تحميل رواية «بين الامس و اليوم» PDF
بقلم HaboOoshy
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
************ قبل واحد ثلاثين عاما عالم غير العالم ودنيا غير الدنيا وبشر غير البشر بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لتنمو.. أو لتُنحر!! يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما يفرق بينهم الأصل والقبيلة ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة الكثير منها ثلاثتها كثيرٌ من الفقر وكثير من الصداقة وكثير من الرجولة!!! "زايد.. هونها وتهون يأخوك" " قهرتني ياخليفة.. قهرتني" خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر ال...
رواية بين الامس و اليوم الفصل الأول 1 - بقلم HaboOoshy
************
قبل واحد ثلاثين عاما
عالم غير العالم
ودنيا غير الدنيا
وبشر غير البشر
بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لـتنمو.. أو لـتُـنحر!!
يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما
يفرق بينهم الأصل والقبيلة
ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة
الكثير منها ثلاثتها
كثيرٌ من الفقر
وكثير من الصداقة
وكثير من الرجولة!!!
"زايد.. هونها وتهون يأخوك"
" قهرتني ياخليفة.. قهرتني"
خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل
يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر الرائق: مهرة ياخليفة مهرة.. مهرة محدن عسفها
يبتسم خليفة: وانتي اللي تبّي تعسفها مع هالويه..؟؟!!
زايد يلتفت له بحدة.. ويهمس بغضب خفيض: وش فيه وجهي يابو وجه أنت؟!!
خليفة يهمس بنبرة حذر: تبي الصج وإلا ولد عمه؟!!
زايد بغضب مكتوم: خليفوه خلصني قدام أعصب
خليفة يبتسم وهو يلمس قفاه بحركة مقصودة: لا يأخوك كله ولا تعصب.. توني ماسلمت من تعصبيتك المرة اللي فاتت
زايد بذات الغضب المكتوم: تبي تقعد تغزل فيها وأسكت لك
خليفة يضحك ضحكته المجللة المغلفة بصفاء روح ما لوثتها المدنية: وأنا شعرفني إنها حبيبة القلب
زايد بغضب أكبر: هي أو غيرها.. احشم الناس اللي أنت جايهم
خليفة مازال يضحك ذات ضحكته التي تمنى زايد ألا تنطفئ من حياته يوما:
وهي ليه ماتغطي ويهها مثل باقي حريمكم.. أعرفكم تغطونهم من 12 سنة..
هذي صارت بقرة وهي كاشفة ويهها وتدور ببخنقها
زايد يلتفت ناحيته بحدة مهددة.. وخليفة يقفز ويبتعد عنه وهو يهمس بمرح: خلاص السموحة السموحة
هدي هدي خل نتفاهم
أنت الحين من جدك تبي تتزوج هالشمحوطة المزيونة اللي أطول منك يالقرد؟؟
زايد يحاول أن يهدأ: إيه.. وش فيها؟!! ولاعاد تقول المزيونة فقعت عيونك الثنتين
وقرد في عينك.. الرجال مخابر مهوب مناظر
وإلا يمكن بتقول لي مثل ماهي قالت لي.. إنه إبي كان راعي إبل عندهم قبل سنين.. وهي ماتزوج ولد الراعي
خليفة يبتسم بخبث : يمكن.. ليش لأ؟!!
زايد يعود للغضب الممزوج بكرامته المهانة هذه المرة: خليفة لا تقهرني مثلها..
أنت أكثر واحد عارف إنه إبي كان ضام حلالهم مع حلالنا.. يعني حن اللي متفضلين عليهم
لأنه إبيها جابها على كبر..وماعنده غيرها ولا يقدر على الأبل.. فأبي مساعدة منه كان مخلي حلالهم مع حلالنا
يعني سالفة الراعي ذي ما أدري من وين جابتها اللي ما تستحي؟؟
خليفة يهمس بهدوء يحاول به امتصاص غضب زايد: هذا أنت قلتها بنفسك.. يعني زود على أنها أنكرت فضلكم عليهم
تسبك وتقول ياولد الراعي.. يعني خلتكم إنكم جنتو ترعون عندهم وجنها هي بنت الشيخ
مع إن هذا موب صحيح والناس كلهم عارفين.. وش تبي فيها؟؟ هذي ناكرة يميل
زايد بألم شفاف.. شفاف.. شفاف.. مغرق في الشفافية وكأنه يحدث نفسه المتيمة في هواها:
كبرت قدام عيني.. وكل يوم يزيد غلاها.. لين ماعاد لغلاها محل
أحبها ياخليفة.. أحـــبــهــا
خليفة ببعض غضب: حبتك قرادة.. قول آمين.. خلها تولي
زايد بذات الألم الشفاف: تدري ياخليفة: لو أنا أخطبها من إبيها.. صدقني بيوافق علي على طول.. إبيها شايل همها عدا أنه يعزني واجد
تخيل إني تيك المرة يوم أنت شفتها ضربتها قدامه.. وهو ماقال شيء لأنه يدري إنها غلطانة
بس أنا كنت أبي أشوف رأيها قبل.. هذي بنية يتيمة.. وماعندها أم ترد لها الشكيا
ويمكن أحلامي صورت لي إنه يمكن في قلبها نفس اللي في قلبي
صدمتني بقسوتها.. ما تخيلتها كذا
خليفة يحاول أن يتكلم بمنطقية: زين خلنا من إنها تبيك أو ما تبيك
أنت واحد طفران.. ماعندكم إلا ذا الابل اللي أصلا كلت اللي وراكم وجدامكم
زايد بهدوء: جماعتنا كثير منهم مثلنا.. وش حن عايشين عليه إلا على ذا الابل؟!!
خليفة ينظر للبعيد: والله يازايد أنت والابل.. مثلي أنا والبحر والسمج
مالقينا فايدة.. لا تعليم تعلمنا ولا فلوس حصلنا
ثم همس بما يفكر به منذ وقت وكان ينتظر الوقت المناسب لمصارحة زايد به: زايد امش معاي للدوحة
الشباب هناك يقولون خير ربي.. الشغل وايد.. وفيه مدارس العصر
الناس كلهم راحوا للدوحة ماعاد باقي الا احنا اللي ساكنين في مناطق برع (برا) الدوحة.. وش ناطرين؟؟
خل نشتغل الصبح وندرس العصر.. وبعدين احنا درسنا عند الكتاتيب ونعرف نقرأ ونكتب زين.. يعني بنطوف لنا كم صف
زايد يهمس بخفوت كأنه يخاطب نفسه والفكرة تدخل إلى رأسه وتسيطر.. فلطالما كان ينفذ ما يقتنع به دون تردد: ليش لا..؟؟
بعد ذلك بشهرين
بيت قديم مُستأجر فيما يعرف اليوم بمنطقة الأسواق
بالقرب من سوق واقف
يدخل بتثاقل كأن أقدامه مغروسة في الأرض ..يعاني نزعها.. ليعاود غرسها مرة أخرى..
يلقي غترته على السرير الحديدي المفرد
ليلقي فوقه بأشلاء جسده الممزق ذهولا وألما
أي هم هذا؟!!
أي ألم يمزق روحه الشابة بمناجله المسمومة الصدئة؟!!
خليفة الذي كان يكتب واجبه أزاح الدفتر جانبا وهمس لزايد بقلق: زايد أشفيك؟؟
زايد يــنـــزف.. يـــنـــزف..
يشعر أنه لابد أغرق الأرض بنزيف روحه
همس وكأنه يتقيأ الوجع:
مـزنـة...... تــزوجـت
" آه يامزنة.. آآآآآآآه
أما آن لك أن تقتربي
مزنة ياحلمي الذي حلمت به حتى ملَّ الحلم مني
يا أبجديات الحلم التي ماعرفتُ يوما سواها
كيف استطعتِ أن تكوني قاسية هكذا.. ومتوحشة هكذا؟!!
أ هان عليكِ قلب زايد المتيم؟!!
أ هان عليكِ دمه المسفوح تحت قدميكِ؟!!
أ هان عليكِ أن تبعثري ما بقي من روحه المعلقة بأهداب عينيك؟!!
هل سيحبك هو كما أحبك أنا؟!!
هل ستشرق شمسه مع ابتسامتكِ؟!!
هل سيهذي باسمكِ كما أفعل؟!!
هل ستغرد روحه إن وصلت همساتكِ إلى أطراف سمعه حتى لو من بعيد؟؟
تعبت من الآهات.. تعبت
ماعادت آهات.. بل سهام تنغرز في روحي الثكلى لتبكي على مابقي من أطلالكِ
وداعا يا حلمي.. وداعا
وداعا يا مزنة !! "
بعد أقل من عام
زايد يأخذ خليفة من عمله على سيارته الجديدة gmc موديل 1980
خليفة يلتفت له وهو يهمس بحماس حقيقي: ها بشر؟؟.. وافقت عليك ؟؟
زايد يقلب شفتيه وهو يثبت يديه على المقود ويهمس بحياد: لا
خليفة يهمس بغضب عميق: إش عندها ذي.. أرملة وعندها ولد.. لا وويه نحس بعد.. ريلها مات وهي حامل
على شنو شايفه حالها؟؟!! أنت بس اللي معطيها ويه!!
أنت الحين ماشاء الله وضعك صار زين واستأجرت بيت في الدوحة
تزوج زايد.. تزوج شيختها اللي تسواها وانساها.. هي الخسرانة
زايد يهمس بثبات وعيناه تبحران.. تبحران: ماحد عندي يسوى أم امهاب
خليفة باستغراب: نعم؟؟ شنو اسم ولدها؟؟
زايد بهدوء موجوع: امهاب اللي المفروض يكون ولدي أنا..
مُهاب على قولت مدرسين العربي.. هي اللي اختارت ذا الاسم لولدها.. من يومها وهي غير وتفكيرها غير
خليفة يبتسم: بصراحة اسم غريب وايد.. بس حلو
ثم يردف في محاولة لإبعاد زايد عن أفكاره المرة: و على طاري مدرسين العربي.. ترا المدير يقول مستوانا متقدم وايد على مستوى اللي معنا
نقدر ندرس سادس هالصيف ونطلع أول إعدادي مع فتح المدارس
وندرس ثاني اعدادي الصيف الياي
بعد عدة أشهر
صفوف مدرسة قديمة.. كانت جديدة في حينه.. شباب صغار مثقلين بالحلم يجاورهم شيوخ مثقلين بالأمل..
وشتان بين حلم باللحاق بمستقبل قبل أن يمضي
وأمل في تصحيح ماض مضى!!
خليفة وزايد يجلسان متجاورين في انتظار المدرس.
زايد يتنهد ويهمس بنبرة محايدة جافة كأرض بور: خليفة أنا خلاص بأتزوج
خليفة يبتسم بسعادة حقيقية وهو يشعر بصدمة حقيقية "أ يعقل أن هذا المجنون قد شُفي من هوسه المستعصي المسمى مزنة؟!! " : وأخيرا خلصنا من خبال مزنة
زايد بابتسامة هازئة مرة.. ابتسامة أشبه بالبكاء: ماخلصنا.. هي اللي خلصت
مزنة تزوجت مرة ثانية..عيّت مني وخذت واحد مثل الأولي والله مايستاهلون ظفرها
بس شأسوي.. مالي إلا القهر!!
أنا خلاص ياخليفة بأعرس وأجيب لي بنت وأسميها مزنة.. أبي على الأقل أدعي اسمها في بيتي
" هل هذا ما أردته يا مزنة؟!!
هل هذا ما أردته؟!!
تنتقلين من أحضان رجل لأحضان آخر
لتتركي أحضاني تحتضن خيالا مرا شاردا يبعث برودة أشبه بصقيع الموت في أوصالي
ثم لتسكن هذه الأحضان المنبوذة امرأة أخرى سواكِ
يصبح أقصى أمنياتي أن تنجب هي لي مزنة..
صغيرة أهمس باسمكِ حين أناديها.. وأرى في أطيافها بعضا من أطيافكِ الهاربة"
بعد ذلك بـ 8 سنوات وقبل 22 سنة من اليوم
خليفة بابتسامة أخوية صافية: مبروك جاتك مزنة أخيرا عقب كسّاب وعلي
زايد بفرحة حقيقية وروحه تغرد.. تغرد: الله يبارك فيك
والله يافرحتي بذا البنت مثل فرحتي بعشر عيال
بس تراني ما سميتها مزنة.. سميتها مُـزُون
مابغيت أجرح مرتي إني أسمي بنتها على اسم اللي كنت أحبها حتى لو ماكانت تعرف
ومن ناحية ثانية قلت إذا دلعتها بيكون نفس دلع مزنة
أبرد قلبي شوي.. ولو أن قلبي عمره مابرد
عــمـــره مــــابـــــرد
قبل أربع سنوات من اليوم
الدوحة
منطقة رأس أبو عبود
كلية قطر لعلوم الطيران
مكتب رئيس الكلية تحديدا
يجلس خلف مكتبه العريض بطلته المهيبة وهو يرتدي لباس الطيارين المعتاد رغم أنه توقف عن قيادة الطائرات منذ سنوات
ولكنه تقليد برتوكول الطيران العتيد
يقلب الأوراق أمامه ويعيد النظر للشابة الواقفة أمامه والتي لا يظهر أي شيء منها بتاتا وهي مغطاة بشكل كامل بالسواد
وبالكاد تظهر رفات رموشها من خلف فتحات النقاب الضيقة
يهمس باحترام ممزوج بالتهذيب والحنان الأبوي: يابنتي هالتخصص ما يناسبج
أنا أقولها لج مثل بنتي
الشابة بصوت خافت فيه رنة الحياء الطبيعية ولكن يصدر معه روح ثقتها الواثقة:
هل معدلي ما يسمح؟؟
القائد يتنهد ويهتف وهو يعرف سبب سؤالها: لا.. وأنتي عارفة إنه معدلج أكثر مما يسمح بعد.. أعلى معدل بين كل الطلاب المتقدمين
بنفس الثقة الخجولة: هل فشلت في أي من اختبارات القبول التحريرية أو العملية أو حتى اختبار قمرة القيادة؟؟
يبتسم القائد: يابنتي ليش تسألين أسئلة أنتي عارفة إجابتها؟؟
الشابة بثقة: وأنت ليش تبي تثنيني عن شيء أنا قررته خلاص؟؟
القائد بابتسامة أبوية: يا بنتي أنا في مجال الطيران لي أكثر من 25 سنة وأقول لج بكل صراحة وموضوعية إنه ما ينفع لمرة اطلاقا
وخصوصا لما تكون وحدة مثلج
الشابة تتنهد: أنا أعرف إنه فيه بنات قطريات في التخصص سابقيني.. وش معنى أنا؟؟
القائد تعب من الجدال معها ولكنه هتف بثقة: هم موب مثلج.. هم وضعهم غير.. حتى أشكالهم غير.. تسمح لهم بحرية حركة أكثر
الشابة ببعض عتب: يعني عشان أنا منقبة؟؟
القائد بصراحة: ممكن يكون هذا أحد الأسباب.. الشيء الثاني أنتي معدلج عالي وايد.. وأنتي بنت زايد بن علي آل كسّاب الـ
يعني يا بنتي ماشاء الله تبارك الله أبوج ريال معروف وخيره وايد يقدر يوديج أي ديرة تدرسين اللي تبين
عدا إن معدلج إييب لج أحسن بعثة لو بغيتي
مزون بثقة: وأنا ما أبي إلا ذا التخصص
بعدها بساعة
في أروقة الكلية
مزون مع أخت صديقتها التي هي في السنة الثالثة من تخصص المراقبة الجوية
والتي ساعدت مزون على انهاء إجراءاتها
تهمس لمزون بحذر: مزون ترا للمرة الأخيرة أقول لج الفرصة قدامج تراجعين
صدقيني ماراح يمشي حالج مع شروطج
ما تبين تركبين مع الطيّار في القُمرة بروحج
ولازم المساعد الثاني يكون مرة بعد
وما تبين تسافرين لديرة غير الخليج ولا رحلة تضطرين تباتين فيها
يعني من أساسها شروط كلها ما تنفع لوحدة تبي تصير كابتن طيران
والكلية لولا واسطة أبوج الكبيرة ماكان قبلوج أساسا مع شروطج
مزون تنظر للبعيد: أبي أسوق طيارة لو مرة وحدة في عمري.. بس مرة
وعقبها أنا بأطلب العمل مع الطواقم الأرضية أو في عمل مكتبي
لأني عارفة إنه مجال الطيران ما ينفع لوحدة مثلي لا شرعيا ولا اجتماعيا
أبي بس أحقق أمنيتي بدون ما أرتكب أي ذنب
أخت صديقتها بدهشة عميقة: تضيعين عمرج عشان أمنية غريبة مثل هذي؟!!
مزون بشبح ابتسامة: مثل قصة البنفسجة الطموح لجبران خليل جبران.. تكفيني ساعة وحدة أحقق فيها طموحي
غير بعيد منهما
شابان يقفان يهمس احدهما للآخر بخفوت: أنت عارف البنت المنقبة بنت من؟؟
الشاب الآخر بعدم اهتمام: بصراحة هيئتها مهيب هيئة بنات الكلية بالمرة
هي وش جايبها؟؟
الشاب الأول بهمس خافت: بنت زايد آل كسّاب
لا وجايبة أعلى نسبة بين المتقدمين الجدد.. وتبي تخصص قائد جوي
الشاب الآخر يلتفت للفتاة بحدة محرقة وهو ينظر لها نظرة تقيمية: من جدك؟؟
بنت زايد آل كسّاب ماغيره؟!!
ثم أردف بغضب حقيقي: اللي ضاعت علوم العرب ومراجلهم؟!!
الشاب الأول بشبح ابتسامة: يعني عشانها من جماعتك؟!!
الشاب الآخر بغضب مكتوم: على شحم ومهوب شغلك
ثم مشى باتجاهما وهو يجره معه ويهتف بصوت مسموع جمع فيه كل الاستهزاء والبرود رغم أنه كان يغلي كمرجل مشتعل تستعر ناره:
اللي رخصوا الرياجيل
إذا زايد آل كسّاب مخلي بنته تدرس مع الرياجيل عشان تدور عقبها من ديرة لديرة
وش خلو لمضيعين أصلهم؟!!
ياخسارة النقاب والأصل اللي ماعاد لهم معنى ولا حشمة!!
حينها شهقت مزون بعنف وهي تلتصق بالحائط
بينما أنعم عليها صاحب الكلمات المسمومة بنظرة احتقار
تكاد تقسم أنها شعرت أنها شطرتها شطرين.. من صدرها حتى آخر سلسلة ظهرها.. شطران متهاويان وجعا وإهانة
تجاوزها ..وهو يعلم أنها أصاب كرامتها في مقتل دون أن يهتم أو يرف له جفن
ما يهمه أنه أشفى بعضا من غضبه وغيظه حين علم أن واحدة من بنات جماعته دخلت معه إلى ذات تخصصه المرفوض بشكل قاطع لأي امرأة
همست أخت صديقتها بمساندة: ماعليج منه مزون.. هذا مُهاب معروف إنه مستحيل يخلي كلمة تقرقع ببلعومه
مزون بصوت مختنق: بس هو ما يعرفني عشان يهيني كذا
أشلون باستحمل منه كلمة ثانية يقطها علي
الشابة الأخرى بذات المساندة: إن شاء الله ما تصدفينه مرة ثانية
هذا الفصل آخر فصل له أصلا
هو ترا كبير عن كل طلبة الكلية حتى طلاب سنة رابعة هو أكبر منهم بوايد
لأنه تأخر ثلاث سنين قضاهم نقاهة من حادث
تكسّر فيه تكسير
وتوه رجع السنة اللي فاتت وخلاص هذا هو بيخلص ويروح
ولكنها لم تكن المرة الوحيدة التي تخترق مسامعها كلماته المسنونة
لم يتحادثا مطلقا وجها لوجه
ولكنه لم يترك فرصة واحدة طوال فصله الدراسي الأخير لإسماعها كلمات مغموسة بالتحقير والاستهانة وأبشع أنواع الأهانة
هكذا أراد الله أن يبتليها به
أن تُجبر على سماعه
وتجد نفسها عاجزة عن الرد أو حتى مجرد الشكوى
ابتلعت الإهانة على مضض وروحها تذوي وجعا مرا
فتجرع الإهانة دون القدرة أو الرغبة على الرد هو أشبه ما يكون بسم بطيء المفعول..
يقتلك شيئا شيئا
وفي رحلة القتل هذه لابد أن تعاني أبشع الآلالم بصمت متوحش حتى تذهب روحك إلى الفناء....
الـــفــنـــاء!!
كانت تلك الشهور هي الأسوأ في حياتها ضمن السنوات الأسوأ التي بدأت منذ ذاك الحين
تمنت أن تقيم احتفالا حين تخرج مُهاب وغادر الكلية بعد أشهر قليلة
ولكن الاحتفال يعني فرحا من نوع ما..
وهي فقدت الإحساس بطعم الفرح الحقيقي أصلا.. فلِـمَ الاحتفال؟!!
**********************
اليوم....
ضحى يوم سبت
الجو مشبع برطوبة خانقة شعرت بها وهي تخرج من باب المطبخ الخلفي وتنزل جلالها على وجهها رغم أنها تعلم يقينا أنه يستحيل أن تصل عين متلصصة إلى عمق منزلهم ولكنها اعتادت على هذا
ومن ناحية أخرى لا تريد أن تسمع كلمة ما من والدها أو شقيقيها
"آآآآآآه " تنهدت بوجع
أي شقيقين؟؟!!
قبل أربع سنوات كان لها أبوان وشقيق واحد..
ولكن الآن هناك أب وشقيق.. وثالث ماعادت تعرف له تسمية
وصلت بعد عدة خطوات لمبتغاها
فيلا صغيرة أنيقة تقبع خلف القصر الضخم ومعه في ذات السور
دخلت دون أن تطرق الباب
ألقت بجلالها على المقعد الأقرب للباب
وهي تدلف للبهو البالغ الأناقة المؤثث بذوق أنثوي شديد الرقي
عدلت من هيئتها في مرآة المدخل
وملامحها الحزينة تنعكس على صفحة المرآة لتعكس ماهو أعمق وأكثف من جمال شديد التواضع يبدو لثقة صاحبته معدوما تماما
تنهدت.. ثم رفعت صوتها وهي تنادي بحماس رقيق: خالتي
خالتي عفرا
خالتي وينش؟؟
خرجت عفراء من المطبخ وهي تجفف يديها وتهمس بحنان: تريقتي وإلا تريقين معي؟؟
مزون تحتضن خالتها بحب كبير وتهمس لها وهي تقبل أذنها:
أنتي عارفة إنه ريوق السبت ماله حلا إلا معش
ابتعدت مزون وهي تنظر لخالتها باستحسان: حلوة القصة عليش خالتو
عفراء تعيد شعرها خلف أذنيها وتهمس بمرح حنون: أدري
مزون تقلب شفتيها: عشتو.. صدقت أبلة عفرا العجوز
عفراء بابتسامة: عجوز في عينش.. توني 37 سنة يا كابتن مزون
مزون تضحك: ويعني 37 منتي بعجوز؟!! وبنتش اللي صار عمرها 19 نعطيها للجيران عشان ندس عمرش؟!!
عفراء تدلف إلى المطبخ ومزنة خلفها وهي تبتسم وتجيب (بعيارة): لو أني عجوز ماكان يجيني خطّاب أصغر مني
مزنة غمزت بعينها وهمست بخبث رقيق: وليش ما وافقتي على الخطيب اللي أصغر منش؟!!
عفراء تصف أواني الفطور على الطاولة الصغيرة في زواية المطبخ وهي تهمس بذات
المرح: لا تستعبطين
شاب عمره 32 سنة يتزوج وحدة في عمري!!!
هذا على فرق العمر اللي يبان على المرة ومايبان على الرجّال.. بعد عشر سنين عاده في عز شبابه وأنا بأكون خلاص أقول يا الله حسن الخاتمة
هذا المسكين شيسوي.. يبي يتقرب من كسّاب ومالقى قدامه حد غير خالة كسّاب
تنهدت مزون في داخلها بحسرة وأمران موجعان يتبادران لخاطرها
أولهما كسّاب ذاته
وثانيهما أنه صديق كسّاب سيخطب خالة كسّاب ولكن هي لم ولن يخطبها أحد
فمن سيريد فتاة دميمة مثلها؟!!
بل وعلى وشك استلام عملها في مجال قيادة الطائرات!!
ولكن مزون حاولت تجاوز كل هذا.. فهذا الحزن وخصوصا مع ذكرى كسّاب ذاته شيء بات يتغلغل في روحها واُجبرت على التعايش معه
لذا همست بمرح خبيث: زين ويوم إنش ما تبين اللي أصغر منش
كان خذتي اللي أكبر منش
عفراء أنزلت الصحن الأخير على الطاولة وجلست وهي تهمس بحرج:
مزونتي قلبي.. كم مرة قلت لش لا عاد تفتحين ذا الموضوع
مزون تمد يدها لكأس الكرك الذي صبته لها خالتها وترتشف منه وتهمس بهدوء:
ولا عمرش اقنعتيني بأسبابش
أنا بصراحة ما أشوف السبب اللي خلاش ترفضين إبي عقب ماتوفت أمي
عفراء تقضم طرف قطعة الخبز وتهمس بمودة: خلاص هذا موضوع انتهى من سنين
وأنا خلاص خلصت من العرس كله.. ما تزوجت وبنتي صغيرة
أتزوج الحين عقب ماصارت هي عروس
ثم أردفت بحزن عميق وكلمة عروس تقلب الكثير من المواجع:
أنتي عارفة إنها كانت قبل مرضها ذا تخطب مني.. لكن الحين ؟!!
الله يشفيها لي بس
مزون أنزلت اللقمة التي كانت على وشك تناولها لأنها خشيت أن تغص بها وهي تهمس بحزن مختنق:
خالتي والله حرام تخلين جميلة على ذا الحال
سافري فيها مع كسّاب وإلا علي
هذا هم اثنينتهم يحنون عليش
عفراء تنهدت بحزن: يا قلبي يا مزون.. جميلة ما عاد هي بصغيرة.. صارت مرة
ولا علي ولا كسّاب حلال عليها يكشفونها
لو كان مرضها غير ذا المرض كان قلت عادي أنا معها
لكن هي الحين حتى ما تقدر تغطي وجهها ولا حتى فيها حيل تغطي أي جزء ينكشف من جسمها
الشيء الثاني.. أنا أملي بالله كبير إنها تتحسن إن شاء الله
مزون تعلم أن هذه الأسباب وإن كانت من ضمن الأسباب إلا أنها ليست كلها!!..
لذا صمتت وهي تقف ثم تهمس بحنين: زين أنا بأروح أطل عليها.. بتوعى فيني؟!!
عفراء وقفت معها: أصلا هي واعية.. أنا طليت عليها قبل شوي..
عصبت علي وعصبت عليها عشان الريوق
الاثنتان تتجهان للأعلى ومزون تهمس: زين والجامعة بترجع الفصل الجاي وإلا لأ؟!!
عفراء بألم عميق: قولي إن شاء الله..
مزون تحاول تغيير دفة الحديث من أجل الحزن الذي فاض من عيني خالتها: والمدرسة وش أخبارها؟؟
عفراء بسخرية مرة: لا تسألين لأنه هذي ماعادت دراسة ولا مدارس.. هذي مأساة من مآسي ذا الزمان
خلينا من ذا الموضوع الغثيث الحين.. وصلنا غرفة جميلة
*************************
قلب الدوحة
ذات ضحى السبت
بالقرب من شارع حمد الكبير المعروف بـ"شارع البنوك"
يوقف سيارته في موقفه الخاص
ويصعد إلى مبنى شركته الصغيرة الأنيقة التي تحمل في كل جنباتها رائحة ذوقه وطرازه.. وحتى جموده!!
يخلع نظارته الشمسية وهو يدلف من الباب الزجاجي الضخم لتبرز عيناه المتيقظتان كعيني والده تماما
هاتان العينان هما الشيء الوحيد الذي ورثه من والده
وفي بقية ملامحه كان شيئا مختلفا..
ملامح حادة مرسومة بدقة.. توحي بحنان مندثر أصبح ذكرى منقرضة
جسد استثنائي التكوين بعضلات نافرة متحفزة تظهر بوضوح بارز تحت الانسياب الأنيق لثوبه الأبيض.. عضلات لم تكن موجودة مطلقا قبل أربع سنوات..
فلو لم يفرغ كل طاقة غضبه حينها في رفع الأثقال يوميا حتى كان يوشك على الانهيار من التعب في نهاية اليوم
أو ربما كان انهار وقتها من الغضب والحقد والخزي والانكسار!!!
ثم بعد ذلك بأشهر.. سفره الغامض الذي استغرق عاما.. عاد بعده بشهادة الماجستير
وعاد كذلك -ويالا غرابة التغيير الجذري- ببنية جسدية مفرطة في القوة لدرجة مرعبة.. وروح مغرقة في القسوة لدرجة أكثر رعبا!!
وصل لمكتبه
ألقى سلاما باردا على سكرتيره
ثم دلف إلى مكتبه
لحق به سكرتيره وهو يضع ملف المراسلات أمامه ويهمس باحترام مهني:
سكرتير عمي زايد اتصل ويقول عمي أبو كسّاب يبيك تمر عليه
التفت له بحدة وهو ينظر له بقسوة متوحشة: نعم وش قلت؟؟
ابتلع السكرتير ريقه.. فهو يعرف هذه النظرة وليس مستعدا لتبعاتها التي يعرفها جيدا: فيه شيء طال عمرك؟!
همس بنبرة محرقة: أظني في ذا الشركة مالك إلا عم واحد هو.. أنـــــا..
مفهوم؟!!!
السكرتير يتراجع وهو يحاول الخروج بأقل الخسائر: أكيد طال عمرك.. أكيد
خرج السكرتير
بينما عاد هو لإرخاء جسده المتصلب
الحالة التي لا بد أن تصيبه كلما سمع اسم والده
لماذا رباه على كل هذا الاعتزاز والحمية والأنفه إن كان هو من سيكسره في النهاية؟؟
لـمـاذا؟!!
لـــمـــاذا؟!!
يحاول
أن يتناسى الذكرى الموجعة التي تأبى الانزياح
همسات الرجال المحتقرة في المجالس (هذا اللي أخته العوبا تدرس طيران)
اضطراره لبدء حياة جديدة ابتعد فيها عن كل أصدقائه القدامى.. وأغرق نفسه في العمل
حصر علاقاته في علاقات العمل فقط
وغلف روحه بكل البرود والجمود الممكنين
حتى يستطيع التعايش مع هذا الخزي الموجع كما يراه هو
لولا خشيته من فضيحة أخرى أو كان ترك بيت والده وسكن في مكان آخر
وهاهو يعيش معهم بالاسم فقط.. بينما هو بعيد.. بعيد
بــــعـــــــيـــد جدا!!!
أو..... ربما يظن نفسه كذلك!!!
********************
مزون تنزل الدرج وهي تمسح دموعا لا تريد أن تراها خالتها
رغم أنها تطل على ابنة خالتها كل يوم ولكنها كانت تجدها غالبا نائمة
اليوم كانت مستيقظة.... بدت لها غاية في الضعف
وجهها الذي كان في مضى غاية في الرقة والعذوبة كان اليوم خاليا من الحياة وعظام خديها تكاد تبرز من وجنتيها
عيناها غائرتان في فجوتين من هالات سوداء مرعبة أخفت حسنا كان لا يخفى..
شفتاها مشققتان جافتان على طرفيهما بقايا دم متخثر بعد أن كانتا أشبه في توردهما بفاكهة صيف ندية
اخضرار عروقها كان يعبر بوضوح مساحات قاحلة من ضمور جسدها المتهالك
فجوات كثيرة برزت في مفارق شعرها بعد أن تساقط الكثير من شعرها الذي كان رائعا بكثافته ونعومته
مزون جلست في الصالة السفلية وهي تخفي آثار دموعها
تبعتها خالتها بعد دقائق بعد معركة أخرى مع ابنتها جميلة
جلست الخالة وهي تنتفض غضبا:جننتني.. جننتني.. مارضت تأكل شيء.. وفي الأخير غصبتها على لقمتين
مزون بمساندة: هدي خالتي.. هدي.. أنتي عارفة إنها تصير عنيدة في موضوع الأكل
انتقلت عفراء من النقيض للنقيض من الغضب العارم للحزن المقيم وهي تهمس بوجع مستشرٍ:
مزون أنا صايرة عايشة في رعب إني بجي أصيحها يوم بألاقيها جثة
أنا الحين ماعاد أقدر أنام وأنا كل شوي أحط يدي على قلبها عشان أتأكد من دقات قلبها
وأحطها قدام خشمها عشان أتاكد إنها تتنفس
انتفضت مزون بجزع: بسم الله عليها خالتي.. لا تفاولين عليها
همست عفراء بألم عميق.. عميق: الله يخليها لي
مزون تقترب من خالتها وتحتضن خصرها وهي تهمس بمرح مصطنع لإبعاد خالتها عن التفكير المؤلم:
يعني أنا ما يخليني لش؟!!
عفراء احتضنت مزون وهي تهمس بحنان: أنتي عارفة إنه كلكم أنتي وجميلة وكسّاب وعلي كلكم عيالي وغلاكم واحد
مزون همست بخفوت وهي تبتعد عن خالتها قليلا: خالتي كسّاب أشلونه؟؟
ما يقول لش إنه يبي يتزوج؟؟ بأموت نفسي أشوف عياله هو بالذات
عفراء ابتسمت وهي تقرص خدها بحنان: وعلي المسيكين.. ماتبين تشوفين عياله يعني؟!!
مزون همست بألم: أقول يمكن كسّاب لو تزوج وجاب عيال.. يطلعون حنانه
ويرجع كسّاب القديم
يا الله يا خالتي وش كثر مشتاقة له
أربع سنين مروا مايقول لي الا كلمتين كل كم شهر
صمتت خالتها.. فهي في هذا الموضوع بالذات تقف على الحياد ولأسباب كثيرة!!
أكملت مزون بذات الألم: الله يأخذ ذا الدراسة اللي بعدته عني
والله لو دريت إن ذا كله بيصير إني ما أدخل ذا التخصص
وليتني قعدت على اقتناعي حتى
يالله يا خالتي وش كثر ندمانة !!
خالتها بمؤازرة: خلاص يا بنتي اللي راح راح
مزون بألم أكبر: أنتي عارفة ياخالتي إني بعد شهر واحد بس.. كنت أبي أطلع من الكلية عشان كسّاب واللي شفته صار له
ما توقعت إن كسّاب بيتأثر بذا الطريقة.. قلت بيعند أسبوع وإلا أسبوعين ويتقبل الموضوع وتمشي السالفة
ما توقعت حياتنا تتعقد كذا بسبت دراستي..جيت بأطلع عشانه لكن إبي حلف علي
تدرين خالتي واحنا بزران كل طفل دايم يحلم حلم مجنون.. إنه بيكون رائد فضاء مثلا
مشكلتي إني حلمت حلم غير معقول كان المفروض إنه ما يتحقق.. لكن لاني بنت زايد آل كسّاب.. الحلم تحقق
جيت بأتراجع عنه.. زايد ما خلاني..
والله العظيم لو خيروني بين كسّاب وكل تخصصات الدنيا.. كفة كسّاب ترجح
كسّاب ماكان إخي بس.. كان إبي وأمي
من عقب ذا التخصص لا بارك الله فيه.. الكل تغير.. وحياتنا كلها تغيرت
حينها ماعادت تحتمل.. ماعادت تحتمل
انخرطت في بكاء حاد موجع..فمشاعرها كانت مستنزفة تماما
ابنة خالتها أولا..ثم موضوع كسّاب ثانياً
خالتها انتفضت بجزع وهي تحتضنها بحنو وتهدئها:
بس يا قلبي.. بس
تراني ماني بمستحملة.. لا تبكين...أخورها الحين معش
*************************
قبل 17 عاما
يجلس على سريرها منحنيا عليها بجذعه النحيل.. يمسح على رأسها الصغير الذي أرخته على ساقيه الهزيلتين اللتين تصلبتا من الألم لطول ما طواهما تحته
تأخر الوقت.. ونامت الصغيرة.. والألم في ساقيه يتزايد ولكنه يتحامل على نفسه
وهو يحاول احتمال الألم الذي يزيد عن طاقة احتمال طفل في الثانية عشرة بكثير
كان لا يريد سحب قدميه من تحتها خوفا أن تصحو من نومها..
فهي نامت للتو بعد ساعات طويلة من البكاء والسؤال الذي لم يتو
قف عن والدتها
تطل عليهما بوجهها المتورم من البكاء وعينيها الذابلتين بعد أن ذهبت آخر المعزيات.. لينقلب إرهاق وجهها الحزين إلى صدمة ألم وهي تقترب من الجسدين الصغيرين:
كساب حبيبي أنت على قعدتك ذي من عقب المغرب؟؟
كساب برجاء طفولي: تكفين خالتي قصري صوتش مابغت تنام.. قطعت قلبي من كثر ماسألت على أمي
عفراء تمد يديها لترفع مزون عن ساقيه.. ويشير كساب الصغير بيديه لا:
تكفين خالتي خليها.. إذا قامت وما لقتني بتبكي
عفراء ترفعها بحنو وتضعها على سريرها وهي تهمس له بحنان موجوع: جعل مزون ما تذوق حزنك ياقلبي
قوم يأمك تعشى وعقبه كلنا بنام عندها..
يحاول كساب الوقوف ليتهاوى ساقطا من ألم ساقيه المتصلبتين.. تنحني عليه عفراء بجزع لتجلس جواره على الأرض وهي تمسك به بحنو: وش فيك ؟؟
يهمس بألم وهو يحاول منع دموعه من الانحدار: أرجيلي توجعني..
حينها لم تستطع عفراء منع نفسها من الانفجار في بكاء جنائزي مكتوم وهي تحتضن كساب بكل قوتها
فكساب بالذات طوال اليومين الماضيين كان هو من يثير أقسى أوجاعها.. بين إدعاء رجولة مبكرة وهو يتلقى مع والده التعازي في وفاة أمه
وبين دور أمومة جديد وزعه بين علي ومزون وخصوصا مع مزون التي بدأ بقضاء أكثر وقته معها حين رأى سؤالها الدائم عن أمها
وهو في كل هذا يستهلك طاقة جسده الصغير.. ويمنع نفسه من الانهيار في حزنه الطفولي اليائس
كانت تعلم أنه أكثرهم حزنا وإن أخفى حزنه ودموعه.. فهو ابن وسمية البكر.. وللبكر دائما قربا خاصا من روح والدته.. وبينما خيط تواصل عصي على التفسير
وهو كان من قضى معها الوقت الأطول.. وهو الأكبر سنا والاكثر استيعابا بين أشقائه.. يعرف معني اليتم وكيف ستكون الحياة مرة قاسية بدونها.. لذا هو من سيحس فعلا بمرارة فقدها وخلاء المكان والروح بعدها
سالت دموعه بصمت في حضن خالته.. وشعرت عفراء أن البلل الذي بدا يغرق صدرها.. كما لو كان يغرق روحها في دوامات عاتية من حزن أسود سرمدي
همست عفراء بحنو ذائب وهي تمسح على خصلات شعره الناعمة: أنا بأشلك حبيبي وأنزلك تحت تتعشا
حينها تصلب جسده وهمس بصوت مبحوح حاول أن يخفي رنة البكاء فيه وهو يصرخ مستنكرا: تشليني؟؟ ليه أنا عويق؟؟
ثم أردف بثبات: دقيقة وأقوم معش.. بس ما أبي عشا
أبي أروح أشوف عليان تعشى وإلا لأ
همست عفراء بحنان: عليان تعشا وراح مع أبيك لغرفته.. وأنت لو ما تعشيت والله لا أزعل عليك
ثم أردفت بحنان أرق وهي تنزل نقابها المرفوع فوق رأسها على وجهها:
أمش أنا وياك نتعشى ونعشي جميلة.. خليتها تحت تبكي عند الخدامة
********************
سويسرا
مدينة جنيف حيث المقر الدائم للأمم المتحدة
توقيت أبكر بساعتين
يصحو من نومه ويتجه للحمام ليغتسل ويتوضأ ليصلي ضحاه
اليوم إجازة لكل منسوبي القنصلية وهو ومن ضمنهم
ينظر في المرآة الطويلة لانعكاس صورته.. لوجهه الطفولي النحيل
لطالما كان في شكله مناقضا لشكل كسّاب
كان أطول من كسّاب وأنحف وأكثر وسامة..ولكن ملامحه فيها طفولة غريبة على عكس ملامح كسّاب المثقلة بالرجولة
يبدو للرائي كما لو كان في السادسة عشرة مع عارضه الخفيف ونظرة البراءة المتلألة في عينيه الواسعتين رغم أنه يعبر أبواب السادسة والعشرين
وعلى طرف الطباع كان دائما أكثر هدوءا واتزانا وعمقا من كسّاب المشتعل الصاخب
كانا على طرفي نقيض شكلا ومضمونا
حينما أنهى صلاته.. تناول هاتفه ليتصل
حينما وصله الصوت الفخم على الطرف الثاني همس باحترام حماسي:
حيا الله أبو كسّاب
ها.. تجيني وإلا أجيك ذا الصيفية؟!!!
*************************
مزون تمد يدها لكأس الماء أمامها ترتشف منه وتهمس بشفافية: بس جد خالتي ماشاء الله عليه كسّاب
شاب مثله وشركته مالها ثلاث سنين.. صارت محققة ذا النجاح كله.. وباعتماده على نفسه
حينها ضحكت عفراء ضحكة قصيرة: ليه أنتي صدقتي التمثيلية ذي؟؟
مزون باستغراب: أي تمثيلية؟!!
عفراء بابتسامة: أنه كسّاب حقق ذا النجاح كله بروحه بدون مساعدة
مزون بتساؤل مدهوش: أجل؟؟
عفراء بذات الابتسامة: حبيبتي كسّاب نجح لأنه ولد زايد.. حتى لو كان يوم سوى شركته سواها من ورثه من أمه وماخذ من زايد ريال واحد
فلمعلوماتش ولو ما كنتي تعرفين.. زايد كان يدفع من عنده الفرق عشان الشركات تعطي مشاريعها لشركة كسّاب اللي كانت شركة صغيرة جدا ومهيب معروفة
حتى في المواد الأولية اللي كان يشتريها.. زايد يطلب منهم يعطونها كسّاب بأقل من سعرها وهو يدفع الباقي
لحد ما وقفت شركة كسّاب على أرجيلها خلال فترة قياسية مستحيلة لولد في عمره وشركة في إمكانية شركته اللي كانت بدون امكانيات اساسا
مزون بدهشة عميقة: وأنتي اشدراش؟؟
عفراء هزت كتفيها: لي مصادري.. والمهم إن كسّاب مايدري عن شيء من ذا الكلام
ما نبي نكسر اعتزازه بنفسه وفرحته بنجاح شركته واعتماده على نفسه
مزون بثقة رغم عجزها عن تصد
يق كل هذا: أكيد خالتي
ثم اردفت بحنان عميق: فديت أبي ياناس.. نعنبو لايمني في حبه
ثم أردفت بحماس: بس والله إن زايد مخ.. شوفي إبي مامعه إلا ثانوية وكسّاب معه ماجستير إدارة أعمال
ومع كذا شوفي أشلون إبي حقق ذا النجاح كله باعتماده على روحه بس.
عفراء تبتسم: إبيش ماشاء الله مخه نظيف.. وعنده حاسة اقتصادية عجيبة
والشيء الثاني ترا إبيش يوم بدا شغله بدا برأس مال مهوب شوي
يعني زايد باع أكثر نصيبه من إبل أبيه اللي كانت كلها من الابل الطيبة وجابت له مبلغ مهوب بسيط أبد
ضحكت مزون: بس عقب سنين رجع واشتراهم..
ضحكت عفراء: البدوي أعز ماعليه حلاله.. غلاها من غلا عياله..
تدرين وسمية الله يرحمها كانت تقول إنه تيك السنين كان مثل اللي مضيع له شيء وفيه حزن لين رجعهم
مزون بحنين وحزن: الله يرحم أمي.. مالحقت أعيش حنانها ..
ثم أردفت بحب غامر وهي تضع رأسها على كتف خالتها: والله يخلي اللي ماخلتني أحس بغياب أمي وكانت هي أمي وأعز..
عفراء بتأثر: أنتو وصات وسمية الغالية لي.. والله لو تبون عيوني ماغلت عليكم..
مزق أجواء حديثهما المنسجم صراخ الخادمة من الأعلى: مـــامـــا مـــامـــا
تعالي شوفي جميلة
عفراء قفزت وهي تتعثر برعبها وجزعها على صغيرتها وهي تركض صاعدة للأعلى ومزون تجاوزتها لتركض أمامها
حين دخلتا وجدتا الخادمة تحاول رفع جميلة عن أرضية الحمام
حينها انخرطت عفراء في بكاء هستيري: شفتي يا مزون شفتي!!
راحت ترجع اللقمتين اللي غصبتها عليهم
شفتي!! شفتي!! تبي تموت ذا البنت!! تبي تموت
مزون همست بتهدئة وثبات وهي تقترب من جميلة: هدي خالتي فديتش.. مافيها إلا العافية وأظني صرتي متعودة على كذا
كانت مزون تحاول التجلد وهي تمسح وجه جميلة وتنظفه ثم تحملها بخفة كما لو كانت تحمل طفلا
فكل ما بقي من عود جميلة الريان هو وزن طفل في السابعة من عمره
حوالي 28 كيلوجراما مازالت في تناقص
كل مابقي من ذلك الجمال الملائكي العذب هو خيال شاحب لمومياء توشك على مغادرة الحياة..
عروق بارزة وعظام ناحلة وجسد خالٍ من كل معالم الحياة
مزون وضعت جميلة على سريرها ثم همست في أذنها: جميلة حرام عليش اللي تسوينه في نفسش وفي أمش
جميلة أدارت جسدها الجاف كغصن ذاوٍ..وهي تهمس بصوتها المختنق الضعيف الذابل:
تكفين مزون اخذي أمي وخلوني في حالي
*********************
الدوحة
منطقة الأبراج بالقرب من الكورنيش
مقر مؤسسة ضخمة من أكبر مؤسسات قطر تضم تحت لوائها عدة شركات وتحتل بمجمل شركاتها برجا ضخما
الطابق الأخير من البرج
مكتبه الضخم البالغ أقصى حدود الفخامة والأناقة
يراجع عدة أوراق أمامه.. بحسه المتيقظ دوما.. لا يمكن أن تفوته صغيرة ولا كبيرة..
ذكاءه الفطري متحفز دوما.. وهاهي شركاته تمر بمرحلتها الذهبية التي صنعها هو أولا وأخيرا
طلته مهيبة رغم أنه للقصر أقرب.. وكأنه بهذا يلغي مقولة عاشت في الأذهان وتجذرت "الطول هيبة"
غزت الشعيرات البيضاء رأسه ولكن عارضيه مازالا يقاومان الغزو الأبيض مع شدة سوادهما
رن هاتفه.. رأى الاسم وابتسم...كم اشتاق لهذا الفتى الغائب!!
مع علي يشعر براحة عميقة..فلهذا الفتى قدرة هائلة على الاحتواء
معه لا يشعر بتحفز كسّاب ولا حزن مزون
بات عاجزا عن تفهم الشابين اللذين يساكنونه...ويشتاق لهذا الساكن بعيدا عن حناياه
يشتاق لعلي الذي كان يفهمه بدون لغة الكلمات الممجوجة
حينما كان أولاده صغارا..كان ارتباط كسّاب ومزون ببعضهما أكبر
بينما علي كان مرتبطا به هو..رغم مشاغل زايد المتعددة كان دائما ملتصقا به
ومع ذلك كان علي بعد كل هذا من أصرَّ على الابتعاد والعمل في وزارة الخارجية
رغم رفض زايد لعمله الذي أجبره على التنقل من بلد إلى بلد منذ التحاقه به منذ أربع سنوات
"هل أردت أن تهرب من أحضاني يا علي؟!!
أفقد الولدين وفي وقت واحد!!
كسّاب فقدته وهو يسكن معي في بيت واحد..وعلي فقدته بالبعد
وحتى مزون ماعادت مزونا..حزن عميق يغلف نظرة عينيها الغالية
مابهم أولادي؟!!
ما بهم؟!!"
أشجانه طاردته مع اسم علي المضيء على الشاشة
فتح الاتصال وهمس بصوته الثقيل العميق الموغل في الفخامة.. صوت من اعتاد أن يأمر فيُطاع:
هلا والله إني صادق!!
صوته المرح العميق: حيا الله أبو كسّاب.. تجيني ذا الصيفية وإلا أجيك؟!!
ابتسم بذات الفخامة: إلا تجيني أنت و أنت سنافي ونشمي..
ولو أنك تخليني أكلم الوزارة كان ريحتك من ذا الشحططة من ديرة لديرة..وتقعد في الدوحة
يبتسم علي: أنا مرتاح كذا
تنهد زايد في أعماقه بحرارة
لا يريد أن يستجديه.. رغم أنه يتمنى أن يستجديه..ويستجديه ويستجديه
يستنزفه الاشتياق له
فمهما يكن هو أب وهذا صغيره
أتعبه هذا الاشتياق وهذا البعد الذي بات يحيط بروحه إحاطة السوار بالمعصم
همس زايد بهدوء حازم: جعلك مرتاح دوم
ثم أردف: وها متى جاينا إن شاء الله؟!!
علي باحترام ودود: شهر
شهرين.. في ذا الحروة
زايد بجزع لم يظهر في صوته الثقيل: ياكبرها عند الله يأبيك..قد لي 3 شهور ما شفتك
علي بمودة: سيّر عليّ جعلني فدا عينك
زايد يتذكر شيئا ثم يهمس بحزم أبوي: أنا الأسبوع الجاي عندي سفرة لفرنسا
تعال لي أنت هناك
علي بحماس: من جدك؟!!
أبشر.. أبشر أنا اللي باستقبلك في المطار.. بتلاقيني بايت في ديغول من قبلها بليلة
زايد بذات الحزم الأبوي: لا لا تعطل شغلك.. تعال لي في الويكند حقك المهم أشوفك..
علي برجاء لطيف: يبه تكفى جيب مزون معك.. هي قالت لي أمس إنها خلصت امتحاناتها خلاص
زايد يبتسم: أنت عارف إن مزون مستحيل تطلع من الدوحة وكسّاب وراها.. تقول أخاف يحتاج شيء
علي بألم لم يظهر في صوته: ويعني لو أحتاج بيطلب منها أو من غيرها؟!!
زايد بذات طريقة الرد ..الألم المختبئ خلف حزم صوته: المهم هي مرتاحة كذا
***********************
بيت زايد آل كسّاب
أروقة الطابق العلوي الشاسعة والممتدة
الساعة الحادية عشرة ليلا
تقف أمام باب غرفته منذ أكثر من عشر دقائق
ليست المرة الأولى التي تدخل غرفته حتى تعاني هذا التردد الذي يقتلها
فهي تدخل غرفته بشكل يومي
فهي لا ترضى أن ترتبن الخادمات ملابسه أو ملابس علي أو والدها.. فهي من اعتادت على فعل هذه المهمة يوميا...ولكنها كانت ترتب في غرفة خاليا من حضوره
مرت أشهر متطاولة لم يتبادلا فيها حوارا بالمعنى المفهوم للحوار
فكيف بهذا الموضوع الذي جاءته به الليلة؟!!
تنهدت بعمق وهي تستجمع كل قواها الخائرة وكل ثقتها التي توشك على الهرب خوفا من سطوة كسّاب
كساب منذ مراهقته المبكرة وهو حاد الطباع وسريع الغضب.. ولكن شتان بين حدة الطباع مع طيبة قلبه البالغة سابقا.. وحدة الطباع مع شخصيته القاسية المتحفزة الجديدة التي برزت في السنوات الأخيرة
طرقت الباب
وصلها صوته الحازم فيه رنة غضب " نعم؟؟"
ابتلعت ريقها وكانت على وشك الهرب من أمام الباب لولا أنها فُجعت بالباب يُفتح وكسّاب يقف أمامها في فرجة الباب المفتوح بكامل اتساعه
لا ينكر أنه تفاجأ أن تكون هي الطارقة
ولكن تفاجئه لم يظهر لصوته الحازم البارد: "نعم؟!!"
مزون تبتلع ريقها: ممكن أتكلم معك شوي؟!!
همس بذات الصوت البارد الحازم: آسف ماعندي وقت
ثم أغلق الباب في وجهها بصوت مسموع..
وقفت مصدومة لثوانٍ.. ولكن صدمتها تبددت قسرا
فليس هذا أسوأ ما قد يفعله تجاهها!!
فطوال السنوات الماضية مارس ضدها صنوفا مختلفة من التجاهل الموجع
وحين يقرر بعد أشهر أن يخترق أسوار التجاهل ليشعرها أنها قد تكون مخلوق مرئي يسكن على مقربة منه
يكون اختراقه للتجاهل أكثر قسوة من تجاهله.. كلمات جارحة قاسية حادة وقصيرة.. لكن أثرها عميق.. متوحش.. وطويل.. طــويـــل !!
تنهدت وهي تقوم بمحاولة جنونية لم تقم بمثلها مطلقا
فالموضوع الذي تريد محادثته فيه لا يحتمل التأجيل
لذا فتحت الباب ودلفت للداخل..ام تجده في الصالة حيث توقعت أن تجده
فتجاوزت صالته لغرفة نومه بخطوات مترددة وجلة وهي تدفع كل القوة في عروقها المتهاوية وجلا
كان يتمدد على سريره ويقرأ كتابا
حين رأها دخلت.. قفز وهو يهتف بغضب حقيقي: أشلون تجرأين وتسوين كذا؟!!
حاولت أن تهمس بهدوء واثق مصطنع: فيه موضوع مهم أبيك فيه
كسّاب بذات الغضب المحرق: صدق مافي وجهش سحا
بس وش نتوقع مع وحدة تدرس مع الرياجيل كتف بكتف؟!!
وبكرة بتروح تهيت من ديرة لديرة..
إذا جا العيب من أهل العيب ما يكون عيب
شهقت بعنف..شعرت أنها عاجزة عن التنفس..
كانت طعنته مؤلمة.. مؤلمة حقا!!
تكاد تقسم أنها شعرت بملمس نصل طعنته وهي تخترق لحمها بقسوة ثم تشعر بدمها يفور ويتدفق لزجا ساخنا ملتهبا
ولكنها لم تعلم أنه بطعنته آلم نفسه قبل أن يؤلمها.. ونصل طعنته انغرس في روحه المثقلة الموجوعة
وكلماته جرحت رجولته قبل أن تمزق بقايا أنوثتها
تنهدت بعمق موجوع..
التحسس من هذا الموضوع بات ترفا ماعاد يليق بها
ولكن ماذا تفعل.. لا تستطيع منع نفسها من الاحساس بكل هذا الألم
ولكن بما أنها الآن تتألم.. ويستحيل أن تتألم أكثر من هذا
فلن تسمح له أن يثينها عما جاءت من أجله
همست بهدوء كانت روحها تتمزق خلف متاريسه: ماني برادة عليك
تدري ليش؟!!
لأني شعرة من شعر وجهك
هيني.. هيني مثل ماتبي.. لأنك بتهين نفسك معي
أصابته في الصميم
الـــصـــمـــيم
هذا وهي لا تريد الرد عليه فكيف لو كانت سترد؟!!
تقلصت قبضته التي كان يكورها ويعتصرها بينما أكملت مزون حديثها وهي تهمس بذات الثقة:
أنا أدري إني ما أهمك في شيء..وأنا ماني بجاية عشان موضوع يخصني
أنا جايه عشان خالتي عفرا..وأدري إن خالتي لها معزة كبيرة عندك
قاطعها كسّاب بحدة: خالتي عفرا طيبة وبخير وتوني مكلمها
ووريني عرض مقفاش الحين
لم تهتم لطرده له وأكملت: وبنتها بعد طيبة وبخير؟!!
بذات النبرة الحادة: و الله بنتها اللي
جابت ذا كله لنفسها
شهقت مزون: يعني عاجبك حالها؟!!
عاد كسّاب للجلوس على السرير وهو يهمس ببرود: على قولت الشوام.. اللي من إيده الله يزيده
شهقت مزون بعنف أكبر: حرام عليك
حينها التفت لها كسّاب بحدة: واللي تسويه هي في نفسها مهوب حرام
تدرين بنت خالتش هذي لو ماتت بتكون من أهل جهنم والعياذ بالله
انتفضت مزون بجزع كاسح: أعوذ بالله.. أعوذ بالله.. استغفر ربك.. استغفر ربك
كسّاب يرفع حاجبا وينزل الآخر: بنت خالتش لو ماتت بتكون منتحرة
والمنتحر وش مصيره عند ربه؟!!
مزون بدأ صوتها بالاهتزاز: حرام عليك.. هذي وحدة مريضة
كسّاب بسخرية: مريضة؟؟
هذا والله مرض البطرة!!
جميلة عشان الله رزقها شوي صحة وجمال.. ماقالت الحمدلله على النعمة.. تبطرت
لو عرفت وش معنى إنها تشتهي الأكل ولا تلاقيه؟؟
لو عاشت في فقر وحاجة؟!!
لو حتى بس شافت الأخبار وشافت الناس اللي عايشين في المجاعات كان عرفت قيمة النعمة اللي كانت فيها قبل تضيع من يدها
مزون بصوت مختنق: حرام عليك كسّاب.. مرض فقدان الشهية مرض نفسي في المقام الأول
كسّاب بذات السخرية:نفسي؟!! حلوة ذي!!
وويش كان سبب المرض النفسي على قولتش في البداية؟!!
لإنها كانت تبي تضعف مع أنها ما كانت متينة أساسا..
مزون بارتجاف: لا مهوب كذا ..وهذا مهوب موضوعنا.. أنت ماتبي تساعدها؟!!
كسّاب بثقة حازمة: أنا عشان خالتي عفرا مستعد أسوي أي شيء
لكن جميلة ما تستاهل
وأظني أني أكثر من مرة قلت لخالتي خل نسفرها برا هي اللي عيت
وخالتي ما تبي وسيط بيني وبينها
عشان كذا اقصري الحكي اللي طال أكثر من اللازم.. وهوينا
ماني بطايق شوفتش قدامي
مزون تنهدت بعمق أكبر والكلمات تخرج من بين شفتيها مرتجفة متقطعة خائفة:
كـــسّـــاب
تكفى عشان خالتي اللي غلاها عندنا كلنا مثل غلا أمي
تكفى...تزوج جميلة.. تكفى
#أنفاس_قطر#
.
.
.
مابعد انتهت عايلة زايد.. باقي واحد ..شخصية مثيرة جدا
بنتعرف عليها بعدين
الحين خطرت ببالي قضية جدل طريفة جدا
هذا الجزء قبل تنزيله قرأه شخصين
أختي الصغيرة وبنت خالتي خوخة
غزالتي الصغيرة على طول ربطت إنه قصة حب بتصير بين مزون ومهاب.. معركة وبعدين حب على طريقة الأفلام الهندية
خوخة قالت مستحيل.. لأنه قالت هذا توقع ظاهر جدا ومستحيل أني أجيبه بهالطريقة المكشوفة ومن أول القصة كذا
نشوف أرائكم ولو أنه هذا كلام سابق لأوانه بكثير.. بس حبيت أحطكم في صورة المعركة اللي صارت بينهم
وعلى فكرة هذا أول وأخر جزء يقرونه قبلكم!!
.
همسة: اشتقت لكم والله العظيم بشكل ما تتخيلونه
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثاني 2 - بقلم HaboOoshy
كسّاب بثقة حازمة: أنا عشان خالتي عفرا مستعد أسوي أي شيء
لكن جميلة ما تستاهل
وأظني أني أكثر من مرة قلت لخالتي خل نسفرها برا هي اللي عيت
وخالتي ما تبي وسيط بيني وبينها
عشان كذا اقصري الحكي اللي طال أكثر من اللازم.. وهوينا
ماني بطايق شوفتش قدامي
مزون تنهدت بعمق أكبر والكلمات تخرج من بين شفتيها مرتجفة متقطعة خائفة:
كـــسّـــاب
تكفى عشان خالتي اللي غلاها عندنا كلنا مثل غلا أمي
تكفى...تزوج جميلة.. تكفى
حينها التفت كسّاب لها بحدة.. وهو يقول لها بقسوة من بين أسنانه: نعم؟؟ عيدي ما سمعتش عدل
تراجعت مزون خطوتين وهمست باختناق: تكفى كسّاب.. البنت بتموت
وأنت عارف إن خالتي مستحية وماتبي تثقل على حد عدا أنها مستحرمة سفر جميلة مع حد منكم
كسّاب تنهد بعمق في داخله ثم جلس على سريره وهمس ببرود: أظني الكلام بيننا انتهى
وأتمنى ما تشرفيني بذا الزيارة مرة ثانية
حينها جثت مزون على ركبتيها لتجلس على الأرض جواره وتناولت كفه تقبلها باستجداء محزن مهين
كسّاب انتفض بعنف وهو ينتزع يده بحدة ويقف ليبتعد عنها وذكرى جلسة استجداء مريعة ومؤلمة كان هو بطلها قبل أربع سنوات تعود لذاكرته..
وكأن الذكرى المقيمة في خلايا ذاكرته غادرته أصلا!!
بينما كانت مزون تهمس بوجع حقيقي ورجاء مثقل بالألم: تكفى كسّاب ماعرفنا لنا أم صدق إلا خالتي عفرا
ولو صار لجميلة شيء خالتي بتموت من الحسرة
تزوجها لو تبي تطلقها عقب ما تشافى
كسّاب بذات النبرة الباردة المحايدة: زواج بنية الطلاق أنتي عارفة عدل إنه حرام
والشيء الثاني جميلة طول عمري اعتبرها اختي الصغيرة ومستحيل أفكر فيها زوجة
مزون بوجع: زين والحل؟؟
كسّاب يشعر بصداع فعلي وأعصابه على وشك الانفلات من تزايد الغضب.. الحالة التي لابد أن تصيبه كلما رآى مزون
همس من بين أسنانه: الحل مهوب شغلش.. ويالله.. برا.. اطلعي برا
مزون توجهت للخارج مجبرة.. تجر أذيال خيبتها وحزنها للباب
ولكن قبل أن تخرج رأته يلتقط شيئا من جيب ثوبه المعلق ثم يخرج لشرفة غرفته
عادت وتبعته وقلبها تتصاعد دقاته رعبا من المشهد الذي تتوقع أنها ستراه بعد أن لمحت الشيء الذي أخرجه من جيبه
كانت عاجزة عن مجرد التصديق
أ يعقل؟!!
أ يــــعــــقـــل؟!!!!
حين وصلت للشرفة وقفت أمام بابها ثم شهقت بكل الرعب:
تدخن كسّاب؟؟ تدخن؟؟
من متى؟؟ وإبي يدري عنك؟؟
كسّاب تفاجأ برؤيتها.. لم يكن يريدها أن تراه بهذا المنظر
رغم كل الألم الذي بعثته في حياته.. ورغم كثرة ما تبادلا الجرح
ولكنه يبقى منظرا يكره الرجل الحر أن تراه محارمه
"تلك الرفيعة اللعينة تنثر دخانها وتتمدد بين شفتيه!!"
همس كسّاب بسخرية مرة وهو يلقي السيجارة على بلاط الشرفة ويدهسها بقدمه العارية دون أن يهتم باللهيب المحرق الذي انطفأ في باطن قدمه :
الحين تبين إبي يحاسبني أنا الرجّال على أني أدخن
وهو ما حاسب البنت اللي سوت أكثر من التدخين بواجد..
احنا بيت القيم عنده مقلوبة..
جات على التدخين يعني؟!!
مزون امتلئت عيناها بالدموع: كسّاب حرام عليك اللي تسويه في نفسك
أخرتها تدخين.. وش عندك بعد تبي توجعني فيه؟!!
كسّاب يعطيها ظهره وهو يتسند على طرف حاجز الشرفة ويهمس ببرود قارس:
وهو كل شيء في حياتنا كلنا لازم يتعلق فيش يعني؟؟!!
مزون اطلعي برا.. وحياتي مالش دخل فيها
إذا أنتي سويتي اللي في رأسش..تبيني أنا كسّاب ما أسوي اللي في راسي
أدخن ما أدخن مهوب شغلش
لو حتى شفتيني أحرق روحي بغاز.. مهوب شغلش ولا تدخلين
خرجت وهي لا ترى طريقها من عينيها الغارقتين في طوفان من الدموع..
بينما هو زفر بحرارة لاهبة أحرقت صدره قبل تغادر روحه المثقلة بالغضب
وهو يوجه للحاجز الحجري عدة لكمات فرغ فيها بعضا من غضبه.. ولم يشعر بنفسه إلا مع تصاعد الألم في كفيه
ليتناول علبة السجائر ويقذف بها إلى أبعد مدى عبر الشرفة
ليمنع نفسه من تناول سيجارة أخرى
فهو منذ بدأ التدخين في ذلك التاريخ المشؤوم قبل أربع سنوات
لم يكن يدخن إلا حينما يغضب.. ولا يتجاوز ما يدخنه سيجارة واحدة في اليوم..
شبكة ليلاس الثقافية
وقد تمر أيام كثيرة لا يدخن مطلقا إن لم يعكر مزاجه شيء
كان يستطيع تركها بسهولة.. ولكنه احتفظ بهذه العادة الرديئة حتى يحرق أعصاب والده فقط!!
الذي كلما رأى السجائر معه غضب ليعنفه حينا.. ويعاتبه حينا آخر
ليرد كسّاب عليه ببرود وقح: واحد أخته كابتن طيار.. وش تتوقع منه يسوي؟؟
بعد ذلك بساعة
غرفة مزون
مازالت مستمرة في بكاءها الهستيري
فاليوم كان أكثر من احتمالها بكثير
جميلة أولا ووضعها المتردي
ثم حوار طويل مع كسّاب لأول مرة منذ سنوات
ثم ختامها تدخين كسّاب
أي نهار مريع هذا؟!!
بل أي حياة مريعة هذه؟!!
هاهي أنهت دراسة كرهتها .. وعلى وشك استلام عمل لا تعلم إن كانت ستكرهه أيضا
ولكنها لا تستطيع التراجع
فهي فقدت معنى الفرح في حياتها من أجل أن تحقق حلمها المجنون
ماعاد للتراجع قيمة الآن..
عائلتها تغيرت قبل أربع سنوات.. تغيرت للأبد
كلهم تغيروا.. وكانت هي السبب
عناد كسّاب المو
جوع المطعون في رجولته وثورة شبابه المعتزة في مقابل تشبث والدها بقراره الذي كانت هي من دفعته نحوه دفعا
مع رفض علي الذي لم يكن راضيا مطلقا ولكنه آثر التعبير عن رأيه بهدوء
ثم قرر الصمت والرحيل
حان لها أن تحصد الحصاد المر.. بل هي ظلت تتجرع مرارة هذا الحصاد قبل أن ينضج حتى
وهاهو نضج.. نضج تماما.. فلتتذوقه رويدا رويدا
تشعر أن خلاياها تتمزق ألما وتصرخ يأسا
فهي لم يكن لها أي حياة مطلقا بعيدا عن أسرتها.. هم محور تفكيرها وسعادتها الماضية
والآن محور آلمها!!!
فأي ألم هذا؟!! يحز في خلاياها وشرايينها وتلافيف عقلها الموجوع المثقل بالوجع والتفكير والهم الذي أضاف لعمرها سنوات كثيرة!!
***********************
قبل أربع سنوات
طرقات خافتة على باب مكتبه في بيته.. يرفع صوته بحنو وهو يتعرف الطارقة من رقة الطرقات: تعالي يأبيش.. ادخلي
رغم أنه في داخله كان يتمنى ألا يراها الآن، فلديه من الهموم الكثير.. هموم ولدّها خبران قصما ظهره تماما.. خبران كانت هي سببهما!!
تدخل بخطوات مترددة.. قلقة وهي تخفي وجهها المحمر عن مدى نظراته.. نظراته التي كانت على أوراق أمامه: اقعدي.. دقيقة وحدة وأفضي نفسي لش
تجلس على المقعد المقابل وهي تدعك كفيها بتوتر.. وتمسح بشكل متكرر أنفها المتفجر احمرارا
يرفع رأسه وهو يبتسم لتتحول ابتسامته لتجهم قلق وهو يقف ليتوجه ناحيتها ويرفع وجهها
ويهمس بقلق مبطن بالتدليل: وأشفيش يأبيش؟؟ كنتي تبكين.. أفا ياذا العلم.. وش اللي مضايق حبيبة أبيها؟؟
لم يُحمل الأمر أكثر مما يحتمل.. فهي مدللة.. وكثيرا ما تستخدم دموعها للضغط عليه.. فهو يدلل وكساب كان يدلل.. وعلي يدلل.. وخالتها تدلل
فكونها الأصغر التي لم تتمتع بحنان أمها..فجّر حنانهم كلهم عليها
ولكن قلقه كله تفجر حين انفجرت في بكاء هستيري: ما أبي الكلية خلاص.. ما أبيها.. أبي أطلع.. تكفى يبه خلاص
زايد يتنهد بحزم: والسبب؟؟
مزون بين عويلها: ما تشوف كسّاب أشلون تغير.. وأشلون يعاملني.. البيت ما يجيه إلا أخر الليل.. ولو شافني يصد ويقلب وجهه كنه شايف زبالة
تكفى يبه.. خلاص ما أبيها..
زايد يتركها ويعود لمكتبه ليجلس ويقول بكل حزم: ماعاد هو بعلى كيفش
تحملي نتيجة قراراتش..
قبل شهر يوم جيتيني.. وقلتي لي أبي طيران... قلت لش هذا تخصص ما يدخلونه بنات الحمايل ولا ينفع لش..
حاولت أقنعش بأي تخصص ثاني بس أنتي ما رضيتي
كسّاب عصب وكسّر الدنيا.. وحتى علي بين لش إنه رافض نهائيا تدخلين ذا التخصص
ومع كذا أصريتي.. وقعدتي تبكين عندي.. أنت وعدتني أنت وعدتني..
خليتي وعدي لش سيف على رقبتي
زعلت خلق الله عشانش
خليتيني قطيت وجهي عند الوزراء والشيوخ عشان أدخلش الكلية بشروطش
وكل واحد منهم أكلمه يقول لي: يازايد من جدك تبي تدخل بنتك طيران
لكني بديت رغبتش على كل شيء.. حتى على قناعاتي أنا
ثم انفجر زايد وهو يقف بعنف و براكينه المكتومة منذ أكثر من شهر تثور وتثور:
أثرش شايفة السالفة لعبة من ألعابش.. تلعبين فيها شوي وتقطينها
تبين تراجعين الحين عشان كسّاب.. وينش منه وهو مرة يترجاش ومرة يعصب عليش مرة؟!! .. ماكسر خاطرش؟!!.. هان عليش تسوين فيه كذا؟؟..
وإلا يمكن قلتي لنفسش أنا دلوعتهم.. يوم ويومين وينسون
كنش ما تعرفين كسّاب وعناده يعني...
كسّاب لو مابعد دريتي سجل في جامعة في أمريكا خلاص.. وبيروح عقب شهر بالكثير
وعلي طلب نقله لمكاتب التمثيل الدبلوماسي الخارجي
خلاص يامزون اللي انكسر ما يتصلح...وطريقش بتكملينه لين آخره.. برضاش، غصبا عنش بتكملينه..
أنا ما خسرت ذا كله عشان لحظة طيش منش وعناد... مثل ما أتخذتي ذا القرار وأنتي تقولين مقتنعة... تحملي نتيجة اقتناعش..
ويا ويلش لو ما نجحتي وتفوقتي بعد.. والله لا تشوفين شيء عمرش ماشفتيه
وإن قد تشوفين وجه زايد الثاني اللي مابعد شفتيه
زايد أنهي سيل كلماته المتفجر.. وخرج..
كان يريد الاختلاء بنفسه.. لأول مرة ينفجر في صغيرته هكذا.. ولكنه وصل منتهاه.. بل أقصى منتهاه
أ هكذا تفعل به.. وبإبنائه.. ثم تقول تراجعت.. لا أريد..
" ماعاد الأمر بيدك يا مزون.. ماعاد بيدك
فكل شيء خرج عن السيطرة من أجل تحقيق رغبتك المجنونة
حققيها إذن!!
حققيها..
تذوقي ما كسرنا بقلوب أخوتكِ من أجله
اجعلي تضحيتي بهم من أجلك تستحق"
انهارت مزون في بكاء أعمق وكلمات والدها تنزل فوق رأسها كالصواعق...
كيف تعيش من غيرهم.. كيف يرحلون ويتركونها.. كيف؟؟!!
كيف تصمد من دون فوضاهم المرحة المليئة بالحياة حولها؟!!
كيف تعيش دون عبق رجولتهم الحانية يحتويها؟!
كيف ستعيش في هذا القصر الضخم مع الأطلال والخيالات الموحشة؟!!
أ تهجر البيت لتسكن مع خالتها؟! وزايد ؟؟ زايد الذي ضحى بكل شيء من أجلها.. لمن تتركه؟؟ لمن؟؟
ستبقى من أجله.. ليتجرعا الحزن والوحدة سويا!!
كان هذا قبل أربع سنوات..
وكم تغيرت خلال هذه السنوات الأربع
من فتاة عنيدة مدللة خالية من الهم.. لأنثى مكسورة على كتفيها أطنان من الهموم..
قبل ذلك لم تكن حتى تلحظ تواض
ع جمالها.. كانت ترى نفسها جميلة
فروحها محاطة بالاحتواء والود وكل ذلك كان ينعكس على نفسيتها وصفاء روحها
ولكنها الآن أصبحت ترى نفسها خالية من أي حسن.. وكأن تمّزق روحها ويأس مشاعرها انعكس على صفحة وجهها البائس..
وكانت كلما ازدادت حزنا.. كلما ازدادت في دراستها تفوقا..
مثل بعض ممن يعانون من السمنة.. كلما إزداد تاثره من سمنته.. كلما ازداد أكله وكانه بذلك يعاقب نفسه..
وهي كانت تعاقب نفسها...
كانت تدرس وهي تكره الكتب.. وتود لو تمزقها بأسنانها
كانت تتدرب على قمرة القيادة وهي تود لو تحطم كل هذه الأزرار والأضاءات وتنتزع كل هذه الأسلاك
كانت تؤدي الامتحانات كأفضل ما يكون وهي تشعر أنها على وشك التقيء على ورقة الامتحان
" أ لم أضحي بالجميع من أجل هذه الدراسة التي أصبحت تثير غثياني؟!!
إذن لأزدد غثيانا..
لأزدد غثيانا!!"
********************
اليوم التالي يوم أحد
بيت آخر في الدوحة
العصر
في صالة البيت السفلية تجلس بعد أن صلت العصر قبل أكثر من نصف ساعة وأمامها قهوة وفوالة العصر المعتادة
تحكم لف جلالها حول وجهها.. فهي وإن كانت لا تلبس برقعها في بيتها حين لا يكون عندها زائرات
فإنها اعتادت ألا تكشف شعرها مطلقا ودائما جلالها ملفوف حول رأسها بإحكام
رغم أنها وهي في الخامسة والأربعين مازال شعرها جميلا بلونه الكستنائي الذي ناسب الحناء التي لا تستغني عن وضعها
ولم يكن شعرها هو الشيء الوحيد الذي مازال جميلا.. فهي بمجمل تفاصيلها مازالت رائعة الجمال
ولكن لم يعد لملامحها ذات التحدي الموجع الذي كان يلسع القلوب ، فالأمومة ومرور السنوات أكسبا ملامحها رقة دافئة
وإن كانت روح التحدي مازالت تقبع داخل تلك المهرة التي ما أخضعها رجل يوما حتى مع زواجها مرتين..
ولكن روح التحدي الشرسة الوثابة أورثتها مضاعفة أضعافا كثيرة لسواها!!!!!
"يمه.. يمه.. شفتي جوالي؟!!"
همست بهدوء وهي ترفع عينيها للشابة التي تنزل الدرج في غلالة جلابية من حرير سماوي:
زين قولي السلام عليكم أول.. داخلة على مسلمين مهوب يهود
ابتسمت الشابة وهي تصل وتطبع قبلتها على رأس والدتها وتهمس من قرب بصوتها الحريري ببحته المستحيلة: السلام على أحلى مزنة في تاريخ البشرية
كان صوتها خليطا مستحيلا من برودة الفولاذ وقسوته.. ونعومة الحرير وانسيابيته..
صوت تعجز عن تصنيفه.. هل هو أشبه بتغريد العصافير؟!! أم بطبول الحرب؟!!
ولكن المؤكد أن تأثيره هو خليط منهما.. سكون العصافير وتدمير الحروب
حين تتكلم العيون والآذان تتجه فورا لهمسها وكأن به سحرا يجبر الآذان على البحث عنه للاستزادة منه.. أو الهرب منه!!
همست مزنة بذات الهدوء: جوالش أنا خذته أكلم فيه امهاب.. عشان شحني فضا وحطيت تلفوني على الشاحن
الشابة بعذوبة صوتها المستحيل: الجوال وراعيته فدوتن لعيون أم امهاب
ابتسمت مزنة : ماذا بعندش وأنتي نازلة تصايحين كنش مفلوجة
الشابة بابتسامة: خلاص عديها يا مزنة
ثم أردفت وهي تتلفت: وين جدي.. مابعد جابه سليم من المسجد؟!!
مزنة بحزم هادئ: جاء قبل شوي ودخل ينسدح
الحين اقعدي خل أتكلم معش وعقب روحي جيبيه من غرفته
الشابة تعقد حاجبيها مستفسرة: عسى ماشر؟؟
مزنة بذات الحزم الهادئ: الناس اللي يتنون ردنا.. وش أقول لهم؟؟
الشابة برنة سخرية: ليه أنتي مابعد رديتي عليهم؟!!
مزنة بنبرة بها بعض غضب: ليه أنتي رديتي علي عشان أرد عليهم
تقف وتهز كتفيها باستهزاء: طبعا مرفوض.. وخلني أروح أجيب جدي أحسن من ذا السيرة
حينها وقفت مزنة وأمسكت عضد ابنتها بقوة وهمست بغضب حازم:
اقعدي لين أكمل كلامي ياقليلة الحيا..
بتروحين وأنا عادني أحكي يا للي ما تستحين؟!!
حينها التفتت الشابة لوالداتها بحدة ولهيب آسر يشتعل في موج العينين الأسطوريتين..
الليل الموغل في السواد والسحر والتعذيب.. الذي تقف أهدابها حوله كرماح متراصّة من سواد صقيل :
أنا يمه اللي ما أستحي؟!!
تنهدت مزنة وهي تحاول السيطرة على غضبها فهي تعرف أن ابنتها تشبهها
ولو غضبت فيستحيل أن تكمل معها الحديث الذي لابد من انهاءه
وبما أنها الأم ومن يجب أن يمسك بزمام الأمور خففت حدة صوتها وهي تدفع في صوتها بعض الحنان المدروس:
يأمش ما يصير يشب شبيبش كل ما جبنا ذا الطاري
اقعدي يأمش.. اقعدي الله يهداش
تنهدت الشابة وهي تعاود الجلوس رغم أنها لا تريد الجلوس إطلاقا:
يايمه قلت لش من أول يوم ما أبيه
تنهدت مزنة: وأنا قلت لش فكري
أجابت بنفاذ صبر: وأنا قلت لش ما أبي أفكر.. وحسبت الموضوع انتهى خلاص
مزنة تعاود التنهد للمرة الالف حتى لا يتفجر غضبها الذي تحاول كتمه:
أنتي يا بنتي ماعادش بصغيرة قدش بتكملين 26 سنة
احمدي ربش عاده يجيش خطّاب..
حينها رفعت الشابة حاجبا وأنزلت الآخر وهي تهمس بغرور حقيقي غير مصطنع إطلاقا:
هم اللي يحمدون ربهم إنه كان لهم شرف المحاولة
يمه.. من هي مثلي المفروض تاخذ ملك.. مهوب ذا البزارين التافهين اللي الواحد منهم مايستاهل ظفر رجلي
والدتها بغيظ: تراش مسختيها.
. إذا على شوي الزين اللي عندش.. ترا المزايين واجد..
الشابة بسخرية: شوي الزين؟!!!
ثم أردفت بثقة: يمه حلفتش بالله قد شفتي من هي أحلى مني في الحقيقة وإلا حتى في التلفزيون
يمه ذا الزين كله حرام يضيع على واحد تافه إمعه
أكيد الله سبحانه ماعطاني ذا الزين وذا الذكاء كله عبث.. أكيد له حكمة
تنهدت مزنة للمرة المليون: يأمش الزين من زانت أفعاله
والرجّال اللي جايش رجّال فيه خير.. نقيب في الجيش ومن ناس معروفين وعندهم خير
ومهوب صغير في السن.. عدا الثلاثين
الشابة بذات السخرية: يعني آخرته طار وإلا وقع جندي..
وخير ياطير 30 سنة؟!!.. بزر بعد
ويوم إنه عاجبش كذا.. عطيه بنتش اللي ما منها فود
مزنة بغضب: عيب عليش ذا الكلام
وضحى مهيب بايرة..تقطين عليها اللي ماتبينهم.. بيجيها نصيبها..لكن أنتي الكبيرة
وأم الرجّال جايتش أنتي على الوصف.. جعل أمحق وصف وزين ماعينا من وراه إلا يباس رأسش
الشابة وقفت وهي تتنهد لتنهي الموضوع: يمه فديتش خلاص جعلني الأولة..
تأخرت على جدي
ثم تركت والدتها غارقة في غضبها وابتعدت لناحية أخرى من البيت حتى وصلت لغرفة لها بابان
باب لداخل البيت وباب يفتح على حوش المنزل من ناحية مجلس الرجال
حركت مزلاجا يقفل الباب من ناحيتهم وفتحت الباب فتحة صغيرة جدا وهتفت بأمر حازم: سليم اطلع روح المجلس
بقيت واقفة خارج الباب حتى سمعت صوت الباب الآخر يقفل
حينها دخلت وأغلقت الباب المتوجه للخارج
ثم توجهت لسرير جدها النائم
جلست بجواره وهي تنظر لوجهه الأسمر المتغضن بحنان بالغ
جدها هو الوحيد الذي يذيب خلايا قلبها.. معه تتحلل من عنادها وتسلطها وغرورها
مدت يدها تمسح على جبينه المحفور بتجاعيد غائرة
تتمنى لو أستطاعت أن تمسح هذه التجاعيد علها حين تمسحها تطيل في عمره
فأكثر ما تخشاه في هذه الحياة أن تكون حياة خالية من وجود هذا الشيخ
" ريحة يدش المعطرة ما تخفاني"
همسه الموغل في الشيخوخة وصل طيات روحها قبل أن يصل أذنيها
ابتسمت بحنان ومرح: ماشاء الله عليك يبه.. عديت التسعين.. وعادك تشم كذا
ابتسم وهو يفتح عينيه الغائرتين في تجاويفهما ليكشف عن فم شبه خال من الأسنان: ول عليش.. كلمة نضول
انحنت لتقبل يده الممددة على صدره وتهمس من قرب: جعل عمرك طويل.. وجعلني ما أذوق حزنك
مد يده لتساعده على الجلوس وهو يهمس بما يشبه اليقين: اللي بتذوقينه يأبيش
انتفضت بجزع حقيقي وهي تمد يدها لتعدل من جلوسه وتحتضن كتفيه ثم تقبل عضده وتهمس:
تكفى ما تقول كذا.. ما تدري يمكن يكون عمرك أطول من عمري
شبكة ليلاس الثقافية
حينها كان هو من انتفض بجزع بعمق شيخوخته: جعل ربي ما يفجعني في حدن منكم.. مثلي يا أبيش يقول يالله حسن الخاتمة
قد الموت أحسن لي من الحياة..
ماعاد باقن من صفتي حد.. (أي أن أبناء جيلي كلهم ماتوا)
حينها ابتسمت بشفافية: لأنه أنت نادر يبه.. والنادر ما يقارن نفسه بصفته ولا غيرهم
همس بهدوء عميق: ماعلى الموت نادر..
يضايقها هذا الموضوع كثيرا.. تكره مجرد التفكير فيه.. ولكنه بات موضوعه المفضل.. مشغول بالموت وانتظاره بل وتمنيه..
مشتاق للقاء ربه وإنهاء رحلة هذه الحياة التي طالت كثيرا..
ولكنها تريده جوارها.. ولا تعرف للحياة معنى بدونه.. هو الأحب إلى قلبها
تحبه أكثر حتى من والدتها وأشقائها.. بل حبها له لا حدود له.. تفضله على كل شيء في العالم
ومستعدة للتضحية بكل شيء وأي شيء من أجله وحده
همست بشبح ابتسامة: أفا ياجابر تبي تروح ما زوجتني..لازم تزوجني أول..
همس بضعف باسم: والله يأبيش مابقى من هل ذا المقطر حد ماخطبش.. صبيهم وشيبتهم.. صاحيهم وخبلهم .. (المقطر: كلمة تستخدم لحي متجاور من الخيام)
ابتسمت بعذوبة لتكشف الشفتان المتوردتان المثيرتان عن صف أسنان استثنائي في صفائه وصفوفه: شأسوي يبه لحد الحين ماجاء الرجّال اللي في بالي
ابتسم الجد جابر ثم قال بجدية: أنتي يأبيش ما تأخذين رجّال.. تأخذين خروف
قطبت حاجبيها بغضب عاتب: هذا قدري عندك يبه؟!!.. تزوجني خروف؟!!
عاود الابتسام: يأبيش أنتي أصلا رجّال.. واللي مثلش مايقدر يعيش معها إلا خروف تعقد حبلها في رقبته وتقوده..
هذه المرة قطبت حاجبيها بحزن.. لو كان من قال لها هذا الكلام أحد سواه لم تكن لتقبل حتى حرفا واحدا.. وكانت أشعلتها حربا شعواء:
كذا يبه.. هذا وأنت الغالي عندي!!!
لم يعلق على كلامها.. بل واصل كلامه بنبرة منطقية: تدرين يأبيش.. أنتي كنش أمش..
من غير حقران في أبيش ولا في أب امهاب الله يرحمهم اثنينتهم.. لكن أمش كانت أرجل منهم.. والثنين كانت مزنة شايخة عليهم
والواحد منهم مايقدر يخطي لها كلمة.. ولولا أنهم كذا أو ماكانوا صبروا عليها.. وأنتي مثلها .. اللي بتأخذينه إذا ماشختي عليه.. منتو بعايشين سوا
قطبت جبينها: مابي واحد أشيخ عليه.. أبي لي رجّال صدق.. رجّال يهز المجالس
وأمي لو كان لقت رجّال مثله ماكان عيّت منه..الله يرحم أبي وعمي أبو امهاب
تناول غترته من جواره بيد مرتعشة ليضعها على رأسه ويلفها حول وجهه ويهمس به
دوء:
أمش جاها الرجال اللي يهز المجالس بدل المرة مرتين وعيت منه.. وأنتي كنش إياها
والرجّال اللي جايش ذا الحين مافيه قصور..
همست بغضب: يبه لا تقارنني كل شوي بأمي.. والرجّال اللي جايني ما أبيه.. مايملأ عيني..
مد يده يبحث عن عصاه ليتوكأ عليها وهمس بذات الهدوء العميق: وش اللي يملأ عينش يا بنت مزنة؟؟
همست وهي تمد يدها لتسنده وتقوده لصالة البيت ليتناول قهوته مع والدتها.. همست بما يشبه الحلم: أبي رجّال صدق.. رجّال بمعنى الكلمة
ولو مالقيته الأحسن أقعد في بيت هلي
******
جامعة قطر
بوابة كلية العلوم بنات
الساعة الرابعة عصرا
شابتان متسربلتان بالسواد تقفان قريبا من الباب من الداخل
صبا المشاعر.. وحزن في القلب.. كلاهما تطوي حزنا ما في قلبها الغض!!
حزن لم تكن هي سببه.. ولكنها نشأت فيه!!
تحاول أن تنحيه في نقطة عميقة من أعمق خفاياها..تنساه أو تتناساه!!
ولكنه لا يلبث أن يطل برأسه القميء!!
تهمس أحداهما للأخرى: وضوّح من اللي بيجي يأخذش.. لو السواق بأروح معش
تهمس وضحى بهدوء عذب: مالش لوا اشعيّع.. بيجيني تميم..
تبتسم شُعاع بخبث مرح: أحسن بأروح معش.. ماتقولين إن تميم يدور عروس.. هذا أنا موجودة.. خسارة يروح عليّ ذا المزيون
نظرت وضحى لشعاع بشكل مباشر وهمست بنبرة عتب مقصودة: وأنتي جد بتوافقين على تميم؟؟
حينها ابتلعت شعاع ريقها بحرج: تميم من غير قصور فيه.. بس أنتي عارفة إني أمزح..
هزت وضحى كتفيها بألم: رجاءً شعاع.. تميم مهوب موضوع تمزحين فيه
شعاع بحرج حقيقي: خلاص وضحى.. أنتي عارفة إنه تميم ولد خالي.. ومثل إخي وأنا ما أقصد شيء
وضحى وهي تنظر لشيء غير مرئي: أو حتى تقصدين.. ما أقدر ألومش..
شعاع تحاول تغيير دفة الحديث والتغطية على حرجها: أشرايكم تسيرون علينا الليلة..
وضحى بشبح ابتسامة باهتة: ماله داعي.. أنتي عارفة إنه أختي وأختش ما يتواطنون.. والقعدة تصير مملة وأختش تحاول تستفز أختي
شعاع بعتب: وأنتي ليش تحطينها برأس جوزا.. كأن أختش هي اللي ملاك ماتسوي شيء
وضحى بذات الابتسامة الباهتة: صحيح أختي عيوبها واجد.. وأنا ما أدافع عنها
لكن إذا جينا للحق.. تراها تكبر عقلها واجد على خبال أختش
ترا أختي ما تنغلب في الكلام وسهل عليها تخلي جوزا ماتسوى بيزة.. بس هي تحشم عمتي
شعاع بابتسامة: زين خلينا منهم.. جد وضحى وبدون زعل وبصراحة وبيني وبينش.. أنتي وأختش علاقتكم ببعض طبيعية.. مثل الخوات العاديات؟؟
هزت وضحى كتفيها وهمست بطبيعية: لا..
شعاع باستغراب: لا.. بكل بساطة..؟!!
وضحى تبتسم: ليه أنتي شايفة (كاسرة) أخت عادية.. عشان تكون علاقتي فيها عادية؟؟
شعاع تبتسم: بصراحة كاسرة توصف بأي وصف إلا أنها عادية .. بداية من اسمها لشكلها لشخصيتها
تدرين وأنا صغيرة كنت متوقعة إن كاسرة لما تكبر بتغير اسمها.. استغربت اعتزازها فيه
وضحى بهمس: كاسرة اسمها لابسها تمام.. كاسرة وهي كاسرة.. أمي لما سمتها ذا الاسم كانت قاصدته تبيها تكون كاسرة في زينها وشخصيتها
وياسبحان الله.. صارت اسم على مسمى
شعاع بتساؤل: زين وليش علاقتش فيها غير عادية؟؟
وضحى تتنهد وهي تنظر للبعيد: احساس صعب إنك تكون موجود جنب شخص نوره يخليك غير مرئي.. يخليك مخلوق حقير جنبه..
مهما حاولت تبرز نفسك.. محاولاتك كلها تضيع
شعاع تنتفض بجزع: وضحى أنتي مافيش قصور عشان تقللين من قدر نفسش
وضحى تبتسم الابتسامة الباهتة اياها: زين أنا ماعلي قصور.. وكاسرة شتقولين عليها؟؟
شعاع بصراحة باسمة: كاسرة خليها برا المقارنات عشان ما نتحطم كلنا.. قارني نفسش فيني مثلا وانبسطي
وضحى بشبح ابتسامة لا لون لها : بس المقارنات غصبن عني وعنش تحضر
من وحن صغار والنسوان يقولون قدامي لأمي: أنتي اللي عندش من الزين كله عطيتيه كاسرة وزود.. ووضيحى ماخليتو لها شيء
وحتى بعيد عن الشكل لو عزيت نفسي أنه أساسا مستحيل أي وحدة مهما كانت حلوة إنها تقارن نفسها في كاسرة
كاسرة شخصيتها القوية ألغت وجودي .. أحيان كثيرة أحسهم ينسون أني في البيت في الوقت اللي هي لو غابت خمس دقايق يقلبون البيت عليها
كم هو مر هذا الإحساس الذي تجرعته وضحى منذ طفولتها!!
إحساسها أنها مخلوق زائد العدد في أسرتها.. مخلوق مجرد من الأهمية والمميزات
شبح إنسان يعيش على أطراف حياتهم
ورغم هذا لكنها لم تكن تكره كاسرة مطلقا.. بل كانت مولعة بها في ذاتها
ولكن مرارة الإحساس جاءت لأنها أصبحت تشعر مع مرور السنوات أنها مخلوق هلامي بلا شخصية
وفي الوقت الذي كانت كاسرة تزداد جمالا وتسلطا كانت هي تزداد بهوتا وضعفا
وكأن كاسرة تمتص منها كل شيء.. تقتات منها لتبرز هي..
لذا كانت علاقتهما مرتبكة غريبة ملتبسة.. بالتأكيد الحب موجود بينهما لأن هذه هي الفطرة السوية .. ولكن للحب ألوان عجيبة مجهولة وعصية على الفهم والتفسير
فكاسرة لا تفتأ تستهين بها وهي تتقبل الاستهانة بصمت.. لأنها تشعر أنها ليست
ندا لكاسرة ولا بأي شكل من الأشكال
تشعر أنها جوارها غير مرئية..
"فمن سيرى حصاة
معتمة بجوار شمس شديدة الإشراق؟!!!"
رغم أنها هذا غير صحيح.. غير صحيح!!
فوضحى لها شخصية مثيرة لها اعتباريتها الكبيرة داخل أسرتها
ولكن هي لا تشعر بذلك.. ووجود كاسرة جوارها يشعرها بالضآلة!!
**********************
مزنة تتحادث في الهاتف وحرجها يتصاعد من الطرف الثاني
بينما كاسرة تجلس بجوار جدها تسكب له القهوة وإبتسامة مرحة ترتسم بإثارة على شفتيها وهي ترى حرج والدتها من الطرف الآخر.. ومحاولتها لإيجاد أعذار ليست مطلقا الحقيقة
أنهت مزنة اتصالها لتلتفت إلى كاسرة بغضب: عاجبش كذا؟؟ خليتني في نص هدومي من المرة.. فشلتيني فيها وهي تقول ولدي وش عيبه تردونه
وأنا أتحجج لين عجزت.. كله من خبالش
حينها انفجرت كاسرة في ضحكات عذبة: شكلش يمه كان تحفة.. بس احمدي ربش إنها اتصلت قبل تجي.. عشان ما تنحرجين منها فيس تو فيس
مزنة بغيظ: أحر ماعندي أبرد ماعندها... والله إن الرجّال ماعليه كلام.. ضيعتيه من يدش كذا..
كاسرة مازالت تضحك: المركب اللي تودي..
حينها همس الجد بإبتسامة ولّدّها رنين ضحكات كاسرة التي تصب في روحه لتنبئه أن هذا العالم بخير ما دامت تعمره ضحكاتها الغالية:
خليها يامزنة.. بنتي ذي مهرة.. والمهرة ما تغصب
مزنة بغضب: ماحد مقوي رأسها إلا أنت.. كل ماجاها رجّال فيه خير عيت منه بدون سبب
جابر بهدوء عميق: مثل ما قويت رأسش قدامها.. وافقتش يوم عيتي من زايد
حينها ضحكت مزنة: يبه ما سجيت.. ياه يبه ذاك زمان مضى
جابر بذات هدوءه العميق: والله يأبيش كل ما أشوفه إلى ذا الحين.. يطري علي أشلون أسود وجهه يوم رديته.. ما يستاهل أبو كسّاب من يرده..
أنا أشهد إنه قرم.. وإنه واصل.. ما يسج منا ياشيبانه
حينها قاطعت كاسرة الحديث بإعجاب: بس يمه من جدش ومع احترامي لش.. فيه وحدة في كامل قواها العقلية.. تعيي من زايد آل كساب.. هذا مدرسة اقتصادية ذا الحين
عــبــقـــري!!
ابتسمت مزنة بروح خالية.. فما مضى مضى بالنسبة لها: يأمش زايد الله يهداه كان شديد بزيادة..
يوم كانوا جيراننا كان مجنني.. لا تطلعين.. لا تدخلين
وحتى الضرب ضربني.. وأنا إبي اللي هو إبي عمره ما مد يده علي
ثم أردفت بضحكة: لو أنا خذت زايد كان ذبحني .. أو أنا ذبحته
همست كاسرة باستفسار: تعرفين مرته الحين؟؟
مزنة بتأثر: وسمية بنت محمد.. الله يرحمها ماتت شباب.. وخلت عيالها بزارين
ثم أردفت بإعجاب: بس أنا أشهد إن خالتهم عفرا ماقصرت معهم.. حاضتهم كنهم عيالها.. (حاضى=أهتم بـ)
ثم أكملت بتاثر: الله يشافي لها بنيتها.. عين ما ذكرت الله.. شفت بنتها مرة وحدة قبل سنتين في عرس.. وقلت لها: ماتزوجينا ذا المزيونة..
هي ضحكت يا حليلها وقالت: امهاب ما ينرد.. بس بنتي عادها صغيرة..
ثم أردفت كاسرة بخبث: زين وليش ما خطبتي له بنت زايد بنفسها..
ضحكت مزنة: تبين امهاب ينجلط.. من يوم دخلت بنت زايد كلية الطيران.. وهو مولع ومحترق من زايد وبنته..
بس بصراحة إن زايد استخف على ذا الخبال.. يفضح روحه كذا..
كاسرة بإعجاب عميق: إلا رجّال بمعنى الكلمة.. اللي هو مقتنع فيه يسويه وما عليه من حد..
خلها تدخل كلية الطيران.. وتحرق أعصاب ولدش إللي يحسب إن مافيه طيارين غيره...
***
إنه مساء الدوحة...نقرات ناعمة خافتة على الباب.. ثم تنهدت وضحى بألم وهي تتذكر وتضغط زرا بجوار الباب..
حينها فتح الباب لها شاب طويل قوي البنية وعلى وجهه الوسيم ترتسم ابتسامة دافئة حنونة وأشار لها أن تدخل بعلامة ترحيبية
فهذا الزر عند بابه يشيع ضوءا في غرفته ليعلمه أن هناك من يطرق بابه
أشارت له وهي تبتسم: ليش ماتعشيت؟؟
ابتسم وهو يشير لجسده القوي: لازمني حمية شوي.. زايد وزني
حينها ضحكت وهي تشير وتهمس بصوت مسموع: إذا أنت زايد وزنك ..وش نقول على امهاب؟؟
حينها قاطعهما صوت قوي ومرح يدلف مع الباب المفتوح: سامع اسمي الله لا يبيح منكم
حينها دخل ليغمر المكان بإشعاع حضوره المختلف
كان أطول من تميم وأعرض ورغم أنه لم يكن وسيما بالمعنى المتعارف عليه
ولكن له حضورا استثنائيا يوحي بالرهبة والحنان في ذات الوقت ..
هاهو أصبح في الثلاثين: مسؤولياته تشغله عن كل شيء.. مسافر دائما
ولكن أسرته ترتحل معه وفي ذاكرته منذ أن تحمل مسؤوليتها بعد وفاة زوج أمه قبل أكثر من خمسة عشر عاما
وكانت حينها وضحى في عمر السابعة وتميم في التاسعة وكاسرة في الحادية عشرة
ابتسمت وضحى: ماقلنا شيء غلط نقول تبي لك شوي ريجيم..
همست بالجملة وهي تشير بها في ذات الوقت
هكذا اعتادت أن تتكلم في وجود تميم حتى لو لم تكن توجه الحديث له
كانت تهتم كثيرا لإشراكه معهم.. لذا كانت من أصرت منذ بلغت الرابعة عشرة على تعلم لغة الإشارة على أصولها
قد يكون جميع أهل البيت لديهم القدرة على التفاهم الجيد مع تميم.. لكن هي لديها قدرة على التحادث معه مطولا بلغته الخاصة
فهي كانت من لاحظت أن تميما بدأ بالتباعد في عوالمه الخاصة لأنه لا يجد من يتحدث معه بعيدا عن المدرسة
حينها أحبت أن تصنع شيئا لا تستطيع كاسرة التغلب ع
ليها فيه وفي ذات الوقت تحتفظ بقرب تميم منها
لذا تعلمت لغة الإشارة على يد معلمة خاصة وتعبت كثيرا وهي تتعلمها لتتفاهم مع تميم
رغم أن تميما رفض بداية أن تتعلم هذه اللغة من أجله..
ولكنه فيما بعد قدّر كثيرا جميلها هذه وهو يجد من يستطيع أن يتحاور معه بطلاقة..
وبدأت وضحى تفكر جديا حين تنهي دراستها أن تعمل في مجال تعليم الصم والبكم..
"وضحى وتميم عالمان زاخران مثقلان بالعمق والغموض.. "
تميم العالم المجهول المغلق على أفكاره.. أنهى الثانوية في مدرسة التربية السمعية بمجموع كبير ولكنه لم يستطع دخول الجامعة
لأنه لا توجد هنا جامعة لمن هم في مثل حالته..
شكّل هذا الأمر له احباطا كبيرا وحزنا أكبر..
أن تعلم أنك قد تكون أفضل من مئات ممن دخلوا الجامعات
ولكن لأنهم يمتلكون حاسة لا تمتلكها تكون فرصهم في الحياة والدراسة أفضل
ولكن هذا الاحباط لم يوقفه..فبعد عدة أشهر بدأ تميم يعلم نفسه ذاتيا على تفكيك أجهزة الحاسوب مستعينا ببرامج للتعليم الذاتي على الانترنت
هذا العالم جذبه وسحره.. مع هذه الحواسيب والبرمجيات لم يكن يحتاج للحديث أو لمن يسمعه
تكفيه هذه العلاقة التي صنعها بأنامله الذهبية.. علاقة حساسة ثرية ومفعمة بالتفاهم والود
وكأن هذه الأجهزة تستجيب لرقة أنامله.. لتفكك ماهو عصي منها وتصلح ما استعصى على الإصلاح
وقبل عامين أنشأ محله الخاص.. وأصبحت له سمعته الرائعة في السوق
ولأن هذا العصر هو عصر الحواسيب بالفعل.. فعمله كان مزدهرا حقا
ومدخوله الشهري يتجاوز راتب وزيرين معا
ولكن...
هذه الروح الوثابة المسجونة بين أضلاع صدره كانت تتوق للانعتاق
يشعر أن علاقته بالحواسيب باتت أقوى من علاقته بالبشر
فهذه الآلات صامتة وحساسة.. مثله تماما
ولكنه يتوق لروح إنسانية تحاوره وتتمازج معه.. تعايش معه همومه وأفكاره وآماله وطموحاته
لـــــذا
قرر أن يتزوج رغم صِغر سنه!!
ليصتدم بمشكلة أخرى:
"والـــدته!!"
فهو يريد أن يتزوج من فتاة تكون بنفس حالته
يريد شريكة يتفاهم معها بلغته التي يستطيع التعبير بها
يريدها أن تكون لغتها أيضا حتى يكون تعبيرهما على ذات المستوى من العمق والإحساس
لم يرد للمرأة التي تشاركه الحياة أن تشعره بالنقص وأنها تتفوق عليه
وأنها حين تحادثه بالإشارة فهي تتنازل من عليائها لكي تصل لمستوى فكره
كانت هذه الفكرة تؤذيه وتؤذي كرامته واعتزازه بذكائه وقدراته
ولكن مزنة كانت ترفض فكرة بشكل قاطع أن يتزوج من بكماء صماء مثله!!
فهي تفكر بالمرحلة الأبعد:
"أحفادها!!"
الأطفال حين ينشأون يتعلمون من أبويهم
وتميم وزوجته المفترضة قد تحكم ظروفهما مستقبلا أن يعيشا في بيت مستقل
فلو بكى الطفل من الذي سيسمعه
ثم حين ينشأ.. كيف سيتعلم اللغة ؟؟ من أبوين أبكمين؟!!
عدا أنها تخشى أن يكون للوراثة دورا فيؤدي ذلك إلى أطفال يعانون ذات الإعاقة
وكانت تعلم يقينا أن ابنها مع إعاقته سيجد من هي صحيحة الحواس لتوافق عليه
فهو شاب بكامل فتوته وصحته ووسامته ومقتدر جدا.. وتعلم أن نقطة الاقتدار وحدها تشكل إغراء يحسن فرصه في الزواج
فلماذا يتزوج من بكماء صماء؟!!!
*******************
بيت آخر في الدوحة
بيت فاضل بن عبدالرحمن زوج أم عبدالرحمن عمة أبناء مزنة
الطابق العلوي
غرفة شُعاع
وجه ودود حنون يطل مع الباب: بنات تبون شيء قدام أرقد؟؟
الصوتان معا: لا يمه فديتش..
ثم أردفت شعاع باحترام: حن أصلا يمه بعد شوي بنصلي قيامنا وبنام بعد
ثم أردفت الأخرى بمرح: شفتي يمه الطردة المحترمة.. تبي تعلمني إني طولت السهرة عندها وأقوم أفارق أحسن
ابتسمت أم عبدالرحمن: روحي لولدش يأمش لا يتوعا ويتروع وهو بروحه
رفعت جوزاء جهازا في يدها أشبه بشاشة صغيرة وهمست برقة: الجهاز شغال عنده يمه
حينها ضحكت شعاع: شيبه عمره ثلاث سنين وعادش حاطه جهاز البزارين عنده..
يا بنت الحلال غرفتش جنب غرفتي.. خلي الباب مفتوح وبنسمع صوته
جوزاء باستنكار: يا سلام عليش عقب ما يقوم ويتروع بروحه.. لا أنا أحب أكون عنده أول ما يقوم
شعاع بحنان: فديت روحه.. الدلوع حبيب خالته
جوزاء همست بحنان مصفى: الله يخليه لي.. ماطلعت من الدنيا إلا بذا الولد
شعاع باستفسار مُلح: جوزا أنتي توش صغيرة.. حرام عمرش 25 سنة بس..
بتقعدين على ذا الولد بس؟؟.. منتي بمتزوجه؟؟.. المرحوم له أكثر من ثلاث سنين من يوم توفى
جوزاء باستنكار: لا إن شاء الله.. تبين عمام ولدي وجده يلاقون سبب يأخذونه مني..
شعاع بمنطقية مستنكرة: لا تصيرين غبية.. أنتي عارفة إنه الولد في حضانتش.. وحتى لو تزوجتي.. وأعمامه وجده رفضوا حضانتش له.. الحضانة بتكون لأمي مهوب لهم..
ثم غمزت بعينها: وإلا تزوجي عم ولدش اللي خطبش أكثر من مرة.. وحلي المسألة كلها
جوزاء بغضب: تدرين.. أنتي الليلة مستخفة!!
تبين أتزوج رجال متزوج وعنده عيال؟؟!!
شعاع هزت كتفيها: بس أنا سامعة إنه مرته لها شهور زعلانة عند أهلها
لو بترجع كانت رجعت من زمان
جوزاء بنفاذ صبر: تكفين شعاع لا تدخلينا في ذا المواويل
أنا أع
رف صالح يحب مرته.. مهوب بس يحبها إلا يموت فيها
وش صاير بينهم ما أدري.. بس أكيد بترجع...وأنا خلاص ما أبي أتزوج عقب عبدالله الله يرحمه..
ثم أردفت بوجع عميق كأنها تنتزع ذكرى أليمة من بئر وجع لا تنضب: كفاية اللي صار لي.. والله كفاية!!
وانا خلاص مابي من ذا الدنيا شيء إلا أني أتفرغ لولدي
ثم أردفت لتغيير الموضوع: وينه الدكتور عبدالرحمن.. وش فيه تأخر الليلة؟؟
ماعنده محاضرات بكرة؟؟
شعاع تبتسم: حلوة قلبت الموضوع ذي.. دكتور دحومي عند كابتن امهاب..
جوزاء بسخرية: أخيش هذا ما يمل.. يبي يكون قريب من ريحة حبيبة القلب يعني؟!!
شعاع باستنكار: جوزا عيب عليش ذا الكلام.. أنتي عارفة إنه عبدالرحمن وامهاب ربع من يومهم بزارين
وبعدي كاسرة عن الموضوع.. ترا شكلش يصير سخيف وأنتي يبين عليش غيرانة منها
جوزاء باستنكار مشابه: أنا غيرانة منها؟!!
شعاع بتأكيد مستفز: إيه غيرانة.. وإلا شتسمين الحركات البايخة اللي تسوينها كل ما تشوفينها
جوزاء بغضب: أنا لا غيرانة يا شعاع هانم ولا شيء.. السبب الوحيد إن بنت خالش هذي تستفز الواحد وتطلعه من طوره بغرورها وبرودها
شعاع تتنتهد: زين هي مغرورة وباردة.. أنتي كبري عقلش عليها
الحين الناس صايرين يقولون إنها هي اللي مكبرة رأسها عليش
جوزاء باستنكار أشد: أنا؟؟ أنا؟؟
شعاع بثقة حنونة: إيه أنتي.. أنا أدري إنه أطيب من قلبش مافيه.. بس لو تمسكين ذا اللسان شوي
تكفين خلي كاسرة في حالها.. ومافيه داعي تخلين حزازيات بيننا وبين بيت خالي
جوزاء وقفت وهي تقول بغضب هادر تنقلب فيه من النقيض للنقيض:
إيه.. إيه!!!
أنتي تبين الشيخ امهاب أخ عيال خالش وأخيش يبي الشيخة كاسرة.. وزيتنا في طحينا
وأنا اللي صرت العزول اللي مخرب عليكم الجو ومسوي حزازيات
شعاع وضعت يديها على رأسها استنكارا.. في الوقت الذي خرجت فيه جوزاء تنتفض غضبا وصفقت الباب خلفها بصوت مسموع
*****************
تأخر الوقت لم يتبق جالسا سواهما في مجلس مُهاب..
رفيقا الطفولة والصبا والشباب.. وحتى الغربة لم تستطع مطلقا قطع تواصلهما
حينما سافر عبدالرحمن للدراسة في بريطانيا.. حوّل مُهاب ما أستطاع من جدول رحلاته إلى مطارات لندن بين مطار هيثرو ومطار غاتويك
لذا كان يراه بشكل شبه أسبوعي..فالصلة الروحية بينهما استعصت على كل شيء
حتى حينما أراد عبدالرحمن كاسرة.. كان مُهاب هو أحد الأسباب الجوهرية للخطبة..
عبدالرحمن يعلم أن كاسرة رغم جمالها الموجع هي غير قابلة للاحتواء
ويعلم أنها حين تتزوج ستعاني ليعاني معها مُهاب وربما كل أسرتها
أراد أن يجنبهم جميعا هذا المصير..ولكن كاسرة أمعنت في رفضته ولعدة مرات
لا ينكر أن ذكرى جمالها الفتي المراهق قبل أن تتغطى عنه مازال يسكن ويسكر ذاكرته
ليبعث رعشة عميقة في أوصاله
ولكنها سلطة الجمال فقط!! فلم يكن عبدالرحمن من يشغله مظهر المرأة عن جوهرها
ولكن كاسرة كانت كاسرة بالفعل!!
همس بهدوء حذر: ها امهاب وافقت كاسرة على الخطيب الجديد؟؟
مُهاب يقلب شفتيه: لا.. مثله مثل اللي قبله
عبدالرحمن بذات الهدوء: وبما إنه خلاص الخطيب ورفضته كاسرة.. فهل لو رجعت وتقدمت بعد مرة... بترفضني؟؟
مُهاب بامتعاض: عبدالرحمن وش لك بذا السالفة كلها؟؟ ترا كاسرة هي الخسرانة.. المره اللي ما ترضى فيك، حظها مهوب حولها
عبدالرحمن بهدوء عذب: أبي قربك ياسنايدي
مُهاب بهدوء مدروس: تبي قربي؟؟ أظني عندي أخت غير كاسرة وأحسن منها
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثالث 3 - بقلم HaboOoshy
بعد عدة أيام
جامعة قطر
إحدى قاعات المحاضرات
تدخل وضحى القاعة .. تجلس .. تخلع نقابها وتطويه جوارها لأن محاضرتها هذه عند دكتورة
تجلس بجوارها فتاة منقبة يظهر بياضها الشديد المشرق من خلال فتحات النقاب
ومن خلال أناملها الكريستالية الشفافة التي كانت تحركها برقة مرحة
وهي تهمس بمرح طبيعي ينبع من طبيعتها: وضحى صدق الدكتور عبدالرحمن ولد عمتش؟؟
وضحى بعدم اهتمام وهي تفتح دفتر محاضراتها لتسجل التاريخ: والله يقولون كذا
الفتاة الآخرى بذات المرح: ياثقل الطينة.. ترا التكشير يجيب التجاعيد يالخبلة
وضحى تترك القلم وتلتفت لها لتبتسم باصطناع ضحكة سخيفة: هذا أنا ابتسمت.. قومي فارقي لمحاضرتش يالأذوة.. وش جابش وراي؟؟
أنا أكيد أمي دعت علي عشان كذا تصاحبنا
الفتاة بذات الابتسامة الشاسعة وهي تتجاهل عبارة وضحى: ليش ماقلتي لي إن دكتور عبدالرحمن ولد عمتش؟؟
وضحى بهدوء نافذ مرح: سميروه يالدبة أنتي تعرفين عمتي وعيالها زين مازين.. وتدرين عندي ولد عمة اسمه عبدالرحمن.. وش تبين أقول لش بعد؟؟
هذا وأنتم أصلا كنتم مناسبينهم.. وولد عمش عبدالله الله يرحمه كان رجّال جوزا بنت عمتي
سميرة بابتسامتها المرحة: بس مادريت إنه عبدالرحمن أخ اشعيع هو نفسه الدكتور عبدالرحمن..
وضحى بنفاذ صبر: هذا أنتي دريتي.. قومي فارقي الدكتورة بتجي الحين
سميرة بحالمية مصطنعة: وه فديت قلبه بس.. يهوس يخبل طيّر برج من عقلي وأنا عقلي أصلا كل اللي فيه نص برج
ثم أردفت بمرح: ما تبون عروس له؟؟ تكفين.. إكسبي أجر في وخيتش العانس
وضحى بشبح ابتسامة خبيثة: والله هو يبي كاسرة.. تحبين تنافسينها؟؟
سميرة بضحكة مدوية: كاسرة مرة وحدة.. مهوب هين ذا الدكتور.. لا يأختي.. وين أنافس كاسرة.. زين الواحد يعرف حدوده
ثم أردفت باهتمام وهي تتذكر شيئا: ترا جميلة تعبت زيادة ودخلت المستشفى قبل كم يوم.. أشرايش نروح نزورها؟؟
وضحى بحزن: والله مسكينة جميلة.. وش ذا المرض اللي مص عافيتها.. ياحرام ذاك العود الملفوف والوجه اللي ماينشبع من شوفته..
سميرة بذات الحزن: عين ماذكرت الله.. هاه تروحين معي؟؟.. فيه كم بنت متفقين نروح سوا هنا من الجامعة
وضحى باهتمام: أستأذن أمي أول وأكيد بأروح معكم..
ثم أردفت بخفوت وهي تفتح الدفتر: يالله قومي الدكتورة جات
*************************
إحدى هيئات الدولة
مقر عمل كاسرة التي تُعد أصغر رئيس قسم في الهيئة
وتولت هذا المنصب بطريقة استثنائية تجاوزت فيها عدة ترقيات.. فرئيس القسم ووكيله كلاهما أصيبا في رحلة عمل مشتركة
ليترشح للمنصب عدة موظفين كانت كاسرة أفضلهم.. لتفوز هي بالمنصب..
في أحد مكاتب القسم الذي يتوزع بطريقة خاصة منفصلة ليعطي خصوصية للموظفين من الجنسين..
وخصوصا بعد تولي كاسرة لرئاسة القسم التي اهتمت بهذه الناحية كثيرا
زميلان منكبان على إنهاء بعض المعاملات.. يرفع أحدهما رأسه ويهمس بضيق:
ضيقت علينا ذا الكاسرة الله يضيق عليها.. الواحد مايشم حتى شوي هوا
الآخر بدون أن يرفع رأسه: والله رئيسة القسم ما طلبت منك أكثر من الشغل اللي تاخذ راتبك عليه
إشتغل وأنت ساكت..
الأول بغيظ: صدق حظها يفلق الحجر.. أصغر مني وتصير رئيستي.. كان المفروض إني اللي خذت المنصب
الآخر وهو مازال منخرطا في عمله: والله مؤهلاتها أحسن من مؤهلاتك..وزود على كذا وش قرب وحدة متخرجة بامتياز بخريج مقبول مثلك
السالفة موب صغر وكبر..
الأول بنبرة خبث: بس تدري.. والله الواحد يستغرب وحدة بذا الجمال اللي ما أنخلق مثله.. تكون مفترسة كذا..
الثاني يلقي بالقلم ويهمس باستنكار: استغفر ربك.. استغفر ربك.. وش تبي بالمستورة.. البنت ما يطلع منها حتى ظفر في الاجتماعات..
وعمرها ما خلت حد منا يدخل عليها إلا في وجود سكرتيراتها الثنتين.. فشلون تكلم على شكلها؟؟
الأول يهز كتفيه: والله سمعت.. ماجبت هالكلام من عندي..
الثاني: أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.. وهل يكب الناس على وجووههم إلا حصائد ألسنتهم.. ليس كل ما يسمع يُقال..
الأول بذات الخبث: يعني أفهم من كذا إنك أنت بعد سمعت.. بس مسوي نفسك ما سمعت
ثم أردف وهو يخفض صوته: يعني عمرك ما حاولت تتخيل هالغولة المرعبة أشلون الجمال يركب عليها
الثاني يقف ليخرج وهو يهمس بغضب: أنت جمعت الشياطين كلهم فوق روسنا.. أعوذ بالله.. أعوذ بالله منك ومن شرك
ذات الوقت.. في مكتب كاسرة..
تحاول ألا يرتفع صوتها المشحون بالغضب: أشلون يمه تخلينها تروح مع بنات من الجامعة.. سايبة يعني وإلا مالها والي
يعني ماكانت تقدر تنتظر للعصر تروح معي أو معش
مزنة بحزم: كاسرة اقصري الحكي.. مري أختش في مستشفى حمد ورجعيها معش للبيت إذا طلعتي من دوامش وبس بدون كثرة حكي.
كاسرة بذات الغضب: ياسلام.. وهذي صارت القضية.. اشلون تخلينها تروح من غير وحدة منا
بس زين دواها عندي
مزنة بحزم شديد: والله لو أدري إنش قلتي لها كلمة.. أنتي اللي دواش عندش
بنتي وترخصت مني.. ورخصت لها..
وش حارق بصلتش أنتي؟؟
كاسرة بغضب متزايد: زين يمه زين.. إذا رجعت البيت تفاهمنا
*****************************
ذات الوقت..كسّاب في مكتبه.. كان مستغرقا في تقليب أوراق أمامه.. دخل السكرتير وهمس بنبرة احترام تقليدية: العم منصور برا..
كسّاب رفع عينيه بغضب: أنت ماتفهم؟؟!!.. كم مرة قايل لك عمي منصور لا جا ما تخليه ينتظر برا.. تدخله على طول
السكرتير بارتباك: والله قلت له.. بس هو أصر أني أقول لك أول
كسّاب بذات الغضب: دخله لا بارك الله فيك
دخل العم منصور
اســـتــثــنــائــي
اســـــتـــــثــــنـــائـــي
استثنائي تماما.. تـــمــاما هذا العم منصور.. وإطلالة العم منصور .. وحضور العم منصور!!
قائد .. قـــائــد فعلا... كما هو عمله.. وكما يوحي بفخامة مظهره الشديد الفخامة.. وانعكاس تأثير مخبره القيادي
رجل اعتاد على القيادة!!!
بل تشرب بها.. لتشع روح القيادة من جنباته !!
وقف كسّاب ووجهه يتهلل وهو يتجه ناحية عمه
بينما همس منصور بصوته الموغل في العمق والفخامة والرجولة: حرام عليك وش سويت في السكرتير.. طالع المسكين يتنافض
كسّاب يبتسم: ألف مرة قايل له أنك لا جيت تدخل على طول
منصور بابتسامة مشابهة: وأنا ألف مرة قلت لك أحب اللي يمشي على غيري يمشي علي
حينها وصل كسّاب لعمه ليسلم عليه.. وينحني منصور من عليائه بطوله الفارع ليسلم على كسّاب
ابتسم كسّاب بمرح غريب عليه.. مرح لا يحضر حتى يرى شخصين منصور أو علي:
تدري ياعمي لولا فرق الـ14 سنة اللي بيننا وإلا والله ماعاد أقوم في وجهك.. تفشلني وأنت تدنق علي..
منصور بمرح شفيف: إذا أنت تقول كذا وفرق الطول بيني وبينك بسيط..أجل زايد المسكين وش يقول؟؟
كسّاب بمرح: شايل حسرته في قلبه.. شكلك ياعمي مصيت عافية جدتي.. عشان كذا ماعاد جابت حد عقبك
منصور يبتسم: ول عليك ياولد.. تنّظل عمك؟؟
كسّاب بذات الابتسامة الدافئة: والله عمي مفشلني بذا الطول..
منصور بفخامة: أفا عليك ياولد.. عمك يعر الرياجيل مهوب في الطول بس (يعر: يهزم ويغلب)
كسّاب بفخامة مشابهة: كفو يابو كسّاب..
منصور يجلس وهو يقول بمرح: ومن اللي قال لك باسمي كسّاب واثق الأخ من إني باسمي عليه؟!!
كسّاب بابتسامة: زين أبو علي؟؟
منصور بهدوء مرح: ولا علي..
كسّاب بتساءل: أجل؟؟
منصور بثبات حميم: زايد..
كسّاب باستغراب مرح: غريبة مهوب عوايد..
منصور يبتسم: صحيح أنا وزايد نتناقر دايم.. بس أنت أكثر واحد تدري إن زايد غلاه عندي غير..
يمكن ما بيننا إلا سبع سنين.. بس زايد اعتبره أبي مهوب أخي الكبير بس..
ماعاش على أمي وأبي غيري أنا وياه
كسّاب يعود للجلوس خلف مكتبه.. ويضغط الجرس للساعي ليحضر لهما قهوة ليقول بعدها بابتسامة: أنت الحين تزوج يالشيبة وعقب سمي الولد اللي تبيه
ثم أردف بخبث مرح: أصلا يمكن لا تزوجت ماعاد تجيب عيال.. شيبت ياعمي!!
منصور يضحك: شابت عظام عدوينك..ثم أردف بابتسامة: عادي.. استفزني مثل ما تبي
ماني بمتهور وقايل لك بأتزوج بكرة وأوريك
كسّاب باهتمام: جد عمي.. ما مليت من الوحدة في بيتك الكبير اللي مافيه إلا أنت والصبيان..
منصور بابتسامة: تعال اسكن عندي وونسني..
كسّاب يبتسم وهو يخفي خلف ابتسامته حزنه المتجذر: لو عليّ.. أنت عارف إنه ودي أسكن عندك من سنين.. خلها على الله
ثم أردف لتغيير الموضوع: لك أكثر من عشر سنين من يوم طلقت مرتك رقم 3.. جرب رقم أربعة يمكن تضبط معك ذا المرة
ضحك منصور: الله يرحمها أمك.. ذكرتني فيها وهي تحن علي أتزوج.. وعقبها خالتي الله يرحمها ياكثر ماحنت
حنت علي خالتي أخر مرة وهي تقول: "الثالثة ثابتة يأمك.. أخر مرة.. "
وماحد طلع عيني مثل الثالثة..
كسّاب يضحك: بعد ياعمي.. مرتك مهيب جندي عندك في الثكنة..
المرة تبي شوي حنية..
منصور ينزل حاجبا ويرفع الآخر: عشتو... شوفو اللي يتكلم عن الحنية بس..
وعلى العموم ياعمك.. خلاص الدور دورك
أنا راحت علي.. مالي خلق على الحريم خلاص..
كسّاب مازال يضحك.. فحضور عمه بعث في روحه سعادة اختلسها في غفلة من أطنان ضيقه المتراكم:
والله ياعمي مهوب ذنب حريمك إن الله خلقك طويل ومزيون وتلفت الانتباه..
يعني حق لهم يغارون.. وانت حتى الغيرة ماتبيهم يغارون
منصور بغضب: تدري إنك سخيف ياولد أخي.. احشم عمك لا بارك الله في عدوينك..
ولا تسخف مشاكلي مع حريمي.. أنت عارف إن هذا مهوب الموضوع
كسّاب يضحك: خلاص خلاص لا تحمق علينا ياحضرة العقيد
منصور يتوجه لكسّاب بنظرة مباشرة كنظرته لمجندينه في الثكنة:
أنت هاللفة كلها عشان تهرب من سالفة عرسك اللي أنت عارف إني جاي أكلمك فيها
كسّاب يهز كتفيه: أنت عارف زين ياعمي إني ما أهرب من شيء
السالفة كلها إني مالي خاطر في العرس الحين.. وأنا عارف إن أبي هو اللي دازك علي عقب ما تعب مني..
أبي ظنه إن العرس بيصلح حالي.. ما درى إن حالي ما تصلحه مرة
ثم أردف بألم عميق من أعمق نقطه في روحه لم يظهر في نبرة صوته الباردة:
وعلى العموم قل له يريح باله.. مافي داعي نفشل روحنا..
من الرجّال اللي فيه خير اللي بيزوج بنته لواحد أخته كابتن طيران؟!!
وأنا مستحيل أتزوج إلا بنت رجّال فيه خير.. بنت الرخمة مالي حاجة فيها
منصور انتفض بغضب: أخس واقطع ياولد.. وش ذا الحكي؟؟
كسّاب بهمس مهموم مغلف بالسخرية: عمي مافيه داعي نمثل على بعض..
أنت بروحك مستوجع من ذا الموضوع حتى لو أنكرت..
وإلا ناسي إنك كنت بتتذابح أنت وإبي على سبت ذا السالفة..
وعقب تقول لي: اخس واقطع ياولد !!
****************************
مساء ذات اليوم
مستشفى حمد العام
إحدى غرفه
تحيطان بسريرها وهما تنظران بألم لجسدها الذابل الموصل بأنابيب التغذية.. وطاقم التمريض يحقنونها بشكل مستمر بمنوم حتى لا تصحو وتنزع الأسلاك عن جسدها
همست مزون بحنان: خالتي صار لش كم يوم غايبة عن المدرسة
أنا ماعندي شيء.. روحي وأنا باقعد عندها
عفراء تمسح بحنان على ذراع ابنتها الجاف المتخشب وتهمس بألم عميق:
وش مدرسته؟؟ ما أقدر يامزون يأمش أخليها.. قلبي مهوب مرتاح
وعلى العموم أنا قدمت على إجازة
وأنا أدري إنش تنتظرين موعد المقابلة الشخصية
مزون بانقباض يعيدها لمأساتها: تكفين لا تذكريني خالتي... متخوفة.. وقرفانة..
ثم أردفت بكره شديد: لا خالتي وتخيلي مثلا أرجع أقابل امهاب لسان الحية الله يقطعه ويقطع أيامه
خالتها بطمأنة: مهوب لازم كل الطيارين يشوفون بعض.. مواعيد الرحلات متضاربة
وإن شاء الله ما تصدفينه
مزون برجاء عميق: الله يسمع منش ياخالتي.. الله يسمع منش.. أحس إني لو شفته عقب ذا السنين يمكن أسوي فيه شي
وأطلع العذاب اللي شفته السنين اللي فاتت على رأسه
عمري في حياتي ماحد ذلني مثله
عفراء تبتسم بإرهاق: إنسي يا بنتي انسي.. الحقد ما يأكل في شيء كثر ما يأكل من روح صاحبه
مزون تبتسم لتغير الموضوع: يا حليلهم صديقات جميلة اللي جاونا اليوم.. يجننون.. حبيتهم بصراحة
عفراء بألم عميق: ياقلبي ياجميلة ولا درت عندهم.. كانت بتنبسط فيهم..
ما أقول إلا الله كريم
مزون تحتضن كف خالتها: الله أكرم من كل شيء ياخالتي.. ورحمته وسعت كل شيء.. كل شيء
عفراء بأمل عميق: الله كريم
أملها شاسع.. فهذا القلب قلب أم.. الشيء الاكثر رحابة في كل الكون
تقنع نفسها أن طفلتها بخير وأنها تتحسن.. وأنها ستعود لأحضانها
وتحاول أن تتناسى بكل قوة الحقيقة التي تعلمها جيدا
طفلتها تذوي.. تذوي!!
تقترب من الموت بخطى حثيثة
فهذا الجسد اليابس كأرض بور شققها الضمأ ينتظر لحظاته الأخيرة
ماعاد به من ملامح الحياة سوى نفس ضعيف يتردد في صدرها يوشك على المغادرة وترك كل شيء خلفه
صبا لم تعشه..
وأم نذرت حياتها لسواها..
وقلوب أثقلها الهم
وذكريات لم تعطرها رائحة أب أثقلتها الأماني للقائه!!
**********************
الوقت أصبح منتصف الليل ووضحى مستغرقة في طباعة بحث على الحاسوب.. تدخل عليها كاسرة.. لتتنهد وضحى بعمق.. فهي تعلم تماما ما الذي سيحدث الآن
لذا همست برجاء عميق قبل أن تتكلم كاسرة: تكفين كاسرة عندي بحث لازم أخلصه وأسلمه بكرة
كاسرة بنبرة هادئة صارمة: عندش دقيقة وحدة تسيفين شغلش.. قبل أطفي الكمبيوتر..
وضحى برجاء أعمق: تكفين كاسرة
كاسرة وكأنها لم تستمع مطلقا لرجاءتها: قومي صلي قيامش الحين ثم نامي.. وكملي بعد صلاة الفجر
مهوب مسموح لش تسهرين أكثر من كذا..
وضحى برجاء أخير مستجدي: تكفين كاسرة ماراح يجيني نوم وأنا ماكملت شغلي
بترت جملتها وابتلعت ريقها وهي تردف وتنظر لنظرة كاسرة الباردة الصارمة: خلاص إن شاء الله إن شاء الله
لا تعلم لِـمّ تمارس عليها كاسرة هذا التسلط؟!!
خوفا عليها؟!! اهتماما بها؟!!
أو مجرد اثبات لسلطتها المطلقة وأنه ليس هناك من يعارض قراراتها؟!!
وتعلم أنها لابد أن تستجيب وخصوصا أن كاسرة سكتت على مضض على موضوع ذهابها اليوم مع صديقاتها لزيارة جميلة
لأن والدتها أوقفتها عند حدها.. وهذا الشيء أغضب كاسرة لأبعد حد
ولو أتاحت وضحى لكاسرة الفرصة الآن فهي لن تتوانى عن فتح الموضوع وتقليب الدفاتر
وهي تعرف تماما كيف تُعنف بمهارة.. وخصوصا بعد أن أصبحت رئيسة قسم صُقلت هذه المهارة لأبعد حد..
تعرف كيف تجعل من أمامها يشعر بالذنب والضآلة من شدة كلماتها المُعنفة الـمُختارة بعناية!!
لذا أطفئت وضحى حاسوبها وهي تستعد للصلاة ثم للتمدد وهي تعلم أنها لن تستطيع النوم..
ولكنها لابد أن تجبر نفسها وكل ما تستطيع فعله أن تكثر الدعوات أن يقرب الله الفجر
شعور مر بالانهزام والخيبة يجتاح خلاياها..
قد يكون الموضوع بمجمله بسيطا.. ولكن مايبثه فيها من مشاعر معقدة مؤذية ليس بسيطا مطلقا.. مطلقا
انقلبت على جنبها اليمين وهي تولي وجهها للقبلة
لتسيل دمعة شفافة من بلور وألم!!
*************************
قبل واحد وثلاثون عاما
منطقة في غرب قطر... بيوت طين قديمة متلاصقة.. أجري على بعضها بعض التعديلات.. ليدخل إليها الحجر والتسليح وأسقف الألمنيوم
فقدت بعضا من رونقها القديم وبعضا من روحها المثقلة بالأصالة.. ولكن رائحة العمق الإنساني مازالت تعبق بعطر شفيف
صلت للتو صلاة الظهر بعد أن أنهت صنع غداء والدها مبكرا.. وهاهي تكنس (الحوش) تحت شمس لاهبة
طرقات هادئة على الباب.. توجهت لفتح الباب لوالدها..
شرعت الباب على اتساعه لتقف في فرجته بخديها المحمرين في صفحة وجه ذي اسمرار لذيذ
لوحته شمس لم تخجل من ملامسة هذا الحسن المهيب الذي بدأ ينضج للتو!!
خصلات شعرها الفاتحة من أثر الحناء تطايرت في خصلات عنيدة أبت إلا أن تخرج من تحت أطراف (بخنقها) الذي أحاط باستدارة وجهها
ومازال غبار الحوش عالقا بوجهها وببخنقها مختلطا بحبات عرق تساقطت على جبينها الأزهر وعينيها النجلاوين..
فوجئت بالطارق يوليها جنبه ليتأخر إلى طرف الباب ويستند إلى ضلفته الجانبية
احتراما لأهل البيت أولا
وثانيا حتى لا ينهار على الأرض ورؤيتها بهذه الصورة الموجعة الموغلة حسنا وألما حتى أقصى درجات التعذيب.. تغتال كل مشاعره وتهزه كزلزال لا حدود لقوته
فهو كان منهكا من الشوق الذي أذاب مابقي من جَلده وصبره!!
تماسك في ثوان ليهمس بصوت غاضب مبحوح يحاول فيه تهدئة وجيب قلبه الذي يكاد يقفز من بين جنبيه:
كم مرة قايل لش لا تفتحين الباب لين تسألين من
وعقب تفتحينه وأنتي مندسة وراه.. مهوب تشرعينه وتوقفين على طوره ياللي ما تستحين
نعنبو دارش مافي وجهش سحا أنت!!
أجابت في غيظ: وأنا شدراني إنه أنت.. أمك تقول إنك فارقت بتسكن في الدوحة.. وش ردك علينا؟؟!!
زايد في غيظ أكبر: يعني إن غاب القطو العب يافار.. عشانش دارية إني ما انا موجود تخالفيني..
مزنة في غيظ أكبر وأكبر: على شنو أنت شايف حالك أخالفك وإلا ما أخالفك..
أظني اسمي مزنة بنت جابر.. مهوب مزنة بنت زايد
زايد بغضب: سكري بابش عليش.. قدام أدخل وأوريش شغلش الحين
وأنتظري علي كم شهر إذا ماجبتش لبيتي وأدبتش فذا الشنب مهوب على رجّال وأنا ولد إبي
حينها أطلت مزون عبر الباب ووجهها محمر من الغضب: شوفوا من اللي يهدد؟؟
"ولد الراعي شبر القاع"..
ثم أردفت وهي تلمس شعرها من خلف بخنقها: نجوم السما أقرب لك مني يا ولد الراعي
ثم أغلقت عليها الباب رعبا وخوفا بسرعة قبل أن يقتحم زايد البيت عليها.. كما فعل قبل عدة أشهر وفي وجود والدها
ليصفعها وأمام والدها
ـــــــــــــــ
نهار حار كان ذلك النهار.. بعد صلاة العصر.. للتو تعتاد على لبس البرقع الذي لبسته قبل عدة أشهر رضوخا لأوامر والدها..
طرقات حادة على الباب وصوت أنثوي يرتفع خلف الباب.. يهمس لها والدها وهو أمام قهوته: قومي البسي برقعش وافتحي لأم زايد شوفي وش تبي
مزنة برجاء: يبه حر موت.. ماني فاتحة الباب كله.. بافتحه شوي وأوقف وراه وأشوف وش تبي
والدها بحزم: زين إياني وإياش تطلعين رأسش
مزنة قفزت وهي تعدل وضع بخنقها على رأسها.. وتفتح الباب قليلا وتهمس بمودة: ادخلي ياخالة..
أم زايد بمودة مماثلة: لا يامش هاش اخذي ذا العصيدة.. عادني بأروح أودي لأم ناصر قسمها
مزنة بأريحية: خلاص عطيني حق أم ناصر وأنا بأكفيش..
أم زايد بمودة أكبر: لا جعل عيني ما تبكيش.. بأروح أتقهوى معها.. هاش اخذي
وفي الوقت الذي كانت أم زايد تمد يدها للداخل أخرجت مزون رأسها لتتناول الصحن من أم زايد.. لم تتوقع أن يكون أمام بيتهم أي مار في هذا الوقت.. لتصدم بل تفجع أن زايدا ومعه رجل آخر يجلسان في دكة بيت أبي زايد المقابل لبيتهما..
تراجعت مزنة بسرعة لأنها شعرت أن دقات قلبها تصاعدت للحد الأعلى من نظرات الرجلين.. نظرات الغضب العارم في عيني زايد.. ونظرات الإعجاب في عيني الآخر
كانت على وشك إغلاق الباب بسرعة ورعبها يتزايد.. لولا صدمتها المرة الفاجعة بالساعد الأسمر الذي امتد لمنعها من قفل الباب..
لم تحتج أن تعرف ساعد من هذا..ولا ماذا ينوي أن يفعل بها..
لأن نظرته التي تلتها قفزته السريعة ثم ركضه السريع اتجاهها.. أنبأتها أي مصير سيء مرعب ينتظرها
رغم أنها في شخصيتها أبعد ما تكون عن الجبن ولكنها في تلك اللحظة شعرت أن قلبها توقف من الرعب وهي تركض باتجاه والدها
ولكن زايدا وصلها قبل أن تصل إليه وتختبئ وراء ظهره.. ليمسكها من عضدها ويديرها ناحيته
تكاد مزنة أن تقسم أن هذه اللحظة كانت كانت أكثر لحظات حياتها كلها رعبا
شعرت كما لو أن الهواء سكن وتوقف عن المرور بينها وبين زايد..
كما لو كان هرب خوفا من زايد تاركا رئتيها تئنان من الضغط الناتج عن قلة ضخ الهواء
وعينا زايد ترسلان لها شرارات من لهب مرعب شعرت بها تلسع وجهها وتحرق عينيها
ويده التي تمسك بعضدها كما لو كانت وصلت لعمق عظمها لشدة الضغط والألم الذي شعرت به يتفجر في خلايا عضدها
كل هذا الرعب ومازالت يده لم تصل خدها!!!
.. ولكنها وصلت ختاما.. شعرت حينها كما لو أن رأسها يطن من قوة الصفعة.. وصفير مرعب يمزق أذنها اليسرى ألما
قفز والدها بغضب كاسح ولكن زايد عاجله وهو يصرخ بغضب مشتعل:
الحيوانة طالة مع الباب بدون برقع وشافوها الرياجيل اللي في دكتي عيني عينك
رغم الألم الموجع الذي انتشر في روح جابر وهو يرى وحيدته تُصفع أمامه
شعر كما لو كان يريد البكاء معها وهو يرى عينيها الغاليتين تتفجران بدموعها الأغلى
ولكنه عاود الجلوس وهو يصطنع الثبات ويتناول فنجانه ويقول بحزم: حجت يمينك.. لو أنك ما ضربتها أنا كان ضربتها
هذا وأنا ناهيها ألف مرة ما تطل من الباب ماعلى وجهها شيء
حينها شعرت مزنة بقهرها يتزايد يتزايد ووالدها يخذلها بهذه الطريقة.. ليرتفع صوت نحيبها المفاجئ وهو تركض باتجاه غرفتها
كانت المرة الوحيدة في مطلق حياة مزنة التي بكت فيها بهذه الطريقة الهستيرية
المرة الوحيدة!!!
ــــــــــــــ
كما كانت صفعة زايد هي الصفعة الأولى والأخيرة في حياتها
لذالم تسامح زايد مطلقا عليها..
قررت أن تجرحه!! تهينه!! أي شيء يبرد بعضا من نارها فيه!!
وجاءها الانتقام سريعا.. بعدها بأيام.. ويالا جرأته !! جاءها ليخبرها بعشقه لها ورغبته في الزواج منه
يصفعها بوحشية.. ليعود لها عاشقا يريدها أن تبادله العشق!!
لذا كانت حكاية ابن الراعي الطفولية التي اخترعتها
لا يهمها ان تكون قصة كاذبة
المهم أن تؤلمه.. تؤلمه كما آلمها.. كما جرح كبرياءها الثمين
كما تعلم أنه يتألم الآن وهو يقف خلف الباب يعتصر كفيه حتى لا يحطم الباب عليها
وهي تقف وظهرها مسند للباب وتضم كفيها لصدرها الذي تمزقه مطارق دقاتها الصاخبة هلعا.. وتدعو الله أن يحضر والدها بسرعة
فهو وإن كان لم يدافع عنها في المرة الأولى لأنه رآها مخطئة
فهو يستحيل أن يسمح لزايد أن يمد يده عليها للمرة الثانية
وهاهو زايد بالفعل يقف مسندا ظهره لحائط بيتهم
غارقا في ألم عميق عميق عميق
لا يهمه تهجمها الطفولي بقدر ما يؤلمه معرفته أن مشاعره المتجذرة التي تمزق صدره بلا رحمة بلا هوادة..لا صدى لها مطلقا في قلبها الغض
***************************
قبل 38 سنة..
أول أيام عيد الفطر
قصر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في منطقة الريان
مجلس الاستقبال
كان الشيخ خليفة يستقبل أفواج المهنئين بالعيد
وفي ليوان المجلس مجموعة من الأطفال الذين حضروا مع أبائهم وينتظرون دورهم للسلام على الشيخ
(الليوان : بهو مفتوح يقوم على أعمدة)
جلسا متجاورين مصادفة.. ولم يعلما أن هذه الصدفة شاء الله عز وجل أن ترسم تغييرا في مسار حياتهما لتربطهما معا وللأبد
- شاسمك؟؟
- خليفة
- زايد
بعد عدة جمل حوارية
- أنت ليش تحكي كذا؟؟
- وأنته ليش تتحجه جذيه؟؟
ضحكتان صافيتان محلقتان والروحان تتعانقان كالسحر تماما
سحر إنساني خالص آلف بين قلوب تشابهت
مضى وقت لم يكن له حساب ملموس في حساب الزمن.. حتى تلقيا أشارة والديهما للدخول
سلما كما سمعا من والديهما عشرات المرات من نصائح مكررة حتى حفظاها..
فهذه مرتهما الأولى ولابد أن يثبتا أنهما رجلان يستحقان السلام على الشيخ حتى يضمنان حضورهما في عيد الأضحى أيضا
خرجا وكل منهما يده في يد والده وكل منهما يشير للآخر بالتحية
- يبه ماعليه أروح أسير على خليفة/ زايد في بيته؟؟
- ما يخالف.. مايخالف يصير خير
***********************
يجلس في صدر مجلسه الضخم المفتوح على الشارع مباشرة بعد أن صلى المغرب
يمرر يده على شعيرات عارضه.. مشغول بالتفكير والهم
يكاد يموت قلقا على هذه الصبية التي أبلغته ابنته مزون أن وضعها الصحي يتدهور
فهذه الصغيرة لها مكانة أثيرة وشاسعة في قلبه.. فهي تزاحم ابنته مزون على افتراش هذا القلب
" كيف تركتها حتى وصلت لهذا الحد؟!!"
"لكنك لم تراها.. وهم لم يخبروك بحقيقة تدهور صحتها"
" لا تبحث لنفسك عن عذر يازايد.. لا عذر لك.. لا عذر لك"
منذ دخول الصغيرة للمستشفى قبل أيام...ومعرفته عن تفاصيل وضعها الصحي المزري
وهو مشغول بالتجهيز لسفرها.. الذي سيكون بعد يومين
لن يستمع بعد الآن لعفراء..ولا لرفضها
مادام الله قد وهبه الوسائل.. سيحارب حتى تبقى أنفاس جميلة تعطر الكون
"فما فائدة كل أموال العالم إن كانت لن تنقذ ما تبقى من رائحة خليفة؟!!"
***************************
قبل عشرين عاما
"خليفة؟؟"
"إيه خليفة... وش فيه؟"
أم كسّاب بتردد: مافيه شيء والنعم.. بس أختي يتيمة وفي ذمتنا ويجيها خطاطيب واجد ماشاء الله
ليش نزوجها حضري مهوب منا.. يبعدها عنا
زايد بغضب عميق: ذا الحضري أطلق من شارب كل اللي خطبوها
تراجعت أم كسّاب بوجل..بينما تنهد زايد وهو يزفر بعمق:
أنتي عارفة إنه عفرا مثل أختي الصغيرة.. ومن يوم توفوا هلش في الحادث عقب عرسنا بكم شهر.. وهي في بيتنا
ووالله إني مابي إلا مصلحتها
ومستحيل نغصبها على شيء
خليني بس أكلمها.. ومايصير إلا خير
سكتت وسمية على مضض.. لم تكن تريده أن يكلم شقيقتها قبل أن تكلمها
فهي تعلم مدى احترام عفراء الأسطوري له..
ويستحيل أن ترفض شيء هو مقتنع به
كانت تتمنى أن تكلم أختها أولا.. لتسمع رأيها قبل أن تتأثر برأي زايد
ولكن هذا لم يحدث.. لم يحدث..!!
ظلت دائما تشعر بحسرة ما.. حسرة ولّدها التفكير المترسخ الذي عاشت به
"ثنائية البدو والحضر الممقوتة"
وخصوصا حين توفي خليفة بعد ذلك بأشهر قليلة.. تاركا أختها تحمل طفلا في أحشائها..
ذكرى ربطتها به.. وظلت وفية لها.. وشبابها الغض يذوي.. وزهرة سنين حياتها تتسرب على أطلال رجل لم تعرفه حقا
ولكنها احترمته حتى التقديس.. احتراما لذكراه في عقل وقلب زايد..
كرهت أن تخدش أو تجرح هذه الذكرى المقدسة بزواجها مرة أخرى
وكان هذا أيضا سببا ثانويا من ضمن أسباب جوهرية جعلتها ترفض الزواج من زايد نفسه بعد ذلك بعدة سنوات!!!
****************************
قبل أكثر من 19 سنة
مقبرة أبو هامور
رائحة الموت تغمر الأجواء..رائحة ثقيلة خيمت على المكان.. خليط من الوجع الجارح والسكينة الهادرة
الناس متجمهرون وهم يدخلون الجسد الملفوف بالبياض إلى اللحد
صراخ يتعالى.. ورجل يحاول التفلت ليلقي بنفسه داخل القبر
" بس يازايد.. بس.. فضحتنا.." يهمس في أذنه بصوت مكتوم وهو يكتفه بقوة وينحني عليه من أعلى
"فكني يامنصور.. فكني ياخيك.. مابي حياة مافيها خليفة" صراخه المكلوم الموجوع يتعالى
كان ينشج من أعماقه كأنه نشيج مذبوح في لحظاته الأخيرة..
مليء بالأنين.. مليء بالوجيعة.. مليء بالحسرة
منصور مازال يكتفه وزايد يحاول التخلص ونشيجه يتعالى وهم يراهم يهيلون التراب على القبر..
وكأنهم مع كل كومة تراب يهيلونها على القبر.. يهيلون على روحه أطنان من الوحشة المعتمة
يحاول التخلص.. يريد منعهم من طمر روحه تحت التراب.. يشعر أن هذا التراب ينسكب في رئتيه وأنه عاجز حتى عن مجرد التنفس..
يحاول التخلص للمرة الألف وهو يضرب بكوعيه في صدر منصور بكل قوته.. ولكن منصور لم يفلته مطلقا وهو يهمس في أذنه بصرامه: زايد طول عمرك رجّال.. خلك رجّال
حتى يوم ماتوا أمي وأبي ماسويت كذا
أطلب له الرحمة.. أطلب له الرحمة
**************************
مازال زايد جالسا في مجلسه ينتظر آذان العشاء..والمجلس خال على غير العادة
والهموم تتزاحم على كتفيه.. والذكريات المؤلمة تغتال ذاكرته.. لينتزعه من كل هذا رنين هاتفه
نظر للاسم ورد بقلق: هلا أم جميلة
جاءه صوت عفراء المرهق المبحوح: هلا بك أبو كسّاب
زايد بقلق: بشريني من جميلة
عفراء بذات الإرهاق: على حالها..
ثم أردفت بتردد: أبو كسّاب.. طلبتك.. قل تم
زايد بحمية: أفا عليش يابنت محمد.. آمري لا تطلبين..
عفراء بهدوء حذر: أنا أبي أسفر جميلة.. بس تكفى تخليني أحجز.. أنت عارف إنه الخير واجد.. ورثي من هلي ثم ورثنا من خليفة
وأنت أساسا ماتخلينا نصرف شيء.. طلبتك أبي أسفر جميلة أنا..
زايد بثقة بها بعض من غضب: مالش لوا يا بنت محمد.. أول شيء الحجز خلاص حجزت.. حتى جوازاتكم في السفارة الفرنسية عشان الفيزا..
وحجزت المصحة خلاص وبأسافر معكم أنا ومزون وبيستقبلنا علي هناك
عفراء باستنكار خجول: بس يابو كسّاب
زايد يقاطعها بنبرة غضب: بس ..بدون مرادد.. أنا أصلا غلطان من يوم طاوعتش وتأخرنا ذا كله.. لين تدهورت حالة البنت
سكتت عفراء على مضض..وسكت هو على غضب كاسح متزايد خشي أن يفجره في عفراء
فهو بالفعل غاضب من عفراء التي كان يلح عليها أن يسافروا بجميلة
لكنها كانت ترفض بحجة أن وضع جميلة تحت السيطرة
وهاهو الوضع خرج عن السيطرة.. خرج تماما
بعد أن هدأت أعصابه.. قام بإجراء اتصال جديد..حالما أجاب الطرف الآخر بعد السلامات المعتادة
همس زايد بثقة حانية: علي .. رحلتي اللي قلت لك عنها لفرنسا تقدمت شوي
أنا جايك بعد يومين أنا وخالتك وأختك.. جميلة تعبانة شوي
علي بثقة مثقلة بالغموض: أنا اصلا كنت أبي أتصل فيك.. أقول لك أنا جاي الليلة
أبي أعقد على جميلة.. وأنا اللي بأسافر معها
مافيه داعي تروحون كلكم
إلا خالتي لو بغت تروح.. بكيفها
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الرابع 4 - بقلم HaboOoshy
الدوحة
وقت ما بين منتصف الليل وقبل صلاة الفجر
أرض المطار..
سخونة لزجة ولدتها رطوبة أثقلت الجو
نزل عن سلم الطائرة ليلفح الهواء الساخن برودة وجهه
استعاذ بالله من الشيطان وهو ينفض رأسه ويفتح أعلى قميصه عن عنقه النحيل بحثا عن بعض الهواء
شعر كما لو أنه عاجز عن التنفس وكأن هذه الرطوبة ألتهمت كل الأوكسجين وامتصت مابقي من هواء رئيتيه
مسح عرقا وهميا شعر به يعبر شعر حاجبيه ليغشى رموش عينيه
واسم واحد يكتسح أفكاره
"جـــــــمـــــيــــلــــــة!!!"
لطالما بدت له جميلة أشبه ماتكون بلعبة
جميلة.. رقيقة.. وهشة.. هشة جدا كلعبة كريستالية قابلة للعطب السريع!!
ولطالما رآها أيضا طفلة!!
في كل سفراته كانت هديتها دائما دمية.. كان يتعب كثيرا في انتقاء دمية مختلفة لها كل مرة
يكاد يقسم أنها لابد ملئت غرفة كاملة من دماه التي أهداها لها هو!!
ولم يتوقف عن إهدائها الدمى حتى بعد أن قالت له مزون وهي تتناول منه هدية جميلة قبل عامين لتعطيها لها:
علي ترا جميلة صارت مره.. جيب لها شيء غير.. عبيت غرفتها ألعاب..
جيب لها شنطة.. عطور
حينها ابتسم وهمس: هي تنبسط على العرايس والدباديب اللي أجيب لها أو لا؟؟
ابتسمت مزون: بصراحة تنبسط..
همس بدفء حنون: خلاص خليها تنبسط بعرايسها وخلي الشنط والعطور لش
وها هي من لطالما أهداها العرائس ستصبح عروسه هو..
لا يعلم أي جنون أصابه حين أخبرته مزون قبل يومين بتدهور وضع جميلة
واشتكت له خيبة أملها في كسّاب حين عرضت عليه أن يتزوج منها ولكنه رفض
حينها صرخ بغضب مجنون: وليش تطلبين من كسّاب ومهوب مني؟؟
ولو كان وافق يتزوجها أنا وش كان بيصير فيني؟؟ مافكرتي فيني؟؟
مزون بدهشة عميقة وهي في استغراب أعمق لثورة علي الذي لطالما كان شديد التحكم في أعصابه: علي عمرك ماقلت أنك تبيها ولا بينت..
علي بذات الغضب: أبيها أو ما أبيها.. من حقي تشوروني.. وإلا حتى ذا الحق بتستكثرونه علي
أنا جاي بكرة أو بعده.. ولا تقولين لأحد شيء لين أتصل في أبي..
لا يعلم ما الذي أصابه.. وأي تيارات مجنونة تتقاذفه؟!!
تخيل نفسه يعود للدوحة وهي خالية من وجود جميلة؟؟
تخيل المكان كالحا خاليا من الحياة
أي مكان سيكون لا تزينه ابتسامة جميلة؟!!
أي سواد يعتصر بياض الطرقات؟!!
وأي نسمات هذه التي ستجرؤ أن تهب وهي لا تحمل دفء عطرها؟!!
بياض قلب طفلته!!
وعبق عطر دميته!!
بدت الحياة له حينها بلا طعم.. بلا نكهة.. بلا حياة!!
ثم تخيل جميلة زوجة لكسّاب فشعر بنار تجتاح عروقه وتسمم دمه وتعتصر خلاياه في وجع غير مفهوم شديد القسوة..
أي مشاعر هذه التي تتقاذفه؟؟ أي مشاعر مجهولة المدارك والهوية؟؟
طوال عمره ومشاعره متذبذبة تربطه بجميلة.. يريد أن ينظر لها كأخت صغيرة
ولكن داخله كان يرفض دائما أن تكون أختا له..
فما يشعر به ناحيتها مختلف تماما عما يشعر به ناحية مزون
حتى وإن بقي يراها طفلة.. فهذه الطفلة هو من طلب أن تتغطى عنه حين بلغت الخامسة عشرة..
وثار غضبه حين علم أنها تتغطى عنه ولا تتغطى عن كسّاب..
نهرها أن الخطأ لا يتجزأ.. ولا يعلم حينها هل كان إدعاء للتعقل أو ببساطة هي الغيرة اشتعلت في داخله
كاد يجن أنه حرم نفسه من رؤيتها بينما كسّاب يحضى بمتعة النظر إلى محياها
بعدها حدثت حكاية مزون.. ليرتحل بوجيعته.. وترتحل جميلة وذكراها المبهمة معه
يراها حين يعود بشكل متقطع.. مجرد تحية من بعيد..
ولكنه يعلم يقينا أنها بقيت رغم البعد.. قريبة.. قريبة جدا!!
تنهد بعمق وهو ينفض أفكاره ليدخل مبنى المطار
أنهى إجراءات دخوله بسرعة وجواز سفره الدبلوماسي يمنحه مزيدا من السرعة
وجد كسّاب ينتظره في صالة الحقائب الداخلية.. لقاء مفعم بالكثير من المودة
وكذا بالكثير من القلق والترقب غير المفهوم
كلاهما يشعران بتوجس مموه غير محدد الملامح
يشعران برائحة شيء مقلق يصطرخ في الأجواء
وكلاهما أيضا يحاول طرد هذه الأفكار من مخيلته!!
لم يكن مع علي سوى حقيبة صغيرة في يده لذا لم ينتظرا مزيدا من الوقت وهما يخرجان متوجهان لسيارة كسّاب المتوقفة في مواقف المطار
استحكم الصمت بينهما للحظات
ليهمس كسّاب بهدوء حذر وعيناه على الطريق: صدق علي أنت جاي تبي تملك على جميلة؟؟
علي يريح رأسه على طرف المقعد ويهمس بهدوءه العميق المعتاد: صحيح
كسّاب بحذر ونبرة مقصودة: ومقتنع؟؟
علي يلتفت له بشكل مباشر ويهمس بثقة: لو مهوب مقتنع ماجيت عاني من جنيف..
كسّاب بنبرة مباشرة: وأسبابك؟؟
علي بهدوء: أحب أحتفظ فيها لنفسي
كسّاب بحدة مباشرة تظهر فيها طبيعته الأصيلة وهو يحاول يوازن بين القيادة والغضب: تدس عليّ ياعليان؟؟
علي بذات هدوءه: كسّاب فيه أشياء أحيانا الواحد يحب يحتفظ فيها لنفسه..
احترم خصوصياتي مثل ما أنا طول عمري محترم خصوصياتكم كلكم
كسّاب باستهزاء غاضب: قصدك سلبيتك اللي تبي تلبسها لبس كشخة اسمه "احترام خصوصيات الآخرين"
علي يتنهد وهو يسند رأسه للزجاج: سمها مثل ما تبي
كسّاب بذات النبرة الغاضبة: أبي أعرف أنت وش طينتك يابارد؟؟
علي بهمس واثق وهو يتنهد: نفس طينتك ياولد أمي وأبي
كسّاب يتنهد وهو يحاول السيطرة على غضبه الذي ثار بدون سبب منطقي.. أو ربما كان له سبب!! :
اسمعني ياعلي.. أقول لك قبل نجي للبيت.. لا تفكر يوم أنك تظلم جميلة أو تضيمها حسابك بيكون معي..
علي بذات الهدوء: كسّاب أنت أخر واحد يحق له يتكلم في هذي الحقوق
وعلى العموم جميلة في عيوني.. وما أحتاج أني أخاف من تهديد حد عشان أحطها فوق رأسي
على الأقل عشان خالتي عفرا اللي كانت أمنا أكثر من أمنا اللي يرحمها
كسّاب يعاود التنهد مرة أخرى وهو يحاول السيطرة على أعصابه المتوترة
يشعر بالندم العميق يتسلل لروحه أنه لم يوافق على اقتراح مزون الذي اقترحته عليه
لعدة أسباب ليست جميلة من ضمنها!!
السبب الأول والأهم هو شقيقه الأصغر.. علي
فكسّاب متأكد أن عليا سيتزوج من جميلة مضطرا لذا رفض اخباره بالسبب لأن عليا لا يعرف الكذب.. وفي ذات الوقت لا يريد اخباره الحقيقة كما يظن كساب.
لذا كسّاب كان يتمنى أن يجنب عليا هذا الزواج الذي قد يجلب له التعاسة
" أنا تعيس تعيس.. وهذا الزواج التعيس لن يغير شيئا بالنسبة لي
ولكن عليا كان يعيش بعيدا عن كل هذا الجو المشحون
تمنيت أن أجنبه كل هذا.. تمنيت!!
تمنيت أن أجنبه التعاسة مهما كانت قاهرة
فأنا عظمي أقوى.. والمشاعر لا تهمني.. لكن هو حساس ورقيق
من المؤكد إنه حلم في حياة رومانسية وقصة حب يعيشها مع من سيتزوجها
والتي من المؤكد لن تكون جميلة "
وإن كان السبب الأول هو خوفه على علي
فالسبب الثاني هو خوفه منه.. يخشى ألا يكون علي على قدر المسئولية الملقاة على عاتقه
أن يفشل في الخروج بجميلة من دائرة المرض بمشيئة الله
لينعكس هذا الأمر بكل حزنه ومأساويته على خالته الغالية عفراء..
ويخشى أكثر من كل شيء أن يجتمع السببين
تصاب جميلة بخطب ما لتصبح التعاسة هي مصير كل من علي وعفراء
السبب الثالث الذي يحاول دفنه في قرارة نفسه.. لو أنه تزوج جميلة كان سيجد له منفذا من إلحاح والده المتكرر عليه أن يتزوج..
زوجة والسلام.. أمام الناس.. وأمام والده!!
وليس في الأمر أنه مهتم لإلحاح والده.. ولكن لأن الإلحاح بدأ يتزايد كثيرا مؤخرا وبشكل مزعج!!
فزايد مقتنع أن صلاح حال هذا الشاب غير المفهوم هو في الزواج.. ليثقل على كساب بالضغط المستمر الذي بدأ يُشعر كسّاب بالملل.
يتنهد كسّاب وهو يهمس لعلي: وصلنا البيت.. توضأ للفجر ماعاد باقي على
الصلاة شيء
صمت لثوان ثم أردف:
وأتمنى إنك تكون على قد قرارك..
*************************
قبل ذلك بساعات
مستشفى حمد
غرفة جميلة
"مزون يا قلبي.. كلمي أبيش وروحي.. أدري أنش تبين تروحين تأكدين من ترتيب غرفة علي وأغراضه قبل يجي"
مزون بحنين عميق: فديت قلبه.. مـــشـــتــــاقة له مووووت..ثلاث شهور ما شفته
ثم قطعت حماسها وهي تردف بحذر: خالتي سألتي جميلة عن رأيها وإلا لأ؟؟
عفراء بإرهاق: الليلة بدوا يخففون لها المنومات.. بكرة الصبح إن شاء الله تكون واعية وبأقول لها إن شاء الله
ثم أردفت بحزن : مع أني والله ماكنت أبيهم يتزوجون بذا الطريقة..
عيالي وأول فرحتي.. كنت أبي أسوي لهم عرس وأنبسط فيهم
مزون بمرح مصطنع تحاول بواسطته تغيير الأجواء الكئيبة: مهوب لو متزوجة إبي.. كان من زمان هو مودي جميلة غصبا عنش.. وكان الحين محتفلين بزواج علي وجميلة مثل الناس
عفراء ضربت خد مزون بخفة حانية: يا ملغش بس.. مملة
كم مرة قلنا ذا الموضوع ممنوع النقاش فيه!!
"لأنك لا تعلمين مزون.. لا تعلمين!!
تمنيت لو أستطعت أن أتزوج زايد من أجلكم أنتم فقط!!
لكن رؤيته أمامي ستعيد لي دائما ذكرى حسرات شقيقتي
لا أستطيع أن أعيش ذات الحسرة التي عاشتها وسمية حتى ماتت وهي مازالت في عز صباها
وسمية كانت جبارة.. لكن أنا لا.. لا.. لا أستطيع
فهل يكتب لي ربي أن لا أعرف حب رجل حتى لو تزوجت مرتين
خليفة رحل وأنا للتو أتعلم التعبير عن مشاعري
رحل لتموت مشاعري في قلبي
وزايد كان قلبه دوما لأخرى..
لم ولن أستطيع مسامحته على مافعله بقلب وسمية الطاهر
حتى وإن كان لم يقصد
حتى وإن كان لم يقصد!!!"
****************************
قبل 18 عاما
"هاتي الغزالة..حبيبة قلب خالتها.. ماحبيتها عدل.. مابعد برد خاطري"
عفراء بود غامر: خالتها شكلها تعبانة.. خليها فديتش منش
ثم أشرق وجهها بفرحة مفاجئة: وسوم لا تكونين حامل؟!!
ابتسمت وسمية بإرهاق: أي حامل الله يهداش!!
عفراء بابتسامة مشرقة: وش فيها؟؟ مزون صار عمرها 4 سنين.. وش تتنين بعد؟؟
وسمية بضيق: ما أدري عفراء حاسة إنه صحتي مهيب ذاك الزود..ما أبي أستعجل في الحمال لين أتأكد إن كل شيء عندي زين
عفراء تحاول أن تحمي شقيقتها من مجرد الفكرة التي أثارت أقسى مخاوفها:
وش ذا الكلام يا وسمية؟؟ مافيش إلا العافية.. توش 28 سنة وموسوسة كذا
أجل لا صرتي 40 وش بتسوين؟؟!!
وسمية بهدوء خائف شفاف: مهوب أنا وبس اللي ملاحظة ذا التعب.. حتى زايد ملاحظ.. وجنني يبي يوديني للمستشفى
بس أنا خايفة ومتوترة وموسوسة على قولتش
عفراء تحاول إدعاء المرح وإبعاد الفكرة المؤذية عن خيالها: يأختي يأختي من قدش أبو كساب خايف عليش..
وسمية بشفافية: فديت أبو كساب.. ليته بس صفا لي.. كان سويت على قولت خالد الفيصل:
إذا صفا لك زمانك، علّ يا ضامي واشرب قبل لا يحوس الطين تاليها
وكان علّيت وعلّيت .. لكن أنا شكلي بأموت ضامية ما ارتويت.. والطين حاس أولها وتاليها..
عفراء بصدمة وألم : وسمية وش ذا الكلام الشين والفال الأشين.. أبو كساب مضايقش بشي؟؟
وسمية تهمس بشفافية سماوية مثقلة يالشجن والوجع: فديت زايد ياعفراء.. جعل كل الرياجيل فدوتن له..
زايد طول عمره حاشمني.. يعزني ويحترمني.. بس.. بسس
عفراء تستحثها للكلام: بس ويش؟؟ وش عندش؟؟
وسمية بذات الوجع الشفاف: بس عمره ما حبني.. من يوم خذته ولين الحين.. وظني لين يموت وهو قلبه لها
حـــيــنــهـــا
لم تستطع وسمية التماسك.. سالت دمعة طال أمد حبسها
دمعة جرحت عفراء حتى النخاع.. قبل أن تنزل سهما من لهيب في روح وسمية المثقلة..
عفراء باستنكار: اللي قال لش ذا الكلام كذاب.. يبي يخرب عليش.. أبو كساب مستحيل يكون يحب وحدة عليش
وسمية مسحت دمعتها الخائنة وهمست بسخرية مرة.. سخرية امرأة مجروحة تريد أن تسخر من نفسها كما سخرت منها وبها الحياة:
ولو كان زايد هو اللي قال لي بنفسه.. يكون كذاب بعد..
حينها شعرت عفراء بفتور في عظامها.. وضعت كفيها فوق رأسها وخبئت وجهها بين ركبتيها وهمست بصوت مبحوح: مستحيل أبو كساب يجرحش كذا.. مستحيل يسويها
لا تقولين إن أبو كساب كان قاسي وقذر لذا الدرجة معش..
تكفين لا تكسرين صورته الكبيرة في عيني..
ابتسمت وسمية بألم وهي تمسح رأس عفراء بحنو: زايد كبير وطول عمره كبير
زايد بنفسه ما يدري إني أدري
عفراء رفعت رأسها لتظهر عينيها المحمرتين وهمست بدهشة: أجل أشلون هو اللي قال لش؟؟
وسمية بوجع مستشر وكلماتها تمزق روحها.. أحرفها سكاكين تنغرز في حنجرتها.. وكأنها تبصق دما وألما مع عبراتها المسكوبة:
يناديها يا عفرا.. كل ليلة يناديها.. ليتش تسمعينه بس أشلون يدعيها
يون ياعفرا يون !!! اسمها كله ونين.. يشرق باسمها وهو راقد
وأنا يا عفرا أكثر الليالي يحرم علي النوم.. أشلون أنام وأنا ادري إني نايمة جنبه لكن هي نايمة في قلبه ومتلحفة بروحه
عشان كذا أطق لغرف عيالي .. إذا صحا من نومه وما لقاني.. جا يدورني
أموت وهو يهمس لي بعتب: (يعني معقول النومة جنبي تضايق لذا الدرجة!! كل ليلة على ذا الموال)
أدور ألف عذر.. إلا السبب الحقيقي.. ماحبيت أصغره في عين نفسه.. وحبيت أخدع نفسي إنه كفاية علي حبه وهو صاحي..
عفراء بصدمة كاسحة وغضب مكتوم: أشلون استحملتي؟؟ أشلون؟؟ أشلون ما انفجرتي فيه وعليه؟؟
وسمية بألم متحذر: وأيش راح أستفيد؟؟ الحين زايد مخبي مشاعره علي.. وعلى الأقل يمثل إنه يحبني.. وأنا مستمتعة بذا التمثيلية!!
لكن لو قلت له إني عرفت.. شي حلو بيني وبينه بينكسر
أنا أحب زايد ياعفراء فوق ما تتخيلين.. مستحيل أجرحه بذا الطريقة!!
عفراء بغيظ: والشيخة ست الحسن وش اسمها.. جعل ربي يمحى اسمها من الدنيا
وسمية بألم: لا تدعين.. واسمها مستحيل أقوله لأحد..
عفراء بذات الغيظ: زين نعرفها؟؟.. من جماعتنا؟؟.. من بعيد؟؟
وسمية بوجع: اسمها منتشر واجد عند جماعتنا.. لكن أني أعرف من هي بالضبط.. لا ما أعرف..
ثم أردفت بوجع أعمق: تدرين عفراء صرت أشوف في كل وحدة شايلة اسمها غريمتي
عفراء باستجداء غاضب: تكفين وسمية قولي اسمها.. ودي أفلع وجه كل وحدة بذا الأسم
وسمية بألم تجذر في روحها منذ سنوات وسنوات: اسمها بيروح معي لقبري.. وبيقعد في قلب زايد حتى بعد ما أروح
"ماذا تريدين أن أقول لكِ يا عفراء؟؟ ماذا أقول؟؟
هل أخبرك أي امراة خانعة أنا؟؟
هل أخبركِ أني امراة بلا كرامة اكتفت بفتات مشاعر زايد التي منحها لي تكرماً؟!!
هل أخبركِ كيف أذلني حب زايد حتى رضيت أن يسمي ابنتي باسم قريب من اسم حبيبته دون أن أعترض أو اشتكي حتى؟؟
هل أخبركِ أي ألم متوحش أشعر به حين يحتضنها ويهمس باسمها مُصغرا
وأنا أعلم أن ذات اسم الدلال هذا قد يكون ناغى به حبيبته آلاف المرات
ستعلمين حينها لماذا أكره أن ينادي أحدا ابنتي باسم تدليل؟؟
أشعر أن أي اسم تدليل سيقود إلى تلك الآخرى اللعينة
سيوقظ الذكرى التي ما أنطفأت يوما من قلب زايد
وأي ذكرى يا عفراء؟؟ وأي ذكرى؟؟
مرت السنوات وأنا أذوي وأذوي.. أزعم أن الأيام ستنسيه إياها
لكن الأيام والأشهر والسنوات مرت وهو لم ينساها
اثني عشر عاما مرت.. مافتر لسانه يوما واحدا عن مناداتها
أي أفعى هذه التي غرست نابيها المسمومين في قلبه ليتنشر سمها في كل خلاياه وشرايينه بهذه الطريقة؟!!
آه يا عفراء آه.. وألف آه"
*****************************
اليوم التالي
صبيحة سبت
وجمر تحت الرماد!!
غرفة وضحى
كانت وضحى تنهي للتو صلاة الضحى وشرعت في ارتداء ملابسها للنزول للأسفل
طرقات حازمة على الباب
همست بهدوء: دقيقة ياللي عند الباب
أنهت ارتداء ثيابها ثم فتحت.. ابتسمت ابتسامة شاسعة وهي ترا الطارق
تعلقت بعنقه وهي تهمس بمرح: أنزل شوي يالزرافة خلني أحبك
انحنى مُهاب قليلا ليقرب خده منها بينما همست وضحى بترحيب دافئ:
الحمدلله على السلامة.. 3 أيام في رحلة وحدة.. طولت علينا
مُهاب يتجاوزها ليجلس على سريرها وهو يهمس بهدوء حنون: عشان الرحلة هذي كانت تدشين لخط جديد قعدنا شوي في مكتبنا الجديد
ثم أردف بنبرة مقصودة: وأخرتني ذا الرحلة شوي عن موضوع مهم
هزت وضحى كفتيها وهي تجلس جواره متسائلة: خير إن شاء الله
مُهاب بابتسامة: خطاطيب لش
قفزت وضحى كالملدوغة وهي تتجه للنافذة وتنظر للخارج بتوتر في محاولة لمداراة خجلها وتوترها
اقترب منها مُهاب ليضع كفه على كتفها بحنان: طالعيني وضحى..
استدارت وضحى دون أن تستطيع رفع نظرها إليه.. شدها مُهاب ليعاودان الجلوس وهمس لها بهدوء: اسمعيني.. أنا تو قلت لأمي.. بس حبيت أكلمش بنفسي وأسمع منش
وترا عبدالرحمن بن فاضل ما ينرد
شهقت وضحى بعنف والاسم يخترق طبلة أذنها والأحرف تخرج مبعثرة مبتورة من بين شفتيها اللتين انخطف لونهما فجأة:
مـ ـن ؟؟ عـ عـ بـ د الرحمن؟؟ ولـ ـد عـ ـمـ ـتـ ـي ؟؟
ثم تنهدت بعمق وآلالاف الأفكار تضرب في رأسها كمطارق مجنونة..
لتقف بعدها وتبتعد وتهمس بنبرة متوترة مضطربة موغلة في حزن غير مفهوم:
ويومن إنه ماينرد.. ليه ردته أختك بدل المرة عشر؟؟
مُهاب وصل لمربط الفرس الذي كان يخشاه.. لكنه تنهد وهو يجيب بثقة: هذاك موضوع وهذا موضوع
حينها انفجرت وضحى بشكل مفاجئ غير مسبوق وغير متوقع: لا.. هم موضوع واحد
ثم أردفت بحزن مرير وغضب عميق: ويا ترى أنت اللي عرضتني عليه تعويض له عن وجهه اللي طاح من كثر ماخطب كاسرة وردته؟؟
أو هو اللي خطبني بعد ما يأس من كاسرة.. وقال يالله ماحصلت لنا الزينة نأخذ أختها الشينة.. عشان يحر كاسرة؟؟
مُهاب تغير لون وجهه وبدا أنه يعاني غضبا يحاول كتمه: عيب عليش ذا الكلام يا وضحى
وضحى تنتفض بعنف وتوشك على البكاء: إلا عيب عليك أنت ياولد أمي.. ترخصني كذا.. وترميني ذا الرمية
آسفة امهاب.. وقول لعبدالرحمن: ماعندنا بنات للعرس..
وأعتقد عادي عنده.. تعود على الرفض.. ما أعتقد أنه بيأثر فيه عقب كفوف كاسرة له
انتفض مُهاب.. أي مصيبة جلبها لنفسه.. لم يخطر له ولا حتى للحظة أن وضحى قد ترفض عبدالرحمن.. كيف يرد عبدالرحمن وهو من عرضها عليه
صرخ مُهاب من بين أسنانه: مهوب على كيفش تصغريني قدام الرجّال.. بتأخذينه يعني بتأخذينه
حينها انهارت وضحى في البكاء وهي تصرخ بين عويلها: إيه أنا اغصبني.. لأني الطوفة الهبيطة في ذا البيت.. الكل يدوس على رقبتي
لكن كاسرة ما تقدر عليها.. سوو روحك الحين رجال علي واغصبني..
وليش ماغصبت كاسرة عليه.. يومن أنك رجال ما تبي شيء يصغرك قدام الرياجيل
رجّال علي أنا بس...
أوقف سيل كلماتها............. صفعة قوية ألقتها على السرير..
انتهت الصفعة والجميع وقفوا في ذهول..
مُهاب يحاول ألا ينظر إليها.. لأول مرة يفعلها ويمد يده على إحدى شقيقاته.. وتكون وضحى بالذات!! وضحى؟!!
كاسرة استحقت الصفع مئات المرات ولم يصفعها... بينما هذه المسكينة لأول مرة تعبر عن رأيها وتصرخ.. فيكون احتوائه لثورتها : صفعة
في ذات وقت الصفعة وصل الجمهور.. مزنة وكاسرة وصلتا ركضا على صراخ وضحى غير المعتاد.. ليفجعا بالمنظر
مزنة بقيت واقفة غير مستوعبة.. بينما كاسرة انفجرت بانفعال وهي تقف أمام مُهاب:
أشلون تتجرأ وتمد يدك عليها.. شايفها بهيمة.. بالطقاق بعبدالرحمن... هو العرس بالغصب
فكان رده عليها كذلك صفعة ألقتها في حضن شقيقتها..
يا لغرابة البشر..؟!!
منذ صفع وضحى وهو يشعر أن تكفيره عن صفعته لها هو صفعة لمن تسببت بكل ذلك.. لكاسرة
وهاهي أتته بقدميها.. ربما كان ليصفعها بدون سبب.. ولكنها قدمت له السبب مهما كان واهيا
مُهاب لم يسمح لهن بالمزيد.. يريد استغلال ذهول والدته قبل أن تنفجر هي الأخرى
فانفجار والدته سيكون شيئا مرعبا هو غير مستعد له الآن مع كل هذا الندم والألم في روحه
خرج.. ليتنفس... فهو يشعر أنه على وشك الانفجار من الغيظ والغضب.. من نفسه.. قبل أي شيء!!
***************************
مجلس زايد آل كسّاب
الصباح الباكر
علي يجلس مع والده والإرهاق باد على محياه لأبعد حد.. لم ينم مطلقا منذ يومين.. جسده يكاد ينهار من التعب.. وعقله من التفكير
يهمس بغموض: يبه متى بنملك؟؟
زايد بنبرة غامضة مقصودة: ملكة كذا على طول؟؟
علي باستغراب: وش نتنى؟؟ خالتي وموافقة.. وسفر جميلة بكرة
ومن البارحة ماعاد عطوها منوم عشان تكون واعية.
زايد ينظر له بنظرة مباشرة: وجميلة مالها أهل نرد لهم الشور؟؟
علي قفز بغضب: عسى تبي تكلم ولد أخ عمي خليفة الله يرحمه؟؟
زايد نظر له بغضب وهمس له بحدة: اقعد ياولد.. واحشم أبيك..
ثم أردف بثقة: وأكيد لازم أشور أحمد.. هذا ولد عمها.. واللي باقي من أهل أبيها
علي بغضب عميق وضيق أعمق: الحين صاروا أهلها.. وينهم ذا السنين كلها؟؟!!
زايد بصرامة: لا تظلم الناس يا أبيك.. أحمد طول عمره واصل.. وعلى طول ينشد عن جميلة.. وقبل توفى مرته كانت دايما تزور عفرا
بس الحين ماعاد إلا هو وعياله الثلاثة.. تبيه يعني يقول خلوني أشوفها وهو مهوب حلال لها؟؟
ثم أردف بحنين عميق مؤلم وبهمس خافت: مافي طرف خليفة قاطع
علي يحاول تجاوز ضيقه المتزايد بصورة غريبة.. فهو منذ وطئت قدماه الدوحة وشعور قلق مستنزف يجتاحه: يبه كذا بنتأخر في الموضوع!!
زايد بهدوء وهو يتناول فنجان قهوته من المقهوي الذي يقف بدلة الرسلان: لا متأخرين ولا شيء..
أنا من البارحة أصلا كلمت أحمد.. وبنروح له في بيته بعد شوي
**************************
في غرفته يجلس
يشعر كما لو أن هموم الأرض كلها تجمعت لتتزاحم فوق كتفيه
مشوش التفكير.. لأول مرة يشعر أنه عاجز عن التصرف المنطقي أو المناسب
وأكثر ما يؤلمه...... وضحى
كيف امتدت يده الضخمة لخدها الرقيق..
هذه النسمة الرقيقة التي اعتادت أن تمر مر السحاب الهادئ..
لا يريد إجبارها على شيء.. ولكن في ذات الوقت يستحيل أن يخبر عبدالرحمن برفضها
أن ترفضه الشقيقتان على التوالي.. أمر لا يمكن احتماله
لا يمكن أن يضع عبدالرحمن في هذا الموقف
بل يستحيل أن يعرضه لهذه الإهانة!!!
وآخر آخر آخر ماكان ينقصه في فوضى التفكير هذا.. هذا الإعصار الذي اقتحم غرفته!!
" أنت أشلون تجرأ وتمد يدك علي؟!!
يعني عشان اسمك أخينا الكبير شايف لنفسك ذا الحق؟!!
وإلا يمكن عشان عارف إنه ماحد يقدر يوقف في وجهك
ماورانا حد يردك لا تفرعنت علينا
جدي وإلا تميم؟!!
بس لا يا امهاب.. لا.. وأظني إنك تعرف كاسرة من هي
أنا ما أبي لي ظهر رجّال أتحامى فيه..
وأقدر أوقف في وجهك.. وأحمي نفسي وأحمي أختي
وضحى مستحيل أخليك تجبرها على شيء هي ما تبيه لو على قص ربي
مُهاب يقف بحدة مرعبة ولون وجهه ينقلب من الغضب
ولكن كاسرة لا تتأخر حتى خطوة وهي تقف أمامه بكل برود
مُهاب يمسك كفيه ورا ظهره حتى لا يتهور للمرة الثانية
ويهمس من بين أسنانه التي تكاد تتكسر لشدة ضغطه عليها: هذي أخرتها ياكاسرة.. تطولين لسانش على أخيش الكبير؟!!
كاسرة انهدي الله يهد عدوينش
ترا شياطين الدنيا كلها تنطط قدامي.. فروحي إذلفي واتقي شري
كاسرة تقترب خطوة بعد وتهمس ببرود مستفز: ماني برايحة.. ورني وش تبي تسوي؟؟
مُهاب يزفر بحرارة محرقة كحرارة غضبه المستعر.. وهو يفتح كفيه ويغلقهما..
كم كان نادما على صفعها.. ولكنه يود الآن لو يصفعها مئة مرة
وحتى يتقي شر نفسه.. تراجع ليتناول غترته الملقاة على السرير.. ويخرج
بينما تعالى صراخ كاسرة ورائه: علمن ياصلك ويتعداك.. ترا وضحى مهيب ماخذة عبدالرحمن.. وماعاش من يغصبها على شيء
**************************
مقهى لاميزون النجار
شارع سلوى
في زواية الطابق السفلي يجلسان يرتشفان قهوتيهما
يهمس أكبرهما: وش عندك كسّاب؟؟ أعرفك ذا الوقت في شركتك؟؟
كسّاب بهدوء متوتر: ما أدري وش فيني ياعمي.. متوتر من موضوع علي..
يبتسم منصور: يعني عشان إخيك الصغير بيعرس قبلك؟!!
كسّاب باستنكار مستاء: وش ذا الكلام ؟؟ أنا متوتر من تأخير الموضوع
أنا وعلي كنا متفقين إنه يتملك اليوم الصبح بدري.. عشان سفرهم بكرة
بس أبي طلع بسالفة إنه لازم يشور أحمد ولد عم جميلة
يعني لا هو وكيل البنت.. ولا له حكم عليها..
وش له هالشكليات اللي مالها داعي.. يأخر علي من غير سبب
منصور بنبرة لا يعرف هل هي غيرة أم حنين: خليفة وهله عند أبيك غير
ثم أردف وهو ينفض رأسه: بعدين أنا أعرف أحمد.. رجّال أجودي وفيه خير
وما أعتقد إنه بيأخرهم
وخصوصا إنه دايم يقول جميلة بنتكم..
كسّاب بذات التوتر الذي لا يزول: الله يجيب الخير
*****************************
بيت فاضل بن عبدالرحمن
صالة البيت السفلية حيث تجلس جوزاء تطعم ابنها فطوره
تنزل شعاع وهي تقفز الدرج قفزا
لتقفز بجوار جوزاء وهي تهمس في أذنها بحماس وبصوت خافت: ماسمعتي أخر الأخبار؟؟؟
جوزاء بغضب لطيف: مفلوجة أنتي؟!! سلمي.. واقعدي مثل الأوادم مهوب القرود
شعاع تدعي الغضب: أجل موتي حرة.. ماني بقايلة لش شيء
جوزاء تهز كتفيها وتعود لإطعام صغيرها: عادي.. أخرتش بتقولين بتقولين
لأنش بتموتين لو ما قلتي
شعاع تشد الصغير وتهمس بحماس: هاتي حسّون أنا بأأكله..
جوزاء تترك حسن الصغير مع خالته وتسند ظهرها للكنب وهي تنظر بشبح ابتسامة لتعابير وجه أختها الصغيرة..كيف تلمع عيناها وتعض شفتيها
بعد مرور دقيقة همست جوزاء بخبث: نضجتي وإلا بعد؟؟
شعاع تضع الطبق والملعقة على الطاولة الصغيرة أمامها وتلف كامل جسدها ناحية أختها: مشكلتش عارفتني.. أنا اشهد أني نضجت ونضجت
خذي القنبلة
ثم صمتت لثانية وهمست بنبرة الأخبار المهمة: عبدالرحمن خطب وضحى
كانت وقتها جوزاء تعاود تناول الصحن وهي تشد ابنها ناحيتها.. فسقط الطبق من يدها وعيناها تتوسعان وهي تهمس بصدمة: من جدش؟؟
شعاع بجدية: ذا المواضيع فيها مزح؟؟
جوزاء تعاود التماسك ثم تهمس بثقة: وضحى أحسن بواجد من أختها المعقدة المغرورة.. الله يوفقهم
شعاع بحماس بريء: بس يعني ما أثار فضولش تغيير عبدالرحمن لرأيه..
لين الأسبوع اللي فات وهو يقول إنه بيرجع يخطب كاسرة لو رفضت الخاطب الجديد
جوزاء تعاود إطعام الصغير الذي بدأ يرفض الطعام بإصرار رغم محاولات جوزاء المتكررة
وتهمس بهدوء لا يخلو من نبرة تشفي: الحمدلله إنه عقل.. لو كان خذ كاسرة كان جننته
***************************
منطقة الدحيل
بيت أحمد بن جاسم.. ابن شقيق خليفة
في مجلسه
حيث يجلس هو و زايد وعلي وأبنائه الثلاثة الذين أصر على تواجدهم جميعا تقديرا لزايد الذي يحترمه كثيرا
علي يجلس بهدوء وثقة ولكن تفكير مر يجتاح أعماقه كاعصار كاسح أبعد مايكون عن هدوءه الظاهري..
قلق متوحش يلتهم خلاياه التهاما.. يشعر أن جميلة تتحول إلى إلى طيف يرتحل ويتركه
لا يعلم لماذا يسيطر على تفكيره هذا الهاجس المؤلم الذي شعر به يذيب داخله ألما!!
جميلة..حلمه الشفاف يرتحل كحمامة حلقت للأفق البعيد.. واختفت!!
أ كثير عليه أن ينظر لمحياها العذب ولو لمرة..؟!!
أ يعقل أنها ستموت قبل أن تكون له؟!!
ترحل قبل أن يطبع على عينيها الذابلتين قبلة حلم كثيرا بها دون أن يعرف سببا لهذا الحلم!!
انتزعه من أحلامه وخيالاته والده وهو يضع يده على فخذه ويقول بنبرة احترام: ها يا أبو جاسم.. وش رأيك؟؟
أحمد باحترام متزايد: ياي تخطب بنتك يأبو كسّاب؟!!.. أنت بس كان عطيتني موعد الملكة وأنا بأيي أشهد على عقد ولدي علي
تنهد علي بعمق وهو يأخذ نفسا طويلا يعوضه عن أنفاسه المكتومة منذ الصباح
اتسعت ابتسامته بارتياح بعد شد الإعصاب المضني الحارق..
ولكن ابتسامته سُرعان ما نُحرت في مهدها وهو يسمع صوت حازم يقف ليهمس معارضا بنبرة مقصودة:
من غير تقليل احترام لك يبه ولا لعمي أبو كسّاب
بس عمي أبوكسّاب ريال بدوي وهذي عاداتهم اللي مايفرطون فيها لو مهما صار
ويعرف عدل إن ولد العم أحق ببنت عمه
وأعتقد إني أنا الأحق ببنت عمي خليفة
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الخامس 5 - بقلم HaboOoshy
منطقة الدحيل
بيت أحمد بن جاسم.. ابن شقيق خليفة
في مجلسه
حيث يجلس هو و زايد وعلي وأبنائه الثلاثة الذين أصر على تواجدهم جميعا تقديرا لزايد الذي يحترمه كثيرا
علي يجلس بهدوء وثقة ولكن تفكير مر يجتاح أعماقه كاعصار كاسح أبعد مايكون عن هدوءه الظاهري..
قلق متوحش يلتهم خلاياه التهاما.. يشعر أن جميلة تتحول إلى إلى طيف يرتحل ويتركه
لا يعلم لماذا يسيطر على تفكيره هذا الهاجس المؤلم الذي شعر به يذيب داخله ألما!!
جميلة..حلمه الشفاف يرتحل كحمامة حلقت للأفق البعيد.. واختفت!!
أ كثير عليه أن ينظر لمحياها العذب ولو لمرة..؟!!
أ يعقل أنها ستموت قبل أن تكون له؟!!
ترحل قبل أن يطبع على عينيها الذابلتين قبلة حلم كثيرا بها دون أن يعرف سببا لهذا الحلم!!
انتزعه من أحلامه وخيالاته والده وهو يضع يده على فخذه ويقول بنبرة احترام: ها يا أبو جاسم.. وش رأيك؟؟
أحمد باحترام متزايد: ياي تخطب بنتك يأبو كسّاب؟!!.. أنت بس كان عطيتني موعد الملكة وأنا بأيي أشهد على عقد ولدي علي
تنهد علي بعمق وهو يأخذ نفسا طويلا يعوضه عن أنفاسه المكتومة منذ الصباح
اتسعت ابتسامته بارتياح بعد شد الإعصاب المضني الحارق..
ولكن ابتسامته سُرعان ما نُحرت في مهدها وهو يسمع صوت حازم يقف ليهمس معارضا بنبرة مقصودة:
من غير تقليل احترام لك يبه ولا لعمي أبو كسّاب
بس عمي أبوكسّاب ريال بدوي وهذي عاداتهم اللي مايفرطون فيها لو مهما صار
ويعرف عدل إن ولد العم أحق ببنت عمه
وأعتقد إني أنا الأحق ببنت عمي خليفة
علي قفز وهو يتخذ وضعية وقوف أشبه بوضعية قتالية
وهو يلتفت لأبن أحمد الأوسط الذي كان يقف بكل ثقة بعد أن ألقى عبارته المسمومة
ليصرخ فيه بغضب كاسح: نعم؟؟ شتقول أنت؟؟ صاحي أنت يأخ وإلا........
علي كتم باقي جملته في صدره..صمت على جمرة ملتهمة شعر بها تحرق لسانه وتنشر الحرائق في جوفه..
صمت انتظارا لرد والده واحتراما لأبي جاسم الذي صرخ في ابنه بغضب:
خـــلــيــفــة..
اقعد لا بارك الله فيك من ولد
تبي تفشلني في الرياييل؟؟
خليفة مازال واقفا وهو يهمس بثقة: أنا ما قلت شيء غلط.. تكلمت في حق
وأظني إنه عمي أبو كسّاب عارف هالشيء
لا يعلم خليفة أي جنون خطر بباله..
شعر بإهانة مبطنة في هذه الخطبة.. ثم من رد والده
وكأن زايد وابنه حينما جاءا للخطبة كان ذلك تحصيل حاصل
لأنهما جهزا لعقد القران قبلها.. وكأنهما يسلبانه حقه ليمنحوه لأنفسهم
أليسوا هؤلاء البدو الأجلاف هم من سنو هذه العادة المرذولة؟؟
ألم يُطرد قبل شهرين شر طردة حين تجرأ وخطب أخت صديقه البدوي
ليقف ابن عمها في وجهه في مجلس مليء بالرجال
ويجعله يشعر بالحقارة والضآلة وعمق الإهانة
"ربما اليوم يريد الله أن يعيد لي بعضا من كرامتي المهدورة
سأفعل مثلهم.. نعم مثلهم!!"
همس زايد بثقة: حقك ياولدي.. بنت عمك وأنت أولى بها
بس جميلة حالة خاصة.. جميلة تعبانة في المستشفى وسفرها بكرة
بنخير البنت بينك وبين علي
"الخبيث.. يعلم أنها ستختار ابنه
فهي لا تعرفني
يريد أن تمشي اللعبة وفق قواعده"
همس خليفة بذات الثقة الغريبة: بس أكلمها أول.. هي ما تعرفني..
عشان يكون فيه عدالة بيني وبين ولدك
أبي أكلم جميلة أول..
وعقب هي تختار.. واللي تختاره أنا موافق عليه
وجه علي كان يحتقن من شدة الغضب وهو يود لو يخنق هذا المسمى خليفة ويزهق روحه..
كيف يتجرأ على ما ليس له؟؟
كيف يجرؤ على مجرد الحلم بأن يكلمها؟؟
كيف يجرؤ على التفكير بالاقتراب من حدود طفلته.. طفلته هو فقط؟!
ولكن علي مازال يعتصم بأخلاقه الرفيعة وسيطرته على أعصابه حتى لا ينفجر.. فهو في مجلسهم وبيتهم
وعلي متيقن أن والده لن يخذله ولن يسمح لهذا الدخيل بالتمادي أكثر من هذا..
لذا شعر أنه يُنحر من الوريد للوريد وللمرة الثانية في هذا المجلس وهو يسمع رد والده الواثق:
تعال للمستشفى عقب صلاة الظهر وأخليك تكلمها
*************************
مقهى لا ميزون النجار
حيث يجلس كسّاب ومنصور
كسّاب أنهى اتصالا غاضبا.. كان يحاول أن يكتم صوته ولكنه يشك أن صوته ربما وصل حتى آخر زبون في المقهى..
وهاهو يقفز ليتناول هاتفه الآخر ومفاتيح سيارته عن الطاولة
ومنصور يقف معه وهو يهمس بحزم: وش قال لك إبيك؟؟
كسّاب بغضب ناري وعيناه تكادان تنقلبان غضبا: ولد أحمد قرّع (حيّر) جميلة.. وإبي رخّص له.. لا وبيخليه يكلمها بعد
وعلي طلع زعلان.. وإبي يقول لي دور له لأنه يتصل عليه وجواله مسكر
منصور بنبرة غامضة حازمة ومقصودة.. مقصودة جدا : روح دور لأخيك وطيب خاطره
وأنا بعد بأروح أدور أخي ..بيننا كلام
*************************
محل حواسيب ضخم وأنيق...محل تميم
الساعة العاشرة صباحا
صبيتان تتوقفان أمام المحل.. وإحداهما تحمل حقيبة حاسوب محمول..
- هذا هو المحل.. إذا حد بيصلح لج جهازج ويرجع الملفات الضايعة يكون هالولد.. عبقري كمبيوترات
- قطري؟؟؟ ويشتغل بنفسه في المحل؟؟ (بدهشة عميقة وهي تنظر من بعيد لتميم المستغرق في تفكيك جهاز أمامه)
- إيه قطري..
- بس ماقلتي لي مزيون جذيه.. نعنبو مصلح كمبيوترات وإلا بطل سينما
- اذكري الله.. وتراه مسكين ما يسمع كلش ولا يتكلم
- (انتقلت النبرة من النقيض للنقيض من الانبهار العميق إلى الشفقة العميقة) : ياحراااااااام.. مسكين والله
أحد العاملين في المحل ينتبه لدخول الفتاتين.. يهز كتف تميم برفق ليستقبلهما
لأن تميم حين يعمل يكون كل تركيزه في الجهاز بين يديه
رحب بالفتاتين بهزة من راسه.. ثم أعطاهما ورقة كُتب فيها
" ماهي مشكلة جهازك؟؟ حدد بشكل واضح ودقيق"
الفتاة كانت تكتب قليلا.. وتسترق النظر من قرب لوجه تميم الذي كان غاضا لبصره عنهما
حالما انتهت.. قرأ تميم الورقة على عجالة.. ثم كتب في أسفلها: الاستلام غدا..
همست الفتاة بدهشة: بكرة بكرة..
ثم تذكرت وهي تشير بيدها بطريقة فاشلة ومضحكة علامة للدلالة على غدا
ابتسم تميم وهو يهز رأسه
الأخرى شدتها وهي تلقي التحية.. ثم تهمس في أذنها: يالله فضحتينا.. خلينا نمشي
الأولى بدهشة: ليه وش سويت؟؟
الآخرى بغيظ: كلتي تميم بعيونج.. استحي يابنت..
الأولى بحالمية : واسمه تميم بعد.. حتى اسمه يجنن مثله
ولكنها عادت وأردفت بشفقة أعمق.. شفقة صافية.. وكأنها استكثرت عليه إعجابها به: والله حرام كل ذا الذكاء والوسامة وأصم أبكم
تدرين كل مهندسين الكبيوترات اللي جيتهم قالوا لي لازم فورمات جديدة وتروح كل ملفاتي..وعلى الأقل يومين لثلاث أيام من ضغط الشغل عليهم..
إلا هو.. ماشاء الله تبارك الله
******************************
مستشفى حمد
قبل صلاة الظهر بساعة
بقرب المصاعد.. استراحة الطابق الذي تقيم فيه جميلة
زايد قرر التوجه للمستشفى مع هذا التوتر الذي يعصف به
لا يعلم أين ذهب علي ويكاد يتناثر قلقا عليه وحزنا من أجله
يكاد يختنق وروحه تتمزق وهو يعلم أي جرح تسبب فيه لعلي
يجره غصبا عنه لبيت أحمد وهو يظن أنه يعرضه لإجراء شكلي سينتهي في دقائق
ليتحول الإجراء الشكلي لمأساة!!!
ثم بعد ذلك يخذله بهذه الطريقة الموجعة.. كان يستطيع رفض طلب خليفة.. وإتمام عقد القران كما أراد..
فأحمد كان يقف بصفه حتى اللحظة الأخيرة.. عدا أن جميلة مريضة جدا وعذره معه.. فهي ليست في وضع يسمح لها بهذا العبث
وخصوصا أن هذا الخليفة لا يعرفها حتى.. ورفضه لن يؤثر عليه.. بينما علي شيء آخر.. آخر
يمزقه كيف كسّره وكبح جماح عنفوانه الثائر وهو يكاد يطبق في عنق خليفة:
"تبي تكلمها يا الخسيس.. تبي تكلمها؟!!..
بأذبحك قبل ما تفكر تقرب من المكان اللي هي فيه
أشلون تجرأ على محارمنا يالخسيس؟!!"
لينتزعه والده بعيدا عنه وهو يصرخ بحزم: إذا هي محارمك.. فهي محارم خليفة أكثر منك..
أنا قلت له خلاص بيكلمها.. وإلا تبي تكسر كلمتي ياولد؟!!
لينظر حينها علي لوالده نظرة أشبه ما تكون بنظرة ميت غادر الحياة..
ثم تتشتعل عيناه بنظرة أخرى وينفجر بعدها في صخب مرعب: اشبع فيه .. بديته عليّ... خلاص أشبع فيه يبه.. عليك وعليه بالعافية..
وهاهو ما حدث قد حدث .. لم يستطع رد طلب (سمي) خليفة.. وهاهو في انتظار خليفة ابن أحمد ليقوم بحواره المجهول مع جميلة
لو كان هذا الطلب طُلب من زايد في ظروف عادية
أو ربما لو كان من طلبه ليس من طرف خليفة
لم يكن زايد مطلقا ليسمح أن يخدش أي شخص كان خصوصية صغيرته المريضة
فأي يوم عصيب هذا؟؟
كيف ساءت كل الأمور فجأة لتتجمع كل هذه المصائب فوق رأسه سويا؟!
وما كان ينقصه مع كل هذا الشد هو إصرار منصور على رؤيته..
وهاهو قادم الآن!!
منصور بالذات لا يريد أن يراه الآن..
فهو في غنى عن صرامة كلمات منصور التي يعرف كيف ينتقيها باحتراف موجع حين يريد..
وهاهو ما يخشاه :
" مبسوط يا زايد؟!!
أكيد مبسوط؟!!
متشقق من الوناسة؟!!
فرحان إنك بديت ولد ولد إخ خليفة على ولدك اليوم
مثل ما بديت خليفة على أخيك قبل عشرين سنة..!!!"
**************************
قبل 23 عاما
بيت زايد القديم
مقلط البيت
يدخل زايد للمقلط ليجد منصور جالسا فيه...يتغير وجه زايد وهو يلقي السلام عليه
بينما يقفز منصور ليقبل رأس أخيه الكبير باحترام بالغ..
يهمس زايد بحزم: وش مقعدك هنا؟؟
منصور بحرج عميق وهو يتلفت عن يمينه ويساره: فيه شيء يابو كسّاب؟؟
أبي أطلع للكلية
وما لقيت لي بدلة مكوية.. وأنت عارف وش يسوون فينا لو لقوا في اللبس كسرة وحدة
جبت بدلتي تكويها أم كسّاب لي.. وقاعد أنتظرها
زايد بحزم: من اليوم بأخلي عند صبي المجلس كواية هو في اللي بيكوي لك
ويحطها في ملحقك
لا تنسى البيت الحين فيه بنية تستحي منك
منصور باستنكار: أي بنية ؟؟ عفيرا؟؟؟
ماعاد إلا عفيرا البزر تستحي!!
زايد بذات الحزم: عفرا صارت مرة.. أنا الحين ما أدخل البيت إلا عقب ما أنبه عليهم كم مرة قبل أدخل
منصور بذات الاستنكار وبصوت خافت: عفيرا البزر!!!
حينها دخلت أم كسّاب ببرقعها وهي تلتف بجلالها الواسع وتحمل بدلة منصور العسكرية بيد وابنها كسّاب يمسك بيدها الآخرى
ما أن ناولت منصور لباسه العسكري حتى خرج مسرعا
بينما أم كسّاب ترجوه أن يجلس ليشرب القهوة مع أخيه
منصور يخرج كهارب مدحور وهو يهمس بحرج: مشروبة يام كسّاب.. مشروبة
وسمية بتساءل وهي تجلس بجوار زايد وتضع يدها فوق يده: وش فيه منصور؟؟
زايد بغضب حازم: منصور لا عاد يدخل داخل البيت أبد
وإذا أنا ما أنا بموجود أكله ولبسه يجيه في ملحقه
وسمية قفزت وهي تنفض يدها.. أشارت لكسّاب أن يتوجه للداخل.. ثم همست بغضب مكتوم: هذي أخرتها يا أبو كسّاب..
منصور من تزوجتك وأنا والله ما أشوفه إلا إخي الصغير
هذي أخرتها؟!!
زايد بابتسامة وهو يشد يدها ليجلسها جواره مرة أخرى: وين راح مخش يا بنت الحلال
أفا عليش يا الغالية.. أشك في روحي ولا أشك فيش
بس لا تنسين إن عفرا كبرت.. ومنصور صبي مزيون.. ومايصير نخلي النار جنب الكبريت
والاثنين مسئولين منا
"لم تكن مطلقا مطلقا مــطـــلـــقـــا في تفكيري
كان هو من وضعها في ذهني..
من يومها وجه تفكيري ناحيتها..
ربما لو لم يكلمني ذلك اليوم.. لربما بقيت دالهاً في حياتي دون أي انتباه لها
فما الذي سيجعل شاب في العشرين ينتبه لطفلة في الرابعة عشرة
كانت بالنسبة لي كمخلوق غير موجود إطلاقا
ولكن زايد بتحذيره ذاك جعل مشاعري كلها تتحفز ناحيتها
كأن يكون أمامك قطعة حلوى
ولكنك لا تريد حلوى ولا تشتهيها
لذا لا تنتبه حتى لوجود هذه الحلوى
ثم يأتيك من يقول لك: إياك أن تقترب من قطعة الحلوى هذه
حينها ما الذي سيحدث؟!!!
ستصبح هذه الحلوى هي بؤرة تفكيرك مهما حاولت ادعاء تجاهلها!!
كم قضيت ليالي طويلة مع الأرق أسترق النظر عبر النوافذ علني أرى خيالها
أقف مصلوبا خلف الستائر حتى تتصلب قدماي
وكأنه لا يكفيني تمارين العسكرية.. لتصبح هي تمريني الأقسى!!
كم رسمت أحلاما كانت هي أميرتها!!
وأمنيات بدأت بها وانتهت إليها!!
وابتسامات كانت تتأجج لمجرد ذكراها!!
بدأت أعيد تشكيل هيئتها في ذهني..
رسمت لها عشرات الصور.. وألبستها وجه كل أمرأة جميلة كنت أراها
استنزفت خيالي ومشاعري
لا أعلم هل أحببتها.. أم أحببت مجرد كونها رمزا لأحلامي؟!!
ولكنها يقينا كانت أمنية ثمينة سلبها زايد مني ليهبها لصديقه
فلماذا يُسكنها ذاكرتي ومشاعري وخلاياي إن كان من سيحرمني منها؟!!
وكما فعل معي.. فعل مع علي
كان من ترك جميلة أمامه.. ورفض إنفراد عفراء بسكن لوحدها
وحين سكنت تلك الصغيرة خيال علي
انتزعها ليهبها لرائحة خليفة
وكأن التعاسة مصيرنا كلنا الذي أهداه زايد لنا
كنت أنا أولا
ثم كسّاب
وهاهو علي ينال نصيبه
هل لأن زايد عاش محروما ممن أحب.. لابد أن يذيقنا جميعا من ذات الكأس؟!!"
*******************************
قبل عشرين عاما
" تكفى يا زايد.. أنا أبيها"
يسأله بحزم وصرامة : " تحبها؟!!"
منصور بصدمة وهو يكح بحرج " وش ذا الكلام يابو كسّاب.. عيب عليك
وش حب ؟؟ وش خرابيطه؟؟
صحيح عفرا مهيب بنت عمي.. بس من جماعتي
وأنا أحق بها من خليفة"
زايد بصرامة : " أنا عطيت خليفة كلمة خلاص"
منصور بصرامة مشابهة : " زين وأنا بأقرع عليه.. حقي.. وإلا بتمنعني من حقي؟!!"
زايد بصرامة أشد : " إقرع عليه عشان تصير لا أنت بأخي ولا أعرفك.. والله لأتبرأ منك.."
كانت صفعة لمنصور.. صــفــعــة!!
ليست القضية مجرد امرأة.. بل أبعد من ذلك بكثير
بين قرابة دم وقرابة روح!!
قبل ذلك لم يكن يشك في مكانته عند زايد الذي مثّل أبا له
لكن أن يهدد أن يتبرأ منه من أجل إرضاء خليفة.. كانت صفعة العمر كله!!!
اليوم
"ها زايد.. جاوبني
مبسوط باللي سويته في علي؟؟"
زايد بهم: منصور أنا ماني بناقصك
منصور بغضب مكتوم وهو يقرب مقعده من زايد ويهمس في أذنه:
يعني من جدك ماكنت تقدر تخلصنا من ذا المسرحية اللي مالها معنى؟!!
زايد بحزم وهو ينفض رأسه: رجّال وبغى يقرع بنت عمه.. أقول له لا ؟!!
منصور بحزم أشد: إيه قول له لا.. مثل ماقلت لأخيك..
يعني أنا ما خلتيني أقرع عفرا مع أني أنا الأحق بها واللي كنت أبيها
لكن ولد أخ خليفة اللي حتى ما يعرف جميلة تخليه يقرع على ولدك!!
أنت أشلون ميزان العدالة عندك مايل كذا؟؟!!
ما كفاك اللي سويته فيني.. جاي تعيد نفس السالفة في ولدك؟!!
زايد بغضب مهموم: منصور لا تسوي روحك ضحية.. لأنك أبعد واحد يليق عليه ذا الدور..
أنا عرضت عليك عفرا عقب موت خليفة وعقب كل طلاق من طلاقاتك بدل المرة عشرين..
أنت اللي على طول كنت تقول: طابت النفس منها
منصور بسخرية: لا ياولد أمي.. أنت ما عرضت علي عفرا.. أنت عرضت علي أرملة صديقك..
وخلنا من ذا السالفة المغبرة.. وخلنا في المهم.. علي..
قلنا خليفة كان صديقك وأدري إنك كنت تحبه أكثر مني... بس ولد ولد أخيه.......
زايد يقاطعه مستنكرا: اتق الله يا منصور.. أنا مستحيل أحب أي حد أكثر منك
منصور بصرامة: الحب مهوب كلام يا ولد أمي.. الحب فعل.. وأنت أثبتت إن حبك لخليفة أكثر حتى من حبك لعيالك
يعني تبدي واحد حتى ما تعرفه على ولدك اللي هو أغلى عيالك عندك
عشان ذا الواحد من ريحة خليفة
حرام عليك يا زايد علي.. حرام عليك ذا الولد واللي سويته فيك
علي بالذات ما يستاهل حد يجرحه
عمره ما طلب شيء.. عمره ما ضايق حد
يكون هذا جزاه عندك..
زايد مهموم .. مهموم.. مــهــمــوم :
يا ابن الحلال مابعد صار شيء.. ويمكن جميلة أساسا ماترضى تكلمه
منصور يسند ظهره لظهر الكرسي ويهمس بغموض:
(سبق السيف العذل) يازايد.. (سبق السيف العذل)
**************************
مزون تنزل الدرج بهدوء وهي ترتدي عباءتها وتمسك نقابها بيدها..
فالسائق وخادمة البيت العجوز ينتظرانها في الخارج لتذهب في المستشفى لجميلة
فوجئت بكسّاب يدخل كسهم ناري..وهيئته لا تبشر مطلقا بخير
كان يسحب غترته خلفه.. وجيبه مفتوح من الأعلى كاشفا عن بروز عروق عنقه النافرة غضبا وغيظا
ابتلعت ريقها برعب.. تمنت ألا ينتبه لوجودها.. ألا يكلمها..
فمن يستطيع مناطحة غضب كسّاب الذي يبدو أنه في أوجه وخصوصا أنها لوحدها؟!
حتى في فترة غضبه منها قبل أربع سنوت حين قررت أن تدخل للطيرن..
كانت حينما لا يكون والدها موجودا في البيت تهرب إلى بيت خالتها..
كانت مرعوبة أن يجدها لوحدها في البيت.. فمن سينقذها من يده؟!!
وبقيت على هذا الحال لمدة أسبوع حتى ذهبت غضبته التي كان يهدد أن يقتلها خلالها لتبدأ بعدها غضبته الأبشع التي قتلها بالفعل فيها!!
وبالفعل بدأ انه لم ينتبه لوجودها لأنه تجاوزها ركضا للأعلى.. حمدت ربها وشكرته بعمق وهي تقرر الإسراع بالهرب
ولكنها ما أن وصلت للباب حتى جمدت الدماء في عروقها وهي تسمع صراخه المرعب:
مـــزون..
التفتت ببطء وهي تشعر أنها سيغمى عليها من الرعب وهمست بارتجاف: لبيه
كان قد وصلها في حينه وصرخ فيها: شفتي علي؟؟
مزون ابتلعت ريقها: لا والله ماشفته من يوم طلع الصبح مع إبي
كسّاب بغضب مر: أبيش هذا مهوب مرتاح لين يجلطنا كلنا.. وعقبه بيرتاح
مزون بتردد: ليه إبي وش سوى؟؟
كساب يقول بسخرية مشتعلة بالغضب: ليه أبيش باقي شيء ما سواه؟!!
إذا رحتي له في المستشفى.. بتعرفين..
والحين وخري من طريقي لا بارك الله فيش
****************************
"يبه.. قوم فديتك.. ماباقي على صلاة الظهر شيء.. قوم أوديك توضأ"
صوت خافت حنون
"وين كاسرة؟؟ اليوم مهوب السبت ؟؟"
همس وهو يفتح عينيه المتكاسلتين بنظرهما الضعيف
ابتسمت مزنة وهي تسنده ليجلس : بلى فديتك
بس كاسرة لاهية شوي
الجد بعتب: لاهية عني؟؟
مزنة صمتت للحظة.. ماذا تقول له؟؟ هل تقول أن كاسرة ووضحى كلتاهما معتصمتان في غرفتيهما بعد صفعات مُهاب لهما
آخر شيء تريده أن تشغل والدها بأي شيء قد يثير همومه أو غضبه
لا تنكر مزنة تزاحم الغضب في ذاتها.. ولكن مُهاب خرج قبل أن تتحادث معه
والآن لابد أن تأجل الحديث والغضب حتى يعود.. فهي لا تريد شيئا يشغل والدها أو يضايقه.. فهي من بعد أمراض والدها وتقدمه في السن.. أصبحت تتنازل عن الكثير من أجله وأكثر ما يهمها راحته..
لذا كانت على وشك اختراع أي شيء لتقوله لوالدها لولا الصوت العذب/الحاد الذي قاطعهما:
"كاسرة عمرها ما يلهيها شيء عنك"
قالتها وهي تمد يدها لتسند جدها: خليه يمه أنا بأوديه الحمام
مزنة تأخرت للخلف لتفسح لكاسرة.. بينما همس الجد بحنو: وينش يأبيش اليوم ماشفتش..
كاسرة مدت يدها تتحسس مكان صفعة مهاب الواضحة على نعومة خدها الزبدي ..
بينما مدت يدها الآخرى لجدها وهي تهمس بنبرة اعتيادية: انشغلت شوي بس فديتك
بس والله ما شغلني عنك إلا شيء كايد
ثم أردفت وهي تنظر لوالدتها نظرة ذات مغزى: وعزة اللي خلاك أغلى خلقه عندي ياذا الشيء الكايد ما يعدي بالساهل
مزنة تهمس بخفوت حازم: امهاب أنا باتصرف معه... وأنتي اقصري الشر يا بنت ناصر..
كاسرة تهمس بخفوت وحزم أكثر شدة: ماني بقاصرته يا بنت جابر
**************************
"لماذا يا عبدالرحمن؟؟
لــمــاذا؟؟
بل لماذا يامهاب؟؟
من ألوم؟؟ من ألوم؟؟
ربما يجب أن ألوم نفسي
نــفـــســـي فقط!!
بما أنني كنت طوال عمري بدون رأي.. فلماذا توقعت أنهم سيهتمون برأيي الآن؟؟
أنا من صنعت لنفسي هذه الصورة السلبية
مخلوقة ضعيفة هزيلة هلامية ليس لها رأي أو وجود
يا لا العجب!!
أ ليس من المفترض أن أطير فرحا أن رجلا كعبدالرحمن بكل مزاياه ينظر لي أنا بعد كاسرة
فلماذا لا أشعر بالفرح؟!!
ولا حتى ببعض النشوة؟!!
ماهذا الضيق الذي يكتم على روحي المثقلة بإحساس مرارة مغموس بالمهانة والحزن؟؟!!
هل لأن عبدالرحمن خطبني؟!!
أم لأن مهاب ضربني؟!!
لماذا يا مهاب؟؟ لماذا؟؟
كنت أنت أبي أكثر من أبي..
كنت دائما الظهر الذي لا أخشى شيئا وهو يسندني.. والحضن الذي جعلني لا أعرف الخوف يوما
لماذا تخدش كل هذا؟؟ لماذا؟؟"
تمدد جسدها الذي تشبعت خلاياه ألما.. وهي تسند رأسها لمخدتها التي تبللت من دموعها
تريد أن تشبع من البكاء... أن تُشبع روحها المجروحة من البكاء قبل أن تعود لها كاسرة
تعلم أن كاسرة ستعود.. وستنهرها ألا تبكي.. كما كانت تفعل طوال عمرها..
" لا تبكين..
لا تبكين..
يا ويلش لو شفتش مرة ثانية تبكين
اللي تقول لش كلمة قولي لها عشر
واللي يعطيش كف عطيه عشرين
بس ياويلش تبكين من أحد.. أو تخلين حد يشوفش تبكين
خلش قوية ما يهزش شيء"
"كيف من ستقول لي كلمة سأقول لها عشر
وأنتي أختي وأقرب الناس لي كما يفترض
لا تسمحين لي حتى أن ارد عليك بنصف كلمة
أي إزدواجية أردتِ ياكاسرة أن أعيشها؟!!
ضعيفة معكِ وقوية مع الكل!!!"
************************
" عفرا.. ياعفرا.. يأم جميلة"
صوته الحازم العميق يتعالى وهو واقف عند الباب من الخارج
عفراء تضفي عباءتها على كفيها وتنزل طرف شيلتها على فتحتي نقابها
وتهمس باحترام وهي تخرج وتشد الستائر حول ابنتها: لبيه يأبو كسّاب.. جاية طال عمرك
تقف قريبا من الباب من الداخل وتهمس باحترام متزايد: هلا والله.. أشلونك طال عمرك في الطاعة؟؟
زايد يوليها جنبه دون أن ينظر لها بشكل مباشر : طيب طال حالش
ثم أردف بحزم: عفرا.. ترا خليفة ولد أحمد ولد أخ خليفة الله يرحمه بيجي عقب الصلاة يكلم جميلة.. بأخليه يكلمها من ورا الستارة.. بس عطيها خبر
عفراء باستغراب مستنكر: وليش ولد أحمد يكلم بنتي.. وش يبي فيها؟؟
زايد تنهد ثم ألقى قنبلته بطريقته الحازمة المعتادة في الكلام: خليفة قرع على علي
وأنا قلت له بأخلي جميلة تخير بينهم
فهو قال جميلة ما تعرفني.. خلني أكلمها أول.. وأنا رخصت له..
عفراء شعرت أنها عاجزة عن الوقوف وقدميها تميدان.. استندت على الباب القريب وهي تهمس بعتب عميق: ليش كذا يابو كسّاب؟!!
عمري ما كسرت لك كلمة
بس بنتي تعبانة.. ومهيب حمل ذا السوالف
ليش تعرضها لذا الموقف ؟!!
زايد ذاته يشعر بالذنب.. ولكنه لم يستطع رد طلب سمي خليفة..لم يستطع!!
همس بحنين كأنه يكلم نفسه: اسمه خليفة ياعفرا.. هذا سمي الغالي.. ماقدرت أرده..
عفراء بعتب حزين: وبنتي وش ذنبها يازايد؟؟ أقول لها اليوم الصبح ملكتش على علي..
وعقبه أقول لها الحين كلمي خليفة اللي ماتعرفينه عشان يمكن تأخذينه
وش ذا الكلام يابو كسّاب..؟!!
زيد بحزم خفف حدته بطريقة مقصودة: يأم جميلة.. كلها عشر دقايق تكلمه وتشوف وش يبي..
والولد أنا أعرفه وسألت عنه بعد عقب ماطلعت من بيتهم.. الكل يمدح فيه
عفراء بحزن عميق: إن شاء الله يكون أحسن واحد في العالم.. أنا أبي ولد أختي لبنتي..
لكن ما أقول إلا ما أقدر أكسر لك كلمة يأبو كسّاب...
*****************************
وضحى تصلي الظهر..
سمعت طرقات على بابها ثم صوت الباب يُفتح
ما أن أنهت الصلاة حتى ألتفتت لترى من الطارق الذي يبدو أنه دخل لداخل الغرفة
شعرت بعبراتها تقفز لحلقها وتتجمع وهي ترى القامة الطويلة التي تجلس على طرف سريرها
لم تستطع معاودة النظر له وهي تجلس على سجادتها وتنظر لكفيها المتشابكين في حضنها
ولكنه وقف ليتوجه ناحيتها ويرفعها من عضديها ليديرها ناحيته
لم تستطع رفع عينيها له ولكنه وضع كفه على خدها الأحمر وهمس بحنان عميق:
تنقص يدي اللي انمدت عليش
حينها انتفضت وضحى بعنف وهي تتناول كفه وتغمرها بقبلاتها الجازعة: بسم الله عليك.. بسم الله عليك.. عدوينك واللي يكرهونك
احتضنها مُهاب بحنو لتخرط هي بكاء حاد وهي تتعلق بجيبه وهو يهمس لها بذات الحنان: آسف والله العظيم آسف.. سامحيني يالغالية
أدري قلبش الطيب ما يقوى يشيل
ثم أردف بمرح: مهوب مثل أختش الحقودة أم رأس يابس ولسان طويل..
وضحى بصوتها المبحوح بين شهقاتها: ماعاش من يشل عليك..
مهاب يشدها ويجلس هو وإياها
هاهو يغير الاستراتيجية لتحقيق الانتصار
غريب هو الإنسان كيف يستغل كل أسلحته للوصول لما يريد.. حتى مع من يحب
وربما مع من يحب أكثر من غيرهم!! :
اسمعيني يالغالية.. أنا عارف إني تعاملت مع المسألة بطريقة غلط
فخلينا نتفاهم من جديد
وحطي في بالش إني ماني بغاصبش على شيء.. بس خليني أعرض وجهة نظري
وأنتي عقب فكري عدل لو حتى تبين تفكرين أسبوع أسبوعين.. ثم عطيني قرارش
الحين خلينا من كاسرة وإنها رفضت عبدالرحمن
عبدالرحمن نفسه كرجّال وش تقولين عنه؟؟
صمتت وضحى بحرج وضيق.. لكن مهاب استحثها للحديث
وضحى أجابت بذات الحرج والضيق: رجّال والنعم فيه
مهاب بنبرة انتصار: ها .. رجّال والنعم فيه
وأنا أزيد وأقول لش رجّال مافيه مثله اثنين
لو تلفين العالم كله مالقيتي مثله.. صحيح هو خطب كاسرة أكثر من مرة
بس صدقيني كان يخطبها لأنه يبي يناسبني
مهوب لأنه يبي كاسرة بالتحديد...
وبعدين لو كاسرة صارت غبية وما تعرف مصلحتها.. بتسوين نفسها؟!!
ماعليش منها.. أنتي منتي بمربوطة فيها..
وخير ياطير إنه عبدالرحمن خطبها أول
ثم تزوجش أنتي
وين المشكلة؟؟
وين العقدة في الموضوع؟؟
*******************************
مستشفى حمد
بعد صلاة الظهر
موعد اللقاء المنتظر
ها هو خليفة على وشك الوصول.. لا أحد يعلم ماذا سيقول
أو ماهو مخططه من كل هذا
ومنذ غادر زايد عفراء بعد أن ألقى لها بالخبر.. وهي عاجزة عن التنفس.. عاجزة عن التفكير
" أي مصيبة جلبتها لي بازايد؟!!
أي مصيبة؟!!
هذا ما كان ينقصني تماما لتكتمل المأساة
ألا يكفيني مرض صغيرتي
لياتيني بخاطب جديد لها؟!!
كيف أخبرها الآن؟؟ وبأي طريقة أخبرها؟!!"
"يمه شتهوجسين فيه؟؟" صوتها الضعيف المبحوح
عفراء تنتفض بخفة ثم تهمس في أذن ابنتها المتهالكة تعبا: جميلة يمه بيجي ولد عمش خليفة يكلمش
جميلة بالكاد رفعت حاجبا علامة الاستغراب.. ثم همست بصوت مبحوح تماما:
وش يبي يمه؟؟ وأشلون يكلمني؟؟ وليه يكلمني؟؟
عفراء لم تستطع إيجاد إجابة مناسبة.. لذا همست بأكبر قدر من الطبيعية استطاعت أن تصطنعه:
إذا جاء درينا.. كل حي ملحوق
جميلة بتساؤل مرهق: وش قلتي اسمه يمه؟؟
عفراء بنبرة طبيعية: خليفة يأمش
سرح خيال جميلة نحو البعيد.. وهي تهمس بألم عميق مثقل بالحنين: خليفة على اسم إبي يمه
كانت عفراء على وشك الرد عليها لولا أنها سمعت صوت زايد ينادي بعلو: يأم جميلة.. خليفة جا
بدأت دقات قلب عفراء تتعالى برعب..
بينما جميلة كانت سارحة في خيالاتها حتى سمعت الصوت الرجولي الغريب الذي جاءها من خلف الستارة:
مساج الله بالخير يابنت العم!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل السادس 6 - بقلم HaboOoshy
"يمه شتهوجسين فيه؟؟" صوت جميلة الضعيف المبحوح
عفراء تنتفض بخفة ثم تهمس في أذن ابنتها المتهالكة تعبا: جميلة يمه بيجي ولد عمش خليفة يكلمش
جميلة بالكاد رفعت حاجبا علامة الاستغراب.. ثم همست بصوت مبحوح تماما:
وش يبي يمه؟؟ وأشلون يكلمني؟؟ وليه يكلمني؟؟
عفراء لم تستطع إيجاد إجابة مناسبة.. لذا همست بأكبر قدر من الطبيعية استطاعت أن تصطنعه:
إذا جاء درينا.. كل حي ملحوق
جميلة بتساؤل مرهق: وش قلتي اسمه يمه؟؟
عفراء بنبرة طبيعية: خليفة يأمش
سرح خيال جميلة نحو البعيد.. وهي تهمس بألم عميق مثقل بالحنين: خليفة على اسم إبي يمه
كانت عفراء على وشك الرد عليها لولا أنها سمعت صوت زايد ينادي بعلو: يأم جميلة.. خليفة جا
بدأت دقات قلب عفراء تتعالى برعب..
بينما جميلة كانت سارحة في خيالاتها حتى سمعت الصوت الرجولي الغريب الذي جاءها من خلف الستارة:
مساج الله بالخير يابنت العم!!
تمنى زايد في أعماقه وبكل العنف ألا تجيبه.. وترفض الرد عليه
فصورة علي يخرج منسحبا ثائرا مكسور النفس.. تعذب خيال زايد المثقل بالإحساس بالذنب والضيق
ولكن أمنياته ذهبت أدراج الرياح وهو يسمع الصوت الخجول الضعيف الذي بالكاد يُسمع:
هــلا
جميلة ذاتها استغربت كيف ردت عليه
شاب غريب لا تعرفه
والموقف كله غريب
ولكن نبرته الواثقة.. صوته الدافئ الحنون جعلها تشعر برغبة عميقة في البكاء
وذكرى عظيمة صنعها لها زايد تقفز لخيالها
لطالما أجلسها زايد في حضنه ليحكي لها عن والدها بحماس وانبهار
رسم لها صورة خيالية لرجل فريد من نوعه.. أشبه ما يكون بأسطورة
ترعرعت وهي تؤمن أن والدها هو هكذا..
أسطورة لا تتكرر
وهاهو بعض رائحة الأسطورة وحامل اسمه يأتيها اليوم.. بل حامل الجينات نفسها
جينات خليفة.. والدها.. أسطورتها
أفلا ترد عليه على الأقل؟!!
خليفة بذات نبرته الواثقة: مساج الله بالخير خالتي أم جميلة
عفراء حاولت أن ترد بطبيعية رغم إحساس الضيق الذي يخنقها:
هلا خليفة
أشلونك؟؟ واشلون إبيك وإخوانك؟؟
خليفة بهدوء حازم: طيبين ياخالة
ثم أردف بذات الهدوء الحازم: جميلة سمعيني عدل
أدري إنج تعبانة وايد وبتسافرين للعلاج
عمي أبو كسّاب وعياله ما قصروا طول هالسنين
وترا اهم الداخلين وأنا الطالع
بس ما تظنين يا بنت عمي إنه الطيور تحن لأعشاشها
أنا أبيج يا بنت عمي
ما بقى لنا من ريحة عمي خليفة إلا أنتي
تبين أنتي بعد تروحين عنا ؟!!
ما تبين ذكر عمي خليفة يقعد في هله وجماعته؟!!
"عرف هذا الخليفة من أين تؤكل الكتف.. عرف من أين يأتي لها
وأنا السبب.. دائما أنا السبب"
هذا ما كان يدور في بال زايد المصعوق الموجوع
خليفة... دائما كان المفتاح خليفة!!
ولكن من أين أتى هذا الشاب بهذا المفتاح؟!!
"وهل كان لديه غيره يازايد؟؟
أنت من أعطيته المفتاح
فإلى أين سيقوده المفتاح؟!!
وأي أبواب مغلقة سيفتحها به؟!!
جميلة يا بنيتي لا تخذلي علي كما خذلته
أنتي لم تعرفي خليفة كما عرفته
خليفة هو مجرد ذكرى لكِ.. ولكنه لي كان حياة وروح
لا تخذلي علي
لا تخذليه
إلا علي ياجميلة
إلا علي !! "
خليفة كان يتكلم.. ووجه جميلة الشاحب يزداد شحوبا.. بينما كان وجه عفراء قد امتقع تماما:
يا بنت عمي.. وربي اللي خلقني
إني أحطج في عيوني الثنتين
لا تحاتين شيء وأنتي معي
أنا أبوج اللي ما عرفتيه
وأخوج اللي ما يابته أمج..
كان يتكلم بثقة حنونة مختلفة مشتعلة بدفء غريب.. بعثت الرعشة في أوصال جميلة اليابسة..
هل هذا القلب يرتجف ودقاته تتعالى؟!!
"شتقولين يا بنت عمي؟؟
موافقة علي؟؟"
كان زايد على وشك التكلم.. لولا الكلمة الحادة السريعة المفاجئة التي صعقته حتى نخاع النخاع:
"مــوافــقـــة"
عفراء تهاوت على المقعد منهارة بينما سارع زايد ليهمس بحزم يخفي خلفه جزعا بات يخنقه:
يا بنتي ترا الخيار في يدش
وترا الشباب كلهم متقدمين لش
تبين علي وإلا خليفة؟؟
الصوت المبحوح نفسه يهمس: " أبي خليفة"
ليسود وجه زايد وتتسع إبتسامة الانتصار على وجه خليفة
الذي ما خطر بباله إطلاقا أن جميلة قد توافق عليه
كل ما أرده من هذه الحركة أن يُصعب الموقف قليلا على زايد وابنه
يفعل كما يفعلون حينما يحلو لهم التحكم في المصائر
وحتى لا يبدو غير جاد وهو يقف في وجه ابن زايد في موقف مصيري
كان لابد أن يتقن دوره.. ويتحدث كما يتوجب عليه في مثل هذا الموقف
ولكن لم يتوقع حتى لثانية واحدة أنها قد توافق عليه وهي لا تعرفه
مهما كان كلامه مؤثرا وصوته حنونا..
توافق!!
تـــوافـــق؟؟؟!!
"ماذا؟؟
هل وافقت عليّ أنا فعلا؟!!"
حينها ذهبت السكرة.. وحلت الفكرة!!
*********************
قبل سنتين
بيت عفراء
صوت كسّاب الغاضب يتعالى : أنا أبي أعرف بنتش هذي وش طينتها؟؟ ما تستحي على وجهها؟!!
عفراء بجزع: بنتي؟؟ ليه وش هي مسوية؟؟
كسّاب بذات نبرة الغضب المخيفة: فشلتني.. فشلتني.. خلتني في نص هدومي
تغيرت نبرة عفراء من الجزع للرعب وهي تمسك بجيب كسّاب: بنتي وش سوت؟؟
كسّاب بذات الغضب: الشيخة أمس متغدية في كوفي هي وصديقاتها ثنتين
متغدين بـ2500 ريال
نعنبو بنتش البطة ذي كلت المحل كله...
تدرين خالتي.. الفلوس والله العظيم ماهمتني وأنتي عارفة ذا الشيء زين..
والله ثم والله لو أنها شارية لها طقم ألماس بـ200 ألف ومرسلين لي فاتورته كان أهون علي من الإحراج اللي صار لي
كانت عفراء تريد أن تقاطعه لتتكلم ولكنه لم يسمح لها وكلماته تتدافع كسيل غاضب كاسح:
تخيلي راعي المحل يتصل لي ويقول لي ترا حساب غدا بنت خالتك وصديقاتها هدية من المحل
أقول له هي عازمة قروب صديقات.. يقول لي: لا بس ثنتين
ول عليها وش ذا الكرش اللي عندها؟؟ وأكيد صديقاتها مثلها
يعني يوم الشيخة مسوية روحها شيخة وعازمة البطات وما معها فلوس
كان كلمتني وجيت ودفعت.. مهوب تقول لراعي المحل إنها بنت خالتي كنها طرطارة تبيه يتصدق عليهم بثمن غداهم
ثم أنفجر بغضب أكبر وكأن بداخله مستويات من الغضب لا تنتهي:
وبعدين تعالي.. أنتي أشلون مخليتها تطلع مجمع وأنتي منتي بمعها.. أشلون؟؟
جزاها اللي بيحبسها سنة مايخليها تطلع مكان
كان مازال سيتكلم لولا أنه فوجئ بدوي هائل لشيء قُذف من الأعلى ليتحطم على مقربة منهم
كانت سلة ضخمة من الشوكولاته
ثم تلاها خمس ورقات كل ورقة من فئة الـ500 ريال
رفع رأسه ليرى جميلة تغطي وجهها بجلالها وتقف على حاجز الطابق العلوي المطل على الصالة السفلية وهي تصرخ: هاك أغراضك ياحيوان
الله الغني عنك.. لولا خوفي من زعل عمي زايد
وإلا والله ماعاد نقعد عندكم دقيقة
ترا أبي يوم مات.. خلا لنا خير ربي.. ماخلانا في حاجة لكلاب الشوارع اللي تعوي مثلك
كان كسّاب الذي أحمر وجهه غضبا ناريا على وشك الاندفاع للأعلى ليسحبها سحبا على الدرج
لولا أنها هربت لتغلق على نفسها باب غرفتها في الوقت الذي تمسكت به عفراء وهي ترجوه بحرارة: تكفى يأمك.. عشان خاطري أنا
لا تزعل منها.. هذي بزر.. وأنت قهرتها بزود
كسّاب كانت خلاياه كلها تنتفض غضبا: هديني يا خالتي..
يعني عاجبش سواتها.. مع شينها قوات عينها بعد
عفراء مازالت تتمسك به بكل قوتها.. لأنها تعلم أنها ما أن تفلته قد يركض لابنتها ليكسر بابها عليها.. فكسّاب حين يحتد غضبه لا يفكر مطلقا
همست عفراء برجاء أشد حرارة: خلني أنا أشرح لك
يأمك ترا الثنتين اللي مع جميلة أنا وأختك مزون
حينها تصلب جسد كسّاب بعنف وخالته تكمل حديثها: وترا غدانا كله كان بـ250 يمه..
بس أنا اشتريت لك من نفس الكوفي سلة الشوكلاته ذي
قصدي اللي بقي منها..
واشتريت سلة فخمة عشان تحطها في مكتبك الجديد لضيوفك اللي بيجون يباركون لك
عطيت بطاقتي لجميلة عشان تدفع وأنا ومزون رحنا للحمام
هي نست رقم البطاقة.. وانحرجت.. وهي تتكلم مع البنت اللي على الكاشير جاء صاحب المحل..
ارتبكت أكثر وصارت تقلب في شنطتها تدور فلوس
فطاحت من شنطتها بطاقتك اللي فيها كل أرقامك اللي أنت معطينا إياها..
فصاحب المحل شاف الاسم وسأل: وش يقرب لك كسّاب آل كسّاب؟؟
فهي قالت ولد خالتي.. فحلف ما تدفع شيء..
فانا جيت وأصريت أدفع وما رضى..
والمشكلة إني قبل ما نروح الحمام ناديت السواقة عشان تأخذ السلة توديها السيارة
أو كان رجعناها..
وللعلم إحنا كنا مجهزين الفلوس في ظرف بنخلي السواقة توديها الحين.. بس أنت جيت الله يهداك هداد علينا
بعد ذلك بقليل
عفراء تصعد لابنتها.. تطرق الباب الموصد عليها
همسها الخائف الباكي: من؟؟
عفراء بحنان: أنا يا جميلة.. كسّاب راح خلاص
فتحت الباب وهي تشهق: بيذبحني يمه.. بيذبحني..
عفراء تمسح شعرها بحنان: ترا كسّاب يعتذر منش ياقلبي.. ويقول العصر بيجيب لش هدية ماجا لبنت في الدوحة مثلها رضاوة لش
حينها ارتفعت شهقاتها: ماأبي منه شيء ما أبي شيء.. قولي له لا يجيب شيء
عقب اللي هو سواه كله يبي يجيب لي هدية..
ما أبي منه شيء.. ما أبي منه شيء..
عفراء تحتضنها بحنو: خلاص يأمش.. خلاص.. لا تزعلين
جميلة تبكي: إلا بأزعل وبأزعل..
والله العظيم لو إنها مزون اللي صاير معها نفس الموقف.. حتى لو كان زعلان عليها وما يكلمها
إنه ما يسوي لها ذا السالفة كلها..
إيه بنت بطن و بنت ظهر
عفراء تهدهدها بحنان مصفى: يامش ياجميلة.. عيب ذا الكلام..
كساب شايفش أخته الصغيرة وهذا من خوفه عليش
جميلة ترفع رأسها وتهمس بغضب بصوتها المبحوح: لا والله خايف علي؟!!
قصدش خايف على برستيجه قدام الناس..
وإلا أنا بالطقاق..
عفراء صمتت وهي تحتضنها وتمسح على شعرها..
لأنها تعلم أنها إن بقيت تحاورها وهي في حالة الغضب هذه فهي لن تقتنع مطلقا مع عناد المراهقين المتزايد لديها
وخصوصا مع تحسسها الغريب والمضاعف من وجودهم في بيت زوج خالتها..
فهي مع اضطرارها أن تغطي وجهها عن زايد الذي كانت تشعر به كأب فعلي لها..
وإحساسها بالغربة يتزايد ويتزايد حتى خنقها
فمهما كانت تشعر به كأب.. فهو لم ولن يكون والدها يوما..
فوالدها الذي لا مثيل له بين الرجال رحل... رحل
رحــــــــــــــل!!
وحتى زايد ماعادت تستطيع تقبيل رأسه أو دفن وجهها في كتفه لتشتم عبق رائحة دهن العود الدافئ التي طالما عشقتها فيه
لتمثل لها رائحة الأب الوحيد الذي عرفته..
حتى هذا الأب المبتور.. استكثر نفسه عليها!!
أ كلهم لابد أن يرحلوا ويتركوها؟!!
كانت الأفكار المتناقضة تتنازع روح جميلة المراهقة..وهي تستكين لصدر والدتها
لتهمس بخفوت ووجهها مختبئ في صدر أمها:
يمه أبيش توديني بكرة للدكتورة عائشة صقر تسوي لي برنامج ريجيم
عفراء بدهشة عميقة: ما يحتاج يمه ريجيم.. جسمش حلو ويجنن
جميلة بغضب طفولي: إلا أحتاج.. أنا دبة..دبة.. دبة
هل أردتِ أيتها الصغيرة شيئا تدفنين فيه فوضى التفكير؟!!
تشغلين نفسك فيه؟!!
أم أن هناك شيئا آخر؟!!!
*******************************
قبل أكثر من سنة
"بسش وقفي ذا الرجيم والرياضة... جننتيني.. خلاص صرتي جلد على عظم"
جميلة تركض على جهاز الجري وهي تشير لخصرها النحيل الشديد الضمور:
يمه ما تشوفين ذا الكرش كلها.. تكفين خليني على راحتي
عفراء بغضب ووجع: أي كرش يا غبية.. أنتي عمياء.. وحدة مثلش طولها 165 وزنها 42 وتقولين لي كرش..
قبل عشرة أشهر
" أنا حجزت لش موعد مع الدكتورة"
"أي دكتورة؟؟ وموعد لويش؟؟"
عفراء بحزم: الدكتورة اللي ألف مرة قلت لش بنروح لها وأنتي مني براضية
جميلة بعناد: ولحد الحين ما أنا براضية.. وش اللي تغير
عفراء بغضب كاسح نادرا ما رأتها جميلة فيه وهي تمسك عضد جميلة النحيل بقوة:
ورب العزة والجلال لو مارحتي معي برضاش.. لأدعي كسّاب يشلش للسيارة غصب
جميلة بجزع: بأروح يمه بأروح.. بس تكفين عيال خالتي لا تدخلينهم في شيء يخصني.. تكفين
قبل خمسة أشهر
"جميلة ياقلبي.. الدكتورة تقول الأحسن لو نروح لمصحة برا
بأكلم كسّاب يحجز لنا"
جميلة تنتفض رفضا: لا لا لا... أولا مافيني شيء يستلزم السفر
ثاني شيء حتى لو فيني
أموت ولا أروح مع كسّاب.. تبينه يتمنن علي وإلا يقعد يمسخرني في الطالعة والنازلة
عفراء برجاء: زين علي..
جميلة بذات العناد: ولا علي.. ولا حتى عمي زايد.. مانبي نثقل على احد
مهوب كفاية مستحملين غثانا ذا السنين كلها
عفراء بعناد مشابه: مهوب على كيفش
بتسافرين يعني بتسافرين ورجلش فوق رقبتش
جميلة بحزم مجنون: سويها عشان أهج من البيت ولاعاد تشوفين وجهي
والله العظيم لأهج من البيت
يائس هو الإنسان المصلوب بين قسوة أحبابه وبشاعة استخدامهم لسيطرتهم على قلبه..
حربٌ.. كل الاطراف فيها خاسرة!!
اليوم صباحا
عفراء تستعد لإخبار جميلة بخطبة علي لها.. توترها يغتالها
كم تمنت أن تحتفل بابنتها الوحيدة في ظروف طبيعية
وخصوصا أنها سعيدة بالفعل أن يكون نصيبها مع علي بالذات
فعلي رجل حقيقي.. حنون ومتفهم وتعلم أنها تستطيع أن تأتمنه على فلذة كبدها بكل ثقة
ولكن فرحتها بابنتها مبتورة وقاصرة.. عروس يُعقد قرانها في مستشفى لتسافر شهر عسلها على نقالة طبية!!
تتمنى فقط أن ينتهي كل هذا على خير ليعودوا جميعا للدوحة وجميلة استعادت عافيتها بمشيئة الله
"يمه.. يــ ــمـــ ــه..
خليهم يشيلون ذا المغذيات اللي تنفخ عني"
للتو صحت جميلة وهمست بصوتها المتقطع ارهاقا
عفراء ابتسمت وهي تميل على صغيرتها وتمسح شعرها بحنان مصفى:
اليوم يوم خاص.. طالبتش ما تقولين شيء ولا تعترضين على شيء
جميلة بتساؤل مبهم خال من الحماس: ليش خاص؟؟
عفراء بابتسامة دافئة: علي طلبش مني.. ولو وافقتي تملكتوا اليوم عشان يسافر معنا بكرة للمصحة في فرنسا..
جميلة شهقت بعنف.. ثم كحت لتستطيع سحب أنفاسها..
وهمست بدهشة عميقة متوترة:
علي يمه؟؟ علي ما غيره.. علي عمره مابين إنه يبيني..
ثم حاولت بفشل ذريع تجاوز دهشتها العميقة وتوترها الأعمق لأسباب خاصة بها وهي تهمس بغضب:
وبعدين أنا مابي أسافر.. ما أبي أسافر.. غصب هو
عفراء بتوتر: أول شيء علي هو اللي أصر عليش بنفسه.. والسفر عمش زايد اللي حجز وملزم تسافرين
وإلا تبين تزعلينه؟!!....
جميلة بهمس متعب وأفكارها تطوف في دوامات هائلة:
وعمي زايد موافق على زواجي من علي؟؟
عفراء بحنان وهي تمسح على شعرها: أكيد موافق
همست حينها جميلة بنبرة محايدة قدر ما سمح لها تعبها وتوترها وفوضى تفكيرها:
خلاص كيفكم يمه.. اللي تبون سووه..
لا تعلم مابها.. تشعر كما لو أنها تنفصل عن ذاتها.. ماعاد يهمها شيء..
فهي تشعر أنها توشك على مغادرة الحياة
فهل يختلف إن غادرتها آنسة أو زوجة لعلي؟!!
أو إن غادرتها في الدوحة أو فرنسا؟!!
المهم أن تكون والدتها وعمها زايد راضيين
ماذا بقي لها يربطها بالحياة سوى رضاهما؟!!
لا تنكر أنها في داخلها وفي عقلها الباطن.. تمنت أن تتزوج أحد ابني خالتها
لسبب وحيد
هو أن يصبح زايد والدها فعلا..
لتستطيع حينها الارتماء في حضنه بلا قيود
هكذا كان تفكير جميلة هذا الصباح فقط... فمالذي تغير مع خليفة؟؟
ما الذي تـــغـــيــــر؟!!
***********************
صالة بيت فاضل بن عبدالرحمن
بعد صلاة الظهر
يدخل فاضل وابنه عبدالرحمن عائدين من المسجد.. يستند فاضل على ذراع عبدالرحمن.. رغم أنه في غير حاجة للتسند..
فأبو عبدالرحمن في أواسط الخمسينات ومازال يتمتع بصحة رائعة فهو شديد الاهتمام بالأكل والمشي
عدا عن تولعه برياضة الصيد بالصقور التي لم يأخذ عنه تولعه فيها سوى ابن أخ زوجته تميم..
وهاهما الأب والابن يتهاديان.. بينهما شبه كبير.. ومن يراهما يعلم فورا القرابة بينهما..
طويلان.. ممتلئا الجسد.. لون بشرتيهما يميل لبياض بحمرة لطيفة.. لهما إطلالة رجولية جذابة.. وكلاهما يرتديان نظارة طبية!!
ولكن إن كان أبو عبدالرحمن ارتداها قبل سنوات لضعف في بصره.. فإن عبدالرحمن لا يعاني أي مشاكل في النظر
ولكنه اعتاد على لبس نظارة للحماية حين بدأ يُكثر من الجلوس أمام شاشة الحاسوب
حين كان يُعد اطروحة الدكتوارة.. ثم اعتاد بعد ذلك عليها!!!
فاضل مولع كثيرا بابنه عبدالرحمن..
فهو ابنه الوحيد الذي لم يرد الله لزوجته أن تسنده بآخر بعد أن أصيبت بمشاكل خلال ولادة شعاع أدت لتطورات أدت للعقم
لا ينكر أبو عبدالرحمن أن شبح الكثير من الأبناء الذكور يسندون كبره وشيخوخته ظل حلما يطارده بلا هوادة.. ولكنه كان يقمع دائما هذه الأفكار.. ليس من أجل أم عبدالرحمن ولا بناتها
ولكن من أجل عبدالرحمن.. وعبدالرحمن فقط!!
كره أن يؤذي مشاعر عبدالرحمن بإحضار زوجة أب
ثم بإنجابها أولاد آخرين قد يشاركون عبدالرحمن في محبته التي يجب ألا يشاركه فيها أحد.. ويجب أن تكون خالصة له وحده..
حينما سافر عبدالرحمن قبل سنوات للدراسة كاد يجن من الشوق له..
ولكنه مطلقا لم يحاول منعه من تنفيذ رغبته..
فرغبات عبدالرحمن كالسيف الذي لا يمكن معارضته أو حتى النقاش فيه
ثم أنه كان يجد له سببا ليزوره كل شهر.. رغم كراهيته الشديدة لتلك البلاد بعيدا عن أبله وصقوره
وهاهما يدخلان إلى البيت ليجدا جوزاء وشعاعا جالستين في الصالة السفلية.. تقفزان فور دخولهما احتراما لهما
بينما يصرخ أبو عبدالرحمن: اشعيع ووجع.. روحي جيبي القهوة.. وتعالي قهويني أنا وأخيش..
تسارع شعاع للتنفيذ بينما يستوقفها عبدالرحمن ويشدها وهو يقول لوالده باحترام:
وش قهوته يبه طال عمرك.. ماعاد إلا الغدا.. مهوب زين لك القهوة على كل حزة
يبتسم أبو عبدالرحمن ليهمس بمودة عميقة : إن شاء الله يأبيك.. على خشمي ولو أني مشتهي القهوة
يجلس فاضل وعبدالرحمن وهو مازال ممسكا بشعاع ويجلسها جواره..
تهمس له شعاع بمرح خفيض في أذنه: خلني أقوم قدام يلاقي أبيك سبب يكوفني عشانه
يهمس لها عبدالرحمن في أذنها بذات المرح: ياسلام على أبيك ذي.. ليه هو أبي بروحي يعني؟!!
شعاع بذات المرح المنخفض: الظاهر كذا.. وأنا وجوزا جينا بالغلط
قاطع حديثهما صراخ أبي عبدالرحمن: اشعيع ياللي ماتستحين قومي ضيقتي على عبدالرحمن
عبدالرحمن احتضن كتف شعاع وهمس بمودة: شعاع عصفور ما تضيق على حد
بينما كانت شعاع تفلت يد عبدالرحمن من كتفها برقة وتنهض لتجلس جوار جوزاء
أبو عبدالرحمن بابتسامة: هذا أنت قلتها عصفور.. يعني مافيها فود.. ماحتى هي بحبارى ولا أرنب نعشيها الطير
شعاع تهمس في أذن جوزاء بمرح لا يعرف هل هو مقصود أو موجوع: خوش إب.. يبي له أرنب وإلا حبارى بدالي
ثم أردفت شعاع بدات المرح الموجوع الهامس وهي تمسح على شعر حسن الجالس على رجلي جوزاء كالعادة
وهي تبقيه ملتصقا بها لا تعطيه فسحة للتنفس:
زين إنش جبتي ولد... هذا أبي يحب حسن الحمدلله.. لو جبتي بنت مهوب بعيد يحذفش أنتي وإياها..
جوزاء تهمس في اذنها بغضب: لا تبهتين أبيش.. صحيح أبي قاسي علينا شوي..
بس عمره ماقصر علينا..
أنا حتى يوم كنت عند عبدالله الله يرحمه كان كل ماجيتكم زيارة يحلف إلا يعطيني فلوس.. مع أني أحلف بس هو بعد يحلف
شعاع بسخرية مرة عميقة الوجع: والأبوة فلوس وبس؟؟!!!
******************************
الكورنيش
بالقرب من رأس النسعة
دار كساب طويلا.. قبل أن يخطر هذا المكان بباله
كان يعلم أن هذا هو مكان علي المفضل للجلوس
ولكنه لم يتوقع أنه قد يجلس هنا في هذا الجو الحار الملتهب
وعند الظهر تماما!!
مشروع ضربة شمس قاتلة باقتدار!!
اقترب من الخيال الأبيض حتى أصبح خلفه تماما
وضع يده على كتفه.. لم يتحرك مطلقا ولم يلتفت
همس كساب بود عميق: علي .. قوم نرجع البيت.. بتجيك ضربة شمس على ذا القعدة
همس علي بهدوء خالص: توني جاي من صلاة الظهر.. مابعد لي واجد وأنا قاعد هنا
كساب بذات الود: خلاص ماتبي نرجع البيت.. قوم نروح لمكان ثاني
نتكلم شوي!!
علي بذات الهدوء الروحي المصفى: كسّاب لا تحاتيني.. ماحد يأخذ إلا نصيبه
وأنا عمري ما اعترضت على شيء كتبه ربي
ما أنكر إني متضايق واجد.. بس شوي وأروق يأخيك
كسّاب بحنان عميق مختلف عن شخصيته الحالية : يأخيك مابعد صار شيء
وأنا متأكد مليون في المية إن جميلة مستحيل تختار حد عليك
كان كسّاب مازال سيتكلم لولا انه قاطعه رنين هاتفه..
التقطه بسرعة وهو يرى المتصل: بشّر يبه
..............
- ويش؟؟.. ويــــــش؟؟؟
اللي ما تستحي.. ناكرة الجميل.. الكــلــبــة (صراخ كسّاب الغاضب يتعالى)
..................
- إلا بأقول.. وأقول.. وأقول..
ذا العرس مستحيل أخليه يتم
تعيي من أخي..عشان تاخذ كلب مثلها ماحتى تعرفه
كان كساب ينهي الاتصال.. وهو على وشك الركض للمستشفى.. لولا اليد القوية التي أمسكت به والصوت الهادئ العميق الذي همس له:
والله ثم والله ماتسوي شيء.. ولا تقول شيء
مستكثر على جميلة حقها في الاختيار؟!!!
هذا أبسط حق من حقوقها..
هذي بنت يتيمة ومريضة.. ومستحيل أخلي حد يجبرها على شيء
ولو حاولت أنت تجبرها.. أنا بأوقف في وجهك
يعني أنت متمنن عليها إنه حن راعيناها ذا السنين..؟!!
راعيناها لأنه حن كنا محتاجينهم أكثر ماهم محتاجينا
أشلون كان قدرنا نعيش من غير خالتي عفرا؟!!
كسّاب بغضب ملتهب وكأنه لم يسمع شيئا: هدني يا علي.. هدني
خلني أوريها شغلها.. تظن إنها طلعت من شورنا؟؟
تبي تختار عليك.. تختار عليك أنت..
هدني.. هددددددددني
هددددددددددني
علي يمسك به بقوة وهو مازال يهمس بهدوء: امش نروح لسيارتك
خلنا نتكلم على قولتك..
كساب يحاول التفلت وهو يصرخ بغضبه العميق: خلني أوريها شغلها وعقبه نتكلم
علي بدا صوته يعلو بارتعاش موجع: أنا حلفت ياكسّاب.. حلفت
تبي تفجرني؟؟ .. تبي تفجرني؟؟ (يفجر= لا ينفذ الحلف)
هذي حشمتي عندك؟!!
خلاص يا كسّاب.. جميلة لو كانت آخر بنت في الدنيا طابت النفس منها
جميلة اختارت حد غيري ياكساب.. اختارت حد غيري
السنين اللي مضت كلها ما كان لها قيمة عندها
19 سنة ضاعت قدام كلمتين قالها لها ولد عمها
على ويش أتحسف ياولد أمي؟؟ على ويش؟!!
***************************
"يا الله قولي لي وش اللي مزعلش؟؟"
انتفضت كاسرة بخفة ثم ابتسمت وهي تهمس بعذوبة : ومن اللي قال لك إني زعلانة فديت عينك؟؟
الجد بعمق: بتدسين على أبيش ياكاسرة؟!!
أعرفش أكثر ماتعرفين روحش.. زعلانة وزعلش كايد بعد
كاسرة احتضنت عضده ووضعت رأسها على كتفه
وهمست بعذوبة مصفاة مغلفة بحنان عميق: مافيه شيء جعل يومي قبل يومك
الجد بحنان عميق: إلا يومي أنا قبل يومش.. وش حياتن ماأنتي بفيها يأبيش.. أمحق حياة.. كني ميت وأنا حي
جعل ربي ما يقوله
هتفت كاسرة بجزع: إلا جعل ربي ما يقوله.. تبي تروح وتخليني ياجابر؟؟ أهون عليك؟؟
الجد برجاء حازم: ها والله إنش زعلانة..كاسرة والله لما تقولين لي الصدق ذا الحين إن قد أزعل ليش..
لا تستطيع أن تخفي عليه شيئا وخصوصا حين يتكلم بهذه النبرة التي تذيب قلبها أو حين يهدد أنه سيغضب منها
لذا همست بطبيعية قدر ماتستطيع وهي تهز كتفيها: امهاب ضربني أنا ووضحى
ثم أردفت وهي تستدرك بسرعة: بس حن اللي غلطانين يبه.. نستاهل
ليس من طبع كاسرة أن تُركب نفسها الخطأ وخصوصا حين تعلم أنها على حق وصاحبة حق..
وكان صعبا عليها لأبعد حد أن تقول لجدها أنها من أخطأت لدرجة أنها تستحق الضرب
ولكنها فعلت ذلك من أجله.. من أجل هاتين العينين الغاليتين
لم ترد أن تغضبه أو تكدر خاطره.. أو تجعله يعنف مهابا من أجلهما
فهي قادرة على التصرف مع مُهاب بطريقتها الخاصة.. المهم ألا يضايق جدها أدنى شيء
ولكن محاولتها لم يكن لها فائدة لأن الجد انتفض بشكل مفاجئ
وهو يبحث عن عصاه ليتوكأ عليه وهو يصر على أسنانه بغضب عميق: الخاسي.. وينه.. وينه؟؟
يضربكم وانا عادني حي..إجل إذا متت وش بيسوي فيكم
وإلا ماعاد لي قدر ولا حشيمة؟؟
كاسرة تناست كل شيء عدا عبارة واحدة: كم مرة قلت لك لا عاد تجيب طاري الموت
الجد غاضب وموجوع: دقي على امهاب خله يأتي ذا الحين
كاسرة برجاء عميق: حلاص يبه فديتك.. موضوع وانتهى.. وقلت لك إنه حن اللي غلطانين وخذنا المقسوم
الجد بإصرار غاضب: قلت لش دقي عليه الحين.. يعني دقي عليه ذا الحين
**************************
مستشفى حمد
غرفة جميلة
زايد الموجوع أبدا الظالم والمظلوم ذهب ليحضر الشيخ ليملك خليفة في أسرع وقت.. ليستخرج عقد الزواج في الغد قبل سفر جميلة
مزون وصلت لتصدم بالاخبار التي روعتها
وهاهي تجلس صامتة في الزاوية تشعر بغثيان حقيقي وعيناها زائغتان..
بينما عفراء تهمس بحزم في أذن ابنتها: جميلة.. أنتي عارفة وش سويتي؟؟
اخترتي واحد ما تعرفينه على علي.. علي ياجميلة
عـــلـــي
هذا زواج يا بنتي.. زواج وبتملكين الحين ولا تقدرين تراجعين عقبها
زواج يا بنتي زواج مهوب لعبة..
جميلة بصوتها المبحوح المتقطع وهو تحاول تركيز النظر لوالدتها بنظرها الذي ضعف مع المرض:
أدري يمه إنه زواج.. وأنا خلاص أبي خليفة
عفراء تلقي سلاحها الأخير والأخطر: جميلة لو خذتي خليفة.. ماني برايحة معش فرنسا
إذا أنتي مستعدة تروحين معه.. أنا ماعندي استعداد أروح مع واحد ما أعرفه
جميلة صمتت للحظة وهي تصارع أفكارها وجنونها: بكيفش يمه
عفراء انهارت جالسة على الكرسي.. لم يخطر ببالها أن جميلة قد تختار هذا الخليفة المجهول حتى عليها.. على أمها!!!
كيف ستتركها تسافر لوحدها مع رجل غريب وهي بهذا الوضع الصحي المزري؟!!
كيف؟؟
كــــيــــف؟؟
ألقت هذه الكلمة وهي شبه متيقنة أن ابنتها يستحيل أن تسافر دونها
كانت متأكدة إن هذا السلاح سيجعل جميلة تتراجع عن جنونها المتمثل في الموافقة على خليفة
وإذا بها تتورط مع ابنتها ومع جملتها!!!
**************************
"أنا ما أبي عبدالرحمن ما أبيه
تكفى ما تغصبني
ولا تحطها في الشيمة
لأنك تدري بغلاك.. فلا تستخدم غلاك سلاح ضد أختك"
تنهد مهاب بعمق.. يبدو أنه سيحتاج للكثير من اللف والدوران:
ياقلبي يا وضحى
ما يصير تقررين مصير في دقايق
اخذي وقتش وفكري
وما عليش من غلاي.. لأنش عندي أغلى
وضحى بحزم رقيق: عبدالرحمن ماينفع لي ولا أنفع له
مهما حاولت أنسى أو اتناسى.. شبح كاسرة بيظل بيننا
أنا وعبدالرحمن مشروع زواج فاشل
والمشاريع الفاشلة الأحسن الواحد ما يناقش فيها
طول عمري حاطة في بالي عبدالرحمن وقباله كاسرة
مايصير أحطه قبالي أنا.. والله العظيم مايصير ولا حتى تركب الصورة
مهاب يستعد للمغادرة وهو يلتقط هاتفه الذي يرن.. سينهي الجولة ولكن ليس الحرب.. يهمس بحزم:
إذا بغيتي الصورة تركب..
بتركب يا وضحى
بتركب!!
************************
"خليفة يأخوي من جدك هاللي سويته؟!!
أنت في كامل قواك العقلية
البنية يقولون لك تعبانة ويمكن تموت
كان خليت ولد خالتها هو اللي ياخذها
السالفة مافيها لعب"
"جاسم اسكت عني
الله يلعنك يا أبليس
والله ما أدري وش هببت
وش هببت؟!!"
انتهى عقد القران
انتهى
أصبحت جميلة زوجة لخليفة المصدوم الذي لابد أن يبدأ بالتجهيز للسفر معها غدا
فقط هو وهي
هـــــو
و
هــــــــي
فقط
#أنفاس_قطر#
مع نهاية أجزاء هذا الأسبوع سنطوي مرحلة من بين الأمس واليوم
أجزاء الأسبوع القادم سنبدأ فيها مرحلة جديدة أكثر إثارة وعمقا
سنتعرف على آخر عائلتين في بين الأمس واليوم
عائلتان مثيرتان جدا
الأسبوع القادم سنبدأ بالتعرف على كاسرة من الداخل
ومع نهاية الأسبوع سنقفز لذروة الإثارة مع شخصيتين من الشخصيات الجديدة
فإلى الملتقى بإذن الله ومشيئته
رواية بين الامس و اليوم الفصل السابع 7 - بقلم HaboOoshy
تضربني يبه؟!!
ما عمرك سويتها حتى وأنا بزر
تضربني وأنا رجّال في الثلاثين"
" ويوم أنك رجّال موجعك أني ما حشمت الثلاثين سنة اللي فاتت من عمرك
أجل اللي فات من عمره أكثر من 90 سنة ولا له حشمة ولا قدر.. وش يقول؟؟"
كاسرة المبهوتة من صدمتها لهول ماحدث أمامها تحاول أن تقف على الحياد
وتجد نفسها مجبرة على الإشاحة بنظرها حتى لا تقابل نظر مُهاب..
ومشاعر متضادة تصطرع في أعماقها
وجع.. انتصار.. خيبة.. ومن المؤكد كثير من الألم المتزايد الذي جثم على صدرها..
لم تكن تريد مطلقا أن تختبئ خلف جدها ليأخذ لها بحقها
ولم تكن حتى تتوقع أبدا أن هذا الرد الحاد الموجع قد يكون ردة فعله على مهاب
لو كانت تعلم كان يستحيل أن تتصل بمهاب وتطلب منه القدوم لمقابلة جدها..
لا تنكر أنها شعرت بشيء يشبه السعادة وهي ترى جدها يصفع مهابا
قد لا تكون صفعته بقوة صفعة مهاب لها ولا حتى نصفها
فالجد عاجله بصفعة قدر ماسمحت له قوته وضعف بصره بينما كان مهاب ينحني عليه ليقبل رأسه
ولكنها تعلم أن ألم الصفعة النفسي أكثر بكثير من الألم الجسدي
وعلى الطرف الآخر أيضا لا تستطيع منع نفسها من الإحساس بكثير من الألم الثقيل الوطأة .. وهي ترى أخيها الأكبر في هذا الموقف
وهو يؤخذ على حين غرة وبدون توقع وبهذه الصورة المهينة التي لم تعتد على رؤية مهاب المهاب فيها
(ينحني على جده ليقبله
فيعاجله بصفعة!!!)
قد لا يكون فعليا شعر بأي قوة لهبوط الكف الذاوية على خشونة عارضه
ولكن هذا على كان على مستوى القياس الجسدي الاعتيادي
ولكن على المستوى الروحي
كان الألم غائرا لأبعد حد
كما لو أن والدك يضربك لأنك ضربت أبنائك
والأبشع لو كان أولادك يشاهدون
كيف ستستطيع بعدها النظر لأولادك؟!!
كيف سيستطيع بعدها النظر لكاسرة؟!!
هتف مُهاب بحزم دون أن ينظر ناحية كاسرة: كاسرة اطلعي برا وسكري الباب وراش
ربما في موقف آخر كانت كاسرة لترفض ولكنها الآن شعرت أنها تريد لها سببا للهروب منحه لها مهاب
لذا انسحبت بصمت مثقل بوجع شفاف غير مفهوم وهي تغلق الباب وراءها
مُهاب جلس بجوار جده ثم التقط كفه وقبلها
ولكن الجد انتزع كفه بحدة في الوقت الذي كان مهاب يهمس باحترام:
يبه يوم أنك يوم دعيتني ناوي تضربني.. كان على الأقل قلت لكاسرة تروح لحجرتها
وعقبه سو فيني اللي تبي إن شاء الله تذبحني..
يبه كاسرة بالذات يالله قادر احكمها أشلون عقب ماضربتني قدامها
الحين قويت رأسها علي.. وهي أصلا رأسها قوي..
الجد بثبات غاضب: ضربي لك ما يعيبك.. لكن يعيبك ضربك لأخياتك اليتامى
وكاسرة منت بعاجز فيها
وأدري إن كاسرة على غلاها عندي يمكن تحد الواحد على ضربها
بس وضيحى وش سوت عشان تضربها
مهاب بهدوء نادم: اللي صار يبه.. غلطت وضربتهم وأنا بحل الموضوع ومالك إلا الرضا
طالبك ما تشيل بخاطرك علي..
الجد بعمق: أمنتك الله يا امهاب ماتضيم حد منهم.. أنا شيبة رجلي في القبر
سمعي ثقيل وشوفي ثقيل وحركتي يا الله يا الله
ماعاد باقن لي الا ذا الحشمة.. احشمني في بنياتي..ترا مايهين المره إلا الرخمة
وانت منت برخمة ياأبيك.. إلا رجّال وشيخ الرياجيل
لا تقهرهم ولا تغصبهم على شيء ما يبونه..
ترا ذي وصاتي لك.. والوصات ثقيلة يأبيك
مهاب بعمق مشابه وهو يميل على رأس جده ليقبله: أبشر يبه.. أبشر
****************************
بيت آخر في الدوحة
أسرة أخرى.. هم آخر !!
تتمدد على سريرها.. بطنها على السرير.. تستند على كوعيها لتقرأ في مجلة..
وساقاها الملفوفتان في بنطلون بيجامة زهرية تتلاعبان ذهابا وعودة
كانت مستغرقة تماما في القراءة.. لذا لم تنتبه لمن دخل حتى شعرت بقوة ضربته على ساقها تلاه صوته الغاضب:
كم مرة قايل لش ذا السدحة ما تنسدحينها والباب مفتوح.. هذا أولا
ثاني شيء الحين عقب صلاة الظهر وأنتي عادش لابسة بيجامتش..
لو إبي اللي داخل عليش الحين وش كان سويتي؟؟
توقفين قدامه وأنتي متشنقطة بذا السروال؟؟
حينها قفزت الشابة ليتناثر شعرها المصبوغ بالأشقر الداكن على كتفيها في لفات طبيعية حول صفحتي خدين ناصعي البياض لدرجة الإشراق
وهي تنفخ في جيبها وتهمس بطريقة مصطنعة:
يالله سكنهم مساكنهم... هما بيطلعوا أمتى دول على قولت أمي.. صبيت قلبي يا غنوم
حينها هتف غانم بجدية: كم مرة قايل لش غنوم ذي ما أبي اسمعها... نعنبو صار عمري 27 احترميني شوي
حينها همست بخوف مصطنع: يمه خوفتني... شوف يدي أشلون ترجف... شوفني خلاص بانهار.. بانهار... خلاص انهرت!!
قالتها وهي تلقي بنفسها على السرير وتخرج لسانها كله للخارج وتغمض عينيها في إغماء مسرحي مضحك
حينها ابتعد غانم خطوة وهمس بقرف باسم: أقرفتيني .. دخلي لسانش يا الوسخة..
حينها همست وهي مازالت على نفس الوضعية ولسانها يتدلى للخارج: أنا مغمي علي.. أشلون أدخل لساني...
ابتسم غانم لجنون شقيقته ثم قال بجدية: قومي سميرة.. بدلي ملابسش وانزلي لأمي.. محتاسة مع البزارين.. جننوها..
حينها قفزت سميرة وصاحت بغضب حماسي مضحك:
أما أمك هذي غريبة..
اللي مثلها المفروض تقول يالله حسن الخاتمة... مهوب يوم صار عمرها خمسين رايحة تجيب بزرين على آخر عمرها
والمشكلة ماعاد فيها حيل تبزي... اخذي ياسميرة وابزي..
جابت أول شيء القرد صويلح.. قلت يالله خطأ مطبعي.. ما نشره على الشيبان
لكن عقبها على طول ترجع وتحمل وتجيب السحلية مهاوي... هذي عاد متقصدة هي وشايبها...
ومن زين الانتاج بعد.. صدق انتاج شيبان مخبطين... شواذي يلوعون الكبد...
قال بزران قال... هذولا آفات..
حينها انفجر غانم بالضحك: وهذا كله شايلته في قلبش يا حرام...يا مظلومة...
حينها ابتسمت سميرة: إيه وش عندك اضحك.. على طقم السنون اللي يلمع هذا
ولا ابتسامة نجم سينما
غانم يضحك: الله أكبر يأم عيون...
سميرة بمرح: عدال يا غنوم... ترا كله إلا سنون تركيب.. وش بأنظل عاد
ثم أردفت سميرة بخبث لطيف وهي تخفض صوتها وتلتصق بغانم: إلا غانم صدق صدق..
اللي تكسرت سنونك عشانها .. تستاهل إنك تهاد عشانها.. ويكسرون بظمك الشين بعد؟؟؟
حينها أبعدها غانم عنه بغضب: كم مرة قايل لش ذا الموضوع ما تفتحينه... الشرهه علي إني علمتش.. المفروض خليتها هدة شباب وبس... وما قلت لش السبب
سميرة باستجداء مرح: غانم حبيبي.. غنومتي تكفى... بأموت أبي أدري..
شوف كم لك معلمني ثلاث وإلا أربع سنين يمكن... والله ماحد درا
بس أبي أدري هي حلوة تستاهل إن غنوم الجنتل يحوسون وجهه عشانها...
تكفى فضول بنات... تهون عليك سميرة حبيبتك
حينها غادر غانم دون أن يرد عليها.. ليقف عند الباب ويهمس بحزم:
لا تأخرين على أمي... محتاسة بين الاثنين وماعندها حد من الخدامات... بسرعة انزلي...
بعد دقائق تنزل سميرة لتجد والدتها تحمل الصغيرة ذات الأشهر الثلاثة على ساقيها..
والصبي الذي أكمل عامه الأول للتو تهزه على مقعده الهزار وصراخه يتعالى..
سميرة تنحني لتقبل رأس والدتها ثم تتناول صالح من مقعده لتجلسه في حضنها
وهو تحتضنه بحنو وتوزع قبلاتها على وجهه ويديه وهي تهمس بحب شاسع :
(يا لبي قلبه.. يهبل ياناس.. من وين ياكلونه ذا السكر ذا) وهي تتناسى كل شتائمها في الأعلى قبل دقائق
همست والدتها بتعب عميق: زين جيتي.. تعبانة خالص...هلكوني
سميرة برقة: والخدامات وينهم؟؟ غانم جايب لش ثنتين حق البزارن بس.. وما تخلينهم حتى يمسكونهم..
أم غانم بإرهاق: دول لسه لحمة حمراء.. أزاي أخلي الخدامات يبزونهم
حينها انفجرت سميرة ضاحكة: أما عاد يمه (أزاي يبزونهم) ذي... مافيها حيلة على قولت حمد السعيد..
ابتسمت أم غانم بتعب: الله يا بت.. لازم تعزربي بس..
انفجرت سميرة بضحك هستيري: (تعزربي؟؟) بس يمه تكفين... بطني.. بأموت
"شوي شوي لا تموتين على روحش بس"
التفتت سميرة لمصدر الصوت الباسم .. التفت لناحية الباب الذي يؤدي للمطبخ الخارجي
حيث دخلت شابة لتنتزع جلالها ويظهر وجهها المحمر من حرارة الجو
ابتسمت سميرة: هلا طماطة هانم أنتي ما تشبعين من قعدة المطابخ..
ما ألوم صويلح طردش من بيته... تقابلين المطبخ أكثر ما تقابلينه
ابتسمت الشابة: أقله يوم رحت للرّجال مافشلت روحي.. بيضت وجهه في كرايمه وعزايمه
أما أنتي الله يخلف على اللي بتاخذينه ما تعرفين حتى تسلقين بيضة
لاعبت سميرة حاجبيها: بأسوي له كل يوم بديكير ومنيكير ويحمد ربه
الشابة انحنت على والدتها وأخذت الصغيرة من يدها وهمست بحنان:
يمه روحي أنتي نامي.. شكلش منتهية من التعب.. ولا تحاتين صلوح ومهاوي
أم غانم بتردد: وعيالش يمه؟؟
الشابة بحنو: عيالي اليوم عند إبيهم ومهوب جايين الا في الليل
ثم ابتسمت: وبعدين عيالي صاروا شيبان أصغرهم عزوز قرب يكمل خمس سنين..
أم غانم غادرت تسحب قدميها لغرفتها القريبة التي نقلتها للطابق السفلي بعد أن أصبحت عاجزة عن صعود الدرج بشكل متكرر
بينما همست سميرة بخبث وهي تميل على أختها: وش عندش راضية على أبو العيال.. خليتيه يأخذ الشباب طول اليوم
همست الشابة بغيظ: ياختي ما أبيه يلاقي سبب يدقدق علي (خليهم معي شوي) وانا عارفة إنه يتلكك عشان يكلمني بس..
قلت لخويلد يقول له إنهم اليوم بيقعدون معه لين في الليل
حينها همست سميرة بمرح: ياحرام على الحركات يا ويلي يا ويلي
ثم أردفت بابتسامة أكبر: اما يا نجول خسارة اسم اخي صلوح اللي سميناه على رجّالش
رفعت نجلاء حاجبا وأنزلت الآخر: والله يا حبيبتي ما سميتوا صالح عشانه رجّالي.. لكن عشانه عاجبكم
وبعدين يا حبيبتي ترا سماوة أبو خالد لحد الحين واقفة في حوشكم وهي اللي توديش وتجيبش
سميرة تضحك: يه يه يه.. بتذلنا عشان رجالها عطانا سيارة سماوة عليه..
هذا أصلا أقل شيء يسويه.. يحمد ربه سمينا ذا القرد عليه.. قصدي الغزال
(قالتها وهي تدير وجه صالح الصغير ناحية نجلاء وتعتصره بين سبابتها وإبهامها)
نجلاء بغضب رقيق: هدي صلوح يالخبلة.. آجعتيه..
وبعدين لا عاد تقولين رجّالي.. ما أحب تذكريني
سميرة تهز كتفيها: ويعني ولو ما قلت رجّالش.. بيغير من الوضع شوي.. لا هو اللي طلقش.. ولا أنتي إلا رجعتي
نجلاء بحزم موجوع: مصيره يمل يطلقني..
سميرة بهدوء مختلف عن شخصيتها الصاخبة: يا خوفي يتزوج وهو معيي ومعند ما طلقش..
همست نجلاء بضيق شعرت به يكتم على أنفاسها فجأة: يعني سمعتي سالفة إنه يبي يتزوج؟؟
سميرة بهدوء : سمعت مثل ما سمعتي...
إنه يخطب جوزاء أرملة أخيه.. أخت اشعيع بنت فاضل
نجلاء بضيق متزايد تحاول كتمانه: غريبة إن صالح مانفذ وتزوجها أو تزوج غيرها .. لأن صالح ما يقول شيء إلا هو بيسويه فعلا
لكن هي أو غيرها ما يهمني.. المهم يطلقني قبل ما يتزوج
سميرة تبتسم: ماظنتي يطلقش.. أنا عمري ما شفت رجّال يحب مرته مثل ما صالح يحبش..
نجلاء بحزن عميق: أمحق حب يعرفه صالح.. وش الحبيب اللي يعاير حبيبه في الطالعة والنازلة..
سميرة انتفضت بغضب حاد مفاجئ: أمي تاج رأسه هو وهله وطوايفه.. أمي مهيب عيارة
نجلاء بضيق عميق عميق: أكيد سميرة أمي مهيب عيارة.. بس لما يكون هو قاصد يعايرني ويهيني مستحيل أسكت..
تخيلي بكرة كل ما يعصب يقول لي قدام عيالي يا بنت المصرية..
لما كان يقولها على سبيل المزح.. مثل: خذتي هالحمار والبياض من خوالش المصريين.. كنت عادي أمشيها ولو أني ماعندي خوال
بس صار كل ما يعصب علي يقول لي يا بنت المصرية.. كن مالي أب أو مالي اسم..
يعني مافيه يا بنت راشد ولا يا نجلاء ولا يأم خالد.. بنت المصرية وبس
ثم بدأ صوت نجلاء بارتعاش: يعني ما حشم أني بنت عمه ولا أم عياله.. ولا عشرتنا ذا السنين اللي فاتت كلها..
خلاص مافيني أستحمل والله مافيني...
عاد كله ولا عيشة مع رجال ما يحترمش ويحترم هلش.. حتى لو هو يذوب في الأرض اللي تمشين عليها
سميرة ترفع عينيها لغانم الذي ينزل الدرج بثبات حازم وتهمس بخفوت:
اقصري السالفة.. غانم نازل... لو درا ، مهوب بعيد ييتيم عيالش.. مجنون ويسويها
************
بعد صلاة العصر..
خليفة يتجهز للسفر وهو لا يعلم حتى إن كانت تأشيرته ستنتهي في الغد كما وعده زايد
يشعر كما لو أنه مخلوق آلي يتحرك بدون أي احساس
هاهو يضع ملابسه في حقيبته.. يشعر كإحساس ضائع في لجة محيط مرعب
فهو اعتاد دائما على التخطيط الدقيق.. والارتجال يربكه
حين قرر الوقوف في وجه زايد كان مخططا بسيطا سينتهي برفض جميلة له ولكنه في ذات الوقت سينتهي بنوع من الرضى النفسي له
لأنه استطاع أن يجعل غيره يشعر بما شعر به
وغريب هو الإنسان الذي يجد في سلواه في رد الأذى عن نفسه أن يمارس ذات الأذية في حق الآخرين
ولكن هاهو الآن رجل متزوج ومسؤول عن فتاة مريضة حمّلته والدتها مئات الرجاءات المبللة بالدموع:
تكفى ياخليفة يأمك.. جميلة اختارتك حتى علي أنا
اختارت ريحة إبيها فيك.. تكفى ما تخذلها
جميلة مريضة واجد ووضعها صعب.. والحالة النفسية أهم خطوة في العلاج
تكفى ماتخليها دقيقة ولا تحسسها بالغربة..جميلة عمرها مافارقت حضني دقيقة
وتراها من رقبتي في رقبتك..
تكفى يامك..
تكــــفى..
تـــــــــــكفــــى
صدى صوتها يتردد في كيانه المثقل.. ليختلط مع صدى صوت الطبيبة التي راح يستوضح منها عن مرض جميلة بالتفصيل
ليزداد ضياعا على ضياعه..وارتباكا فوق ارتباكه:
جميلة مصابة بمرض فقدان الشهية العصبي anorexia وفي مراحل متقدمة من المرض ووضعها متدهور
يعني يأخ خليفة وبما أنك زوجها خلني أصارحك
إن أم زوجتك تأخرت كثير في علاجها يعني المفترض على الأقل 6 شهور من بدء المرض تجيبها عندي لكن هي جابتها بعد سنة
لأنها اعتقدت انه هذا مجرد ريجيم تعمله بنت مراهقة..
بينما بعد الست شهور فكرة النحافة تصير هوس عند المريض..ومهما نحف يظل يعتقد انه يحتاج للمزيد
وبعد ذلك تأخروا في السفر لمصحة للحالات المتدهورة واللي انا لي زمان انصح فيها
الآن انت قدامك مشوار صعب.. لأنه جميلة نفسها لازم يكون عندها رغبة قوية للعلاج وهالشي مش موجود..
جميلة لحد الآن مقتنعة إنها تعاني من السمنة وترفض الأكل ..
ولازم أصارحك إن 70 بالمئة من العلاج بيعتمد عليك بما أنك الوحيد اللي بتكون معاها..
لازم تمسك العصا من النص تشد عليها عشان الأكل.. وفي نفس الوقت تكون حنون عليها..
ولازم تزرع فيها رغبة العلاج وتقنعها انها الآن نحيفة بطريقة ماتعزز الأنوثة عندها لكن تسلبها
ولازم تقنعها إنك تحب الجسم المليان.. وماتحب الوحدة الهزيلة بهالشكل
حينها انتفض خليفة بجزع: أنا؟؟
الدكتورة أكملت بابتسامة: أيوه أنت.. لأنه بما أنك زوجها ..
فأكيد هي تبي تكون حلوة وجذابة في عيونك.. فلازم تعزز هالشيء عندها
الشيء الثاني وعشان تكون على بينة.. مرض فقدان الشهية في مراحله الاخيرة يؤدي لتوقف الدورة الشهرية
وفعلا دورة جميلة متوقفة من أكثر من 7 أشهر.. ورحلة العلاج راح تكون طويلة فعلا..
وبتستغرق وقت أطول لرجوع الدورة الطبيعية وهالشيء يمكن يأثر على الحمل حتى في حال شفاء جميلة إن شاء الله
كان وجه خليفة يتلون بشتى الألوان والطبيبة تتحدث وهو يسب نفسه على إدخال نفسه في كل هذا..
حتى وصلت الطبيبة لموضوع الحمل ليمتقع لونه تماما ويهمس بحرج:
أي حمل يا دكتورة؟!!.. خليها الحين ربي يشافيها على خير.. ولكل حادث حديث
وهاهو يستعيد كل هذا في ذهنه وهي يرتب ملابسه بذات الآلية الرتيبة دون حتى أن ينتبه لدخول شقيقه جاسم عليه:
"خليفة يأخوي من جدك هاللي سويته؟!!
أنت في كامل قواك العقلية
البنية يقولون لك تعبانة ويمكن تموت
كان خليت ولد خالتها هو اللي ياخذها
السالفة مافيها لعب"
نظر خليفة لجاسم نظرة خالية من الحياة وهمس بسكون :جاسم اسكت عني
ثم أردف بضيق: الله يلعنك يا أبليس..والله ما أدري وش هببت..وش هببت؟!!"
جاسم يجلس على السرير وهو يشبك يديه أمامه بقلق: خليفة لو ماتت البنت عليك وانتو بفرنسا لا قدر الله
أشلون تقدر تحط عينك بعين أبو كسّاب اللي قعد ساعة عقب الملكة يوصيك عليها جنه معطيك قطعة من يوفه...
والله العظيم أني ظنيت انه مزوجك بنته موب بنت عمنا
خليفة بقلق مشابه: لا تفاول ياجاسم إن شاء الله ما نرجع الا وهي مثل الحصان
جاسم بحزم: خليفة لا تاخذك العزة بالأثم.. طلق البنت وخل أهلها يسافرون معاها مثل ماكانوا مقررين
انتفض جسد خليفة بعنف ليقذف بالقميص الذي كان بيده داخل الحقيبة بحدة وهو يلتفت بغضب لجاسم:
شنو شايفني عشان أسوي جذيه.. حرمة؟!!
يمكن غلطت في تهوري.. بس خلاص جميلة صارت حرمتي.. وأنا الحين اللي مسئول عنها
ومستحيل أتنازل عن مسؤلياتي لأحد.. ومستحيل أصغر نفسي قدام الرياييل..
جاسم يقف وهو يهمس بحزم: أنا بريت ذمتي خلاص وأنت بكيفك..
*****************************
"اشعيع ومرض.. سكري الدريشة لا أحد يشوفش"
شعاع تلتفت لجوزاء وهي تهمس بملل: ليت حد يشوفني بس
خير شر ماعاد تشوفين في ذا الشوارع حد مزيون.. يا سواق بنغالي والا هندية طاقة من بيت أهلها
الظاهر وقفوا عن تصنيع المزايين على حظي..
جوزاء تجلس ابنها على حجرها وتهمس: زين يالزينة اللي تدورين المزايين ليش مادة البوز؟؟
شعاع بحماس غاضب: وضوح الكلبة ماترد على تلفوناتي
جوزاء تهز كتفيها: وخير ياطير ماردت.. وش حارقش أنتي؟؟
شعاع بغضب لطيف: أشلون خير ياطير... باموت أبي أعرف وش رأيها في خطبة عبدالرحمن ؟؟
جوزاء بسخرية: رأيها؟؟ تحب يدها مقلوبة اللي جاها واحد مثل عبدالرحمن..
غير عن أخلاق عبدالرحمن العالية وكونه دكتور جامعة..عبدالرحمن حتى على مستوى الزين أحلى منها..
شعاع بابتسامة: ماخذة مقلب قي أخيش.. ترا عبدالرحمن ماشيء حاله .. مهوب ذابحة الزين ترا
ثم أردفت باستغراب: بس أنتي صدق ما ينعرف لش توش اليوم الصبح تقولين وضحى أحسن من أختها المعقدة
يعني ماعجبش يوم خطب الحلوة ولا عجبش يوم خطب العادية..
جوزاء تضحك: عادية؟!!.. تحبين تخففين المسميات.. وضحى مهيب حلوة أساسا
حينها انتفضت شعاع غضبا: وضحى مافيها قصور.. وزين أخلاقها يغطي على كل عذاريبها.... هذا لو فيها عذاريب!!..
ثم تهورت شعاع في غضبها وهي تصرخ: وهي أساسا أحلى منش وأخلاقها أحسن من أخلاقش.. وما أسمح لش تغتابنيها
جوزاء انتفضت بغضب كاسح: أنا يام لسان.. أنا ياقليلة الأدب؟؟ تطولين لسانش علي عشان بنت خالش..
شعاع بذات الغضب: بنت خالي مهيب هنا ترد عن نفسها.. وإلا أنتي بس تبين تعذربين في الناس
لا كاسرة عاجبتش ولا وضحى عاجبتش... عشانش وحدة معقدة وتبين تطلعين عقدش في الناس
حينها مدت جوزاء يدها لشعر شعاع وأنشبت أناملها فيه وشدته بقسوة:
والله لا عاد تطولين لسانش علي لا تشوفين شيء مايسرش... وو.....
كانت شعاع تصرخ بألم وهي تحاول تخليص شعرها من براثن جوزاء
وكانت جوزاء مازالت ستتكلم وتسب وتصرخ فشعاع جاءت على وجيعتها تماما
حتى شعرت باليد الصغيرة التي تضربها والصوت الباكي: ماما خلي شاشا خليها
لتنتفض بعنف جازع وتفلت شعر شعاع وهي تنظر ليديها برعب كالمذهولة ثم تحتضن صغيرها:
بس حبيبي أنا آسفة.. كنت ألعب مع شاشا حبيبي
بينما تأخرت شعاع للزواية تبكي..
حين أسكتت جوزاء ابنها.. اقتربت منها وجلست جوارها وهمست بحنان انقلبت فيه من النقيض للنقيض.. حنان ولّده صغيرها حسن:
آسفة شعاع آسفة سامحيني ياقلبي
ولكن شعاع تأخرت للخلف.. بينما جوزاء قرصت خدها برقة: خلاص اشعيع انتي بعد طلعتيني من طوري
شعاع بين شهقاتها: يعني تبين أخليش تأكلين في لحمها وأسكت..أنتي تعرفيني ما أسكت على الغلط
جوزاء بجزع: ياكبرها عند الله... استغفر الله استغفر الله... خلاص يا بنت الحلال أخر مرة أجيب سيرة حد.. ماقصدت شيء والله العظيم
ثم أردفت بمودة صافية : أنتي عارفتني.. يالله عاد مايهون علي زعلش
آخر مرة أخر مرة صدقيني..
سكتت شعاع وهي تضع رأسها على كتف شقيقتها استجابة لمد جوزاء ليديها لها.. وهي تعلم أنها لن تكون المرة الأخيرة كما تقول
لن تكون الأخيرة!!
حتى وإن كانت لا تقصد كما تقول.. فهي ستقول.. ثم ستندم.. ثم ستقول.. فتندم
في دائرة لا تنتهي من التناقضات التي تغضب جوزاء نفسها قبل أن تغضب غيرها..
فهذا دأب جوزاء بشخصيتها المتقلبة العصية على التفسير
والتي ظهرت بشكل مركز بعد حادثة وفاة زوجها الغريبة!!
********************************
"كاسرة يأمش.. روحي شوفي وضحى..ماطلعت من غرفتها من صبح..مع إن امهاب جاني وتعذر مني ويقول إنه أرضاها
فليش ما نزلت.. وحتى الغداء ما تغدت.."
كاسرة بابتسامة: كفاية أنا تغديت معش..
كاسرة تجاوزت ضيقها كلها من صفعة مُهاب لها صباحا.. فجدها اقتص لها منه.. وأراحها من التفكير بوسيلة للتنكيد على مُهاب ومعاقبته
ولكنها طبعا لم ولن تخبر أحدا بما حدث.. ربما كان السبب الأبرز أنها بطبعها كتومة لأبعد حد..
وربما لأنها لم ترد إثارة غضب والدتها..
وربما لانها في عقلها الباطن ترفض فكرة إهانة مُهاب ونشر خبر إهانته
وربما لانها شعرت أنها في ذات اللحظة التي ارتاحت فيها عادت لتتضايق من أجله..
مزنة بضيق: قومي يا بنت.. تبين تقارنين وضيحى اللي كل شيء يحز بخاطرها بوحدة مثلش وجهها بليته..
كاسرة مازالت مبتسمة: أفا يام امهاب.. أفا.. الدعوة خاربة...
الحين هذا انضربت معها.. ولا حد عبرني.. ولا حد رضاني
لكن أبشري بأروح لأم دميعة أشوف علومها
كاسرة وقفت للتوجه للأعلى.. بينما وصلها صوت والدتها الحازم:
إياني وإياش توجعينيها بالحكي.. أعرفش إذا بغيتي تصيرين مغثة.. صرتي أكبر مغثة..
التفتت لها كاسرة وهي تكاد تصل أسفل الدرج ومازالت تبتسم:
تدرين يامزنة.. مالي خاطر أزعل عليش.. بس ما يضر نسجلها في الدفتر.. يمكن نعتازها بعدين
كاسرة صعدت للأعلى بخطوات هادئة حتى وصلت لباب غرفة وضحى.. طرقت الباب بهدوء وحزم ثم فتحت مباشرة..
لتتفاجئ أن وضحى تجلس على مكتبها منخرطة في الاستذكار
كاسرة هتفت بسخرية: ماشاء الله الأخت تدرس.. ومخلية أمي قلبها ماكلها عليش
وضحى رفعت عينيها بعتب عميق وساخر في ذات الوقت: والله ماحد طل علي ولا سأل عني..
وبعدين حنا في آخر الكورس وامتحاناتي خلاص ماباقي عليها شيء.. وأنا كورس تخرج
وش تتوقعين أسوي.. أتحزم وأرقص يعني؟!!
كاسرة أنزلت حاجبا ورفعت الآخر وهي تميل شفتيها بسخرية: عشتو.. وتنافخين بعد
والله ظنتي إن أخيش حبيب قلبش هو اللي معطيش طراق مهوب أنا ولا أمي
وضحى بذات السخرية: والله امهاب جعل يومي قبل يومه.. جاني وراضاني وسمّح خاطري
حينها اقتربت منها كاسرة بغضب.. لتنكمش وضحى قليلا وهي تشعر أن كل شجاعتها التي حاولت تجميعها تبخرت
همست كاسرة بغضب خفيض وهي تقف فوق رأس وضحى:
أنتي شنو جنسش؟؟ لعب عليش بكلمتين.. وقولي بعد إنش بتوافقين على عبدالرحمن أبو تمبة
وضحى تفرك يديها وهي تنظر للكتاب بين يديها وهي تقرر اتخاذ استراتيجية أخرى..
لتهمس لكاسرة باحترام مدروس تماما غذت به غرور كاسرة: هل تشوفين فيه عيب؟؟
حينها تنهدت كاسرة بارتياح لأنها شعرت أن زمام الأمور عاد ليديها وتراجعت لتجلس على طرف السرير قريبا من وضحى
وهمست بهدوء حازم: عبدالرحمن بنفسه.. مافيه عيب أبد..
بس أنا ما أحب حد يجبرش على شي أنتي ما تبينه أو منتي بمقتنعة فيه
حينها همست وضحى باستجداء تمثيلي بارع لا تقصده مطلقا..
ولكنها طريقة تعرف أنها تنفع مع كاسرة التي تكره أن يعاندها أحد.. وإذا رأت أن من أمامها يستسلم فهي تتنازل عن كثير من حدتها:
زين كاسرة.. ويوم أنه مافيه عيب أبد.. ليش ما وافقتي عليه؟؟..
وهل ياترى لو أنا وافقت عليه.. الموضوع بيضايقش؟؟؟
حينها ضحكت كاسرة برقة: أتضايق وليش أتضايق؟؟ من جدش ذا السؤال..
طبعا مستحيل أتضايق وهذي إجابة السؤال الثاني.. وإذا كان هذا سبب رفضش له تكونين غبية
أما إجابة السؤال الأول فعلا عبدالرحمن مافيه عيب عندي إلا عمره.. أشوفه صغير واجد علي
وضحى باستغراب شديد وهي تعرف للمرة الأولى سبب رفض كاسرة لعبدالرحمن:
صغير؟؟!! وواجد؟؟ عبدالرحمن عمره 31 سنة يعني أكبر منش بخمس سنين!!
حينها ابتسمت كاسرة: أنا واحد أقل من الاربعين ما أبي
وضحى بدهشة عميقة: كاسرة أنتي صاحية؟؟ وحدة في جمالش وشخصيتش وش يحدها تأخذ شيبة؟!!
اللي مثلش تحط رجل على رجل وتختار في أحسن الشباب
كاسرة بذات الابتسامة: واحد في الأربعينات ماينقال له شيبة.. لكن ينقال رجّال.. ثقل ورزانة وشخصية تبلورت خلاص..
ثم أردفت وهي تقف بالقرب من النافذة وتنظر للخارج:
تدرين وضحى.. أنا أدري إن شخصيتي قوية.. لكن في ذات الوقت ما أبي شخصيتي تطغى على شخصية اللي بأتزوجه..
لو خذت لي شاب صغير.. صدقيني أنا اللي بأفرض عليه كل شيء أبيه
لكن لو خذت رجال عدى الأربعين.. رجّال شخصيته مكتملة ومتبلورة من سنين.. صعب أفرض عليه شيء...
وهذا هو اللي أنا أبيه... رجّال صدق..
وضحى وقفت بجوارها وهي تنظر معها للخارج وتهمس باستنكار رقيق:
أفكارش غريبة صريحة... كم شاب في الثلاثينيات أو حتى العشرينيات شخصيته قوية ومستحيل حد يفرض عليه شيء
الحين امهاب مثلا توه ثلاثين.. تعتقدين إنش تقدرين تفرضين عليه شيء؟؟
كاسرة ببساطة: شخصية امهاب غير.. وظروفنا كانت غير..
امهاب اضطر يتحمل المسئولية وهو صغير.. وذا الشيء قوى شخصيته
وخصوصا مع تربية أمي اللي هي بعد كانت غير
وضحى عاودت الجلوس على مكتبها وهي تهمس بالاحترام المدروس إياه:
بصراحة كاسرة كلامش مهوب مقنع.. اسمحي لي
حينها التفتت كاسرة لها وهمست بهدوء: مهوب لازم تقتنعين المهم أنا مقتنعة
وثاني شيء انزلي لأمي شوي.. أمي تحاتيش
ثالث شيء إذا أنتي مقتنعة بعبدالرحمن وكنتي تبين ترفضينه عشاني.. فخلي منش ذا الخبال.. وسوي اللي أنتي مقتنعة فيه وبس وماعليش من حد
أكملت كاسرة عبارتها وانسحبت بهدوء لتغلق الباب خلفها..
بينما توجهت وضحى لتستبدل ملابسها وتنزل لوالدتها وكثير من الأفكار تزدحم في خيالها
وهي تشعر براحة عميقة لجلسة المصارحة الغريبة بينها وبين شقيقتها..
فهذه المرة كانت من المرات القليلة التي تفتح كاسرة قلبها وتحكي مابداخلها!!
**************************
بعد صلاة المغرب
في سيارة كسّاب التي تطوف شوارع الدوحة دون هدف
"كسّاب ولا عليك أمر.. اصفط عند أول محل سفريات بتلاقيه"
كسّاب باستغراب: ليه محل سفريات؟؟
علي بهدوء: بأحجز على أول طيارة طالعة الليلة من الدوحة.. بأرجع لشغلي..
كسّاب باستفسار: واشدراك انك بتلاقي لك حجز على جنيف الليلة وبذا السرعة؟؟
علي بذات الهدوء: لو مالقيت لجنيف طلعت للنمسا وإلا ألمانيا وإلا إيطاليا
ومنها بالقطار لجنيف.. معي تأشيرة شنغن لكل دول الاتحاد الأوربي
كسّاب بتساؤل لم يقصد منه شيء فعلا: وليش مهوب لفرنسا.. جنيف على حدود فرنسا على طول ..
انتفض علي بخفة: فرنسا لا.. ما أبي أروح لفرنسا
حينها انتفض كسّاب بغضب: يعني هربان؟؟ لمتى ذا الهروب يا علي.. لمتى؟؟
متى بتقعد وتواجه
علي بذات هدوءه الساكن: إذا أنا هربت برا ديرتي.. فأنت هربت وأنت فيها
لا تقعد تفلسف علي يا كسّاب
لأني الليلة آخر واحد محتاج فلسفة.. أنا بس أبي أختلي بنفسي
*******************************
انتهى عشاء للرجال في مجلس فاضل بن عبدالرحمن.. غادر الجميع..
حتى أبو عبدالرحمن نفسه استاذن وترك الشباب ليسهروا بعيدا عن أعين ورقابة "الشيّاب"
بقي فقط عبدالرحمن ومُهاب وتميم..
تميم يريد المغادرة.. ولكن لأنه هو من أقل مُهاب بسيارته لا يستطيع أن يتركه
بدأ يشعر بالملل وبمرارة غريبة والشابين الأكبر منه ينخرطان في حديثهما الخاص والصاخب ليتناسيا وجوده
ورغم ضيقه من ذلك إلا أنه في احيان كثيرة يتمنى ان يتناسيا وجوده كليا..
فتلك الإشارات التي تشبه الصدقات التي يمنون بها عليه من وقت لآخر تؤذيه أكثر مما تسعده
يشيرون له يسألونه عن رأيه في مباراة المنتخب بالأمس.. أو ربما حدث سياسي اليوم..
فيشير لهما إشارة مجاملة قصيرة ردا على مجاملتهم
ثم يعود غارقا في الصمت الساكن بعيد عن ضجيج كلماتهم
تناول هاتفه المحمول ليلتهي به.. وحتى لا يشعرهم بملله المستحكم..
حينها التفت عبدالرحمن لمهاب وهمس بمرح: يالله قوم توكلوا لبيتكم
مهاب بابتسامة: أفا... هذي طردة أنت ووجهك؟!!
عبدالرحمن بابتسامة مشابهة: تميم شكله زهق وحن حابسينه معنا..
ثم أردف (بعيارة): وبعدين تميم هو اللي ولد خالي.. وإلا أنت حيا الله أخ ولد خالي
مهاب يضحك: لا يا مسود الوجه ذي أخرتها.. صدق مافيك خير
ثم أردف بمرح: تلاقي ولد خالك مستعجل يبي يروح لوضحى يصب علومه عندها.. ماحد يفهم له مثلها.. واليوم مابعد عطاها علومه
حينها همس عبدالرحمن بدفء مَرح: لا يكون بكرة أخيك كل شوي ناط عند مرتي ومزعجنا
تنحنح مُهاب بحرج وقفز لموضوع آخر ولكن في ذات الاتجاه:
أنت عارف إن تميم يبي يتزوج بس الوالدة مهيب راضية الله يهداها
لم يفت ذكاء عبدالرحمن قفزة مُهاب الذكية لموضوع آخر.. لكنه قرر أن يتجاوز هذه المرة وحاول أن يهمس بطبيعية:
وتميم يعني يعرف وحدة معينة في نفس حالته عشان كذا مصمم عليها
قطب مُهاب جبينه: وين يعرف الله يهداك... هو مقرر يسأل أو يستعين بخطابة لو وافقت أمي..
عبدالرحمن باستغراب: خطّابة؟؟؟
ابتسم مهاب: إيه خطّابة...
ثم أردف بسخرية: ليه يعني أنت تعرف حد عندهم بنت نفس حالة تميم.. وفي نفس الوقت تناسبه؟!!
صمت عبدالرحمن لدقيقة كأنه يفكر ..ثم همس بعمق: من حيث أني أعرف... فأنا أعرف
*************************
بيت زايد آل كسّاب
وقت متأخر من ذات الليلة
يدخل كسّاب إلى البيت وهو ينتزع غترته عن رأسه ويلقيها على أقرب مقعد بتعب
يعبر الصالة الواسعة ليتجه للأعلى.. كان مرهقا بالفعل ومستنزفا نفسيا وجسديا
لذا لم ينتبه للجالس الذي عبر من أمامه تماما
"صحيح إني قصير.. بس مهوب لدرجة إنك ما تشوفني"
استوقفه الصوت الحازم الذي لم يخلُ من رنة غضب
تنهد كسّاب بعمق.. فأخر شيء تمنى أن ينهي به هذه الليلة المريعة هو والده
تراجع وهو يهمس باحترام: مساك الله بالخير يبه
زايد بغضب: ماعاد هو بمسا قده صبح يالشيخ
تنهد كساب وهو يحاول أن يجيب بتهذيب: يبه الله يهداك من متى تحاسبني على التأخير..
زايد بذات الغضب: ليه كبرت على المحاسبة.. وأخيك الثاني وينه؟؟ مهوب معك؟؟ ليش تأخر هو بعد؟؟
كساب تنهد للمرة الألف: اللي أخرني هو علي.. لأني وديته المطار.. وطيارته توها طارت..
زايد بجزع لم يستطع اخفاءه: وين راح؟؟
كساب بنبرة لا تخلو من سخرية مبطنة موجوعة: رجع لشغله.. وشو له يقعد!!
زايد بصدمة غاضبة متوجعة: وبدون حتى مايقول لي ولا يسلم علي؟؟
كساب بذات النبرة الساخرة الموجوعة: يبه أنت مشغول اليوم في ملكة خليفة اللي بديته على ولدك..
زايد بنبرة حازمة: اقصر الحكي يا ولد وتلايط
كسّاب بغضب: لا ماني بقاصره..يعني حتى الحكي نغص به وما نحكي..
هذه المرة من رد بسخرية هو زايد: ومن متى وأنت تحب تأخذ وتعطي معي.. يوم تشوفني تركبك السكون
كسّاب يتجاهل تعريض والده لينظر له بنظرة مباشرة ويهمس بنبرة ذات مغزى:
يبه.. علي يوم بغى جميلة.. بغاها لأنها تربت في بيته وقدام عينه ولأنها بنت خالتي اللي مثل أمنا
لأن جميلة في وضعها الحالي تعتبر كارثة على أي زوج..
عــــدا..........
لو تموت ويورثها
فانت إسأل نفسك وش اللي يخلي خليفة هذا يتزوجها؟؟
فكّر في ذا السؤال زين... ومثل ماكان ذنب علي في رقبتك.. ترا ذنب جميلة وأي شي بيصير لها في رقبتك بعد
ألقى كسّاب بعبارته المسمومة وانسحب صاعدا تاركا زايد يزأر كأسد مجروح بعد أن أثارت كلمات كسّاب مخاوفه التي تخنق روحه:
صدق إنك تربية منصور.. لسانك سم مثله
ما تعرفون تقولون كلمة خير
كساب يهمس بهدوء ملغوم وهو يصعد: ماحد رباني غيرك طال عمرك
عاود زايد الجلوس لينتزع غترته ويلقيها جواره بغيظ وقهر
يمرر أصابعه عبر خصلات شعره بإرهاق
كل المشاعر الكثيفة التي تثور في أعماقه كالبراكين انزاحت أمام شعور مرّ بالوحشة
كم هو مشتاق لهذا الفتى الذي غادر دون أن يزرعه في أحضانه
ليخزن في روحه بعضا من عبق رائحته علها تصبره على البعد
كيف يذهب ويكون آخر ما رآه منه ظهره يخرج مقهورا مثقلا بالأسى
ويجد زايد نفسه ممزقا بين رغبته في اللحاق به
وبقاءه مع أحمد وأبنائه للتناقش في التفاصيل
كانت الأولى هي الرغبة والثانية هي الواجب
لينتصر الواجب على الرغبات
ويبقى هو ممزق الروح معلقا بين خوفه وحزنه..
خوفه على جميلة وعلي.. وحزنه عليهما!!!
*******************************
مهاب يدخل إلى غرفته بعد أن عاد من سهرته مع عبدالرحمن التي طالت طويلا
بعد أن سمح لتميم أن يعود للبيت لوحده على أن يوصله عبدالرحمن بعد ذلك
لا ينتبه لضيف لطيف يقبع على سريره.. لأنه خلع ملابسه وتوجه للحمام مباشرة ليتوضأ ويصلي قيامه أولا
حين توجه لسريره ليتمدد.. وجد وردة جورية بيضاء تتمدد على مخدته وتحتها بطاقة بيضاء
ابتسم وهو شبه متأكد من صاحبة البطاقة..
تناول البطاقة
"والله العظيم إني ما اشتكيت منك لجدي
وإني ركبت نفسي الغلط بعد
ووالله مهوب هاين علي اللي صار لك مع جدي
بس تدري.. أنت تستاهل..
يعني تعتذر لوضحى وما تعتذر لي..
أظني إني انضربت مثل ماهي انضربت
وإلا هي أختك وأنا لا ؟! "
اتسعت ابتسامة مُهاب..
يعلم أن هذه طريقتها في الاعتذار
ولطالما وجدت طرقا أكثر غرابة ..
المهم ألا تعتذر بنفسها.. أو حتى تقترب من مفهوم الاعتذار
مازالت ابتسامته مرتسمة وهو يتناول هاتفه ويرسل لها
" آسفين طال عمرش
حقش علينا
أي أوامر ثانية ياصاحبة السمو؟؟"
******************************
مستشفى حمد
الوقت بعد منتصف الليل وقبل صلاة الفجر
"بس خالتي فديتش.. ذبحتي روحش بكا.. عيونش ورمت"
همس مزون الحنون المختلط بعبراتها المكتومة وهي تمسح على كتف خالتها التي لم تتوقف عن البكاء منذ عقد قران جميلة
عفراء تهمس بصوتها الذي تغير من كثرة النحيب: بأموت يامزون.. بأموت.. أشلون أخليها تروح بروحها.. أشلون؟؟
حاسة روحي بتطلع من مكانها
مزون بعتب رقيق: بعد أنتي ياخالتي سكرتيها من كل صوب.. خليفة الحين عبارت ولدش.. وش فيها لو رحتي معه؟!!
رفعت عفراء عينيها المحمرتين لتنظر لمزون بحدة: لا مهوب ولدي..
ولدي اللي كسروا بخاطره وخلوه يهج من الدوحة مجروح وحزين..
ابتلعت مزون عبرتها التي وقفت في حلقها وماحصل لعلي يعود لذاكرتها بعنف يائس..
ولكنها حاولت تجاوز كل هذا وهمست بثبات:
علي رجّال.. وبيعدي ذا كله.. لكن جميلة محتاجتش ياخالتي.. لا تخلينها..
عفراء بحزن مرير: يمكن أحسن لها تروح من غيري.. ويمكن هذي خيرة ربي لها اللي خلاها تاخذ خليفة... عشان أهون وما أروح معهم..
مزون باستغراب عميق: أشلون تقولين كذا يا خالتي؟؟
عفراء همست بمرارة شعرت بها تمزق حنجرتها: الدكتورة كثير كانت تعاتبني إني السبب في تدهور حالة جميلة..
وإني بدلالي لها خربتها وما أرضى يشدون عليها في العلاج
وأصلا الدكتورة أساسا كانت تقول لي أنتي لا تروحين معها.. بس طبعا أنا رفضت.. وكان مستحيل أخليها
بس يوم صار اللي صار... خلاص هذي خيرة رب العالمين... وأنا مالي إلا الصبر والدعاء لوجه الكريم
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثامن 8 - بقلم HaboOoshy
صباح الدوحة
يوم يحمل الكثير
قلوب تُفجع.. وقلوب تتأمل..
وقلوب ليس لديها سوى فتات الأمل!!
ينزل السلالم بخطوات ثابتة..
يبتسم وتشرق روحه المثقلة حين يرى العينين الدافئتين الحنونتين تطلان من خلف برقعها
تحيط بهما تجاعيد رقيقة جعلت هيئتها تبدو أكثر ضعفا وهي تنحني بوهن..
أو ربما وحشة أمام قهوتها الصباحية!!
ابتسمت بشجن ورحبت قبل أن يصلها: حيا الله أبو خالد.. صبحك الله بالخير
يصلها لينحني على رأسها مقبلا.. ثم يهمس باحترام ودود: صباحش أخير جعلني فدا أرجيلش.. كيف أصبحتي يأم صالح؟؟..
ابتسمت بحنو: إذا قدك بخير أنت وأخوانك ما أشكي باس
ابتسم لها بمرح حنون: هذا أنا وأخواني قدامش قرود تنطط
همست بحزن عميق مسرف في العمق.. وكأن هذا الحزن المقيم يأبى الإنزياح أو التراجع أو الإنكماش:
جعل ربي ما يفجعني في حد(ن) منكم..
من عقب ماراح عبدالله والخاطر كلش(ن) يجيبه ويوديه
همس بحنين موجوع وهو يتذكر شقيقه الأصغر الذي رحل قبل أكثر من ثلاثة أعوام:
جعلها برايد عليك يابو حسن..
أنا أشهد إن الموت خذ له وليدة.. (الوليدة= الرجل النادر)
همست أم صالح بحنين: صالح يأمك.. جيب لي حسن اليوم فديتك..
قد لي كم يوم ماشفته.. وأنا بأكلم أمه تجهزه وتلبسه
ثم أردفت بألم شفاف: ما أدري لمتى ربى كاتب علي ماحد من عيال عيالي يقعد عندي!!
ذبحتني الشحنة لهم!!
ابتسم لها صالح: خلاص ولا يهمش خلي أم حسن توافق علي.. ونجيب حسن عندش
حينها نظرت له والدته بعتب: يعني تجيب حسن وأمه.. وأم خالد وعزوز وخويلد ؟؟
حينها أنزل صالح فنجانه وهو يشعر بضيق كتم على صدره أخفاه خلف هدوء صوته:
وش أسوي بنجلاء هي اللي معندة.. ومعية ترجع لي.. هي اللي حدتني أخطب عليها
نظرت أم صالح لابنها نظرة مباشرة وهمست بعتب مقصود:
نجلاء مرة عاقلة.. وماحدها على ذا كله إلا شي(ن) كايد
شوف وش أنت مزعل(ن) بنت عمك فيه؟؟
صالح بعتب: يعني رجعتي على ولدش.. وش بزعلها فيه يعني؟؟
لا عمري مديت يدي عليها ولا قصرت عليها بريال
أم صالح بذات النبرة المقصودة: أنت أخبر يأمك.. السالفة مهيب سالفة ضرب وفلوس
ثم أردفت بمودة: ياحيها نجلاء.. ليت كل النسوان مثلها..
كانت كافيتني غثى عزايمك أنت وأبيك.. وشاله البيت كله مني..
وين من هي مثلها؟؟
ابتسم صالح: إذا السالفة على كذا.. زوجي الجباوة الثنين اللي أخنزوا من الرقاد فوق..
أم صالح باستنكار: هزاع توه صغير.. أنت صاحي؟؟ خله يخلص الثانوية ذا الحين
ثم أردفت بابتسامة حنونة: أما أخيك الفاسخ كل ما قلته أعرس قال لي..........
"هذا حضرت العقيد عزابي.. وأنا مأنا بأحسن منه"
ارتفعت الأعين لمصدر الصوت الواثق المرح وصاحبه ينزل بخطوات سريعة عن الدرج
بلباسه العسكري الأنيق والنجمتين اللامعتين على كتفيه العريضين
ليصلهم خلال ثوان ليقبل رأس والدته وشقيقه الأكبر بينما كان صالح يهتف بابتسامة:
والله ياملازم فهد..ترا منصور آل كسّاب تزوج بدل المرة ثلاث..
يعني جرّب مثله.. ما تضر التجربة.. يمكن يعجبك الحال عقب
فهد يسكب لنفسه فنجانا من القهوة ويرد بابتسامة مشابهة:
هذا أكبر دليل إني لازم ما أتزوج
لأنه إذا حضرة العقيد بنفسه جرب ثلاث مرات وما صلحت له مرة..
معناتها النسوان كلهم مافيهم خير..
ثم استدرك وهو يعاود تقبيل رأس والدته ويقول بمرح حنون:
إلا أم صويلح.. المصنع عقبها سكروه
أم صالح بحنان: إيه إلعب على أم صويلح بدل ما تبرد خاطرها بشوفت عيالك..
صالح يضحك: وأشفيش أنتي وولدش.. شايفيني أصغر بزرانكم.. صويلح وصويلح...
فهد يعاود تقبيل رأس والدته للمرة الثالثة ويهمس باحترام ودود:
لاحقين خير يا الوالدة.. ما يصير إلا اللي يرضيش.. بس خلوني الحين على راحتي
صالح يبتسم: إيه يمه خليه.. وادعي في كل صلاة إن منصور آل كسّاب يتزوج..
صدقيني يا ساعة يأتي إخبره متزوج..
يافهيدان إن قد يجيش يعدي كنه سلقة يبي العرس...
أم صالح بغضب: يكرم ولدي عن السَلق..
ثم أردفت بابتسامة لطيفة: بس ما يضر ندعي لمنصور.. اللي فهيدان يحبه أنا أحبه
فهد يقفز ويقبل رأس والدته للمرة الرابعة ويقول بمرح:
إيه جعلني فدا عويناتش.. ادعي لحضرت العقيد.. يستاهل..
وادعي لي ما أتاخر اليوم على طابور اليوم.. ويعطيني حضرت العقيد جزا
صالح يبتسم وهو يرى شقيقه يغادر: أستغرب حبك لقائدك على كثرة ما يجازيك.. المفروض تكرهه
فهد بابتسامة واثقة: أنا أدري إن حضرة العقيد يعزني ويقدرني.. لكن العسكرية مهي بلعب..
ولو هو ما تعامل معي ومع الفرقة كلها بذا الطريقة ما كان حبيناه
لأنه يعرف يمسك العصا من النص..
يعطينا حقنا.. ويأخذ حق العسكرية منا
ثم أردف فهد (بعيارة) : بعدين يأخي سيادة العقيد كله كاريزما.. يئبر ئلبي شو مهضوم..
صالح يضحك بصوت عالٍ: أمحق عسكرية تعرفها ياهيفا
فهد يشير له بيده مودعا وهو يضحك
بينما دعوات والدته ترتفع خلفه أن يكتب لكل من ابنها وقائده الزوجة الصالحة والذرية البارة..
بينما صالح يتذكر شيئا... ويهتف وراء فهد بصوت عالٍ حازم يختفي خلفه قلق عميق:
فهيدان الله الله في الركادة وأنت تسوق ياولد..
**********************************
مستشفى حمد
الساعة العاشرة صباحا
غرفة جميلة الخالية من جميلة!!!
نحيبها المكتوم الموجوع حينا ينخفض.. وحينا يرتفع
وهمهمات متقطعة تصدر متحشرجة من حنجرتها التي تمزقت من طول النحيب الذي لم يتوقف مطلقا منذ يوم أمس:
راحت.. راحت بدون حتى ما أسمع صوتها.. يا حر جوفي حراه
مزون تحاول كتم عبراتها: شتسوين يا خالتي؟؟
عادها ما وعت من تخديرتها البارحة عقب ما خدروها عشان ما تشيل المغذي من يدها
تغرس أظافرها في معصم مزون التي تجلس جوارها تحتضن كتفيها تهدهدها
وهي تهمس بصوت مبحوح ممزق: بأموت يأمش يامزون بأموت..
حاسة إني ماعادني بشايفة بنتي..ياحي جميلة حياه
"قومي الحين جهزي أغراضش..
والله ما تمسين إلا عندها واللي رفع سبع(ن) بليا عمد"
الاثنتان نظرتا بدهشة للواقف بجوار النافذة الطويلة ينظر للخارج وهو يوليهما ظهره ويكمل بحزم شديد:
أنتي تأشيرتش جاهزة.. وأنا عندي تأشيرة شنغن مجهزها عشان لو جاتني سفرة شغل مفاجئة
قومي يالله..
عفراء وسط عبراتها: لا يأمك ماني برايحة.. هي عبرة وانقضت.. بفضي رأسي من دموعه وعقبه بأهدأ
كسّاب بذات الحزم البالغ: أنتي تحسبيني حلفت وبأفجر؟؟.. لا والله إن قد تروحين..
عفراء بضعف: يأمك ما أبي أروح.. لو أبي أروح كان رحت معها من أول..
كساب يدير وجهه ناحيتهما وعيناه ممتلئتان بتصميم غريب حازم.. ويقول بقسوة:
خالتي لا تضيعين وقتي ووقتش..
يالله قومي أوديكم البيت وتجهزين وأنا بأروح أحجز لنا على طيارة فالليل
لأنش بتروحين يعني بتروحين
مزون بتردد: كسّاب خلها على راحتها
كسّاب ينظر لها نظرة مباشرة شعرت كما لو كانت نظرته ستسلخ جلدها عن عظمها
وهو يقول بقسوة أكبر: أنتي تلايطي ولا تتدخلين في شيء ما يخصش
مزون تراجعت بجزع.. وعبراتها تتضخم في حنجرتها
بينما انتفضت عفراء بغضب لم يمنعها منه استغراقها في الحزن:
ما أسمح لك تكلمها بذا الطريقة وقدامي.. أنا ما لي حشمة عندك
كسّاب يتجه للباب وهو يقول بذات الحزم القاسي:
أقول لش خالتي.. الأحسن اتصلي في سواقتش توديكم
أنا طالع أجيب التذاكر.. الساعة 7 في الليل تكونين جاهزة..
كسّاب خرج.. لتنفجر مزون في بكاء حاد مترع بالشهقات في حضن خالتها..
عفراء تهمس لها بحنان.. وحزن مزون يأخذها من حزنها:
بس يا قلبي لا تزعلين على كسّاب.. أنتي صرتي عارفته..
مزون تهمس بألم ووجهها مختبئ في كتف خالتها:
حتى لو كنت مستوجعة من قسوة كسّاب وتقصاده إنه يوجعني..
مهوب ذا سبت زعلي
أنتي عارفة إني كنت عاملة حسابي إني بسافر معش أنتي وجميلة
لكن الحين أشلون بأقدر أقعد على أعصابي من غيرش ومن غير جميلة..
لا وبعد من غير كسّاب وعلي
عفراء بحنان وهي تحتضنها بحنو: ماني برايحة يأمش.. بأقعد عندش..
أنتي عارفة إني من لما تزوجت جميلة خليفة قررت إني ما أروح
حينها مزون انتفضت بجزع: لا خالتي تكفين.. لا يرجع كسّاب ويلاقيش ما تجهزتي بيعصب..
انا ما أستحمل أشوف عصبيته.. تذوب ركبي من الخوف
ثم أردفت بوجع: يا سبحان الله.. مع إن كساب طول عمره عصبي..
بس فرق السما عن الأرض بين عصبيته مع حنانه وعصبيته مع قسوته!!
ثم مسحت دموعها وأردفت بتشجيع: خلينا نرجع البيت.. أغراضش تقريبا جاهزة
روحي على الأقل تطمني على جميلة.. لو حبيتي تقعدين مرخوصة
ولو بغيتي ترجعين لي.. هذا أحب ما على قلبي
بعد دقائق في سيارة كساب الذي يزفر غضبه في زفرات محرقة
توشك أن تحرق لشدة لهيبها الهواء العابر أمام أنفاسه:
"تريدني أن أراها على هذه الحال وأتركها
تريدني أن أرى روحها تذوي وأتركها
هل تريد أن تتركني كما تركتني وسمية؟!!
هل تريد أن تعذبني بحزنها كما عذبتني أمي بمرضها
أعلم أن للاثنتين قلب سرعان ما يذيبه الحزن كما يذيب الماء الملح
إن لم أستطع أن أبقي أمي جواري..
فلن أسمح لعفراء أن تتركني وحيدا في هذا العالم.. مخلوق مشوه الروح.. مشبع بالأسى والأحقاد
ما زالت هي نافذة الضوء التي تأخذني من عتمة أيامي المظلمة إلى فضاء يبصق بعض الضوء
الذي يبقيني على تواصل مع كينونتي الإنسانية
لن أسمح لروحها أن تغرق في الحزن..
لن أسمح لابتسامتها أن تنطفئ
فكيف تنطفئ ابتسامة أيامي الوحيدة؟!!!"
*****************************
"صبحش الله بالخير يأم امهاب"
ترفع رأسها للقامة المديدة التي تنحني عليها وهو بكامل ألقه في لباس الطيارين الأنيق وتهمس بهدوء: صباحك أخير يامك
ثم أردفت باهتمام: ما قلت لي إنك عندك رحلة اليوم..
مازال واقفا وهو يقول بهدوء: واحد من الزملاء اعتذر عنده ظرف وكلموني.. رحلة قصيرة للبحرين.. قبل المغرب باكون راجع إن شاء الله
أم مهاب بمودة: تروح وترجع بالسلامة يأمك..
تفكير معين يدور في ذهن مُهاب..
يتردد للحظات ثم يهتف بثقة: يمه فيه موضوع أبي أكلمش فيه
مزنة تعتدل بفرحة وهي تشهق: تبي تعرس؟؟
ابتسم مُهاب: يعني مافيه موضوع أكلمش فيه إلا موضوع عرسي
مزنة عاودت الجلوس وهي تقول بخيبة أمل: مهوب القصد.. بس المقدمة حسيت فيها ريحة عرس
مازالت الابتسامة مرتسمة على وجهه: هو من حيث ريحة عرس فيها ريحة عرس.. بس مهوب أنا
صمت لثانية ثم همس بحذر: عرس تميم
مزنة بضيق: شوف يا امهاب تقول لي ياخذ طرماء صمخاء لا..
عندك سالفة غيرها.. وإلا لا تعطل روحك على شغلك
مهاب يتنهد بعمق ثم يقول بثبات: يمه اسمعيني جعلني الاول.. ذا المرة العروس غير والله غير..
بنت دكتور مع عبدالرحمن في الجامعة.. عبدالرحمن يقول شافها مع أبيها..
يقول مزيونة ومخلصة ثانوية.. وإبيها يمدحه عبدالرحمن واجد
تقاطعه مزنة بنفاذ صبر: والزبدة إنها طرماء صمخاء..
توكل يا ولد بطني.. توكل الله يحفظك
مهاب باحترام لم يخلُ من رائحة الاستجداء اللطيف:
يمه ما يصير تسكرينها في وجه تميم.. الولد يبي يتزوج
مزنة بغضب: اسمعني امهاب.. يا ويلك تزين ذا البنت ولا ذا السالفة كلها في عين تميم
والله إنه زعلي عليك دنيا وآخرة..
تميم يبي يعرس.. بأزوجه أحسن بنت اليوم قبل بكرة.. وغير ذا الحكي ما عندي
***************
مطار الدوحة الدولي
سيارة الإسعاف التي تحمل جميلة تصل وتدخل إلى داخل أرض المطار
فالمرضى لا يعبرون عبر القنوات الاعتيادية
فسيارة الإسعاف تقف تماما تحت الطائرة..
وجاء ضابط الجوازات للتأكد من الجوازات وأخذ بياناتها لإدخالها في الحاسوب..
ومن ثم لأخذ زايد معه الذي أخذ إذنا خاصا ليدخل معهم لأرض المطار
خليفة يكاد يذوب توترا..
مازال حتى الآن لم يرَ المخلوقة المسماة زوجته.. ولا يشعر مطلقا بأي رغبة لرؤيتها
يشعر بالجزع يخنق روحه.. على أي حال هي؟!!
قالو له أنها مريضة جدا.. ما مدى مرضها؟!
كيف هي هيئتها التي يشعر بالرعب من فكرة رؤيتها؟!!
منذ علم بوزنها وهو لا تفارق أفكاره صور موجعة لضحايا المجاعات
ولكن .. فرق شاسع بين من ترك الطعام مجبرا وهو يستميت ليبحث عنه
وبين من تركه مخيرا وهو يُجبر عليه
فكيف هذه التي قررت تجويع نفسها اختيارا ؟!!
الطاقم الطبي رفع جميلة لسطح الطائرة..
بينما بقي خليفة مع زايد الذي أثقل على روحه بكثرة الوصايا:
ترا جميلة أمانتك ياخليفة.. والأمانة ثقيلة وتُسأل عنها يوم القيامة
هذي بنت الغالي.. وتراها أمانتك يأبيك
خليفة بثقة يذوب خلفها توترا: في عيوني ياعمي.. لا تحاتيها
زايد غادر.. وخليفة صعد بخطوات أكثر توترا وثقلا إلى متن الطائرة
قابل الطبيبة في الممر.. فزايد أصر أن تسافر طبيبتها معها..
وتبقى معها حتى يستقر وضعها هناك.. ودفع من أجل ذلك مبلغا مهولا من المال
همس خليفة بتوتر متعاظم: أشلون وضع جميلة الحين؟؟
ثم أردف وهو يحاول ابتلاع ريقه الذي يرفض عبور حنجرته الجافة: صاحية الحين؟؟ ممكن أشوفها؟؟
رغم أنه في داخله كان يهرب من اللقاء.. ويريد أن يؤجل هذا اللقاء المحتوم لأطول وقت..
ربما حتى يعتاد على الفكرة..
أو ربما حتى يكون قادرا على التحكم في تيارات مشاعر قلقه وتوتره المتزايدة بعنف
.. ولكن حتى متى الهروب؟؟
فهذه الشابة أصبحت زوجته.. أمانته.. وهو المسؤول الأول عنها..
فلمن يترك مسؤولياته الإجبارية التي ورّط هو نفسه فيها؟!!
أجابته الطبيبة بمهنية ودودة رتيبة: صاحية لا..
بس أكيد تقدر أشوفها..
أصلا تركنا المقعد اللي جنب سريرها فاضي عشانك
انتفض خليفة في داخله بجزع ( أ سأبقى مقيدا لجوارها طوال الرحلة؟!!)
توجه خليفة بخطوات مترددة ناحيتها..
ليجلس جوارها وهو يشيح لا إراديا بنظره عنها
يحاول الإلتفات لها ليجد نظره يهرب إلى كل مكان إلا مكانها
يعاود الإلتفات ليعاود نظره المتخاذل القلق رحلته في الهروب..
يكثر الدعوات في قلبه أن يلهمه الله الصواب ويمنحه القوة
يسمي بسم الله ويلتفت نحو المخلوقة الممدة بلا حراك جواره..
لتكون هذه الإلتفاتة هي المحاولة الجادة لإكتشاف رفيقة سفره
انتفض بعنف..والمنظر الصادم يبعثر تفكيره كاعصار عاتٍ
وهو يشعر بشيء ما يسد بلعومه ويجعله عاجزا عن التنفس..
شعوران تصاعدا في روحه حتى خنقاه..
الشفقة والرعب..
كان ينظر بشفقة كاسحة لوجهها الخالي من الحياة..
مظهرها البائس وعظامها البارزة.. عنقها شديد النحول.. أناملها اليابسة الموصلة بأجهزة التغذية
كان يفتح عينيه ويغلقهما وهو عاجز عن استيعاب المنظر أمامه
ليقفز له حينها إحساس الرعب الموجع..
"هذه المخلوقة توشك على الموت
توشك على الموت
فما هذا الذي أدخلت نفسي فيه
كيف أستطيع أن أنجو من الإحساس بالذنب ومن عتب والدتها وزايد.. لو حدث لها شيء؟!!
أي مخلوقة جافة هذه كغصن خشب متحطب بُتر من شجرته لتغادره كل معالم الحياة ونضارتها؟!!
أ يعقل أنها من فعلت بنفسها هذا؟!! أي مجنونة هذه؟!
أي مجنونة؟!!
بل أي مسكينة؟!!
أي مسكينة؟!!"
حاول خليفة أن يمد يده ليمسح على خدها ترجمة لشعور الشفقة المتزايد ناحيتها
ولكنه لم يستطع.. لم يستطع
مشاعر كثيفة معقدة متداخلة تمور في جوانحه المثقلة..
نفور ربما..!!
خوفا من أن يؤذيها وهي تبدو هشة لدرجة التكسر السريع ربما!!
أرجع ظهره للمقعد وهو يربط حزامه..
ويشعر في داخله برغبة حقيقية في البكاء
على حاله.. على حالها.. على هذا الوضع غير الإنساني الذي أدخل نفسه فيه
ولكنه نهر هذه الرغبة المضادة لإحساس الرجولة الثمين
الذي لابد أن يتمسك به حتى النهاية!!
وما بعد النهاية..!!
**************************
نهار عمل اعتيادي يقترب من ختامه بخطى حثيثة..
ترفع كاسرة الهاتف وتتصل بنبرة عملية رسمية: فاطمة لو سمحتي باقي أي شغل؟؟
فاطمة السكرتيرة ترد عليها بذات النبرة الرسمية: لا أستاذة كاسرة الحين مافيه شيء..
حينها انقلبت نبرة كاسرة للنقيض تماما..النقيض تماما.. مودة رقيقة شديدة العذوبة :
زين فطوم قولي للساعي يجيب لنا قهوة.. وتعالي تقهوي معي
فاطمة ترد عليها بذات النبرة ولكن مغلفة بالمرح:
زين سوسو.. دقيقة بس.. أقول لسماح تجي تمسك مكاني.. وأجي لش
بعد دقيقتين تدخل فاطمة ومعها الساعي الذي يحمل القهوة..
ويضعها على المكتب ويخرج لتخلع كاسرة نقابها وتعلقه جوارها
همست فاطمة بمرح شفاف وهي تخلع نقابها بدورها لتجلس:
كم صار لنا متصاحبين؟؟.. أكثر من عشر سنين..
تأثير خلعتش للنقاب علي مثل أول يوم شفتش داخلة المدرسة وتشيلين نقابش
يومها قلبي وقف.. شهقت وقلت نعنبو هذي من وين جايه..
لا تكون مضيعة الدرب وتحسب مدرستنا مكان انتخاب ملكات الجمال
ضحكت كاسرة: والله أيام يافطوم..
ثم أردفت بهدوء عذب فيه رنة حزن لا تكاد تُلحظ: ماطلعت من كل دراستي في المدارس ثم الجامعة إلا بش أنتي وبس
فاطمة تضحك: ياحظش.. أنا أكفي عن العالم كله.. مو؟؟
كاسرة تبتسم: إلا مو.. ومو.. ومو..
ثم أردفت بذات نبرة الحزن الـمُخبئة: الحين ماعاد يهمني.. بس زمان وأنا صغيرة تمنيت يكون عندي صديقات كثير..
تمنيت أكون مثل أختي وضحى الحين ماشاء الله وش كثر صديقاتها..
فاطمة تضحك بمرح: زين يا بنت الحلال إني رفيقتش الوحيدة.. عشان ما تتوسطين إلا لي.. وتشغليني
لولاش وإلا كان قاعدة الحين في البيت أشد شعري..
كاسرة تبتسم: أنا من يوم انطردتي من الجامعة عقب الانذار الثالث
وحن أخر فصل.. ومهوب باقي لش إلا 12 ساعة على التخرج وأنا محترة
فاطمة بحزن: لا تذكريني.. ضاع عمري في الجامعة وعقبه يطردوني ماباقي شيء على تخرجي..
تقارير مرض أمي وانشغالي فيها ماشفعت لي عند إدارة الجامعة بشيء..
وعقب ذا كله هذا أنا اضطر اشتغل بالشهادة الثانوية
ثم أردفت وهي تتناسى هذا القهر الذي لا تستطيع تناسيه:
بس أكيد الفصل اللي خليتش فيه بروحش في الجامعة.. كان فصل ممل
كاسرة هزت كتفيها بسخرية موجوعة: ممل؟؟.. كان مأساة..
كانت روحي بتطلع من الحزن على فراقش والقهر عليش..
وأنا أمشي في الجامعة بروحي ماحد داري عني ولا معبرني
ثم أردفت بحزن أعمق: يعني فطوم لهالدرجة أنا ما أتعاشر..
مثل ما أصيد وضحى وتميم وامهاب وحتى أمي دايم يقولون علي كذا..
وأبين إني ما شفت شيء ولا سمعت شيء
فاطمة بتساؤل حنون: زين وليش تكونين كذا قدامهم..؟!!
كاسرة بسخرية مرة: على قولت جدي (إذا سموك كلب، فصر نباح)..
يعني أمي ربتني كذا.. لكنها يوم شافت الحالة زادت عندي.. ماحاولت تعدلني..
كانت مبسوطة فيني.. لأني أذكرها بنفسها
وعقب صار الكل ينتقدني.. يعني أنا صرت الكلب اللي لازم يرعب بنباحه..
وصرت ما أعرف أتصرف إلا كذا..
مثل يوم كنا في المدرسة تذكرين.. والبنات يقولون لش.. أشلون مصاحبة ذا المغرورة..
يعني البنات يوم شافوني حلوة.. على طول قالوا: مغرورة..
فقلت خلاص الغرور حق مكتسب لي.. ومن هي مثلي يحق لها تصير مغرورة
فاطمة بذات الحنان: بس لو سمحتي لهم يعرفونش عدل.. لو حاولتي تنازلين أنتي عن عنادش..
بينتي لهم داخلش.. كان حبوش..
الإنسان لازم يظهر أحسن مافيه للناس..
مهوب وأنتي راسمة نفسش نجمة في السما وتبين الناس يفهمونش بدون ما تقدمين مقابل
كاسرة بعناد: ما أعرف أسوي كذا..
وأنا ماني بمستعدة أتنازل عشان أغير صورة الناس حطوني فيها وعقبه أنا لبستها بجدارة
فاطمة تهز كتفيها بمودة صافية حقيقية: الناس مالهم إلا الظاهر..
كاسرة بحزم لطيف: خلاص خل الظاهر لهم.. أنا عاجبني حالي..
الاثنتان مستغرقتان في حديثهما الودي.. ليرن هاتف كاسرة.. تلتقطه بهدوء: نعم وضحى
..................
نعم
..................
بحزم شديد: لا.. العصر أنا أوديش..
......................
خلاص وضحى قلت لا يعني لا
كاسرة أنهت الاتصال.. وفاطمة ابتسمت بتساؤل: وين تبي تروح وضحى وأنتي ما رضيتي كالعادة؟؟
كاسرة بهدوء لم يخل من بعض غضب: اليوم تدري إنه أمي في مدرسة تحفيظ القرآن..
وماحلا لها تروح إلا وأنا وأمي مهوب موجودين في البيت
ابتسمت فاطمة وهي تتذكر: خالتي أم امهاب كم جزء وصلت لين الحين؟؟
كاسرة بحنان غامر: فديتها.. ختمت 20 جزء.. عقبال العشرة الباقية بإذن الله..
يا الله ياني ناوية أسوي لها شيء كبير إذا ختمت حفظ القرآن إن شاء الله
فاطمة بتحسر: بس حرام إن أمش ما دخلت الجامعة..
تذكرين واحنا في ثالث ثانوي وهي تمتحن معانا منازل..
والله العظيم كنت على طول أسألها قبل الامتحان ماشاء الله إجاباتها على طول جاهزة
وبعدين جابت أحسن مني.. ماشاء الله منازل وجابت 87 %.. وانا ياحظي 76 بس..
كاسرة بحنان عميق: والله حاولت فيها تدخل بس هي مارضت..
قالت بادخل مدرسة تحفيظ أروح يومين في الأسبوع..
الجامعة تبي انتظام ومقابل.. وما أقدر أخلي إبي بروحه..
ثم أردفت بمودة غامرة: فديت إبيها ..جعلني ما أذوق حزنه يوم..
فاطمة بحذر: كاسرة جدش رجال عود واجد.. يعني توقعي ذا الشيء.. وأنتي إنسانة مؤمنة
كاسرة بغضب: فاطمة سكري ذا السالفة..
فاطمة بمرح: زين زين يمه منش..
ثم أردفت لتنسي كاسرة الموضوع الذي تعلم أنه مصدر ضيقها الأول :
زين خلاص قولي لي وين كانت وضحى تبي تروح..
كاسرة تحاول أن تهدأ بعد الخاطر المزعج: المكتبة تبي تطبع بحث..
فاطمة بتساؤل رغم أنها تعرف الإجابة: زين ليه ماخليتيها تروح.. يعني لازم تكسرين بخاطرها كل مرة
كاسرة بهدوء: يعني فطوم كنش ما تعرفين أسبابي..
فاطمة بهدوء مقصود: أنا أعرف بس هي ما تعرف.. وترا مبرراتش ممكن تكون مقنعة لش..
لكن لها أو حتى لي مهوب مقنعة.. وضحى ماعاد هي بزر.. عمرها 22 وكلها أسبوعين وتتخرج من الجامعة إن شاء الله
كاسرة بحنان موجوع: يا فطوم.. طيبة زيادة عن اللزوم.. إلا هبلا..
العام اللي فات راحت تسوي نفس الشغلة بروحها..
تدرين الطباع النصاب.. خذ على طباعته اللي ما تجي خمسين ريال..خذ 400 ريال.. وما عطاها حتى وصل
ولما رجعت أنا له.. يقول إنها كذابة وماعطته إلا سبعين ريال.. تخيلي!!
ومهوب هذي السالفة الوحيدة.. ياختي مكتوب عليها مقصة..
ماتروح مكان إلا يقصون عليها.. وما تتوب ولا تتعظ.. عندها حسن ظن بالناس غير طبيعي
وأنا ما ابي حد يستغفل أختي
ثم أردفت بحزم: يأختي عدا أني أخاف عليها واجد.. أدري بتقولين كبرت وأخلاقها ماعليها كلام..
صدقيني أدري.. بس طيبتها تخوفني.. أخاف حد يلعب عليها بكلمتين.. حد يضايقها في الطريق وما تعرف تتصرف
تدرين إني مستحيل أخليها تسهر مقابلة الكمبيوتر عقب ما أنام أنا..
أخاف تدخل شات.. وإلا حد يلعب بعقلها.. وضحى بريئة بزيادة وتصدق كل شيء
فاطمة تضحك: والله إنش غريبة.. وش ذا التفكير الحجري اللي عندش..
فكي عن البنية شوي..وضحى ما ينخاف عليها ..وتراش منتي بأمها
فليش تخنقنينها بذا الطريقة.. لو أنا منها.. اخنقش وأنتي نايمة..
ابتسمت كاسرة: عاد هذا اللي الله عطاني... خليها لا تزوجت.. بتنفك من غثاي..
ابتسمت فاطمة: وافقت على عبدالرحمن؟؟
كاسرة بهدوء رقيق: مابعد عطت رأيها..
تدرين فطوم في داخلي أتمنى وأدعي ربي إنها توافق على عبدالرحمن
سبحان الله هي وعبدالرحمن فولة وانقصت نصين..
ابتسمت: طيبين ومهبل
ثم أردفت بتوجس: بس أخاف إنه سالفة إنه عبدالرحمن خطبني أكثر من مرة تخرب عليهم حياتهم..
عشان كذا أنا ما شجعتها.. وقلت لها سوي اللي أنت مقتنعة فيه
تدرين فطوم لو كنت أنا الحين متزوجة كان اقنعتها توافق على عبدالرحمن.. بس بما أني لحد الحين عانس على قولتش
أخاف إنها تحس في وجودي خطر عليها وعلى زواجها..
فاطمة بمرح: زين ضحي بعمرش يالعانس وتزوجي عشان أختش واحد من اللي حرقتهم الشمس عند بابكم
ثم أردفت بجدية: ماتعبتي من كثر ما تردين الخطاب..
كاسرة العمر يجري.. أنا الحين عندي ولدين وأفكر إن شاء الله أحمل بالثالث
ما تبين لش ولد تضمينه لصدرش.. والله العظيم الأمومة بروحها تكفي عن أي شيء..
كاسرة بألم: اكيد نفسي أتزوج ويكون عندي عيال..
ثم أردفت بابتسامة: بس أول خليني ألقى الأبو المناسب لعيالي..
فاطمة بسخرية: إيه شايب منتهي مخرف.. يموت عليش ويخليش أنتي وعيالش..
كاسرة تضحك: ول عليش.. على طول موتي رجّالي.. إلا عمره طويل إن شاء الله لي ولعياله
طريتي علي العيال.. فديته حسون اشتقت له..
فاطمة تبتسم: ما أدري وش حببش في ذا الولد اللي أمه ما تطيقش
كاسرة تهز كتفيها: المحبة من الله.. ومهوب أنا بس اللي أحبه.. الكل يحبونه..
ياسبحان الله يمكن عشان أبيه مات وهو في بطن أمه.. يخلينا كلنا حاسين بحنان عليه
وبعد هو ماشاء الله أدب وحلاوة ودش تأكلينه من قلب..
لكن أمه الله يهداها.. يوم تشوفيني أشيله وإلا أحبه تركبها العفاريت.. كني ذابحة لها أحد
بس جوزا بالذات ما أقول لها شيء.. والله العظيم فطوم.. أول مرة أحس بوجيعة حد مثلها..
بنت صغيرة توها عروس ما تتهنى حتى شهرين ويموت رجّالها وهي حامل في شهر
لا ويقطون عليها كلام إنها وجه نحس.. وحدادها 8 شهور كاملة
تغيرت كثير عقب موت زوجها.. كنها وحدة ثانية.. بس نعنبو لايمها.. قلبها احترق
عشان كذا يوم تقط هي علي كلام.. أحط نفسي ما سمعت.. أو ما انتبهت..
أو أرد رد عادي على أني ما فهمت قصدها
ما ألومها مقهورة وتبي تفضي قهرها..وشكلي صرت كبش الفدا
بس اللي جرحني بجد تخيلي فطوم قبل كم اسبوع جايبة لحسن هدية..
تخيلي وأنا طالعة من بيتهم لقيتها مرمية في الزبالة اللي قدام البيت بعلبتها ما انفتحت...
هذا تصرف وحدة عاقلة؟!!
أحيان كثيرة أسأل نفسي أنا وش سويت لها.. والله العظيم فاطمة عمري ما ضايقتها بشيء
ثم أردفت وهي تبتسم لفاطمة وتقول هذه المرة بغرور تمثيلي مرح باسم:
بس واثق الخطوة يمشي ملكا.. خل اللي كاسرة مهيب عاجبته يحترق بحرته
فاطمة تضحك: يالله ياكريم لا تحرمني أشوف كاسرة عند واحد كاسر خشمها
تذوب فيه وتذبحها الغيرة عليه
كاسرة باستنكار: من هو ذا اللي أغار عليه.. مابعد جابته أمه..
ثم أردفت بغرور: ياحبيبتي تغار اللي خايفة رجّالها تزوغ عينه..
لكن أنا الحمدلله واثقة إنه عينه بتكون عايفة خلق الله عقب ما يشوفني
فاطمة تبتسم: اللهم علي الدعاء ومنك الاستجابة..
************************************
خلاص خالتي.. كل شيء جاهز؟؟"
عفراء بتوتر وهي تلبس عباءتها: جاهز..
ثم أردفت بحرج: يافضيحتي من خليفة.. أقول له ماني برايحة معكم.. مع أن الولد ترجاني..
ثم ما يوصلون إلا يلاقيني ناطة عندهم.. وش يقول ذا الحين؟؟ إني مابغيت خوته؟!!
مزون بابتسامة: وهذي الصراحة.. أنتي ما بغيتي خوته
عفراء بغيظ: عيب مزون!!
يتعالى صوت بوق سيارة قريب.. تقفزان معا بتوتر..
وتهمس مزون بتوتر أكبر : يالله خالتي شكله كسّاب يستعجلش
عفراء بحنان: ماتبين شيء يأمش
تحاول مزون أن تمنع الدموع من التقافز لعينيها وهي تهمس بثبات قدر ما استطاعت:
لا فديتش.. روحي وتطمني على جميلة..
وأنا الحين بأخلي خدامتش تكمل ترتيب البيت وعقب بأسكره..
واخليها تروح تنام هي والسواقة مع خدامات بيتنا
عفراء تتنهد وهي تحتضن مزون ثم تنزل نقابها على وجهها وتسحب خلفها حقيبتها الصغيرة..
فهي مصرة أن تكون زيارتها قصيرة وتعود مع كسّاب
ما أن غادرت وأغلقت الباب.. حتى انهار تماسك مزون الهش
لتتهاوى جالسة بيأس وهي تنخرط في بكاء خافت عميق الشهقات..
"أما تعبتِ يا مزون من كثرة البكاء..؟!
تبدين كما لو كنتِ عقدت معاهدة دائمة مع الدموع..
يكاد طعم الدمع المالح لا يفارق حنجرتي
فقدت الإحساس بطعم كل شيء.. فقط طعم مرٌّ كالعلم يتضخم ويتضخم
حتى بتت أبصق هذه المرارة داخل أوردتي وشراييني
كان يجب أن أكون أقوى من ذلك.. مررت بأقسى الظروف.. وتخصصت أصعب التخصصات
تخصص لا يجرؤ عليه إلا الرجال.. وتفوقت عليهم فيه
كان لابد أن أكون أقوى
ولكن بقيت أنثى بدمعة حائرة لا تجف
كسّاب لماذا كسرت ظهري هكذا؟؟
كيف أستطيع الوقوف وأنا أعلم أنك لست خلفي لتسندي
لماذا علمتني أن أعتمد عليك بينما كانت مساندتكِ لي مشروطة أن أنفذ أنا شروطك؟؟
لماذا عجزت عن تفهمي .. عن مسامحتي.. عن احتوائي؟!!
أ لم تقل لي دائما أنني ابنتك؟؟
فكيف يقسو قلبكِ هكذا على ابنتك؟؟ كيف؟؟"
تحاول الوقوف وهي تتنهد وتمسح دموعها وتنظر حولها بحنين عميق وتهمس بشفافية:
" الله يرجعش يا خالتي على خير
والله المكان والدنيا من غيرش ما تسوى"
بعد دقائق.. في سيارة كسّاب المنطلقة التي يتبعها سيارة أخرى فيها اثنين من سائقي شركته حتى يعيد أحدهما سيارة كسّاب للبيت
عفراء تشعر براحة عميقة وحال مختلفة عن حالها خلال اليومين الآخيرين..
حتى وإن كان كسّاب أجبرها على السفر.. فكم هي شاكرة له أنه أجبرها!!
كم هي ممتنة لإصراره عليه!!
فرفضها الهش سرعان ما تهاوى أمام إصراره
لأنها كانت تتمنى في داخلها أن يجبرها.. وفعل!!
كان هذا التفكير يدور ببالها وهي تلتفت لكسّاب بحنان متعاظم..
لتهمس بعدها بامتعاض: كسّاب يأمك.. ليه مالبست لك لبس غير ذا؟؟
كسّاب يلقي نظرة خاطفة على لباسه الانيق والبسيط في آن
(تيشرت أبيض نصف كم) بخطوط سوداء عشوائية وبنطلون جينز أسود
ويهمس بهدوء وهو يعاود النظر للطريق: وش فيه لبسي خالتي ؟؟
عفراء بذات الامتعاض وهي تلمس عضلات عضده الشديد الصلابة:
يأمك كان لبست لك قميص كمه طويل وواسع..
أخاف عليك من العيون ما تشوف أشلون التيشرت لاصق بصدرك وزنودك..
حينها ضحك كسّاب: خالتي عيب.. والله العظيم عيب.. تراني رجال ماني ببنية..
عفراء بحنان: وشيخ الرياجيل ماقلنا شيء.. بس العين حق..
وأنت بعد يأمك مربي لي ذا العضلات بزود.. اللي ماعنده عيون بتطلع عيونه
ثم أردفت وهي تتذكر شيئا: وإيه وتذكرت سالفة ثانية حارتني..
لا وهذاك اليوم في عزبة أبيك شايفتك رايح للرياجيل شايل سرندلين كبار كنك شايل قواطي بيبسي..
ياولدي الناس مامن عيونهم خير
ابتسم كساب وهو يقول (بعيارة): الحين أنتي اللي أم عيون.. عاد السرندلات قواطي بيبسي؟!..
ول عليش ياخالتي (سرندل=أنبوبة غاز)
عفراء قرأت بعض آيات القرآن و نفثت عليه ثم همست باستفسار مبهم:
خاطري أعرف السنة اللي أنت قعدتها في أمريكا وش سويت فيها؟!
كسّاب بثبات وثقة: درست الماجستير.. وش سويت بعد..
عفراء بنبرة ذات مغزى: ودراسة الماجستير تخلي الواحد عضلات كذا..
شكلك كنت تشل حديد 24 ساعة في اليوم طول ذا السنة.. ولا ظنتي بعد تكفي
كساب يبتسم ويهمس بنبرة مقصودة: خالتي اخلصي علي.. وش تبين تقولين؟؟
عفراء بجدية: حلفتك بالله ثم حلفتك بالله ثم حلفتك بالله.. أنت كنت تاكل بروتينات وإلا ضارب إبر هناك..؟؟
يأمك أنت عارف ذا الأشياء أشلون خطرة وتضر الصحة وتجيب الأمراض الخبيثة.
حينها انفجر كسّاب ضاحكا: وهذا الموضوع اللي دايم تحومين عليه؟؟
تحلفيني عشانه وثلاث مرات؟؟
ثم أردف ببساطة: ها والله العظيم ثم والله العظيم ثم والله العظيم
إنه عمره ماطب حلقي أي حبوب ولا كلت بروتينات ولا ضربت إبر..
ارتحتي يالغالية؟؟؟
حينها عاودت عفراء لمس عضده وهي تتساءل باستغراب: زين من وين جات ذي.. ؟؟
كسّاب يبتسم: رياضة ياخالتي.. مابعد سمعتي بالرياضة؟؟
عفراء بعدم ارتياح له زمن يرافقها: سمعت بالرياضة.. بس ماسمعت عن رياضة تسوي في الواحد كذا
*********************************
طرقات خافتة على الباب
همست وضحى المستغرقة في استذكارها: ادخل
ولكن الطرقات تكررت.. حينها ابتسمت وضحى بصفاء حقيقي
وهي تقف لتفتح الباب بنفسها ثم تشير بعلامة ترحيب متحمسة وتهمس في ذات الوقت:
هلا والله إني صادقة..
يدخل إلى غرفتها بخطوات هادئة ويشير بإشارات هادئة:
أمي تقول ما تعشيتي .. ليه؟؟
أشارت بابتسامة وهي تهمس ذات العبارة كما اعتادت :
عندي دراسة كثير والله..
إذا خلصت نزلت كلت لي شيء
تميم بهدوء عذب: يعني مهوب شيء ثاني؟؟
ابتسمت وضحى: الشيء الثاني كان أمس.. وأنا خلاص اليوم لاهية في دروسي
أشار تميم وفي عينيه نظرة مقصودة:
وموضوع أمس بيقعد أمس.. وماراح ينحل اليوم يعني؟!!
وضحى مع تميم مخلوق آخر.. محررة من التردد والخوف والتوتر..
علاقتها مع تميم شيء فريد وكأن كل منهما يأخذ من عبق روح الآخر
فروح هذا الشاب الشفافة الصافية تنعكس عليها لتبعث في أوصالها إحساسا حانيا بالإحتواء والمساندة والصفاء
أشارت وهي تستعد للجلوس: أبي لي يومين.. قبل أبلغ امهاب رفضي..
عشان ما يأكل كبدي ويقول لي استعجلتي في التفكير
يجلس تميم جوارها: وأنتي كذا تشوفين إنش ما استعجلتي..
عبدالرحمن ما ينرفض.. حرام تروحينه من يدش
حينها انتفضت وضحى بغضب: حتى أنت يا تميم.. حتى أنت..
شايف إنه من المفروض إني أحب يدي ألف مرة إن واحد مثل عبدالرحمن قرر يفكر فيني
لأني ما أناسب مستواه العالي.. لازم أستغل الفرصة..عشان أدبسه فيني قبل ترجع له الذاكرة
لأنه أكيد واحد مثله ماخطب وحدة مثلي إلا لأن فيه خلل في عقله لازم نستغله قبل يتصلح الخلل... ولأنه......
تميم قاطعها وهو يمسك بيديها ليوقف سيل إشاراتها العصبية وكلماتها المتدافعة بغضب
وهو يشير لها ببساطة: سواء كنتي أحلى وحدة في العالم وإلا أشين وحدة في العالم
في كلا الحالتين عبدالرحمن ما ينرفض..
أما إذا رجعنا لش.. أنا أبي أعرف أنتي من وين جايبة ذا النظرة السلبية عن نفسش..
هذا أنتي قدامي وشايفش حلوة ومافيه أحلى منش
وضحى بأسى: هذا عشانك تحبني.. شايفني في عيونك حلوة
تميم يشير بحنان ومودة: وعبدالرحمن بعد بيحبش وبيشوفش في عيونه حلوة مع أنش حلوة بدون عيون حد
وترا عمر الجمال ماكان هو سبب لنجاح الزواج
الحين كاسرة هل فيه وحدة أحلى منها..
مع كذا ما أتوقع إن الرجّال اللي بيتزوجها بيكون مبسوط معها.. لأن عشرتها صعبة
لكن أنتي ياحظه اللي بتكونين زوجته
ابتسمت وضحى: الله لا يحرمني منك.. دايم رافع معنوياتي..
ثم أردفت بجدية: بس يا تميم والله أنا مأني بمقتنعة بذا السالفة كلها
حينها أشار تميم بجدية: إيه كذا معقول.. منتي بمقتنعة.. حقش..
وعلى العموم وضحى.. ماحد بجابرش على شيء
بغيتي توافقين أو ترفضين هذا شيء راجع لش.. وتأكدي إني واقف معش وفي صفش مهما كان قرارش..
*****************************
"أوف جننوني عيالش.. مابغوا يرقدون..
وش معطية عيالش أنتي؟؟ من وين جايبين ذا الطاقة كلها..
نطينا على السرير.. وتطاردنا ولعبنا..
أنا انهديت وهم يقولون مثل خالي هريدي: كمان"
صرخت سميرة بهذه العبارة وهي تلقي بنفسها على سرير نجلاء التي كانت واقفة تجفف شعرها المبلول..
ضحكت نجلاء: ما دريت إنه عندنا خال اسمه هريدي..
سميرة تضحك: كنت بصراحة أحلم يكون عندي خال اسمه هريدي
وواحد ثاني اسمه محمدين.. وحسنين بعد.. وابو المعاطي.. وعوضين
نجلاء تضحك بهستيرية: من جدش؟؟.. عصابة مطاريد الجبل مهوب خوال ذولا..
حينها اعتدلت سميرة جالسة وهي مازالت تضحك:
وش سوي بأبيش.. اللي يوم حب له مصرية..
خلا كل المصريات اللي أخوانهم أكوام أكوام.. وراح يتزوج وحدة (مئطوعة من سجرة)..
نجلاء بمودة عميقة: فديتها أمي.. ليه هو كان بيلاقي أحلى منها..
سميرة تضحك: إيه وأبيش عاد ما يطيح الا واقف..
وين لقى له مصرية شقراء وبيضاء كذا كنها روسية؟؟ وش ذا الحظ اللي يفلق الصخر عنده؟!!
نجلاء باستنكار باسم: ماعاد باقي الا أمش وأبيش تبطحينهم بعينش.. عقب ما بطحتي هل شارعنا كلهم
سميرة (بعيارة): إيه وش عندش؟؟ مبسوطة في أمش.. ماحد خذ الشقار إلا أنتي..
وأبيش عاد يموت على الشقار.. خليتوني أروح أصبغ شعري عشان ما أصير شاذة في البيت
سميرة تضحك: أمي قسمتها بالعدل بيننا.. أنتي أبيض وحدة فينا.. وأنا خذت الشعر الأشقر.. وغنوم العيون العسلية
حينها وضعت سميرة يدها على قلبها وهي تصرخ باصطناع: أه يا قلبي.. يا قلبي لا تذكريني...
ماحد حارني إلا غنوم.. صحيح (يدي الحلئ للي بلا ودان)
غنوم الخايس يأخذ العيون العسلية.. وأنا عيوني سود تروع في بياضي
لا وبعد مهوب عاجبه لون عيونه... يا حرتي حرتاه
لا وأنتي بعد عادش متمننة علي بالبياض.. هذا أنتي قدش بتنفقعين من البياض اللي بحمار
نجلاء تضحك: ماتعرفين تذكرين ربش أنتي..
سميرة تنزل حاجبا وترفع آخر: عارفته قدام أشوف وجهش يالطماطة..
كانت نجلاء على وشك الرد عليها لولا صوت رنين الرسالة التي وصلت هاتفها
حينها صرخت سميرة وهي تقفز لتلتقطه: والله ما يفتحه إلا أنا..
تراجعت سميرة بحزن وهي تترك جهاز الهاتف لها وتقول بغصة:
إذا قريتيه امسحيه ومافيه داعي تقولين لي وش فيه..
سميرة بمرح: كذبش كذباه.. قال ما تبي تدري وش فيه... عليّ يانجول؟!!
بس تدرين نجول.. صويلح هذا المفروض يعطونه جائزة أكثر رجال العالم مثابرة..
9 شهور كاملة مامل.. يوميا نفس الوقت مسج..
وأنتي بعد يعطونش جائزة أكثر نساء العالم تحجرا.. إذا قلبش مابعد ذاب من ذا المسجات.. و أنا قلبي ذاب منذو مبطي..
ثم تنهدت وهي تفتح الرسالة: يارب ابعث لي من عندك واحد كلامه حلو مثل صويلح
ما أن قرأت الرسالة حتى أغمي عليها أحد إغماءتها التمثيلية التي لا تنتهي:
آه آه ياقلبي.. لا عاد رجالش ذبحني الليلة.. والله ذبحني..
إن ما جهزتي شنطتش ورجعتي لصويلح عقب ذا المسج.. يكون ما عندش قلب
وعليه العوض ومنه العوض في قلب أختي اللي انتقل إلى رحمة الله
حينها لم تستطع نجلاء مقاومة الفضول..
تناولت الهاتف الملقى بجوار سميرة التي مازالت مغمى عليها في تمثيليتها ..
لترفعه إلى مستوى نظرها بتردد
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل التاسع 9 - بقلم HaboOoshy
في غرفته يدور..
حينا يجلس.. وحينا يقف..
لم يجد الليلة شيئا يستطيع دفن نفسه فيه.. حتى يحين موعد إرساله لرسالته اليومية لها..
الرسالة التي بقيت خيطا يعلم أنه يربط قلبه بقلبها حتى وإن لم تتكرم أن ترد عليه لو لمرة..
يقف ليفتح خزانة الملابس.. مازالت ممتلئة بملابسها..
يكاد أن يذكر لكل رداء منها حكاية من وله مصفى
وهي يشعر حينما رآها فيه وكأنه رأى حورية تسربلت بالحسن من أجله وحده
لا ينسى مطلقا شيئا خاصا ارتدته له..
لتصبح ذاكرته مزدحمة بعشرات الصور التي لم يغفل تفصيلا واحدا من تفصيلاتها..
وكيف يغفل وهذه التفاصيل انحفرت في ذاكرته حتى أقصاها؟!!
لماذا تركت كل هذه الأشياء الخاصة بها وراءها؟؟
لماذا؟؟
"هل أردتِ تعذيبي أكثر؟؟
هل أردتِ أن تتأكدي أنني سأظل مقيدا إليك.. وذكرياتك تخنقني وتغرقني وتستنزفني حتى الثمالة
هل أردتِ أن تتأكدي أن عبقك الساحر الذي تخلف عنك وبقي هنا سيبقى حبلا ملفوفا حول عنقي لا انفكاك منه؟!
أي أنانية لا قلب لها أنتِ؟؟
إن كنتِ عزمتي على الرحيل.. فلماذا لم تجمعي كل أغراضكِ الموبؤة المسكونة براحتكِ الدافئة المسكرة
إن كنت أنتِ رحلتِ.. فلماذا تتركين لي البقايا؟؟ لماذا؟؟ لماذا؟؟
إن لم تكوني أنتِ لي، فلا أريد هذه القمامة.. لا أريدها !!"
حين وصل تفكيره لهذه المرحلة..
انتزع أشيائها من الخزانة وبدأ يقذف بها بغضب مجنون وروح ثائرة أثقلتها الوحدة والوجع واليأس..
ولكنه سرعان ما توقف وهو يعيد جمعها بلهفة أكثر جنونا...
ليعيد ترتيبها كما كانت تماما
في ذات المكان الذي وضعتها فيه أناملها الساحرة التي يقتله الاشتياق للثم شفافيتها.. لضمها بين أنامله السمراء
" والله باستخف يانجلاء.. قربت استخف..
حرام عليش اللي تسوينه فيني
حتى تهديدي بالزواج ماجاب نتيجة معش
لذا الدرجة رخص صالح عندش؟!!
صالح اللي ما أرخصش يوم!!
أدري لساني يبي له قص أحيان
بس والله أحبش يا بنت الحلال..
خلاص ارحميني.. باستخف والله باستخف
ارحموا عزيز قوم ذل!!"
تنهد بعمق وهو يجلس على الأريكة..
إحساس اختناق يطبق على رئيتيه..
يخلع فانيلته ويلقيها بعيدا..
يشعر أنه عاجز عن التنفس.. مخنوق.. يبحث عن ذرة أكسجين فلا يجدها..
يتمنى لو يستطيع تمزيق جسده حتى.. ليخرج روحه من أسر هذا الاختناق
وهو غارق بهذا الإحساس الشديد المرارة واليأس والثقل.. تناول هاتفه .. ليرسل رسالته اليومية لها:
" تدري ليه أكره غيابك ؟!
لأني في الغيبة .. أموت
ضيقتي .. بعدك تجيني
و (البُكى) من غير صوت !"
*******************************
نجلاء قرأت الرسالة وهي تغمض عينا وتفتح أخرى..
وخائن صغير يتمرد عليها لينبض بجنون في يسار قفصها الصدري..
تُسكت تمرده الذي فضح برودها وهي تعض شفتها السفلى بألم
ثم تعيد الهاتف لمكانه وهي تصرخ في داخلها:
"كذاب.. كذاب.. كذاب"
سميرة نهضت من إغماءتها وهي تنظر لنجلاء في دهشة: أشوفش رجعتي التلفون
نجلاء تهمس بهدوء ظاهري وهي تتجه للتسريحة لتمشط شعرها: ليه وش تبيني أسوي؟؟
سميرة بنبرة غضب: ردي عليه.. خافي ربش في المسكين..
ثم أردفت بمرح غاضب: يأختي رياجيلنا يأهل الخليج عندهم تقشف مشاعر
احمدي ربش.. عندش واحد عنده فايض مشاعر ولا هوب عاجبش..
نجلاء تمسك بطرف التسريحة حتى إبيضت مفاصلها وهي تهمس بغيظ موجوع: قصدش عنده فايض كذب
سميرة تبتسم: زمان قالوا "أعذب الشعر أكذبه" وأختش سميرة تقول: " أعذب الحب أكذبه"
تلتفت لها نجلاء وهي تبتسم رغم إحساس الألم المتزايد في روحها:
يعني أنتي تبين واحد يقول لش أحبش وهو يكذب عليش
سميرة تبتسم وهي ترقص حاجبيها: يازينه زيناه الرجال الكذوب..
وش فيها الغزيلات؟؟ الغزيلات أصلا ملح الرجّال (الغزيلات=الكذبات الصغيرة)
أما الرجّال اللي كل شيء صدق عنده.. فهو خيشة كبيرة
تبتسم نجلاء: يالله لا تحرمني من أني أشوف سميرة عند رجّال مايعرف ريحة الصدق ويقطّع بطنها بكذيباته..
" والله لا يحرمني منش يأم خالد بيضتي وجهي"
الاثنتان تقفزان وهما تنظران للباب المفتوح الذي يقف غانم عنده
سميرة تلوي شفتيها وتمدها وهي تصرخ: من متى وأنت هنا..؟؟
غانم يضحك وهو يتقدم لداخل الغرفة: " من أعذب الحب أكذبه" يا فيلسوفة زمانش..
حينها تقفز سميرة لتجلس عند قدميه وهي تتمسح به باستجداء تمثيلي:
داخلة على الله ثمن عليك ياطويل العمر ما تكوفني.. توبة من دي النوبة.. حرمت أتفلسف..
غانم يبعدها وهو يهمس بمرح: باعديها عشان أم خالد بس..
وإلا أنتي لو ما تكوفنين كل يوم يكون فيه شيء ناقص في روتين حياتش
غانم يقترب من نجلاء ويقبل رأسها ويهمس بمودة ممزوجة بالاحترام:
بيضتي وجهي يأم خالد.. الشباب يقولون وش ذا المطعم العجيب اللي أنت مسوي عشاك عنده..
قلت لهم: شغل البيت.. ماشاء الله تبارك الله كلوا لين قدهم بينفقعون من حلات العشا
ثم أردف وهو يضحك: لا وفهيدان الكلب يشاورني يقول ردوا علينا مرت أخي.. هاد حيلها في عزايمك ثمن تمدّح على قفاها..
أقول له وأنت وشدراك إنها مرت أخيك.. العشا مسويته سميرة.. (قالها وهو يضرب مؤخرة رأس سميرة بخفة)
تدرين وش قال فهيدان: قال يحرم علي مجالس الرجال وشرب الفنجال
كن ذا من زيان أختك العِثبر (العثبر= التي لا تحسن صنع شيء)
هذا زيان أم خالد ما يخفاني..
حينها انفجرت سميرة ضاحكة بغيظ: وولد عمك ذا بيموت وهو لسانه يلوط آذانه..
حينها عاود غانم ضربها على مؤخرة رأسها: مثلش.. ظني يقبرونش ولسانش يلالي..
ابتسمت نجلاء بمودة: جعل فيه العافية لك ولفهد.. بياض وجهك يابو راشد بياض لوجهي..
ثم قاطعتها سميرة بمرح: بس لا عاد تعودها.. تراك مسختها..
شكلك كنت تدعي إن نجول ترجع علينا عشان تكرفها في عزايمك..
ثم أردفت وهي تمصمص شفتيها: ياعيني على بختك يأختي.. ئليل البخت يلئى العظم في الكرشة..
هنا كارفينش وهناك كارفينش..
ثم أردفت وهي تطبطب بحركة تمثيلية على كتف نجلاء: مسيرك هتموتي وهترتاحي يا بنتي عند رب كريم..
غانم يضربها على مؤخرة رأسها للمرة الثالثة: مأ اشين فالش.. جعل يومش قبل يومها..
سميرة تتراجع وهي تضع يدها على فمها وتقلب ملامح وجهها في مشهد تراجيدي خالص ودموعها تبدأ بالتساقط:
اعترفوا.. اعترف أنت وياها
ينقلب وجه غانم ونجلاء من تغير ملامح وجهها بينما أكملت بصوت باكٍ مفعم بالتراجيديا التمثيلية:
أكيد أنا مانيب بنتكم.. أنا بنت بطل الفيلم.. وأنتو عيال الحرامي العود اللي خطفني عشان ينتقم من بابا..
بس بابا لازم بيرجع وينتقم منكم على اللي سويتوه فيني وأنتو تعذبوني طول الفيلم.. قصدي طول ذا السنين اللي فاتت..
ثم أردفت وهي تسقط على الأرض وترفع يديها للسماء وتكمل تمثليتها:
يارب أنت وحدك اللي شايف.. ابعت لي بابا.. أنا تعبت خلاص
غانم يضحك وهو ينفذ عن ذراعيه: هدوني عليها ياناس.. وتقول ليش تكوفني..
سميرة تقفز وتختفي خلف ظهر نجلاء وهي تضحك: تراني في وجه أم خالد.. إلا لو أم خالد مالها حشمة عندك.. هذا شيء ثاني..
*********************************
طرقات حازمة على الباب..كانت حينها قد بدأت بخلع ملابسها..
أعادت حشر كتفيها المرمريين المصقولين في قميصها الحريري ليستر الحرير حريرا أكثر نعومة منه
أغلقت أزرارها على عجل وهي تهمس باحترام: دقيقة يمه
تعرف كل طارق من دقته.. ولم يخب حدسها يوما
والدتها طرقاتها حازمة قصيرة
وضحى طرقاتها ناعمة وكأنها تخشى أن تؤلم الباب
مهاب طرقاته لها صدى ضخم لأنه يطرق الباب بقبضته
تميم نقراته هادئة وطويلة وبين كل طرقة والآخرى زمن ما..
فتحت الباب لوالدتها على اتساعه وهي تهمس باحترام: هلا يمه.. فيه شيء؟؟
مزنة بعتب رقيق: يعني لازم إني ما أجي لغرفتش إلا لسبب..
كاسرة تبتسم: لا والله يمه مهوب القصد.. بس توني كنت معش من خمس دقايق..
مزنة بحزم حنون: بكرة أبيش تودين وضحى وسميرة يشترون لهم طابعة زينة عشان مشروع تخرجهم.. يقولون تعبوا من الطباعين..
كاسرة بعتب: ووضحى تبي لها وسيط.. ما تقدر تجي تطلب مني على طول؟!!
مزنة بهدوء عاتب: يعني كل شيء لازم تفهمينه مقلوب.. وضحى أصلا طلبت مني أنا أوديها هي وسميرة..
بس أنا تدرين ما أحب المجمعات وإزعاجها وهم يبون فيرجن في فيلاجيو
فانا حبيت إنش تكفيني... عندش مشكلة في ذا الشيء..خلاص قولي لي وأوديهم..
كاسرة بعتب مشابه: وأنتي بعد يمه لازم تلاقين شيء تغلطيني فيه ..
ثم أردفت بهدوء عذب: خلاص فديت عينش.. عشانش أودي مندوبهم لو جاني
بكرة عقب المغرب أوديهم.. وقولي لوضحى تقول لسميرة عقب صلاة المغرب على طول تجهز مهوب تنقعنا عند بابهم مثل كل مرة..
******************************
يدخل إلى شقته وهو يسحب نفسه سحبا.. مستنزف من الإرهاق.. مستنزف من الوجيعة..
مستنزف من كل شيء في الحياة التي تبدو باهتة خالية من الألوان بعيدا حتى ألوان ذكراها التي أصبحت محرمة عليه
حتى الذكرى!!
حتى الذكرى لا حق له فيها!!
يلقي بنفسه على الأريكة بعد رحلته الطويلة... فهو لم يجد رحلة مباشرة لجنيف.. وكانت أقرب رحلة لبرلين..
لذا حين وصل برلين أخذ قطار منها لجنيف.. ليتعطل القطار في الطريق.. ويعاني في رحلة التوقف التعيسة فوق إحساسه المر بكل شيء
ما كاد يريح كتفيه.. حتى تعالى رنين هاتف شقته.. لم يكن له أبدا رغبة في الرد.. لكن الرنين استمر واستمر
التقط الهاتف وبصوت مثقل بالإرهاق أجاب: ألو
الطرف الآخر بغضب مستحكم: كذا تسوي فيني عليان..
علي تنهد مطولا وهو يمسح وجهه ويستعيذ بالله من الشيطان: السموحة طال عمرك.. سامحني جعلني الأول
زايد بذات الغضب: أشلون تسافر بدون حتى ما تسلم علي..
ومن البارحة لين اليوم وينك.. حرقت جوالك اتصالات مسكر.. وتلفون شقتك ماترد عليه
علي بإرهاق وهو ينتزع الهاتف اللاسلكي من قاعدته ويبدأ بنزع ملابسه عن جسده المنهكة ليستحم:
جوالي فضا شحنه.. ورحلتي كانت طويلة شوي
وأنا كلمت مزون على البيت وطمنتها عني.. ماقالت لك
زايد بغضب متزايد: والله ياعيال زايد.. الظاهر ماعاد حد عطاني خبر شيء.. كلن يسوي اللي في رأسه وأنا مالي حشمة ولا تقدير
على الأقل خافوا ربكم.. وإلا حتى ربي ماله مخوفة..
علي يجلس على سريره وهو يحتضن الهاتف بين أذنه وكتفه ويخلع حذائه ويهمس بجزع:
تكفى يبه لا تقول كذا
ثم أردف بوجع شفاف في مصارحة مؤلمة: يبه أنا مستوجع.. مستوجع
خلني جعلني فدا خشمك أروق شوي ومالك إلا اللي يرضيك
قفز قلب زايد إلى حنجرته وأحرف كلمات "مستوجع" تتلبس جسده كتيار كهربائي صاعق ينسف خلاياه وجعا صاعقا..
فهذا علي!! علي!!
تمنى أنه جواره الآن ليأخذه في أحضانه.. ليقول له:
" دعني أحمل هذا الوجع عنك
فمازلت صغيرا على هذا الألم
سامحني يا بني.. سامحني
أعلم أني قسوت عليك.. ولكني وأنا أقسو عليك قسوت على نفسي
وكل حزن جرح قلبك.. مزق قلبي تمزيقا
لِـمَ لم تصارحني منذ البداية؟
إن كان لها في قلبك مكان ما.. لِـمَ لم تخبرني؟!!
متى اعتدت أن تخبئ أسرارك علي ياعلي؟!!
ظننت أن الامر لا يعدو شهامة منك تجاه ابنة خالتك
ما ظننت للحظة أن هناك المزيد
فأبوك يا بني خير من يفهم ألم الحرمان من حلم المعشوقة
أعرف أي ألم صارخ هو..
فكيف أكون من يهديك إياه؟!!
كيف أكون أنا؟؟!!"
همس زايد بحنان مجروح: أجيك يأبيك؟!!
انتفض علي بجزع.. يتركه في الدوحة.. ليجده أمامه في جنيف!!
قد تكون رؤية زايد في هذا الوقت مقلبة لمواجعه
ولكنه يا لا الغرابة مشتاق له!!.. فهو لم يكتفِ بعد من رؤية عينيه الصارمتين الحنونتين
لا يستطيع أن يغضب من زايد.. لا يستطيع..
مجروح منه حتى عمق العمق لذا لا يريد أن يراه الآن
ولكنه ليس غاضبا منه.. ولا يستطيع الغضب منه
فهذا زايد..
مهما فعل يبقى زايد..
لو حتى قطع لحمه بمنشار صدئ لن يشتكي
ويبقى زايد...
"فزايد كفاه ماعاناه حتى مني.. لن أكون سببا للمزيد
الكل جرحه قاصدا أو بدون قصد
جرحتني يا أبي ولكن أ تصدق إن قلت لك أنني أفهم مبرراتك..
أ لم أكن رفيقك الدائم.. رفيق سمرك وحكاياتك؟!
منذ توفيت أمي وأنا كظلك الذي لا يفارقك إلا مضطرا
صدقني يا أبي حين هربت في المرة الأولى وحتى الثانية.. لم أهرب منك..
فكيف أهرب من روحي التي تتلبسني؟!
كيف أهرب من جلدي الذي يحتويني؟!
هربت فقط من جو ضاغط لا يتفهم ولا يرحم
أتفهم ما فعلته حتى وإن كان جرحني ومزّق مشاعري
فقد أحببت خليفة كما أحبتته أنت
فأنت أرضعتني هذه المحبة مع حكاياتك التي لا تنتهي عنه
في أحيان كثيرة كنت أشعر أنني رفيقكم الثالث في مغامراتكم وحكاياتكم وصداقتكم الفريدة
لا أعلم يا أبي.. ربما لهذا السبب أردت جميلة
أردت أن أضم بعض رائحة خليفة إلى صدري
عل الصورة حينها تكتمل في عقلي
(لماذا كان لقرب خليفة منك كل هذا التأثير؟!) "
علي انتفض من وطأة أفكاره وهمس بمودة: تبي تأتي حياك الله
زايد بحنان عميق: يمكن تبي لك شوي وقت تقعد بروحك..
تلافى زايد إخباره عن سفر عفراء وكسّاب اللذين سينزلان في جنيف أولا.. لأنه لم يرد أن يقلب عليه مواجع أي ذكرى
وهو يتذكر أنه لا يستطيع السفر وترك مزون لوحدها حتى يعودا..
رد عليه علي بذات الحنان: أشلون أقعد بروحي وأنت روحي طال عمرك..
زايد بتأثر عميق: لا تعتب على أبيك..
والله إني مستوجع أكثر منك
تدري بغلاك يا علي.. فلا تخلي شيء يشكك في غلاك وإلا يبعدك عني..
*******************************
مطار شارل ديغول
طائرة جميلة تصل
مازالت جميلة لم تصحُ من مخدرها..
والمصحة في مدينة أنسي البعيدة جدا عن باريس على حدود سويسرا..
ولكن كان لابد من النزول أولا في باريس.. حتى يستقبلهم المكتب الطبي القطري في باريس.. ويقومون بتسجيل دخولهم وبياناتهم
لينتقلوا بعد ذلك لطائرة طبية خفيفة لم يكن على متنها إلا هم..
وهاهو خليفة يعاود الجلوس في مكانه جوارها.. يعاود النظر لوجهها الخالي من الحياة..
ومشاعر شديد الكثافة تخترم روحه..
يشعر أنه غريب مع امرأة غريبة في أرض غريبة.. ومع ذلك يجدان نفسيهما مرتبطين برباط لا انفكاك له
رباط خانق يكتم على أنفاسه
يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم
وهو يعاود النظر لوجهها..
تخرج خصلة من شعرها من تحت الطاقية التي ترتديها
يحاول مد يده لإدخالها.. فلا يستطيع
لا يستطيع...
فيشير إلى الممرضة أن تفعل ذلك
بينما عاود هو إسناد ظهره للمقعد.. والغرق في دوامات أفكاره العاتية
***********************************
مزون في غرفتها.. في موال بكاء دائم.. ماعادت تعرف لماذا تبكي؟؟
ليس لأنها لا تعلم ما الذي يدعوها للبكاء
ولكن لأن كل شيء يدعوها للبكاء
ولا تعلم أيهم يستحق البكاء أكثر.. أو هي تبكي من أجله
أمن أجل وجعها الشخصي.. ونظرة المجتمع لها.. وقسوة كساب عليها؟؟
أو من أجل كساب الذي فقد الإحساس بالسعادة؟؟
أو من أجل جميلة التي يبدو أنها قد تغادر الحياة دون أن تراها حتى؟؟
أو من أجل خالتها التي ما عرفت الراحة يوما؟؟
بل من أجل علي.. أحدث الجرحى وأقدمهم.. القلب الصافي المطعون؟؟
بل من أجل زايد.. نعم من أجله.. يحمل وجيعة الكل.. ولا أحد يحتمل مشاركته الألم..
الكل يحمله الذنب.. لا يعلمون أي وجع مضاعف يشعر به.. أوجاعهم فوق وجعه..
تنهدت بعمق.. توجهت للحمام لتغسل وجهها بماء بارد.. ارتدت روبها فوق بيجامتها.. وتوجهت لغرفته..
وكم فعلت ذلك!!
"ماذا بقي لي يازايد سواك؟؟
وماذا بقي لك سواي؟؟
الحياة ستمضي يازايد.. ستمضي.. كلهم سيعيش حياته
سيتزوجون وينجبون الأطفال
وينسوننا
سأبقى أنا وأنت نجتر الوحدة..
هل تعتقد يازايد أن كسّاب لو أنجب أطفالا سيسمح لي أن أحملهم؟؟
لن أصبح أما يوما.. فهل سيحرمني أن أشتم رائحة الأمومة في ثنايا أطفاله؟!!
علي لا أظنه سيعود يوما يا أبي.. أصبح طيرا مهاجرا
ماعاد يألف جونا.. اعتاد أن يهرب.. وسيبقى هاربا..
لماذا يعود؟؟ ماذا وجد هنا غير القهر والحزن
مني أولا.. ثم من جميلة..
خالتي عفراء.. كم أتمنى أن تعود.. ما معنى الحياة خالية منها؟!
ولكن روحها معلقة بجميلة
لو رحلت جميلة.. سترتحل روحها خلفها..
قد تبقى جسدا ولكن بدون روح
فكيف أعيش من دون روحها التي إليها أنتمي؟!
أي أفكار مخابيل تلتهمني الليلة..
بل تلتهمني كل ليلة
تعبت يا أبي.. تعبت من هذا الجنون والحزن واليأس
ليت السنوات تعود ليصحح الإنسان أخطائه يا أبي.. ليتها تعود؟!"
مزون كانت غارقة في أفكارها حتى وصلت لباب غرفة والدها
طرقت الباب ودخلت
كان يصلي قيامه حين دخلت..
لذا جلست على طرف سريره تنتظر انتهاءه
حين سلم من صلاته التفتت ناحيتها وابتسم ..فزايد يشعر براحة عميقة بعد مهاتفته مع علي..
ردت عليه مزون بابتسامة مشابهة وهي تقف وتتجه ناحيته لتنحني وتقبل رأسه:
مساك الله بالخير.. ولو أنه عدينا نص الليل
زايد بحنان: اللي تقولينه كله زين..
نهض ليطوي سجادته ويضعها على المقعد..
ثم يخلع طاقيته ويجلس على سريره
تجلس مزون جواره وهي تمسح شعره.. وتهمس بمرح:
ماشاء الله يبه على ذا الشعر كله.. تبي تسوي سبايكي..
ضحك زايد: عيب يا بنت..
ثم أردف بحنين عميق: هذا سر أمي الله يغفر لها.. شعرها كان كثيف وواجد..
ثم عاد ليردف بابتسامة: ولو أنه اللي في عمري المفروض خلاص يصلع.. بس شعري عاده مقاوم عمليات التعرية
ربعي الشيبان محترقين يقولون أنت وش تسوي بشعرك علمنا..
مزون تقبل شعره تم تحتضن ذراعه وهي تسند رأسها لكتفه:
خلهم يموتون حرة ..
وبعدين وش سالفة عمري ويصلع...توك شباب يا زايد.. ووسامة ورزة..
ضحك زايد: أما وسامة .. كثري منها يأبيش..
تضحك مزون: والله العظيم يبه إنك كل ما تكبر تحلى..
ثم أردفت بخبث لطيف: لو أنك بس تخليني أزوجك وحدة مزيونة..
قرص زايد خدها: عقب ما شاب ودوه الكتّاب..
مزون بابتسامة حانية: يبه والله ما أمزح.. توك شباب.. والله ما فيها شيء لو بغيت تتزوج..
ثم أردفت وهي تضحك: بس مهوب تستخف وتتزوج بنية في العشرينات تجننك وتجننا معك..
زايد يحتضنها بحنو: لا يأبيش.. لا عشرينات ولا خمسينات..
ثم همس وهو يشدد احتضانها: خلينا فيش.. مستعدة لبكرة؟؟
تصلب جسدها قليلا ثم همست ووجها مختبئ في صدره: إن شاء الله..
أنا أصلا اللي كلمتهم وقلت لهم بجي للمقابلة بكرة
عقب ماكنت مأجلتها على أساس إنه حنا بنسافر مع جميلة
همس لها زايد بثقة حانية: لا تحاتين شيء يأبيش.. أنا وصيت الجماعة عليش
وأبشرش بتطيرين مع طاقم نسائي كامل..
الكابتن وحدة انجليزية اسمها إيمي ميلر.. والمساعد الأول بنت سورية.. فسافري وإنتي مطمنة
حينها انتفضت مزون بسعادة مفاجئة وهي ترفع رأسها لتنظر إلى عينيه: صدق يبه.. صدق.. مامعنا رجّال..
زايد بحنان: أفا عليش.. وراش زايد.. واللي تبينه يصير..
بيضي وجهي والله الله في الستر والحشمة..
**********
طائرة تتهادى بين السحاب.. تفتح عينيها بهدوء لتجده جوارها مستغرقا في قراءة كتاب..
تهمس بابتسامة: شكلي نمت واجد.. لي يومين ما نمت.. شكلي ماصدقت يرتاح بالي شوي أنام
يغلق الكتاب ويضعه أمامه ويهمس بمودة: شكلش منتهية من التعب..
ثم أردف بمرح: لا وتشخرين بعد
ضحكت بمرح: لا عاد في هذي كذبت.. أنا ما أشخر.. وإسأل جميلة ومزون
حينها شعرت بانقباض ما.. وهي تتذكر صغيرتيها التي كل واحدة منهما في بلد
همست بهدوء حذر: يأمك يا كسّاب ما تشوف إنه كفاية اللي تسويه في مزون قطعت قلب البنية..
تصلب جسد كسّاب ولاحظت بوضوح عروق عضده ورقبته التي برزت بعنف ودلت على استثارة الغضب التي يشعر بها:
خالتي سكري ذا الموضوع خلي ذا الرحلة تعدي على خير.. طاري بنت أختش يعصبني
قاطعته خالته بسخرية مرة: يعني أشلون ماعاد هي بأختك؟؟ ما تحبها؟؟
كسّاب ببرود ساخر: أحبها؟؟ لو أقدر مصعت رقبتها مصع.. لكن خايف ربي بس ..وإلا هي مهيب كفو
عفراء بجزع: يأمك وش ذا الكلام.. عمر الدم ما يصير ماي.. وأنا عمري ما شفت أخ يحب أخته مثلك
كساب بذات البرود الساخر: كان يحبها.. ذاك زمان مضى..
هي ماقدّرت ولا حفظت معزتي لها.. 13 سنة كاملة من عقب وفات أمي الله يرحمها وأنا حاطها فوق رأسي
ومبديها على كل شيء في حياتي
لو حتى بغت لبن العصفور والله لأجيبه لها.. والزعل على قد الغلا اللي كان
عفراء بهمس موجوع: يعني خربتها بالدلع وعقبه تجي تحاسبها..
كساب بمقاطعة: لا يا خالتي.. لا تركبيني الغلط.. هذا كلام مأخوذ خيره
ثم أردف بوجع مغلف بالبرود أو ربما برود مغلف بالوجع: مزون ماكانت أختي بس
كانت بنتي.. كانت أغلى مخلوق عندي..
كل الحنان اللي ما لحقت أمي تعطينا إياه.. أنا عطيتها إياه..
وعقبه تجي وتكسرني.. وتصغرني قدام الرياجيل..
لو أنا ما رجيتها بدل المرة ألف كان دورت لها عذر
لكن مزون مالها عذر.. مالها عذر..
والله لو كانت بس تغليني نص ما كنت أغليها ماكان هان عليها تبيعني عشان شي مايستاهل
الجرح يوم يجيك من الغاليين مهوب يجرح بس يا خالتي.. لكن يذبح!!
مزون خلاص ماعاد لها في قلبي مكان...فسكري ذا الموضوع أحسن..
ثم أردف وهو ينظر تحته ليتشاغل عن همومه التي أثارتها خالته بينما يحاول هو تناسيها: شكلنا على البحر المتوسط الحين..
**************************
"جوزا مابعد نمتي.. ممكن أدخل"
همسها الهادئ: تعالي شعاع
فتحت شعاع الباب ودخلت وأغلقته خلفها بخفة..
وجدت جوزاء تجلس على سريرها وهي تقلب ألبوما تريه لحسن الصغير وتسأله: من ذا؟؟
يجيب بابتسامة صافية: بابا
فتسأله بحنان: وبابا وين الحين؟؟
يجيب بذات الأبتسامة : عند لبي. (ربي)
فتسأله بحنان أعمق: واللي عند ربي.. وش نقول له..
حسن بعذوبة: الله يلحمه.. (يرحمه)
شعاع فاضت عيناها بالدمع دون أن تشعر وهمست بصوت مبحوح:
تكفين جوزا خلاص لا عاد تورين حسن صور أبيه.. تعلقينه فيه وهو حتى ما عرفه
ترا اللي تسوينه غلط والله غلط... هو وش عرفه وش معنى عند ربي
الحين يظن إنه رايح شوي ويرجع..
جوزاء بألم شفاف: مهوب هاين علي إن حسن ما يكون عنده على الأقل ذكرى أب..
شعاع تجلس معهما على السرير وتحتضن حسن وتنظر معهما للصور
وتحاول أن تبتسم: بس تدرين مثل زين عبدالله الله يرحمه ماشفت.. إن شاء الله حسون يطلع يشبهه
جوزاء بعتب: أحسن.. عشان ما يطلع مثل أمه الشينة... اللي كل الناس أحلى منها
شعاع همست بحرج وهي تعرف سبب تلميح أختها:
جوزا أنتي والله مافيش قصور وكلش جاذبية..وهذا الشيء أنتي عارفته زين
بس هذاك اليوم يوم عذربتي في وضحى.. طلعتيني من طوري
جوزاء بنبرة عدم اهتمام موجوعة: يا بنت الحلال أدري أني مافيني قصور اللهم لك الحمد والشكر ولا عندي أي شك في شكلي..
بس الحق يقال عبدالله الله يرحمه كان أحلى مني ..
قوية المرة تقول إن رجّالها أحلى منها.. بس هذي الحقيقة
شعاع تقاطعها بحزن: بلاه ذا الموضوع.. وهاتي الألبوم أدسه.. وانسي..
يعني اللي يشوف حرصش على عبدالله بذا الطريقة.. يقول إنش كنتي تموتين عليه..
ترا كل اللي قعدتيه معه ما يجون شهرين حتى.. مالحقتي حتى تعرفينه الله يرحمه
جوزاء تقف لتنظر لنفسها في المرآة الطويلة وتهمس بوجع:
أول ما شفت عبدالله ليلة عرسنا توترت من وسامته اللي زيادة عن الحد
قلت صحيح أنا حلوة وماشي حالي بس هذا المفروض يأخذ ملكة جمال.. ليش أمه اختارتني؟؟
بس عقب قلت.. يمكن عشان ستايلي يعجب العجايز.. بس هو ما ظنتي عجبه شيء فيني
اقتربت من المرأة اكثر وهي تضيق بيجامتها الحريرية عليها لتتضح تضاريس جسدها المثالية لدرجة الخيال المستعصي على كل تصور
والتي لم تتأثر مطلقا بإنجاب طفل
شعاع بمرح: تكفين رخي البيجامة.. أنا أختش ما أستحمل.. أشلون اللوح اللي كنتي ماخذته
ثم أردفت بجزع: يا الله لا تأخذني.. الله يرحمه.. اللهم أني استغفرك وأتوب إليك
جوزاء أكملت وكأنها تحادث نفسها: أحيان كثيرة كنت أشك إنه يدري لو أنا موجودة معاه في الغرفة.. أقول يمكن لو أنا كرسي كان انتبه لي
والمشكلة إنه الناس كلهم يقولون عنه: رجّال مافيه منه اثنين..
وين الرجّال هذا؟؟ أنا عشت مع لوح بكل معنى الكلمة..
الشهرين اللي قعدتهم معه حتى سالفة وحدة على بعضها ماقالها لي..
أحيانا كنت أشك في قواه العقلية.. بس عقب صرت أشك في عقلي أنا
لأني كنت أشوف هله باقي ويحطونه فوق رووسهم من كثر ما يحبونه ويحترمونه..
ومعهم يكون شخص ثاني.. شخصية غير وطلاقة في الكلام.. واحد ثاني مذهل
لكن يتسكر علينا باب.. يرجع لوح مرة ثانية.. يتجاهلني كأني غير موجودة
حاولت بكل الوسائل أثير أنتباهه.. ألفت إعجابه.. أحسسه إنه على الأقل فيه مخلوق بشري معه في الغرفة.. بس بدون فايدة
لا وتخيلي عقب ذا كله.. أحاد عليه 8 شهور كاملة...
يعني الأخ ما تنازل ولمسني إلا مرتين وأخرتها أتورط بحمل يمدد الحداد الدبل
ثم التفتت خلفها وهي تنظر بحنان لحسن الذي نام : بس أحلى ورطة في حياتي الله يخليه لي
شعاع بألم وهي تحتضن عضد جوزاء وتسند خدها لكتفها: جوزا ما تتعبين من ذا السيرة
جوزاء بألم عميق وهي تمسح على خد شعاع: خليني أفضفض.. أنتي الوحيدة اللي تدرين...
أحيان كثيرة والله احتقر نفسي على أفكاري الغبية والمريضة
بس شاسوي يا اشعيع غصبا عني.. غصبا عني.. ما أدري ليه أتصرف كذا
والله إني صرت أكره نفسي من تصرفاتي
مثلا والله أدري كاسرة مالها ذنب عشان أكرهها..
بس والله ما استحملت خالات عبدالله اللي دايم يقطون كلام وظنهم إني ما أسمع
(من جدش تأخذين هذي لعبدالله خيرت عيالنا.. شوفي بنت خالها.. هذي اللي المفروض تأخذ عبدالله ..)
في أحيان كثيرة أسأل نفسي لو عبدالله خذ وحدة جمالها صارخ مثل كاسرة.. وحدة تملأ عينه
يا ترى كان اللي صار صار
ما تتخيلين يا شعاع الشهور الثمانية الحداد اللي قعدتها في بيت هله.. كانت عذاب..عذاب.. حتى العذاب شوي على اللي شفته
لولا نجلاء مرت صالح كانت تخفف علي أو كان استخفيت
الحزن والذنب خنقوني.. كل ما حطيت عيني في عين عمي أو عمتي.. حسيتهم يحملوني ذنب اللي صار عبدالله
ثم انهارت في بكاء مفاجئ بعد تماسكها الظاهري: وجهي كان نحس عليه.. أنا نحس.. نحس
ليتني ماخذته .. ليتني ماخذته وقعد عايش لهله
****************************
مازال يدور في غرفته..
يغتاله السهد الليلة ووطأة الذكريات
لا يعلم لِـمَ كان لديه أمل ما أنها قد ترد عليه بأي شيء الليلة..
فهو وصل منتهاه.. منتهاه!!!
عاجز عن النوم.. مثقل بالتفكير..
يتمنى لو ينام قليلا فقط.. فلديه عمل غدا
أصبح كل شيء مملا بعيدا عن ألقها.. بعد أن كان يصحو على رفرفة قبلاتها كفراشات معطرة حطت على وجهه..
هاهو يصحو وحيدا على صوت منبه مزعج أشبه بصفير الموت
بعد أن كان يرتدي ملابسه وعيناه تطاردان بولع حركتها الدؤوبة في الغرفة وهي ترتب فوضاه
يرتديها وهو يتحاشى النظر لأي شيء قد يثير ذكراها مع هبوب نسمات الصباح التي تذكره بها قسرا..
فهذا النسيم العليل الموجوع يمر على وجهه بحنان مشفق.. مثلها!!
لماذا انقلبت هكذا للنقيض؟؟
لماذا؟؟
يشعر أنه يختنق يختنق.. سينفجر من غرفته.. ومن كل ذكرياتها الموبؤة.. من رائحتها المعطرة الشفافة التي تملأ جنبات الغرفة
لتشعل شوقه الملتهب..
أي ألم هذا؟؟
كل شيء يخصها هنا.. إلا هي.. إلا هي!!
طرقات حازمة على باب غرفته
يهتف بهدوء ظاهري: ادخل ياللي عند الباب..
يدخل فهد العائد لتوه من بيت عمه راشد..
ينظر لصالح الجالس على الأريكة ويقول بهدوء مرح: شكلك كنت تبي تسبح يأبو خالد..
صالح ينتبه أنه يجلس بدون فانيلة..يقف ليتناول له واحدة أخرى من الخزانة
يرتديها وهو يقول بذات الهدوء الظاهري: لا كنت ألبس يوم دخلت حضرتك
فهد يتقدم خطوتين للداخل ويهتف بابتسامة: وينك ماحضرت عشاء غانم
فاتك خوش عشاء
ثم أردف بخبث مرح وهو يغمز بعينه: شغل أم خالد حجت يمينها..
حينها صرخ صالح بثورة مفاجأة مزقت هدوءه الظاهري: فهيدان أذلف تراني ماني بناقص ملاغتك الليلة..
فهد مازال يبتسم: أفا أفا يأبو خلودي تونا اليوم الصبح حبايب.. صلوحي وفهودي..
صالح من بين أسنانه: أقول فهيدان أذلف.. ترا أبليس راكبني الليلة.. فارق قدام أخلي وجهك شوارع
حينها غادر فهد وهو يرسم على وجهه علائم الغضب المصطنع..
أغلق الباب خلفه بخفة.. ولكنه عاود فتحه وهو يطل عبر الباب نصف إطلاله وهو يضحك:
ما ألومها أم خالد هجت..
قالب وجهك ترّوع لك قبيلة..
تيك إت إيزي بيبي..
وقبل أن يرد صالح عليه أغلق الباب خلفه وصوت ضحكاته مازال يتعالى.. بينما تعالى غضب صالح المكتوم:
هذي أخرتها يا نجلاء.. خلتيني مضحكة حتى للبزارين..
زين أخرتش بترجعين وبيطخ اللي في رأسش..
بعد عدة دقائق صامتة.. قفز ليرتدي ملابسه.. ويلتقط مفتاح سيارته.. ويخرج دون غترة حتى..
دار في الشوارع طويلا.. قبل أن يقف في شارع فرعي.. يتناول هاتفه ويرسل لها رسالة:
"أنا الليلة بايعها بايعها
لو ما رديتي علي بأي شيء.. أي شيء
والله لأجيكم لين البيت..
وتراني أصلا في سيارتي.. دقيقتين وأكون عندش"
في وقتها كانت نجلاء.. تستعد للنوم بعد أن عادت من غرفة ولديهما وحصنتهما بالأذكار وأطمئنت على وضعهما
رفعت رأسها عن المخدة وهي تشعر بتوجس.. "يالله مسا خير"
قرأت الرسالة.. تنهدت بعمق.. وكتبت له:
"أبو خالد الله يهداك.. أمسي
إذا أنت فاضي.. انا وراي قومة الصبح مع عيالك"
"وهذا اللي الله قدرش عليه تقولينه
لو قدرت أمسي كان أمسيت.. ما أنتظرت أوامرش"
"لا تنبشني يأبو خالد
خلني ساكتة"
"اشتقت لش
ما تحسين أنتي؟؟
ويش اللي يمشي في عروقش.. ماي؟؟
اشتقت لش.. حسي فيني خلاص
والله ما أقدر أصبر من غيرش ومن غير العيال"
حينها تنهدت نجلاء بعمق وهمست لنفسها بغيظ : زين يالرومانسي.. تبي كلام حلو.. حاضرين
أرسلت له:
" جرحتني جرح(ن) كبير(ن) وباين
جرحتني جرح(ن) يمس الكرامة
هنت الغلا كله وعيني تعاين
بعت الهوى وأقفيت تنعي حطامه
لا تحسبنّي وإن قسى الوقت لاين
لا والذي يحصي بعلمه أنامه
إنسى غرامي ثم فكّر وعاين
شف موقعك وإرسم لحدّك علامه
حدّي رسمته وأصبح اليوم باين
( يموت حب ولا تموت الكرامة ) "
لم يرد عليها.. وشعرت نجلاء بتوتر غير مفهوم.. وحزن أكثر استعصاء على الفهم..
"جرحته.. أدري إني جرحته.. بس هو اللي جابه نفسه"
بعد خمس دقائق.. وصلها رسالته:
"يا بنت عمي.. أنتي والله على قولت المثل:
سكت دهرا ونطق كفرا
.
.
طلي على حوشكم"
نجلاء شعرت بالرعب يتصاعد في قلبها.. خرجت تتسحب من غرفتها للصالة العلوية التي تطل شبابيكها الكبيرة على باحة البيت
شعرت بالرعب وهي تتعرف سيارته التي تقف في منتصف الباحة
اتصلت به فورا وهي تهمس برعب من بين أسنانها:
وش جايبك هنا يالمجنون؟؟
نظر صالح للأعلى رأى خيالها بين الستائر.. نزل من سيارته..
ليقف بجوار السيارة ويسند جنبه اليمين على مقدمة السيارة ويهمس بثقة: انزلي... بأروح لمقلط النسوان.. لازم نتكلم
نجلاء شعرت بألم غير مفهوم وهي تراه يقف بدون غترة..
طوال عشرة السنوات الماضية.. يستحيل أن ينزل من غرفتهما حتى لداخل البيت دون غترة
فأي هم هذا اللي أنساه إياها؟!!
ولكن انفعالها التهم أي مشاعر اخرى: وش كلامه.. أنت عارف إني أبي الطلاق.. الحال بيننا هذا ما يمشي
ولا هذي أول زعلة تصير بيننا على سبت ذا الموضوع.. كل مرة تقول آخر مرة.. بس ما تتوب من تجريحي
صالح كأنه لم يسمع شيئا وهو يرفع عينيه للأعلى ويهمس بنبرة أمر صارمة:
أقول انزلي يأم خالد.. انزلي قدام أطلع لش
شعرت نجلاء برعبها يتصاعد لتنحدر لهجتها للرجاء:
صالح تكفى.. روح.. غانم في غرفته وابي وبعد.. لو حد منهم شافك.. وش بيكون موقفك؟؟
صالح بثقة : أنا ما سويت شيء غلط.. أبي أكلم مرتي.. اقصري الشر وانزلي لي قدام اطلع لش
رعب نجلاء يتزايد.. تعلم أنه قد يفعلها: تكفى صالح لا تفضحني
تعال بكرة الصبح.. خلاص والله بأقعد معك ونتكلم
صالح بغضب: كذابة.. صار لي 4 شهور ما شفتش يالظالمة.. وكل ما طلبت أشوفش تحججتي بألف حجة..
نجلاء بغضب مغموس بخجل عميق: قومي شين فعايلك تيك المرة.. خوفتني أقابلك مرة ثانية.. أنت واحد ما تتحكم في نفسك
رغم غضب صالح.. ولكنه ابتسم لمجرد الذكرى.. ليهمس بخبث مغلف بنبرة خاصة:
يومش خايفة ومستحية كان جبتي أمش معش..
والله ما حد قال لش تجيني بروحش في المقلط.. لا وتردين الباب بعد
أنا بصراحة فهمتها دعوة.. ولو جيتي للحق هي ما تتفسر إلا كذا
وبعدين واحد ميت من الشوق لمرته.. وش تتوقعين يسوي.. يقول لها مساش الله بالخير من بعيد
ليش مكبرة السالفة.. ترا كلها إلا كم بوسة..
نجلاء تغمض عينيها وتضغط جانبي رأسها من شدة الخجل...
مازالت رغم مرور السنوات تحتفظ في داخلها بروح صبية مغلفة بحياء مهذب..
الروح التي لطالما أسرت صالح وأذابت جوانبه بحياءها الرقيق
لتصرخ من بين أسنانها:
قليل أدب.. وما تستحي
توكل على الله و لا تجي بكرة
والله لما تحرك سيارتك الحين إني لأقول غانم يتصرف معك
حينها رأته يميل بجسده أكثر على مقدمة السيارة وهو يستند بثقله عليها.. ويهمس بثقة ساخرة:
تخوفيني بغنوم البزر... خليه ينزل.. أنا أتناه
إذا أنتي بايعة أخيش.. خليه ينزل..
#أنفاس_قطر#
.
.
.
مع نهاية أجزاء هذا الأسبوع ننهي أيضا مرحلة مفصلية
لنبدأ مع الأسبوع القادم مرحلة جديدة نبدأ فيها بالغوص في الحياة اليومية للأبطال
ونحن مع هذه اليوميات أيضا سنبدأ ندخل في صلب الأحداث وبكثافة
في أحداث جديدة تقلب كثير من التوقعات.. وبعضها قد يماشيها
فإلى الملتقى بأذن الله
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل العاشر 10 - بقلم HaboOoshy
نجلاء تصرخ من بين أسنانها:
قليل أدب وما تستحي
توكل على الله و لا تجي بكرة
والله لما تحرك سيارتك الحين إني لأقول لغانم يتصرف معك
حينها رأت صالح يميل بجسده أكثر على مقدمة السيارة وهو يستند بثقله عليها.. ويهمس بثقة ساخرة:
تخوفيني بغنوم البزر... خليه ينزل.. أنا أتناه
إذا أنتي بايعة أخيش.. خليه ينزل..
نجلاء تبتلع ريقها.. تعرف أن صالحا لا يهدد.. عشرة أكثر من تسع سنوات
قد يكتم طويلا.. ولكنه حين ينفجر.. مرعب لأبعد حد..
وتعلم أن غانما لا يقل عنه حدة.. ويستحيل أن تعرض شقيقها ولا حتى والد أطفالها لموقف عراك سخيف من أجلها
لذا همست برجاء: تكفى صالح روح.. أم عيالك مالها حشمة عندك
صالح ببساطة موجوعة: وأم عيالي ليش ما تحشمني
عاجبش وقفتي ذي..كني مراهق
حتى غترتي توني أنتبه إنها مهي بمعي
انزلي يا بنت الحلال أبي أشوفش بس..
نجلاء بتردد: بانزل.. بس توعدني ما تسوي لي شيء ولا تقربني..
صالح هتف بحزم شديد لم يتوافق مع ابتسامته المرتسمة بتلاعب: آسف ماني بواعد شيء..
نجلاء تكاد تبكي فعلا: لا حول ولاقوة إلا بالله.. وش ذا الليلة؟؟
منت بواعدني ماني بنازلة..
صالح بحزم وهو يتوجه للداخل: تراش مسختيها..طولتيها وهي قصيرة.. أنا جايش لين غرفتش
نجلاء بجزع: لا.. لا.. جايه جايه.. انتظرني في المقلط..
صالح يفتح باب البيت ليلج للداخل.. وهو يقول بحزم: لو تأخرتي علي دقيقة وحدة.. بأطلع لش
نجلاء كانت تتحرك كإعصار مجنون متوتر وهي تقفز لغرفتها لترتدي لها جلابية واسعة فوق بيجامتها..
وتتناول جلالها وتضعه على رأسها وتنزل السلالم قفزا ..خوفا أن ينفذ المجنون تهديده
كانت تنزل بدون تفكير حتى وصلت باب المقلط..
حينها وقفت أمامه وهي تحاول سحب أنفاسه التي غادرتها وكل الأفكار تقفز لرأسها فجأة
"ما الذي جاء بك ياصالح الليلة
أي هم جديد تحمله لي؟؟
ألم يكفيك كل الوجع والجرح بيننا؟! "
ثم أردفت لنفسها وهي تشهق:
"أنا غبية..غبية..أشلون وافقته؟؟
تحت مافيه إلا غرفة أمي وإبي والحين نايمين
والوقت متأخر
وش بأسوي لو ...؟!"
عضت على شفتيها بحرج عميق.. وهي تقرر العودة للطابق الأعلى بسرعة وإغلاق الباب على نفسها.. وليتصرف صالح كما يشاء
ولكنها قبل أن تغادر الفكرة رأسها لمجال التنفيذ.. كان صالح يفتح الباب بغضب
لتلتقي النظرة بالنظرة بعد كل هذه الأشهر..
وتتحول نظرة الغضب في عيني صالح إلى شيء آخر.. أعمق وأدفا وأخطر
وتتحول نظرة الخوف في عيني نجلاء إلى توتر صاف وهي عاجزة حتى عن ابتلاع ريقها أو أخذ أنفاسها
لحظات مرت من الصمت..
تبادل مستعر للنظرات.. وكأن كل واحد منهم يريد إكتشاف آثار غيابه على ملامح الآخر
وهل فعلا قد ترسم انحناءات الوجه وأنثناءاته رائحة الفقد وتعاظم الشوق ووجيب القلوب؟!
وهل تفضحهما نظرة الشوق؟؟ وتنهيدة الوجع؟؟ وشهقات الفراق؟؟
كان صالح أول من تماسك من نشوة النظرات وهو يريد استغلال تبعثرها قبل أن تفكر بتصرف ما
وهو يشدها من يدها للداخل ويغلق الباب..
حينها انتفضت نجلاء بجزع وهي تنزع يدها منه: خل الباب مفتوح..
صالح ببساطة: آسف ماني بمخليه مفتوح.. أوامر ثانية؟؟
نجلاء بجزع خجول: لا تقرب مني
قالتها وهي بالفعل تبتعد عنه لتجلس على المقعد الأقرب للباب..
بينما رد عليها صالح بابتسامة غاضبة: هذي بافكر فيها
ثم أردف بحنان ممزوج بالغضب: ما أبي إلا شوفت وجهش يالبوارة..
ترا ماني بحيوان ولا همجي عشان تخافين على نفسش مني بذا الطريقة.
نجح في إشعارها بالحرج والخجل لأبعد حد.. أنزلت وجهها وهمست بهدوء لتبعد عن نفسها الحرج:
ها يأبو خالد.. وش الشيء الكايد اللي حدك على مساري الليل؟؟
صالح بعتب عميق وهو يجلس على مقعد منفرد بعيد عنها بدوره:
الحين تنشدين وش حدني على مساري الليل؟؟
أربع شهور ما شفتش يا الظالمة.. وعلى قد ما حاولت أشوفش
وأسوي حركات غبية وسخيفة.. ماهان عليش تبردين خاطري
والله عيب عليش يا نجلا
صالح على آخر الزمن يصير فيه كذا!!
نجلاء بألم: صالح اللي سوا كذا فيني وفيه..
صالح بعتب أعمق موغل في الوجع: عاجبش حالنا كذا.. كل واحد في مكان.. وعيالنا شتتيهم بيننا..
ليش تحرمينهم يعيشون مثل باقي عيال خلق الله بين أمهم وأبيهم
نجلاء نظرت له بعتب موجوع مجروح: إذا صار أبيهم ما يحترم أمهم..
أحسن ما يشوفون أشلون أبيهم يهين أمهم.. أي قدوة بتعطها لهم وأنت تكسر أمهم قدامهم
صالح يشعر بألامه تفور في فيضانات من مشاعر متضادة:
وكل شيء أنا السبب فيه.. وأنتي يعني بريئة ما تسوين شيء
وليش تنسين سبب خلافنا الثاني.. كم صار عمر عزوز؟؟
خمس سنين.. غير إنه حن قعدنا 4 سنين لين جانا خالد..
وأحطها في ذمتش.. هل وقتها ضايقتش بكلمة أو حسستش بشيء مع إن العيب كان منش؟؟
انتظرت لين عالجتي وحملتي بخالد وعقبه عزوز وما فتحت ثمي بكلمة.. وعقبه تروحين تربطين خمس سنين..
صبرت سنة سنتين ثلاث لين كبر عزوز.. بس أنتي ما احترمتي صبري عليش
نجلاء تنهمر بألم: الموضوع هذا م
رتبط بالموضوع الأول.. لما كنت تهيني بأمي.. كنت أقول يمكن مقهور عشان أنا ما أجيب عيال..
جبت خالد.. وعقبه على طول جبت عزوز عشان أوريك فضل الله علي وإني الحمدلله ماعاد فيني شيء.. وعشان أرضيك
لكن أنت مثل منت ما تغيرت.. قلت ماني بمستعدة أجيب بعد ولد وأنا ماني بضامنة حياتي معك.. وهذا كان معي حق
كان معي حق.. أنت ما تستانس لين تجرحني وتهيني..
حينها بدأ صوتها بالارتعاش وهي تقاوم ما سيأتي بعد ارتعاش صوتها..
تخشى أن تهار صلابتها التي مازالت تحاول التماسك بأستارها المتهاوية
تنهد صالح بعمق وهو يقاوم رغبته العارمة أن ينهض من مكانه ليدفنها في أحضانه المشتعلة اشتياقا لها
ويمنعه من ذلك نظرة العتب في عينيها التي تجرحه في العمق..وارتعاش صوتها سهام تخترق فؤاده المتيم
همس بحنان عميق: خلاص السموحة يا بنت الحلال.. ماني بمتعودها.. جربيني ذا المرة.. حرمت يأم خالد
أنتي وأم غانم فوق رأسي..
نجلاء بألم عميق: سمعت ذا الكلام بدل المرة ألف.. والحين ما أقدر أتنازل أكثر.. الحين عيالي كبروا
وأنا ماني بمستعدة أخليهم يسمعونك تهين أمهم وبجدتهم بعد..مستحيل أعرضهم لذا الموقف
أمي مهيب بعيارة ياصالح.. وذا الكلام قلناه الف مرة.. بس أنت..........
صمتت على مرارة سدت حلقها.. صمتت والمرارة تنتشر حتى لسانها الذي جفت الكلمات الموجوعة عليه
بينما همس صالح بألم مخلوط بالغضب: ألف مرة!!! ألف مرة!! صدق إنكم يا النسوان مكفرات العشير..
ادري إني غلطان ومعترف.. بس لا تبالغين بذا الطريقة
وخلاص يأم خالد أنا تعذرت لش.. وش تبين زود؟!
نجلاء سحبت أنفاسها بعمق: الطلاق.. ما أبي شيء غيره..
حينها انتفض صالح بعنف ليقفز عن مقعده ويتوجه ناحيتها لينتزعها من مقعدها وهو ينشب كفه القوية في عضدها ويهزها بعنف:
نجوم السما أقرب لش.. والله لو حتى طار من رأسش طير أصفر
وياويلش اسمعش تطرينه..
ما تبيني.. انطقي في بيت هلش.. بس وأنتي على ذمتي
نجلاء تشيح بنظرها عنه بينما جسدها كله يهتز مع مسكه لعضدها وتهمس بوجع حاولت ألا تسيل معه دموعها:
تبي تقهرني إذا أعرست علي.. عشان كذا تبي تخليني على ذمتك..
حينها أفلتها صالح فجأة وهو ينتفض بعنف وهو يلمح التماعة شفافة في طرف عينها وهي تحاول أن تشيح بنظرها عنه
همس بوجع رجولي حان وهو يمد يده ليمسح دمعتها ثم يضع كفه بحنو على خدها: تبكين يا نجلا..؟؟ تبكين؟؟
ذا السنين كلها بيننا عمري ما شفت لش دمعة..
ليش يا قلبي تنحريني بدموعش؟؟ أدري إني غلطت والغلط راكبني من ساسي لرأسي ..والمسامح كريم..
ولو ما تبين تسامحين بكيفش.. بس تبكين لا.. لا ..تكفين
نجلا بوجع: لو هامتك دموعي.. أو أنا هامتك بكبري
ما كان رضيت لي المهونة..
ثم أردفت بوجع أعمق وهي تضع كفها الناعمة فوق كفه الساكنة على خدها:
أدري إنك تحبني ياصالح.. وأنا بعد أحبك
بس الحياة بيننا خلاص صارت مستحيلة
تكفى خل بيننا ذكرى شيء حلو.. وطلقني.. خلاص
******************************
الصباح في فرنسا
مقاطعة سافوي الفرنسية في الجنوب الشرقي من فرنسا بالقرب من سويسرا وإيطاليا
مدينة Annecy أنسي الصغيرة التي تعد جنة من جنان الله على الأرض والتي تقع في أحد وديان جبال الألب الثلجية
تبعد عن باريس حوالي 600 كيلو ولكنها قريبة جدا من جنيف السويسرية
لذا من يريد الذهاب لها للسياحة يتجه لها من جنيف..
وكان هذا سبب اختيار زايد لها.. لقربها من من مقر عمل علي
حيث تبعد من جنيف حوالي 65 كيلو فقط
والسبب الثاني وجود مصحة شهيرة جدا لمعالجة مرض فقدان الشهية هي مصحة الدكتور (بوفار دوغال) في ضواحي أنسي الشديدة الهدوء والبالغة الجمال
تصل الطائرة الطبية الصغيرة التي حملت جميلة من مطار شارل ديغول في باريس إلى مهبط الطائرات الخفيفة الخاص بالمصحة
بعد ذلك بقليل تصل طائرة كسّاب وعفراء إلى جنيف وهما يختصران مسافة طويلة قطعها خليفة وجميلة
ورغم رغبة عفراء العميقة في رؤية علي وخصوصا أنهما معه في ذات المدينة وهي لم تره حينما كان في الدوحة
ولكن كسّاب رفض وأصر أن يتجها فورا لأنسي بعد انهاء إجراءتهما
ولأسباب عديدة منها أنه حلف أن خالته عفراء لن تبيت إلا عند ابنتها
والسبب الأهم بين أسبابه أنه كان يريد أن يترك عليا ليختلي بنفسه لفترة..
فلم يكن يريد إثارة اوجاعه برؤيتهما متجهين لجميلة وجرحه مازال طريا ينزف
على أن يزوراه في رحلة العودة
وبالفعل استقل كساب سيارة خاصة من جنيف وتوجها فورا لأنسي ليصلاها بعد 40 دقيقة
وبعد 4 ساعات تقريبا من وصول جميلة للمصحة
قبل ذلك بثلاث ساعات
غرفة جميلة..
التي توقفوا منذ ساعات عن حقنها بالمهدئ استعدادا لاستيقاظها حين تصل للمصحة
خليفة كان يجلس جوارها.. يقرأ ورده الصباحي.. سمع همهمات متقطعة
انتفض بعنف..
" هل هذا صوتها؟؟
يبدو أن الأميرة النائمة صحت من سباتها
ولحظة المواجهة حانت.."
كان على وشك الركض لاحضار الطبيبة.. كان عاجزا عن مواجهتها وحيدا
ولكنه استعاذ بالله من
الشيطان وهو يقف ليضع المصحف على الطاولة المجاورة
ويهمس لجميلة من قرب: صباح الخير جميلة..
همست بصوت متقطع دون أن تفتح عينيها: يمه ريقي ناشف.. عطيني شوي ماي تكفين
خليفة ابتلع ريقه: خالتي موب هنا جميلة... وإلا نسيتي؟؟
همست جميلة بذات الضعف: زين مزون حبيبتي عطيني..
خليفة شعر أن الحوار غير ذي جدوى.. لذا تناول قنينة ماء وفتحها.. وهو يقترب منها ويدخل ذارعه تحت كتفيها الناحلين
شعر بألم غير مفهوم وهو يشعر بخفتها المؤلمة:
"هل يوجد داخل جسد هذه المخلوقة عظام حتى؟! "
قربها منه وهو يسندها لكتفه حتى يسقيها... وشعور واحد يسيطر عليه
الــــشـــفـــقــــة
جميلة مازالت تشعر بالدوار.. لكنها ما أن شعرت بيد خليفة حتى شعرت أن هناك شيء غير طبيعي يحدث..
فهذه الذارع الصلبة وهذا الكتف القوي يستحيل أن يكونا ذراع أو كتف مزون الرقيقة
لذا فتحت عينيها بجزع وهي تشتم رائحة عطر رجالي أكمل صورة جزعها.. لتجد جانب رأسها يستند لكتف رجل غريب
حينها صرخت جميلة برعب وهي تحاول بفشل أن تدفعه وتدفع قنينة الماء
ولكن قواها الخائرة لم تسعفها بينما صراخها المبحوح يتعالى: من أنت؟؟
خليفة أنزلها بخفة على سريرها وهو يهمس بحرج: أنا خليفة يا جميلة.. خليفة ريلج..
حينها شهقت جميلة بعنف وهي تحاول تركيز نظرها الضعيف في الرجل الغريب أمامها.. والذكرى كاملة ترجع لها
لتبدأ بالصراخ الهستيري بشكل مفاجئ مرعب: أبي أمي.. أبي أمي.. جيبوا لي أمي...
أبي أمي.. يمه.. يمه.. يــــمــــه
خليفة نظر لها بجزع وهي تبدو كطفلة مذعورة.. اقترب منها ليقوم بتهدئتها
ولكنها صرخت بهستيرية أكبر: لا تقرب مني.. لا تقرب مني
خليفة تراجع.. والممرضات حضرن على صراخها.. ثم حضرت طبيبتها التي كانت تعطي طبيبها الجديد تفاصيل مرضها
سارعت طبيبتها لسريرها لتجلس جوارها وتضع يدها على كتفها
جميلة حين رأتها ارتمت في حضنها وهي تبكي بهستيرية
داليا احتضنتها بخفة حانية وهي تشير لخليفة بنظرات عتب وتهمس له: إيش اللي عملته لها؟؟
خليفة يهمس بحرج وبصوت خافت حتى لا تسمعه جميلة الباكية: والله العظيم ما سويت لها شيء.
حين هدأت جميلة همست بصوت مبحوح تماما وهي توجه نظرها لخليفة: آسفة يا .... يا...
كان صعبا عليها أن تنطق اسمه.. لم تستطع.. لم تستطع
سارع خليفة للرد: لا تعتذرين.. يمكن أنا خوفتج بدون ما اقصد..
لم تكن تريد أن تعتذر حتى.. ولم تكن حتى تشعر بأهمية الاعتذار.. ولكنها شعرت أن هذا مايجب تفعله ..
أ لم تكن هي من أدخلت نفسها في كل هذا؟!
أ ليست هي من اختارته حتى على والدتها؟؟ حتى على والدتها؟!
كانت تبكي جزعا في داخلها.. لم تعتد على فراق أمها حتى لساعات
كانت حتى وقت دوام والدتها في المدرسة تشتاق لها
فكيف وهي في بلد وأمها في بلد؟!!
تشعر برعبها يتجمع ويتجمع.. لأول مرة تكره عنادها.. عنادها الذي أوصلها لكل هذا
فأي جنون ارتكبته؟!!
أي جنون؟!!
" لا لا .. ليس جنونا!! ليس جنونا!!
بل هو الشيء العقلاني الوحيد
أ ليس اسمه خليفة؟!!
اسمه خليفة..
وهو من اختارني دون ضغوط من أحد؟؟
لم يختارني من أجل خالته ولا حتى عمه المتوفي..
ولكن وإن كان اسمه خليفة.. فهو رجل غريب عني
لا ..لا.. من كان اسمه خليفة.. ليس غريبا.. ليس غريبا
فلماذا أشعر أنه غريب عني هكذا؟!!
وهأنا معه في مكان غريب
ولكن ليس لي إلا هو.. ليس لي إلا هو
أ فلا أحاول أن أكون مهذبة معه..
على الأقل يكون رحيما بي حين يغسلني ويكفني ويترحم علي وهو يتذكر عني شيئا جيدا
غير عنادي وجنوني وصراخي!!
****************************
وضحى تنزل إلى الطابق السفلي وهي ترتدي عباءتها استعدادا للذهاب للجامعة.. لتنتظر تميم الذي أخبرها أنه يحتاج لربع ساعة ليجهز حاسوبه للعمل
وجدت والدتها تجلس في الصالة وجهازها المحمول على ساقيها
وهي تسجل بعض الأشياء على ورقة
كانت مزنة مستغرقة تماما في النظر للشاشة لذا لم تنتبه حتى احتضنت وضحى كتفيها من الخلف
وهي تطبع قبلة على خدها ثم تلصق خدها بخدها وتهمس باحترام ودود: صباح الخير مزونتي..
مزنة مدت يدها بحنان لتحتضن خدها: صباح الخير ياقلبي
وضحى تنظر معها لشاشة الحاسوب وتهمس بمرح: وش تبين تطبخين لنا اليوم..أشوفش فاتحة مواقع طبخ
مزنة بهدوء مرح وهي تعيد نظرها للشاشة: أبي أسوي معكرونة صينية عشان تميم وأدور طريقة جديدة..
ذا الولد ذوقه غريب في الاكل.. وش فيها المكابيس؟؟ وإلا البرياني وإلا المشخول؟؟
الحين بأسوي له غير غداكم أنتو..
وضحى تعاود تقبيل خدها وتهمس بمودة: أنا بأتغدى في الجامعة.. وبعدين أنتي اللي مدلعته.. ومن لقى الحنا تحنا..
مزنة بمرح حنون: خله يتدلع فديت قلبه.. أصلا وزنه نازل.. ماعاد كل مثل أول..
وضحى تعاود تقبيل خدها للمرة الثالثة وتهمس بمودة مرحة: تدرين يمه أما حبة خدش الواحد ما يشبع منها
وبعدين خلي تميم يسوي ريجيم صاير دب.. ويا ليت بعد امهاب يسوي ريجيم.. دب أكثر منه..
مزنة بخبث لطيف: إذا
عيالي الضعاف دبابة.. أجل عبدالرحمن ويش..
وضحى تأخرت بحرج وهي تدور حول الأريكة لتجلس جوارها: وأنا وش دخلي في عبدالرحمن.. دب لنفسه
مزنة تغلق الحاسوب وتضعه على الطاولة أمامها ثم تمسك كف وضحى بين كفيها وتهمس بحزم حنون:
اسمعيني يامش.. أنا لحد الحين مثل منتي أكيد ملاحظة ما قلت لش أي شيء ولا تدخلت
أبيش تفكرين زين بدون ضغط مني مع إني عارفة إنه أخوانش كلهم تكلموا معش في الموضوع بس أنا ماحبيت أستعجل
والحين أبي أقول لش سالفة صغيرة أول..ترا هذي مهيب أول مرة يخطبش عبدالرحمن..
هذي ثاني مرة والأولى كانت قبل 3 سنين.. لكن....
حينها تصلبت أنامل وضحى بين كفي والدتها..وهي تقاطعها بغضب:
يمه تكفين دوري سالفة تتنصدق غير هذي إذا أنتي تبين تقنعيني بعبدالرحمن اللي أنا مستحيل اقتنع فيه
مزنة بغضب دفعت يد وضحى عنها: وضيحى هذي أخرتها.. تقاطعيني وتكذبيني بعد؟؟...
ومتى كنت أكذب عليش وإلا على غيرش.. قومي من قدامي الحين.. يالله قومي ذا الحين قدام تسمعين شيء ما يسرش
حينها انكبت وضحى على يد والدتها تقبلها بجزع: آسفة يمه.. السموحة جعلني فداش.. والله العظيم ما قصدي
مزنة تشير لوضحى أن تغادرها وتهتف بحزم شديد: إذا عرفتي تثمنين كلمتش.. كملنا كلامنا..
" داليا.. صحيح أمي ما جات معي؟!! معقولة؟! "
همس متألم موجوع
داليا تمسح على شعرها وتهمس بحنان: لا حبيبتي ماجات.. خلاص جميلة أنتي صرتي ست متزوجة.. والحين الأستاذ خليفة هو اللي مسؤول عنك
سالت دموعها بصمت مليء بالحرقة : ما توقعت إنها ممكن تخليني.. توقعت أي شيء إلا ذا الشيء
داليا تبتسم: بس جميلة أنتي عارفة هالشيء من قبل نسافر
جميلة بصوت مبحوح مثقل بالقهر: ما أنا طول عمري أعند، وأسوي، وأقول أشياء ما أقصدها
وأشمعنى ذا المرة صدقتني.. وأشمعنى؟!
داليا بحزم لطيف: لأن هذا موضوع مافيه لعب.. ويوم تقررين شيء لازم تكونين قد قرراتك
طرقات على الباب..
جميلة تهمس لداليا بجزع: لبسيني حجابي داليا..
داليا بهدوء: مافيه حد غريب.. أكيد زوجك..
جميلة بإصرار: ماعليه داليا لو سمحتي.. لبسيني حجابي..
داليا تلبس جميلة حجابها.. وبالفعل كان الطارق خليفة العائد من صلاة الظهر
يسلم بهدوء ويجلس في هدوء يخفي خلفه توتره الخاص
بينما جميلة بدأت تفرك أناملها اليابسة بتوترها الخاص بها ايضا..
داليا تهمس في أذنها بتحذير: لا تعملي كذا.. انتبهي على إبرة الجلوكوز..
ويالله أنتي وزوجك صليتوا الظهر باقي أنا أروح أصلي..
جميلة تهمس لها بخفوت جازع: لا تخليني معه بروحي.. تكفين داليا..
ابتسمت داليا وهي تهمس في أذنها: عيب يا بنت.. حاسة أنا قاعدة عزول.. رايحة شوي وراجعة.. باصلي وأخلص كم شغلة وأرجع
داليا خرجت.. بينما عادت جميلة لفرك أناملها بتوترها وخجلها المتزايد
خليفة كان يراقب تحركاتها بتوتر مشابه ولكنه نهض حينها ليتجه ناحيتها
ثم يمسك بيدها ويهتف بحزم: بسج.. أنتي عندج إبرة في الوريد.. انتبهي
جميلة انتزعت يدها بضعف وهمست بخجل متوتر: لو سمحت لا تلمسني..
خليفة جلس على المقعد المجاور لها وهتف بهدوء: جميلة ترا عيب اللي تسوينه
من لما جينا ما سمعت منج إلا كلمتين لا تقرب مني ولا تلمسني
أنا بصراحة موب فاهم مضمون اللمسة عندج..
أنا ريلج وما معج إلا أنا.. إذا أنتي حتى المساعدة البسيطة رافضتها مني..
أشلون من المفترض أقوم بدوري
جميلة بجمود: أنت مهوب مطلوب منك شيء.. شيء واحد أبيه منك
إذا مت.. أنت تغسلني وتكفني.. وعقب رجعني للدوحة..
أبي أندفن في الدوحة.. وما ابي أمي هي اللي تغسلني.. لأن أمي ماراح تستحمل
ولأنه...........
خليفة قاطعها بعنف وهو يكاد يجد من سيل الجنون الذي تهذي به: أنتي مينونة
وش هالخبال اللي تقولينه؟!!
أموت وكفني.. بسج.. ويا ويلج تعيدين هالكلام..
جميلة بذات الجمود: على العموم أنا ماراح أعيده.. صار عندك خبر بوصيتي
وإلا بعد منت بمنفذ وصات وحدة بتموت؟!!
خليفة يتنهد بعمق وهو يقرر تجاهل كل ماقالته:
ما تبين تأكلين شيء.. صار لج يومين تقريبا ماطب شيء حلقج..
حينها انتفضت جميلة وهي تخرج من حالة الجمود لتعود لحالة الخجل والتوتر:
لا شكرا ما أبي أكل..
خليفة يتجاهل رفضها ويهتف بحزم: لازم تأكلين شيء.. موب على كيفج..
***********************
مقر الخطوط الجوية القطرية الرئيسي
مزون أنهت مقابلتها على خير
لأول مرة تشعر بسعادة ما في هذا العمل منذ بدأت الدراسة
فهاهي ستعمل مع طاقم نسائي كامل.. وهاهي منذ الآن متحمسة لرحلتها الأولى..
بدا لها من أجرى المقابلة معها غير راض عن هذا الكابتن الذي يرتدي نقابا.. وهو يجد نفسه مع كل هذا مجبر على تنفيذ رغباتها.. بدلا أن تنفذ هي رغبات جهة العمل
ولكنه لم يستطع سوى ابتلاع غيظه مع التوصية الخاصة جدا التي جأته من أجلها من جهاته العليا
مزون كانت تخرج حين لحقت بها السكرتيرة وهي تهتف باحترام: كابتن مزون.. كابتن
التفتت مزون وهمست بمهنية: نعم
مدتها السكرتيرة ب
ظرف فخم على طرفه اسم الخطوط الجوية القطرية : تفضلي كابتن.. هيدا كارد استراحة التيارين بالمتار
مزون بابتسامة مهذبة وهي تعيده: شكرا.. أنا مهوب محتاجته.. ما أبي أقعد مع الطيارين في استراحتهم..
السكرتيرة باستغراب: ياكابتن ما بيصير.. وين بدك توعدي لما يكون عندك رحلة.. وبعدين المكان كتير حلو.. وكتير ستايل.. سدئيني بيعجبك
مزون هزت كتفيها ببساطة: بأجي على موعد رحلتي على طول.. ولو حبيت أرتاح في مكان.. استراحات المسافرين موجودة
السكرتيرة ابتسمت: كابتن مزون ارجعي تا نعد شويه..شكلو مَنّك كتير فاهمة النزام..
مزون تراجعت وجلست مع السكرتيرة التي همست باستغراب: أنا منّي عارفة ليه سيادتو ما شرح إلك التفاصيل
مزون ابتسمت في داخلها (سيادتو شكله ماكان طايقني)
السكرتيرة ابتسمت بمودة :
كابتن مزون.. الئعدة في استراحة الطيران منّها ترف لكن واجب..
لانو لازم توصلي ئبل الرحلة بـ 3 ساعات.. وتوعدي عالكمبيوتر الخاص هناك
منشان تتأكدي من حالة الطئس والغيوم وتوئعات الارصاد وخطة الطوارئ
وتوئعي على الحضور
مزون بصدمة: أنا أعرف كل هالأشياء.. بس أنا الحين مساعد ثاني وفي فترة تدريب..
ومفروض إنه كابتن إيمي هي اللي تسوي هالشغلات مهوب انا
ابتسمت السكرتيرة برقة: يا ئلبي يا كابتن.. لازم تكوني معاها خطوة بخطوة.. وإلا كيف بدها توئع إنك تدربتي..
الشيء التاني.. ليش بيحطوا اتنين مساعدين..لأنه هيدي أرواح ناس..
ولو حصل لا سمح الله للكابتن شيء وحتى للمساعد الأول
المفروض إنه المساعد التاني يكون جاهز تا يكود التيارة
فلازم تكوني مع الكابتن وهي بتستلم كشوف المسافرين والتاقم وتوئعي معاها
ومعاها وهي بتتأكد من كل شيء بيخص الرحلة من الكمبيوتر اللي باستراحة التيارين
وبعدين معاها وهي بتستلم التيارة من المهندس اللي عمل تشييك عليها
مزون قاطعتها باستغراب باسم: عفوا على هالسؤال.. بس دقة معلوماتش أحسن مني.. من وين تعلمتي كل هذا
عفوا والله ما أقصد إساءة.. بس ما اعتقد إن عمل سكرتيرة في مكتب ما يأهلش إنك تعرفين كل ذا التفاصيل عن العمل في أرض المطار
حينها ضحكت السكرتيرة برقة: ما أنا كنت كابتن تيارة وهربت..
**************************
"أستاذة كاسرة.. فاضية خمس دقايق؟"
كاسرة تبتسم وهي تمسك بسماعة الهاتف بمودة مرحة: يا ملغش فطوم..
شكلش عجبتش سالفة أستاذة ذي.. نعم أستاذة فطوم المليغة فاضية آمريني
فاطمة تكتم ضحكتها وهي تنظر للرجل الواقف أمامها وترد بذات الاحترام:
الأستاذ سعود هنا عندنا.. ويقول يبي يقابلكم خمس دقايق
حينها تغيرت نبرة كاسرة من المودة للحزم: أكيد جاي يشتكي؟؟
فاطمة مازالت تكتم ضحكتها: أكيد أستاذة كاسرة.. فيه شيء ثاني يعني؟!
كاسرة بهدوء: خليه يتفضل وتعالي أنت وسماح معه.. وأدعي الله يثبتني لأسوي في ذا المخلوق البليد شي..
باب مكتب كاسرة ينفتح.. ليدخل سعود أمامه سماح وخلفه فاطمة
تتوجه الاثنتان لتجلسا في الزواية.. بينما سعود يتجه ليجلس على المقعد المقابل لمكتبها من ناحية اليمين
كاسرة تهمس بحزم مهني: نعم أستاذ سعود.. فيه شيء؟؟
توتر سعود قليلا.. ودائما هذا ما يحدث.. لا يعلم ما يوتره..
هل هو صوتها الغني بالمتناقضات؟؟ أم صفوف أهدابها المتماوجة التي لم تستطع فتحات النقاب الشديدة الضيق أن تخفيها؟!!
أم حضورها الحازم الذي يكتم على أنفاسه بالضيق ويذكره بمأساته الدائمة أنه من كان يجب أن يكون مكانها...
ولكنه تناسى كل هذا وهو يحاول أن يهتف بحزم: ممكن أعرف استاذة كاسرة
ليش ما طلعت للدورة اللي أنا قدمت عليها؟؟
كاسرة بحزم: أعتقد أستاذ سعود إنك عارف... الدورة طلع لها الأستاذ فيصل والاستاذ هلال..
حينها هتف بحزم ممزوج بغضب: وليش هلال وفيصل هم اللي يطلعون وأنا لا؟؟
كاسرة ببساطة واثقة: لأنهم هم الأحق بها من حضرتك..
سعود بذات الغضب: ومن وين جا حقهم... أعتقد أني أقدم منهم في القسم
كاسرة مازالت تحتفظ بهدوؤها: أستاذة سعود حضرتك توك راجع من دورة.. والدور للأستاذ فيصل والاستاذ هلال
سعود بذات الغضب الذي بدأ يتزايد: بس الدورة هذي غير.. وانتي عارفة إني من السنة اللي فاتت وأنا أبيها
قبل ما تصيرين حضرتج رئيسة القسم حتى..
كاسرة مازالت تتمسك بهدوؤها المهني الذي أثار غضب سعود لأنه يريدها أن تغضب ليجد عليها ممسكا:
أستاذ سعود الذنب في هذا الموضوع يكون ذنبك ومهوب ذنبي
لأنه بما أنك كنت تبي هذي الدورة بالتحديد.. كان من المفروض إنك ما قدمت على الدورة اللي فاتت
لأنك عارف القانون.. ما أقدر أطلعك دورتين ورا بعض إلا لو كان ما فيه متقدمين..
وأنت عارف إنه الدورة هذي تقريبا تقدم لها كل موظفين القسم
والأحق كان فيصل وهلال
عندك شيء ثاني أستاذ سعود؟؟
سعود وقف وصوته يرتفع بغضب: إيه عندي باقدم شكوى ضدج.. إنه انتي عندج محاباة بين الموظفين..
كاسرة بذات الهدوء الذي لم تتغير وتيرته: حقك أستاذ سعود
قدم الشكوى اللي تبي... ومدير الإدارة بيكون الحكم بينن
ا
سعود يرتفع صوته اكثر: ومن قال بأقدمها لمدير الادارة.. بأقدمها لمدير الهيئة شخصيا
كاسرة ببرود مهني محترف: حقك بعد.. بس قصر حسك.. تراك في مكان عمل محترم.. هذا مهوب سوق خضرة
سعود يصرخ: وتسبيني بعد وتقولين إني بياع خضرة.. زين يا استاذة كاسرة.. زين بتشوفين..
تراج أنتي إلا بنت يومين.. لكن أنا ولد ذا الهيئة من سنين..
وترقيتج كلها كانت غلط.. والغلط لازم يتصلح..
كاسرة زادت من درجة برودها الشديد الحزم: انتهت الخمس دقايق أستاذ سعود
تفضل لمكتبك شوف شغلك..
وأنا بأكون سعيدة جدا نتقابل عند مدير الهيئة شخصيا
لكن حط في بالك إني بأطلب نقلك لقسم ثاني..
أنا طولت بالي عليك كثير.. واحترمت أقدميتك في القسم
لكن مصلحة العمل عندي في المقام الأول... وأنا ماني بفاضية لمهاتراتك كل يوم..
************************
"صالح يأمك قوم.. وش ذا النوم كله.. الظهر قرب يأذن وحتى دوامك مارحت له اليوم"
صالح همس بإرهاق: تعبان يمه شوي
أم صالح وضعت يدها على جبينه وهي تهتف بجزع: وش فيك يأمك؟؟ وش أنت تانس؟؟
صالح جلس وهو يتناول كفها من جبينه ويقبل ظاهرها ويهمس بصوته المرهق:
ما أنس شيء جعلني الأول.. بأقوم الحين..
أم صالح بقلق: يأمك حالك مهوب عاجبني.. ما كنت تسهر ذا السهر.. اليوم جيت أدورك صلاة الصبح.. ما لقيتك..
همس صالح وهو يقف ويتناول فوطته ليتجه للحمام: يمه صليت الفجر وجيت..
أم صالح بنبرة ذات مغزى: زين ووين كنت لين صلاة الصبح..
صالح بإرهاق: وين بأكون يعني يمه؟؟
أم صالح بذات النبرة: أنت علمني..
صالح بضيق: أدور في سيارتي كني خبل.. ارتحتي يأم صالح..
أم صالح تعلم عادته الرديئة هذه مؤخرا.. فكثيرا ما أخبرها إنه يقضي الليل يطوف في سيارته أو حتى يمشي على قدميه حتى ينهكه الإرهاق
همست بضيق عميق: ولمتى على ذا الحال يأمك؟؟
صالح يقبل رأسها: ضايق يمه.. وش حيلتي؟؟
أم صالح بحزم غاضب: منت برجال.. اللي فرقى مره يسوي فيك كذا..
ابتسم صالح: وليه تظنين إني ضايق عشان نجلاء.. انتي تدرين يمه وش كثر أحب عيالي
وبعدين جعلني فدا عويناتش ابن فطيس يقول:
والله إن أحر من دمع اليتيم.... دمعة الرجال من فرقا مرة
أم صالح بجزع: ويش؟؟ دمعة؟؟
ضحك صالح من جزع والدته: لا أبشرش ما بعد وصلنا ذا المرحلة.. الشهر الجاي يمكن..
أم صالح تنهدت بعمق: يأمك حالك مهوب حال.. أما أنك ترد مرتك وإلا أعرس.. جوزاء وإلا غيرها
صالح يتجه للحمام وهو يهتف بحزم: خلينا من ذا السالفة الحين.. أبي اسبح قدام الأذان
**************************
وضحى وسميرة وشعاع في مجمع المطاعم في الجامعة.. يتناولون غدائهم
وضحى تهتف بابتسامة: سمور شوفي تصلين المغرب وتكونين جاهزة.. تعرفين كاسرة دقيقة في المواعيد وما تحب اللي يتأخر
وأنا ماني بمستعدة أسمع لي كلمتين عشان وجهش الشين..
تضحك سميرة: وه يا قلبي.. أنا اموت عليها لا عصبت أصلا.... ياحلوها إذا عصبت.. فديت المعصبين
عسل ياناس.. شفتي العسل يوم ينكت.. كأني شايفة برميل عسل مكتوت..
تضحك شعاع: خوش تشبيه... زين وأنا إذا عصبت..
أغلقت سميرة أنفها وهي تهمس بتأفف: زبالة مكتوتة وأنتو بكرامة.. وريحتها فايحة بعد
شعاع قرصت ذراع سميرة وهي تضحك: وجع يالبرصاء..
سميرة تفرك القرصة وهي تضحك: أنتي اللي وجع.. الحين عارفتني برصاء.. وحن يالبرص أقل شيء يسوي علامات في أجسامنا
الحين شوهتيني... وخربتي مستقبلي.. من اللي بيتزوج وحدة مشوهة الحين؟؟
وضحى تضحك بدورها: على الأقل إذا عنستي يكون عندش سبب تحججين فيه..
سميرة الضاحكة على الدوام: العانس أنتي وبنت عمتش.. وإلا أنا سوقي ماشي
تدرين عاد هل الديرة القرود يموتون في البياض..
على قولت خالي هريدي: الجعان يحلم بسوق العيش..
وأنا عاد بينكم يالكويحات سوق العيش...
شعاع تضحك: أمحق عيش... أشهد أنه على العازة اللي بيضويش..
ثم التفتت وضحى لشعاع بابتسامة: اشعيع تروحين معنا عقب المغرب لفيلاجيو..
شعاع بمودة: مالش لوا.. تو كنا فيه أمس رايحين أنا وجوزا نلعب حسون..
وبعدين أنتو تبون فيرجن تشترون طابعة حق مشروع تخرجكم وتطلعون..
وش يوديني معكم..
ثم أردفت شعاع بضيق: كل ما يطري علي إنكم بتتخرجون وتخلوني.. يضيق خاطري..
وضحى تهمس بمودة صافية: كلها شوي وتلحقينا..
شعاع بضيق فعلي: وش شوي.. سنة شوي
سميرة تبتسم: أنتي يام الأفلام الهندية.. أنتي أصغر منا بسنة.. تبين بعد تخرجين معنا أنتي ووجهش..
شعاع بالفعل تشعر أنها ستبكي: مالت على وجهش.. ما عندش إحساس..
حينها رقصت سميرة حاجبيها: ياحرام.. مسكينة.. بنروح ونخليها.. تدوج في الجامعة بروحها
حينها بالفعل سالت دموع شعاع.. لتنتفض كل من وضحى وسميرة بجزع
وتهتف سميرة بجزع: أمزح معش يا غبية...وبعدين ترا ماحد منا مهاجر..
بيوتنا كلها قريب من الثاني.. مالت عليش يأم دميعة ترا قلبي ما يستحمل
***************************
منصور ينهي عمله ليتفاجأ
أن سيارته شبه خالية من البترول.. ويستحيل أن توصله لمكان ..
لذا تلفت حوله ليرى أي حد قد يأخذه لمحطة البترول القريبة ليحضر بعض البنزين الذي سيكفيه للعودة للمحطة
هتف بحزم وهو يرى السيارة القريبة منه: ملازم فهد.. ممكن توصلني للمحطة.. سيارتي مافيها بترول
فهد ينزل من سيارته ويهتف باحترام وهو يؤدي التحية العسكرية:
والله إن قد تاخذ سيارتي... وانا بعبي سيارتك بترول وعقب باوصلها لبيتك وأخذ سيارتي
منصور هز رأسه نفيا وهو يهتف بحزم: جعلك سالم يأبو خالد.. استغفر ربك..
أبيك بس توصلني للمحطة وعقبه ترجعني..
قالها وهو ينزل ليتجه لسيارة فهد.. فهد عاد لمقعده.. بينما ألقى منصور نظرة سريعة على سيارة فهد وهو يركب جواره..
هتف فهد باحترام ومودة عظيمين: نورت سيارتنا يابو علي..
منصور بمودة: نورك يابو خالد..
ثم أردف بنبرة ذات مغزى: فهد..
فهد انتفض من الحمية: لبيه..
منصور بذات النبرة: لبيت في مكة.. فهد أنت اكيد تدري إني أعدك مثل ولدي..
فهد بمودة عميقة مغلفة باحترام متجذر: أدري الله يكبر قدرك..
منصور بذات النبرة: يعني لو أنت محتاج شيء منت بداس علي؟؟
فهد باستغراب: أكيد طال عمرك
منصور بحزم مباشر: أنت محتاج فلوس؟؟
فهد انتفض باستغراب وحرج: فلوس؟؟ لا والله .. الخير واجد ولله الحمد
منصور بعتب: تدس علي يافهد.. لو أنك منت بمحتاج فلوس.. وش حادك تركب سيارة مثل ذي.. متكسرة من كل صوب..
حينها لم يستطع فهد منع نفسه من الضحك: السموحة طال عمرك.. بس لو قلت لك السبب بتزعل علي..
منصور باستغراب: فهد خلص علي.. سيارة مثل ذي مايركبها حد صاحي.. صحيح إنها موديل السنة الجديدة.. بس شكلك شاريها مكسرة من الحراج
فهد بابتسامة محرجة: طال عمرك أنا شاريها من الوكالة مالها شهرين..
منصور بصدمة: ويش.. وويش اللي سوى فيها كذا؟؟
فهد بحرج: وش أسوي بهل الدوحة اللي خلو العالم كلهم.. ومالقوا حد يدعمونه غيري.. لازم كل يوم يومين دعمة ..
زين عادني حي.. أنت داري إني أوقفها ورا البيت عشان أمي ما تشوفها.. والحين أبي اشتري غيرها أصلا..
حينها هتف منصور بأمر حازم: اصفط على جنب..
فهد نفذ الأمر دون تفكير.. ليهتف منصور بامر آخر: انزل أنا بأسوق..
فهد نفذ الأمر بدون نقاش رغم شعور الحرج المتعاظم
حين ركب منصور مكان السائق هتف بالامر الثالث: عطني رخصتك
فهد أعطاه الرخصة.. وحرجه يتزايد ويتزايد
(يا الله وش ذا النهار؟!!)
حينها هتف منصور بحزم: والله ماعاد تسوق سيارة لين تدخل مدرسة السواقة من جديد..
وانا اللي بوصي ضابط مخصوص هو اللي يسوي لك التراي
لأن اللي عطاك الرخصة يبي له محاكمة عسكرية
فهد بجزع: تكفى يأبو علي لا تفشلني.. وش عاد بيفكني من لسان الشباب في الثكنة.. والله إن قد يخلوني مطنزتهم..
أنا أخرتها أرجع أتدرب مع البزارين والسووايق عقب 15 سنة سواقة
والله إني أسوق من يوم عمري 13 سنة.. وش مدرسته بعد؟؟
منصور بحزم شديد: فهد انتهى الموضوع.. ومهوب كل مرة تسلم الجرة.. كفاية على أمك وأبيك مراح عبدالله الله يرحمه عليهم
تبي تفجعهم فيك بعد؟!!
**************************
************************
سيارة كسّاب وعفراء تمخر عباب جمال أنسي الخلاب دون حتى أن ينتبه الاثنان لشيء .. فكلاهما غارق في أفكاره الخاصة
حتى وقفت السيارة أمام بوابة المصحة التي تقع على مساحة شاسعة من الأرض أكثرها حدائق ومحميات طبيعية..
تحادث السائق مع الأمن قليلا.. ثم ركب بجوار السائق أحد رجال الأمن.. وتوجهوا للداخل..
دقات قلب عفراء بدأت بالتعالي وتفكيرها ينصب بحال ابنتها كيف هي الآن..
شوقها يغتالها لها.. رغم أنه بالكاد مضت 24 ساعة على رؤيتها الأخيرة لها
تشعر بالتوجس والقلق.. هل صحت من مخدرها؟!
كيف تقبلت الوضع؟!!
هل أكلت شيئا؟!!
ذات الوقت في غرفة جميلة
صوت خليفة يرتفع بحزم: جميلة بس اشربي الحليب من الممرضة.. لا تاكلين الحين.. بس الحليب
جميلة تلتفت له ثم تنزل عينيها بخجل وتهمس باستغراب خجول: أنت بأي حق تطول صوتك علي؟!
خليفة بنبرة استغراب إنما حازمة: نعم؟؟ أي حق؟؟ بصراحة ما أدري بأي حق يا بنت عمي.. أنتي قولي لي..
جميلة تنهدت بعمق (أي جنون أدخلت نفسي فيه)
ثم همست بخجل: ماعلية خليفة لو سمحت.. انا ما أبي حليب.. شايفني بيبي..
خليفة يشعر أنه سينفجر ولكنه قاوم رغبته.. فما زالت هذه هي المحاولة الأولى.. فكيف بمحاولات كل يوم
هتف بحزم: تشربين أو اشربج غصب..
قالها وهو يقترب فعلا..
انتفضت جميلة بجزع.. وذكرى رأسها في كتفها تعود لها...همست برعب: لا بشرب بروحي خلاص..
الطبيبة كانت تجلس في الزواية غير المرئية من جميلة وهي تسجل ملاحظاتها وتبتسم
جميلة كانت تشعر أنها تريد أن تتقيأ وهي تشرب الحليب الذي يعبر بدفئه بلعومها الجاف..
وهتفت بالفعل بالم: بس خليفة والله العظيم بازوع خلاص..
خليفة باستغراب: شنو تزوعين هذي.. ثم أردف وهو يكتشف المعنى: قصدج تطرشين..
لا ما راح تطرش
ين.. كملي كاسج..
جميلة لم تكمل كأسها لأنها بالفعل أرجعت الحليب كله في ذات الكاس الذي كانت تشرب منه..
عدا بعض القيء الذي تناثر على يديها ووجهها وملابسها..ويدي الممرضة التي كانت تسقيها
جميلة شعرت بألم عظيم وخجل أعظم.. شعرت أنها ستختنق من الحرج والإهانة
وانخرطت في بكاء متحسر أشبه بالأنين
رغم أنها لم تكن تريد أن تبكي أمامه..
خليفة شعر أنه هو أيضا سيتقيأ ولكنه قاوم رغبته وهو يقول: ماعليه جميلة عادي.. المرة هذي تطرشين المرة الياية لا
تبين أساعدج نبدل ملابسج..
جميلة بجزع بين شهقاتها: لا لا.. دكتورة داليا.. دكتورة داليا..
داليا قفزت من مقعدها وهي تشير لخليفة أن يخرج.. وأغلقت الباب لتبدل لها ملابسها.. بينما خرجت الممرضة لتغسل وتبدل..
وجميلة تبكي: تكفين داليا أنا أستحي أقول له.. قولي له يروح الفندق.. يروح أي مكان.. ما أبيه قاعد فوق رأسي.. تكفين
داليا تبلل الفوطة وتمسح وجهها ويديها وتهمس بحزم: جميلة حبيبتي هذا زوجك..
والقضية مش لعب.. يعني هو يقدر يقول لي أنتي روحي.. بس أنا ما أقدر أقول له.. وخصوصا أني قاعدة معاكم شوي وبأرجع
تمسكت جميلة فيها بجزع: لا داليا تكفين لا تخليني.. أنا أصلا باموت قريب داليا.. مستكثرة تقعدين عندي لين أموت..
داليا بذات الحزم وهي تكمل إلباسها ملابس نظيفة: لا ماراح تموتي إن شاء الله.. أنتي بتشفين وترجعين للدوحة.. ما تريدين ترجعين لأمك وعمك زايد ومزون..
حينها انفجرت جميلة في بكاء هستيري وهي تتذكر ما تحاول تناسيه دون أن تفلح:
أبي أمي.. أبي أمي.. جيبو لي أمي.. يمه.. يــــمــــه..
يـــــــمــــــه
ليفتح الباب حينها بشكل مفاجئ..
وتدلف عفراء كأعصار وهي تسمع صراخ ابنتها الموجوع المكلوم يناديها
#أنفاس_قطر#