير؟"
أغلقت أهدابها على مقتليها حتى لا تبكي من جديد ثم أمسكت هاتفه ترسل له:
أخر مرة اتفرجت عليه كانت مع ماما و عبلة، ساعتها كنت فرحانة أوي، و كنت عمالة اتريق على ماما علشان كانت بتتفرج معانا، لو أعرف إن دا كان هيحصل كنت فضلت في حضنها الليلة دي كاملة"
قرأ ما أرسلته لها بعدما نظر في هاتفه، و حينما قرأ ما أرسلته له تنهد هو بقوة ثم اقترب منها يقول مُلطفًا للأجواء بهدوء:
الله يرحمها يا هدير ادعيلها، بس هو أنتِ بتغيظيني يعني علشان أمي مكانتش بتتفرج معايا على الكارتون"
ابتسمت على طريقة حزنه المصطنعة فوجدته يبتسم هو الآخر ثم قال بهدوء:
يلا ناكل علشان الأكل ميتلجش، أنتِ جايبة لينا فيلم عاوز دفايا"
أومأت له موافقة فوجدته يعتدل في جلسته و هو يقرب الطعام منها، أما هي فنظرت له بحبٍ بالغ و هي ترى طريقته الهادئة معها على الرغم من كونها شخصًا مليئًا بالعيوب، و لكن هو ألطف ما هادتها به الأيام.
_______________________
في أسفل شقة «ميمي» أوقف «وليد» السيارة ثم أخرج هاتفه يتابع مشاهدات المقطع الذي قام بوضعه بطلبٍ من «عامر» و حينما رآى مشاهدتها له ابتسم باتساع ثم نظر في القائمة من جديد فكان المقطع عبارة عن أغنية شعبية و هي:
عاوزين نصون الوعد و لا يفرقنا بُعد، كدا فـ مشوار هوانا بدل ما نغز بعض"
بعدها قام بالبحث عنها في قائمة الحالات بعض انقطاع عن المشاهدة دام لمدة أسبوع كامل و حينما رآت ذلك المقطع قامت هي بوضع مقطعًا و كأنها بذلك ترد عليه و هو:
لو ناوي يرجع يا أهلًا...لو في باله يجيلي فعلًا بس مكسوف مني مثلًا....حد يحكيله أني أصلًا كنت مستنيه....لو ناوي يرجع يا أهلًا مش هقوله لأا أبدًا.... إزاي و أنا محتاجله دايمًا و اللي هيقولهولي طبعًا مش همانع فيه"
ابتسم باتساع حينما التقط تلميحها بتلك الأغنية ثم قال بمرحٍ:
يا إبن اللذينَ يا عامر، دي جابت معاها بجد"
لذلك ركض من سيارته ثم صعد إلى شقة «ميمي» وقف أمام الشقة ثم تذكر موضع المفتاح حينما أخبره به الشباب، لذلك قام بفتح الباب ثم ركض نحو الداخل و مع المنظر المعتاد ركض هو الآخر على طاولة السُفرة بجانب «عامر» تحت نظرات الدهشة من «خالد» و «ميمي، أما هو اقترب من «عامر» ثم احتضنه فجأة و هو يقول بمرحٍ:
أنا بحبك ياض يا عامر، تصدق بالله أنتَ رجولة و كفاءة"
ابتعد عنه «عامر» يقول بمرحٍ:
قول و الله، ربنا يجبر بخاطرك زي ما أنتَ جبرت بخاطري كدا يا وليد"
في تلك اللحظة دلف «ياسين» و «ياسر» خلفه و حينما وقع بصرهما على «وليد» و «عامر» فوق الطاولة و «خالد» في الأسفل، تحدث «ياسر» يقول بسخرية:
هو عامر و وليد عملوا تشكيل عصابي عليك ولا إيه يا خالد، إيه يا ميمي حصل إيه"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول بنبرةٍ حائرة:
و الله كالعادة قاعدة في لقيت عامر بيجري على السفرة و خالد داخل الشقة جري وراه، ومفيش دقايق لقيت وليد بيجري على السفرة هو كمان و حضن عامر، أنا خلاص مبقتش عارفة حاجة خالص في الشقة دي"
تحدث «خالد» يقول بهدوء مُخيف:
طب معلش يا وليد هضربه و أأدبه و بعدين تحضنه أنتَ براحتك، بس لازم يتعلم الأدب"
سأله «ياسين» بضيق:
ها إيه الجديد اللي الأستاذ عمله النهاردة، ماهو كل يوم بكارثة أكبر من أختها"
تنهد «خالد» بقوة ثم قال مُردفًا بانفعالٍ:
حلو الملامح دا روحت أجيبه من الشغل علشان نروح سوا زي كل يوم، لقيت معاه مدير تاني و أول ما وقفت بالعربية لقيته بيقولي بعصبية... أتأخرت ليه يا بني؟ كل دا مستنيك تيجي، دا أنتَ سواق متعب بصحيح، البيه بيشتمني قدام الراجل و مش بس كدا بيقولي مخصوم منك يومين، و لا الكبيرة بقى خلاني أفتحله الباب اللي ورا علشان يقعد....يمين بالله لولا إن الراجل اللي معاه شكله محترم كنت جبته ربط في العربية من هناك"
_"يعني إحنا اتنين مديرين زي بعض هو راكب عربية تمنها مليون جنيه و أنا معنديش عربية أسيبه يعلي عليا؟ و بعدين مش أول مرة يعني، أنا عملتها قبل كدا قدام مدام صافي و لا علشان هي نسوان بقى سكت"
أوشك «خالد» على الإمساك به و هو يقول بنبرةٍ حانقة:
و هو من امتى أنا كنت بتاع نسوان يا واطي، دا أنا هجيب أجلك في إيدي الليلة دي"
تدخل «وليد» يقول مدافعًا عنه:
طب معلش هو عملي جِميل النهاردة خليها عليك و المرة الجاية كلنا هنضربه سوا مع بعض، تمام كدا يا خالد"
تدخلت «ميمي» تقول بسخرية:
و هو دا عمره يجي منه خير؟ أكيد هترسى على مصيبة أصبر أنتَ لأخر اليوم بس"
رد عليها ينفي حديثها بقوله:
لأ يا ميمي والله، دا بسببه عبلة لمحت إنها مستنياني أصالحها و أنا أصلًا كنت خايف أروح اتكلم معاها، علشان كدا عاوز نقعد و نفكر أروح أصالحها إزاي"
أومأ له الجميع بقلة حيلة و خاصةً «خالد» و بعد مرور ثوانٍ اجتمعوا حول الطاولة فقال «وليد» بهدوء:
دلوقتي بعد خصام أسبوع عاوز أروح أتكلم معاها و أفهمها موقفي وفي نفس الوقت عاوز حاجة جامدة أصالحها بيها يعني تنسيها الفترة اللي فاتت دي كلها و أبدأ من جديد، أعمل إيه بقى"
تدخل «عامر» يقول بمرحٍ:
قولي قالتلك إيه لما سمعت الأغنية اللي قولتلك عليها"
أخرج «وليد» هاتفه ثم قام بتشغيل المقطع، ابتسم الجميع، بينما «ياسين» قال بمرحٍ هو الأخر:
خلاص كدا دليل واضح إنها مستنياك ترجع، يعني هنستنى إيه أكتر من كدا"
سأله «وليد» بهدوء:
طب أعمل إيه بقى علشان أصالحها، أنا ممكن أعك الدنيا أكتر، و انتو اللي هتساعدوني"
رد عليه «خالد» بهدوء:
احنا معاك يا وليد، شوف عاوز إيه و احنا هنساعدك و حظك حلو بكرة الجمعة"
رد عليه هو مردفًا:
مبدأيًا عاوز السطح يبقى هو المكان، المكان دي معزة خاصة بيننا و شهد على كل أيامنا الحلوة مع بعض، بس مش عارف أعمل إيه"
رد عليه «ياسين» بثقة:
بسيطة قولي بس ليكم صور مع بعض و انتو صغيرين لحد ما كبرتوا، يعني بما انكو ولاد عم"
أومأ له مؤكدًا ثم قال بحماسٍ:
كل صورنا سوا من ساعة ما اتولدت لحد فرحك معايا على الموبايل، بس ليه"
ابتسم «ياسين» بنفس الثبات ثم قال مردفًا:
عامر هيعملك فيديو حلو من فيديوهاته بصوركم سوا، خرج تليفونك بس و هو هيتعامل معاه...ياسر النور اللي بنعلقه في رمضان فين؟ هاتهولي بعد إذنك يا ميمي طبعًا"
ردت عليه هي بحب:
دي حاجتكم يا حبيبي و البيت كله و صاحبة البيت تحت أمركم، ربنا يسعد ايامكم كلها و يفرحكم"
سأله «وليد» بنبرةٍ حائرة:
أنتَ هتعمل إيه يا ياسين، فهمني بس علشام مبقاش تايه، أوعى تخرب الدنيا على دماغ أهلي"
رد عليه «خالد» بمرحٍ طفيف:
أنتَ زعلتها و إحنا هنخليك تصالحها، ثق فينا أنتَ بس و إن شاء الله هنبهرك".
____________________
في شقة «عامر» اجتمعت الفتيات الأربعة يجلسن مع «سارة» التي داهمها التعب فجأة و أول من تحدثت كانت «إيمان» و هي تقول بحنقٍ:
عامر لو عرف إنك مبتاكليش هناك يا سارة هيبهدل الدنيا و بصراحة حقه، الدكتورة قالت إن قلة الأكل هي اللي بتتعبك و تخليكي تهبطي كتير، لو مش عارفة تهتمي بنفسك يبقى خلاص بلاها شغل أحسن"
أضافت «خديجة» تقول بحزن:
لو عرف أصلًا إنك دوختي و روحتي مستشفى هيقعدك في البيت يا سارة، حرام عليكي تهملي نفسك"
ردت هي عليهن بقلة حيلة:
أنا مش بقدر آكل طول ما ورايا حاجة و الفترة دي فيه مناسبات كتير يعني مضغوطة، و لما برجع البيت ببقى عاوزة أنام علطول من الصداع، لما باكل باكل مع عامر علشان ميزعلش"
تدخلت «ريهام» تقول بهدوء:
أنا كنت زيك كدا و مش باكل خصوصًا إن خالد كان علطول متعصب و بعيد عني بس لقيت نفسي بتعب كتير و أنا اللي هخسر في الآخر علشان كدا بقيت باكل حتى لو حاجة بسيطة بس أحسن من مفيش"
ردت عليها هي بقلقٍ واضح:
أنا بس خايفة علشان عامر لو عرف هيزعل أوي، هو أصلًا عارف أني علطول بتعب من قلة الأكل، بس إن شاء الله ميعرفش علشان أنا بخاف يزعل أصلًا"
ردت عليها «أيمان» بشرٍ:
ما يزعل فيها إيه يعني، بت أنتِ فين اللي علمتهولك، ليلتك غامقة يا سارة، أخرتها خايفة عليه يزعل"
تدخلت «خديجة» تقول بنبرةٍ شبه منفعلة:
ما تخاف على زعله مش جوزها يعني، و لا تخليه زعلان منها و تنكد عليه و على نفسها"
رفعت «إيمان» حاجبها و هي تقول بتهكمٍ:
إيه دا إيه دا إيه دا !! الكتكوتة بتقاوحني؟ بلاش أنتِ علشان لسه هبدأ معاكي من أول أ_ب نكد"
تدخلت «ريهام» تقول بضجرٍ:
يا بنتي بقى حرام عليكي سيبي العيال في حالهم و خليكي في حالك، قال يعني أنتِ بتعرفي تثبتي على موقفك"
ردت عليها بتعالٍ:
آه طبعًا و عمره عمره كدا ما عرف يضحك عليا و لا يبصلي بعيونه الزرقا حبايبي دي"
ارتفعت ضحكاتهن عليها، فأضافت هي بقلة حيلة:
أعمل إيه بس بحبه، و بحسه يعيني غلبان و طيب كدا، أنا أعرف إن الناس اللي عينهم ملونة دول بيكونوا ناشفين كدا، لكن الواد ياسوري طيب أوي، بحسه أبني كدا، منه لله سمير أبوه مخليه علطول زعلان"
سألتها «سارة» باهتمام:
هو لسه زعلان بسببه و بيفضل يفكر فيه؟ يعني منسيهوش"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت:
للأسف لسه، و ساعات بشوفه ماسك صورته معاه و هو صغير و بيعيط، ياسر غلبان أوي و بيعمل المستحيل علشان يثبتلي إنه مش زيه بس هو غبي علشان أنا واثقة إنه مش زيه و لا حتى شبهه، علشان كدا مش بحب ازعله مني".
تدخلت «خديجة» تقول بهدوء ممتزج بحزنٍ طفيف:
هو معذور علشان دا مهما كان أبوه برضه، مهما حصل هيفضل يحن ليه و يتمنى حضنه، فيه ناس بتكون محظوظة علشان أهاليهم بيفوقوا و يصلحوا الموقف و فيه ناس زي سمير دا الزمن مقسي قلبه و هيندم ندم عمره دا لو كان عايش أصلًا"
زفرت «إيمان» بقوة ثم قالت بخجلٍ:
للأسف سمير دا عايش، و رجع القاهرة من فترة من قبل جوازي من ياسر"
___________________
فوق سطح بيت آلـ الرشيد أجتمع الخمسة شباب مع بعضهم و كلًا منهم يقوم بعمل شيئًا عدا «وليد» الذي وقف يتابعهم بحيرةٍ لا يدري ماذا يفعل، كان «خالد» مسئول عن توصيلات الكهرباء، و «ياسر» و «ياسين» مسئوليتهما كانت الديكورات و الإضاءة، أما «عامر» فجلس أمام الطاولة الصغيرة يقوم بترتيب الطعام و العصائر عليها، تابعهم «وليد» بأعين دامعة و هم يعملون على قدمٍ و ساق لأجله هو من أعتاد القيام بكل شيء لأجل من حوله، شرد هو فيهم و في صداقتهم و فجأة وجد «ياسين» يتقرب منه ثم ربت على كتفه وهو يقول بحب:
أحنا اخواتك يعني زيك زينا و مش غريب وسطنا يا وليد، لو أي واحد فينا في موقفك هيلاقينا معاه كدا و أنتَ معانا عمرك ما هتتأخر على واحد فينا، يبقى نظرتك دي ملهاش لازمة، ويلا بص كدا علشان خالد هيوصل الكهربا دلوقتي"
أومأ له بأعين دامعة، فوجده يلتفت و هو يقول بمرحٍ:
يلا يا عم خالد وصل الكهربا خلينا نروح بقى علشان نسيبهم يتصالحوا"
أومأ له صديقه بينما «عامر» قفز فجأةً و هو يقول بصراخ:
لأاا أنتو اغبيا؟ بتبوظوا المفاجأة ليه يا جاموسة منك له"
اقترب منه «ياسر» يمسكه من عنقه و هو يقول بحنقٍ:
ما تتكلم عِدل ياض أنتَ، قول عاوزنا نعمل إيه من غير شتيمة"
زفر هو بقوة ثم قال بتعالٍ:
ما أنتم اغبيا مش واخدين على الرومانسية، بس على العموم يلا حاجة مش جديدة عليكم، المفروض إن هي تطلع تتفاجأ، يعني حد يخليها تطلع هنا، و أول ما تدخل نشغل الإضاءة و الكهربا علشان الفيديو يشتغل و الأغنية، إنما لما تطلع تلاقي كل حاجة جاهزة كدا أكيد هتفهم إن فيه حاجة غلط"
رد عليه «ياسين» بهدوء ممتزج بالمرح:
معاك حق، رغم إن هيئتك تدل على الغباء إلا إنك بتتكلم صح، المفروض تطلع تتفاجأ، بس نجيبها إزاي من غير ما تشك إن اللي عاوزها وليد"
نظروا لبعضهم بحيرة واضحة، بينما «وليد» ابتسم بخبثٍ ثم قال:
خلود....مفيش غيرها هي دي اللي هتجبهالنا هنا"
في الأسفل في شقة «محمد»، خرج هو من الشرفة بعدما تحدث في الهاتف ثم جلس بجانب «طارق» و «وئام» و هو يقول بتعجبٍ:
دا عبده صاحبي من أيام زمان، بيقولي إنه جايلي النهاردة عاوزني في موضوع ضروري، خليكم معايا بقى ممكن يكون عاوزكم في شغل"
رد عليه «وئام» بهدوء:
خلاص كدا كدا هدى مع ماما تحت و أنا كنت هقعد مع طارق، بس طالما جاي تبعك خلاص"
في الداخل كانت «عبلة» تجلس برفقة «جميلة» في غرفتها و كلًا منهن تتصفح هاتفها، و فجأة صدح صوت هاتف «عبلة» برقم «خلود» اجابتها هي فوجدتها تقول بتلهفٍ واضح:
ركزي معايا يا عبلة سلمى كانت بتذاكر على السطح امبارح و نسيت كتاب الواجب أنا بلبس و هروح السنتر أوصله ليها، أطلعي انتِ هاتيه من فوق السطح لحد ما أخلص لبس، بس بسرعة الله يرضى عليكي علشان تدخل الحصة، أنتِ عارفاها عيوطة"
زفرت «عبلة» بقوة ثم قالت بضيقٍ:
مش قادرة يا خلود، اطلعي أنتِ بعد ما تلبسي و خلاص"
ردت عليه «خلود» بحنقٍ:
ما تطلعي يا عبلة هو أنتِ مكسحة ؟ و بعدين أختك تطرد من الدرس عادي يعني ؟ براحتك خلاص مش لابسة"
ردت عليها الأخرى بضجرٍ:
خلاص خلاص طالعة، استنى هلبس الطرحة و القميص علشان الاسدال منشور"
اغلقت معها الهاتف فوجدت «جميلة» تقول بخبثٍ:
معلش يا عبلة سلمى بعتت عاوزة الكتاب لو أنا قادرة كنت طلعت بقى، بس بسرعة علشان خلود تلحق توصله"
زفرت «عبلة» بقوة ثم قالت بضيقٍ:
أنا مش فاهمة واحدة في ثانوية عامة تنسى كتابها إزاي؟ حاجة غريبة"
كانت تتحدث و هي تضع الحجاب على رأسها ثم خرجت من الغرفة، أما «جميلة» نظرت في أثرها ثم قالت بمرحٍ:
اطلعي يا عبلة، و الله أنتِ بنفسك هتنسي طلعتي ليه"
بعد مرور ثوانٍ فتح باب المصعد بواسطتها و هي تخرج من باستعجالٍ واضح، أما الشباب جميعهم اختبئوا في مكانٍ منزويًا عن الأنظار بدون «وليد» الذي وقف أسفل الشاشة، دلفت هي داخل السطح و لكنها تعجبت حينما رآت المكان مظلم و هذه على غير عادتهم، اقتربت من المقبس و قبل أن تضغط عليه قام «خالد» بتوصيل الكهرباء في المقبس المجاور له، فسطعت الأضواء العالية التي تشبه أضواء الزينة الخاصة بالأفراح، و فجأة وجدت الشاشة تضيء و «وليد» أسفل منها بعدما رفعوها على الحائط، نظرت هي باندهاش، فوجدته يبتسم لها، رغمًا عنها بكت من شوقها إليه فوجدته يشير برأسه للأعلى على الشاشة، رفعت رأسها كما أشار لها، حينها قام «عامر» بتشغيل الفيديو الخاص بصورهما سويًا منذ الصغر بأغنية من اختيار «ياسين»، فبدأ المقطع بعرض صورهما منذ كانا في نعومة أظافرهما بكلمات هي:
من زمان نفسي اغنيلك و أحكيلك قد إيه أنا بحبك.....و أمسك قلمي و أكتبلك و أعمل اغنية باسمك و أسرح بعيد و افتكرك....كل الكلام اللي جوايا مش كفاية و ميكفيش.....حتى البدايةلما كنتي واقفة معايا.....فـ بداية الطريق و الحلم كان لسه بعيد.....في عز يأسي و كل الدنيا ماشية عكسي......علشانك أنا قادر أكمل.....علشانك قادر اتحمل.....و في كل مرة بشوفك... بحبك تاني من الأول .... علشانك أنا قادر أكمل.... علشانك قادر اتحمل ...و كل مرة بشوفك بحبك تاني من الأول"
كانت هذه كلمات الأغنية المرافقة لصورهما سويًا، أما هي فبكت بقوة حينما رآت ذلك المقطع الذي ضم ذكرياتهما سويًا حتى أخر صورة لهما معًا، أما هو حينما لمح دموعها اقترب منها ثم قال بهدوء مع الأغنية:
علشانك أنا قادر أكمل....علشانك قادر أتحمل.....و في كل مرة بشوفك بحبك تاني من الأول"
قال جملته ثم قام بتدويرها بين يديه يرقصان على الباقي من كلمات الأغنية و هي:
كنا أطفال و كبرنا و مع بعض احنا كملنا....الحكاية.....حب البراءة و السذاجة غلب الدنيا الكدابة...و لسه عايش جوايا.....بشوفك زي أول مرة....كنتي غيرهم كنتي حرة....و اللي في قلبك كان برة....أنتِ كل حلم عدى و استخبى ....خرجتيه مني بذقة.....بتشديني و دايمًا سابقة.....علشانك أنا قادر أكمل..... علشانك قادر اتحمل .....و كل مرة بشوفك بحبك تاني من الأول...... علشانك أنا قادر أكمل.... علشانك قادر اتحمل"
أنهيا رقصتهما سويًا، فوجدته يقترب منها و هو يقول بنبرةٍ ظهرت بها العاطفة:
علشانك أنا قارد أكمل، علشانك قادر اتحمل.....أنا أشرب المُر علشان عينيكي.....ياللي دنيتي احلوت بيكي"
بكت من جديد بقوة فوجدته يحتضنها بقوة ثم قال بمرحٍ من بين بكاؤه:
وحشتيني....وحشتيني يا سوبيا"
احتضنته هي بقوة تتشبث به و هي تبكي، أما هو حرك رأسه لليمين قليلًا فوجد الشباب ينسحبوا بهدوء، أما «ياسين» قبل ذهابه أشار له بـ إبهامه أن كل شيء على ما يرام، ففعل «وليد» المثل وهو ينظر له بامتنان حقيقي.
__________________
في شقة «محمد» أتى صديقه و جلس معه و مع الشباب و معه ابنه، و بعد الترحيب قال هو بهدوء:
أنا يا سيدي كلمت حسان علشان أشوفه عمل إيه فـ شغله و علشان كنت عاوزه في موضوع مهم، لقيته بيقولي إنه رد المدام و إن جميلة هنا في بيت العيلة"
نظروا له بتعجبٍ، أما «محمد» قال مردفًا بهدوء:
جميلة هنا معانا و مع أخواتها أحسن ما تفضل لوحدها، بس سيبك أنتَ، نورتني، اخبارك إيه يا عبده، و أنتَ يا محمد اخبارك إيه؟ خلي بالك أبوك مسميك على أسمي من حبه فيا"
رد عليه «محمد» بطريقةٍ مهذبة:
دا شرف ليا يا عمي و الله، كفاية أني اكون زي حضرتك"
كان كلًا من «طارق» ينظر له بتعجبٍ من هيئته و مظهره المنمق بشدة، و في تلك اللحظة خرجت «جميلة» تحمل صينية العصير تقدمه للضيوف، فقام «عبده» بوكز ابنه في يده حتى يطالعها أما هو فوجه بصره نحوها و حينما رآها ابتهج وجهه بشدة و هو يبتسم ببلاهة، اقتربت «جميلة» و قبل أن تخطو نحوهم وجدت «طارق» يقف مقابلًا لها يأخذ ما بيدها ثم أشار لها برأسه حتى تعود للداخل، و قبل أن تتركه وصلها صوت «عبده» يقول بمرحٍ:
عاملة إيه يا حميلة إيه مش فكراني"
حركت رأسها حتى تستطع رؤيته من خلف «طارق» و هي تقول بنبرةٍ مهتزة:
أنا كويسة يا عمو الحمد لله، حضرتك عامل إيه"
رد عليها هو بمرحٍ:
أنا كويس أوي الحمد لله، و هبقى مبسوط أكتر لما اللي جاي علشانه يتم"
التفت «طارق» ينظر له مُتعجبًا و العصير في يده، أما «محمد» سأله بنبرةٍ حائرة:
أؤمر يا عبده، خير إيه اللي جاي علشانه"
ابتسم «عبده» بفخرٍ و هو يقول:
جاي أطلب إيد جميلة لابني محمد، منك يا محمد بما إنك صاحبي و خالها".
______________________
في شقة «حسن» كعادتهما جلسا سويًا على الأريكة، يشاهدان الفيلم سويًا و هي تضع رأسها على كتفه و هو يحرك أنامله في رأسها و شعرها الناعم، أما هي فكانت تشعر بالراحة، فسمعته يقول بهدوء:
هدير هو أنتِ لسه خايفة مني، يعني خايفة تفضلي معايا هنا"
رغم تعجبها من حديثه إلا أنها رفعت رأسها ثم حركتها نفيًا بقوة تنفي حديثه، فوجدته يسألها بلهفةٍ واضحة:
بجد ؟! يعني لو هتفضلي هنا معايا علطول و مش هتمشي"
نظرت له هي باستفهام فوجدته يقول بهدوء ممتزج بحزنٍ واضح في نبرته و نظرته:
أصل أنا طول عمري لوحدي و عمري ما حد كان معايا، كرهت حياتي و دنيتي كلها و حاولت انتحر بس ربنا رحمته واسعة و كتبلي عمر جديد ....و رحمته الواسعة دي جمعني بيكي علشان أعرف إن الحياة فيها حاجات حلوة زي الونس بوجودك، الأيام اللي قضيتها معاكي حلوة و مش عاوزها تخلص....علشان كدا بسألك هتفضلي معايا و لا هتمشي زي ما كل حاجة بتسبني و تمشي؟"
ابتسمت هي له باطمئنان ثم ربتت على كتفه فوجدته ينظر لها نظرةٍ حائرة لا يدري مقصدها فوجدها تمسك هاتفها ثم أرسلت له:
متخافش يا حسن...مش هسيبك"
قرأ هو الرسالة بعدما أرسلتها له فابتسم باتساع ثم ترك هاتفه و امسك رأسها يطبع قبلة على جبينها و هو يقول بمرحٍ:
روحي ربنا يطمنك و يفتحها في وشك يا رب، دا أنا هفتحلك فرع ديزني هنا"
أخفضت رأسها في خجلٍ منه و قبل أن يتركها هو صدح صوت جرس الباب، تعجبا من التوقيت و خاصةً هي تمسكت بذراعه فوجدته يقول مطمئنًا:
اهدي متخافيش كدا، هتلاقيها أم أمل عاوزة حاجة علشان بكرة الجمعة بتجيب طلبات السكان"
أومأت له هي بقوة فتركها هو ثم توجه نحو الباب يفتحه، و حينما فتحه ذُهل حينما رآها أمامه فقال باندهاش:
ست فردوس ؟!!"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس عشر
لقلبٍ مُظلم أتيْت أنتَ تُزيل عتمته...لطريقٍ مُوحش وحدكَ فقط أنَرت ظُلمته.
____________________
إن كان في صدف الزمان ما يطيب النفس فهو في رؤية عيناكِ عزيزتي، تلك العدسة الصغيرة تُعد وطنًا كاملًا لشخصٌ مثلي مشردٌ لن تقبله الأوطان ...و بعد السير وحيدًا في الظلام ...صادفتُ جنة عيناكِ ليصبح ذاك المُشرد مُحاطٌ بالأمان، مثلي من ذاق قسوة الفراق و أتعبه ألم الأشتياق؛ يود فقط مدينة حدودها ذراعين تحتويه في عِناق.
_"ست فردوس !!"
قالها «حسن» بدهشة حينما رآى والدة زوجته السابقة تقف أمامه تطالعه بحنقٍ و كأنها بذلك تبدأ هجومها عليه، أما هو فازدرد لُعابه بخوفٍ و هو يطالعها بترقبٍ فوجدها تبتسم بتهكمٍ و هي تقول:
"إيه يا أستاذ حسن مش هتدخلني ولا إيه ؟ و لا العروسة الجديدة مانعة دخول حد شقتها"
استمعت «هدير» لصوتها لذلك قطبت جبينها و هي تترك الأريكة و تتوجه نحو مصدر الصوت، و حينما اقتربت منهما، وجدتها تقول بضيقٍ حينما رآتها:
"يا آهلًا بالعروسة، لابسة أسود ليه يا حلوة دا حتى فال مش كويس"
نظرت لها «هدير» باستنكارٍ واضح و هي تحرك رأسها باستفهامٍ تطالع «حسن» الذي وقف بملامح وجه واجمة، فوجدتها تقول بسخريةٍ مُتهكمة:
"إيه يا عروسة هو أنتِ متعرفنيش ولا إيه؟ البيه مقالكيش إنه كان متجوز و أنا كنت حماته... حماته اللي كان السبب في موت بنتها و قهرني عليها طول العمر"
اتسعت مقتليها حينما سمعت تلك الجملة و هي تنظر له باندهاش فوجدته يقترب من «فردوس» و هو يقول منفعلًا:
"يمين بالله لو ما بطلتي كلامك الخايب دا لأخليكي تحصلي بنتك"
_"و هو أنتَ عاوز تحرمني منها و تقهرني عليها و تعيش حياتك و تتجوز كمان، إيه بتقتل القتيل و تمشي في جنازته"
صرخت «فردوس» في وجهه بذلك و هي تطالعه بغلٍ واضح، أما «هدير» فلم تشعر سوى بالدموع التي أغرقت وجهها في ثوانٍ، فسمعت «حسن» يقول صاررًا على أسنانه بقوة:
"أنتِ شكلك كدا بنتك وحشتك و أنا ميهونش عليا كدا، و بقول ابعتك ليها و تبقى الجثة جثتين"
طالعته «هدير» بدهشة و هي تسمعه يتحدث بذلك، فوجد «فردوس» تقول بنبرةٍ متشفية:
"الجثة التانية دي هتبقى جثة العروسة، لما تموت و قلبك يتقهر عليها، و أنا بقى اللي هموتها"
قالت جملتها ثم اندفعت بجسدها نحو «هدير» تحاول الامساك بها و لكن يد «حسن» حالت بينهن حتى يمنعها من الاقتراب و هي تصرخ بعدة كلمات حانقة عليهما، في تلك اللحظة شعرت «هدير» بالاختناق و كأن حجرًا عالقًا في حلقها لذلك رفعت كفيها معًا تدلك عنقها بشدة و هي تشعر بالتقيؤ و كأنها تصارع شخصًا آخرًا بداخلها و مع ارتفاع الصوت حولها و زيادة اختناقها و هي ترى «فردوس» تصارع «حسن» حتى تصل إليها سعلت بقوة و كأنها غريقًا خرج من البحر لتوه، و فجأة سقطت مغشيةً عليها بقوة متصادمة في الأرض الرخامية أسفلها، أما «حسن» حينما سمع تلك الاصطدامة، دفع «فردوس» بعيدًا ثم اقترب منها يقول بخوفٍ حقيقي اتضح في نبرته و ملامحه:
"هــديـر....فوقي علشان خاطري، فوقي و متسبنيش"
كان يتحدث و هو يهزها برفقٍ و كف يده يضربها على وجنتها و هو يحدثها متوسلًا حتى تفيق من تلك الدوامة السوداء، أما «فردوس» فوقفت تراقبه بخوفٍ وهي ترى حالته و خوفه على تلك الملقاة أمامها.
_____________________
في بيت آلـ الرشيد فوق سطح البيت خرجت «عبلة» من بين ذراعي «وليد» تطالعه بعتابٍ واضح التقطه هو على الفور لذلك رفع كفه يضعه على إحدى وجنتيها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"بلاش تعيطي علشان أنا مبحبش حد يعيط قصادي، و أنتِ مش حد يا عبلة أنتِ دنيتي كلها، أنا أصعب ما عليا هو دموعك و بالذات لو أنا السبب فيهم"
_"بس أنتَ المرة دي تعبتني يا وليد، أنتِ سبتني و أنتَ عارف إن وجودك بيقويني، كنت عارف أني زعلانة من غيرك و برضه كملت في بُعدك عني"
تفوهت بذلك بنبرةٍ معاتبة و الدموع تسيل على وجنتيها، فوجدته يضيف بنبرةٍ محبة ظهرت بها عاطفته:
"و الله العظيم غصب عني، كل اللي عملته كان علشانك أنتِ، أنا عمري ما قدرت أشوف حد محتاج مساعدة و ابعد عنه، و أنا كان لازم أخد خطوة علشانك، كان لازم أحجم خوفي علشان ميدخلش بيننا، عبلة أنا روحت لهناء علشانك أنتِ، علشان تفضلي معايا علطول، عبلة أنا بحبك"
طالعته هي بحبٍ لم يخفى عليه حينما أمعن النظر في مقلتيها فأضاف من جديد:
"حبك هو اللي بيحركني يا عبلة، لما اصريت اتعالج من الادمان كان السبب هو أنتِ علشان أكون معاكي علطول، و لما اشتغلت مع طارق و وئام كان برضه علشانك، وجودك كان دايمًا الأمل ليا في إن اللي زيي ينفع يتقبل بعيوبه عادي، يعلم ربنا اللي خلى قلبي ميدقش غير ليكي أنتِ و بس إن محدش في الدنيا شاف ضعفي و قلة حيلتي غيرك، لو لكل قاعدة استثناء....فمرحبًا بيكي الاستثناء الوحيد في القلب"
ابتسمت باتساع ثم احتضنته من جديد بحب و هي تقول بنبرةٍ مختنقة من إثر مشاعرها المتداخلة مع بعضها:
"و أنا و اللّٰه قبلاك زي ما أنتَ، بعيوبك قبل مميزاتك، الحب يا وليد هو إنك تقبل اللي قدامك بكل ما فيه الوحش قبل الحلو، و أنا عيوني مش شايفة فيك عيوب، علشان كدا كنت زعلانة إنك بتبعد عني و أنتَ عارف أني بحبك و مش محتاجة اثبات"
ابتسم هو باتساع و هو يشدد عناقه لها ثم قال بهدوء بعدما أبعدها عنه ينظر في عينيها:
"حقك عليا علشان زعلتك، بس لو ليا غلاوة عندك عاوز أطلب منك طلب يا عبلة"
نظرت له باستفسار تطلب منه الاسترسال في حديثه فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم قال:
"مهما حصل بيننا و مهما زعلتك أوعي في يوم تدخلي تامر عاشور بيننا"
ضحكت بقوة بعدما استمعت لجملته الأخيرة التي خرجت بطريقةٍ جادة لا توحي بالمزاح، أما هو فضحك هو الآخر على ضحكتها ثم أضاف بسخرية و لازالت نبرته ضاحكة:
"بكلمك بجد و الله، الراجل عنده أغاني فراق تخلي المتصالحين يزعلوا مع بعض، أنا خوفت أسيبك أكتر من كدا مع أغانيه توصل للطلاق"
ردت عليه هي بحنقٍ زائف يشوبه بعض التوعد و التهديد:
"هو كدا بقى، كل ما تنكد عليا هسمعك تامر عاشور علشان تتربى من جديد و تبطل تزعلني و تقلل من حبي ليك"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بهدوء ظهرت به العاطفة:
"عمري ما أقلل من حبك ليا، علشان حبك دا هو السبب اللي مخليني عايش، و لو أنا نكرت فضله عليا ابقى بتجاحد على النعمة، و أنتِ وجودك نعمة يا عبلة"
ابتسمت باتساع ثم قالت بمرحٍ:
"تصدق و الله لو كنت زعلانة أصلًا بعد كلامك دا أنا مسحت الايام اللي فاتت بأستيكة، بس نفسي نعيش أنا و أنتَ من غير مشاكل يا وليد، مش عاوزة أحس إنك بترمي نفسك في أي مشكلة، عاوزاك تفكر في نفسك يا وليد، عاوزاك توعدني إنك تحافظ على نفسك علشاني....وعد ؟"
أومأ لها موافقًا و قبل أن يرد عليها صدح صوت هاتفه، أخرجه هو و حينما رآى رقم «حسن» رد عليه بسرعة كبيرة فوصله صوته و هو يقول بنبرةٍ شبه باكية:
"الحقني يا وليد، هدير أغمى عليها و مش بترد عليا هات دكتور و تعالى بسرعة"
ذُهِل «وليد» حينما سمعه لذلك أغلق الهاتف ثم قال لها معتذرًا:
"معلش يا عبلة أنا لازم أمشي دلوقتي علشان حسن عاوزني ضروري، انزلي أنتِ الشقة و أنا هعدي عليكي"
نظرت له بيأسٍ و لم ترد فوجدته يقترب منها يقبل قمة رأسها ثم تركها راكضًا نحو المصعد.
____________________
في الأسفل في شقة «محمد» كانت الدهشة تحتل الجلسة و ملامح الجميع بعدما أدلىٰ «عبده» بمطلبه أمام الجميع، عدا «طارق» الذي التفت ينظر لها رافعًا أحد حاجبيه بحنقٍ فوجدها تزدرد لُعابها بخوفٍ حقيقي، و في تلك اللحظة حنيما لاحظ «عبده» الصمت السائد في المكان تحدث يقول بمرحٍ:
"إيه يا جماعة هو أنا قولت حاجة غلط؟ أنا بطلب ايدها من خالها، سمعني ردك يا محمد"
في تلك اللحظة مال «وئام» على أذن عمه يقول بسخرية:
"أنا هجهز المحامي و أنتَ هات العيش و الحلاوة و قول لطنط سهير تيجي تحضن ابنها"
نظر له عمه بتعجبٍ، أما «طارق» مال بجزعه يضع العصير على الطاولة ثم وقف يهندم ملابسه بغرورٍ و هو يقول متهكمًا:
"طب و مش تستأذن الخروف اللي هي على ذمته؟ يعني يمكن يكون عنده اعتراض"
تدخل «محمد عبده» يسأله منفعلًا بحنقٍ:
"نــعم !! يعني إيه على ذمته و هو مين دا أصلًا، ما تقول حاجة يا بابا"
رد عليه «طارق» بضيق:
"و هو بابا بقى هيقولك إيه؟ أنا جوزها و بقولك أهو أمشي بكرامتك بدل ما تخرج من غيرها"
وقف «عبده» يقول منفعلًا:
"إيه الكلام دا يا محمد، ما ترد على ابنك و قول حاجة، الكلام دا بجد !!"
وقف «محمد» هو الأخر ثم قال باحراج:
"طارق بيقول الحق يا عبده، جميلة مراته من ساعة ما جت البيت هنا، أنا مش عارف إزاي حسان مقالش ليك على حاجة زي دي"
تدخل «محمد عبده» يقول باحراج حينما لاحظ نظرة «طارق»:
"طب احنا آسفين يا جماعة على الموقف دا، مع إن بابا قالي إنه لمح قصادها و هي ما أعترضتش"
اتسعت مقليتها بقوة بخوفٍ حقيقي تزامنًا مع شهقة قوية خرجت منها، أما «محمد عبده» أمسك ذراع والده ثم قال بهدوء:
"أنا آسف مرة تانية، و ربنا يخليكم لبعض"
تحدث والده يقول بحنقٍ:
"يعني إيه هو لعب عيال يا محمد؟ أنا كنت فاتحت حسان أول ما جه القاهرة، ازاي يجوزها لواحد تاني و أنا قايله"
_"مـــحــمد، خــد بــابــا و أمشي من هنا بدل ما أخليكم متشوفوش الشارع تاني، يلا"
قالها «طارق» بصراخٍ في وجهيهما جعل الخوف يَدب في أوصالهما من حِدة نبرته لذلك أمسك يد والده ثم سحبه خلفه حتى يخرج من الشقة، أما كلًا من «محمد» و «وئام» لم يتحكما في ضحكاتهما على ذلك الموقف، مما جعل «طارق» يطالعهما بشررٍ يتطاير من عيناه، و لكنهما استمرا في الضحكات كما هما، فالتفت لها و حينما رآت هي نظرته ركضت من أمامه نحو غرفتها و حينما رآى فعلتها هو ركض خلفها، أما الأثنين فزادت ضحكاتهما بقوة في تلك اللحظة على منظره و هو يركض خلفها.
____________________
وصل «عامر» شقته بعدما نزلت الفتيات من عند زوجته، دخل هو لها فرآى وجهها شاحبًا و الإرهاق باديًا على ملامح وجهها بشدة و هي تجلس في انتظاره، اقترب منها هو يجلس بجانبها ثم سألها باهتمام:
"هو أنتِ شكلك تعبان كدا ليه يا سارة؟ حاسس إنك مش مظبوطة، فيه حاجة مزعلاكي"
ابتسمت له بتوترٍ و هي تُجيبه:
"لأ يا عامر أنا كويسة...هيكون فيا إيه يعني، تلاقي بس شوية ارهاق من الشغل"
نظر لها بتمعنٍ أكثر فوجدها تضيف بهدوء:
"متقلقش والله أنا بخير، صدعت شوية بس من الشغل، و كمان وحشتني و كنت مستنياك علشان نسهر مع بعض"
أومأ لها موافقًا ثم ألقى رأسه على فخذها بارهاق، تعجبت هي منه لذلك سألته باهتمام:
"مالك يا عامر شكلك تعبان، مش عادتك يعني"
رد عليها هو بلامبالاة:
"متشغليش بالك يا سارة أنا كويس، تلاقيه ارهاق من الشغل"
سألته هي بحزن:
"طب مش هتحكيلي مالك؟ من إمتى بتخبي عليا يعني"
اعتدل هو في جلسته ثم قال بنبرةٍ جادة:
"زي ما أنتِ خبيتي عليا إنك تعبانة و إنك روحتي لدكتورة، و في الأخر ألاقي مامتك بتوصيني عليكي و بتقولي خد بالك من أكلها !! هو أنا مجوعك يا بنت الحلال"
ردت عليه هي بسرعة كبيرة حتى تنفي حديثه:
"أنا خبيت عليك علشان مزعلكش و مكنتش هقول لماما علشان متقلقش بس البت اللي في المحل اللي جنبي هي اللي ردت عليها و قالتلها، و الله مش زي ما أنتَ فاكر"
نظر لها باستنكارٍ واضح و هو يقول بضيقٍ منها:
"كلامك مش مقنع يا سارة، أنتِ لحد دلوقتي مش قادرة تصدقي إنك بقيتي مسئولة مني، لسه فاكرة نفسك البنت اللي بـ ١٠٠ راجل و هتفضلي خايفة أشيل معاكي مسئوليتك دي"
نظرت له بحزن فوجدته يضيف:
"مش هتكدبيني صح؟ لسه لحد دلوقتي فاكرة إنك مسؤلية نفسك و أنا وجودي زي عدمه، يدوبك واحد عايش معاكي في نفس المكان و خلاص"
اقتربت منه تمسك كفه وهي تقول ببكاء:
"متقولش كدا و الله محسبتهاش كدا، أنتَ علطول بتفكرني بـ بابا علشان لما كنت بتعب قصاده كان بيتعب هو كمان، و الله بحبك و مش عاوزاك تزعل مني يا عامر، متقولش أني مهمشاك علشان أنا دنيتي أحلوت بيك و الله"
حرك رأسه لليسار بتشككٍ في حديثها فوجدها تضيف بنفس النبرة:
"متبصليش كدا و الله خايفة عليك تزعل علشاني، لكن و الله أنا بحبك و عمري ما أقدر أزعلك أصلًا، أنتَ اللي وقفت في ضهري و رجعت حقي من عمي و دافعت عني و شجعتني و حبتني، و الله يا عامر مقدرش أزعلك"
ابتسم هو باتساع ثم سحبها اسفل ذراعه فوجدها تبكي بقوة و كأنها طفلة صغيرة، تعجب هو من حالها لذلك سألها بهدوء:
"بتعيطي ليه يا ست أنتِ هو أنا جيت جنبك، مالك يا جرثومة"
ردت عليه ببكاء:
"علشان انتَ زعلت مني و أنا مبحبكش تزعل مني، و كمان مهزرتش معايا و أنا مش واخدة عليك إنك جد، بحبك علشان بتضحكني"
_"دا على أساس أني اراجوز قدامك ؟! ما تحسني ملافظك يا بت أنتِ"
قالها هو متهكمًا بسخرية و هو يرفع حاجبه، أما هي ابتعدت عنه تشهر بسبابتها في وجهه و هي تقول بنبرةٍ متوعدة:
"قولتلك مبحبش كلمة بت دي بتعصبني، و بعدين أنتَ عودتني إنك علطول تهزر لما اتكلمت بجد خوفت منك، متتكلمش معايا جد تاني"
ابتسم هو لها ثم سألها بهدوء:
"سيبك بقى من كل دا و قوليلي أنتِ عاملة بقى....طمنيني"
ابتسمت له هي الأخرى ثم قالت بحبٍ:
"بقيت كويسة علشان شوفتك"
_"أنا مالي بيكي يا ستي، عاملة أكل إيه أنا جعان"
قالها هو بحنقٍ حينما جاوبته هي، لذلك نظرت له بدهشة غير مصدقة لما تفوه به، فوجدته يضحك على هيئتها ثم احتضنها من جديد و هو يقول بمرحٍ حتى يمازحها:
"يا ستي بهزر معاكي، أنا أصلًا مخنوق من ساعة ما عرفت إنك تعبانة، و حسيت أني مقصر في حقك و الله"
ردت عليه تنفي حديثه:
"متقولش كدا و الله أنا اللي ماكلتش كويس، مش ذنبك يعني"
أومأ لها موافقًا ثم مد يده الأخرى يربت على ظهرها بحنانٍ بالغ فوجدها تسأله بضيقٍ:
"أنتَ هتفضل ساكت مش هتهزر يعني، و لا أجبلك صحابك بقى تهزر معاهم، شكلي كدا مش مالي عينك"
ابتسم هو ثم قال بسخرية:
"زيك زي أي زوجة أصيلة غاوية نكد، اطمني يا ستي مش هسكت ههزر و هنسهر سوا النهاردة"
سألته هي بنبرةٍ متحمسة:
"قول بجد والله، يعني مش هتنام ولا تسبني و تنزل؟"
رد عليه بنبرةٍ خبيثة يشاكسها بها:
"اسيبك و انزل إزاي بس، دا أنتِ القعدة معاكي تنسي الواحد سنينه؛ زي الجبنة الرومي سايحة في الفينو"
ضحكت هي بقوة عليه فوجدته يقول ببراءة:
"أنتِ اللي طلبتي و أنا مرفضلكيش طلب أبدًا"
________________________
في شقة «ياسين» جلست هي تفكر في حديث «إيمان» و بعدما بدل هو ثيابه و خرج لها وجدها شاردة في الفراغ، جلس بجانبها يسألها بتعجبٍ من صمتها:
"مالك يا ست الكل سرحانة فـ إيه؟ عاملة زي اللي خايف من العقاب"
سألته هي بلهفةٍ حينما وجدته يجلس بجانبها:
"ياسين هو أبو ياسر عايش فعلًا ؟ يعني موجود و عارف إن عياله عايشين ؟"
نظر هو لها بدهشة و هو يسألها بنبرةٍ مهتزة:
"أنتِ عرفتي منين يا خديجة؟ و بعدين أنتِ مالك أصلًا بحاجة زي دي"
ردت عليه هي بسرعةٍ كبيرة:
"عرفت من إيمان يا ياسين، فعلًا هو عايش و زي ما هي حكت كدا، عنده شركة و مبسوط"
زفر هو بقوة ثم أومأ لها موافقًا بقلة حيلة، شهقت هي بقوة فوجدته يقول بنبرةٍ ظهر الحزن بها:
"للأسف عايش و عرفنا من فترة لما جه هو و عيال مراته علشان يمضوا عقد شراكة مع الشركة اللي فيها خالد، و سألنا و جبنا كل حاجة عنه"
سألته هي بنبرةٍ مهتزة:
"طب ....طب هو مش بيدور على عياله ليه يا ياسين، و ليه ياسر ميعرفش، انتو كدا بتخدعوه"
رد عليها هو بنبرةٍ قوية:
"نخدعه !! عاوزاني أروح اقوله تعالى يا ياسر شوف الراجل اللي قهرك طول عمره و حكم عليك تكون يتيم و هو عايش، و لا أخليه يشوف معاملته لعيال مراته علشان يتقهر، أنا مش هقهر أخويا علشان واحد زي دا، هو مات في عين ياسر و عيوننا كلنا"
سألته هي بترددٍ:
"طب لو حاول يوصل ليهم... هتعملوا إيه، هتمنعوه يوصل ليهم؟"
رد عليها مؤكدًا:
"مش هخليه يلمح طيفه حتى، هو عايش حياته مبسوط مع عيال مراته و بقى أب ليهم، خليه بقى مبسوط معاهم، و لو فكر يقرب من ياسر أنا و خالد و عامر هنكسر رجله قبل ما يعملها"
نظرت بحزن أمامها و الدموع تلمع في مقلتيها أما هو نظر لها متفحصًا ثم هزها برفقٍ حتى تنتبه له فوجدها تنظر له و الدموع تسيل على وجنتيها و هي تقول بنبرةٍ باكية:
"هما ليه كدا يا ياسين ؟ ليه بيخلفوا طالما هما مش قد المسئولية دي؟ لو مش قادر يكون هو ضهر عياله بيعمل فيهم كدا ليه؟ ازاي سايبهم يشحتوا الحنان من غيره و هو مش قادر يدوقهم الحنان دا"
احتضنها وهو يقول بهدوء:
"علشان اغبيا يا خديجة، اللي ميقدرش النعمة دي يبقى غبي، واحد زي سمير خسر إنه يكون عنده ابن زي ياسر راجل و يعتمد عليه و حنية الدنيا كلها فيه، بكرة سمير دا هيترمي في الشارع و هتشوفي، و لا واحد زي ابراهيم عمك دا، معرفش يحافظ على ولاده و سايبهم يضيعوا نفسهم، أنا شوفت العجب من ابهات كتير، بس بصراحة الوحيد اللي احترمته هو عم طه، علشان ندم فعلًا و عرف قيمتك، هو آه غلط بس أنا كل مرة بشوف ندمه في عينه يا خديجة"
ابتعدت عنه تطالعه بأعين باكية ظهرت بها الحيرة من حديثه فوجدته يقول من جديد:
"متستغربيش ، أنا عارف إنك لسه بتزعلي كل ما تفتكري اللي حصل علشان كدا أنا بفضل أقول إني بحس نفسي مسئول عنك زي بنتي، و دا مش تلزيق ولا مياعة، بس الراجل اللي بجد هو اللي مراته تحس معاه إنها بنته و أخته و مراته و صاحبته يا خديجة، و ربنا يعلم أنتِ عندي كل دول، اعتبري نفسك هنا بتتأهلي من أول جديد للحياة، زي الطفل الصغير كدا"
سألته هي بلهفة و كأنها طفلة صغيرة تتلمس تأكيد الحديث:
"بجد يعني مش هتحس بخنقة، يعني ممكن أعرضك للخسارة، أو هخسرك كتير بصراحة"
ابتسم هو بهدوء ثم قال لها بنبرةٍ مصطبغة بالحنان:
"خسريني براحتك يا خديجة، وجودك معايا مكسب كبير و البصة في عينك تعوض أي خسارة"
ابتسمت له بخجلٍ فوجدته يبتسم هو الآخر ثم قال بهدوء:
"أي حاجة نفسك فيها أو كان نفسك فيها اطلبيها، سواء بقى طلبك مني أو كان نفسك يكون من باباكي، اطلبي يمكن أقدر أعوضك و لو جزء بسيط عن اللي فات من عمرك في الزعل"
ردت عليه هي بامتنان حقيقي وبحديث خرج من قلبها قبل صوتها:
"هتصدقني لو قولتلك كل حاجة عاوزاها بقت عندي ؟ علشان كل حاجة اتمنيتها فيك أنتَ يا ياسين، لو الدنيا ضلمة أنتَ نورها الوحيد، و لو أنا ماشية في كل طرق الخوف يبقى أنتَ طريق الأمان الوحيد، و لو كل العالم دا طرق شر يبقى أنتَ محطة الخير اللي فيه، صعب أطلب حاجة في وجودك غير إن ربنا يحفظك ليا علشان و الله مليش غيرك"
طالعها هو بدهشة غير مصدقًا لما تفوهت به بتلك النبرة فوجدها تبتسم بهدوء و هي تقول بمرحٍ:
"خلاص يا ياسين طالما سكت يبقى كدا أتثبت"
ضحك بقوة ثم قال متشدقًا بهدوء:
"اتلجمت....يعني ماشاء الله التطور باين، هناء لو سمعتك هتزغرط و الله"
ردت عليه بنبرةٍ مشتاقة:
"تصدق وحشتني أوي؟ دكتورة هناء دي صاحبة فضل عليا و هي السبب بعد ربنا في علاجي"
رفع حاجبه ينظر لها بحنقٍ فوجدها تقول بإحراج:
"و وليد طبعًا علشان هو كان عارف أنا عندي إيه"
_"و الله ؟! هي بقت كدا يعني، طب أنا هروح اشوف حد عند هناء بقى محتاج مساعدة"
قالها هو بسخرية حينما تجاهلته هي فوجدها تقول بمرحٍ:
"خلاص يا عم قلبك أبيض، عرفنا إنك السبب في علاجي، ليك عليا أمشي أعلق يافطة مَرضي كدا؟"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه نفيًا، طالعته هي بدهشة فوجدته يقول مُردفًا لها:
"أنتِ اتغيرتي علشان مجهودك اللي كنت شاهد عليه، و بما أني هنا بأهلك من أول و جديد، اتعودي إن اللي بيعمل حاجة مينفعش يقول أنا عملت، يعني مش مستني إنك تعظمي في دوري، أنا كنت بنكشك بس، لكن أتعودي تدي و متاخديش و اتعودي تكوني أنتِ بداية الخير، علشان الخير دا دايرة يا خديجة ادخليها بارادتك تلاقي الهنا"
سألته هي بنبرةٍ حائرة:
"إزاي يعني أمشي ادور على الخير و لا ازاي مش فاهمة؟"
أجابها هو مُردفًا بثباتٍ:
"علشان تعرفي تعيشي مرتاحة في الدنيا دي؛ لازم تتخلصي من أي مشاعر كُره أو ضغينة لأي حد في قلبك علشان مفيش حد بيكره وبيعرف يعيش مبسوط، علشان إنتَ تحصد الحلو لازم قبلها تكون زارع كويس، إنتَ مش هتكسب غير لما تتخلص من أي روح إنتقام لأي حد وأي حاجة جواك ممكن تخليك في يوم شخص قاسي، وزع حب على الناس علشان ياخد لفته ويرجعلك و خلي شعارك
(كُن غيثًا للغير...و قل الدنيا لا زالت بخير) ساعتها بس هتعرفي قيمة الحياة"
سألته هي بحماسٍ:
"هو دا شعارك في الحياة؟ حلو أوي و معبر عنك و أنتَ عامل زي المطر كدا"
أومأ لها موافقًا و رافق حركته تلك بسمةٍ هادئة فوجدها تقول بتفكيرٍ:
"اممم ممكن أخلي عندي شعار زيك أنا كمان، و أخليه فَرَح....تفرح"
اقترب منها يقول هامسًا بهدوء أنهاه بالسخرية:
"طب مش هتفرحيني و ناكل ؟ و لا هو شعار عضوة في مجلس الشعب؟"
ضحكت بقوة على طريقته و سخريته منها فوجدته يقول بحنقٍ زائف:
"لأ شكلك بوق على الفاضي"
______________________
في غرفة «طارق» بعدما ركض خلفها نحو غرفتهما، اختبأت هي خلف الستار فوجدته يقف أمامها وهو يقول منفعلًا:
"أخرجي يا جميلة من روا الستارة علشان متقعش على دماغك، اخرجي"
ردت عليه هي بخوفٍ:
"لأ مش هخرج يا طارق، أنتَ شاكلك عامل زي الرجل الأخضر، خليها مرة تانية"
حرك رأسه موافقًا بإيماءةٍ بسيطة ثم توجه نحوها و هو يسحب الستار بقوة فوجدها ترتجف خلفه ثم قالت بتوسلٍ:
"إهدا بس و أنا هفهمك، و الله و الله دا سوء تفاهم"
سألها هو بنبرةٍ مُخيفة تحمل التوعد بين ثنايها:
"أنا عاوز أفهم عبده دا شافك فين؟ و إيه موضوع إنه فتح الموضوع قدامك دا و أنتِ معترضتيش؟ أنا هادي أهوه"
ردت عليه هي بنبرةٍ مهتزة:
"و الله هو جه لبابا عند المحل قبل كدا، من قبل حتى ظهورك في حياتنا،..... و ساعتها أنا اتكسفت و سكت و بابا قاله إني عمري ما هسيبه و هفضل طول العمر معاه.....و الله هي دي الحقيقة، و ابنه دا أول مرة أشوفه والله"
سألها هو بنبرةٍ قوية يود منها تأكيد حديثها:
"يعني الواد دا مشافكيش قبل كدا؟ محصلش كلام بينكم"
ردت عليه تنفي حديثه بسرعةٍ كبرى بنبرةٍ شبه باكية:
"خالص و الله دي أول مرة أشوفه، و حتى لو شوفته قبل كدا عيني مش شايفة غيرك أصلًا"
ابتسم هو بهدوء فوجدها تضيف من جديد بهدوء:
"و الله أنا أصلًا مش شايفة إن فيه حد غيرك ينفعني و لا أنا أنفع حد غيرك"
اقترب منها هو بهدوء بعد حديثها ثم رفع ذراعيه يضعهما على ذراعيها و هو يقول بهدوء:
"و أنا عارف يا جميلة، بس غصب عني كنت غيران عليكي، و هو كان بيتكلم بثقة غريبة برضه، بس تصدقي أنا عاوز أشكره علشان سمعت الكلام دا منك"
ابتسمت هي بهدوء ثم احتضنته و هي تقول بفرحٍ ظهر في صوتها:
"أنا قولت أنتَ طيب و الله و مش هتزعلني، علشان كدا أنا بحبك يا طارق"
حرك رأسه نفيًا بيأس ثم احتضنها هو الآخر و هو يقول بمرحٍ:
"و أنا خلاص غرقت فيكي يا بنت مُشيرة، مقدرش أزعلك مني، صحيح غيران و حاسس أني عاوز أروح أضرب عم عبده دا و ابنه بس الطيب أحسن، و أنا طيب"
______________________
في شقة «حسن» وصل «وليد» و معه الطبيب و بعد تفحصه لها قال بنبرةٍ عملية:
"للأسف دي صدمة عصبية شديدة و من الواضح كمان إن فيه إرهاق نفسي عليها علشان كدا مستحملتش كل الضغوط دي"
رد عليه «حسن» بنبرةٍ تائهة:
"طب هي هتبقى كويسة؟...قصدي يعني إيه اللي ممكن يحصل"
رد عليه الطبيب بنفس النبرة العملية:
"أنا دلوقتي اديتها مهديء للأعصاب و هي مسألة وقت مش أكتر و هتفوق بس ياريت تبعدوا عنها أي ضغط عصبي أو نفسي لأن لسه الحالة مش واضحة قدامي"
أومأ له «حسن» ثم شَخص ببصره نحوها يطالعها بحزن في سكونها و هي مستسلمة لتلك الدوامة السوداء، أما «وليد» أخذ الطبيب ثم خرج به من الغرفة فوجد «فردوس» جالسة على الأريكة تبكي بهدوء، زفر هو بقوة ثم أكمل سيره مع الطبيب نحو باب الشقة، و بعد خروج الطبيب أغلق الباب ثم اقترب منها يقول بنبرةٍ جامدة:
"خليكي مكانك أنا عاوزك...على الله تمشي يا تيزة"
قال كلمته الأخيرة بسخريةٍ لاذعة ثم دخل الغرفة من جديد وجد «حسن» يجلس بجانبها على الفراش و كف يدها بين كفيه و هو يبكي في صمت، تنهد «وليد» بقلة حيلة ثم اقترب منه يربت على كتفه و هو يقول بهدوء:
"مش هينفع كدا يا حسن، أنتَ بتعيط كدا ليه تعالى معايا برة خلينا نشوف تيزة فردوس"
سأله «حسن» بلهفةٍ واضحة ممتزجة بحزنه:
"هدير مش هتسبني يا وليد صح؟ مش هتعمل زيهم و ترجعني تاني لوحدي بعد ما بقت معايا....أنتَ مش هتاخدها مني صح؟!"
حرك «وليد» رأسه نفيًا بهدوء ثم أضاف بنبرةٍ حزينة:
"مش هاخدها منك متخافش، هدير معاك في أمان يا حسن، تعالى بس أنتَ معايا علشان الست اللي برة دي"
تبدلت ملامح «حسن» بعد حديث «وليد» إلى أخرى متهجمة بها لمحة توعد، لذلك ترك كفها ثم اقترب منها يقبل قمة رأسها بهدوء، نظر له «وليد» بتمعن يراقب تصرفاته و رغمًا عنه وجد نفسه يبتسم بهدوء، لكنه وأد تلك البسمة حينما وقف «حسن» مقابلًا له و هو يقول بهدوء:
"تعالى معايا يلا يا وليد"
خرجا معًا من الغرفة نحو تلك الجالسة في الخارج تقضم أظافرها من الخوف، فوجدت «حسن» يقول منفعلًا بتوعد:
"احمدي ربنا إنها كويسة، علشان لو الدكتور كان بس خوفني عليها يمين بالله كنت خليتك تحصلي بنتك، و علشان صنفك بجح جاية بيتها و عاوزة تمدي إيدك اللي تتقطع دي عليها"
ردت عليه منفعلةً ببكاء:
"و هو أنتَ لما ضيعت مني بنتي مكنتش بجح؟ لما بنتي حملت علشان خافت تسيبها مكنتش أنتَ السبب؟ و أنا لما بنتي الوحيدة سابتني بسببك دا كان إيه؟ مـــا تــرد عليا"
ضرب كفيه ببعضهما وهو يقول بنبرةٍ غير مصدقة:
"برضه هتقولي موت بنتها بسببي افهمي بقى، أنا مليش دعوة بموتها و دا كان عمرها، بنتك اللي كانت عنادية"
تدخل «وليد» يقول بخبثٍ:
"أو كانت ودانية، يعني لامؤاخذة بتحب تسمع كلام تيزة فردوس كتير"
نظر له كليهما باندهاش حينما تدخل في الحديث، فأضاف هو:
"قصدي يعني إن المرحومة سمعت كلام التيزة علشان تخلف من حسن و تبقى كدا ربطته جنبها طول العمر، و دا مش كلامي لا سمح الله، دا كلام دكتورة رحاب اللي بنتك كانت بتتعالج عندها، مين بقى كدا يا تيزة اللي قاتل القتيل و ماشي في جنازته ؟؟!"
قال جملته الأخيرة متشدقًا بسخريةٍ مُتهكمة عليها، و مع تبدل ملامح وجهها و الدهشة المرتسمة على وجه «حسن» استطرد حديثه قائلًا:
"إيه يا تيزة مش هتكدبيني ولا إيه؟ بس إزاي بقى و أنا و بابا حبيبي روحنا للدكتورة بنفسنا ساعة لما رفعتي عليه قضية، و هي بنفسها قالت إنك أنتِ اللي حاربتي علشان بنتك تحمل و تجيبلك نونو صغير يتربى في عزك، بس للأسف محصلش"
سأله «حسن» بنبرةٍ مندهشة و كأنه ضُرب على رأسه:
"أنتَ بتقول إيه يا وليد؟ أنا أول مرة أعرف كلامك دا، يعني دا كله هي كانت بتفتري عليا و هي السبب في موت بنتها"
_"متقولش كدا أنا مموتهاش، هي كانت خايفة تسيبها علشان مش هتخلف أنا كنت بطمنها بس إنك مش هتسيبها"
صرخت في وجهه بذلك الحديث من بين بكاؤها، فتدخل «وليد» يقول بهدوء:
"قولي اللي تقوليه، كدا كدا دكتورة رحاب موجودة لسه، و ساعتها بابا رفض يجيب سيرتك علشان صعبتي عليه و قال كفاية عليكي موت بنتك.. بسببك"
اتكأ على كلمته الأخيرة حتى تصل لها فوجدها تجهش في بكاءٍ مرير و «حسن» ينظر لها باشمئزازٍ حقيقي، فأضاف متشدقًا بنبرةٍ مرحة:
"خدي بقى الكبيرة الرقم اللي بعتلك دا رقمي أنا، أصل هدير كانت محتاجة صدمة عصبية تردلها لسانها و أنا واثق إن وشك لوحده جابلها صدمة"
رفعت رأسها تطالعه بصدمة و «حسن» أيضًا فأضاف هو بتأكيد:
"بصراحة قولت استنفع منك، يعني منه تبعدي عن سكة حسن و هدير صوتها يرجع و دا طبقًا للمادة رقم ٣ في قانون وليد الرشيد، اللي مش عارف تستفاد منه؛ يبقى اللي يجي منه أحسن منه، و بصراحة أنتِ لو جاي منك إيه أكيد هيكون أحسن منك يا...تيزة"
بكت من جديد فوجدت «حسن» يقول متوعدًا:
"يمين بالله لو ما غورتي من وشي لأكون رميكي بايدي في الشارع، غـــوري"
صرخ بكلمته الأخيرة في وجهها مما جعل جسدها يجفل بقوة، فتدخل «وليد» يقول بهدوء:
"روحي يا ست فردوس اعملي صدقة على روح بنتك، و شغلي قناة المجد على روحها، بصراحة خايف أقولك أمسكي المصحف"
أخذت حقيبتها ثم رحلت من امامها في انكسارٍ و قبل أن تمد يدها تفتح باب الشقة وصلها صوت «حسن» يقول بنبرة حادة:
"لو رجلك خطت هنا هتمشي من غيرها، و لو فكرتي تيجي جنب هدير و لا حتى جت في بالك، ساعتها موت بنتك هيوصل لكل الناس، كفاية أني طلعت ابن*** بسببكم"
تنفست بعمقٍ ثم تركت الشقة و أغلقت الباب خلفها بقوة، أما هو فارتمى على الأريكة بانهاكٍ واضح، جلس «وليد» بجانبه و هو يربت على فخذه، فاعتدل «حسن» في جلسته و هو ينظر له باستفهامٍ واضح، التقط «وليد» نظرته فقال بهدوء:
"بدل ما تبصلي كدا، كل الحكاية إن هناء قالتلي إن هدير علشان صوتها يرجع محتاجة صدمة قوية، و في نفس الوقت فردوس دي مكانتش هتسكت و كانت هتيجي كدا كدا، بس أنا اتصرفت صح لما جبتها هنا"
سأله «حسن» بانفعالٍ واضح:
"بتراهن على صحة هدير؟ رايح تجيب فردوس علشان يا تصيب يا تخيب؟ افرض كانت عملت حاجة فيها كان وضعي هيبقى إيه، عجبك منظر هدير كدا"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بنبرة غير مبالية:
"هدير كدا كدا كان لازم تحصلها حاجة مخالفة للواقع علشان تدي رد فعل للي بيحصل حواليها، في كل الحالات هدير هي الكسبانة"
زفر «حسن» بقوة فوجد «وليد» يربت على فخذه ثم قال بهدوءٍ:
"قوم خليك جنب هدير و أنا هروح علشان متأخرش، بس ابقى طمني عليها"
أومأ له «حسن» دون أن يرد عليه، فتركه «وليد» ج من الشقة، أما هو فدخل الغرفة لها فوجدها كما هي ساكنة الفراش، تنهد بقوة ثم اقترب منها يأخذها بين ذراعيه و حينها شدد عناقه لها وهو يقول مُحدثًا نفسه:
"مين كان يصدق إن الضلمة اللي في حياتي تنور بيكي يا هدير، ليه رجعت أخاف تاني إن حد يسيبني؟ ما كنت متساب و خلاص، بس أنا عشمان في ربنا إنك تفضلي معايا علطول".
_________________________
في شقة «ياسر» جلس في الشرفة بعدما تناول العشاء، و رغمًا عنه شرد في السماء و مظهرها فأخذ نفسًا عميقًا و هو يبتسم بهدوء، فوجدها تركض من الداخل نحوه و هي تقول بمرحٍ:
"واد يا ياسر بُص لقيت إيه"
حرك رأسه نفيًا بيأس بمعنى لا فائدة منها، فوجدها تجلس أمامه و هي تقول بنبرةٍ مرحة:
"بص لقيت إيه، أول سلاح شيلته في حياتي"
نظر لها مندهشًا فوجدها تمد يدها له ب ميدالية صغيرة الحجم على هيئة ثمرة فاكهة الموز، فقطب جبينه يسألها بنبرةٍ ساخرةٍ منها:
"موزايا؟ أول سلاح مسكتيه في حياتك كان موزايا يا إيمان؟ ودي بتثبتي بيها الناس فين؟ عند فرغلي؟!"
ابتسمت هي له بتوعدٍ ثم فتحتها له تمدها في وجهه و هي تقول بتوعدٍ:
"سمعني كدا بقى كنت بتقول إيه يا ياسوري؟ كمل تريقة يا حبيبي"
ابتعد عنها وهو يقول بخوفٍ من ما تحمله في يدها:
"السلاح يطول يا مجنونة، و بعدين مين ابن الهبلة اللي جابلك البتاعة دي"
ابتسمت باتساع و هي تقول:
"خالد قال لعامر يجبهالي و أنا في ثانوي علشان العيال الخطف اللي كان منتشر هو بقى خاف عليا، و طلبها من عامر"
حرك رأسه بيأسٍ ثم قال:
"علشان الاتنين سَفلة و متربوش، بدل ينصحوكي ممسكينك مطوة؟ وبعدين أنتِ ليه محسساني إنك مسكتي وسام فخر من الدولة، اتوكسي"
اعتدلت في جلستها ثم قالت بنبرةٍ مُحبطة:
"تصدق أنتَ مُحبط، بدل ما تفتخر بيا أني كنت جامدة و أي حد يجي جنبه أفتحها في وشه علشان أحافظ على نفسي، بس نقول إيه بومة"
رد عليها هو بسخرية:
"يا سلام ياختي؟ عاوزاني أفرح إن مراتي شايلة مطوة، ليه متجوز تاجرة أعضاء؟ يا بت اتلمي بقى و لمي نفسك بقى، دا بنات المنطقة كلها عندنا بقت بتخاف تبص في وشي"
سألته بتوعدٍ:
"خير يا ياسوري و أنتَ عاوزهم يبصولك ليه إن شاء الله، عرفني كدا"
رد عليها مُردفًا بلامبالاة:
"يبصولي عادي يعني، مش يمكن واحدة فيهم تُعجب بيا و أنا عيوني زرقا كدا، أهو نوسع نشاطنا"
ضغطت على شفتها السفلى بتوعدٍ ثم قفزت تمسكه من تلابيبه و هي تقول بهدوء مخيف:
"سمعني بقى كدا قولت إيه علشان شكلك هتنام على السلم النهاردة، يلا يا حبيبي سمع"
رفع هو يده يُحرك شعرها بعيدًا عن عينيها و هو يقول بنبرةٍ ظهرت فيها العاطفة:
"كنت بقول إن عينك وحشتني، علشان أنا كـ ياسر مليش غيرهم بصراحة، و أنتِ كلك مزايا و جمالك مش محتاج مرايا"
سألته هي بنبرةٍ متقطة من هول مفاجأتها:
"إيه !! أنتَ....أنتَ قولت إيه"
حاول كتم ضحكته و هو يُجيبها بهدوء ممتزج بالمرح الطفيف:
"بقول إن كلهم دوا مؤقت زي الأوجمانتين، و أنتِ لوحدك ثابتة زي الفيتامين"
رفعت رأسها تطالعه بدهشة فوجدته يغمز لها، لذلك قالت له بنبرةٍ شبه باكية:
"نفسي مرة أثبت معاك على موقفي بقى، بس لأ مش هيأس مش ممكن، بص يلا نعيد الخناقة من الأول، و بعدين اضربني فـ أقوم ضرباك أنا كمان، عاوزين شوية أكشن كدا"
ظهرت لمحة حزن في عينيه و هو يقول مُعقبًا على حديثها:
"و أنا عمري ما همد إيدي عليكي ولا حتى هتعصب في البيت دا، الراجل الناقص بس هو اللي يمد إيده على واحدة ست، و أنا مش ناقص يا إيمان"
ردت عليه هي بهدوء حتى تقوم بتصليح الموقف:
"أنا مش قصدي يا ياسر، أنا بس قصدي أنكشك و نهزر سوا، و بعدين مالك زعلت ليه"
زفر هو بقوة ثم قال بهدوء بعدما استعاد اتزانه:
"أنا بس افتكرته لما كان بيضربها، علشان كدا زعلت، طول عمري خايف أطلع نسخة منه أنا أصلًا بكرهني علشان ابنه، عاوزاني إزاي اسمعك و مزعلش وخايف تكرهيني أنتِ كمان"
ربتت على كتفه بهدوء ثم قالت بعدما ابتسمت له:
"مين دي اللي تكرهك أنا !! و الله يا ياسوري أنتَ عبيط، شكلك كدا متعرفش أنا بحبك من إمتى"
سألها هو بهدوء:
"من إمتى يعني، تالتة اعدادي مثلًا؟"
ابتسمت هي بسخرية ثم قالت:
"من تانية ابتدائي يا بني، كنت أول طفلة تعرف يعني إيه حب، أقولك على حاجة كتب ندى أختك كنت بسرقها أنا علشان أجي البيت و أشوفك من ورا خالد، خد الكبيرة بقى، كنت بطلع فلوس لله علشان تبقى من نصيبي"
ضحك هو بقوة عليها ثم قال متشدقًا بسخريةٍ:
"دا أنتِ واقعة من بدري بقى، صح دا أنتِ زغرطتي يوم كتب الكتاب زغروطة جابت شرخ في حيطان البيت"
اقتربت منه ثم وضعت رأسها على كتفه وهي تقول بحنانٍ:
"علشان بحبك و الله، و لو عليا ابعد عنك زعل الدنيا كلها و أخده ليا، نفسي أخليك تنسى كل اللي الوحش ممكن تكون طريقتي هطلة بس أنتَ ادبست خلاص"
حرك رأسه يقبل قمة رأسها ثم قال بهدوء:
"و أحلى تدبيسة و الله، كفاية إنك بتشيلي خاطري و الدنيا كلها عمالة تكسر فيه"
______________________
في شقة «خالد» جلس هو على الأريكة و «يونس» غافيًا على ذراعه، فوجدها تقترب منه تسأله بهدوء:
"هو أنتَ لسه مش عاوز تقول لياسر إنك شوفت أبوه يا خالد؟ هتفضل مخبي عليه كدا"
"أومأ هو لها مؤكدًا ثم قال مقررًا:
"آه هفضل مخبي عليه، أنا ما صدقت يفرح شوية في حياته و كلنا ما صدقنا إنه ينساه، نرجع تاني بقى نفكره بالقهرة دي، سمير دا جاحد يا ريهام، ساب ست أصيلة زي ميرفت و عيال زي الورد و راح لواحدة أرملة علشان معاها فلوس، بذمتك ميرفت دي وحشة؟ دي لحد من سنتين كان بيجيلها عرسان، ياسر لو أبوه ظهر هيتكسر، و احنا اللي يقرب من واحد فينا الباقي ياكلوه، دا عامر كان رايح يضربه و ياخد حق ياسر، ما بالك بقى لو قرب منه؟ صدقيني من مصلحة ياسر إن سمير دا ميظهرش"
ردت عليه هي تحاول اقناعه بحديثها:
"بس هو لما يعرف إنكم خبيتوا عليه و خصوصًا إيمان أكيد هيزعل، فكر تاني"
زفر هو بقوة ثم قال:
"لأ مش هيزعل، هو لما يعرف إننا عملنا كدا علشانه هيقدر موقفنا"
تنهدت هي بقلة حيلة ثم ألقت رأسها على كتفه وهي تقول:
"ربنا يسترها يا خالد، و إن شاء الله ميظهرش و لا نعرف عنه حاجة، خليهم مبسوطين بقى"
وضع ذراعه خلفها يقربها منه ثم قال بهدوء:
"خير إن شاء الله، و أنا قلبي حاسس إنه قبل ما يظهر هيكون ربنا خده من الدنيا كلها"
_______________________
عاد «وليد» إلى البيت فوجدها غافية على الأريكة تنتظره و لكن النوم غلبها، اتسعت بسمته حينما رآها في انتظاره بعد انقطاعٍ دام عدة أيام، اقترب منها يربت على وجنتها بهدوء و هو يقول:
"عبلة....عبلة إصحي أنا جيت، إيه اللي نيمك هنا أصلًا"
فتحت عينيها على مضضٍ و حينما رآته أمامها سألته بنبرةٍ ظهر بها أثر النوم:
"وليد؟؟ اتأخرت كدا ليه أنا استنيت كتير"
رد عليها هو باحراجٍ واضح:
"حقك عليا و الله من غير قصدي، بس أنتِ منزلتيش ليه تنامي تحت؟ اللي نيمك هنا"
ردت عليه هي بقلقٍ واضح:
"خوفت انزل تزعل مني و تفتكرني زعلت، أنا عارفاك موسوس و مش بتثق في حد"
رد عليها هو بمرحٍ و هو يجلس بجانبها:
"ياه دا أنتِ قلبك أسود أوي، أنا صارف و مكلف و عامل حفلة و في الآخر تقوليلي البوق دا"
ألقت رأسها على كتفه وهي تسألها بتثاءب:
"قولي بقى .... كنت فين و سبتني كدا و سِبت البيتزا لوحدها معايا"
ابتسم هو عليها ثم قال متشدقًا بسخرية:
"و طبعًا عبلة حبيبتي قلبها أبيض و صعب عليها البيتزا تفضل لوحدها فكلتيها"
ردت عليه بهدوء:
"آه كلتها، بقالي اسبوع مش باكل علشان فيه حيوان كان مزعلني، بس نقول إيه بقى، قلبي مهزق"
رد عليها هو بهدوء:
"و هو الحيوان دا بيتجوز إيه يعني؟ حيوانة زيه....المهم سيبك من كل دا و قوليلي، وحشتك؟"
_"خالص، هتوحشني ازاي يعني و أنا متبعاك زي ضلك و كنت بخلي طارق يصورك في الشغل و خلود تصورك فوق السطح و عمو مرتضى يصورك و أنتَ في أوضتك"
ردت عليه هي بذلك بنبرةٍ باردة غير مبالية، فوجدته يقول بسخرية:
"ما شاء الله عليا و أنا مفضوح في كل حتة، و أمي مصورتنيش و أنا بستحمى بالمرة؟"
ردت عليه هي بحنقٍ:
"أنتَ سافل و قليل الأدب و تستاهل ضرب الجزم"
رد عليها هو ببرود:
"شوفي أصعب عقاب في الدنيا و حطيه قصاد بُعدي عنك، هتلاقي إن بُعدي عنك من أصعب الحاجات اللي ممكن تحصلي يا عبلة"
ابتسمت هي باتساع ثم حركت رأسها بطريقةٍ درامية و هي تقول بسخريةٍ:
"ناس متجيش غير بالضرب، يلا كله في ميزان حسناتنا"
ضحك هو عليها ثم قال بهدوء:
"وحشتيني يا سوبيا، و لا بعودة يا شابة"
قبل أن ترد عليه صدح صوت هاتفه عاليًا، فأخرج هاتفه دون أن ينظر في شاشة الهاتف ظنًا منه أن الطالب هو «حسن» لكنه تفاجأ حينما استمع للطرف الآخر، و بعد استماعه له رد عليه بهدوء:
"طب تمام هقابلك بكرة خلاص، بعد صلاة الجمعة إن شاء الله"
أغلق الهاتف فوجد «عبلة» تسأله بنبرةٍ يائسة:
"ها هتروح تنقذ مين تاني، ولا ناوي على إيه ما أنا خلاص جبت أخري منك"
زفر هو بقوة ثم قال:
"خير إن شاء الله، ناوي على كل خير، بس قوليلي بصحيح وحشتك ؟"
حركت رأسها نفيًا بيأسٍ منه فوجدته يحتضنها و هو يضحك عليها.
_____________________
في صباح اليوم التالي كان «حسن» جالسًا على الفراش يراقبها بعدما استيقظ هو مُبكرًا بعد ليلةٍ جفاهُ بها النوم، أما هي فبدأت تستعيد وعيها من خلال تحرك عدستيها أسفل داخل جفونها، ثم فتحتهما على مضضٍ بتروٍ فوجدته يقول مُتلهفًا:
"هدير !! أنتِ فوقتي ؟ الحمد لله يا رب، الحمد لله"
حركت رأسها للجهة الخاصة بجلوسه و هي تطالعه بنظرةٍ مشوشة، فوجدته يقول بنفس التلهف:
"قومي طيب يا هدير، اتعدلي علشان أنتِ نايمة من امبارح"
رافق قوله تحركه يقوم بضبط الوسادة خلف ظهرها، ثم رفعها للخلف قليلًا و هي تتحرك معه في خضوعٍ تام، أما هو فسألها بعدما قام بضبط وضعها:
"أنتِ كويسة يا هدير؟ عاوزة حاجة اجبهالك؟ أنا شحنت تليفونك علشان تعرفي تبعتيلي منه"
_"شكرًا....متتعبش نفسك....أنا كويسة"
تفوهت «هدير» بذلك بنبرةٍ خافتة متقطعة جعلته يرد عليها نافيًا حديثها بقوله:
"يعني إيه متعبشـ.....إيـــــه دا !!"
صرخ في وجهها بكلمته الأخيرة بعدما أدرك أنها تفوهت أخيرًا أمامه، فسألها بنبرةٍ آملة:
"هدير هو أنتِ اتكلمتي بجد؟.....يعني أنا مش بيتهيألي صح؟ بالله عليكي قوليلي كدا"
أرجعت رأسها للخلف ثم أعادتها من جديد و هي تقول بهدوء:
"أنا كويسة يا حسن، متخافش صوتي رجع، اللي حصل امبارح دا غالبًا كان السبب في اللي حصل"
أمسك كفها هو بين كفيه و هو يقول بامتنان حقيقي:
"الحمد لله يا هدير، صدقيني دي أحسن حاجة فرحتني في حياتي والله، صوتك رجعلك و إن شاء الله ترجعي أحسن من الأول"
سحبت كفها من يده بسرعةٍ كبرى و هي تنظر له بخوفٍ فوجدته ينظر لها باندهاش، و قبل أن يغوص في دهشته أكثر من ذلك، أيقن أن الحديث المُلقى على مسامعها في الأمس لازال له تأثيرًا حقيقيًا عليها، لذلك جلس بجانبها ثم قال بنبرةٍ حزينة:
"عارف إنك حقك تخافي و تزعلي كمان، بس ينفع أحكيلك أنا مين؟ و حكايتي إيه بما إنك هتعرفي تردي عليا دلوقتي؟"
لم يبقى أمامها سوى الموافقة أمام نبرته تلك، لذلك أومأت موافقة بإيماءةٍ بسيطة من رأسها فوجدتها يزفر بقوة ثم قال بنفس النبرة المنكسرة الممتزجة بحزنه الدائم:
"أنا حسن أحمد المهدي، طبعًا أنتِ عرفاني متربي في بيتكم قبل موت أمي، المهم يا ستي بعد موت أبويا في الإمارات رجعنا مصر تاني، و عيشت مع حنان و أمي لحد ما....لحد ما عمرها انتهى....ساعتها حسن هو كمان انتهى....قضيتها بالطول و العرض و اشتغلت في التصوير علشان بحبه، حنان أختي معجبهاش وضعي، و قررت أني اتجوز و بعد محاولات كتير منها و رفض أكتر مني، كان نصيبي ريم بنت فردوس صاحبة جارتها"
توقف عن الحديث حينما شَعر بارتجافة صوته مما يدل على تجهز بالبكاء في عينيه، فوجدها تسأله بهدوء:
"وقفت ليه؟ كمل يا حسن"
زفر هو بقوة ثم قال بنفس النبرة المنكسرة:
"حسيت إن ريم دي مناسبة يعني كانت مرحة و عنيدة و شخصيتها قوية، و أنا اللي زيي كان عاوز حد زيه في الجنان، قولت كدا كدا مصيري الجواز، اللي يجيلك بالغصب خده بالرضا....اتجوزتها و عيشنا سوا، صحيح مكانش فيه حب بس على الأقل كان فيه ونس و عشرة عمر بينا....لحد ما طلبت إنها تخلف و تبقى أم، أنا مكانش فارق معايا أبقى أب،
أنا بس كنت عاوز البيت اللي عايش فيه بشوية الونس و خلاص..... و مع اصرارها روحنا كشفنا و ساعتها الدكتور قالي إنها عندها مشكلة في الرحم....يعني الحمل صعب إنه يكمل و لو كمل صعب ينزل حي و لو حصل و نزل حي يبقى هي اللي هتروح فيها....رفضت و خوفت عليها قولتلها إن الموضوع مش في دماغي و أني عاوزها هي و بس"
ابتلع تلك الغصة القوية التي هجمت على حلقه و هي تراقبه بأعين دامعة فاستطرد حديثه قائلًا:
"المهم انها أصرت تحمل و راحت وقفت الدوا من ورايا لحد ما الحمل وصل للشهر التالت و أنا معرفش.....بعد ما عرفت كنت زي المخبوط على راسه مش عارف أعمل إيه، اتفاجأت بطوب الأرض بيعاتبني أني جاحد علشان عاوز أبقى أب و هي عندها مشكلة في الرحم، كل قرايبها و أختي و الجيران و كله، ولما سألتها قالتلي إنها قالت تجيبها فيا على أساس أني مش عاوز حد غيرها يكون أم ابني، وعيشت بتلام من الغريب قبل القريب... لحد الشهر الخامس الجنين بدأ يكبر و الرحم مستحملش و الكيس انفجر في بطنها حصل تسمم ليه و ليها معاه.....و فارقوني حبايب تانيين....و رجعت تاني لوحدي ادور على الونس و ادور على ايد تمسح دموعي لحد ما عيني باشت و الله....طبعًا امها مشيت تقول أني قتلت بنتها و أني حرمتها منها....و رفعت قضية عليا و طلبت العفش، و سرقت العفش في نفس اسبوع موت بنتها و طالبتني بيه، ساعتها عم مرتضى هو اللي خلص الموضوع و عم طه....أنا عيشت عمري كله عندي لعنة الفقد كل ما أحب حاجة تسبني و تمشي، و كل ما اتعلق بحد يسيبني، حتى دلوقتي .....خايف تمشي و تسيبيني يا هدير ...هو ...هو أنتِ هتمشي؟"
امتزجت نبرته المنكسرة بالبكاء و هو يسألها سؤاله الأخير فوجدها تمسح دموعها ثم تنهدت بعمقٍ، بعدها ابتسمت له بهدوء ثم رفعت كفها تمسح دموعه، طالعها هو بدهشةٍ فوجدها تحرك كفها نحو كتفه تربت عليه و هي تقول بهدوء:
"متخافش مش هسيبك يا حسن ....أصل أنا زيك بس أنا اللي بضيع الحاجة بمزاجي"
ابتسم هو بسخرية ثم قال:
"هي عيلة الرشيد عندها علم أني كل يوم أخليكي تعيطي كدا؟ لو عرفوا هياخدوكي مني على فكرة"
ابتسمت هي بهدوء ثم تنهدت بعمقٍ فوجدته يقول بترددٍ:
"ينفع تتكلمي معايا ؟ يعني متفضليش ساكتة علشان أنا بحب أسمع صوتك"
طالعته بدهشة جلية على ملامح وجهها، فوجدته يقول بإحراجٍ:
"قصدي يعني..... هدير هو أنا لو نزلت أصلي الجمعة هرجع ألاقيكي ولا هتمشي ؟"
ابتسمت على طريقته المترددة التي تشبه طريقة الأطفال، ثم قالت له بنبرةٍ مرحة:
"هو كلام عيال ولا إيه يا حسن؟ انزل صلي أنتَ و أنا هنا متخافش، ممكن تقفل الباب عليا كمان لو حابب"
رد عليها هو بنفس المرح:
"هي فكرة حلوة بصراحة، بس أنا هاخد كلامك وعد و شرف"
أومأت له موافقة فوجدته بقترب منها ثم طبع قبلة هادئة على قمة رأسها بعدها نظر في عينيها و هو يقول بهدوء:
"الحمد لله على سلامتك يا هدير، البيت دا نور بيكي، و دلوقتي نوره زاد بصوتك"
قال جملته ثم انسحب من جانبها وهي تنظر له بدهشةٍ و خجلٍ معًا، و بعد خروجه من الغرفة وضعت هي كفها على موضع نبضها الذي يضرب بقوة و كأنه أوشك على الخروج من مكانه.
_____________________
في شقة «ياسين» استيقظ على صوت القُرآن في شقته، فابتسم بهدوء ثم خرج من غرفته وجدها كعادتها تقرأ القرآن و تجلس في انتظاره، اقترب منها يقول هامسًا بهدوء:
"صباح الفل يا ست الكل"
ابتسمت هي بهدوء ثم أغلقت المصحف و هي تقول بهدوء:
"صباح النور يا ياسين، يلا ادخل الحمام علشان متتأخرش أكتر من كدا"
أومأ لها موافقًا ثم تركها و دخل المرحاض، و بعد مرور نصف ساعة وجدته أمامها بعباءته البيضاء، اقتربت منه هي ثم وقفت على أطراف أصابعها حتى تصل إلى وجنته تقبله عليها، فوجدته ينهرها بضيقٍ زائف:
"عيب يا بت أنتِ أنا متوضي، إيه قلة الأدب دي، الناس بقت بتتغرغر بالناس كدا عيني عينك"
ابتعدت عنه و هي متخصرةٍ تقول متشدقةً بنذقٍ:
"لأ و الله؟ طب تمام يا نجم"
سحبها هو له يقربها منه و هو يقول بخبثٍ:
"تمام إيه بس، هو مش اللي يعمل جِميل يتمه، و أنتِ بوستيني يبقى هاتي حضن كدا قبل ما أنزل بقى"
حركت كتفيها ببساطة ثم قالت بهدوء تشاكسه:
"هو دا الموجود يا هندسة، عجبك شيل مش عجبك انزل علشان أنتِ راجل متوضي"
ابتعدت عنه بعد جملتها الأخيرة فوجدته يقول بنبرةٍ عالية:
"خدي يا بت أنتِ هنا، لما أكلمك متسبنيش و تمشي"
وقفت هي في المطبخ تضحك عليه فوجدته يدخل خلفها و هو يقول بنبرةٍ منفعلة:
"أنا مش بكلمك ؟ بتسبيني و تمشي ليه هو أنا شوال بطاطا"
اقتربت منه تقول بهدوء ممتزج بالمرح:
"و أحلى شوال بطاطا و الله في الدنيا، قولي بقى كنت عاوز إيه"
حمحم هو بقوة يُجلي حنجرته ثم قال بهدوء:
"كنت عاوز أقولك اننا هنعدي على ميمي نسلم عليها بعد الصلاة، عاوزة حاجة أجبها معايا"
ابتسمت هي بهدوء ثم حركت رأسها نفيًا فوجدته يغمز لها ثم قال بمرحٍ:
"بشوقك يا جميل بكرة قلبك يميل، أنا هخلي زهرة تكمل تدوير بقى علشان الموضوع عجبني"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول بلامبالاة:
"خليها تدور و يارب تلاقي خديجة تانية"
عاد لها يقول بمرحٍ:
"هي خديجة واحدة يا عسل، الحلويات دي مفيش منها اتنين"
حركت رأسها نفيًا بيأس وهي تسأله بنبرةٍ حائرة:
"بذمتك دي أخلاق واحد متوضي و رايح يصلي؟ عيب يا بابا كدا غلط"
غمز هو لها بخبثٍ ثم قال:
"أنا علشان راجل متقي هنزل أصلي الجمعة، و أجيلك أنتِ بقى نشوف الأخلاق اللي أنتِ عاوزاها"
تركها و نزل للأسفل لدى أصدقائه و قبل خروجه من مدخل بناته شهق بقوة حينما رأى «عامر» وهو يمسك بطرف عباءته بين أسنانه يقف على سقف سيارته و «خالد» و «ياسر» كلًا منهما يقف مُتربصًا له، ركض هو نحوهم و هو يصرخ قائلًا:
"عـــربـيـتي، يا ولاد*****، شقا عمري يالا أنتَ وهو"
رد عليه «عامر» متوسلًا:
"ابعدهم عني بدل ما أبوظلك السقف، علشان خاطري يا ياسين"
اقترب «ياسين» من «خالد» يسأله بلهفةٍ:
"هو عمل إيه يا خالد، العربية هتبوظ، قولي بالله عليك"
رد عليه «خالد» بحنقٍ:
"البيه اتصل بيا و قالي عدي عليا و هات ياسر معاك بسرعة، و ياسين هيجي وراكم علشان فيه موضوع مهم، سمعنا الكلام و روحنا، بس الغلط عليا علشان سمعت كلام عديم التربية دا"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
"ليه حصل إيه لما روحتوا"
تدخل «ياسر» يقول بحنقٍ:
"المهزق ركبنا معاه الأسانسير و كل شوية يوقفه في دور شكل و كل ساكن في دور يشتمنا بالأب و الأم فاكرينا عيال الجيران، ولما سألنا المهزق قال إنه متخانق مع عيال الجيران و كدا السكان هيفتكروا إنهم هما و هيمنعوهم يركبوا الأسانسير تاني، البيه واخدنا ينتقم بينا من شوية عيال"
نظر له «ياسين» بضيقٍ وهو يقول بضجرٍ:
"أنا عاوز أعرف حاجة واحدة، متخانق مع ولاد الجيران ليه يا شحط يا أبو طويلة؟ سؤال بس"
لوح له «عامر» بيده وهو يقول بضيقٍ:
"عيال مش محترمة يا ياسين، تخيل بيقولولي عمو عامر، و فيهم واحد بيفضل يقول لسارة يا سكر، لما هو يقولها يا سكر أنا أقولها إيه؟ يا ملح؟"
تدخل «خالد» يقول منفعلًا:
"ليك عين تتكلم كمان يا بجح، انزل يالا خلينا نلحق الصلاة"
_______________________
قبل أن يتوجه «وليد» إلى المسجد ذهب في مشوارٍ خاص مع من هاتفه في الأمس، و حينما لمحه لوح له بيده، فاقترب منه الطرف الآخر باحراجٍ واضح، ابتسم له «وليد» وهو يقول بمرحٍ:
"صباح الخير يا عمار، يا ترى حصل إيه خلاك تقدم المعاد كدا، كان المفروض نتقابل بعض الصلاة"
أومأ له «عمار» ثم قال بهدوء نتيجة توتره:
"علشان مفيش دروس دلوقتي و الدرس اللي موجود اتأجل لبعض العصر قولت أقابلك دلوقتي، بس أنا آسف لو ازعجتك"
ربت على كتفه وهو يقول بهدوء:
"متقولش كدا يا عمار، أنتَ زي أخويا برضه، بس ياريت اعرف سبب المقابلة"
تنهد «عمار» بقوة ثم قال:
"بص أنا مش هكدب عليك و مش هلاوع علشان دي مش تربيتي، صحيح معنديش أخوات بنات بس أنا مرضاش إن بنات الناس تتأذي"
نظر له «وليد» نظرةٍ حائرة يتطلب منه الاسترسال في حديثه، فوجده يضيف بهدوء:
"أنا بحب الآنسة خلود يا وليد"
تبدلت نظرته إلى الجمود فوجده يضيف من جديد مُردفًا موقفه:
"أنا مش بقولك كدا علشان حاجة محددة، أنا لسه صغير و الطريق قصادي طويل و هي زيي صغيرة، أنا بس عاوزك تعرف علشان لو حصل و موضوعها اتفتح إن ممكن حد يتقدملها، افتكر أني بحبها و أني عاوزها تكون ليا، و متسألنيش حبيتها امتى و ازاي علشان أنا مش عارف والله"
ابتسم له «وليد» باتساع ثم قال:
"أنا كنت عارف إن معدنك أصيل علشان كدا سبتلك رقمي بمزاجي، كنت عارف إنك هتكلمني يا عمار، بس بصراحة موقفك أشجع مما تخيلت، علشان كدا وعد مني كمل حياتك و شوف مستقبلك و خلود هتبقى ليك، بس دا لو ليك نصيب فيها، لكن لو مش من نصيبك أنا مش هقدر أوعدك بحاجة"
أومأ له «عمار» موافقًا ثم سأله
"أنا كنت حاسس إنك أنتَ اللي هتساعدني، علشان كدا حبيت أكون واضح قدامك، معرفش أنتَ فكرت فيا إزاي بس أنا متفائل خير والله، و يهمني إنك تحافظ على وعدك معايا علشان يكون عندي دافع اتحرك بيه"
ابتسم له «وليد» وهو يقول بهدوء:
"بتفكرني بنفسي في حكاية الدافع دي، بس متخافش في أمان و اعتبر إنك متكلم مع أخوك، اثبت نفسك أنتَ بس و تعالى هتلاقي الطريق متيسر ليك"
احتضنه «عمار» بقوة وهو يقول بامتنان حقيقي:
"أنا مبسوط والله أني خدت قراري و كلمتك، صدقني أنا محظوظ والله أني كسبتك"
رد عليه «وليد» بفخرٍ:
"بصراحة الشباب عرفوا يربوا يا عمار، يلا روح علشان شغلك و أنا هبقى أكلمك"
أومأ له «عمار» ثم تركه و عاد لطريقه أما «وليد» فنظر في أثره بحب و فخر و قبل أن يحرك قدميه صدح صوت هاتفه عاليًا، أخرج هاتفه و نظر في شاشته لكنه تعجب حينما رآى رقم «زيزو» ابن خاله، رد عليه و قبل أن يتحدث وجده يقول بتلهفٍ:
"الحق راشد يا وليد"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس عشر 16 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع عشر
أضحىٰ القلبُ بعد ظهوركِ طامعًا.... فـبعد أن كان قنوعًا بات نابضًا و في بحور عيناكِ أضحى غارقًا.
__________________
بقدرٍ معلوم و نصيبٍ محتوم كُتِب على قلبي الفراق كما تحترق النجوم، مذاق العذاب ألوان و لكن قلبي كُتب عليه الأسود الداكن حتى بات غارقًا في الهموم، أنا هنا تائهٌ في منتصف الطريق أود النظر في عينيكِ حتى ينجدني ذاك البريق، فكوني كما أنتِ دائمًا لقلبي طوق النجاة و أنا كما أنا دائمًا غريق.
_"إلحق راشد يا وليد"
تفوه بها «زيزو» بنبرةٍ تحمل العديد معها من المشاعر جعلت الآخر يقطب جبينه و هو يسأله بتعجبٍ:
"فيه إيه يا زيزو ماله سي زفت، هبب إيه"
سأله «وليد» عن حالة الآخر بذلك فوصله الجواب شارحًا له حالته حتى قال «وليد» بنبرةٍ مندهشة:
"أنتَ متأكد يا زيزو من كلامك دا، عارف معناه إيه أصلًا"
_"متأكد يا وليد، أنا شوفته بنفسي والله، و الرسالة دي مبعوتة ليك أنتَ"
جاوبه «زيزو» بذلك على سؤاله بنفس النبرة المتلهفة التي حعلت «وليد» يغلق هاتفه ثم توجه نحو المسجد حتى يلحق الصلاة بها و منها سيقوم بما يلزم.
بعد صلاة الجمعة خرج «وليد» من المسجد بسرعةٍ كبرى دون أن يقف مع عائلته كعادتهم و توجه نحو شقة «ميمي» علمًا بأن الشباب جميعهم هناك في انتظاره.
في شقة «ميمي» دلف الأربعة شباب معًا و آخرهم كان «عامر» وهو يصيح عاليًا بصوته:
"يــا مـيـمــي، جــبـنـالـك طـَعـميـة سُـخنة و بتنجان أنتِ فين"
ضحكوا جميعًا عليه حتى هي و هي تخرج له من الشرفة و تقول بنبرةٍ امتزجت بضحكاتها:
"يا واد بطل بقى عيب كدا، الجيران عرفوا خلاص، أنتَ علطول فاضحنا كدا"
تدخل «خالد» يقول بحنقٍ ممتزج بنبرةٍ منفعلة:
"علطول كاسفنا و كاشفنا و فاضحنا و مخلي اللي يسوى و اللي ميسواش يشمت فينا، و كل دا ليه؟ علشان عامر مترباش"
_"أنتَ اللي خُلقك ضيق و مش عاوز تطول بالك عليا شوية، اعتبرني يونس يا خَالود"
تفوه «عامر» بذلك بنبرة مرحة تشبه مرح الأطفال في تدللهم على والديهم بطريقةٍ جعلت «خالد» يعض على شفتيه و قبل أن يأخذ رد فعل يعنفه به طُرق الباب بواسطة «وليد» فتح «ياسين» الباب له و هو يقول بمرحٍ:
"ابن حلال جايبين طعمية سُخنة و بتنجان يارب تلحقهم من عامر"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ منهكة و كأن التفكير عصف به:
"لأ أنا مش عاوز آكل، أنا عاوزكم في حاجة ضرورية"
نظر له «ياسين» بحيرةٍ و هو يدلف الشقة، فأغلق الباب ثم لحقه للداخل، و حينما رآته «ميمي» قالت مُرحبةٍ به:
"كويس إنك جيت علشان لو مكنتش جيت كنت هزعل منك أوي، و يلا علشان تفطر معانا"
اقترب هو منها بعدما رسم بسمةٍ هادئة على وجهه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا عامل حسابي من الصبح آجي هنا علشان نقعد سوا، بس أنا عاوزهم في حاجة مهمة و مش هعرف آكل"
تدخل «ياسر» يقول رافضًا حديثه:
"لأ مفيش منه الكلام دا، هتاكل معانا و احنا مش هنركز غير لما نفطر"
قبل أن يرد عليه تدخل «عامر» يقول بحنقٍ زائف:
"افضلوا ارغوا كتير كدا و خلوا الطعمية تبرد علشان و رب الكعبة هخليكم تنزلوا تشتروا غيرها"
اقترب «ياسين» في تلك اللحظة من «وليد» يمسكه من مرفقه بهدوء و هو يقول:
"تعالى بس ناكل علشان نعرف نتكلم و تعرف تقولنا عاوز إيه"
أومأ له موافقًا بقلة حيلة ثم جلس على الطاولة معهم و هو يفكر فيما وصله، شرع الجميع في تناول الطعام عدا كلًا من «ياسين» و «وليد» حيث كان الأول يقوم بمراقبة الآخر، و بعد انتهاء الطعام قام «ياسين» و «خالد» بتنظيف المائدة في حالة صمت سادت المكان، و بعد مرور دقائق خرج «ياسين» من المطبخ و معه الشاي و هو يقول بنبرةٍ ظهر بها الاهتمام:
"قولنا بقى يا وليد مالك، شكلك مش طبيعي و بصراحة الفضول مموتني"
رافق حديث «ياسين» جلوسه مقابلًا له، أما هو نظر في أوجه الجميع ثم زفر بقوة و تبع زفرته تلك بقوله:
"أنا محتار مش عارف أعمل إيه، فيه حد محتاجني في مساعدة و في نفس الوقت أنا معنديش ثقة فيه"
سأله «ياسين» باهتمام يود منه التفسير أكثر:
"هو مين دا، و بعدين لو مش واثق فيه هتساعده ليه من الأساس؟ خلاص سيبك منه"
زفر «وليد» بقلة حيلة ثم أغلق أهدابه بشدة و بعدها فتحهما بتروٍ ثم قال بنبرةٍ مترددة:
"اللي محتاج مساعدتي دا راشد، و قبل ما حد فيكم يرفض راشد أبوه حابسه هو و أخوه رامي و بيضربهم و طرد أمهم من البيت، و راشد باعتلي أساعده و أنا محتار"
احتلت الدهشة ملامح الجميع لم يصدقوا ما اخترق مسامعهم للتو، وقبل أن تتمكن منهم الدهشة أكثر من ذلك أضاف هو بنبرةٍ حائرة:
"أنا...أنا مش عارف أعمل إيه، هو ابن *** ميستاهلش بس دا روح برضه، مهما كان دا واحد بيستنجد بيا و طلبني أساعده"
تدخل «خالد» يقول بنبرةٍ جامدة:
"طب ما ممكن يكون حوار معمول عليك علشان تروحله، يعني يبقى بيستدرجك"
أضاف «ياسر» متدخلًا يؤكد حديثه:
"صح، خالد بيتكلم صح يا وليد، ممكن يكون بيستدرجك علشان ياخد حقه بعد اللي حصله هنا"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بنبرةٍ مؤكدة:
"لأ، راشد فعلًا اتغير، أنا مخلي زيزو يجبلي أخباره من ساعة ما مشي من هنا، و هو قالي إنه مختفي بقاله كام يوم، و احنا افتكرناه عند قرايب أمه"
تدخل «عامر» يقول بطريقةٍ جادة:
"لو زي ما بتقول يبقى هو فعلًا محتاج مساعدة، و أكيد زيزو دا عارف كل حاجة هناك، يعني لو فيه حاجة كدب مش هيسلمك ليهم"
نظر له «وليد» بتمعنٍ و هو يأكل في شفته السفلى من كثرة توتره و تخبطه في التفكير فوجد «ياسين» يضيف بتعقلٍ:
"عامر كلامه صح يا وليد، أكيد هو محتاج وجودك لأن أبوه شكله راجل مفيش في قلبه رحمة، بس احنا هنروح معاك"
رد عليه «وليد» رافضًا اقتراحه:
"لأ !! أنا عاوزكم هنا علشان مش ضامن ممكن يكون عاوز يدخل البيت ولا يعمل فيه حاجة و أنا لو سبت الدنيا هنا كدا يبقى مش هعرف أتصرف هناك، أنا عاوزكم تكونوا مكاني هنا"
تدخلت «ميمي» تقول بلهجةٍ صارمة:
"مينفعش أنتَ تروح لوحدك، خُد أخواتك معاك يأمنوك و يحموا ضهرك، و إذا كان على اللي هنا فيه غيرك كتير"
رد عليها مُعقبًا:
"أنا لو خدتهم معايا هبقى غلطان، لكن أنا هروح على أني في زيارة لخالي و كأني عرفت بالصدفة، و علشان أكون مطمن على بيت الرشيد عاوزهم هما يكونوا هنا و يطمنوني"
سأله «ياسين» بانفعالٍ:
"يعني إيه مش عاوزنا معاك، طب بتقولنا ليه؟ بتشيلنا الهم لـيـه"
رد عليه بنفس الانفعال:
"عــلشــان أنــا خــايـف على اللي يخصوني و أنتو منهم، أنا عاوزك هنا مكاني يا ياسين تخلي بالك من العيلة و من أختي اللي لو عرفت ممكن تروح فيها من الخوف"
تدخل «عامر» يقول بهدوء مُلطفًا للأجواء:
"بالراحة يا جماعة الكلام لازم يبقى بهدوء، و أنتَ يا وليد فكر تاني في كلامك، أنتَ رايح ترمي نفسك في البحر"
رد عليه بهدوء:
"أنا رايح و النية خير، غير كدا زيزو و صحابه هيكونوا معايا هناك، أنا خوفي على اللي هنا علشان مش ضامن لما يعرف إن هناك ممكن يعمل هنا إيه"
تنهد «ياسين» بقلة حيلة ثم تشدق بنذقٍ:
"طب و إيه المطلوب مننا؟ طالما سيادتك مش عاوزنا معاك"
رد عليه «وليد» ببساطة:
"عاوزك بس تكون هنا مكاني، مش عاوز منك حاجة غير إنك تحطهم في عينيك و تخلي بالك من خديجة، و أي حاجة ممكن تحصل في البيت تتصرف مكاني"
سألته «ميمي» بنبرةٍ حزينة:
"طب و أنتَ يا حبيبي هتقولهم إيه في البيت؟ يعني أكيد هيبان إن فيه حاجة غلط"
رد عليها مُردفًا بتعجلٍ:
"أنا هقولهم إني رايح لخالي علشان الشغل، صحيح أنا هروح أحاول أساعد راشد بس أنا واثق في كرم ربنا و رحمته"
تدخل «ياسر» يقول بهدوء:
"طب أنتَ هتروح إمتى، يعني ناوي النهاردة و لا كام يوم ولا إيه"
رد عليه بنبرةٍ قاطعة:
"أنا هروح النهاردة، لازم أروح علشان ألحق أتصرف و أعرف إيه الدنيا هناك، مع أني متأكد إنها خربانة"
نظروا له جميعهم بيأسٍ فقال هو:
"أنا مش عاوزكم تزعلوا مني، أنا بس عاوزكم تقدروا خوفي و موقفي، علشان أنا مش هقدر أثق في حد غيركم"
___________________
في شقة «حسن» عاد من الصلاة إليها مهرولًا حتى يحظى بالجلوس معها يتحدثان سويًا، دخل الشقة لكنه وجدها فارغةً منها، امتلكه الخوف و ظن أنها تركته بعدما بحث عنها في كل الغرف، جلس على الأريكة بأحباطٍ واضح لكنه تفاجأ بها حينما وجدها تخرج من المرحاض الصغير الملحق بغرفتهما سويًا مرورًا بالغرفة نفسها و حينما سرىٰ طيفها أمامه هَبَ واقفًا و الدهشة مرسومة على وجهه و هي تسأله بتعجبٍ:
"جيت بسرعة يعني، أنتو كنتوا بتصلوا على النبي ولا إيه؟ أنا قولت هتطلع بعد ساعة"
اقترب منها هو يقول بنبرةٍ مختلطة المشاعر:
"أنتِ كنتي فين؟ أنا دورت عليكي كتير...و...و افتكرتك مشيتي"
أشارت له نحو الداخل و هي تقول بهدوء:
"كنت بتوضا في الحمام اللي في الأوضة دي، التاني معرفتش أفتح المحبس فيه علشان إيدي وجعتني"
تنهد هو بأريحية ثم أومأ لها موافقًا، فوجدها تدقق النظر في وجهه و هي تسأله بتشككٍ:
"حسن أنتَ كويس؟ شكلك متوتر أو خايف من حاجة"
ابتسم هو لها حتى يُطمئنها ثم أجابها بنبرةٍ هادئة:
"أنا كويس يا هدير متقلقيش، بس أنا خوفت لما دخلت و لقيت الشقة فاضية، افتكرتك مشيتي"
تبدلت نظرتها إلى الحزن و هي ترد عليه:
"قولتلك هو مش كلام عيال علشان أمشي، و بعدين هروح فين يعني بيتنا؟ أنتَ عارفه لو حصل ابقى تعالى خدني منه"
ابتسم هو باتساع ثم قال بنبرةٍ مصطبغة بالمرح:
"خلاص اتفقنا، بس دا لو حصل و خرجتي من هنا أصلًا، يا خوفي تعمل زي مشمشة"
قطبت جبينها وهي تنظر له باستنكارٍ واضح فوجدته يضيف بنبرةٍ ظهر بها اشتياقه:
"مشمشة دي كانت القطة بتاعتي، كنت بسيبها طول اليوم و أرجع أخدها تنام في حضني، لحد ما زهقت مني و مشيت، طلعت شخص لا يطاق حتى من الحيوانات"
سألته هي بخوفٍ:
"قطة !! حسن أنتَ بتحب القطط؟ قول لأ علشان خاطري"
نظر هو لها باستغرابٍ حقيقي من خوفها الواضح، فوجدها تقول بنبرةٍ شبه باكية:
"أنا بخاف منهم أوي، و عندي حساسية من أي قطة، أوعى تجيبهم هنا علشان خاطري"
رد عليها هو بهدوء حتى يُطمئنها:
"حاضر و الله متقلقيش، خلاص مفيش قطط تاني، هي قطة واحدة و يارب تستحملني"
فهمت هي مقصده حينما لمح لها بتشبيهه، فوجدها تقول بهدوء:
"طب عن أذنك علشان أصلي، عاوز حاجة؟"
ابتسم هو لها بهدوء ثم قال بنبرةٍ متعجلة:
"أنا هغير هدومي لحد ما تصلي علشان نفطر سوا، تمام؟"
أمأت له إيماءةٍ بسيطة تنم عن موافقتها ثم تركته للداخل، أما هو فتنهد بمجرد اختفاء أثرها تزامنًا مع بسمةٍ هادئة زينت ثغره رويدًا رويدًا.
____________________
عاد «وليد» إلى بيته و منه إلى غرفته مباشرةً يقوم بتجهيز ما يلزمه لتلك السَفرة الغير متوقعة، دلفت والدته خلفه و هي تقول بتعجبٍ:
"بتجهز حاجتك ليه يا وليد أنتَ رايح فين؟ و بعدين مش المفروض إنك عندك شغل مع أخوك"
ترك هو ما بيده ثم اقترب منها يقول بهدوء:
"أنا رايح السويس يا ماما عند خالو اسماعيل علشان هو محتاجني في حاجة مهمة تبع شغله"
نظرت له باستنكارٍ واضح تزامنًا مع قولها:
"و هو خالك اسماعيل معندوش ناس تخلصله شغله؟ زيزو فين و صحاب زيزو فين؟ واقفة عليك أنتَ"
أمسك هو كتفيها ثم قال مُطمئنًا لها:
"صدقيني هو محتاجني معاه، زي ما كنت معاه قبل كدا و أنا اللي عارف الناس دي كويس، مش هتأخر هما يومين و راجع"
ردت عليه بنبرةٍ مُعاتبة:
"آه زي ما كدبت عليا قبل كدا و قولتلي إنك في السويس و طلعت بتتوجع من غيري، صح؟"
ابتسم هو لها ثم ضمها بين ذراعيه وهو يقول بمرحٍ طفيف:
"قلبك أبيض بقى يا مروة، متبقيش ناشفة معايا كدا، قولتلك أنا كنت خايف عليكي و مكنتش عاوزك تشوفيني مكسور"
ردت عليه بسرعةٍ كبرى تنفي ما تحدث به:
"بعد الشر عنك من الكسرة، كفاية إنك كنت غايب عن عيني و جسمك واجعك و أنا مش معاك"
شدد هو عناقه لها يود الاحتماء بين ذراعيها من الخوف الذي يأكله، أما هي فربتت على ظهره ثم قالت بنبرةٍ ظهرت بها عاطفة الأم:
"ربنا يريح قلبك و يجبر بخاطرك و يوقفلك ولاد الحلال زي ما أنتَ بتقف للناس كلها كدا"
في تلك اللحظة دلف «مرتضى» الغرفة و حينما رآى وضعهما قال بلهجةٍ حادة بعض الشيء:
"طلع مراتي من حضنك يالا، إيه مش مكفيك حضن الست عبلة؟"
ابتعدت عنه «مروة» و هي تضحك فوجدته يضمها أسفل ذراعه و هو يقول مشاكسًا لوالده:
"مش مسألة مش مكفيني، بس حضن ماما حاجة تانية، أكيد أنتَ أدرى بقى"
شهقت والدته بخجلٍ، بينما «مرتضى» نظر له بوجهٍ ممتعض وهو يقول بحنقٍ:
"عيل قليل الأدب بصحيح، بس الغلط مش عليك، الغلط عليا أنا علشان معرفتش أربيك"
تدخلت «مروة» تقول بحزنٍ طفيف:
"ملكش دعوة بيه يا مرتضى علشان هو ماشي، سيبني معاه بقى، دا أخر العنقود و رد الروح"
ضحك هو على طريقة والدته، بينما «مرتضى» سأله متعجبًا:
"ماشي ؟ ماشي إزاي يعني هيروح فين"
ابتعد هو عن والدته ثم اقترب من والده يقف مقابلًا له و هو يقول بهدوء:
"رايح السويس عند خالو اسماعيل، فيه حاجة هو محتاجني فيها"
سأله والده باستغرابٍ حقيقي:
"رايح تعمل إيه عند اسماعيل؟ و بعدين أنتَ ناسي راشد و ابراهيم ولا إيه، لو عرفوا إنك هناك مضمنش ممكن يعملوا إيه"
شهقت والدته بفزعٍ ثم اقتربت منه تقول بنبرةٍ شبه باكية:
"لأ خلاص متروحش، أنا هكلم اسماعيل و أقوله إنك مش هتقدر تروح، أنا مش مستغنية عنك"
رد عليها هو مُطمئنًا لها بحديثه:
"متخافيش عليا أنا بعرف أتصرف، و بعدين أنا مش رايح بيت عيال، أنا رايح عند اسماعيل السويسي يعني أصغر عيل هناك ب١٠٠ راجل، تفتكري حد ممكن يأذيني و أنا عنده؟"
تدخل «مرتضى» يقول بحنقٍ:
"الأمر ميسلمش يا وليد، و بعدين أنا عارفك مجرد سكة الشر ما تتفتح قصادك تدخل بصدرك فيها، و مهما اتكلم مش هتسمعني"
رد هو على والده بقلة حيلة:
"أنا عاوزك بس تطمن علشان أنا رايح أعمل خير، و بعدين من إمتى حد احتاج مساعدتي و أنا بعدت عنه؟ مش وليد الرشيد اللي يعمل كدا"
ربت والده على ذراعه وهو يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بالفخر:
"عارف و علشان كدا أنا بثق فيك يا وليد، بس برضه افتكر إن جسمك و روحك أمانة عندك يعني عاوزين عقل و حكمة في التصرف"
تدخلت والدته تقول بضيقٍ منهما:
"يا سلام هو دا اللي ربنا قدرك عليه؟ بدل ما تقوله مفيش خروج من البيت دا؟ أنتو هتشلوني أنتو الاتنين؟"
رد عليها «وليد» ساخرًا بمرحٍ:
"على أساس إنه لو قالي متروحش أنا مش هروح يعني؟ وبعدين أنا رايح عند أخوكي يعني المفروض تفرحي"
ردت عليه هي بحزنٍ:
"افرح ازاي و أنا قلبي خايف عليك؟ بس طالما أنتَ بتقول لأخويا يبقى روح و أنا و قلبي بندعيلك"
اقترب منها يُقبل قمة رأسها ثم قال بهدوء ممتزج بحزنٍ حاول هو التحكم به حتى لا يظهر أمامهما:
"و أنا مش عاوز منك و من قلبك غير الدعوة بس، و بعدين أنا رايح أسلم نفسي على الحدود؟، أنا رايح السويس، يعني حرب استنزاف صغيرة كدا"
طالعته هي بدهشةٍ حينما تفوه بجملته الساخرة، فضحك على هيئتها ثم ضمها له من جديد وهو يقول بوجعٍ و قلقٍ حقيقي:
"آاااه يا مروة، والله مش عاوز غير أني أفضل في حضنك كدا، وافتكر وليد الصغير لما كان يعمل المصيبة و يجري على حضنك"
قال جملته و رغمًا عنه فرت دموعه حتى شعرت بها هي على كتفيها، أما «مرتضى» فاقترب منهما ثم أبعده عنها حينما لاحظ ارتجافة نبرته، لذلك نَكسَ «وليد» رأسه للأسفل يحاول اخفاء ما ظهر على وجهه من الحزن، حينها رفع «مرتضى» وجهه حتى يطالعه و هو يسأله بنبرةٍ جامدة:
"مالك يا وليد؟ مستحيل تكون طبيعي، أكيد فيك حاجة علشان شكلك يبقى كدا"
مسح وجهه بكفيه معًا ثم قال بهدوء:
"أنا كويس متخافش، بس افتكرت انكو هتوحشوني، زي ما بعدت عنكم قبل كدا، و بعدين ماما حضنها غريب، تحس إنك عاوز تعيط فيه و خلاص"
ردت عليه هي بنبرةٍ مختنقة من كتمانها للبكاء:
"والله العظيم لو فضلت تقول كدا هقفل عليك و أمنع خروجك من هنا، متتعبش قلبي عليك بقى"
ابتسم هو لهما ثم قال بنبرةٍ حاول صبغها بالمرح وهو يقول:
"و على إيه خلاص هما يومين وراجع، خليني أروح آكل سمك براحتي بقى عند إسماعيل"
تدخل «مرتضى» يقول لها بنبرةٍ هادئة حتى يُغير مجرى الحديث:
"يلا يا مروة خليه يجهز حاجته بمزاج، علشان يلحق يمشي و ميتأخرش"
أومأت له موافقة ثم تبعته نحو الخارج، بينما «وليد» نظر في أثرهما بحبٍ بالغ ثم عاد لترتيب حقيبة ظهره، و هو يفكر فيما يلزمه هناك خلال الفترة المقبلة، و مع اندماجه في تجهيز الحقيبة وجد الباب يُفتح بقوة و كأن الرياح ألقت بأشجارها نحو غرفته، تفاجأ هو حينما رآها أمامه تسأله بحنقٍ:
"ممكن أعرف حضرتك رايح فين؟ يعني إيه مسافر من غير ما أنا أعرف ؟!"
_"وهو أنتِ محدش علمك تخبطي على الباب قبل ما تدخلي أوض الناس؟ افرضي أني قالع، مفيش خِشا خالص"
رد عليها هو بذلك بنبرةٍ باردة غير مبالية لما تفوهت به، مما جعلها تضرب الأرض بقدميها حانقةً عليه ثم اقتربت بعدما أغلقت الباب وهي تقول بنبرةٍ منفعلة:
"المفروض أني معاك و شريكتك في حياتك، يعني أكون عارفة عنك كل حاجة، لكن أنتَ مصمم تقلل من وجودي جنبك، يعني إيه أنزل بالصدفة و أعرف إنك مسافر؟ مليش لازمة خالص كدا"
ترك ما بيده ثم اقترب منها وهو يبتسم بهدوء ورافق بسمته تلك قوله الهادئ:
"بلاش حوار ملكيش لازمة دا علشان أنتِ عارفة إن وليد ملوش غيرك، أنتِ بس اللي وليد معاكي بطبيعته، وبعدين أقولك أني مسافر إزاي يعني؟ علشان تفضلي تستفسري و تعيطي؟"
سألته هي بنبرةٍ حزينة:
"يعني لما أنتَ متقوليش كدا عادي؟ إحنا يدوبك لسه متصالحين ملحقناش، امبارح سبتني و روحت لحسن، و النهاردة رايح السويس عند خالك، دا أنا لسه قايلالك امبارح عاوزة أعيش معاك من غير مشاكل، هو صعب علينا ؟"
رفع كفه يحتضن أحدى وجنتيها وهو يقول بنبرةٍ مُحبة:
"لأ مش صعب، إحنا هنفرح و هنتبسط مع بعض و اللي جاي كله هيبقى حلو بوجودك، لما اتعالج و أخلص من كل حاجة ممكن تبعدني عنك، أنا بحارب علشان اللي جاي معاكي أعرف أعيشك فيه مبسوطة"
ردت عليه هي بتلهفٍ واضح:
"طب ما تسيب الموج يمشي زي ما هو، ليه ترمي نفسك فـ وشه علشان يغير وجهته، أنا عاوزاك أنتَ و بس، زي ما أنتَ بقى، وبعدين أنتَ مش قولتلي إنك مش هتروح السويس التاني علشان الأيام اللي شوفتها هناك، هتروح تعمل إيه بقى ؟"
رد عليها هو بحزنٍ:
"رايح علشان فيه واحد محتاج مساعدتي أنا بالإسم، و مش هقدر أتخلى عنه، يمكن كدا أقدر أفوق شوية"
نظرت له بتشككٍ تحاول التوصل لما يُخفيه عنها لذلك سألته بنبرةٍ مُقررة أكثر من كونها مستفسرة:
"وليد أنتَ رايح تعمل إيه بالظبط، كلامك مش مريحني؟ عينك مش عارفة تكدب عليا و لا صوتك عارف يثبت في كلامه"
زفر هو بقوة ثم أرغم شفتيه على التبسم وهو يُجيبها:
"خالي معاه مشكلة مع واحد من التجار القُدام وأنا عارفه شخصيًا، هروح أخلص الموضوع في مسافة يومين و خلاص"
احتضنته هي بقوة و رافق حركتها تلك قولها الحزين:
"أنا لو مش عارفة إنك بتحب خالك كنت خليتك هنا، علشان خاطري حافظ على نفسك لحد ما ترجعلي يا وليد"
تمسك هو بها بقوة وهو يرد عليها مُعقبًا بقلة حيلة:
"السبب الوحيد اللي هيخليني أروح أخلص الموضوع دا بسرعة هو أني ارجعلك تاني بسرعة، علشان عيونك هتوحشني، كفاية أسبوع كان زي العذاب ليا من غيرها"
ردت عليه هي بنبرةٍ مُعاتبة:
"آه علشان كدا سبتني اسبوع من غير حتى ما تسأل عليا، لأ واضح فعلًا انهم بيوحشوك"
ابتعد هو عنها يطالع وجهها الحزين، و لكنه أمعن النظر في عسليتيها وهو يقول بنبرةٍ مُحبة امتزجت بعاطفته:
"لَا أُريـدُ مِـنـكِ سِــوىٰ الـتَأكــد أنّ نَـظـرة عَــيناكِ وَحـدُهَـا لــي الأمـل، و فِــي غِـيابِـهما يَـتـمكنُ مِــني الألّـمْ....مَــعـكِ فَـقـط وَجــدتُ ذاتــي...مَــعـكِ اسـتـطـعـتُ أن أكــونُ....فِـي عَــينيـكِ وَحـدُهَـا دُنــيايْ....فِـي وُجــودكِ يَــزّهَـر الــكَـون"
طالعته هي بدهشةٍ ممتزجة بالعاطفة فوجدته يقول بعدما تنفس بعمقٍ:
"والله بعمل كل حاجة علشان أكون معاكي، بس ربنا كريم و أكيد هيجمعني بيكي علشان أنتِ أمنيتي الوحيدة اللي اتمنيتها منه، أكيد مش هيبخل عليا بيكي"
احتضنته وهي تبكي بقوة حتى تحول بكاءها إلى شهقاتٍ عالية أما هو ربت على ظهرها بحنانٍ ثم طبع قبلةٍ هادئة فوق رأسها.
______________________
على مقدمة الشارع الخاص بمساكن الشباب وقفوا جميعهم يفكرون سويًا في حال «وليد» فتحدث «خالد» يقول بنبرةٍ حائرة:
"أيوا يعني برضه هنسيبه كدا؟ أكيد مش هينفع يروح لوحده"
رد عليه «ياسين» بقلة حيلة:
"طب هنعمل إيه يعني يا خالد؟ هو لو قولناله مش هيرضى، و في نفس الوقت لازم نكون هنا علشان نخلي بالنا، و في نفس الوقت برضه محدش فـ عيلته يعرف حاجة، احنا بس نتواصل معاه و نأمن الدنيا هنا علشان هو يكون مطمن"
تدخل «عامر» يقول بنبرةٍ حانقة:
"مش فاهم أنا إيه البجاحة دي؟ واحد ضاربينه و ماسحين بكرامته البلاط و برضه عاوز وليد يروح ينجده"
رد عليه «ياسر» بضجرٍ:
"يعني هو لو عارف يتصرف كان هيبخل على نفسه أنتَ كمان؟ و أكيد أبوه الزفت دا مظبط كل حاجة، ربنا بس يسترها على وليد"
نظر «ياسين» أمامه بشرودٍ ثم انتبه للشباب، وبعدها توجه كلًا منهم لبنايته التي يقطن بها، و منها إلى شقته، دخل «ياسين» شقته فوجدها تجلس على الأرض وأمامها دفترٍ صغير وهي مستندة على الطاولة الصغيرة، اقترب منها هو ثم جلس على الأريكة مقابلًا لها وهو يقول بنبرةٍ حائرة:
"بتعملي إيه يا كتكوتة؟ رجعتي تذاكري تاني ولا إيه"
رفعت رأسها تطالعه ببسمةٍ هادئة وهي تجاوبه:
"لأ مش بذاكر بس بقرأ الجُمل اللي أنتَ قولتهالي باللغة العربية الفُصحى، من أول موعد اللقا مرورًا بأسيرًا لعينيكِ لحد أخر جملة بتاعة القمر و الاكتمال"
نظر هو لها بتعجبٍ وهو يقول باستغرابٍ حقيقي:
"وهو أنتِ بتفتكريهم؟ دا أنا بنساهم بعد ما أقولهم أصلًا"
حركت رأسها نفيًا ثم جاوبته مبتسمة بهدوء:
"مستحيل أنساهم علشان هما بيمروا على قلبي علطول و بيتحفروا فيه، أنا أصلًا بحفظهم علشان ...... خلاص"
ابتسم هو لها حينما رآى خجلها ثم أمسك يدها حتى تجلس بجانبه فامتثلت لمطلبه وجلست بجانبه على الأريكة، أما هو سألها بمرحٍ:
"قوليلي بقى يا ستي علشان إيه، وبعدين هو أنتِ هتتكفسي مني يعني؟ قولي بتحفظيهم ليه؟"
طالعته هي بخجلٍ واضح وهي تجاوبه بنبرةٍ مترددة نتيجة خجلها:
"علشان يعني ...لو جبت بيبي منك أربيه زيك كدا و أوريه قد إيه أنتَ كنت عظيم من كل حاجة، حتى كلامك ليا عمره ما كان كلام، دا كان صوت طالع من القلب للقلب"
ابتسم هو على خجلها ثم تحدث بنبرةٍ معاتبة ببعض المرح:
"يعني هو علشان البيبي يخليكي تتكسفي مني كدا يا ست الكل؟ دا احنا اللي بينا أكبر من كدا حتى، و بعدين هتربيه على اللغة العربية الفُصحى؟ ليه ابن المتنبي؟"
ابتسمت هي على طريقته ثم ردت مُعقبةً عليه:
"أنتَ مش فاهم أصلًا، أنا طول عمري كان نفسي اتجوز واحد بيحب الغزل الفُصحىٰ، و لما لقيتك بتغازلني بيها استغربت، أنا كنت فاكرة إن وليد بس هو اللي بيحب الغزل الفصحى"
تغاضى هو عن الجزء الاول في حديثها وهو يسألها عن الجزء الأخير:
"وهو وليد بيحب الغزل الفصحى هو كمان؟ غريبة يعني أول مرة أعرف"
أماءت له مؤكدةً حديثه ثم أضافت:
"أنا و وليد بنحب القراءة أوي زي بعض، فلوسه كلها كانت ضايعة على الكتب، حتى كتاب المدينة الأفلاطونية كان جايبه هو بمبلغ ساعتها، هو بس علشان بيحب عبلة من صغره كان بيحب يتغزل فيها قدامي، لحد ما بقيت أحب كل حاجة وليد بيحبها، لدرجة أني اتمنيت حد يغرق في تفاصيلي زي ما عيوني بتغرق في نصوص الغزل كدا، و جيت أنتَ بقى"
ابتسم هو باتساع ثم سألها بنبرةٍ مستفسرة يود منها الجواب المدقق:
"هو أنتِ بتحبي وليد يا خديجة؟ يعني وجوده مهم في حياتك ولا عادي؟"
طالعته بدهشة سرعان ما تحولت للعاطفة وهي تُجيبه:
"بحبه؟ وليد دا حالة، مش مجرد أخ و خلاص، وليد دا نصي التاني زي ما بيقولولنا طول عمرنا سوا، من نظرة عين فاهمني و من حركة ايدي كان بيعرف أني خايفة، أي حد كان بيزعلني كنت بلاقيه ياكله علشاني،
تعرف في مرة عمو محمد كان بيسرح لعبلة شعرها علشان طنط سهير مكانتش موجودة، كان نفسي بابا يكون حنين معايا زي ما هو حنين مع عبلة، بس محصلش، ساعتها وليد سرحلي شعري و قالي اعتبريني أنا أبوكي... أقولك على حاجة و متزعلش، أنا لو ربنا كرمني منك بولد هسميه وليد، علشان يكون ليا زي ما وليد سابلي عمري كله يحميني من الدنيا كلها، حتى اللي مفروض يكونوا ليا الدنيا كلها....وليد ميوصفهوش كلام يا ياسين، الروح موجودة في جسم واحد، بس أنا و هو روح واحدة دخلت جسمين، لو واحدة فيهم طلعت التانية هتحصلها علطول"
اندهش هو من جوابها و من افصاحها عن ما تحمله في قلبها لأخيها، كيف لا و هو من ترك حياته لها حتى يكون سندًا لها يحميها من كل الشرور التي تحاول الاقتراب منها حتى و إن كانوا ذويها، طالعت هي ملامحه المندهشة فسألته هي باستغرابٍ:
"أنتَ سكت كدا ليه؟ هو أنتَ غيران ولا إيه؟ على فكرة ممكن أقولك كلام حلو زي دا، ماهو أنتَ متقلش غلاوة عنه يا ياسين"
انتبه هو لها حينما تحدثت، فابتسم هو بهدوء ثم أخذها في حضنه دون أن يرد عليها، ولا زالت ملامحه قلقة كما هي، أما هي فتعجبت من صمته، لذلك سألته بنبرةٍ خافتة:
"ياسين هو أنتَ ساكت ليه؟ أنتَ زعلت مني؟ ولا زعلان من وليد"
ابتسم هو بقلة حيلة ثم حرك رأسه بيأسٍ منها وهو يجاوبها:
"أزعل من إيه يا عبيطة أنتِ؟ هزعل علشان بتحبي أخوكي؟ أنا بس كنت بسمع عن حب الأخوات دا و خصوصًا البنات و عمري ما جربته، بس كلامك طلع حلو و يا بخت وليد إنه عنده أخت زيك"
ابتعدت عنه هي تطالعه بمرحٍ وهي تقول بحماسٍ يشبه حماس الأطفال:
"خلاص متزعلش اعتبرني أختك و أحبك زي ما بحب وليد"
_"نعم يا ختي !! يعني اعتبرك أختي أنتِ واعية أنتِ بتقولي إيه؟ و إيه تحبيني زي ما بتحبي وليد دي، ما تفوقي يا ست الكل"
رد عليها هو مُعقبًا بنبرةٍ حادة من حديثها الغريب الذي خرج منها بمنتهى البراءة، أما هي فضحكت بقوة على طريقته، ثم ألقت بنفسها بين ذراعيه وهي تقول بمرحٍ:
"خلاص متتعصبش عليا كدا بهزر معاك، و بعدين أنا كان قصدي مجازًا يعني يا ياسين، مش أنتَ اللي قولت عاوز أخت، أنا مالي"
ابتسم هو بسخرية وهو يحتضنها ثم قال متهكمًا:
"مكليش دعوة بحوار أختي دا أنا هتصرف فيه، خليكي بس في حضني كدا حبيبتي و مراتي....قال أختي قال"
حركت رأسها بيأسٍ منه، أما هو فشرد بتفكيره في «وليد» و فيما سيحل به إذا كان ذلك فخًا صنع للايقاع به، والأهم من ذلك كيف سيسطتع مواجهتها إذا أصابه مكروهًا و هي لازالت ترى فيه دنيتها بأكملها.
______________________
في شقة «عامر» كان جالسًا مع زوجته يلعبان سويًا الشطرنج بعد أن قام هو بتعليمها، فوجدها تقول بمرحٍ:
"كش ملك يا عامر، كسبتك أنا"
حرك رأسه موافقًا وهو يمعن التفكير فيما أمامه، ثم أمسك أحد الأجزاء من أمامه وهو يقول متشفيًا بها:
"غبية حرقتيه على نفسك، علشان الملك نازل أهوه"
شهقت هي بقوة حينما وجدته يحرك ذلك الجزء ليصبح النصر حليفه هو، ضيقت جفونها وهي تقول بلهجةٍ حادة:
"أنتَ خمام يا عامر، أنا مكنتش شايفة إنه لسه موجود أصلًا بس أنتَ مخبيه يا سوسة"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف مؤكدًا حديثها بقوله:
"علشان كدا سبتك متعشمة بالفوز كنت بجيب أخرك، أصل أنا واد غاوي لعب بصراحة"
قبل أن تُعقب على حديثه صدح صوت جرس شقتهم، نظرت هي له بتعجبٍ وهي تسأله بنبرةٍ حائرة:
"مين اللي هيجيلنا دلوقتي يا عامر؟ دا العصر هيأذن خلاص أهوه"
حرك كتفيه مما ينم عن جهله بالأمر، فارتدت هي خمارها البيتي ثم قامت بفتح الباب فوجدت إمرأة تكبرها بعدة أعوام تنظر لها بغيظٍ، سألتها «سارة» بطريقةٍ مهذبة:
"أيوا يا فندم أؤمري ؟ حضرتك عاوزة حاجة؟"
أكدت لها السيدة حديثها بقولها الحانق:
"أيوا عاوزة، فين الاستاذ اللي معاكي هنا، إسمه عمر و لا عمرو هو فين؟"
تعجبت «سارة» من طريقتها وقبل أن ترد عليها وجدت «عامر» يأتي من خلفها وهو يقول بطريقةٍ مهذبة على غير عادته:
"أيوا يا فندم أنا عامر فهمي جوز المدام، اؤمريني حضرتك عاوزة إيه"
ردت عليه بنبرةٍ منفعلة:
"وهو حضرتك يا فندم اللي بيضايق ابني و بيفضل يخليه يعيط كل يوم ؟"
قطب كليهما جبينه يطالعها بِحيرةٍ، فتابعت هي قولها بنفس النبرة:
"إيه يا فندم هتكدبني؟ ولا مش لاقي كلام تقوله؟"
رد عليها هو بضجرٍ يحاول التحكم في انفعاله:
"يا فندم حضرتك غلطانة أكيد، أنا راجل محترم و مدير ليا وضعي و طول عمري هادي و دي مراتي مصممة أزياء يعني حضرتك غلطانة في المكان، أنا عريس جديد حتى معنديش أطفال"
ردت عليه هي بحنقٍ:
"ابني دلوقتي طالع و نشوف كلام مين اللي فيه حاجة غلط، أنا مش هاجي أتبلىٰ عليك"
فور انتهاء جملتها خرج طفلًا صغيرًا من المصعد في التاسعة من عمره، رآه «عامر» فـ ظهر عليه التوتر، أما والدة الطفل اخفضت نفسها لمستواه وهي تسأله:
"ها يا مروان هو دا عمو اللي بيضايقك؟ وهي دي مراته"
نظر الصغير في وجهيهما و حينما رآى «سارة» غمز لها بطرف عينه وهو يقول بمرحٍ:
"إزيك يا سكر، عاملة إيه؟"
ابتسمت له «سارة» وهي ترد عليه بمرحٍ:
"كويسة الحمد لله يا مروان، أنتَ عامل إيه، قولي بقى عمو دا مزعلك إزاي ؟"
رفع رأسه يطالع «عامر» فوجده ينظر له بتوعد و كأنه يرسل له تهديدٍ مُبطن، فقال الصغير بثقة:
"آه هو يا ماما، دا عمو اللي بيفضل يضايقني كل شوية"
_"أنا يا بني؟ هو أنا بشوفك أصلًا؟ أكيد فيه سوء تفاهم يا مدام علشان أنا من الشغل للبيت و من البيت للشغل"
رد «عامر» بذلك على حديث الصغير أمام والدته التي رفعت حاجبها و بعد انتهاء حديث «عامر» ردت عليه هي بتهكمٍ:
"وهو هيكدب على حضرتك يعني؟ أكيد حضرتك اللي غلطان علشان مروان مبيكدبش خالص"
قبل أن يرد عليها «عامر» وجد الصغير يشير له حتى ينخفض إلى مستواه، امتثل «عامر» لطلبه بترددٍ فوجده يقول بهمسٍ طفيف:
"هتسبني أسلم عليها و أقولها يا سكر و لا هتفضل واقفلي في الزور كل ما اتكلم معاها؟"
نظر له «عامر» بدهشةٍ فوجده يضيف بنفس النبرة:
"أنا ممكن دلوقتي أقول أني غلطت في الشقة، و هنسى كمان إنك قفلت الأسانسير عليا، ها رأيك إيه"
اعتدل «عامر» في وقفته يقول بهدوء مُخيف:
"أنا متأسف ليكي جدًا يا أم مروان و أسف لمروان و احتياطي لأبو مروان كمان"
نظرت له السيدة بتعجبٍ بينما زوجته سألته بـ حيرةٍ واضحة:
"بتعتذر ليه يا عامر؟ هو أنتَ عملت حاجة؟"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف:
"لأ بس هعمل إن شاء الله"
قال جملته ثم رفع الصغير من ثيابه وهو يقول بحنقٍ:
"بقى أنتَ عاوز تعاكس مراتي قصادي و أنا اسيبك ليه شايفني روسي قدامك؟"
رد عليه «مروان» بانفعالٍ يتنافى من عمره و حجمه:
"ما أنتَ اللي قطاع أرزاق، كل ما أجي أتكلم معاها الاقيك طالعلي في المصلحة، لو جدع خيرها بيننا"
ضحكت «سارة» بقوة عليهما، بينما المرأة شعرت بالخجل بعد حديث صغيرها، فقال لها «عامر» منفعلًا:
"اتفضلي يا مدام، ابنك جاي يساومني علشان يعرف يعاكس مراتي ، مروان اللي مبيكدبش، خديه ربيه بقى"
أنزل الصغير على الأرض بعد جملته، فأمسكت السيدة يده و هي تقول بنبرةٍ مُحرجة:
"أنا متأسفة أكيد فيه سوء تفاهم زي ما حضرتك قولت، بس هو قالي إن حضرتك بتتربص له دايمًا"
_"يا فندم أنا اللي مش فاهم الكلمة علشان أعملها أصلًا، وبعدين خلاص يعني هعمل عقلي بعقل طفل صغير؟"
هذا ما تفوه به «عامر» ردًا على حديثها، فنظرت هي لصغيرها فوجدته يخفض رأسه للأسفل، فعلمت أنه يكذب عليها كعادته لذلك قالت هي بإحراجٍ لهما:
"طب أنا متأسفة جدًا، هو تلاقيه بس كان عاوز يهزر و الدنيا وسعت منه، عن إذنكم"
رحلت من أمامهما بعدما أعتذرت منهما، فدلفا هما معًا للداخل هي تضحك و هو يطالعها بغيظٍ، و حينما وجدها تسترسل في ضحكاتها سألها بحنقٍ:
"ممكن أعرف بتضحكي على إيه؟ حتة الواد هو اللي مضحكك؟"
حركت رأسها نفيًا ثم خلعت حجابها وهي تقول بنبرةٍ لازالت ضاحكة:
"كل الحكاية و مافيها إنه طفل صغير بس قرد، لكن شكلك و أنتَ شايله و بتقاوح معاه ضحكني أوي، بس حرام عليك كسفته يا عامر"
قالت كلمتها الأخيرة بعتابٍ على موقفه مع الصغير، فرد عليها هو مُسرعًا:
"كل الحكاية إنه طفل صغير و كدب، لأن أنا كل علاقتي بيه موقف واحد و بعد كدا ببصله و بس، هو هول الدنيا و خلاها علطول، وهي غلطانة علشان بتقول إنه مبيغلطش، لأ هو بيغلط بس دفاعها عنه بالطريقة دي خلاه يزيد فيها، و دي تربية غلط، غير إن هزاره أكبر من سنه، يعني إيه طفل يقولي اعاكس مراتك و أهزر معاها، المفروض يطلع عارف إن فيه حدود لازم بحترمها، بعد كدا هيبقى كله عنده زي بعضه و أي ست هيعاكسها"
نظرت له هي بفخرٍ وهي تقترب منه تقول بنبرةٍ مندهشة:
"عامر هو بجد إزاي تفكيرك كدا؟ أنا افتكرت إنك متعرفش حاجة في التربية خالص، دا أنا حطيت ايدي على قلبي منك"
رد عليها هو ببساطة:
"دي أصول يا سارة، فيه حاجات لازم حدودها تتحط للصغيرين علشان يكبروا عليها، أنا اهزر آه، أعصبك و أعصب خالد و ياسر و ياسين، لكن الحاجات دي خطوط حمرا"
قبلت وجنته هي ثم قالت له بفخرٍ:
"والله فخورة بيك أوي، أنا كدا اطمنت على مستقبل عيالنا إن شاء الله، طلعت ليك في الادب"
سحبها هو يقربها منه وهو يقول بخبثٍ:
"وليا في قلة الادب كمان، أنا دايس معاكي في أي حاجة، و بعدين هما فين عيالنا اللي أنتِ شايلة همهم دول، تعالي نجيبهم بقى علشان تقلقي بضمير"
ضربته هي على كتفه و هي تقول بنبرةٍ حانقة:
"أنتَ قليل الأدب، دا أنا لسه كنت بشكر فيك و بقول مؤدب، صحيح عيل سوفسطائي"
اقترب منها أكثر يقول بمشاكسة:
"ماهو السوفسطائي دا اتجوزك يا جرثومة،
دا أنتِ البُعد عنك زي النار، يا طبق فول بالزيت الحار"
ضحكت عليه بقوة كعادتها معه فوجدته يغمز لها بمرحٍ.
______________________
في بيت آلـ «الرشيد» اجتمعت شقة «محمد» بأكملها، فتحدثت جميلة تقول بضجرٍ:
"ما خلاص يا عبلة هتفضلي مبوزة في وشنا كدا كتير؟ إيه يعني وليد سافر؟ هما يومين و راجع متكبريش الموضوع"
ردت عليها هي بقلة حيلة:
"أنا خايفة عليه يا جميلة علشان وليد بيتعب لما بيروح السويس، و في نفس الوقت طنط مروة خايفة عليه علشان موضوع راشد، و هو هناك قريب منهم أوي، يعني كدا كدا لازم اخاف عليه، هو برضه مش أي حد"
تدخل «محمد» يقول بتعقلٍ:
"و أنتِ لازم تكوني عاقلة يا عبلة، على الأقل علشان لما يكلمك يكون متطمن هو كمان، لكن كدا هو هيخاف، خليه يشوف شغله هناك و يجيلك يا ستي"
تدخل «طارق» يؤكد حديث والده بقوله:
"بابا معاه حق يا عبلة، و بعدين وليد مش صغير و أنا كلمته قبل ما ينزل من البيت، و كلمته لما خرج من البيت، خلاص فاضل حاجات بسيطة و يوصل"
أومأت لهم موافقة و لكن قلبها يتأكل خوفًا و قلقًا عليه، لا تدري لماذا و لكن نظرته لها قبل رحيله كانت غريبة.
في الأسفل في شقة «مرتضى» كانت «هدى» جالسةً في غرفة الصالون و معها «مروة»، فخرج لهن «وئام» من غرفته وهو يقول بفرحةٍ ظهرت بوضوح في نبرته و ملامحه:
"جماعة حسن كلمني و قالي إن هدير اتكلمت النهاردة"
انتفضت «هدى» من مجلسها تقف مقابلةٍ له وهي تسأله بنبرةٍ مختلطة المشاعر ما غلب عليها كانت اللهفة:
"بجد يا وئام؟ أنتَ سمعت صوتها طيب، طمني عليها"
اقترب منها هو يُجلسها كما كانت وهو يقول لها بنبرةٍ ضاحكة:
"و الله قالي كدا، بس كانت بتتوضا علشان تصلي العصر، حتى هو صوته كان فرحان و قالي إنه هيخليها تكلمكم صوت و صورة كمان"
تدخلت «مروة» تقول بنبرةٍ باكية من فرحتها:
"الحمد لله ربنا طمن قلوبنا عليها، عقبال ما أتطمن على وليد كمان و يرجعلي بالسلامة"
جلس «وئام» بينهن وهو يقول بمرحٍ:
"خدوني وسطكم كدا خلوني أخد شوية حنان قبل ما الواد وليد يجي و ياخد مروة مني تاني"
ألقت «هدى» رأسها على كتفه تنعم بتلك الراحة التي تجدها معه و في كنفه، أما «مروة» قالت له بحبٍ:
"أنتَ و هو واحد عندي يا وئام، بس الفرق إن هو كَتوم و عامل زي العيل الصغير محتاج مسايسة لكن أنتَ العاقل اللي علطول شايل مسئوليتنا"
اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال بهدوء ممتزج بحبه لصغيره:
"مش محتاجة تبرري أنا بهزر، و بعدين وليد دا ابني مش أخويا، و ربنا شاهد على غلاوته عندي، أنا مش عارف هقعد من غيره يومين ازاي من غير ما يعصبني ببروده"
ابتسمت كلتاهما عليه، أما هو فرفع ذراعيه يحتضن كلتاهما وهو يتنفس بعمقٍ، خرج «مرتضى» من الشرفة و هو يقول بسخريةٍ:
"هو أنا مشرد في البيت دا؟مستكترين عليا مراتي، كل شوية الاقي واحد فيكم حاضنها يا ولاد ***** إيه يا ست مروة اعتبريني واحد من عيالك يا أختي"
ضحكوا عليه جميعًا، فاقترب هو منهم يجلس بجانب زوجته وهو يقول بهدوء:
"أنا كلمت وليد و قالي إنه قرب يوصل خلاص علشان مشي من الطريق الجديد، و كلمت اسماعيل يطمني أول ما يوصل"
ردت عليه «مروة» بتلهفٍ واضح:
"ربنا يسترها عليه و يطمن قلبي علشان أنا قلقانة أوي، و خايفة بسبب موضوع راشد دا يروحوا له عند اسماعيل"
رد عليها «وئام» مُطمئنًا لها:
"متخافيش عليه هو مع خالو هناك، و بعدين أخوكي السويس كلها تبعه يعني لو حد اتنفس في وش وليد، يبقى الله يرحمه"
رفعت «هدى» رأسها تزامنًا مع قولها:
"وليد يستاهل كل الخير و الله، و بعدين أكيد كل حاجة هناك تمام أكيد عمو اسماعيل مش هيغامر بيه، وهو عارف موضوع راشد"
أومأ لها الجميع بموافقة و كلًا منهم يحاول اقناع نفسه بالحديث.
_____________________
في شقة «طه» جلس «أحمد» على المقعد المقابل لمقعدين «خلود» و «سلمى» و هو يقوم بتصحيح التدريبات لهن قبل ذهابهن الدرس، فنظر لشقيقته وهو يقول بضجرٍ:
"اسمعي يا بت يا غبية أنتِ علشان ممدش إيدي، بنصرف الفعل على التصريف التالت مع المصدر، أومال أنا شرحت إيه؟"
ردت عليه هي بحنقٍ:
"متتعصبش هو أنتَ بتكلم ويليام شكسبير؟ و بعدين إحنا كلامنا مش باللغات علشان كلامنا موزون"
ضحكت عليها «سلمى» أما هو فضرب كفيه ببعضهما وهو يقول باستغرابٍ:
"إيه دا هو أنتِ سواقة توكتوك؟ و بعدين فين كلامك الموزون دا؟ أنا مش شايف غير عَته و خلاص"
تدخلت «سلمى» تقول معاندةً له:
"على فكرة خلود ذكية أوي بس هي اللي بتكسل و الله، عندها قدرات رهيبة و وليد علطول يقولها لو ركزتي هتبقي الأولى"
ابتسمت «خلود» بفخرٍ ثم أضافت:
"شوفت؟ أنا مبحبش اتكلم عن نفسي كتير، ربنا يبارك في سلمى الطبلة بتاعتي"
رد عليها «أحمد» بحنقٍ:
"أنتِ و هي هتغرقوا في شبر مياة إن شاء الله، و ساعتها خلي التطبيل ينفعكم لبعض"
خرجت «زينب» من المطبخ في تلك اللحظة وهي تقول له بضجرٍ:
"ملكش دعوة بيهم يا أحمد، و سيبهم ربنا يبعد عنهم العين كدا و يخليهم لبعض، علشان الحاجات دي بتتنظر، أسألني أنا الناس لما بتلاقي اتنين قريبين من بعض كدا بتضايق و بيفرقوا بينهم"
خرج «طه» من الداخل وهو يقول بمرحٍ:
"أنا بقى نفسي يفرقوا ريا و سكينه دول عن بعض، بالذات خلود أُس المصايب دي"
ردت عليه «خلود» بحزنٍ زائف:
"أنا !! أنا يا بابا؟ طب دا أنا الناس كلها تشهد ببراءتي و طفولة تفكيري، أنا مصدومة بجد"
رد عليها هو متهكمًا:
"شوف إزاي؟ لا والله يا ست خلود؟ و البت منة بنت الجيران اللي أنتِ عمالة تكيدي فيها ليل و نهار دي إيه؟"
حركت كتفيها ببساطة وهي ترد عليه بلامبالاة:
"هي اللي حظها وحش كل شوية ألاقيها قصادي أعملها إيه؟ و بعدين دي مزعلة خديجة، يعني تاخد على دماغها وهي ساكتة"
تدخل «أحمد» يقول بحنقٍ:
"خلاص يا خلود ملناش دعوة، و حق خديجة جِه منها خلاص"
نظرت له «سلمى» بتعجبٍ فأضاف هو:
"أنا مش بتكلم علشان حاجة، بس هي مش شبهكم هنا و بلاش تحطوا نفسكم في مقارنة معاها، أنتو غاليين و ليكم مكانة، هي بقى ليها طريقتها و اسلوبها اللي مينفعوناش و لا شبه تربيتنا حتى، فهمتي يا خلود أنتِ و سلمى"
أومأت له كلتاهما بتأكيد، بينما والديه نظرا له بفخرٍ حينما تحدث أمام الفتيات بتلك الطريقة.
_____________________
و بعد انتهاء الطريق وصل «وليد» إلى محافظة السويس ومنها إلى منزل شقيق والدته «اسماعيل»، و بعد دخوله و الترحيب به من قبل البيت بأكمله، جلس هو في الشرفة مع «اسماعيل» و «زيزو» فسألهما هو باهتمام:
"احكيلي بقى يا زيزو حصل إيه علشان أنا مش فاهم منك حاجة و الدنيا داخلة في بعضها"
بدأ «زيزو» في سرد ما حدث بقوله:
"لما رجعوا من العزا عندكم فضلوا كام يوم غايبين و بعدها راشد نزل هو الشغل و رامي معاه و دي مش عادتهم، فضلوا كام يوم على الحال دا لحد ما راشد راح يجيب عمه إيهاب و يديله حقه في كل حاجة ابراهيم خدها منه، ابراهيم بقى لما عرف اللي حصل قوم الدنيا على دماغ عياله، و لما راشد قاوحه، عرفت إنه خلىٰ رجالته حبسوهم و ضربوهم و طرد أخوه ايهاب تاني"
تحدث «وليد» مشدوهًا مما سمع:
"هو ابراهيم دا إيه جاحد؟ إزاي يعني يحبس عياله، بلاش راشد علشان مهزق، رامي اللي عنده القلب دا مش صعبان عليه، أمهم فين؟"
رد عليه خاله «إسماعيل»:
"راجل ناقص ربنا ياخده، احنا ملناش دعوة يا وليد، هو حر مع عياله، أنا مرضيتش أقولك كدا علشان متظنش أني مش عاوزك تيجي، لكن مش هتروح هناك برجلك"
_"إزاي بس يا خالي هو لعب عيال، أنا اللي جايبني أصلًا راشد، و بعدين هو باعتلي ازاي أنا بالاسم؟!"
تفوه «وليد» بذلك مُعقبًا على حديث شقيق والدته، فرد عليه «زيزو» يُجاوبه:
"بعتلك مع هيثم ابن محروس اللي بيشتغل مع ابوه، رامي تعب مرة و قلبه وقف، ساعتها هيثم دا راح يعمله جلسة تنفس، وهو علشان عارف إن و أنا هيثم صحاب وصلي رسالة معاه وقاله: قول لزيزو يكلم وليد الرشيد ويقوله إن أنا محتاجه ينجدني وخلاه صوره علشان نتأكد كمان"
سأله «وليد» بلهفةٍ واضحة:
"معاك الصورة دي يا زيزو؟ عاوز أشوفها"
أومأ له موافقًا ثم أخرج هاتفه حتى يرى الصورة، قام «وليد» بتكبير الصورة فرآى الكدمات واضحة على وجه «راشد»، فمد يده بالهاتف وهو يقول بنبرةٍ تائهة:
"للأسف الصورة دي صح مش تركيب، أنا لازم ألحق راشد علشان لو فضل أكتر من كدا ابراهيم هيموتهم"
تدخل «اسماعيل» يقول منفعلًا:
"برضه مفيش فايدة عاوز ترمي نفسك ليهم، افهم بقى دا ابوهم يعني هما أحرار في بعض، لكن أنتَ غريب وسطهم برضه"
زفر هو بقوة ثم قال:
"اللي أنا جيت علشانه لازم أعمله، دا واحد استنجد بيا يا خالي، لو مش علشان راشد يبقى علشان رامي حتى اللي قلبه هيقف دا و محتاج رعاية نفسية و صحية"
رد عليه «زيزو» مؤيدًا حديثه:
"أنا بقول كدا يا وليد، هو أكيد محتاجك تروحله تلحقه، لو مش كدا أكيد مش هيبعت مرسال يطلبك تساعده"
نظر «اسماعيل» في ساعة يده تزامنًا مع قوله:
"طب أنا هقوم علشان العِشا قربت تأذن و هروح افتح الجامع، فكر كويس يا وليد، وافتكر إنهم أهل في الأخر"
أومأ له بشرود وهو يفكر مَليًا في الموضوع، و بعد دقائق من التفكير أخرج هاتفه يُهاتف «ياسين»، انسحب «ياسين» من جانبها وهي تشاهد التلفاز ثم دخل الشرفة حتى يرد على المكالمة الهاتفية وهو يقول بلهفةٍ:
"إيه يا وليد طمني عملت إيه و إيه الدنيا عندك؟"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ حائرة:
"لسه والله يا ياسين، بس شكله فعلًا محتاجني بجد، و أنا هروح علشان ألحقه بس مش دلوقتي أخر الليل، أنا بس متصل علشان أطلب منك حاجة"
سأله «ياسين» بنبرةٍ خافتة:
"خير يا وليد؟ أؤمر رقبتي سدادة"
تنهد «وليد» بقوة ثم قال بقلقٍ:
"عاوزك تخلي بالك من خديجة و من بيت الرشيد لحد ما أرجع تاني، و مش عاوز حد يعرف أنا فين، خليهم عارفين إن أنا عند خالي زي ما أنا، بس بالله عليك خديجة متعرفش حاجة علشان متخافش، ولو حصل أي حاجة افتكر أني قبل كدا قولتلك أني مسلمك عمري بين أيديك فيها"
بعد حديثه انتاب القلق قلب «ياسين» لذلك سأله بنبرةٍ خائفة:
"وليد أنتَ رايح تعمل إيه بالظبط؟ و بتوصيني على خديجة ليه؟ ارجع يا وليد و ملكش دعوة براشد ولا بحد"
_"صدقني مش هقدر، ولو حصله حاجة من غير ما أنا أحاول أساعده هعيش العمر كله بذنبه و أنا أضعف من أني اتحمل ذنب زي دا، أنا في أخر الليل كدا هحاول أدخل الدور اللي راشد فيه، بس عاوز أتطمن أني سايبك مكاني"
زفر «ياسين» بقوة حينما رد عليه الآخر بقلة حيلة ثم رد عليه مُطمئنًا له:
"متخافش يا وليد أنتَ سايب راجل في ضهرك، بس ليا طلب عندك إنك تحافظ على نفسك علشان خاطر خديجة حتى اللي ملهاش غيرك، أوعدني إنك متتهورش"
ابتسم «وليد» بسخرية ثم جاوبك متهكمًا:
"كان نفسي والله، بس دي مش بإيدي، المهم زي ما اتفقنا أنا جاي هنا علشان خالي، محدش غيرك يعرف"
أغلق «ياسين» الهاتف معه ولا زال القلق كما هو بداخله فنظر أمامه بشرودٍ فوجد «خديجة» تدلف له تسأله بتعجبٍ:
"إيه يا ياسين واقف كدا ليه؟ و كنت بتكلم مين غير وشك كدا"
رد عليها هو بهدوء:
"دي مكالمة تبع الشغل عاوزني بكرة بدري عن معادي، ناس مستفزة في الشغل مش بحب اتعامل معاهم"
ربتت هي على كتفه وهي تقول بحنانٍ بالغ:
"متزعلش نفسك هو يوم و هيعدي إن شاء الله، خليك أنتَ هادي بس و كل حاجة هتبقى تمام، ولو على الاستفزاز خد عامر معاك، يجيب لهم جلطة"
ابتسم هو على حديثها ثم رد معقبًا:
"أنتِ غلبانة أوي يا خديجة، و الله كل يوم اتأكد إنك يعيني على نياتك خالص"
حركت كتفيها ببساطة وهي تُجيبه:
"كدا أحسن على فكرة، مش كل الناس الفاهمة مرتاحة، الناس اللي زيي في الطراوة دي مرتاحين والله"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف:
"معاكي حق اللي زيك مرتاحين فعلًا، بس إيه الحلاوة دي، سايبة شعرك و لابسة أحمر، دا إحنا بقينا خطر خالص كدا"
ردت عليه هي بضيقٍ ممتزج بالخجل:
"بس بقى يا ياسين بتكسف، أعمل نفسك مش شايفني و خلاص"
ابتسم هو لها ثم أمسك كفها وهو يقول بهدوء:
"طب يلا ننام علشان أنا ورايا شغل كتير و محتاج صحيان بدري"
أومأت له موافقة ثم سارت معه لغرفتهما.
___________________
أنهى «وليد» مكالمته مع «ياسين» ثم قام بمهاتفة «عبلة» التي حينما رآت رقمه على هاتفها جاوبته مسرعة وهي تقول:
"وليد عامل إيه؟ وصلت عند خالك؟ طمني"
ابتسم هو على طريقتها وراقف ابتسامته تلك جوابه:
"أنا كويس الحمد لله وصلت و اتغديت كمان، و هروح أصلي العشا بس قولت أكلمك أتطمن عليكي"
ردت عليه هي بنبرةٍ مشتاقة ممتزجة بقلقٍ واضح لم تستطع اخفاءه:
"أنا كويسة الحمد لله، و فرحانة علشان عرفت إن هدير اتكلمت، احنا هنا كلمناها و فضلنا نعيط، بس أنتَ وحشتني أوي، هما آه شوية صغيرين بس بجد مش عارفة ليه وحشتني"
تنهد هو بعمقٍ ثم جاوبها بقوله:
"وحشتك علشان ملكيش غيري يا سوبيا، أنتِ ضيفة في بيت أهلك لحد ما تنوري بيتي و تكوني معايا و في حضني"
لم يستطع اخفاء الشوق في نبرته، أما هي فسألته حتى تغير مجرى الحديث:
"قولي بقى السويس حلوة زي ما هي ولا أحلوت أكتر بوجودك فيها؟ عارفة أنا منظر البحر هناك حاجة تانية و شكلك هتنساني"
رد عليها هو بمرحٍ ممتزج بعاطفته:
"من ناحية حلوة فهي حلوة أوي، عيبها الوحيد إنك مش معايا فيها هنا، المكان لو جنة من غيرك فيه ميتدخلش"
سألته هي بنبرةٍ شبه باكية:
"طب خلاص علشان هعيط، يا ابن الناس ما كنت خدتني معاك وخلاص بدل ما أنا قعدة هموت كدا من التفكير"
رد عليها هو مُطمئنًا لها:
"أنا كويس متقلقيش عليا، و بعدين ياستي خليني أوحشك علشان متزهقيش مني بقى، أنا الفترة اللي فاتت سبت ضغط مشيرة و مسكت في ضغطك أنتِ"
ابتسمت رغمًا عنها على طريقته فوجدته يضيف من جديد:
"أنا عاوزك تعرفي أني غصب عني جيت عليكي و على حبك ليا، بس دا مش بإيدي و عارف إن اللي بنحبهم لما يجرحونا وضعنا بيبقى صعب، علشان كدا عاوزك متزعليش مني، و يا ستي حقك عليا و على قلبي من الدنيا كلها لو زعلتك في يوم، بس بلاش زعل علشان الزعل مش ليكي"
تنهدت هي بعمقٍ ثم جاوبته بنبرةٍ باكية و الدموع تسيل على وجنتيها:
"أنا مش زعلانة منك، قولتلك أنا مقدرة موقفك، و بعدين المحبة بتمحي الغلطة يا وليد، مش الغلطة اللي تمحي المحبة، و أنتَ محبتك كبيرة، أطمن يا وليد"
ابتسم هو بطمأنينة وكأن حديثها هو كل ما يحتاجه فقط، و لو كان الزمن ذو كرمٍ أكثر من ذلك و أعطاه نظرة من عينيها لكان أصبح مثل الطير الذي خرج لتوه من القفص، بعد ثوانٍ من الصمت من كليهما، أول من تحدث كان هو حينما قال بنبرةٍ هادئة:
"انا هقفل بقى علشان رايح أصلي، عاوزة حاجة مني يا عبلة"
ردت عليه هي بتلهفٍ واضح:
"عاوزاك تفضل كويس، لا إله إلا الله يا وليد"
_"سيدنا محمد رسول الله، مع السلامة يا عبلة"
رد عليها هو بذلك، و كم كان ممتنًا عند ذكرها لفظ الجلالة حتى شعر بطمأنينةٍ غريبة تجتاحه، لذلك قام حتى يلحق الصلاة.
_____________________
بعد مرور ساعتين، نظر «ياسين» لها وهي غافية بين ذراعيه تتشبث به بقوة، تنهد هو بقلة حيلة حينما تذكر حديثها عن «وليد» و عن مدى ارتباطها به، لا يدري لماذا يرى نفسه حائرًا لتلك الدرجة، فمن المفترض أنه ينتبه هنا لبيت العائلة و هذا ما يفعله من خلال التواصل مع «أحمد» و «خلود» و في نفس الوقت هي بمفردها معه لن يستطع تركها و التوجه نحو البيت حتى يطمئن عليهم، و لا هو قادرٍ على إزالة التفكير من رأسه، و حينما أمعن النظر لها، تحدث يقول مُعتذرًا:
"حقك عليا علشان خبيت عليكي، بس هو موصيني و في نفس الوقت أنا مش هقدر أشوفك خايفة و لا هقدر أشوفك زعلانة"
اقترب منها أكثر يخفيها بين ذراعيه و لازال حديث «وليد» يدور برأسه حتى حل القلق محل النوم و يبدو أنها ليلة بدون نوم.
استمر القلق عدة ساعات، حتى عند «وليد» بعدما نام بغرفة ابن خاله دون أن يُغمض له جفنًا، انتظر حتى الساعة الثالثة صباحًا، ثم اتخذ قراره و خرج من بيت «إسماعيل» متوجهًا نحو بيت «ابراهيم راشد»، و نظرًا لتقارب المسافات بين البيتين، وصل في وقتًا قياسيًا، دلف البيت بهدوء بعدما عبر البوابة الحديدية، و من غرابة حظه الذي عجز هو عن تفسيره كانت فارغة دون أن يقف على حراستها رجالًا، عبر هو منها ثم توجه إلى ردهة البيت المُظلمة، ولكن ما أثار ريبته هو غرابة الوضع حوله و كأنه مُجهزًا لاستقباله !! هكذا كان يفكر بعدما دلف ردهة البيت و حينما أردك الوضع و هو من المؤكد أن هناك من ينتظره، رفع صوته يقول بنبرةٍ صارخة:
"يـــا إبـــراهــيــم، أنا جيتلك أهوه، تعالى و قابلني وش لوش طالما أنتَ سايبلي كل بيبانك مفتوحة"
ظهر «ابراهيم» من وسط الدرجات الرخامية و هو يقول بنبرةٍ متريثة:
"مش معقول !! بقى ابن مرتضى الرشيد بنفسه هنا في بيتي برجله؟ ولوحده؟ زمن غريب"
"علشان مرتضى الرشيد مربي رجالة مبتخافش، مش نسوان بتدارى علشان تاخد حقها"
رد عليه «وليد» لذلك على حديثه، أما «ابراهيم» فنزل الدرجات الفاصلة بينهما وهو يقول بنبرةٍ متريثة:
"لا إن جينا للحق أنتَ مش متربي أصلًا، علشان أنتَ غلطت لما فكرت تدخل بيتي بالطريقة دي، بس أنا بقى هدفعك تمن الغلط دا غالي أوي، هتدفعه الضعفين فلوس و دم قلبك"
_"ليه هو أنا غلطت في أمك ولا إيه"
هذا ما تفوه به «وليد» ردًا على حديث «ابراهيم» بعدما حاول استفزازه بالحديث، بينما «ابراهيم» ابتسم له باستفزازٍ أكثر ثم قال:
"لأ بس حتة عيل صغير زيك يقل مني أنا وسط الناس، و فاكر إنه جامد، لأ و الأنيل بقى إن عيلة الرشيد كلها قايمة عليك، بصراحة كسرتهم الحقيقية فيك أنتَ، و بما إنك مش متربي أنا هربيك و أبقى كسبت فيك ثواب"
ابتسم له «وليد» وهو يقول بنبرةٍ هادئة تحمل معها الكثير:
"طول عمري مقتنع إن فاقد الشيء هو أحق من يعطيه، و بما أني زي ما بتقول كدا مشوفتش تربية ما تيجي أربيك و أبقى ساعتها كسبت فيك ثواب تعليمك الرجولة"
ضحك «ابراهيم» باتساعٍ حتى يثير حنقه ثم سأله بعدما أوقف الضحكات بطريقة درامية:
"ما تقولي يا ابن الرشيد كدا أنتَ جاي هنا تعمل إيه؟ عرفني كدا يمكن أساعدك"
زفر هو بقوة ثم رد عليه بحنقٍ:
"أنا جاي علشان راشد و رامي للأسف إنهم عيالك، اللي أنتَ حابسهم و مطلع عينهم"
لمعت مقلتيه بفخرٍ وهو يقول:
"ما كان من الأول يا وليد، كنا في بيتكم طالبنا منكم السماح و كل اللي انكسر كان هيتصلح، لكن نقول إيه بقى، أنتِ اللي مش راضي تصلح"
_"نصلح آه، دا لما تبقى مشاعر الناس مواعين أمك بتكسر و تصلح فيها زي ما أنتَ عاوز، خلاصة القول عيالك فين؟ و نحل الموضوع و نخلص من النوش دا"
رد عليه «وليد» بذلك بنبرةٍ حانقة تمتزج بتهكمه، مما جعل «ابراهيم» يبتسم باتساع وهو يقول مُتشفيًا:
"بقى أنتَ بنفسك تجيلي هنا و عاوزني أخلصها ودي؟ طب و الرجالة اللي مستنياك يا وليد؟ يرضيك يناموا على معدة فاضية"
نظر له «وليد» بترقبٍ فوجده يبدل ملامحه إلى أخرى مُخيفة وهو يقول صارخًا لرجاله من الخارج:
"يا هاني، يا على اقفلوا الباب علشان ابن الرشيد ياخد كرم الضيافة، خليه يشوف أصلنا و خليه يلقى مصيره"
لأول مرة ينتاب القلق قلبه و يقف لا يدري ماذا يفعل بعدما تحدث «ابراهيم» بذلك و قبل أن يدرك ما حوله حدث ما هو غير توقع.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع عشر 17 - بقلم شمس بكري
تأتي لحظاتٍ على المرء كل ما يوده فقط الشعور بالأمان، و أنتِ روية عيناكِ كالغيث على صحراءٍ جارفة.
____________________
أنا الآن المخطيء الوحيد في حق نفسه، أنا من أختارتُ نهايةٍ لا تليقُ بي، اندفعت و تماديت و كانت النتيجة أنني عانيت...لو تُرك لي منذ البداية الخيار، لـ كنتُ بنفسي أكتفيت...الآن أقف مدهوشًا مما حل على رأسي، و لساني فقط يُردد يا ليتني ما أتيت....بعدما ظننتُ أنني تعافيت.
وقف «وليد» مَشدوهًا مما سمع و قبل أن يدرك ما يصير حوله حدث ما هو غير متوقع، حيث صوت تصادمٍ قوي أتىٰ من الخارج، جعل الدهشة تأخذ محلها على وجوه الجميع فاقترب أثنين من «وليد» يمسكاه من ذراعيه حينما تحدث «ابراهيم» آمرًا أحدهم:
"بص شوف في إيه برة يا هاني"
أومأ له ثم أشرأب برأسه للخارج و حينها زفر بقوة ثم جاوبه بنبرةٍ عادية:
"دا محروس قفل البوابة يا حج إبراهيم، أنا قولتله لما ندخل إحنا يقفلها هو و يروح"
نظر «وليد» له بغلٍ واضح وهو يقترب منه أكثر يقول بخبثٍ:
"شوفت أنا طيب إزاي ؟ خليتهم قفلوا البوابة الكبيرة و سيبتلك الصغيرة علشان البرد، أصل أنا بعزك بصراحة"
بصق «وليد» في وجهه بقوة حتى يُشفي غليله منه بذلك، فمسح هو وجهه ثم قال بتريثٍ:
"مش قولتلك عاوز تتربى يا ابن الرشيد؟ و حظي الحلو إنك هنا لوحدك"
_"و هو إبن الرشيد هيجي لوحده من غير ما ابن الشيخ يأمن ضهره؟ تفتكر ياسين هيسيب أخوه برضه؟"
تفوه «ياسين» بذلك بفخرٍ بعدما عبر من البوابة الحديدية الصغيرة المؤدية لردهة البيت حتى وقف خلف رجال «ابراهيم» الذي وقف مَصعوقًا حينما سمع صوت «ياسين» أما «وليد» فابتسم باتساع و هو يحرك رأسه بيأسٍ، بينما «ياسين» دلف من وسط الرجال الذين أشار لهم «ابراهيم» بتركه حتى يصل أمامه، اقترب منه «ياسين» يقول بثقة:
"غبي أنتِ يا هيما و فاكر الناس كلها غبية زيك، عامل زي المعدة الجعانة؛ صوت على الفاضي"
ابتسم له «ابراهيم» وهو يقول بسخريةٍ:
"لأ حلوة منك، بس الغبي هو أنتَ علشان أنا كدا كدا كنت هجيبك، أصلك زي وليد صنف ملطوط شهامة بغباوة، كدا هخلص منكم أنتو الاتنين طالعة واحدة"
رد عليه «ياسين» متشدقًا بنذقٍ:
"لأ يا راجل؟ طب وهو أنا جيت جنبك علشان تخلص مني؟"
_"دخولك بيت ابراهيم راشد بالطريقة دي غلط، البيت تدخله بأدبك و احترامك"
رد عليه «ابراهيم» بذلك بلهجةٍ صارمة مما أدى إلى اتساع بسمته ثم نظر حوله بطريقةٍ درامية و كأنه يتفحص المكان و هو يقول ساخرًا:
"غريبة يعني يا هيما، عامل حوار في دخول البيت، إلا ما شوفت حتى سجادة صلاة و لا مأذنة ولا سبحة في إيدك، ماهو أنا مش داخل جامع دا أنا داخل مكان ***"
ابتسم له «ابراهيم» بتهكمٍ وهو يرد عليه:
"كُتر قاعدتك مع وليد خليتك قليل الأدب زيه، أنا كنت فاكرك خام"
_"لأ و أنتَ الصادق خمام، ميغركش الأدب اللي عندي، علشان بصراحة مش مستنضف أني أحترمك"
تفوه «ياسين» بذلك ردًا على حديثه الساخر، مما جعل «ابراهيم» يومأ لرجاله حتى يمسكوا «ياسين» فامتثلا لأوامره وهو يضيف:
"وماله، بس أنا بقى ما صدقت تكونوا قصادي أنتو الاتنين علشان أخلص منكم طالعة واحدة، و كدا تبقى بنت طه اتكسرت صح، لما حبيب القلب و أخوها يروحوا منها، عيلة الرشيد هتخسر كتير، شوفوا نفسكم كدا؟ اتنين قصاد خمسة، يعني ابن الشيخ و ابن الرشيد في إيدي أنا"
نظر «وليد» إلى «ياسين» بيأسٍ و قبل أن يبدأ الشجار أو يتحرك «ابراهيم» من موضعه، فُتح الباب الصغير الذي يقع أسفل درجات السلم، ثم خرج منه «خالد» هاجمًا على «ابراهيم» من الخلف واضعًا سكين صغير الحجم على عنقه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
"وهو خالد هيسيب أخواته برضه من غير ما يجي يعرفك مقامك يا هيما؟ يلا يا حلو أنتَ وهو سيبوهم بدل ما رقبة العمدة تطير في إيدي"
اتسعت حدقتي «وليد» بينما «ياسين» ابتسم بثقة خاصةً حينما تحدث «ابراهيم» صارخًا لرجاله:
"محدش يسيبهم، هما تلاتة و احنا أكتر منهم، سمعتوا؟ محدش فيكم يسيبهم"
_"أنتَ غبي ليه يا عم ابراهيم؟ طالما ياسين هنا و خالد هنا يبقى أكيد عامر و ياسر هنا، بطلوا غباء بقى"
ذلك ما تفوه به «عامر» ردًا على حديث «ابراهيم» بعدما خرج من الباب الصغير و في يده عصا كبير الحجم و «ياسر» في يده خنجرًا يلمع نصله بشدة، فأضاف «عامر» بمرحٍ:
"كنا محترمين و بطلنا الشقاوة خلتونا نطلع السلاح و نرجع تاني زي ما كنا، يلا يا حلو أنتَ وهو سيبوا أخواتي بدل ما أخلي الدكتور ياسر يتدرب عليكم في التشريح"
نظر الرجال إلى بعضهم بحيرةْ و «ابراهيم» يصيح في وجوههم:
"خليكم زي ما أنتو وأنا هحاسبكم الضعف، اســمـعـوا الكــلام"
قفز «ياسر» في تلك اللحظة من الخلف حتى وصل أمام الرجال و في يده الخنجر وهو يقول بنبرة حادة:
"عاوزة واحد فيكم يقرب من واحد فيهم كدا و أنا هخليه يجرب إحساس الفنانة لما قالت فيه حاجات تتحس و متتقالش، هطلع شغل الطب عليكم، ها تجربوا حظكم معايا؟"
وهو يتحدث أشار بأهدابه لـ «ياسين» الذي حرك رأسه موافقًا دون أن ينتبه عليه أحد، و كرر الكرة مع «وليد» الذي حرك أهدابه موافقًا، و في لمح البصر أصبح المكان رأسًا على عقب، حيث إندفع «ياسين» و «وليد» للخلف يعرقلان حركة الرجال حتى أنضم لهما «عامر» و «ياسر» و أصبحت المعادلة موزونة، حيث كان «ياسين» و «ياسر» أمام رجلين يقوما بضربهما و لكمهما، و «عامر» و «وليد» أمام رجلين يكرران الكرة في اللكمات و الضربات، و «خالد» كما هو يكبل حركة «ابراهيم»من خلال السكين الموضوع على عنقه و حينما لاحظ حركة يده حتى يُخرج شيئًا من جيبته، قام بإمساكه من يده وهو يقول بهمسٍ مُخيف:
"عاوزك تلم نفسك علشان لما يخلصوا على رجالتك نفضالك كلنا، دا أنتَ هتدلع، سمعت يا هيما ؟!"
ازدرد الأخر لُعابه بخوفٍ وهو يرى ذلك المشهد أمامه وسط الضربات و الصوت العالي و كأنه مشهدًا دراميًا على التلفاز، و بعد مرور دقائق، قام «ياسين» بربط الرجال ببعضهم بمساعدة البقية، بعدما جلب له «عامر» الحبل من الداخل، بعدها ترك «خالد» ذلك المكبل بين يديه و دفعه نحو الشباب الذين وقفوا في شكل دائرةٍ حوله، أما هو طالعهم بخوفٍ حقيقي، فوجد «وليد» يقترب منه يمسكه من تلابيبه وهو يصيح في وجهه:
"انطق يا إبراهيم، عيالك فين؟ أنا اللي حايشني عنك فرق السن غير كدا أنا هموتك في إيدي"
ابتسم له باستفزازٍ وهو يقول:
"الواد راشد ابني دا غبي و يستاهل، أنا اللي رميت قصاده الطُعم علشان يجيبك ليا هنا، ماهو ضيع مني كل حاجة، ضيع مني بنت طه بعد ما كنت هاخدها أخليها خدامة هنا علشان أكسر بيها ولاد فايز، لو كان صبر عليها كانت قبلته، بــ...."
قبل أن يُكمل حديثه وجد «ياسين» يهجم عليه حتى ألصقه بالحائط خلفه وهو يحدثه بلهجةٍ حادة:
"لو سيرتها جت على لسانك دا أنا هطلع روحك في إيدي، ســامـع، هقتلك و أخلص الدنيا من قرفك"
اقترب منه الشباب يبعدوه عن ذلك المستفز الذي أثار حنقهم، أما «ياسين» فتحدث بنبرةٍ آمرة:
"انطق العيال فين بدل ما أنطقك أنا، فين خلفتك يا عرة الرجالة؟"
رد عليه هو بحنقٍ وهو يدلك عنقه:
"ملكوش دعوة بعيالي .... أنا حر فيهم.....مصارين البطن بتتعارك، اطلعوا منها أنتو"
في تلك اللحظة هجم «ياسر» عليه يلصقه بالحائط وسط نظرات الدهشة من البقية ثم رفع الخنجر على رقبته وهو يقول بنبرةٍ منفعلة:
"اسمع كدا علشان مش هكرر كلامي، أنا فيه واحد مغلول منه و لو وقع تحت إيدي هموته، دلوقتي أنا شايفك هو زبالة زي بعض، يمين بالله لو ما قولت العيال فين لـ أشرح وش أمك دا و أخليك تعيط عمرك كله، أنــطــق"
تحدث «ابراهيم» بنبرةٍ مختنقة إثر السكين الموضوع على عنقه:
"عيالي....في المخزن القديم.... موجودين هناك"
_"زيـــزو"
صرخ «ياسين» بها لذلك الواقف في الخارج يقوم بتأمين المكان لهم، دلف «زيزو» وهو يقول:
"إيه يا ياسين، أؤمر"
سأله «خالد» بلهفةٍ:
"بقولك إيه يا زيزو تعرف مكان المخزن القديم اللي بيقول عليه؟"
أومأ له موافقًا بقوة وهو يقول:
"دا المخزن القديم اللي جنب المخزن بتاعنا كنت بروحه أنا و وليد "
تذكر «وليد» المكان فقام بسحب «ابراهيم» وهو يقول بلهجةٍ قوية:
"يلا ورايا علشان أخلي عيالك يشوفوا العِرة أبوهم، بقولكم إيه، أنا عارف المكان"
وقف «زيزو» مقابلًا له يسأله بلهفةٍ وخوف:
"أنتَ رايح فين؟ المخزن القديم دا هناك عند الفنار القديم يعني وجودكم هناك صعب، الرجالة هناك تبع بعض كلهم، كفاية بقى لحد كدا"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ مقررة:
"احنا جايين هنا علشان فيه واحد عاوزنا نلحقه، يبقى نروحله و نلحقه؟ و لا نمشي و نسيبه لواحد زبالة زي دا"
رد عليه «ابراهيم» منفعلًا وهو مكبلٌ بين يدي «وليد» و الشباب حوله:
"لم نفسك يالا و بطل تشتم، بدل ما أبعتك لحبيبة القلب متكيس"
نظر «ياسين» في أوجه الشباب ثم قال بهدوء مُخيف:
"طب و الله ما حد هيكيسك غيري"
قالها ثم هجم على «ابراهيم» ينهال عليه باللكمات و الضرب و الشباب يحاولون إبعاده عنه، حتى ابتعد أخيرًا حينما لاحظ وجهه ممتلئًا بالدماء، بعدها اعتدل في وقفته و هو يلهث بقوة قائلًا بلهجةٍ حادة:
"روح يا زيزو هات عربية وليد، احنا كلنا هنروح لراشد، و أنتَ خليك هنا أمن الدنيا"
أومأ له موافقًا ثم ركض من أمامهم، بينما خرجوا هم من البيت حتى ساروا نحو البوابة الكبيرة و وقفوا بجانب سيارة «ياسين» في الخارج حتى أتى «زيزو» بسيارة «وليد»، تحدث «خالد» حينها:
"احنا نقسم نفسنا، أنا و وليد و الزفت ابراهيم في عربية، و ياسين و ياسر و عامر في عربية، و زيزو هنا يراقب الدنيا"
أومأ له الجميع بموافقة ثم شرعوا في التنفيذ و تحركت السياراتين تِباعًا، أما «زيزو» فأخرج هاتفه يتحدث مع أحد أصدقائه قائلًا بلهفة:
"إيه يا نور، بقولك هات العيال و تعالى ورايا على المخازن القديمة، وليد ابن عمتي هناك و أنا مش ضامن الدنيا، هنمشي وراه نأمنه، بس من غير ما أبوك يعرف علشان ميقولش لأبويا"
________________________
في شقة «ياسين» و قبل أذان الفجر بدقائق بسيطة فتحت عينيها على مضضٍ كعادتها تستيقظ في ذلك الوقت حتىٰ تقوم بتأدية فرضها، نظرت بجانبها حتى تطالعه لكنها تفاجأت حينما وجدت «إيمان» بجانبها، اندهشت هي و ظنت في البداية أنها داخل حُلمًا، لكنها مدت ذراعها حتى تقوم بإيقاظ تلك النائمة بجانبها وهي تقول بنبرةٍ مندهشة:
"إيمان...إيمان...أصحي أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
استيقظت «إيمان» بضجرٍ وهي تقول بضيقٍ منها:
"إيه يا خديجة، نايمة هكون بعمل إيه يعني؟"
_"يا شيخة؟ افتكرتك بتتمشي، ما أنا عارفة إنك نايمة، نايمة هنا إزاي و الفجر هيأذن أهوه، و فين ياسين، و ياسر فين أصلًا؟"
ردت عليها «خديجة» بذلك ساخرةً منها
زفرت «إيمان» بقوة وهي تجاوبها:
"اتخانقت مع ياسر و هو كان بيكلم ياسين، ساعتها ياسين قالي أنام عندك هنا و هو هينام عندنا"
على الرغم من أن حديثها مقنع إلا أنه لم ينطوي عليها لذلك سألتها بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
"إيـمـان !! ياسين فين؟، و قوليلي حصل إيه علشان أصحى من النوم ألاقيكي نايمة جنبي كدا، ردي عليا"
تحولت نبرتها إلى الخوف وهي تسألها عن ما حدث، و أمام خوفها و قلق الأخرى التي لم تجد سبيلًا للرفض أو الكذب و اضطررت إلى مشاركتها القلق وهي تقول بنبرةٍ مهتزة:
"بصي أنا خايفة أنا كمان، و قلقانة زيك، بس هقولك علشان...علشان مش هعرف أكدب عليكي"
نظرت لها «خديجة» باستنكارٍ تود منها الافصاح أكثر عن ما تفوهت به، فأضافت «إيمان» تقول بنفس التردد:
"ياسين خد اخواته و راحوا يلحقوا وليد أخوكي"
اتسعت حدقتيها بقوة عند ذكر أخوها فتابعت «إيمان» حديثها:
"وليد راح عند راشد قريبكم و ياسين و الشباب راحوا علشان يلحقوه"
_"أنتِ بتقولي إيه !! ياسين و وليد و راشد إزاي، ردي عــليـا"
صرخت في وجهها بتلك الكلمات بنبرةٍ باكية و رغمًا عنها فرت دموعها، فاقتربت منها «إيمان» تقول بنبرةٍ متوسلة:
"إهدي بس هما مع بعض و إن شاء الله خير، متخافيش عليهم طول ما هما سوا"
ردت عليها بنفس البكاء:
"أنتِ بتقولي إيه ؟ دا أخويا و جوزي رايحين يرموا نفسهم في وش راشد و ابراهيم....بعد اللي حصل في بيتنا أكيد مش هيسكتوا و مش هتعدي على خير"
احتضنتها «إيمان» ببكاء هي الأخرى وهي تقول:
"طب ما هو أنا زيك، أخويا و جوزي برضه هناك، ومش خالد بس اللي أخويا، كلهم اخواتي، اهدي و تعالي نصلي الفجر و ندعيلهم"
ردت عليها «خديجة» ببكاء:
"طب ينفع أكلمه أتطمن عليهم، علشان خاطري و الله عاوزة أتطمن عليهم"
حركت رأسها نفيًا وهي تمسح دموعها ثم ردت عليها:
"مينفعش، هما أكدوا عليا محدش يتصل بيهم علشان ميتوتروش، قومي بس علشان نصلي"
بكت هي من جديد و هي تشعر بالخوف يتسرب إليها، كيف لا و الآن أكثر من أحبتهم في حياتها أمام مصيرًا مجهولًا في انتظارهما.
_______________________
في شقة «حسن» استقيظ كليهما حتى يقوما بتأدية صلاة الفجر، و بعد الانتهاء من الصلاة، دخل كليهما الغرفة فخلعت هي إسدالها ثم تمددت على الفراش الكبير و هو مُقابلًا لها على الفراش الصغير، و قبل أن تتدثر بالغطاء، سألها هو بخبثٍ:
"عرفتي تنامي على السرير لوحدك يا هدير؟"
رفعت جسدها حتى تطالعه فوجدته يضيف باحراجٍ:
"أقصد يعني طول الفترة اللي فاتت كنت بنام جنبك علشان الكوابيس، عرفتي تنامي النهاردة من غير كوابيس؟"
ادركت مقصده من الحديث لكنها آثرت التجاهل وهي تجاوبه:
"آه الحمد لله عرفت أنام، غالبًا الكوابيس دي علشان مكنتش عارفة أتكلم، لو أنتَ عاوز تنام هنا على السرير الكبير تعالى و أنام قصادك أنا على السرير الصغير"
حرك رأسه نفيًا ثم رد عليها بهدوء:
"لأ أنا مرتاح هنا، المهم أنتِ تنامي مرتاحة، تصبحي على خير يا هدير"
أومأت له موافقة، فاعتدل هو في موضعه حتى تمدد بكامل جسده، و هي على الفراش تنظر له حتى أولاها ظهره، فأغمضت هي جفنيها بهدوء و سرعان ما فتحتهما بخوفٍ حينما سمعت صوت هِرة صغيرة تموء بالغرفة، اتسعت حدقتيها بقوة وهي تحرك رأسها تتفحص المكان حولها إن كانت موجودة أم لا، و فجأة هبت منتفضة على الفراش، فوجدته نائمًا لا يدري بما حوله، أبان ذلك توقف صوت الهِرة حتى ظنت هي أن ذلك الصوت من مُخيلتها، و قبل أن تنزلق بجسدها على الفراش سمعت صوت الهرة من جديد، حتى تركت الفراش و توجهت نحوه تهزه برفقٍ وهي تقول هامسةٍ:
"حسن....فوق يا حسن، أنتَ لحقت تنام؟ قوم يا حسن"
التفت هو يطالعها بأعين ناعسة وهو يسألها:
"إيه يا هدير، عاوزة إيه، مش كنتي نمتي"
ردت عليه هي بخوفٍ:
"فيه صوت قطة في الأوضة و أنا مرعوبة، علشان خاطري قوم شوفها كدا، أنا حاسة إنها هنا"
رفع جسده هو يتفحص الغرفة بعدستيه ثم حرك كتفيه ببساطة وهو يقول:
"مفيش حاجة يا هدير في الأوضة، تلاقيكي بس اتهيألك علشان جبنا سيرتهم"
حركت رأسها نفيًا وقبل أن ترد على حديثه سمعت الصوت من جديد، فاقتربت منه تقول بقلقٍ:
"سمعت صوتها ؟! أهو والله"
رد عليها هو ببساطة:
"آه، تلاقيها روح مشمشة، أصل أمي الله يرحمها كانت علطول تقولي إن القطط بعد موتها روحها بتروح لأكتر مكان كانت بتحبه، وهي كانت بتحب هنا أوي"
ردت عليه بحنقٍ ممتزج بخوفها:
"أنتَ ليه محسسني أنها بنت أختك و بايتة معانا، بقولك صوت قطة، تقولي دي روحها !!"
رد عليها هو بقلة حيلة:
"طب أعمل إيه طيب؟ أنا بنام زي القتيل هنا و عمري ما ركزت في حوار الأصوات دا"
ردت عليه هي بخوفٍ:
"طب أنا خايفة أنام أعمل إيه، و لو فضلت أفكر فيها هيجيلي كوابيس"
_"ياريت"
رد هو بذلك دون أن ينتبه، فوجدها تطالعه بحنقٍ حتى انتبه هو وقام بتعديل الموقف من خلال قوله:
"أقصد يعني لو جاتلك في الكوابيس هتشوفي كانت حلوة ازاي، كان عليها عيون دباحة"
نظرت له بتشككٍ فوجدته يحمحم بقوة ثم قال بلامبالاة:
"طب دلوقتي أنتِ عاوزة إيه؟ أنا مش فاهم بصراحة يا هدير"
ردت عليه هي تجاوبه بسرعةٍ:
"عاوزاك تنام جنبي علشان أنا خايفة، لحد ما الصوت يبطل يجي في ودني"
رد عليها هو ببراءةٍ:
"طب و كدا أنا مش هضايقك؟ أهم حاجة عندي تكوني مرتاحة"
_"بالعكس، أنا لو فضلت خايفة منها كدا مش هعرف أنام يا حسن"
رد عليه هي بذلك بلهجةٍ متسرعة جعلته يبتسم برضا لكنه وأد تلك البسمة وهو يقول:
"ماشي يا هدير، هاجي أنام جنبك، أهم حاجة إنك متخافيش"
أومأت له موافقة فوجدته يتبعها نحو الفراش وهو يبتسم بخبثٍ، تمددت هي على الفراش وهو خلفها، حتى اقترب منها رويدًا رويدًا و أخذها بين ذراعيه، حتى سألته هي بحنقٍ:
"بقولك إيه أنا خايفة من القطة بصحيح، بس مش للدرجة دي"
رد عليها هو بسخرية:
"الله !! دلوقتي بقينا بنرد ما كان الأسبوع اللي فات زي الفل و بتنامي في حضني و أنتِ ساكتة"
شهقت هي بقوة، فوجدته يطالعها بتسليةٍ واضحة في مقلتيه، لذلك سألته بنبرةٍ مُقررة:
"صوت القطة دا أنتَ اللي عملته صح؟ أكيد دا صوت على الموبايل"
رد عليها هو متهكمًا بمرحٍ:
"طب ما أنتِ نبيهة أهو، اومال مش باين عليكي ليه؟"
طالعته بغيظٍ من طريقته الباردة فوجدته يضيف مردفًا:
"بصي أنا خدت إنك تنامي في حضني خلاص، و أنتِ برضه على فكرة بتخافي كتير و أنتِ نايمة و بتمسكي فيا، يعني مفيهاش حاجة، أنا مش غريب يعني"
حركت رأسها موافقةٍ بإيماءةٍ بسيطة فوجدته يشدد عناقه لها ثم قال بهدوء:
"شاطرة يا هدير، نامي بقى علشان بكرة هنروح عند عيلتك، و هنصدع"
سألته هي بنبرةٍ متحمسة:
"أنا أصلًا مش هعرف أنام من الفرحة علشان هشوفهم بكرة، و في نفس الوقت خايفة أوي علشان دي أول مرة أدخل البيت بعد ماما الله يرحمها"
انتهت نبرتها بحزنٍ دفين جعله يقبل قمة رأسها ثم قال بهدوء:
"أنا معاكي متخافيش، هو إحساس صعب بصراحة علشان أنا جربته، بس صعوبته بتقل لو فيه حد معاكي، و أنا معاكي يا هدير"
أومأت له موافقة ثم أضافت:
"ربنا يفرح قلبك إن شاء الله، والله بقيت بدعيلك و أنا بصلي ربنا يعوضك بالخير"
ابتسم هو بهدوء ثم حرك رأسه موافقًا بينما بينه و بين ذاته كان هناك سؤالًا يدور برأسه، كيف للفرحة أن تدعو الله بنفسها له، هو حتى الآن يراها فرحته و جائزة صبره على أحزانه، هدير تلك المشاكسة التي منذ صغرها و هي دائمًا تشاكس في من حولها حتى هو كان له نصيبًا عدة مرات يصطدم معها منذ أن كانا في طفولتهما، شرد هو فيها حتى وقع بصره عليها فوجدها غافيةً بين ذراعيه بأمانٍ تام، ابتسم هو برضا ثم اغلق أهدابه تزامنًا مع ضمها إليه حتى ينعم بدفء قربها منه.
______________________
توقفت السيارتين قبل المكان المخصص للمخازن بطلبٍ من «وليد» بعدها نزلوا من السيارات عدا «ابراهيم» الذي ظل كما هو في السيارة مُكبلًا بأحد الحِبال في سيارة «وليد»، وقفوا بالقرب من جانب بعضهما فأول من تحدث مستفسرًا كان «ياسين» حينما قال:
"احنا ليه وقفنا هنا يا وليد؟ ما ندخل جوة علشان نقرب أكتر"
رد عليه هو بنبرةٍ خافتة:
"أنا كنت مع خالي هنا في الشغل، الرجالة اللي على المخازن كلهم عارفين بعض علشان نص البضايع اللي هنا متهربة من الجمارك، لو هجمنا كلنا كدا هيقلقوا"
أومأ له الجميع بموافقة، فسأل هو بهدوء:
"أنا عاوز أفهم بقى أنتو جيتوا إزاي، أنا قولت خلاص روحي هتطلع النهاردة"
نظروا لبعضهم البعض بثقةٍ واضحة، بينما «ياسين» أومأ له موافقًا وهو يقول:
"هقولك أنا جينا إزاي"
(قبل ذلك بعدة ساعات)
كان «وليد» واقفًا في شرفة منزل خاله بعدما تحدث مع ذويه و حينما أمعن نظره أمامه وجد أحد رجال «ابراهيم» يتتبع البيت حتى يتأكد من وجوده بالداخل خصيصًا أن سيارته تقف أمام البيت، راقب «وليد» حركته فعلم أن «ابراهيم» في انتظاره، و بالأحرىٰ يتجهز لاستقباله، جلس يفكر في الأمر مليًا و مع كثرة تفكيره تشوش عقله، تحديدًا مع وجوده في منزل خاله، فمن الممكن أن يرسل رجاله حتى يأتوا به إليه، رفع نفسه من جديد يطالع الرجل فوجده كما هو بل أخرج هاتفه يتواصل مع شخصٍ ما، زفر «وليد» بقوة ثم أخرج هاتفه يهاتف الوحيد الذي يستأمنه على نفسه، و على الجهةِ الأُخرى كان «ياسين» بجانبها على الفراش يفكر في الأمر و هي غافية في ثُباتٍ عميق، حينما ورده مكالمةٍ من «وليد» هب منتفضًا حتى خرج من الغرفة يجاوبه بهمسٍ:
"إيه يا وليد طمني عليك، إيه الدنيا؟"
تنهد «وليد» بعمقٍ ثم جاوبه متشدقًا بنبرةٍ قلقة:
"أنا بيتعمل عليا لعبة من ابراهيم، ابراهيم مستنيني أنا، و أنا هريحه و أروحله علشان أنا مبهربش"
رد عليه «ياسين» منفعلًا بنبرةٍ خرجت منه عالية:
"يعني إيه؟ تروح ترمي نفسك في النار و تقول أصلي مبهربش، أرجع يا وليد، كلهم هنا معتمدين عليك"
رد عليه «وليد» بقلة حيلة:
"وجودي حاليًا أذى يا ياسين، لو فضلت في بيت خالي ابراهيم هيدخل البيت ياخدني من وسطهم و أنا مقبلش بكدا، و لو رجعت بيتنا ممكن يعمل مصيبة ليهم و برضه الأذى هيطولهم بسببي، أنا هروحله علشان أشوف ناهيتها"
بنفس الانفعال سأله بضجرٍ:
"و حضرتك بتكلمني ليه؟ هو أنا ناقص هم، أنا النوم مفارقني من التفكير فيك"
تنهد «وليد» بقوة ثم جاوبه بنبرةٍ مهتزة و كأنه أيقن نهايته:
"خديجة أمانة في رقبتك، لو حصلي حاجة قولها أخوكي مات راجل علشان يدافع عن واحد مظلوم، و أمي يا ياسين و زينب ملهمش غيري عاوزك تكون مكاني في بيت الرشيد، و عاوزك تعرف أني بحبك و واثق فيك إنك مش هتخذلني"
_"ارجع يا وليد و بطل عبط، ملعون راشد على أبوه في ساعة واحدة، أرجع علشان اللي بيحبوك و ملهمش غيرك هنا"
صرخ «ياسين» بذلك في الهاتف، فبكى «وليد» رغمًا عنه و هو يرد عليه بنبرةٍ مهتزة:
"علشان خاطري سامحني و خليهم يسامحوني، و قول لعبلة وليد عاوزك تسامحيه، و قولها إن حلو العُمر كان في وجودها و المُر في غيابها، خلي بالك من خديجة و حطها في عينك زي ما هي علطول"
قبل أن يرد عليه «ياسين» أغلق «وليد» في وجهه و هو يبكي بقوة و لأول مرة في حياته يقف مُشتتًا هكذا، أما «ياسين» فوقف مَصعوقًا لا يدري ماذا يفعل و في تلك اللحظة أتى حديثها على مسامعه عنه:
"وليد ميوصفهوش كلام يا ياسين، الروح موجودة في جسم واحد، بس أنا و هو روح واحدة دخلت جسمين؛ لو واحدة فيهم طلعت التانية هتحصلها علطول"
عند ذلك تحديدًا ركض إليها، ثم اقترب منها يطبع قبلةٍ هادئة فوق رأسها ثم حدثها بخوفٍ:
"حقك عليا والله، بس أنا مش هقدر اسيبه يضحي بنفسه، وليد لو حصله حاجة مش هقدر ابص في عينك تاني، هعيش بذنبه العمر كله، مقدرش أعرف إنه أغلى حاجة عندك و أقف اتفرج وهو بيضيع عمره علشان يحميكم، حقك عليا"
قال ذلك وهي غافية أمامه لا تدري ما يحدث، بل تشبه الأطفال الصغار و كأن صفاء قلبها الصغير طغىٰ على ملامحها الهادئة، ربت بيده على رأسها ثم أخرج ثيابه من خزانته حتى يستطع الذهاب له، وبعدما بدل ثيابه خرج من الغرفة ثم قام بعمل مكالمة جماعية مع أخوته، و حينما وصله الرد من الجميع، تحدث متشدقًا بهدوء:
"يلا أنتَ وهو، عندنا طالعة"
وبعد مرور دقائق اجتمعوا سويًا أسفل بنايته، فتحدث هو مُردفًا:
"وليد بيتغابى و رايح يسلم نفسه ليهم، أنا هروح ألحقه و عارف إن الموضوع يخصني، لو واحد فيكم مش هيقدر، يفضل هنا، بس أنا عاوزكم معايا"
رد عليه «خالد» بضجرٍ:
"متخلنيش أقل منك على المسا، هو إيه موضوع يخصك؟ من إمتى و فيه حد فينا موضوع يخصه لوحده ؟"
رد عليه «ياسين» باحراج:
"يا خالد افهم أنا خوفي عليكم زي خوفي على وليد، انتم مش مُجبرين تكونوا معايا"
_"دا عند أمك يالا، أخلص يا عم ياسين، خلينا نحلق ليدو"
تفوه «عامر» بذلك حانقًا عليه و على حديثه، فتحدث «ياسر» مُسرعًا:
"طب يالا بما إنها طالعة شقاوة عاوزين نعدي على شقة ميمي ناخد حاجتنا من هناك"
أومأ له الجميع بموافقة، وقبل أن يتحركوا خطوةً واحدة، صدح صوت هاتف «ياسر» برقم زوجته، زفر هو بقوة و هو يرد على الهاتف، فوجدها تصيح بخوفٍ:
"يا ياسر أنا خايفة والله، مش هعرف أنام في الشقة من غيرك، خدني معاك و مش هعمل دوشة والله"
رد عليها هو منفعلًا:
"أخدك معايا فين هو أنا رايح رحلة يا إيمان؟ بقولك مسافرين خناقة، الساعة دلوقتي ١١ يعني نامي و بكرة الصبح هرجعلك"
ردت عليه هي بنفس القلق:
"هو أنتَ غبي ياض؟ بقولك خايفة، تقوم مزود خوفي عليك؟ ألطم منك يا ياسر"
زفر هو بقوة فوجد «خالد» يقوم بخطف الهاتف من يده وهو يحدثها بضجرٍ:
"فيه إيه يا زفتة؟ مشيلة الواد همك ليه، هو إحنا رايحين كوكي بارك؟ احنا رايحين نخلص حق"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية:
"يا خالد بخاف و أنتَ عارف، هو أنا لازم أقولكم أني بخاف لوحدي من ساعة موت أبوك؟"
قبل أن يرد عليها أخذ «ياسين» الهاتف من يده يحدثها بهدوء:
"لو أنتِ خايفة تعالي نامي مع خديجة في شقتنا و كدا تبقي عملتي فيا معروف، على الأقل لو صحيت تلاقيكي جنبها ممكن؟"
خرجت كلمته الأخيرة بتوسلٍ أكثر من كونها مُطالبة، فزفرت هي بقوة ثم وافقت على حديثه، و بعد مرور دقائق نزلت هي لهم بعدما ارتدت اسدالها، فتحدث «ياسين» بامتنان:
"شكرًا إنك وافقتي، وجودك معاها هيريحني شوية، و معلش علشان تعبك دا"
ردت عليه هي بضيقٍ:
"فيه إيه يا ياسين هو أنا غريبة؟روحوا و ارجعوا انتو بالسلامة، عاوزاكم تيجوا رافعين راسنا كدا"
ابتسموا جميعهم، بينما زوجها حرك رأسه بيأسٍ منها، و قبل ركوبهم السيارة، تحدثت هي بنبرةٍ ظهرت بها العاطفة:
"يــاسـر"
ابتسم هو باتساع ثم التفت لها فوجدها تقول بنبرةٍ قَلقة:
"خلي بالك من نفسك و من خالد، ارجعولي بالسلامة"
أومأ لها موافقًا و قبل أن يلتفت من جديد وجدها تذكر أسمه، فتحولت نظرته إلى الاستفسار، فوجدها تضيف:
"هات أكل معاك بقى علشان هكسل أعمل أكل بصراحة"
طالعها هو بشررٍ فوجدها تبتسم له باتساعٍ ثم لوحت له بكفها تودعه، فـ ركب هو السيارة حتى لا يركض إليها و يأخذها بين ذراعيه، أما «عامر» فنظر له بحقدٍ وهو يقول:
"يا ابن المحظوظة، أنا سبتها و سبت طبق البطاطس المحمرة و نزلت، يارتني كنت جبتها"
التفت له «خالد» يسأله بحيرةٍ:
"هي إيه دي اللي كنت جبتها سارة؟"
_"لأ، البطاطس"
جاوبه «عامر» بذلك ببساطة، جعلتهم يبتسموا عليه ثم تحركوا بالسيارة نحو منزل «ميمي» و بعدما أخذوا ما أرادوا و رافقهم دعائها لهم، نزلوا من بيتها متوجهين نحو وجهتم الغير محددة، و في السيارة سأل «عامر» مستفسرًا:
"ياسين هو إحنا هنروح ازاي السويس و احنا منعرفش مكان وليد، يعني هنروح ندور هناك؟"
رد عليه «ياسين» بثقة:
"أنا دورت على طريقة أعرف بيها مكان وليد، لحد ما فضلت أدور في الانستجرام بتاع زيزو و لقيته متصور مع عيلته و عامل شير لوكيشن فوق الصورة، و أنا دلوقتي ماشي على الطريق دا"
رد عليه «ياسر» بفخرٍ منه:
"دماغ ياض، صحيح هندسة مش أي حاجة برضه"
سأله «خالد» بقلقٍ:
"طب احنا هنروح نعمل إيه دلوقتي؟ هنروح على وليد علطول ولا هنروح عند بيت خاله"
رد عليه مُردفًا:
"أنا جبت رقم زيزو دا من على الفيسبوك، و برن عليه بس شكله نايم، حد فيكم يحاول معاه تاني علشان نعرف نتعامل هناك بدل ما نبقى زي التايهين"
أملاهم الرقم و حينها كان يحاول «خالد» باستمرار و لكن دون جدوى، و بعض مرور ساعات وصلوا على مقربةٍ من بيت «اسماعيل» توقفت السيارة هناك، فتحدث «عامر» بحيرةٍ:
"طب إيه هنعمل إيه يا جدعان؟ جرب كدا يا خالد يمكن يرد عليك"
رد عليه «خالد» بضجرٍ:
"مفيش فايدة يا عامر برضه مش بيرد، و الساعة عدت ٣ نعمل إيه يعني"
نزل «ياسين» من السيارة ثم توجه نحو البيت راكضًا و البقية خلفه، طرق هو الباب بقوة حتى خرج له «زيزو» بأعين ناعسة، فحدثه هو مُسرعًا:
"وليد فين يا زيزو؟ أنا ياسين جوز أخته، بسرعة رد عليا"
رد عليه «زيزو» بنبرةٍ تائهة:
"وليد؟ وليد نايم جوة باين، ثانية كدا"
دخل هو المكان يتفقده و يتأكد من تواجده و حينما وجد الغرفة فارغةً منه، ركض نحوهم يقول بلهفةٍ و خوفٍ:
"وليد مش هنا، أكيد راح لابراهيم، أنا قولتله بكرة الصبح هنروح سوا"
رد عليه «ياسر» مسرعًا:
"تعالى بسرعة عرفنا مكانه، احنا مش هنقف كتير"
أومأ له موافقًا ثم لحقم للخارج نحو السيارة، و بعد مرور دقائق توقفت السيارة على مقربةٍ من بيت «ابراهيم»، فتحدث «زيزو» شارحًا لهم الوضع:
"البوابة الكبيرة دي محروس بيقفلها و يروح، و البيت من جوة فيه بوابة صغيرة تخليك في البيت علطول، بس رجالته بيقفوا برة البيت علشان البضاعة اللي في مخزن البيت"
سأله «ياسين» بلهفةٍ:
"دخولنا كلنا مرة واحدة هيبقى غباء مننا، مفيش باب تاني ندخل منه، علشان نعرف نسيطر احنا؟"
بعد تفكيرٍ دام ثوانٍ، تحدث بنبرةٍ متحمسة:
"فيه، فيه شباك صغير منه يدخلك منور البيت، نهاية المنور دا هتلاقي باب خشب في بير السلم، لو خرجت من الباب دا تبقى في البيت عادي، كنت باجي لرامي هنا و كنا بندخله"
التفت «ياسين» يطالعهم في الخلف وهو يقول مُقررًا:
"اسمعوني كويس، أحنا هننزل كلنا مع بعض نتعامل مع محروس دا، و بعدها أنا هدخل من الباب العادي و انتو من شباك المنور دا و منه تخرجوا على البيت، بس مش عاوز غشامة، تدخلوا أول ما الوقت يكون مناسب"
أومأ له الجميع بموافقة، ثم نزلوا من السيارة تباعًا، و قبل بدء «ابراهيم» في التعامل مع «وليد» صدح صوت إرتطام البوابة الخارجية بعدما قاموا بلكم «محروس» و دلوفهم هم البيت خلف بعضهم و لكن دون أن يراهم أيًا من الرجال و هذا بالطبع بسبب تواجدهم داخل البيت مع «وليد» ، و مع تخطيط «ياسين» و تنفيذهم سار كل شيء على ما يرام حتى تلك اللحظة و وقوفهم على مقربةٍ من المخازن.
(عودة إلى الوقت الحالي)
انهى «ياسين» سرده لما حدث على «وليد» الذي لمعت مقلتيه بفخرٍ و دهشةٍ مما قاموا به لأجله، فأضاف «ياسين» من جديد:
"مكانش ينفع أسيبك تروح للموت برجلك يا وليد، خديجة و أنا بسألها عنك عينها كانت بتلمع، و قالتلي إن الروح موجودة في جسم واحد، بس أنتَ وهي روح واحدة دخلت جسمين، لو واحدة فيهم طلعت التانية هتحصلها، أنا مكنتش هقدر أعيش بذنبك و ذنب زعل خديجة طول العمر مني، و في النهاية نصيبك إنك تقابلني علشان أكون أنا أخوك اللي هيقف في ضهرك"
احتضنه «وليد» بقوة وهو يبكي ففي تلك اللحظة لم يجد اوفى من العناق حتى يتحدث به، أما «ياسين» فربت على ظهره وهو يقول بنبرةٍ معاتبة:
"أنتَ أخونا يا وليد، زيك زي ياسر و خالد و عامر، قولتلك كنا أربعة بقينا خمسة بيك"
خرج «وليد» من بين ذراعيه وهو يقول بامتنانٍ حقيقي:
"ربنا يخليكم ليا و يديم وجودكم معايا، لولا وجودكم كان زماني ميت دلوقتي، بس قولولي صح الصياعة دي كلها جت منين؟ و إيه الخناجر الحلوة دي؟"
سألهم بمرحٍ في الجزء الأخير من حديثه، فضحكوا هم عليه، بينما «خالد» جاوبه بثقةٍ:
"لأ ماهو أحنا كنا شياطين برضه مش ملايكة، و المطاوي الحلوة دي تخليص حق في خناقة"
نظر له «وليد» باستنكارٍ يتطلب منه التفسير، فتدخل «عامر» يقول بفخرٍ:
"الواد عمار أخويا وهو صغير كان فيه عيال هتثبتوا، هو راح جبنا علشان ناخد حقه، دخلنا مع بعض ضربنا العيال، و علمنا عليهم في سلاحهم، و طبعًا أنتَ ابن بلد و فاهم يعني إيه صايع يتعلم عليه في سلاحه، كأنك خدت منه شرفه"
أومأ له بتأكيد، فقال «ياسر» بعدما نظر حوله:
"طب إيه هنرغي كتير؟ النهار بيطلع خلاص، و راشد جوة هنعمل إيه؟"
زفر «وليد» بقوة ثم جاوبه:
"هندخل على اننا جايين تبع خالي اسماعيل، أنا عارف عم صبري اللي قاعد جوة، المهم ظبطوا نفسكم علشان الرجالة متشكش في حاجة"
وافقوا على حديثه، بينما هو تقدمهم حتى وصل على البوابة الرئيسية قبل دخول المخازن، فأوقفه أحد الرجال بنبرةٍ صارمة:
"على فين العزم يا رجالة؟ و مين حضراتكم؟"
تحدث «وليد» بثقةٍ يجاوبه:
"أنا وليد الرشيد، ابن أخت أسماعيل عوض الله السويسي، لو مش مصدق هات عم صبري اللي قاعد على المخزن جوة و هو يأكدلك كلامي"
تدخل أحد الرجال الواقفين يقول بنبرةٍ جامدة:
"طب خليك واقف هنا و أنا هروح أجيب صبري علشان نتأكد"
_"و ماله يا حبيبي روح"
رد عليه «وليد» بنفس الثقة التي يتحدث بها، و بعد غيابه لمدة دقيقة عاد و معه «صبري» الذي ركض نحوه «وليد» يقول بنبرةٍ عالية:
"عم صبري وحشتني يا راجل طيب، إيه اخبارك"
قال ذلك بنبرةٍ عالية ثم همس بأذنه:
"أنا عاوزك توصلني لمخزن ابراهيم القديم علشان ألحق راشد من جوة، و عاوزك تأمن دخولي مع الرجالة"
أومأ له موافقًا رغم القلق المتضح على ملامحه ثم رفع صوته مُرحبًا به:
"وحشتني يا غالي، خلاص نسيت عمك صبري؟"
قال جملته ثم حرك رأسه يتحدث مع الرجال قائلًا:
"دا وليد ابن الحج مرتضى، إزاي متعرفوش هو مين، دخلوه و دخلوا حبايبه"
أومأ له أحد الرجال بموافقة ثم أفسحوا المجال لهم، و قبل دخول «وليد» حدثه أحد الرجال بنبرةٍ ساخرة:
"معلش يا وليد بيه، أصل المخازن هنا خط أحمر"
_"ليه ٠١٠ ولا إيه؟"
تفوه «وليد» بذلك ساخرًا هو الآخر ثم لحق بالشباب نحو الداخل، و بعد سيرهم لمدة دقائق وقفوا أمام مخزن «اسماعيل» بينما «صبري» أشار لهم نحو مخزن «ابراهيم» وهو يقول بهدوء:
"هو دا مخزن إبراهيم، بس خلوا بالكم علشان بقالوا كام يوم هو و رجالته بيجوا هنا كتير مع إن المخزن فاضي، بس من شوية جُم و مشيوا تاني"
رد عليه «ياسين» بنفس الهدوء:
"علشان الواطي حابس عياله جوة، و أكيد نقلهم لما عرف إن وليد هنا في السويس"
تدخل «خالد» يقول مستفسرًا:
"طب هنعمل إيه؟ هو معانا في العربية برة و أكيد مش هينفع ندخل بيه وهو مضروب كدا"
رد عليه «صبري» مُعقبًا:
" أصلًا مينفعش تدخلوا بيه، هنا الرجالة زي السمك، و زيزو كلمني و قالي إنكم جايين، و أنا خليت العيال اللي على المخزن من برة يدخلوا يناموا جوة، دلوقتي بقى تتعاملوا مع اللي جوة"
أومأ له الجميع بموافقة و هم ينظرون لبعضهم البعض، و بعد مرور دقائق فُتح المخزن و دلف منه هو قائلًا بمرحه المعتاد:
"لامؤاخذة يا رجالة، محدش معاه شاحن أيفون علشان أكلم الجماعة؟"
كان في داخل المخزن أربعة رجال كِبار في السن و الجسد، و حينما دلف هو اقتربوا منه تاركين خلفهم «راشد» و «رامي» المُكبليْن على أحد الأَسِرة القديمة، ثم اقتربوا من «عامر» ليتحدث أحدهم قائلًا بصرامة:
"أنتَ مين ياض و بتعمل إيه هنا؟"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
"أنا جاي أسأل على شاحن أيفون علشان أكلم ماما"
قبل أن يدرك أيًا منهم ما تفوه به، دلف الشباب جميعهم إلى الداخل و كلًا منهم يهجم على رجلًا ينهال عليه بالضرب، أما «عامر» فركض نحو «راشد» و «رامي» يفك حصارهما، و عاونه في ذلك «صبري» حتى خرج بهم إلى مخزن «اسماعيل»، بينما في الداخل كان العِراك لازال كما هو حتى أخرج أحد الرجال سكينًا حادًا و قبل أن يضرب به «وليد» أتى «خالد» واضعًا ذراعه يحول بينهما، حتى خُدش في ذراعه و لكنه خدشًا سطحيًا، حينها قام «وليد» بدفعه بعيدًا عنه، ثم أمسك السكين وقام بطعنه في ذراعه وهو يصرخ به:
"أنــتــو إيــه، جــبـابـرة"
رافق قوله ذلك لكمه بالضربات و حينها اجتمع الشباب حوله ثم أبعدوه عن الرجل، و بعدما تأكدوا من خضوعهم، اغلقوا عليهم المخزن ثم توجهوا جميعًا نحو مخزن «اسماعيل»، ولكن شتان بين هيئتهم قبل و بعد، فالآن أصبحت هيئتهم رثة و لكماتٍ في وجوههم جميعًا، بينما «عامر» كان في انتظارهم خارج المخزن بعدما قام بإدخال الولدين، و حينما اقتربوا من المخزن ركض نحوهم يسألهم بلهفةٍ:
"انتو حصلكم إيه؟ حد فيكم جراله حاجة؟"
رد عليه «ياسين» بانهاكٍ واضح:
"كنا بنضرب و نتضرب يعني هيكون حصلنا إيه؟"
تفحصهم هو بنظره و حينما لمح الدماء على قميص «خالد» صرخ في وجهه بخوفٍ:
"خــالـد إيه الدم اللي على قميصك دا؟ أنتَ كويس طيب؟"
أومأ له «خالد» موافقًا ثم جاوبه:
"أنا كويس متخافش، دا خدش بسيط كدا، لكن أنا كويس"
اقترب منه «عامر» يحتضنه بخوفٍ حقيقي وهو يقول بنبرةٍ حزينة:
"الحمد لله إنك كويس، يارتني كنت أنا، أنا بحبك أوي يا خالد"
ابتسم الجميع على ذلك الموقف، بينما «خالد» رفع ذراعه يحتضنه بقوة ثم قال بحبٍ هو الأخر:
"و أنا بحبك أوي يا عامر، و الله بحبك أوي و مقدرش أعيش من غيرك"
تدخل «صبري» يقول بنبرةٍ مُحبة:
"ربنا يبارك فيكم بس يلا علشان نشوف راشد، على فكرة زيزو جه و معاه صحابه بس أنا خليتهم يمشوا علشان المشاكل هنا"
أومأ له الجميع بموافقةٍ ثم دلفوا للداخل سويًا، و حينما لمحهم «راشد» هب واقفًا وهو يقول بامتنانٍ حقيقي:
"أنا مش عارف أقولكم إيه؟ جميلكم دا فوق راسي، أنا كنت عارف إن محدش غيركم هيلحقني"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ جامدة:
"الحمد لله يا راشد إننا جينا و لقيناك كدا، علشان يمين بالله لو كنت متفق مع أبوك، لكنت مخلي طلعتكم كلها في يوم واحد"
نزلت دموعه رغمًا عنه بقدر ما حاول التحكم بها و لكنها خذلته و فرت تزامنًا مع قوله:
"صدقني لو كنتو جيتوا لقتوني ميت كان أرحم من كل دا، للأسف اللي عمل فيا كدا أبويا"
سأله «وليد» مستفسرًا:
"هو عمل فيكم كدا ليه؟ إيه اللي حصل علشان يرميكم الرمية السودا ديه"
زفر «راشد» بقوةٍ ثم جاوبه بنبرةٍ مهتزة:
"لما رجعنا من عندكم أنا قولت إن كل حاجة لازم تتغير، أبويا مشيه غلط في الشغل و في كل حاجة، و بسببه خسرت كتير، و أهمهم كانت شهد بنت عمي إيهاب، و لما قررت إني أرجع الحق لأصحابه رفض هو و حبنسي مع رامي، و لما عمي إيهاب رجع البيت طرده منه و قاله يجيب الورق اللي يثبت إنه له حق"
سأله «خالد» بنبرةٍ جامدة:
"طب و إيه اللي خلاك تجيب وليد و تطلبه ينقذك؟"
رد عليه هو بخجلٍ:
"هو اللي قالي إنه لو كنت ذكي زي وليد كان زماني حُر، و قالي كمان إن وليد لو موجود كان زماني خرجت من الحَبسة دي"
تدخل «ياسين» يقول متهكمًا:
"طُعم يعني؟ أبوك من قلة أدبه رمى الكلام قدامك علشان يخليك تسحب وليد لهنا و ساعتها ياخد حقه الضعفين"
سعل «رامي» في الخلف بقوة حتى ارتد جسده عدة مرات، بينما «ياسر» تحدث بخوفٍ:
"يلا يا ياسين من هنا علشان الواد اللي هيموت دا، بس هنروح فين؟"
رد عليه «وليد» مقررًا:
"ابراهيم هيترمي هنا مع رجالته و راشد و رامي هيجوا معايا بيت الرشيد، لو فضلوا هنا ابراهيم هيقوم الدنيا"
تدخل «راشد» يقول بخوفٍ:
"أهم حاجة عمي إيهاب ياخد حقه علشان ظروفه صعبة و ساب الشغل و الورق معايا"
تدخل «ياسين» يقول باشفاقٍ عليه:
"متخافش و كل حاجة هتبقى تمام، يلا بس الساعة بقت ٦ الصبح و لسه ورانا مشوار سفر"
بعد قليل خرجوا جميعًا من المخازن تحت نظرات الدهشة من الجميع، ثم ركبوا السيارتين، ركب «وليد» و «خالد» و «راشد» و «ابراهيم» في سيارةٍ واحدة، و البقية في السيارة الأخرى حتى ساروا نحو بيت «ابراهيم» حينها أخرجه «خالد» من السيارة ثم و البقية خلفه، دلف به البيت ثم فك تكبيلته و دفعه نحو الدرج، بينما «راشد» ركض نحو غرفته يأخذ الأوراق الخاصة بنصيب عمه، ثم خرج لهم من جديد، حينذاك دلف «وليد» ثم جثى على ركبته أمام «ابراهيم» وهو يقول بتهديدٍ حقيقي:
"أنا ممكن دلوقتي أخلص عليك في نص بيتك و ساعتها هبقى صاحب حق، بس أنا مش هعمل كدا، علشان مش عاوز إيدي تتوسخ بدم واحد زيك حتى عياله مشفقش عليهم، صدقني أنتَ اللي زيك عمره مهما طول هيفضل قصير علشان السيرة أطول من العمر، و أنتَ سيرتك هباب على دماغك"
نظر له «ابراهيم» بحقدٍ وهو يقول بنبرةٍ هامسة:
"صدقني هتخسر يا وليد، اللي زيك جناحه قصير مهما طول هيفضل ميعرفش يطير، و اللي زيي هما دول اللي بيطولوا و ياخدوا حقهم من الدنيا، الدنيا دي أفعال و أسباب و إحنا ردود الأفعال و نتايج الأسباب دي، إيهاب أخويا لو أنا مكنتش خدت حقه و كبرت شغلي كان زماني لسه بستنى التجار تحن عليا علشان البضايع"
أومأ له «وليد» موافقًا ثم أضاف:
"معاك حق، بس فيه حاجة أنتَ نسيتها إن راحة البال بكل اللي عندك، و إن ساعة الرضا بعمر كامل من الفرحة، أنتَ خسرت يا ابراهيم و خسارتك أكبر ببعد عيالك عنك، و لما أخوك ياخد حقه، ساعته خسارتك هتبقى أضعاف"
في تلك اللحظة نزل «راشد» من الأعلى و في يده الورق، ثم اقترب من والده الملقى على الأرضية الرخامية، أخفض مستواه إليه ثم قال:
"اللي أنتَ عملته فيا دا عرفني أني على حق، علشان طول عمرك راجل باطل، ولو عليا أنا مسامحك الحمد لله، بس هفضل أدعي كل يوم ربنا إنه ميسامحكش، عارف ليه علشان اللي زيك بايع أخرته و مشتري دنيته، خلي الدنيا دي تنفعك قدام ربنا لما تقف قصاده"
نظر له «ابراهيم» بشررٍ يتطاير من عينيه فوجده يعتدل في وقفته حتى أصبح في مستوى «وليد»، حينها استند عليه حتى خرجا من البيت سويًا، بينما «ابراهيم» طالع الوضع حوله، فوجد رجاله كما هم مكبلين بالحبال و البيت أصبح فارغًا، فرفع صوته حتى يصل للجميع بالخارج:
"هتخسروا، وأنتَ يا راشد هتخسر كتير أوي"
استمعوا في الخارج لما تفوه هو به لكنهم آثروا التجاهل و هم يدلفون السيارات حتى يذهبوا نحو بيت «اسماعيل»، و بالفعل توجهوا إلى منزله و قام بإخباره بما حدث وبعدها أصروا على الذهاب حتى يستعدوا لما هو قادم ، و بعدها تم الوادع من قِبل «اسماعيل» و عائلته لهم، وقام «وليد» بأخذ مستلزماته، رحلت السيارتين تباعًا من السويس و معهم «راشد» و «رامي».
_______________________
في بيت آلـ «الرشيد» قام «إسماعيل» بسرد ما حدث مع «وليد» على شقيقته التي صرخت بقوة تبكي على فلذة كبدها و معها «عبلة» التي كانت تبكي بقوة خوفًا عليه، هي من كانت تشعر بالقلق خاصةً منذ أخر حديث دار بينهما، ارتمت على الأريكة تبكي بقوة بينما «مرتضى» جلس بجانبها ثم احتضنها بقوة فوجدها تجهش في بكاءٍ مرير وهي تقول:
"ليه بيعمل فيا كدا ؟ ليه مش راضي يقدرني و يعرف أني مليش غيره، ابنك تعبني و بهدلني من يوم ما حبني"
ربت «مرتضى» على ظهرها وهو يرد عليها مُعقبًا:
"يا عبيطة وليد ملوش غيرك، دا أنتِ روحه يا عبلة، هو أكيد عمل كدا علشان يحافظ عليكي و علينا كلنا"
ردت عليه بصراخٍ:
"ابنك بيرمي نفسه في وش المدفع و يرجع يشيل الهم، دا مستحيل يكون بيحب، قولي سبب واحد يخليه يروح لراشد و يسلمهم نفسه"
قبل أن يرد عليها وجد هاتفه يصدح برقمه، فتح هو الخط وهو يقول منفعلًا بفرحٍ:
"وليد !! أنتَ فين يا بني تليفونك كان مقفول ليه؟ و إيه اللي حصل دا؟"
رد عليه هو بهدوء:
"أنا كويس يا بابا متخافش و راجع زي ما روحت و أحسن، طمني ماما عاملة إيه و عبلة"
رد عليه بقلة حيلة:
"مبهدلين الدنيا جنبي هما الاتنين و....."
قبل أن يكمل جملته قامت «مروة» بخطف الهاتف من يده وهي تقول ببكاء:
"إيه يا وليد، إيه يا قلبي و يا عمري كله، طمني عليك يا نور عيني"
رد عليها هو بمرحٍ:
"هي أعضائك ببلاش و لا إيه يا ماما؟ إيه كل دا؟ أنا كويس متخافيش، و راجعلك بعد حاجات بسيطة و معايا راشد و رامي، حقك عليا علشان خضيتك"
ردت عليه هي بنفس البكاء:
"ملكش دعوة بحقي، أنا عاوزاك ترجعلي بس، طمن عيني بشوفتك يا حبيب قلبي"
بكى هو على بكاءها لكنه حاول الثبات قدر الامكان وهو يقول:
"راجعلك والله، قومي بس حضريلي الفطار و أنا جايلك في السِكة"
جاوبته هي بنفس النبرة:
"هوا، أحلى فطار هيبقى عندك بس متتأخرش عليا، ريح قلبي"
كانت «عبلة» تتابع المكالمة ببكاء، فوجدتها تقول له:
"عبلة معاك أهيه، مبهدلة نفسها علشانك"
مدت يدها لها بالهاتف بعد جملتها، فأخذته منها بيدٍ مُرتجفة ثم وضعته على أذنها فوجدته يقول بهدوء:
"إيه يا سوبيا مش عاوزة تكلميني؟ بقى كدا"
جاوبته هي بنذقٍ من بين بكاءها:
"عاوز إيه مني؟"
رد عليها هو متهكمًا:
"بلاش اللون دا معانا يا سوبيا، طب بذمتك موحتشكيش، طب مخوفتيش عليا؟"
ردت عليه هي ببكاء:
"أنا متعبنيش غير خوفي عليك؟ليه تعمل فيا كدا؟ هو دا الحب؟"
زفر هو بقوة ثم رد عليها:
"علشان هو دا الحب يا عبلة، ولو كنت مت كنت هسيبلك سيرة تتباهي بيها طول العمر"
ردت عليه هي مغيرةٍ لمجرى الحديث:
"طب بس خلاص، هتيجي إمتى علشان أعرف أخد حقي منك"
ابتسم هو باتساع ثم رد عليها:
"ساعة و هكون عندك بالكتير"
______________________
في شقة «ياسين» كانت هي على الأريكة تبكي بقوة من الخوف و قلبها يتأكل قلقًا عليهما، بل على الجميع معًا، و «إيمان» بجانبها تراقبها، حتى أخذتها بين ذراعيها وهي تقول بحنانٍ:
"بطلي عياط بقى، هيرجعوا والله كويسين، خلاص يا كتكوتة دموعك نشفت"
ردت عليها ببكاء:
"غصب عني... والله غصب، دول أغلى اتنين في دنيتي و مليش غيرهم، لو واحد فيهم حصلوا حاجة أنا هموت وراه، وليد دا أبويا يا إيمان و مليش غيره، و ياسين دا كل حاجة ليا و برضه صعب أتحمل حاجة ممكن تحصله، أنا طول عمري لوحدي بس هما بقوا كل حاجة ليا"
بكت «إيمان» على بكاءها ثم أضافت:
"طب ما أنا زيك برضه مليش غير خالد و ياسر، أنا كبرت لقيتهم كل حاجة ليا، بس متأكدة أنهم مع بعض و هيرجعولي، طول عمرهم يروحوا الخناقة و يرجعوا ضاربين و معلمين على الناس، هما الأربعة كتف لبعض يخليكي تطمني على بلد كاملة وهما فيها"
كانت «إيمان» تحاول اقناع نفسها بذلك الحديث قبل أن تقنع تلك القابعة بين ذراعيها تبكي بطريقةٍ تشبه طريقة الأطفال، و فجأة صدح صوت هاتف «إيمان» برقم زوجها فقامت بالرد على الهاتف فوجدته يقول بهدوء:
"أنا تحت البيت، انزلي يلا علشان وحشتيني"
سألته هي بتلهفٍ:
"هو أنتو جيتوا !! أنا جاية دلوقتي"
ابتعدت عنها «خديجة» تقول بنفس لهفتها و شوقها:
"جُم يا إيمان؟ طب هما فين، و وليد فين معاهم؟"
وقفت «إيمان» ترتدي اسدالها وهي تجاوبها:
"مش عارفة يا خديجة، بس أكيد هيطلعوا لما أنزل من هنا، الحمد لله إنهم رجعوا"
أومأت لها موافقة، وهي ترى انسحابها من أمامها، أما في الأسفل، فوقف الشباب جميعهم أسفل البيت حتى نزلت «إيمان» تركض لزوجها حينما وجدته ينتظرها أمام المصعد، احتضنته بقوة وهي تقول ببكاء:
"وحشتني يا ياسر، الحمد لله إنك رجعتلي بالسلامة"
احتضنها هو الأخر وهو يقول بهدوء:
"الحمد لله أني شوفتك يا إيمان، يلا علشان أنا هموت و أنام"
خرجت من بين ذراعيه ثم ركضت معه نحو الخارج و حينما رآت «خالد» ركضت له تسأله ببكاء بعدما احتنضنه:
"أنا كنت خايفة عليك أوي، أنتَ غالي على قلبي أوي يا خالد"
احتضنها وهو يقول بمرحٍ:
"يعني الأتنين اللي جايبنلي شلل بقوا بيحبوني فجأة كدا؟ و أنا بحبك يا إيمان و بموت فيكي، أنتِ حبيبة روحي و أول فرحتي"
تدخل «عامر» يقول بمرحٍ:
"طب أطلع أنا بقى علشان أشوف مراتي، زمانها خلصت البطاطس المحمرة لوحدها، نتقابل في عركة تانية يا رجالة"
ضحكوا جميعًا عليه بينما هو ركض من أمامهم يتوجه نحو بنايته، و منها نحو شقته، دخل الشقة بهدوء، فوجدها تركض نحوه تتعلق برقبته وهي تبكي، ابتسم هو باتساع ثم احتضنها وهو يقول بمرحٍ:
"وحشتيني يا جرثومة، والله كانت علقة محترمة بس الواحد نسيها قصاد حضن منك"
ردت عليه هي ببكاء:
"و أنتَ وحشتني حرام عليك يا عامر تعمل فيا كدا، أنا قلبي كان واقف من الخوف عليك"
ابتعد هو عنها ثم نظر في عينيها بحبٍ وهو يقول:
"و أنا زعلان علشان كنت سايبك خايفة رغم أني بحاول ابعد عنك الخوف، أنتِ نور عيني يا سارة"
وضعت رأسها على كتفه وهي تقول بهدوء:
"ربنا يبعد عني أي خوف عليك، الخوف عليك صعب أوي يا عامر، كنت فاكرة إن بعد بابا مستحيل أخاف على حد كدا، بس طلعت بخاف عليك أكتر بكتير، أنتَ متتقارنش بحد يا عامر"
ابتسم هو باتساع ثم قال بهدوء:
"أنا هقفل تليفوني و أنتِ اقفلي تليفونك و ننام، علشان دي أول مرة أجوع نوم بصراحة"
في شقة «خالد» دلف هو بانهاكٍ واضح و خاصةً مع ألم ذراعه، فوجد «يونس» يركض نحوه وهو يصرخ بأسمه، أخفض نفسه له ثم حمله بذراعه السليم وهو يقول بنبرةٍ متعبة:
"وحشتني يا يونس، الدنيا طلعت ريشة قصاد ضحكة منك"
فجأة وجدها هي تركض نحوه من الخارج و حينما لمحت الدماء على ثيابه شهقت بقوة ثم سألته بخوفٍ:
"إيه دا دراعك ماله؟ أنتَ مالك طمني"
نظر هو لها بحبٍ بالغ ثم أنزل صغيره، بعدها اقترب منها ثم احتضنها بقوة وهو يقول بنبرةٍ شبه باكية ممتزجة باشتياقه:
"وحشتيني يا ريهام، أنا بحبك أوي و مليش غيرك، أوعي تزعلي مني"
رفعت ذراعيها تحتضنه هي الأخرى وهي تقول بنبرةٍ باكية:
"و أنا بحبك أوي والله، و مليش غيرك أنتَ و يونس يا خالد، ربنا يباركلي فيكم"
تنفس هو بعمقٍ فوجدها تبتعد عنه وهي تطالع وجهها و الكدمات المطبوعة عليها بأسى، بعدها ربتت عليه ثم قالت بحزنٍ:
"تعالى علشان الجروح دي متلتهبش أكتر من كدا و علشان دراعك اللي شكله نزف كتير"
أومأ لها موافقًا ثم حمل صغيره وهو يتبعها نحو الداخل.
_____________________
في شقة «ياسين» صعدا كليهما لها، و بمجرد صوت المفاتيح في الباب انتفضت هي لهما، ثم ركضت نحوهما وقبل أن تقترب منهما تراجع «وليد» للخلف ثم دفع «ياسين» نحوها حتى تحتضنه، و بمجرد اصطدامها به بكت بقوة بكاءًا مريرًا مع شهقاتٍ عالية مزقت قلوبهما، أما هو فربت على ظهرها وهو يقول بنبرةٍ شبه باكية:
"علشان خاطري متعيطيش كدا، بالله عليكي، احنا أهو قصادك و زي الفل"
زاد البكاء أكثر و لم ترد على حديثه، فشدد هو عناقه لها وهو يقول بنبرةٍ معتذرة:
"حقك عليا أني وعدتك متخافيش تاني و مطلعتش قد الوعد دا، حقك على قلبي من الدنيا كلها"
انتحبت بشدة وهي تبكي بين ذراعيه، فاقترب منهما «وليد» يقول بهدوء:
"وحشتيني والله، أول مأوى ليا على الأرض فاكرة لما كنت بقولك أنتِ أرضي يا خديجة، أنا منك و ليكي، والله ما رضيت أطمن حد عليا قبلك، علشان عارف إن غلاوتي عندك كبيرة"
ابتعدت عن «ياسين» حينما سمعت صوته ثم ارتمت بين ذراعيه فوجدته يحتضنها بقوة وهو يقول بوجعٍ حقيقي:
"آاااه، أكتر حاجة كانت ممكن توجعني أني كان ممكن أموت قبل ما أحضنك يا خديجة، بس ربنا كريم أوي، خلاني أحضنك و أشوفك كمان بعد ما كل حاجة خلصت، ابتعدت عنه هي ثم قالت بعدما مسحت دموعها:
"خدني معاك بيتنا يا وليد، أنا مش هفضل هنا"
نظر لها كليهما بتعجبٍ، فتابعت هي بنبرةٍ قوية:
"أنا همشي علشان البيه مش مقدرني، فاكرني كلبة هتتساب هنا و يمشي من غير ما أعرف أي حاجة"
اقترب منها «ياسين» يقول بنبرةٍ جامدة:
"أنتِ واعية أنتِ بتقولي إيه؟ أنا عملت كدا علشان خايف عليكي و عليه، عاوزاني أصحيكي من النوم أقولك أصحي يا حبيبتي أنا رايح أنقذ أخوكي اللي راح يموت نفسه؟"
ردت عليه هي بنفس الجمود الممتزج ببكاءها:
"لأ، علشان حرقة قلبي عليكم أنتو الاتنين، علشان أصحى من النوم الأقيك مش هنا و لا حتى طمنتني، طالما وجودي زي عدمه و مليش لازمة كدا أنا همشي"
قبل أن يرد عليها «ياسين» تدخل «وليد» يقول بهدوء:
"كدا كدا هتيجي معانا علشان مش هتطمن اسيبك هنا و ياسين كمان هيجي معانا، ويلا علشان راشد و رامي تحت معايا"
نظرت له بخوفٍ حينما ذكر اسميهما فوجدته يضيف:
"لسه فيه حاجات كتير أنتِ مش فهماها يا خديجة، جهزي نفسك علشان نروح البيت"
أومأت له موافقة ثم انسحبت للداخل، و قبل أن يلحقها «ياسين» اوقفه «وليد» قائلًا بهدوء:
"إهدا علشان لو دخلتلها هتصرخ في وشك و هتدخل في نوبة عياط، أنا هشرح كل حاجة ليها و هي لما تفكر و تعقل هتعرف إنك على حق، صدقني خديجة بتحبك"
زفر «ياسين» بقوة ثم رد عليه بنبرةٍ منهكة:
"اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا وليد، أنا هغير هدومي علشان اللي مستنيين تحت دول"
أومأ له وهو يراه يدلف للغرفة الأخرى حتى يبدل ثيابه بها، بعدها زفر بقوة وهو يفكر فيما هو آتٍ.
_______________________
أسفل بناية «حسن» توقف هو قبل أن يدخل سيارته، فسألته هي بتعجبٍ:
"إيه مش هتركب يا حسن؟ يلا علشان أنا قولت لهدى بعد الضهر هنكون عندك"
أومأ هو لها بترددٍ ثم ركب السيارة وهي بجانبه، و لكن ملامحه لازالت قلِقة كما هي أما هي حينما أمعنت النظر في وجهه سألته بمرحٍ طفيف:
"مالك يا أبو علي؟ شكلك خايف إيه وراك امتحان؟"
حمحم هو بقوة ثم جاوبها بهدوء:
"أنا كويس مش قلقان ولا حاجة، لو أنتِ شايفة أني قلقان ممكن تتكلمي معايا أحسن بدل السكوت"
أومأت له موافقة ثم سألته بتشككٍ:
"طب لحد ما نوصل أنا هسأل و أنتَ تجاوب، اتفقنا؟"
نظر هو لها ثم حرك رأسه موافقًا، فوجدها تقول بمرحٍ:
"السؤال الأول أنتَ خريج إيه يا حسن؟"
_"فنون تطبيقية حلوان قسم تصوير"
جاوبها هو بذلك بعدما ابتسم لها، أما هي فتابعت أسألتها بقولها:
"السؤال التاني مين أغلى حد فـ حياتك"
نظر هو لها عدة ثوانٍ و أمعن النظر بها فوجدها تحرك رأسها باستفهامٍ حينها نظر أمامه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
"مفيش؛ كل الغاليين سابوني و مشيوا"
جاوبها بذلك وهو يحاول صبغ نبرته بالثبات قدر الإمكان، أما هي فسألته من جديد بالرغم من اشفاقها على حالته:
"طب السؤال التالت، عمرك حبيت يا حسن، أو السؤال الصح كنت بتحبها؟"
ابتسم هو بسخرية وهو يقول:
"ياريتك ما اتكلمتي، ما كنتي ساكتة و كنا حلوين"
ردت عليه هي بحنقٍ:
"أنتَ زعلان أني اتكلمت؟ بقى دي أخرتها يعني؟"
رد عليها هو بهدوء:
"هتصدقيني لو قولتلك إن مفيش حاجة فرحتني قد ما صوتك رجعلك؟"
طالعته هي بدهشةٍ من رده الذي فاجئها به، فنظرت أمامها وهي تقول بنبرةٍ متوترة:
"شكرًا، بس أنتَ كدا بتتهرب من السؤال على فكرة و دا غِش، علشان أنتَ وافقت من الأول"
زفر هو بقوة ثم قال:
"لأ يا هدير، أنا اللي زيي عمره ما حب و عمره ما هيحب علشان كل ما أحب حاجة تسبني، أنا تعبت من كتر ما بتساب"
سألته هي بنبرةٍ حزينة:
"يعني أنتَ مكنتش بتحبها؟ ازاي عيشت معاها من غير حب؟"
رد عليها هو بضيقٍ:
"أنا كنت مجبور على وجودها معايا و سلمت بالأمر الواقع علشان المركب تمشي، لحد ما المركب دي غرقت و غرقتني معاها، ريم عندي شوية ذكريات باقية بحاول أحافظ على الحلو اللي فيها"
أومأت هي له موافقة ثم أضافت بنبرةٍ مشفقة:
"ربنا يرحمها يا حسن، هي في مكان تاني أحسن من دا بكتير"
أومأ لها موافقًا وهو يدعو لها بالرحمة فوجدها تقول له بإحراج:
"أنا أسفة علشان سألت بعشم كدا، أنا شكلي زودت قلقك أكتر"
ابتسم هو بخفة ثم أضاف:
"بصراحة نكدتي عليا و أنا أصلًا مش ناقص نكد"
قطبت جبينها متعجبةً منه وهي تسأله بنبرةٍ حائرة:
"من إيه طيب احكيلي؟ اعتبرنا صحاب، دا احنا اتفرجنا على كارتون مع بعض حتى، يعني صداقة رسمي"
تنهد هو بعمقٍ ثم نظر له وهو يسألها بقلقٍ واضح في نبرته و ملامحه:
"هدير أنتِ دلوقتي الحمد لله صوتك رجعلك، و بقيتي أحسن من الأول، ممكن أسألك سؤال؟"
حركت رأسها موافقة بإيماءةٍ بسيطة، فوجدته يقول:
"ممكن عيلتك و تحديدًا أختك يطلبوا منك إنك تفضلي هناك و مترجعيش معايا، ممكن أعرف هتعملي إيه لو دا حصل؟"
تفاجأت هي من سؤاله الغير متوقع و خصيصًا مع نبرته المهتزة تلك، بينما هو نظر لها بترقبٍ و الخوف مرسوم على ملامحه فوجدها تغلق أهدابها ثم فتحتهما بتروٍ تطالعه بثباتٍ وهي تقول:
"متخافش يا حسن، زي ما دخلت معاك هخرج تاني معاك، أنا ممكن أكون كنت وحشة بس أنا مش قليلة الأصل، مينفعش أنتَ تأمنلي و أكون أنا السكينة اللي تضربك في مقتل"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شمس بكري
أتساءل دومًا كيف لها أن تبصر كل الأشياء عدا قلبي الذي يجتمع في عيوني بمجرد رؤيتها.
___________________
كل الطرقات التي سِرتُ بها يومًا لم تُشبهني، مجرد مسافاتٍ طويلة كُتبت علىَّ
لا أملك قوة الرفض على قطعها، و لا القدرة على سيرها، حتى وجدتكِ...أتيتُ لكِ مهرولًا و لعناقكِ متشوقًا....جودي على روحي بكرمك...احفظيني من شرور العالم بكنفكِ.
_"متخافش يا حسن، زي ما دخلت معاك هخرج تاني معاك، أنا ممكن أكون كنت وحشة بس أنا مش قليلة الأصل، مينفعش أنت تأمنلي و أكون أنا السكينة اللي تضربك في مقتل"
خرج ذلك الحديث من «هدير» ردًا على سؤاله حتى تبثه طمأنينةٌ تروي عطش روحه الخائفة، بينما هو انفرجت شفيته ببسمةٍ واسعة وهو يرد عليها:
"الله !! والله لو سكينة أنا راضي مش مشكلة"
ضحكت هي على طريقته تزامنًا مع تحريك رأسها في عدة جهات غير مُصدقةٍ لما تفوه به، بينما هو زفر بأريحية وهو يشعر بالراحة بعد جوابها على سؤاله، فوجدها تتنحنح تُنقي حنجرتها ثم سألته:
"بس قولي إيه اللي مخليك مركز أوي كدا أني مأمشيش؟"
نظر لها مبتسمًا وهو يقول بنبرةٍ هادئة مختلطة بعدة مشاعر:
"بصراحة خدت على وجودك معايا، يمكن أكون غلط و يمكن أكون باجي عليكي، و يمكن تكوني عاوزة تمشي بس أنا في كل دا عاوز وجودك معايا يا هدير"
طالعته بدهشةٍ و حيرةٍ معًا فوجدته يضيف:
"أنتِ عارفة؟ أنا عمري ما كنت اختيار لحد و عمري ما كنت أولويات لحد، يعني عايش كدا زاهد و كان نفسي حد يونسني لحد ما جيتي معايا، حتى البيت حبيته بوجودك و أنا طول الوقت أصلًا كارهه، البيت بوجودك فيه بقى حاجة تانية يا هدير"
شعرت بالخجل من حديثه و طريقته الهادئة تلك، و ما ضاعف خجلها أكثر هو صوته الهائم و كأنه يتغنى بحديثه لها طربًا، نظرت بجانبها تطل بعدستيها على الطريق بجانبها لعلها تهرب من خجلها و من سهامه الموجهة نحوها، بينما هو نظر أمامه يطالع الطريق وهو يشعر بأنه أفصح أكثر ما يلزم عن مشاعره و تفكيره بها خاصةً حينما هربت منه هي بنظراتها.
______________________
في شقة «ياسين» تحمم هو سريعًا ثم قام بتبديل ثيابه، بينما هي في الغرفة الأخرى تجهزت و بدلت ثيابها حتى تذهب لمنزل أبيها وهي تفكر في الأمر، كيف حدث كل هذا خلال بضع ساعات؟ كيف له يتركها و ينزل يلقي بنفسه في وجه المخاطر، و كيف لـ «وليد» أن يفعل ذلك بنفسه دون أن يفكر بها و بـ ذويه؟ حينها شعرت بالاختناق حينما تمكنت منها الفكرة أنها و للأسف كانت على وشك فقدان أحدهما !! حينها خرجت من الغرفة وجدتهما في انتظارها، حينها اشهرت بسبابتها في وجهيهما و هي تتحدث بنبرةٍ حانقة:
"اسمع أنتَ وهو علشان عبط أنا مش عاوزة، مفيش واحد فيكم يتكلم معايا، لما تبقوا تعرفوا قيمة حياتكم و قيمة الناس اللي بتموت من خوفها عليكم يبقى فيه كلام بينا، و خصوصًا أنتَ يا اللي اسمك وليد"
طالعها «ياسين» بدهشةٍ وهو يراها و لأول مرةٍ تتحدث بتلك الطريقة، بينما الآخر طالعها ببروده المعتاد وهو يقول غير مُباليًا لها:
"اتكلمي بطريقة أحسن من دي معايا، بدل ما أعلمك تتكلمي ازاي"
صرخت في وجهه بنبرةٍ منفعلة:
"أنتَ مستفز ليه و إيه برودك دا ؟ ليه محسسني إنك راجع من عُمرة؟ أنا كنت هخسرك يا غبي"
_"و مخسرتنيش و رجعت تاني و الفضل بعد ربنا لجوزك، و أهو قاعد مستني حضرتك تخلصي علشان أمي حضرت الفطار و قرب يبرد يا بنت الباردة"
رد عليها هو بذلك بنفس البرود المعتاد الذي جعلها تحرك رأسها في عدة جهات تحاول استيعاب الحديث، و حينها وقف «ياسين» الذي كان يطالع ما يحدث بلامبالاة و تشدق بهدوء:
"يلا علشان اللي مستنيين تحت دول، مش هنفضل نهبل كتير"
نظرت له هي نظرة جامدة وهي تقول بنبرةٍ قوية:
"استنوا لما أصلح وشكم دا اللي بقى شواع دا، كدا الجروح هتلتهب"
قالت جملتها وهي تقترب من «وليد» الجالس بأريحيةٍ على الأريكة كما هو حتى تقوم بتمضيض جروحه، فوجدته يرفع رأسه يسألها متلهفًا برفض:
"أنتِ هتعملي إيه؟ نــعم"
نفخت وجنتيها بضيقٍ منه وهي تجاوبه بنذقٍ:
"هداوي الجروح اللي في خلقتك
دي فوق حاجبك عمال ينزف"
رد عليها هو متهكمًا بسخرية:
"لأ يا ختي ملكيش دعوة بجروحي، جروحي عبلة هتداويها بمعرفتها، روحي داوي جروح جوزك"
ابتعدت عنه وهي تقول بحنقٍ منه:
"جتك القرف عيل قليل الأدب، إلهي يارب عمو محمد يربيك"
كانت تتحدث وهي تقترب من زوجها الواقف أمامها و قبل أن ترفع يدها بالقطنة على وجهه و تقوم بتطهير الجرح الموجود أسفل عينيه وجدته يسألها بنبرةٍ جامدة:
"أنتِ هتعملي إيه؟"
ردت عليه بنبرةٍ منفعلة:
"أنتَ مجنون ولا إيه، قولت هتنيل أداوي الجروح اللي في وشكم علشان متلتهبش، مش بتكلم هندي أنا"
خطف القطن الطبي من كفها ثم قام هو بتطهير الجرح لنفسه بعنفٍ وهي تطالعه بغرابةٍ، بعدها ألقى القطن في سلة المهملات و هو يقول بنفس الجمود:
"يلا علشان ننزل كدا كتير و هما تحت مستنيين"
وقف «وليد» ثم أمسك كفها حتى تخرج من دهشتها و شرودها خاصةً أن دموعها أنذرت بالهطول من خلال تلك اللمعة الظاهرة بحدقتيها، ثم سحبها خلفه وهو يخرج من الشقة، بينما «ياسين» انتظر خروجهما ثم قام بإغلاق الباب ثم اتبعهما للمصعد في جوٍ مشحون بالتوتر، حتى خرجوا من مدخل البناية فتحدث «وليد» بهدوء:
"أنا هركب معاهم في عربيتي، و أنتو في عربيتكم"
سألته هي بخوفٍ عليه:
"طب أنتَ هتركب معاهم ازاي، مش خايف على نفسك"
ابتسم هو بسخريةٍ وهو يجاوبها:
"يا شيخة اتنيلي، دي السويس كلها شاهدة على العلقة اللي خدوها"
قبل أن ترد عليه خرج «راشد» من سيارة «وليد» ثم اقترب منهم وهو يسألها بلهفةٍ:
"إزيك يا خديجة عاملة إيه"
رفع «ياسين» حاجبه بحنقٍ، بينما هي أطلقت بسهامها نحوه تطالعه بشررٍ و لم ترد على سؤاله، فوجدته يضيف باحراجٍ:
"أنا جاي اعتذرلك والله و كفاية إنهم عملوا كل دا علشاني، و لحقوني و لحقوا رامي، حقك عليا أنا"
قبل أن تتفوه هي حتى ترد على حديثه الغير مفهوم، وجدته يخفيها خلف ظهره وهو يحدثه بجمودٍ:
"كلامك معايا أنا، و أنا مش عاوز اعتذار ولا عاوز منك حاجة، و اسمها مدام خديجة دا أولًا، ثانيًا متوجهلهاش كلام تاني علشان أنا مش دكر بط واقف"
_"حـــصـل"
أضافها «وليد» بنبرةٍ مرحة كعادته في تلك المواقف، مما جعل «راشد» يشعر بالاحراج أكثر فتدخل «وليد» يقول بضجرٍ:
"يلا يا جدعان خلونا نمشي فيه ناس عاوزة تطمن علينا، و لسه هدادي و أحايل و احتمال اطلق كمان"
أومأ له «ياسين» ثم التفت لها يمسكها من يدها حتى اقترب من سيارته، فتح الباب المجاور لمقعد القيادة ثم ادخلها به يجلسها عليه، بعدها توجه نحو مقعده ثم جلس عليه بنفس الجمود، بينما هي ابتسمت باتساع حينما رآت غيرته عليها من ذلك الراشد، و دون أن تنتبه له صفقت بكفيها معًا وهي تهمس بمرحٍ:
"الله...عسل وهو غيران"
حرك رأسه هو يطالعها باستغرابٍ حقيقي من طريقتها، بينما هي انتبهت له و لسهامه الموجهة نحوها فحركت كتفيها بتعالٍ وهي تقول له بغير مبالاة:
"هنفضل واقفين كدا كتير؟ اتحرك يلا، وليد اتحرك"
حرك كفه بجانب رأسه وهو يشير لها كعلامةٍ على الجنون تزامنًا مع قوله الحانق:
"أنتِ مجنونة يا بت ولا إيه؟ ملبوسة يعني؟"
_"بت !! بقيت بيئة والله، عمومًا أنتَ ملكش كلام عليا، اتحرك يلا"
ردت عليه بذلك ساخرةً منه فوجدته يحرك رأسه للجهة الأخرى وهو يقوم بتشغيل السيارة حتى يلحق بسيارة الآخر وهو يغمغم بعدة كلمات غير مفهمومة.
______________________
في بيت آلـ «الرشيد» وصلت «هدير» برفقته لشقة والدها، كانت شقيقتها في انتظارها مع والدها، دلفت «هدير» اولًا بمشاعر عِدة جميعها تتطلب البكاء لعلها تُزيح عنها، و بمجرد رؤيتها لـ «محمود» ركضت له تحضتنه بقوة وهي تجهش في بكاءٍ مرير، فرفع هو ذراعه يربت عليها وهو يقول بحنانٍ بالغ:
"وحشتيني يا هدير، وحشني صوتك و كلامك، طمنيني عليكي"
في تلك اللحظة دلف هو بترددٍ فوجد «هدى» ترحب به من بين دموعها و تأثرها بالموقف قائلة:
"أهلًا يا حسن، نورت البيت اتفضل، أخبارك إيه؟"
ابتسم هو لها وهو يرد عليها تحيتها:
"البيت منور بصحابه و ناسه، أنا كويس الحمد لله"
ابتعدت «هدير» عن والدها ثم رفعت كفها تمسح دموعه وهي تقول بنبرةٍ باكية:
"علشان خاطري متعيطش يا بابا، أنا كويسة أوي الحمد لله، و بقيت كويسة أكتر علشان شوفتكم و علشان بكلمكم"
تدخلت «هدى» تقول بمعاتبةٍ:
"بقى كدا يا ست هدير؟ مش هتسلمي عليا، هو بابا وخلاص"
ابتعدت عن والدها حتى وقفت أمامها ثم احتضنتها وهي تقول ببكاء:
"ازاي بس و أنتِ كل حاجة حلوة عندي، أنا مليش غيرك يا هدى، و أنتِ اللي بقيالي"
بكت «هدى» من جديد وهي تحتضنها ثم ردت عليها بنفس النبرة الباكية:
"وحشتيني يا هدير و كان نفسي أشوفك كدا أوي، هدير القديمة خالص، مش هدير اللي كانت هنا مع مشيرة"
ابتعدت عنها وهي تقول بخزيٌ واضح:
"هدير التانية دي الله يرحمها ماتت و ملهاش رجعة تاني يا هدى، فيه هدير جديدة اتولدت زيها زي اللي في بطنك دا، ويلا بقى علشان نفسي أسمع كلمة خالتو"
قالت كلمتها الأخيرة بمرحٍ جعل البسمة تشق وجوههم، حتى ردت عليها «هدى» بمشاكسة:
"هانت كلها كام شهر خلاص، أنا مش مخوفني غير علاقتك بيه أنتِ و وليد، هيبقى خناق للصبح"
تدخل «حسن» يقول بمزاحٍ:
"الصراحة أنا لو منك هبعده عن الاتنين، واحدة عيوطة و التاني لسانه بينقط شربات"
اقترب منه «محمود» في تلك اللحظة يحتضنه وهو يقول بودٍ:
"نورت البيت يا حبيبي، جميلك دا فوق راسي و شكرًا إنك حافظت على الأمانة"
بادله العناق وهو يقول بحبٍ:
"متقولش كدا يا عم محمود، هدير مراتي و أنا عيني ليها، أنا اللي عاوز أشكرك إنك أمنت ليا"
دلف «وئام» في تلك اللحظة من الخارج و حينما رآى وضعهما قال بسخريةٍ:
"إيه جو السلايف دا؟ خلاص ركنتني يا عم محمود و بقى حسن هو اللي في حضنك دلوقتي؟ طب لعلمك بقى حسن دا سوسة و هيعمل مشاكل بينا"
ضحكوا عليه و على طريقته، بينما هو اقترب منهما ثم عانق صديقه بعدما ابتعد عنه حماه، فربت «وئام» على ظهره وهو يقول بمرحٍ:
"وحشتني ياض يا حسن، إيه يا عم خلاص مش هنشوفك تاني"
رد عليه «حسن» بهدوء:
"لأ خلاص نازل الشغل معاكم من بكرة علشان نفوق لشغلنا اللي متبهدل دا، قولي صحيح وليد أخوك فين؟"
تنهد «وئام» بقلة حيلة وهو يجاوبه:
"وليد، وليد ربنا يحميه كان في السويس بيلحق راشد و زمانه راجع دلوقتي و معاه ياسين و خديجة"
نظر له الجميع بحيرةٍ واضحة، فأضاف هو يُردف لهم:
"هتفهموا كل حاجة دلوقتي تعالوا بس ننزل الشقة اللي تحت علشان لما يجوا، و عاوز جهاز القلب اللي هنا علشان رامي"
_____________________
في الطابق الأول ببيت العائلة كان المعظم بها يقومون بتجهيز الشقة لأبناء «ابراهيم» كما طلب منهم «وليد» فتحدثت «جميلة» تقول مستفسرة:
"طب هما هيفضلوا هنا قد إيه؟ يعني علشان نكون عاملين حسابنا"
تحدث «طارق» وهو يقوم بوضع الطاولة بجانب المقاعد:
"مش عارف يا جميلة، بس وليد قالي إنهم مش هيتطولوا هنا، لما نشوف أخرتها معاه"
ركضت «عبلة» من الشرفة نحو الخارج وهي تقول بفرحةٍ كبرى:
"وليد جه يا طارق، أنا هنزله"
قبل أن يرد عليها وجدها تخرج من الشقة راكضةً نحو الخارج، ضرب كفيه ببعضهما وهو يقول غير مُصدقًا:
"يا بنت المجانين أنتِ و هو !! إيه العلاقة الزفت دي"
ابتسمت له جميلة وهي تقول بمرحٍ:
"بحبهم مع بعض أوي بصراحة، علاقتهم جميلة يا طارق و بيبحبوا بعض بجد"
اقترب منها هو يقول بخبثٍ:
"طب ما أنا بحبهم أنا كمان و بحبك أنتِ وبحب علاقتنا"
أخفضت رأسها في خجلٍ منه فوجدته يتابع حديثه بخبثٍ:
"بقولك إيه ما تجيبي بوسة يا جميلة و أنتِ جميلة كدا"
شهقت بقوة و قبل أن يقترب منها وجد والده يخرج من الغرفة المجاورة لمكان وقوفهما وهو يسأله بتشككٍ:
"بتعمل إيه يا طارق؟ هو أنا أخلص من وليد تطلعلي أنتَ؟"
رد عليه هو بحنقٍ:
"أنتِ مشتغلتش في بوليس الأداب ليه؟ كان زمانك عامل شغل عالي و ماسك كل واحد قليل الأدب"
رد عليه والده ساخرًا:
"كفاية عليا قلة الأدب اللي هنا يا أخويا، هو أنا ملاحق عليكم"
أخفضت رأسها أكثر لعلها تخفي خجلها و حمرة وجهها، بينما هو ابتسم لوالده وهو يحرك رأسه بيأسٍ منه.
في الأسفل بمجرد دلوفه البيت في المقدمة، ركضت نحوه تتعلق بعنقه وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
"الحمد لله على رجوعك ليا، وحشتني و وجعت قلبي عليك، حرام عليك والله"
ابتسم هو باتساع ثم حملها من على الأرض وهو يقول بحنينٍ واضح في نبرته يعبر عن مشاعره المضطربة من الأمس:
"و الله ما كنت عاوز غير أني أشوفك بس، حقك عليا يا سوبيا"
ابتعدت عنه تقول بمرحٍ من بين
دموعها المنسابة:
"سوبيا...سوبيا أنا راضية، المهم إنك معايا و جنبي"
كان البقية في الخلف يتابعون ما يحدث، فمال «ياسين» على أذنها يقول هامسًا بلومٍ:
"شايفة بيستقبلوا المضروبين إزاي؟ مش بيبوزوا في وشهم"
ردت عليه هي بنفس الهمس الخافت:
"و شايف أخرة الخوف مخلياها عاملة إزاي، أنتَ لو عرفت الليلة دي عدت عليا إزاي مكنتش هتعمل كدا أبدًا"
طالعا بعضهما و كلًا منهما يعاتب الآخر بنظراته و حينها تحدث «وليد» يقول بانهاكٍ واضح:
"يلا يا جماعة علشان راشد و رامي يرتاحوا و علشان ياسين كمان يريح الراجل الله يعينه"
و بعد مرور ثوانٍ اجتمعوا في الطابق الأول جميعًا و حينها ارتمت «مروة» بين ذراعيه تحتضنه وهي تبكي بقوة جعلته يبتسم بيأسٍ وهو يقول بمرحٍ:
"بتعيطي ليه يا ماما؟ أومال لو كنتي شوفتيني و أنا مع ابراهيم لوحدنا الفجر، دا أنا شعر راسي شاب"
ردت عليه هي ببكاء:
"و هفضل أعيط لحد ما تبطل عمايلك السودا دي، أنا عيوني و قلبي تعبوا من وجعهم عليك، علشان خاطري كفاية بقى كدا"
تدخل «مرتضى» يقول منهيًا الموضوع:
"خلاص يا مروة أهو رجعلك أهو الحمد لله، سيبيه يقعد يرتاح خلينا نفهم إيه اللي حصل و ياسين بقى معاه إزاي"
جلسوا جميعًا في الطابق الأول المخصص للتجمعات و بدأ «راشد» بسرد ما حدث له مع والده حينما قام بخطفه و إلقائه بالمخزن حينما علم بوجود «وليد» بمحافظة السويس، و حينها قام «وليد» بمتابعة الحديث يقوم بتكملة سرد ما حدث معه و قدوم «ياسين» و أخوته له حتى ينقذوه من بين براثن «ابراهيم»، حينها وقفت «مروة» أمام «ياسين» تحدثه بنبرةٍ باكية ممتنة له:
"ألف شكر يا بني، ربنا يحميك و يبعد عنك كل شر، و تفرح بعوضك من خديجة يا رب"
رد عليها هو بثباتٍ يُوضح موقفه حتى يرفع عنها الحرج و الامتنان:
"متقوليش كدا وليد أخويا، و أنا مبسبش أخواتي ابدًا، ربنا يبارك فيه و يفرحك بيه إن شاء الله و الحمد لله إنه قصاد عيونك"
اقتربت منه «زينب» تقول ببكاء هي الأخرى:
"أنتَ رجعتلنا روحنا مش وليد بس، غلاوته عندنا كبيرة أوي و غلاوتك متقلش عنه أبدًا، أنتَ رزق لينا والله"
ابتسم هو لها بهدوء وهو يقول:
"أنا شرف ليا أكون في غلاوته، بس والله وليد أخويا و أنا علطول في ضهره، و أتمنى هو يصدق حاجة زي دي"
تدخل «حسن» يقول ممازحًا له:
"صدق بس؟ دا بصم بالعشرة إنه ملوش غيرك يا عم ياسين، أنا لو منك كنت دخلت بعدما اتربى شوية علشان يتعلم الأدب و ميتصرفش من دماغه"
ضحكوا جميعًا عليه بينما «وليد» تحدث بتهكمٍ:
"سبحان الله نفس اللي هعمله دلوقتي و أنا مخليك تروح من غير هدير، علشان تتعلم الأدب و متحبش سيرتي تاني"
أخفضت «هدير» رأسها في خجلٍ فوجدت «حسن» يقول بمشاكسة:
"أنا مش هتكلم علشان فيه ناس كبيرة قاعدة، خلينا مع بعض كمان شوية هرد عليك"
تدخل «طارق» يقول بحنقٍ:
"أنا عاوز أسألك سؤال واحد إيه اللي يخليك تروح برجلك عند ابراهيم و أنتَ عارف إنه مستنيك؟ خلاص مفيش مخ"
رد عليه «وليد» بضجرٍ:
"واحد رامي طُعم و مستنيني أروحله و عمال يحوم علشان يوصلي، أخليه يدخل بيت خالك اللي فيه بنات و ستات، ولا أمشي على الطريق و يخلص مني و لا أرجع هنا تاني و يجي ورايا و يدخل البيت؟ رد عليا يا عم طارق"
تدخل «وئام» يقول بحنقٍ:
"أديك كنت هتروح فيها أهوه، لولا ياسين لحقك و راحلك، تقدر تقولي من غيره و غير صحابه كنت هتعمل إيه؟ مكانش هيقتلك بس كان هيأذيك لدرجة تموتك كل يوم، حرام عليك بقى نفسك"
اقترب منه يقول معتذرًا:
"أنا دماغي لأول مرة تتشل عن التفكير و محستش بنفسي غير و أنا بوصي ياسين عليكم، ساعتها أنا اتأكدت إن دي نهايتي فعلًا يا وئام، بس والله أول ما هو اتكلم قصادي ساعتها عرفت إني غلطت و أني لأول مرة اتهور من غير ما أكون عامل حسابي"
احتضنه «وئام» بقوة وهو يقول بنبرةٍ متعبة:
"ارحم أخوك يا وليد من اللي أنتَ عامله فيه، أنا مش عاوز ضهري يتكسر فيك، أنا عاوزك في ضهري علطول زي ما أنتَ"
ألقى برأسه على كتفه وهو يقول بحبٍ:
"و أخوك بيتدلع عليك يا وئام، و بعدين خلاص بقى ياسين في ضهري ربنا يكرمه هو و أخواته عملوا نمرة جامدة"
اقترب «طارق» في تلك اللحظة من «ياسين» وهو يقول بامتنانٍ:
"والله لو شلناك طول العمر فوق راسنا مش هيكفيك حقك يا ياسين، كفاية إنك فكرت فيه بس، ربنا يكرمك"
ابتسم له «ياسين» بيأسٍ وهو يقول:
"واضح كدا إن مفيش فايدة فـي العيلة كلها، على العموم يا سيدي شكرًا، عن اذنكم بقى هروح شقتنا"
نظرت هي له بإحباطٍ واضح بينما هو تجاهل نظرتها ثم أضاف:
"للأسف والدتي عرفت باللي حصل و عمالة تبعت في رسايل و مش هتطمن غير لما تشوفني قصادها، هروح أطمنها و أرجع تاني إن شاء الله"
أومأ له الجميع بموافقةٍ فتحرك هو بهدوء بعدما ألقى نظرةٍ عليها، بينما هي تبعته نحو الخارج فوجدته ينزل درجات السلم بهدوء، ركضت هي خلفه حتى لحقت به، ثم أمسكته من ذراعه وهي تسأله بلهفةٍ ممتزجة بالحزن:
"استنى أنتَ رايح فين؟ خليك هنا متمشيش"
التفت هو يحدثها بثباتٍ:
"قولت رايح أطمن أمي و راجع، مش ههرب يعني"
سألته هي بلهفةٍ واضحة:
"طب هترجع إمتى، بلاش أنا هاجي معاك أحسن"
طالعها هو بحيرةٍ لكنه زفر بقوة ثم أجابها مُطمئنًا لها:
"خليكي مع وليد اطمني عليه، و أنا مش هتأخر، وهعدي على ميمي علشان نطمنها"
بكت هي رغمًا عنه من طريقته الجافة تلك التي و لأول مرةً تعهدها منه، بينما هو طالعها باستغرابٍ وهو يسألها بجمودٍ:
"مالك يا خديجة بتعيطي ليه؟ هو أنا جيت جنبك أصلًا"
ردت عليه هي ببكاء من بين شهقاتها:
"بعيط علشان ....أنا زعلتك مني من غير ما أقصد ... مكنتش أعرف و الله إنك عملت كدا علشان وليد، والله من خوفي عليك زعلت منك بس متزعلش مني"
زفر هو بقوة ثم رد عليها مُردفًا بهدوء:
"أنا مش زعلان منك على فكرة، أنا بس تعبان شوية و قلق أمي عليا مخليني متضايق، هروح و مش هتأخر"
مسحت دموعها بظهر كفها وهي تسأله بتوسلٍ تتلمس منه التأكيد:
"بجد؟ هترجع تاني مش هتمشي علشان زعلان مني ؟"
ابتسم هو بخفة وهو يرد عليها ساخرًا منها:
"دا على أساس إنك مغضباني مثلًا و أنا هروح عند أمي لحد ما القايمة ترجعلي؟ ولا مستني ترديني لعصمتك؟ هرجع متخافيش"
أومأت له موافقة فوجدته يبعد ذراعها عن ذراعه بهدوء وهو يقول:
"أنا همشي علشان متأخرش عليها، هي برضه من حقها تطمن عليا، زي ما أنتِ اطمنتي كدا"
كان حديثه يحمل تلميحًا مُبطنًا التقتطه هي على الفور فتحولت نظرتها من التوسل إلى الخجل الممتزج بالحزن، أما هو تركها و سار حتى خرج من البيت وهي تنظر في أثره بحزنٍ دفين نتيجة تسرعها و حكمها الخاطئ في الظروف.
____________________
عادت إلى التجمع من جديد فوجدت والدتها تجلس بجانب «رامي» تطعمه وهي تقول بهدوء:
"معلش بقى الأكل من غير ملح علشان الدكتور هو اللي قايل كدا"
رد عليها هو بامتنانٍ:
"متتعبيش نفسك أنا مش قادر آكل و الله، أنا بس محتاج أرتاح شوية مش أكتر"
تدخل «طه» يقول نافيًا:
"مش هينفع الكلام دا يا رامي لازم تاكل يا حبيبي علشان العلاج و علشان الجلسة اللي هتاخدها دي"
في تلك اللحظة دلفت «خلود» و الدواء في يدها وهي تقول بانهاكٍ واضح:
"الدوا أهوه يا بابا، بس الدكتور بيقول لازم بالميعاد بالظبط علشان دا دوا قلب يعني حد يكون مركز في المواعيد"
تعلقت عينيه بها بمجرد دخولها الشقة وهي تتحدث، بينما «وليد» تابع نظراته لها بضيقٍ فتحدث يقول بلهجةٍ حادة لها:
"يلا فوق يا خلود علشان وراكي درس كمان شوية، و خدي أختك معاكي ترتاح شوية يلا يا خديجة"
أومأت له موافقة ثم سارت مع شقيقتها بينما هو زفر بضيقٍ وهو يطلق سهامه نحو «رامي» الذي لاحظ نظرته و أخفض بصره يأكل من الطعام أمامه، بينما «راشد» وقع بصره على «هدير» فرآى خوفها منه و كرهها باديًا على وجهها و «حسن» بجوارها يجلس بجانب صديقيه، فوقف يقول بخزيٌ واضح:
"أنا آسف يا جماعة على اللي حصل و اللي بيحصل بسببي دا، و أسف على موقفي مع هدير بس أنا كنت بتصرف بغباء زي ما هو عودني، بس والله حقكم عليا، و حق هدير على راسي"
زفرت «هدير» بقوة و قبل أن تتحدث تدخل زوجها يقول متهكمًا:
"والله هو كلام يُحترم، بس أنا معنديش ثقة في اعتذارك بصراحة، و بعدين أنتَ كنت هتخطفها و تستغل موت أمها يا عم راشد، مش دايس على جزمتها البيضا"
رد عليه «راشد» بإحراج:
"ماهو علشان كدا أنا بعتذر علشان اللي عاشته بسببي، هي و خديجة، و أهو كله بيخلص مني"
رد عليه «حسن» بوقاحة زائدة لا تقل عن وقاحة صديقه:
"بصراحة أنا فرحان فيك، اللهم لا شماتة يا راشد بس أنا شمتان فيك، بس عاوز أشكرك علشان هدير بقت معايا و نورت بيتي بعد حركتك دي، صح يا هدير"
مالت على أذنه تحدثه بهمسٍ طفيف بعدما ضحك الجميع على الموقف فقالت هي:
"أنا كنت فاكرة إن وليد بس اللي عنده ليفل الكيد دا، طلعت متتخيرش عنه يا حسن"
غمز لها بطرف عينه وهو يقول بمرحٍ:
"لأ دا أنا نسخة من وليد، بس في المتداري علشان الحسد"
طالعته هي بدهشةٍ من صراحته فوجدته يسألها بنبرةٍ تائهة:
"برضه مش عاوزة تقوليلي هما لونهم إيه؟"
تحولت نظرتها للاستفسار تطلب منه التفسير، فوجدته يشير برأسه نحوهما وهو يقول:
"عينيكِ"
أخفضت رأسها تنظر للأسفل بخجلٍ، بينما «راشد» تنهد بعمقٍ وهو يرى علاقتهما سويًا و في تلك اللحظة يود فقط لو كانت التي أحبها بصدق معه في حياته، كانت «عبلة» تجلس في صمت بعدما استمعت للقصة بأكملها و بما حدث بينما هو أمعن النظر لها فرآى تخبطها و تهجم ملامحها، حينها وقف هو يقول للجميع:
"طب أنا هطلع أغير هدومي حد عاوز حاجة مني؟"
ردت عليه «زينب» بنبرةٍ هادئة:
"لأ يا حبيبي روح أنتَ غير هدومك و ريح شوية، بس هو أحمد فين علشان من الصبح مش موجود"
ابتسم هو لها باقتضابٍ وهو يجاوبها:
"متخافيش أحمد راح مشوار مهم تبعي و راجع تاني متخافيش عليه، وأنا هطلع أريح"
نظرت له «عبلة» تتابع انسحابه بأعين دامعة ثم هبت منتفضة تلحقه نحو الخارج، بينما هو بمجرد خروجه من الشقة وقف منزويًا يتابعها حتى خرجت له فامسكها هو من يدها وهو يقول بهدوء:
"كنت عارف إنك هتخرجي ورايا و مش هتسبيني أطلع لوحدي"
طالعته هي بجمودٍ وهي تقول بنبرةٍ حادة:
"ورايا على فوق"
قالت جملتها ثم تركته حتى تتوجه نحو المصعد تدلفه بينما هو يلحقها بحيرةٍ لا يدري ماذا حل بها حتى تغيرت لهذه الدرجة، و في المصعد كانت تخفي بصرها عنه حتى لا تتقابل نظراتهما، و بعد وصولهما دلفت هي السطح أولًا وهو خلفه بملامح وجهٍ باردة، فوجدها تلتفت له وهي تسأله بحنقٍ:
"أنا عاوزة أفهم أنتَ إيه؟ برودك دا إيه، أنا عندك إيه يا ابن الحلال"
رد عليها هو بانفعالٍ:
"بالراحة يا عبلة كلميني عِدل، خلاص موضوع و خلص و رجعت منها سليم"
تحدثت هي تصرخ في وجهه:
"فين دا !! بوشك اللي متعور و لا بخوفك و أنتَ قصاد ابراهيم لوحدك؟ ولا بياسين اللي لولا وجوده معاك كان زمانك ...، نهاية الكلام علشان دا كتير عليا و أنا مش حِمل كل دا، أخرتها معاك إيه"
أوقفت كلمتها التي كادت على وشك التفوه بها ثم أعادت الحديث من جديد بنفس الانفعال الذي جعله يطالعها مستنكرًا بما تفوهت به وهو يسألها:
"يعني إيه يا عبلة؟ وضحي علشان أنا مصدع و مش طالبة معايا أفهم بصراحة"
ردت عليه بجمودٍ:
"هتعمل قيمة لحياتك إمتى و تبطل ترميها كل شوية ورا ضهرك، و أنا هتفكر فيا إمتى أني مش حمل تعب الأعصاب دا، لو مش عاوزني قولها أسهل"
رد عليها هو متشدقًا بنبرةٍ ثابتة:
"هو أنا كدا و مش هتغير، أنا روحت لهناء علشانك و بحاول برضه علشانك، و اللي حصل دا مكانش بأيدي"
صرخت في وجهه بحدةٍ ممتزجة ببكاءها:
"كل حاجة بتحصل بايدك أنتَ، قلة ثقتك في اللي حواليك برضه بايدك، لو كنت خدت وئام و طارق معاك كان الوضع اختلف، لو كنت خليت ياسين و الشباب معاك من الأول كان الوضع اختلف، أنتَ ربنا بعتلك رسالة في أخر لحظة علشان تفوق من غبائك دا، هتتغير إمتى و تتعلم من الدرس بقى ؟"
زفر هو بقوة يحاول تهدئة نفسه قبلها وخصيصًا مع ارتجافة يده و تلك الرعشة التي تسير بجسده من قلة النوم و كثرة التفكير و ما عايشهُ من قلقٍ، حينها اقترب منها يقول هامسًا بنبرةٍ خافتة:
"اتعلمت يمين بالله اتعلمت خلاص، فكرة أني كنت هموت من غير ما أشوفك موتتني مليون مرة و أنا واقف، فكرة إن عيونك اللي هما شفا للقلب دول كنت هتحرم منهم علمتني، فكرة أني كنت هتسبب في وجوعك عليا طول العمر موتتني، أني أموت من غير ما تكوني ليا و في بيتي موتتني يا عبلة، أنا رجعت جسم بس، لكن روحي لسه هناك خايفة من اللي حصل، مش هكدب و أقولك جوزك قلبه ميت، علشان اللي حصل دا خلاني أخاف قد الخوف اللي عيشته في عمري كله، أنا عرفت أني مليش غير عيونك و لا في أي مكان يشيلني في وجودك"
احتضنته وهي تبكي بقوة حتى تحول بكاءها إلى شهقاتٍ عالية وهي بين ذراعيه، رفع ذراعه المتراخي فوقها يضمها إليه بقدر ما سمح له آلم جسده وهو يقول ممازحًا لها:
"دي أكيد عين الواد ياسين، خديجة اديته على دماغه و قر على الغلبان اللي زيي"
ردت عليه هي ببكاء:
"أنتَ تستاهل الضرب أصلًا، و لسه بابا هيربيك مش هيسكتلك، أنا مهدياه عليك شوية لحد ما ترتاح مش أكتر"
ابتسم وهو يتحدث ساخرًا:
"و ماله، قابل و قعد يا عم وليد، خليه يجي يجرب حظه و أنا مش نايم و مضروب كدا، علشان نزعل كلنا مع بعض"
رفعت رأسها تطالع وجهه الملكوم وهي تسأله ببلاهة:
"هو وشك بيوجعك أوي؟"
_"لأ عادي زي الخُراج كدا، بطلي هبل بقى أنا جسمي كله مموتني أصلًا و الحمد لله أني قادر أقف"
جاوبها بذلك حانقًا على حديثها الغير جدير بالذكر في تلك الأوقات، بينما هي رفعت رأسها تقبله ثم أعادتها كما كانت على كتفه من جديد، وهو يبتسم عليها.
______________________
في شقة «رياض» دلف هو فوجدها تبكي بقوة تنتظره على الأريكة، و بمجرد دخوله لها ركضت نحوه تسأله ببكاء:
"ياسين حبيبي عامل إيه، طمني قلبي عليك"
احتضنته وهي تتحدث ببكاء تطمئن عليه بعدما عاشت ساعات في القلق و الخوف عليه، بينما هو أحتواها بين ذراعيه وهو يقول بحنانه المعتاد:
"أنا كويس متخافيش والله، و بعدين مين قالك أصلًا على اللي حصل"
ردت عليه هي ببكاء:
"سيدة أم عامر قالتلي على اللي حصل، و أنا من ساعتها قلبي هيقف عليك من الخوف، أنتَ بجد كويس؟"
أومأ لها موافقًا و هو يجاوبها:
"آه والله كويس هما كام خدش في وشي بس، أنتِ إيه اخبارك"
ردت عليه هي بحبٍ بالغ في عاطفتها و نبرتها:
"أنا كويسة علشان شوفتك و اطمنت عليك، بس قولي مراتك فين؟ مجتش معاك ليه؟"
رد عليها هو بهدوء:
"هي شافت ليلة صعبة أوي كلها خوف و تعب و أخوها كمان كان هيروح منها علشان كدا سبتها في بيت مامتها ترتاح شوية و هرجع أخدها تاني"
ربتت على كتفه وهي تقول باستحسان من موقفه:
"جدع إنك عملت كدا، هي أكيد خافت عليكم، دا أنا عرفت بعدها و كنت عاوزة ألطشك بالقلم علشان عملت كدا، و كنت مش هكلمك تاني بس مقدرتش لما شوفتك"
ابتسم هو لها بسمةٍ بسيطة و فجأة دلف والده الشقة وهو يقول بمجرد رؤيته:
"إيه يا بني أمك مخوفاني و مخلية أعصابي بايظة حصلك إيه"
كان والده يتحدث وهو يقترب منه حتى وقف مقابلًا له، حينها رد عليه هو بنبرةٍ هادئة:
"أنا كويس يا حبيبي متقلقش عليا، الحمد لله جت سليمة، أنتَ عامل إيه وحشتني"
أخذه «رياض» في حضنه وهو يقول بامتنانٍ:
"الحمد لله إنك رجعت بالسلامة أنا فهمي لما سألته خوفني بس كلمت الشباب اطمنت عليهم و أنتَ مردتش عليا"
ابتعد عنه وهو يقول مُردفًا له:
"علشان الموبايل فصل مني وقولت أجي أطمنكم أحسن و بعدها هروح لميمي علشان عمالة تعيط و عاوزة تطمن علينا"
تدخلت والدته تقول بتلهفٍ:
"لو مكنتش عملت كدا كنت هزعل منك بجد، الحمد لله إنك قصادي و ربنا ينتقم من الظالم"
رد عليها زوجها:
"طب ادخلي يلا حضري الغدا علشان ناكل سوا قبل ما يمشي"
ركضت من أمامهما وهي تقول بحماسٍ:
"ثواني و الأكل يجهز، اقعدوا في البلكونة لحد ما الأكل يجهز"
أمسكه والده من مرفقه وهو يقول:
"تعالى معايا علشان عاوزك شكلك مش مريحني أصلًا"
سار خلف والده حتى وصل للشرفة يجلسان بها، فتحدث والده يسأله مقررًا:
"مالك، شكلك متضايق مش طبيعي، حصلك إيه"
حرك كتفيه ببساطة وهو يجاوبه:
"عادي يعني، تلاقيني علشان مطبق من امبارح و ماكلتش برضه كل دا مأثر فيا، لكن أنا تمام"
_"أنتَ زعلان مع مراتك صح؟"
كانت جملة مقررة أكثر من كونها مستفسرة من والده بعدما تفحص نظرته، أما هو فأومأ له ثم أضاف:
"مش زعل، بس رد فعلها كان غريب، مكنتش متوقع زعلها يكون كدا، أنا أصلًا عملت كدا علشانها هي، و اللي حركني خوفي عليها هي"
أومأ له والده وهو يضيف:
"ماشي بس هي ست يا ياسين عمرها ما هتفكر بطريقتك، هي كل اللي قصاد عينها إنها كانت هتخسرك من غير ما تعرف، أنا عرفت إنها صحيت لقيت إيمان معاها يعني خَضة تقطم الضهر، صعب عليها تتحملها"
رد عليه هو بضيقٍ:
"ماشي بس على الأقل تشغل مخها و تعرف إن مينفعش أروح اصحيها علشان تشوفني و أنا نازل ألحق أخوها، أنا ماكنتش هقدر أشوف خوفها ساعتها"
سأله والده بهدوء يحاول التوصل معه لنقطة البداية:
"طب لما هي عرفت اللي حصل عاندت معاك برضه؟"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف:
"لأ بالعكس جت تصالحني و عيطت علشان كانت خايفة عليا، بس أنا كنت فصلت مش حمل كلام ولا نقاش، و بصراحة كانت عاوزة تيجي معايا بس أنا مرضيتش"
رد عليه والده بحنقٍ:
"كدا بقى الغبي هو أنتَ، علشان هي ماكنتش فاهمة إيه حصل، بس لما عرفت جتلك تصالحك كدا بقيت أنتَ اللي غبي، الست يا ياسين مشاعرها بتحركها غير الراجل، هي مش مستوغبة غير إن راجلها كان هيروح منها، علشان كدا ربنا سبحانه وتعالى جعل القوامة للراجل علشان يعرف يمشي المركب بينهم، هي عاطفتها بتغلبها و بتمشي بقلبها، روح صالحها أنتَ و عرفها إن هي نقطة بدايتك و نقطة نهايتك، و خلي بالك أنا بعتبرها بنتي يعني هاجي عليك علشانها"
طالع والده بحيرةٍ لا يدري ماذا يفعل فوجده يضيف بسخرية:
"أومال لو مش هي قبولك الوحيد و اللي خليتك تغني و تسهر و تحب كنت عملت إيه؟ اتغدا معانا و روح هاتلها حاجة و صالحها، متبقاش صنم كدا، خليك زي أبوك حنين"
اقترب منه يحتضنه وهو يقول بامتنانٍ:
"والله العظيم أنا محظوظ إنك أبويا، حاضر هروح أصالحها"
ربت والده على ظهره وهو يقول بفخرٍ:
"و أنا فرحان بيك أوي، ياض أنتَ صاحبي و كل حاجة ليا، من بعد زُهرة طبعًا علشان متشوفش نفسك"
ابتعد عنه وهو يقول بعتابٍ واضح في نظرته:
"بقى كدا يا حج رياض؟ طب أنا ولا زُهرة؟"
رد عليه «رياض» بحبٍ:
"زهرة مراتي و شريكة عمري، و أنتَ ابني و ضهري يعني واضحة..... زُهرة طبعًا"
ضحك مع والده وهو يحرك رأسه نفيًا بيأسٍ و والده يشاركه الضحك.
_____________________
في بيت آلـ« الرشيد» وصلت «مشيرة» بعدما علمت من شقيقها ما حدث لابنه، دلفت هي من بين الجميع و فجأة ارتمت عليه تحتضنه بشدة وهي تقول ببكاء:
"طمني عليك يا وليد، اخبارك إيه يا حبيبي، أنتَ كويس صح؟"
وقفوا جميعهم يروا ما يحدث أمامهم بأعين متسعة من هول المفاجأة، بينما هي ابتعدت عنه تتفحصه وهي تسأله بلهفةٍ:
"أنتَ كويس صح؟ طمني عليك طيب و رد عليا"
رغم دهشته و حيرته منها إلا أنه رسم الثبات ببراعة وهو يجاوبها:
"أنا كويس الحمد لله يا مشيرة، أنتِ عرفتي منين؟"
ردت عليه هي تجاوبه ببكاءٍ:
"أنا كنت بكلم مرتضى أتطمن عليكم و عرفت اللي حصل مقدرتش أقعد من غير ما أتطمن عليك، أنتَ كويس صح؟"
ابتسم هو لها وهو يحرك رأسه موافقًا فوجدها تسأله من جديد بنفس اللهفة:
"طب اللصق اللي في وشك دا من إيه طيب؟"
_"التهاب في المعدة متشغليش بالك أنتِ"
جاوبها بذلك ساخرًا من سؤالها الغريب خصيصًا مع ما صار له، ضحك الجميع عليه بينما هي حركت رأسها بيأس وهي تقول:
"أنا كدا اتطمنت عليك خلاص مفيش فايدة فيك"
اقتربت بعدها من «هدير» بعدما وجدت ابنتها تخفض رأسها حتى لا تطالعها، تقول بنبرةٍ مهتزة تنم عن ترددها:
"إزيك....عاملة إيه يا هدير، بقيتي أحسن دلوقتي؟"
حركت رأسها موافقة وهي تقول بنبرةٍ خالية المشاعر:
"الحمد لله يا عمتو كويسة، أنتِ كويسة؟"
أومأت لها موافقة و قبل أن ترد عليها وجدت «راشد» يخرج من الغرفة حينها شهقت بقوة ثم ركضت نحوه تمسكه من تلابيبه وهي تقول بنبرةٍ منفعلة:
"أنتَ ليك عين تفضل هنا يا بجح؟ أبوك عاوز يموت أبني و سيادتك هنا مرزي في بيتنا، غور من هنا"
اقترب منها الشباب وهم يحاولون فك حصاره من يدها فصرخت هي في وجههم:
"محدش ليه دعوة بيا، أنا بقى هخلي ابراهيم يموت بحصرته على اللي هعمله في ابنه بعد اللي كان عاوز يعمله في عيالي"
سألها «راشد» منفعلًا بخوفٍ منها:
"أنا مجتش جنب عيالك يا ستي، عيالك مين دول؟"
_"و حياة أمك ؟! و وليد و هدير دول إيه مش عيالي؟ و قبلهم خديجة، جرى إيه يالا أنتَ هتستعبط عليا"
جاوبته هي بذلك بلهجةٍ حادة وهي تهزه بين يدها، بينما «وليد» طالعها بمشاعر عِدة مختلطة و ما غلب عليها كانت الفرحة بسبب دفاعها عنه بتلك الطريقة، فوجدها تضيف بشراستها القديمة:
"يمين بالله لولا وشك و حالتك اللي تحزن دي، كنت خليتك تلم كرامتك من هنا، و لسه لما العرة أبوك يشرف ساعتها أنا بنفسي هخليه يدوق شبشبي على جسمه"
تدخل «وليد» يبعدها عنه وهو يقول ساخرًا:
"خلاص يا مشيرة أنتِ جاية تغني بعد ما الفرح خلص؟ اقعدي بقى علشان مش معايا دوا الضغط بتاعك"
دفعت هي «راشد» من يدها وهي تقول بنبرةٍ جامدة:
"اقعد لما نشوف أخرتها معاكم، بس خلي بالك أنا قعدالك هنا علشان لو عقلك وزك عليهم و رب الكعبة لأطلع مشيرة القديمة عليك و أخليها ترقصك في أحلامك"
في تلك اللحظة مال «طارق» على أذن «وئام» وهو يقول بخوفٍ:
"وئام، أنا خايف من مشيرة دي بقت حماتي، الحقني"
رد عليه «وئام» ببساطة:
"عيب يا طارق دي عمتو، المفروض تترعب بصراحة"
جلست هي على المقعد بعدما دفعت اذرع الشباب من حولها ثم جلست على المقعد المقابل له و هي ترفع له حاجبها بينما هو أخفض رأسه ينظر في الأرض هاربًا من سهامها الموجهة نحوه، اقترب منها «مرتضى» يقول بضيقٍ:
"هو أنتِ مش هتعقلي يا مشيرة خالص؟ الراجل موجود في بيتنا عيب كدا"
ردت عليه هي منفعلة بحنقٍ:
"ابعد عني يا مرتضى متعصبنيش، وهو ابنك لما كان في نص بيتهم و هيروح كان كويس يعني؟ لما استغل جدعنته دا كان كويس؟"
تدخلت «سهير» تقول بسخرية:
"سبحان الله شوف مين بيتكلم؟ إيه يا مشيرة، دا وليد برضه اللي ياما عملتوا في بعض مقالب"
نظر الجميع لها بترقبٍ فتحدثت هي بثقةٍ:
"أنا وابن اخويا احرار يا سهير، و بعدين أنا بدافع عن ابن اخويا من واحد زبالة كان هيقتله، و اللي بيننا محدش له دعوة بيه"
ردت عليها «سهير» بلامبالاة:
"أنا مليش دعوة بيكم خالص أنتِ حرة حتى مع عيالي أنتِ عمتهم، لكن بقولك بالراحة علشان صحتك حتى"
تدخلت «جميلة» تقول باحراجٍ:
"معلش يا جماعة بس كلنا منفعلين علشان وليد و اللي حصله، و هي أكيد خافت على ابن أخوها"
طالعتها والدتها بفرحةٍ حينما وجدتها تدافع عنها، بينما «سهير» تحدثت تقول بخجلٍ:
"حصل خير خلاص، متزعليش يا مشيرة، أصل أنا مستغربة مشيرة الجديدة دي"
ردت عليها «مشيرة» بهدوء:
"حصل خير يا سهير، دا حقك برضه من اللي حصل زمان، و بعدين مش هنمسك في بعض و نسيب الغريب اللي عاوز ينهشنا"
في تلك اللحظة صعد زوجها الشقة وهو يقول بهدوء:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ازيكم يا جماعة"
ردوا عليه جميعًا التحية بينما هو أخفض رأسه حتى اقترب من «وليد» يسأله بهلفةٍ:
"أنتَ كويس يا وليد طمني عليك، إن شاء الله تكون كويس"
رد عليه هو بسخرية:
"طول عمري أسمع إن محسن جه متأخر، أول مرة أعرف إن حسان كمان جه متأخر"
طالعه «حسان» بدهشة بينما كل من حوله كانت الضحكات مرسومة على وجوههم يحاولون كتم ضحكتهم حتى «وليد»، و حينما أدرك «حسان» مقصده و سخريته تحدث متشدقًا:
"سبحان الخالق يا أخي، مفيش فايدة فيك بس كدا أنتَ كويس"
في تلك اللحظة دلف «أحمد» وهو يقول بانهاكٍ واضح:
"أنا جيت و جبت اللي طلبته يا وليد"
انتبه له الجميع بينما «وليد» ركض له يسأله بلهفةٍ:
"بجد هي فين؟ قولي بس حصلك حاجة منهم أو فيه حد لمسك؟"
حرك «أحمد» رأسه نفيًا وهو يجاوبه:
"لأ كل حاجة تمام، هي بس تعبانة أوي من اللي حصلها و حصل لعيالها، و عاوزة تشوفهم مستنية تحت"
أومأ له موافقًا وهو يقول:
"جدع يا أحمد، أنا كنت واثق إنك هتتصرف صح"
قال جملته ثم انصرف من أمامه راكضًا للأسفل، بينما «زينب» اقتربت منه و هي تقول بلهفةٍ:
"طمني عليك يا أحمد أنتَ فين من الصبح يا حبيبي"
رد عليها هو بهدوء:
"أنا كويس كنت بخلص حاجة لوليد و جيت، صحيح فين خديجة و خلود"
جاوبته هي بهدوء:
"خلود راحت درسها و خديجة فوق تعبانة شوية"
حينذاك دلف «وليد» و معه إمرأةٍ من عمر والدته وهو يقول بفخرٍ:
"احب أعرفكم يا جماعة، الست سماح أم راشد و مرات العِرة ابراهيم".
_________________________
أنهى «ياسين» جلسته في شقة والده بعدما تناول معهما الطعام بمعدةٍ مُغلقة نتيجة توتره، و من بعدها توجه نحو شقة «ميمي»، دلف هو بهدوء، و لكن سرعان مت وضع كفه على رأسه بيأسٍ حينما وجد الروتين المعتاد، وقوف «عامر» أعلى الطاولة و «خالد» أسفلها و في يده كوبًا من الشاي و في اليد الأخرى خنجرًا مما كان معهما في الصباح، و «ياسر» كان جالسًا بجانب «ميمي» على الأريكة يتناولا العصير و يشاهدا ما يصير على الطاولة و كأنه
فيلمًا سينمائيًا، بينما هو اقترب من الطاولة وهو يسأل بحنقٍ:
"أنا مش هسأل عمل إيه، بس هسأل عمل إمتى؟ دا احنا واكلين علقة تهد جبل، لحق يعصبك"
نظر له «خالد» بشررٍ وهو يقول:
"البيه قلب علينا الدنيا، خلى أمي و أم ياسر يعيطوا، و راح يقول لأمي ابنك مضروب بمطوة، و ليلة كانت مش معدية"
_"مش أمك هي اللي سألت أمي، و بعدين ذنبي إيه إن أمي بتخاف عليا"
تدخل «عامر» في الحديث بذلك حتى يوضح موقفه، بينما «ياسين» أضاف بنبرةٍ متعبة:
"طب ما أمه عرفت أمي و روحتلها و كانت ليلة على دماغ أمي، خليه ينزل بقى"
رد عليه «خالد» بضجرٍ:
"لو على قد كدا أنا معنديش اعتراض، بس اللي هو عمله خلاني قفلت منه و عاوز أموته"
_"شوف الواطي اللي خوفت عليه الصبح و حضنته، ياريتها كانت جت فيك"
رد عليه «عامر» بذلك، فسأل «ياسين» بقلة حيلة:
"هبب إيه زفت الطين تاني غير إنه فَضِحنا، ها اشجوني"
وقف «ياسر» و في يده هاتفه وهو يقول بمرحٍ:
"لأ أنا مش هينفع أحكيلك، أنا هوريك صوت و صورة"
تفوه بذلك تزامنًا مع اقترابه منه وهو يفتح هاتفه على فيديو مُركب لهم جميعًا و معهم «وليد» ، ضحك «ياسين» بشدة وهو يقول من بين ضحكاته:
"إيه دا بجد؟ جامد و الله، إيه الدماغ دي يا عامر؟"
رد عليه بفخرٍ:
"أي خدمة يا ياسين، شوفت جبتلك صورة حلوة و دقنك مظبوطة فيها"
تدخل «خالد» يصرخ في وجهيهما:
"أنتَ هتشلني منك ليه؟ عجبك العبط دا يعني و الفضايح دي"
تدخلت «ميمي» تقول بقلة حيلة:
"عمل إيه يا بني؟ أنا مش فاهمة منهم حاجة"
رد عليها «عامر» مردفًا:
"أنا كان نفسي حد يصورنا واحنا بنتخانق و أحطها على أغنية دي أسود راجعة، بس محصلش، أنا بقى جبت الأغنية و شيلت راس ولاد رزق و حطيتنا احنا مكانهم، فيها حاجة دي؟ و الله الأغنية جامدة و معبرة عننا"
ضحكت هي بقوةٍ وهي تتخيل المنظر، بينما «ياسين» مد له ذراعه وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"طب انزل بس، هسامحك علشان صورتي حلوة بس، لكن غير كدا كنت هزعلك"
تدخل «ياسر» يقول بحنقٍ:
"طب ماشي أنتو فيديو و خلصت، أنا بقى يعمل صورتي ميمز على واحد ماسك مطوة و يحطها على أغنية حاجات تتحس و متتقالش !! ليه الفضايح دي يا جدعان"
رد عليه «خالد» بقلة حيلة:
"ما أنتَ فاجئتنا أنتَ كمان، طلعت صايع قديم، أنا كنت شاكك فيك بعيونك الزرقا دي"
نزل «عامر» في تلك اللحظة من أعلى الطاولة وهو يقول بمرحٍ:
"بس جامدين والله يا رجالة، يا رب مشوار تاني زي دا كدا، علشان الموضوع عجبني"
لوحوا له جميعهم بأذرعهم ثم اقتربوا يجلسون على الطاولة، بينما «ميمي» احتضنت «ياسين» الذي جلس بجانبها وهي تسأله بهدوء:
"مالك، شكلك متدمر خالص"
رد عليها هو بانهاكٍ واضح:
"منمتش و دماغي فيها حنة بلدي من بتوع عامر، حتى المُسكن مش نافع معايا في حاجة"
ربتت على ظهره وهي تقول بحنانٍ بالغ:
"سلامتك يا حبيبي، ربنا يبعد عنك التعب إن شاء الله و يبارك في عمرك"
كان «خالد» أبان ذلك يتصفح هاتفه فوقع بصره على عبارةٍ كُتبت بواسطة «سيدة» و الدة «عامر» فقرأها وهو يضحك، حتى تحولت ضحكته إلى قهقهاتٍ عالية، نظروا له جميعهم بتعجبٍ، فأوقف الضحكات وهو يقول:
"واد يا عامر إيه اللي أمك كتباه على النت و عملالك فيه tag"
سأله «عامر» بتعجبٍ من حديثه:
"مش عارف أنا مفتحتش من بعد ما نزلت الفيديو، كاتبة إيه؟"
تحدث «خالد» بنبرةٍ ضاحكة:
"كاتبة كلما رافقت أصدقاء السوء ، كلما إزدادت حياتك سوء....أحذر، و كاتبة اسمك تحتها"
ضحكوا جميعًا على الجملة بينما هو خطف الهاتف من يد صديقه وهو يشاهد ما كتبته والدته، بينما «ياسر» أخرج هاتفه يرى هو الآخر و حينها تحدث بنبرةٍ غير مُصدقة:
"يا نهار أمك مش فايت، أمك بتلقح علينا و عملالنا إحنا التلاتة منشن؟"
رد عليه «عامر» ببساطة:
" آه، أصل احنا عيلة واضحة"
_"لأ انتو عيلة واطية"
تفوه به «ياسين» مُسرعًا ردًا على جملته، مما جعل الضحكات تأخذ محلها في الجلسة، و بعدها سألت «ميمي» بنبرةٍ هادئة:
"عملتوا إيه مع راشد يا ياسين؟ ولا لسه محصلش حاجة"
رد عليها هو ببساطة:
"محصلش حاجة، هو هناك في بيت العيلة معاهم و هما هيتصرفوا معاه، بس وليد شكله مجهز حاجة علشان كلم أحمد و بعته مشوار مهم"
تدخل «خالد» يقول باشفاقٍ:
"والله العظيم يبان إنه جامد بس صعبان عليا وليد دا، فكرة إنه يخاطر لوحده كدا من غير حد في ضهره صعبة"
تدخلت «ميمي» تقول بهدوء:
"خليكم انتو في ضهروا، خلوه يحس إنه وسط اخواته، أكيد بعد كدا هيفكر فيكم قبل ما يعمل أي حاجة"
_______________________
في بيت آلـ «الرشيد» بعد الترحيب بتلك السيدة بجمودٍ من العائلة بأكملها، دلفت هي بجانب صغيرها «رامي» و هي تبكي بقوة حينما رآته في حالته تلك، بينما «راشد» واقف بجانبها يطالعها بأعين دامعة و هي تبكي، ثم اقترب منها يحتضنها بقوة فوجدها تجهش في بكاءٍ مرير جعله يبكي هو الآخر، بينما في الأعلى و تحديدًا فوق سطح البيت جلست «خديجة» تبكي بقوة حينما لاحظت تأخره ظنًا منها بأنه لازال غاضبًا من تصرفها المُخطيء التي أدركته هي لاحقًا، و بجانبها دفترًا صغيرًا، رفعت رأسها للسماء تبكي من جديد و خاصةً حينما هاتفته فوجدته يغلق الهاتف في وجهها، كانت جالسة فوجدت يدٍ تحاوط كتفها، التفتت تقول بفرحةٍ:
"ياسين كنت عارفة إنك.....وليد؟"
ذكرت امسه باحباطٍ ارتسم على ملامحها و ظهر جليًا فـي نبرتها فوجدته يجلس بجانبها وهو يقول:
"آه وليد، اللي أنتِ غضبانة عليه و مش عاوزة تراضيه هو كمان، ولا أنا علشان مروحتش عند أمي يعني مش هتستنيني كدا"
ردت عليه هي ببكاء:
"متقولش كدا علشان وحشتني و كنت خايفة عليك، حرام عليك تعمل فيا كدا يا وليد، مفكرتش فيا هعمل إيه من غيرك؟"
وضع ذراعه على كتفها يضمها إليه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا غصب عني اتغابيت، و غصب عني كنت هضيع كل حاجة مني، بس فيه حد تاني يستاهل إنه يتقدر و هو ابن الشيخ، ياسين دا جميل أوي يا خديجة، ضحى بنفسه و أخواته علشاني و علشانك، ياسين دا حالة مفيش منها، قولتلك قبل كدا فيه فرص بتيجي مرة واحدة في العمر، ياسين بقى هو الفرصة دي"
ردت عليه ببكاء تلقي اللوم على نفسها:
"بس أنا غبية و زعلته مني، غصب عني مشاعري دخلت في بعض، الزعل و الخوف و الحزن، فكرة إن واحد فيكم كنت هخسره كانت صعبة، أنا اتولدت من جديد على ايديكم انتو، العمر مفيهوش باقي علشان اعيشه في خوف عليكم، فكرة أني أصحى و هو مش جنبي خوفتني، أنا بحبه أوي يا وليد، بحبه و حبه هو اللي معيشني لسه، مين كان يصدق إن حياتي السودا دي تتلون بإيده هو، أنا خوفت عليه و الله، و خوفت عليك معاه"
رد عليها «وليد» مُردفًا:
"أنا عارف إن احساسك صعب، عبلة اللي عرفت بعد ما كل حاجة خلصت كانت هتموت مني، ما بالك أنتِ بقى و أنتِ من الفجر في الخوف دا، هو يمكن اتصرف غلط لما سابك و نزل و صحيتي لقيتي حد غير متوقع، بس هو خاف على خوفك و زعلك، ياسين حبه ليكي أكبر من إنه يشوفك خايفة أو زعلانة، و هيرجعلك علشان متزعليش"
بنفس البكاء ردت عليه هي:
"لأ مش هيرجع.....ياسين زعل مني بجد بسبب غبائي، بكلمه قفل في وشي....كلمه أنتَ و عرفه أني بحبه و أني غلطانة والله"
_"طب ما هو كمان بيحبك و لا أنتِ هتعلي عليه بقى؟"
تفوه بها «ياسين» حينما دلف السطح بعدما علم من شقيقتها أنها تجلس به، بينما هي ابتعدت عن «وليد» تنظر خلفها فوجدته يقف بشموخٍ و في يده حقيبة هدايا متوسطة الحجم وهو يقول بمرحٍ:
"طب أروح ولا إيه؟ مش هتسلمي عليا و لا لسه زعلانة مني؟"
هبت واقفة ثم ركضت نحوه تحتضنه بقوة وهي تبكي، رفع يده هو الآخر يحتضنها وهو يقول بمرحٍ:
"كفاية عياط بقى يا كتكوتة، جرى إيه يا خديجة بتعيطي ليه"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
"علشان كنت خايفة عليك و علشان بحبك و علشان كنت فكراك زعلان مني"
_"حتى لو زعلان بعد الحضن دا مقدرش أفضل زعلان، و بعدين يعني هو أنتِ تعرفي عني أني جاحد علشان أقسي قلبي عليكي"
تفوه بها هو بمعاتبةٍ وهو يربت بيده الحُرة على ظهرها، فحركت هي رأسها نفيًا بيأسٍ، بينما «وليد» وقف وهو يقول بمرحٍ:
"طب الحمد لله سمعوني سلام الصلح خير قوم نتصالح"
ابتسم «ياسين» باتساعٍ وهي حركت رأسها بيأسٍ منه، فأضاف هو:
"أنتَ مش هينفع تروح علشان أنا محتاجك، تروح شغلك بكرة و ترجع على هنا و خديجة هتفضل هنا علشان متقلقش"
أومأ له «ياسين» موافقًا وهو يقول بقلة حيلة:
"أنا اتدبست فيك شكلي كدا، بس عيوني ليك، شوف عاوز إيه و أنا معاك فيه"
ربت على كتفه وهو يقول مُبتسمًا:
"دا العشم يا غالي، تصبح على خير بقى علشان أسيبك تعبر عن أحاسيسك للكتكوتة براحتك، عارف أنا اللحظات دي، بتبقى جياشة"
رد عليه «ياسين» بحنقٍ:
"غور من هنا يالا، دا أنتَ قليل الأدب صحيح"
ضحك «وليد» بقوة ثم خرج من أمامهما، بينما هو طالعها بين ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
"أنتِ نمتي ولا إيه يا ست الكل؟"
ابتعدت عنه وهي تجاوبه بنبرةٍ هامسة:
"لأ أنا صاحية بس مش مصدقة إن بعد الخوف دا كله أنتَ معايا، إحساس كان صعب أوي أني ممكن أخسرك أو أني اتحرم منك، و بعدين ليه كلمتك مردتش عليا؟"
قالت جملتها المتسفسرة بعتابٍ واضح في نظرتها و نبرتها فوجدته يعتدل في وقفته و هو يبتعد عنها ثم أمسك كفها يسير بها نحو الأريكة يجلسا عليها فوجدته يمد يده يكفكفُ دموعها وهو يقول بهدوء:
"اللي حصل دا مع شدة الأعصاب و الخوف و القلق على وليد، كل دا كان موقف مخي خالص، و جه زعلك مني كمل عليا، ممكن أكون اتصرفت غلط من وجهة نظرك دا لانك ست حكمتي بمشاعرك و أنا مش بلومك لأن دي فطرة، لكن أنا راجل و حسبتها بعقلي، لو كنت فكرت زيك بمشاعري كان زماني مصحيكي و بشاركك خوفي و قلقي و ساعتها خوفك كان هيخوفني زيادة و يشل حركتي يا خديجة، أنا اللي خلاني اتصرف كدا حبك لأخوكي اللي لو كان حصله حاجة بسببي كنت شيلت ذنبه العمر كله، و في النهاية مقدرش أسيبك زعلانة مني و لا أقدر أجمد قلبي عليكي"
ردت عليه هي بتعجبٍ:
"طب لما هو كدا ليه مردتش عليا؟ ليه سِبت دماغي تلعب بيا"
رفع الحقيبة في يده وهو يقول بقلة حيلة:
"علشان كنت بجبلك دول يا خديجة، أنتِ كنتي بتتصلي بيا و أنا واقف بنقيهم و مش فاهم حاجة، علشان كدا قفلت في وشك"
مسحت دموعها بكفيها معًا وهي تسأله بنبرةٍ حائرة:
" وهما دول إيه أصلًا، و ليه كنت بتنقيهم"
مد يده لها أكثر بالحقيبة و هو يقول ببمسةٍ هادئة رُسمت على وجهه:
"شوفيهم كدا علشان دول ذوقي أنا، ممكن ميعجبوكيش بس أنا واثق إنك بتحبي ذوقي"
اخذت منه الحقيبة بهدوء تتفحص محتوياتها و سرعان ما شهقت بقوة تزامنًا مع اتساع حدقتيها حينما رآت ما جلبه لها، بينما هو ابتسم باتساع وهو يرى فرحتها، حينها أخرجت هي محتويات الحقيبة فوجدت بها مجموعة عرائس كرتونية شهيرة عبارة عن ٦ عرائس و كلهن من أجود الأنواع، رفعت رأسها تطالعه بفرحةٍ كبرى وهي تقول بنبرةٍ مختنقة من شدة مشاعرها المتأثرة:
"إيه دا يا ياسين، كلهم علشاني أنا؟ كل العرايس الحلوة دي ليا بجد؟"
أومأ لها موافقًا وهو يقول بنفس النبرة الهادئة:
"آه كلهم ليكي، هيكونوا لمين يعني؟ المهم عجبوكي يا خديجة"
أومأت له موافقة وهي تقول بفرحةٍ ظهرت في تعابير وجهها و نبرتها:
"أوي يا ياسين، عجبوني أوي، دول كل أبطال الكارتون اللي بحبهم، دول حلوين أوي"
سألها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"طب عرفيني عليهم بدل ما أنا جاهل كدا و شكلي كان زفت و أنا واقف أختار و مش عارف حاجة"
مسحت وجهها بكفها ثم أشارت له على أول واحدة وهي تقول بمرحٍ و كأنها طفلة صغيرة تشارك والدها دميتها الجديدة:
"دي أول واحد اللي شعرها طويل ربانزل، دي أميرة عندها قوة سحرية في شعرها، و تاني واحدة دي فروزن ملكة التلج، و تالت واحدة دي بقى اسمها موانا بحبها أوي، و رابع واحدة دي سنو وايت طبعًا غنية عن التعريف، خامس واحدة دي تنة و رنة أكيد عارفها علشان جبناها قبل كدا؟"
أومأ لها موافقًا وهو يقول بمرحٍ:
"طبعًا عارفها و هي دي تتنسي؟ هي و الواد بيتر بان صاحبها دا، عيل رجولة خلي بالك"
ابتسمت له وهي تنظر للعرائس من جديد لكنها قطبت جبينها بحيرةٍ وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
"هو أنا كدا عارفاهم كلهم، بس الأخيرة دي مش كارتون، يعني عروسة عادية مش عارفة اسمها بصراحة، بس شكلها حلو أوي"
قالتها بنفس الفرحة البادية عليها مما جعله يأخذها من أمامها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"دي بقى يا ستي خديجة، عروسة حلوة زيك كدا عندها قوة سحرية في عينها و قلبها، لا بتعرف تزعل و لا بتعرف تكره، عينها بني و شعرها طويل و لونه أسود و لابسة أسود، كلهم كارتون بس هي حقيقية و قدام عيني، يمكن كلهم معروفين بس هي نجمة في سمايا أنا بس"
طالعته بدهشةٍ ممتزجة بالعاطفة بعدما سمعته يتحدث عنها فوجدته يقترب منها يقبل قمة رأسها ثم تبع فعلته بقوله الهادئ
"أنا فرحتي إنك معايا زي فرحة الطفل الصغير بلعبته الجديدة، بس الفرق إن أنا ناضج و مكتفي بيكي من كل حاجة، و أنتِ ليا كل حاجة"
احتضنته بحبٍ وهي تبكي من جديد ورافق بكاؤها قولها:
"أنا كل يوم بحبك أكتر و كل يوم بتأكد إن أنا مش هينفع أعيش مع حد غيرك، علشان خاطري متخلنيش أخاف عليك تاني"
ربت هو على ظهرها بحنانٍ وهو يقول معتذرًا لها:
" حاضر و الله، على قد ما أقدر هحاول أبعد عنك الخوف، بس دا بيكون غصب عني يا خديجة"
شددت عناقها له وهي تقول بنبرةٍ يشوبها مرحٍ طفيف:
"أنا لو زعلتك تاني افتح تربة و ادفني فيها أسهل، علشان دي قلة أدب مني بصراحة"
ضحك هو على جملتها وهو يربت على ظهرها، ثم رفع رأسها له تطالعه بعدستيها وهو يقول بشجنٍ:
"تُـشـبُهـينَ قَــمّـرٌ رُزقــتَ بِــه لِـيـؤنِــس وِحــدَتــي... أو كَـنـجـوم الـسـمـاءِ أضــاءت لَـيـلـي و أنّــارتْ عَــتـمـتـي"
زادت دهشتها أكثر فوجدته يغمز لها بطرف عينه وهو يقول بمرحٍ كعادته:
"خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
أومأت له بقوة ثم احتضنته من جديد وهي تتشبث به بقوة، فتنهد هو بأريحيةٍ ثم طبع قبلة هادئة على رأسها وهو يقربها منها أكثر.
_______________________
في الأسفل في شقة «محمود» تحدث هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"يلا يا هدير ادخلي اوضتك علشان ترتاحي من العياط اللي عيطتيه النهاردة دا"
طالعه «حسن» بقلقٍ وهي باستنكارٍ واضح، فوجدته يقول:
"إيه يا هدير مش هتنامي في أوضتك ولا إيه؟"
ردت عليه هي بترددٍ بعدما نظرت لـ «حسن»:
"لأ يا بابا أنا هروح مع حسن، مش هنام هنا"
طالعها والدها بتعجبٍ وهو بحيرةٍ، فأضافت هي مؤكدة:
"حسن عنده شغل بكرة و يدوبك نروح علشان يريح شوية، أصلًا هنتحرك دلوقتي"
سألها «محمود» بنبرةٍ حزينة:
"يعني أنتِ مش هتباتي معايا؟ أنا فاكرك جاية تقعدي هنا علطول، بس طالما هتمشي خلاص"
تبدلت نظرتها إلى الحزن وهي تطالع والدها بأعين دامعة، فوجدته يقول:
"هدى هتنام مع جوزها فوق علشان فيه حقنة بتاخدها الفجر، و أنا هبات لوحدي، بس مش مشكلة"
شعرت بالحيرة لا تدري ماذا تفعل وكلاهما في حاجةٍ لها، أمعن هو النظر في وجهها و حينما رآى تخبطها و حيرتها تحدث يقول بنبرةٍ هادئة:
"مفيش مشاكل يا هدير، باتي هنا النهاردة و أنا بعد الشغل هاجي أخدك، علشان عم محمود ميزعلش"
طالعته هي بدهشةٍ من حديثه و موقفه الذي يتنافىٰ مع حديثه صباحًا، فتابع هو قائلًا:
"أنا همشي دلوقتي علشان هنزل بدري بكرة و بعد الشغل هعدي عليكي، عاوزة حاجة"
تدخل والدها يقول بنبرةٍ هادئة:
"معلش يا بني بس أنا مش هقبل كدا، يا تاخدها معاك، يا تبات هنا مع مراتك يا حسن، مفيش حل تاني"
نظرا له كليهما بتعجبٍ فقال هو مقررًا:
"ها اختار تاخدها و تمشي على بيتك و لا تنام هنا في بيتك برضه؟"
رد عليه يجاوبه بترددٍ:
"دا شرف ليا والله، بس أنا مش عامل حسابي على بيات هنا، حتى هدومي مش معايا"
تحدثت هي بحماسٍ:
"أنتَ ماشاء طول بعرض زي وئام و طارق، و وئام ليه هدوم هنا البس حاجة منهم لحد الصبح، طول عمركم بتلبسوا مع بعض"
قبل أن يرد عليها تدخل «محمود» يقول بمرحٍ طفيف:
"أهيه حليتها ليك يا حسن، أظن مش أول مرة تلبسوا سوا، دا أنتو خناقتكم على الهدوم كانت مسمعة في بيت الرشيد كله"
ابتسم هو بهدوء ثم حرك رأسه موافقًا حينما رآى فرحتها، و بعد مرور دقائق بدل هو ثيابه بأخرى بيتية من عند صديقه ثم دخل غرفتها التي سبقته هي نحوها، دلفها بهدوءٍ فوجدها تجلس على الأريكة الصغير تنتظره، و حينما دلف هو هبت واقفة وهي تقول بإحراجٍ منه:
"أنا آسفة على الموقف دا بس أنا بابا صعب عليا علشان هيبات لوحده، و الله كنت هروح معاك بس هو حيرني أنا آسفة"
ابتسم هو لها وهو يقول بمرحٍ:
"إيه الأسف دا كله يا حجة، حصل خير مفيش حاجة لكل دا، أنا مقدر موقفه علشان كدا قولتلك باتي معاه، هو برضه صعب عليه يتعود على العيشة لوحده بعد العمر دا كله"
سألته هي بتلهفٍ:
"طب و أنتَ ؟ يعني اقصد عايش لوحدك برضه"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"علشان اتعودت خلاص، لكن هو حاجة جديدة عليه"
أومأت له بتفهمٍ فوجدته يتفحص غرفتها بنظره وهو يقول بمرحٍ:
"بس رايقة أوضتك بصراحة، لون بتنجاني و فرع نور و كهارب، و إيه المراية اللي كلها لُمض دي؟"
نظرت له باشمئزازٍ واضح وهي تقول ساخرةً منه:
"حرام عليك ضيعت الاوضة بكلامك دا، دا لون لافندر يا حسن، و دي مش كهارب دا نور عادي زي الديكور كدا، و دي مرايا ديكور برضه و دي مش لُمض، دي لمبات ليد"
رد عليها هو بسخرية:
"لأ أنا مش جاي أخلص ورق الاقامة، أوضة عادية زي أوض البنات اللي بشوفها على النت"
سألته هي بنبرةٍ ذات مغذى:
"وهو أنتَ بتشوف صور أوض البنات اللي على النت ليه؟ فاتح معرض موبيليا؟"
حرك كتفيه ببساطة وهو يجاوبها مردفًا:
"علشان أنا خريج فنون تطبيقية يعني التصوير و الديكور دا لعبتي أصلًا، شكلك بتنسي"
أومأت له بتفهمٍ فوجدته يقول بهدوء:
"أنا خايف بصراحة تنامي هنا تكرهي شقتي و تحسي بالحنين لأوضتك"
ردت عليه هي تنفي حديثه:
"خالص متقولش كدا، شقتك ليها جو تاني بروح تانية كدا صعب تتقارن بمكان تاني، فيها روح كدا"
_"آه عارفها روح مشمشة، عاملة حس كدا في المكان"
رد عليها هو بذلك بطريقةٍ جادة جعلتها تضحك بقوة على طريقته حتى عادت برأسها للخلف، فـ هام هو بنظره في وجهها وهي تضحك عليه، و حينما لاحظت نظرته بها، حمحمت بقوة حتى تلفت نظره لها، فوجدته يُجلي حنجرته ثم سألها بنبرةٍ جامدة:
"معلش سرحت شوية، هو سريري فين لو سمحت ؟"
حركت كتفيها ببساطة وهي تجاوبه بقلة حيلة:
"للأسف هو سرير واحد في الأوضة، بس فيه أوضة تانية فيها كنبة بتتفرد سرير لو مش حابب تنام هنا"
رد عليها هو بضيقٍ زائف:
"يا خسارة، يعني الأوضة دي مفيهاش غير سرير واحد بس ننام عليه"
أومأت له موافقة فوجدته يبتسم باتساعٍ وهو يقول بمرحٍ:
"و أنا نقطة ضعفي بصراحة الأوضة اللي فيها سرير واحد"
حركت رأسها نفيًا بيأس بمعنى لا فائدةً منك، فوجدته يمسك يدها حتى اقترب من الفراش وهو يقول بهدوء:
"يلا علشان هروح الشغل بكرة مكان ولاد عمك و عاوز أنام، و أنتِ كمان تعبتي من الصبح"
أومأت له موافقة ثم تمددت على الفراش بجانبه وهو الأخر تمدد بجوارها، تركت هي مسافةٍ بينهما فوجدته يختصرها بجسده ملتصقًا به حتى يأخذها بين ذراعيه طالعته هي بسهامها فوجدته يقول بمرحٍ:
"بلاش البصة دي علشان مع أول لسعة برد من التكييف بتتعلقي فيا طول الليل، أنا بقول تتعلقي من دلوقتي علشان شكلك ميبقاش وحش"
ضحكت هي على طريقته ثم أضافت:
"نفسي أفهم جايب البجاحة دي منين؟ طب متكسفنيش على الأقل علشان منظري"
رد عليها هو بلامبالاة:
"هي أشكالك مش عاوزة غير كدا علشان ميقاوحوش، و بعدين هتنامي بالأدب و لا أجيب روح مشمشة و تنامي بقلة الأدب؟ واضح إن الدوغري بيزعل"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"هو المفروض أني ازعل من كلامك و أخد موقف بس كلامك بيضحكني أوي يا حسن، أنا بحب طريقتك أوي علشان عفوية"
وضع يده على رأسها وهو يقول بمشاكسة:
"و أنا كمان بحبني ربنا يحميني و يكرمني و يبارك فيا يا رب"
ردت عليه هي بيأسٍ منه و لازالت نبرتها ضاحكة:
"ما شاء الله كمان نرجسي، عندك إيه تاني يا أبو علي؟"
رد عليها هو بهدوء:
"عندي كتير أوي، خليكي معايا بس و أنا هبهرك بيا"
أمام نبرته تلك وجدت نفسها تطالعه بحيرةٍ، لا تدري لماذا شعرت و كأنه يطلب منها البقاء بتوسلٍ حتى نظرته تطلب وجودها، حينها وجدته يقبل رأسها ثم حدثها بنبرةٍ خافتة:
"تصبحي على خير يا هدير"
أومأت له موافقة وهي تقول بنبرةٍ خافتة تماثل نبرته:
"و أنتَ من أهل الخير يا رب يا حسن"
_____________________
في شقة «مرتضى» جلس «وليد» في شرفة الشقة و هو يفكر فيما حدث و في والدة «راشد» حينما جلبها إلى ذلك البيت، زفر بقوة وهو يفكر فيما هو آتٍ، و لكنه شرد في موقف عمته معه، وهو يفكر كيف لمنبع القسوة أن يكون حصنًا منيعًا يدافع عنه بتلك الطريقة، حديثها و لهجتها الحادة و سهامها الموجهة نحو «راشد» كانت لأجله فقط، وجد نفسه يبتسم تلقائيًا وهو يتذكر هيئتها اليوم، و قبل أن يغوص في تفكيره أكثر من ذلك، صدح صوت هاتفه برقمٍ انتظره هو منذ عدة ساعات، و بمجرد ضغطه على زر الإيجاب وصله الرد بهدوء:
"زي ما توقعت بالظبط يا وليد، اللي أنتَ قولته حصل، بس جهز نفسك علشان ابراهيم شكله هيجيلك بكرة بالكتير"
ابتسم هو باتساعٍ وهو يقول بتريثٍ:
"يا مرحب بـ هيما، و أنا مستعد ليه بصراحة"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل العشرون
ظفرتُ بكِ لتصبحين قمري...فـغدوتي خير ما مر في عمري.
___________________
الآن أنا من يختار الطريق و طريقة السير، عملًا بمقولة المؤمن لا يُلدغ من جحرٍ مرتين، و أنا شخصٌ عاقل أتعلم من أخطائي و أقوْم مساراتي، فإذا كتب عليَّ عيش الحياة بالإجبار، أنا من للنهاية سيختار.
في صباح اليوم التالي بعد ليلةٍ عصيبة مرت على الجميع في توترٍ و قلقٍ عصف بهم و بقلوبهم حتى زارهم النوم في نهايتها، نزل «ياسين» من شقة حماهُ حتى يذهب إلى عمله، فوجد «وليد» يقف مجاورًا للمصعد، و بمجرد التقاء وجهيهما مع بعضهما نظر له «ياسين» بملامح وجهٍ ساخرة وهو يقول:
"خير على الصبح رايح تهبب إيه تاني، ها سمعني علشان ألحق اتصرف"
ابتسم له و هو يجاوبه بمرحٍ:
"خليك لـ بليل علشان شايلك للتقيلة، بس قولي صحيح هو أنتَ قولتلي قبل كدا إن الحج بتاع قانون صح؟"
قطب جبينه يسأله بتعجبٍ:
"حج ؟ حج مين دا و بتاع قانون إزاي؟"
رد عليه هو مُردفًا بمرحٍ:
"الحج رياض أبوك، مش قولتلي إنه خريج كلية حقوق، مدير شئون قانونية؟"
طالعه بوجهٍ ممتعض وهو يرد على حديثه:
"بغض النظر عن طريقتك الزفت دي، بس آه أبويا مدير شئون قانونية و اشتغل محامي فترة قبل ما يمسك المصنع اللي هو شغال فيه"
_"حلو أوي كدا، عاوزك تديني رقم الحج علشان أكلمه، محتاجه"
تفوه بها «وليد» مسرعًا بنبرةٍ متحمسة جعلت الآخر يطالعه بسخريةٍ و هو يقول:
"هو لو سلسال عيلتنا مزعلك في حاجة أنا ممكن اقضي عليها المهم إنك ترتاح، يعني مش مكفيك أنا كمان عاوز أبويا ؟"
ربت على كتفه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"طب يلا روح على شغلك علشان تيجي تلحقني بليل، و ابعتلي رقم الحج على واتساب"
زفر «ياسين» بقوةٍ ثم بدل ملامحه إلى أخرى وهو يبتسم له باستفزازٍ تزامنًا مع حركة رأسه بموافقةٍ، ثم تحرك من أمامه دون أن يتحدث بـ حرفًا واحدًا، نظر «وليد» في أثره وهو يبتسم باتساعٍ وهو يقول:
"الواد دا الله يصبره عليا، بس حظه إن وقع فيا و في أختي، نصيبك يا ابن الشيخ"
في شقة «محمود» استيقظ «حسن» مُبكرًا على غير عادته بعدما أيقظته هي حتى يذهب لعمله، ثم تركته يبدل ثيابه بأخرى عملية عبارة عن حِلةٍ باللون الرمادي أسفلها قميص باللون الأبيض ناسبت جسده و طوله، بينما هي طرقت باب الغرفة بهدوء ثم دخلتها بعدما سمح هو لها، دلفت و في يدها حامل طعام صغير، حرك رأسه هو مستفسرًا وهي تقترب عليه، فوجدها تبتسم له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"صباح الخير يا حسن، عرفت تنام هنا كويس؟"
ابتسم هو لها وهو يقول بمرحٍ:
"رغم انها أوضة سرير واحد و أنا مبعرفش أنام غير على سرير لوحدي بس يلا أهيه ليلة و اتقضت"
حركت رأسها نفيًا بمعني لا فائدةٍ منك بيأسٍ ثم اقتربت منه تضع الطعام على الطاولة الصغيرة بعدها وقفت أمامه من جديد تهندم ثيابه بيدها وهو يطالعها باندهاشٍ ثم قامت بغلق الزر الثاني وهي تقول بنبرةٍ جامدة:
"كدا أحسن على فكرة، الزرار وهو مفتوح شكله مش حلو خالص، خاصةً إنك ليك مركزك"
رد عليها هو ببراءةٍ:
"بس مدام نيفين بتاعة شركة الميكب قالتلي إن شكله حلو كدا، علشان كدا بسيبه مفتوح"
تبدلت نظرتها إلى الجمود و الدهشة معًا، فوجدته يضحك بقوة ثم اقترب منها وهو يقول بنبرةٍ هامسة:
"متزعليش كدا، علشان مفيش مدام نيفين أصلًا، بس لو عاوزاني أقفله كله أنا معنديش مانع، أنا بس كنت بناغشك"
ابتسمت له رغمًا عنها وهي تقول بقلة حيلة:
"أنا قربت اتشل منك يا حسن، بس براحتك يعني اللي أنتَ تعوزه في النهاية دا لبسك أنتَ"
ابتسم لها وهو يرد عليها مُعقبًا:
"وأنا هلبسه زي ما أنتِ شوفتيه عليا، بس قوليلي إيه اللي أنتِ داخلة بيه دا"
تحدث وهو يشير برأسه نحو الطعام الموضوع على الطاولة فالتفتت هي تنظر نحو اشاراته ثم وجهت بصرها نحوه من جديد وهي تبتسم قائلةً:
"دا الفطار يا سيدي، بابا فطر قبل ما ينزل الشغل مع عمامي و أنا جبتلك الفطار قبل ما تنزل، بما إنه أول يوم شغل ليك بعدما ...بعدما اتجوزنا يعني"
قالتها بخجلٍ وهي تخفض رأسها فوجدته هو يقترب منها ثم طبع قبلةً هادئة فوق رأسها و رافقها بقوله الهادئ:
"شكرًا يا هدير، رغم أني مبفطرش أول ما أصحى من النوم، بس أنا عمري ما هكسفك، بس تفطري معايا"
ابتسمت وهي ترد عليه:
"هفطر معاك ازاي بس، هما سندوتشات جبنة و شاي بلبن، افطر علشان متتأخرش، أحمد رن عليا علشان تروح معاه"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بإصرارٍ:
"أنا حفظتك خلاص لو مفطرتيش دلوقتي قصادي يبقى مش هتفطري خالص، يلا علشان نفطر سوا طالما عاوزاني أفطر أنا كمان"
أومأت له موافقة ثم حملت الطعام في يدها من جديد وهي بقلة حيلة:
"أمري لله، تعالى نفطر سوا برة و خلاص"
____________________
في الأسفل وقف «وليد» ينتظر رفيقي دربه «وئام» و «طارق» فجأة نزل كليهما له في المصعد و أول من تحدث كان «طارق» حينما قال مستفسرًا بضيق:
"ها يا أستاذ وليد على الصبح، خير هنروح فين دلوقتي؟"
ابتسم له وهو يقول بتريثٍ:
"هنروح طالعة حلوة فيها أكشن على الصبح"
رد عليه شقيقه بحنقٍ:
"نعم على الصبح ما تلم نفسك بقى، احنا لسه مفوقناش من خضة امبارح، و الحوار كله ميخصناش"
رد عليه هو بنبرةٍ غير مبالية:
"أنا بقول تخليك أنتَ يا وئام علشان ابنك اللي جاي في السكة دا، و أروح أنا و طارق"
تدخل «طارق» يقول منفعلًا:
"نــعم يا خويا !! وهو أنتَ خايف على أخوك و أنا أولع يعني؟"
أومأ له «وليد» موافقًا ثم أضاف مؤكدًا بوقاحة:
"أيوا علشان هو أخويا لكن أنتَ ابن عمي، و بعدين هو هيبقى بابا، أنتَ عملت حاجة تخليك بابا؟"
حاول «وئام» كتم ضحكته بعد حديث شقيقه الوقح، في حين ذلك اقترب منه «طارق» يمسكه من تلابيبه وهو يهمس بنبرةٍ جادة:
"يمين بالله لولا الدم اللي بيننا لـ كنت دفنتك هنا تحت الأسانسير يا حيوان يا سافل"
ابتسم له باستفزازٍ وهو يقول بمرحٍ:
"عيب يا طارق احنا ولاد عم و بيننا نسب يا جدع، أنتَ أخو مراتي و أنا أخو مراتك، يعني احترمني و وفر طاقتك للمشوار اللي رايحينه دا"
تدخل «وئام» يبعدهما عن بعضهما وهو يقول بلهجةٍ حادة:
"أيوا بقى مشوار إيه دا؟ أنا عاوز أفهم"
ابتسم له باستفزازٍ وهو يقول:
"مشوار صغير مش هياخد مننا وقت، كله على بعضه كأنه ورا بيتنا"
نظر له كليهما بتعجبٍ فقال هو مُردفًا بنبرةٍ واثقة:
"عيب عليكم، ثقوا في ليدو"
_______________________
في شقة «خالد» ارتدى ثيابه حتى يذهب إلى عمله، و قبل أن يخرج من غرفته وجد زوجته تدلف وهي تقول بنبرةٍ قلقة:
"يا خالد أنتَ لسه تعبان و جسمك بيوجعك، بلاش تنزل النهاردة و خليك ريح شوية"
رد عليها هو مُردفًا:
"أنا كويس والله مش مستاهلة، و بعدين أنتِ المرهم اللي حطتيه امبارح دا حلو و خدت مسكن يعني الدنيا تمام"
سألته هي بلهفةٍ:
"بجد؟ يعني أنتَ مش بتقول كدا علشان تطمني و خلاص؟"
اقترب منها يقول هامسًا:
"لأ مش بقول كدا علشان أطمنك، أنا فعلًا بقيت كويس والله، كفاية سهرك جنبي طول الليل علشان تخلي بالك مني، دي لوحدها تخليني محسش بحاجة"
ابتسمت له بحبٍ وهي تقول:
"لو مسهرتش علشانك و علشان يونس هسهر لمين يا خالد، الحمد لله إنك رجعت بالسلامة، بس دراعك الجرح فيه كبير على فكرة، هو آه مش مستاهل خياطة بس كبير"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
"أنا عارف، بس الحمد لله هو مش شادد عليا، و بحركه كويس"
أمعنت النظر في وجهه فوجدت القلق باديًا عليه بوضوح، لذلك سألته مستفسرة:
"مالك يا خالد شكلك قلقان أو متضايق، فيه حاجة حصلت تاني زعلتك؟"
زفر هو بقوة ثم رد عليها بنبرةٍ حائرة:
"أنا هقولك علشان مش هخبي حاجة عليكي، بس أنا قلقان على ياسين و ياسر"
_"ياسين و ياسر؟! اشمعنا هما عملوا حاجة تخوفك كدا"
سألته هي بذلك بنبرةٍ متعجبة، بينما هو رد عليها مُردفًا بتريثٍ:
"ياسين و راشد في مكان واحد تخليني أخاف عليه و مش ضامن أبوه ممكن يتصرف ازاي، و ياسر و اللي عمله في ابراهيم دا خوفني عليه لو سمير ظهرله، كان واضح إنه مغلول أوي من أبوه و ما صدق لقى نسخة منه طلع فيها الغل دا، أنا مش عارف أعمل إيه بس عامر قالي إنه هيتصرف في حوار ياسين النهاردة، إنما ياسر دا وجعه صعب و أنا مش عارف أساعده"
زفرت هي بقلة حيلة ثم أضافت تطمئنه:
"أنا حاسة بيك علشان أنتَ علطول شايل مسئوليتهم و دي أكتر حاجة بحبها فيك، بس عاوزة أقولك حاجة كمان إن وجودكم مع بعض يا خالد بيعدي حاجات كتير أوي و أكيد مش أنا اللي هقولك يعني، خليكم مع بعض يا خالد علشان كل حاجة تعدي و أنتم سوا"
أومأ لها موافقًا ثم أخذها بين ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ مُحبة:
"أنا عاوزك أنتِ بس معايا علشان أقدر أعدي كل حاجة يا ريهام، زي ما كل الوحش نسيته علشانك"
قبل أن ترد عليه صدح صوت صغيرهما وهو يصرخ باسمها، خرجت من بين ذراعيه بخجلٍ فوجدته يحرك رأسه بيأسٍ وهو يقول ساخرًا:
"روحي شوفي ضرتي بتصوت ليه على الصبح، روحي بدل أرميه قصاد باب جامع"
ضحكت على حديثه وهي تنسحب من أمامه بينما هو نظر في أثرها وهو يقول ساخرًا:
"أنا شكلي اتسرعت لما جبت الواد دا"
في شقة «ياسر» كانت زوجته أمامه تقوم بتمضيض جرحه الواقع فوق حاجبه الأيسر، وهو يضحك على تذمرها لذلك سألها بمرحٍ:
"إيه يا ستي مالك مكشرة و عمالة تبرطمي بإيه؟"
طالعته بغيظٍ وهي تقول:
"مفيش، بس الواد اللي ضربك دا كان مركز على العين، و بص تحت عينك أزرق ازاي؟"
ابتسم هو باتساعٍ وهو يقول:
"وهو أنتِ بقى خوفتي عليا علشان كدا زعلانة"
_"لأ طبعًا بس عيونك الزرقا لو كان حصلها حاجة هجيب زيها منين، أنتَ ناسي إنك أخر قطعية"
ردت عليه هي بذلك بطريقةٍ جادة جعلته يطالعها بجمودٍ و قبل أن يتركها و يذهب و جدها تمسكه من يده وهي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
"بهزر معاك يا ياسوري أكيد طبعًا خوفت عليك، دا أنا روحي كانت هتطلع وراك لما مشيت، و بعدين أنا عمالة أجيب الموضوع بهزار علشان لو ركزت هعيط"
تهدج صوتها في كلمتها الأخيرة و فجأة هطلت دموعها بغزارة وهو يطالعها باندهاشٍ، و سرعان ما أخذها بين ذراعيه وهو يقول بحنانه:
"بس متعيطيش خلاص، أنا قصادك أهو و زي الفل و رجعتلك تاني صحيح مضروب في وشي بس أحسن من مفيش"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
"أنا بخاف أبقى لوحدي و بخاف حد يموت، علشان كدا عاوزاك علطول معايا لا تسبني لوحدي و لا تعمل حاجة وحشة في نفسك"
ربت هو على كتفها وهو يقول بنفس الطريقة:
"و أنا معاكي متخافيش يا إيمان، و بعدين هبعد عنك أروح فين بس، دا أنا مليش غيرك باقيلي"
ابتعدت عنه تطالعه بأعين دامعة وهي تقول بنبرةٍ مهتزة:
"ياسر حتى لو حصل و زعلت مني ممكن دا يخليك تبعد عني؟"
طالعها هو بريبةٍ وهو يقول:
"ليه بتقولي كدا يا إيمان؟ هبعد عنك ليه بس"
مسحت دموعها وهي تقول بتوترٍ:
"أنا بسأل عادي يعني علشان...علشان أنا عصبية و ممكن أزعلك مني، ينفع أنتَ متبعدش عني لما تزعل مني؟"
اقترب منها ثم مال عليها يقبل وجنتها وهو يهمس بهدوء:
"و أنا مقدرش أبعد عنك يا إيمان و لو بعدت عنك اتأكدي أني هرجعلك بنفسي من تاني، و دا وعدي ليكي"
احتضنته وهي تقول بمرحٍ:
"أحلى واحد بعيون زرقا يوعد و يوفي بوعده ليا، بحبك يا ياسوري"
ابتسم هو باتساع حينما رآى تغيرها ثم قال بمرحٍ:
"و أنا كمان و الله، بس حاسبي بقى علشان الشغل أنا مروحتش امبارح و كدا مينفعش"
_______________________
في شقة «عامر» وقف هو بجانب زوجته في المطبخ وهي تقوم بتحضير الطعام، فتحدث هو بحنقٍ:
"خلصي يا سارة علشان خالد لو اتأخرت هيسبني و يمشي"
ردت عليه هي منفعلةً بنفس الحنق:
"متعصبنيش على الصبح بقى، قولتلك أعملك جبنة رومي و فينو و أنتَ اللي مصمم على عيش بلدي و بطاطس محمرة على الصبح، أعملك إيه طيب"
_"أنتِ بتزعقيلي ليه؟ أنا محدش يزعقلي كدا غير خالد بس"
رد عليها هو بذلك حانقًا على طريقتها، بينما هي وجهت المصفاة الحديدية في وجهه وهي تقول بضيقٍ منه:
"أسمع علشان أنا تعبت بجد بقى، و حاسة كأني عايشة مع عيل صغير، تكبر و تعقل كدا بدل الهبل دا، ماشي؟"
اقترب منها يقول بنفس الصوت المرتفع:
"آه شكلك عاوزة تقلبيها خناق على الصبح، لو عاوزة قولي آه"
_"آه يا عامر طالبة معايا خناق على الصبح، و أدي المصفاة أهو من غير سلاح"
ردت عليه بذلك وهي تترك ما بيدها، بينما اقترب هو منها أكترٍ وهو يقول بخبثٍ:
"طالما خناق بقى و من غير سلاح يبقى ابعدي عيونك عني"
سألته ببلاهة وهي تطالعه بتعجبٍ:
"اشمعنا يعني؟"
غمز لها بطرف عينه وهو يجاوبها بمرح:
"هو أنتِ متعرفيش إن عيونك عليا أخطر من السلاح، و أنتِ شبه الفاكهة تتاكلي زي التفاح؟ شكلك كدا متعرفيش"
ضحكت هي بقوة على حديثه ثم حركت رأسها نفيًا وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
"مفيش فايدة فيك، عامر هو عامر عمره ما هيتغير"
غمز لها وهو يشبك كفيه خلف ظهرها قائلًا بمرحٍ:
"طب بذمتك لو اتغيرت أنتِ هتفرحي؟ ممكن أوريكي عامر تاني خالص أنا مبحبهوش و أنتِ مش هتحبيه، يبقى خلينا فـ عامر اللي بنحبه بقى"
ضحكت وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
"لأ و على إيه بقى خلينا في عامر اللي بحبه و بموت فيه كمان و لا تزعل نفسك"
احتضنها وهو يقول ببساطة:
"شوفتي الحياة بسيطة ازاي بقى؟ ليه نزعل و ليه نتضايق أصلًا، روحي يا بنتي جهزي البطاطس و حطي كاتشب"
ابتعدت عنه نسبيًا وهي تطالعه بخجلٍ قائلة:
"للأسف يا عامر مفيش كاتشب، خلص امبارح"
_"آه قولتيلي، شكلي كدا هطلع عامر اللي هيزعلنا كلنا إن شاء الله"
رد عليها هو بذلك بنبرةٍ جامدة حينما أخبرته بنفاذ ما أراد.
بعد مرور دقائق كان «خالد» يقف بسيارته أسفل بناية «عامر» و معه «ياسر»، فتحدث الأخر يسأل بحنقٍ:
"هو فين زفت الطين كدا هنتأخر، بيعمل إيه كل دا، دا أنا مصحيه من ساعتين"
رد عليه «خالد» بضجرٍ:
"علشان أخونا بغل، عارف إننا لسه هنلف لفة سودا علشان نوصلك و نوصله و أروح بعدها و البيه بيتصل يقولي هاتلي كاتشب و أنتَ نازل"
زفر «ياسر» بقوة وهو يحرك رأسه للنافذة ينظر منها فوجده يخرج من المصعد و في يده حقيبة بلاستيكية صغيرة و اليد الأخرى هاتفه المحمول موصلًا بالسماعات الهاتفية وهو يرقص على أحد المهرجانات الشعبية، وكز «ياسر» صديقه هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"بص المتخلف عامل إزاي، شوف العته اللي احنا فيه"
حرك رأسه نفيًا بيأسٍ وهو يزفر بقوة فوجده يفتح الباب الخلفي وهو يقول بنبرةٍ عالية:
"صباح الخير يا أخواتي عاملين إيه بوشوشكم اللي شبه العرايس اللعبة دي"
التفت له «خالد» يقول بحنقٍ:
"أنتَ مش هتكبر يالا بقى؟ نازل بترقص من الأسانسير ؟! مش خايف على شكلك حد يشوفك وهما بيراجعو الكاميرات، يمين بالله لأصورك أنا المرة الجاية و ابعتها للناس في شغلك"
_"خــلــصـت رغي؟"
تفوه بها «عامر» بلامبالاة جعلتهما يطالعانه بريبةٍ، بينما هو فتح هاتفه على فيديو وهو يقول بتعالٍ:
"اتفضل يا حبيبي، متصوره في مدخل الشركة الصبح و أنا برقص، يعني مش جديدة عليهم"
نظر «ياسر» وهو يحاول كتم ضحكته، بينما «خالد» ضرب رأسه في محرك السيارة عدة مرات وهو يقول بألمٍ:
"يا ناس هموت مشلول يا ناس، أرحمني ابوس راس أمك يا جدع"
تحدث «ياسر» بقلة حيلة:
"اتحرك بس يا خالد كدا هنتأخر، دا مفيش فايدة منه"
التفت «خالد» له من جديد فوجده يفتح الحقيبة البلاستيكية ثم وضعها بجانبه على أريكة السيارة يخرج ما بها، فوكز صديقه حتى يلتفت هو الأخر، فوجداه يقوم بعمل شطائر البطاطس و كأنه يجلس في فصلًا دراسيًا، و على حين غرة رفع رأسه دون أن ينتبه لهما سابقًا وهو يقول:
"صحيح يا خالد جبت الكاتشـ....إيه يا جدعان بتبصولي كدا ليه؟ هو أنا بعمل حاجة غلط"
رد عليه «ياسر» منفعلًا:
"هو كل دا مش غلط؟ حمرت بطاطس امتى يا جاحد و احنا الساعة ٧ الصبح؟ و بعدين هو احنا طالعين المعمورة؟"
رد عليه بلامبالاة:
"أيوا يعني خالد جاب الكاتشب ولا لأ؟ مبعرفش أكل البطاطس من غيره"
أمسك «خالد» الزجاجة ثم قذفها في وجهه و هو يحدثه بلهجةٍ حادة:
"أمسك يا مهزق، لما نشوف أخرتها معاك إيه؟"
أمسك «عامر» الزجاجة ثم قام بوضع ما بها على الشطائر بعدها مد يده بواحدٍ وهو يقول:
"أمسك يا ياسر علشان مش بتعرف تاكل في المستشفى"
ابتسم «ياسر» وهو يأخذه منه، فأعاد الكرة من جديد للأخر وهو يقول بمرحٍ:
"أبو يونس حبيبنا، أمسك كُل، عارف أنا يونس طرقعلك على وشك و معرفتش تاكل منه"
التفت له «خالد» وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"عارف اللي معصبني إيه؟ إن أنا للأسف بحبك يا عامر، مصيبة سودا إني اتعودت عليك خلاص"
ابتسم «عامر» وقبل أن يرد عليه وجد هاتف «خالد» الموضوع في المكان المخصص له يصدح بمكالمةٍ من «ياسين» عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي حتى تكون المكالمة بالصوت و الصورة، اندفع «عامر» بجسده للأمام يفتح المكالمة وهو يقول بمرحٍ كطريقة الفتيات:
"ياسين حبيبي، وحشتني أوي"
ضحك عليه الأخرون فتحدث «ياسين» بمرحٍ هو الأخر:
"و أنتَ كمان وحشتني أوي يا عامر، كدا ترميني في الشارع بعد كل اللي بيننا؟"
تدخل «خالد» يقول حتى يثير غيظه:
"لأ و عاملنا سندوتشات بطاطس محمرة بالكاتشب كمان، فايتاك والله دي"
سأله «ياسين» بنبرةٍ جامدة:
"بطاطس محمرة من غيري على الصبح؟ يارب تبقى عادية"
تدخل «ياسر» يقول بمرحٍ:
"لأ عيب عليك، مقرمشة"
تدخل «عامر» يضيف هو الأخر:
"قولتلك تعالى أمشي معانا من هنا قولتلي همشي من عند حماتي، هبات في شقة حماتي، فاكر نفسك عروسة هيخرجوك بزفة ولا إيه؟"
رد عليه هو بحنقٍ:
"صبرك عليا يا ابن فهمي، لينا بيت يجمعنا علشان أطلع عينك بعون الله"
رد عليه «خالد» مسرعًا:
"طب اتكل أنتَ بقى علشان أعرف اسوق احنا لسه متحركناش، و علشان تعرف تسوق أنتَ كمان"
_______________________
على الطريق السريع كان «وئام» يقود السيارة و «طارق» بجانبه و «وليد» في الخلف يجلس بأريحية، و فجأة تحدث «طارق» حانقًا:
"يا بني احنا بقينا على طريق مصر اسكندرية و لسه مش عارفين احنا رايحين فين، يخريبك انطق بقى"
رد عليه بلامبالاة:
"وهو البعيد أعمى مش شايف الطريق يعني، تفتكر أنا هجيبك هنا تعمل إيه؟ هتزور حماتك؟"
طالعه «وئام» في المرآة وهو يسأله بتشككٍ:
"قصدك يعني علشان احنا في صحرا و عمتك مشيرة كانت حرباية ؟؟ يخربيت دماغك"
تدخل «طارق» يقول مُعقبًا:
"لم نفسك بقى يالا، دي امبارح كانت هتموت راشد علشانك، و لو شافت ابراهيم هتاكله بسنانها على اللي كان هيعمله فيك، شوفت كانت خايفة عليك ازاي؟"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ جامدة:
"عادي يعني مش مبرر، ممكن لو عصبتها تاني تحرق دمي، و ساعتها هحرق دمها أنا كمان و نفضل نقاوح قصاد بعض"
تدخل شقيقه يقول بنبرةٍ مؤكدة:
"بصراحة هي كانت خايفة عليك بجد، طريقتها و صوتها وهي بتسأل عليك كان خوف حقيقي يا وليد، و بعدين أنتَ خليت كله يسامح و أنتَ مش عاوز تسامح؟"
رد عليه هو بسخرية:
"حظكم كدا بقى، و بعدين لو هسامح و قلبي لسه شايل يبقى ملهاش لازمة، المسامحة عندي أني أمسح اللي حصل بأستيكة، و مشيرة للأسف قلم جاف صعب يتمسح من حياتي، بس أنا مش بكرهها على فكرة"
سأله «طارق» بحنقٍ:
"سيبك بقى من كل دا و عرفني احنا رايحين فين كدا على الصبح، أكيد مش رايحين نتفسح، و أكيد مش رايحين بيت اسكندرية و ليه جبنا العربية الكبيرة بتاعة عمك محمود"
رد عليه بلامبالاة:
"ابراهيم بعد كام ساعة هيصحى من النوم و يروح مع رجالته لايهاب أخوه علشان يهدد راشد يرجعله الورق، أنا بقى سابقه على هناك علشان أخد إيهاب و عياله و مراته بيتنا"
_"نـــــعــــم !!"
تفوه بها كلاهما بنبرةٍ مندهشة جعلته يبتسم بخبثٍ ثم حرك رأسه للخلف، و بعد مرور وقتٍ كبير أوقف «وئام» السيارة أمام أحد المنازل القديمة المتهالكة في أحد الأحياء الشعبية بمنطقة الأسكندرية، نزلوا من السيارة معًا فقال هو بهدوء:
"خليكم هنا علشان هو ميقلقش خصوصًا إن عنده بنات، أنا هطلع أفهمه اللي حصل و اللي هيحصل و أنزل تاني"
أومأ له كليهما بموافقةٍ فتحرك هو نحو البيت بعدما قام «زيزو» بالاستعلام عنه، دلف بهدوء و صعد الطابق الثاني يطرق باب البيت ففتحت له فتاةٍ صغيرة وهي تقول بطريقةٍ مهذبة:
"نعم يا عمو حضرتك مين؟"
ابتسم لها وهو يخفض نفسه لمستواها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا أسمي وليد، أنتِ اسمك إيه"
ردت عليه هي ببراءة:
"أسمي شروق، أنتَ تعرفني؟"
أومأ له موافقًا وهو يقول:
"آه أعرفك، أنا يا ستي ابن عمك، بس قوليلي أنتِ عندك كام سنة؟"
أشارت له بيدها على الرقم وهي تقول ببراءة الأطفال:
"أنا عندي ٨، و رايحة تالتة ابتدائي، بس ماما قالتلي أني هبقى ٩ خلاص"
حملها هو على يده وهو يقول بمرحٍ:
"يعني الفرق بينا مش كتير، أنا ٢٦ سنة يعني حلو والله أخدك أستثمر فيكي مشروع الخبث مع البت خلود"
نظرت له هي بتعجبٍ غير قادرة على إدراك ما تفوه به، و حينها خرج والدها يقول:
"مين يا شروق اللي بيخبط، و سايبة الباب مفتوح كدا ليه؟"
كان يتحدث وهو يتحرك نحو الباب و حينما رآى «وليد» تعرف عليه وهو يقول:
"مش معقول وليد الرشيد بنفسه؟ اتفضل يا حبيبي"
أنزل «وليد» الفتاة ثم وقف مقابلًا له وهو يقول:
"إزيك يا عم إيهاب عامل إيه؟ معلش أنا عاوزك ضروري"
أومأ له موافقًا وهو يقول:
"ماشي يا حبيبي، اتفضل بس ادخل جوة علشان نعرف نتكلم سوا، تعالى"
دلف «وليد» البيت بعدما أخفض رأسه للأسفل حتى لا تقع عينيه على نساء البيت، جلس هو بهدوء بعدما أشار له عمه، بعدها قال بنبرةٍ عالية:
"يا أم شهد تعالي علشان تشوفي الأستاذ وليد يشرب إيه؟"
_"أنا مش عاوز حاجة، أنا عاوزك أنتَ في موضوع مهم يخص ابراهيم أخوك"
رد «وليد» عليه بذلك بنبرةٍ قاطعة جعلته يطالعه بريبةٍ عند ذكر شقيقه.
بعد مرور ما يقرب النصف الساعة و أكثر نزل «وليد» بأسرة «إيهاب» بأكملها، اقترب منه «وئام» يسأله بنبرةٍ خافتة:
"ها طمني كل حاجة تمام؟"
أومأ له موافقًا وهو يقول:
"آه متقلقش، يلا بس علشان ابراهيم ميجيش، هو فاكرني معرفش حاجة"
رفع صوته بعدها يقول للجميع:
"أقدم لكم يا جماعة وئام أخويا الكبير، و دا طارق ابن عمنا و أخونا برضه، دا عم ايهاب و دول بناته و مراته، دي الآنسة شهد و دي الآنسة شذى و دي شروق"
تم التعارف بين الجميع، بين ابناء الرشيد و بين بنات ابراهيم الثلاثة «شهد» الفتاة الكبيرة من عمر «خديجة» و «شذى» فتاةٍ جامعية و الصغيرة صاحبة الـ ٨ أعوام، دخلوا جميعًا في السيارة الكبيرة، بينما الصغيرة وقفت بتذمرٍ وهي تقول:
" لأ أنا عاوزة أقعد جنب وليد هو قالي فوق اننا صحاب، عاوزة أقعد جنبه"
ردت عليها شقيقتها الكبرى بحنقٍ:
"عيب كدا يا شروق، هتزهقي الناس منك"
رد عليها هو بعدما ابتسم لها:
"خليها مفيش مشاكل، أنا هقعد في الكنبة التانية وهي معايا"
أومأت له الفتاةٍ بإحراجٍ، بعدها كان الجميع في داخل السيارة التي قادها «طارق» تلك المرة، بعد تحرك السيارة أخرج «وليد» هاتفه وهو يقول بصوتٍ منخفض:
"يلا يا غالي نفذ اتفاقنا، و عاوزك تزود في العيار، كيد و بجاحة مش هوصيك يا غالي"
رد عليه الأخر بخبثٍ:
"عيوني، أنا كدا كدا نفسي في كدا من الصبح"
قال جملته ثم أغلق معه الهاتف، بعدها قام بمكالمةٍ هاتفية وهو يقول:
"صباح الخير يا غالي أتمنى مكونش قلقتك من النوم، بس يا بختك صاحي على صوتي يا رب تكون عرفته"
رد عليه «ابراهيم» بحنقٍ:
"عرفتك يا ابن الشيخ، خير عاوز تتفق معايا عليهم ولا إيه؟"
ضحك «ياسين» بقوة ثم رد عليه بنبرةٍ ضاحكة:
"لسه حقير زي ما أنتَ يا هيما متعلمتش الأدب، بس معلش ملحوقة، أنا بس عاوز أقولك أفطر كويس و وفر بنزينك و متروحش لايهاب أخوك علشان كلها ساعات و يبقى منور في بيت الرشيد، عاوزك بقى بدل ما كنت هتيجي بليل تيجي أخر النهار بأدبك و ياريت تطفح حاجة، علشان محدش فينا هيأكلك"
اتسعت حدقتي «ابراهيم» على الجهة الأخرى بذهولٍ، بينما «ياسين» تحدث متشفيًا به:
"طالما سكت يبقى خدت على قفاك، بالشفا يا هيما، مستنيك أخر النهار"
______________________
في بيت آلـ «الرشيد» في الطابق الأول كانت والدة «راشد» جالسةٍ بجانب صغيرها، و الكبير معهم، و فجأة دلفت «زينب» و «مروة» و خلفهن «خلود»، و كلًا منهن تحمل في يدها واجب الضيافة، انتبهت لهن «سماح» فهبت واقفة وهي تقول باحراج:
"أنا متأسفة جدًا على تعبكم معانا من امبارح، مش عارفة أقولكم إيه؟"
ردت عليها «مروة» بودها المعتاد:
"متقوليش كدا يا سماح، دا أحنا عشرة عمر قديمة، و دا بيتك و ربنا يطمنك على رامي و يشفيه"
اقتربت «زينب» تضع الطعام على الطاولة و خلفها «خلود» وضعت العصائر، فتحدث «رامي» يقول بنبرةٍ هادئة:
"شكرًا يا خلود تعبينك معانا من بدري، كتر خيرك"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
"متقولش كدا، أنتَ ضيفنا هنا و احنا مبنقلش من ضيوفنا، و بالذات طول ما هما مقدرين البيوت اللي هما فيها"
لمحت له بحديثها عن موقفه السابق حينما حاول فتح الحديث معها و قامت هي بتعنيفه بطريقةٍ واعية مما جعله يخفض رأسه بخجلٍ بينما هي انسحبت من أمام الجميع، بينما «راشد» اقترب منهن وهو يقول مستفسرًا:
"هو وليد و الشباب فين من الصبح، أنا مستنيه و بكلمه مش بيرد عليا، و كلهم مش هنا"
ردت عليه «مروة» بنبرة خالية المشاعر:
"وليد في مشوار مهم مع أخواته و زمانهم راجعين، عاوز حاجة؟"
رد عليها هو رافضًا:
"لأ شكرًا أنا بس خايف عليهم علشان كدا بسأل، ربنا يحميهم"
في الأعلى صعدت «عبلة» تجلس مع «خديجة» فدخلت غرفتها وهي تقول بمرحٍ:
" عروستنا الحلوة عاملة إيه؟ وحشتيني يا ستي مش عارفة أقعد معاكي، إيه خلاص نسيتينا؟"
أبتسمت لها وهي تقترب منها تقول بمرحٍ:
"أنا أقدر أنساكم برضه؟ وحشتيني والله يا عبلة، اخبارك إيه؟"
احتضنتها بعد تساؤلها بينما «عبلة» ردت عليها بأسى:
"أخباري زفت طول ما أنا بحب وليد، و المصيبة أني مش هينفع أبطل أحبه"
ابتعدت عنها «خديجة» تطالعها بدهشةٍ وهي تقول:
"مالك يا عبلة شكلك مخنوق كدا ليه؟ هو وليد مزعلك أو جاي عليكي؟"
ارتمت «عبلة» على الفراش وهي تقول بنبرةٍ تائهة:
"وليد الدنيا هي اللي جاية عليه و هو طبعه مقاوح، و الاتنين قصاد بعض واحد فيهم لازم يجيب أخره، و أنا مش عاوزة وليد هو اللي يجيب أخره يا خديجة"
تنهدت «خديجة» بقلة حيلة ثم أضافت:
"أنا فاهمة كلامك يا عبلة، بس وليد معذور برضه، هو آه طريقته غلط بس هو مش عارف يكون أناني علشان كدا حاطط مصلحة الكل قصاد مصلحته هو، اللي مرينا بيه أنا وهو خلانا نعرف يعني إيه غيرنا بيتوجع و يعني إيه غيرنا محتاج حد يمد إيده، اللي اتحرم من حاجة هو اللي بيعرف قيمتها يا عبلة"
ردت عليها هي بنبرةٍ شبه باكية:
"أنا عاوزاه يخلي باله من نفسه، عاوزاه يعرف أني محتاجاه أنا كمان، مش كل الناس اللي محتاجة وجوده هينفعوه، و أهو مثال فيهم ابراهيم، و من قبلها كتير، عاوزاه يثق فيا و في الناس و يشاركهم تفكيره، وليد مش عارف يثق فيا يا خديجة و لحد دلوقتي حاطط الماضي بينا"
ردت عليها هي بنبرةٍ عملية:
"أنا هقولك من مثال حي قصادي، طول ما أنتِ بتدعميه هو يتغير، و طول ما أنتِ واثقة فيه هو هيبادلك الثقة دي، ياسين يا عبلة خدني و أنا محروقة من الدنيا كلها، حتى عيلتي عمري ما حسيت بمكاني وسطهم، لا كان عندي صحاب و لا حد خالص
، بقى هو كل دول في شهور بس، عرف يبقى الصاحب و الزوج و الداعم و الشريك، ياسين عرفني يعني إيه العلاقات اتخلقت علشان نتعافى بيها ببعض، قوليلي كدا لو الدنيا كلها جاية علينا و نفسيتنا متدمرة العلاقات دي لازمتها إيه؟ لو مش ههرب من وجع الدنيا في علاقاتي المريحة يبقى بلاش منها أحسن، ربنا خلق العلاقات علشان نتعافى بيها مع بعض مش علشان نجرح بيها بعض"
ردت «عبلة» على حديثها بنبرةٍ مندهشة:
"أنتِ بقيتي كدا إزاي يا خديجة؟ عرفتي كل الحاجات دي ازاي، و بقيتي بتتكلمي كدا ازاي؟"
ردت عليها هي ببساطة:
"علشان اتعافيت بعلاقتي مع ياسين من الدنيا كلها، خليكي زي ياسين يا عبلة و كوني لوليد كل حاجة، خليكي دايمًا مهرب الدنيا ليه، وليد رغم إنه يبان جامد بس هو جواه عيل صغير عاوز اللي يخرجه علشان يتصالح مع زمانه، اللي ياما كسر بخاطره و أنتِ بنفسك كنتي سبب أكبر خيبة حصلتله، جايز كلامي يزعلك بس لو بتحبي وليد حاولي علشانه، زي ما هو بيحاول و هيحاول كتير علشانك"
احتضنتها «عبلة» وهي تقول بمرحٍ:
"ربنا يخليكي ليا يا خديجة، كلامك جه في وقته، وليد بقاله كتير أوي تعبان نفسيًا و أنا هحاول اساعده على قد ما أقدر"
احتضنته «خديجة» وهي تقول بنبرةٍ هائمة:
"البركة في ياسين بقى، عرفني يعني إيه حياة أصلًا، تخيلي لو كل علاقة فيها نموذج زي ياسين، بسيط مش معقد فاهم إن البشر سند لبعض، صاحب جدع و مفيش منه، و ابن بار جدًا، و أخ مثالي مع أخواته، و زوج عظيم و هيبقى أب أعظم كمان، و اللي عمله مع وليد دا يخليني أشيله فوق راسي طول العمر"
ردت عليها «عبلة» بمرحٍ:
"يا سيدي يا سيدي على الكلام الحلو، فينك يا ياسين، تسمع"
في تلك اللحظة دلفت «خلود» الغرفة بعدما صعدت من الأعلى وهي تقول:
"هدير برة و بتسأل عليكم، أنا طلعت و هي طلعت معايا"
هبت «خديجة» منتفضة وهي تقول:
"طب مقولتيش من بدري ليه؟ تعالي يا عبلة يلا علشان متقعدش لوحدها"
بعدها ركضن لها جميعهن، كانت هي تشعر بالخجل و الخوف من معاملتهن معها، بينما هن خلفن تلك التوقعات حينما ركضت لها «خديجة» وهي تقول بلهفةٍ:
"إيه يا هدير طلعتي ليه؟ كنتي كلميني و نزلتلك أنا علشان ترتاحي شوية"
ردت عليها «هدير» بتوترٍ أقل:
"أنا جيت علشان أقعد معاكم شوية أصل أنا همشي بليل....و أنتم وحشتوني بصراحة، و هدى نامت"
ردت عليها «عبلة» بمرحٍ:
"أيوا هتمشي علشان حسن، ماشي الله يسهلك يا ستي"
ردت عليها هي بخجلٍ:
"بس يا عبلة بقى، بطلي متبقيش عاملة زي وليد كدا"
أشارت لها «خديجة» بالجلوس وهي تقول:
"طب اقعدوا طيب، خلود اتصلي بجميلة خليها تطلع تقعد معانا و شوفي سلمى كمان"
ردت عليها هي بحماسٍ:
"عيوني، بس سلمى راحت درس الصبح و عندها درس تاني بعده، و أنا عندي درس هناك كمان شوية، هعدي على جميلة و أنا رايحة الدرس"
انسحبت من أمامهن بعد حديثها بينما «خديجة» سألتها بمرحٍ طفيف:
"أنا سمعت للست عبلة شكوتها، ها يا هدير اخبارك إيه مع حسن؟ عارفة تتأقلمي معاه و لا لسه؟"
ابتسمت وهي تجاوبها بنبرةٍ هادئة:
"الحمد لله، بصراحة هو حسن طيب و غلبان أوي، أنا مكنتش أعرف عنه غير حاجات بسيطة، بس لما قعدت معاه عرفت عنه حاجات كتير أوي و كلهم يخلوني أقدره و أحترمه"
سألتها «عبلة» بتعجبٍ:
"زي إيه يعني؟ علشان مراته القديمة يعني؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بنبرةٍ حزينة:
"علشان حاجات كتير يا عبلة، أبقى كدابة لو قولت إني حاسة بيه، بس على الأقل جربت فراق الأم زيه و دي لوحدها قطمة ضهر، هو قصادها جرب حاجات صعبة أكتر، جرب فراق الأب و بعدها فراق الأم و أخته مش حطاه في أولوياتها و مراته ماتت هي و ابنه، كل دا و لسه مستحمل حياته و عايشها و قادر ي واللهساعد غيره، أنا عاوزة أساعده بس مش عارفة ازاي؟"
ردت عليها «خديجة» بسخرية:
"هو كلكم عاوزين تساعدوا و مش عارفين ازاي؟ هقولك يا ستي خليكي معاه يا هدير، حسن طيب و ابن حلال على الأقل علشان موقفه معاكي قصاد راشد، أنتِ كانت حالتك صعبة و هو كان هيستغل الوضع أسوأ استغلال"
ردت عليها هي بأسى:
"أنا فعلًا قولت هفضل معاه مش هسيبه، يعني حتى لو جوازنا دا بشكل مؤقت زي ما هما متفقين بس أنا هحاول على الأقل أواسيه الفترة دي"
ردت عليها «عبلة» مقررةٍ:
"و في إيدك تخليه جواز دائم يا هدير، مش مجرد علاقة و خلاص ، لأ خليكم مع بعض و عيشوا في حب و عوضوا بعض انتم الاتنين"
ردت عليها «هدير» بنبرةٍ حزينة:
"مش هينفع يا عبلة، حسن من بعد اللي حصله و هو مش هيقدر يحب تاني، و أنا عمري ما حبيت حد، يعني احنا الاتنين مشاعرنا مقفولة بالمفتاح، خلينا كدا أحسن محدش عارف أخرتها إيه"
في تلك اللحظة دلفت «جميلة» وهي تقول بمرحٍ:
"أخرتها فل إن شاء الله و بكرة تقولي ليدو قال"
قامت بتقليد نبرته و طريقته مما جعلهن يضحكن عليها، فجلست هي بجانب «هدير» وهي تقول بقلة حيلة:
"أعمل إيه بس، وليد دا مجنن البيت كله، من ساعة ما عرفت إنه أخويا و أنا دماغي هتقف و الله، بقى بيعاملني بطريقة غريبة و كل ما أسأله يقولي مش أنتِ أختي استحملي"
تدخلت «عبلة» تقول بغيظٍ:
"يا ناس هموت مشلولة و الله، أنا لسه معشتش معاه في بيت واحد و بيحصل فيا كدا، أومال لو عيشت معاه بقى هيعمل فيا إيه؟"
ردت عليها «هدير» بمرحٍ:
"هيخليكي ترقصي في الشارع زي المجانين، مش هو بارد و مستفز و ممكن يجلطك بس الحلو اللي فيه يداري على كل دا، بيحبك يا عبلة والله"
تدخلت «خديجة» تقول بنفس المرح:
"هو مش بيحبها دا بيموت فيها من صغره، و علشان كدا حارب علشانها و غير حاجات كتير، وليد و طارق بالنسبة ليا حالات غريبة في حبهم، واحد عمره ما عرف ينساها و التاني حارب حياته علشانها، و الاتنين يستاهلوا انهم يفرحوا"
على جهةٍ أخرى كان «حسن» جالسًا في عمله يقلب الهاتف في يده، و فجأة زفر بقوة ثم ألقاه على المكتب، كان «أحمد» جالسًا أمامه و حينما رآى فعلته تلك سأله بتعجبٍ:
"مالك يا حسن فيه إيه؟ أنتَ مش متعود على الشغل ولا إيه"
رد عليه مردفًا بحنقٍ:
"لأ بس حاسس أني مخنوق كدا، عامل زي ما يكون خير اللهم اجعله خير حد وحشني، متعرفش دا إيه يا أحمد؟"
قطب جبينه يطالعه بحيرةٍ وهو يقول:
"يبقى أكيد حد وحشك تقريبًا، بس هو مين يعني؟"
_"ماهي دي المشكلة حاسس إن فيه حاجة متغيرة في يومي أو زي ما يكون مش متعود"
رد عليه يجاوبه بذلك بنبرةٍ حائرة امتزجت بانفعالٍ طفيف، فترك «أحمد» موضعه ثم اقترب منه يجلس مقابلًا له وهو يقول بتريثٍ:
"طب ما يمكن علشان بقالك فترة قاعد في البيت مش بتنزل؟ أو يمكن تكون عاوز تطمن على هدير و مش عارف أو مش مدرك"
سأله هو بلهفةٍ:
"هو ينفع أكلمها أتطمن عليها أصلًا؟ يعني عادي أكلمها"
_"نعم !! دي مراتك مش عارف ينفع ولا لأ؟ إيه يا أبو علي أنتَ وضعك إيه في الجوازة دي"
رد عليه «أحمد» بنبرةٍ غير مصدقة على ما تفوه به، بينما الأخر قذفه بأحد الأدوات الموجودة على المكتب، ثم خرج من الغرفة و هاتفه في يده يهاتفها، كانت هي جالسة مع الفتيات و انسحبت من أمامهن حتى ترد على مكالمته، و بمجرد ضغطها على زر الإيجاب وصلها الرد وهو يقول بنبرةٍ مهتزة:
"ازيك يا هدير عاملة إيه؟ طمنيني عليكي"
ردت عليه تجاوبه بخجلٍ:
"أنا كويسة الحمد لله يا حسن، أنتَ إيه أخبارك طمني، الشغل تمام"
_"آه الحمد لله أنا تمام، و كويس علشان اطمنت عليكي"
رد عليها بذلك يجاوبها بثباتٍ حاول الاتسام به، بينما هي سألته بتعجبٍ:
"خير بتتصل ليه فيه حاجة؟ أقصد يعني غريبة انك تتصل"
شعر بالخجل هو من سؤالها فوبخ نفسه بصوتٍ منخفض بعدما أبعد الهاتف عن أذنه، بعدها أعاده من جديد وهو يقول بثبات ٍ حاول الاتصاف به من خلال قوله:
"لأ خير أنا بس كنت عاوز أسألك أحنا ليه مش عند بعض على انستجرام؟ لو حد دخل عندي و لقاكي مش عملالي فولو يقول عليا إيه؟ و بعدين أنا بقالي كام يوم مستنيكي تقبليه"
سألها هو بنبرةٍ ثابتة بعد تفكيرٍ دام لثوانٍ يحاول التوصل لإجابة سؤالها، بينما هي سألته بذهولٍ:
"وهو أنتَ متصل علشان كدا؟ حاضر يا حسن هفتحه علشانك دلوقتي و أعملك فولو و هعلق على صورك كمان، حلو كدا؟"
ابتسم هو باتساع لكنه وأد تلك البسمة وهو يقول بنبرةٍ عادية لكنها كاذبة:
"عادي يعني أنا علشان شكلنا ميكونش وحش، خلاص أنا هقفل بقى، أشوفك على انستجرام إن شاء الله"
قال جملته ثم أغلق في وجهها، بينما هي حركت ابتسمت باتساع وهي تعلم من كذبه و من حجته تلك حتى يهاتفها، لكنها بعدها قامت بفتح التطبيق ثم قامت بقبول متابعته، بعدها قامت بعمل متابعةً له، ابتسم هو باتساع على الجانب الأخر حينما رآى موافقتها، و منها قام بفتح قائمة الصور لديها، و أخر ما أضافته كانت برفقة والدتها قبل وفاتها، جلس على الأريكة وهو يقوم بالتصفح و مع كل صورة لها كان يبتسم باتساعٍ، كانت الصور معظمها في أماكن شهيرة بأوضاعٍ تشبه صور الممثلات بجودةٍ عالية، كان يبتسم و بسمته تتسع أكثر وهو يرى تلك الصور و يتعمق بها أكثر، بعدها انتبه على نفسه فقام باغلاق الهاتف و هو ينهر نفسه قائلًا:
"مينفعش يا حسن، مينفعش اللي أنتَ بتعمله دا، أنتَ كدا هتغرق نفسك"
_______________________
بعد قليل توقفت سيارة الشباب أسفل البيت، فتحدث «وليد» بنبرةٍ مُرحبة:
"اهلًا بيكم في بيت الرشيد يا عم إيهاب، دا بيتنا يا جماعة و انتو هتنورونا فيه لحد ما نخلص اللي قولتلك عليه"
بعدها دلفوا سويًا للبيت و تحديدًا الطابق الأول، عندما علم الجميع بمجئيهم نزلوا لهم، بينما «وليد» قال بهدوء:
"دا عم ايهاب يا جماعة، أخو ابراهيم و دول بناته و مراته"
تم التعارف بين الجميع، و بعدها دلف «وليد» الجزء الثاني الجالس به «راشد» و ذويه، خرجوا معه حينما طلب هو منهم ذلك، و بمجرد وصولهم للجزء الثاني، تفاجأت عائلة «ايهاب» حينما وقع بصرهم عليهم، بينما «راشد» تعلق بصره بها لا يصدق حدسه أنها تقف أمامه بعدما فقدها للأبد و أصبحت ملكًا لغيره، بينما هي بعدما طالعته بشوقٍ من عدستيها تذكرت ما حدث و حينها أخفضت بصرها حتى تستطع التحكم في دموعها، أجلس «وليد» الجميع وهو يقول مُردفًا لجميع من حوله:
"أنا عارف انكم مستغربين و مش فاهمين حاجة كلكم و بما فيكم عيلتنا، بس أنا هقولكم كل حاجة، ابراهيم بعد اللي حصل و بعدما راشد خد الورق كان هيطلع على اسكندرية عند أخوه علشان يضغط على ابنه يرجعله الورق، و بعدها كان هيجي هنا ياخده من ابنه و الله أعلم كان هيعمل إيه تاني، أنا سبقته من الصبح على هناك علشان لما يجي تكون كل حاجة جاهزة"
سأله «إيهاب» بخزيٌ واضح:
"معلش يا بني بس هو ابراهيم اللي عامل فيك كدا؟"
أومأ له موافقًا ثم أضاف:
"ابراهيم أخوك معندهوش أصول خالص، بس حظه الأسود انه وقع معايا، يا أعلمه الأصول يا أعلم عليه"
ردت عليه زوجة «إيهاب» بضجرٍ:
"الله ينتقم منه بقى على اللي عمله فيا و في بناتي، رمانا في الشارع و اتبلى على بنتي بالباطل و خد حق جوزي، ابراهيم دا مش هيشوف خير طول عمره"
نظر لها الجميعة بشفقة وهي تتحدث بتلك الحُرقة التي خرجت واضحة في نبرتها و معالم وجهها، بعدها انسحب كل فرد من عائلة الرشيد إلى موضعه، بينما «وليد» طلب «شهد» حتى تجلس معه فوق سطح البيت، امتثلت هي لطلبه بخجلٍ و أخذت معها الفتاة الصغيرة، بعد صعودهم أشار لها بالجلوس وهو يقول بهدوء:
"اتفضلي يا آنسة شهد، اقعدي"
جلست هي موضع الإشارة وهو مقابلًا لها، فسألها بنبرةٍ مقررة:
"أنا عاوز أعرف موقفك من راشد بالظبط يا شهد، يعني موقفك معاه كان إيه قبل كدا؟"
زفرت هي بقوة ثم جاوبته بنبرةٍ تحمل الوجع و الآسىٰ:
"أنا راشد هو أول واحد حبيته في حياته، محبيتش غيره أصلًا، بس عمي منه لله بقى قال إني لو اتجوزته هاخد كل حاجة منه و هو مستحيل يخلي إيهاب يورث معاه، و دفع لأبويا مبلغ علشان يفهم راشد أن أبويا اللي رافض الموضوع، ممكن يبان إن أبويا هو الغلطان، بس عمي هدده بينا لو موافقش إنه هيخلي راشد ياخد مني اللي هو عاوزه من غير جواز، ابويا خاف علينا و هرب بينا على اسكندرية عند قرايب أمي، راشد اتصدم و افتكر اني بعت حبه قصاد الفلوس، خصوصًا إن مع أول حد اتقدملي وافقت عليه علشان أحمي نفسي، بس خوفت بعدها أظلمه علشان كدا سِبته، أنا محبتش غير راشد"
ابتسم هو لها باتساعٍ وهو يقول:
"ربنا يجمعكم سوا، على فكرة هو بقى واحد تاني يا شهد، راشد بُعدك عنه كسره، علشان كدا هخليكي تتكلمي معاه دلوقتي، لو عاوزة حقك يرجع من ابراهيم يبقى اتمسكي بحب لابنه"
قال جملته ثم أخرج هاتفه يتحدث معه و بعد مرور ثوانٍ وجده يخرج من المصعد متلهفًا لرؤيتها، فقال هو بهدوء:
"أنا هسيبكم هنا تتكلموا سوا، لو فعلًا بتحبوا بعض يبقى كل واحد فيكم يوصل مع التاني لحل يجمعكم سوا علشان تبدأوا من جديد، يلا يا شروق تعالي نلعب تحت"
قال جملته للطفلة الصغيرة بعدما وجه حديثه لهما، اقتربت منه الصغيرة راكضةً نحوه، فحملها هو ثم خرج من السطح، انتظر «راشد» خروجه ثم حدثها بنبرةٍ مهتزة:
"إز...إزيك يا شهد، عاملة إيه؟"
ردت عليه هي بجمودٍ:
"كويسة أنتَ إيه أخبارك"
أومأ لها موافقًا ثم قال بنفس النبرة المهتزة:
"هو أنتِ إزاي هنا من غير ما خطيبك يعرف....هو مش المفروض إنكم كاتبين الكتاب"
مسحت دموعها وهي تقول بنبرةٍ حزينة:
"أنا سبته قبل كتب الكتاب يا راشد"
اندهش هو مما تفوهت به فوجدها تضيف:
"أنا سِبته قبل كتب الكتاب علشان مش هقبل أني أخدع واحد و أنا بفكر في حد تاني"
اقترب منها هو يقول بنبرةٍ مهتزة غير مصدقًا لما تفوهت به:
"يعني إيه....يعني دا كله هو مفهمني إنك متجوزة علشان ابعد عنك !! هو كان عارف إنك ممكن تكوني ليا و برضه كمل في كلامه؟"
ابتسمت له بسخريةٍ وهي تقول:
"هي جديدة عليه يعني؟ أبوك دا معندوش رحمة، روحت قولتله أنا موافقة أتجوز ابنك و مش عاوزة منك فلوس ولا ورث، طردني من عنده، احنا كان ممكن نكون سوا من قبل ما أنتَ تتغير و قبل ما أنا انطفي كدا، بس أبوك كان عنده رأي تاني، حركنا زي العرايس في أيده، و لسه مكمل"
تحولت نظرته إلى الجمود وهو يقول:
"دي أخر مرة هتحصل، أنتَ ليا يا شهد و أنا ليكي، لو مكنتيش ليا يبقى هموت أسهلي، كفاية وجع غيابك عني، كلامك دلوقتي رجعلي روحي من جديد فيا، موافقة يا شهد تتجوزيني؟"
طالعته بمشاعر عِدة مختلطة لا تستطع اتخاذ القرار خوفًا مما هو قادم، فوجدته يسألها بنبرةٍ أكثر أصرارًا:
"ها يا شهد قولتي إيه؟ موافقة ترجعيلي و نصلح كل حاجة من جديد؟"
أومأت له موافقة ثم أضافت:
"موافقة بس بشرط إنك تقف مع أبويا قصاد أبوك، أظن دا حقي و حقه بعد طردنا و بعد اللي حصل فينا".
_______________________
في الأسفل نزل «وليد» و الفتاة على ذراعه حتى وقف أمام شقة عمه «محمد» طرق الباب ففتحت له «عبلة» و حينما رآته بعدما تجاهلها هو في الصباح و على يده الصغيرة قالت بحنقٍ:
"و حياة مروة ؟! أنتَ من الصبح مطنشني و أخرتها راجعلي بعيلة صغيرة على إيدك، اللي جابلك يخليلك يا حبيبي"
رد عليها هو بهدوءٍ لم يخلو من مرحه:
"فيه إيه مالك بس، دا أنا جاي أعرفك عليها، أعرفك دي شروق"
طالعته بسخريةٍ فوجدت الفتاة تقول ببراءة:
"طب كدا هي عرفت أسمي و أنا معرفتش إسمها أنتِ اسمك إيه؟"
قبل أن تجاوبها تدخل هو يقول بخبثٍ مرح:
"دي طنط سوبيا يا حبيبتي، اسمها كدا و خلي بالك بقى شكلها حمضانة دلوقتي"
شهقت الطفلة وهي تقول بغير تصديق:
"سوبيا !! سوبيا بجد يعيني باباها مسميها كدا !!"
نظرت لها «عبلة» بحنقٍ بينما هو حاول كتم ضحكته وهو يقول:
"أصلها مولودة في رمضان كان الجو حر و صعب أوي علشان كدا سمناها سوبيا، عارفة بقى في رمضان، بنحطها في التلاجة"
كانت تضحك الفتاة على طريقته بينما «عبلة» شمرت ساعديها وهي تقول بغيظٍ منه:
"التلاجة دي أنا اللي هدخلك فيها يا بارد، دا أنتَ مستفز والله"
اقترب منها هو يقول هامسًا:
"أنا جيت اقولك إنك وحشتيني و بتوحشيني حتى و أنتِ قصاد عيوني، و إن كل حاجة صعبة عدت عليا، نظرة عيونك لوحدها بتنسيني الصعب يا....يا سوبيا"
ابتسمت بخجلٍ و هي تخفض رأسها فوجدته يبتسم لها و فجأة تحدثت الصغيرة وهي تقول بصوتٍ عالٍ:
"أنا مسمعتش كنت بتقولها إيه؟"
طالعتها «عبلة» بحنقٍ فوجدته يقول ببراءة:
"كنت بقولها تلحق تدخل جوة علشان متتخطفش، أنتِ عارفة بقى السوبيا قليلة اليومين دول"
أومأت له ببراءة بينما «عبلة» حركت رأسها نفيًا بيأس فوجدته يقول للصغيرة:
"بقولك إيه يا شروق انزلي عند ماما تحت و أنا هكلم طنط سوبيا و أجيلك"
أومأت له موافقة ثم ركضت بعدما أنزلها من على ذراعه، بينما «عبلة» تخصرت وهي تقول بحنقٍ:
"مين شروق دي اللي حضرتك ماسكلي فيها من الصبح؟ طالع نازل بيها على دراعك و كنت فوق بتعمل إيه مع شهد دي لوحدكم؟"
زفر هو بقوة وهو يقول:
"شروق دي عيلة، لو ربنا كرمني بدري شوية بيكي كان زماني معايا قدها، و شهد كنت بمهدلها اللي هيحصل مع راشد طالما هما عاوزين بعض"
سألته هي بضيقٍ:
"طب و أنا أولع عادي يا وليد؟ مفيش تقدير لمشاعري خالص؟"
مسح وجهه بكفيه معًا ثم رد عليها مُعقبًا:
"أنا لو مش بقدر مشاعرك مش هعبرك أصلًا، أنا بمهد الدنيا، و بعدين أنتِ من إمتى بقيتي كدا يا عبلة"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية:
"ماهو أنا بقيت زي الغريبة في حياتك، بتفاجأ بيك بتتحرك و خايفة عليك بقالي كام يوم، و من الصبح و أنتَ مش قدامي و عمالة افكر أنتَ فين، أنا عارفة إنك بتعمل كدا علشاننا، بس أنا خايفة عليك"
ابتسم هو لها وهو يقول بمرحٍ:
"طب ما أنتِ حلوة يا بنت الناس أهوه، أومال بتحدفي دبش ليه؟ على العموم خلاص كل حاجة قربت تخلص، و نرتاح كلنا"
ردت عليه هي بحماسٍ:
"يا رب علشان أعصابي تعبت و مش حِمل بهدلة أكتر من كدا، كفاية بس إنك قصادي كويس"
أخذها هو بين ذراعيه وهو يقول بانهاكٍ واضح:
"حقك عليا علشان تعبك دا بس غصب عني، دا نصيب و مش بإيدي اختاره دا فرض عليا أني أتعب في حياتي زي ما نصيبي برضه ألاقي راحتي عندك هنا، كأن كل الدنيا ضدي و أنتِ جيشي الوحيد اللي في ضهري، نصيبك ربطك بيا و يوم ما هتزهقي أنا بنفسي هسيبك علشان مرضاش ليكي التعب"
تنفست بعمقٍ ثم ردت عليه بنبرةٍ مختنقة:
"أنا مش هزهق منك أبدًا يا وليد، و زي ما أنا في ضهرك علطول، هي هتفضل ترخي و تشد فينا بس أنا معاك على المر قبل الحلو"
ابتسم هو وهو يقول بنبرةٍ هائمة بعدما نظر في عسليتيها:
"فكرتيني و أنا بوصي ياسين قبل ما أروح عند ابراهيم، قولتله قول لعبلة إن حلو العُمر كان في وجودها و المُر في غيابها، و أنتِ أحلى ما مر في عمري و غيابك كان أمر من المُر نفسه"
شدد عناقها له وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
"يجوا يشوفوا أنا بحبك ليه، بقى أنتَ متتحبش !! طب تيجي ازاي"
________________________
في شقة «مشيرة» كانت جالسة بمفردها فوجدت «جميلة» تطرق الباب و في يدها الطعام، فتحت الباب بجمودٍ سرعان ما تحول للدهشة حينما رآت ابنتها أمامها، بينما «جميلة» طالعتها بتوترٍ و هي تقول:
"أنا جبتلك أكل علشان عارفة إنك ماكلتيش من الصبح، اتفصلي"
ابتسمت لها «مشيرة» وهي تأخذ الطعام من يدها و قبل أن تغادر من أمامها قالت لها بنبرةٍ مهتزة:
"طب ينفع تقعدي معايا لحد ما أفطر؟ يعني بما إن حسان نزل الشغل و لسه مرجعش"
أومأت لها بقلة حيلة ثم دلفت خلفها تجلس على أحد المقاعد البعيدة نسبيًا عن والدتها، بينما «مشيرة» وضعت الطعام على الطاولة ثم جلست أمامه، و قبل أن تمد يدها على الطعام قالت بنبرةٍ مترددة:
"طب ما تيجي يا جميلة تقعدي قصادي، قعدة بعيد عني ليه...هو أنا هخطفك؟"
زفرت «جميلة» بقوة ثم جلست اقتربت منها تجلس بجانبها، ابتهج وجه «مشيرة» حينما وجدتها تجلس بجانبها، بينما هي أخفضت رأسها حتى لا تطالعها و تضعف أمامها، فمدت «مشيرة» يدها لها تمسك كفها و هي تقول بهدوء:
"عارفة ؟ أنا مش هطلب أكتر من كدا، كفاية أوي إنك قصاد عيوني و معايا و جايبالي الأكل بنفسك، دا كدا كتير عليا و الله"
طالعتها بتوترٍ سرعان ما تحول لمشاعرٍ أخرى لم تستطع هي الإفصاح عنها في موقفها مع والدتها، و قبل أن تذرف دموعها سحبت كفها منها وهي تقول بتوترٍ:
"طب كُلي بألف هنا و شفا و أنا هطلع أشوف طارق علشان لسه راجع من مشوار صعب"
قالت حديثها ثم هبت واقفة و قبل خروجها من باب الشقة سألتها «مشيرة» بنبرةٍ شبه باكية:
"جميلة هينفع أشوفك تاني قبل ما أمشي؟ أو ينفع لما أكلمك تردي عليا؟"
التفتت لها تطالعها و مع نظرتها المترجية حركت رأسها موافقة ثم ركضت من أمامها قبل أن تركض إليها تحتضنها.
في الأعلى في شقة «طه» أنهى «ياسين» عمله ثم توجه نحو شقة حماهُ، فتحت له«زينب» وحينما رآته قالت بودٍ:
"إيه النور دا يا حبيبي نورت البيت كله، اتفضل"
دلف وهو يقول مبتسمًا:
"دا نور حضرتك والله، معلش بقى متقل عليكم"
ردت عليه هي بمعاتبةٍ:
"ليه كدا بس هو دا مش بيتك زي ما هو بيت خديجة؟ متقولش كدا"
أومأ هو لها فوجدها تقول بمرحٍ:
"هي في أوضتها جوة، دخلت تريح شوية ادخلها هي مش بتعرف تنام بالنهار"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه موافقًا، طرق باب غرفتها فوجدها تقول:
"ادخلي يا خلود أنتِ رجعتي بدري من الدرس ليه؟"
أشرأب هو برأسه وهو يقول:
"طب ولو مش خلود مينفعش؟ أنا جاي من الشغل برضه و الله"
هبت منتفضة وهي تقول بنبرةٍ فرحة:
"أنتَ تدخل براحتك أي مكان، من غير استئذان يا ياسين"
اتسعت بسمته ثم دلف الغرفة وهو يغلق الباب خلفه فوجده تقترب منه تسأله بحنان:
"طمني عليك لسه جسمك تعبان و لا بقيت أحسن؟ أنتَ كنت بتتوجع و أنتَ نايم أوي"
اقترب منها هو يقول بهدوء:
"لأ أنا بقيت كويس أوي الحمد لله، و جبت علاج كويس أوي خفف ألم عضمي خالص، حتى الصداع كمان قل، متشغليش بالك أنتِ"
ردت عليه هي بمعاتبةٍ:
"كدا برضه ؟ مش عاوزني أشغل بالي بيك؟ أومال أشغله بمين يا ياسين؟ بس الحمد لله أني اطمنت عليك، و إن شاء الله لما نروح بيتنا هترتاح أكتر"
رد عليها هو بمرحٍ:
"أيوا ركزي على حوار بيتنا دا علشان الواحد مبيرتاحش غير في بيته برضه، ولا أنتِ رأيك؟"
ابتسمت هي له فوجدته يحتضنها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"و بما أني مبرتاحش غير في بيتي، حضنك بقى هو بيتي فخليني أحضنك"
سألته هي بتشككٍ:
"يا سلام دا تلكيك بقى يا عم ياسين"
رد عليها هو بمرحٍ ولا زالت كما هي بين ذراعيه:
"أحسبيها زي ما تحبي، و بعدين هو أنتِ مسمعتيش حسين الجسمي ولا إيه؟"
سألته هي بحيرةٍ:
"وهو حسين الجسمي قال إيه، هو قال حاجات كتير"
ربت على ظهرها وهو يغني بنبرةٍ هادئة لها:
"و بحبك وحشتيني....بحبك و أنتِ نور عيني....دا و أنتِ مطلعة عيني بحبك موت.....لفيت قد إيه لفيت....ما لقيت غير في حضنك بيت....و بقولك أنا حنيت بعلو الصوت.....و كأن الوقت في بعدك واقف مبيمشيش....و كأنك كنتي معايا بعدتي و مبعدتيش....في دمي حبيبتي و أمي و زي ما أكون ببتدي أعيش"
طالعته هي بدهشةٍ حينما سمعت صوته و هو يغني لها فوجدته يقول بمرحٍ:
"شوفتي بقى أني مجبتش حاجة من عندي و إن حسين الجسمي هو اللي قال كدا؟"
شددت عناقها له وهي تقول بفرحةٍ كبرى:
"صوتك قمر و أنتَ قمرين و يا بختي أنا و قلبي بيك يا ياسين"
______________________
في شقة «محمود» دلفها «حسن» بعدما فتحت هي له الباب، طالعها هو ببسمةٍ هادئة وهو يقول:
"مساء الخير يا أستاذة هدير، عندكم مكواة؟"
ضحكت هي عليه وهي تقول:
"لأ يا سيدي، أحنا بنحب الهدوم مكرمشة، قولي بقى عملت إيه النهاردة في يومك احكيلي"
ارتمى هو على المقعد وهو يقول بانهاكٍ واضح في نبرته:
"كان حلو بس ممل، حاجات كتير كانت بتتراجع و تتظبط و أنا المسئول عنها، بس تمام خلصت كل حاجة و جهزتها على التنفيذ"
جلست بجانبه وهي تقول بفخرٍ:
"عاش و الله فخورة بيك بجد، فكرة إنك تخلص كل حاجة مسئول عنها من غير ما تقصر أو تهرب كدا أنتَ جدع والله"
طالعها هو بغير تصديق وهو يقول بمرحٍ:
"بجد والله؟ يعني أنتِ فرحانة علشان أنا اشتغلت و كمان فخورة بيا؟"
أومأت له موافقة ثم أضافت مؤكدة:
"طبعًا، أنا كنت مستنياك أصلًا علشان تحكيلي تفاصيل يومك و جهزت الغدا كمان"
ابتسم هو باتساعٍ وهو يقول:
"أنا لو هشاركك تفاصيل يومي و آكل من إيدك علشان أنتِ محضرالي الغدا كدا أنا هبقى مبسوط أصلًا"
ردت عليه هي بهدوء:
"ربنا يبسطك دايمًا يا سيدي، احنا هنروح النهاردة بس لما وليد يخلص اللي هو عاوزه"
أومأ لها موافقًا ثم ارتمى بجسده عليها يلقى برأسه على فخذها بتعبٍ واضح و حقيقي، سرت قشعريرة في جسدها من فعلته تلك، فوجدته يتثاءب بقوة، رفعت كفها حينذاك تدلك رأسه بهدوء فوجدته يتحدث بنبرةٍ ناعسة:
"آه.....كملي كدا أبوس صوابعك صباع صباع يا شيخة، يلهوي ياما دا أنا فاتني كتير أوي"
ضحكت هي على طريقته و في تلك اللحظة تذكرت حديث بنات عمومها، فزفرت بقوةٍ ثم قالت بنبرةٍ خافتة لا تدري إن كان سمعها أم لا:
"و أنا معاك لحد ما أعوضك عن اللي فاتك، و لحد ما ترضى عن حياتك"
فتح عينيه على مضضٍ حينما وصله حديثها الذي بالكاد وصل مسامعه، بينما هي استمرت فيما كانت تفعله حتى جعلته يغمض جفنيه بشدة لا يدري لماذا يشعر بالتخبط هكذا، حتى أنه يخشى حبها حتى لا تتركه كما فعل كل من أحبه.
_________________________
بعد مرور ساعتين اجتمعت العائلة بأكملها في الأسفل بكل من فيها، حتى بعائلة الراشد بأكملها، فتحدث «محمود» يقول مستفسرًا:
"يا وليد يا بني احنا مستنين مين؟ و مجمعنا كلنا كدا ليه؟"
رد عليه «وليد» بهدوء:
"مستنين ابراهيم راشد يا عمي، هو زمانه جاي دلوقتي؟"
تدخلت «مشيرة» تقول منفعلة:
"هيجي هنا يعمل إيه هو ليه عين يجي؟ دا صنف بجح بصحيح، عيلة زبالة كلها"
رد عليها «إيهاب» باحراجٍ واضح:
"متشكر يا مشيرة مقبولة منك دي، رغم أني مليش دعوة بابراهيم"
لوحت له بكفها، بينما «ياسين» مال على أذن زوجته وهو يقول هامسًا:
"هي عمتو مالها هتموت ولا إيه؟ محموقة أوي كدا ليه"
ردت عليه هي بنفس الهمس:
"علشان هي متضايقة على وليد، هي رغم كدا بتحبه أوي صحيح اللي بينهم كان زفت بس برضه هتفضل عمته"
أومأ لها موافقًا و حينها دلف «ابراهيم» البيت و بمجرد ما سرى طيفه أمام العائلة بأكملها، ركض «ياسين» يقول بنبرةٍ عالية:
"محدش يتحرك هو متعلم عليه جاهز يا جماعة، هنخلص اللي احنا عاوزينه منه خليه يغور من هنا"
قال ذلك حينما لاحظ نظرة الشر تطل من أعين الجميع، بينما «وليد» اقترب منه يقول متشفيًا:
"شوف كل دول قصادك أنتَ، تخيل أنتَ حقير قد إيه، بس معلش أنا جايبك هنا علشان تخسر المال و البنون، بس أنا بحبك و هسيبلك العار زي ما قولتلك"
رد عليه هو بنبرةٍ جامدة:
"و دي هتعملها ازاي بقى؟ عاوزة ورق و محامي و أنا ورايا أشغال مش فاضي زيك"
ابتسم له وهو يقول بمرحٍ:
"و دي تفوتني يا هيما؟ دا أنا جايبلك عمدة الشئون القانونية في مصر، محامي مخضرم هيخليك تبكي زي بكاء قيس على الأطلال كدا"
سأله هو بسخريةٍ:
"ودا مين بقى إن شاء الله؟ رئيس المحكمة الدستورية؟"
_"لأ رياض الشيخ، أبو البشمهندس ياسين رياض الشيخ، اللي علم عليك في بيتك لامؤاخذة يعني"
تفوه بها «رياض» بعدما دلف البيت خلف «ابراهيم»، نظر الجميع لما يحدث بدهشةٍ عدا كلًا من «ياسين» و «وليد» الذي اقترب من «رياض» وهو يقول بمرحٍ:
"عمو رياض حبيبي، نورت بيتنا والله، صحيح ناس قدم الفقر و ناس قدم الخير و السعد زيك كدا"
ضحك له «رياض» وهو يقول بمرحٍ هو الأخر:
"هما كدا يا بني أصناف، ربنا يبعد عننا الصنف الزبالة دا"
تدخل «مرتضى» يقول بمرحٍ هو الأخر:
"نورت يا استاذ رياض والله مش عارف إزاي الأرض مساوية بينكم و شايلاكم كدا سوا، المفروض أنتَ تتشال فوق الراس"
مال «حسن» على أذن «وئام» وهو يقول هامسًا:
"ما تخلصونا من تلقيح النسوان دا و خشوا في المفيد يا عيلة رغاية عاوز أنام"
سمعه «طارق» فمال عليه وهو يقول بمرحٍ:
"ما تصبر يا عم حسن الليلة شكلها حلو أوي، خليهم يسلونا"
تدخل «وئام» يقول بنبرة هادئة:
"أو يمرمطونا، متسبقوش الأحداث"
بعدها جلس «رياض» في الوسط و علي يمينه «إيهاب» و على يساره «ابراهيم»، فتحدث هو بنبرةٍ عملية:
"دلوقتي أنا جالي الورق اللي فيه اعلام الوراثة، و عرفت كل واحد فيكم ليه إيه وعليه إيه، دلوقتي البيت بينكم بالنص و المخازن بالنص و مدخل البيت بالجنينة بتاعته بالنص"
تدخل «ابراهيم» يقول بحنقٍ:
"هو واخد مني ٧٠ ألف قبل كدا يتخصموا من حقه"
رد عليه «إيهاب» منفعلًا:
"الفلوس دي حق البضايع اللي كانت برة عند الناس و دول برة الحسبة أصلًا"
تدخل «رياض» يقول بنفس النبرة العملية:
"أنا فاهم كل حاجة و كل حاجة جاهزة، و معلش يا ابراهيم أنتَ مضطر تمضي على الورق دا علشان كل واحد فيكم ياخد حقه بما يرضي الله، ها قولت إيه"
زفر «ابراهيم» بقوة ثم قال بلهجةٍ حادة:
"هات يا عم الورق، يا رب نخلص"
وكزه «ياسين» من الخلف في كتفه وهو يقول بنبرة حادة:
"كلم أبويا عدل بدل ما أبوظ وشك تاني، شكلك مش محترم نفسك يا هيما"
تدخل «وليد» يقول بخبثٍ:
"خليه يجيب أخره علشان أنا محضرله مفاجأة حلوة أوي"
أمسك «ابراهيم» القلم ثم قام بالتوقيع على الورق حتى يذهب من أمامهم دون أن يقرأ من دون به، و بعد التوقيع، قام «وليد» بأخذ الورق وهو يقول متشفيًا:
"يؤسفني أقولك يا هيما إنك خسرت كل حاجة، لا فيه نص ليك و لا نص عليك، الورق اللي مضيت عليه دا كان تنازل عن كل حاجة أنتَ أجبرت أخوك يتنازل عنها، دلوقتي بقى أنتَ مضيت بتنازل عن كل حاجة لأخوك و لعيالك بالنص، يعني من الأخر كدا زي ما بيقولوا موت و خراب ديار و أنتَ الخراب حل على راسك بالجامد"
اندهش الجميع مما سمعوا، فسأله «طه» بتريثٍ:
"يعني كدا خسر كل حاجة يا وليد؟ كله كله"
أومأ له موافقًا فتدخلت «مشيرة» تقول بنبرةٍ منفعلة:
"في داهية تاخده، أنا عارفة مراته استحملته ازاي دا"
أخفضت زوجته رأسها بخجلٍ فوجدت زوجة «إيهاب» تربت على يدها و هي تعلم المعاناة التي عاشتها معه منذ زواجها منه، تدخل «راشد» يسأل بنبرةٍ تائهة:
"أنا مش فاهم حاجة، هو دا ينفع أصلًا؟"
رد عليه «رياض» مفسرًا:
"الورق اللي وصلي كان فيه تنازل من عمك عن حقه، و أكيد دا كان بالاجبار، مع اعلام الوراثة الأصلي و الورق اللي يثبت حقه اتأكدت انه ماضي غصب عنه، علشان كدا جهزت ورق التنازل و خليته يمضي على التنازل ليك و لعمك، يعني هو كدا معندوش أي حاجة و خصوصًا إن الورق القديم معايا و مش متسجل في الشهر العقاري، يعني ملهوش أي لازمة"
ابتسمت «شهد» باتساعٍ ثم اقتربت من عمها الذي وقف مدهوشًا بما حل على رأسه، تقف أمامه وهي تقول متشفيةً به:
"لما جيتلك اقولك اتجوز أنا وابنك احنا بنحب بعض ساعتها قولتلي عاوزاني أجوزهولك علشان تضحكي عليه و تاخدي كل حاجة مني أنتِ و ابوكي؟ و طردتني من بيتك و شتمتني، يمين بالله لو كنت في بيتي لكنت طردتك دلوقتي"
تدخل «حسن» يقول بمرحٍ:
"بس كدا، اعتبريه بيتك و اطرديه، أنتِ مش غريبة"
طالعته «هدير» بحنقٍ فوجدته يحمحم بقوة ثم غمز لها، بينما «ياسين» تحدث يقول بنبرةٍ شامتة:
"أنا بصراحة بيعجبني لفة الزمن أوي، و أنتَ الزمن دار عليك بزيادة، روح بقى كون نفسك من جديد"
أومأ له «ابراهيم» موافقًا ثم التفت حتى يغادر المكان و هو يشعر و كأن البناية هُدمت فوق رأسه، و قبل أن يغادر حرك رأسه ينظر بجانبه فوجد السكين الصغير موضوع بجانب الفاكهة، التفت برأسه فوجد «وليد» و «ياسين» بجانب بعضهما و على مقربة منهم عدة أشخاص من العائلة، حرك رأسه من جديد ينظر أمامه و في لمح البصر خطف السكين و قام بتخبئتها بعدما لاحظ انشغال الجميع عنه في الحديث و التشفي به، و فجأة التفت يركض نحوهما حتى يضرب من تطوله السكين مهما كان بينهما، فهو يكفيه رؤيتهما بالدماء حتى و إن كان واحدًا و قبل أن يلحظ أيًا من الوجودين ما يحدث وهو يندفع نحوهما بالسكين حتى يضرب أحدهما، تدخل جسدٍ أخر يحول بينهما حتى طُعن ذلك الجسد بالسكين، لتحل الصدمة على رأس الجميع غير قادرين على استيعاب ما حدث و لا من بين الجميع طُعن بالسكين حتى سقطت مغشيةً عليها بدماءها، فخرجت صرخةً مدوية من «جميلة» هزت على أثرها أرجاء البيت:
"مـــــامـــــا"
كانت صرخة وجع و ألم حينما رآت والدتها تقع على الأرض غارقةً في الدماء ليتضح بعد تلك الصرخة من بين الجميع طُعن بالسكين.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل العشرون 20 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الواحد والعشرون
كلما ذهبت لها في حزني عدت بفرحٍ إذا قُسم على العالم أجمع لأكفاه و فاض ما يُحييني
_______________________
لم أرى في حياتي يومًا اعتدال، فإذا كانت الحياة خليطٌ من الألوان فليشهد العالم أنني عشتُ في ألوانها الداكنة و كلما حاولت الخروج حتى أنعم بألوانها فوجئت باللون الاسود بعدها يُخيم عليَّ، و ها أنا كعادتي أقف لا أدري ماذا أفعل، فلا البكاء يُجدي و لا الشكوى تُفيد، حتمًا ستكتب لي حياة أخرى أخوضها و لكن هل الشقاء مرافقًا لي من جديد؟.
"مــــامــــا"
تلك الصرخة المدوية التي خرجت من «جميلة» بقهرٍ حينما رآت «مشيرة» تسقط أرضًا تزامنًا مع نزول جسد «وليد» خلفها بعدما أرتمت هي عليه، كان الوضع كصاعقةً نزلت على رؤوسهم حتى «ابراهيم» نفسه الذي وقف بالسكين تقطر الدماء في يده، بينما هي بين غفوتها و واقعها رفعت كفها الواهن الملطخ بدماءها تلمس وجنته وهي تقول بصوتٍ متقطع من بين ألمها و تمزق روحها:
"حــ....حقك.....عـلـ..يا... يا وليد"
صرخ هو في وجهها:
"لأ قومي علشان خاطري متقوليش كدا، قومي و متكسرنيش كدا، أنا مش حمل حاجة زي دي"
ركضت «جميلة» نحوهما تقول بصراخ بعدما عارضت جسدها الذي أبى التحرك و كأن ما حدث شل حركتها بالكامل:
"قومي يا ماما علشان خاطري، قومي و احنا هنعمل اللي أنتِ عاوزاه، قـــومـــي"
ابتسمت هي بوهنٍ بعدما رآت خوف ابنتها عليها وهي تغلق جفونها فوق حدقتيها المتشوشتين، طالع «ياسين» الوضع حوله فوجد البكاء و الخوف يحتلان ذلك التجمع، طالع زوجته فوجدها تحرك رأسها نفيًا وهي تبكي بقوة ة كأنها في عالمٍ آخر، لذلك كان الأسرع بين الجميع حينما حمل «مشيرة» على يده يركض بها، و قبل أن يلحظ أيًا من الموجودين حاول «ابراهيم» الفرار و لكن «رياض» كان الأسرع حينما قام بامساكه من الخلف وهو يقول بنبرةٍ بثت الرعب بداخله:
"على فين بقى؟ دا أنتَ وقعت في إيدي"
اقترب منه «ياسين» وهي على ذراعيه يقول بخوفٍ:
"بابا لسه فيها النبض، أنا هروح على المستشفى اللي فيها ياسر و أنتَ اتصرف معاه بمعرفتك"
كانت العائلة بأجمعها تركض خلفه و الدموع تسيل على وجوههم، بينما «حسن» اقترب من «رياض» وهو يقول مُقررًا:
"أنا هاجي مع حضرتك علشان متروحش معاه لوحدك، و بعدها نطلع على المستشفى"
أومأ له موافقًا فقام «حسن» بلكم «ابراهيم» في وجهه حتى ترنح جسده للخلف و أتى خلفه «وئام» و «طارق» يُكملان عليه بغلٍ واضح على كل أفعاله، بعدما رآى «رياض» وضعهما، صرخ منفعلًا:
"خلاص كفاية كدا دا مش في مصلحتنا، يلا يا أستاذ تعالى معايا علشان نسلمه"
أومأ له «حسن» موافقًا ثم قام بعدل وقفته فوجد «راشد» يقترب منه وهو يقول بنبرةٍ مقررةٍ:
"أنا هاجي معاكم علشان أشهد، أظن أنا ابنه و دي حاجة كفاية"
بعدها كان الوضع كالآتي «ياسين» وضعها في سيارته و معها «وليد» يحتضنها بقوة وهو يبكي، و «حسان» بجانب «ياسين» في الأمام، ثم التفت يمسك كفها وهو يبكي هو الآخر يخشى فراقها، تحرك «ياسين» بسيارته بسرعةٍ كبرى حتىٰ أصدرت صريرًا قويًا نتيجة احتكاكها بالأرض الأسفلتية، و من بعدها تحركت السيارات تباعًا بأفراد العائلة بأكملها بفتياتها و رجالها حتى أقاربهم تحركوا معهم، بينما «رياض» ركب مع «حسن» و معهما «ابراهيم» الملقى على الأريكة و وجهه ينزف بقوة و «راشد» بجانبه يمسكه حتى لا يستطع الفرار و السكين قام «رياض» بوضعها داخل أحد الأكياس حتى تكون دليلًا كافيًا ضده، نظر «حسن» في المرآة وهو يقول بنبرةٍ جامدة لمن يجلس في الخلف:
"عارف يا راشد لو حصل و هربته أنا هعمل فيك إيه؟ يمين بالله لأخليك مش نافع بعد كدا"
رد عليه الأخر منفعلًا:
"ياعم بقولك جاي أشهد معاكم، ههربه إزاي؟ ركز في السواقة خلينا نلحق احنا"
أومأ له «حسن» موافقًا ثم ضغط على مقود السيارة حتى يرفع سرعتها و كأنه في سباقٍ من بين السيارات.
أثناء قيادة «ياسين» هاتف صديقه «ياسر» حتى يقوم بمساعدتهم، فأخبره بإسم الطبيب المسئول عن تلك الحالات حتى يعود هو إليه من جديد، و بعد وقتًا قياسيًا وصل «ياسين» المشفى فوجد «وليد» يركض من السيارة و هي بين ذراعيه تنازع الألم بوهنٍ واضح، ركض بها نحو الداخل فوجد طاقم العمل يركضون نحوه بالفراش المتحرك الخاص بحمل المرضى، وضعها هو عليه ثم وقف تائهًا، فجأة وجد طبيبًا كبير في السن و يبدو عليه الهيبة و هو يقول لهم متلهفًا:
"دكتور ياسر كلمني و قالي، متقلقوش أنا متخصص الجراحة هنا، هندخل العمليات دلوقتي و خير إن شاء الله"
أومأ له الثلاثة بموافقةٍ، فقام هو بالتحرك و الطاقم خلفه يقومون بسحب الفراش حتى يتم توجيهها نحو غرفة العمليات، بينما «وليد» ارتمى على الأرض الرخامية يشعر بسيوف الهزائم تمزق روحه، لا يرى ما حوله سوى ظلامٍ يغرق به كعادته، ركض «حسان» خلف الطبيب حتى يجلس بجانب غرفة العمليات، بينما «ياسين» اقترب من «وليد» يجلس على ركبتيه وهو يقول بنبرةٍ متألمة على هيئته:
"مالك يا وليد عامل في نفسك كدا ليه؟ قوم و أقف على رجلك علشان عيلتك اللي جايين ورانا دول، و علشان بنتها، أنتَ راجل مش عيل صغير"
رد عليه هو بنبرةٍ تائهة و كأنه غرق في عالمٍ أخر:
"مشيرة فادتنا بنفسها يا ياسين، مُشيرة حَمتني و دافعت عني، لو ماتت أنا مش هسامح نفسي"
لاحظ «ياسين» تشتته و ضياعه من خلال نظرة عينيه الخاوية التي ينظر بها في الفراغ أمامه، لذلك أمسك كفه وهو يقول بنبرةٍ قوية حتى ينتبه له:
"فوق يا وليد و ركز معايا، هي مش هتموت و اللي حصل دا نصيب أنتَ ملكش دعوة بيه، قوم و ركز كدا علشان مش هينفع يشوفوك بمنظرك دا"
حينذاك دلفت أفراد العائلة تباعًا و معهم «ياسر» لذلك عبروا من بوابات المشفى على الرغم من كثرة عددهم، و أول من اقتربت منهما كانت «جميلة» تقول بنبرةٍ باكية متقطعة:
"ماما....ماما فين يا وليد، فين يا ياسين طمني عليها"
وقف «ياسين» يقول بارهاقٍ واضح:
"الدكتور خدها و دخل بيها أوضة العمليات اللي هناك دي، بس خير متخافيش هـ..."
قبل أن يُكمل جملته ركضت من أمامه حينما لاحظت والدها يقف أمام باب الغرفة يطل بعدسيته عليها من خلال تلك الدائرة الزجاجية الموضوعة فوق باب الغرفة، و تبعها «طارق» و بعض أفراد العائلة، و كانت أخرهم «خديجة» التي ارتمت بين ذراعيه تبكي بقوة و تجهش في بكاءٍ مَرير و كأن الماضي بأكمله تمكن بها، كل ما هي به فقط خوف مما سبق، وجدها هو تتشبث به بقوة تود الاحتماء به، رغم الدهشة التي تمكنت منه عند رؤيته لحالتها إلا أنه سار بها حتى اقترب من المقاعد الحديدية، أجلسها عليها ثم حرك رأسه يلتفت للخلف فوجد «عبلة» تجلس بجانب «وليد» الذي ظل كما هو تائهًا، زفر هو بقوة ثم نظر لها فوجدها تشخص ببصرها في اللاشيء و هي تبكي بقوة، فأمسك يدها وهو يقول بهدوء:
"ركزي معايا علشان أنتِ شكلك في عالم تاني، خديجة !! هي هتبقى كويسة و هتخرج تاني، أنا مسلمها للدكتور و النبض شغال الحمد لله، يعني أي حاجة في دماغك اطرديها و ادعي إنها تخرج بالسلامة"
رفعت رأسها تطالعه بحدقتيها الدامعتين وهي تقول بنبرةٍ باكية تشبه طريقة الأطفال:
"هي مش هتموت يا ياسين صح؟....مش هتعمل زي طنط فاطمة و تموت و أشيل ذنبها هي كمان، علشان خاطري قولي كدا"
كانت تتوسل له من بين عبراتها حتى يُطمئنها بحديثه بعدم حدوث ما تخشاه روحها، فوجدته يحدثها بنبرةٍ مؤكدة:
"مش هتموت بإذن الله، دي كانت بتفديني أنا و وليد، يعني الحمد لله الجرح مش هيبقى زي ما هي مقصودة، ادعيلها أنتِ بس و كل حاجة هتبقى تمام"
استمعت لحديثه فأجهشت من جديد في البكاء و هي تضغط على جفونها بشدة حتى تردع تلك الدموع عن الخروج من منبعها و لكن دون جدوى، بينما هو جلس بجانبها و ملابسه ملطخة بالدماء نتيجة حمله لها، ثم أخذها أسفل ذراعه فوجدها تبكي بقوةٍ أكثر، و للحق لم يستطع إيقافها بل تركها تبكي لعلها تُزيح ما يعتل به صدرها.
على الجهة الأخرى عند «وليد» كان كما هو جالسًا على الأرض يطالع ما حوله بأعين خاوية لا هي تبكي و لا هي صافية، بل بها خيوطٌ حمراء إذا أحدق أحدهم النظر بها لرأى سهام الغِل تندفع منها، ولكنه تائهًا، فوجدها هي تمسك وجهه وهي تقول بنبرةٍ باكية على حالته تلك:
"وليد !! مالك بس، علشان خاطري بصلي و متسرحش كدا، هي هتبقى كويسة و الله"
حرك رأسه نحوها يطالعها بنظرٍ شارد لا ينتبه لها، فوجدها تقول من جديد بنبرةٍ مؤكدة:
"كله هيبقى كويس و الله، متخافش عليها، دي مشيرة يا وليد، ياما افتكرنا إنها جابت أخرها و فاجئتنا من جديد"
اذدرد لُعابه بخوفٍ ثم ارجع رأسه للخلف و هو يفكر في حالة عمته، اليوم أفدته هي بروحها و جسدها حتى سقطت بين يديه غارقةً في الدماء، بسبب من؟ بسببه هو، هو سبب كل الأذى المُلحق بالجميع، تعاطيه للمخدرات كان بسببه و تعرض حياة «ياسين» و أخوته للخطر كان بسببه، مجيء «ابراهيم» نحو بيته كان بسببه، إصابة عمته و إزهاق روحها كان بسببه، بكاء «عبلة» و ألم قلبها كان بسببه، إذن هو المذنب الوحيد في حياة الجميع، لذلك هب منتفضًا يركض نحو غرفة العمليات حتى دفع الجميع عن طريقه، ثم وقف هو يطالع الغرفة بعدستيه الدامعتين، و حينما رآى الطبيب يحاول هو و الطاقم أغمض جفنيه بألمٍ شديد، ثم حرك رأسه للجهة الأخرى فوجد «جميلة» تبكي بين ذراعي والدها، و مع التقاء وجهيهما طالعته بنظرةٍ لم تستطع إنكارها، و التقطها هو على الفور و كأنها تتهمه بما حدث لوالدتها، لم تتحدث بلسانها و لكن عينيها قالت أفصح ما يُقال من اللسان، حينها انسحب من امام الجميع حتى اصطدم بها تسأله بشفقة على حالته:
"طب أنتَ تايه كدا و رايح فين؟"
دفعها عنه وهو يقول بصراخ في وجهها:
"ابـــعـــدي عـــنــي، خليكي بعيد"
اتسعت حدقتيها و هي تطالعه بدهشة فوجدته يتركها و يذهب من أمامها و هو كما هو، و قبل أن تركض له وجدت «ياسين» يقول وهو جالسٌ خلفها:
"سيبيه لوحده علشان يعرف يخرج من الدوامة دي، وجودك معاه هيخليه يحس بالذنب"
اقتربت منهما تجلس و هي تبكي حلى هيئته و حالته فوجدت «خديجة» تخرج من ذراعيه ثم أخذتها بين ذراعيها تحتضنها و كلتاهما تبكي مع الأخرى بنحيبٍ، جعله يطالع وضعهن بشفقةٍ على العائلة بأكملها.
_______________________
أمام غرفة العمليات كانت «هدى» تجلس و هي تبكي تتذكر يوم وفاة والدتها و بجانبها زوجها و «طارق» و «هدير» تجلس مقابلةً لهم، و فجأة اقتربت من شقيقتها تجلس على ركبتيها وهي تقول بنبرةٍ متوسلة:
"هدى علشان خاطري بطلي عياط كدا هيجرالك حاجة، علشان اللي في بطنك حتى"
أيدها «وئام» بقوله:
"هدير معاها حق يا هدى، كفاية عياط كدا عيونك باشت، حرام عليكي اللي أنتِ عملاه في نفسك دا، بطلي عياط بقى"
أومأت له ثم ألقت رأسها على كتفه وهي تبكي ثم وضعت كفها على فمها حتى تكتم شهقتها القوية، بينما «هدير» طالعت الوضع حولها بخوفٍ و هي تخشى فراق والدتها الثانية، تلك التي راعتها في كنفها و عاملتها كما لو أنها ابنتها، فمهما صار لن تستطع انكار أن «مشيرة» ذات يومٍ كانت أقرب لها من والدتها، بكت هي رغمًا عنها حينما استشعرت بفراقها، و بحثت عنه بعدستيها حتى تشاركه ما تشعر به، فوجدت «وئام» يقول بقلة حيلة:
"بتعيطي ليه يا هدير؟ أنا مسكت هدى بالعافية ألاقيكي أنتِ بتعيطي؟ وحدي الله و ادعيلها كدا"
أومأت له موافقة ثم مسحت تلك الدموع العالقة بأهدابها، بينما «طارق» حرك رأسه يبحث عنها فوجدها تبكي بين أحضان والدها و هو الأخر يتشبث بها و كأنها الأمل له في عودة والدتها.
وقف أشقاؤها الأربعة بجانب بعضهم على مقربةٍ من غرفة العمليات و لكن أكثرهم حزنًا كان «طه» الذي وقف يبكي على توأم روحه كما كانا في صغرهما، «مشيرة» تلك التي عاملها كما لو أنها ابنته حتى تدللها كان بسببه هو، تلك التي تسببت في تصدع علاقته بأسرته نتيجة حبه لها حتى تبدل الحال و قاطعها هو، لكن لماذا يبكي الآن، ألم يتمنى في السابق خروجها من البيت و حياته بأكملها؟ الآن يتضرع بقلبه قبل لسانه حتى تنجو و تخرج له سالمة؟ هكذا كان يفكر و رغمًا عنه وجد نفسه يبكي، فربتت زوجته على كتفه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"هتقوم يا طه، مشيرة قوية و جامدة و هتقوم منها، و هترجع تاني أحسن من الأول"
رد عليها هو بنبرةٍ مختنقة:
"ترجع بس يا زينب، ترجع بس و تخرج منها، دي كانت بتفدي وليد و ياسين، يعني أكيد دي مشيرة تانية... يا رب....يا رب خرجها بالسلامة"
و لم يختلف حال البقية عن حاله كثيرًا، فكلًا منهم يبكي عليها و على ما عاشته هي، فعلى الرغم من ذلك لن يستطع أيًا مهم إنكار تعرضها للأذى و للظلم حتى تبدلت حتى أصبحت على ما كانت عليه، و لكن من بين الجميع كانت «مروة» تبكي بقوة وهي تتذكر الموقف و أنها كانت على وشك فقدان صغيرها، و الفضل الآن لـ «مشيرة»؟ هي من أهدته روحها حتى تحميه من الغدر، فجأة أجهشت في البكاء فوجدت زوجها يربت عليها وهو يومأ و كأنه بذلك يطمئنها.
أتى«ياسر» من الخارج بعدما أنهى الإجراءات اللازمة لحالتها، ثم اقترب من «ياسين» وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
"ياسين أنا خلصت كل حاجة مع المستشفى، بس عددهم كبير و الإدارة مش هتسمح بكدا، أنا هديك مفتاح أوضة تحت فاضية تقعدوا فيها علشان الطُرقة المليانة دي، و علشان محدش يتكلم معاكم، بس أنا هقف هنا دلوقتي"
أومأ له موافقًا ثم قال بامتنانٍ:
"ألف شكر على تعبك يا ياسر، مش عارف أقولك إيه و الله"
طالعه يضيقٍ وهو يقول بهمسٍ خافت:
"متخلنيش أخليك تجرب الحاجات اللي تتحس و متتقالش يا ياسين، هو من إمتى فيه شكرًا بينا؟"
أومأ له موافقًا فوجد «خالد» و «عامر» يركضا نحوهما، قطب جبينه فقال «ياسر» مفسرًا:
"أنا اللي عرفتهم علشان ميزعلوش"
حينذاك اقتربا كلاهما و «عامر» يقول بلهفةٍ:
"ياسين أنتَ كويس !! حصلك حاجة أو جه جنبك؟"
رد عليه هو بارهاقٍ واضح:
"أنا كويس يا عامر متخافش، هو كان عاوزني أنا أو وليد، لكن هي فدتنا بنفسها"
تدخل «خالد» يقول بشفقةٍ:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربنا يخرجها بالسلامة، الحمد لله إنكم بخير"
طالع «عامر» الوضع حوله فوجد المكان خاليًا من «وليد» فقال مستفسرًا بهمسٍ:
"وليد فين يا ياسين؟ أنا مش شايفه"
زفر «ياسين» بقوة ثم جاوبه متشدقًا بنبرةٍ هامسة:
"وليد مصدوم يا عامر، طلع يجري دلوقتي و أنا سايبه شوية كدا علشان لما أروحله يكون جاب أخره"
تمكن الحزن منهم لأجل صديقهم الجديد الذي من الواضح أمامهم معانته في حياته، بينما «خالد» رفع يده بالحقيبة التي يحملها وهو يقول بهدوء:
"طب دي هدوم أنا جبتها ليك و لوليد علشان هدومكم اللي كلها دم دي، ياسر قالي إنكم متبهدلين بالدم"
أومأ له «ياسين» ثم قال بنبرةٍ متأثرة:
"ربنا يخليكم ليا، من غيركم هفضل تايه و مليش مكان"
رد عليه «عامر» بضيق:
"يا سيدي مش وقته روح غير هدومك دي، خده يا ياسر يغير علشان نشوف وليد هو كمان"
انسحب «ياسين» من بينهم ثم اقترب منها يقول هامسًا:
"خديجة، أنا هروح أغير الهدوم اللي كلها دم دي، علشان أعرف اتحرك، هينفع تخليكي هنا لحد ما أرجعلك تاني؟"
أومأت له موافقة فوجدته يربت على رأسه و «عبلة» كما هي بين ذراعيها تبكي، حرك «طه» رأسه فوجد «ياسين» يتحرك بهم تاركها على المقعد، لذلك تحرك هو حتى جلس بجانبها فوجدها تربت على جسد «عبلة» وهي تبكي بصمتٍ، حينها ألمه مظهرها و هي تبكي بخوف لم يخفى عليه، حينها تذكر «خديجة» القديمة التي كانت تصرخ بداخل الغرفة طالبةً للعون منهم، دموعها و أهدابها التي تتحرك هربًا من نظراته حينما جلس بجانبها_ رعشة كفها_ ارتجافة جسدها_ جميعها أشياءًا كانت تعاني منها هي حتى تخمد ثورتها بالنوم في الغرفة المظلمة، حينها خطفها بين ذراعيه يبكي بقوة و على الرغم من دهشتها بفعلته تلك، إلا أنها شاركته البكاء فوجدته يربت على ظهرها وهو يقول بنبرةٍ باكية:
"حقك عليا...بس متفضليش خايفة كدا يا خديجة، علشان خاطري متعيطيش منظرك كدا تاعبني"
أومأت له هي بموافقةٍ و لكن عبراتها كان لها رأيًا آخر، فأبت الخضوع لرغبتها في التوقف و نزلت كما هي في تدفقٍ، بعدها أبتعدت عنه ثم أخذت «عبلة» بين ذراعيها من جديد حتى لا تتركها في حيرتها و خوفها، ففي تلك اللحظات هي أدرى بالخوف و أوصله سبيلًا.
____________________
ركض هو هاربًا من نظرات الجميع و من الذنب، حتى وجد نفسه في مكانًا مظلمًا خلف المشفى يشبه الاماكن الخاصة بالمخازن الطبية، على الرغم من صعوبة المنظر و وحشته إلا أن خوفه و وحشته كانا أكبر من ما حوله، وقف مشوشًا لا يدري ماذا يفعل، تسبب في جراح كل من هم حوله، حتى «خديجة» كانت على وشك فقدان حياتها التي تتمثل في «ياسين»، عمته الآن تنازع حتى تتمسك بالحياة، والدته دومًا تعاني منه، لم يرى في تلك اللحظة سوى نسخةً منه سوداء الثياب، و فجأة وجد الجميع حوله يطالعونه باشمئزازٍ و لومٍ و كأنه هو المخطئ الوحيد، التفت حوله، فوجد النظرات كما هي و هو يدور يطالع وجوه الجميع فحرك رأسه نفيًا بيأسٍ، ليمر أمام نظره شريط عمره السابق المُحمل بالخيبات، بدايةً من معانته في بيت عائلته بسبب مسئولية «خديجة» حتى إدمانه و معالجته بالمصحة مرورًا برفض «عبلة» له حتى ظهور «ابراهيم» من جديد و تسببه في خوفه و آلامه و ندمه، ارتمى على ركبتيه بكتفين متهدلين بخيبة و حينها ظهر أمامه «وليد» الصغير ببراءته الهاربة منه يضحك له فمد له هو ذراعه حتى يتمسك به فوجده يفر كما فرار السراب، حينها تتابعت خيباته السابقة فوق رأسه و أمام عدستيه من جديد، هزائم ساحقة لو كانت سقطت على جبلٍ لهزته و لو نزلت على أرضٍ لحركتها، حينها صرخ بملء صوته صرخةً مدوية أخفاها منذ زمنًا طويلًا حتى وصلت به لتلك المرحلة، و تبعها بقوله الباكٍ المتألم من ألم روحه:
"أنــا تـــعــبـت....الــلــي بــيــحــصل فــيـا دا كــتـير....أنا أضعف من أني أتحمل كل دا و أصغر من أني أعيش فيه.... و معنديش طاقة أصلحه....و الله تعبت....لو الموت هيريحني خدني و ريحني.....بس والله أنا مستاهلش كل دا....و الله جبت أخري...."
بكى بحرقة بعد حديثه اليأس، كدماتٍ صدمت روحه تركها هو و تجاهل علاجها حتى تراكمت و مع تتابع الهزائم و الخيبات فوق صدره وجد نفسه ينفجر مثل البركان الثائر التي لم تخمد نيرانه بعد، فإما يترك أثره، أو يحرق روحه وفي النهاية هو من يعاني، ارتمى على الأرضية بكامل جسده وهو يتمنى فراق روحه لتلك الحياة المظلمة.
_______________________
في داخل المشفى بدل «ياسين» ثيابه ثم عاد من جديد برفقة «ياسر» بينما «خالد» وقف مع الشباب يطمئن على حالتها، نظر «ياسين» حوله فوجد المكان خاليًا من «عامر» هو الآخر، و قبل أن يستفسر وجده يعود و في يده أشياءًا للجميع، طالعه بتعجبٍ فوجده يقترب منه ثم قال مفسرًا لما يحمله:
"دي عصاير و حاجات علشانهم و علشان الستات اللي هنا، خد اديها ليهم و أكل مراتك اللي وشها أصفر دي"
أومأ له موافقًا و قبل أن يتحدث وجد حركة الجميع تندفع نحو الأمام كإشارةٍ على خروج الطبيب، ركض هو الآخر، فوجد الطبيب يقول معتذرًا:
"احنا للأسف بنحاول بس وضعها صعب و ضغطها مش مساعد و حاليًا عاوزين دم ليها علشان نزفت كتير"
رد عليه «طه» بتلهفٍ:
"احنا كتير هنا شوف حضرتك عاوز أنهي فصيلة"
رد عليه الطبيب بنبرةٍ عملية:
"هي فصيلتها AB موجب، أكيد فيكم حد فصيلته كدا"
في تلك اللحظة اندفعت «خديجة» تقول بنفس اللهفة:
"أنا...و ماما زيي، بس أنا اللي هتبرع ليها، أنا الحمد لله مش عندي أي حاجة"
أومأ لها موافقًا ثم قال لمساعده:
"جهز الأوضة للآنسة يا معتز"
ردت عليه هي بخجلٍ:
"أنا مدام مش آنسة، أنا متجوزة"
سألها هو مستفسرًا:
"طب فيه حمل أو أعراض ليه؟"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
"أنا لسه عروسة جديدة، مفيش أي أعراض أو حاجة"
رد عليها هو بنفس النبرة المقررة:
"تمام هنتأكد برضه و ساعتها تتبرعي براحتك ليها"
أومأت له موافقة، فدلف هو من جديد، بينما هي اقتربت منها الممرضة وهي تقول بطريقةٍ مهذبة:
"اتفضلي معايا علشان نشوف التحليل و نتأكد و بعدها نشوف التبرع"
اقترب منها «ياسين» يقول بنبرةٍ خافتة:
"أنتِ متأكدة إنك هتقدري يا خديجة؟ علشان متتعبيش"
ردت عليه هي مقررةٍ:
"طبعًا متأكدة و لو هتعب مفيهاش حاجة يعني، أنا لايمكن أنسى إنها كانت بتفاديك أنتَ و وليد"
أومأ لها موافقًا ثم دلف مع غرفة الفحص التي بها ستتبرع بالدم لعمتها، لعلها ترد ولو جزءًا بسيطًا مما أقدمت عليه لأجلها.
قامت احدى الطبيبات بفحصها و الكشف عليها، و طمأنتها أنها بحالة جيدة كما أنها حرة بدون حمل، و بالطبع تسطتع التبرع بالدم كما تريد، جلست هي على الفراش المفرود ثم مدت ذراعها للمساعدة حتى تغرز به الإبرة الطبية، بينما هو جلس بجانبها على مقعدٍ صغير يمسك ذراعها الأخر و يحتضن كفها بقوة، أما هي فحركت رأسها نحوه تبتسم له بخفوت و كم أثار ذلك دهشته، ألا تخشى الإبر الطبية و الدماء؟ كيف تتحمل دون أن تخرج رد فعل قوي معارض، فوجدها تقول بهدوء:
"مبخافش من الحقن و لا الحاجات دي، أنا خوفي من حاجات تانية"
ربت هو على يدها المُحتضنة بين كفيه وهو يبادلها البسمة بمثيلتها.
______________________
في الخارج انسحب «أحمد» من بين الجميع بعدما طلبه «حسن» بالعودة للبيت حتى يتم فحصه من قبل الشرطة، فامتثل لطلبه و ركض له نحو البيت، بينما الشباب وقفوا معًا بعدما قام «ياسر» بنقل البعض لمكانٍ أخر، و ترك فقط «طه» و «حسان» و «جميلة» و البقيةِ بعيدًا عنهم، بينما الشباب جميعهم بما فيهم «رامي» وقفوا في الاستقبال في الخارج مع «ياسر» بما أنه يعمل في تلك المشفى، و بعد مرور ما يقرب النصف ساعة خرج «ياسين» من الغرفة بعدما تبرعت هي بالدم و هي تستند على ذراعه، حتى أجلسها على أحد المقاعد ثم سألها باهتمام بالغ:
"أنتِ كويسة ؟؟ فيه حاجة بتوجعك طيب؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ واهنة:
"أنا كويسة الحمد لله، بس دايخة شوية، اطمن"
حينها اقترب منهما «عامر» ثم أخرج علبة عصير و معها كعكًا صغير الحجم مُعلب ثم قال بنبرة هادئة:
"خد خليها تاكل يا ياسين، علشان الدم اللي اتبرعت بيه دا، و خليك وراها لحد ما تاكل"
أومأ له موافقًا ثم جلس بجانبها و هو يقول بنبرةٍ حنونة:
"كلي يلا يا خديجة علشان متوقعيش من طولك، و أشربي العصير و لا أشربك أنا بنفسي"
ابتسمت بنفس الوهن ثم مدت كفها المرتعش حتى تمسك ما بيده، فوجدته يقول بإصرارٍ:
"لأ أنا اللي هشربك، أنتِ عمالة تترعشي خالص و وشك أصفر"
حينذاك دار «عامر» على الجميع و معه «ياسر» حتى يعطيهم ما جلبه لهم و مع إصراره و معاندته لم يستطع أيًا منهم الرفض، بل أخذوا منه ما قدمه لهم، و فعل المثل عند النساء بمساعدة «خلود» التي خرجت تجلس بجانب شقيقتها، تابعها «رامي» بنظره فوجدها تتنهد بقوة و هي تخفي عبراتها و ألمها، ثم اقترب يقف على مقربةً منها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنتِ كويسة يا خلود؟ تحبي تروحي ترتاحي أو أجبلك دوا"
طالعته هي بجمودٍ وهي تقول:
"لأ شكرًا مش عاوزة حاجة، أنا كويسة الحمد لله وزي الفل"
أومأ هو لها ثم تحرك من جديد يعود لموضعه بجانب الشباب، بينما هي احضنت شقيقتها ثم ربتت عليها كما لو أنها تربت على ابنتها الصغرى، فانسحب «ياسين» من جانبهن ثم ذهب لأخوته، حينها تحدث «خالد» بقلقٍ واضح:
"وليد لسه مظهرش يا ياسين، أنا قلقان يكون حصله حاجة ولا وقع من طوله، أنا عمال أدور عليه بس مش بلاقيه"
تدخل «ياسر» يقول مقترحًا:
"المكان اللي هو خرج منه بيطلع على المخازن ممكن يكون هناك لوحده أو دخل الجامع اللي هناك"
رد عليه «ياسين» متلهفًا:
"طب تعالى ورينا المكان دا بسرعة، أكيد هنلاقيه قريب من هناك"
بعد جملته انسحبوا خلف بعضهم حتى يذهبون له، ركضوا بقوة حتى وصلوا على مقربة منه، و حينها لمحوا جسده مُلقيًا على الأرض الخضراء وسط الزرع، ركضوا له من جديد و زادت دهشتهم حينما وجدوا جفونه مفتوحة مما يدل على وعيه، و لكن هيهات هو الآن مجرد جثة فقط و الروح احترقت حتى و إن كانت حية، قاموا بعدله حتى أخذه «ياسين» بين ذراعيه و البقية حوله، ربت على وجنته بقوة وهو يقول متوسلًا:
"فوق علشان خاطري و متعملش كدا في نفسك و تسيب الموج يخبطك، قوم يا وليد علشان خاطري"
تدخل «عامر» يقول متأثرًا:
"فوق يا وليد احنا هنا معاك أهوه و مش هنسيبك، فوق الدكتور طمننا عليها"
بدأ يتسعيد وعيه رويدًا رويدًا بعد هزهم له و حديثهم، و حينما حرك رأسه وقع بصره على «ياسين» بملامحه القلقة و الخوف و اللهفة كل تلك المشاعر وجدها تطل على وجهه، حينها احتضنه بقوة و هو يبكي بكاءًا مريرًا جعلهم يشعرون بالشفقة عليه، عدا «ياسين» الذي بكى معه هو الآخر و هو يحتضنه بقوة و كأن «وليد» صغيره و هو والده الذي يقف له سدًا منيعًا، قام «خالد» بإبعادهما عن بعضهما ثم قال بنبرةٍ جامدة:
"عيب عليك أنتَ وهو كدا، فوقوا و قوم يا وليد شوف الكل زي ما أنتَ علطول، عيب عليك لما تتهزم كدا"
اعتدل «وليد» في جلسته ثم أخذ نفسًا عميقًا زفره على مهلٍ تبعه بقوله المشتت:
"أنا تعبت من كل حاجة، كل ما أقول فيه حاجة هتتظبط تيجي حاجة تانية تدمرني، دلوقتي أنا مذنب و شخص مؤذي، أذيت نفسي و أذيت كل اللي حواليا، تعبت و تعبتهم معايا....تقدر تقولي لو ياسين كان حصله حاجة أنا كنت هعمل إيه؟"
رد عليه «ياسين» متدخلًا بنبرةٍ جامدة:
"ملكش دعوة بيا، أنا زي الفل و محصلش حاجة ليا، و هو كان هيأذيك أنتَ كمان، يعني هو اللي مؤذي مش أنتَ، و عمتك عملت كدا و فديتك بروحها علشان أنتَ رجعتلها بنتها و جوزها و رجعت ليها حياتها من تاني، الدنيا هي اللي مؤذية معاك إنما أنتَ مفيش عليك أي ذنب، علشان أصحاب الذنب الحقيقيين مش واخدين بالهم إنهم مذنبين أصلًا"
رفع كفيه يمسح وجهه فوجد «ياسر» يقول بنبرةٍ هادئة:
"احنا مجرد أدوات بتتحرك يا وليد، كل واحد فينا ليه طريق يتحرك فيه، و علشان كدا مينفعش نسيب طرقنا دي و نخرج براها، مجبورين عليها يبقى نمشيها و خلاص، و أنتَ طريقك فيه تعب كتير، يبقى نهايته راحة أكبر، صدقني أنتَ مش وحش، دنيتك هي اللي معاندة معاك علشان تجيب أخرك، هات أنتَ أخرها بقى"
أومأ له موافقًا وهو يستشعر كل كلمة تحدث بها فوجد «عامر» يضيف بطريقةٍ جادة:
"هقولك حكمة من مثلي الأعلى و دي أكتر حكمة أنا بؤمن بيها لأنها فعلًا مش كدب"
طالعه الجميع باهتمام و «وليد» أيضًا فاقترب هو منه يقول بنفس الملامح الجادة:
"الطبخ للجميع، دي أكتر حكمة أنا بؤمن بيها في حياتي، أسمع مني، كل مشكلة و ليها اوردر أكل يحلها، أطلبلك إيه بقى؟"
نظروا لبعضهم البعض و ما لبثوا ثوانٍ حتى انفجروا في الضحك من هيئته التي لا تنم على المزاح، حتى «وليد» الذي ابتسم بيأسٍ منه، فوجده يحتضنه وهو يقول بمرحٍ:
"الحمد لله ضحكته يا جماعة، اطلبولي أنا بقى الأكل علشان ضحكته ليكم"
ابتعد عنه «وليد» وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"و دي عمرها ما حصلت خلي بالك، طول عمري لما بزعل بفضل أيام بعدها مقفل و مكشر حوالي ٥ أيام كدا"
تدخل «خالد» يقول بسخريةٍ:
"مع عامر لو زادوا عن خمس دقايق تعالى عاتبني بقى"
تحدث «ياسين» يقول بهدوء:
"طب يلا علشان نقوم نشوفهم جوة و علشان تغير هدومك اللي كلها دم دي و تغسل وشك"
رد عليه بعدما زفر بقوة بنبرةٍ متحشرجة:
"بس أنا مش معايا هدوم و بعدين هغير فين؟"
رد عليه «ياسين» مردفًا:
"عيب تقول كدا و أخواتك معاك يا وليد، جابولك هدوم و ياسر هيديك مفتاح أوضته اللي هنا فيها حمام تغير فيها براحتك و تتعقم و تخرج براحتك"
طالعهم هو بامتنانٍ حقيقي وهو يقول بنبرةٍ متأثرة:
"دا انتو طلعتوا طوق النجاة بجد مش كلام زي ما بسمع بقى؟"
طالعوه بتعجبٍ ممتزج بالاستفسار طالبين التوضيح أكثر، فأضاف هو يُردف بنبرةٍ هائمة:
"طول عمري أسمع إن الصحاب سند لبعض، عيلة تانية في ضهرك زي الحيطة عمرها ما تميل، و أنا شكلي كدا لقيت الحيطة اللي هتسند عليها"
ابتسموا له جميعًا ففتح هو ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ يشوبها مرحٍ طفيف على الرغم من كونها متألمة:
"يلا حضن خماسي كدا بما إنكم بقيتوا أخواتي يعني"
اجتمعوا سويًا مع بعضهم في عناقٍ أخوي، استشعر «وليد» فيه بحياةٍ جديدة و حينها خطر بباله تلك المقولة وهي:
"تشبه الدنيا البحر الهائج بطلاتم موجاته و أنتَ بها مثل جسدٍ رخو كلما قذفك الموج نحو الصخر تفتتت أحشاؤك، و بين كل هذا يكفيك الاصدقاء ليكونوا طوق النجاة، فتنجو منها سالمًا بعد أن أوشكت على الموت غارقًا"
بعدها ابتعدوا عن بعضهم يساندوه حتى وقف هو و بعدها توجهوا نحو الداخل و قبل الاقتراب من الجميع أوقفه «ياسين» قائلًا بثباتْ:
"مش هينفع تدخل كدا و أنتَ مبهدل و تعبان، روح غير مع ياسر و صلح شكلك دا و تعالى لينا تاني علشان ميقلقوش عليك"
أومأ له موافقًا ثم سار مع «ياسر» نحو غرفته، بينما الثلاثة اقتربوا من الجميع يقفوا بجانبهم، طالعته «خديجة» باستفسارٍ حينما لاحظت تبدل ملامحه، فوجدته يومأ لها موافقًا، حينها، اقترب منهم «حسن» و «أحمد» و «رياض» و «راشد» و عدة أشخاص من قسم الشرطة بعدما قاموا بفحص البيت و أخذ الكاميرات المحاوطة للطابق الأول و التي ساهمت في الاحتفاظ بجزءًا كبيرًا من الواقعة، اقتربوا معًا نحو الغرفة، فخرج لهم أحد الأطباء يقول بنبرةٍ عملية بعدما أخبره مساعده بقدومهم:
"معلش يا فندم أي حاجة حاليًا مش هنقدر نقوم بيها لأن لسه الحالة صعبة"
أومأ له موافقًا ثم قال:
"أنا فاهم كل دا، أنا بس عاوز تقرير عن حالة المريضة علشان الإجراءات القانونية اللازمة"
أومأ له موافقًا ثم انسحب من أمامه، بعدها وقف «رياض» يتابع مع المشفى حتى يخرج لهم الطبيب بالخبر اليقين، أبان ذلك كان الضابط يتحدث مع كل فردٍ على حِدة، و لكن بطريقة غير رسمية، كان الحديث وديًا إلى درجةً كبرى مراعاةً لما عايشه الجميع من قلقٍ و خوف، و بعد مرور بعض الوقت الذي مر على الجميع كأنه دهرًا كاملًا، اقترب «وليد» منهم برفقة صديقه تزامنًا مع خروج الطبيب المسئول من غرفة العمليات، حينها عارضته قدميه و توقفت عن السير، خوفًا من القادم، بينما الجميع اقتربوا من الطبيب، الذي قال بنبرةٍ عملية:
"الحمد لله عدينا مرحلة الخطر، و الأنسجة محصلش ليها تلف، رغم إنها شايلة الرحم قبل كدا و كان شكله جرح كبير من زمان، بس ربنا كتبلها عمر جديد"
ها هي صدمة جديدة تقع عليهم الليلة، مشيرة فقدت رحمها منذ فترة؟ كيف حدث ذلك و متى و كيف صار بدون علمهم، كانوا ينظرون لبعضهم البعض بدهشة، فقال الطبيب متعجبًا:
"هو حضراتكم متعرفوش إنها شايلة الرحم قبل كدا؟ شكلها شايلاه من فترة علشان كدا الضغط بيحصله مشاكل كتير"
سأله «حسان» متلهفًا:
"طب بعد اذنك هي وضعها إيه طيب دلوقتي؟ يعني هتفضل فين؟"
جاوبه الطبيب مفسرًا:
"هتتحط تحت الملاحظة يومين إن شاء الله و بعدها تتنقل أوضة عادية، حمدًا لله على سلامتها، عن إذنكم"
أومأ له الجميع بموافقةٍ، بينما «وليد» حينما اقترب منه الطبيب أمسكه من مرفقه وهو يقول متوسلًا بنبرةٍ مهتزة:
"هي كويسة بجد مفيهاش حاجة؟....عايشة يعني؟"
ابتسم له الطبيب حتى يطمئنه ثم قال بهدوء:
"اطمن عليها، هي بقت الحمد لله كويسة و لسه هنعرف كمان بعد ما تتحط تحت الملاحظة، عن أذنك"
تركه وهو يزفر بقوة حتى يشعر ببعض الراحة، ثم ارتمى على المقعد المجاور له، بينما «ياسر» جلس بجانبه ثم ربت على ظهره وهو يقول بمرحٍ طفيف:
"شوفت جت سليمة إزاي؟ الحمد لله ربنا كرمكم و خرجت منها على خير، شكلها ماشاء الله معافرة"
رد عليه «وليد» بحزنٍ دفين لأجلها:
"طول عمرها معافرة و حمالة أسية، شافت كتير و على قد ما شافت على قد ما أدت، مشيرة دي الضحية اللي العالم قسي عليها لحد ما قساها بجد، و رغم كدا مش عارفة تضيع الطيبة منها".
_______________________
بعدها خرجت من غرفة العمليات على السرير المتحرك الخاص بنقل المرضى، و في يدها الإبرة الطبية المغروزة في أحد المحاليل، و منها تم نقلها لغرفةٍ خاصة بأمرٍ من أحد المسئولين بعد علمهم بقرابتها من
«رياض الشيخ»، بعدها تم إبعاد الجميع عن الغرفة عدا «وليد» الذي أوشك على المشاجرة مع من عارضوه و «جميلة» التي بكت بحرقةٍ حتى تجلس بجانب والدتها، و أمام إصرارهما تم تركهما معها، و البقية في الخارج حتى تحدث «ياسر» قائلًا:
"معلش يا جماعة علشان الوقت اتأخر، دلوقتي كلكم هتمشوا و الأوضة بيكون فيها مرافق واحد مع الممرضة وهي بنتها، و وليد و جوزها في أوضة تانية و غير كدا مش مسموح، حضراتكم تروحوا ترتاحوا و أنا بنفسي هتابع حالتها و أطمنكم"
أومأ له الجميع بموافقةٍ ممتزجة بقلة حيلتهم، فحقًا عددهم كبير جدًا كما أنهم شعروا بالتعب و الوهن يسيطر عليهم، لذلك انسحبوا من جديد نحو البيت، عدا الثلاثة التي سبق و تم ذكرهم، حتى «طارق» لم يستطع البقاء مع زوجته مع إصرار «وليد» و الذي أوشك على الدخول في مرحلة الجنون حتى «عبلة» التي صرخ في وجهها طالبًا منها الرحيل.
في غرفة «مشيرة» تم توصيلها على عدة أجهزة لتكون عونًا لجسدها في ممارسة وظائفه، بينما الكف الآخر تُرك حُرًا، فاقترب هو يجلس على أحد المقاعد بعدما جذبه نحو الفراش ثم أمسك كفها الحر، حينها زفر بقوة ثم تحدث بنبرةٍ مهتزة و كأنه تسمعه:
"أخر حاجة كنت أتوقع انها تحصل هو إنك تموتي نفسك و تضحي بروحك علشاني أنا و ياسين....طول عمري كنت بشوف فيكي حاجة غريبة غيرهم كلهم....دلوقتي عرفت أن جبروتك دا كان قشرة علشان تعاندي بيها الدنيا بعد اللي حصلك....لا أنا قادر أعاتبك ولا قادر ألومك على اللي فات، الزمن لف و دار و خلاني مديون ليكي بروحي يا مشيرة....أنا النهاردة ظهرت ضعفي قدام الغُرب بسببك....لتاني مرة أحس بالهزيمة بس المرة دي هزيمة تقيلة أوي و بايخة"
أنهى حديثه بصوتٍ متهدج أشبه بالبكاء الذي يحاول جاهدًا إيقافه، بعدها وضع رأسه على الفراش ولا زال كفه يعانق كفها، وهو يتابع بعينيه الدامعتين سكونها و ملامحها المرتخية و هي داخل العالم الآخر، و لأول مرةٍ يطلب منها الاستيقاظ.
________________________
في الغرفة المجاورة لها كانت «جميلة» على الأريكة و لكن بعدما تبدل حالها كثيرًا، انتظرت حتى أنهى والدها صلاته، ثم وقفت هي تأخذ السجادة من يده حتى تسجد للخالق سبحانه و تعالى و تشكره و تحمد فضله على خروج والدتها لها سالمةً من تلك الحادث، و قبل أن تبدأ صلاتها أوقفها والدها بقوله المهتز:
"مسمحاها يا جميلة؟ و مسمحاني أنا كمان ولا لسه؟"
اقتربت منه هي تقول بخجلٍ:
"المهم أنتو متزعلوش مني، لو كنت أعرف إن فيه حاجة زي دي ممكن تحصل كنت حنيت من زمان و روحت قولتلها إن حضنها هو كل اللي أنا عاوزاه، كنت قولتلها إن هي أمي و روحي و إن اللي عملته معاها دا كان عقاب مش أكتر، بس أنا غبية، علشان المفروض أفهم إن العمر دا لحظات لو راحت مش بترجع تاني، و أنا ضيعت كتير من غيرها و معنديش استعداد أضيع اللي جاي كمان"
سألها هو مستفسرًا:
"يعني إيه يا جميلة؟"
ردت عليه هي مقررة:
"يعني هترجعوا شقتكم القديمة و ماما هترجع بيتها تاني، أظن خلاص كدا، كل واحد حياته ارتاحت من غيرها، و هي قدمت حياتها علشان تفديهم ، دا كله يخليهم يشفعوا ليها، علشان كدا كل حاجة هتتصلح بعد خروجها من هنا"
_____________________
في بيت آلـ «الرشيد» داخل غرفة «خديجة» جلست على الفراش تبكي بين ذراعيه بقوة، وهو يربت عليها كما لو أنه يعامل ابنته، و حينما طال بكاءها، سألها هو بسخريةٍ:
"بتعيطي ليه طيب؟ مش الدكتور دلوقتي كلمناه و قال إنها كويسة؟ و ياسر بنفسه خلى الممرضة تكلمك؟ مالك بس يا ست الكل"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
"أنا بعيط علشان حاجات كتير، علشانها و علشان وليد اللي شكله مخوفني و أول مرة أشوفه كدا، و علشانك و اللي كان هيحصل النهاردة كنت هخسرك فيه"
ابتسم هو عليها لذلك ربت على ظهرها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"و أنا الحمد لله ربنا نجدني و نجد وليد، و نجد عمتك معانا، و ابراهيم دا هيتعلق من رجله، بس علشان خاطري بطلي عياط"
حركت رأسها موافقةٍ فوجدته يشدد عناقه لها ثم قال بنبرةٍ حنونة:
"عارفة يا خديجة، لو كل واحد في الدنيا حس بالذنب زيك كدا بعد كل حاجة بتحصل، كان زماننا عايشين في مكان أحسن، أحساسك بالذنب دا حلو بس مش في محله، عمتك ربنا يخرجها بالسلامة دا نصيبها، أنتِ و وليد مش سبب في حاجة، و دا اللي أنا عاوزكم تعرفوه، مش معنى إن كل اللي حواليك وحشين يبقى أنتَ كمان وحش، ساعات بتكون أنضف منهم بس علشان أصولك أنتَ مش بتتكلم"
ردت عليه هي بنبرةٍ تائهة:
"أنا عمالة أحمل نفسي فوق طاقتها يا ياسين، عمالة أقول أنا السبب، بس برضه بفتكر زمان و اللي حصل و أرجع أقول غصب عني مش هقدر أسامح و أصلح اللي حصل، بس هي أثبتتلي إن ينفع أسامح عادي، مش هقدر أنكر إنها رحعتلي روحي النهاردة، سواء أنتَ أو وليد فأنا روحي كانت هتخرج ورا واحد فيكم، دلوقتي أنا مستحيل أعاملها زي الأول"
رد عليها هو مؤيدًا حديثها:
"عارفة لما كنت بزعل من حد بعمل إيه؟ بدعيله، متستغربيش كدا، احنا بنعيش في الدنيا دي و غصب عننا بنبتلى بأمراض القلب"
طالعته باستنكارٍ تود منه التفسير، فوجدته يقول بهدوء:
"أمراض القلب مش مقصود بيها التعب العضوي، بس مقصود بيها التعب النفسي، سواء غيرة أو حقد أو غل، علشان تخلصي قلبك من الأمراض دي ادعي لغيرك كتير، لما يجي حد يضايقك بقى أو يزعلك ادعيله ساعتها بس هتعرفي يعني إيه إنسانية و يعني إيه قيم و مبادئ لازم نتمسك بيها، إحنا أحن و أجمل من إننا نرد الأذى بأذى يا خديجة، لو لسه حاسة إن قلبك شايل من عمتك يبقى أدعيلها و كلمي ربنا علشانها، تفتكري في شخص وحش أو قاسي ممكن يعمل كدا؟ مستحيل، بس اللي قلبه جميل زي قلبك كدا و منور هيعمل كدا عادي"
رفعت رأسها تطالعه بعدة مشاعر مختلطة وهي تسأله بنبرةٍ متعجبة:
"هما ليه كلهم مش زيك؟ ليه الناس مش كدا يا ياسين؟ ليه عايشين في صراع و جري و هروب و خوف، كلامك بسيط بس صح، فيها إيه لو كل واحد زعل من التاني دعاله؟ و طلب من ربنا يكرمه و يهديه"
حرك كتفيه ببساطة وهو يجاوبها:
"يمكن علشان هما بشر مثلًا؟ بصي كل واحد فينا بتيجي عليه فترة انتقالية لازم في الفترة دي يخسر حاجة، كدا كدا هتتربى، و كدا كدا هتعامل الناس، يبقى عامل كما تحب أن تُعامل، يعني ربي نفسك على الخير و على كل حاجة حلوة، علشان زرعتك تطلع حلوة"
حركت رأسها تضعها على صدره وهي تقول بنبرةٍ خافتة ممتزجة بالبكاء:
"و أنتَ أكيد زرعتك حلوة علشان تطلع كدا، مش قادرة أصدق أني كنت هخسرك يا ياسين"
ربت عليها وهو يقول بمرحٍ:
"و أنا مش قادر أصدق إنك عندك الدموع دي كلها، دي مش قنوات دمعية لأ، دي شلالات فيكتوريا"
ابتسمت هي بوهنٍ وهي تتمسك به بقدر ما سمح لها آلم ذراعها مكان اللاصق الطبي، ثم غاصت في ثباتٍ عميق، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم طبع قبلةً هادئة فوق رأسها وهو يرفع الغطاء عليها يدثرها به وهو جالسٌ على الفراش، و حينما أمعن النظر في وجهها وجد نفسه يبتسم تلقائيًا على سرعتها في النوم، بعدها ربت على ظهرها وهو يفكر كيف يجعلها تتخلص من ذلك الشعور خاصةً أن عمتها فعلت ذلك لأجلها و لأجل «وليد».
_______________________
في شقة «محمود» بالأسفل دلفت «هدير» غرفتها وهو معها بعدما بدل ثيابه، فجلست هي على طرف الفراش ثم أمسكت الصورة الموضوعة بجانبه تطالعها بعدستيها الدامعتين، وهو يراقبها، و حينما رآت الصورة التي جمعتها بوالدتها و عمتها تحدثت تقول بنبرةٍ باكية:
"هي سابتني و مشيت يا عمتو، متفقناش على إنكم تعملوا فيا كدا، طول عمري كنت بستقوى بيكم على الدنيا كلها، دلوقتي أنا ضهري مكسور، صحيح أنا كنت زعلانة منكم بس غصب عني بحبكم، كنت شايفة نفسي على الكل أني عندي بدل الأم اتنين، و أهو واحدة مشيت و التانية هتحصلها، علشان خاطري متعمليش زيها و تمشي، خليكي أنتِ زي ما كنتي علطول تقوليلها هدير بنت بطنك أنتِ بس هي بنت قلبي أنا، أرجعي تاني و أنا مش هسيبك تاني"
شعر هو بالشفقة و الحزن عليها لذلك اقترب منها يجلس بجانبها ثم أخذ تلك الصورة يضعها في موضعها القديم، بعدها أخذها أسفل ذراعه فوجدها تبكي بحرقة، ربت هو على ظهرها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"لو عياطك و كلامك للصور هيرجع حاجة مكانش حد غِلب، كنا مشينا نكلم الصور و نحضنها كمان، بس يا هدير دا كله ملوش لازمة، أنتِ بس اللي بتخسري حتة من روحك، افتكري إن العالم مش ماشي بـ طاقتك، العالم كله هيمشي و يتحرك و يدور و أنتِ بس اللي حياتك بتقف، كلهم هيكونوا فرحانين و أنتِ لوحدك اللي الحزن هيخيم عندك، قومي دلوقتي صلي و أدعي و أنا معاكي علشان نطمن عليها و علشان ترجعي معاها أحسن من الأول"
ابتعدت عنه تطالعه بأعين دامعة وهي تقول بنبرةٍ تائهة:
"هو أنتَ كنت فين من بدري يا حسن؟"
رد عليها هو بنبرةٍ حائرة:
"أنا كنت بغير هدومي برة و قبلها كنت مع عمو رياض علشان نسلم ابراهيم"
ردت عليه هي مردفةً:
"أنا مش قصدي كدا، أنا قصدي في الدنيا عمومًا، كنت فين علشان أنا مقابلكش؟"
فهم هو مقصدها من السؤال لذلك جاوبها بمرحٍ:
"آه فهمتك، كنت بعضض حجارتي علشان أقدر أمشي مع العالم بشوية طاقة كدا"
ابتسمت هي رغمًا عنها على جملته المرحة فوجدته يحتضنها وهو يقول بنفس المرح:
"لو تفضلي في حضني كدا و تعيطي أنا مش ممانع على فكرة، حتى ممكن أعيط جنبك عادي"
سألته هي بنبرةٍ خافتة:
"عمتو هتخرج يا حسن صح؟"
ابتسم وهو يجاوبها بمرحٍ كعادته:
"شوفي يا هدير من خلال عشرتي ليكم هنا أحب أقولك إن مصر جابت ٣ ستات ميتخافش عليهم،هما غادة عبدالرازق، و رضوى الشربيني و مشيرة الرشيد"
ضحكت بقوة فوجدته يقول معنفًا لها بطريقةٍ جادة:
"بس يا بت عيب عمتو في المستشفى و أنتِ قاعدة تضحكي و تهزري مفيش دم"
طالعته بدهشةٍ فوجدته يضيف بخبثٍ:
"دا الدم نط في الوش الله أكبر، طلعنا بنتكسف و نحس أهوه، أول مرة شوفتك في الكافيه حسيت إنك عاوزة تتفي في وشي"
ابتعدت عنه تقول بحنقٍ طفيف:
"علشان كنت مستفز بجد، أنا قاعدة بعيط مع نفسي و بشم نفسي لقيتك جاي تعملي تحقيق و.....مين حبيبتك دي اللي كلمتها اليوم دا؟"
سألته هي بتشككٍ و استفسارٍ جعله يطالعها بريبةٍ حينما رآى تبدل وجهها، لذلك قال متعجبًا:
"بسم الله الرحمن الرحيم، أنتِ طلعتي بتقلبي ولا إيه؟ مين حبيبتي دي كمان؟"
ردت عليه هي تفسر بتريثٍ:
"ساعتها لما قعدت قصادي جالك تليفون و أنتَ رديت وقولت يا حبيبتي مين دي بقى إن شاء الله ؟"
تذكر هو ما حدث حينها لكنه آثر التجاهل ثم سألها بنبرةٍ خبيثة:
"دا أنتِ طلعتي مركزة معايا أهو من ساعتها، أومال عاملة نفسك من بنها ليه؟"
ردت عليه هي بضيقٍ حينما استشعرت حديثه الخبيث:
"على فكرة بقى أنا مش مركزة ولا حاجة، أنا بس كنت متضايقة علشان افتكرتك مرتبط و لا متجوز و جاي تشوف نفسك عليا، لكن هركز معاك ليه أنا؟"
أومأ لها موافقًا ثم قال بنبرةٍ غير مبالية:
"عادي يعني، بس علشان أطمنك يا ستي دي حنان أختي الكبيرة، ابنها في اسكندرية لسه طالب في الجامعة و بنتها متجوزة بتروح تقعد هناك معاهم لحد ما جوزها يرجع من السفر، بتتكلم بقى تطمن عليا و أنا بقولها يا حبيبتي، بس كدا"
تبدلت ملامحها إلى أخرى أكثر أريحية فوجدته يقول بخبثٍ:
"لأ واضح إنك مش مركزة خالص معايا، أومال الدموية ضربت في وشك كدا ليه لما عرفتي؟"
ردت عليه هي بتوترٍ:
"ها...لأ عادي يعني بس كل الحكاية أني مكنتش أعرفك....و علشان يعني خلاص....أنا هقوم اتوضى علشان أصلي"
هربت من أمامه و من سهامه الموجهة نحوه بتوترٍ و خجلٍ ظهر بوضوح على هيئتها، بينما هو نظر في أثرها بمرحٍ وهو يقول محدثًا نفسه:
"البت دي شكلها غيرانه عليا".
_____________________
في الأسفل في الطابق الأول اجتمت عائلة الراشد في شقةٍ واحدة بعد عودتهم من المشفى، فتحدث «إيهاب» يقول بخجلٍ:
"عجبك عمايل أبوك يا راشد؟ تقدر تقولي أخرتها إيه؟ الناس اللي أوينا في بيتهم و رجعوا حقنا نرفع عينا فيهم إزاي؟"
ردت عليه زوجته تقول بأسى:
"يا حبة عيني بنتها قطعت قلبي هي و وليد و خديجة و هدير و كلهم، منه لله ابراهيم علطول كاسر فرحة الكل و عمره ما قدر يتقبل إن غيره يكسب حاجة مش عنده، بس ربك كبير و أهو هيترمي في السجن رمية الكلاب و لسه لما تفوق و يحققوا معاها"
رد عليها «راشد» بنبرةٍ تائهة:
"شخص زي دا مفيش في قلبه رحمة خالص؟ لا رَحم غريب ولا رَحم قريب و لا حتى ابنه المريض ؟! أنا لحد دلوقتي مش قادر أصدق إنه كان هيقتل حد بجد؟ على كدا لو وليد كان معاه لوحده كان حصله إيه؟"
ردت عليه «شهد» بنبرةٍ حزينة:
"كان هيموته أكيد و قصادها كنت هتروح أنتَ أو أخوك، بس هو بياخد جزاءه دلوقتي ولو يموت في السجن يبقى أرحم"
كانت زوجته تستمع لهم ببكاء لم تقوى على الحديث، فأي حديثٍ يقال في تلك الأحداث، هي لو استطاعت حقًا لكانت خنقته بيدها معًا حتى أزهقت روحه و حضن جسده التراب، لكن مهلًا ها هي الحياة تدور حتى تصعقه تحت قدميها لِـ تخلص من ما فات وما هو آتٍ، بينما «رامي» تدخل يقول بحنقٍ:
"أنا لو جيت أطلب منهم إيد خلود هيوئدوني مكاني و حقهم بصراحة"
طالعته «شذى» بضجرٍ، بينما شقيقه قال منفعلًا:
أنتَ معدوم الدم ليه يا رامي؟ خلود مين دي اللي تتجوزها؟ شيل الموضوع من راسك خالص"
رد عليه هو بضجرٍ:
"أنتَ مالك يا راشد؟ أنا حر هو أنتَ اللي هتتجوزها؟ و بعدين مش يمكن لما أطلبها توافق؟"
ردت عليه «شهد» بنبرةٍ هادئة بعدما طالعت شقيقتها:
"اهدا يا رامي مش قفش هي، و بعدين أبوك كان هيموت أخوها و دلوقتي ضارب عمتها و عاوز تطلب إيد بنت من عندهم؟ بأي حق؟"
لوح لها بذراعه ثم قال بحنقٍ:
"أنا داخل أنام تصبحوا على خير لحد ما نغور من هنا"
نظر الجميع في أثره بتعجبٍ بينما «شذى» شقيقتها الصغيرة وهي تقول بنبرةٍ مهتزة:
"أنا هاخد شروق أنيمها علشان الخضة اللي هي شافتها دي و كانت عاوزة وليد بس هو مش فايق"
أومأ لها الجميع بموافقة، بينما شقيقتها الكبرى طالعتها بحزنٍ لأجلها و لأجل قلبها الحزين.
_______________________
بعد مرور ثلاثة أيام و ليلتين كانت الأوضاع كما هي في بيت آلـ «الرشيد» العائلة تقوم بتقسيم نفسها على زيارة «مشيرة» تباعًا وهي كما هي ساكنة الفراش، لم يتركها أيًا من زوجها و ابنتها و «وليد» الذي بقى بجوارها يحرسها ليلًا و يداويها نهارًا، فارقه النوم طوال الفترة السابقة، حتى هاتفه قام بإغلاقه حتى لا يكترث بمن هم في الخارج و أولهم من كُتب على قلبه حبها و ربط قلبها بعذابها، و في منتصف اليوم و قبل مجيء «ياسين» كعادته في ذلك الوقت، فتحت «مشيرة» عينيها على مضضٍ بقدر ما سمح لها الضوء النافذ لحدقتيها، حاولت مرارًا و تكرارًا حتى استطاعت في النهاية فتحهما كان هو بجانبها يرفع رأسها للأعلى و ابنتها في الخارج تصلي مع والدها، فحتى مهمة رعاية والدتها لم يتركها لها، و حينما سمع أنينًا خافتًا حرك رأسه مُسرعًا يطل عليها بحدقتيه فوجدها تحرك رأسها بتشوشٍ، اقترب منها بلهفةٍ وهو يقول بنبرةٍ مختنقة:
"مشيرة !! أنتِ بتفوقي؟ أوعي تكوني بتموتي هروح فيها رواكي، هجيب لمين دوا الضغط"
حركت رأسها نحو مصدر الصوت بوهنٍ فوجدته هو من يجلس بجانبها حينها تذكرت ما حدث فرفعت كفها بوهنٍ تلتمس وجهه و هي تبكي، فوجدته يقول معارضًا:
"بس متعيطيش أنا و أنتِ كويسين الحمد لله، هجبلك الدكتور و أجي"
ركض بعد جملته تلك في الرواق يبحث عن الطبيب، أبان ذلك كانت «جميلة» متوجهة نحو الغرفة حتى اصطدم هو بها لكنه تجاهلها و واصل سيره نحو مراده، بينما هي ركضت نحو الداخل حتى وجدت والدتها تبكي على الفراش، اقتربت منها تقول بنبرةٍ باكية:
"أنتِ فوقتي يا ماما !! الحمد لله يا رب، الحمد لله، الدنيا كلها نورت برجوعك تاني"
بكت «مشيرة» من جديد فوجدت «جميلة» تحتضنها بقوة و هي تصرخ بآلمٍ و ندمٍ على ما فات، شاركتها والدتها الشهقات و حينها دلف «وليد» و الطبيب و «حسان» و «طاقم» العمل، و حينما رآى الطبيب وضعهن، قال بلهجةٍ حادة:
"كدا مينفعش، المريضة لسه في حالة الإيفاقة و دا غلط علشان والدتك حتى"
اقترب «وليد» منها يرفعها من على الفراش بعدما ارتمت عليه تبكي بجانب والدتها، و حينها بكت بين ذراعيه بقوة فوجدته يربت عليها، و الطبيب يتفحصها و معه مساعديه، بعدها تحدث بنبرةٍ آملة:
"الحمد لله حالتها كويسة و كدا تمام، و كل الخطر عدى، أهم حاجة الجرح لازم يتحافظ عليه من الانفعال و التلوث لإنه كبير"
أومأ له الجميع بموافقةٍ فقال هو مبتسمًا:
"حمدًا لله على سلامتها، و ربنا يبارك في عمرها"
بعدها جلس «حسان» بجانبها يقول بهدوء:
"الحمد لله إنك رجعتيلي تاني يا مشيرة، الحمد لله إن ربنا كرمني بيكي تاني"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
"قصدك تالت أو رابع، أنا شكلي قدرك بجد يا حسان"
رد عليها هو بحبٍ بالغ:
"و أحلى قدر يا مشيرة"
_"ما تلم نفسك يا عمو حسان، الست خارجة من ٣٠ غرزة، هو أنا مش مالي عينك؟"
تفوه بها «وليد» ردًا على حديث زوج عمته، فقام «حسان» ثم اقترب منه وهو يقول بضجرٍ:
"شوف علشان أنا جبت أخري منك، ابعد عني يا وليد علشان أنا مش ناقصني غيرك يكمل عليا، حِل عني يا بني، مش ناقصاك هي"
رد عليه «وليد» بوقاحته المعتادة:
"والله كل واحد أدرى باللي ناقصه، و بعدين مالك شادد حيلك كدا عليا زي ما تكون فادتني بروحك على الحدود، أنتَ كل يوم تيجي ترقي الأوضة و تمشي و أنا مش موجود، محسسني إن فيه جن بيحرسها"
رد عليه هو مردفًا:
"علشان أركز يا بني أدم، و بعدين أنتَ بتفضل قاعد في الأوضة مش عاوز تسيبها و دي مراتي، مش عارف حتى أطمن عليها و لا أعمل حاجة خالص"
_"هتعمل إيه يا شيخ حسان في وضعها دا؟ لو مسكت إيدها يبقى انجاز يحتسب ليك، و يوم ما تتعظم هتبوس راسها، اسكت بالله عليك"
بنفس وقاحته المعتادة رد على زوج عمته بذلك مما جعله يقول بحنقٍ:
"أنا هسيبلك الأوضة كلها و أروح أصلي يمكن ربنا يهديك يا بني"
رد عليه هو بمرحٍ:
"ادعيلي معاك يا عمو أصلي محسود، متدعيش عليا علشان الملايكة بترد الدعوة"
لوح له الآخر بذراعه وهو يخرج من الغرفة فوجده يرفع صوته قائلًا:
"سكتك خضرة يا عمو حسان"
كانتا الاثنتين تتابعا ما يحدث بمرحٍ بعدما قامت «جميلة» بعدل وضعها، طالعتها والدتها بفرحةٍ ممتزجة بعدة أسئلة لم تقوى على التفوه بها، فوجدتها تمسك كفها وهي تقول بنبرةٍ حاولت صبغها بالمرح لكنها أبت و خرجت متأثرة بالبكاء:
"أنا مش عاوزاكي تسألي و لا تستفسري، كل حاجة عدت خلاص و دلوقتي هنبدأ من جديد أنا و أنتِ و بابا مع بعض، أنا مسامحة من قلبي و مش زعلانة منك، المهم أنتِ متكونيش زعلانة مني"
ردت عليها «مشيرة» ببكاء:
"أنا مش زعلانة منك، أنا زعلي كان من الدنيا كلها يا جميلة، لكن و الله كفاية كلامك دا و مش عاوزة حاجة تاني من الدنيا"
رفعت نفسها ثم طبعت قبلة فوق رأسها تبعتها بقولها:
"عاوزاكي تفضلي معايا علطول اللي جاي من عمري كله، أنا بحبك أوي يا ماما و الله بحبك أوي"
ابتسمت «مشيرة» بآلمٍ وهي تقول:
"ماما....الكلمة اللي عملت علشانها كل حاجة في حياتي و طلعت كل حاجة غلط"
مسحت عبرات والدتها ثم قالت بنبرةٍ حاولت صبغها بالمرح:
"أنا دلوقتي هروح أجيب مياه و أرجع تاني، و هخلي معاك وليد للأسف يعني"
طالعها هو بوجهٍ ممتعض وهو يراقب انسحابها من الغرفة ثم جلس على المقعد المجاور للفراش، راقبته هي بقلقٍ من تغير ملامحه فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"هو سؤال واحد علشان أرتاح، ليه يا مشيرة؟ تفدينا بنفسك ليه"
تنفست بعمقٍ ثم جاوبته متشدقةً بنذقٍ:
"هو كدا و خلاص"
ابتسم هو بسخرية ثم أضاف:
"جنان يعني؟ هو تان يا مشيرة بيتاخد كدا و خلاص؟ عملتي كدا ليه؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه منفعلة:
"و أنتَ لما بتعمل الحاجة علشاننا بتعملها ليه؟ لما بتموت نفسك علشان كل بيبقى ليه؟ أكيد علشان بتحبنا"
رد عليه هو بسخرية:
"وهو أنتِ بقى بتحبيني يا مشيرة لدرجة تخليكي تفديني أنا و ياسين، و لعلمك السكينة كانت أقرب لياسين و أنا كنت هزقه"
ردت عليه هي بجمودٍ:
"عارفة إنها كانت أقرب لياسين و عارفة أنتَ كنت هتعمل إيه، علشان كدا عملت كدا، خديجة متستاهلش قلبها يتوجع تاني عليكم"
صرخ في وجهها بطريقةٍ هيسترية:
"ولما أنتِ كدا حاربتينا ليه؟ كرهتينا فيكي ليه؟ عملتي حزب مع كل ولاد العيلة و خرجتينا ننه منه ليه؟ ردي عليا؟ ليه طلعتينا معقدين و مشوهين نفسيًا؟ احنا بسببك مش قادرين نصدق اننا ينفع نتحب"
بكت هي بقوة حينما رآت طريقته تلك و نبرته المتألمة، فوجدته يقول ببكاء:
"المصيبة أني معرفتش آزيكي، أنا طول عمري كنت مستني منك حضن زي اللي بتحضنيه لهدير و عبلة، كنت مستني أشوفك بتدافعي عني زيهم، صحيح أنا مش زي خديجة و أبويا مش طه، بس بسببك كبرت على أني مش اختيار لحد و بسببك أنا تعبت، حتى دلوقتي شايل ذنبك و تعبان"
مسحت دموعها المنسابة ثم طالعته وهي تقول بنبرةٍ جامدة:
"لما أنتَ وثقت في صحابك يا وليد و بقيت مدمن بسببهم و اتعالجت شهور ف مصحة، عملت إيه بعد ما عرفت باللي عملوه فيك؟"
طالعها بحيرةٍ فوجدها تقول:
"ها رد عليا، عملت فيهم بعدما وثقت فيهم"
رد عليها بنبرةٍ تائهة:
"روحت بلغت عنهم و عن المكان اللي بيجيبوا منه بعدما ما عرفته أنا على أساس أني هساعدهم، و سلمتهم للحكومة"
ابتسمت هي بسخرية وهي تقول:
"يعني رد فعل للغدر، زيي بالظبط كنت رد فعل للغدر بس كان رايح للشخص اللي كنت فكراه غدار، ناس وثقت فيهم غدروا بيك و جرحوا قلبك و ساعتها أنتَ روحت بلغت عنهم، من غير ما تفكر ظروفهم إيه أو مجبورين ولا لأ؟ خدت حقك، أنا برضه خدت حقي، صحيت من النوم لقيت نفسي مش معايا حاجة خالص، بنتي و بيتي و جوزي كله فارقني، مطلوب مني قصاد كل دا أكمل عادي و أضحك في وشهم و أنا قلبي محروق؟ كداب اللي يقول آه، أنا انتقامي كان غلط في خديجة و زينب، و جه على دماغي في الأخر و دوقت المرار، و دلوقتي أنا كنت بكفر عن ذنبي ليها علشان تسامحني، و علشان أعرفها أني بحبها، لو الموت كان هياخد حد بيننا يبقى أنا أولى واحدة فيكم"
مسح عباراته ثم حرك رأسه موافقًا على حديثها المقنع، بعدها وجدها تفتح له ذراعها وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
"ممكن بقى أجرب حضنك اللي لم العيلة كلها ماعدا أنا دا؟"
طالعها هو بدهشةٍ فوجدها تقول بنبرةٍ مهتزة:
"طول عمرك كان نفسك في حضن مني و ساعتها أنا رخمت عليك، دلوقتي أنا بقولك ينفع تحضني يا وليد علشان اتأكد إنك معايا؟"
أومأ لها موافقًا ثم اقترب منها يجلس على الفراش فوجدها تأخذه بين ذراعيها بقدر ما سمحت لها قوتها الواهية بسبب ألم جسدها، بينما هو وجد نفسه يبكي من جديد لا يدري لماذا، لكن عناقها له كان يتمناه دومًا، بعدها ابتعدت عنه فوجدها تحاول كتم شهقاتها، حينها رفع كفه ثم كفكف دموعها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"كفاية عياط بقى، و يلا قومي شدي حيلك كدا علشان البيت مستنيكي ترجعيله تاني"
أومأت له موافقة، فوجدته يقترب منها بتوترٍ ثم طبع قبلةً هادئة فوق رأسها، طالعته بدهشةٍ جلية بوضوحٍ فوجدته، يقول بمرحٍ:
"دي علشان روحك اللي فادتيني بيها متطمعيش في أكتر من كدا"
أبتسمت له من جديد، فوجدته يربت على كفها ثم انسحب من الغرفة تاركها خلفه تبتسم بفرحةٍ كبرى.
بعدها علمت العائلة بأكملها بتحسنها و توالوا على زيارتها تباعًا، و كانت أخرهم «هدير» و معها زوجها، و لم تتحدث معها في أي شيء فقط اطمئنت عليها ثم تحركت مع «حسن»، لاحظت «مشيرة» أن هناك ثلاثة أشخاص لم يأتوا لها بعد، و للحق الثلاثة ذو أهميةٍ كبيرة وهم «خديجة_عبلة _ ياسين»، و يبدو أن روحها كانت على اتصال بروح أحدهم، لذلك رأت «ياسين» يقف أمامها وهو يبتسم لها، ابتسمت له هي الأخرى فوجدته يقول بمرحٍ طفيف:
"مش عارف بصراحة ممكن أقولك إيه في حاجة زي دي؟ بس أنا جاي أتطمن عليكي و أقولك شكرًا، اللي عملتيه علشاني كان كتير و مش أي حد يقدر يفدي حد بروحه غير لو بيحب فعلًا، هو أنتِ بتحبيني يا عمتو؟"
سألها سؤاله الأخير بمرحٍ جعلها تبتسم له ثم حركت رأسها موافقة، فاقترب يجلس بجانبها على المقعد المجاور للفراش وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"ليه تعملي في نفسك كدا؟ ليه تخليني أشيل ذنبك و ذنب بنتك كمان؟ مفكرتيش فيها و أنتِ بتعملي كدا؟"
ردت عليه هي مردفةً:
"أنا عملت كدا علشان خاطر بنتي، بس مش جميلة لأ خديجة، اللي كسرتها طول عمري، أنا آه كنت وحشة و مش عارفة أنا لسه كدا ولا لأ؟ بس خديجة أنضف من أنها تزعل عليك أو على وليد، أنا مش مشكلة، عيشت كتير و شوفت أكتر، لكن أنتو العمر قصادكم و لسه هتعيشوه، المهم انكم بخير"
رد عليها هو بهدوء:
"و الحمد لله إنك بخير معانا، صدقيني أنا معنديش أي عداء معاكي، أنا بس شخص مسالم أوي و بخاف من نفسي علشان كدا علطول بكون هادي، بس من ساعة ما خديجة دخلت حياتي و أنا اكتشفت حاجة غريبة إن اللي يزعلها ممكن أكله بسناني، علشان كدا أنا بعتذر عن أي اسلوب وحش مني ليكي، و ياريت لو تفتحي صفحة جديدة معايا و تعرفي فيها ياسين الشيخ بجد"
أبتسمت له بسمةً صافية وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
"أنا شوفت كل حاجة على وش ابراهيم خلاص، ما شاء الله خديجة لو زعلتك مش هتاخد في إيدك حاجة"
رد عليها هو بحبٍ:
"هتصدقيني لو قولتلك إني معاها ضعيف و مقدرش حتى أزعلها؟ ازاي بس أعمل كدا و أنا معاهد نفسي أبقى أبوها قبل ما أكون جوزها؟ خديجة دي أول فرحتي زي ما بيقولوا كدا"
ابتسمت له بحبٍ وهي تقول بنبرةٍ متأثرة:
"ربنا يخليكم لبعض و تفرح بولادك منها، و يكونوا زي أمهم كدا"
قبل أن يرد عليها وجد الباب يُفتح بواسطة أحدهم ثم أشرأب برأسه وهو يقول بمرحٍ:
"عـــمـتو !! عاملة إيه دلوقتي"
طالعته هي بدهشةٍ فوجدت الباب يُفتح على وسعه بواسطة «خالد» وهو يقول بحنقٍ:
"يا أخي تعبتني بقى دخلني، هو عيد ميلاد؟"
حركت رأسها تنظر لـ «ياسين» فوجدته يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"دول اخواتي و جايين يطمنوا عليكي، أكيد عارفاهم"
حركت رأسها موافقة فوجدت «ياسر» يقترب منها ثم وضع علبة مغلفة كهديةً لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"الحمد لله على سلامتك، و شكرًا علشان اللي عملتيه لياسين"
ردت عليه هي بتأثرٍ:
"الله يسلمك، بس أنا معملتش حاجة، هو اللي عمل كل حاجة علشان كدا يستاهل الخير"
ابتسم «ياسين» باتساعٍ، اقترب منها «خالد» يعطيها باقة ورد وهو يقول بنبرة هادئة:
"الحمد لله على سلامتك، و ربنا يطمننا عليكي"
أخذتها منه وهي تبتسم له، بعدها وجدت «عامر» يقترب منه يقول بمرحٍ:
"دول عيال خيخة و احد جابلك هدية و التاني بوكيه ورد، أنا جايبلك كرتونة عصير مستوردة أهيه، و معاها علبة بسكوت سادة، لحد ما تروحي بيتك هتلاقيني جايبلك فرختين بلدي و وجبة شوربة خضار، أكتر من كدا يبقى طمع و ممكن أعتبره مهرك عادي"
ضحكت بقوة على طريقته فوجدت «ياسين» يقول معتذرًا:
"أنا آسف دا عامر أظن غني عن التعريف، هو كدا علطول"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"عارفاه طبعًا، بس دمه خفيف والله، ربنا يكرمكم و يبارك فيكم"
رد عليها «عامر» بمرحٍ و عفوية:
"أنا كنت هجيبلك فاكهة والله بس لقيت العنب فيه بذر و المانجا مستوية و احنا داخلين على شتا لسه مفيش برتقان، بس أوعدك في الشتا هجيلك بعصير برتقان، أصلك انقذتي ياسين برضه"
تدخل «خالد» يقول بضجرٍ:
"طب أنا بقول كفاية قلة ذوق كدا و يلا؟ علشان حتى هي ترتاح شوية؟"
أيده «ياسر» بقوله:
"أنا بقول كدا برضه، و قبل ما المستشفى تطردني"
وقف «ياسين» ثم قال بمرحٍ:
"طب نستأذن احنا بقى علشان الوقت ميتأخرش أكتر من كدا"
سألته هي بلهفةٍ:
"هي خديجة مجاتش ليه، هي لسه زعلانة مني؟"
ابتسم هو لها ثم قال:
"خديجة و عبلة هيجوا مع بعض علشانك و احتمال يباتوا، متخافيش"
أومأت له موافقة و في تلك اللحظة دلف «وليد» و حينما رآهم اقترب منهم يقول مرحبًا:
"يا هلا يا هلا، واقفين ليه اقعدوا"
رد عليه «خالد» بهدوء:
"احنا شوفناها و اتطمنا عليها و هنمشي، أنتَ عاوز حاجة؟"
أومأ له موافقًا ثم قال موجهًا حديثه لزوج أخته:
"بقولك عمو رياض عمل إيه مع ابراهيم؟"
رد عليه الأخر بضجرٍ:
"أهو مرمي في الحجز لحد ما يحققوا مع عمتو مشيرة و بعدها هيترحل للنيابة، بس برضه زي ما هو جبروت مفيش حاجة كسراه"
ابتسم له «وليد» بخبثٍ وهو يقول:
"لأ ماهو أنا عرفت هكسره إزاي؟ أنا هخلي ابراهيم يموت بحسرته"
_"إزاي"
تفوه بها الجميع فقال هو بعدما جلس بأريحيةٍ:
"عاوز بكرة مأذون و اتنين شهود"
سأله «ياسين» منفعلًا:
"و دا إسمه إيه بقى إن شاء الله؟"
ابتسم «وليد» باتساعٍ تزامنًا مع نظرة الخبث التي لمعت في حدقتيه وهو يقول:
"دا إسمه عودة وليد الرشيد"