تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثاني» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول الفصل الأول" رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني" ___________ ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب __________ قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد. كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي ا...
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني والعشرون
رقيقةٌ أنتِ تُشبهين كل ما هو جميل ...
_______________________
سيظل أكثر الأشياء مهابةً هو الشعور بالتوقف و كأن الزمان و المكان غير ملائمين لكَ، كطيرٍ مُجبر على الطَيرٍ بجناحٍ مكسور، أو كـ يدٌ حُرة أُجبرت على التصفيق، أو كـ نجمٌ شاردٌ في السماء المعتمة...كلها مشاعر أحرقتك و لذاتك أفقدتك...
لكن تذكر دائمًا أنك تملكُ قلبًا عظيمًا مصدر إلهامك...و من يملكُ مثل ذلك القلب...من المؤكد سيصبح عظيمًا.
خرجوا الشباب من غرفة «مشيرة» بعدما تحدثوا مع «وليد»، بينما بقىْ هو بجانبها حتى دلفت أبنتها الغرفة من جديد وهي تقول بفرحةٍ كبرى:
"ماما ...أنا كلمت الدكتور و قالي لو عاوزة تخرجي هنخرجك النهاردة بليل"
طالعتها والدتها بدهشةٍ بينما «وليد» سألها بنبرةٍ هادئة:
"إزاي يا جميلة؟ هتروح ازاي بس"
ردت عليه هي بنبرةٍ متحمسة:
"أنا سألته والله يا وليد، وهو قالي إن المهم الرعاية الصحية و النفسية، دا غير إن خالو طه قال إنها مبتحبش المستشفيات"
تدخلت «مشيرة» تقول بنبرةٍ منهكة:
"بصراحة يا وليد أنا مبحبش المستشفيات....بحس نفسي فيها مخنوقة، لو روحت هيبقى أحسن ليا بالله عليك"
قبل أن يرد عليها فُتح الباب بواسطة «عبلة» و خلفها «خديجة»، نظروا لهن بتعجبٍ بينما هو طالعها بشوقٍ فاضح سرعان ظهر في مقلتيه بمجرد مرور طيفها أمام حدقتيه، و لأول مرّة تفعل هي العكس و تتجاهله بدخولها الغرفة ثم توجهت نحو عمتها و «خديجة» تمسك كفها مثل الطفل الصغير، اقتربت منها تقول بنبرةٍ متأثرة:
"عاملة إيه يا عمتو؟ طمنيني عليكِ أنتِ كويسة دلوقتي؟"
أومأت له موافقة و لكن تركيزها كان مع الأخرى التي أطرقت برأسها للأسفل لا تقوى على تلك المواجهة، خصيصًا بعدما تركها «ياسين» تواجه بمفردها، طالعت «جميلة» الوضع حولها فوجد التوتر يسود المكان من خلال النظرات المتبادلة بين الجميع، لذلك تحدثت هي تقول بنبرةٍ متوترة:
"طب واقفين ليه؟ اقعدي يا عبلة اقعدي يا خديجة"
أومأت لها كلتاهما ثم امتثلا لمطلبها، حينذاك رفعت «خديجة» رأسها حينما وكزتها «عبلة» حتى تتحدث، و بمجرد رفعها لرأسها التقت عينيها بعيني عمتها، و كأن الزمن خانها حتى أتى أمامها منظرها وهي تدافع عن ذويها، تابع «وليد» النظرات المتبادلة بينهن لذلك قال بنبرةٍ هادئة:
"تعالوا برة و سيبوهم مع بعض"
أومأت له كلتاهما، بينما الأثنتين كانتا تائهتين بين النظرات المتبادلة، لذلك «وليد» قرر ترك الغرفةِ لهن حتى تتم تلك المواجهة المنتظرة منذُ فترة طويلة، لذلك أخلى الغرفة و تركها لهن و الآخرتين خلفه، جلست «عبلة» في الخارج بجانب الغرفة، و «جميلة» بجانبها، بينما هو مقابلًا لها يطالعها وهي تُخفي نظرها عنه، انسحبت «جميلة» من بين بينهما حتى تترك لهما مجالًا حتى يتحدثا سويًا، تابع هو اختفاء «جميلة» ثم حرك رأسه يطالع تلك التي تتجاهله و تتصفح هاتفها، و حينها قال بنبرةٍ جامدة:
"طب سلمي عليا و قوليلي أي حاجة طيب، هو أنا من المعبد اليهودي ؟"
تجاهلته و كأنه لا يتحدث معها، بينما هو تعجب أكثر حينما رأى زيادة تجاهله له، لذلك اقترب منها يجلس منها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"مالك يا عبلة أنتِ زعلانة مني ولا إيه؟"
ابتسمت هي بسخريةٍ وهي تحرك رأسها بغير تصديق، فوجدته يمسكها من مرفقها وهو يقول بنبرةٍ مهتزة:
"عبلة !! طب بصيلي طيب و بلاش تخبي عيونك عني...هو بجد أنتِ زعلانة مني؟"
التفتت له تقول منفعلة في وجهه:
"هو بجد أنتَ مش مصدق أني زعلانة منك؟ مش مُدرك إنك وجعتني و شتمتني قصاد الكل؟ مش مستوعب إنك قدام ياسين صرخت في وشي علشان أبعد عنك و كأني جَربة، مش مستوعب إنك قدام الكل و أنا بقولك تعالى ريح و غير هدومك و أرجع تاني صرخت في وشي و قولتلي ملكيش دعوة بيا أمشي من هنا، مش مدرك إنك مزعل طارق و بابا منك علشان بيقولولك كلمها عِدل؟ لو أنتَ مش مدرك أنا مدركة و موجوعة يا وليد، أنا مش معدومة الكرامة علشان أتحمل كل دا منك، لو قلبي اللي حبك هيرخصني هدوس عليه علشان كرامتي"
استمع هو لما تفوهت به بأعين متسعة غير مدرك حقًا لما تفوهت به، هو يعلم أنه انفعل على الجميع عدة مرات، لكن ذلك كله نتج عن حيرته و تخبطه و ندمه و آلم روحه، لذلك وجد العبرات تلمع داخل عدستيه وهو يقول بنبرةٍ متألمة:
"والله العظيم دا كان غصب عني، والله اللي كنت فيه كان صعب، إحساس الذنب خنقني و كتفني يا عبلة، علشان خاطري متزوديش وجعي أنتِ كمان"
ردت عليه هي بنفس النبرة المتألمة من بين عبراتها:
"أنا كمان يابن الناس تعبت، و أنتَ اللي بتوجع نفسك بنفسك، أنتَ مشوفتهمش بصولي ازاي و أنتَ مهزقني و مهزق أبويا و أخويا، لولا باباك كان زمان الدنيا كبرت و ولعت، فوق يا وليد لنفسك، علشان مش كل مرة الباب هيبقى مفتوح مستنيك تدخله، هيجي يوم و يتقفل بالمفتاح و ساعتها الندم مش هينفع"
نظر لها هو بخوفٍ حقيقي وهو يتابعها تنسحب من أمامه بسرعةٍ تتركه حتى توجهت نحو مكان وقوف «جميلة» عند الشرفة الواسعة في نهاية الرواق حينها أرجع رأسه للخلف يتنهد بألمٍ وها هي هزيمةٍ أخرى تضاف لقائمة هزائمه، حتى الحديث لم يقوى عليه، فقط صمت أمام نظراتها المُعاتبة و لومها الملقى من سهامها نحوه.
_______________________
بداخل الغرفة أول من تحدثت كانت «مشيرة» حينما قالت بنبرةٍ مترددة من هيئة الواقفة الجالسة أمامها:
"إزيك يا خديجة؟ أنتِ كويسة؟"
أومأت لها موافقة وهي تفكرك كفيها معًا بتوترٍ كعادتها القديمة، لكنها تحدت نفسها وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
"كويسة الحمد لله...أنتِ...أنتِ كويسة؟"
أومأت لها «مشيرة» موافقةٍ بإيماءةٍ بسيطة ثم رفعت كفها الحر تمسح تلك الدمعة العالقة بين أهدابها، و فجأة فوجئت بها تقول بنبرةٍ قوية صارعت حتى تستطتع التحدث بها:
"ليه؟ عملتي كدا ليه و ضحيتي بنفسك علشانهم هما الاتنين؟"
رفعت «مشيرة» رأسها تطالعها بأعين خاوية، فوجدتها تضيف بنبرةٍ أقرب للبكاء:
"ليه تعملي كدا في نفسك و تشيلينا ذنبك؟ ليه مصممة تحسسيني أني وحشة حتى لو برضه بتعملي حاجة علشاني"
تنفست بعمقٍ حتى تستطع الرد على إجابتها وهي تقول بنبرةٍ مقررة ممتزجة بلهجةٍ باكية:
"علشانك أنتِ...والله عملت كدا علشانك أنتِ يا خديجة، أنا في اللحظة اللي شوفت ابراهيم فيها بيقرب منهم بالسكينة محستش بنفسي غير و جسمي بيقف قصادهم يحميهم هما الاتنين، خصوصًا إن جوزك كان أقرب للسكينة"
بنبرةٍ باكية من بين شهقاتها حينما تذكرت ما حدث:
"و دلوقتي جيتي تعملي علشاني؟ بعد عمر كامل قساوة و جفا منك جاية دلوقتي تفتكري إن فيه خديجة محتاجة حاجة تتعمل علشانها !! جاية بعد ما حرمتيني من كل حاجة و طلعت بسببك مريضة نفسيًا !! أنا بسببك لسه لحد دلوقتي بخاف، بخاف من كل حاجة حواليا و مش بإيدي، حتى الإنسان الوحيد اللي قبلني زي ما أنا بخاف يزهق مني و يسيبني، أنا ساكتة قصادكم بس دوشة دماغي مش سيباني، أنا بموت كل يوم و أنا بفتكر نظرة تقليلك ليا، فاكرة كلامك كان عامل إزاي؟ أقولك أنا كان عامل ازاي؟"
توقفت تتنفس الصعداء ثم استطردت حديثها قائلة بوجعٍ ظهر جليًا فـي نبرتها و ملامحها:
"أنتِ بتغيري منهم يا خديجة علشان هما عيونهم ملونة و أنتِ عيونك عادية، أنتِ بتكرهيهم علشان هما صحاب و أنتِ معندكيش صحاب، هدير و عبلة و سلمى بناتي، لكن أنتِ بنت أخويا و أنا عمتك، فــيـه طــفـلـة يــتـعــمل فــيـهـا كـدا !!"
صرخت بجملتها الأخيرة في وجهها، بينما «مشيرة» حاولت كتم شهقاتها الباكية وهي تقول بنبرةٍ مختنقة:
"قولي كل اللي في قلبك من ناحيتي، طلعيه يا خديجة علشان ترتاحي، و أنا والله هسمعك"
ردت عليها بنبرةٍ موجوعة ممتزجة بقهرٍ:
"المصيبة اني كنت كل مرة أشوف إن حقك تعملي كدا، حقك تغضبي عليا، كنت بحطلك أعذار علشان مكرهكيش و برضه قلبي المهزق معرفش يكرهك، كل مرة كنت أقول لو جت حضنتني هحضنها و لو ضحكت في وشي هضحكلها أنا كمان، فضلت عمر كامل مزعلش من حد لحد ما اتقهرت على نفسي، و دلوقتي شايلة ذنبك و ذنب إنك اتوجعتي بسببي، رغم إن البداية كانت من عندك أنتِ، أنتِ اللي زرعتي قسوة و حصدتيها بُعد عنك"
بعد حديثها ذلك بكت من جديد و كأن دموعها تواسيها بتلك الطريقة، بينما هي ألقت بجزعها العلوي على الفراش حتى تكتم شهقتها فوجدت يد «مشيرة» تربت عليها وهي تقول بنبرةٍ متألمة:
"و أنا خدت عقابي أضعاف على اللي عملته فيكي و في وليد، اتحرمت من الكلمة اللي كل ست بتتمنى تسمعها، اتحرمت من بيتي و بنتي و جوزي، الوحيدة اللي أمنت ليها بينهم طلعت أكترهم أذى ليا، أنا عيشت عمر كامل في باب مقفول عليا لوحدي يا خديجة،
كل واحد فيهم حياته كملت مع مراته و عياله و فرح بيهم و أنا مقهورة على حياتي اللي صحيت و لقيتها ضايعة مني، ولو الزمن رجع بيا تاني كنت أمنت بقدره و صدقت حكمته صدقيني يا بنتي أنا كرهي مكانش ليكي، كرهي كان للأيام اللي عيشتها من غير روح، جسم بس و القلب ميت مقهور، أنتِ دلوقتي متجوزة و بكرة تبقي أم و تعرفي يعني إيه حرقة القلب على الضنا، و أنا قلبي اتفحم من الوجع...والله تعبت في حياتي، شوفتوا مشيرة الوحشة القاسية بس والله أنا جوايا حلو والله حلو بس ماخدش فرصته يظهر، لو مش عاوزة تسامحي يبقى حقك و لو هتقدري ياريت علشان أعرف أنام يوم واحد حتى من غير ما أحس إن روحي هتفارقني و أنتِ زعلانة مني"
رفعت «خديجة» نفسها تطالعها بعدستيها الدامعتين بعدما استمعت لوجعها و آلمها، و حينها تذكرت قوله حينما أخبرها أن الجميع عاشوا في معاناة و لم تكن هي بمفردها، لذلك زفرت بقوة ثم وقفت من مجلسها، بعدها اقتربت من عمتها ثم رفعت كفها و بأناملٍ مرتعشة مسحت دموعها، وهي تطالعها بدهشةٍ غير مصدقة فعلتها، فوجدتها تقول بنبرةٍ قوية:
"علشان كلنا شوفنا المعاناة و علشان كلنا شوفنا الوجع، أنا عمري ما هقدر أكرهك علشان أنا مبعرفش أكره، لو أنا مسامحتكيش هبقى وحشة و دي حاجة أنا عمري ما أقبلها، في النهاية أنتِ هنا بسببي و بسبب إنك كنتي بتدافعي عن روحي اللي موجودة فيهم هما الاتنين"
بعد حديثها خطفتها «مشيرة» بين ذراعيها في عناقٍ ساحق حتى أوشكت على تكسير عظامها وهي تبكي بصرخاتٍ قوية، و الأخرى تبادلها الوضع بمثله في البكاء و الشهقات، حتى دلف «وليد» و رآى ذلك الوضع، اقترب من الفراش يجلس على الجهة الأخرى، حتى ابتعدت كلتاهما عن الاخرى، بينما هو قال بنبرةٍ هادئة:
"كلمت الدكتور و قالي إنك لو عاوزة تمشي ممكن يخرجك بس على مسئوليتنا علشان الرعاية الصحية"
قبل أن ترد عليه هي ردت عليه «خديجة» بنبرةٍ متحشرجة:
"ماشي خرجها يا وليد و احنا معاها في البيت هنخلي بالنا منها، مش هنسيبها كلنا"
طالعها كلاهما بتعجبٍ فقالت هي بنبرةٍ متوترة:
"أكيد أحنا أحسن من المستشفى، دا غير إن المستشفى جوها يخنق أصلًا"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف:
"أنا قولت كدا برضه، علشان كدا هستنى عمو رياض يجي و معاه النيابة علشان تحقق معاها في اللي حصل"
ردت عليه عمته بخوفٍ:
"ملوش لازمة أنا بخاف من الحاجات دي، خليه يمشي وخلاص"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
"دا حقك، و بعدين دا إجراء روتيني لازم يتعمل قانونيًا، الدليل اللي معاهم كفاية أوي، السكينة و الكاميرات اللي قدام الشقة صورت اللي حصل، يعني كان متعمد يعمل كدا بدليل إنه خد السكينة و خباها في إيده، متخافيش، الظابط محترم و مقدر الموقف"
أومأت له بقلة الحيلة، و في تلك اللحظة دلفت الممرضة و معها «جميلة» وهي تقول بنبرةٍ هادئة من وجهها البشوش:
"دلوقتي معاد العلاج و الغدا، ياريت تتفضلوا علشان هي ترتاح شوية، قبل ما النيابة تيجي تحقق، المجهود دا كله غلط علشانها"
أومأ لها الجميع بموافقة، ثم خرجا الأثنين معًا، عدا «جميلة» التي بقيت بجانب والدتها حتى تعاون الممرضة في أمرها، و بخارج الغرفة، وقف هو ثم زفر بقوةٍ حينما رآى «عبلة» تقترب منها وهي تقول بنبرةٍ هامسة:
"أنا هستنى برة لحد ما ياسين يجي ياخدنا يا خديجة، و لما يجي هرن عليكي"
أومأت لها موافقة ثم تابعت انسحابها بهدوء، بينما هو نظر في أثرها بخيبة أمل كبيرة، غير قادر على تحمل تجاهلها له، فوجد «خديجة» تضع كفها على كتفه وهي تقول مستفسرةٍ:
"مالك يا وليد ؟ أنتَ شكلك عامل كدا ليه و عينك حمرا، أنتَ أكيد مش كويس"
زفر هو بقوة ثم قال بنبرةٍ متعبة:
"أخوكي تعب و جاب أخره خلاص، أخوكي من التعب بقى مش عارف مين فينا فوق التاني أنا ولا الأرض، حاسس بهم الدنيا كله فوق صدري يا خديجة"
تهدج صوته عند جملته الأخيرة مما جعلها تحتضنه بقوة وهي تقول بنبرةٍ باكية:
"يبقى عيط في حضني يا وليد زي ما أنتَ طول عمرك تعيط في حضني لما تحس بالتعب، و أنا معاك لحد ما ترجع تاني أحسن من الأول، بكى هو بين ذراعيها وهو يشعر بخيبة الأمل و الانكسار تعرقل طريقه من جديد، حينها صدح صوت هاتفها برقم «ياسين» حتى تخرج له، فابتعد هو عنها ثم مسح وجهه بكفيه و رافق فعلته تلك قوله:
"أخرجي علشان جوزك المستني برة دا، يلا علشان متتأخروش"
أومأت له موافقةٍ ثم قالت بنبرةٍ خافتة وهي تضغط على زر غلق المكالمة:
"افتح تليفونك و بطل شغل الهبل بتاعك دا، مش كل يوم هنصحي جميلة علشان نطمن عليك"
أومأ لها بلامبالاة غير مكترث لما تتفوه به، هو الآن يفكر فيما عليه فعله، و يجب عليه أن يبيب الليلة في بيته حتى لا تزداد الأمور سوءًا بين عمه و «طارق» تحديدًا أن عقله لازال يستحضر له تلك المواقف و كأنه بذلك يعلن عليه التمرد أمام عودته الجديدة، لكن على مَن فهو «وليد الرشيد» هو من حول كل هزائمه لـ مكسبًا عظيمًا، بالطبع سيحاول من جديد.
________________________
خرجت «خديجة» لهما فوجدت «عبلة» تفف بجانب «ياسين» أمام السيارة، اقتربت منهما بملامح وجهٍ متعبة لأجل ما حدث بالداخل من اضطرابات في المشاعر مع عمتها و أخيها، بينما هو اقترب منها يسألها باهتمامٍ واضح:
"خديجة أنتِ كويسة؟ شكلك ماله كدا؟"
تنفست بعمقٍ ثم جاوبته بنبرةٍ خافتة وكأنها تجاهدها حتى تخرج منها:
"أنا كويسة يا ياسين، بس مصدعة شوية، يلا بس علشان نتحرك"
أومأ لها موافقًا ثم رفع رأسه ينظر لـ «عبلة» فوجد ملامحها متعبة و الدموع تلمع في مقلتيها، لذلك قال بنبرةٍ هامسة بعدما أخفض نفسه لزوجته:
"خديجة عبلة شكلها مش متظبط، اقعدي معاها ورا، و اتكلموا سوا"
حركت بؤبؤ عدستيها وهي تطالع ابنة عمها وهي تحرك رأسها موافقةٍ بإيماءةٍ بسيطة، فركب هو السيارة و هن خلفه على الأريكة، و حينما شرع هو في قيادة السيارة أمسكت كفها وهي تسألها بنبرةٍ هادئة:
"مالك يا عبلة أنتِ كمان، فيكي إيه؟ مش اطمنتي على عمتو و عليه؟"
ردت عليها «عبلة» بحنقٍ:
"أنا اطمنت على عمتو آه، لكن هو زي ما هو بارد يا خديجة، بابا مقفولة معاه ضبة و مفتاح و طارق كمان، هما مش عيال علشان يهزقهم و يهزقني كدا"
ردت عليها «خديجة» بقلة حيلة:
"يا عبلة وليد كان تعبان و موجوع علشان عمتو، فكرة إنها تروح بسببه دي صعبة أوي إنه يتحملها، حرام عليكي تكوني واقفة ضده و المفروض أنتِ اللي تقفي في ضهره"
ردت عليها هي ببكاء:
"وأنا مين يقف في ضهري؟ و أنا بحارب علشانه و هو مش مقدر، عمالة أضغط على بابا علشانه و عمالة أدوس و استحمل و هو ولا هو هنا، و أخرتها يقولي متقرفنيش و أمشي من وشي؟ بقيت قرف يا خديجة على أخر الزمن"
ازداد بكاءها أكثر بعدما توقفت عن الحديث فوجدتها تحتضنها وهي تربت على ظهرها، بينما هو طالعها بحزنٍ في المرآة لأجلها و لأجله معها، و بعد الصمت الدائر في السيارة قطعها هو بقوله حينما أوقف السيارة أمام البيت:
"يلا يا جماعة احنا وصلنا"
ابتعدت «عبلة» عنها حتى تخرج من السيارة و بالفعل نزلت منها، و قبل أن تلحقها هي الأخرى وجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"خليكي يا خديجة أنا عاوزك متنزليش، هنروح مشوار مع بعض"
قطبت جبينها بحيرةٍ فوجدت «عبلة» تميل على نافذة السيارة وهي تقول بتعجبٍ:
"إيه يا خديجة مش هتنزلي؟"
جاوبها هو بنبرةٍ هادئة:
"عاوزها بس هنجيب حاجات و نرجع تاني، أنا عامل حسابي اننا هنبات هنا متخافيش"
أومأت لهما ثم دخلت البناية، بينما «خديجة» نزلت من السيارة ثم جلست على المقعد المجاور لمقعد القيادة وهي تسأله بتعجبٍ:
"هنروح فين؟ و ليه معرفتنيش إنك عاوزني نروح نجيب حاجات سوا"
ابتسم هو لها وهو يقول بمرحٍ:
"علشان مفيش حاجات أصلًا، أنا عاوزك بس في مشوار على السريع و هنرجع"
ردت عليه هي بنبرةٍ حائرة و هي قاطبة الجبين بتعجبٍ:
"مشوار !! مشوار إيه دا متخوفنيش"
اتسعت بسمته وهو يحرك السيارة قائلًا بمرحٍ:
"خاطفك يا ست الكل، ارتاحتي"
ابتسمت له هي الأخرى وهي تقول بفرحةٍ تشبه فرحة الصغار:
"الله !! براحتك يا ياسين، اخطفني زي ما أنتَ عاوز"
ابتسم هو بيأس وهو يحرك رأسه في عدة جهات تزامنًا مع قوله بنبرةٍ ضاحكة:
"مفيش فايدة برضه"
أومأت له عدة مرات بموافقة ثم تنهدت بعمقٍ و هي تحرك رأسها تلقيها على النافذة حتى تتابع الطريق، بينما هو اندمج في القيادة حتى أوقف السيارة عند تلك العربة التي جمعت بينهما أول مرةٍ سويًا، نظرت هي حولها و حينما تعارفت على المكان شهقت بفرحة وهي تقول بنبرةٍ مختنقة:
"لأ، متقولش عصير قصب باللبن؟ الله كان نفسي فيه والله، و كنت هقولك أول ما تكون فاضي نيجي سوا هنا"
رد عليها هو بمرحٍ:
"وحشني بصراحة، و قولت لازم أشربه معاكي، بما اننا واحد بقى"
نزلت من السيارة بحماسٍ لم يخفى عليه، فوجدته يلحقها هو الآخر، حتى وقفا أمام العربة، بينما هو ابتسم لها وهو يقول بمرحٍ:
"قدامك فرصة تختاري أي طعم حاجة تحبيها، مش لازم زيي يعني"
ابتسمت هي باتساعٍ وهي تقول:
"لأ طالما قولت احنا واحد يبقى نشرب زي بعض، و بعدين احنا جايين هنا علشان القصب باللبن"
أومأ لها موافقًا ثم جلس على المقاعد الصغيرة و هي أمامه حتى يأتي لهما المشروب، بينما هو سألها بملامح وجه جادة و لكن نبرته كما هي هادئة و حنونة:
"ها كان مالك بقى لما خرجتي ليا من عند عمتك؟ و متقوليش أنا كويسة علشان شكلك مكانش كويس خالص"
تنهدت هي بعمقٍ ثم جاوبته بنبرةٍ مهتزة:
"أنا...أنا مكنتش عارفة أعمل إيه يا ياسين، بس هي صعبت عليا أوي و دي أول مرة آخد بالي من معاناتها، عمتو عانت زينا يا ياسين بالظبط، و اتحرمت من حاجات كتير، آه أنا كنت ضحيتها دي، بس هي رجعتلي روحي تاني بعد اللي عملته، و دي لوحدها تخليني أسامح، ولو معملتش كدا أبقى جاحدة و قلبي قاسي و أنا مش عاوزة أبقى قاسية يا ياسين"
ابتسم لها وهو يقول مُفسرًا بنبرةٍ هادئة:
"علشان التخبيط اللي أنتِ فيه دا أنا جبتك هنا، علشان التوتر يقل شوية و أقولك إنك عملتي الصح يا خديجة، مسامحتك ليها هتخليكي تحسي بالقوة و إنك شخص قلبه كبير، و هي دي الميزة اللي تخليكي تختلفي عن البشر كلهم، هي آه غلطت بس كفرت عن غلطها دا و روحها كانت التمن، أنا عاوز أقولك إنك صح و إنك مظلمتيش نفسك و لا كنتي ظلماها، اللي حصل حصل و مش هينفع نغيره، بس ينفع نستفاد منه"
في تلك اللحظة اقترب منهم شابًا كبيرًا يضع أمامهم العصير، فسأله هو مبتسمًا:
"أومال حمادة فين يا حودة؟"
رد عليه هو بنبرةٍ مرحة:
"حمادة خلاص بقى راح السكن علشان الدراسة الاسبوع الجاي و أنا جيت مكانه بقى"
رد عليه هو بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يبارك فيكم و يحرصكم، سلملي عليه لما يكلمك"
أومأ له موافقًا ثم تركه بينما هي ردت عليه بنبرةٍ متأثرة:
"كلامك ريحني و جه في وقته والله، حقيقي أنا كنت متلخبطة يا ياسين و مش عارفة كنت صح ولا غلط، بس الإجابة كانت عندك و دي أريح حاجة حصلتلي إنك الجواب لكل سؤال"
ابتسم هو لها ثم قال بهدوء:
"أريح حاجة إننا مع بعض يا خديجة، مش مهم بقى مين صح ومين غلط، أنا واجبي أشاورلك على اللي مش واخدة بالك منه، زي ما واجبي أني أخليكي تحسي بالأمان معايا و إنك متخافيش، علشان كدا هتلاقيني كل ما تحسي إنك تايهة في طريقك بلحقك"
ردت عليه هي بسرعةٍ متحمسة تؤيد صدق قوله:
"أنا أصلًا عرفت كل حاجة لما أنتَ بقيت توضحلي و تفهمني، صدقني يا ياسين، أنتَ أحن ما جه في العمر و الله"
اقترب هو منها بجسده يميل نحوها وهو يقول بنبرةٍ هامسة:
"و أنتِ يا خديجة ألطف ما هادتني بيها الأيام، عمري ما كنت أتخيل أني ممكن ألاقي اللي أنا عاوزها و بحلم بيها بس ربنا كريم و جمعني بيكي"
حركت رأسها حتى يتسنى لها رؤيته وهي تطالعه بدهشةٍ فوجدته يضيف بحبٍ:
"رَقـيـقــةٌ أنّــتِ تُــشـبِــهـينَ كُــل مَـا هـو جَــمْـيـل...أنّــتِ فَــقـط مَــن جَــعـلّـتـي الــقَـلّـب الـثـابــتُ؛ نَـحــوكِ يَــمـيـل"
ابتسمت له باتساعٍ فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ كعادته:
"خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
اتسعت بسمتها أكثر ثم ردت عليه بنبرةٍ هامسة:
"مش هعرف أرد عليك علشان احنا في الشارع، بس أنا بحبك"
________________________
بعد التحقيق مع «مشيرة» من قبل النيابة بعدما علمت بتحسن حالتها، و مع الأدلة و التقرير الطبي المقدم بحالتها و الفحص الطبي الجنائي حتى يتم التأكد من الدم الموجود على السكين، أشار لهم المحقق بصعوبة العقوبة التي سينالها «ابراهيم» خاصةً أن موقفه صعبًا للغاية بعد شهادة ابنه ضده، بعدها أخذها «وليد» ثم توجه بها نحو بيت آلـ «الرشيد» حينما رآى تدهور وضعها بعدما أدلت بما حدث أمام النيابة، دلف بها شقتها مع زوجها و ابنتها، و سرعان ما تجمعت العائلة بأكملها عندها، حتى يطمئنوا عليها، حينها قال هو بنبرةٍ جامدة:
"معلش يا جماعة علشان هي لسه مغيرة على الجرح و تعبت، نمشي احنا و نسيبها مع جميلة و وماما علشان ترتاح"
وافق الجميع على حديثه، بينما عمه طالعه بوجهٍ ممتعض، ثم تركه و رحل، و قبل أن يخرج «طارق» من الشقة لحقه هو حتى مقدمة الدرجات، و قبل أن يخطو الآخر خطوةً واحدة أوقفه بنبرةٍ مهتزة وهو يقول بخجلٍ:
"استنى يا طارق هو أنتَ ليه مش عاوز تبصلي، طب استنى أنا وليد صاحبك"
عاد إليه يطالعه بجمودٍ وهو يقول:
"دلوقتي بقيت وليد صاحبي؟ و لما هزقتني قدامهم كنت إيه؟ ولما طولت لسانك على أختى كان إيه يا وليد؟ و صوتك اللي عِلي على أبويا دا كان إيه؟ أنا مش هعمل زي كل مرة و أقولك أنا مش زعلان، علشان أنا موجوع منك على اللي يخصوني".
رد عليه هو بنبرةٍ شبه باكية:
"كان غصب عني والله، اللي حصلي ساعتها كان صعب يا طارق، علشان خاطري متزعلش مني، طول عمرك في ضهري"
ابتسم له بسخريةٍ وهو يقول:
"قول لنفسك الكلام دا يا وليد، عن إذنك طالع ارتاح شوية"
نظر في أثره بنفس الخيبة التي نظر بها في أثرها، هو مخطئ حقًا طريقته كانت قبيحة و انفعاله غير مبرر لهم، حتى «طارق» خسره وهو من ظنه سيعالج الموقف، جلس على الدرجات بجانب المصعد، فوجد «خلود» تأتي بجانبه تربت على كتفه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"احكيلي إيه اللي مزعلك و أنا أحللك الدنيا كلها، ثق فيا"
ابتسم لها بسخريةٍ وهو يقول:
"خلاص ضاقت بيا علشان أنتِ اللي تحلي مشاكلي يعني؟ دنيا عجيبة والله"
ردت عليه هي بنبرةٍ مؤكدة:
"عيب عليك و أنتَ عارف أني نسخة منك، قولي مالك علشان أقولك إيه اللي مزعلني، ثق فـ خوخة يا ليدو"
تنهد هو بعمقٍ ثم جاوبها بإيجازٍ عن وضعه مع حبيبته و صديقه، و عن نظرة عمه له، بينما هي استمعت له بتمعن، ثم وقفت منتفضة وهي تقول مقررةً باصرارٍ:
"قوم معايا و سيب كل حاجة عليا، تعالى يلا بقى"
قالت جملتها الأخيرة بتعبٍ وهي توقفه من ذراعه، و قبل أن يتحدث وجدها تدفعه نحو المصعد، و قبل أن يتحدث قالت هي بنبرةٍ جامدة داخل المصعد:
"مش عاوزة كلام، عاوزاك بس تتفرج على تربيتك وهي بتجيب حقك من العالم قليلة الأصل دي"
طالعها بدهشةً فوجدها تنظر أمامها بشرٍ يتطاير من حدقتيها، توعدًا لشقة عمها بالكامل، وبعد ثوانٍ خرجا من المصعد، فضربت هي الجرس بيدٍ جامدة، فتحت لها «عبلة» و لكنها تفاجأت حينما وجدته معها، بينما هي قالت بنبرةٍ جامدة:
"أبوكي فين يا عبلة و طارق"
أشارت لها على الداخل وهي تقول بنبرةٍ تائهة نتيجة تعجبها:
"بابا جوة يا خلود، فيه إيه متعصبة كدا ليه علينا"
دفعتها من وجهها ثم سحبته من كفه حتى وقفت أمام عمها و ابنه و بمجرد التقاءها بهما، قالت لهما بنبرةٍ جامدة:
"أنا عاوزة أعرف مالكم جايبن على الواد ليه؟ كلكم ما صدقتوا غلطة و مسكتوا فيها علشان تزعلوه؟ فيه إيه يا طارق ؟"
رد عليها «طارق» مندهشًا من طريقتها:
"بالراحة يا خلود مالك؟ محدش جه جنبه أصلًا، و بعدين بتدخلي ليه أنتِ أصلًا"
تركت كفه ثم وقفت أمامه بتحدٍ وهي تقول بنبرةٍ جامدة:
"وليد أبويا مش بس أخويا و اللي يزعله يزعلني يا طارق، كلكم شوفتوا إنه وحش و إنه اتعصب عليكم، محدش فيكم شافه و هو بيحارب علشانكم؟ محدش شاف السكينة اللي كانت هتاخد روحه في لحظة؟ محدش فيكم شاف وشه المضروب لما وقف قصاد ابراهيم لوحده علشان يحافظ علينا؟ إيه يا طارق نسيت وليد؟ و حضرتك يا عمو خلاص نسيت إن وليد دا بيعمل كل حاجة علشاننا، نسيت إنه كان تعبان بسبب أختك؟"
نظر كلاهما لبعضهما بخجلٍ، بينما هو طالعها بدهشةٍ غير مصدقًا أن صغيرته الآن تدافع عنه بقوة جيشًا بأكمله، فالتفتت هي تطالع «عبلة» وهي تقول بنبرةٍ ساخرة:
"و أنتِ يا ست عبلة؟ جرى إيه خلاص كلمتين جوزك قالهم و هو تعبان و مخنوق هنعلق عليهم المشنقة؟
أومال لو أنتِ عارفة طبعه و عارفة إن عمره ما اتعصب على حد قبل كدا غير لما يجيب أخره؟ بجد حرام عليكم والله، اللي بيحصل في أخويا دا كتير عليه، كلكم شايفين عمل فيكم إيه، محدش فيكم شاف عمل علشانكم إيه؟"
اقترب منه «طارق» يقول معتذرًا:
"حقك عليا يا وليد، أنا عارف أني زعلتك، بس كلنا كنا تعبانين من الخضة، بس أنتَ مش صاحبي برضه"
طالعه الجميع بدهشةٍ فخطفه هو بين ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ متأثرة:
"أنتَ ابني و أخويا و صاحبي، هتفضل طول عمرك غصب عن الدنيا حبيبي، و أنا غصب عنك ضهرك، متزعلش من أخوك ياض"
احتضنه «وليد» بقوة وهو يقول بنبرةٍ معتذرة نتيجة خجله:
"حقك عليا يا طارق متزعلش مني، والله العظيم كنت مش شايف قصادي، بس أنا معاك في أي حاجة"
وقف «محمد» يقول بنبرةٍ جامدة:
"شوف يالا علشان شغل الهبل بتاعك دا، تفوق كدا لنفسك و تركز في حياتك، و بنتي أنا عمري ما هتدخل في علاقتك بيها، بس لما توجعها يبقى أنا دوري أمنع عنها الوجع دا، حتى لو هقسى عليك، لو أنتَ بتحبها فأنا بحبها من قبلك، لو أنتَ شايف إنك حبيبها الأول تبقى غلطان، علشان أنا حبيبها الأول يا وليد"
ابتعد عن صديقه ثم اقترب من عمه وهو يقول بنبرة مترددة:
"حقك عليا و على راسي كمان، و معاك حق في كلامك، بس والله الخضة اللي كنت فيها شدت أعصابي، الموت كان قريب مني أوي مرتين في نفس الومين، صدقني والله أنا مقدرش أزعلك، أنا عمري ما اتأسفت و عمري ما رضيت حد، بس أنتو علشانكم أنا أعمل كل حاجة"
احتضنه عمه وهو يقول بحكمةٍ على عكس عادته:
"و أنا عارف يا وليد، ولو أنا مش عارف كان زماني مخلص بنتي منك و من العلاقة دي، بس أنتَ بتحبها و أنا مش هنكر دا، أوعدني إنك متجيش عليها يا بني و طمني"
ابتعد عنه يطالعه بندمٍ وهو يقول:
"حقك عليا أنتَ و طارق و هي حقها على قلبي، بس متزعلش مني يا عمي"
ابتسم له عمه، ثم ربت على ظهره وهو يشير له برأسه نحوها، فأومأ له موافقًا ثم توجه لها يقف مقابلًا لها فوجدها تُخفض رأسها حتى لا تطالعه فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"طب هما سامحوني، أنتِ هتزعلي مني؟ دا عم محمد قلبه لان ليا، هتقسي أنتِ عليا؟"
طالعته بعتابٍ وهي تقول مؤنبةً:
"زي ما أنتِ قسيت عليا ٣ مرات قدام الناس، زي ما اعتبرتني غريبة عنك و مش عاوز ترد عليا"
أمسك كفها بين كفيه وهو يقول بنبرةٍ غلبت عليها عاطفته:
"و أنا علشان مليش غيرك رجعتلك تاني بعد لفة كاملة من التعب، عاوز أقولك إن حبيبك تعب يا عبلة، و إنك الوحيدة اللي مكنتش عاوزها تشوف ضعفي، رغم إنك الوحيدة اللي شاهدة عليه، والله العظيم أنا بعافر علشان أتعافى علشانك، عاوز أبقى حد يستاهلك و يستاهل وجودك، والله العظيم ما فيه غيرك أقدر أشاركها همومي، لو مش هتقدري عرفيني علشان ماجيش ليكي مهزوم تاني"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية و عبراتها تسيل على وجنتيها:
"أنا قولتلك حِمل الليالي خفيف لما يقسموه اتنين، و قولتلك أني معاك و في ضهرك بس شاركني و ملكش دعوة لو قصرت معاك يبقى ليك الحق، إنما أنتَ مهمشني و تيجي ليا بعد ما تتهزم، أنا فين في تعبك دا"
احتضنها هو بقوة وهو يتنفس بعمقٍ، فوجدها تحتضنه هي الأخرى و هي تبكي بقوة، بادلها البكاء هو الآخر وهو يقول بـ ندمًا معتذرًا لها:
" علشان خاطري متعيطيش بسببي، دموعك لوحدها سبب في تعبي يا عبلة، أنا أسف و حقك عليا و على قلبي من الدنيا كلها لو زعلتك في يوم، سامحيني يا عبلة"
ألقت رأسها على كتفه وهي تشعر براحةٍ كبرى و كأن كتفه هو كل ما تحتاج له، بينما هو ابتسم باتساعٍ وهو يرى خضوعها على كتفه بتلك الطريقة حتى تحدث «محمد» يقول بنبرةٍ جامدة:
"خلاص يا زفت منك ليها، خلاص يا حبيبي، هو أنا شجرة و البهوات اتنين لمون ولا إيه؟"
كان تشبيهه على «خلود» و «طارق» مما جعل الضحكات تنتشر عليهما، بينما هو ابتعد عنها ثم قال متأسفًا:
"متزعليش من واحد أنتِ كل دنيته يا عبلة، علشان وليد من غيرك مش مرتاح"
أومأت له ببكاء فوجدته يقترب منها ثم قبل قمة رأسها و تبع فعلته تلك بقوله المرح:
"بحبك يا سوبيا...يا أحلى وأجمل سوبيا في الدنيا"
تحدثت «خلود» تقول بمرحٍ:
"طب الحمد لله، تصبحوا على خير يا جماعة، ربنا يجعلنا سبب في الخير دايمًا"
رد عليه عمها بحنقٍ:
"استني يا بت خدي الواد دا معاكي، يلا يا ختي، طالعة تردحيلي علشانه؟ دا أنتِ يومك أسود على دماغك"
ردت عليه هي بوقاحةٍ تماثل وقاحة مُعلمها:
"فيه إيه يا عمو محمد، ما أنتو اللي جايين على الواد أنتَ و عيالك و لا هو علشان غلبان و مكسور يعني؟ خدوا بالكم وليد في حمايتي هنا"
اقترب منها «وليد» يقول بنبرةٍ هامسة بعدما أخفض نفسه حتى يصل لها:
"اتلمي يخربيتك، مش للدرجة دي"
ردت عليه هي بنفس الهمس:
"بس أنتَ، أنا عارفة العيلة دي بتمشي إزاي، يلا بس علشان عمو محمد شكله يخوف"
قالت جملتها الأخيرة بعدما طالعت وجه عمها فوجدته ينظر لها بشررٍ يتطاير و كأنه يتربص لها.
______________________
فوق سطح البيت كانت «سلمى» جالسةً تذاكر مادة الغد في درسها، و كانت مندمجة بشدة، و فجأة تفاجئت به أمامها و في يده حاسوبه الخاص، و حينما رآها قال بخجلٍ:
"أنا آسف والله معرفش إنك، افتكرتك نزلتي من بدري"
وقفت هي أمامه وهي تقول بنبرةٍ مهتزة:
"لأ أنا بس كنت براجع على الواجب علشان بكرة فيه امتحان و حاسة إنه هيجي من الواجب"
أومأ لها موافقًا ثم ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"كويس إنك بتعملي كدا على فكرة، عارفة لما تيجي تحلي بكرة هتلاقي عقلك تلقائيًا بيفكرك بالحل الشبيه، أنا واثق إنك هترفعي راسنا كلنا"
سألته هي بتلهفٍ واضح:
"بجد يا أحمد؟ شايف أني هحقق حلمي و أدخل صيدلة؟"
أومأ لها موافقًا ثم قال مؤكدًا:
"أنا متأكد من كدا أصلًا، أنا شايف إنك بتعملي اللي عليكي و زيادة، حتى خلود كمان بقت تذاكر زيك و ودي مش عادتها أصلًا، أعملوا اللي عليكم بس و متخافوش"
ردت عليه هي بقلقٍ واضح في نظرتها و صوتها:
"أنا خايفة أوي اتصدم في النهاية، خايفة أكون بذاكر غلط أو تكون طريقتي مش صح"
رد عليه حديثها بنبرةٍ هادئة و لكن بحديثٍ مؤثر:
"أوعي تسيبي الشيطان يلعب بدماغك، أنتِ الحمد لله بتصلي و عارفة ربنا، افتكري إن ربنا مش بيضيع تعب حد يا سلمى، و إن حتى لو مدخلتيش الكلية اللي بتحلمي بيها، هتدخلي كلية من اختيار ربنا ليكي و دي أعظم من اختيارك أنتِ، ربنا سبحانه و تعالى أعلم بعباده و مصيرهم، علشان كدا أعملي اللي عليكي، و افتكري إن ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز:
قال تعال:
"و أعدوا لهم ما استطعتم"
_"صدق الله العظيم"
ردت عليه هي بذلك بنبرةٍ خافتة، فوجدته يتابع حديثه قائلًا:
"اعملي اللي عليكي و اللي تقدري عليه و افتكري إنك عليكي السعي مش النتيجة، الثانوية العامة مش نهاية الدنيا و مش هي الدنيا، هي وسيلة في الدنيا علشان تعيشي، و في النهاية الكليات دي رزق برضه"
ابتسمت باتساعٍ بعدما استمعت لحديثه الأكثر من مشجع فوجدته يحمحم بقوة بعدما أوشك على الهيام في نظرتها، ثم قال:
"طب أنا هنزل أشتغل تحت و أسيبك تذاكري براحتك بقى"
ردت عليه هي توقفه بلهفةٍ:
"لأ خليك أنا خلصت والله، و يدوبك هنام، اشتغل أنتَ ربنا معاك"
أومأ لها وهو يتابعها وهي تجمع حاجتها حتى تنزل من أمامه، وقبل أن تخرج من سطح البيت وجدته يتابع بنبرةٍ خافتة:
"سلمىٰ، سواء حصل و دخلتي صيدلة أو لأ، أنا دايمًا هفضل فخور بيكي و بأخلاقك، و شرف ليا إنك تكوني شريكة عمري"
التفت تطالعه بأعين دامعة ولكنها متسعة من دهشتها فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"يلا على تحت علشان أنا مرضاش بكدا، و عرفي عمي إننا اتكلمنا سوا علشان أنا مش خاين للأمانة"
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
"والله دا الشرف لينا إحنا، تصبح على خير يا أحمد"
نظر في أثرها بفرحةٍ كبرى وهو يكرر كلمتها بتلذذٍ على لسانه:
"تصبح على خير يا أحمد، دي أحلى تصبح خير والله سمعتها"
قال جملته ثم جلس بموضع جلوسها حتى يتابع عمله الذي طلبه منه «حسن»، و فجأة سمع صوت ضحكات «خلود» و «وليد» معها يخرجا من المصعد، قطب جبينه بحيرةٍ، فوجدهما أمامه ولا زالت ضحكاتهما مستمرة، لذلك سألهما بتعجبٍ:
"فيه إيه أنتَ وهي؟ أنتو داخلين كباريه؟ إيه الضحك دا"
اقتربت منه «خلود» تجلس بجانبه وهي تقول بمرحٍ:
"يا عم متتعبناش، بنفك عن نفسنا، بس عمك محمد طلع يجري ورايا أنا و وليد و طردنا من البيت"
جلس «وليد» مقابلًا لهما، فقال موجهًا حديثه له:
"ليه يا أستاذ وليد؟ عملت إيه في عمك أنتَ وهي علشان يجري وراكم"
رد عليه هو بمرحٍ:
"هو اللي عصبي فيها إيه يعني لما أحضن عبلة و أبوسها قصاده؟ ماهي مراتي و بصالحها"
رد عليه هو بنبرةٍ هادئة:
"طب كويس إنكم دخلتوا أصلًا، علشان هو اشتكى لبابا منك يا وليد، بس السوسة دي عملت إيه"
ابتسمت هي بخبثٍ وهي تقول:
"كنت بجيب حق أخويا، ولا هو فاكر الواد ملوش حد هنا؟ هيجي عليه هو و عياله؟"
قبل أن يرد عليها مُعقبًا وجد هاتفه يصدح برقم «حسن» لذلك قال بنبرةٍ متلهفة و كأنه تذكر لتوه:
"يا مراري دا حسن مستني الصور بتاعة اللوح علشان يظبطها على الإعلان، طب أنا هنزل أصورهم و أطلع تاني، هجيلكم"
أومأ له كليهما، بينما «وليد» تابع انسحابه ثم اقترب من الطاولة يستند عليها برمفقه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"قوليلي بقى، دافعتي عني كدا ليه و عملتي اللي عملتيه ليه؟"
ردت عليه هي ببساطة:
"علشانك، مش محتاجة سؤال يعني"
رد هو مُعقبًا:
"وهو علشاني تزعقي لعمك و ابنه كدا؟ و لا تقولي اللي قولتيه من غير خوف؟"
أومأت له موافقة ثم أضافت:
"آه، و أعمل أكتر من كدا، أنا مبحبش الظلم يا وليد، و أنتَ ممكن تظلم نفسك علشان تخرج من الضغط اللي عليك، و أنا مرضاش إنك تظلم نفسك كدا، علشان كدا دافعت عنك و شرحت موقفك، شكلك أصلًا كان باين إنك مش واعي لنفسك ساعتها، يعني ليك عذرك"
ابتسم لها بحبٍ وهو يقول:
"تعرفي إنك الوحيدة اللي اتصرفت عكس توقعاتي؟ بس شكرًا إنك معايا، دي حاجة هفضل فاكرها العمر كله ليكي"
ردت عليه بخبثٍ:
"سيبك من العواطف دي و ركز معايا كويس علشان عاوزاك في حاجة مهمة"
أمعن نظره لها باهتمامٍ واضح بعد حديثها، فوجدها تقول بنبرةٍ هادئة:
"رامي ابن ابراهيم مش عاوز يحل عني، أنا بقول تبعدوه أنتو بدل ما أبعده أنا من الدنيا كلها يا وليد"
سألها هو بتريثٍ:
"احكيلي بقى عملك إيه؟ ولا جه جنبك إزاي؟"
ردت عليه هي مفسرةً:
"كل ما أكون لوحدي ألاقيه جاي يستظرف، و يتكلم معايا، بجد مستفز أوي، و أنا ماسكة نفسي بالعافية علشان دا مريض، بس لو فكر يتكلم معايا تاني ساعتها أنا اللي هخليه يندم و يلم كرامته من على البلاط"
باغتها هو بسؤاله المفاجئ الغير متوقع:
"خلود لو هيجي يوم و تختاري بين رامي و عمار تختاري مين فيهم؟"
ذُهلت هي من سؤاله مما أدى إلى اتساع حدقتيها، فأضاف هو يُردف لها:
"أنا قصدي يعني لو الزمن جمع بينكم على أساس إنك تختاري بينهم، أو بين شخصيات زيهم، تختاري مين؟"
زفرت هي بقوة ثم جاوبته بثباتٍ:
"مع أني مش مقتنعة بسؤالك ولا فاهمة لازمته يا وليد، بس لو هختار يبقى اختار عمار، لو على كلامك إنه بيحبني بجد و أنا قدامه كل يوم و محاولش حتى يكلمني يبقى هو أحق أني أفكر فيه، إنما رامي دا مش محترم أصول بيتنا"
أومأ لها موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"طب يا خلود، أنتِ عملتي اللي عليكي و عرفتيني، انزلي بقى و أنا بكرة هتصرف"
طالعته بريبةٍ و قلقٍ فوجدته يومأ لها حتى يطمئنها، و لا تحمل همًا.
_______________________
في شقة «حسن» أخرج هاتفه من جيبه يلقيه على الطاولة بضجرٍ وهو يقول:
"يلهوي دا أنتِ رغاية بجد، يخربيتك زن أمك"
أتت «هدير» من الداخل وهي تقول بتعجبٍ:
"بوادر جنان دي ولا إيه؟ بتكلم نفسك يا حسن خلاص"
جلست بجانبه فوجدته يقول بضيقٍ:
"دي شخصية رغاية بتزن من الصبح عليا، و أنا خلقي ضيق"
أنهى حديثه فوجد الهاتف يصدح بمكالمةٍ من نفس الرقم، طالعها بقلة حيلة، فوجدها تخطف الهاتف وهي تقول بتعجبٍ بعدما قدمته له:
"طب رد حتى على اللي بيكلمك، كدا غلط هيفتكر إنك مش عاوز ترد"
رد عليها هو بسخرية:
"لأ و أنتِ الصادقة دي واحدة بصي على إسمها كدا"
نظرت هي للإسم بعدما حاربت نفسها حتى تتجاهله، و حينما لمحت إسم الفتاة قالت بهدوء:
"طب رد عليها، شكلها ماشاء الله عندها إصرار أوي إنها تكلمك"
أخذ منها الهاتف ثم أغلقه بالكامل، بعدها اعتدل في جلسته حتى يحدثها وهو يقول بنبرةٍ مفسرة:
"دي مي النويري عارفاها؟"
شهقت بقوة وهي تقول بنبرةٍ غير مصدقة:
"شهد النويري البلوجر المعروفة؟ بتهزر يا حسن؟ معاك رقمها"
رد عليها هو بثقة:
"معايا رقمها و بتقل عليها كمان و مش عاوز أكلمها، و مش هكلمها"
سألته هي باحباطٍ واضح:
"ليه يا حسن، أنا بحبها أوي و بحب صورها و استايلها جدًا، حرام عليك تحبطني كدا"
رد عليها هو مفسرًا بنبرةٍ جامدة:
"علشان أنا مش عاوز أتعامل معاها، أنا سبت المجال دا كله أصلًا من قبل جوازي الأولاني، بصراحة أنا معنديش طاقة أرجعه تاني"
قطبت جبينها بحيرةٍ وهي تسأله بنبرةٍ تائهة:
"أنا مش فاهمة منك حاجة، مجال إيه و طاقة إيه؟ فهمني ينوبك ثواب في غبائي"
ابتسم هو ثم قال مردفًا لها:
"مجال التصوير و البلوجر و الموديل و كل الحاجات دي، بدأت فيها شوية و بعدين عرفت إنها حرام علشان كدا سبتها"
سألته هي بدهشةً:
"إزاي، إيه الحرام علشان أنا مش مستوعبة منك حاجة"
زفر بقوة ثم قال:
"كل الحكاية أني كنت بصور بنات عريانين و بمكياج، دا غير دلعهم و طريقتهم المايعة، لما عرفت بعد موت ريم إن الحاجات دي حرام قولت طالما عرفت مكابرش أكتر و سِبت المجال دا و روحت مع ولاد عمك شغلهم، مي دي بقى عاوزاني أرجع أصورها علشان داخلة مسابقة و أنا اللي هعرف أظبط الصور ليها"
أومأت له بتفهمٍ فوجدته يضيف مردفًا:
"أنا مش عاوز أكلمها خصوصًا إن فيه كام موقف وحشين طلعوا منها و خلوني شكلي زفت، علشان كدا ببعد عنها على قد ما أقدر"
سألته هي بترددٍ:
"طب ينفع تقولي عليهم؟ يعني من باب الفضفضة"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
"آه طبعًا، كل الحكاية يا ستي إنها حبتني و أنا قافل السكة دي و لما قولتلها أني مش مستعد دلوقتي أدخل علاقة فضلت تزن عليا، أنا مش في دماغي لحد ما لقيتها بتعمل اشاعات كتير أني بصور علشانها هي بس و أني مش هصور حد غيرها، لقيت كلام كتير و رغي، سبت الصور و كل حاجة، دلوقتي هتلاقيها عرفت إن ريم ماتت و عاوزة تجر معايا تاني، بس أنا سبت التصوير. و ركنت الكاميرا و لا أي حد يخليني أرجع للصور تاني"
شعرت هي بنيران الغيرة تأكلها لا تدري لماذا و لكنها فسرت ذلك أنه جرح كرامتها كأنثى، لذلك أخذت الهاتف الخاص به تقوم بفتحه من جديد، كان هو يتابعها بخبثٍ ، و بعد مرور ثوانٍ من فتح الهاتف وهي تمسكه في يدها و تهز قدميها بتوترٍ ملحوظ، وجدته يصدح من جديد بنفس الرقم، حينها ضغطت على زر الإيجاب ثم قامت بفتح المكالمة و رفعت الصوت حتى يسمعه هو، فقالت هي بنبرةٍ جامدة بمجرد ما استمعت لصوت الفتاة:
"لأ أنا مش حسن، أنا مراته هدير، معلش بقى حسن بياخد شاور و قالي أرد عليكي، خير عاوزة حاجة؟"
ردت عليها الفتاة بتعجبٍ:
"مراته؟ أنا متأسفة جدًا شكلي غلطت في الرقم، Sorry"
ردت عليها هي بضجرٍ:
"لأ الرقم صح جدًا، دا رقم حسن المهدي فعلًا، بس هو خلاص بقى مدير شركة و ساب الهبل دا و مش فاضي ليه، تحبي أقوله حاجة يا سكر؟"
أغلقت الفتاة الهاتف في وجهها وهو يحاول كتم ضحكته، فوجدها تشهق بقوةٍ ثم هبت منتفضة وهي تقول بنبرةٍ متوعدة:
"قوم دلوقتي وصلني الشيخ زايد، أنا عارفة هي ساكنة فين هروح أجبها من شعرها، قوم يلا"
وقف هو مقابلًا لها يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"وحدي الله في قلبك يا غالية، دي عيال مش متربية مراهقين يعني، أنتِ عملتي الواجب و زيادة، وهي مستحيل تتصل تاني هنا إلا و ....."
قبل أن يكمل جملته صدح صوت هاتفه برقمها من جديد، فوجد «هدير» ترفع له حاجبها، بينما هو ازدرد لُعابه بخوفٍ لكنه بدله للثبات وهو يأخذ هاتفه حتى يقوم بالرد على المكالمة، تابعت «هدير» فعلته باحباطٍ واضح خوفًا من خضوعه لمطلبها، فوجدته يقول بنبرةٍ جامدة بعدما استمع للمتحدثة على الجهة الأخرى:
"لأ دي مراتي مش واحدة غريبة و أنا كنت قاعد وهي بتكلمك، أظن حقها لما تلاقي واحدة بترن على رقم جوزها بليل كدا"
ردت عليه الفتاة بنبرةٍ أهدأ تحاول تصليح الموقف:
"طب أنا آسفة ليك و ليها، فكر بس يا حسن أنا محدش هيعرف يظبط الصور دي زيك، لو أنتَ صورتني أكيد هكسب"
أصدرت «هدير» صوتًا من حنجرتها ينم عن أستياءها، فوجدته يقول بنبرةٍ قاطعة:
"أنا فكرت و قررت يا آنسة مي، مستحيل أرجع أصور تاني، و دا قراري مش هرجع فيه، لو فيه واحدة ممكن تخليني أرجع للتصوير هتبقى مراتي و مش هصور حد غيرها، عن إذنك"
أغلق الهاتف دون انتظار جوابها على ما تفوه به، ثم نظر للواقفة أمامه، فوجدها تنظر له بأعين متسعة من دهشتها، فحرك كفه أمام وجهها وهو يقول بنبرةٍ عالية:
"يــا هـــديـــر، روحتي فين ياما، وصلتي للبراميل؟"
ردت عليه هي ببلاهة:
"ها...آه...لأ، قصدي يعني، أنتَ عملت كدا ليه؟ كدا هتزعل منك يا حسن؟"
تبدلت نبرتها من البلاهة و التيه إلى الخجل من طريقته مع الفتاة، فوجدته يمسك كفها يجلسها معه على الأريكة وهو يقول بنبرةٍ هادئة بوجهٍ مبتسم:
"أنا مبحبش اللوع يا هدير، يا آه يا لأ، هي المفروض تفهم حاجة زي دي، إنما هي مصممة تتغابى، و بعدين أنا قولت الحقيقة الوحيدة اللي ممكن أصورها تاني هتبقى أنتِ، و ساعتها أنا هعمل كدا و أنا فرحان كمان، دا غير إنها طولت لسانها في الكلام عنك و دي أنا مقبلهاش أبدًا، اللي متحترمش مراتي يبقى مستحيل تحترمني أنا كمان"
ابتسمت له وهي تحاول وأد تلك البسمة لكن دون جدوى، فوجدته يقربها نحوه يضمها إليه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"بدل ما تضحكي أحتضنيني أنا يتيم و محروم من حضن الأم و الأب و الجيران"
ضحكت هي على طريقته وهي تقول بطريقةٍ ساخرة:
"على فكرة يا حسن أنتَ اللي حاضني، و بعدين أنا ملاحظة إنك بقيت بتستهبل كل شوية"
رد عليها هو بسخريةٍ مماثلة:
"مش هتفرق ياختي مين حاضن التاني، و بعدين هو فيه أحلى من فترة الاستهبال دي؟ ربنا يكرمنا و تخلص على خير"
تصنعت التجاهل لما استمعت له منه وهي تغلق جفونها، فوجدته هو يشدد عناقه لها ثم زفر بقوة لا يدري ماذا يفعل، لكن من المؤكد أنه يشعر تجاهها بشيئًا مختلفًا، فإذا استطاع تشبيه حاله، سيجد الوصف الأدق لحالته بأنه مثل الطفل الصغير الذي تُركَ بوسط القبيلة في حالة حربٍ حتى أتت هي تنتشله قبل يد العدو، ف غدا معها آمنًا...
_______________________
انتهى ذلك اليوم على تلك الأحداث و كانت ختامها، بجلوس «جميلة» و معها «طارق» بجانبها، حتى غفى على الأريكة أمام عمته، بينما هي كانت جالسةً بجانب والدتها، حتى غفيت في ثباتٍ عميق، حينها رفعت الغطاء تدثرها به، ثم اقتربت من زوجها تطالعه، فوجدته يرتعش من برودة الجو خاصة مع نسمات الهواء الباردة المتسللة من خلال الستار المعلق، حينها نظرت حولها تبحث عن شيئًا أخر تدثره به لكنها لم تجد، و قبل أن تفكر، وجدت الباب يطرق، خرجت هي من الغرفة بهدوء حتى توجهت نحو باب الشقة، فتحته فوجدت «أحمد» أمامها، و هو يبتسم لها، و في يده عدة أشياء، تعجبت هي من مظهره، فوجدته يدلف الشقة وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا قولت أكيد هتحتاجي الحاجات دي علشان كدا جبتها"
اندهشت حينما وجدته يحمل في يده غطائين كبار الحجم، و في يده حقيبة صَغيرة، لذلك سألته بنبرةٍ مندهشة:
"هو أنتَ عرفت منين إن الشقة هنا مش فيها غطا؟ و عرفت منين أني كنت لسه هدور"
ابتسم لها وهو يقول بمرحٍ:
"مش أختي ولازم أحس بيكي؟ على العموم الشقة هنا مش فيها بطاطين و لا غطا علشان عمتو نزلتهم الشقة اللي تحت لما الناس دي جت، و أنا عرفت من ماما إن الشقة مش فيها حاجة علشان كانت مقفولة"
ابتسمت له باتساعٍ وهي تقول:
"طب البطاطين و عرفنا قصتها، الأكل دا جايبه ليه بقى؟ شكلك طلبته مخصوص علشاني"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
"عرفت برضه إن أنتِ و خلود معرفتي تاكلي علشان عمتو و كنتي معاها، قولت أجبلك السندوتشات دي، تتسلي فيهم و أنتِ سهرانة"
ردت عليه هي بنبرةٍ متأثرة:
"شكرًا يا أحمد، بجد جيت في وقتك والله، أنتَ طيب أوي على فكرة، ربنا يسامحني كنت فكراك متكبر قبل ما أعرفك"
ابتسم هو لها وهو يقول بمرحٍ:
"واخد على كدا عادي، مش أول حد يقولي كدا، مصر كلها فكراني متكبر قبل ما تعرفني، بس والله أنا مش كدا خالص، أنا اغلب من الغلب يا جميلة"
أومأت له موافقة ثم أضافت مؤكدة:
"أوي و جدع أوي بجد، صدقني أنتَ من أكبر المكاسب اللي حصلتلي هنا و أني عندي أخ زيك كدا، أنتَ جميل أوي"
رد عليها هو بمرحٍ:
"بعد طارق طبعًا علشان ميضربنيش يا ستي، المهم أنا سهران لحد الفجر مع ياسين فوق، لو عوزتي حاجة كلميني، و هنزلك علطول"
_"متحرمش منك يا رب، ربنا يخليك ليا و يبارك فيك يا حبيب أختك"
ردت عليه هي بذلك بحبٍ بالغ وهي تراقب انسحابه من أمامها، بعدها أغلقت الباب ثم تنهدت بقوة، وهي تشعر بفرحةٍ كبرى من كل ما أمتلكته بعدما حُرمت منه.
________________________
في اليوم التالي، قام «وليد» و «ياسين» بتجهيز كل شيء حتى يتم على مايرام، حتى ذهب الآخر إلى عمله، و ترك الأول يتمم على ما هو قادم، و بعد مرور الوقت المنتظر، صعد «وليد» إلى سطح البيت و خلفه «رامي» الذي قال بلهفةٍ:
"خير يا وليد عاوزني ليه؟ قلقتني"
رد عليه هو بنبرةٍ جامدة:
"بص يا رامي أنا طول عمري راجل دوغري، عمري ما عرفت أكون ملاوع و لا عرفت أكون بوشين، و معروف عني في كل حتة من شرقها لغربها أني بجح و عيني مكشوفة، و دي حقيقة لعلمك"
رد عليه الأخر بخوفٍ حقيقي:
"أنا مش فاهم كلامك دا ليه يا وليد؟ و بعدين هو أنا عملت حاجة؟"
أومأ له موافقًا ثم قال بنبرةٍ جامدة:
"آه عملت، عمال تحوم على خلود أختي و دا أنا مرضاش بيه، قدامك حلين ملهمش تالت يا تضرب و تنزل فُرجة زي أبوك يا تسمع كلامي في اللي هقوله ليك علشان نرتاح كلنا، بدل ما أريحك لوحدك و أظن أنتَ فاهم قصدي"
اقترب منه «رامي» يقول مقررًا:
"أنتَ فاهمني غلط، أنا كنت بحاول أفتح معاها كلام علشان أفاتحك في موضوع جوازي منها"
رد عليه هو بنبرةٍ جامدة:
"مينفعش أصلًا تفكر فيها يا رامي، مش من حقك تفكر في حاجة مش ملكك"
طالعه بدهشةٍ و حينها دلف السطح شخصًا غير متوقع وجوده في ذلك المكان، اقترب منهما، وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"السلام عليكم، ازيك يا وليد، ازيك يا أستاذ؟"
قال جملته بنبرةٍ هادئة لـ «رامي» الذي يقف مقابلًا لـ «وليد»، فرد عليه «وليد» مُرحبًا:
"أنا كويس، أنتَ إيه اخبارك يا ريس، أتمنى تكون كويس"
أومأ له موافقًا، بينما «رامي» سأله بتعجبٍ:
"هو مين دا يا وليد؟ أنا أول مرة أشوفه هنا، دا تبعكم؟"
طالعه هو بحنقٍ، بينما «وليد» ابتسم بخبثٍ وهو يقول بنبرةٍ ثابتة:
"آه تبعنا، دا يا سيدي عمار فهمي خطيب خلود أختي، اللي حضرتك عاوز تتقدم ليها"
وقف الآخر بثباتٍ بينما «رامي» اتسعت حدقتيه بقوة وهو يقول بنبرةٍ منفعلة:
"إيه ؟! خطيب خلود إزاي يعني؟ أنا مشوفتش في إيدها دبلة ولا شوفته هنا قبل كدا"
رد عليه «عمار» بنبرةٍ ثابتة:
"علشان أنا يدوبك فاتحت أخواتها في الموضوع، و خدت منهم الموافقة، و دا مش كفاية علشان أدخل و أخرج من هنا، دا غير إني براعي ربنا في علاقتي بيها علشان يكرمني بيها على خير، لكن لما أعرف إن فيه حد بيبص ليها بس، يبقى لازم أجي أوقفه عند حده، و أنا مش هعرفها باللي حصل لأني مش بتكلم معاها، دا أولًا و حفاظًا على منظرك كراجل ثانيًا، دا غير إنك في بيتهم يعني مينفعش عينك تترفع في الستات اللي هنا ودي الأصول اللي أي راجل جدع متربي عليها"
ابتسم «وليد» بفخرٍ وهو يقول:
"فرحان بيك فرحة الفرخة بكتكوتها، جدع يا عموري"
طالعه «رامي» بدهشةٍ فوجده يقول بنبرةٍ خبيثة:
"تحب نزيع يا رامي و ننزل نقول للعيلة ولا نخلي الطابق مستور"
رد عليه منفعلًا بغيظٍ:
"طابق إيه هو فيه حاجة تخليك تتكلم؟ دا مجرد كلام عادي؟"
رد عليه هو بخبثٍ:
"يا جدع وهو تليفونك اللي مليان صور للبنات دا عادي؟ النسوان اللي كنت ماشي معاهم دول عادي؟ اومال لو مش عندك القلب كنت عملت إيه؟"
نظر له «عمار» بضيقٍ، بينما «رامي» طالعه بدهشةٍ فوجده يضيف بنفس النبرة:
"لأ و ذوقك الله أكبر، حاجة تعر يا جدع، حتى بنت عمك مرحمتهاش و لما لقيتها متربية كرفت ليها، علشان كدا أنا همشي معاك بمبدأ ما لم يترك...كله يأخذ كله، مبروك يا رامي كتب كتابك على شذى النهاردة".
اتسعت حدقتيه فوجده يضيف:
"الحقيقة إن وقتي غالي و مش هضيعه في تعليم البهايم اللي زيك، هسيب زينة الشباب دا يعلمك و يسمعك كلامه اللي زي الجواهر دا"
فور انتهاء جملته أشار لـ «عمار» حتى يتحدث، فقال هو مُردفًا بنبرةٍ هادئة:
"بص يا أستاذ رامي أنا مش شيخ، و مش أهِل للنصيحة دي، بس هقولك إن بنات الناس مش لعبة، و إن ربنا سبحانه و تعالى كرمها و عززها، و مينفعش عبد من عباده يهينها و يعاملها على إنها شيء مُباح، علشان كدا لازم الراجل يراعي ربنا في بنات الناس اللي معاه، و أنا عن نفسي لما حسيت بمشاعر ناحية الآنسة خلود، روحت سألت شيخ و لما عرفت معنى الجواز و إن حبي ممكن يأذيها لو بالحرام، كلمت أخوها و عرفته علشان عينه تبقى عليا لو لقاني بستسلم لشيطاني يبقى هو حاجز بيننا، الراجل بجد يا استاذ رامي هو اللي يحافظ على بنت الناس اللي حبها، علشان كدا ربنا كرمنا و خلانا مسئولين عنهم"
تدخل «وليد» يقول بمرحٍ خبيث:
"شوفت التربية ؟! تربية ياسين و أخواته، عمار دا أنا اشيله فوق راسي العمر كله، و مش بس كدا، أنا ممكن أجوزه خلود و أسلمهاله من دلوقتي و هبقى عارف إنها مع راجل، لكن أنتَ أنا هجوزك بنت عمك عارف ليه؟ علشان انتو الاتنين غلطانين، و علشان هي بتحبك و دا واضح من كلامها معاك و أنا أسف أني فتشت فيه، بس كان لازم أمسك عليك حاجة"
سأله بخوفٍ:
"طب أنتَ هتعمل إيه؟ أكيد مش هتقول لعمي صح؟"
أومأ له موافقًا ثم أضاف:
"إزاي بس اروح اقوله، إبن أخوك كان بيحاول يضحك على بنتك والحمد لله إنها واعية و مغلطتش، علشان كدا الجواز أسلم حل لأشكالكم دي".
______________________
في سيارة «ياسين» كان معه أصدقائه حتى يتوجهوا نحو بيت آلـ الرشيد كما طلب منهم صديقهم، و فجأة صدح صوت هاتف «ياسر» برقم زوجته، فأخرجه يجاوب على مكالمتها وهو يقول بضجرٍ:
"نعم يا إيمان؟ و الله العظيم رايح مع ياسين عند بيت مراته و معايا كلهم أهم"
ردت عليه هي ببراءة كاذبة:
"يا ياسوري هو أنا اتكلمت أنا بطمن عليك يا حبيبي، قولي بقى هترجع إمتى؟"
حرك رأسه بيأس منها ثم قال بنذقٍ:
"لما أخلص هكلمك ماشي، و اطمني أنا مشوفتش الدكتورة دي ولا كلمتها و هقولها متتصلش تاني في المعاد دا، علشان ميتنكدش عليا منك حلو كدا"
ردت عليه هي بمرحٍ:
"شاطر يا دكتور و الله بحبك يا ياسوري، ربنا يكرمني بعيل شبهك كدا علشان يكون عيونه زرقا"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بضيقٍ منها:
"خلاص طيب اقفلي يا إيمان، و لما أرجع هكلمك، سلام"
أغلق معها الهاتف وهو يزفر بقوة ثم وضع الهاتف في سترته، فوجد «عامر» يقول بسخريةٍ:
"إيه متنكد عليك ولا إيه يا دكتور؟ إخس"
رد عليه بضجرٍ:
"سبني في حالي مش ناقصاك هي يا عم عامر، قال يعني الواد مسيطر أوي"
صدح صوت هاتف «خالد» برقم زوجته، فأخرج الهاتف، استمع لها ثم قال بحنقٍ:
"يوه يا ستي أيوا فتحت التكييف بليل، الجو كان حر أعملكم إيه يعني؟ و بعدين يونس علشان يتدفى ألبس أنا في حيطة؟ فيها إيه لما أفتح التكييف هو أنا فتحت عليكم الحمام؟ حصل خير"
ردت عليه هي بضجرٍ:
"ماهو أنا وهو خدنا برد يا خالد، قولتلك لما تعوز تفتح التكييف نام في الصالة علشان يونس"
رد عليها هو منفعلًا:
"هو أنا شحات في الشقة دي؟ نام في الصالة، لأ خلاص اصحى نام مكانه علشان بيعيط، إيه يا جدعان، لو وجودي خنقكم أروح عند أمي"
أغلق الهاتف في وجهها فوجد «عامر» يقول بنبرةٍ ساخرة:
"إيه يا خالد متنكد عليك يا حبيبي، يعيني على الرجالة"
رد عليه «خالد» بحنقٍ:
"ابعد عني علشان مجبش اللي فيا فيك يا عم عامر، مش ناقصة هي، هتبقى أنتَ و يونس ابني عليا؟"
صدح صوت هاتف «ياسين» تلك المرة، فقام بفتح الهاتف وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"نعم يا خديجة؟ خير يا رب"
ردت عليه هي بضيقٍ منه:
"أنتَ و وليد كنتوا فين امبارح بليل؟ و ببتفقوا على إيه يا ياسين؟ هو مفيش فايدة خالص"
رد عليها هو منفعلًا:
"أنتِ بتزعقي ليه دلوقتي؟ موضوع بنخلصه سوا، و بعدين هو مقالش لحد، يبقى أنا مش هقول أنا كمان"
ردت عليه هي بسخرية:
"آه و ترجعولي مضروبين و وشكم شوارع، براحتكم بقى علشان كدا كتير عليا"
رد عليها هو بضجرٍ:
"سلام يا ست الكل، و لينا بيت نتكلم فيه، أمشي دلوقتي بقى"
اغلق الهاتف وهو يلقيه بقوة أمامه، بينما «عامر» اتسعت ضحكته وهو يقول متشفيًا بهم:
"دنيا غريبة، عاملين نفسهم رومانسيين و هما بهايم، حتى الحنين اللي فيهم بقى بقرة هو كمان"
طالعوه بضجرٍ و فجأة صدح صوت هاتفه برقم زوجته فقال هو بمرحٍ حتى يثير غيظهم:
"شوفوا بقى الرومانسية و شوفوا كلام الناس اللي متجوزة مع بعض"
رد على الهاتف وهو يقول بمرحٍ:
"أيوا يا عيون عامر، أؤمري"
استمع هو لها و لما طلبته منه، فرد عليها منفعلًا بحنقٍ:
"نـــعــم يــا خــتي؟ أنتِ عاوزاني أروح أجيب ٢ متر تول أبيض علشان سيادتك تكملي الفستان؟ دا في المشمش ياختي"
حاولوا الثلاثة كتم ضحكتم عليه
بينما ردت عليه هي بتوسلٍ:
"يا عامر البنت هتيجي تاخد الفستان بكرة مني، علشان خاطري بقى"
رد عليها هو متهكمًا:
"أنتِ عاوزة الناس تاكل وشي، أروح بهيبتي دي فلفترض إنها موجودة و أقول للراجل عاوز تول فساتين؟ عيب يا شيخة، الكلام دا على جثتي يحصل طبعًا"
_"الحساب يا فندم ** جنيه"
هكذا تحدث العامل بعدما دلف له الأربعة شباب حتى يقوموا بشراء ما أرادت زوجة «عامر» و بعد دفع الحساب خرجوا من المكان و الضحكات على وجوههم يحاولون إيقافها و لكن دون جدوى، ركبوا السيارة ثم انفجروا في الضحكات عليه، بينما طالعهم هو بحنقٍ وهو يقول:
"إيه يا خويا منك ليه؟ محسسني إنكم متجوزتوش يعني، فيها إيه لما أجيب لمراتي قماش لشغلها، بتحصل.
رد عليه «ياسين» بسخريةٍ:
"آه طبعًا معاك حق، أنتَ خلتنا نشوف كلام المتجوزين عملي يا أستاذ يا عامر، ربنا يكسفك زي ما أنتَ كاسفنا كدا"
تدخل «خالد» يقول بمرحٍ:
"أكتر من كدا تبقى فضيحة مش كسفة، بس بصراحة يستاهل"
رد عليه «ياسر» بسخريةٍ:
"لأ عيب دا أخونا برضه ميصحش كدا، قولي يا عامر هما الرجالة المتجوزين بقوا يمشوا بالغصب دلوقتي؟"
زفر هو بقوة ثم قال منفعلًا:
"كتروا في الكلام علشان أروح أعملكم فيديو حلو و أنتو كلكم قالعين فيه و تبقى فضيحة بحلاجل و شخاليل"
كان يتحدث وهو يراقص جزعه العلوي لهم بسخريةٍ جعلتهم يضحكون على طريقته، بينما «ياسين» استأنف سيره من جديد نحو وجهتم المحددة.
________________________
في بيت آلـ «الرشيد» قام «وليد» بجمع أفراد العائلة بأكملها في الطابق الأرضي الخاص بالمناسبات، و كان أبان ذلك «عمار» معه جلس بعيدًا عن الأنظار منتظرًا أخوته بعدما لاحظ تعجب الجميع من وجوده في البيت على الرغم من معاملتهم الحسنة لهم، حتى دلفوا سويًا، حينها وقف هو مقابلًا لهم، فسأله شقيقه بتعجبٍ:
"عمار !! بتعمل إيه هنا في بيت الرشيد؟ ولا أنا جيت غلط ولا فيه إيه؟"
اقترب منه «وليد» ثم وضع ذراعه على كتف «عمار» وهو يقول بمرحٍ:
"جرى إيه يا عامر هو جاي عند حد غريب؟ دا جاي بيت أخوه، أنا اتعرفت عليه في السنتر و لما عرفت انه تبعك جبته علشان يحضر معانا المناسبة دي، الواد حقه يفك، مش كدا يا عمار؟"
أومأ له موافقًا ثم نظر لشقيقه حتى يطمئنه، بينما «وليد» قال بخبثٍ:
" يلا بقى علشان نبدأ ليلتنا؟"
أومأ له الجميع بموافقةٍ، ثم تبعوه نحو الداخل، فوقف هو في المنتصف يقول بنبرةٍ هادئة و لكنها مرتفعة حتى تصل للجميع:
"دلوقتي بعد اللي حصل مع عمتي، دي فيها حق و حق كبير كمان عند ابراهيم، و أنا مبعرفش اسيب حقي، علشان كدا هتسمعوا كلامي دلوقتي"
أبان ذلك طالعها «ياسين» ببمسةٍ هادئة فوجدها تطالعه بتعالٍ ثم جلست بجانب والدتها، بينما «طه» قال بتعجبٍ:
"ناوي على إيه يا وليد؟ أنا بقيت بخاف لما نتجمع هنا يا بني"
ابتسم هو له ثم اقترب من «إيهاب» وهو يقول بهدوء:
"أنا طالب إيد بناتك لولاد إبراهيم، شهد لراشد و شدى لرامي"
اتسعت حدقتي الجميع، فأضاف هو يُردف لهم:
"دا اللي المفروض يحصل، شهد و راشد بيحبوا بعض و رامي عاوز شذى يبقى أنتَ تضلل على ولاد أخواتك بدل أبوهم العرة اللي هيموت في السجن، قولوا إن شاء الله"
نظر «إيهاب» في وجه بناته فوجد الراحة تسكن ملامحن ثم نظر في وجه أولاد أخيه، فوجد الوضع لم يختلف عن وضع بناته كثيرًا، فتحدثت والدتهما في تلك اللحظة تقول:
"وافق يا أبو شهد و خليك أنتَ أبوهم بدل ابراهيم، و أنا أوعدك بناتك في عيني و عينهم، بس خلينا نجمع اللي ابراهيم منه لله فرقه"
ربتت زوجته على يده وهي تقول بهدوء:
"وافق و ريحهم كلهم يا إيهاب، صدقني اللي هتعمله دا الصح"
أومأ لها موافقًا بقلة حيلة، ثم قال:
"أنا موافق على بركة الله"
ابتهج وجه «وليد» بشدة لكنه بدل ملامحه إلى الجمود وهو يقول:
"طب عاوز أسمع موافقة كل واحد فيهم هما الأربعة كدا"
أستمع إلى إجابة الثلاثة بثباتٍ عدا «رامي» الذي صمت، فقال هو له بخبثٍ:
"معلش يا جماعة أصل رامي خجول شوية، ولا إيه يا رامي، تحب تبعتلها ردك في رسالة على موبايلها من موبايلك؟"
كان حديثه تلميحًا مُبطنًا التقطه الأخر على الفور فهز رأسه موافقًا بقوة و رافق حركته تلك قوله:
"لأ أنا موافق و عاوز شذى تبقى مراتي و تكمل حياتها معايا"
ابتسم هو بخبثٍ ثم قال بهدوء:
"وزعي الساقع يا خلود بالمناسبة دي، خلينا نفرح قبل ما نتنكد"
أومأت له موافقةٍ ثم أخرجت المشروبات من الثلاجة الصغيرة الموضوعة بجانب الباب و هي تمر على الجميع تعطيهم المشروبات وسط الدهشة و التعجب منهم، و حينما اقتربت نحو «عمار» وجد شقيقه يبتسم له وهو يغمز بخبثٍ، بينما «عمار» أخذها منها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"متشكر جدًا، من يد ما نعدمها"
ابتسمت له هي ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
"تسلم، نورت بيتنا يا أستاذ عمار، عن اذنك"
رحلت من امامهم فمال «عامر» على أذنه وهو يقول مؤنبًا:
"إيه من يد ما نعدمها دي أنتَ بتكلم خالتك؟ قولها عقبال ألبسك الدبلة، عقبال ما تطبخيلي، عقبال ما أجبلك فينو و جبنة و أنا طالع، دا أنتَ لوح"
مال «خالد» على أذنه وهو يقول هامسًا بضيق:
"هو متربي يا سافل، أنتَ مشوفتش ريحة التربية ولا طمرت فيك، أخرس خالص متفقدش الواد اللي تعبنا في تربيته"
ابتسم «عمار» لهما هو بسخرية:
"أنا نفسي تبطلوا خناق و مناقرة، دا أنتم ولا اللي جايين فوق روس بعض"
تدخل «ياسر» يقول ساخرًا بمرحٍ:
"دول زي السلايف بالظبط لا بحبك و لا بقدر على بُعدك دا مبدأهم"
اقترب منهم «ياسين» يقول بحنقٍ:
"أنا سمعت كل كلمة اتقالت و حسن سمع هو كمان و بيقولكم بطلوا تلقيح النسوان دا"
لوح له «عامر» وهو يقول بمرحٍ:
"حبيبي يا أبو علي، ما تيجي يا لقح معانا...قصدي اتكلم معانا"
نظر الجميع بدهشةٍ له فقال هو بنفس المرح:
"معلش يا جماعة أصل حسن وحشني أوي، لامؤاخذة انفعلت"
اقترب منه «حسن» يقول بسخرية:
"أنتَ فضحت اللي خلفونا كلهم، ربنا يسامحك يا شيخ"
في تلك اللحظة تحدث «وليد» وهو يقول بمرحٍ:
"أنا لحد كدا دوري انتهى، ننزل بالبطولة اللي متخصص فيها ياسين رياض الشيخ"
نظر له الجميع بتعجبٍ، فأتى «ياسين» يقف مجاورًا له وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"معلش يا جماعة، بس علشان أنا مش ضامن الدنيا دي ممكن يحصل فيها إيه، و بما إننا بنجوز ناس لبعض، يبقى بنات الناس حقهم لازم يتضمن و أظن دي أصول محدش يعديها"
رد عليه «مرتضى» بمرحٍ:
"جدع و متربي"
رد عليه «ياسين» بمرحٍ هو الأخر:
"حبيبي يا عم مرتضى، دا العشم برضه، علشان كدا بقى أنا عاوز اسأل راشد سؤال مهم"
اقترب منه «راشد» يقول بنبرةٍ هادئة:
"أؤمر يا ياسين، اسأل"
_"الآنسة شهد أهم عندك ولا الفلوس؟ تختار مين في الاتنين"
باغته «ياسين» بذلك السؤال الغير متوقع، و لكن الآخر قال بثباتٍ:
"الفلوس مش مهمة عندي أصلًا، دلوقتي أنا عاوز شهد و بس، هي أهم من كل حاجة أصلًا"
أومأ له موافقًا ثم سأل شقيقه نفس السؤال، فنظر لـ «وليد
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث والعشرون
"
فُتنتُ بفتاةٍ ذات جمالٍ سرمدي...و أنا عن الحب زاهدٍ ناسكٍ متعبدِ.
_______________________
لازلت أنتظر تلك اللحظة التي أخطو فيها نحو حياةٍ أخرى، حياةٍ كتبت لي فقط حتى أزهر بها من جديد، لطالما كانت مكافأة أصحاب المعاناة هي عمق العقول ، و ملامحٍ تميزت بالقبول، ألم يحن الوقت لذلك القلب حتى يحيا و ينعم بالقبول؟ أم أن مثلي في تلك الحياةِ مثل الزهرةِ ما دامت قطفت إذن كُتب عليها الذبول؟
لحظة ترقبٍ و انتظار كُتبت على الجميع حتى يعيشوا بداخلها، كل الأعين تطالعهما حتى يتبين قرارهما الأخير، إن كانت الموافقة إذن هما من اختارا الحب، و إذا كان الرفض إذن هما من اختارا المعاناة، بعد الصمت السائد تحدث «ياسين» يقول بنبرةٍ جامدة:
"أفهم إيه أنا من السكوت دا؟ اعتبروه مَهر بنات عمكم، بس واضح كدا إن الجوازة مش هتكمل"
رد عليه «راشد» متلهفًا بقوله:
"لأ أستنى أنا موافق، موافق كمان اكتب نصيبي كله على الأقل يبقى رد اعتبار ليهم بعد اللي حصل"
بسمةٌ بلهاء زينت أوجه الجميع بعد حديث «راشد» حتى أوشك فمهم على التيبس، حينها طالع «وليد» وجه «رامي» الذي ظهر التخبط على محياهُ بقوةٍ مما أدى إلى فهمه ما يدور بخلده، لذلك وقف يقول بمرحٍ طفيف:
"طيب يا جماعة كدا راشد ربنا كرمه و وافق، رامي شكله مش فاهم حاجة علشان كدا هاخده أفهمه أنا"
طالعه «رامي» بدهشةٍ فوجده يقول بمرحٍ طفيف:
"بس بعد ما أتكلم مع الآنسة شذى الأول، عاوزك يا آنسة و معايا الأستاذ ياسين، بعد إذن حضراتكم طبعًا"
أومأ له الجميع بموافقةٍ، بينما هي وقفت لهما ثم اقتربت منهما تحرك رأسها بإيماءةٍ بسيطة تنم عن موافقتها، ثم تبعتهم نحو الأعلى، كان الجميع يتابعون الموقف بريبةٍ حقيقية، حقًا الموقف بأكمله يستحق القلق و الخوف، توقف «رامي» عن الحديث، و مطالبة «وليد» التحدث مع الفتاة و معه «ياسين»، كل ذلك يستحق الخوف، أبان ذلك الصمت، مال «عامر» على أذن «ياسر» يقول هامسًا:
"احنا المفروض نجهز نفسنا علشان أول ما الصوت يشتغل نطلع على فوق علطول"
طالعه «ياسر» بعدستين متسعتين، فوجده يضيف بسخريةٍ كعادته:
"متبصليش بقى بعينك الزرقا دي، اسمع مني الليلة دي هتخلص بعلقة حلوة"
في الأعلى صعد كلاهما وهي خلفهما بخوفٍ و قلقٍ، بعدها دلفوا الطابق الأول و أول من تحدث كان «ياسين» وهو يقول بنبرةٍ متريثة:
"احنا مش عاوزينك تقلقي كدا يا آنسة شذى، احنا بس عاوزين نتكلم معاكي و نفهمك حاجة بسيطة و يا تقتنعي يا لأ"
ردت عليه هي بتوترٍ ظهر جليًا فـي نبرتها المهتزة و ملامح وجهها المرتابة و تعرق وجهها:
"اتفضل أنا سامعة حضرتك مع أني مش فاهمة حاجة"
تدخل «وليد» يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا هفهمك، أظن شوفتي موقف رامي تحت ناحيتك و ناحية إنه يكتبلك نص نصيبه، علشان كدا أحنا مستحيل نأمن عليكي في جوازة زي دي، اللي مرضهوش لخلود و أخواتي مرضهوش لبنات الناس، علشان كدا مفيش جواز من رامي"
طالعته بدهشةٍ غير مصدقة لما تفوه به، فوجدته يتابع بنبرةٍ متريثة:
"عارف إنك بتحبيه من زمان و عارف إن حصل بينكم كلام و ارتباط فترة، رغم إن دا حرام و مينفعش بس دا مش موضوعنا، أنا و ياسين هنخليه يمضي على الورق علشان نعرف نتعامل مع إبراهيم لكن عمرنا ما نخلي بنت تروح ضحية لواحد زي دا علشان نرضي نفسنا، دي مش رجولة"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية:
"بس رامي ممكن يكون مستغرب لكن هو كان بيقولي إن لولا الظروف اللي بين الأبهات كان زمانه طالب إيدي من بابا"
رد عليها «ياسين» بسخريةٍ:
"علشان كدا كان عاوز يطلب إيد خلود؟ لأ فعلًا و نعم الرجالة، الخلاصة يا آنسة احنا هنمضيه على نص حقه ليكي و تمشوا من هنا، تتعاملوا مع بعض بقى براحتكم لأن واضح إنه مسيطر عليكي و دي حاجة غريبة مش فاهم حباه على إيه، يعني رفض يمضي قصاد إنك تكوني مراته و برضه حباه؟ إيه الغباء دا"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
"أنا وهو طول عمرنا مع بعض و كنا أقرب للبعض من أي حد في الدنيا، و أنا صعب اتقبل غيره في حياتي"
رد عليها «وليد» بنبرةٍ جامدة:
"أنتِ بقى تمشي بمبدأ شوق ولا تدوق، يمضيلك على حقه و ساعتها أدبيه براحتك، و هو هيفهم إنه ملوش غيرك لما يتربى خصوصًا إن موضوع خلود اتقفل خالص و مستحيل يتفتح علشان مفتحش دماغه"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت بنبرةٍ خالية المشاعر بعدما اقنعها حديثهما:
"طب و أنا مطلوب مني إيه دلوقتي بعد ما أبويا وافق، أكيد الموقف هيبقى وحش"
ابتسم كليهما بسمةٍ منتصرة، بينما «ياسين» قال بنبرةٍ متريثة:
"هقولك و اسمعي كلامي كويس علشان مصلحتك، احنا مش عاوزين نضرك"
_________________________
في الأسفل كانت الهمسات منتشرة على الموقف و كل النظرات تتوجه نحو «رامي» الذي جلس بملامح وجهٍ مرتابة و التخبط جليًا على ملامحه، نزل الثلاثة خلف بعضهم، و كانت هي أخرهم، طالعهم الجميع بتعجبٍ بعدما لاحظوا تغير ملامح وجه الفتاة، و أول من تحدث كان والدها حينما قال مستفسرًا:
"خير يا جماعة هنعمل إيه؟ ها يا شذى مالك شكلك متغير"
حركت رأسها تطالعهما فوجدت نظراتهما مشجعةً لها، لذلك تنفست الصعداء ثم قالت بنبرةٍ مصممة:
"أنا مش موافقة على جوازي من رامي، بصراحة ورايا لسه سنتين في الجامعة و عاوزة أخلص تعليمي و بعدها أرتبط، انما كدا هشتت نفسي، معلش يا رامي أنا مش موافقة دلوقتي"
رغم الدهشة التي تلبست الجميع عدا الآخريْن، بينما هو ابتسم بأريحيةٍ وهو يرد على حديثها بنبرةٍ مهتزة:
"ها !!....ولا يهمك يا شذى، أنا موافق إنك تكملي تعليمك و أنا هستنى طبعًا كدا كدا الجواز دا مسئولية و أنا لسه مش قدها"
تدخل «إيهاب» يقول بنبرةٍ مُرتاحةٍ:
"أنا بقول كدا برضه، خلينا دلوقتي في جوازة شهد و راشد، و شذى لما تخلص تعليمها نبقى نشوف جوازتها من رامى"
رد عليه «وليد» بمرحٍ:
"بصراحة معاك حق يا عمو إيهاب ، خصوصًا إن رامي عضمه طري و محتاج ينشف، و أنا بستأذنكم أخده انشف عضمه، قصدي اتكلم معاه كلمتين على السريع كدا"
طالعه «رامي» بخوفٍ فوجده يقول بخبثٍ:
"يلا يا رامي يا حبيبي، أخوك الكبير عاوزك في كلمتين على السريع كدا"
أومأ له بموافقةٍ، بينما «شذى» جلست بجانب شقيقتها الكبرى التي مالت عليها تقول بنبرةٍ خافتة أقرب للهمس:
"حصل إيه يا شذى علشان تغيري رأيك كدا، مش دا رامي اللي كنتي هتموتي و تتخطبيله؟"
زفرت بقوةٍ ثم ردت عليها بنذقٍ:
"محصلش حاجة يا شهد، دا اللي كان المفروض يحصل، خليني أفوق لنفسي و بعدها نشوف الجواز"
بينما «إيهاب» مال على أذن «راشد» يقول بنبرةٍ خافتة:
"هو أخوك ماله، و بعدين أنا مش فاهم حاجة، منين مستنيها و منين عاوزها تكمل تعليمها؟"
حرك كتفيه كإشارةٍ منه على جهله بالأمر و هو يقول:
"مش عارف يا عمي، بس أكيد وليد هيفهمنا، احنا متلغبطين كلنا"
في الأعلى صعد كليهما حتى يتحدثا معًا، و أول من تحدث بضيقٍ كان «رامي» وهو يقول:
"أنا مش فاهم حاجة، هو أنا لعبة في إيدك و كل شوية تغير رأيك شوية ترميها و شوية تاخدها؟"
رد عليه مؤكدًا بوقاحةٍ:
"آه...و لعبة رخيصة كمان ملهاش لازمة، اللي أنا بعمله فيك يا رامي دا حق بنات الناس اللي أنتَ فاكرهم لعبة، و علشان كدا تليفونك يطلع دلوقتي"
طالعه بتعجبٍ فوجده يقول بنبرةٍ جامدة أقرب للانفعال:
"هات موبايلك بقولك، مش هكرر كلامي مرتين"
أومأ له موافقًا وهو يزدرد لُعابه بخوفٍ تزامنًا مع اخراجه هاتفه ثم مد يده له به، خطفه «وليد» من يده ثم قال بنفس الجمود:
"أنا مش واطي زيك علشان استغل بنات الناس في قهرة أبوك، رغم إنكم غلطتوا، بس أنا وقفت جوازتك لحد ما تبقى ناضج كفاية علشان شكلك مش راجل كفاية إنك تشيل مسئولية زي دي"
رد عليه «رامي» بقلقٍ واضح:
"مش أنتَ قولتلي هتجوزني شذى و أنا وافقت؟ جاي دلوقتي بقى و تغير كلامك ليه؟"
رد عليه «وليد» بثقته المعتادة:
"هو أنا مختوم على قفايا يا رامي؟ عيب عليك أنا وليد برضه، أنا كنت بختبرك بس، لكن أنا مأمنش على قطة سيامي معاك، ماشاء الله عيلة نقطة ضعفها التاء المربوطة، و بعدين سكوتك إنك متمضيش على حقك لبنت عمك دا خلاني أخاف على بنت الناس منك، علشان كدا أنا همضيك على حقك برضه و معاه حاجة تانية صغيرة"
طالعه «رامي» بتوترٍ ممتزج بتعجبه من ذلك الحديث الغريب الغير مفهوم فوجده يضيف مُفسرًا:
"تليفونك الحلو دا مليان بلاوي لو أهل الناس دي عرفوا ساعتها أنتَ هتدلع دلع؟ بس أنا راجل محترم و مرضاش بالفضايح دي علشان كدا تليفونك هيرجع كأنه لسه جاي جديد، و هتمضي لبنت عمك عن نص حقك علشان تتربى ، بعد كدا بقى تتجوزها تحبها، ترفضك أنتم أحرار المهم الموضوع يكون برة عني"
زفر «رامي» بقوة ثم قال بنبرةٍ جامدة:
"طب التليفون و اتصرف فيه براحتك، حقي بقى ماله و مال الموضوع؟ أكيد مش من ضمن العقاب"
حرك رأسه نفيًا وهو يجاوبه بوجهٍ مبتسم:
"خالص يا رامي، كل الحكاية و مافيها إني عاوز أخلي هيما يعيط على كل حاجة مرة واحدة، علشان كدا هتمضولي على الورق و هاخد نسخة اتصرف بيها بمعرفتي، ها تمضي و تبقى راجل عاقل و لا أعرف عمك إنك كنت عاوز تضحك على بنته قبل كدا و ساعتها تخسر رجولتك بجد؟"
زفر بقوةٍ ثم حرك رأسه موافقًا بتوترٍ بعدما تأكد أن كل السبل تقطعت أمامه بالهروب تفكير الواقف أمامه، ذلك الداهية كما يلقبه والده، بينما «وليد» ابتسم بانتصارٍ وهو يتأكد من خضوع ذلك الواقف أمامه بتوترٍ و خوفٍ، فحقًا الجُبن سيد الاخلاق، لو لم يكن جبانًا بما فيه الكفاية لا استطاع السيطرةِ عليه و على موقفه.
بعدها نزل «وليد» يقول بنبرةٍ مبتهجة:
"ها يا جماعة سمعونا مبروك لراشد و شهد، و كلها سنتين و نسمعها لرامي و شذى، بس لما العروسة تخلص من الحكم التعليمي اللي عليها"
ابتهج وجه الجميع فقال هو مضيفًا بنفس النبرةِ:
"عيال أخوك رجالة يا عم إيهاب و علشان كدا هيمضوا على نص حقهم لبناتك، و اعتبره المهر، و رامي هيدفعه مقدمًا لحد ما يكون نفسه و يشتغل معاك و مع أخوه"
سأله «راشد» بفرحةٍ كبرى:
"بجد يا وليد؟ رامي فعلًا هيعمل كدا؟ بجد يا رامي هتنزل معانا الشغل؟"
تنفس بعمقٍ ثم حرك رأسه موافقًا وهو يقول:
"أيوا يا راشد أنا هنزل معاكم، على الأقل لحد ما أكون نفسي و أخلص السنة اللي فضلالي دي، و أشوف العملية اللي المفروض اعملها"
أومأ له موافقًا فتدخل «ياسين» يقول بنبرةٍ هادئة:
"طب يلا يا جماعة نحهز علشان المأذون على وصول، فين الشهود"
تفوه «عامر» بنبرةٍ مرحة يقول:
"أنا أهو و حسن معايا علشان نصالح راشد، أصل احنا اتغابينا أوي عليه قبل كدا"
ضحك الجميع عليه، فقال هو لـ «راشد»:
"ابسط يا عم راشد هنشهد على كتب كتابك، رغم إن دا مش مبدأي، بس يلا"
في تلك اللحظة دلف المأذون، حينها اقترب منه «وليد» يقول بسخريةٍ:
"منور يا شيخنا والله، بقالي شهر مشوفتكش أتمنى مكونش طولت في غيبتي عليك"
رد عليه المأذون بطريقةٍ مرحة:
" اللهم بارك يا سيدي، ربنا يزيد و يبارك و يكتر أفراحكم، ها أين العروس و أين العريس؟"
أشار له «حسن» نحوهما وهو يقول بمرحٍ:
"الاتنين اللي في النص هناك دول، شوفهم كدا جوزين عصافير يا مولانا، و أنا الشاهد و معايا أستاذ عامر"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
"شيل التكليف بقى احنا طلعنا مديرين زي بعض، أنا اقولك حسن و أنتَ قولي عامر بيه"
ابتسم الجميع على طريقته، بينما «خالد» رد عليه بضجرٍ:
"اخرس بقى هو أنتَ ملكش في الجد خالص !!"
طالعه «عامر» بحنقٍ، ثم توجه نحو الطاولة حتى يجلس عليها مع «حسن» حتى يقوما بالشهادة على عقد القران، أبان ذلك كان «عمار» ينظر لتلك اللحظة بهيامٍ يتخيل نفسه مكان العريس و هي مكان العروس و حينها رفع رأسه يتضرع لله حتى يجمعه بها في حلاله كما تمنى هو، و نفس الشيء كرره «أحمد» وهو يبتسم لها حينما طالعته هي فوجد «وليد» يقف بجانبه وهو يقول هامسًا:
"وعد مني أول ما تخلص ثانوية عامة هخليك تكتب الكتاب علشان تكون براحتك من غير ما حاجة تمنعك، أصل بصراحة عم محمد مش مضمون"
ابتسم له «أحمد» وهو ينظر له فوجده يحرك رأسه موافقًا و كأنه يؤكد صدق حديثه بذلك، ثم حرك رأسه ينظر لـ «عمار» فوجد نظرته هائمة، حينها ابتسم له ثم أشار برأسه و كأنه بذلك يطمئنه، ابتسم له «عمار» باتساعٍ ثم حرك رأسه يشاهد تلك اللحظة المُهيبة التي تألف بين قلوبٍ كتب عليها الحب و سبحان من وصفها بالميثاق الغليظ.
________________________
انتهى عقد القران و معه انتهى مكوث عائلة «راشد» في ذلك البيت، بعدها رحل بصحبة عائلته نحو بلدتهم التي ستشهد على بدايةً جديدة تكتب لهم حميعًا، دون «ابراهيم» الذي تُرك يلقى مصيره في السجن على ما ارتكبه في حق عائلة الرشيد، بعد رحيلهم، تجهز الجميع حتى يعودوا إلى وجهتهم، بعدها وقف «ياسين» و أصدقائه و «حسن» أمام البناية بعد رحيل «راشد» في سيارةٍ مخصوصة طلبها هو من أحد أصدقائه حتى تأخذهم إلى السويس، نزل لهم «وليد» فسأله «خالد» باهتمامًا حقيقيًا:
"شكلك مرتاح الحمد لله، رغم إننا مش فاهمين حاجة بس المهم إنك مبسوط"
رد عليه هو بنبرةٍ هادئة:
"أوي يا خالد، ضميري مرتاح أني مأذتش حد و أني خلصت الموضوع، و لسه أخر حاجة أعملها و هرتاح خالص علشان أفوق لحياتي بقى"
ابتسموا له جميعًا، فقال «ياسين» بانهاكٍ واضح:
"طب يلا نزلي أختك خليني أمشي علشان خلاص جبت أخري، و هموت و أنام"
أومأ له موافقًا ثم قال:
"هي نازلة ورايا هي و هدير، و أنا هوصل الرجالة بعربيتي طالما عربية خالد مش معاكم"
رد عليه «ياسر» بطريقةٍ مهذبة:
"بلاش تتعب نفسك هناخد أوبر أو أي حاجة نمشي بيها، ريح أنتَ"
تدخل «عامر» يقول بضجرٍ:
"أنتَ مالك يا بومة، الراجل هيوصلنا، خلينا نروح ناخد نفسنا شوية، و بعدين خليك في حالك"
قبل أن يرد عليه «ياسر» يعنفه، تدخل «وليد» يقول بنبرةٍ قاطعة:
"اكبر يا حبيبي أنتَ وهو، خلاص أنا قولت هوصلكم و كلمتي مش هكررها، علشان عمار كمان هوصله معاكم"
أومأ له الجميع بقلة حيلة، و حينها نزلت «خديجة» و معها «هدير»، ابتسم «حسن» بمرحٍ وهو يقول:
"طب أنا مراتي نزلت سلام عليكم بقى، علشان هموت و أنام"
اقتربت هي منه تقول بنبرةٍ خافتة:
"يلا علشان نلحق نروح، أنا بجد مش قادرة، و كنت هنام فوق"
فتح لها السيارة وهو يقول بنبرةٍ مثيلة لنبرتها:
"لأ و على إيه، اركبي لحد ما اسلم على الرجالة، قال تنامي هنا قال"
ابتسمت هي على طريقته ثم دخلت السيارة، اقترب هو من الشباب ثم ودعهم، بعدها عاد إليها ثم ركب السيارة بجانبها، و فعل المثل «ياسين» و رحل بسيارته أولًا ثم تبعته السيارات تباعًا خلفه، و في سيارته تجاهلته «خديجة» و هي تطالع هاتفها تتابع به أحد مسلسلاتها المفضلة، طالعها هو بتعجبٍ ثم قال بنبرةٍ عالية:
"وحـــدوه... إيه يا غالية ساكتة ليه؟ مش مستنضفة تكلميني؟"
أغلقت هاتفها ثم ردت عليه بحنقٍ:
"نعم يا سيدي؟! أتمنى يكون فيه حاجة مهمة علشان تخليني اقفل المسلسل؟ ها"
رد عليه هو بدهشةٍ:
"يا نهارك مش معدي، أنتِ بتكلميني كدا ليه يا ست أنتِ، كلميني عِدل"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
"نعم يا ياسين يا حبيبي، أؤمر، ها حلو كدا؟"
رد عليها هو بحنقٍ:
"لأ مش حلو يا ستي، أقولك اخرسي يا خديجة، بدل ما ازود السرعة و أخليكي تصوتي مش تخرسي بس"
زفرت بقوةٍ ثم أمسكت هاتفها وهي تقول بنبرةٍ شبه منفعلة:
"أنا غلطانة أني بعبرك، هتفرج على المسلسل لحد ما نوصل، و ابقى خلي السرعة تنفعك يا نجم"
ضيق جفنيه بشدة تزامنًا مع حركة رأسه بإيماءةٍ بسيطة، بعدها رفع صوت الأغاني في السيارة على أحد المهرجانات الشعبية وهو يحرك رأسه تناغمًا مع اللحن حتى لا تستطع الاستمتاع بمشاهدة مسلسلها، زفرت هي بقوةٍ ثم رفعت صوتها تحدثه بضجرٍ:
"يا سيدي وطي الصوت عاوزة اتفرج على المسلسل، هو إحنا في حِنة بلدي؟ فرح خالتك هو؟"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بلامبالاة:
"عربيتي و أنا حر، أشغل أغاني ارقص أطبخ، بفلوسي ياختي، و إيه فرح خالتك دي دا أنتِ بيئة"
أومأت له موافقةٍ ثم أخرجت سماعات الاذن الخاصة بها ثم قالت بغيظٍ منه:
"اشبع بالعربية و الأغاني، أنا هسمع المسلسل برضه"
قالت جملتها ثم قامت بتوصيل السماعات في هاتفها بعدها عادت لمتابعة المسلسل من جديد، فوجدته يقوم بتشغيل أحد الأغنيات الشعبية القديمة ثم رفع الصوت على أخره و هو يغني معها:
"اسمحولي.. اقولكم....أنا قلبي شايل منكم...اسمحولي أقولكم....أنا قلبي شايل منكم....مش هسامح مش هعاتب مش هلوم....دي الخيانة و القساوة في دمكم....لأ...لأ...لأ كفاية كدب بقى....كفاية غدر بقى...كفاية شقا بقى....ضيعتوا العِشرة.....من كذا سنة و أنا معرفتش طعم الهنا...في الشوق هديكم أنا واحد من عشرة....تسمحولي أقولكم....أنا قـــلــبـي شـــايــل مــنــكم"
صرخ بجملته الأخيرة وهو يحرك رأسه نحوها و هي تتجاهله تمامًا، و حينما رأته يحرك رأسه نحوها و هو يرفع صوته بتلك الطريقة التي تتماثل مع طريقة المُغني، لم تستطع التحكم في ضحكتها حتى انفجرت في الضحكات حتى أنها لا تكترث بهاتفها الذي سقط من كفها و استمرت في الضحكات، بينما هو اخفض جزعه ثم جلب لها الهاتف و تلك المرة تجاهلها هو، ثم أخفض الموسيقى و استأنف سيره و هو ينظر بجانبه و كأنها غير موجودة معه، حينها سألته هي بنبرةٍ ضاحكة:
"أنتَ عبيط يا ياسين؟ اومال اللي كان من شوية دا كان إيه"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بلامبالاة:
"أنا حر كنت بغني، عربيتي بفلوسي خير حضرتك متضايقة؟"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
"يا سلام على أساس إنك معملتش كدا علشان تنكشني؟"
رد عليها هو معقبًا بتهكمٍ:
"هو أنتِ شعري علشان انكشك؟ حضرتك محور الكون يعني؟ و بعدين خليكي في العيال اللي بتتفرجي عليهم دول"
ردت عليه بنفس الطريقة:
"دول مش عيال، دا مسلسل تركي يا جاهل، و بعدين خليك في حالك، و لا اقولك خليك مع وليد كدا خططوا و اتفقوا لحد ما نوصل لأخرتها معاكم"
عض على شفته السفلى حتى يكظم غيظه منها، ثم ضغط على زر الموسيقى يرفع الصوت وهو يقول بمرحٍ:
"اسمحولي أقولكم...أنا قلبي شايل منكم"
________________________
أسفل بناية «حسن» وصل و اوقف سيارته فوجدها بجانبه غافيةً بعمقٍ و رأسها ملقاةٍ على زجاج النافذةِ، حرك يده نحو وجنتها يربت عليها وهو يقول بصوته الرخيم:
"هدير....هدير اصحي احنا وصلنا"
تململت هي في مقعدها ثم حركت رأسها للجهةٍ الأخرى ولازالت كما هي غافيةً في ثباتٍ عميق، فكرر هو الكرة من جديد بنفس النبرة ثم أضاف بنبرةٍ اقوى:
"يلا لو مصحتيش هنزل و اسيبك، قومي علشان محدش يفتكرني خاطفك...هتصحي ولا اسيبك؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ خافتة وهي غائبةً عن الوعيِ كما هي:
"خليك يا حسن...متسبنيش زيهم كلهم أنتَ كمان "
رفع رأسه يطالعها في ثباتها بدهشةٍ مما تفوهت به، فوجدها تحرك ذراعها ثم أطبقت عليه بكفيه معًا و كأنه طوق النجاةِ لغريقٍ في نصف البحر، حينها أخفض صوته وهو يحدثها و كأنها في وعيها:
"طب هو أنتِ فعلًا مش عاوزاني أسيبك؟ يعني ممشيش؟"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت بخفوتٍ:
"لأ متمشيش يا حسن، خليك معايا علطول و أنا كمان هفضل"
نظر هو حوله، ثم حدث نفسه ساخرًا على وضعهما:
"أنا بقول كفاية لحد كدا، علشان الوضع زاد عن حده، هـــديـــر"
رفع صوته عند ذكر اسمها حتى انتفضت هي في نومها وهي تقول بزعرٍ:
"إيه عملنا حادثة؟ حصل إيه"
كانت تلهث بقوةٍ وهي تتحدث بخوفٍ، فوجدته يقول بصوته الرخيم:
"نمتي يا هدير، سايباني طول الطريق لوحدي و نمتي ياما، فيه إيه أنتِ عندك مدرسة الصبح؟"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت له بعتابٍ:
"الله يسامحك يا حسن كنت هموت من الخضة، فيه حد يصحي حد كدا، حرام و الله"
ابتسم هو لها وهو يتذكر حديثها اثناء نومها، ثم رد عليها مُعتذرًا:
"حقك عليا يا هدير، بس أنتِ غرقتي في النوم و قولتي كلام كتير و أنتِ نايمة، لولا أني راجل أمين و متربي كنت اتصنت عليكي، بس دي مش أخلاقي"
طالعته هي بتعجبٍ وهي تسأله:
"قولت كلام زي إيه يعني؟ أنا لما حد يكلمني و أنا نايمة برد عليه، أنتَ كلمتني و أنا نايمة يا حسن"
سألته هي بنبرةٍ قوية جعلته يرد عليها مُعقبًا بسخريةٍ:
"بطلوا رمي البلا دا بقى على الناس الشرفا اللي زيي، يلا يا ستي خلينا نطلع أنا ورايا شغل الصبح"
أومأت له موافقةٍ ثم نزلت السيارة تتبعه حينما خرج من السيارة هو الآخر، بعد دلفا البناية معًا و هي تحاول تذكر ما تفوهت به اثناء النوم، عادةً هي لا تكترث لتلك الاشياء، لكن مادام الأمر يخصه من المؤكد أن الحديث خصه هو، لذلك هي تخشى أن تكون تفوهت بما يضعها في خانة اليك أمامه، وقفت أمام باب الشقة شاردة الذهن لا تنتبه لما يدور حولها، حتى فتح هو الباب و دلف الشقة فوجدها كما هي ساكنة الحركة، حينها عاد إليها يقول بنبرةٍ هادئة:
"هدير؟ أنتِ لسه نايمة ولا إيه؟ ادخلي يلا أحنا وصلنا"
انتبهت له ثم حركت رأسها تطالع الوضع حولها، حينها زفرت بقوةٍ ثم دلفت الشقة خلفه ثم اغلقت الباب، طالعها هو بتعجبٍ فوجد هيئتها متغيرة، و خشى في تلك اللحظة أن وجودها هنا رغمًا عنها ظنًا منه أنها كانت تود البقاء في بيت عائلتها، حينها اقترب منها ثم قال بنبرةٍ متريثة:
"هدير هو أنتِ زعلانة إنك رجعتي معايا؟ مالك إيه اللي مغيرك كدا؟"
انتبهت هي لحديثه و لنبرته التي وضح بها الاهتزاز، لذلك ردت عليه هي تنفي حديثه:
"ها....لأ يا حسن خالص، بالعكس أنا برتاح هنا، أنا بفكر في حاجة تانية بس"
سألها هو بنبرةٍ جامدة:
"حاجة إيه لو أنتِ مش متضايقة؟ قوليلي يمكن أساعدك"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت بنبرةٍ صارمة:
"عاوزة أعرف قولت إيه و أنا نايمة، علشان بجد الموضوع شاغلني و كدا مش هعرف أنام، لو سمحت قولي علشان مفضلش أفكر كتير في الكلام"
تنهد هو بقلة حيلة، ثم ابتسم لها وهو يقول بمرحٍ:
"متخافيش قولتي كلام حلو، و الكلام كان ليا ها اطمنتي؟"
سألته هي بنبرةٍ متلهفة:
"طب كلام إيه بالله عليك، أنا حلفتك أهو، قول علشان خاطري"
اقترب منها أكثر وهو يقول بنبرةٍ أهدأ ممتزجة بخبثه:
"قولتلك أصحي يا إما هسيبك و أمشي....ساعتها بقى...مسكتي دراعي و قولتي متسبنيش زيهم كلهم يا حسن.... خليك معايا و أنا هفضل معاك"
طالعته بدهشةً و كأنها صُدمت بصاعقًا كهربائيًا و هي تحدق النظر في وجهه، فوجدته يحرك كتفه ببراءةٍ وهو يقول:
"والله العظيم قولتي كدا و مش بكدب، أنتِ حلفتيني بالله، و أنا مش صهيوني علشان أكدب"
حركت رأسها موافقةٍ بإيماءةٍ بسيطة، و همت بالرحيل من أمامه، فوجدته يقول مقررًا بنبرةٍ جادة:
"هدير....الكلام اللي بيخرج مننا و احنا نايمين و واحنا بنعيط بيبقى اچ طبصدق كلام يتقال، بس لازم نأكده في الواقع، علشان كدا هسألك عن كلامك في الواقع هيبقى زي ما أنتِ نايمة؟"
تنفست بعمقٍ ثم رسمت بسمةً هادئة على وجهها وهي تجاوبه:
"اتطمن يا حسن طالما اتكلمت و أنا نايمة و قولت كدا يبقى دا كلامي الأكيد، مش هكدب عليك بس أنا بقيت برتاح هنا يا حسن، كنت فاكرة إني لما أرجع بيتنا هشتاق ليه، بس دا محصلش، أنا ارتاحت هنا معاك يا حسن، و أكيد مش عاوزاك تسبني"
أبتسم هو بسمةً صافية لم يتسطع التحكم في إخفاءها، و نظرة أمل طالعها بها، فوجد نفسه يقترب منها يقبل قمة رأسها، ثم وجه بصره يطالع وجهها البرئ وهو يقول بنبرته الرخيمة:
"و أنا وعد مني مش هسيبك يا هدير، هما سابوكي أو فضلوا معاكي أنا زي ما أنا معاكي"
شعرت بضربات قلبها تزداد بقوةٍ، لذلك ركضت من أمامه نحو الداخل حينما رآت نظرته تلك و ضربات قلبها، لذلك رأت أن الانسحاب انسب حلو نحو الداخل، بينما هو نظر في أثرها بعاطفةٍ لم تخفى عليه، لذلك زفر بقوةٍ ثم ارتمى بجسده على الأريكة.
_______________________
وصل «ياسين» أولًا و توجه نحو شقته معها و لازال الجدال كما هو بينهما و المشاكسةِ كما هي، بينما سيارة «وليد» لحقتهم حتى يقوم بتوصيل الشباب، أوقف السيارة في مقدمة الطريق وهو يقول بمرحٍ:
"معلش يا رجالة أخركم معايا هنا علشان مش هعرف ألف بالعربية، يلا تصبحوا على خير"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
"طب ما تيجي تاكل لقمة مع أخوك، مينفعش تكون تحت البيت و تمشي كدا"
رد عليه هو بنبرةٍ هادئة:
"تسلم يا عامر، بس ورايا مشوار مهم بكرة الصبح علشان كدا يدوبك أنا و بعدها هطلع على الشغل"
وافقه الجميع ثم دعوا له بالتوفيق، بعدها نزلوا من السيارة و معهم «عمار» و بمجرد رحيله بالسيارةِ، التفت «عامر» يقابل شقيقه وهو يقول مستفسرًا:
"أنا عاوز افهم كنت بتعمل إيه هناك يا عمار؟ يعني إيه أروح اقابلك هناك مع وليد؟ هو إيه اللي بيحصل؟"
تنفس هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"مفيش يا عامر متشغلش بالك، وليد كلمني صدفة يقولي إن أخته مش هتروح الدرس علشان المناسبة و الكلام جاب بعضه و عزمني مكسفتوش و جيت"
طالعه بتشككٍ فتدخل «خالد» يقول بنبرةٍ هادئة:
"خلاص يا عامر يعني متكبرش الموضوع، هتلاقي وليد عاوز يقرب مننا و قال يعامل عمار زينا هو كمان"
أيده «ياسر» وهو يضيف:
"صح، أكيد يعني مش عاوز يعمل فيه حاجة، و بعدين هو أنتَ خايف كدا ليه؟ عمار عاقل مش زيك يا ناصح"
رد عليهم هو بقلة حيلة:
"أنا خايف يتسرع يا جماعة، بس خلاص طالما انتو ضامنينه، يلا بقى علشان شغلكم أنتَ وهو خلونا نرتاح بدل ما تأخرونا الصبح و أنتَ يا خالد اكبر بقى مش لازم بطاطس محمرة و تأخرنا الصبح، عيب بقى"
طالعها «خالد» بتعجبٍ و قبل أن يقترب منه حتى يعنفه، وجد «عمار» يقول بنبرةٍ منهكة:
"خلاص بقى، اطلعوا ناموا و أنا هروح بقى علشان تعبان"
سأله «عامر» بتعجبٍ:
"أنتَ مش هتطلع معايا؟ تعالى اقعد معايا شوية أنتَ بقالك كتير مقعدتش معايا"
رد عليه بنبرةٍ قاطعة:
"لأ، أنا يدوب هروح علشان السنتر فيه درس الساعة ٨ الصبح و أنا هفتحه ٧، يدوبك هروح...سلام"
قال كلمته الأخيرة وهو يلوح للجميع تاركهم ينظرون له ثم لوحوا له حينما ابتعد هو عن مكان وقوفهم، بينما «عامر» نظر في أثره بفخرٍ وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"جماعة أنا بحب عمار أوي و فخور بيه، الفضل ليكم في تربيته علشان أنا كنت فاكره هيطلع عيل خايب، بس طلع راجل بجد"
ابتسم له «خالد» وهو يقول بنبرةٍ هادئة تماثل نبرته:
"عمار دا تربية رياض و ياسين و أخواته كلهم، طلع مجمع كل حاجة فينا و يا رب يونس الكلب يطلع زيه"
رد عليه «ياسر» بسخريةٍ:
"يونس دا حبيبي هيطلع تربية عامر يا خوفي منه"
رد عليه «عامر» بضجرٍ:
"ماله عامر ياض يا دكتور؟ طب دا أنا مدير شركة محترم قد الدنيا، الشركة كلها بتقف على رجل أول ما يشوفوني"
_"من الرقص يا عين أمك"
تفوه بها «خالد» بنبرةٍ ساخرة جعلت «ياسر» يضحك بقوة، بينما «عامر» طالعه بوجهٍ ممتعض وهو يقول بضيقٍ منه:
"هو أنتَ لازم تفسر يعني؟ خلاص دا أنتَ غتت ياض"
أبان ذلك صدح صوت هاتف «خالد» أخرجه فوجد «ياسين» يهاتفه فتعجب هو ثم ضغط على زر الإيجاب وهو يقول بسخرية:
"إيه يا أخويا عاوزني أجبلك فينو ولا إيه؟ بتكلمني ليه؟"
رد عليه هو بنبرةٍ مستهزئةً:
"لأ و أنتَ الصادق أنا واقف في البلكونة شوفتكم واقفين على أول الشارع و الأهطل نسي حاجة مراته معايا في العربية، أنا حطيتها في الأسانسير حد فيكم يدخل ياخدها"
استمع «عامر» لكلمته لذلك تدخل في المكالمة وهو يقول بنبرةٍ عالية:
"ما تلم نفسك يا حتة مهندس أنتَ كمان، أهطل في عينك"
رد عليه هو بضجرٍ:
"بقولك إيه؟ أنا مقفول و على أخري يمين بالله انزل اوريك المهندس دا هيعمل فيك إيه"
رد عليه هو بخوفٍ:
"قلبك أبيض ياض خلاص، انزل بكرة بدري بس علشان توصلنا، عربية خالد هناك عند الشغل"
رد عليه بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
"ماشي يا عامر، سلام علشان عاوز أنام، تصبحوا على خير، يمين بالله لو اتأخرت بكرة لتبقى وقعتك طين على دماغك"
ضحكوا عليه جميعًا فقال هو بحنقٍ منهم جميعًا:
"أنا بكرهكم على فكرة، طب اقولك مفيش بطاطس محمرة بكرة، أنا غلطان بفطر اشكالكم دي"
________________________
بعدها توجه «عامر» نحو بناية صديقه يأخذ أشيائه من المصعد، و بعدها توجه نحو شقته، و كذلك البقيةِ توجهوا نحو مساكنهم، بينما في شقة «ياسين» خرج هو من الشرفة فوجدها خرجت من المرحاض ثم جلست على الأريكة تتابع التلفاز، وقف هو يقول بنبرةٍ هادئة و لكنها مستاءة:
" هتاكلي ولا مش عاوزة؟"
ردت عليه هي بلامبالاةٍ:
"شكرًا...كلت مع خلود و ماما"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ باردة:
"أحسن برضه، تتقسم على واحد أحسن ما تتقسم على اتنين"
شهقت هي بقوة وهي تتابعه ينسحب نحو الداخل حتى يتناول الطعام، جلست هي تفكر في حل لذلك الموقف، هي بالطبع تشعر بالجوع لكن كبرياء أنوثتها عارض موافقته، لذلك تصنعت التجاهل ثم تابعت التلفاز حتى تقوم بإلهاء نفسها حتى لا تتذكر جوعها، و بعد مرور بعض الوقت وجدته يخرج و في يده طبقًا ممتلئ بالطعام و طبقٌ آخر به خبز فرنساوي (الفينو) ثم ذهب بجانبها يجلس بمرحٍ و بوجهٍ مبتهج، طالعته هي ببمسةٍ هادئة ظنًا منها أنه جلب لها الطعام حتى تأكل معه، شرع هو في تناول الطعام وقبل أن تمد يدها تأكل معه وجدته يقول بضجرٍ لها و بنبرةٍ مهددة:
"إيدك يا ست الكل لو اتمدت على الأكل هقطعها، قومي يا حلوة اعملي لنفسك و كلي، و بعدين هو أنتِ مش كلتي مع ماما ؟"
قال كلمته الأخيرة بسخريةٍ وهو يحاكي طريقتها في الحديث، بينما هي طالعته بدهشةٍ غير مصدقةً طريقته، لذلك سألته بنبرةٍ مهتزة:
"ياسين أنتَ بتتكلم جد؟ مش عاوزني آكل معاك؟ قول إنك بتهزر"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
"لأ أنا مبهزرش، عاوزة تاكلي قومي اعملي لنفسك أكل، علشان أنا جبت الشاورما كلها و الفينو كله و البطاطس، شوفي جبنة بقى ولا حاجة ليكي"
شعرت بغصة مريرة في حلقها كما أن عبراتها هددت بالنزول من خلال تلك اللمعة الظاهرة في حدقتيها، لذلك هبت منتفضة من جانبه حتى تتوجه نحو المطبخ تعد لنفسها الطعام، بينما هو نظر في أثرها ببرود، ثم زفر بقوة، دخلت هي مطبخها حتى تبحث عن شيئًا تأكله، لكنها شهقت بقوة حينما وجدت الطعام مُعدًا لها من قِبله و بجانبه كوبين من العصير لهما، ابتسمت هي باتساعٍ لكنها وأدت تلك البسمة ثم حملت الصينية في يدها و خرجت تجلس على مقربةٍ منه، بينما هو راقبها بطرف عينه و هي تجلس على نفس الأريكة لكنها بعيدةً عنه نسبيًا، فرفع رأسه ينظر للتلفاز وهو يقول بتهكمٍ:
"هو أنا جربان ولا إيه؟ ما تيجي ياختي تقعدي جنبي، إيه قلة الذوق دي؟"
زفرت هي بقلة حيلة ثم اقتربت منه وهي تبتسم على طريقته، بينما هو تجاهل فعلتها ثم عاد لتناول الطعام من جديد، بينما هي قالت له بطريقة هادئة:
"طب إيه طيب؟ هنفضل كدا يا أستاذ ياسين؟ صالحني طيب"
ترك هو طعامه وهو يقول بضيقٍ زائف:
"شوف البجاحة !! كمان اصالحك يا ولية يا ظالمة؟ خير يا خديجة ضربتك بمية نار في وشك؟ ولا ظرفتك بونية في وشك؟"
ردت عليه بطريقةٍ منفعلة:
"لأ...روحت تتفق مع وليد من ورايا تاني، و صحيت من النوم أسأل عليك بليل، خلود قالتلي إنك مع وليد، و كمان بكلمك و أنا خايفة عليك لقيتك بتتعصب، و مش عاوز تصالحني إيه الجحود دا يا عم أنتَ"
ابتسم هو بيأسٍ منها ثم حرك رأسه في عدة جهات غير متناسبة، بعدها طالعها بوجهٍ مبتسم وهو يقول:
"طب اصالحك إزاي طيب؟ طالما بقيت جاحد و قلبي قاسي؟"
حركت كتفيها بتعالٍ ثم قالت بلامبالاةٍ:
"عادي اتصرف بقى، مش هقولك أنا بقى، دي حاجات تتحس و متتقالش يا ياسين؟"
قالت جملتها الأخيرة بطريقةٍ درامية جعلته يحرك رأسه يطالعها بريبةٍ، فاضافت هي:
"رجالة ظالمة، مفيش احساس؟، مفيش ذوق؟، مفيش رومانسية؟
_"مـــفــيــش دم...أنتِ معندكيش دم، علشان أنا حضرتلك العشا و حطيت عصير معاه، عاوزاني أعمل إيه؟ أرقصلك؟"
رد عليه هو بذلك بنبرةٍ منفعلة لكنها ممتزجة بمرحٍ طفيف، بينما هي ردت عليه بسخريةٍ:
"كفاية رقصك في العربية، ضيعت عليا حلقة المسلسل، خلاص خلينا متخانقين أحسن"
ابتسم هو عليها ثم تحرك بخبثٍ يلتصق بها، تحركت هي حتى تبعد عنه فوجدته يقترب منها و استمر الوضع على ذلك حتى أوشكت على السقطو من على الأريكة فوجدته يقترب منها يلتقطها بعدما شهقت هي بخوفٍ فوجدته يقول بخبثٍ:
"إخس على الوحشين اللي كانوا هيقعوا، مش تحاسبي يا خوخة"
حركت رأسها في عدة جهات ثم طالعته بدهشةٍ فوجدته يحدق النظر في عدستيها وهو يقول بنبرةٍ هائمة:
"بقى أنا أقدر أزعل العيون دي؟ دا أنا مش متربي بصحيح، ما تربيني أنتِ"
ردت عليه هي بحنقٍ:
"أنا مبكلمكش يا سيدي، روح خلي طنط تربيك بقى، علشان شكلك خرفت"
ابتسم هو باتساع و هو يقول ببراءةٍ كاذبة:
"طب دا أنا العالم كله بيسأل على قاموس تربيتي، دا أنا قدوة يا بت، اسألي ماما حتى"
كادت على وشك التبسم لكنها وأدت بسمتها تلك وهي تقول بضجرٍ:
"طب وسع و بعدين نشوف مين حوار تربيتك دي، مع أني أشك"
رفع هو رأسها ثم قال بخبثٍ:
"طب والله دلوقتي هخليكي تضحكي زي الهبلة و تصالحيني"
ردت عليه هي بتعالٍ:
"دا كان زمان يا أستاذ، خلاص شطبنا"
اقترب هو منها يقبل قمة رأسها ثم طالع عدستيها وهو يقول بنبرةٍ هائمة يتغزل بها وهي تطالعه بدهشةٍ:
"قِـيـل عِـدة مــراتٍ فـي قــرب الحَـبّـيـب"المُـحـاط بـأحـبـته أمنًا" و كَـم كَـانـت جُـملـةً صــادقّـةً، فـ مـعـكِ وجـد القـلّـب مَـأمـنهُ، و بَيْـنَ ذِراعَـيْكِ وَجـد الجَـسّـدِ مَـسّـكنهُ"
اتسعت حدقتيها تزامنًا مع بسمةٍ صافية تزين وجهها و هي تطالعه فوجدته يضيف هامسًا بمرحٍ كعادته:
"خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
اتسعت بسمتها أكثر ثم اعتدلت تحتضنه بقوةٍ وهي تقول بنبرةٍ متأثرة:
"أنا بحبك أوي علشان أنتَ طيب و مش بتزعلني يا ياسين، متزعلش مني بقى"
لف هو ذراعيه حولها وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"أنا مزعلتش أصلًا، على العموم أنا قبلت اعتذارك و صُلحك ليا خلاص، قلبي الطيب بقى"
شهقت هي بقوةٍ حينما أدركت اعتذارها له، فوجدته يقول بنبرةٍ خبيثة:
"اهدي يا ست الكل، خلاص عيل و غلط، أنا بقول نربيه و خلاص"
ضحكت هي بقوة بعد جملته تلك و هي تحتضنه فوجدته يقبل رأسها ثم تنفس بعمقٍ.
______________________
وصل «خالد» شقته فوجد زوجته في وجهه تحاول اعطاء الدواء لصغيرها الذي كان يتململ بضجرٍ وهو يصرخ رافضًا تناول الدواء، بينما هي قالت بانهاكٍ واضح:
"يا يونس علشان خاطري خد الدوا، هعيط والله على عياطك"
اقترب هو منهما وهو يقول مستفسرًا بتعجبٍ:
"فيه إيه يا ريهام؟ مالك و ماله؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية:
"عمال يكح يا خالد و صدره وجعه، مش راضي ياخد العلاج، و أنا تعبانة و جسمي مكسر و برضه مضطرة أقف على رجلي علشانه و علشانك لما ترجع"
شعر هو بالندم من أجلهما، لذلك اقترب منها ثم اخذ منها الصغير الذي وضع رأسه على كتفه وهو يقول بنبرةٍ متعبة ممتزجة ببكاءه:
"بابا.... بابا"
ابتسم هو بحزنٍ ثم قال:
"أنتَ جاي تقول بابا و أنتَ تعبان كدا و مقطع قلوبنا؟ آه يا واطي، على العموم هاتي العلاج يا ريهام"
ردت عليه هي بنبرةٍ منهكة و بأعياءٍ واضح:
"خلاص يا خالد أنا هحاول تاني، أدخل ريح أنتَ و غير هدومك"
رد عليها هو بإصرارٍ:
"أنا قولت هاتي العلاج، بصي شكلك و شكله، ياستي الغلط غلطي أنا، هاتي بقى"
أومأت له موافقة ثم أعطته العلاج بينما هو سار بصغيره نحو الأريكة ثم وضعه عليها، فابتسم هو له ظنًا منه أن والده سيداعبه، بينما هو وقف يهدهده بيده و فمه وهو يغني له بإسمه، حتى فتح الصغير فمه يضحك بقوة حينها وضع له الدواء داخل فمه و قبل أن يعترض الصغير رفعه على ذراعه وهو يقول بمرحٍ:
"بس...بس.. خالد وحش خالص علشان بيضحك عليك، تيجي نلعب أنا و أنتَ"
ابتسم الصغير باتساعٍ وهو يتحرك على يده، فرفعه هو في الهواء ثم انزله مرةٍ أخرى، بينما هي اقتربت منه تقول بامتنانٍ:
"شكرًا يا خالد، متعرفش هو تاعبني إزاي و طلع عيني"
رد عليها هو معاتبًا لها:
"وهو برضه دوا ابني محتاج شكر عليه؟ هو أنا غريب يا ريهام"
ردت عليه هي تنفي حديثه:
"خالص والله، أنا علشان عارفة إنك بترجع فاصل و خلصان"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ مرحة:
"يا ستي اعتبريني بكفر عن ذنبي، أنا فتحت التكييف عليكم امبارح، حقكم عليا"
ردت عليه هي بنبرةٍ متعبة:
"علشان تحرم بعد كدا، أهو نام على دراعك، الدوا دا فيه منوم باين"
وضعه هو على الأريكة وهو يبتسم على هيئته و طريقة نومه التي تماثل طريقة نومه من خلال الكف الموضوع على العينين، بعدها زفر بقوةٍ ثم حمله من جديد، كانت هي أبان ذلك تطالعه بتعجبٍ، فوجدته يدلف به نحو الداخل، ثم عاد لها من جديد و في يده شيئًا، و قبل أن تتحدث وجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا نيمته في سريره علشان يتدفا، و أنتِ خدي الدوا علشان أنتِ فاصلة خالص"
ردت عليه هي ترفض الدواء:
"يا خالد الدوا دا بينيمني، لو نمت و يونس صحي بليل هبقى زي المضروبة على دماغها"
أومأ لها هو موافقًا ثم قال مؤكدًا:
"أنا عارف كل دا يا ستي، علشان كدا نامي و أنا هنام جنبه و ادخله الحمام، رغم إن العلاج دا هينيمه لحد الصبح، خدي العلاج بس علشان أتطمن و محسش بالذنب أكتر من كدا"
أومأت له بقلة حيلة ثم تناولت الدواء من يده، بعدها طالعته بحبٍ وهي تقول بنبرةٍ أقرب إلى النوم من كثرة تعبها:
"اتغيرت خالص يا خالد، بقيت واحد تاني حلو أوي....و أنا بحبك أوي"
ابتسم هو لها ثم وضع ذراعه عليها يقربها منه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"البركة فيكي و في وجودك معايا، غيرتي فيا كتير، ربنا يبارك فيكي أنتِ و يونس بقى خليتوا القلب القاسي يرق"
ابتسمت هي باتساعٍ ثم رفعت ذراعيها تحتضنه و لازالت تتأرجح بين وعيها و غيابه لكنها مدركة أنها الآن بين ذراعيه وهو يعاملها بحنانه.
في شقة «ياسر» دلف هو فوجد زوجته تخرج له من الداخل وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"حمدا لله على سلامتك يا ياسر، أتأخرت ليه؟"
رد عليها هو بنبرةٍ متعبة:
"الله يسلمك يا إيمان، كنا مع ياسين خلصنا موضوع قرايب مراته و رجعنا علطول"
أومأت له هي بموافقةٍ ثم سألته بنفس النبرة الهادئة:
"طب هتاكل أحضرلك العشا؟"
أومأ لها موافقًا و لكنه لاحظ تغيرها، لذلك اقترب منها يسألها باهتمامٍ:
"مالك يا إيمان؟ حصل حاجة زعلتك؟ شكلك مش زي كل يوم، و بتكلميني بالراحة من غير هزار؟ أنتِ حصلك حاجة ضايقتك؟"
اذدردت لعابها بخوفٍ ثم جاوبته بنبرةٍ أقرب للبكاء:
"علشان أنا زعلتك يا ياسر و قولتلك إن الدكتورة مينفعش تكلمك بليل كدا، حسيت إنك زعلت مني و فهمتني غلط، بس أنا مكانش قصدي حاجة و حشة والله، أنا لما رديت عليها هي قفلت في وشي و لما أنتَ رديت كلمتك، لكن والله مش قصدي حاجة تخليك تزعل مني والله"
بكت وهي تحدثه خوفًا منها أنه ظن بأنها تقارن بينه و بين والده، فهم هو سبب بكاءها، لذلك رفع كفه يمسح دموعها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"متعيطيش أنا فاهم أنتِ زعلتي ليه؟ و أنا كلمتها و قولتلها إن مينفعش لما أنتِ تردي تقفل في وشك لأن دي قلة تقدير، و هي اعتذرت، خلاص الموضوع خلص"
سألته هي بنبرةٍ لازالت باكية:
"يعني أنتِ مفهمتنيش غلط؟ أنا مش بشك فيك و الله، و مش بقارنك بيه يا ياسر"
ابتسم هو لها ثم رد عليها مُعقبًا بصوته الرخيم:
"أنا عارف و متأكد من حاجة زي دي، عيونك عمرها ما طلعتني زيه و أنا لما بصيت فيهم شوفت غيرة و حب، مكانش معاهم شك، اتطمني أنا مش زعلان منك"
احتضنته هي بقوةٍ وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"شكرًا علشان أنتَ مزعلتش مني، الناس كلها بتزعل مني عادي من أي حاجة، لكن مينفعش أنتَ كمان تزعل مني"
ابتسم هو على حديثها ثم ربت على ظهرها وهو يقول بمرحٍ:
"بقى ياسورك يزعل منك برضه؟ و دي تيجي، أنا بحبك يا ستي زي ما أنتِ ، حلو كدا؟"
ردت عليه بمرحٍ:
"طبعًا حلو يا ياسوري، ربنا يكرمني بعيل شبهك يا رب و بنت علشان أقفل عليكم و أحطكم في صندوق إزاز"
ابتسم هو بيأسٍ ثم قال بهدوء:
"طب حضريلنا العشا يا ستي خلينا نشوف حوار الازاز دا، ما شاء الله كلامك بينم على التفاؤل و الأمل، أخرة إبنك صندوق إزاز ياما، رُوحي يا إيمان الله يسهلك"
في شقة «عامر» وصل هو شقته و معه القماش الخاص بعملها، بينما هي اقتربت منه تقول بنبرةٍ متلهفة:
"ها يا عامر جبت القماش؟ ضروري علشان أعرف أكمل"
رفع يده لها وهو يقول بمرحٍ:
"جبته يا جرثومة، و جبت بزيادة أهوه علشان هيبتي مش أكتر"
اقتربت منه هي تقول بنبرةٍ مُحبة:
"ربنا يخليك ليا يا عامر، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه، و الله كان زماني بعيط عادي"
سألها هو بنبرةٍ متريثة:
"يعني هو القماش دا يخليكي تقوليلي كلام حلو زي دا؟"
ردت عليه هي بخجلٍ طفيف:
"لأ مش علشان القماش بس، بس هو أنا....يعني بص....عامر أنا بحبك أوي بجد، مش عارفة ليه قعدت أفكر لقيت إنك مهم عندي، حتى ماما كانت فرحانة و هي بتكلمني و قالتلي إنك هدية لينا، بص أنا عارفة أني مش بتكلم معاك زيك و مش بعبر زيك ، بس لو حصلي حاجة حلوة بعد التعب و المرمطة اللي شوفتهم يبقى وجودك يا عامر"
طالعها هو بدهشةٍ فوجدها تقول بنبرةٍ متأثرة:
"مش عاوزاك تزعل مني علشان بتشغل عنك، و مش عاوزاك تمل مني، عاوزاك تفضل تحبني و خلاص، ممكن ؟! "
اقترب منها هو يقول بنبرةٍ متريثة:
"أنا مش فاهم سبب كلامك دا يا سارة، بس حاسس إنه من قلبك و إنه طالع ليا أنا لوحدي، سارة أنا اتجوزتك و أنتِ كدا، قوية و طموحة و بتاعة شغل مش بتاعة هزار، علشان كدا أنا بحبك، و مخلي الهزار عليا أنا، و بعدين هو أنا اشتكيت منك؟"
تنفست هي بعمقٍ ثم قالت:
"لأ مشتكتش بس الانسان ليه طاقة، و أنا خايفة طاقتك تخلص أو تمل"
اقترب هو منها ثم لف ذراعيه خلف ظهرها وهو يقول بمرحٍ:
"بقى دا إسمه كلام؟ أنا مِنك عمري ما أمِل...يا مكرونة سايحة في البشامِيل"
ضحكت هي بقوةٍ عليه، فوجدته يغمز لها ثم قال بنفس النبرةِ المرحة:
"شوفتي بقى حلاوة إن الهزار يبقى عليا؟ و الله يا بنتي بحبك حتى لو أنتِ إيه"
احتضنته هي بقوةٍ ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
"و أنا و الله يا عامر، بحبك"
________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت معظم العائلةِ في شقة «مشيرة» تطمئن عليها، حتى دلف «أحمد» و معه شقيقته فقال هو مُردفًا يحمله بيده:
"امسكي يا جميلة الأكل دا علشان علاج عمتو، و دي عصاير"
ردت عليه «مشيرة» بامتنانٍ حقيقيًا:
"تسلم يا أحمد، تعباك معايا أنا من ساعة اللي حصل"
رد عليها هو بخجلٍ و هذا لأنه أول مرةٍ يتواجه معها بعدما تغيرت هي:
"ولا يهمك يا عمتو...ألف سلامة عليكي، إن شاء الله تقومي منها بالسلامة"
ابتسمت له هي، فتدخلت «خلود» تضع العصائر من يدها وهي تقول بنبرةٍ ساخرة:
"عمتو ما شاء الله متأسسة صح، متربية على السمنة الفلاحي، ربنا يديها الصحة"
طالعها الجميع بتعجبٍ عدا «وليد» الذي حاول كتم ضحكته، بينما «مشيرة» ردت عليها بنبرةٍ مرحة:
"الحمد لله يا خلود قومت منها علشان أرجع اقعد معاكم هنا تاني و علشان ابقى أنا و أنتِ مع بعض"
تدخل «طارق» يقول بنبرةٍ ساخرة ممتزجة بالخجل:
"أستر يا رب، مشيرة و خلود مع بعض؟ هي فعلًا محتاجة التحالف دا"
ضحك الجميع عليه بينما «طه» تدخل يقول بنبرةٍ هادئة:
"يمين بالله لو سمعت نفس واحدة فيهم بتكتر في الكلام هتبقى وقعتها مهببة، نتلم و نهدا كدا، كفاية اللي حصل"
سألته «مشيرة» بنبرةٍ مترددة:
"طه ؟! هو أنتَ مسامحني؟"
طالع هو أوجه الجميع حوله، ثم نظر لها وهو يقول بهدوء:
"حصل خير يا مشيرة و طالما خديجة سامحت يبقى أنا كمان مسامح، المهم أنتِ تقومي بالسلامة"
تدخل «وئام» يقول بنبرةٍ شبه ناعسة:
"طب عن إذن حضراتكم هطلع أنام علشان ورايا شغل بكرة و علشان هدى عندها معاد دوا زمانه قرب، يلا يا عمو محمود؟"
طالعه «محمود» بفخرٍ وهو يرد عليه:
"والله يا بني ربنا كرمني بيك، لو كنت جبت ولد ماكنش هيعمل معايا كدا، أنا بعزك أكتر من بناتي"
رد عليه «مرتضى» بفخرٍ:
"دا وئام حبيب أبوه دا، خد كل وقتي و تربيتي"
رد عليه «محمود» مؤيدًا حديثه:
"ربنا يكرمك و نعم التربية، وئام دا فخر و الله، هدى بنتي معدتش من محنتها غير بوجوده هو معاها، و أهيه نايمة فوق وهو شايل هم علاجها"
تدخل «محمد» يقول متهكمًا بسخريةٍ:
"ما هي أصلها دنيا حظوظ، واحد نصيبه وئام و واحد تاني....يلا بقى الله يسهله و يتربى"
فهم الجميع أن مرمى الحديث نحو «وليد» لذلك وجهوا بصرهم نحوه يحاولون كتم ضحكتهم، بينما هو رد عليه بطريقةٍ باردة:
"قولتلك قبل كدا لما تلقح عليا قول أسمي ثلاثي، و بعدين هو أنا مش صالحتك امبارح أنتَ و عيالك؟ ولا أنتو قلبتوا قطط تاكلوا و تنكروا؟ عرفني أبقى أجبلكم تونة بعد كدا"
تحدث «محمد» يقول بحنقٍ:
"شوفتوا يا جماعة؟ برضه مفيش فايدة فيه، كل ما أحاول أصفاله ألاقيه رجع تاني يعصبني"
رد عليه هو بنبرةٍ ساخرة:
"لا أعصبك و لا تعصبني، أنا اللي يخصني عندك هي بنتك...إزازة السوبيا بتاعتي، غير كدا انساني"
نظر هو لوالده وهو يقول:
"أنا عاوز أفهم إزاي دول طالعين من شقة واحدة؟ يا مرتضى أنتَ متأكد إنك أنتَ اللي مربي الاتنين"
رد عليه هو بضجرٍ:
"يا محمد قولتلك كسلت والله، جربت مرة أربي و خد مني وقت، قولت أسيب التاني يمكن يتربى لوحده"
تدخل «طه» يقول بنبرةٍ ساخرة:
"متربي أوي ما شاء الله، لسه مأحرج خديجة قدام الكل فوق"
طالعوه بتعجبٍ بينما «جميلة» قالت بسخرية:
"خديجة؟! أحرجت أكتر واخدة بتخاف تتكلم أصلًا؟ قولتلها إيه"
حرك كتفيه ببساطة وهو يجاوبها مردفًا بثباتٍ:
"بتقولي هبات معاكم هنا، قولتلها رَوحي أنا عاوز أبقى خال، غلط أنا كدا يعني؟"
حاول البعض كتم ضحكتهم، و البعض الآخر طالعه بدهشةٍ، فتدخل «أحمد» يقول بضيقٍ:
"مفيش فايدة في وقاحتك، حد يقول كدا برضه؟ سافل"
رد عليه هو بوقاحةٍ:
"وهو أنا مجوزهاله ليه؟ علشان يحطها في متحف ولا علشان تيجي تبات عند امها؟ أكيد علشان تخلف عيل هو أنا بقول حاجة غلط يا جدعان؟"
ردت عليه «مشيرة» بطريقةٍ ساخرة:
"فشر يا حبيبي، حد يقدر يغلطك؟ إحنا كلنا هنا مش محترمين مقارنةً بيك"
لوح لها بذراعه وهو يقول بلامبالاة:
"انتو أدرىٰ بقى، أنا طالع عند مراتي أقولها كلمتين على السريع قبل ما أنام"
رد عليه «محمد» بضجرٍ:
"كلمتين بس يالا، ياريت متكترش يا أخويا"
التفت له يبتسم بخبثٍ وهو يقول:
"مش ضامن بصراحة، أصلها زعلانة و أنا مقدرش أسيب مراتي زعلانة، ممكن كلمتين، حضنين، على حسب زعلها"
قال حديثه ثم التفت يغادر المكان، بينما «محمد» وضع كفه على موضع نبضه وهو يقول بنبرةٍ مُتعبة:
"هموت مجلوط يا ناس، ابن مرتضى حالف يرمل الولية"
ضحك الجميع عليه بينما هو بكى بكاءًا زائفًا وهو يحرك رأسه.
____________________
صعد «وليد» سطح البيت دون أن يمر عليها، لكنه كان متيقنًا من صعودها له، لا يدري لماذا لكن هناك شيئًا جعله يشعر بالثقة من صعودها له، رفع رأسه يطالع النجوم في السماء المعتمة، فـ استنشق عبيرها، لذلك ابتسم بصفاءٍ عاد إليه من جديد، حينما اقتربت منه ، فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"تعالي يا عبلة....عاوزك"
قطبت جبينها بحيرةٍ من لهجته الجادة تلك، فهي ظنت أنه سيذكر كلمته المعتادة، لذلك اقتربت منه تجلس مقابلةً له على الأرض موضع جلوسه، فوجدته يبتسم لها ثم قال:
"عارف إنك مستغربة طريقتي، و عارف إنك فكراني متغير، بس أنا عاوز أقولك حاجة"
نظرت له باستفسار لم تتفوه به، فوجدته يجاوب سؤالها الصامت بقوله:
"الفترة اللؤ فاتت ضغطت عليكي كتير، و جيت عليكي أكتر، اختبار سفري و موضوع علاجي عند هناء و بعدها راشد و ابراهيم و محاولة موتي مرتين، كان صعب علينا احنا الاتنين، بس مع ذلك أنا اتفاجئت بيكي في ضهري، كل مرة ازعلك أرجع ألاقي ألف عُذر ليا عندك، حبيت أقولك شكرًا...مش علشان حاجة....بس يا عبلة أنا جيت عليكي كتير و أنا مرضاش بدا...علشان كدا بشكرك"
أبتسمت له هي ثم ردت عليه بنبرةٍ متأثرة:
"بس يا أهبل، لا عاوزة شكر و لا أسف، أنا مراتك يا وليد، كفاية إنك مقدرني و مقدر مشاعري دي أهم حاجة، لكن لو عليا أنا بحبك زي ما أنتَ، بعيوبك بقى بكل حاجة فيك، قبلاك و حباك"
ابتسم هو باتساعٍ ثم أخرج من جيبه شيئًا أخفاهُ وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"فيه سلسلة كدا طالعة بتاعة دوار الشمس، كنتي تقريبًا عاملة ليها share صح؟"
حركت رأسها موافقةٍ ثم قالت بنبرةٍ حالمة أنهتها بالسخرية:
"نفسي أجبها اللي عاملة زي الازاز و بتلمع، بس سألت،و قالتلي بالحجز و بصراحة أنا لسه جايبة كريمات علشان الشتا و فلست، صحيح شحاتة بس مهتمة بنفسي"
ابتسم هو على طريقتها، ثم تحرك حتى جلس خلفها، قطبت جبينها بحيرةٍ، فوجدتها يخلع حجابها ثم قام بوضع السلسلةِ على رقبتها، شهقت هي بقوةٍ حينما شعرت بملمسها على عنقها، بينما أغلق هو القفل الصغير ثم عاد لموضعه من جديد، حركت رأسها للأسفل تطالع السلسلةِ و كم أدهشها مظهرها حينما وجدتها كما تمنتها هي بنفس التفاصيل، فوجدته يبتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"مقدرتش أعرف إنك نفسك فيها و مجبهاش بصراحة، موصي عليها موصي عليها لما رجعت من عند ابراهيم، لو كانت السكينة جت فيا و روحت فيها، كانت هتوصلك برضه، كانت هتبقى أخر حاجة توصلك مني"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
"بعد الشر عنك، متقولش كدا علشان خاطري، الحمد لله أنتَ و هي معايا سوا، و يارب دايمًا معايا"
_"أنا ولا السلسلة؟"
سألها هو بمرحٍ حينما لمح عبراتها تهدد بالنزول، بينما هي ارتمت بين ذراعيه وهي تقول بنبرةٍ باكية و بالفعل نزلت دموعها:
"أنتَ طبعًا، حرام عليك كلامك عيطني، ربنا يباركلي فيك"
تنهد هو بعمقٍ ثم قبل قمة رأسها، و هو يرفع ذراعيه حتى يحتضنها، و حينها رفع رأسه للسماء يقول هامسًا بامتنانًا حقيقيًا:
"الحمد لله... و الشكر لله...شكرًا"
____________________
في صباح اليوم التالي أخذ «وليد» الأوراق ثم توجه بها نحو وجهته التي قام «رياض» باتخاذ الإجراءات اللازمة لها، مقابلةً لابد منها، حتى ينهي ذلك الباب ثم يعود كما كان فعليًا، وصل وجهته ثم انتظر في الغرفة حتى وصل له «ابراهيم» مُكبل الأيدي بالأصفاد الحديدية، كان هو يجلس بثقةٍ على المقعد، فوجده يدلف الغرفة مع العسكري المسئول عن حراسته، رفع رأسه يطالعه متشفيًا وهو يبتسم بشرٍ، بينما الأخر بادله النظرة بأخرى تطلق سهامها نحوه، و حينما طال الصمت و زادت حدة النظرات، قال هو بنبرةٍ هادئة:
"تُشكر يا دفعة، و الله مش عارف أقولك إيه إنك جايبه بنفسك، بس هشربك شاي حلو"
أومأ له العسكري ثم انصرف من أمامهما، بينما «ابراهيم» جلس على الأريكة و هو يقول بنبرةٍ متهكمة:
"لما قالولي زيارة تبعك فكرت إن الواد راشد ابني جاب محامي ليا و جاي يلحقني، بس اتفاجئت بيك"
ابتسم له «وليد» وهو يقول بخبثٍ:
"وهو فيه عريس برضه هيسيب صباحيته و يجيلك؟ أنتَ عارف بقى عريس و هيصحى متأخر"
طالعه «ابراهيم» بريبةٍ بعد حديثه فوجده يقول بطريقةٍ ساخرة و كأنه يعتذر له:
"يلهوي !! أنا آسف يا عمو إبراهيم، هو أنتَ متعرفش إن راشد اتجوز، يوه يقطعني، نسيت"
رد عليه هو منفعلًا بضجرٍ:
"أنتَ هتستعبط يالا؟ مين دا اللي عريس؟ هيتجوز و أبوه مرمي هنا؟ دي تلاقيها تهيؤات بس"
أومأ له موافقًا ثم أخرج ورقًا من الملف الذي يمسكه بيده وهو يقول بنبرةٍ متريثة:
"علشان كدا طلبت من المأذون يعملي ورقة مؤقتة لحد ما القسيمة تطلع، و حلفت أجي بنفسي أوريك الورقة دي"
خطف «ابراهيم» منه يطالعها بأعين متسعة غير مصدقًا لما يقرأه، فوجد «وليد» يقول متشفيًا بخبثٍ:
"كان نفسي أجبلك القسيمة الرسمية بس ملحوقة، وعد مني هيحصل، إيه رأيك فيا و أنا بجوز ابنك؟"
قذف الورقة في وجهه وهو يقول بضجرٍ:
"أمسك الورقة دي متخصنيش، أنا كدا كدا اتبريت منه من ساعة ما خرج عن طوعي"
ابتسم له أكثر وهو يقول:
"يا زين ما فعلت، إسمك أصلًا وسمة عار عليه، عارف يا هيما أنا
دفعت قد إيه علشان أجيلك هنا؟ بس مش خسارة فيك علشان اشوف شكلك و أنتَ بالأساور الحلوة دي"
زفر «ابراهيم» بقوةٍ وهو يقول:
"ما تخلص يا سيدي نعم؟ ابني اتجوز خلاص عرفنا، ربنا يعني سعيد بسعيدة، ريحني بقى"
ابتسم «وليد» وهو يقول بسخريةٍ:
"لأ ما هو أنا مش مخدة فايبر علشان أريحك يا هيما، و بعدين يا جدع بطل بجاحة بقى، دا أنت كنت عاوز تخلص مني مرتين، عاوزني أريحك؟"
مال «ابراهيم» عليه وهو يقول بنبرةٍ متريثة:
" و في المرتين كنت مرتاح، منظرك و أنتَ خايف فرحني، متفرعن و شايف نفسك، نفس حكاية جدك بالظبط، أنا بمنظرك دا كنت فرحان أوي، كنت حاسس أني بحقق انتصار عظيم، أصل فيه مثل بيقولك ولاد الحلال مسابوش لولاد العبيطة حاجة"
_"علشان كدا أنتَ و أبوك ضاع منكم كل حاجة"
قالها «وليد» بثقة معهودة منه دائمًا بنبرةٍ وقحة جعلت الآخر يعود للخلف و هو يطالعه بترقبٍ، فقام هو بإخراج بقية الاوراق وهو يقول بخبثٍ:
"بما أني ابن حلال و بما انك ابن عبيطة، أنا جيت اوريك عيالك عملوا إيه بقى، شوف يا سيدي كدا، هتلاقي راشد ماضي على نص نصيبه لمراته اللي هي شهد بنت أخوك اللي أنتَ حرمته من حقه، و رامي الواطي بتاع النسوان، ماضي على نص نصيبه لشذى، اللي هتبقى مراته بعد سنتين، قبل ما تتكلم.... شوف الكلام معناه إيه؟ يمكن تكون قاصد نفسك"
أخذ «ابراهيم» الأوراق منه يطالعها بغير تصديق، بعدها ارخى كفه حتى سقطت الأوراق على الطاولة وهو يقول بنبرةٍ مهتزة غير مصدقًا:
"يعني إيه؟.أنا مش فاهم حاجة"
وقف «وليد» وهو يقول بثقةٍ:
"يعني أنتَ رميت طُعم تصطادني بيه، أنا بلعته بالصنارة، متجيش تغني ظلموه، أنا سكت عن حقي و كنت هكتفي بنصيبك اللي كتبته لعيالك و أخوك، بس قليت أدبك و حاولت تغدر بيا و جت في حد عزيز عليا، فوق يا ابراهيم، علشان أنتَ وقعت مع واحد الدنيا جت عليه بزيادة، لحد ما بقى راسه براسها"
رفع «ابراهيم» رأسه وهو يقول بخيبة أمل واضحة حينما أدرك ضياع كل ما يملكه:
"كان لازم أعرف أني واقف قصاد فايز الرشيد، مش مجرد واحد يشبهه، نفس مكر جدك"
اقترب «وليد» من الباب بعدما أمسك الأوراق وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
"و أنا مش فايز الرشيد، أنا وليد مرتضى فايز الرشيد، يعني زي ما بيقولوا كدا اللي ربى خير من اللي اشترى، و أنا متربي على إيد الاتنين، سلام يا...هيما....و مبروك لراشد"
قال جملته ثم فتح الباب وهو يبتسم بخبثٍ تاركًا «ابراهيم» خلفه يضرب رأسه في الطاولة وهو يصرخ بقهرٍ، بينما هو خرج من عنده و هو يشعر ببدايةٍ جديدة تُكتب له، في تلك اللحظة شعر بأن «وليد» حقًا عاد له، ليس ذلك المهزوم، بل شخصًا آخرًا يكتب له عهدًا جديدًا، لذلك ركب سيارته ثم أخرج هاتفه يكتب على أحد مواقع التواصل الاجتماعي منشورًا صباحيًا بتاريخ اليوم وهو يبتسم باتساعٍ ويدون بأصابعٍ ثابتة:
"لقد خُلقنا الله أشخاصًا...نتعلم...نتألم...نتأقلم، و ها أنا أكتب من أحد هزائمي نصرًا جديدًا فعن أي هزائم تتحدثون؟"
أنهى كتابة منشوره ثم أغلق هاتفه و هو يتوجه نحو وجهته حتى يقوم باستكمال ما بدأه حتى ينعم بعيشةً هنية، فإلى أي وجهةً سيتجه؟
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع والعشرون
"
فُنيت العوالم في عيني بدونها، تلك التي أحببتُ العالم لأجلها.
________________________
الآن عارضت قدماي سيري،
لا أدري إلى أي جهة يجب أن تخطو قدماي، أنا فقط مدرك أن السقوط نحو الهاوية هو الأمر المحتم، لكن ماذا قبل ذلك؟ ألم يلين لي الطريق من قساوة عتمته؟ ألم يحن لي وقت الخروج من ظلمته؟ بعد عدة تجارب الآن و بكل آسى أقول أن أخطر ما يُكتب على المرء خوضه، هو السير في طرقاتٍ لم تشبه لكنه مُجبرًا على خوضها.
في الشارع الخاص بشقق الشباب صباحًا، توقفت سيارة «ياسين» أسفل بناية «عامر»، و معه صديقيه، زفر هو بقوةٍ ثم تحدث يقول بحنقٍ:
"أنا مش فاهم دا كله بيعمل إيه؟ مصحيه من قبل حتى ما أخرج من السرير، بيحضر الذَرة؟"
ابتسم «ياسر» بيأسٍ بينما «خالد» رد عليه بنفس النبرةِ المُستاءة وهو يقول:
"علشان هو مهزق، عارف إن النهاردة الخميس يعني لازم نكون هناك بدري علشان نخرج بدري، لكن نقول إيه؟"
أخرج «ياسر» هاتفه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا هكلمه و استعجله خلينا نخلص"
قال حديثه ثم شرع في مهاتفته، رد عليه «عامر» بمرحٍ وهو يقول:
"صباح الخير يا دكترة، ها نزلتوا ولا هتأخرونا زي كل يوم؟"
استمعا كليهما لحديثه عبر المكالمة، فالتفت «خالد» حتى يتدخل في الحديث وهو يقول منفعلًا:
"انزل يالا بدل ما أطلع أجيبك أنا، مهزق بصحيح، مفيش دم و سايبنا تحت بيتك بقالنا ربع ساعة !!"
رد عليه هو بقلقٍ من لهجته:
"خلاص...خلاص بربط الكوتشي و نازل أهوه، متزعلش نفسك"
تدخل «ياسين» يقول بضجرٍ:
"يمين بالله لو ما نزلت لأسيبك و أمشي و ابقى قول لأبوك يجبلك عربية بقى"
رد عليه هو بنبرةٍ يشوبها بعض التعالي:
"هجيب عربية و أنا عندي اتنين بالسواقين؟ البركة فيك و في خَالود، يلا سلام علشان متأخرونيش بقى"
أغلق الهاتف في وجوههم، بينما هم نظروا لبعضهم بيأسٍ منه، و بعد مرور ما يقرب العشر دقائق، كعادته خرج من المصعد و الهاتف متصل بالسماعات الهاتفية و هو يرقص عليها، و في يده حقيبة بلاستيكية لم يحتاجوا وقتًا للتفكير ماذا بها، و لكنها كانت أكبر حجمًا من ذي قبل، ركب السيارة بجانب «ياسر» وهو يغني بصوته مع الأغنية، فتحدث «ياسر» يصرخ في وجهه وهو يُبعد السماعات عن أذنه:
"بـــس صوتك وحش، إيه دا على الصبح؟ جاموسة بتنعر، إيه دا؟"
أغلق هو هاتفه وهو يقول بمرحٍ:
"دا إحساس يا عديم الإحساس، هقولك إيه مبتقدرش الفن، المهم اخباركم إيه يا رجالة؟"
رد عليه «ياسين» بقلة حيلة:
"كويسين الحمد لله يا عامر، أنتَ إيه اخبارك؟ واتأخرت ليه؟ اتمنى تكون بخير؟"
رفع الحقيبة في يده وهو يقول بمرحٍ:
"كنت بجيب الحاجات الحلوة دي، و عامل حسابكم معايا كمان، يلا قلبي طيب مرضيتش أجيب لنفسي من غيركم"
التفت له «خالد» يتحدث متشدقًا بنذقٍ:
"حاجة إيه دي إن شاء الله؟"
أخرج أحد المحتويات من الحقيبة وهو يقول بمرحٍ:
"علمت لكل واحد فيكم ساندويتش فراخ بانيه بالبطاطس و عصير جوافة باللبن و جبت كوبايات بلاستيك أهو"
اتسعتا حدقتي «خالد» بينما «ياسر» ابتسم بسمةٍ متسعة و «ياسين» تحدث يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"والله العظيم فيك الخير، براءة يا عامر خلاص"
سأله «خالد» بنبرةٍ شبه حانقة:
"أنا عاوز أفهم هيحصل إيه لو كلت في الشغل؟ لازم تأخرنا كدا و تخلي مراتك تعمل أكل على الصبح؟"
رد عليه هو بقلة حيلة:
"يا خالد مبعرفش آكل هناك، و مبعرفش آكل لوحدي و هما عاملين فرق بيننا علشان أنا المدير، علشان كدا بفطر معاكم هنا و خلاص"
تدخل «ياسر» يتحدث بحبٍ:
"يا حبيبي ألف هنا و شفا بس ابقى اصحى بدري بقى و جهز الفطار"
أخرج هو الطعام يعطيه لكلًا منهم وهو يقول بمرحٍ:
"يا عم براحتي بقى، مش كفاية بفطر اشكالكم؟"
نظروا له بتعجبٍ بينما «خالد» اعتدل في جلسته وهو يقول:
"أنا قولت مفيش فايدة، و ياريت منتجمعش في حتة تاني أنا وهو"
لوح له «عامر» بكفه وهو يقول بضجرٍ:
"روح بقى متقرفناش على الصبح، عامل نفسك حاجة"
التفت له يقول منفعلًا:
"أومال أنا إيه يالا؟ يعني إيه عامل نفسي حاجة؟"
رد عليه هو بخوفٍ:
"عامل نفسك حاجة و أنتَ كل حاجة والله، راسك أبوسها يا غالي"
قال جملته ثم اقترب منه يقبل قمة رأسه، و البقيةِ يضحكون عليه، حينها حرك «ياسين» رأسه و كأنه يخبرهم أن لا فائدةً منهما، ثم شرع في تحريك السيارة.
_______________________
وصل «وليد» وجهته المُحددة صباحًا بعد انتهاء زيارته لإبراهيم، توجه نحو عيادة الطبيبة النفسية، حتى يُكمل ما بدأه في تغير ذاته، ثم جلس في الخارج حتى أتت الطبيبة بعدما أخبرتها مساعدتها بوجوده في المكان منذ الصباح الباكر، لم تبدي تعجبها من وجوده و أتت بالفعل له، بينما هو وقف بمجرد سريان طيفها أمام عينيه، فوجدها تشير له حتى يتبعها نحو الداخل، دلفت هي أولًا و هو خلفها، يجلس على المقعد المجاور للمكتب الخاص بها، بينما جلست هي على مقعدها ثم سألته بنبرةٍ ثابتة:
"ها يا أستاذ وليد؟ في إيه على الصبح يخليك تجبني لهنا، و ياترى غِبت ليه عن الجلسة بتاعتنا اللي حدتلك معادها؟"
ابتسم هو لها بسخريةٍ وهو يقول:
"هو أنا صحيح غبت من الجلسة بس كنت هغيب من الدنيا كلها كمان، حصلت حاجات كتير خلتني أعيد حساباتي في حياتي، علشان كدا أنا جيتلك هنا النهاردة، عاوز أفهم كل حاجة"
اقتربت بجسدها تميل على المكتب وهي تُشبك كفيها معًا، لتتحدث تسأله بنبرةٍ حائرة:
"حاجات؟ حاجات زي إيه يعني؟"
زفر بقوةٍ ثم شرع في سرد ما حدث خلال الفترةِ الماضية، و ما صار له من «إبراهيم» و موقف الشباب معه، و تضحيتهم لأجله، قام بقص ما حدث معه بالكامل ثم زفر بقوةٍ و كأنه بذلك يخرج ما يعتل به صدره من ثُقلٍ، بينما هي ابتسمت بتفهمٍ ثم قالت:
"الحقيقة إن العلاج العملي معاك شكله جاب نتيجة و من غير أي مجهود مني، الأيام كانت بتديك درس علشان تتعلم منه يا وليد"
ضيق المسافةِ الواقعةِ ما بين حاجبيه، يطالعها باستفسارٍ لم يتحدث به، بينما هي جاوبت سؤاله الصامت بقولها المُفسر:
"مشكلتك هي إنعدام الثقة في اللي حواليك، علطول حاسس إنك لازم تكون المتحكم علشان كل شيء يكون مظبوط و ميحصلش ليك خذلان، أنتَ تعمدت تتصدر لابراهيم لوحدك، علشان مكانش عندك ثقة إنك تعتمد على حد يلحقك، لكن موقف الشباب ناحيتك خلاك تفكر هما ليه عملوا كدا رغم إنك مش معرفهم، نفس الحكاية موقف عمتك ناحيتك و إنها تفديك بروحها رغم إنها شخص مؤذي بالنسبة ليك، بل كانت من ضمن الأسباب اللي وصلتك لكل العُقد دي"
أومأ لها موافقًا فوجدها تتابع حديثها بسؤالٍ لم يتوقعه هو:
"قولي كدا يا وليد، أنتَ جيت هنا من البداية ليه؟ يعني خدت خطوة إنك تتعالج نفسيًا هنا ليه؟"
تنفس بعمقٍ ثم طالعها بنظرةٍ ضائعة وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
"أنا مبحبش الشخص المؤذي، و عمري ما اقتنعت إن فيه مؤذي ينفع يعيش وسط الناس عادي حتى لو كان مريض نفسي، بس لما حسيت أني بسبب مشاكل لعبلة بسبب قلة ثقتي، و حسيت إن خوفي منها بدأ يتنقل ليها لدرجة إنها بدأت تخاف مني خوفي علشان مسبهاش، كل دا خلاني أفكر أنا ليه متعالجش؟ ليه محاولش أغير نفسي علشان اتطمن ليها و هي كمان تطمن، آه أنا مش عاوز حاجة فيا تتغير بس عاوز أحس أني مرتاح بجد"
حركت رأسها موافقة وهي تقول:
"هي دي الفكرة إنك مش مؤذي، بدليل أفعالك تجاه عيلتك و تحكمك في أفعالهم دا من خوفك عليهم، الفكرة يا وليد عندك من البداية خالص، من ساعة ما كان فيه وليد صغير لقى نفسه مسئول عن حماية أخته، اللي حصلك بعد كدا خلاك تخاف بزيادة، يعني مجرد علاقات متعبة، زي علاقة خديجة بوالدها و علاقة عمتكم بيكم، و صحابك اللي وثقت فيهم، كل دول سببولك تراست إيشوز و مشاكل في الثقة، لكن أنا متأكدة إن بعد اللي حصلك دا مستحيل تفضل زي ما أنتَ، أكيد إحساسك اتغير ناحيتهم"
أومأ لها هو موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"حاليًا عاوز أقرب من ياسين و أخواته، حاسس أني هبقى مسبوط و أنا معاهم خصوصًا إنهم قابلين وجودي معاهم، حاسس إن بدايتي هتبقى منهم، مش عارف ليه بس حاسس إنهم بقوا مهمين عندي، حاسس إن فيه حد في ضهري هيلحقني"
ابتسم هو بحبٍ وهو يحدثها رغمًا عنه، بينما هي سألته بنبرةٍ هادئة:
"طب و الابتسامة دي سرها إيه؟"
طالعها هو بحيرةٍ ثم حول نظرته للراحة وهو يقول:
"افتكرت مواقفهم معايا و إزاي كل مرة ألاقيهم من غير ما أقول، افتكرت إن خديجة قالتلي على ياسين إنه المطر اللي نزل على أرض روحها علشان يروي عطشها، أنا تلقائيًا بقيت بعتمد عليه و بفكر فيه، بستغرب إزاي حد زيه قادر يوزع كل الحب دا"
جاوبته هي تفسر له الموقف بقولها الهادئ:
"كل الحكاية إنك اتعودت إنك تدي مجهودك و طاقتك للي حواليك، و يمكن الشخص الوحيد اللي كان معاك كدا برضه هي خديجة، إنما لما لقيت ياسين زيك، أنتَ استغربت إن فيه ناس عندها سلام نفسي لدرجة كبيرة زي دي، لو عاوز فعلًا يا وليد تتعافى و تبدأ حياتك صح من جديد حاول تصالح ماضيك و علاقاتك اللي كانت كلها خطورة، ادي لنفسك فرصة و حبها"
أومأ هو لها موافقًا ثم قال:
"أنا للأسف متعاطف مع مشيرة، مش عارف ليه، بس لما شوفتها غرقانة في دمها علشاني أنا حسيت بحاجة غريبة، حسيت إنها عملت كدا علشاني، مشيرة بالنسبة ليا أكبر علامة استفهام في حياتي، الوحيدة اللي هفضل أفكر إزاي هي كدا، الوحيدة اللي دماغي بتحاربني في التعامل معاها"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت تُردف له الموقف بأكمله بطريقةٍ علمية:
"مُشيرة شخص سام يا وليد، محدش يقدر ينكر دا، الشخص اللي يطلع عقدته على طفل صغير و فاكر إنه كدا بيحقق انتصار يبقى شخص مؤذي، و ساعدها في كدا الوضع حواليها، إنها ملاقتش مساعدة كفاية، مجرد محاولات ترضيها إنما هي كانت حاسة إنها ضحية للعالم، مشيرة هربت من اللي حصل فيها في دور الضحية، لحد ما اتحولت من مجني عليه لجاني حقيقي، مشيرة يا وليد شخص عبارة عن عقد متحركة، هنبص ليها إنها جاني هنشوف آذاها لخديجة و ليك و لعيلتها، لو بصينا إنها مجني عليها يبقى هي ضحية فعلًا، مرات عمك الله يرحمها كانت هي السبب في اللي حصل من البداية، عرفت إزاي تتحكم فيها، مشيرة كان معاها كل حاجة تثبت إن زينب اللي عملت كدا، بالتالي رد فعلها من الصدمة كان أكبر من شخصيتها، بص لو بصينا هنلاقي إن ردود أفعالها نتيجة أفعال سابقة، لكن دلوقتي تقدر تقولي خوفها عليك من راشد و ابوه، و دفاعها عنك و عن ياسين دا سببه إيه؟"
حرك كتفيه بجهلٍ وهو يقول:
"وهو يقول ماهو دا اللي هيجنني، لو هي فعلًا بتحبني زي ما بتقول يبقى اللي حصل قبل كدا دا كان إيه؟ ليه كرهتني؟ ليه كرهت خديجة فيها؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول:
"في علم النفس يا وليد فسروا إن الصدمات لما بتحصل بتسبب للناس حاجة زي انفصام في الشخصية،
بمعني إن تحكم الصدمة فيه أكبر من مقاومته على رفض التحكم دا، مشيرة بتحبكم جدًا و ممكن تكون بتحبكم نفس حبها لبنتها، بس الصدمة و تأثيرها عليها لغى الحب دا و خلاها شخص تاني بيتصرف بانتقام، الفكرة إننا كبشر ربنا سبحانه و تعالى أنعم علينا بالفرصة التانية،
يعني نقع و نقوم و نتوب و نذنب، لكن مينفعش إحنا كبشر نتجاحد و نستمر في وضعنا دا، لازم نعرف المؤذي إنه شخص مؤذي، لازم ياخد خطوة ناحية مرضه و عقدته، زيك كدا لما حست إنك شخص متعب في علاقتك مع اللي بتحبها قررت تيجي هنا علشان تتخلص من مشكلتك دي، مشيرة لحد دلوقتي شخص جاني و مجني عليه، بس فكرة إننا نظهر تعاطفنا و نقولها إنها كانت صح، دا بيخلي دور الضحية عندها يكبر، لازم تتعامل على إنها جاني"
سألها هو بنبرةٍ متريثة:
"أيوا...إزاي بقى دا يحصل؟"
حركت كتفيها ببساطةٍ وهي تقول حتى تجاوبه:
"بالعمل الفعلي....يعني إنها تلاحظ إن الماضي ليه تأثير قوي على الحاضر....صحيح اللي حصل حصل و مش هيتغير بس تأثيره بيفضل موجود، خصوصًا خديجة و إنها صعب تنسى أصلًا، و بعد كدا هيبقى عندها صراع في التعامل مع عمتها، العلاقة دي كفيلة تخلي مشيرة تعرف غلطها، اللي حصل من خديجة تجاه عمتها دا كان موقف امتنان مش أكتر، لكن الوضع العادي خديجة مش هتقدر تتعامل معاها عادي"
أومأ هو لها موافقًا ثم قال بنبرةٍ مقررة:
"أنا كدا فهمت، بقولك إيه احنا عندنا دور فاضي ما تيجي تسكني معانا و تعالجي العيلة اللي كلها توكسيك و معقدين ديه، والله بتكلم بجد"
ابتسمت هي على حديثه ثم قالت:
"مينفعش يا سيدي، كدا هيبقى فيه احتمالية إن أنا اللي اتمرض، عارف يا وليد شوفت عندكم رهاب إجتماعي و تراست إيشوز و اضطراب ما بعد الصدمة و ناس عندها اضطراب إنها عايشة دور الضحية، انتو عيلة كفيلة تخليني أخد الدكتوراه مرتين كمان كوني بعالج كل دا عندكم"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ مرحة:
"معاكي حق والله، أنا بس بستغرب إزاي ياسين و أخواته طبيعين و مش زينا، من كتر ما عاشرت مرضى نفسيين بقيت مستغرب سلامهم النفسي"
ردت عليه هي بطريقةٍ علمية:
"دا من الأساس نفسه يا وليد، النشأة نفسها كانت صح، ياسين بالنسبة ليا نموذج للأهل الواعيين، بمعني إنه طفل اتربى صح، إنه ياخد حريته بس مجبر يحترم الحرية دي، إنه مسموع و ليه رأي بس بحدود على قد عمره، إنه يحلم و يحقق حلمه طالما مش بيأذي حد، ياسين عكس خديجة تمامًا في التربية، هو اتربى مع أب و أم عرفوا إزاي يصاحبوه، و إزاي يكون معاهم إنسان، إنما خديجة مع أب عنيف و أم سلبية لا حول لها ولا قوة، فبالتالي التربية و النشأة هي اللي بتكون أساس في تكوين الشخصية، غير كدا مرحلة النضج، ياسين كان ناضج كفاية إنه يقدر يربي نفسه صح، لحد ما بقى النموذج اللي قدامنا دا، شخص شبه مثالي، بس لو ركزنا هنلاقي إن دا الطبيعي يا وليد، إن اللي زي ياسين هو اللي المفروض يكون منتشر لان هي دي طبيعة البشر، لكن كتر العقد و الدور اللي الناس عايشة فيه بقى اللي زي ياسين بالنسبة للحياة شخص مش موجود أصلًا"
أومأ لها موافقًا ثم وقف وهو يهندم قميصه، بينما هي ابتسمت باتساعٍ وهي تقول تشاكسه:
"خلي بالك إحنا متكلمناش عن حالتك و لا عن العلاج، لسه فيه خطوات كتير هناخدها سوا لحد ما توصل لوليد اللي أنتَ عاوزه"
أومأ لها موافقًا ثم قال بنبرةٍ مرحة و وجعٍ مبتسم:
"النهاردة لو حد طلب عيني ياخدها عادي، بصراحة مبسوط و هبدأ حاجات كتير هقولك عليها المرة الجاية، عاوزة حاجة مني؟"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بنبرةٍ ضاحكة:
"لأ يا سيدي شكرًا، ربنا يفرحك دايمًا و على فكرة فرحانة علشان شايفاك كدا، و كدا أسامة لما يرجع هخليه يقابلك"
سألها هو بنبرةٍ متعجبة:
"هو راجع بجد؟ مش هو و باباه ماسكين الشركة في تركيا؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ مرحة:
"راجعين يا سيدي خلاص علشان فرح بنتي قرب، و أكيد مش هبقى فيه لوحدي يعني"
مال هو على المكتب يحدثها بنبرةٍ هامسة:
"لو عاوزة تعرفي أخبار العريس أنا ممكن أعملك كدا عادي، أنتِ واثقة فيه؟"
طالعته هي بدهشةٍ وهي تقول بنبرةٍ يائسة:
"مفيش فايدة، أنا بعالج فيك من قلة الثقة و أنتَ بتشككني في جوز بنتي،الله يسامحك يا شيخ"
ابتسم هو لها ثم استقام في وقفته وهو يقول بمرحٍ:
"أنا بهزر معاكي و الله، طبعًا مش محتاجة أقولك إني تحت أمرك لو احتاجتي حاجة مني، لحد ما هما يرجعوا بالسلامة"
ابتسمت له بامتنانًا حقيقيًا وهي تقول:
"صدقني لو احتاجت حاجة هقولك من غير ما تطلب أنتَ مني، أنا بعزك من بدري"
أومأ لها موافقًا ثم رحل من أمامها تاركها خلفه تبتسم بفرحةٍ لأجل التطور الذي حدث له حتى من خلال انفعالات جسده أمامها.
_________________________
رحل من عند الطبيبة ثم وصل إلى مقر عمل شباب العائلة، لكن تلك المرة دلف بمرحٍ حتى إنه قام بجلب الحلويات لهم ثم دخل إلى الغرفةِ الكبرى مباشرةً، حيث كانوا جميعهم بداخلها، دلف هو وهو يقول بمرحٍ:
"صباح الخير يا شركة الهم، ها ورانا إيه على الصبح؟"
طالعوه بتعجبٍ بينما جلس هو المقعد بأريحيةٍ وهو يقول:
"كام مشوار على الصبح طلعوا عيني، بس علشان أنا بحبكم جيت ليكم هنا"
سأله «حسن» بضجرٍ منه:
"هو إحنا بنشحت من أهلك؟ ماهو شغلك، جاي حضرتك تشوف نفسك علينا؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
"لأ يا سيدي، أنا جاي علشان شغلي وحشني أوي، و جايبلكم حاجة حلوة معايا"
قال جملته تزامنًا مع رفعه لذراعه يضع الحقيبة على الطاولةِ، فسأله «أحمد» بنبرةٍ مَرحة:
"الله دونتس ؟!! أنتَ بتفهم و عندك ذوق و الله، من ساعة ما أكلته مع خلود و أنا بحبه"
ابتسم هو له وهو يقول بخبثٍ:
"مع خلود برضه؟ يلا هنمشيها"
تدخل «طارق» يقول بحنقٍ:
"أنا عارف يا سوسة إنهم كلوه سوا، ريح نفسك و أطلع منها أنتَ بقى"
_"يلهوي على الكسفة، أشكال عاوزة ضرب الجِزم"
تفوه بها «حسن» ساخرًا على هيئة «وليد» الذي نظر أمامه بلامبالاة، بينما «وئام» تدخل يسأله باهتمامٍ:
"وليد أنتَ كويس؟ بقالك كام يوم كنت مش متظبط، بقيت أحسن دلوقتي؟"
ابتسم له وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"هتصدقني لو قولتلك أني زي اللي بيتولد من جديد؟ صدقني يا وئام أنا حاليًا مبسوط أوي الحمد لله"
تدخل «طارق» يقول بنبرةٍ مرحة:
"طب يا سيدي ربنا يفرحك، خد بقى الكبيرة، أنا كلمت واحد علشان يروح يخلص الشقق بتاعتنا، علشان الفرح، يعني هتبقى كام شهر كدا نكون خلصنا العفش و التوضيب، ها إيه رأيك"
سأله بنبرةٍ متحمسة:
"بجد و الله يا طارق؟ طب و عمك محمود مش هيزعل كدا علشان مراته؟"
تدخل «وئام» يقول بمرحٍ:
"أبوك كلمه و هو مش معارض خالص و قال إن هدير اتجوزت يبقى حقكم تفرحوا أنتو كمان طالما مفيش حاجة حرام"
ابتسم هو باتساعٍ أكثر ثم قال بنبرةٍ مرحة:
"تصدقوا مش خسارة فيكم اللي أنا جبته دا، تستاهلوه علشان الخبر الحلو دا"
قال جملته ثم قام بفتح العلبة، فتحدث «حسن» يقول بسخريةٍ:
"إيه دا يا عم ؟! قُرص بالشوكلاتة؟ أنا قولت جايب طبق مشكل حلو كدا مليان رموش الست ولا حاجة زي الكنافة، إيه دا ؟!"
ضحكوا جميعًا عليه وعلى طريقته، بينما «وئام» تحدث يقول بضجرٍ منه:
"أنا مش فاهم إزاي أنتَ بيئة كدا؟ يا بني حرام عليك ضيعت سمعة المكان، إسمه دونتس، قال قُرص قال"
رد عليه هو بتهكمٍ:
"خلاص يا عم وئام آسفين ليك يا سيدي، إسمه دونتس حلو كدا"
تدخل «أحمد» يقول بمرحٍ:
"يلهوي لو هدير سمعتك و أنتَ بتقول كدا عليه هتروح في داهية"
سأله هو بنبرةٍ ظهر بها الاهتمام حينما استمع لذكر اسمها:
"مالها هدير؟ هي بتحبه؟"
رد عليه «وليد» بخبثٍ:
"هدير هي اللي معرفانا عليه، بتحبه أوي و بتحب اللي يجبهولها أوي، كانت عبلة علطول تجيبه ليها بعد الكورس و ياكلوه سوا"
ابتسم هو بسمة طفيفة رُسمت على ثغره، و هم ينظرون له، و حينما انتبه هو على نظرهم الموجه نحوه، قال بنبرةٍ متوترة:
"طب هات خليني أدوق كدا، و لا هتاكلوه لوحدكم يعني؟"
أومأ له الجميع بموافقةٍ ثم شرعوا في تناوله، بينما هو ابتسم بهدوء حينما أخذ القطعة ثم وجه بصره نحو الحقيبة حتى يعلم منها العنوان، تابعه «وليد» بعينيه ثم ابتسم بهدوء.
استمر اليوم في العمل حتى منتصف النهار، حينها أنهوا عملهم بأكمله، و أول من طلب الرحيل مُبكرًا كان «حسن» حينما قال موجهًا حديثه للجميع:
"طب يا جماعة هستأذن أنا علشان ألحق أروح، قبل ما الليل يدخل على هدير وهي لوحدها"
أومأ له الجميع، بينما «طارق» اقترح عليه بنبرةٍ هادئة:
"طب ما تيجي معانا نقضي اليوم سوا، و هاتها تقضي اليوم مع البنات، جميلة و عبلة قالولي إن سلمى أجازة و هما سهرانين سوا، تعالى نعملها سهرة رجالة إحنا كمان طالما بكرة أجازة"
رد عليه هو بنبرةٍ مهتزة:
"ها....لأ خليني أريح بقى يا عم في بيتي عمالين نتنطط كل شوية، الأسبوع الجاي بقى نعملها و نجيب ياسين و الشباب و تبقى سهرة حلوة كدا"
رد عليه «وئام» مستحسنًا حديثه:
"جدع والله فكرة حلوة، بالمرة قبل ما أبقى أب علشان شكلي داخل على مرار بجد"
أومأ هو لهم ثم لوح بذراعه يودعهم، بينما «وليد» نظر في أثره نظرة فرحة و كأنه يتأكد من حسن اختياره لـ «هدير».
_________________________
توجه «حسن» نحو بيته بهدوء، يدلف الشقة و خلف ظهره الحقيبة قام بتخبئتها حتى لا تراها هي، بينما هي حينما استمعت لصوت الباب، ركضت نحوه وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
"خليك واقف زي ما أنتَ، متتحركش"
توقف هو بتعجبٍ فوجدها تركض نحو المطبخ ثم خرجت و في يدها معلقة ممتلئة بالطعام وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"دوق كدا و قولي رأيك و استوت و لا لأ؟"
نظر لها هو بنظرة اندهاش حقيقة فوجدها ترفع نفسها حتى أطعمته هي وهي تسأله بعدما عادت لوضعها من جديد:
"ها حلوة؟ و الأهم استوت ولا لأ"
ابتسم هو لها ثم قال بعدما ابتلع الطعام في فمه:
"هي من ناحية حلوة هي حلوة، بس دي إيه علشان مش قادر أحدد بصراحة، بس طعمها حلو"
ردت عليه هي بنبرةٍ متحمسة:
"دي يا سيدي كوسة باللحمة المفرومة، عملتها صينية زي ما كانت هدير بتعملها لينا، عجبتك بجد ولا إيه الدنيا؟"
اتسعت بسمته أكثر وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"تسلم إيدك و الله، أنا بصراحة من زمان ماكلتش أكل بيتي، حتى الأكل اللي بنعمله هنا بيبقى سريع، لكن دي حاجة تانية والله"
ردت عليه هي بنبرةٍ متحمسة:
"علشان كدا قولت تغيير يا حسن، و بعدين أنا بحب أعمل الأكل أوي، بس ماما بقى مكنتش بترضى علشان بتخاف يبوظ مني"
قالتها بنبرةٍ يشوبها بعض الحزن، فوجدته يقترب منها حتى أنه نسى ما يحمله في يده و حرك أحد ذراعيه يمسك كفها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"الله يرحمها يا هدير، أكيد دلوقتي هي فرحانة بيكي إنك بقيتي واحدة تانية و إنك ست بيت شاطرة، الشقة دي أنا كنت مخليها زي القبر، تخافي منها، ربنا يعلم من ساعة ما جيتي بقت زي الجنة، لدرجة حسستني إنها هتدعي عليا من اللي كانت فيه بعدما جربت وجودك"
ابتسمت هي له بحبٍ حينما استمعت لحديثه، لكنها أخفضت رأسها حينما لاحظت نظرتها المصوبةِ نحوها، فلاحظت ما يمسكه بيده، فتعارفت هي على الحقيبة حينها شهقت بقوة، تتبع هو موضع نظرها، و حينها ابتسم ثم رفع ذراعه أمامها وهو يقول بمرحٍ:
"آه...دا يا ستي دونتس أنا بحبه أوي، و قولت أجيبه و ناكله مع بعض، أوعي تكوني مش بتحبيه"
ردت عليه هي بنبرةٍ مختنقة من الحماس:
"مش بحبه إزاي بس، دا أنا بموت فيه، و مستغربة إنك طلعت بتحبه"
رد عليها هو بثباتٍ:
"بحبه !! يا بنتي دا حياتي أصلًا، أنا أمي الله يرحمها رضعتني سنتين، الشهر اللي بعدهم كنت باكل دونتس، قال بحبه قال"
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"هي وسعت منك شوية بس مش مشكلة، المهم إنه موجود"
أعطاها الحقيبة وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"طب افتحيها كدا و شوفي أنتِ بتحبيه اللي موجودين دول و لا لأ؟ علشان هما طلعوا كتير أوي"
ابتسمت هي بخجلٍ ثم فتحت العلبة، و حينها شهقت بفرحةٍ كبرى وهي تقول:
"دي فيها كل اللي بحبهم، و معاها صوص الكراميل، شكرًا يا حسن..."
قالت جملتها الفرحة ثم رفعت نفسه تُقبل وجنته بحماسٍ، اتسعت حدقتيه بقوة من فعلتها تلك، بينما هي ابتعدت عنه وهي تقول بخجلٍ حينما أدركت ما قامت بفعله:
"أنا آسفة.....معلش اتسرعت شوية، أنا قدام الدونتس ببقى واحدة تانية"
اقترب هو منها ثم أمسك وجهها بين كفيه وهو يقول بصوته الرخيم:
"فيه واحدة برضه تتأسف قدام جوزها يا هدير؟ أنا فرحان علشان شايفك فرحانة كدا، و لو ياستي الدونتس هيخليكي تفرحي كدا و تعملي كدا، هجبلك كل يوم"
ابتسمت هي له على طريقته، فوجدته يقترب منها ثم قبل قمة رأسها، بعدها طالعها هو بحبٍ وهو يقول:
"لو فيه حاجة تاني عاوزاها أو هتفرحك قوليلي عليها، كفاية إني أشوف لمعة عيونك دي"
ابتعدت عنه وهي تقول بخجلٍ:
"طب أنا هدخل بقى علشان...علشان أحضرلك الأكل، أكيد جاي جعان صح؟"
أومأ لها هو موافقًا بعدما زين ثغره ببسمةٍ هادئة، بينما هي تحركت نحو الداخل و هي تحاول تجاهل تلك المضخة التي أوشكت على الخروج من موضعها، تأثرًا من قربه منها.
_________________________
وصل «ياسين» شقته بعد انتهاء عمله، و كانت هي في انتظاره، دلف وهو يقول بمرحٍ:
"إزيك يا ست الكل؟ ها محضرة لينا إيه في قاموس النكد النهاردة، اشجيني ياختي"
ابتسمت له ثم ذهبت تجلس بجانبه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"لأ متخافش مفيش نكد، و بعدين أنا كنت خايفة عليك، بطل رخامة بقى عليا"
وضع ذراعه عليها ثم ضمها إليه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"حاضر هبطل رخامة، أنتِ بقى عملتي أكل و لا هتجوعينا"
ابتسمت هي بهدوء ثم قالت:
"عملت أكل طبعًا، و جهزت فيلم حلو نتفرج عليه علشان نسهر سوا النهاردة، بما إنك أجازة بكرة و أنا هروق الشقة"
طبع قبلةً هادئة فوق رأسها ثم ابتعد عنها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"طب أنا هقوم أصلي المغرب علشان أذن عليا في الطريق، لحد ما تجهزي الأكل ماشي؟"
أومأت له موافقةٍ ثم قالت:
"أنا لما لاحظت إنك هتتأخر صليته الحمد لله و سخنت الأكل، صلي و أنا هغرف لحد ما تخلص"
ابتسم لها ثم رحل من أمامها، بينما هي قامت حتى تقوم بتحضير الأطباق و الطعام، و بعد مرور دقائق، جلسا سويًا على الطاولة، فابتسم هو بمرحٍ وهو يقول:
"عيني عليكي باردة يا خوخة، لأ ست بيت ما شاء الله، مع أني كنت شاكك بصراحة"
ردت عليه هي بمشاكسة:
"ليه إن شاء الله ما من ساعة فرحنا و أنا بطبخ و الدنيا حلوة"
رد عليها هو بهدوء:
"خلاص يا ستي بهزر معاكي، أصل من ساعة ما كنت بعلمك السمبوسة و أنا كنت حاسس أني هلبس في حيطة"
ردت عليه هي بنبرةٍ مرحة:
"أيوا ماهو حقك بصراحة أصل أنا كنت توتر أوي، و فضلت اترعش و خوفت مش عارفة ليه"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"علشان عبيطة يا خديجة، المفروض متخافيش معايا"
لوحت له بكفها ثم قالت:
"حصل خير بقى متفكرنيش بأيام ما كنت صامتة كدا"
ابتسم هو على طريقتها ثم شرع في تناول الطعام وهي الأخرى، و بعد تناول الطعام جلس هو على الأريكة و جلست هي بجانبه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"بص فيه حلقة مسلسل نزلت النهاردة، هتفرج عليها و نسهر سوا، علشان لو اتراكمت عليا هفقد شغفي يا ياسين"
التوى ثغره بتهكمٍ وهو يطالعها بمللٍ، فوجدها تقول:
"طب خلاص متزعلش، اتفرج معايا و خلاص قبل ما نبدأ سهرتنا حلو كدا؟"
سألها هو بحنقٍ:
"أنا عاوز أفهم أنتِ متجوزة مين؟ أنا و لا المسلسل؟ و بعدين هو مش كان امبارح تركي و شوفتيه؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ مهتزة:
"ها....آه ما دا كان امبارح، لكن النهاردة حلقة المسلسل الكوري"
تحدث هو منفعلًا بضيق:
"جرى إيه يا ست أنتِ هو أنتِ مفيش قارة تلمك ليه؟ كل يوم هنلمك من قارة شكل؟"
ردت عليه هي بنفس الانفعال:
"متزعقش كدا، قولتلك هتفرج على المسلسل و نسهر سوا، ادخل أنتَ ريح شوية"
رد عليها هو بضجرٍ:
"مش نايم، أنا حر بيتي و مفيش مسلسل هيشتغل على الشاشة"
ردت عليه هي بحنقٍ:
"ليه إن شاء الله؟ الشاشة دي أنا اللي جيباها مش أنتَ، يعني بتاعتي"
رد عليها هو متشدقًا بنذقٍ:
"آه إن شاء الله"
فتحت هي هاتفها ثم قالت:
"أنا هتفرج برضه على المسلسل، شغل الشاشة أنتَ بقى"
طالعها هو بتعجبٍ سرعان ما تحول للتوعد، ثم تركها و دلف للداخل، رفعت رأسها تنظر في أثره ثم عادت لمتابعة الهاتف، بينما هو خرج من جديد و في يده طبقًا من الأطباق المخصصة للتسالي و في يده زجاجة عصير، ثم اقترب من السماعات الكبيرة و قام بتشغيل أحد الأغنيات القديمة ثم جلس على الأرض و تلك الأشياء أمامه، تصنعت هي التجاهل خصيصًا أن السماعات موضوعة في أذنيها، بينما هو انتظر حتى بدأت كلمات الأغنية ثم رفع صوته يغني معها وهو يقول بنبرةٍ عالية:
"شوفتوا ازاي في قلوب خاينين....شوفتوا إزاي مفيهمش حنين.....شوفتوا ازاي في قلوب خاينين؟....شوفتوا ازاي مفيهمش حنين...ولا القسوة دا طبعه حبيبي؟ ولا القسوة دا طبعه حبيبي؟ شوفتوا ازاي في قلوب خاينين؟ شوفتوا ازاي مفيهمش حنين؟..و أنا من حيرتي و لهفة قلبي بظلم بس قلوب تانيين...حتى ازيك مستخسرها..
مستكترها...مبيقولهاش...اللي في حبه ضيع قلبي....ضيع قلبي و روحت بلاش....شـــوفــتـوا إزاي فــي قـــلــوب خــايــنـيـن"
رفع صوته في جملته الأخيرة وهو يحرك رأسه للخلف حتى يطالعها فوجدها تضحك بقوة على الأريكة، حرك رأسه للأمام من جديد وهو يستأنف الغناء و يتجاهل وجودها ثم رفع زجاجة العصير يرتشف منها، بينما هي أغلقت الهاتف، ثم اقتربت منه تجلس مقابلةً له، فوجدته يحرك رأسه حتى يتسنى له رؤية التلفاز من خلفها، فوجدها تمسك وجهه بيدها وهي تقول بنبرةٍ هادئة و لكن وجهها مُبتسمًا:
"طب إيه طيب؟ يعني هي حلقة مسلسل هتعمل كدا؟ و بعدين إيه الأغاني دي حرام عليك، ذوقك ما شاء الله زفت، بس متزعلش مني"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"عادي أنتِ بتتفرجي على المسلسل و أنا بسمع أغاني، عادي يا ست الكل"
ابتسمت له هي بيأسٍ ثم أضافت بنبرةٍ معاتبة:
"طب و بعدين يعني مين دول اللي قلوبهم خاينين أنا؟ خديجة برضه عمرها تقسى عليك أنتَ، دا أنتَ نور العين و ضيها"
طالعها هو بدهشةٍ حينما وجد نبرتها هكذا، و حديثها جميل، فوجدها تحرك كفها حتى أمسكت يده وهي تقول بنبرةٍ محبة:
"صدقني أنا لو عليا العمر كله عاوزاه هنا جنبك يا ياسين، قصاد عيونك، متزعلش مني"
احتضنها هو فجأةً وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
"طب ما أنتِ حلوة أهو و لسانك بينقط عسل يا عسل، أنا يا ستي عارف، بس بحب أنكشك"
ابتعدت عنه هي ثم قالت بمرحٍ:
"طب الله يجبر بخاطرك، افتكرتك زعلان يا سيدي، سبت المسلسل علشانك، بس الحمد لله إنك فرحتني"
رد عليها هو بخبثٍ:
"اومال فين السهرة اللي قولتيلي عليها ياما؟ هو إحنا هنقضي الليلة زي الكتاكيت ننكش في بعض؟ فين الفيلم و فين قعدتنا سوا؟"
ابتسمت له هي ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
"عيوني، أصلًا كنت مجهزة لبعد الحلقة، بس مش مشكلة أشوفها بكرة لما تنزل، ثواني و هاجي نقعد سوا و تعلمني الشطرنج"
أومأ لها موافقًا و قبل أن تتحرك هي طُرق باب شقتهم، طالعا بعضهما بتعجبٍ، فقال هو لها:
"ادخلي جوة أنتِ و أنا هفتح الباب، متطلعيش غير لما اقولك"
أومأت له ثم انسحبت من أمامه للداخل، بينما هو اقترب من باب الشقة يفتحه، فتفاجأ به أمامه وهو يقول بنبرةٍ خبيثة:
"جرى إيه يا أبو نسب؟ هو أنا جيت في وقت مش مناسب؟"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ تائهة:
"هو السؤال أنتَ جيت ليه؟أوعى يكون في مصيبة وراك يا وليد؟"
دفعه بيده ثم دلف الشقة وهو يقول بنبرةٍ متريثة:
"حسيت أني مخنوق قولت أجي أقضي الليلة مع أخواتي"
خرجت هي من غرفتها ثم قالت بتعجبٍ ممتزج باللهفة:
"وليد؟ بتعمل إيه هنا دلوقتي؟ أنتَ كويس؟"
اقترب هو منها ثم قال مُطمئنًا لها:
"إهدي بس هو أنا جايلك محروق؟ جاي أسهر معاكم النهاردة"
احتضنته وهي تقول بنبرةٍ متحمسة:
"الله، دي أحلى حاجة النهاردة، هتسهر معايا أنا و ياسين"
اقترب هو منهما وهو يقول بحنقٍ:
"نعم يا ختي؟ يسهر معاكي أنتِ و مين؟ هو عرض بالجوز ولا إيه"
التفت «وليد» يطالعه بتسليةٍ واضحة في عينيه وهو يقول:
"يا جدع أنتَ تطول؟ هتسهر مع عيال الرشيد مع بعض"
ردت عليه هي بنبرةٍ مرحة:
"لأ دا حظي أنا علشان هسهر معاكم أنتو الاتنين، والله دي هتبقى ليلة حلوة أوي"
رد عليها «ياسين» بتهكمٍ:
"أوي ياختي، هتبقى ليلة حلوة أوي، يا سعدي و يا حظي هسهر مع ولاد الرشيد، قال يعني سهران مع ولاد سليم اللبانين"
ابتعدت هي عن أخيها ثم اقتربت منه تقول معاندةً له:
"و أحسن منهم كمان، و هتشوف أنتَ بنفسك، و هنروح نقعد في البلكونة سوا لحد الصبح، وليد أنتَ هتبات معانا"
ابتسم «وليد» لها، بينما «ياسين» طالعهما بوجهٍ ممتعض وهو يحرك نظره بينهما، فوجدها تركض للداخل وهي تقول بنبرةٍ حماسية:
"أنا هروح أجيب الحاجة اللي هنسهر بيها، اسبقوني على البلكونة"
تابعها «ياسين» بنظره، ثم حرك رأسه ينظر لذلك الواقف أمامه، فوجده يبتسم ببلاهة، حينها هجم عليه حتى لصقه بالحائط خلفه وهو يقول هامسًا بنبرةٍ متوعدة:
"أنا عاوز أفهم أنتَ بتعمل إيه هنا؟ هو مش أنتَ امبارح طردتها و قولتلها رَوحي علشان عاوز أبقى خال؟ طب اديني فرصة"
رد عليه هو بوقاحةٍ:
"وهو العيل هيجي النهاردة؟ العيل بيجي برزقه يا سونا، ولا إيه؟"
رفع «ياسين» حاجبه و قبل أن يرد على حديثه، أتت هي الداخل وهي تقول بتعجبٍ حينما رأتهما:
"هو إيه اللي بيحصل هنا، و أنتَ ماسكه كدا ليه يا ياسين؟"
ابتعد عنه وهو يهندم ملابسه ثم قال بتوترٍ:
"ها....لأ كل الحكاية إنه كان بيدور على الحمام، و أنا كنت بشاورله على المكان مش أكتر"
طالعتهما بتشككٍ فوجدت «وليد» يقول بنبرةٍ هادئة:
"ياسين دا أبو الرجولة، دلوقتي بس أنا اطمنت عليكي إنك مع راجل أمير"
_________________________
في شقة «عامر» كان جالسًا بجانب زوجته و هي تقوم بتعليمه التطريز وهو يتابعها باهتمامٍ واضح، حتى توقفت هي عن ما تفعله ثم قالت:
"هو أنتَ مهتم تتعلم التطريز ليه؟ مش فاهمة إزاي راجل عاوز يتعلم الحاجات دي"
رد عليها هو بعدما ابتسم لها:
"علشان بشوفك و أنتِ بتشتغلي في الحاجات دي و في الأخر بتطلع حاجة حلوة، علشان كدا عاوز اتعلم، و بصراحة يعني علشان عاوز أساعدك بعد كدا"
طالعته هي بدهشةٍ فوجدته يتابع حديثه قائلًا:
"والله متستغربيش، أنا لاحظت إنك بتحبي التطريز أوي علشان كدا عاوز اتعلمه، دلوقتي انا عرفت نظري، بكرة هجربه عملي"
تبدلت نظرتها من الدهشة إلي الحب وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"بحب التطريز علشان بابا هو اللي علمني التطريز علمني بكل الحب، و أنا حبيت الحاجة اللي هو حبها، عارف يا عامر هو فضل يقولي أنا مجبتش ولاد، بس ربنا كرمني بيكي يا سارة، فطلعت بحبه و بحب الحاجة اللي هو حبها، و حبيتك أنتَ علشان متأكدة إنه لو كان شافك كان هيحبك يا عامر"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"هو أنا متأكد أني كنت هحبه زي ما حبيت بنته كدا، أكيد حمايا دا كان راجل عظيم علشان يطلع الاخلاق دي"
ردت عليه هي بنبرةٍ مرحة:
"والله أنا شاكة إنك منفصم الشخصية يا عامر، كل شوية بشخصية شكل، الله يعيني عليك"
ضحك هو عليها و فجأة صدح صوت جرس باب الشقة، فقام هو يفتحه وهي خلفه ترتدي خمارها، و حينما فتح الباب تفاجأ بأخيه أمامه، ابتسم له وهو يقول بمرحٍ:
"عموري قلب عامر، وحشتني"
دلف شقيقه وهو يقول بسخريةٍ:
"يا سيدي دا أنا سايبك امبارح، المهم ادخل ولا إيه؟"
اتت «سارة» وهي تقول بنبرةٍ معاتبة:
"اخس عليك يا عمار، دا بيتك، ادخل من غير ما تقول"
ابتسم لها ثم تبعهما نحو الداخل، يجلس معهما، فسأله «عامر» بنبرةٍ مقررة:
"أنا عاوز أفهم يا عمار فيه إيه بينك و بين وليد الرشيد؟ الصحوبية دي مش لله كدا، طمن أخوك بقى"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
"وليد عرف أني بحب خلود يا عامر، و مش بس كدا، وعدني هيساعدني في الوقت المناسب، و قالي إنه واثق فيا كمان"
نظر لشقيقه بدهشةٍ بينما «سارة» تعجبت مما يُقال أمامها، فزفر «عمار» ثم شرع في سرد ما حدث بينه و بين «وليد» بالكامل بدايةً منذ لقاء المركز التعليمي، حتى موقفه مع «رامي»، انهى الحديث ثم نظر في وجهيهما، بينما «عامر» قال بنبرةٍ حائرة:
"أنا مش فاهم أنتَ بتتسرع ليه؟ و تفتكر كدا هو مش زعلان منك إنك بصيت لأخته؟"
رد عليه نافيًا حديثه:
"آه طبعًا مش زعلان مني، علشان أنا صارحته يا عامر، لو كنت كدبت و لفيت من وراه كان ساعتها زعل، إنما كل مواقفه معايا إنه واحد واثق فيا، لو مش واثق فيا مكانش قال قصاد رامي أني خطيبها"
تدخلت «سارة» تقول بنبرةٍ هادئة:
"معاك حق يا عمار، هو أكيد احترمك أكتر، دا غير إن موقفك شجاع و ميخرجش غير من راجل بجد"
تدخل «عامر» يقول بضجرٍ:
"يا جماعة انتو مش فاهميني، ليه يورط نفسه قصاد أخوها، افرض طلع مجرد اعجاب وخلاص، ممكن يدخل الجامعة و يتعرف على حد تاني و ساعتها خلود دي هتبقى مجرد ذكرى، ممكن أخوها يعشمها و هي تستنى، هو مفيش تفكير خالص"
رد عليه هو بنبرةٍ مؤكدة:
"قولتلك يا عامر أنا متأكد من مشاعري و عارف أنا بعمل إيه، أنتَ مش بتكلم واحد مراهق قدامك، قولتلك كنت فاكر زيك كدا إنها مجرد اعجاب، بس الموضوع بقى بيزيد معايا، و بعدين أنا بشوف البنات كتير في السنتر و في كل حتة و الجيران كمان، محدش فيهم بيشغلني زيها، خلود و بس يا عامر، على ما أظن إنها متتنسيش بأي حد"
ابتسمت «سارة» له وهي تقول بنبرةٍ حزينة:
"أنتَ طيب أوي يا عمار، المشكلة إنك لسه مشوارك طويل، جامعة و دراسة و تدريب، وهي لسه ثانوية عامة، يعني كتير أوي الوقت دا"
زفر هو بقوةٍ ثم قال:
"بصي أنا عارف كل دا، و دا اللي مزعلني إن الوقت غلط، تخيلي مشاعر صح و الشخص الصح بس الوقت غلط، بس أنا هستناها لحد ما تبقى ليا و معايا"
رفع «عامر» ذراعه حتى يضمه له وهو يقول بنبرةٍ ظهرت بها عاطفته:
"أنا خوفي عليك أنتَ يا عمار، القلوب لما بتتعلق بأمل مش ليها و يضيع، بتبقى زي الطير اللي جناحه مكسور، لا هو عارف يطير و لا هو عارف يعالجه، نفس الحكاية القلوب، بتبقى عايشة و خلاص بس أملها ضاع، و خصوصًا الحب"
رد عليه «عمار» بنبرةٍ مُتعَبة:
"عارف يا عامر، علشان كدا روحت لشيخ أيوب يقولي أعمل إيه، القلوب دي مش بتاعتنا، و بيد ربنا سبحانه و تعالى، و أنا غصب عني قلبي أتفتح ليها هي، بس أنا بحاول أحافظ عليها حتى من نفسي، و دي حاجة مطمناني إن ربنا هيكرمني بيها"
ربت على ظهره ثم تنفس بعمقٍ، بينما هي أبتسمت له بسمةً صافية، فوجدته يبتسم لها هو الآخر ثم شدد عناقه لأخيه.
_________________________
في شقة «ياسر» جلست «إيمان» على الفراش و حولها صورًا لها في طفولتها، ارتفعت ضحكتها أكثر حينما وقع بصرها على صورةً لها برفقة أخيها و هي تمسكه من فروة رأسه وهو يصرخ في وجهها، دلف «ياسر» الغرفة وهو يسألها بتعجبٍ:
"بتضحكي على إيه يا هبلة لوحدك كدا؟ أنتِ ملبوسة بجد"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"تعالى يا ياسوري و شوف صورنا و احنا صغيرين، تعالى اتفرج"
اقترب منها يجلس بجانبها، فوجدها تقول بمرحٍ:
"كنت عند ماما زي ما قولتلك هروح أشوفها هي و مامتك، لقيتهم مجهزين صورنا و احنا صغيرين علشان أخدها"
ابتسم هو باتساعٍ ثم خطف صورة من بين الصور الموجودة، طالع الصورة بنظرةٍ هائمة، حركت رأسها هي تطالعه فوجدته يقول بنبرةٍ خافتة:
"الصورة دي عمري ما عرفت أنساها يا إيمان، هتفضل أقرب صورة ليكي على قلبي، فاكر يومها عيطتي علشان الجزمة اتقطعت، و ساعتها روحت جبتلك جزمة ندى تتصور بيها علشان متعيطيش"
سألته هي بنبرةٍ متأثرة:
"هو أنتَ لسه فاكر يا ياسر؟ دا من زمان أوي، كانت صورة التقديم في ثانوي"
رفع رأسه يطالعها وهو يقول بنبرةٍ هامسة:
"كل حاجة خاصة بيكي محفورة في قلبي يا إيمان، أنا قولتلك كبرت و عيشت على أمل إنك معايا، كفاية وجودك جنبي"
أخفضت رأسها في خجلٍ، ثم أخرجت له صورةً أخرى وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
"الصورة دي أنا بحبها علشان بتجمعني أنا و أنتَ و خالد مع بعض، و ساعتها أنتَ وقفت في النص علشان خالد كان مزعلني"
ابتسم عندما تذكر ما مر منذ زمنًا طويلًا، فوجدها تقول بنبرةٍ شبه مرحة لكنها هادئة:
"بصراحة كان ليهم حق يحسدوني، خالد و أنتَ معايا، كان كتير عليا وجودكم"
رد عليها هو بتعالٍ:
"طبعًا كتير، كفاية أنا بس معاكي يا ستي"
ردت عليه هي بسؤال غير متوقع فاجئته به:
"هو أنتَ يا ياسر نفسك في إيه تاني؟ يعني بتحلم بإيه"
نظر لها باستنكارٍ لا يستطع إدراك ما تفوهت به، فوجدها تضيف مفسرةً:
"أقصد يعني فيه عندك أحلام نفسك تحققها؟ أو عاوز إيه بعد كدا تاني"
تنفس بعمقٍ ثم أرجع رأسه للخلف وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"مش عاوز حاجة...عاوز دماغي تبطل تتعبني يا إيمان"
سألته هي بنبرةٍ حائرة:
"إزاي بس؟ و بعدين أنا ساعات بشوفك لوحدك كدا سرحان، ليه"
حرك رأسه ينظر لها وهو يقول بنبرةٍ حزينة:
"لحد دلوقتي بحاسب نفسي على اللي حصل زمان، دماغي مش بتسبني في حالي، وجعي منه لسه مفتوح ملمش"
اقتربت منه هي تقول بنبرةٍ شبه باكيةً لأجله:
"ليه بس، انساه و سيبك منه، صدقني يا ياسر حرام عليك نفسك، أنتَ متستاهلش كدا"
رد عليها بنبرةٍ شبه باكية مماثلة لنبرتها الحزينة:
"غصب عني يا إيمان، غصب عني مش قادر أنسى إن اللي كسرني كان هو اللي المفروض يقويني، غصب عني أبص في المراية و افتكر أني شبهه و أني نسخة من ملامحه، غصب عني أني كل ما ابص في وش أمي احس انها بتتأسفلي على اللي حصل علشان اختارت واحد زي دا يبقى أبويا، غصب عني أني بقيت ضحية لأب زي دا معدوم الرحمة، جحوده خلاه يدوس على عياله، أنا لحد دلوقتي شايل هم عيالي هقولهم إيه؟ جدكم وقف و قال لعيل عنده ٩ سنين أنا مش ملزم بيك؟، جدكم هرب من مسئولية إنه أب؟ الجرح مفتوح و مفيش حاجة عارفة تسكته، كل يوم بيعدي زي الملح على جرح مفتوح مش بيلم"
ارتمت هي بين ذراعيه وهي تبكي بقوةٍ حينما لمحت دموعه على وجنتيه نزلت رغمًا عنه وهو يتحدث عن والده، بينما هو لف ذراعيه وهو يربت عليها، فوجدها تقول بنبرةٍ باكية:
"أنا بكرهه علشان مخليك زعلان، بكرهه علشان كان مخلي أخواتك طول عمرهم مكسورين، أنا بحبك أنتَ و الله، صدقني يا ياسر أنا والله بحبك و فخورة بيك أوي"
تنفس بعمقٍ ثم تحدث يقول بنبرةٍ متحشرجة:
"و أنا غصب عني بحبك حتى بـ غُلبي، أنا راضي بـ غُلبي علشان أنتِ معايا فيه، كل ما بزعل بفتكر أننا اتجوزنا و إنك معايا، يمكن أنتِ ست و ربنا خلقك ضعيفة، بس أنا راجل بستقوى بيكي يا إيمان، علشان خاطري خليكي معايا و متسبنيش أنتِ"
ردت عليه هي تقول بنبرةٍ مؤكدة:
"أسيبك و أروح فين يا ياسوري، أنا مليش غيرك، اتطمن على قلبك إلى مالا نهاية، استحمل أنتَ بس"
ابتسم هو بسخريةٍ وهو يقول:
"طب دا أنا مفيش حاجة مخلياني مستحمل غيرك، و بصراحة وجود العيال معايا"
ردت عليه هي بنبرةٍ مرحة:
"مش مشكلة، المهم إن أنا معاك و معاهم، و بعدين يا ياسر أنتَ ما شاء الله متكامل الصفات، دكتور و بعيون زرقا و محترم و رومانسي، و بار بأهلك و أهلى، و محبوب مني طبعًا علشان ميبقاش فيها كلام تاني، يعني نادر الوجود"
ابتسم هو بسخرية وهو يقول:
"ماهو أنا من برة شكلي هالله هالله، و من جوة اللي فيا العالم الله، و بعدين حظك يا بنت المحظوظة، كسبتيني أنتِ"
شددت عناقها له وهي تقول بنبرةٍ امتزجت بعاطفتها:
"طب و الله أنتَ صح، أنا كسبتك فعلًا"
_________________________
في شقة «خالد» كان هو يدور بصغيره على ذراعه في الشقة حتى ينام، بينما والدته في الداخل كانت تشعر بالإعياء و هي ترتعش على الفراش، زفر هو بقوة حينما تأكد من نوم صغيره، ثم وضعه على فراشه، بعدها توجه نحوها فوجدها ترتعش بخوفٍ و درجة حرارتها مرتفعة، زفر بقوة ثم جلس بجانبها وهو يقول بنبرةٍ حزينة:
"طب و بعدين؟ اروح بيكي فين دلوقتي؟ أجيب ياسر طيب؟"
ردت عليه بنبرةٍ منهكة:
"متكلمش حد أنا هبقى كويسة، أنا خدت الدوا خلاص، و هبقى تمام"
رد عليها هو بحنقٍ:
"يا بنتي متعصبنيش بقى، هسيبك كدا إزاي؟ طب يونس الحمد لله ياسر جابله دوا حلو، أنتِ إيه"
ردت عليه هي بنبرةٍ تائهة:
"مش مهم أنا، المهم هو يا خالد"
تحدث هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"انتو الاتنين مهمين عندي، مفيش حاجة هو المهم، أنا مش هفاصل في حبي ليكم"
أبان حديثه وجدها تغلق جفونها بضياعٍ غير واعية من كثرة إعياءها، بينما هو تركها ثم دخل المطبخ، قام بإفراغ زجاجة مياه على قطع الثلج حتى يقوم بعمل الكمادات لها، دلف الغرفة فوجدها بين اليقظة والنوم، قرب المقعد من الفراش، ثم جلس مقابلًا لموضعها، بعدها شرع في عمل الكمادات على رأسها، ثم ذراعيها، و بعدها على معدتها، لا يدري لماذا شعر بكل ذلك الخوف، ذكره بأول مرة مرضت بها بعد زواجهما، كان هو أثناء ذلك بعيدًا عنها، لم يعتاد على وجودها أو التقرب منها، و الآن نفس الموقف يتكرر أمامه من جديد و لكن بعدما اعتاد على وجودها بجانبه بعالمه، بل أصبحت كل عالمه، حينها وجد دمعة متمردة تفر من مقلتيه، فتحدث يقول بنبرةٍ باكية:
"والله ما بحب اشوفك تعبانة ولا بحب أشوفك زعلانة، صدقيني أنا والله ضعيف من غيرك أوي"
فتحت هي عينيها بوهنٍ و هي تسمتع لحديثه، فوجدته يقول بنبرةٍ مشتتة:
"لسه فاكر أول مرة تعبتي فيها و لسه فاكر أني عاملتك وحش، والله مكنتش أعرف أني هحبك، خوفت أحبك...أو خوفت تضيعي مني لما أحبك، دلوقتي أنا بحبك و خايف من غيرك، قومي علشان الشقة ملهاش لازمة والله"
ابتسمت هي بنفس الوهن، ثم رفعت كفها تمسك ذراعه وهي تربت عليه، بينما هو مسح دموعه، ثم تحرك حتى يجلس مجاورًا لها، بعدها أخذها بين ذراعيه ثم رفع الغطاء يدثرها به، ببنما هي لا تدري إن كانت في وعيها أم أن عقلها الباطن هو من يفعل بها ذلك، لكنها حقًا تشعر بقلقه و خوفه عليها.
_______________________
في بيت آلـ «الرشيد» اجتمعت الفتيات فوق سطح البيت بأكملهن، فتحدثت «جميلة» تقول بتعجبٍ:
"غريبة يعني وليد مش هنا، هو راح فين؟ أحمد قالي إنه طالع مع طارق و وئام"
ردت عليها «عبلة» بنبرةٍ هادئة:
"هو اللي أنا أعرفه إنه في مشوار مهم، و بناءً على اللي حصل منه أخر فترة، يبقى أنا قلبي مش متطمن، و ربنا يسترها"
ردت عليها «هدى» بمرحٍ:
"أنا بقول نجهز الشاش و القطن أحسن، يا ترى راح يجوز مين؟"
ردت عليها «خلود» بنبرةٍ جامدة:
"على فكرة هو مش بيعمل حاجة غلط، وليد طول عمره بيعمل الصح، بس هو متهور و كَتوم"
ردت عليها «جميلة» بمشاكسة:
"طبعًا مين يشهد للعريس، طبلتين ورا بعض، مش ممكن"
تدخلت «عبلة» تقول بحب:
"لعلمك هما بيحبوا بعض أوي، وليد عنده خديجة و خلود مش زي حد تاني، واحدة كأنه ابنها و التانية تاكل أي حد علشانه"
ردت عليها «سلمى» تؤكد حديثها:
"يلهوي لو حد زعل خلود و لا حد زعل وليد؟ يبقى الله يرحمه بجد، يا جماعة دول صعب أوي"
ردت عليها «هدى» بهدوء:
"علشان وليد كبر في شقة طنط زينب، لقى نفسه معاهم، و وئام و طارق مع بعض، طبيعي درجة قربهم تكون عالية مع بعض"
أومأ لها الجميع بموافقةٍ، بينما «عبلة» أخرجت هاتفها ثم قامت بفتح صفحته الشخصية فوجدت منشوره الصباحي، حينها ابتسمت بحبٍ حينما رآت كلماته التي دونها هو، ثم قامت بمشاركتها عبر صفحتها، و قامت بإضافة الآتي:
"لقد تعاهدنا على سير الدرب معًا و هذا كتفي لك حين تَميل و حين تَشعر بأن حملك ثقيل"
دونت تلك العبارة فوق عبارته التي دونها هو ثم اضافت إسمه حتى تظهر له عبر صفحته مرةً أخرى، بعدها قامت بفتح صورته الشخصية، التي كانت في فرح شقيقته، قامت بتكبير الصورة وهي تتعمق في ملامحه الهادئة و ضحكته الصافية النقية، حينها دون أن تشعر بنفسها وجدت نفسها ترفع الهاتف ثم قبلت الصورة، لاحظ فعلتها الفتيات، فقامت هي باغلاق الهاتف ثم حركت رأسها للأعلى تتصنع التجاهل، فسمعت صوت الضحكات على فعلتها تلك.
_______________________
في شقة «ياسين» تحديدًا في داخل الشرفة، جلس ثلاثتهم يلعبون معًا، و فجأة صدح صوتها وهي تقول بنبرةٍ حماسية:
"الله وليد اللي طلعله الشايب، هنحكم عليك إحنا"
رد عليها «ياسين» بحنقٍ:
"أنا بقول يقوم يروح و كفاية كدا بقى، سهرنا كتير"
شهقت هي بقوة ثم ردت عليه بنبرةٍ حزينة:
"عيب يا ياسين، أنتَ كدا بتطرده على فكرة، متزعلش يا وليد"
رد عليها «وليد» بثقةٍ:
"مش فارق معايا، أنا بايت هنا النهاردة علشان يلم نفسه"
_"يا عم الشايب طلعلك أنتَ، بتحكم عليا أنا ليه؟ أنتَ عبيط؟"
تفوه بها «ياسين» بضجرٍ جعله يطالعه بخبثٍ، بينما هي قالت بنبرةٍ حماسية:
"خلاص بقى اكبروا، المهم دلوقتي يا وليد، أنا هحكم عليك"
رد عليها هو ببسمةٍ هادئة:
"ماشي يا ستي احكمي، بس مش عاوز عبط، جو قوم اغسل المواعين و اكنس الصالة و الهبل اللي كنتي بتعمليه دا مش عاوزه"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
"هي كانت بتخليك تعمل كدا بجد؟ و أنتَ كنت بتسمع كلامها"
أومأ له موافقًا ثم أضاف مؤكدًا وهو ينظر لها ثم حرك ذراعه يضعه على رأسها و كأنه يحدث ابنته:
"خديجة لو طلبت عيوني متأخرش عنها، الوحيدة اللي ليها سلطة غريبة عليا، علشان كدا بخاف من طلباتها علشان مبقدرش أرفضها"
طالعته هي بتأثرٍ، بينما «ياسين» ابتسم على مشهدهما سويًا، فقال «وليد» مغيرًا لمجرى الحديث:
"طب إيه هتحكمي بإيه الدمعة هتفر من عيني"
ردت عليه هي بنبرةٍ لازالت متأثرة:
"نفسي أعمل ضفيرة و من ساعة ما اتجوزت معملتهاش، ممكن تعملي شعري ضفيرة زي اللي كنت بتعملهالي؟"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه موافقًا، بينما هي ركضت من أمامه بعدما أدلى بموافقته حتى تأتي له بفرشاة الشعر، طالعهما «ياسين» بتعجبٍ، فوجدها تركض لهما من جديد ثم أعطت الفرشاة لأخيها وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
"خلي بالك علشان شعري طول أكتر يعني هتتعبك، يلا بسرعة"
حرك رأسه موافقًا ثم قال موجهًا حديثه لزوجها:
"تعالى أعلمك علشان تعملها أنتَ بعد كدا، يلا أنا مش هاجي علشان أسرح شعر أختي"
ابتسم له ثم جلس بجانبه على الأرض وهي أمامهما، بينما «وليد» قام بفك شعرها ثم شرع في تنفيذ ما طلبته هي، و هو يعلم «ياسين» كيفية صنع الجديلة، بينما هي كانت تبتسم بفرحةٍ تشبه فرحة الطفل الصغير، بينما «وليد» قام بصنع الجديلة حتى منتصفها، بينما «ياسين» أكمل هو البقية بعدما تعلمها، و في النهاية، وجد «وليد» يضع الرباط حتى يمسكها، ثم قال بمرحٍ:
"يلا يا خديجة خلصنا"
ركضت هي من أمامهما نحو الخارج، نظر «ياسين» في أثرها بدهشةٍ، فوجد «وليد» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"راحت تشوف الضفيرة في المراية و هتيجي تاني، هتلاقيها جاية تجري دلوقتي زي العيل اللي لقى مطرة"
بعد انتهاء جملته وجدها تركض لهما وهي تقول بنبرةٍ مختنقة من تأثرها:
"شكلها حلو أوي يا وليد، جيت في وقتك والله، و أنتَ يا ياسين شكرًا أوي، بجد عجباني"
رد عليها «ياسين» بنبرةٍ هادئة:
"من العفو على إيه؟ شكرًا بقى لوليد بجد علشان هو اللي عمل مجهود بصراحة"
ابتسمت هي له ثم احتضنته وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
"قولتلك دي هتبقى أحلى ليلة و أنتم معايا، ربنا يخليكم ليا يا رب"
ربت على ظهرها وهو يقول بمرحٍ:
"هي أحلى ليلة فعلًا، منور بيت أخوك يا وليد، منور بالجامد أوي"
أبتسم له باستفزازٍ وهو يقول:
"منور غصب عنك يا حبيبي، بيت أخواتي يا جدع، أنتَ غريب أوي"
أومأ له «ياسين» موافقًا باستفزازٍ فوجدها يضحك بقلة حيلة، بينما هي بمجرد ما ألقت بنفسها بين ذراعيه حتى غاصت في ثباتٍ عميق كعادتها، ضحك «ياسين» ضحكةً يائسة تبعها بقوله:
"أنا نفسي أنام زيها كدا بسرعة، ربع سرعتها في النوم يا رب"
رد عليه «وليد» بمرحٍ:
"طول عمرها كدا، والله يا بني أنا شكيت قبل كدا إنها بتاخد منوم، بس بجد هي نومها يقلق أصلًا"
اخفض «ياسين» رأسه ينظر لها ثم رفعها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"بس بتحبك أوي يا وليد، أنتَ الوحيد اللي خديجة معاك مبتحاربش الطفلة اللي جواها علشان تتعامل معاه، صدقني خديجة معاك واحدة غير كل الناس حتى أنا"
سأله هو بنبرةٍ ظهر بها الاهتمام:
"قصدك إيه؟ هي متغيرة معاك ولا إيه؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بمرحٍ:
"بالعكس إحنا بقينا ناقر و نقير و دي حاجة حلوة، كتر سمعها الكلام دا كان معناه إن فيه خوف مني، لكن دلوقتي بدأت تعاند و تتكلم، و دي حاجة مفرحاني بصراحة، علشان طلعت ياسين المستخبي"
قال جملته الأخيرة بخبثٍ لم يخفى على الأخر، بينما «وليد» سأله بقلقٍ زائف:
"أنتَ بتعمل إيه فـ أختي؟ أنا أصلًا شاكك فيك من بدري"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ ضاحكة:
"يا عم دا أنا أهبل و الله، بس كل الحكاية إن خديجة بدأت تحارب الطفل اللي جواها علشان تثبتلي إنها بقت كبيرة و بقت واحدة تانية، معاك أنتَ الوضع مختلف، خديجة حابة طفولتها المرتبطة بيك، علطول بحسها عاوزة تجري عليك، عاوزة تلعب معاك و عاوزة تطمنك إنها بقت واحدة تانية"
أومأ له موافقًا ثم قال بنبرةٍ متأثرة و كأنه يتذكر ماضيه:
"يمكن الحاجة الحلوة اللي كانت صح في حياتي هي إن خديجة بقت أختي اللي أمي مجبتهاش، حبي ليها غريب و ملوش تفسير، أنا اتعلمت أسرح الشعر علشانها هي و علشان متحسش إنها أقل من بنات العيلة، خديجة دي بنتي ، يمكن يبان كلامي مبالغة، بس و الله هي أرضي منها و ليها هي، مفيش مرة جربت إحساس فشل أو هزيمة غير لما كانت هي شريكتي في الحزن، عاملة زي نجوم السما، خديجة كانت المكان الوحيد اللي بروحه بخاطري المكسور و أرجع بيه مجبور"
سأله «ياسين» بنبرةٍ متأثرة:
"ياه...للدرجة دي يا وليد؟"
أومأ له موافقًا ثم أضاف:
"و أكتر كمان، عارف؟ لما ظهرت في حياتنا، أنا كنت خايف منك أوي، خوفت متقدرش علاقتي بيها و تحرمني منها، خوفت تخانقني في حبها دا، خوفت تحبك أنتَ و تنساني أنا، بس دا محصلش و طلعت مقدر وجودنا لبعض"
رد عليه «ياسين» مُردفًا ببسمةٍ هادئة:
"على حسب كلامك دا أنا مقدرش أكون زي الشوكة في الزور بينكم، أنا طول عمري كان نفسي يكون عندي أخوات و تحديدًا بنت بس دا محصلش، بس ربنا رزقني بيها هي، بنت و أخت و صاحبة و زوجة، كوكتيل حلو، سبحان الله خلى قلب مقفول يتفتح ليها، كأنه باب شركة، و قفلت وراها ضَبة و مفتاح، من ضمن أسبابي لحبها هي إنها بتحب بجد، مش مزيفة، خديجة كانت البراءة وسط خبث العالم كله، عينها حنينة أوي و دي أهم حاجة، مقدرش أجي أنا و أحرمها من حبك ليها، علشان دا غلط، غصب عني أنتَ أخوها"
ابتسم هو له ثم قال معتذرًا:
"أنا بحبك أوي على فكرة و الله، و أسف أني جيتلك النهاردة"
رد عليه بنبرةٍ معاتبة:
"وهو فيه واحد بيتأسف لأخوه برضه؟ دا بيت أخوك تيجي في أي وقت، و بعدين أنا كنت بهزر معاك، كفاية فرحتها بوجودك"
تنهد «وليد» بعمقٍ ثم قال بهدوء:
"طب دخلها تنام جوة علشان الهوا، و تعالى بقى نسهر احنا سوا و علشان عاوز اتكلم معاك"
أومأ له موافقًا ثم حملها على ذراعيه حتى تنام بغرفتهما، بينما «وليد» أخرج هاتفه يتصفحه، و حينما لمح اسمها في قائمة الاشعارات قام بتنزيل القائمة ثم ضغط على الاشعار الخاص بها، حينها وجد ما أضافته هي على منشوره، ابتسم هو بشدة دون ان يشعر بنفسه، ثم قام بكتابة تعليقًا عامًا على منشورها:
"يكفيني من العالم أجمع أنكِ شريكة عُمري..."
كتب تعليقه ثم دخل على الرسائل الخاصة بهما، ثم كتب لهما يشاكسها:
"وحشتيني يا سوبيا، بحبك"
انتظر حتى وصلت الرسالة ثم أغلق الهاتف تمامًا حينما لمح «ياسين» يقترب منه، بينما «ياسين» جلس بجانبه وهو يقول بمرحٍ:
"أهو جيتلك يا سيدي، و جبت التسالي علشان نعيد الليلة من أولها"
ابتسم له «وليد» ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"تعرف إنك سبب من ضمن الأسباب اللي خلتني أفرح؟"
طالعه «ياسين» باستنكارٍ واضح، فأضاف هو مفسرًا له:
"أنا بسببك عرفت يعني إيه حب، و عرفت إن اللي بيحب هيعمل المستحيل علشان اللي بيحبهم، بسببك اطمنت و أنا عمري ما كنت عارف أتطمن يا ياسين، بسببك عرفت إزاي أحب عبلة و أخلص من مشكلة ثقتي"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
"أنا مش فاهم منك حاجة خالص، ما أنتَ زي الفل يا عم"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
"مكونتش زي الفل، بس بقيت، ياسين حقك عليا علشان فكرت كتير إنك مش زي ما أنتَ واضح قدامي، كنت غبي"
سأله هو بنبرةٍ حائرة:
"هو انتم عيلة هبلة؟ أنا مش فاهم منك حاجة خالص"
زفر «وليد» بقوة ثم اتخذ قراراه باخباره بالحقيقة، و سرد تفاصيل حياته و ما حدث له حتى تسبب في مشكلة انعدام الثقة، و بعدما اتخذ قراراه زفر بقوةٍ ثم قال:
"أنا عندي مشكلة قلة ثقة في الناس بسبب اللي شوفته قبل كدا، بس حاليًا الوضع اختلف بوجودك"
سأله هو بنبرةٍ متعجبة:
"فلنفترض إن دا حصل، أنا سبب إزاي؟"
تنفس بعمقٍ ثم قال:
"بسبب إنك انقذتني كذا مرة، و على فكرة أنا بقيت بثق فيك ثقة عمياء، بدليل إني هقولك أني بتعالج عند هناء نفسيًا"
طالعه «ياسين» بدهشةٍ فوجده يحرك رأسه موافقًا و كأنه يؤكد صدق حديثه بذلك، و سرعان ما تبدلت نظرته إلى أخرى و كأنه يلتمس منه صدق العهد، فها هو الآن يخبره بثقته به، فهل الآخر جدير بتلك الثقة؟"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس والعشرون
هذا الكتف لك حينَ تَميل و حين تَشعر بأن حملك ثقيل.
________________________
لقد تعاهدنا على سير الدرب معًا، و هذا عهدي لكَ ، أنا معكَ في كل حين....حتى قساوة الزمان معك تلين....لقد كررتها عليك في السابق بأنك أحن ما جلبت لي السنين، بدا لي الكون مُشرقًا و الزمان مُزهرًا حتى أضحى القلب سعيدًا بعدما أعوامًا قضاها حزين...يا حنية زماني، كُن لي و لقلبي خير المُعين.
من كان يصدق أن هذا البيت يصبح كجنةٍ بوجودها معه، ذلك المكان الذي يبغضه بشدةٍ يذكره بذكرياته المريرة به معها هي، تلك التي أذقته العذاب، و أجرمت في حق قلبه، بعدما عاش عمره يهرب من ذلك البيت، الآن أضحى أكثر قبولًا عليه، حتى إنه يهرب من زحام العالم، ليحظى بقربها هي، هكذا كان يفكر «حسن» وهو يتصفح هاتفه في يده وهي في الداخل، كان الهاتف مفتوحًا على حسابها الشخصي على موقع "إنستجرام" و مع كل صورةٍ يتصفحها يغرق في تفاصيلها أكثر، و في ذلك الحين أتت هي من الداخل وهي تقول بنبرةٍ منهكة:
"آه....مش قادرة بجد، أنا عمري ما كنت بتاعة مسئولية، إيه اللي بعمله في نفسي دا؟"
قالت حديثها ثم جلست بجانبه على الأريكة وهي ترتمي بجسدها، بينما هو أغلق هاتفه مسرعًا حتى لا تراه هي، ثم حرك رأسه يطالعها وهو يسألها بتعجبٍ من حالها:
"وهو أنتِ مالك إيه اللي تاعبك كدا؟ لو عاوزة ننزل و نروح للدكتور أنا مش عندي أي مانع خالص"
ردت عليه هي ترفض اقتراحه بنبرةٍ قاطعة:
"لأ متتعبش نفسك، كل الحكاية أني غسلت و نشرت و روقت الشقة، و أنا بصراحة مش بتاعة الحاجات دي، بس بتعلم أهو"
ابتسم هو لها وهو يقول بنبرةٍ يشوبها مرحٍ طفيف:
"لو مش عاوزة تعملي حاجة متعمليش، ممكن أجيب أم أمل تعمل هي، المهم علشان متحسيش إنك مخنوقة"
ردت عليه هي بنبرةٍ مرحة:
"لأ طبعًا، و بعدين يعني ما كل الستات بتشتغل في بيوتها، أكيد يعني مش بيجيبوا حد علشان يعمل مكانهم"
ابتسم وهو يحرك رأسه موافقًا لها، بينما هي ابتسمت بخجلٍ وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
"عارف يا حسن؟ أنا فرحانة علشان بعمل كدا، حاسة أني بعمل حاجة حلوة ليك، يمكن علشان أنا حبيت المكان هنا، و يمكن علشان أنا حابة نفسي و أنا كدا، مش عارفة بس أنا فرحانة يا حسن"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مبتسم:
"طب الحمد لله، المهم إنك تكوني مرتاحة و أنتِ بتعملي الحاجة يا هدير، طول ما أنتِ بتشتغلي غصبٍ عنك عمرك ما هننجحي في حاجة، الحاجة اللي بتتعمل بحب بتوصل بحب"
حركت رأسها موافقةً ثم تحدثت بتوترٍ طفيف بعدما وجدته يمعن النظر بها:
"عارف....الوقت لو كان بدري شوية كنت قولتلك تعالى ننزل و نتمشى سوا، بس الوقت اتأخر"
رفع رأسه يطالع الساعة الموضوعة على الحائط فوجدها الواحدةِ صباحًا، حينها وقف هو ثم قال بنبرةٍ مرحة ممتزجة بالحماس:
"طب و فيها إيه؟ دي يدوبك الساعة ١ يلا يا ستي"
وقفت هي مقابلةً له وهي تقول بنبرةٍ مستنكرةٍ حديثه:
"هننزل دلوقتي؟ طب هنعمل إيه المحلات أكيد قفلت يا حسن، خليها مرة تانية"
أمسك هو كفها وهو يقول بنبرةٍ مقررةٍ:
"مفيش مرة تانية، هو دلوقتي هننزل سوا و نروح نتمشى، خلاص ضربت في دماغي، و أنا ابن مجانين أصلًا"
كان يتحدث وهو يسير بها نحو الداخل فوجدها تسأله بنبرةٍ يشوبها انفعالٍ طفيف:
"استنى بس أنتَ واخدني ورايح فين كدا؟ يارتني ما نطقت قصادك و قولت الفكرة دي"
توقف هو أمام الغرفة حينما وصلا أمامها، ثم التفت لها يقول بنبرةٍ هادئة بوجهه المبتسم:
"ادخلي غيري هدومك دلوقتي علشان ننزل سوا، و أنا هلبس هدومي أنا كمان، بس تقلي علشان فيه هو تحت"
ردت عليه هي بنبرةٍ حائرة:
"أنا مش فاهمة حاجة، بس ماشي يا حسن، عن أذنك هغير هدومي و أجي"
أومأ لها موافقًا وهو يتابع انسحابها من أمامه، بينما هو ابتسم براحةٍ احتلت ملامح وجهه الصافية و عينيه البنيتين الممتزجة بخيوطٍ عسلية، بعدما أغلقت الباب هي تنهد هو بعمقٍ، ثم توجه نحو الغرفة الأخرى، ارتدى ثيابه وهي عبارةٍ عن بنطال رياضي باللون الاسود و تيشيرت باللون الأبيض، و فوقه قميصًا من خامة الجينز، وقف ينظر لنفسه باستحسانٍ ثم ارتدى حذاءً رياضيًا باللون الأبيض، خرج من الغرفة ينتظرها أمام غرفتها، فخرجت له هي بعد مرور دقائق، و حينما رآت ما يرتديه ابتسمت باتساع وهي تحرك رأسها هبوطًا و صعودًا تتفحص هيئته الشبابية، بينما هو سألها بنبرةٍ مُحبطة:
"إيه هو الطقم مش عاجبك؟ أنا كنت شاكك و الله، طب إيه؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ قاطعة تنفي حديثه بقولها:
"لأ لأ خالص، الطقم حلو عليك أوي، أنا مستغربة بس علشان بشوفك ببدل علطول و هدوم البيت العادية، تقريبًا دي أول مرة أشوفك لابس شبابي"
ابتسم لها وهو يقول بمرحٍ:
"يا شيخة خضتيني، قولت الطقم مش عاجبك، و كنت هتعكنن و منزلش"
سألته هي بنبرةٍ متعجبة بعدما انكمشت المسافة الواقعة بين حاجبيها:
"هو لما الطقم مش بيعجبك بتزهق من المشوار و متنزلش"
رد عليها هو بمرحٍ كعادته:
"مش للدرجة يعني، و بعدين أنا بقالي مثلًا سنتين بلبس بدل بس من ساعة ما اشتغلت مع ولاد عمك، بقيت أنا و طارق و وئام بنلبس بدل، لحد ما نسينا اللبس الشبابي"
أومأت له موافقةٍ فوجدته يحرك رأسه يتطلع ثيابها و هو يتفحصها، فوجدها ترتدي بنطالًا رياضيًا (شروال) باللون الأسود و فوقه سترةٍ رياضية باللون الأبيض، و حجابٌ باللون الأسود، تصفح هيئتها برضا تام حينما وجد الملابس تناسب جسدها كما أنها لم تبرز تفاصيله، و حينما رفع رأسه يطالعها و يطالع رأسها، وجد بعض الخصلات الشاردة فوق جبينها من أسفل الحجاب، اقترب منها هو ثم سحب حجابها للأمام، بعدها مد أنامله ثم قام بإدخال تلك الخصلات أسفله، طالعته هي بتعجبٍ، فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"شعرك كان باين، كدا أحلى على فكرة و هو كله تحت الحجاب"
ردت عليه هي بنبرةٍ ظهرت فيها السرعة و التلهف وهي تقول:
"علشان شعري ناعم والله، بيبان كل شوية، لكن بطلت والله أبينه من بدري، تحديدًا من ساعة ما بقيت أصلي و الله"
ابتسم لها وهو يقول بوجهٍ مبتسم و حديثٌ ظهر به التفهم:
"أنا عارف و مصدقك يا ستي، يلا علشان الساعة قربت على اتنين و إحنا لسه منزلناش"
أومأ له موافقةً وهي تتبعه نحو الخارج حتى خرجا من الشقة سويًا، حينها أمسك هو كفها ثم دخل بها المِصعد، ابتسمت هي له باتساعٍ فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"إحنا هننزل دلوقتي و مطرح ما رجلينا تاخدنا نروح، تمام؟ تمام إن شاء الله"
حركت رأسها موافقةٍ بإيماءةٍ بسيطة، ثم حركت رأسها للأسفل تتابع كفها بين كفيه و هي تبتسم بحبٍ، بينما هو حرك رأسه يتابع موضع بصرها، وحينما رآى بصرها يقع على كفيهما معًا، شدد قبضته وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"إيدك متلجة و احنا يدوبك في دخلة الشتا، خليها في إيدي كدا علشان ادفيها"
ابتسمت له بخجلٍ من حديثه فوجدته يغمز لها وهو يقول:
"شكلك حلو أوي لما تتكسفي، و للحق هو حلو علطول يا هدير"
طالعته بدهشةٍ فوجدته يبتسم لها، و حينها فتح باب المصعد حينما وصل بهما للأسفل، فأشار لها برأسه وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
"الباب فتح يلا قبل ما يقفل تاني علينا، ساعتها مش هنزل تاني و هطلع أنام"
خرجت من دهشتها و شرودها في ملامحه، ثم حركت رأسها موافقةٍ وهي تتبعه نحو الخارج و لازال كفها قابعًا بين كفه بأريحيةٍ، سارا معًا بدون السيارة سيرًا على الأقدام، و بعد مرور دقائق من السير، شهقت هي بقوة حينما رآت ذلك المكان التي توقفا به، فوجدته يقف مقابلًا لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"المكان دا يا ستي زي باريس كدا، متصمم تقريبًا بنفس الطراز بتاعها، إيه رأيك فيه؟"
التمعت عينيها بحماسٍ غريب وهي تقول له بنبرةٍ مختنقة من تأثرها بالمكان و جماله:
"حلو أوي يا حسن، أنا مكنتش أعرف إن المكان دا هنا جنب بيتك"
أمسك كفها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"تعالي معايا طيب، و لسه هبهرك"
قال جملته ثم سار بها في الممر المؤدي إلى باقي المكان من الداخل كانت هي تسير بجانبه وهي تتابع الأضواء التي تشبه ضوء الشموع و لكنها أكبر حجمًا ذات لونًا برتقاليًا و في المنتصف نافورة المياه الراقصة، صُممت على أحدث الأشكال، ثم حركت رأسها للجهةِ الأخرى تتابع المكان حولها، حينها وقع بصرها على الزرع المجاور للممر الذي يسيران به، ابتسمت هي باتساعٍ، فوجدته يقف بها أمام مقعدًا خشبيًا وهو يقول بمرحٍ:
"اتفضلي يا أستاذة هدير، علشان تتفرجي بنفس مفتوحة"
جلس هو أولًا و هي بجانبه، و بعد جلوسها استنشقت الهواء بنفسًا عميقًا زفرته على مهلٍ، بينما هو كان يطالعها بأعين فَرِحة وهو يرى الراحةِ باديةً على وجهها، حركت رأسها هي تنظر له وهي تقول بنبرةٍ ممتنة:
"شكرًا يا حسن بجد، من كل قلبي شكرًا علشان جبتني هنا، بجد دي حاجة فرحتني أوي"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
"لا شكر ولا حاجة أنا اللي بشكرك علشان شاركتيني المكان دا، حقيقي كان نفسي أجي هنا مع حد بس مكانش عندي اللي يشاركني حاجة زي دي، و بصراحة أنتِ الوحيدة اللي حسيت أني ممكن أشاركها"
كان يتحدث و عدستيه تلمع بـ وميضًا غريبًا لم يخفى عليها، بينما هي حركت رأسها للأمام تطالع المكان بشغفٍ جديد عليها، فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة بعدما نظر أمامه هو الآخر:
"عارفة طلبت منها مرة نيجي نقعد سوا هنا مع بعض، قالتلي هو أنتَ فاضي؟ بعدها قالتلي أني مستخسر أخدها مكان بفلوس، أنا ساعتها كنت عاوزها تشاركني لحظات حياتي، بس للأسف هي مكانتش فاهماني"
حركت رأسها تطالعه بدهشةٍ، فوجدته يقول بنبرةٍ موجوعة:
"تعبت معاها كتير، كنت عاوزها بس تمد إيدها ليا و أنا همسك فيها بدراعي كله، بس محصلش، أنا عيشت معاها أصعب فترة في حياتي، كرهت الحب و الجواز و للحق صنف الستات كله"
وضعت كفها على كفه الموضوع بجانبه، و كأنها تواسيه بفعلتها تلك حينما ظهر الوجع في نبرته، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم قال:
"أنا طول عمري لوحدي حتى و أنا مع الناس، صحيح عيلتك مسابتنيش بس برضه فيه مشاعر غصبٍ عن الدنيا كلها محدش يقدر يعوضك عنها، لما وليد قالي اقول أني خطيبك ساعتها أنا فرحت، مش عارف ليه؟ بس لقيت نفسي باخد القرار أني أكتب الكتاب و أني أطالب بيكي في بيتي، بيتي اللي كنت بكرهه و حبيته علشان أنتِ فيه بس يا هدير، دلوقتي أنا فرحان إنك هنا معايا"
ابتسمت له هي بخجلٍ ثم تحدثت بتوترٍ طفيف:
"أنا قولتلك أنتَ تستاهل إنك تفرح يا حسن، و شكرًا علشان كل حاجة عملتها علشاني، من أول الانتحار لحد دلوقتي و أنا بشاركك المكان دا، صدقني أنا لو بقيت كويسة الحمد لله، فهو أكيد بسببك و بسبب كلامك ليا، كلهم بقوا بيحبوني أوي، حتى وليد كمان بقى بيخاف عليا و بقى أخويا بجد، أنا كنت مش شبههم و علطول شايفة نفسي عليهم، بس دلوقتي عيلتي أهم حاجة عندي، و أنتَ معاهم كمان"
حمحم هو بقوةٍ ثم سألها بنبرةٍ ثابتة يشوبها مرحٍ طفيف:
"طب بمناسبة الأجواء الليلية دي كلميني عن نفسك كدا و قولي أنتِ مين و دارسة إيه؟ حبيتي ولا لأ؟ مش معقول نكون صحاب و مش عارفين حاجة عن بعض، و مشيها صحاب دلوقتي علشان متجوزين دي معقداني بصراحة، الله يسامح اللي كان السبب"
ابتسمت هي بيأسٍ منه بسبب طريقته التي تحدث بها وهو يُلمح عن زوجته المتوفيةِ، بعدها ردت عليه بنبرةٍ ثابتة و وجهٍ مبتسم:
"أنا يا سيدي هدير محمود فايز الرشيد، عندي ٢٧ سنة قربت أتمهم، خريجة كلية ألسن قسم إيطالي، اتخطبت مرة واحدة قبل كدا و محصلش نصيب، معقدة نفسيًا و تربية عمتو مشيرة"
_"كله كوم و تربية عمتو مشيرة دي كوم تاني، ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها، دي مسكت الواد راشد خليته قطع الخَلف"
رد علي حديثها الثابت بطريقته الساخرة تلك التي جعلتها تبتسم بيأسٍ وهي تحرك رأسها نفيًا منه، فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"طب كملي طيب، طلعتي دحيحة و خريجة ألسن، شكلك كنتي سوسة و بتذاكري"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"والله كنت أدبي، بس أنا من ناحية المذاكرة بحب أذاكر دماغي حلوة و مش باخد وقت في المذاكرة كتير، علشان كدا دخلت ألسن بس ساعتها دخلتها منظرة و خلاص، يعني علشان تليق بشكلي و أسمي، كنت غبية بصراحة"
انكمش ما بين حاجبيه وهو يسألها بتعجبٍ:
"إزاي يعني؟ و الله شكلك دحيحة و بتشتغليني يا هدير"
ردت عليه هي بنبرةٍ ساخرة:
"يا حسن ما تفوق بقى، أنتَ خريج فنون تطبيقيه يعني مهندس و كنت علمي، أكيد كنت دحيح أنتَ كمان، هكدب عليك ليه"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"آه صحيح، معلش بسقط حوار أني مهندس دا، معلش بقى"
فتحت فمها ببلاهةٍ تطالعه بأعين متسعة من دهشتها بسبب حديثه، فوجدته يقول بنفس النبرة الضاحكة:
"طب كملي، اتخطبتي مرة و محصلش نصيب ليه طلع خاين؟"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بنبرةٍ مهتزة من خجلها:
"أنا مكنتش بحبه، بس فيه واحدة كانت بتحبه وهو كان مهندس بترول و شكل و مركز، ساعتها حسيت أني عاوزاه هو، معرفش ليه و حسبتها ازاي، بس مكنتش حاسة إن ينفع حد غيري ياخده، المهم يا سيدي حصل بيننا خلاف بسيط قولتله أني مش عاوزاه و أني غلطت أني ارتبط بيه، ساعتها هو راح للي بتحبه، يمكن دا كله حصل علشان مظلموش أكتر من كدا، و علشان أنا أفوق لنفسي بقى، الحمد لله سافر مع مراته و شكلها فرحانة، أنا بقى لو كنت كملت معاه كنت هاخد على دماغي في الأخر، علشان هو مش من حقي، و علشان كنت هدير تانية غير اللي قدامك دلوقتي، في النهاية الحمد لله إن ربنا كرمني بفرصة تانية علشان ألحق نفسي قبل ما القطر يعدي، الحمد لله إن خطوبتي مكملتش، دلوقتي بس عرفت إن الفرحة لما الحاجة متكملش أحسن بكتير من إنها تكمل و تضيع حياتك"
أمسك هو كفها حينما لاحظ ارتجافة يدها و تهدج صوتها، فرفعت رأسها تطالعه بأعين دامعة، فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة ظهرت بها عاطفته حينما قال:
"و الحمد لله إنك بقيتي معايا، علشان اتونس بوجودك يا هدير، الحمد لله إني لحقتك قبل كدا، و الحمد لله إن النصيب خلاني ألاقيكي علشان تكوني صاحبتي و تهوني عليا، بس أنا عندي سؤال مهم"
ردت عليه هي بنبرةٍ خافتة إثر خجلها من حديثه:
"أسأل براحتك يا حسن، نعم؟"
زفر بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة:
"هو أنتِ محبتيش خطيبك دا خالص؟ يعني مش ندمانة إنك ضيعتيه من إيدك؟"
تفهمت هي المقصد من حديثه لذلك ابتسمت له باقتضابٍ وهي تقول:
"متخافش، أنا عمري ما حبيت أصلًا، علشان عمري ما عرفت يعني إيه حب، صدقني أنا فرحانة أوي إن موضوعي معاه مكملش، أنتَ بقى عمرك ما حبيت ليه مع إنك كنت متجوز؟"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
"القلوب مش بتكدب و بيأكد صدقها العين، كل ما القلب داب و حب كل ما العين بقت صافية أكتر، مرتبط بيهم بقى الخوف، تلاقي العين بقت صافية و القلب بيدق و معاهم خوف، و أنا مخوفتش يبقى محبتش، دا مبدأ عندي طالما خوفت يبقى حبيت"
سألته هي بنبرةٍ تائهة:
"ازاي بس؟ أنا أعرف إن اللي بيحب مش بيخاف خالص، يبقى ازاي الخوف عندك مرتبط بالحب"
رد عليها هو يوضح لها ببساطةٍ:
"طالما حبيت يبقى هتخاف، هتخاف عليه من الهوا الطاير من لمحة حزن في عنيه، هتخاف على تعبه وتخاف يسيبك، هتخاف يجي يوم و ونسه يضيع منك، الحب يعني خوف يا هدير، و أجمد الجامدين كلهم مخافش غير لما حَب"
حركت رأسها موافقة على حديثه ثم أضافت مؤكدة:
"منطق برضه، كلامك مقنع يا حسن، و بالنسبة ليا أنا مبخافش خالص، هتبقى فضيحة لو خوفت و هيبان عليا"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ تائهة:
"مش دي المشكلة، المشكلة ساعتها إنك تعرفي سبب الخوف"
حركت رأسها تسأله بنبرةٍ متستفسرة:
"طب وهو سبب الخوف وقتها مش بيبقى معروف؟ هحتار يعني فيه؟"
حرك رأسه ينظر لها ثم قال بنفس النبرةِ التائهة وهو ينظر داخل عينيها التي تأسره كلما نظر بها:
"ساعتها قلبك هيدق و عينك هتبقى صافية و هتعرفي إنك بتحبي، خوف الحب هو أحلى خوف في الدنيا كلها"
حركت رأسها تنظر حولها بخجلٍ من نظرته، بينما هو وقف ثم أمسك كفها وهو يقول بنبرةٍ حاول صبغها بالمرح:
"يلا يا ستي جبنا سيرة الأموات و الأحياء ناقصك كتاب فيزيا و تبقي قفلتي الفصل الدراسي"
وقفت هي بوجهٍ مبتسم وهي تسأله بنبرةٍ حائرة:
"طب هنروح فين طيب؟ المكان فاضي و فيه كام حد هناك شكلهم بيحبوا في بعض"
رد عليها هو بمرحٍ:
"ما هما بيحبوا في بعض فعلًا، بس تعالي علشان أصورك، بما أني قولت إنك الوحيدة اللي هتخليني أرجع للتصوير تاني، يلا بقالك كتير منزلتيش صور على انستجرام، دي عيبة في حقي"
ابتسمت بقوة وهي تسأله بنبرةٍ متحمسة:
"قول والله !! بجد هتصورني يا حسن؟ بتليفونك بقى علشان هو أحدث من بتاعي أنا مش بقر يعني"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"قُري عادي، هيبوظ و أجيب غيره، فيه واحد أخوه مرمي في البيت مش عارف أتصرف فيه، و وليد مكسل يصلحه"
ردت عليه هي بنبرةٍ ظهرت بها اللهفة وهي تتمسك بذراعه و تقول:
"هو بتاعك أنتَ ؟! حرام والله دا غالي أوي، يدوبك مكملش سنة يا حسن"
رد عليها هو بحنقٍ:
"لو سي زفت كان صلحه مكنتش هجيب واحد جديد، و قالي هصلحه و أخده أنا، عاندت معاه بقى و أهو مرمي في البيت"
حركت رأسها نفيًا بيأس وهي تقول:
"والله العظيم رجالة متسرعة و كسولة، أنتَ كسلت تهتم بيه و وليد كسل يصلحه، ربنا يكرمكم"
أمسك كفها وهو يقول بمرحٍ:
"يا ستي يخربيت شركة أيفون كلها متزعليش نفسك، يلا بقى علشان أصورك جنب النافورة"
أومأت له بحماسٍ ثم فردت ذراعيها و كأنها المياه تنزل عليها، بينما هو ابتسم لها ثم التقط الصورة بعدما قام بضبط وضعها، بعدها أشار لها بابهامه يخبرها أن كل شيءٍ على ما يرام، بينما هي وضعت يدها في خصرها و اليد الأخرى وجهتها نحو المياه، التقط لها الصورة، ثم أشار لها من جديد، بينما هي مالت بجسدها للخلف قليلًا فوجدته يقول بحنقٍ:
"اظبطي يا هدير، النافورة هي اللي راقصة مش أنتِ ياما، اقفي عدل"
اعتدلت هي في وقفتها بخوفٍ منه، فوجدته يقترب منها ثم أمسك ذراعها يرفعه من جديد نحو المياه ثم حرك رأسها لليسار قليلًا و كأنها صورة ألتقطت بعفوية، بينما هي كانت تطالعه بخوفٍ بعدها وجدته يقول بصوته الرخيم:
"اقفي زي ما أنتِ كدا، لما أقولك تضحكي، اضحكي تمام؟"
أومأت له بأهدابها فوجدته يعود للخلف و حينها قال بنبرةٍ هادئة:
"اضحكي يا هدير"
ضحكت هي بقوةٍ رغمًا عنها، فالتقط هو الصورة لها، ثم اقترب منها من جديد، ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ ممتنة:
"بجد الصور فرحتني أوي يا حسن، و تصويرك حلو أوي ما شاء الله، موهوب فعلًا"
نظر حوله هو ثم رفع ذراعه يقربها منه، باغتها هو بفعلته تلك و قبل أن تبدي دهشتها، وجدته يقول بنبرةٍ هامسة:
"هنتصور سوا صورتين حلوين كدا و كل واحد يروح لحاله، اعتبريهم للذكري ما بيننا"
أومأت له موافقةٍ فوجدته يلتقط الصور معها بعدما ضبط وضع الهاتف حتى يتم التقاط الصور لهما و كأن هناك من التقطها لهما، بعدها وجدته يضع الهاتف بجانب النافورة بعد ضبط المؤقت، بعدها اقترب منها وهي تتابعه بتعجبٍ، فوجدته يقف خلفها ثم حرك رأسه للأمام وهو يقول:
"اضحكي و بصي قدامك علشان كلها ثواني و ياخد الصورة"
حركت رأسها تطالعه هو بدلًا من النظر أمامها، بينما هو وجه بصره يطالعها هو الآخر و حينها تم التقاط الصورة لهما و بدلًا من أن تكون وهما ينظران للأمام، أُلتقطت لهما وهما يطالعا بعضهما.
________________________
في شقة «ياسين» قص عليه «وليد» ما حدث له منذ بداية حياته حتى علاجه عند الطبيبة النفسية، قام بسرد الحكاية منذ البداية، بينما «ياسين» كان يستمع له باهتمامٍ واضح، و تارةٍ يشفق عليه و تارةٍ أخرى يشعر بالفخر به و بما عايشه في حياته، بينما «وليد» أنهى حديثه ثم أضاف:
"أنا مش عارف ليه بحكيلك أنتَ، و مش عارف واثق فيك ليه؟ و مش عارف ليه متأكد إن حياتي هتتصلح لما أكون معاك، ياسين أنتَ هتطلع قد الثقة دي؟"
سأله «وليد» سؤاله الأخير بنبرةٍ حائرة، جعلته يرفع حاجبه بشرٍ و قبل أن ينتبه الأخر له وجده يهجم عليه حتى أسقطه أرضًا وهو فوقه يقول من بين أسنانه بنبرةٍ بلهجةٍ حادة:
"و حياة أمك ؟! كل دا و مش قد الثقة؟ عاوزني أعمل لأهلك إيه تاني علشان تثق فيا؟ أغز نفسي بمطوة علشان ترتاح؟ تحب أرمل أختك بدري بدري طيب؟ بجري ورا أهلك في أي مصيبة و مش عاجب كمان؟ طلعة السويس دي محسستكش إنك واثق فيا؟"
رد عليه هو بخوفٍ:
"إهدا يا ياسين، دا أنتَ متربي مرتين عيب يا جدع، و بعدين أنا بتأكد بس، راعي مشاعري، و بعدين ابعد عني عيب كدا الإزاز مفتوح و دي وحشة في سمعة الشقة"
انتبه «ياسين» لوضعهما، فتركه على مضضٍ ثم اعتدل في جلسته، بينما الآخر قال بنبرةٍ يشوبها مرحٍ طفيف:
"ياعم وحد الله بقى، أنا حكيتلك عني كل حاجة أهو و بقيت كتاب مفتوح قصادك، و بعدين يعني لو أنا مش واثق فيك تقدر تقولي بحكيلك ليه؟ أنا بهزر معاك مش أكتر والله"
تنفس «ياسين» بعمقٍ ثم رد عليه بنبرةٍ أكثر تفهمًا رغم أنها جامدة:
"عارف يا وليد، و أنا قولتلك أني عاوزك معايا، احنا مش عيال في حضانة علشان نكون مش عاوزين حد معانا، أنتَ بقيت أخونا خلاص و هما مرحبين بيك، أنتَ مكسب لينا كلنا على فكرة"
رد عليه هو بنبرةٍ ممتنة:
"و أنا عارف حاجة زي دي، و ربنا يعلم أني حبتكم أوي و عاوز أبقى من عيلتكم دي بس بخاف والله"
ربت على كتفه وهو يقول بنبرةٍ حكيمة تماثل التي يتحدث بها معها:
"أحنا ربنا خلقنا بشر، مختلفين عن بعض يا وليد، أنا مش أنتَ و اللي أنا أحس بيه غيري ممكن ميكونش مدركه، و اللي أنا أقدر اتجاوزه في أيام غيري بياخده في سنين و العكس، و اللي أنا أشوفه موقف عادي غيري ممكن يسهر طول الليل يتوجع منه، لو احنا كبشر مش مدركين حاجة زي دا يبقى نسكت أحسن، و طول ما الحاجة وجعاك يبقى من حقك تشتكي منها مرة و اتنين و تلاتة، لحد ما تحس نفسك مرتاح، متخافش أنا مقدر موقفك و مش زعلان منك، بالعكس أنا فخور بيك و حاسس أني فرحان بأخويا الصغير، اللي عرفته عنك كبرك في نظري أكتر و شكرًا على كل حاجة عملتها مع خديجة، شكرًا علشان كنت سبب يجمعني بيها، لأن على حسب كلامك خديجة مكانتش هتطول معايا"
ابتسم له بامتنانًا حقيقيًا وهو يحرك رأسه موافقًا، فوجده يقول بنبرةٍ هادئة:
"أدخل نام يلا علشان بكرة اليوم كله هنقضيه سوا، و أعمل حسابك أخواتك كلهم هيكونوا معانا، ها أخواتك... ركز"
أومأ له موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"صدقني أنا مش عاوز أكتر من كدا و الله، كفاية إنكم معايا دي عندي بالدنيا"
وقف «ياسين» ثم قال:
"طب تعالى معايا علشان اجبلك حاجة تنام فيها، و أوريك أوضة العيال اللي هتنام فيها"
رمقه بحنقٍ عند كلمته الأخيرة مما جعل الأخر يرد عليه بوقاحته المعهودة:
"ما خلاص يا نجم، محسسني إن العيل كان هيبات الليلة دي في الأوضة، دا أنتَ غريب جدًا"
ابتسم له بسمةٍ يائسة ثم وضع ذراعه على كتفه وهو يقول بنبرةٍ مُحبة ظهرت بها عاطفته نحوه:
"تعالى يا ابن الحلال الله يرضى عليك، كان كفاية علينا عامر بقوا نسختين كتير عليا والله كدا"
ابتسم له «وليد» ثم سار معه نحو الغرفة، فتحها «ياسين» له ثم قال بفخرٍ:
"الأوضة دي ذوق خديجة خليتها تختار كل حاجة فيها علشان عيالها إن شاء الله، لسه فاكر شكل فرحتها و هي بتتكلم عن نفسها و هي أم، عينها كانت بتلمع و ساعتها اتأكدت إن خديجة هتبقى أعظم أم في الدنيا، و الأوضة دي ليها معزة خاصة عندي، علشان كل حاجة فيها مختاراها هي بحب و كأنها أم فعلًا"
رد عليه «وليد» بحبٍ:
"خديجة بتحب الأطفال أوي، بتحب تلعب معاهم و تديهم وقتها، كانت في العيد بتجيب اللعب و البلالين و توزعها عليهم بس من بعيد كدا علشان كانت بتخاف من الزحمة، بس أنا كنت بصلي و أقف معها كانت هي تديهم البلالين و أنا أفرقعها"
قال كلمته الأخيرة بمرحٍ جعل «ياسين» يضحك عليهما وهو يتخيل الموقف، بينما «وليد» تنهد بعمقٍ ثم قال:
"وحشني العيد والله، أيام بتكون حلوة، بس كل عيد بيكون فيه حاجة ناقصة، العيد اللي جاي دا هيكون حلو علشان حاجات كتير اتصلحت، و أهمهم إن جميلة رجعت البيت و هدير اتغيرت و خديجة اتعالجت و عبلة بقت معايا.....تصدق متشوق أوي للعيد دا"
قالها بشوقٍ ظهر في نبرته و ملامح وجهه و نظرة عينيه، بينما «ياسين» قال بنبرةٍ هادئة:
"و أنا كمان وحشني العيد، علشان أشوف عامر هيعمل فينا إيه السنة دي"
ضحك عليه «وليد» بعدما جملته الأخيرة بغموضٍ واضح، بينما «ياسين» قال بنبرةٍ هادئة:
"مسيرك يوم تتجمع معانا و تشوف بنفسك".
________________________
في شقة «خالد» في الليل، استيقظ ابنه ليلًا يبكي لأنه بمفرده، حينها خرج هو له ثم قام باعداد الطعام له و بعدها أخذه نحو المرحاض، بعدها أخذه على ذراعه يدور به حتى نام من جديد على ذراعه، بعدها تنهد هو براحةٍ ثم ذهب به نحو فراشه مرةً أخرى، وضعه بالفراش ثم وقف يتابعه و رغمًا عنه وجد نفسه يبتسم بحبٍ وهو يرى نسخةً مصغرةً منه، هو من أغلق قلبه لعدة سنوات يهرب من الحب و مسئولية تولي بيتًا أخرًا، ها هو يقف أمام صغيره الذي يشبهه إلى حدٍ كبير، تنهد هو بعمقٍ حينما تأكد من نومه، ثم ترك الغرفة حتى يطمئن على زوجته، أخفض نفسه لمستوى نومها ثم وضع يده يتحسس حرارتها، فوجدها انخفضت بدرجةٍ ملحوظة بعدما قام هو بعمل الكمادات الطبيةِ لها، جلس بجانبها بعدما قرب المقعد بقرب الفراش، ثم أمعن نظره في وجهها وهو يتذكر قصتهما معًا، و قصة حبهما التي ولدت رغمًا عنه و عن قلبه، الذي خشى قربها منه، حينها رفع يده ثم وضعها على رأسها، و كأنه يتأكد من وجودها بجانبه.
(منذ عدة أعوام قليلة)
كان حينها «خالد» يشعر بالتخبط في مشاعره، و طلب من والدته أن تبحث له عن عروسًا حتى يتزوجها، لا يدري لماذا طلب مثل هذا الطلب، لكنه شعر بأنه يريد لمن يقاسمه العمر القادم، حينها كانت «ريهام» في زيارةً عند خالتها التي تسكن في نفس بيت «خالد»، و ذات يوم دخلت والدته غرفته بعدما عاد من عمله وهي تقول بنبرةٍ متحمسة:
"واد يا خالد، ابسط لقيت طلبك خلاص اللي أنتَ عاوزه"
انتبه لها وهو يقول بتعجبٍ:
"في إيه يا ماما؟ لما بتتحمسي كدا أنا بخاف، استر يا رب"
ردت عليه هي بنبرةٍ متريثة بعدما جلست أمامه:
"يا واد أسمعني، أنتَ مش طلبت مني عروسة؟"
رد عليها هو بحنقٍ:
"طلبت منك عروسة يوم الحد اللي فات جبتيها الخميس إزاي؟ هو أنتِ مخاوية جن؟"
ردت عليه هي بضجرٍ:
"ما تلم نفسك بقى يا زفت، دي عروسة إسمها ريهام، بنت أخت فاتن جارتنا اللي فوق و جاية علشان أبوها عاوز يجوزها معلم من الصعيد بالعافية، أصله صعيدي و دماغه قفل"
رد عليها هو بسخريةٍ:
"يعني هو صعيدي و دماغه قفل و بنته مسدتش قصاده، العبد لله هو اللي هيسد يعني؟"
ردت عليه تؤكد حديثه:
"أيوا هتسد لما يعرف إنك عاوزها وبعدين هو أنتَ ناقصك إيه؟ شقتك و موجودة و العمارة دي كلها بتاعتنا و شغل و ربنا كرمك و شغال بشهادتك، يبقى ليه لأ؟ دي بنت حلال يا خالد و شكلها مكسورة الجناح يا بني، وافق و اكسب فيها ثواب من اللي هيتجوزها دا"
زفر هو بقوةٍ ثم حرك رأسه موافقًا على مضضٍ، و بعدها تم تحديد المقابلةِ الخاصة بهما حتى يتم التعارف، جلسا سويًا و حينها لم يستطع رفضها أو التهرب منها، كانت فتاةٍ صغيرة تخرجت من جامعتها هذا العام، رغم أن حديثهما سويًا كان مقتضبًا إلا أنه شعر براحةٍ غريبة تسكنه، حتى عينيها كانت تطالعه بنظرةٍ جعلته يجزم أن تلك العيون لم يرى مثيلتها في حياته، و على الرغم من ذلك تصنع الثبات و الجمود و كانت حجته أن تلك الزيجة فقط حتى لا تقع ضحية ذلك الملقب بأبيها، خصيصًا بعدما رآه و علم أنه رجلًا غليظ القلب سليط اللسان، و بعد مرور شهرٍ فقط تمت الزيجة بينهما، كان هو يخشى التقرب منها حتى لا يقع بحبها، كان حينها مسئولًا عن أسرته و أسرة صديقه، و خشى أن يقصر في حقهم، و الخوف الأكبر خشى أن تتركه بعدما يحبها كما تركه والده، فأصبح مصابًا بخوف الفقد، كما أنه اضطر لتصنع الجمود طوال عمره حتى يستطع تحمل مسئولية من هم على عاتقه، خوفه من الحب، جعله يصدمها ليلة زفافهما بقوله الصادم الذي اوقع أحلامها أرضًا:
"بصي أنا مش عارف إزاي إحنا وصلنا لغاية هنا، خصوصًا أني بخاف من العلاقات و المسئولية، أنا كملت لحد هنا علشان والدك و علشان مرضاش إنك تتجوزي جوازة زي اللي كان هيجوزهالك دي، أنا أسف بس أنا مبحبش أكدب على حد، خصوصًا في المشاعر، عن إذنك، أنا هنام في الأوضة التانية علشان تكوني براحتك"
قال حديثه لها بثباتٍ يُحسد عليه، بينما هي كانت تطالعه بدهشةٍ من خلال عينيها الدامعة، و زادت لمعة الدموع أكثر حينما رآته ينسحب من أمامها تاركها في الغرفةِ بمفردها بفستان زفافها و يرافقها خيبة الأمل، فها هو من أحبته حقًا و تمنت قربه طوال حياتها منذ أول مرةٍ أتت بها عند خالتها منذ كانت في المرحلة الثانوية، ها هو يخبرها أنها لن تصبح زوجته، حينها بكت بقوةٍ ثم رفعت كفيها تضعهما على فمها حتى تكتم شهقتها، بينما هو كان في الغرفةِ المجاورة لغرفتها، ارتمى على الفراش وهو يشعر بالذنب نحوها، لكنه يرى أن ذلك هو الأفضل لهما، من المؤكد سيأتي يومٍ و تتركه، إذن فلتتركه كما هي، استمر الوضع هكذا بينهما لمدة شهرين، كانت طوال تلك الفترة تبتعد عنه، حتى أنه كان دائم العبوس في وجهها، و في ليلةٍ من الليالي قرر مصارحتها أن مشاعره بدأت تنجذب نحوها، حتى فاجئته في نفس اليوم بقولها الصادم قبل اعترافه هو لها:
"أنا عارفة إنك عملت كدا علشان تلحقني منهم و كتر خيرك لحد كدا، بس شهرين حلوين أهو يخلوني أسيبك من غير ما الناس تتكلم، علشان كدا عاوزاك تطلقني"
طالعها هو بدهشةٍ فوجدها تقول بنبرةٍ شبه باكية:
"كفاية لحد كدا، شهرين عايشين زي الغرب و أنا كأني تُحفة موجودة في الديكور هنا، أنا عشمت نفسي من الأول و استاهل العقاب، علشان كدا هريحك من الحِمل دا و عاوزاك تطلقني و أنا هقول أني مقدرتش قيمتك و أنا اللي غلطانة"
اقترب منها يقف مقابلًا لها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
"يعني إيه عاوزة تسيبيني؟ دلوقتي في نفس اليوم اللي أنا جاي فيه أقولك أني...."
صمت هو أمام نظرتها الجامدة التي تطالعه بها، فمهما قيل في تلك اللحظة سيضع في اعتبار المجاملة، حينها ابتعد عنها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
"أنا مش هطلق، على الأقل دلوقتي، و البيت دا هيفضل بيتك"
قال جملته ثم تركها و خرج من الشقة تاركها خلفه تبكي بقوةٍ، بينما هو خرج من الشقة وهو يشعر بالاختناق، لماذا يخالفه الوقت كل مرةٍ، ها هو الآن أصبح مشغولًا بها، بينما هي ارتمت على الأريكة و من كثرة البكاء غفيت مكانها، عاد هو لها قبل الفجر، فوجدها تغمغم بعدة كلمات غير مفهومة و درجة حرارتها مرتفعة بشدة، حينها اقترب منها وهو يشعر بالخوف عليها، ثم وضعها على الفراش وهو يقوم بعمل الكمادات الطبيةِ لها، حتى الصباح وهو جالسٌ بجوارها، حينها أتت شقيقتها لها حينما حاولت التواصل معها لكن دون جدوى، اضطر هو في ذلك الوقت لمغادرة الشقة حتى تسطتع شقيقتها الجلوس معها، و لكنه رحل و ترك قلبه عندها، حينها ذهب عند «ميمي» ثم جلس بجانبها يبكي بقوة وهو يخبرها بما صار منه لها، حينها وبخته هي و طلبت منه العودة لزوجته و يجلس بجوارها حتى تفيق من أزمتها، عاد هو راكضًا لها، وجد شقيقتها معها، حينها قال لها معتذرًا:
"معلش يا آنسة روان حضرتك كدا تمشي و أنا هاي بالي من مراتي، كفاية تعبك لحد كدا"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
"وهو حضرتك هتعرف تخلي بالك منها؟ أكيد مش هتقدر و إلا مكانتش تعبت من الأول"
رد عليها هو بهدوءٍ ممتزج بضيقٍ طفيف منها:
"طيب أنا بشكرك أهو و بقولك شكرًا لحد كدا و لو أنا احتجت وجودك هكلمك، أظن دي مراتي يعني مش هأذيها"
تركته هي على مضضٍ ثم غادرت الشقة، بينما هو دلف لزوجته الغرفة، فوجدها تجلس على الفراش و عينيها مصطبغة باللون الأحمر من كثرة البكاء، جلس هو مقابلًا لها على الفراش فوجدها تحرك رأسها للجهة الأخرى حتى لا تلتقي بعينيه، حينها حرك هو رأسها للأمام وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"طب بصيلي طيب، هو صحيح أنا حيوان و زبالة و واطي، بس بصيلي"
طالعته بعينيها التي نظرت له بلومٍ و عتابٍ و اضح، فقال هو بعدما زفر بقوةٍ:
"أنا يا ستي خالد اللي أبوه سابه وهو عيل صغير و في رقبته أمه و أخته و صاحبه و أهل صاحبه، لحد دلوقتي لسه موته مأثر فيا، بخاف أحب حاجة أو حد يسيبني، مش عارف ليه طلبت من أمي أتجوز و طلعتي أنتِ أول بختي، و اللي خوفت منه حصل، حبيتك و اتعلقت بيكي، افتكرت نفسي معنديش مشاعر أديهالك و خوفت بعدما أحبك تسيبيني، دلوقتي أنا جربت دا مرتين، مرة لما طلبتي مني أسيبك و مرة لما تعبتي و أنا سهران جنبك أعملك الكمادات، ريهام أنا بحبك، و يمكن أكون حبيتك من أول مرة شوفتك فيها بس والله بحبك و عاوزك معايا متسيبينيش، ينفع تديني فرصة تانية؟"
وهو يتحدث رغمًا عنه نزلت دموعه، بينما هي مسحت دموعها ثم قالت له بنبرةٍ جامدة:
"اللي أنتَ عملته فيا دا مكانش غلط لوحدك، دا كان غلطي أنا، انا اللي استاهل علشان وصلت معاك لهنا"
أمسك هو كفها وهو يقول متوسلًا لها بنبرةٍ شبه باكية:
"والله العظيم دا غلطي أنا، أنا بحبك و عاوزك معايا علشان خاطري متعمليش فيا أكتر حاجة خوفت منها و هي إنك تسيبيني، والله العظيم ما هقدر على فراقك و لا هستوعب إنك مش معايا أصلًا، سامحيني و أديني فرصة"
بكت هي رغمًا عنها فوجدته يأخذها بين ذراعيه ثم قال بنبرةٍ باكية:
"علشان خاطري متمشيش... متخليش خالد الصغير اللي لقى نفسه معاكي هنا يضيع مني تاني، ريهام أنا بحبك والله بحبك"
(عودة إلى الوقت الحالي)
تنهد هو بعمقٍ حينما عاد من رحلة ذكرياته، و هو يتذكر بعدها شهر العسل و كيف أستطاع أن يمحو تلك الذكريات التي مرت عليهما، و لولا أنها تتمتع بقلبًا طيبًا لما كان معها الآن، وهي أمامه و صغيره في الغرفة المجاورة لهما، حينها مد ذراعه ثم ربت على رأسها بعدها اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال و كأنه يحدثها بنبرةٍ هائمة:
"سبحان الله، اللي تخاف منه ميجيش أحسن منه، أخاف من حبك و يطلع هو أأمن حاجة في الدنيا كلها، حبك اللي حياني و خلاني أحس، حبك اللي خلاني أب، كنت ليا العنوان و أنا تايه في الدنيا، و هتفضلي أنتِ كل حاجة حلوة، علشان بوجودك رجع معاكي الحلو كله، يا أحلى ما جِه في العمر كله"
ابتسمت رغمًا عنها وهي نائمة، حيث كانت تتنصت على حديثه وهو يحدثها بتلك النبرة، بينما هو ابتسم لها ثم قال بنبرةٍ مرحة:
"عارف إنك صاحية، عينك عمالة تتحرك و تبربشي، قومي و طمنيني عليكِ يا نور البيت"
فتحت عينيها تطالعه بوهنٍ وهي تقول بنبرةٍ هادئة ظهر بها تعبها:
"يعني بعد كلامك دا بصراحة اطمن أنا تمام و زي الفل، بس إيه دا يا خالد بجد، طلعت بتحبني مش بتاخدني على قد عقلي"
رد عليها هو بنبرةٍ ساخرة يشوبها مرحٍ طفيف:
"باخدك على قد عقلك إزاي يا عبيطة أنتِ، أنا مليش غيرك في الدنيا دي، خالد ملقاش نفسه غير معاكي و دنيته كلها عيونك أنتِ، دي البصة فيهم تحيي الميت و ترد الروح، و أنا الروح بترد فيا ببصة منهم يا ريهام"
فرت دموعها رغمًا عنها تأثرًا بحديثه، فوجدته يمد يده ثم مسح دموعها وهو يقول بنبرةٍ هادئة و لكنه يلوم نفسه بها:
"متعيطيش تاني بسببي، كفاية اللي حصل أول جوازنا أنا مش ناسيه و مش مسامح نفسي عليه، بس أنا بحبك و عارف إنك بتحبيني"
اعتدلت هي في وضعها، حتى جلست على الفراش وهو يتابعها باهتمامٍ بعدما انكمشت المسافةِ الواقعةِ ما بين حاجبيه، بينما هي فتحت له ذراعيها وهي تبتسم له، ابتسم لها هو الأخر ثم ارتمى بين ذراعيها، فوجدها تربت على ظهره و كأنها تهدهد صغيرها وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا بحبك يا خالد، و اللي حصل أنا مقدراه، علشان أنا قعدت معاك شهرين مشوفتش فيهم حاجة وحشة منك، كنت بتعاملني بكل أدب و احترام، رغم إن دا اللي المفروض يحصل، بس الناس من كتر قلة الأدب و قلة الاحترام، بقت بتستغرب، غيرك كان ممكن يستغلني، لكن أنتَ حافظت عليا لحد ما بقيت مراتك و حبيبتك، اطمن مسامحاك و بحبك يا سيدي"
شدد هو مسكته لها وهو يقول بنبرةٍ متألمة:
"لما تعبتي تاني فكرني بأول مرة تعبتي فيها، اتأكدت أنا ليه مسميكي نور البيت، البيت ضلمة من غيرك أوي، و ملوش لازمة كمان"
أبتسمت هي بشدة، فوجدته يضيف:
"يونس كان عمال يعيط عليكي برة و يقول عاوز ماما، أقولك على حاجة؟ كنت هعيط أنا كمان و أقوله أنا عاوز ريهام، أنا و الواد ملناش غيرك، فوقي بقى يا ستي"
ربتت على ظهره وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
"فوقت والله خلاص، الحمد لله بقيت أحسن كتير، البركة فيك"
________________________
في صباح اليوم التالي بعد انتهاء تلك الليلة على الجميع، تحديدًا في شقة «ياسين» استيفظ «وليد» بضجرٍ صباحًا ثم خرج من الغرفة وتوجه نحو المرحاض وهو يسعل بشدة من رائحة البخور، بعدها خرج من المرحاض فوصله صوت «ياسين» من المطبخ وهو يقول بنبرةٍ عالية:
"تعالى يا وليد افطر معانا، احنا في المطبخ"
دلف هو لهما فوجدهما يجلسان معًا على الطاولة في المطبخ، بينما وقفت هي تقول بنبرةٍ فرحة:
"صباح الخير يا روح قلبي، طمني عرفت تنام كويس؟"
طالعها «ياسين» بتعجبٍ، بينما هو ابتسم لها ثم حرك رأسه موافقًا، فقالت هي بنفس الحماس:
"اقعد بقى علشان اصبلك الشاي باللبن اللي بتحبه و افطر معانا"
سحب هو المقعد المجاور لمقعد «ياسين» ثم جلس عليه، بينما هي عادت لهما من جديد تجلس مقابلةً لهما بعدما أحضرت له المشروب، فقالت وهي تجلس:
"بس أنتَ صاحي بدري مش عادتك يعني؟ خير"
رد عليها هو بحنقٍ:
"عاملة اللي عملاه دا كله و مش عاوزاني أصحى بدري؟ مشغلة القرآن على أخره، و مولعة بخور و عمالة تجري في كراسي، في إيه هو أنا نايم في الحسين؟"
رد عليه «ياسين» بسخريةٍ:
"دي أقل حاجة عندنا، فيه بقى تنفيض ساعات بس دا مدخلش في المنيو النهاردة علشان حضرتك منورنا، منور بيت أخوك يا وليد"
تدخلت هي تقول بنبرةٍ متعجلة:
"طب يلا أفطروا علشان تنزلوا تصلوا علشان نشوف هنقضي اليوم إزاي"
رد عليها «ياسين» بثباتٍ:
"لأ ما هو أنا و وليد و الرجالة هنقضي اليوم عند ميمي، مع نفسك أنتِ بقى يا كتكوتة"
ردت عليه هي بلامبالاةٍ:
"أحسن برضه، أهو أقعد أخلص الحلقات اللي اتراكمت عليا بسببك، و أشغلها على الشاشة كمان"
رد عليها هو بحنقٍ:
"أنا مظبط الشاشة مش عاوز عبط، والله لو بوظتي حاجة فيها هتبقى وقعتك طين"
تحدثت هي منفعلة في وجهه:
"قولتلك دي شاشتي جايباها بفلوسي، أنتَ بتتحكم بأمارة إيه"
قبل أن يرد عليها هو تدخل «وليد» يقول بطريقةٍ تمثيلية:
"لأ لأ لأ.....مش أسلوب دا يا جماعة، أنا بقول نجيب القايمة و نشوف لينا إيه و عليكم إيه"
رد عليه هو بسخريةٍ:
"ماهو أنا موكوس مضيت على القايمة من غير ما أبص حتى، واخد سمك في مياه يعني"
شهقت هي بقوةٍ بينما «وليد» رد عليه بتهكمٍ:
"مش مشكلتنا إنك عبيط بقى، حد قالك تمضي من غير ما تراجع، استفدت إيه حضرتك؟"
نظر لها فوجدها تطالعه بحنقٍ حينها اقترب على الطاولة حتى ينظر لها ثم استند عليها بمرفقيه وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
"دا أنا أمضي على عمري كله قصاد بصة من عيونها، دا أنا أبيع الدنيا كلها و مشتريش غير خاطرها، إحنا عاوزين ننول الرضا، و لا إيه يا كتكوتة؟"
أبتسمت له بخجلٍ وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
"نعم؟"
رد عليها هو بمشاكسةٍ:
"أنعم الله عليكي، عرفيه أني ممكن أبيع الدنيا علشانك، عرفيه إنك الفراشة بتاعتي اللي ربنا كرمني بيها"
طالعهما «وليد» بتعجبٍ و كأنه يسأل نفسه على ما يراه حقيقيًا؟،و قبل أن يغوص في تفكيره أكثر من ذلك وجدها تقول بخجلٍ:
"عارفة، و عارفة كمان أني مليش غيرك يا سيدي، فداك الشاشة و صاحبة الشاشة كمان، المهم إنك تكون بخير"
اقترب منها هو حتى يقبلها بعدما ابتسم لها بعد حديثها فوجد «وليد» يقول منفعلًا:
"فيه إيه يا جدعان؟ هو أنا مش مالي عينكم؟ و أنتَ يا زفت احنا رايحين نصلي الجمعة لم نفسك على الصبح"
عاد هو للخلف وهو يقول بخجلٍ:
"لا مؤاخذة نسيت إنك هنا، و بعدين فيه أيه؟ هو اللي عم محمد بيعملوا فيك هتيجي تطلعه عليا هنا ولا إيه؟"
اخفضت رأسها هي بخجلٍ منهما، فوجدت «ياسين» يقول بنبرةٍ عادية:
"بصي علشان احتمال نتأخر عند ميمي، هوديكي عند الحبايب علشان متقعديش لوحدك تاني"
طالعاه بتعجبٍ، بينما هو قال بمرحٍ:
"هتروحي عند بابا رياض و ماما زُهرة، و أنا بليل هاجي أخدك بعدما نقضي اليوم مع ميمي"
أومأت له موافقةٍ بإيماءةٍ بسيطة، و بعد مرور دقائق، خرجا من الغرفة و كليهما يرتدي جلبابًا باللون الأبيض يتطابق مع الأخر، كانت هي جالسةً في غرفة الصالون حتى خرجا سويًا، حينها اقتربت منهما وهي تقول بنبرةٍ مختنقة من فرحتها بـ هيئتهما:
"شكلكم حلو أوي، إيه العسل دا؟ ياسين و وليد لابسين زي بعض و رايحين يصلوا، بجد شكلكم حلو أوي"
رد عليها «ياسين» يمازحها:
"أي خدمة ليكي و ليه، لابس جلبيتي أهوه، ها يا حبايبي تحبوا حاجة تانية؟ المهم أنكم تكونوا فرحانين"
اقتربت منه هي ثم احتضنته وهي تقول بنبرةٍ ممتنةٍ له:
"ربنا يخليك لينا و تفضل علطول معانا يا ياسين، أنا مش عاوزة غير كدا، و مش هيفرحني غير كدا"
احتضنها هو بقوة ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"و أنا عيوني ليكي طول ما أنتِ فرحانة، و مش عاوز غير كدا منك، كفاية إن عينك تفرح"
ابتعدت عنه وهي تبتسم بخجلٍ، فوصلها صوت «وليد» يقول بمرحٍ ساخر:
"يا حبايبي !! فتحتوا نفسي على الجواز والله، هتخلوني أروح أحدد معاد الفرح"
أخذها «ياسين» أسفل ذراعه وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
"دا لازم يحصل أصلًا، أسمع مني مفيش أحسن من إن ربنا يكرمك بنصك التاني في بيت واحد، فكرة مريحة أوي للأعصاب"
رفعت رأسها تطالعه وهي تقول بنبرةٍ ساخرة:
"أوي يا وليد، مفيش قمص و لازعل، و لا مناقرة، أسألني أنا"
رد عليها «ياسين» بمرحٍ:
"ماهو دي أحلى حاجة علشان منملش، و بعدين أنا بنكد بالأغاني، هتلاقي زيي فين"
ابتسم «وليد» عليهما، بينما هو فتح ذراعه الأخر وهو يقول:
"تعالى في حضن أخوك ياض يا وليد، عارف أنتو محتاجين احتواء"
اقترب منه «وليد» فوجده يحتضنه هو الأخر وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"اعتبروني كل حاجة ليكم، افتكروا دايمًا إن ياسين في ضهركم و أني معاكم انتم الاتنين، مش عاوزكم تخافوا ولا تزعلوا من حاجة طول ما أنا معاكم"
ابتسم كليهما وهما ينظران لبعضهما، بينما هو شدد ضمته لهما وكأنه يؤكد صدق وجوده معهما بذلك.
_________________________
في الأسفل اجتمع الشباب معًا و معهم «يونس» و كعادتهم يرتدون نفس الشيء حتى «وليد» كان يرتدي مثلهم، و فجأة نظر للصغير وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"ابنك شبهك يا خالد، ما شاء الله ربنا يبارك فيه و يحفظهولك"
رد عليه «خالد» بنبرةٍ هادئة:
"حبيبي، ربنا يكرمك و تشوف عيالك أنتَ كمان"
تدخل «عامر» يقول بمرحٍ:
"و يكرمني و أشوف عيال ياسر يا رب، يا رب يطلعوا زيه و عينهم زرقا، هعمل بيهم مصالح على السياح"
ضحكوا عليه جميعًا بينما «ياسر» تحدث يقول بحنقٍ:
"يمين بالله كرهتهم من قبل ما يجوا، جرى إيه يالا، مش وراك غير عيالي؟"
تدخل «ياسين» يقول بمرحٍ:
"الحمد لله عيوني مش زرقا، كان زمان عامر ماسك فيا و في عيالي"
تدخل «خالد» يقول بنبرةٍ هادئة:
"طب يلا علشان نحلق نصلي علشان ميمي مفطرتش، و مستنية نفطر معاها، يلا بينا"
رد عليه «ياسين» مردفًا:
"احنا بعد الصلاة هنروح نوصل خديجة عند أمي علشان عاوزة تشوفها، و بدل ما تقعد لوحدها"
أومأ له الجميع بموافقةٍ، ثم ساروا نحو المسجد، حتى يلحقوا صلاة الجمعة، و بعد الصلاة خرجوا من المسجد و حينها بكى الصغير حتى يذهب لـ «ياسين»، لكن ما حمله كان «وليد» وهو يقول بمرحٍ:
"تعالى ليا أنا بحب الأطفال، ياسين بياكلهم"
ضحكوا عليه بينما الصغير وضع رأسه على كتفه، حينها شعر «وليد» بشيئًا غريبًا كما أن ضرباته تسارعت، حينها رفع ذراعه ثم وضعه على ظهر «يونس» ثم ابتسم بحبٍ لم يستطع السيطرةِ عليه، بينما هم طالعوه بحبٍ، فتدخل «ياسر» يقول بمرحٍ يمازحه:
"مبروك عليك يا وليد، لبست في يونس خلاص، كدا مش هيسيبك تاني"
تدخل «خالد» يقول بنبرةٍ مسرعة:
"طب يلا علشان ميمي اللي مستنية دي، عاوزين نحلق نروح ليها"
رد عليه «ياسين» مردفًا:
"خلاص زي ما قولتلك روحوا أنتم و أنا هوصل مراتي و أجي وراكم مع وليد"
اقترب «خالد» يأخذ ابنه من على كتف «وليد» لكنه عارض و تمسك به أكثر، حينها قال «وليد»:
"خلاص خليه معايا أدينا بنتعرف على بعض يا خالد"
أومأ له موافقًا ثم قال بهدوء:
"طب يا عم طالما مسك فيك كدا يبقى حبك، الواد دا بيفهم في الناس شكله كدا، علشان كدا مسك فيك"
ضحكوا عليه جميعًا، بينما «ياسر» قال:
"يلا هنروح إحنا متتأخروش علينا، هنستناكم علشان نفطر"
تدخل «عامر» يقول بضيقٍ:
"يوه بقى، كان نفسي ندخل سوا بالفطار، متتأخرش يا زفت أنتَ وهو هنستناكم"
كان يتحدث وهو يتحرك من أمامهما مع صديقيه، بينما «وليد» رفع صوته وهو يقول بمرحٍ:
"حبيبي يا عامر اسبقني على السُفرة و أنا هجيلك"
ضحك الجميع على تلك الكلمة حتى «عامر» نفسه، ثم توجهوا نحو سيارة «خالد»، بينما «ياسين» أخرج هاتفه يطلب زوجته حتى تنزل له لكي تذهب عند والديه، و بعد مرور بعض الوقت، أوقف السيارة أسفل بناية أسرته، فقالت هي بنبرةٍ حائرة:
"طب أنا هطلع أعمل إيه طيب من غيرك؟ أكيد عمو عاوز يرتاح هو و طنط يا ياسين"
رد عليها هو ينفي حديثها:
"يا ستي والله هما اللي طالبينك أصلًا، و بعدين فيها إيه من غيري يعني، أحنا هنقضي اليوم مع ميمي و هرجعلك تاني"
أومأت له موافقةٍ ثم نزلت معه من السيارة، و خلفهما «وليد» بعدما رفض عدة مرات الصعود، لكن «ياسين» كان الأقوى حينما فرض عليه الصعود معه و على كتفه «يونس»، بعدها توجهوا نحو الشقة، ففتح «رياض» الباب و حينما شاهدهم قال بنبرةٍ جامدة:
"بقى دي أخرتها يا أستاذ ياسين؟ تاخد بنتي لحم و ترمهالي عضم و كمان جايبهالي لحد باب بيتي؟ طب اتكسف على دمك، بس على مين دا أنا محامي و حياة أمك لأبهدلك في المحاكم"
طالعته هي بفاهٍ مفتوح، بينما «وليد» اقترب منه يقول بنبرةٍ هامسة:
"هو الحج ماله يا ياسين؟ هو ملبوس ولا إيه؟ أنا خايف"
رد عليه هو بنفس الهمس:
"الحج غاوي أفلام عربي، بس اصبر هينزل بمشهد الأرض دلوقتي و الستاير تنزل و خلاص"
قطب جبينه فوجد «رياض» يضيف:
"أومال لو مش قبولك الوحيد كنت عملت فيها إيه؟ دا أنتَ حاطط جنب أسمها كوكب و قلب أبيض، دا أنتَ....."
_"متربتش...أنا متربتش يا حج، خلاص بقى الناس واقفة مش عاوزين فضايح"
رد عليه هو بذلك حتى يقاطع حديثه، بينما «رياض» زفر بقوةٍ ثم قال بمرحٍ:
"نورتوا البيت يا حبايبي، اتفضلوا معلش كنت بهزر مع الجحش ابني، أنتو كويسين"
ضحكوا عليه جميعًا، بينما هو حرك رأسه ينظر لـ «وليد» وهو يقول مرحبًا به:
"إزيك يا وليد واقف بعيد ليه يا حبيبي، تعالى سلم على عمو رياض"
أعطى «وليد» الصغير لـ «ياسين» ثم اقترب منه يعانقه وهو يقول بنبرةٍ مرحبة هو الأخر:
"حبيبي يا عمو رياض و حشتني والله، اخبارك إيه"
رد عليه هو بنبرةٍ مرحة:
"أنا كويس أوي الحمد لله، طول ما ياسين بعيد عني عني أنا مرتاح، و طالما شوفت قبول ابني الوحيد و أنا مبسوط"
أبتعد عنه «وليد» يطالعه بتعجبٍ فوجده يقول مفسرًا:
"خديجة أختك، ابني مسميها على التليفون قبولي الوحيد، قولي بقى أنتَ عندك قبول وحيد؟"
_"لأ يا عمو، أنا استثناء وحيد، و في بعض الأحيان سوبيا"
رد عليه «وليد» بذلك بنبرةٍ ثابتة و كأنهما يتحدثان عن موضوعًا في غاية الأهمية، و هما خلفهما يضحكا بتعجبٍ، بينما «رياض» قال بمرحٍ:
"في نفس المنطقة يعني؟ متخافش هفضحك قريب إن شاء الله، زي ما فضحت ابني"
رد عليه هو بنبرةٍ ممتنة:
"حبيبي يا عمو رياض، دا العشم برضه، تسلم"
تدخل «ياسين» يقول بضجرٍ:
"المهم أمي أنا فين؟ خلونا نخلص"
رد عليه والده بنبرةٍ عادية:
"بتصلي جوة، بس هي بتصلي السنة و الفرض علشان كدا بتطول، قولي بقى خير"
رد عليه مُفسرًا:
"هنقول تاني، رايحين عند ميمي نقضي اليوم هناك، و بعدها هاجي أخد مراتي، مش أنتو عمالين تقولوا وحشتنا، جبتهالكم أهيه"
أمسك «رياض» ذراعها يسحبها نحوه وهو يقول بمرحٍ:
"أيوا هي أحسن منك، بتكلمني كل يوم تطمن عليا قبل حلقة المسلسل، مش زيك يا واطي"
ابتسمت له هي، بينما «وليد» حاول كتم ضحكته، أبان ذلك قال «ياسين» بحنقٍ:
"هو أنتَ مخلفني علشان تهزق فيا؟ إيه دا؟ أنا ماشي يا سيدي"
رد عليه هو بنبرةٍ هادئة:
"أمشي أنتَ مع السلامة و هات يونس يقضي اليوم معانا"
رد عليه هو بقلقٍ:
"بلاش علشان خالد ميزعلش، خليها مرة تانية"
رد عليه هو بضجرٍ:
"هيزعل من إيه يعني؟ علشان قاعد مع جده، هاتوا يا ياسين هو وحشني أوي، و أنا هقول لخالد"
أعطاه له وهو يقول بنفس القلق:
"أنتَ حر، أنا همشي بقى، بابا حطهم في عينك، و ابقى خلي خديجة تاكل علشان هتتكسف أنا عرفتك أهوه"
قال جملته ثم أغلق باب الشقة بعدما كان واقفًا على أعتابه برفقة «وليد» بينما هي نظرت في أثره بتعجبٍ ثم حركت رأسها بيأسٍ منه، فوجدت «زهرة» تقترب منها وهي تقول بلهفةٍ و شوق:
"حبيبة قلب ماما، و حشتيني أوي يا خديجة"
احتضنتها «خديجة» بحبٍ وهي تقول بنبرةٍ مشتاقة:
"و حضرتك وحشتيني أوي يا ماما زُهرة، عاملة إيه طمنيني"
ردت عليه هي بحبٍ بعدما ابتعدت عنها:
"أنا كويسة و فرحانة علشان شوفتك، قوليلي ياسين مزعلك؟ أوعي يكون بيضايقك؟"
ردت عليها هي بنبرةٍ هادئة:
"خالص يا ماما، ياسين مبيزعلنيش الحمد لله و يارب أنا كمان مزعلهوش"
ربتت على وجنتها بحبٍ وهي تقول بنبرةٍ مُحبة:
"ربنا يخليكم ليا، و يفرحني بولادكم إن شاء الله، تعالي بقى علشان نحضر الغدا طالما ياسين مش هنا"
أومأت لها موافقةً، ثم لحقتها نحو الداخل، بينما «رياض» جلس على الأريكةِ و في يده الصغير يقوم بهدهدته و الأخر يضحك له بقوةٍ.
_______________________
في شقة «ميمي» دلفا معًا و كالمعتاد توسعت حدقتيهما، بينما «وليد» قال بحنقٍ:
"يمين بالله تعبت للسفرة دي، لو بتنطق كانت قالت كل الشتايم اللي وردت في القواميس و المجاميع و الأراطيس كمان، خشبها منين السُفرة دي؟"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ ضاحكة:
"معمولة عمولة في دمياط، تعالى بس نشوف أخرتها إيه"
اقتربا من الطاولة فتحدث «ياسين» يقول بحنقٍ:
"ها يا خالد عمل فيك إيه؟"
رد عليه بنبرةٍ متريثة:
"عمل فينا كلنا، البيه كان هيموتنا"
تدخل «وليد» يقول بتعجبٍ:
"أنا مستغرب أصلًا، إزاي ربنا مطول في عمرنا و عامر معانا، علشان لو مروحناش بسبب مصايبه هنروح فيها بسبب بجلطة"
رد عليه هو بخوفٍ:
"إيه يا وليد، هو ناقص تسخنه عليا؟ ما تقول كلام عِدل يا عم"
تدخل «ياسر» يقول بحنقٍ:
"ما هو أبدأ أنتَ بالعدل و إحنا هنبدأ معاك، لكن أنتَ مصمم تشلنا كلنا"
تدخل «ياسين» يقول بضيقٍ:
"ما تنطق يا زفت منك ليه، هبب إيه هباب الطين دا"
رد عليه «خالد» بحنقٍ:
"أنا هقولك يا سيدي هبب إيه"
(قبل ذلك الوقت)
كان «خالد» في المطبخ يقوم بتحمير البطاطس حتى يتناولوها على الفطار، و بعدما انتهت أخرجها من المقلاة و قبل أن يضع الأخرى صدح هاتفه برقم شقيقته، انتاب القلق قلبه خصيصًا أنها تجلس برفقة زوجته، رفع صوته يُنادي صديقه وهو يقول:
"تعالى يا عامر لحد ما أرد على التليفون، تعالى بسرعة"
أبان حديثه أطفأ النيران أسفل المقلاة، و حينها دلف «عامر» وهو يقول بنبرةٍ عادية:
"نعم يا خالد، عاوز إيه يا سيدي"
رد عليه هو بنبرةٍ متعجلة:
"بص هكلم إيمان علشان أتطمن على ريهام طالما هما رنوا عليا، أنا قفلت البوتجاز، شغله أنتَ و لما الزيت يسخن حط البطاطس دي، أنا مصفيها، بس بسرعة ياسر تحت بيجيب الفطار"
أومأ له موافقًا ثم اقترب من البوتجاز يقوم باشعال النيران، ثم التفت ينظر خلفه و حينها حك فروة رأسه بيده وهو يقول بنبرةٍ تائهة:
"هو قالي أحط المياه على البطاطس إمتى؟ وهي في الزيت؟ يوه بقى"
بعدها انتظر حتى سخن الزيت على النيران و لكنه وصل لدرجةً كبرى، حينها وضع المياه على البطاطس ثم ألقاها في الزيت، و مع قوة المياه و ارتفاع درجة حرارة الزيت، ارتفعت النيران فوق المقلاة حتى وصلت لسقف المطبخ، حينها صرخ بقوة و بملء صوته:
"يــــا خـــالــــد، إلـــــحقني"
(عودة إلى الوقت الحالي)
وجههوا جميعهم بصرهم نحوه وهو يزدرد لُعابه بخوفٍ، فأضاف «خالد» من جديد:
"قولولي يا رجالة أنا أعمل إيه؟ تحبوا أخلص عليه دلوقتي؟ و لا استنى في الليل و الدنيا ضلمة و نخلص كلنا؟"
رد عليه هو بنبرةٍ مهتزة:
"نسامحه يا خالد، صدقني نسامحه و تبقى صدقة جارية طول حياتك، علشان هعيش عمري كله أدعيلك، إلهي ربنا يفرحك بيونس يا رب"
عند ذكر إسم صغيره انتبه لعدم وجوده بينهم، حينها سأل بنبرةٍ جامدة:
"يونس !! هو فين يونس يا جدعان؟ ولا أنتَ وهو الواد راح فين نهاركم أبيض"
رد عليه «ياسين» بحنقٍ:
"يا عم الواد عند جده رياض، هيكون فين يعني، شبطوا في بعض هما الاتنين، سبتهم بقى"
رد عليه بضيقٍ من فعلته:
"ليه يا ياسين كدا، هيتعبهم و يعيط كمان شوية دا يونس ابني و أنا عارفه، مين هيتصرف لو عيط"
رد عليه مردفًا:
"يا عم خديجة معاهم هناك، و متخافش أبويا رايح عند عم فهمي و هياخده معاه و قبل ما يروح هيوصله لحد مامته، متخافش مش أول مرة تحصل"
تدخل «عامر» يقول بلامبالاةٍ:
"طب يلا يا جماعة نفطر أنا جعان أوي، علشان وليد و ميمي حتى"
سأله «وليد» بتعجبٍ:
"صح ميمي فين؟ أنا مش شايفها"
رد عليه «ياسر» بنبرةٍ مفسرة:
"اتخضت من موقف سي زفت علشان كدا عملتلها مياه بسكر و دخلتها تنام جوة"
تدخل «ياسين» يقول بهدوء حتى ينهي ذلك التوتر:
"انزل يا عامر يالا، خلاص يا جماعة حصل خير، ناكل بقى و كأن محصلش حاجة"
_______________________
في شقة «رياض» كان جالسًا في الشرفة مع «يونس» يداعبه و الأخر يضحك له وهو ينظر للهاتف أمامه و الكارتون المفضل لديه، حينها دلفت «خديجة» له و في يدها القهوة وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"اتفضل القهوة يا بابا، عملتها زي ما حضرتك قولت على نار هادية"
أومأ لها موافقًا ثم أخذها منها وهو يقول بمرحٍ:
"تعالي يا حبيبة بابا اقعدي معايا، طالما الجحش دا مش هنا، خليني أشبع من وجودك"
ابتسمت له هي بحبٍ ثم جلست أمامه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"شكلك بتحب الأطفال أوي، يونس اندمج معاك جامد"
طالعها هو بحبٍ وهو يقول:
"بحب الأطفال أوي و بحب البنات كمان، كان نفسي ربنا يرزقني ببنوتة علشان تكون صاحبتي، بس الحمد لله كرمني بصاحب جدع إسمه ياسين، يمكن حنيته عليا أعظم من حِنية مليون بنت، لعلمك أنا كنت بهزر معاه، هو كل يوم بيسأل عليا صبح و ليل و قبل ما ينام كمان، ياسين عمره ما ينسانا"
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ يشوبها مرحٍ طفيف:
"عارفة، علشان هو علطول يقولي أكلم ماما و أخواتي و بابا، صدقني، يا بختنا كلنا إنه معانا"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"و يا بختنا بيكي يا خديجة، على فكرة الراجل بيبان إنه مبسوط من عينه و كلامه، و أنا ابني عينه مش بتنزل من عليكي خالص، ياسين لقى اللي كان نفسه فيها خلاص"
ردت عليه هي بخجلٍ:
"هو بصراحة ياسين مفيش منه، ممكن أبقى أنا اللي محظوظة بيه، و بيكم برضه، و بالذات أنتَ علشان حبيبي"
رد عليها هو بنبرةٍ هامسة:
"بلاش الكلام دا علشان زهرة بتغير عليا، خلي بالك بقى"
ابتسمت له هي ثم حركت رأسها تنظر للصغير وهو يشاهد فيلمه المفضل باندماجٍ واضح، فسمعته يقول:
"تعرفي؟ كان نفسي أكون جد أوي، بس ياسين كان لسه شايف الوقت مش مناسب، ربنا كرمنا كلنا بيونس، بقى حفيدي و حفيد فهمي و ميمي، و أم خالد و أم ياسر، يونس دا حبيب الكل، مكنتش عارف لما أجيب حفيد هحس ناحيته بإيه، بس يونس خلاني عرفت"
ردت عليه تسأله بنبرةٍ متعجبة:
"ياه للدرجة دي؟ متعلق بيه كدا"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
"ياسين و أخواته مع بعض من وهما في أولى إعدادي يا خديجة، دلوقتي هما عندهم ٢٩ سنة، يعني ١٦ سنة مع بعض، عمر كامل و هما سوا، من يوم ما اتعرفوا على بعض مسابوش بعض، فرح و حزن و موت و نجاح و سقوط و سفر كل حاجة مع بعض، أنا كنت مخلف ولد واحد، بس أجبرني يكون عندي ٣ غيره، بحبهم أوي يا خديجة"
أومأت له موافقةٍ ثم قالت بنبرةٍ متأثرة:
"و أنا كمان بحب وجودهم مع بعض، حقيقي وجودهم مع بعض جميل، ربنا يديم وجودهم لبعض و ميفرقش بينهم"
_______________________
في بيت آلـ «الرشيد» وصل «طارق» برفقة «وئام» و «هدى» من عند المتابعةِ الطبية، دلفوا معًا البيت فوجدوا العائلةِ بأكملها تنتظرهم، جلست هي بتعبٍ واضح، بينما «محمود» سألها بقلقٍ واضح:
"ها يا هدى، التعب اللي بيجيلك دا من إيه؟"
رد عليه «وئام» مفسرًا:
"دا بس علشان الجنين كان بيتحرك يا عمي، لكن هي و هو الحمد لله صحتهم كويسة"
ردت عليه «عبلة» بمرحٍ:
"طب الحمد لله، بنت ولا ولد طيب؟"
أجابتها «هدى» بنبرةٍ حالمة:
"مرضتش أعرف، بصراحة عاوزاها تبقى مفاجأة ليا، بيكون احساس تاني، و بعدين مش هتفرق، كدا كدا أنا هفرح بأي حاجة، دا رزق"
ردت عليها «جميلة» باستحسانٍ:
"برافو عليكي، كدا أحسن علشان، بس أكيد أنتِ حاسة بحاجة، حاسة بإيه"
ردت عليه ببمسةٍ هادئة:
"حاسة كدا إنه ولد، قلبي بيقولي إن دقة قلبة دي دقة ولد، مش مهم، المهم إنه يجي بالسلامة"
سأل «طارق» بتعجبٍ:
"هو وليد فين يا جدعان؟ البيت ملوش حس من غيره، راح فين من إمبارح"
ردت عليه «خلود» بنبرةٍ حائرة:
"مش عارفة والله، من إمبارح هو مش ظاهر، و كنت بكلم خديجة و جت سيرته قالتلي متخافيش عليه، هو زي الفل"
رد عليها «طارق» بنبرةٍ مقررة:
"كدا يبقى وليد عند خديجة، أكيد طالما هي قالتلك متخافيش و طالما هو قافل تليفونه كدا".
نظرت له «عبلة» بحيرةٍ لا تدري إن كان مُحقًا أم لا، لكنها تثق أنه لا يفعل شيئًا يؤذيه.
_________________________
في شقة «ميمي» بعد تناول الطعام، جلسوا جميعهم يتحدثون سويًا، و تارةٍ يضحكون بقوة و تارةٍ أخرى يندهشون، حتى تحدث «وليد» يقول بمرحٍ:
"بقولكم إيه يا رجالة أنتم شوقتوني للعيد مع عامر، أنا عاوز أشوف بعيني بصراحة"
ردت عليه «ميمي» تقول بنبرةٍ ضاحكة:
"كل عيد مصيبة أكبر من اللي قبلها، و كل مرة تتلم على أخر لحظة، بس أكبرهم اللي رياض كان فيها، دي فضلت لحد قبل صلاة العيد"
سألها «وليد» بنبرةٍ متعجبة:
"عم رياض أبو ياسين؟ نهار مش فايت !! عملوا إيه إحكيلي؟"
نظروا لبعضهم البعض ثم انفجروا في الضحك بينما «ياسين» أوقف الضحكات وهو يقول بمرحٍ:
"عيوني، أنا هحكيلك"
(منذ ما يقرب الخمس أعوام)
خاصةً في ليلة العيد، قام «عامر» بتأجير دراجةً نارية حتى يمرح بها في العيد، كان أخوته أمامه و الأطفال حوله في الشارع وهو يجول في الشارع ذهابًا و إيابًا بالدراجة، حتى اوقفها أمام أصدقائه وهو يقول بمرحٍ:
"ها يا عيال؟ إيه رأيكم في أخوكم؟ حلو ولا إيه"
رد عليه «ياسين» مؤكدًا بفخرٍ:
"جامد يا قلب أخوك، ابقى علمني علشان لما تجيب موتوسيكل أبقى أخده منك"
أشار على عينيه وهو يقول:
"بس كدا؟ من العين دي قبل العين دي، أنتَ تؤمر يا حبيبي، بكرة بعد صلاة العيد هعلمك و أعلم ياسر، خالد بقى خليه زي الكلب كدا"
رد عليه «خالد» بحنقٍ:
"ابعد عني يا عامر مش ناقصاك، متخلنيش أنكد على أهلك و العيد بكرة، مشي ليلتك معايا"
تدخل «ياسر» يقول بمرحٍ:
"أنا هروح عند ميمي علشان أدوق الكحك بتاعها، حد فيكم يجي معايا؟"
رد عليه «ياسين» رافضًا:
"استنى علشان هتلاقي أمي و أمك و أمة لا إله إلا الله هناك عندها علشان يسوا الكحك، خلينا أخر الليل خالص نروح إحنا"
أومأ له موافقًا و في تلك اللحظة أقترب منهما «رياض» وهو يلقي التحية عليهم جميعًا، فنزل «عامر» من على الدراجة وهو يقول بمرحٍ:
"هتسلم على الناشف كدا؟ فين العيدية و لا هتاكلها عليا بقى؟"
رد عليه بحنقٍ:
"بعد الصلاة يا قليل الأدب تعالى خدها مني، و بعدين أنتَ عندك ٢٤ سنة يا حيوان، عاوز عيدية"
أومأ له موافقًا ثم قال بوقاحةٍ:
"هي العيدية للصغار فقط ولا إيه؟ عم رياض والله لو ماخدتش منك عيدية، هزعلك على ابنك، هموتهولك في حادثة موتوسيكل"
تدخل «ياسر» يقول ساخرًا:
"اديله العيدية دي موتة بَشعة، يا ستار يا رب"
ضحك هو عليهم ثم قال بنبرةٍ مقررةٍ:
"دا بعينكم كلكم، العيدية بكرة بعد الصلاة، مات الكلام، سلام بقى"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
"استنى بس رايح فين دلوقتي؟ أوعى تقولي رايح الجامع من دلوقتي؟"
رد عليه ينفي حديثه:
"لأ فهمي سهران في المحل هروح أسهر معاه لحد الفجر كدا و بعدها نروح الجامع، يلا كل سنة و أنتم طيبين"
ردوا عليه جميعًا، بينما «عامر» ركب الدراجة وهو يقول بنبرةٍ مقررة:
"أركب يلا علشان أوصلك لحد هناك، يلا علشان تتوصى بيا في العيدية بكرة و بدل ٢٠٠ خليهم ٢٥٠"
رد عليه «رياض» بحنقٍ:
"و حياة أبوك يا أخويا؟ مش عاوز منك حاجة، أنا همشي على رجلي أحسن و أوزع نصيبك على العيال في الشارع"
رد عليه مسرعًا:
"خلاص خلاص... اركب و هوصلك ببلاش، يلا بس خليني أوجب معاك"
زفر هو بقلة حيلة ثم ركب خلفه، بينما الثلاثةِ نظروا لبعضهم بقلقٍ واضح مما هو قادم.
تحرك «عامر» بالدراجة النارية بسرعةٍ كبرى، و كلما مر على مكانًا رفع ذراعيه يرحب بأصحابه، حتى أتى عند محل الحلاقةِ ثم رفع ذراعيه تاركًا قيادة الدراجة وهو يقول بمرحٍ:
"عــم أنــور !! المقص الدهبي بتاع المنطقة، كل سنة و أنتَ طيب"
رد عليه الرجل بنفس الحماس و الترحيب، بينما «رياض» تمسك به وهو يقول بخوفٍ:
"يا بني أبوس إيدك بقى مش عاوزين مصايب على المِسا، ركز في سواقة الزفت دا خليني أوصل لأبوك، قبل ما أوصل لأخرتي"
حرك رأسه للخلف وهو يقول بثقةٍ:
"جرى إيه يا عم رياض، هو أنا عيل صغير؟ الموتوسيكلات دي لعبتي أصلًا، حتى بص الحركة دي؟"
قال جملته ثم حرك رأسه للخلف تزامنًا مع رفعه لكفيه من على المقود و ينظر لـ «رياض» بثقةٍ بينما الأخر اتسعت حدقتيه بقوة وهو يقول بخوفٍ:
"إلـــحق يـــا عــــامر"
و قبل أن يدرك الأخر ما يحدث
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شمس بكري
مَر حُبكِ على قلبي كلمح البصرِ....فـ هامت الروح بِكِ من بين كل البشرِ
_________________________
ستكتب لنا أحلامًا جديدة، بحياةٍ أخرى نحياها حتى تشهد قلوبنا على النعيم، فـ لا البأس يبقى و لا الفرح يفنى، إنما هي حياةٍ مختلفة المسارات، و نحن بها ندور في مداراتٍ، يُكتب لنا بها مرةً الهلاك و مرةً أخرى نحظى بالنجاة، لذلك قيل عدة مرات؛ إنما هي دُنيا تفنىٰ و نحن بها إما نضحك و نفرح إما نبكي و نزرف العبرات.
التفت «عامر» يقول لـ «رياض» بخجلٍ:
عمو رياض !! إحنا شكلنا لبسنا في حاجة"
حينها تحدث «رياض» يقول بنبرةٍ شبه باكيةٍ:
شكلنا !! منك لله يا عامر"
بعدها اجتمعت المنطقةِ بأكملها حتى تقوم بـ ايقافهما و عدل الوضع حولهما، بينما صاحب المخبز اقترب منهما بشررٍ يتطاير من عينيه نحوهما، فاختبأ حينها «عامر» خلف «رياض» بقلقٍ واضح و المنطقةِ بأكملها تقترب منهما بتوعدٍ لما حدث منهما.
(عودة إلى الوقت الحالي)
كانت الضحكات مرتفعة على الموقف أثناء سرد «ياسين» و «عامر» للموقف، و أكثرهم ضحكًا كان «وليد» الذي أوشك على السقوط من الأريكة أبان ضحكاته حتى أوقف الضحكات وهو يقول بنبرةٍ لازالت ضاحكة:
طب و حصل إيه بعد كدا؟ أصل لو أنا مكانهم بصراحة هدخل عامر الفُرن و أساويه على نار هادية"
رد عليه «عامر» بحنقٍ:
صمم يا سيدي ياخد فلوس، و جمع أبويا و عمي رياض، و لولا عمي فهمي طلع نسيبه و مراته طلعت بنت عمه، كان زماني مرمي في الحبس، يلا حصل خير الحمد لله، بس عارف إيه اللي مضايقني؟"
سأله «وليد» باهتمامٍ بالغ:
طالما فيه حاجة ضايقتك يبقى كدا كويس، إيه اللي ضايقك؟"
رد عليه بنبرةٍ ظهر بها الندم:
إن أنا للأسف خبطت البوتيفور، لو كان كحك عادي مكنتش اتأثرت، بس يلا الندم مش هيفيد بحاجة"
ضحكوا عليه جميعًا، بينما «خالد» قال بنبرةٍ ساخرة:
متفتكرش إن ديه حاجة كبيرة يا وليد، إحنا شوفنا أكتر من كدا، فيه عيد روحنا كلنا القسم بسببه و كانت خناقة كبيرة، ولولا عم رياض كان زمانا رد سجون، يا أخي دا ليلة السحور مسلمتش منه"
تدخل «ياسر» يقول مغيرًا لمجرى الحديث:
صحيح أنا هصحيكم بدري يوم الحد، علشان محدش يتخض و بعدها هنطلع على الشغل عادي"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
ليه يوم الحد ورانا إيه يعني؟"
تدخل «عامر» بنبرةٍ مندهشة ممتزجة بالحنق:
يا نهارك مش فايت؟ نسيت إن عمار أول يوم ليه في الجامعة يوم الحد؟ مش هتيجي معانا؟"
تدخل «وليد» يسأله بنبرةٍ متعجبة:
وهو عمار صغير محتاج حد يروح يوصله يعني؟ دا راجل في جامعة يا رجالة"
ردت عليه «ميمي» بنبرةٍ ضاحكة:
مش كدا يا وليد، الفكرة كلها إنهم اتعودوا يشاركوا بعض كل حاجة، و أي واحد فيهم بياخد خطوة جديدة بيكونوا معاه، و عمار بيحقق حلمه أهو"
ابتسم لها بتفهمٍ من خلال حركة رأسه الموافقة، بينما «خالد» قال بنبرةٍ مرحة:
فكرني بأول يوم روحنا نوصل عامر الجامعة، عيط علشان إحنا مش معاه، و مكانش عاوز يدخل، ساعتها دفعنا فلوس للأمن و دخلنا معاه علشان ميفضلش لوحده"
رد عليه «عامر» بحنقٍ:
علشان المكان جديد عليا، و بعدين من إمتى بنسيب بعض يا خالد؟ كنت عاوزني أروح الجامعة لوحدي من غيركم معايا؟ أنا فضلت أول سنة مروحش نص المحاضرات علشان أنتم مش معايا"
رد عليه «ياسر» بنبرةٍ مُحبة:
طول عمرك أكتر واحد فينا مشاعره ظاهرة، ربنا ما يبعدنا عن بعض أبدًا، و معانا وليد كمان"
تدخل «ياسين» يقول بمرحٍ:
اعمل احسابك هتيجي معانا يا وليد، هصحيك بدري علشان تسبقنا على هنا، عمار هيجي يسلم على ميمي"
أومأ له موافقًا وهو يبتسم براحةٍ كبرى لم تخفى على الجميع، بينما «ياسر» قال بفخرٍ:
الأكل النهاردة عليا، و أنا قولت بما إن وليد معانا، يبقى يدوق المشوي اللي بنحبه، و طلبت ليكم الأكل، متاخدوش على كدا، حلو دا؟"
رد عليه «عامر» بنبرةٍ مرحة:
والله أنتَ اللي حلو و عيونك حلوة، دي مش عدسات لاصقة صح؟"
ضرب «ياسر» وجهه بكفيه معًا، بينما الجميع ضحكوا عليه بقوة، وفي ذلك الوقت ضُرب باب الشقة بواسطة شخصٌ ما، نظروا لبعضهم بحيرةٍ، بينما «ياسر» قال مُخمنًا:
غالبًا دا بتاع الأكل، بس جاي بدري ليه كدا؟ أنا يدوبك وصيت و أنا بجيب الفطار"
رد عليه «خالد» ببساطة:
هتلاقيه أفتكرك مستعجل عليه، افتح مش مشكلة بقى"
أومأ له موافقًا ثم تحرك يفتح باب الشقة، لكنه تفاجأ حينما رآى سيدةً من سكان المنطقة تقف أمامه بوجهها البشوش، و قبل أن يتحدث هو، تفوهت هي تقول بنبرةٍ مبتهجة:
مساء الخير يا دكتور ياسر، دا أنا حظي حلو الحمد لله إنكم هنا، كدا هتبقى الفرحة اتنين"
رد عليها هو مرحبًا بطريقةٍ مهذبة:
مساء النور يا ست أم أيمن، خير أؤمريني، عاوزة حاجة، اتفضلي ميمي جوة تعالي"
أومأت له موافقةٍ ثم اقتربت من الباب تتبعه نحو الداخل، و بمجرد دخولها رفعت ذراعيها ترحب بالشباب وهي تقول بفخرٍ:
مساء النور على نور المنطقة كلها، زينة الشباب كلهم ربنا يبارك فيكم"
ردوا عليها بامتنانٍ وهم يبتسمون لها و يرحبون بها، بينما هي جلست بجانب «ميمي» و بعد الترحيب بينهما، قالت بنبرةٍ ظهر بها العشم وهي تقول:
أنا جيت بس استأذن الشباب ينورونا في حنة أيمن، بما إنه أخوهم و هما عارفينه"
رد عليها «خالد» بنبرةٍ هادئة:
ألف مبروك يا أم أيمن، عنينا ليكِ و لأيمن كمان، إمتى الحِنة"
ردت عليه هي بنبرةٍ متحمسة:
النهاردة يا أستاذ خالد، بعد صلاة العشا علشان نكون براحتنا، أكيد هتيجوا تشرفونا قصاد الناس و لا إحنا مش قد المقام بقى؟"
رد عليها «ياسين» ينفي حديثها بقوله:
لأ يا ست أم أيمن متقوليش كدا، إحنا عنينا ليكِ، أيمن دا أخونا ربنا يعلم، استنينا هنيجي من أول الليلة لأخرها كمان"
تدخل «عامر» يقول مستفسرًا:
أهم حاجة عملتي ترمس زي اللي عملتيه في فرح أخته"
ردت عليه هي بفخرٍ:
و أحسن كمان يا أستاذ عامر، دا أيمن أول فرحتي و مكوجي المنطقة كلها، أكيد لازم أتوصى بيه، طب دا عليه تطبيقة تيشيرت ميعرفوش بطبقوها على الأسعار في البورصة"
ضحكوا جميعًا عليها وعلى طريقتها الشعبية وهي معهم أيضًا، بعدها وقفت وهي تقول بنبرةٍ مقررة تؤكد حديثها:
هستناكم بجد أوعوا متجوش الفرح، أنا متعشمة فيكم إنكم ترفعوا راسي قدام أهل العروسة"
قالت جملتها ثم نظرت لـ «وليد» و حينها قالت له بنبرةٍ مرحة:
هستناك معاهم يا أستاذ شكلك إبن حلال زيهم، أوعى متجيش"
قالت جملتها الأخيرة بتحذيرٍ واضح له، بينما «ياسين» تدخل يقول بنبرةٍ هادئة:
دا وليد أخو مراتي يا ست أم أيمن، و أخونا برضه، يعني نفس المعاملة بتاعتنا، هيجي متخافيش"
أومأت له موافقةٍ ثم رحلت وهي تقول:
يلا اقعدوا بالعافية، أنا جيت ليكم مخصوص لما عرفت إنكم هنا، الحارة كلها لازم تعرف إن زينة الشباب هينوروني في حنة إبني"
رد عليها «ياسر» بنبرةٍ هادئة:
دا شرف لينا يا ست أم أيمن، هنيجي إن شاء الله، متخافيش"
رحلت هي من أمامهم بينما «وليد» سألهم بتعجبٍ:
أنتَ بجد هتروحوا؟ ولا بتقولوا كدا؟ أصل كلامكم مش كدب"
رد عليه «ياسين» مؤكدًا:
طبعًا هنروح يا وليد، الست جت و قدرتنا، أكيد هنروح علشان نقف مع أيمن، دا حبيبنا برضه"
تدخل «عامر» يقول بنبرةٍ متحمسة:
دا أنتَ هتشوف ليلة فرح شعبي، مشوفتهوش في حياتك كلها، حِنة أيمن دي هتبقى ليلة فل"
شعر بحماسٍ هو الأخر لذلك حرك رأسه موافقًا عدة مرات، بينما «ميمي» طالعته بوجهٍ مبتسم وهي تفهم ما يفكر به و ما يدور برأسه، لذلك حركت رأسها موافقةٍ عدة مرات وهي تنظر لـ «ياسين» الذي بادلها النظرةِ وهو يومأ لها بأهدابه.
_________________________
في شقة «رياض» نزل هو مع الصغير و ترك الشقة لزوجته و زوجة ابنه، جلست «زُهرة» أمام «خديجة» وهي تصنع لها الجديلة مثل التي قام أخيها بصنعها لها، بينما «زهرة» كانت تبستم بحبٍ وهي تنظر أمامها، حتى أنهت «خديجة» ما تفعله ثم قالت بنبرةٍ ظهر بها المرح:
أنا كدا خلصت يا ماما روحي شوفي كدا الضفيرة حلوة ولا لأ"
حركت رأسها للخلف وهي تقول بنبرةٍ متأثرة:
حلوة أكيد، فكرتيني بأمي و أختي الله يرحمهم، لما ماما ماتت أختي كانت هي اللي بتعملي الضفيرة دي، دلوقتي أنتِ عملتهالي، شكرًا يا خديجة"
ردت عليها هي ببسمةٍ هادئة:
متقوليش كدا، أنا بنتك برضه، ولا أنا غريبة عنك يعني؟ أنا فرحت والله إن الضفيرة دي عجبتك"
اعتدلت «زُهرة» في وقفتها ثم اقتربت منها تجلس بجوارها على الأريكة وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
أنا عارفة إنك بنتي و عارفة كمان إنك أحن قلب في الدنيا، أنا أصلًا من أول مرة شوفتك فيها حبيتك أوي يا خديجة، حسيت إنك هتبقي بنتي"
ردت عليها هي بنبرةٍ مهتزة:
هو يعني بصراحة على حسب أول مقابلة بيننا أنا كنت شخص تاني، علشان كدا مستغربة إزاي حبتوني و إزاي بقيت كدا بالنسبة ليكم، خدت منكم حب مخدتوش من الدنيا كلها"
وهي تتحدث تأثرت بما حدث لها و من كثرة المشاعر التي داهمتها مرةً واحدة، حتى فرت دموعها، بينما «زُهرة» اقتربت منها ثم أمسكت كفها تحضتنه بين كفيها وهي تقول بنبرةٍ متأثرة:
العين مراية للقلب يا خديجة، و أنتِ أصلًا مش محتاجة مراية علشان تتحبي، أنتِ تدخلي القلب من غير استئذان، أنتِ الوحيدة اللي اتمنيت ربنا يكرم ابني بيها، يوم ما رجعنا من عندك أول مرة و قالي حددوا ميعاد تاني، كنت فرحانة أوي، علشان قلبي ارتاحلك"
ابتسمت لها «خديجة» من بين دموعها، فوجدتها تقول بنبرةٍ هادئة:
أنا طلعت عين الواد بصراحة علشان يتجوز، و لما اختارك أنتِ عرفت إنه كان معاه حق ميرتحش لغيرك علشان أنتِ نصيبه، زي ما رياض برضه حبني و حارب علشاني"
ردت عليها هي بنبرةٍ مرحة:
لأ و عمو رياض بيحبك أوي بجد، دا أنتِ نور عنيه، ربنا يخليكم لبعض و تفضلوا معانا علطول"
ردت عليها بخجلٍ:
رياض واخدني عيلة صغيرة و كنت لسة مخلصة ثانوية عامة، و اتجوزته و خلاني كملت تعليمي و حملت و خلفت و هو كان لسه محامي صغير، بس كملنا مع بعض و خلفت ياسين بعدها ربنا كرمه و خدلنا الشقة دي، و أنا وهو عملناها سوا مع بعض، عيشت مع أهلي ١٩ سنة و مع رياض ٣٠ سنة، بقى كل حاجة ليا غصبٍ عني، و طول حياته كان عاوز يربي ياسين صح، كان أبوه و صاحبه و أخوه، لسه فاكرة أول مرة ياسين غلط فيها رياض قاله إيه، كأنه قدام عيني"
سألتها «خديجة» بنبرةٍ ظهر بها الاهتمام، رغم تأثرها بحديث حماتها:
قاله إيه؟ أو ياسين نفسه عمل إيه غلط؟ علشان مظنش إن ياسين ممكن يغلط"
ردت عليها هي بوجهٍ مبتسم:
كلنا بشر و بنغلط يا خديجة، و ياسين بشر بس بيحاول يبقى ملاك، ساعتها كان في ٦ ابتدائي و مكانش لسه عرف الشباب، كان لوحده، ساعتها خرج من غير ما يقولنا كان أخر يوم امتحانات، خرج لوحده و أكل لوحده و فرح نفسه، و رجع متأخر و لما سألناه قال إنه تعب و كان مع صحابه، هو كدب علشان خاف من رد فعلنا، و احنا كان خوفنا هو اللي محركنا، المهم ساعتها رياض عرف إنه بيكدب، جابه و قعد معاه قعدة رجالة و ساعتها قاله:
(قبل ذلك بعدة سنوات)
كان «ياسين» جالسًا يفرك كفيه معًا بخوفٍ و وجهه يتصبب عرقًا، بينما رياض كان يجول أمامه بخطواتٍ رتيبة، جعلته يزدرد لُعابه بخوفٍ، و فجأة التفت له والده وهو يقول بنبرةٍ بثت الرعب بداخله رغم هدوئها:
مش عاوز كدب يا ياسين، قولي كنت فين؟ و خرجت لوحدك روحت فين؟ وعد مني مش هزعلك، بس أعرف صاحبي راح فين من غيري"
كانت «زهرة» تتابع الموقف من خلف الباب و هي تشعر بالخوف على ابنها، على الرغم من علمها بأن زوجها حكيمًا في تصرفاته، إلا أن الموقف جعل أعصابها تنفلت من الخوف وهي تتابعهما، بينما «ياسين» اتخذ قراره ثم قال بنبرةٍ حاول صبغها بالثبات لكنها رغمًا عنه خرجت خائفةً:
أنا والله مكانش عندي صحاب أخرج معاهم، و النهاردة أخر يوم في المدرسة دي، علشان كدا خرجت أنا لوحدي بس والله مروحتش بعيد، روحت كلت كشري و شربت عصير قصب، بعدها فضلت اتمشى و جيت تاني، و الله مقولتش ليكم علشان خوفت منكم"
كان يتحدث بنبرةٍ شبه باكيةً من خوفه، بينما «رياض» زفر بقوةٍ ثم جلس بجانبه وهو يقول بنبرةٍ متريثة و وجهٍ مبتسم:
أنا اللي يهمني إنك تكون صريح يا ياسين، و فكرة إنك تخاف مني، أبقى كدا أب فاشل، اللي يهمني إنك تخاف على زعلي أكتر من إنك تخاف مني، بس أنا هعتبرها غلطتي أنا علشان مركزتش معاك، و يلا قوم و تعالى معايا"
طالعه بريبةٍ فوجده يمسك يده وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
متخافش غير هدومك دي و تعالى معايا، و أنا هطلع أقول لماما تلبس و تيجي معانا"
حرك رأسه موافقًا عدة مرات بقوةٍ نتيجة خوفه، بينما والده ربت على رأسه ثم خرج من غرفته، نظرت له زوجته بخوفٍ فوجدته يقول بهدوء:
غيري هدومك يا زُهرة علشان تيجي معانا، يلا و مش عاوزك تخافي كدا قصاده، خليكي طبيعية علشان هو ميخافش"
أومأت له موافقةٍ، بينما هو سار من أمامها نحو الداخل، و بعد مرور نصف ساعة نزلت الأسرةِ بأكملها من الشقة ثم ساروا على أقدامهم حتى توقف بهم «رياض» أمام محل كُشري، فطالعاه هما بدهشةٍ، حينها ضحك وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
جايين ناكل كشري سوا، طالما هو معندوش صحاب يبقى نخرج احنا معاه و نكون صحابه، ها يا ياسين مش عاجبك أكون صاحبك؟"
رد عليه هو بخوفٍ:
لأ طبعًا دا شرف ليا يا بابا، بس أنا افتكرت إنك هتعاقبني علشان كدا خوفت مش أكتر، متزعلش مني"
أومأ له موافقًا ثم قال بنفس النبرة الهادئة و وجهه المبتسم:
طب يلا ندخل علشان أنا جعان بصراحة، و خلونا نتكلم سوا بعدها"
بعدها توجهوا داخل المحل ثم خرجوا منه بعدما تناولوا طعامهم في مرحٍ حتى نسى «ياسين» ما صار حينما رآى بسمة والديه، بعدها أخذهما «رياض» ثم توجه بهم نحو محل العصير وهو يقول بمرحٍ بعدما جلسوا معًا:
حظك حلو يا واد يا ياسين، في يوم واحد كلت كشري مرتين و عصير قصب مرتين، ابسط"
ابتسم له وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
على فكرة بقى اللي كلته لوحدي مكانش ليه طعم زي اللي كلته معاكم، علشان أنا مش بعرف آكل لوحدي"
تدخلت والدته تقول بنبرةٍ معاتبة:
كدا توجع قلبي عليك؟ كل دا دماغي عمالة تجيب حاجات أخطر من بعض و أنتَ عارف أني مليش غيرك يا ياسين؟"
رد عليها بخزي من فعلته:
و الله يا ماما كنت عاوز أخرج أخر يوم زي كل صحابي، و هما راحوا أماكن بعيدة علشان كدا مروحتش مع حد فيهم، أنا أسف بس كدبت و قولت أني تعبت علشان خوفت منكم"
رد عليه والده بنبرةٍ عملية ظهرت بها حكمته في الأمور:
أنا علشان أكون أب صح يا ياسين هيبان من خوفك، لو بتخاف مني أبقى كدا فشلت في تحقيق دوري، لكن لما تخاف على زعلي يبقى كدا أنا قدرت أكون صاحبك، غير كدا فيه حاجة كمان عاوزك تعرفها، أنا مش شايفك يا ياسين، بس ربنا سبحانه و تعالى شايفك و عالم باللي جواك حتى، يبقى الأصح تخاف مني ولا تخاف من ربنا؟"
رد عليه بخجلٍ:
لأ طبعًا أخاف من ربنا، علشان علاقتي بـ ربنا عندي أهم من كل العلاقات"
أومأ له موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
بالظبط، علاقتك بربنا أهم من كل العلاقات، و افتكر دايمًا يا ياسين الكلام دا،
{ و لا تجعل الله اهون الناظرين اليك} يعني افتكر إن ربنا شايفك و عالم أنتَ بتعمل إيه، أنا مش شايفك بس ربنا سبحانه وتعالى عالم بكل حاجة فيك، حتى جواك، عاوز وعد منك متكدبش عليا تاني و متخبيش عليا حاجة بعد كدا، وعد؟"
حينها ترك «ياسين» الكوب الخاص به، ثم اقترب من والده يحتضنه بقوةٍ وهو يقول بنبرةٍ شبه باكيةً من تأثره:
وعد...أنا بحبك أوي يا بابا، شكرًا يا رب علشان هو بقى بابا و صاحبي"
احتضنه «رياض» ثم قال بعاطفةٍ:
و شكرًا إنك وعدتني و احترمت كلامي، أنا صاحبك علطول يا ياسين، و هفضل أول صاحب ليك في الدنيا"
طالعتهما هي بحبٍ ثم رفعت كفها تمسح دموعها، فوجدت زوجها يغمز لها بطرف عينه، فابتسمت هي بخجلٍ ثم أخفضت رأسها للأسفل.
(عودة إلى الوقت الحالي)
قصت «زُهرة» على «خديجة» الموقف بأكمله ثم أضافت بفخرٍ:
أنا وقتها اتأكدت يا خديجة أني اخترت زوج صح، ساعتها عرفت إن ياسين هيعيش عمره بالكامل يشكرني على اختياري لـ «رياض»"
ردت عليها هي بنبرةٍ مؤكدة:
هو بصراحة ياسين و مصر كلها عاوزة تشكرك على الاختيار دا، و اسمحيلي أشكرك أنا على تربيتكم لياسين، علشان لو فيه حد استفاد من الموضوع دا يبقى أنا و الله"
احتضنتها «زُهرة» بقوةٍ ثم قالت بحبٍ بالغ ممتزج بالمرح:
و احنا كمان والله يا بنتي، كفاية إن بقى عندي بنوتة حلوة زيك، بعد عمر كامل عايشة مع اتنين نسخة واحدة لما قربت اتجلط والله، الواد و أبوه طلعوا عيني يا خديجة"
ضحكت هي بين ذراعيها فوجدتها تربت على ظهرها ثم قبلت قمة رأسها و كأنها تتمسك بها بفعلتها تلك، بينما الأخرى استكانت بين ذراعيها وهي تبتسم ببلاهةٍ.
_________________________
في أحد الكافيهات العامة كان «حسن» و «أحمد» جالسين معًا و معهما بعض العملاء يقومون بالاتفاق على العمل و على التصميمات الجديدة لهم، و بعدها انسحب العملاء من أمامهما، بينما «أحمد» زفر بقوةٍ ثم قال:
يا ربي على الناس !!، إيه دا يا عم حسن بيدقق في كل حاجة، حتى الحرف مركز في حجمه؟"
رد عليه «حسن» بنبرةٍ ضاحكة:
و لسه أنتَ شوفت حاجة؟ اصبر بس، وليد هيعمل التصميم و أنا أظبطه بعدها و هيقولي أنا عاوزه ناحية الشمال أكتر، أنا بقى هبعتله أخر تعديل، مش أول مرة اتعامل معاه، علشان كدا بيصدروني أنا و وليد للتعامل معاه"
أومأ له موافقًا ثم أضاف:
الله يكون في عونكم والله، دا أنا ضغطي علي منه و من طريقته، كويس إنك جيت معايا والله، فرقت كتير بصراحة"
وقف «حسن» ثم قال بنبرةٍ مرحة:
طب أنا هستأذن بقى علشان ورايا مقابلة مهمة، و بصراحة خايف اتأخر تروح مني، سلام"
رد عليه «أحمد» بدهشةٍ ممتزجة بحنقه:
يا ليلتك كُحلي يا حسن؟ أنتَ بتخون هدير؟ رايح تقابل من وراها؟ طب راعي مشاعري و أني قاعد قصادك"
رد عليه هو بلهفةٍ قاطعة:
الله ياخدك يا بعيد، خلتني أخونها و أنا رايح اقعد معاها يا متخلف؟ رايح أقابل هدير نفسها"
أومأ له «أحمد» بتفهمٍ وهو يقول:
آااه فهمت، مقابلة رومانسية يعني، الله يسهلك يا عم، خلاص براءة روح و عيش بقى"
ابتسم له «حسن» ثم حرك رأسه بيأسٍ منه، بعدها خرج من المكان تاركًا «أحمد» خلفه يضحك عليه، ثم فتح حاسوبه يفتحه يرسل الإيميلات الخاصة بالعمل، على الحساب الخاص بشركتهم، و أبان انغماسه في العمل، سمع صوتها تدلف المكان بنبرةٍ حماسية وهي تتحدث مع أحد الشباب ، قطب جبينه ثم رفع رأسه فوجدها هي تلك التي كان يظن نفسه أحبها، حينها اتسعت حدقتيه بقوةٍ وهو يراها تتمسك بيد الشاب و تتحدث معه بنبرةٍ حماسية، رمقها هو بتقززٍ حينما وجهت بصرها نحوه ثم تحرك من المكان بعدما أجمع حاجته، و بعد خروجه من الكافيه، أخرج هاتفه ثم فتحه على صورة «سلمى» و بمجرد ظهورها أمامه وجد نفسه يبتسم تلقائيًا لرؤية وجهها، ثم حدث الصورة و كأنه يحدثها هي:
إياكَ أن تُعطي ذلك القلب لغير أهله، و الحمد لله إنه فاق و عرف إنك أنتِ أهله"
بعدها أخرج هاتفه ثم هاتف شقيقته و حينما وصله الرد منها قال بنبرةٍ ظهرت بها اللهفة:
ألو يا خلود أنتِ؟"
_"أنا في البيت يا أحمد قاعدة مع سلمى، فيه حاجة و لا إيه؟"
ردت عليه هي بذلك فوجدته يزفر بقوةٍ ثم قال لها:
خلاص كمان شوية كدا تعالوا فوق السطح، أنتو الاتنين سوا"
وافقت هي على حديثه ثم أغلقت معه الحديث، بينما هو ابتسم بفرحةٍ ثم وقف يسأل نفسه بتعجبٍ:
هو أنا ليه فرحان كدا؟ طب والله ما ليا غير سلمى، كفاية ضحكتها ليا بس، و إن جينا للحق مينفعش اقارن بينهم أصلًا، سلمى"
بعد انتهاء حديثه انتبه لنفسه و أنه يحدث نفسه، لذلك قال بسخريةٍ:
كمان بتكلم نفسك؟ دا أنتَ بقيت تصعب على الكافر"
بعد جملته تلك رحل من المكان حتى يتوجه نحو بيتهم، و قبل أن يذهب إلى هناك جلب بعض الأشياء ثم توجه نحو البيت، و بعدها صعد فوق السطح و جد الأثنتين في انتظاره، حينها جلس هو مقابلًا لهما على المقعد على نفس الطاولة أمامهن، كانتا الاثنتين تتابعا ملامحه المتوترةِ بتعجبٍ، بينما هو قال بنبرةٍ هادئة:
بصوا أنا عاوز أقولكم حاجة بما إنكم معايا علطول و عارفين عني كل حاجة"
تحدثت «خلود» تقول بنبرةٍ منزعجة:
خلص يا سيدي، نعم عاوز إيه في ليلتك دي، هو احنا فاضيين"
زفر بقوةٍ ثم قال:
أنا عاوز أقولكم أني فخور بيكم أوي، علشان أنتو مش بتعملوا حاجة غلط، و علشان محافظين على تربيتكم، علشان كدا جبتلكم هدية بسيطة كدا ليكم أنتو الاتنين"
اتسعت حدقتي كلتاهما بدهشةٍ، بينما هو رفع الحقيبة المجاورة لقدمه ثم وضعها على الطاولة، وهو يقول بنبرةٍ أهدأ:
بصراحة عارف إنكم بتذاكروا و بتروحوا الدروس علشان كدا جبتلكم الازايز اللي عليها دبدوب دي مش عارف من فيكم كان نفسها فيها، و معاها مج حراري علشان الشتا و الدروس، عجبوكم"
كان يتحدث و هو يفرغ الحقيبة أمام نظرهن، و يقدم أمام كل واحدةِ الأشياء الخاصةِ بها، حينها شهقت «خلود» ثم ركضت له تحضنه بقوةٍ وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
بحبك يا أحمد، و الله العظيم أنتَ أحسن أخ في الدنيا كلها، و علطول حنين على كل اللي حواليك"
ربت هو على ظهرها ثم قال بنبرةٍ ظهرت بها عاطفته:
و أنا بحبك يا خلود و علطول فخور بيكي، و على فكرة الحاجات دي علشان تذاكري"
ابتعدت عنه تقول بحماس:
دا أنا هاكل الكتب، أنتَ وفرت عليا فلوس كتير أوي كنت هدفعها في الحاجات دي"
ابتسم هو لها ثم اقترب منها يقبل قمة رأسها، بينما «سلمى» طالعته بتعجبٍ ممتزج بدهشتها، فقال هو لها بنبرةٍ ساخرة:
خير يا أستاذة سلمى؟ مش عاجبك الهدية ولا إيه؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ تائهة:
ها....لأ عجباني، بس ليه يا أحمد؟ لازمتها إيه الهدية دي دلوقتي؟ قبل كدا جبتلي شنطة و خدتها منك"
رد عليها هو مُردفًا بثباتٍ:
و فيها إيه يعني أنتِ زي خلود يا سلمى و قبل ما تبحلقي كدا، زي خلود مؤقتًا لحد ما نخلص أم السنة دي، بعدها هيبقى فيها كلام تاني، أعتبريه تشجيع للمذاكرة يا ستي، مالك؟"
ابتسمت له هي ثم قالت له بوجهها البشوش:
شكرًا يا أحمد تسلم، و على فكرة الحاجات حلوة أوي و ذوقك حلو كمان، ربنا يقدرنا على رد جمايلك دي يا سيدي"
ابتسم هو لها، فتدخلت «خلود» تقول بمرحٍ:
بقولك إيه يلا ننزل علشان حلقة المسلسل النهاردة الجمعة و علشان وراكي درس بكرة"
أومأت لها موافقةً ثم قامت وهي تأخذ الأشياء من على الطاولةِ، بينما هو نظر في أثرهن بأريحيةٍ ثم أخرج هاتفه و طلب من «جميلة» الصعود له، و بعد مرور دقائق أتت له وهي تقول بتعجبٍ:
خير يا أحمد عاوز إيه خضتني لما قولتلي إنك كنت محتاج تتكلم معايا، أنتَ كويس صح؟"
ابتسم هو لها ثم قال بمرحٍ:
يا ستي أنتِ علطول مخضوضة كدا؟ اقعدي خليني أتكلم معاكي"
جلست على المقعد المقابل له ثم قالت بضيقٍ من قلقها:
ها يا أحمد، متخوفنيش أكتر من كدا، خلصني بقى"
ابتسم هو بيأس ثم تنهد بعمقٍ، بعدها قال بنبرةٍ متريثة:
أنا عاوز أقولك حاجة، هحكيلك دلوقتي موقف و تقوليلي أنا ليه كنت بفكر في كدا، و ليه دلوقتي مرتاح و فرحان"
انكمش ما بين حاجبيها بتعجبٍ، فوجدته يسرد لها تفاصيل قصته مع «منة» و من بعدها «سلمى»، أنهى هو سرده ثم أضاف:
أنا محبتش منة دي، بس عاوز أفهم ليه كنت فاكر نفسي بحبها، و في نفس الوقت إزاي مرتاح كدا علشان معايا سلمى و إزاي الموقف دا مزعلنيش، بالعكس حسيت نفسي مرتاح أوي"
حركت رأسها هي بتفهمٍ ثم قالت:
أنتَ محبتهاش يا أحمد، هي بس كانت حاجة جديدة قدام عينك، أنا شوفتها مرتين و لقيت لبسها ضيق و ساعات بحجاب و ساعات من غيره، مش ثابتة على موقف، أنتَ كنت واهم نفسك بيها و لما حصل موقفها مع خديجة، عرفت إنها مش شبهك، و علشان سلمى قصادك علطول، أنتَ متوقعتش إنك عندك مشاعر ليها، ساعات بتحصل يا أحمد و الإنسان بيتلغبط في مشاعره، بس لما سلمى موضوع إن فيه حد تاني عاوزها غيرك ساعتها أنتَ فسرت مشاعرك، دلوقتي بقى أنتَ حاسس بإيه؟"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ هائمة:
حاسس براحة غريبة و كأن قلبي بيقولي كويس إنك حافظت عليا، أو بالظبط زي اللي كان هيتوه و أمه لحقته على أخر لحظة، أنا لو كنت صممت على علاقتي بـ منة كنت هغرق و كنت هضيع سلمى من إيدي، و لما سألت خديجة قالتلي إن القلوب لما تروح لأهل غير أهلها بتتعب و تبقى زي اللي اتحكم عليه بالغربة، و أنا الحمد لله قلبي هيعيش مع أهله طول العمر"
ابتسمت له هي ثم قالت بفخرٍ:
أنا فخورة بيك أوي يا أحمد، بجد علشان مؤخرًا الشباب دماغهم بقت غريبة في اختيار البنت، بيختاروا حسب الشكل و الجسم و الموضة، كأنها سلعة مثلًا، بس الراجل بجد هو اللى بيفكر بحكمة إزاي يختار واحدة تكون شريكة عمره و يساندوا بعض، كون إنك فوقت لنفسك و عرفت تفسر مشاعرك صح و بعدين يا سيدي سلمى مننا و علينا و بتحبك و أنتَ عينك فضحاك إنك بتحبها أنتَ كمان"
أومأ لها موافقًا ثم أخفض جزعه لها بعدها أخرج الحقيبة الخاصة بها وهو يقول بمرحٍ:
أنتِ بنت حلال مصفي يا جميلة و مش خسارة فيكي المَج الحراري دا علشان تشربي فيه النيسكافيه في المدرسة، خلاص بقيتي مدرسة رسمي"
اتسعت حدقتيها بقوة وهي تراه يقدم لها الهدية، بينما هو قال بنبرةٍ مؤكدة:
خُدي يا جميلة، مالك يا ستي تنحتي كدا ليه؟ في إيه يا جدعان هو أنا بخوفكم ولا إيه"
أخذته منه وهي تقول بنبرةٍ تائهة من مفاجئتها:
دا ليا بجد؟ طب ما أنتَ جبتلي قبل كدا هدية و خدتها منك، لازمته إيه بقى دا كمان"
امتعض وجهه وهو يقول بنبرةٍ حانقة:
بت !! متقعديش مع سلمى تاني كرفتوا على بعض انتو الاتنين، هاتي أنا غلطان هشرب فيه شاي في الشركة"
قال جملته تزامنًا مع حركة كفه يخطفه منها، بينما هي أخذته منه وهي تقول بلهفة:
خلاص خلاص، قلبك أبيض يا سيدي، هات و الله دا أنا كنت لسه بفكر أجيبه"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ مُحبة:
عاملة زي القطط و الله، لازم حد ينكشك علشان تسمعي الكلام بعد كدا،كويس إنه عجبك"
أخذته هي منه ثم تحركت من أمامه بعدما لوحت له بكفها، بينما هو نظر في أثرها بعاطفةٍ بعدها ابتسم ثم قال مُحدثًا نفسه:
يلا على قد ما فلست على قد ما أنا فرحان لفرحتهم و لسه هدية خديجة دي ميزانية تانية خالص"
_________________________
تقابل «حسن» مع «هدير» في الشارع بعدما انتظرته هي، نزل هو من سيارته ثم سار على قدميه حتى اقترب منها، بينما هي طالعته بلومٍ وهي تقول:
ما شاء الله على مواعيدك يا حسن، زفت، بقالي ربع ساعة مستنية سيادتك هنا، خير"
اقترب منها يقول بتعالٍ:
هو أنا أي حد ولا إيه دا أنا حسن المهدي، يعني تستني و أنتِ فرحانة أصلًا إنك هتخرجي معايا"
حركت رأسها وهي تطالعه بوجهٍ ممتعض يعبر عن استنكارها، بينما هو ابتسم ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص خلاص هتاكليني بعينك يا ستي، بهزر بس كنت متأخر علشان كنت بجبلك حاجة، تعالي بس اركبي العربية و أنتِ هتعرفي إنك ظلماني"
تنهدت هي بقلة حيلة، ثم تبعته نحو السيارة حتى تركب بجواره، و بالفعل دلفت السيارة، فوجدته يحرك جسده للخلف ثم عاد لها من جديد و في يده باقة زهور، حركت رأسها باستنكارٍ واضح فوجدته يمد يده لها به، لذلك سألته بتشوشٍ غير مدركة فعلته:
ثانية واحدة بس لمين دا؟ علشان مش مستوعبة والله"
_"لأمي الله يرحمها، و معاها شوية قُرص بالعجوة طالعين على روحها"
رد عليه هو بذلك بنبرةٍ ساخرة على حديثها، فحركت رأسها وهي تقول بحنقٍ:
لأ و الله؟ بتتريق عليا يا حسن"
رد عليها مُعقبًا:
ما هو أنتِ بتتغابي يا هدير، راكبين عربية سوا إحنا الاتنين و جايبلك بوكيه ورد و مش معايا غيرك، يبقى لمين يعني"
أبتسمت له هي ثم أخذته منه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
أنا بصراحة عمري ما حد جابلي ورد يا حسن، علشان كدا مستغربة، بس ذوقك حلو أوي"
ابتسم لها هو الأخر ثم قال بمرحٍ:
و لسه بقى هاخدك مكاني المُفضل، أكتر مكان بحب أكل منه يا هدير"
حركت رأسها باستفهامٍ واضح في نظرتها، فوجدته يغمز لها، حينها حركت رأسها للأمام وهي تنظر أمامها و في يدها باقة الزهور تُشدد مسكتها عليها، بينما هو انغمس في القيادة و هي بجانبه بين الحين والآخر تحرك رأسها تراقبه و تراقب ملامحه، و بعد القيادة أوقف السيارة أمام أحد المطاعم الشهيرة وهو يقول بمرحٍ:
جبتك mac، عارفة ليه علشان أنا بحبه أوي يا هدير، و حبيت ناكله سوا"
ردت عليه هي بنبرةٍ ظهرت بها فرحتها:
والله العظيم أنتَ بتفهم، أنا كان نفسي أكل في mac من بدري، و صدفة حلوة أوي إنك طلعت بتحبه يا حسن"
ابتسم هو لها ثم نزل من السيارة و هي تتبعه حتى دخلا المطعم سويًا، بعدها انتقت هي الطاولةِ المجاورة للزجاج حتى ترى منه المكان في الخارج بينما هو قال لها بنبرةٍ هادئة يحاول بها وأد توتره:
طب أطلبيلنا أنتِ بقى يا هدير بما إنك طلعتي من مُحبين المكان دا، ها هتختاري إيه؟"
ابتسمت له هي تقول بنبرةٍ هامسة:
مبدأيًا يا حسن mac كله برجر، بس بتختلف على حسب الإضافات و العروض، قولي بقى تختار إيه أنتَ بما إنك بتحبه و حبيت تشاركني فيه"
حمحم هو بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ خافتة:
بصي يا هدير على الدُغري كدا علشان أنا مش ملاوع، بعد ٣ أيام قضيتهم عندك في الانستجرام لاحظت إن صورك كلها في المكان دا، و في مكان تاني مش قادر استوعب هو إيه بس بيعمل قهوة بتلج تقريبًا"
ابتسمت هي عليه حتى تحولت بسمتها إلى ضحكةٍ مرتفعة و لكنها كتمتها من خلال كفها الذي وضعته على فمها، بينما هو نظر حوله ثم قال بحنقٍ:
ضحكتك يا ختي، أنتِ مش خارجة مع ابن اختك، أنا دمي حامي يا هدير"
أومأت له موافقةٍ ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
أنا أسفة يا حسن، بس ثقتك في نفسك و أنتَ بتتكلم عن المكان دا حسستني كأني خارجة مع العضو المؤسس للمكان دا، و بعدين المكان التاني دا مش قهوة بتلج، دا ice coffee نيسكافيه بتلج و لبن"
رد عليها هو بضجرٍ:
أنا مش هشاركهم يا هدير، بس أنتِ بتحبيهم صح؟"
حركت رأسها موافقةً فوجدته يضيف:
طب حاجة كمان علشان أنا مش كداب، الدونتس اللي جبتهولك امبارح دا، أنا أول مرة أكله إمبارح أصلًا، بس لما عرفت إنك بتحبيه جبتهولك، أصلًا كنت فاكرها قُرص بالشيكولاتة"
طالعته هي بيأسٍ وهي تضحك عليه و على حديثه، فوجدته يقول بضجرٍ منها:
شوفتي بقى؟! مكنتش عاوز أقولك أصلًا علشان متضحكيش عليا، كنت خايف أسقط من نظرك لما تعرفي أني مليش في الحاجات دي"
تنفست هي بعمقٍ ثم قالت:
أنا عارفة إنك مبتحبش الحاجات دي، و عرفت كمان إنك أول مرة تيجي هنا من ساعة ما وصلنا يا حسن"
طالعها هو بدهشةٍ فوجدها تومأ برأسها ثم قالت مفسرةً له بفخرٍ:
يعني، الدونتس لما جبته أنتَ جبت باكدج على بعضه و دا دليل إنك معندكش نوع مفضل و الباكدج كله غالي و كتير، ساعتها عرفت إن أنتَ جايبه علشاني بس خوفت أوهم نفسي يعني، بالنسبة للمكان دا، فيه فرع قريب من بيتك، بس أنتَ جبتنا الفرع اللي أنا بحبه و دا يؤكد برضه إنك جيت هنا علشاني"
ضيق جفنيه وهو يقول لها بتوعدٍ:
آه يا سوسة !! صحيح تربية مشيرة و ابن عمك وليد هستنى منكم إيه يعني؟ ماشي يا ستي"
ابتسمت هي عليه فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
طب اطلبي لينا أنتِ بقى و اطلبي ليا زيك بما أني أول مرة أدخل هنا أساسًا"
أومأت له موافقةً، ثم وقفت هي حتى تذهب و تدلي بمطلبها فوجدته يسألها بتعجبٍ:
أنتِ راحة فين يا هدير؟ هتمشي ولا إيه؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
هروح أطلب يا حسن، الطلبات من هناك، بتروح تطلب بنفسك"
حرك رأسه للخلف فوجد المكان مزدحمًا بشدة و خاصةً بالشباب، حينها وقف هو يقول بنبرةٍ جامدة:
لأ خليكي أنتِ بقى و أنا هطلب، المكان مليان شباب و أنا مرضاش بكدا"
ردت عليه هي تبسط الأمور:
ما هما كلهم بيطلبوا يا حسن، فيها إيه يعني؟ و بعدين هتروح تطلب أنتَ إزاي؟"
زفر هو بقوةٍ ثم أخرج من جيبه ورقةً و قلمًا يمد يده لها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
اكتبي هنا طلبك و أنا هروح أديله الورقة يا هدير، حلو كدا؟"
ابتسمت هي باتساعٍ له وهي تستشعر غيرته عليها، ثم رفعت كفها تأخذ منه الورقةِ و القلم تدون طلبها لها و له، وهو يتابعها باهتمامٍ حتى مدت يدها له وهي تقول بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مبتسمًا:
اتفضل يا سيدي، ممكن تديله الورقة و هو هيديك الطلب عادي"
أومأ لها موافقًا ثم ذهب من أمامها، بينما هي جلست تتابعه بـ اهتمامًا وهو يجلب لهم الطعام، بينما هو قدم الورقة للعامل و أخبره بالانتظار حتى يقوم بأخذ الطلب ثم أعطاه ورقةً بهما الرقم الخاص بطلبه، وقف هو أمام طاولة الطلبات و هي في الخلف تراقبه حتى وجدت فتاةٍ أخرى تطالعه حينها رفعت حاجبها بحنقٍ و للحق ما أثلج نيرانها هو عدم ملاحظته للفتاةِ بل أخرج هاتفه حتى يحين وقت استلامه للطعام، في ذلك الوقت اقتربت منه الفتاة تسأله برقةٍ مصطنعة:
لو سمحت هو حضرتك رقم كام؟"
رفع رأسه هو يقول بنبرةٍ جامدة:
أفندم !! يعني إيه رقم كام؟"
حركت رأسها تشير نحو الورقة وهي تقول بنفس الطريقة:
رقم طلبك، هو كام؟ أصل أنا بقالي كتير مستنية وهما بيدوروا على صاحب طلب و مش موجود"
رفع حاجبه هو لها و قبل أن يتفوه، اقتربت منهما «هدير» تقول بنبرةٍ جامدة:
خير يا حسن؟ فيه مشكلة ولا حاجة؟ أؤمري يا آنسة؟"
قالت جملتها الأخيرة للفتاة بعدما رفعت حاجبها لها ترمقها بشررٍ، فتدخل «حسن» يقول بنبرةٍ متريثة:
لأ الآنسة غلطت في طلبها يا روحي، تقريبًا كدا بتشبه عليا"
تعجبت هي من كلمة "روحي" التي حدثها بها، بينما الفتاة قالت بنفس التصنع:
معلش أنا كنت فاكرة إن الأستاذ هو صاحب الطلب اللي بيدوروا على صاحبه، Sorry"
ابتسمت لها «هدير» باقتضابٍ وهي تقول بنبرةٍ أثارت استفزازها:
لأ يا حبيبتي ولا يهمك، بتحصل عادي، ابقي ركزي بس بعد كدا، علشان مش كل الستات طيبة زيي و بتفهم الموضوع صح"
كان هو خلفها يطالعها ببسمةٍ خبيثة و تسلية واضحة في عينيه، بينما هي انتظرت حتى اختفت الفتاة من أمامها ثم التفتت له تقول بنبرةٍ حانقة:
ممكن أفهم إيه دا يا أستاذ حسن؟ خير إن شاء الله"
رد عليها هو بثباتٍ:
و أنا مالي يا ستي، هي اللي جاية تتمسح فيا، لكن أنا ملاك بريء و الله"
حركت رأسها موافقة بطريقةٍ تمثيلية ثم اندفعت في فعلتها حينما وقفت بجانبه تتمسك بذراعه بقوة، فحرك رأسه للأسفل ينظر لكفها المحاوط ذراعه، بينما هي فسرت فعلتها تلك بقولها الثابت:
علشان بس عيون البنت دي و اللي معاها، و لا إيه تحب أروح أقول لهم إنك مش مرتبط؟"
ابتسم هو لها ثم قال بخبثٍ:
ما شاء الله، حلوة و أنتِ مكسوفة و أحلى و أنتِ غيرانة، هدير أنتِ و عيونك حلوين"
حركت رأسها تطالعه بدهشةٍ فوجدته يبتسم لها ثم قال بنفس النبرةِ الهادئة:
أنا مخدتش بالي منها أصلًا غير لما أنتِ جيتي، و بعدين بتغيري ليه؟ أنا جاي معاكي أنتِ"
ردت عليه هي بتوترٍ:
ها...لأ أنا مش غيرانة و لا حاجة، هو علشان منظري يعني، و علشان مينفعش هي تقف تتكلم معاك...يعني، مش عارفة أنا ليه غيرت يا حسن؟"
قالتها بنبرةٍ حائرة و وجهٍ مُحبط، بينما هو ابتسم لها ثم قال:
غيرتي عليا علشان أنا جوزك يا هدير، زي ما أنا غيرت عليكي لما لقيت المكان مليان شباب و يلا روحي اقعدي لحد ما أجبلك الأكل"
أومأت له موافقةً ثم رحلت من أمامه تعود إلى الطاولة و بعد مرور دقائق اقترب هو منها و في يده الطعام، ثم جلس مقابلًا لها وهو يقول بسخرية:
حتى الأكل صعبتوه علينا؟ الإسم أصعب من معادلات الكيميا و الله، و التعامل أصعب من نظام الثانوية العامة، مالها عريبات الكبدة اللي في الشارع يا هدير؟ على الأقل فيها تقدير"
ضحكت على طريقته بقوةٍ، بينما هو حرك رأسه نفيًا بحيرةٍ، لذلك سألته هي بنبرةٍ لازالت ضاحكة:
يعني mac بالنسبة ليك صعب و الدونتس قرص بالشيكولاتة و ice coffee قهوة بتلج، أومال لو شوفت السينابون هتقول إيه بقى؟"
سألها هو بتعجبٍ:
هو إيه دا كمان، عبارة عن إيه يا هدير؟ أنا حاسس أني جاهل قصادك ولا أنتِ علشان خريجة ألسن هتشوفي نفسك علينا؟"
ردت عليه تفسر له ما تفوهت عنه بقولها:
يا حسن السينابون دا عبارة عن حاجة زي المُعجنات كدا بس بالقرفة و عليها صوص الكراميل"
أومأ لها موافقًا ثم قال بتفهمٍ:
آااه، بسيطة يبقى قُرص بالقرفة و الكراميلة، سهلة أهو يا هدير"
ضحكت هي عليه فوجدته يضيق منفعلًا بطريقة زائفة:
شوفي يا هدير، أنا أحدث حاجة وصلتلي في الحلويات هي عربية الوافل اللي على أول الشارع بتاع الشركة و عرفتها صدفة لما وئام عزمنا عليها بمناسبة إنه هيبقى أب"
أومأت له موافقة فوجدته يسألها بنبرةٍ مهتزة نتيجة توتره:
هدير هو بجد أنتِ مش زعلانة علشان أنا مليش في الحاجات دي؟ يعني مش حاسة بملل؟"
ردت عليه تنفي حديثه بقولها المقرر:
لأ طبعًا يا حسن، بص علشان مبقاش كدابة، لو كنت هدير التانية كنت بصراحة هتريق و ممكن أفضل أضحك و أسخف، لكن دلوقتي هبقى غبية لو عملت حاجة زي دي، صدقني يا حسن قيمة الناس مش بالحاجات دي خالص، الإنسان قيمته بقلبه و أنتَ قلبك جميل أوي يا حسن، و بعدين دا حظي الحلو علشان نروح الأماكن دي سوا، و تتعرف عليها معايا"
ابتسم لها بفخرٍ من طريقة تفكيرها التي فاجئته بها، فوجدها تقول بمرحٍ:
طب يلا قبل ما الأكل يبرد أكتر من كدا، و علشان الصودا متروحش أكتر من كدا"
أومأ لها موافقًا ثم عاد بذاكرته إلى ذكرياته المريرة برفقة زوجته المتوفية
( منذ فترة طويلة من الزمن)
كان هو في السيارة وهي بجانبه بعدما عادا سويًا من سهرتهما، حرك رأسه هو يطالعها فوجدها تحرك قدميها بتشنجٍ من ضيقها منه، بينما هو أوقف السيارةِ ثم سألها بتعجبٍ:
فيه إيه يا ريم؟ إيه اللي مزعلك كدا، مش شايف حاجة حصلت لكل دا يعني؟"
ردت عليه بنبرةٍ منفعلة في وجهه:
دا كل و مش واخد بالك يا حسن؟ احرجتني قدام صحابي و مش واخد بالك؟ البنت بتقولك أكيد بتحب المكان دا، تقولها أنا أول مرة أجي الأماكن دي؟ و بعدين بتقدم لها الهدية و تقولها ربنا يطول في عمرك؟؟ هو أنتَ بتكلم جدتك؟"
رد عليها هو بضجرٍ من طريقتها:
بالراحة يا ريم، أنا مش شغال عندك، دي طبيعتي و مش هغيرها، و أنا قولتلك مليش في جو الصحاب و عيد الميلاد و الهبل دا، مش ذنبي إنكم مش قابلين الناس بطبيعتها"
ردت عليه هي بحنقٍ:
يبقى تحاول تتغير يا حسن، علشان حتى نكون مناسبين قدام الناس لبعض، مش معقول الناس كلها تبقى عارفة أني بحب الأماكن دي و حفظاها و أنتَ متعرفش حاجة عنهم"
حرك مقود السيارة وهو يقول بنبرةٍ جامدة بعدما قرر هو:
و أنا زي ما أنا مش هتغير، اللي عاجبه طريقتي أهلًا و سهلًا، مش عاجبه هو حُر في نفسه"
(عودة إلى الوقت الحالي)
خرج من شروده في ذكرياته المريرة على صوتها وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
يا أبو علي، روحت فين؟ الأكل مش عاجبك ولا إيه؟ تحب نغير المكان طيب"
انتبه لها وهو يقول بنبرةٍ تائهة:
ها...لأ....المكان تمام أوي، أنا بس علشان مش متعود على الأماكن، غاوي عشوائية بصراحة"
ردت عليه هي ببساطة:
مفيش مشاكل، ممكن برة نجرب العشوائية دي مع بعض، زي ما جربنا الأماكن دي سوا"
حرك رأسه موافقًا لها ثم قال بعدما حمحم بقوةٍ:
طب يلا ناكل علشان البتاع دا جوعني و ريحته حلوة بصراحة"
_________________________
في شقة «فهمي» والد «عامر» كان «عمار» واقفًا في شرفة شقتهم، يبتسم براحةٍ كبرى على وجهه، حتى تنفس بعمقٍ و حينها اقتربت منه والدته و في يدها كوبًا من العصير وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
عمار روح قلب ماما، إيه يا حبيبي قاعد لوحدك ليه؟ و كنت فين النهاردة؟"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
تعالي يا ماما، أنا كنت بجيب هدوم للجامعة و جيت كنتي أنتِ بتجيبي حاجات من تحت، اقعدي معايا بقى"
جلست أمامه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
تتهنى بيهم يا دكتور عمار، تصدق جملة حلوة أوي، محسساني بالفخر و أنا بقولها"
سألها هو بتشككٍ:
يعني بجد فخورة بيا؟ و لا بتجبري بخاطري و خلاص؟"
ردت عليه هي بلهفة:
طبعًا فخورة بيك، كفاية إنك مش تاعب قلبي يا عمار، سنك دا صعب أوي و بسمع فيه بلاوي يا بني، بس أنتَ ربنا يطمن قلبك مخليني أنام مرتاحة، لما بشوفك نازل الجامع تصلي بفرح أوي، و لما أشوفك نايم بدري علشان تصحى تروح شغلك بفرح أكتر، و خلاص كلها بكرة و بعده الصبح هلاقيك نازل تروح جامعتك"
اقترب منها ثم قبل رأسها بحبٍ وهو يقول بنبرةٍ متأثرة:
و أنا بحبك و فخور بيكي أوي، و بصراحة أنا بحبكم كلكم، و البركة في أخواتي علشان بقيت كدا، أنا شخصيتي بقت كدا بسببهم هما يا ماما، حتى عامر طول عمره بيقول أني ابنه، أنا مليش غيرهم هما"
ابتعد عنها بعد حديثه يجلس أمامها من جديد، ثم رفع رأسه يطالع السماء فوجد القمر بها مُكتملًا، حينها ابتسم بحبٍ فوجد والدته تقول بخبثٍ:
جرى إيه يا دكتور؟ واد يا عمار أنتَ بتحب يالا؟"
حرك رأسه ينظر لها بتوترٍ، فالتقطت هي نظرته لذلك قالت تؤكد صدق حديثها السابق:
بتحب، شكلك يا واد غرقان فيها، قولي يا عمار هي مين، متخافش"
ابتسم لها ثم قال بنبرةٍ متريثة:
بحب و قلبي دَق كمان، مشكلة ابنك إن الوقت غلط، الحب عرف طريقه وهو صغير أوي، تخيلي أقابل الشخص الصح بس وقتي يكون غلط، و مجبر أكمل طريقي و أنا بعيد عنها"
سألته هي بتعجبٍ:
و لما هو الوقت غلط حبيتها ليه يا عمار؟ ليه تعمل في نفسك كدا يا حبيب أمك؟"
تنفس بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ متألمة:
علشان لو بإيدي مكنتش حبيتها أصلًا يا ماما، بس أعمل إيه شغلتني لدرجة خلتني مش قادر أنساها، شخصية غريبة و مكلكعة بس تتحب، قوية و يعتمد عليها و في نفس الوقت تحسي فيها بحنية غريبة ناحية الناس، شكلها حلو و طولها حلو بس أكيد قلبها أحلى، شاطرة و لماحة بس بتكسل تجهد مخها، حبيت شغلي في السنتر علشان جمعني بيها، أخر مكان في الأرض كنت ممكن اتخيل يجمعني بيها، طلع باب علشان يفتحلي سِكة معاها طول العمر"
تحدثت هي بتهكمٍ وهي تحرك كفيها معًا بطريقةٍ شعبية:
وكسة على ابنك يا سيدة، دا أنتَ وقعتك وقعة ملهاش حل، غرقت فيها خلاص"
ابتسم هو لها ثم قال بعدما تنفس بعمقٍ:
القلب اتكتب عليه حيرة حبها و غُلب بعدها...و أنا بين دا و دا قلبي تايه و دايب فيها هي، هي و بس، خلود طه فايز الرشيد"
اتكأ على حروف اسمها بقوةٍ بينما والدته ضيقت جفنيها ثم رفعت كفها تمسك ذقنها وهي تقول بتفكير عميق:
واد يا عمار أنا الإسم دا مش غريب عليا، أو إسم شبهه يمكن"
ابتسم هو لها ثم اقترب بجسده يميل عليها وهو يقول بنبرةٍ هادئة يذكر إسمها من جديد:
خلود طه فايز الرشيد، أخت خديجة مرات ياسين"
شهقت هي بقوة فوجدته يقول بحيرةٍ:
شوفتي بقى أني اتكتب عليا الحيرة؟ و من يوم كتب كتاب ياسين و أنا مش شايف غيرها، بس و الله أنا براعي ربنا علشان يجمعني بيها على خير، و الله معملتش و لا هعمل حاجة غلط"
أمسكت هي كفيه بين كفيها وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
شوف يا عمار، أنا ربيتكم على الرجولة، صحيح مخلفتش بنات بس بخاف على بنات الناس، لو زي ما بتقول إن قلبك مشغول بيها يبقى تحافظ عليها، و تسعى و تطور نفسك علشان تكون معاها، خليك الدكتور عمار فهمي علشان لما نروح نخطبها، أحط رجل على رجل و أنا بقول ابني الدكتور عمار طالب إيد بنتكم خلود، طب والله الجملة حلوة"
قالت جملتها الأخيرة بمرحٍ، بينما هو احتضنها بقوة، فوجدها تربت على ظهره وهي تقول بنبرةٍ ظهرت بها عاطفة أمومتها:
يا حبيب قلب أمك أنتَ، ربنا يريح قلبك من الحيرة يا عمار و يكتبلك السعادة زي ما كتبها لأخوك و يجمعك باللي تقدر قيمتك، و يارب تطلع تستاهلك"
وضع رأسه على كتفها ثم ابتسم وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
و يا رب يجمعني بيها في بيتي بحلاله يا ماما، علشان بغرق فيها كل يوم أكتر"
_________________________
في شقة «محمود» تحديدًا داخل غرفة «هدى» كانت جالسة على الفراش وهي تربت على بطنها بكفيها معًا تستشعر حركة الجنين داخل بطنها، فوجدته يدخل غرفتها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
هدى فيه دلوقتي ميعاد دوا، قبل الأكل، خديه علشان تاكلي الزبادي"
ردت عليه هي بنبرةٍ مُحبة:
تعالى يا وئام، تعالى اقعد جنبي كدا عاوزاك ثواني"
أومأ لها موافقًا رغم التعجب البادي على ملامح وجهه، ثم اقترب يجلس بجانبها على المقعد المجاور للفراش، فوجدها تأخذ كفه ثم وضعته على بطنها وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
بيتحرك يا وئام، بيتحرك و أنا حاسة بيه، دا طلع إحساس حلو أوي، سبحان الله، قلبين بيدقوا في جسم واحد"
استشعر هو حركة الجنين أسفل كفه و حينها شعر برجفةٍ تسير في جسده كالكهرباء، فوجدها تقول بنبرةٍ متأثرة:
ماما مروة قالتلي إن أنا كدا بقيت أم رسمي علشان الأم بتحس بابنها من ساعة ما بتعرف بحملها، على عكس الأب، بيحس بس لما يمسك الطفل في إيده"
رفع رأسه يطالعها وهو يقول بنبرةٍ متأثرة و كأنه على وشك البكاء:
هدى أنا حاسس بحركته، و خايف في نفس الوقت، احساس غريب أوي، هما بيعملوا إيه طيب في الحالات دي؟"
سألته هي بتعجبٍ:
مش فاهمة يا وئام، مالك بس"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ حائرة:
مش عارف أخاف و لا أفرح؟ و لا أحس بإيه؟ طب السؤال الأهم هقدر اربيه و يطلع إنسان سوي نفسيًا؟ أنا خايف يطلع مُعقد يا هدى؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
حد غيرك يقول كدا بالله عليك، أنتَ برضه هتربي طفل مُعقد؟ أنتَ ما شاء الله عليك يا وئام رزق ليا و ليه هو، أتطمن"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
أنا عاوزه يطلع جدع و دي أهم حاجة، عاوزه يطلع بيساعد الناس و بتاع خير، عاوزه يطلع زي ما هو يحب نفسه، مش عاوزه يجي يوم و يخاف مني"
أضافت هي تؤكد حديثه:
و دا اللي هيحصل، صدقني أنتَ هتبقى أب شاطر أوي و هو بنفسه بكرة يأكدلك كلامي دا، و هتشوف بنفسك، و بعدين الواد دا محظوظ أوي، أنتَ أبوه و وليد عمه، يعني هياخد الحنية بالمعلقة"
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم، ثم سألها بنبرةٍ هادئة:
هدى !! هو ينفع أخلي وليد هو اللي يسميه؟ ممكن ولا دي حاجة تزعلك؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ متحمسة:
طبعًا و من غير كلام، وليد دا أخويا و اللي عمله علشان هدير و اللي عمله مع ماما قبل وفاتها كان كتير، صدقني يا وئام وليد مقامه كبير أوي عندي"
اقترب منها ثم قبل رأسها بهدوء و تبع فعلته تلك قوله الهادئ:
أنا كنت عارف إنك مش هترفضي طلب زي دا ليا، شكرًا يا هدى"
_________________________
في المسجد المجاور لمنزل «ميمي» خرج الشباب مع بعضهم تباعًا حتى يتوجهوا نحو الفرح، فتحدث «وليد» يقول ساخرًا:
طالعين من صلاة العشا و رايحين حِنة شعبي في حارة؟ دا إيه التذبذب دا؟"
رد عليه «عامر» بسخريةٍ مماثلة:
احنا آسفين يا شيخ وليد، المرة الجاية هنقولهم يلغوا الحنة و يعملوا كتب كتاب بس في المسجد، و بعدين الناس دي محترمة أجلوا الحنة لبعد الصلاة علشان ميقفلوش الأغاني ساعة الآذان"
رد عليه «ياسر» بنفس السخرية:
شوفت الأخلاق؟ و الله احرجوا الشيطان بأخلاقهم دي، و نعم الأدب"
ضحك الجميع عليه، بينما «خالد» قال بنبرةٍ جامدة:
بقولك إيه ياض أنتَ وهو، هنقعد شوية صغيرين و نمشي علشان مراتي العيانة دي، و مفيش رقص، هنعمل الواجب و ننقط و نمشي تمام !!"
_"تـــمـام"
ردوا عليه جميعًا بذلك يؤكدون حديثه، ثم دلفوا للفرح معًا متراصين بجانب بعضهم، و حينها أمسك أحد الأشخاص مُكبر الصوت وهو يقول مُرحبًا بهم من خلال المكبر:
و نسمع أحلى تحية لزينة شباب المنطقة، أستاذ خالد عم محاسبين مصر كلهم، يعني البورصة يعني و أنتو بتذاكروا واحد اتنين كان الباشا بيدرب محاسبين، و أنتَ خايف من غلاء الأسعار كان الباشا بينزل بسعر الدولار"
رفع «خالد» ذراعه يقوم بتحيته، و أصدقائه يضحكون عليه، بينما أكمل الراجل حديثه يقوم بالترحيب بـ «ياسين» وهو يقول:
سمعني نفس التحية للبمشهندس ياسين، يعني الهندسة و المعمار، يعني كل الدنيا زاويتها حادة، إلا هو زاويته قايمة علشان هو على الصح و المظبوط، يعني و أنتَ راجع من المدرسة كان الباشا عمدة في الهندسة"
وقف «ياسين» يقول مُجاملًا له:
حبيبي يا عمدة تسلم"
رفع الرجل كفه فوق رأسه يحييه ثم أكمل من جديد:
نيجي لعمنا الأستاذ عامر، يعني خفة الدم و المرح، يعني السياحة و العملة الخضرا يعني و أنتَ في بيتك نايم مرتاح كان الباشا بيجيب لمصر سياح"
وقف «عامر» يقول بمرحٍ:
حبيبي يا عمدة، أجمد نبطشي في مصر يعني و أنتَ في بيتك فاكر البلح طرح، كان هو هنا واقف بيحيي الفرح"
ضحك الجميع على جملة «عامر» بينما هو جلس من جديد، فتابع الشخص قوله:
نيجي لعمنا و عم دكاترة المنطقة، الدكتور ياسر، يعني الحنية و الأدب و الأخلاق، يعني العيون الزرقا، يعني و أنتِ كتكوت صغير و بتحب، الباشا كان بيذاكر في كلية الطب"
رفع «ياسر» يده يقوم بتحية الرجل وهو يحاول جاهدًا كتم ضحكته، بينما تابع الراجل حديثه بقوله:
و أخيرًا و ليس أخرًا نيجي لضيفنا اللي مشرفنا، الأستاذ وليد الرشيد، يعني وجوده في حتتنا زي بهجة العيد، و سمعني تحية للرجالة"
بعدها تم تشغيل الأغاني الشعبية بصخبٍ و بعدها اقترب منهم العريس ثم احتضن كلًا منهم على حدة، ثم قال بعدها:
يلا يا رجالة علشان ترقصوا معايا و توجبوا مع أخوكم، يلا و لا إيه بقى؟ مشرفكوش ترقصوا معايا؟"
شعروا هم بالحرجِ منه لذلك ذهبوا معه إلى المنتصف في ساحة الرقص، و مع حماس الشباب و صخب الأجواء حولهم اندمجوا في الرقص الشعبي مع الشباب خاصةً بعدما اجتمع شباب المنطقةِ بأكملها حولهم و ذلك لأنهم يحظون بمكانةٍ عالية في قلوب الجميع، و استمر هذا الحال حتى انتهت الليلة أخيرًا في الواحدة صباحًا، حينها اقترب العريس وهو يقول متوسلًا لهم:
معلش يا رجالة نصاية كمان بس، الاستاذ ياسين يغني لينا مهرجان شعبي كدا بصوته و الدنيا هادية و بعدها روحوا"
طالعوه جميعهم بتعجبٍ فقال هو بنفس النبرة المتوسلة:
بالله عليك يا باشا متكسفنيش، الناس بتوع الفِراشة عاوزين حد يطربهم، وجب مع أخوك أيمن يا هندسة"
لم يستطع «ياسين» الرفض أمام توسله لذلك أومأ له موافقًا ثم توجه نحو الداخل يجلس برفقة الشباب و على غِرار المرةِ السابقة قام «ياسين» بالغناء و الشباب حوله يرقصون و يصفقون بحرارةٍ و بعد الانتهاء، اقترب منه أحد الشباب يقول متوسلًا له:
علشان خاطرنا يا هندسة غني مهرجان سور الجدعان و خلاص دي أخر حاجة"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
أيوا يا ياسين بالله عليك، بحب الأغنية دي يلا علشان خاطري"
عض «ياسين» على شفته السفلى بينما «خالد» أشار له متوعدًا بيده، حينها شرع «ياسين» في الغناء من جديد، و الشباب حوله يرقصون و «عامر» كعادته يقف على الكرسي و في يده دُفًا يطرق عليه نغماتٍ رتيبة تتناسب مع الأغنية، و بعد مرور دقائق انتهت تلك الأمسية حتى خرج الشباب من الفرح، و حينها اجتمعوا بجانب بعضهم أسفل شقة «ميمي» فقال «خالد» بسخريةٍ:
هو دا اللي عشر دقايق !! احنا حيينا الليلة كلها لحد بتوع الفِراشة، لأ و مفيش رقص و إحنا محدش فينا قعد أصلًا"
تدخل «وليد» يقول بنبرةٍ حائرة:
اللي محيرني هما عرفوا إسمي منين؟ علشان التحية الجامدة دي"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
أنا، أيمن كلمني علشان يسألني على إسمك إيه، قولتله و هو حياك معانا، دي أصول مينفعش تكون داخل معانا و تتعامل زي الغريب"
تدخل «ياسر» يقول وهو يتثاءب:
طب يلا بقى خلونا نروح علشان نشوف كل واحد فينا هيعمل إيه في التحقيق اللي جاي علينا دا، دي فيها نكد ٣ أسابيع"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
نكد ؟! ليه فيها إيه دي"
رد عليه «عامر» بسخريةٍ:
جرى إيه يا هندسة؟ هما المعازيم شربوا و أنتَ اتسطلت؟ هتقول لمراتك إيه و أنتَ راجع ليها في نص الليل كدا؟"
اتسعت حدقتي «ياسين» بقوةٍ تزامنًا مع رفعه لكفيه يضعهما على رأسه وهو يقول بخوفٍ:
يا ليلتك السودا يا ياسين، هو أنا نسيت مراتي؟ أنا نسيت أني متجوز !!"
ضحكوا عليه بقوة و على طريقته، فقال هو بنبرةٍ تائهة:
طب أروح فين و أجي منين أنا؟ بقولكم إيه خدوا وليد معاكم علشان ياخد عربيته من عند بيتنا وأنا هروح لخديجة عند أمي ربنا يعدي الليلة دي على خير"
أومأ له الجميع بموافقةٍ، بينما هو ركب سيارته يركض بها على الأسفلت متوجهًا نحو شقة والده، و صل إلى الشقة هو فوجد الجميع بها نائمون، حينها دلف غرفته فوجدها بها تنام على الأريكة و في يدها صورته حينما كان طفلًا صغيرًا في عمر التاسعة، ابتسم هو على هيئتها ثم حملها وهو يتوجه بها نحو الفراش، و بعدما دثرها جيدًا بالغطاء، تحمم ثم بدل ثيابه و بعدها خرج ينام بجوارها على الفراش فوجدها توليه ظهرها، اقترب هو منها يتأكد من نومها و حينها أرجع ظهره للخلف يستند على ظهر الفراش وهو يغني بصوته الهادئ:
يا ترى يا حبيبي....يا ترى؟ قريب ولا بعيد....و لا....حزين ولا سعيد؟....ولا....فاكر سنيني ولا....قلبك ناسيني ولا....الحب زاد و لا بعاد... ولا؟"
وكزها في ذراعها أثناء نومها، فوجدها تتململ في نومها، حينها عاد لموضعه وهو يقول بمرحٍ:
دخل الحرامي و أنا نايمة شوف قلة أدبه؟!....و أنا نايمة، قرب عليا....و أنا نايمة شوف قلة أدبه....خد مني بوسة و أنا نايمة..... شوف قلة أدبه؟ و أنا عاملة نفسي نايمة و أنا عاملة نفسي نايمة...و أنا عاملة نفسي نايمة"
اعتدلت هي تصرخ في وجه بحنقٍ:
بس يا بارد عاوزة أنام، دا أنتَ رخم أوي، إيه الهبل دا؟"
طالعها هو بتعجبٍ، فوجدها ترتمي على الفراش من جديد، حينها اقترب منها يقول هامسًا:
طب يعني أنا لو سكت مين هيتكلم يا ست الكل؟ و بعدين مالك قفشة كدا ليه؟ إيه يعني اتصلتي بيا ٣٤ مرة و أبويا زيهم و أمي ١٦ و مردتش عليكم؟"
ردت عليه هي بضجرٍ منه:
طب أنتَ مقتنع بكلامك دا أصلًا؟ نام يا ياسين و عدي ليلتك على خير علشان أنا عاوزة أنام"
زفر بقوةٍ فوجدها تغلق النور من جانبها ثم شدت الغطاء عليها حتى انسحب من عليه، فوجدته يقول بحنقٍ:
لأ بقى على فكرة دي أوضتي و دا سريري و غطايا، الكلام دا هناك في شقتك"
اعتدلت هي من نومها ثم أمسكت الوسادة الصغيرة تضربه بها وهي تقول بنبرةٍ منفعلة:
يابني اسكت بقى و خلصني، عاوزة اتخمد، هو أنتَ فاضي يالا؟"
رد عليها هو بسخريةٍ:
يالا !! الله يرحم حضرتك يا أستاذ ياسين؟ فاكرة ياختي؟"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت بنبرةٍ مسموعة:
استغفر الله العظيم، اللهم طولك يا روح، نام يا ابن الحلال و عدي ليلتك معايا، بدل ما أطلع جناني عليك يا ياسين، نام يا بابا"
زفر بقوةٍ ثم قال مُعاندًا لها:
طب نامي أنتِ بقى و أنا مش هنام، أنا حر، بيتي و سريري و الراجل صاحب الشقة دي أبويا"
ابتسمت هي بسخريةٍ:
آه طبعًا، طب خليك عارف بقى إن أبوك دا حط المفتاح في الباب من ورا علشان متعرفش تدخل هنا، و أنا علشان قلبي طيب قومت شيلته ليك، وريني بقى هتسد بكرة قصاده إزاي يا....بابا"
قالت كلمتها الأخيرة بسخريةٍ ثم ارتمت على الفراش من جديد، بينما هو حرك فمه يمينًا و يسارًا بحركةٍ شعبية ثم ارتمى على الفراش هو الآخر وهو يفكر في حلًا لتلك المشكلة.
_________________________
وصل «وليد» بيته و ما أثار تعجبه هي الإضاءة المُضاءة فوق سطح البيت، تعجب هو في بداية الأمر ظنًا منه أنها «عبلة» تنتظر قدومه، لذلك توجه نحو سطح البيت، لكنه تفاجأ حينما رآى «مشيرة»، قطب جبينه بتعجبٍ، ثم اقترب منها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
غريبة يعني؟ بتعملي إيه هنا يا مشيرة؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
زهقت من القعدة في الشقة و كنت عاوزة أشم شوية هوا، لو متضايق ممكن أنزل عادي، أنا عارفة إنك بتحب السطح أوي"
رد عليها وهو يجلس مقابلًا لها يرفض حديثها:
لأ طبعًا خليكي، دا سطحك برضه، قوليلي أنتِ إيه أخبارك دلوقتي؟"
حركت رأسها موافقةٍ ثم أضافت بنبرةٍ خافتة:
الحمد لله أحسن كتير، الجرح متخيط صح و جميلة مش سايباني هي و عبلة علشان كدا أنا حاسة أني مرتاحة"
أومأ لها موافقًا ثم حرك رأسه ينظر للسماء وهي أيضًا، فـ زفر كليهما بقوة في نفس الوقت، بينما هي حركت رأسها تسأله بنبرةٍ مترددة:
وليد !! هو بجد أنتَ سامحتني؟ يعني خلاص صفيت ليا؟"
حرك رأسه يطالعها وهو يقول بثباتٍ:
سامحتك آه، صفيت ليكي لأ، اللي شوفته منك مكانش شوية علشان يروح في يوم و ليلة"
ابتلعت هي غصة مريرة في حلقها وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
طب أعمل إيه تاني علشان تسامحني، أعمل إيه علشان تصفالي أنتَ و خديجة؟"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول:
أنا عن نفسي عارف، بس الكلام سهل و الفعل أصعب، مشيرة أنا بسببك شوفت كتير، و دخلت في أدوار مش بتاعتي، بسببك فيه واحدة ضاع من عمرها ١٦ سنة في الهوا، تقدري تقوليلي نرجع العمر دا إزاي؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ متألمة:
و أنا عرفت غلطي، و حاولت أكفر عنه، و قولتلك أني كنت رد فعل للي حصل فيا، أعمل إيه تاني يا وليد؟ أعمل إيه علشان أبطل أشوف نظرتكم دي ليا"
مال عليها وهو يقول بنبرةٍ متريثة:
المساواة في الظلم؛ عدل....زي ما بسببك بقينا مرضى نفسيين، أنتِ كمان لازم تتعالجي نفسيًا، لازم تجربي اللي غيرك جربه، لو عاوزة تثبتي صدق كلامك، يبقى تتعالجي نفسيًا من كلاكيع مشيرة القديمة"
طالعته هي بحدقتين متسعتين فوجدته يضيف:
زي ما سمعتي كدا، لازم تتعالجي يا مشيرة، لازم تخلصي من دور الضحية اللي عندك دا، على الأقل علشان نفسك"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شمس بكري
غَريقٌ أنا في بحور عينيكِ...حتى كل المسارات أصبحت تقودني إليكِ
_________________________
خلقتُ بسيطًا لا أبالي، أصنع من علاقاتي بُساطًا للنجاة، أؤمن بأن العلاقات خُلقت للتعافى و الليّن، لطالما كان صاحب القلب الليْن أقرب للناسِ، يُشبهون الناس بريق قلبه ببريق الماس، أنا هنا سندًا للجميع، أنا هنا وقت الحاجة لي...سأكون في المقدمةِ بقدرٍ كافي حتى يصل من احتاجني للتعافي.
حركت «مشيرة» رأسها باستنكارٍ واضح تحاول إدارك مقصد «وليد» من حديثه فوجدته يضيف مؤكدًا حديثه:
زي ما سمعتي كدا، تروحي تتعالجي نفسيًا زينا، و كدا يبقى فعلًا أصفالك، على الأقل هصدق إنك كنتي بتعملي كدا غصب عنك"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
أنا فعلًا كنت بعمل كدا غصب عني، أنا مكنتش ببقى واعية، أنا كنت كل يوم بليل أبص في المراية على نفسي علشان أعرف مين اللي قصادي دي، مين الجاحدة اللي قدامي"
حرك رأسه موافقًا وهو يقول بنبرةٍ متريثة و لكنها حادة لا تقبل النقاش:
و هو دا سبب إنك تتعالجي، مشيرة أنتِ اللي عندك دا زي انفصام الشخصية، و ممكن يرجع و أثره يبقى أقوى، علشان كدا العلاج هو الحل"
طالعته هي بدهشةٍ بعينيها الدامعتين، فوجدته يقول:
شوفتي بقى إنها مفاجأة؟ فاكرة عايرتي خديجة قدامنا بإيه؟ قولتيلها أنتِ مريضة نفسيًا و مجنونة، ساعتها خديجة كانت زي العصفور اللي جناحه اتقطم، الزمن دار و طلعتي مريضة نفسيًا برضه، معلش أصل كاس و داير"
مسحت دموعها بقوة ثم ردت عليه بنبرةٍ جامدة:
أنتَ كداب، أنتَ بتقول كدا علشان تحسسني بالندم، لكن أنا معنديش حاجة أصلًا، آه غلطت بس دا علشان أنا اتغدر بيا"
حرك رأسه للأعلى يطالع السماء، ثم أعادها من جديد وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
نهاية الكلام، عيادة هناء مش بعيدة عليكي، لو عاوزة تثبتي إنك بجد بتحاولي تتغيري يبقى تروحي تتعالجي، على الأقل علشان جميلة تنسى الحاجز النفسي اللي بينكم"
عند ذِكر اسم ابنتها استطاع إثارة اهتمامها، لذلك ازدردت لُعابها بقلقٍ، فوجدته يبتسم بتهكمٍ و كأنه يسخر من حالتها بذلك، بينما هي زفرت بقوةٍ فوجدته يقول متكئًا على حروف كلماته:
افتكري جـمـيلة يا مُشيرة، افتكري إن بنتك طول عمرها هتعيش بذنب أمها المؤذية"
هَبتّ مُنتفضة من جلستها وهي تقول بنبرةٍ منفعلة تصرخ في وجهه:
و هو أنتَ مش مستوعب إن السبب في كل دا هو إن بنتي دي مكانتش معايا؟ مش واخد بالك إن أنا أم و قلبي أتوجع سنين؟ مش واخد بالك أني اتعذبت و عيشت زي خيال المآتة لوحدي؟"
وقف مقابلًا لـها وهو يقول بنبرةٍ منفعلة هو الآخر يصرخ في وجهها:
و أنتِ مش واخدة بالك إن فيه واحدة بسببك حياتها باظت؟ مش واخدة بالك إن فيه بنت لحد دلوقتي بتخاف من الضلمة و الصوت العالي؟ مش واخدة بالك من مسكتها في إيد جوزها طول ما هي هنا و كأنها بتتحامىٰ فيه؟ مش واخدة بالك إنك بتبرري عملتك في البت الصُغيرة؟"
طالعته بعينيها و هي تحاول استيعاب ما تفوه به أمامها فوجد العبرات تعرف طريقها على وجنتيها لذلك، اقترب منها بخطواتٍ متمهلة حتى أصبح مواجهًا لها و هو يقول:
صدمة مش كدا ؟! فاكرة إن العمر هينسيني؟ عاوزاني أنسى وجع أختي؟ أنسى لما كنت بنطلها زي الحرامي من المنور علشان الليل لما يدخل تلاقيني جنبها؟ افتكري الكلام دا كويس،
المجروح من أهله جرحه مبيلمش و أنا مصيبتي السودا إنك من أهلي يا مشيرة، جايز الوقت ينسي الألم، لكن الجرح مفتوح و أنتِ جرحك غويط أوي"
ضغطت على جفنيها بشدة حتى تحاول التحكم في عبراتها التي تُذرف بقوة و كأنها في مسابقة العِدو، بينما هو جلس من جديد وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
لو هتاخدي الخَطوة أنا موافق و هاجي معاك، لو لسه هتفكري يبقى من هنا لحد ما وقتك يخلص وشوشنا متتقابلش، و افتكري إنك بعلاجك هتثبتي إن كان فيه مُشيرة تانية غيرك هي اللي بتحركك، تصبحي على خير"
راقبت هي جلوسه بتمعنٍ، ثم تنفست الصعداء و من بعدها تركته و خرجت من أمامه وهي تفكر في صدق قوله، فمهما كان جرحها و آلمها و مهما ذاقت من الظلم ففي النهاية أخرجت ظلمها على فتاةٍ صغيرة لا حول لها و لا قوة.
جلس هو على الأريكة، و من بعد تفكيره و استشعاره بالضيق يُخيم عليه حينما شعر بالذكريات المريرة تهجم عليه عندها وقف هو ثم ترك السطح بأكمله ثم توجه نحو شقتهم و بمجرد دلوفه وجد والدته في صالة الشقة تقرأ في المصحف الشريف بين كفيها، حينها اقترب منها، يجثو على ركبتيه أمامها فوجدها تغلق المصحف ثم رفعت ذراعها تضعه خلفها وهي تطالعه بلومٍ و رافق نظرتها تلك قولها المُعاتب:
كدا !! يومين كاملين معرفش حاجة عنك و قلبي واكلني عليك؟ و دماغي تعبتني من كتر الخوف ومش عارفة أنام"
ابتسم لها ثم رفع نفسه حتى يصل لمقدمة رأسها يقبلها و من بعدها عاد لموضعه وهو يقول بنبرةٍ مُعتذرة:
طب لو قولتلك حقك عليا و على قلبي؟ أنا و الله كنت مع ياسين متخافيش"
رفعت كفها تمسح على رأسه وهي تقول بتأثرٍ واضح و نبرة اختلطت بالبكاء وهي تقول:
إزاي مخافش عليك؟ إزاي و أنا عارفاك و حفظاك و عارفة قلبك بيشوف إيه؟ إزاي يا وليد و أنتَ نور عيني؟"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بمرحه:
نور عيني !! من زمان مقولتيهاش ليا خلي بالك"
سحبته نحوها حتى يجلس مجاورًا لها و بعدها ضللت عليه بين ذراعيها و كأنه طفلًا صغيرًا يحتمي بين ذراعي والدته، بينما هي قبلت قمة رأسه ثم استندت بذقنها على رأسه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
هتفضل نور عيني و حبيبي، قلبي دا اتقسم تلاتة، مرتضى تِلت و وئام تِلت و أنتَ تِلت، التِلت بتاعك بقى شاف خوف و زعل علشانك كتير، و على قد كدا لسه بيرفرف لما يشوفك بتضحك، ضحكتك حلوة أوي يا وليد"
تأثر هو من حديثها لذلك رفع كفه يمسح دموعه، فوجدها تقول بنبرةٍ مرحة حتى تغير تلك الأجواء:
قولي بقى كنت فين؟ و اليومين دول عملت فيهم إيه يا سيدي"
ابتسم هو حينما تذكر اليومين برفقة أخته و زوجها و خاصةً الفرح الشعبي، لذلك جاوبها بنبرةٍ ظهرت بها فرحته وهو يقول:
كنت بتأهل نفسيًا يا ماما، قضيت يومين في حياتي كنت محتاجهم، و على فكرة أنا فعلًا كنت محتاج اليومين دول، بس بجد هموت و أنام"
ربت على ظهره بقوة ثم سحبت المفرش المجاور لها تضعه على ظهره وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
يبقى سيبك من مرتضى و نام في حضني كدا، لحد الفجر و أنا هصحيك تصليه و تنام بعدها"
رد عليها هو بسخريةٍ:
يعني هي بقت كدا؟! هو أنا عيل صغير يا ماما؟ هنام في حضنك"
ردت عليه هي بنبرةٍ معاتبة:
اخس عليك يا وليد !! موحشكش حضن أمك؟ و أنا اللي قولت ما هيصدق"
ابتسم هو باتساع ثم شدد مسكته لها وهو يقول بنبرةٍ مُحبة:
حضنك وحشني فعلًا، و كنت تايه من غيرك طب إيه رأيك بقى إنك هتلعبي في راسي و تحكيلي حدوتة كمان"
ضحكت هي بقوةٍ ثم ردت عليه بمرحٍ:
بس كدا عيني الاتنين، هحكيلك حدوتة الشاطر وليد، وليد روح قلب أمه و نور عينها كمان"
حرك رأسه موافقًا بين ذراعيها وهو يقول بنبرةٍ ناعسة:
عارفه الواد دا، طيب و الله و غلبان بس سافل"
ربتت على رأسه بخفةٍ ثم شرعت في قص الحكاية التي اعتاد على سماعها منه في صغره، بينما هي شعرت معه بإحساس الأمومة يتجدد بها و كأن الزمان عاد بهما إلى الوراء حينما كان يشعر بالغضب مِن مَن حوله و كانت هي تحتضنه بين ذراعيها و تقص عليه تلك الحكاية التي تشبهه فيها بالبطل الذي انقذ بلدته من الدمار المُهلك، و كلما تعمق هو في الحكاية كلما شعر بتواجد الشبه بينه و بين بطل الحكاية.
_________________________
انتهت تلك الليلة بأمسيتها السعيدة على البعض و على الأخرين بخوفٍ خاصة حينما عاد الشباب إلى زوجاتهم و كانت كلًا منهن في ثباتٍ عميق، حتى اتى الصباح و أول الرحلات تبدأ من شقة «رياض» الذي وقف أمام باب غرفة ابنه وهو يطرقه و رافق طرقته تلك قوله الهاديء:
خديجة يا حبيبتي، اصحي علشان تفطري معانا قبل ما ننزل أنا و زُهرة"
كانت هي في الداخل تقوم بتأدية صلاة الصُبح و لحسن الحظ أنها أنهت الصلاة مع طرق الباب، بينما «ياسين» كان في المرحاض الخاص بغرفته يتجهز حتى يذهب إلى عمله، فتحت هي الباب فنظر لها حماها بفخرٍ وهو يقول:
ما شاء الله قمر في الإسدال، ربنا يتقبل منك يا رب"
ردت عليه هي بنبرةٍ ممتنة:
متشكرة لحضرتك جدًا، و ربنا يتقبل مننا جميعًا، أنا هاجي أحضر الفطار حالًا"
رد عليها هو بمرحٍ:
لأ يا ستي متتعبيش نفسك، أنا و زهرة حضرناه مع بعض، أصل دي عادتنا لازم نناقر بعض كل يوم على الفطار، و كمان الجحش دا أكيد نايم في شقته زي الكلب بعد ما جه هنا و محدش فتحله"
سعلت هي بقوةٍ من توترها، فوجدته يطالعها بخوفٍ وهو يقول:
بتكحي ليه يا حبيبتي؟ أنتِ خدتي برد؟ شكلك نمتي من غير غطا، و كله بسبب الجحش ابنـ...."
قبل أن يكمل جملته وجده أمامه بعدما خرج من المرحاض بثيابه العملية وهي عبارة عن حِلةٍ باللون الاسود و اسفلها قميص بنفس اللون، طالعه والده بتعجبٍ من وجوده في المكان فوجده يقول بنبرةٍ متريثة:
ها كمل يا حج رياض، ماله الجحش بقى؟ عملك إيه؟"
رد عليه والده بحنقٍ:
أنتَ دخلت هنا إزاي يا صايع؟ أنا بنفسي قفلت الباب بالمفتاح و حطيته جوة الباب من غير ما هما يعرفوا علشان محدش فيهم يفتحلك"
رفع «ياسين» ذراعه يضعه عليه وهو يقربها منه يضمها أسفل ذراعه وهو يقول بمرحٍ:
مراتي حبيبتي و نور عيني فتحتلي الباب، مهنتش عليها؟"
شهقت هي بقوةٍ بينما «رياض» طالعها باستفسارٍ ممتزج بالدهشة، فوجده يضيف بخبثٍ:
أنتَ بتبصلها كدا ليه؟ هي هتكدبني يعني؟ و بعدين دي طول الليل نايمة في حضني يبقى خدت برد إزاي؟"
اقترب منها «رياض» ثم أخذها منه وهو يقول متوعدًا له:
ماشي يا ياسين، مراتك و طلعت بنت اصول و مهانش عليها بعد ما تيجي هنا ترجع تاني بيتك، بس أنا هربيك من تاني"
قال جملته ثم سحبها من يدها خلفه، بينما «ياسين» زفر بقوةٍ ثم توجه نحو المرآة يقوم بتمشيط شعره، بينما والده خرج بها نحو الطاولة وهو يقول بنبرةٍ معاتبة لها:
كدا برضه تفتحيله؟ أنا كنت ناوي أخليه يتربى، كدا تشمتيه فيا أبو طويلة الاهبل دا؟"
ردت عليه هي بخجلٍ من فعلتها ثم أضافت تبرر موقفها:
أنا متأسفة لحضرتك والله يا بابا، بس أنا قولت حرام يجي هنا و ميدخلش و يرجع تاني يسوق وهو أكيد هيبقى نايم و الطريق مش أمان"
ابتسم «رياض» بفخرٍ ثم رفع كفه يربت على رأسها وهو يقول:
أنتِ بنت أصول يا خديجة و الست اللي تخاف على جوزها يبقى تستاهل تتشال في العين، بس يمين بالله هربيه برضه"
قال جملته الأخيرة بتوعدٍ، بينما «زهرة» خرجت بباقي الطعام وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
صباح الخير يا خديجة، عرفتي تنامي كويس لوحدك يا حبيبتي؟"
_"و تنام لوحدها ليه إن شاء الله؟ هو أنا دكر بط مش مالي عينكم؟"
تفوه «ياسين» بذلك ساخرًا من حديث والدته التي التفتت له وهي تقول مذعورة من وجوده:
بسم الله الرحمن الرحيم، بيطلعوا إمتى دول؟ هو مش أنتَ من شوية يا رياض قولتلي إنك قفلت الباب و زمانه في بيته؟"
سألت زوجها عن كيفية وجوده، فرد عليها هو مُفسرًا:
مراته يا ستي فتحتله الباب مهانش عليها، بس لسه إحنا ثابتين على موقفنا برضه، و هبهدله في المحاكم"
ابتسمت «خديجة» بسمة طفيفة رُسمت على ثُغرها، بينما «ياسين» رفع حاجبه حانقًا على الوضع برمته و هو يتابع جلوس الأسرةِ بأكملها، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم سحب المقعد المجاور لمقعد زوجته و قبل أن يجلس عليه وصله صوت والده وهو يقول بضجرٍ منه:
ابعد عنها يالا أنتَ، تعالى اترزع جنبي هنا، مش علشان فتحتلك الباب يبقى خلاص يا روح أمك"
أخفضت رأسها تحاول وأد ضحكتها، بينما والدته تصنعت التجاهل له، أما هو فدفع المقعد للأمام من جديد ثم توجه يجلس مجاورًا لوالده الذي تبع فعلته برضا تام وهو يقول بنبرةٍ غير مبالية:
كدا أحسن برضه، اتفضل افطر علشان تمشي على شغلك"
ابتسم له باستفزازٍ ثم حرك رأسه يتابع الطاولة و من بعدها تحدث يقول بحنقٍ:
هو إيه دا بقى إن شاء الله؟ فين النسكافيه بتاعي و لا هو أنا مليش لازمة في البيت دا؟"
رد عليه والده بنبرةٍ خبيثة:
أصل مكناش عاملين حسابك، بصراحة نسينا يا ياسين"
رد عليه هو بتهكمٍ:
لأ و الله !! نسيت ابنك؟ طب ما أنتَ شوفتني جوة مقولتش لماما تعمله ليه؟ و أنتِ يا ست الكل معملتيش ليه النسكافيه"
وجه حديثه لها يسألها بنبرةٍ جامدة، فتدخلت والدته تقول بضيقٍ منه:
أنا مخلتهاش تعمل حاجة علشان إحنا اللي محضرين الفطار، و بعدين هو أنتَ ليك عين كمان"
زفر بقوةٍ ثم قال مفسرًا بنبرةٍ امتزجت بالتوسل:
يا جدعان والله أنتو ظلمتوني، كنا في حنة أيمن المكوجي اللي في حارة شحاتة، و انتو عارفين جوايا واحد شعبي ما بيصدق يخرج أصلًا"
طالعته والدته بتقززٍ وهي تقول:
بس جتك القرف في ذوقك، غاوي أفراح شعبية و رقص شعبي، هو دا المهندس ياسين"
رد عليه هو بسخرية:
هو أنتِ مخلفة رقاصة؟ ما أنا لسه مهندس برضه زي ما أنا"
تدخل «رياض» يقول بنبرةٍ ظهرت بها السرعة وهو يقول:
طب بس خلاص بقى، يلا يا زهرة أفطري علشان أوصلك المدرسة قبل ما الأتوبيس بتاع الشغل يوصل، و أنتِ يا خديجة افطري يا حبيبتي كويس"
وجه حديثه لزوجته و زوجة ابنه وهو يتجاهل ابنه الذي تحدث يقول بتعجبٍ:
طب و أنا مش هتقولي أفطر يا ياسين؟ خلاص نسيت اللي كان بيننا"
رد عليه والده بضجرٍ:
قوم يالا اعمل لنفسك النسكافيه اللي أنتَ عاوزه علشان تنزل معانا توصلني على الطريق"
أومأ له موافقًا ثم وقف حتى يتوجه نحو المطبخ ليقوم بعمل مشروبه الخاص و قبل أن يتحرك من جوار الطاولة، سألها بمرحٍ يحاول به تخفيف حدة نظراتها:
بقولك إيه يا كتكوتة مش عاوزة تيجي تساعديني خالص؟"
حركت رأسها تنظر له وهي تقول بنبرةٍ جامدة بعدما رسمت الثبات على وجهها:
لأ مش عاوزة، اتفضل حضرتك أنتَ يا أستاذ ياسين"
اتكأت على حروف كلماتها عند ذكر اسمه، بينما هو عض على شفته السفلى ثم تحرك من أمامهم، بينما هي زفرت بقوةٍ ثم سألت والده بقلقٍ بنبرة هامسة:
أنا بقول خلاص كدا بقى، هو أكيد كان في الفرح و إنشغل و روحت عن باله، عادي"
رد عليها مُعقبًا:
بس أنتِ خالص علشان هتضيعي تعبي، يا أنا يا أبو طويلة الاتنين متر دا"
ردت عليه هي ببلاهة:
إيه دا هو ياسين طوله اتنين متر بجد؟ أنا بقول برضه فرق الطول دا مش طبيعي"
ردت عليها «زُهرة» بنبرةٍ ضاحكة:
كنايةً يعني يا خديجة، و بعدين هو مجابش الاتنين متر هو ١٨٠ سم، أطول من باباه بشوية"
أومأ لها موافقةً ثم أضافت بنبرةٍ هادئة:
تقريبًا طول أحمد و وليد مقارب ليهم برضه، إنما طارق و وئام أطول منه بشوية"
رد عليها حماها بحنقٍ:
شوفي برضه بتفكري فيه، عاوزك تنسيه خالص، لحد ما يتعلم الأدب"
أومأت له موافقةً ثم بدأت في تناول فطورها حينما بدأت «زُهرة» و في تلك اللحظة خرج هو من المطبخ ثم جلس على مقعده السابق، بينما والدته سألته بحنقٍ:
ها يا أستاذ ياسين، قولي بقى معبرتش حد فينا إمبارح ليه إن شاء الله؟ إزاي يا أستاذ أكلمك أنا و مراتك و باباك و متردش على حد فينا؟"
تنحنح هو يُجلي حنجرته وهو يقول بنبرةٍ ثابتة بعض الشيء:
هو أنا بصراحة خوفت على التليفونات تتقلب علشان كدا سبناها في العربيات، و مع الجو الشعبي دا بقى نسيت كل حاجة"
طالعته «خديجة» بغير تصديق من خلال حركة رأسها لليسار قليلًا، بينما هو أضاف مؤكدًا:
أنا مش فاهم الموضوع كِبر كدا ليه؟ عادي يا جماعة فرح و خلص و ربنا يفرح الكل"
رد عليه والده بنبرةٍ جامدة:
علشان يا أستاذ فيه ناس لازم حضرتك تقدرهم، يبقى فيه تليفون أفهم الناس الوضع إيه، مراتك عاملة حسابها ترجع بيتها و فضلت دماغها تلف و تدور و لولا أنا عرفت بالصدفة من فهمي كان زمانها لسه قلقانة، أنتَ مشوفتش شكلها لما عرفت إنك في فرح و كويس كان عامل إزاي؟ كانت هتعيط من فرحتها"
حينما حدثه والده و قام بتفسير الموقف له أدرك هو خطأه، لذلك وقف وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
طب أنا اتأخرت و لازم أمشي علشان الساعة قربت على ٧"
قال حديثه ثم تحرك من أمام الجميع تاركهم خلفه ينظرون في أثره بتعجبٍ قبل أن يرد أيًا منهم عليه، بينما هي شعرت بالغيظ منه و قبل أن تزداد سهامها الموجهة نحو خروجه وصلها صوت والده وهو يقول مُردفًا لها:
هو كدا لما يعرف إنه غلطان، بيمشي علشان محدش يفضل يلومه أكتر، و هيعصر دماغه لحد ما يصلح الموقف إن شاء الله"
حركت رأسها موافقةً له ثم أخرجت تنهيدةً قويةً من فعلته تلك و من لامبالاته التي استشعرتها هي، بينما والده ابتسم بخبثٍ وهو يدري ما سوف يحدث من ابنه لحل الموقف قبل أن يتفاقم الوضع بينهما.
_________________________
في شقة «ياسر» ارتدى ثيابه و قام بتجهيز حاجاته الخاصة بمفرده خوفًا من معاتبة زوجته لكنه تفاجأ بها تدلف الغرفةِ له وهي كعادتها تمد يدها له بالطعام وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
الفطار يا ياسر علشان متصدعش و هتلاقي معاه الدوا بتاع البرد علشان تلحق نفسك قبل ما يمسك فيك"
اندهش هو من طريقتها خاصةً وهي تمد يدها له بالطعام، فأخذه منها وهو ينظر به بتشككٍ ثم رفع رأسه يطالعها فوجدها تبتسم له، حينها سألها بقلقٍ:
بصي عارف أني غلطت و عارف أني اتأخرت كتير، و حقك تزعلي مني بس هو دا يخليكي تسممي الأكل يعني يا إيمان؟"
نظرت له ببلاهةٍ غير مُدركة لما يتفوه عنه، فوجدته يضيف مردفًا لها:
قصدي على الأكل دا، مش أنتِ سممتيه علشان تنتقمي على حركة امبارح؟"
ردت عليه هي بتعجبٍ ممتزج بحنقها منه:
أنتَ عبيط يا ياسر؟ هو أنتَ فاكرني إيه؟ هسمك ليه أنا هو أنتَ فار؟ دا إيه التخلف دا؟"
ابتسم هو على طريقتها المنفعلة، لذلك قال مفسرًا لها:
أنا قولت يمكن تكون زعلانة خصوصًا إنك صحيتي قبلي و دي مش عادتك يا إيمان، بس والله اتأخرت غصبٍ عني"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
عارفة يا ياسر و خصوصًا إنك مبتحبش تسبني لوحدي، أنا مش زعلانة أهم حاجة عندي إنك تكون مبسوط و دا اللي يهمني"
حرك رأسه للخلف بتعجبٍ غير مصدقًا لما تفوهت به، فوجدها تحرك رأسها موافقة تؤكد صدق حديثها، ثم اقتربت منه تمسك كفه وهي تقول بنبرةٍ حاولت صبغها بالثبات:
صدقني والله ميهمنيش غير إنك تكون مبسوط، أنا مش عاوزاك تفضل زعلان يا ياسر، مش عاوزاك كل يوم تفضل تضغط على نفسك كدا، كفاية إنك كنت فرحان و راجع فرحان، يبقى بصراحة حرام أبوظ فرحتك دي، على الأقل لحد ما ترجع"
قالت جملتها الأخيرة بتوعد جعله يطالعها بريبةٍ فوجدها تضحك بقوة ثم قالت:
خلاص مفيش لحد ما تجيلي، مش هزعلك يا ياسر، يلا علشان اتأخرت على شغلك، ياسين مش موجود علشان يوصلك"
اقترب هو منها ثم قال بفخرٍ لم يستطع السيطرةِ عليه:
أنا فخور بيكي والله أوي، بس برضه بحبك و أنتِ بتعاندي معايا مش علشان حاجة، بس بحبك و أنتِ متعصبة أوي"
ابتسمت له بخفةٍ ثم قالت تحثه على التحرك:
طب يلا بقى هتفضل تِسَبلي كتير بعيونك الزرقا اللي شبه البحر دي؟ يلا يا دكتور هتتأخر"
اقترب منها ثم قبل رأسها بعدها طالعها بوجهٍ مبتسم وهو يقول:
أقولك على حاجة؟ هجبلك حاجة حلوة و أنا جاي"
سألته هي بنبرةٍ متلهفة:
بجد !! إيه قولي بالله عليك يا ياسر، علشان خاطري"
اتسعت بسمته أكثر وهو يقول أثناء تحركه من أمامها:
خليها بليل مفاجأة بقى لما أجيلك، خلي بالك من نفسك"
أومأت له موافقةً وهي تراه يترك الغرفة و منها سيغادر إلى عمله، فتنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ خافتة تحدث نفسها:
منك لله يا سمير"
_________________________
في شقة «عامر» وقف مُتذمرًا مثل الطفل الصغير وهو يقول:
يا سارة بقى علشان خاطري حمري بطاطس، مش بعرف أبدأ يومي من غيرها"
ردت عليه هي تعانده:
لأ يعني لأ، مستحيل يا عامر علشان مفيش وقت و بعدين أنتَ ليك عين تطلب حاجة مني؟"
حرك كتفيه ببساطةٍ وهو يقول بمرحٍ:
آه عادي مش مراتي ولا إيه؟ و بعدين أصلًا أنا قولت إني متجوزك علشان أبهدلك و كنت صريح معاكي من الأول، مكدبتش يعني"
طالعته بحنقٍ وهي تقول بغير تصديق:
أنتَ إيه يا بني؟ يا عامر بقولك رجعت متأخر و معبرتنيش و كمان صاحي تتخانق على بطاطس محمرة؟ أشد شعري منك يا عامر؟ هتموتني !!"
صرخت في وجهه بكلمتها الأخيرة، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ جادة:
كان لازم أعرف إنك هتزهقي مني و إنك مش هتكملي الطريق معايا، شكرًا يا سارة، شكرًا يا مراتي"
تعجبت هي من طريقته الدرامية التي يتحدث بها لذلك اقتربت منه تقول بنبرةٍ معتذرة:
أنا مش قصدي حاجة و الله، بس الفكرة كلها إنك رجعت متأخر و حتى مطمنتش قلبي عليك، و بعدين صاحي كأن مفيش حاجة يا عامر، بس لو زعلت أنا مش قصدي"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
زعلان يا سارة، علشان أنتِ مشوفتيش حصل إيه امبارح؟ إحنا شوفنا ليلة صعبة جدًا"
سألته هي بقلقٍ واضح:
حصل إيه متخوفنيش يا عامر"
رد عليها مُردفًا بحزنٍ مصطنع:
كنا في فرح يا بنتي، و أهل العروسة عند كتب الكتاب طلبوا تغير في القايمة و العريس رفض و كسروا فرحتنا و كنا طول الليل زي العزا، الفرح اتحول ميتم"
سألته هي بنبرةٍ حزينة:
طب و العروسة عملت إيه؟ حرام يسكروا فرحتها كدا"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف:
و العريس يعيني، بس احنا فضلنا معاهم لحد ما الليلة خلصت على خير، صحيح خلصت سُكيتي، بس مش مشكلة المهم إنهم بقوا مع بعض"
أومأت له موافقةً ثم قالت:
أيوا دي أهم حاجة أصلًا، علشان العريس و العروسة أكتر ناس بيكونوا نفسهم يفرحوا"
فور انتهاء جملتها وصله رسالة عبر هاتفه فأخرجه من سترته دون أن ينظر به حتى ضغطت على الإشعار و منه فُتح المقطع الخاص بالترحيب به في الفرح، شهق هو بخوفٍ، بينما هي رفعت حاجبها تطالعه شرزًا بعدستيها، فوجدته يقول مُرتبكًا:
التحية دي علشان حلينا الموقف، أوعي تفهميني صح"
خطفت منه الهاتف فوجدت رسالة صوتية مرسلة من العريس و كان محتواها:
نورت الدنيا يا أستاذ عامر، شرفتوني بأمانة يعني، أنا وصيت إن الدَخلة بتاعتكم تتصور لوحدها و تتبعتلي، عقبال فرح عيالك يا رب"
ابتسمت هي بتهكمٍ فوجدته يقول بنبرةٍ مرتبكة و متوترة:
دا العريس بس هو بيحب يبالغ شوية"
وضعت الهاتف في يده ثم أمسكت رقبته بكفيها وهي تقول بحنقٍ وهي تهزه في يدها:
أعمل فيك إيه يا أخي تعبت أمي، جننتني يا عامر خلاص"
ضحك هو بقوةٍ وهو يقول متوسلًا لها حتى تتركه:
خلاص خلاص هموت، سيبيني يا جرثومة، بدل ما أرشك بالرش"
تركته هي على مضضٍ، فوجدته يدلك عنقه ثم قال وهو يلهث بقوةٍ:
الله يسامحك...بنت مجانين، أقولك على حاجة؟ كنت في فرح لحد الصبح و رقصت و هيصت و كلت ترمس، خدي الكبيرة بقى، اتعاكست كمان"
شهقت هي بقوةٍ وهي تقول بغير تصديق لما تفوه به:
يا وقعتك السودا !! كلت ترمس ؟ ترمس يا عامر"
أرجع رأسه للخلف و هو يقول بنبرةٍ ساخرة:
أنتِ هتستهبلي يا بت ؟! كل اللي همك الترمس؟ مش فارق معاكي كل اللي رزعته دا !!"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول:
عادي يعني هعملك إيه؟ و بعدين أنا اللي شغلني الترمس علشان أنا بحبه و مش بلاقيه كتير، لكن أنتَ بقى هعملك إيه"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ متوعدة:
ماشي يا بنت عصام، يا أنا يا أنتِ يا جرثومة، أخرك معايا إزازة بيرسول و من الصغيرة مش هكلف نفسي و أجيب الكبيرة"
قال جملته ثم سحب الحقيبة البلاستيكية من أمامها حتى يقوم بصنع الشطائر له، بينما هي ابتسمت بتوعدٍ بعد رحيله من أمامها للخارج.
_________________________
في شقة «خالد» جلس مقابلًا لـ زوجته على الفراش بعدما ارتدى ثياب عمله، و بجانبه صغيره، أعطاه الدواء أولًا، ثم أخرج أحد الحبوب الطبية يدخلها في فمها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنتِ الحمد لله خفيتي، بس دي احتياطي يا ريهام، و معلش بقى اتأخرت إمبارح عليكم"
ردت عليه هي بنبرةٍ عادية:
متشيلش هم، إيمان كانت معانا لحد بليل، و أنا كنت فوقت خلاص، المهم قولي كنت فين يا خالد"
تنحنح هو يُجلي حنجرته ثم تحدث بثباتٍ واهن:
كنت يا ستي في فرح أيمن المكوجي اللي في المنطقة عندنا، مسك فينا و أحرجنا و احنا فضلنا معاه لحد أخر الليلة"
ابتسمت له ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
ربنا يحبب فيكم خلقه كلهم، عقبال ما تفرح بيونس يا رب"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
هو بس يحترمني شوية و مش عاوز حاجة تانية، أنا هفرح يوم ما يقدرني"
ضحكت هي بقوةٍ ثم حركت رأسها تنظر لصغيرها على الفراش فوجدته يلعب في الهاتف و لا يكترث لوجودهما، حينها حمله «خالد» على ذراعه وهو يقول بطريقةٍ مرحة:
تعالى ألعب مع بابا قبل ما يمشي على الشغل، و لا تيجي معايا الشغل؟ تيجي؟"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
علشان الشركة كلها تتفرج عليكم سوا و أنتو بتعاندوا في بعض؟ لأ شكرًا أنا موافقة يفضل تاعبني هنا"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
أنا قولت أوجب معاكي، مش هيبقى الواد و أبوه قرفينك في عيشتك"
ردت عليه هي بنبرةٍ مرحة:
يا سيدي هو أنا اشتكيت ليك؟ على قلبي زي العسل الواد و أبوه يا خالد"
ابتسم هو لها بشدة ثم اقترب منها حتى يقبل وجنتها و لكنه تفاجأ بـ «يونس» يضربه بالهاتف في وجهه بقوةٍ، حينها صرخ بملء صوته وهو يقول:
آه يا ابن الهبلة يا واطي"
ضحكت هي رغمًا عنها فوجدته يلقيه بجانبها وهو يقول بحنقٍ:
أخرتك هتبقى قصاد باب جامع يا يونس الكلب أنتَ، و هخلف عيل غيرك يحترمني"
حملت الصغير على ذراعيها وهي تقول بحنقٍ:
أمشي، دا بعينك، دا هيفضل طول عمره في حضني و في قلبي، دا أول فرحتي يا خالد"
ابتسم هو لها ثم اقترب من صغيره يداعب وجنته وهو يقول بنبرةٍ ظهرت بها عاطفة أبوته:
و أول فرحتي أنا كمان و الله، لما ببص في وشه بعرف أنا ليه اتغيرت عن الأول، يونس لما جه يا ريهام طلع النور من جوايا، طلع خالد الصغير اللي اتركن على جنب، الأغنية اللي عامر عملي بيها صورنا أنا وهو سوا كل كلمة فيها كانت صح، بس فيه جملة ركزت فيها و مش قادر أكذبها من كتر صدقها، ساعتها أحمد مكي قال
{فتحت بإيدك كل أبواب الرحمة جوايا... قلبي كان اتحول حجر دي مش كناية}
يونس هو اللي رجعلي قلبي تاني و أنا كأب بصراحة فرحان أني عندي ابن زيه"
طالعه الصغير بملامح وجه ضاحكة و كأنه فهم أن الحديث عليه، و حينها غمز له والده، فقفز عليه يحتضنه وهو يذكر إسمه، بينما هي ابتسمت بيأسٍ وهي تقول:
أنا تعبت من العلاقة دي، الواد و أبوه ملبوسين !! حرام يا ناس و الله، بس بحبكم برضه"
وقف «خالد» بعدما ترك ابنه بجانبها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
طب أنا هنزل بقى علشان عامر لسه هيأخرني، عاوزين حاجة مني؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول:
عاوزين سلامتك يا خالد ترجع بالسلامة إن شاء الله، و أنا فوقت متقلقش نفسك عليا"
أومأ لها موافقًا ثم خرج من الغرفة، تاركها خلفه تحمل صغيرها على يدها وهي تقول بسخريةٍ:
و أنتَ يا عم المنفصم ما تنام شوية كدا علشان أشوف ورايا إيه؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول:
No"
ردت عليه هي بسخريةٍ أكثر:
نو !! عسل يا ابن خالد"
_________________________
في سيارة «خالد» انتظر «عامر» و لكن ما أثار تعجبه هو نزول صديقه مُبكرًا عن كل مرة، و ما حول تعجبه إلى دهشةً هو نزول صديقه بملامح وجه جامدة و على غير عادته هاتفه في يده و لم يستمع إلى الموسيقى، دخل بجانب صديقه يجلس بجانبه، بينما «خالد» سأله بتعجبٍ:
مالك يا عامر على الصبح؟! مضروب على بوزك ليه؟ هو أنتَ يا كدا كدا معندكش وسط خالص؟"
رد عليه «عامر» بضجرٍ:
مش عارف حاسس زي ما أكون مخنوق، عمال أفكر يا خالد و أنا لما بفكر يبقى واحد تاني بصراحة"
رد عليه هو بقلقٍ:
لأ كدا أنا خوفت أكتر و الله يا عامر، بس قولي مالك و نتكلم سوا لحد ما نوصل"
أومأ له موافقًا بينما «خالد» قام بتشغيل محرك السيارة حتى يذهب إلى عمله، فتحدث «عامر» يقول بنبرةٍ هادئة:
عمار رايح الجامعة بكرة و أنا قلقان عليه، عمار راجل و يعتمد عليه بس الجامعات دي مش شبهنا، عالم تاني خالص، و أنا بصراحة خايف يورط نفسه"
حرك «خالد» رأسه ينظر له أثناء القيادةِ وهو يقول:
يورط نفسه !! مش فاهم إزاي"
رد عليه «عامر» مردفًا:
عمار عرف وليد إنه بيحب خلود أخته، و طالما وليد عرف يبقى أكيد خلود عرفت، و طالما خلود عرفت يبقى أكيد هتعشم نفسها و دا سن مراهقة يا خالد، خايف لما يدخل الجامعة يلاقي واحدة تانية تعجبه و ساعتها هيبقى الوضع صعب أوي"
رد عليه «خالد» يعارض طريقة تفكيره:
غلط يا عامر، خوفك زيادة و غلط كمان، عمار مش عيل صغير علشان يشبط في حاجة، عمار حب خلود بجد، و قالي على كل حاجة كمان، و قالي إنه قابل الشيخ أيوب علشان يقوله يعمل إيه، واحد زي دا مرجعه كان بيت ربنا تفتكر يتخاف عليه؟ أنسى"
رد عليه هو بتمني:
يا رب يا خالد، يا رب اطمن علشان أنا قلقان عليه أوي، عمار مش زيي، عمار مع أول حاجة بتزعله بيقفل على نفسه، و أنا خايف أول حاجة تزعله تبقى في مشاعره، ساعتها أنا هزعل أنا كمان"
رد عليه «خالد» بنبرةٍ ضاحكة:
إيه يا عامر المشاعر دي كلها؟! دا أنتَ محسسني إن عمار دا ابنك يا جدع، شايل همه حتى وهو رايح الجامعة؟"
رد عليه بحنقٍ:
أنتَ غبي ليه يا خالد !! ماهو ابني يا سيدي، أنا قولتلكم عمار ابني و أنتم أخواتي، و خوفي عليه مش عاوز خاطره يتكسر، بيبقى إحساس صعب أوي زي بالظبط كأنك مروح البيت على أساس إنك تاكل مكرونة بالبشاميل و في الأخر تطلع مكرونة محمرة، نفس الخيبة بالظبط"
رد عليه «خالد» بوجهٍ ممتعض:
يخربيت أم أحاسيسك يا شيخ، كلها أكل و طبيخ و الكلام كله ريحته زيت درة"
ضحك «عامر» بقوة ثم قام بفتح الحقيبة البلاستيكية التي سبق و وضعها أمامه وهو يقول بنبرةٍ لازالت ضاحكة:
طب يلا سمي الله معايا علشان نفطر، معلش بقى جبنة رومي مفيش بطاطس"
غمز له «خالد» وهو يقول متشفيًا به:
أوبا !! اتغدر بيك يا حلو و شكلك اتنكد عليك، فرحان فيك"
ضيق «عامر» جفنيه وهو يقول بشرٍ:
بس أنا مش هسكت، هاخد حقي تالت و متلت كمان، صبرك عليا"
طالعه «خالد» باستنكارٍ واضح على وجهه من حديث صديقه الغريب.
_________________________
في شركة أحفاد آلـ «الرشيد» قبل صلاة العصر كان «حسن» جالسًا برفقة «وليد» يقوما بضبط التصميمات حتى يتم الانتهاء منها كُليًا، و بعد إنغماسهما في العمل تحدث «حسن» يقول بنبرةٍ متعبة:
لأ خلاص أنا تعبت، هات طارق بقى يراجع كدا علشان أنا جبت أخري يا وليد"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ متعبة هو الآخر بعدما عاد بظهره للخلف:
أنا تعبت أنا كمان، الراجل مدقق في تفاصيل غريبة أوي و عمال أرسم من الصبح و أنا مش بحب أرسم غير لما شغفي يكون موجود، منه لله اللي عرفهم أني برسم"
رد عليه «حسن» بوقاحةٍ:
فعلًا منه لله حسن دا، علشان فَتن عليك ابن الفتانة، كنت عاوزنا نجيب منين حد بيرسم و أنتَ موجود يا وليد؟"
رد عليه بلامبالاةٍ:
و أنا مالي، أنا بحب أرسم لما أحس أني محتاج أخرج طاقتي دي في حاجة جديدة، بس يلا كله بثوابه بقى"
رد عليه بحنقٍ:
كله بثوابه !! ولا؟ مين اللي بيقبض معانا أول الشهر، أمي ؟!"
نظر «وليد» في ساعة يده ثم وقف مقابلًا له وهو يسأله:
بقولك صح هو فين وئام و أحمد؟ من ساعة ما دخلنا هنا مشوفتهمش"
رد عليه مفسرًا بنبرةٍ هادئة:
وئام و أحمد راحوا المطبعة علشان يستلموا ورق الدعاية بتاع شركة الملابس، و طارق في الأوضة بتاعته بيظبط تصميمات الدعاية الالكترونية، و أنا و أنتَ هنا بنصمم علشان الزفت بتاع الفندق"
أومأ له موافقًا ثم قال بعدما زفر بقوةٍ:
بقولك إيه أنا كدا خلصت اللي ورايا، هروح مشوار على السريع كدا و أرجعلكم تاني، و ممكن أطلع على البيت، مش ضامن المشوار هياخد قد إيه مني"
أومأ له «حسن» موافقًا ثم قال:
طب مفيش مشاكل، احنا من الصبح قاعدين كدا، أنا هراجعهم و أعملهم نسختين و هبعتهم لطارق قبل ما أخلصهم، شوف طريقك أنتَ و أنا هبقى أكلمك"
أومأ له موافقًا ثم انسحب من أمامه تاركه خلفه يقوم بالعمل، بينما «حسن» عاد لمتابعة الحاسوب وهو يقوم بنسخ التصميمات، و أبان عمله وصلته رسالةً عبر تطبيق تبادل الصور "الانستجرام" و كان محتوى تلك الرسالة أن هناك من أشار له في صورًا عبر ذلك التطبيق، فتح هو الإشعار فوجده من «هدير» حينما أشارت له في الصور، خرج من المحادثة الخاصةِ بها ثم توجه نحو صفحتها الشخصية فوجد صورهما سويًا و لكن ما أثار تعجبه هو الشرح التوضيحي الذي أضافته هي أسفل الصور و حينها وجد نفسه يبتسم باتساعٍ وهو يقرأ ما دونته أسفل الصورة الأولى وهي عبارة من أحد أفلام الكارتون وهي جملة:
لما الدنيا تكشرلك عارف تعمل إيه؟
_عوم و اتمختر، عوم و اتمختر"
ضحك هو بقوة حينما تذكر مشاهدتهما لذلك الفيلم، و قبل أن يغلق الهاتف وجدها تشير له في صورةً أخرى و هي التي ألتقطت لهما و هما ينظران لبعضهما البعض و أضافت أسفلها شرحًا توضيحيًا من نفس الفيلم وهو:
ودع الأحزان يا ذوق"
حينها لم يتمالك نفسه من الضحكات لذلك قام بفتح المحادثة الخاصةِ بهما عبر تطبيق "الواتساب" و منه أرسل لها رسالةً صوتية وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
طب أنا راضي ذمتك !! دي جُمل تتكتب تحت صور ناس في سننا؟ إيه يا هدير ليه محسساني إنك متصور مع ابن أختك؟"
انتظر حتى قامت بفتح المحادثة و منها رآى الإشارة تتحول إلى اللون الازرق مما يدل على استماعها لها، فأرسلت له هي بنبرةٍ ضاحكة:
أومال أكتب جمل عميقة و نبان مكلكعين يا حسن؟ و بعدين أنا لسه هنزل الصور بتاعة إمبارح بس مستنية أدور على Captain حلو"
أستمع هو لرسالتها و من بعدها أرسل هو ساخرًا منها:
اكتبي فوقها أنا و الشاطر حسن، علشان نبقى هُبل بجد"
استمعت هي إلى رسالته فشهقت بفرحةٍ بعدها ارسلت هي له بصوتها المرح:
تصدق صح !! أنتَ الشاطر حسن، بس للأسف أنا هدير"
قالت جملتها الأخيرة بنبرةٍ مُحبطة وهي ترسل له الرسالة الصوتية التي استمع هو لها و حينما لاحظ الاحباط في نبرتها، أرسل لها بنبرةٍ مقررة لا تقبل النقاش:
أنا ممكن أكون الشاطر حسن صحيح، بس أنتِ هدير، و هدير مفيش زيها في كل الدنيا"
استمعت هي لحديثه فاتسعت حدقتيها بقوةٍ، حتى أنها لم تقوى على الإرسال له بعدما هرب منها صوتها، فوجدته يرسل لها من جديد، انتظرت حتى وصلتها الرسالة فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
أنتِ زعلتي ولا إيه؟ طب قولي أي حاجة طيب يا ستي"
حمحمت هي بقوةٍ ثم أرسلت له بنبرةٍ خافتة:
لأ أبدًا مزعلتش يا حسن خالص، أنا استغربت الجملة مش أكتر، بس استغراب غريب، أو يمكن علشان الجملة غريبة عليا"
انتظر هو حتى وصلته الرسالة و من بعدها أرسل هو مؤكدًا:
علشان دي الحقيقة، هدير مفيش منها اتنين و افتكري إنك كدا كويس، المهم عاوزة حاجة مني و أنا جاي؟"
ابتسمت هي بشدة حينما استمعت إلى رسالته، و من بعدها أرسلت له كتابةً:
عاوزة سلامتك يا حسن، ترجع بالسلامة و أنا مستنياك"
قرأ هو رسالتها وهو يبتسم هو الأخر، ثم خرج من المحادثة و بعدها يتوجه نحو التطبيق الأخر يطالع صورهما معًا، و أثناء تصفحه وجد تعليقًا من إحدى صديقاتها القُدامى و كان محتواه:
مش تعرفينا يا هدير ؟! مين القمر دا؟"
فتح هو التعليقات حتى يستطع رؤية ردها على الفتاة فوجدها سبق و ردت عليها بتعليقها:
لأ دا مش قمر، دا حسن جوزي، أقولهالك بالانجلش يمكن توصل أسرع ؟!"
ضحك هو بقوةٍ وهو يتخيل مظهرها أثناء كتابة الرد على الفتاة وهي تتغزل به، و قبل مغادرة التطبيق وجدها تضيف أسفل الصور عبارةً توضيحية وهي:
الشاطر حسن و مدامته هدير، اللي هي أنا يعني"
و بجانب تلك الجملة أرسلت رمزًا تعبيريًا يدل على الضحك و كأنها تمزح، لكنه أدرك الهدف الأساسي من إضافة تلك الجملة و التي لم يكن سببها إلا تلك الفتاة التي سبقت و أرسلت التعليق، حينها اتسعت بسمته رويدًا رويدًا، لكنه قبل أن يتعمق وجد نفسه يزدرد لُعابه بخوفٍ وهو يفكر ماذا إذا لم تشعر بما يشعر هو به تجاهها؟ ماذا إذا لم تتحمله و يأتي يومٍ و تتركه، تتركه !! كيف تتركه تلك التي أضاءت حياته و أعطتها معنًا جديدًا جعله يحيا من جديد؟ هكذا كان يفكر بها و رأى أن أسلم حل هو المجاهرة بما يشعر به"
_________________________
خرج «وليد» من عمله ثم توجه نحو العيادة النفسية حتى يقابل طبيبته النفسية، و بالفعل انتظر حتى خرجت الحالة التي كانت تسبقه و من بعدها دلف لها وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
أنا فرحت لما كلمتيني علشان أجيلك، تفتكري هي دي فرحة الأهبل اللي بيقولوا عليها؟"
ضحكت هي على جميع لذلك ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
و هو أنتَ برضه أهبل؟ طب حد غيرك يقول كدا يا وليد"
ابتسم هو لها فوجدها تقول بنبرةٍ هادئة:
النهاردة هبدأ معاك الجلسات الخاصة بيك أنتَ، روح بقى مدد على الشيزلونج دا و أنا هجيلك"
أشارت له بيدها وهي تتحدث نحو المقعد الكبير المخصص لفرد الجسد، بينما هو حرك رأسه نحو موضع إشارتها ثم وجهها نحوها من جديد وهو يقول بنبرةٍ ساخرة:
أمدد !! طب ما تجيبي معزتين بالمرة أخد بالي منهم و أنا ممدد"
ردت عليه هي بحنقٍ من طريقته:
يا بني إيه معزتين دي؟ و إيه الكلام اللي ريحته فلاحي دا؟"
رد عليها هو بنفس السخرية:
كلام فلاحي إيه ؟! ليه محسساني إن الكلام ريحته سمنة روابي، فيه إيه يا دكتور؟ وبعدين مالهم الفلاحين إن شاء الله؟"
ضحكت هي بقوة على طريقته ثم ردت عليه بنبرةٍ لازالت ضاحكة:
أنتَ مش ممكن عندك رد لكل حاجة، و يا سيدي أنا فلاحة أبًا عن جد كمان، و كنت بروح الغيط كمان مع جدي"
رد عليها هو بوقاحةٍ:
غيط !! و زعلانة مني علشان بقول معزتين؟ المهم أنا هروح أمدد و الحقيني قبل ما أنام"
حركت رأسها نفيًا بيأسٍ منه و كأنها تقول لا فائدةً منك يا «وليد» بينما هو تحرك نحو المقعد الكبير ثم فرد جسده عليه باسترخاءٍ، بينما هي جذبت المقعد ثم جلست عليه مجاورةً له و في يدها ورقة و قلم، وهي تسأله بنبرةٍ عملية:
ها يا سيدي، عرفني على نفسك كدا و قولي أنتَ مين أو تحب نفسك تكون مين؟ أو إيه البداية اللي خليتك تيجي هما تتعالج؟"
رفع رأسه ينظر للأعلىٰ وهو يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بالحيرة:
أنا وليد مرتضى الرشيد، عندي ٢٦ سنة، و اتعالجت قبل كدا من إدمان المخدرات، و يمكن السبب في وجودي هنا من ساعة ما عمتو مشيرة فرقت بيني أنا و خديجة و بين كل عيال العيلة كلها و دا علشان أنا كنت الحامي بتاع خديجة من صغري، و يمكن لما عمي طه عمل كدا فـ بنته قدامي و يمكن لما وثقت في عمرو و دخلني سكة الإدمان لما كان بيحطلي الحبوب في العصير، و يمكن لما عبلة قالتلي إنها مش عاوزاني و أني لو أخر واحد في الدنيا كلها مستحيل توافق عليا، أو يمكن أنا طبعي كدا، مش عارف بس وسط كل دا أنا مكنتش مرتاح و علطول خايف، الكلمة اللي خرجت من كل واحد فيهم زي السم يرشق في القلب يقضي عليه و بين كل سلمة و التانية واحد ضاع مني إسمه وليد، أنا سِبت الدنيا كلها في حالها بس دماغي مسابتنيش"
أومأت له موافقةً بعدما استحسنت جوابه عليها ثم أضافت مؤكدة حديثه:
بالظبط يا وليد، كل العوامل دي هي اللي خليتك تيجي هنا علشان تحل مشكلتك، اللي عندك دا يا وليد إسمه اضطراب الثقة، يعني اللي حصل فيك و كل دا خلاك شخص صعب يثق في اللي حواليك، قولي كدا يا وليد الثقة بالنسبة ليك إيه؟ يعني مفهومها إزاي عندك؟"
تنفس بعمقٍ ثم جاوبها بنبرةٍ حائرة:
مش عارف بصراحة، بس اللي زيي كان صعب يجرب يثق في حد، بس الثقة بالنسبة ليا زي أني أحط سكينة على رقبتي و أنا و أأمن حد على رقبتي و أنا عارف إن السكينة مش هتطولني، أو أني أرمي نفسي في النار و أبقى متأكد إن فيه إيد هتلحقني، مش عارف بس هي دي الثقة بالنسبة ليا"
حركت رأسها موافقة برضا تام عن حديثه ثم أضافت:
بالظبط كدا يا وليد، الثقة هي إنك تسلم نفسك للي حواليك و أنتَ متأكد إن الدار أمان، بمعنى إنك تبقى متأكد إن فيه ناس هتلحقك، تعالى بقى نرجع لنقطة الأصل و أقولك حُط نفسك مكان عبلة بما إنها أكتر واحدة عانت بسبب أعراض المرض اللي عندك فكر كدا بطريقتها"
حرك رأسه باستنكارٍ واضح لم يستطع الوصول إلى مقصد حديثها فوجدها تقول بنبرةٍ مفسرة:
يعني فكر مثلًا إن عبلة مش واثقة فيك و إنها خايفة مثلًا تسيبها علشان حد تاني أفضل منها، أو مثلًا إنك ممكن تسيبها علشان قابلت واحدة زي خديجة بما إنك متعلق بيها، افتكر إنها علطول حطاك موضع شك إنك مش قد ثقتها دي"
استطاعت بحديثها إثارة استفزازه حتى رد عليها هو بحنقٍ:
لأ طبعًا، أنا مستحيل أكون بفكر بالطريقة دي، أكيد دي حاجة مستحيلة إن عبلة تشك فيا كدا، أنا آه بحب خديجة بس علشان هي أختي و علشان اللي شوفناه مع بعض كان كتير، خديجة هتفضل أول محطة أمان ليا و لقلبي، آه بحب عبلة بس الاتنين مينفعش يتقارنوا ببعض، خديجة كانت البراءة وسط خبث العالم كله على رأي ياسين"
ردت عليه هي بنبرةٍ مؤكدة:
بالظبط كدا !! هو دا الإحساس اللي كنت عاوزاك تحسه، إن قلة الثقة بتوجع شوفت مجرد كلام مقدرتش تتحمله إنما غيرك يعمل إيه لما يعاني من قلة ثقتك فيه؟ حط نفسك كدا بقى مكان ياسين و صحابه إنك مش قادر تثق فيهم بعد كل حاجة عملوها علشانك؟ إحساس لا يُطاق"
أومأ لها موافقًا بعدما أدرك سبب حديثها فوجدها تضيف بنبرةٍ هادئة:
دلوقتي بقى هشرحلك علميًا حالتك النفسية و الأسباب بتاعتها، اللي عندك دا إسمه إضطرابات الثقة أو ما يطلق عليها مؤخرًا trust issues اسباب انعدام الثقة لو بصينا ليها من الأول هنلاقي إن سببها هو تفكيرك في الحاجة اللي بتخليك تفشل في الثقة باللي حواليك، رغم إن دا ممكن يكون صعب للناس إن غيرهم مش مأمن ليهم و مش واثق فيهم، و دا بيكون سبب تجارب سابقة أو احباطات في بداية سن الشباب أو تربية غلط، و على العكس الشخص اللي مواجهش كل دا بيكون ناجح و واثق في نفسه و في اللي بيقدمه"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف:
الموضوع زيادته بدأت معايا من بعد خروجي من المَصحة، ساعتها أنا كنت بشك في نفسي ساعات إني أكيد كنت صيدة حلوة ليهم علشان ابقى مدمن كدا"
ردت عليه هي بنفس النبرة العملية:
لأن دي كانت أكبر مشكلة حصلتلك بسبب قلة الثقة، و نتيجتها كانت أكبر في الهزايم، و دلوقتي بقى هشرحلك علميًا الأعراض اللي عندك و اللي هي ما شاء الله واضحة زي الشمس منورة في وشنا كلنا"
رد عليها هو بوقاحته المعتادة:
بقولكم إيه مش غلطتي من الأول باين أني عندي ريد فيلاجز مش ذنبي إنكم افتكرتوها علم تركيا، و بعدين أنا عمري ما كدبت على حد"
أومأت له موافقةً ثم أضافت تشرح له أعراض حالته بقولها الهاديء:
أول حاجة في الأعراض اللي عندك إنك علطول حاسس إن محدش قد الثقة دي و إن حصل و وثقت في حد بيكون فيه خوف إنه يخذلك، دا غير إن الفكرة كلها بتشمل العموم، يعني كل الناس عندك ملهمش ثقة مهما كانت ضمانتهم أو حبك ليهم"
حمحم هو بقوةٍ حينما لمحت له بحديثها فأشارت له هي بالهدوء ثم قالت بنبرةٍ مؤكدة:
أنتَ علطول بتحس إنك بالحاجة لحماية نفسك من أي جرح أو خذلان جديد، علشان كدا بتاخد وضع الهجوم في علاقاتك، دا غير إنك مبتحبش مساعدة حد أو تطلب من حد حاجة و دا علشان حضرتك مش واثق إن فيه حد هيعمل اللي أنتَ طلبته زي ما أنتَ عاوزه"
حرك رأسه موافقًا وهو يتحدث ساخرًا:
أنتَ ساعات بتبالغ في حكمك على الأشخاص يعني مبتقدرش تعرف مين الشخص الحلو من الوحش و دا لإنك مبالغ في انطباعك السلبي عنهم، أحيانًا قلة الثقة دي بتخليك عُرضة للاستغلال زي ما حصل ليك من عمرو دا و خلاك مُدمن، و دا لإنه لعب على أوتار الثقة لحد ما وثقت فيه و ساعتها حقق هدفه"
أومأ لها موافقًا بقوة فأضافت هي من جديد:
هي دي الأعراض الظاهرة اللي عندك يا وليد، قلة الثقة داء صعب و لازم تتغلب عليه و دا لإن اللي حواليك بيعانوا منك، و خاصةً في العلاقات العاطفية زي علاقتك بعبلة، كدا النهاردة أنا خلصت و هكلمك نحدد الجلسة التانية"
زفر بقوةٍ ثم اعتدل في جلسته حتى أنزل قدميه على الأرض، بينما هي ابتسمت له قالت:
أنا فخورة بيك على فكرة، أنتَ شجاع أوي كونك هنا و عاوز تحل مشكلتك بنفسك"
رد عليها هو بمرحٍ:
أنا الحمد لله فخور بنفسي برضه، بصراحة أنا هبقى فخور بيكي لما أجبلك مشيرة و تعالجيها، ساعتها هدبحلك عجل على باب العيادة، علشان لو أنا عندي ريد فيلاجز يبقى مشيرة عندها ستاير حمرا"
ضحكت هي عليه فوجدته يقف مقابلًا لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا هستأذن بقى و شكرًا على مجهودك معايا"
ابتسمت له وهي تراه يترك الغرفة و يتركها خلفه تنظر في أثره بفخرٍ.
________________________
في المركز التعليمي ذهبت «خلود» قبل موعد الدرس كعادتها بعدما أوصلها شقيقها، فجلست هي على المقعد المقابل لمقعد «عمار» الذي كان يطالعها بين الحين و الآخر ، و هي مندمجة في قراءة المذكرة بين كفيها، و فجأة اقترب منه أحد المساعدين للمُعلم وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
جرى إيه يا عم عمار فين الساقع بقى؟ مش بكرة هتبقى دكتور برضه، المفروض تفرحنا كلنا"
تحدثت الفتاة التي تحاول دائمًا الحديث مع «عمار» تقول بطريقةٍ مائعة مصطنعة:
يا ريت يا مستر يا عمار، أنتَ هتبقى دكتور يعني حاجة تشرف السنتر دا كله"
زفر بقوةٍ هو بينما «خلود» رفعت رأسها تطالعها بتقززٍ من طريقتها و هيئتها، فتدخلت صديقة الفتاة تقول لها حينما لاحظت نظرتها:
مالك يا عروسة بتبصي كدا ليه؟ هي زعلتك ولا حاجة؟"
رفعت «خلود» حاجبها لها وهي تقول بنبرةٍ جامدة:
أنا اسمي خلود، مش عروسة و بعدين أنا مجتش جنبك علشان تكلميني كدا، يعني لو عندك سؤال يكون بطريقة محترمة"
ردت عليه الفتاة الأساسية:
لأ هو بصراحة أنتِ مناخيرك في السما من ساعة ما قفلتي الامتحان و علطول قاعدة لوحدك و شايفة نفسك على الكل"
وضعت «خلود» قدمًا فوق الأخرى وهي تقول بثقةٍ:
والله أنا بتعامل بالعادي بتاعي لا بتكبر و لا بشوف نفسي مش ذنبي إنك شايفة نفسك قليلة"
شهقت صديقة الفتاة بقوة بينما الأخرى وقفت وهي تقول بنبرةٍ منفعلة:
أنا شكلي كدا هعلمك الأدب علشان أنتِ عاوزة تتـر....."
توقفت عن الحديث حينما رفع «عمار» صوته وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
اقــعـدي مـكــانـك يـا آنـسـة، السنتر دا مكان محترم، و ياريت تعرفي قيمة المكان اللي أنتِ فيه"
التفتت الفتاة وهي تقول بنبرةٍ صارخة:
يعني هو أنتَ مش شايف طريقتها و أسلوبها !! هي اللي غلطانة"
رد عليها هو مردفًا بثباتٍ:
لأ هي مش غلطانة، حضرتك و الآنسة صاحبتك اللي بدأتوا معاها بالكلام و الاسلوب مكانش كويس، و هي ردت بطريقتها المناسبة لبداية الكلام، أنا هنا واخد بالي من كل حاجة"
ابتسمت «خلود» بسمةٍ طفيفة رُسمت على ثغرها و سرعان ما وأدتها حينما وجدته ينظر لها، بينما هو حرك رأسه ينظر للفتاة وهو يقول:
اتفضلي اقعدي يا آنسة، و حصل خير، و على فكرة الآنسة قريبتي و أخوها عارف صاحب السنتر، يعني قيمتها من قيمتي في المكان دا"
رفعت «خلود» رأسها ترمقه بشررٍ بينما هو تجاهل نظرتها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
اتفضلي يا آنسة اقعدي علشان الشباب قربت تطلع ولو عاوزين تدخلوا القاعة مفيش مشاكل"
ردت عليه الفتاة بنفس التصنع:
ندخل القاعة أحسن علشان الجو هنا خَنقة أوي بصراحة"
رمقت الفتاة «خلود» بسهامها وهي تلقي كلمتها الأخيرة، ثم دخلت القاعة و خلفها صديقتها، بينما «خلود» حينما لاحظت دلوف الشباب للمكان أجمعت حاجتها و قبل أن تدخل القاعة، أوقفها «عمار» بلهفةٍ وهو يقول:
استني يا آنسة خلود، ثانية قبل ما تدخلي معلش"
التفتت له تطالعه بتعجبٍ وهي ترتدي ذراع الحقيبة فوجدته يقول لها بنبرةٍ هادئة بعدما اقترب منها:
ممكن مدخليش القاعة؟ مش علشان حاجة، البنت دي بتاعة مشاكل و هتستفز فيكي علشان يحصل بينكم مشكلة و دي حاجة أنا مسمحش بيها، ياريت بس تفضلي هنا أضمن و أنا هاخد موقف مع إدار السنتر"
تفهمت هي مقصده من الحديث و للحق لم تنكر حقيقته لذلك هزت رأسها توافق على حديثه ثم جلست على المقعد المجاور لمكتب الاستقبال، بينما هو ابتسم باتساعٍ حينما رآى رضوخها لمطلبه و منه عاد إلى عمله وهي على المقعد المجاور له الذي يبعد نسبيًا عن مكانه.
_________________________
أمام أحد المكتبات الشهيرة وقفت «جميلة» بفرحةٍ كبرى وهي تقول بنبرةٍ متحمسة:
أنا فرحانة أوي يا طارق، بحب أوي حاجة المكتبات و بحب أجيب الحاجات دي أوي"
ابتسم هو لها باتساعٍ وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
أنا عرفت علشان كدا جبتك هنا تجيبي اللي نفسك فيه كله، بس ملحوظة صغيرة يا جميلة، أنتِ المُدرسة مش طالبة"
تبدلت ملامح وجهها إلى الإحباط وهي تقول:
ليه كدا يا طارق تفكرني؟ أنا عاملة نفسي مش واخدة بالي من حاجة زي دي، و جاية علشان أجيب أقلام و دفتر تحضير"
ابتسم هو لها ثم أمسك كفها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
طب يلا خلينا ندخل علشان ننقي الحاجة اللي عاوزاها، وراكي مدرسة بكرة يا جميلة"
أومأت له موافقةً ثم دلفت معه إلى الداخل، و بمجرد دلوفهما المكان شهقت هي بقوةٍ ثم حركت رأسها تطالعه، فقال هو مفسرًا لها:
دي من أكبر المكتبات في مصر كلها، فيها كل اللي نفسك فيه، شوفي عاوزة إيه و أنا معاكي، عيني ليكي يا جميلة"
ردت عليه هي بنبرةٍ ممتنة:
تسلم عينك يا طارق، بجد كفاية إنك فكرت فيا وإنك تفرحني، دي بالدنيا كلها و الله عندي"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
أنا عمري كله ضاع و أنا بفكر فيكي يا جميلة، و وجودك قصادي أكبر دليل إن العمر دا مضاعش على الفاضي، يلا بقى خلينا نجيب حاجتك"
أومأت له موافقةً ثم تحركت معه تنتقي ما تريد، و كانت تارةً تختار هي و تارةً أخرى تأخذ برأيه و حينها كانت تشعر بسعادةٍ بالغة، أما هو فكان يبتسم تلقائيًا لرؤية بسمتها، و بعدها خرجا من المكان يقفا أمام السيارة سويًا فقالت هي بفرحةٍ شببها هو بفرحة الطفل الصغير:
أكتر يوم بحبه في حياتي بجد هو أول يوم دراسة، صحيح بيكون صعب عليا بس كنت بحبه علشان تيتة نوال كانت معايا"
رد عليها هو مبتسمًا:
تيتة نوال دي اللي خلتيني أكلمها قبل كدا و فضلت تشكر فيكي لحد ما قولتلها أني جوزك ساعتها قالتلي وفرت عليا المجهود؟"
أومأت له بخجلٍ وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
هي اللي علطول فضحاني كدا، هي كانت عايشة حياتها علشاني و علشان تفرح بيا و تشوفني عروسة"
ابتسم هو باتساع ثم قال بنبرةٍ ظهر بها المرح:
زي بعض يعني، أصل كان نفسهم يشوفوني عريس برضه، و أنا علشان راجل قد كلمتي قولتلهم أني مستني جميلة ترجع زي ما وعدتها اتجوزها، شوفتي بقى أني راجل قد وعدي؟ صحيح كنت في أولى إعدادي بس كنت جامد برضه"
ضحكت هي على طريقته فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم قال وهو يطالع وجهها:
صحيح مكنتش معاكي أول يوم مدرسة و مكنتش معاكي في خطوات كتيرة، بس بكرة هوصلك على إنك المدرسة و أنا جوزك، و بصراحة كدا أحسن"
ردت عليه هي بنبرةٍ مرحة:
أنتَ هتيجي توصلني بكرة المدرسة بجد؟ قول والله"
حرك رأسه موافقًا وهو يضيف مؤكدًا:
آه طبعًا هوصلك بكرة مع سلمى و خلود، و بعد كدا أحمد هو اللي هيوصلكم علشان المدرستين جنب بعض علطول"
أومأت له موافقةً فوجدته يقول بخبثٍ:
طب إيه مفيش حاجة حلوة علينا؟ يعني كفاية إن أبويا خدك من أوضتي و حطك في اوضة عبلة؟ إيه الدنيا؟"
ردت عليه بنبرةٍ جامدة:
نعم !! عاوز إيه مش فهماك؟"
فسر هو لها بقوله:
مفيش بحبك يا طارق؟ وحشتني يا طارق، مش عارفة أنام من غيرك يا طارق؟ أي حاجة يعني؟"
ردت عليه هي بتعالٍ:
لأ مفيش و خالو محمد قالي أوقف كلام معاك و انزل شقة ماما كمان لحد فرحنا"
عض على شفته السفلى وهو يقول بنبرةٍ حانقة:
دا خالك محمد دا صبره عليا، لما أرفع عليه قضية حَجر ميبقاش يزعل، علشان بِعد عن «وليد» و «عبلة» و مسك فيا أنا، يمين بالله بوليس الأداب خِسره"
ضحكت هي بقوة ثم فتحت باب السيارة تدلفها وهي تعانده، بينما هو فتح الباب منفعلًا حتى جلس على المقعد ثم أغلق الباب بعدها، بينما هي فاجئته بفعلتها حينما اقتربت منه تقبل وجنته ثم بعدها قالت بنبرةٍ هادئة:
متزعلش يا طارق، أنا بحبك و الله، بس خالو محمد كلامه صح"
تنهد هو بعمقٍ ثم حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها، بينما هي استشفت الخبث في نظرته و حينها حركت رأسها للأمام وهي تقول بنبرةٍ حانقة:
سوق يا طارق و لِم نفسك، هقول لخالو و الله عليك"
نظر أمامه هو الآخر وهو يقول ساخرًا:
تصدقي هروح أخلي أمي تروح بيت أبوها علشان خالك محمد يحس بأهالينا؟!"
ضحكت هي بقوة فوجدته يضحك معها هو الآخر بيأسٍ.
_________________________
بعد انتهاء عمل «ياسين» دلف سيارته ثم أخرج هاتفه يرسل لها رسالةً صوتية وهو يسألها بنبرةٍ هادئة:
طب ممكن أعرف ليه مش معبراني؟ يعني معقول زعلك مني جمد قلبك كدا عليا؟"
استمعت هي لرسالته و هي تلوم نفسها حينما استشعرت الندم في صوته لذلك ردت عليه هي تكتب بثباتٍ:
أنتَ نسيت إنك متجوز يا ياسين، نسيت أني في حياتك و مش عاوزني أزعل؟"
قرأ هو رسالتها و فرح بشدة حينما ردت عليه هي بعدما تجاهلته طوال اليوم، لكنه رد عليها بشيئًا غير متوقع وهي أغنية أرسلها لها هو، بينما هي قطبت جبينها بحيرةٍ حينما رآت ما أرسله ففتحت الأغنية و كانت كلماتها كالآتي:
أنساك دا كلام ؟!.... أنساك يا سلام؟ أهو دا اللي مش ممكن أبدًا و لا هفكر فيه أبدًا....دا مستحيل ....قلبي يميل.... و يحب غيرك أبدًا .... أبدًا، و لا ليلة ولا يوم دوقت النوم في ليل بعدك"
استمعت هي لصوت "أم كلثوم" بحالة من الشجن بعدما أرسلها هو لها، بينما «رياض» اقترب منها يقول بخبثٍ:
شكلك هتكسفيني يا خديجة، إيه هيضحك عليكي بأغنية؟ ينسى"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
يا بابا هو بيحاول من الصبح و أنا و الله مش برد و صعب عليا، أنا مش بحب أزعل من حد"
رد عليها هو بنبرةٍ متريثة:
مش هو بعتلك أم كلثوم !! شوفي أنا بقى هخليكي تبعتي إيه، و حاجة على ذوقي"
حركت رأسها له تطالعه باستنكارٍ، فوجدته يرفع حاجبه بشرٍ ثم ضيق جفنيه وهو يخرج هاتفه، تابعته هي بتعجبٍ فوجدته يرسل لها مقطعًا موسيقيًا، و قبل أن تسأله وجدته يقول يقول بنبرةٍ صارمة:
هبتعتيله ديه يا خديجة، و يوريني ابن زُهرة بقى هيعمل إيه"
على الجهة الأخرى انتظر «ياسين» ردها على الأغنية و حينما طال صمتها زفر بقوةٍ ثم حرك السيارة من أمام مقر عمله وفجأة وصلته رسالةً منها عبارة عن مقطعًا موسيقيًا، ابتسم هو بفرحةٍ كبرى ثم ضغط على زر التشغيل بحالةٍ من الشجن المُسبق لكنه تفاجأ و اتسعتا حدقتيه حينما وصلته كلمات الأغنية وهي عبارةٍ عن:
راجع تاني تقول ....أنا بهواك؟ مش انتهينا خلاص؟ مش انتهينا؟ ياما ورتني سنين....سنين أيامك.....في هواك.....مشوفتش يوم....إخلاص....خلاااااص....و جاي بيشكي....عيني يا عينى.... راجع يبكي....كان على عيني.... جاي بيشكي.... راجع يبكي .... جاي بيشكي.... راجع يبكي...عيني يا عيني.... راجع يبكي كان على عيني، ما لقيت غيرك، كتر خيرك على اللي أسيته سنين في هواك، راجع تاني"
حرك رأسه في عدة جهات لا يصدق ما سمعه هو لكنه أدرك مسرعًا أن والده هو السبب، حينها قال متوعدًا:
ماشي يا خديجة، بقى أنا ابعتلك أم كلثوم و أنتِ تبعتيلي شفيقة؟ حلو كدا طالما رياض دخل بينا و رب الكعبة لأخد حقي"
على الجهة الأخرى في شقة والده، سألته هي بنبرةٍ ضاحكة:
و الله العظيم حاسة إنه هيزعل بجد، تفتكر هيتضايق يا عمو؟"
رد عليها مؤكدًا حديثها:
هو هيزعل، بس ياسين فيه حتة عِند، هو أكيد هيعرف غلطته و هيجي يصلح الموقف، و هتقولي رياض قال، ابني و أنا حافظه"
سألته هي بتعجبٍ:
أنا بصراحة بحب علاقتكم أوي، يعني بغض النظر عن المناقرة بس بحب إنكم علطول صحاب و إنكم مرجع لبعض، حضرتك ربيته صح أوي"
تنفس بعمقٍ ثم قال لها:
البركة في شغلي يا خديجة، السبب الأساسي اللي خلاني أربي ياسين كدا هو إن أنا محامي، دا كان دافع كبير ليا"
سألته هي بنبرةٍ ظهر بها الاهتمام:
إزاي ؟! إيه علاقة شغل حضرتك بتربية ياسين؟"
رد عليها هو مردفًا:
لما بدأت في أول حياتي كنت محامي صغير، اتعاملت مع مجرمين كتير أوي، و كلهم كانوا ضحايا التربية يا خديجة، بيت الإنسان هو حجر الأساس في حياته، تفتكري المجرمين بيزيدوا ليه؟ علشان الدوافع النفسية، و أنا كنت كل ما اتعامل مع شاب مجرم كنت بشوف ابني فيه، علشان كدا حاربت علشان أغير نفسي و ابقى أب يستاهل المسئولية دي، مكنتش عاوز اليوم اللي يجي و ألاقي ابني بيدعي عليا زي ما كنت بشوف في المحاكم و النيابات، الحمد لله برضه بكرم ربنا كرمني بذرية صالحة"
حركت رأسها بتفهمٍ و في تلك اللحظة اقتربت «زهرة» وهي تسأل بنبرةٍ حائرة:
أنت كنت جوة بشوف الأكل و طلعته يسخن، ناكل إحنا و نسيبه لما يجي ياكل لوحده؟"
ردت عليها «خديجة» ترفض بلهفةٍ:
لأ طبعًا مش هقدر أعمل كدا، لو حضراتكم جعانين مفيش مشاكل ، بس أنا هستناه علشان حتى ميزعلش"
طالعتها «زهرة» بفخرٍ، بينما «رياض» قال ساخرًا منها:
البت دي قلبها أبيض و مش هتعمر معايا، أنا عاوز واحدة تخلي ياسين يشوف النجوم في عز الضُهر"
في تلك اللحظة دلف هو الشقة وهو يقول بنبرةٍ ساخرة:
ريحني و قولي اسم الجامع اللي أنتَ لاقيني قصاده، مستحيل تكون دي علاقة أب و ابنه"
سخر «رياض» منه وهو يقلد طريقته في الحديث، بينما هي تعلقت عينيها به و كأنها تعتذر له بذلك، فوجدته يقترب منها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
إزيك يا ست خديجة؟ خير دخلتي الحزب ضدي؟ هتنزلي بـ يُفط في الشارع إمتى؟"
طالعته هي بتعجبٍ فوجدته يتحرك حتى وصل خلف مقعدها، فحركت رأسها تنظر لوالديه بخوفٍ فوجدتهما يحركا كتفيهما بجهلٍ، حينها أخرج هو شيئًا من جيب سترته السوداء ثم وضعه على عنقها، فأخفضت رأسها للأسفل حتى تطالع ما احتك ببشرتها، بينما هو أخفض جسده ثم أغلق القفل الصغير، بعدها اعتدل في وقفته و هو يغمز لوالديه، أما هي فلمعت عينيها بحبٍ وهي ترى تلك السلسلة التي جلبها لها وهي عبارة عن فراشةٍ صغيرة من خامة الفِضة تلمع بشدة تتشابه مع الخاتم الذي أهداها إياه في فترة عقد القران، و حينما شعرت به يجلس أمامها على ركبتيه رفعت رأسها تطالعه بعينيها الدامعتين، حينها ابتسم هو ثم مد أنامله يكفكف دموعها وهو يقول بنبرةٍ معتذرة:
بلاش بقى تعيطي أبويا بيتلكك ليا، هيقولي خليتها تعيط و أنا مش ناقص"
ابتمست هي من بين دموعها ثم حركت رأسها تنظر لوالديه فوجدتهما يطالعهما بحبٍ، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أنا منستكيش علشان أنتِ مينفعش تتنسي، أنتِ حبيبتي يا خديجة، و الفراشة اللي فـ رقبتك دي أنتِ عاملة زيها كدا، بتلمعي"
ابتسمت هي بخجلٍ فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
بِـرقـة فـراشـةٍ تَدخُـلّـينَ الـقُـلـوبِ؛ تَـتـرُكـيّـنَ بِـهـا أثَـرُكِ و تُـشـفـينَ مَـا بِـهـا مِـن نِـدوبِ، قِــيل مِــن قَــبل: أنَّ أثَــر الفَـراشـةِ لَا يُــرىٰ أثــر الفَـراشـةِ لَا يَــزول، و أنّـتِ و اللّٰهِ أثــركِ مِـثـل الخَـمّـرِ مُـسـكـرٍ يُـذهـبُ العـقـول"
طالعته هي بدهشةٍ فوجدته يغمز لها بطرف عينه وهو يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شمس بكري
ضللتُ طريقي و كنتي أنتِ العنوان، بكيتُ من فرط القسوة و بيدكِ أعطيتيني الحنان
_________________________
أنا أخشاني و أخشى قسوتي، لذلك تراني مسالمًا إلى هذا الحدِ، لطالما كنت دائمًا أشبه البحر في هدوئه أثناء سكون الليل و غضبه في تلاطم أمواجه، قد أبدو لك من الخارج ثابتًا و رأسي يعج بضجيج الأفكار و ازدحامها كما لو أنها مدينة متكدسةِ السكان، حتى و إن كانت الهيئة ثابتة، فالداخل يَغلي مثل الماء على النيران.
ابتسمت هي بخجلٍ فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
بِـرقـة فـراشـةٍ تَدخُـلّـينَ الـقُـلـوبِ؛ تَـتـرُكـيّـنَ بِـهـا أثَـرُكِ و تُـشـفـينَ مَـا بِـهـا مِـن نِـدوبِ، قِــيل مِــن قَــبل: أنَّ أثَــر الفَـراشـةِ لَا يُــرىٰ أثــر الفَـراشـةِ لَا يَــزول، و أنّـتِ و اللّٰهِ أثــركِ مِـثـل الخَـمّـرِ مُـسـكـرٍ يُـذهـبُ العـقـول"
طالعته هي بدهشةٍ فوجدته يغمز لها بطرف عينه وهو يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
قبل أن ترد عليه و على حديثه لها تدخل والده يقول بمرحٍ:
طب و الله دا أنا أبوك و اتثبت، هي مش هتتثبت؟ مش قولتلك يا خديجة هيصلح الموقف؟"
حركت رأسها عدة مرات موافقةً على حديث «رياض»، بينما والدته قالت بفخرٍ:
عسل يا ياسين، حبيب أمك بصحيح، كنت ناوية أتعشى من غيرك بس خلاص بقى"
رد عليها هو بمعاتبةٍ:
بقى كدا برضه يا زوزو عاوزة تاكلي من غيري؟ أومال لو مش أنا حبيبك بقى؟"
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
بقول كنت يا واد، خلاص بقى حصل خير مفيش مشاكل و المهم إنك صالحت خديجة"
حرك رأسه ينظر لزوجته و هو يقول لها بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسم لها:
و أنا مقدرش أزعل خديجة مني، و لو زعلت بصالحها علطول"
ابتسمت «خديجة» بفرحٍ ظهر على ملامح وجهها و على ثُغرها من خلال البسمة التي زينته وهو يطالعها بهدوء، بينما والده تدخل يقول بنبرةٍ خبيثة:
طب إيه طيب؟! تحب نمشي أنا و أمك و نسيبلك الشقة براحتك؟"
_"ياريت و الله، تبقى عملت خدمة العمر"
تفوه بها «ياسين» بنبرةٍ تائهة وهو يطالع وجهها وهي تبتسم له، و حينما لاحظ خجلها و تورد وجنتيها و ضحكات والديه حينها انتبه لما تفوه به، لذلك حرك رأسه للجهة الأخرى وهو يقول بنبرةٍ متوترة:
طب...أنا بقول بقى نروح ناكل علشان أنا جعان"
رد عليه والده بنبرةٍ ساخرة:
ياريت يا أخويا، علشان جوعنا من الصبح، و خديجة مكانتش عاوزة تاكل من غيرك"
رفعت رأسها تنظر لوالده بعينين متسعتين فوجدته يقول وهو يحاول كتم ضحكته ساخرًا منها:
قال يعني أنا بتبلىٰ عليكي، مش أنتِ قولتي مش هاكل من غيره؟"
حركت رأسها موافقةً بخجلٍ فرد هو على أيماءتها تلك بقوله:
أخترت صح، يمين بالله اخترت صح و رافعة راسي علطول"
تدخلت والدته تقول بنبرةٍ ظهرت بها فرحتها بهما سويًا:
طب يلا علشان ناكل، ادخل غير هدومك لحد ما الأكل يجهز"
أومأ لها موافقًا ثم اعتدل في وقفته وهو يمسك كفها حتى تسير معه لكنه فوجئ بوالده يقول بنبرةٍ جامدة:
سيب البت يالا، أنتَ داخل تغير عاوزها معاك ليه؟ ادخل يا حبيبي و لم نفسك يلا"
ابتسم «ياسين» باستفزاز لوالده ثم ترك كفها على مضضٍ و من بعدها رحل من أمامهم فتحدث والده يقول بفخرٍ بعد ذهابه:
مش قولتلك ابني و أنا حافظه؟ الواد دا بيفهم"
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» خاصةً أمام شقة «مُشيرة» توقفا «طارق» و «جميلة» سويًا فتحدث هو يقول بنبرةٍ خافتة:
ألف مبروك على الحاجة، تتهني بيهم يا رب"
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
الله يبارك فيك يا طارق، شكرًا على اليوم الحلو دا بجد، أنا كدا هتلكك و أطالب بالمشوار دا كل تِرم"
رد عليها هو مؤكدًا حديثها بنبرةٍ لم تخلو من المرح:
طبعًا دا لازم يحصل، و لو عاوزة المشوار دا كل أسبوع أنا مستعد، المهم أنتِ تكوني فرحانة بس"
أومأت له موافقةً ثم قالت بخجلٍ:
طب عن إذنك بقى علشان أدخل أنام و علشان هصحى بدري بكرة، أشوفك على خير"
حرك رأسه موافقًا بإيماءةٍ بسيطة ثم قال بنبرةٍ مقررة:
جميلة ؟! صحيتي بليل كلميني، و أنا لو معرفتش أنام هكلمك ماشي؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ تمتزج بضحكاتٍ طفيفة على حالته:
يعيني ؟! هو الموضوع مأثر فيك أوي كدا؟"
تبدلت ملامح وجهه إلى الحنق وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
أعمل إيه فـ خالك محمد؟ قال إيه قال لعمتو بنتك عندك أهيه و الأمانة رجعت و طارق حافظ عليها، ربنا يسامحه"
كان يتحدث وهي يحاكي طريقة والده في الحديث بينما هي ضحكت عليه بشدة وهو يتابعها بملامح غير راضية فوجدها تحاول إيقاف ضحكاتها وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
حصل خير بقى، و أهو كنا مع بعض من شوية و أي وقت هعوزك فيه هلاقيك و أنتَ برضه"
ابتسم هو بقلة حيلة ثم اقترب منها يقبل جبينها و من بعدها نظر في وجهها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
تصبحي على خير يا جميلة، أشوفك بكرة الصبح و ياريت تنامي علشان هنصحى بكرة بدري"
حركت رأسها موافقةً فوجدته ينسحب من أمامها إلى المصعد، بينما تنهدت هي بعمقٍ ثم دلفت شقة والدتها بفرحةٍ كبرى، أما هو توجه نحو شقة والديه بملامح وجه هادئة مرتخية، دلف الشقة فوجد والديه يجلسا سويًا و هما يمازحان بعضهما، تبدلت ملامح وجهه إلى أخرى غير راضية ثم اقترب منهما و فجأة ارتمى على الاريكةِ يفصل بين جلوسهما معًا، طالعه والده بتعجبٍ وهو يقول بنبرةٍ ساخطة:
دا إيه دا إن شاء الله؟! قوم خُش أوضتك يا حبيبي"
رد عليه هو بنبرةٍ مقررة:
مش قايم، و هفضل زي العَزول بينكم كدا علشان تحس بينا"
تدخلت والدته تقول بنبرةٍ امتزجت بضحكاتها:
يلهوي يا طارق أنتَ لسه زعلان؟ خلاص يا واد بقى حصل خير وهي مش بعيدة عنك يعني"
طالعها هو بملامح وجه ساخطة وهو يقول بتهكمٍ:
يا سلام ؟! طب ما هي كانت معايا في أوضتي لازمتها إيه من الأول بقى؟"
رد عليه والده بنبرةٍ مشفقة على شقيقته:
علشان مشيرة يا طارق، عمتك كان نفسها تنام في حضن بنتها، أنتَ بنفسك ما صدقت جميلة تبقى معاك، ما بالك هي بقى؟"
زفر بقوةٍ ثم عاد بجسده للخلف فوجد والده يقول مُقررًا:
قوم نام يلا علشان توصل البنات المدرسة بكرة، يلا قوم"
رد عليه هو مُعاندًا:
مش هقوم و هقعد مع أمي و هحضنها كمان، قوم أنتَ يا بابا"
رد عليه والده بتهكمٍ:
نعم يا عين أمك؟ قوم يالا أدخل جوة، متتهبلش على كَبر يا طارق"
رد عليه هو بنبرةٍ مقررة لا تقبل النقاش:
لأ مش داخل وهو عِند معاك و كلمة كمان هاخد ماما و نروح بيت جدي نقعد هناك يومين حلوين و نسيبك تبكي على الأطلال"
رد عليه والده بحنقٍ:
خلاص خليك مرزوع لحد ما تنام مكانك أنا مالي، أنتَ حر"
ابتسم له باستفزازٍ ثم رفع ذراعه يحتضن والدته وهو يقول معاندًا له:
تعالي في حضني يا سُهير، هيبقى لا أنتِ و لا مراتي؟ تيجي تنامي جنبي النهاردة؟"
قبل أن ترد عليه بوجهها المبتسم رد عليه والده بحنقٍ:
أنتَ هتستهبل يالا؟ تنام فين؟ شكلك اتهبلت بجد يا طارق"
رد عليه بلامبالاة:
أمي و هتنام في حضني، فيها إيه؟ و لا هو حلو ليك أنتَ بس يعني"
قبلت والدته وجنته ثم قالت تمازحه كما لو أنه في عمر الثالثة:
طروقة حبيب ماما يا ناس، ربنا يباركلي فيه و يفرحه عيوني ليك"
احتضنها وهو يراقص حاجبيه لوالده الذي سخر منه وهو يقلد طريقته، و في تلك اللحظة خرجت «سلمى» من غرفتها وهي تقول بتهكمٍ حينما رآت وضع شقيقها و والدتها:
دا إسمه إيه إن شاء الله؟ مش مكسوف على طولك يا طارق؟ طب حتى علشان البدلة الرصاصي اللي أنتَ لابسها دي"
ردت عليها والدتها بحنقٍ:
أنتِ مالك يا بت، هو حاضن أمه، مزعلة نفسك ليه ياختي"
ردت عليه بلامبالاة:
أنا مالي خليه يحضنك، ماهو يعيني من ساعة ما بابا خد منه جميلة وهو مش طايق نفسه"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
قولي لأبوكي بقى علشان مش مصدق، بيجامل أخته على قفا أمي"
اقتربت هي منه تجلس مقابلةً له وهي تسأله بخبثٍ:
قولي بقى جبت إيه أنتَ و جميلة؟ و افتكرتني و لا من لقى أحبابه نسي أصحابه؟"
ابتعد عن حضن والدته وهو يقول بتهكمٍ:
هو أنا بعرف أنساكي يا ختي؟ جبتلك حاجات علشان المذاكرة بس في العربية تحت، و جبت لخلود معاكي علشان متزعلش"
اقتربت منه بحماسٍ تُقبل وجنته ثم ثم أمسكت وجنتيه بكفيها وهي تقول بنبرةٍ مرحة و كأنها تداعب صغيرها:
عسل يا طاروق عسل، حبيبي يا ناس"
ابتعد عنها وهو يقول منفعلًا:
بس يا بت ادخلي ذاكري، و لا ادخلي اقعدي مع عبلة و ابعدي عني"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
عبلة مش هنا، كانت مخنوقة شوية و طلعت فوق السطح"
حرك رأسه موافقًا وهو يعلم أنها منذ يومين وهي تشعر بالحنق و الضجر من تجاهل «وليد» لها، و حينما سألها عن تدخله رفضت هي و أخبرته أن تلك مشكلتهم معًا، لذلك تنهد هو بقلة حيلة ثم ألقى برأسه على كتف والدته.
_________________________
فوق سطح البيت كانت «عبلة» جالسةً على الأرض وهي تضم ذراعيها على ركبتيها و خصلاتها تتحرك خلفها بفعل الهواء و مداعبته لها، تابعت حركة نجوم السماء الشاردة و هي تلمع في تلك السماءِ الداكنة، تنهدت هي بعمقٍ و هي تتذكر أن أخر حديث بينهما كان يوم "الأربعاء" و ها هي على مشارف قدوم يوم "الأحد" و هو يبتعد عنها تمامًا منذ أخر رسالة أرسلها لها و من بعدها لم يرد عليها و لا يُحدثها، شعرت بوخز العبرات في بداية مقلتيها لذلك رفعت اصبعيها تدلك مقدمتيهما حتى لا تَهطل دموعها، و من بعدها أخفضت رأسها تستند بها على ذراعيها المضمومين على ركبتيها، بينما «وليد» بعدما وقف لمدة ثوانٍ يراقبها وجد نفسه يندفع نحوها حينما أخفضت رأسها بتلك الطريقة، ثم جلس مقابلًا لها وهو يسألها بلهفةٍ بعدما وضع ما كان يمسكه بيده أرضًا:
عبلة !! مالك عاملة كدا ليه؟ و إيه اللي مقعدك هنا لوحدك؟"
رفعت رأسها حينما استمعت لصوته بجوارها و هي تطالعه بذهولٍ لا تدري إن كان حقًا أمامها أم لا؟ لذلك سألها هو بنفس اللهفة الممتزجة بقلقه:
مالك بس ؟! أنا أول مرة أشوفك كدا، فيه حاجة مزعلاكي"
تنهدت هي بقلة حيلة ثم تحدثت بنبرةٍ خافتة و كأنها مُجبرة على الحديث معه:
مخنوقة شوية يا وليد، متشيلش همي أنتَ"
من طريقة حديثها شعر أن هو من تسبب في حزنها، لذلك اعتدل في جلسته بجوارها يأخذ نفس وضع جلوسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
شكلي أنا اللي مزعلك يا عبلة، طالما عملتي كدا و اتكلمتي بالنبرة دي معايا يبقى كدا أنا اللي مزعلك، قوليلي بقى مالك"
تنهدت هي بعمقٍ ثم ازدردت لُعابها بقوة و تبعت فعلتها تلك بقولها المضطرب:
مرة واحدة كدا لقيت نفسي لوحدي، هدير في بيتها و جميلة مع عمتو مشيرة و خديجة في بيتها و سلمى بتذاكر و خلود في الدروس و حضرتك مش معبرني، و أنا تايهة و محتارة"
وجهت حديثها عنه له بتهكمٍ واضح جعله يزفر بقوةٍ ثم قال:
طبيعي يا عبلة إن الناس تتشغل، كل واحد في دول وراه حاجة مشغول بيها و أنتِ مكانش المفروض تحسي بـ كدا، علشان كل واحد فيهم لو كلمتيه هيفضي نفسه ليكي"
ردت عليه بانفعالٍ طفيف:
و أنتَ فين يا وليد؟ بقالك كام مش معبرني، و معرفش عنك حاجة، كأني لعبة عندك أوقات تحسسني أني كل دنيتك و أوقات أني ولا في دنيتك !! ليه يا وليد علطول محيرني كدا؟"
تنفس بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أنا انشغلت عنك آه، بس مكانش شاغلني غيرك أنتِ يا عبلة مين قالك إنك غبتي عني؟ وليد طول عمره هيفضل فاكر إنه شاف أحلى نسخة من نفسه معاكي، و بعدين أنتِ ظالمة أوي"
ابتسمت بسخريةٍ وهي تقول بنبرةٍ ظهر بها التهكم:
فعلًا أنا ست ظالمة، بقالي أربع أيام بكلمك و أنتَ مش معبرني شوفت الإفترا بقى؟"
سحب هو الشيء المجاور له الذي سبق و وضعه قبل سؤاله لها عن حالها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
كنت بجهز ديه ليكي، قولت بما إن الشغف رجعلي و بقيت برسم في الشغل، يبقى أرسم الحاجة اللي بتحييني و مصبراني على الدنيا"
قطبت جبينها بحيرةٍ حينما سمعت حديثه الذي استطاع هو بمهارة الفارس أن يجذب انتباهها له تود منه التوضيح أكثر عما يتحدث، فوجدته يزيل الغلاف الورقي من فوق البرواز الخشبي الذي يحوي بداخله صورةً لها من رسمه هو بالقلم الرصاص و كانت الصورة لها وهي ترتدي حجابها باللون الأسود الذي أرخته فوق رأسها من قبل و ظهر من أسفل الحجاب خصلاتها البنية كما أنه اسطتاع بمهارته التركيز على تفاصيل لون عينيها العسليتين الصافيتين الذي دومًا يرى بهما دنياهُ، ابتلعت ريقها بتوترٍ وهي تحرك رأسها باستفهامٍ واضح، فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
دي يا ستي رسمة من إيدي ليكي، أول مرة أرجع للرسم بعد غياب سنين و محدش كان عارف أني برسم طبعًا غير خديجة و حسن و هو اللي فاضحني و عرفهم أني برسم، المهم أنا حبيت إن أول حاجة تكون ليكي أنتِ و يارب تعجبك"
مد يده لها بالرسمة أكثر حتى تستطع أخذها من يده، فمدت كفها هي بتوترٍ ثم أمسكت الصورة تطالعها بتعمنٍ أكثر، بينما هو ابتسم و هو يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بعاطفته:
قُل للمليحةِ بالخمارِ الأسودِ
ماذا فعلتي بناسكِ متعبدِ"
رفعت رأسها تطالعه بعينيها الدامعتين فوجدته يشير برأسه نحو الصورة وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
حركي عينك كدا و بصي على الجُملة المكتوبة تحت الصورة"
امتثلت لمطلبه و حركت عينيها نحو الجملة تقرأها فوجدتها بخط يده العربي الذي يعبر عن مهارته في رسوم الخطوط المُزخرفة حتى أصبح من أمهر المُصممين في مجاله، بينما هو بمجرد وقوع بصرها على الجملة تحدث هو بها حتى تقترن حاسة السمع بحاسة النظر لديها وهو يقول بنبرةٍ هامسة:
وَحـدكِ فـقـط مَـن تُـشـبـهـيّـن الـقَـمّـرِ بِـجـمـيع أحــواله؛ إنّ كَــانَ هِــلالًا أو مُـحـاقًـا أو بَــدرًا فِـي كِــماله، بَـسـمـتكِ الـصـافـيـة وَحــدُها تَـحـتل قَــلّـبي، حَــتىٰ أضـحـىٰ القـلـب سَـعـيـدًا بإحـتلاله"
ابتسمت هي بخجلٍ من حديثه و رسمه لها و هي من ظنته تجاهل وجودها في حياته، فوجدته يضمها إليه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
الناس اللي بنرتاح معاهم و نبقى على حقيقتنا مش بيتنسوا و مش بيروحوا من البال، و أنتِ ربنا يعلم أنا بفكر فيكي و في فرحتك إزاي؟ اليومين اللي فاتوا بس كنت مع خديجة و ياسين و بعدها مع الشباب و بعدها كنت في الشغل و من بعدها عند هناء و من بعدها جيت قفلت على نفسي علشان أعملك الصورة دي، و بعدين إزاي أنسى السوبيا بتاعتي يا عبلة؟"
قال جملته الأخيرةِ بمرحٍ جعلها تبتسم بعدما وضعت رأسه على كتفه، فسألها هو بنبرةٍ حنونة:
عبلة؟! أنتِ لسه زعلانة؟ أنا ممكن أصالحك عادي جدًا"
ابتعدت عنه تنظر له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
لأ مش زعلانة، أو كنت فاكرة إن أنا زعلانة و كنت هزعل كمان لو كنت جيت و بجحت فيا و قللت من زعلي، كنت هتقفل منك بجد"
اندفعت بحديثها في وجهه بقوةٍ جعلته يعود للخلف برأسه و جسده بالكامل وهو يقول بنبرةٍ ظهر بها الخوف لكنه زائفًا:
يا بنت الهُبل !! ما أنتِ كنتي بنت حلال و ساكتة حصلك إيه"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ طبيعية بعدما استعادت ثباتها من جديد:
كل الحكاية بس أنا بستغرب إزاي معايا بتعرف تكون هادي و لسانك حلو و مع أي حد تاني بتكون بارد و مستفز و كياد و فيك كل العِبر، ساعات بحسك كذا حد في بعض يا وليد"
ابتسم هو لها بعدما وجد نبرتها حائرة في سؤالها ثم قال مُفسرًا:
كل الحكاية يا ستي إن على حسب الناس أنا بعرف أتعامل إزاي، يعني مينفعش أعامل و أعامل خديجة زي ما بعامل مشيرة و حسان، ليه بنحب ناس معينة و بنكون معاهم نُسخ تانية غير التانيين؟"
حركت رأسها بحيرةٍ لا تستطع التوصل لإجابة سؤاله، فوجدته يجاوب على سؤاله بنفسه بقوله:
فيه ناس بيجبرونا نطلع الحلو اللي فينا معاهم، زي الذوق و الأدب و الحنية و اللسان الحلو و الكلام الذوق فـ بنحب نفسنا معاهم لأنهم عرفوا إزاي يطلعوا الحلو اللي فينا، على العكس الناس المُتعبين المرهقين نفسيًا لينا و لمشاعرنا غصب عننا هيطلعوا أسوأ ما فينا، عِند بقى و بجاحة و طول لسان و قلة أدب و خُلق ضيق فبالتالي هنكره نفسنا في وجودهم، و سواء السِكة دي أو السِكة دي هنمشي فيهم عادي على حسب اللي أنتَ تستحقه بمعاملتك، هعاملك، و أنتِ يا عبلة بتعرفي تخليني أحب نفسي معاكي"
ردت عليه بفخرٍ:
دا أنا أخد جايزة بقى على كدا، وليد اللي مبيهبش حد طلع معايا حد تاني، و الله ما هعرف أطلب بحقي قصادك بعد كدا"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة ممتزجة بحكمةٍ:
لأ حقك تطلبيه و متتكسفيش، و دي قاعدة لازم تعرفيها، متتكسفش تطلب حقك علشان الناس مش هتتكسف و هي بتيجي عليه"
ردت عليه هي بلهفةٍ توافق على حديثه:
أنتَ صح، خلاص سماح المرة دي و المرة الجاية هاخد حقي منك تالت و متلت و مش هسيبك"
قالت كلمتها الأخيرة بتحذيرٍ واضح وهي تشهر بسبابتها في وجهه، فأمسك هو كفها ثم قَبل باطنه و هي تطالعه بوجهها الأحمر نتيجة خجلها فوجدته يقول بنبرةٍ هامسة:
و أنتِ حقك عليا و على قلبي"
اخفضت رأسها في خجلٍ منه و من فعلته تلك، بينما هو أمسك الرسمة يرفعها بجوارها وهو يقول بنبرةٍ ظهر بها المرح:
ارفعي راسك كدا علشان أقارن بينكم انتم الاتنين"
رفعت رأسها وهي تضحك له فوجدته يقول بندمٍ طفيف:
يا خسارة المناخير محتاجة تصغر شوية"
ردت عليه هي بنبرةٍ حائرة:
هو أنتَ راسمها كبيرة؟"
رد عليها هو مُردفًا بثباتٍ:
لأ، مناخيرك أنتِ اللي محتاجة تصغر، لكن الرسمة مفيهاش حاجة، علشان أنا مبغلطش"
شهقت هي بقوةٍ فوجدته يركض من أمامه بخوفٍ، فاندفعت هي تلحقه للخارج وهي تقول بتوعدٍ:
و الله ما هسيبك يا بارد، مش ممكن لو كملت اليوم حلو يجرالك حاجة"
كانت تتحدث وهي ترتدي خمارها البيتي بسرعةٍ حتى تلحقه حينما خرج من السطح راكضًا نحو الأسفل وهي خلفه تتوعد له بشدة.
_________________________
في المركز التعليمي انتظر «عمار» حتى نهاية الدرس وهو يتابع خروج الشباب من القاعة أولًا و من خلفهم الفتيات، و مع خروج أول فتاةٍ اقترب من القاعة أكثر حتى يطمئن عليها و يرى إن كانت الفتاة قامت بمضايقتها أم لا، وقف يتابع بعينيه حتى تأسره بـ طلتها، لكنه تفاجأ بتلك المُتصنعة تقترب منه مع صديقتها وهي تقول برقةٍ زائفة:
باي باي يا مستر عمار، عاوز حاجة؟ ربنا يوفقك بكرة إن شاء الله"
رد عليها هو متجاهلًا حديثها:
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته"
شعرت هي بالحرج يحتل وجهها و تفاصيله من خلال الدماء التي تدفقت بسرعةٍ كبرى، بينما هو حرك رأسه حينما وجدها تقف خلفهن تنتظر ابتعاد احداهن حتى تستطع الخروج من القاعة و حينما لاحظ هو تذمرها في وقفتها، تحدث يقول أمرًا لهما:
ياريت تبعدوا من عند الباب علشان الناس مش عارفة تخرج"
تحركت من أمامه الفتاة و تتبعتها صديقتها و كلتاهما تشعر بالضجر منه، بينما هو قال بنبرةٍ هادئة موجهًا حديثه لها:
ياريت يا آنسة خلود تستني هنا علشان أحمد أخوكي جاي ياخدك علشان الوقت اتأخر"
سألته هي بثبات:
أستنى فين؟ أنا ممكن أنزل تحت"
رد عليها هو بنبرةٍ حاول صبغها بالهدوء:
مينفعش هو قال إنه هيطلع ياخدك من هنا، ياريت تسمعي الكلام"
ردت عليه هي بمعاندة:
أنا مبحبش أقعد هنا، هنزل أستناه تحت لحد ما يجي و خلاص، شكرًا ليك"
حسنًا لقد ساعدت في فقد تعقله و هدوءه بمعاندتها تلك، لذلك تحدث يقول بنبرةٍ جامدة حادة بعض الشيء:
آنسة خلود !! السنتر قدامه شباب كتير و ممكن حد يضايقك، أنتِ هنا معايا أمانة لحد ما أخوكي ييجي، لو حضرتك متضايقة من المكان ممكن تطلعي تليفونك لحد ما يوصل"
زفرت هي بقوةٍ وهي ترى حديثه صحيحًا لا يقبل المناقشةِ، فحقًا في الأسفل يجتمع الشباب يقفون أمام المركز التعليمي و يقومون بالمزاح و التصوير، بينما هو حينما لاحظ تخبطها في الامور تحدث يجذب انتباهها وهو يشير خلفها بقوله:
اتفضلي اقعدي على الكرسي اللي ورا حضرتك دا"
حركت رأسها تنظر نحو موضع إشارته ثم وجهتها نحوه وهي تحركها موافقةً على مضضٍ، ثم توجهت نحو المقعد تجلس عليه، فقال هو بخبثٍ حينما لاحظ خضوعها:
طب الحمد لله أنا قولت هتهزق زي البنت اللي هزقتيها من شوية"
ردت عليه هي بنبرةٍ ثابتة:
هي اللي جابته لنفسها، أنا معملتش حاجة و هي جرت شَكلي و أنا مبعرفش أسكت"
حرك رأسه موافقًا عدة مرات وهي يرى ثباتها و جرأتها حينما جلست على المقعد المقابل لمكانه، بينما هو جلس بعد رحيل الجميع و معهم و لا بقى فقط في المكتب الرئيسي أشخاصًا من الإدارة و المُعلم على، ارتمى هو على مقعده و في يده كتابًا يُمثل أنه يقرأ به لكنه كان حجةً واهية حتى يستطع مراقبتها من خلاله، تصنعت هي التجاهل لفعلته تلك، و هي تعلم تمام المعرفة أنه يراقبها، و حينما تأخر شقيقها وقفت هي مقابلةً له وهي تسأله بنبرةٍ متريثة ثابتة:
هو حضرتك بتراقبني؟"
رد عليها هو بنبرةٍ مندهشة:
نعم !! هراقبك إزاي يعني؟ أنا قاعد بقرأ في الكتاب"
ردت عليه هي تفسر حديثها بثباتٍ:
ما هي حاجة من الاتنين يا أنتَ مبتعرفش تقرأ، يا إما بتراقبني"
رفع حاجبيه بذهولٍ فوجدها تحرك رأسها موافقةً، فقال هو بنبرةٍ مهتزة:
هراقبك ليه يعني؟ و بعدين إزاي مبعرفش اقرأ دا أنا في صيدلة و طالع من الأوائل على الإدارة"
ابتسمت هي له بتهكمٍ ثم قالت توضح أكثر:
هشرحلك أنا، الكتاب اللي في أيدك دا بالـ English يعني الصفحات بتتقلب ناحية الشمال، أنتَ قلبت صفحة واحدة في ١٠ دقايق و قلبتها ناحية اليمين، و دا ملوش غير تفسيرين الأول إنك مبتعرفش تقرأ أصلًا و التاني إنك بتراقبني، أنا بقول نخلينا في التاني علشان دا أرحم من إنك تكون مبتعرفش تقرأ"
ازدرد لُعابه بخوفٍ من طريقة تفكيرها، فوجدها تبتسم بسمةٍ منتصرة و هي تبتعد عنه و قبل أن تجلس على المقعد وصل شقيقها وهو يقول معتذرًا:
أنا آسف على التأخير جدًا، بس عمار كلمني بعد الدرس ما خلص و أنا مكانش معايا العربية و روحت خدتها من بابا"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
مفيش مشاكل أنتَ متأخرتش أوي يعني، يلا بس علشان المدرسة بكرة"
أومأ لها موافقًا ثم توجه نحو «عمار» وهو يقول بنبرةٍ ظهر بها امتنانه:
أنا متشكر يا عمار، معلش بقى أخرتك إنك تروح و أنتَ وراك جامعة بكرة، حقك عليا"
رد عليه بنبرةٍ ودودة حتى يرفع عنه الحَرج:
متقولش كدا أنتَ أخويا، و أنا شرف ليا أنفذلك اللي أنتَ عاوزه"
ابتسم له بحبٍ ثم ودعه بحبورٍ و من بعدها أخذ شقيقته التي كانت تنظر بثباتٍ لـ «عمار» حتى ارتمى على المقعد بعد رحيلهما وهو يقول بنبرةٍ حائرة ممتزجة بدهشته:
إيه يا جدعان التفكير دا !! و الله العظيم خوفت منها، دي ولا ظباط المخابرات، يمين بالله ما خدت بالي من الكتاب اللي فـ إيدي نوعه إيه"
قال جملته فوجد نفسه يضحك باتساع وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
يلا هنبقى احنا الاتنين هُبل يعني؟"
في الأسفل في سيارة «طه» جلس «أحمد» على المقعد الخاص بالقيادة و هي بجانبه، نظر بطرف عينه لها فوجدها شاردة في الفراغ أمامها و لم تتحدث معه و تشاكسه و هذه على غير عادتها، فسألها هو بنبرةٍ جامدة حتى يلفت نظرها:
خلود سرحانة في إيه؟ مالك"
ردت عليه هي بنبرةٍ تائهة بعدما خرجت من شرودها التي لا تعرف سببه:
ها !! أنا مش سرحانة ولا حاجة، بس ممكن أكون بفكر في بكرة علشان أول يوم و كدا و أنا واخدة على السهر"
نظر لها بتشككٍ وهو يقول:
على أحمد برضه يا خوخة؟ مالك بس، دا أنتِ الصندوق الأسود بتاعي بعد خديجة، من إمتى بتخبي عليا؟"
تنهدت هي بقلة حيلة ثم قالت بندمٍ:
فيه بنت ضايقتني في السنتر النهاردة و أنا رديت عليها بطريقتي المستفزة، بس هي اللي بدأت الأول، الفكرة إن عمار دا كان واقف و معاه المشرف بتاع المستر"
سألها هو بلامبالاةٍ:
طب و فيها إيه يعني؟ مين الغلطان أصلًا من البداية"
تنهدت هي بحيرةٍ ثم قالت بنبرةٍ متعبة:
هحكيلك يا أحمد"
قالت جملتها ثم سردت عليه الحكاية من بدايتها، بينما هو كان ينصت لها باهتمامٍ واضح كعادته حينما تشعر بالحيرة، أنهت سردها ثم قالت بنبرةٍ حائرة:
أنتَ رأيك إيه يا أحمد؟"
ضحك هو بقوة ثم جاوبها بنبرةٍ ضاحكة:
بقولك إيه سيبك أنتِ، ردك عليها كان جامد و الله، تربية وليد مراحتش هَدر برضه"
ردت عليه هي بنذقٍ:
شوف أنا بتكلم في إيه و هو بيتكلم في إيه"
أوقف هو الضحكات ثم قال بنبرةٍ جادة:
بصي كدا كدا أسلوبها مش كويس من البداية و أنتِ رد فعل للفعل، أما بالنسبة لوجود عمار و الشاب دا، مش فاهم بصراحة يفرق معاكي في إيه؟"
ردت عليه هي بندمٍ:
علشان هو عارفنا و عارف خديجة و وليد، مش حابة إنه ياخد فكرة وحشة عن أخلاقي"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول:
بصراحة شايف الموضوع عادي جدًا، مجرد رد على البنت و مش مستاهل التفكير و موقف عمار قصادها يُشكر عليه، كبري أنتِ و متشغليش بالك"
أومأت له بقلة حيلة فوجدته يقول بمرحٍ:
تعالي أشربك حاجة قبل ما نطلع، ها تشربي إيه؟"
ابتهج وجهها وهي تقول بمرحٍ:
اتنين شاورما فراخ و زود التومية"
طالعها هو بتعجبٍ من تبدل حالها في ثوانٍ، فوجدها تقول بنفس المرح:
ما هو إحنا مش هينفع نشرب من غير ما ناكل"
_________________________
في شقة «ياسر» عاد من عمله متأخرًا بشدة و هي كانت تنتظره و حينما لاحظت تأخره زفرت بقوةٍ ثم جلست تتابع التلفاز بمللٍ، حتى سمعته يدلف الشقة من خلال حركة المفاتيح في الباب، تصنعت التجاهل و لكن ما أثار ريبتها حينما سمعته يقول لحارس العقار:
أيوا حطها هنا جنب الباب يا عم عزوز، تسلم يا رب"
وضع الرجل ما كان يحمله في يده و معه ابنه يعاونه فقام «ياسر» بإعطائهم ورقة النقود وهو يقول بنبرةٍ ممتنة:
ألف شكر يا عم عزوز، ألف شكر يا محمود، معلش تعبتكم يا رجالة"
رد عليه الرجل حتى يرفع حرجه و يرد على شكره:
إحنا خدامينك يا أستاذ ياسر، و ربنا يسعدكم إن شاء الله"
أومأ له «ياسر» موافقًا ثم أغلق الباب بعد انسحابهما من أمامه، و بعدها دلف حتى وصل لغرفة الجلوس التي تقبع بها دائمًا تتابع التلفاز، رغم الفضول البادي على ملامح وجهها و رغم نظرة التطرق لسؤاله عن ما حدث بالخارج، إلا أنها أثرت الثبات و تجاهلته حينما دلف الغرفة لها وهو يبتسم باتساعٍ، حركت رأسها تطالعه بطرف عينها ثم نظرت للتلفاز مرةً أُخرى، فوجدته يقترب منها ثم جلس بجانبها وهو يقول بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مبتسم:
يا سلام ؟! قال يعني مقموصة بجد و هي الفضول هينط من عينها علشان تعرف كان فيه إيه"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول بلامبالاةٍ واهية:
مش فارق معايا أصلًا، روح شوف بقى أنتَ كنت فين و جاي متأخر ليه؟"
أمسك كفها يسحبها للخارج وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
تعالي معايا بس يا ستي، دا أنا طلع عيني لحد ما جبتها علشانك"
كانت تسير خلفه رغمًا عنها وهي تقول بحنقٍ:
هو أنتَ ساحب بنت أختك يا ياسر؟ بالراحة و بعدين أنا مش بكلمك أصلًا"
سار بها حتى وصل بجانب باب الشقة وهو يشير إلى ما جلبه وهو يقول بفخرٍ:
بصي بس أنا جبتلك إيه و قرري هتفضلي زعلانة مني ولا لأ؟"
حركت رأسها تنظر إلى ما جلبه لها وسرعان من اتسعتا حدقتيها بقوةٍ فوجدتها يقول بمرحٍ:
جبتلك مرجيحة علشان الطفلة اللي جواكي مكبوتة و مش لاقية حاجة تخرج بيها طاقتها"
نظرت له بتأثرٍ ثم حركت رأسها تنظر للأرجوحة من جديد وهي تقول بنبرةٍ مختنقة من تأثرها:
المرجيحة دي علشاني بجد ؟! قول و الله يا ياسر، يعني أنتَ مش مأجرها؟"
ضحك رغمًا عنه على سؤالها الأبله فوجدها تقول بحنقٍ:
هو أنتَ بتضحك على إيه؟ شكلك بتهزر أنا داخلة"
قالت جملتها وهي تعطيه ظهرها فوجدها يمسك كفها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
استني بس أنا بضحك على سؤالك الاهبل اللي مش وقته ولا مكانه، طبعًا ليكي أومال لمين؟"
سألته هي بوجهٍ مبتسم:
طب إشمعنا مرجيحة يعني؟ و ليه اللي على شكل قلب و ليه لونها وردي؟"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ خافتة:
ارجعي بالذاكرة كدا ورا شوية ساعة فرح نيرمين أختي لما كنا بنجيب جهازها، ساعتها عجبتك المرجيحة اللي شبه ديه، و أنا ساعتها مكانش ينفع أجبهالك لأن مكانش ليا حق، و خالد ساعتها رفض و قالك لما تتجوزي هجبهالك، الكلام دا فات عليه سنين، و يمكن أنتِ نسيتي بس أنا عمري ما أنسى حاجة كان نفسك فيها"
تأثرت هي من حديثه و من نبرته تلك التي تؤثر عليها كلما تحدث بها أمامها، فوجدته يمسك كفها وهو يقول بنبرةٍ هادئة حتى تجلس على الأرجوحة:
اقعدي عليها كدا و شوفي إحساسك إيه، لو مش مريحاكي أغيرها"
جلست على الأرجوحة بفرحة كبيرة تشبه فرحة الصغار، وهو يطالعها بنفس الفرحة حتى شرد في ملامحها و ما أخرجه من حالته تلك قولها المرح:
تعالى يا ياسر اقعد جنبي، أنتَ برضه جواك طفل صغير مش أنا لوحدي"
ابتسم لها ثم اقترب منها يجلس مجاورًا لها على الأرجوحة فوجدها تقول بنبرةٍ هادئة بعدما وضعت رأسها على كتفه:
بصراحة كنت هروقك النهاردة يا ياسر، كنت بحضر جدول نكد محترم ليك، يا خسارة راح على الفاضي"
حرك رأسه للأسفل حتى يتسنى له رؤيتها وهو يقول بسخريةٍ:
الكلام مش لايق مع نومتك و لا نبرتك، أنا قولت ملبوسة محدش صدقني"
ضحكت هي بخفةٍ وهي تقول:
إيه يعني ملبوسة بس بحبك، استحمل يا ياسوري بقى"
رد عليها هو بمرحٍ:
يا ستي براحتك، المهم إن الخساير تبقى قليلة و ياريت تبقى بسيطة"
ردت عليه هي بنبرةٍ حزينة:
و ياريت ميكونش فيه خساير أصلًا يا ياسر، أي خسارة ليك أو ليا هتبقى صعبة و الله"
تعجب هو من حديثها و نبرتها فوجدها ترفع رأسها وهي تقول مغيرةً مجرى الحديث:
طب قولي بقى هنحطها فين؟ فكر معايا كدا"
تنهد هو ثم نظر حوله في الشقة يتفحص المكان ثم قال مقترحًا:
أنا بقول أسلم مكان ليها هو أوضة النوم قصاد الشاشة"
سألته هي بتعجبٍ:
أشمعنا بقى؟ ممكن نحطها في أي حتة تانية"
رد عليها هو مُردفًا:
علشان دا المكان اللي محدش هيدخله غيرنا، افرضي جالنا ضيوف و لا جالنا حد؟ هيطلع عينها و هتبوظ"
ردت عليه هي توافقه و هي تقول بمرحٍ:
تصدق صح ؟! أنتَ دماغك بتفكر حلو، شغل دكاترة بصحيح"
________________________
في شقة «عامر» دلفها متأخرًا بعدما عاد من عمله ثم بدل ثيابه و من بعدها شاكس زوجته ثم نزل مرةً أخرى، دلف بعدما أنهى مشواره فوجدها ترسم تصميمًا جديدًا خاص بالفستان الذي تقوم بتفصيله، جلس بجانبها وهو يقول بنبرةٍ متعجبة:
بتعملي إيه يا جرثومة؟ مش كبرنا على الرسم و التلوين دا"
ردت عليه هي بحنقٍ:
هقولك إيه هتفضل سوفسطائي طول عمرك يا عامر، دا تصميم جديد علشان أغير رسمة الفستان من فوق، أنتَ كنت فين صحيح"
تنهد هو بعمقٍ ثم رفع الحقيبة التي يحملها في يده وهو يقول:
كنت بجيب دا لعمار علشان بكرة أول يوم ليه في الجامعة"
أخذت الحقيبة من يده وهي تطالعها بتعجبٍ ثم أخرجت ما بها و بعدها شهقت بقوةٍ ثم قالت بنبرةٍ مندهشة:
ما شاء الله يا عامر، حلو أوي الموبايل دا، بس شكله غالي أوي"
رد عليها هو مُردفًا:
ماهو مش أنا اللي جايبه لوحدي، خالد و ياسين و ياسر دافعين معايا هما كمان"
ردت عليه هي بحبٍ بالغ:
ربنا يخليكم لبعض، و الله انتو شِلة عسل أوي و بحبكم و أنتو مع بعض كدا"
ابتسم لها ثم رفع ذراعه بالحقيبة الأخرى وهو يقول بمرحٍ:
طب خدي بقى و شوفي كدا"
تركت ما بيدها ثم أخذت ما بيده و حينها لمعت عينيها بشغفٍ وهي تقول بنبرةٍ غير مصدقة:
لأ !! ترمس ؟! بتهزر و الله، جبته منين يا عامر كان نفسي فيه"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
أصل أنا مبعرفش آكل حاجة من غير اللي بحبهم، و أنتِ حبيبتي يا سارة، بس يعني هو الأيفون اللي جنبك دا مأثرش فيكي و برطمان الترمس دا هو اللي حرك مشاعرك؟ أنتِ كدا مراتي رسمي"
ضحكت هي بقوة ثم قالت تردف له موقفها:
أصل الأيفون مش بتاعي، إنما الترمس دا ليا، و بعدين أنتَ جايبه علشان تصالحني"
رد عليها هو بحنقٍ:
أصالحك !! ليه إن شاء الله؟ هو أنا غلطت فيكي و لا جيت جنبك"
ردت عليه هي بضجرٍ:
أنا مشوفتش في بجاحتك يا عامر بجد، دا كله مش مستوعب إنك زعلتني؟"
رد عليها هو موافقًا:
زعلتك فين هو أنا عمري زعلت حد؟ طب دا أنا بيضرب بيا المثل في الهدوء العقل"
حركت رأسها في اتجاهات مختلفة غير مُصدقة ما تفوه به و سرعان ما رفعت كفها فوق رأسها وهي تتنهد بتعبٍ، فوجدته يقترب منها وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
طب و الله أمي دعوتها استجابت، كانت علطول تقولي ربنا يكرمك باللي تهنيك و طلعتي أنتِ من حظي تشيز كيك"
حركت رأسها نحوه بسرعةٍ فوجدته يغمز لها، حينها اقتربت منه وهي تسأله بنبرةٍ شبه باكية ممتزجة بالمرح:
أعمل فيك إيه ؟! يا بني بتضحكني في عز خنقتي"
رد عليها هو بفخرٍ:
علشان أنا عامر فهمي، و هي نسخة واحدة مفيش منها اتنين طلعت من نصيبك يا بنت المحظوظة هيصي"
ضحكت هي بقوة ثم قالت تؤيد حديثه:
بصراحة معاك حق، بنت محظوظة فعلًا علشان أنتَ بقيت نصيبي"
رد عليها هو بمرحٍ:
طب وريني بقى الترمس دا بيقول إيه علشان أنا دوخت لحد ما جبته"
ردت عليه هي ترفض بمعاندةٍ:
مش أنتَ كلت في الفرح إمبارح؟ الله يسهلك بقى"
_________________________
في شقة «خالد» بعد عودته من العمل أعطته زوجته «يونس» و طلبت منه أن يجلس بجانبه حتى ينام ولو قليلًا، امتثل هو لطلبها ثم أخذ صغيره و لكنه من كثرة تعبه و إنهاكه نام هو الآخر بجانبه، دخلت هي بعدها حينما لاحظت الصمت فوجدت «خالد» يعانقه بقوة بين ذراعيه القويين و الآخر متمسك به بقوةٍ، ابتسمت هي على هيئتهما ثم خرجت حتى تقوم بترتيب البيت ، و بعد انغماسها في الترتيب و التنظيف فوجئت بزوجها يقول بنبرة متحشرجة نتيجة نومه:
بتعملي إيه يا ريهام؟ هو فيه حرب في الشقة؟"
ردت عليه هي بأسفٍ:
معلش أنا آسفة و الله، صحيتك بس أنا كنت بروق مكان الكركبة اللي يونس عملها، الواد من أدبه وقع العصير و جاي يقولي معلش"
ابتسم هو بفخرٍ وهو يقول:
صحيح متربي مرتين، تربيتي"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
آه طبعًا متربي مرتين، حتى وشك يشهد على التربية دي"
سألها هو بنبرةٍ جامدة:
قصدك إيه يا ريهام؟ أوعي يكون قصدك إن ابني بيهزقني و كل يوم يصحيني بكف حلو على وشي"
ردت عليه هي بنبرةٍ ساخرة ممتزجة بالمرح:
أنا أقدر برضه؟ عيب عليك يا جدع متقولش كدا"
ضيق جفنيه وهو يقول بتوعدٍ:
ماشي يا يونس و رب الكعبة لأربيك، جايبلي الكلام"
ردت عليه هي بنبرةٍ سريعة:
طب ادخل نام يا خالد، و أنا هسمح الصالة دي و أفرش السجادة و أسخن الأكل"
رد عليها هو بهدوء:
طب استني أغير التيشيرت الأبيض دا و ألبس واحد غامق و أجي أساعدك"
نظرت له ببلاهة وهي ترمش عدة مرات بقوة، فوجدته يقول بنبرةٍ ساخرة:
إيه يا ريهام هو أنتِ اتكهربتي؟ بقولك هغير و أجيلك، مالك يا حجة فيه إيه"
ردت عليه هي بنبرةٍ مندهشة:
خالد بجد هو أنتَ هتساعدني في الترويق بجد؟ قول و الله؟"
رد عليها هو ببساطة:
أيوا يا ستي هغير و أجيلك، مش أنت تعبانة برضه؟ أكيد مش هسيبك تفرشي لوحدك، استني بس لحد ما أجيلك"
تركها و دخل غرفته بينما هي سألت نفسها بتعجبٍ و لكن بنبرةٍ مسموعة:
بسم الله الرحمن الرحيم !! مين دا، خالد فين"
أنهت جملتها فوجدته أمامها يرتدي تيشيرت باللون الاسود وهو يقول بمرحٍ:
لبست أسود أهو علشان ميبانش فيه البهدلة، ها هنبدأ بإيه بقى؟"
ردت عليه هي ببلاهة:
هات بوسة يا خالد"
_"نعم يا ختي ؟! عاوزة إيه"
سألها هو بتعجبٍ فوجدها تقول بخجلٍ:
معلش أنا اتلغبطت، أصل بصراحة مش مستوعبة كلامك، هتساعدني في الترويق؟! أنتَ مستوعب يا خالد"
تنهد هو بعمقٍ ثم اقترب منها أكثر وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
بصي أنا عارف أن بالنسبة ليكي دا كان في أحلامك إنه يحصل، بس أنتِ تعبانة و لسه قايمة من دور برد يهد جبل، يعني حرام أشوفك برضه تعبانة في ترويق البيت اللي أبني مبهدله و مخليه خرابة، أنا مش حجر برضه"
ابتسمت له وهي تقول بمشاكسة:
طب ما هو أنتَ حلو أهو يا خالد، أومال كنت تور ليه قبل كدا"
رد عليها هو بحنقٍ:
علشان كان فيه جاموسة بتحدف دبش في وشي، فيه حد يقول كدا يا ريهام؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص بقى قلبك أبيض، يلا بسرعة بس قبل ما ترجع في كلامك، أنا مش مصدقة نفسي"
قالت جملتها وهي تلتفت حتى تتركه فوجدته يقول بخبثٍ:
أنا مش ناسي البوسة يا ريهام على فكرة"
ضحكت هي بخجلٍ ثم تحركت من أمامه وهي تتصانع التجاهل لما تفوه به.
_________________________
في شقة «رياض» جلست «خديجة» في شرفة الشقة بمفردها و هي تحرك الفراشة بين كفيها مع بسمةً بلهاء ارتسمت على ثُغرها وهي تتابع الفراشة و تتذكر حديثه لها بأن رقتها تشبه رقة الفراشة على القلوب، ظلت كما هي شاردة حتى دخل لها وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
الشاي يا خديجة، شوفتي أنا طيب إزاي؟ معملتيش ليا النسكافيه الصُبح بس أنا وجبت معاكي بليل"
طالعته هي بندمٍ وهي تقول:
حقك عليا بقى متزعلش خلاص، و بعدين أنتَ مستفز يا ياسين"
أشار على نفسه وهو يقول بنبرةٍ مندهشة:
أنا !! يعني بعد كل دا مش عاجبك كمان؟ يا جاحدة"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
أنتَ اللي سكت و متكلمتش، كنت المفروض تبررلي، لكن يا فرحتي بسكوتك"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
ما هو دا من ضمن عيوبي، مبعرفش أبرر حاجة، و لا بعرف أوصف، و لما أتكلم بنفعل و أعك الدنيا"
ردت عليه هي بنبرةٍ متأثرة:
أقولك على حاجة؟ شكلك الصبح صِعب عليا أوي يا ياسين، أنا أصلًا اتضايقت علشانك أوي و كنت هجري وراك علشان متزعلش"
قطب جبينه بحيرةٍ وهو يسألها بتعجبٍ:
صعبت عليكي؟! أنا طلعت مُثير للشفقة يا خديجة؟ يا مرارك يا ياسين"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة حتى تفسر له وجهة نظرها:
أنا قصدي يعني إنك لما قومت من على الأكل زعلان و نزلت حسيت ساعتها إننا زودناها، بس جت بفايدة علشان جبتلي الفراشة اللي كان نفسي فيها"
ابتسم وهو يسألها بنبرةٍ هادئة:
يعني الفراشة عجبتك بجد؟ و الأهم أنتِ بجد زعلتي علشاني"
ردت عليه تؤكد حديثه بقولها:
طبعًا زعلت علشانك، هو أنا ليا غيرك يا ياسين؟ و الفراشة سكر زيك كدا"
مد لها ذراعه وهو يقول بنبرةٍ هادئة وهو مُبتسمًا لها:
طب تعالي يا خديجة، تعالي أنتِ وحشتيني"
تركت مقعدها وتوجهت نحوه حتى تحتضنه فوجدته يمسك طرف أذنها وهو يقول بحنقٍ:
و لما هو آه يا بنت طه و صعبت عليكي سايباني طول اليوم بحاول أوصلك ليه و بتقفلي في وشي؟ بقى أنا يتحفل عليا من أبويا و أمي بسببك يا شبر و نص أنتِ؟"
ردت عليه هي بآلمٍ:
ودني....ودني يا أهبل، إيدك ناشفة يخربيت كدا، و الله بابا رياض هو اللي قالي أعمل كدا"
تركها هو على مضضٍ وهي تفرك أذنها و رافق حركتها تلك قولها الحانق:
إيه دا أنتَ ملبوس يا ياسين؟ ما كنت حلو من شوية، احفظنا يا رب من الهُبل دول"
أخذها بين ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
وحشتيني و الله يا كتكوتة، قوليلي يومك كان عامل إزاي؟ و ليه عاوزة تقعدي هنا؟"
وضعت رأسها فوق صدره العريض وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
اليوم كان حلو بس كان ممل في أوله علشان كنت لوحدي، لحد ما ماما رجعت من المدرسة و بدأ اليوم يحلو أكتر لما عمو رياض رجع"
_"طبعًا علشان الحفلة كانت عليا، ماشي يا رياض"
رد عليها هو بذلك ساخرًا من والده، فردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
و الله عمو سكر خالص و بيحبك يا ياسين، حتى هو اللي قالي أقعد هنا يومين علشان يربـيـ....أوبس، أنا شكلي عكيت"
قالت جملتها الأخيرة بخجلٍ مما تفوهت به، فوجدته يقول بنبرةٍ شامتة ممتزجة بتهكمه:
اللّٰه أكبر !! بعتيه من غير قلم حتى؟ طب أستني اضغط عليكي شوية"
ردت عليه هي بضيقٍ منه:
يوه بقى، أنا مبعرفش أكدب أعمل إيه يعني؟ هو قالي اقعدوا معانا انتو مونسينا و قالي كمان إنه فرحان بوجودي"
ربت هو على ظهرها وهو يقول بفخرٍ:
كلنا فرحانين بيكي و بوجودك و الله، بتعملي جو حلو كدا رغم إنك هادية مش شقية، بس روحك حلوة بتخلي المكان يحلو"
وضعت رأسها على كتفه وهي تقول بنبرةٍ ناعسة:
و أنتو وجودكم حلو أوي يا ياسين، و أنا بحبكم أوي"
ابتسم هو على حديثها ثم حرك يده يضعها على رأسها وهي بين ذراعيه و في غضون ثوانٍ غفت هي في ثباتٍ عميق كعادتها، بينما هو بمجرد انتظام أنفاسها ابتسم بسخريةٍ وهو يقول:
أنا نفسي أفهم أنتِ بتنامي كدا إزاي؟ أنتِ كأنك بتضربي حاجة"
اعتدل في جلسته حتى تأخذ وضع أكثر راحةً و في تلك اللحظة دلف «رياض» وهو يقول بخبثٍ:
إيه دا هو أنا جيت في وقت مش مناسب ولا إيه، شكلي قطعت اللحظة؟"
رد عليه «ياسين» بسخريةٍ:
أوي، بوظت اللحظة أوي، تعالى يا حبيبي دي نايمة أساسًا"
جلس والده أمامه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
عامل إيه يا جحش، وحشتني و الله، البيت وحش من غيرك"
رد عليه هو بتهكمٍ:
قال يعني فارق معاك أوي، دا أنتَ مطلع عيني حرام عليك، و بعدين اللي يسمعك يقول إنك زعلان و أنتَ ما صدقت الجو يخلالك مع زُهرة"
رد عليه والده بنبرةٍ ضاحكة:
دا حقد بقى ولا إيه؟ و بعدين أنا لو معملتش كدا خديجة كانت هتزعل و أنا مش عاوزها تزعل"
سأله «ياسين» بنبرةٍ حائرة:
تزعل من إيه مش فاهم؟ الموضوع مكانش مستاهل، بس أنتو كبرتوه لدرجة غريبة"
رد عليه والده مُفسرًا:
علشان هي متزعلش يا ياسين، لو كنت وقفت معاك و قولتلها فُكك و مفيهاش حاجة، كانت بعد هتحس بحواجز بينا، و عمرها ما هتعتبرنا أهلها، علشان كدا قلبت عليك، هي آه زعلت علشانك، بس كانت فرحانة علشان لقت حد يدعمها، و بعدين أنتَ عاقل و أكيد فاهم مراتك برضه"
حرك «ياسين» رأسه حتى ينظر لها وهي غافيةً على كتفه، فقال والده بنبرةٍ مشفقة عليها:
مراتك طيبة أوي و حنينة، بنت أصول و قلبها أبيض، متزعلهاش يا ياسين بالله عليك، شكلها لما بتزعل بتبقى زي الطير مكسور الجناح"
تنهد هو بعمقٍ ثم رد عليه بنبرةٍ متأثرة:
تعبت أوي يا بابا في حياتها، خديجة شافت كتير و مكانش معاها غير وليد بس، و أنا و الله مش بقصد أزعلها و لا عمري هعوز زعلها مني، لما بتعاتبني و الله بتقطع قلبي و لما بعرف حاجة عنها من اللي شافتها بحس قد إيه هي لازم تشوف أيام حلوة تنسيها اللي فات"
ابتسم له والده وهو بفخرٍ:
جدع، أنا برضه قولت تربيتي متخيبش أبدًا، علشان كدا هتقعدوا معانا يومين بدل القعدة لوحدكم"
رد عليه هو بتهكمٍ:
آه علشان تعرف تربيني؟ مش كدا يا ابويا؟ يا حبيبي؟"
ضيق «رياض» جفنيه بشدة وهو يقول:
آه يا جزمة !! باعتني و قالتلك؟ ماشي يا خديجة ، كدا هربيكم أنتو الاتنين"
رد عليه بنبرةٍ ضاحكة:
و إيه من غير حتى ما أسأل قالت كل حاجة، طيبة أوي و الله، باعتك من غير أقلام حتى"
رد عليه والده بنفس النبرةِ:
علشان قلبها أبيض زي ما أنتَ قولت، يلا بقى خدها خليها تنام علشان البرد دا، و يلا علشان شغلك أنتَ كمان"
أومأ له موافقًا ثم اعتدل وقفته وهو يحملها معه على كتفه، بينما والده سخر منه وهو يقول:
أنا برضه قولت أبو طويلة محدش صدقني"
_________________________
انتهت تلك الأمسية على الجميع حتى أتى الصباح و هو أول يوم في العام الدراسي الجديد، كان الجميع يتجهز لذلك اليوم بحماسٍ مُفرط، ارتدت «سلمى» ثيابها و تجهزت ثم وقفت أمام غرفة أخيها تطرق بابها وهي تقول بنبرةٍ حماسية:
يلا يا طارق أصحى لحد ما أصحي سلمى، جميلة صحيت من بدري"
رد عليها هو من الداخل:
صحيت يا سلمى و بلبس أهوه، روحي بس استعجلي «خلود»
وافقت هي على حديثه ثم تحركت من أمامه ركضًا حتى وصلت لشقة عمها «طه» تقرع جرسها بقوةٍ حتى فتح لها «أحمد» بملامح وجه ناعسة وهو يقول بنبرةٍ متحشرجة:
صباح الخير يا سلمى، فيه إيه على الصبح؟"
ردت عليه هي بأسفٍ:
معلش بقى يا أحمد صحيتك، خلود فين؟ النهاردة أول يوم مدرسة و هي نايمة؟ دا أنا ٣ ثانوي و رايحة أهوه"
رد عليها هو بنبرةٍ تائهة:
عادي ولا يهمك، بس خلود تقريبًا نايمة مصحيتش، ادخلي شوفيها"
أومأت له موافقةً ثم دخلت الشقة فتقابلت مع عمها في الممر فسألته بنبرةٍ هادئة:
صباح الخير يا عمو طه، متعرفش خلود صحيت ولا لأ"
رد عليها هو بمرحٍ:
صباح الخير يا ريا، لأ مصحيتش، بقالي ساعة بحاول مفيش فايدة فيها"
تحركت نحو الغرفة ثم دلفتها بقوة بعدما فتحت الباب على مصراعيه فوجدتها نائمة على الفراش و بجانبها الحاسوب مفتوح على مسلسلها المُفضل، اقتربت منها تهزها برفقٍ وهي تقول:
خلود أصحي، أصحي يا زفتة هنتأخر الله يخربيت دماغك، فوقي بقى"
تململت «خلود» في نومها وهي تقول بضجرٍ:
إيه، عاوزة إيه مني، روحي شوفي حالك"
خرجت «سلمى» من الغرفة فوجدت «أحمد» أمامها فقالت له بلهفة:
أحمد !! معلش تعالىٰ صحي خلود مش هقدر عليها"
أومأ لها موافقًا ثم دخل الغرفة وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
خلود أصحي بطلي هبل، اصحي مش هتغيبي من أول يوم كدا"
زفرت هي بقوةٍ ثم سحبت الوسادة تضعها على رأسها، فسألته «سلمى» بتعجبٍ:
هي نايمة الساعة كام؟ اللي أعرفه إنها رجعت من الدرس متأخر"
رد عليها هو بسخريةٍ:
الهانم نايمة الساعة ٣ و نص، كانت بتتفرج على مسلسل امبارح و أنا كنت صاحي اشرب"
شهقت هي بقوةٍ فوجدته يقول بخبثٍ:
أنا عارف الأشكال دي بنصحيها إزاي؟ حبة ورا كدا يا سلمى"
عادت للخلف فوجدته يخفض نفسه ثم حمل «خلود» على ذراعيه، فشهقت «سلمى» بقوةٍ، بينما خرج من الغرفة وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
تعالي افتحي باب الحمام يا سلمى، بسرعة قبل ما تقع مني"
فتحت «سلمى» الباب فتوجه بها نحو الداخل وهو يقول متوعدًا:
أنا مش هحلف علشان أنا في الحمام بس من ١: ٤ لو مفوقتيش هرميكي تحت الدُش"
لم يأتيه منها ردًا لذلك قال لـ «سلمى»:
افتحي بقى الدش دا كدا و حاسبي علشان هدومك متتبهدلش"
أومأت له موافقةً ثم شرعت في تنفيذ ما طلبه منها، بينما «خلود» حينما شعرت به يقترب من المياه صرخت بقوة وهي تقول بخوفٍ:
خلاص خلاص يا جاحد يا ابو قلب قاسي، فوقت"
تركها هو على مضضٍ بداخل حوض الاستحمام وهو يقول بضيقٍ:
أشكال عاوزة الضرب، فوقي بدل ما افوقك يا خلود"
ردت عليه بحنقٍ:
دا أنتَ تِنح يا أحمد، طب متتحركش من غير ما تسيب المصروف بقى"
رد عليها هو بضجرٍ منها:
مصروف إيه يا حقيرة أنتِ، و الشاورما و العصير بتوع امبارح دول إيه"
دخلت «زينب» وهي تقول بنبرةٍ ساخرة:
يا ولاد المجانين على الصبح؟ عاملين اجتماع في الحمام؟ أنتو هبل يا عيال على الصبح؟"
ردت عليها «سلمى» بنبرةٍ ضاحكة:
خلود مش عاوزة تروح المدرسة يا طنط زينب، و أحمد كان بيوجب معاها"
كانت «خلود» تقف في حوض الاستحمام وهي تضع يدها في خِصرها، فتحدثت والدتها تقول بسخريةٍ:
علشان تبطلي فرجة على المسلسلات طول الليل، يلا يا أحمد اطلع جهز نفسك وئام مستنيك"
أومأ له موافقًا ثم اقترب من شقيقتها يحاول صفعها وهو يقول بنبرةٍ حانقة:
فوقي بقى بدل ما أفوقك أنا"
_________________________
بعد مرور دقائق كان «طارق» و «وليد» و «جميلة» يقفون سويًا أسفل البيت، فتحدثت «جميلة» تقول بتأففٍ:
نفسي أفهم البرود دا جايباه منين؟ مفيش حماس خالص عندها، سلمى صاحية من بدري"
رد عليها «وليد» بسخريةٍ:
أنتِ لسه شوفتي حاجة؟ خديجة الله يصبحها بالخير كانت بتشد في شعرها لحد ما خلود تصحى، اصبري بس"
ضحك «طارق» بقوة وهو يقول بنبرةٍ ساخرة:
فاكر يالا لما عمك طه و أحمد شالوها و غرقوها في البانيو و هي في أولى ثانوي؟ البيت كله صحي على صوتها"
ضحك «وليد» بقوة ثم قال:
و لما نزلت و نسيت الشنطة في العربية و دخلت المدرسة من غيرها، و روحت علشان كانت متعاقبة"
تدخلت «جميلة» تقول بتعجبٍ:
لما هي مجبورة على التعليم مكملة ليه؟ إيه العلاقة التوكسيك دي؟"
قبل أن يرد أيًا منهما نزلت «سلمى» و «خلود» تتبعها، رمقتها «جميلة» بغيظٍ وهي تقول:
إيه يا خلود؟ كل دا يا علشان تصحي؟ اومال لو مش أول يوم بقى؟"
ردت عليها بحنقٍ:
يلهوي عاملة زي أمك على الصبح، لازم تتريقي يعني؟"
ردت عليها «جميلة» بنبرةٍ ضاحكة:
منه لله السبب في تربيتك، ربنا يسامحه بقى"
رد عليها «وليد» بنبرةٍ متعجلة:
طب سلام عليكم أنا بقى، علشان ورايا مشوار و مستعجل عليه، كل سنة و أنتو طيبين"
اقتربت منه «خلود» تقول بنبرةٍ جامدة:
خد هنا رايح فين؟ أنتَ نسيت ولا إيه؟ المصروف يا حلو"
زفر هو بقوةٍ ثم أخرج الأموال من محفظة نقوده وهو يقول بنذقٍ:
اتفضلي يا ست زفتة على الصبح، عادة ربنا يقطعها علشان أخلص منك"
تدخلت «سلمى» تقول بتهكم:
خدتي مصروف من أحمد و خدتي مصروف من عمو طه، و خدتي مصروف من وليد؟ ناقص مين بقى مخدتيش منه؟"
ابتسمت «خلود» بخبثٍ وهي تقول:
ناقص طاروق"
رفع «طارق» طرف أنفه بتشنجٍ وهو يقول:
نعم يا ختي؟ أنا مالي بيكي، ما تشوف يا وليد على الصبح؟"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ ضاحكة:
انسى، دي محدش بيخلع منها، بص اعتبرها صدقة جارية"
قال جملته ثم انسحب من أمامهم وهو يضحك عليهم، بينما «خلود» نظرت في أثره وهي تقول بتعجبٍ:
الواد دا رايح فين على الصبح"
_________________________
في شقة «حسن» استيقظ هو مُبكرًا و «هدير» معه، ارتدى حِلته ثم وقف يمشط خصلاته السوداء، فوجدها تدلف الغرفة بعدما بدلت ثيابها وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
أنا هنزل معاك توصلني بالعربية السوبر ماركت يا حسن، هجيب حاجات علشان فيه حاجات كتير ناقصة في الشقة"
رد عليها هو مُقترحًا:
طب ما تخليكي يا هدير بدل ما تنزلي بدري كدا و أم أمل تجيب الحاجة اللي أنتِ عاوزاها"
ردت عليه هي بنبرةٍ مقررة:
يا حسن لما بكون في السوبر ماركت بشوف أكتر أنا محتاجة إيه، إنما لما هي تجيب بنسى حاجات كتير، لو هعطلك خلاص أنزل أنا لوحدي مش مشكلة"
ترك فرشاة الشعر وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
لأ و على إيه يا ستي، يلا ننزل سوا، أنا أصلًا على أخري علشان النهاردة الحد و مش أي حد، دا أول يوم مدارس"
ردت عليه هي بنبرةٍ حائرة:
و مالك متضايق ليه؟ أومال لو عندك عيل بقى مش عاوز يروح كنت عملت إيه؟"
رد عليها هو مُفسرًا:
أصل أنتِ مش فاهمة، بيبقى يوم زحمة و تعب و كله بيسابق الزمن علشان يوصل، و العيال مضروبة على وشها ١٠٠ قلم، يوم مرهق جسديًا و نفسيًا"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
دا أنتَ قلبك شايل أوي من اليوم دا، على العموم لو خلصت يلا قبل الزحمة"
أومأ لها موافقًا ثم خرج خلفها من الغرفة، وجدها تفتح الباب فأوقفها بنبرته الجامدة:
شعرك باين يا هدير، داريه بدل ما أقعدك هنا و أنزل أنا"
عدلت هي وضع شعرها أسفل الحجاب وهي تقول بنبرةٍ معتذرة:
أنا آسفة و الله، المرة الجاية هاخد بالي، يلا بس علشان ننزل"
أومأ لها موافقًا فتقدمها هو ثم فتح الباب وهي خلفه تبتسم بيأسٍ، و تزامنًا مع فتحه الباب كان جاره في الشقة المجاورة يفتح بابه في نفس الوقت، و منه خرج طفلًا صغيرًا وهو يقول بنبرةٍ شبه باكية:
أنا عاوز ماما تيجي توصلني، بلاش أنتَ يا بابا"
رد عليه والده بضيقٍ:
يا حبيبي ماما راحت الشغل من الصبح، أنا هركبك الباص و أرجع ألبس و أنزل"
اقترب منه «حسن» وهو يقول بوجهه البشوش:
صباح الخير يا أستاذ عادل، كل سنة و أنتَ طيب"
رد عليه الرجل التحية وهو يقول بودٍ:
صباح النور يا أستاذ حسن، صباح النور يا مدام"
أومأت له «هدير» بخفة وهي تستغرب لقب "مدام" الذي نعتها به للتو، بينما «حسن» حينما لاحظ تذمر الطفل الصغير أخفض نفسه لمستواه وهو يقول بنبرةٍ مرحة حتى يمازحه:
صباح الخير يا أيهم، مالك مكشر ليه على الصبح دا إحنا لسه بنقول يا هادي"
رد عليه الطفل بنبرةٍ شبه باكية:
علشان عاوز ماما توصلني للباص، مش عاوز بابا، كل صحابي مامتهم بتوصلهم، أنا بابا بيسبني لعمو سعد هو يوصلني"
رفع «حسن» رأسه حتى يطالع الرجل فوجده يقول مبررًا:
أعمل إيه طيب؟ مامته نزلت الشغل من الصبح علشان النهاردة أول يوم ليها، و أنا هضطر أتأخر علشان أعرف أسلمه لعم سعد يركبه و بعدها أرجع أخد حاجتي علشان ألحق البنك"
رد عليه الصغير بحزن:
و أنا مش مشكلة صح؟ مش هروح خلاص"
حينما لاحظت «هدير» حالة الصغير لم تتمالك نفسها من إظهار تعاطفها معه، لذلك وجدت نفسها تخفض جسدها حتى وصلت لمستواه وهي تقول بنبرةٍ حنونة:
طب ينفع أنا أوصلك للباص؟ بدل ما تعيط كدا، و عمو حسن كمان هيجي معانا، ها موافق؟"
طالعها «حسن» بدهشةٍ، فوجدها تُكمل من جديد:
ها تيجي تنزل معايا أنا و عمو حسن و نوصلك إحنا؟ و كدا يبقى معاك اتنين مش واحد"
تدخل الرجل يقول بحرجٍ:
أنا متأسف جدًا على الموقف دا، بس هو ليه تحكمات غريبة، أنا متأسف يا أستاذ حسن"
رد عليه «حسن» بنبرةٍ حاول صبغها بالثبات رغم الدهشة التي تلبسته:
لأ مفيش أي حاجة، أنا هاخده معايا و أركبه الباص، أدخل أنتَ جهز نفسك علشان شغلك، و اطمن هو معايا، مش كدا يا أيهم؟"
رد عليه الصغير بمرحٍ:
كدا و نص كمان، بس أنا فرحان علشان هي هتيجي معايا"
ابتسمت له هي ثم استقامت في وقفتها، بينما الطفل قال لها بنفس المرح:
هو أنتِ ليه مش عندك حد توصليه المدرسة؟ هو أنتِ صغيرة، ما تجيبي نونو"
ابتسمت هي بخجلٍ، بينما «حسن» رد عليه بسخريةٍ:
شغالين عليه أهوه يا سيدي، ادعيلنا بقى بالتيسير"
رد عليه والده بحنقٍ:
عيب كدا يا أيهم، قولت ١٠٠ مرة فيه حاجات مينفعش نتكلم فيها"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بندمٍ:
أنا آسف، ممكن متزعلوش مني"
رد عليه كليهما ثم نزلوا معًا هما الثلاثة، كانت هي تمسك بيد الطفل الصغير و «حسن» خلفهما يبتسم بقوة سامحًا لنفسه يتخيل ابنه منها في مثل هذا اليوم، و يذهبان معًا لتوصيله للمدرسة، ظل يتخيل هذا الموقف حتى وصل بجانبهم أمام البناية منتظرين قدوم الحافلة المدرسية، نظرت له هي فوجدته شاردًا بملامح صافية و يبدو أن خياله ينسج له أحلامًا ظنت هي أنه يراها أمام عينيه، فسألته بنبرةٍ هادئ:
إيه يا حسن سرحت في إيه؟ أنتَ زعلت علشان اتسرعت و عرضت العرض دا؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بنبرةٍ هادئة و وجهٍ بشوش:
لأ خالص، أنا كنت هعمل كدا برضه، بس سرحت في حاجة كدا غريبة و أول مرة خيالي يوصل بيا لكدا"
سألته هي بتعجبٍ:
حاجة إيه دي اللي تخليك تضحك كدا و شكل كنت مبسوط"
رد عليها هو بدون تفيكر و بصراحة لم تعهدها من قبل من أي إنسان:
تخيلت نفسي و أنا نازل وراكي أنتِ و ابني و احنا رايحين نوصله المدرسة، مش عارف إزاي و ليه أصلًا، بس لقيت نفسي بتخيل كدا؟"
توردت وجنتيها بخجلٍ من حديثه و خياله، فوجدته يقول بنبرةٍ مُحبطة بعد صمتها:
متشغليش بالك يا هدير، دا حلم من أحلام اليقظة، يعني مش حقيقة"
_"لو فيه نصيب هيبقى حقيقة و يتحقق يا حسن"
اندفعت هي ترد عليه بذلك دون أن تحسب حساب حديثها أو اندفاعها بتلك الطريقة الغبية التي جعلته ينظر لها ببلاهةٍ، أما هي فشعرت بالدماء تتدفق في وجهها بقوةٍ و لا تدري كيف تخرج من ذلك المأذق الذي وضعت نفسها به.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شمس بكري
مرحبًا بكِ عزيزة القلب.... ها قد أتت من أنارت عتمتة الدرب.
_________________________
جئتُ إلى هذا العالم و كأني أعاقب على ذنبٍ لا أعرفه، حُسبت على ذنوب الآخرين و طالتني يد الحزن حتى بات قلبي حزين، لا الأماكن تُشبهني و لا الأشخاص تعرفني، حتى غدوت أنا أُعاني مني، أنا من سار بين الناس جابرًا للخواطر، غَدوتُ الآن أبحث عن من يجبر بخاطري و يزيح عن قلبي آلامه، قلبي الذي إذا دُقق الوصف له، لا يشعر من منهما فوق الآخر، هو أم أن الأرض بأثقالها تجثو فوقه؟.
وضعت نفسها في مأذق بالفعل، لا تدري ماذا تفعل، هل تركض من أمامه أم تتصنع عودة صمتها من جديد، هكذا كانت تفكر «هدير» فيما وضعت نفسها به، بينما هو أدرك أن تهورها أسعده و تسبب في راحته لكنه حينما لمح خجلها و توترها بتلك الطريقة حمحم بقوة ثم قال بثباتٍ و نبرةٍ جامدة:
إن شاء الله، محدش عارف الخير فين يا هدير، يمكن"
تنهدت هي بعمقٍ حينما وجدته ينهي الحديث بتلك الطريقة و لم يتمادى أكثر به، حتى أنها ودت لو احتضنته في تلك اللحظة و حينما وصل تفكيرها إلى تلك النقطة صرخت تعنف نفسها بصوتٍ عالٍ:
كمان !! دا أنتِ غبية"
طالعها الاثنين بدهشةٍ حينما صرخت تعنف نفسها، فتحدث الطفل يقول بنبرةٍ مرحة أن تحمل بين طياتها السخرية:
هي طنط عبيطة يا عمو؟ دي بتشتم بنت مش موجودة و احنا راجلين معاها"
حركت رأسها للأسفل تنظر للصغير بملامح وجه خجلة منه، فتحدث «حسن» بخبثٍ مرح:
و الله يا حبيبي طنط ست زي كل الستات، عندهم لَطة في نفوخهم، و احنا رجالة غلابة ضايعين وسطهم، بكرة تكبر و تعرف"
ردت عليه هي بنبرةٍ حانقة:
يا سلام !! دا إحنا برضه؟ روح نام يا حسن، شكلك لسه مفوقتش"
تدخل الصغير يقول بمرحٍ:
على فكرة هو معاه حق، طنط أنتِ كنتي بتكلمي نفسك و بتشتمي واحدة مش موجودة"
قبل أن ترد عليه هي توضح موقفها، تدخل «حسن» يقول بخبثٍ:
و مين قالك يا حبيبي إنها مش موجودة، هي موجودة و سامعة الشتيمة، يلا ربنا يهدي"
في تلك اللحظة اقتربت منهم الحافلة المدرسية، و بعد توقفها نزلت منها المشرفة وهي تسألهم بتعجبٍ:
مين حضراتكم؟ و فين والده أو عم سعد؟"
رد عليها «حسن» مردفًا بثباتٍ:
أنا حسن جاره و ساكن في الشقة اللي جنبه، والده بس وراه حاجات كتير علشان كدا نزلته أنا"
ابتسمت له بمجاملةٍ وهي تقول:
طب الحمد لله يا فندم علشان ميفضلش طول الطريق مكشر و زعلان، طب التواصل بعد كدا هيكون مع مين؟ يعني هاخد رقم حضرتك؟"
تدخلت «هدير» مندفعة في تلك اللحظة وهي تقول بنبرةٍ جامدة ولكنها محتفظة ببسمتها المقتضبة:
لأ التواصل مع باباه، احنا بس مجرد وسيط هينزله لحضرتك، لو عاوزة رقم ممكن تاخدي رقمي عادي"
لمعت عينيه بنظرةٍ خبيثة حينما رآى تصرفها مع الفتاة التي تقريبًا تماثلها في العمر، بينما الفتاة قالت بنبرةٍ هادئة:
خلاص مفيش مشاكل يا فندم، أنا هتواصل مع والده، يلا يا أيهم"
حرك رأسه موافقًا ثم التفت إلى «هدير» بعدما فتح ذراعيه لها، فحركت رأسها له باستنكارٍ لا تقوى على فهم مقصده، فوجدته يقول بنبرةٍ حماسية:
انزلي بسرعة علشان الباص"
نزلت هي لمستوى جسده الصغير فوجدته يحتضنها بقوة وهو يقول بنبرةٍ ممتنةٍ:
شكرًا إنك جيتي معايا، أنا كدا طول الطريق مش هبقى زعلان علشان مفيش حد بيوصلني"
تأثرت هي من موقفه، لذلك شددت عناقها له وهي تقول بنبرةٍ اختلتط بالبكاء:
من العفو، أنا هنزل معاك كل يوم لو دا هيخليك فرحان كدا"
رد عليها بعدما ابتعد عنها بحماسٍ:
بجد !! هتنزليني كل يوم"
تدخل «حسن» يقول بنبرةٍ هادئة:
هتنزلك كل يوم و أنا معاها، مبسوط كدا؟ يلا بقى علشان متتأخرش"
أومأ له موافقًا ثم لوح له مودعًا بذراعه، بينما هي اعتدلت في وقفتها بجانبه حتى تتحرك الحافلة، و بمجرد تحركها التفتت له وهي تقول بنبرةٍ لازالت متأثرة من موقف الطفل:
يلا علشان توصلني السوبر ماركت و بعدها تلحق شغلك"
تنهد هو بعمقٍ و حينما وجد الحيرة على وجهها سألها بنبرةٍ هادئة:
ماشي، بس هو أنتِ مالك؟ ليه حاسس كدا إنك عاوزة تعيطي"
ردت عليه هي بنبرةٍ جاهدت حتى تكون طبيعية:
كل الحكاية إن موقف أيهم دا صدمني شوية، طفل صغير بس موقفه غريب أوي"
رد عليها هو بمرحٍ:
يا شيخة هما دول أطفال برضه؟ دا أنتِ اللي أطفال، دا رمانا واحدة معندكوش طفل ليه جابت أجلنا و احنا واقفين"
ضحكت هي على طريقته فوجدته يقول بنبرةٍ ضاحكة:
و بعدين المفروض كان يشكرني أنا كمان، حضنك أنتِ و أولع أنا"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
دي غيرة بقى ولا إيه؟ غيران من عيل صغير يا حسن؟"
رد عليها هو مردفًا بحنقٍ:
أنتِ هبلة على الصبح؟ هغير من عيل صغير؟ كل الحكاية أني عاوز احتواء و عاوز حد يحضني"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص يا سيدي لما ترجع من الشغل أنا هحضنك، تمام كدا"
رد عليها هو بتهكمٍ:
حاسس إنك بتاخديني على قد عقلي و الله، بس يلا علشان نلحق نجيب الحاجة علشان أوصلك الشقة و أطلع على الشغل"
ردت عليه هي بنبرةٍ عادية:
وصلني بس السوبر ماركت و ملكش دعوة، روح شغلك بعدها و أنا هرجع الشقة لوحدي"
رد عليها هو بنبرةٍ قاطعة:
قولت هنجيب الحاجة سوا و أروحك الشقة خلاص؟"
تنهدت هي بقلة حيلة ثم حركت رأسها موافقةً على مضضٍ، ثم ركبت السيارة بجانبه، حرك هو سيارته متوجهًا نحو أحد الأسواق التجارية القريبة من شقته، و بعد وصولهم و شرائهم لما أرادو عادوا من جديد إلى البيت وهو معها يحمل الأشياء في يده وهي أيضًا، دلفت الشقة هي أولًا وهو خلفها يضع الأشياء على الطاولة، فالتفتت له وهي تقول بنبرةٍ ممتنة:
شكرًا إنك جيت معايا و رجعتني تاني، كنت هرجع إزاي بالحاجات دي؟"
رد عليها بطريقة مرحة تحمل سخريته منها:
علشان أنتِ غبية"
نظرت له بأعين متسعة على أخرها فوجدته يقول بنبرةٍ ضاحكة:
أنتِ اللي قولتي على نفسك كدا الصبح، أنا مجبتش حاجة من عندي"
ردت عليه هي بحنقٍ:
روح على شغلك يلا يا حسن، أنا بقول أنتَ اتأخرت، اتفضل"
اقترب منها هو ثم احتضنها فجأةً وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
بقى أنا ماشي وراكي من الصبح علشان أخد الحضن دا، و أنتِ عاوزاني أروح الشغل كدا؟"
ابتسمت هي بين ذراعيه فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم ابتعد عنها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
همشي بقى علشان منتأخرش أكتر من كدا، عاوزة مني حاجة"
حركت رأسها نفيًا بخجلٍ، فوجدته يبتعد عنها حتى يترك المكان و لكن قبل ذهابه التفت لها يقول بنبرةٍ مهتزة حاول صبغها بالثبات:
هدير !! على فكرة أنا بدأت أخاف"
قال جملته ثم فتح الباب و رحل إلى عمله، تاركها تنظر في أثره بتعجبٍ لا تدري مقصد حديثه، و لكن سرعان ما خطر ببالها قوله السابق:
حبيت يبقى هتخاف، دا مبدأ عندي، الحب و الخوف مرتبطين ببعض"
ابتسمت هي باتساعٍ حينما وصلت لمقصده، ثم وأدت بسمتها تلك وهي تقول هامسة بحنقٍ:
هو أهبل ؟! مش عارف يقولها على بعضها، و لا عارف يقولها بصراحة حتى؟ ماشي يا حسن"
_________________________
في شقة «ميمي» اجتمع الشباب بأكملهم ينتظرون قدوم «عمار»، حتى دلف الشقة وهو يقول بمرحٍ:
صباح الخير يا إنسان يا عادي أنتَ وهو، طبعًا الكلام دا مش للبشمهندس ياسين و لا للدكتور ياسر"
ضحكوا على طريقته، بينما هو اقترب من «ميمي» ثم قبل قمة رأسها و كفها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
صباح الخير على أحلى عيون في الدنيا كلها، مستنياني بنفسك؟"
ردت عليه هي بفخرٍ:
و لو مستنتش الدكتور عمار يعني، هستنى مين؟ و بعدين أنا مستنياك علشان تاخد مني هديتك"
التفت ينظر لهم بحنقٍ وهو يقول:
شايفين الناس؟ مش أنتو اللي محدش فيكم عبرني حتى؟"
رد عليه «عامر» بضجرٍ:
يا جاموسة بتتكلم ليه؟ اخرس يا أهطل، دا أنتَ هتوطي هتبوس رجل كل واحد فينا دلوقتي"
ضحكوا عليه جميعًا و على طريقته، بينما «عمار» نظر له بتعجبٍ ثم حرك رأسه لها من جديد، فوجدها تعطيه ساعة يد قديمة من ساعات زوجها المتوفي و كانت لها قيمةً كبرى، حرك رأسه باستنكارٍ واضح فوجدها تقول بنبرةٍ هادئة:
دي ساعة من ساعة جوزي، و دي تعتبر اقيمهم، كان موصيني أديهم لأحفادي، بس أنا معرفهمش و مش هيجوا أعز منك يا عمار أنتَ و أخواتك عندي، أنتَ اللي تستحقها، خليها معاك علطول علشان لو مشيت تفتكرني بيها"
رد عليها هو بنبرةٍ متأثرة:
دي حلوة أوي و جميلة و قيمة، دا شرف ليا أني أمسك حاجة قيمة زي دي، شكرًا يا ميمي"
ردت عليه هي بحبٍ:
بتشكرني ليه يا اهبل أنتَ؟ يلا بقى روح هات البُوك بتاعي علشان تاخد مصروفك، أنا وعداك من بدري"
اقترب منها يقبل رأسها من جديد، فوجدها تبكي تأثرًا من الموقف بأكمله، حينها احتضنها هو بقوة، فاقترب منهما «ياسين» يقول بمرحٍ:
يا لهوي على سنينا على الصبح؟يا ستي أنتِ غاوية نكد ليه"
اقترب «عامر» يقول ساخرًا:
هي كدا نازلها التحديث بالعياط، دي غالبًا مولودة في مزارع البصل"
ردت عليه هي بحنقٍ:
دا أنا هديك بالبصل على دماغك يا حيوان، قليل الادب"
رد عليها هو بضجرٍ:
و هو أنتِ لسه شوفتي قلة أدب؟ فين الفطار يا ميمي؟"
اقترب منهم البقية، فقال «وليد» بسخرية:
أنا عاوز أفهم، مين بيفطر بدري كدا في الدنيا؟ يا جدعان أنا باخد ٣ ساعات لحد ما استوعب أنا فين أصلًا"
رد عليه «ياسر» بنبرةٍ هادئة:
هو صحيًا إنك تنظم أكلك على ٣ وجبات و يُفضل الفطار يكون بدري يعني، أنا فضلت أحارب لحد ما عودتهم يفطروا بدري"
رد عليه «عامر» بسخريةٍ:
طب فين بقى الفطار؟ و لا هو كلام على الفاضي؟ علشان صحتنا حتى"
تدخل «خالد» يقول بضجرٍ:
طب خلصونا من الهبل دا علشان نشوف ورانا إيه، لسه ورانا شغل و بهدلة"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ هادئة:
طب مش عمار ياخد هديته الأول؟ و لا نأجلها لبعد الجامعة"
قبل أن يرد أيًا منهم، تدخل «عمار» يسأله بلهفةٍ:
هدية إيه دي يا ياسين؟ و فين يا عم، أنا قولت برضه محدش فيكم هينساني"
أشار «ياسين» لـ «خالد» فاومأ له موافقًا، ثم ابتعد عن مرمى بصرهم حتى يأتي بـ هدية «عمار»، حتى اقترب منهم من جديد وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
أمسك يا عمار، دي هديتك من أخواتك كلهم"
قال جملته وهو يمد يده له بالهاتف، أخذه «عمار» منه بذهولٍ غير مُصدقًا ما يحمله في يده، فاتسعتا عينيه بقوةٍ و فرغ فاهه، فقال «وليد» بسخريةٍ:
يعيني دا مصدوم؟ أومال لو جبتوله عربية بقى؟"
نظروا جميعهم لـ هيئة «عمار» الغريبة، فهزه «ياسين» بقوة وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
عمار !! فوق يالا، أنتَ معانا و لا مع مين أنتَ؟"
حرك «عمار» في عدة جهات وهو يقول بنبرةٍ تائهة:
هو.....هو البتاع دا ليا أنا؟ قولوا والله مش هتاخدوه مني تاني"
رد عليه «خالد» بضجرٍ:
هو إحنا معفنين قدامك؟ أيوة ليك أنتَ، و اطمن مش هناخده منك تاني"
ارتمى «عمار» بين ذراعيه يحتضنه بقوةٍ وهو يقول بمرحٍ:
و رب الكعبة انتو رجولة، و أنتَ حبيبي يا خالد، ربنا يخليك ليا"
ربت «خالد» على ظهره وهو يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بعاطفته:
و يخليك لينا، أنتَ فرحتنا و دا حقك علينا كلنا، كفاية إنك سمعت كلامنا"
أومأ له موافقًا ثم كرر الكرة مع الجميع وهو يحتضن كلًا منهم و يشكره، حتى وقف أمام «عامر» وهو يقول بنبرةٍ متأثرة حاول صبغها بالمرح:
أنتَ بقى عامل نفسك ناسي الهدية و تقولي مش واخد بالي و أنتَ في الأخر محضرلي مفاجأة؟ ماشي يا عامر"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
من ساعة ما قدمت في الكلية و الفلوس بتاعته مدفوعة و بصراحة كانت فكرة ياسر و ياسين، و روحنا دفعنا فلوسه علشان أول ما ينزل يبقى معاك"
احتضنه «عمار» وهو يقول بنبرةٍ متأثرة:
طول عمرك عارف إيه بيفرحني و تعمله، و طول عمرك أخويا في ضهري و مضلل عليا يا عامر"
وضع «عامر» كفه على رأسه وهو يقول بنبرةٍ متأثرة هو الأخر و بعاطفة أب:
قولتلك أنتَ ابني يا عمار، مش أخويا و دي تفرق، أنا أول واحد شيلتك على إيدي و من ساعتها و أنا أبوك، عاوزك بس تفضل رافع راسي و أفضل اتباهىٰ بيك قدام الناس"
ابتعد عنه «عمار» ثم قال بنبرةٍ مقررة:
وعد مني يا عامر، أخليك زي ما أنتَ فخور بيا"
أومأ له شقيقه موافقًا، فتركه و اقترب من «وليد» يحتضنه وهو يقول:
ربنا يعلم أنا عارفك من وقت قليل بس بقيت في غلاوتهم و الله، زيك زيهم عندي"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ هامسة:
أنا مجبتش معاهم الهدية علشان مكنتش أعرف، بس هديتك في الحفظ و الصون"
رد عليه هو بنفس الهمس:
و لو هي الهدية اللي في بالي، هبوس راسك دلوقتي"
ابتعد عنه «وليد» وهو يغمز له غمزة طفيفة جعلته يبتسم ببلاهة حينما تأكد أن هي مقصد الحديث.
_________________________
في الأسفل توقفوا جميعًا، فقال «ياسين» بنبرةٍ هادئة:
احنا هنتجمع في عربيتي و عربية خالد، أنا و وليد و عمار مع بعض، و انتو التلاتة مع بعض"
أومأ له الجميع بموافقة، ثم شرعوا في الركوب كما أخبرهم هو، و منها شقوا طريقهم نحو وجهتهم المعلومة وهي كلية الصيدلة جامعة *****، ذلك المكان الذي سيكون بداية الطريق في حياة «عمار»، بينما «وليد» تابع الطريق بأعين تحمل العديد من الاستفسارات، و مع توقف السيارة أمام الجامعة ازدرد لُعابه بخوفٍ ثم حرك رأسه يسأل بنبرةٍ مهتزة:
هو عمار في جامعة ****"؟"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ عادية:
آه، عمار جايب مجموع طب أصلًا، بس هو حاسس ميوله صيدلة و نفسه يبقى صيدلي"
رد عليه «عمار» بفخرٍ:
علشان بحب الكيميا بس مش أكتر، طب مش شبهي و مش زيي، لكن مجال الأدوية دا أنا بحبه"
أغمض عينيه بقلقٍ ثم قال بنبرةٍ ظن أنها هادئة لكنها خرجت جامدة:
طب أنا عاوزك في كلمتين يا عمار على جنب، بعد إذنك يا ياسين"
أومأ له «ياسين» موافقًا رغم تعجبه، بينما «عمار» تابع نزوله من السيارة بقلقٍ وهو يقول بنبرةٍ حائرة:
هو ماله يا ياسين؟ زعلان ليه"
رد عليه «ياسين» بتعجبٍ:
مش عارف و الله يا عمار، شوف كدا يمكن عاوزك في حاجة تبع المكان دا"
حرك رأسه موافقًا ثم نزل من السيارة خلف «وليد» ثم وقف مجاورًا له وهو يقول بنبرةٍ ممتزجة من القلق و التعجب معًا:
أيوا يا وليد ؟! خير علشان أعصابي باظت"
تنفس «وليد» بعمقٍ ثم قال بنفس النبرة الجامدة:
بص أنتَ جايز تخاف من طريقتي و أسلوبي بس أنا هقولك خلي بالك من المكان دا يا عمار، الجامعة دي لازم تصحصح لكل حاجة فيها، مش أي حد هنا تصاحبه و لا أي حد تثق فيه، اسمع مني أنا شوفت الذل بسبب المكان دا"
قطب جبينه يسأله باستغرابٍ تمكن من ملامحه و نبرته:
أنا مش فاهم يا وليد، و ليه مخوفني كدا، دي جامعة مش الحدود يعني"
تنفس بعمقٍ ثم قال بجمود:
ما هي علشان هي الزفت بقولك كدا، ركز يا عمار و فوق هنا لكل حاجة بتحصلك علشان مترجعش تندم زي حالاتي"
أومأ له بقلة حيلة ثم قال بعدما زفر بقوةٍ:
مع أني مش فاهم بس هحاول حاضر، تمام كدا؟ ربنا يسترها علشان أنتَ خوفتني أكتر"
تنهد «وليد» بقلة حيلة ثم سأله مقررًا:
قولي بس هتخلص محاضراتك إمتى؟ يعني أخر محاضرة هتخرج منها على الساعة كام"
رد عليه بهدوء حاول الاتصاف به:
هخلص الساعة ٥ إن شاء الله، خير يا وليد؟ فيه حاجة"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
لأ يلا علشان تدخل جامعتك، و علشان تسلم على أخواتك بالمرة؟"
أومأ له موافقًا ثم اقترب من الشباب الذين وقفوا يتابعون وقوفهما بتعجبٍ، فتحدث «عامر» يقول ساخرًا:
إيه يا جدعان انتو كنتوا بتتفقوا على المهر و لا إيه؟"
ضربه «خالد» على ظهره بقوة دون أن يراه أحدًا منهم، فسعل بشدة ثم قال بتلعثمٍ:
قصدي يعني إنكم لو بتتفقوا على مهر مش هتاخدوا الوقت دا، إيه طمنوني"
وضع «وليد» ذراعه على كتف «عمار» وهو يقول بمرحٍ:
كنت بفهمه يتعامل ازاي في الجامعة علشان بس ميتضحكش عليه"
اقترب منه «ياسين» يقول بنبرةٍ جادة:
بنات الجامعة لأ يا عمار، أيوا هتشوف أشكال غريبة و حاجات عجيبة، اركز و أعقل كدا، و ياريت تخرج من جروب الدفعة و ابقى ادخله ليلة الامتحان، دا علشان ضغطك مش أكتر"
تدخل «عامر» يقول بمرحٍ:
حريم لأ ....حريم لأ يا عمار"
رد عليهم هو بحنقٍ:
يمين بالله كلمة كمان على المخروبة دي لأروح أنام في بيتنا بكرامتي، جرى إيه يا عم أنتَ و هو"
ضحكوا على ردة فعله العنيفة ثم اقترب كلًا منهم يحتضنه بقوةٍ و هو يتمنى له يومًا دراسيًا موفقًا و قبل رحيلهم طلب «عامر» منهم التقاط الصور حتى يخلد تلك الذِكرىٰ و بعد التقاط الصور توجه كلًا منهم إلى وجهته بعدما تركهم «وليد» حتى يتوجه إلى عمله بعدما أخذ سيارة أجرة من أمام الجامعة.
_________________________
في شركة أحفاد «الرشيد» دخل «وليد» الشركة فوجد الشباب بأجمعهم، جلس هو بجانب «أحمد» وهو يقول بمرحٍ:
صباح الخير يا رجالة، أخباركم إيه و أخبار شغلكم إيه"
رد عليه «طارق» بحنقٍ:
ما هو شغلك أنتَ كمان، قولي خلصت الرسم اللي بعتهولك إمبارح؟"
أومأ له موافقًا ثم قال بنبرةٍ عادية:
آه خلصتهم و بعتهم لحسن إمبارح و حسن بيظبطهم و يبعتهملك"
تدخل «وئام» يقول بضجرٍ:
أنا بكره الناس اللي تحطني في ضغط الشغل دي، و الراجل دا فاكرنا بطاطس عمال يضغط علينا في وقت قليل أوي و عاوز شغله بسرعة و مجهود جبار و وقت قليل"
رد عليه «أحمد» بمرحٍ:
بس مننكرش إن الفلوس حلوة ؟! يعني هو هيدفع مبلغ محترم يا وئام قصاد الضغط دا، يعني حاجة قصاد حاجة"
رد عليه «حسن» بحكمة و رزانة:
لو على الفلوس سهل يا أحمد، أهم حاجة التقدير، كفاية إنه يقدر قيمتك و مجهودك دي اللي تفرق في العلاقات، وهو مقدرنا بس الواد اللي معاه دا مستفز"
سأله «وليد» بتعجبٍ:
واد !! واد مين دا؟ مش هو راجل كبير"
رد عليه «طارق» بنبرةٍ هادئة:
ابنه باين ولا مش عارف يقربله إيه؟ هو جاي على السُمعة إسمه سمير الغزولي"
رد عليه «وليد» بسخريةٍ:
يا عم إن شاء الله يكون سمير الاسكندراني بنفسه، ليه شغل عندنا ياخده و خلاص، المهم ركز أنتَ يا طارق على الدعاية الالكترونية خلينا نخلص شغله، علشان من كلامكم عنه حاسس كدا إننا هنلبس مع بعض"
تدخل «وئام» يقول مُقررًا:
علشان كدا أجمعنا إنك متتقابلش معاه علشان مش عاوزين قلة أدب، لو كنت سمعت الكلام اللي قاله لطارق و حسن، كان زمانه بيدور على كرامته منك"
سأله «وليد» بتعجبٍ:
ليه هو عك ولا إيه؟ قالكم إيه أستاذ كرومبو دا؟"
رد عليه «طارق» بنبرةٍ ضاحكة:
الأستاذ بيقولي أنا إن شركتكم صغيرة في السوق و عارف كمان إنكم في مجال الدعاية و الإعلان مش بقالكم كتير، بس عملتوا إسم و بقى ليكم عملاء مش عارف إزاي، و أنا هسلمكم جزء من ثقتي علشان نتعامل سوا، اتمنى تكونوا قد الثقة دي"
تحدث «طارق» وهو يقوم بتقليد طريقة الرجل، فضحك عليه الشباب بقوة بينما «وليد» قال بتهكمٍ:
يمين بالله دا حظه الحلو أني مقبلتهوش، كنت هرميله كلمة تزعله و تخليه يتقهر"
رد عليه «حسن» بسخريةٍ:
هو أنتَ يالا عمرك ما عيطت في الحمام بسبب كلمة ضايقتك؟ مجربتش الإحساس دا؟"
رد عليه «وليد» بقوة و ثبات:
لأ يا حبيبي مش أنا، أنا عندي استعداد أخليه يقفل على نفسه في الحمام يعيط و يدور على الباقي من كرامته دا لو ليها"
تحدث «أحمد» يقول ساخرًا:
أنا ليه حاسس إنه معاه حق، يعني بجد والله يا حماعة شركة دعاية مفيش فيها غير ٥ أشخاص منهم ٣ مديرين و ٢ موظفين، واحد منهم أنا أصلًا"
كان يسخر منهم و من نفسه وهو يتحدث، فرد عليه «وئام» مردفًا بقوة:
خمسة بصحيح، بس الواحد فيهم يتفك بـ خمسة من برة حتى أنتَ يا أحمد، شربت الشغل و تفاصيله"
أيده «طارق» من خلال قوله:
وئام بيتكلم صح، و بعدين أنا قولت مش هدخل حد غريب وسطنا، إحنا هنا خايفين على مصلحة بعض"
رد عليه «حسن» بحزنٍ زائف:
كدا يا طارق !! بتقولها في وشي مش عاوز غريب وسطكم؟ أنا قايم أروح بيتي يا عم"
قال جملته ثم اعتدل واقفًا و قبل أن يخطو خطوةً واحدة اوقفه «طارق» يقول بنبرةٍ جامدة:
أقف عندك يا حسن و بطل شغل اليهود دا، هتخلع من الشغل يا واطي، اقعد افتح اللاب توب و خلص الحاجة اللي بعتهالك"
زفر «حسن» بقوةٍ ثم قال بحنقٍ:
مش أنتَ قولت مش عاوز حد غريب؟ أنا غريب عنك يا سيدي، اطردني يا عم و سبني أروح"
رد عليه «وئام» بضجرٍ:
غريب مين بس ؟! دا أنتَ شريكنا بالدم و المجهود، يا بني أحنا مع بعض من المدرسة"
تنهد هو بقلة حيلة ثم جلس من جديد وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
يلا قلبي طيب أوي مش هقدر أزعلكم، انتو اخواتي برضه"
تدخل «وليد» يقول بخبثٍ:
و نساييك، ها نساييك حط تحتها ١٠٠ خط دي يا حسن"
ابتسم «حسن» بـ هيام سيطر حتى على نبرته أثناء قوله:
و دي أحسن حاجة حصلت"
وجهوا جميعهم بصرهم نحوه، فحمحم هو بقوة ثم قال:
يلا نرجع لشغلنا بقى و نبطل هبل علشان كدا مينفعش"
أومأ له الجميع بموافقة ثم شرعوا في بداية عملهم.
_________________________
في شقة «مشيرة» جلست في شُرفتها تبكي بقوة حينما تذكرت حديث «وليد» لها، هي الآن تقف تائهة لا تدري ماذا تفعل، هل تُقدم على تلك الخطوة و تخضع للعلاج النفسي، أم تظل كما هي تجاهد نفسها؟ ظلت في حالة التخبط تلك حتى اقترب منها زوجها منها يقول بهدوء:
أنا نازل يا مشيرة عاوزة حاجة؟"
طالعته هي بعينيها الدامعتين وهي تحرك رأسها نفيًا، فزفر هو بقوةٍ ثم جلس أمامها وهو يقول:
مالك بس يا مشيرة؟ هتفضلي كدا من ساعة كلام وليد عنك"
ردت عليه هي ببكاء مرير:
أنا حاسة إن الدنيا كلها رفضاني و مفيش مكان قابلني، حتى نفسي كرهتها أكثر من قبل كدا"
رد عليها هو بهدوء:
بس أنا معاه في كلامه يا مشيرة، وليد بيتكلم بالحق، اللي حصل منك كان كتير أوي في حقهم، و خلينا نتكلم بالجد، شوفي مع أول موقف حصل اتعصبتي فيه عملتي في راشد إيه؟ أنتِ في ثواني فيه مشيرة تانية سيطرت عليكي"
مسحت دموعها وهي تقول بنبرةٍ باكية ترد عليه:
بس دا علشان اللي حصل فيهم، علشان اللي كان هيعملوه في وليد"
رد عليها هو مردفًا:
طب و أي حاجة تعصبك بعد كدا هتبقى بمبرر؟ مش صح يا مشيرة، أنا من رأيي تروحي للدكتورة دي و أكيد هي هتساعدك"
تنهدت هي بعمقٍ تنهيدة حائرة لا تدري ماذا تفعل، فوجدته يقول مشجعًا لها:
روحي و أنا كمان هاجي معاكي، و مش هسيبك تاخدي الخطوة دي لوحدك، اللي جاي كله هساعدك فيه"
حركت رأسها موافقةً دون أن تُعقب على حديثه، بينما هو ابتسم لها و كأنه يحثها على ذلك القرار.
_________________________
في شقة «رياض» جلست «خديجة» حائرة لا تدري ماذا تفعل بمفردها، حتى أتى لها إتصالًا من «زهرة» تقول بلهفةٍ:
الحقيني يا خديجة، أنا في كارثة، سواد جاي على دماغي"
سألتها «خديجة» بخوفٍ:
فيه إيه بس يا ماما، حصل إيه"
ردت عليها بنبرةٍ شبه باكية:
بنت عمة رياض هتيجي عندنا النهاردة لما عرفت إنكم عندنا، و دي صعب أوي و بتكرهني ، أعمل إيه لو جت"
ردت عليها «خديجة» بهدوء تحاول ان تبثه لها عبر الهاتف:
طب إهدي طيب و بالراحة، هي هتيجي إمتى؟ إحنا لسه الصبح"
ردت عليها بعدما زفرت بقوة:
هي هتيجي بعد المغرب، و أنا هرجع العصر و رياض و ياسين بعدي"
ردت عليها بنبرةٍ قوية حتى تُطمئنها:
و أنا هنا متخافيش، و لما تيجي هتشوفي بنفسك، قوليلي بس لو احتجت حاجة أجبها منين؟"
ردت عليها «زهرة» بخجلٍ:
البيت عندك فيه كل حاجة أنا عرفتك مكانها، بس أنا مش عاوزاكي تعملي لوحدك هتتعبي"
ردت عليها ببساطة:
عادي متخافيش، أنا عملتها قبل كدا لوحدي كتير مش أول مرة يعني، شوفي شغل حضرتك و اطمني"
أغلقت الهاتف معها بعدما طمئنتها «خديجة» بالحديث ثم توجهت نحو المطبخ حتى تقوم ببداية الاستقبال الذي ستتولاه هي، و حينما أخذها تفكيرها إلى تلك النقطة اتسعتا حدقتيها بقوةٍ ثم قالت بخوفٍ:
أنا المسئولة عن العزومة !! يا غبائك يا خديجة، أعمل إيه بس"
حينما تمكن منها الخوف و القلق و شعرت برجفة بسيطة تسير في جسدها، حينها أخرجت هاتفها تطلب رقمه وهي تشعر في تلك اللحظة أن «خديجة» القديمة عادت بقوة و ظلت هكذا حتى وصلها رده بعد عدة مرات، فقالت هي بلهفةٍ:
إيه يا ياسين مش بترد عليا ليه؟ هي ناقصة يعني توتر؟"
رد عليها هو بحيرةٍ:
و الله العظيم كنت في اجتماع مع ٥ مهندسين و مش عارف أرد، بس أنتِ مالك خايفة كدا ليه، مال صوتك؟"
ردت عليه هي بنفس اللهفة:
لأ أنا مرعوبة، بنت عمة باباك دي هتيجي المغرب النهاردة، و أنا قولت لطنط متقلقش و متشيلش هم، و في نفس الوقت مرعوبة و خايفة، أعمل إيه يا ياسين؟"
رد عليها هو بضجرٍ:
نعم !! عمتي بدور هتيجي تعمل إيه عندنا؟ هي ناقصاها يعني؟ الواحد بقاله كتير محترم"
ردت عليه هي بخوفٍ:
هو أنا بتصل بيك علشان تخوفني أكتر؟ أنتَ أهبل يا ياسين؟"
زفر هو بقوةٍ ثم قال:
متعمليش حاجة أنتِ يا خديجة، أنا هتصرف، و ليا كلام تاني مع بابا علشان هو عارف اللي فيها"
سألته هي بترقبٍ:
وهو إيه اللي فيها يعني؟ ياسين أعمل إيه بجد، طنط اعتمدت عليا بس أنا حاسة أني متوترة و مش فاهمة حاجة، حتى الاكل قصادي حساه غريب عليا"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
طب بالراحة كدا قدامك إيه يا خديجة؟"
ردت عليه هي بتوترٍ:
قدامي طبقين لحمة و فرختين كبار بس متقطعين، دول أنا طلعتهم من الفريزر أعمل إيه قولي"
تنفس هو بعمقٍ ثم قال بهدوء:
ركزي معايا يا ستي، حطي حلة شوربة على النار أكيد طبعًا بتعرفي، و دي خليها للحمة علشان هما بيحبوها كدا مسلوقة بالشوربة بتاعتها"
ردت عليه هي بحماسٍ:
طب تمام، و إيه تاني؟ الفراخ أعملها إزاي؟"
رد عليها هو بهدوء:
الفراخ تغسليها كويس بالدقيق زي ما أنتِ بتعملي علطول كأنك بتطبخي في شقتنا، و بعدها تقطعي عليها فلفل أخضر و بصل و طماطم و تحطي التوابل زي ما بتعملي و تسيبيها في التلاجة كام ساعة كدا و قبل المغرب بساعة و نص تطلعيها و ترصيها في الفرن"
تنهدت هي بعمقٍ و هي تقول:
صح !! أنتَ صح و الله كدا هتبقى أحسن"
رد عليها هو مؤكدًا:
و أسهل ليكي كمان، نيجي بقى للأكل الأساسي أعملي رز بسمتي بالكاري و الكركم و سلطة و أنا لما أجي هظبطه بطريقتي، أعملي بس الرز و ملكيش دعوة، و أنا هحاول أجيلك بدري"
ردت عليه هي بامتنانٍ:
مش عارفة أقولك إيه بجد، شكرًا على موقفك أنتَ انقذتني يا ياسين، حد غيرك كان زعقلي"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
حد غيري متخلف و ميعرفش الأدب يا خديجة، روحي بس و أنا هسيب التليفون جنبي لو احتاجتي حاجة مني قوليلي، و بعدين أنا واثق فيكي و في مجهودك، و عارف إنك شاطرة و علطول رافعة راسي"
أغلقت الهاتف معه وهي تشعر بثقة غريبة بعدما ردت على حديثه ثم شرعت في طهي الطعام كما طلب هو، بينما «ياسين» زفر بقوةٍ وهو يقول:
يا رب متجبش ابنها و لا بنتها علشان متبقاش ليلة سودا على دماغ الكل، كفاية أمي"
________________________
اندمجت «خديجة» في الطعام حتى نسيْت خوفها و توترها من القادم حتى وصلت لمنتصف اليوم و تفاجأت به يدلف الشقة حتى وصل للمطبخ فوجدها تجلس به و أمامها قطع الدجاج الغير مطهية، اقترب منها يقول بهدوء:
ها محتاجة حاجة مني؟ و لا عارفة تسدي؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ مندهشة:
أنتَ إيه اللي جابك دلوقتي؟ و إيه اللي معاك دا، سبت شغلك ليه"
رد عليها هو ببساطة:
علشانك أنتِ، أنا جيت علشان عارف إنك لوحدك، ماما عندها اجتماع في إدارة المدرسة و هيخلص الساعة ٤ أنا خلصت اللي ورايا و جيت علشانك"
ابتسمت له هي بحبٍ بالغ فوجدته يقول وهو يشير برأسه نحو ما يحمله:
أنا جبت حلويات و جاتوه أهو علشان متتعبيش نفسك و تعملي، و جبت كبدة علشان أعملها على الرز"
سألته بتعجبٍ:
كبدة على الرز !! إزاي دي؟"
رد عليها هو مردفًا:
بدور بتحب الرز دا بالكبدة و علشان متزعلكيش بكلمة واحدة أنا هعمل كل حاجة هي بتحبها"
سألته هي بخوفٍ:
ياسين متخوفنيش أكتر، هو أنا عملت إيه؟ ليه محسسني إننا داخلين حرب"
ترك هو ما بيده ثم أمسك كتفيها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
عمتي بدور دي أخت أبويا في الرضاعة و أمها بقى كانت عاوزة تجوزه أخت جوزها بس هو رفض علشان بيحب أمي و من ساعتها وهي بتكره أمي ، وفي نفس الوقت ملهاش حد غيرنا و عيالها علشان أهلها في الصعيد، و عندها بنتين الكبيرة متجوزة و كانت والدة ساعة فرحنا، و التانية كانت هتبقى خطيبتي، بس الحمد لله محصلش نصيب"
طالعته هي بدهشةٍ فوجدته يحرك رأسه موافقًا وهو يقول:
أنا مش هكدب عليكي فضلت تلعب في دماغ ابويا علشان اتجوز بنتها، بس أمي رفضت و قالت مستحيل تناسبها"
ابتسمت له هي بهدوء ثم قالت بنبرةٍ حاولت صبغها بالثبات رغم نيرانها المُشتعلة:
مفيش مشاكل يا حبيبي، روح بقى شوف كنت رايح فين علشان النار متضربش في وشك"
ابتسم هو لها ثم احتضنها وهو يقول بمرحٍ:
دا أنتِ اللي في القلب برضه يا خديجة، مفيش غيرك يا ست الكل، يا أم عيون قتالة أنتِ"
ابتسمت رغمًا عنها فوجدته يقبل رأسها ثم قال:
أنا هروح أغير هدومي و أجيلك تاني نكمل اللي بتعمليه سوا، أنا معاكي متخافيش و عاوزك تسدي كدا، و أنا مأمنك كمان"
أومأت له موافقةً فقال لها بمرحٍ:
روحي بقى حطي الفراخ في الفرن، قبل ما بدور تيجي تحطنا احنا الاتنين فيه"
طالعته بخوفٍ فوجدته يضحك بقوة على خوفها ثم تركها و غادر المطبخ.
_________________________
قبل انتهاء محاضرات «عمار» توقف «وليد» بسيارته أمام الجامعة و لا يدري لماذا توقف هنا في ذلك الوقت، حتى أنه لا يدري سبب قدومه من الأساس، لكنه فسر ذلك أن اليوم هو أول أيام الدراسة و بالطبع لن يستطع العودة بمفرده، و لكن السبب الأخر كان غير ذلك وهو أنه رآى نفسه من جديد في «عمار»، نزل من سيارته ثم اقترب من الأمن حتى يدخل بسيارته فأوقفته الفتاة وهي تسأله بنبرةٍ جامدة:
رايح فين يا أفندي و طايح كدا؟! هي وكالة من غير بواب"
أشار عليها برأسه وهو يقول ساخرًا:
ما البواب بيكلمني أهوه و لا أنتِ أدرى بقى بشغلك"
ردت عليه هي بوقاحةٍ:
دا أنتَ يومك مش فايت، اتكلم عِدل يا جدع أنتَ؟ عاوز إيه"
تنفس هو بعمقٍ و هو يحاول التحلي بالصبر حتى لا يفعل ما لا يحمد عقباه، ففي النهاية هذه فتاة، لذلك رد عليها مُردفًا بعدما أخرج بطاقته الشخصية:
معاكي وليد الرشيد، مهندس كمبيوتر و متخرج من الجامعة دي و أخويا جوة و داخله علشان اقابل الدكتور زميلي"
ردت عليه هي بتهكمٍ:
وهو أخوك بسلامته قاعد لحد دلوقتي جوة ليه؟ الدنيا قربت تليل"
رد عليها هو بوقاحته المعتادة:
كتب الكتاب العميد و داخلين نحيي ليلته عقبال ما نحيي ليلتك إن شاء الله"
شهقت بقوة ثم تبعت شهقتها بقولها الحانق:
أنتَ بتتريق عليا يا جدع أنتَ ؟! يمين بالله هبيتك في الحجز النهاردة و اقولهم حاول يتعدى عليا و يخطف انثى"
_"و هي فين الأنثى اللي حاولت أعمل معاها كل دا؟ مش شايفها يعني"
رد عليها هو بذلك بثباتٍ يُحسد عليه في تلك المواقف، فطالعته هي بخيبة أمل وهي تقول بحنقٍ:
رجالة معندهاش نظر بصحيح، هو يعني علشان أنتَ حلو و ابن ناس تشوف نفسك عليا؟"
طالعها هو بتعجبٍ فوجدها تقول بنبرةٍ متعجلة:
خلاص خلاص يا أستاذ اتفضل، منهم لله بتوع المسلسلات و الروايات، متعملش شكوى جوة بس مش ناقصة هي"
ضحك هو بيأسٍ عليها ثم سألها بنبرةٍ ضاحكة:
طب أدخل طيب و لا إيه؟"
صرخت في وجهه وهي تقول منفعلة:
يوه !! ما قولتلك خلاص ادخل إيه الغباء دا، يلا يا أستاذ خلصنا"
رد عليها هو بغموضٍ:
يمين بالله لو ما كنتي بنت لـ كنت طلعت عليكي جنان وليد الرشيد، بس حظك"
قال جملته ثم طالعها بوجهٍ ممتعض وهو يتوجه نحو الداخل بينما هي نظرت في أثره وهي تقول بحالمية:
روح يخربيت حلاوتك، بس الحلو ميكملش لابس دبلة، يلا نشوف العميد نفسه و خلاص"
دلف «وليد» بسيارته للداخل ثم أوقفها بجانب كلية الصيدلة، ثم نزل منها يقف مجاورًا لها و حينما لاحظ الانظار الموجهة نحوه ابتسم بخفة ثم تذكر أثناء دراسته حينما كانت الفتيات تطالع المعيد بتلك النظرة، نظر في ساعته فوجدها تشير إلى الخامسة تنهد بعمقٍ ثم حرك رأسه للأمام ينتظر خروج «عمار» بعدما استعلم من أحد الشباب عن مكان تواجد الفرقة الأولىٰ، انتظر دقائق حتى وجده يخرج من أمامه بمفرده، حينها اقترب منه وهو يقول بنبرةٍ عالية:
عــمــار !! أنا هنا أهوه"
قطب «عمار» جبينه حينما رآهُ تزامنًا مع حركة قدمه حتى يقترب منه، فوجده يقول بمرحٍ:
قولي أخبار أول يوم جامعة إيه؟ مبسوط هنا؟"
رد عليه «عمار» بتعجبٍ:
قولي أنتَ بتعمل إيه هنا؟"
رد عليه مُردفًا بثباتٍ:
كل الحكاية بس أني جيت أخدك علشان متروحش لوحدك، و علشان متحسش إنك لوحدك"
سأله بنبرةٍ قوية:
بص يا وليد، أنا شكلي طيب و ممكن أبان مبفهمش حاجة، بس من الصبح و أنتَ ملغبطني، عاوز تقنعني إنك جاي دا كله علشاني؟ متزعلش مني بس أخواتي اللي مربييني مفكروش كدا، إيه الحكاية"
زفر «وليد» بقوةٍ ثم قال:
طب اركب العربية معايا و أنا هفهمك كل حاجة، اركب يلا"
أومأ له «عمار» بقلة حيلة ثم ركب بجانبه، و من بعدها قاد «وليد» السيارة ثم توجه به نحو أحد الكافيهات العامة القريبة من موقع الجامعة، و بعد جلوسهما سويًا تحدث «عمار» يسأله بقلقٍ:
ياريت بقى تفهمني في إيه علشان أنا خايف، مش معقول يا وليد كلامك دا"
رد عليه هو بعدما تنفس بعمقٍ:
أنا كنت في الجامعة دي كلية حاسبات ومعلومات، و كنت مبسوط فيها أوي يا عمار، بس اللي حصل بعد كدا خلاني مش مبسوط و قلب حياتي على دماغ أهلي"
سأله بترقبٍ:
هو إيه اللي ممكن يحصلك في الجامعة يا وليد يقلب حياتك؟ حبيت حد فيها مثلًا"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بنبرةٍ جامدة وهو يجاهد للتحدث:
كنت مصاحب شِلة فيها، و للأسف خلوني مدمن يا عمار، و قبل ما تسأل أنا مكنتش أعرف حاجة زي دي، لأنهم كانوا بيحطوه في العصير لحد ما بقيت مدمن و بقيت مصلحة ليهم، بس لما عرفت روحت قولت لأخواتي و لحقوني و اتعالجت في مصحة"
نظر له «عمار» بذهول فوجده يتابع من جديد بنفس النبرة:
ساعتها أنا الدنيا كانت بتلف بيا، خوف و تعب و إحساس أني هموت بحاجة زي دي كان مسيطر عليا، لو رجعنا لنقطة الأصل هنلاقي إن السبب هو أنا"
سأله «عمار» بترقبٍ:
هو أنتَ إزاي يا وليد؟ و أنتَ مالك، مش أنتَ بتقول إنك ملكش دعوة"
أومأ له موافقًا ثم قال:
السبب إني كنت عاوز أي صحاب معايا، كان عندي مشاعر جعانة للصحوبية و الشلة و حظي أني اتعرفت عليهم، لو دخلت السوبر ماركت و أنتَ جعان يا عمار أول حاجة هتقابلك في سكتك هتاخدها من غير ما تعرف هي مفيدة و لا لأ، نفس الفكرة المشاعر كدا، لو خدتها في وقت احتياجك بعد كدا هتتقلب بنتيجة عكسية عليك أنتَ، أنا معرفش بقولك ليه؟ بس أنا شايف وليد فيك، وليد اللي ملقاش حد ينصحه و اتدعس في الدنيا دي"
ابتسم له «عمار» وهو يقول بنبرةٍ ممتنة لحديثه:
و أنا بشكرك على كلامك و موقفك و ثقتك فيا إنك تحكيلي حاجة مهمة زي دي عن حياتك، أتمنى أكون عند حسن ظنك"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ جامدة:
صدقني الحل الوحيد إنك تطلع قد الثقة دي، علشان أنا معنديش اختيار تالت غير أني أروقك، و أحرمك من اللي أنتَ عاوزه"
ابتسم له «عمار» بسمةٍ متسعة وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
و أنا مش خاين للثقة و لا للأمانة، و هفضل فرحان أني كسبت صاحب زيك"
_________________________
في شقة «رياض» قام «ياسين» و «خديجة» معًا بتجهيز الطعام حتى أتت والدته وهي تقول بنبرةٍ معتذرة:
أنا أسفة بجد بس اللي حصل كان أكبر مني، و رياض مش عاوز يجي علشان عارف إنها هتبقى خناقة للصبح، حقك عليا يا خديجة"
ردت عليها «خديجة» ببساطة و طريقةً مهذبة:
متقوليش كدا لا حق ولا حاجة، أنا معملتش حاجة و ياسين كانـ..."
قطعت حديثها حينما تدخل هو يقول بنبرةٍ مرحة:
ياسين كان كل شوية يكلمها يطمن عليها لحد ما جيت قبلك يدوبك غيرت هدومي و لقتيتها بنت اللذين عملت كل حاجة، طلعت شاطرة أوي"
ابتسمت لها والدته وهي تقول بفخرٍ:
هي سبحان الله جميلة من كله، أدب و ذوق و أخلاق و جمال و رقة، دا أنا هقعد اقهر بدور بيكي، يمين بالله يا أنا يا هي كليوباترا الصعيد دي"
ضحكا عليه الأثنين، فقالت هي بنبرةٍ متوعدة:
أنا هدخل أغير هدومي علشان افوق ليها، و هرجعلكم تاني"
انسحبت من المطبخ، فاقتربت منه «خديجة» تقول بنبرةٍ خافتة :
أنا كنت هقولها إنك ساعدتني ليه قطعت كلامي؟ كدا هبقى كدابة"
رد عليها هو مردفًا:
لأ دا حقك، أنتِ مش كدابة، أنا بس ساعدتك و خلاص و هي عارفة إنك أنتِ المسئولة، معنى إنك تقوليلها ياسين ساعدني يبقى كدا أنتِ بتقللي من دورك، و أنا عاوزهم يفضلوا فخورين بيكي علشان كل كلمة تتقال عنك تبقى صح"
ابتسمت هي بفخرٍ من طريقة تفكيره فوجدته يغمز لها حينها اتسعت بسمتها وهي تتذكر مشاكسته لها قبل قليل، و في تلك اللحظة دلفت والدته وهي تقول بنبرةٍ حانقة:
ست كليوباترا جت، أبوك طالع بيها هي و عيالها الاتنين"
سألها «ياسين» بحنقٍ:
هو ابنها جه معاها ؟! الله !!"
ردت عليه والدته بقلة حيلة:
جه هو و أمه و أخته، قولي لو حطيت رياض مكان الأكل هتزعلوا في حاجة؟"
رد عليها هو بنبرةٍ غامضة:
بقولك إيه أنا بقالي كتير مقلتش أدبي، و الجانب السيء اللي فيا قرب يحمض، تحبي أطلعه؟"
ردت عليه والدته بفخرٍ:
عاوزاك توريهم تربية الشوارع اللي جواك، كل كلمة هنا هتلف في الصعيد هناك"
طالعتهما «خديجة» بخوفٍ من طريقة حديثها، بل من الحديث نفسه، و بعد مرور ثوانٍ كان الثلاثة أمام البيت يرحبون بالضيوف، دلفت أولًا فتاةٍ تقربها في السن ترمقها بنظراتٍ ساخطة لم تعرف «خديجة» سببها، بينما «ياسين» ابتسم باستفزازٍ لها وهو يقول:
مبسلمش على ستات"
سحبت كفها بتوترٍ بعدما مدت يدها له، بعدها دلف توأمها وهو يمد يده لـ «ياسين» بالسلام و لكنه قال بنبرةٍ ساخرة:
لا مؤاخذة مبسلمش على ستات،... آه معلش أنتَ مهند افتكرتك أختك أصلكم شبه بعض"
قال حديثه بتهكمٍ حينما لاحظ نظره الموجه نحو «خديجة» التي حاولت كتم ضحكتها حتى نجحت أخيرًا في ذلك، بينما الشاب مد يده لها، فتفاجأ بـ «ياسين» يمسك كفه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
ما هي ستات مبتسلمش على رجالة يا مهند، إلا إذا كان فيه شك في النوع بقى"
كان يرمي بحديثه عليه، حتى ابتعد عنه ثم توجه نحو «زهرة» يُرحب بها، فردت عليه تحيته بوجهٍ مقتضب، و بعد لحظة انتظار على الجميع حتى توقفت تلك السيدة على أعتاب الشقة و من كثرة هيبتها شعرت «خديجة» بالخوف و دون أن تعي لنفسها، وجدت نفسها تتمسك في ذراعه بقوةٍ فرفع كفه يربت على يدها وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
أنا معاكي هي شكلها يخوف، بس متظهريش خوفك منها"
سألته هي بتعجبٍ:
هو مش الكلام دا بيتقال على الكلاب؟ أنا كدا خوفت أكتر بقى"
أبان حديثهما كانت والدته ترحب بها، حتى ابتعدت عنها فتحدثت تلك السيدة تقول بنبرةٍ جامدة:
إيه يا ياسين؟! مش هتيجي تسلم على عمتك بدور؟ خلاص علشان اتجوزت هتشوف نفسك علينا؟"
اقترب منها يقول بطريقةٍ مهذبة:
لأ طبعًا إزاي؟ حضرتك مقامك كبير و كلنا نيجي لحد عندك"
قال جملته ثم مد يده لها بالتحية فعانقت هي كفه بهدوء وهي تبتسم له باقتضابٍ و لكن عينيها كانت تتابع تلك الواقفة خلفه، فتحدثت تقول بسخريةٍ:
دا جوزك و جالي، أنتِ مستنياني أجيلك ولا إيه يا عروسة؟"
رفعت «خديجة» رأسها وهي تزدرد لُعابها بخوفٍ ثم اقتربت منها بخطة متمهلة وهي تمد يدها بالسلام وهي تقول بتوترٍ:
ازي حضرتك يا طنط، عاملة إيه"
ردت عليها السيدة بنبرةٍ جامدة:
اسمها يا عمتي، حضرتك عاملة إيه يا عمتي؟ أنا مش خواجاية قدامك"
ابتسمت ابنتها بشماتة بينما «ياسين» رد عليها بنفس النبرة الجامدة:
و هي متعرفش حضرتك أصلًا علشان تقول يا عمتو، و طنط دي يعني عمتو بالانجليزي، أظن الكلمة مش غريبة عليكي"
حركت «خديجة» رأسها نحوه بتعجبٍ من طريقة حديثه فوجدته ينظر للمرأة بتحدي و هي تبادله نفس النظرة، فتدخل «رياض» يقول بتوترٍ من سهام زوجته الموجهة نحوه:
طب ندخل نقعد بدل وقفتنا دي؟ يلا يا زهرة يلا يا خديجة رحبوا بالضيوف"
أومأت له زوجته بتوعدٍ ثم امسكت كف زوجة ابنها تسحبها خلفها نحو الداخل، بينما «رياض» اصطحب «بدور» نحو الداخل و معها أبنائها، و بعد جلوسهم على الصالون تحدث «رياض» يقول مُرحبًا:
منورة يا بدور، طولتي الغيبة المرة دي يا ستي"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
ما أنتَ مبتسألش على أختك، لو كنت بتسأل كنت عرفت، بس هنقول إيه، من ساعة ما عزمتني على فرح البيه و قولتلك أني عند مها علشان ولدت و أنتَ معبرتنيش، حتى هو مأجلش الفرح علشان خاطري"
رد عليها «ياسين» بطريقةٍ مهذبة:
دا حجز قاعة حضرتك و فلوس مدفوعة و عروسة عاوزة تفرح، أكيد مينفعش آجل حاجة"
ردت عليه هي بصوتها القوي:
بس الفرح كان ناقصنا و أكيد فرحتك كانت ناقصة كمان"
رد عليها هو بنبرةٍ متريثة:
مركزتش و الله، فرحتي بمراتي نستني كل حاجة في الدنيا"
طالعته ابنتها بضجرٍ وهي تهز قدميها بقوةٍ حتى انها لم تسيطر على نفسها وهي تقول:
هو أنتَ متجوزها عن حب؟ ولا صالونات برضه؟"
قبل أن يرد هو اقتربت «زهرة» و خلفها «خديجة» و كلًا منهما تحمل صينية التقديم في يدها و رافق اقترابهما حديث والدته وهي تقول بفخرٍ:
دا دي اللي قلبه شاور عليها من بين كل بنات الدنيا، من أول مرة شافها و هو صم عليها دي يعني هي دي"
ردت عليها «بدور» بجمود:
مش مهم الشكل، المهم الأخلاق و الأدب، هو دا اللي يميز البنت، و احنا بناتنا مفيش منهم لا من جوة و لا من برة"
تدخل «رياض» يقول بفخرٍ:
يبقى أنتِ لسه مشوفتيش خديجة بقى يا بدور، علشان أنا من ساعة ما شوفتها و أنا مستغرب إزاي دي ينفع تتقارن بحد أصلًا"
اتسعت بسمة «ياسين» بفخرٍ هو الأخر، بينما والدته جلست بجانب زوجها ثم أجلست «خديجة» بجانب «ياسين» فتحدث «مهند» يسألها بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مبتسم:
و أنتِ يا خديجة بقى عرفتي ياسين إزاي؟"
قبل أن ترد عليه تدخل هو يقول بنبرةٍ جامدة:
إسمها مدام خديجة، و لو عاوز تسأل عن حاجة اسألني أنا أحسن، علشان هي مبتتكلمش مع حد غريب عنها"
حمحم «مهند» بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ متريثة:
أنا قولت بما إنها بقت بنت خالي رياض يببقى أكيد زي أختي، و أنتَ أخويا برضه و لا إيه"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ جامدة:
أنا و أنتَ أخوات ماشي، لكن هي عندها أخواتها كتير الحمد لله، مش واقفة عليك تبقى أخوها"
تدخل «رياض» يقول مغيرًا لمجرى الحديث و للتوتر السائد:
طب اشربوا العصير يا جماعة، ولا نقوم نحضر الغدا؟ أنا بقول نحضر الغدا أفضل.
_________________________
في شقة «حسن» وصلها هو بهدوء فوجدها على الأريكةِ تتابع التلفاز، دخل هو ثم جلس بجانبها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
أخبارك إيه يا هدير؟ إن شاء الله تكوني بخير"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
الحمد لله، تمام جدًا، أنتَ إيه أخبارك؟ خلصت الشغل اللي قولتلي عليه صعب؟"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ مُنهكة:
خلصناه و خلصت روحنا، بس تمام يعني فاضل حاجات بسيطة و بعدها نخلص خالص منه"
أومأت له موافقةً فوجدته يلقي برأسه على فخذها كعادته فمدت كفها في خصلاته تدلك فروة رأسه وهي تتذكر حديثه لها صباحًا، هي تعلم أنه يخشى الفراق و الحب و التعلق، لذلك لن تضغط عليه حتى يعترف لها بحبه كاملًا، شردت هي في تفكيرها به فوصله صوته وهو يقول:
روحتي فين يا هدير؟! بكلمك يا ستي"
ردت عليه هي بنبرةٍ تائهة بعدما خرجت من شرودها:
مروحتش يا سيدي أنا هنا أهوه، سرحت شوية بس"
اعتدل في جلسته حتى يصبح مقابلًا لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
أكيد سرحانة في اللي أنا قولته الصبح، صح؟"
حركت رأسها موافقة ثم أضافت مؤكدة:
هبقى كدابة لو قولت لأ يا حسن، أنا بفكر في كدا فعلًا، ليه محسسني أني التوحيد و النور و أنتَ بتقسط يا حسن؟"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ مختلطة المشاعر:
أنا خوفي بقى بيحركني، كل ما افتكر اللي حبيتهم و سابوني اتقهر، تلقائيًا عقلي بيبعت انذارات تخوف قلبي من إنه يتعلق بحد، بس أنا علشان صريح حسيت بخوف غريب ناحيتك، أنتِ الوحيدة اللي التعلق بيها بيزيد، في نفس الوقت خايف أكون بفسر مشاعري غلط، و يبقى مجرد تعود على وجودك، هدير أنا عاوزك معايا بس لحد ما أتأكد من خوفي دا؟ ممكن؟"
ابتسمت له هي تقول بنبرةٍ خافتة:
ممكن يا حسن، و أنا معاك لحد ما تيجي بنفسك و تقولي حاسس بإيه، قولتلك قبل كدا مش هسيبك"
أومأ لها موافقًا ثم احتضنها فجأةً، فسألته هي بحنق:
دا إسمه إيه بقى إن شاء الله؟"
رد عليها هو بخبثٍ:
أنتِ مش قولتي معاك لحد ما تتأكد؟ أنا بتأكد أهوه يا هدير"
ابتسمت بيأسٍ ثم وضعت رأسها على كتفه وهي تبتسم بهدوء بينما هو في تلك اللحظة ود لو نطق و أخبرها بمشاعره تجاهها لكن لسانه أعلن عليه العصيان و توقف عن الحركة و داخله ينذره بخوفٍ قادم لا يدري سببه.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» جلس «محمد» في المنتصف و على يمينه «طارق» و «جميلة» و على يساره «وليد» و «عبلة»، فتحدث هو يقول بحنقٍ:
ركز يا زفت منك ليه علشان نختار الحاجة قبل ما اروح اتفق على العفش، كل واحد فيكم يختار من الورقة اللي قدامه ديه أوضة نوم و أوضة الاطفال و السُفرة"
أمسك كلًا منهم ورقة ثم اقترب من زوجته يختار معها، فقال «وليد» بخبثٍ:
ركزوا في أوضة النوم يا جماعة ، سيبكم من أوضة الأطفال دلوقتي كدا كدا دي ارزاق"
رد عليه عمه بضجرٍ:
يمين بالله لو ملمتش نفسك يا حيوان لأكون طردك عند ابوك تحت و ابقى اختار أوضة النوم براحتك بقى"
راقص حاجبيه لعمه باستفزازٍ أثار حنقه، فزفر «محمد» بقوةٍ ثم أطاح له برأسه، بينما «عبلة» وكزته في ذراعه وهي تقول:
ركز معايا دلوقتي بقى، بطل غلاسة شوية، اختار"
رد عليها هو بهدوء:
دي شقتك أنتِ و بيتك أنتِ، أنا هبقى مجرد ضيف في البيت دا و هاجي علشانك أنتِ، وريني زوقك بقى"
ابتسمت له هي بخجلٍ ثم نظرت للأسفل تتابع الأوراق في يدها، بينما «طارق» سألها بنبرةٍ خافتة:
دي من عجايب الدنيا و الله، أنا و أنتِ بنختار عفشنا سوا ؟! سبحان الله"
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
مفيش حاجة اسمها مستحيل لقلب متعلق برحمة ربنا يا طارق، أنتَ قولت إنك كنت بتدعي بيقين و ربنا كرمك و فرح قلبك بمرادك"
أومأ لها موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
طب اختاري يلا علشان كل حاجة تبقى على ذوقك"
بعد مرور دقائق استقر كلًا منهم على ما يريد و أخبروا «محمد» به، فقام هو بكتابة الأسماء فوق الغرف و تمييزها حتى يستطع اخبار الرجل بها، ثم قال بنبرةٍ مقررة:
واحد فيكم بقى يكلم الصنايعي اللي دهن الشقة علشان التشطيبات الأخيرة، أنا فضيت نفسي لبيت الشباب علشان وئام كمان هينقل هناك معاكم و شقته هتتوضب"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ هادئة:
مفيش مشاكل، طارق ممكن يكلمه علشان هو اللي جايبه من الأول، و أنا هبقى معاك يا حمايا"
رد عليه «محمد» بتهكمٍ:
يا فرحتي بيك يا أخويا، لأ خليك هنا أحسن و أنا هتصرف"
وقف «وليد» وهو يقول بمرحٍ:
بشوقك أنتَ مش حمل الصنايعية و طريقتهم و أنا كنت هساعدك، براحتك بقى"
رد عليه عمه بضجرٍ:
مناهدة الصنايعية أرحم من مناقرتك يا وليد، اتفضل بقى على أمك و أبوك يلا"
أومأ له موافقًا ثم خطى خطوةً واحدة ثم عادها من جديد وهو يقول بخبثٍ:
عمي !! ابقى اتوصالي بأوضة النوم، أنتَ فاهم مش هوصيك"
امسك «محمد» الوسادة الصغيرة المجاورة له ثم قذفه بها وهو يقول بنبرةٍ منفعلة:
برة بيتي يا حيوان، شكلك مش هتشوف جواز يا واطي من بنتي"
ركض «وليد» من أمامه وهو يضحك بقوةٍ و الجالسون يضحكون عليه حتى حماته التي أتت من الداخل على الصوت، بينما «محمد» سأل ابنته بتعجبٍ:
بتحبي فيه إيه السافل ابن مرتضى دا"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
أنتَ قولت السافل ابن مرتضى، دي الإجابة خلاص"
أمسك الوسادة الأخرى يقذفها بها فركضت هي نحو الداخل بخوفٍ من والدها وهي تضحك عليه، فالتفت هو لـ «طارق» وهو يقول بنبرةٍ هادئة بعدما زفر بقوةٍ:
طبعًا أنتَ ملكش دعوة بالسفالة دي، أنتَ حبيبي و تربيتي يا طارق، متعملش زي عديم الأدب دا"
ابتسم له «طارق» وهو يقول:
سيبك من كل دا يا بابا، أهم حاجة هنجيب مراتب أوضة النوم منين؟"
حينها اخفض «محمد» جسده ثم خلع حذاءه و حينما لمحه «طارق» صرخ في وجهه ثم دفع زوجته عليه و ركض نحو الداخل، فأمسكها «محمد» وهو يقول بنبرةٍ متوعدة:
ها يا جميلة ؟! تحبي تتعاقبي مكانهم أنتِ؟"
ردت عليه هي بخوفٍ:
دي عيال قليلة الأدب يا خالو، شوفت أنا مؤدبة إزاي"
_________________________
في شقة «رياض» جلس الجميع يتناولون الطعام الذي أعجب الجميع و قاموا بتناوله بنهمٍ، حتى تحدث «مهند» يقول باستفزازٍ لـ «ياسين»:
تسلم إيدك يا خديجة...قصدي يا مدام خديجة، كدا اتطمنا على ياسين"
ابتسمت له هي باقتضاب ثم أخفضت رأسها، بينما «ياسين» رد عليه بتهكمٍ:
و تطمن عليا ليه يا سيدي؟ هو أنتَ أمي؟ عقبال ما نتطمن عليك إن شاء الله"
تدخلت «سمر» شقيقته وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
الأكل حلو بس حساه فيه حاجة مش مظبوطة، يمكن علشان أنا واخدة على أكلي أنا"
شعرت «خديجة» بالخجل و قبل أن ترد عليها توضح وجهة نظرها، أمسك كفها وهو يقول بنبرةٍ متريثة خبيثة:
أظن اجابتك واضحة، علشان أنتِ واخدة على أكلك أنتِ، إنما أكل مراتي جديد على معدتك، زي الفلاح اللي واخد على مياة الترومبة كدا"
ردت عليه «بدور» بضجرٍ:
و مالها مياة الترومبة يا بشمهندس؟ أبوك اتربى عليها لحد ما بقى محامي ليه اسمه، و خلاك أنتَ مهندس ملو هدومك"
رد عليها هو بثقةً يجابه حديثها:
بس كملنا و كبرنا هنا، و مراتي من هنا مش من الصعيد، يعني أكلها زي الفل، لو فيه حاجة غريبة هنا يبقي اللي مش واخد على حاجة زي دي"
ردت عليه «خديجة» بنبرةٍ هادئة حينما وجدت نبرته محتدة بهذا الشكل:
خلاص يا جماعة حصل خير، مفيش أي مشاكل هي علشان بتاكل من إيدي و دي أول مرة"
تدخل «رياض» يقول بتوترٍ:
بالظبط يا خديجة، كلامك صح، بس دا ميمنعش إن أكلك برضه حاجة تانية"
ابتسمت له بمجاملةٍ، فقالت «بدور» بنبرةٍ جامدة:
إيه يا زهرة مش سامعة صوتك يعني؟ طول عمرك ساكتة قصادي و مبتتكلميش"
ردت عليه «زهرة» بنبرةٍ هادئة:
لا كلام على الطعام يا بدور، كلي بألف هنا و شفا مطرح ما يسري ما يمري"
بعد مرور دقائق انتهي الطعام و قام الجميع من على الطاولة عدا «ياسين» و «خديجة» التي وقفت حتى تقوم بتنظيف الطاولة بينما هو وقف بملامح وجه جامدة يعاونها فيما تفعله، فسألته هي بقلقٍ:
مالك يا ياسين؟ شكلك متضايق ليه كدا؟"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
علشان مبحبش حد يزعلك حتى بكلمة و دول عاوزين جنازة و يشبعوا فيها لطم، و لولا عارف إن كل كلمة هتحصل هنا هتوصل لأخواتها و قرايب بابا في الصعيد كنت خربت الدنيا، بس ملحوقة مش أنا اللي هعمل"
حركت رأسها باستنكارٍ واضح و حينها صدح صوت الباب بقوةٍ تزامنًا مع خروج «بدور» و خلفها أبنائها و «رياض» و زوجته، ابتسم «ياسين» بخبثٍ ثم اقترب من الباب يفتحه، فوجد اخوته الثلاثة أمامه و كلًا منهم يطالعه بخبثٍ، فغمز هو لهم ثم أشار برأسه نحو الداخل.
بمجرد جلوس الجميع في غرفة الصالون، تفاجئوا بدخول الشباب و أولهم كان «عامر» حينما قال مهللًا:
يا دي النور يا دي النور، احنا عندنا عمتو بدور، نورتي يا عمتو"
طالعته هي بحنقٍ وهي تقول:
أهلًا يا عامر، لسه فاكرني و الله فيك الخير"
رد عليها هو بفخرٍ:
و هو أنا اقدر انساكي برضه؟ دا أنتِ الغالية أخت الغالي"
حركت رأسها باقتضابٍ له وهي تبتسم له بضيقٍ منه، فاقترب هو من ابنها ثم قال بمرحٍ:
مهند اخبارك إيه؟ و نور عاملة إيه؟ لامؤاخذة دا التاني تركي، أنتَ مهند الصعيدي"
رد عليه «مهند» بحنقٍ:
أنا كويس الحمد لله، أنتَ كويس؟ خير إيه اللي جابك"
في تلك اللحظة دلف البقية و أول من تحدث كان «خالد» وهو يقول:
لأ هو دا بيتنا يا مهند، إحنا هنا علطول، أنا اللي مستغرب زيارتكم"
قال جملته ثم اقترب من المرأة وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
إزيك يا عمتو عاملة إيه؟ و اخبار الصعيد كلها إيه؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
كويسة يا خالد، و الله فرحانة أوي اني شوفتكم"
رد عليها «عامر» بمرحٍ:
متحلفيش بقى احنا عارفين اللي فيها، بس القلوب عند بعضها"
دلف «ياسين» و «ياسر» معًا في يدهم العصير للجميع، فنظرت الفتاة لـ «ياسر» بحبٍ لم تستطع إخفاءه حتى تحدث «خالد» يقول له بخبثٍ:
تعالى جنبي يا جوز أختي، باركوا لياسر و عامر يا جماعة فرحهم كان قبل فرح ياسين"
طالعته الفتاة بإحباطٍ واضح وهي ترى الأربع شباب يتراصون بجانب بعضهم و بجانبهم «خديجة» مجاورةً لزوجها، فقال «رياض» مرحبًا بالجميع:
البيت نور و الله، الحبايب كلهم متجمعين، نورتي يا بدور بيت أخوكي"
ردت عليه هي بفخرٍ:
بيت أخويا منور بناسه و أصله يا رياض، و احنا أصلنا منور و ليه أساسه"
رد عليها «عامر» ساخرًا:
طبعًا يا عمتو و أي حد يقول غير كدا ياخد على دماغه، دا الكهربا ضربت في المنطقة من فرحتها بيكم"
ردت عليه هي بنبرةٍ ساخرة:
طول عمرك بكاش و بتاع كلام، عارفاك من صغرك"
تدخل «ياسين» يقول بنبرةٍ هادئة:
و طول عمره راجل و صاحب صاحبه، مش بتاع شغل تلقيح و لا ليه في شغل اللك"
طالعه «مهند» بترقبٍ وهو يعلم أن الحديث موجهًا له لأنه دائمًا ينقل أخباره لوالدته و جميع أقاربهم و كل تحركات «ياسين» و كل ما يدونه عبر صفحات التواصل الاجتماعي يصل لهم، فتحدث «خالد» يقول بنبرةٍ جامدة:
و أنتَ بقى يا مهند بتشتغل ولا لسه؟ أصل أنا فاكر عمتو شتمتنا قبل كدا علشان نشتغل"
ردت عليه هي بفخرٍ:
مهند و سمر ولادي ماسكين شغل ابوهم مع أعمامهم، بنتي متعلمة و متنورة، هي البنت اللي كملت علامها في الصعيد"
رد عليها «عامر» بمرحٍ ساخر:
أكيد اللي ماسك الشغل طبعًا عدنان بيك؟"
قطبت جبينها بحيرةٍ فقال هو مُردفًا بنفس المرح:
آه لامؤاخذة، التاني العشق الممنوع، أصل هما سمر و مهند برضه، أمي بتحبهم أوي"
طالعه الثلاثة بحنقٍ و أعين ترسل له شرارات لو كانت حقيقة لوأدته صريعًا بمكانه، و لكن إذا كان شخصًا أخر غيره، أما «عامر» فرفع حاجبه لهم وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
اشربوا العصير يا جماعة انتو مش غرب عننا، دا بيتكم برضه"
قال جملته ثم حرك رأسه ينظر لـ «زهرة» وهو يغمز لها فوجدها تبتسم له بحبٍ ثم أشارت له بابهامها.
________________________
بعد عودة «عمار» من الجامعة و بعد أخذه قسطًا من الراحة، قرر النزول إلى عمله بعدما طلبه صاحب العمل حتى يعاونه في المساء، و أثناء سيره نحو المركز وجد شابًا يشبه عليه من بين شباب المركز يقف بجوار تلك الفتاة المصطنعة التي دائمًا تحاول التحدث معه، لكن وضعهما كان غريبًا حتى أثار ريبته خصيصًا أن مكانهما منزويًا عن الأنظار، فوقف هو يراقبهما بخوفٍ حتى وجد الشاب يحاول التطاول أكثر و الفتاة تحاول الابتعاد عنه لكنه أطبق على كفها يمنعها من الحركة وهي تحاول أخذ هاتفه منه، حينها تقدم «عمار» منهما يسأل بنبرةٍ جامدة:
ممكن أعرف إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ بتعملوا إيه؟"
طالعته الفتاة بخوفٍ بينما الشاب دفعها نحوه و قبل أن يفر هاربًا أمسكه «عمار» من ثيابه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
انطقوا إيه اللي بيحصل هنا؟ أنا معايا أرقام أهاليكم و هكلمهم و هعرف السنتر كله، انطق يالا"
ضربه الشاب بذراعه في وجهه حتى اختل توازنه ثم فر هاربًا، و حينما لاحظت الفتاة ترنح جسد «عمار» حينها ركضت هي الأخرى بخوفٍ منه و مما قاله هو ، فتح «عمار» عينيه على مضضٍ من قوة الضربة التي أتت بجانب رأسه حينما وكزه الشاب بمرفقه، ثم توجه نحو المركز بما أنه اقرب من بيته، دلف المركز ثم ارتمى على مقعده وهو يشعر بالدوران يداهمه، حينها جلس ثم رفع كفيه يدلك رأسه ثم طلب كوبًا من القهوة حتى يبدأ بتسجيل الأسماء حينما بدأ الشباب يتوافدون إلى المركز، وبعد تسجيله للأسماء و بداية الدرس ألقى بجسده للخلف وهو يشعر بالتخبط مما رآه، لا يدري سبب وقوفهما بتلك الطريقة التي اثارت ريبته ولا لماذا كانت الفتاة تحاول أخذ هاتفه، لكن ما حدث جعله يشعر بالخوف حتى نهاية الدرس و بعد خروج الجميع من القاعة حتى ظل المشرفين و لحسن الحظ أن «خلود» لم تأتي اليوم، حتى انقلب كل شيءٍ رأسًا على عقب، ففجأةً دخل المركز مجموعة شباب تظهر على هيئتهم أعمال الشغب و العنف حتى شعر الجميع بالخوف، فتحدث أحدهم وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
فين اللي إسمه عمار فهمي ؟!"
نظر الجميع لـ «عمار» الذي قطب جبينه بحيرةٍ وهو يقول:
أنا عمار فهمي خير؟"
اقترب منه ذلك الرجل وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
أنتَ اللي عاكست أختي و حاولت تمد إيدك عليها؟"
طالعه «عمار» باستنكارٍ وهو يقول بضجرٍ:
نــعــم !! بتقول إيه أنتَ؟"
حينها صفعه الشاب بقوةٍ على صفحة وجهه، صفعةً مدوية هزت المكان من قوتها، و جعلت الأعين تتسع بخوف و ترقب مما هو قادم، بينما «عمار» تحركت رأسه للجهةِ الأخرى لا يدري إن كان هذا حقًا ما صار، أم أن عقلها هو ما يرسم له ذلك، و لكن مهلًا هذا دم يسيل من أنفه ؟! إذن الصفعة كانت حقيقة و للحق كانت صفعةً مدويةً
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شمس بكري
خشيتُ الهزيمة طوال حياتي، و ها أنا هويت الوقوع صريعًا في متاهات عينيكِ.
_________________________
لم أجدُ يومًا طريقًا للأمان و لا زار قلبي من قبل السلام، أنا فقط مُجبر على الحرمان و على مذاق الآلام، بات قلبي في الأحزان أسيرًا، و في الندم و جلد الذات راح صريعًا، عشت في حياة الآخرين لحقوقهم مناضلًا، و ها أنا أمام ذاتي أهرب منها أود لو أصبحتُ فقط لـ حقي مُجاهدًا....و لكن كعادتي اتجهت نحو اللاشيء أسيرُ به زاهدًا
في شقة «رياض» كانت الجلسة عبارة عن سهام نارية تنبثق من الأعين تتوجه للأخرى التي تبادلها نفس السهام، حتى تحدثت «بدور» تشعل تلك الجلسة بقولها الخبيث:
و أنتِ بقى يا زُهرة لسه شايفة نفسك و مش عاوزة تنزلي الصعيد أنتِ و ابنك؟"
طالعت زوجها أولًا بشررٍ ثم حركت رأسها نحوها وهي تقول بنبرةٍ هادئة و لكنها حادة:
آه يا بدور، شايفة نفسي و مكبراها كمان، أنتِ لو زعلانة متروحيش في الاجازات و خليكي هنا"
مال «عامر» على أذن «ياسين» يقول بنبرةٍ هامسة:
ما تلحق يا عم الخناقة السنوية دي، هو كل سنة نيجي نلحق عمتك من أمك كدا؟"
رد عليه الأخر بهمس:
صبرك علينا بس، أنا مجهزلهم مفاجأة حلوة"
بعد انتهاء جملته صدح صوت جرس الباب، فقام «ياسين» يفتحه و نظرات الخبث تشع من عينيه، اقترب من الباب و فتحه و ما إن وقع بصره على الطارق حتى عنفه هامسًا:
إيه اللي آخرك كدا يا زفت؟ أنا باعت الرسايل من إمتى؟"
رد عليه الأخر بنفس الهمس:
يا عم كنت مع عم محمد بنقي العفش ما صدقت أجرب اللحظات دي، قولي حبايبك جوة؟"
رد عليه بتهكمٍ:
جوة و عامر و خالد شغالين الله ينور، ورينا شطارتك بقى"
أومأ له بخبثٍ ثم دلف معه نحو الداخل، اتسعتا عيني «خديجة» حينما رآت أخيها يدلف مع زوجها لذلك وضعت يدها فوق رأسها بقلقٍ خوفًا من القادم، بينما «وليد» بعد التعارف جلس على المقعد المجاور لشقيقته، حيث أصبحت هي في المنتصف و هما على طرفيها
حينها مال «عامر» على أذن «ياسين» من جديد وهو يقول هامسًا:
أنا بقول كفاية أنا و وليد، و الباقي يسكت أحسن"
اعتدلا كليهما في جلسته و عادا لمتابعة الحوار الدائر بين النساء أما «خديجة» فشعرت بالسهام الموجهة نحوها من «سمر» لذلك ازدردت لُعابها بتوترٍ بات واضحًا عليها من خلال انفعالات جسدها و ملامحها و حينما لاحظت الفتاةِ توترها و اضطرابها تحدثت تقول بفظاظةٍ:
على كدا بقى يا خديجة لو جيتي الصعيد هتغرقي في شبر مياه، أصل البنات في مصر هنا متدلعين، و أنتِ شكلك طرية خالص"
يكفي، عند هذا الحد و لم تتحمل «خديجة» أكثر من ذلك و ما زاد شجاعتها تلك هو وجود «وليد» يجانبها ، و لذلك تحدثت ترد بنبرةٍ جامدة لا تدري من أين اكتسبتها:
و الله حكمك غلط يا آنسة سمر، أظن دي أول مرة تشوفيني النهاردة فميش أي داعي لحكمك دا، غير أني مش محتاجة أثبتلك خطأ تفكيرك و دا لأني مش محتاجة ابهرك بمثليتي"
صوت صرصور الحقل هو ما يدور في تلك الجلسة بعد حديثها و طريقتها تلك حتى هي رمشت عدة مرات بقوةٍ حتى وجدت «وليد» يميل عليها يقول بنبرةٍ مرحة:
يمين بالله فرحان بيكي فرحة الفرخة بكتاكيتها بجد"
وكزته في ذراعه بمرفقها وهي تحاول التحدث و لكن جف حلقها أمام النظرات الموجهة نحوها من قبل تلك الأسرة الغير مرحب بها، حتى تحدثت «بدور» تقول بنبرةٍ جامدة:
لو كان ياسين و أمه سمعوا الكلام و اتجوز من عندنا في الصعيد كان زمان رياض جد دلوقتي"
وجه الجميع نظرهم نحوها بحنقٍ فرد عليها «رياض» بحنقٍ و لكنه طفيفًا حفاظًا على مكانتها:
يا بدور دا نصيب، لازمته إيه الكلام دا؟! خديجة و ياسين نصيب بعض"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
بس اتجوز على كَبر، احنا عرضنا عليه الموضوع من وهو ابن ٢٠ سنة، كان زمان عياله طوله"
تدخل هو في تلك اللحظة بخبثه و وقاحته المعتادة:
طب وهو الأستاذ مهند السوري اللي جنبك دا مخلفش ليه عيال طوله ليه؟ ولا هو تحت السن؟"
حركت رأسها تطالع «وليد» بعينيها الواسعة المتكحلة بقوة فوجدته يبادلها النظرة بجمود و ثباتٍ أوشك على وأدها في مكانها، بينما «مهند» تحدث يقول بفخرٍ:
اتعرض عليا نص بنات الصعيد و أنا اللي رافض، أنا لسه ٢٥ سنة و البنات بيفاتحوا أمي في جوازهم مني، هي دي هيبة الرجالة"
رد عليه «وليد» بثقةٍ:
ما احنا عندنا هنا برضه لما البنت بتحلو و تدور عرسانها بيكتروا، و أنتَ تلاقيك احلويت و اتدورت"
حاول الشباب كتم ضحكتهم بمجاهدةٍ منهم حتى «خديجة»، بينما «بدور» وجهت بصرها نحو «رياض» وهي تقول بتهكمٍ:
و نعم النسب يا رياض"
رد عليها «عامر» بمرحٍ:
هما فعلًا و نعم النسب، دول عيلة الرشيد، أكبر عيلة في السويس و فرع دلتا و الرشيد، بصراحة عيلة فخر لأي حد"
حركت رأسها موافقةً وهي تقول بنبرةٍ متريثة:
ما هو باين، مش محتاج تتكلم"
تدخل «رياض» يسألها بتوترٍ طفيف:
مقولتليش رجعتي إمتى من الصعيد؟ و إيه سبب الزيارة الجميلة دي؟"
ردت عليه هي بثقةٍ:
عمتك هي اللي قالتلي أزورك و اتطمن عليكم، خصوصًا بعد فرح ابنك اللي محدش مننا حضره، قولت أجي اتطمن عليكم و أبارك للعرسان، مش كدا يا ياسين؟"
رد عليها هو بثباتٍ:
كدا طبعًا، حتى من حبك فيا عينك منزلتش من عليا أنا و مراتي، بس اتطمني خديجة واعية و شاطرة أوي، و أظن الأكل اللي دوقتيه يبين قد إيه هي ست بيت شاطرة مفيش منها"
ابتسمت له «بدور» وهي تقول:
طول عمرك لماح و بتفهمها و هي طايرة، عرفت أنا كنت عاوزة أقول إيه"
حرك رأسه موافقًا ثم قال مؤكدًا:
بالظبط، علشان كدا بقوله لحضرتك، مراتي مش محتاجة وصاية ولا نصيحة، هي فاهمة كل حاجة كويس أوي الحمد لله"
تدخلت «سمر» تقول بخبثٍ:
ربنا يرزقك يا مهند يا أخويا بواحدة زيي أو زي خديجة، طالما طلعت زيي و متتخيرش عني"
_"لأ تتخير، و متتقارنش بحد أصلًا ، و أظن الأستاذ مهند لو خد الكرة الأرضية من شرقها لـ غربها لف على رجله مش هيلاقي زي خديجة"
تفوه «وليد» بذلك بغلظة و نبرةٍ جامدة لا تقبل النقاش و أيده «ياسين» بقوله:
بالظبط، خديجة واحدة بس و محظوظ اللي هي من نصيبه و أظن أمي دعائها كان كفاية علشان أبقى أنا المحظوظ دا"
حسنًا الإنسحاب من تلك المعركة هو الحل الأسلم للطرف الضعيف و بالطبع معروف أمام الجميع من هو الطرف الضعيف، لذلك قررت «بدور» الرحيل و لكن بعد قولها الكاذب الذي أخفى خلفه حقدًا:
ربنا يهنيكم و يكرمكم بالذرية الصالحة، البلد كلها هتفرح أوي يا بشمهندس ياسين بيك، يلا نستأذن إحنا"
و بالفعل رحلت مع أولادها و معهم «رياض» الذي قرر الهروب معهم من نظرات زوجته، و بعد خروجهم من الشقة زفرت «زهرة» بقوةٍ وهي تقول:
داهية تاخدك يا بعيدة، أنتِ و المسلسل اللي أنتِ ماشية بيه دا"
ضحك الجميع عليها، فردت هي بحنقٍ:
شوفتوا يا عيال كُحل عينها عامل إزاي؟ رعب و الله، دي بيخوفوا بيها العيال"
تدخل «خالد» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
فكرتني بعمة الواد ياسر، كانت زيها كدا برضه، حتى لما ماتت صورتها على الحيطة كانت مموتانا من الضحك، حتى ياسر نفسه ضحك لما شافها"
رد عليه «ياسر» بنبرةٍ ضاحكة هو الآخر:
متفكرنيش، كانت بتحط الكحل و عينها زرقا أصلًا يمين بالله كانت رعبانا كلنا، الله يرحمها بقى"
تدخل «عامر» يقول بفخرٍ:
بس إيه رأيك يا زوزو ؟ مسكناهم غسيل و نشير و مكواة، كان ناقص بس نُبخ في وشهم"
ردت عليه هي بنبرة فخرٍ بهم:
شاطرين يا عيال، فرحتوا قلبي إلهي يفرح قلبكم، تصدقوا انتو أولى بالجاتوه، أنا كنت عيناه علشانكم أصلًا"
قامت من أمامهم و هم يضحكون عليها، بينما «ياسين» تحدث يقول بفخرٍ:
و الله وليد و خديجة عملوا الواجب، كنتوا فين انتو كل سنة و احنا بنظبط فيها لوحدنا؟"
سأله «وليد» بتعجبٍ:
أنا بصراحة مش فاهم سبب وجودها هنا إيه، يعني جاية علشان تحرق دمها و دم عيالها"
رد عليه «خالد» مُفسرًا:
جاية تنقل اخبارهم لأمها و أخواتها، هي مش فارق معاها غير إنها تعرف كل حاجة عنهم"
أومأ له بتفهمٍ و في تلك اللحظة صدح صوت هاتف «عامر»، أخرج هاتفه ينظر لهوية المتصل لكنه قطب جبينه بتعجبٍ وهو يقول:
إيه دا ؟ سامح صاحب السنتر بتاع عمار بيكلمني ليه؟ هو عمار مش مستنضف يكلمني بالأيفون؟"
ضحكوا عليه بيأس، بينما فتح الخط هو على مضضٍ وهو يقول:
أيوا يا سامح، أؤمرني"
_"الحق أخوك يا عامر، فيه ناس اتهجموا عليه في السنتر، و عاوزين ياخدوه بالعافية"
صرخ الرجل في المكالمة بذلك الحديث حينما احتد الوضع في المركز مطالبين بأخذ «عمار» من المكان، بينما «عامر» أغلق الهاتف ثم أخبر أخوته بخوفٍ و بكلماتٍ غير مفهومة و في لمح البصر ركضوا جميعهم من الشقة خلف بعضهم دون تفكير، بينما «خديجة» جلست بخوفٍ بين أحضان «زهرة» حينما لمحت هيئتهم بتلك الطريقة و كلًا منهم يركض متوعدًا لمن تطاول على شقيقهم"
_________________________
في المركز في الطابق العلوي حينما نزلت الصفعة على وجه «عمار» حينها انفلتت أعصابه فلم يشعر بنفسه سوى وهو يدفع ذلك الرجل نحو الحائط خلفه ثم شدد يده حول عنقه و فجأة هجم عليه بقية الشباب من خلفه و حينها تدخل أصدقاء و زملاء «عمار» يحاولون الفصل بينهم، حتى نجحوا أخيرًا في ذلك و حينها أخذه صاحب المركز نحو غرفةٍ منزوية عن الأنظار حينما سمع أحد المشاغبين وهو يقولها صراحةً:
مش هنخرج من هنا من غيرك يا عمار، و حق اختنا هناخده منك قدام المنطقة كلها"
حينها اضطر صاحب العمل لمهاتفة شقيقة علمًا بأنه سيستطع حل الموقف مع أخوته، بينما في الأسفل شقت سيارتي «ياسين» و «وليد» الأرض خلف بعضهما حتى توقفا في وقتًا قياسيًا، و أثناء توجههم نحو المركز اوقفهم أحد الشباب وهو يقول بغلظةٍ:
محدش فيكم هيطلع فوق، اللي هيفكر يخطي خطوة واحدة يبقى يتشاهد الأول"
تملكت منهم الدهشة فهم لم يتصوروا أن الوضع بتلك الخطورة، هم فقط ظنوها مشاجرة طفيفة، لكن هيئتهم و أسلحتهم لا تدل على ذلك، و مع الحق أعصابهم لم تسمح بالهدوء فحينها قام «عامر» بلكم الشاب في وجهه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
و أنا مبخافش و اللي قلبه ميت يقف قصادي دلوقتي"
تجمهر الشباب و بدأت المشاجرة تحتد بينهم حتى اجتمع السكان بالمنطقة يفصلون بينهم و كان الوضع غريبًا للغاية، حيث بدأ الشباب المشاجرة و كلًا منهم يضرب واحدًا و يكيل له الضربات حتى ابتعدوا عن مجال المركز و من بعدها ركضوا خلف بعضهم للأعلىٰ، و بمجرد وصولهم وجدوا ثلاثة شباب ينتظرون مجيئهم فتحدث أحدهم يقول بنبرةٍ جامدة:
يا أهلًا أظن كدا أنا أقدر آخد حقي و أنا مرتاح، عديتوا منهم تحت بس مظنش حد فيكم هيخرج من هنا"
نظروا الشباب لبعضهم و كلًا منهم ينذر الآخر بخطورة الوضع و خاصةً مع وجود السلاح و لكن أكثرهم عنفوان في تلك اللحظة كان «عامر» حينما اقترب منه يقول بنبرةٍ جامدة:
و أنتَ لو فاكر إنك هتخوفنا هتبقى أهبل و عبيط، فوق علشان احنا مش غلابة و لا احنا محترمين، دا إحنا صيع"
ابتسم له الرجل وهو يقول بتهكمٍ:
و أخوكم حاول يطلع صياعته على أختي، و دي عندي ملهاش غير الدم و رقبته، دا شرف"
اتسعت أعين الشباب، فتدخل صاحب العمل يقول بنبرةٍ جامدة:
صدقني مش عمار اللي يعمل كدا، عمار دا أنا آمنه على حريم بيتي و أنا عارف إن عينه مش هتترفع في واحدة فيهم"
قبل أن يرد عليه الرجل، تحدث «وليد» يقول بنبرةٍ جامدة وهو يجاهد نفسه حتى لا يتهور كعادته:
قبل أي حاجة فين عمار نفسه، علشان يمين بالله لو لمحت خدش فيه هزعل الكل و أخليها سواد"
تدخل أحد الرجال المشاركين بالمركز وهو يقول بنبرةٍ متوترة:
عمار معايا أنا قافل عليه في مخزن الملازم، اتطمن بس كدا مينفعش يا جماعة"
فور انتهاء جملته حرك «ياسين» رأسه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
هو فعلًا كدا مينفعش، بس أنا هعرفكم إيه اللي ينفع"
قال جملته ثم حمل مقعدًا خشبيًا و هجم به على الشاب و خلفه الشباب يكررون فعلته و في تلك اللحظة كانت القوة لديهم حيث اجتمع معهم عمال المركز و أصبحوا نقطة قوة أمامهم و كما يقال الكثرة تغلب الشجاعة و هم يتحلون بالصفتين الكثرة و الشجاعةِ معًا و أبان الضرب و الشِجار صعد أحد الضباط بعدما قام أحد السكان بالمنطقة بالبلاغ عن العنف الذي صار في المنطقة بسبب المركز التعليمي و بعد مرور دقائق كان الشباب جميعهم في عربية الشرطة و معهم «عمار» الذي طالع الوضع بعينين خاويتين غير مدركًا لسبب ما حدث، وصلوا لقسم الشرطة و خلفهم «رياض» بعدما هاتفه «ياسين»، حينها تم اتهام «عمار» بالتحرش بالفتاة و هذا ما جعل الجميع في حالة دهشة و صمت، و ما زاد دهشتهم هو صمت «عمار» و كأنه قبل بتلك التهمة حتى صرخ له «عامر»:
ما تنطق يا عمار !! أنتَ متعملش كدا و أنا عارفك، يا بني رد و دافع عن نفسك"
أخفض رأسه في صمتٍ من جديد مما جعل أخوات الفتاة يشعرون بلذة غريبة، حينها تدخل «رياض» يتفاوض معهم في إنهاء المحاضر على أن يكون الموضوع وديًا بينهم، خصيصًا أنهم يمتلكون سوابق إجرامية، كما أن الفتاة لم تكن موجودة من الأساس و ذلك لرفض أخوتها دخولها قسم الشرطة، حينها اشترط أحد الشباب أن تتم جلس صُلح تهذيبًا لـ «عمار»، اضطر هو للموافقة ثم ذهب للشباب يخبرهم و أول من رفض كان «خالد» حينما قال:
يعني إيه يا عم رياض ؟! يضربوا أخونا و يغلطوا فينا و عاوزين قعدة صلح كمان !! ما تشوف يا عم ياسين"
تدخل «ياسين» يقول بحنقٍ:
يعني إيه يا بابا !! مستحيل، احنا لسه هنأدبهم و لسه هناخد حق أخونا و القلم اللي نزل على وشه"
تدخل «وليد» يقول بنبرةٍ هادئة:
بس أنا مع عم رياض، متنسوش إن عمار ساكت و مش عاوز يتكلم و الموضوع فيه إنَ، وافقوا و خلونا نمشي من هنا علشان نعرف نفكر في حل"
رد عليه «عامر» بضجرٍ ممتزج بانفعاله:
أنا هاخد حق أخويا من بوق الأسد، يمين بالله هخربها و محدش يقولي اعقل علشان أنا معنديش عقل"
زفر «رياض» بقوةٍ فتدخل «ياسر» يقول برزانةٍ:
الحق بيقول إن هي بنت و هو راجل، أظن مش هفكركم لما أخت خالد اتعاكست و حد ضايقها روحنا عملنا إيه؟ و عمار ساكت أصلًا، يعني نخلص ليلتنا هنا و نتطمن على أخونا و نروح نشوف حقنا بعد كدا، إنما لو فضلنا هنا إحنا اللي بنخسر"
وافقوا أخيرًا على مضضٍ و تم إنهاء المحاضر و تم حضر الصُلح بينهم و بين صاحب المركز أيضًا، و بعد خروجهم من قسم الشرطة اقترب منهم أحد الشباب وهو يقول بتوعدٍ:
بكرة بعد العِشا لو مجتوش المنطقة اللي أديتكم عنوانها يمين بالله، عمار هيوحشكم"
قبل أن يبدأ الشباب بالهجوم عليه نتيجة حديثه، أوقفهم «رياض» وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
أظن دا كلام رجالة مفيش رجعة فيه، قولتلك هنكون عندك بكرة و الغلطان هيتحاسب"
تدخل الشاب الآخر يقول بنبرةٍ جامدة:
عمار لو غلط في حق اختنا هيبقى قدامه حلين، يا رقبته يا تصليح غلطته، و قدام المنطقة كلها"
قالوا حديثهم ثم رحلوا من أمام الشباب الذين رمقوهم بشررٍ من عينيهم، بينما «عامر» وقف أمام شقيقه يصرخ في وجهه قائلًا:
عجبك كدا !! بسبب و بسبب سكوتك هتشيل ليلة مش بتاعتك، رد عليا يا بني بقى حصل إيه"
زفر «عمار» بقوةٍ ثم تحدث بنبرةٍ منهكة:
روحني يا عامر أنا مش قادر أقف على رجلي و صاحي من الفجر، روحني و خلصني"
تدخل «رياض» يقول بنبرةٍ هادئة:
طب قولي أنا بصفتي المحامي اللي بيدافع عنك يا عمار، إيه حصل مع البنت دي علشان الأمور توصل لـ كدا"
رد عليه بنفس التعب:
مش هقدر اتكلم و الله علشان مفيش حاجة من الأصل، روحني يا عمو بالله عليك أنا عاوز أنام"
حينما لاحظ «ياسين» انكسار و تألم نبرته وقف أمامه يسأله بحنوٍ بالغٍ:
مالك يا عمار بس ؟! صوتك ماله مكسور كدا ليه، إحنا اخواتك برضه، قولنا و احنا معاك"
لم يتحمل «عمار» أكثر من ذلك فانفجر في وجهه يصرخ ببكاء:
فــيـه أنــي تـعـبـت يـا يـاسـيـن، طول عمري ماشي جنب الحيط و لو هقدر هحفر جوة الحيط و ادخل كمان، أخوك النهاردة اتضرب بالقلم من واحد تاجر مخدرات، أخوك اللي عاش عمره كله متصان في بيته، واحد سوابق زي دا علم عليه في شغله"
خطفه «ياسين» بين ذراعيه وهو يشعر بما يشعر به، لذلك قال له بنبرةٍ قوية:
لا عاش و لا كان اللي يكسرك يا عمار، يمين بالله القلم هيترد اتنين و بكف إيدك أنتَ، و هيترد اعتبارك قدام الكل، بس ساعدنا"
ابتعد عنه يمسح دموعه وهو يقول بنبرةٍ أهدأ من قبل:
أنا مش هحارب بسمعة بنت يا ياسين، أنا راجل و الكلام في حقي هيتنسي، لكن البنت ما اظنش"
ركز «وليد» على حديثه جيدًا و تأكد من شكوكه أن «عمار» لن يجازف بسمعة تلك الفتاة، إذن هناك ضلعًا مفقودًا في تلك الحكاية، لذلك قال بنبرةٍ هادئة:
طب نروح عمار يرتاح علشان الكلية بكرة و علشان نشوف إحنا كمان يومنا بكرة ولا إيه؟"
نظر «عامر» لشقيقه بشفقةٍ وهو يقول بنبرةٍ منهكة:
صدقني يا عمار فيه حاجات مينفعش فيها التهاون أهمهم السُمعة، و دي سمعة و مش هتفرق بنت من ولد"
تنهد «عمار» بقلة حيلة ثم حرك رأسه موافقًا بإيماءةٍ بسيطة، و من بعدها رحلوا جميعًا، تم توصيل «عمار» لمنزله أولًا و تم تبسيط الأمر أمام والديه حتى لا ينتابهم القلق على أنها مشاجرة بين الطلاب في المركز، و على الرغم أن هيئتهم لا تنم عن ذلك و لكنهم صدقوا الأمر، و من بعدها رحلوا جميعًا نحو شقة «رياض» فسبقهم هو للأعلىٰ بينما الشباب وقفوا بجانب بعضهم، فتحدث «وليد» يقول بنبرةٍ متريثة و لكنها قوية:
سيبكم بقىٰ من الهبل دا كله، حد فيكم شاكك إيه ممكن يكون حصل؟"
رد عليه «ياسر» بنبرةٍ تائهة:
محدش مصدق يا وليد أصلًا، عمار طول عمره مسالم و جنب الحيط و عمره حتى ما كان بتاع مشاكل، اللي بيحصل دا كابوس"
تدخل «عامر» يقول بضجرٍ منه:
أنا اللي مضايقني سكوته هو، يمين بالله لولا اللي هو فيه كنت ضربته قلمين فوقوه، و لسه بكرة هنبقى في منطقتهم يعني الغلط راكبنا راكبنا"
ربت «خالد» على كتفه وهو يقول مُطمئنًا له:
متخافش، أخواتك معاكم من إمتى و فيه حد فينا بيخاف يا عامر؟ حوار زي دا هيهزنا؟"
رد عليه بنبرةٍ متألمة:
علشان دا عمار يا خالد مش إحنا، عمار اللي اتكسر علشان اتضرب بالقلم و اتحبس في المخزن زي الفيران و اتسحب على القسم زي المجرمين، أخويا عينه اتكسرت وهو مغلطش و مش عارف يرفعها و يبصلي"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ جامدة لا تقبل النقاش:
و أخوك حقه هيرجع بكرة قدام الناس كلها، إحنا على حق يا عامر و أخوك على حق، حتى لو سكوته دا علشان حد تاني، ربنا مش هيخذله"
زفر بقوةٍ فقال «وليد» بهدوء:
يلا نروح إحنا و كل واحد فينا يحاول ينام و أنا عن نفسي هحاول أتصرف كدا"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
هتعمل إيه يا وليد؟ هو أنتَ شاكك في حاجة؟"
رد عليه بهدوء رغم الخبث المُطل من نظرته:
لأ خالص، أنا بس عمال أعصر دماغي و مش لاقي حل"
أومأ له الجميع بموافقةٍ ثم ودعوا بعضهم بعدما حاول «ياسين» أخذهم شقة والده لكنهم رفضوا بشدة و توجه كلًا منهم إلى وجهته.
_________________________
دلف «ياسين» شقة والده فوجده تركض نحوه بخوفٍ و هي تبكي بقوةٍ، زفر هو بقلة حيلة وهو يسألها بنبرةٍ هادئة:
بتعيطي ليه بس، أنا قدامك أهوه يا خديجة، مالك؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
عمو كلمنا قبل ما تيجي و قال إنكم في القسم، من ساعتها و أنا خايفة عليك"
ربت على ظهرها ثم قال بنبرةٍ هادئة و بصوتٍ مبحوح:
و أنا أهو رجعتلك كويس و زي الفل، بطلي بقى متشيلنيش ذنبك"
ابتعدت عنه ثم حركت رأسها موافقةً عدة مرات فربت هو على رأسها ثم سألها بتعجبٍ:
أومال فين ماما ؟! غريبة يعني إنها مش معاكي؟"
حركت كتفيها وهي تقول بخجلٍ:
أعصابها باظت من اللي حصل و زعقت من شوية و دخلت أوضتها تعيط"
زفر هو بقوة ثم أغمض جفينه يحاول تهدئة نفسه، ثم أمسك كفها و أخذها خلفها فوجد والده في الشرفة يهاتف «فهمي» بينما والدته أغلقت على نفسها في غرفتها، وقف هو أمام غرفتها يطرق الباب و زوجته معه، لكن لم يصله ردًا منها، فكرر الكرةِ من جديد و لكن دون جدوى لذلك تحدث يقول بنبرةٍ قوية لا تنم على المزاح:
افتحي يا ماما الباب، و الله العظيم لو ما فتحتي هروح بيتي دلوقتي و ابقي اقفلي على نفسك كويس"
طالعته «خديجة» بدهشةٍ من حديثه، فوجده يكرر بنفس النبرة:
أنا مش بتكلم و خلاص، يمين بالله هتقفل معايا و همشي، مش كل مرة تعملي كدا في نفسك"
فتحت له الباب بعينيها الدامعتين بعدما وقفت خلف الباب تحاول جاهدةً مسح تلك الدموع حتى ظهر اثرها على وجهها، فوجدته دون حديث يترك زوجته ثم احتضنها بقوةٍ فبكت هي بين ذراعيه وهي تشدد عناقها له، في تلك اللحظة نظرت لهما «خديجة» بتعجبٍ من تلك الحالة التي سيطرت عليهما، فاقترب «رياض» يقول بنبرةٍ هادئة تحمل الندم و الاعتذار معًا:
أنا مليش ذنب يا زُهرة، هي اللي كلمتني و لما عرفت إن ياسين هنا صممت تيجي، و بعدين احمدي ربنا دي كانت عاوزة تروح شقته"
ابتعدت عن ابنها وهي تقول بنبرةٍ منفعلة:
و أنتَ عارف اللي فيها، نسيت إنهم كانوا هيسقطوني لما روحنا هناك؟ نسيت لما عمتك خافت تطالب بالورث علشان ابنك و زقوه في المياه؟ لو أنتَ نسيت أنا مش هنسى"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جادة:
لأ مش ناسي يا زُهرة، و علشان كدا أنا حالف على مصحف ربنا البلد دي منروحهاش تاني، و دي ضيفة جت و مشيت و خلاص، بلاش تنكدي على نفسك"
كانت «خديجة» تتابع ما يحدث بأعين متسعة لا تصدق ما يصير أمامها، حتى وجدت «رياض» يحتضن زوجته وهو يقول يربت على ظهرها و رافق حركته تلك قوله:
حقك عليا يا ستي، بدور لو كلمتني تاني هقولها في شهر العسل أنا و زهرة، خلاص كدا؟"
ابتعدت عنه وهي تقول بحنقٍ:
بطل تستفز فيا، شوفت قدمها الفقر؟ الشباب كلهم نزلوا يتخانقوا و راحوا القسم"
تنهد «رياض» بقلة حيلة بينما «ياسين» رد عليها بضيقٍ:
يا ماما أنتِ ست متعلمة عيب الكلام دا، دا نصيب، يلا أنا هدخل أنام و أنتِ كبري دماغك"
سألته هي حينما انتبهت لذلك:
طب أنتَ كويس؟ فيه حاجة في جسمك بتوجعك طيب؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يبتسم بخفوتٍ، فحركت رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
طب يلا ادخل نام أنتَ و مراتك اللي أعصابها باظت دي، يلا"
حرك رأسه موافقًا ثم أخذ زوجته و رحل بها من أمامهما، و بمجرد دلوفهما الغرفة سألته «خديجة» بنبرةٍ حائرة:
ياسين هو إيه اللي بيحصل؟ و إيه الكلام اللي مامتك قالته دا؟"
زفر هو بقوةٍ ثم أمسك كفها يجلسها على الفراش و جلس هو مقابلًا لها وهو يقول بنبرةٍ مترددة ممتزجة بألمٍ طفيف:
كلام ماما صح يا خديجة، هما حاولوا فعلًا يسقطوها علشان يجوزوه واحدة من الصعيد، من ساعتها و أمي متعقدة منهم و من الصعيد كلها يا خديجة"
شهقت هي بقوةٍ فوجدته يضيف بنفس النبرة:
و لما خلفتني و أنا عيل صغير و روحنا هناك مرة، خلت العيال يرموني في الترعة، علشان كدا أبويا و أمي قاطعوهم، معلش هي اتعصبت شوية و أعصابها فلتت بس هي بتفتكر كل ما تشوف حد من طرفهم و بتفتكر اللي حصل"
في تلك اللحظة احتضنته هي بقوةٍ و كأنها تود حمايته حينما استمعت لمآساته، بينما هو زفر بقوة ثم شرد في «عمار» و مشكلته و في ما أصابه أمام الجميع.
_________________________
عاد «عامر» إلى بيته و هو يشعر بنيران تحرق جوفه، رؤيته لنظرة الانكسار في أعين شقيقه جعلته يود الصراخ، حتى أنه فكر في العودة لهؤلاء الشباب من جديد و يأخذ حق شقيقه، لكنه تمهل في تفكيره ينتظر الغد، ارتمى على الأريكة فوجد زوجته تقترب منه وهي تتحدث مع والدته قائلة بنبرةٍ منهكة من كثرة التفكير:
أيوا يا طنط وصل أهوه الحمد لله، خلاص أنا هكلمك لو فيه حاجة و هخليه يكلمك"
اقتربت منه بعدما أغلقت الهاتف مع والدته وهي تسأله بنبرةٍ خافتة:
إيه يا عامر شكلك عامل كدا ليه؟ أنا أول مرة أشوفك كدا"
رد عليها هو بنبرةٍ منفعلة:
فيه أني شوفت أخويا وهو مكسور يا سارة، عمار اللي عيشنا عمرنا كله نحافظ عليه من نسمة الهوا اتضرب بالقلم من عيل شمام، يمين بالله ما هسكت غير لما حقه يرجع، هو بس يتكلم و يحكيلي حصل إيه"
ربتت هي على كتفه وهي تقول بنبرةٍ هادئة تحاول بذلك تهدئته:
أنا عاوزاك تهدا و تعقل كدا علشان أخوك، بلاش تهور يا عامر، كلنا عارفين أخلاق عمار، إيمان قالتلي حصل إيه و أكيد البنت دي وراها حاجة"
زفر هو بقوةٍ ثم رجع برأسه للخلف وهو يقول بنبرةٍ متألمة:
خليته العمر كله يعيش في حاله و ملهوش في المشاكل، و جايين يتبلوا عليه إنه حاول يتحرش بالبنت دي، عمار اللي يوم ما حب خلود حافظ عليها من نفسه، كسرة ابني قصادي صعبة أوي"
ربتت على كتفه وهي تقول بنبرةٍ متألمة لأجل حزنه الذي أول مرة تعهده منه هي:
صدقني كل حاجة هتتحل يا عامر، بس بلاش أشوفك كدا علشان أنا مبحبش اشوف زعلك"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم تركها و ذهب من أمامها و هو يجر ازيال الخيبة خلفه، بينما هي نظرت في أثره بحزنٍ بالغٍ تود لو دخلت تمرح معه كما يفعل معها في حزنها لكنها رفضت و توقفت عن ذلك علمًا بأنه قد يفقد صوابه فهو سبق و أخبرها أنه حين يتعصب يتبدل حاله لذلك اكتفت أن تكون بجانبه وهي صامتة، و لكنها لن تتركه.
_________________________
في شقة والد «عمار» جلس في غرفته يبكي بقوةٍ كلما تذكرت الكف الذي نزل على وجهه الخطأ لم يكن له، عاش طوال سنين حياته يسعى وراء السُمعة الطيبة و التحلي بالاخلاق كما وعد أخوته و لكن تلك التهمة تصيب سمعته و تربيته، شعر بغصةٍ في حلقه حينما تذكر شكل الفتاة مع الشاب، أهذه هي نتيجته؟ نتيجة الخير الذي قام به معها؟ بدلًا من أن تكون ممتنةً له تفعل معه ما فعلته؟"
غرق في تفكيره لا يدري ماذا يفعل؟ هل يخبر الجميع بما رآهُ؟ هل يجازف بسمعة فتاةٍ و يصيب شرفها؟ بالطبع لن يفعل ذلك، و لكنه تذكر جملة شقيقها حينما قال:
يا رقبته يا يصلح غلطته، دا شرف"
حينها انتفض من على الفراش وهو يفكر ماذا إذا ربطه قدره بتلك الفتاة؟ ماذا يفعل في حبه و قلبه و تلك التي خفق قلبه لأجلها؟ ماذا يحدث إذا علمت بما حدث؟ بالطبع سينزل من نظرها و هو من عاش محاربًا لسمعته و أخلاقه.
_________________________
وصل «وليد» بيته غارقًا في التفكير فيما حدث، الموضوع بأكمله يشبه قصيدة مليئة بالألغاز، حتى تفهم الشطر الأول عليك قراءة الشطر الثاني و لكي يكتمل المعنى تلزم بقراءة الشطرين معًا، جلس فوق سطح البيت يفكر و يفكر حتى توصل أن الفتاة هي مربط الفرس في الموضوع، جملة «عمار» و حمايته لسُمعتها جعله يتأكد الفتاة هي من ستقوم بفك تلك الشفرات، حينها فتح هاتفه فوجد «خلود» متصلة هاتفيًا بشبكة الإنترنت، حينها طلبها سريعًا تصعد له، أمتثلت لمطلبه رغم تعجبها منه و بعد مرور كانت تقف أمامه وهي تقول بمللٍ:
نعم يا سيدي خير ؟! عاوزني ليه في نصاص الليالي كدا؟ استر يارب"
رد عليه هو بضجرٍ:
أنا مش عاوز رغي يا خلود، اقعدي خليني أقولك أنا عاوز إيه"
نظرت له باستنكارٍ مع نظرة حنقٍ طلت من عدستيها بسبب عصبيته تلك تزامنًا مع سحبها للمقعد المقابل له حتى تجلس عليه، فوجدته يقول بنبرةٍ حاول صبغها بالثبات:
بصي مبدأيًا متزعليش مني علشان اتعصبت، بس الموضوع كبير و يخص عمار"
عند ذكر إسمه انتابها الفضول و القلق معًا لكنها أثرت التجاهل و هي تقول بثباتٍ:
خير ؟! ماله عمار يا وليد؟ زعلك في حاجة؟"
دون أن يمهد لها الموضوع دخل مباشرةً في حديثه وهو يسرد لها ما حدث معهم في المركز و قسم الشرطة حتى حديث «عمار» نفسه عن سُمعة الفتاةِ، بينما هي كانت تشعر بالنيران في صدرها ليس فقط لأجل «عمار» و لكن لتمادي الفتاةِ في أفعالها و حينما أنهى حديثه سألها بنبرةٍ مترددة:
بصي يا خلود يمكن أنا طول عمري مبثقش في الناس و بسوء فيهم الظن لكن عمار دا الوحيد اللي بثق فيه، علشان كدا هقولك أنتِ تشوفي إنه ممكن يعمل حاجة كدا؟ بحكم إنه في السنتر قدامك علطول تقريبًا؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة ممتزجة بثقةٍ لا تدري مصدرها:
مستحيل يا وليد، واحد زي دا علطول عينه في الأرض و عمره ما خطى حدوده مع بنت من بنات السنتر، البت دي أصلًا مش كويسة و السنتر كله يشهد بطريقتها و هزارها و معندهاش حدود مع حد"
سألها هو باهتمامٍ ظهر في نبرته:
أنتِ متأكدة إنها نفس البنت؟ أنا بقولك سمعت أخوها بيقول لحد في التليفون متخليش سُمية تنزل، السنتر كله مفيهوش غير سمية دي؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ مقررة:
و بتقول أبوها إسمه توفيق، و هي سمية توفيق اللي معايا في الدروس، بس قولي أنتَ هتعمل إيه؟ و بتدخل ليه أصلًا؟"
رد عليها هو مردفًا بثباتٍ:
بتدخل علشان عامر و ياسين و خالد و ياسر، بتدخل علشان روحي اللي كانت هتروح لولاهم خاطروا بنفسهم في نصاص الليالي، لازم أكون في ضهرهم و أتصرف أنا"
ردت عليه هي بنبرةٍ قوية لا تقبل الرفض أو الشك:
الحل في شارع سعد هلال اللي جنب السنتر، هو دا المكان اللي هيساعدك يا وليد"
حرك رأسه باستنكارٍ يسأل سؤالًا صامتًا عن ماهية حديثها فجاوبته هي مُردفة:
البت دي كل وقفتها في شارع هلال مع واحد من اللي في السنتر معانا بس هو باين علمي، أنا لما الدرس بيكون بالنهار بمشي من الشارع دا علشان فاضي، شوفتها هناك ٣ مرات قبل كدا معاه"
سألها هو بنبرةٍ جامدة:
شوفتيها بتعمل إيه هناك؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ساخرة:
هتكون بتعمل إيه؟ واقفة في شارع جانبي و مع واحد لوحدهم، بيستعبطوا"
ابتسم هو بتهكمٍ وهو يقول:
و طبعًا هي مش بتشوفك، أصلها مش فاضية يا ولداه"
ردت عليه هي بنبرةٍ مقررة:
اسمعني يا وليد، لو زي ما بتقول كدا يبقى عمار شافهم سوا و هما لزقوها فيه، و هو غبي لو فكر يسكت عن حقه"
ابتسم هو بخبثٍ ثم هب واقفًا وهو يقول بنبرةٍ سريعة تدل على تعجله:
انزلي الشقة يا خلود و محدش يعرف حاجة عن الكلام دا و لو حد سألك كنتي فين قوليلهم وليد طلب أكل من عندنا أوي مياه أي حاجة زي كل مرة"
سألته هي بتلهفٍ:
أنتَ رايح فين دلوقتي؟ احنا وش الفجر يا وليد، أقعد هنا"
رد عليها هو بنبرةٍ سريعة:
مش هينفع، فيه واحد غبي بيضيع حياته و حياة اللي حواليه بسبب غبائه"
_________________________
أسفل شقة «فهمي» توقف «وليد» بسيارته ثم أخرج هاتفه يطلبه و بعد عدة محاولات وصله الرد أخيرًا و كانت كلمةً واحدة من ثلاثةِ حروف، فرد عليه هو بنبرةٍ قوية:
اسمع !! قدامك دقايق و تكون قصادي، بدل ما أطلع آخدك أنا و ساعتها هتبقى فضيحة"
قال حديثه ثم أغلق الهاتف دون إنتظار الرد منه، بينما الآخر من قوة نبرته و حِدة لهجته قرر النزول له و بمجرد ركوبه بجانبه السيارة، تحدث «وليد» يقول بنبرةٍ جامدة:
شغل الهبل اللي حصل دا مش واكل معايا، انطق يا عمار حصل إيه؟"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بضجرٍ:
محصلش حاجة، أنا عاكست واحدة و باخد جزائي، حاجة تعلمني بعد كدا مبصش لحد"
رد عليه «وليد» بتهكمٍ:
الكلام دا لأي حد غيري، لكن مش على وليد الرشيد، قولي حصل إيه في الشارع اللي ورا السنتر علشان تتدبس في الحوار"
طالعه «عمار» بدهشةٍ حينما ذكره بالمكان، فوجده يقول بنبرةٍ تحمل السخرية و التهكم:
إيه كنت فاكرني مش هعرف؟ تبقى غبي لو فاكر إنك هتحمي حياة غيرك على حساب حياتك يا عمار، محدش بيفتكر التضحيات، فوق لنفسك و لأهلك و لأخواتك"
رد عليه بصراخ منفعلًا في وجهه بسبب ظغط أعصابه:
أنا تعبت و مضغوط يا وليد، سمعة بنت و شرف عيلة كاملة هيضيع، و أنا راجل مظلوم و مش هقدر أقول اللي شوفته من غير دليل، أنا وضعي صعب"
رد عليه «وليد» بصراخ هو الآخر:
و أنا متنيل هنا علشان أساعدك، صدقني فيه وراك ناس هتدمر لو ضحيت بسمعتك، بلاش كل دول، أنا مش هقدر أدافع عنك قصاد خلود، خلود اللي أنتَ بتحارب نفسك علشانها، فوق يا عمار"
عند ذكر اسمها هي تحديدًا زفر بقوةٍ و هو يحاول تهدئة نفسه فوجد «وليد» يحثه قائلًا:
ها يا عمار !! انطق يا بني بقى"
بعد مرور دقائق كان «وليد» يطالعه بتمعنٍ وهو يتفرس ملامحه و حينما لاحظ «عمار» نظرته قال بتلهفٍ حتى ينفي أي اتهام:
و الله العظيم مش بكدب عليك يا وليد، و ربنا هو دا اللي حصل، مش عارف إزاي بقيت أنا المتهم"
رد عليه «وليد» بسخريةٍ:
أنتَ عبيط يالا؟ واحدة و واحد خاربين الدنيا سوا و أنتَ خايف عليهم؟ إذا كان هما مش خايفين من ربنا؟ خايف عليهم أنتَ من الناس؟"
رد عليه بضجرٍ:
علشان تربية أخواتي متضيعش، هما ربوني أني أكون راجل قد الابتلاء، مش أنا الراجل اللي افضح بنت علشان أثبت براءتي"
و بنفس السخرية اللازعة قال:
كويس إنك عرفتني تربيتهم عاملة إزاي، علشان ابقى عارف إن الجيل الجديد منهم هيطلع موكوس، يلا أطلع أنتَ نام"
سأله «عمار» بتوجسٍ و ريبة:
أطلع !! وليد هو أنتَ هتعمل إيه؟ خليك عارف إن كلامي من غير دليل، يعني هيبقى كلامي قصاد كلامها، و علشان أخواتك يا وليد، بلاش سُمعة البنت"
رد عليه «وليد» بلامبالاةٍ و كأنه لا بهتم من الأساس:
خلاص بقى الموضوع طلع صعب و كبير يا عمار، ربنا يسترها بكرة مع الناس"
رد عليه بسخريةٍ:
و كمان هروح أحق نفسي ليهم، أنا طالع أنام دا لو عرفت أصلًا"
حرك «وليد» رأسه موافقًا وهو يتابع خروجه من السيارةِ، بينما «عمار» خرج من السيارة ثم توجه نحو بيته وهو يشعر أن الهمم باتت مُضاعفةً فوق كاهله.
_________________________
في شقة «حسن» كانت «هدير» جالسةً في صالة البيت تشعر بالجوع و المللِ معًا، و ذلك بسبب نومه و جلوسها بمفردها، شردت هي بفكرها فيه و فيه تواجدهما معًا رويدًا رويدًا شردت في ملامحه الجذابة و طريقته العفوية التي تقتلها حتى مشاعره الجامدة التي لم يصرح بها حتى الآن، لكنها تُجزم من لمعة عينيه أنه أحبها و بشدة، هي لم تكن ساذجة، بل هي ماهرة في فهم من حولها، لذلك اقسمت على مراوغته حتى يُصرح لها بما يكنه لها قلبه، لذلك بدأت في تنفيذ أول مخططاتها، و دخلت غرفته توقظه وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
حسن، أصحىٰ يلا، اصحى يا حسن أنتَ سايبني لوحدي و مش عارفة أعمل إيه؟"
التفت لها حينما هزته بقوةٍ وهو يقول بنبرةٍ ناعسة:
إيه يا هدير، عاوز أنام بتصحيني ليه؟"
ردت عليه هي بخجلٍ مصطنع:
كنت قاعدة لوحدي و زهقت يا حسن، قوم اقعد معايا، هو أنا جاية هنا اقعد لوحدي؟"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بضجرٍ:
تعالي نامي جنبي يا ستي، اقولك تعالي احضنيني، أنا مش عارف أنام و أنتِ مش جنبي"
رغم أن حديثه أسعدها إلا أنها ردت عليه بحنقٍ ترفض حديثه:
يا حسن أنا زهقانة أصلًا و بصراحة جعانة، تعالى كل معايا"
كانت تسحبه من الفراش وهي تتحدث حتى وقف أمامها بملامح وجه ناعسة و أعين مغلقة يحاول فتحهما على مضضٍ فوجدها تسحبه بقوةٍ حتى وصلا للمطبخ وهو يسير معها بمللٍ و حنقٍ، توقفت وهي تقول بمرحٍ:
تيجي نحمر بانيه و نعمله في كيزر و نضربهم سوا؟"
رد عليها ساخرًا منها:
نضربهم؟ طب ياختي اضربي و اتوصي بيا معاكي علشان جوعتيني"
ابتسمت له ثم التفتت تقوم بصنع الطعام بينما جلس هو خلفها يتابعها ببسمةٍ هادئة مرسومة على وجهه حينما تذكر مشاركتها له في الليل، بينما هي انتهت من صنع الشطيرات سريعة التحضير ثم التفتت له تضعها أمامه وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
يلا سمي الله يا أبو علي، صحيح قربنا على الفجر و دي جريمة في حق رشاقتنا بس دا جوع برضه"
ابتسم لها أكثر من قبل وهو يرد على حديثها بنبرةٍ ساخرة:
وهو علشان سندويتش البانيه دا بقت جريمة؟ هدير أنا كنت باكل حواوشي الساعة ٢ بليل و لتر بيبسي و معاه شيبسي و حلويات، أنا معدتي نضفت في وجودك و الله"
ردت عليه بوجهٍ ممتعض:
إيه دا يا حسن؟ هو أنا انتينال؟! يعني الناس بتقول البيت نور بوجودك، حياتي أحلوت بيكي، و أنتَ تقولي معدتي نضفت !!"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة على هيئتها الممتعضة و أنفها المتشنج:
خلاص البيت الحقير دا نضف برضه بوجودك، حلو كدا؟"
ردت عليه هي بحنقٍ:
يا بني هو أنا مندوب شركة ديتول ؟! أسكت و متتكلمش بقى أحسن، كل و أنتَ ساكت"
هز رأسه موافقًا ثم أخذ الطعام الخاص به و هي أيضًا و سرعان ما أتت فكرة بذهنها وهي تأكل، لذلك تركت الطعام وهي تسأله بخجلٍ زائف أبدعت في اظهاره:
حسن هو أنتَ زعلان علشان صحيتك من النوم؟ متزعلش بس أنا حسيت أني مخنوقة لوحدي كدا"
رد عليها هو بنبرةٍ عادية:
لأ مش زعلان و الله، أنا ماكلتش كويس و أنتِ مش بتعرفي تاكلي لوحدك يا هدير، عادي يعني"
ردت عليه هي بحزنٍ مصطنع:
طب الحمد لله، على الأقل علشان لما أرجع بيتنا ميقولوش مكانتش بتاكل"
حرك رأسه يطالعها بتعجبٍ وهو يمضغ الطعام، فحركت رأسها تؤكد حديثها بقولها:
أيوا، لما أروح عند بابا و أرجعله أكيد هيسألني خسيت كدا ليه؟ أقوله كنت ضيفة تقيلة و مش مرحب بيا؟"
رد عليها هو بحنقٍ و انفعالٍ طفيف:
بس أنتِ مش ضيفة، و من إمتى جت فكرة إنك تسيبيني دي؟ كلامك غريب"
ردت عليه هي ببراءةٍ كاذبة:
علشان كدا كتير عليك بصراحة، أنا وجودي حساه عملك خلل في المشاعر، علشان كدا بقول أرجع بيتنا أحسن، و أنتَ ترتاح مني شوية بقى"
تحدث هو بنبرةٍ جامدة:
دا هبل دا على الصبح ؟! هدير أنتِ شكلك نايمة بجد بقى، أنتِ مش هتمشي و مش هتسيبيني"
سألته هي بنبرةٍ هادئة تتوق لسماع كلمة تثلج روحها:
'ليه مش همشي و أسيبك؟ إيه المبرر بقى اللي يخليني أفضل"
اقترب منها يمسكها من مرفقها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
وعدك ليا إنك مش هتمشي، هتسيبيني إزاي و أنتِ وعداني"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول متصنعة البرود:
عادي، دا كان وضع مؤقت و خلص، و بابا كلمني و قالي أني وحشته أوي، عاوزني أقعد معاه فترة كدا"
تركها هو على مضضٍ ثم قال بهدوء ممتزج بحدةٍ طفيفة:
براحتك يا هدير، بس كدا أنتِ هتخلفي وعدك معايا، و أنا بخاف من اللي بيخلفوا وعدهم"
تركها و ترك المكان بالكامل ثم توجه نحو المرحاض، بينما هي زفرت بقوةٍ ثم ابتسمت بانتصار وهي تقول بتوعدٍ:
و لسه يا حسن، أنا هخليك تنطق و تقولها و تغنيها كمان"
_________________________
في صباح اليوم التالي لم يذهب «وليد» إلى عمله، بل اختفى منذ الصباح الباكر و لا أحد يعلم بمكانه، بينما الشباب ذهب كلًا منهم إلى عمله عدا «عامر» الذي نزل منذ الصباح برفقة زوجته حتى يجلس بشقة والده و يكون سندًا لأخيه، أما «ياسين» فكان يتابع مع الشباب و خصوصًا «عامر» الذي شعر بالحنق من صمت أخيه بعدما حاول معه مرارًا و تكرارًا و لكن دون فائدة و فجأة صرخ «عامر» في وجهه:
يا بني !! دي تهمة في شرفك و سمعتك، متقوليش أنا ولد و مسيري أكبر، دا كلام خايب، متخلنيش أمد إيدي عليك يا عمار"
رد عليه «عمار» منفعلًا:
حل عني يا عامر، أنا معنديش حاجة أقولها، أنا رخمت عليها و هي فهمت غلط، كنت فاكرها هتقبل الهزار"
رد عليه متهكمًا بسخريةٍ:
الكلام دا عند أمك يا عمار، لكن الهبل دا مش واكل معايا، من إمتى بتهزر مع بنات؟! طب ما خلود أولىٰ بقى بالهزار دا"
ارتمىٰ على الفراش وهو يقول بنبرةٍ منهكة:
أطلع برة و أقفل الباب يا عامر أنا عاوز أنام، يلا قبل ما ننزل نروح للناس"
زفر «عامر» بقوةٍ ثم خرج من الغرفة على مضضٍ وهو يشعر بنيران تمزقه و تحرق صدره و هو يقف عاجزًا حتى عن إطفائها
عاد «وليد» من مشواره المبكر ثم توجه نحو بيته و من حسن حظه أن «خلود» كانت بالبيت بعد عودتها من المدرسة، جلس معها في شقة والده وهو يقول بنبرةٍ هامسة:
خلود عاوزك تجيبيلي رقم زفتة الطين سمية، اتصرفي و هاتيه"
ردت عليه هي بنبرةٍ ثابتة:
بسيطة، جروب الدفعة بتاع السنتر عليه الأرقام كلها وهي صورتها محطوطة علطول علشان كدا رقمها معروف للسنتر كله، بس هي مراحتش المدرسة النهاردة"
أومأ لها موافقًا ثم أخذ منها الرقم بعدما أخذته هي من مجموعة الدفعة للتواصل الالكتروني، بينما هو أخرجها من الشقة ثم قام بمهاتفة الفتاةِ التي ردت عليه بتوترٍ فوجدته يقول بنبرةٍ جامدة:
نص ساعة تقابليني في شارع هلال، لو مجتيش أنا هاجي أعملك فضيحة تحت البيت بجد، كأنك راحة درس و تيجي تقابليني"
لم ينتظر ردها بل أغلق الهاتف فور انتهاء حديثه، بينما هي توترت و شعرت بالخوف مما هو قادم، ففي المساء سيتم الحكم في الموضوع وهي تعلم أن أشقاؤها لن يصمتوا عن حقها الكاذب، ماذا إذا تم كشف الحقيقة لديهم؟ بالطبع ستموت بين أيديهم، لذلك قفزت من مكانها حتى تقابل من هاتفها بتلك النبرةِ الجامدة ظنًا منها أنه الشاب الذي كان معها بالأمس، و قبل خروجها من البيت أوقفها شقيقها يسألها بنبرةٍ غلظة:
راحة فين يا بت ؟! تنزلي تاني و تجيبي مشاكل و نبات في القسم علشان سيادتك ؟!"
ردت عليه هي بتلعثمٍ:
أنا....أنا، آه مروحتش النهاردة المدرسة و عندي امتحان بكرة، و هروح أقابل صحبتي أخد منها الكتاب و هرجع بسرعة"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم دخل الغرفة من جديد، بينما هي ركضت حتى تلحق الوقت قبل فوات الأوان، حتى وجدت «وليد» يقف في انتظارها، سألته وهي تلهث بقوةٍ:
نعم ؟! خير أنتَ مين و مكلمني ليه إن شاء الله؟"
رد عليها هو بثباتٍ:
عاوز أعرف إيه اللي حصل مع عمار فهمي علشان تتهميه بحاجة زي دي؟"
ردت عليه هي بتوترٍ:
هو أنتَ تبعه؟ حسبي الله ونعم الوكيل، البيه حاول....يتحرش بيا و عاكسني و لما رفضت و زعقت حاول يتهجم عليا"
سألها هو بنبرةٍ متريثة:
دا الفيلم الحمضان اللي زي طبيخ أمك كدا، لكن الحقيقة إيه بقى؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ منفعلة:
لم نفسك أحسنلك، و حقي أنا مش هسيبه، و عمار هيدفع تمن غلطته"
حرك رأسه موافقًا بقوة ثم أضاف بخبثٍ:
لأخر مرة هقولك إيه اللي حصل و عمار مظلوم ولا لأ؟"
ردت عليه هي بقوةٍ زائفة:
آه عمار غلطان، و حقي هيرجع و هتشوف بليل حقي وهو بيرجع"
التفتت حتى تغادر و تتركه بعد جملته تلك فوجدته يقول بنبرةٍ تحمل الكثير و الكثير:
أنتِ غبية، علشان أنا أديتك ٣ فرص و ضيعتيهم، متجيش تزعلي و تعيطي علشان الموضوع هيبقى كبير"
التفتت من جديد تطالعه بترقبٍ فوجدته يركب سيارته دون أن يهتم بوجودها من الأساس.
_________________________
في المساء تقابل الشباب جميعهم ومعهم «رياض» و «فهمي» الذي شعر بالحزن لأجل إبنه الصغير و الذي يعلم كل العلم ببراءته من تلك التهمة، وقفوا جميعًا في انتظار «وليد» الذي فاجئهم حينما أتى برفقة شباب عائلته و معهم «حسن» أيضًا، تم التعارف بين الجميع و أول من تحدث مستفسرًا كان «ياسين» وهو يقول:
طب تعبت الشباب ليه يا وليد؟ كفاية تعبك أنتَ معانا"
رد عليه «طارق» بنبرةٍ معاتبة:
جرى إيه يا عم ياسين؟ هو إحنا مش أخوات ولا إيه؟ و بعدين احنا معاكم علشان نأمنكم"
سأله «ياسر» متعجبًا:
تأمنونا من إيه؟ المفروض أننا رايحين نتفاوض و نخلص حوار"
تدخل «حسن» يفسر له الوضع:
كل الحكاية يا دكتور إننا داخلين منطقتهم يعني هما أصحاب حق، وارد يكون فيه غدر منهم علشان كدا لما ندخل كلنا سوا مع بعض، دا هيخوفهم"
تدخل «خالد» يقول بنبرةٍ جامدة:
أنا ماسك نفسي بالعافية علشان عامر، عامر لو أنا سخنت هيسخن هو كمان و دا مش عاوزه يحصل"
رد عليه «عامر» بحنقٍ:
أنا مش هسيب حق أخويا يا خالد و القلم هيجي اتنين، يمين بالله هخرج منها يا قاتل يا مقتول"
رد عليه «فهمي» منفعلًا:
اسكت يا عامر، خلي أخواتك هما اللي يتعاملوا أحسن، حق أخوك هيرجع بس بالأدب و العقل"
تدخل «رياض» يقول بحكمةٍ:
فهمي بيتكلم صح يا عامر، لازم نكون هاديين علشان إحنا رايحين عندهم و أظن أنتَ شوفت شكلهم امبارح عامل إزاي، على الأقل علشان الشباب اللي معانا"
زفر هو بقوةٍ فتحدث «عمار» يقول بخجلٍ و خزيٍ:
حقكم عليا أنا يا جماعة، و الله أنا مكسوف منكم كلكم ، بس واثق في كرم ربنا و رحمته علينا"
أومأ له الجميع بموافقة ثم رحلوا خلف بعضهم بعدما قاموا بمواسته و طمئنته أن كل شيٍ سيكون على ما يرام.
وبعد مرور دقائق دخلوا المنطقة حيثُ مكان المفاوضة و نظرًا لسمعة الفتاة، تمت الجلسة في بيتها حتى لا يتم لفت الأنظار لها من الجيران خصيصًا أن هيئتها و طريقتها كانت محلًا للانتقاد بسبب إهمال أهلها لها بعد وفاة أبيها، و مع بداية الجلسة تحدث شقيقها الأكبر يقول منفعلًا:
دلوقتي أختي رجعتلي من الدرس معيطة و هدومها مشدودة، بسألها قالتلي عمار اللي شغال في المحروق، هتعملوا إيه لو أنتو مكاني؟"
رد عليه «عامر» بضجرٍ:
احترم نفسك و أنتَ بتتكلم عن أخويا، عمار عمره ما غلط و لا عمره ما رفع عينه في بنت، و كلمة كمان عليه هقل منك وسط صحابك و أخواتك"
تدخل «فهمي» يقول صارخًا بابنه و معاتبةٍ للأخر:
إهدا يا عامر، خلينا نشوف اخرتها و طلباتهم، طالما أخوك ساكت مش عاوز ينطق، يبقى الغلط مننا"
تدخل صديق شقيقها يقول بنبرةٍ جامدة:
إحنا الشرف عندنا زي عود الكبريت اللي يلمسه يتحرق، و البيه حاول يمس شرفنا يا يصلح الغلط دا، يا راسه تيجي تحت رجلنا"
تدخل «خالد» يقول بحنقٍ ممتزج بالحدة:
ما تحترم نفسك يا عم و قول كلمة عدلة، هو أنتَ غاوي شعللة؟ يمين بالله لو حد مس أخويا بس لأكون ملبس أهله الأسود عليه"
تدخل «ياسين» يقول بضجرٍ:
شوف علشان قلة أدب مش عاوزين، الحوار دا يخلص بإيه؟"
رد شقيقها بثقةٍ:
الحوار دا يخلص بإن الواد يخطبها طالما مش قادر على نفسه، يبقى يتخطب، يا كدا يا يحق نفسه قدام المنطقة كلها و مكان شغله و يدبح دبيحة تكون فداه، دي الأصول"
اتسعت أعين الجميع بخوفٍ عدا كلًا من «وليد» و «ياسين» الذي ابتسما بخبثٍ، فتحدث «ياسين» يقول بثقةٍ:
يعني الغلطان دا أدبه !! مش هترجع في كلامك يا معلم؟، خليكم شاهدين يا رجالة"
رد عليه شقيقها بثقةٍ:
مش راجع، هو دا الحق، يحق نفسه قدام المنطقة و يبوس راسي و يدفع دبيحة تكون فدا روحه مننا"
اقترب «وليد» منه وفي يده الهاتف الخاص به وهو يقول بنبرةٍ متريثة لم تخلو من الخبث:
طب شوف الفيديو الحلو دا كدا و بعدين أحكم أنتَ، لولا الأصول و إني عارف الحريم متتكشفش على رجالة كنت طلبت الآنسة بنفسها تتكلم قصادنا"
أخذ شقيقها الهاتف من يده بحيرةٍ من حديثه بينما الآخر كان يبادله النظرة بثقةٍ كبرىٰ، و بمجرد مشاهدته ما صار مع «عمار» و ذلك الشاب حتى أوشك الهاتف على السقوط من يده، فخطفه «وليد» وهو يقول بنبرةٍ خبيثة:
أنتَ اللي حكمت يا غالي، و أظن الحق قصادك أهوه، لو عاوز تتأكد بنفسك من أختك اتفضل"
قام شقيقها ثم سحب الهاتف من يد «وليد» بعدما مد يده له به، دخل الغرفة مثل الأسد الجريح الذي خرج لتوه من قفصه يبحث عن فريسته و بعد مرور ثوانٍ كان ينهال عليها بالضربات و اللكمات وهي تصرخ بين يديه و والدتها تحاول إبعاده عنها، بينما في الخارج اتسعت الأعين بقوةٍ حتى خرج شقيقها يقول بنبرةٍ تائهة:
ها يا أساتذة تؤمروا بإيه؟ أنا بقول نخلصها ودي هنا أحسن"
رد عليه «وليد» بسخريةٍ لازعة:
لأ يا ريس، مينفعش تزعلني في شارع و تصالحني في حارة"
سأله بترقبٍ:
يعني إيه ؟ عاوز توصل لإيه إن شاء الله"
تدخل «عامر» يجاوبه بنبرةٍ جامدة بعدما رأى الفيديو على هاتف «ياسين»:
يعني حق أخويا يرجع في مكان شغله، و يترد اعتباره، و القلم اللي اتاخد مرة يترد مرتين، و منهم مرة هنا في بيتك من إيد أخويا"
نظر الجميع لـ «عامر» بدهشةٍ، فأضاف «ياسين» مؤكدًا:
كل كلمة عامر قالها صح، حق أخونا يرجع هنا و هناك في شغله و عمار دلوقتي يرد الكف قدامنا كلنا"
ازدرد «عمار» لعابه بخوفٍ فتفاجأ بشقيقه يسحبه في منتصف الجلسة وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
القلم يترد يا عمار، سُمعتك و لعبوا بيها و أنتَ كنت بتدافع عن المحروسة اختهم، و أخواتك و كانوا هيباتوا في القسم، قسمًا بالله القلم لو متردش و كيفني هكيفك أنا.....يــلا"
صرخ بكلمته الأخيرة في وجه شقيقه بقوةٍ يريد منه رد الصفعة على وجه شقيق الفتاةِ كما صُفع هو بينما صديق شقيقها تحدث يقول بنبرةٍ منفعلة يريد افتعال مشكلةٍ:
يعني إيه؟ هتسيبوا يعمل كدا يا ديشا؟! فوق علشان هيبتك يا جدع، يمين بالله نقلبوها مجزرة"
رد عليه شقيقها بانكسارٍ واضح:
حقهم و ياخدوه زي ما هما عاوزين، اضرب يا كابتن لو دا هيرجع حقك"
طالعه «عمار» بعدة مشاعر مختلطة يكسوها البغض و الكره له و لشقيقته و لصديقه حتى شقيقه الصغير الذي يتابع الوضع بترنحٍ نتيجة سُكره، و حينما لاحظ نظرة الشباب له رفع كفه حتىٰ يهوي بالصفعة على وجه الرجل الذي أغمض عينيه بقوةٍ ينتظر صفعةً مدويةً تنزل على وجهه من شابٍ في نصف عمره و لكنه تفاجأ بـ «عمار» حينما انزل ذراعه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
لو أنتَ فاكر إن الرجولة و الحق بالضرب و الدراع تبقىٰ غبي، أنا جايز لو ضربتك أبقى علمت عليك، بس أنا هعلم عليك بالأدب و أقولك إني مش همد إيدي على واحد أكبر مني في أرضه، علشان أنا متربي و دا الفرق بيني و بينك، و علشان ابقىٰ علمت عليك بالأدب."
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثلاثون 30 - بقلم شمس بكري
ليست حياتي بذلك الثباتِ كما يبدو، كيف ذلك و القلب بإسمك دائمًا يشدو ؟!
_________________________
الأمر ليس بتلك السهولة، هي لم تكن تجربة عادية، فالأمر يشبه شخصًا واقفًا على حافة جبلٍ لا يستطع الانتظار و لا يقدر على الفرار و لا حتى يملك قدرة العودة من جديد، الحقيقة تشبه شخصًا كان يسعى للسلام حتى قُرعت طبول الحرب فوق رأسه، فبات مُنهكًا بالكامل، بعدما كان يحلم بالسلام ما أخذ من تحقيقه سوى الآلالم.
بعد حديث «عمار» تمكنت الدهشة من أوجه الجميع ممتزجة بعدة نظراتٍ ساخطة و أخرى فخورة به، و بين ذلك و ذاك كان شقيق الفتاةِ يطالعه بدهشةٍ من موقفه فوجده يتابع حديثه قائلًا:
أنا كدا هبقى صاحب حق و مركبك الغلط، و دي كفاية عندي إنك تقف عينك في الأرض أنتَ و جماعتك كلهم، الكف أنا مش هرده، علشان أنا قولتلك أني متربي و مش عاوز في يوم واحد نتحط في كفة واحدة سوا"
دفعه «عامر» من أمام الرجل ثم وقف مقابلًا للرجل يقول بنبرةٍ ثابتة يحاول التحكم في غضبه:
أخويا متربي و سامح في حقه و دا حقه و هو حر فيه علشان هو متربي، لكن أنا مش متربي.."
أنهى جملته بصفعة على وجه الرجل بقوة كانت مشحونةً بالغضب و الانفعال و كل ما يراه أمامه في تلك اللحظة هي دموع شقيقه و صوته المنكسر حينما هَوْت الصفعة على وجهه، اتسعت أعين الجميع و قبل أن يتدخل صديق شقيقها أوقفه «ياسين» يقول بنبرةٍ جامدة:
أقف عندك يالا بدل ما أفصل رجلك عن جسمك، واحد بياخد حق أخوه، زي ما أنتم اتحمقتوا و روحتوا تاخدوا حق أختكم، أظن إحنا قولنا إن القلم هيترد"
حاول شقيقها التحكم في ذاته وهو يتنفس عدة مراتٍ، ثم تحدث أخيرًا بنبرةٍ مهتزة:
دا حقك يا أستاذ، طلبتكم إيه تاني؟"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ جامدة:
عمار يحكم باللي هو عاوزه، و اللي يقول عليه يتنفذ بالحرف، أصل دي سُمعة و إحنا عندنا السمعة زي عود الكبريت، دا شرف"
ذكره «وليد» بحديثه السابق، فتدخل «حسن» يقول بخبثٍ:
بالظبط، إحنا هنا كنا جايين محقوقين بقينا صحاب حق، و كلكم شوفتوا أخونا وهو بيدافع عن أختكم، يبقى عمار يحكم باللي هو عاوزه و كل كلامه يتنفذ"
حرك شقيق الفتاةِ رأسه نحو «عمار» يسأله بنبرةٍ مهتزة و بصوتٍ مبحوح:
اتفضل يا أستاذ عمار، طلباتك أوامر كلها، أنا دلوقتي محقوق ليك برقبتي"
نظر «عمار» في وجه من معه فوجد نظراتهم مُحذرةً له حتى لا يرفض عرضه، لكنه حقًا يريد حقه لذلك تحدث يقول بنبرةٍ جامدة:
عاوز أختك تقول عملت فيا كدا ليه؟ و قدام الكُل علشان أنا واحد كنت بدافع عن بنت في الشارع و هي افترت عليا، و تجيبلي الواد دا هنا آخد حقي منه براحتي"
تدخل «خالد» يقول مُقررًا:
و يترد حقه في مكان شغله قدام الكل، كل واحد فيكم يبوس راسه و يحق نفسه له"
أضاف «عامر» مُقررًا بنفس الجمود:
و القلم يترد هناك في مكان شغله و بإيدي أنا برضه علشان دا مش مكيفني بصراحة"
أيد «وئام» حديثه من خلال قوله:
عامر معاه حق، أظن الناس هتفضل تتكلم عن سُمعة أخوه، و دي كبيرة أوي على اللي هو عمله علشانكم و علشان أختكم"
تحدث صديق شقيقها يقول بنبرةٍ غلظة:
ما خلاص يا جدعان، قولنالكم منظرها و هي راجعة كان يقلق و إحنا رجالة دمنا حُر، ما لو أنتم مكاننا هتعملوا كدا"
رد عليه «ياسر» بحنقٍ وهو ينفعل في وجهه:
اتكلم عدل و بطل بجاحة، متبقوش خاربينها و تيجوا تدوروا على حق مش بتاعكم، الخلاصة حق أخويا هيرجع و الواد يجي هنا يتعلم الأدب، و أختكم تخرج تحكي اللي حصل كله قدامنا، بدل ما أطلع شغل الجنان عليكم و أسأل مجرب"
تدخل «طارق» يقول بنبرةٍ متريثة:
بالظبط كدا، و المثل بيقولك اسأل مجرب و متسألش دكتور، و الباشا دكتور، يعني خبرة"
انسحب شقيقها من أمامهم يدخل غرفة الفتاةِ و بعد قليل كان يقف بها أمامهم بعدما أرتدت إسدال الصلاة و وقفت تبكي أمامهم جميعًا، و عندما رآها «عمار» في ذلك الوضع وهي ترتجف من أخيها الكبير ناهيك عن الآخر الذي يجلس دون وعي و يبدو أن المخدرات لها دورًا كبيرًا في حالته تلك، لذلك شعر بالشفقة تجاهها فاقترب منها يقف مقابلًا لها فوجدها ترتجف و هي تعود للخلف، فتحدث «ياسين» يقول بنبرةٍ هادئة:
متخافيش يا آنسة، هو لا يمكن يأذيكي، احكيلنا حصل إيه بس علشان لو فيه حاجة نعرف نتصرف"
حركت رأسها موافقةً، فوجدت «عمار» يقول بنبرةٍ هادئة وهو يقول لها:
وعد مني محدش هيأذيكي، كفاية اللي أنتِ فيه من ساعة اللي حصل، بس بالله عليكي قولي حصل إيه علشان الأمور توصل لـ كدا، حصل إيه علشان أتظلم و أشوف اللي أنا شوفته دا؟"
قالت هي بصوتٍ مرتجف تجاوب أسألته:
عبده....عبده اللي معايا في السنتر هو اللي قالي أقول إن عمار هو اللي عمل كدا.....علشان ميجيش يوري رسايلنا لأخواتي و ينزل صورنا مع بعض.....، و قالي إنه هيوزع رقمي على الشباب في السنتر، بعد اللي حصل....كلمني و قالي لو جِبتي سيرتي هفضحك"
سألها «عامر» بضجرٍ و نبرةٍ غلظة:
وهو أنتِ أي حد يقولك حاجة تسمعي كلامه؟ و بعدين كنتوا واقفين مع بعض لما عمار شافكم بتعملوا إيه؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ مهتزة من بين بكاؤها:
أنا عرفت إنه بيكلم بنات تانية غيري و لما سألته قالي إنه بيتسلى و لو كترت في الكلام معاه هيوزع رقمي و صورنا على صحابه، أنا و الله كنت خايفة علشان كدا بهدلت نفسي و قولت إن عمار هو اللي عَمل كدا"
تحدث «وليد» بنبرةٍ مقررة لا تقبل النقاش:
الواد دا لازم يجي هنا يتربى و يتعلم الأدب و عمار ياخد حقه و أنتو تاخدوا حق أختكم"
وافق الجميع على قوله، فاقترب منها شقيقها يمسك ذراعها وهو يقول متوعدًا لها:
عظيم بيمين يا بنت ***** لو ما قولتي الواد دا ساكن فين و دلتينا على طريقه، أنا هخلي خَرجتك من البيت النهاردة"
ردت عليه هي بخوفٍ و بكاءٍ:
هقول و الله هقول، القهوة اللي عند الكوبري الجديد هو علطول قاعد هناك، إسمه عبده زتونة و أخوه معاه إسمه حودة لمونة"
تحدث «وليد» يقول بسخريةٍ:
زتونة و لمونة ؟! أنتِ ماشية مع برطمان مخلل؟"
تدخل «عامر» يقول بسخريةٍ هو الآخر:
طب لو مش خايفة على سُمعتك ، خافي على كِليتك حتى"
حاول الشباب كتم ضحكتهم حتى نجحوا في ذلك، فتحدث «حسن» يقول مقررًا:
أنا هاخد معايا عمار و أحمد و وئام نروح نجيبه، خليكم هنا مستنيين، عمار أكيد عارف شكله و عارف القهوة دي فين؟"
حرك «عمار» رأسه موافقًا، فاقترب منه «ياسين» يقول بهدوء:
لما ينزلوا بلاش تنزل معاهم من العربية، خليك فيها علشان لو شافك أكيد هيجري"
تدخل «أحمد» يقول مؤيدًا له:
متخافش يا ياسين، أنا مش هخليه يظهر أصلًا غير لما يكون معانا الواد دا، وئام و حسن هيعرفوا يتعاملوا"
أومأ له موافقًا وهو يتابع حركتهم من البيت، ثم عاد و جلس بجانب أبيه من جديد، فتحدث «رياض» يقول بخبثٍ:
فيه كف تاني هيتاخد في السنتر علشان حق عمار، أظن دا أقل واجب معاكم بعد اللي حصل و بعد الليلة اللي باتوها في القسم"
تدخل صديق شقيقها يقول بنبرةٍ منفعلة:
ما خلاص يا عم الحج عرفنا، رغم إن دي مش أصول أصلًا، بس ديشا علشان راجل محترم ساكت من الصبح"
اقترب منه «ياسين» يمسكه من تلابيب سترته القطنية وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
قسمًا برب الكعبة لو قليت أدبك على أبويا لأكون مطرقع الأقلام على وشك، و لو يا روح امك عاوز الأصول، مكنتوش عملتوا اللي عملتوه من الأول.... أهدا كدا و لم نفسك بدل ما ألمك أنا و الرجالة و من غير أصول كمان...فـــاهــم؟"
تدخل «عامر» يقول بحنقٍ:
و ياريت بقى يكتر علشان أنا ماسك نفسي عنه من الصبح، و مش ناسي إنه زقني إمبارح، و دي ليها حق و هاخده برضه"
تدخل «ديشا» يقول بنبرةٍ قوية:
اقعدوا طيب يا جماعة علشان نتفاهم، اقعد يا أستاذ ياسين، اقعد يا أستاذ عامر، و أنتَ يا زيكا تخرس خالص"
طالعه صديقه بدهشةٍ حينما تركه «ياسين» و جلس من جديد، بينما الشاب نظر لأخته وهو يقول بنبرةٍ رغم جمودها إلا أنها خرجت منكسرة:
كل دا بسببك أنتِ، صبرك عليا لما الليلة دي تخلص، لو شوفتي الشارع تاني يبقى بحق، دا غير سمعتك اللي باظت"
لاحظ «ياسين» خوف الفتاة و وجهها المتورم بشدة ثم حرك رأسه يتابع المكان حوله حتى وقع بصره على شقيقها الآخر الذي حتى الآن لم ينطق بحرفٍ، و يبدو أنه في عالم آخر غير عالمهم، حينها فهم أن ذلك المكان هو السبب في تلك النشأة، لذلك حرك رأسه يطالع والده و كأنه يشكره على تربيته له، و لكن تلك التي ترتجف خوفًا كيف سيتم التصرف معها، بالطبع ستموت بين أيديهم، شعر بالشفقة عليها و لكن حينما تذكر هيئة أخيه عاد الجمود يتلبسه مرةً أخرى وهو يتذكر بكاء «عمار» بين ذراعيه.
_________________________
في المقهىٰ كان ذلك الشاب جالسًا برفقة أخيه و أصدقائه لكنه كان يتحدث في الهاتف مع إحدى الفتيات، بينما «حسن» أوقف السيارةِ على مقربةٍ من المقهىٰ وهو يقول لمن معه:
بص يا عمار حاول متبينش نفسك لحد ما يركب معانا، و أنتَ يا وئام تدخل الأول بأدبك و أنا وراك بقلة أدبي و أحمد معانا"
رد عليه «أحمد» بنبرةٍ هادئة:
قوله إنك عاوزه في إعلان و مصلحة حلوة و طلعله كارت الشركة، أكيد هييجي وراك زي الكلب"
رد عليه «عمار» مؤيدًا حديثه:
كلامه صح، علشان الواد غاوي صور و تيك توك و فاكر نفسه شاروخان العرب، الغريب إن البنات كلها بتكلمه عادي، أنا واد و بقرف منه"
قال جملته بتقززٍ باديًا على ملامح وجهه و نبرته، بينما هم نزلوا من السيارة و تركوه بمفرده يختبأ أسفل المقعد المجاور لمقعد القيادة، في حينذاك اقتربوا هم من المقهىٰ و كان «وئام» في مقدمتهم و بعد تأكدهم من عامل المقهى من هوية الشاب حينها اقتربوا منه و أول من تحدث كان «وئام» حينما قال بنبرةٍ هادئة:
حضرتك عبده زتونة؟ نجم التيك توك؟"
رد عليه أحد أصدقائه بفخرٍ:
أيوا يا عبده يا مصيطنا، هو يا باشا أؤمر"
ابتسم كلًا منهم بخبثٍ للأخر بعد نجاح الجزء الأول من مهمتهم، بينما الشاب وضع قدمًا فوق الأخرى وهو يقول بتعالٍ زائف:
أؤمر يا باشا، طالما جاي على السُمعة تبقى حبيبي، بس أنتَ تعرفني منين؟"
رد عليه «أحمد» بثباتٍ و جديةٍ متقنة:
احنا اصحاب شركة الرشيد للدعاية والاعلان و عاوزينك تصورلنا إعلان جديد تبع براند هدوم شبابي، إيه رأيك؟"
قفز الشاب في جلسته وهو يقول بتلهفٍ و حماسٍ:
بجد !! طب إمتى و فين؟"
رد عليه «حسن» بخبثٍ:
دلوقتي حالًا علشان الإعلان ينزل بكرة، جاهز تيجي تصور دلوقتي؟ و الكارت أهوه لو مش مصدقنا"
خطف الشاب الكارت من «حسن» ينظر به هو و أصدقائه و كلًا منهم تلمع عيونه بطمعٍ في ذلك العمل، فأضاف «حسن» بنبرةٍ مقررة حينما رآى طمعهم:
المرة الجاية يا رجالة هاخدكم كلكم عيوني ليكم، و الله ما هزعلكم، بس إحنا عرضنا الصور على الناس و هما اختاروا عبده"
وقف «عبده» يقول بلهفة واضحة:
يلا يا رجالة علشان نلحق التصوير، طبعًا أنا مش فارق معايا الفلوس، أهم حاجة تريحوني في الشغل"
تحدث «أحمد» يقول بنبرةٍ هادئة لم تخلو من خُبثها:
طبعًا، وعد مني هتعيط من كتر الراحة على عمرك اللي فات من غيرنا"
أومأ له موافقًا ثم تحرك معهم نحو السيارةِ، ركب «أحمد» أولًا و بعده «عبده» و أخيرًا «وئام» و تم حصاره بينهما في المنتصف، بينما «حسن» جلس على مقعد القيادةِ ثم حمحم بقوةٍ، حينها صعد «عمار» من أسفل المقعد وهو يقول بمرحٍ زائف:
إزيك يا بودي ؟! مش برضه البنات بتقولك كدا؟ وحشتني بأمانة"
ازدرد لُعابه بخوفٍ وهو يقول بقلقٍ واضح:
عمار !! هو أنتو عاوزني أصور إيه بالظبط و هصور فين؟"
التفت له «حسن» يقول بنبرةٍ جامدة:
هتصور خلف الأسوار، معاك برنامج كلمة حق يا روح أمك"
أنهى جملته بصفعة قوية على وجهه فحاول الشاب الفرار و لكن «حسن» كان الأسرع حينما ضغط على الزر أمامه يمنع فتح السيارة، و من بعدها تحرك نحو منزل الفتاة مرةً أخرى بينما «عمار» طالعه بغلٍ وهو يقول:
دا أنا هطلع عليك القديم و الجديد، و رب الكعبة ما هحلك من إيدي"
طالعه الشاب بخوفٍ ثم حرك رأسه ينظر حوله فوجد نظراتهم لم تقل حقدًا عن نظرات «عمار» و بعد مرور دقائق أوقف «حسن» السيارة من جديد ثم نزل أولًا و معه الشباب و كلهم يمسكون بالشاب حتى لا يهرب منهم، و بمجرد دخولهم المنزل وقف الجميع فتحدث «عمار» بنبرةٍ عالية:
قبل ما حد فيكم يتحرك هاخد حقي بإيدي و بعدها انتم أحرار، بس أنا عاوز أربيه بمعرفتي"
أومأ له الجميع بموافقةٍ بينما هو التفت من جديد ينظر للشاب بنظرة غلٍ واضحة و في تلك اللحظة تذكر الصفعة التي تلقاها على وجهه و حينها اندفع نحوه يصفعه بقوة و لكن الصاع صاعين، و من بعدها أمسك فروة رأسه ثم سحبه لمنتصف الردهة يلقيه على الأريكة و من بعدها انهال عليه باللكمات و الضربات و الجميع يتركونه بحريته بعدما ذاق المعاناة بسببه و في تلك اللحظة خشى «ياسين» على «عمار» لذلك اقترب منه يبعده عن الشاب وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
خلاص يا عمار كفاية، سيبه علشان الرجالة تعرف تاخد حقها هي كمان، خلاص بقى"
ابتعد عنه «عمار» وهو يلهث بقوةٍ من فرط انفعاله فأقترب منه «ياسر» يقول بنبرةٍ هادئة:
اهدا كدا و خد نفسك، أظن إنك خدت حقك و عملت اللي أنتَ عاوزه، خلاص بقى علشان نشوف الليلة دي هتخلص على إيه"
أومأ له موافقًا ثم جلس بجانب «خالد» و «طارق» و كلًا منهم يربت عليه بفخرٍ، فتحدث «ياسين» يقول بنبرةٍ جامدة:
دلوقتي الحق بقى حقين، أخويا و سكت عن حقه و كبرك يا ديشا و كبر مقامك، و سكت على سمعة أختك علشان يحميها و الواد و جبناه لحد عندكم تتصرفوا معاه، يبقى كلامنا إحنا يتسمع بالحرف"
أيده «وليد» بقوله:
أخويا بيتكلم صح، احنا نروح السنتر نرد حق أخونا و تبوسوا راسه كلكم و الواد يفضل معاكم تاخدوا حق أختكم منه، بس ليا طلب"
طالعه الجميع بتعجبٍ فقال هو مُردفًا بنبرةٍ مقررة لا تقبل النقاش:
تليفون الحلو دا يلزمني، معلش بقى مش هتحرك من هنا من غيره التليفون ما يتسلم ليا؟"
اقترب «عامر» من الشاب يضربه على جسده ثم أخذ منه الهاتف وهو يقول بحنقٍ:
هات يا حيلتها، دا أنا هرقصك من هنا لحد السنتر، صبرك عليا"
أخذ منه الهاتف بعد حديثه بعدما عاد الشاب للخلف بخوفٍ وهو يقول:
طب...طب أنتَ هتعمل إيه بالتليفون....بس متمسحش حاجة من عليه، سيبه يا كابتن"
رد عليه «وليد» بثقةٍ وهو يتصفح الهاتف بعدما فتحه ببصمة وجه الشاب:
تليفونك بيتولد من جديد يا عبده، بكسر عينك بصراحة و خصوصًا إنه مليان حاجات حلوة أوي"
رد عليه بنبرةٍ مهتزة:
طب ليه طيب؟ يا عم اضربني بس سيب التليفون فيه مصالح يا عم"
اقترب منه «ياسين» في تلك اللحظة يقول بنبرةٍ بثت الرعب بداخله:
تعرف إننا نقدر نخلي كل واحد مبقوق منك يجي يوجب معاك؟ أنا ممكن أخليك مترفعش عينك من الأرض تاني، أقسملك بربي أنا ممكن أوريك واحد تاني مني يفاجئنا إحنا الاتنين، بس أنا سايبك تجيب أخرك علشان أعرف أنا كمان أجيب آخري"
رد عليه الشاب ببجاحةٍ زائفة يحاول التحلي بها:
أنتَ متعرفش أنا مين، أنا أبويا من أكبر الجزارين هنا يعني كلكم غلطانين لو فاكر إنكم هتعرفوا تفلتوا تبقى غلطان"
رد عليه «وليد» بوقاحته المعتادة:
في جملة بتقول كسر العين واجب طالما بالحب مش عاجب، و أنتَ لا نافع مع أهلك أدب و لا حب، يبقى أكسر عينك صح بقى"
قال جملته ثم ألقى عليه الهاتف وهو يقول:
التليفون بتاعك كل حاجة عليه اتمسحت و راحت، متدورش على أي حاجة فيه و لا أي رقم، و دلوقتي هنروح السنتر قبل ما يقفل"
تحدث «طارق» تلك المرة يقول بفخرٍ:
ديشا !! إحنا كدا علمنا عليك ٣ مرات و صور أختك اتمسحت، يعني بقيت مديون لينا بالجامد أوي"
حرك رأسه موافقًا بخزيٍ منهم جميعًا بعدما أخفضت شقيقته رأسه أمام الجميع، و بعد ذلك نزلوا جميعًا معًا للمركز التعليمي بسيارات الشباب خوفًا من ترك السيارات حتى لا تتأذى، و بعد مرور بعض الوقت صعدوا جميعًا للمركز، و أول من تحدث كان «رياض» وهو يقول للجميع:
إحنا جايين نرد الحق لأصحابه، مش جايين في مشاكل، هنرد اعتبار عمار قدامكم زي ما قلوا منه قدامكم"
اقترب من «سامح» صاحب المركز وهو يقول بنبرةٍ حماسية:
منور يا أستاذ رياض، منور يا أستاذ فهمي، حقكم يا باشا المكان مكانكم"
حينها وقف «عامر» و بجانبه «عمار» في ردهة المكان فتحدث الأول يقول بنبرةٍ جامدة:
زي ما فيه كف نزل على وش أخويا في المكان دا، ديشا و صاحبه هيبوسوا راسه، و عبده كمان علشان يقل أدبه كويس بعد كدا"
أومأ له الجميع بفخرٍ و الشباب الذي يعملون بالمكان أيضًا، و بعدها كلًا منهم اقترب من «عمار» يقبل قمة رأسه و هو يعتذر منه، بينما «عامر» وقف في المنتصف من جديد يقول:
عمار أخويا متربي و مش عاوز يضرب الكف، أنا ضربت واحد و مش مريحني علشان كدا حقكم عليا، بس أنا حالف بربي أني ارد الكف مرتين، حقكم عليا"
قال جملته ثم اقترب من «ديشا» حتى يضربه مرةً أخرى بنفس الطريقة و قبلها نظر حوله يطالع الجميع فوجد نظراتهم تمنعه من فعلته تلك، فرفع هو كفه لكنه انزلها مرةً أخرى مثل فعلة أخيه وهو يقول له بفخرٍ:
اللي مربينا راجل محترم و علمنا الأصول و كفاية أوي كسرتك قصادنا، و على رأي عمار هعلم عليك بالأدب و أقولك أني مش هضربك كف تاني و هكتفي بكدا و على رأي وليد كسر العين واجب طالما بالحب مش عاجب، مش أنا اللي أقل بالرجالة علشان أجي على الضعيف، و أنتَ ضعيف يا ديشا"
اقترب منه الشباب بفخرٍ و كلًا منهم يبتسم له، بينما «حسن» وقف في المنتصف يقول بنبرةٍ عالية:
النمرة اللي اتعملت على أخويا دي جبنا حقها، بس فيه نمرة تانية وهي إن عبده الكلح دا دبس أخونا في ليلة مش بتاعته و ضايق بنت و لبسهاله و من غير دخول في تفاصيل عمار هيضرب الكف دا لـ عبده و كدا تبقى خلصت الليلة"
ابتسم الشباب بثقةٍ فتحدث «عامر» يقول بفخرٍ:
زي ما أخويا الكبير قال كدا، يلا يا عمار ملكش حِجة الكف الحلو يكيفني على وشه"
أومأ له موافقًا ثم اقترب منه يصفعه على وجهه و بدل الصفعة صفعتين، حينها تحدث «ديشا» يقول بأسفٍ:
احنا آسفين يا رجالة، و كدا الحوار خِلص بس حوارنا مع عبده لسه، و إحنا بنفسنا هنروح بيت أهله نخلص الموضوع مع أهله و أي واحدة الكلب دا مهددها اطمنوا، الأستاذ المحترم دا مسح كل حاجة على تليفونه"
ابتهج وجه بعض الفتيات الموجودة بعد معرفتهم بما حدث في هاتفه و من لاحظ ذلك كان «وليد» من خلال نظراتهن لبعضهن و في تلك اللحظة حمد الله أن أخته لم تكن من ضمن تلك الفتيات، فهو سعى دائمًا لمصادقتها هي و «سلمى» حتى أصبحت كلتاهما تثق به بشدة، بعد ذلك نزل الجميع من المركز و لكن صديق «ديشا» كان يطالعهم بغلٍ واضح بعدما اعتذر من شابًا في منتصف عمره أمام الجميع وهو من يحظى بمكانةٍ بين الجميع نظرًا لطريقته الفظة مع الجميع حتى اصبحوا يخشونه، كان الجميع غافلون عن نظرته تلك التي طالع الجميع بها و خصيصًا «عمار»، و بعد رحيل أسرة الفتاة، وقفوا الشباب مع بعضهم، فتحدث «فهمي» يقول ممتنًا لهم:
ألف شكر يا رجالة، الموضوع خلص بفضلكم بعد فضل ربنا سبحانه و تعالى، تشكر يا بني أنتَ وهو"
رد عليه «طارق» بودٍ:
متقولش كدا يا عمي، إحنا زي عامر و عمار، و شرف لينا إننا نكون معاكم، و ربنا يباركلك على تربيتهم"
تدخل «وئام» يقول بفخرٍ:
و بعدين إحنا معملناش حاجة خالص، الشباب هما اللي عملوا كل حاجة، و طالما هو صاحب حق يبقى عينه لازم تبقى جامدة"
تدخل «ياسين» يقول بنبرةٍ هادئة و لكنها مرحة:
بابا روح مع فهمي و طمن والدته و طمن امي و خليها تكلم البنات كلهم تطمنهم، و أنا و الشباب كلنا هنروح عند ميمي من ساعة ما عرفت و هي مش مبطلة عياط"
سأله «عمار» بخوفٍ عليها:
و هو مين قالها يا ياسين؟ ميمي ممكن يجرالها حاجة من الخوف"
رد عليه «ياسر» بضجرٍ و تأفف:
ابن لطفي عرف و قال لأهله و هما قالوا لميمي"
سأله «حسن» بتعجبٍ:
مين ميمي دي يا عمار؟ خطيبتك ولا إيه؟"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ ضاحكة:
خطيبته آه، هي خطيبة الكل و لو شوفتها مش بعيد تخطبها أنتَ كمان"
ضحكوا عليه جميعًا ثم ركبوا السيارات بعد رحيل «رياض» و «فهمي» معًا، و بعد مرور دقائق نظرًا لتقارب المسافات وصلوا جميعًا لشقة «ميمي» و أول من دلفها راكضًا كان «عمار» فوجدها تذكر إسمه بلهفةً وهي تبكي حتى اقترب منها هو يحتضنها بقوةٍ وهو يبكي معها هو الآخر فوجدها تشدد عناقها عليه وهي تقول:
يا حبيبي يا عمار، قلبي وجعني عليك يا روح قلبي، قولي إنك كويس و إن الموضوع بخير، حسبي الله و نعم الوكيل فيهم"
ابتعد عنها يمسح دموعها بيده وهو يقول بنبرةٍ مختنقة:
خلص الحمد لله، و أنا خدت حقي و رفعت راسي قدام الكل، مش قولتلك يا بختي بأخواتي؟ أنا كان معايا ٩ أخوات في ضهري النهاردة، متقلقيش عليا علشان أنا راجل و في ضهري رجالة"
اقترب منها «خالد» يقول بفخرٍ:
ولادك عملوا نِمرة حلوة أوي، و جايين نعرفك على أخواتنا، طارق و وئام و حسن و أحمد، و طبعًا وليد حبيبك"
اقتربوا منها يسلمون عليها وهي ترحب بهم و تشكرهم على موقفهم مع أبنائها و أكثر من شعر بالألفةِ معها كان «حسن» تلك المرآة ذكرته بوالدته و حنانها عليه، تلك التي حُرم منها في بداية شبابه ودّ لو احتضنها مرةً أخرى و لكنها فارقته، الآن هو أمام واحدةٍ تُشبهها، لاحظت هي نظرته لها فابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
تعالى كدا عاوزاك ثانية"
نظر هو حوله بقلقٍ فوجد الجميع ينظرون له يحثونه على الحركة، فاقترب منها بخجلٍ فوجدها تشير له حتى يجلس بجانبها، امتثل لمطلبها بخجلٍ فوجدها تقول بملامح وجه مبتسمة:
أنا ميمي، زي ما هما سموني، لكن أسمي مفيدة، العيال الخمسة دول هما عيالي اللي ربنا كافئني بيهم، مليش غيرهم بعد ربنا سبحانه و تعالى، و هنا بيتهم الأصلي اللي كبروا و نجحوا و زعلوا و فرحوا فيه، البيت دا مفتوح بخيرهم و حنانهم و حبهم ليا، و مرحب بيكم كلكم هنا، كل ما واحد فيكم يحس بتعب أو حيرة يجيلي هنا، و أنتَ كمان معاهم يا حسن، مش حسن برضه؟"
حرك رأسه موافقًا بتأثرٍ ثم قال بنبرةٍ مهتزة و كأنه يخجل من تواجده معهم وهو يشعر بأنه غريبًا:
أنا مش أخوهم، أنا صاحب وئام و طارق، يعني مفيش أي صفة تجمعني بيهم غير العِشرة، بس ربنا يعلم إنهم عندي كل حاجة"
ربتت هي على رأسه وهي تقول بنبرةٍ محبة:
و هما كلهم غرب عن بعض، بس ربك ألِف بين قلوبهم، أوعى تحس نفسك غريب وسطهم، كدا أنا ازعل منك، أنا أمهم كلهم حتى وليد معاهم عارفني، متزعلنيش منك بقى"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منها و قبل قمة رأسها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
حاضر...حاضر يا ميمي"
تدخل «ياسر» يقول ممازحًا له:
وبعدين غريب إزاي بقى و أنتَ جايب الواد متكتف و وقفت خليت عمار ياخد حقه في السنتر قدام الكل؟ موقفك دا كدا عقد أخوة رسمي يا حسن"
ابتسم له وهو يقول:
كل الحكاية أني معنديش أخوات علشان كدا بندفع أوي و بعتبر نفسي أخ بجد، معلش بقى اتحشرت جامد"
نظر «عمار» لأخوته فوجدهم يحركون رأسهم له، و من خلال عشرته معهم فهم حركتهم تلك، حينها اقترب من «حسن» وهو يقول ممتنًا له:
و أنا شرف ليا أكون أخوك يا حسن، ممكن تعتبرني أخوك الصغير و تفضل تدافع عني؟"
طالعه «حسن» بمشاعر عديدة وهو يحرك رأسه فوجده يفتح ذراعيه ثم قال:
خش في حضن أخوك بقى يا أبو علي، مش موافق ولا إيه؟ و الله مظلوم و كل كلامهم عني كدب يا باشا"
قال جملته الأخيرة بمرحٍ فوجد «حسن» يقف مقابلًا له ثم احتضنه بشدةٍ وهو يقول بنبرةٍ متأثرة:
الشرف ليا أنا يا عمار، و كفاية أني عندي أخ بالأخلاق و التربية دي"
تدخل «عامر» يقول بحنقٍ:
أوي، البيه كان هيضيعنا بأخلاقه و غبائه، شوفته أخرة السذاجة إيه؟ شوفته أخرة التربية يا أستاذ ياسر أنتَ و ياسين؟"
رد عليه «ياسين» بحنقٍ هو الآخر:
أنتَ زعلان إن أخوك متربي؟ طب ما أنتَ رفضت الكف أنتَ كمان؟ أخوك اللي عمله دا قمة الرجولة و الشهامة، ولو كان ضرب ديشا كنت هعاتبه، بس أخوك عمل الصح"
رد عليه «عامر» منفعلًا:
أخويا عبيط، أخويا رفض ينقذ نفسه علشان سمعة بت شـ... استغفر الله العظيم، هتخلوني أعك، عمار كان هيودي نفسه في داهية علشانها و ساكت"
رد عليه «عمار» بقلة حيلة:
و أعمل إيه يا عامر؟! عاوزني أفضح بنت و تبقى كلمة راجل قصاد كلمة بنت؟ كان هيتقال عليا إيه؟ أظن أنتَ عارف، دليل ومش معايا، شهود و مفيش، يبقى مجرد كلام في حق بنت أنا مرضاش بكدا"
رد عليه «عامر» بصراخ:
يا غبي أفهم !! دي واحدة خرباها و مش خايفة من ربنا حتى، اتبلت عليك و ظلمتك و كنت هتدبس فيها طول عمرك، يا رقبتك تطير، السُمعة مفيهاش بنت و ولد، السمعة كلها واحد"
تحدث «عمار» يقول بنبرةٍ جامدة:
مش أخوك اللي هيفضح بنت يا عامر، أنا عندي أصبر و أرضى بالابتلاء إلا أني أفضح بنت، و علشان أنا سكت و رضيت ربنا كرمني و ظهر حقي و اترد اعتباري، تقدر تقولي لو كنت غلطت في أختهم كان إيه العمل؟ كنا هنشيل حق فوق حقنا، و نتضرب تاني، و محدش كان هيسمي عليا و أنا بغلط في بنت"
تحدث «أحمد» يقول مؤيدًا له:
عمار كلامه صح، هما بس عرفوا مكانه و راحوا لمكانه علشان يعلموه الأدب، ما بالكم وهو في بيتهم؟ جدع يا عمار و راجل، أنتَ مكسب لأي حد، و موقفك هيخلي ديشا دا موطي راسه طول العمر، كفاية إنك حميت أخته على حساب سُمعتك و لحد أخر لحظة كنت أسد في وشهم، ديشا كدا عينه في الأرض منك و من رجالته اللي عمل بيهم النِمرة"
رد عليه «عامر» بقلة حيلة:
فضلنا نقول عاوزينك شهم و عاوزينك متربي، لحد ما طمعت في الاتنين لوحدك يا عمار، بس برضه أنا فخور بيك و برجولتك"
اقترب منه «عمار» يحتضنه بقوةٍ وهو يقول بنبرةٍ متأثرة:
و أنا أول مرة أشوفك جامد و جد كدا، عرفت ليه أنتَ طول عمرك تقول إنك بتكره عامر التاني، أنا كرهته أنا كمان"
ربت على ظهره وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
معاك يومين لحد ما يخرج مني خد بالك، دا عامر اللي في الشغل، عرفت بقى أنا ناجح في شغلي إزاي؟"
تدخل «طارق» يقول بقلقٍ زائف:
هكون شاكر ليك جدًا لو رجعت عامر التاني علشان قمسًا برب الكعبة أنا خايف منك و مش مستوعب إنك عامر"
ابتسم له «عامر» بعدما ابتعد عن شقيقه وهو يقول بمرحٍ:
عيوني يا طاروق، هي الدنيا كدا عاملة زي صينية المكرونه بالبشاميل من فوق بشاميل كتير و في النص لحمة قليل"
ضحكوا جميعًا عليه فتحدث «وئام» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
كدا عامر رجع رسمي خلاص"
تحدث «وليد» يقول بيأسٍ منه:
قصدك قناة الطبخ رجعت، البيه بقوله عاوز حاجة رومانسية اقولها لمراتي يقولي ابعتلها
كلهم في عيني فيك و أنتِ لوحدك بوفتيك، فاكرني بحب بنت جزار"
ازدادت ضحكاتهم أكثر و «ميمي» أيضًا، بينما «عامر» طالعه بوجهٍ ممتعض وهو يقول بحنقٍ:
و الله مبتفهمش، حلوة و مُعبرة بس أنتَ اللي غبي بقى و مش فاهم"
تدخل «خالد» يقول بنبرةٍ حائرة:
بصرف النظر عن كل حاجة، بس حركة وليد و الفيديو محتاجة سقفة، عملتها إزاي دي يا معلم؟"
ابتسم هو بفخرٍ وهو يقول:
دي دماغ وليد الرشيد، لولا الفيديو دا كان زمانكم تايهين"
سأله «عامر» بلهفة:
صح الفيديو !! ازاي كان معاك أنتَ و ياسين؟ و إزاي ياسين ميقولش لينا؟"
رد عليه «ياسين» مفسرًا:
علشان لو حضرتك عرفت اللي فيها كنت هتخش تبجح و تقل أدبك، أخويا و حفظتك، كان زمانك منزله في كل حتة علشان تثبت براءة أخوك"
زفر «عامر» بقوةٍ في وجهه وهو يقول حانقًا عليه:
هو أنتَ علطول كدا كاشفني؟ بس برضه شكل ديشا و العلقة اللي البت خدتها مكيفاني، دا غير إن عمار علم على عبده، بس برضه الفيديو وصلكم إزاي"
تحدث «وليد» مفسرًا:
الحكاية بدأت من عند خلود أختي، خلود قالتلي إنها لما بتروح الدروس هناك بالنهار بتمشي في شارع سعد هلال، و قالتلي إنها شافت البت و الواد دول مع بعض كام مرة، و قالتلي إن «عمار» أكيد شافهم هناك و هما لبسوها ليه"
اتسعت أعين الجميع بينما «عمار» ازدرد لُعابه بخوفٍ و قلقٍ حينما علم بمعرفتها بما حدث، فتحدث «وليد» مُردفًا:
ساعتها أنا روحت لعمار و حكالي اللي حصل، أنا أصلًا كنت شاكك في الحوار و كلمة سمعة بنت دي خلتني أشك أكتر، علشان كدا تاني يوم الصبح كنت في الشارع بفليه زي ظباط الشرطة"
رد عليه «ياسر» بتعجبٍ:
بس دا شارع جانبي يا وليد، حماة أختي ساكنة هناك، جبت فيديو زي دا منين؟ و بعدين شكله واضح"
ابتسم بفخرٍ أكثر ثم بدأ في سرد ما حدث بقوله المُفسر:
الشارع جانبي آه، بس فيه ٣ حاجات لازم يكون فيهم كاميرات، مخزن خشب، و مطبعة ورق، و مخزن ملابس، التلاتة متفرقين في الشارع كله، صحيح تعبوني لحد ما جِبت الكاميرات دي، بس الحمد لله أول مخزن مكانش فيه حاجة خالص لأنه كان في أول الشارع، و المطبعة كاميرتها تعبانة أوي و مكانش ظاهر غير حاجة ضعيفة، المخزن بتاع الملابس بقى هو اللي فدني علشان في نص الشارع يعني عند مكان وقوفهم اللي بيسلم على شارع جانبي تاني في أخره السنتر"
نظر له الجميع بدهشة و فخرٍ من طريقة تفكيره و توصله للحل بينما «طارق» سأله بتعجبٍ:
و هما هبل كدا سلموك الكاميرات؟ مكانش حد غلب"
رد عليه بسخريةٍ:
آه هبل أوي، اتوكس يا طارق، دا أنا جايب فطار بـ ١٠٠ جنيه و سجاير و شاي ١٥٠ جنيه و كل واحد واخد مني ورقة بـ ٢٠٠ قال هبل قال"
اقترب منه «ياسين» يسأله بتأثرٍ:
طب و ليه كدا يا وليد؟ ليه تعمل كل دا و توقف شغلك؟ كنت قولتلنا و إحنا روحنا و خلاص"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ معاتبة:
و هو لما جريتوا ورايا السويس دا كان عادي؟ و لما لحقتوني دا كان طبيعي؟ اللي أنا عملته دا علشان أخواتي لو أنتو فعلًا بتقولوا إني أخوكم"
احتضنه «ياسين» وهو يقول بفخرٍ:
أخويا و صاحبي و حبيبي كمان، ربنا يديمك وسطنا، و يديمنا كلنا لبعض، اللي حصل النهاردة دا قوة لكل واحد فينا"
ابتعد «وليد» عنه وهو يقول بفخرٍ:
و تربية عمار تستاهل جايزة و تمثال بصراحة، مش كل الناس عندها أخلاق علشان إنها تحمي سمعة بنت على حساب سمعتها و ميعملش كدا غير شاب شهم بجد"
في تلك اللحظة طُرق باب الشقة، تعجب الجميع من التوقيت خصيصًا انهم على مشارف منتصف الليل، فتحدث «عامر» مُردفًا:
دا بتاع الأكل، أنا طلبت لينا أكل كلنا علشان نوجب معاكم، و علشان عمار من امبارح ماكلش و أنا كمان للأسف، هناكل بقى لقمة سوا"
أومأ له الجميع بقلة حيلة، بينما هو أشار لشقيقه حتى يفتح الباب، و حينها سأل «عمار» «وليد» بتعجبٍ بعدما دلف بالطعام:
طب يا وليد معلش، لو مكانش فيه كاميرات في المكان دا، كنت هتعمل إيه؟ كدا كانت هتلبسني فعلًا علشان مفيش دليل"
رد عليه «وليد» بخبثٍ:
كنت هنزل بالخطة ٢، أنا قابلت البنت دي يا عمار و هي جت لما خافت و عرفتني علشان مكانش فيه غيري في الشارع معنى كدا إنها واخدة على المكان دا، أنا لحد أخر لحظة كنت هشيل فكرة الفيديو علشان مكسرش أخوها كسرة زي دي، بس هي مسابتش ليا فرصة، هي بجحت و كدبت و صممت إنك عملت كدا فعلًا، أنا كان معايا الفيديو ساعتها و كان ممكن أهددها بيه، بس هي غبية و كانت هتروح تقول للواد على اللي فيها، و ساعتها العواقب هتكتر، أنا قولتلها إنها غبية و مترجعش تندم بقى، لو الفيديو مكانش موجود كنت هقول أني قابلتها و إن فيه ولد تاني في الحكاية و هي مكانتش هتكدب قدام أخوها خصوصًا لما تعرف أني هقوله على كدبها و إنها نزلت تقابلني، ساعتها برضه كانت هتقول من غير خوف"
سأله «حسن» بسخريةٍ:
أنا استغربت إزاي وليد مطلعش المأذون اللي جواه و جوز البت دي، كنت مستنيك تقول نجوزها بس محصلش"
رد عليه بنبرةٍ ضاحكة:
و الله العظيم كانت على طرف لساني أقوله جوزها زيكا صاحبك ، هما الاتنين يستحقوا بعض، بس الغلط عليه هو اللي فاهم الرجولة غلط و مش قادر يبقى أخ، خصوصًا إن أبوه ميت، بس هما أحرار بقى، يولعوا ببعض"
وافقه الجميع في الحديث، ثم شرعوا في تناول الطعام سويًا في جوٍ من المرح و السخرية على اليوم بأكمله و تفاصيله.
_________________________
بعد انتهاء الليلة عاد كلًا منهم إلى بيته بينما «ياسين» عاد إلى منزل والده حتى يلتقي بزوجته التي طوال اليوم لم يعرف عنها شيئًا، حتى أنه كان يفكر في كيفية مصالحتها، بالطبع ستتذمر من غيابه و تجاهله لها، لكنه تفاجأ بها حينما دلف غرفته بعدما وجد والديه بغرفتهما، كانت هي تجلس على مكتبه الخاص بغرفته و حينما شعرت به يدلف الغرفة اقتربت منه تحتضنه بقوةٍ وهي تقول بنبرةٍ ظهرت بها الراحة:
الحمد لله إنك رجعتلي تاني، و الله كنت خايفة أوي حتى لما عمو طمني عليك، بس برضه كنت خايفة و كنت عاوزة اتطمن عليك"
ربت هو على ظهرها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
طب الحمد لله أنا قولت هاجي ألاقيكي زعلانة مني، بس كان غصب عني و الله معرفتش أكلمك خالص"
ابتعدت عنه تنظر له بحبٍ وهي تقول:
لأ مش للدرجة دي أنا مش أنانية يا ياسين، أنا خوفي عليك هو اللي بيحركني، بس أنا عارفة إنه غصب عنك كفاية شدة الأعصاب و الخوف على عمار و كفاية الخوف من عمتك دي"
طالعها هو بفخرٍ ثم اقترب منها يقبل قمة رأسها قبلةً طويلة ثم تبعها بقوله:
و علشان كدا أنا و الله بحاول مزعلكيش و بخاف عليكي علطول، وفرتي عليا وقت المصالحة اللي كان هيضيع على الفاضي"
ابتسمت له هي ثم قالت بنبرةٍ جادة ممتزجة بخجلٍ طفيف:
ياسين أنا عاوزة أقولك حاجة مهمة، بص أنا حسيت أني زهقانة شوية و الله غصب عني فتحت مكتبك، ممكن متزعلش مني؟"
جلس هو على الأريكة الموضوعة في غرفته وهو يقول بنبرةٍ ساخرة منها:
لأ هزعل منك و هجيب ناس تزعل و هكشف راسي و أدعي عليكي يا خديجة"
جلست بجانبه وهي تقول بخجلٍ:
بس بقى مترخمش عليا، أنا عملت كدا غصب عني و الله، بس لقيت حاجة غريبة أوي، معرفش جت هنا إزاي؟"
قطب جبينه يطالعها بحيرةٍ غير مدركًا عن ماذا تتفوه، فوجدها تميل بجسدها للخلف ثم عادت له من جديد تقول بنبرةٍ مضطربة:
الـ...الدفتر دا كان بتاعي من و كل كلمة فيه بخط إيدي، الغريب أني لقيت صفحاته متلونة و كل حاجة مكتوبة جنبها علامة صح؟ ياسين هو إيه دا ؟!"
حمحم هو بقوةٍ يحاول تنقية حنجرته حتى يستطع التحدث، بينما هي حركت رأسها تسأله بصمتٍ فوجدته يقول بنبرةٍ مهتزة يحاول صبغها بالمرح:
طب ممكن أسألك سؤال علشان أعرف أحدد كلامي؟ أنتِ زعلانة و هتعملي زي المسلسل اللي كنتي بتتفرجي عليه و تضربيني قلم محترم و لا نعديها ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ تائهة:
أنا مش زعلانة و مش فرحانة، أنا مستغربة إزاي حاجة تضيع مني من سنين ألاقيها في بيت جوزي و كمان مكتوب فيها؟أخر مرة شوفت الدفتر دا كان لما راشد متقدملي و من ساعتها معرفش حاجة عنه"
زفر هو بقوةٍ عند ذكرها إسم «راشد» و تذكيرها له بمشروع زواجهما، لكنه حاول الثبات وهو يقول:
طب بصرف النظر عن الزفت و عن موضوعكم اللي بحاول أنساه، بس الدفتر دا بداية حكايتنا يا خديجة، الدفتر دا عهد بيني و بين نفسي إن كل كلمة فيه تتحقق، لو ركزتي كدا هتلاقي أول صفحة مكتوب فيها بخط إيدك "أمنيات لم يكتب لها أن تتحقق" بس أنا غيرتها و خليتها"أمنيات لم تكتب لها أن تتحقق حتى يأتي من يُحققها، كل كلمة هنا يا خديجة مرت على قلبي قبل عيني، ساعتها وعدت نفسي أني أحقق أحلامك كلها و لسه هحقق أكتر ليكي بس تفضلي موجودة"
بكت هي من حديثه تأثرًا بنبرته و حنية حديثه الذي يغدقها به مُكملًا ذلك بأفعاله معها، بينما هو قال بنبرةٍ هادئة:
وليد كان واخده من أوضتك علشان يديه لراشد و كان فاكر إن راشد راجل يستاهلك و يستاهل وجودك، بس محصلش، و لما عرفني تفاصيلك و الخوف اللي كان عندك و لقاني مستعد لوجودك في حياتي ساعتها وثق فيا و سلمني الدفتر دا علشان يكون مساعد ليا في حياتي معاكي، من ساعتها و الله و أنا مليش غير الدفتر دا، كنت بنام و أقوم و أخلص حياتي كلها علشان أرجع أمسكه و أغرق في تفاصيله و تفاصيل خطك، مش عارف دي حاجة تزعل ولا لأ بس أنا اتصرفت كدا علشانك"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
زعلانة !! كل دا علشاني و أزعل ؟! ياسين أنتَ عملت اللي محدش قدر يعمله، طلعت خديجة تانية مني و الله كنت فكراها اختفت، أنا استغربت وجوده عندك هنا، بس كان لازم أفهم إن السبب في دا وليد، وليد اللي لما بدأ يشوف حياته سلمني لنسخة منه علشان تكمل دوره، دلوقتي أنا بقيت بموت فيكم انتم الاتنين، العمر كله مجاش أعز منكم على قلبي فيه، شكرًا علشان كل حاجة عملتها و بتعملها و هتعملها علشاني"
احتضنها وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة يحاول إنهاء حالة التوتر و الدموع تلك:
إحنا خلصنا من مرحلة شكرًا دي من زمان يا ست الكل، إحنا بنرجع لورا ولا إيه؟"
ردت عليه هي من بين دموعها:
طب أقولك إيه؟ ماهو لو الكلام يكفيك هقول و لو فيه حاجة توفيك حقك هعملها و الله"
شدد عناقه لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
خليكي....مش عاوز غيرك"
ابتسمت هي بهدوء وهي تقول بمرحٍ حاولت صبغ نبرتها به:
و كمان جُمل اللغة العربية الفصحى طلعت مذاكرها و أنا اللي كنت فكراها موهبة؟"
رد عليها هو مفسرًا:
و الله العظيم موهبة مدفونة طلعت ليكي أنتِ بس، بقيت بكتب كلمات غريبة أوي و أحط قصادها كلمات تانية و ألاقي نفسي بوصفك بيها، اتاري قلبي كان بيمشيني ورا حبك علشان عارف إنه جنة ليه"
حركت رأسها تطالعه بعينيها الصافيتين و كأنها احتفظت ببراءة الأطفال بهما فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بعاطفته حينما يغازلها:
لَا الــسِحّـر الأسْـــودُ فَــعَــلَ بِــضَـحِــيْـتـهُ مِــثـل مَــا فَــعَــلَّتْ بِــي عَــيـنـيكِ....وَ لَا حَــلـت دُنــيْـايْ سِـــوىٰ بــالـتِـقَــاءِ يَــدي بِــيْـديْــكِ"
طالعته بدهشةٍ من قدرته البلاغية في وصف عينيها فوجدته كعادته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
صفقت بكفيها معًا تزامنًا مع قفزها عدة مرات على الأريكة بفرحةٍ تُشبه فرحة الأطفال بينما هو ضحك على تعبيراتها الغريبة عن فرحتها فوجدها تحتضنه ثم قبلت وجنته و تبعت فعلتها تلك بقولها المرح:
عسل....عسل....عسل، أحلى من كل حاجة حلوة في الدنيا"
ضحك بيأسٍ عليها فوجدها تحتضنه من جديد بقوة وهو الأخر تنفس بعمقٍ ثم ربت على ظهرها وهو يفكر لو لم يحظى بها هي بعفويتها و براءتها و طريقة تفكيرها تلك، من كانت تستحق قلبه غيرها؟ لم يجد إجابةً لسؤاله و ذلك لأن الإجابةِ واضحة أمام عينيه وهي أنها فقط وحدها «خديجة» من تستحق ذلك القلب.
_________________________
وصل «عامر» شقته متأخرًا بعدما أوصل شقيقه و أطمئن عليه، دلف الشقة فوجد زوجته تطالعه بخوفٍ من حالته السابقة كما أنها تركت منزل والدته دون أن تخبره و لكنها هاتفته بعد وصولها، اقترب منها يجلس بجانبها بارهاقٍ واضح فوجدها تقول بنبرةٍ مهتزة نتيجة خوفها:
بص و الله العظيم مشيت علشان نسيت دوا معدتي و كان لازم آخده، و فيه بنت كلمتني و قالتلي إنها محتاجة تعدل حاجة في الفستان، أنا مشيت لما عمو فهمي طمني عليك و هو وصلني بنفسه"
طالعها هو بتعجبٍ فوجدها تقول بنفس الخوف:
بص متزعقش زي ما كنت بتزعق لعمار علشان بجد شكلك كان مخوفني، عامر أنتَ الجد فيك وحش أوي، محدش يحبه فعلًا"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة و هو يحاول كتم ضحكته على خوفها:
يعني خوفك أهطل و هموت و أضحك بصراحة، بس مش قادر و الله، و بعدين أنتِ طول عمرك مبتخافيش و يوم ما تخافي تخافي مني أنا ؟! عامر !!"
ردت عليه هي بنبرةٍ حاولت صبغها بالثبات و لكن دون فائدة:
علشان أنتَ كنت مكشر و صوتك كان شديد أوي و زعقت كتير حتى و أنتم نازلين كنت بتهدد عمار إنك هتخرب الدنيا، و أنا عمري ما شوفتك كدا، حتى مع عمي كنت هادي، إيه اللي حصل؟"
زفر هو بقوةٍ ثم قال لها مُفسرًا:
اللي حصل يا سارة إن دا عمار، عمار ابني الكبير، يمكن محدش فيكم فاهم علاقتي بيه، بس عمار عندي بالدنيا كلها، مش سهل عليا ألاقي أخويا بيعيط و يقولي أنا تعتب و اتكسرت، أنا ممكن أكسر الدنيا كلها لو حد فكر يقرب من العزيز عليا، عمار بقى أو الشباب و أنتِ معاهم، أنا علشان اللي بحبهم ممكن أدوس على الدنيا كلها، و اللي حصل دا كان لواحد شيلته على إيدي و قلبي دق جنب قلبه دقة غريبة، مش دقة أخ لأ، دي دقة عرفتني إن دا حتة مني بتكملني، عمار لو زعل أنا ازعل الدنيا كلها علشانه"
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
الله !! هو أنا ليه مش عندي أخ زيك يا عامر؟ يا بختهم كلهم بيك"
شاكسها هو بقوله المرح:
طب ما أنا أخوكي يا سارة، مزعلة نفسك ليه بس؟"
حركت رأسها للخلف وهي تقول بغير تصديق:
لأ و الله ؟! أنتَ عبيط يا عامر؟ أخوات إيه بس؟ متضحكش الناس علينا"
ضحك هو على طريقتها ثم وضع ذراعه على كتفها وهو يقول مُفسرًا بنبرةٍ هادئة:
مش أنا لما جيت اتقدم ليكي و بعد كتب كتابنا مامتك حلفتني على كلام ربنا أني مزعلكيش؟ و أني أفضل ليكي أب و أخ و صاحب و زوج و ساعتها عمي رياض قالها إنك وصية سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام؟ ساعتها أنا حسيت أني بترعش و الله، مسئولية كبيرة أوي إني آخدك من بيتك و ادخلك بيتي و متحسيش بغربة دي كلها حاجات مش سهلة أبدًا، بس اللي متربي صح هيعرف إزاي يخلي مراته ملهاش غيره و غير بيتها، من ساعتها و العهد في رقبتي هو إنك مراتي و كل حاجة ليا، و بعدين معنديش أخوات بنات، يعني مشيها أختي"
اقتربت منه هي تقبل رأسه ثم تنهدت بعمقٍ وهي تقول بنبرةٍ جاهدت حتى تخرج ثابتة:
لو عليا بصراحة عاوزة أشكرك لآخر عمري يا عامر، أكتر حاجة تخوف البنت اللي شايلة مسئولية هي إنها ترتبط بحد يتعامل معاها إنها جامدة و زي الحجر، و علشان كدا كنت رافضة موضوعنا في الأول، بس أنتَ حاجة تانية و علشانك أنا ممكن أتنازل عن حاجات كتير أوي"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
لو تتنازلي و تقومي تجهزي ليا هدوم و المياه السخنة هبوس راسك دلوقتي، جسمي مدغدغ و الله"
ضحكت هي بيأسٍ ثم قالت بنبرةٍ ضاحكة:
قوم هتلاقي كل حاجة جاهزة زي ما أنتَ عاوز، جهزتها من بدري علشانك، قولت هيجي متعصب و يخرج عصبيته عليا"
حرك رأسه نفيًا ثم قال معتذرًا:
متزعليش مني يا ستي علشان خوفتك، بس حلو دا هتعصب بعد كدا علشان تحمري البطاطس ليا الصبح، طالما دا بيجيب معاكي نتيجة"
ردا عليه هي بنبرةٍ جامدة:
لأ روح نام علشان شكلك اتهبلت، هو أنا هسمحلك تتعصب ولا إيه؟ فوق يا عامر !!"
رد عليها هو بتعجبٍ:
أهو اتحولنا تاني أهوه، ماشي يا ولية يا ظالمة، هما الطيبين اللي زيي كدا بتيجوا عليهم"
ضحكت عليه هي فوجدته يتحرك من أمامها وهو يقول بحنقٍ زائف:
صدق من قال ستات مجانين عاوزة ناس فاضيين"
رفعت صوتها تسأله حينما اختفى أثره من امامها:
بتقول إيه أنتَ سمعني كدا يا عامر، يلا يا بابا سمعني"
رفع صوته من الداخل وهو يقول:
بزغرط، تيجي تزغرطي معايا؟"
ضحكت هي على طريقته فوجدته يدندن إحدى الاغنيات الشعبية بصوته العالي و كأنه يتحداها بتلك الطريقة.
_________________________
في شقة «خالد» وصل فوجد زوجته تجلس بجانب ابنه الذي قفز له من على الأريكة، فتحدث هو بنبرةٍ منهكة:
ما تنام يالا بقى !! أنتَ إيه متبرمج على المعاد دا؟ تعبتني و تعبت أمك و أمي، نام"
حرك «يونس» رأسه نفيًا وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
لأ...نو"
ابتسم بسخريةٍ وهو يقول:
أنتَ هتردحلي باللغات يالا ؟! و بعدين عمامك يوم ما ربنا كرمهم و علموك حاجة كانت نو !! صحيح مواكيس"
سألته هي بنبرةٍ ضاحكة:
طب بمناسبة عمامه بقى عملتوا إيه؟ طمني الموضوع خلص؟"
حرك رأسه موافقًا وهو يقول:
خلص و خلصنا معاه، الواحد بقى بيشوف نماذج من الناس غريبة أوي يا ريهام، واحدة عارفة إن فيه واحد هيتظلم و سمعته بتتهدد و اتضرب بسببها في مكان شغله و مصممة على موقفها، عامر كان هيجيبها من شعرها والله"
ردت عليه بقلة حيلة:
العيال بقت غريبة أوي، عيلة و تعمل كدا زي ما عمو رياض قالنا؟ كلنا طبعًا واثقين في عمار بس حرام عليها تقبل بظلم الناس، بس الحمد لله إنكم معاه و مع عامر، سارة قالتلي إنه كان غريب أوي"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
لأول مرة أخاف منه، عامر وراني نسخة منه غريبة، بس هو كدا لما حد بيحبه بيزعل بيتحول، و هو ضرب الواد قلم !! سمع، كان قلم غل و حقد دا كله علشان دموع عمار بس"
ردت عليه هي بفخرٍ:
طب و الله أنتم جامدين، صحيح مشاكلكم كترت شوية، بس ربنا يبارك فيكم مع بعض، حاجة تشرف بصحيح"
رد عليها هو بسخريةٍ:
احنا قربنا نبقى ولاد ليل خلاص، و كمان قرايب خديجة مرات ياسين كلهم كانوا معانا، كنا ١٠ رجالة يسدوا عين الشمس"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
الله أكبر كمان !! كدا خطر بصحيح و الله، الواد يونس هيتسيط على حسكم"
رد عليها هو بحنقٍ زائف:
يتسيط !! مش محتاج هو هيضرب كل دول في كوكتيل و يطلع بشخصية جديدة تحير الكل فيه، بس تعرفي لما شوفت نتيجة تربيتنا لعمار، بقيت متطمن على الحيوان دا، رغم إن البداية مش مبشرة، بس واثق إنه هيبقى زي عمامه كلهم"
ردت عليه هي بتمني:
يا رب يا خالد، يونس دا مخوفني أوي، رغم إنه حنين أوي بس برضه بخاف"
احتضن ابنه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
و أنا معاه علشان متخافيش، يونس هيفضل صاحبي و ابني علشان ميجيش في يوم يقولي أنتَ السبب، و في النهاية أنا واثق في كرم ربنا علينا"
حركت رأسها موافقةً بتأثرٍ من حديث زوجها الذي حرك رأسه يطالع ابنه على ذراعه بحبٍ.
_________________________
في شقة «ياسر» كان جالسًا يرضي فضول زوجته و هو يسرد لها ما حدث معهم، و بعد نهاية حديثه وجدها تقول بضيقٍ منهم:
أنتو أغبيا أوي، كنتوا كلمتوني أنا و سارة و ريهام، بلاش خديجة علشان متربية زيادة عن اللزوم، و كنا جبناها من شعرها و خليناها تتكلم من أول ما تشوفنا بس"
طالعها هو بدهشةٍ فوجدها تؤكد حديثها من خلال قولها:
كنت هعمل فيها زي ما عملت في بنت أم عمرو، أصل عمار دا متربي برضه، هيتفرم و الله الواد دا، أخرة تربيتكم، طلع أهبل"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة وهو يسخر منها:
يعني أنتِ أكيد هبلة رسمي، عمار دا رفع راسنا كلنا، خلى واحد كبير منطقة بحالها يقف و عينه في الأرض علشان عيل في نص عمره علم عليه بأخلاقه، عمار خلانا كلنا نقف رافعين راسنا و خصوصًا أنا و ياسين علشان هو بيسمع كلامنا إحنا الاتنين"
ابتسمت هي بفخرٍ وهي تقول:
صحيح دا تربيتكم انتو الاتنين، لأ شاطر يا ياسوري، كدا اتطمنت على مستقبل عيالي، مش مشكلة أنتَ ربي و أنا هبوظ، قصدي هأكد على التربية دي"
طالعها بتشككٍ فوجدها تقول بمرحٍ:
عيب عليك يا ياسر بلاش شك يا جدع، هخليك تتباهى بيهم، بص هخليك تمشي تبصم بالعَشرة إنهم تربيتك"
رد عليها هو بسخريةٍ:
شكلي هتبرى منك و منهم و الله، الأضمن اديهم لرياض يربيهم، هو جدهم برضه، زي ما هو مربي يونس كدا"
ضحكت هي بسخريةٍ وهي تقول:
يونس ابن أخويا !! طب دا خالد كل يصحى بقلم على وشه لحد ما وشه قرب يشقق، الحل الوحيد إنك تخرجني من حياتك لحد ما تربيهم، أصل أنا عارفة عيالي مش هيشوفوا تربية معايا"
فرد جسده على الفراش وهو يسحبه بجانبه و رافق حركته تلك قوله الهادئ:
و أنا أصلًا لو عندي ميول ابقى أب، هبقى أب علشان أنتِ هتكوني أم عيالي، تيجي تقوليلي خرجني من حياتك؟ صعب و الله"
سألته هي بلهفة:
يعني بجد مش هتخرجني من حياتك؟ قول و الله مش هخرجك يا إيمان من حياتي"
ابتسم هو بيأسٍ وهو يقول:
و الله مش هخرجك من حياتي، إيمان أنا استنيتك كتير علشان تكوني ليا، و كنت متأكد إنك الوحيدة اللي هلاقي معاها الرحمة و المودة، و الوحيدة اللي معاها الصعب عدى، إيمان بلاش تفكير في حاجات وحشة و خلينا نفرح باللي إحنا فيه مع بعض، و نحمد ربنا على اللي بقينا فيه"
ردت عليه هي تؤيد حديثه بمرحٍ:
أنتَ صح و الله، و على العموم أصلًا وافقت عليك علشان مكسرش بخاطرك، يلا بقى طيبة قلوبنا موديانا في داهية"
رد عليها هو بخبثٍ:
طبعًا دا بأمارة الزغروطة اللي وقعت حيطة البيت، أنتِ هتقوليلي؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
يا عم ما صدقت الله !! خالد كان كل شوية لا لا لا، هي مكانتش هتيجي غير كدا"
حرك رأسه موافقًا وهو يقول:
معاكي حق هي مكانتش هتيجي غير كدا، و سبحان الله مكتوبالي و مكتوبلك".
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» وصل «طارق» شقته فوجد الجميع نائمون بها، لذلك دلف غرفته بهدوء و بمجرد إضاءة الانوار وجد «جميلة» في غرفته حتى غفيت على الأريكة الخاصة به، تعجب هو من وجودها لذلك اقترب منها يوقظها بهدوء حتى خرجت من غفوتها تلك وهي تقول بنبرةٍ ناعسة:
طارق !! بتعمل إيه عندنا؟"
رد عليها هو بسخريةٍ:
قلة أدب و محدش رباني، فوقي يا جميلة و شوفي أنتِ فين"
فركت عينيها بشدةٍ فشهقت بقوةٍ ثم قالت بخوفٍ:
يا ليلة مش فايتة !! أنا نمت هنا في أوضتك؟ يارتني ما طلعت"
رد عليها هو بتعجبٍ من حالتها:
ما أنتِ كنتي بتنامي فيها جنبي، و بعدين طلعتي هنا ليه أصلًا؟"
ردت عليه هي بخجلٍ:
مطلوب مني لوح للفصل بكرة و خطي زفت مش عارفة أتصرف فيهم، قولت أكيد هتعرف تساعدني علشان أنتَ بتاع تصميمات"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
مالك بتقوليها كأني بتاع بنات كدا؟ على العموم ماشي هسهر عليهم و بكرة هسلمهم ليكي"
سألته هي بلهفةٍ:
بجد ؟! يعني مش هتعبك كدا معايا؟ و بعدين أكيد راجع تعبان من مشوارك"
رد عليها هو مفسرًا:
علشانك هعمل أي حاجة، و بعدين يا ستي مش هياخدوا مني حاجة، كلها نصاية و لو وليد معايا هتبقى ربعاية كمان"
اقتربت منه تمسك ذراعيه وهي تقول بنبرةٍ مختلطة المشاعر:
و الله العظيم بحبك، أقولك على حاجة يا بختي بيك يا طاروق و الله"
ضحك عليها ثم قال بخبثٍ:
دا أنتِ قلبك مات يا جميلة، بحبك و طاروق مع بعض !! و في أوضتي، مش خايفة من خالو محمد؟"
سألها بسخريةٍ و توقع خجلها منه فوجدها تقترب منه وهي تقول بمرحٍ:
لأ مش خايفة من خالو محمد، و بعدين أنا واقفة مع جوزي، مش بعمل حاجة غلط"
_"و حياة أمك يا بنت مُشيرة !! أنتِ لسه هنا يا بت ؟! و لما اتصل بأبوكي بقى ؟!"
تفوه «محمد» بذلك حينما مر من أمام غرفة ابنه يطمئن على عودته لكنه تفاجأ حينما وجد الباب مفتوحًا و هما معًا، بينما «طارق» ابتعد عنها وهو يقول بخوفٍ:
و عزة و جلالة الله هي اللي بتحاول تستفرد بيا و جيت لقيتها في أوضتي"
شهقت بقوةٍ ثم سألته بحنقٍ:
بعتني يا طارق ؟! خايف من أبوك و أنا ظز فيا ؟!"
رد عليها «محمد» بتهكمٍ:
خايف من أبوه يا ختي، هو زيك يا حلوة مش خايفة من خالو؟"
قلد طريقتها في الحديث فاقتربت منه هي تقبل وجنته وهي تقول بمزاحٍ:
إيه يا خالو بقى ؟! ماهو بصراحة بقى أنا مش عارفة أكلمه، كاتبين كتابنا و كأننا لسه بنتعرف، الناس بتطلع قدام و أنا وهو بنرجع لورا ؟!"
طالعها «طارق» بدهشةٍ و فمٍ مفتوحٍ على آخره من حديثها فوجد والده يقول مفسرًا:
علشان أنتم داخلين على حياة جديدة مع بعض، لسه هتكتشفوا فيها بعض، و بعدين كدا هتزهقوا من بعض بدري بدري، اسمعي مني، أنا عاوزكم توحشوا بعض علشان يوم فرحكم تحسوا فعلًا بقيمة اليوم دا و علشان الفرحة تبقى حقيقية"
أبتسمت له بخجلٍ فوجدته يربت على رأسها ثم قال:
يالا انزلي نامي علشان الوقت اتأخر، و اللي أنتِ عاوزاه هو هيعمله ليكي"
حركت رأسها موافقةً ثم لوحت لهما تودعهما قبل نزولها، بينما «محمد» سأله بتشككٍ:
البت عبلة فين ؟! مش في أوضتها مشوفتهاش لما جيت؟"
رد عليه هو بتعجبٍ:
أنا دخلت على أوضتي علطول، و مشوفتش حد خالص، بس لو مش هنا تبقى مع وليد"
ضيق جفنيه بشدة وهو يقول بنبرةٍ هادئة متوعدًا لهما:
حاضر يا ابن مرتضى، ماشي يا عبلة"
فوق سطح البيت وصل لها هو فوجدها تنتظره في مكانهما المُفضل، اقترب منها يجلس على الأرض وهو يقول بمرحٍ:
القمر بنفسه مستنيني ؟! دا يا دي الهنا و يادي النور، و يا بخت قلبي بـ طلتك دي"
ابتسمت له وهي تقول بمرحٍ:
شوفت علشان تعرف إن مقامك كبير عندي، مزوغة من الشقة بقالي ساعة علشانك، و علشان أشوفك و اتطمن عليك"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ ظهرت بها الراحة:
وليد فرحان علشان اللي معاه فرحانين، وليد بيتكبله عمر جديد فرحان بيه، أتمنى كل اللي حواليا يكونوا مبسوطين زيي"
أبتسمت له بحبٍ وهي تقول:
طب الحمد لله، طمنتني عليك، أنا عملت حاجة ليك و قولت لازم تشوفها علشان دي عملتها بإيدي ليك"
قطب جبينه يسألها بعينيه سؤالًا صامتًا استطاعت هي قراءته لذلك التفتت بجانبها تمسك أحد المراسيل الورقية ذات لونًا بُنيًا يشبه لون عينيه الحنونة رغم قوة شخصيته، أعطتها له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
لما ركزت في تفاصيلك عرفت إنك غاوي مراسيل بالورق، حاجة كدا جو قديم شوية، و كل حاجة بتحبها أنتَ بقيت بحبها يا وليد و دا غصب عني مش بإيدي، وليد أنا غصب عني بقيت بحب كل تفاصيلك، أنا عملت المرسال دا ليك بإيدي و معلش خطي مش حلو زي خطك، بس حاولت و الله، افتحه و شوفه كدا"
أخذه منها بكفٍ مرتجف بشدةٍ تأثرًا من موقفها و فعلتها تلك، ثم شرع في فتح الظرف و لكن ما لفت نظره كانت الزَهرة التي وضعتها هي في نهاية الظرف ثم دونت أسفلها عبارةٍ بخط يدها وهي:
وَ كـأنَـكَ أتــيْـتُ لِــقَــلّـبي تُــؤنِــس لَــيْــلّهُ....تُــشـاركـنّـي الــعُـمْـرِ و تُــخـفـف عَــنّـي حِــمـلهُ"
ابتسم بقوةٍ عند رؤيته تلك الجملة ثم تنهد بعمقٍ و قام بفتح الظرف فوجد بداخله صورته وهو صغيرًا و بجانبها صورته و هو كبيرًا و دونت أسفل كلًا منهما عبارةٍ بخط يدها، فأسفل صورته وهو صغيرًا دونت:
و كَأنّـك نِـجـمـة صَـغـيْـرة في سَــمايا....مِــش عـاوزة مِـن العُـمـر غـيـر وجــودك مـعـايـا"
رفع رأسه يطالعها بحبٍ من عينيه فوجدها تقول بمرحٍ:
بص على صورتك و أنتَ كبير بقى كدا، هتنبسط"
ابتسم عليها ثم أخفض رأسه من جديد وهو ينظر لصورته وهو كبير فوجدها دونت عبارةً من المُحبين الذي أحبهم هو وهي عبارةٍ عن:
ذاك البريق الذي يسكن عينيك، يزيل معاناة العالم"
فرانس كافكا ـ إلى ميلينا.
تنهد هو بعمقٍ ثم رفع رأسه وهو يحاول جاهدًا ألا يبكي أمامها حتى وجدها ترفع رأسه وهي تقول بنبرةٍ متأثرة هي الأخرى:
عينك ترفعها طول عمرك يا وليد، أوعى تنزلهم تاني، و بعدين ليه شكلك زعلان كدا؟ هو خطي زفت أوي كدا؟"
سألته هي بمرحٍ طفيف تحاول تغيير حالته، فوجدته يحرك رأسه نفيًا ثم قال بنبرةٍ مختنقة إثر كتمه للدموع:
مستغرب، قولتلك لما حد بيعمل حاجة علشاني غصب عني بتشد و بستغرب، و أنتِ عاملة كتير، كفاية إنك عملاه علشان أنا بحبه، كل يوم بتثبتيلي إني صح اتغير علشانك، لازم عيوبي تتغير علشانك أنتِ"
ردت عليه هي بفخرٍ:
عيوني مش شايفة فيك، عيوني قبلاك زي ما أنتَ و اسألهم كلهم هنا هيعرفوا أنا بقول إيه عليك"
اقترب منها ثم قبل قمة رأسها بعدها نظر للسماء وهو يبتسم بحبٍ فسألته هي بتشككٍ:
أنتَ معلق نجمة في السما ولا إيه؟ إيه حكاية بصك للسما كل شوية؟"
ابتسم بيأسٍ منها ثم حرك رأسه و كأنه يقول لا فائدة، ثم تحدث بنبرةٍ ضاحكة:
البص في السما دا حلو أوي يا عبلة، مكان واسع زي القلب، يستاهل إنك تبصي فيه، السما لو زعلانة و بصيتي فيها هترتاحي، و لو فرحانة و بصيتي فيها فرحتك هتزيد، السما حلوة أوي و أنا قلبي حلو زيها، و علشان الحلو بياخد الحلو خدتك أنتِ"
ابتسمت بشدةٍ له فوجدته يغمز لها، و قبل أن يقترب منها وجد عمه «محمد» يقول بنبرةٍ ساخرة:
رايح فين يا ابن مرتضىٰ ؟! هو انتم يا عيال معندكوش دم؟"
اخفضت رأسها في خجلٍ فوجدته يعض على شفته السفلى و هو يقف حتى اعتدل ثم اقترب من عمه وهو يقول بضيقٍ:
نعم يا حمايا ؟! خير ؟! إيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟"
رد عليه عمه بتهكمٍ:
علشان أمسك في قلالاة الأدب يا حبيبي، خير يا أخويا كنت رايح فين كدا؟"
رد عليه بوقاحته المعتادة:
كنت رايح أبوسها، مراتي و حقي ابوسها، و لا أجي أبوسك أنتَ ؟"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ بينما والدها رد عليه بضجرٍ:
قليل الأدب و كانت وقعة مهببة يوم ما جوزتهالك، حلك إن كتب الكتاب كان يتكتب يوم الفرح"
ابتسم له باستفزازٍ فوجده يقول بحنقٍ:
نهايته، أنا دفعت العربون بتاع الأوض ليك و لطارق، هات الفلوس بقى"
رد عليه بلامبالاةٍ:
و أنا مالي ؟! خدها من أبويا هو اللي معاه الفلوس و أي حاجة ليها علاقة بالتشطيب"
تحدث عمه بحنقٍ:
و هو أبوك اللي هيصرف على جوازك كمان؟ دا إيه دا؟"
رد عليه هو بوقاحةٍ:
هو أنتَ مش لاقي علاقات تبوظها، هتبوظ علاقتي بأبويا؟ ريح نفسك هو قال إن جوازي كله مسئوليته هو زي وئام أخويا، و بعدين ما أنتَ مساعد طارق و هو قالي، مالك بيا بقى"
رد عليه عمه بتوترٍ:
طارق بساعده علشان كان شايل معايا مسئولية أخواته و ساعدني في جهاز عبلة، و بعدين هو أنتو مبتخبوش حاجة على بعض؟"
ابتسم له ثم قال:
لأ مبنخبيش حاجة على بعض، و يمكن دي الحاجة الحلوة اللي طلعت بيها، إنهم معايا"
في تلك اللحظة اقترب منه عمه ثم قال بفخرٍ:
و أنا بحبكم علشان كدا، طول عمركم مع بعض، و أنا بحبك علشان حنيتك دي يا وليد"
طالعه «وليد» بدهشةٍ فوجده يقول بنبرةٍ متأثرة:
عيالي بيحبوك أوي كلهم، و أنا غصب عني حبيتك على حبهم ولاد الكلب دول، و أهو هديك حتة من روحي مكانش بالسهل أسلمها لحد"
احتضنه «وليد» بقوةٍ وهو يقول:
وعد مني تفضل في عيني طول العمر، مش عاوزك تخاف عليها من واحد متمناش في كل صلاة إن ربنا يكرمه بيها هي"
ربت على ظهره ثم قال:
و أنا واثق فيك، و عارف إنك بتحبها، رغم إنك مش متربي و سافل بس أعمل إيه بيحبوك"
ابتعد عنه «وليد» وهو يضحك فوجده يبدل ملامحه إلى الجمود مرةً أخرى وهو يقول لها:
قومي ياختي يلا هو هيضحك عليا بكلمتين؟ قومي يا حلوة"
حركت رأسها بيأسٍ ثم تبعت والدها، و قبل مغادرتها نظرت له فوجدته يغمز لها، أبتسمت له ثم تركت السطح بينما هو زفر بقوةٍ من تلك المشاعر التي داهمته بقوةٍ، و فجأة وجد «طارق» يدخل له وفي يده عدة أشياء، ابتسم بسخريةٍ و هو يقول:
شكلك بيقول عم محمد"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بسخريةٍ:
و أنتَ شكلك بيقول ابويا صح؟"
حرك رأسه موافقًا ثم انفجرا كليهما في الضحك بقوةٍ، بينما «وليد» تحدث يقول بنبرةٍ ضاحكة:
طب و الحل ؟! دا فاضل شهور لسه مش أيام"
حرك كتفيه ثم قال بقلة حيلة:
الحل إننا نصبر، صحيح صعب شوية، بس إحنا قدها برضه"
أومأ له موافقًا ثم سأله بحيرةٍ:
إيه الحاجات اللي في إيدك دي؟ لوح و أقلام سبورة و كتاب ؟!!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بقلة حيلة:
دي لوح لفصل جميلة عاوزاهم بكرة الصبح، و خطها مش حلو، يلا إيدك معايا خلينا نريح شوية"
أومأ له بقلة حيلة ثم قال بنبرةٍ ساخرة:
خدامين عيلة الرشيد و العائلات المجاورة، هات يا عم وريني كدا"
_________________________
في سيارة «حسن» مساءًا كان يقودها هو وهي بجانبه تطالعه بتعجبٍ بعدما هاتفها و طلب منها النزول له، كان يقود السيارةِ وهو ينظر أمامه لا يستطع النظر لها حتى لا تخبره بحديثها الذي تفوهت به بالأمس، حتى أوقف السيارة أخيرًا في نفس المكان الذي سبق و جلسا به سويًا، نظرت هي حولها ثم سألته بنبرةٍ جامدة:
دا إسمه إيه دا إن شاء الله؟ جايين هنا ليه دلوقتي ليه يا حسن؟"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ يبدو عليها الحزن:
مخنوق و عاوز أقعد هنا و عاوزك معايا ممكن؟ لو متضايقة هروحك و أرجع تاني"
ردت عليه هي ترفض حديثه بلهفة:
لأ طبعًا، أنا معاك مكان ما أنتَ عاوز، و بعدين شكلك مش عاجبني أصلًا"
أومأ لها موافقًا ثم نزل من السيارة وهي تتبعه بتعجب باديًا على وجهها و هيئتها، حتى جلست بجانبه بعد سيرها مسافةً صغيرةً حتى وصلت إلى نفس المكان السابق، فوجدته يغمض جفنيه بألمٍ وهو يحاول التنفس، تخلت عن جمودها ثم أمسكت يده وهي تسأله بنبرةٍ رغمًا عنها خرجت حنونة:
طب مالك فيك إيه يا حسن؟ أنتَ كنت كويس و هزرت معايا الصبح، حصلك إيه؟"
فتح جفنيه على مضضٍ وهو يقول بنبرةٍ متألمة:
النهاردة حسيت إنها وحشتني، النهاردة حسيت إن حضنها ناقصني، و لو جينا للحق حاجات كتير نقصاني"
ابتلعت غصة مريرة في حلقها وهي تظنه يتحدث عن زوجته السابقة، على الرغم من أنها تعلم بمدى استياءه منها، إلا أن عقلها لم يسعفها في ذلك حتى وجدته يقول بنبرةٍ شبه باكية:
سابتني زيه و أنا صغير، لأول مرة أحس إن حضن أمي وحشني، أنا مش عاوز أفضل أصارع نفسي كتير، بس أنا مشوفتش حنية طول عمري، حتى أختي أنا كنت أخر حاجة ممكن تفكر فيها، و مش بلومها بالعكس هي ليها بيتها و حقهم عليها، بس أنا حسيت بحاجات كتير نقصاني، أنا عيشت من غير أخوات و لا أهل، جسم فاضي من غير روح، النهاردة أنا جربت كل دول مع بعض، لقيت واحدة بحنية أم و أخوات و واحد حضني و قالي عاوزك أخ ليا، ساعتها عرفت إن اللي فاتني كتير، العمر مشي بيا من غير فرحة واحدة تجبر بخاطري، و امبارح لقيتك بتفكريني إنك هتمشي، عقلي بعد ما بدأ يطمن قلبي ليكي رجع يخوفه منك تاني، أنا لو اتسابت تاني هتعب"
بكت هي رغمًا عنها بقوةٍ و هي تعنف نفسها بينها و بين ذاتها على وصل إليه بسببها، فوجدته يحرك رأسه لها يطالعها بعينين يحاوطهما الاحمرار وهو يقول:
قلبي و عقلي مش عاوزين يتفقوا معايا على حاجة، بس و الله عاوزك معايا، بلاش إنك تسيبيني دي، علشان تقيلة علىٰ روحي و قلبي، سيبيني أسلم نفسي ليكي واحدة واحدة، بس خليكي جنبي، عارف أني بضغط عليكي بس غصب عني و الله"
لم تتمالك نفسها أمام نبرته المتألمة تلك فوجدت نفسها تحتضنه وهي تنفجر في البكاء و رافق حركتها تلك قولها النادم:
متزعلش مني و الله، كنت بهزر بس هزاري جه تقيل شوية، كنت فاكرة أني كدا هحركك بس طلعت بأذيك، زي ما طول عمري بأذي الناس، متزعلش مني علشان خاطري، و الله كنت بهزر"
ربت هو على ظهرها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
مش زعلان يا هدير، هزعل فعلًا لو مشيتي، بلاش تكوني أنتِ سبب الزعل دا، و بعدين أنتِ مش مؤذية، أنتِ ملقتيش
حد يقومك و دي تفرق كتير، أنت معايا و أنا شايف إنك حنينة و طيبة و جميلة، فيكي حلو كتير أوي"
ابتعدت عنه تخفض رأسها بخجل فوجدته ينظر حوله يتفحص المكان ثم اقترب منها على غفلة يقبل وجنتها الناعمة، حركت رأسها تطالعه بعينيها الدامعتين فوجدته يقول بنبرة مرحة :
دا علشان طبطالي آيات، خسارة العيون الحلوة دي تايت والله"
ابتسمت رغما عنها فوجدته يقول بنبرة تائهة في ملامحها "لما ضحكتي و أنت معيطة شكلك أحلو أكثر، زي اللوح المرسومة "
طالعته بدهشة من جديد فوجدته يقول بنبرة هادئة : " أنا مبعرفش أكدب و مشاعري مش بعرف اداريها، و لما تظهر و تبان هتحسي بيها في كل تصرفاتي يا هدير، أنا مش بعرف أزيف الحاجة، يا آه يا لا"
تفهمت هي مقصده من الحديث لذلك حركت رأسها موافقة حتى لا تضغط عليه أكثر من ذلك ثم نظرت أمامها تسخر من نفسها من جديد، في أي وضع هي؟ خفق قلبها له و أحبه و بات غريقًا في أدق تفاصيله و هي الفتاة، بينما هو يصارع نفسه حتى يتأكد من مشاعره ؟ حتى حيلتها ألمته؟ كيف تتصرف معه إذن؟ و حينما غرقت في التفكير قررت ترك التفكير و تنعم بقربها منه كما هو حتى يأتي لها هو بقلبه و حبه.
انتهى ذلك اليوم ومعه الكثير حتى أتى يومًا جديدًا، ذهب به الشباب إلى عملهم و «عمار» إلى جامعته و سار يوما طبيعيا على الجميع حتى منتصفه و عاد «عمار
من جامعته عصرًا، و لكنه كان يفكر بها من سرقت قلبه و تفكيرها مع «وليد» في حل معضلته و ثقتها به بعدما سأل «وليد»، و مع كثرة تفكيره بها شعر بالضجر من حاله ألم يسعى هو حتى تصبح له ؟ لكن لماذا يفكر بها، طريقه طويل و مساراته أكبر، وعمره صغير و لكن مع ذلك قلبه كبير، يسع حبا لها، لذلك هاتف اقربهم لحالته و هو «ياسر»
و اتفق معه يقابله قبل الذهاب إلى المركز التعليمي، و بالفعل عاد «ياسر» من عمله ثم قابله في مقهى شعبية وهو يقول بنبرة ممتزجة بالقلق والخوف
خير يا عمار !! حصل حاجة تاني ؟ مكالمتك ليا قلقتني أوي"
حرك رأسه نفيا ثم قال بنبرة هادئة :
اطمن يا دكتور ياسر، أنا كلمتك علشان أنت شبهي، حالتك زي حالتي يعني عامر حب سارة لما لقى فيها مواصفات كان فاكرها مش موجودة، وخالد حبها لما اتجوزها و ياسين فضل مستني اللي هو راسمها في خياله، غالبا كلهم اتحكموا في قلوبهم، لكن أنت قلبك اتحكم فيك و كتب عليك حب إيمان، و أنا زيك"
غمز له بخبث وهو يقول:
خلود مش كدا ؟!"
رد عليه بحنق زائف
يادي الفضايح !! هي يا دكتور خلود، بس حالتي زيك و بقت شبهك أكثر علشان هي بقت قدامي علطول، استنى إزاي و أصبر إزاي"
ابتسم «ياسر» وهو يقول بنبرة هائمة :
علشان لما تبقى معاك تعرف إنك استحملت كتير علشان لما تصحى من النوم تلاقي اللي حبيتها و اخترتها معاك
يبقى أنت عملت اللي عليك، على يدك خالد كان قافلها في وشي و ظروفي كانت زفت و اتخرجت متأخر و ماديًا كنت شحات لحد ما أمي ورثت من عيلتها و ساعتها حاجات كتير اتغيرت جبت شقة و بقيت دكتور ياسر دا غير ظروف طفولتي اللي أنت عارفها، كل ما اتعب افتكر أني هفوز بيها علشان تكون راحتي في الدنيا، جايز الطريق طويل و الرحلة صعبة و السكة طويلة، بس أفتكر إنك بتحارب علشان تريح قلب بيدور على راحته و مش موجودة غير فيها هي"
ابتسم له بحب فوجده يضيف مفسرا " أنا ربيتك على الصبر وطولة البال و عارف إنك مستحيل تغضب ربنا علشان ترضي نفسك، بدليل إنك كلمتني تستفسر مني و أنا بقولك من دلوقتي صدقني هتبقى ليك"
تنهد «عمار» بقوة وهو يبتسم رويدا رويدا فوجده يقف وهو يقول ممازحًا
عن إذنك بقى هروح علشان اتأخرت عليها، أصلها بقت في بيتي يا سيدي"
ضحك «عمار» بقوة ثم قال:
أنا بقول متقعدش مع عامر تاني كفاية كدا، بوظ أخلاقك و الله"
رد عليه هو بحب بالغ
مش بإيدي، حبي ليهم احتياج مش رفاهية، لو عليا مهرب من الدنيا كلها، بس يوم ما هعمل كدا هتلقيني عندهم برضه، قلبي ملوش غيرهم يا عمار
حرك رأسه موافقًا فوجده يلوح له ثم تركه و رحل إلى بيته بينما «عمار» رحل هو الآخر متجها نحو عمله وهو يتذكر ما حدث معه، صعد لعمله حتى جلس على مكانه
المخصص فوجد الجميع يحكون عن أخلاقه و صفاته و شهامته و رفضه لصفع الرجل على وجهه، و استمر الحال على ذلك حتى نهاية عمله، و كان هو أخر من رحل من المكان بعدما أغلقه بنسخة المفاتيح الخاصة به، ثم نزل من المركز وسار على قدميه من طريقًا مختصرا حتى وجد
أمامه ذلك الشاب الذي يُدعى «زيكا» أمامه، زفر «عمار» بقوة وهو يقول:
خير يا أستاذ زيكا ؟! هتقول أني اتحرشت بيك المرة "دي؟
حرك رأسه نفيًا ثم قال بغل واضح في نبرته و نظرته "حتة عيل زيك يعلم عليا أنا في حضانة بتاعة دروس ؟!
أنا زيكا اللي صيع مصر كلهم بيخافوا منه ، أقف أحق نفسي لعيل !!"
رد عليه «عمار» بضجر
الغلط بدأ من عندكم متجيش تندم بعدها، و بعدين أنا معملتش حاجة أصلا، يعني دا حقي"
حينها أخرج ذلك الشاب سكينًا من ظهره وهو يقول بتوعد ممتزج بغل دفين
و أنا هعلم عليك صح علشان أخواتك يعرفوا ينفخوا نفسهم كويس و علشان أخوك يعرف يتكلم عدل"
از درد «عمار» لعابه بخوف وقبل أن يفر من خلفه وجد رجلين من رجال ذلك الشاب خلفه وهو يبتسم له بشر ينوي على الانتقام، فإذا استطاع الفرار سيكتب له عهدًا جديدًا يحياه بمعجزة، و إذا طالته السكين و راح ضحية للغدر سيترك خلفه سؤالا هاما و هو بأي ذنب قتل ؟