تحميل رواية «بين الامس و اليوم» PDF
بقلم HaboOoshy
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
************ قبل واحد ثلاثين عاما عالم غير العالم ودنيا غير الدنيا وبشر غير البشر بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لتنمو.. أو لتُنحر!! يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما يفرق بينهم الأصل والقبيلة ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة الكثير منها ثلاثتها كثيرٌ من الفقر وكثير من الصداقة وكثير من الرجولة!!! "زايد.. هونها وتهون يأخوك" " قهرتني ياخليفة.. قهرتني" خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر ال...
رواية بين الامس و اليوم الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم HaboOoshy
" هلا ياعمي!! كساب كلمني البارحة وقال لي إنك تبيني..
وماعندي وقت فاضي إلا الحين.. قلت أمرك قبل أروح المطار عندي رحلة!!"
ابتسم زايد وهو يشير لغانم أن يجلس في المقعد المقابل لمكتبه:
لك عندنا حاجة ماعطيناك إياها..
نبي نشوف متى تبغيها؟؟
اتسعت ابتسامة غانم: والله حاجتنا نبيها متى ما حنيتوا علينا!!
هتف زايد بأريحية عميقة: أنا داري إنه حن طولنا عليك بدون مانعطيك موعد بس أنت كنت عارف ظروف مرض علي..
الحين علي متحسن وسافر.. وإن شاء الله مهوب مطول..
وكساب عنده سفرة شغل حوالي شهر..
فخل الموعد عقب حوالي شهر وعشر أيام.. لأني واحد ضد المواعيد الطويلة اللي مالها سنع..
والموعد ذا أقرب شيء أقدر أحدده..
أول شي بعد مايرجعون أخوانها..
وثاني شي قبل ماترجع مزون لدوامها بحوالي شهر..
وثالث شي عرس بنت مرتي عقب شهر وثلاث أسابيع.. وما نبي العرسين وراء بعض بدون وقت..
فانت دور لك حجز في ذا الوقت.. ولو مالقيت كلمني وأبشر بسعدك..
اتسعت ابتسامة غانم لآخر حد: بألقى إن شاء الله..
ثم أردف بتردد: زين مزون موافقة على ذا الموعد؟؟
ابتسم زايد: ليه ظنك باحدد موعد قبل ماتوافق هي؟!!
ابتسم غانم: أبي أتطمن بس إن كل شيء من خاطرها!!
*********************************
" حبيبتي ليه متوترة كذا؟؟
من يوم طلعنا من عند الدكتور وأنتي متوترة!!"
شعاع بضيق شفاف: ما أدري ما أرتحت لتعاملهم.. حسيتهم باردين وماعندهم اهتمام..
علي بإبتسامة: حرام عليش.. هذا كله مهوب مهتمين.. بس الإنجليز هذي عادتهم.. باردين بس بروفنشال!!
شعاع لم ترتح مطلقا لتعامل الطاقم الطبي مع علي..
فهي كانت معه خطوة بخطوة خلال التحاليل والأشعة..
وحين كانوا يسحبون الدم ابتعدت عنه قليلا بخوف طفولي وصل لحد الرعب.. أولا لأنها لا تحتمل رؤية الأبرة..
وثانيا لأنها خافت من أي طارئ ينتج عن دمه الملوث!!
شعرت أنهم يتعاملون معه ببرود لا يتناسب مع خطورة مرضه..
ومازاد في توترها أن الطبيب لم يرح بالها بأي شيء.. وفي ذات الوقت أرعبها بشيء آخر..
مجرد كلمات عامة وهو يتحدث عن فحوص علي في قطر.. وعن حاجته لإجراء فحوصه الخاصة التي ستظهر نتيجتها بعد أربعة أيام!!
وأنه بشكل عام لا يخشى من فحوص القلب.. لكن ينتظر فحوص الكبد لأنها ماتهمه..
حينها قفز لبالها" التهاب الكبد الوبائي" لابد أنه هو!!
لم تعلم حينها هل تطمئن أو يزداد رعبها؟؟
شعاع همست لعلي بنبرة خاصة: علي أنت ليه ماتقول لي من وين جاك المرض؟؟
ابتسم علي: قلت لش.. بس ماصدقتيني!!
شعاع بتوتر: تبيني أصدق عشانك لمحتني في الأصنصير صار لك ذا كله.. حدث العاقل بما يعقل..
وعلى فرض إني صدقت.. تراني بأزعل وبأزعل بشكل ماتتخيله إنك بصبصت لوحدة ويوم ملكتنا..
علي صمت.. لا يستطيع أن يفسر لها أكثر حتى لا يصدمها.. كيف لو علمت أن ماحدث بينهما تجاوز (البصبصة)!!
يخشى بشدة أن يفجر هذا غضبا عندها من نوع آخر..!!
بينما شعاع مازال هذا الموضوع لا يشغلها.. لأنها لا تصدقه أساسا.. ولأن بالها مع مرض علي المعدي وكيف انتقل له..
علي حتى يغير محور الحديث هتف لها بحنان وهو يمد ذراعه لتدخل ذراعها فيه:
أنا ميت جوع.. امشي أوديش أحسن مكان ممكن تفطرين فيه فطور يطير العقل!!
********************************************
" راحو الشباب كلهم؟؟"
أم صالح تهمس بهدوء وهي تمد أبا صالح بفنجان قهوة: توكلوا على الله.. الله يحفظهم بحفظه..
أبو صالح تناول الفنجان من أم صالح وهتف بنبرة مقصودة:
صافية..
أم صالح رفعت رأسها وهمست بمودة واحترام: لبيه..!!
أبو صالح بذات النبرة المقصودة: وش فيش على فهد مزعلته؟؟
أم صالح تغير وجهها وهي تهمس بنبرة مقصودة أيضا: أظني إنك داري ياخالد.. ولا تنشد عن شيء تعرفه..
أبو صالح تنهد ثم هتف بحزم: اسمعيني زين ياصافية..
فهد ماعاد هو ببزر.. عمره 29 سنة.. يعني رجّال داخل على الثلاثين..
ويوم يقرر شي.. مهوب هين عليه نرده منه كنه بزر..
لو أنه هزاع.. كان قلنا بزر ولا يعرف مصلحته!! بس فهد خلاص قده كبير على الحِداد واللداد.. وأنتي دارية إنه مهوب طايع!!
( الحِداد واللداد= أن يمشي احدهم الآخر على هواه)
أم صالح قاطعته بغضب: وش لازمة ذا الحكي يا أبو صالح؟؟
أبو صالح بهدوء: أنتي عارفة زين إن فهد الله يصلحه أعسر واحد في العيال..
وفي رأسه حب ما انطحن..
وحن كن حن عيينا عليه.. بيعند زيادة.. ويمكن من جده ماعاد يعرس..
أم صالح بذات النبرة الغاضبة: أحسن.. لا يعرس..
أما يأخذ له حد يستاهل.. وإلا لا يعرس..
وش حاده يأخذ مطلقة ومريضة..؟؟
أبو صالح بثقة: يام صالح الله يهداش وش ذا الحكي.. أنا بروحي ترا ماني براضي عن اختياره..
بس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا أمرتكم بأمر.. فأتو منه ما استطعتم"
والقاعدة الفقهية اللي خذوها عن ذا الحديث:" إن مالم يُدرك كله.. لا يترك كله"
يعني إذا الصبي ماخذ وحدة على كيفنا.. نمنعه من العرس كله..؟؟
العرس كله خير.. فيه تحصين للرجّال وفتح باب رزق له وتكثير لأمة المسلمين..
أم صالح قلبها يؤلمها حين يضغط عليها بالدين هكذا.. لذا همست بتأثر:
وأنت صدقت يعني يا ابو صالح إن ما أبيه يعرس..؟؟
أنا بس أبيه يغير رأيه لا شافني مصممة..
أبو صالح بحزم: أنتي عارفة زين إنه ما به رأس(ن) أيبس رأسي.. وأني ماحد يقدر يغصبني على شي..
بس أنا أعرف فهد زين.. الله يصلحه إذا قد حط الشي في رأسه ماعاد ينرد منه..
وأنا ما أبي نعضل عليه.. ويهون من العرس كلش.. حزتها وش حن بنستفيد؟؟
***************************************
" أنتي اشفيش اليوم..
كنش عجوز كلو عشاها.. من صبح وانتي تحلطمين..
الشيخ كساب مسافر.. صح؟؟ "
كاسرة بدهشة: وأنتي وش دراش يا السكنية؟؟
ضحكت قاطمة وهي تأشر بالقلم على بعض الأوراق أمامها: سوسو..
ترا قبل زعلتش الأخيرة من رجالش..
سبع شهور من عرستي وأنتي قدامي وحافظتش حفظ..
مايشين خاطرش بذا الطريقة إلا لأنه مسافر!!
كاسرة بغضب مختلط بالضيق: إيه سافر الزفت.. وبيطول شهر بعد!!
ضحكت فاطمة: زفت وأنتي مشتاقة له كذا!!
كاسرة تنهدت بغيظ: إيه زفت لأني من الحين مشتاقة له.. وأنا ما أبي أشتاق له لأنه ما يستاهل حتى!!
ثم انخفض صوتها وهي تردف بوجع عميق: تخيلي فطوم.. البارحة ماقدرت أنام.. واليوم الصبح ما أبي عيني تطيح على شي من أغراضه عشان ما أغتث على الصبح..
ألاقي عيني ماتروح إلا على أغراضه.. فرشاة أسنانه.. مشطه.. عطوره.. ملابسه.. صورته..!!
أنا شفت صورته.. ما أدري وش صار لي.. تقولين بزر مضيع أمه.. بكيت بكا..
صدري ضايق بشكل غير طبيعي..
حينها انطفئت ابتسامة فاطمة: كاسرة الله يهداش.. ترا الأفلام الهندية ماتليق عليش.. تعوذي من أبليس..
كاسرة بصوت ذابل: على إنه أنا وكساب على طول حن زعلانين من بعض تقريبا..
وقبل فترة زعلت عند هلي وطولت وكنت أبي الطلاق من جدي..
بس كنت عارفة إنه قريب.. وقلبي متطمن!!
أدري سخافة.. بس إحساسي إنه ما بيننا إلا طوفة كان مريح أعصابي شوي..
الحين ما أدري وش فيني.. وخصوصا إنه هذي أطول مرة بيسافر من يوم تزوجنا!!
وعلى كثر ماهو قاهرني وحارق أعصابي على كثر ما أنا مشتاقة له..
فاطمة تحمل الملفات التي وقعتها كاسرة وتهمس بتأثر: أنا عمري ماشفت حد يحب الشقا كثرش أنتي ورجالش..
الله يهدي بالكم ببيبي صغنون يخليكم تعقلون وتدرون أنكم مسؤولين عن نفس بتجمعكم لين آخر العمر!!
***************************************
" علي الله يهداك.. تعبت نفسك اليوم
وأنت مسوي روحك دليل سياحي لي..
خلنا نرجع الفندق آذان الظهر قرب"
علي بمودة صافية: ياقلبي تو الناس.. باقي كم مكان أبي أوريش إياهم!!
شعاع بقلق متوتر: تكفى علي وأنا وش باستفيد من الأماكن لو طحت تعبان..
تكفى عشان خاطري..
علي بولع: عاد (تكفى).. (وعشان خاطري كلها).. أنا أشهد إن حن رجعنا!!
دقيقة أكلم السواق..
ثم أردف وهو يهمس لها بتلقائية: على إني بالعادة أحب أجر سيارة وأسوق في أي بلد أجيه..
بس لندن بالذات ما أحب أسوق فيها.. لا تقدر تلاقي موقف مثل الناس.. والسواقة عندهم تلوع الكبد..
لا تعلم شعاع لِـمَ تشعر بالألم حين يتكلم بهذه العفوية المذهلة وهو يتدفق بحديثه لها كما لو أنها صديق قديم قابله بعد اغتراب..
وهذا الألم ليس الآن فقط.. ولكنه طوال جولتهم في الصباح التي لم تستطع أن تشعر بالمتعة فيها..
لأنها ما أن ترى تدفقه بالحديث العفوي الذي لا يمكن أن يصدر إلا عن شخصية مثقلة بالطهارة ولا يوجد لديها ماتخفيه..
حتى تشعر بالألم من أجل مرضه وكيف انتقل إليه وبأي طريقة!!
أ يعقل أن يكون هناك إنسان لديه ازدواج في الشخصية لهذه الدرجة؟!!
هذا الأمر بات يرهق روحها الطاهرة كثيرا..
أو ربما مايرهقها إزدواجية تفكيرها هي!!
*****************************************
" حبيبتي ليش قاعدة بروحش
وضحى مابعد رجعت؟؟"
سميرة تشير بيدها بإبتسامة مرحة: لا مابعد.. والله إني ندمت إني ماوافقت أروح معهم
بس استحيت من مزون.. قلت يمكن ما تاخذ راحتها في وجودي..
ابتسم تميم: ومن اللي ما يأخذ راحته في وجودش..؟؟ أو من اللي يشوفش ومايرتاح؟؟
سميرة بحركة تمثيلية: ياقلبي.. ياقلبي.. هذا اللي يسمونه الغزل؟؟
ابتسم تميم: يا النصابة.. يعني إني ما أتغزل فيش.. تعبت أتغزل..
بس يمكن غزل الإشارات ذا مايعجب..
سميرة قفزت لتقبل كتفه.. ثم ابتعدت خطوة لتشير بإبتسامة رغم أنها شعرت بانقطاع ما بينها وبينه: إلا يعجب ويعجب ويعجب..
تميم بإبتسامة: الله لا يحرمني منش..
ثم أشار بتردد: كنت أبي وضحى في سالفة.. بس خلاص مهوب ضروري.. بعدين!!
سميرة بحماس: عسى قررت ترحمها من ثقل دمك معها؟؟
تميم بإشارة مقصودة: أنا ووضحى ما بيننا شيء خلاص.. سالفة وراحت لحالها!!
***************************************
" عسى ماشر زايد؟؟
وش فيك تأخرت الليلة؟؟"
كانت مزنة تسأل زايد الذي أنهى ورده للتو.. واتجه ناحيتها حيث تجلس على مقعد التسريحة وتدلك يديها وذراعيها بالكريم..
هتف بحميمية: شوي شغل في الشركة.. وأنتي بعد شكلش تأخرتي الليلة مارجعتوا إلا عقب العشا..
مزنة برقة دافئة: وش أسوي؟؟ خبرك البنات وشطتهم.. من عصر وأنا طالعة فيهم.. لفيت فيهم مصممين الدوحة كلهم..
تدري مافيه وقت.. والمصممين يبون أكثر من 3 شهور.. وحن نقول لهم شهر..
ابتسم زايد: ومزون تعبتش أكثر من وضحى؟؟ صح؟؟
مزنة بعذوبة: مهوب صحيح.. لا تعتبتني ولا شيء..
زايد بذات الابتسامة: إلا تعبتش.. هي قالت لي.. إن وضحى قررت تفصل عند أول واحد جيتوه..
بس مزون لففتش الدوحة بكبرها..
ابتسمت مزنة: ماشاء الله مزون ماتدس عليك شيء..
زين عساها مازعلت عشاني مارضيت إنها تفصل الفستان اللي كانت تبيه؟؟
ثم أردفت بشفافية: أنا والله ماكنت أبي أردها.. بس أنا سويت معها اللي كنت بأسويه مع بنتي بالضبط..
أدري إنك مدلعها ومعودها على الغالي الله يخليك لها ويفرحك بعيالها..
بس فستان بالقيمة هذي.. حرام عشان تلبسه ساعتين وتقطه.. لو ذهب بيقعد عندها كان ماعليه!!
زايد بحميمية: وصدقيني هي مازعلت.. مزون ماتدس علي شيء.. وهي مقتنعة بكلامش..
زايد مد كفيه ليضعها على كتفيها وهو يهتف برجاء فخم:
أنا ما أبي أثقل عليش.. بس دامش رايحة رايحة مع بنتش..
أنا أبي تنتبهين لمزون مع وضحى.. وخصوصا إن عفراء لاهية مع ولدها وماعاد هي بمتفرغة لها مثل أول..
مزنة بعتب: أفا عليك يازايد.. حتى لو ماكنت رايحة مع بنتي.. بأروح عشانها ومعها.. بنتك مثل بنتي..
ثم أنهت مزنة عبارتها بأن مالت برأسها جانبا وهي تقبل بعفوية دافئة كف زايد الساكنة على كتفها..
زايد مال ليقبل رأسها وهو يشعر بتأثر غريب..
يشعر كما لو كان يظلم مزنة معه بطريقة مجهولة.. فإحساسه بها غريب.. وهو يعلم أن مشاعره هي للماضي المندثر..
ومع ذلك يحاول جهده للسيطرة على قلبها.. ويعلم أنه أما نجح في ذلك.. أو يوشك على النجاح!!
*****************************************
اليوم التالي..
.
.
" وش فيك يأمك لاوي بوزك طالع ونازل؟؟"
فهد يميل ليقبل رأس والدته وكتفها وهو يهمس بمودة: أفا عليش يمه.. ومن يشوف وجهش ويلوي بوزه إلا الخبل..
ثم أردف بتقصد: بس خاطري ضايق.. إنش تعامليني كني بزر عقب ذا السنين!!
أم صالح تنهدت بعمق: يأمك أنا أبي لك الزين..
(داري إنها شينة.. بس وش أسوي؟؟) فهد لاحظ في لهجة والدته لينا قرر استغلاله فورا..
وهو يجلس جوارها ويشد على كفها ويهتف برجاء رجولي:
يمه أنا مستحيل أسوي شيء ماترضينه.. بس يمه لا تعقدين السالفة علي طالبش..
أنتي وش تبين إلا أني أكون مقتنع باللي بأخذها..
حينها نظرت له أمه بشكل مباشر: وأنت صدق مقتنع؟؟
فهد بنبرة حازمة صارمة يخفي خلفها عدم اقتناعه الشخصي: أكيد مقتنع ومقتنع ومقتنع..
حينها همست أم صالح بحزم: خلاص بصرك.. أنت اللي بتعرس مهوب أنا..
بس لاخذت بنت الناس وماعجبتك وإلا ماجازت لك.. ياويلك تضايقها.. هذي مهما كان بنية يتيمة..
فهد في نفسه(لذا الدرجة مافيه أمل فيها!!) ولكنه هتف بنفس نبرته الحازمة:
يه...أنا اللي مسؤول عن خياراتي..
ثم مال ليقبل رأسها وهو يهتف بنبرة حانية: الله لا يحرمني منش.. اللي ماهان عليش تزعليني!!
***************************************
بعد ثلاثة أيام..
.
.
مضت الأيام الأربعة الماضية بسرعة عليهما.. وموعد النتيجة أصبح في الغد..
شعاع متوترة جدا بينما علي طبيعي جدا..
خلال الأيام الأربعة الماضية تزايدت العلاقة بينهما ارتباطا عفويا ناتجا عن شفافية كل منهما..
علي صحته تتحسن وأكله يتحسن بشكل كبير.. وهو وشعاع يشكلان ثنائيا رائعا وهما يترافقان في كل مكان..
وهي تعقد ذراعها في ذراعه طوال الجولات كأي عروسين..
ولكن تبقى هناك حدود لابد من التزامها... تسمح له بإمساك كفها.. تقبيل أناملها.. لكن لاشيء أكثر من ذلك..
فهي مازالت مقتنعة إنه مريض بمرض معدي..
ولكن مابدأ يتغير ويشوش ذهنها أكثر هو علي ذاته كشخصية..
متدين لأبعد حد.. ويحفظ كثيرا من القرآن.. وحريص جدا على الصلوات والنوافل والورد..
ومن النوع الذي يغض بصره بعفوية لا إدعاء فيها..
حينما كانت ترى بعض الفتيات كانت تسترق النظرات له بينما تجعل نفسها غير منتبهة.. تريد أن تتأكد من شكوكها..
ولكنه كان ينسف هذه الشكوك.. لأنه لم تصطاده ولا حتى لمرة يرفع بصره لإمرأة..
إذن ماهذا الذي فعله معها في المستشفى؟؟ والذي فعله ليلة زواجهما؟؟
وكيف انتقل له هذا المرض؟؟
مشوشة تماما.. تماما.. وقلبها يؤلمها من أجله.. فهو مخلوق تعجز عن كراهيته أو إيذائه..
"حبيبتي هذا كله تفكير؟؟"
شعاع انتفضت بخفة.. حين جلس جوارها على السرير مسندا ظهره لظهر السرير..
شعاع كانت ستشد الغطاء على جسدها لأن بيجامتها كانت بدون أكمام ولأول مرة تلبس هكذا!!
ولكنها لم تفعل ذلك لأنها تذكرت تحذيره لها ألا تكرر هذا التصرف..
أجابته برقة: مافيه شيء علي.. كنت أنتظرك تخلص صلاتك ووردك..
ابتسم علي بشفافية: اليوم اللي بتغلطين فيه وبتقولين لي (حبيبي) بأذبح قطيع خرفان..
شعاع احمر وجهها واحتقن بشدة وبدأت بدعك أناملها..
وهي تخفض رأسها بشدة.. وتشعر أن هناك عبرة غريبة وقفت في منتصف حنجرتها..
علي اقترب منها قليلا وهو يرفع رأسها ويهمس بتأثر: خلاص حبيبتي.. اعتبريني ماقلت شيء..
كنت أمزح معش.. والله العظيم أمزح..
ولكنها انفجرت في البكاء وهي تدفن وجهها بين كفيها .. علي شعر بالضيق الشديد..
إلى هذه الدرجة رأت في الأمر سببا للبكاء والنحيب؟؟ إلى هذه الدرجة تراه لا يستحق منها هذه الكلمة؟؟
بينما شعاع كانت تبكي لسبب آخر.. فهي متوترة جدا لموعد الغد.. وكانت تحتاج فقط أي سبب لتبكي لتفرغ توترها.. وهو قدم لها السبب..
رغم شعور علي بالضيق ولكنه همس لها بحنان خالص: حبيبتي خلاص.. أرجوش اعتبريني ماقلت شيء..
ولكنها فاجأته أنها التصقت به وهي تستدير وتحتضن خصره وتدفن وجهها في صدره وتهمس بين شهقاتها:
علي الله يهداك وين راح تفكيرك.. انا بس متوترة عشان موعدك بكرة..
علي شعر بتأثر شديد وهو يشدها لصدره ويحيطها بذراعيه ويهمس بحنان:
ياربي عليش يا شعاع....ياقلبي لا تحاتين الموعد.. لأني عارف اللي هو بيقوله..
هو سوى الفحوص أول ماوصلنا لندن.. ماراح يلاقي اختلاف بينها وبين فحوص الدوحة..
لكن أنا متأكد إنه لو سواها الحين بيلاقي تحسن كبير..
شعاع همست باختناق وهي تفلته: الله كريم!!
ولكن علي لم يفلتها وهو يهمس لها بعمق متجذر: خلش جنبي شوي.. بس شوي..
شعاع توترت بشدة رغم أنها بقيت على استكانتها على صدره.. أما حين بدأ ينثر قبلاته على شعرها تصلب جسدها تماما..
حينها أفلتها هو.. وهو يهمس بألم عميق لايخلو من نبرة تهكم مجروحة:
آسف.. شكلي تجاوزت الحدود..
تأخر عنها قليلا وهو يعود لمكانه.. بينما شعرت هي بحاجة ملحة جديدة للبكاء.. يا الله أي حياة هذه؟؟
لا تريد أن تجرحه.. لكنه لابد أن يكون هو أيضا منطقيا.. ففي مثل حالته ليس له الحق أن يطالبها بشيء!!
ولكنها تكره هذا الشعور المؤذي.. تكرهه!!
***********************************
اليوم التالي
.
.
.
" ها يأبو زايد وش تقول؟؟"
منصور يبتسم ابتسامة شاسعة فاخرة وهو يجيب أبا صالح: أنا من صوبي ماعندي مانع..
وفهد ولدي.. بس لازم نشور البنت.. وإن شاء الله بنرد عليكم قريب
بس قبل مايصير أي شيء.. أهم شيء دراستها تكملها!!
أبو صالح بحزم: ودراستها إن شاء الله مهوب رادها منها.. تكملها وهي عنده!!
القهوة تدور مرة ثانية بينما فهد مال على أذن منصور وهو يهمس له بحزم:
أبو زايد اسمح لي.. بس قبل ما تسألها أنا عندي طلب ما أقدر أتنازل عنه!!
************************************
" علي ممكن أسأل الدكتور عن شيء؟؟"
علي بأريحية: عادي حبيبتي إساليه عن اللي تبيه!!
الطبيب بالفعل قال لهم ماتوقعه علي.. الفحوص تشبه فحوص الدوحة مع نسبة تحسن ضئيلة.. وأنه سيعيد إجراءها بعد عدة أيام.. قبل أن يقرر له علاجا..
شعاع لم تستفد شيئا.. تريد جوابا يريحها من شكوكها التي غاصت في روحها لأبعد حد..
لذا كان طلبها من علي أن تسأل الطبيب..
شعاع أجابت علي باختناق: لا أبي أسأله بروحي..
علي بصدمة: نعم؟؟ أشلون بروحش يعني؟؟
شعاع باختناق أشد: ما أبيك تكون موجود..
علي تفجر بغضب حقيقي لم يشعر به منذ زمن طويل وهو يهمس لها بصوت غضبه المكتوم:
آسف.. ليه وش شايفتني عشان أطلع وأخليش مع الدكتور..؟؟
شعاع برجاء عميق مختنق: تكفى علي.. هذولا ممرضتين موجودين معنا..
علي بذات الغضب الذي تزايد: شعاع قومي.. موعدي خلص..
شعاع شعرت بالجزع.. لو بقيت مع شكوكها يوما آخر ستموت.. ستموت..!!
همست بذات جزعها:
لا خلاص.. بأساله قدامك.. بأسأله!!!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم HaboOoshy
" علي ممكن أسأل الدكتور عن شيء؟؟"
علي بأريحية: عادي حبيبتي إساليه عن اللي تبينه!!
الطبيب بالفعل قال لهم ماتوقعه علي.. الفحوص تشبه فحوص الدوحة مع نسبة تحسن ضئيلة.. وأنه سيعيد إجراءها بعد عدة أيام.. قبل أن يقرر له علاجا..
شعاع لم تستفد شيئا.. تريد جوابا يريحها من شكوكها التي غاصت في روحها لأبعد حد..
لذا كان طلبها من علي أن تسأل الطبيب..
شعاع أجابت علي باختناق: لا أبي أسأله بروحي..
علي بصدمة: نعم؟؟ أشلون بروحش يعني؟؟
شعاع باختناق أشد: ما أبيك تكون موجود..
علي تفجر بغضب حقيقي لم يشعر به منذ زمن طويل وهو يهمس لها بصوت غضبه المكتوم:
آسف.. ليه وش شايفتني عشان أطلع وأخليش مع الدكتور..؟؟
شعاع برجاء عميق مختنق: تكفى علي.. هذولا ممرضتين موجودين معنا..
علي بذات الغضب الذي تزايد: شعاع قومي.. موعدي خلص..
شعاع شعرت بالجزع.. لو بقيت مع شكوكها يوما آخر ستموت.. ستموت..!!
همست بذات جزعها:
لا خلاص.. بأساله قدامك.. بأسأله!!!
شعاع كرهت لأبعد حد أن تتجرأ وتسأله..
خجلها الفطري.. وقبل ذلك وأهم خوفها من جرح علي..
ولكن الوضع الذي تعيشه وأجبرت علي على عيشه وضع غير إنساني بالفعل..
أما أن تتأكد أنه غير مصاب مع أنها تظن أن هذا مجرد حلم عذب تتمناه بكل يأس!!
وأما أن يسمع علي كلام الدكتور لها بنفسه.. حتى يتوقف عن الضغط عليها بمشاعره التي توشك على جعلها تنهار!!
شعاع باختناق شديد توجهت للطبيب بالسؤال باللغة الإنجليزية:
دكتور لو سمحت.. أنا لم أفهم طبيعة مرض علي..
هل من الممكن أن تشرحها لي بطريقة مبسطة بعيدة عن المصطلحات الطبية؟!!
الطبيب بمهنية: علي عانى من نوع غريب ونادر من الأمراض ينتج عن ضغط نفسي وعاطفي يؤثر على الأجهزة الحيوية..
وزاد المرض امتناع علي عن تناول الطعام..
علي أخبرني المرة الماضية أن العارض النفسي قد زال.. لذا أنا أتوقع أنه سيتحسن أكثر قريبا..
لكن الكبد بالذات تعرضت لنوع من الضرر يشبه التشمع.. لذا سيحتاج لعلاج للكبد لفترة معينة عن طريق العقاقير.. وحتى علاجها لن يطول كما أتوقع..
لأن المهم في هذا النوع من الأمراض زوال العارض المسبب..
شعاع شعرت بالصداع (والمرض المعدي.. أين هو؟؟) همست باختناق شديد مثقل بالتردد وهي تنظر للأرض:
ألا يعاني علي مثلا مثلا.. من مرض معدي من أي نوع؟؟
علي اتسعت عيناه بصدمة كاسحة وهو يقفز عن مقعده.. ماعاد يستطيع الجلوس حتى!!!
بينما الطبيب ضحك ضحكة رسمية قصيرة: معدي؟؟
لا طبعا.. ماهذا الكلام الغريب؟؟
ثم التفت لعلي بإبتسامة: علي هل أخفت عروسك منك وقلت لها أنك مصاب بمرض معدي..؟؟
علي تحرك بصرامة بالغة وهو يهتف بحزم غريب متجبر: شكرا دكتور على وقتك.. واعذرنا على تأخيرك..
شعاع اسود وجهها تماما.. واختنقت بعبراتها التي أطبقت على أنفاسها لدرجة عجزها عن سحب أنفاسها..
لم تستطع حتى أن ترفع نظرها لعلي.. عدا أن علي لم ينظر حتى لناحيتها.. وهما يتجهان لخارج المستشفى.. بخطوات سريعة..
خطوات حادة تكاد تخترق الأرض من جانب علي..
متعثرة يائسة من جانب شعاع !!
ظل الصمت مطبقا على الاثنين في السيارة طوال الطريق.. وشعاع تدعك أناملها بيأس وهي تمنع نفسها من الانفجار في البكاء..
وجهها محتقن تماما ويزداد احتقانا كلما فكرت فيما فعلته به الأيام الماضية...
" أنا غبية!! غبية!!
هو قال لي عن مرضه اكثر من مرة!!
بس أنا اللي في راسي في رأسي!!
ياربي.. يا الله.. أكيد الحين مجروح مني ومن تفكيري فيه!!
صدق إني غبية.. خالتي مزنة شرحت لي مرضه
وقالت لي إني ما أتضايق لو ما قرب مني عشان وضعه الصحي وإن هذي أوامر الدكتور!!
وبعد اللي في رأسي في رأسي.. خليته مريض وأني أنا اللي لازم أمنعه عني!!
غبية غبية.. غبية !!
عجزوا يشرحون لي وأنا مافهمت!! "
شعاع تكاد تنهار وكل ماتريده أن تصل للفندق وكأن المسافة بين المستشفى والفندق في منطقة (بارك لين) لا تريد أن تنتهي أبدا..
حين وصلا للجناح..
بالكاد خلعت عباءتها ونقابها..وانفجرت فورا في البكاء وهي تلقي نفسها على السرير..
علي منذ خروجهما من الطبيب وإحساسه بالجرح يتزايد ويتزايد حتى خنقه..
ألهذا السبب كانت ترفض اقترابه منها وكأنه وباء؟؟
أ لهذه الدرجة تشك في مروءته ومروءة أهله وأنهم قد يزوجونها من رجل مصاب بمرض معد؟؟
وإن كانت تشك لماذا لم تسأله بشكل مباشر؟؟
وربما لو سألته لن تصدقه.. لأنها لم تصدق سبب مرضه حين أخبرها به!!
كان كل سؤال يحيله لسؤال أكثر وجعا وأذى نفسيا وانغراسا في الجرح المملوء بالملح..
ولكنه ما أن رأها تبكي حتى تهاوى كل شيء.. هو مستعد أن يحتمل كل جرح..
لكنه لا يحتمل دموعها .. وبسببه !!.. وخصوصا أنها كانت تنتحب بطريقة هستيرية كما لو أنها فقدت لها عزيزا..
وشهقاتها تتعالى بطريقة مأسوية مزقت قلبه المتيم...
شعاع لم تعرف كيف تعبر عن ألمها سوى هكذا.. أو ربما كانت تستخدم ببراءة سلاح المرأة الأشد فتكا...
دموعها..!!
فهو لو رآها تبكي لن يعاتبها.. وهي ستموت لو عاتبها.. لأن إحساسها بالذنب يذبحها.. يذبحها..!!
علي حاول أن يمنع نفسه من إرضاءها حتى تعلم ولو جزئيا عمق جرحها له..
ولكنه لم يستطع إلا أن يجلس جوارها وهو يربت على ظهرها ويهمس بحنان موجوع:
خلاص.. تكفين لا تبكين.. طالبش بس..
شعاع رفعت رأسها ودفنته في حضنه وهي مازالت منكبة وتنتحب:
قول إنك منت بزعلان علي.. قول إنك منت بزعلان.. تكفى علي.. تكفى..
علي بشفافية مثقلة بالوجع: تبين أكذب عليش وأقول إني ماني بزعلان..
واجد آجعتيني شعاع.. يعني لذا الدرجة شايفتني خسيس ونذل..
أحاول أقرب منش وأنا مريض بمرض معدي؟؟؟
لذا الدرجة أنا حيوان وهمجي في نظرش؟؟
شعاع تزايد نحيبها وهي ترفع جسدها كاملا وتجلس لتطوق عنقه بذراعيها وهي تدفن وجهها في عنقه..
علي ما أن شعر ببلل دموعها وحرارة شهقاتها على عنقه حتى شعر أنه يذوي وألم قلبه يتزايد بعنف..
همس علي بيأس: تكفين شعاع لا تضغطين علي بذا الطريقة.. لأنه أنا موجوع منش واجد..خليني لين أروق بنفسي..
شعاع كانت تعلم كم جرحته بتفكيرها وأنه سيحتاج وقتا لمسامحتها.. لكنها تعلم أنها لن تحتمل نظرة عتب واحدة منه!! لن تحتمل !!
نثرت قبلاتها الخجولة النادمة على عنقه حيث تخفي وجهها وهي تهمس بيأس:
أنا آسفة علي.. آسفة.. تكفى سامحني.. لا تلومني..
أنا وش عرفني؟؟.. مالي إلا الظاهر!!
علي شعر أنه يذوي فعلا مع دفء قبلاتها الرقيقة على عنقه وكان على وشك مد يديه لاحتضانها رغما عنه..
لولا أنها ابتعدت عنه كالملسوعة وهي تهمس بصدمة موجوعة متفجرة بشكل صادم:
الحين أنت من جدك كان سبة مرضك وحدة ماتعرفها وشفتها في الأصنصير في يوم ملكتنا..؟؟
لا ..وكان عندك استعداد تطلقني عشانها..؟؟
علي باستغراب شديد لقلبها للموضوع فورا: واللي كانت في الأصنصير من؟؟ وأنتي من؟؟
شعاع ابتعدت أكثر وهي تهمس بغضب رقيق بين شهقاتها: أنا كنت مرتك وهي كانت وحدة ما تعرفها.. يالخاين!! يا الخاين !!
ليه أنا حفظتك وأنت ماحفظتني؟؟.. ليه أنا ماقلت للي لحقني في الممر.. خلاص باتطلق من رجالي وأخذك؟؟
أنا كنت بأموت عشانك وأنت ماحتى فكرت فيني!!
علي مصدوم من هجومها لأبعد حد.. وهو يرى كيف تتزايد شهقاتها ونحيبها واحمرار وجهها بشكل فعلي...
وهي تنهار تماما في عاصفة حقيقية من البكاء الهستيري..
و تقلب الموضوع كله لصالحها!!
****************************************
" ها يأبو زايد وش تقول؟؟"
منصور يبتسم ابتسامة شاسعة فاخرة وهو يجيب أبا صالح: أنا من صوبي ماعندي مانع..
وفهد ولدي.. بس لازم نشور البنت.. وإن شاء الله بنرد عليكم قريب
بس قبل مايصير أي شيء.. أهم شيء دراستها تكملها!!
أبو صالح بحزم: ودراستها إن شاء الله مهوب رادها منها.. تكملها وهي عنده!!
القهوة تدور مرة ثانية بينما فهد مال على أذن منصور وهو يهمس له بحزم:
أبو زايد اسمح لي.. بس قبل ما تسألها أنا عندي طلب ما أقدر أتنازل عنه!!
منصور بحذر ودود: وش عندك؟؟
فهد بحزم بالغ: لو وافقت علي البنت.. نبي نسوي الفحوص الطبية بسرعة.. ونعرس خلال أسبوع.. أسبوع ونص بالكثير..
منصور بصدمة: فهد الله يهداك مافيه عرس في أسبوع.. لا تعسرها..
فهد بخبث أخفاه خلف حزم صوته: أنت أعرست في أقل من أسبوع!!
منصور بحزم: أنا حالتي غير!!
(وش غير؟؟ أمها أرملة وهي مطلقة!!) فهد بحزم: أنت عارف زين إني عندي عقب شهر دورة عسكرية في مصر وبتستمر شهر..
لو خلينا العرس عقب ما أرجع.. ماراح ألحق أقعد مع مرتي لأنه بتكون دراسة الجامعة بدت..
أبي ألحق أقعد معها شوي قبل أروح!!
منصور بحزم: خلاص خل العرس عقب شهر وخذها معك مصر.. أنت عارف إنه دورات الضباط مثل دوام جزئي وترجع لشقتك..
فهد يريد بالفعل تعقيد الموضوع غير المعقد..
فهو هكذا كان قد قرر... أنه سيصعب الشرط عليهم.. علهم يتراجعون هم..
وسيكون هو من طرفه أبيض الوجه أمام منصور وهذا مايهمه..
فهو أحضر أهله.. وتقدم فعلا.. ولكنهم من رفضوه!!!
فهد أجاب بذات حزمه: لا ما أقدر أنا صرت متفق مع الشباب على السكن..
ولو تراجعت بيأكلون وجهي..
يعني ماتقدر تخدمني في ذا الموضوع..؟؟
أنا من صوبي أقدر أرتب حفل الرياجيل كأحسن مايكون خلال أسبوع..
وما أعتقد إن ترتيب حفل النسوان بيكون مشكلة..
ولكن فهد يعلم أنه سيكون مشكلة.. فهو يعلم أن جميلة لم تحضَ بحفل زفاف..
وبالنسبة لفتاة مدللة مثلها فحفل زفاف ضخم وفاخر سيكون حلما يصعب أن تتنازل عنه بعد أن تنازلت عنه المرة الاولى رغما عنها بسبب ظروف مرضها..
وأسبوع لن يكفي مطلقا لتجهيز حفل زواج كما تتمناه!!
وكما سمع بنفسه من منصور أنه ينوي أنه يقيم حفلا كبيرا لها...
كان فهد يعتمد أن هذا سيكون سببا لإلغاء فكرة الزواج بالكامل..
والإلغاء حينها سيكون من طرفهم ليس من طرفه!!
******************************************
طرقاته التي تحفظها ترتفع على بابها.. وقفت بجزع.. منذ زمن لم يطرق بابها..
ركضت نحو الباب وفتحته..
كانت تتأمله وهو يقف أمام فتحة الباب..
تمنت ان تقبل رأسه .. أن تشير له: هل سامحتني؟؟
لكن كل مافعلته أنها أشارت له بترحيب أن يدخل..
تميم تقدم بخطوات هادئة للداخل وهو يشير لها بهدوء: فاضية خمس دقايق؟؟
ابتسمت له وضحى بحنان موجوع: فاضية خمس ساعات.. الله يذكر أيام ماكنا نسولف ساعات بالخير..
تميم أشار بشجن: ماظنتي إني السبب يا بنت أبوي!!
وضحى أمسكت حينها بكفه وهي تميل لتقبلها... ولكن تميم شدها بجزع..
بينما وضحى بقيت صامتة.. وعبرة صامتة تصطرخ بين جنباتها!!
تميم نظر لها بيأس رقيق.. وهو يشير بعمق:
تراني أنا اللي حلفت على نايف إنه مايوجع نفسه بالمهر..
نايف توه متخرج وفلوس بيع بيت أبيه أكثرها راحت في بيته الجديد وتأثيثه..
وأنا مابغيتكم تبدون حياتكم بديون..
بس في نفس الوقت ما أبي شيء يقصرش..
أنا حطيت في حسابش فلوس.. ولو احتجتي زيادة لا تستحين!!
وضحى أشارت بعبرتها التي مازالت تخنقها:
أدري أنك حطيت في حسابي فلوس واجد مهيب شوي..
وصلني مسج على تلفوني من البنك بدخول فلوس لحسابي..
اتصلت فيهم أسأل عنها قالوا لي إنك اللي دخلتها...
وكنت بأسحبها أرجع لك.. بس خفت على زعلك..
وضحى سكنت لدقيقة ثم أكملت بيأس أعمق: وش بأسوي بالفلوس يعني؟؟
أشتري ثوب زيادة.. وإلا شنطة؟؟
وإلا يمكن الفلوس تعوضني عن أخي اللي راح.. وإلا أخي الثاني اللي مايلتفت صوبي؟؟
قل لي تميم وش أسوي بالفلوس؟؟
تشتري لي حنان أترجاه منك ومالقيته؟؟
وإلا الفلوس بترجع ثقتك فيني وتخليك تسامحني على ذنب ندمت عليه عمري كله؟؟
ما أبي فلوسك ياتميم.. مشكور.. الفلوس اللي عندي تكفيني وزيادة!!
وضحى أنهت إشارتها التي كانت دموعها تسيل معها بصمت وهي تريد التراجع للخلف حين انتهت..
لولا أن تميم منعها من التراجع وهو يشدها ليدفنها في حضنه..
حينها لم يعد للإشارات حاجة وهي تنفجر بالبكاء في حضنه وهي تطوق عنقه بذراعيها بكل قوتها..
وهو يحتضنها بحنو بالغ ويربت على ظهرها بأبوية صافية..
لم يحتج لإبعادها ليشير لها أنها بحاجة لمسامحتها أكثر منها..
ولم تحتج لتبتعد عنه حتى تشير له كم هي سعيدة بحضنه أخيرا..
فكلاهما يعلم كما أنه هناك مواقف لا تحتاج للكلمات..
فهناك مواقف لا تحتاج حتى للإشارات لأنها تعبر عن ذاتها وكينونتها وانثيالها بدون أي طرق تعبيرية!!
الأمر الذي غيرهم مازال لم يعلمه !!!!!!
***************************************
" أنا أبي أعرف ليه اليوم كله طاردتني من البيت بكبره!!"
عالية تتناول غترة عبدالرحمن منه وهو مازال عند الباب وتهمس بالمرح:
عندي لك مفاجأة كبيرة.. وماكنت أبيك تجي لين تكمل..
عبدالرحمن خطا بكرسيه للداخل ليهتف بإبتسامة مصدومة:
حرام عليش عالية كفاية المستشفى..
عالية تقف أمام ممر المشي الذي طلبت تركيبه من قبل شركة تجهيزات طبية.. والذي قدمت طلبا عليه من بعد زواجها من عبدالرحمن.. وللتو وصل اليوم وتم تركيبه..
وتهمس بمرح: لا مهوب كفاية.. لأنك واحد كسول ودلوع وعمي فاضل خربك ذا السنين كلها بالدلع..
وتبي لك شوي من تربية آل ليث المتوحشين!!
ابتسم عبدالرحمن بمودة: يا شينهم آل ليث هم ويباس رأسهم..
عالية تدفع بكرسيه للداخل وتهمس بجدية: قل لي عبدالرحمن الدكاترة وش قالوا لك آخر شيء في آخر اجتماع قبل يومين؟؟
عبدالرحمن بخبث باسم: أنتي في المستشفى تقدرين تدخلين على ملفي.. وأعتقد إنش دخلتي عليه وتعرفين حالتي أحسن مني..
عالية بذات الجدية البالغة: لا أبي أسمعها منك..
تنهد عبدالرحمن: يقولون حالتي غريبة شوي.. لأني أقدر أثني ركبتي والإحساس في الرجلين طبيعي جدا..
وهذي دائما تكون أهم مشكلتين عند اللي مايقدر يمشي..
لكن أنا مشكلتي في الساقين أحسهم ثقال جدا كأنها ميتة مع إنه هالكلام غير صحيح لأنه لو حد شكني بدبوس صغير حسيت فيه.... و..
ثم صمت عبدالرحمن قليلا..
عالية بنبرة مقصودة جدا مثقلة بالجدية العملية: كمّل !!
عبدالرحمن هز كتفيه بطبيعية: وهم شبه متأكدين إن اللي معي حالة نفسية لا أكثر!!
حينها انفجرت عالية بحماس: مابغيت تطلع ذا الدرة..!!
عبدالرحمن يضحك: صدق خبلة.. أولها مسوية لي فيلم رعب تقولين مسجون قدام لجنة محققين.. وعقبه تصيحين في أذني كذا..
عالية تقربه من ممر المشي وتهمس بمرح: التعذيب مابعد شفته.. التعذيب جايك لين تنط من كرسيك وتقول خلاص الرحمة..
عبدالرحمن برجاء: تكفين عالية مهوب الليلة.. الليلة عاد ميت من التعب.. من صبح طاردتني من البيت ماحتى تمددت دقيقة...
عالية بإصرار: مافيه.. حاول خمس دقايق بس.. عشان أشوف طول الممر مناسب لطول أرجليك وإلا لا...
عبدالرحمن حينها همس بقلق عميق: صدقيني عالية أنا ودي أكثر منش أمشي.. بس شوفت عينش هذا أنا أحاول بدون فايدة..
فرضا مامشيت.. ذا الشيء بيخليش متضايقة إنش بتعيشين حياتش كلها مع مقعد؟؟
عالية تحتضن عنقه من الخلف وهي تلصق خدها بخده وتهمس بإبتسامة ودودة:
يا ثقل طينتك بس!!
*******************************************
"عفراء حبيبتي.. ادعي جميلة..
أبيش أنتي وأياها في موضوع.."
عفراء بإبتسامة رقيقة: جميلة أساسا جاية الحين.. بس راحت تجيب لزايد مصاصة من جهاز التعقيم..
خير إن شاء الله؟؟
منصور بحزم: إذا جات جميلة قلت لش أنتي وإياها!!
" وهذي جميلة جات.. آمر تدلل!!"
جميلة ناولت أمها المصاصة وهي تميل لتقبل رأس منصور وتهمس له بمرح بعد أن جلست جواره:
بتسفرني لبنان؟؟ خاطري أتسوق لين أقول بس!!
منصور احتضن كتفيها وهو يهمس بحنان: أوديش لبنان تسوقين اللي تبينه..
بس الحين اسمعي كلامي عشان روحة لبنان تثمن وتسوقين مناك شيء سبيشل..
جميلة بإبتسامة رقيقة: خير فديتك .. آمرني.. وبلاها لبنان بعد!!
منصور بحنان: جايش معرس وأبيش توافقين كان لي خاطر عندش..
جميلة انتفضت بجزع وهي تبتعد عن حضنه.. بينما عفراء صاحت بجزع:
منصور الله يهداك وش معرسه؟؟ والبنية توها مخلصة عدتها أمس..
منصور بتهدئة حازمة: وش فيكم تروعتوا كذا..
إيه معرس.. رجّال فيه خير ومن عرب أجواد وما أبيه يروح عليها..
جميلة تشعر أن في الأمر مزحة ما.. أي زواج هذا وهي للتو أنهت عدتها!!.. لذا همست بتهكم:
وهو مطلق؟؟ وإلا أرمل؟؟ وإلا واحد يبيني أربي عياله..؟؟
وإلا يمكن واحد يبي يحطني على رأس مرته الثانية وإلا الثالثة؟؟ وإلا يكون شيبه طايح كرته؟؟
منصور بغضب: أفا عليش يأبيش وأنا بأقطش ذا القطة..
إلا رجال توه أنتي أول نصيبه وآخره إن شاء الله..
جميلة شعرت بالحرج والارتباك والاختناق حين رأت أن منصور جاد بالفعل!!
بينما عفرا همست بغضب: منصور أظني قلت لك بنتي تبي تكمل دراستها..
مايصير البنية توها طالعة من تجربة تبي تدخلها في تجربة ثانية..
منصور بغضب مشابه: عفرا الله يهداش أنتي ليش ماتبين تعطين البنية فرصة تفكر وتقول رأيها..
فهد رجّال ما ينتعوض.. شيدريش إنه عاده بيجيها واحد مثله..
عفرا غاضبة بالفعل: لو ماجاها.. بيكون هذا نصيبها اللي ربي كتبه لها..
جميلة شعرت بالصداع والاثنان يتناقران فوق رأسها كالديكة..
منصور شد له نفسا عميقا ثم هتف بحزم جهوري بالغ:
جميلة يأبيش القرار قرارش.. فهد آل ليث متقدم لش ومستعجل على العرس لأن وراه سفر..
وأظني ما يحتاج أمدحه لش.. فهد أنا أضمنه بعمري.. وأنتي أساسا صرتي تعرفينه من كثر سوالفي عنه..
وشفتي صوره ألف مرة معي.. يعني تعرفينه شكلا ومضمونا..
ماراح أكذب عليش وأقول مافيه عيب.. هو عيبه إنه جلف وحاد شويتين..
والقرار مثل ماقلت لش قرارش..
جميلة لم ترد عليه.. وهي تقف بجمود غريب لتغادر..
وارتفاع صوت والدتها ومنصور يتزايد وراءها!!
*******************************************
" صدق حبيبي رحتوا اليوم خطبتوا عند منصور آل كساب بنت مرته لفهد؟؟"
عبدالله بهدوء: نعم صحيح!!
جوزاء ابتسمت برقة وهي تجلس بجوار عبدالله وتهمس بمرح:
بصراحة عبدالله مع احترامي لأخيك وإني والله أعتبره مثل أخي.. بس بصراحة الله يعين البنية عليه!!
ضحك عبدالله: لذا الدرجة شايفة أخي شين؟؟
جوزاء بإبتسامة: لا والله مهوب شين.. حاشاه بو خالد.. رجال مثايله نادرين..
بس تدري ستايله يبي له مرة تستحمل.. طبايعه صعبة صراحة..
والبنية الي خطبها يمكن تكون أرق بنية عرفتها في حياتي!!
عبدالله ضحك: الله يطمنش بالخير.. اللي عمرت السالفة..
عز الله طفشت البنية!!
أنا أخيه ورجّال مرت علي مصايب الدنيا كلها واستحملتها..
ومع كذا أحيانا تطلع روحي منه وما أقدر أستحمله!!
ثم أردف بمودة دافئة وهو يشد أنامل جوزا بحنان: خلينا من فهيدان وثقل دمه..
اشرايش نطلع الحين نتمشى ثم نتعشى عشا متأخر؟؟
جوزاء تنظر لساعتها باستغراب: الساعة صارت تسع وحسون نايم!!
عبدالله يقف ويشد كفها ويهتف بعزم: عادي.. خلي الشيخ فهد يقعد عنده..
بكرة عنده أوف.. يشتغل على اللابتوب ويقعد عنده لين نرجع..
ثم أردف بمرح: خليه يلقى شيء يلهى فيه غير عد الدقايق والأيام..
جوزاء بخجل: ما أتخيل فهد عاد قاعد يحرس حسون.. عيب والله عبدالله!!
عبدالله بإبتسامة: يحرسه وهو مايشوف الدرب.. أنا أخيه الكبير وأمرت عليه...
وبعدين خله يتدرب لعياله..حن قاعدين نقدم له خدمة ببلاش!!
********************************
كانت مازالت ساهرة عاجزة عن النوم حين رن هاتفها..
استغربت.. من سيتصل بها في هذا الوقت..
تناولت الهاتف لترى من المتصل.. لشدة لهفتها حين عرفت المتصل.. كاد الهاتف يسقط من يدها فهو لم يتصل منذ سافر.. وقلبها يغلي قلقا عليه..
ردت بصوت مبهور الأنفاس: كساب..
شعر برعشة حادة تجتاح شراينه وهو يسمع اسمه بصوتها الذي أضناه الشوق له وبهذه الطريقة الآسرة التي تذيبه فعلا..
رد عليها بعمق خافت: كساب ماغيره..
كاسرة تشعر بريقها جاف ولا تعلم لذلك سببا وهي تسأله بأنفاسها الذاهبة:
خمس أيام مرت مالقيت دقيقة تتصل فيها.. وأنا أتصل على تلفونك ألاقيه مسكر..
شعر بألم شفاف.. شفاف ( أحقا كانت قلقة عليه؟؟ أم هو قلق المجاملة؟؟) همس لها بذات الخفوت العميق: غصبا عني..
ولو طولت أكثر من كذا ما اتصلت لا تحاتيني.. لأنه تلفوني أساسا مهوب عندي..
أنا ماخذه الحين بالسراقة.. بس عقب أسبوع إن شاء الله بأقدر أكلمش أكثر..
كانت تريد أن تصرخ في أذنه حتى تخترق طبلة أذنه (اشتقت لك)
وتمنى أن يصرخ لها (أضناني اشتياقي لكِ) ..ولكن أحدا منهما لم يقل حرفا!!
وكل منهما يرتشف بسمعه أنفاس الآخر التي تأتيه عبر أثير الهاتف متصاعدة تتردد بدفء يائس..
قطع كساب هذا التواصل السماوي وهو يهمس بذات الخفوت: يالله أنا لازم أسكر.. خلي بالش من نفسش..
كاسرة همست بيأس دون تفكير: كلمني خمس دقايق بس..
كساب شعر أنه يتمزق.. لأول مرة تكون بهذه الرقة التي تذيب الحجر فعلا..
تمنى لو استطاع أن بجيب طلبها ولكنه لا يستطيع..
لذا همس بحزم: ما أقدر.. مع السلامة..
كاسرة ألقت هاتفها جوارها وهي تدفن وجهها في المخدة وتشهق بعمق موجوع..
وهي تسب نفسها على أنها أحرجت نفسها أمامه.. ودون فائدة..
وتسب نفسها أكثر لأنها لا تستطيع منع نفسها من الاشتياق له هذا الاشتياق الهادر الذي لا حدود له!!
الاشتياق الغريب الذي ينغرس في روحها بوجع لا هوادة فيه..
ولا رحمة !!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثالث والثمانون 83 - بقلم HaboOoshy
لا يعلم فعلا أي طاقة بكاء جبارة لديها..
فهي منذ الصباح لم تسكت.. وجهها تورم تماما من البكاء..
تماما كما تورم قلبه من الألم!!
ألم يكفها مافعلته به هذا الصباح وهي تصدمه بظنها أنه مصاب بمرض معد
والأسوأ ظنها أنه يحاول التقرب منها دون اهتمام أنه سينقل لها هذا المرض المزعوم..
وأنها جعلته بهذا التفكير أشبه بمخلوق منحط لا أخلاق لديه ولا مروءة؟؟!!
هو تفكر فيه هذا التفكير المريض؟؟ هو؟؟ علي؟؟
وهاهي تكملها عليه ببكائها الذي لم يتوقف..
في البداية حاول تهدئتها.. ولكن محاولاته باءت كلها بالفشل.. وهي ترفض مجرد رفع وجهها له..
لذا قرر أن يتركها تبكي حتى تفرغ كل الطاقة التي لديها..
ولكن سماعه لبكائها الرقيق الموجوع كان يستنزف روحه شيئا فشيئا..
وهو مازالت على ذات الوضعية منكبة على سريرها لا تقوم عنه إلا للصلاة وتعود..
بينما هو معتصم بصالة الجلوس.. يطل عليها ويعود أيضا لمكانه..
وكلاهما لم يتناول أي شيء منذ الصباح..
هو مسدود الشهية تماما.. لكنه طلب العشاء من أجلها.. يستحيل أن يتركها كل هذا الوقت دون أي طعام!!
هي كانت في الداخل.. ومازالت تنتحب.. ومازاد في نحيبها أن عليا أهملها بشكل كلي منذ ساعات طويلة..
مثقلة بجراح غريبة متشابكة!!
مجروحة لأنها جرحته... ومجروحة لأنها تشعر بالخديعة والخيانة من طرفه..
نعم.. ليس مريضا بمرض معدي.. وأخطأت بظنها ذلك..
ولكنه تجرأ على النظر لأخرى ويوم عقد قرانهما نفسه!!
مشاعرها الرقيقة مستباحة العبرات.. ومثقلة بيأسها.. ورغم أنها رفضت الاستجابة لمحاولات علي في تهدئتها..
لكنها لم تتخيل أنه سيمل من محاولة تهدئتها بهذه السرعة.. لذا تزايد نحيبها..
أ ليست المرأة مخلوق غريب بالفعل؟!!
لذا حين شعرت بالحركة جوارها وعلمت أنه يجلس جوارها الآن تزايدت شهقاتها بتلقائية مريرة..
همس علي بحزن: شعاع ما مليتي من البكاء؟؟
والله العظيم حرام عليش اللي تسوينه في نفسش وفيني وعشان شيء مايستاهل؟؟
صوتها المكتوم الممزق من البكاء يأتيه عبر المخدة:
تشوف إن خيانتك لي سبب مايستاهل؟؟
علي بيأس: الله يهداش.. ياكثر ماتعذبت على ذا السالفة من عقب ملكتنا لين ليلة عرسنا..
وأنا أموت كل يوم ألف مرة لأني أظن إني تعديت على حدود ربي.. وإني خنتش فعلا!!
شعاع يعني أنتي ظنش أنا واحد ماشفت حريم في حياتي..؟؟
أنا شفت في شغلي أحلى وأكشخ وأذرب وأذكى نسوان في العالم..
وقلبي ماتحرك إلا لوحدة شفتها في الأصنصير لأنها حلالي.. لأنها أنتي..
إذا أنتي تبين تعقدين السالفة وتعذبيننا؟؟ براحتش..
لأني لو أبي أعقدها من صوبي.. بأعقدها .. لأنش ظنيتي فيني ظن السوء اللي أنا منه بريء..
لأنش هان عليش تشوفيني مخلوق حقير ماله أي أخلاق........أنا ياشعاع؟؟ أنا؟؟.....
علي ظل يتكلم ويتكلم ويتكلم.. منهمرا بيأسه وحزنه وصدمته.. كل المشاعر التي كتمها منذ الصباح!!
بينما هي كان حزنها يتضخم ويتضخم.. ليس بسبب عتابه الموجع فقط..!!
ولكن لأنها اعتادت خلال الأيام الماضية أنه لا يوجه لها الحديث إلا ويناديها بين كل عبارتين على الأقل بـ(حبيبتي) أو(قلبي)..
وهاهو الآن يسطر معلقة طويلة مصفوفة بدقة.. دون أن يخطئ مرة واحدة في مناداتها هكذا!!
بل هو منذ الصباح لا يناديها إلا باسمها !!
" أ يكون من هو خانني وفكر في سواي ثم يزيدها علي بقسوته وبروده؟!"
علي انتهى من كلامه كله وتعب من الكلام وهي لم ترفع رأسها حتى..
همس لها بإرهاق: شعاع الله يهداش قومي خلاص.. قومي كلميني..
ربت على ظهرها برفق: شعاع.. شعاع..
زين قومي اكلي شيء.. مايصير من الصبح ماكلتي شيء..
ولكنها لم تستجب له.. لذا هتف لها بجدية: تدرين إني بعد ماكليت..
ولو ماقمتي تأكلين الحين ماني بمأكل... وخلي ذنبي وأنا واحد مريض عليش أنتي!!
حينها تحركت بخفة وشعر بالانتصار أن محاولته هذه نجحت.. مع شعوره بتأثر عذب..عذب أنها لم تهتم لشيء سواه..
نهضت بذبول وهي تجلس على السرير وتمسح وجهها..
نظر لها بصدمة كاسحة.. وهو يكاد يجن حين رأى وجهها..
كان متورما محمرا بشكل متزايد.. وعيناها شديدتا الأحمرار..
همس بجزع شديد: شعاع وش سويتي في روحش.. هذا كله بكا عشان شيء مايستاهل والله العظيم دمعة وحدة من عيونش؟!
لم ترد عليه وهي تخفض وجهها وتحاول النهوض عن السرير.. لولا أنه منعها وهو يمد يديه الاثنتين ليرفع وجهها ناحيته..
نظر لها بأسى عميق وهو يمسح خديها ثم يقبل أرنبة أنفها ويهمس لها من قرب شديد بحنان عظيم: ياقلبي ياحبيبتي أنتي.. والله العظيم مافيه شيء يستاهل!!
وش اللي يرضيش قولي لي..
حين سمعت ندائه العذب لها.. دفنت وجهها بين كفيها وعادت للانفجار في البكاء..
علي شدها برفق إلى حضنه وهو يحتضنها بشكل جانبي لأنها مازالت تغطي وجهها بيدها..
لم يعد يحتمل تركها بعيدا عن حناياه لتهدئتها وتهدئة نفسه وروحه هو!!
ولكن لم تمر ثوان حتى تغيرت وضعيتها وهي تزيل كفيها عن وجهها وتخفي رأسها في ثنايا صدره وهي تحتضن خصره وتنتحب بشكل أقوى!!
علي شدها بشكل أقوى واكثر حنانا وهو يهمس بتأثر: حبيبتي أنتي وش طاقة البكا اللي عندش ذي..
شعاع همست بين شهقاتها المختنقة: كله منك!! كله منك!!
علي حينها ابتسم بشفافية غامرة: وأنتي يعني ماسويتي شي؟؟
شعاع تحاول التماسك وهي تهمس بخفوت: سويت.. بس مهوب مثلك..
ذنبي إني فهمت غلطت.. بس أنت اللي سويته كله غلط!!
علي يمسح على شعرها وهي مازالت تستكين على صدره ويهمس بدبلوماسية راقية مجللة بالصفاء:
زين أنا غلطت.. ومعترف إني غلطان.. ودفعت ثمن الغلط..
بتحاسبيني وتحاسبين روحش لين متى؟؟
ياقلبي ياشعاع.. أنا أحبش أنتي... لا حبيت قبلش ولا بعدش..
يعني شايفة ذنبي كبير لدرجة إنش ماتقدرين تسامحيني ونبدأ صفحة جديدة؟؟
شعاع صمتت تماما وهي مازالت تستكين بين ضلوعه.. وأنفاسها تهدأ لتهدئ عواصف روحه..
علي همس حينها بولع مع أنه أصبح يعرف الجواب: ها شعاع ريحيني بكلمة..
شعاع برقة زادتها نبرة البكاء رقة: لا تقول شعاع..
(يعني عادها زعلانة!!) علي بعتب: عادش زعلانة يعني ياقلبي؟؟
شعاع ابتسمت حينها بعذوبة وهي تقبل صدره مكان استكانة رأسها: الحين بأفكر أرضى!!
****************************************
اليوم التالي
.
.
" حرام عليكم جايبيني من الصبح..
عمي وخالتي كلهم جننوني.. تعالي تعالي.. يقولون من البارحة وأنتي مقفلة على نفسش
ومارضيتي تكلمين حد منهم!!
عسى ماشر؟!! ترا السالفة كلها خطبة.. مابغيتي؟؟ يفتح الله وانتهت السالفة!!"
جميلة تغلق الباب خلف مزون وتهمس بإرهاق: خلي أمي وعمي يحترقون شوي..
ماشفتيهم أشلون أمس تزاعلوا بسبة ذا الموضوع وبدون مراعاة لوجودي..
أول مرة أشوفهم يختلفون من يوم رجعت!!
واجد تضايقت!!
مزون ابتسمت وهي تلقي عباءتها على سرير جميلة وتجلس:
زين خلهم يحترقون... سالفة الخطبة ويش؟؟
جميلة هزت كتفيها بعدم اهتمام: فهد آل ليث خاطبني عشان يرضي عمي منصور!!
مزون عقدت ناظريها: وليش تقولينها كذا؟؟
جميلة بذات النبرة غير المهتمة: لأنها كذا.. واحد مثله وش يبي بوحدة مطلقة إلا لأنه يبي قرب عمي منصور..
مزون بعتب: جميلة ياقلبي.. وش القصور اللي فيش يعني؟؟
جميلة بنبرة غضب متهكمة مفاجئة مليئة بالحرقة: أبد مافيني قصور.. إلا إن ولد عمي طلقني وحذفني كني جوتي وسخ ماصدق يقطه وحن عادنا في المطار..
والناس يقولون علي كلام.. كل كلمة أكبر من الثانية..
وأبد مافيني قصور!!
مزون تشعر بصدمة حقيقية.. لأول مرة تسمع جميلة تتكلم عن طلاقها ومضاعفاته بهكذا حرقة..
فهي كانت طوال الفترة الماضية متألقة ومرحة كفراشة وهي تدعي إنها تجاوزت تداعيات طلاقها بإنشغالها بزايد الصغير...
مزون بغضب: من وين جبتي ذا الكلام السخيف؟؟ أنتي تألفين على كيفش..
جميلة بحرقة حقيقية: إذا أنتي ماسمعتي.. أو سمعتي وتحطين نفسش ماسمعتي بكيفش..
بس أنا ماراح ألعب على روحي!!
عشان يقولون علي بكرة شوفوا ولد عمها ما استحملها.. وولد آل ليث المسكين تورط فيها!!
مزون تكاد تنفجر غيظا منها: والله العظيم لو عدتي ذا الكلام مرة ثانية..
لألتش كف على وجهش يخليش تصحصحين شوي!!
ثم أردفت ولهجتها ترق بحنان: جمول ياقلبي.. ترى في العرس ماحد يجامل حد..
هذي عشرة عمر.. ولو ولد آل ليث ماسأل أمه واخته عنش.. وذابت عظامه من الوصف قبل الشوف ماكان جاء يخطب!!
جميلة بجمود: ليه عليه قاصر زين؟؟ أنا شايفة صوره مع عمي..
ابتسمت مزون: والزين يبي الزين!!
جميلة لو أنتي مقتنعة بفكرة الزواج وبفهد نفسه .. أو خلاص بلاها الفكرة كلها..
جميلة تنهدت بعمق: زين خلينا من كلام الناس ..
مزون أنا صار لي 3 سنين في دوامة.. كملت سنة من رحت للعلاج وتزوجت وتطلقت..
وقبلها سنتين وأنا مريضة بالمرض اللي أنا جبته لنفسي..
سنين مراهقتي راحت ماعشتها.. والحين ماعاد يحق لي أعيشها لأني لازم أتصرف كمره..
وعلى العموم التجارب اللي أنا عشتها تحسسني إن عمري 40 مهوب20..
ومع كذا وكذا أنا متشوشة واجد..
والله العظيم مزون من أمس وأنا أفكر لحد ماصدعت..
ما أبي أعرس لأني أبي أتفرغ لدراستي.. بس في نفس الوقت أبي أكون منطقية..
وش يضمن يرجع لي واحد مثل فهد.. لأنه كل ماكبرت كل ماقلت فرصتي..
الشيء الثاني اعترف إني مجروحة من خليفة اللي ماصدق يطلقني عشان يتزوج..
أبي أوريه إني ماني بأقل منه وهذا أنا خلصت عدتي وتزوجت مثلي مثله..
بس أرجع وأقول هذا حكي خبلان ويودي في داهية..
مافيه حد يورط نفسه.. ويتزوج عشان يغيض حد!!
أفكر من ناحية ثالثة وأقول واحد مثل فهد آل ليث وش يبي في وحدة مثلي..
أفكر من ناحية رابعة وأقول فهد هذا كله على بعضه مايناسبني..
لأن كل شيء فيه يخوف من وسامته لحدة شخصيته.. يذكرني بعمي منصور!!
تدرين إن أمي تموت من الغيرة على عمي منصور بس ماتبين.. وواجد متحملة صعوبة شخصيته..
بس أنا ماني بعاقلة مثل أمي!!
من ناحية خامسة وإلا عاشرة وإلا عشرين.. أنتي تدرين إن الدورة الشهرية تقريبا وقفت معي سنة ونص وتوها رجعت لي منتظمة من شهرين بس..
والدكتورة كانت تقول إنه احتمال يصير معي مشاكل بالحمل.. أو على الأقل يتأخر فترة لحد مايتضبط وضعي تمام..
تعبت مزون من كل شيء.. تعبت.. وما أبي أفكر في شيء...
****************************************
" عــلــــي.. عــــلـــي !!"
علي قفز من نومه بجزع: بسم الله الرحمن الرحيم.. وش فيش؟؟ ليش تصيحين وتهزيني كذا؟؟
شعاع ضغطت على قلبها وهي تنتهد وتعود لتسند ظهرها لرأس السرير.. بعد أن كانت تقف على ركبتيها وتهز علي بقوة وهي تصرخ..
وهي تهمس بصوت ذاهب الأنفاس: حرام عليك علي صبيت قلبي.. أصحيك ماتقوم.. ارتعت..
علي ابتسم وهو يضع كفيه خلف رأسه : دامش جنبي إنا طيب وبخير إن شاء الله..
شعاع همست برقة مصفاة وهي تمد يدها لتمسح شعره: جعلك طيب وبخير دوم مهوب يوم..
أمسك علي بكفها بين كفيه وهو يهتف بشجن مختلط بإبتسامته: ومافيه ياحبيبي معها؟؟
احمر وجه شعاع خجلا وهي تهمس بخجل رقيق: حبيبي ولا يهمك..
قطب علي جبينه وهمس بإبتسامة: بايخة.. لأنها مهيب من قلبش.. تسكيتة بس!!
حينها مالت قليلا لتهمس قريبا من أذنه بعذوبة خافتة: الله لا يحرمني منك ويقدرني أرضيك وأسعدك ياحبيبي ياقلبي أنت!!
يعلم أنها مازالت لا تقصدها.. لكنه لا يستطيع أن يمنع قلبه العاشق أن يُعتصر بقوة وهو يسمعها من بين شفتيها بهكذا دفء وعذوبة..
وكأن أعذب أحلامه وأبعدها تتحقق أمامه على أرض الواقع..
همس حينها بتثاقل مملوء بالولع والشجن: الحين بأقول خفي عليّ حبيبتي.. ترا قلبي مايتحمل!!
*************************
بعد يومين
.
.
.
" فهيدان من جدك أنت خاطب جميلة بنت خليفة ؟؟!!"
فهد يرتشف قهوته وهو يسند كتفيه للخلف ويهتف ببرود:
تو الناس ياحرم الدكتور.. الموضوع صار له 3 أيام..
وفهيدان في عينش ياقليلة الحيا..
عالية تبتسم: أول شي اليوم أول يوم أشوف خشتك من عقب الخطبة..
كل ماجيت مالقيتك..
وثاني شيء آسفين ياحضرة النقيب!!
وثالث شيء أنت استخفيت.. مالقيت إلا جمول..؟؟
فهد من فوره شعر بالضيق.. حتى لو كان لا يريدها.. فهو لن يسمح حتى لمن هم أصغر منه بالسخرية من اختياره..
هتف بنبرة تهكم حازمة: والشيخة عالية بعد وش عندها اعتراضات على جميلة..؟؟
عالية تهز كتفيها بمرح: ماعندي اعتراضات عليها.. عندي اعتراضات عليك!!
حينها شعر فهد بالإهانة..هتف بغضب: نعم.. عندش اعتراضات علي أنا؟؟
عالية تقلد طريقته في الكلام: إيه عليك أنت.. لا ينقص لك عرق..
ثم أردفت بجدية مختلطة بالابتسامة: أنت بصراحة ياحضرة النقيب تبي لك وحدة تشتغل في الكوماندوز ..
أو على الأقل وحدة جفسة مثل أختك علوي... مهوب وحدة تذوب رقة ونعومة مثل جميلة..
(قصدش تذوب دلع ماسخ مايلبق على شينها) فهد هتف بسخرية: زين وش تبيني أسوي ياعالية هانم...؟
أهون من الخطبة؟؟
وإلا أسكر على جميلة في صندوق قزاز عشان مانخدش رقتها ونعومتها؟؟
عالية بجدية: إلا أبيك تغير من طبايعك شوي.. بس شوي..
البنية مرت بتجربة صعبة ومرض... فاتق الله فيها..
ثم أردفت عالية وهي ترقص حاجبيها بخبث: ولو أني متاكدة إنك إذا شفتها.. بتغير طبايعك غصبا عنك وتضيع علومك وطي..
فهد بصرامة: أنا ما احتاج حد يوصيني لأني أتقي ربي قدام أشوف وجهش..
ومهوب أنا اللي تضيع علومي من شوفت أزين النسوان عشان تضيع من أشينهم...
عالية بصدمة: من أشينهم ذي؟؟
ابتسم فهد: أنتي وجميلة كلكم!!
عالية بمرح: أنا ماعليه.. بس جميلة عاد آخر وحدة في العالم ينقال لها شينة..
فهد بتهكم: أجل وش ينقال لها؟؟
عالية (بعيارة) : ينقال لها الشين كله.. لأنها بتأخذك!!
**********************************
" كاسرة تروحين معنا؟؟"
كاسرة تنتبه من سرحانها وهي تنظر لمزون ووضحى وكلتاهما تلبسان عبايتيهما وتهمس بمودة: لا اسمحوا لي.. ما أقدر!!
مزون تجلس جوارها وتهمس باستغراب: كاسرة من يوم سافر كساب وأنتي ماتطلعين من البيت إلا للشغل وجدش وبس..
اطلعي معنا اليوم بس.. كل يوم واحنا ساحبين خالتي مزنة.. تعبناها.. امشي معنا وخليها تقعد اليوم..
كاسرة تضايقت من الربط الحقيقي.. لم تكن تريد أن يلاحظ أحد أنها فعلا ماعادت تخرج من البيت بعد سفر كساب..
والسبب بسيط جدا..
كساب كان يكره أن تخرج من البيت بدون أذنه أو مع أحد غيره!!
وهو أمنها بالله ألا تفعل شيئا في غيابه كان يضايقه في وجوده..
لا تستطيع بالفعل أن تخرج وهي تعلم أنها لا تستطيع حتى استئذانه
عدا أنها فعلا ليس لديها رغبة للخروج.. روحها مثقلة بنوع غريب من الوجع!!
كاسرة همست بذات المودة: ماعليه يابنات اسمحوا لي.. صدق تعبانة ومالي خلق أطلع..
وضحى تجلس جوارها من الناحية الآخرى وتهمس بإلحاح: كاسرة أنتي حتى فساتين للأعراس ماسويتي..
كاسرة حينها همست بحزم بالغ: ياكثر هذرتكم.. يا الله قوموا.. لا تتاخرون على أمي..
**********************************
بعد ثلاثة أيام أخرى
.
.
.
" فهد .. منصور آل كساب مارد عليك عشان موضوع الخطبة!!
فهد يلتفت لصالح ويهمس بعدم اهتمام: لا مابعد!! كل يوم وأنا عنده وماقال لي شيء..
صالح بجدية: مايصير فهد.. لازم تسأل الرجال.. يعطيك كلمة.. يا لا.. يا نعم!!
فهد حينها هتف بجدية مشابهة: أنا ومنصور مابيننا ذا السوالف .. صدقني لو كان عنده رد كان رد علي بدون ما سأله..
بس أنا حاسه ذا الأيام مشغول بشيء ما أدري وش هو!!
فهد يشعر بسعادة عميقة جدا مخفية داخل روحه لأن الرد تأخر..
وذلك يعني شيئا واحدا..
أنهم غير موافقين!!
مع أن منصور آل كساب قبل أربعة أيام قال له بطريقة غامضة:
قبل مانوافق أو مانوافق... البنت توها قالت لي إنه احتمال كبير يصير معها مشاكل في الحمل.. أو على الأقل يتأخر شوي
وحن نبي نبري ذمتنا ونبلغك ذا الموضوع!!
(صدق إنها قليلة حيا!!) فهد هز كتفيه بعدم اهتمام: مايهمني ذا الموضوع.. وانا أساسا متوقع ذا الشيء قبل أخطب..
وذا الكلام مايغير رأيي في شيء...
وهاهي سعادته تتزايد أن الأيام تمر والرد النهائي لا يأتيه..
وذلك يعني كما يظن أنهم بالفعل (غير موافقين) !!
********************************
" حبيبتي لين متى وأنتي زعلانة علي؟؟"
عفراء ترتب ملابس زايد الصغير داخل الخزانة وتهمس بضيق: وأنت وش هامك من زعلي ورضاي..
سويت اللي في رأسك.. وخليت جميلة توافق عليه..
منصور يمسك بخصرها ليديرها ناحيته وهو يهمس بحنان:
ياحبيبتي خلش حقانية.. أنا جبرت جميلة؟؟
أنا حتى ماعاد قلت لها شيء من عقب أول مرة كلمتها قدامش لما شفتش زعلتي..
هي اللي جاتني بنفسها ثاني يوم في الليل وقالت إنها موافقة عليه..
عفراء بضيق أشد: زين صار لها أربع أيام من يوم قالت لك موافقتها..
ليه أم فهد ماجاتني لين الحين.. مهوب تقول إن الولد مستعجل؟؟
وش عندهم يعني؟؟ وإلا أنا وبنتي ما حن بكفو يجون لين عندنا ويخطبون ومكتفين بك؟؟
حينها ابتسم منصور وهو يقبل رأسها: إلا كفو وكفو وكفو وماغير أم زايد وبنتها كفو..
ثم أردف بنبرة مقصودة: بس أنا اللي مابلغتهم الموافقة لين الحين!! وإلا فهد كل يوم وهو متبطح عندي في المجلس.. وفي عيونه كلام ومستحي يسأل!!
عفرا باستغراب: وليه يعني مابلغتهم ماتقول إنه مستعجل..؟؟
منصور بغموض: هو مستعجل.. بس أنا عندي تخطيط معين..
ولازم أسوي توافق بين استعجاله ومخططاتي!!
******************************************
" حبيبتي ليش متوترة كذا؟؟
مايصير كل مرة نجي نروح للدكتور من ليلتها وأنتي متوترة.."
ثم أردف بمرح: وش المرض اللي تبين تلزقينه فيني ذا المرة؟؟
شعاع بتوتر: حرام عليك علي لا تزيدها عليّ.. أحاتيك بس ياقلبي..
علي يحتضن كتفيها ويهمس بحنان وولع: لا تحاتين.. ابصم لش بالعشرة وبأذن ربي إن ذا الفحص بيكون أحسن بواجد!!
شعاع وضعت رأسها على كتفه وهي تهمس برقة: زين ولو كان فحصك زين وقرر لك العلاج..
بنرجع للدوحة...؟؟ أنا اشتقت لهلي واجد!!
علي بابتسامة: لا طبعا ماراح نرجع الدوحة..
وش شهر العسل ذا.. وفي خياس لندن في الصيف وعلاج بعد..؟؟
لا ياقلبي.. إذا خلصت فحوصي بنطلع من لندن وبأوديش ذا المرة مكان من تخطيطي أنا..
خلش تشتاقين لهلش أكثر شوية بعد.. أنا ما أبي حد يشغلش عني..
شعاع احتضنت خصره وهمست بشجن: علي صدق صدق ما شغلك حد قبلي؟!!
علي احتضنها بقوة وهو يهمس بولع حقيقي: لا قبلش ولا بعدش!!
شعاع رفعت رأسها قليلا لتقبل طرف خده.. وهي تهمس برقة: تدري علي.. والله لو أدري أو أشك حتى إنك تكذب علي..
بتكون ردة فعلي شيء مايخطر على بالك!!
أنت كل يوم تعلقني فيك أكثر من اليوم اللي قبله أضعاف أضعاف...
مهوب تسوي فيني كذا وأنت نيتك مهيب صافية لي!! يمكن أتهور وأذبحك ترا!!
***************************************
" يالكسلان.. مرة بعد.. بعد مرة وحدة بس!!"
عبدالرحمن يجلس على مقعده ويهمس بإرهاق: حرام عليش عالية.. والله العظيم تعبت..
عالية بضيق: عبدالرحمن مامشيت إلا مرتين في الممر..
حينها انفجر عبدالرحمن بعصبية: بس عالية.. بس.. أنا ماني ببزر تبين كل شيء في حياته يمشي على كيفش..
هذا أنا أحاول أرضيش.. بس أنتي بعد لا تضغطين علي بذا الطريقة..
لذا الدرجة يعني متضايقة من حالتي ومنتي بمستحملتني ؟؟
إلا يعني أمشي بالغصب وإلا ما أعجب حضرة جنابش!!
عالية اتسعت عيناها بدهشة (إلى أين وصل تفكير هذا) صمتت لثواني وهي تدفع مقعده حتى أوصلته للسرير وساعدته للنهوض عليه..
ابتعدت قليلا ثم همست بحزم ودون أن تنظر ناحيته كأنها تحادث روحها:
عبدالرحمن تدري إن امهاب كمل سنة من يوم مات الله يرحمه!!
عبدالرحمن انتفض بشدة وارتعشت أنامله وهو يهتف بعصبية: مهوب أنا اللي تعلميني كم راح عليه الله يرحمه..
بأعلمش لو تبين بالساعات والدقايق بعد!!
عالية بحزم وبنبرة مقصودة تماما: يعني أنت تدري زين إنه مات ومافيه شيء بيرجعه؟!!
عبدالرحمن تصاعد ضيقه لدرجة أقصى حدود الاختناق وهو يهتف بذات العصبية: ممكن أعرف وش داعي ذا الكلام السخيف!!
حينها عادت عالية لتواجهه وهي تنظر إلى عينيه بشكل مباشر وتهمس بشكل مباشر:
عبدالرحمن لو تبي تلعب على حد.. العب على حد غيري..
أنت ظنك إني ماني بملاحظة إنه لما أطلع أنا وإياك ألاحظ إنه فيه أماكن معينة تتجنب تروح لها.. ويوم أسألك ليه ماتبيننا نروح؟؟
تقول شكلك بالكرسي هناك يحرجك..
لكن الجواب ببساطة إن هذي هي الأماكن اللي كنت تروح أنت وامهاب لها دايما..
عبدالرحمن انفجر بغضب عارم مرير: عالية ممكن تسكتين.. ما أبي أسمع شيء..
عالية بغضب أشد: لا ماني بساكتة.. يعني ظنك امهاب نفسه بيكون راضي باللي تسويه في نفسك..؟؟
أدري إنك ماتسويه عن قصد.. بس أنت في داخلك ماعاد تبي تمشي في مكان هو ماعاد يقدر يمشي فيه!!
ماتبي تعيش حياتك طبيعي من عقبه.. وكانك مستكثر على روحك الحياة..
فتقول دامني عشت عقبه.. ما أبي أعيش بعده مثل ماكنت معه..
عبدالرحمن بغضب أشد متفجر: بس.. بس.. ولا كلمة.. ولا كلمة!!
عالية صمتت على مضض وحزن عميق يغمر روحها.. لأنها رأت كيف انفعل واحمر وجهه بشدة..
لم ترد أن تزيدها عليه.. فهي تشعر تماما به!!
والمهم أنها اوصلت له الفكرة!!
*************************************
" يا الله أنا طولت الليلة عليك.. بأقوم أروح البيت!!
تلاقي أم زايد تدعي علي الحين!!"
منصور بنبرة مقصودة تماما: أفا عليك أشلون تدعي على رجّال بنتها؟؟ مايصير!!
فهد قطب جبينه بعنف ولكنه عاد لرسم ملامح الطبيعية بذات السرعة وهو يهتف بثقة:
أخيرا حنيتوا علي.. مابغيتو؟؟
منصور بثقة: تدري البنت لازم تفكر براحتها..
(ياملغ البنت ملغاه.. قال بنت قال !! ياقهري!!) فهد كان يرسم ابتسامة محترفة على وجهه وهو يستمع لمنصور
بينما كل مايريده أن يخرج حتى يلكم الحائط ليفرغ كل طاقة الغضب بداخله!!
بينما منصور كان يكمل بذات الثقة: وهي بصراحة ردت علي قبل كم يوم.. بس أنا كان عندي كم شغلة لازم أسويها..
والحين أبيك بكرة تسوي الفحص الطبي وأنا بودي جميلة عشان أبيها تخلص بسرعة لأنه عقب يومين بأوديها لبنان تشتري جهازها من هناك..
فهد مصدوم ومع ذلك هتف بثقة: وموعد العرس.. قلت لك أبيه عقب مانخلص الفحص بأسبوع بالكثير..
منصور ابتسم: عقب 10 أيام من الحين.. تاريخ 18 الشهر يناسبك؟؟
فهد يكاد يصرخ قهرا في داخله.. ومع ذلك هتف بثقة: يناسبني.. بيكون قبل أسبوعين من دورتي!!
منصور بذات الابتسامة الواثقة: خلاص كروت الدعوة صارت في سيارتك.. قلت للمقهوي يحطها..
بس لا توزعها لين تخلص الفحص الطبي.. وأظني أسبوع يكفيك توزعها وزيادة!!
فهد بصدمة حقيقية: أي كروت؟؟
منصور بذات الثقة: كروت عرسك.. كروت فخمة كأفخم مايكون للرجال وللحريم..
كروت الرجال طبعا الدعوة باسم أبو صالح.. وكروت الحريم باسم أم صالح وأم زايد..
فهد بصدمة: وأشلون سويتها بذا السرعة.. أقل شيء تبي أسبوعين!!
منصور بثقة غامرة: أسبوعين لغيري.. صاحب المطبعة واحد من ربعي..
اخترت نموذج جاهز.. وكل اللي سووه غيروا المضمون وعطى عماله أوفر تايم عشان يخلصونه في يومين..
فهد يشعر بالصداع الفعلي بينما منصور يكمل بذات الثقة:
شوف يافهد.. عرس الحريم هذا هديتي لبنتي.. والله ماتدفع فيه ريال.. وأنا خلاص حجزت القاعة بتاريخ 18..
عرس الرياجيل بكيفك فيه.. أظني مهوب صعب تلاقي حجز الخيام مقابل (اسباير)!!
فهد بضيق: أبو زايد مايصير أنت تحجز قاعة الحريم.. أمي وأختي بيزعلون..
منصور بثقة: ماراح يزعلون.. لأنه حتى مرتي مالها دعوة في الحجز.. أنا كلفت شركة تصميم أفراح تتولى المسئولية..
بأعطيكم رقمهم وخل أمك وأختك يشوفون الترتيب براحتهم..
فهد يكاد يجن منه (متى استطاع فعل ذلك؟؟) هتف من بين ضربات الصداع لدماغه: وأي قاعة حجزت للحريم؟؟
منصور بذات الثقة: الدفنة في الشيراتون..
فهد حينها انفجر يحمل نبرة الاستغراب وفي باطنه يحمل الغضب:
عاد الدفنة مستحيل تلاقيها في 10 أيام وخلال الصيف بعد!!
ابتسم منصور: هذي عاد خدمني فيها أبو كساب!!
********************************
" الدفنة يامنصور؟؟
حتى مافيها غرفة أحط بنتي فيها..
وأنا مستحيل أقعدها قدام الحريم!!"
منصور بهدوء: خلاص خليها في جناحها فوق..
عفراء غير راضية بكل ذلك ومع ذلك ليس أمامها إلا الرضوخ:
زين وش لازمتها الدفنة.. خساير على غير سنع..
حينها هتف منصور بثقة: ادري إنه سوالف العرس كلها كلام فاضي ولا له معنى.. بس أنتو يا النسوان عندكم حكي يوجع..
وأنا ما ابي أقل شيء يحز في خاطر جميلة.. أبيها تعزم كل رفيقاتها وتستانس..
وما أبي حد يفتح ثمه.. ويقول عشانها كذا وإلا عشانها كذا ماسوو لها عرس..
أبي من جا عرسها يسكر حلقه ولا يلاقي له كلمة!!
فمالا تعلمه عفراء أن الكلام الذي لم يصلها قد وصله هو.. وسمعه هو وجميلة مع بعضهما!!
.
.
قبل أكثر من شهرين
جميلة تقف مع منصور عند طابور (كاشير) المحاسبة في أحد المحلات..
بعد أن أشتريا بعض الأغراض لزايد الصغير..
يهمس صوت أنثوي خافت جدا خلفهما: هذا مهوب منصور آل كساب؟؟
فتهمس الأخرى بصوت أعلى وهي تمد نظرها: بلى.. الظاهر إنه هو..
الأولى بصوت منخفض: أش لا يسمعش.. من اللي معه؟؟ ماظنتي إنها عفرا
عفراء عادها نفاس..
الثانية بصوت أكثر ارتفاعا: لا مهيب عفرا.. أظني بنتها جمول.. اللي قطها رجالها عادها في المطار..
الأولى بجزع: بس.. يالفضيحة.. أعوذ بالله.. قصري حسش لا يسمعش الرجال..
الثانية بعدم اهتمام: والله مهوب أنا اللي قلته.. الناس كلهم يحكون..
وش اللي حد ولد عمها إنه ماحتى يتنى يوصلها للبيت إلا شيء كايد ما استحمله؟؟
الله يستر على بناتنا بستره!!
منصور انفجر تماما ولكن وضعه واحترامه لنفسه لم يسمح له بملاسنة نساء في مكان عام وخصوصا أنه رأى كيف بدأ جسد جميلة يضطرب بعنف..
ثم كيف ألقت الأغراض أرضا.. وخرجت ركضا من المحل..
توجها من فورهما للسيارة.. حاول منصور تهدئتها.. ولكنها رفضت أن تتحدث عن الموضوع مطلقا..
وهي ترجوه بين شهقاتها ألا يخبر أمها بشيء حتى لا يضايقها!!
ربما كان هذا الموقف.. من المواقف التي قربت كثيرا بين منصور وجميلة..
ولكنه كذلك أثر في كلاهما وبشكل كبير.. كبير جدا!!
حز في خاطر كل منهما إلى أعمق مدى..
جرح عميق في روح جميلة الشابة وامتهان لكرامتها..
وحزن عميق في روح منصور وهو يرى كيف تبدو هذه الصبية جبّارة أمامه وهي تدفن الجرح الذي يعلمه جيدا..
وهي تظهر سعادتها بكل ماحولها وتتدفق بألقها العفوي رغم معرفته لعمق الجرح في حناياها!!
*******************************************
اليوم التالي
.
.
" يوه صالح من جدك.. عرس أخيك 18 الشهر؟؟ "
صالح يضحك: وش فيش سويتيها أزمة؟؟
نجلاء تذهب وتعود: لأنها أزمة.. الحين وين ألاقي لي فستان يدخل في كرشي؟؟
صالح (بعيارة): وليه تتعبين نفسش.. البسي جلابية من جلابياتش واقعدي
النسوان يعني بيخلون البنات الرشيقات ويتفكرون فيك!!
نجلا بغيظ: كذا ياصويلح.. زين يوم الخميس توديني للخبر أشتري لي فستان..
عيالي ومعطلين وماعندهم شيء!!
صالح يضحك: وش الخبر بعد؟؟ القيصرية وتخب عليش!!
نجلاء تضحك بغيظ واستظراف تمثيلي : القيصرية اللي على زمانك يالشيبة احترقت والجديدة مابعد فتحوها..
وأنا مالي شغل بتوديني بتوديني..
صالح بإبتسامة مخلوطة بالجدية: قبل ما تهورين وتقولين شيء..
والله ثم والله ماتطلعين من الدوحة لين تولدين..
بتلاقين في الدوحة اللي بيكفيش..
يا الخبلة أنتي دخلتي الثامن تبين تولدين عليّ في الطريق!!
نجلاء بذات الغيظ: ياسلام عليك.. وتبيني أطلع مبهذلة.. ياقهري منك أنت وإخيك المستعجل..
ثم أردفت لنفسها وهي تتجه لدولابها:
هذا وهو ماشافها.. لو شافها يمكن بعد كان قال العرس بكرة وورطنا!!
**********************************
" خلصتي فحوصش؟؟"
جميلة بجمود: خلصتها.. وعمي مستعجل على النتيجة عشان يبينا نروح للبنان
مزون تضحك بشفافية: صدق خبلة.. وليه محزنة كذا؟؟
اسمعيني عدل جيبي فستانش والفساتين والجزم والشنط والمكياج العطور من هناك
والباقي خليه علي أنا وخالتي.. العبايات والدراعات والمخلطات والمفارش لا تحاتين.. يومين وبنخلصهم.. قبل ماترجعين من لبنان بعد!!
جميلة بحزن شفاف غريب: زين ولبست وكشخت.. وش بيغير من اللي داخلي؟؟
مزون بقلق وهي تجلس جوارها وتضع كفها على فخذها:
جميلة أنتي حد غصبش على الموافقة؟؟ عمي قعد يزن على رأسش؟؟
جميلة بنبرة مثقلة بالجمود والأسى: بالعكس ولا قال لي ولا كلمة عقب أول مرة..
بس أنا حاولت أفكر بعقلي.. وأنحي المشاعر على جنب...
فهد خيار ممتاز وأنا صليت استخارة كم مرة والله هداني للموافقة..
شيدريني إن واحد مثله بيرجع يخطبني..
ثم أردفت بمرارة ساخرة: يمكن ماعاد يجيني إلا شيبان يبون المطلقة المعيوفة!!
**************************************
بعد يومين آخران
.
.
" كاسرة يا أبيش وش في خاطرش ضايق؟"
كاسرة تميل لتقبل كف جدها وتهمس بمودة صافية : مافيني شيء جعلني فدا عينك!!
الجد بعمق: إلا فيش .. تدسين عليّ؟!! أفا عليش!!
كاسرة بتأثر: فديتك مافيني شيء!!
الجد بمودة: ليه يأبيش ماتروحين مع مزنة والبنات... أكثر وقتش قاعدة عندي!!
كاسرة تبتسم: أفا عليك ياجابر.. زهقت مني!!
الجد يبتسم: خلش من عيارة البنات... دارية إنه لو علي ما أبغيش تفارقيني دقيقة..
بس النفس لقرينها تطرب... وبنية مثلش أكيد إنها زهقت من سوالف الشيبان!!
كاسرة تتنهد بعمق.. يستحيل أن تمل من جدها..
ولكنها ملت من كل شيء.. من كل شيء.. وكيف لا تمل الدنيا بأسرها وهذا القلق الهادر يصطرخ في أعماقها..
هاهو يتجاوز الأسبوع منذ آخر مرة هاتفها فيها..
رغم أنه قال أنه سيهاتفها!!
يا الله روحها تذوي من القلق... ومرهقة من كل شيء!!
مرهقة بالفعل!!
***********************************
" الحين أبي أعرف أنت ليش تهاد ذبان وجهك؟؟
مهوب فحوصاتك كلها أنت والمدام طلعت سليمة
وهذا حن رايحين نشتري لك بشت لعرسكم الميمون
وإلا تكون زعلان عشان منصور قال الملكة تكون يوم العرس وأنت خلاص مافيك صبر؟""
فهد بعصبية: هزيع تلايط وسكر حلقك..
هزاع بغضب مختلط بإبتسامته: ياحضرة النقيب ترانا مابعد تعدينا مركز أبو سمرة..
والخوة اللي ذي أولها ينعاف تاليها.. نزلني في المركز وبأشر لحد من الأجواد يرجعني معه الدوحة..
وأنت توكل على ربك وكمل دربك بروحك وهاد الذبان على كيف كيفك!!
فهد بذات العصبية: أنت بتمنن علينا بخوتك اللي أنت عرضتها.. خلاص ولا يهمك.. إذا وصلنا أبو سمرة دور لك خوي غيري!!
حينها هتف هزاع بجدية: فهد الله يهداك وش فيك ما تتنحاكى كذا.. شاب نار قايدة!!
صحيح العصبية مهيب غريبة عليك بس عمري ماشفتك كذا..
تعوذ من أبليس... أسمع إن مزاج الواحد يعتفس قدام عرسه بس من كثر الشطة والضغط..
لكن أنت ماشاء الله.. وش الشطة اللي جاتك؟؟ فلا تفصيل ثيابك وحيا على الفلاح..
عرس الرياجيل صالح وعبدالله رتبوه وتكفلوا فيه من إلى...
توزيع الكروت أنا ونايف وعيال خالاتي كل واحد استلم له منطقة وخلصناه في يوم واحد..
وأنت عرسك عاد باقي عليه أسبوع وكل شيء جاهز..
بعض الناس يكون عرسه محدد من شهور ويجي لين آخر يوم وهو مشتط..
أنت سبحان الله ربي طارح البركة في عرسك.. ولا تعسر فيه ولا شيء!!
( هذا أصلا اللي فاقع كبدي وذابحني!!
كنت أبيه يتعسر بأي طريقة.. بس ماتعسر!!
كل شيء يمشي مثل السحر!!
ياقهري.. بأموت من القهر.. عمري ماكنت مقهور مثل ذا الأيام
مقهور !! مقهور!!"
*********************************
" تدري إني انبسطت هنا أكثر من لندن بواجد!!
لندن كان حر وزحمة وخنقة!!"
علي كان يشد على ذراع شعاع وهما يتمشيان بالقرب من قلعة أدنبرة التاريخية..
قلعة من أشهر قلاع أوربا.. ولها بعد تاريخي وحضاري عميق..
وهي تقع على فوهة بركان خامد وبناها الرومان قبل ألف عام من الصخور البركانية القاسية.. وهي تطل على كل مدينة أدنبرة من علو شامخ..
ومازالت حتى الآن مقر لكتيبة من الجيش البريطاني تسمى(الفوج الملكي الاسكتلندي)
على الرغم من أنها مفتوحة للسياح والمتاحف داخلها مجانية..
علي هتف بمودة: أدنبرة بلد رايقة.. والاسكتلنديين أساسا طيبين..
وطبيعتهم وجوهم أحسن من لندن ألف مرة..
بس هي مافيها أشياء كثيرة تشوفينها.. اليوم شفتي القلعة..
باقي الضواحي التاريخية والمدينة القديمة وحديقة الحيوان عندهم أهم حديقة حيوان في العالم..
بنقعد يومين بس..
وبأوديش مكان ثاني بعد قبل نرجع الدوحة..
شعاع بإبتسامة شفافة: وين بعد؟؟
علي بمودة غامرة: إيطاليا.. بأوديش فينيسيا..ثم روما وميلانو منها تتفرجين ومنها تتسوقين لأهلش وصديقاتش!!
ولا تنسين ترا مزون لازم تجيبين لها بروحها شنطة كاملة.. وأعتمد على ذوقش الحلو..
هذي عروس..!!
شعاع بشفافية ودودة: أبشر من عيوني الثنتين!!
************************************
" سميرة ياقلبي.. محتاجة فلوس؟؟"
سميرة تزيح جهاز الحاسوب جانبا حتى تشير لتميم بمودة: لا حبيبي..
لو بغيت لا تخاف بأطلب منك..
تميم بأريحية شاسعة: ما أدري حبيبتي أخاف يقصرش شيء وماتطلبين..
وأنتي ماشاء الله داخلة على ثلاث أعراس.. واكيد تبين هدية لكل عروس..
سميرة وضعت يديها على رأسها ثم أشارت له بمرح:
لا تذكرني يرجع لي الصداع..
كله كوم وعرس جميلة كوم..
أنا مالحقت طبعا أهديها شيء في زواجها الأول.. فلازم أعوضها الحين..
وخصوصا إن العريس ولد عمي بعد!!
ابتسم تميم: يعني تبين فلوس؟؟
ابتسمت سميرة: الحين عندي.. وأنت توك عطيتني..
لكن دامك مصر خلاص ما أبي أردها في خاطرك بعدين يجيك إحباط..
تميم اتسعت ابتسامته: لا لا تخافين علي من الأحباط..
سميرة قفزت لتقبل رأسه ثم مدت يدها وأشارت بمرح:
بلى بيجيك إحباط وأنت ماتهون علي... يا الله قبضني عشان خاطرك بس!!
****************************************
" منصور الله يهداك.. روعتني أنا وجميلة عليك..
البنية لابسة قاعدة تنتظرك تروحون المطار..
تتصل تقول السفرة تأجلت لبكرة.. لا وتتأخر علي ذا كله
بغيت أموت من المحاتاة!!"
منصور وجهه مسود ومثقل بأسى غريب:
الحين الواحد لو راح في حرب وإلا دفاع عن بلاده.. كان قلنا ماعليه.. شهيد والموت مامنه مهرب..
بس عاد التدريبات المفروض تكون آمنة على عيالنا... مهوب يروحون في شربة ماي لأنه حن قصرنا في توفير تدريبات آمنة..
عفراء بقلق متعاظم: حد من عيالك صار له شيء؟؟... هم ماخلصوا تدريباتهم أمس عشان كذا حددت السفر اليوم..؟؟
منصور بذات الأسى المتعاظم: عيالي خلصوا.. بس فرقة ثانية من فرق الصاعقة كانوا يتدربون اليوم..
وانهار فيهم مبنى التدريب اللي معد للتدريبات...
ثم أردف بغضب: شكلهم بانينه من كراتين.. العيال حطوا المعاول في الطوفة عشان يطلعون.. انهار..
عفراء بصدمة وأسى: كم عددهم...وعسى ماحد منهم إصابته كايدة؟!!
منصور بذات الأسى الذي لا يستطيع منعه من تسلق روحه: واحد من العيال وواحد من المدربين..
وما أدري عن إصاباتهم.. ماخلونا نقرب منهم وشالوهم على طول في الهيليكوبتر!!
***************
" حبيبي .. كساب ماكلمك ذا اليومين؟"
زايد التفت لمزنة وهو يمد سبابته ليمسح على شفتيها ويبتسم:
ياحلوها ذا الكلمة من بين شفايفش.. لها طعم ثاني!!
وكساب لا ماكلمني له أكثر من أسبوع!!
( ومادمت تحبها من بين شفتي.. فلماذا حرمتني من سماعها من بين شفتيك؟؟)
مزنة حاولت أن تبتسم: تخلي الواحد يندم لا قال كلمة عفوية..
زايد بعمق غريب: وحلاتها إنها عفوية!!
وجع غريب أيضا يغزو روحها حاولت تنحيته جانبا وهي تسأل باهتمام:
وكساب عادي يطول ذا كله بدون اتصال؟؟
زايد بتلقائية: عادي جدا.. وممكن أسبوعين وثلاثة بعد..
ليش تسألين؟؟
مزنة صمتت.. ماذا تقول له؟؟ قد يكونون لم يلاحظوا أي تغيير على كاسرة عدا عدم خروجها من البيت.. لانها خارجيا تتصرف تماما كما كانت تتصرف دائما..
ولكن ليس على أمها.. وهي تلاحظ ذبول عينيها.. وتنهيدتها المرة المكتومة حين تسألها عن كساب..
مزنة أجابت بثقة: شفته طوّل شوي.. عشان كذا اسأل عنه.. يعني تأخيره أبد مهوب طبيعي وخصوصا إنه مايتصل..
ابتسم زايد بفخامة وغموض وهو يتفهم سبب سؤالها: قولي لكاسرة لا تهتم.. بيتصل فيها قريب!!
مزنة همست بشفافية: ما أقدر أنصحها بشيء ما أقدر عليه.. في ذا الشيء أعتبر بنتي أقوى مني بواجد..
أنت بسم الله عليك لو سافرت أسبوع بدون حتى ماتتصل فيني.. بأستخف!!
حينها همس زايد بعمق وهو يشد أناملها بين كفيه:
صدق وإلا كلام مجاملات؟؟
رفعت مزنة كفه إلى عذوبة شفتيها وهي تهمس بإبتسامة رقيقة: كلام مجاملات!!
***********************************
اليوم التالي..
.
.
" أخيرا تكرمتي علي تروحين معي..
وإلا خلاص ماتبين إلا مرت أبيش؟!!"
مزون تميل لتقبل كتف خالتها المجاورة لها وكلتاهما تجلسان في المقعد الخلفي للسيارة وتهمس بمودة صافية:
أنتي عارفة زين إني ما ابي خوة حد غيرش..
بس أنتي مشغولة مع زايد الصغير..
ولولا إنش تبين تخلصين تجهيز جميلة ماكان خليتيه أساسا..
عفرا بعتب: وجميلة ويش وأنتي ويش.. مهوب كلكم بناتي؟؟
مزون تبتسم بحنان: ياخالتي ياقلبي.. أنتي عارفة زين إني حتى تجهيز جميلة كنت أقول لش خليه علي دامها راحت لبنان!!
لأني أدري إنش ماتحبين تخلين زايد..
عفراء بذات نبرة العتب: هذا انا خليته عند كاسرة وش بيجيه يعني؟؟
مزون تبتسم: بيجيه إن كاسرة بتتصل بعد ساعة وهي تشد شعرها
لأنه مارضى يرضع المرضاعة.. وفقع رأسها بالصياح.. وبنرجع وحن ماخلصنا شغلنا..
فأنتي اكتبي لي قائمة بكل اللي تبينه وخليه علي...
لازم نخلص كل شي قبل ترجع جميلة من لبنان..
مع إنه سبحان الله ربي ميسرها لها... خبيرة التجميل اللي كنت أبيها.. قالت لي على وقت عرسي أساسا بتكون مسافرة..
لما اتصلت عليها أبيها بس تعطيني أرقام لأي حد ممكن يزين جميلة
لأني شكيت إنه ممكن ألقى لها حد عدل..
قالت لي هي بتزينها بنفسها لأنه سفرها ثاني يوم في الليل.. وهي تيك الليلة فاضية وماتبي تردني مرتين!!
**************************************
" وش عندش اليوم تكرمتي علينا واتصلتي عشان أطلعش؟؟"
عالية بإبتسامة مرحة وحماس: يووووه يانويف مشتطة عشان عرس فهد..
لو شفت بس ترتيبات العرس شيء خيال... عم العروس هذا ذوق ياربي ذوق بشكل
والحين قاصرني أشياء واجد عشان العرس.. وأبي شكلي خيال مثل الترتيبات عشان نطلع طقم!!
وأبي ألحق أخلص اليوم..
وماحد بيستحمل غثاي غيرك..
نايف بتأفف باسم: أما عاد خيال في أحلامش.. خلي الخيال للترتيبات وبس!!
وبعدين حضرة الدكتور وينه؟؟ أعرف إنه يحب يوديش حتى لو كان مع السايق..
عالية تنهدت في داخلها بعمق.. فهناك خلاف يتسع بينها وبين عبدالرحمن.. والجو بينهما غير صاف إطلاقا..
فهو يتهمها أنها ماعادت تحتمله وأنها ملت منه بسرعة لذا تضغط عليه ليمشي!!
وهي تعلم أنه يعلم أن هذا غير صحيح.. ولكنه يتهمها حتى لا يتجاوب معها في قضية علاجه..
وكلما حاولت التحدث معه في هذا الموضوع ثار بعنف.. وخصوصا أنه تأثر بشدة من ذكرها لامهاب في الموضوع..
مع كل ذلك التعقيد.. فهما لم يظهرا أبدا مشاكلهما من بينهما .. وابتسمت وهي تجيب نايف:
حضرة الدكتور مايقصر.. بس ليه أتعب حبيبي وأنت موجود..
نايف يضحك: كذا ياعلوي .. ترا بأرجعش للبيت عادنا قريب ..
عالية برجاء مرح: لا تكفى نويف حبيبي.. والله ماعندي وقت فاضي إلا اليوم
لأنه من بكرة بنبدأ نرتب جناح فهد..
حينها هتف نايف بخبث يخفي وراءه أملا كبيرا: زين بس لازم تقدمين مقابل لخدماتي..
عالية تضحك: يالزطي.. نعم وش تبي؟؟
نايف بشكل مباشر صادم: أبي أسمع صوتها بس!!
عالية باستغراب: من هي ذي؟؟
نايف بثقة مختلطة بالرجاء: جدتي.. من يعني؟؟ وضحى.. مرتي!!
عالية بصدمة: وضحى؟؟ وأشلون أسمعك صوتها؟؟
نايف بثقة: اتصلي فيها وحطي على السبيكر.. بسيطة!!
عالية برفض باسم: آسفة نايف.. ما أحب ذا الطرق الملتوية!!
نايف بغضب مرح: نعم علوي من هي ذي اللي ماتحب الطرق الملتوية..
علوي أم المقالب.. اعتبريه مقلب..
وإلا حلال عليش حرام علينا!!
عالية تضحك: نايف لا تمسكها لي ذلة.. أنا كنت أكلمه برضاه وهو يكلمني برضاي..
نايف بنفاذ صبر: علوي خلصيني.. تراها مرتي ماطلبت شيء ..حرام عليكم..
لا شوفة مثل الناس.. وحتى الصوت ممنوع..!!
عالية تضحك وهي تستخرج هاتفها: زين لا تموت علينا بس!! نسمعك صوت المدام..
نايف شعر حينها أنه يريد أن يقف كل شيء حوله كما وقف قلبه انتظارا لسماع همساتها التي أرهقه التفكير في نغماتها وصداها..
فهولا يوجد لديه سوى التفكير...
سبحان الله كيف تكون خالي البال والروح.. وحين ترتبط بإنسان ما تجد تفكيرك يتدفق تلقائيا نحوه ليشغلك كل ما يخصه..
لم يكن يريد الزواج.. ولكن ما أن ارتبط اسمه بها حتى وجدها تشغل تفكيره كما هي فطرة البشر السليمة!!
تعالى رنين الهاتف.. ودقات قلبه تتعالى معه..
وهو يسب ويشتم في داخله.. لأن الهاتف يكاد يصمت من الرنين دون أن يرد عليه أحد..
وكاد قلبه يتوقف فعلا حين سمع الرد وهمسها يتعالى في فضاء السيارة في الثانية الأخيرة قبل أن يصمت الهاتف عن الرنين.............
*********************************
" أصب لك قهوة بعد؟؟"
خليفة يشير بيده وهو يهمس بهدوء: ما أبي قهوة بس جيب لي أحمدوه أسلم عليه..
جاسم يضحك: الله يعين أحمدوه عليك أنت ومرتك مصيتوا عافيته..
الحين خل مرتك تخلص منه وبيتصلون علينا..
ما أدري متى بتيبون لكم واحد وتفتكون من حلق ولدي؟!!
خليفة بسكون: الله كريم!!
جاسم باهتمام لا يخلو من غضب : وش فيك متضايج؟؟ لا يكون عشان عرس طليقتك عقب جم يوم؟؟
خليفة قفز واقفا وهو يهتف بصدمة حقيقية: نعم؟؟ عرس جميلة عقب كم يوم؟؟
**********************************
" ها زيودي الحلو..
نبدل ملابسك أول؟؟ وإلا نشرب حليبة أول؟؟"
كانت كاسرة تناغي زايد الصغير وهي تحمله بين ذراعيها وتفتح باب جناحها متجهة للداخل وهي تحمل حقيبته على كتفها..
كانت تريد أن تضعه على السرير حتى تعد الحليب له..
لولا الصدمة الكاسحة التي وجدتها في الغرفة والتي جعلت تفكيرها كله يُنسف وهي تضع الصغير على السرير دون أن تشعر حتى..
وهي تتجه لما رأته لتتأكد بنفسها !!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم HaboOoshy
رواية بين الامس و اليوم الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم HaboOoshy
مضى له نصف ساعة وهو يجلس في مجلس تميم الخالي.. الساعة تجاوزت الثانية عشرة..
وحتى المقهوي يبدو أنه نائم...
حرج خانق خانق وجارح يتعاظم في روح نايف.. ولكنه لم ولن يهرب من المواجهة..
مادام قد تصرف هذا التصرف فلابد أن يحتمل نتائجه!!
مشاعر عميقة ومتضادة ومشوشة تصطخب في روحه..
غضب عارم منها.. وإعجاب ملتبس لا معنى له بها!! وضيق عميق من رعونتها!!
غاضب منها لأنها وضعته في هكذا موقف محرج وهو في الختام يبقى زوجها..
فكيف هان عليها أن تبعثر كرامته بهكذا موقف؟!!
معجب بغرابة مخفية باستقامتها التي هي مطلب كل رجل في زوجته!!
ولكنه متضايق تماما ولأبعد حد من رعونتها..!!
فهذا التصرف الذي تصرفته مطلقا لا يدل على الدبلوماسية التي كان يجب أن تتصرف بها في هكذا موقف..
فهو ختاما زوجها.. وإن ارتكب شيئا ضايقها.. كان لابد أن يكون التصرف بينهما..
فإدخال شقيقها الآن سيجعل الموضوع يكبر... ومايخشاه نايف هو تبعات هذا التدخل..
مازال لا يتخيل ما الذي سيعاتبه به تميم.. وإلى أي مدى سيصل العتاب؟!!
كان مشغول التفكير تماما بالذي سيحدث وهو يضع سيناريوهات لحضور تميم وكيف سيكون العتاب ومامداه..
وكل الصور بدت له مؤذية جارحة وهو يقف أمام تميم كطفل مذنب بذنب لا يراه ذنبا أكثر من رغبة مشروعة لكنها مكروهة!!
أمر لم يكن يستحق كل هذا الشد وكان يمكن حله بينهما فقط!!
كانت هذه أفكاره التي غرق فيها.. حتى وصلته الرسالة الثانية من تميم التي بعثرت تفكيره تماما:
" توكل على الله وروح لبيتكم..
أنا بأعدي الموضوع ذا المرة عشان خاطر وضحى.. واحترام إنك رجالها..
الاحترام اللي هي مالقته منك"
نايف اتسعت عيناه غيظا.. وكان سينفجر غضبا بكل معنى الكلمة..
أ يحضره لمجلسه لإحراجه فقط؟!!
ا يجعله لعبة له وهو يحضره بهذه الطريقة المحرجة ويصرفه بطريقة أكثر إحراجا؟!!
نايف تنهد بعمق وهو يحاول السيطرة على غضبه وتحكيم العقل!!
فمهما كان تميم قرر ألا يكبر الموضوع.. ولو أنه نزل له وعاتبه وجها لوجه كان الإحراج الشديد سيتوجه إلى مشكلة لا يعلم أين سيكون مداها الختامي!!
لذا تحامل نايف على نفسه لأقصى حد.. وهو يرسل لتميم رسالة:
" أنت ووضحى على رأسي..
وتأكد إنه لها الحشمة والتقدير!! "
***********************************
" حبيبتي أنتي وين خذتي تلفوني ورحتي فيه؟؟"
سميرة تخفي ابتسامتها وهي تضع الهاتف أمامه ثم تشير له: أنت كنت لاهي مع تصليح ذا الكمبيوتر..
وأنا كنت أبي أوري وضحى البرنامج الجديد اللي نزلته فيه..
وعقب قعدنا نسولف شوي وهذا أنا ما أبطيت..
.
.
قبل أقل من ساعة..
اتصال مستعجل يصل لسميرة من وضحى..
سميرة تدخل باستعجال على وضحى وهي تهتف بأنفاسها المتطايرة:
وش فيش روعتيني..؟؟
وضحى تنتفض بشدة من الخجل والغضب.. همست باختناق وهي تمد سميرة بهاتفها:
شوفي قليل الحيا وش مطرش لي؟؟ وش يفكرني ذا؟؟ وحدة من رفيقاته ؟؟
سميرة قرأت الرسائل ثم انفجرت في الضحك: والله مهوب هين نايف.. تأثيرات بنت عمي أكيد!!
وضحى تكاد تبكي: أحر ماعندي أبرد ماعندش.. وش أسوي فيه.. ؟؟
أقول لتميم؟؟
سميرة باستنكار: لا .. يا الخبلة.. وش تقولين لتميم؟؟
وضحة بذات الاختنتاق: سميرة.. أخاف تميم يدري بأي طريقة إن هذا أرسل لي.. ويزعل.. وأنا ماصدقت إنه رضى علي!!
مع أن سميرة كانت لا تعلم مطلقا سبب غضب تميم من وضحى.. لكنها كانت تلاحظه.. وكانت سعيدة جدا بالصلح..
ووضحى متحسسة جدا من الموضوع .. لأنها تخشى أن يكتشف تميم الموقف وهو للتو صالحها بعد أن كادت روحها تذوي من اليأس..
وحينها ستسقط من عينه.. ولن يُصلح بينهما شيء.. وتميم أهم لديها من كل شيء!!
من كل شيء حرفيا!!
سميرة همست بتحذير: أدري إنش متحسسة من الموضوع.. بس ترا تميم بيتحسس أكثر..
لأنه على طول بينط في رأسه.. إن نايف مايحترمه.. وإنه لو إنه امهاب عايش ماكان تجرأ يسوي كذا..
وأتوقع إن تميم بتكون ردة فعله عنيفة وزيادة عن اللزوم..
ونايف ترا غلطته تبي قرصة أذن ليس إلا!!
وضحى بيأس: وأشلون نقرص إذنه زين؟!!
سميرة حكت مقترحها بسرعة لوضحى.. فردت وضحى بحزم:
وعلى فرض إنه تميم درا عقب؟؟ أشلون بأحط عيني في عينه؟
سميرة بثقة باسمة: لا تحاتين بأقول إنها فكرتي.. وإنش أساسا ماكنتي تبين.. وكنتي تبين تقولين له!!
وضحى بجزع حازم: لا سميرة لا..تكفين... أنا ما أبيش تدخلين ويصير شيء بينش وبين تميم بسبتي..
كفاية اللي صار بينكم أول بسبتي وبغيت أموت من الحسافة..
والله ما أستحمل موقف ثاني!!
سميرة رقصت حاجبيها: لا ياحبيتي.. أول غير.. والحين غير!!
سميرة عادت لغرفة تميم ووجدته مازال منهمكا في الحاسوب.. استاذنته أنها تريد هاتفه.. فأشار لها بين إنشغاله أن تاخذه..
الاثنتان أرسلتا الرسالة لنايف وهما تراقبان مع نافذة الصالة العلوية...
حتى تراقبا المجلس... وفي ذات الوقت تريان تميم لو خرج من غرفته...
حين رأتا سيارة نايف بعد دقائق.. تصاعدت دقات قلب وضحى بعنف وهي تهمس لسميرة بخفوت مختنق تماما:
يمه ياسميرة.. ماتوقعت إنه بيسويها ويجي وبذا السرعة.. الحين وش بنسوي فيه؟؟
سميرة تضحك: خليه ينقع نص ساعة... وعقبه أوريش فيه...
بعد الرسالة الثانية والرد.. وهما تريان السيارة تغادر.. همست وضحى بذات الاختناق:
والحين أنا قلبي منغوز منه .. ماني بمرتاحة لنايف ذا..
والشيء الثاني أشلون أحط عيني في عينه عقب ذا الموقف...؟؟
لا وأنا بعد خذتني العزة بالأثم وسبيته من زود الخير!!
سميرة هزت كتفيها وهي تمسك بهاتف تميم لتعود لعرفتها وتهمس بخبث باسم:
والله عاد هذي أنتي وشطارتش.. مالي دعوة!! أنتي تصرفي!!
.
.
نايف في سيارته المغادرة يكاد يتميز من الغيظ فعلا..
لولا أنه يحكم عقله لأبعد أبعد حد.. وإلا كان طلقها فورا لشدة غيظه..
لا يريد أن يحكم عليها من موقف... ولكنها وضعته بالفعل في موقف لا يحسد عليه...
ويتخيل موقفه لو أنه وقف أمام تميم كالمذنب ليحاسبه.. وهو من يقف أمامه المذنبين ليحاسبهم!!
مشاعر كثيفة ومتشابكة تتصاعد في داخله تجاه زوجته التي يجهلها تماما!!
بدا له تصرفها حادا وشديدا لأبعد حد..
بدا يفكر تفكيرا بعيدا في شخصيتها.. وكيف هي؟؟
هذه المرأة ستعاشره عمره كله.. وعالية أكدت له إنها مرنة جدا وغاية في اللطف..
فهل كانت عالية تدعي ذلك حتى تزيحها من طريقها فقط!!
يفكر في شقيقاته.. الهم الأول له.. فهو يستطيع أن يستغني عن زوجته..
ولكنه لا يمكن أن يستغني عن شقيقاته!!
يتخيل أن من تصرفت معه هكذا ومن أجل موقف لا يستحق..
كيف ستتصرف مع شقيقاته ؟؟ كيف ستحتملهن؟؟
يخشى من ردات فعلها تجاههن..
الشيء الذي يستحيل أن يتغاضى عنه أو يتسامح فيه!!!
والشيء الذي يقلقه وبشدة!!
**************************************
كان كساب يعود لفراشه بعد أن صلى قيامه وهو يهتف لوالده بإرهاق:
يبه خلهم يجون يعطوني إبرة.. مستوجع شوي!!
زايد يضغط جرس الاستدعاء وهو يتنهد بتأثر وشجن عميقين: دامك تقول مستوجع فأكيد أنت مستوجع واجد..
مابعد سمعتك تقول مستوجع قدام اليوم!!
كساب يتنهد : بسيطة يبه.. يومين وبأكون زين!!
زايد بحزم وبنبرة مقصودة: يأبيك أنت وش سببك؟؟ جروحك مستحيل سبتها حادث سيارة..
أنا يأبيك ما أنا بولد أمس!!
ومرت علي الدنيا أشكال وألوان!!
كساب صمت ولم يجبه... حتى جاء الممرض وأعطاه الأبرة ومضى وهو مازال صامتا!!..
حينها هتف زايد بحزم وبنبرة مقصودة جدا: يأبيك ترا الواحد يخدم بلده كل واحد في مجاله..
وحن نخدمه بالمصادر اللي ندخلها على البلد وحن تجار ورجال أعمال وهذا مجالنا.. ماله داعي يكون لنا مجال ثاني!!
كساب توتر (ماذا يقصد من هذا الكلام؟؟) بينما زايد أكمل بذات الثقة والنبرة المقصودة:
أنا ما أدري يأبيك أنت تحسبني غبي.. إنك بتغيب بالأسابيع بدون ماتكلم وإني بأسكت..؟؟
ليه أنا لقيتك في الشارع..؟؟
يا أبيك خلاص... خلصنا من ذا السالفة.. ولو تبي أنا أكلم لك يعفونك.. كلمتهم!!
كساب قاطعه بحزم: يبه وش داعي ذا الكلام المحور؟؟ إذا أنت تبي تقول شيء قوله!!
زايد تنهد وهو يكمل بذات حزمه: قبل كم سنة.. يوم بديت تغط ذا الغطات..
قلبي قرصني لا تكون منظم لذا الخرابيط اللي نسمع عنها..
فبديت أحوس وراك وأراقبك.. وكلفت لي واحد يتبعك..
كساب مبهوت تماما.. كيف غاب عن ذكاءه ذكاء والده؟؟...
اعتمد أن البرود بينه وبين والده بعد حكاية مزون سيكون غطاء حماية له...
كيف غاب عنه أن مبرراته لن ترقى مطلقا لذكاء والده!!
زايد أكمل بثقة: عقبه جاني استدعاء من فوق.. إنه مافيه داعي أحوس وراك..
وأخلي الناس ينتبهون لك.. وإنك تشتغل تبع الدولة.. ومافي داعي أسأل عن شيء..
تطمن قلبي من ناحية.. بس قلبي قعد يغلي من ناحية..
الحين لا قدر الله لو صار لك شيء في مهمة من مهماتك.. ماحتى أنا بقادر أفتخر فيك وأقول ولدي شهيد..
يأبيك خلاص كفيت ووفيت.. وكفاية شغلك في التجارة..
ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه..
كساب تنهد بحزم وهو يغفو في نوم عميق إجباري نتيجة للمهدئات:
يبه وأنا ما انتظر حد يشكرني وإلا يقول كساب سوى وسوى!!
**************************************
" يأبيش لا تكونين جاية ذا الحزة مع السواق والخدامة؟؟"
كاسرة ترفع نقابها ليظهر وجهها الذابل من الإرهاق وهي تقبل رأس عمها وتهمس بإرهاق:
لا فديتك.. تميم جايبني.. بيصفط سيارته وبيأتي.. قلت أبي أجي بدري قبل يجيكم حد من الرياجيل..
زايد ابتسم بمودة: توه رقد من عقب صلاة الصبح.. بس قوميه..
على كل حال أكيد شيباننا على وصول..
كاسرة تنهدت بشجن : لا خله يرتاح لين يجيه الزوار.. أنا بس كنت أبي أتطمن عليه..
زايد هتف بأريحية وهو يخرج: خلاص اقعدي عنده براحتش.. أنا بأنتظر تميم برا!!
كاسرة شعرت بخجل لم يظهر في مودة صوتها: عمي تعال الله يهداك..
ولكنه كان قد خرج وأغلق الباب ..
حينها اقتربت كاسرة برفق من كساب..
يا الله.. لم تتخيل كيف مر عليها الليل حتى... لتتمكن من الحضور..!!
وهي تتصل بتميم فور خروجه من صلاة الصبح وتطلب منه أن يأتي لتوصيلها..
قضت ليلها ساهرة..والدقائق تمر بطيئة متثاقلة!!
وهي حينا تعاتب نفسها.. وحينا تعاتبه!!
كانت ليلتها سيئة بين الهواجس واليأس والألم والقلق... والأسوأ كونه مصابا بكل هذه الأصابات وهي لم تعلم حتى!!
مالت عليه بألم وهي تتأمله بشجن روحها الممزقة...
وجهه الوسيم الشامخ غارق في عشرات اللاصقات التي لم تخفِ جروحه المزرقة!!
رجولته الهادرة الماكنة في روحها كالوسم لم يهزها في نظرها إرهاقه الظاهر والأسلاك الموصلة لجسده..
مالت بحنان يائس على معصم يده الحرة من الجبس المقيدة بالأسلاك..
لتقبله.. قبلة بللتها بدموعها..
لم ترد أن تقترب من شيء قد يولمه.... وجهه.. يديه.. أسلاك التغذية!!
تمنت بيأس أن تميل على شفتيه لتتنفس أنفاسه من قرب.. ولكن حتى شفتيه لم تخلو من الإصابات..
فشفته السفلى كانت ممزقة من طرفها ومازال الدم المتخثر عليها!!
همست بيأس قريبا من أذنه ودموعها الصامتة تسيل بصمت كصمت روحها المهجورة: أنت وش مسوي في روحك يالمتوحش!!
باقي شي فيك ماقطعته؟؟!!
تنهدت بألم عميق لأنه لم يصحو .. تمنت أن ترى عينيه مفتوحتين قبل أن تغادر!!
"إلى هذه الدرجة أنت متعب ؟؟ أو لا تريد أن تراني؟؟"
فهي اعتادت على كساب أن نومه خفيف لأبعد حد.. أقل حركة أو همسة تجعله يقفز متحفزا...
فأي آلام هذه التي جعلته خادرا هكذا؟؟
كانت تتحسسه برفق وقلبها يذوي كلما اكتشفت جرحا جديدا في جسده..
حتى سمعت الطرقات على الباب...
تأخرت بخجل وهي تنزل نقابها على وجهها.. كان عمها زايد يهتف لها بحنان حازم:
خلاص يأبيش اطلعي وانتظري تميم في الاستراحة..
فيه رياجيل جايين الحين.. وتميم بيسلم على كساب وبيجيش!!
********************************
" يادكتور هو يبي يطلع شوي.. فيه مجال؟؟"
الطبيب ينظر لكساب النائم ويهتف برفض قاطع : ولا حتى دئيئة وحدة.. الأنتي بايوتيك لازم كل 6 ساعات يتجدد..
الجروح ملتهبة خالص.. دا خطر عليه الغرغرينة.. أنا مش عارف الدكتور الأهبل اللي سابه يرجع وهو حالته كده!!
حينها هتف زايد بحزم: زين عطه منوم لو سمحت.. يرقده لين بكرة..
لو قام أدري إني ما أقدر أرده..
مهوب لازم يحضر الدفن... يحضر العزاء ثاني وإلا ثالث يوم!!
زايد تنهد وهو يميل على كساب النائم: الله يعيني على زعلك إذا قمت..
بس أنت داري إني ما أبغي إلا مصلحتك!!
********************************
" يمه الله يهداش وش ذا المناحة اللي مسويتها؟؟
أنتي ماتقولين إنه طيب!!"
عفراء تمسح دموعها وهي تهمس باختناق: يامش ماشفتيه ماحتى حس فيني..
ومركبين عليه سلكين في يده السليمة..
واللي موجعني إني شفته البارحة في البيت ويقول أنا مافيني شيء..
والممرض اللي عند الباب يوم سألته عنه.. يقول لي مافيه نتفة في جسمه مافيها جرح وإلا قطع..
وأشلون كان مستحمل ذا الوجع كله ياقلب أمه بدون مايحكي!!
وش اللي حده على ذا كله؟؟
جميلة تهدئ أمها برقة: يمه فديتش أنتي عارفة كساب من صغره.. وبروحش كنتي تقولين.. لو مهما صار له مستحيل يشتكي!!
عفراء بتمزق حقيقي: ماحتى لحقت أتطمن عليه.. زايد ماخلاني عنده إلا دقيقة وطلعني.. قال بيجيهم رياجيل..
جميلة تربت على كتف أمها: عمي منصور مابعد درا.. راح للعزاء دايركت..
وأكيد لا درا بيروح.. روحي معه..
*******************************************
" كان ودي أحضر الدفن.. بس الطيارة تأخرت شوي!!
أ رب الباقيين كلهم حضروا يا أبو محمد؟؟"
أبو محمد يتنهد: مابقى حد ماحضر.. اللي نعرفهم واللي مانعرفهم!!
منصور بحزم: زين عقب العزا.. أبيك تروح معي نزور المدرب اللي تصاوب..
أكيد أنك عرفته وعرفت مكانه الحين..
لله دره سمعت إنه تصاوب وهو يبي ينقذ الشهيد اللي راح..
ولولا إنه تأخر معه وإلا كان يقدر يبعد عن المبنى قبل أن ينهار..
أبو محمد بحزم شبيه: كلامك صحيح.. وإصاباته بعد والله مهيب زينة...
بس مانقدر نزوره لأني لحد الحين مثل ماقلت لك في التلفون..
ما أدري وين خذوه ولا حتى أعرف من هو؟؟
منصور باستغراب: أشلون ماتعرفه؟؟ هو ماكان يدرب فرقتك؟؟
أبو محمد بثقة: بلى.. بس أنا ما أعرفه..
خبرك تدريبات الصاعقة.. يجينا أمر من فوق.. عندكم التدريبات الفلانية في الوقت الفلاني..
ويجينا المدرب بلبس الصاعقة والقناع.. وممنوع أمنيا نسأل عن الأسماء في خلال التدريبات وأنت عارف ذا الشيء..
وهو يخلص تدريب ويطلع... مايعطي مجال لأحد يأخذ ويعطي معه!!
أصلا حتى في التدريب كلامه قليل يا الله كلمة كلمتين!!
وأنت عارف إني أساسا أكون بعيد.. ما أشترك في التدريب..
منصور باستغراب شديد: وش ذا الكلام الخربوطي... إذا المدربين الأجانب نعرفهم ونعزمهم على عزايمنا.. وأشلون ولد ديرتنا؟؟
إلا هو وش رتبته؟؟
أبو محمد بذات الثقة: ملابسه ماعليها رتبة أبد..
منصور تفجرت دهشته: صراحة حكي ماسمعت أغرب منه.. أنت عارف إنه كلنا ندرب فرقنا..
بس مهوب أي حد يصير مدرب جيش بالمعنى العالمي اللي أنت عارفه..
حتى أنا وأنت عجزنا نوصلها..
أبو محمد يهمس لمنصور من قرب: أنت بس لو شفت ذا المدرب أشلون يتحرك... لياقة وخفة وفوة عمري ماشفتها في حياتي..
وأنت عارف..من اللي يقدر على التدريبات اللي يأخذونها المدربين.. ؟؟
أول شيء مهيب إجبارية.. وثاني شيء ماحد يقدر عليها إلا واحد بايع عمره!!
منصور بتساؤل مهتم: ومن ذا اللي قدر عليها وحن ماعرفناه؟؟
************************************
" ها نايف وينك اليوم كلش ماكلمتني.. وش صار على موضوع البارحة؟؟"
نايف بتحكم: أول شيء اليوم مالي خلق أسمع صوتش..
ثاني شيء البارحة مشغول ونسيت الموضوع !!
عالية بمرح: أفا أفا... وش فيك مخيس النفس نويف!!
شكلك كلمت وعطوك أشكل وأنت تعزز وتقول نسيت!!
نايف بذات نبرة التحكم: قلت لش ماكلمت..
ولو كلمت مالش شغل في شي!!
عالية ضحكت: يه يه ياخال.. وين اللي أسرارانا عند بعض والبطيخ واحد..
نايف بحزم: عالية أنا الحين مشغول.. عقب بأكلمش!!
نايف أنهى الاتصال.. وألقى هاتفه جواره بقوة..
أين مشغول؟؟ وهو بالكاد ذهب لعمله صباحا وعاد لبيته!! ولم يخرج إلا لصلاة العصر ثم المغرب وعاد!!
شقيقاته أصبنه بالصداع لكثرة ما اتصلن وكل واحدة تطلب منه أن يأتي للغداء عندها.. وبعد ذلك لقهوة العصر..
ولم يستجب لواحدة منهن..
وحتى فهد اتصل به ليذهبا لزيارة كساب .. عديله!!
فرفض لأنه خشي أن يقابل تميم هناك ومازال الموقف طازجا..
فقال له أنه قد يذهب معه في الغد صباحا قبل التوجه لعمله.. على أمل أن تميم لن يكون موجودا...
فأي موقف سخيف وضعته فيه من تسمى زوجته.. وهي تحرجه بهذه الطريقة
وتجعله محرجا عاجزا عن المواجهة هكذا!!
غيظ عظيم يتصاعد في روحه عليها!!
وغيظ كذلك على عالية التي ورطته في هكذا زوجة!!
روحه مثقلة بالغيظ لأبعد حد!!
وكلما فكر في الموضوع أكثر.. تزايد غيظه أكثر!!
الغيظ يأكل روحه شيئا فشيئا وليس بيده شيئا يفعله الآن!!
**************************************
" زايد..
كساب وش فيه؟؟
صار لي 3 ساعات قاعد أنتظره يقوم بدون فايدة!!
وأم زايد جننتني تسأل عنه وتبيني أجيبها وأنا أقول عندنا زوار!!"
زايد تنهد بحزم: منصور قوم روح لبيتك.. لأنه كساب الدكتور معطيه منوم لأنه تعبان ويبي راحة..
وأنت بعد تبي راحة.. جاي من المطار على العزا على المستشفى.. حتى مالحقت تقعد مع ولدك..
روح لبيتك وطمن عفرا عليه.. وقل لها مافيه إلا ذا العافية..
منصور بغضب: وذا الخبل مايخلي خباله.. يسوي حادث سيارة.. ويرجع ماكمل علاجه..!!
كان كلمنا وجيناه هناك..
زايد بثقة موجوعة: أنت عارفه وعارف طبايعه..
منصور يهز رأسه بحزم: أمحق طبايع ..ما أدري متى هو بيعقل..
ثم أردف بحزم أشد: أنت قوم يا أبو كساب لبيتك.. كفاية عليك البارحة واليوم كله..
أنا بأمسي عنده..
زايد بإصرار حازم: وقدام تحلف.. والله ما أروح لين نطلع أنا وإياه سوا.. توكل لبيتك تريح أنت اللي تعبان!!
**********************************
" يأمش بتروحين ذا الحزة؟؟ الوقت متأخر!!"
كاسرة همست بإرهاق: إيه يمه.. تميم ينتظرني برا..
اليوم ماحتى لحقت أقعد.. أكيد الحين ماعاده بجايه زوار..
أبي أقعد عنده لين بكرة.. وبكرة بدري تميم بيرجع لي..
مزون ربتت على رأسها بحنان: زين انتظري دقيقة أجيب بس غيارات عمش زايد
أنا كنت مجهزتها يوديها السواق.. بس دامش بتروحين اخذيها معش..
اليوم يوم جيته أنا ومزون طلب مني أغراض له بعد.. دقيقة وأجيبها لش كلها!!
كاسرة جلست بإرهاقها المتعاظم فهي مازالت لم تنم منذ البارحة..
ولن ترتاح حتى تطمئن عليه..
حتى أنها لم تتصل بزايد لتخبره أنها ستحضر.. لأنها تعلم أنه سيرفض أن تحضر!!
تضغط جانبي رأسها بإرهاق.. تشعر أن جسدها خال من الطاقة تماما..
ومع ذلك يستحيل أن ترتاح حتى تطمئن عليه..
وبقدر ماهي مجروحة منه.. بقدر ماهي مجروحة من أجله!!
في أحيان كثيرة تتساءل.. أ ستكون حياتها كلها هكذا؟؟
أ لن ترتاح يوما؟؟ أ لن تشعر بحبه يوما؟!!
أ يحكم عليها بهذا الحرمان طوال عمرها؟!!
وهل يكون هذا هو مصيرها الذي حكم به عليها الله عز وجل.. ويجب أن ترضى به لأنه لا يوجد سواه ؟!!
.
.
.
" ليه يابيش تجين ذا الحزة؟؟"
كاسرة تميل على رأسه لتقبله وهي تهمس بمودة:
يبه طول اليوم عندكم رياجيل.. وتميم اللي وصلني..
خلني أقعد عنده الليلة..
وبأروح بكرة الصبح بدري!!
ابتسم زايد بأبوية: خلاص يأبيش خلش عنده.. وترا الكرسي هذا ينفتح..
وأنا بأروح للغرفة الثانية أتمدد في الجلسة..
كاسرة همست بمودة وهي تشير لحقيبة كتف صغيرة: زين أمي تسلم عليك وتقول هذي أغراضك..
ابتسم زايد بلباقة: ياحي ذا الطاري من أم امهاب..
ابتسمت كاسرة بشجن وهي ترى عمها يغادر لغرفة الجلوس الملحقة بالجناح ويغلق الباب خلفه..
ثم تعيد نظرها للنائم قريبا منها وهي تقترب منه أكثر..
يا الله.. على كثرة ما أخذ من صفات والده.. على كثرة مالم يأخذ منه..
لماذا لم يأخذ من لطف عمها وشفافيته ولباقته وفخامة عباراته؟؟
مالت لتقبل جبينه برفق.. وهمست بألم وشفتيها مازالت شبه ملتصقة بجبينه:
ماشبعت نوم.. بطل عيونك خلني أتطمن عليك..
حرام عليك اللي تسويه فيني.. والله العظيم حرام!!
تنهدت بألم عميق: لذا الدرجة تعبان..؟؟!!
زين أشلون قدرت تجي البيت..؟؟وأنا أشلون ماحسيت فيك؟؟
كله منك ياكساب.. كله منك..
بتموت لو قلت لي مرة بصراحة عن اللي فيك!!
تنهدت وهي تخلع نقابها وتضعه قريبا منه..
ثم قربت مقعدها لتجلس قريبا منه.. تناولت مصحفها من حقيبتها.. وتلت كثيرا من الآيات وهي بعد انتهاء كل سورة ترفع بصرها لتتأكد من وضعه..
حين انتهت.. دعت له مطولا.. دعت له بكل العمق والقوة واليأس..
زفرت بعدها وهي تنزل شيلتها على كتفيها ثم تسند رأسها معه على ذات المخدة..
فربما بهذه الطريقة تستطيع أن تنام قليلا وهي تشعر به قريبا منها..
فهي مرهقة فعلا.. وتكاد تنهار من الإرهاق!!
.
.
صباح اليوم التالي..
كاسرة غادرت للتو بعد أن جاءها تميم..
وهاهو أيضا يفتح عينيه للتو.. لم يعلم أنه مضى عليه أكثر من يوم وهو نائم!!
فتح عينيه بإرهاق ليرى وجه والده..
لا يعلم لماذا توقع رؤية وجه آخر.. فهو طوال نومه في الساعات الأخيرة وهو يشعر برائحتها قريبة كطيف دافئ أثيري قريب بشكل غير مفهوم!!
هتف بتثاقل: يبه كاسرة كانت هنا؟؟
ابتسم زايد بخبث: لا.. ليه تسأل؟؟
تنهد كساب وهو يحاول أن يدعك عينيه ليؤلمه السلك الموصول لعروق يديه:
لا أبد.. حسبتها كانت هنا..
اعتدل جالسا.. ليلمح شعرة سوداء طويلة تغفو على عضده.. همس بذات التثاقل وهو يشدها دون أن ينتبه والده:
يبه أنت متأكد إنها ماكانت هنا؟؟
ابتسم زايد بمودة: إلا كانت هنا..وتوها راحت..
تنهد بعمق (مستعجلة..جايه تجامل وتروح.. ماحتى انتظرت لين أصحى وأشوفها!!)
ثم تحولت تنهداته لغضب حاد كتمه في روحه ( مادامت جايه مستعجلة.. ليش تحط شيلتها وتفك شعرها بعد..؟؟ )
احتفظ بغضبه لنفسه وهو يهتف لوالده بحزم بنبرته المتثاقلة:
يبه خلهم يجوون يفكون ذا الوايرات أبي أقوم أتوضأ فاتتني صلاة الصبح.. الله يهداك ماقومتني!!
هتف له والده بحزم: فاتك صلوات واجد.. قوم أقضها كلها..
كساب بجزع حقيقي: ليه كم صار لي نايم؟؟
زايد بحزم: أكثر من يوم..
كساب بذات الجزع: حرام عليكم والصلاة اللي فاتتني..
والده يهدئه: كنت بعذرك.. كنت راقد والدكتور قال لازم تخلص المضاد بدون فواصل..
كساب بغضب حقيقي: وذا كله عشان ما تخليني أحضر الدفن..
زايد بحزم صارم: قصر حسك.. أنا كنت باخليك.. بس الدكتور مارضى كلش..
وأنا ماني بخبل مثلك.. وأدري إنك لو كنت صاحي بتنط بخبالك هناك..
بنروح الحين العزا لو بغيت..
*************************************
" تعالي نوزن عند الميزان اللي هناك!!"
شعاع تبتسم: أنت صار الوزن عندك هواية..
مبسوط إنك تزيد وأنا أنقص..
علي بإبتسامة: حرام عليش.. إلا أحاتيش أنا زايد 3 كيلو.. وأنتي ناقصة 3 كيلو.. غريبة!!
ابتسمت شعاع: شفت أنت قاعد تاخذ مني..
علي هتف بحنان وهو يشد على ذراعها: إلا لأنش ما تاكلين مثل الناس.. هذا كله شوق لهلش ياقلبي..؟؟
شكلي طلعت أرخص واحد في السالفة؟؟
شعاع احتضنت ذراعه أكثر وهي تهمس بجزع: حرام عليك علي لا تقول كذا..
بس تدري أنا أول مرة أبعد عن هلي.. وأمي كل ماكلمتها صوتها يتغير..
أدري إنها تبكي.. خلاص حبيبي قربنا نكمل 3 أسابيع برا..
وأنا خاطري بعد أحضر زواج جميلة!!
علي شدها ليجلسا في أحد مقاعد مقاهي المفتوحة على الخارج المقابلة لـ(السبانيش ستبس) في روما..
أو كما تُعرف باللغة الإيطالية (Piazza Di Spanga ) وهي يشد كفها بحنان بين كفيه ويهتف بأريحية: أبشري من عيوني الثنتين...
بأشوف لنا أقرب حجز!!
*****************************************
" ماعليه جمول.. سامحيني.. ماجيت أسلم عليش على طول!!
بس كنت مشغولة بكساب..
والحين توني جايه من عنده.. وجيت عندش على طول
أدري الوقت بدري.. وإنش عادش نايمة بس ماصبرت أكثر..
الحمدلله على سلامتش!!"
جميلة تعتدل من سريرها لتتلقى قبلات مزون بمودة وهي تهمس باهتمام ودود: ياجعلني ما أبكيش قولي آمين..
بشريني من كساب..؟؟
ابتسمت مزون: لا.. أحسن بواجد إن شاء الله.. لقيته يلبس يبي يروح يعزي على ناس..
ابتسمت جميلة: أنتي جاية بروحش..؟؟
مزون ابتسمت: لا خالتي مزنة معي..ونزلت تسلم على أمش..
لا تعلم جميلة لِـمَ توترت نوعا ما..
قد تكون مزنة زاراتهم عدة مرات سابقا ولكن يكن البنات متواجدات ووالدتها مستعدة للزيارة..
تخشى من ردة فعل هذه الزيارة المفاجئة!!
لذا قفزت عن سريرها باستعجال وهي تهمس لمزون باستعجال أيضا:
عطيني دقيقتين بس أغسل وأبدل.. وننزل..
وترا الشنطة الكبيرة اللي في الزاوية لش..
مزون بدهشة: جايبة لي بروحي شنطة كاملة..؟؟
ابتسمت جميلة: بعد عروس.. وخلاص لاعاد تطمعين من وراي بهدية.. هذي هديتش وزيادة..
مزون تضحك وهي ترى جميلة تتجه للحمام: ليه حد قال لش مشفوحة..
أبي هدية عقب ذا الشنطة اللي وش كبرها..!!
لا.. وعلي يقول لي إنه ومرته جايبين لي بعد شنطة..
لو أدري أنكم بتسوقون لي ذا الكثر.. ماكان شريت شيء..
***********************************
" الله يجزاك خير يأبيك.. ويحطها في موازين حسناتك..
ماكنت عارف إنك رايح تعزي عليهم.. لأني أنا أعرف أب الشهيد الله يرحمه
وكنت أبي أقول لك خلنا نروح نعزي عليهم عقب مانخلص من من عزا الناس اللي أنت تبي تعزي عليهم!! "
كساب كان متأثرا بشدة وتأثره يتعاظم في روحه وهو يرى كيف كان وجه والد الشهيد مسودا وهو يحتضن حفيده الجالس على ساقيه..
الأبن الوحيد للراحل..
طفل عمره عامين!!
صامت وهو يستند لصدر جده.. وكأنه يستشعر روح الحزن التي سحبت حماس الطفولة من جوانبه..
وهو يجلس خادرا في حضن جده لا يتحرك.. إلا إذا أزاله جده من حضنه ليقوم لاستقبال المعزين..
وجده يرفض أن يغادره إلى مكان.. حتى مع محاولة أعمامه أن يأخذه أحدهم منه كان يرفض..
وكأنه بتمسكه به.. يتمسك ببعض رائحة الراحل علها تسكن روحه التي اخترمها الجزع والفجيعة..
كساب يتنهد بعمق وهو عاجز عن إزالة الصورة من خياله ويهتف بسكون:
ويواجرك ويجزاك خير..
زايد بنبرة أقرب للحذر: زين ترانا بنرجع للمستشفى.. الدكتور يقول تبي لك يومين بعد عندهم..
كساب هز كتفيه بعدم اهتمام: مثل ماتبي.. ماتفرق عندي!!
ليست المرة الأولى التي يشهد فيها الموت بعينيه.. أو يموت أحدهم أمامه..
بل شهد ماهو أبشع من الموت وأقسى في مهماته التي جاوزت التدريب في أحيان كثيرة..
ولكن في تلك الظروف كنت تتهيأ للموت ورؤيته وأنت تعلم أنك مقدم عليه..
لكن أن تذهب روح شابة.. لأخ قريب.. وفي ظرف كان من المفترض أن يكون آمنا... وبين يديك...
هذا ما أثقله بالأسى والحزن لأبعد حد.. مشاعر غائرة حادة يكتمها في أبعد مكان في روحه...
روحه مثقلة بالأسى فعلا.. وجسده مثقل بالآلام .. ولا يريد أن يعود للبيت هكذا.. وهو يشعر بهذا الضعف الجسدي والروحي..
لا يريدها أن تراه هكذا.. تتمنن عليه بتقديم تعاطف لا يريده منها..
وتبخل بمشاركة روحية هي مايريده منها..!!
فهو منذ موقفه القديم معها حين سألها بشكل صريح ومباشر أن تقدم له المساندة التي يحتاجها ورفضت..
وهو عاهد نفسه ألا يضع نفسه في هكذا موقف أمامه.. فرفضها.. جرحه لأبعد مدى..
وهو يعترف أن قلبه أسود..
وأنه لا ينسى.. لا ينسى !!
************************************
تجلسان مع بعضها منذ حوالي عشر دقائق..
وللتو تصل القهوة والشاي والفوالة التي أمرت عفرا الخادمات بإعدادها وإحضارها..
وهاهي تتولى صب القهوة والقيام بالضيافة كربة البيت كأفضل مايكون..
مزنة همست بلباقة: ام زايد ماكان كلفتي على نفسش.. أنا راعية محل..
عفراء بلباقة مشابهة: مافيه شك أنتي راعية محل.. بس حتى أنا مابعد ماتقهويت..
وأبي أتقهوى أنا وإياش..
مزنة بثقة راقية: أنا فديتش ما أقدر أبطي.. لأنه ما شفت إبي إلا بسرعة وطلعنا أنا ومزون لكساب..
كان مزون تبي تقعد.. خليتها تقعد براحتها.. ورجعت عليها العصر لأنها عندها بروفة لفستانها!!
عفراء شعرت بغيظ عفوي.. أنها أصبحت تعرف عن مزون مالا تعرفه هي!!
مزون هذه.. ابنة وسمية وابنتها هي !!
عفراء تحاول جاهدة تحكيم عقلها ومنطقيتها.. فربما لو كانت شخصية مزنة غير ذلك.. لربما تفجر غيظ عفراء منها.. بل وربما كراهيتها لها..
ولكن مزنة سيدة غاية في الاحترام.. وتجبر من أمامها على احترامها.. لأن تصرفاتها واثقة ومدروسة..
ربما لو رأتها يوما تعبر عن قربها من زايد لتفجر غضبها أيضا من أجل أختها..
ولكن مزنة نادرا ما تتكلم عن زايد.. وإن تكلمت عنه.. تكلمت عنه برسمية وهي تسميه ( أبو كساب)..
ربما كانت مزنة مازالت لم تمنح لعفرا عذرا حتى تكرهها بالفعل.. أو حتى تعاملها بحدة..
فعفراء سيدة متزنة وكذلك مزنة مثلها..
ولكن في أحيان كثيرة الإتزان ينتظر شرارة ما ليهتز!!
فعفراء رغم محبتها الكبيرة لأختها.. ولكنها رغما عنها حين تجري مقارنة بينها بين مزنة.. تجد أن المقارنة ليست في صالح أختها مطلقا..
وهذا الأمر يزيد في حزنها وتأثرها!!
كان الحوار يدور برسمية مختلطة بالتلقائية بين الاثنتين رغم وجود شيء غير مريح في الجو..
قبل أن تقفز جميلة وهي تلصق خدها بخد مزنة من الخلف وتهمس بمرح:
هلا خالتو.. وش ذا الصباح الحلو الي تصبحنا بوجهش..؟؟
مزنة تشدها لتجلس جوارها وهي تقبلها وتهمس بمودة صافية:
الصباح الحلو أنا أشهد إنه شوفة وجهش..
ياحظ اللي بيتصبح بوجهش عقب كم يوم!!
رغم إحساس جميلة الحقيقي بالخجل إلا أنها ابتسمت وهي تشد شعرها القصير
الذي عدلت قصته في لبنان ولكن مازال طوله لا يتجاوز منتصف عنقها..
وهمست برقة باسمة: يمه تلقينه بدوي.. ميت على جدايل جدتي.. ويوم يشوف شعري يقول وش فيه؟؟.. ماضغته الغنم؟؟
ابتسمت مزنة وهي تمسح على شعر جميلة الحريري الذي زادته القصة المدرجة كثافة وجمالا:
على إني ما أحب الشعر القصير.. ولا عمري سمحت لبناتي يقصون شعورهم أقل من نص الظهر..
بس والله العظيم وبدون مجاملة إني عمري ماشفت أحلى من ذا القصة عليش..
ثم ابتسمت أكثر لتشجع جميلة التي تعلم أنها متأثرة من قِصر شعرها الذي تم قصه في المصحة لينمو من جديد:
لولا إنهم بيقول إني استخفيت وإلا كان قصيته مثلش.. من حلات القصة عليش!!
مزون كانت من ابتسمت وهي تجلس جوار خالتها وتوجه الحوار لمزنة:
لا خالتي طالبتش.. تبين إبي ينجلط تقصين ذا الشعر كله.. بروحه مبين إنه خاق عليه!!
مزنة شعرت بخجل رقيق لم يظهر في صرامتها.. بينما عفرا شعرت بضيق متزايد لم يظهر في لباقتها...
بينما جميلة وجهت لمزون نظرة عتب حادة معناها (وش هببتي؟؟)
ومزون تنظر لها نظرة دهشة معناها ( ليه وش سويت؟؟)
بعد استمرار الحوار لدقائق وانتهاء مزنة من تناول قهوتها.. همست لمزون بمودة:
مزون يأمش بتروحين معي..؟؟
مزون برقة: أبي أقعد شوي.. مالحقت أشوف أغراض جميلة اللي شرتها من لبنان..
مزنة وقفت وهي بأمومة: براحتش متى مايغيتي تجين دقي علي أجيبش..
ولو بغيتي تقعدين للعصر.. مريتش عقب الصلاة عشان نروح تقيسين بروفتش!!
لولا أن عفراء قاطعتهم بصرامة: أنا بأوديها.. لأنه حتى جميلة عندها كم شغلة أبي أوديها لها..
رغم أن مزنة لم ترتح لمقاطعة عفرا التي بدت أكثر حدة من المفترض ولكنها همست بلباقة: براحتش يأم زايد.. أنا وأنتي واحد..
والحين اسمحوا لي.. لازم أروح لأبي..
بعد أن غادرت.. همست عفراء بضيق وهي تحمل ابنها عن مقعده: بأروح أبدل لزايد وأجيكم..
عفراء بالفعل تضايقت من نفسها لأنها لم تستطع السيطرة على نفسها.. رغم أن مزنة لم يبدر منها مطلقا مايدعو لهذا الرد الحاد..
حين غادرت عفراء.. همست مزون لجميلة باستغراب: خالتي وش فيها..؟؟
وأنتي ليه كنتي تخزينني كذا؟؟
جميلة هزت كتفيها: لأنش وحدة غبية.. إذا إنش مالاحظتي لين الحين إن أمي ماتهضم مرت أبيش؟؟
وإنش يوم تتغزلين فيها نيابة عن أبيش.. خليتي أمي تعصب وزدتي الطين بلة!!
مزون باستغراب: زين ليش ذا كله؟؟.. خالتي مزنة مرة ذوق.. وما أظني إنها ضايقت خالتي يوم!!
جميلة تنهدت: هي ماضايقتها.. بس أمي متأثرة عشان خالتي وسمية..
مزون بذات الاستغراب: وهذا أنا ابنتها.. ليه يعني خذت الأمور ببساطة..؟؟
جميلة بمنطقية: أنتي ماعرفتي خالتي وسمية.. ماتت وأنتي بزر..
بس خالتي بالنسبة لأمي كانت أمها وأختها وكل أهلها..
أمي ماظنتي إنها حبت حد في الدنيا كثر خالتي وسمية.. ولا حتى أنا وزايد الصغير..
عطيها بس شوي وقت لين تتعود على الفكرة!!
هزت مزون كتفيها وهمست بإبتسامة: بصراحة كلام ماخوذ خيره..
لأن خالتي عفرا أعقل من كذا بواجد.. وماظنتني إنه طرا عليها خرابيطش ياحرم النقيب
وقومي وريني أغراضش.. يمكن يعجبني شيء وأسرقه فوق شنطتي..
وأطلع مشفوحة وأنا كنت أنفي التهمة عن نفسي!!
*************************************
" عبدالله أنت ما تشوف أخيك ذا وش فيه منقلب حاله؟؟
معصب على طول.. والذبانة ماتمر قدام خشمه قد له كم يوم"
عبدالله همس ببساطة وهو يميل على صالح وينظر لفهد الذي كان يجلس بعيدا يشاهد الأخبار:
عادي حالة طبيعية.. أي واحد قبل عرسه يتوتر شوي..
أنت يعني ماتذكر روحك قبل عرسك.. أشلون كنت معصب على طول!!
صالح يبتسم: بس يا أخي أنا غير وفهد غير.. أنا كنت أصغر منه الحين..
وخلني أعترف إن شخصية فهد أقوى من شخصيتي.. يعني مهوب لابق عليه التوتر..
لم يعرفا الاثنان أنه لم يكن يعاني التوتر..
بل كان يعاني نوعا خاصا من الغضب يتصاعد في روحه..
وهو يشعر كما لو كان مجبرا على الزواج حرفيا... وهو من لا يستطيع أحد إجباره..
تبدو القضية معقدة تماما.. فهو لم يجبره أحد خارجيا.. ولكنه كان مجبرا فعلا داخليا..
مازال يتمنى بعمق في داخله أن يحدث شيء يعرقل الزواج.. رغم أنه لم يعد أمام الزواج شيء.. واصبح كل شيء معدا له تماما..
****************************************
" صار لي ساعة في المجلس أنتظرش
مقابلني فهد معصب.. وعبدالله لاهي يسولف على عيالي وولده
لوعوا كبدي!!"
نجلا تركب وهي تشد نفسها بإرهاق حتى استوت على المقعد.. ثم أخذت نفسا عميقا وهي تهتف بنفس مقطوع:
حلفت علي عالية أروح.. وإلا كان قعدت لين عقب صلاة العشاء..
صالح يبتسم بحنان: أنتي من جدش؟؟
أنتي عاد فيش حيل تشتغلين؟؟
نجلاء تحاول أن تبتسم ونفسها مقطوع: لا تحسسني كني منتهية الصلاحية..
خلاص هانت هذا العرس عقب كم يوم..
صالح بإبتسامة: وعقبه بتقولين لي عرس غانم!!
نجلا حينها ابتسمت بشفافية: لا عاد تجهيز غانم غير.. الله يستر بس لا أولد قبل العرس..
العرس باقي عليه أقل من شهر..
وبأكون دخلت الشهر التاسع!!
*************************************
" وأنتو ماعندكم غير مرتي تشغلونها..
والله لا يصير فيها وإلا في ولدي شيء
إني لأغرمكم أنتي وفهد ومرته بعد !!"
عالية تضحك وهي ترتب بعض الأغراض في الخزائن.. بينما عبدالله شد جوزا وأجلسها وجلس جوارها..
وهو يطل عليهما في جناح فهد الذي يتم العمل فيه على قدم وساق ويقارب الانتهاء..
بعد أن انضمت غرفة هزاع لغرفة فهد.. بعد أن كان الشابان لهما جناح مستقل بباب مغلق عليهما مكون من ثلاث غرف..
غرفتي نوم.. وغرفة جلوس... تم تجديد غرفة فهد وغرفة الجلوس بصبغ جديد.. وأثاث جديد تولته عالية بمساعدة زوجتي شقيقيها...
لأن فهد رفض أن يذهب معها بحجة أنه مشغول وأعطاها بطاقته المصرفية!!
وهزاع نزل للطابق السفلي في غرفة يفتح بابها على الباحة مباشرة.. وأنزل غرفته معه.. وبقيت غرفته القديمة خالية من الفرش بعد أن تم تجديد صبغها..
حتى يتصرف فيها العريسان كيف يشاءان فيما بعد!!
عالية تجيب عبدالله وهي تضحك: والله مهوب ذنبي إن كل واحد منكم يا أخواني مرته وارمة كذا..
أنا أساسا المفروض مالي شغل فيكم.. إسألوني عن عبدالرحمن وهله..
المفروض نسوانكم هم اللي يشتغلون لأخيكم!!
أنا وش دخلي!!
عبدالله يبتسم: لا ياقلب أخيش.. خلو أم حسون على جنب.. لا تتعبونها..
عالية بمرح: خذ أم حسن وسكر عليها في حجرتكم..
والله دامها مرتزة قدامي.. بأشغلها..
لا ومن زين النفعة اللي هي تنفعها.. أصلا أنا قاعدة أدحرجها..
جوزا بمرح: كذا ياعلوي.. أنتي مافيش طيب.. صار لي كم يوم أنطط معش في محلات الأثاث والصبغ والسيراميك..
واليوم من صبح وأنا معش وعادش بعد تسبين..
عالية بذات المرح: لا حد يبكي علينا.. هذي نجول مثلش تشتغل وهي متورمة أكثر منش.. وتوها راحت لبيتها..
عبدالله يشد جوزا وهو يهتف بمرح: والله ماتقعدين معها.. خلها بروحها..
أنتي ما أرتحتي من صبح والحين صرنا عقب المغرب..
خلي أم لسان ترتاح وإلا تشتغل بروحها..
عالية بمرح أكثر: الحمدلله فكة من الثنتين.. أنا أصلا ماني بدارية أحاتي الكروش
وإلا أرتب...
عبدالله شد جوزا فعلا خارجا وهو يهتف بمرح: خلاص اقعدي بروحش..
ثم مال على عالية بحنان: علوي ياقلبي أنتي تعبتي واجد.. البسي عباتش.
خليني أوديش لبيتش.. مافيه داعي تعنين عبدالرحمن يجي مع السواق!!
عالية بمودة صافية: لا فديتك.. أنا أصلا قايلة لعبدالرحمن إني بأمسي الليلة هنا عشان أخلص شغلي كله..
خلاص العرس ماعاد باقي عليه إلا ثلاث أيام..
أبي أخلص أتفرغ لنفسي..
عبدالله غادر فعلا مع جوزا التي كانت رافضة للمغادرة ولكن عالية حلفت عليها أن تغادر..
وهي تقول لها إنه لم يبق إلا شيء قليل ستنادي الخادمات لينهينه معها..
فور مغادرتهما..
سارعت عالية لإغلاق باب الجناح..
عادت للداخل..
ثم انفجرت في البكاء بشكل مفاجئ.. كما لو كانت تكتم طوفانا من الدموع والشهقات ينتظر الانهمار..
بكاء رقيق من روح مثقلة بالأسى فعلا..
فهي منذ الصباح تتحين لها فرصة للاختلاء بنفسها لتبكي..
ولكن وجود نجلا وجوزا منعها..
كانت تتحاول أن تتلهى بإغراق نفسها في العمل عن التفكير بما حدث هذا الصباح..
ولم يكن ماحدث هذا الصباح شيئا عارضا.. بل كان نتيجة متفجرة لتأزم الوضع بينها وبين عبدالرحمن طيلة الأيام الماضية!!
.
.
.
هذا الصباح...
" حبيبي أبي أروح لبيت هلي؟؟"
عبدالرحمن بهدوء ودود: تو الناس.. الساعة الحين سبع الصبح..
عالية بحماس عذب: لا فديتك مهوب تو الناس.. اليوم بتجي الستاير وفرش الغرف.. وعفرا في الليل قالت تبي ترسل بعض شناط بنتها..
يا الله ألحق أرتب..
حتى يمكن أحتاج أمسي هناك الليلة.. ما أدري!!
عبدالرحمن بصدمة: تمسين بعد؟؟
عالية بعذوبة: أقول يمكن.. لو ماخلصت شغلي!!
عبدالرحمن هز كتفيه بضيق: مافرقت .. انتي كل يوم طالعة من شغلش على تجهيز أخيش.. ويا الله ترجعين آخر الليل..
عالية احتضنت رأسه بحنان باسم: حرام عليك لا تبالغ كذا..
وبعدين هانت.. ماعقب فهد إلا هزيع وبيبطي..
كان قلت لك نايف بعد.. بس نايف بيته جاهز..
عبدالرحمن بذات الضيق: براحتش.. أمسي هناك.. أحسن بعد..
يا الله عشان نخلص من التدريب الليلي اللي ماترجعين إلا عشانه!!
عالية همست بصدمة حقيقية: عبدالرحمن أنا ما أرجع إلا عشان التدريب..؟؟
عبدالرحمن بثقة جارحة ومجروحة: ولولاه يمكن مارجعتي!!
عالية تراجعت بصدمة حقيقية من هذا التخريف الذي يقوله..
لا تعلم كم بات هذا الموضوع جارحا له ولمشاعره..!!
فهي تغيب طوال اليوم.. وحين تعود في وقت متأخر.. تصر على قيامه بالتدريبات..
يصرح لها بشفافيته كم هو مشتاق لها للجلوس معها.. لسماع حديثها.. لقربها..
ولكنها تصر عليه أن يتدرب أولا وقبل أي شيء!!
يشعر أنه يريد أن يمشي بالفعل من أجلها..ولكن هو ليس بحاجة للمشي كما هو بحاجة لها..
وهي تضغط عليه كثيرا.. وكأنها لا تريده إلا إن كان سيمشي..
بات يجرحه بشراسة ووحشية إحساسه أنها قد تتركه حين تمل من عجزه عن المشي..
وهو لا يعلم كم تشعر بالذنب لأنها باتت تهمله رغما عنها هذه الأيام .. وهي بالفعل في حاجة أكبر للإحساس بقربه والاستمتاع بحديثه..
لكنها ترى أن استمراره في التدريبات هو أولوية يجب تقديمها على هذه الرغبات..
كل منهما بالفعل مجروح من الآخر ومن تفكيره..
أما ما فجر رغبة عالية في البكاء فعلا أن عبدالرحمن حين أوصلها صباحا..
ماكادت تصل للبيت حتى وصلتها رسالة منها:
" يمكن يكون أحسن لكل واحد منا
إنش تقعدين في بيت هلش لين موعد عرس فهد!!"
عالية تمنت بالفعل حينها أن تنفجر في البكاء.. ولكنها لم تستطع وهي تجد والدها في وجهها.. الذي استقبلها بترحيبه الحاني الفخم!!
والكبت يتعاظم في نفسها وهي لا تجد دقيقة لتختلي بنفسها وحزنها.. وتعمل بلا توقف منذ الصباح..
جرحها بشدة أنه لم يقل ذلك لها مباشرة.. لأنه لو قالها لها مباشرة لرفضت..
ولكنه ألقاها عليها في محض رسالة باردة قاسية..
بينما هو عجز فعلا أن يقول لها بشكل مباشر شيئا هو فعلا لا يرغب فيه..
ولكنه يرى نفسه مضطرا له لأنه يراها ممزقة بين تجهيزها لشقيقها وبينه..
وربما كانت تحتاج للراحة منه ومن مسؤولياته..
وربما حينها تستطيع أن تعود له بروح متفهمة أكثر لمشاعره وحاجاته بعد أن يخف الضغط عليها..
****************************************
" الله يهداك.. اليوم كله ما تريحت"
كانت عفراء تهمس بذلك وهي تتناول غترة منصور منه. وهو يجلس وهو مرهق بالفعل ويهتف بإرهاق:
عادي حبيبتي.. أصلا ماعندي دوام لين عقب عرس جميلة..
ابتسمت عفرا وهي تجلس جواره: الله لا يخلي جميلة منك..
ماخليت شيء ماجبته لها.. اليوم أرسلت بعض شناطها لبيت فهد..
وبكرة الصبح بأطلع جلابياتها وعبيها.. وبأخذ باقي شناطها وبأروح أرتبها في الليل..
منصور هتف باهتمام حان: لو علي ودي إني شريت لها أكثر من كذا..
بس هي اللي عيت..
قولي لي عساها مبسوطة؟؟ لأنها تقول لي دايم مبسوطة.. وأنا حاس إنها داسة علي شيء..
عفراء برقة: مبسوطة الحمدلله..
كانت عفراء هي من تخفي شيئا الآن.. فهي غير مرتاحة مطلقا لنفسية جميلة التي تبدو مرهقة ومتوترة..
قلقها يتعاظم من أجل ابنتها..
وشوقها لها لا يهدأ منذ الآن!!
توتر متبادل تعانيه مع ابنتها.. وكل منهما تخفي توترها عن الأخرى حتى لا توترها أكثر!!
****************************************
" خالي نايف صار له فترة يبي يأتي معي..
بس مالقى وقت إلا الحين.. فسامحونا على ذا الزيارة المتأخرة"
زايد بترحيب وأريحية: يا حياكم الله أي وقت.. منتو بغرب عشان تعذرون..
نايف بلباقة: بس الساعة قد هي قريب الساعة 11 وخفنا إنكم تبون تريحون عقب الزيارات طول اليوم..
كساب الذي كان يجلس معهم في غرفة الجلوس والمحلول معلق في ذراعه السليمة هتف بإبتسامة:
أفا عليك ياعديلي.. أنت تجي أي وقت!!
شعر نايف حينها بالامتغاث وهو يتذكر مايتناساه ومامنعه من زيارة كساب..
كونه عديله.. وخشيته من مواجهة تميم بعد الموقف السخيف الذي وضعته فيه زوجته المبجلة..!!!
لذلك تقصد أن يأتي متأخرا حتى يضمن أنه لن يقابل تميم..
ولكن دائما مانهرب منه نجده أمامنا... فمع استعداد فهد ونايف للخروج وهما يسلمان على كساب ووالده..
كان تميم يدخل..
نايف كره جدا شعوره بالاضطراب الذي داخل روحه رغما عنه..
تزايدات ضبابية مشاعره وتعقيدها ناحية من جعلته يشعر بالامتهان هكذا..
رغم أنه سلم على تميم بطبيعية كاملة وكأنه لم يحدث شيء..
ولكن ما أثار استغرابه وراحته في آن.. أن تميما كان أكثر من عفوي.. وهو يتصرف معه بعفوية تامة.. دون نظرات قارصة..
ولكن مع ذلك سارع في الاستئذان والخروج بما أنه كان خارجا أساسا..
بعد خروجهما أشار تميم أن كاسرة في الانتظار خارجا سيناديها ويذهب لأنه لابد أن يعود لبيته فالبنات هناك لوحدهن..
مشاعر كساب الغامضة العميقة عادت لاخترام روحه.. مع سماعه لاسمها..
لا ينكر أنه منذ الصباح يشعر برغبة موجعة لرؤيتها..
ولكنه في ذات الوقت يشعر بعتب موجع في روحه عليها.. لأنها مطلقا لم تتصل به..
ألا يكفي أنها لم تفكر في زيارته إلا مرة واحدة.. وعلى عجالة.. وهو نائم أيضا؟!!
"لماذا جاءت الآن؟؟ بل وتريد أن تنام عندي أيضا!!
لم أعهدها تتصرف تصرفا لا تريده من قبل!!
ماذا لديكِ ياكاسرة؟؟
أ تريدين أن تمثلي أمام عمك العزيز دور الزوجة المحبة المتفانية؟؟"
تميم غادر لتدخل هي بعد دقائق..
بدت لكساب الدقائق الثلاث التي تلت مغادرة تميم حتى دخولها طويلة طويلة جدا.. وكأنها لا تريد الانقضاء..
بثوانيها الثقيلة وهو يجلس بكامل ثقته رغم إرهاقه الشديد..
زايد تلقاها أولا وهي ترفع نقابها لتقبل رأسه..
لم يقل زايد شيئا عدا الترحيب المعتاد وهو يتجاوزها ويخرج..
لم ينتبه أحد منهما لخروجه أساسا..
فهناك خيط غريب عميق من النظرات اتصل..
كان جالسا على أريكة في غرفة الجلوس وهي واقفة..
اقتربت لتميل عليه وهي تلصق خدها بخده.. في سلام أرادته أن يكون عفويا سريعا.. فهي لابد أن تسلم عليه كما هو مفترض!!
ولكن هذا السلام كان أبعد ما يكون عن العفوية لكليهما..
هو كان يتنفس بوجع واشتياق غريبين عبق رائحتها الخاص..
وهي تعجز عن الابتعاد وتشعر أنها مجهدة عاجزة عن التحرك وأنفاسها تتصاعد بتوتر..
وهي تشعر بحفيف لصقات وجهه الطبية يخدش حرير خدها باللمس.. ويخدش ثقل روحها بالألم..
لم تكن تريد أن تبتعد وسحر غير مفهوم يشدها نحوه..
ولكنها ختاما شدت نفسها بقسوة بعيدا عنه وهي تحاول التقاط أنفاسها المحتبسة..
ولكنه لم يتركها تبتعد.. وهو يشدها برفق ليجلسها جواره.. كان عاجزا عن تخيل فكرة بعدها مع شوقه الذي ماعاد بالاحتمال..
نظر لها مطولا.. وكأن عينيه لا تشبعان نظرا.. قبل أن يهتف بعمق:
شكلش تعبانة.. وش فيش؟؟
(هذا غبي وإلا يتغابى؟؟ يسألني ليش تعبانة!!) همست بهدوء: مافيني شيء..
سألها بهدوء مشابه: رحتى الدوام اليوم..؟؟
تنهدت (لا شكله يتغابى من قلب!! متى أروح الدوام وأنا عندك من البارحة ومارحت إلا اليوم الصبح؟؟) تنهدت بذات الهدوء:
لا مارحت .. عندي إجازة..
حل السكون لثوان..ليقطعه أنامله ترتفع برفق إلى وجهها كان يتحسس إرهاق وجهها البادي..
مدت يدها بجزع لتنزل يده.. خشيت أن يؤلم نفسه فيده هذه معلق فيها المحلول.. عدا عن جروح متفرقة في مفاصلها..
أنزلت يده برفق إلى حضنها وهي تمسك بها بين كفيها برفق شديد..
همست بألم لم تستطع إخفائه: عادك مستوجع؟؟
هتف ببساطة عميقة موجوعة: بسيطة.. والواحد يقدر يستحملها..
البلا من أوجاع مايفيد فيها الصبر!!
كان الجو بينهما كثيفا محملا بمشاعر غاية في الكثافة والتعقيد.. وكأن كل منهما أمام الآخر صندوق أسرار استعصت عليه مغاليقه!!
قطع هذا الجو بقوله بإرهاق: انا تعبان وودي أنسدح شوي.. تقوميني أصلي عقب ساعة..؟؟
همست بثقة حانية: إلا بأقومك قبل صلاة الصبح بساعة.. عشان تصلي قيامك.. ثم تصلي الصبح.. عشان تلحق ترتاح شوي وما أقومك مرتين!!
توجها كلاهما لغرفته.. وهي تدفع حامل المحلول.. حتى جلس على سريره..
حينها أزالت نقابها عن رأسها ثم خلعت شيلتها وهي تلقيها على المقعد..
وهي تحرر شعرها من ربطته التي كانت تؤلمها لانها عقدتها باستعجال..
هتف كساب بنبرة حادة: كاسرة إلبسي شيلتش..
همست كاسرة بعفوية: كساب من اللي بيجي ذا الحزة.. خلاص..
كساب بحدة أقسى: كاسرة قلت لش البسي شيلتش.. تدرين باللي يضايقني.. تسوينه ليه؟؟
كاسرة شدت لها نفسا عميقا: حاضر إن شاء الله..
تناولت شيلتها وهي تضعها على ذراعها وتجمع شعرها لتعقده من جديد..
في تلك اللحظة تماما.. فُتح باب غرفته ليقف رجل في فرجته وهو يهمس بقلق:
السموحة من ذا الجية المتاخرة.. بس كان عندي رحلة وتوني جاي من المطار..
الرجل تراجع للخارج بحدة وهو يرى المرأة الكاشفة عند كساب.. ويغلق الباب خلفه..
بينما كساب قفز عن سريره ليقف بغضب متفجر..متفجر.. متفجر لأبعد حد..
في الوقت الذي دخل زايد مستعجلا مع الباب الآخر.. لأنه رأى غانما من بعيد ورآه يتجه لغرفة كساب..
وكان زايد يظنهما مازالا في غرفة الجلوس...
ليصل وصراخ كساب يتعالى مرعبا حادا قاسيا: عاجبش الحين؟؟ عاجبش؟؟ ارتحتي؟؟
يا الله اتصلي في تميم وفارقيني للبيت.. ما أبي أشوف وجهش..
كاسرة مازالت مصدومة من رؤية الرجل لها وإحساسها العارم بالذنب وهي تستغفر الله في ذاتها..
ليفاجئها كساب بهجومه..
وهو يشد نفسه بعنف من حامل المحلول.. لينـتـزعه من يده دون أن يشعر..
والدم يتدفق بغزارة عبر الوريد المفتوح..
كاسرة أصبح انتباهها كله مع الدم المتدفق وهي تمسك بكفه وتحاول إيقاف الدم وتهتف بغضب حقيقي:
أنت صاحي وإلا مجنون؟؟
كساب ماعاد يرى أمامه من الغضب وهو يشد يده منها ويمسك العرق بنفسه وهو يضغط عليه بفوطة كانت جوار سريره:
أنتي خليتي في رأسي عقل.. أقول لش فارقي للبيت.. فارقي.. قدام أكسر وجهش الحين..
زايد يتدخل بحزم جازع: أنتو استهدوا بالله. اذكروا الله..
وانت يا الخبل اقعد خلني أدعي حد يشوف المصيبة اللي سويتها في روحك..
كساب يصرخ بغضبه الأسود المتفجر: يبه خذها من قدامي الحين.. قدام أرمي عليها اليمين.. تراني مافي رأسي عقل ذا الحين..
كاسرة حينها تقدمت نحوه بثبات.. وهي تهمس بثقة حازمة صارمة متحكمة عكس غضبه المتفجر:
ارمي علي اليمين.. خلصني وخلص روحك..
أنا ما أبيك وأنت ماتبيني.. وش جابرنا على ذا الحياة؟؟
خلك قد كلمتك.. يا الله طلقني.. هذا أنا قدامك!!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم HaboOoshy
كساب ماعاد يرى أمامه من الغضب وهو يشد يده منها ويمسك العرق بنفسه وهو يضغط عليه بفوطة كانت جوار سريره:
أنتي خليتي في رأسي عقل.. أقول لش فارقي للبيت.. فارقي.. قدام أكسر وجهش الحين..
زايد يتدخل بحزم جازع: أنتو استهدوا بالله. اذكروا الله..
وانت يا الخبل اقعد خلني أدعي حد يشوف المصيبة اللي سويتها في روحك..
كساب يصرخ بغضبه الأسود المتفجر: يبه خذها من قدامي الحين.. قدام أرمي عليها اليمين.. تراني مافي رأسي عقل ذا الحين..
كاسرة حينها تقدمت نحوه بثبات.. وهي تهمس بثقة حازمة صارمة متحكمة عكس غضبه المتفجر:
ارمي علي اليمين.. خلصني وخلص روحك..
أنا ما أبيك وأنت ماتبيني.. وش جابرنا على ذا الحياة؟؟
خلك قد كلمتك.. يا الله طلقني.. هذا أنا قدامك!!
قبل أن يبدر من كساب أي تصرف.. كان زايد هو أول من تكلم وهو يتدخل بقدرته الفائقة على السيطرة ويشد كل واحد منهما بقوة من عضده
ويهتف بغضب شديد وحزم بالغ:
أص ولا كلمة.. والله ثم والله ماحد منكم يفتح ثمه بكلمة..
أنا واقف بينكم مالي حشمة وتقدير..
ثم أفلت كساب الذي كان ينتفض من شدة احتكام غضبه ومع ذلك أسكته شيء أقوى منه.. لم يكن والده.. ولكنه شيء آخر!! آخر!!
ثم شد زايد كاسرة من عضدها برفق وهو يهتف بحزم: يا الله يأبيش أنا بأوديش..
حينها كانت الممرضة تدخل بناء على الجرس الذي ضغطه زايد.. زايد أشار لها أن تتوجه لكساب..
وهي تنظر برعب ليده.. بينما زايد شد كاسرة لغرفة الجلوس وأغلق الباب بينه وبين كساب.. قبل أن يتكلم أحد منهما..
حـــيــنــهـــا...
سمع كساب بوضوح تام.. صوت انفجارها في البكاء.. شهقاتها المكتومة التي علم أنها تسكبها الآن بين أضلاع والده وهي ترتمي في حضنه..
تلك القوة الهائلة التي كانت تتسربل بها أمامه قبل ثوان انهارت كلها..
كانت بالفعل تبكي بانهيار على صدر زايد الذي كان يهمس لها بحنو: بس يأبيش خلاص..
لا تشرهين على كساب.. تعبان ومتضايق من أشياء واجد..
كاسرة بين شهقاتها التي كانت تئن بينها فعلا: وأنا ما أنا بتعبانة..؟؟
أنا تعبت يبه تعبت.. والله العظيم تعبت ووصلت آخري..
حدني على أشياء عمري ماهقيت إني ممكن أقبلها على روحي..
زايد احتضنها بحنو أكبر وهو يهمس لها بحنو حازم:
المرة اللي فاتت ماسويتي لي خاطر.. ذا المرة أقول عديها عشان خاطري أنا كن لي خاطر عندش..
عشاني يأبيش.. طالبش ما ترديني..
كان كساب يتمزق تماما وهو يقف قريبا من الباب الفاصل بين غرفتي الجناح.. ويرفض أن يستجيب لرجاءات الممرضة أن يجلس..
يتمزق من غيرته.. ومن غضبه..!! ويتمزق أكثر من أي شيء من صوت بكاءها!!
يرهف السمع.. وكأنه يريد تعذيب نفسه بصوت أنينها الباكي..
لا يحتمل صوت بكاءها..
وما لايحتمله أكثر.. أنها تبكي على صدر سواه..!!
يتخيل أنه كان قاب قوسين أو أدنى من قطع كل مابينهما..
يتخيل أنه كاد يفصل بين روحيهما بكلمة..
يتخيل أنه كاد يفسد حياته كلها بكلمة في لحظة غضب لولا تدخل والده!!
ولكن تبقى هي السبب.. هي السبب في كل شيء!!
أخبرها أكثر من مرة.. أن غيرته مُرة.. ومع ذلك تقصدت أن تجربها!!
وهاهي تجربها في أقسى وأصعب موضع من كل النواحي!!
************************************
" مزنة انزلي تحت..
تعالي اخذي كاسرة.. عشان أبي أرجع لكساب للمستشفى"
مزنة وقتها كانت تستعد للنوم فعلا.. شدت روبها على جسدها وهي تهتف باستعجال: نازلة الحين..
لم تسأل لماذا عادت كاسرة وهي كانت ستبات عند زوجها.. لأنها علمت أن هناك مصيبة ما..
حين وصلت للأسفل.. كان وجه كاسرة محمرا من أثر البكاء.. ومع ذلك هتفت بجمود صارم:
عمي الله يهداك مافيني شيء عشان تروع أمي وتنزلها وهي كذا.. أنا بأطلع بروحي..
قالتها وهي تتجاوز والدتها وزايد لتصعد..كما لو كانت شبحا لا صوت لخطواته وهي تسحب نفسها سحبا للأعلى!!..
بينما مزنة مالت على زايد وهي تهمس بقلق عارم:
زايد وش صاير بين كساب وكاسرة..؟؟
زايد أمسك بقماش الروب من ناحية عضدها بين سبابته وإبهامه وهو يهتف بحزم مقصود:
شكلي أعصب عليش عشانش نازلة كذا.. عشان تعرفين وش سبب اللي صار بين كساب وكاسرة..
مزنة تراجعت بحرج.. لأنها انتبهت أنها نزلت بروب من الشيفون الخفيف دون أن تنتبه لشدة شفافية القماش..
ومع ذلك هتفت بثقة: البيت مافيه إلا بناتي.. حتى كساب بسلامته في المستشفى..
زايد تنهد بحزم: روحي لكاسرة.. وهديها.. وهي بتعلمش وش اللي صار..
بس طالبش يامزنة تعقلينها..
زايد غادر بينما مزنة توجهت لكاسرة..
وخلفها مزون التي شعرت بشيء غير طبيعي يحدث.. فخرجت من غرفتها..
لترى مزنة تتوجه لغرفة كساب فتوجهت خلفها بقلق أن يكون حدث لكساب أي شيء..
مزنة حين وصلت لكاسرة... كانت كاسرة تجلس على الأريكة قريبا من باب الجناح ومازالت بعباءتها..
مزنة جلست جوارها وهي تربت على كتفها وتهمس بأمومة حانية: شاللي صار يأمش...؟؟
كاسرة بجمود حقيقي وهي تنظر لشيء غير مرئي أمامها: كان يبي يضربني ويطلقني عشان نسيبه غانم آل ليث شافني بدون شيلة..
الطرف الثالث الذي سمع الحوار عن غير قصد... تراجع بحدة للخلف ثم هروبا إلى داخل غرفته..
بينما مزنة مازالت غير قادرة على استيعاب الموضوع كاملا.. ومع ذلك هتفت بتهدئة:
يعني أنتي الغلطانة؟؟ وأنتي تعرفين وش كثر هو يغار عليش..
كاسرة بذات الجمود: أدري إني غلطانة.. بس هو كأنه ماصدق عشان يلقى له سبب يهيني..
أما على الغيرة. فيه فرق كبير يمه.. بين غيرة للحب.. وغيرة للتملك..
مزنة تنهدت: يأمش هو بعد حاله ماهو مستقر.. لازم تراعينه.. وتحسين فيه!!
حينها صُدمت مزنة أن كاسرة انفجرت في بكاء مفاجئ غير مسبوق.. وهي تدفن وجهها بين كفيها وتشهق بعنف:
وهو متى بيحس فيني ويراعيني؟؟ متى؟؟
تعبت يمه.. تعبت.. وهو مستحيل يحس فيني يوم.. مستحيل!!
يمه وش ذا الحياة؟؟ والله العظيم تعبت..
لو ماكنت أحبه.. كان عادي عندي أتقبل كل شيء ولا يهمني..
بس على قد ما أحبه.. على قد ما يوجعني اللي يسويه فيني...
ياربي تعبت.. تعبت!!
تـــــعـــــبــــــت!!!!
**************************************
مازال جالسا في سيارته أمام المستشفى.. عاجزا عن استيعاب ماحدث أمامه..
وما يؤلمه ويحرجه معرفته أنه تسبب بمشكلة كبيرة.. وهو يسمع صراخ كساب مع مغادرته للمكان كاملا..
ثم رؤيته لنزول زايد ومعه امرأة ومغادرتهما..
للحظات حين فتح الباب وقبل أن يلاحظ الوجوه.. شعر بدغدغة لذيذة ما أن تكون هذه التي أمامه هي مزون..
وأن الله أراد إهدائه هدية هذه الليلة برؤيتها!!.. وهو على كل حال كان سيتراجع في الحال ويغلق الباب..
لكنه ما أن لمح وجه المرأة حتى تراجع بجزع كبير.. لأنه عرف أنه يستحيل أن تكون مزون..
فهو يعلم أن مزون –كما قيل له- عادية الجمال.. وهو هيأ لنفسه لذلك وراضٍ به تماما..
لكن هذه رغم أنه لم يدقق في الملامح ولكن جمالها بدا له مرعبا ومخيفا..!!
ثم حين سمع صراخ كساب الناري... علم أنها زوجة كساب..
تمنى أنه لم يحضر..!! ولو أن الأرض انشقت وابتلعته لشدة شعوره بالحرج!!
يتخيل منظره لو قابل كساب المرة القادمة..
كيف سيتبادلان النظرات!!
يحاول وضع نفسه مكان كساب.. ليتخيل موقف كساب وغضبه.. ويزيد على ذلك معرفته بحدة شخصية كساب..
لتصبح النتيجة أمامه كارثة!!
والكارثة أنه من تسبب بالكارثة!!!!
.
.
.
مازالت ساهرة وتفكر...
إذن ( غانم رأى كاسرة )...
آذاها معرفتها لذلك بشكل شديد بالغ الشفافية والوجع..
تعلم يقينا أن غانما وفي مجال عمله رأى من الجميلات أشكالا وألوانا.. فهذا الأمر ليس غريبا عليه..
ولكن ما آذاها أنه رأى زوجة شقيقها..
فهل سيعقد مقارنة ما حتى لو كان لا يقصدها؟؟
أما الأذى الحقيقي.. فهو إحساسها بكساب.. الأقرب لروحها..
تتخيل أن زوجها كان سيكون سببا لطلاق كساب لزوجته!!
ومازالت حتى الآن لا تتخيل كيف ستكون تداعيات الموضوع ونتائجه..
تعرف حدة شخصية كساب.. وتعرف عناد كاسرة..
وكلما تجددت المشكلة ومناقشتها سيكون التفكير بسبب المشكلة حاضرا..
وسبب المشكلة هو زوجها...
فكيف ستصبح حساسية العلاقة بين غانم وكساب..؟؟
وهي أساسا كان سبب موافقتها على غانم هو رضى كساب في المقام الأول!! فغانم بذاته لم يكن له ذلك الاهتمام عندها!!
فكيف ستصبح العلاقة بين شقيقها وزوجها مع كل هذه الحساسية؟؟
هم رقيق حاد يختلج جوانحها بلا هوادة..!!
وحزن غريب بدا يغزو روحها كجيش ضخم لا يعرف الهزيمة!!
*************************************
قلب ساهر آخر في هذه الليلة التي لا تريد الانتهاء..
" ماصدقت أقول لها نامي في بيت هلش..
حتى اتصال ما اتصلت فيني من صبح!! "
" مهوب أنت اللي تبي كذا؟؟
الحين زعلان؟؟
صدق إنك غريب!!"
" أنا أبي أعطيها فرصة ترتاح من الضغط..
بس مهوب لدرجة إنها حتى اتصال ما تتصل فيني
لكن هي ماصدقت!! "
مضى أكثر من شهر على زواجهما.. اعتاد عليها لأبعد حد رغم قصر المدة..
وكأنه كان حياته كلها ينتظرها..!!
عاجز عن احتمال طول وثقل هذه الليلة التي لا تريد الانتهاء فعلا..
والآن كيف سيحتمل الثلاث أيام المتبقية على زواج فهد؟؟
تمنى لو يستطيع الاتصال بها فقط.. ولكن بدا له هذا الأمر معقدا وغير قابل للتنفيذ حتى مع شفافية شخصيته..
فما بات يظنه في عالية يجرح إنسانيته قبل رجولته..
أن يكون كل ما بينهما معتمدا على قدرته على المشي..
أ هو في نظرها محض ساقان تتحركان؟؟
أ كل العلاقة المتينة بينهما تختزل في محض ساقيه.. وكونه يمشي؟!!
أين روحه؟؟ وقلبه؟؟ وعقله؟؟
وإذا أراد الله عز وجل له ألا يمشي.. فكيف ستكون حالهما؟؟
ماهو مصير علاقتهما؟؟
هل هي باتت تستكثر نفسها عليه.. وأنها أفضل منه لكونها تمشي؟؟
أم لأنه يحتاجها وهي لا تحتاجه ترى هذا دافعا لأن تقسو عليه هكذا؟؟
يا الله .. كل شيء يجرحه التفكير به!!
كل شيء!!
.
.
.
هي أيضا.. ساهرة لم تنم..
" يا لقسوته.. أ لأني بدأت أعتاد أن أنام على ذراعه.. يريد أن يحرمني منه؟!!"
مجروحة منه أكثر.. وهو يقذفها كشيء مهمل لا حاجة له به..
ولماذا يكون في حاجة لها ووالديه يعاملانه كملك.. ينتظران منه همسة ليتقافزان لخدمته أو يناديان الخدم لخدمته..؟؟
وهم طبعا لا يضايقانه كما تفعل وهي تصر عليه أن يتدرب!!
طبعا هي في نظره الشريرة القاسية.. ولا يريدها..!!
مشكلتها مع زوجها.. أنه ...
مـــدلـــــل!!
ويريد كل شيء أن يتم وفق مايريد.. ولا يحتمل مطلقا أن يجبره أحد على شيء..
أليس غريبا أن تقول عن رجل في الثانية والثلاثين أنه مدلل؟؟
ولكن هذه الحقيقة.. فعبدالرحمن يحتاج لهزة عنيفة توقظه..
ولكنها تخشى من هذه الهزة..
لأنها تؤمن أنها تحب عبدالرحمن أكثر مما يحبها بكثير..
تخشى إن ضغطت عليه أكثر أن يتخلى عنها!!
تعلم أن مشكلته نفسية.. وناتجة أيضا عن دلاله..
فهو مازال عاجزا عن تقبل أن صديقه رحل.. وأنه تم انتزاعه منه..
رافض لهذه الفكرة.. ويكره أن يحيا بعده كما كان قبله..
تتمنى عالية لو تركته يعاني قليلا حتى يثوب لرشده.. لكنها تخشى أنها ليست بذات أهمية حتى يهتم لغيابها من عداه..
حتى هذه الليلة لولا كرامتها الثمينة وإلا كانت عادت بنفسها..
ولكنها لم ترد أن ترخص نفسها وهو من أرخصها هكذا..
ليتها تجد لها وسيلة فعالة تستطيع أن تستخدمها ضده ومن أجله..
ليت!!!
تنهدت وألم في بطنها يُخرجها من أفكارها..
كان بطنها يُعتصر من الجوع.. فهي لم تأكل شيئا منذ البارحة حتى..
قررت أن تنزل لمطبخ التحضير في الطابق السفلي حتى تأكل لها شيئا..
" الله يسد نفس عدوك ياعبدالرحمن
حتى الأكل سديت نفسي منه!!
نسيت روحي بسبتك!! "
***************************
ليلة مارثونية طويلة بالفعل..
مازالت لم تنم.. وتعلم أنها لن تنم حتى تصلي الصبح كما حدث البارحة..
فموعد زواجها يقترب.. وتوترها يتزايد..
لم يبق إلا ثلاثة أيام.. وهي لا تتخيل بعد كيف تكون حياتها مع هذا الرجل المجهول..
تعرف الكثير عن هذا الرجل.. وتجهله... هو..
ماتعرفه عنه أنه حاد في كل شيء.. حاد في وسامته كما هو حاد في شخصيته..
مختلف بالفعل عن خليفة الذي كان مهادنا في كل شيء.. من شكله إلى شخصيته!!
لا تريد أن تعقد مقارنة ولكن المقارنة رغما عنها تحضر.. فهذا كان زوجها..
وذاك سيصبح زوجها..
وما يؤلمها من الإثنين أن أحدا منهما لم يتزوجها لذاتها..
فذاك تزوجها انتقاما لكرامة لم يمسها أحد..
وهذا سيتزوجها من أجل شخص آخر!!
وهــــي... لا حساب لها عند أي منهما...!!
تقف.. لتنظر لنفسها في المرأة.. تعلم أنها جميلة.. وتعلم أن أكبر ميزاتها هي نعومة مثقلة بأنوثة تذيب الصخر..
ولكن هل هذا يكفي لرجل كفهد.. لا تنقصه الوسامة ولا قوة الشخصية!!
كيف سيكون تعامله معها وهي الآن بكامل صحتها وأنوثتها وجمالها؟؟
بعد أن كانت تحتمي بمرضها من قرب خليفة..
هل سيكون لطيفا وحانيا ومراعيا كخليفة؟؟
" يا الله ما أبي أقارن...
ما أبي أقارن!!
ما أبي أقارن!! "
***************************************
" فهد جعلني فدا خشمك.. طف الليت خلني أرقد
وإلا قم فارق لغرفتك..
يعني طاردني من غرفتي... وعقبه جاي بعد تبي ترقد عندي
حرام عليك بأروح الكلية عقب صلاة الصبح.. خلني أرقد شوي"
فهد عاجز كذلك عن النوم وهو يعبر الغرفة ذهابا وإيابا.. لم يستطع حتى الجلوس والاسترخاء..
ولا يريد أن يصعد لغرفته حتى.. وهو يعلم أن بعض أغراضها قد وصلت..
والبقية ستحضرها أمها في الغد..
روحه مثقلة بالغيظ والقهر وموعد زواجه يقترب من امرأة هو لا يتقبلها إطلاقا
ولا يستطيع تصورها زوجة له..
هتف بحزم لهزاع المتمدد على السرير: انخمد.. حد ماسكك..
ولمعلوماتك.. ترا دوامي بعد عقب صلاة الصبح.. فلا تبكي علي.. مثلي مثلك..
هزاع يعتدل جالسا وهو يهمس باستغراب: أنت ماخذت إجازة لين الحين..؟؟
ريح لك يومين قبل عرسك..
هتف فهد بذات الحزم: ماحد طلب شورك..
هزاع بتافف: ماعاد ينتحاكى ذا المخلوق... 24 ساعة شاب نار..
الله يعين بنت خليفة على مابلاها!!
فهد بغضب: تلايط.. ومرتي ماتجيب طاريها على ثمك..
هزاع يعود للتمدد وهو يشد الغطاء ويهتف بعدم اهتمام:
عدال على ذا المرة.. صدق روحه.. ماني بمأكلها.. إشبع فيها.. المهم خلني أرقد الله يرحم والديك..
ترا بيت منصور مهوب بعيد يأخيك.. روح.. وعد طوف البيت.. لين يجي الصبح..
ولكن هزاع لم يتمدد حتى وهو يقفز واقفا بتحفز ويصرخ لفهد : سمعت الصوت؟؟
فهد كان أساسا سبقه لباب الغرفة وهو يهتف بحزم: شكله جاي من المطبخ الداخلي.. صوت صحون تكسرت..
الاثنان قفزا معا .. متجهان بسرعة للمطبخ..
وجزعهما يتفجر برعب وهما يريان عالية مغشيا عليها في المطبخ...
وبجوارها زجاج مكسور.. هزاع انحنى عليها بسرعة ليحملها..
بينما فهد يصرخ فيه: انتبه عليها من القزاز!!
هزاع حملها بخفة خارجا للصالة السفلية بينما فهد يتبعه بقنينة ماء..
هزاع أنزلها على ألاريكة.. وهو يهتف لها بجزع حقيقي:
علوي.. علوي.. بسم الله عليش.. قومي وش فيش؟؟
فهد هتف فيه بحزم: وخر.. وخر..
ملأ كفه بالماء وهو يسمي بسم الله ورشه على وجهها..
شهقت بعنف بينما هزاع يهتف بغضب: الله يلعن أبليسك روعتها..
فهد لم يرد عليه وهو ينحني عليها ويدخل ذراعه تحت كتفيها ويرفعها ويهمس لها برفق:
عالية سمي بسم الله.. وش فيش؟؟
عالية تحاول جمع شتات نفسها.. وتهمس بتقطع:
ما أدري.. كنت أبي أسوي لي شيء آكله.. حسيت بدوخة.. يمكن عشاني ما كلت شيء من البارحة...
فهد كان مازال يلبس ثوبه.. ألقى بمفتاح سيارته لهزاع.. وهو يهتف بحزم:
روح إلبس ثوبك.. وشغل سيارتي..
وأنا باوديها لغرفتها نجيب عباتها وبنجيك..
************************************
يعلم تماما أي تعذيب يمارسه والده ضده...
فكلاهما يفهم الآخر تماما!!
منذ عودة والده.. وهو صامت لم يوجه له كلمة واحدة..
كلاهما صليا وقرأ ورديهما.. ولهما وقت طويل وهما صامتان تماما كقبرين مهجورين..
جسده ممزق من الإرهاق والآلام.. ومع ذلك يستحيل أن ينام قبل أن يطمئن عليها!!
صوت أنينها المكتوم الذي جاءه من خلف الباب لا يفارق أذنه وهو يصب كنار مسمومة في روحه..
وفي ذات الوقت نار محرقة تنتشر في كل جسده كلما تذكر رؤية غانم لها..
يشعر أنه يحترق.. يحترق من كل ناحية..
وحتى والده لا يرحمه!!!
أما ما أصابه بالجنون فهو رؤية والده يتمدد على الأريكة وكأنه يستعد للنوم..
حينها لم يطق صبرا وهو يهتف بنبرة مقصودة:
يبه.. بترقد؟؟
زايد بذات نبرته المقصودة: إيه.. أبي أريح شوي قبل صلاة الصبح..
كساب بذات النبرة المقصودة: زين أنا مافيني نوم.. اقعد خلنا نسولف..
زايد برفض مقصود: مالك لوا.. أنا بأرقد..
واللي ربي مشغله بشيء.. تلفونه جنبه ويعرف يدق رقم اللي مشغله ويسأله عن حاله بنفسه..
كساب أطلق تنهيدة متأففة واضحة.. وصلت لسمع زايد ولم يظهر اهتماما بها وهو يتمدد فعلا...
رغم أنه بداخله مهموم فعلا.. فماحدث أمامه اليوم لم يرضيه..
وحال الإثنين لا يرضيه.. فليس غبيا ليلاحظ أن الاثنين يعانيان التعاسة رغم أن كلاهما يبدو مغرما بالآخر لأبعد حد..
فأين مشكلة الاثنين؟؟ أين مشكلتهما؟؟
.
.
.
مازال لهيب دموعها يحرق ثنايا صدرها..
لم تسألها عن شيء مطلقا..
قررت أن تتركها الليلة تفرغ عن كل الكبت المتطاول الذي تعانيه في حضنها..
وهي تصر عليها أن تنام الليلة في حضنها...
وبالفعل.. كأن كاسرة كانت تنتظر فقط دعوة كهذه..
فهي ما أن تمددت في حضن أمها حتى عادت للانفجار في بكاء موجوع مثقل بالشهقات والآنات المتألمة..
وهي تدفن وجهها في عمق صدرها..
مزنة تحتضنها بحنو وهي تمسح على شعرها ووجع عميق يتزايد في روحها..
" ماذا فعلت بابنتي يا كساب؟؟
ماذا فعلت بها؟؟
المهرة التي لم تعرف إلا الصهيل الشامخ..
من بعدك ماعادت تعرف إلا الدموع..
أي شرخ شرخته في عمق روحها التي لا تعرف التخاذل..
ماذا فعلت بابنتي حتى ترتعش وهي تنهمر يأسا ودموعا في حضني الآن؟؟
حتى هنا ويكفي ياكساب..
يكفي..
لن أسمح لك بالمزيد.. يكفي!! "
**********************************
في حياتها كلها لم تتعرض لهكذا إحراج وصل إلى مرحلة الإذلال..
الآن شعرت بقيمة أن يكون لها أخوات رقيقات بعيدا عن هؤلاء الأجلاف المسمين أخوة..
وهم يثقلون عليها عيار المزح كما لو كانت رجلا مثلهم لا يشعر..
لماذا يُكتب عليها أن تكون فرحتها مبتورة دائما..؟؟
خبر مثل هذا رغم أنه لم يخطر لها على بال مطلقا.. لكنها تمنت أن تتلقاه في وقت آخر.. ويكون عبدالرحمن هو من معها..
وليس هذين القردين هزاع وفهد..
منذ تلقيهما للخبر وهما لم يسكتا عن الضحك.. فهما سعيدان ومستغربان في آن..
حتى ثقيل الظل فهد الذي مضى له أيام وهو متجهم لا يتكلم إلا بالقطارة..
هاهو ينهمر عليها بمزاحه الثقيل منذ خرجا من المستشفى عائدين للبيت:
علوي أنتي متأكدة إن رجالش مشلول وإلا تلعبون علينا؟؟
عالية وجهها يتفجر احمرارا وهي تتمنى أن يحدث شيئا يجعلهما يسكتان.. وهي عاجزة عن الرد لانها لو نطقت بحرف فقد تنفجر باكية!
تشعر أن كل المقالب التي ارتكبتها في حياتها... كلها عادت لها الليلة أضعافا مضاعفة!!!
وهزاع يكملها عليها وهو يضحك:
ماشاء الله على أبو نظارات توهم مكملين شهر من كم يوم.. ماعنده وقت أخينا!!
ثم أردف كمن تذكر شيئا: على طاري أبو نظارات .. والله مايبشره حد غيري..
عالية حينها همست بجزع حقيقي وهي تنطق أخيرا:
لا تكفى هزاع.. الخبر هذا أنا أبي أقوله له وفي الوقت المناسب..
ولكن حساسية تفكيرها لا يفهمها شاب كهزاع وهو يهتف بمرح:
مالي شغل.. بلا وقت مناسب بلا بطيخ..
الحين الفجر بيأذن وأنا مارقدت.. خني على الأقل أطلع ببشارة..
عالية كادت تبكي من القهر فعلا.. وهي تراه يتجاهل كل رجاءاتها الحارة ويرفع هاتفه ويتصل..
حينها.. كان عبدالرحمن يغفو للتو وهو مازال جالسا.. رنين هاتفه أيقظه وهو يلتقطه بجزع.. حين رأى اسم هزاع..
تزايد جزعه...وهو يهتف بهذا الجزع: عالية فيها شيء ياهزاع؟؟
عالية الجالسة في الخلف.. بدأت دموعها تسيل فعلا وهي تسمع صوت عبدالرحمن الجزع عبر الصوت الذي فتحه هزاع على (السبيكر)..
"بالفعل كم هذان المجنونان خاليان من الشعور!!".. وهزاع يهتف بمرح: لا والله حساس وحاستك السادسة شغالة..
تزايدت نبرة عبدالرحمن جزعا حقيقيا: وش فيها عالية؟؟ وش فيها؟؟
فهد كان يكتم صوت ضحكاته.. وعالية تكتم شهقاتها.. بينما هزاع يكمل بذات المرح:
فيها إنها بتجيب لك دكتور صغير بنظاراته.. وأنا أبي البشارة منك ومن أبو عبدالرحمن بعد..مالي شغل!!
عبدالرحمن حينها همس بتبلد فهو لم يفهم شيئا: نعم؟؟ وش تقول؟؟
حينها تكلم فهد بصوت عال ليصل صوته عبر السبيكر مرحا ضاخبا:
وش بعد؟؟ تبي تعمل العملة وتبرأ من ولد أختي.. مهوب أشلى لك؟؟
ترا أنا وأخواني بنجيك وندبغك لين تحب القاع..
عالية تزايدت شهاقاتها المكتومة...
كيف يجعلان خبرا خاصا بها هي وزوجها مثار مزح ولهو لهما بهذه الطريقة الخالية من الإحساس..؟؟
رغم أنهما كان يعبران عن سعادتهما بأختهما الوحيدة بطريقة بعفوية...
وربما لو كانت عالية على وفاق مع عبدالرحمن لم تكن لتتحسس من مزحهما لهذه الدرجة..
عبدالرحمن مازال صوته متبلدا مذهولا: أنا بجي الحين أجيب عالية..
كان لشدة إحساسه بالسعادة المفاجئة التي شعر بها كجبل هائل هبط على روحه فجأة..
يخشى أن يكون هذا مقلبا من هزاع وفهد.. ولن يحتمل فعلا هذا!! لن يحتمل..
أراد أن ينحي كل مشاعره حتى يراها هي..
يسمع الخبر منها..
ومن ثم يتشارك الفرحة معها كما يفترض ويجب..
يا الله.. أ حقا هذه الفرحة كلها.. هو سيصبح أبا؟؟ أحقا؟؟
هل يمن الله عليه بمهاب صغير يعود ليضمه إلى صدره.. يريح وجع روحه المثقلة بالفقد!!
يا الله.. ما أعظم هذه الفرحة!! ما أعظمها!!
فهد أجابه بحزم: وش تجي ذا الحزة؟؟ حن أساسا في الطريق راجعين من المستشفى..
حن بنوصلها عندك..
حينها انفجرت عالية بالبكاء تماما.. وصوتها يصل عبدالرحمن قبل أن يغلق هزاع (السبيكر)...
تعالت شهقاتها ونحيبها: ما أبي أروح هناك..
أبي أمي.. ودوني لأمي.. ما أبي أروح لعبدالرحمن..
ألم متزايد في روحها من كل شيء..
من إحراج شقيقيها لها.. ومن ثم إفسادهما لفرحتها..
ومن عبدالرحمن الذي كان لا يريدها.. !!
والآن... وفجأة.. !!
لم يصبر حتى للصباح وهو يريد الحضور فورا بعد أن كان يريد تركها حتى موعد زواج فهد..
الآن يريدها؟؟!! الآن؟؟
أم يريد ابنه فقط؟!!
وهي لا قيمة لها !! لا قيمة لها أبدا!!
بل هو حتى لم يعبر عن أي فرحة بخبر حملها..!!
يا الله كم هي مجروحة !! مجروحة بالفعل!!
***********************************
" حرام عليش يأمش صبيتي قلبي..
صحيت أدور زايد مالقيته.."
جميلة ترفع رأسها وهي تجلس الأرض وتضع زايد جوارها بداخل لعبته المكونة من فراش معلق فوقه ألعاب..
وتبتسم: أدري إن عمي منصور طلع بدري وإنش ما نمتي إلا عقب ماراح..
عشان كذا دخلت وخذت زايد..
قلت أنتي ترتاحين وأنا أتسلى أنا وإياه...
جلست عفراء خلفها على المقعد وهي تميل عليها من الخلف وتلصق خدها بخدها وتهمس بحنان: وأنتي وش مقومش بدري زين..؟؟
جميلة بعفوية: نمت ساعتين عقب الصلاة.. وقمت شبعانة رقاد..
عفراء باهتمام لا يخلو من تأثر وهي تتذكر أن ابنتها ستذهب وهي مازالت لم تشبع منها حتى:
زين رتبتي أغراضش كلها؟؟
عشان أبي أروح أرتبها اليوم مع أغراضش اللي أرسلتها أمس..
جميلة باختناق لا تعرف سببا: خلصت..
عفراء وقفت وهي تحاول إخفاء اختناق صوتها خلف حنانه:
زين قومي البسي.. وأنا بألبس وألبس زايد عشان أوديه لمزون..
عشان نروح موعدش عند الصالون..
والعصر بأودي أغراضش.. وفي الليل بتجيش الحناية!!
جميلة هزت كتفيها بيأس: إن شاء الله يمه.. خير!!
********************************************
" يأبيك والله ذا العجلة مالها داعي!!
كان قعدت شوي في المستشفى"
كساب يجلس بإرهاق على مقاعد الصالة السفلية.. فور دخوله من الباب
ويهتف بحزم بدا إرهاقه واضحا فيه:
يبه خلاص.. الأنتي بايوتيك اللي في الوريد ..وخلصته.. وهذا أنا خذت علاجي معي..
التغيير بأروح كل يوم يغيرون لي..
علي بيجي بكرة الصبح.. ومانبي نروعه..
وعرس جميلة بعد بكرة.. أبي خالتي بالها يرتاح وتتفرغ لبنتها.. بدل ماهي تتصل علي كل ساعة!!
كل هذه المبررات التي ساقها.. ولم يقترب من المبرر الحقيقي أبدا..
هـــــــــــي!!
سببه الرئيسي!!
يشعر بغضب عليها.. ومن أجلها.. ولا يعرف كيف حالها من البارحة..
ولن يحتمل مطلقا مزيدا من هذا الضغط..
الاثنان لم يخبرا أحد بعودتهما.. ومزون ذهبت مع خالتها لترتب أغراض جميلة..
وكاسرة عند جدها.. ومزنة هاهي تعود للتو وتدخل عليهما..
تفاجأت وهي تبتسم بترحيب.. وتبارك لكساب سلامته..
زايد سأل كساب بتلقائية: تبي أطلعك فوق؟؟
لأني أبي أروح أسبح.. أبي أروح للشركة شوي.. صار لي كم يوم معهم بالتلفونات بس..
كساب بمودة: روح طال عمرك.. بأطلع بروحي إذا بغيت..
كساب لم يكن يريد الصعود حتى يعرف كيف هو الوضع.. أراد أن يختلي بمزنة ليسألها..
وزايد استغرب أن مزنة لم تلحق به كما اعتاد من اهتمامها به..
بينما مزنة كانت ككساب.. تريد الاختلاء به..
فهي لن تؤجل الحديث أكثر من ذلك!!
فور صعود زايد.. سأل كساب مزنة بشكل مباشر فهو ماعاد به صبر:
شأخبارها؟؟
مزنة همست بنبرة مقصودة: مهتم من أخبارها؟؟
كساب باستغراب مقصود: وذ ذا النبرة يمه؟؟ أكيد مهتم!!
مزنة حينها مالت للأمام لتنظر لكساب بشكل مباشر صارم.. وتهمس بذات المباشرة والصرامة:
اسمعني يأمك زين..
أنا زوجتك شيخة مالها شبيه.. ما أقول إن بنتي مافيها عيوب..
الإنسان عيوبه أكثر من مزاياه..
بس بنتي ماكنها بأحد في شيين.. في زينها.. وفي قوة شخصيتها..
الزين.. الظاهر إنه ما ملأ عينك.. لأنك مايمر شهر ماتسافر برا الدوحة..
وأما على قوة الشخصية.. ماشفت بنتي مستوجعة وحزينة مثل زعلتها معك أول مرة.. والحين أكثر..
وزعلتها الأولة كانت وأنت مسافر.. والحين عقب رجعتك من سفر!!
كساب قفز واقفا دون أن يشعر وهو يهتف بغضب حقيقي:
وش تتهميني فيه؟؟ أنا؟؟ أنا؟؟
مزنة لم تتحرك من مكانها وهي تهتف بصرامة حقيقية تلقائية:
ما أتهمك بشيء.. أنا أحط احتمالات بس..
لأن اللي أشوفه في بنتي ماله تفسير إلا كذا.. مايوجع المرة بذا الطريقة إلا ذا الشيء..
كساب مازال ينتفض بغضب هائل وصوته يعلو: أنا تتهميني بذا الشيء؟؟
أنا؟؟ أنا؟؟
مزنة بذات هدوءها الصارم: اسمعني يا ابن الناس..
ترا الدين قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان..
ولا تظن إنه عشانك لفيت عشان أصير مرت أبيك.. إن ذا الشيء بيكون حبل تربطه على حلق بنتي..
تكون ماعرفتني ولا عرفتها..
قبل أن يرد كساب الذي كان ينتفض لشدة غضبه كان صوت زايد الصارم البالغ الصرامة هو من قطع الحوار وهو ينزل الدرج:
مزنة أنتي وش قلتي لكساب.. صوته واصلني فوق..
الصبي عاده تعبان.. ما تتأجل المواضيع شوي لين يتشالى!!
زايد كان على وشك الاستحمام لولا أنه وصله اتصال من الجد جابر يسأله عن حال كساب..
وحين علم بعودتهم أخبره أنه ذاهب لمجلسهم للسلام على كساب..
لذا قرر زايد النزول وتأجيل الاستحمام..
ليصل له صوت صراخ كساب وهو مازال في أعلى الدرج...
مزنة أجابته بحزم: فيه مواضيع ماتنفع تتأجل.. ودامك جيت.. هذا أنت تسمع مع ولدك..
إذا أنتو ما أنتو بحاسين ببنتي.. لأنها قدام الكل قوية شخصية وماتهتز..
فأنا حاسة فيها وفي وجيعتها..
وولدك ما أدري وش هو مسوي فيها.. وأنا مستحيل أسكت على ذا الموضوع كثر ما سكتت عنه..
زايد بحزم أكبر من حزمها: كساب وكاسرة مهوب صغار.. يحلون مشاكلهم بروحهم.. مافيه داعي تتدخلين..
مزنة حينها وقفت لتواجه كساب ووالده وتهتف بصرامة:
أكثر من سنة ما قدروا يحلونها بروحهم.. وإذا أنت وولدك مرتاحين..
بنتي مهيب مرتاحة.. وأنا مستحيل أخليها تستوجع بروحها..
كساب شعر أن هناك شرارة خلاف ستشتعل بين والده ومزنة..
وكلاهما يقف في مواجهة الآخر كجبل عظيم لا يخشى الاهتزاز..
لذا هتف باستعجال صارم: زين يمه أنتي وش اللي يرضيش الحين؟؟
مزنة بصرامة مغلفة بالحزم: دام إنك منت بقادر تعاملها بما يرضي الله
ترا أخيها مهوب عاجز يضمها..
زايد حينها صرخ بغضب حازم: لا.. أنتي شكلش استخفيتي.. قلت مالش دخل بين الولد ومرته.. ماتفهمين!!
مزنة استدارات ناحيته نظرت له بشكل مباشر نظرة قارصة.. ولكنها لم ترد عليه احتراما له في وجود ابنه وحتى لا تهز صورته أمامه..
رغم أنها كانت تتحرق للرد.. ومستعدة تماما له!!
في خضم الجو الملتهب والكل متحفز.. دخلت بهدوء تام مختلف عن الأعاصير الدائرة في المكان..
همست بسكون تام ودون أن تنظر لأحد: السلام عليكم.. الحمدلله على السلامة..
جدي ينتظرك في المجلس..
فوجئت بكساب يشدها من عضدها بيده السليمة..
وهو يوقفها أمامه وينظر إلى عمق عينيها نظرة جعلتها تشعر بالتكهرب رغم ذبول كل مافيها..
وهو يهتف بصرامة: كاسرة حلفتش بالله.. وهذا إبي وأمش يسمعون...
تشكين إني أخونش؟؟ وإلا أعرف نسوان عليش؟؟.. وإلا إن سفراتي سفرات خرابيط تغضب ربي..؟؟
رغم صدمة كاسرة من السؤال غير المتوقع إلا أنها خلصت عضدها من كفه
وهي تهمس ببرود: حاشاك يأبو زايد من الردى.. ولا عمره طرا على بالي..
حينها كانت مزنة من تكلمت بحزم بالغ:
ودام كلنا موجودين.. خل نخلص من ذا السالفة..
حالش مهوب عاجبني.. وأخر مرة يوم زعلتي على كساب كنتي تبين الطلاق..
إذا هذا سبة اللي فيش؟؟.. خليناه يطلقش..
رغم غضب زايد المتزايد من مزنة.. ومن تحكمها في مجرى الأحداث..
لكن إن كانت كاسرة فعلا لا تريد كساب.. فلا يمكن إجبارها عليه..
لذا هتف بحزم وهو يوجه الحوار لكاسرة:
يا ابنتي الطلاق أبغض الحلال.. وأنتي مرة عاقلة..
لكن لو أنتي صدق تبين الطلاق؟؟ خليته يطلقش..
لم تكن كاسرة من أجابت بل كساب الذي تدفقت حممه هادرة:
أنتو وش شايفيني؟؟ بزر تبون تمشونه على شوركم..
مع احترامي لكم.. بس أنا ومرتي مالحد دخل بيننا..
تظنون إنكم بتقولون لي طلقها بأطلقها..؟؟
آسف.. اسمحوا لي.. والحوار انتهى..
أنا رايح المجلس أسلم على إبي جابر..
كساب خرج فعلا.. بينما كاسرة تجاوزت المكان ببرود جامد وهي تصعد للأعلى دون أن تنطق بكلمة..
لتبقى النار مشتعلة بين القطبين الكبيرين.. نظرات حادة ملتهبة بين الاثنين قطعها زايد بقوله بصرامة:
مستانسة إنش كنتي بتولعينها بين الرجّال ومرته؟؟
مزنة همست بصرامة مشابهة: مهوب أنا اللي أولعها..
وهذا مهوب وقت حوار بيننا.. لنا مكان نسكره علينا عشان ما نضحك البزارين علينا وحن نتهاد مثلهم..
مزنة أنهت عبارتها وغادرت خلف ابنتها.. بينما غضب زايد يزداد منها..
" هذي استخفت مرة وحدة!!"
***********************************
" يامش.. كملي كأس العصير بس"
عالية تبتسم بمودة: يمه حرام عليش خلاص من الصبح وأنتي تزغطيني.. خلاص طلعت روحي!!
جوزاء تبتسم: يا بنت الحلال فرحانة بحفيدها أبو نظارات.. تغذي خليه يصير تختوخ مثل إبيه..
عالية تقرص جوزا الجالسة جوارها وتهمس بمرح تخفي خلفه وجعا ينتشر كالنار في الهشيم:
الله لا يبيح منكم وأنتو كلكم من الصبح مستلمين الدحمي.. كن ماعندكم غيره!!
المسكين ماكل حلال حد منكم!!
جوزاء تدعك القرصة وهي تهمس بمرح: يمه تصير قطوة مفترسة عند أبو العيال.. ذبحتيني يا المفترية!!
أم صالح برجاء: خلش منها.. كملي عصيرش بس..
عالية تشرب المتبقي كله دفعة واحدة.. وتهمس بإبتسامة: ولا تزعلين ياصفوي..
آمري بس!!
" يا الله.. بأموت.. بأموت..
ماحد راضي يرحمني.. ولا حد..!!"
منذ الصباح والخبر ينشر سعادة مدوية في الجميع.. إلا فيها!! ففرحتها مبتورة تماما!!
أم عبدالرحمن جاءت لزيارتها الظهر ومعها هدية..
وأبو عبدالرحمن بنفسه جاء للسلام عليها وتهنئتها وعيناه كانت تشرق ببريق مذهل..
وأرسل لبيت أهلها ذبيحتين!! عدا عن ذبائح أخرى سمعت أنه وزعها!!
حتى والدها كانت سعادته راقية وفخمة كفخامته تماما!!
أمــــا... أمـــا هـــو...
فلم يتكرم مطلقا بالزيارة!!
وكأنه لا شأن له بالموضوع... رغم أنه اتصل كثيرا..
ولكنها لم ترد على أيا من اتصالاته.. شعرت أن اتصالاته تهينها أكثر..
إن كان لديه كلام فلماذا لم يأتي لقوله مباشرة!!
كم تمنت أن تراه!!
ترى الفرحة في عينيه.. قبل أن تسمع منه أي شيء!!
" موجوعة يا الله!! موجوعة!! "
******************************
لا يعلم كيف مضى عليه اليوم حتى!!
وهي لا ترد حتى على اتصالاته المتكررة!!
" يا الله يا عالية.. وش ذا القسوة اللي عندش؟؟
حتى الفرحة حرمتيني منها!!"
رغم أن إبتسامة شفافة تعلو شفتيه كلما تذكر مظهر والده ووالدته هذا الصباح وهو يبلغهما الخبر..
كان الاثنان أمام قهوتهما الصباحية وعبدالرحمن معهما..
رغم أنه كان متكدرا لأن عالية لم ترد على اتصالاته وهو يسمع صراخها أنها لا تريده بل تريد والدتها فقط..
ولكن سعادة مثل هذه لا يمكن إخفائها أو إنكارها..
وهو يهتف لوالده بشبح ابتسامة: أبو عبدالرحمن..
أبو عبدالرحمن ارتشف جرعة من فنجانه وهو يهتف بمودة: سم يأبو فاضل..
عبدالرحمن ابتسم وهو يهمس بنبرة مقصودة: على طاري أبو فاضل..
أنت بتروح القنص السنة الجاية؟؟
ابتسم أبو عبدالرحمن: سبحان من يلحق.. حن ذا الحين في القيظ..(القيظ=الصيف)
وعاد دون موسم القنص حياة وموت.. بس كاني مع الحيين مايردني منه شيء إن شاء الله..
كفاية إنه راح ذا السنة مادريت به.. وأنا لاهي عندك في المستشفى الله لا يردها من أيام..
اتسعت ابتسامة عبدالرحمن أكثر: زين وكن موسم القنص وافق جية فاضل الصغير.. بتروح بعد؟؟
أم عبدالرحمن لم تكن منتبهة للحوار لأنها مشغولة بسكب الفطور لعبدالرحمن ووالده...
بينما أبو عبدالرحمن ارتعشت يده لدرجة انسكاب قطرات من القهوة عليها
أنزل فنجانه وهو يشعر بثقل كبير وهو يظن أنه قد سمع خطأ..
ففرحة كهذه كانت أكبر من أن يحتملها وخصوصا أنه كان كغيره يظن أن عبدالرحمن قد يعاني من مشكلة ما تبعا لحالته!!
هتف بتثاقل وكلماته تتبعثر: ويش؟؟ ويش؟؟ أنت صادق يابيك؟؟
تكفى ما تمنيني وأنت تلعب علي!!
ابتسم عبدالرحمن: يبه سوالف مثل ذي مافيها مزح.. وترى البشارة لهزاع..
هو شارط البشارة علي وعليك!!
أبو عبدالرحمن قفز واقفا.. وهو عاجز عن السيطرة على نفسه.. وكلماته هذه المرة تتبعثر من الفرحة:
يبشر بالبشارة.. يبشر بها..
وذا الحين بأروح أذبح ذبايح وأوزعها..
ودي لو اسوي شيء أكثر من ذا..
ما أدري وش أسوي..
أم عبدالرحمن قومي نشتري لعالية هدية.. ونروح لها ذا الحين..
مافيني صبر أبي أحب رأسها ذا الحين..
أم عبدالرحمن بهتت وأناملها تجف على أوانيها.. وهي مازالت لم تستوعب الحدث كما يجب!!
همست بتبعثر واختناق: ويش؟؟ صدق ياعبدالرحمن؟؟ مرتك حامل؟؟
ابتسم عبدالرحمن وهو يهتف: يمه.. الله يهداش.. لذا الدرجة ظنكم شين فيني!!
أم عبدالرحمن قفزت وهي تتعثر وتشهق وكلماتها تتبعثر لشدة فرحتها:
دقيقة يافاضل.. أقل من دقيقة بعد.. بألبس عباتي وأجيك..
أم عبدالرحمن غادرت.. بينما أبو عبدالرحمن كان كالملدوغ وهو عاجز عن الثبات في مكانه ولسانه يلهج بالكثير من الشكر لله والثناء..
بينما عبدالرحمن يهمس لوالده برجاء موجوع:
يبه ماعليه لو الله رزقني بولد نأجل فاضل شوي ونسميه امهاب؟؟
أبو عبدالرحمن يهتف بسعادة محلقة: أصلا كنه ولد والله مايكون له من الاسماء إلا امهاب.. إن شاء رب العالمين..
*****************************
هاهو يفتح باب جناحه.. رغم كراهيته لأن يدخل فيه..
فهو تجنب بشكل فعلي أن يبقى فيه..
وإن كان رأى الجناح بالأمس بناء على إصرار عالية حتى يرى ذوقها في الفرش والأثاث..
لا يستطيع أن ينكر أن ذوقها رفيع وراق له.. كونها هي تأثرت بهم وبذوقهم!!
ولكنه لم يكن يريد دخولها الليلة لأنه يعلم أن والدة جميلة أرسلت أغراضا لها البارحة تم وضعها في الغرفة..
ثم جاءت اليوم ببيقية الأغراض ورتبتها.. لم يكن يريد أن يقع نظره على أي شيء يخصها..
لا يحتمل ذلك فعلا بطريقة غريبة.. وغير معقولة!!
حين دخل إلى الجناح.. كان أول ما صدمه الرائحة العذبة لعطور أنثوية رقيقة وفاخرة تم تعطير بعض ملابسها الخاصة بها.. ولذا ينتشر عبقها في المكان..
عدا عن رائحة الزيوت العطرية الناعمة التي تنتشر في المكان...
(ماشاء الله من الحين محتلة المكان وخاتمة عليه!!)
أما حين دخل غرفته.. شك أنه دخل غرفة غير الغرفة التي دخلها بالأمس..
فالذوق الأنثوي كان ينضح من كل أرجاء الغرفة..
المفرش الأبيض البالغ الفخامة بكريستالات فضية وزهرية.. وعليه تنتشر مخدات صغيرة مختلفة الأحجام بتدرجات مختلطة من الأبيض والزهري الفاتح.
عدا عن خداديات أخرى منتشرة على الأرض وعلى المقاعد.. و الأكسسوارات الراقية المنتشرة في كل مكان..
فهد كاد يجن ( وردي في غرفتي أنا؟؟ في غرفتي أنا؟؟
مصدقة روحها الأخت إنها بنوتة صغنونة هي وذوق البزارين ذا!!)
فهد كان يريد أن يبحث عن أغراض رتبتها له عالية في الغرفة.. ولكنه لا يعرف الآن أين يبحث..
وهو يراها احتلت الغرفة بالكامل وقبل أن تحضر حتى!!
كان يبحث عن عطوره ليجد التسريحة ممتلئة تماما بعطورها وكريماتها وأدوات زينتها..
(هذي متى بتلحق تستخدم ذا الأغراض كلها هي ووجهها الشين
هل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟؟
لكن صدق عقدة نقص تبي تعوضها!!)
ختاما وجد عطوره منزوية في زاوية صغيرة من التسريحة ( ماقصروا خلوا لي مكان.. زين ماقطوها في الزبالة عشان يوسعون للدلوعة!!)
بعد ذلك خشي على ملابسه وبدله العسكرية أن يكونوا قد نقلوها لمكان يجعدها ويفسد كويها لأنهم يريدون كل الخزائن للمدللة..
لذا فتح الخزائن ليجد ملابسه كما هي في خزانته بل ووجدها تفوح برائحة عود فاخر ذكره برائحة عود منصور..
" الله يطول في عمر أم زايد.. ما ظنتي إن بنتها تعرف السنع مثلها!!"
لا ينكر أنه شعر بفضول ما أن يفتح بقية الخزائن ليرى كم خزانة ملئت بملابسها..
ولكنه لم يستطع أن يستجيب لفضوله العفوي.. وغيظه وغضبه المترسب يغلب كل شعور..
وهو يعلم أنه ماعاد أمامه من الحرية سوى يوم واحد فقط..
يوم واحد هو يوم الغد!!!
*******************************************
هو ووالده يعودان ختاما للبيت..
بعد أن تلافيا كلاهما هذه العودة.
كلاهما يتوجس منها.. وما الذي سيحدث فيها..
وفي ذات الوقت يتحرق لها.. لأنه لا يرضى بالتراجع ولا التخاذل!
كساب مازال غاضبا من كاسرة لأبعد حد.. غاضب من رؤية غانم لها..
وغاضب أكثر لأنها سمحت لوالدتها بالتدخل في مشاكلهما!!
ويعلم أنها غاضبة أيضا!!
ولا يتخيل ما الذي سيحدث حين يتلاقى غضبه وغضبها..
زايد غاضب أكثر.. فطريقة مزنة في فرض رأيها اليوم.. مطلقا لم ترضيه..
ثم رفضها للحوار وهي من تحدد موعده.. أغضبه أكثر..
وهاهما كلاهما يصعدان بفارق أكثر من ثلاث ساعات... وكل واحد منهما متجه إلى جناحه!!!
أولا كساب عاد أولا لأنه ماعاد يحتمل الإرهاق والتعب!!
ومن بعده كان والده!!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السابع والثمانون 87 - بقلم HaboOoshy
دخل إلى غرفته بخطوات هادئة حازمة.. تخفي خلفها كثيرا من الألم الجسدي والنفسي..
لماذا حياة التحفز التي يحياها بشكل مستمر؟؟
لماذا لم يحضَ بزوجة مهادنة تريح باله حتى وهو يعاني كل هذا؟؟
لماذا يجد نفسه مجبرا على كل هذا الشد حتى وهو لا يريده؟؟
لماذا ولماذا ولماذا؟؟؟؟ عشرات من علامات الاستفهام علقته على مشانقها..
وهو مرهق.. مرهق.. مــــــــــــرهــــــق!!!
مرهق من نفسه قبل أي شيء آخر!!
كانت هذه أفكاره التي تغتال تفكيره وهو يخطو لداخل غرفته..
ليجد الصدمة غير المتوقعة أمامه!!
كانت كاسرة........... نائمة !!!
نائمة بالفعل وليست تدعي النوم!!
ونائمة بملابسها.. ومازالت الساعة التاسعة والنصف!!
اختلطت الاحاسيس في داخله.....استغرب.. وتألم.. وتعجب!!
استغرب من نومها بملابسها وهي تبدو في عينيه كطفلة فاجئها النعاس على حين غرة..
فغفت على حالها وهيئتها.. وبكل عذوبتها!!
وتألم أنها نامت دون أن تنتظره.. رغم أنها تعلم بوضعه الصحي السيء..
أ لم تفكر أن تسأله ماذا سيحتاج؟؟ إن كان تناول عشائه؟؟ أو دوائه؟؟
أو إن كان يحتاج للتغيير على بعض جروحه؟؟
وتعجب أنها نامت دون أن تواجهه كما كان يتوقع.. فحدث كالذي حدث اليوم.. كان يستحيل أن تفوته كاسرة دون نقاش محتدم على الأقل!!
استبدل ملابسه بصعوبة.. وهو يصلي قيامه مبكرا..
ثم يتمدد جوارها.. لتتجدد أحاسيسه وتتعمق وتتعقد وهو يطفئ كل الإضاءة ويبقي على ضوء خافت جواره.. حتى يتمكن من رؤية وجهها..
كان الألم ينتشر صارخا في كل جسده...
ومع ذلك يشعر أن ألمه منها أقوى وأشد تأثيرا..
وعيناه تطوفان بمحياها المرهق.. لا يعلم لماذا يشعر بها مرهقة على الدوام؟؟
مرهقة شكلا ومضمونا!!
مختلفة عن حماسها المتدفق المعتاد بكل العنفوان الناري الذي يشعله حتى الوريد..
رغما عنه هذا الإرهاق يجلب إلى عمق روحه حزنا غير مفهوم وهو يتمنى لو استطاع حمله عنها لو استطاع...
ورغم أنها مصدر كل آلامه ولكنه مستعد لحمل كل آلامها لو منحته الفرصة لذلك!!
لــــو !!
*************************************
بعد أكثر من 3 ساعات..
زايد يصل متأخرا أكثر من العادة... لم يكن يريد فعلا أن يتأخر حتى لا تظن مزنة أنه متهيب للمواجهة..
لكنه تأخر في شركته كثيرا.. ثم دعا من باب اللياقة وأريحيتيه المعتادة المجتمعين معه لعشاء متأخر... أصبح متأخرا فعلا!!
توقع أنه سيجدها نائمة وخصوصا أن لديها عذرا قويا لذلك فهو تأخر أكثر من المعتاد..
ولكن توقعه كان فاشلا.. لأنه وجدها تنتظره وبكامل تألقها وفتنتها وزينتها..
فهي تصرفت بطبيعية حتى لا يظن هو أنها تخشى المواجهة..
فهي لو أن الوضع كان طبيعيا بينهما كانت ستنتظره مهما تأخر.. وهي تعلم أن في النوم أو إدعائه رسالة فاشلة للتعبير عن غضبها منه...
فهي تستطيع التعبير عن غضبها بلسانها!!!
والأمر الآخر أنها مطلقا لم تغير مطلقا من طريقة لبسها المعتادة أمامه... فهي لن تفعل كما تفعلن الصغيرات العاجزات عن المواجهة..
اللاتي تغيرن من طريقة لبسهن كرسالة رفض أو غضب..
فهي ليست خائفة ولا متوترة ولا تحتاج لرسائل للسانها!!
وهي اعتادت على التأنق.. فلن تفعل سواه!!
ولكنها لا تنكر أنها لو كانت على رضى معه.. لكانت تأنقت أكثر من ذلك بكثير..
فهو غائب عن البيت منذ ثلاثة أيام.. وكان يستحق استقبالا خاصا..
ولكنها طبعا لن تفعل ذلك الآن.. لأن هذه ستكون رسالة أخرى قد تَفهم بعدة طرق لا تريد أيا منها!!
أما أنها تحاول إرضائه.. أو أنها تحاول تفكيك مقاومته لإلهائه عن العتاب..
بينما هي تريد العتاب... تريده حقا!!!
بينما هو كان يسترق لها النظرات المستغربة بطرف عينيه ويظهر عدم اهتمامه وهو يدخل بهدوء ويسلم بهدوء ويشرع في خلع ملابسه ..
" امرأة غاضبة من زوجها.. لماذا تبدو فاتنة أمامه هكذا؟؟
تبدو كما لو كانت ستشرق لشدة فتنتها...
أ هكذا يكون غضبها؟؟
.
.
ولماذا أنكر على نفسي أنها هكذا كل ليلة..؟؟
ولكن لأني أفتقدها فعلا.. أراها الليلة أكثر من فاتنة إلى درجة تؤلم فعلا!!
ثلاثة ايام مرت.. لم نتبادل الحديث إلا لدقائق وعلى عجالة!!
ثم حينما أعود.. أعود بشجار!!
ولكنها هي المخطئة.. هي المخطئة في كل شيء منذ البداية..
تدخلت فيما لا يخصها.. ثم تريد فرض رأيها على الجميع!!"
زايد بدأ يجري شحنا نفسيا لغضبه وهو يضاعفه.. حتى تضاعف فعلا!!
فهو غير راض فعلا أن تحاول زوجته أن تفرض شخصيتها على شخصيته!!
هذا أمر غير مقبول عنده إطلاقا!!
إطــــــلاقــــا!!
لم يحادثها مطلقا حتى انتهى من صلاته وورده..
وهي مازالت تجلس على مقعدها انتظارا لانتهاءه!!
وكل منهما وصل شحنه النفسي لمنتهاه.. وهو يصور أشكالا مختلفة للمواجهة.. حتى انتهى زايد وتوجه على الأريكة..
ليكون ماحدث مختلفا تماما عن كل مارسماه من تخيلات..
زايد جلس على أريكته وهي على مقعدها.. تبادلا النظرات لثوان..
عميقة.. عاتبة.. لا تهاب..
وكل منهما ينظر للآخر بشكل مباشر ولكن خال من الحدة..
حينها همس بزايد بهدوء حازم: مزنة تعالي اقعدي جنبي.. خلنا نتكلم..
مزنة وقفت وتوجهت نحوه بخطوات واثقة وجلست جواره.. وهي تصنع مساحة فاصلة بينهما..
ولكنه شدها برفق ناحيته.. ليلغي المسافة.. وهو يحتضن كتفيها بذراعه..
ثم يهمس بعمق رزين وبكلام غير متوقع.. حتى هو لم يتوقعه بهذه الصورة:
أدري إني غلطت اليوم عليش قدام العيال..
وقلت كلام المفروض إني ما أقوله.. بس أنتي طلعتيني من طوري..
حينها كان دور مزنة لتضع رأسها على صدره وهي تحتضن خصره وتهمس بهدوء عميق:
زايد أنا ما غلطت.. بس أنت ردة فعلك كانت زيادة عن اللازم!!
يعني ما أعتقد إني سويت شيء يستاهل تقول لي أنتي استخفيتي.. وتبين تخربين على العيال..
أنا شفت وضع ما ينسكت عليه.. ومستحيل أسكت وأنا أشوف بنتي كذا..
زايد بحزم مختلط بالمودة: مزنة.. أدري كساب عيوبه واجد.. وما أدافع عنه..
بس هو يحبها وهي تحبه..والاثنين شخصياتهم قوية.. خلهم يحلون مشاكلهم بنفسهم..
ولو هم بغونا نتدخل .. بيطلبون منا!!
مزنة بعتب: كنت تقدر تقول لي ذا الكلام.. بدون ما تجّرح فيني مثل اليوم!!
زايد تنهد وهو يبعدها قليلا عن صدره حتى ينظر إلى وجهها وهو يمد يده ليمسح على خدها
ثم يهتف بلهجة آمرة أقرب للتسلط:
مزنة قربنا على شهر ونص من يوم تزوجنا.. خل كل شيء واضح قدامش..
أنا ما أرضى إنش تفرضين رأيش وأنا موجود.. وأحب كل شيء تأخذين رأيي فيه أول وقبل ما تسوينه!!
إذا أنا وافقت.. هذاك الوقت سويه.. مهوب قبل..
حينها ابتعدت مزنة عنه أكثر وعن مدى يده.. وهي تهمس بحزم:
وأنت اسمعني يازايد.. شيء يخص علاقتي فيك.. أو حقوقك علي أو طاعتي لك مستحيل أفرض رأيي عليك..
لكن أنا أم وعندي مسؤوليات.. والشيء اللي يخص عيالي.. ماراح أراجع حد فيه مع احترامي لك..
ممكن أشورك فيه وهذا يكون من شفافية علاقتنا كزوجين..
لكن إنك ظنتك إنك بتلغي شخصيتي.. اسمح لي .. مستحيل!!
وأظني إنك خذتني وأنت عارف شخصيتي..
والعود ما يعسف يا أبو كساب..
قالت عبارتها الأخيرة بكل حزم واثق.. وهي تقف وتبتعد متجهة لسريرها.. بينما العبارة تتردد في رأسه..
" العود ما يعسف يا أبو كساب!!
العود مايعسف يا أبو كساب!!
العود مايعسف يا أبو كساب!!!!!!"
" لو أنا خذتها وهي صغيرة.. كان عسفتها على اللي أنا أبيه.. مثل ما كانت وسمية!!
.
وليه تبي تعسفها؟؟ مهوب ذا اللي تبيه وفاقده.. مزنة القديمة!!
.
لا.. وش جاب لجاب..
صحيح مزنة الحين قوية شخصية..بس خلني أعترف إن مزنة القديمة كانت مطفوقة وما تحشم..
ولو خذتها يمكن كان مستحيل نتوالم!!
بـــس..
بس أنا فاقدها!! فاقدها!!
.
.
يمكن نار قايدة في صدري أكثر من 30 سنة طفت عقب ماخذيتها
واكتشفت إن مزنة اللي حارقة قلبي اختفت وماعاد لها وجود..
بس فيه حسرة ماكنة في أقصى حشاي ماعرفت لها سبب.. ماعرفت لها سبب!!"
****************************
" يا الله جمول.. أنتي ناوية تقعدينا لين صلاة الفجر؟؟
خلينا ننام شوي!!
مهوب كفاية إني ماشفت كساب إلا خمس دقايق.. وبديتش أنتي!!"
جميلة هزت كتفيها وهي تضم ركبتيها لصدرها وكلتاهما تجلسان على السرير وهي تهمس لمزون برقة:
كل ليلة أساسا أقعد سهرانة لين أصلي الصبح... مايرقدني إلا التعب..
خلني الليلة أسهر على الأقل وأنا معي حد..
وإذا على كساب.. كلها ليلتين تباتينهم عندي.. وعقب اشبعي فيه!!
مزون بإبتسامة: ترا علي واصل من السفر بكرة الصبح.. خلني أنام أقوم أواجهه.. حرام عليش أبي أنام..
جميلة ابتسمت برقة: كساب وعلي ما يبون إلا كاسرة وشعاع... اقعدي وكبري المخدة.. لين يجي غانم..
مزون حينها حاولت أن تبتسم وهي تركن همها الجديد جانبا.. ليست مهتمة أن غانما رأى كاسرة.. بقدر اهتمامها بمشاعر كساب:
وعلى طاري غانم.. أنا بيكون عرسي عقب ثلاثة أسابيع... بتردينها لي وتنامين عندي..؟؟
وإلا حضرة النقيب من عقب ما يشوفش مستحيل يفكش!!
جميلة هزت كتفيها وهي تهمس ببساطة: لو تبين.. رقدت عندش قبلها بأسبوع..
لأنه حضرة النقيب على قولتش عنده دورة عقب أسبوعين وبيغيب شهر..
مزون باستغراب: عقب عرسكم بأسبوعين بس.. وبيغيب شهر بعد!!
ليه مهوب حاضر عرس ولد عمه وعرس خاله عقبه؟؟
جميلة بذات البساطة المستسلمة: عادي عنده مايحضر عرس أخيه.. المهم يطفش مني!!
مزون اعتدلت جالسة بحدة وهي تهمس بعتب ممزوج بالغضب:
جميلة أنتي ليش تقولين عن نفسش كذا؟؟
إذا أنتي الواحد يطفش منش.. من اللي بيلزق فيها رجالها من قلب؟؟
جميلة هذه المرة همست بحزن حاولت تغليفه ببساطة فاشلة:
عادي مهوب أول واحد يطفش مني.. ومن قلب بعد!!
لازم أتعود على ذا الشيء!!
هذاك طفش مني عقب عشرة ثمان شهور..
وهذا مستعد يطفش قبل ما يعاشرني حتى!!
شكله درا إني ما أتعاشر!!
مزون حينها همست بغضب حقيقي: تدرين إن ذا السالفة البايخة تقهرني..
وأنتي تعيدين وتزيدين فيها..
أشلون تبين فهد يتقبلش وأنتي منتي بمتقبلة روحش؟؟
جميلة مالت لتضع رأسها في حضن مزون الجالسة وهي تهمس بيأس:
فهد بأحطه فوق رأسي.. أكون بهيمة إذا ما تعلمت من تجربتي مع خليفة..
أو سمحت لنفسي أكرر نفس الغلط!!
بس أنا عارفة باللي بيصير... حاسة إنه ماراح يتقبلني لأنه خذني عشان عمي منصور..
خليني أجهز نفسي لذا الشيء عشان ما انصدم..
وعلى العموم لا حن أول ولا آخر زوجين تكون حياتهم مافيها حب..
أنا ما أبي إلا الاحترام منه وكثر الله خيره!!
*************************
" يـــمـــه!!.. بسم الله الرحمن الرحيم.. ماصليت!!"
قفزت كاسرة بجزع وهي تهمس بهذه الكلمات.. بعد أن ظنت أنها غفت لدقائق لتتفاجأ بالغرفة تغرق في الظلام عدا نور خافت يجاور من ينام جنبها..
كساب صحا على صرختها وهو يعتدل بإرهاق: وش فيش؟؟
قفزت السرير وهي تهمس بجزع بعد أن نظرت لساعتها: نمت على طول عقب صلاة العشاء.. وأنا مابعد صليت قيامي..!!
هتف بذات نبرته المرهقة: باقي وقت على صلاة الصبح.. صلي..
كانت بالفعل مع كلماته تتوجه للحمام لتتوضأ.. صلت أولا..
ثم رغما عنها.. عادت لتطل عليه.. وهي تشعر بذنب رغما عنها أيضا .. أنها نامت وتركته وهو على هذه الحال..
فرغم كل التعقيد.. وكم الغضب الذي لا حدود له بينهما..
ولكنه يبقى زوجها.. ومريض.. وفي حاجتها الآن!!
وجدته نائما..
فعادت وقرأت وردها.. ثم نظرت للساعة.. لم يتبق إلا نصف ساعة لصلاة الفجر.. ستقرأ مزيدا من القرآن حتى موعد الصلاة..
ولكنها قبل ذلك عادت له مرة أخرى.. وهي تنحني هذه المرة وتلمس جبينه..
فالليلة التي قضته عنده أُصيب بحمى.. وحين أخبرت عمها..
قال لها أن الحمى قد تعود له من وقت لآخر حتى تلتئم جروحه نوعا ما..
بالفعل وجدت جبينه دافئا..
ارتعشت حين فتح عينيه.. على ملمس أناملها على جبينه!!
همس لها بسكون: وش فيش؟؟ أنتي تعبانة؟؟
همست بسكون كسكونه: لا.. بس نمت بدون ما أحس..
أنت اللي تعبان.. قوم خلني أعطيك حبوب للحرارة..
أجابها بذات السكون ولكنه أقرب لسخريته المريرة هذه المرة: مهتمة يعني؟؟
أجابته بنبرة كنبرته تماما: ماني بمهتمة.. وليش أهتم؟؟!! بس هو واجب لازم أسويه!!
اعتدل جالسا وهو يمد يده لقنينة الماء بعد أن تناول أقراصه من جواره ثم همس بعد ذلك بنبرة باردة:
يدي الثانية مافيها شيء.. أقدر أكل حبوبي بنفسي.. لا تكلفين نفسش بواجب ثقيل..
همست بسكون ثقيل: عوافي على قلبك.. خلاص مالي عازة كالعادة.. بأروح أقرأ قرآن لين الصبح..
همس بنبرة مقصودة: مافيه شيء نتناقش فيه!!
هزت كتفيها ببرود: وليش نتناقش.. أنا كالعادة –بعد- مخلوق ماله حساب في حياتك..
هددتني بالضرب وبالطلاق وعصبت علي.. وبردت خاطرك فيني..
وانتهينا خلاص..
أجابها حينها بنبرة أقرب للغضب: لا ما انتهينا.. لأنه والله لولا خوف من ربي..
ثم كون غانم رجّال أختي وإلا كان قلعت عيونه اللي شافتش من مكانها..
والسبب أنتي.. حذرتش أكثر من مرة ماتحاولين تستخدمين غيرتي..
بس أنتي ما ارتحتي لين خربتيها..
وخلينا من غانم الحين.. أمش ليه تدخلينها في مشاكلنا؟؟
أجابته ببرود جامد تماما: رجال أختك بكيفك فيه.. مالي شغل فيكم...
أما أنا يمكن أحسن تسكر علي في صندوق.. عشان تضمن إن حد مايشوف ممتلكاتك المركونة..
أما أمي.. انا ما طلبت منها شيء.. هي تدخلت من نفسها..
وللمرة الثانية أقول لك (انتهينا)... ولا تنبشني يا كساب.. وخل الحياة تمشي لأنها أساسا تمشي مثل ماتبي أنت!!
*******************************************
" زايد قوم.. منت برايح تجيب ولدك من المطار؟؟.. طيارته بتنزل عقب ساعة.."
زايد فتح عينيه بتثاقل وهو يهمس بعتب: زين تذكرتي زايد؟؟
مزنة مالت لتقبل جبينه وهي تهمس بمودة صافية حقيقية: آسفة حبيبي.. والله العظيم ماقدرت أنام حتى.. وأنا عارفة إنك زعلان..
وخصوصا يوم سمعتك تناديني وأنت نايم.. صار ودي أصحيك وأراضيك..
بس الله يهداك أنا قلت لك إني شينة إذا زعلت.. وانت والله وصلتني أقصاي..
حينها ابتسم وهو يعقد كفيه خلف رأسه: يعني هذا أقصاش ؟؟ ياحلوه أقصاش.. ذوق وستايل وتكانة مثلش.. أنا حسبت إنه هذي أولها..
ابتسمت بإشراق: تمسخر علي؟؟!!
مد يده ليدخلها في طوفان شعرها من الخلف وهو يقربها ليقبلها بتروي.. ثم هتف بفخامة:
والله العظيم أتكلم من جدي..
لأني أنا لو وصلت أقصاي.. وخري من دربي..
مزنة هتفت بمودة راقية: الله لا يورينا أقصاك ولا يحدنا عليه..
ابتسم زايد وهو يعتدل جالسا ويهتف بنبرة مقصودة:
ولا يورينا أقصاش الحلو بعد.. لأني ما أحب قلبة مزاجش ذي!!
ثم أردف بحزم وهو يقف: أنا باسبح بسرعة وبأروح أجيب علي ومرته..
شيكتوا على تنظيف بيته؟؟
مزنة برقة رزينة: من البارحة تأكدت من كل شيء.. واليوم أرسلت خداماتهم لبيتهم..
زايد ابتسم: الله لا يحرمني من اللي ماتحتاج وصاة.. وترا الذبايح يمكنها وصلت الحين..
ابتسمت مزنة: وصلت.. توني جيت من المطبخ من نص ساعة..
وعزمت أم شعاع واختها وعفرا وبنتها عشان يواجهون شعاع ويتغدون معها..
وغداكم أنتم بيكون جاهز عقب صلاة الظهر.. خلاص اعزم اللي تبي!!
زايد همس بنبرة مقصودة وهو متجه للحمام ويوليها جنبه: مزنة.. أنا كل ليلة أدعيش وأنا نايم..؟؟
ابتسمت مزنة بشفافية عذبة: كل ليلة تقريبا!!
الله لا يحرمني من اللي يدعيني وأنا على باله حتى وهو نايم..
أصلا لولا ذا الشيء.. وإلا يمكن كان طولت في زعلتي!!
**************************************
" يأبيك أنت وزنك زايد وإلا يتهيأ لي؟؟"
ابتسم علي وهو يغلق بابه ويعتدل جالسا في مقعده: إلا زايد وزايد يازايد
وصلت وزن عمري ماوصلته في حياتي..
زايد لا يستطيع السيطرة على فرحته... أي سحر في هذه الصغيرة التي تجلس معتصمة بخجلها الرقيق في الخلف؟!!
ماذا فعلت بولده؟؟
حين رأى علي قبل قليل في داخل المطار.. ظن للحظة أنه قد يكون أخطأ في الشخص..!!
ماذا فعلت فيه وخلال شهر واحد فقط؟؟
وجهه مشرق تماما وممتلئ إلى حد ما!!
وابتسامة دافئة تبدو كما لو كانت حُفرت على وجهه..
زايد هتف بحنان فخم وهو يوجه حواره لشعاع: أشلونش يأبيش؟؟
شعاع بخجل رقيق: طيبة يبه!!
كانت ابتسامة علي تتسع... حتى سماع نغمات صوتها وهي تحاور سواه يفعل في قلبه الأعاجيب وكأنه يسمعها للمرة الأولى!!
زايد أكمل حديثه: أشلون علي معش؟؟
همست بذات الخجل: علي مايقصر..
ابتسم زايد: إن قصر.. علميني عليه أقطع أذانيه..
شعاع صمتت بخجل.. بينما زايد أشار لعلي بإشار بينهما (أنت وش اللي غيرك كذا؟؟)
علي ابتسم وهو يشير( باقول لك عقب!!)
زايد هتف بحزم: أنا بأوديكم لبيتكم أول.. ترتاحون شوي... وتبدلون ملابسكم
وعقب غداكم عندنا.. وأهل شعاع كلهم معزومين عندنا..
شعاع حين سمعت ذلك شعرت باختناق وعبرتها تقفز لحلقها.. فهي ماعاد فيها صبر لرؤية اهلها..!!!
لذا كادت تقفز لتحوط عنق علي بذراعيها حين سمعته يهتف بمودة: ماعليه يبه خلنا نمر بيت عمي فاضل وننزل شعاع أول وهي بتجي معهم للغدا..
رغم أنها لم تطلب منه ذلك.. ولكنه كان يشعر بها أكثر مما يشعر بنفسه..
فرغباتها كما لو كانت تنبض في مشاعره لتصبح رغباته هو..
المهم أن تكون راضية!!
زايد بمودة مشابهة: تبشر شعاع..!!
وربما كان زايد أكثر سعادة بطلب شعاع.. فهو متلهف للاختلاء بابنه.. لذا فور نزولها لبيت أهلها..
التفت لعلي وهو يهتف بحزم مختلط بالفضول والمودة: يا الله قل لي وش السالفة؟؟
ضحك علي وهو يهتف ببساطة: السالفة إنها هي.. هي..
زايد صر جبينه بعدم فهم: أشلون هي هي..؟؟
ثم شهق وهو يهتف بانفعال غامر والصورة تتكامل في عقله الذكي:
أما إني مخي ما كان يجّمع.. أشلون مافهمت بنفسي.. أشلون؟؟ يعني حالك ماراح ينقلب 180 درجة إلا لأنك لقيتها..
وأنت ليش ماقلت لي من أول ليلة؟؟ ليش ماريحتني؟؟ مع إني سألتك ثاني يوم وتهربت مني..
ابتسم علي وهو يجيب بشفافية: ماتهربت منك.. وأنت داري إني مستحيل أدس عليك شيء..
بس شعاع أول الأيام ماكانت متقبلتني كلش.. وأنا مابغيت أقول لك وأنا بروحي متوتر أشلون بتكون علاقتي معها..
ماحبيت أوترك معي ويزيد توتري...
حينها ابتسم زايد وهو يربت على كتف علي: أجل دامك قلت لي الحين..
شكلك مالي يدك منها..
ابتسم علي وهو يجيبه بثقة العاشق: أفا عليك.. تلميذك يا أبو كساب..
زايد صمت وهو يبتسم بسعادة ويترك علي يحلق في سعادته الخاصة ومع ذلك كانت الأفكار تدور في رأس زايد..
" أي أستاذ يابني.. وأنا أشعر بأني أفشل عاشق على وجه التاريخ!!
أي أستاذ.. بعد أن خبّر كل أبجديات العشق.. عاد ليتعلمها من جديد!!
وكأنه عاجز عن فك رموزها ومعانيها!!
أمور كثيرة يا بني بدأت تتشابك في ذهني وتتعقد..
أمور أخشى من خوضها وتفكيكها!!"
**********************************
" وينها العروس؟؟ معتكفة؟؟"
مزون تلتفت لسميرة وهما تتحدثان قبل الغداء..وتهمس بابتسامة:
لعبنا عليها أنا وخالتي.. قلنا عروس عيب تطلعين.. وخلينا زايد عندها وجينا!!
وضحى تناولت طرف الحديث والفتيات يجلسن في زاوية وهي تهمس بتساؤل:
ها والعروس مستعدة لبكرة؟؟
مزون ابتسمت: مستعدة تمام.. إلا بالنوم.. ما تنام من التوتر..
شعاع حينها ابتسمت برقة: ذكرتني بحالي.. قولي لها مافيه شيء يخوف.. وخلها تنام وترتاح..
سميرة (بعيارة) لا تخلو من الصدق : إلا قولي لها ولد عمي يخوف.. يمه أنا كنت أخاف منه أكثر من أخوانه الكبار..
عليه صرخة لا عصب.. تفص اللحم عن العظم!!
مزون تقرص سميرة في فخذها وهي تمس بمرح لا يخلو من غيظ: قولي لها ذا الكلام عشان أسود عيشة أخيش..
سميرة تدعك القرصة وهي تهمس بمرح: وغنوم وش دخله بطولة لساني تحاسبينه عليه..
مهوب كفاية قرصتيني وشوهتيني.. ألف مرة قايلة لكم حن البرص لا تقربون منا..
كل شيء يعلم في جلودنا..
.
.
" أم عبدالرحمن.. عالية ليه ماجات معكم.. أنا مشددة عليش تقولين لها"
ابتسمت أم عبدالرحمن ابتسامة شاسعة فهي منذ معرفتها بالخبر وهي لا تستطيع السيطرة على فرحتها وهي تجيب مزنة:
عالية في بيت أهلها.. تجهز لعرس أخيها..
ولو أني من يوم دريت ودي أروح أجيبها.. ماودي إنها حتى تشيل البيالة من القاع...
والله العظيم فرحتي بحمالها مثل فرحتي بسلامة عبدالرحمن يوم ربي عافاه..
مزنة ابتسمت رغم شعورها بالاستغراب.. ولكنها كانت سعيدة بالفعل.. سعيدة..
فمنزلة عبدالرحمن من منزلة مهاب رحمة الله عليه:
مبروك.. مبروك.. والله إني فرحت له..
وكذلك همست عفراء وكاسرة كلتاهما بالمباركة بينما أم عبدالرحمن أكملت بعد الرد على التهنئات:
وترا أبو عبدالرحمن حالف كنه ولد ماله اسم إلا امهاب..
حينها غمر قلب مزنة حزن شفاف غريب.. ذكرى حرقة ابنها التي لا تنطفئ .. وحرقة أمنيتها أن تنجب كاسرة ولدا تسميه مهاب..
هاهي تراها أمامها تبتسم وتبارك وهي تبدو متألقة وتمارس مهام الضيافة كأفضل ما يكون..
ولكنها تعلم أنه لابد أن في داخلها حزن ما.. فهؤلاء أكملوا شهرا.. ولكنها أكملت أكثر من سنة..
ومثلها شقيقها تميم يقارب السنة.. ومازال أحد منهما لم يفرح قلبها بخبر طفل صغير قادم.. ستموت لتسميه مهاب..
عل بعض وجع روحها المكتوم يهدأ ويستكين..!!
جوزاء ابتسمت وهي تجيب بمرح: لا تحاتين عالية يمه.. عمتي أم صالح ماعاد خلتها حتى تطلع الدرج لغرفتها ولا لغرفة فهد..
مقعدتها جنبها.. بعد هذي علوي دلوعتها..
حينها تنهدت عفراء في داخلها.. وهي تتذكر مدللتها التي تركتها خلفها في البيت..
لم تكن تريد مغادرتها لدقيقة واحدة.. وهي تشعر أن الوقت معها يركض كلمح البصر..والغد يبدو كما لو كان سيقع في الدقيقة القادمة..
ومتى ستفرح هي أيضا بخبر حملها وحفيدها.. وهي تعلم أنها تعاني مشاكل في ذلك!!
" ربما كانت تلك إرادة الله حتى لا تحمل من خليفة!! وتحدث كل تلك المشاكل وبينهما طفل!!
أو ربما لو حملت منه.. ماكانت كل هذه المشاكل لتقع!!
وماكانت ابنتي لتتورط في زواجين وطلاق وهي مازالت في العشرين!!
.
يا الله مازالت طفلة..
فهل ستحتمل صلابة فهد وأنا بالكاد اعتدت على صلابة منصور!!"
***************************************
" ها وش مسوي في روحك ذا المرة..
حرام عليك يا كساب نزلت قلبي في أرجيلي يوم شفتك"
ابتسم كساب وهو يجيب علي: أنت اللي قلبك خفيف..
وهذا أنا قدامك طيب ومافيني إلا العافية!!
علي بقلق حقيقي: كساب أنت ماتشوف نفسك.. يدك مكسورة..
ووجهك ماينشاف من كثر اللزقات..
وإبي يقول بعد إن جسمك فيه أصابات أكثر..
كساب ببساطة: كل السالفة حادث سيارة.. وهذا أنا طيب وبخير..
علي بمودة صافية: الله يعطيك العافية تامة من عنده..
ابتسم كساب: على طاري العافية.. ماشاء الله أشوفها بتنط من خدودك..
ضحك علي: تبي تنظلني بعد؟؟ الحمدلله ربي رحمته واسعة..
ضحك كساب: نبي نعرف الوصفة السرية بس.. هذا أنت شايفني مكسر وحالتي حالة..
علي مال عليه وهو يبتسم يهمس بشفافية: والله وصفتك السرية صار لها عندك أكثر من سنة..
بس شكلك لحد الحين ماعرفت لها..
****************************************
" ما يسوى علينا ذا الرجعة الدوحة.. اليوم كله ماشفتش..
عند هلش طول اليوم جيتي معهم ورحتي معهم!!
لو أدري ما رجعنا.. "
شعاع تحتضن خصر علي من الخلف وهو كان يخلع أزرته مواجها للتسريحة وتهمس برقة وخدها يستند لظهره:
بس اليوم حبيبي.. تدري مشتاقة لهم..
وعقب رحت لعالية.. ماقدرت أصبر ما أشوفها عقب ماعرفت خبر حملها!!
ابتسم علي: مرت عبدالرحمن حامل؟؟ مبروك..
ماشاء الله ماتوقعت صراحة..
شعاع همست بذات رقتها وهي تميل على أزراره التي وضعها على التسريحة لتعيدها داخل علبتها:
أنتو ليه كلكم ظنكم في عبدالرحمن لذا الدرجة؟؟
ربك لا قطع من ناحية.. يوصل من ناحية ثانية!!
ابتسم علي: مهوب القصد إنه تقليل من أخيش.. بس حتى أنا نفس السالفة..
لو أنتي حملتي الحين.. الكل بيستغرب..
لأني كنت قبل شهرين بس.. بأموت..
حينها تأخرت شعاع وهي تهمس بحزن شفاف:
ليه أنت ظنك إنه ممكن نتأخر لين يجينا بيبي؟؟
علي استدار ليحتضنها بقوة حانية وهو يهمس قريبا من أذنها بعمق:
تكفين عاد كله إلا ذا النبرة.. ما استحملها..
ياحبيبتي أنا أضرب مثل.. وأنا كنت واحد تعبان فعلا.. والحين أخذ علاج..
وعلى العموم..لا تحاتين شيء ياقلبي.. عطينا كم شهر بس.. ولو ماصار شيء..
أوعدش أروح أكشف وأعالج لو احتجت..
ثم أردف وهو يبعدها قليلا ويبتسم: أنا واحد (أوبن مايند).. فوايد السياسة!!
شعاع حينها همست بعذوبة: حبيبي على طاري السياسة.. أنا إفادة تخرجي خلصت.. أبي أطلعها.. وعقب أقدم الوظايف من بعد أذنك!!
حينها احتضن علي وجهها بين كفيه وهو يهمس برجاء مثقل بالرجولة والشجن:
تكفين ياقلبي.. بلاها الوظيفة الحين.. تفرغي لي سنة وحدة بس.. وأنا عقب أوعدش أشغلش في المكان اللي تبيه..
ياعمري أنا مابعد شبعت من شوفتش قدامي... وأنتي عارفة إنه شغلي غالبا ماله مواعيد ثابتة..
أبي لا رجعت البيت ألقاش قدامي...
ووقت ما أكون في الشغل.. براحتش سوي اللي تبينه.. روحي لهلش.. أو هلي.. أو اطلعي مع البنات..
المهم أرجع البيت وأنتي معي أو قدامي!!
****************************************
" أنا ما أدري ليه لزمت عليّ نطلع.. وراي ألف شغلة قبل بكرة!!"
عبدالله يشد فهد ليجلسه على أحد مقاعد المقاهي المنتشرة على مرفأ اللؤلوة..
رغم حرارة الجو.. ولكن كان هناك نسمات منعشة تهب من البحر من حين لآخر..
وعبدالله يهتف بحزم باسم: تلعب علي أنت؟؟ وش أشغاله؟؟
العرس تجهيزه كامل سويته أنا وصالح.. وحن مخلصين.. وبكرة الصبح بنروح نشيك على آخر التجهيزات وعلى ذبح الذبايح..
وأنت حتى أغراضك الخاصة هزاع ونايف هم اللي رتبوها لك ودوها للأوتيل..
فهد هتف بحزم: واحد عرسه بكرة.. أكيد عنده أشغال..
ومالي مزاج طلعة ذا الوقت..
عبدالله ابتسم: خلك من الخرابيط.. الشيراتون وش قربه؟؟
خلنا نقعد نسولف ونشرب لنا عصير بارد.. وأنا بأرجعك..
فهد تنهد: مامنك مخلاص.. وأنت في رأسك سالفة!! خلصني!!
عبدالله بجدية: فهد أنت ماحد غصبك على البنت... أنت اللي بغيتها وأصريت عليها..
ليش الحين حاسك منت بمبسوط؟؟
لمعلوماتك أخوانك ملاحظين بس أنا أقول لهم توتر عادي!!
فهد هز كتفيه بحزم: وهو فعلا توتر عادي... يعني صار لي سنين وأنا عايش على نظام معين.. صعب أني أتقبل تغييره بين يوم وليلة!!
وخصوصا إنك عارفني.. التغييرات صعبة علي.. لأني جامد بزيادة..
ومرتي مالها علاقة.. لأني فعلا أبيها بكامل رغبتي!! وتوتري هو للوضع بس وهي مالها علاقة فيه!!
كلام فهد بدا مقنعا نوعا ما.. وخصوصا أنه كان يقوله بثقة.. لذا استدار عبدالله للنادل وهو يطلب منه مايريدان..
بينما فهد كان يتنهد بعمق تنهيدة مكتومة وهو يسند ظهره للخلف ويشعر أن حرارة الجو تزداد.. فيحرر جيبه من أعلى..
عله يجلب مزيدا من الهواء لرئتيه المختنقة..
فهو ليس متوترا.. فمثله لا يعرف التوتر بمعناه المعروف.. فأعصابه حديدية.. وقلبه جامد.. ولا يخاف من شيء..
لكنه يشعر بهذا الغيظ الذي سيخنقه... والأغرب كراهية غريبة لهذه المخلوقة التي مازال لا يعرفها.. ولكنه رسم لها أسوأ صورة في خياله..
وكلما تخيل أنه سيعيش معها حياته كلها.. يشعر بشعور أشبه بالغثيان!!
فهذه حياة كاملة!! حياة كاملة!!
وهو مادام تزوجها فلابد أن يحتمل قراره.. فهو لم يتزوجها الآن ليطلقها بعد حين!!
لكنه لا يحتمل فكرة أنه سيقابلها حياته كلها..!!
هز كتفيه وهو يبتسم ويهمس في داخله " الله حلل بدل الوحدة أربع!!"
**********************************
تعب من الاتصال وهي لا ترد عليه..
يعلم أنه كان من المفترض أن يذهب لزيارتها..
ولكنه بحساسيته الشفافة أراد أن تكون مقابلته الأولى معها بعد معرفته بخبر حملها..
بينهما فقط.. في مكان خاص بهما..لشدة تأثره بالخبر..
ومازالت لم تمنحه هذه الفرصة.. ولم تتكرم عليه!!
" ماكل هذه القسوة يا عالية؟؟
أ يعقل أنها غير راضية.. لأنها لم تكن تريد طفلا يربطها بي وأنا على هذا الحال؟؟
أ يعقل أن تكوني قاسية هكذا؟؟
أ يعقل ؟؟ "
" يا الله أنا ليش صرت كذا؟؟
دايم على بالي ظن السوء..
.
وهي وش خلت لي غير ظن السوء..
موجوع من بعدها وهي ولا حست!! "
*********************************
" بنات مابعد نمتوا؟؟"
مزون تلتفت لخالتها وتهمس برقة: تدرين خالتي سميرة ووضحى طولوا السهرة.. وشربنا وش كثر كرك.. مافينا نعاس..
بس أوعدش نحاول ننام عشان العروس تكون موردة بكرة..
عفراء تنهدت: تكفين مزون خليها تنام شوي.. بأروح الحين أشوف زايد خليته عند منصور..
بأرجع عليكم عقب شوي.. يا ليت تكونون نايمين..
مزون همست لجميلة بحنان: جمول ياقلبي.. يا الله ننام.. سمعتي خالتي..
جميلة تستدير ناحيتها وهي ممدة على جنبها وعلى طرف عينها دمعة يبدو أنها ستسقط
وهي تهمس باختناق: ما أقدر مزون.. خايفة ومتوترة..
مزون همست بعفوية مرحة: اللي يشوفش على ذا الخوف يقول أول مرة تتزوجين..
جميلة كانت تنتظر عبارة كهذه لتنفجر تماما في البكاء الذي تكتمه منذ موافقتها على فهد..
مزون اعتدلت جالسة وهي تشد جميلة لتجلسها ثم تحتضنها وتهمس بندم:
جميلة آسفة ياقلبي.. والله ماقصدت شيء.. الله يأخذني أنا ومزحي السخيف..
مزون شعرت بندم عميق لأنها ظنت أنها نقرت القشرة الرقيقة التي تحيط بما يضايق جميلة ..
وهو كونها مطلقة ولها تجربة سابقة.. بينما فهد شاب أعزب هي تجربته الأولى..
لتشعر بصدمة عمرها وجميلة تتبتعثر كلماتها بين شهقاتها:
وأنا فعلا كأني أول مرة أتزوج.. لأنه ماصار شيء بيني وبين خليفة..
ماصار شيء..!!
#أنفاس_قطر#
.
.
.
.
تتشرف كل من
حرم خالد آل ليث....و......حرم منصور آل كساب
بدعوتكن لحضور حفل زفاف
نجل الأولى/فهد............على كريمة الثانية/ جميلة
وذلك يوم الخميس الساعة الواحدة ظهرا
في قاعة الدفنة بالشيراتون ..في موقع قصة بين الأمس واليوم
وبحضوركن وتعليقاتكن الكريمة تتم لنا الأفراح والمسرات
ملاحظة: يرجى عدم التزاحم على باب الموقع أقصد القاعة حتى يتسنى لنا الدخول..
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثامن والثمانون 88 - بقلم HaboOoshy
مزون همست بعفوية مرحة: اللي يشوفش على ذا الخوف يقول أول مرة تتزوجين..
جميلة كانت تنتظر عبارة كهذه لتنفجر تماما في البكاء الذي تكتمه منذ موافقتها على فهد..
مزون اعتدلت جالسة وهي تشد جميلة لتجلسها ثم تحتضنها وتهمس بندم:
جميلة آسفة ياقلبي.. والله ماقصدت شيء.. الله يأخذني أنا ومزحي السخيف..
مزون شعرت بندم عميق لأنها ظنت أنها نقرت القشرة الرقيقة التي تحيط بما يضايق جميلة ..
وهو كونها مطلقة ولها تجربة سابقة.. بينما فهد شاب أعزب هي تجربته الأولى..
لتشعر بصدمة عمرها وجميلة تتبتعثر كلماتها بين شهقاتها:
وأنا فعلا كأني أول مرة أتزوج.. لأنه ماصار شيء بيني وبين خليفة..
ماصار شيء..!!
مزون بتبلد: نعم؟؟ وش قلتي؟؟
جميلة تنهمر بين شهقاتها: سمعتيني.. بس تكفين ما أبي حد يدري ولا حتى أمي.. تكفين..
مزون مازالت تهمس بتبلد ناتج عن صدمتها: وليش ماقلتي لنا أو لخالتي على الأقل..؟؟
جميلة باختناق شهقاتها: حسيتها عيب في حق ولد عمي..أفضحه عقب كل اللي هو سواه عشاني وأنا في المصحة!! وخصوصا إن الذنب ذنبي..
مزون تهدئها وهي تهمس لها بحنان متعاظم: زين حتى لو ماصار بينكم شيء.. عادي.. لا أنتو أول ولا آخر زوجين..
خلاص اعتبري نفسش فعلا أول مرة تتزوجين..
جميلة تحاول تهدئة نفسها بفشل: بس هذي مهيب أول مرة أتزوج..
وخليفة مع كل اللي صار عقب.. لكنه والحق يقال كان طيب واجد معي..
ولا عمره فكر يجبرني على شيء.. ومهما كان هذا ولد عمي.. وجمايله فوق رأسي..
ماني بمتخيلة فهد وش بيقول عنه لا درا عقب؟؟
وحتى لو شلت خليفة من رأسي.. فهد حاط في باله إنه مهوب أول رجّال في حياتي.. وأكيد بيتعامل معي على ذا الأساس..
يمكن مايراعي حياي ولا خوفي..
خايفة يامزون خايفة..!!
مزون تحاول تهدئتها: مع إنها صعبة علي.. بس لو تبين.. قلت لعمي منصور يقول له..
جميلة انتفضت بعنف حقيقي وهي تهمس بجزع وتصميم:
تكفين يامزون هذا سر بيني وبينش... وما أبي حد يقول لفهد شيء..
أنا أحل مشاكلي بروحي.. تكفين مزون...
أنا بس كنت أبي أفضفض شوي!!
************************************
" وش فيك يأمك قايم بدري كذا؟؟"
غانم ينحني على رأس أمه مقبلا ويهتف بمودة: بأمر صالح وعبدالله عند حفل الرياجيل.. وأشوف إذا يبون مني شيء..
وعقب بأروح لفهد في الأوتيل عشان أروح معه للملكة في بيت منصور..
أم غانم بشجن: عئبال ما يتعبون معاك في عرسك..
ابتسم غانم: قريب يمه.. كلها ثلاث أسابيع ما تبي تمر ولا تخلص.. ياطولاها طولاه..
ولو أن فهيدان فاقع كبدي لأنه مهوب حاضر عرسي..
وش ذا الدورة اللي ماطلعت إلا مع عرسي..
أم غانم همست باستغراب وهي تمده بفنجان قهوة: يعني صدق ذا السالفة؟؟
يوم نجلا قالت لي إن فهد مهوب حاضر عرسك ولا عرس نايف استغربت..
غانم يتناول الفتجان منها ويهتف بمنطقية: بعد يمه ظروف شغله جات كذا..
ولا أنا.. ولا نايف متشرهين عليه!!
غانم يحاول أخذ كل الأمور بطبيعية وعدم تحميلها أكثر مما تحتمل..
لذا حاول أخذ الموقف الذي حدث في المستشفى كذلك بطبيعية.. وهو يتمنى ألا يؤثر على علاقته بكساب..
ولكنه لم يستطع لشدة حرجه أن يتصل به أو يعود لزيارته...
ولكنه اتصل بزايد واعتذر منه.. وطلب منه أن يعتذر من كساب ويتحمد له بالسلامة..
فطمأنه زايد بلباقته المعروفة أنه لا داعي لأن يشعر بالحرج.. لأنهم يعلمون أنه كان غير قاصد أبدا !!
ولكنه يشعر بحرج عظيم فعلا.. وهو محرج أكثر أن يرى كسابا الليلة في حفل زواج فهد!!
لا يعلم كيف ستكون المواجهة بينهما.. على الأقل على مستوى النظرات!!!
**********************************
" يا الله يأمش.. جهزتي أغراضش كلها؟؟"
مزون كانت من ردت: كل شيء جاهز خالتي... وخليت الخدامات ينزلون الشناط للسيارة..
جميلة كانت ترتدي عباءتها وهي تتجنب أن تتكلم لأنها تخشى أن تنفجر باكية..
مشاعرها المرهفة تبدو كما لو كانت على حد سكين مسنون تماما...
جميلة حين انتهت من لبس عباءتها ونقابها همست لأمها برقة أقرب للبكاء:
يمه عطيني زايد.. أنا بأشله..
عفراء أعطتها زايد الصغير دون أن تتكلم... دوامة كثيفة من المشاعر تدور بين الإثنتين.. منذ عقد القرآن الذي تم صباحا في وقت مبكر..
وكل منهما تخشى أن تنظر للأخرى بشكل مباشر..
ومزون تشعر بالاثنتين وهي تخشى من تفجر مشاعر تكون هي في وسطه..
والثلاث يخرجن للسيارة... وجميلة ترفض أن تعطي زايد لأحد..
وتصر على حمله حتى يصلن للأوتيل.. وهي تضمه لصدرها وكأنه تتمسك فيه ببقايا رائحة استقرارها وإحساسها بالاحتواء والأمان..
********************************
" علي حبيبي... قوم ودني ياقلبي!! "
علي يفتح عينيه بتثاقل.. ثم يبتسم وهو يرى وجهها الأثير قريب منه.. كما لو أن الشمس أشرقت على سريره مباشرة..
مد كفه ليحتضن خدها وهو يهمس بحنان: وأميرتي وين تبي تروح من صباح الله خير؟؟
مالت باستعجال لتقبل جبينه وهي تقف وتبتعد وتستخرج ملابسه من الخزانة
وتهتف برقة:
قوم يالنساي.. مسرع نسيت.. هذا أنا طلعت ثيابك.. قوم اسبح والبس وودني..
أبي أروح لجميلة في الأوتيل... أنا والبنات بنتعدل عندها..
علي يهمس بابتسامة وهو يقف متجها ناحيتها: ياسلام.. يعني النسوان يشوفون كشخة حبيبتي قبلي.. وأنا آخر من يشوفها..
آسف تعدلي هنا... وأنا بأوديش في الليل...
شعاع احتضنت عضده برجاء: تكفى حبيبي تكفى.. لا تسكرها مرة وحدة..
أصلا بأرجع بدري.. بس تجي الزفة بأرجع..
علي ليس رافضا مطلقا.. فهي استأذنته منذ الأمس وأذن لها.. ولكنه يريدها أن تذيب مشاعره حين ترجوه بطريقتها المثقلة برقتها وعذوبتها..
علي احتضن وجهها بين كفيه وهو يغمره بقبلاته الدافئة ثم يهمس لها بأريحية:
تدرين يا النصابة إنش تأمرين على رقبتي...
حاضرين ياقلبي.. نوديش للمريخ لو تبين...
بس على اتفاقنا... يزفون المعرس.. بأجي أخذش.. تجهزي تنزلين لي!!
****************************************
" أنا بأعرف أخيك ذا.. كم مزاج عنده؟؟
مزاجه زفت قبل الملكة... ثم وش زينه في الملكة.. تكانة وركادة..
والحين شكله بيدبغ كل الحلاقين اللي في المحل من كثر ماهو معصب
وش بيسوي في العرس؟؟"
هزاع يبتسم وهو يجيب نايف: لا تخاف بيكون راسم نفسه ولا أبو الهول في زمانه..
المهم لا تسوي نفسه يوم عرسك.. أنا اللي بأدبغك... خلاص فهد حرق اللي باقي عندي من الأعصاب.. ماني بمستحمل دلع..
واحد معصب عشانه بيعرس...وش ذا السخافة؟؟
ليتني أعرس بس عشان تشوفون أشلون بأوزع ابتسامات لين أقول بس!!
نايف يضحك: والله مالي شغل.. يقولون العصبية موضة للعرسان.. وأنا لازم أتابع الموضة..
هزاع يضحك: ويقولون لك بعد ضرب المعرس المعصب بيصير موضة بعد...
فهد ينظر للاثنين الضاحكين.. ويتمنى لو تناول (عقاله) المعلق قريبا منه.. ليضرب الأثنين به..
ماهو المضحك الذي يُضحك هذين السخيفين بينما هو يشعر بغيظ عظيم.. عظيم؟!!
يتنهد بعمق.. وهو يشد له نفسا عميقا..
" اعقل يافهد واركد... لا تضحك الناس عليك..
وخير.. السالفة كلها مرة.. عاملها بما يرضي الله وخلاص
لا أنت أول ولا آخر رجال.. يتزوج وحدة مهيب على هواه..
وعقب فترة بأتزوج اللي على هواي!!
الموضوع بسيط.. وما يستاهل الشد اللي أنا مسويه في نفسي!!"
*************************************
" وين رحتوا وخليتوني؟؟"
مزون تبتسم وهي تخلع عباءتها ثم تجلس جوار جميلة التي أنهت زينتها للتو:
رحنا نكمل ترتيب الباقي في جناح العرسان..
جميلة توترت نوعا ما.. وما الذي لا يوترها؟؟
همست بهذا التوتر وهي تمد أناملها لأطراف شعرها: شكلي أشلون؟؟
مزون ابتسمت بشفافية وهي تحتضن كتفي جميلة: بسم الله ماشاء الله..
بتشوفين شكلش اشلون في عيون سبع البرمبة لا طلعت عيونه برا..
جميلة بتأثر غامر: الله يعطيش على قد نيتش يا مزون.. ويخلي عيون غانم ما تشوف غيرش.. قولي آمين!!
ابتسمت مزون بمرح: إيه والله محتاجين ذا الدعوة... كثري منها بس..
عفرا تقف في الزاوية لم تقترب وهي تنظر لزينة ابنتها التي اكتملت مع اكتمال تسريحة شعرها..
وتاثرها يتعاظم ويتعاظم.. تشعر أنها تبذل جهدا جبارا حتى لا تنهار في عاصفة من الدموع تكتمها بكل قوتها..
فهي في عينيها طفلة..سلبها الوجع منها..
سلبها المرض منها أولا..
ثم سلبها زواج لم تكن تريده لها..
كانت تريد أن تبقيها في حضنها حتى تطمئن روحها أنها قوية قادرة مواجهة الحياة..
فهي هشة.. هشة للغاية!!
وكم تخشى عليها من قسوة الأيام!!
***************************************
كان الوقت بعد صلاة المغرب مباشرة..
انتهت من زينتها.. وهاهي تنظر لنفسها في المرآة.. ولتألقها المبهر!!
الجميع ذهبوا.. ولم يتبق سواها.. مازالت لم تستأذنه في الذهاب..
فهما تقريبا لا يتكلمان منذ ماحدث الليلة قبل الماضية..
وكل منهما يتجاهل الآخر بطريقة متعمدة تماما..
وكأنهم يروون أن هذه الطريقة هي الأسلم للتعامل بينهما.. ماداما لا يمارسان إلا تبادل الجرح!!
ولكنها رغما عنها تعاني أكثر لأنه لو كان في حالته الطبيعية.. كان تجاهله ليكون أبسط..
ولكنه الآن يعاني بشدة من إصاباته.. وفي تجاهلها له قسوة آلمتها في أعمق مكان في روحها..
البارحة لم تستطع أن تنم حتى وهي تسمع أناته الخافتة كلما تقلب..
كانت توليه ظهرها.. وهي تعض طرف الفراش بقوة حتى تمنع نفسها من القفز إليه كلما سمعت آنة بالكاد تسمع..
ودموعها تنهمر بغزارة دون أن تشعر حتى!!
تنهدت وهي تنفض أفكارها..
نظرت إلى ساعتها.. لابد أن تذهب وهي اتصلت فعلا بالسائق والخادمة ليتجهزا..
ولكن تبقت الخطوة الأصعب.. استئذاته!!
تعلم أنه لن يرفض.. ولكنها لابد أن تستأذن..
حاولت أن تتصل.. فلم تستطع!! لذا أرسلت له رسالة:
" أبي أروح الحين للعرس.. ممكن؟؟"
كان انتباهها مع هاتفها وهي تنتظر الرد.. ليصلها الرد من مكان قريب جدا وبصوته.. ارتعشت بخفة وهي تسمع صوته خلفها.. باردا حازما:
هذا أنتي متجهزة.. وش يهم موافقتي من عدمها؟؟
استدارت ناحيته وهي ترد ببرود حازم مثله:
الاستئذان واجب علي.. ولازم أسويه..
هتف بنبرة سخرية: لا مهتمة من واجباتش صدق!!
لم ترد عليه.. بينما كان هو ينظر لها بتمعن.. كم افتقد لرؤية حسنها المتأجج كشعلة نار لاهبة في خضم إرهاقها طيلة الأيام الماضية..
والليلة يبدو حسنها أكثر من متأجج بكثير.. يبدو كما لو كان سيحترق من مجرد النظر إليها!!
هتف لها بعدم اهتمام: امشي بأوصلش.. وبأنتظرش لين تخلصين.. فلا تطولين علي..
كاسرة بتساؤل مستغرب: وش توصلني وأنت كذا؟؟
وأنت منت بحاضر العرس؟؟
هتف بسخرية: على قولتش دامني كذا.. أشلون أحضر العرس..
زِين شكلي وأنا قاعد بين الرياجيل بذا اللزقات كلها كني مومياء!!
حينها جلست كاسرة على طرف السرير وهي تخلع حذائها.. وتدخله تحت السرير..
كساب باستغراب: شتسوين؟؟
كاسرة ببساطة مصممة: خلاص ما أبي أروح..
كساب بتهكم: هذا كله عشان ما أوديش.. خلاص باتصل في سواقة خالتي وروحي معها..
كاسرة بتصميم أشد: خلاص كساب ما أبي أروح..
حينها هتف كساب بغضب: وليش ما تبين تروحين.. هذا عرس بنت خالتي..
على الأقل باركي لخالتي وارجعي..
كاسرة لم ترد عليه وهي تتوجه لغرفة التبديل لتخلع ملابسها...
ماذا تقول لهذا الغبي: أنها يستحيل أن تذهب وتتركه خلفها أو حتى تسمح له أن يقود بها السيارة وهو على هذا الحال..
ارتدت لها فستانا ناعما من الشيفون تتناسب ألوانه مع ألوان زينتها وارتدت صندلا بعنق مرتفع مفتوح زاد أناقة ساقيها المكشوفتين الناصعتين..
ثم عادت له...
على الأقل لتستمتع هي بأناقتها!!
نظر لها باستغراب غاضب: يعني صدق ما تبين تروحين.. أقول لش قومي.. أنا بأوديش..
جلست وهي تهمس بتهكم: ما أبي أروح.. وش تبي الناس يقولون علي وأنا رايحة عرس وأنت قاعد وراي في البيت؟؟
تراجع وهو يهتف بسخرية مريرة: وهذا اللي يهمش؟؟ كلام الناس؟؟
هزت كتفيها وهمست بحزن عميق مخفي خلف حزم صوتها: ووش باقي لي أهتم له غيره..
على الأقل خلني أحافظ على برستيجي قدام الناس..
*******************************************
" عالية حبيبتي اجلسي..
واجد وقفتي.. مهوب زين عليش وأنتي في شهورش الأولى"
عالية تميل على أذن نجلا وتهمس بمرح: من زين الاستقبال..
كل اللي في الاستقبال عاهات..
استقبال حوامل.. على الأقل خليني واقفة بينكم أنتي وجوزا... بطني مابعد بين!!
نجلا بمرح مشابه: ما تخلين الواحد يرحمش..
خلاص وقفي.. تستاهلين!!
عالية بمرحها المعتاد: الله الغني عنكم.. بأرحم روحي بروحي!!
نجلا بمودة: ياحليلش يا علوي.. والله سويتي لنا جو الأيام اللي فاتت..
في التجهيز.. وفي قعدتش في بيت هلش..
كل ماجيت لقيت وجهش الشين..
بنفقد صجتش والحين بيسكر عليش الدحمي.. هو أول مسكر عليش بدون شيء..
أشلون الحين وأنتي حامل...
عالية رسمت ابتسامة على وجهها.. ولكنها لم تكن متقنة إطلاقا..
ففيها كثير من ضيقها وحزنها..
فالوضع بينها وبين عبدالرحمن بقدر مايبدو حله سهلا.. بقدر ما يبدو معقدا!!
وتعقيده ناتج من مقدار حبها لها وخشيتها من الاندفاع في تصرف قد لا يكون محسوبا!!
*********************************
" يا الله...يجنن فستانها.. ما ينفع أروح لبنان أنا بعد..
قولي لتميم يودينا.. خلني أجيب لي فستان من هناك"
سميرة تميل على أذن وضحى وتهمس بمرح: وفستانش اللي سويتيه هنا.. وش نسوي فيه؟؟ نقطه في الزبالة...؟؟
وبعدين يا أختي اقبضي أرضش.. (الئالب غالب) على قولة خالي هريدي..
جمول لو لبست خيشة.. قلنا بنلبس خياش..
شوفي جسمها أشلون صاير ريان ومشدود.. قربت تصك على الجويزي مرت ولد عمي عبدالله قبل حملها..
وضحى بتأفف مازح: ما أقول غير مالت بس.. هذا كلام تقولينه لعروس.. عرسها عقب شهر..
لا وعريسها يمكنه متحلف فيها الحين...
سميرة ضحكت بخفوت: أما متحلف فيها.. فمتحلف فيها... خاطري أسمع أول كلمة بيقولها لش بس!!
وضحى ضحكت فهي تحاول ألا تحمل الموضوع أكثر مما يحتمل:
متحلف فيني من سبايبش.. والله لا يقول لي شي.. لا أطلعه من عينش!!
الاثنتان كانتا تتهامسان وهما تنظران من حين لآخر لجميلة ويذكران الله عليها..
كانت جميلة أكثر من متألقة بكثير بكثير... وفتنتها تبلغ أوجها الليلة..
مدعومة بأناقة خاصة جدا..
ففستانها الأبيض الحريري المختلط بلمسات من الدانتيل كان ضيقا على جسدها ويتسع تدريجيا بفخامة مدروسة من أسفل الأرداف..
وشعرها القصير كان طوله غير واضحا لأنها تم لولبته لإعطائه مزيدا من الحجم
وإعادته للخلف بطريقة تموجية..
وتم نثر زهرات صغيرة من نفس دانتيل الفستان فيه..
ولم ترتدِ طرحة مع الفستان... فبدا نحرها الشامخ مبهرا في إضاءة كبريق قمر مكتمل.. وهي ترتدي فقط عقدا ناعما من الألماس دون أقراط..
وزينة وجهها كانت غاية في النعومة والعذوبة دون إثقال لأن بشرتها النقية لم تحتج للكثير..
فعلاجها في المصحة ولأنها كانت لا تتغذى إلا بغذاء صحي مدروس مدعوم بتمارين رياضية مدروسة استمرت عليهما كلاهما..
أعاد تكوين كل مافيها بطريقة صحية نظرة!!
كانت ترسم على ملامحها ملامح شموخ مختلطة بحياء رقيق... تختلف تماما عما يمور في داخلها من توتر..
فهي قررت أنها لن تشمت الشامتين كما أنها لن تحزن الأحباب..
فهي تعلم أن والدتها على طرف البكاء.. وتحتاج لها سببا فقط لتنهمر.. وهي لن تسبب لوالدتها الحزن وفي هذه الليلة..
ورغم أنها لم تنزل من جناحها.. إلا أن كثيرا من المهنئات صعدن لها..
فالكثير دفعه الفضول لرؤية تغييراتها بعد العلاج...
عدا أن صديقاتها حضرن كلهن وهن ينثرن جو بهجة حماسي حولها..
ورغم كل التوتر.. إلا أنها شعرت فعلا بإحساس العروس الذي حُرمت منه!!
شعور سرقته من قسوة الزمن.. وإحساسها باليأس والتوتر..!!
وطبعا حضيت بالكثير من الحديث الجانبي كماهي عادة نميمة الأعراس!!
صوت يهمس للمجاورة له: خلاص سلمنا خلينا ننزل للقاعة..
سلطانة وهي تتأكد من وضع نقابها على وجهها: شفتي العرس والقاعة وأشلون متكلفين..
اقصبوا ولد أختي وافقروه.. وليته على حد يستاهل!!.. على مطلقة..!!
نورة بنبرة عدم اهتمام: لا تحاتين ولد أختش أبو لسان بغى يأكلنا ذاك اليوم عشانها..أكيد جاته باردة مبردة...
ياحبيتي عرس النسوان كله قام به منصور آل كساب.. ولد أختش مادفع ريال..
سلطانة باهتمام وهما تغادران: وأنا أقول وش عنده.. أثرهم شارينه للدلوعة..
لا ولسانه طويل بعد.. وش عليه ياحظي!!
وأنا اللي كنت أبي أزوجه بنتي.. أكيد ما يبيها.. مانقدر نسوي لها عرس مثل ذا..
نورة بنفس نبرة عدم الاهتمام: أنتي وذا البنت... بنتش عادها بزر يأختي.. وش مستعجلة عليه؟!!
سلطانة باستنكار: بزر.. وش فرقها على جميلة؟؟ مابينهم إلا سنتين..
وعلى الأقل بنتي بيكون هو أول بختها.. مالت عليه رجال المطلقة!!
.
.
.
للتو تدخل أم صالح للسلام على جميلة لأن موعد زفة ابنها قد اقترب بعد أن كانت تتولى مهمة الترحيب بالضيفات في الأسفل..
سلمت على جميلة وباركت لها بحميمية قبل أن تتأخر وتجلس..
ثم تجلس عالية جوارها فعالية سبق لها أن سلمت ثم نزلت ثم عادت الآن مع أمها..
تهمس عالية بمرح ودود: ها يمه.. أنتي كان عينتي لفهد مرة أزين من ذي يومش منتي براضية..؟؟
أم صالح تنهدت: يأمش أنا يوم عييت من جميلة.. مهوب عشان الزين .. أدري إنها الله يستر عليها مابه مثل زينها..
بس أنتي عارفة ليه عييت.. وذا الحكي خلاص مامنه فود... الرجّال عرس.. والله يوفقه..
.
.
.
" ماشاء الله عليه فهيدان راسم روحه مضبوط في البشت والابتسامة شاقة.. عقب ماجننا الأيام اللي فاتت"
هزاع بمرح: عقبالي يارب!!
صالح بمرح مشابه: ومن ردية الحظ اللي بتأخذك؟؟
هزاع (بعيارة) : وحدة مثل بنت عمي أم خالد ردى حظها حذفها حذفة قشرا!!
صالح بغضب مازح: كذا ياهزاع.. زين دواك عندي..
هزاع يهز كتفيه: أنت البادي..
صالح يبتسم: وأنت ماتحشم الكبير..
هزاع يرد بابتسامة مشابهة: وأنت ما ترحم الصغير..
صالح يتلفت يمينا ويسارا: وين الصغير؟؟ ماني بشايف إلا طوفة جنبي!!
هزاع يضحك: ومن شر حاسد إذا حسد..
صالح بتساؤل مهتم: على طاري الحسد.. يقولون أبو عبدالرحمن عطاك بشارة عنه وعن ولده.. وش عطاك؟؟
هزاع بتأفف: الشيبة المخرف عطاني طير... شايفني مقطع البران قانص..
صالح بحماس مرح: أبد وقبل ماتشوفه أنا شراي.. ولا تزعل من الشيبة المخرف.. بأعطيك كاش ماني!!
ابتسم هزاع: وكم سومتك؟؟
صالح بذات الحماس: عشرة ألاف..
هزاع لم يرد عليه وهو ينظر له تحت أهدابه!!
فأكمل صالح بذات الحماس: زين عشرين..
حينها ضحك هزاع: نطيت من عشرة لين عشرين مرة وحدة...
ثم أردف بنبرة مقصودة: الظاهر إنك تحسبني بزر صدق وإلا غبي..
صحيح ما أعرف في الطيور.. بس أعرف زين سمعة طيور أبو عبدالرحمن..
يقولون أقل طير عنده.. يجيب ضعف المبلغ السخيف اللي أنت قلته على الأقل!!
ضحك صالح: منت بهين يا التّوتّو.. ما ينلعب عليك..
ثم أردف وهو يغالب ضحكه: زين قوم فهد يأشر لك... الظاهر يبيك تشغل السيارة عشان الزفة!!
***************************************
عفراء أعلنت للمتواجدات عند جميلة أن العريس سيدخل..
فبدأن بالخروج جميعا ولم يتبق سوى مزون وعالية وأمها وجميعهن ارتدين عباءاتهن..
عفراء اقتربت من ابنتها وهي تلبسها عباءتها أيضا.. همست جميلة باختناق:
مهوب جاي هنا؟؟
عفراء تتولى دورها بحزم وهي تخفي حزنها خلف حزمها:
لا يأمش بيجيش في جناحكم... بس أنا ما كنت أبي النسوان يطلعون لجناحكم وأغراضكم الخاصة..
وأنا مرتبته لكم بس..
عفراء قادت ابنتها للجناح القريب جدا.. وخلفها مزون وأم صالح وابنتها..
ثم خلعت عباءتها ورتبت شكلها..
وأجلستها.. لكن جميلة لم تفلتها وهي تمسك بكفها وتحتضنها قريبا من قلبها..
عفراء شعرت بارتعاشها واضحا.. فجلست جوارها وهي تحتضنها بشكل جانبي..
وتقرأ عليها الأذكار وآيات من القرآن الكريم...
حتى رن هاتفها.. كان منصور هو المتصل يبلغهم أنهم يقفون أمام باب الجناح..
تزايد ارتعاش جميلة.. فهمست لها عفرا بحنان:
تكفين جميلة لا تفشلين روحش في الرجّال وهله..
عفراء أوقفت جميلة التي كانت تعتصر مسكتها الناعمة بين أناملها بقوة وهي تخفض بصرها للأرض وتحاول بفشل ألا ترتعش..
عفراء توجهت للباب وفتحته.. ليدخل منصور أولا يتبعه فهد.. و
الاثنان غاية في التألق والأناقة الرجولية في بشتيهما السوداوين.. وخطواتهما الواثقة..
منصور تقدم أولا وهو يتجه ناحية جميلة ليقبل جبينها.. ولكنها لم تفلته وهي تطوق خصره بتأثر متعاظم..
شعور تعجز عن وصفه.. وكأن والدها فعلا هو من يسلمها لزوجها..
تمنت أن تطول هذه اللحظة وأن يطول احتضانها لمنصور وهي تشعر بالأمان في حضنه..
وأن يكون حاجزا يحميها مما يقلقها خلفه..!!
منصور همس في أذنها بحنان وهو يحتضنها: مبروك يأبيش.. ولا تحاتين شيء..
أنا وصيت فهد عليش.. وفهد مايقصر..
فهد كان خلف منصور بعدة خطوات .. مازال لم يبصر العروس.. فظهر منصور العريض يغطيها..
عدا أن أمه وشقيقته استغلتا انشغال منصور وابتعاده واقتربتا لتباركا لفهد.. ثم ابتعدتا في ذات اللحظة التي استدار فيها منصور ليشير لفهد أن يتقدم..
حينها كان منصور يتأخر ليفسح لفهد مكانا جوار عروسه..
فهد تقدم بخطواته الواثقة.. وهو ينظر أمامه بكل ثقة.. فليس هو من يتراجع أو يهاب!!
حينها.. حـــيــنــهــا..
عاجز عن وصف شعوره حينها.. عاجز عن وصف الصدمة التي اكتسحته بكل عنف!!
لثانية من الزمن.. ظن أنهم قد يكونوا أخطأوا في العروس..
يستحيل أن تكون هذه هي.. يستحيل..!!
فهذه التي أمامه.. لا يجد حتى كلمات لوصفها وعيناه تطوفان بها كالمأخوذ..
من أين أتت القبيحة بهذا الحسن الطاغي المثقل بالإثارة وكل مافيها ينضح بالفتنة لأقصى درجاتها..؟؟
حاول هز رأسه واستعادة صفاء تفكيره الذي باغتته الصدمة.. وهو يقول لنفسه (كله من الماكياج!! كله من المكياج!!)
ولكن هذا المبرر لم يقنعه حتى.. رغم محاولته المستيمته لإقناع نفسه به..
فهل (المكياج) سيصنع هذا التكوين الجسدي الملتهب بدأ من خصرها المنحوت وانتهاء بنحرها المبهر ومرورا بعضديها المصقولين؟؟
أم هل المكياج سيصنع هذه الملامح التي تتوسط وجها لم يرى مثل بهائه؟؟
أم هل المكياج سيصنع السحر الذي شعر به يسربلها من رأسها حتى قدميها؟؟
هذا الجمال لا يكون إلا صنعه سبحانه..!!
منصور هتف لفهد بصوت أعلى: فهد تعال وش فيك واقف بعيد.. تعال جنب مرتك..
ثم همس في أذنه: امسك يدها وقعدها..
فهد تنحنح وهو يقترب ليقف جوارها..
شعرت جميلة أنه سيغمى عليها وهي تشعر بحفيف عضده على كتفها..
ثم شعرت أنه سيغمى عليها فعلا حين تناول كفها بين أناملها.. وهو يشدها ليجلسها..
هــو رغما عنه شعر بالتكهرب.. فهذه المرة الأولى التي يلمس فيها امرأة.. ولم تكن أي لمسة.. بل شعر أنه يلمس شيئا أشبه بالحرير االندي..
وأن يدها قد تنكسر في يده لشدة نعومها!!
ولكنه أفلتها بنفس سرعة امساكه لها.. وشعرت جميلة أن في افلاته لها حركة مقصودة وحادة نوعا ما..
وكانت حركته فعلا حادة ولكن غير مقصودة.. بل كانت عفوية..
ففهد ما أن شعر بنعومة أناملها بين قساوة أنامله..
حتى شعر بشعور عارم بالقرف..
فهذه الأنامل الزبدية ليس هو أول من يمسك بها.. بل أمسكتها يد قبل يده.. وأشبعتها بالقبلات أيضا..
شعر أن رائحة شفتي زوجها السابق ماتزال على أناملها..
تلسع أنامله وتحرقه..!!
" أعترف أن جمالها هزني بعنف..
ولكن ماذا إن كانت جميلة وفاتنة..؟؟
الوضع أسوأ الآن!!
فمن لها كل هذا الجمال.. لابد أنها مغرورة أيضا..
مغرورة بجمالها المستهلك..!!!
.
وماذا أفعل بجمال مستهلك.. شبع من رؤيته سواي؟؟
وحين سئم منه.. ألقاه في القمامة..
لأتلقى أنا فضلته التي ألقاها!! "
ما أن وصلت أفكار فهد لهذا المستوى حتى شعر أن أنفاسه تضيق وتضيق.. رغم أنه مازال يرسم ابتسامة محترفة على شفتيه..
شعر أنه يريد أن يهرب من المكان كاملا.. لا يريد حسنها.. ولا يريدها..
ولا يريد هذا الموقف كاملا..!!
يشعر أن الأرهاق من فوضى الحياة يداهمه.. ومساراته تسير على غير هواه..
يشعر بالاختناق الفعلي من كل شيء!! من كل شيء!!
السلامات انتهت.. والتوصيات كذلك..
والجميع غادروا..
وبقيا العريسان وحدهما...
والصمت هو من يدير الدفة بينهما..
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل التاسع والثمانون 89 - بقلم HaboOoshy
مازال الصمت محتكما.. وهو ينثر جوا ثقيلا في المكان..
إن كان هو نظر لها.. فهي مازالت لم تنظر له..
وخجلها يخنقها.. وعيناها مثبتتان على مسكتها ويزيد في اضطرابها معرفتها أنه يراقبها الآن..
كان بالفعل قد ابتعد قليلا عنها ليترك مسافة بينهما وهو يستدير ناحيتها ويتأملها..
فللجمال أحيانا سطوة تفرض حضورها رغما غن كل أنف!!
كان يتأملها بدقة لا يعرف لها سببا..
نقوش الحناء التي وصلت إلى منتصف عضدها الملفوف.. بشرتها المصقولة لدرجة تبدو غير طبيعية..
شفتيها النديتين المرتعشتين.. أهدابها المسبلة بحسن لم يكن لسواها..
ذقنها الناعم الذي بدا له شيئا غير معقول وارتعاشه يزيده عذوبة..
ونظراته تنحدر أكثر إلى حيث يتربع العقد الماسي مكملا لصورة حسن مكتملة أساسا...
هكذا بدت له تماما.. أشبه بصورة مرسومة بتفنن بارع مبهر..
ولــكــنــهـــا... صورة مستهلكة... مستهلكة تماما!!
زفر بقرف فعلي لينفض قرف أفكاره.. وهو يقف مبتعدا عنها.. ثم يهتف بنبرة واثقة:
دقايق بأتوضأ ونجي نصلي.. ركعتين مع بعض...
فمهما كان غير متقبل لها.. فهذه سنة لابد من القيام بها..
بينما جميلة كادت تبكي فعلا..
ماذا تقول له.. أنها لا تصلي.. وهي تتفاجأ بدورتها الشهرية هذا الصباح مبكرة قبل موعدها الذي بالكاد انتظم...
تعلم أن هذا حدث من التوتر لابد..
ولكن ماذا تقول له الآن..؟؟
قررت أن تقف وتهرب قبل أن يعود.. وهي تتوجه لحمام غرفة النوم.. وتحمد ربها أنه توجه لحمام الصالة..
تناولت لها بيجامة زهرية من الحرير والدانتيل ناعمة وفخمة في آن بدون أكمام ولكن معها روبها الفخم من الدانتيل..
وتركت قميص النوم الذي علقته لها والدتها..
فهي خجلت من إخبار أحد.. وهي تدس أغراضها الخاصة بنفسها في الحقيبة هذا الصباح..
فهد حين عاد لم يجدها.. زفر بغيظ: ( صدق إنها قوية وجه ولا عندها حيا..
ما حتى انتظرت لين أجي!!)
قرر أن يصلي قيامه حتى تحضر.. مع أنه تمنى ألا تحضر..
ولكنه قضى وقتا طويلا بعد أن انتهى من قيامه ومن ورده.. وهي مازالت لم تحضر..
حينها قرر التحرك لداخل الغرفة...
كانت تجلس أمام التسريحة تمشط شعرها الذي استشورته للتو..
وكانت تريد وضع بعض الزينة الخفيفة.. ولكنه لم يمنحها الفرصة بدخوله المفاجئ..
استدارت نحوه بخجل ودون أن ترفع بصرها بينما هتف هو بحزمه التلقائي ونبرته الحادة:
ليش ماجيتيني عشان نصلي..؟؟
جميلة صمتت وهي تشعر أنها ستختنق.. أعاد عليها السؤال مرة أخرى..
حينها همست بصوت مختنق خافت: ما أقدر أصلي..
بدت له نغمة صوتها رقيقة وخافتة إلى درجة لا تحتمل لذا هتف بحزم أشد:
أشلون يعني ماتقدرين تصلين..؟؟
وارفعي صوتش خلني أسمعش..
قال ذلك وهو يقترب منها أكثر.. همست باختناق أشد وهي تحاول رفع صوتها أكثر وتكاد تبكي: ما أقدر أصلي..
فهد كان سيعيد السؤال مرة ثالثة لولا أن الله منَّ عليه بنعمة الفهم أخيرا.. وهو يتنحنح: زين تبين تعشين؟؟
همست برقة مختنقة وهي عاجزة عن السيطرة على ارتعاشها وهي تراه واقفا أمامها مباشرة: ما أبي.. تبي تتعشى أنت.. بالعافية..
حينها هتف فهد بجلافة: أنتي ليش تتكلمين كذا؟؟
جميلة همست بصدمة وهي ترفع بصرها له: نعم؟؟ كذا أشلون؟؟
كلاهما تكهرب وبشدة..
هو لأنه اكتشف أنها بدون زينة أجمل بكثير.. ومثيرة لدرجة مضنية.. مع أنه كان يظن ولو لحظة أن (الميك آب) هو ما منحها إطلالتها الفاتنة..
وهاهو يكتشفها أمام عينيه خالية من أي زينة... ومبهرة أكثر..
وهذا الأمر زاد في سلبية نظرته ناحيتها بطريقة غريبة..
"مثل هذه لماذا يتركها زوجها؟؟ لماذا؟؟
بالتأكيد بقدر جمالها.. بقدر سوء أخلاقها
ربما لم يحتمل أن يعاشرها..!!
فمن يحتمل هذه (الملاغة والمياعة) ؟"
وهـي تكهربت لأنها رأته من هذا القرب طويلا وعريضا ووسيما بطريقة مرعبة..
وهي تعقد فورا مقارنة بينه وبين خليفة المهادن الذي كان النظر له يُشعر بالأمان..
كلاهما تراجع خطوة للخلف بينما فهد يكمل بذات الجلافة الطبيعية:
أنا ما أحب الكلام بمياعة.. فاصطلبي وأنتي تكلمين..
جميلة مصدومة فعلا من جلافته: أنا مايعة؟؟
فهد يهز كتفيه وهو يهتف بصرامة: محشومة ماقلت أنتي مايعة..
بس قلت طريقتش في الكلام مايعة..
وأنا أكثر شيء أكرهه في الدنيا إن الوحدة تنعم صوتها..
جميلة مصدومة فعلا..
هل هذا يتكلم بجدية؟؟ أي عريس يقولون لعروسه هذا الكلام ليلة زفافهما..؟؟
(الظاهر النكد جا بدري أكثر مما توقعت) جميلة همست بحزم رقيق حتى هي استغربته.. لكنها لن تسمح له أن يهنيها أكثر:
ماعليه اسمح لي.. أنا لا أنا أنعم صوتي.. ولا أميعه..
بس الله عطاني نعمة إن صوتي أنثوي ورقيق.. وماحد يتبطر على النعمة..
فهد تفاجأ فعلا من سرعة ردها (ووقحة بعد!!)
رفع حاجبا وأنزل آخر وهو يهتف بتهكم: ومغرورة في صوتش المايع بعد؟؟
آلم جميلة اضطرارها لاستخدام أسلوب التحفز معه رغم أنها تذوي خجلا لم يسمح لها به..
همست بذات الحزم الرقيق: إذا أنت شايف إنه غرور.. أنا أشوفه ثقة..
حينها صدمها تماما أنه مد أنامله ليحرك شعرها وهو يهتف بذات النبرة التهكم:
وبعد شعرش المنتف نعمة أنتي واثقة منها.. المهم تتبعين الموضة؟؟
جميلة آلمها بحثه عن سلبياتها بهذه السرعة..
رغم أنه في داخله يعترف أنه مبهور بشعرها.. رغم أنه ككثير من الرجال الشرقيين مغرمين بالشعر الطويل..
ولكن قصة جميلة بدت فاتنة تماما عليها..
جميلة حاولت ألا تبكي وهي تهمس بثقة عذبة تخفي خلفها تهاويا في روحها:
على قولتك.. المهم أتبع الموضة..
والحين اسمح لي أبي أنام.. بكرة طلع باقي الأخطاء السبعة على راحتك!!
جميلة توجهت للسرير وهي تنتزع روبها عنها..
فهذا الفهد لا يستحق أن تحترمه.. ولا أن تخجل منه.. ولا أن تهتم له حتى..
اندست في السرير وهي تغطي وجهها..
ثم..
سمحت لطوفان روحها بالانهمار!!
************************************************
ربما كانت هذه أطول فترة بقضيانها مع بعضهما في البيت..
رغم أنهما لم يتبادلا فيها سوى الصمت.. والكثير من النظرات..
تعشيا سويا.. شاهدا الأخبار سويا.. وهاهما كلاهما يجلسان في جلستي جناحهما متقابلين..
كل منهما ينظر للآخر.. ويدعي إنشغاله بشيء آخر..
هي تتمنى لو ينطق بكلمة واحدة فقط... فمشاعرها ومنذ أيام فعلا على حد سيف وتنتظر الانقطاع..
بينما هو يتمنى لو يقوم ليجلس جوارها.. يضمها قريبا من صدره المهجور..
فربما حينها يعود له قلبه الذي يراه هو يرفرف حولها ..بينما هي لا تشعر به حتى..
كانا في جلستهما أشبه ببطلي حوار في قصيدة..
وكأن لسان حال كاسرة يقول:
" قل لي -ولو كذبا- كلاما ناعما
قد كاد يقتلني بك التمثالُ!!"
بينما لسان حاله يقول :
"لا تجرحي التمثالَ في إحساسه
فلكم بكى في صمته... تمثالُ
إني أحبّكِ... من خلال كآبتي
وجهاً كسِر الروح ليس يُطالُ...
حسبي و حسبُكِ... أن تظلي دائماً
سراً يمزقني... وليس يقالُ "
وبين رغبتها في الكلمات ورغبته في الأفعال.. تاهت أفكار كل منهما وهي تدور وتدور دون أن تتلاقى..
تنهدت كاسرة وهي تقف وتبتعد عنه.. بينما عيناه تتبعها بولع غريب..
وهو يراها تتناول أقراصا من الثلاجة الصغيرة المتواجدة في أحد دولايب صالة جلوسهما ثم تبتلعها..
أراد أن يسألها عن هذه الأقراص.. وقلق يتصاعد في نفسه عليها..
ولكنه لم يسأل..
"ألا يتبادلان التجاهل الآن؟!! "
ولكنه لم يطق صبرا حين رآها تتجه للحمام .. ليقفز ويرى ماهية الأقراص..
ليس فضولا مطلقا.. ولكنه محض اهتمام صاف خصوصا وهو يرى إرهاقها طيلة الأيام الماضية..
خشي أن تكون تخفي شيئا ما..
ولكنه حين وجد أن الأقراص محض فيتامينات اطمأنت نفسه وهو يعود لمكانه..
في الحمام كانت تقف مسندة ظهرها للباب..
وتنهيدة بعمق الكون تخترم روحها من أقصاها إلى أقصاها..
هذه الليلة تشعر بالفعل أنها في أضعف في حالاتها..
ربما لو قال لها كلمة حلوة واحدة ستنهار تماما..
حتى لو لم تكن كلمة حب.. كلمة حنان أو ود حتى!!
ولكن يبدو أن هذا نصيبها الذي يجب أن تعتاد عليه.. ويجب أن تغلف نفسها بالبرود.. كل البرود حتى لا تشعر بالألم كما تشعر الآن..
" لوح.. أنا متزوجة لوح ماعنده اي إحساس!!
ماحتى سألني وش الحبوب اللي تأكلينها؟؟
وليش يهتم؟؟
متى كنت أساسا مهمة في حياته؟؟
كل شيء أهم مني.. كل شيء!!"
************************************
رغم أنه لا يحب أن يطيل خارج البيت.. ولكنه الليلة أطال في في حفل زفاف فهد..
بات يشعر من الملل والاختناق من البيت بعدها!!
خطر له خاطر أن يذهب لبيت أهلها ويحضرها.. ولكنه قرر ختاما ألا يفعلها
لسببين:
الأول: أنها قد تتأخر في حفل زفاف أخيها..
والثاني: أنها قد تكون متعبة وتريد أن ترتاح.. وهو يعلم أن لقائهما لابد أن يكون به بعض الشد..
كان والده هو من يدفعه حتى أوصله للباب..
ثم غادر..فعبدالرحمن بات يكره أن يساعده أحد في ارتداء ملابسه أو القيام بشؤونه.. فهو لابد أن يعتاد على فعل ذلك بنفسه..
عبدالرحمن حاول فتح الباب فلم ينفتح..
ظن أن والدته قد تكون نسيت فتح الباب بعد عودتها من الزفاف..
لذا استخرج مفتاحه ليفتح..
ليتفاجأ بصوت مفتاح يتحرك من الداخل..
توقف قلبه تماما وهو يرى الباب يُفتح..
دفع كرسيه للداخل ليتوقف قلبه مرتين وهو يرى ظهرها مغادرة بعد أن فتحت الباب..
أغلق عينيه وفتحهما لشدة ثقل ووطأة الصدمة المفرحة عليه!!
" أحقا هي هنا؟!!"
حاول أن يناديها.. فوجد لسانه جافا.. جافا تماما..
وأخيرا استطاع أن ينطق: عـــالــيــة..!!
ردت بسكون ودون أن تنظر ناحيته:
هلا..
همس لها بمودة غامرة وعتب رقيق: كذا يالغالية.. يهون عليش تسوين فيني كذا؟؟
احترقت اعصابي أتصل وماتردين علي..
هذا كله تغلي؟!!
عالية منذ سمعت صوت تحريكه للباب وهي تشعر بعبرة ضخمة تخنقها.. فكل ماحولها كان يرهقها..
خبر حملها.. وتعبها في حفل زفاف أخيها.. وردة فعل عبدالرحمن معها..
كل ذلك كان يتساند ليؤلمها.. وبشكل جارح..
لم ترد أن ترجع حتى.. لكنها لم ترد أن ينتبه أحد لوجود مشكلة بينها وبين عبدالرحمن
فالجميع يعلم أنها ستعود بعد زواج فهد.. لذا عادت فعلا مع عمتها أم عبدالرحمن..
وبناء على حلف والدتها التي لم تردها أن تطيل في العرس أكثر حتى لا ترهق نفسها!!
همست بعتب أشد: أنا كنت مطرودة لين يخلص عرس فهد.. وهذا أنا جيت..
عبدالرحمن حرك كرسيه أكثر ليقف مجاورا لها وهو يهمس بحنان غامر:
ياقلبي أنا حنيتش بس من التعب وأنتي مقطعة روحش بيني وبين عرس فهد!!
عالية بنبرة تهكم مختنقة: إيه كذا؟؟.. مادريت!!
عبدالرحمن مد يده ليمسك بأطراف أناملها وهو يهتف بحنان عظيم ومودة مصفاة:
مبروك ياقلبي.. ألف مبروك.. ما تتخيلين أشلون فرحت..
حسيت صدق برضا ربي علي..
حينها شعرت عالية أنها ستنفجر في البكاء فعلا وهي تشد كفها من يدها وتعقد ذراعيها أمام صدرها..
وتهمس باختناق فعلي: عبدالرحمن تكفى لا تقول لي شي..
لأني فعلا زعلانة.. وموجوعة منك..
وأنا عارفة نفسي ما استحمل منك كلمتين.. وأنا ما أبي أرضى...
ما أبي أرضى.. موجوعة أول شيء من تفكيرك السخيف اللي ما أدري من وين جبته.. إني ما أبيك إلا عشان تمشي..
وموجوعة من حركتك لما طردتني..
وموجوعة إنك ما تنازلت حتى تجي لي وتبارك لي.. وانا كنت بأموت أنتظرك..
وموجوعة من إحساسي إنك مافرحت بحملي..
*************************************
مازال يجلس في الصالة..
غاضب من نفسه قبل أي شيء.. فهي لم تفعل ما يستحق منه أن يجرحها بهذه الطريقة..
المشكلة أن الحدود عنده غير واضحة تماما بين ما يجرح من عداه..
فجلافته تُغضب.. وهو قد يقول كلمة ويظنها غير جارحة.. ثم يكتشف أنها جارحة..
ولكنها للحق أثارت غيظه لأبعد حد بغرورها المقيت..
ألا يكفي ضيقه من دلالها ومياعتها لتأتيه بالغرور أيضا..؟؟
لا يلوم إذن هذا الذي هرب منها.. فأي رجل قد يحتمل هكذا امرأة ستبقى تنظر له بهكذا غرور..!!
والغرور لا يأتي إلا من عقل فارغ تماما..
تنهد مطولا.. وزفر بحرارة.. لا يريد أن يكون ظالما لها.. لكنه عاجز عن احتمالها فعلا..
ويشعر أنها تخرج أسوأ مافيه.. وأسوأ مافيه هو هذه الجلافة التي لا يستطيع التحكم بها..
ولا يظن أن واحدة بهكذا دلال ومياعة قد تحتمل جلافته طويلا.. وهذا مايخشاه..
فهو لا يريد أن يشمت أحدا به أو بها... ويعلم أن الشامتين سيكونون كثيرين!!
" يا ابن الحلال لا تحاكيها.. وخلاص!!
من زين حكيها اللي يرفع الضغط..
خلها ساكتة بس"
فهد يتنهد بعمق..
رغم أنه قد لا يكون فكر بالزواج سابقا كفكرة واقعة..
ولكنه بشكل عام كان قد رسم صورة ما لشريكة حياته..
والغريب أن هذه الصورة تشابه كثيرا أخته عالية!!
كان يفكر أنه حين يفكر بالزواج أن يطلب من عالية أن تبحث له عن شبيهة لها..
امرأة متوسطة الجمال لا تثير غيظه بغرورها واهتمامها بجمالها..
وفي ذات الوقت امرأة قوية الشخصية تستطيع أن تحتمل جلافته التي هو يعلمها قبل غيره..
ولكن هذه التي ربي ابتلاه بها... جمال وحسنٌ لا مزيد عليه أثقلها بالغرور والدلال.. فكيف سيتعامل معها دون أن يجرحها..؟؟
وهي تبدو لرقتها كما لو كان كل شيء وأدنى شيء سيجرحها!!
ينظر لساعته بعد وقت طويل من التفكير. مرهق فعلا ويريد أن ينام..
ولكن أين ينام؟؟
كره جدا أن ينام هنا على أريكته.. وكأنه خائف منها..
لذا توجه لغرفة النوم.. كان يظنها نامت.. وكم كان حسن الظن!!
كيف تنام.. وهناك جرح بدأ يتعمق في روحها بحدة؟؟
(ماهو الذنب الذي أذنبته ليعاملني هكذا؟؟
أ لهذه الدرجة لم يرى فيني شيئا قد يعجبه حتى يبدأ بتجريحي من اللحظة الأولى؟؟
حتى لو لم يجد شيئا يعجبه.. ألم يستطع أن يسكت فقط..؟؟
يسكت فقط!!
ومازالت هذه البداية!! فأي رجل خال من الإحساس هذا؟؟ )
كانت هذه هي أفكارها التي تسكبها مع دموعها وبغزارة مريرة.. وهي تولي وجهها لناحية الحائط..
حتى شعرت بالحركة الثقيلة جوارها..
شعرت حينها أن شعر جسدها كله قد وقف.. وريقها جف ليتشقق حلقها وكهرباء صاعقة تعبر كل خلايا جسدها بعنف..
لم تتخيل أن قد يفعلها وينام جوارها.. تمنت أن تقفز من المكان كاملا.. ولكنها شعرت أن جسدها متيبس كأنه أكوام من الحجارة..
فهذا القرب الرجولي لم تعتده مطلقا.. وخجلها يزيد الوضع سوءا عليها..!!
لم تكن هي وحدها من توتر من هذا القرب..
فحتى ملك الجلافة شعر بتوتر ما وهو يشتم رائحة عطرها الأنثوي المثير ويرى ظهرها من هذا القرب وهو يتمدد جوارها..
كره جدا إحساسه بالتوتر.. بينما هو يعلم أن هذا أمر طبيعي بالنسبة لها..
فهي اعتادت على نوم رجل جوارها.. لكنه مازال لا يعرف ماهية القرب الأنثوي مطلقا..!!
ولكن هو كرجل تجاوز هذا الأمر سهل بالنسبة له..
لذا نام بعد أقل من نصف ساعة..
بينما هي شعرت بالاختناق وهي تشعر بتقلبه جوارها..
وتحاول أن تكتم ارتعاشها وهي تتخيل لو أنه حاول مد يده فقط ناحيتها كيف ستتصرف؟؟
لذا حينما شعرت بهدوء حركته وانتظام أنفاسه قفزت وهي تلتقط روبها بسرعة كما لو كانت تهرب من عفريت..
وهي تشد نفسها مبتعدة ركضا.. ولم تشعر بنفسها إلا وهي في الصالة وتحتضن نفسها في زاوية الأريكة..
" يا الله !! يا ليتني أصلي بس!!
كان هديت نفسي بالصلاة والقرآن"
************************************
" عالية ياقلبي..
الكلام السخيف هذا.. "ولا تقول لي شيء"..
أنا مستحيل أقبله..
إذا ليلة عرسنا مع كل اللي كان بيننا.. تصافينا ليلتها..
تبين أخليش الحين وما أراضيش؟؟
مستحيل!! "
عالية بنبرة حزن عميقة: إيه الحين مهتم من ولدك.. مهوب مني..
عبدالرحمن يقرب مقعده أكثر من مقعدها ليشد يدها بين كفيه ويهمس لها بحنان:
بلا سخافة حبيبتي.. وش ولدي ذا..
أنا الحين صار عندي ولد عشان أهتم منه..
واللي شيخش على قلبي إنه مايهمني إلا أنتي.. ومهوب هاين علي زعلش..
عالية بذات نبرة الحزن: هذا هو هان عليك قبل.. وش اللي تغير؟؟
عبدالرحمن يتنهد وهو يحشد أكبر قدر من الاهتمام والصدق والحنان في صوته:
زين أنا غلطان والغلط راكبني من رأسي لساسي..
وهذي يدش أحبها ورأسش بعد..
وآسف.. وحقش على رأسي.. وش اللي يرضيش بعد أنا حاضر له...؟؟؟
حينها رفعت عالية رأسها له وهي تنظر له بشكل مباشر.. وتهمس بشكل مباشر أيضا:
اللي يرضيني شيء واحد بس!!
****************************************
" ياحبيبتي يا قلبي.. ماشبعتي بكا.. حرام عليش.. صار لش ساعتين على ذا الحال!!"
عفراء مازالت تسند رأسها لصدر منصور وهي تنثر كبت الأيام الماضية كله وتهمس بصوتها الذي بح من البكاء تماما:
وصيت فهد عليها؟؟ تكفى يامنصور
منصور بحنان وهو يشدد احتضانه لها: والله العظيم وصيته.. وقلت لش ذا الكلام أكثر من مرة..
عفراء بصوتها المبحوح: تكفى وصه فيها بعد.. تكفى.. هذي بزر ويتيمة.. وماتهنت..
منصور بعتب: لا تقولين يتيمة.. أنا ماني بمالي عينش أب لها..
عفراء تمسح أنفها المحمر وتهمس باختناقها: فديتك ماقصدت.. بس واجد كاسرة خاطري بنتي..
وأنا خايفة عليها من شدته.. قل له يراعيها شوي.. تكفى..
منصور يقبل شعرها ويهتف بأريحية حازمة: أبشري.. بأوصيه فيها بعد.. من عيوني..
أصلا خلها تشتكي منه أقل شكوى.. عشان أوريه شغله..
أنا مازوجته بنتي إلا عشان يراعيها!!
*************************************
حين صحا من نومه..نظر لساعته بغضب حين رأى أن وقت صلاة الجماعة فاتته..
زفر بغيظ وهو يرى مكانها خاليا..
(مادامت الأخت صاحية.. ليش ماقومتني للصلاة؟؟
وليش تهتم فيني دامها ماتصلي؟؟)
فهد سارع ليتوضأ ثم صلى صلاة الفجر..
لا يعلم أين ذهبت.. واستغرب أنها صحت في وقت مبكر هكذا ولم تعد للنوم..
لم يشغل باله كثيرا بالتفكير وهو يعود للنوم.. دون أن يتجاوز غرفة النوم!!
حتى صحا مرة أخرى على أشعة الشمس الساطعة تغمر المكان تماما عبر الستائر المفتوحة التي لم تغلق..
صحا من نومه ولم يجدها أيضا (هذي صدق ماتعرف السنع!!)
استحم وأبدل ملابسه.. ثم قرر الخروج حتى يطلب الفطور لهما.. وهو يتوقع أن يجدها جالسة في الخارج..
ليجد الصدمة التي كانت تنتظره في صالة الجلوس..
كانت نائمة وهي تستند بشكل جانبي إلى طرف الأريكة..
بدت له طريقتها في النوم -لشدة رقتها وعذوبتها- تمثيلية تماما..
" يستحيل حد يرقد كذا!!"
وما أثار غيظه أكثر.. وارتباكه قبل ذلك... هو انكشاف جزء كبير من أعلى صدرها عبر جيب الروب المفتوح.. بسبب نومتها المائلة..
بدت له حركتها رخيصة ومقصودة تماما..
" صدق إنها ما تستحي!!
تمثل إنها نايمة وهي بذا الشكل!!"
فهد هتف بنبرة جهورية حازمة أقرب للغضب: جميلة!!
جميلة قفزت بجزع وهي تسمع الصوت الغريب الذي يناديها لأول مرة
حين رأت فهدا أمامها انتفضت بخجل وهي تشد روبها عليها وتقف بارتباك وهي تهمس برقة عفوية:
آسفة.. نمت بدون ما أحس!!
فهد لا يصدقها وهو يهتف بنبرة تهكم حازمة: إيه.. صح!!
ثم أردف بحزم: بأطلب الريوق.. تبين شيء معين!!
جميلة تشعر باختناق فعلي( مايعرف يبتسم ذا!!) همست باختناق: شكرا.. بأروح أسبح..
فهد بذات النبرة الحازمة: خلاص أنا بأطلب وأنتظرش لين تخلصين..
جميلة كعادتها تأخرت وهي تستحم ثم تتأنق في (ميني دراعة) بلون أخضر منعش وتحتها (ليقنـز) يصل إلى نصف ساقها بلون أخضر أفتح قليلا..
حين خرجت..
كان يجلس أمام الأفطار دون أن يفتحه.. هتف بسخرية: ترا كل شيء صار مثلج..
تبين نطلب غيره؟؟
همست برقة مختنقة وهي تجلس مقابلا له: ماكان انتظرنتي.. أنا دايم أتأخر لا تسبحت..
فهد تنهد: ماعليه جميلة لا تتضايقين مني.. بس أنا فعلا ما أحب نبرة الصوت هذي..
يا ليت تتكلمين بشكل طبيعي..
جميلة بصدمة: وأنا أتكلم بشكل طبيعي.. أشلون تبيني أتكلم؟؟
فهد تنهد في داخله (لا حول ولاقوة إلا بالله) ثم هتف بثقة: أنا بصراحة ماني بمقتنع إنه فيه حد هذا صوته الطبيعي..
بس دامش مصرة.. يا ليت لما نكون في مكان عام ما تتكلمين..
جميلة تنهدت في داخلها( يا الله الصبر من عندك) ثم همست برقة:
إن شاء الله.. حاضر!!
فهد هتف بحزم: إذا خلصنا ريوق.. تجهزي عشان نروح للبيت!!
ثم أردف بنبرة مقصودة وهو ينظر لها: وبدلي ملابسش.. هذا مهوب لبس تطلعين فيه..
جميلة نظرت له بغيظ (هذا وش مفكرني؟؟ مفكر إني بأطلع بلبسي ذا؟؟
متكشخة لك أنت ووجهك.. الشرهة علي بس!!)
ولكنها همست برقة مهادنة: حاضر إن شاء الله..
جميلة بعد ليلتها الصادمة معه.. حاولت جاهدة أن تتفهم أن طبيعته فعلا تتميز بالجلافة.. وأنها لابد أن تتقبل طبيعته حتى يسير مركب حياتهما..
وإنها إن كانت ذكية وصبورة.. فهي من ستغيره!!
حين انتهيا من الفطور الذي لم تلمسه جميلة..
كانت جميلة قد وقفت لتتوجه لغرفة النوم.. وكان هو يريد أن يقف أيضا.. فحرك الطاولة من أمامه..
حينها الطاولة صدمت في ساقها بقوة عنيفة..
لأنها كانت تجلس على كرسي منفرد يمينه..
ففقدت توزانها ليتلقاها هو بين ذراعيه.. ثم يدفعها عنه بذات سرعة تلقيها.. وهو يجلسها على الأريكة التي كان يجلس عليها
ويبتعد وهو يهتف بعتب مختلط بجلافته:
ترا عيب اللي تسوينه ياجميلة.. والله عيب..
جميلة لم تستطع أن تركز معه لأنها مشغولة بألم ساقها.. وهي تهمس باستغراب:
ليه أنا وش سويت..؟؟
فهد بضيق حقيقي: يا بنت الناس الحركات اللي تسوينها.. شفناها في الأفلام ألف مرة.. وش ذا السخافة؟؟
عيب ترخصين نفسش كذا..!!
جميلة بصدمة: الحين كنت بتكسر رجلي.. وعقب أنا اللي أسوي حركات أفلام؟؟
فهد بغضب: الطاولة يا الله إنها لمستش.. بلا حركات سخيفة.. طلعتي روحي!!
جميلة لم ترد عليه وهي تقف متوجهة للغرفة وتتحامل على نفسها حتى لا تعرج..
كانت تريد أن تبكي فعلا.. تشعر بمهانة عميقة وجرح أعمق..
(بس ماراح أخليه يشمت فيني..
ماراح أخليه يشمت فيني..
بالطقاق فيه وفي رأيه ما يهمني.. مالت عليه!!)
كانت تزفر بحرقة وهي تسب في فهد في أعماقها بكل الشتائم المعروفة وغير المعروفة..
وتريد أن تبكي على الأقل من ألم ساقها التي شعرت بتفجر قنبلة فيها..
ولكنها قررت كتمان كل شيء في داخلها وهي تغير ملابسها..
وتتأنق أكثر قبل أن ترتدي نقابها.. حتى يراها أهله وهي متأنقة فعلا كعروس..
لن تسمح مطلقا أن يتكلم عليها أحد نصف كلمة..
" يمكن ذا الفهد المعفن هو ذنب خليفة... ربي يخلصه مني..!!
ليتني ماوافقت على خليفة أول... ولا على فهد تالي!!
ليت ربي رحمني من الاثنين!!"
هــو في الخارج.. يدعك يديه بحدة..
يعترف أنه نادم فعلا على تجريحها.. ولكنها من دفعته لذلك..
" مسختها هي وحركات الأفلام...
تحسب نفسها في فيلم أبيض وأسود.. والبطلة اللي تبي تغري البطل..
.
زين يا ابن الحلال.. هي ناقصة عقل..
شوف الحركة وحط نفسك ماشفت شيء..
.
بس أنا قرفان من حركاتها.. قرفان!!
لوعت كبدي.. ماني بطايقها..
تظن إنها يوم تسوي كذا إني بأركع تحت رجلها وأقوم بأموت أنا من حسنش وجمالش..
صدق إنها غبية فوق قلة سحاها!!)
ولكنه ختاما.. شعر أنه لابد أن يراضيها بشكل ما..
فهو مهما كان قد أثقل العيار عليها...حتى لو كانت تستحق ماقاله لها..
فهذه الجميلة تبدو تافهة ومحدودة التفكير..
ولكنه لابد أن يراعي ابتلاءه بتفاهتها ومحدودية تفكيرها...
حين دخل كانت قد ارتدت عباءتها..
شعر أن كلمات الاعتذار تقف في بلعومه.. وغير قادر على إخراجها..
عدا أنها لم تترك له المجال وهي تتجاوزه.. وتهمس بنبرتها الحازمة الجديدة ولكنها مثقلة برقتها الخاصة:
شناطي جاهزة... وانا جاهزة..
يا الله نمشي..
فهد هز كتفيه وهو يهتف في داخله ( أنا ربي حرقني حسبت بألاقيها مسوية مناحة..
بس الظاهر إنها ما اهتمت لأنها دارية إنها غلطانة.. وحركاتها من أساسها عيب)
فرد عليها بحزم: يا الله باروح أسوي شيك آوت.. وبأرجع مع بوي يشيل الشناط...
وهما في طريق النزول.. كانت تمشي ببطء حتى لا ينتبه إنها كانت تعرج..
بينما كان سيشد شعره.. وهو يتمنى لو حملها على كتفه بدلا من مشي السلحفاة هذا!!
" يا الله الصبر من عندك
حتى مشيها غير نمونة!!"
************************************
" هاحبيبتي كفاية كذا؟؟
وإلا تبين أمشي بعد؟؟"
عالية مستغربة أنه وافقها بالأمس على شرطها بسرعة.. ومستغربة أكثر أنه قام بكل التمرينات وزيادة..دون أن يتذمر!!
همست عالية باستغراب: غريبة إنك ما تمللت..
حينها هتف عبدالرحمن بنبرة مقصودة أقرب للحزن:
دام حياتنا صار هذا مرتكزها.. وانتي منتي براضية تقبليني إلا وأنا أمشي..
وش أسوي؟؟
عشان تعرفين غلاش بس..
عالية ساعدته ليجلس وهي تطوق عنقه بذراعيها وتهمس بحنان:
يا ملغك بس.. عقب بتعرف إني على حق!!
عبدالرحمن ياقلبي.. لو كان عدم قدرتك على المشي شي عضوي.. كان مافتحت ثمي.. وانت عارف ذا الشي زين..
بس هذا شي نفسي..
ليه ياعبدالرحمن تبي تحرم امهاب الصغير إنك تلعب معه كورة..؟؟ أو تشارك معه في مسابقاته المدرسية..؟؟
ليه تسوي فيه كذا وأنت مافيك شيء؟؟ يعني هو مايستاهل تبذل شوي جهد عشانه؟؟
عبدالرحمن ارتعشت روحه مع ذكرها لمهاب الصغير.. وعالية بدأت ترسم مخططها بدقة.. فهي حضيت بما تضغط به على عبدالرحمن..
وقررت استخدامه بمهارة..
فإن كان لايريد المشي من أجل مهاب..
فهو سيريده الآن من أجله أيضا!!
تعلم أنها ستحتاج وقتا حتى تدخل الفكرة في رأسه..
وهي مستعدة لكل الوقت!!
*******************************
هاهي تعود لجناحها أخيرا..
بدا لها الغداء طويلا.. ولن ينتهي.. وهي تعاني الأمرين من شيئين:
نظرات خالات فهد الغريبة لها..
وألم ساقها المتزايد..
وهي تشعر أن صعود الدرج بمثابة عذاب حقيقي لها!!
كل ما تريده أن هو أن تستحم وتلبس بيجامتها وتتناول حبتين بنادول لتنام..
وتريح نفسها من كل ما يؤلمها..
كانت قد انهت استحماتها وخرجت لغرفة التبديل وارتدت ملابسها الداخلية ثم شرعت في إشعال جمرة حتى تتبخر بعد دهنت نفسها بالكريم المعطر..
كعادتها العفوية في اهتمامها بنفسها والتي لن تغيرها من أجل نظرة أحد..
في لحظتها..
فُتح باب غرفة التبديل..
كان هــو.. وقف كالتمثال الصامت ينظر للمشهد الذي لم يستطع التصرف إزائه إلا بالنظر..
بينما جميلة شهقت بعنف.. وهي تبحث عن روبها لترتديه.. وعيناها تتسعان بالدموع.. بينما هو لم يتحرك من أمام الباب
حتى دفعته هي وأغلقت الباب!!
حينها انتبه من غيبوبته التي كان فيها.. ليتصاعد غضب مر في كل خلاياه..
فهي تجاوزت هذه المرة كل حد..
تجاوزت كل حد!!
جميلة لم تستطع أن تخرج وهي تحشر نفسها في زاوية غرفة التبديل وتنتحب..
" يا الله.. ليش كل شيء عكسي كذا؟؟
أشلون أحط عيني في عينه الحين؟؟
وأشلون نسيت أسكر باب غرفة التبديل؟؟ أشلون؟؟"
جميلة أطالت كثيرا.. وكل دقيقة تمر تضاعف غضب فهد أكثر..
حتى ماعاد يحتمل لذا طرق الباب عليها وهو يهتف بغضب:
جميلة يا الله اطلعي.. ماني بقاعد انتظرش للصبح..
العصر بيأذن الحين.. وأبي أروح للصلاة..
حينها خرجت جميلة وهي مازالت ملتفة بروبها.. لم تنظر مطلقا نحوه حتى لا يلاحظ وجهها المتفجر بالاحمرار..
وهو لم ينظر أبدا لها لأنه ما أن رأها تخرج حتى انهمر بصراخه الغاضب:
أنتي وش جنسش؟؟
الحيا ما تعرفينه..
فيه وحدة في رأسها من الذرابة شعرة تسوي اللي سويتيه..؟؟
إلا بالغصب تغريني ومن أول يوم..
وهذا وأنتي ما تصلين.. لو تصلين وش كان سويتي؟؟
عيب عليش ذا السوايا.. عيب..
والله لو سويتي مهما ما سويتي.. إني ما أرد لش طرف عيني..
لأني نفسي مهيب دنية.. ونفسي ماتقبل فضلة غيري..
فاهمة وإلا لأ.. ؟؟
فريحي نفسش.. وبلاها ذا الحركات المالغة الله يرحم والديش..
جميلة كانت تستمع لانهماره وهي ترتعش وتحاول منع نفسها من البكاء
حتى وصل لمنتهى كلامه فكررت وراءه بذهول مصدوم:
أنا فضلة؟؟
فهد غاضب فعلا من تصرفها الذي رأه غاية في الحقارة والرخص لذا هتف بذات الغضب المتفجر:
إيه فضلة مستخدمة يوم زهق منها رجالش الأولي رماها لغيره..
جميلة شهقت بعنف قارص وهي تحاول أن تتماسك.. رغم أن روحها تهاوت تماما..
بينما فهد شعر فورا بتصاعد ندم مر في روحه ما أن خرجت الكلمة من بين شفتيه.. " ليتني خليت رأيي لروحي"
لذا كانت صدمتها من ردها المتماسك القارص:
تدري من اللي أغبى وأحقر من اللي يستخدم فضلة مستخدمة على قولتك..؟؟
.... اللي اشتراها...
تدري من قبل ماتخطبني إني فضلة مستخدمة.. وش حدك علي؟!!
وش حدك تشتري شيء مستخدم ماتبي تستخدمه إلا لأنك ....... وإلا بلاها!!
فهد أمسك بقبضتيه وهو ينتفض من الغضب حتى يمنع نفسه من صفعها..
وهو يخرج ويترك المكان خاليا..
لتنهار جميلة في مكان وقوفها وهي تنتحب بعنف حقيقي موجوع ومدمر تماما..
**********************************
كان يسمع كلمة واحدة ويتوه عن عشر كلمات..
غير قادر على التركيز..
وكل تفكيره معها.. يشعر بكراهية عظيمة لنفسه لأول مرة يشعر بها..
يشعر أنه مخلوق حقير وعاجز عن إزالة الفكرة من رأسه..
منذ خرج من عندها عصرا.. لم يعد.. ولم يتصل حتى
ولماذا يتصل؟؟ ماذا لديه ليقوله؟؟
حتى رقم هاتفها لا يعرفه أصلا..
ما يؤلمه بشدة ليس ظنه فيها.. فهو مقتنع بظنه.. ولكن تصريحه بهذا الظن..
فكم من بشر نظن فيهم السوء ولكن مطلقا لا نبوح بظنونا لهم..!!
لأن هكذا هي المخلوقات البشرية... جُبلت على مراعاة مشاعر البشر الآخرين..
وهو خرج تماما عن صفات البشر وهو يجرحها بهذه الطريقة الخالية من الإنسانية!!
تمنى لو أنه لم يقل شيئا.. وتمنى بشدة لو أن الزمن يعود فقط لساعات قليلة حتى يتحكم بنفسه أكثر..
ولكن الزمن لا يعود.. لا يعود!!
" ها يافهد.. سامعني وإلا لأ؟؟"
فهد انتفض بشدة: سم يا أبو زايد..
منصور بحزم: أقول لك ترا عمتك أم زايد مأمنتك تراعي بنتها..
وأنا آمنك فوقها..
الله الله في بنيتنا.. ترا قلبها كنه قلب طير.. وأدنى شيء يأثر فيها..
وأنا أعرفك الله يهداك جلف شويتين.. راعي البنية واستحملها شوي.. لين تكيفها على طبايعك..
فهد اختنق تماما وهو يعود لدوامة التفكير الموجعة.. كان يعلم كل هذا منذ البداية..
فكيف استطاع أن يجرح أمانته هكذا؟؟ كيف؟؟
أي رجل هو هذا الذي لا يحافظ على الأمانة؟؟
كان غارقا في أفكاره بينما منصور كان يتكلم عبر الهاتف
ولم يخرجه من أفكاره إلا منصور يهز كتفه بقوة وهو يهتف بحزم:
فهد قم لبيتكم شوف جميلة وش فيها؟؟
أمها تتصل فيها من عصر وهي ما ترد عليها..
وأم زايد حالتها حالة!!
فهد هتف بحزم يخفي خلفه قلقه الذي تفجر فجأة:
مافيها شيء.. نايمة بس لأنها ما نامت البارحة..
بأروح لها الحين وأخليها تكلم أمها..
فهد لا يعرف حتى كيف وصل للبيت.. وهو يحاول ألا يركض حتى لا يبدو منظره مثيرا للدهشة والضحك..
وزادتها والدته عليه وهي تمسك به قبل أن يصعد وتهمس بقلق:
فهد.. مرتك مانزلت من ظهر.. ونتصل عليها ماترد.. حتى العشاء ماتعشت..
وأنت الله يهداك.. فيه حد ثاني يوم عرسه يخلي مرته كل ذا..
فهد يشد له نفسا عميقا وهو يحاول التحدث بثقة:
يمه هي أساسا تعبانة مانامت وتبي تنام.. فخليتها براحتها..
فهد كان يريد أن ينهي هذا الحوار ليقفز للأعلى ليطمئن عن حال ضحيته التي تركها خلفه..
حين دخل لغرفته كان المكان غارقا في الظلام.. أشعل الإضاءة بأنفاسه المقطوعة..
كانت فعلا نائمة.. صرخ فيها بحدة قلقه: جميلة.. جميلة..
لكنها لم تجبه.. تقدم منها بقلق.. وهو يقف على ركبتيه على الأرض قريبا من رأسها..
قرب كفه من أنفاسها ليتأكد من تنفسها.. فكل الظنون السيئة خطرت بباله..
كانت تتنفس بهدوء منتظم.. ليتنفس هو أيضا بعد شد الأعصاب غير الطبيعي
وهو يجلس فعلا على الأرض.. ليلاحظ حينها علبة بنادول نايت بجوار سريرها..
انتفض بجزع وهو يقفز ويفتح الشريط ليتأكد من عدد الأقراص..
وجد أنها تناولت قرصين فقط.. فعاد للنفس وهو يزفر:
يا الخبلة.. صبيتي قلبي..
وحينها لاحظ شيئا آخر.. وهو ينظر ناحية الغطاء الذي لم يكن يغطي ساقيها ..
شيئا لم يكن موجودا اليوم صباحا وهو ينظر لساقيها المصقولتين ويدعي في أعمق أعماقه أنه لا ينظر..
كانت كدمة بنفسجية متسعة وواضحة في بياض ونعومة ساقها..
كشف عنها بنطلون البيجامة (البنتاكور) الذي كان طوله يصل لمنتصف ساقيها..
وليس غبيا ليعرف سبب هذه الكدمة..
زفر حينها بيأس جارح وهو يضغط جانبي رأسه ..
(يعني المسكينة صادقة.. أنا كنت بأكسر رجلها.. وعقبه اتهمتها بسخافاتي..
والله ماحد سوى أفلام غيرك يالغشيم..
والمسكينة ماحتى اشتكت.. ولا قالت إن رجلها توجعها
.
لمن تشتكي؟؟
لواحد مايحس مثلك!!
.
لا حول ولا قوة إلا بالله..
أنا أساسا زواجي منها كله غلط..
ليتني اعتذرت من منصور من أولها.. وانتهينا)
مال برفق عليها وهو يهمس بهدوء: جمليلة.. جميلة.. قومي كلمي أمش..
ولكنها لم تستجب له..
هز كتفها برفق.. وحينها فتحت عيناها بتثاقل..
حين رأت وجهه أمامها عادت لإغلاق عينيها كما لو كانت رأت كابوسا..
شد له نفسا عميقا وهو يحاول أن يهتف برفق: جميلة قومي كلمي أمش..
جميلة حاولت أن تنتصب وهي تشعر بدوار فعلي..
شدت نفسها لتسند ظهرها للخلف.. وهي تتناول هاتفها..
فوجئت بكم الاتصالات.. لتهمس برقة أقرب للبكاء: ياقلبي يمه أكيد متروعة علي..
هاتفت والدتها وهي تطمئنها عنها وتصف لها كل شيء أنه بخير.. بينما هو يراقبها..
ورغما عنه ومع إحساسه المتعاظم بالتأثر من أجلها إلا أن رقتها الزائدة تسبب له الغثيان فعلا..
"حتى وهي تكلم أمها.. تكلمها كذا!! "
حين انتهت من الاتصال هتف لها بحزم: قومي أوديش للمستشفى..
جميلة همست باستغراب: مافيني شيء عشان توديني المستشفى..
فهد بتصميم: وذا اللي في رجلش مهوب شيء؟؟
جميلة نظرت لساقها لتصاب بصدمة فعلا لأنها لم تعلم أنه تحول هكذا.. رغم أنها حتى وهي نائمة كانت تشعر بألمها..
ومع ذلك همست بنبرة مقصودة ولكنها أقرب للحزن:
ورجلي مافيها شيء.. مهوب أنت تقول إن الطاولة مالمستني.. فخلاص أنت الصادق ..
أنهت عبارتها لتقف.. فأصيبت بالداور نتيجة لنومها الطويل دون تناول أي شيء.. عدا أنها لم تستطع الاستناد لساقها فعلا!!
حاول إسنادها لولا أنها رفضت وهي تعود للجلوس وتهتف بذات النبرة المقصودة المغمورة بالحزن:
مافيه داعي إنك تصدق تمثيلياتي اللي بأسويها..
أو تجبر نفسك على مساعدة الفضلة.. خلني في حالي ومشكور!!
فهد شعر اختناق فعلي.. وهي تعلق كلماته كمشانق تشنقه عليها..
وهي تشعره بالضآلة والحقارة.. التي كانت مؤلمة له فعلا مع اعتزازه الكبير بنفسه!!
جميلة حاولت الوقوف مرة أخرى.. بدا لها ألم ساقها لا يحتمل فعلا..
وهي تحاول أن تتحامل على نفسها بصعوبة لأن الكدمة كانت منتفخة لحد ما!!
وهي بطبعها غير صبورة على الألم!!
والوقوف عليها فجر الآلم فيها..
ووجود هذا المتوحش معها وهو ينظر لشكلها المزري زادها آلما وهي تتذكر كلماته المهينة لها..
لذا لم تستطع إكمال طريقها للحمام وهي تجلس على مقعد التسريحة..
وتنفجر في البكاء.. وبشكل مؤلم حقا!!
فهد شعر بالفجيعة وهو يراها تبكي.. لا يعلم لِـمَ بدا يتكون لديه تصور أنها شبه معدومة الإحساس.. لأنها لم تظهر تاثرها بشيء منذ البارحة!!
لذا ورغما عنه لم يحتمل نحيبها!!
فأي رجل قد يحتمل دموع امرأة!!
فهد اقترب منها وهو يهتف بجزع قلق: وش فيش؟؟
جميلة لم ترد عليه.. فهي كانت محتاجة للبكاء فعلا.. وبما أنها انفجرت الآن.. فلن تسكت..
فهد شعر أنه يتمزق فعلا من بكائها.. والسبب هو إحساسه بالتقصير في حق الأمانة التي تُركت عنده..
مازال اليوم هو اليوم الثاني لزواجهم وهي تبكي هكذا.. فكيف بعد مرور الأسابيع؟؟
قضى فهد وقتا طويلا في محايلتها وهو فاشل فعلا فعلا في المحايلة.. كان يخشى أن يغضب عليها..
" حشا فتحت حنفية.. وماعاد سكرتها!!
رأسي آجعني!!"
فهد هتف بحزم في محاولة أخيرة : إذا ما تبين تسكتين وتقولين لي وش فيش..
وإلا بأدعي أمي وقولي لها..
ففهد كان يظن أنها ربما تشعر بالخجل من شيء معين ولا تريد إخباره بما فيها.. لذا انفجرت أكثر وهي تشهق:
إيه ادع أمك.. وخلني أقول لها وش قلت لي..
وادع بعد عمي منصور اللي قال لي ألف مرة إنه وصاك علي!! خله يشوف وش سويت في وصاته!!
يا ابن الحلال أنا ما أبي منك شي.. ما أبي منك إلا شوي احترام شحيت به علي!!
دامك عايفني كذا ومن أولها.. وش حدك تأخذني.. عشان تطلع عقدك علي!!
حرام عليك.. حرام عليك.. والله ما سويت فيك شي يستاهل حتى واحد على مليون من اللي سويته فيني!!
فهد بدا مفجوعا فعلا من هجومها المنهك المتفجر حزنا وقهرا... بدت له حينها الصورة شديدة الوضوح من ناحيتها..
وتبدت له مقدار بشاعة صورته في عينيها!!
تنهد وهو يشد له نفسا طويلا ثم يهتف بحزم: زين خليش مني الحين.. أنا واحد أضيع مفتاح لساني أحيانا...
قومي خلني أوديش المستشفى!!
جميلة تنتحب بشفافية: رجلي توجعني.. ما أقدر أنزل الدرج... أنا اصلا ما أدري أشلون طلعت اليوم..
والحين منتفخة أكثر.. ما أقدر!! ما أقدر !!
" يا الله طفلة تبكي!!..
وأنا كمن ضرب الطفلة وبدون رحمة أيضا!!"
هتف لها بحزم: أنا بأشلش!!
جميلة بجزع: نعم؟؟ تشيلني!! لا لا.. خلاص جيب لي دكتورة هنا!!
(مسوية فيها مستحية الأخت هي ووجهها!!) هتف بذات حزمه: يمكن تبين أشعة.. حتى لو جبت دكتورة.. بتقول نفس الكلام!!
جميلة تشعر بالفعل أن هناك شيء غير طبيعي في ساقها.. وتعلم أنها تحتاج للمستشفى!!
لذا همست باختناق: زين ناد عمي منصور هو اللي يشيلني!!
فهد هتف بغضب: إلا اشرايش أدعي لش إبي أحسن!!
خلصيني بلا دلع.. بدلي والبسي عباتش..
جميلة عادت للنحيب.. فكل شيء يؤلمها.. وهذا القاسي يزيدها عليها من كل ناحية!!
تحاملت على نفسها وهي تقف .. ثم عادت لتجلس وهي تبكي..
تشعر بالمهانة فعلا وهذا كان آخر ماينقصها أمام هذا المعدوم المشاعر..
فهد اقترب منها وهو يشدها بيد واحدة.. انتفضت بجزع.. بينما هتف هو لها بحزم:
أنا قلت لش إني ما أداني الحركات البايخة وزود عليها لساني مضيع مفتاحه..
فاتقي شري ولا تقولين ولا شيء..
أنهى عبارته بأن حملها بين ذراعيه بخفة كما لو كانت لا وزن لها فعليا..
جميلة تصلب جسدها فعلا وكلماتها تجف في حلقها..
وكلاهما يتبادلان تأثر إلى حد كبير.. كلٌّ بطريقته!!
هي تشعر بخجل مرعب.. وهي ترى نفسها محمولة بين ذراعيه..
وهو يشعر بشيء مختلف مختلف..بعد أن خفت حدة عدائيته بسبب ظرفها الحالي..
كان يشعر بنعومة جسدها ملاصقة لصلابة صدره كما لو كانت ستذوب لشدة ليونتها..
إحساس غريب عليه لم يسمح لنفسه بالاحساس به ولكنه اقتحمه رغما عنه!!
بدت الرحلة القصيرة مابين غرفة النوم لغرفة التبديل.. كما لو كانت لا تريد أن تنتهي لكلاهما..
هي لشدة خجلها!!
وهو لغرابة ماشعر به!!
أنزلها قريبا من الخزانة وهو يهتف بحزم يخفي خلفه توترا غير مفهوم:
تبين مساعدة؟!!
همست بجزع: وش مساعدته؟؟
خلاص كل شيء قريب مني.. بألبس وأطلع لك!!
.
.
.
هاهما يعودان أخيرا قبل صلاة الفجر بقليل..
ومن رحمة ربي بهما..
أن أحدا لم يراهما لا في الخروج ولا الدخول..
مع أن كلاهما كان يخشى مواجهة أحد وهما في هذا الموقف..
يحملها نازلا وصاعدا!!
جميلة قالت لهم في المستشفى أنها زلقت في الحمام...
وما آلم فهد أنها كانت مصابة بـ(شعر) فعلا... وهو من تسبب به!!
يتخيل لو أنه كسر ساقها فعلا.. كيف يستطيع أن يضع عينه في عين أحد!!
" يا ربي... ليت ربي يخلصني من ذا السالفة!!
هذي من دفة بسيطة للطاولة انشعرت رجلها
أشلون أتعامل معها ذي..
أحطها في صندوق قزاز؟؟ "
حين أنزلها على السرير هتف لها بحزم رغم أنه كره ماسيقوله من أجل منظره أمام الناس: جميلة تبين تروحين لأمش.. لين تحسنين.. ماعندي مانع!!
همست جميلة بحزم رقيق وهي تخلع شيلتها وعباءتها: أدري ماعندك مانع..
أفرح ماعليك تخلص مني..
بس على الأقل راعي منظرنا قدام الناس وأنا راجعة لهلي ثالث يوم..
كلها أسبوعين وأنت تروح بالسلامة وأقعد عند أمي شهر!!
ولا تخاف ماراح أثقل عليك.. لا أبيك تشلني ولا تحطني!! بأقعد في الغرفة لين أتحسن!! وباخلي أمي ترسل لي وحدة من خداماتها!!
فهد بنبرة أقرب للغضب: إذا على الخدامات يادلوعة أمش.. ترا بيتنا مليان.. مافيه داعي تطلبين من حد..
وعلى العموم أنا ماني بعاجز من مرتي!!
جميلة تنهدت وهي تمنع نفسها من الرد عليه... فالوضع يبدو مأسويا فعلا بينهما..
ويبدو كما لو كان كل منهما لا يطيق الآخر فعلا وبلا مواربة!!
.
.
اليوم التالي..
فهد لم يصعد مطلقا لها..
فوالدتها كانت عندها طوال النهار..
وهو كان سعيدا بذلك.. لأنه تخلص من حملها..
فهو كان يشعر بالتوتر الممزوج بالقرف حين يضطر لمساعدتها للذهاب للحمام أو التنقل في أرجاء الغرفة..
وما أثار استغرابه.. اصرارها هذا الصباح هلى التأنق وبأقصى صورة رغم أنها لن تنزل من غرفتها!!
"خبلة.. خبلة.. وعقلها نص لبسة!! "
أخرج فهد من أفكاره صوت والده يهتف له بحزم:
فهد اتصل في مرتك.. قل لها إني بأطلع أسلم عليها!!
فهد بجزع واحترام: يبه تطلع بنفسك.. عطها بس يومين تحسن وهي اللي بتجيك!!
أبو صالح بحزم: إذا قلت لك كلمة.. سوها وأنت ساكت.. ياحبك للمرادد..
فهد تنهد وهو يهتف بحزم: زين أنا بأطلع أقول لها بنفسي!!
فهو ويا الغرابة مازال لا يعرف رقم هاتفها!! ولم يهتم أن يأخذه!!
طرق باب غرفة الجلوس بطرقاته الحازمة.. ليصله صوت عمته أم زايد:
ادخل يأمك.. مافيه حد.. بنت أختي راحت!!
فهد كان عاجزا عن وضع عينيه في عيني عفرا.. وهو يتخيل أن جميلة أخبرتها بسبب مافيها..
حتى لو كان لا يقصد.. فهي مهما كان ستعاتبه وخصوصا أن الضربة كانت منذ الصباح وهو لم يأخذها للمستشفى إلا في الليل!!
لذا كان استغرابه من خطاب عفرا الحاني الباسم: بيض الله وجهك يأمك..
جميلة تقول إنك تعبت نفسك معها واجد من البارحة لين اليوم!!
فهد لم يستطع أن يرد عليها بشيء وهو ينظر ناحية جميلة التي لم تكن تنظر ناحيته وتتشاغل بأخيها المتمدد في حضنها..
وهو يرد من باب اللياقة ولكن بصدق طبيعي: ماسويت شيء.. إلا مقصر واجد.. والسموحة منش ومنها!!
ثم أردف وهو يهتف بحزم: جميلة إبي بيجيش يبي يسلم عليش!!
جميلة حينها انتفضت بجزع وهي تهمس لأمها بعفوية: يمه تكفين جيبي لي جلابية ضافية وجلال..
فهد رغما عنه شعر بتأثر لطيف.. لأنه حين دخل ورأى الفستان القصير الذي ترتديه.. شعر بحرج كيف سيقول لها أن تبدله أمام والدتها!!
عفراء خرجت لتذهب لغرفة نوم ابنتها..
بينما فهد جلس مكان عفراء وهو يهتف لها بهدوء: عطيني زايد..
جميلة استغربت حين رأته يبتسم لزايد.. ( زين يعرف يبتسم..
فديت قلبك يازيود تخلي الحجر يبتسم!! )
عفراء دخلت وهي تحمل الملابس بيدها.. وهمست لجميلة بحنان: خلاص يامش قومي خلني أساعدش نروح للحمام تبدلين..
ثم أردفت ابتسامة لفهد: ماعليه يأمك بنخلي زايد عندك شوي..
جعلني أشوف عيالكم.. عاجلا غير آجل!!
كلاهما وفورا شعر بالضيق من هذا الدعاء.. فكلاهما لا يريد فعلا أن يكون بينهما أطفال..
" أنا آخرتي أرد نفسي لها..
لا وأجيب عيال من ذا الدلوعة.. أشلون بتعرف تربيهم أساسا؟؟"
" بسم الله علي أجيب عيال من ذا المتوحش!!
زين ما يحطهم في الفرامة ويفرمهم إذا عصب عليهم!! "
**********************************
بعد أربعة أيام..
والأوضاع شبه مستقرة على جميع الأصعدة.. بين استمرار عبدالرحمن في التدريبات..
والحياة الباردة الرتيبة والطبيعية بين كساب وكاسرة مع تحسن كساب أكثر وعودته لعمله في الشركة..
ومن ثم تحسن جميلة أكثر..
بعد أن قضت الأيام الماضية أكثرها في غرفتها!!
ومشاعر النفور المتبادل تصبح هي السمة بينها وبين زوجها!!
رغم أنها حاولت أن تكون أكثر لطفا معه.. وهي تؤمن أن هذا الرجل هو نصيبها!!
ولكنها رغما عنها لا تستطيع نسيان إهانته الجارحة!!
هـــو لم يكن مايشعر به هو النفور بمعناه الحقيقي... لكنه كان في رحلة اكتشاف..
اكتشاف عالم مجهول لم يكن يعرفه.. هذه الحسناء الرقيقة المتأنقة على الدوام..
بدأت تسترعي انتباهه بطريقة غريبة...
كما لو أنك تسكن مع نجمة متألقة تنتظر جديدها كل يوم!!
وهي لم تكن تمل من التلون وعدة مرات في اليوم!!
أناقة لافتة.. واهتمام لافت بنفسها.. وكل مافيها يبدو متقنا لأبعد حد...
حتى رقة صوتها بدأ يعتادها.. فمثل هذه الحسناء لا يصلح لها إلا هذا الصوت!!
ومع كل هذا... فوجهة نظره لم تتزحزح مطلقا.... لا بأس أن تنظر..
ولكن لا تقترب من شيء مستخدم...
فلو أنك رأيت تحفة فنية مبهرة... لن تمنع نفسك من النظر لها والتعجب من جمالها..
لكنك لن تفكر أبدا باستخدامها إلا لو كنت مجنونا!!
وهو ليس مجنونا!!
كان يدخل لغرفته بخطوات هادئة.. ليشعر بتوتر لا يعلم له سببا حين رأها تصلي!!
فهذه المرة الأولى التي يراها تصلي منذ زواجهما!!
وهي رغم شعورها العارض بالتوتر.. إلا أنها نفضته فورا.. فهي رأت طيلة الأيام الماضية تعامله الرسمي الدال على عدم رغبته في أي تقرب منها!!
خلعت جلال الصلاة.. لتظهر أناقتها اللافتة من تحته..
بنطلونها الجلدي الأسود.. وبلوزتها الفضية الضيقة التي تصل لمنتصف الفخذ..
وكل مافيها يصرخ بالإثارة لأبعد حد..
فهد توتر نوعا ما.. فهو مهما كان رجل.. وليس حائطا..
لذا هتف بغضب وهو يراها تجلس على مقعد التسريحة وتعدل وضع أحمر شفاهها:
دام أنتي عارفة مثل ماقلت لش قبل.. وعشان ما أجرح فيش..
إني مستحيل أرد نفسي لش... ممكن أعرف ليش ذا الكشخة اللي متعدية الحد 24 ساعة..؟؟
جميلة همست ببساطة وهي تضع لمسات أحمر الشفاة الأخيرة:
أتعدل لنفسي.. يعني عشانك ماتبيني... لازم أكتئب وأدفن نفسي!!
فهد يزفر بغيظ: يا بنت الحلال ريحي روحش.. مهما سويتي ماراح ينفع معي!!
جميلة ضحكت برقة: تدري فهد إنك تفكيرك سطحي وبريء بزيادة..
ماكنه بتفكير رجال قرب على الثلاثين..
لأني لو أبي أغريك على قولتك.. تراك ما تاخذ في يدي غلوة !!
جميلة كرهت بالفعل ماقالته.. ولكن هذا التافه الذي يظنها ستموت من أجل إغرائه أثار غيظها لأبعد حد..
وهي سكتت عنه طويلا!!
بينما شعور فهد ناحيتها بالقرف تعاظم أكثر لأنه رآها تتبجح بتجربة هو لا يمتلكها..
وشعوره بالغيظ ناحيتها يتزايد أكثر وأكثر!!
جميلة شعرت بالتوتر وهي تقف وتهمس برقة: بأروح أبدل وبأنزل لعمتي أم صالح..
*********************************
" علي حبيبي اشفيك تاخرت؟؟"
علي يخفي شيئا خلفه ويهتف بولع وهو يضع هاتفه على أذنه..
هذا أنا عند الباب يا قلبي!!
دقيقة وكان يفتح الباب ليجدها واقفة أمامه.. كانت متانقة لأبعد.. ابتسم لأنه يعرف سبب تأنقها..
وهو يرى كيف كانت غرفتهما معدة لاحتفال خاص جدا!!
أخرج باقة الورد الصغيرة والأنيقة من خلف ظهره وهو يقترب من شعاع ليحتضنها ويغمرها بقبلاته ويهمس بولع:
مبروك ياحبيتي.. وعقبال ألف شهر مع بعضنا...
شعاع بتأثر: ياقلبي يا علي.. تدري كنت خايفة إنك ما تتذكر إنه حن اليوم كملنا شهر..
علي بولعه المصفى: أفا عليش.. يعني أنتي تتذكرين وأنا أنسى!!
تدرين احترت وش أجيب لش هدية..
وبعدين على طريقة الرومانسيين قلت الورد أحلى هدية!!
ثم أردف بابتسامة:ولو تبين هدية مادية.. رحما مع بعض ونقيها بنفسش؟؟
ابتسمت شعاع وهي تشده لتجلسه على الأريكة مقابلا للكعكة الأنيقة والشموع المشعلة: والله العظيم أحلى هدية ياقلبي
أصلا أنت سبيشل واللي يجي منك سبيشل..
ويا الله افتح هديتي لأني عندي لك هدية أكثر من سبيشل...
علي فتح العلبة المستطيلة الصغيرة الأنيقة.. لتتسع عينيه بصدمة وهو يكح ويشهق ويشعر كما لو كان سيبكي فعلا..
ويهمس بتأثر غامر: صدق وإلا تلعبين علي؟؟
شعاع تعلقت بعنقه وهي تبكي برقة: لا تصير سخيف .. وش ألعب عليك؟؟
علي رفع الشريط المستطيل أمام عينيه بيد وهو يحتضنها بيده الثانية وينظر للخطين المتوازين في اختبار الحمل المنزلي..
ويهمس باختناق: متاكدة ياقلبي؟؟.. مهما كان هذا اختبار منزلي..
شعاع بين شهقاتها العذبة: أصلا أنا صار لي كم يوم متوترة عشان دورتي تأخرت..
أمس سويت التيست.. وعقب طلبت من جوزاء توديني أسوي فحص دم..
علي بفرحة غامرة وهو يغمرها بمزيد من قبلاته الحماسية: وانا أقول وش فيش من أمس وانتي منتي على بعضش..
يا الله.. الحمدلله يارب على نعمتك..
صدق ربي راضي علي...
ثم قفز بحماس: باتصل في إبي أبشره... بيموت من الفرحة!!
شعاع اختنقت من الخجل: لا علي.. تكفى لا تحرجني في عمي!!
علي تناول هاتفه وهو يتصل بحماس: مستحيل ما أقول له وذا الحين بعد!!
**********************************
" مبروك.. الف ألف مبروك"
كساب وكاسرة ينظران بدهشة لزايد الذي قفز وهو يروح ويأتي ماعاد قادرا على الجلوس حتى!!
ووجهه يتفجر بالفرحة العارمة!!
ما أن أنهى اتصاله حتى هتف كساب بابتسامة: فرحنا معك!!
زايد لا يستطيع السيطرة على فرحته: مرت علي حامل.. مرت علي حامل!!
كساب ابتسم بسعادة: والله مهوب هين عليان.. مبروك ياجدي..
كاسرة ابتسمت كذلك: مبروك ياعمي.. خلني تصل بشعاع أبارك لها بنفسي..
زايد بتاثر: وعقبالكم عاجلا غير آجل..
كساب وكاسرة تبادلا نظرات مثقلة بالمعاني ليتفجر المكان كله بالدهشة العارمة
وكاسرة تهمس بنبرة مقصودة:
وحن بعد يبه باركنا لنا..
أصلا أنا وكساب جايين نقول لك.. بس علي سبقنا..
أنا بعد حامل!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل التسعون 90 - بقلم HaboOoshy
لم يشعر يوما بالجرح والمهانة كما يشعر الآن في هذه اللحظة..
حتى في أيام غضبه من مزون..
فمزون قامت بفعل أغضبه ومرفوض عنده.. لكنها تبقى حياتها هي!!
لكن هذه أخفت عليه أمر يخص حياته هو.. أخفت عليه نبض روحه ينبض بين جنباتها..
ثم سلبته حتى حقه في أن يعرف هو أولا..
ألقت الخبر أمامه دون أدنى اهتمام به..
أخبرت والده قبله!!
أ حقا فعلا ذلك؟؟
كان يرى المشهد أمامه كما لو كان مشهدا لا علاقة له به.. مشهد غائم ومؤلم ومهين.. وهو يرى والده يتصرف بعفوية حرمته منها..
ووالده ينتزع كاسرة من مقعدها ليحتضنها وهو ينهمر بسعادته وتبريكاته..
يحتضنها قبله!!.. ويبارك لها قبله.. وهو على الرف.. لا قيمة له!!
ثم يعود لينتزعه هو ويحتضنه وهو يهتف بسعادة محلقة وعاطفية ثائرة لم يعتد على تبادلها مع والده:
ألف مبروك يا أبيك.. ألف مبروك.. والله إني الليلة كني لمست النجوم..
الله يفرحكم بسلامة ولدكم مثل مافرحتوني الليلة..
ثم التفت لكاسرة وهو يهمس بحماس فخم: قلتي لأمش؟؟
ابتسمت كاسرة بتأثر لما رأته من فرحة عمها: لا .. أنت أول حد يدري عقب كساب..
ضغطت على عبارة (عقب كساب) بشكل مقصود..
زايد بذات الحماس الفخم: خلاص والله ماحد يبشرها هي ومزون غيري.
كفاية عليكم البشارة من عندي!!
زايد أنهى عبارته وغادر الصالة العلوية حيث يجلسون جميعا متجها لغرفته..
ليقف كساب وهو يتوجه لكاسرة بخطوات ستخترق الأرض وهو يشدها بيده السليمة ويهتف بغضب مكتوم:
قدامي على غرفتنا!!
كاسرة تقدمت أمامه بكل بساطة.. ربما لم تكن تخطط أن تقول لوالده قبله..
ولكنها هكذا حدثت..
وهي سعيدة جدا أنها هكذا حدثت..
وكأن الله يدخر لها هذه الطريقة الرائعة لرد الصفعة لكساب.. بل لرد الصفعات!!
رغم أنها في داخلها تمنت بكل اليأس أن يكون أول من يعلم.. ولكن كل شيء في حياتها معه مبتور.. ولن يكون خبر حملها هو الاستثناء!!
فما الغريب أذن!!
ما أن وصلا للداخل حتى أفلت كساب عضدها بحدة وهو يسألها بصوت أجش:
من متى تدرين؟؟
كاسرة جلست ببساطة وهي تهمس بذات البساطة:
ثاني يوم رجعتك من السفر..
كساب تراجع بصدمة كأنه يحادث نفسه: قبل أكثر من أسبوع.. ومافكرتي حتى تقولين لي..
ثم أردف بغضب وهو يتذكر شيئا آخر: وأشلون هان عليش تقولين طلقني.. وأنتي عارفة إنش حامل!! أشلون؟؟
كاسرة بذات البساطة: أنت اللي قلت إنك تبي تطلقني.. وعادي بدل ماتصير العدة 3 شهور تصير 8 ...وين المشكلة؟؟
كساب بعتصر كفيه.. لأول مرة يجد الكلمات تفر منه هكذا..
( أنا أطلقش ؟؟ أنا يوم شفت بس الدمعة اللي تعلقت على طرف رمشش..
حسيت الدنيا كلها تسكرت قدام عيني..
دمعتش اللي ردتني من الطلاق.. مهوب إبي!!
وأنتي استكثرتي تقولين لي خبر مثل هذا؟!! "
يا الله...!! مجروح منها بشدة.. مجروح بالفعل!!
هتف بعتب غاضب مثقل بالجرح: خلينا من زعلتنا في المستشفى... أنا صار لي مقابلش كم يوم... مالقيتي دقيقة تقولين لي فيها الخبر؟؟
تبلغين إبي قبلي كأني مالي أي قيمة!!
حينها كررت كاسرة بتهكم موجوع: كأنك مالك أي قيمة!!
ثم انهمرت بيأس وقناع اللامبالاة ينهار: كساب أنت عمرك ما اهتميت بذا الموضوع.. وماقصرت وأنت توضح ذا الشيء..
كساب لا تقول لي إنك ماشفت أكوام التيستات اللي معبية حمامنا من ثاني شهر من زواجنا..
عمرك ماشاركتني حسرتي إني تأخرت في الحمل.. كأني مخلوق يعيش على هامش حياتك..
وأنا كل شهر يمر.. أنتظر دورتي تتأخر يوم واحد.. عشان أنط أسوي التيست ورا التيست بدون فايدة!!
ماشاركتني حسرتي في خيبتي كل شهر.. حرمتني حتى من مجرد التمني!!
وعقبه يوم نطقت.. نطقت بالدرة إنه حن ما نصلح نكون إباء.. وكانه ربي يبي يعاقبنا بذا الشيء..
تقول ليش ماقلتي لي؟؟ وليه أقول لك؟؟ عشان تقول ياحرام مسكين ذا الولد إنه حن بنكون هله!!
ليش ماقلت لك؟؟ هذا أنا كل ليلة آكل حبوبي قدامك... واقول الليلة بيسألني.. الليلة بيسألني!! وتمر الليلة وأنت ما سألتني..
تقول ليه ماقلتي لي؟؟ تعال طل في درج الكوميندو الأول.. التيست خليته هناك..
أقول اليوم بينتبه له.. اليوم بينتبه له...
كساب بالفعل لم يلاحظ شيئا مما قالته.. فهو مطلقا لم يفكر أن يقلب في أدراج الحمام.. لأنه يعلم أن أغراضها الخاصة هناك..
أما الأيام الأخيرة فهو فعلا كان منهك بالتعب عن ملاحظة أي شيء!!
كساب انفجر كذلك بغضب عارم: أنتي شايفة وضعي الصحي وضع حد ممكن يلاحظ شيء؟؟..
يعني ماراح تصارحيني.. تبنين خبر مهم مثل هذا على احتمالات..
كاسرة هزت كتفيها وهي تهمس بسخرية مرة: حلوة تصارحيني ذي.. حلوة!!
ليه حن في زواجنا نعرف شيء اسمه مصارحة..؟؟
والله هذا اللي أنت عودتني عليه.. فليه تستغرب الحين؟؟
*************************************
" مزنة.. مزنة!! وينش؟؟"
صوت مزنة يأتيه من داخل الحمام المفتوح: أنا في الحمام حبيبي
أغسل يدي.. جايتك..
مزنة خرجت وهي تجفف يديها وتهمس بمودة: تبون عشاكم الحين؟؟
زايد لا يستطيع حتى السيطرة على إشراق وجهه وهو يهتف بحماسه المتدفق:
تعالي وش عشاه الحين.. بأقول لش شيء..
مزنة اتسعت ابتسامتها بعفوية شفافة وهي ترى إشراق وجهه الغريب...
جلست جواره وهي تهتف بإبتسامة: خير؟؟ وشكله خير إن شاء الله!!
زايد بإبتسامة مقصودة وحقيقية ومتغلغلة: خير.. خير..
مرت علي حامل!!
مزنة اتسعت ابتسامتها أكثر وأكثر... وهي تميل لتقبل رأس زايد ثم تهمس بسعادة شفافة:
مبروك.. مبروك.. ألف مبروك..
يا سبحان الله.. وجه شعاع خير عليه من صوب!!
ماهقيت كلش ماشاء الله تبارك الله..
حينها سكت زايد لثانية واتسعت ابتسامته أكثر وأكثر فهو بالفعل سعيد لحمل كاسرة أكثر لسببين.. أنه مضى على زواجهما أكثر من سنة
والثاني أن وضعهما غير مستقر أبدا..
هتف بنبرة مقصودة أكثر: ومرت كساب حامل بعد.. مبروك ياجدة بيجي إن شاء الله امهاب الصغير!!
مزنة حين رأت ابتسامته تتسع.. اتسعت ابتسامتها أكثر تلقائيا وهي تترقب ماذا سيقول..
لذا حين هتف بعبارته.. تغير وجهها من شدة الصدمة وهي تشهق بعنف..
زايد اقترب منها بجزع وهو يضرب على ظهرها بخفة:
مزنة خذي نفس.. خذي نفس.. بسم الله عليش!!
مزنة شدت لها نفسا بصعوبة ثم أسندت رأسها لكتفه وهي تبكي بشكل بالغ الشفافية..
فسعادتها لشدة وطأتها.. لم تستطع ان تعبر عنها إلا بهذه الطريقة!!
زايد شعر بصدمة كاسحة حين رآها تبكي.. وهو يشدها بقوة ليحتضنها بشكل أقوى..
لم يتوقع أن مزنة قد تبكي لأي سبب.. كانت ضلوعه تذوب من أجلها وهو يراها تبكي بهذه الطريقة البالغة الرقة..
همس بحنان خالص: آسف ... ماكان لازم أروعش بالخبر كذا!!
مزنة تنثر دموعها على صدره وهي تهمس برقة: لو بلغتني بأي طريقة..
هذي بتكون ردة فعلي..
يا الله يا زايد.. وأخيرا.. الله يهدي سرهم..
ثم تخلصت من حضنه برقة وهي تقف وتهمس بأمومة دافئة: بأروح أشوف كاسرة..
من كثر ما أنا فرحانة ماراح أشره عليها إنها مابلغتني أول..
زايد شعر بفراغ غريب حين نهضت من حضنه.. تمنى بشكل أكثر غرابة لو أن احتضانه لها طال أكثر من ذلك..
دون أن يعرف سببا لذلك!!
*************************************
" قومي نتعشى برا.. "
جميلة التي كانت تجلس على التسريحة تدهن كفيها وذراعيها بالكريم بعد أن لبست بيجامتها..
التفتت لفهد بدهشة: نعم؟؟ ذا الحزة؟؟
فهد بحزم: إيه ذا الحزة.. الساعة توها 11 ونص.. والمطاعم فاتحة لين الفجر!!
جميلة مستغربة بالفعل.. ما الذي حدث له حتى يدعوها وفي هذا الوقت.. وبعد أن استعدت للنوم.. والغريب أن كلاهما تعشيا..
هو في المجلس مع والده واشقائه... وهي مع والدته وجوزاء..
فماداعي هذا العشاء؟؟
لكنها قررت أن توافق.. فمادام قام بخطوة تدل على لطف فيجب أن تستجيب لها.. حتى لا تبدو بمظهر المتصلبة!!
رغم أنها لا ترغب في الخروج معه فعلا!!
هــــو لا يعلم لماذا دعاها للعشاء تحديدا...
فهو غير راغب في بقاءهما وحيدين في الغرفة هذه الليلة..
عدا أن خروجه لوحده هذا الوقت سيجلب له صداعا من والده لا يريده..!!
لذا وجد أن أهون الشرين أن يدعوها للعشاء!!
شعاع همست باختناق خجول: زين تعطيني خمس دقايق بس أحط كحل وغلوس؟؟
هي طلبت هذا الطلب بعفوية كعادتها في التأنق وخصوصا أنه لا يظهر منها شيء إطلاقا..
ولكن فهد أجابها بغضب حازم: ولا تحطين ولا شيء.. بدلي والبسي عباتش وبس..
فهد زفر بغضب وغيظ ( وشو له تتزين وهي مهيب محتاجة أساسا!! زينها بدون شيء يوجع..!!
وليش تتزين وأنا أقول لها لا عاد تتزينين.. تبي تحرق أعصابي وبس!!)
جميلة حاولت أن تستعجل في لبسها.. ومع ذلك استغرقت ربع ساعة حتى انتهت..
كانت أعصابه قد احترقت خلالها وهو يصرخ فيها بغضب ما أن رآها تطل عليه بعباءتها وهو ينتظرها في غرفة الجلوس:
ربع ساعة عشان تبدلين وتلبسين عباتش..وإلا عشان ماعندش اي احترام للطوفة اللي قاعد ينتظرش!! قلتي عادي خله يتنقع!!
جميلة شدت لها نفسا عميقا وهي تحاول منع نفسها من الرد عليه والعودة لغرفتها وإغلاق الباب على نفسها..
فهي فعلا فعلا لا تشعر بأي رغبة للخروج معه.. ثم يزيدها عليها بجلافته المتجاوزة للحدود..
ومع ذلك همست برقة خالصة تخفي خلفها غيظها وغضبها:
أنا آسفة.. إن شاء الله المرات الجاية أحاول أخلص أسرع..
(يا ليل ما أطولك.. ليه فيه مرات جاية بعد؟!!!) هتف بحزم:
يا الله قدامي..
(خوش طلعة هذا أولها.. الله يستر من تاليها!!) جميلة كانت تمشي خلفه ببطء حتى لا تضغط على ساقها..
كانت رحلة شاقة عليه.. حتى وصلوا لسيارته..
ما أن استقرا في مقعديهما .. حتى هتف فهد بحزم واثق: تحبين نروح مكان معين؟؟
جميلة هزت كتفيها برقة: لا.. اللي تبيه أنت!!
جميلة في المرتين السابقتين التي ركبت فيهما سيارته لم تكن تنتبه لشيء..للظروف التي كانت تعانيها..
لذا انتبهت هذه المرة لصورة صغيرة مثبتة قريبا من مؤشر السرعة..
كانت تجمع بينه وبين منصور.. وكلاهما يرتدي لباسه العسكري..
لا تعلم لِـمَ بدت لها هذه الحركة عاطفية أكثر بكثير من شخصية فهد..
ابتسمت بعفوية: تدري إن بينكم شبه!!
كنت قبل أظن كساب أكثر حد يشبهه في الشكل..
بس لا والله أنت أكثر.. نفس الطول نفس العرض.. نفس طريقة تحديد العوارض..
بس عمي وكساب بينهم اختلاف كبير.. عمي أطول.. وكساب أعرض..
وفي الشكل عمي أحلى بكثير..
جميلة تدفقت بتلقائية ناتجة عن رغبتها أن تبدو أمامه عفوية غير متحفزة.. لذا تفاجأت بالنبرة الحادة الغاضبة التي قاطعتها:
ماشاء الله حافظة شكل ولد خالتش بالملي!! اطربيني بعد!!
جميلة ابتلعت بقية كلماتها (زين ماقلت إن كساب أملح.. كان ذبحني.. يمه!!)
ولكنها حاولت أن تهمس بتوزان: فهد الله يهداك وش فيك هبيت فيني!!
عيال خالتي عبارت أخواني!!
فهد بذات الغضب: لا مهوب أخوانش.. وياويلش أسمعش مرة ثانية تجيبين طاري رجّال غريب على لسانش قدامي.. وإلا حتى من وراي!!
( يمه.. هذا وش فيه؟؟ لو ما أنا بعارفته.. كان قلت الأخ غيران!!) جميلة صمتت تماما..
وهي تسمع زفرات الجالس جوارها الدالة على غضبه... لا يعلم حتى لماذا ثار عليها تحديدا؟؟
هل خشى وهي تعقد مقارنة غير مقصودة أن تمتد المقارنة لشخص آخر.. يكره مجرد التفكير فيه..
كان يختلس النظرات إلى يديها اللتين تعبثان بسلسلة حقيبتها..
كم مرة امسك ذاك الغريم بيديها.. تنفس عبيرهما.. نفث أنفاسه عبر نعومتهما؟؟
زفر بقرف مثقل بغضب لا حدود له!!
لم يعلم أن التفكير سيكون موجعا هكذا حتى وقع أسيره!!
فوجيعة تفكيره قبل أن يراها وتصبح في بيته وأمام عينيه... ماعادت شيئا يُذكر أمام مايعانيه الآن!!
فهو قبلا كان يعاني من مجرد فكرة... لكنه الآن يعاني واقعا مرا..
هتف بصرامة بشكل صادم لها وله : جميلة عطيني يدش..
جميلة انكمشت على نفسها بعفوية وهي تخفي يدها في حضنها وتهمس باختناق:
ليش؟؟
هو صُدم من نفسه (وش أبي بيدها) ومع ذلك أعاد بإصرار صارم: أقول عطيني يدش!!
جميلة مدت يدها له وهي تشعر بخوف وتوتر متعاظمين.. احتضن كفها الناعم الرقيق في ضخامة كفه..
في البداية كانت لمسته غاية في الرقة ودقات قلب جميلة تتزايد بعنف جازع وهو كما لو كان يكتشف تضاريس كفها..
وصلابة أنامله تعبر حرير أناملها في رحلة مدهشة.. أصابته بدوار غير مفهوم.. وأصابتها بما يشبه دبيب نمل يعبر سلسلة ظهرها الفقرية!!
حاولت شد كفها من كفه ولكنه لم يفلتها.. واحتضانه لكفها يزداد قوة.. ومعها أفكاره تزداد تعقيدا..
" كم مرة مسك يدش كذا؟؟
حس باللي أنا أحس فيه؟؟
حس إن يدش بتذوب في يده؟؟
عطيتيه نفس الإحساس؟؟ وأنفاسه تضيق ودقات قلبه تزيد لأنه وقته كان غشيم مثلي؟؟
أكيد معه كان إحساسش غير.. لأنه أول واحد..
لكن أنا.. خلاص معي ماراح تحسين بشيء
لأنه كل الإحساس كان معه!! "
فهد مع تزايد أفكاره قتامة في هذا الاتجاه.. كان يشد على كفها بقوة أكبر..
لم يخرجه من دوامة أفكاره.. سوى صرخة مكتومة مثقلة بانين أقرب للبكاء:
فهد بس... حرام عليك.. بتكسر يدي..
فهد أفلت كفها بسرعة وهو يثوب لرشده.. بينما هي ضمت كفها لصدرها
وبكت بشفافية موجوعة!!
فهو آلمها فعلا..!!
وما آلمها أكثر.. ظنها أنه تقصد أن يفعل فيها ذلك!!
أنه تقصد أن يعتصر يدها بهذه الطريقة المتوحشة حتى يؤلمها!!
فهد حين سمعها تبكي.. شعر بالصداع.. المثقل بالألم..
" يا الله !! والله ماقصدت آجعش!!
لا حول ولا قوة إلا بالله "
صمت.. ماذا لديه ليقوله؟؟
ولكنه يعلم كم باتت صورته سوداوية ومتوحشة في عينيها!!
ولا يستطيع أن يلومها !!
ولكنه أيضا لا يستطيع لوم نفسه..
فهذا الألم الذي بات ينتشر في روحه.. بات يضغط عليه بشكل جارح لرجولته وكرامته وإنسانيته!!
" يا الله ياكريم.. خلص ذا الكم يوم على خير
بالطول وإلا بالعرض لين موعد دورتي
أهج من الدوحة!!"
هتف بسكون كأنه يحادث نفسه: تبين نرجع البيت؟؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي مازالت تنتحب بذات الطريقة الشفافة الموجوعة!!
والجو يصبح شديد القتامة والثقل بينهما وكلاهما غارق في وجيعته الخاصة..
التي باتت تتعمق أكثر وأكثر!!
***************************************
نائمة بالفعل.. بينما هو عاجز عن النوم
" إيه وش عليش.. نامي.. أكيد مبسوطة عقب اللي سويتيه فيني!!"
يتنهد بعمق وهو ينظر لها..
" أشلون ما انتبهت إن هذي التغيرات كلها غير طبيعية!!
وهذي مهيب كاسرة الطبيعية!!
عمري ماكنت معدوم ملاحظة مثل ذا المرة!!
بس أنا فعلا استبعدت الحمل.. ولا خطر ببالي حتى!!
كل اللي طرا علي الطواري الشينة!!
وهي ماحتى هان عليها تريحني!! "
بقدر ماهو غاضب منها.. بقدر ماهو مشفق عليها..
وما الجديد؟؟
فالتضادات هي ماصنعت مسار حياتهما..!!
فبعد أن هدأت فورة إحساسه بالمهانة لأنه لم تخبره.. تعمق إحساس مختلف.. خليط من الغضب والشفقة... والترقب!!!
تمدد أكثر ليصبح وجهه قريبا من وجهها ..
رغما عنه وجد نظره يتجه إلى بطنها..
أ حقا هناك ابنه وابنته!!
بالتأكيد لا يعلم جنسه.. ولكن مايعلمه يقينا -حتى لو جهلته هي- أن هذا الطفل كان ثمرة حب صارخ مؤلم.. ولا حدود له!!
مد يده السليمة برفق وهو يلمس بطنها ويهمس في داخله بوجع:
"تدري يا أبيك إنه مافيه رجال في الدنيا حب مرة كثر ما أحب أمك!!
بس أمك خبلة!!
تظن إنك أنت بتقدر عليها وبتعقلها؟؟؟!! "
حاول أن يكف يده.. فلم يستطع وهو يمررها بحنان على بطنها..
شعور غريب ومدهش أن تبدأ بالارتباط هكذا بمخلوق لم يتكون بعد!!
شعر بصدمة أقرب للحرج حين فوجئ بكاسرة تفتح عينيها بتثاقل ويده مازالت على بطنها..
ولكنها لم تقل شيئا وهي تتناول كفه من فوق بطنها..
ثم تحتضن ذراعه بكلتا يديها.. وتعود للنوم!!
غريبان ويعلمان أنهما غريبان.. وتصرفهما بغرابة هو الطبيعي بالنسبة لهما!!
فلو تصرفا يوما بطبيعية.. سيكون ذلك هو الغريب!!
***************************************
عادا إلى جناحهما..
هي إلى غرفة النوم... وهو إلى غرفة الجلوس..
لم ينظر أيا منهما إلى الآخر مطلقا!!
ولماذا ينظران؟؟ ماهو الشيء الذي سيريانه..
القهر؟؟ الوجيعة؟؟ الآلم المتبادل؟؟
وكل منهما بقي بعدها معتصما في مكانه حتى آذان الفجر..
فهد أساسا كان يرتدي ثوبه.. فنزل للصلاة في المسجد دون أن يمر بها..
حين عاد.. كان بالفعل غير راغب في رؤيتها!!
ولكنه يكره الهروب من المواجهة.. لذا توجه لغرفة نومه..
حمد الله أنها وجدها نائمة!!
فهو بالفعل كان عاجزا عن رؤية وجهها بعد مافعله بها!!
فهو لن يحتمل أي نظرة عتب..!!
هي لم تكن نائمة.. ولكنها ما أن أنهت صلاتها حتى اندست في فراشها بسرعة حتى لا تراه حين يعود!!
ما أن سمعت صوت فتح الباب ثم أغلاقه.. حتى عادت دموعها تنسكب من جديد..
أما حين شعرت بحركته جوارها.. بدأ جسدها يرتعش بعنف.. نتيجة لكتمانها شهقاتها..
فهد انتبه لارتعاش جسدها.. وليس غبيا ليعلم أنها كانت تبكي!!
تنهد بعمق وهو يهتف بسكون: جميلة بتصدقيني لو قلت إني والله ماقصدت؟؟
أجابته بصوت مختنق تماما بين شهقاتها وهي توليه ظهرها: لا .. ماني مصدقتك..
لأنك كنت قاصد!!
واللي موجعني ترا مهوب يدي.. لأنها مافيها شيء.. لكن أنت ومقصدك من اللي سويته..
فهد صمت.. فعلا مرهق.. وليس لديه مايجيبها به..
وإن أجاب.. ما الذي ستغيره إجابته؟؟
لا شيء.. لا شيء مطلقا!!!
*************************************
" مبروك ياقلبي.. مبروك!!
تدري إني ما نمت من الفرحة..
والمشكلة من البارحة أحوس عليك ماصدتك!!
معتكفين في غرفتكم مع خبر ولي العهد...
عشان كذا قلت بأرتز عند طاولة الفطور عشان أصيدك!! "
كانت هذه هي انثيالات مزون المرحة وهي تقفز لتتعلق بعنق كساب وهي تغمر وجهه بقبلاتها السعيدة..
كساب احتضنها بمودة : الله يبارك فيش يالغالية..
وكانت كاسرة تتقدم خلفه.. ومزون تستدير لها وتحتضنها وهي تبارك لها..
كاسرة ردت عليها بلطف يخفي خلفه حزنا عميقا..
لماذا الجميع يستطيع التعبير عن سعادته...إلا هما!!
مزون مازالت تنثال بسعادة: تدرون من وناستي.. يمكن أعسكر عندكم لا صارت كاسرة في التاسع.. عشان أروح معها المستشفى..
ما أبي حد يشوف ولد أخي قبلي...
ابتسم كساب: يمكن ذاك الوقت يكون فيه شيء يشغلش عن كساب وولده؟؟
احمر وجه مزون خجلا وهي تعرف مقصده..
ومع ذلك احتضنت عنقه من الخلف لأنه كان يجلس إلى الطاولة وهي تهمس في أذنه بمودة مصفاة:
مافيه شيء يشغلني عنك...
والحين اسمحوا لي... أنتو ناس وراكم دوام... وأنا وراي رقدة!!
بقيا الاثنان متقابلان على طاولة الفطور.. بينهما كالعادة تطوف النظرات والمشاعر الثقيلة التي تحاول إيجاد منفذ لها دون فائدة..
همست كاسرة بسكون: أصب لك قهوة؟؟
أجابها بسكون أكبر: فنجال واحد بس..
كاسرة سكبت له فنجانا من القهوة.. ثم سكبت لها كوبا من (الكرك)..
فوجئت به يقف.. ويبعد الكأس عن متناول يدها..
همست باستغراب:وش فيك؟؟
أجابها بحزم: ما أظن إنش بزر وما تعرفين مصلحتش ومصلحة اللي في بطنش..
خلاص كرك مافيه.. اشربي حليب طازج..
حتى وهو مهتم بها.. أسلوبه مستفز لها... واسلوبها أكثر استفزازا.. سألته بسكون:
اهتمام ؟؟ وإلا فرض رأي؟؟
هز كتفيه بحزم: اعتبريه مثل ما تبين... لأنش لو فهمتي مرة وحدة صح يمكن تفقدين الذاكرة!!
**********************************
يومان آخران...
" حبيبتي ليه زعلانة؟؟"
سميرة تنهدت وهي تشير لتميم: ماني بزعلانة.. كنت سرحانة شوي!!
تميم ابتسم : والحلو سرحان في ويش؟؟
سميرة بعفوية: ماشاء الله البنات كلهم حوامل.. إلا أنا.. مع إن حن كملنا سنة..
حينها ضحك تميم: أنتي بتلعبين علي وإلا على روحش يا النصابة؟؟... وش سنته..؟؟
قصدش سنة منشفة ريقي..
احنا عبارة لنا شهر ونص متزوجين بس..
لأنه ما تراضينا إلا في حفلة بنت عمش عالية يوم تزوجت عبدالرحمن.. وإلا نسيتي؟؟
سميرة تأففت بغيظ طفولي: مالي شغل.. حن لنا سنة متزوجين... أبي بيبي حالي حالهم..!!
تميم ابتسم وهو يفتح ذراعه.. أسندت رأسها لكتفه ليحتضنها بذراعه.. بينما هي تمسك بكفه برقة تنثر فيها بعضا من أفكارها وهي تمرر أناملها في راحته!!
تميم أبعدها قليلا عنه ليشير لها بحنان: حبيبتي تبين نفحص.. ماعندي مانع!!
سميرة ضحت برقة: وش نفحص؟؟ من جدك؟؟
تو الناس ياقلبي!!
أنا بس كان في خاطري كلام.. وتعرفني لو خليت كلام في بلعومي بأغص فيه!!
" بعد لا تقول لي متوتر..
أخيك فهيدان هذا مهوب طبيعي..
من قبل عرسه معتفس.. والحين معتفس بزيادة..
مكتم على طول!! والكلمة يا الله يقولها!! "
عبدالله تنهد وهو يجيب صالح بحزم: وأنت وأشفيك صاير كنك من عجايز الضحى.. مالك شغلة إلا تراقب وتدور العذاريب..
يا أخي فهد بطبيعته مهوب كثير كلام.. خله براحته!!
صالح يبتسم وهو يستعد للقيام: دام إبي وهزيع مهوب هنا.. أحسن لي اقوم لبيتي..
مقابل أم خالد أحسن من مقابلك أنت وأخيك!!
عبدالله يضحك: زين لو جيت بكرة تبي قهوة العصر.. تراك منت بمعيني وتقعد تبكي على الأطلال..
صالح بمرح: ليه وين بتروح؟؟ بتهاجر؟؟
عبدالله بمرح مشابه: لا طال عمرك.. عازم أم حسون وحسون على الشاليهات يومين..
خلنا نتفتك من وجهك وأنت كل يوم غاثنا...
بعد دقائق.. فهد يتلفت حوله ثم يهتف بتساؤل: وين راح صالح؟؟
عبدالله ابتسم: تو الناس.. صالح راح من زمان..
يقول زهق من مقابلنا..
فهد عاد للصمت ولكن عبدالله اقترب من فهد أكثر ثم همس له من قرب بجدية:
اسمعني يأخيك زين..
ترا مافيه حياة زوجية تخلى من المشاكل... وكثير ناس متزوجين يعانون في بداية حياتهم الزوجية لين كل واحد يتاقلم مع الثاني..
وترا أنا وصالح مثلا وش كثر مرت علينا مشاكل مع حريمنا...
عمرك لاحظت علينا شيء؟؟؟
لكن أنت ملاحظين عليك.. مع إنه حنا دوم نقول أنت أقوى شخصية فينا..
يمكن لأنك واحد ماتعرف تتلون.. وماتعرف تدس مشاعرك..
بس ترا التلون يأخيك أحيانا يكون ميزة..!!
لأنه فيه أشياء المفروض ما تظهر للناس!!
فهد بغضب: ومن قال لك فيه مشاكل بيني وبين مرتي؟؟
وأنا أساسا مافيني شيء.. أنتو بتلاحظون من كيفكم يعني!!
عبدالله بهدوء متحكم: لا تكابر... وأنا ماطلبت منك تقول لي شيء..
ولا سألتك..
كل اللي قلته... مشاكلك لا تبين على وجهك!!
فهد تنهد وهو يقف مغادرا..
" يا الله.. حتى أخواني ملاحظين..
خليتيني مطنزة يا جميلة..
لا حول ولا قوة إلا بالله !! "
**********************************************
" حبيبي من كنت تكلم ذا كله؟؟"
عبدالرحمن بعفوية: رئيس قسمي.. يسألني لو كنت مستعد أطرح مواد ذا الفصل الجاي لأنه عندهم نقص..
عالية بترقب: وش قلت له؟؟
عبدالرحمن بذات العفوية: عادي... قلت له أبركها من ساعة..
عالية ارتعشت من السعادة في داخلها.. فانخراطه في مجال العمل سيعطيه بالتأكيد حافز أكبر ليمشي..
فمهما يكن استخدامه للكرسي في ممرات الجامعة واحتياجه الدائم للمساعدة أمام زملائه وتلاميذه لن يكون شيئا مريحا له لا نفسيا ولا جسديا!!
عالية همست بسعادة: زين أنا عندي موعد عن الدكتورة... توديني؟؟
قالت (توديني) وليس تذهب معي!!
ابتسم عبدالرحمن: أودي مندوبش... دقيقة خلني أتصل في السواق يشغل السيارة!!
************************************
تأخر الليلة نوعا ما.. رغم أنه ليس تأخيرا بالمعنى الفعلي!!
ولكنها الليلة بالذات تمنت ألا يتأخر..
فجوزاء أخبرتها أنهم سيذهبون للشاليهات وسيباتون هناك ليلتين..
لذا هي تعلم أن الطابق العلوي كاملا لا يوجد به سواها..
وحتى في الأسفل لا يوجد إلا عمها وعمتها وهما بالتأكيد نائمان الآن..
وهي تشعر بخوف طبيعي... رغم أنها في أحيان كثيرة تخاف من فهد شخصيا..
ولكن الخوف من شيء معلوم أهون من الخوف من شيء مجهول!!
" يمه بسم الله الرحمن الرحيم..
كل شيء صار يتهيأ لي.. وصرت من خبالي أسمع أصوات غريبة
والزفت ذا لحد الحين ما جا...
من زين نفعته عاد.. !!
بس يا الله اسمه موجود..
ليت ربي يخلصني بس من وجوده..
ذا الايام ماتبي تخلص عشان يفارق..وأروح لبيت هلي!!"
#أنفاس_قطر#
.