تحميل رواية «بين الامس و اليوم» PDF
بقلم HaboOoshy
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
************ قبل واحد ثلاثين عاما عالم غير العالم ودنيا غير الدنيا وبشر غير البشر بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لتنمو.. أو لتُنحر!! يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما يفرق بينهم الأصل والقبيلة ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة الكثير منها ثلاثتها كثيرٌ من الفقر وكثير من الصداقة وكثير من الرجولة!!! "زايد.. هونها وتهون يأخوك" " قهرتني ياخليفة.. قهرتني" خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر ال...
رواية بين الامس و اليوم الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم HaboOoshy
صالح يجلس جوار عبدالله وهو يضع يده على فخذه ويهتف بحزم: تجهز إن شاء الله بعد بكرة راجعين للدوحة
عبدالله هتف بحزم مشابه: لا جعلني فدا خشمك.. عطني يومين ثلاثة لين أرجع بورتلاند وأخذ لولدي تصريح يندفن في الدوحة وناخذه معنا
صالح تنهد بعمق ثم هتف بأشد حزم استطاعه: أنت اللي مالك لوا.. خالد الصغير اندفن من ثلاث أيام
والأرض كلها أرض ربك.. وكرامة الميت دفنه..
حينها صرخ عبدالله بصوت مرعب وهو يقفز واقفا: وأشلون تسوون كذا من وراي.. أشلون تجرأون تسوون كذا.. أنا إبيه.. وأنا اللي أقرر
أنا مستحيل أطلع من هنا بدون ولدي.. أشلون أقعد في ديرة هو مهوب مدفون فيها تقر عيني بشوفت قبره..
حينها هتف له صالح بغضب حازم: يعني وش تبي تسوي؟؟ تنبش قبره؟؟
وبعدين هذا أنت فجعت أبيك فيه.. حتى جثة تقر عينه فيها مالقاها لك
مثل مافكرت في ولدك.. ليش ما فكرت في إبيك؟!!
عبدالله مستمر في غضبه: لا لا تقارن.. إبي أنتو كلكم عنده تردون قلبه
لكن أنا ماعندي غير ذا الولد
وخلاص ما أظن عمري بأقدر أبدأ حياة جديدة ولا أتزوج.. ولا أجيب عيال
ماعندي غيره.. افهمني..
حينها نظر له صالح نظرة مباشرة وهو يهتف له بنبرة مقصودة:
ومن قال ماعندك غيره؟؟ ربك يأخذ ويعوض.. ولكلن غلاه
وأنت عندك ولد يأخذ معاليق القلب يابو حسن..
عبدالله لم يستوعب ما قاله صالح.. هتف بعدم فهم واختناق أقرب للصدمة: نعم؟؟ من أبو حسن هذا؟؟
صالح بشبح ابتسامة موجوعة: أنت أبو حسن.. الله يجعل خالد من عصافير الجنة.. ويكون شفيع لك يوم القضا والحساب
عبدالله ابتلع ريقه بصعوبة.. صورة ما بدأت تتكون في ذهنه.. لكنه عاجز عن إكمالها..
فقلبه المجهد المثقل بمختلف الآلام.. لن يحتمل أملا كهذا
صمت.. لم يجرؤ على السؤال حتى.. (أ يعقل ابن؟؟ ومن جوزاء بالذات؟)
ولكن صالح لم يسكت وهو يقتحمه وينسف قلبه المنهك بحماسته المتدفقة:
حسن فديت قلبه تو كمل 3 سنين من 3 شهور.. يا لبي قلبه.. قطعة منك
ثم غمز بعينه وهو يردف: الظاهر أم حسن كانت تحبك أكثر ما تحبها.. عشان كذا الولد كله لك
عبدالله انتفض قلبه بعنف.. بدا كما لو أن صالحا يرتكب فيه جريمة ما وهو يعذبه بهذه الصورة..
فهو مازال عاجزا عن التصديق.. فكيف بكل هذا الانثيال العاطفي المتحمس من قبل صالح:
والله لو مهما أقول لك عنه ما أوفي.. حبيب قلب الكل.. عيالي المساكين مايسوون عنده.. لو مر يومين ثلاثة ماجانا في البيت
شفت أبو صالح وعياله الثلاثة مرتزين في مجلس أبو عبدالرحمن كل واحد منهم يحك رأسه..
صالح بحماسة أخرج هاتفه المحمول: خلني أوريك صورته.. معي صورة له توها مالها كم يوم..
عبدالله انتفض بجزع وهو يقف: صورته؟؟
ثم أردف بألم عميق.. عميق: صالح أنا صدق عندي ولد؟؟ وإلا تلعب علي؟؟
صالح رفع حاجبا: ألعب عليك؟؟ وليه هذا موضوع ألعب فيه؟؟
أنت سافرت وأم حسن حامل.. والمسكينة حادت عليك ثمان شهور
حينها انتفض عبدالله بغضب كاسح: تخلونها تحاد 8 شهور وأنا مطلقها... ليش؟؟ ليش؟؟
صالح بهدوء: ابي من زعله منك ماشاف ورقة الطلاق..
عبدالله مستمر في غضبه: وهذا التبرير بكل بساطة؟؟ 8 شهور ما تطلع من البيت بدون سبب.. ودراستها زين متى لحقت تكملها؟؟
صالح بذات الهدوء: ما كملت دراستها..
عبدالله جلس من ثقل وطأة الصدمة عليه: أشلون؟؟ كان باقي لها مادتين بس..
صالح هز كتفيه: هذا اللي الله كتبه.. وبعد أم حسن من النوع اللي يحاتي واجد.. وما حبت تخلي حسن وهو صغير..
عبدالله يفتح عينيه ويغلقهما ويهمس بأمل موجوع: يعني صدق أنا عندي ولد من جوزا؟؟ صدق يا صالح؟؟ تكفى لا تكون تلعب علي والله ما استحمل
صالح كان يهز له رأسه بينما عبدالله أردف بغضب تفجر فجأة وهو يتذكر شيئا:
وإذا أنا صدق عندي ولد..أنتو أشلون تخلون ولدي يربيه رجّال غريب ماكن له أهل
صالح يشير له أن يهدأ: أول شيء أم حسن توها تملكت من كم أسبوع بس.. ومابعد عرست.. وابيك اللي مارضى حد يتعرض لها
قال كفاية اللي اخيكم سواه فيها.. والله ماحد منكم يقهرها على ولدها
وقتها ما فهمت ابي ليه سوى كذا.. بس الحين فهمت وما ألومه
أنت تقول أنك ظلمت البنية بنفسك
وأم حسن ذا السنين كلها وهي ترفض تتزوج.. والحين جاها واحد ما ينرد من وجهة نظر ابيك.. وحلف علينا ماحد يتدخل
عبدالله حينها شعر أنه يحترق حتى أقصاه من ناحية.. قشعريرة غضب وغيرة عارمين اقتحماه بلا هوادة رغم محاولته دفعها..
ومن ناحية أخرى شعر براحة غير مفسرة.. أنها مازالت لم تصبح لرجل آخر بعد
ولكنه هتف بغضب مر من بين صرير أسنانه: ومن حضرته اللي ما ينرد؟؟
صالح ببساطة: امهاب آل يحيا...
***************************************
كانت على وشك النزول للأسفل.. رأت طيف فهد الذي عرفته ببدلته العسكرية.. لذا عادت لناحية قسمها.. حتى يتوجه لقسمه هو هزاع في الناحية الأخرى من الطابق
وبقيت قريبا من الباب المفتوح
اقتحمها الصوت الواضح القريب في منتصف الصالة.. صوت فهد الذي هتف بإرهاق:
جيت والله جابك.. تكفى ياخيك..
صوت هزاع المرح: وفيها تكفى بعد... كم تدفع؟؟
فهد بذات الصوت المرهق: اللي تبي.. والله أني حاضر
هزاع يضحك: غريبة الأخ طافي مرة وحدة.. يا الله احتراما للأخوة ولأخي الشيبة آمرني..
فهد حينها أمر بحزم: بس إياني وإياك حد يدري باللي أنا اقوله لك
هزاع (بعيارة) : خلصني.. يعني باروح أنشر اللي بتقوله في وكالات الأنباء
فهد بأمر: روح الحين لبيت صالح.. بتلاقي عمال يشطبون غرفتين داخل.. تقريبا هم خلصوا.. بس باقي شغلات بسيطة
أبيك تقعد فوق روسهم لين يخلصون.. لأنه بعد شوي بتجي شركة التنظيف
لأني بكرة لازم أفرش الغرفتين ذولا والمجلس..
صالح جاي بعد بكرة.. ولو ماخلصت متحلف فيني يعلقني على باب بيته..
هزاع يحك رأسه: متحلف فيك يعلقك؟؟ هذي تخليني أفكر أفرك لها وأخليك تورط.. عشان أجي عقب وأضحك..
فهد بنفاذ صبر: هزاع بلا عباطة.. والله أني ميت من التعب توني جاي من الزام هلكان.. على الأقل بأنام ساعتين وأنا بجيك عقب
حينها هتف هزاع (بعيارة) : إلا وش عنده اخيك الكبير مكتم على الموضوع..
لا يكون رايح أمريكا يبي يجيب مرته الجديدة ويسكنها في البيت.. وحاشرنا على سبت ذا الموضوع..
حينها ابتسم فهد: الظاهر شكله كذا..لا وأزيدك من الشعر بيت.. مارضى يقول عن وقت رحلته بالضبط.. يقول مايبي حد يستقبله.. بيجي على تاكسي
الأخ الظاهر غيران حد يشوف المدام الجديدة..
هزاع يضحك: لا لا أنا معترض.. البيت الجديد حق بنت عمي أم خالد..
تبيه يجيب الجديدة على رأسها ويعطيها بيتها بعد.. شين وقوات عين
فهد يتوجه لناحية قسمهما: اعترض على كيفك.. خلني أنام بس..
هزاع يستوقفه وهو يهمس بنبرة مقصودة مرحة: يا حضرت الملازم ترا نتيجتي قربت تطلع.. جهز نفسك للوعد عند الحلاق..
فهد كان قد وصل إلى باب القسم دون أن يلتفت أشار بيده: احلق حواجبي مع شنبي كنك جبت نتيجة بس..
هزاع نزل.. وفهد أغلق باب غرفته عليه.. وهناك مستمع ثالث انهار جالسا على الأرض
تعلم أنهما يمزحان.. ولكن خلف المزح حقيقة جلية واضحة
صالح طلب تشطيب البيت وفرشه دون علم أحد..
فإلى ماذا يهدف من ذلك..
أمنياتها البريئة حاولت أن تقنعها أنه ربما كان يريد مفاجئتها بذلك كصلح بينهما
ولكن عقلها رفض هذا التبرير الغبي..
تشطيب غرفتين فقط وبشكل عاجل وسري
كل هذا يشير إلى توقع واحد مرعب..
هزت رأسها رعبا جزعا.. وقلبها يهوي بين قدميها :
لا لالالالالالالالالالا.. لالالالالالالا.. صالح ما يسويها فيني
********************************
" منصور حبيبي.. صار لك كم يوم وأنت بالك مهوب رايق
وش فيك ياقلبي؟؟"
حينها التفت منصور لعفراء التي جلست لجواره للتو وهمس بشفافية عميقة بها رنة وجع عميقة مخفية:
ويا ترى أنا حبيبش وقلبش.. وإلا كلمة فض مجالس؟؟
عفراء أنزلت عينيها بخجل: يعني لازم تدقق على كل كلمة..
منصور بذات النبرة الشفافة الموجوعة المختبئة خلف ثقة صوته المعتادة:
أدقق؟؟ لا صارت الكلمة حلم أتمناه.. أشلون ما أدقق
عفراء تتنهد ( ليتني ماقلت له شيء.. إلا لازم يحرجني بتدقيقه)
همست وهي تتهرب من الرد: يعني مسكت في أطراف الكلام وخليت لبه.. وش مشغل بال أبو زايد؟؟
منصور تنهد وهو مصر على مافي رأسه.. تحسس طرف خدها وهو يهمس بخفوت:
هو عندش أطراف كلام لكنه عندي لبه وأساسه..
عفرا أبي أكون قلبش وحبيبش صدق مهوب كلام بس
عفراء صمتت وخجلها يلتهمها.. بينما منصور عاود التنهد وهو يهتف بحزم:
وعلى العموم اللي شاغل بالي شوي تخطيطات
عفراء حاولت أن تبتسم تجاوزا لحرجها: تخطيطات عسكرية أو حياتية؟؟
ابتسم منصور وهو يطوق كتفيها بذراعه: شوي من هذا وذاك..
تعرفين حن العساكر قانوننا الأزلي.. ضحي بالمهم عشان الأهم
وهذا اللي أنا قاعد أسويه ذا الأيام..
عفراء بتساؤل رقيق: وياترى وش مقياس المهم والأهم عندك؟؟
منصور استدار ليواجهها.. وهتف لها بشجن: خلني أشوف عيونش وأقول لش
عفراء حاولت رفع عينيها فلم تستطع.. ابتسم منصور وهمس لها بنبرة دافئة شعرت بها تذيب خلاياها:
المهم أنه الليلة كان فيه احتفال بترقية زميل عزيز
بس أنا لأني طلعت اليوم قبل صلاة الفجر.. وماشفتش الا لمحة ما أشبعت شوقي
فصار الأهم عندي أني أشوف عيونش .. لانه زامي بكرة مثل زامي اليوم (الزام/الدوام)
ومعنى كذا أني لو رحت العشا ما راح أرجع إلا متأخر ولا أقدر أشبع من قعدتش..
فاعتذرت عن الاحتفال والعشا.. وجاي مبلط عندش من بدري
وهذي طبعا تعتبر من المعجزات.. ومع ذا كله حضرتش شاحة علينا حتى بنظرة عيونش
عفراء شعرت بارتعاشة شفافة تجتاح جسدها ..فهي أصبحت تعرف اهتمام منصور المبالغ فيه بمجاملة زملائه في مناسباتهم..
وهو بالفعل نادرا ما يعود في وقت مبكر فهو يبقى في مجلسه حتى منتصف الليل أو ماقبل ذلك بقليل..
لذا استغربت عودته المبكرة اليوم.. وربطتها بتغييرات لاحظتها عليه الأيام الماضية
ولكن أن يصدمها بكل هذا الحنان غير المتوقع.. فهذا كان عاصفا بمشاعرها بالفعل
لذا رفعت عينيها له.. ثم تجرأت أكثر لتمد جسدها قليلا وهي تميل عليه لتقبل هي عينيه وتهمس له بعذوبة من قرب: الله لا يخليني من عيونك
منصور وضع يده على قلبه: وينش يمه؟؟ تعالي شوفي ولدش راح في خبر كانا
عفراء عاودت الجلوس والنظر ليديها بخجل.. منصور نظر لها بابتسامة: تونا وش حليلنا وما أسرع قلبنا
عفراء ابتسمت بخجل دون أن تنظر إليه.. ثم همست له بسعادة وهي تتذكر شيئا:
نسيت أقول لك... اليوم كلمتني جميلة... دكتورها رخص لها..
ياربي يا منصور.. يأنا انبسطت.. كنت بأموت من الشوق لصوتها
يا قلبي صوتها متحسن واجد.. وطمنتني إنها تحسنت.. بس تقول إنها مشتاقة لي..
قلت لها حتى أنا مشتاقة لش واجد وبجي لش قريب..
منصور كان ينظر لعفراء كيف أشرق وجهها مع ذكر ابنتها وهي تنثال بسعادة لم يراها مسبقا فيها.. كانت روحها تغرد..
شعر بسعادة في عمق روحه لسعادتها: الله يخليها لش.. ويخليش لي.. لا تحاتين ياقلبي قريب إن شاء بأوديش
موضوع جميلة هو بالفعل يشغل بال منصور.. ومهما حاول ترجئة الحديث عن هذا الموضوع يجده يقفز لبؤرة التفكير عنده
لذا مد يده لعفراء الجالسة جواره وأمسك بكفها بين كفيه ثم هتف بحزم:
تدرين عفرا أنا فعلا فيه شي شاغل بالي.. ومن يوم تزوجنا مهوب جديد
يمكن أحيانا يكون فيه مخططات الواحد يحب يحتفظ فيها لنفسه لسبب معين
لكن لما يكون في الرأس سؤال أنا ما أقدر أصبر ولا أراوغ
أحب أسأل بشكل مباشر وأتلقى جواب مباشر بدل ما أقعد أفكر وأقول يمكن كذا أو يمكن كذا
عفراء بتساؤل: أبو زايد ليش ذا المقدمة.. عندك سؤال اسأل وأجاوبك من عيوني..
منصور شد له نفسا ثم أكمل بذات الحزم: قبل ما نتزوج.. يمكن كل واحد منا شرط على الثاني شروط
بس شروط وانت على البر غير يوم تدخل البحر..
يعني يا عفرا أنتي شرطتي رضا بنتش عن زواجنا.. لكن فرضا إنها ما رضت.. وقالت يا الله يمه تطلقي
تسوينها.. تطلبين الطلاق مني؟؟ يهون عليش تقولين منصور طلقني عشان بنتي اللي عند رجّالها مهيب راضية؟؟
عفراء بدأت تشد أصابع منصور ارتباكا وتوترا دون أن تشعر وهمست بتوتر:
ما تشوف يا منصور إن هذا كلام سابق لأوانه وماله أي سبب الحين
منصور بحزم: أنا بصراحة كاره شعور القلق والمحاتاة اللي أنا فيه.. عفرا أنا ما أتخيل حياتي من دونش خلاص..
تخيلي يقولون لش ممكن نحرمش من الهواء أو الماء.. هل بتعتبرين الكلام عن الموضوع أو محاتاته كلام سابق لأوانه؟؟
عفراء احتضنت كف منصور برقة وحاولت دفع أكبر من المهادنة والرقة في صوتها.. فنبرة منصور بعثت قلقا وتوجسا عميقين في روحها:
حبيبي منصور فيه أمور ما تعالج بذا الطريقة
يعني أنت كل شيء عندك يا أبيض يا أسود.. ترى فيه ألوان ثانية..
خلك مرن شوي.. ومافيه داعي تفكر في ذا الموضوع بدون سبب..
اقعد يا قلبي ريح أعصابك وخلني أسوي لك أحلى عشا
حينها انتزع منصور يده منها بحدة وهو يقف ويهتف بنبرة مثقلة بحزم مصفى:
وياترى لوني أنا وش هو عندش يا عفرا..؟؟ لون ماله لازمة..؟؟
تدرين ..خلي عشاش لش.. وفوقهم حبيبي وقلبي.. اللي أكيد هم بعد من لون ماله لازمة.. مثل اللي تنقال له..
منصور توجه للدولاب يأخذ له ثوبا وغترة.. بينما تبعته عفراء بجزع..
يقف أمام الخزانة لا يرى من الغضب الذي يحاول كتمانه فلا يفلح.. وهو ينتزع الثوب بحدة حتى كاد يمزقه
فكلما تمكنت عفراء من روحه.. كلما أصبح شرطها جارحا أكثر لمشاعره وكرامته.. ثم بعد ذلك تريده أن يرى كل الألوان!!
(أي ألوان تريد أن أراها
وأنا أشتعل هكذا
أي ألوان أراها وأنا أعلم أنه في الوقت الذي باتت هي أنفاسي دون أشعر
في الوقت الذي تسللت لتقيم تحت جلدي
هي على استعداد أن ترمي بي بدون اهتمام
ثم بعد ذلك تقول لي كن مرنا.. انظر لكل الألوان
لقد بت أكره كل الألوان التي هدفها إبعادك عني
نعم أريد فقط الأبيض والأبيض
لا أريد الأسود حتى
أريد فقط بياضك أنتِ)
أخذه من أفكاره الغاضبة عفراء تمسك ذراعه وتهمس برجاء عميق:
تكفى حبيبي لا تطلع وأنت معصب كذا.. خلاص سامحني أنا آسفة..
منصور التفت لها بحدة وعيناه تطلقان شررا ملتهبا: لا تقولين حبيبي.. فاهمة.. شيء ما تقصدينه لا تقولينه.. لا تقولينه..
تحبيني وأنتي حاطتني ستاند باي.. لو بنتش الدلوعة قالت يمه ما أبيه.. مستعدة ترميني بدون تفكير..
عفراء بدأت تختنق بعبراتها: تكفى منصور والله مهوب كذا.. والله مهوب كذا.. زين اقعد خل نتفاهم..
منصور لم يرد عليها وهو يرتدي ثوبه..ثم يتجه للمرآة وهو يلبس ساعته وأزرته ويعدل غترته.. بينما عفراء بقيت واقفة بجوار الخزانة
قررت ألا ترجوه أكثر من ذلك لأنه بدا ثائرا فعلا وخشيت أن يحتد أكثر في الغضب..
كما أنها خشيت أن ترجوه أكثر فتنهمر عبراتها التي تسد حلقها
لم ترد أن تبدو بمظهر طفلة باكية أمامه
لا تعلم كيف انقلب بهذه الصورة.. منذ دقائق فقط كان رائقا جدا كبحر رقراق هادئ
فإذا البحر ينقلب إلى أمواج عاتية غاضبة..
كان وصل للباب حين استوقفه همسها المختنق: على الأقل قل لي وين بتروح.. لا تخليني أحاتيك تكفى..
منصور هتف ببرود وهو عند الباب ودون أن يلتفت لها: غريبة تحاتين ذي!!.. تحاتيني اليوم وأنتي بتبيعيني بكرة؟!!
رايح لعشا ترقية زميلي أبرك لي من ذا القعدة التي تقصر العمر..
**************************************
" وش رأيك تخاويني؟؟"
كان أبو عبدالرحمن يهمس بهذه الكلمات وهو يشير حسبما يستطيع لتميم
وخصوصا أن الاثنين بينهما تفاهم عميق جمعهما عليه اشتراكهما في هواية القنص بالصقور..
تميم ينزل فنجانه ويشير له بمودة : وين؟؟
أبو عبدالرحمن يحرك شفتيه بهدوء حتى يفهمه تميم: باكستان.. أبي اشتري لي طيور من ذا الحين قبل موسم القنص
تميم يشير برأسه بالموافقة ويشير له : متى؟؟ لازم أكون هنا قبل عرس أختي
أبو عبدالرحمن يبتسم: ذا اليومين.. بنروح ونرجع قبل العرس..
يبتسم له تميم ويشير برأسه: متى ما بغيت أنا جاهز..
أبو عبدالرحمن يبتسم بمودة كبيرة: جعل بنت آل ليث ما تجيب لك إلا عيال.. تجيب لك عشرة.. قل آمين..
في زاوية أخرى من المجلس نفسه.. مجلس فاضل بن عبدالرحمن
"امهاب قوم فارق لبيتكم.. بدل ملابسك"
مهاب يلتفت لعبدالرحمن بنصف عين: قاعد فوق رأسك أنت.. قاعد في مجلس عمي حبيبي..
عبدالرحمن يضحك: الله يهني سعيد بسعيدة.. بس ثوبك وسخه حسن بالشكولاته.. لا يجينا رياجيل وأنت كذا
يقولون وش ذا الكابتن المعفن؟؟
امهاب بمرح: عاجبني ثوبي.. وكيفي أنا وولدي.. حلاله خله يوسخ ثوبي
المسكين ارتاع يوم لقى ايديه وسخه.. مالقى له منشفة غير ثوبي
عبدالرحمن يضحك: بلاك ماتدري وش بليتك أنت وإياه.. مرتك وامه..
لو شافت ثوبك وسخ ..وإيديه وسخة ..مهوب بعيد تحطكم اثنينتكم في الغسالة
مجنونة نظافة..
مهاب عقد حاجبيه: من جدك أنت؟؟
عبدالرحمن يبتسم: إيه.. من جدي.. ما تشوف حسون 24 ساعة يلمع كنه مراية..
مهاب أدخل يده في ماء فناجين القهوة أمامه .. ثم رش عبدالرحمن بأطراف أصابعه لتصل بعض نقاط الماء لوجه عبدالرحمن: اذكر الله .. بتطس الولد عين بعد..
عبدالرحمن يمسح وجهه ويضحك: زين إن ابي وتميم لاهين وما شافونا.. وإلا كان وريتك شغلك ياقليل الحيا
امهاب يضحك: جزاك وأقل من جزاك.. قاعد تنظل مرتي وولدي على نظافتهم..
ثم أردف ببعض الجدية: إلا لا تكون أم حسن تعصب على حسن إذا لقته موسخ نفسه وإلا ثيابه..؟؟
عبدالرحمن بنبرة دهشة: تعصب عليه..؟؟ جوزا على نظافتها يمكن لا يجيها حسون طالع من بلاعة ما تعصب عليه..
عمري ماشفت أم تحب ولدها وحنونة عليه مثل جوزا..
غمز مهاب بعينه: عقبال ما ينولني من الحب جانب..
غمز له عبدالرحمن: اصبر على رزقك..
ثم أردف بجدية: شوف يا امهاب أنا وأنت واحد... ما أكذب عليك.. جوزا فيها عيوب واجد..
وأشين عيب فيها إذا عصبت وخر من طريقها لأنها تضيع مفتاح لسانها..
وهذي طبعا نصيحة لك.. إذا شفتها عصبت لا تكلمها
بس جد جد فيها صفتين يدور عليها كل رجال في بيته..
تقدر تأمنها على بيتك وأنت مالي يدك ..
والشيء الثاني اللي أنا من الحين أحاتيه إذا راحت.. إنها تسنعك عدل
يعني على أني الولد الوحيد وأمي موجودة وعندي أخت ثانية.. لكن كل شيء يخصني جوزا مسؤولة عنه
ثيابي وأغراضي كلها مرتبة مثل المسطرة.. وشوفت عينك حتى أنا ملمعتني ومسنعتني.. وبتجي أنت وتأخذها باردة مبردة
مهاب يضحك: الله أكبر عليك.. أشفيك اليوم مشغل الأربع عيون كلها
حتى مرتي بتناشبني عليها... كفاية عليك بنت آل ليث
عبدالرحمن بمرح: ياحي طاري بنت آل ليث.. طاري ولا به شوف..
مهاب يستعد للوقوف: زين خلك تحلم ببنت آل ليث وأنا بأروح للبيت
أتسبح وأبدل.. كساب كلمني يقول يبي يجيني
*************************************
كان يسترق النظر إليها ويبتسم رغما عنه وهو يخفي وجهه خلف جريدته
كان وجهها مشرقا وعيناها تلمعان بفرحة طفولية بعثت في روحه سعادة غير مفسرة
كانت تنظر لوجهها في المرآة الصغيرة التي طلبتها للتو من الممرضات..
وطلبت شيئا آخر.. ملمع شفاه زهري.. طلبته منهن بدلال.. وجدن أنفسهن يستجبن له بابتسامة
فهذه المخلوقة المدللة.. تعرف كيف تتدلل براعة.. دلال لا تستطيع أن تكرهه منها.. من يكره مثل هذا الدلال الرقيق؟؟
هكذا كان يفكر خليفة.. وهو يراها تنظر للمرآة وتدلل شفتيها باللون الزهري الذي زاد إشراق وجهها إشراقا..
ثم اصطادته ببراعة وهي تهمس بدلال رقيق: خليفة أدري أنك تطالعني من ورا جريدتك وتمسخر في قلبك..
بس عاد خلك جنتل وقول أني حلوة من ورا قلبك
خليفة أنزل جريدته جانبا وابتسم: وأنتي حلوة ومن قلبي بعد..
ابتسمت بشفافية: أدري انك كذاب.. بس عادي اكذب علي..اليوم أنا مبسوطة
اتسعت ابتسامته أكثر: وابتسامتج تينن.. ياليت تتكرمين علينا فيها من وقت للثاني..
اتسعت ابتسامة جميلة أكثر وهي تهمس بعذوبة: لا عاد هنا مهوب كذب بس.. إلا نصب على مستوى..
***********************************
" ادخل يا اللي عند الباب"
اعتدلت كاسرة جالسة حين رأت وضحى تفتح الباب وتدخل بخطوات مترددة وفي وجهها حديث
ثم تهمس بخفوت وهي مازالت واقفة قريبا من الباب: ليش ما تعشيتي؟؟
كاسرة بهدوء: تونا شربنا كوكتيل واحنا راجعين قبل المغرب.. حاسة ما همضته بعد
وضحى اقتربت خطوتين وهمست بشبح ابتسامة: تمنيت أسمع اجابة ثانية
كاسرة أشارت لها أن تجلس في المكان الخالي جوارها على السرير وهي ترفع حاجبا وتنزل الثاني: وشنهي الإجابة الثانية اللي تنتظرينها؟؟
وضحى جلست وهي تهز كتفيها بتردد: أنش مثلا متوترة إن عرسش قرب.. وعشان كذا نفسش مسدودة..
حينها ضحكت كاسرة بعذوبة: بصراحة الإجابة هذي ما تشبهني ولا واحد في المليون..
وضحى تهز كتفيها وتهمس بتلقائية: بس تشبه أي بنت طبيعية عرسها عقب حوالي أسبوع..
حينها نظرت لها كاسرة نظرة مباشرة وهمست بذات المباشرة الواثقة: يعني أنا شايفتني بنت غير طبيعية؟؟
صمتت وضحى وهي تخشى انفجار كاسرة فيها..
لكنها فوجئت أن كاسرة تعاود التمدد بشكل نصف مائل وهي تعدل المخدة خلف ظهرها وتبتسم:
وأنا ما أبي أكون طبيعية.. وما أبي أكون أشبه أي بنت.. لأن أنا هي أنا.. ومافيه حد يشبهني..
وضحى بتردد رقيق: طيب والبنت الخارقة ما تبي أختها تساعد في تجهيز شناطها؟؟
كاسرة ابتسمت: عشان أنا مروقة الليلة بأعدي الخارقة ذي يا يا غرانديزر
وأكيد باعتاز اختي تساعدني بس تو الناس على ترتيب الشناط ذي
وضحى حينها انفلتت بحماس هو مادفعها للحضور: لا مهوب تو الناس
لأنش لازم تجهزين الأغراض اللي بتروح لبيتش.. والشنط اللي بتأخذينها معش السفر
حينها اعتدلت كاسرة بحدة وهي تسأل بحزم: أي سفر؟؟
وضحى انكمشت قليلا: سفرش.. شهر العسل.. كساب كان هنا قبل شوي وقال لأمي أنكم بتسافرون ليلة عرسكم على طول
كاسرة ضاقت عيناها قليلا وكأنها تحادث نفسها: كساب كان هنا؟؟
ثم أردفت بغضب: وأمي أشلون ما قالت لي؟؟
وضحى بهدوء متردد: مابعد لحقت يمكن.. لأنه توه راح من شوية.. وهذا أنا قلت لش..
ثم أردفت وضحى بابتسامة: ياربي يا كاسرة.. رجّالش وذوق وجنتلمان بشكل
جايب لأمي هدية خيال..خيال..
كاسرة كانت تعض شفتيها دون أن تشعر
(يعني غاثني بالاتصالات والمسجات اللي كنها وجهه
ويوم يصير موضوع مهم مثل ذا.. بدل ما يقوله لي ..يبلغه لأمي.. وش يقصد من ذا الحركة يعني؟؟
وجايب لأمي هدية بعد من زود الذرابة والأدب يعني
الله أعلم وش يقصد؟؟
الذيب ما يهرول عبث!!
نشوف وش أخرتها معه ذا الكساب المصدي؟)
وضحى شعرت أنها ربما أخطأت بإبلاغ كاسرة وأنها كان من المفترض أن تترك هذه المهمة لأمها
لذا انسحبت بهدوء وأغلقت الباب دون أن تنتبه كاسرة لخروجها أبدا لشدة استغراقها في أفكارها الغاضبة من كساب..
********************************
في غرفتها.. مستغرقة في دوامة أفكارها التي تلتهمها منذ أيام...
زواج.. حياة جديدة.. مسؤولية مختلفة
هل هي مستعدة لكل هذا مع إحساسها الدائم بثقل ما في روحها؟
تشعر أنها غير مستعدة أن تخطو هذه الخطوة بينما في حياتها الحالية خطوات معلقة
هل تتزوج لترحل لبيت جديد بينما كساب مازال غاضبا منها؟؟
حينها أي فرصة ستكون لحل ما بينهما.. ستبتعد لتبدأ حياة جديدة بعيدا عنه.. وحينها لن يجد له سببا للرضا عنها
تريد حينما تنتقل لحياتها الجديدة أن تكون بكامل عافيتها النفسية في حياتها الحالية
لا تريد أن تنقل أحزانها معها هناك..
لا تنكر أنها في داخلها كانت كفة غانم ترجح لسببين
السبب الأول والأهم أنه من طرف كساب.. والسبب الثاني هو غانم نفسه
لأنه رأته بنفسها.. فصورته واضحة في خيالها.. وليس مجرد خيال غير معروف كابن عمه الآخر
وحينما صفت رؤيتها الآن بعد ابتعادها عن ضغط جو العمل
تتذكر الآن تعامل غانم معها.. التعامل الذي ضايقها في حينه لأنها كانت متضايقة ومتحفزة
ولكنها تراه الآن قمة في الذوق والشهامة والتهذيب
ولكنها مترددة جدا في الموافقة عليه
فبداخلها حزن بعمق الكون.. حزن لا حدود له.. وهي جربت جفاء الأقارب ووجيعته..وتكره أن تكون هي من تهديه لغيرها
قد تقول لنفسها وما يهمني من الأمر...ولكنها لم تستطع قول ذلك لنفسها
لا تتخيل حياتها مع رجل قد تكون هي سبب القطيعة بينه وبين ابن عمه
حتى لو لم تحدث قطيعة .. سيبقى دائما في القلب مافيه
سيبقى دائما يتذكر أنها سبب الجفاء وانقطاع المودة..
وقد يظن أحدهم أن الثاني قد خطب على خطبته.. فكيف سينظران بعدها لبعضهما؟!
ومن ناحية أخرى تخشى أن توافق على غانم فيحز ذلك في خاطر عمها منصور وخصوصا أنها تعلم قرب فهد آل ليث من عمها واعتباره له كابن له..
تشعر بالحيرة والضياع والتشوش من كل ناحية.. تشعر كما لو كانت في لجة بحر عميق..
كلما رفعت رأسها شعرت أن هناك مايشدها للأسفل ليغرقها أكثر وأكثر!!
تتنهد للمرة الألف هذه الليلة وهي تقطع غرفتها ذهابا وإيابا
وعقلها لا يتوقف عن التفكير الذي أجهدها وأرهقها لأبعد حد
تقرر ختاما أن تتوقف لتصلي صلاة الاستخارة للمرة العاشرة ربما
منذ أخبرتها خالتها بموضوع الخطبتين
******************************************
"أنت عطني جوالي صار لك ساعتين تمقل فيه.. أبي أكلم"
عبدالله لم يسمع صالح حتى.. فتركيزه كله مع صور حسن..
إحساس مذهل وغريب وغاية في الانتشاء يشعر به
مطلقا لا يأخذ ابن مكان ابن آخر.. فلكل واحد منهما معزته
ولكن هناك ابن اختفى وبقي لاختفائه هوة عميقة في الروح كادت تلتهم عبدالله
فإذا بالهوة تُردم وتمتلئ حد الانفجار بمحبة عميقة غريبة..متأصلة
كأنه يعرف هذا الصغير منذ الأزل
كأنه ينبض بين جوانحه.. وروحه الشفافة تُسكن روح والده الملتاعة
ينتزعه من أفكاره يد صالح تهز كتفه: أقول يأخينا عطني جوالي بأرسل لك صور ولدك أبلشتنا يالنشبة..
عبدالله التفت لصالح وهتف كأنه يكلم نفسه: صالح مانبي ننتظر لبعد بكرة.. خلنا نروح بكرة أو حتى اليوم لو قدرنا
صالح يجلس وهو يبتسم: لو داري كان قلت لك عن ولدك أول ماجيتك
عبدالله يضيق عينيه: هذي أصلا يبي لها حساب ثاني.. صار لك أكثر من يومين تهذر على رأسي.. وماخطر على بالك تسولف لي بالمرة عن ولدي
يالله ياصالح قم خل نغير حجزنا..
صالح بابتسامة: شكلك ياخ أنت ناسي ليه حجزت أنا بعد بكرة..
لأنه بكرة عندك جلسة التحقيقات الأخيرة أنت بروحك قايل لي أمس عقب ماطلع المحقق من عندك أنت وفيصل..
عبدالله يضرب جانب رأسه.. فظهور حسن قلب موازين تفكيره.. يهتف بتوجس:
تدري يا صالح والله ما أبي جلسة التحقيق ذي خصوصا عقب ماعرفت بحسن.. قلبي ناغزني من الجلسة
صالح بقلق: ليه؟؟
عبدالله يشد له نفسا: المحقق يقول إن راكيل تبي تشوفني وتكلم معي.. وأنا رفضت.. بس المحقق قال لازم تقابلها عشان نسمح لك تطلع
وأنا حاس إن هذا تخطيط على كبير من محاميها.. اللي هو أكبر محامي في نيويورك ويهودي مثلها
والمحامين ماتعرفهم هنا شياطين.. هو أكيد عارف أني كنت في المستشفى وكنت أهدد كل ماصحيت أخذ روحها
فالسيناريو اللي أنا خايف منه أني فعلا يوم أشوفها.. بانط في حلقها أخنقها مثل ما خنقت ولدي..
وطبعا هم بينقذونها من يدي.. لكن أنا بألبس السالفة كلها.. وبأصير أنا اللي حديتها على كل ذا.. لأنها أكيد تندمت على اعترافها
وبما أنها خلاص اعترفت بجريمتها لازم تلاقي لها سبب خلاها تسوي كذا
وأنا بأكون السبب القوي والمنطقي..
صالح تصاعد قلقه: طيب يوم أنت عارف إن هذا اللي هم يبونه.. حاول تمسك أعصابك.. لين تخلص الجلسة
عبدالله بكره عميق: قلبي محروق ياصالح.. ما أضمن نفسي..لو شفتها ما أدري وش ممكن أسوي فيها
صالح بألم: أرجع أقول كله ذنبك.. وإلا حد يحده النصيب على يهودية.. أشلون فات ذكائك ذا الشيء..؟؟
عبدالله بألم مشابه: والله العظيم دققت في ذا السالفة.. قالت لي أنها من المسيحين الأرثوذكس..
وأقنعتني إنها تبي تسلم.. وما شفت من عايلتها إلا إبيها مرة وحدة بس..
الله ياخذها أخذ عزيز مقتدر.. ما أدري وش تبي فيني بعد
تخيل صالح.. عقب مارجعت ودلت طريقي.. كانت تقول لي رجعني وأنا مستعدة أنسى اللي سويته كله
وطبعا رفضت وطردتها.. وهي ساعة تترجى وساعة تعصب.. وأخرتها أستغفر الله وأتوب إليه تقول أنا أبي أعيش معك حتى لو ماتبي تتزوجني مهوب لازم
المهم أرجع لحياتك..
وعقبها تحط حرتها في ولدي وتعصب عشانه حافظ قرآن..
وعقب ذا كله تقول أنت لي امسك أعصابك.. انا قلبي شايل منها فوق طاقته.. خلاص بانفجر يا صالح..
على كل اللي هي سوته.. عمري مامديت يدي عليها..
أبي أبرد حرتي فيها.. أبي أبرد حرتي فيها ياناس..
عبدالله بدأ ينفعل وصوته يرتفع وعيناه تطلقان شررا ملتهبا.. وأنفاسه تعلو وتهبط
صالح خاف عليه فعلا.. إذا كان ذكرها قد جعله يثور هكذا.. فكيف رؤيتها في الغد
صالح شده وهو يهتف بتهدئة: قل لا إله إلا الله.. اذكر ربك..
عبدالله تنهد وزفر أنفاسا لاهبة: لا إله إلا الله..
صالح هذي كانت حية خربت حياتي كلها..أدري إن السبب لحظة ضعف مني.. ولو أنا كنت ضعيف إيمان كان قدرت تكمل مخططها كامل علي..
حتى يوم أصرت هي تقدم لي على القرين كارد.. قلت لها ماله داعي أنا قاعد كم شهر وبننزل عقبها الدوحة.. ولو أبيها قدمت عليها بروحي..
بس هي أصرت وجابت لي ألف عذر.. كانت تبي تزرعني هنا جنبها.. كانت تخطط على كبير
كانت تحاول تقنعني أشتغل في معهد دراسات عالمي مشبوه.. هدفه المعلن السلام في العالم.. ويتلقى الدعم من اليهود..
وما يشتغل فيه إلا اللي معه جنسية أمريكية.. كل شيء نجس فكرت فيه بدقة
الله ياخذها.. الله يحرق قلبها مثل ماحرقت قلبي.. ضيعتني وضيعت ولدي
صالح بتهدئة: ماعليه ادعي عليها.. وتوجه لربك يأخذ حقك منها
بس الحين عبدالله تذكر حسن.. لو أنت خليت الغضب يعمي عيونك
وش بتستفيد؟؟ ما تبي ترجع الدوحة؟؟ ما تبي تشوف حسن؟؟
صالح لم يجد له شيئا يهدئ عبدالله به سوى ذكر حسن.. حينما رأى شدة فرحته به..تلمس شيئا يستطيع به أن يضغط عليه
ولكن ذلك لم يمنع من تسرب خوف متزايد في روح صالح توجسا مما سيحدث في الغد في جلسة التحقيق..
فهو يخشى حتى الموت أن هدوء عبدالله الظاهري سرعان ما ينتزع لتظهر ثورته العارمة تحته..
*************************************
" الحين أنت من جدك الحركة اللي مسويها؟؟ "
علي يلتفت لكساب ويهتف بهدوء باسم: إيه من جدي.. على طول وأنت تخطط.. خل حد يخطط عنك.. ريح بالك واستمتع بس
كساب بجدية: علي أنت تحرجني بذا الطريقة.. أنا مارفضت هديتك اللي أنت فرضتها علي.. حتى أني بلغت عمتي الليلة بموعد سفرنا
بس على الأقل عطني برنامج الرحلة.. أنا واحد مخي مخ بيزنس مان.. ومتعود على السفر اللي قبله تخطيط دقيق
علي بابتسامة دافئة: وسفرتك مخطط لها تمام.. من يوم توصل جنيف لين تطلع منها.. إذا أنت بيزنس مان.. أنا دبلوماسي.. واحنا خير من يخطط
نخطط أحسن منكم يأهل التجارة..
ثم أردف علي بمودة كبيرة: أنا قصدي من كل هذا.. أني أحسسك بجو مغامرة غير..صدقني إحساس ماراح يتكرر..وخصوصا أنه شهر عسلك
وأنا عارفك.. الرومانسية مضروب جنبها عندك.. منت بعارف تسوي برنامج متكتك مثلي..
أبيك تستمتع بكل خطوة بالكامل بدون ما تشيل هم اللي بعدها.. اللي بتكون في وقتها مجهولة لك..
تأكد إن كل شيء مدروس.. لا تخاف ماراح أفشلك في بنت ناصر..
حينها ابتسم كساب: زين وسألتني بنت ناصر.. احنا وين بنروح عقب..
أقول لها والله يا بنت ناصر رجّالش ثور الله في برسيمه.. مايدري وين الله حاشره..
كساب سر رغبته في المعرفة هو كاسرة بالذات..
ربما لو كانت زوجته صبية أخرى سواها .. شابة بليدة تتقبل الأمور كما هي دون أن تسأل أو تعترض لم يكن ليهتم أبدا
لكنه لا يريد أن تجد عليه كاسرة ممسكا كأن لا يكون يعرف ماهو مخطط رحلتهما
فلماذا كانت جميلة لهذا الحد؟؟ وذكية لهذا الحد؟؟
لماذا لم تكن كما قال المثل العتيد: كوني جميلة واصمتي
لماذا تريد قلب قواعد اللعبة عليه
ولكن على كل حال.. ليس هو من يخشى شيئا..
أبــــــدا!!
علي أجابه بمرح وهو يغمز بعينه: ما ينخاف عليك .. آخر شي أنت تحاتيه أنك تلاقي كلام.. بتفر مخ بنت ناصر..
وحينها غمز كساب له بالمثل: وأنت متى بيفرون مخك؟؟
علي يضحك: هي كل المواضيع اللي في الدنيا خلصت.. ماحد يشوف وجهي الا يبي يزوجني أنت وابي ومزون وحتى عمي وخالتي
باقي الجيران وراعي البقالة وتكملون..
كساب بثقة: خلاص أنا خلصوا مني.. صار الدور دورك..
علي بمودة باسمة: إذا صرت عم.. هذاك الوقت تزوجت عشان أزوج عيالك الشيان.. عشان ما يطيحون في كبدك..
" يكفيهم إنهم عيال كساب عشان ينفقون"
يلتفتان لوالدهما الذي دخل عليهما دون أن ينتبها.. ليقاطع حديثهما.. ابتسم علي:
أوه شكلك راضي على كساب.. عقبالنا..
زايد يصلهما ليقفزا كلاهما ويقبلان أنفه.. بينما زايد هتف بمودة عميقة لعلي:
أنا دايما راضي عليك.. الله يرضي عليك ربك ويحبب فيك خلقه
فهتف كساب بنبرة مقصودة: يعني أنا اللي الرضا علي له حزات وحزات؟؟
زايد جلس وهتف له بذات نبرته المقصودة: والله ذا الأيام إن شاء الله إني راضي عليك
ولو أنك تسمح خاطر أخيتك اللي مالها غيركم كان رضاي عليك تام!!
كساب صمت ولم يرد عليه.. فأخر ماكان يريده هو تعكير صفوه بهذا الموضوع
علي أيضا صمت.. فهو كان شاهدا على كسر كساب قبل أربع سنوات
ورغم تمزقه من أجل مزون.. إلا أنه لا يستطيع أن يساهم في عملية الضغط على كساب.. لأنه يفهم كساب وشخصيته جيدا
ويعرف أن ما مر به لم يكن بسيطا أبدا على روحه الحرة .. بل كان مؤذيا وجارحا لأبعد حد.. وخصوصا أنه كان يعلم يقينا استماتة كساب في إرضاء مزون وتدليلها لأبعد حد
زايد بذات النبرة المقصودة يكمل: ليه ماترد علي.. ماشاء الله لسانك دايما جاهز.. وين راح؟؟
مزون وخلت كل شيء كان مضايقك عليها
ما تشوف أنك مسختها وزودتها على غير سنع..
كساب حينها هتف ببرود: والله يبه عمر القلوب ما تغصب على شيء ماتبيه..
حينها هتف زايد بحزم: أنا سكتت ذا السنين كلها لأنك كان لك عذرك..
لكن الحين لا تخليني أربط رضاي عليك دنيا وآخرة.. برضاك على أختك
انتفض قلب كسّاب بعنف بين حناياه ومع ذلك هتف بحزم مشابه لحزم والده:
يبه وزين غصبتني أقول لها أنا رضيت عليش.. لكن القلب جرحه فيه ما تشافى
ثم أردف بألم عميق أخفاه خلف حزم صوته: يبه خل الرضا يجي من القلب
ولا قدك أنت راضي عليها.. ماعليها من رضى غيرك
زايد حينها وقف وهو يهتف بحزم : زين يا كسّاب بأخليك الحين تفكر براحتك..
بس تذكر يأبيك أن الدنيا دوارة.. وأنه مابه شيء في الدنيا يستاهل تسوي في أختك كذا
**************************************
" سمعتي آخر الأخبار.. عندي لش خبر فريش"
سميرة كانت تتمدد على بطنها.. اعتدلت جالسة وهي تهتف في هاتفها بحماس: الله.. أخبار.. علوم.. أحمدك يارب
شعاع تضحك: ليه حد قايل باعطيش ذهب وإلا فلوس..
سميرة ترقص حاجبيها: أنا ودي بالأخبار أكثر من الذهب والفلوس..
حينها همست شعاع بخبث رقيق: زين ماسمعتي خالش هريدي يقول: ياخبر النهاردة بفلوس يبئى بكرة ببلاش ؟؟
فردت عليها سميرة بخبث مشابه وأكثر رقة: إلا سمعت خالي هريدي يقول: احييني النهاردة وموتني بكرة..
شعاع تضحك: زين ياللي تبين الحياة اليوم..
الخـــبـــــر هــــو
إن رجالش.......
حينها غاص قلب سميرة بين قدميها بشكل مفاجئ.. فذهنها كان خاليا تماما.. لتقلب شعاع كيانها تماما بكلمة واحدة تستحضر "تميم" إلى بؤرة تفكيرها
قاطعتها سميرة بتوتر: وش فيه تميم؟؟
شعاع تبتسم: وش فيش طفيتي؟؟ مافيه إلا العافية
بيروح مع إبي لباكستان.. يشترون طيور
حينها ابتسمت سميرة: وأنتي ابيش وش يبي برجالي؟؟ كل شوي لاقطه مكان..
شعاع تضحك بعذوبة: نعنبو متى صار رجالش ذا
سميرة حينها همست بنبرة تحذير: اسمعيني.. علمن ياصلش ويتعداش
وبلغيه عمي فاضل مع الاحترام طبعا.. قولي له بياخذه الحين.. ياقدرة الله ما اقدر أسوي شيء
بس إياني وإياه يجبي يأخذه في موسم القنص.. لأنه ذاك الوقت خلاص دخل ممتلكاتي الخاصة..
ياختي عروس أبي أشبع من قعدة رجالي.. خلي ابيش يطلع من بيننا.. مهوب يصير طبينتي ... (الطبينة =الضرة)
حينها اشتعل وجه شعاع احمرارا وهمست بخجل: ياوجه استح.. أعوذ بالله البنت فسخت الحيا.. عيب عليش والله عيب..
سميرة بمرح : يعني جايه ومبلغتني هذا الخبر السعيد.. وش تبين ردة فعلي
وياختي عقبال مانشوفش عروس ونشوف السحا ذا وين بتودينه
***************************************
" يأمك ذا الروحة مالها داعي"
كان تميم ينظر لإشارة أمه ثم يشير لها بحركة مقصودة : ليه يعني؟؟ خايفة علي؟؟
مزنة تشير بحركة مقصودة مشابهة: أنت رجال وما ينخاف عليك
يعني بأخاف عليك من روحة تشترون طيور من باكستان
وأنا ماخفت عليك من روحاتك القنص للعراق والجزائر وأفريقيا.. ومن يوم عمرك 16 سنة..
تميم حينها ابتسم بشفافية: إذا عشان عرس كاسرة.. بأرجع قبله..
مزنة بحنان: يأمك كاسرة يوم درت أنا حسيت إنها تضايقت.. وانت عارفها حتى لو تضايقت بتكتم في نفسها..
وأنا خايفة أنك تبطي في سفرتك.. الواحد ما يدري وش ظروفه..يمكن يصيدكم شيء يأخركم
تميم يشير بمودة: إن شاء الله ماني بمتأخر.. وكاسرة أنا بطيب خاطرها.. أنا عطيت أبو عبدالرحمن كلمة.. ما أقدر أخلف معه
بعد دقائق.. دقاته الهادئة ترتفع على باب كاسرة التي عرفته من دقاته..
منذ جاءتها والدتها وأخبرتها بالخبرين معا.. سفرها ليلة عرسها وسفر تميم الآن
وهي تشعر بضيق عميق من أجل سفر تميم على الخصوص..
لا تتخيل أنها قد تتزوج وأحد أخويها غير موجود في تلك الليلة..
مهما هم تناسوا أو هي من جعلتهم يتناسون بقوة شخصيتها
فهي صبية في ليلة زفافها تريد أن يكون أهلها كلهم حولهم.. تريد حينما يأخذها كساب أن يرى أخويها بجوارها..
حتى وإن كانت تعلم أنها لا تخشى أن يظلمها هذا الكساب أو يضيمها ..
ولكنها بداخلها تبقى تريد الإحساس بالعزوة والانتماء والسند.. المعاني التي يمثلها أخوتها لها..
حينما سمعت طرقات تميم على بابها نفضت أفكارها وأخفت ضيقها خلف ابتسامة هادئة وهي تفتح له..
تميم دخل بخطواته الهادئة ابتسم بمودة وهو يشير لها: يقولون شيختنا زعلانة عشاني بأسافر
ابتسمت كاسرة وأجابت باصطناع بارع لإشاراتها وملامح وجهها: لا.. من قال زعلانة.. تروح وترجع بالسلامة
تميم مال عليها ليقبل جبينها ثم أشار بمودة: بأرجع قبل عرسك.. هذا وعد إن شاء الله.. وعد الحر دين عليه.. السالفة كلها 3 أيام بس..
كاسرة حينها قبلت خده وأشارت بشجن عميق حاولت إخفاءه خلف حزم إشارتها وملامحها:
يطري علي يا تميم لو وضحى اللي عرسها عقب أسبوع بتسافر سفرة أنت عارف أنك يمكن تبطي فيها
أنتو رايحين تشترون طيور.. يمكن ما تلاقون اللي يعجبكم..
بترجعون يعني وأنتو ما اشتريتو؟!
حينها ابتسم تميم وأشار بحنان مصفى: لا شكلش شايلة في قلبش ومن قلب.. يعني أول مرة أحسش متضايقة كذا ومن سبتي
خلاص يالغالية ماني بمسافر .. لا تضايقين.. مادريت أني مهم كذا عندش.. انتفخ رأسي..
كاسرة هزت رأسها رفضا: لا والله ما تفشل روحك في عمي أبو عبدالرحمن وأنت وعدته.. خلاص روح..
بس أنت وعدتني ترجع قبل عرسي.. يعني حتى لو مالقيت الطيور اللي تجوز لك بترجع
تميم يبتسم إبتسامته الشفافة..ويشير بثقة: وعدتش إن شاء الله إني هنا قبل العرس بيومين على الأقل..
كاسرة ردت على ابتسامته بابتسامة أكثر رقة وشفافية وهو يشير لها بالسلام ويخرج ليغلق بابها خلفه..
كاسرة اتسعت ابتسامتها أكثر لاطمئنانها بوعد تميم لها.. وهي تتراجع لتتجه للحمام حتى تتوضأ
فإذا برنين هاتفها يرتفع معلنا إزعاجا من نوع آخر
التقطته لترى على شاشته أخر اسم تتمنى رؤيته وهي في هذا المزاج الرائق
لأنه عكّر مزاجها فورا..
وإلى جانب تعكير المزاج.. هناك دائما مشاعر غريبة أشبه بنفور غير مفسر يجعل دقات قلبها تتسارع بغيظ.. توتر..غضب.. إجهاد..
ترتبط هذه المشاعر الغريبة العصية على التفسير دائما باسم الرجل الأغرب الأكثر استعصاء على التفسير
كـــــســـــاب
#أنفاس_قطر#
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم HaboOoshy
للمرة الثانية يتعالى رنين هاتفها مع تصاعد مشاعر نفورها الغريبة من صاحب الاتصال
ختاما قررت أن ترد.. فرغم أنهما لم يتعاشرا بعد.. فهي أصبحت تعرف أن أبرز صفاته هي العناد والتصميم
مادام قرر أن يضايقها الليلة باتصاله.. فلا شيء سيرده
ردت بهدوء حازم: ألو..
جاءها صوته العميق الساخر أبدا: ألو حاف كذا؟!
ردت عليه بتهكم رغم أنها فهمت فورا قصده غير البريء: اشرايك أغمسها لك بالسمن؟؟
رد عليها بذات التهكم: صدق همش على كرشش.. على طول سمن مرة وحدة..
ردت عليه بسخرية: أحب أجاوب الناس على قد تفكيرهم..
فرد عليها فورا: إلا وأنتي صادقة.. كل وعاء بمافيه ينضح..
كاسرة بنبرة مقصودة: أنا أبي أدري ليه مكلف على نفسك اتصال بدون سبب..
كساب بحزم: ومن قال بدون سبب.. أنا متصل أبلغش بشيء..
كاسرة قاطعته بحزم بالغ: أمي بلغتني.. مشكور.. وصل الخبر.. يعني دايما اتصالاتك بدون سبب
ويوم صار عندك شيء مهم تقوله.. رحت تقوله لأمي.. وهي ما قصرت بلغتني.. وأنت خلاص مالك دور
حينها ابتسم كساب بخبث: هذا كله متضايقة عشان ما أتصلت لش أول أبلغش.. اشتقتي تسمعين صوتي؟؟
بس على العموم أنا متصل أبلغش بشيء أمش ما تدري فيه..
أمش قالت لش بنسافر ليلة زواجنا.. بس ماقلت لها أني بأخذش من القاعة للمطار على طول.. فجهزي نفسش لذا الشيء
يعني ممكن ترجعين لغرفتش في الأوتيل تبدلين بسرعة.. ونطلع..
رغم صدمة كاسرة البالغة مما قاله إلا أنها لم تظهر صدمتها وهي تهمس بثقة: وليش ذا الاستعجال؟؟
كساب ببرود: والله الحجز جاء كذا..
كاسرة حينها همست ببرود مشابه: زين كساب أنت ماشاء الله عندك أخت وخالة.. ممكن هم يبلغوني بذا التفاصيل.. مافيه داعي تتعب نفسك..
كساب حينها هتف لها بثقة: أخليهم يبلغونش لو أنا وأنتي ما بيننا تواصل..
لكن أخليهم يبلغونش وأنا أقدر أبلغش بنفسي هذا اسمه عبط..
كاسرة تريد انهاء الاتصال لذا همست بحزم: خلاص صار عندي خبر..
شيء ثاني..؟؟
حينها همس لها كساب بنبرة متلاعبة خافتة مثقلة بدفء مدروس: إيه.. فيه.. قولي لي تصبح على خير حبيبي عشان أسكر..
كاسرة حينها شعرت كما لو أن أحدهم صفعها على وجهها بكل قوته.. وطنين مرتفع يمزق تلافيف مخها بشكل مفاجئ
صرت على أسنانها بغضب وهي تهمس بحزم بالغ: بصراحة مثل وقاحتك ما شفت..
حينها ارتفعت قهقات كساب على الطرف الآخر بينما شعرت هي أنها ستنفجر منه
كانت ستغلق الهاتف في وجهه لولا أنها أوقفتها نبرته المتلاعبة بمهارة
وهو يهمس بها بخفوت مثير: خلاص أنا أقول تصبحين على خير حبيبتي
قال (حبيبتي) وهو يصر على أحرفها ببراعة دافئة بصوته المثقل رجولة وعمقا
بينما كاسرة سارعت لإغلاق الهاتف في وجهه وهي تنتفض غضبا من أسلوبه الرخيص في التلاعب
ولأنها رغما عنها شعرت بتأثر عميق غريب كرهته.. وشيء ما داخلها ينتفض مع همساته الدافئة التي لامست منطقة محظورة لم تمس مطلقا من قبل..
رغم أنها ليست المرة الأولى التي تسمع فيها غزلا.. بل سمعت غزلا أشد من ذلك وهي تتعرض للمعاكسات في الأماكن العامة..لم يثر فيها سوى الرغبة بصفع المعاكس
هذه المرة ترغب أيضا لو كان كساب أمامها لتصفعه.. ولكن مع تلك الرغبة كان هناك إحساس غريب مجهول... كرهته حتى النخاع!!
بينما هو على الطرف الآخر كان يهدف إلى شيء آخر من هذا التلاعب.. استراتيجية حرب تسمى تخدير مشاعر العدو..للوصول لمرحلة أخرى
يتمنى بالفعل أن يرى هذه الصبية حينما تسلم رايتها.. يريد أن يشعر بها أنثى تذوب من كلماته.. ترتعش من همساته التي سيتفضل بها عليها
يريد ربما أن يرضي غروره حينما يرى أنه أخضع هذه الأنثى القوية لما يريد..
وما يريده هو أن تكون هي كما يشاء
يريد إعادة صنعها كيف يشاء مادامت قد ارتبطت به وأرتبط بها..
يعلم أنها مهمة عسيرة.. ولكن ليس عليه
ليس عليه هــو !!
***************************************
اقترب آذان الفجر .. هو لم يعد ولم يتصل.. ولم يرد على اتصالاتها ورسائلها حتى.. تكاد تذوب قلقا.. وحزنا..
حتى وإن كان غاضبا منها.. فلا يليق مطلقا أن يتصرف تصرفات المراهقين هذه
فكلاهما شخصان ناضجان.. من المفترض أن يتعاملا مع مشاكلهما بالنضج الكافي..
ألا يكفي أنه رفض مجرد الجلوس والتحاور..رغم أنه دائما يتبجح أنه يرفض ترك مشاكله معلقه
ثم بعد ذلك خرج بطريقة أقل مايقال عنها غير مهذبة.. ثم بعد ذلك كله يقتلها بالقلق عليه..
هذه الليلة هي الليلة الأولى بعد زواجهما التي تكون فيها وحيدة من غيره
الليلة الأولى التي تقضيها ساهرة بعيدا عن حضنه
لا تنكر أبدا أن شعورا مرا بالخواء تسرب إلى روحها.. وهي تجلس على سريرها وتنظر إلى مكانه الخالي جواره..
وتهمس بألم وهي تميل لتمسح المكان: الله لا يخلي المكان من راعيه..
تنظر لساعتها.. لم يبق على آذان الفجر شيئا.. من المفترض أن يكون في دوامه الآن.. فكيف يكون ذهب وهو لم يعد لارتداء بدلته العسكرية
سالت دموعها حارة لاهبة رغما عنها..
شعرت أنها عاجزة عن سحب أنفاسها وضيق عميق يطبق على روحها
أسندت رأسها لركبتيها التي ضمتها لصدرها وهي تجلس على سريرها لتهدر مزيدا من دموعها ودعواتها أن يحفظه المولى وألا يريها شرا به
رنة رسالة انتزعتها من حالتها.. التقطت الهاتف بلهفة.. بقلق.. وتوتر.. سمت باسم الله وهي تفتحه:
" أنا في الدوام
طوّل العشا شوي.. فطلعت للمعسكر على طول"
حينها ألقت بالهاتف جوارها وهي تشهق شهقات خافتة
تبكي لأنها اطمئنت عليه بعد كل هذا الشد
وتبكي لأنها غاضبة منه .. أولا تجاهل اتصالاتها ورسائلها كل هذا الوقت الطويل
ثم حين يرد عليها.. يستكثر أن يتصل بها.. و يرد عليها بهذه الرسالة الباردة..
******************************************
" والله ماهقيت الموضوع بيعدي كذا.. اللهم لك الحمد والشكر
كنت قاعد ماسك على يدك وأنا أشوف أشلون يدك ترجف وعيونك تولع
وأدعي ربي وأقول يا الله سترك.. يا الله سترك"
عبدالله يسند رأسه للخلف بإرهاق عميق وهو يهمس بنبرة موجوعة:
حتى أنا ماهقيت أني بأمسك أعصابي.. أنت بنفسك شفت أشلون كانت هي ومحاميها قاعدين يستفزوني
تدري يا صالح كل ماطرى علي مشهد موت خالد.. أحس أني أبي أقوم أنط في حلقها.. وكل ماجيت بأقوم طرا علي حسن
أقول فيه واحد مات وواحد حي.. من اللي محتاجني أكثر..
ساعتين التحقيق كانت عذاب .. حسيت أني بأموت من القهر والوجيعة
صالح يبتسم وهو يربت على كتف عبدالله : الحمدلله يا ابن الحلال.. المهم أنه خلاص خلصنا.. وبكرة راجعين لديرتنا..
عبدالله يهمس بشجن موجوع: والله مافيني صبر..
ثم أردف بألم عميق: ظنك إن ابي بيبطي لين يسامحني ؟؟
***********************************
طرقات هادئة ترتفع على باب غرفة غانم الذي كان يستبدل ملابسه.. هتف بحزم: دقيقة ياللي عند الباب..
ثم فتح ليجد نجلاء أمامه.. هتف بترحيب وهو يقبل جبينها: حيا الله أم خالد.. ياهلا والله بالغالية..
حين دخلت لاحظ هالات سوداء حول عينيها توحي بإرهاق يخفي خلفه حزنا وتوترا وقلقا يتجاوز الإرهاق وكل معانيه
غانم مد يده ومسح خدها بحنان وهو يهتف بقلق: نجلا اشفيش؟؟
تفاجئ غانم بل فُجع بها ترتمي على صدره وتنتحب.. فنجلاء بالذات معروفة لدى الجميع بسيطرتها على نفسها.. ونادرا جدا ما رآها غانم تبكي
لذا علم أن خلف البكاء أمرا جللا لذا شدها لحضنه وهو يهددها: نجلا عسى ماشر ليش ذا الدموع؟؟
قولي لي جعلني فداش.. أفا عليش.. تبكين وإلا تتضايقين وغانم موجود..
نجلاء منذ سمعت حوار فهد وهزاع البارحة وهي دوامات صراع مزقت روحها.. لم تستطع أن تنم مطلقا وعشرات الصور المتخيلة الكريهة تقفز لذاكرتها
لا تستبعد أبدا فكرة أن صالح قد يتزوج.. فهو سبق أن خطب أرملة عبدالله
لكنها حينها لم تقلق.. لأنها كانت تعلم أن جوزا لن توافق عليه
فهي بداخلها كانت مطمئنة أنه سيبقى لها..
ولكن أن يتزوج وبهذه الطريقة الجارحة لها..
لم يفعلها وهي غاضبة في بيت أهلها.. فيفعلها الآن بعد أن عادت إليه
(ولكن هل أنتي فعلا عدت إليه يا نجلا؟؟
أتخدعين نفسكِ أم تخدعينه؟!)
(حتى ولو.. نعم.. عدت له وأنا الآن في بيته
لا يجوز أن يتصرف معي هكذا
يريد أن يتزوج من حقي أن يحترمني ويصارحني
لا أن يتزوج في السر ثم يريد أن يسكنها في بيتي)
(الآن أصبح بيتكِ وأنتِ من هربت من البيت وصاحبه؟؟)
(نعم بيتي.. وقبل ذلك زوجي
لا يهمني البيت.. يهمني صاحبه
يستحيل أن أتنازل عن صالح لسواي)
(صحوة متأخرة جدا هذه الصحوة
الآن تريدين صالح
أين كنتِ طوال الأشهر الماضية وهو يرجوكِ ويسكب مشاعره تحت قدميك
دون أدنى رحمة منك)
(جرحني.. جرحني..!!
وجرح الغاليين غال)
(واعتذار الغاليين أ ليس غاليا مثلهم؟!)
(مرهقة أنا..
يكفيني مابي لا تزدها علي أرجوك
أشعر أني على شفير هاوية وأنتظر فقط من يدفع بي حتى أهوي)
غانم تنهمر مشاعره مع هذه الباكية بين ذراعيه ولا تجيب عن تساؤلاته: أم خالد بس قطعتي قلبي.. وش اللي يخليش تبكين كذا؟؟
نجلاء بين شهقاتها: صالح تزوج علي أو بيتزوج علي..
حينها تصلب جسد غانم وشعرت هي بذلك وهو يبعدها عن حضنه لينظر إلى وجهها الذي تفجر احمرارا واضحا في بياضها
وهو يهتف بغضب: وذا البكاء كله عشان صالح تزوج او بيتزوج
إذا هو ماعرف قيمتش.. هلش يعرفونها
مابه شيء يستاهل دموعش..
وصالح مهما صار يظل أخي وأنتي أختي..بغيتيه.. فهو رجالش وأبو عيالش.. ومهوب أول رجّال ولا أخر رجال يعرس
ما بغيتيه.. بيت هلش مهوب عاجز منش
حينها جلست نجلاء على السرير وهي تنتحب: هذا وأنا جايتك أبي مساعدتك تسوي فيني كذا
غانم يتنهد: زين أشلون تبين أساعدش.. تبين أهدد صالح وأقول له لو عرست على أختي كفختك...
تراني حاضر
نجلاء تحاول تهدئة نفسها: لا أبي خدمة أبسط من كذا..
صالح جاي بكرة على رحلة من أمريكا ما أدري بالضبط أي وقت..
وأنت عارف فيه كم طيارة تنزل المطار جايه من عدة ولايات في أوقات مختلفة ويمكن يكون بيسافر ترانزيت..
أبيك تعرف بالضبط على أي طيارة هو..
غانم هز كتفيه: هذي سهلة.. أقدر أطلعها من السيستم.. وغيرها؟؟..
نجلاء بتردد: أبيك تستقبله وتشوف من هو جايب معه.. لأنه مهوب راضي حد يستقبله ولا يقول لأحد هو متى جاي
وقلبي قارصني من ذا السالفة.. وخصوصا أنه طلب إن البيت يتشطب في السر
هذا كله ما تشوفه شيء مريب..
حينها هتف غانم بغضب: ماهقيتها منك ياصالح.. عرس وفي السر
يبي يعرس على بنتنا.. يأتي ويبلغنا لأن السنع كذا
والله ماهقيتها منه أبو خالد...
نجلاء تختنق ضيقا: الحين أنت سويتها سنع ومهوب سنع.. أنا ما أبي صالح يعرس علي.. في السر وإلا في العلن..
غانم يشير بيده : خلاص خلاص.. الحين وأنتي قاعدة بأطلع لش على أي طيارة جاي... هذا لو كان حجزه على الخطوط القطرية
غانم أنهى عبارته وتناول هاتفه ليقوم باتصال سريع .. وكما هو معروف حجز الطائرات يكون باسم العائلة
لذا أعطى الطرف الآخر اسم عائلته قبل اسم صالح..
الطرف الآخر بنبرة مهنية: أي واحد تسأل عنه
صالح خالد آل ليث الـ
وإلا عبدالله خالد آل ليث الـ..
غانم شعر كما لو أن قنبلة تفجرت في منتصف رأسه وريقه يجف تماما وهو يسأل بحذر:
نعم عيد ما سمعتك..
الطرف الآخر بنفس النبرة المهنية: أقول عن أي واحد تسأل
صالح خالد آل ليث الـ
وإلا عبدالله خالد آل ليث الـ..
غانم شعر بعينيه تغيمان وروحه تُسحب منه وهو يحاول أن يهتف باصطناع فاشل:
خلاص خلاص شكرا.. بأكون هناك..
ثم جلس بجوار نجلا على سريره.. شعر أن قدميه عاجزتان عن حمله..وأنه سيهوي ساقطا على الأرض
نجلاء استدارت له بقلق وسألته: وش فيك غانم؟؟
غانم لا يستطيع حتى النظر إليها يخشى أن تفضح نظراته صدمته الكاسحة
(معقولة عبدالله يرجع من الموت
مستحيل.. مستحيل..
مـــســــحـــيــــل !!
بس الاسم.. نفس الاسم
ومع صالح على الطيارة
عبدالله
عبدالله حي؟؟ معقولة؟؟
إذا كان فعلا حي.. فتصرفات صالح كلها مبررة الحين ومفهومة)
غانم يقفز لينتزع من الدولاب لباس الطيارين... رغم أنه عاد للتو من المطار
ففي رأسه موال ما..
سيكون على متن الطائرة التي ستسافر بعد قليل.. لتعود في الغد.. سيسافر حتى لو كمساعد ثالث.. أو مجرد عضو في الطاقم
لأنه هذه الطريقة الوحيدة ليسافر.. فليس هناك وقت ليحجز كمسافر..
لابد أن يتأكد بنفسه لن يستطيع الانتظار للغد..
نجلاء تفجر قلقها أمواجا عاتية.. وهي ترى غانما يتحول لآله لا تفكر..
وهو ينتزع ملابسه ويتجه بها للحمام ويلبس في أقل من دقيقة وينزل راكضا دون أن يغلق أزرار قميصه حتى
ودون حتى أن يسمع نداءاتها ورجاءاتها الحارة التي تحولت بعد ذلك لشهقات عالية وهي تنهار على رخام غرفته البارد..
*********************************
كانت نائمة بعد الليلة المريعة التي قضتها البارحة
من بعد صلاة الفجر استلقت على فراشها.. حاولت تنحية ألمها من تصرف منصور جانبا.. ولكنها لم تستطع.. قضت وقتا طويلا تفكر قبل أن تنام
لا يخلو بيت من المشكلات.. ولا توجد علاقة بين زوجين تخلو من المنغصات
تعلم ذلك جيدا..
ورغم أن منصور بدأ بالفعل يستحوذ على جزء كبير من تفكيرها ومشاعرها
ولكن شخصيته الحادة المسيطرة توتر شخصيتها الرائقة الهادئة..
قد تقول أنهما قد يكونان هكذا متناسبان.. وهي بمرونتها تحتوي صلافته وتشدده..
ولكن الاحتواء في العلاقة الزوجية لابد أن يكون متبادلا
لا يمكن أن تكون هي الطرف المحتوي طوال الوقت.. سيأتي حينها يوم تُستنفذ كل مرونتها وتنفجر..
ولشد ما تخشى ذلك.. فهي ليست هكذا.. ولطالما احتملت الكثير طوال حياتها..وأكثر من ذلك بكثير... ولكن أ لم يئن الأوان لترتاح؟!
كانت هذه هي أفكارها حينما نامت وهي تشعر بصداع شديد..مازالت تشعر به حتى وهي نائمة..
فليلة البارحة كفيلة بتفجير أقوى صداع.. لم تتناول شيئا من بعد الغداء لأنها لم تتعشَ بعد مغادرة منصور
عدا البكاء والتوتر وجلستها الطويلة المتصلبة في انتظاره
فهل تحول الصداع لطرقات ناعمة على عضدها الآن؟!
طرقات ناعمة على عضدها.. ثم همسات دافئة في أذنها.. ثم قبلات حانية على صدغها ويديها..
فتحت عينيها بخفة ثم عادت لإغلاقها لشدة إحساسها بالألم في رأسها وانتفاخ عينيها..
همست بألم دون أن تفتح عينيها: جيت حبيبي؟؟ وإلا ممنوع أقول حبيبي؟؟
منصور تمدد جوارها وهو يدخل ذراعه تحت رأسها ثم يضمها لصدره وهو مازال بلباسه العسكري الكامل حتى الحذاء والقبعة العسكرية
ويهتف وهو يبتسم: إلا حبيبش ونص.. وإلا عندش حبيب غيري؟؟
حينها دفنت عفراء وجهها في صدره وبكت بشفافية: دام حبيبي ونص.. ليه اللي سويته البارحة..؟؟
منصور اعتدل جالسا بميل وهو يُجلسها معه ثم هتف بجزع: تبكين يا قلبي؟؟ أفا عليش.. ترا حتى منصور ما يستاهل دموعش
سامحيني يالغالية.. أدري زودتها البارحة بس والله من غلاش عندي..
عفراء تجلس بشكل مائل وهي مازالت تسند رأسها لصدره وتهمس من بين دموعها التي تسيل بصمت وعيناها مازالتا مغلقتان:
تدري منصور.. والله ماهمني اللي قلته البارحة كثر ماهمني اللي سويته فيني عقب
يعني ماهان عليك تطمني عليك وانا محترقة من المحاتاة
منصور بمودة شاسعة: سامحيني ياقلبي.. والله العظيم التلفون على الصامت في مخباي.. ما أحب كل شوي أرد إذا كنت في جمعة رياجيل كبيرة
ومع إنه والله العظيم إن العشا ماطب حلقي بس السهرة طولت شوي
ويوم شفت الساعة إلا دوامي مابقى عليه شيء
طلعت للمعسكر دايركت وبدلت هناك.. وكان عندنا تدريب مبكر..
وقتها شفت اتصالاتش حتى المسجات مالحقت أفتحها.. طرشت لش على السريع
ووالله العظيم إن قلبي قارصني عليش.. وعقب ماقريت المسجات ودريت إنش متروعة علي كذا
حتى الدوام ماقدرت أكمله.. رجعت بسرعة عقب ماخلصت شغلاتي الضرورية..
ها سامحتيني وإلا لا.. لأني أنا ترا ماسامحت نفسي..
عفراء تقبل صدره مكان رأسها وتهمس بإرهاق: ما أقدر أزعل عليك ياقلبي.. بس تكفى ما تسويها فيني مرة ثانية.. حتى لو كنت زعلان علي..
منصور يهتف بحنان: زين يوم أنتي منتي بزعلانة.. بطلي عيونش أشوفها..
عفراء بصوتها المرهق: حاولت منصور بس ماقدرت.. عيوني منتفخة.. ورأسي بينفجر من الصداع.. شكله الضغط مرتفع عندي..
منصور بجزع: ضغط..؟؟ ثم أردف بغضب من نفسه: كله مني.. كله مني.. يالله قومي أوديش المستشفى..
عفراء برفض رقيق: مافيه داعي.. بس تكفى عطني بنادول من جنبك.. وبأنام شوي.. وبأقوم زينة.. أبي أنام بس..
منصور يتصل بالخادمة في الأسفل حتى تحضر حليبا باردا حتى لا تتناول المسكن على معدة خالية.. ثم يلتفت لعفراء ويهمس لها بحنان مصفى:
والله يا قلبي مالي وجه منش .. سامحيني يالغالية..
أنا بأخليش تنامين الحين لكن لو رجعت وانتي تعبانة بأشلش غصب وأوديش المستشفى
كان عندي موعد العصر.. خلاص بأروح له الحين.. عشان أتفرغ لش
.
.
.
منصور كان متوجها لموعده حين رن هاتفه.. نظر للاسم ثم التقطه رد بابتسامة: هلا والله بالغالية..
صوتها الرقيق: الله يغليك عن ربعك..
رد عليها بمرح: أبي أكون غالي عند خالتش وبس..
ردت عليه مزون بابتسامة: وأنت غالي عند خالتي.. وعلى طاري خالتي أتصل عليها ماترد علي.. مهوب عوايدها راقدة لذا الحزة..
منصور يرد عليها بهدوء: خالتش راقدة.. تعبانة شوي.. توني خليتها الحين..
حينها أشرق وجه مزون وهي تهمس بخجل باسم تخفي خلفه سعادة عارمة:
مبروك ياعمي.. بس توه ما يبين وحم.. صح وإلا أنا غلطانة؟؟
حينها انفجر منصور ضاحكا: ياحليلش يامزون.. وين راح مخش؟؟..
بتباركين لنا إن شاء الله قريب.. بس مهوب الحين تو الناس..
وجه مزون اشتعل احمرارا وهي تسب نفسها
(صدق إني ملقوفة.. حامل وإلا مهيب حامل..
مالقيت حد أبارك له إلا عمي..
بس اللي صار.. فلتت الكلمة)
همست بخفوت تخفي خلفه حرجها: زين أقدر أروح لها..
منصور بحنان: والله يأبيش هي الحين نايمة... تعالي العصر..
.
.
.
بعد نصف ساعة
" ها يا دكتور؟؟ طولت فحوصك"
الطبيب يرفع عينيه عن الأوراق أمامه استجابة لعبارة منصور الحازمة.. ويبتسم:
شوف يا أستاز منصور..
زي مائلت لي تمام في الفحص اللي عملته ئبل..
أنت عندك مشكلة بسيطة خالص.. وعلاجها سهل خالص كمان.. ومضمون بإزن الله مية في المية..
منصور بحزم: هذا كله أنا عارفة.. متى بنبدأ العلاج.. وأهم شيء متى بيعطي نتيجة..
الطبيب بابتسامته المهنية: ست سبع شهور بإزن الله وتكون في السليم..
منصور قفز بشكل حاد وهو يميل على مكتب الطبيب ويهتف بغضب: نعم وش قلت؟؟
الطبيب رغما عنه انكمش قليلا وهو يرى طول منصور الفارع يميل عليه وهتف بصوت أخفت: بائول ست سبع شهور بس..
منصور شد له نفسا عميقا ثم عاود الجلوس وهو يهتف بثقة: أنا ما اقدر أصبر حتى شهر واحد.. أبي نتيجة فورية..
الطبيب بذات النبرة المهنية: استاز منصور اللي بتئوله مش منطقي خالص
دا طب.. مش سحر زي أفلام الكارتون..
يعني الدوا لازم ياخد وئته ومفعوله.. عشان يجيب نتيجة
حينها وقف منصور وهو يهتف بحزم: هذا أخر كلام..؟؟
الطبيب هز كتفيه: أكيد أخر كلام.. ولو رحت لألف دكتور هيئول لك نفس الكلام..
منصور بحزم بالغ: خلاص مع السلامة..
الطبيب باستغراب: والعلاج؟؟
منصور بذات نبرته الحازمة: خلاص ما أبي أتعالج..
الطبيب باستغراب أشد: استاز منصور.. كلو بإزن الله.. بس لو أنته ماخدتش العلاج.. مستحيل يصير حمل
منصور يغادر: بعد ست وإلا سبع شهور الله عالم وش يصير..
منصور غادر العيادة وضيق غاضب يتصاعد في روحه على كل الأطباء الفاشلين..
كان صعبا عليه أن يتخذ قرارا بالعلاج.. لأنه كان مقتنعا بعدم رغبته بالأطفال..
ولكنه رأى أن الوسيلة الوحيدة التي ستربط عفرا به هي طفل..
فإذا كانت مستعدة أن تتخلى عنه من أجل ابنة ماعادت تحتاجها
فمن باب أولى أنها ستتمسك به من أجل طفل هو من يحتاجها..
بدت الفكرة له أول مافكر بها : مقيتة وجارحة ومهينة.. أن يفكر هو العقيد منصور أن يربط امرأة به رغما عنها
ولكنه كما قال لعفراء.. فكر بطريقة العساكر.. الأهم فالمهم..
والأهم عنده هو عفرا.. وعفرا فقط..
بعد ذلك بدت له الفكرة غير سيئة إطلاقا.. بل مثيرة وجذابة وإنسانية لأبعد حد..
يكون أبا.. ولطفل من عفرا..
وبعد ذلك وهو يجري الفحوصات سيطرت فكرة الطفل عليه تماما وهي تلغي كل أفكاره البالية القديمة
فعلا شروط وأنت على البر مختلفة حينما تدخل البحر..
هو الآن يريد درزينة من الأطفال إن كانت عفراء أمهم..
لكن بما أن العلاج يريد وقتا.. يريد أن يضمن قبلا أن عفراء ستبقى معه.. ومن أجله هو
فهو لا يستطيع منعها من زيارة ابنتها طوال هذا الوقت..
ورغم كل الضيق الذي يشعر به لفشل مخططاته ولكنه لن يستسلم.. لن يتخلى عن عفراء بعد أن وجدها..
لذا فلينقل معركته إلى ساحة قتال أخرى
*******************************************
عاد منصور بعد صلاة الظهر محملا بضيقه المتزايد الذي لم يظهره للسطح..
دخل إلى غرفة نومه متسللا بهدوء حتى يرى إن كانت قد نهضت من نومها
ولكنه تفاجأ أنها غير موجودة والغرفة مرتبة ومبخرة..
رغما عنه لا يستطيع دفع هذا الألم المتزايد الذي يطبق عليه بشراسة
حينما يتخيل حياته تعود خالية من وجود عفراء.. ولمسات عفراء ..وحنان عفراء
أي حياة هذه؟؟ الحياة ستكون محض قبر موحش بدونها..
تنهد وهو يغلق باب الغرفة لينزل بحثا عنها ليتفاجأ بها خلفه.. متأنقة له كعادتها..مبتسمة كعادتها
قبل جبينها وهو يسألها باهتمام: شأخبارش الحين؟؟
ابتسمت له برقة: طيبة مافيني شيء.. كنت أدلع عليك بس..
منصور بحنان: واللي تبي تدلع ومش منزلها..؟؟ ليه ماقعدتي ترتاحين في غرفتش..؟؟
عفراء برقة: رحت أسوي لك غدا مخصوص.. مهوب كفاية إنك ماتعشيت البارحة.. واكيد ماتريقت اليوم..
منصور مد ذراعه ليلف بها كتفيها ويعود بها لغرفتهما وهو يهتف بمودة مصفاة:
لا تعبين نفسش تكفين.. أنا باكل أي شيء حتى لو شاهي وخبز..
عفراء تبتسم: حضرت العقيد يتغدى شاهي وخبز.. لا والله مايكون
منصور بولع حقيقي أخفى خلفه حزنه وتوجسه من المجهول: الله لا يخلي العقيد منش ..
والعقيد يسألش يقول متى تبي تسافرين لجميلة تراه حاضر
شعر بارتعاش كتفيها تحت ذراعه وهي تهمس بتردد عذب: يعني لو بغيت أسافر عقب عرس كساب على طول.. مايأثر على شغلك؟؟
منصور بثقة: شغلي باخلصه قبل عرس كساب.. بكرة أو بعد بكرة باخلصه إن شاء الله
وتبين عقب عرس كساب على طول رحنا..؟؟
حينها مدت عفراء جسدها وهي تقف على أطراف قدميها حتى تطوق عنقه وهي تهمس بسعادة غامرة: مشكور يابو زايد مشكور.. الله لا يحرمني منك..
************************************
" ياحياها الله عروستنا"
مزون بحرج: أي عروسة خالتي الله يهداش.. أنتي العروس..
عفراء تبتسم: أي عروسه الله يهداش أنتي.. عقب ماشاب ودوه الكتاب..
مزون تبتسم وهي تميل على كتف خالتها تقبله: وأحلى عروس بعد.. وهذا أنا شايفتش قدامي منورة
ليه عمي خرعني عليش وقال تعبانة... وإلا العم العزيز يبي يزحلقني بس
عفراء بمودة: لا والله كنت تعبانة شوي بس الحين زينة..
حينها ضحكت مزون وقالت: تدرين خالتي شر البلية مايضحك.. اليوم جبت العيد عند عمي
يوم قال لي تعبانة.. قلت له على طول مبروك..حسبتش حامل..
يا الله ياخالتي.. فشلني عمي من قلب...
غصة مجروحة قفزت فورا لحنجرة عفراء وهي تشعر بألم صدمة موجعة استنزفت مشاعرها الرقيقة..
وبدلت فرحتها الشفافة التي شعرت بها اليوم..إلى حزن امتهان موجع لكرامتها وأنوثتها
(حتى مع بنت أخيه وبنت أختي.. عادي عنده يبين إنه مايبي عيال مني
ماحتى احترمني قدامها
أشلون الحين أحط عيني في عينها)
لم يمر حتى يوم واحد على مافعله بها البارحة حتى يطعنها طعنة جديدة اليوم!!
عفراء تشاغلت بصب الشاي لمزون وهي تنحي عبراتها التي تجمعت في حلقها جانبا وتحاول أن تتحدث بنبرة طبيعية:
خلش مني أنا وعمش منصور.. ما تشوفين أنش طولتي وأنتي تفكرين في سالفة عيال آل ليث
حينها غام وجه مزون بشفافية وهمست بذات الشفافية: تعبت خالتي من كثر ما فكرت.. أقدر قول لش قراري وخلاص..
عفراء باستغراب حنون: أكيد تقدرين
مزون بهدوء شفاف: ما أبي ولا واحد منهم..
عفراء بصدمة: من جدش؟؟ وش ذا ؟؟ يأمش فكري زين هذا عرس مهوب لعبة
مزون هزت كتفيها: والله فكرت وصليت واجد.. وهذا للي الله هداني له..
صعب علي خالتي أرضى بواحد وأرفض ولد عمه..يمكن لو كان واحد منهم هو اللي تقدم لي كان تفكيري اختلف
بس الحين الله سبحانه خلاهم يخطبون مع بعض عشان أرفضهم كلهم..
عفراء بذات الصدمة: خلش من ذا الخبال والأفكار المثالية.. زين وكلهم تقدموا.. ترا ماحد منهم يدري بخطبة الثاني
مزون بعذوبة شفافة: بس يوم أوافق على واحد منهم.. الثاني بيدري.. تخيلي فشيلته وحتى ضيقه من ولد عمه..
عفراء باستغراب غاضب: كيفه هو وولد عمه.. يحلون مشاكلهم بنفسهم.. فكري في مصلحتش وبس..
مزون تنتهد: خالتي أنتي خايفة انه ماعاد يجيني خطاطيب.. صح؟؟
وحدة مثلي ويجيها اثنين ماعليهم كلام.. وترفضهم.. تكون تردي نصيبها.. هذا تفكيرش صح؟؟
عفراء بجزع حنون: أشلون طرت ذا الأفكار على بالش.. يابنتي مهوب زين نطب النصيب الزين يوم ياتي.. والا الخطاطيب يا مالش من الخير جاي..
مزون عاودت التنهد بعمق أكبر: على قولتش خالتي..الخير جاي
وترا ياخالتي واحد+واحد= اثنين.. يعني لاحظي ماحد خطبني لين خليت الطيران حتى الطيار اللي كان معي..
معنى كذا أن العيب الكبير مهوب فيني لكن في دراستي وشغلي..
ومعنى كذا لي نصيب عاده جايني الله ما كتبه..
شفتي ياخالتي الشينة اللي فلوس ابيها تنفقها هذي أنا..
كنت أقول أول حتى لو أنا مهوب حلوة.. المثل يقول (الدراهم مراهم تخلي الوحشة حلوة واللي مش فاهم فاهم)
بس أثر الطيران عيب غطى حتى على حلاوة الفلوس
وهذا هو العيب انكشف.. لو لي نصيب بياتي..
عفراء بغضب: مزون وش ذا الكلام السخيف.. أنتي مافيش قصور ومهوب أنتي اللي تزينها الفلوس
ثم أردفت بحنان : أنتي على قولت ابن فطيس:
زينش يزينه فعل أبيش وجدش....... وأنتي بدورش للنقا كسابة
مزون بألم: خلاص خالتي خلي لكل وحدة قناعتها.. أنا فعلا ما أبي أتزوج الحين والمشكة بيني وبين كساب ما انحلت..
عفراء رفعت حاجبا وأنزلت آخر: قولي إن السالفة فيها كساب.. بدون ذا الخرابيط كلها..
مزون نظرت لساعتها: خلاص ردي صار عندش بلغيه عمي وكساب
وعلي الحين بيجي يأخذني
حينها انتفضت عفراء بخفة: مزون حبيبتي اقعدي عندي عمش يقول عنده بكرة شغل من فجر وماراح يرجع إلا بكرة في الليل متاخر
امسي عندي الليلة..
عفراء تريد أن تبقى مزون عندها كدرع تحتمي به من منصور الذي تشعر بغضب عميق منه.. ولا تريد أن يكونا لوحدهما الليلة
فرؤيته دون حاجز حامي ستفتح جروحها التي بدأت تتكاثر منه...
مزون أجابتها بمودة: يا ليت أقدر بس تدرين ابي ما يرضى
بس أوعدش بكرة أجيش من بدري وأسهر عندش لين متأخر
الليلة خلي حضرت العقيد يشبع من قعدتش بدون عزول..
عفراء تنهدت بوجع (شيدريش أني أبيش تقعدين عزول)
لم تكن عفراء مطلقا تريد أن تبقى وحيدة مع منصور هذه الليلة
فبقائهما وحيدين سيفتح مساحة للبوح هي غير مستعدة لها مع تعاظم تجريح منصور لها.. حتى وصل إلى حد السخرية بها أمام ابنتها
مزون غادرت.. وخلا المكان على عفراء
وأعشبت مساحات الألم التي وجدت لها مرتعا خصبا من غضب وعتب وألم..
قد تقبل أي شيء منه إلا أن يهينها أمام أبنائها.. تقبل بأي شيء إلا أن يكسر صورتها أمامهم..
فكيف واتته الجرأة أن يذكر أمام مزون أنه لا يريد أطفالا منها؟؟
أي زواج هذا الذي يكون خاليا من أدنى احترام مفترض بهذه الصورة
تنهدت بعمق لاسع.. وزفرت غضبها بحرارة..
رغم أن عمر زواجها القصير لم يخل من إساءات منصور لها
ولكن من بين كل الإساءات هذه كانت الأعظم بلا مقارنة..
ما بينهما - مهما كان جارحا- صداه محدود بينهما
لكن أن ينقله خارج حدودهما فهذا يعني انتشارا لا محدودا لصدى الجرح..
فهل كان يهدف من ذلك إلى الانتقام منها لما حدث البارحة حينما ناقش شرطها؟!
أ يعقل أن منصور قد ينحدر إلى هذا التفكير المنحط الدنيء؟؟ أ يعقل؟؟
ثم كيف يكون حقا له أن يناقش شرطها ويغضب منه
بينما شرطه لا يُمس ولا يُناقش كأنه حقيقة مُسَلمة لدرجة أن يُشرك مزون فيه بأي صورة حتى لو كان مزاحا؟؟
ألا يكفي معرفة كساب له إحراجا لها؟؟ بينما شرطها له سر بينهما لا يعرفه سواهما
فهل هكذا الشهامة في عرفك يامنصور؟؟
ألا يكفي أنه فعلا بدأت تسيطر عليها رغبتها بإنجاب طفل منه..باتت تتخيل أطفالا يشبهونه.. ولهم نفس عنفوانه الآسر
ولكنها يستحيل أن تضايقه بهذا الطلب وهي تقمع هذه الرغبة التي هي حقها الطبيعي
ثم بعد ذلك يزيدها عليها بتصرفاته..
كيف يريدها أن تقتنع أنه يحبها وحريص عليها لدرجة هذا الغضب الهادر من شرطها.. وهو يتصرف معها على ها النحو الذي يثبت أن كلامه محض ادعاء وكذب
فكلامه شيء وتصرفاته تثبت عكس مايقول..
تستطيع أن تخبره ببساطة أن شرطها كان خط حماية لحياة مجهولة معه لا تعلم كيف ستكون
وأنها لو أيقنت أنه سيكون الحماية والاحتواء لها ولابنتها .. فشرطها لا داعي له
ولكنه لم يشجعها على ذلك وهو يثير في روحها قلق دائم من حياتها معه..
التهمها هذه الأفكار وهي تدور في البيت.. تحاول الالتهاء فلا تلتهي عن أفكارها
كانت غارقة في أفكارها وهي تجلس على أريكة في صالة الطابق العلوي
حين فوجئت بمن ينحني عليها من الخلف ويقبل رأسها..وهو يلقي السلام
ردت السلام بهدوء
استدار ليجلس جوارها وهو يهتف بحنان: أشلونش الحين يا قلبي؟؟
(قلبك يا النصاب؟!) هكذا قالت عفراء في ذهنها وهي ترد بنبرة محايدة: الحمدلله تمام..
تبي عشا؟؟
مد يده ليطوق كتفيها وهو يشدها ناحيته ليقبل خدها وهو يجيب: متعشي في المجلس..
ولكنه فوجئ بها تنفض كتفيها وتنهض.. فهي لا تستطع تقبل لمساته بعد ما تظنه فعله
حينها هتف بحزم غاضب وهو مازال جالسا وهي واقفة: عسى ماشر؟؟
عفراء بذات النبرة المحايدة وهي تستعد للمغادرة: مافيني شيء تعبانة وأبي أنام..
فوجئت به يقف وينتزعها من عضدها بحزم: ياويلش مرة ثانية تخليني وأنا أتكلم معش..
عفراء همست بنبرة حزم لم يعتدها منها: أيش بتسوي يعني؟؟ بتضربني؟؟
ولو سمحت فك يدي لأنك آجعتني..
منصور أفلت عضدها وهو يهتف بحزم: مهوب أنا اللي أمد يدي على مرة..
بس أنتي الليلة منتي بطبيعية.. خليتش المغرب مافيش شيء
عفراء تشعر أنها تريد أن تبكي وتمنع نفسها وهي تدفع القوة في عروقها:
يعني ما يحق لي مرة أزعل أو أتضايق وأنت تستحملني شوي..
منصور بذات النبرة الحازمة التي حملت هذه المرة دفئا عميقا: أنا استحملش عمري كله..
بس أظني أنش صرتي عارفتني.. أسلوب المراوغة ما أحبه..
وأنتي مبين أنش زعلانة مني.. قولي لي أيش اللي مزعلش..
عفراء حينها تنهدت بألم رغما عنها.. وشعر منصور أن تنهيدتها نفذت من صدره
ولم يشعر بنفسه وهو يحتضن وجهها بين كفيه ويهتف لها بحنان مصفى:
وتنهيدة بعد .. أفا يا الغالية.. وش اللي مضايقش؟؟
أدري أني أجيب الهم والضغط... بس والله ذا المرة ما ظنتي إني سويت شيء
علميني منصور أبو دم ثقيل وش سوى؟؟
عفراء اشاحت بوجهها لتبتعد عن مدى كفيه.. حينها تأخر منصور للخلف وهو يهتف بحزم عاتب: وحتى أقل لمسة ما تبينها مني... والله أن الزعلة كايدة..
شوفي خرابيط خلني بروحي.. وأبي أختلي بنفسي.. هذي ما أبي أسمعها
الحين تقولين لي وش اللي مزعلش مني؟
حينها رفعت عفراء عينيها الغائمتين له وهمست باختناق:زين يوم أنت حريص على الحوار ليش أمس طلعت وخلتيني وأنا أقول لك اقعد نتفاهم
وإلا بس هذا حقك بروحك؟؟
وعلى العموم خلنا في اليوم...تشوف إن الكلام اللي قلته لمزون مايزعل.. ليش تسوي فيني كذا يا منصور؟؟
ممكن أقبل منك أي شيء إلا إنك تفشلني في عيالي..
منصور بصدمة: أنا فشلتش في مزون.. شكلش تخيلين شيء ماصار..
عفراء بألم أكبر: وبعد شايف إن اللي أنت قلته لها مافيه شيء.. خلاص منصور.. ما قصرت.. تصبح على خير..
منصور بغضب: وش تصبح على خير ذي.. تقطين الكلمة وتروحين.. مافيه.. اقعدي وفهميني..
حينها جلست عفراء وانخرطت في بكاء خافت وهي تشهق: بس منصور حرام عليك .. لازم توصلني لأخري.. ارحمني الله يرحم والديك
منصور حينها استعد لمغادرتها لغرفته وهو يهتف بغضب حازم: ذا اليومين ما أدري وش فينا... شياطيننا متركزة.. الله يكفينا شرها..
بأخليش يأم جميلة.. بأروح أنخمد وراي شغل من فجر..
وانتي اشبعي بالتفاهم مع روحش يمكن توصلين مع روحش لحل لمشاكلش مع رجّالش اللي طلعتيه من السالفة..
عفراء رفعت عينيها وهي ترى ظهره داخلا لغرفتهما ثم يغلق الباب خلفه بدوي هائل كأنه سيحطم الباب
انتفضت من الصوت وهي تستغرب قوله لها أم جميلة.. هي بالفعل تحب أن يُقال لها أم جميلة.. ولكنها المرة الأولى التي يقولها لها منصور
( أ هذه رسالتك الجديدة يا منصور
فلست زوجتك عفرا
ولكن أم جميلة فقط
أ تشير إلى أنني قد أختار جميلة عليك.. لذا يجب أن أكتفي بكوني أما لها وليس زوجتك وشريكة حياتك؟؟
ماذا أفعل يا منصور إن كنت لا تسمح لي أن أكون أما لسواها..
هل تظن أنه لو كان بيننا أطفال أنني قد أتركك..
أقسم لك أنني لا أريد تركك بدون أطفال.. فكيف لو كان هناك مايربط بيننا..
أريد أطفالا تكون أنت والدهم..
ولكنك ترعبني من الحياة معك..
تعبت يا منصور.. تعبت ونحن ما زلنا في أول الطريق
يا لك من رجل مستبد متسلط.. لا تكتفي بأوساط الحلول ولا أوساط المشاعر!!)
قضت عفراء ليلتها جالسة في الصالة.. صلت هناك وأخذت من سجاجيد وأجلة الضيوف
لم تدخل على منصور ولم تستبدل ملابسها ولم تأخذ سجادتها
تشعر أنها منهكة تماما من التعب والتفكير .. تمددت بشكل مائل على الأريكة ونامت..
صحت على هزات حانية على كتفها ..فتحت عينيها ..حين رأت وجه منصور القريب وملامحه المرهقة شعرت أن عبرتها قفزت لحلقها
وقف وهو يهمس لها بعتب عميق مخلوط بالحزم: قومي نامي في غرفتش.. المتوحش اللي بيأكلش طالع لشغله..
البارحة ماجاني نوم.. وأنا أقول كل شوي بتجيني.. لأني كنت أظن أنه مايهون عليش تنامين بعيد عن حضني
مادريت قلبش قاسي كذا..
أنهى عبارته.. ونزل.. وعفراء يتنازعها الاستغراب والألم من أشياء ثلاثة..
كلامه العاتب لها وهو يحملها مسؤولية ماحدث كله ويبرئ نفسه..
وأنه نزل بثوبه وغترته.. وليس بلباسه العسكري..
وأنه كان يحمل حقيبة صغيرة في يده!!
****************************************
في صالة الانتظار لصعود الركاب
مازالت البوابة لم تفتح.. ولكن لم يعد به صبر..
قضى البارحة ليلة منهكة في رحلته وهو يتطفل على الطاقم كعضو زائد لم يكن له عمل..
ولم يستطع مطلقا أن ينام.. وهو لم يكن قد نام قبلها.. ليصبح له يومين متواصلين لم ينم.. وهاهو يدخل اليوم الثالث..
كان يريد الوقوف عند البوابة تماما حتى يراهما فور وصولهما.. ولكنه رأى أن هذا سيكون محرجا له ولهم.. عدا أنه مازال عاجزا عن التصديق
يريد له جوا ومكانا يستطيع التحكم بنفسه فيه
لذا بقي جالسا في زاوية الصالة ينتظر وصول الركاب
علاقته بابناء عمه علاقة أخوة خاصة.. فإن كان الله لم يرزقه بأخ سوى بصالح الصغير قبل عام.. فلطالما اعتبر ابناء عمه خالد أخوة له
كان خبر وفاة عبدالله فاجعا له كما كان فاجعا لصالح وفهد وهزاع
وماهزَّ غانم أكثر أنه يعلم قُرب عبدالله من عمه.. كان يعلم أن فجيعة عمه هائلة في هذا الشاب الذي انطفئت شمعة حياته في زهوتها
لم يكن أبلها كي لا يلاحظ أن عمه منذ وفاة عبدالله وهو يزداد وهنا وضعفا يحاول إخفائه خلف صلابته المعتادة
لطالما شعر غانم بغصة كلما رأى حسن الصغير .. طفل يتيم لم يعرف له أبا ..
وغصة أخرى حين يرى شدة شبهه بعبدالله.. صورة من والده.. وكأن الله عز وجل يريد أن لا ينتهي امتداد عبدالله
فإذا بأصل هذا الامتداد موجود.. لم يمت.. أي صدمة هذه؟؟
يفكر غانم الآن بعمه.. عمه بالذات.. كيف ستكون ردة فعله..
كانت هذه أفكار غانم.. حينما التقطت عيناه الجسدان اللذان يعبران البوابة
انتفض بعنف حاد..كأنما أصابته حمى حقيقية..
أحدهما رآه منذ أيام فقط.. لكن الآخر مضت سنوات منذ آخر رآه..
هـــو بذاته.. يبدو أكبر قليلا.. لكنه هــو.. هو عبدالله.. طوله وعرضه وحتى وسامته التي لم يستطع أحد منهم منافسته فيها
رغم كل ما فعله غانم وهو يأخذ هذه الرحلة ويأتي بنفسه لواشنطن حتى يتأكد
لكنه في داخله كان عاجزا عن التصديق.. إذا كان لم يمت فأين كان طيلة السنوات الماضية؟؟
وهاهي شكوكه كلها تتفجر أمامه وعيناه تتبعان بصدمة الشقيقين حتى جلسا انتظارا لموعد صعود الطائرة بعد دقائق..
كان يحاول أن يقف فلا يستطيع.. وتفكيره يعود مرة أخرى لعمه.. بل حتى لوالده..
إذا كان هو لم يحتمل رؤية عبدالله حيا.. ومازال عاجزا عن الاستيعاب ومشاعره تضغط عليه بعنف غير معقول.. خليط من سعادة وصدمة هائلتين..
فكيف ستكون ردة والده وقبل ذلك ردة فعل عمه؟؟
قلقه يتصاعد عليهما من شدة الصدمة..
ختاما حاول شد نفسه وهو يتوجه لهما..
حينها كان صالح وعبدالله مستغرقان في الحديث.. الذي قطعه عليهما الظل الطويل الذي وقف جوارهما وهو يضع يده على كتف عبدالله
عبدالله رفع عينيه..شهق بصدمة.. ليقفز بعدها مباشرة.. وهو يحتضن غانما دون تفكير
لم يفكر حتى كيف أن غانم هنا.. أو لماذا؟؟
لم يشغل نفسه سوى بفرحة عميقة اخترقت قلبه الذي أثقله الحرمان
سعادة عميقة وهو يرى رائحة أخرى من روائح أهله الطيبة تقف أمامه.. أراد أن يطفي بعضا من شوقه.. جوعه لكل واحد منهم.. أراد أن يشعر باحتواءهم يسكن أيام غربته وضياعه..
بادله غانم الحضن بحضن أشد وكأنهما كلاهما يريدان تعويض سنوات متطاولة مرت دون سلام.. دون تحية.. دون دفء مودتهما المتبادلة!!
ووعشرات الذكريات المشتركة تغتال أفكار كل منهما!!
صالح يهمس بابتسامة : فكوا ياجماعة الخير.. فضحتونا.. يفكرونكم تسوون فيلم هندي..
صالح لم يستغرب رؤية غانم.. فغانم طيار وارجع رؤيته إلى رحلة مصادفة..
أفلت كل منهما الآخر وكلاهما يحاول منع عبرة متجبرة من القفز لحلقه..
وغانم يهتف بترحيب عميق عميق: الحمدلله على سلامتك..
ليجيبه عبدالله بتأثر أعمق: الله يسلمك.. بارك لي إن عيني قرت بشوفتك..
غانم بشجن: وين كنت ذا السنين كلها؟؟
قبل أن يجيب عبدالله سارع صالح ليجيب بنبرة حاول أن تكون غاية في الطبيعية:
صارت له شوي مشاكل.. توه خلص منها.. وموته خبر وصلنا بالغلط..
نظر غانم لصالح .. وفهم أنه لا يريد التحدث في الموضوع أو الأسباب.. وفي ختام الأمر غانم لم يهتم بالسبب.. مادام ابن عمه أمامه سليما معافى
فأين كان قبل ذلك لا يهمه بأي حال من الأحوال.. فهو من معرفته لعبدالله يعلم أن السبب لن أبدا يصل إلى الدين أو الشرف.. وماعدا هذين الأمرين لا يهمه..
لذا رد بمودة عميقة: المهم إنه قدامي مافيه إلا العافية .. غير كذا ما يهمني..
عبدالله بلهفة: أشلون عمي؟؟ وأشلون أم غانم وخواتك؟؟ واخوانك الصغار؟؟ صالح علمني إنه صار عندك تالي أخت وأخ..
غانم ابتسم: كلهم طيبين وبخير .. وإيه عندنا صالح ومها..
صالح يبتسم بسعادة: سميي صالح طير حوران.. وعمك مهوب هين.. جاب اثنين قبل يحيلونه للتقاعد
أما عاد خواته.. تحشم.. تسأل عن المدام وأنا موجود..
حينها التفت غانم وهمس له بابتسامة كبيرة: أما على طاري المدام.. شكلك بتعلق من كراعينك إذا رجعت الدوحة..
غانم يضحك: أفا ياذا العلم.. ليه وش مزعل أم خالد علينا..
غانم يضحك: مرتك الجديدة أنت رايح تجيبها من أمريكا
غانم أخبر صالحا الحكاية على عجالة وهو يضحك.. ومعها سبب حضوره وهم يتجهون لداخل الطائرة..
بينما عبدالله كان فقط يستمع باستمتاع حد الوجع.. حتى النخاع
أن يجد نفسه يعود لجوه الأسري.. مشاكلهم الصغيرة ...مشاحناتهم الدافئة...
كل هذا دفع دفئا شفافا إلى روحه المثقلة بالبرد والجمود..
************************************
بعد حوالي 14 ساعة..
الطائرة تحط في مطار الدوحة الدولي
ينزلون ثلاثتهم لأرض المطار.. قلب أحدهم يذوب..يذوب.. يذوب
حينما لفحت وجهه حرارة الجو.. شعر كما لو أن هذه الحرارة تنزل في روحه بردا وسلاما..
رغما عنه سالت دموع حاول جاهدا كبحها فلم يستطع.. لم يظن أنه قد يعود إلا في أحلامه العذبة المستحيلة
بقيت الدوحة وأهلها حلما مستحيلا عذّب ليالي سهده الطويلة بمشاعر لا قياس لها من الألم والشوق والوجع
كم ليلة صحا من نومه وهو يئن كأنين الملسوع..الذي يشعر بسريان السم في جسده.. يشعر أن جسده وروحه يتمزقان ألما لايستطيع رده
لأنه كان يرى في الحلم أنه هنا ثم حين ينتفض من السعادة ويقفز.. يجد نفسه هناك..
ليبدأ في أنين مكتوم ينزف فيه جروح قلبه.. أنين سريان السم في الجسد..
أنين يكتمه بوضع طرف اللحاف في فمه حتى لا يوقظ الصغير النائم جواره بشدة أناته التي ترتفع بحرقة يشعر بألمها تمزق أمعائه
ويبقى يئن.. ويئن.. حتى صلاة الفجر.. ينحني حينها على سجادته ويدعو ربه بلوعة:
أشعر أني أموت يا الله.. وروحي تذوي
أعلم أن الموت أفضل من هذه الحياة.. ولكن هذا الصغير لا أحد له سواي
أبقني بقوتي من أجله..
أرجوك يارب.. كل ليلة أشعر أنك ستنزع روحي من مكانها
أعلم أن ذنبي كبير.. ولكن رحمتك أكبر يارب العالمين
حينما ينهي صلاته ودعواته الطويلة.. يعود ليلقي جسدا متهالكا بجوار خالد الصغير.. يضمه لصدره.. وينام
ساعات قليلة قبل أن ينهض لينخرط في حياة باردة مملة موجعة..
لا يوجد فيها سوى خالد وفيصل.. وأنينه الليلي الموجوع وأحلامه تأخذه إلى بلده وأهله..
ثم اليوم يجد نفسه هنا.. هنا في بلده.. وقريبا يرى أهله..
( أحقا أنا هنا؟؟
أ حقا لست أحلم؟؟
أ هذه أنتِ الدوحة؟؟ أيام الطفولة وليالي الصبا وابتسامات الشباب؟؟
أ حقا لست أحلم؟؟
إن كنت أحلم فلا توقظوني أرجوكم.. لا توقظوني
ماعاد في روحي مكان للأنين والحرقة والحسرة)
أيقظه من أفكاره يد صالح تشده: عبدالله مطول وأنت واقف على الدرج؟؟ الناس كلهم نزلوا
حينها التفت عبدالله وهمس لصالح باختناق: صحيح يا صالح أنا في الدوحة؟؟
ابتسم صالح بألم وهو يشعر بألم شقيقه: ليه الحر ذا كله ماعطاك كف على وجهك وقال لك مرحبا بك أنت في الدوحة؟؟
حينها أكمل عبدالله الخطوات المتبقية للأسفل ثم سجد ليقبل أرض المطار
صالح بصدمة كان يشد عبدالله وهو يهتف بغضب: وش تسوي يا الخبل؟؟
عبدالله ابتسم وهمس بكل شجن العالم: أنا نذرت لو الله كتب لي أرجع يوم للدوحة هذا أول شيء بأسويه.. أحب أرضها..
غانم وصلهما من خلفهما وهو يهمس بتأثر يخفيه خلف ابتسامته: والله وصاير الأخ حساس.. عقب ماترس روسنا فلوع..
أكملوا طريقهم وغانم يأخذهم معه على باص الطاقم وصالح يهتف لهما: غانم يأخيك أبيك أنت تأخذ عبدالله لبيتي
وأنا باكلم فهد وهزاع ينتظرونكم هناك.. وتراني مخليها مفاجأة لهم..
ومابغيتهم يستقبلوننا في المطار ينصدمون قدام العالم...
وأنا بأروح أجيب حسن ولد عبدالله وبجيكم هناك...
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم HaboOoshy
بعد رحلة طويلة استغرقت حوالي 14 ساعة..
الطائرة تحط في مطار الدوحة الدولي
ينزلون ثلاثتهم لأرض المطار.. قلب أحدهم يذوب..يذوب.. يذوب
حينما لفحت وجهه حرارة الجو.. شعر كما لو أن هذه الحرارة تنزل في روحه بردا وسلاما..
رغما عنه سالت دموع حاول جاهدا كبحها فلم يستطع.. لم يظن أنه قد يعود إلا في أحلامه العذبة المستحيلة
بقيت الدوحة وأهلها حلما مستحيلا عذّب ليالي سهده الطويلة بمشاعر لا قياس لها من الألم والشوق والوجع
كم ليلة صحا من نومه وهو يئن كأنين الملسوع..الذي يشعر بسريان السم في جسده.. يشعر أن جسده وروحه يتمزقان ألما لايستطيع رده
لأنه كان يرى في الحلم أنه هنا ثم حين ينتفض من السعادة ويقفز.. يجد نفسه هناك..
ليبدأ في أنين مكتوم ينزف فيه جروح قلبه.. أنين سريان السم في الجسد..
أنين يكتمه بوضع طرف اللحاف في فمه حتى لا يوقظ الصغير النائم جواره بشدة أناته التي ترتفع بحرقة يشعر بألمها تمزق أمعائه
ويبقى يئن.. ويئن.. حتى صلاة الفجر.. ينحني حينها على سجادته ويدعو ربه بلوعة:
أشعر أني أموت يا الله.. وروحي تذوي
أعلم أن الموت أفضل من هذه الحياة.. ولكن هذا الصغير لا أحد له سواي
أبقني بقوتي من أجله..
أرجوك يارب.. كل ليلة أشعر أنك ستنزع روحي من مكانها
أعلم أن ذنبي كبير.. ولكن رحمتك أكبر يارب العالمين
حينما ينهي صلاته ودعواته الطويلة.. يعود ليلقي جسدا متهالكا بجوار خالد الصغير.. يضمه لصدره.. وينام
ساعات قليلة قبل أن ينهض لينخرط في حياة باردة مملة موجعة..
لا يوجد فيها سوى خالد وفيصل.. وأنينه الليلي الموجوع وأحلامه تأخذه إلى بلده وأهله..
ثم اليوم يجد نفسه هنا.. هنا في بلده.. وقريبا يرى أهله..
( أحقا أنا هنا؟؟
أ حقا لست أحلم؟؟
أ هذه أنتِ الدوحة؟؟ أيام الطفولة وليالي الصبا وابتسامات الشباب؟؟
أ حقا لست أحلم؟؟
إن كنت أحلم فلا توقظوني أرجوكم.. لا توقظوني
ماعاد في روحي مكان للأنين والحرقة والحسرة)
أيقظه من أفكاره يد صالح تشده: عبدالله مطول وأنت واقف على الدرج؟؟ الناس كلهم نزلوا
حينها التفت عبدالله وهمس لصالح باختناق: صحيح يا صالح أنا في الدوحة؟؟
ابتسم صالح بألم وهو يشعر بألم شقيقه: ليه الحر ذا كله ماعطاك كف على وجهك وقال لك مرحبا بك أنت في الدوحة؟؟
حينها أكمل عبدالله الخطوات المتبقية للأسفل ثم سجد ليقبل أرض المطار
صالح بصدمة كان يشد عبدالله وهو يهتف بغضب: وش تسوي يا الخبل؟؟
عبدالله ابتسم وهمس بكل شجن العالم: أنا نذرت لو الله كتب لي أرجع يوم للدوحة هذا أول شيء بأسويه.. أحب أرضها..
غانم وصلهما من خلفهما وهو يهمس بتأثر يخفيه خلف ابتسامته: والله وصاير الأخ حساس.. عقب ماترس روسنا فلوع..
أكملوا طريقهم وغانم يأخذهم معه على باص الطاقم وصالح يهتف لهما: غانم يأخيك أبيك أنت تأخذ عبدالله لبيتي
وأنا باكلم فهد وهزاع ينتظرونكم هناك.. وتراني مخليها مفاجأة لهم..
ومابغيتهم يستقبلوننا في المطار ينصدمون قدام العالم...
وأنا بأروح أجيب حسن ولد عبدالله وبجيكم هناك...
****************************************
قبل ذلك بسبع ساعات
منصور يصل إلى أنسي.. في رحلة رتبها له علي باستعجال
وهو يوفر له سائقا استقبله في مطار جنيف وأخذه فورا لأنسي القريبة على الحدود الفرنسية السويسرية..
على أن ينتظره السائق ليعيده للمطار مرة أخرى بعد انتهاء مهمته..
وهكذا هي عنده -رغم قساوة المسمى- " مهمة" ..ولكنها هذه المرة تختلف عن مهماته العسكرية
مهمة إنسانية بامتياز..
رغم أن منصور غادر عفراء والجو بينهما غير صاف.. ولكن منصور يُرجع كل ذلك إلى أن بينهما تعقيد يجب حله..
وهو لم يعتد فعلا العيش في جو متوتر بينما القرار بيده كما اعتاد..
فيجب أن تعرف جميلة بزواجهما وتقبل به.. حينها سيخبر عفراء أنه مستعد للعلاج من أجلها
لينهي كل منهما شرطه السخيف...
وهاهو يصل لأنسي تحقيقا لمهمته..
خليفة ينتظره عند باب المصحة بعد أن هاتفه وأخبره بوصوله..
فهو من بعد زواجه بعفراء في كل مرة كانت عفراء تكلم خليفة ومنصور موجود..يحادثه منصور ويسأله عن أحواله وأحوال جميلة.. وأصبح بينهما معرفة مسبقة..
وهاهما كل منهما يسلم على الآخر بحرارة .. ثم يتجهان للداخل..
****************************************
" غانم أنا اللي أبي أسوق"
غانم كان على وشك تشغيل سيارته التي كانت متوقفة في مواقف موظفي المطار
التفت لعبدالله وابتسم: وش معنى؟؟
عبدالله بشفافية: خاطري أسوق في شوارع الدوحة... اشتقت حتى للسواقة فيها
غانم يلقي المفتاح لعبدالله ويستدير للباب الثاني: يالله تعال مكاني.. بس ترا شوارع الدوحة قبل 4 سنين غير عنها ذا الحين..
عبدالله بابتسامة: خلني أجرب... صدقني قلبي بيدلني..
غانم اعتدل جالسا في المقعد المجاور للسائق: وش فيه الأخ صاير عاطفي كذا..؟؟
حينها همس عبدالله بوجع: الغربة جعلك ما تذوقها.. ولا يحكم على مسلم بها..
ثم أردف عبدالله وهو يحرك السيارة ويبتسم: وعلى طاري عاطفي.. منت بناوي تصير أنت عاطفي عاطفي؟؟
هتف غانم بنبرة غموض باسمة: الله يكتب اللي فيه الخير.. لو علي ودي أصير عاطفي من اليوم.. بس طولوا مارضو بعاطفيتي
كان عبدالله على وشك الاستفسار من غانم حول عبارته الغامضة لكن قطع استفساره بسؤال ملح: أكمل الطريق سيده وإلا ألف يسار..؟؟
ابتسم غانم: لا يسار.. إذا أنت ضيعت وحن عادنا في منطقة المطار.. وش بتسوي لين توصل بيت صالح..
عبدالله بحماس شفاف: استحملني شوي.. يمين يسار.. مهيب اللي توجع حنوكك..
وبعدين إن شاء الله ما أحتاج منّتك علينا.. بدل بروحي.. بس هنا غيروا اللفة
ساق عبدالله لحوالي نصف ساعة.. ثم تفاجأ غانم به يركن سيارته جانب الطريق وينزل.. ويطلب من غانم أن يعود هو للسواقة
وهو يهتف بوجع: ماهقيت ديرتي بتغير علي شوارعها كذا في 4 سنين بس..
ابتسم غانم وهو يحرك سيارته: لو أنت في ديرة ثانية صدقني ما يتغير شيء عليك
بس الدوحة هي اللي تغيرت تغير كبير خلال السنين اللي فاتت
لأنك سافرت قبل (أسياد 2006) من عقبه وكل شيء يتغير بسرعة.. مباني جديدة.. شوارع جديدة..
وبعدين على ضمانتي أنك يومين وأنت دال كل شيء.. مهوب من كُبر الدوحة يعني..
عبدالله يبتسم بألم: قاعد تشرح لي كني سايح.. لمعلوماتك كل يوم أفلفل جرايد قطر على الانترنت من أول خبر لين أخر خبر.. غير عن المنتديات القطرية
يمكن حتى ما صارت حفرة في شارع داخلي مادريت عنها وعن القطاوة اللي طاحت فيها..
وش حيلة العاجز غير مطالع السما!!
غانم بمودة عميقة: الحمدلله على سلامتك..وهلا بك في ديرتك وبين هلك
كانا يقتربان من منطقة بيت صالح غير البعيدة عن بيت والده ولا حتى بيت عمه..
حينها هتف عبدالله بألم: أرضي كانت جنب أرض صالح لاصقة فيها.. الله أعلم من صارت له الحين..
ابتسم غانم: ماصارت لأحد.. عمي أبو صالح قال تقعد لحسن لين يبنيها أو يبيعها.. كيفه فيها..
الحين أنت رجعت.. خلاص تبني أنت بيتك إن شاء الله..
تأثر عميق تسرب لروح عبدالله وعيناه تتبعان بشغف بيوت المنطقة التي كانت أكثرها خالية حينما سافر..
حتى وقف غانم بجانب مجلس صالح الخارجي.. وكانت هناك سيارة أخرى بداخل الباحة..
عبدالله شعر كما لو أن قلبه يُعصر بقسوة وهو يمسك بذراع غانم ويوقفه عن النزول ويهتف باختناق: سيارة من هذي؟؟
غانم بطبيعية: أظني سيارة فهد الجديدة... مابعد شفتها.. بس هو قال لي عنها..
ثم ابتسم: وترا فهد عقبك يمكن بدّل 20 سيارة..
غانم كان يريد أن ينزل ولكن عبدالله منعه للمرة الثانية وهو يهتف باختناق أشد:
هزاع طلع له شنب؟؟ أتذكره لين سافرت بيموت عشانه تأخر ماطلع له شنب..
رغم غرابة السؤال.. ولكن شعر غانم باختناق عظيم وهو يشعر بمدى ثقل ووطأة مشاعر عبدالله الملتبسة عليه.. حاول أن يرد بابتسامة فاشلة:
ياه.. شنبات وعوارض وعضلات.. التتو صار كنه طوفة..
عبدالله مازال يمسك بذراع غانم وهو يشد له نفسا عميقا: تكفى غانم انتظر شوي.. زين فهد تغير؟؟
غانم بات يشعر أن كل هذا كثير عليه فكيف على عبدالله.. هذه المرة أجاب بسكون عميق: فهد ما تغير.. هو هو نفسه..
ثم انثال بوجيعة ماعاد يستطيع دفعها : بس عمي هو اللي تغير واجد ياعبدالله.. من عقبك تقول كبر 20 سنة..
تغير وجه عبدالله ليمتليء بتفاصيل الحزن وخطوطه.. وجبينه يتقطب بوجيعة وهو ينزف صريرا بين أسنانه: كله مني.. كله مني!!
ماراح يسامحني ياغانم.. أدري إنه ماراح يسامحني..
غانم ليس غبيا ليعلم أن هناك أمرا كبيرا خلف اختفاء عبدالله.. ومادام يقول أن والده لن يسامحه هاهو يؤكد ظنونه..
ولكن كما فكر سابقا معرفة السر غير مهمة عنده...لأنه متيقن أنه لن يصل إلى حد يمس مقدسات المبادئ التي لا تتجزأ.. وعدا ذلك لا يهمه..
لذا هتف بمساندة وهو يربت على يد عبدالله التي تمسك بمعصمه: إن شاء الله بيسامحك.. الدم عمره مايصير ماء
يا الله قول بسم الله.. أخوانك الحين تلاقيهم بالهم يجيب ويودي ليش صالح طالبهم..
في الداخل.. الاثنان يشاهدان برنامجا رياضيا وهما يختبران جهاز التلفاز الجديد
هزاع يسأل فهد: وش عنده شيبتنا داعينا لاجتماع قمة مفاجئ؟؟
فهد يرقص حاجبيه: يبي يعرفنا على المدام.. يمكن يبي يعرف راينا قبل يعرضها على الشيبان
هزاع (بعيارة) : زين ماجاب خوات المدام معها.. يمكن يعجبنا الستايل ونعرضهم كلهم بالمرة..
فهد بتهكم: زين خلص الثانوية اللي عفنت فيها وعقبه فكر بالستايلات..
هزاع بثقة: قلت لك بإذن الله ذا السنة جايبها جايبها.. وشنبك ذا استمتع فيه باقي ذا الأيام..قدام تودعه.. لا وفوقهم حواجبك بعد
كان الاثنان في حوارهما حين انفتح باب المجلس من ناحية الشارع
التفتا كلاهما للباب ثم وقفا مرحبين حينما رأيا غانما يدخل وابتسامة ترحيب ترتسم على وجهيهما..
لينزاح غانم جانبا ويظهر شخص آخر خلفه.. شخص ماعادت رؤيته متوقعة ولا حتى في أعتى المعجزات
حـــيــنــهــا...
تبدلت ملامحهما جذريا إلى صدمة كاسحة موجوعة وهما يقفزان كالملسوعين وكأنهما ضُربا بصاعقة مباشرة فلقت رأس كل منهما نصفين..
وعيناهما تنفتح على اتساعها وهما يتعرفان على الخيال المستحيل الذي عاد من الموت
وفي الوقت الذي وقف فهد كإشارة مرور متخشبة
فإن هزاع برّك على ركبتيه بشكل مفاجئ.. وجسمه ينهدم كأنه خال من أي عظام تسنده..
عبدالله ركض إليه وهو يحاول أن يرفعه له .. ولكن هزاع لم يستطع الوقوف وهو يشد عبدالله له ويجلسه معه على الأرض..
ثم يدفن وجهه في صدره وهو ينتحب كطفل صغير موجوع..
وبين شهقات نحيبه.. كان يقبل بلهفة متحسرة وهو يئن ويرتعش كل ما يقع عليه من جسد عبدالله.. وجهه.. صدره.. كفيه..ذراعيه..كتفيه.. عنقه..
عبدالله يكاد يجن وهو يرى حالة هزاع وهو كريشة مرتعشة بين ذراعيه.. ولا يريد إفلاته...
تمنى عبدالله أن صالحا لم يفجع هزاع برؤيته بهذه الطريقة.. وأنه مهد له ..
كان عبدالله يشد هزاع لصدره وهو يحاول تهدئته دون فائدة..
وفي الوقت الذي غانم جلس معهما على الأرض وهو يضع يده على ظهر هزاع ويقرأ عليه آيات من القرآن..وقلقه يتفجر على هزاع
لأنه خشي عليه أن يفقد عقله.. لشدة نحيبه وارتعاشه وتمسكه في عبدالله
فأن فهد بقي واقفا كنُصب خال من الحياة..حتى عيناه لا ترمشان..
(أحلم.. أنا أحلم... يارب هذا حلم وإلا حقيقة؟؟
يارب خله حقيقة.. يارب خله حقيقة
أخاف أرمش ألقى الصورة كلها اختفت..
وأنا وهزاع بروحنا في المجلس)
فهد انتفض وهو يرمش رغما عنه.. حينها ألقى غترته جانبا وترك الثلاثة الباركين على الارض واتجه للحمام وهو يفتح صنبور الماء على رأسه
حينها عاد ليطل عليهم في المجلس.. وجد الحلم لم يختفِ..
فعاد مرة أخرى وفتح الماء على رأسه.. ثم عاد لينظر..
حينها شهق بأمل: أرجاك ياربي ما تفجعني عقب ما أملتني..
ثم ملأ كفيه بالماء وعاد للثلاثة ليجد هزاعا توقف عن النحيب وتقبيل عبدالله لكنه يرتعش بعنف بين أيديهم كمصاب بحمى شديدة..
حينها سمى بسم الله ورش الماء على وجه هزاع.. ليشهق هزاع بعنف..
ثم يسحب نفسه سحبا لزواية المجلس ليتقوقع على نفسه فيها.. و هو ينتحب بخفوت..
حينها شد فهد عبدالله من الأرض وأوقفه وهو ينظر إلى عينيه بمزيج مستعر سرمدي لا نهائي من الغضب والحنين والوجع ..
غرز أصابعه في عضدي عبدالله وهو يختنق بشوك مرٍّ أدمى حنجرته:
عبدالله وين كنت؟؟ وين كنت ذا السنين كلها اللي فاتت؟؟
تدري إن حن في ذا السنين كلها مامر علينا يوم ما تحسرنا فيه على شبابك اللي ماعشته.. ما مر يوم ما تحسرنا على ولدك اليتيم
ما مر يوم ماتحسرنا على ذكرياتنا معك.. وكل شي وأقل شيء يذكرنا فيك..
سنة مرت وسنتين وثلاث وأربع.. ماكفتك ترجع من الموت..
يالظالم أربع سنين هذي.. فيها حياة وموت..
لو أمي وإلا ابي صار لهم شيء وهم ماشافوك ولا دروا أنك حي.. أشلون بتسامح روحك.. قل لي أشلون بتسامح روحك
كان صوت فهد ينحدر من اختناق لاختناق أشد وهو يمنع نفسه من الانخراط في البكاء مثل هزاع..
حينها عبدالله شد فهد لحضنه بكل قوته وهو يهمس في أذنه بألم اشتياق شفاف:
فيه أشياء واجد أنا ما أقدر أسامح روحي عليها.. خلني الحين أشبع من ريحتك تكفى.. وعقبه عاتبني مثل ماتبي..
فهد كان يحتضن عبدالله بقوة وهو يشد له نفسا عميقا.. وكأنه يريد أن يتأكد أنه في حضن عبدالله.. ويتنفس رائحة عبدالله..
رغم كل مشاعره الثائرة المضطربة...إلا أنه مازال يخشى أنه يحلم.. يشعر أن كل هذه السعادة فوق كل ما يستطيع احتماله
حينها كان يتحسس عبدالله وهو يهمس في أذنه بألم: أنا زعلان عليك.. بس تكفى لا تكون حلم.. طالبك ما تكون حلم
لو كنت حلم بأزعل عليك عمري كله.. بس لو كنت حقيقة.. بأفكر أسامحك..
عبدالله بشفافية مثقلة بالألم: يبقى خلاص غصبا عنك تسامحني لأني حقيقة.. وأبيكم قدامي حقيقة..شبعت من الحلم خلاص
وخلني أشوف هزاع.. ما تخيلته صار حساس كذا..
فهد يبتسم بألم وهو يلتفت لهزاع: هزاع حساس؟؟ هذي نكتة القرن.. بس عشان تدري إن شوفتك مهيب هينة..
تكفى ما تفجعون الباقين بذا الطريقة خل نمهد لهم تمهيد طويل..
عبدالله يجلس بجوار هزاع الذي ما أن رأى عبدالله جواره.. حتى دفن رأسه في حجره وهو يتمدد على الأريكة ودموعه تسيل بصمت..
عبدالله وضع يده على رأس هزاع ثم هتف بقلق بالغ: فهد تكفى قم وده المستشفى..
الصبي تعبان.. عروق رأسه كلها تنبض.. ورأسه مولع حرارة
هزاع بصوت أشبه بالأنين: أنا طيب مافيني شيء.. بس تكفى خلني كذا.. خلني أتاكد أنك هنا..
عبدالله برجاء آمر: هزاع الله يهداك قم للمستشفى أنا بأروح معك بنفسي..
غانم برفض: وين تروح؟؟ صالح راح يجيب ولدك..
هزيع قم من غير دلع.. أنا وفهد بنوديك.. نص ساعة ونرجع.. وعبدالله هنا مهوب رايح مكان..
فهد وغانم كل واحد منهما أمسك هزاع من ناحية ليسنداه.. وتوجها لسيارة غانم المتوقفة خارجا.. رغم أن فهد وهزاع كلاهما لا رغبة لهما إطلاقا بمغادرة المكان
فهما لم يتأكدا بعد أن عبدالله عاد لهم من الموت.. يخشيان كلاهما أن يذهبا.. ثم يعودا فلا يجداه.. حينها لا يعلمان ما الذي قد يحدث لهما
المجلس خلا على عبدالله...وقرر حينها أن يرتدي له ثوبا.. صالح أخبره أنه طلب من فهد أن يحضر بعضا من ملابسه ويضعها في داخل البيت دون أن يبدي له سببا لحاجته لملابس فهد..
ينظر في نفسه في المرآة.. أ حقا هو يعود لجلده؟؟.. أربع سنوات مرت ما لامس الثوب جسده.. هاهو يشعر به يلامس روحه..
كم اشتاق لنفسه التي يشعر بها تعود لحناياه رويدا رويدا!!
الثوب والغترة ليسا مجرد غطاء جسد ورأس.. هما احتواء لروح عرفت نفسها مدفونة في جوع الصحراء وحضارتها وصلابتها وحتى ألمها المختلف الذي لا يعرفه سوى أهلها ..
عاد للمجلس ليجلس هناك.. وقلقه يتصاعد على هزاع الذي لم يتخيل أن ردة فعله ستكون عنيفة هكذا.. فكيف إذن بردة فعل والدته أو شقيقته؟!!
بل كيف حتى بردة فعله هو؟؟ يشعر أن رؤيته شقيقيه هزته بعنف انفعال انغرس حتى عمق عظامه..
يخشى رؤية كل منهما.. وأكثر من يخشى رؤيته ويتمناها... والده
ولكنه الآن يفكر فيمن سيراه بعد لحظات... المخلوق العذب الصغير الذي لم يعرف بوجوده إلا منذ أيام فقط!!
فرغم لهفته الكبيرة لرؤية ابنه.. إلا أنه تمنى لو أجل رؤيته قليلا.. فيكفيه اليوم ماحدث له مع شقيقيه..
يشعر أنه لن يحتمل المزيد اليوم.. وخصوصا أنه متأكد أنه في الوقت الذي سيموت رغبة في دفن صغيره بين أضلاعه فإن حسن الذي لا يعرفه سيهرب منه لا محالة..
يعلم أن هذا تصرف طبيعي من طفل تجاه الأغراب الذين لا يعرفهم
ولكنه يشعر منذ الآن بالألم أن ابنه سيحتمي بصالح منه
ولكن لا يستطيع مطلقا أن يلومه..بل يلوم نفسه فقط..
يؤلمه أنه قد يحتاج لفترة طويلة حتى يجعل ابنه يعتاد عليه.. فكيف بجعله يحبه ويتعلق به كما يتمنى..
يحتاج فعلا إلى محبة هذا الصغير حتى يتوازن.. حتى يستطيع مواجهة الحياة
وحتى ذلك الحين.. يشعر أنه سيغرق في لجة من الضياع وانعدام التوازن انتظارا حتى يعرفه حسن ويعرف أنه والده ويحبه كما يفترض.. هذا أن أحبه!!
كل هذه الأفكار بعثت وتبعث في عبدالله ألما ومرارة لا حدود لهما..
ففي الوقت الذي كان هو يهتم هو بكل صغيرة وكبيرة تخص خالد الصغير
كانت هناك روح صغيرة.. قطعة منه.. تنمو بعيدا عنه دون علم منه..
لو كرهه حسن –كما يظن ويخشى بكل وجع العالم- فهو يعلم أن هذا هو عقاب رب العالمين له على ما فعله بوالده..
يأخذ منه خالد.. ثم حين يشعر أن محبته لحسن باتت تغتال روحه حتى جذور الجذور..محبة أشبه بالسحر..فأن حسن سيصفعه بكراهيته له..
ولا شيء يؤذي الروح مثل كراهية طفل.. فهذه الأرواح الشفافة لا تعرف الكراهية.. وحينما تكره.. تكون هذه هي النهاية..
كانت هذه هي أفكار عبدالله التي قاطعها نحنحة صالح وهو يحمل حسن الصغير الذي كان متعلقا بشدة بعنق صالح لأن المكان كان مجهولا بالنسبة له
عبدالله لم يتحرك من مكانه.. لم يفتح ذراعيه كما كان يحلم ويتمنى
قال لنفسه: هذه المرة ساكتفي بالنظر والحسرة.. لأني لو سمحت لنفسي باحتضانه.. أعلم أني سأخيفه لأني لا أضمن ردة فعلي..
كان ينظر لحسن بين ذراعي عمه وهو يقترب.. والصغير مشغول بالتلفت حوله اكتشافا للمكان الجديد..
بينما عبدالله يكاد يبكي وعيناه تتبعان كل تحركات صغيره ونظراته بجوع مرير
وهو ينهر نفسه ويقهرها حتى لا يقفز وينتزعه من بين يدي صالح ليدفنه بين أحضانه ويشبع روحه من أنفاسه
(ولدي.. والله العظيم ولدي
لو شفته في أي شارع.. حتى لو كنت ما أدري إني عندي ولد..كان عرفته.. دمه يناديني.. روحه تناديني
كل شيء فيه يناديني..
ويا سبحان الله!! له نفس نظرة عيون أمه التي كانت تذوبني
أموت واحضنه.. أحضنه بس.. أشم ريحته )
ثم كانت الصدمة غير المعقولة غير المتوقعة من أي أحد.. أن حسن الصغير حينما انتبه لوجود مخلوق ثالث معهم في المجلس..
تخلص من يدي صالح بشكل مفاجئ وهو يقفز ليتجه ركضا لعبدالله ويتعلق بعنقه.. وهو يهذي بسعادة طفولية: بابا .. بابا.. بابا..
عبدالله كاد يجن ورعشة هائلة تجتاح كل خلية في جسده وهو يدخل الصغير بين أضلاعه..
ويغمر وجهه وكفيه وحتى قدميه بقبلاته.. ويهتف لصالح بعبراته التي ازدحمت في حلقه:
عرفني يا صالح.. عرفني.. يقول لي بابا.. عرفني.. يقول بابا..
صالح كان يقف وهو مذهول تماما.. فحسن ليس من النوع الذي يعتاد على الغرباء بسرعة.. وحتى حينما يكون عندهم ضيوف في المجلس
يتجه ليسلم عليهم بعد رجاءات عدة.. وكان صالح يحمل هم إقناع حسن أن يقبل عبدالله ولو قبلة واحدة على سبيل السلام..
لكن ماحدث أمامه كان غير معقول أبدا.. ولم يخطر بباله إطلاقا..
وهاهو ينظر لهما بعد أن هدأ عبدالله من فورة مشاعره الهائلة.. وحسن الصغير مازال متعلقا بعنقه ويستكين في حضنه..
وعبدالله يمسح على خصلات شعره ومشاعره كلها تختلج كالبراكين في روحه وهو لا يتوقف عن نثر قبلاته على جسد الصغير
صالح اقترب.. يريد أن يتأكد من شيء... شد حسن الصغير قليلا.. وهو يهمس له بحنان: تعال عندي يأبيك..
حسن الصغير هز رأسه رفضا.. وعبدالله حينها انتفض بعنف وهو يضمه لصدره بقوة حانية ويغمر وجهه بالمزيد والمزيد من قبلاته
صالح حينها ابتسم: تعرف من هذا حسون؟؟
حسن الصغير ابتسم وأجاب بنبرته الطفولية المحببة: هذا بابا..
عبدالله باختناق: يا لبي الصوت وراعيه..يقوله لك بابا..
ثم أردف وهو يوجه الحديث لصالح وخاطر مزعج مؤلم يكاد يفسد عليه فرحته الكبيرة:
صالح هو متعود يقول لكل الناس بابا.. ويحبهم بذا الطريقة؟؟
صالح بدهشة: أبد.. ولا أي أحد.. ما يحب إلا بالقطارة وعقب طلايب بعد.. وبابا ما يقولها لأحد.. كلنا ينادينا باسمائنا.. وجدانه يقول جدي..
حينها فرحة عميقة تصاعدت في روح عبدالله المستنزفة من الألأم.. ومعها أيضا تصاعدت دهشة عميقة.. لذا توجه لحسن الصغير بالسؤال:
حبيبي حسون.. من قال لك أنا بابا؟؟
حسن يعبث في ساعة يد عبدالله وهو يجلس في حضنه: ماما دالت لي.. تل يوم أثوف ثورتك.. وتل يوم أكي أبي أثوفها..
حينها شعر عبدالله كما لو أن سهما مُراشا اخترق منتصف قلبه بلا رحمة.. شهق بأنة خافتة لم تصل إلى مسمع صالح ولكنها اخترقت روحه بقسوة حانية
" أنتِ ياجوزا صاحبة الفضل في كل السعادة التي أنا أشعر بها؟؟
أنا أهديتكِ الألم والتعاسة ولا شيء غيرهما.. وأنتِ تهديني هذه السعادة كلها..
أحقا احتفظتِ بصورتي طوال هذه السنوات وكل يوم تُرينه إياها حتى حفظ شكلي وهو يعلم أني والده رغم أني كنت رجلا ميتا في عرف الجميع؟؟ أيعقل ذلك؟؟
أ يعقل أن هناك من قد يفعل مثلك؟؟
طوال عمري كنت أقول وسأبقى أنه كطهارتكِ وبراءة قلبكِ يستحيل أن يوجد في هذا العالم
لا يفعل هذا الفعل المثقل بالطهر سوى قلب كقلبكِ
ولكن لماذا فعلتِ هذا؟؟ لماذا؟؟
هل أستطيع أن أأمل في شيء غبي ما؟؟
أعوذ بالله من وسوسات الشيطان وصحبه
لقد أصبحت لرجل آخر.. لا يحق لي مجرد التفكير فيها
فلماذا أنا عاجز عن إخراجها من رأسي؟؟
أو لماذا أنا عاجز عن إخراجها من قلبي!!"
************************************
" جميلة فيه ناس واقفين برا يبون يسلمون عليج"
جميلة رفعت رأسها عن مجلة كانت تتصفحها.. فهم في المصحة يختارون مجلات معينة بعناية ثم يلقونها في الغرف دون أن يطلبوا من المريض حتى أن يتصفحها
وهذه المجلات تحتوي مقالات كُتبت بحرفنة عالية على يد خبراء نفسيين
ودُعمت بصور جذابة.. تدعوا بطريقة غير مباشرة إلى تقبل الذات وفي ذات الوقت السعي الإيجابي نحو الأفضل..
تدعو إلى تدعيم التفكير المنطقي والعادات الصحية في الطعام والرياضة..
كثير من الموضوعات التي تحاول خلق شخصية واثقة منفتحة إيجابية..
وفي غرفة جميلة وضعوا المجلات المكتوبة بالانجليزية التي تجيدها جميلة..
وجميلة منذ تحسنها وهي تلتهم هذه المجلات التهاما..
رفعت رأسها لخليفة وهي تهمس بدهشة: من اللي يبي يسلم علي؟؟ رجّال وإلا مرة؟؟
خليفة بهدوء يخفي خلفه توتره: ريال..
جميلة شدت حجابها لتلبسه وهي تهمس له بتلقائية: يكفي حجابي وإلا لازم أغطي وجهي بعد؟؟
خليفة كان سيقول لها لا داعي لهما كلاهما.. ولكنه لم يرد أن يصدمها لذا هتف لها بهدوء حاول أن يكون طبيعيا: حجاب يكفي.. ريال عدت أبوج..
حينما قال لها أنه رجل كأبيها.. شعرت جميلة بتحليق غامر في قلبها... أ يعقل أن عمها زايد قد حضر لزيارتها..؟؟
استغربت قليلا.. فهو كان هاتفها بالأمس هو ومزون.. وقالا لها أنها سيحضران لزيارتها بعد زواج كساب.. وزواج كسّاب تبقى عليه عدة أيام بعد
ربما كان يريد عمل مفاجأة لها...ابتسمت بسعادة عميقة وقلبها يرفرف.. كم اشتاقت له!!
حتى وإن كانت لا تستطيع تقبيله ولا احتضانه.. يكفيها تكحيل عينيها برؤيته..
كانت تريد القيام والوقوف ليراها أنها أصبحت أفضل الآن..
ولكنها قبل أن تقف.. فُجعت بمن دخل عليها.. أخر شخص في العالم توقعت أنه قد يزورها
منصور آل كساب شخصيا وبكامل أناقته.. بثوبه وغترته كأنه في قلب الدوحة
"منصور آل كساب هنا؟؟"
الرجل الذي منذ طفولتها وهي تشعر أن له هيبة تشبه هيبة الأساطير التي كانت تشاهدها في أفلام الكرتون
ارتاعت وهي تغطي طرف وجهها الأسفل –أنفها وشفتيها- بطرف حجابها..
كانت تريد أن تصرخ بخليفة كيف يحرجها بهذه الطريقة.. ولكنها ابتلعت صرخاتها حرجا من هذا الذي ملأ أقطاب الغرفة بحضوره
اقترب خطوتين وهو يبتسم بفخامة: مساش الله بالخير يأبيش..
جميلة باختناق: هلا والله حياك الله يأبو علي.. وش ذا الساعة المباركة اللي شفناك فيها...
أما ماكاد يفقد جميلة صوابها هو أنه تقدم حتى وصلها ثم انحنى وقبل رأسها..
جميلة صُعقت وهي تتأخر وتلصق ظهرها بظهر السرير.. وهي ترتعش وتنظر لخليفة بخليط متفجر من غضب وعتب وصدمة..
كيف يسمح لرجل غريب أن يقبل زوجته بينما هو واقف ببلاهة يوزع الابتسامات؟؟
أما ماكاد يقتلها فعلا هو أن خليفة حينما رأى منصور شد مقعدا وجلس جوارها أنه هتف باحترام بالغ بغيض: تبي أخليكم بروحكم؟؟
فأشار له منصور بحزم: لا خلك.. أي شيء بأقوله أبيك تسمعه..
جميلة تكاد تبكي من الرعب والمهانة..
"أي رجل لا غيرة لديه هذا؟؟ يستحيل أن أبقى على ذمته بعد اليوم... يستحيل!!
ثم كيف يفعل منصور آل كساب هذه التصرفات التي لا تليق مطلقا برجل مثله؟"
منصور حينها هتف بهدوء حازم دون أن ينظر ناحية جميلة لأنه شعر بحرجها منه..
ولو أنه نظر ناحيتها لرأى عيناها الظاهرتان كأنهما بحيرتان تكادان تفيضان من شدة احتقانهما بالدموع لفجيعتها في خليفة قبل فجيعتها فيه:
اسمعيني يأبيش.. أنتي أول عدت بنتي.. لكن الحين أنتي بنتي صدق..
وأبغيش تعتبريني كذا.. وأظني يابنتي أنش منتي بجاهلتني.. وتعرفين أني ما أقول شيء ما أقصده..
جميلة رأسها يدور.. ولا تفهم شيئا مما يدور حولها.. لكنه رأت أنه من الأدب الذي لا يستحقه أحد منهما أن تجيب:
الله يكبر قدرك يأبو علي..
منصور بذات الهدوء الحازم: أنا ما أنا بطالب منش تقولين لي يبه.. بس تراني أتمناها منش..
جميلة بدأ الصداع يطرق رأسها (هذا اش فيه؟؟ أكيد استخف!!)
بينما منصور أكمل كلامه: تدرين يابيش الدنيا ما تأتي للواحد دايما على كيفه.. وأحيانا يكون الإنسان في ظروف تحده يسوي شيء يمكن يزعل الناس الغالين عليه
لكن إذا حن نغليهم مثل ما يغلوننا.. لازم نقدر ظروفهم اللي حدتهم على ذا الشيء.. ولازم نحب لهم الخير مثل ما نحبه لأنفسنا
جميلة بعدم فهم: أبو علي أنت وش تقصد من كلامك.. والله العظيم رأسي آجعني..
منصور شد له نفسا عميقا ثم هتف: تدرين يا جميلة أنتي عند أمش أغلى خلق الله كلهم.. ماشفت أم تحب بنتها مثل أمش..
حينها همست جميلة بتوجس متوحش: وأنت وش عرفك أن أمي تحبني وبشوف عينك بعد؟؟
حينها ألقى منصور قنبلته.. فهو تعب من محاولات اللف والدوران التي لا يتقنها: أنا وأمش تزوجنا من أكثر من 3 أسابيع...
جميلة حينها سقطت يدها التي تغطي وجهها وهي تنقل نظراتها بارتياع بين خليفة ومنصور
وهي تهمس بنبرة زائغة: من أكثر من 3 أسابيع.. يعني عقب مارجعت من عندي على طول..
يعني حذفتني هنا ورجعت تتزوج.. وطول ذا الأسابيع كلها وهي ناسيتني وتوه يطري عليها تبلغني.. كني ولا شي..
ثم ألتفتت لخليفة وهي تصرخ فيه بوجيعة: وأنت كنت تدري بعد ومخبي علي.. ليه تسوون فيني كذا..؟؟؟ ليه؟؟ ليه؟؟
ثم تعالى صراخها أكثر وأكثر وأكثر وبشكل هستيري في ثورة ذكرت خليفة بثوراتها في أيامهما الأولى هنا..
كان خليفة على وشك استدعاء الممرضات ليحقنوها بإبرة مهدئة.. لولا صدمته من تصرف منصور غير المتوقع
فمنصور وقف ليجلس جوارها على السرير.. ثم يحتضنها لصدره بكل قوته..
حاولت جميلة التفلت منه وهي تلكم صدره وتصرخ
ولكنه لم يفلتها وهو يهدهدها بصوته العميق وبنبرة شديدة السكون والهدوء:
بس يأبيش اهدي.. اهدي.. اذكري الله..
أمش ماسوت حرام ولا عيب.. هذا حقها.. مثل ماكان حقش إنش تختارين خليفة وتصرين عليه..
أمش ما يصير تقعد ساكنة بروحها حتى لو صار لها أي شيء في الليل ماحد درى عنها..
جميلة تبكي وتشهق وهي تحاول دفع منصور عنها: ما أبيها تزوج.. ما أبيها تزوج.. هذي أمي أنا.. طول عمرنا مع بعض.. أشلون تخليني الحين..
منصور يمسح على رأسها بيد وهو يمسكها باليد الثانية: يأبيش أمش ماخلتش ولا عمرها بتخليش..
عفرا قبل ما تصير مرتي هي أمش.. وأنا الحين صرت أبيش..
وإلا ما تشوفيني كفو أكون اب لش..؟؟
جميلة سكتت رغما عنها وهي تهدأ رغما عنها كذلك.. بل تجبر نفسها على أن تبدي هدوءا يختلف تماما عن الأعاصير الثائرة في داخلها..
صمتت والغضب يتحول لمشاعر أعمق من الخذلان والحزن..
أصمتها شعورها بالخجل من منصور.. رغم رغبتها العميقة أن تصرخ وتصرخ وتصرخ حتى تفرغ كل ما لديها من مشاعر سلبية موجوعة
أ يعقل أن تفعل أمها بها ذلك... تتزوج بعد كل هذه السنين.. ودون أن تستشيرها حتى؟؟
إن كانت تريد الزواج.. لماذا لم تتزوج من زايد؟؟
لماذا لم تحقق لها أمنيتها أن يكون زايد والدها فعلا؟؟
هذا الأب (المودرن) الوسيم لا تريده أبا لها.. كيف يكون مثل هذا أبا لها ؟!
منصور حين رآها هدأت أفلتها بهدوء حان.. بينما خليفة كان مصدوما من ردة فعل منصور السريعة والمتمكنة..
(كيف لم يخطر لي أن افعل مثله في أيام ثوراتها الأولى
التي كانت تخترق جمجمتي بصراخها فيها)
حينما رأت أن منصور ابتعد قليلا عنها.. لم تستطع حينها أن تمنع نفسها من دفن وجهها بين كفيها لتسمح لطوفان دموعها بالانهمار دون قياس..
الرجلان معها صمتا وهما يحترمان رغبتها في البكاء.. كلاهما أصبح يعرفان أن البكاء أحد لوازم المرأة التي لا تستطيع التخلي عنها..
بعد دقائق من بكاءها الصامت... شد منصور له نفسا عميقا ثم هتف بحزم:
من حقش تبكين وتطيبين خاطرش.. بس من حق نفسش عليش ومن حق أمش عليش.. أنش تفكرين بشوي منطقية
لو فرضا ابيش عاده حي.. هل ابيش بيأخذ أمش منش ؟؟
عديني مثل ابيش صدق مهوب مجرد كلام..
أمش ما تتخيلين أشلون شايلة هم ردة فعلش إذا دريتي وخايفة أنه ذا الشيء يأثر على علاجش.. وهذا السبب الوحيد لتاجيلها تبلغيش بالخبر
جميلة رفعت وجهها المحمر وعيناها المحمرتان وهمست بصوت مختنق من أثر البكاء: قل لها إنها ماقصرت وياتي منها أكثر.. وألف مبروك.. منك المال ومنها العيال
مطلوب مني شيء ثاني؟؟
منصور منذ فكر أن يأتي هنا وهو يعلم تماما أن جميلة لن تتقبل زواج والدتها بسهولة.. هذا إذا تقبلته!!..
لكنه أراد من كل هذا أن يمتص هو الصدمة الأولى.. حتى حينما يحضر مع عفراء تكون جميلة تأقلمت مع الخبر..واتضحت الفكرة في بالها..
وعلى الأقل تكون استبعدت فكرة أن تضغط على والدتها حتى تتركه..
منصور ابتسم وهو يهتف لها بفخامة حميمة وهو يمد يده لكيس كان معه ووضعه جواره:
أنا كنت جاي مستعجل بس جبت لش معي هدية صغيرة.. وإن شاء الله يعجبش ذوقي... اعتبريها هدية متأخرة شوي لعرسش
حينها نظرت له جميلة بحذر متألم: هدية وإلا رشوة؟؟
حينها قفز منصور وهو يهتف بنبرة مخيفة مرعبة: لي أنا تقولين ذا الكلام؟؟
جميلة انكمشت على نفسها وانخرطت في بكاء حاد.. حينها اقترب خليفة منها وهو يضع يده على كتفها..
جميلة طوقت خصره بذراعيها لأنها كانت تجلس على السرير وهو يقف.. ودفنت وجهها في أسفل صدره وهي تنتحب وتهمس له بصوت خافت: تكفى قل له يطلع خلاص.. خله يطلع.. قل له يرجع لها.. خلاص ما أبي حد منهم..
خليفة أشار لمنصور أن يخرج برجاء عميق.. وهو يحتضن جميلة بحنو ويحاول تهدئتها... منصور كان يشتعل غضبا
أ له يقال أنه جاء ليرشيها... بينما جاء وهو يقدم استعداده الكامل والصادق أن يكون أبا لها... ؟؟
منصور خرج فعلا لأنه خشي فعلا أن يتصرف معها تصرفا آخر...
فيبدو أن الجميع عاجز عن إيقاف هذه الفتاة المدللة عند حدها وتعليمها كيف تحترم الآخرين وأين حدودها معهم..
وللحق فعلا كان جزء من تفكيره كأب.. فهي مهما يكن ابنة عفراء.. أي ابنته... ولو كانت فعلا ابنته لم يكن ليرضى أن تكون تصرفاتها على هذا النحو
فور خروج منصور.. جميلة دفعت خليفة بعيدا عنها وهي تصرخ:
أنت بعد وخر عني... ما ابي حد منكم.. أنت بعد روح معه يالخاين.. كذا تسوي فيني
كذا تتفق معهم علي...كذا تسوي فيني يا الخاين؟؟؟
خليفة تأخر وهو يتنهد بعمق...حتى متى سيبقى عاجزا عن فهم تقلبات هذه الفتاة
كلما شعر أنه اقترب منها خطوة... أبعدته عشرات الخطوات!!
فمتى سيستقر الحال بينهما؟؟
خليفة غادرها لمنصور الواقف خارجا... حالما رآه أخذ يعتذر له عن تصرف جميلة
منصور هتف بثقة: لا تعتذر يا ولدي.. ما أقول إلا الله يعينك.. وتراها ياولدي بنية عمك ويتيمة.. هذا من صوب
والصوب الثاني.. لا تزعل مني.. بس جميلة الحين بنتي.. وتراني ما أرضى حد يضميها ولا يقهرها..
ابتسم خليفة: لا تخاف عليها ياعمي.. تاخذ حقها وزيادة..
ابتسم منصور: لا تقول لي.. شفت بروحي..
ثم أردف بعمق: والحق يقال إن الغلط غلط عفرا اللي ماعرفت تربيها عدل
ثم أردف بنبرة أخفت وأعمق وأكثر حزما: وترا يابيك الرجّال الصدق ما يعجز في المرة.. يقدر يمشيها على شوره بدون مايكسرها ولا يهينها
والحين أسلم عليك.. وأي شي تبيه تكفى مايردك شي..
خليفة مودعا: سلامتك عمي.. سلم لي بس على عمتي.. وسامحنا على اللي صار
*************************************
" يا الله انزلوا..
فضحتونا في المستشفى كنكم تقلوون على فرن..
كنكم خايفين أخيكم يطق"
هزاع الممدد على المقعد الخلفي يرد على غانم بابتسامة مرهقة: إيه والله خايفين.. مهوب أول مرة يسويها.. له سوابق..
غانم يضحك: صدق شر البلية ما يضحك
يالله انزلوا... ميت تعب أبي أروح أصلي العشا وأرقد.. ذبحتوني اليوم ياعيال عمي
فهد بحزم: لا والله إن قد تحول تصلي معنا ثم تعشى معنا.. أنا طلبت عشا خلاص..
غانم برفض قاطع: استغفر وأنت مكانك.. وأطعم لك عشر مساكين
ما أقدر.. منتهي من التعب 3 أيام ما رقدت.. ماعادني أشوف أصلا..
فهد بحزم: يا ابن الحلال طالب ذبيحة.. حول تعشى معنا.. حن بس مامعنا حد..
غانم يبتسم: هزيع على الروعة اللي جاته الليلة.. بياكل الخروف بروحه..
هزاع يئن بابتسامة: لا حد يطري علي العيشة زعت عليكم..
غانم بمرح: حوّل.. الله يرضى عليك.. فيها زوع.. روح زوع في موتر فهيدان الجديد.. ماني بناقص قرف..
فهد يفتح الباب لهزاع وهو يهتف بمرح مماثل: وليه يعني الشيخ مايزوع إلا في سيارة.. هذي القاع وسيعة..
هزاع يتسند على فهد بإرهاق.. فمؤشراته الحيوية كلها اضطربت اليوم.. ودقات القلب عنده قفزت للذروة... لذا يشعر بإنهاك عام في مفاصل جسده كلها...
حين دخل الاثنان تفاجأ بالمشهد .. صالح وعبدالله جالسان يتحدثان.. لا غرابة حتى الآن..
ولكن كل الغرابة في المخلوق الصغير الذي يقف خلف عبدالله وهو يطوق عنقه من الخلف.. بينما عبدالله يمسك ذراعيه ويميل به إلى الأمام قليلا ثم يعود للخلف في حركة متكررة ليلاعبه
وبين كل حركة والأخرى يمسك ذراعيه الصغيرتين ويقبلها.. ويبدو على وجه عبدالله ملامح استرخاء وسعادة لا حدود لها
الاثنان ألقيا السلام.. عبدالله وصالح كلاهما هاتفا شقيقيهما عدة مرات حتى خرجا من المستشفى..
هزاع مال يقبل رأس الاثنين ثم جلس جوار عبدالله ليحتضن عضده ويقبل كتفه..
بينما صالح هتف بابتسامة: راحت على أبو خالد خلاص.. نقرت رأسي كنك مان علينا بحبتك
هزاع حتى وهو متعب لا يستطيع أن يتخلص من مرحه التلقائي: واجد عليك بعد.. زهقنا منك خلاص.. ترا حبيت رأسك وكبدي لايعة علي بعد
صالح يضحك: زين يا هزيع.. ذا وجهي كني جبت لك هدية لنجاحك..
حينها قفز هزاع ليقبل رأس صالح عدة مرات هو يهتف بابتسامة: يقطع أبو الماديات اللي خربت أخلاقنا..
فهد جلس في الزواية المقابلة وهو يهتف: وش عنده حسون أفندي كنه شمبانزي في ظهر أبيه..تعالي حبني يالخايس..
حسن كان خلف والده يهز رأسه رفضا.. بينما عبدالله يبتسم: شمبانزي وخايس بعد.. وتبيه يحبك.. روح بس..
حينها نظر فهد لعبدالله نظرة مباشرة: بيحبني غصبن عن خشته.. بس خلني لين أروق له..
الحين نبي ندري وين كنت غاط ذا السنين كلها... وأشلون يوصلنا خبر موتك في حادث..
أنت داري إن هلك ذا السنين اللي فاتت باقي يمنعوني من السواقة..
هزاع الجالس بشكل مائل وهو يتسند على (المركا) يهمس بإرهاق: يمنعونك قومهم شين سواقتهم... لبسها عبدالله بعد؟!!
فهد بغضب: تلايط أنت.. الكبار يتكلمون الصغار يتلايطون..
حينها هتف صالح بغضب: اجل انت بعد تلايط.. تسكته وحن قاعدين.. هذا حن أكبر منك...
فهد شد له نفسا عميقا: ذا الكلام كله ما يهمني... حتى لو منعوني من السواقة مهيب ذي القضية..
القضية عبدالله وين كان؟؟
عبدالله تنهد ثم ابتسم: الحين أنت وش يهمك وين كنت؟؟ مهوب المهم أني قدامك طيب وبعافية...
وأقول لك أن السبب اللي لدني منكم ذا السنين كلها مافيه شيء يلحق الدين ولا الشرف.. يكفيك كذا وإلا لا؟؟
فهد بتصميم غاضب: لا ما يكفيني... من حقي أعرف وش السبب اللي يخلي أخي يختفي أربع سنين وينقال لنا إنه مات..
عبدالله أمي كانت بتموت عقبك.. جاها اللي ما تمناه لعدوك دون صديقك.. وابي إسأل اخوانك عنه... جاه السكر والضغط وتشوفه تقول كنه شيبه في التسعين..
عالية كانت في فرنسا وما رجعت إلا عقب الخبر بـ3 شهور.. وحن كل مرة تسأل عنك وتقول أن جوالك مسكر نتحجج لها بألف حجة
ويوم درت جاها انهيار وأسبوع كامل ما طب بطنها شيء.. وكل ما أكلناها غصب رجعت.. وعقبه دخلت للمستشفى من الجفاف
وذا الصبي اللي أنت مستانس به... شوف أشلون متعلق فيك.. وذ ذنبه 3 سنين عايش يتيم...
وأم حسن اللي حادت عليك وانحبست 8 شهور وضاع مستقبلها ودراستها..
وعقب ذا كله تقول أنا ماسويت شيء يمس الدين ولا الشرف..
اللي سويته في هلك في أي دين هو؟؟ في أي دين؟؟
عبدالله كان وجهه يتلون بألم مع انثيال فهد الغاضب.. وكل كلمة يقولها يشعر بها طعنة تتجدد في جراحه التي مازالت تنزف..
هزاع حينها انتفض بغضب: بس فهد اسكت... أنت ليه تبي توجعه كذا؟؟
عبدالله أشار بيده لهزاع: هزاع خله يقول اللي يبي... أنا أستاهل اللي قاله وأكثر
ثم توجه بحواره لفهد وهو يتناول حسن من خلفه ويضعه في حضنه ويهتف بألم عميق:
وأنت ظنك يا فهد أني ذا السنين اللي فاتت قاعد بعيد عنكم مستانس..
إذا كل واحد منكم ذاق وجيعة وحدة.. فقد ولد وإلا فقد أخ..
فأنا ذقت الوجايع ألوان.. فقدت الوطن والأم والأب والأخوان والأهل والأمان وحتى الراحة النفسية..
أنا كنت عايش ..بس ما أفرق عن أي ميت غير أني أتنفس..
تبي تحاسبني حاسبني.. حسابك مهوب الشيء اللي بيوجعني.. أنا مرت على الأوجاع كلها لين أقصاها.. أقصاها
حينها وقف صالح وهو يهتف بحزم شديد: خلاص حكي في الموضوع ما أبي أسمع
عبدالله ورجع.. شيء ثاني ما أبي أسمعه..
المشكلة الحين مهيب عبدالله وين كان لأن هذا شي فات.. المشكلة الحين أشلون نوصل الخبر لامي وابي وعالية وحتى عمي راشد وخالاتي وباقي جماعتنا..
حينها همس هزاع بوجع: تكفون ماتفجعون أمي وعالية.. إذا أنا الرجال ما استحملت.. عطوهم الخبر شوي شوي..
صالح توجه للباب : بنتفق عقب أشلون نوصل الخبر لهم.. وأول حد بنبلغه عالية..
والحين بأروح أسلم على أمي وأبي وانتو خلكم عند عبدالله
ثم فهد عقب رجّع حسن لأمه.. عبدالرحمن كلمني يقول يبي يأتي يأخذه.. قلت له لا ..حن بنرجعه...
*************************************
"أوف خالتي ميتة تعب"
عفراء تلتفت لمزون بحنان: أكيد لازم تتعبين.. تجهيز عرس مهوب شيء هين
عقبال ما أجهز لعرسش أنتي وعلي إن شاء الله
مزون بتساؤل: عمي متى راجع الليلة؟؟
عفراء توترت قليلا لذكر منصور.. لا تنكر أنها حاولت الاتصال به مرتين اليوم.. لكن هاتفه كان مغلقا.. شعرت كما لو أن هذا الإغلاق هو رسالة موجهة لها أشعرتها بكثير من الألم
عفراء حاولت أن تهمس بطبيعية: ما أدري بالضبط بس في الليل متأخر..
مزون بتلقائية: زين نرجع البيت وإلا عندنا مشوار ثاني؟؟..
عفراء بهدوء: والله كنت أبي أمر الدكتورة.. بس ما أظني الوقت يكفي.. الساعة الحين 7 ونص وهي تسكر 8...
مزون بقلق: دكتورة ليش؟؟
عفراء بتلقائية: الدورة تأخرت على أكثر من أسبوع وصايرة أحس بألم في بطني من تحت.. أخر مرة جاتني قبل زواجي باسبوعين
أبي أكل حبوب تنزلها.. بس قلت أستشير الدكتورة أول..
مزون تبتسم وهي تهتف للسائقة: جينا.. قدامش مختبر البرج وقفي عنده لو سمحتي
عفراء بدهشة: والمختبر ليه؟؟
مزون بسعادة: خالتي أنا اللي أعلمش.. بدل ما تقولين أكل حبوب تنزل الدورة
قولي أسوي فحص حمل..
عفراء بصدمة كاسحة : وش حمله الله يهداش؟؟
مزون باستغراب: إلا أنتي خالتي الله يهداش.. هذا الشيء المتوقع..
انتي دورتش كانت منتظمة مثل الساعة.. وتأخير أكثر من أسبوع معناها شيء واحد
ليش مستبعدته يعني؟؟
عفراء برفض تام: لأنه مستحيل يامش..
مزون بحذر خجول: ليه خالتي؟؟ أنتي تاكلين مانع؟؟
عفراء تنهدت بعمق.. لم ترد أن تطيل الحوار أكثر من ذلك مع مزون.. قررت أن تجري الفحص حتى تسكتها.. لم تردها أن تسأل أكثر من ذلك
وبالفعل نزلتا في المختبر.. وسحبوا عينة دم من عفراء.. ووعدوهما بالنتيجة بعد حوالي 40 دقيقة..
عفراء لم تكن تريد الانتظار العبثي هذا.. تنتظر شيئا غير موجود بل يستحيل وجوده..
ولكنها لم ترد أن تكسر بخاطر مزون التي كانت غاية في التحمس.. لذا كانت الأربعين دقيقة غاية في الثقل والملل...
بعد الانتهاء.. خرج الطبيب بورقة في يده.. مزون قفزت لناحية المكتب وهي تهمس بسعادة حذرة: بشر يا دكتور..
بينما عفراء جالسة دون أدنى اهتمام.. وكل ماتريده هو انتهاء مزون من لعبتها حتى تعود للبيت..
الطبيب بابتسامة مهنية: نتيجة إيجابية..
مزون بسعادة محلقة: أشلون إيجابية.. حامل يعني..؟؟
الطبيب اتسعت ابتسامته: آه.. حامل إن شاء الله..
عفراء كأنها سمعت كلمة (حامل) لكنها أرجعتها لخلل في السماع.. أو ربما كان يقول لها (غير حامل)..
مزون كادت تجن من السعادة: دكتور أقدر أعطيك بشارة؟؟
الطبيب يضحك: خلاص البشارة بتاعتي.. الفرحة دي..
عفراء أصيبت بالجمود والتيبس (ماذا يقولان هذان؟؟ يبدو أنهما يهذيان؟؟ أو أنا من تهذي وتتخيل؟؟)
مزون قفزت بجوار خالتها وهي تحتضنها والكلمات تختلط على لسانها من سعادتها:
مبروك ياخالتي مبروك... سبحان الله كنت أتمنى أكون أول من يعرف ويبارك
والله حقق لي أمنيتي.. اللهم لك الحمد والشكر..
عقبال فرحتي بحمال مرت كساب..
عفراء كانت جالسة متخشبة (أتخيل؟؟ أكيد أتخيل!! مستحيل!! مستحيل!! أشلون أنا حامل؟؟ ومنصور؟؟)
مزون تهز خالتها: خالتي بسم الله عليش..
عفراء انتفضت بخفة وهي تقف وتسأل الطبيب: دكتور أكيد أنا حامل؟؟
الطبيب بمهنية: إن شاء الله دا تحليل دم مش بول.. والدورة تأخرت أكتر من أسبوع.. أكيد إن شاء الله
حينها عاودت عفراء الجلوس.. صدمة هائلة مزقت حواسها...
دون أن تشعر مدت يدها لبطنها.. وذكريات مشوشة لحملها بجميلة تعود لذاكرتها
ولكن فرق شاسع بين بساطة مشاعرها وفرحتها البريئة آنذاك
وبين تعقيد مشاعرها وفرحتها المعقدة الكثيفة العارمة اليوم!!
نعم... فـــرحــة!!..
رغم كل التعقيدات.. رغم كل التوتر.. رغم كل التأزم.. هي سعيدة.. بل سعيدة جدا..
كانت تتمنى طفلا من منصور وهاهي حصلت عليه.. لا تعلم كيف؟؟ ولا يهمها كيف؟؟
هي رحمة رب العالمين ورغبته ومشيئته التي لا يقف أمامها شيء..
كانت تخرج مع مزون وابتسامة متلاعبة شفافة ترتسم على وجهها..
قد تكون فاشلة جدا في التصرف بالخبث الأنثوي الذي قد يكون مطلوبا في بعض الأحيان..
ولكن حملها هذا ستجعله سلاحا ضد منصور المتبجح!!
تستطيع قلب الطاولة عليه.. وقبل أن يغضب هو من حملها
ستغضب هي منه.. لأنه خدعها وقال لها أنه يعاني من عيب يمنعه من الإنجاب
فإذا به يورطها في حمل لم تكن هي مستعدة له أطلاقا..
" يالها من مسكينة!! "
اتسعت ابتسامتها حتى كادت تتحول لقهقهه منعتها حتى لا تفضح نفسها في مزون
(طيب يا منصور!! زين
ربي أكرم من كل شيء
أقوى من تسلطك وتجبرك وشروطك
انتظر علي شوي
بس شوي يا منصور!!)
**********************************
" خلاص أبو عبدالرحمن شنطتك جاهزة.. واللي قلت لي عليه كله حطيته فيها"
أبو عبدالرحمن يلتفت لأم عبدالرحمن وهو يجلس على السرير ويضع أوراقه وماله وجواز سفره في حقيبة صغيرة معه
ويهتف لها بحزم: أنا معزوم على العشا.. وما قدرت أعتذر من الرجال.. بارجع بسرعة عقبه وبأخذ شنطتي وبيمرني تميم .. امهاب بيودينا المطار
أم عبدالرحمن بتردد: والله ذا السفرة مالها سنع.. عرس بنت ناصر عقب أسبوع.. وأنت بعد ماخذ أخيها معك
أبو عبدالرحمن بذات نبرته الحازمة: ما أقدر أجلها.. فضل المنان يقول إنه حاجز طيور لي.. وماقدر يخليها أكثر من أسبوع
ولولا أن أبيه الله يحسن خاتمته هو اللي موصيه إنه إذا جاته طيور زينة يخيرني فيها أول حد.. أو كان باع بدون ما يهتم مني..
وما أقدر بعد أقول له احجزها أكثر من أسبوع.. ما أرضى له الخسارة...أنا وأبيه صحبة وأكثر من أخوان بعد من أكثر من 35 سنة..
أم عبدالرحمن بذات التردد: زين روح أنت جيب طيورك وخل تميم.. خاف يتأخر على عرس أخته..
حينها ابتسم أبو عبدالرحمن: ما أقدر أروح بدون تميم.. أستبشر بوجهه.. العام الأول حدني أشتري فرخ وأنا ما أبيه كلش.. بس شريته لأني ما أحب أخالفه
تميم دايما رايه إهدا (الهدا=الصواب) مايحدني إلا على خير
وذا الحين ذا الفرخ صار خيرة طيوري..
والعام يوم رحت بدون ما أقول له عشانه كان مريض.. زعل علي إني رحت وخليته..
وش تبيني أسوي يعني؟؟ أنا ماغصبته... أنا قلت له تخاويني.. وإن شاء الله محن بمبطين.. 3 أيام وإلا 4 بالكثير ومعودين
تنهدت أم عبدالرحمن: أنت بعد يا فاضل غلطان من يوم ولعت الصبي في القنص.. وإلا حد مثل تميم يقنص..
ابتسم فاضل بشفافيه وهتف كأنه يكلم نفسه: والله إنه أخير من كل الصقارين.. صقار بالفطرة.. نبيه وفطين..
هذا أنا كنت أخذ عبدالرحمن وامهاب كلهم معي.. لو أني اللي أولعهم في الشيء كان ولعت ولدي..
بس ماحد منهم اهتوى القنص إلا تميم لأنه قرم في رأسه حب ما طحن.. ما يطحنه غير حوال الطير نكاسي..
والله ثم والله لو أني داري إنه له طاري بالعرس من وحدة مهيب مثله.. ماكان أخليه يروح على شعاع..
أم عبدالرحمن بجزع: من جدك يافاضل.. تميم ولد أخي واحبه مثل ولدي.. بس شعاع بنتي وأبي لها الزين..
أبو عبدالرحمن قلب شفتيه: هذا عشانش مرة عقلش ناقص.. أنا أشهد أنش ما تعرفين الرياجيل..وإلا تميم يسوى عشر رياجيل
ثم أردف بحزم وهو يشير للتسريحة: تراني خليت لش ظرف فيه فلوس في الدرج الأول..
أم عبدالرحمن تغلق حقيبته وتهتف بتلقائية: ماله داعي يابو عبدالرحمن.. عبدارحمن موجود..
حينها هتف بغضب: ما حد مسئول عن بيتي غيري.. وما تأخذون مصروفك من غيري..
حينها هتفت أم عبدالرحمن بوجع مخفي: وهي المسئولية فلوس وبس.. الله لا يخلينا منك ولا من عبدالرحمن..
أبو عبدالرحمن يشد حقيبته وهو ينزلها على الأرض ثم يهتف لها بتحذير:
إياني وإياش مرة ثانية تخلين شعاع تروح بروحها من السواق والخدامة..والله لا يصير شيء ما يرضيش..
شعاع ما تطلع مكان إلا معش أنتي أو مع أخيها أو مع جوزاء وبس... حتى مع بنات خالها ما تروح
سامعتني؟!!
أم عبدالرحمن بجزع: الله يهداك ماصارت إلا مرة وحدة عشاني ماكنت موجودة..
راحت تصور ملزمة في المكتبة القريبة عشان الامتحانات.. وهذي الامتحانات خلصت
وشعاع جاها ماكفاها منك تيك المرة..
أبو عبدالرحمن بغضب: جزاها وأقل من جزاها... أنا منبه عليها ألف مرة... ثم تعصاني..
ثم أردف بتصميم : وإيه.. أمنتش الله ما ترقدين لين تأكدين إنش قفلتي البيان وسحبتي المفاتيح..
أم عبدالرحمن بسكون: يا فاضل الله يهداك.. كل ماجيت تسافر توصي نفس الوصايا والله أني حفظتها.. لا توصي حريص
أبو عبدالرحمن وهو يستعد للخروج: واسمعيني يأم عبدالرحمن تراني مخلي مع الفلوس.. فلوس هدية بنت ناصر.. لا تقصرون فيها
تراها مالها خوال ولا عمان.. وأنتي عمتها الوحيدة.. أبي هديتش لها بهدية عشر عمان..
*******************************************
" عبدالرحمن فديتك.. تكفى جيب لي حسون
الساعة صارت تسع ونص.. متى بألحق أعشيه واسبحه وانيمه؟؟"
عبدالرحمن يهتف في هاتفه بمودة: جوزاء ياقلبي والله أني كلمت صالح كم مرة
قال لي إن فهد بيجيبه...
كلمت فهد يقول حسون مهوب راضي يرجع معه..
قلت لهم أنا بأجيكم أجيبه.. فهد يقول إنه مطلعه يلعبه.. وبيرجعه
جوزاء بقلق: والله تاخر ياعبدالرحمن... صالح خذه من عقب العصر.. من الساعة أربع ونص.. الحين صارت تسع ونص
لو كان ماخذه الصبح كان عادي عندي.. بس الحين تأخر الوقت
عبدالرحمن بطمأنة: وش تاخر يابنت الحلال.. تو الناس..
والله مايأكلونه عمانه.. ولا يهمش أنا بكلم فهد لو ماجابه الحين.. باروح له بنفسي الألعاب..
جوزا ألقت بهاتفها جوارها وهي تمسح على وجهها بإرهاق.. شعاع الجالسة جوارها تقلب في جهازها الحاسوب همست لها بهدوء:
أشفيش متوترة كذا... ترا مهيب أول مرة يأخذونه هله.. وأحيانا ياخذونه أكثر من كذا وخصوصا عقب مارجعت عالية يكون معها طول اليوم..
وش معنى اليوم متوترة كذا؟؟
جوزاء بتوتر وقلق عميقين: أنا كلمت عالية عقب المغرب.. قالت لي ماشافته.. قلبي قارصني
5 ساعات قاعد في المجلس؟؟... أنا خايفة يكون مسك دلال القهوة وإلا طلع الشارع
وإلا صار له بعيد الشر شيء.. عشان كذا عمانه مايبون يروعوني
ياربي شعاع... والله العظيم قلبي قارصني.. وقاعدة أطمن روحي
شعاع بطمأنة: ما أشين فالش.. مابه إلا الزين..
.
.
ذات الوقت..
فهد يبتسم: أنت خلصنا من ولدك اللزقة.. خاله صدعنا يقول أمه صدعته..
عبدالله لا يريد تركه يغادر فعلا.. مازال لم يشبع عينيه وروحه منه.. ولكن هل ساعة أو ساعتين آخريين سيكفيانه..
يشعر أن العمر كله لا يكفيه حتى يعوضه عن تركه له طيلة السنوات الماضية
وخصوصا أن حسن لا يريد تركه مطلقا..ويبدو متعلقا به بصورة غريبة مبالغة..
أ لم عميق يتصاعد في روح عبدالله على حال هذا الصغير الذي عاش علاقة أبوة مع مجرد صور.. ورق مصفر.. أشباح باهتة لخيال أب كان..
بينما والده حي يرزق..
ينظر إلى حسن الجالس على ركبتيه ويعاود احتضانه ربما للمرة الألف هذه الليلة .. ولا يرتوي من رائحته ولا من قرب جسده الضئيل
فهد يعاود الإلحاح: لا تزعل علي بس تراني بشله غصب وبوديه لامه.. نبي نرجع نتعشى ونتصل في صالح يجينا..
عبدالله يقف وهو يحمل حسن بين ذراعيه: أنا باروح معك نوديه..
فهد بتوجس: أخاف حد يعرفك.. ما أبي حد يبلغ هلي الخبر قبل ماحنا نقول لهم..
عبدالله بهدوء واثق: يا ابن الحلال أنا باتلطم.. وأقعد جنبك...وأنت انزل وعطه خاله.. صار لك ساعتين تحايل فيه وهو مهوب راضي..
فهد باستغراب: صراحة تعلقه فيك غير طبيعي.. متى لحق يعرفك عشان يتعلق فيك كذا؟؟
وبعدين ماشاء الله تعاملك معه تعامل واحد خبير ومحترف بعد.. مهوب واحد المفروض إنه عليمي..
عبدالله يبتسم: الأخ مركز في كل شيء.. هذي اسمها تناجي أرواح يا متنح.. ولد وابيه.. الروح تنادي الروح
فهد يضحك: الكلام كذا كني سمعته في فيلم هندي قديم.. يا الله قوم قوم... نسيبنا دخل في مخ مخي... الله يعين عالية عليه ويعينه على عالية
عبدالله وفهد يتجهان للخارج.. تاركين هزاعا الذي كان نائما في المجلس
وعبدالله يسأل فهد بابتسامة: عالية ماعقلت.. ؟؟
فهد يبتسم: إذا عقل حسون عقلت عالية معه..
عبدالله بمودة عميقة: وخالي نايف وش أخباره؟؟ صالح يقول لي باقي له سنة ويخلص ماستر..
فهد بمودة مشابهة: نايف طيب لو أن الله يخلصه من حنت خالاتك.. هم موذين العالم فكيف أخيهم الوحيد
ثم أردف فهد وكأنه يتذكر شيئا: تدري عبدالله حتى يوم كانت أم حسن في الحداد..
كنت دايم أشوف عالية مفولة من خالاتي خصوصا خالتي نورة وسلطانة
تقول أنهم حاطين دوبهم دوب المسكينة ومطفرينها من عيشتها..
عبدالله شعر كما لو كان تكهرب وتيار لاسع يمر عبر كامل جسده: أشلون يعني؟؟
فهد بعدم اهتمام: ما أدري.. اسأل عالية عقب..
عبدالله سكت باقي الطريق وهو يحتضن حسن الذي يستكين على صدره
(هل تبقى شيء يا جوزاء لم أجرحكِ فيه؟؟
حتى أبسط شيء.. أتركك عرضة للألسنة تلتهمكِ دون أن أكون موجودا لحمايتكِ!! للتخفيف عنك!!
تركتكِ براءة عذبة مغبونة مجروحة في عمق أنوثتها
ضاعت فرصتك في اكمال دراستك في حداد ماكان يجب أن تخضعي له
وبعد ذلك حتى من أذية الكلام لم يرحموك
وأنا السبب في كل ذلك!! دائما أنا السبب!!)
عبدالله كان مستغرقا في أفكاره التي يأخذه منها أحيانا حديث فهد الذي كان يجيبه باقتضاب بعد أن صدمه بوجيعة جوزا الجديدة
أي فرحة هذه التي خالجتها الأوجاع حتى صميم الروح؟؟
أي فرحة هذه التي ما ابتسم فيها ابتسامة حتى سالت خلفها روحه دمعات وآهات؟؟
"وصلنا!!"
انتزعته كلمة فهد الحادة القاطعة من أفكاره بالكامل
والسيارة تقف أمام بيت أبي عبدالرحمن
************************************
قبل ذلك بحوالي ساعة... بعد صلاة العشاء مباشرة
تجلس في غرفتها.. تحترق.. تفكر.. تنطفئ لتعاود الاحتراق بلا هوادة
تعلم أنه عاد.. وتعلم أنه كان في الأسفل
سلم على والديه وشقيقته وولديه.. ثم ذهب للمسجد مع والده لصلاة العشاء
كل هذه الأخبار أبلغها بها ولديها اللذين ذهبا هما أيضا مع والدهما للصلاة
بينما هي كانت في أثناء حدوث ذلك تلتهي بترتيب ملابسهما عن الهموم التي تكاثرت في روحها
والتي زادها عليها أن غانم لا يرد على اتصالاتها أبدا.. بعد خروجه المفجع بالأمس.. الذي زاد قلقها قلقا
عادت لغرفتها وهي لا تعلم حتى إن كان صالح سيتذكر أن يصعد لرؤيتها
أو ربما كان مستعجلا للعودة لشيء آخر!!
بداخلها ترفض فكرة أن صالحا قد يتزوج عليها.. لا يمكن أن ينهار كل الحب الذي يحبها صالح في لحظة.. يستحيل أن يستبدلها بآخرى
تطوف ببالها مئات من ذكرياتها مع صالح.. العاشق الذي لم تطفئ جذوة حبه لها أي ظروف.. لا خلافاتهما ولا بعادها ولا السنوات..
دائما كان عاشقا متجددا.. وكأنهما عريسان في شهر زواجهما الأول..
رغما عنها شهقت بألم.. هي من أضاعته من يدها..
صالح على الدوام كان رجلا استثنائيا.. تكاد تقسم أنه قد لا يوجد على كوكب الأرض رجلا أغرق زوجته في مشاعر عشق مستحيلة كما فعل صالح
أخطأ في حقها خطأ كبيرا.. ولكنها هي من لم تعرف كيف تتصرف حينما حدث الخطأ في مرته الأولى.. ومراته التالية..
كانت تهرب لغرفة ابنائها ثم تدعي أنها رضيت سريعا رغم أنها بداخلها لم ترضَ..
شيء ما بقي حاجزا بينها وبينه
حاجز كان يثير جنون صالح الذي يريد امتلاكها حتى أخر نفس..
ولكنها ربما كانت تعاقبه بهذه الطريقة.. كانت تعلم استماتته في إشعال مشاعرها
لكنها كانت تبقي لها دائما حاجز ما من تباعد وبرود
لا تعلم هل (غرّها الغلا)؟؟ هل كانت طريقتها في التعامل مع صالح فاشلة؟؟
(بالتأكيد هي فاشلة
وأنا فاشلة!!
وإلا لماذا وصلنا إلى هذا الحال
لماذا وصلنا هنا.. رغم كل الحب الذي جمعنا
أو بمعنى أصح حب صالح الذي كنت أستقبله دون مقابل يوازيه!!)
كانت أفكارها الجارحة الثقيلة تدمي فؤادا أرهقه اليأس والسهر والقلق والغيرة.. وشهقاتها الخافتة تحاول كتمانها فلا تفلح..
حتى سمعت الطرقات الهادئة على الباب التي أجبرتها على ابتلاع شهقاتها..
********************************
يتنهد بعمق وهو يدخل إلى بيته..
تجاوزت الساعة منتصف الليل.. لا يعلم هل كانت مهمته ناجحة أو فاشلة
ولكن أكثر ما يخشاه أن تؤدي لتأزم الوضع بينه وبين عفراء
يخشى أن تكون جميلة اتصلت بوالدتها بعد مغادرته
ولا يعلم كيف نسي حدوث مثل هذا الاحتمال المتوقع جدا..
احتمال كهذا قد ينسف كل مافعله..
وغلطة الشاطر بألف..
بل غلطة كهذه بملايين الملايين..
يخشى أكثر من أي شيء أنه لن يجدها حتى هنا.. قد تكون غضبت وعادت لبيتها..
وهذا هو المتوقع منها..
فبعد اتفاقهما أن يؤجلا إبلاغ جميلة بزواجهما حتى تذهب عفراء لها
كان هو من خرق الاتفاق وهو يبلغ جميلة ودون علم عفراء حتى..
يخشى بشدة أن تسيء فهم سبب تصرفه هذا.. أو تبرره بسوء نية مقصود منه..
كانت هذه الأفكار تدور في رأسه وهو يصعد للأعلى ومع كل خطوة يخطوها يغتاله أحساس مر أنه لن يجدها .. لن يجدها
وأنه سيجد فقط أطلالا مهجورة تستحضر ذكراها في المكان
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم HaboOoshy
مشاعر ثقيلة جدا أورمت قلبه الذي ماعاد يحتمل المزيد وهو يقف أمام باب بيت أبو عبدالرحمن من الخارج
بينما حسن حين عرف البيت شدَّ على عبدالله وهو يهز رأسه بعناد طفولي: مابي.. مابي.. أبي بابا بث.. مابي ألوح..
عبدالله يحتضنه بخفة ويسأل فهد بشجن: كنهم مغيرين واجهة البيت والصبغة؟؟
فهد بدون اهتمام: ما أدري يأخيك.. الظاهر
عبدالله تنهد بألم شفاف وهو يهمس في داخله:
(أنا اللي أدري.. أنا اللي أدري
كان باقي أعد خطوط البيت وأنا أنتظرها تطلع علي في كل مرة كنت أوديها لأهلها
أحاول أتشاغل بشيء.. ألهي نفسي عن شوقي لها
ألهي نفسي عن قلبي اللي أحسه ينشلخ ألف مرة)
بينما عبدالله لاه في أفكاره وهو يشد ابنه إلى صدره كان فهد ينهي اتصالا ثم يلتفت لعبدالله:
عبدالرحمن عاده في الطريق ويبي له شوي.. ويقول ا ن ابيه معزوم على عشا
خل نعطي ذا الأذوة واحد من صبيان المجلس ويعطيه الخدامات يوصلونه لأمه..
عبدالله بصدمة: من جدك أنت؟؟ تبي تعطي ولدي واحد من الصبيان يوصله للخدامات..
قسما بالله منت بصاحي ولا تأمن على الولد... عسى مهوب أنت اللي ترجعه كل مرة..؟؟
فهد يضحك: وانا وش عرفني بالبرتوكول لإعادة صاحب السمو... رجعته كم مرة.. بس كل مرة عبدالرحمن موجود وإلا جده وهم اللي يأخذونه
عبدالله بقلق: فهد أمنتك الله.. لا تكون مرة سويتها وعطيته الصبيان..؟؟
فهد يضحك: والله العظيم مابعد سويتها... خاطري تشوف وجهك.. لابس دور الأب مضبوط..
ثم أردف بابتسامة: يا الله قل لي وش تبينا نسوي.. نقعد واقفين لين ياتي عبدالرحمن ويعرفك
كان مخططنا أني أنا بأنزله المجلس وبأجيك.. الحين وش السواة..
عبدالله تنهد: اتصل في أمه.. خلها تخلي وحدة من الخدامات تطلع لنا.. وبننتظر هنا لين أشوفها دخلته داخل البيت..
فهد حينها تفجرت في رأسه قنبلة ما.. شهق ثم كح وهو يهتف لعبدالله برعب حقيقي:
على طاري أم حسن..
عبدالله أنت الحين ما متت.. والمرة حادت عليك.. وحتى عدة الغياب ماكملتها لك بالضبط 3 سنين و11 شهر
ووأم حسن الحين على ذمة ولد آل يحيا.. لازم تسأل شيخ ..
عبدالله ألا يكفيه مافيه من أوجاع حتى يذكره: أم حسن أنا طلقتها وأنا في أمريكا.. وعقد الطلاق موثق ورسمي وموجود الحين في الخارجية للي يبي يتاكد..
فهد بصدمة: عبدالله أنا مصدوم فيك.. يعني مخطط لكل شيء.. ليه ذا كله.. ليه؟؟
عبدالله لم يرد عليه.. حينها زفر فهد بغضب متزايد على عبدالله: باتصل في عالية أخذ رقم البيت منها
عبدالله بسكون: مافيه داعي أنا حافظه.. إذا هو نفسه ماتغير..
فهد أخذ الرقم من عبدالله وهو مازال يغلي من الغضب..
في الداخل.. جوزا تذهب وتعود.. ماعادت قادرة على الجلوس
بينما شعاع مازالت تعبث بأزرار حاسوبها وهي تهمس بهدوء: جوزا الله يهداش عبدالرحمن الحين مكلمش ويقول أنه جاي
اقعدي حولتيني..
جوزاء بغضب: خلش في اللي أنتي فيه.. ومالش شغل..
رن الهاتف بجوار شعاع .. التقطته وعينها على شاشة الحاسوب: مرحبا..
صوت رجولي غاضب: وين أم حسن وإلا أم عبدالرحمن يا بنت..؟؟
شعاع مصدومة من هذه الوقاحة.. (بدون سلام حتى؟؟)..
بينما فهد كان يظن أن من ردت عليه طفلة صغيرة..
شعاع تحاول الاعتصام بالأدب وهي تتكلم بطريقتها الهادئة الرقيقة التلقائية المعتادة: أم حسن موجودة.. وأم عبدالرحمن تصلي.. من تبي منهم؟؟
حينها علم فهد أنها ليست طفلة بل صبية يقطر صوتها رقة وعذوبة أشعرته بمزيد من الغضب.. لأنه يكره بشكل عام يكره (الميوعة) في البنت..
وهو حسب ظنه شعر أنها تتحدث بميوعة زائدة مع غضبه الذي قفل عروق التفكير في رأسه:
اصطلبي يا بنت لا تسيحين.. ماعلموش هلش أشلون بنت الحمايل ترد على الرياجيل..
شعاع شهقت بشدة وهي تلقي الهاتف والحاسوب وتقفز راكضة للأعلى
حينها انتزع عبدالله الهاتف منه بغضب كاسح: قسما أنك مستخف.. هذي أكيد شعاع.. البنية أذكرها هادية خلقة ربي يا الجلف.. الله يأخذ عدوك
فهد لم يهتم.. وعبدالله يأخذ منه الهاتف ويقرر أن يطلب منها إرسال أحد للخارج فهو متأكد أنها لا تتذكر صوته
ولكنه مع التقاطه للهاتف كان صوتا آخر يهتف بقلق عميق: من أنت؟؟ ووش قلت للي ردت عليك ؟؟
حينها عبدالله عاود إلقاء الهاتف لفهد و يشير له أن يرد ..وهو يشعر أن قلبه مزقته قنبلة مدمرة إلى مئات الشظايا
يكاد يقسم أنه يشعر بألم فعلي في كل نواحي قلبه..
صوتها.. هي.. همساتها!!
قبل أن تتحدث حتى ..عرفها.. عرفها..!!
شعر أن أول نفس عانق وتين قلبه
والنفس الثاني مزقه تماما.. ثم بقية الأحرف عبثت بقلبه الممزق ذهابا وإيابا
( يا الله.. يارب
هل حكمت على سواي بعذاب حب كهذا؟؟
كنت أخدع نفسي أنني سأنساها أو حتى أتناسها
بعد ان كانت ذكرياتي الشاردة معها زادا يدفئ قلبي المجمد طوال كل دقيقة في السنوات الماضية
فإذا بحلم النسيان مجرد حلم مستحيل وأنا أسمع همساتها اليوم
يا الله كم اشتقت لها..
كم اشتقت!!
يا الله مابقي فيَّ قلب يحتمل كل هذا!!
وكل ماقلت هذا.. جاء مزيد مما لا أتحمله
أموت لأسمع همساتها مرة أخرى.. مرة بعد!
اللهم أني استغفرك وأتوب إليك
يا الله انزع حبها من قلبي.. يا الله اعني على نفسي )
فهد حينما تناول الهاتف عرف صوت جوزا.. هتف باحترام: هلا أم حسن
جوزاء بتوتر: هلا أبو خالد.. حسن فيه شيء؟؟
فهد يهتف بهدوء رغم أنه مازال غاضبا وسماع صوتها ذكره بسبب غضبه من عبدالله: لا.. والله مافيه إلا العافية
جوزا بحرج: زين دام مافيه شيء ليش تروعت أختي كذا؟؟
فهد بثقة: قلت لش مافيه إلا العافية.. بس ماكان راضي يرجع
أنا واقف عند باب الحوش من برا.. طرشي لي الخدامة تأخذه..
جوزاء أرسلت الخادمة ووقفت أمام النافذة تنظر للسيارة.. كانت الرؤية غير واضحة لأنهما لم يكونا يقفان في داخل الباحة لكن أمام الباب الخارجي
ولكنها متأكدة أن السيارة كان فيها شخصين
والشخص الذي ناول الخادمة الولد كان من يجلس بجوار السائق.. شعرت باستغراب عميق وهي ترى حسن لا يريد التخلص منه
ثم وهي تسمع بدء تعالي صرخاته وهو يرفس الخادمة التي تحمله ويحاول التخلص منها..
وفعلا أفلت منها ونزل وعاد ركضا للسيارة.. حينها تفجر قلق جوزاء عارما..
أخذت الرقم من الكاشف وعاودت الاتصال بفهد بينما حسن عاد لوالده ورفض النزول والخادمة تحاول أن تنزله
فهد بقلق يهتف لعبدالله: شكلنا بننفضح الليلة من سبت ولدك اللزقة هذا..
عبدالرحمن على وصول
تعالى رنين هاتفه كانت المتصلة هي جوزاء وهي تهتف بقلق: أبو خالد ولدي مهوب طبيعي الليلة.. أمنتك الله وش صاير له
أنا بألبس عباتي وأجي اخذه بنفسي..
فهد قلقه بدأ بالتصاعد ومع ذلك هتف بثقة: لا والله ما تجين أنا بأنزل فيه للمجلس وبأنتظر عبدالرحمن
فهد أغلق الاتصال ثم ألتفت لعبدالله بحزم: أنت أنزل وسق بدالي وأرجع لبيت صالح.. وانا بأنزل بولدك الفضيحة .. وكن فيه خير خله يتفلت مني
بانتظر عبدالرحمن ثم بخلي صالح يمرني
فهد نزل بالفعل وشد حسن بقوة حانية.. ولأن فهد ليس كالخادمة طبعا فحسن لم يستطع التفلت منه بينما عبدالله كان ينزل ليتجه لمكان السائق وهو يهتف برجاء أقرب للأمر: فهد تكفى شوي شوي.. آجعته...
فهد بغضب يتجه بحسن الباكي للمجلس: ما آجعته بس هو متدلع بزيادة..
بينما صراخ حسن يرتفع : أبي بابا أبي بابا..
الخادمة عادت للداخل.. وجوزاء أمسكتها لتحقق معها: حسن وش فيه؟؟
الخادمة بطبيعية: مافيه سي.. بس يبكي يبي بابا..
جوزاء باستغراب: أي بابا ياخبلة؟؟
الخادمة تتجه للداخل: أنا مافي معلوم..
جوزاء انتظرت على أعصابها المتفلتة قلقا لمدة خمس دقائق هي المدة التي استغرقها وصول عبدالرحمن ثم إحضاره لحسن الذي مازال ينتحب بعناد: أبي بابا أبي بابا..
جوزاء حين رأته تناولته وهي تحتضنه وتهدئه: وش فيك حبيبي؟؟
حسن تعلق بعنقها وهو يبكي: ماما أبي ألوح بابا.. بس سوي.. سوي بس..
جوزاء اختنقت: أي بابا ياقلبي؟؟
حسن مازال يبكي: بابا عند ثالح.. أبي ألوح بابا..
ثم ألتفت لخاله: دحمان ودني بابا..
عبدالرحمن يتناوله من جوزاء ويحمله وهو يقبله ويهمس له بحنان: خلاص بكرة حبيبي أوديك..
جوزاء بغضب عاتب: عبدالرحمن ألف مرة قلت لك لاعاد تمنيه شيء ماتقدر تسويه
عبدالرحمن بإرهاق: خرق مخي في المجلس وهو عند فهد.. يبكي كأنه مقروص.. ترا ماهدا إلا يوم شافش...
جوزاء بقلق تنظر لحسن المستمر في البكاء: ليه هو ذا الحين ينقال له هدأ؟؟
عبدالرحمن يطبطب على ظهر حسن ويهتف بتعب: أهون من قبل شوي بواجد..قسما بالله صدعت من صياحه
جوزاء صعدت بابنها.. رفض أن يتناول العشاء.. وطوال ماكانت تحممه كان مستمرا في البكاء وفي طلب وحيد: أبي بابا..
حينها توجهت جوزا لغرفة شعاع التي كانت مازالت تعاني من حرج عميق من موقف الاتصال السخيف الذي عرفت تاليا من صاحبه
ومع ذلك خرجت حين سمعت بكاء حسن
وحاولت مع جوزاء تهدئته أو جعله يتناول العشاء .. ولكنه رفض
وعادت لغرفتها حين كانت جوزاء تحمم حسن
جوزاء كانت تحمل حسن الذي بدأ مرهقا من كثرة البكاء ومع ذلك مازال يبكي..
دخلت على شعاع وضعته على السرير وهمست لها برجاء عميق: تكفين شعاع.. تكفين طالبتش.. بس ذا المرة.. الولد مات من البكاء
عمره ماصار له كذا.. عطيه صور أبيه بس الليلة.. خليه ينام.. شوفي أشلون وجهه متورم من البكاء.. تكفين شعاع عشان خاطري .. والله جاني الليلة ماكفاني..
شعاع تهز رأسها رفضا وهي تهمس بعمق شفاف: جوزا على ويش احنا متفقين.. كذا بيرجع حسن يتعلق في الصور
جوزاء بألم: يرجع يتعلق؟؟ ليه هو نسى؟؟ ياربي حاسة أن الذنب اللي سويته في حسن ذنب كبير واجد وأنا أعلقه في أب ميت..
تكفين شعاع بس الليلة.. بس الليلة.. أنا تعبانة حدي..
شعاع رغم رفضها لذلك لكن حسن بالفعل كان هذه الليلة أكثر من كل ليلة.. وزاد عليها أن جوزاء كانت تبدو بالفعل على وشك الانهيار
لذا تناولت مفتاحها وفتحت دولابها المغلق وأحضرت الألبوم ووضعته على ساقي حسن الباكي وهي تهمس بحنان: هذي حبيبي صور بابا.. خلاص لا تبكي
ثم كانت الصدمة الكاسحة لهما كليهما.. أن حسنا ألقى بالألبوم على الأرض دون أن يفتحه وهو يصرخ بعناد:
ما أبي ثورة..أنتي خبلة.. أدول أبي بابا.. أبي بابا..
**************************************
طرقاته.. من سواه..
تصاعدت طرقات قلبها التي بدأت مع الطرقات وزادت مع انفتاح الباب
لتصل ذروتها وهي ترى صالحا يتقدم ناحيتها..
صالح أصبحت لديه معرفة عن حالها وظنونها.. وغيرتها.. لا ينكر سعادته المخفية في أعماقه..
دائما الغيرة هي دليل حب وتملك.. قد تختلف الآراء والمضامين حولها.. لكن في حالهما هما هي دليل حب لا شك.. صالح لا يشك في محبة نجلا له
لكنه بات يشك في مكانته عندها..
فالإنسان مثلا قد يكون يحب شيء معين.. لعبة قديمة.. صورة.. أو حتى قطعة ملابس.. وقد تكون عزيزة جدا عليه
لكنه قد يضعها في دولاب ثم ينساها لأنه يعلم أنها محمية ولن تصلها يد
لكن حينما يشعر أنها مهددة فأنه ينتفض للدفاع عنها..
هكذا كان حالهما.. فهي ركنته في الدولاب المحمي.. ولهت في حياتها مطمئنة أنه سيبقى دائما لها..
ولكنها يبدو أنها نسيت أن تغلق الخزانة جيدا.. فهي تركتها مواربة
لذا لم تستطع منع وصول يد أخرى إليه كما كانت تظن..
تريده أن يعود لها وحدها حينها ستتأكد من قفل الخزانة جيدا وإلقاء المفتاح في البحر.. لأنها في حينها ستغلق على نفسها معه في ذات الخزانة..
ولكن هل مازال لديها فرصة.. وهي تراه يتقدم نحوها بوجه خال تماما من التعابير
وكأنه لا يحمل أدنى اهتمام بها.. أو ربما يريد اخبارها بخبر زواجه ثم العودة لزوجته الجديدة..؟؟
تريد أن تبكي.. تشعر برغبة حادة للبكاء.. لكنها لم تفعلها..
لم ترد أن تبدو بمظهر معدومة الكرامة التي تستجدي حنانه بينما هو قد يكون أصبح لأخرى
فما فائدة الدموع التي ماعاد لها فائدة؟!!
كان من المفترض أن تبكي له ومن أجله وأمامه قبل الآن
ولكن الآن لا تريد أن تستجلب شفقته عليها وهي قد تكون فقدته..
لا تريد شفقته.. تريد حبه وولعه وغرامه.. المشاعر التي كان يغرقها في طوفانها والتي قد تكون فقدتها للأبد
تزداد رغبتها في البكاء.. ومعها إحساسها بضرورة التماسك
مادامت قد تكون فقدته.. فلتحتفظ ببعض كرامتها!!
صالح يعلم أن دفاعاته معدومة.. لو همست الآن باسمه فقط.. سينهار كل تمثيله الهش.. فهو مشتاق حتى النخاع.. عاشق حتى نخاع النخاع
ولكنه يتمنى أن يحتفظ ببعض جلده حتى يحلا بشكل تام مابينهما من مشكلات
فهو من ناحيته يرى أن جزء كبير من مشكلتهما يرجع إلى كونها متأكدة من قوة مشاعره ناحيتها.. المشاعر التي كان يصدح بها لها ليلا ونهارا
والتي جعلتها هي في موقع القوة!!
لابد أن تشعر فعلا أنها ستفقد هذه المشاعر.. لتشعر بقيمتها..
صالح دخل بخطوات ثابتة.. كانت تجلس على السرير ووقفت احتراما حين رأته وصلها وهي تتحاشى النظر له..
ألقى السلام وهو يلصق خده بخدها في سلام بدا باردا لكليهما ظاهرا ولكنه كان مشتعلا في خلايا كل منهما
كل واحد منهما تمنى أن يطول هذا السلام ويتحور لصورة أكثر قربا وحميمية علها تريح بال كل منهما من أفكاره
ولكن السلام انتهى خاطفا.. كما بدا خاطفا..
صالح اتجه للتسريحة وهو يخلع ساعته وأزرته ويهتف بهدوء مصطنع: أشلونش وأشلون العيال؟؟ عسى ما قصركم شيء؟؟
همست بذات اصطناعه ولكن بحذر أشد فهي تخشى ماهو قادم بينما هو الصورة واضحة تماما لديه: الحمدلله بخير.. جعلك سالم..
استدار صالح ليهتف بطبيعية: أنا بأدخل أسبح.. جهزي لي شنطة لو سمحتي.. فيها ملابس داخلية فنايل وسرويل وفوط.. والثياب خليها معلقة..
حينها سقط كل اصطناعها وانهار وهي تشهق بجزع مرتعب كأن روحها استلت من جنبيها:
يعني صحيح صالح سويتها وتزوجت علي؟؟
صالح يريد أن يضحك لذا استدار حتى لا ترى وجهه وهو يهتف ببرود: من اللي قال لش ذا السخافات؟
نجلاء تمنع عبراتها المتفجرة من الظهور في صوتها: مايحتاج حد يقول لي السالفة بينة..
صالح بحزم: نجلا أنا ماني بفاضي لذا الخرابيط.. باسبح.. أبي أطلع ألقى شنطتي جاهزة.. عندي شغل ضروري
ثم أردف بنبرة مقصودة: نجلا إذا جيت بأعرس ترا أنتي أول حد بيدري
لأني لو بأعرس بتكونين أنتي السبب.. وأنتي عارفة ليه؟؟
صالح دخل الحمام..نجلاء سحبت لها حقيبة من أسفل السرير.. وهي تكاد تسكب فيضان دموعها فيه
(ما دام قال إنه ما تزوج علي.. مستحيل يكذب
صالح ما يكذب
بس ليش الشنطة ياربي.. ليش؟؟)
فتحت الحقيبة فوق السرير.. وبدأت تضع الملابس فيها التي غرقت من دموعها التي كانت تمسحها بكفيها وهي تضعها في الحقيبة
انتهت من تجهيز الحقيبة وأغلقتها وأخرجت ثيابه وتركتها في علاقاتها فوق حقيبته.. أنجزت مهمتها على أكمل وجه في انتظار خروجه
حالما خرج استدارت حتى لا يرى دموعها وهي تخرج له ملابس أخرى ثم ناولته إياها دون أن تنظر إليه
صالح عاد لغرفة التبديل ليرتدي ملابسه.. بينما هي كانت تلتهي بشيء غير معلوم في الخزانة...
حينما خرج كانت مازالت مستمرة في التهاءها
بينما توجه هو للتسريحة ليمشط شعره.. ثم تناول غترته ليلبسها...
خلال هذه الخطوات الكثيرة كلها كانت نجلاء توليه ظهرها وهي تشهق في داخلها
وتنتظر منه كلمة واحدة تطمئن نفسها به.. ولكنه كان صامتا كبئر مهجورة..
حين رأته تناول حقيبته وملابسه وسيخرج دون أن يقول لها شيئا.. همست له باختناق: كم يوم بتسافر؟؟
صالح دون أن يلتفت: ماني بمسافر.. بأروح أقعد في بيتي.. عندي شغل لازم أخلصه هناك..
نجلاء بصدمة: زين ليش صالح ذا كله؟؟
صالح بسكون: لا تسألين.. الشيء اللي يهمش.. ريحي بالش عرس ماني بمعرس..
نجلاء تحاول أن تتماسك بفشل: زين ما تبي تعرس.. بس تطلع وتخليني بدون ما تشرح لي.. زعلان علي.. خلاص اقعد خل نتفاهم..
ولا تكلمني وأنت معطيني ظهرك .. لذا الدرجة ما تبي تشوفني
صالح لا مقاومة فعلية لديه.. يعرف نفسه.. لا يستطيع مقاومتها.. لذا كان يكلمها دون أن ينظر لها..
تعب من كل هذا.. لابد أن يجد له حلا جذريا..
لذا هتف بهدوء: بنتفاهم بس مهوب الحين.. أنتي يانجلا تبين لش وقت تفكرين زين.. وأنا بعد..
نجلاء باختناق: زين والتسع الشهور اللي فاتت ما كفتك تفكر
صالح بنبرة مقصودة: والله أنا كفتني وزود عن الزود لين طلعت روحي.. بس أنتي ما كفتش.. تبين لش زود..
حينها انصدم صالح بذراعيها الرقيقين تطوقان خصره من الخلف وهي تدفن وجهها في ظهره وتهمس باختناق:
والله العظيم كفتني..وكفتني.. وكفتني... تكفى صالح لا تروح
صالح شعر أن كهرباء لاسعة صعقت سلسلة ظهره بشكل صادم..ناسف..
رغم أنهما زوجان منذ سنوات.. لكن على الدوم كان يشعر أن كل لمسة لها هي لمسته الأولى لشدة ولعه الغير طبيعي بها..
الولع الذي كانت هي غير حريصة عليه..وجعلته في حالات كثيرة يفقد توازنه..
لا يبرئ نفسه من خطئه الذي لا يغتفر في حقها.. ولكنه لا يبرئها من عجزها عن مد حبل التواصل والتفاهم بينهما كما يجب
ولكنه رجل عاشق.. عاشق كما لم يعشق رجل من قبل!!
فكيف يستطيع التوفيق بين مايريده الآن حالا.. ومايريده دائما؟!!
الآن يشعر أنه سينهار وهو يشعر بدفء أنفاسها في منتصف ظهره.. يريد أن يلقي بكل مافي يديه ويستدير ليحتضنها ويشعر بأنفاسها هذه قريبا من قلبه
هذا ما يريده الآن وحالا !!..
وكان سينفذ فعلا.. لولا هاتفه الذي رن بإصرار وأخذه من عالمه الخاص هو وإياها..
حينها هي أفلتته وتأخرت.. وهو وضع حقيبته وتناول الهاتف... كان فهد يستعجله أن يأتي لأخذه من بيت أبو عبدالرحمن
صالح تنهد وهو يسب فهدا في داخله الذي اتصل في وقت غير مناسب.. وفي ذات الوقت يشكره على اتصاله في الوقت المناسب..
لم يكن يريد أن ينهار هكذا من محاولتها الأولى.. حينها ستعلم أنها عادت لموقع القوة والسيطرة عليه!!
صالح غادرها.. بينما هي تراجعت لتجلس على السرير
وهي تلكم المخدات بغيظ
(ماراح أبكي.. ماراح أبكي..
النذل أقول له أقعد ويطنشني.
أنا يسوي فيني كذا
يبي يخليني أفكر قال.. وإلا يبي يطفش مني ويلاقي له سبب؟؟
ماراح أبكي عشانه..
كفاني الدموع اللي صبيتها عشانه الأيام اللي فاتت وهو ما يستاهل
ما يستاهل.. ما يستاهل دموعي
مستحيل أبكي عشانه مرة ثانية
مستحيل)
كانت تصرخ في داخلها بحرقة دون أن تشعر بسيول عارمة من الدموع كانت تنسكب على خديها تزامنا مع صرخاتها أنه لا يستحق دموعها
وأنها لن تبكي أبدا أبدا من أجله!!
***************************
طرق الباب بخفة.. فتح الباب ليعبر صالة والده التي كانت تغرق في أضواء خافتة
ثم مد رأسه لداخل غرفة النوم بحذر خشية أن يكون نائما
"تعال يأبيك!!"
زايد أغلق كتابا كان يقرأ فيه حين رأى رأس علي يطل عليه.. علي ابتسم وهو يتقدم: أزعجتك؟؟
زايد أعتدل جالسا: لا يأبيك.. كنت أقرأ بس..
علي جلس جواره وهتف بابتسامة: عاد عندك وقت تقرأ يبه؟؟
زايد ابتسم: لكل شيء وقته يأبيك..
علي بمودة: ماشاء الله عليك يبه..
تبادلا الحوار العام لعدة دقائق هتف بعدها علي باحترام: يبه ترا أبي أسوي عشا لربعي في المنصب الجديد.. وأبي أسويه في المزرعة..
زايد بحزم: تشاور في حلالك؟؟
ابتسم علي: لا جعلني فداك.. بس أبي أشوف الوقت اللي يناسبك.. كلهم يبون يتعرفون عليك..
زايد قطب جبينه: سوه ذا اليومين قدام عرس كساب.. لأني عقب العرس واعد مزون أوديها لبنت خالتها..
علي بشهامة تلقائية : تبي أكفيك كفيتك ووديتها أنا....
وحينها كما لو أنه ضُرب على رأسه وهو يستوعب ما الذي فعله.. يذهب هو بمزون هناك.. حيث هي وزوجها الذي فضلته عليه!!!
زايد بتلقائية: جعلني ما أبكيك.. أنا بروحي أبي أشوف جميلة..وأتطمن عليها.. وكنه ما لدني شغل ضروري أنا اللي باودي مزون بنفسي
وإن لدني شيء.. جعلني ما أبكيك وتكفيني دوم..
علي تنهد وهو يقف ويقبل رأس زايد وهو يغادر ويسب نفسه:
(يا شين اللقافة..
ليتني قعدت ساكت
يا الله ما يلده شغل ذاك الوقت يارب يا كريم)
********************************
تحتضنه وهو نائم.. ودموعها عجزت عن إيقافها.. ورعب متصاعد يتزايد في قلبها على صغيرها..
تضع يدها على جبينه وتنقلها لخده ثم تتحسس جسده.. وهي تكثر من قراءة الأذكار عليه
يستحيل أن يكون ماحدث له اليوم طبيعيا بأي صورة..
تخشى أن يكون ابنها أصيب بلوثة ما في عقله.. وأكثر ما تخشاه أنها هي سبب هذا اللوثة..
بل لا يوجد لها سبب سواها.. فهي من علقته بأب ميت.. بمجرد صور.. وهاهو الطفل بات يتخيل أن هناك أب فعلا له..
ما أثار جنونها وجعلها تبكي بلا توقف.. أنه الليلة بعد أن هدأ قليلا وهي تحاول معه أن ينام..
كانت تمدده على ذراعها لتحكي له حكاية قبل النوم كما اعتادا
ولكن حكاية ماقبل النوم اليوم كانت من نصيبها .. فحسن انثال يحدثها بحماسة عن والده..
ووالده فعل كذا وكذا.. حمله على ظهره.. ودار به.. ورفعه وجعله يلمس الإضاءة..
حينها بدأ وجهه يضيء .. ثم بدأ يضحك بهستيرية وهو يحكي لها بسعادة طفولية غامرة ماذا فعل والده..
ومع كل حكاية يحكيها كانت جوزاء تختنق وتختنق ودموعها تنسكب وتنسكب..
( الولد استخف.. استخف وأنا السبب..
ياربي ماعندي غير ذا الولد
لا تعاقبني فيه.. أرجوك يارب..
سوو اللي تبي فيني بس ولدي لا.. ولدي لا)
جوزاء كانت تحاول أن تتمسك بخيط أمل أخير وهي تمنع نفسها أن تشهق وهي تسأل حسن:
حسن حبيبي من اللي لاعبك اليوم.. بابا صالح.. وإلا بابا فهد..؟؟
رغم أنها تعلم أن حسن لا ينادي أي أحد بابا.. ولكن كان لديها أملا ما.. أن هذا الأمر تغير الليلة.. وأن من يحكي عنه هو واحد منهما
لذا انهارت مقاومتها تماما وهو يجيبها: ثالح وفهد مو بابا.. ما أحب فهد.. عثانه ماخلاني أروح مع بابا
جوزاء بدأت تشهق وهي تهمس له: حبيبي بسم الله عليك.. أنت ماعندك الحين بابا.. بعدين بيصير عندك بابا امهاب..
حسن يعبث بأزرار بيجامتها وهو يولي وجهه ناحيتها: هاب مو بابا بعد.. أنا عندي بابا حقي بلوحي.. بابا عدالله
حينها فعلا انفجرت جوزاء في شهقات حارقة.. واسم عبدالله يبعث قشعريرة مرارة في كل خلايا جسدها..
حسن يعرف فعلا أن اسم والده هو عبدالله..ويعرف فقط أن عبدالله هو من يراه في الصور
فمن أين أتى بعبدالله هذا هذه الليلة؟؟
( الولد استخف
يا الله العفو واللطف منك
يا الله لا تفجعني.. لا تفجعني
ممكن أستحمل أي شيء في الدنيا إلا شيء يلحق ولدي
يا الله لا تفجعني فيه)
مازال لديها أمل وحيد أن ابنها فعلا هناك من لاعبه في بيت أهل والده.. والولد يحكي عنه..
تريد أي شيء يطمئنها أن ابنها بخير وطبيعي.. رغم أنها بدأت تشك في ذلك..
لا تستطيع الانتظار للغد .. فماذا تفعل؟؟ ماذا تفعل؟؟
******************************
"قل لي وش مخططاتك الحين؟؟ "
عبدالله ينظر لصالح الذي يجلس متربعا فوق السرير ويهتف بسكون: تدري المخططات تضاربت في رأسي..
أنتظر بلهفة شوفتي لهلي.. بس لين ذاك الوقت فيه شوي إجراءات لازم نخلصها
بكرة أبي أروح أنا وأنت للمحكمة عشان نثبت أني عادني حي..
وأبي أشوف لي طريقة أرجع شغلي.. ما تعودت أقعد بطالي..
ابتسم صالح: لا تخاف.. الحين هنا اللي يعرف انجليزي هو اللي مأكل الجو في الوظايف...
وأنت أول تعرف انجليزي زين.. والحين عقب ذا السنين كلها في أمريكا ومنقطع عن الرجعة والعرب.. أكيد صرت تحكي مثلهم..
حتى لو مارجعت وظيفتك القديمة... أنا ضامن لك وظيفة أحسن..
عبدالله بسكون: الله يكتب الخير.. رأسي مختبص.. وأبي أبدأ أنضم حياتي
ثم أردف وكأنه يتذكر شيئا : إلا أنت وش اللي مقعدك لين الحين هنا؟؟
حتى فهد وهزاع راحوا عشان مايحس هلي بشيء
صالح ينظر لعبدالله الذي يخلع ملابسه بينما هو تمدد على السرير ويرد عليه بابتسامة:
وين تبيني أروح.. هذا أنا جبت ثياب لي ولك.. وقاعد عندك
مثل ما اتفقنا من يوم حن في امريكا
عبدالله يرد بابتسامة مشابهة: لا طال عمرك ما اتفقنا.. أنت قلت وما خذت رأيي
وبعدين استح على وجهك.. لا تكون خايف علي وتبي تحرسني
ثم أردف وابتسامته تتسع: وإلا لا تكون خايف علي أسرق بيتك؟؟
قوم روح .. لا تدعي علينا أم خالد..
صالح يضحك: وأنت وش عليك.. أنا أصلا أبي أم خالد تشتاق لي..
عبدالله يغمز له: والله أخبرك أنت اللي على طول مشتاق ومتولع.. وإلا لا تكون راحت على بنت العم..
صالح باستنكار عفوي: الله لا يقوله.. تروح على العالم كله ولا تروح عليها..
عبدالله يضحك وهو يجلس جواره: إيه هذا صالح اللي أعرفه.. بنت العم كفو.. عارفة تمسكك من حلقك مضبوط
صالح يبتسم: الشرهة علي اللي كنت أئتمنك على كل شيء.. تعلق علي بعد!!
عبدالله يتنهد ثم يرد بنبرة شفافة: تدري يا صالح أحس من كثر ما كنت أعلق عليك قبل ما أتزوج أنا.. إنه ربي حافاني بحال أردأ من حالك
وش رجّال يحس روحه معلقة في يدين مره.. إن بغت خنقت قلبك بدون تفكير..
صالح بنبرة مقصودة: أنا وأنت عارفين اللي خانقة قلبي.. بس أنت شيء جديد.. وش ذا البلوة اللي ابتلى بها عيال خالد آل ليث.. بلعون أن ابي ربانا على قوة الباس.. بس ماعلمنا يوم يصير غريمك قلبك وش تسوي
قبل أن يرد عبدالله على صالح قاطعهما رنة رسالة وصلت صالح..
وفتحها صالح بلهفة ظنا منه أنها من خانقة قلبه.. لكنه تفاجأ بشدة أنها من شخص آخر:
" سامحني يابو خالد
أدري والله مهوب وقت مكالمة
بس أنا بأموت من الروعة ومحاتاة ولدي
تكفى كلمني وأبي أم خالد تكون موجودة وتسمع
ولدي الليلة مستحيل يكون طبيعي
أبي أسمع منك شيء يطمني عليه
تكفى طالبتك "
صالح أزاح الهاتف عن مدى بصره ثم ألتفت لعبدالله وهتف باستغراب:
مسج من أم حسن تبيني أكلمها..
حينها ورغما عنه اشتعلت غيرته لاهبة محرقة وهو يصر على أسنانه:
وأم حسن متعودة ترسل لك مسج ذا الحزة وتطلب أنك تكلمها؟؟
صالح ضرب عبدالله على صدره بالهاتف الذي ألقاه عليه بعنف وهو يرد عليه بغضب:
تخسى أنت ووجهك.. وتكرم أم حسن.. صدق أنك مستخف..
هاك اقرأ مسجها
عبدالله رفع المسج وقرأه ثم هتف لصالح وهو يمسح وجهه ويستعيذ من الشيطان:
سامحني يأخيك.. بس لو أنا قلت لك إن أم خالد أرسلت لي مسج ذا الحزة
وش كانت ردة فعلك؟؟
صالح بغضب: كان ردت فعلي أعبر منك وأقوى... بس أم خالد مرتي..
عبدالله رد بغضب مشابه: وأم حسن مــرتــ
عبدالله بتر عبارته وألم الحقيقة يجفف الكلمات على لسانه.. بينما صالح تركه غارقا في أفكاره وتناول الهاتف ليتصل بجوزاء.
حينها عبدالله هتف له بحزم: مادام الموضوع يخص ولدي.. من حقي أسمع.. حطه على السبيكر..
جوزاء التي كانت تنتظر اتصال صالح بقلق عارم ردت فورا بحرج خانق: هلا بوخالد.. أرجوك سامحني على الإزعاج
صوتها.. السحر الخالد الذي ما انفك رصده عنه يوما.. انسكب في روحه العطشى لنبراتها التي ارتفعت لتحلق في أثير الغرفة التي يجلس فيها
وكأن همساتها تحلق به هو على موجاتها التي آسرت روحه للأبد
صوتها هو ذاته لم يتغير.. فقط أكثر نضجا وتأثيرا !!
صالح رد عليها باريحية: مابه ازعاج يام حسن .. آمريني؟؟
جوزاء حينها سألت باختناق: أنتو كان عندكم حد اليوم غريب لاعب حسن وشاله.. تكفى جاوبني
حينها شعر عبدالله أن عرقه سيتصبب.. كما لو أن لحظة الحقيقة حانت واقتربت.. وأكثر ما يخشاه تأثير عودته عليها
صالح بحذر: ليه تسألين ؟؟
حينها اختنق صوتها بالعبرات: يابو خالد الولد الليلة مهوب طبيعي..
أول شي ساعتين يبكي يبي أبيه.. وعقب قبل ينام يسولف لي عنه سوالف وش كثر إنه شاله وأنه لاعبه..
ثم حينها انفجرت في البكاء: والمشكلة إنه يقول بابا عبدالله... وهو يعرف شكل عبدالله عدل من صوره.. فأشلون يقول إنه شاف ابيه الليلة
الولد استخف يابو خالد.. استخف..
كان صالح على وشك أن يرد عليها لولا الطرف الثالث الذي أذابته شهقاتها والذي انتزع الهاتف من صالح وأغلق السماعة لينسكب صوتها وأنينها وأنفاسها في أذنه هو فقط
وهو يهمس لها بحنان ذائب لا مثيل له: تكفين يأم حسن لا تبكين.. حسن مافيه الا العافية..حسن شاف ابيه صدق.. شافني جعل يومي قبل يومه..
جوزاء شهقت بعنف جازع وهي تلقي الهاتف من يدها كما لو كان الهاتف شظية من نار أحرقت يدها..
ثم تتراجع لتلصق ظهرها بظهر السرير.. ثم تنتزع ولدها النائم جوارها وتضعه في حضنها وتضمه لصدرها بكل قوة وهي ترتجف
وصور سوداء مرعبة لذكريات قاسية تعبر روحها الجازعة.. وأنفاسها تضيق وتضيق:
كابوس هذا مجرد كابوس.. أنا أحلم بكابوس.. عبدالله مات وشبع موت .. مستحيل يرجع.. مستحيل يرجع عشان يعذبني مرة ثانية
كانت تشد على ولدها الصغير في حضنها وارتجافها يتزايد وهي تكلم نفسها وكلماتها تتبعثر برعب متوحش:
أتخيل.. أتخيل.. كابوس هذا.. عبدالله مات.. مات.. الميت مايرجع
ظلت على هذا الحال لمدة خمس دقائق كأنها خمس سنوات لثقل ووطأة ماشعرت به من مرارة وقسوة على روحها..
شعرت كما لو أن جبلا هائلا أطبق على قفصها الصدري وهي ترزح تم أغلاله..
كانت تشد على حسن الصغير ورأسها يميل للأمام والخلف مع جسدها كاملا الذي يتأرجح كعقرب ساعة تروح وتأتي
تشعر بسعير حارق يعبر جسدها محرقا لاهبا وكأنه يذيب خلاياها لشدة ماشعرت من الوجع والحرقة..
وكأنها حُشرت بين عقارب الساعة التي تنهش لحمها في كل حركة.. بين ثانية وأخرى ودقيقة وأخرى..
الصور كلها تداخلت والخيالات والأزمنة والذكريات والآلام..
" أ لم يكفه مافعله بي حتى وهو ميت حتى يعود من الموت..؟؟
أ لم يكفه أني مازلت حتى الآن عاجزة عن نسيان مافعله بي حتى يأتي ليفعل المزيد؟؟
أ لم يكفه أنني بسببه خيال أنثى.. ومحض وجيعة.. وبقايا إنسان؟؟
أ لم يكفه أنني بسببه مجرد شيء هلامي مضغته الآلام.. ثم لفظه رحم الوجع؟؟
أ لم يكفه أنه حولني لمسخ .. زاده التجريح والحقد والرغبة في الانتقام من كل شيء؟؟
ثم بعد ذلك كله.. حينما بدأت أفكر أن أنسى كل ذلك.. أن أبدأ حياة جديدة
يعود في هذا الوقت بالتحديد.. وكأنه علم أنني أفكر أن أتجاوز سجنه لروحي في قفص ظلمه..
عاد ليعلن رفضه لتحرر روحي.. عاد ليخبرني أنه لا فكاك لي من سجنه..
وأنني سأبقى للأبد أسيرة لجرحه وظلمه وقسوته...
من أجل أن يستمر في ذبحي.. هو مستعد للعودة من الموت حتى!! "
كانت تفكر بكل هذا وهي مستمرة في حركتها الدورية ذهابا وإيابا..
وجهها يحتقن وعيونها تسيل وأنفها يسيل وهي تمسح وجهها دون أن تشعر بطرف كمها في حركة يائسة..
وهي على هذا الحال فوجئت بعدها بدخول عبدالرحمن الفجائي عليها الذي كان يبدو كما لو كان أوقظ من نومه.. وجهه محتقن وأنفاسه تعلو وتهبط..
عبدالرحمن جلس جوارها ووضع يده على رأسها وهمس لها باختناق: اذكري الله.. ألا بذكر الله تطمئن القلوب..
وإذا كان عبدالله حي.. هذي حكمة رب العالمين وحكمه
جوزاء حينها انفجرت ببكاء خافت وهي تضع جبينها على كتف عبدالرحمن وصغيرها النائم في حضنها بينهما:
تكفى عبدالرحمن قل لي إنه كابوس.. كابوس.. الميتين مايرجعون مايرجعون
ما أبيه يرجع.. ما أبيه يرجع.. صح هذا حلم حلم
عبدالله مات من سنين.. أشلون يرجع..
عبدالرحمن تناول حسن من حضنها.. تشبثت به.. خلصه عبدالرحمن من بين يديها ووضعه على السرير...
وهو يهمس لها بحنان عميق: لا تخافين على حسن مستحيل حد يأخذه منش.. لا عبدالله ولا غيره..
جوزاء ارتمت في حضنه وهي تشهق: هو بيأخذه.. رجع من الموت عشان يأخذه مني..
ماشفت أشلون الولد تعلق فيه من ساعات بس.. أشلون عقب أيام
حتى أنا يمكن ما يبيني...
عبدالرحمن يحتضنها وهو يربت على ظهرها ويهدهدها: لا تصيرين خبلة.. مافيه حد عند البزر مثل أمه..
جوزاء مستمرة في بكاءها الهستيري: عمري ماشفت منه الا البلاوي.. وهذا هو راجع يكمل على اللي باقي مني..
يبي يأخذ ولدي.. بيأخذ ولدي مني.. أدري إن هذا اللي بيسويه..
ماباقي شيء محسسني إني عايشة وأني إنسانة غير حسن.. عشان كذا يبي يحرمني منه..
جوزاء عاودت انتزاع حسن من جوارها وضمه لصدرها وهي تصرخ بهستيرية وتنفجر في شكل لم يحدث لها أبدا من قبل:
ماحد بماخذ ولدي مني.. ماحد بماخذه مني..
عبدالله أنا أكرهك.. أكرهك.. مستحيل أخليك تأخذ ولدي.. هذا ولدي بروحي.. متى عرفته أنت؟؟ جاي الحين تبي تاخذه على الجاهز؟؟
أكرهك.. أكرهك.. أكرهك..
حسن صحا من نومه وبدا يبكي.. عبدالرحمن يحاول تهدئتها أو أخذ حسن منها دون أن يفلح...
وصراخها يتزايد مع تزايد تشجنات جسدها وهي مازالت متشبثة بحسن الذي زاد بكاءه
توجه عبدالرحمن بسرعة لإيقاظ شعاع... وطلب منها أن تبقى معها حتى يحضر أي طبيب..
فجوزا بدت مستثارة بشكل غير طبيعي أبدا.. ولابد من حقنها بمهدئ..
وفوجئ حينها بوالدته تحاول أن تفتح الباب وهي تترنح لأن قدميها أصابهما الخدر حين صحت برعب على صرخات جوزاء
سارع لها ليسندها ليجدها ترتعش والكلمات جافة على لسانها: أختك وش فيها؟؟ أختك وش فيها؟؟
عبدالرحمن باختناق لجزعه على أمه أيضا: والله العظيم مافيها شيء.. متروعة عشان رجالها الأولي طلع حي
تكفين يمه أبيش قوية.. كفاية جوزا.. أبيش تهدينها..
تكفين عاد كله ولا أنتي..
.
.
في ذات الوقت
عبدالله كان يروح ويأتي: تكفى صالح كلم عبدالرحمن تطمن عليها.. تكفى يأخيك..
صالح بحزم: عبدالله مالنا طريقة على أخت الرجال.. خلاص كلمته وعلمته باللي صار عشان يروح لها.. وأكثر من كذا ما أقدر..
عبدالله بيأس: صالح تكفى.. أنت ماسمعت شهقتها في التلفون.. حسيت كن روحها طلعت..
صالح بنبرة مقصودة: عبدالله اهتمامك بها مهوب طبيعي أبد.. شوف وجهك.. حاس أنك لو تقدر تروح بنفسك كان رحت
عبدالله بألم: صالح تكفى لا تنبشني.. المرة حتى مهوب حلال لي أفكر فيها.. وأنا ماني بقادر أطلعها من رأسي.. اللهم أني استغفرك وأتوب إليك
خلني الحين أقول إنه روعة على أم ولدي.. تكفى كلم عبدالرحمن..
صالح تنهد وهو يتناول هاتفه ويتصل رغم شعوره العميق بالحرج: هلا أبو فاضل.. آسف على الإزعاج.. بس نبي نتطمن على أم حسن
..............................
صالح بصدمة: ويش؟؟ أنت طالع تجيب دكتور؟؟ لذا الدرجة تعبانة
.............................
صالح بحرج أشد: والله مالنا وجه منك يابو فاضل.. ماكنت أبي أصدمها كذا.. بس هي اللي لزمت تعرف من اللي كان حسن يقول إنه بابا وكانت متروعة عليه
ما قدرت أدس عليها موضوع مثل ذا يوم شفت روعتها.. عسى بس أبو عبدالرحمن ما زعل علينا من روعة تالي الليل ذي؟؟
..........................
صالح ينهي الاتصال: الله يكبر قدرك.. تكفى طمنا على أم حسن..
صالح التفت لعبدالله الذي كان وجهه مخطوف اللون وهو يهمس كأنه يكلم نفسه: لذا الدرجة تعبانة..؟؟
صالح يتنهد: منهارة شوي.. لا تلومها.. وعبدالرحمن راح يدور دكتور يضربها إبرة مهدئة..
وعلى الطاري ترا عبدالرحمن يتحمد لك السلامة... والله أنه ذوق ذا الرجال.. حتى روعته ما نسته..
وربك يحبك إن أبو عبدالرحمن مسافر توه الليلة.. وإلا يمكن كان سود عيشتك على ترويعك لبنته..تعرفه إذا عصب ما يتفاهم..
عبدالله تنهد وهو يدعك جانبي رأسه.. هذا الوضع الذي يعيشه لا يمكن أن يكون طبيعيا..
مازال يحاول أن يجد له مجرد أرض صلبة يقف عليها.. فإذا بكل الأرضيات هلامية.. رخوة..
والصدمات تتوالى عليه من كل جهة دون هوادة أو رحمة..
************************************
كان قد وصل إلى باب غرفته مع إحساس يقيني متزايد أنه لم يجدها
فتح الباب بحذر لتستقبله أولا الرائحة العذبة الكثيفة .. فتح الباب بحذر أكبر ليجد المفاجأة الصادمة في انتظاره..
هي هكذا..لا تعرف كيف يكون التلون أو كيف تتلون..
حين عادت للبيت كانت تخطر ببالها عشرات الأفكار لإصابة منصور بالجنون..ومعاتبته على خداعه لها بكذبة عدم قدرته على الإنجاب.. حتى تقلب الطاولة عليه قبل أن يغضب من حملها
ولكنها مع مرور اللحظات كانت كل الأفكار والخطط تتسرب أمام حقيقة واحدة..
سعادتها بحملها الذي حتى لا تستطيع تمثيل أنها غاضبة منه.. وان منصور لم يعد زوجها فقط ولكن والد طفلها..
حنان غامر شعرت به ناحية الاثنين: منصور وابنه.. وحتى غضبها منه يتبخر
ستتصرف كما تمليء عليها سريرتها النقية.. بما أنها سعيدة ستشعره بهذه السعادة وستشركه بها.. وإن كان فعلا يحبها كما يقول دائما فهو سيسعد حملها
وكما يقول شروط على البر غير عنها حينما تدخل البحر..
أما لو غضب من حملها فمعنى ذلك أنه يرفضها وحينها يستحيل أن تبقى معه..
أرادت أن يكون كل شيء واضحا أمامهما منذ البداية..
فهذا الملاك القادم لن يكون أبدا لعبة بينهما.. فهو يستحق الأفضل.. وإن كان والده لا يريده.. فهي تريده
ولن تكون هذه المرة الأولى التي تربي طفلا لوحدها... رغم أنها كانت في داخلها ترتجف من هذا الاحتمال وترفضه بكل أمنيات قلبها السعيد..
فهي تتمنى أن تتشارك مع منصور -الذي بدأ يستولي على روحها- في تربية هذا الصغير
كانت هذه هي أفكارها التي ملئت روحها وهي تستعد لاستقبال منصور استقبالا حافلا بحجم الخبر السعيد..
كانت تشعل الشمعة العطرية الأخيرة حين انفتح الباب.. ودخل منصور بخطواته الواثقة المعتادة..
وقف للحظات وهو ينظر للزاوية حيث الجلسة الصغيرة التي غرقت في أضواء الشموع المعطرة وروائحها.. وفي وسطها تقف الشمعة التي أنارت حياته المعتمة
كانت غاية في التألق والتأنق في فستان مشجر بتدرجات الأزرق وكأنها تستعد للذهاب إلى حفل كبير ما
ابتسم بشفافية وهو يلقي السلام ويتقدم ناحيتها.. يشبع عينيه نظرا لفتنتها فلا يرتوي..
رغم تفاجئه من كل هذا إلا أنه لم يرهق ذهنه بالتساؤل عن الأسباب.. فهو أصبح يعرف أن هذه المخلوقة العذبة قلبها لا يعرف أن يحمل أصرا أو غضبا.. ويكفيه هذا ليهتنئ به
ومن ناحية أخرى اطمئن أن خبر زيارته لجميلة لم يصلها بعد وإلا ماكانت لتستقبله هذا الاستقبال.. فهو يريد أن يكون من يخبرها بنفسه
عفراء استقبلته لتطوق عنقه بذراعيها وتهمس له برقة: نزل رأسك شوي زين
منصور انحنى قليلا لتلصق خدها بخده وتهمس في أذنه بدفء: اشتقت لك..
حينها غمر بشغف عميق وجهها بقبلاته.. ثم همس في أذنها بخفوت: وأنا اشتقت لش أكثر..
شدته عفراء من يده لتجلسه وهي تهمس برقة: اقعد تعشى وبعدين تأكل من كيكة السربرايز.. عندنا اليوم حدث سبيشل..
منصور يجلس وهو يطوق كتفيها بذراعه ويهمس بشجن: كل يوم معش هو عندي يوم سبيشل..
شأخبارش اليوم ياقلبي؟؟ وش سويتي في غيبتي؟؟
عفراء تسكب له كوبا من العصير: أبد اليوم كله مع مزون.. ثم أردفت بنبرة ذات مغزى: ثم ختمناه بمشوار ختامها مسك
منصور حينها قطب جبينه: إلا مزون ماردت على خطبة فهد..
عفراء تبتسم: تكفى منصور ما تزعل.. بس مزون ماوافقت عليه..
منصور حينها همس بغضب عاتب: أكيد وافقت على غانم عشان كساب.. وأنا مالي قدر عندها
عفراء قبلت يده التي ترتاح كتفها وهمست بابتسامة: حرام عليك.. ومارضت في غانم بعد.. ماحبت تزعل حد منكم..
كساب يوم بلغته يقول إنها مارضت بغانم عشانه من طرفه.. خفوا على البنية..
منصور يتنهد: والله أني أبي لها الزين.. فهد والله رجّال مثايله نادرين.. يُعتمد عليه صدق..
كان فيه عذروب السواقة والتسرع.. وإن شاء الله إنه انصلح وبينصلح حاله..
عفراء أسندت رأسها لكتفه واحتضت خصره بيد وهي تشد يده الحرة وتضعها على بطنها بيدها الأخرى..
تشعر بجيشان مشاعر عميق تود أن توصل له بعضا منه فقط..
تتمنى في هذه اللحظة لو استطاعت حتى أن تنفذ من بين أضلاعه لتختبئ بين جنبيه وتستكين بفرحتها الغامرة
همست له بنبرة مقصودة مثقلة بالعذوبة: تبي تكلم مزون بنفسك كلمها.. وبعدين الليلة حقي أنا وإياك بروحنا.. مانبي نتكلم في مشاكل غيرنا..
قل لي أنت وش أخبارك؟؟ وأشلون النفسية اليوم عشان أتشجع؟؟
قالتها وهي تشدد احتضان كفه على بطنها.. منصور تنهد وهو يجيبها بصراحته المعتادة وانشغاله بموضوع جميلة يعميه عن ملاحظة تلميحاتها البريئة:
أخباري إني توني راجع من أنسي.. من عند جميلة..
يعلم يقينا أنه استعجل في إخبارها الخبر وخصوصا أنه بإخبارها سيفسد هذا الجو الرائق بينهما الذي هو أكثر اشتياقا منها له..
لكنه على الناحية الأخرى يعلم أنها لو علمت حتى غدا صباحا ستعاتبه مرتين على ذهابه وعلى تأجيله إخبارها الخبر.. أو لو علمت من سواه..
كيف ستكون ردة فعلها... لذا قرر أن يكون هو من يخبرها وفورا حتى يتحكم في ردة الفعل من أولها..
تصلب جسدها بعنف.. وهي تبعد يده عن بطنها.. ثم تبتعد هي كليا عنه.. وتقف لتهمس بصوت مبحوح: وليه سويت كذا يا منصور؟؟
منصور بحزم: لأني حبيت أكون أنا اللي ابلغ جميلة عشان إذا رحت أنا وأياش تكون امتصت الصدمة وما تنفجر فيش..
وقبل ما تسيئين الظن فيني..ترا مقصدي اني بغيتها تكون في وجهي ولا في وجهش..
ارتعشت شفتا عفراء واختلجت أنفاسها: وأكيد جميلة عصبت.. واتهمتني أني رجعت هنا عشان أتزوج واخليها.. صح وإلا أنا غلطانة؟؟
منصور بحزم: هذا أنتي عارفة بنتش زين..
بتخلين دلعها وأنانيتها حاجز بيننا؟؟..
عفراء غرقت روحها في حزن شفاف شدها من قمة الجبل الذي كنت فيه إلى الحضيض:
يعني شفت دلعها وأنانيتها.. وماشفت أنانيتك أنت..؟؟
شفت دلعها وأنانيتها وماشفت مرضها..؟؟
يا ترا استمتعت بقهرها وبكاها ووجيعتها؟؟
عسى بس حسيت برجولتك وأنت رايح تقول لها ترا أمش خلتش وتزوجتني؟؟
يا عسى بس انبسطت بتضحيتك وأنت تضحي إن الخبر يكون في وجهك عشان تحميني من بنتي؟؟
عفراء صمتت لثوان ثم همست بجمود : تصبح على خير يا منصور.. والحمدلله على السلامة..
قالتها وهي تطفئ الشمعة الأولى بباطن كفها ثم تنتقل للشمعة الثانية قبل أن يمسك بها منصور الذي كان يقف مصدوما مذهولا من هجومها الناعم المدمر عليه ثم انتفض قبل تطفئ الثانية
أمسك بكفها وهو ينفخ في باطنها المحمر ويصرخ بغضب: أنتي صاحية وإلا مجنونة؟؟
عفراء جاوبته بذات الجمود: مجنونة من يوم وافقت أتزوج وأنا خلاص المفروض أقول كفاية علي أربي أحفادي
رغم وجيعته من كلماتها ولكنه شدها من يدها حتى أوقفها أمام التسريحة ثم فتح الجارور الأول ليستخرج مرهم الحرائق ثم أخذ بعضا منه ليمده في باطن يدها..
ولم يستطع حينها إلا أن يرفع يدها إلى شفتيه ليقبلها بحنين وحنان عميقين ويهمس لها: عفرا لا تخلين زعلش علي يعميش عن غلاش عندي
لم تمنعه ..لم تجيبه.. ولم تتجاوب معه..
حينما أفلتها.. اتجهت بصمت لغرفة التبديل
وفي الوقت الذي جلس هو على أقرب مقعد وشد له نفسا عميقا وهو يحاول أن يصفي تفكيره
كانت هي تنهار على أرضية غرفة التبديل وهي تضم ركبتيها لصدرها ودموعها تنساب بقهر وألم
وخيالها يصور لها عشرات الصور المؤلمة لاستقبال جميلة الخبر بينما هي لم تكن جوارها في هذه الصور.
من قال له أنها تريده أن يتلقى غضب جميلة بدلا عنها.. كيف يقرر هو نيابة عنها
بأي حق هو من يقرر حتى في ابنتها؟؟
كانت تريد أن تكون هي من تتلقى غضبها..إن كان تنفيسها عن غضبها فيها سيريحها..
كانت تريد أن تكون موجودة حتى تعلم كيف سيكون تلقي جميلة للخبر
لم تكن تريد أن تعاني جميلة بسببها وتكون هي غير موجودة
وقبل ذلك كله أرادت أن تراها قبل أن تعلم..
بكت بغزارة أكثر ووجيعتها تنهمر:
" كنت أبي أشوف الشوق في عيونها.. قبل ما تدري..
كنت أبي أستمتع بضمتها لصدري بدون زعل
كنت أبي أشبع من ريحتها قبل ماياخذها زعلها مني..
حتى ذا الأمنية سلبها مني!!
أشلون الحين لاشفتها وهي تشح بنظرة عينها علي؟؟
أشلون أجي اضمها لصدري وتصد عني؟؟
يعني عقب ماقلاني الشوق أجيها الاقيها زعلانة
وليتها على الزعل بس.. الله يستر على بنتي ما يتاثر علاجها..
ليه يا منصور؟؟ ليه تسوي فيني كذا؟؟"
بعد نصف ساعة مازالت معتصمة فيها بجلستها في غرفة الملابس.. قررت ختاما أن تنهض حتى تستحم..
ذهنها مشوش وعاجزة عن التفكير في شيء غير غضبها من منصور
سمعت طرقات منصور على الباب تلاها صوت منصور الحازم:
عفرا أنا طالع للمعسكر جايني استدعاء..
ردي علي عشان أتطمن عليش وأروح
عفراء لم تستطع أن ترد عليه مع اختناقها بعبراتها.. ارتفع صوته بجزم أكبر:
عفرا بتردين وإلا كسرت الباب..
حينها همست عفراء باختناق: خلاص.. سمعتك..
تنهد منصور وهو يشد قامته ويكف يده حتى لا يكسر الباب فعلا..وغضب كثيف على كل شيء يتصاعد في روحه
لا يعلم لماذا تعقد كل شيء هكذا؟؟
لماذا لا يستطيع اقتحام هذا الباب الهزيل الفاصل بينهما ليشدها ويدفنها بين حناياه حيث يجب أن تكون
وحيث يجب أن يكون مكانها الوحيد.. جواره.. وفي داخله.. وحوله
********************************
" ممكن أعرف ليه رفضتي غانم؟؟ عشانه من طرفي رفضتيه؟؟"
مزون انتفضت بجزع.. بلهفة.. لأول مرة منذ سنوات يوجه لها خطابا مباشرا بهذه الصورة..
دائما كان كل مابينهما سلاما باردا يلقيه صاعدا أو نازلا وكأنه يلقيه عليها تأففا وتفضلا
منذ أبلغته خالته منذ أكثر من ساعتين برفضها لغانم.. وعشرات الأفكار تمور في رأسه.. أولا قرر ألا يكلمها مطلقا أو حتى يلمح لها بالموضوع
فالأمر ختاما شأنها ولا يهمه.. ولكنه لم يستطع أن يقف على الحياد وهو يراها تضيع رجلا كغانم من يدها وبسببه.. لأنها تهمه مهما أخفى ذلك عن العالم كله.. ومصلحتها لديه في المقام الأول..
مزون أجابته بهمس وهي تنظر لكفيها: لو كنت بأوافق عليه.. كان وافقت عليه عشانه من طرفك وعشان أرضيك بس..
حينها هتف لها كساب بحزم صارم: وأنا ما أبيش توافقين عشاني.. أبيش توافقين عشان نفسش
أنا ما أدري لين متى قراراتش بتكون كلها تخبط في تخبط؟؟.. تدرين مزون مثل ماقررتي قرار غلط قبل 4 سنين وندمتي عليه ولا فادش الندم
رفضش لغانم قرار غلط وبتندمين عليه وقت مايفيدش الندم فيه..
حينها رفعت مزون نظرها إليه وهتفت بحزم: تدري يا كساب.. أنا ماراح أطلع منذ ذا البيت لين أنت ترضى علي..
أشلون أبدأ حياتي كزوجة وأم.. وأنا لحد الحين فاشلة أكون أخت..
خطوة تترتب على فشل بتكون خطوة فاشلة..
كساب حينها لم يجبها وهو يتجاوزها.. ويصعد للأعلى وغضبه من نفسه يتصاعد ويتصاعد
(حتى متى وأنا قلبي الأسود لا يعرف كيف يسامح أويغفر؟؟
يا الله كم اشتقت لطفولتها العذبة.. ابنتي التي لطالما هدهدتها بين ذراعي حتى تنام!!
يا الله تعبت من كل هذا!!
حتى أنا أتمنى أن أسامحها!! أتمنى ذلك أكثر منها بكثير!!
ولكن ماذا أفعل بهذا العقل الذي لا يتزحزح عن أفكاره وعناده الصوان؟؟
وماذا أفعل هذا القلب الذي جمع كل متناقضات العالم بين رغبة عارمة في التسامح وبين قسوة عجزت أجد لها حلا)
وصل لغرفته وغضبه من نفسه يتصاعد.. صلى قيامه وقرأ ورده.. هدأت روحه قليلا.. ولكنه ما أن تمدد لينام حتى عادت أفكاره تنهشه
كم آلمه ربطها لحياتها القادمة برضاه!!
(وإن كنت أنا عاجزا عن السماح
هل تدفنين حياتك في انتظار رضا قلبي الأسود؟؟
يا الله أفرجها من عندك!!)
كان سيقوم ليُجري بعض التمارين الرياضية علها تشغله عن التفكير وترهقه حتى ينام..
حينما وصلته رسالة من مشكلته الأخرى:
" لو سمحت ممكن تجاوب على سؤال محدد إجابة محددة
كم يوم بتكون رحلتنا عشان أعرف وش كثر أخذ معي ملابس؟؟ "
حينها عاود التمدد وهو يجد له شي يشغله عن الألم ليأخذه إلى عوالم الترقب المسلية..وهو يرسل لها رسالة:
" كلميني
وأقول لش "
وصله الرد:
" أنت عندك خلل في رأسك يخلي رأسك مايعرف يمشي سيده
خلاص شكرا ما أبي أعرف الجواب
بأخذ معي شناط وش كثر تغطي وتزيد
وأنت عاد الله يعينك على ثمن الشحن
أدري ما يهمك.. خلاص ادفع"
ابتسم وهو يهمس في داخله (خبلة ذا البنت) ثم أرسل لها:
" أنا قلت لش كلميني
شكلش في راسش نفس المشكلة اللي راسي
طلبت طلب محدد تنفيذنه تنفيذ محدد
ك ل م ي ن ي
فهمتي وإلا لا؟؟"
كاسرة على الطرف الآخر كانت هي أيضا تسترخي على سريرها وتهمس في داخلها بتهكم
(صدق إنك سخيف وشايف حالك على الفاضي!!
ليتني ما سألته.. ماصدق سواها سالفة يلزق بها)
أرسلت له :
" ومن قال أني أبي أسمع صوتك عشان أكلمك
يعني عشان أنت مافيك صبر خمس أيام بس ماصدقت تلقى سالفة تلزق فيها؟؟"
كساب حينما تلقى ردها ضحك (ياحليلها.. تحسب إنها أحرجتني وأني بأموت من الحرج الحين
قلت لها قبل إنها ما تعرف تتكلم على قدها)
كساب ابتسم بخبث وهو يرسل لها :
" ومن قال لش فيني أصبر خمس ساعات
عشان أصبر خمس أيام؟؟
كلميني!!"
حينما وصلت الرسالة لكاسرة اعتدلت جالسة ووجهها يتفجر احمرارا رغما عنها
(النذل يبي يسكتني للمرة الثانية!!
لا والله إنها ما تصير)
أرسلت له وهي لا تكاد ترى الشاشة لشدة خجلها لكن لا يمكن أن تسمح له أن يمسك بيدها التي تؤلمها.. حينها سيتمادى أكثر:
" مافيك صبر؟؟
أنت كلمني!!"
حين وصل ردها لكساب انفجر ضاحكا (والله أنش خطيرة... ملعوبة يا بنت
بس أنتي تلعبين مع كسّاب مهوب مع اي حد!!)
تناول هاتفه ليرسل لها رسالته الأخيرة:
" تدرين؟؟ أجلي المكالمة بعدين
نعسان وأبي أنام
إيه.. وقبل أنسى
سفرتنا مدتها أسبوعين بالضبط..
شنطة وحدة زيادة أنتي اللي بتدفعين شحنها!!"
كاسرة ألقت هاتفها جوارها بعنف وغيظها منه يتصاعد
(نذل ووقح...زين يا كساب إن ماطلعت ذا كله من عينك ما أكون بنت ناصر
زين كلها مردودة)
*************************************
" أنت وش مقعدك عندي.. قوم روح لشقتك"
خليفة ينظر لجميلة بنصف عين : والله أنتي اللي حاكمة علي كل ليلة أبات عندج اش معنى الليلة أروح لشقتي؟؟
جميلة بغيظ: ما أبيك تبات عندي لا الليلة ولا كل ليلة عقبها.. لأني خلاص الحين زينة.. ومانيب في حاجة حد..
خليفة لم يرد عليها وهو ينظر لوجهها الذي تورم لكثرة ما بكت اليوم
فهي منذ مغادرة منصور لم تتوقف عن البكاء الصامت حينا.. والنحيبي حينا آخر
وبين كل فترة وأخرى تطلق عتابها القارص حينها له وأحيانا أكثر لوالدتها
وهي تصور نفسها ضحية لجريمة نكراء اتفق الاثنان على ارتكابها فيها
ومنذ أكثر من ساعتين صمتت عن البكاء وهي تغرق في صمت غريب ختمه طلبها منه أن يغادر..
كم تثير هذه الفتاة حيرته.. بقدر ماهي مدللة وهشة وبكاءة إلا أنه يشعر أن بداخلها قوة عجز عن تفسيرها
خليفة وقف.. حينها همست هي بغيظ أشد: ما صدقت أقول لك عشان تخلص مني... كلكم ما تبوني.. ماحد يبيني..
خليفة يريد أن يضحك فعلا.. لكنه يعلم أنه إن ضحك فأنها ستغضب غضبا عارما هتف لها بنبرة حاول ان تكون طبيعية:
يا الدلوعة ما راح أروح مكان.. راد أنام عندج.. بس أبي أودي هدية عمج لأمانات المصحة.. أخاف أنام تنسرق..
جميلة بغيظ: خلها تنسرق..من زينه هو وهديته.. ولا تقول عمي..
خليفة يبتسم: الريال متخسر وايد في هديتج وأنتي بصراحة ما تستاهلين..
حتى قولت عمي ما تبين تقولينها له.. لو ياي يده فاضية وايد أبرك له.. ليش الخساير
جميلة بغيظ: أنا ما أستاهل خليفة.. أنا؟؟
روح فارق.. ود هديته الخايسة مثله
قطها في الزبالة...ولا ترجع ما أبي أشوف وجهك الليلة.. ولا حتى بكرة..
خليفة ضحك: تدرين أحسن شيء أدور لي ممرضة حلوة أعطيها الهدية.. خلها تحلل الساعة في يدها الحلوة
جميلة بدأت تصرخ بغيظ متزايد: أقول لك فارق.. فارق..
خليفة ماعاد يأثر فيه جنونه وثوراتها.. ابتسم: يا الله رايح شوي وراجع.. بأدور كاترين هي اللي تستاهلها..
بينما صرخاتها ترتفع خلفه: دب.. وما أحبك.. وخلك عند كاترين لا أشوف وجهك توطوط عندي
خليفة غادر بينما عادت هي لبكاء خافت محترق وعميق..
(لماذا هم عاجزين عن فهمي هكذا؟؟
مدللة.. عنيدة.. وأنانية
كلمات تقال أمامي ومن وراء ظهري
كلمات يلقون بها ذنوبهم على كاهلي ليتخلصوا من عبئها وأتحملها أنا
والآن يريدني غيورة.. يريد أن يشعر برجولته مع شبح أنثى وفي هذه الليلة التعيسة بالذات
أحاول أن أتماسك.. بينما روحي تذوب ألما
الليلة أنا موجوعة أكثر حتى مما أستطيع أن أحتمل
أعلم أنه من حقها أن تتزوج.. لست طفلة
ولكنني طفلتها هي.. وأحتاجها.. ألم تستطع أن تنتظر لأشهر فقط حتى أتحسن
أعلم أني من رفضت بداية أن تكون جواري.. أخطئت.. كل البشر يخطئون
فهل تعاقبني على خطيئتي بهذه الطريقة؟؟
العقاب على قدر الخطيئة وليس أضعافا مضاعفة هكذا
أعلم أنني أخطئت وأخطئ وسأخطئ..
ولكن أ في كل مرة لم ولن تكن هي جواري لتوجهني؟؟
حزينة أنا ولا أجد صدرا أنثر عليه بعض دموع حزني..
أعلم أنه يحاول.. ولكني مازلت أشعر أنني لا أنتمي إليه وبكائي على صدره لن يكون راحتي!!)
***********************************
صباح جديد
مختلف عن كل صباح..
قلوب أنضجها الوجد.. وقلوب أنضجها الرعب
آمال تتجدد.. وذكريات ترفض الانزياح
.
.
.
" صبحش الله بالخير..
وين أمي؟؟"
عالية ترفع بصرها لفهد الذي يغلق الزر الأخير في بدلته العسكرية حول عنقه وتهمس بابتسامة: ماني بتارسة عينك..
هذا أنا قايمة من صباح الله خير أمسك موقع امي الاستراتيجي
فهد يجلس بينما هي تصب له فنجانا من القهوة ويهمس بقلق: لا بس مهوب عوايد أمي.. لا تكون تعبانة..
عالية بمودة: بسم الله عليها... بس بنت جيراننا ولدت البارحة.. وأمك لزمت إنها تودي لهم ريوق في المستشفى من بدري..
فهد ينظر لساعته ويبتسم: الساعة ست ونص الصبح.. مغثة ذا مهوب ريوق..
عالية ترقص حاجبيها: لو دارية أنها مغثة كان أنا اللي وديته..
بعد تبادل سريع للتعليق والحكايات وفهد يتناول إفطاره.. هتف بنبرة مقصودة:
تدرين عالية.. البارحة طول الليل أتحلم بعبدالله..
عالية ردت عليه بشجن: جعل قبره برايد عليه أبو حسن.. لازم تطلع صدقة له..
فهد بذات النبرة المقصودة: إن شاء الله.. تدرين في الحلم أشوفه راجع لنا.. وكني في الحلم أقول له أنت ما متت ياعبدالله..
يقول لي لا.. أنتو شفتو لي جثة عشان تقولون أني متت..
عالية رغما عنها انتفضت وهمست بضيق: وش ذا الحلم الغريب..
تكفى فهد أنتظر دقيقة أنا بأقوم أجيب فلوس من عندي.. أبيك تطلع له صدقة عني بعد.. أبو حسن خيره سابق دايما..
.
.
بعد ثلاث ساعات.. هزاع ينزل.. يجد عالية أيضا تجلس مكان والدتها التي عادت ولكنها في غرفتها صلت ضحاها..ثم قررت أن تتمدد
هزاع ينحني عليها ويسلم مقبلا رأسها: حيا الله أختي العجوز..
عالية تبتسم: عجزوا عدوينك قول آمين..حاط أخواني شيبان... وأنا عجوز يا النونو..
لا تكون مرة تقول أختي العجوز عند عبدالرحمن سويتك شاورما
هزاع يرقص حاجبيه: لا عند عبدالرحمن أقول أختي الخبلة عقلها باقي له ربع برج ويطير..
عالية تهدده أن ترشه بالماء وهي تهمس بتهديد مرح: أفطر ثم قم وانت ساكت لا أسبحك وأخرب كشختك.. تقول رايح تخطب..
الا تعال على وين إن شاء الله؟؟
هزاع يدعي الجدية: أبي أقدم على فيزا أبي أروح لأمريكا.. بس لا تقولين لأحد..
حينها همست عالية بقلق: من جدك؟؟ وش فيكم على أمريكا؟؟ صالح توه راجع البارحة وأنت تبي تروح اليوم.. وش السالفة؟؟
هزاع بنبرة سرية: أبي أشوف قبر عبدالله بعيني.. ما أدري ليه تطري لي طواري عقب سالفة صارت لخويي..
عالية تصاعد توترها: أي سالفة؟؟
هزاع بنبرة خافتة: خويي ولد عمه متوفي قد له عشر سنين في ديرة ثانية.. وقالوا انه اندفن هناك.. وتخيلي ولد عمه رجع لهم قبل كم يوم مافيه الا العافية
حينها كانت عالية تمد لهزاع كوبا من الكرك.. انتفضت حينها يدها وانسكب على يدها السائل الساخن..
وضعت يدها في ماء الفناجين أمامها وهي تشهق برعب: من جدك؟؟
هزاع مستمر في تمثيليته: إيه من جدي.. وولد عمه زعلان على هله.. يقول أنتو شفتو جثتي والا قبري.. والا حد منكم راح يدور لي..
ماصدقتوا جاكم خبر اني ميت عشان تصدقون وتنسوني...
عالية حينها شعرت بقشعريرة باردة مرت عبر كل فقرات ظهرها: معقولة ياربي..
بس من جدك أنت تفكر أنه ممكن عبدالله...........
لم تستطع حتى إكمال عبارتها التي اختنقت بها.. حينها بالفعل تناولت كوبا مملوءا بالماء ورشته على هزاع بغضب..
هزاع شهق بعنف وهو ينظر لملابسه ووجهه الغارقين بالماء.. صرخ بغضب عارم وهو يعتصر كفيه:
والله لو أنش منتي بالكبيرة يا الدبش.. إن قد أكوفنش اليوم ولا يفكش من يدي حد..
حينها صرخت عالية بغضب أشد: أجل هذا كلام تقوله لي.. إياني وإياك تقول ذا التفكير الغبي عند أمي.. تبي تخبل فينا يا الخبل..
رغم غضب هزاع الشديد منها إلا أنه قرر أن يضبط أعصابه وهو يتناول كمية كبيرة من علبة المناديل أمامه ويمسح وجهه وعنقه بها ويهتف من بين أسنانه:
الشرهة عي اللي حبيت أشركش في أفكاري يا المتخلفة..
والله لو فيه أمل واحد في المليون إن عبدالله حي إني ما أفوته من يدي
والله إذا أنتي تبينه ميت.. هذا شيء راجع لش.. لكن واحد ماشفنا جثته ولا حتى ندري وين قبره بالضبط ولا عمر حد منا راح يشوف القبر
وشيدريش إنه ميت صدق.. شيدرينا مايكون شيء لده هناك .. وينتظر حد منا يساعده مهوب نقول مات الله يرحمه..
كانت دقات قلب عالية ترتفع.. بدا لها الأمر مستحيلا لأبعد حد.. ومع ذلك هذا هو طبع الإنسان.. يبحث عن الامل مهما كان بعيدا ومستحيل التحقق
يقولون لإنسان على شفير الموت هناك أمل في شفائك فيركض خلفه إلى أخر العالم حتى وهو يشعر بنزعات الموت..
عالية قفزت ووجهها يحتقن: والله لا تكون عطيتني ذا الأمل مهما كان سخيف مثلك.. ثم تطلع كلها خرابيط في مخك أني ما أسامحك عمري كله
وهذا أنا حلفت.. والحين بأقوم معك .. بأقدم على الفيزا معك..
هزاع بغضب: مافيه تروحين معي.. انطقي هنا وتجيش العلوم.. والحين باروح أبدل ثيابي..
عالية بغضب مشابه: مهوب على كيفك.. رجلي على رجلك.. وترا العلم جاك..
انتهت مهمة هزاع.. وصعد للأعلى.. لتبدأ مهمة صالح الذي عاد لتوه من المحكمة مع عبدالله.. وتلقى كل ما قاله فهد وهزاع..
صالح دخل وسلم.. سأل عن أمه.. وأجابته عالية وهي تنظر له بنظرة سابرة وكأنها تريد اختراق عقله: أمي دخلت تصلي ضحاها ثم قالت إنها بتنسدح شوي لين صلاة الظهر..
حينها سألها بحذر أخفاه خلف حزم صوته: ووين نجلاء والعيال؟؟
عالية مازالت تنظر وهي تصر عينيها: نجلاء كانت هنا قبل شوي.. وطلعت تلبس عيالها.. تقول تبي تستاذنك توديهم جنغل زون..
ثم أردفت بنبرة مقصودة: المساكين كانوا موعودين بديزني لاند.. وما أدري وش ذا الشيء الكايد اللي خلي ابيهم ينط يوم سفرهم لأمريكا بدون تفكير..
صالح ابتسم في داخله.. لأنه عرف أن جيشا من الفئران بدا يلعب في خيالاتها.. أجابها بذات نبرتها المقصودة:
ما ودى ابيهم إلا موضوع أخطر من كل شيء وأهم من كل شيء
وإن شاء الله أنهم معوضين..
صالح وقف ليتجه للأعلى بينما عالية همست بحزم: لا تروح ماخلصت كلامي
صالح عاد ليجلس وهو ينظر لها بتأنيب قارص: لا تأمرين يا الشيخة.. تراني أخيش الكبير كنش ناسية..
عالية بتصميم: والله أخواني اليوم كبارهم وصغارهم ماخلو فيني عقل يفكر..
تراني بعد أبي أروح أمريكا الشيء اللي وداك وبيودي هزاع.. بيوديني بعد..
حينها ضحك صالح ثم هتف بنبرة مقصودة وصوت خافت وهو يميل عليها: ما تدرين يمكن الشيء اللي في أمريكا أقرب مما تتوقعين..
حينها انتفضت بشدة وهي تتراجع للخلف وكأنها تحتمي من شيء مجهول.. كانت تريد أن تتكلم فشرقت ثم كحت.. صالح ضرب ظهرها بخفة..
بينما كانت دموعها تسيل من احتقان وجهها وهي تهتف بغضب: تبون تقتلوني عشان ترتاحون..
ترا ماعندكم أخت غيري خافوا الله في ابيكم وأمكم تيتمونهم عقبي..
حينها وقف صالح وهتف بحزم مختلط بابتسامته: ذا المرة ياويلش تقولين اقعد بأروح أشوف مرتي وعيالي نشبتي في حلقي..
ولا تقولين مافهمت وإلا اقعد اشرح لش.. أعرفش فطينة وتلقطينها وهي طايرة.. وعقب ذا التلميحات كلها لو مافهمتي ماعاد فيش رجا
عالية لم تستطع أن ترد وعيناها تغيمان.. منذ هزاع والفكرة تمزق عقلها لدرجة الأمل المضني.. ولكن صالح أكدها لها لدرجة الحقيقة الفاجعة
لم تستطع حتى أن تتكلم أو تصرخ كما تريد.. بينما صالح استعد للصعود وهو يهتف لها بتصميم: ترا التمهيد لأمش مسؤوليتش أنتي.. وتراني معتمد عليش.. تجيبنها لها بأخف طريقة..
عالية قفزت لأقرب حمام لها.. حمام مجلس الحريم.. شعرت أنها لو صعدت لغرفتها فستنهار على الدرج..
انحنت على المغسلة وهي تغسل وجهها بكثافة.. تحاول أن تمنع نفسها من البكاء فلا تستطيع ودموعها تختلط بالماء الذي أغرق وجهها
مازالت عاجزة عن التخيل.. ومجرد التخيل بعث ألما قارصا في كل خلية في قلبها
(حي.. حي.. حي.. حي .. حي!!)
كانت هذه هي الكلمة التي تهرس مخها وتتردد على لسانها.. لم تجرؤ حتى أن تقول (عبدالله حي) بدا لها الربط بين الاسم والحقيقة مؤلما لقلبها الذي أجهدته الصدمة المفرحة
(أقرب مما أتوقع..
يعني موجود هنا في الدوحة؟؟
معقولة ياربي؟؟ معقولة؟؟
حي؟؟ حي؟؟)
حينها بدأت تقهقه بسعادة طفولية شفافة غامرة دون أن تشعر ودموعها وأنفها يسيلان.. حينها سمعت طرقات على الباب ثم صوت هزاع:
يالخبلة حد يضحك في الحمام.. اطلعي لا يدخلون سكون زيادة فيش.. كفاية سكونش اللي فيش
**************************************
في الأعلى
صالح يصل لباب غرفته.. يشد له نفسا عميقا قبل أن يدخل.. يفتح لها فلا يجدها..
فيتوجه لغرفة ابناءه ليجدها بالفعل تلبس أولادها.. صالح غاضب بالفعل أنها بدأت تلبس الأولاد دون أن تستأذنه حتى في ذهابهم
صالح دخل وسلم.. والصغيران حينما رأيا والدهما.. ركضا ناحيته وكل واحد يقبله من ناحية..
صالح جلس على طرف السرير وهو يُجلس عبدالعزيز الذي أنهى اللبس على فخذه بينما نجلاء كانت تلبس خالد
صالح هتف بنبرة عتب حازمة: وش ذا الروحة اللي مادريت عنها؟؟
نجلاء بهدوء: توني كنت ألبس العيال.. وأبي أوديهم جنغل زون وكنت بأكلمك الحين
صالح حينها هتف بغضب خافت من بين أسنانه: قصدش تعطيني خبر.. ترا المعنى يختلف..
نجلا بجزع: لا والله مهوب القصد يابو خالد.. بس أدري ماعندك مانع.. ولو عندك خلاص مالها لازم..
صالح مازال يحاول كتم غضبه الشفاف: وهذي بعد ترا اسمها لوي ذراع.. العيال صاروا لابسين.. وأنتي منيتيهم خلاص..
أحزنهم وأقول مافيه روحة يعني..
نجلاء بضيق: آسفة صالح.. ولا يهمك آخر مرة..
حينها أنزل صالح عبدالعزيز وهتف بحزم: أتمنى صدق أنها أخر مرة.. لأنه عيب عليش فعلا اللي سويتيه..
العيال أنا بأوديهم خلاص.. وأنتي ارتاحي
نجلاء كانت تلتقط ملابس أولادها من الأرض وتهمس دون أن تنظر ناحيته:
الله لا يخليهم منهم.. حط بالك على عزوز تدري به أحيان يتفلت..
صالح نزل بأولاده للأسفل ليجد عالية تجلس وعلى وجهها تبدو علائم البكاء والسعادة والشجن وكل المتناقضات..
ابتسمت حين رأتهم وهمست للصغيرين: يا الله بوسة لعميمة صاحبة الفكرة..
صالح يعدل غترته امام المرآة ويهتف بهدوء: أي فكرة يأم الأفكار؟؟
عالية أهلكت الصغيرين بقبلاتها الكثيرة فهي اليوم سعيدة.. سعيدة:
فكرة روحتهم اليوم لجنغل زون.. خليتهم يأكلون كبد نجلا.. وإلا هي كانت تبي تمشي على النظام
وتأخذ أذن أول وتنتظر الرضا السامي.. بس أنا قلت لبسيهم الحين وكلمي صالح عقب..
أحب أسوي قلب أدوار شوي...
رغم تفاهة الموضوع وبساطته إلا انه بعث حزنا شفافا في روحه.. لو كانت الأمور بينهما على مايرام لم يكن ليهتم.. ولكن الآن كل تصرف بسيط يُفسر بتفسيرات ضخمة..
وأكثر ما ضايقه الآن أنها اعتذرت دون أن تبرر أو تحاول توضيح ماحدث
هل لأن غضبه أو رضاه لا يهمانها لذا لم تتعب نفسها بالتبريرات؟؟
أو لأنها لم ترد أن تذكر اسم عالية في الموضوع ؟؟
أيهما السبب؟؟
أيهما السبب؟؟
******************************************
" زين.. الحمدلله ماهقيت إنه بنخلص كذا على طول ونشتري..
يا الله عشان نرخص للطيور بكرة ونرجع بعد بكرة إن شاء الله"
كان أبو عبدالرحمن يشير لتميم بإشارات أكثرها غير دقيق.. ولكن تميم أصبح يتعرف على هذه الإشارات التي يشترك في فهمه لها قراءته لحركة الشفاه
هز تميم رأسه : إن شاء الله
كان الاثنان يجلسان في غرفتهما في الفندق بعد أن انتهيا من شراء الطيور
حينها أشار له تميم بتساؤل: اب الرجّال اللي حن نشتري منه الطيور وش فيه؟؟
من زمان أبي أسألك بس كل مرة أنسى
أبو عبدالرحمن لم يفهم ما يعنيه تميم تماما.. فأعاد له تميم السؤال بإشارات أكثر تبسيطا..
حينها تنهد أبو عبدالرحمن تنهيدة عميقة جدا: عبدالجبار.. الله يحسن خاتمته بس..
أنا أشهد يأبيك إنهم يوم يعدون الرياجيل إن عبدالجبار ذا رأسهم
رجّال نادر.. أعرفه من 35 سنة ..عاد ولده عبدالمنان ذا أبو خمس سنين..
تدري إني وش كُثر كنت أخذ منه طيور بالدين وأحيانا بالميتين ألف.. عمره ما قال لي وين فلوسي؟؟
وإذا قلت له وأنا أضحك ماتخاف ياعبدالجبار أني أروح بفلوسك ولا عاد أرجع
كان يقول لي الفلوس تفدا الرياجيل اللي مثلك.. الرياجيل هم اللي يجيبون الفلوس.. مهيب الفلوس اللي تجيب الرياجيل
تميم استطاع أن يلتقط ويفهم ما يقصده أبو عبدالرحمن لذا أشار بمرح: أنا أشهد إن عبدالمنان مهوب مثله
أجابه أبو عبدالرحمن بشجن: عبدالمنان تاجر.. وإلا عبدالجبار لولا نيته صافية وربه عطاه على قدها وإلا فعايله فعايل شيخ مهوب تاجر..
أخر مرة جيت أبي أعطيه دينه قبل 15 سنة.. انصدمت يوم شفته.. الرجّال اللي كنه جبل مايهزه ريح.. ماعاد فيه شيء يتحرك إلا عين(ن) شاغرة..
أقول له وأنا أبي أضحك له ولا أقدر: جبت لك فلوسك يا بو عبدالمنان..يا الله قوم
ما أنسى نظرته
كنه يقول لي وش فود الفلوس عقبها!!
ما يكسر ظهور الرجال كون النسا
تدري يأبيك أني شليتها على يدي مولودة.. وقعدتها في حضني تمشي
كانت تزوغ بقلب أبيها.. كان مقعادها دايمن جنبه.. وربعه وجماعته يلومونه
كان يقول ربي عطاها المحبة من عنده.. فلا تلوموني في عطا ربي
كل ماجيت من الدوحة جبت لها معي هدية.. يستانس بهديتها أكثر من وناسته حتى بفلوسه..
ثم أردف وهو يخفض رأسه: سبحان رب(ن) خلقها مزيونة وهادية من هداوتها ما تحس بها.. كن زولها لا تذكرته زول شعاع..
تميم يشعر كما لو أن تواصله من القصة ينقطع وإشارات أبو عبدالرحمن تتباطأ وحركة شفتيه تتحول لتمتمة.. لذا أشار له تميم: وبنته وش صار لها؟؟
أبو عبدالرحمن أسود وجهه: ما حد يدري.. أصبحوا ما لقوها.. وأغراضها كلها في البيت ما تحرك منها شيء.. عمرها ثَم أم 15 سنة..
ماحد يدري هي طقت من البيت.. هي خطفت.. اختفت كنها ملح(ن) ذاب..
ابيها بغى يستخف.. أسبوع كامل يدورها بروحه في كل مكان حتى الليل ما يمسيه.. وعقب الأسبوع طاح ذا الطيحة اللي أنت شايف
سبحان الله كن روحه معلقة بها.. ويوم توكد إنها صدق اختفت.. اختفت روحه معها..
الله يستر على بناتنا وبنات المسلمين.. وجعلك يأبيك ماتذوق خلفة البنات وهمهم..
حينها ابتسم تميم: لا والله ياعمي.. أنا أبي لي بنات.. الرسول صلى الله عليه وسلم وصانا في تربية البنات وإن اللي يحسن تربيتهم من هل الجنة
ما قال تربية العيال..
لا تكون ياعمي ما تحب بناتك؟؟
حينها ابتسم أبو عبدالرحمن بشفافية: هو أنا موجعني غير أني أحب بناتي.. بس البنت عُور في وجه أبيها.. أدنى شيء يجيها في وجهه
عشان كذا الواحد لازم يشد عليهم.. ولازم يخافون من كل شيء عشان مايوزهم تفكيرهم..
تمنيت لي يأبيك عيال واجد.. بس الله ما كتب لي.. ولولا غلا عبدالرحمن كان عرست.. كنت أبي لبناتي أخوان سنايد لهم..
بس الحمدلله على كل حال.. عبدالرحمن عندي بعشر عيال جعل عمره طويل لأمه وخواته من عقبي
*****************************************
" شأخبارها الحين؟؟"
عبدالرحمن يشد شعاع خارجا حتى لا تسمعه جوزاء التي كانت مستغرقة في النوم.. وشعاع ملازمة لها
شعاع أجابته بإرهاق: ماصحت لحد الحين..
عبدالرحمن بإرهاق مشابه: وحسون وينه؟؟
أجابته شعاع وهي تشعر بعبرة تقف في حلقها: راقد عند أمي.. ياقلبي البارحة كله يقول أبي بابا وحنا متروعين نحسب الصبي استخف
ثم أردفت بتساؤل حذر: إلا أنت تأكدت صدق إن عبدالله حي؟؟
عبدالرحمن تنهد: طبعا تأكدت.. اتصلت في صالح ولقيتهم في المحكمة ورحت لهم هناك..
وأنا بعد اللي شهدت معهم إنه فعلا عبدالله عشان يثبتونه في الأوراق الرسمية
شعاع حينها همست بقلق عميق: زين جوزا وش وضعها الحين قانونيا؟؟
عبدالرحمن شد له نفسا عميقا: وضعها سليم.. لأن عبدالله أساسا طلقها عقب ماسافر أمريكا.. صالح بنفسه قال لي..
شعاع شهقت بصدمة كاسحة وكلماتها تتبعثر: يا قلبي ياجوزا.. وليش يطلقها اللي ماله ذمة ذا؟؟
لا والمسكينة حادت عليه وضاعت عليها فرصة إنها تكمل دراستها وهي مطلقة
وأشلون ماوصلنا خبر الطلاق..؟؟ أشلون ؟؟ سالفة مثل ذي ما تتنخبى
عبدالرحمن يكمل لها: عقد الطلاق موجود في الخارجية من 4 سنين.. وأنا بنفسي تأكدت من ذا الشيء
أشلون ما وصلنا الخبر ما أدري..
أنا من يوم دريت وأنا مثل اللي انضرب على وجهه كف.. ما أدري أيش اللي بيصير الحين..
شعاع بتحذير موجوع: أهم شيء ما يفكر ياخذ حسن إذا تزوجت جوزا.. والله لا يفكر يقرب من حسن إن جوزا تستخف
عبدالرحمن يضغط رأسه بإرهاق: حسن الحين صغير وفي حضانة جوزا..
بس إذا تزوجت حقها في الحضانة يسقط وتصير الحضانة لأبيه دامه موجود
كذا الشرع والقانون يقولون..
بس ممكن نرفع قضية ونطلب الحضانة لأمي أنا
بس إن شاء الله ما توصل السالفة للمحاكم..
حينها تفاجأ عبدالرحمن بالصوت الحازم الذي قاطعهما رغم الإرهاق العميق والوجع الأكثر عمقا المتبدي في ثناياه:
وأنا مستحيل أعرض ولدي لذا المشاكل كلها
أنا ما أبي أعرس خلاص.. كفاية علي أربي ولدي.. وما أبي عبدالله يلقى طريقة يقدر يأخذ فيها ولدي
تكفى عبدالرحمن قول لامهاب يطلقني.. تكفى
******************************************
" وش فيك يأمك؟؟ مهوب عوايدك ترجع ذا الحزة البيت"
نبهه صوتها الحنون من أفكاره.. اعتدل جالسا من تمدده على سريره وهتف لها بهدوء: مافيني شيء جعلني فداش..
مزنة جلست جواره وهي تضع كفها على فخذه وتهمس بحنان: علي يأمك؟؟
وضع كفه فوق كفها وهتف بذات هدوءه: متضايق شوي يمه
مزنة بجزع حان: أفا.. وش اللي مضايقك؟؟
مهاب تنهد: عبدالله آل ليث طلع حي.. ورجع الدوحة البارحة..
مزنة بصدمة: الصبي اللي صار له أربع سنين ميت.. يطلع حي.. يا سبحان الله.. ووين كان ذا ووش سبته؟؟
ثم أردفت بصدمة أشد: امهاب.. ومرتك وش وضعها الحين؟؟
مهاب يهتف بذات الهدوء الذي يخفي قلقا وتوجسا عميقين: طلقها أصلا من أربع سنين
بس اللي أحاتيه الحين يمه حسن.. تدرين لا تزوجنا حضانته تصير لأبيه إلا لو هو خلاه من خاطره
وأنا ما ظنتي يخليه.. مافيه رجال يرضى أن رجال غريب يربي ولده وهو موجود
وأنا خايف إن ذا الشيء يأثر على جوزا.. أو حتى يأثر على زواجنا..
مزنة بقلق مشابه: وش ذا المصيبة اللي ماكانت على الخاطر.. عرسك عقب حوالي شهر ونص..
حينها شد مهاب له نفسا عميقا.. لم ينسَ أبدا لتذكره!!
سأل والدته بحذر: يمه لو حطيتي نفسش مكان جوزا.. وش القرار اللي بتقررينه؟؟
مزنة حينها وقفت وهي تهمس بحزم أخفت خلفه تعاظم حزنها الشفاف على مايحدث لابنها: يأمك لكل وحدة تفكيرها.. وأنا ما أقدر أفكر عن غيري
مهاب أمسك بمعصمها وهتف بحزم: أفا يأم امهاب.. أعرفش ما تهربين من شيء
أنا ما أقول لش فكري بعقل غيرش... أقول لش فكري بعقل أم!!
حينها التفتت له مزنة وهتفت بحزم يذوب حنانا: يأمك مهوب جاهلني قصدك من أوله.. بس بعض الشيء تركه أحسن..
حينها وقف مهاب وقبل رأسها وهتف بثقة: وأنتي بعد منتي بجاهلتني.. فجاوبيني تكفين..
مزنة بحزمها الطبيعي رغم شعورها أنها ستختنق بالكلمة: لو أنا مكانها ....... بأطلب الطلاق منك !!!!
**************************************
باله مشغول تماما بها.. منذ غادرها البارحة وهي من تلتهم أفكاره كلها
وهاهو يعود الآن وهو لا يعلم ما الذي سيواجهه أو حتى كيف استقرت حالتها الآن بعد الكلام المؤلم الذي صفعته به البارحة
رن هاتفه .. نظر للاسم وتنهد.. (بنت حلال.. كنت أبي أكلمها بنفسي عشان سالفة فهد) رد عليها بحميمته الفخمة: هلا بالغالية..
مزون انهمرت بسعادة شفافة: هلا بك زود.. هالمرة أقدر أقول مبروك وأنا مالية يدي
فحص الحمل كان قدام عيوني.. مافيه تزلحقني
ألف ألف مبروك ياعمي.. ما تتخيل وش كثر فرحانة.. ما أتخيلك وأنت أب وشايل ولدك في يدك
ياربي.. حاسة إن هالولد غلاه بيغطي على خلق الله..
وإيه قبل أنسى تراه محجوز حق بنت عمه وبنت خالته مافيه كاني ماني..
كانت مزون تنهمر وتنهمر بسعادتها الطفولية العذبة.. في الوقت الذي كان منصور ينهمر صداعا مؤلما طرق كل خلايا دماغه
كان بداية عاجزا عن الفهم ثم مصدوما ثم مذهولا
وهو يتمتم بجمود: الله يبارك فيش يأبيش.. الله يبارك فيش
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم HaboOoshy
لم يشعر في حياته كلها بصداع كما يشعر اليوم.. وفي هذه اللحظة بالذات.. رأسه سينفجر من قوة نبض العروق..
يوقف سيارته جانبا.. ليضغط على جانبي رأسه.. ويحرر عنقه من جيبه المغلق وهو يفتح أزرته العلوية
منذ أنهى اتصاله مع مزون.. وهو في حالة انعدام وزن.. كما لو كان انفصل عن الكون كله ويحلق في العدم... وقدماه لا تلمسان الأرض حتى
ومشاعره غاية في التبلد.. عاجز عن التصديق أو حتى مجرد التصور..
" حامل..
حـــامـــــل
مستحيل.. مـــســتــحــيــل..
أكيد مزون فاهمة الموضوع غلط..
أكيد فهمت السالفة كلها غلط
أنا إنسان مؤمن ..مافيه شيء بعيد على ربي..
ومزون تقول إنها راحت معها بنفسها للفحص..
معقولة.. معقولة.. رأسي بينفجر
بس.. بس
بس ليش لو كانت حامل أعرف الخبر من مزون؟؟
ليش مهوب منها..؟؟
ليش تخلي خبر خاص فينا مثل هذا يوصلني من غيرها؟؟
ليه؟؟..
.
بس.. البارحة كانت تبي تقول شيء.. بس أنا ماخليتها
كانت تبي تتكلم بس أنا خنقت كلامها في حلقها"
حينها نظر منصور ليده اليمنى التي وضعتها على بطنها كالملسوع..
وهو يتذكر كمن ضُرب على رأسه كل تلميحاتها البريئة العذبة البارحة..
ويهز رأسه بقوة ويقطب جبينه وهو يشعر بضغط هائل على كل مفاصله.. كما لو أن عظامه ستتفجر من قوة الضغط
" ياقلبي ياعفرا.. وأنا خربت عليها فرحتها كلها
يعني وش كان بيضر لو شاركتها الفرحة بدون ما أكدر عليها
يعني أنت يامنصور ما تعرف إلا المغثة
.
بس صدق حامل..؟؟ معقولة؟؟
معقولة؟؟
سبحان الله ياربي.. ما أعظم قدرتك ورحمتك
معقولة أنا أب وعقب ذا السنين كلها!!
وعقب ما يأست أني ممكن أسمع كلمه يبه.. لين كرهت حتى اني أكون اب
معقولة؟؟"
حينها بدأت ابتسامته تتسع وتتسع دون أن يشعر.. وألم الجسد والصداع يتحوران تدريجيا لإحساس خيالي بخفة في الروح والجسد لم يشعر بمثلهما سابقا أبدا
يشعر كما لو أنه يحلق تحليقا يختلف عن تحليقه قبل دقائق
قبل دقائق كان يحلق إحساسا بالصدمة غير المعقولة
ولكنه الآن يحلق إحساسا بسعادة مختلفة لم يتذوق مثلها أبدا
سعادة لها نكهة مختلفة لم يظن أنها موجودة على وجه الأرض بهذه الصورة الشفافة الموغلة في العذوبة والدفء
كانت هذه هي مشاعره التي انتفضت من تحت الرماد وهو يشغل سيارته ثم يغير اتجاهها لاتجاه آخر غير البيت..
وسعادة عميقة جدا ومختلفة جدا تتسلل إلى روحه بتمكن غامر..
"طـــفــــل ؟!!ومن عفراء؟!!.."
أي سعادة كان يخبئها له هذا الصباح المختلف؟؟
.
.
.
بعد ساعة
يفتح باب غرفته بهدوء وهو يحمل كيسا غاية في الفخامة في يده
فمناسبة كهذه لا يمكن أن تمر دون هدية لآسرة قلبه..
رغم أن كل هدايا الكون لا يمكن أن تعبر عن إحساسه بالسعادة والاختلاف الذي يزداد عمقا بتمكن في كل دقيقة تمر
تفاجأ منصور أن الغرفة مازالت تغرق في ظلام خافت من جراء الستائر الداكنة المسدلة
شعر بانقباض في قلبه وعيناه تبحثان عنها..
كانت هناك.. ارتعاشها واضح تحت الغطاء..
زاد انقباض قلبه..
"تــبــكــي؟! "
فتح الستائر قليلا وتوجه ناحيتها.. رفع الغطاء عنها بخفة..
ليتفاجأ من منظرها ..
كانت تحتضن نفسها ..تبكي وترتعش.. ويبدو أنها على هذه الحال من مدة طويلة
لأنه حين رفع الغطاء عنها جلست بحرج.. وهي تبعد شعرها المشعث التي التصق بعرق وجهها بعيدا عنها..
وبدت أثار أناملها غائرة في عضديها العاريين من شدة احتضانها لنفسها..
شعر بألم شفاف يجتاح روحه.. أن تحتضن هي نفسها بينما من كان يجب أن يكون جوارها ويحتضنها
حتى لو رفضت.. لم يكن ليسمح لها بالرفض..
لم يقل لها شيئا.. أجلسها ليمسح وجهها بكفيه.. ثم انتقل ليدعك احمرار عضديها بخفة وألم قلبه يتزايد رغما عنه..
همس لها بحنان عميق: عفرا ليه ذا كله ياقلبي؟؟
همست بصوت مبحوح دون أن تنظر ناحيته: البارحة كلمت جميلة.. عقب ما أنت طلعت..
ما قدرت ما اتطمن عليها..
حينها هتف منصور بحزم رغم إحساسه بالحزن من أجلها: وأكيد أجعتش بالحكي؟؟
حينها دفنت وجهها بين كفيها وبكت بحرقة عميقة.. منصور حينها أبعد كفيها عن وجهها واحتضنها بحنان وقوة وهمس في أذنها:
أدري أنش زعلانة علي.. وأدري أني أستاهل..
بس لا تحاولين تبعدين عني.. لأني ماراح أسمح لش..
آلمه كثيرا تصلب جسدها بين ذراعيه.. وكأنها ترفض قربه منها..
حينها أبعدها عنه قليلا وهو يلمس بطنها بخفة حانية.. انتفضت عفرا بشدة بينما هتف هو بحزم حنون:
إذا مهوب عشاني ولا عشانش.. عشان ذا الروح اللي هنا.. خافي ربش فيه تسوين في نفسش كذا
حينها بالفعل ارتمت في حضنه وهي تشدد احتضانه وتبكي بنحيب عال
بينما شعر هو براحة ما تتسلل إلى روحه أنها تعود إلى أحضانه وبرغبتها.. رغم تيقنه أن موضوع جميلة لن يمر أبدا بسهولة عليهما
ولكنه من أجلها والآن من أجل طفلهما أيضا هو مستعد للقتال حتى الرمق الأخير.. فهو لم يخلق سوى للمعارك!!
كان يهدهدها بحنان خالص ويهمس لها بثقة غامرة:
هدي حبيبتي.. هدي.. واللي ركب رأسي ورأسش إنه مايصير الا اللي يرضيش
أمنتش بالله لا تزعلين نفسش ياقلبي
وإلا زايد الصغير ماله خاطر عند أمه؟!!...
*************************************
" السلام عليكم
هلا والله بالشيبان المتجمعين
وش ذا الصباح المبارك اللي الواحد يتصبح بوجيهكم"
كان غانم ينحني مسلما على رأس عمه في الوقت الذي كان والده يجيبه مبتسما:
ماعاد هو بصبح يأبيك.. قدنا قريب الظهر
عساك بس منت بتعبان.. البارحة رقدت عقب العشا على طول
ورجعت ورقدت عقب صلاة الفجر إلى ذا الحين
غانم ينحني على والده ويجيبه: لا جعلني فداك..بس مرهق شوي.. رحلة أمريكا طويلة شوي
أبو صالح يهتف بمودة: جعلك على القوة يأبيك..
غانم يلتفت لعمه ويهتف له باحترام ومودة: ويقويك ويطول عمرك في الطاعة
ثم أردف وهو يشير للمقهوي أن يتقدم: أقهويكم؟؟
أبو صالح أشار للمقهوي ألا يحضر وهو يهتف بحزم: شكّرنا يأبيك.. القهوة بعد مهيب زينة لي ترفع الضغظ عندي
بس وش نسوي بروسنا لا أجعتنا عند حِلها
أبوغانم يتوجه بالسؤال لغانم: إلا وش سالفة رحلة أمريكا.. ماخبرت إن أمريكا على خطك ذا السنة..
غانم بهدوء: رحلة جات فجأة كذا
ثم أردف بنبرة مقصودة: وإلا شفت لكم شوفة في ذا السفرة.. طيرت عقلي
أبو غانم يبتسم: عساها شمحوطة بس.. ؟؟
غانم يضحك: زين يأبو غانم.. إن ماعلمت أم غانم عليك
أبو غانم يضحك: أنت اللي تقول.. بتقط بلاك علي ياولد..
أبو صالح بعتب: احشموني تراني قاعد..
غانم باحترام جزيل: محشوم ياعمي.. بس صدق والله العظيم شفت لي واحد طار قلبي يوم شفته.. وش أقول لكم نسخة عبدالله الله يرحمه..
أبو غانم بشجن: الله يرحمه أبو حسن ويبيح منه..
بينما أبو صالح صمت ولم يعلق.. وأبو غانم أكمل: وهو ويش هو امريكاني وإلا عُربي؟؟
غانم بنفس النبرة المقصودة: ما أدري بس والله العالم دمه عربي.. أقول لك عبدالله بشحمه لحمه كني شايفة قدامي..
كنت أبي ألحقه بس فات علي.. هو داخل وأنا طالع
حتى الآن كانت الحكاية لا بأس لها.. ومحتملة.. ومعقولة إلى حد ما.. حتى أكمل غانم حديثه قائلا:
والله من شكي إنه هو.. بأطلب لي رحلة على خط واشنطن عشان أروح السفارة القطرية هناك أتأكد..
قلبي نط من مكانه يوم شفته.. ماني بمرتاح لين أشوف قبر عبدالله بعيني..
أقول لكم شايف عبدالله قدام عيني هو هو...
حينها انتفض أبو صالح انتفاضة لم تظهر للسطح وهو يهتف بحزم: وش لك يأبيك بذا الشغلة كلها..
عشان واحد يشبه عبدالله الله يرحمه تبغي تعنّى للسفارة وتسأل.. عبدالله اطلبوا له الرحمة.. وحكي الخبلان ذا مامنه فود..
وفي الوقت الذي كره أبو صالح أن يعرف غانم حقيقة انتحار عبدالله التي أخفاها عن الجميع حين يذهب هناك ..
فإن أبا غانم كان على عكسه انتعشت روحه بأمل بريء هش: خالد الله يهدك.. خل الصبي يروح.. كود إن به شيء خافينا.. طالبك يأخيك..
أبو صالح بحزم أشد: مابه شيء خافينا.. عبدالله مات.. وانتهينا من ذا الحكي..
غانم قرر أن يقف حتى لا يتهور عمه ويحلف عليه.. ولأنه تأكد أن عمه يعلم شيئا عن وفاة عبدالله المزعومة لا يريده أن يعلمه...
وهو يريد الآن أن يجعل عمه يظن أنه سيفعلها وسيذهب حتى يتحرك لمنعه بطريقة تمهد له معرفة عودة عبدالله.. وهو يقرر أن يبلغ صالحا حتى يتولى هو الخطوة التالية..
غانم هتف بحزم وهو يستعد للمغادرة: الرجّال اللي شفته.. مستحيل مايكون عبدالله.. وأنا ماني بخبل عشان أجهل ولد عمي
وش بيضر لا رحت وتاكدت.. يمكن عبدالله هناك فيه شيء لاده من المجي.. أنا لازم أتاكد..
أبو غانم ارتعش بخفة (معقولة عبدالله؟؟ لا لا أكيد غانم تشابه عليه الشوف
لو كان حي وينه ذا السنين كلها..
لا لا مهوب صحيح)
بينما قلق أعمق وتوجس أعمق وأعمق تصاعد في قلب الشيخ الذي أثقلته الهموم
( لا حول ولا قوة إلا بالله
الحين لا راح غانم ودرى إن عبدالله مات......... اللهم أني استغفرك وأتوب إليك
خوفي لا يوصل العلم أم صالح والله إن قد تروح فيها
وش السواة؟؟ وش السواة؟؟
صافية ما تمسي الليل تدعي له.. أشلون لا درت إنه مات منتحر وكافر
مابقى لها منه إلا ذكراه الطيبة عندها.. حتى الذكرى يأخذونها منها!! )
**************************************
" صفوي.. وش ذا النوم اللي عندش اليوم؟؟
ماباقي على صلاة الظهر إلا شوي
وإلا الصبا نوام على قولتهم "
أم صالح تعتدل جالسة وهي تهمس بصوت ناعس: أي صبا الله يخلف علي بشوفت عيالش
إلا قولي ماعاد به حيل.. عشاني مارقدت عقب صلاة الفجر أسوي ريوق البنية الوالدة.. حسيت جسمي متهدد
عالية تجلس بجوار والدتها تحتضن عضدها وتقبله وهي تهمس بحنان: يمه واللي مثلش عادها تطبخ.. عندش الخدامات.. وش هم جايين من بلادهم له؟؟
أم صالح تبتسم وهي تمسح على شعر عالية: بدل ما تقولين أنا بأكفيش..
عالية تضحك وهي تتناول كف والدتها من فوق رأسها وتقبلها:
لا يمه هذا تهور أنا ماني بقده.. مع أني أم التهور.. بس عاد هذي فيها تسمم لمخاليق ربي
عالية بعد ذلك وضعت رأسها على فخذ والدتها وتمددت على السرير وهي تعبث بيد والدتها التي كانت تمسكها..
بينما أم صالح تداعب شعر عالية بيدها الحرة.. عالية تمسح أنامل والدتها وتهمس بتقصد:
إلا يمه لو مثلا في يوم من الأيام.. قالوا لش إن الله سبحانه بيرجع لش واحد ميت للحياة .. من تختارين؟؟
أم صالح ابتسمت: وش سوالف الخبلان ذي؟؟
عالية برجاء: يمه لعبة هذي.. علميني..
أم صالح بعفوية: باختار أمي جعل ترابها الجنة..
عالية مدت شفتيها: يمه جدتي أم نايف الله يرحمها.. جابت نويف عمرها 54 سنة.. يعني لو رجعت لش الحين عمرها 79..
وش يعني تقعد معش سنة وإلا سنتين وتودع؟؟
أم صالح ضربت عالية بخفة على رأسها وهي تبتسم: مهوب تقولين لعبة... كيفي أنا أبي أمي.. أحس أني ما شبعت منها..
حينها همست عالية بنبرة مقصودة: وهي بس أمش اللي ماشبعتي منها.. مافيه غيرها؟؟
حينها ارتعشت أم صالح ارتعاشة لا يكاد يُشعر بها.. ولكن عالية شعرت بها ووالدتها تربت على كتفها وتهمس بحنان:
قومي الله يصلحش.. أبي أروح الحمام أتوضأ
*************************************
" أنا بصراحة لين الحين مصدوم فيج.. معقولة الكلام اللي قلتيه لأمج البارح"
جميلة نظرت بغيظ لخليفة: مالك شغل بيني وبين أمي..
خليفة تفجّر غضبه: إلا لي شغل ونص.. ترا ربج وصاج فيها.. ماوصاها فيج.. لكن اللي أشوفه العكس..
الحين أنتي يوم اخترتيني.. وخلج من خرابيط اخطأت الاختيار لأنها ما تهمني
خلنا في انج اخترتيني وفرضتيني عليها مع انها ما كانت راضية.. وهي اللي أمج..
ومع كذا عاملتني مثل ولدها وماضايقتني بكلمة.. ولا حتى ضايقتج
لكن انتي شوفي نفسج وش سويتي.. أنتي ما تخافين ربج في الكلام اللي جرحتيها فيه
اتقي الله جميلة في أمج.. اللي شافته منج موب شويه..
حينها انخرطت جميلة في البكاء.. بينما خليفة أكمل بذات الغضب: تمثيلية البجي هذي خلاص ما تمشي علي.. دوري غيرها
يعني البارح كله تبجين ويوم عمتي اتصلت صرتي ترعدين وتبرقين ولسانج شبرين..
حينها شهقت جميلة: ما أبيها تعرس وتخليني.. ولو أعرست ما أبي منصور هذا.. ليش ماخذت عمي زايد؟؟
خليفة بحزم: تأخذ اللي هي تبي.. مثلج.. مالج حق تفرضين عليها شريج حياتها
وخصوصا واحد مثل منصور ما أعتقد فيه عيب عشان ما يعجب جنابج
وبعدين ما أعتقد إن منصور غريب عليج دامج متربية في بيت أخوه
أنا سامعة بأذوني يقول لج (أنتي قبل مثل بنتي.. والحين بنتي صدق)
يعني علاقته قبل فيج زينة؟؟ صح والا انا غلطان؟؟ شنو اللي تغير الحين؟؟ قولي لي..
جميلة بغضب وهي تمسح أنفها المحمر: صحيح إني تربيت في بيت عمي زايد.. بس مهوب معناها إن منصور رباني..
ثم أردفت بغضب أشد: أما على قولته مثل بنتي.. فهذا شيء في رأسه هو.. يعني عشاني بنت المدام صرت بنته؟؟
ما أنكر إن منصور كان يعاملني مثل مزون لأني كنت على طول عند مزون.. وما تغطيت منه إلا قبل كم سنة بس.. بس هذي كانت مجاملة منه..
طول عمري حاسته إنسان بعيد.. هيبته تخوف.. عمري ماحسيته أب مثل عمي زايد..
يا أخي المحبة من الله.. غصب أحبه وأرضى فيه أب.. ما أبيه.. ما أبيه
حينها هتف خليفة بغضب عنيف: الله الغني من حبج.. والناس اللي أنتي حبيتهم وش لقوا من محبتج يعني..
الأحسن الواحد يدعي ربه إنج تكرهينه وما تذوقينه محبتج اللي مايلاقي منها إلا نكرانج له وقسوتج عليه..
أنتي وش هالقلب اللي عندج؟؟ ماحد يهمج غير نفسج.. أمنتج الله قولي لي موقف واحد بس فضلتي غيرج على نفسج..
مع أني ماعرفتج إلا من كم أسبوع.. لكن أقدر أحلف إنه يمكن مافيه في حياتج كلها يوم واحد فكرتي أنج تقدمين إنسان على رغباتج أنتي..
أولها هالسخافة اللي سويتيها في نفسج وأنتي تجوعين نفسج لين صار شكلج جذيه..
ماهمج حد.. لا أمج ولا بنت خالتج ولا عمج زايد.. الناس اللي تقولين أنج تحبينهم وهم يحبونج.. ما اهتميتي إلا بتفاهات في رأسج أنتي وسويتها
وعقبها حتى موافقتج علي.. اتضح إنها بسبب أنانيتج بس.. فكرتي بشيء في رأسج الله أعلم شنهو..
وما اهتميتي بأحد حتى الإنسان اللي ترك كل شيء وراه ويا وياج ما اهتميتي بمشاعره وأنتي تقولين عنه اختيار غلط
أنتي تبين كل الناس يسخرون حياتهم لج أنتي وبس.. وأنا منهم..
وترا ماعندنا مانع نضحي ونخليج أول أولوياتنا.. بس أقل شيء تسوينه تظهرين شوي أدب.. شوي امتنان.. شوي إحساس بالناس موب بنفسج وبس
خليفة فقد سيطرته على نفسه وهو ينهال عليها بقسوة وعباراته الحادة تنثال وتنثال بلا توقف
فموقفها الأخير مع والدتها وهو يسمع بنفسه عتبها القاسي لها جعله يخرج من عندها ولم يستطع حتى أن يبات عندها ولم يعد لها إلا صباح اليوم التالي قبل دقائق
فخليفة فقد والدته قبل سنوات وكان يتمنى لو أطال الله في عمرها ليبر بها.. فكيف بهذه التي أمها تستميت من أجلها بينما هي تصفعها بقسوتها دون تفكير؟؟
بينما جميلة كانت قضت ليلة قاسية بالفعل تتجرع الوحدة والألم.. فكما آلمت والدتها كل كلمة آلمتها أكثر..
تشعر بضياع وتشتت وماكان ينقصها هو زواج والدتها لتشعر أنها ضائعة تماما
ووجدت كل جزعها يُترجم في عبارات قاسية حادة تفرغ فيها غضبها وجزعها وخوفها وإحساسها بالاختناق والضياع
وموقف خليفة هو ماكان ينقصها تماما لتكتمل مأساتها.. الشخص الوحيد الذي معها ينفجر فيها دون رحمة... فإلى أين تولي وجهها؟؟ إلى أين؟؟
*************************************
" هزاع تكفى ساعدني.. سالفة خويك الخبلة يمشي حالها
أبيك تقولها عند أمي"
هزاع الذي كان ينفذ عن ذراعيه متوجها للحمام ليتوضأ هتف بغيظ: ما تعرفين تسلمين الأول..
وبعدين مهوب أنتي اللي قلتي لي لا تقول ذا السالفة عند أمي..
عالية برجاء: ماحبيتك تعطيها أمل ماله أساس.. بس مادام له أساس.. السالفة أشوفها مناسبة.. وأنا بصراحة أبيك تساعدني..
لأني عقلي موقف..
هزاع يرقص حاجبيه: مساعدة ببلاش مافيه..
عالية بنفاذ صبر: باعطيك اللي تبيه يا المادي خلصني..
هزاع يهز كتفيه: لا الماديات خليها بعدين ما نعيفها.. بس أبيش تعتذرين واعتذار محترم على تغريقي بالماء باللي ما تستحين..
عالية تشده لتقبل رأسه: آسفة واحب راسك بعد... خلصني بس... أنا ماعاد فيني صبر.. والله مافيني.. وصلت حدي.. بس أبي اشوفه أنا وأمي سوا..
ثم أردفت بوجع عميق: هزاع أنت شفته بعينك؟؟ تغير؟؟ متن؟؟ ضعف؟؟ صدق يعني هو حي؟؟ صدق هزاع؟؟
هزاع لم يجبها.. شعر أن الجواب سيكون ثقيلا عليها.. لذا هتف لها باستعجال: روحي الحين أنا باروح أصلي وعقب بأرجع عليكم أسولف على أمي بخرابيطي
**********************************
صالح كان عائدا بأولاده للبيت حينما تلقى اتصال من والده يطلبه أن يحضر له في المجلس حالا..
صالح أوقف سيارته داخل مظلات البيت طلب من ولديه أن يتوجها للداخل.. بينما توجه هو للمجلس
دخل ليجد وجه والده متغيرا.. مال على رأسه يقبله ثم جلس جواره.. وهتف باحترام: آمرني جعلني فداك..
أبو صالح هتف بحزم: هم شغلتين مهيب شغلة وحدة..
أول شغلة وينك أمسيت البارحة؟؟.. قمت لصلاة الفجر ماعينت سيارتك.. وعقبها طلعت من البيت حول الساعة تسع وأنت مابعد جيت..
صالح بهدوء: كنت ممسي في بيتي.. عندي ضيف..
أبو صالح انتفض بغضب عارم: وليه بيتي ما يستقبل ضيوفك يوم توديهم لبيت حتى مابعد خلص؟؟
صالح بهدوء متمكن: بيتي خلصت منه المجلس وكم حجرة عشاني داري إن ضيفي ذا أنت ماتبي تستقبله في بيتك..
حينها وقف أبو صالح وهو ينتفض بغضب حاد: أنا ما أطرد حد من بيتي يا مسود الوجه ولو هو ذابح أمي وأبي
إلا كن ضيفك سواد وجهه كنه سواد وجهك يا قليل الحيا؟؟
صالح بنفس الهدوء: وجهك أبيض يا أبو صالح.. ومهوب أنا اللي أسود وجهي ووجهك..
خلنا من ضيفي ذا الحين.. وقل لي وش الشغلة الثانية اللي أنت طالبني عليها..
أبو صالح بغضب متزايد وهو يلوح بعصاه: أنا ولد أبي أنا.. منت بصاحي اليوم.. والله يا كسار وجهك بذا العصا إنه يجيب المطر
قم روح جيب ضيفك ذا الساعة ولا توريني وجهك إلا وهو معك..
ماعاد إلا ذا.. داس ضيفك في بيتك يا الرخمة..
حينها أجاب عليه صالح بنبرة مقصودة: يبه الشغلة الثانية ما تخص غانم وروحته لأمريكا؟؟ يمكنك تبيني أمنعه مثلا؟؟
حينها هتف أبو صالح بصدمة: وأنت وشدراك؟؟
حينها شد صالح نفسا عميقا: يبه.. اربط اللي شافه غانم.. بالضيف اللي في بيتي.. ونخلص من الشغلتين كلها..
حينها انهار أبو صالح جالسا وعيناه تتسعان ذهولا..
صالح يعلم أنه استعجل في إخباره بالخبر.. ولكن بعد معرفة عبدالرحمن وأهله بالخبر خاف أن يصله الخبر من سواه
وهو يعلم يقينا قوة والده.. فالذي احتمل خبر وفاة ولده منتحرا وتعايش معه طيلة هذه السنوات هو على احتمال خبر عودته الحياة أقدر وأكثر تحملا..
أبو صالح أغمض عينيه وفتحهما .. هز رأسه.. وضغط صدمات وأفكار ومشاعر مدمر كسيل جارف يجتاحه بعنف
شعر بثقل مرير في أطرافه وأنفاسه وكل عرق ينبض في جسده والصدمة تبعثره تماما لأشلاء متطايرة
لكنه تجاهل كل ذلك ليقف ويغادر وهو يهتف بحزم يذوب قسوة أو ربما حزم يذوب وجعا..
ولكن من المؤكد أن شيئا ما في روحه كان ينصهر حتى الانتهاء.. حتى الانتهاء:
قل لضيفك بيتي يتعذره..ووجهه ما أبغي أشوفه..
.
في الداخل..
كان هزاع ينتهي من إخبار والدته بحكايته الطريفة عن عودة ابن عم صديقه..
ويخلطها بتلميحات حذرة جدا عن أن من الممكن أن يكون هناك أيضا من هو في حال هذا الرجل.. دون أن يصرح بأي اسم..
كانت أم صالح تبتسم بصفاء.. فكل شيء يقوله آخر العنقود هزاع يبدو عندها مسليا ورائعا مثلما تراه هي
ولكن ابتسامتها بدأت تنطفئ رويدا وأنفاسها تضيق شيئا فشيئا.. ومجرد الأمل الباهت يجتاح خلاياها المستنزفة فقدا.. كطوفان عارم يغرقها بين أمواجه
همست باختناق : وولد عم خويك كم سنة كان غايب؟؟
هزاع بدأ يشعر بالألم وهو يسب عالية على إدخاله في الموضوع.. حاول أن يهتف بطبيعية فاشلة وصوته يخرج مرتعشا: حول ست سنين
همست بألم في اتجاه آخر وهي تبعد الأمل عنها وتكتفي بالحزن: أمه عادها حية؟؟
هزاع رغم استغرابه للسؤال وأين اتجه تفكير والدته أجابها: ما أدري..
همست حينها بألم عميق: كن عادها حية أبي أروح أهنيها سلامته..
هزاع نزل عن السرير جلس تحت قدميها وأمسك بكفها وقبلها ثم أسند رأسه لركبتها وهتف بألم عميق: وأنتي تعرفينها عشان تهنينها سلامتها..
ربتت على رأس هزاع بحنان وهو تهمس بوجيعة: أعرف وجيعتها يأمك.. أعرف وجيعتها..
هزاع كان ينظر لعالية شزرا وكأنه يقول لها (يا الله تصرفي) وحينها همست عالية باختناق:
زين يمه ما تمنيتي يوم تكونين مثلها.. يعني كنتي مثلها في وجيعتها.. ما تبين تكونين مثلها في فرحتها؟؟
أم صالح تنهدت بعمق: ماعاد لي يأمش قلب يتحمل رجا مثل ذا.. أدري إنه ما راح يصير
يا الله أني تصبرت على فرقاه وأنا دارية إنه تحت التراب.. أشلون أصبر على فرقاه وأنا أقول يمكن وكان..
هزاع يبتسم بفشل: يمه.. ما تدرين رحمة الله فوق كل شيء.. ليه تصكين باب الأمل
الحين عبدالله ما شفنا له جثة ولا قبر.. وش فيها لا تأملنا إنه حي.. حرام؟؟
أم صالح ترفض أملا إن فتحت له الباب سيسكن روحها.. وإن لم يحدث سينزع روحها معه: يأمك هو عندك رجا.. لكن عندي أنا حد السكين
يعني أنت كيفك تأمل وترجى.. صار كان من الله وخير وبركة.. ماصار بتحزن يومين وترجع تنسى.. وش المشكلة هو ميت عندك ميت
لكن أنا لو سمحت لنفسي أهوجس مثلك.. كني أحط السكين على رقبتي.. إن صار وعينته حي.. رفعت السكين من رقبتي
لكن إن دورت له وطلع ميت عقب مارجيت أنا شوفه.. كنك تنحرني بالسكين اللي ماباعدت من رقبتي..
يأمك ماعاد لي قلب يستحمل شيء.. يا الله حسن الخاتمة..
هزاع وعالية تبادلا النظرات اليائسة.. وهما يشعران أنهما عاجزان عن فجعها بهذه الصورة وهي حتى مجرد الأمل تراه كثيرا عليها..
صمتا كلاهما وهما يشعران بتعاظم يأسهما وقلة حيلتهما في مواجهة هذا الموقف مع أمهما ..
عالية شدت هزاع خارجا ثم همست له بخفوت: خلاص هزاع ودني أنا بروحي
مافيني صبر.. وأمي شكلها تبي لها كم يوم لين تستوعب
هزاع يشير بيده وهو يذهب: إذا صليت العصر وديتش..
عالية تمسك به بإصرار: وش عقب صلاة العصر.. أقول لك مافيني صبر.. أبي أروح الحين.. ياخوفي لا تكونون تكذبون علي..
هزاع يتركها متجها للمجلس: تبين سويكي؟؟ ترا السبير فوق في الدرج اللي عند رأسي.. توكلي الله يحفظش
عالية تصرخ دون أن يهتم لصراخها: هزيع.. هزيع تعال ودني يالزفت..
هزيع..
زين دواك عندي..
هزاع حين وصل للباب التفت لها وهتف ببرود: عمش هزاع لو سمحتي..
هزاع لم يكن يريد أن يتجاهل طلبها.. لكنه يخشى ألا تحتمل رؤية عبدالله
فمازالت عظامه تؤلمه منذ ليلة البارحة..
يريد لها وقتا أطول تتاقلم مع الفكرة التي مهما كانت مفرحة إلا أن فرحتها قاسية..موجعة لأبعد حد يخشى عليها لأبعد من تأثيرها..
*******************************
يدخل إلى غرفته بخطوات هادئة تخفي خلفها حذرا ما..
كانت تقرأ في مصحفها حينما دخل..
لم يقاطعها وهو يخلع ملابسه.. ويسترق النظرات إلى هدوءها العميق وهي تتلو
جلس على سريره وهو مازال يراقبها.. أنهت وردها.. وخلعت جلالها ثم التفتت لتهمس له بهدوء: عسى العيال ما تعبوك؟؟
همس لها بهدوء مشابه: لا أبد..
كانت تتجه للتسريحة وهي تفك شعرها لتمشطه.. يستغرب منها.. شعرها يبدو مسرحا وغاية في الترتيب.. فلماذا تسرحه مرة أخرى
تنهد (الخبيثة.. تعلم أن أمواج العسل هذه تفقدني صوابي)
همست وهي تمشط شعرها وتسترق النظرات له وكأنها تحاول أن تستشف ما الذي يحدث لهذا الرجل:
بتبات الليلة هنا وإلا في بيتك؟؟
صالح بنبرة قاطعة: حسب التياسير.. بأشوف..
ثم أردف بنبرة مقصودة: ليش ما قلتي لي إن فكرة الروحة لجنغل زون فكرة عالية؟؟
هزت نجلاء كتفيها وهي تهمس بنفس نبرته: أولا ما عطيتني فرصة.. شايل في قلبك علي واجد ياولد عمي.. ولقيتها سبب
ثانيا مهيب حلوة في حقي ولا حق عالية.. كني بزر أقول ترا مهيب فكرتي أنا تراها عالية..
صالح لم يجبها وهو يتمدد على سريره ويضع ذراعه على وجهه..
كثير كل هذا عليه..
يكفيه ضغط عودة عبدالله وما يحدثه من صدمات..
كم يحتاجها إلى جواره في هذا الوقت بالذات.. أنهكه اشتياقه لها!!
وأنهكه فيض مشاعر أهله الذي يشعر أنه يشارك عبدالله في تلقي صدماته..
منهك من كل شيء.. من كل شيء!!
بدأ يشعر بالنعاس أو ربما يهلوس..
حركتها جواره..رائحة عطرها قريبة جدا..تلتها همساتها الدافئة في عمق أذنه: ما تبي تقول لي وش اللي مضايقك؟؟
همس بخفوت عميق شفاف دون أن يزيل يده عن وجهه:
متضايق من اشياء واجد.. وأكثر شيء مضايقني أني في ضيقتي هذي مالقيتش جنبي
همست بخفوت مشابه في عمق أذنه وهي تضع رأسها على نفس مخدته:
أنت اللي مبعدني عنك.. وإلا لو علي أبي أكون أقرب لك من أنفاسك..
همس بذات نبرته العميقة الخافتة: لو بغيتي تكونين قريب..بتكونين..
يا كثر ما كنتي تبعديني عنش لكني ماكنت أسمح لمحاولاتش تبعدش عني
لكن أنتي ما صدقتي تبعدين وتباعدين
حينها اقتربت منه أكثر.. احتضنت خصره وهمست بألم: زين أنا باحاول
بس أنت تكفى لا تقسى علي.. كفاني اللي شفته في الأيام اللي فاتت!!
صالح أزال يده عن وجهه ليحتضنها بها بخفة ويهمس بعمق: الحين كم يوم شفتيهم واجد عليش.. واللي له شهور يتعذب وش حيلته
نجلاء حينها همست بعمق مشابه: حيلته يوعدني مايجرحني.. وأنا أوعده أرضيه باللي يبي
إحساس أشبه بإحساس العائد من غربته إلى أحضان وطنه يجتاح خلايا كل منهما..
بينهما عشرة طويلة غلف مداد أيامها تغلغل كل منهما في روح الآخر..
وافتقاد كل منهما كان يخل بتوازن كل منهما ووجوده الذي يحسه وجودا ناقصا دون نصفه الآخر..
صالح يحتضنها بقوة وهو يقبل أمواج العسل ويهمس بعمق دافئ: وأنا أوعدش ما أجعش بكلمة.. واللي يوجعش يوجعني..
**************************************
" جوزا من جدش تبين تطلقين من امهاب؟؟"
جوزاء تضغط جانب رأسها بإرهاق بيد وتضم حسن لصدرها باليد الأخرى وتهمس بسكون:
الله كاتب له نصيب أحسن مني.. ربي رحمه
شعاع بألم: زين انتظري شوي.. يمكن عبدالله مايبي يأخذ حسن..
جوزا بتهكم مشبع بالألم: مايبي؟؟ أنا متاكدة إنه يبي له فرصة بس.. شوفي الحين عادنا عقب صلاة العصر
صار متصل بعبدالرحمن فوق خمس مرات يقول يبي يشوف حسن..
فرضا صدقت إن الشيطان صار ملاك وخلا حسن معي عقب ما أتزوج..
وش ذنب امهاب ينط عبدالله له كل يوم بحجة يبي يشوف ولده مع أني متاكدة إنه قصده التنكيد..
أنا ليش أخلي حياتي معلقة برغبات عبدالله وكرمه.. الله الغني
السالفة هذي كلها لازم أخلص منها بأسرع وقت.. كل ما قرب وقت العرس.. كل ماصارت السالفة أصعب..
مستحيل أخلي لعبدالله طريقة يأخذ ولدي مني..
حينها شد حسن جيبها بخفة: ماما أبي عدالله.. بابا وينه؟؟
جوزاء مسحت على شعره وهي تهمس من بين أسنانه: بابا في اللي ما يحفظه يأمك
حينها بدأ بالإلحاح: أبي بابا.. أنتي دلتي بعدين.. الحين بعدين..
جوزاء كانت تحاول محايلته والتحايل عليه.. ولكنه كان يلح بإصرار ثم بدأ بالبكاء..
لتصرخ فيه بصوت عال: قلت لك بس خلاص.. ماتفهم.. مافيه بابا اليوم
حسن فتح عينيه ذهولا ثم انفجر في البكاء.. فجوزاء لم يسبق حتى أن صرخت فيه..
جوزاء نظرت لنفسها بذهول.. حاولت أن تحتضنه.. ولكنه قفز لحضن لشعاع وهو يتعلق بعنقها..
شعاع احتضنته بحنان وهي تنظر لجوزاء بعتب وتهمس بصوت عاتب منخفض:
جوزا عمرش حتى الصياح ماصحتي عليه.. وش الخطوة الجاية تضربينه إذا طلب أبيه
جوزاء بجزع: لا إن شاء الله.. تنقص يدي لو مديتها عليه..
شعاع بهدوء: جوزا.. عبدالله صار حقيقة ما تقدرين تلغينها.. ماراح أقول الذنب ذنبش إنش علقتي حسن فيه
لكن بأقول الحين إنها رغبة رب العالمين.. الله سبحانه راد أن عبدالله يرجع ويلاقي حسن متعلق فيه كذا لحكمة
الحين هل كل ما طلب حسن أبيه بتصارخين عليه.. جوزا لا تعقدين البزر تكفين.. عبدالله أبيه من حقه يشوفه
حينها انفجرت جوزاء في البكاء: متى صار إبيه؟؟ هذا ولدي بروحي.. ولدي أنا..
شوفي أشلون حسون يطلبه ويبكي عليه.. يعني جاته محبته على الجاهز ماتعب فيها
لكن أنا اللي سهرت وتعبت وربيت خلاص مالي حق..
شعاع بألم: ياجوزا عمرها ماكانت كذا.. الحب ربي قسمه بين الأم والأب.. وماحد يأخذ غلا الثاني..
وحسن لو حب أبيه.. محبتش هي نفسها ما ينقص منها شيء
جوزاء بألم: عمره قلبي ماراح يصفى لعبدالله الزفت مغماز أبليس ذا.. لكن لأجل عين تكرم مدينة
تعال حسون حبيبي لا تبكي.. بأخلي خالي عبدالرحمن الحين يوديك لبابا..
حسن قفز من حضن شعاع ليتعلق بحضن أمه التي احتضنته ودموعها تسيل بصمت مثقل بوجعها الذي مزّق روحها المرهقة كل شيء..
*******************************************
" هو ماقال لك إنه بيجيبها عقب صلاة العصر؟؟"
عبدالله ينظر لساعته وهو يخاطب فهد.. فهد يجلس على أريكة في غرفة عبدالله المؤقتة في بيت صالح ويهتف بهدوء:
إلا قال.. بس عاد من دقة هزيع في المواعيد قالوا لك ساعة بيغ بين..
عبدالله يعاود النظر للمرة الألف من النافذة: صار لنا أكثر من ساعة راجعين من الصلاة.. ومهوب من بعد بيتنا ............
بتر عبارته.. ماعاد حتى يستطيع أن يقول أن البيت (بيتنا) وصاحبه ينبذه..
هذا وهو مازال لا يعلم أن والده علم بعودته ورفضها..
همس لفهد وهو يعود للجلوس: إلا عالية موافقة برضاها على عبدالرحمن؟؟..
فهد ينظر ليديه ويهتف بهدوء: ليه عالية حد يقدر يجبرها على شيء ماتبيه؟؟.. وبعدين عبدالرحمن مافيه عيب عشان ما توافق عليه
عبدالله يهز كتفيه: حبيت بس أتاكد..ومتى حددوا العرس؟؟
فهد بذات الهدوء: مابعد حددوه.. عالية باقي عليها فصل واحد.. يعني بترجع من فرنسا في عطلة الربيع..
إذا رجعت حددوه..
عبدالله بعدم رضا: بس كذا الملكة بتبطي.. يمكن يكملون سنة ماعرسوا.. وهذا مهوب سنع..
فهد بنبرة مقصودة: زين إنك عادك تعرف السنع ماسجيت منه..
عبدالله نظر له بشكل مباشر وهتف بذات النبرة المقصودة: والله أشوف ناس واجد مضيعين السنع.. اللي أهمها احترام الكبير
ترا الفرق بيني وبينك مهوب سنة وإلا سنتين.. أربع سنين..
وأشوفك من يوم جيت وأنت حاد علي سكاكينك..
فأنت اللي اعرف السنع واحترمني..
فهد تنهد وهو يقف ليميل على رأس عبدالله ويقبله ويهتف بحزم موجوع:
السموحة يأخيك..استحملني شوي.. أنا مستوجع منك واجد.. غصبا عني..
والله يوم أضايقك كني أضايق روحي.. بس وش أسوي بطبعي الأقشر..
عبدالله يشير بيده بضيق: خلاص ماصار الا الخير.. كلّم هزاع شوف وينه..
بعد انتهاء عبدالله من عبارته كان صوت هزاع قادما من الصالة عبر باب الغرفة المفتوح: وين أنتو يا جماعة الخير؟؟
فهد هتف بصوت عال: تعالوا يمينكم
بينما عبدالله وقف وهو يشد له نفسا عميقا ويريد أن يتوجه بنفسه للخارج لولا أنهما دخلا فورا
.
.
.
عالية منذ خروجها من البيت وهي عاجزة عن السيطرة على ارتعاشها..
هزاع هتف لها مازحا وهو يحاول تخفيف توترها: لا تكونين رايحة لاختبارات الثانوية العامة بدون ماتذاكرين؟؟
عالية باختناق: هو وينه قاعد؟؟
هزاع حينها تحول للسكون: في بيت صالح..
ثم أردف بتحذير لطيف: يا ويلش تبكين..
عالية باختناق أكبر: كيفي أبكي ما أبكي.. مهوب شغلك..
هزاع (بعيارة) : مهوب شغلي.. رجعنا للبيت..
عالية بجزع: لا فديتك.. شغلك ونص..
ثم صمتت وذكريات أثيرة دافئة تأخذها للبعيد..
يومها الأول في المدرسة..
كان هو في حينها الرابعة عشرة.. أصرَّ أن يذهب معها رغم أن أمها كانت معها.. أوصلها حتى باب المدرسة ثم همس في أذنها بخفوت:
إذا ما بكيتي اليوم في المدرسة.. العصر بأخلي صالح يودينا أي مكان تبينه بسيارته الجديدة.. وخذت من أبي فلوس وخليتش تشترين كل اللي تبين
بس لا تبكين..
هزت رأسها بعينيها الدامعتين..وهي تمسح أنفها المبلل بطرف كمها ثم انفجرت في البكاء..
ورغم أنها لم تفي بوعدها له أخذها في جولة مع صالح واشترت كيسا ضخما من الحلويات..
مع عبدالله بالذات في ذكرياتها حديث وشجن.. الكثير من الشجن..
حينما كانت صغيرة مدللة وعنيدة كان يعرف كيف يقنعها بما يعجز عنه الجميع..
كان يهمس في أذنها كأنه يخبرها بسر خاص بهما..وهمساته الحانية كانت دائما تصب في قلبها كالسحر...
حينما سافرت لفرنسا للدراسة لأول مرة.. كان هو من رافقها أيضا.. همس لها همساته التي ما فارقت أحلامها:
كنت معش أول يوم مدرسة.. لازم أكون معش أول يوم جامعة..
حينما أراد أن يعود.. تعلقت به وبكت مطولا..همس لها وهو يحتضنها: لا تفشليني وأنا حاط ثقلي كله في دراستش..
أبيش ترفعين رأسي... ويوم أسمع طاريش واسمش أنفخ ريشي وأقول هذي أختي..
غرزت أضافره في عضده وبكت أكثر وهي تدفن وجهها في صدره: زين اقعد عندي شوي بعد..
مازالت تذكر حينها ابتسامته التي ابتسمها لها وهو يبعدها عنه بحنو ويمسح وجهها.. ابتسامته هو التي لا مثيل لحنوها واختلافها:
هذا نايف عندش.. حطي بالش عليه.. والله الله فيه..
ثم عاد ليميل على أذنها ويهمس بحزم عميق: وتذكري زين إن الدين والحشمة مهوب لديرة دون ديرة.. ربش فوقش هنا وإلا في الدوحة..
ما نبي حد يقول بنت آل ليث طلعت فرنسا وغيرت جلدها..
ولا تبكين خلاص.. ما أبي أشوف دموع وأنا رايح
هزت رأسها أيضا.. وانفجرت باكية.. وهي تعود ركضا لغرفتها حتى لا تراه وهو يغادر الشقة...
.
.
هزاع بقلق: عالية بسم الله عليش ليش تبكين كذا كنش مقروصة..
عالية انتبهت أن هزاعا أوقف السيارة على جانب الطريق وأنها انفجرت تبكي دون أن تشعر
أدخلت يدها تحت نقابها لتمسح وجهها وهمست بصوت مختنق: انتظر بس خمس دقايق خلني لين أهدأ..
ولكن الخمس دقايق طالت أكثر من ذلك بكثير.. لأنها لم تتوقف عن النشيج الموجع الذي مزق قلب هزاع عليها: تبين نرجع البيت؟؟
عالية بجزع عميق: لا تكفى وش نرجع.. خلاص خلنا نروح.. أنا ما كنت أبكي قدامه.. بس شكل البكية حاصلة حاصلة..
.
.
وهاهي تدخل الآن بخطوات متوترة.. ولكنها تود لو تطير.. كانت تتعلق بذراع هزاع الذي دخل بها إحدى الغرف حين سمع صوت فهد فيها..
دخلت الغرفة..
كان يقف في منتصفها تماما
توقفا كلاهما.. كلٌّ في مكانه..
هو ينظر لوجهها المحمر وأجفانها التي بدأت بالانتفاخ
وهي تنظر إلى كل تفاصيله.. تريد أن تتأكد أنه هو ذاته أمامها.. ليس حلما ولا هلوسة ولا خيالا
يجتاحه الحنان..
ويجتاحها الحنين..
عاصفة عاتية من الشعورين يدور رحاها بينهما
كانت تريد أن تركض ناحيته ولكن قدميها ثبتتا في مكانهما وعيناها تتجمع فيهما فيضانات من الدموع تنذر بالانهمار بلا توقف
هاهو أمامهما كما هو قبل أربع سنوات وهي تودعه عريسا بعد زواجه بشهر
لتفجع بعد عودتها بأنه اختفى من الوجود.. وأنه أصبح طيفا راحلا تتجرع ألم ذكراه وحرقة غيابه..
أنه ماعاد بقي لها من عبدالله سوى ذكريات باردة لا تحمل دفء راحة يديه ولا حرارة مشاعره
تتذكر المرة الأولى التي حملت حسنا بين يديها.. كيف انفجرت باكية بهستيرية وفيض حزنها وضغط مشاعرها وذكرياتها يجرفانها نحو البعيد البعيد
وهاهو والد حسن الآن أمامها.. هو من سيربي حسنا بنفسه إن شاء الله.. لن يكون حسن اليتيم بعد اليوم..
وإن كانت هي جمدت مكانها فهو كان من تقدم ناحيتها.. وهو يهمس لها بابتسامة حانية مثقلة بالحنين العميق: هي السنين تخلي البنات حلوين كذا!!
حينها كان قد وصلها.. تعلقت بجيبه بقوة وهي ترتمي في حضنه وتنفجر في بكاء غير مسبوق.. فجع أشقائها الثلاثة
فهد يهمس لهزاع بتأثر: وش فيها أختك.. لا تكون قررت تصير أنثى عقب ذا السنين ..؟؟
عبدالله كان يشد على عالية المنهارة بكاء في حضنه وتأثره يتعاظم وإحساسه بالذنب يخنقه..
لينتزعه من تأثره لكمات رقيقة على صدره وكلمات مبعثرة من بين نشجيها: وين كنت؟؟ وين كنت؟؟
عبدالله يمسك كفيها بحنو بيديه الاثنتين: أنتي كنتي تدرسين هندسة جينية وإلا مصارعة؟؟
عالية تمسح وجهها الغارق بالدموع بعضدها لأن يديها بين يديه وهي تهمس باختناق: وأنت كنت ميت وإلا تلعب علينا؟؟
عبدالله يبتسم وهو يفلت يديها ليمسح وجهها بأطراف أنامله ثم يحتضن وجهها بين كفيه: فديت الوجه.. والله كبرتي يا بنت وصرتي عروس
تناولت كفيه من وجهها لتنثر فيهما قبلاتها وهي تشهق: الحين يحق لي أكون عروس
عاود شدها ليحتضنها بقوة وهو يهدئ روعها مع تزايد شهقاتها.. ثم جلس هو إياها على الأريكة دون أن تفلته
مضت عدة دقائق من صمت وهي تبكي على صدره وتحتضن خصره بذراعيها
حتى هتف فهد بمرح: قولو لا إله إلا الله ياجماعة الخير..
الرجّال ترا راجع للدنيا مهوب طالع منها على ذا البكا كله..
حشا علوي خزان دموع مهوب آدمية..
عالية ترفع رأسها وتمسح أنفها المحمر وتهمس بابتسامة شفافة: يأخي مبسوطة ودموعي كيفي فيها.. شيء من حلالك أنت
فهد يبتسم: نخاف عبدالرحمن يقاضينا عقب يقول مرتي نشفت دموعها..
عالية تمسح وجهها بيديها الاثنتين: لا تخاف عليه هو أصلا مجهزة له خزان دموع له بروحه.. بلفيت أني أنثى يعني..
عبدالله يبتسم بحنو: مبروك يا الغالية .. الله يوفقش.. عبدالرحمن رجّال فيه خير
عالية حينها ردت بخجل: الله يبارك فيك
هزاع يضحك: شوف الأخت قبل شيء مادة لسانها عند فهد ومجهزة للدحمي خزان دموع
ويوم بارك الله لها عبدالله سوت روحها مستحية...
عالية تميل لتقبل صدر عبدالله ثم تقبل خده وتهمس بمرح باكٍ: ما أبيه يتروع من أولها... عطه شوي وقت لين نعطيه مثلكم..
*******************************************
" بارك لي يأبيك"
كساب تتحفز مشاعره وهو يلتفت لعمه الذي كان يرتكي على مقعده بفخامة ويرتشف فنجانا من القهوة: مبروك بس على ويش؟؟
منصور بحميمية فخمة: بأصير أب..
كساب قطب جبينه: من جدك وإلا نكتة ذي؟؟
منصور يناول المقهوي فنجانه وهو يهزه ويلتفت لكساب بغضب: استح على وشك قدام أسبحك بدلة الصبي الواقف..
كسّاب ينظر لعمه بنصف عين وهو يهتف ببرود: تدري ياعمي نكتة مثل ذي ترا ما تلبق لواحد مثلك..
حينها عاود منصور الارتخاء على مقعده وهو يشير للمقهوي أن يصب له فنجانا آخر ويهتف بحزم متمكن:
تدري الشرهة علي اللي بغيتك أول واحد أبشره.. ولو أني ماني بمبسوط وما أبي أعكر مزاجي بوجهك العكر.. وإلا كان وريتك شغلك
بس ما أبي أخذ ذنب بنت آل سيف تدخل عليها ووجهك مشرح..
حينها مال كسّاب على عمه بتساؤل: عمي من جدك؟؟
منصور حينها هتف ببرود: ماعليك مردود
كسّاب قفز ليقبل أنف عمه: أفا.. ما أسرع يحضر زعلك يأبو زايد.. إذا أنت صدق صادق.. فأنا في وجه زايد الصغير
حينها ابتسم منصور: دام دخلت في وجه زايد الصغير فأنت وصلت.. اللي في وجه ولدي.. في وجهي..
حينها اتسعت ابتسامة كسّاب وهو يهمس بسعادة حقيقية: كفو كفو زايد وأبيه..
ثم أردف وهو يقبل رأس عمه مرة أخرى: مبروك ياعمي ألف مبروك
ثم أكمل وهو يغمز بعينه: بس وش سالفة عندي عيب وما أبي أعالج وعقبه حتى شهر ما كملت إلا خالتي حامل؟؟
منصور ينظر له بنصف عين: هذا اسمه تنظال؟؟ وإلا اعتراض على قسمة رب العالمين ؟!!
*********************************
" أشلون يعني ياعبدالرحمن؟؟
خلاص؟؟ خلاص؟؟ "
عبدالرحمن بألم يحاول إخفائه خلف هدوء صوته: النصيب كذا يا سنايدي..
جوزا تعبانة.. وخايفة عبدالله يأخذ ولدها منها.. ونفسيتها تعبانة..
والطلاق كل ما تاجل كل ماصار الموقف أصعب..
مهاب بحزم وتصميم: أنا شاريها يا عبدالرحمن..
عبدالرحمن تزايد ألمه: وحن والله شارينك أكثر.. بس السواة سوات الله... صحيح إنها أختي بس صدقني إنها الخسرانة
وأنت الله بيكتب لك نصيب أحسن منها..
مهاب شد له نفسا عميقا وهتف بحزم: ومتى تبون الطلاق؟؟
عبدالرحمن تنهد: خلنا نروح بكرة الضحى للمحكمة...
مهاب يوقف سيارته أمام بيت عبدالرحمن لينزل عبدالرحمن ويهتف بخيبة أمل عميقة لم يستطع إخفائها:
خلاص عبدالرحمن تم.. نتقابل بكرة الساعة 10 في المحكمة..
مُهاب حرك سيارته على غير هدى..
طوال حياته كان تفكيره في نفسه في ذيل أولوياته..
حتى في زواجه من جوزاء لم يكن يفكر في نفسه أكثر من تفكيره في حسن وقرب عبدالرحمن
ولكنها الآن أصبحت تنتمي له.. زوجته وارتبطت باسمه.. فلماذا حتى هذا الحلم أصبح كثيرا عليه؟؟
لماذا بعد أن استعد ليكون زوجا وأبا ورتب حياته على أساس ذلك ينهار كل ذلك من أجل من عاد من الموت..
لماذا بعد أن أصبحت شريكة لأحلامه تنتزع منه حتى الأحلام بهذه القسوة؟؟
لماذا ؟؟ لماذا؟؟
لــمـــــــاذا؟؟؟؟
********************************
" صافية وش فيش؟؟
قد حن بين الصلاتين وأنتي عادش منسدحة.. واليوم كله تقومين وترجعين تنسدحين
عسى منتي بتعبانة؟؟"
أم صالح تعتدل جالسة بحرج وهي تعدل وضع برقعها ولفتها عليها وتهمس باحترام بصوتها المرهق:
لا فديتك ماني بتعبانة.. بس سويت اليوم ريوق لوحدة والدة.. وتعبت شوي
أبو صالح يجلس جوارها ويهتف بهدوء يخفي خلفه ألما نفسيا عظيما متجسدا بوحشية تصاعد منذ لقاءه مع صالح حتى غشى أطراف الروح :
الاسبوع اللي طاف سويتي لي ريوق رياجيل وأنتي مع الخدامات من قدام الفجر.. وماجاش نفس اللي جاش اليوم
قومي خلني أوديش الطبيب.. سدحتش ذي مهيب جايزة لي..
أم صالح بذات الإرهاق العميق: والله العظيم مافيني شيء..
بس يا خالد.......
ثم صمتت.. بينما أبو صالح استحثها: بس ويش؟؟
أم صالح بعمق مجهول: من أمس وأنا قلبي كنه يعصر.. ما أدري وش أقول لك.. تطري على طواري.. وكني أتنى لي خبر.. مستوجعة وعظامي ما تشلني..
أتعوذ من الشيطان.. والشيطان ماخلاني..
كنت متروعة على صالح.. ويوم شفته طيب تريحت.. بس ذا الوجع اللي في قلبي عيا يفارقني.. يا الله الستر من عندك..
أبو صالح تنهد بعمق.. مصدوم.. مذهول.. متألم..
" أ لهذا الحد شعرت بأنفاس عبدالله قريبة منها؟؟
أ لهذا الحد اغتالتها رائحته القريبة؟؟
ألهذا الحد تواصلها مع روحه أشعرها بقربه منها؟؟
سبحان الله كيف أنبأها قلبها أنه هنا.. وكيف بدأ يؤلمها اشتياقا لرؤيته!!
أ هذا الألم هو دقات قلبها تناديه؟؟
أ هذا الألم هو وطأة اشتياقها له؟؟
أ هذا الألم هو وجع الأيام التي مضت من دونه؟؟ "
همس أبو صالح بخفوت: حسيتي فيه هنا؟؟ حسيتي إنه صار قريب؟؟
أم صالح باستغراب: من هو؟؟
أبو صالح كأنه يحادث نفسه: عبدالله
أم صالح تراجعت بعنف جازع حاد وهي تهمس باختناق: أي عبدالله؟؟ خالد بسم الله عليك أنت وش تهوجس فيه؟؟
همس لها بذات الطريقة التي كأنه يحادث نفسه فيها: ما أردش تشوفينه.. هذا ولدش.. لكن أنا ما أبي أشوفه.. ما أبي أشوفه...
أم صالح بدأت ترتعش وهي تحاول الإمساك بكتفها الأيسر حيث شعرت بألم بشع يتصاعد وكلماتها تتبعثر: من ولدي هذا؟؟ أي ولد؟؟
أبو صالح لم يكن ينظر ناحينها.. كان ينظر أمامه ويحادث نفسه.. يحادث نفسه فقط : عبدالله ياصافية
عبدالله اللي رجع من الموت.. أربع سنين يلعب علي..
أربع سنين وأنا أموت في كل يوم ألف مرة.. أتحسر عليه ألف مرة..
أسبه ألف مرة.. وأبكي عليه ألف مرة..
وعقب ذا كله يطلع حي.. حي..
أربع سنين وأنا أشرب الحسرة.. حسرة ورا حسرة وأنا أدعي له بالمغفرة
حجيت له مرة.. واعتمرت له مرتين.. وبنيت له مسجد وحفرت له بيرين.. وكفلت خمس أيتام باسمه
وأنا ما أمسي الليل.. وأنا يتخايل لي ربي يعذبه.. فأقوم متروع من نومي أصلي وأدعي له وأدعي له
أسمعش تدعين ويكون ودي أقول كثري له الدعا..
وعقب ذا كله يا صافية يطلع حي ويلعب علي.. أربع سنين ناسينا والحين رجع..
أم صالح حينها أمسكت بذراع أبي صالح بقوة ليلتفت لها بصدمة وهو يستوعب صدمتها الكاسحة وهو يسمع صوتها يتحشرج..
لم يعلم حتى أنه كان يتكلم بصوت مسموع.. كان يحادث نفسه من خلالها
كانت أم صالح تنتفض بعنف..أطرافها ترتعش.. وعيناها تتقلبان..
حاول أن يسندها..وهو يصرخ بجزع: صافية وش فيش؟؟ وش فيش؟؟ لا حول ولا قوة إلا بالله أنا وش سويت؟؟
فإذا بها تسقط بين ذراعيه وارتعاشها يتزايد.. ويتزايد.. وصوتها يتحشرج بشدة..
*****************************************
" يا الله يأبيك تجهز.. الليلة متأخر طيارتنا.. وبكرة الصبح حن في الدوحة إن شاء الله"
تميم يهز رأسه موافقا ثم يشير بهدوء: خلنا نروح نسلم على عبدالجبار أنا شريت له شال صوف كشميري.. مالقيت عندهم شيء ينفع له غيره
المرة الجاية بأجيب له بشت صوف زين من الدوحة..
أبو عبدالرحمن لم يفهم جيدا ما أشار له به تميم فأعاد تميم الإشارة بطريقة أكثر تبسيطا.. حينها ابتسم أبو عبدالرحمن:
تدري إني قد جبت له فوق ست بشوت..
يبتسم تميم ويشير: ماعليه بشت زيادة مايضر.. مشتهي أجيب له شيء غالي
قلبي موجعني عليه الله يجبر كسره
****************************************
" عبدالرحمن ليش ماوديت حسون.. أنا وعدته أنك بتوديه
وقد حن الحين عقب صلاة العشا وأنت ما وديته
لو علي ودي إنه مايروح.. بس جنني.. وأنت كل ماقلت لك تهربت مني"
عبدالرحمن يجيبها بتأثر: وش أقول لش يا جوزا...ما أقدر أوديه.. أم صالح جاتها جلطة اليوم العصر.. وفي المستشفى.. والعرب حالتهم حالة..
جوزاء تفجر جزعها صاخبا وحقيقيا: وتوك تعلمني.. ولو ما سألتك كان ما قلت لي بعد..
عبدالرحمن بسكون متأثر: يعني تبين أبشرش بالخبر..
جوزاء بغضب: إلا المفروض أول مادريت بالخبر أنك جيت وقلت لي
أم صالح أعتبرها عدت أمي.. وكان لازم أطل عليها على الأقل.. وأشوف لو عالية تبي شيء
عبدالرحمن بحنان: خلاص يالغالية.. بكرة أوديش...
جوزاء بتصميم: وش بكرته؟؟ ودني الحين.. لازم أتطمن عليها بنفسي.. والحين
*****************************************
" عبدالله ما أقدر أخليك تطلع فوق"
عبدالله بغضب كاسح: وليش أنا ما أقدر أشوفها.. كلكم شوفتوها.. وانا لا..
مهوب كفاية إن اللي جاها جاها من سبتي.. وحتى شوفتها بتحرموني منها
خافوا ربكم فيني..
قلتو لي انتظر شوي.. انتظرت.. أكثر من كذا ما أقدر.. حس فيني يا صالح
حاس أني بأموت.. مخنوق ياناس...
صالح بحزم: ابي موجود عندها فوق.. وهو يقول ما يبي يشوفك.. ومحذرني أخليك تجي وهو موجود
انتظر شوي بعد.. لين يروح من عندها..
عبدالله يفتح باب السيارة ويستعد للنزول ويهتف بحزم بالغ: ما يبي يشوفني؟؟ خله يسكر عيونه..
مهوب رادني من شوفة أمي إلا الموت...
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم HaboOoshy
" عبدالله.. عبدالله.. عبدالله "
منذ بدأت تستعيد وعيها وهي لا تهمس بشيء عدا اسمه.. أنين..زفرات.. حسرات.. نزيف..
لم يكن مجرد اسم يُنادى.. كان شيئا فوق النداء وكل تصوارته..
لم تكن مجرد "أحرف" كونت "اسما" .. كانت أحرف "ألم" كونت "فجيعة"..
كانت روحها تذوب مع همسات الاسم الذي تنزفه روحها اشتياقا وفقدا.. الاسم الذي لا يرد عليها صاحبه..
" أين هو؟؟
ألم يقولوا أنه عاد من بعد الموت؟؟
ما باله لا يجبيني؟؟.. هل أصابكِ الجنون يا صافية؟؟
هل أصابكِ الخرف؟؟
هل تخيلتِ كل هذه الحكاية؟؟
الأموات لا يعودون.. لا يعودون"
ومع ذلك.. حتى وهي تظن أنها تخيلت ذلك.. لم تتوقف عن مناداته.. فالأمل أُطلق في قلبها.. اُطلق في قلب أم
" أنا رايح البيت.. خلوه يجيها"
هتف أبو صالح بحزم بذلك وهو يقف موجها الحديث للأربعة المتواجدين قريبا منه.. فهد وهزاع وعالية ونايف...
بينما كانت نجلاء تجلس في الزاوية ملتفة بعباءتها.. وغارقة في حزن شفاف لحال أم صالح.. وصدمة غامرة لعودة عبدالله..
عالية أمسكت بذراع والدها وهي تمسح وجهها الذي احمر لكثرة ماذرفت من دموع اليوم:
يبه وش ذا القسوة اللي عندك؟؟
ما تبي تشوف عبدالله؟؟ لو مهما كان اللي سواه مزعلك.. المسامح كريم
تكفى يبه.. عبدالله جاه ما كفاه.. تكفى تسامحه..
أبو صالح نفض يدها من يده بحدة.. بينما عالية تراجعت مذهولة من تصرف والدها الذي تعرفه مولعا بها لأبعد حد..
وهتف بحزم بالغ: ماحد منكم يتدخل في اللي ماله فيه شغل.. أخيكم بصركم فيه.. مارديتكم منه..
بس أنا ما حد منكم يهقى أنه بيمشي شوره علي
كان أبو صالح على وشك الخروج حينما تفاجئوا جميعا بالإعصار الذي اقتحم عليهم الغرفة وصالح يحاول اللحاق به..
عبدالله حينما اقتحم الغرفة لم يكن يبصر أي شيء فيها سوى المرأة المسجاة بالدثار الأبيض.. وقف للحظة وأنفاسه تعلو وتهبط بصوت مسموع..
وقف للحظة يملأ عينيه من محياها.. وكأنه يريد أن يعوض آلاف اللحظات التي مرت وهو يحلم بلثم هذا المحيا فلا يجد إلا سرابا
آلاف اللحظات التي مد يديه ليحتضنها فاحتضن خيالا شاردا مرا
آلاف اللحظات التي حلم فيها بعبق رائحتها ودفء أحضانها واختلاف حنانها.. فلم يجدا إلا صقيعا ومرارة وقسوة..
انتفض من أفكار الخيال ليغترف من الحقيقة.. لينكب على قدميها يقبلهما..
فتسقط غترته عند قدميها وهو يغمرها بقبلاته المشتاقة الموجوعة
وهي حينما شعرت بحرارة أنفاسه المختلفة على قدميها مدت يدها اليمين وهي تهمس بصوت مبحوح متقطع: عبدالله جيت؟؟
التقط يدها مقبلا مختنقا.. لينتقل لجبينها ووجهها وكتفيها وهو يهمس في أذنها باختناق:
جيت يالغالية.. جيت جعل يومي قبل يومش..
كذا تروعيني عليش.. توني ما كحلت عيني بشوفتش..
مدت يدها لتمسح خده وهي تهمس بصوت أثقلته العبرات.. صوت أرواه الحزن: صدق أنك عبدالله؟؟
عاود تناول كفها من خده لينثر في باطنها وظاهرها مزيدا من قبلاته المغرقة في الاشتياق والوجع
ثم نقل أنامله ليمسح قطرات انهمرت من عينيها: طالبش ما تبكين.. والله أني عبدالله.. جعل عبدالله فدا لخطاوي أرجيلش..
لم تستطع منع نفسها من البكاء: البكا يأمك قد بكيته وبكيته لين مل مني..
مدت يدها السليمة لتحتضن رأسه بارتعاش .. وتقربه هي منها لتطبع على خده قبلة واحدة مبللة بدموعها مثقلة بالنشيج والأنين..
تشعر أن كل هذا كثير عليها.. ابن يعود من خلف الموت بعد أن تجرعت طيلة سنوات ألم فقده
يعود بعد أن أشبعت الأيام بصدى بكائها الذي تردد في روحها ونخر عظامها كسوس لا يرحم..
يعود بعد أن ذوت الروح لفقده وهو عريس جديد ترك خلفه يتيما كلما رأته تجدد جرح قلبها الذي لا يندمل..
فترة مضت والاثنان على هذا الحال بين نشيج وأنين واحتضانات لم يشعرا فيهما بأحد..
رغم العيون العديدة التي احتضنت المشهد.. ورغم تعالي نشيج عالية بوضوح
وهناك شخص كان يقف.. كان سيغادر.. وأراد أن يغادر..
ولكنه رغما عنه.. وبقوة تفوق صلابته التي لطالما عُرف بأنها لا حد لها.. لم يستطع أن يغادر!!
قدماه مغروستان في الأرض.. وعيناه تنهشان بجوع مرير كل تفصيل صغير من تفاصيل العائد من خلف الغياب..
تفاصيل ربما لم يلحظها سواه.. جرح صغير غائر بقرب صدغه اليمين..
سمات مهابة متزايدة جللت وجهه الذي أُشبع من تفاصيل الحزن..
وما لاحظه سواه -وآلمه هو رغم الإنكار- شعيرات شيب تزايدت في عارضين كانا كسواد ليل بهيم..
" أكانت روحه تشيب كروحي؟!!
أ كان يشاركني حزنا لم نستطع إظهاره سوى ببياض شعيرات عكست سواد أيامنا؟!!
أ كان هذا البياض هو بياض أعين ذرفت الدموع حتى شاخت؟!!
أم هو وجع شق الروح وما استطاع الظهور سوى بشق طريقه بشعيرات بيضاء؟؟
لا.. لا.. هو ارتحل.. وهان عليه كل شيء..
ألقى بكل شيء خلفه.. وطنه وأهله.. وحتى سمعته
لم يهمه أي شيء..
وأنا كذلك لن يهمني أي شيء"
هكذا كان يفكر وهو ينظر لعبدالله وأمه ويذهب به التفكير فلا ينتبه أن عبدالله وقف واتجه ناحيته..
وقبل أن يتصرف كان عبدالله ينكب على يده مقبلا وهو يهتف برجاء عميق موجوع مستميت..
رجاء الهالك عطشا لقطرة الماء الأخيرة.. رجاء المختنق لنسمات الهواء المتبقية:
طالبك تسامحني.. أنا حاضر للي تبيه يبه.. بس سامحني جعلني فداك..طالبك
ارتعشت أعماقه حتى آخر خلية وهو يشعر بأنفاسه على يده.. ولكن هذه الرعشة لم تتجاوز الروح لبنية الطود العظيم وهو ينتزع يده بحدة..
ويترك الغرفة مغادرا دون أن يتفوه بكلمة..
عبدالله وقف يغتاله حزن عميق أفسد فرحة كانت بذاتها مبتورة من كل ناحية..
" أنت شغال أفلام هندية أول شيء مع أختي ثم مع نسيبي..
والخال المسكين ماله من الحب جانب.. وإلا عشاني صبي يتيم نسيتوني؟!!"
عبدالله يلتفت لنايف وابتسامة شفافة تتسلسل لروحه وهو يحتضنه بعمق دافئ شاسع: المنسي غيرك ياخال.. ماكثروا جداني الخوال عشان ننساك..
نايف بتأثر عميق: يوم قالوا لي أنك حي.. ماصدقت لين شفت بعيني.. الحمدلله على سلامتك..
وترا عشاك أول ما تشالى أم صالح عندي.. بأعزم هل الدوحة كلهم..
صالح مقاطعا: مالك لوا ياخال... حن نبي نسوي لعبدالله عشا كبير أول.. بس خل نضبط الأوضاع... وانت عقب بصرك أنت وإياه..
أم صالح قاطعت سيل الحلف الذي بدأ بين الأنهمار.. وهي تشير بيدها وتهمس بضعف: عبدالله تعال اقعد جنبي يأمك..
عبدالله سحب مقعدا وجلس جوارها وهو يحتضن يدها بين كفيه..
حينها همست نجلاء التي كانت تجلس في الزاوية البعيدة بصوت مبحوح بدا أثر البكاء فيه واضحا: الحمدلله على سلامتك يأبو حسن..
عبدالله دون يلتفت رد عليها بنبرة احترام أخوية عميقة: الله يسلمش يأم خالد.. بشريني منش..
بعد انتهاء السلامات المتأثرة فعلا بين الطرفين.. عاود عبدالله الانتباه بكل مشاعره مع أمه يحادثها حينا ويقبلها حينا.. وهي تستمع ودموعها تأبى التوقف..
بينما صالح أشار لنجلاء أن تخرج حتى يوصلها للبيت....
بعد حوالي ساعة..
فهد الذي أنهى اتصالا التفت للمتواجدين جميعا: يا الله يا شباب... خلونا نطلع عبدالرحمن جايب أم حسن تشوف أمي..
الشباب الثلاثة فهد وهزاع ونايف نهضوا بتلقائية ليغادروا وهم يسألون عالية إن كانت تحتاج أي شيء لها أو لوالدتها بما أنها هي من ستنام مع والدتها..
ولكن الشاب الرابع كانت مشاعره أبعد ما تكون عن التلقائية والعفوية..
كانت غاية في التعقيد والالتباس وهو يريد أن يخرج قبلهم.. لا يريد حتى أن يكون معها في نفس الطابق.. لن يحتمل إحساسه بقربها أبدا..
وأكثر ما يؤذيه في الصميم ويجرحه أنها أصبحت لرجل آخر وحتى تفكيره بها لا يحل له ولا يجوز..
ولكن والدته لم تسمح له بالمغادرة وهي تتشبث به بقوة.. عبدالله همس لها بحنان: يمه فكيني بأروح شوي وبأرجع عليش.. بتجيكم مرة..
أم صالح همست له برجاء عميق بصوتها المبحوح: يأمك مابه حد غريب.هذي أم ولدك..أحذفها بالسلام.. واكيد مهيب مبطية.. بتسلم وتروح..
طالبتك ماتروح...
عبدالله أشار لعالية بعينيه (أنقذيني).. عالية همست لأمها بحنان: يمه خلي عبدالله يروح لين تروح جوزا.. مهوب رايح مكان.. قريب منا.. وبيرجع علينا
عاجزين عن فهمها وهي عاجزة عن إطلاق إساره.. لم تطمئن روحها بعد أنه عاد إليها..فكيف يريدونها أن تتركه؟؟..
حتى يختفي مرة أخرى.. حتى لا يعود لها؟؟
همست حينها أم صالح بتصميم رغم إرهاق صوتها المنهك:
خلاص ما يبي يواجه جوزا.. كلميها تعذري منها وقولي لها ترجع يوم ثاني دامه يبي يفشلني..
عبدالله الليلة مهوب مفارقني شبر..
عالية بجزع: يمه وش أكلم جوزا وأقول لها لا تجي.. المرة صارت تحت.. وجايه متعنية ذا الحزة
عبدالله حينها هتف بحزم وهو يقبل يد أمه: ما يصير إلا اللي يرضيش.. أنا الليلة عندش ما أنا مفارقش مكان..
أم صالح شدت على يد عبدالله وهمست بألم عميق: تكفيني السنين اللي أنت فارقتني فيها.. مستكثر علي ذا الليلة؟؟
بعد دقائق كان باب الغرفة يُطرق بخفة..
جوزاء كانت متأكدة أن من مع أم صالح عالية وربما بعض شقيقاتها أو نجلاء.. لذا فتحت الباب ودخلت بهدوء لا يحركها سوى رغبتها الصادقة بالاطمئنان على أم صالح..
جوزاء رفعت طرف الشيلة عن عينيها حتى تنظر.. لتفجع بكل وحشية بالجالس جوار أمه..
تأخرت خطوة وكانت تتمنى لو تهرب ملايين الخطوات!!
تأخرت خطوة وهي تتمنى لو كان بينهما كل قارات العالم ومساحاته الشاسعة!!
تأخرت خطوة وهي تشعر أن جدران الغرفة تتقارب لتطبق على صدرها.. وتسحقه..
هو لم يرفع بصره مطلقا إليها.. رغم أنه روحه كانت تذوي وهي تطالبه بمجرد نظرة.. نظرة واحدة..
ولكنه لم يستجب وعيناه مثبتتان على يد والدته التي تمسك بيده..
وهي شعرت باختناق محرق وكأنها القيت وسط نار مستعرة عاجزة عن التنفس وأطرافها تذوب من حرارة النار والكراهية التي لا حدود لها..
إن كان هو لم ينظر.. فهي نظرت ونظرت ونظرت وهي تشعر بكراهيتها له تتجسد وتتجسد وتتجسد لتتحول إلى غول ضخم يوشك على الانقضاض والتدمير..
"مازال كما هو.. وسيما متفاخرا.. شعيرات بيضاء زادته وسامة وتفاخرا
بينما أنا ازددت بشاعة وقبحا
هو لم يتغير .. بينما أنا تحولت بفضله إلى مخلوق بشع شكلا ومضمونا"
ضمت قبضتها بقوة.. وأظافرها تنغرس في باطن كفها..كانت تود أن تصفعه وتصفعه وتصفعه حتى تطفئ بعضا من نيرانها المتأججة..
أو على الأقل أضعف الإيمان تمنت لو تهرب من هذا المكان الضيق الذي جمعهما..
ولكن بما أنها لا تستطيع فعل أحد الأمرين
فأقل ما تستطيعه أن تشعره أنه غير ذا أهمية بالنسبة لها.. وانه لم يحرك في داخلها أي ذرة إحساس.. لأنه مخلوق لا وجود له بالنسبة لها
مجرد هباء... هو لا شيء.. لا شيء أبدا..
كل هذا التفكير كان في مجرد ثوان.. وهي تشد لها نفسا عميقا بعده.. وتهمس بثقة غامرة وإن كانت مصطنعة : السلام عليكم..
عالية تقف لتسلم عليها وهي ترحب بها.. بينما جوزاء دارت من ناحية السرير الأخرى.. وقبلت كتف أم صالح..
لم تقترب من رأسها حتى تبتعد عنه قدر الإمكان..
وهمست لها من قرب: الحمد لله على سلامتش يمه.. خطاش الشر..جعلها سلامة طويلة يارب.. وأجر وعافية..
همست لها بصوت خافت.. همسات مزقت هذا الصامت المنحني بنظراته على يد والدته..
همساتها كانت قريبة.. دافئة.. حانية..
رغما عنه.. صبت في النقطة الأعمق في روحه لترتعش هذه الروح المرهقة..
سيجن شوقا لها ولهمساتها.. سيجن!!
"يا الله أي عاشق متيم مجنون أنا؟!
أ هكذا هو العشق بكل حالاته.. أم هذه حالة خاصة بي تلبستني شياطينها؟؟
حالة خاصة بي هي عقوبة رب العالمين لي على كل مافعلته!!"
همست لها أم صالح بضعف: الشر ما يجيش.. ما كان تعنيتي يامش ذا الحزة وخليتي حسن.. أنا مافيني إلا العافية
جوزاء همست بحياد وهي تبتعد لتقف بجوار عالية: حسن عند جدته وخالته.. وما أقدر أدري أنش تعبانة وما أجيش.. أنتي مع كل شيء صار أمي..
شددت النبر على عبارة (كل شيء صار) تشديدا لم يفهم مقصدها منه سواه..
همست أم صالح لعبدالله: سلّم على أم حسن يأبو حسن..
عبدالله هتف بهدوء يختلف عن أعاصير جوفه ودون أن يرفع بصره: أبيها تخلص سلام عليش أول..
مساش الله بالخير يأم حسن..
جوزاء تمنت ألا ترد عليه.. أن تخرج خارج المستشفى بكامله في هذه اللحظة.. ولكنها لم ترد أن تشعره بتأثيره المرعب عليها.. وإحساس مر بالكراهية والبعض والحقد يتصاعد في روحها حتى خنقها
(يسلم كنه ما سوى فيني شيء
يمسيني بالخير.. والخير ودعته مع شوفة وجهه)
ورغم كل مرارة مشاعرها المعقدة النارية..همست بهدوء يشابه هدوءه الملغوم: الله يمسيك بالنور.. والحمدلله على السلامة..
ما هقيت أن أمريكا تقوم حتى الميتين من قبورهم يأبو خالد ..
رغما أنها فلتت العبارة الأخيرة.. لم تستطع منعها..خصوصا وهي تشدد النبر على ختام العبارة.. وعلى (أبو خالد) وكأنه توصل له رسالة ما وهي تناديه بكنيته القديمة باسم والده.. وكأنها تريد إبعاده عن ابنها.. فهو لا يستحق أن يكنى بأبي حسن.. لأن حسن ابنها هي!!
وماهمها في الموضوع هما أم صالح وعالية فقط.. وخصوصا أن الاستياء ظهر في وجيهما واضحا
عبدالله أجابها ببرود: الله سبحانه إذا بغى رد الميتين.. ورد حقوقهم عليهم بعد..يأم حسن
هذه المرة هو من قصد أن يوصل لها رسالة واضحة.. وصلت لها بكامل الوضوح لترتعش رغما عنها
(الحيوان النذل.. يهددني بولدي... الحين صار له حقوق عندي..
لو أدري إنه عند أمه.. والله ما أجي)
جوزاء مالت على أذن أم صالح وهمست لها بخفوت شديد فلم يسمع صوتها سواها.. همست لها ببضع عبارات.. ثم سلمت على عالية وغادرت..
حينما غادرت همست عالية بضيق: ما تخلي طبعها الشين.. هي وقط الكلام على غير سنع..
همست لها أم صالح بحزم رغم ضعفها: أنتي آخر من يتكلم عن قط الكلام على غير سنع.. وجوزا ما تجيبين طاريها إلا بالزينة..
يوم بغيت أموت عقب خبر عبدالله.. ماحد قام بي غيرها... والله لو أنتي اللي عندي ما تسوين سواتها.. وجميلها فوق رأسي لين أموت..
عالية تقف لتقبل جبين والدتها وتهمس بعمق: وأنتي تدرين زين أني عمري ما عتبت على كلمة تقولها..
بالعكس أشوف أحيانا إن كلمتها اللي تقطها كلمة حق.. وأنا عمري ما كرهت الحق
لكن هي شايفتنا فرحانين برجعة عبدالله.. مالها سنع ذا الكلمة.. كان كتمتها في نفسها..
" يمه هي وش قالت لش يوم جات تطلع؟؟" عبدالله الغارق في أفكاره قاطع الجدل الدائر بتساؤله..
همست أم صالح بحزم بصوتها المنهك: كلام مالك فيه لزوم..
عبدالله برجاء: هي أمنتش ما تقولينه؟؟..
أم صالح باستغراب من سؤاله: لا..
عبدالله برجاء حازم: زين أنا أمنتش بالله تقولينه لي..
حينها أشارت له أن يقترب منها وهمست في أذنه بتأثر وهي تشد على يده: قالت لي يمه لا تزعلين مني طالبتش.. ما قصدت أحزنش.. بس أنا مجروحة منه.. مجروحة منه واجد..
***********************************
" يبه.. أبي أشورك في سالفة؟؟"
أبو غانم يلتفت لغانم: قول.. وش عندك؟؟
غانم يهتف بهدوء مدروس: عشان الرجّال اللي قلت لك عنه أنت وعمي
اللي يشبه عبدالله
أبو غانم بتوجس: وش فيه؟؟
غانم بذات الهدوء المدروس: أنا قلت عند عمي يشبه عبدالله.. بس لك أقول أني متأكد إنه عبدالله..
أبو غانم صمت لثانية ثم همس بنفس مبحوح والعبارة تتقطع: متأكد يأبيك؟؟
غانم بثقة: متأكد مية في المية..
أبو غانم شعر بألم عميق في قلبه والصدمة تثقل عليه بشفافية مذهلة.. ليهتف بعدها بسعادة حازمة:
أجل رحلتك اللي بتروح فيها احجز لي معك...أبي أشوفه بعيني..
حينها ابتسم غانم وهو يرتاح لتقبل والده للأمر ويربت على يد والده ويهتف بمودة دافئة: أجل قم أنا وإياك نتحمد لام صالح السلامة ونشوفه عندها..
************************************
" يبه أقدر أدخل؟؟"
صوت صالح يرتفع من خلال الباب الموارب.. ليرد عليه والده بصوته الحازم الذي يتبدى في ثناياه إرهاق عميق: تعال يأبو خالد..
صالح دخل بهدوء ليجلس بجوار والده الذي كان يجلس على طرف سريره.. هتف أبو صالح بحزم قبل أن يتكلم صالح: شوف عندك حكي غير أخيك قوله.. ماعندك توكل على الله..
صالح برجاء عميق: يبه ما يصير كذا.. موضوع مثل مثل ذا ما ينوخذ بالعصبية.. لازم تأخذ وتعطي فيه..
أبو صالح بنفس الحزم: صالح اقصر الحكي.. وتوكل على الله
صالح بنبرة رجاء أعمق: يبه شوف أمي وش صار لها.. هذي الحمدلله عدت على خير.. بس الدكتور يقول إنها ماراح تحمل جلطة ثانية
حينها شعر رغم عنه بالألم.. فهذه شريكة العمر كله: وأمك ما رديتها منه.. تشوفه مثل ما تبي.. بس أنا ماني بمجبور..
صالح يعلم أن والدته ستشكل نقطة ضغط قوية: زين يبه.. ويوم تشوفك طارد ولدها ومانعه من البيت ظنك إن ذا الشيء مهوب مأثر على صحتها..
أبو صالح بنبرة قاطعة.. لا يريد أن يتحدث.. متعب أكثر منهم جميعا: صالح قم عاد النفس عليك طيبة... فارقني في السعة..
صالح تنهد وهو يقف ويخرج ليغلق الباب خلفه ويترك خلفه هما كالجبال يُطبق على روح الشيخ المغموسة في حتى نهاياتها في هم مصفى
لا يستطيع انتزاع صورته اليوم من باله.. وهو مثقل بوجع الغربة ويبدو كما لو كان كبر سنوات كثيرة
كان الهم يتجلى واضحا من كل تقاطيعه.. لا يستطيع انتزاع هذه الصورة من خياله.. لا يستطيع!!
.
.
حين دخل صالح غرفته وجد نجلاء تصلي..ألقى غترته وجلس على الأريكة وهو يغمض عينيه ويسند رأسه للخلف..
بعد دقائق شعر بأناملها الحانية الناعمة تدلك جانبي رأسه.. وهمسها الرقيق : هونها تهون يأبو خالد..
رد عليها بصوت مرهق: تعبان يا نجلا.. تعبان.. كل شيء حاسه يضغط علي.. ابي وامي وعبدالله ومشاكل كل واحد منهم.. تعب امي وزعل ابي ومشاكل عبدالله الكثيرة
حاس اني بين نارين.. وخايف من كل خطوة لا يكون تأثيرها عكس اللي أبيه..
غلطت يوم علمت إبي برجعة عبدالله لأنه راح وصدم أمي..
حاس أن الذنب ذنبي...
نجلاء تحاول تطمين روحه بصوتها الهادئ العميق: لا تحمل نفسك كل شيء يا قلبي
صدقني عمتي لو درت بالخبر بأي طريقة كانت بتتعب... الموضوع مهوب بسيط
هذي رجعة واحد ميت... أنا كان بيجني سكتة يوم دريت... أشلون أمه وهي مرة كبيرة مثلها ومريضة..
صالح بضيق عميق: بس بعد أنا المسؤول.. كان المفروض انتظرت كم يوم وأنا أمهد لها قبل أقول لأبي..
لو أمي صار لها شيء بعيد الشر عنها.. كان عمري كله ماسامحت نفسي
**************************************
" الحين أبي أدري وش فيش... من يوم جيتي من المستشفى وأنتي في بكية وحدة"
جوزاء لم تجبها وهي مستمرة في بكاء عميق خافت مثقل بالأنين والوجع
شعاع همست باصرار: والله ان قد تقولين لي وإلا والله لأزعل عليش
جوزاء من بين أناتها الممزقة: شفته .. شفته عند أمه... حسيت شريط حياتي الأسود كله يمر علي في لحظة..
لا ويهددني بعد يأخذ ولدي...
شعاع شهقت: شفتي عبدالله؟؟
جوزاء بنبرة كراهية خالصة: شفته الله يأخذه.. الله يأخذه.. الله ينتقم منه.. مستحيل يرتاح وأنا باقي فيني روح ماذبحها..
ثم أردفت بألم عميق عميق: اللهم لا اعتراض بس ليه الدنيا عاكست معي كذا.. بكرة بأتطلق.. واليوم شفت الزفت وهددني يأخذ ولدي مني
أنا قاعدة احترق الحين ياشعاع.. احترق.. حاسة إن روحي تحترق وجسمي يحترق..
حاسة بوجع في كل مكان فيني... حاسة عروقي مولعة وراسي بينفجر..
شعاع مدت يدها بخفة ولمست جبين جوزاء المحمر.. أرجعت يدها بجزع: جوزا أنتي مولعة صدق..
قومي البسي عباتش.. بأخلي عبدالرحمن يودينا المستشفى..
جوزاء بغضب: وعبدالرحمن لين متى مبتلش فيني.. ما أبي مستشفى.. اللي فيني ما يعالجه دكتور.. ما يعالجه إلا عبدالله يموت وإلا أنا أموت وأرتاح
شعاع بجزع: بسم الله عليش .. وش ذا الطاري..
جوزاء سحبت نفسها ودفنت وجهها في حجر شعاع وهي تحتضن نفسها بذراعيها وتئن:
اللهم أني استغفرك وأتوب إليك.. بس والله أني في ذا اللحظة أتمنى أموت.. خايفة من اللي بيجي كله..
وخايفة من عبدالله يأخذ ولدي.. حتى لو ماخذه جسم.. خايفة يأخذه روح.. خايفة حسن يحبه أكثر مني..
أنا من غير حسن ومحبته مالي في الدنيا حاجة.. مالي فيها حاجة...
شعاع بدأت دموعها تسيل على حال أختها وهي تمرر أناملها بحنو في خصلات شعرها وهي تقرأ عليها آيات من القرآن الكريم حتى هدأت وغفت..
حينها انسحبت بهدوء وهي تعدل وضعها ووضع حسن وتغطيهما ثم تخرج متوجهة لغرفة عبدالرحمن..الذي كان في لحظتها عائدا من المجلس..
عبدالرحمن هتف لشعاع باهتمام: ها وش علومها الحين؟؟
شعاع بألم : تعبانة ياعبدالرحمن.. تعبانة واجد.. أنا خايفة عليها.. تكفى عبدالرحمن إبي خلاص بيوصل بكرة الصبح من سفرته...
احجز لك أنت وجوزا عمرة.. ودها بكرة لا تتأخر.. أكيد إنها بتتضايق عقب مايطلقها امهاب..
تكفى عبدالرحمن إن شاء الله روحتها بيت الله الحرام تهدي نفسها وروحها شوي..
عبدالرحمن جلس وهو يمسح وجهه: وانتي وامي ما تبون تروحون معنا..؟؟
شعاع بهدوء: نروح في رمضان إن شاء الله مثل العام اللي فات.. الحين اهتم في جوزا بس..واحنا بنقعد مع حسن..
***************************************
" ما تخيلين وش كثر انبسطت بشوفة عمي.. ماشاء الله عليه ما تغير أبد"
عبدالله كان يهمس لعالية بخفوت حتى لا يزعج والدته النائمة.. والاثنان يقضيان الليلة عندها ساهران..
عالية تبتسم: صدق ماشاء الله عليه عاده جنتل ومزيون.. لولا غلا أم غانم وإلا كان خطبت له بنية مزيونة
عبدالله صمت لدقيقة ثم أردف باستغراب: تدرين عالية... ماهقيت إن جوزا تعرف تقط كلام بذا الطريقة
عالية بسخرية: ما تعرف تقط كلام؟؟ جوزا اللي كنت تعرفها مابقى منها شيء.. جوزا مهوب بس تقط كلام.. ممكن تجرح بشكل مباشر وما تهتم..
عبدالله بصدمة: معقولة؟؟ جوزا؟؟ كانت مثل النسمة..
عالية بنبرة مقصودة: النسمة الله أعلم أنت وش سويت فيها.. وعقبك خالاتك والدنيا كلها ماقصرت..
الظروف كلها عاكست معها.. حمل وحداد وضياع مستقبل وتجريح من الناس..
تدري عبدالله.. جوزا عمري ما عتبت عليها.. لأني بشوف عيني شفت كل شيء هي مرت فيه.. وحسيت بكل وجيعة آجعتها..
ما ألومها .. والله العظيم ما ألومها..
عبدالله بتساؤل حازم: أنا من أكثر من جهة أسمع إن خالاتي ضايقوها.. خالاتي وش دخلهم فيها يضايقونها؟؟.. ووش اللي كانوا يقولون لها...؟؟
عالية تتنهد: عشان الحق.. أكثر من كان يضايقها خالاتي نورة وسلطانة.. الكبيرة والصغيرة..
تدري خالتي نورة كانت تبيك أنت وصالح لبناتها الثنتين.. بس صالح خذ بنت عمه.. مالها لسان تتكلم..
لكن أنت خذت وحدة مهيب بنت عمك.. وما ترقى في نظرها لمستواك.. فويش اللي حدكم عليها..؟؟
ومع إن بناتها تزوجوا ومتوفقين في حياتهم.. بس أبو طبيع مايجوز من طبعه..
وطبعا خالتي سلطانة مع خالتي نورة في كل شيء...
أول شيء قبل ما أنت تختفي.. يقطون عليها كلام ويسمعونها إنها ما تستاهلك.. وأنك تستاهل ملكة جمال مهوب وحدة مثلها...
عبدالله بصدمة: من جدش؟؟ وهي ليه ماقالت لي وقتها؟؟
عالية هزت كتفيها: ما أدري عن علاقتك أنت وإياها.. أنا سافرت عقب عرسك بشهر... وكنت أدافع عنها قد ما أقدر..
بس خالاتك ماشاء الله كل وحدة منهم لسانها شبرين..
وعقب ماجانا خبرك.. المرة حامل وتعبانة وقايمة بأمي ومع كذا ماخلوا التنغيز إنها قايمة بأمي لأنها حاسة بالذنب لأنها وجه نحس عليك وأنك مت بسببها
لأن بعض النسوان وجهها خير.. وبعضهم وجهها شر.. وهي وجه شر
حينها انحدر صوت عالية بألم: تخيل عبدالله.. كانوا يسمونها البومة..
أنا لاغيتهم وأمي لاغتهم.. بس عقب ويش.. عقب ما وصلها الكلام.. وش عاد يفيد لغو مارد الحكي منها..
الحين طبعا مستحيل وحدة منهم تفتح ثمها عندها بكلمة.. تأكلهم بقشورهم.. بس خلاص تدري إن هذا قده رد وحدة موجوعة ومجروحة..
" وش عاد يفيد لغو مارد الحكي منها؟؟"
ترددت العبارة في خياله الموجوع المنهك
(يرده لو أنا كنت موجود عندها
لو أنا دافعت عنها ووقفتهم عند حدهم
لو أنا خففت عنها.. لو أنا عرفتها بس بمكانتها قي قلبي
لو بس عرفت هي أنا وش كثر أحبها!!
لا حول ولا قوة إلا بالله.. قدر الله وماشاء فعل)
*****************************************
" أشلون النفسية الحين؟؟"
عفراء تناولت غترة منصور منه..وهمست بهدوء عذب:
الحمدلله.. كل شيء تمام
مد يده ليرفع وجهها وهو ينظر لإرهاق وجهها وللهالات السوداء تحت عينيها: مبين كل شيء تمام!!
عفراء همست بذات الهدوء: عطني كم يوم بس..
منصور يجلس وهو يشير للمكان الخالي جواره.. تتقدم لتجلس حيث أشار ليشد على كفها بين كفيه بقوة ويهتف بحزم:
يمكن توقيتي في الروحة لجميلة وأنتي حامل كان غلط..بس صدقيني الروحة كانت ضرورية..
عفراء تنظر لكفيه الضخمتين اللتين تحتويان نعومة كفها وتهمس بهدوء عميق كأنها تحادث نفسها:
خلنا الحين من الروحة لجميلة.. لأني لحد الحين صعب علي أتجاوز اللي صار
خلنا في حملي.. أنت أشلون تقبلك لحملي؟؟
حينها نفض منصور يديه بغضب ووقف وهو يهتف بغضب مشابه: أشلون تقبلي لحملش؟؟
اعتقد اني بينت لش عدل فرحتي فيه...فأشلون تسألين الحين أنا متقبل حملش وإلا لا؟؟
حد يعترض على عطا رب العالمين؟!!
عفراء بذات الهدوء وهي مازالت تنظر لكفيها التي ابتعدت عن مدى كفيه:
هذا أنت قلتها.. رضا بعطا رب العالمين اللي جا غصبا عنك
وقلت خلاص هو صار شيء واقع.. خلني أجاملها وخصوصا عقب ماجرحتها بروحتي لبنتها..
منصور شد نفسا عميقا حتى لا ينفجر فيها لغرابة أفكارها التي أثارت غيظه.. ثم هتف بنبرة غضب واضح:
أول شيء قلتها لش قبل .. تكلميني؟؟ .. تفكّري فيني وعيني في عينش
وثاني شيء عمري ما سمعت أسخف من ذا الكلام.. لأني لا أعرف أجامل ولا أزيف مشاعري.. لو أنا ما أني بفرحان بحملش كان عرفتي ذا الشيء
لكن قولي أنش أنتي اللي منتي بفرحانة فيه.. لأنش زعلانة علي وما تبين شيء يربطش فيني.. وتبين تلبسيني الغلط..
عفراء حينها انتفضت بجزع وغضب لتقف وهي تواجهه: أنا اللي عمري ما سمعت أسخف من ذا الكلام..
منصور بغضب كاسح: ما اسمح لش تسخفين كلامي..
عفراء تحاول أن تكتم غضبها وأن تهدئ نبرة صوتها: وليش أنت سمحت لنفسك تسخف كلامي.. حق لك أنت تجرحني وبس؟؟..
منصور ينهمر بغضب عارم: أنا الحين اللي أجرحش.. وأنتي اللي من يوم جيت وأنتي تبكين وحالتش حالة.. ماحتى خفتي الله في النفس اللي في بطنش
عشان أيش؟؟ عشان الدلوعة درت أن أمها تزوجت...
وخير إنها درت.. هذا اللي المفروض اللي يصير.. خلي الحب اللي ما انطحن في رأسها ينطحن
البنت ذي ماحد خربها غيرش.. دلعتيها وماعرفتي تربينها.. وردات فعلش أنتي وإياها زيادة عن اللزوم..
هي تزوجت وتسهلت في طريقها مع رجّالها.. وعقب أنتي تزوجتي..
وش اللي صار؟؟ الكون انهار.. أخر الدنيا.. بتقوم القيامة؟؟
عيب عليش اللي تسوينه في نفسش وفيني... وقبلي أنا وإياش.. ذا النفس اللي مالها ذنب.. اتقي اللي فيها
عفراء كانت تستمع لانهماره بصمت وهي تقف مواجهة له وتنظر له بشكل مباشر بعينيها الذابلتين
حينما انتهى.. انسحبت بهدوء.. لكن منصور أمسكها وهو يصر على أسنانه: يعني أنتي متعمدة تطلعيني من طوري.. تدرين زين أني ما أرضى تروحين واحنا ماخلصنا حكي..
عفراء بسكون: ماعندي شيء أقوله.. أنا تعبانة منصور.. وأنت ماعندك رحمة.. تبي كل شيء ينحل على كيفك وفورا..
بس النفس مهيب على كيفي ولا على كيفك.. ارحمني.. عطني فرصة أعبر عن ضيقي.. عن زعلي ..عن حزني..
أنا ما أنا بجندي عندك لازم يكتم مشاعره عندك ويقدم فروض الطاعة وبس
*************************************
"جوزا أنا حجزت لي أنا وإياش عمرة.. يالله طلعت الحجز.. تجهزي نطلع المطار بعد شوي"
همست جوزاء بسكون: امهاب طلقني خلاص؟؟..
عبدالرحمن يحاول تنحية تأثره فلا يستطيع: ماتدرين يمكن الله كاتب لكل واحد منكم نصيب أحسن
جوزاء بذات السكون: له يمكن.. لكن لي مستحيل..
عبدالرحمن يقترب ليجلس جوارها ويحيطها بذراعه ويسند رأسها لكتفه ويهمس لها بحنان: وسعي خاطرش.. ولا تنسين إن هذا قرارش أنتي
جوزاء تخفي وجهها في كتفه وتهمس باختناق: أنا ماني بندمانة على قراري.. عشان حسن ممكن أسوي أكثر من كذا
بس أنا حزينة ياعبدالرحمن.. الطلاق صعب على أي وحدة.. وامهاب كان فرصة نادرة لوحدة مثلي
عبدالرحمن يربت على كتفها بحنو: قومي يا بنت الحلال تجهزي خلنا نسافر.. وإن شاء الله ما ترجعين إلا قلبش مغسول من الحزن
جوزاء تمسح وجهها: حجزت لحسن معنا؟؟
عبدالرحمن يهز رأسه: حسن عند جدته وخالته والسالفة كلها يوم واحد بنسافر اليوم ونرجع بكرة.. خلنا نتفرغ للعبادة ومانحاتي البزر اللي معنا..
********************************
" هلا والله الحمدلله على السلامة"
تميم يشير ردا على إشارة كاسرة وعلى وجهه ترتسم علائم خبث لطيف: الله يسلمش.. ووينش مختفية ؟؟.. صار لي ساعتين راجع..
كاسرة تبتسم: من غير تلميحات مالها معنى.. أنا أصلا توني راجعة من برا.. واول شيء سويته رحت لغرفتك ما لقيتك
كيف كانت رحلتك ؟؟عساها موفقة؟؟..
عريس عرسه عقب شهر ونص وناط يشتري طيور !!..
أجابها تميم ووجهه يغيم فجأة وهو يتذكر من كان يجب أن يكون معه يوم عرسه عريسا كذلك: الرحلة كانت تمام.. بس امتغثت يوم رجعت بخبر طلاق امهاب..
غام وجه كاسرة كذلك وهي تشير بهدوء متمكن: النصيب كذا.. خلاص أنت بتكون عريسنا بروحك
تميم يحاول تنحية ضيقه من أشياء كثيرة.. وهو يشير لها بمودة: أشلون استعدادات العروس؟؟
كاسرة هزت كتفيها بعدم اهتمام: كله ماشي حسب التخطيط..
**********************************
شعور ضيق خانق يكتم على روحه منذ وقع ورقة الطلاق..
وهاهو يتجه للمطار مطالبا برحلة يسافر فيها فورا عله يتناسى بها الهم الذي ركبه
"لم أتخيل أن توقيع ورقة الطلاق سيكون صعبا علي لهذه الدرجة
كنت على وشك التراجع والرفض في اللحظة الأخيرة
بأي حق يفرضون علي أن أتخلى عن زوجتي؟!!
هي كانت حقي الذي منحه لي الله عز وجل وربطنا برباط مقدس
كيف يُحل الرباط بهذه البساطة؟؟
فكرت للحظات أن أكون أنانيا لمرة واحدة.. أن أرفض التخلي عنها
أن أستميت في الدفاع عن حقي المشروع
ولكن كعادتي .. لم أستطع.. لم أستطع تفضيل نفسي على من سواي
لا أستطيع أن أجبرها على العيش معي وهي تعيش رعبا من فقدان ولدها
لا أستطيع أن أكون أنانيا وأجازف بفقدانها لحسن..
هكذا كتب له الله عز وجل.. ومهما كنت أشعر بالضيق والظلم فهو لابد أن أتجاوز كل هذا.. لابد"
************************************
"ياهلا ومرحبا.. نورت مكتبنا"
غانم يعتدل في جلسته وهو يرتشف رشفة من فنجانه ثم يعاود وضعه أمامه ويهتف بهدوء: النور نورك.. ماودنا نعطلك من شغلك..
بس لنا حاجة عندكم.. لا أنتو اللي عطيتونا إياها.. ولا أنتو اللي قطعتوا رجانا منها..
كسّاب يشد له نفسا عميقا ثم يهتف بحزم:
صدقني ياغانم إن نسبك يشترى بالذهب.. بس الدنيا ماعطتني على الكيف
غانم يشير بكفه وهو يهتف بحزم: خلاص يأبو زايد.. وصل الرد..
كساب يهتف بذات النبرة الحازمة: والله لو هو بكيفي مابغيتها لغيرك.. بس أختي توها مسجلة ماجستير وبتنشغل في دراستها
وإلا أنت مافيك عيب تنرد..
غانم يعاود تناول قهوته التي بردت.. ويهتف بسكون كسون روحه التي انطفأ فيها أمل عذب:
لا تعذر يأبو زايد.. بغينا قربك ولا حصل.. تكفينا صحبتك.
.
.
في ذات الوقت
" مبروك رجعة عبدالله.. يا سبحان الله من كان يظن"
فهد يرد بسعادة: الله يبارك فيك.. والله ماكان حد يظن.. يا سبحان الله..
ثم أردف بمرح: هذا عبدالله طيب وبخير
إن شاء الله دورة المظليين الجاية ما تحجب عني..
منصور يبتسم بفخامة: لا تستعجل على رزقك..
حينها شد فهد له نفسا عميقا وهتف بحذر: وعلى طاري استعجال الرزق
أقدر استعجل الرد على طلبي.. وخص أنه ابطأ واجد
منصور حينها أجابه بحزم: لك رزق(ن) يا ولدي مابعد نواه ربك..
فهد اطرق لثانيتين ليرد بنفس طريقته الحازمة: مابغيت إلا قربك يابو علي
الله يرسل لنا خير من عنده
*******************************************
" حسن تأخر عند ابيه"
أم عبدالرحمن تنظر لساعة يدها.. بينما شعاع تهمس لها بضيق: أنتي أصلا غلطانة تخلينه يروح
جوزا مهيب هنا... والصبي أمانة عندنا.. لو جوزا هنا.. عادي.. بس هي مهيب هنا.. وإبي من يوم درا برجعة عبدالله وانه كان مطلق جوزا
وهو مفول عليه ومعصب.. وهو أكيد بيرجع بعد شوي.. لو درى إن حسن مهوب هنا أو شاف عبدالله وهو مرجعه.. الله يستر بس
أم عبدالرحمن بضيق متزايد: الرجال كلمني بكل أدب ويقول يبي يودي حسن لجدته في المستشفى أقول لا يعني.. ماقدرت
وهما مازالتا تتحادثان ارتفع رنين هاتف البيت... شعاع تنظر للكاشف..وتعطي أمها السماعة
كان عبدالله يهتف باحترام عميق: يمه أنا برا صار لي نص ساعة وحسن مهوب راضي ينزل.. ويقول أمه سافرت ويبي ينام عندي
أم عبدالرحمن بجزع: لا تكفى يامك..ما أقدر أخليه ينام بعيد مني.. أمه موصيتني عليه..
عبدالله رغم شعوره بخيبة الامل إلا أنه أجاب بنفس الاحترام العميق: خلاص يمه اطلعي لي الحوش أسلم عليش واعطيش حسن..
بعد ثلث ساعة أم عبدالرحمن تعود للداخل لوحدها.. شعاع بصدمة: يمه وين حسن؟؟
أم عبدالرحمن بضيق: فضحني.. متعلق في رقبة أبيه تقولين ماكني بجدته اللي مربيته.. وخفت إبيش يجي حن واقفين في الحوش
والله إن قد يسود عيشتي وعيشة عبدالله... قلت لعبدالله خلاص يأخذه يمسي عنده.. وش اسوي..
شعاع تكاد تشد شعرها: زين ولو ابي سأل من حسن.. وإلا جوزا سألت عنه..
أم عبدالرحمن بقلة حيلة: أنا وش تبيني أسوي.. أسحبه بالغصب وإلا أضربه عشانه يبي إبيه..
اطلعي لغرفتش وسكري على روحش.. وأنا الله يسامحني لو حد سألني بأقول إنه راقد عندش.. لين بكرة يحلها الحلال...
******************************
ينظر بانبهار وحنان للمعجزة الربانية التي تنام بحضنه بسكون وطمأنينة
أتعبه كثيرا قبل أن ينام.. وهو يبكي بحرقة مطالبا بوالدته
لدرجة أن هزاعا الذي كان قرر أن ينام عندهم هرب ليعود للبيت لينام في غرفته هو
فهزاع لم يحتمل صراخ حسن وإلحاحه.. بينما عبدالله كان يحتويه ويهدئه بكل حنان وهو يستمتع بكل لحظة يقضيها معه
كان بداية يريد أن ينام به عند والدته في المستشفى ولكنها رفضت.. وقالت أن الصغير لن يحتمل النوم غير المريح في المستشفى
وخيرا فعلت والدته.. فهو لم يعلم أنه سيُحدث هذه المناحة الطويلة طلبا لوالدته..
رغم أن حسنا كان من أصر أن ينام عنده اليوم لأن والدته (ثافرت مع دحمان)
هاهو يمسح شعره وجفونه الغافية.. وهو يتذكر بكائه حتى غفا وهو ينادي أمه
" يا الله ياحسن.. حتى أنا أبي أمك.. والله العظيم أبيها
بكل قطرة في دمي أبيها
أمك صارت حرة ياحسن.. تدري ليش؟؟
لأنها حلالي أنا بروحي.. والله سبحانه ما يرضى بالظلم..
ما يرضى أنه عقب اللي أنا شفته كله يأخذون روحي مني وحلالي يصير حلال غيري
تدري ياحسن.. أربع سنين مرت أمك ماغابت عن بالي دقيقة.. كنت حاس إنها مستحيل تكون مع رجّال غيري
مع أني وقتها كنت عارف إنه مستحيل أرجع للدوحة
أدري أنانية مني.. بس الحب كذا يأبيك.. أناني..
كل شيء هنا ما غاب عن بالي أمي وابي وأخواني وديرتي
بس إحساسي في أمك كان شيء خاص فيني.. أحيانا كنت أقول رحمة لكن أكثر الأحيان أقول عذاب..
تعذبت واجد يأبيك.. واجد.. ومن أشياء كثيرة..
بس يا ترى عذابي قرب ينتهي؟؟ وإلا الله كاتب لي شيء جديد؟؟ "
يميل ليقبله بحنو وهو يهمس في أذنه بحزن عميق شفاف:
الله يرحم أخيك ويصبرني على فرقاه.. ويجعلك لي العوض والسلوى..
**********************************
"يبه أقدر أدخل"
زايد كان أنهى قيامه للتو.. التفت للباب حيث تقف مزون وهتف بحنان: تعالي يابيش
مزون اقتربت وقبلت رأسه ثم جلست جواره على الأرض وهمست برقة: يبه أنت عادك متذكر أنك وعدتني أروح لجميلة عقب عرس كساب
زايد يبتسم: أكيد متذكر وأنا متى أخلفت لش وعد
مزون بضيق: لا والله فديتك مهوب المقصد.. بس جميلة متضايقة من عقب مادرت بعرس خالتي.. وصار لي مرتين أكلمها وكل مرة ألاقيها تبكي
قلبي متقطع عشانها.. أبي أروح لها أشوف وش اللي في خاطرها.. وأرضيها من صوب خالتي وعمي..
زايد يقبل رأسها ويهتف لها بحنان: لا تحاتين يأبيش.. عقب عرس كسّاب إن شاء الله على طول حن مسافرين
************************************
" الحمدلله على سلامة أبيش .. تو مانورت الدوحة بطلته الحلوة وابتسامته الأحلى"
شعاع تضحك برقة وهي تسند ظهرها لسريرها وتمسك هاتفها على أذنها: هذا إبي؟؟
سميرة (بعيارة) : إيه عمي فاضل.. ياحلات عمي فاضل.. ويافديت باكستان اللي شافتها عيونه..
أنا من يوم راح وأنا حاطة على قناة باكستان معسكرة عليها...أقول يمكن ألمح عيونه العذاب..
شعاع بدأ تضحك بهستيرية: هذا إبي؟؟
سميرة تتنهد تنهيدة تمثيلية: وه.. وأنا وش ذابحني إلا أبيش.. والله لولا شوي الحيا.. كان شفتيني صلعاء من تقطيع شعري
شعاع تعالى صوت ضحكها:لا والله باقي عندش حيا عقب ذا كله
و هذا كله ابي؟؟ وين أمي عنش..
سميرة بنبرة حالمة: ياحظ عيونكم اللي تشوف إبيش.. وأنا محرومة من شوفته.. ماشفته إلا يوم جاء يخطب .. لا وكان محزن بعد..
ترا قصدي إبيش يوم كان يخطب أمش في القرن التاسع عشر..
كان صوت ضحكات شعاع يرتفع.. لتفجع بصوت طرقات حاد على الباب وصوت والدها المتفجر غضبا: اشعيع يا قليلة الحيا افتحي الباب..
صوت شعاع انحدر من الضحك للرعب وهي تهمس لسميرة: سميرة مع السلامة.. ابي شكله بيذبحني..
شعاع قفزت لتفتح الباب بجزع.. ورعب متزايد يتجمع في قلبها..
عبدالرحمن ليس هنا ليدافع عنها.. وحسن كذلك ليس هنا وهذا سبب ليتزايد غضب والدها
فتحت الباب وتأخرت لأقصى حد بينما والدها دخل كبركان ثائر وهو يزمجر: من اللي كنت تكلمينه وتضحكين بمياعة ياقليلة الحيا؟؟
شعاع تتأخر وهي تخبئ وجهها خلف ذراعيها وترد بصوت مختنق: والله العظيم انها سميرة بنت راشد آل ليث.. وهي اللي متصلة علي
أبو عبدالرحمن مازال يزمجر: عطيني تلفونش..
شعاع اعطته له وهي ترتعش وتكف يدها بسرعة خوفا أن يمسكها منها
أبو عبدالرحمن عاود الاتصال بالرقم المخزن باسم سميرة والذي كان الرقم الأخير في قائمة الاتصالات المستلمة وكان الاتصال من خمس دقائق فقط
جاءه صوت سميرة المرح: هاه اشعيع.. عمي فاضل ذبحش وهذي روحش تكلمني من العالم الآخر..
ابو عبدالرحمن أغلق الاتصال وأعاد الهاتف لها دون أن يتكلم بكلمة..
لتنفجر شعاع بالبكاء رغما عنها.. وهي تتراجع لتجلس على سريرها وتدفن وجهها بين كفيها..
مد يده ليربت على كتفها ثم ردها وهو يقهر نفسه..كان بوده أن يطيب خاطرها أو حتى يحتضنها..
ولكنه تركها غارقة في عويلها المنفعل.. وخرج دون أن ينتبه حتى أن حسنا ليس معها..
*****************************************
" ماشاء الله حسن عاده معك؟؟"
عبدالله يعدل وضع حسن على ساقيه وهو يحتضنه ويبتسم: أمسى عندي البارحة بس بأروح أرجعه لبيت جده..
لأن أمه بترجع اليوم من العمرة..
عالية بتساؤل: صحيح إنها تطلقت؟؟
عبدالله لم يستطع منع ابتسامته من الاتساع: صحيح
عالية تغمز: ودعاية معجون الأسنان هذي ليش؟؟
عبدالله يبتسم: يجيش العلم بعدين..
أم صالح تهمس بحنان: أنتو خلو المساسرة ذي وعطوني حسون أحبه..
عبدالله يقرب حسن من جدته ليقبلها ثم يهمس لأمه بحنان: يمه الدكتور يقول حالتش زينة.. يمكن بكرة وإلا بعد بكرة إن شاء الله تطلعين..
حينها شدت أم صالح يده برجاء: وأنت بتجي تقعد عندي؟؟
عبدالله يحاول أن يبتسم رغم انطفاء وجهه: يصير خير يمه.. يصير خير
.
.
بعد ساعة
عبدالله يقف أمام بيت أبي عبدالرحمن ليعيد حسن.. وهذه المرة حسن لم يرفض أبدا لأنه كان مفتقدا لوالدته بشدة
كان عبدالله على وشك الاتصال بالبيت حين رأى أبا عبدالرحمن يخرج من مجلسه متوجها نحوه..
عبدالله نزل من سيارته متوجها نحوه ومسلما عليه..
كان الغضب باديا بالفعل على وجه أبي عبدالرحمن الذي فور انتهاءه من السلام والتبريك لعبدالله بسلامته..
هتف بحزم غاضب: عسى ماشر يا بوحسن.. ماعاد تدل طريق المجالس..؟؟
رغم قسوة التجريح المقصود إلا أن عبدالله شد له نفسا عميقا وهو يهتف باحترام:
السموحة ياعمي.. مادريت أصلا أنك رجعت من السفر.. وانا عارف إن عبدالرحمن مسافر
أبو عبدالرحمن بذات النبرة الغاضبة المقصودة: ومتى سافرنا كلنا وخلينا محارمنا ماعندهم حد؟؟...
وترا اللي يلحق محارمنا يلحقنا قدامهم.. والرجّال اللي فيه خير يحشم الرياجيل اللي عزّوه وناسبوه..
عبدالله رغم أنه بدأ يفهم مقصد أبي عبدالرحمن إلا أنه حاول ادعاء عدم الفهم حتى لا يثير غضب أبي عبدالرحمن المعروف بالحدة حينما يغضب:
أكيد مافيه شك كلامك.. والحين طال عمرك خذ حسن.. وخلني أتوكل لأمي في المستشفى
ولكن أبا عبدالرحمن لم يتركه وهو يكمل بذات النبرة الغاضبة: تراني يوم زوجتك.. تخيرتك على رياجيل واجد.. وأنا أهقى أني أزوج خيرة الرياجيل
وتراك يوم خذت بنتي خذتها من بيت رجّال.. والسنع أنك يوم تبي تطلقها ترجعها لبيت الرجّال اللي خذتها منه
أو على أقل شيء كان تتصل لي وتعلمني حتى لو أنت مطلقها في ديرة ثانية
هو حق إن بنتي تحاد في بيتك وأنت مطلقها..؟؟ ضاعت دراستها وجامعتها.. وقهرتوها.. وكسرتوا نفسها..
يومك رجّال(ن) بايع(ن) من أولها.. كان طلقت بنتي قدام تسافر..
حينها قاطعه عبدالله بحزم: مهلك علي ياعمي.. جعل ربي يقصف عمري كني بعت أول وألا تالي..
وماحدني على الشين إلا اللي أشين منه.. وأم حسن أم ولدي ولها القدر والحشيمة ..
ورضاك ورضاها على رقبتي.. وأنا حاضر للي تبونه إن كانك شرفتني بنسبك مرة ثانية
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم HaboOoshy
كان عبدالله على وشك الاتصال بالبيت حين رأى أبا عبدالرحمن يخرج من مجلسه متوجها نحوه..
عبدالله نزل من سيارته متوجها نحوه ومسلما عليه..
كان الغضب باديا بالفعل على وجه أبي عبدالرحمن الذي فور انتهاءه من السلام والتبريك لعبدالله بسلامته..
هتف بحزم غاضب: عسى ماشر يا بوحسن.. ماعاد تدل طريق المجالس..؟؟
رغم قسوة التجريح المقصود إلا أن عبدالله شد له نفسا عميقا وهو يهتف باحترام:
السموحة ياعمي.. مادريت أصلا أنك رجعت من السفر.. وانا عارف إن عبدالرحمن مسافر
أبو عبدالرحمن بذات النبرة الغاضبة المقصودة: ومتى سافرنا كلنا وخلينا محارمنا ماعندهم حد؟؟...
وترا اللي يلحق محارمنا يلحقنا قدامهم.. والرجّال اللي فيه خير يحشم الرياجيل اللي عزّوه وناسبوه..
عبدالله رغم أنه بدأ يفهم مقصد أبي عبدالرحمن إلا أنه حاول ادعاء عدم الفهم حتى لا يثير غضب أبي عبدالرحمن المعروف بالحدة حينما يغضب:
أكيد مافيه شك كلامك.. والحين طال عمرك خذ حسن.. وخلني أتوكل لأمي في المستشفى
ولكن أبا عبدالرحمن لم يتركه وهو يكمل بذات النبرة الغاضبة: تراني يوم زوجتك.. تخيرتك على رياجيل واجد.. وأنا أهقى أني أزوج خيرة الرياجيل
وتراك يوم خذت بنتي خذتها من بيت رجّال.. والسنع أنك يوم تبي تطلقها ترجعها لبيت الرجّال اللي خذتها منه
أو على أقل شيء كان تتصل لي وتعلمني حتى لو أنت مطلقها في ديرة ثانية
هو حق إن بنتي تحاد في بيتك وأنت مطلقها..؟؟ ضاعت دراستها وجامعتها.. وقهرتوها.. وكسرتوا نفسها..
يومك رجّال(ن) بايع(ن) من أولها.. كان طلقت بنتي قدام تسافر..
حينها قاطعه عبدالله بحزم: مهلك علي ياعمي.. جعل ربي يقصف عمري كني بعت أول وألا تالي..
وماحدني على الشين إلا اللي أشين منه.. وأم حسن أم ولدي ولها القدر والحشيمة ..
ورضاك ورضاها على رقبتي.. وأنا حاضر للي تبونه إن كانك شرفتني بنسبك مرة ثانية..
أبو عبدالرحمن بصدمة بالغة: تبي ترجع جوزا؟؟
عبدالله بتصميم: يشرفني.. واللي تبونه أنا حاضر له..
حينها همس أبو عبد الرحمن بنبرة مقصودة: اللي نبيه!!!
ثم انفجر بغضب هائل وهو يشد حسن ليحمله: اللي أبغيه ماعاد توريني وجهك
وأنت ماعادك بعارفها ولا عاد هو بجامعكم بيت لا وأنا حي ولا وأنا ميت..
ليه شايف بنتي سبية لك.. تحذفها ثم ترجع تبيها؟؟..
بنتي توه مطلقها رجّال أطلق من شاربك يا المرة.. إذا بغت جوزا تعرس خذت من مناعير الرجال رجّال يسواك ويسوى طوايفك
وإن مابغت بيت إبيها مهوب عاجز يضفها لين تموت..
أبو عبدالرحمن حمل حسن ودخل للمجلس.. بينما كان عبدالله ينتفض من شدة كتمانه لغضبه الذي تفجر أمواجا متتالية في روحه
ووجهه وعيناه يشتعلان احمرارا.. فهو كتم غضبا بثقل جبال.. حاول التخفيف منه بلكم السيارة بقبضتيه حتى تفجر فيهما ألما مرا كما لو أن عظام قبضته تهشمت
ولكن كل هذا الألم الجسدي لم يخفف من ألم روحه المسحوقة المهانة شيئا
كيف يقطع كل أمل في حياته بقرار ظالم مجحف كهذا؟؟
كيف تكون حياته كلها بيده يعبث فيها كيف يشاء؟؟
ثم كيف يهينه ويهين رجولته بهذه الطريقة؟؟
كيف يسمح لنفسه ان يتطاول عليه بهذه الطريقة رغم أنه كان يخاطبه بكل احترام؟؟
لولا احترامه لفارق العمر بينهما لكان هناك رد آخر منه.. رد مختلف.. مختلف جدا
رد رجل مقهور محترق مدمر.. رأى كل أمل في حياته يُسلب أمام عينيه بلا رحمة!!
**************************************
كانت ترتب حقيبة تميم وتستخرج مافيها لكي ترى ما الذي يحتاج إلى الغسيل حين دخلت عليها وضحى وهي تهمس لها برقة:
يمه خليها أنا بأرتبها..
مزنة همست بهدوء: يأمش أنا دارية أنش تعبانة من الدورة.. روحي تريحي
أصلا كان المفروض أني رتبتها من أمس.. بس أمس امتغثت من طلاق امهاب..
وضحى همست حينها بحزن: وامهاب وينه الحين؟؟
مزنة أجابتها وهي تلتهي بما بين يديها عن حزن بكرها الذي خالج الروح.. الذي سُلبت منه فرحته قبل أن تكتمل حتى: عنده رحلة
أمس رحلة واليوم رحلة.. الله يزينها بس.. والله يشرح صدره
وضحى همست بتردد: ماتدرين يمه يمكن الله باغي له خير
مزنة بحزم: عيب عليش وضحى ذا الكلام.. لا تعيبين في بنت عمتش..
وضحى بذات التردد: يمه ما أقصد شيء شين.. جوزا مافيها قصور.. بس امهاب يستحق وحدة يكون هو أول واحد في حياتها
وبعدين شوفي رجالها الأولي رجع من الموت.. لو كان امهاب تزوجها.. ما يندرى وش ظروف حياتهم لو هو لزم يأخذ حسن..
يعني الله باغي له الخير من كل صوب..
مزنة تنهي إخراج أخر مافي الحقيبة وتضعها تحت السرير وتهمس بحزم: يأمش ماحد يدري وين الخيرة
أنا طالعة الحين مع كاسرة اليوم جلستها الأخيرة في الصالون
وأنتي تمددي شوي بأروح أجيب لش قرفة تشربينها قدام أروح
وكأننا تأخرنا.. تغدي أنتي وتميم.. تميم في شغله الحين وأكيد بيرجع عقب صلاة الظهر..
**************************************
" ها ياماما الجديدة.. كيف إحساسش بالحمل؟؟ حلو ؟؟ صح؟؟ "
عفراء تمد يدها لتمسح جفنيها الناعسين وتهمس بحنان وهي تشد هاتفها بيدها الأخرى:
من حيث حلو.. حلو.. خصوصا أن الوحم توه خفيف مابعد بدأ يثقل
مزون بحماس: ياربي مافيني أصبر.. أبي أشوفه.. اسمعيني ترا ماعلي منش أنتي وعمي..
أول موعد تلفزيون أنا بأروح معش.. حتى لو عمي موجود.. بأغسل وجهي بمرقة
عفراء بحنان: طيب ولا يهمش.. وبلاها منصور.. انتي وبس..
مزون برفض لطيف: لا والله تبين عمي يذبحني.. ياربي ما تخيلته بيكون مبسوط كذا لدرجة إنه زعل إني سبقته وبشرت إبي قدامه
تحفزت مشاعر عفراء وتصلبت أناملها وهي تتذكر ما تحاول تناسيه.. وضعها غير الطبيعي مع منصور.. همست حينها لمزون برقة:
زين حبيبتي أنتي أزعجتيني من صبح عشان ترتيبات عرس كساب واحنا مخلصين كل شيء
الحين خليني أنام شوي قبل يجي عمش.. وأنا بأكلمش إذا قمت
أغلقت الهاتف وهي تعاود التنهد وتتمدد على سريرها ومنصور يقفز ليستولي على كل أفكارها..
لا تعلم كيف حدثت كل هذه التعقيدات وخلال الفترة البسيطة التي تزوجا فيها
والغريب أنها تشعر أن منصور ليس زوجها من شهر واحد فقط.. كأنهما متزوجان منذ قرون لشدة تعقيد المشاعر بينهما..
الآن تجزم يقينا أنها تحبه وليس فقط تستلطفه أو مابينهما هو محض مودة..
لأنها لو لم تكن تحبه لم تكن مطلقا لتبقى عنده بعد معرفتها بسفره لجميلة.. لكنها وبكل جبن تعترف أنها عاجزة عن تركه رغم أن عقلها حثها على ذلك كثيرا..
عاجزة عن تخيل حياتها خالية من وجوده بل حتى من تسلطه وحدته!!
فنحن حين نحب إنسان ما.. نحبه كما هو بعيوبه كما مزاياه..
اليومان الماضيان كان منصور يضغط عليها كثيرا وهو يرفض أن يترك لها مساحة للتنفس بعيدا به..
لم يسمح لها أن تنم بعيدا عنه.. بل حتى لم يسمح لها بالنوم بعيدا عن حضنه!!
لم يسمح لها أن تشيح بنظراتها أو حتى أن تعبر عن رفضها لمناجاة عينيه..
لم يسمح لها أن تعتصم بالصمت في حضوره
كان يقتحمها ويستولي عليها حتى آخر نفس.. وهو يجسد حضوره في كل خلية من خلاياها..
بل مازاد الأمر تعقيدا أن اليومين الماضيين كانا يوما إجازته لذا الوقت الذي كان لعمله أصبح بكامله لها.. بعيدا عن مواعيد مجلسه المقدسة..
لذا شعرت باختناق حقيقي وهو يبقى أمامها بالساعتين والثلاث ساعات متواصلة.. وهو يجري عليها تحطيما مدروسا للمقاومة..
تعلم أنها ليست ندا له.. بل تعترف بذلك.. ولكنها تتمنى بالفعل أن تخلو بنفسها.. وفي ذات الوقت نفسه باتت تخشى أن تختلي بنفسها
فهي مع وجوده المتواصل أمامها تشعر أنها عاجزة عن المسامحة أو تجاوز ماحدث.. فكيف لو ابتعد عن عينيها؟؟
تخشى أن تقسى أو يقوى البعد عزمها عليه..
يا الله كم هي المرأة مخلوق معقد عصي على كل التفسيرات المنطقية!!
***********************************
" يالله كيف هي استعدادات العروس؟؟"
كاسرة هزت كتفيها وهمست بثقة وهي تثبت هاتفها على أذنها: عادي..
فاطمة تضحك: سوسو علي... أنا فاطمة ترا..
كاسرة تبتسم: زين ويافاطمة ترا.. وش تبين أقول لش.. أكذب عليش وأقول أني متوترة وما أنام الليل من الهم..
عادي لأنه فعلا عادي..
فاطمة بابتسامة: عرسش بعد بكرة.. جد منتي بمتوترة؟؟
أنا قبل عرسي باقي أسويها في ثيابي من كثر ماأنا خايفة ومتوترة..
كاسرة تضحك: باقي تسوينها؟؟... إلا شكلش سويتها.. أنا أصلا متذكرة بنفسي وأنتي سنونش تصك في بعضها تقولين داخلة فيلم رعب
فاطمة تضحك: هذا لأني بنت طبيعية وما أدري عن الحياة اللي قدامي لازم أخاف..
كاسرة تهز كتفيها: وأنا وحدة الخوف ملغي من قاموسي.. يعني وش اللي في الزواج بيرعبني؟!..
والله عجبني خير وبركة.. ماعجبني مافيه شيء يحدني أصبر
أنا خذت بخاطر جدي وخذت الرجال اللي هو يبي.. لكنه ماقال لي اصبري عليه حتى لو هو مايستاهل..
فاطمة بخبث: سوسو.. كسّاب ينقال عليه ذا الكلام؟؟ أنا شايفته بعيني..
كاسرة ببرود: أبي أدري وش عاجبكم كلكم في ذا الكسّاب؟؟ أنتي وأمي ووضحى..
فاطمة تضحك: وحطي فوقنا كل موظفات الهيئة اللي شافوه طالع شايلش يوم الحريقة..
كاسرة تبتسم: عليكم بالعافية.. ليش أنكم شفتوه منظر بس.. ماعرفتو شين اطباعه..
فاطمة تغمز: ماكلمش عقب آخر مرة؟؟
كاسرة بعدم اهتمام: لا.. هجد ورحمنا من صوته.. الله يديمها نعمة ويحفظها من الزوال...
فاطمة بخبث: وأنتي جد ما تبين تسمعين صوته؟؟... صدق نسوان ما ينعرف لنا!!
كاسرة بابتسامة: تدرين أنش مزعجة.. أمي قايلة لي أتجهز عشان موعد الصالون.. هي أحرص مني على المواعيد
حتى لو بغيت أتهرب ما تخليني.. والحين بتعصب علي من سبتش..
فاطمة تضحك: دواش خالتي أم امهاب.. خلها تسنعش..
كاسرة تهتف باهتمام: خليني ألبس ألحق أنزل لجدي أول.. جيته قبل شوي لقيته نايم فديت قلبه..
************************************
" عبدالله أنت وش فيك متضايق كذا؟؟
من يوم وديت ولدك ورجعت وأنت مكتم"
عبدالله يلتفت لعالية ويهمس بهدوء: مافيني شيء يا الغالية.. إلا أخوانش وينهم ماهنا حد منهم..؟؟
عالية بطبيعية: فهد وصالح عندهم دوام ومرونا كلهم الصبح مبكر..
وهزيع كان هنا قبل ما تجي.. وراح يشوف نتيجته بتطلع اليوم وراح معه نايف
ثم أردف عبدالله بحذر: وإبي؟؟
عالية بحذر مشابه: مرنا هو بعد الصبح قدام تجينا بحسن.. وراح يقول عنده شغلة وبيرجع..
عبدالله بخيبة أمل: يعني أقوم أفارق؟؟
عالية بتصميم: لا لا تروح مكان.. أمي رقدت وهي تسأل عنك.. إبي لازم يتقبل وجودك..ولو أن إبي ماحده على ذا اللي شيء كايد
خاطري أدري وش انت مسوي!!
عبدالله صمت ولم يجبها.. فما به اليوم يكفيه عن كل شيء!!
بعد دقائق .. وعت أم صالح من نومها.. وكانت كلمتها الأولى أنها سألت عن عبدالله..
عبدالله تناول كفها مقبلا: أنا هنا جعلني فداش..
أم صالح بصوت ناعس: وديت ولدك؟؟
انقبض قلب عبدالله وهو يتذكر ماحدث وهو يعيد حسن .. هتف بسكون: وديته يمه..
عاد ليميل على كتفها مقبلا.. وكأنه يريد أن تسكن رائحتها وحنانها وجع قلبه المتزايد (كل ما قلت هانت..جد علم(ن) جديد)
ثم ارتكى على طرف سريرها وهو يسند رأسه لكفه
همست حينها أم صالح بانقباض: وش فيك يأمك.. شيء يوجعك؟؟
عبدالله باستغراب: لا فديتش مافيني شيء
أم صالح بألم: تدس علي؟!.. أشلون مافيك شيء وأنت تون!!..
عبدالله بصدمة: أنا ونيت..!!
أم صالح بذات نبرة الانقباض المتألمة: إيه ونيت ونين موجوع..
عبدالله يشير لعالية بصوت منخفض: أنا ونيت؟؟
عالية هزت كتفيها علامة (لا أدري) بينما دهشة عبدالله تتزايد..
في داخله هو متيقن أنه أنّ أنينا يكاد يمزق صدره خارجا..
لكنه متيقن كذلك أن هذا الأنين لم يتجاوز شفتيه للخارج..
فهل اشتمت رائحة وجعه وسمعت بروحها صوت أنينه المسكوب في روحه قطرات من فجيعة ؟؟
" أماه .. موجوع أنا حد الثمالة
موجوع حد السماء.. موجوع حتى أقصى درجات الوجع
سلبوني حتى حق الحلم بها
ما أن انتعشت روحي بحلم القرب منها حتى اُنتزع مني الحلم بذات السرعة
روحي مرهقة يأمي.. لا أعلم حتى متى ستصمد
لا أعلم حتى متى سأصمد من كل شيء.. كل شيء!!"
طرقات حازمة ارتفعت على الباب انتزعت الجميع من أفكارهم.. تلاها صوت أبي صالح الحازم: حد عندكم؟؟
عالية وقفت وهي تهتف بحذر: تفضل يبه.. تعال
دخل ليتفاجئ بوجود عبدالله.. اليومين الماضيين حاول قدر الإمكان تجنب مواجهته أو رؤيته.. ولكنه هنا وأم صالح متعبة وإلا كان طرده فورا من المكان..
أبو صالح ألقى السلام.. وعبدالله وقف ليسلم عليه.. ولكنه أشار بيده ألا يتقدم ناحيته
لكن عبدالله لم يستجب للإشارة وهو يستغل وجود والدته كغطاء له ويتقدم ليقبل جبين والده ثم كتفه..
الاثنان تفوح منهما نفس الرائحة تماما.. دهن عود فاخر يبدو من نفس النوع
تنهد أبو صالح في داخله بعمق (مازال كما هو.. يحاول جاهدا التسلل لتحت جلدي
ولكن لا.. لا..
ابني ذاك مات.. مات وانتهى !!)
أبو صالح جلس على نفس المقعد الذي كان عبدالله يجلس عليه جوار أمه وهو يهمس بفخامة: أشلونش الحين يأم صالح؟؟
أم صالح أجابته باحترام عميق: من الله في خير.. اللهم لك الحمد والشكر
عبدالله شد له مقعدا وألصقه بمقعد والده وجلس.. بينما هتف أبوصالح بحزم: ضاقت عليك الحجرة؟؟
بينما عبدالله أجابه بشبح ابتسامة: القلب يتبع هواه يأبو صالح..
بينما همست أم صالح بعتب: وش فيك على الصبي ياخالد؟؟
أبوصالح يميل على أم صالح ويهتف بهدوء: ماسويت به شيء.. المكان وسيع.. أبيه يتوسع..
أم صالح بألم: يبي قربك.. ياقلب أمه ذبحته الوحشة بروحه ذا السنين كلها..
حينها همس أبو صالح بنبرة مقصودة: والله الوحشة هو اللي جابها لروحه.. هو اللي بغاها..
عبدالله بعمق: والله يبه ماحد يبي الوحشة والبعد من هله.. ومايحد على ذا إلا شيء أعبر منه
أبوصالح بنفس النبرة الملغومة: والله يابوحسن.. الشان مهوب في الغيبة.. الناس تغيب سنين وترجع..
الشان على اللي قبل الغيبة أشلون قلبك طاوعك عليها؟؟
عبدالله صمت.. ليس هناك مايجيبه به.. كيف يبرر له حكاية الانتحار المزعومة ولكن والدته أنقذته وهي تهتف بضيق عميق:
خالد الله يهداك أنت وش فيك تبّحّث ورا عبدالله.. كفاية فرحتنا برجعته..
وألا لا تكون أنت منت بفرحان..؟؟
أبو صالح رغما عنه هتف باصطناع مغلف بالحقيقة أو ربما حقيقة مغلفة بالاصطناع: إلا وكاد مبسوط..
حينها فجرت أم صالح قنبلتها وهي تهمس بحزم لطيف مخلوط بنبرة رجاء ألطف:
زين ترا عبدالله إذا طلعت من المستشفى بيرجع معي.. ماله عازة يقعد في بيت صالح بروحه..
***************************************
كانت نائمة حين شعرت برائحة عطره تخترقها قبل أن تشعر بدفء ذراعيه يطوقانها وصلابة صدره تحتوي ظهرها.. همست بنعاس: جيت منصور؟؟
منصور همس بخفوت: صار لي أكثر من ساعتين راجع يالكسلانة.. وش ذا النوم كله؟؟
همست وهي تفتح عينيها: أنا منبهة الساعة عشان أصحى قبل ما تجي.. أشلون مارنت..
منصور بثقة: أنا جيت بدري شوي وطفيتها قبل ترن.. قلت خلش تنامين شوي.. ونمت أنا بعد معش شوي
عفراء كانت تريد أن تنهض لكنه لم يتركها وهو يشدد احتضانه لها.. همست عفراء بألم ماعادت تعرف له سببا: فكني منصور.. خلني أقوم أسوي لك ريوق
منصور هتف بعمق وهو يديرها لناحيته : ما أبي ريوق.. أبي أشوف ابتسامتش بس
حينها لا تعلم لماذا انخرطت في بكاء رقيق وهي تشد جيبه بيديها الاثنتين وتدفن وجهها في صدره..
أصبحت شديدة الهشاشة كما لو أنها قابلة للكسر مع أقل هزة
منصور احتضنها بقوة وحنان وهو يتركها حتى أفرغت طاقة بكاءها كله وهدأت حينها همس بخفوت دافئ:
أبي أدري بس وش اللي يرضيش ياعفرا والله لأسويه لو على قطع رقبتي
حالش مهوب عاجبني كلش
عفراء همست بصوتها المبحوح ووجهها مازال مختبئا في صدره: والله العظيم ماأبي شيء.. هذا دلع الحوامل بس
منصور كان يمسح خصلات شعرها ويهمس بذات الخفوت الدافئ: تدلعي على كيف كيفش.. بس لا تحرقين قلبي بذا الحزن اللي ماعرفت له حل..
**************************************
" خليفة.. مامليت من قعدتك ساكت.. أنا مليت
لين متى وأنت مقاطعني من الكلام كذا؟؟ "
خليفة يرفع رأسه عن كتاب كان يقرأ فيه ويهمس بحزم: إذا كلمتي عمتي عفرا وخذتي بخاطرها هذاك الوقت بأكلمج
رغم إحساس جميلة بندم عميق وتأثر أعمق منذ مكالمتها لوالدتها
وبعدها انفجار خليفة الناري فيها المرة الماضية ..إلا أنها لم تسمح له أن يشعر بذلك وهي تهتف بغضب:
وأنت وش دخلك بيني وبين أمي.. عنك ما كملتني.. أريح أصلا.. من زينك وإلا من زين كلامك.. خلك ساكت أحسن
رغم تصاعد غضب عميق في روحه إلا أنه هتف بتمكن: أصلا أنا عارف أنه أنا ما أهمج في شيء
بس على الأقل حطي بالج على أمج.. توني كلمت عمي منصور البارح يقول إنها حامل وتعبانة كلش ونفسيتها في النازل والسبب أنتي
جميلة فتحت عينيها بذهول وكحت وهي تشهق بصدمة موجعة بعثرتها تماما: تقول حامل؟؟
أمي أنا حامل؟؟
حامل.. أكيد أنت غلطان.. أمي حامل؟؟
خليفة ببرود مدروس: إيه حامل.. ووش فيها؟؟ أمج بعدها صغيرة
جميلة بكلمات مشتتة مهزومة: فيها أنها أمي أنا.. وأنا كنت أنتظر زيارتها على نار..
أشلون الحين بتزورني وهي توها حامل في اللي بيأخذ مكاني عندها؟؟
خليفة يرفع حاجبا وينزل آخر ويهتف بتهكم: الحين تنتظرين زيارتها على نار وأنتي توج معورتها بالحجي كل كلمة أكبر من الثانية
ثم لم يستطع بعدها إلا أن يهتف لها بنبرة حنان: وبعدين مافيه ولد يأخذ مكان ولد ثاني..
لو أمج عندها عشرة يهال لكل واحد منكم غلاه مايشاركه فيه الباقيين..
حينها بدأت عيناها تدمعان وهي تهمس باختناق: لا هذا صغير.. وبيأخذ كل وقتها واهتمامها وحبها.. وأنا خلاص ماراح يبقى لي شيء
خليفة بهدوء عميق: وش هالأفكار الغريبة؟؟.. أمج من حقها يكون عندها حياة وأطفال..
مثل ما أنتي صار لج حياة خاصة فيج.. وبكرة بيصير عندج أطفال.. وتلهين فيهم عن كل شيء
جميلة شهقت بصدمة خجولة: أنا.. أطفال؟؟ ومِن مَن؟؟
خليفة بنبرة سخرية غاضبة: مِن مَن؟؟ الطوفة اللي جدامج موب مالي عينج!!
جميلة تفجر وجهها احمرارا غشى حتى أخر أطراف شعرها..
حين وافقت على خليفة.. كانت تظن أنها تموت..
لم تفكر في خطوة أبعد من الزواج نفسه ومن معناه.. من الزواج من رجل يحمل اسم والدها ورائحته ودمه.. ترتحل للعالم الآخر وهي على ذمته
لكن حياة كاملة ومسؤولية وأطفال؟؟ لم تخطر ذلك أبدا ببالها..
بل ماهو أقرب من ذلك وأعمق.. حقوق هذا الرجل الشرعية عليها!!
قد تكون هذه الحقوق غير واردة الآن وهي في وضعها الصحي الحالي.. ولكن حينما تتحسن صحتها............!!!!
( أشلون أنا غبية كذا.. أكيد فكر بذا الشيء دامه يتكلم عن أطفال!!)
حينما وصل تفكيرها لهذه النقطة لم تعد حتى تستطع رفع عينيها إليه وهي تبتلع لسانها السليط في جوف حلقها..
عاجزة عن أي رد وهي تشعر أن عروقها ترتجف لشدة الخجل!!
خليفة يعلم أنها صدمها بشدة.. ولكنه أراد أن يصدمها فعلا.. لكي تعلم أنها تقف على أرض صلبة... وأن وجوده معها ليس وجودا مؤقتا.. بل سيكون ارتباطا أبديا..
فهي ليست بحاجة أحد سواه.. ولا داعي لئن تقلق من زواج والدتها أو انجابها عشرات الأطفال حتى..
يريدها أن تشعر فعلا بالأمان والاحتواء وأنه باق إلى جوارها حتى النهاية!!
*************************************
" أشلون كانت العمرة؟؟ عسى ارتحتي وتريحتي؟؟"
جوزاء تشد حسن لصدرها وتهمس بهدوء عميق: ماحد يروح هناك وما يتريح قلبه.. الله لا يحرمنا زيارتها
ثم همست بهدوء حذر: شعاع أنتو خليتو حسون ينام عند ابيه البارحة؟؟
شعاع بصدمة: من اللي قال لش؟؟
جوزاء تحاول ألا تغضب: حسن.. بس ما صدقته..
شعاع شدت لها نفسا عميقا ثم همست مع ابتسامة لطيفة: لا تعصبين تخربين جيتش من بيت الله..
ولدش صدعنا ناشب فيه كنه قرد.. وبعدين وش فيها؟؟ هذي ليلة وحدة بس..
وبعدين كان يبي يوديه لجدته في المستشفى..
جوزاء رغم ضيقها العميق همست بهدوء: خلاص ماصار إلا الخير..
وجدته أنا بأوديه بنفسي.. ماني في حاجة حد يوديه..
شعاع بتساؤل حذر: يعني لو حد من عمانه اللي موديه بتتضايقين كذا؟؟
جوزاء تمسك برأسها وتهمس بقهر: لا تستعبطين شعاع.. أنا ماني بناقصة والله العظيم...
.
.
في الأسفل
أم عبدالرحمن تهمس لعبدالرحمن بحنو: هانيك مازرت يأمك
عبدالرحمن يميل ليقبل كتفها للمرة الرابعة ربما: هانيش خير وعافية يمه.. وإن شاء الله في رمضان أنا وإياش فيها
أم عبدالرحمن بمودة عميقة: الله لا يحرمني خوتك لمكة كل سنة لين تدفني..
عبدالرحمن بمودة أعمق: عمرش طويل في الطاعة.. أبشري بسعدش
ثم تساءلت أم عبدالرحمن بحزم لطيف: عبدالرحمن أنت زرت عمتك؟؟
عبدالرحمن باستغراب: أي عمة؟؟
والدته بغضب: أي عمة؟؟ أم مرتك.. أفا عليك يعني أنا اللي باعلمك السنع!!
عبدالرحمن ابتسم: يمه توني ما تعودت على ذا السالفة.. بس تدرين يمه.. حلوة مرتي ذي اللي حتى إصبعها مابعد شفته
***********************************
"قوم نروح للحلاق"
فهد يفتح عينا ويغلق الأخرى وهو ينظر لهزاع الواقف فوق رأسه: هزيع فارقني ترا ماني بمتفرغ لك.. أبي ارقد شوي عشان أروح لأمي
هزاع بابتسامة: قوم نروح للحلاق وعقبه أروح أنا وإياك لأمي..
فهد بنبرة غضب: هزيع قوم فارق قدام أخلي وجهك شوارع.. ماتعرف تروح للحلاق بروحك؟!..
هزاع تتسع ابتسامته: إلا.. أعرف.. وأعرف أوديك بعد عشان نحلق شنبك..
فهد قفز واقفا وعيناه تتسعان ذهولا وهو يكح: نجحت؟؟
هزاع يرقص حاجبيه: نجحت وجبت 80% بعد
عينا فهد اتسعت أكثر وهو يكح بشكل متواصل من الشهقة: مستحيل..
هزاع يضحك: وش ذا الروعة؟؟ بدل ما تقول لي مبروك..
عينا فهد بدأت تدمع لكثرة ماكح وهو يهتف : مبروك ألف مبروك.. أبشر بالهدية اللي تبيها..
هزاع يرقص حاجبيه مرة أخرى: أبي شنبك بس.. حواجبك متنازل عنها مع أنك اللي عرضتها علي..
فهد برجاء باسم: هزيع يأخيك تبي تضحك الرياجيل علي؟؟
هزاع يبتسم: مالي شغل .. ماحد قال لك تمد لسانك وتقلل من قدراتي وتبي تكسر بنفسي قدام الامتحانات
فهد يبتسم: بالعكس أنا كنت أسوي لك حافز نفسي.. لو أني ماقلت لك كذا..ماكان تحديت نفسك وجبت ذا النسبة
يعني شنبي كان أهم عندك من النسبة
هزاع مازال يبتسم: ودامه عندي أهم وانت قلتها بنفسك.. يالله قم للحلاق..
فهد تغيرت ابتسامته: هزيع من جدك تبي تحلق شنبي؟؟
هزاع بتصميم باسم: أكيد من جدي..
أنت قايل لي كم مرة لا وعندي شهود.. عيب عليك ما تكون قد كلمتك..
حينها ابتسم فهد: زين وأنا باشتري شنبي باللي أنت تبغي..
هزاع بتصميم مرح: وأنا ما أبيع.. أبي شنبك وبس
فهد بغضب: هزيع بلا سخافة.. قلت لك بأعطيك اللي تبي
هزاع حينها ابتسم: خلاص أبي سيارتك الجديدة..
فهد قطب حاجبيه: مهوب كنك زودتها..
هزاع يضحك: والله أنت اللي مديت لسانك شبرين يأبو شنب.. أنا أصلا ما أبي شيء.. بس دام شنبك غالي عندك.. لازم أخذ شيء بغلاه..
وبعدين يأخي توك بايع السيارة اللي عطاك إياها منصور آل كساب وحاط فلوسها في جيبك
عطني سيارتك واشتر سيارة غيرها..
فهد بغضب: بس أنت داري زين إن السيارة ذي طلبتها من الوكالة وقعدت أنتظرها أكثر من شهرين..
وين بلاقي لي سيارة مثلها الحين؟؟
هزاع يهز كتفيه: خلاص عطني الشنب.. ما أبيها.. غطها على كبدك وأنت بدون شنب
فهد يفتح الجارور المجاور لرأسه ويتناول المفتاح ويلقيه على هزاع وهو يبتسم:
خلاص دامك ماخذها ماخذها على الأقل تاخذها وأنا سامح
ماتقول إنك خذتها غصبا عني... مبروكة عليك تستاهلها..
ولو أنك خليتها والله لأشتري لك سيارة أغلى منها.. تستاهل على ذا النسبة أنت ووجهك..
هزاع يأخذ المفتاح ويقبل جبين فهد وهو يبتسم: حتى لو قلت أنك سامح.. أدري أنك محترق.. لازم أحرّك شوي هذي حلاتها..
***************************************
"عبدالله قال لي اليوم إن أمي لزمت أنه يرجع معها للبيت
ها وش رأيش نكمل تشطيب بيتنا وننزله.؟؟. ترا مايبي له حتى شهر وإلا حن مخلصين كل شيء"
نجلاء ابتسمت برقة: أكيد ماعندي مانع
مابغيت تنطق بذا الدرة..
صالح يضحك: يعني كني السبب.. مهوب أنتي اللي طقيتي وهملتني أنا والبيت
نجلاء تجلس جواره لتحتضن عضده ثم تسند خدها له وتهمس بألم: خلاص صالح تكفى.. نبي نفتح صفحة جديدة..
صالح يمد يده ليحتضنها بقوة ثم يهمس بابتسامة: زين والصفحة الجديدة مافيها غرفة نصبغها بالوردي..؟؟
نجلاء تبتسم: تبي غرفتين ثلاث بعد ماعندي مانع الله يعطينا من عنده خير.. المهم خويلد وعزوز هم اللي ينقون غرفهم أول..
صالح بشفافية مرحة: حاضرين لخالد وعزوز وأمهم.. المهم أنتي وعيالش ما تزعجوني أنا وبناتي وتغثونا..
****************************************
" نعم وش تقول؟؟ عبدالرحمن عند الباب يبي يسلم على أمي
من جدك أنت؟؟
قل له يروح ويرجع بعدين.. ماعندي حد من أخواني"
صالح بحزم: يا بنت الحلال روحي أنتي وادخلي الحمام.. وانا باقول له ادخل.. أمي ماعندها حد..
أنا عادني في البيت وأخوانش هزاع وفهد عندي.. وعبدالله في المحكمة يصدق أوراقه.. ماحد منا بلاحق يجيش.. والرجّال يقول عند الباب..
عالية بضيق عميق وحرج أعمق: خلاص.. قل له يدخل عقب دقيقتين ألحق أضبط برقع أمي وجلالها وأسكر على روحي في الحمام..
وياويلك تجيب طاري أني عند أمي..
صالح يضحك: كم مرة قايل لش لا عاد تهددين أنتي وجهش.. تراني أخيش الكبير.. بيني وبينش فرق 11 سنة..
عالية تشعر أنها ستبكي من الحرج وهي تعلم أنه ليس بينها وبينه إلا هذا الباب: تدري إنك متفرغ.. بس دواك عندي يأبو خالد على ذا المقلب اللي سويته فيني..
عالية أنهت الاتصال ثم شرعت تعدل وضع برقع أمها على وجهها وجلالها وهي تهمس بهدوء تحاول أن تزرع فيه كل ثقتها بنفسها:
يمه عبدالرحمن بيجيش يسلم عليش.. أنا بأدخل الحمام لين يروح..
أم صالح باستغراب: تدخلين الحمام وتخليني ماحتى عندي حد يقهويه..
عالية شدت لها نفسا عميقا: يمه مهوب جاي يتقهوى.. جاي يسلم ويروح..
أم صالح بحزم: انطقي.. اقعدي على حيلش.. والله ماتروحين مكان.. الرجال أول مرة يجيني ..تبينه حتى فنجان القهوة مايذوقه عندي..
عالية بغيظ: يمه أنتي وذا الكرم.. استغفري.. تراش في المستشفى منتي بفي بيتش طال عمرش..
وعبدالرحمن لو انطبقت السما على الأرض ماني بقاعدة عنده أقهويه.. عنه ما تقهوى..
أم صالح بغضب: أنا بنت أبي.. بتفجرني اللي ما تستحي.. كن فيش خير فروحي وأنا حالفة عليش..
عالية بالفعل تكاد تبكي وهي تنظر لنفسها (حتى حالتي حالة من قعدة المستشفى.. خوش شوفة بيشوفها)
عالية حين سمعت الطرقات على الباب شهقت وهي تضفي عباءتها عليها وتتأكد من وضع نقابها على وجهه..
وهي تتمنى لو تنشق الأرض وتبلعها ( عادي علوي خلش جامدة..
الحين مهندسة جينية وكل يوم تقابلين الناس أشكال ألوان خايفة من الدحمي.. تراه مايأكل أوادم)
عبدالرحمن طرق الباب عدة مرات ثم فتحة بشكل موارب وهو يهتف بصوت عال: أم صالح.. أم صالح
أم صالح هتفت له : تفضل يأمك تعال..
عبدالرحمن قبل أن يدخل بشكل كامل شد الستارة قليلا ليمنع من يقف خارجا من رؤية داخل الغرفة وهو يهتف بذات الثقة:
يمه معي بوي جايب ورد.. وين يحطه؟؟..
أم صالح بحرج: يأمك ماكان كلفت على نفسك.. خله يحطه أي مكان..
عبدالرحمن يتقدم لمكانها وهو يهتف بمودة: مابه كلافة أنا اصلا قدني متفشل منش أدري أني تاخرت..
عبدالرحمن وصلها ليتفاجأ أن هناك مخلوقة تلتف بالسواد تقف في الزاوية.. عبدالرحن تجاهل وجودها ليصل أم صالح التي كانت تجلس على سريرها ويقبل رأسها وهو يهتف بمودة واحترام: سلامات يمه.. ما تشوفين شر.. أجر وعافية
هتفت له أم صالح بمودة: الشر ما يجيك.. اقعد يأمك تقهوى..
عبدالرحمن يشير بيده رافضا: لا يمه جعلني ما أبكيش.. أنا جاي أسلم عليش وبأروح.. بشريني منش الحين.. عساش أحسن؟؟
أم صالح بمودة: والله إن قد تقعد تقهوى.. وأنا الحمدلله من يوم شفت عبدالله وأنا بأحسن حال
ثم أشارت للواقفة في الزاوية التي لم ترفع عينيها مطلقا والتي تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها منذ سمعت صوت عبدالرحمن الرجولي الرخيم
(يمه.. يمه.. صوته يجنن وكله رجولة.. لا أحكي أنا نافسته في رجولة الصوت.. عز الله طفش الرجّال) :
عالية تعالي قهوي أبو فاضل..
عبدالرحمن حين سمع اسم عالية شعر بارتباك ما سرعان ما تجاوزه.. فهو ليس طفلا ولا مراهقا.. وهو رغم استبعاده أنه قد يلتقيها إلا أن الأمر لم يصدمه
لذا هتف بحزم واثق: الحمدلله على سلامة الوالدة يابنت خالد..
عالية في داخلها تمنت ألا ترد عليه.. ولكنها لم ترد أن تشعره بتوترها وخصوصا أنها كتعليم وشخصية هي أبعد ما تكون عن التوتر والارتباك
ردت عليه بهدوء متمكن قدر استطاعتها: الله يسلمك..
كتم في داخله ضحكة كانت ستفلت منه.. فصوتها كان مخنوقا لأبعد حد (لا يكون هذا بس صوتها من جد؟!!) : أشلون الوالدة الحين بشرينا منها؟؟
عالية اختناقها يتزايد( يتميلح هو ويا وجهه!!) ردت عليه بهدؤها ذاته.. أقصى هدوء استطاعته: الحمدلله
حينها كانت تصب له فنجانا من القهوة.. ولكنها لم تناوله له بل صبته ووضعته على الأرض قريبا منه..
حينها رفعت نظرها له بغير قصد لتتفاجأ أنه كان ينظر لها بتمعن ويبتسم .. أعادت حجز نظرها للأرض وهي تسب نفسها (الأخ كاشخ ومتأنتك .. أكيد يضحك على حالتي اللي ما يستحي أبو عين قوية البصباص)
أم صالح قطعت الجو الغريب بينهما وهي تهمس بأريحية: يأمك اشرب فنجالك..
عبدالرحمن حينها أجاب بخبث: وينه فنجالي؟؟
أم صالح زجرت عالية: عالية صبي لعبدالرحمن فنجال قهوة يامال الزين..
عالية حينها بدأت تشعر بغيظ ممزوج بالحرج ممزوج بالغضب.. همست من بين أسنانها حتى لا تسمع أمها: يعني منت بشايف الفنجال قدامك؟؟
حينها كاد بالفعل أن ينفجر ضحكا من طريقتها الطفولية في الغضب وهو يتأكد أن صوتها ليس مخنوقا كما كان يظن
رد عليها بخفوت مشابه: لا تكونين عقب عرسنا ناوية تحذفيني بالفنجال كذا!!
حينها اشتعل وجه عالية احمرارا وهي تتمنى لو كانت تستطيع سكب دلة القهوة فوق رأسه...
بينما أم صالح همست باستفسار: وش تقول يأمك؟؟
عبدالرحمن ينظر لعالية وهو يقف ويبتسم: أقول كثر الله خيركم.. وما تشوفين شر.. واسمحي لي أترخص طال عمرش..
***********************************
" وضوح أنتي أكيد استخفيتي.. ما أقدر أطلع لش.. والله لا تدري أمي وإلا نجلا أني نزلت في بيتكم إن قد يذبحوني
تبين الناس يقولون أن سمور الحياوية نازلة في بيت رجالها وهي ماباقي على عرسها إلا كم أسبوع
تبين الناس يأكلون وجهي أنتي ووجهش..لا وعشان ويش؟؟ عشان وجهش الشين
خلي الخدامة تعطيني أوراقش والسي في بسرعة عشان أقدم لش معي بكرة"
وضحي برجاء: سمور يا الدبة.. والله العظيم تعبانة من الدورة ومافيني حيل أنزل الدرج لين تحت وأروح للمطبخ الخارجي عشان أعطيه الخدامات
والله العظيم البيت فاضي.. أمي والعروس رايحين الصالون أخر جلسة لكاسرة اليوم عشان الحناية بتجيها في الليل
وتميم في شغله.. وامهاب في رحلة.. تكفين تعالي لي أنتي أنا في غرفتي..
والله ماحد يدري..
سميرة تستعد للنزول: ياويلش حد يدري والله لأسود عيشتش.. وإن شاء الله الخدامة والسواق ما يفتنون علي..
أنا قايلة لأمي بأروح للمكتبة القريب أصور أوراق وإلا ماكان خلتني أطلع.. وماهقيت أنش بتنشبين في حلقي تبين أصور لش وأقدم لش بعد
وضحى تضحك: حماتش جعل الزمان يتبارك.. إذا ما نفعتيني تنفعين من؟!!
سميرة نزلت بسرعة وأخذت الأوراق بسرعة لتعود ركضا للدرج.. ما كادت تصل الدرج حتى اصطدمت بعنف بشيء قوي
رفعت رأسها لتنظر.. لتفجع وعيناها تمتلأن بالدموع فورا
بينما هو حينما وصل لأعلى الدرج ومازال على العتبة الأخيرة حتى رأى المرأة التي تتجه نحوه ركضا ودون أن تنظر أمامها حتى
كان يريد أن يتنحى عن طريقها ولكنها لم تمنحه الفرصة وهي تصطدم فيه بقوة
الاصطدام رغم قوته لم يكن ليؤثر في بنية قوية كبنيته
وكان على وشك استعادة توازنه حتى رآها ترفع عينيها ويتعرف على شخصيتها من البياض الناصع المتبدي من فتحتي نقابها
ليفقد حينها توازنه فعلا وارتباكه يخل بأي توازن حاول التجلد به.. ليهوي متدحرجا من أعلى السلم إلى آخره..
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم HaboOoshy
سميرة حين رأت تميما يهوي متدحرجا بعنف وعتبات الدرج الرخامية ترتطم به بقوة شعرت بقلبها يسقط بين قدميها وصراخها يتعالى..
وماكاد يصل إلى أسفل الدرج إلا وهي تصل معه..
كان يشعر بألم بشع يتصاعد في كل جسده.. وكأن عظامه تحولت لفتيت من ألف قطعة..
حاول أن يقف لكنه لم يستطع وهو يشعر بدوار حاد وألم لا يحتمل في ذراعيه بالذات..
سميرة اقتربت منه بجزع وهي تحاول أن تسنده دون تفكير بأي شيء عداه.. بينما هو كان يحاول أن يشير لها ألا تقترب منه أو تلمسه..
ولكنها كانت في دوامة عاصفة من الرعب وهي تدخل كفيها تحت ذراعيه وتحاول أن توقفه في محاولات فاشلة مرتاعة زادت من إحساسه بالألم..
تميم حرك كتفيه بضعف دلالة أنه يريدها أن تتركه..
بينما كان صراخ سميرة الباكي يرتفع بهستيرية : انتبه انتبه.. لا تتحرك العظم طالع..
وهي تتناسى مطلقا أنه لا يسمع حرفا من عويلها الذي سمعته وضحى ونزلت ركضا لتفجع بالنظر أمامها..
جسد تميم الممتليء بالرضوض والسجحات والدم.. والأقسى من ذلك العظم الذي شق جلده خارجا من ذراعه اليمين..
كان تميم يريد أن يشير لها أنه يبدو أن يديه الاثنتين قد كُسرتا ولكنه لم يستطع أن يشير بأي شيء..
وقهر عظيم شديد القسوة والمرارة بدأ يتصاعد في روحه...
وضحى بدأ بكائها يتعالى وهي تشير له ألا يتحرك أبدا .. و تصرخ بسميرة بين شهقاتها وهي تجثو بجوار تميم دون أن تلمسه خوفا أن تؤذيه :
اتصلي في الإسعاف بسرعة وارجعي لبيتش الحين بسرعة..
بينما اتصلت وضحى بأبي عبدالرحمن لكي يحضر لهم فورا.. فهو الشخص الوحيد الذي تستطيع طلب مساعدته في غياب مهاب..
عدا عبدالرحمن الذي شعرت طبعا بالخجل أن تتصل به...
********************************
" أنا أبي أعرف وش ردى العقل اللي عندش أنتي وأختش
هي تبكي كنه ميت لها ميت.. وانتي ماعاد تبين تحنين
ليه أنتو تفاولون على ولدي... ؟؟
تميم مافيه إلا العافية.."
كاسرة كانت تنظر لتميم النائم بجبس في يده اليمين ورباط ضاغط بجبس خفيف على يده اليسرى ولاصقات طبية على نواحي مختلفة من وجهه
وتنظر كذلك لوضحى المنتحبة جواره ثم همست بحزم: ليه يمه تشوفين إن كسر إيديه الثنتين بسيط؟؟
مزنة بحزم: إيه بسيط... ولدي رجّال.. ومهوب اللي يهزه كسر..
الدكتور أصلا كان يبي يطلعه .. بس أبو عبدالرحمن لزّم أنه يمسي الليلة تحت المراقبة..
كاسرة بحزم: يمه أنا وش قلت؟؟ أنا قلت أني بأجل العرس يعني؟؟ كل اللي قلته أني ما أبي أتحنا خلاص.. مالي خاطر فيه وتميم كذا..
مزنة بحزم: بترجعين الحين وبتحنين غصبا عنش بعد.. أنتي لين آخر لحظة لازم تعصيني..أنتي تبين تفضحيني في الناس..
على العموم امهاب اتصل فيني جاي من المطار ويقول كلكم ارجعوا البيت لأنه بيجيهم زوار رياجيل الحين..
مزنة أنهت عبارتها.. ثم توجهت لجوار تميم وهي تقبل رأسه.. ثم تجلس جواره وهي تربت بوجع عميق على يده المغمورة في الجبس..
دون أن يظهر هذا الوجع المصفى على علائم وجهها المشدود بحزم..
كانت روحها تذوب وجعا صافيا.. ربما لو كان ابنها بغير هذه الحالة الصامتة كانت لتحاول تجاوز الوجع..
لكنها الآن تعلم يقينا أي قهر وأذى نفسي يعانيه..وهو يفقد وسيلته الوحيدة للتواصل مع الآخرين..
الآن سيشعر بإحساس العجز الحقيقي الذي حرصت كثيرا على ألا تشعره به..
سيكون عاجزا عن التعبير عن حاجاته ومشاعره..
سيكون عاجزا حتى استبدال ملابسه أو تناول طعامه لوحده..
سيكون عاجزا عن أداء عمله الذي يجد روحه فيه والحواسيب تفتقد لمسته الحانية!!
تعلم أن هذا الأمر مؤقت.. ولكن القهر والعجز الذي سيشعر بهما إلى أي مدى سيجرحان روحه الحرة الوثابة ؟؟!!
**************************************
" أنا أبي أعرف ليه ذا البكا كله..
احمدي ربش أن ماحد درا أنش نازلة في بيته"
سميرة بين شهقاتها: وهذا يعني اللي هامش.. ماحد يدري أني نزلت في بيته
كان ودي العالم كله يدرون ولا يصير له شيء من اللي صار..
نجلاء تربت على ظهر سميرة المنكبة على سريرها باكية.. موجوعة .. حزينة وتهمس بحنان: يا قلبي يا سميرة أنا بنفسي كلمت أم امهاب.. تقول أنه طيب ومافيه إلا العافية
كانوا خايفين من الارتجاج في المخ.. بس الحمدلله مافيه شيء
وكل اللي فيه كسر في يده اليمين.. وشعر في يده الثانية.. وحتى الدكتور يقول لو يبي يطلع يقدر يطلع..
سميرة تشهق بوجع: منتي بفاهمتني يانجلا ليه؟؟ أنا ماني بمعترضة على اللي الله كتبه
أنا اللي محطمني أني أنا السبب يا نجلا.. أنا السبب!!
عرسي عقب شهر ونص.. أدخل عليه والجبس في يده.. لا وأنا السبب.. أشلون أحط عيني في عينه؟؟
وبعدين نجلا تخيلي القهر !!.. لو اللي انكسر رجله.. وإلا يده اليسار بس.. كان بسيطة.. بس الحين المسكين حتى ما يقدر يأشر..
انقطع تواصله مع العالم كله بسبتي.. يعني تخيلي ما يسمع ولا يتكلم ولا حتى يقدر يستخدم إيديه..
أشلون حتى الحين يقدر يعبر وإلا يطلب وألا يأكل وإلا يبدل ملابسه؟؟..
على ما يوصل وقت يوم العرس أساسا بيكون أستوى من الزعل علي والقهر مني..
حينها هزت نجلاء كتفيها وهمست بحزم: القرار من البداية قرارش يا سميرة.. لازم تحملين أي شيء بيصير..
****************************************
" تميم مايصير ياخيك.. ماكلت شيء"
تميم يهز رأسه رفضا.. الإشارة الوحيدة التي مازالت لم تسلب منه..
القهر العظيم الذي شعر به منذ تيقن بكسر يديه وهو يتصاعد في روحه حتى كاد يخنقه..
يفضل أن يموت جوعا على أن يطعمه مهاب كطفل يُدفع باللقمات في فمه.. وخصوصا في وجود عبدالرحمن والده..
قد تكون علاقته بهما قوية وخصوصا بأبي عبدالرحمن ولكن يكفيه مشاهد واحد لضعفه وقلة حيلته.. لا يحتمل مزيدا من الأعين المشفقة !!
وهاهو الآن أيضا يشعر بألم مريع شديد يتصاعد في كل جسده.. يريد أن يعبر عن ذلك حتى يحضروا له أي مسكن.. لكنه عاجز عن إيجاد وسيلة ما للتعبير..
حتى يده اليسار التي أخبروه أن مافيها هو محض شعر بسيط هو عاجز عن تحريكها تماما..
هاهو يشير لمهاب بعينيه.. ولكن مهاب لم يفهم مطلقا ماذا يقصد..
فهم بالكاد كانوا يستطيعون أن يستوعبوا إشارات يديه.. فكيف وهو محروم حتى من إشارات يديه؟!
وآخر ما ينقصه أن يجلس وهو بهذه الحال في زواج شقيقته.. أي عذاب هو هذا العذاب؟؟
غارق في عالم خاص من صمت هادر ووجع هادر غرق فيه لقمة رأسه
كانوا يتحاورون وهو بعيد جدا عنهم.. مغلق عليه في عالمه الصامت كقبر موحش خال حتى من همس الهواء!!
والآن خال حتى من الإشارات.. قبر حقيقي جدرانه أطبقت على نفسه الغارقة في سكونها!!
مهاب يلتفت لأبي عبدالرحمن ويهتف بامتنان واحترام: والله ياعمي ماني بداري وأشلون أرد جميلك.. وأنت مقابل تميم كنه ولدك
أبو عبدالرحمن بمودة عميقة وهو يلتفت لتميم: وتميم صدق ولدي..
عبدالرحمن يبتسم: لا لا.. أنا أعترض.. أنا بروحي ولدك..
مهاب يبتسم: شين السرج على البقرة.. لا تكون تتدلع بس..
عبدالرحمن يبتسم: حلالي أنا الولد الوحيد.. وش حاشرك؟؟
أبو عبدالرحمن بشجن عميق: جعلني اشوف عليك عشر عيال.. قول آمين..
مهاب يعاود الالتفات لتميم ليلحظ أن علائم ألم قوي ترتسم على وجهه
يقفز بجزع ويشير له: شيء يوجعك؟؟
تميم في داخله يهتف ( وأخيرا حسوا فيني.. قاعد أتقطع وهم يسولفون)
هز رأسه بقوة علامة الإيجاب.. مهاب يشير له باهتمام وهو يقترب منه: وش اللي يوجعك؟؟
حينها أدار تميم رأسه دائرة كاملة.. مهاب فهم الإشارة الغريبة.. حينها أشار بجزع حقيقي: كل شيء؟؟
تميم بألم هز رأسه إيجابا..ومهاب قفز ليستدعي طاقم التمريض بنفسه دون أن يرن الجرس
بينما تميم كان يقطب جبينه بقوة وهو يغمض عينيه.. وعبدالرحمن ووالده يحيطان به..
الألم يمزق خلاياه بشراسة ولا يستطيع التعبير عن شيء .. عن أدنى شيء!!
وكل هذا بفضلها هي.. بفضلها هي!!
" سبحان الله.. في داخلي كنت أرفض الزواج منها..
فهل يرسل الله عز وجل لي رسالة ما؟؟
اليوم كسرت يديك.. الله أعلم ماذا ستكسر فيك غدا؟؟
اليوم كسرت شيئا يمكن تجبيره..
ولكن ما أدراك غدا أن لن تكسرك كسرا لن يُجبر!! "
************************************
" فيه عروس خلاص عرسها بعد بكرة ومادة البوز كذا"
كاسرة بغيظ: عاجبش سوات خالتش أم امهاب.. تحلف علي أتحنى غصب وتميم مرقد في لمستشفى
فاطمة تنظر لساقي وذراعي كاسرة المطرزتين بنقوش حنا لم يجف بعد وتهمس بابتسامة: إذا ذا السيقان والذرعان ما تحنا.. ما للحنا خانة ولا عازة
يا الخبلة تميم طيب مافيه شيء.. وانتي عروس من حقش تحنين.. ومن حق كسّاب يشوفش متحنية..
كاسرة بتجبر: ترا آخر واحد يهمني رأيه كساب ذا..
صوت هاتف يرتفع فاطمة تقفز: يمكن رجّالي جا.. تأخرت الليلة واجد..
كاسرة تبتسم: يالخبلة هذا تلفوني.. شوفي وينه وردي..
فاطمة تبحث عن هاتف كاسرة بين الفوضى التي تركنها الحنايات خلفهن قبل دقائق.. تجده لتهمس لكاسرة: رقم مميز حده.. سبيشل موت ..بس بدون اسم
رغما عنها شيء ما تصاعد في روحها وهي تهمس بحياد: هذا أكيد كساب.. حطيه على الصامت
فاطمة تضغط زر الاتصال وتضعه على أذن كاسرة: آسفة.. أنتي بتردين وأنا باسمع.. وإلا تدرين أحطه على السبيكر أحسن..
كاسرة بتحذير: يا ويلش تحطينه سبيكر..
فاطمة تعيد وضعه على أذن كاسرة وتلصق أذنها معها .. بينما كاسرة هتفت بهدوء: هلا..
صوته الذي يثير فيها أغرب المشاعر: هلا بش.. هذا كله عشان تردين..
كاسرة ببرود: آسفة مادريت أنك بتتصل أو كان علقته في رقبتي..
فاطمة تشير لكاسرة أنها ستخنقها.. بينما كان صوت كساب ينساب بثقة: مافيها شيء تعلقينه في رقبتش لأني ما أحب حد ينقعني على التلفون..
على العموم أنا متصل أقول لش الحمدلله على سلامة تميم.. توني دريت.. وكنت عندهم في المستشفى..
الحمدلله مافيه إلا العافية.. خطاه الشر..
كاسرة بنبرة محايدة: الله يسلمك وماقصرت.. وش ذا الذوق كله؟؟
كسّاب ببرود: ما أقدر أسميه ذوق.. لأني أنا ماعندي ذوق.. لكن تقدرين تسمينه واجب لأني واحد أقدس الواجب..
كاسرة بتهكم: زين معلومة جديدة ولو أنها تبي لها دراسة..
حينها همس كسّاب بخفوت: عندش حد؟؟ صح؟؟ وحاط أذنه مع أذنش على التلفون؟؟
كاسرة بصدمة: وش دراك؟؟
بينما فاطمة ابتعدت برعب قدر استطاعتها وهي تمسك بالهاتف على أذن كاسرة..
بينما كساب همس بتلاعب: والحين اللي عندش بعد أذنه عن التلفون
كاسرة باستغراب: أقول وش دراك؟؟
كسّاب ببساطة: كان فيه صوت نفسين على التلفون مهوب نفس واحد..
كاسرة حينها لم تستطع إلا أن تبتسم: يمه منك.. جني.. هذي فاطمة وأعتقد أنك تعرفها
كسّاب شعر باستغراب أنها أشركته بهذه البساطة باسم من هو معها.. مع أنه توقع أن تعاند..
حينها همس بخفوت متلاعب خبيث: زين وبما أن فاطمة بعدت أذنها عن التلفون
وأنا الحين بس سامع صوت نفسش اللي مذوبني.. أشرايش تقولين تصبح على خير حبيبي؟؟ أو الأحسن عطيني بوسة..
كاسرة تهمس بخفوت من بين أسنانها: قسما بالله أنك مريض نفسي بالوقاحة..
ثم أردفت بصوت أعلى: فاطمة سكري التلفون لو سمحتي..
فاطمة أرادت أن تنهي الاتصال.. لتجده فعلا قد أنهاه.. همست باستغراب: أصلا هو سكر
كاسرة بغيظ: الوقح النذل.. مايخلي حركاته اللي كنها وجهه..
تنهدت كاسرة بغيظ فعلي (هذا أشلون باستحمل العيشة معه؟؟ أشلون؟؟ ما ينطاق يا ناس.. ما ينطاق والله العظيم)
****************************************
اليوم التالي..
" الحمدلله على سلامتش يمه نورتي بيتش.."
صالح يسند والدته وهو يدخلها للبيت ثم يجلسها.. بينما عالية تدخل خلفه تحمل حاجيات والدتها
تهمس أم صالح بإرهاق: وينه عبدالله؟؟
صالح يجلس جوارها وهو يشد على يدها ويهتف بابتسامة: راح يفصل له ثياب يمه.. خاشرني في ثيابي.. الغنات زينة..
أم صالح بألم: سبحان الله من كان يهقى.. تصدقت بثيابه كلها..
صالح يبتسم ويهمس بمرح: يالغالية الموضة تغيرت.. خله يفصل ثياب جديدة.. خليت فهيدان يروح معه عشان يعلمه التفصيل الزين..وش عرفه أبو الشناقيط؟!!
التفتت أم صالح لعالية التي جلست جوارها: يأمش افتحي قسم عبدالله ونظفيه أنتي والخدامات.. وشوفي وش اللي قاصره
عالية تبتسم بمرح: من الحين بدأ الشقا.. يمه خلني أشم نفسي أول..
حينها هتف صالح لأمه بحذر لطيف: ودام عبدالله رجع وخذ مكاننا.. أنا يمه خلاص بأكمل بيتي وبأطلع له..
حينها هتفت أم صالح بانقباض: وش فيك مستعجل يأمك؟؟
صالح هتف بمودة عميقة: مستعجل؟؟ إلا قدني متوخر..
أم صالح همست بضيق: جعلك تهنا بالمنزل يأمك..
حينها مال على كتفها مقبلا: ترا مابه بعد يالغالية.. حذفة عصا.. وانا عندش.. طالبش ما تضايقين نفسش
************************************
" الحمدلله على السلامة نورت بيتك"
أشارت وضحى بحماس لتميم الذي كان يستلقي على سريره دون أدنى حماس وهو عاجز عن مجرد الرد على إشارتها..
والألم مازال يتصاعد في نواح مختلفة من جسده..
أشارت له بخبث لطيف: شايف باقة الورد هذي.. ترا جات لك من ناس خاصين..
تميم انتبه للتو لباقة أزهار رقيقة ومنسقة بذوق رفيع بجوار سريره.. قطب جبينه متسائلا.. لتفتح وضحى الجارور أسفل الباقة وتستخرج منه بطاقة..
ثم تديرها أمام عينيه.. كان خطها يرتسم بعذوبة على الفضاء الزهري للبطاقة:
" الحمدلله على سلامتك
خطاك الشر..
سامحني لأني ماني بقادرة أسامح نفسي
سميرة"
تميم أشاح بنظره جانبا دلالة على عدم الرغبة في البطاقة.. أو حتى مجرد قراءتها!!
بينما وضحى وضعتها في جيبها وأشارت له بحنان:
تميم فديتك.. ترا هذي قسمة رب العالمين
وأعرفك رجال مؤمن.. يعني سميرة صدمت فيك وأنت طحت
كان ممكن أكون أنا أو أمي.. أو حتى أنت تطيح بدون سبب
لا يستطيع حتى أن يرد عليها أو يعبر عن تعقيد مشاعره.. وأن الأمر عنده يتجاوز ذلك بكثير..
لا يستطيع حتى أن يشير لها ويخبرها كم أصبحت سميرة قضية معقدة وملتبسة بل مرعبة عنده..
بعد أن أصبحت تتكون في مخيلته صورة سلبية بل شديدة السلبية عنها..
بداية من توجسه الذي بدأ يتصاعد من سبب موافقته عليها..
فما الذي يدفع شابة صغيرة وجميلة ومتفجرة بالحياة للاقتران بشاب أصم أبكم وليس حتى جامعيا مثلها إلا إن كانت تخفي سرا ما؟؟
ثم كيف تواتيها الجرأة وهي تخالف العادات المعروفة في دخولها لبيته؟؟.. تصرف مثل هذا لا تقدم عليه إلا شابة خلعت الحياء!!
ثم كيف تجرأت أن تلمسه وهي تحاول إيقافه عندما سقط؟!..
هو أحس أن شعر جسده قد وقف حينما أحس بيديها على جسده رغم كل الألم المنتشر في جسده..بينما هي لم تبالِ..
بل حتى باقة الورد والبطاقة تدل على جرأة أصابته بالتوتر وبمزيد من التوجس!!
يحاول أن يمنع هذه الأفكار المريضة من التسلل لرأسه والسيطرة عليه وإيذائه بمرارته ووحشيتها...
يهمس لنفسه ويكرر: حتى لو كنت ما أعرفها ..آل ليث معروفين بطيب الأصل والأخلاق..
ولكن الوساسات كذلك تعود لتطرق رأسه بقسوة: أ ليس لكل قاعدة شواذ.. لكل قاعدة شواذ!! لكل قاعدة شواذ !!
**************************************
"يبه أبي أقول لك شيء"
أبو صالح يلتفت لصالح الجالس جواره ويهتف بحزم: عسى ماشر..
صالح بمودة واحترام: خير إن شاء الله
أنت عارف إن بكرة عرس ولد زايد آل كساب.. وبنروح كلنا..
أبو صالح بهدوء: أكيد مافيه شك..
صالح شد له نفسا عميقا: زين حن نبي عبدالله يروح معنا.. لازم الناس يدرون إنه رجع..
وعشان نعزم الموجودين كلهم على عشا عندنا بعد بكرة لعبدالله دامهم متجمعين
أبو صالح صمت لدقيقة.. لو كان الأمر برغبته هو لرفض.. ولكن هذا هو مايجب أن يحدث.. وهكذا هو المفترض والأصول.. وليس هو من يقصر في (مواجيبه)!!
لذا هتف بحزم: بصركم.. الله تبون سووه..
صالح بحذر: زين أنت داري إن عبدالله الليلة خلاص بيمسي هنا..
أبو صالح بنبرة غضب: ليه أنت ظنك إنه بيدخل بيتي وأنا مادريت.. لكن والله لولا خاطر أم صالح وإلا والله ماعاد تشوف عينه ذا البيت أسود الوجه..
*********************************
" نام أخيرا؟؟ "
جوزاء بإرهاق: نام الله يصلحه.. والله العظيم هذي مهيب حالة.. بأقعد كل ليلة على ذا الحالة.. يبكي ويصدعني يبي أبيه..
شايف السالفة لعبة يبكي عليها لين تجيه.. أنا الغلطانة اللي دلعته كذا!!
شعاع تبتسم: لمعلوماتش ترا الليلة اللي نام عند أبيه صدعه يبيش.. يعني انبسطي..
تسللت ابتسامة شفافة لشفتي جوزاء: من اللي قال لش؟؟
شعاع تجلس وهي تهمس: عالية قالت لي..
جوزاء بتشفي: جعله الزين فيه..
ثم أردفت بحنان: وفديت قلب حسوني.. أنا أصلا تيك الليلة ماقدرت أنام وهو مهوب في حضني..
شعاع تغمز بعينها: زين وش رأيش.. يصير زيتنا في طحيننا.. ريحو حسن وجمعوا الشامي على المغربي...
جوزاء انتفضت بغضب: تدرين.. أسخف من ذا الكلام ماسمعت..
شعاع تهز كتفيها: والله الكلام السخيف هذا مهوب من عندي.. من عند أب ولدش اللي ماصدق أنش تتطلقين عشان يخطبش ثاني يوم..
جوزاء بصدمة: من اللي قال لش ذا الكلام..؟؟
شعاع بخفوت: سمعت باباتي فاضل بيه يقوله لأمي.. بس طبعا هم مادروا أني سمعت..
جوزاء شعرت بضيق عميق كتم على روحها وهي تسأل شعاع: وأبي وش قال له؟؟..
شعاع تبتسم: شرشحه وسبه وطرده وخلاه مايسوى بيزة.. على قولته
حينها اتسعت ابتسامة جوزاء: الله يبشرش بالخير.. ليتني بس شفت بعيني..
ثم همست بدفء حنون: وجعل عمر أبو عبدالرحمن طويل في الطاعة.. وجعل عيني ماتبكي زوله..
***************************************
" وش إحساسك بأول ليلة في بيتك؟؟"
عبدالله يجلس على السرير ويلتفت لفهد وهو عاجز عن التعبير عن وطأة مشاعره وقوتها بل وقسوتها.. خليط قاس من حنين وألم وذكريات
هنا قريب من رائحة أهله.. حنان أمه وقوة أبيه وعزوة أشقائه..
هنا كان المكان الأخير الذي جمعه بها.. مازال المكان كما هو لم يتغير.. السرير والدولايب والجلسات..
عدا أنها خالية تماما من أي متعلقات شخصية أو ملابس!!
عبدالله تنهد وأجاب فهد: مبسوط وحزين في نفس الوقت.. مبسوط أني رجعت لمكاني..
وحزين لأن قعدتي هنا مهيب من خاطر أبي ولولا مرض أمي ماكان وافق!!
فهد وقف وهو يهتف بحزم: عط أبي كم يوم.. إبي مستوجع منك.. الله أعلم وش أنت مسوي فيه..
الحين رخص لي.. دوامي بكرة عقب صلاة الفجر..
فهد غادر عبدالله الذي وقف يدور في الغرفة الخالية تماما.. يتذكر الليلة الأخيرة له هنا.. وجوزاء تدعو أن يذهب ولا يعود..
مستعد أن يبيع عمره كاملا حتى لا يلمح نظرة الكراهية نفسها في عينيها مرة أخرى!!
في زاوية قسم الجلوس لمح الخزنة مازالت في نفس مكانها (أيعقل أنها مازالت لم تفتح؟؟
الوحيدة التي كانت تعرف رقمها هي جوزا
أعطيته لها حتى تضع مجوهراتها فيها)
عبدالله توقع أن يجد الخزنة فارغة ومع ذلك أدخل الرقم السري.. ليفتحها ثم يصدم صدمة بالغة القسوة بما وجده فيها
وجد جميع أوراقه الخاصة وساعاته ومتعلقاته الثمينة مازالت كيوم وضعها بيده
ولكن لم يكن هذا هو مصدر صدمته.. بل مصدر صدمته أنه وجد شبكة جوزاء ودبلتها و هدية صباحتيها منه!!
شعر بألم عميق وغضب أعمق.. ألهذه الدرجة كرهت أن تحمل معها شيئا من رائحته؟؟.. لماذا لم تبعها فقط إن كانت لا تريد الاحتفاظ بها
فهذه الأشياء هي حقها الذي شرعه لها الله عز وجل..
وجد أن تفكيره يُترجم في صورة تصرف لم يتردد فيه وهو يتناول هاتفه ويتصل برقمها القديم..
لا يعلم إن كانت قد غيرته.. ولكنه تمنى أن يكون هو نفسه..
وقتها كانت جوزا تستعد أن تنام بعد ان صلت قيامها مبكرا لأنها كانت مرهقة فعلا..
رن هاتفها برقم غريب.. لم ترد عليه.. عاود الرنين لثلاث مرات
حينها تناولته بحذر وردت بذات الحذر: نعم؟؟
صوته الغاضب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
كادت تلقي الهاتف من يدها وهي تتعرف على صاحب الصوت.. لكنه في ختام الأمر هو من أتصل بها لذا ليحتمل ماسيسمعه.. لذا هتفت بغضب عارم:
صدق قلة حيا ومرجلة.. بأي حق أنت تتصل ؟؟
عبدالله مصدوم من طريقتها في الرد ومع ذلك رد عليها بحزم متمكن: والله قليلة الحيا اللي تاخذ الرياجيل بشراع ومجداف كنها شريطية في سوق..
جوزاء تصاعد غضبها: هذا اللي مع شينه قوات عينه.. نعم وش تبي؟؟..
وياليت الرقم هذا تنساه وتمسحه من ذاكرتك مثل ماكنت ماسحه طول السنين اللي فاتت..
عبدالله حينها همس بخبث: وهذا اللي مزعلش؟؟ أني كنت ناسي الرقم السنين اللي فاتت؟؟!! انتظرتي مني تلفون يعني؟!!
جوزاء ليس لها بال لتشعر بالحرج أو حتى لتسمح له أن يشعرها به.. لذا همست بذات الغضب المشتعل:
لا والله ما انتظرت تلفون.. إلا تمنيت إن راعي التلفون مارجع من قبره.. ليته قعد فيه وكف شره عنا..
ألم عميق تصاعد في روح عبدالله.. أن يكون يحبها بهذه الطريقة الجنونية بينما هي تصفعه بكراهيتها ويغضها بهذه الطريقة غير الإنسانية الخالية من أي رحمة
ألم يكفها مافعله والدها به.. لتأتي وتكمل هي عليه!!
عبدالله حينها همس ببرود يختلف عن الحرارة المرة التي اجتاحت كل خلاياه:
أنا ما أبي أطولها وهي قصيرة.. أنا بس كنت أدري ليه خليتي أغراضش في الخزنة
الأغراض هذي حقش وبكرة بأعطيها عبدالرحمن يعطيش إياها
إن كان هو يتحدث ببرود لا يعبر عن حرارة حزنه.. فإنها كانت تتحدث بغضب ملتهب عله يعبر عن بعض التهاب جوفها
وخصوصا أن دموعها بدأت تتساقط من عينيها ملتهبة ساخنة تكاد تحرق خديها:
اسمعني عدل لو تبي تعطيها عبدالرحمن احذفها في أقرب زبالة أحسن.. لأن هذا هو اللي أنا بأسويه..
لأن الزبالة مايجي منه إلا الزبالة اللي مثله.. عشان كذا أنا من البداية خليت الزبالة في مكانها.. حد يشيل زبالة معه؟!!
حينها ماعاد عبدالله قادرا على الاحتمال.. قد يكون أخطأ في حقها كثيرا.. كما أخطا في حقوق الكثيرين.. لكنه لن يسمح لها أبدا أن تهينه بهذه الطريقة
سمع من عالية كثيرا عن سلاطة لسانها لكنه لم يتخيل أنها قد تصل إلى هذا المستوى المتدني والمنحط..
حينها صرخ فيها بغضب عارم: تدرين عمري ما تخيلت إنش ممكن تصيرين مخلوق بشع ومريض كذا
عشان كذا أنا مستحيل أخلي ولدي معش.. أي تربية بتربينه أنتي؟؟
أنا متأكد أني لاطلب عرضش على طبيب نفسي أن الولد بيصير في حضانتي من أول جلسة!!
حينها انهارت جوزاء بالفعل وبدأت تنتحب.. لم يكن عبدالله يقصد ماقاله أبدا..
لكنه أراد أن يؤلمها كما آلمته..
فإن كانت وصفته بـ"الزبالة" فهو وصفها بالمريضة النفسية وهو يظن أنه كان رحيما بها بينما هو ضربها على الوتر الحساس تماما
وهي تنهمر بوجيعتها وشهقاتها دون أن تشعر:
الحين تعايرني أني معقدة وهذا كله من بركاتك.. الحين تهددني تأخذ الولد اللي سنين مادريت عنه؟؟
خذتني وأنا روح صافية شفافة لوثتها بسوادك.. وعقبه أنا المعقدة التي تبي تعرضها على دكتور نفسي عشان تأخذ روحها منها؟!!
لا تنسى تقول للدكتور أنك اللي ذبحتني.. لا تنسى تقول له أنك اللي عقدتني.. لا تنسى تقول له أنك اللي حطمتني وحطمت مستقبلي وأنوثتي وإنسانيتي...
لا تنسى تقول له أن المخلوقة البشعة هذي أنا اللي صنعتها بيديني وتفننت في صنعها..
الحين تبي تأخذ حسن مني عشان هو الشيء الوحيد اللي باقي لي في الدنيا ماخذتها؟؟
خذت مني كل شيء.. عمري ودراستي وحتى شخصيتي ومستقبلي.. كل شيء خذته مني.. باقي لي حسن بس.. مهوب هاين عليك تخليه عندي
أنت لازم تأخذ مني كل شيء عشان ترتاح.. قبل ما تشوفتي ميتة منت بمرتاح.. ليت الله يأخذ روحي الحين وأرتاح من كل شيء وأريحك..
حينها قاطعها عبدالله بجزع بعد أن مزقت مشاعره المرفهة كل كلمة موجوعة انسكبت من روحها بكل صدق مجروح: بسم الله عليش.. روحي قبل روحش..
حينها شعرت جوزاء أن كل شعرة في جسدها وقفت وهي تُصاب بإحساس موجع يشبه تماما يوم سمعت كلمة "لبيه" اليتيمة منه..
ولكن شتان بين إحساسها المموه ذلك اليوم.. وإحساسها الناضح بالكراهية المرة اليوم!!
شعرت بصدمة موجعة وهي تستعيد سيطرتها على نفسها وتندم على كل كلمة ألقتها على مسامعه وهي تكشف أوراقها كلها أمامه
لملمت جراحها وهي تهمس باختناق: خلاص أبو حسن.. تبي شيء؟؟
عبدالله شد له نفسا عميقا.. واختناقها يصب في روحه الموجوعة وهتف بحزم:
أم حسن.. ترا خطبتي لش مفتوحة لين آخر يوم في عمري..
ماراح أقول عشان حسن.. لأني أوعدش إن حسن بيقعد معش لو مهما صار
لكن بأقول عشان تعطيني فرصة أصلح غلطتي معش
وإذا أنا ما أستحق ذا الفرصة.. أنتي تستحقينها!!
************************************
" ما تبينا الليلة نروح نبات في الأوتيل يالعريس"
كساب يلتفت لعلي ويهتف بحزم: لا .. أبي أنام في غرفتي..
علي يبتسم: والأجنحة اللي أنا حجزتها الليلة كذا على الفاضي..
كساب يبتسم: روح نام أنت هناك بروحك..إلا كم جناح أنت حاجز؟؟
علي ببساطة: ثلاثة.. واحد للعروس.. واحد لك وطبعا أنا معك.. وواحد لخالتي ومزون عشان يحطون أغراضهم فيه ويتعدلون فيه
بس طبعا الرئيسي حق العروس لأنهم يقولون إنها مختلفة مع أمها هي ما تبي تنزل للقاعة.. تبي تقعد بغرفتها..
وأمها ملزمة عليها تنزل وتقعد في الغرفة الملحقة بالقاعة عشان الحريم اللي يسلمون عليها أكيد ماراح يطلعون لفوق
وما ادري وش استقروا عليه.. فقلت على كل حال هي تأخذ الجناح الكبير وتأخذ راحتها..
كساب شعر بغضب ما أن معلومة جديدة مثل هذه يتلقاها من علي ومع ذلك هتف ببرود: ومن اللي قال لك ذا الكلام؟؟
علي بتلقائية وهو يسترخي على الأريكة: من مزون.. العروس بنفسها قايلة لها..
تزايد غضب كساب.. قد يكون الموضوع بمجمله غير مهم.. بل سخيفا جدا في نظره.. فأخر ما يهمه أن يعرف أن ستجلس..
ولكنه يكره أن يشعر أنه الحلقة الأضعف في أي قضية..
كان من المفترض أن يكون هو من يعرف بالخبر قبل أي أحد
*********************************
وضحى تغلق الحقيبة ثم تلتفت لكاسرة وتهمس برقة: شوفي هذي شنتطتش حقت الأوتيل..
والشنطتين هذي حق السفرة.. لا تفتحينهم.. شيليهم بس بكرة عالجاهز..
كاسرة جلست على طرف السرير وهمست بهدوء فيه شجن غريب: مشكورة أخدمش يوم عرسش إن شاء الله
وضحى جلست جوارها وهمست بمرح: ريحي روحش.. شكلش مطولة..
كاسرة غمزت لها بعينها: خليني بس أضبط موقعي هناك ونضبط لش ولد زايد الثاني..
لا ونزوج امهاب أختهم بعد.. ونستولي على العايلة كلها
وضحى ضحكت: أنتي ضبطي كساب لروحش وبس.. وبعدي عني أنا وأخي.. عاجبنا حالنا..
أنتي شكلش تبين تجلطين امهاب تزوجينه الكابتن طيار
كاسرة هزت كتفيه: خله.. يمكنها دواه..
وضحى تبتسم وتقف: بأروح أشوف تميم وبأرجع لش..
ثم أردفت بتردد: أبي أنام عندش الليلة .. ممكن؟؟
كاسرة شعرت بألم عميق أخفته خلف هدوء صوتها الحازم: أكيد ممكن.. ولو ماجيتني تنامين عندي.. أنا بأجي أنام عندش..
فور خروج وضحى رن هاتف كاسرة.. التقطته بعفوية .. كان كسّاب هو المتصل..
تنهدت بعمق (حتى أخر ليلة أنا فيها حرة منه إلا ينكد علي..)
ومع كل هذه الأفكار الرافضة لاتصاله إلا أنها ردت بهدوء: نعم؟؟
صوته الحازم: الله ينعم عليش
صوتها الهادئ بعمق: يعني أنت مافيك صبر لين بكرة عشان تنكد علي؟؟
أجابها بتهكم: ليه متوقعة أتصل لش عشان أنكد عليش؟؟
أجابته بذات الهدوء الساكن: كالعادة .. كل مرة تكلم عشان تنكد علي..
حينها أجابها بسخرية: زين دامش متوقعة النكد.. ماني بمخيب ظنش..
ممكن أعرف ليش ترتيباتش للعرس ما بلغتيني فيها؟؟
ليه أنا أتبلغ فيها من أخي اللي أختي بلغته..؟؟
كاسرة هزت كتفيها: والله أنا سويت الأصول.. وكذا الأصول
وعلى فكرة ترا حتى سفرنا أنت بلغت امي فيه قبلي..
كساب بسخرية حازمة: يعني تردينها لي؟؟
كاسرة بثقة: والله مافكرت فيها بذا الطريقة.. لكن والله إذا تفكيرك المحدود يبيها بذا الطريقة.. أنت حر
كساب بابتسامة متلاعبة: زين يا بنت ناصر..
بس حطي في بالش عدل دام حياتنا سوى بتبدأ بكرة
إنش ما تفكرين يوم تحطين راسش برأسي
أدري أنش مسكينة شايفة نفسش شخصيتش قوية.. بكيفش
بس العبي على قدش..
*********************************
صحا على قبلة على جبينه.. فتح عينيه مستغربا ليجد مزون أمامه.. ابتسم بتلقائية.. وهو يمد يده ليمسح خدها..
ولكن سرعان ما كف يده وتجهم وجهه وهو يجلس معتدلا ويهتف بحزم: وش ذا الإزعاج؟؟
مزون ابتسمت بسعادة حقيقية.. يكفيها انه ابتسم لها.. تفجرت تحت ردائها سعادة لا حدود لها
حين جاءت تتسحب إلى غرفته وهي تقرر أن تكون من توقظه في هذا النهار الاستثنائي.. كانت مستعدة لانفجاره الناري فيها
كانت مستعدة لكل شيء سيقوله.. ولكل تأنيب.. بل لكل قسوة..
لذا تفاجأت بشدة وتصاعدت دقات قلبها للذروة وهو يبتسم لها.. ثم كاد قلبها يتوقف وهو يمسح خدها بحنو حقيقي..
لذا لم تهتم بعد ذلك لتجهمه ولا لحزم صوته وهي تجيب بسعادة: اليوم يوم غير..قلت لازم أنا اللي أقومك..
كان يريد أن يصرخ فيها ولكنه لم يستطع أن يسلب الابتسامة التي طال اشتياقه لها ..
لذا هتف وهو يقف ببرود محترف: وليش ماحولتي إزعاجش على علي..
مزون بابتسامتها الصافية: علي ياقلبي أصلا ما رجع عقب صلاة الفجر.. راح مكان الحفل يشيك على كل شيء بنفسه
أقول له تو الناس.. مارح تلقى حد الحين..
يقول لي مهوب مرتاح لين يتاكد بنفسه
حزن شفاف لا معنى له غمر روحه.. أن يكون شقيقاه بهذه السعادة من أجل زواجه الذي هو بنفسه غير مهتم به..
كساب حينها كان سيتجه الحمام وهو يهتف بحزم :خلاص روحي هذا أنا قمت
كانت ستخرج.. ولكنها عادت بحذر لتقف أمامه ثم تمد ذراعيها لتحيط بهما خصره وهي تقبل صدره وتهمس بنبرة حزن عميقة:
ألف مبروك.. ما تتخيل أشلون أنا مبسوطة اليوم.. الله يجعل وجهها خير عليك
بينما هو وقف كتمثال وذراعاه مسدلتان جواره.. لم يتحرك لاحتضانها ولا للرد عليها وهو مشغول فقط بإحساسه الدافئ باستكانتها على صدره..
تمنى أن يشدها ليدفنها في صدره... ولكنه لم يبدر منه تصرف ونبرة الحزن في صوتها تغتال روحه بإحساس غير مفهوم..
(إن كانت سعيدة.. فلماذا كل هذا الحزن في صوتها؟؟)
*************************************
ينزل الدرج بخطوات هادئة شديدة الهدوء.. وكأنه يريد أن يتذوق وقع خطاه على الدرجات..
يستمتع بنغماتها المهدئة للروح كأمواج بحر ساكن عذب تضرب الشاطئ بسلاسة
لتنبئ العالم أن هناك حياة تستحق دائما أن تُعاش مهما كانت الحياة مُثقلة بالمصاعب..
وقبل أن يصل للأسفل يقف للحظات ليملأ عينيه من المكان.. النوافذ الضخمة المرفوعة الستائر تتيح لأشعة الشمس الدافئة أن تنير المكان بشكل صارخ
بعيدا عن برودة بورتلاند وغيومها التي غاص فيها حتى أذنيه..
المكان المتسع الذي مهما تغلف بالحضارة يبقى نابضا بروحه البدوية بعيدا عن شقته الضيقة الكئيبة التي خنقت روحه وأطبقت بجدرانها على صدره..
وقبل كل شيء.. وأهم من كل شيء...
من تصدرت المشهد.. منحنية على قهوتها الصباحية.. الحلم الذي مافارق خياله المؤرق بأحلام العودة المستحيلة!!
أراد أن يبكي.. فقد يكون البكاء هو التعبير الوحيد الذي قد يُعبر عن مدى وطأة المشاعر المفرطة في القوة والعنفوان..
ولكن تبقى روح الرجل ترفض البكاء تعبيرا عن مشاعر غالية ترخصها وتمتهنها الدموع..
وصلها وهي غارقة في أفكارها.. همس لها وهو ينحني على رأسها: صبحش الله بالخير..
انتفضت بخفة.. ثم أشرقت عيناها بابتسامة حانية: الله يصبحك بالنور والسرور
اقعد.. اقعد يأمك خلني أقهويك..
جلس مجاورا لها وهو يشد القهوة ناحيته ويهمس بشجن عميق:
أنا بأتقهوى بروحي وأقهويش.. والله ما تصبين علي الفنجال..
أم صالح ردت عليه بشجن مشابه: جعل عيالك يقهونك..
عبدالله يبتسم: ياه يمه.. عيالي!! هم حسن وبس..
أم صالح بنبرة عتب: ليه أنت بتقعد على حسن وبس.. لازم أنك بتعرس وبيجي عليك عيال(ن) غيره
عبدالله يتنهد: يمه يصير خير.. ادعي لي أنتي بس بالتوفيق وبرضا الوالدين ما أبي شيء غيره..
*********************************
"يالله يأمش شناطش صارت في السيارة
يا الله عشان نروح الفندق"
كاسرة تلف شيلتها على رأسها وتحمل نقابها بيدها وتهمس بنبرة حزن لم تستطع منعها لأنه الوحيد الذي يذيب هذا القلب:
زين يمه عطيني وقت شوي أسلم على جدي
مزنة بحزن مشابه: يأمش من عقب صلاة الفجر وانتي قاعدة عنده ماحتى رقدتي ولا تريحتي.. والحين يمكن إنه راقد يتريح قبل صلاة الظهر..
كاسرة بشجن عميق: ماعليه يمه.. خمس دقايق بس.. أسلم عليه..
طرقت الباب ثم فتحت بالمفتاح.. وطلبت من سليم أن يخرج من عنده لتدخل هي..
كان متمددا وعيناه مغلقتان كانت على وشك الانحناء لتقبيل جبينه حين سمعت همسه الساكن العميق: بتروحين الحين يأبيش؟؟
حينها لم تستطع أبدا أن تمنع دمعة يتيمة فرت من عينها رغما عنها.. رغما عن جبروتها وقوتها..
دمعة انسكبت على وجهه وهي تقبل جبينه وتهمس بشفافية مختنقة:
بأروح يبه.. وماني بمبطية.. عد كم يوم وأنا عندك
فتح عينيه الصغيرتين وهمس بحنان: أفا المهرة تبكي؟؟
عاودت تقبيل جبينه وانتقلت لكتفه وهي تهمس بوجع: المهرة ما يقدر عليها غيرك.. ودموعها مهيب لغيرك..
مد يده ليضعها على خدها وهمس بذات الحنان: وأنا ما أبي دموعها لي ولا لغيري..
حينها ابتسمت: خلاص لا تفتن علي أني بكيت.. وأبشر بسعدك..
مد يده حتى تجلسه.. شدته من يده برفق حتى يجلس ثم همس لها حين استوى جالسا: يأبيش ما أوصيش في نفسش ورجالش..
ترا يأبيش الرجّال مهو يدمح الزلة.. فلا تخلينه يعين الزلة عليش..
ابتسمت له وهي تشد على كفه الضخمة المعروقة: يبه أنا مايجي مني الزلة.. بس أنا مثله ماني بدامحة الزلة..
شد على كفها التي تمسك بيده وهتف بحزم: يأبيش المرة هي اللي لازم تحاضي وتسامح.. لا تخليني أحاتيش.. ولا تفرطين في ولد زايد ولا تقصرين في حقه..
وقفت لتقبل رأسه وهي تهمس بمودة: ولا يهمك يبه.. مايصير إلا اللي يرضيك
المهم الله الله في الكشخة الليلة وأنت قاعد في عرسي.. أبيك تغطي على المعرس..
************************************
كساب يفتح باب جناحه الخاص لمهاب الذي دخل مستعجلا وألقى بغترته على أقرب مقعد: زين أني لقيتك يوم كلمتك
الوالدة ملزمة علي أقعد قريب من كاسرة لين ترجع..
وأنا مابعد صليت الظهر..
كساب بتساؤل لم يخل من خبث: ليه كاسرة بروحها؟؟..
مهاب بتلقائية: إيه بروحها.. أمي نست بعض الأغراض ورجعت مع السواق والخدامة وبترجع بعد شوي..
واختي الثانية قاعدة عند تميم في البيت وبأرجع أجيبها العصر
ثم أردف متسائلا: وين الحمام؟؟
كساب شيء ما يدور في رأسه: في الغرفة الثانية.. وترا بتلاقي علي نايم.. رجعنا قبل شوي من صلاة الظهر ودخل ينام..
مسكين من صلاة الفجر وهو يشيك بنفسه على كل الترتيبات منهد..
مهاب يضع هاتفه ومحفظته وأزرته فوق غترته ويتوجه للداخل..
بينما كساب تناول هاتف مهاب دون تردد وأرسل منه رسالة
.
.
ذات الوقت
كاسرة في جناحها المجاور.. وكما هو معروف غالبا يكون بين الأجنحة بابان مزدوجان.. لا يفتحان طريقا بين الجناحين إلا إن فُتحا من الناحيتين
كانت قد انتهت من صلاة الظهر وكانت تريد أن تستحم قبل تصل خبيرة الشعر وخبيرة التجميل حين وصل هاتفها رسالة من مهاب:
"تعالي لي أنا في الجناح اللي جنبش
بطلي الباب من عندش وأنا بأبطل الباب اللي عندي
أبيش ضروري"
كاسرة حين وصلتها الرسالة كانت خالية الذهن تماما ولم تشك بشيء مطلقا
فهي تعلم أن كسّاب حجز عدة أجنحة..
ولم تشك مطلقا أن أخاها هو في الجناح المجاور.. فهو اتصل بها منذ دقيقتين فقط وقال لها أنه جوارها إذا أرادت أي شيء..
كاسرة وضعت جلال الصلاة على رأسها ولفته بإحكام..
وفتحت الباب ببساطة...
#أنفاس_قطر#
.
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم HaboOoshy
كاسرة حين وصلتها الرسالة كانت خالية الذهن تماما ولم تشك بشيء مطلقا
فهي تعلم أن كسّاب حجز عدة أجنحة..
ولم تشك مطلقا أن أخاها هو في الجناح المجاور.. فهو اتصل بها منذ دقيقتين فقط وقال لها أنه جوارها إذا أرادت أي شيء..
كاسرة وضعت جلال الصلاة على رأسها ولفته بإحكام.. وفتحت الباب ببساطة.. لتتفاجأ بيد تشدها بقوة..
وهو يثبتها على الحائط الملاصق للباب..
كاسرة حينما رأته أمامه.. شعرت كما لو أنه سُكب على رأسها ماء مثلجا وهي تشعر بتجمد خلايا مخها..
في الوقت الذي تصاعدت دقات قلبها حتى كادت تختنق بها..
ثوان من صمت مرت وكل منهما يستشف ملامح الآخر..
كانت المرة الأخيرة التي رأته فيها هي يوم الحريق.. بدا لها اليوم أكثر وسامة وقربا وغموضا بشكل غير معقول..
وهو يقف أمامها دون غترة أو حتى طاقية وخصلات قصيرة تلتف حول أذنه دلالة على تشعث شعره من أثر تمدد..
لا تعلم حينها لـمَ اتجهت عينها مباشرة لخده.. حيث أخبرها جدها بمكان عضتها القديمة..
ربما لأن قربه هكذا وملامح وجهه تبدو شديدة القرب والوضوح دفعها لاكتشاف تفاصيله المخبئة..
وربما لأنه هذه المرة هي الأولى التي تراه بعد أن أخبرها جدها بالحكاية..
وبالفعل كانت عضتها ماتزال واضحة إلى حد ما ولكن شعر عارضيه أخفاها ولا يراها إلا من يدقق فيها..
كانت أنامله القوية تنغرز في كتفيها بتملك واستحواذ وعيناه تطوف بتمعن في إطلالتها الكريستالية وغطاء الصلاة يمنح وجهها سماوية غير مفسرة
ثم حرر أحد كتفيها وهو ينقل يده لكفها ويمسك بها ويرفع لخده.. مكان عضتها تماما..
ثم يمسك بأناملها التي كانت ترتعش ليمسح بها عارضه المحدد بأناقة..
وهو يهمس بغموض: عينش هنا؟؟ ما أعتقد أنش تذكرينها!! من قال لش عنها؟؟
شعرت أن قلبها سيتوقف فعلا من لمساته.. من حديثه.. بل حتى من نبرة صوته وفي هذا الوقت بالذات..
وخصوصا وهي ترى أغراض مهاب على مقعد خلف كساب.. تشعر أنه سيتسبب لها بمصيبة بتهوره المجنون..
ولكنها لم تسمح له بإشعارها بالتوتر وهي تتجاهل سؤاله الملتبس الذي كان يشغلها فعلا.. وتصحو من غيبوبة الموقف
وتهمس بثقة طاغية بها نبرة غضب واضحة: ممكن أعرف سبب الحركة السخيفة ذي؟؟
يعني زواجنا خلاص الليلة وش بتسفيد من شوفتي الحين؟؟
كساب همس لها ببرود وهو يعاود تثبيت كتفيها: كذا.. حبيت أشوفش
كاسرة همست بغضب متزايد من بين أسنانها: عشان كذا خدعتني بحركة رخيصة عشان تجيبني هنا..
كساب ضحك ضحكة مصطنعة بسخرية: خدعتش.. ضحكتيني
قالها وهو يدفعها ليعيدها لجناحها ويغلق الباب..
كاسرة تفاجأت جدا من تصرفه.. ومع ذلك تأكدت من إغلاق الباب وألقت جلالها على المقعد المجاور للباب
وهي تضع يدها المرتعشة على صدرها وتحاول تهدئة دقات قلبها التي كانت تصرخ كدقات المطارق من تصرفه المتهور الذي كاد يفضحها في شقيقها
وهي تحاول بفشل أن تهدئ ارتعاش جسدها الذي مازالت تحس بحرارة أنامله عليه
وكل ذلك يغذي غضبها المتزايد منه وهي تهتف لنفسها بكلمات أقرب للتبعثر:
صدق إنه غبي.. وش فايدته من ذا الحركة كون إنه ياكد لي إنه ماعنده عقل.. الشيء اللي أنا متأكدة منه.. وهو يأكده لي دوم
ماكادت تنهي عبارتها وهي تريد أن تجلس لأنها تشعر أن طاقتها كلها استنزفت من الصدمة غير المتوقعة
حتى فوجئت بالباب الذي أغلقته منذ ثوان يُفتح وكساب يدخل منه ثم يغلقه..
هذه المرة وقفت مصدومة بالفعل.. وعيناها تتعلقان به بذهول.. (أشلون دخل ذا؟؟ متأكدة أني قفلت الباب!!)
بينما كساب تقدم لها بخطوات واثقة.. حتى وقف أمامها وأمسك بها من عضديها وهتف بثقة متجبرة:
عشان تعرفين أني لو بغيت شي ما تردني منه حتى البيبان المسكرة..
وعشان للمرة الألف ماتحطين رأسش برأسي..
ثم ابتسم بخبث: وعشان شوفتش وأنتي مبققة عيونش كذا تستاهل..
كاسرة كانت على وشك الرد لولا أنها فوجئت به يُسند جبينه لجبينها بدون مقدمات..
ثم نقل كفيه من عضديها ليدخلهما في موج شعرها وهو يمسك برأسها من جانبيه من الخلف..
كاسرة شعرت بصاعقة ضربتها في منتصف رأسها ..وصواعق كهرباء لا حدود لقوتها تضرب خصلات شعرها بقوة مكان يديه..
همست من بين أسنانها: أنت وش تسوي يا المجنون؟؟
كساب همس لها بخفوت بنبرة أمر واضحة متسلطة: أششششش... خليني أسمع..
كاسرة تشعر أنها ستموت فعلا وهو يقتحم خجلها الطبيعي بهذه الطريقة البالغة الجرأة ومع ذلك همست بثقة: تسمع ويش؟؟.. فكني..
همس لها بعمق وجبينه مازال ملتصقا بجبينها: أسمع همس ريحتش العذاب.. تدرين أول مرة أدري إن الريحة تهمس ولها صوت..
كاسرة رغم صدمتها البالغة مما يقول ودقات قلبها تعاود الصراخ بصوت أعلى حتى خشيت أن يسمعها.. إلا أنها همست بذات الثقة:
كسّاب أنا ماني بمتعطرة.. فكني لو سمحت بدون خبال..
كساب همس بدفء خافت موجع لأبعد حد: وأنا ماقلت ريحة عطرش.. قلت ريحتش أنت...
كاسرة رغم عنها ولا إراديا بدأت تتنفس هي أيضا رائحة عطره الفخم والغامض الذي كان يعكس شخصيته تماما
ولكنه لم تسمح لهذا الجو المتهور الغريب أن يسيطر عليها
حركت كتفيها للتخلص منه وهي تهتف بحزم: كساب هدني.. لو حد دخل علينا الحين وش موقفنا؟؟
كساب أبعد جبينه عن جبينه وهتف بثقة: ما يهمني حد..
قالها وهو يشدها قليلا ناحيته ويقربها منه..
كاسرة بدأت تقلق من الموقف كله.. همست حينها برجاء حازم مدروس:
كساب.. هدني.. يعني أنت تبي تخرب إحساسي أني عروس تنتظر ليلة عرسها؟؟
حينها أفلتها كساب وابتعد خطوة وهو يهتف ببرود: وأنتي تبين أصدق أنش حاسة مثل عروس..
رغم تضايقها من كلامه إلا أنها ردت عليه ببرود مشابه: مثل ما أنت حاس إنك عريس بالضبط..
هز كتفيه وهتف بتهكم: بصراحة ماني بحاس بشيء..
ردت عليه بتهكم مشابه: ودامك منت بحاس بشيء.. وش جابك عندي؟؟
كساب هتف بحزم: تقدرين تقولين طبت في بالي.. وانا ضايق من الحبسة... وجية امهاب عطتني الفرصة نشوف أم لسانين..
كاسرة بإزدراء: صدق إنك بزر..
كسّاب لم يرد عليها وهو ينظر لها بنظرة استخفاف شعرت أنها توشك أن تحرقها وهو ينظر لها من أعلاها لأسفلها..
ثم يغادر الجناح ولكن هذه المرة من بابه الرئيسي..
لتجلس كاسرة على أقرب مقعد وهي تشعر بغضب عميق يتجمع في روحها عليه..
(غبي.. غبي.. وسخيف
وماعنده عقل!!)
*************************************
" ياي خالتي تجنين.. تحفة ماشاء الله.. عاد عمي الليلة بينجلط"
عفراء تبتسم وهي تغلق سحاب فستان مزون عليها وتهمس بحنان: أنتي اللي ماشاء الله عليش منورة من قلب..
وإلا أنا خلاص راحت علي..
مزون سعيدة جدا هذه الليلة : خالتي اللي بيشوفني أنا وإياش يمكن يقول أنتي أختي الصغيرة..
عفراء تلبس أسوارتها وتهمس بابتسامة: حلوة النكتة ذي يا بنت..
حينها همست مزون بحذر: خالتي عادي نروح لجناح كاسرة نشوفها قبل ننزل للقاعة؟؟
عفراء بثقة: عادي ياقلبي.. مع أني ما أظن إنها خلصت..
مزون تبتسم: أبي أشوفها وأبارك لها.. أخاف بعدين أخوانها موجودين في الزفة.. ما أقدر أخذ راحتي..مع أني بأموت عشان أشوف كساب جنبها
.
.
في الجناح الآخر..
" أنتو من فيكم العروس؟؟"
وضحى بين شهقاتها: هي العروس ..
خبيرة التجميل تبتسم: أدري إنها العروس.. بس أشوفج أنتي تبجين وهي ماشاء الله عليها مأخذها الموضوع ببساطة مابعد شفت مثلها..
وضحى تبتسم بفشل: أبكي نيابة عنها..
الخبيرة بابتسامة: أنا دايم أحاتي دموع العروس وأنا أسوي الميك آب.. لكن هي ماشاء الله عليها ما تعبتني
ماظنيت إن الدموع وراي وراي... يا الله هدي شوي.. على الأقل لين ينشف الكحل وعقب ابجي على كيفج هو ضد الماي...
كاسرة كانت انتهت من وضع زينة وجهها وتنتظر خبيرة الشعر بينما والدتها تجلس جوارها وتكثر من قراءة الأدعية والأذكار عليها..
كاسرة شدت يد والدتها ثم همست بهدوء خافت وهي تنظر لوضحى التي كانت تمسح دموعها: يمه حطي بالش على وضحى زين
اللي صار معها ذا الأيام واجد عليها.. طلاق امهاب وعقبه حادث تميم.. وعقبه عرسي..
هي بروحها حساسة بدون أي شيء.. أشلون مع ذا كله؟؟
مزنة بذاتها تشعر بألم عميق لكل هذه الأحداث ومع ذلك شدت على يد كاسرة وهي تهمس بثقة: لا تحاتين وضحى.. ما ينخاف عليها..
ما أن أنهت مزنة عبارتها حتى تصاعدت الدقات على باب الجناح.. وقفت لنفتح.. ثم تعالى صوت ترحيبها بعفراء ومزون
بينما عفراء تهمس برقة: حبينا نمر نسلم عليكم قبل ننزل القاعة..
مزنة تبتسم: تو الناس على القاعة.. اقعدوا معنا شوي..
عفراء بمودة: لا فديتش نبي نشيك على كل شيء قبل يجون المعازيم..
مزون وعفراء تقدمتا للداخل.. سلمتا على كاسرة ووضحى وباركتا لكاسرة بمودة حقيقية ..ثم غادرتا..
مزون في الخارج تهمس لخالتها بابتسامتها الشفافة: تدرين خالتي والله العظيم خايفة على أخي..
عفراء تضحك: تخافين على كساب.. خافي على المسكينة من كساب..
مزون بحماس شفاف: خالتي جمالها شيء غير طبيعي.. ماشفتي بنفسش.. مالها حل..
يأما أنش تقعدين تطالعين لين توجعش عيونش لأنش حتى ما تقدرين ترمشين لا يفوتش شيء منها
ويأما أنش ترحمين حالش من أول شيء وتغمضين عيونش..
عفراء تضحك: زين منتي بولد.. عندش غزل خطير مابعد مر علي في كل القواميس..
مزون بشجن: الله يجعلها بس سكن لروح كساب اللي تعبت الكل..
*************************************
" يا الله وش إحساسك يالعريس الحين؟؟"
علي يهمس في أذن كسّاب الذي كان يجلس للتو بعد أن أنهى السلام على فوج من المهنئين..
كساب بعدم اهتمام: أحلى شيء لبسة البشت.. كنك شيخ!!
علي يبتسم وهو يهمس بمودة صافية: على شكلك في البشت شهويتني أعرس وألبس بشت.. بس عاد أنا من وين لي كتوف مثلك تشل البشت
أخاف ألبسه يزلق !!
كساب يقف ليسلم على فوج جديد وهو يهمس لعلي: سلمني نفسك بس ست شهور.. وأنا اخلي البشت ما يزلق
علي يستعد للمغادرة ليرحب بالمعزومين وهو يهمس باسما: لا يأخي ماني بحملك..
وديتني التدريب معك مرة قعدت عقبها يومين مريض.. ماعندك رحمة..
حينما غادر المهنئون ليجلسوا في مقاعدهم مال زايد الذي كان يجلس يمين كساب على أذن كساب وهو يهمس بحزم: وش ذا المساسر بينك وبين أخيك؟؟
لا عاد يتكرر..
زايد استغرب أن كساب ابتسم له وهو يشير برأسه: أبشر.. والسموحة.. كان ينشدني عن شيء..
كساب نفسه استغرب أنه هذه الليلة ليس متحفزا ضد أبيه.. بل يهدف إلى إرضاءه..
فهو إن كان أقدم على الزواج من أجله جزئيا.. فربما أقل ما يقدمه له الليلة أن لا يكدر عليه فرحته بالعناد..
وبالفعل كان زايد هذه الليلة سعيدا.. سعيدا جدا لدرجة أن منصور الذي كان هو بذاته غاية في السعادة..كان يقول له باسما:
تدري يأخيك أكيد بكرة شدوقك بتوجعك من كثر ما استخدمتها..
ابتسم زايد: تدري يأبو زايد.. خاطري أغمض عين وأفتح عين أشوف عياله.. ياني متشفق على شوفتهم..
رد عليه منصور بفخامة: وعليان المسكين؟؟
زايد بشجن: أنت عارف غلا علي.. بس أبي كساب يستقر ويرتاح باله.. وأبيه يوم يصير عنده عيال.. يفهم كل شيء سويته وكان يضايقه مني
ويحس اللي كان يسويه فيني أشلون يضايقني!!
ويدري بغلاه اللي داخل العظم واللحم وهو عاده شاك فيه!!
***********************************
" الحين أنتي من جدش على هالمناحة.. عيب عليش والله
هذا وانتي وإياها كنتو قطو وفار..
ترا كاسرة هي القطو وأنتي الفار"
وضحى تحاول منع سيل دموعها وهي تنظر لتألق كاسرة التي كانت تجلس في كوشتها الصغيرة والبالغة الرقي
والتي أقيمت لها في غرفة مجاورة للقاعة بناء على تصميم أم مهاب
وتهمس باختناق: غصبا عني شعاع.. والله العظيم غصبا عني..
يعني صدقيني على كثر ما كانت كاسرة كاتمة علي ومتحكمة فيني لكن عمري ماشكيت في غلاي عندها ولا هي شكت في غلاها عندي
ما أدري أشلون باستحمل البيت من عقبها..
شعاع تنظر لكاسرة وتبتسم وتهمس بشفافية: ماشاء الله تبارك الله.. عمري ماشفت عروس بذا الجمال ولا ظنتي بأشوف..
كانت تنظر لكاسرة التي كان تألقها أشبه بالخيال في فستانها الأبيض.. صورة مبهرة في الحسن والمثالية إلى درجة الألم..
تسريحتها الراقية وبعضا من خصلاتها تنحدر على نحرها الناصع وعلى العقد الماسي الذي كان يستمد جماله من جمال النحر الذي حضي بشرف ملامسته..
سواد أهدابها وزهوة شفتيها.. ونقشات الحناء على ذراعيها المصقولين..كل شيء كان بالغا حده في الإبهار والخيال...
أعادت الهمس وكأنها تكلم نفسها: ماشاء الله تبارك الله.. الله يحفظها من كل شر!!
وضحى تحاول أن تتناسى وجعها وهي تهمس لشعاع: جوزا وينها؟؟ مهيب جايه تسلم على كاسرة؟؟..
حينها انتقل ألم الشقيقات لشعاع: جوزا ماكانت تبي تجي.. واجد متفشلة منكم... ومستحية تواجهكم.. بس أمي حلفت عليها تجي
فهي تأخرت تتزين وبتجي بعد شوي..
وضحى بشفافية: شعاع يا قلبي هذا نصيب.. وجوزا مهما صار بنت عمتنا..
سميرة التي أنهت سلامها على كاسرة تدخل رأسها بين الاثنتين: مالي بذا السوالف.. وش فيكم تساسرون؟؟
شعاع تبتسم: لا تخافين ماجبنا طاري تميم..
سميرة تضع يدها على قلبها وتهتف بنبرة تمثيلية: الحمدلله وأنا قلبي كان ناغزني منكم..
شعاع تغمز لها: أما لو تميم شافش بذا الفستان الأسود مهوب بعيد ينجلط..
زين أنش تسهلتي عشان ما تقطعين نصيبي إذا شافوش النسوان بعد شوي في القاعة
تدرين المشفح يموتون على البياض.. وأنتي الليلة لمبة متحركة.. ماحد بمتفكر في خشتي..
سميرة تنفض يديها وهي تهمس بجزع تمثيلي: بسم الله علي.. ول عليش.. أنا اللي تخصص نظل حتى تخصصي بتنافسيني فيه..
بس ارتاحي.. أصلا أمي حالفة علي ما أطلع للقاعة .. بأسلم على كاسرة وأقوم أفارق.. خبرش عرسي قريب وعيب النسوان المشفح يشوفوني..
يبون يعقدوني.. مع أني بأموت أبي أشوف الترتيب.. وأنتو بعد يالدبات شفقتوني من كثر ما تمدحون العرس.. بأموت أبي أشوف..
كانت سميرة بالفعل غاية في التألق في فستان أسود من الدانتيل المختلط ببعض التركواز..
بدا في تضاده مع لون بشرتها الناصع أشبه بحكاية خرافية نسجتها عرافة سحرية لحسن شفاف..
أما وضحى التي نهضت الآن لتتوجه لشقيقتها فكانت ترتدي فستانا سكريا
قماشه هو ذاته قماش فستان العروس بشك وتطريزات شبيهة بفستان كاسرة مع اختلاف شاسع..
ولكن من يراه سيلاحظ التشابه المقصود فورا..وكانت هذه هي فكرة كاسرة
ولكن فستان كاسرة كان أبيض اللون ومتسع من الأسفل على الطريقة الفيكتورية
بينما فستان وضحى كان ضيقا على جسدها..
ورغم أن وضحى رفضت هذه الفكرة.. فهي ليست في حاجة أن يلاحظ أحد التشابه ..فيقارن مقارنة لن تكون لصالحها..
رفضت مطولا ولكن كاسرة فرضت رأيها الذي لم تبرر أسبابه..
فهي لم ترد أن تكشف أسبابها التي كانت بالغة العاطفية..
أحبت أن تمنح لوضحى إحساسا بالقرب منها.. لم يسبق أن فعلته عروس التي غالبا تحب أن تتميز لوحدها بلباس لا يشابها فيه أحد..
أما شعاع ففستانها السماوي من قماش الشيفون عكس بشكل رائع رقتها وسماويتها..
أما التي كانت مفاجأة الحاضرات القليلات جدا عند كاسرة في الوقت ذلك
فهي التي دخلت الآن بفستان حريري أخضر أبرز تفاصيل جسدها المثالية..
سميرة حينها وضعت يدها على جبينها وهي تهمس بنبرتها التمثيلية المحببة:
ياقلبي اللي وقف.. شعيع طالبتش.. قولي لأختش تسلفني جسمها يوم عرسي بس
طالبتش.. أبوس إيديكي ورجليكي.. ول على أختش على ذا الجسم.. أنا ارتفعت حرارتي الحين..
شعاع بجزع حقيقي: سمور يا النظول.. اذكري الله على أختي..
سميرة تضحك: ماشاء الله ياختي.. دنا عيني مش مدورة..
بس قولي لي أختش وش تاكل أكله قبل عرسي..
شعاع تضحك: لو أدري كان كلته أنا.. وأنا شكلي كذا كني بزر أم 15 سنة..
جوزاء كانت تحاول أن تتقدم بثقة رغم أنها في داخلها كانت ستموت حرجا من الموقف كله.. لم يمض على طلاقها من ابنهم إلا أيام فقط
عدا أن نفسيتها مرهقة تماما بل محطمة وماكان ينقصها هو أن تُجبر على التأنق حتى تبارك لكاسرة زواجها..
بينما هي أشبه بحطام إنسان ذاوٍ مقارنة بهذه الشمس التي احرق نورها كل من يجاورها..
ليذكرها كل ذلك بعقدها المتراكمة في ذاتها.. وهي تشعر أنها هذه الليلة تكره نفسها وتحتقرها أكثر من أي شيء في هذا العالم..
تقدمت خلف والدتها التي كانت تحتضن كاسرة وهي تبارك لها بتأثر عميق وهي تتذكر أخيها المتوفي..
لتتأخر حتى تتيح المجال لجوزاء التي همست بخفوت واستعجال: ألف مبروك كاسرة..
أنهت عبارتها وكانت تريد الانسحاب.. ولكن كاسرة شدتها من يدها وهمست لها بحزم: جوزا اقعدي جنبي أبي أكلمش في موضوع
جوزاء جلست وهي تشعر بحرج عميق.. آخر ما تريده أن تجلس بجوار كاسرة وتكون هي في بؤرة الضوء ومرمى نظر كل من سيأتي للسلام عليها
بينما كل ماتريده أن تنزوي في زاوية ينساها فيها العالم أجمع..
همست كاسرة لها بخفوت حازم: ادري إنه الحين مهوب وقته أبد وعيب حتى أتكلم في ذا الموضوع وفي ذا الوقت
لكن أنا ما أدري متى أقدر أشوفش.. وانا ما أقدر أخلي الكلام ذا في خاطري
وعلى العموم أنا ماني بمطولة عليش..
اسمعيني جوزا.. أنا مهوب خافيني إن معاملتش لي تغيرت 180 درجة من عقب موت أبو حسن اللي ماصار..
وأنا أدري إن التغيير ذا أكيد بسبب شيء سواه.. وأكيد هو سبب كل شيء صار لش..
وأنا سمعت من وضحى إنه رجع وخطبش على طول عقب ما طلقش امهاب..
وجه جوزاء اشتعل حرجا مريرا.. بينما كاسرة أكملت بذات الحزم الخافت: اسمعيني عدل.. نصيحة لله.. أنا أدري زين من معرفتي لمحبتش لحسن إنه مستحيل تزوجين وتضحين بحضانة حسن..
لكن ولد آل ليث توه شباب.. ومستحيل يقعد بدون مرة..
تبينه هو يتزوج وينبسط؟!!.. وفي النهاية ترا حسن إذا كبر راجع له راجع له..
يا بنت عمتي حطي عقلش في رأسش وارجعي لأبو حسن..
خليه يندم على كل شيء سواه.. خليه يندم على الشهور اللي قضيتيها في حداد وهو مطلقش
خليه يندم على ضياع عمرش ودراستش..
وقبل ما يفكر يطفش وإلا يهرب.. اربطيه بولد ثاني ..
جوزاء لم ترد عليها.. وهي تقف لتجلس بجوار شقيقتها شعاع بعد أن مرت على أم امهاب وسلمت عليها..
بينما فاطمة قفزت بجوار كاسرة وهي تهمس في أذنها بخفوت: هذي كلها سوالف مع أم جسم صاروخي.. حشا وش قلتي لها؟؟..
كاسرة تبتسم وتهمس: مستحية أقول لش.. مهوب أنا عروس..
ذات سؤال فاطمة سألته شعاع لشقيقتها..وهي تستغرب جدا ما الذي قد تقوله لها كاسرة وفي ليلتها الاستثنائية..
ردت عليها جوزاء بتبلد: بأقول لش في البيت..
بعد دقائق.. هتفت أم مهاب للشابات المتواجدات بعد أن أنهت اتصالا.. أن مهابا وتميما سيدخلون للسلام على شقيقتهما
وفي الوقت الذي استعجلت جوزاء الخروج وكأنها تريد الهروب..
فإن سميرة التي خرجت مجبرة كانت تتمنى لو استطاعت أن ترى تميما كي تطمئن على وضعه.. وإحساسها بالذنب من ناحيته يخنقها لأبعد حد..
بينما وضحى كانت تميل على أذن والدتها: غريبة يمه جية تميم وامهاب ..مهوب المفروض يجون مع كسّاب.. ليه جايين قبله..؟؟
بعد دقائق كان مهاب وتميم يدخلان..
رغما عنها ورغم ادعاء القوة الدائم.. انتابها إحساس عميق بالتأثر وهي ترى شقيقيها.. وخصوصا تميم بيديها الاثنتين المعلقتين بعنقه..
اقتربا كلاهما منها.. مهاب قبل جبينها وهو يهمس لها بمودة عميقة وتأثر أعمق: بنشتاق لقشارتش.. وين نلاقي لنا أخت قشرا كذا؟!!
كاسرة ابتسمت وهي تهمس بشفافية: زين اضحك علي قل بنشتاق لرقتش.. اسمي عروس ترا..
مهاب يعاود تقبيل جبينها وهو يهمس بمودة صافية: وأحلى عروس بعد.. ومافيه عروس عقبش بعد..
كاسرة تهمس له بمودة صادقة وتأثرها يتعاظم: وعقبالك قريب إن شاء الله..
مهاب تأخر ليتقدم تميم منها.. الذي قبل هو أيضا جبينها ثم ابتسم وهز كتفيه دلالة أنه لا يستطيع أن يشير بشيء..
ابتسمت له كاسرة وأشارت بمودة عميقة: وصلني اللي تقصد حتى لو ما أشرت.. جعلني ما أذوق حزنك وماتشوف شر..
حينها همس مهاب لكاسرة باستعجال: يالله ياعروس.. اطلعي لغرفتش وبدلي بسرعة عشان كساب ينتظر برا.. أنا بأوديكم المطار..
حينها تغير وجه كاسرة وهي تهمس بحزم: وكسّاب ليه ما يبي يدخل؟؟
مهاب بطبيعية : يقول مستعجل..
كاسرة بحزم خافت: يعني لو كان دخل معكم الحين بدل ماهو قاعد في السيارة مهوب متاخر؟؟
أنا آسفة ماراح أطلع إلا هو يجيني بنفسه.. يعني جد امهاب منت بحاس إن موقفه سخيف وقصده يهيني.. وإلا عادي عندك؟؟
يعني أنا ليش لابسة ومتكشخة.. مهوب عشان يجي ويشوفني.. وحضرته مهوب متنازل يعني!!
مهاب لم يفكر مطلقا بهذه الطريقة.. ولكن بما أن أخته متضايقة من هذه النقطة
فهو يستحيل أن يسمح أن تشعر أن كساب يقصد إهانتها وفي هذه الليلة بالذات.. حتى لو كان لا يقصد ذلك..
لذا تناول هاتفه وهو يتصل ويهمس بحزم: كساب لو سمحت تجهز عشان أنت تدخل وتأخذ أختي بنفسك..
كساب الذي كان يجلس في السيارة مع شقيقه علي الذي كان يقود السيارة الأخرى حتى يعيد تميم بعد ذلك..
هتف بحزم مشابه: امهاب ماعندي وقت.. نبي نطلع المطار.. وحتى أغراضي كلها صارت في السيارة..
مهاب بحزم أشد: بدل منت قاعد في السيارة.. ماراح يضرك تسمح خاطرها وتجي تاخذها وتطلع معها..
حينها صر كسّاب على أسنانه بقوة (يعني هذي أوامر الشيخة) ..
ولكنه لم يسمح لها أن تفقده السيطرة.. ولم يرد أن يظهر بمظهر غير لائق أمام نسيبه.. لذا هتف بحزم: خلاص ولا يهمك..تعال لي عشان أدخل..
بينما ابتسامة علي اتسعت وهو يرى كساب يُجبر على تغيير مخططاته..
فعلي أساسا كان يشعر باستغراب أن كسابا لا يريد الدخول (فهل هناك عريس لا يريد رؤية عروسه بالفستان الأبيض؟؟)
لذا كاد يقهقه وهو يعود مع تميم لموقع حفل الرجال الضخم
بينما كساب عاد للداخل مع مهاب وهو يعاود لبس بشته الأسود بعد أن خلعه لظنه أنه متوجه للمطار..
وقتها لم يعد مع كاسرة سوى والدتها.. بينما وضحى خرجت لبقية البنات في القاعة..
في الوقت الذي دخل كساب ومهاب عبر باب لا يمر على قاعة النساء..
ورغم أن كسابا كان يشعر ببعض غضب من كاسرة التي أجبرته على تنفيذ رغباتها..
ولكن من ناحية أخرى كان يشعر بارتياح أنه أوصل لها الرسالة التي يريد إرسالها لها
(أنه غير حريص على رؤيتها.. وأن الجمال الذي هي مغرورة به هو غير ذي أهمية عنده)
ولكن كلام يهذي به قبل دخول المعركة أوشك على التبخر وهو يسمع صليل السيوف وقعقعة الرماح وهسيس السهام فوق رأسه..
هذه الحرب الفعلية شعر أن رحاها تدور فعلا أمامه وهو يراها ماثلة أمامه في عينيها نظرة غضب أو ربما عتب
ولكن المؤكد أنها نظرة سحر لا وجود لمثيل لها في هذا الكون..
كانت حسنها ينير المكان كشمس فعلية غشت المكان بأنوارها التي لا قبل للعين باحتمالها!!
وعيناه تطوفان بتفاصيل حسنها الآسر تفصيلا تفصيلا.. وكل تفصيل يبدو كما لو كان يقول أنا منتهى الحسن وغايته!!
ولكن إن كانت عنيدة فهو أكثر عنادا منها بكثير.. وإن كانت أصرت على أن يدخل.. فهو سيجعلها تندم على ذلك وتتمنى لو أنه لم يدخل..
تقدم منها بخطوات ثابتة وهو يرى النظرة في عينيها تتغير لنظرة تحدي وانتصار لم يفهمها سواه..
بينما كانت مزنة ومهاب يقفان قريبا منهما.. ودعوات مزنة تتزايد مع تزايد تأثرها..
كساب حين وصلها وقفت كما يستلزم الذوق.. همس لها بثقة وفي عينيه نظرة مغرقة في العمق: ألف مبروك ياعروس..
فهمست له بثقة مشابهة: الله يبارك فيك ياعريس..
أنهى عبارته ليميل حينها جانبا ويقبل خدها بتروي.. كاسرة انتفضت لم تتوقع منه هذه الخطوة أبدا وأمام شقيقها..
افترضت على أسوأ الأحوال أنه سيقبل جبينها كالمعتاد.. ولكن أن يقبل خدها وبهذه الطريقة الحميمة المتأنية..
شعرت حينها أن خدها تشتعل وهي تهمس له بخفوت شديد من بين أسنانها: كساب بس.. عيب عليك..
كساب رفع شفتيه ثم همس بثقة وهو يجلسها بذوق كبير قبل أن يجلس جوارها: والله ما أشوف فيها شيء عيب.. بعدين هذا اللي انتي تبينه...
وإلا ليش لزمتي أدخل؟؟..
كاسرة صمتت خجلا من مهاب وليس منه..
بينما كساب عاود الوقوف ليسلم على أم مهاب وهو يقبل رأسها ويهتف بمودة عميقة: أشلونش يمه؟؟
مزنة بتأثر: طيبة يأمك.. وألف مبروك.. والله الله في كاسرة..
كساب التفت لكاسرة وهو يهتف بنبرة مقصودة: ازهليها يمه في عيوني
ثم همس لها برجاء فخم: يمه لو سمحتي نادي خالتي وأختي.. أبي اسلم عليهم
ثم التفت لمهاب: أبو فيصل لو سمحت.. خلاص انتظرنا في السيارة
أنا باطلع مع كاسرة تبدل ثم بنجيك في السيارة
مهاب خرج فعلا بعد أن قبل جبين كاسرة مرة أخرى.. بينما مزنة استدعت فعلا مزون وعفراء بناء على رغبة كساب
بينما كان غيظ كاسرة يزداد عليه.. (يعني الأخ ماكان عنده وقت ينزل..
الحين صار عنده وقت ينزل ويتحبب ويتميلح..
ياثقل طينتك وياشين وقاحتك)
مزون منذ استدعتها أم امهاب ودقات قلبها تتصاعد (معقولة إنه ناداني.. أكيد مجاملة قدام الناس)
دخلت هي وخالتها وكل منهما تغتالها مشاعر فرحة مختلفة..
عفراء ترى بكرها عريسا.. فرح مغموس بحزن شفاف أنها ما استطاعت أن تفرح بابنتها كما فرحت به..
وأمنية صادقة أن يستقر هذا العنيد الذي أتعب الجميع بصعوبة طباعه..
مزون دخلت وعيناها تتملئ من إطلالته وهو يقف بفخامة ملتفا ببشته الأسود.. في عينيها لم تر عريسا أكثر وسامة ولا أعظم حضورا..
كان هو وعروسه يشكلان لوحة نادرة جمعت قمة الأنوثة بقمة الرجولة..
وقف ليتلقى خالته ومزون.. آلمه كثيرا لمعة الدموع بعينيهما.. وصلته خالته أولا ليقبل هو جبينها ويهمس لها بحنان:
خالتي الله يهداش ماعندش تعبير عن المشاعر غير الدموع.. تحزنين تبكين.. تفرحين تبكين
كاسرة أرهفت السمع.. بدا لها أن حاسة السمع تخونها.. لم تتخيل أن هذا الكساب قد تصدر عنه هذه النبرة التي تذوب حنانا صافيا..
بدا لها أن من يتكلم هو شخص آخر تماما!!
بينما عفراء همست له بحنان عميق: مبروك يأمك ألف مبروك.. عقبال ما أشوف عيالك.. من فرحتي فيك مالقيت إلا الدموع
ثم أردفت وهي تلتفت لكاسرة وتهمس لها بمودة: كاسرة يأمش ما أوصيش في ولدي..
ثم ابتسمت: صحيح له طبايع قشرا بس قلبه ذهب..
كاسرة هزت رأسها وهي تهمس بذوق ورقة: لا تحاتينه خالتي..
بينما كانت تهمس في داخلها بتهكم (قال قلبه ذهب.. صفيح يمكن!!)
عفراء تأخرت لتسمح لمزون أن تصعد له.. مزون وقفت أمامه للحظات تملأ عينيها منه.. وهو بالمثل..
منذ زمن بعيد لم يلمح هذه السعادة في عينيها حتى وإن كانت سعادة مبللة بالدموع..
هي لم تستطع أن تكتفي بمجرد قبلة باردة.. تريد أن تطفئ عظامها التي سكنتها الوحشة والبرد..
لذا ألقت بنفسها على صدره وهي تتمنى ألا يحرجها وفي هذه الليلة بالذات
وهو لم يستطع فعلا أن يكون بخيلا معه أو حتى يحرجها بينما هي تندفع بمشاعرها هكذا ..
لم يرد أن يصغر شقيقته أمام زوجته حتى وإن كان عاجزا عن مسامحتها.. رد على ارتمائها على صدره بأن أحتضنها بخفة..
حينها فعلا انهارت ببكاء خافت.. أربع سنوات مرت لم يحتضنها فيه.. أربع سنوات مرت افتقدت فيها حضنه الدافئ..
أربع سنوات كانت فيها كالضائعة التي شعرت أنها تعود للميناء الآن..
كساب شعر بالألم يمزق روحه المنهكة من بكائها.. وهو يشدد احتضانه لها..
فإن كانت اشتاقت لأحضانه فهو أضناه الاشتياق لاحتضانها..
لتكن هذه لحظة مسروقة من غضبه الأسود . ولديه مبرر جاهز.. فليس من اللائق ألا يحتضنها في هذا الموقف وأمام زوجته وأمها..
كاسرة كانت مذهولة من شفافية العلاقة بينهما (لهالدرجة يحب أخته؟!!)
مزون ابتعدت قليلا وهي تهمس باختناق: مبروك كساب.. ألف مبروك
رد عليها بحياد: الله يبارك فيش..
ثم أردفت بجزع وهي تلحظ انطباع بعض أحمر شفاهها على بياض ثوبه على طرف البشت وتحاول مسحه: آسفة كساب والله ماكان قصدي
همس لها بخبث باسم وهو يلتفت لكاسرة: عادي لا تهتمين.. باقول لامهاب إن هذا من أخته..
حينها اشتعل وجه الاثنتان خجلا.. مزون وكاسرة.. بينما كانت كاسرة كانت تنظر لكساب نظرة تهديد لم يفهمها سواه..
عاد ليجلس جوارها بينما همست هي في أذنه: لا تكون من جدك تبي تكذب علي قدام أخي..
كساب بسخرية: إلا وأشرايش أقول له هذا روج أختي؟!!
عفراء تهمس لمزون والاثنتان تقفان جانبا مع مزنة: يأمش بس ليش ذا البكا كله؟؟
مزون باختناق: غصبا عني خالتي.. شوفي شكله جنبها.. شوفي اشلون لايقين على بعض... بس يا ليت صدق تقدر تريحه..
عفرء تبتسم لها: إن شاء الله يأمش..
كساب حينها وقف وهو يهتف لعمته: يمه لو سمحتي عباة كاسرة.. بنطلع عشان تبدل ونروح المطار..
مزنة سارعت لإلباس ابنتها عباءتها همست لكساب بحزم: تبيني يأمك أطلع معكم
كساب بثقة: براحتش.. لو أنتي تبين..
مزنة مالت على أذن كاسرة وهمست لها ببعض كلمات ليغادر الاثنان وحيدان..
حينها شعرت مزنة أنها بحاجة للجلوس جلست على طرف الكوشة وهي تشعر كما لو أن روحها تغادرها بشكل مجهول..
مزون سارعت لها وهمست لها بقلق: أجيب لش ماي خالتي..
مزنة رغم إحساسها بالإجهاد إلا أنها همست بثقة: مافيه داعي يأمش.. بأقوم الحين وبأروح القاعة بنفسي..
قالتها وهي ترفع برقعها وتهف على وجهها قليلا.. ثم تعاود إسداله لتقف وتتوجه لداخل القاعة بينما مزون تتبعها وهي تهمس لخالتها باسمة:
الحين عرفت من وين كاسرة جايبة ذا الزين كله !!..
***********************************
فور أن دخلت للجناح ألقت عباءتها بغضب وهي تهمس بغضب لمن كان يغلق الباب خلفها:
أنت شكلك كنت تبيني أتكسر عشان ترتاح..
كساب ألقى بشته على طرف المقعد وهتف ببرود: ليش إن شاء الله؟؟
كاسرة جلست على المقعد وهي تهمس بذات الغضب:
بصراحة ماعندك ذوق.. الحين العباة على وجهي وما أشوف شيء.. على الأقل امسك يدي لين أوصل فوق بدل منت مخليني أركض وراك
كساب بسخرية: قلت لش قبل ماعندي ذوق.. من وين أجيبه؟؟
ثم أردف وهو يجلس جوارها ثم يمسك بكفها ويهمس بخفوت خبيث: ولا يهمش .. الحين بأمسكها.. مادريت أنش متشفقة على مسكتي ليدش..
قالها وهو يرفع يدها إلى شفتيه مقبلا بعمق دافئ..
كاسرة شدت يدها التي رغما عنها بدأت ترتجف وقبل أن يلاحظ ارتعاشها وهي تهمس بثقة: تدري أنك سخيف..
حينها أمسك بوجهها بين كفيه وهمس بتلاعب: جد شايفتني سخيف؟؟
كاسرة بدأت تشعر بالتوتر الناتج عن خجلها الطبيعي.. فهي مهما كانت قوية مجرد شابة في ليلة زفافها..
وهذا الرجل الذي يتلاعب بها هو الأول الذي يقترب من حدودها المحظورة..
ومايثير توترها.. إحساسها أنه يخفي شيئا ما.. تعلم أن جمالها يدير عقول أعتى الرجال.. فثقتها بجمالها طاغية..
ولكنها في داخلها تشعر أن إظهار كسّاب للهفته لها أو تغزله الصريح بها ليسا أبدا مقصودين لذاتهما
لأن شخصية كشخصيته لا تظهر ولعها بهذه الصورة حتى لو كان سيكون يحترق ولعا.. فهو لابد سيحاول إخفاء ولعه..
فإلى ماذا يهدف من هذا التلاعب؟؟
كاسرة تأخرت قليلا وهي تهمس بنبرتها الحازمة الطبيعية: أنت ماكنت مستعجل على روحتنا للمطار؟؟.. اشفيك غيرت رأيك؟؟
أفلت وجهها وهو يتأخر ويسند ظهره للخلف ويهتف بتحكم: أنتي خربتي المخطط كامل..
والحين قومي توضي وبدلي عشان نصلي ركعتين..
وقفت وهي تهمس بحزم: زين وأنت بعد كنت ناوي تأجل صلاتنا مع بعض؟؟
هز كتفيه بثقة: كنا بنصلي إذا وصلنا.. مهوب أنا اللي أنسى..
كانت على وشك المغادرة حين همست بتساؤل حازم: خاطري أدري وش اللي كان في رأسك ؟؟ووش اللي في رأسك الحين؟؟
لم يرد عليها بينما كانت تتناول هي تنورة وتيشرت خفيفين كانت وضحى وضعتها لها على المقعد ..
حينها همس لها بخبث: تبين مساعدة في التبديل؟؟
أشارت بيدها لا ..وغيظها من وقاحته يتصاعد.. وارتدت ملابسها في الغرفة المجاورة بعد أن فككت تسريحة شعرها بسرعة..
وعادت له وهي تحمل سجادتها وجلالها وتهمس له بهدوء: أنا على وضي.. تبي تتوضأ أنت..
وقف وهو يهتف بثقة: وانأ بعد على وضي.. يا الله نصلي..
وقف ووقفت خلفه ليصليا ركعتين سويا.. ثم يدعو كل منهما بدعاء خاص به.. حينما انتهى وضع يده على رأسها وهو يدعو بالدعاء المأثور..
حينما انتهى همست له بسكون غريب: دعيت من قلبك يا كسّاب؟؟
هز كتفيه بتهكم: وليه تظنين إني مادعيت من قلبي؟؟
كانت تخلع جلالها وهي تهمس بثقة: لأني حاسة أنك ماخذ سالفة الزواج لعبة...
حينها أداراها ناحيته بقوة ليغرز أنامله بقوة في عضديها وهو يهتف لها بسخرية بها رنة غضب:
خوش كلام تقوله عروس لعريسها ليلة عرسهم!!
حينها أجابته بتهكم: ليه أنت حاسس بإحساس عريس صدق؟؟ (ترد عليه ذات عبارته التي قالها لها اليوم!!)
همس لها بخفوت وأنامله ترتخي عن عضديها لترتفع لكتفيها ثم لأسفل عنقها: من حيث أني حاسس.. فانا أكيد حاسس..
عاد لها إحساسها بالتوتر الذي طمرته خلف ثقة صوتها: ماكان هذا كلامك اليوم الظهر..
ابتسم لها بتلاعب: على قولت المثل ..كلام الليل مدهون بزبدة يطلع عليه النهار يسيح..
كاسرة بضيق: كساب لو سمحت تاخرنا على امهاب..
ابتسم كساب: تحاتين أخيش.. البشي عباتش على ما أنادي حد من تحت يشيل شناطش
كاسرة ارتدت عباءتها وهو يتصل.. وضعت نقابها على المقعد وفتحت حقيبة يدها لتستخرج منديلا لمسح الزينة وهي تقترب من كساب..
وتهمس له بهدوء: كساب لو سمحت لقني وجهك..
كساب استدار لها وفي عينيه تساؤل.. كان ردها على تساؤله أنها بدأت تدعك مكان أحمر شفاه مزون عن صدره..
حتى أزالت معظمه ولم يبق سوى أثر خفيف منها وهي تهمس بتهكم ومازالت تمسح: أنت من جدك كنت ناوي تطلع للمطار كذا؟؟..
هتف لها بابتسامة: شناطي صارت في السيارة.. سأشوي فيش وأنتي اللي اصريتي أنزل.. من وين أجيب لبس..
هتفت له ببرود وهي مازالت تمسح صدره: الحين أنا المذنبة في كل شيء؟!!
تناول كفها عن صدره ليقبلها وهو يهمس لها بدفء مقصود: كل شيء.. كل شيء!!
عاودها التوتر الذي ترفض الإفصاح عنه وهو يتناول كل أصبع من أصابعها ويقبله بنعومة متأنية تثير فيها مشاعر عميقة غريبة مختلطة باستغراب..
(إلى ماذا يهدف هذا الرجل من هذا الاندفاع في مشاعره؟!)
شدت يدها من يده وهي تهمس بثقة: ننزل؟؟
كان رده عليها أن مد يده ليعبث بطرف شيلتها الملاصق لخدها وهو يقترب منها كثيرا حتى باتت تتنفس أنفاسه من قرب مخيف
جعل آلاما غير مفهومة تتصاعد في معدتها.. وكأن بطنها يُعصر!!
تأخرت وهي تبتعد كليا عنه لتتناول نقابها وتهمس بنبرة مقصودة: الحين أنت ماكنت تبي تطلع معي أساسا.. على أساس إنه بنتأخر على الطيارة
وش اللي تغير؟؟ أجلوا الطيارة مثلا!! ماراح نتأخر الحين؟؟
همس لها بهدوء متمكن وهو يستدير ليعدل غترته في المرآة: احنا درجة أولى.. لو جينا قبل الإقلاع بنص ساعة بنسافر
والطيارة باقي عليها أكثر من ساعة ونص
حينها حملت حقيبة يدها وهي تهمس بذات النبرة المقصودة: وذا المعلومات ماكنت عارفها قبل شوي؟؟..
كساب رد عليها بذات نبرتها المقصودة: أكيد عارفها.. بس حبيت أوصل لش رسالة.. أعتقد إنها وصلت
كاسرة بذات النبرة المقصودة: والرسالة تقول؟؟
كساب دون أن يلتفت لها هتف بعدم اهتمام: أحب اللي يلقطونها وهي طايرة..
كاسرة بثقة: وأنا أحب اللي يشرح لي مقصده
كساب بذات عدم اهتمام: وانا مالي مزاج أشرح لأغبياء..
كاسرة ببرود: أنا غبية؟؟
كساب بحزم: يالله خلينا ننزل بدون كثرة هذرة.. ما تستحين تنقعين أخيش في السيارة كنه دريول؟!
كاسرة بصدمة: أنا؟؟
لم يرد عليها وهو يخرج وهي تخرج خلفه.. همس لها وهما في الممر بتلاعب: أمسك يدش الحين؟؟
كاسرة بحزم: لا مشكور.. الحين أشوف عدل..
ولكنه لم يستجب لرفضها وهو يمسك يدها بطريقة تملكية..
حاولت أن تشد يدها من يدها ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل.. فيده كانت ككماشة أطبقت على يدها..
حين أصبحا في المصعد همس لها بخبث: لا تحاولين تفكين يدش.. إلا إذا أنا سمحت لش
كاسرة بنبرة غضب: كساب بلاحركات بزران.. لا تفشلني في أخي.. وش يقول علي؟؟.. مالها نص ساعة من شافته وكلبشت في يده؟؟
هتف لها بسخرية: عادي.. بيقول أنش ماقاومتي جاذبيتي..وماصدقتي تشوفيني وخايفة أهرب منش..
كاسرة شدت نفسا عميقا: كساب لو سمحت فك يدي..
كساب يدعي عدم السماع: نعم ماسمعت.. عيدي
رصت على كل كلمة: قلت.. فك.. يدي..
كساب بتلاعب: لا باقي كلمة ماسمعتها.. "لو سمحت"..
كاسرة بدأت تغضب: كساب عيب عليك.. المصعد وقف..
عاود كساب إغلاق أبواب المصعد وهو يهتف بذات التلاعب:نسكره..
شكلش تبين تتعبيني.. خلاص غيرت رأيي ما أبي "لو سمحت"
عطيني بوسة.. بس تكون من الخاطر وأفك يدش
كاسرة بصدمة: من جدك؟؟ هنا في المصعد؟؟..
كساب يضحك بخبث: ليش مستعجلة كذا؟؟.. مالنا مكان بيلمنا عقب؟؟..
أنا بأفكش الحين بس حطي في بالش أني ما أتنازل عن وعدش اللي أنتي مستعجلة عليه
شدت يدها وهي تتنفس الصعداء وهما خارجين من المصعد متجهين للخارج
هذه المرة نجح فعلا في إشعارها بالخجل رغما عنها..
وقاحته سببت لها صداعا..وهي تجبرها على الصمت طوال الطريق.. عدا إجابات مختصرة حين يوجه مهاب لها الحديث
كساب كان يجلس جوار مهاب بينما كانت هي تجلس في الخلف ممسكة بكفها التي كانت تؤلمها قليلا لأنه كانت تشد يدها بقوة لم يشعر هو بها..
حين وصلا للمطار.. نزل مهاب ناحيتها ليفتحه لها الباب.. حينها قبل رأسها وهمس لها من قرب بحنان وثقة:
ما أوصيش على نفسش وعلى رجالش..
ثم أردف بحزم: وأنا ما أعصيش على رجالش.. بس والله لأزعل عليش لأدري إن كساب زعلش وأنتي ماعلمتيني..
ثم ابتسم وأردف: ولو أنه ما ينخاف عليش.. المفروض أخاف على كساب..
أردفت بشفافية وهي تشد على يده: الله لا يخليني منك.. وجعل عمرك طويل.. لا تحاتيني ولا تحاتي كساب..
كساب اقترب منهما وهمس باسما: شكلي بأغار من امهاب.. وش ذا كله؟؟
لا وماسكة في يده.. وأنا ماخليتيني أمسك أصبع
كاسرة وجهها اشتعل احمرارا تحت نقابها وهي تتوعد كساب أن ترد كل ذلك
بينما مهاب ابتسم وهو يرأف لحال كاسرة التي أحرجها كساب رغم سيطرتها الدائمة
هتف لكساب بابتسامة: خف على أختي لا تفشلها..
ثم أردف بحزم: وما أوصيك فيها ياكساب.. هذي شيختنا..
ثم أردف وهو يشد كساب جانبا ويهتف بحزم أشد: ترا كاسرة شخصيتها قوية وما تعودت حد يكسرها
أوعدني أنك حتى لو تضايقت منها إنك لا تهينها ولا تكسرها.. ترا كسر القوي شين..
كساب هتف له بحزم متمكن: لا تحاتيها.. بس بعد ماني بكاذب عليك وقايل لك إني بأخلي أختك تمشي شورها علي..
بأعطيها حقها وبأخذ حقي..
مهاب بحزم: ماتقصر يأبو زايد.. حن مانبي إلا الحق..
كساب وكاسرة دخلا لداخل المطار همست له كاسرة بحزم : أنت الحين قاعد تحرجني ومستغل ذا الشيء ضدي..
بس عقب كم يوم إذا تعودت عليك ماعاد تنفع حركاتك البايخة ذي!!
كساب بشبح ابتسامة: بندور لنا شيء ثاني!!
وحين انتهت الإجراءات وانتقلا للانتظار في صالة الدرجة الأولى
هتف لها كساب بحزم وهو يحمل حقيبة صغيرة في يده: أنا بأروح أبدل ثيابي وبجي.. ماني بمتأخر..
همست له كاسرة بهدوء ساخر لا يعبر عن غيظها منه: ولو تاخرت ترا ماني بباكية.. لا تخاف..
حينها نظر لها نظرة ذات مغزى.. وغادرها.. ليتأخر فعلا.. بدأ نداء الصعود للطائرة يرتفع وهو لم يحضر بعد..
كاسرة تعلم أنه تأخر قاصدا ردا على تهكمها.. ولكن غيظها بالفعل تصاعد منه أكثر وأكثر من تصرفاته اللا مسئولة..
لم تعلم أن هناك خطة بعيدة المدى يرسمها هذا الرجل.. فكل خطوة يقوم بها يدرسها..
علم منذ اليوم الأول الذي رآها فيه أن التعامل معها سيكون صعبا..
وأنه لو تعامل معها بطبيعية.. فإن مركبهما لن يمشي.. لأن أنثى استثنائية مثلها.. لابد أن تُعامل بطريقة استثنائية تفاجئها وتقلب توقعاتها..
وهو لن يسمح لها أن تكون تغيره.. لذا هو من سيغيرها!!
فإن كان لا يهمها أن يتأخر.. رغم أنه يعلم أنها قالتها كنوع من العناد.. فليتأخر قليلا.. لتعرف كيف تنتقي عباراتها..
عاد لها مع النداء الأخير.. كان قد أبدل ملابسه ووضع ثوبه وغترته في الحقيبة الصغيرة التي كانت معه..
احتاجت ثوان لتتعرف عليه بعيدا عن الثوب.. كرهت كثيرا ماكان يرتديه وزاد غيظها منه ولا تعلم لماذا..
فبعيدا عن فخامة الثوب وانسداله الذي كان بالكاد قادرا على كبح تفاصيل عضلاته..
كيف (بالبنطلون والتيشرت) وهو يبالغ في الأناقة وإبراز نفسه بفخامة لدرجة أثارت غيظها أكثر ومازالت لا تعلم لماذا؟!
همست له ببرود متحكم: عادي كان تاخرت أكثر.. ولو حبيت تلغي الرحلة ترا ماعندي مانع..
ابتسم وهو يشدها ليوقفها.. وهمس بخبث: ياكثر هذرتش بس.. خلصيني.. أخرتينا على الطيارة..
#أنفاس_قطر#
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الأربعون 40 - بقلم HaboOoshy
تـــحــلــق الــطــائـرة..
وتنفصل عن الأرض..
تحمل قلبين / روحين اشتبكتا للتو في رحلة أبدية..
قلبان لم يعرفا الخضوع يوما!!
روحان جُبلتا على العناد والسيطرة وقوة الشخصية!!
منذ حلقت الطائرة قبل أكثر من ساعة واستغرابها منه يتزايد..
فبعد اللهفة المبالغ فيها التي فاجئها فيها وهو يغمرها بلمسات غريبة مختلفة يتلاعب فيها بين الحدود..
بين القرب والبعد..
بين التماس واللا تماس..
كاد يحرقها بكلماته ولمساته..
ثم عاد ليغرق في صمت غريب تجاهلها فيه تماما.. وكأنها غير موجودة أبدا..
لم يوجه لها كلمة واحدة منذ ركبا الطائرة.. وكأنها مخلوق غير مرئي.. غير موجود..
لم ينظر حتى ناحيتها.. أو يسألها هل هي مرتاحة؟؟ أو تريد شيئا كما يُفترض منه؟؟
كان يقرأ في كتاب منذ صعدا الطائرة..
" أنا يلتهي عني بكتاب؟!! أنا؟!!"
و هاهو الآن يغلق عينيه باسترخاء وكأنها ليست جواره.. هي .. كاسرة!!..
هي.. من توقف العالم على قدم واحدة احتراما لحسنها..
هي.. من تسكر الأرواح والعيون بمجرد رؤيتها..
هي.. من يفرض لها حسنها وشخصيتها السيطرة على من حولها..
هي.. من تلوي الأعناق لترتشف نظرات.. مجرد نظرات من حسن خيالي..
فكيف من أصبح هذا الحسن بين يديه وقربه.. ثم يتجاهل وجوده؟؟..
تلتفت له لتراقب ملامحه المسترخية الساكنة بتفاصيله المثقلة بالرجولة والغموض..
تحاول استشفاف ماوراء الاسترخاء المريب لملامحه.. ماوراء تعامله غير المفهوم معها..
تحاول تقييم رغباتها في زوج بشروط معينة.. وبين ماحصلت عليه فعلا في زوجها!!
"ليس في السن التي كنت أريدها !!
ولكنه على الأقل رجل ناضج على أعتاب الثلاثين...
أو هكذا يُفترض !!.. لأني أشك في مدى نضوجه!!"
تملئها الهواجس والأفكار التي يستولي عليها كسّاب وحضوره وشخصيته وهي تحاول تقييمه ..أو حتى تفهمه!!
" أمممممممم ليس سيئا..
لا أستطيع أن أظلمه وأقول أنه خال من المزايا..
لكنه.. لكنه متهور!!
وغير مفهوم.. ويتصرف تصرفات غير منطقية!!"
وهي مشغولة بالنظر له وغارقة في أفكارها حوله
فوجئت بالمضيفات يجتمعن وهن يحضرن كعكة صغيرة على شكل قلب أحمر..
حينها لكزت كساب بخفة وهي تخرج بارتعاش من أسر اندماجها في مراقبته
وكأنها كانت تحلق في عالم آخر..لتعود منه لعالم الواقع..
كساب فتح عينيه بتثاقل فخم أو ربما مغرور!!.. بينما كانت إحدى المضيفات تبتسم وهي تهمس بمودة: مبروك يا عرسان..
معاكن كامرا تا خد صورة إلكن..
كساب وقف حينها وهو ينفض استرخائه..
ليحضر كاميرا من حقيبته وهو يشعر بغيظ فعلي من علي الذي من المؤكد إنه حينما حجز أبلغهم أنه عرسان جدد..
ولكن هذا الغيظ لم يظهر في ابتسامته المتمكنة وهو يناول المضيفة الكاميرا..
همست المضيفة لكاسرة بذات النبرة الودودة: شو ياعروس.. ارفعي عن وشك مافيه حدا جنبكن أساسا
فيه بس اتنين ستات وجالسين وراكن
كاسرة أزالت النقاب عن وجهها وعدلت وضع شيلتها.. بينما ابتسمت المضيفة: الله يحميكن ماشفت بحياتي عروس حلوة هيك..
يالله ئربوا لبعض شوي تا أخذ لكن صورة حلوة مع الجاتو
حينها شدها كساب من كتفها ليلصق كتفها به وهو يحتضن كتفيها بذراعه..
ارتعشت رغما عنها وهي تشعر بصلابة جنبه ودفء كفه الساكنة على عضدها بطريقة تملكية!!
لا تعلم ماذا يفعل بها هذا الرجل؟؟
أي سحر في لمساته؟!..
بل حتى في كلماته التي لا يجيد اختيارها في معظم الأحيان وهو يلقيها كقنابل بلا بوصلة؟!!
حالما انتهت الصورة همست له كاسرة بخفوت حازم: الصورة خلصت
ممكن تخف عن كتفي شوي
كساب أفلت كتفها بطريقة بدت لها غير مبالية بينما كانت تردف بنبرة أقرب للتهكم:
تدري.. ما تخيلت حركة الكيك ذي ممكن تجي منك..
حينها هتف كساب بعدم اهتمام: وقبل ما تشوفين أشياء واجد راح تستغربينها مني..
ترا رحلة شهر العسل ذي ترتيب أخي علي..
ومارضى يقول لي عن ترتيبه فيها يبيها مفاجئة لنا..
حينها رفعت كاسرة حاجبا وأنزلت الآخر: وانا متزوجتك أنت وإلا أخيك؟..
هتف لها كساب ببرود قارص: ما أدري.. أنتي قولي لي..
وترا كيفي أنا وأخي.. حب يهديني هدية لعرسي.. مادرى عن طبايع مرتي اللي تلوع الكبد..
كاسرة ببرود مشابه: إذا أنا طبايعي تلوع الكبد.. أجل طبايعك وش ينقال عنها؟؟
كساب بحزمه الطبيعي: طبايعي تتقبلينها غصبا عنش.. شينة زينة.. تقبلينها وبس..
كاسرة بحزم أشد: وأنا قلت لك أني ما أتغاضى عن اللي ما يعجبني.. ولو ماعجبني شيء بأنكد عليك..
حينها هتف كساب بتهكم: ماشاء الله بادية النكد من بدري!!
ردت عليه بتهكم مشابه: نكد متبادل طال عمرك!!
رد عليها حينها ببرود: لا تستفزيني.. لأني ما أتحاكى لو كنت معصب..
ردت عليه ببرود مشابه: أشلون ما تتحاكى.. تستخدم إيديك مثلا؟!!
وإلا تذبحني مثل النفس اللي ذبحتها بدون تفكير..
هتف لها حينها بغضب عارم وهو يستعيد الذكرى المقيتة لمحاولة الاعتداء على خالته
الذكرى التي مازالت تشعل غضبه كلما تذكرها وهو يتذكر جيب خالته المفتوح وأثر الصفعات على وجهها:
أنا اللي يدوس على طرف حرمة بيتي يستاهل أكثر من الذبح..
كاسرة بنبرة جدية: عشان حدته الحاجة يسرق تأخذ روحه..
كساب بغضب عارم وهو يصر على أسنانه محاولا إخفاض صوته:
كاسرة سكري ذا الموضوع أحسن لش..
الرجال راح في اللي ما يحفظه.. وابي عوض هله بأكثر من الدية بكثير..
والقضية تسكرت وانحفظت...
كاسرة بذات النبرة الجدية: أشلون تتسكر وتنحفظ؟؟.. أنت كان المفروض على الأقل تنسجن عشان الحق العام للدولة..
وإلا عشانك ولد زايد آل كساب اللي يمشي على غيرك مايمشي عليك..
حينها هتف لها كسّاب بغموض وهو يسترخي في جلسته: والدولة أعفتني من الحق العام..
وكوني ولد زايد آل كساب ماله أي علاقة في الإعفاء!!
عندش مانع؟؟ وإلا بتحاسبين الدولة بعد؟؟!!
شدت كاسرة لها نفسا عميقا وصمتت ولم ترد عليه..
مرهقة تماما.. لها يومان لم تنم..
رغم أنها كانت تُرجع سهرها إلى أنها لا رغبة لها في النوم.
ولكنها في داخلها تعلم أنها متوجسة من الحياة مع هذا الرجل الغريب الذي تشعر أن حياتها معه كما لو كانت على كف عفريت..
"فهل هما الآن يمثلان بتصرفاتهما المتحفزة وحوارهما الحاد عريسان ليلة زفافهما؟؟
هما في حوارهما الآن كمن سكت دهرا ونطق كفرا!!"
المضيفة عادت مرة أخرى: مائطتوا الجاتوه؟؟ أنا راح أئطع لكن..
قطعت قطعة واحدة في صحن واحد وأعطتهما شوكتين: يالله كل واحد يدوء التاني
هتف لها حينها كساب بحزم به نبرة غضب: خلاص مشكورة ياآنسة..بنأكل بنفسنا..
المضيفة غادرت بينما كاسرة همست له بنبرة مقصودة:
ترا شوي لباقة مع الناس ماراح تنقص من مكانتك شيء
يعني المسكينة كانت تحاول تكون ذوق.. ماكان فيه داعي تحرجها كذا..
كساب ببرود: أشلون يعني تبيني أتعامل معها.. أقول لها تعالي أكلينا أحسن.. حطت الكيكة خلاص تفارق..
وبعدين قلت لش قبل ماعندي ذوق من وين أجيبه؟؟
كاسرة همست بهدوء متحكم: سالفة ماعندي ذوق ذي مادخلت مزاجي..
أنت صاحب شركة.. وأسمع أن شركتك ناجحة.. وثلاث أرباع البيزنس علاقات..
يعني لو كان ماعندك ذوق على قولتك كان شركتك الحين في الحضيض
عشان كذا أكيد إنك عندك ذوق.. وذوق محترفين بعد
لكن قل أنك ماعندك ذوق معي أنا شخصيا..
كساب ببرود أشد: يمكن أنتي تحفزين الواحد يكون معدوم الذوق معش..
كاسرة بذات الهدوء الساكن المتمكن: ما أعتقد أني سويت شيء يزعل حضرة جنابك..
أنا أتعامل معك بطبيعتي لكن أنت حاسة أنك حاط حاجز يخفي شخصيتك عني كأنك تسكر روحك عني!!
حينها التفت كساب لها ليمد يده ويمسك بذقنها ويهتف بنبرة مقصودة: وهذا كله اكتشفتيه من ساعتين..
والحين أنا اللي حاط حاجز بيننا؟؟
كاسرة ارتعش داخلها قبل أن تمسك كفه وتبعدها عن ذقنها وتنزلها بهدوء وتهمس بذات الهدوء:
أعتقد أن معرفتي فيك قبل ذا الساعتين..
وبعدين ترا فيه فرق بين الواحد يفتح روحه للثاني.. وبين لمسات ما تتجاوز الجسد للروح..
كساب بعدم اهتمام: وترا أحيانا تكون اللمسة رسول للروح..
كاسرة أسندت رأسها للخلف وهتفت بثقة مغلفة بالعمق:
ما أعتقد إن حن وصلنا لذا المرحلة..
تدري يا كساب أنت مثل اللي واقف قدام باب.. الباب مفتاحه معلق فيه..
لكن أنت ماتبي تستخدم المفتاح وتبي تكسر الباب..
*************************************
"وش اللي شاغلك كذا؟؟"
عبدالله يلتفت لصالح الجالس جواره في مكان حفل زواج كساب وهو يهتف بتأثر:
حاس أني ضغطت على إبي واجد وهو قاعد يتلقى تهاني الناس برجعتي..
لدرجة أنه ماقعد.. رجع بعد العشا على طول..
صالح بطبيعية: عبدالله.. إبي ماعاد يحتمل صلبة القعدة في الأعراس..
ترا بالعادة يسلم ويروح ما يقعد للعشا.. ولولا إن زايد حلف عليه يقعد للعشاء وإلا ماكان قعد أصلا..
عبدالله يمسح جبينه ويهمس لصالح بتعب: الحين يا صالح إبي زعلان علي وما يكلمني.. وأنا ما أقدر أقعد على ذا الحال
لازم يرضى علي.. بس عشان يرضى لازم بيسألني ليه سويت ذا كله
خايف لو قلت له عمره ما يسامحني.. وفي نفس الوقت مستحيل أكذب عليه مرة ثانية..
صالح ربت على فخذ عبدالله وهمس بحميمية: توكل على الله وقل له.. مهما كان هو أب.. بيحس بوجيعتك على ولدك..
أكيد هو بيعاتبك واجد.. بس إن شاء الله إنه بيرضى..
.
.
في زاوية أخرى من الحفل نفسه
" ماشاء الله ياحضرة العقيد.. صراحة حفل ما شفت مثله.. اشتهيت أعرس"
منصور يبتسم بفخامة: خلاص بأزوجك بنتي..
فهد يبتسم: إذا بتزوجني.. مستعد أنتظرها.. بس خاف أتناها وعقبه بنتك تقول إني شيبة وما تبيني..
منصور يبتسم: قل قولها.. ماعندنا بنات يعصون الشور..
وبعدين وش شيبته ؟؟ بازوجك إياها عمرها 20 وأنت توك 48 شباب....
فهد يضحك: أما توي 48 كثر منها...وهي 20 ..يعني كبر بنتي..
حينها هتف منصور بنبرة مقصودة: زين قبل العرس.. منت مشتهي تعلق النجمة الثالثة؟؟..
فهد يرد عليه بنبرة مقصودة مشابهة: زين خلنا ناخذ دورة المظليين وعقبه نعلقها..
ابتسم منصور وهتف بذات النبرة المقصودة: زين جهز مظلتك قريب...
"صدق أنت مسافر بكرة؟؟"
زايد يلتفت لعلي ويهتف بهدوء: إيه بأروح لجميلة.. طيارتنا بكرة في الليل..
بس أبغيك يأبيك تمر على مشروع البرج الجديد.. فيه تنبيهات كنت معطيها المهندس وأبيك تشوفه لو نفذها..
علي يتنفس الصعداء.. مستعد أن يقوم بكل أعماله هنا.. ولا يرسله إلى هناك..
هتف بمودة ممزوجة بالاحترام: أبشر يبه.. بس عطني التفاصيل ومايصير خاطرك إلا طيب..
حينها هتف زايد بأمر لطيف لكن بنبرته الحازمة التلقائية:
زين يأبيك قم شوف الرياجيل اللي في الزواية تيك
دارت عليهم القهوة مرة ثانية وإلا لا عقب العشا
إسأل المقهويين ونبه عليهم إن القهوة ماتوقف أبد..
.
.
"عبدالرحمن يأبيك.. أنا باروح أرجع تميم لبيته
المسكين تملل من القعدة وتعب.. وهو حالته حالة مع جبس إيديه"
عبدالرحمن بمودة: زين يبه أنا بأكفيك وارجعه..
أبو عبدالرحمن برفض: لا جعلني الأول.. أنت روح جيب أمك وخواتك من العرس..
عبدالرحمن بإصرار: خلاص بأرجع تميم للبيت وعقب باروح أجيب أمي والبنات
أبو عبدالرحمن بإصرار أكبر: يكفيك مشوار واحد..
****************************************
"يمه.. خلاص نبي نمشي"
شعاع برجاء: جوزا تو الناس.. وهذا حسون معش.. ليه مستعجلة؟؟..
جوزاء بذبول: تعبانة شعاع أبي أروح..
أم عبدالرحمن بمودة: اقعدي يأمش بس شوي.. ونروح كلنا..
جوزاء هزت رأسها رغم عدم اقتناعها وهي تلتفت لتسقي حسن الجالس جوارها بعض العصير.. بينما شعاع تهمس بحماس:
خاطري أعرف أخت المعرس وين مسوية فستانها.. خرافي...
عشان أنا بعد يوم عرس عبدالرحمن أبي أسوي لي شيء ما انعمل مثله
هيييه جوزا.. أنا أكلمش!!
جوزاء بعدم انتباه: هاه وش تقولين.. ما انتبهت..
شعاع تبتسم: لا منتي بمعنا..
ثم أردفت بخفوت باسم : يالله قولي لي كاسرة وش قالت لش؟؟..
جوزاء بذات النبرة الذابلة: شعاع لا تصيرين لحوحة... قلت لش في البيت..
.
.
.
" "خالتي بس اقعدي.. ذبحتي نفسش وانتي تلفين"
عفراء تبتسم رغم إرهاقها: لازم أدور على الطاولات وأرحب بالنسوان وأشوف إذا تقههوا..
مزون تبتسم وهي تشدها لتجلس: خالتي كفاية وقفتش ساعتين ونص تستقبلين عند الباب..
لا تنسين زايد الصغير.. تبين عمي منصور يرفع علينا قضية..
عفراء تبتسم: زايد الصغير ماعليه إلا العافية.. لا نطيت ولا رقصت..
حينها هتفت مزون بحذر: خالتي لو ماقدرت أمرش بكرة قبل أروح المطار.. تبين شيء؟؟
تغير وجه عفراء وهي تحاول أن تهمس بطبيعية: لا سلامتش..
ثم لم تستطع منع صوتها من الإنحدار وهي تردف بتأثر:
بس.. بس طالبتش.. قولي لأبو كساب يوصي خليفة عليها..
ويوصيه يوسع خاطره عليها..
" يمه فديتش خلاص خلينا نمشي"
مزنة تلتفت لوضحى التي بدأ أثر الدموع يفسد زينتها وتهمس لها بحنان مخلوط بالحزم:
يامش ما يصير.. يقولون بنتهم راحت.. قاموا وخلو العرس
انتظري شوي
وضحى بصوت مختنق: يمه تميم أكيد ماراح يتأخر..الحين يبي حد يعشيه.. خبرش أكيد ما تعشى.. وأنا اللي أأكله بنفسي
غير أني يمه خلاص خاطري ضايق وابي أروح البيت..
مزنة تدفن تأثرها المتعاظم في ذاتها وتهمس بحزم: ساعة يامش ونمشي..
" لا تثقلي علي ياصغيرتي!!
أعلم أنك حزينة لفراق شقيقتك
فكيف بي؟!!
ستة وعشرون عاما.. لم تمر ليلة واحدة لم أروِ عيني من رؤيتها
لم تمر ليلة واحدة لم اسمي باسم الله عليها
لم تمر ليلة واحدة لم أنادي فيها اسمها عشرات المرات
ومؤخرا لم تمر ليلة لم نتجادل فيها ونتحادث ونتخاصم ونتصالح
لا أطمئن حتى أرى صفاء ضحكتها ولمعة عينيها
مثلها مثلكم جميعا ياصغيرتي!!"
*********************************
عاد العريسان المحلقان للغرق في الصمت..
بعد أن جاءت المضيفة لتحمل الكعكة التي لم يتناولا منها شيئا ومن بعده العشاء الذي رفضاه أساسا
وهي تستغرب (أي عريسين غريبي الأطوار هذين.!!)
كلاهما غارق في عالمه الخاص.. كساب في كتابه.. وكاسرة في أفكارها..
وقفت كاسرة.. ليهمس لها كساب ودون أن يرفع نظره عن سطور الكتاب متسائلا بنبرة حازمة: وين؟؟
كاسرة بنبرة لا تخلو من تهكم: يعني وين بأروح هنا في الطيارة؟؟ بأروح الحمام..
كساب لم يرد عليها.. بينما كاسرة توجهت للحمام لكي تمسح زينتها التي لم تجد وقتا لمسحها..
وهي تستغرب من تصرفات هذا الرجل الذي غرق في البرود بينما كان قبل ساعات يشتعل..
لم يُسمعها كلمة حلوة واحدة.. لم يتبادل معها الحديث ليتعرف عليها أكثر كما يحدث مع كل المتزوجين الجدد..
"هل هو فقط ينتظر اختلائه بها وهذا هو كل ما يهمه؟!"
آلمها هذا التفكير كثيرا..
لا تستنكره من كساب..
ولكنها كعروس.. ومهما يكن.. ورغم تفكيرها الواقعي.. حلمت بشيء آخر أكثر عاطفية ومثالية..
كاسرة تنهدت وهي تمسح وجهها الندي وتنظر في المرآة:
على قولت الشوام يذوب الثلج ويبان المرج ونشوف اللي ورا ذا الكساب
حينما عادت وجلست..
همس كساب ببرود حازم ودون أن ينظر ناحيتها: إذا سألتش عن شيء تجاوبين من غير استخفاف للدم..
كاسرة بثقة: المهم الجواب وصلك..
كساب بحزم : أحيانا أسلوب وصول الرد أهم من الرد نفسه..
كاسرة بنبرة مقصودة: وهذا الشيء ممكن ينطبق على كل شيء؟؟
حينها التفت لها كساب لينظر لها ببرود: كل شيء
كاسرة بذات النبرة المقصودة: زين أحتفظ بذا المعلومة يمكن تفيدني بعدين..
حينها سألها كساب بنبرة حازمة لا تخلو من الخبث: أنتي دايما كذا تحبين ترسمين لنفسش صورة الذكية..؟؟
حينها أجابته كاسرة بهدوء وهي تشبك أصابعها أمامها:
مثل منت تحب ترسم لنفسك صورة الغامض اللي ماحد يعرف وش اللي وراه..
حينها أجابها بنبرة لا تخلو من التهكم: يمكن لأني قريت مرة في كتاب غبي إن المرأة تحب الرجل الغامض..
ردت عليه بنبرة تهكم: على قولتك.. كتاب غبي..وعطاك معلومة غبية ماراح تفيدك بشيء..
نظر لها وأردف بنبرة عميقة مقصودة لا تخلو من غرور واثق: أنتي متأكدة إنها مافادتني؟!!
لم ينتظر ردها وهو يعود لتجاهلها وليقرأ الكتاب الذي كان يقرأ فيه..
أو يدعي قراءته!!!
بينما كان تفكيره اليوم يأخذه للأمس.. الأمس القريب جدا .. والبعيد جدا!!
.
.
قبل أسبوعين
"عمي أبي أسألك عن شيء وتجاوبني بصراحة"
منصور ينظر لكساب من تحت أهدابه وهو يهتف ببرود حازم:
وليه خايف منك ياولد عشان أدس عليك؟!
من متى وأنا ألف وأدور في أي سالفة.. خلصني وش تبي؟؟
كساب بتساؤل حازم: أبي أعرف يوم إبي كان يبي أم مرتي.. ليه ما تزوجها قبل مايتزوج أمي؟؟..
منصور ابتسم ثم هتف بهدوء واثق: خطبها بدل المرة مرتين.. بس هي مارضت..
أبيك ماتزوج إلا عقب ماعيت منه للمرة الثانية..
كساب بذات التساؤل الحازم: وليه مارضت فيه؟؟..
يعني اللي خذتهم ما اشوف فيهم حد أحسن من ابي.. الله يرحمهم جميع ويبيح منهم..
منصور هز كتفيه بثقة: يمكن لأن إبيك كان ميت عليها..
أم امهاب أنا أذكرها وحن صغار.. بيني وبينها سنة وحدة بس وكنا نلعب سوا..
كانت شخصيتها قوية ولسانها طويل.. وياويل اللي يدوس لها طرف.. بتخليه مايسوى بيزة..
كساب بثقة: بس مهما كانت شخصيتها قوية.. ماظنتي إن شخصيتها أقوى من شخصية ابي..
منصور ابتسم: لا تنسى ابيك وقتها كان صغير وكان يموت عليها من اقصاه..
يعني هي اللي كانت في موقع قوة..
حينها صرَّ كساب عينيه وهتف بحزم بالغ: الحين نجي للمهم..
أمي درت بشيء عقب؟؟
كيفه هو يحب اللي يبي قبل ما يأخذ أمي.. بس عقب ماخذها خلاص.. مفروض يدفن حبه في قلبه..ويحترم المرة اللي صارت أم عياله..
منصور بحزم مشابه: عاد في هذي لا تبهت ابيك.. عمري ماشفت رجّال يحترم مرته ويعزها مثل ماكان زايد يعز وسمية الله يرحمها..
وأنت بنفسك تذكر وش اللي صار له يوم ماتت أمك.. كان بيموت من الحزن عليها..
كساب شدَّ له نفسا عميقا ثم هتف بتصميم مرعب:
والله ثم والله لأدري إن أمي درت بشيء أو تضايقت في حياتها من ذا السالفة
إني لأقلب الدنيا عاليها سالفها..
وإن يصير شيء مستحيل حد منكم يتوقعه..
.
.
قبل خمسة عشر عاما
" هيييييه ياجماعة الخير.. يبه جابر.. أنا كساب بن زايد"
كان صوت كساب الصغير يتعالى أمام باب المجلس الخارجي بعد ان خطا نصف خطوة للداخل..
هتف الجد جابر بصوت مرتفع قدر ما استطاع: كسّاب تعال يأبيك..
كساب برفض: يبه خل هلك يفضون الدرب أول..
الجد جابر ابتسم وهو ينظر لكاسرة الصغيرة التي كانت تسكب له القهوة وحجابها مشدود حول وجهها:
كاسرة يأبيش روحي داخل..
كاسرة تنظر لكسّاب الواقف وعيناه في الأرض وتهتف بتلقائية:
وليه أروح؟؟.. إذا جاووك رياجيل رحت..
حينها هتف كساب بغضب ودون أن يرفع بصره: وليه وش أنتي شايفة قدامش يابنت؟؟
كاسرة بنبرة عدم اهتمام وهي تنظر له بشكل مباشر: بــزر !!..
الجد هتف بغضب: كاسرة أقول روحي داخل..
كاسرة خرجت واتجهت لداخل البيت..
بينما كسّاب توجه للداخل وهو يشعر بغضب عميق يتصاعد في روحه الصغيرة على طويلة اللسان التي قللت من رجولته التي لا يرضى أن تمس..
مال ليقبل رأس الجد.. وهو يهتف بنبرة ضيق: يبه.. ابي يسلم عليك ومرسل لك ذا العود ..
كان بيجيبه بنفسه بس جاه شغل.. فأرسلني..
الجد ابتسم: ياحيا الله الراسل والمرسول.. ياحيا الله الشيخ كساب..
وينك يأبيك ماعاد شفتك..؟؟
ماعاد شفت إلا علي هو اللي ياتي مع ابيه
وأنت مانشوفك إلا من العيد للعيد.. حتى العيد اللي فات ماشفتك
كساب بذات نبرة الضيق: السموحة يبه.. لاهي في دراستي وأدرس أختي بعد..
الجد جابر بمودة: الله لا يفرقكم... وجعل بطن(ن) جابتكم الجنة
والحين قل لي وش فيك يأبيك كنك ضايق؟؟..
كساب بذات نبرة ضيق: يبه.. يرضيك إن بنتكم تقول علي أنا بزر..
الجد ابتسم وهو يلمس خد كساب حيث أثر عضة كاسرة التي بدت واضحة لنظره الضعيف من هذا القرب:
علومها شينة ذا البنت من صغرها.. بأزوجك إياها وأخليك تأدبها على كل اللي هي سوت أول وتالي..
حينها هتف كساب بغيظ: أنا لو خذت بنتك ذي.. أول شيء بأسويه بأغير اسمها ثم أكسر رأسها..
الجد ضحك: لا يأبيك لا.. بنتي ذي مهرة.. تعسف بس ماتكسر..
.
.
ينظر للكتاب أمامه..
يتشاغل به.. بينما هو مشغول حتى النخاع بمن تجلس كملكة متوجة جواره..
" تعسف بس ماتكسر..
تعسف بس ماتكسر..
تعسف بس ماتكسر.. "
وكم هو ضئيل الفرق بينهما !!..
كم هو ضئيل!!!
" شأخبارك الليلة؟؟ عسى منت بتعبان؟؟"
أشارت بعد أن وضعت صينية العشاء جانبا..
هز رأسه بإشارة لا.. بينما وضحى اقتربت لتطعمه.. بعد لحظات رفض تميم أن يأكل..
أشارت له : اشفيك؟؟ ما كلت شيء
أخذ يغمض عينيه ويفتحهما.. بدايةً لم تفهمه..
ثم بعد ذلك استوعبت أنه يقصدها.. فدموعها كانت تنهمر بغزارة ودون أن تشعر..
فذهنها كان شاردا وهي تطعم تميم .. كانت تشعر بضيق عميق يطبق على روحها وهي تشعر أن البيت خال من رائحة شقيقتها..
أشارت له بألم: عطني بس يومين لين أتعود على فكرة أنه خلتنا خلاص..
لم يستطع أن يشر لها بشيء وإن كان في داخله متأثر أشد التأثر من حالة وضحى.. عدا عن تأثره الخاص به ..
قد يكون هو شخصيا أكثر ارتباطا بوضحى..
ولكن كاسرة شقيقته وتربطه بكل أخوته علاقة خاصة حرصت والدته على تغذيتها وتقويتها..
ومن ناحية أخرى حالته التي يعانيها جعلته أكثر حساسية..
يداه كلتاهما في الجبس.. وهو يفقد تواصله مع العالم
وموعد زواجه يقترب مع تحسسه المتزايد من زوجته المستقبلية..
مثقلة روحه الشفافة بكثير من الهموم التي لا يستطيع التعبير عنها بأي طريقة..
يجد نفسه غارقا في الهم وملجما في ذات الوقت عن التعبير عن همومه وأوجاعه سوى بالتفكير فيها..
التفكير الذي يزيده هما فوق همه..
لو أنه كان قادرا على العمل فقط ..كان دفن وجع أفكاره في العمل..
وتشاغل بعمله عن كل ما يؤلمه ويجرح مشاعره ورجولته وحتى إنسانيته!!
ولكن الآن ليس له إلا الصبر والدعاء........ والاحتراق بأفكاره وشكوكه حتى نخاع النخاع!!..
**********************************
" مابغيتوا تخلصون؟؟"
همست عفراء بإرهاق وهي تغلق بابها: خبرك لازم حن آخر حد يطلع من العرس..
منصور يحرك سيارته ويهتف بمودة: عسى ما تعبتي حبيبتي؟؟
عفراء بذات الصوت المرهق: شوي بس
ثم أردفت بابتسامة: بس يستاهل التعب ياقلب خالته.. جعلني أفرح بعياله فديته..
منصور يبتسم: شكلي بأغار من كساب الخايس.. الحين هو راح مع عروسه وقاعدة تفدين به.. وانا ماحد عبرني
عفراء تبتسم: الغلا لك يأبو زايد..
منصور بابتسامة فخمة: لي الغلا؟؟ خافه كلام بس؟؟..
عفراء بمودة: أفا عليك يأبو زايد الكلام لغيرك..
منصور مد يده ليحتضن كفها بقوة وهو يهمس بحنان: جد حبيبتي ماتعبتي؟؟
عفراء برقة: والله العظيم أني زينة.. وانت انتبه للطريق الله يخليك..وتمهل وأنت تسوق..
منصور يكف يده ويثبت يداه على المقود وهو ينظر للامام ويهتف بابتسامة:
حاضر.. مع أني أبي أطير.. عشان أشوف كشخة أم زايد..
أكيد كنتي أحلى وحدة في العرس
عفراء ابتسمت بعذوبة: يهمني أصير أحلى وحدة في عينك وبس..
منصور بفخامة: هذا شيء مافيه شك!! أحلى وحدة في عيني وقلبي وروحي
الله لا يحرمني منش بس!!
*****************************
حطت الطائرة بعد انتهاء رحلة العريسين الغريبة المثقلة بالصمت والتجاهل..
عدا الحوارين الحادين اليتيمين اللذين دارا بينهما!!
بعد إنهاء الإجراءات في مطار جنيف وخروجهما للسيارة التي كانت تنتظرهما
كاد كساب يمزق ملابسه أو يعود للدوحة مشيا حتى يصفع عليا.. وغضب شديد عارم يتفجر في روحه..
كانت تنتظرهما سيارة ليموزين سوداء طويلة جدا مزينة بالورد..
وكان العدد القليل من المارة الذاهبين لعملهم في ذلك الوقت المبكر يقفون لتحية العريسين..
بينما كانت كاسرة بالفعل تستغرب أن هناك شابا قد تخطر له هذه الأفكار البالغة الرومانسية
(يالله خلنا ننبسط باللي علي يسويه.. الله لا يحرمنا منك..
لولاك يمكن كساب وداني الأوتيل مشي وأنا شايلة شناطي!!)
ولكن هذه الأماني المرحة انهارت وكساب يتصل بعلي لأنه لا يمكن أن يحتمل المزيد..
فور أن رد علي بصوته الناعس انفجر فيه كساب بغضب:
شوف علي يأما أنك تعطيني برنامج السخافات اللي أنت مسويها
وإلا والله لأروح أحجز في فندق ثاني.. وخل برنامجك كله لك..
أنا مستحيل أخليك تمشيني على كيفك عقب خبالك اللي أنا شفته
علي حينها طار النوم من عينيه وهو يهتف بابتسامة ودودة:
أفا العريس زعلان.. ياخي ريح أعصابك.. ليه ذا العصبية؟؟
كساب بغضب عارم: عاجبك سواتك فيني.. وش ذا السخافة؟؟
كفاية سيارة المهرجين اللي أنت مرسلها تستقبلنا..
والله لا يصير شيء ثاني مثلها أني .. أني...........
يأخي من الحرة عليك ماني ملاقي كلام أقوله...بس دواك إذا رجعت الدوحة..
علي ابتسم: خلاص يالحبيب البرنامج كامل بتلاقيه عند الريسبيشن بعد شوي
بس اسمعني ياويلك تكنسل شيء من كيفك
لأنه كل شيء مدفوع ثمنه.. اللي مايعجبك قل لي عليه وأنا أغيره لك..
ويالله خلاص روح لمرتك..
كساب بتحكم واثق: مرتي قاعدة جنبي في حديقة الورد اللي أنت ورطتنا فيها.. وين أروح لها؟؟
علي بصدمة: صدق ماعندك ذوق.. قاعد تكلمني بذا العصبية قدامها.. اللي طفشت المسكينة..
كساب حينها ابتسم: أقول لا يكثر حكيك.. البرنامج أبيه في الريسبيشن خلال ساعة..
حينما أنهى الاتصال صمتت كاسرة لأنها رأت أنه من قلة الأدب أن تتدخل بينه وبين شقيقه بهذه السرعة.. لذا التزمت بالصمت..
سألها كساب بنبرة مقصودة: وش فيش ساكتة؟؟ وش رأيش في اللي سمعتيه؟؟
كاسرة بهدوء: أنا مالي دخل بينك وبين أخيك..
لكن من باب ثاني أكيد أفضل أنك تكون عارف البرنامج عشان مانقضي الأيام هذي في عصبية كل ماشفت شيء ما يعجبك..
كفاية الكيك والسيارة واحنا تونا مابدينا..
كساب تنهد ليهتف بحزم غاضب: أنا من البداية كنت رافض فكرة أنه يرتب الرحلة لأني أحب أكون عارف كل شيء بأسويه..
بس ماحبيت أحزنه وهو متجهد في التجهيز..ما تخيلت الحركات البايخة اللي هو بيسويها..
حينها ابتسمت كاسرة بخبث رقيق : على كذا أتوقع أنه بنلاقي الغرفة كلها ورود وبالونات حمرا..
كساب صرَّ عينيه: لا عاد؟؟
كاسرة هزت كتفيها: بس عاد مهوب تعصب على أخيك..
هذي تكون من الفندق أساسا إذا نزل عندهم عرسان في شهر العسل
كساب هز كتفيه بعدم اهتمام: تصدقين تراني أعرف ذا المعلومة..
كاسرة بنبرة عدم اهتمام مشابهة: في الإعادة إفادة.. والتكرار يعلم الـ.. يعلم الشطار..
بالفعل حينما وصلا لجناحهما كانت الورود منثورة على السرير والأرضية والشموع مشعلة في كل مكان..
وكانت تنتظرهم مضيفة بكعكة أخرى..
ولكنها هذه المرة انسحبت لوحدها قبل أن يعطيها كساب نصيبها من غضبه
وخصوصا انه كان ممتلئا غيظا لإحساسه أنه فاقد السيطرة في موضوع هذه الترتيبات التي لم ترق له إطلاقا..
كساب التفت لكاسرة وهمس بحزم: خلاص صلي الفجر أنتي..
الشباب اللي قابلتهم قبل شوي تحت في الريسبشن أتفقنا نصلي جماعة..
كاسرة أنهت صلاتها وكانت على وشك أن تستحم لولا أن قاطع مخططاتها عودة كساب..
حينها لا تعلم لماذا عاودها الشعور الملتبس بالتوتر..
لو عاود اندفاعه ناحيتها بعد أن تجاهلها طيلة الرحلة.. فربما تتناول حذائها وتضربه به على رأسه..
لا تستطيع أن تمنعه من حقوقه عليها.. فهذا أمر فرضه الله عليها..
ولكنها توقعت منه تعاملا أكثر رقيا.. وأن يكون في رأسه مشاعر أكثر نقاء
لذا كانت صدمتها البالغة منه لدرجة أنه كادت أن تنعته بـ " الحيوان"
أنه فور دخوله للجناح خلع قميصه فورا..
ولكن قبل أن تصدر عنها الكلمة رأته يتمدد على الارض ليقوم بتمارين الضغط.. وعلى يد واحدة بالتناوب!!
وقفت عدة لحظات حتى تستوعب ماذا يفعل؟؟ لتشيح بوجهها جانبا وهي تستوعب أنه عاري الظهر أمامها
سألته وهي مازالت تشيح بوجهها: شتسوي؟؟
أجاب بحزم وهو مستغرق في تمريناته: توني أقول لش أنش تحبين تظهرين نفسش ذكية..
عاد هذا سؤال ما يسأله أغبى غبي إلا لو واحد أعمى مايشوف..
شوفة عينش.. أتمرن..
كاسرة رغم استغرابها لكنها قررت ألا تسأله.. فليتدرب كما يشاء.. همست وهي تتجه لحقيبتها لتفتحها:
خلاص أنا بأتسبح..
كاسرة استغرقت وقت طويل للاستحمام.. فالبودرة التي التصقت بصدرها وظهرها وكتفيها.. استغرقت طويلا في دعكها..
عدا أنها استغرقت وقتا قبل في ذلك في فك بقايا تسريحتها بشكل أفضل
ثم في تنظيف شعرها والاعتناء به من أثر هجوم أدوات الشعر الساخنة ومثبتات الشعر..
حين انتهت.. التفت بروبها وخرجت بحذر ..
لم تجد كسابا.. ولكنها وجدت فوطة مبلولة ملقاة بجوار حقيبته.. يبدو أنه استحم في الحمام الآخر..
ربما في ظرف آخر.. ومع زوج غير كساب..ربما كانت لتتناول المنشفة وتعلقها في الحمام.. فهي بطبيعتها مرتبة وتكره الفوضى..
ولكنها شعرت أن كسابا يرسل لها رسالة وكأنه يجب أن تنظف قذارته المقصودة التي يتركها خلفه..
أما ماجعلها تتأكد من ذلك فعلا فهي أنها حينما فتحت حقيبته.. صُدمت بترتيبها غير المعقول..
تبدو الحقيبة كما لو كانت رُتبت باستخدام المسطرة..
وكل لباس معد للخروج ووضعت كل قطعه في كيس شفاف معا.. البنطلون والقميص والحزام والملابس الداخلية وحتى الجوارب..
وفي ناحية أخرى رُتبت الأحذية في كيس شفاف آخر.. عدا عن عدة فوط مرتبة بدقة..
شعرت بالحرج أن تقلب فيها أكثر..لذا أغلقتها وتركت الفوطة الملقاة جوارها
(معقول هو اللي رتب شنطته؟؟
يمكن حد رتبها له؟؟
على كل حال.. إذا كان هو اللي رتبها.. معناها إن حركة الفوطة مقصودة لأنه شكله متعود الترتيب
وإذا كان واحد متعود حد يرتب له.. ويقط ويبي حد يلقط وراه.. يكون مايعرفني)
ثم انتقلت لحقيبتها..
احتارت ماذا ترتدي.. فهذا الرجل يثير حيرتها
والأكثر ..يثير توجسا غريبا في روحها حول هدفه من تعامله الغريب معها..
ولكنها ختاما قررت ألا تفسد أي شيء رتبته حسب تفكير هذا المتخلف..
فهي من حقها أن تلبس ماتشاء وفق ترتيبها دون اهتمام به..
فبما أنها عروس فهي ستستمع بهذا الشيء دون اهتمام برأيه..
ارتدت رداءها الحريري الأبيض الفخم المثقل بالتطريزات الراقية..
وأحكمت شد روبها الحريري على جسدها حتى لا يظهر أي جزء من نحرها..
انتظرته من باب الذوق لنصف ساعة.. ثم قررت أن تنام..
وفعلا تمددت على السرير ونامت من التعب وهي تشعر بتوجس ما..
أن يعود فيقلق نومها بتقربه المريب منها..
لذا كانت مفاجأتها أنها حينما صحت قبل آذان الظهر بقليل..
أنها تلفتت جوارها لتجده نائما معتصما بناحيته البعيدة من السرير..
شهقت بخفة وهي تجد أن روبها قد انفتح قليلا أثناء نومها.. شدته وهي تقف لتنهض من جواره..
وهي تشعر باستغراب كبير أنه تركها تنام كل هذا دون أن يكدر عليها نومها..
جلست على المقعد قريبا من التسريحة لتمشط شعرها ..
ليفاجئها همسه الناعس المخلوط بالحزم: ممكن أعرف سبب الشهقة اللي صحتني من النوم؟؟
كاسرة استغربت أن شهقتها الخافتة المسموعة بالكاد قد أيقظته من نومه..
أجابته بحزم مشابه: ماشهقت.. شكلك تتحلم..
حينها رأت انعكاسه في المرآة وهو يجلس على طرف السرير ويهتف بتلاعب:
إلا شهقتي.. هذا كله متروعة عشان اللي كان باين من جسمش
ترا أنتي كلش حلالي..
كاسرة ردت عليه ببرود وهي تركز نظرها على انعكاس صورته على المرآة أمامها:
ترا فيه أسلوب حضاري أكثر للحديث..
رد عليها ببرود وهو يقف لينزع قميص بيجامته: ماعليه بكرة أخذ منش كورسات
أنهى عبارته ليتمدد أرضا ويقوم بتمارين الضغط اليومية.. حينها هتفت له كاسرة بتساؤل: توك سويت تمارين أول ما وصلنا..
كساب يجيبها دون أن يتوقف: تمارين الضغط لازم مرتين في اليوم..
وعلى العموم هي ربع ساعة بس وأغسل وأتسبح وأفضى لش..
كاسرة ببرود: شكرا.. خلك في تمريناتك.. أنا بأغسل وأتوضى وأصلي..
كساب وهو منهمك بتمريناته: كلنا بنصلي.. ثم بنطلب شي نأكله..
ثم أردف بنبرة مقصودة: إلا ليش ماشلتي فوطتي من الأرض يامدام؟؟
ردت عليه كاسرة بذات النبرة المقصودة: لنفس السبب اللي أنت خليتها مرمية على الأرض عشانه يازوج المدام؟؟
كساب بذات النبرة: وقلت لش قبل لا تحطين رأسش براسي..
كاسرة بحزم: ليه رأسي فيه شيء أقل من رأسك؟؟..
شوف كساب تبي حياتنا تستمر تحترمني في كلامك وتعاملك.. وإلا..
قبل أن تكمل عبارتها كان يقفز بحركة محترفة مفاجئة ليقف أمامها مباشرة
وهو يهتف بحزم بالغ وعيناه تبرقان ببريق آسر.. مخيف: وإلا ويش؟؟ سمعيني..
كاسرة صُدمت وهو يقف أمامها من هذا القرب ونصفه العلوي عاريا هكذا..
لم ترد أن تُشح بوجهها في هذا الموقف فيحسب أنها خافت منه
لذا ركزت نظرها في عينيه وهي تهتف بذات الحزم البالغ:
وإلا مافيه داعي نكمل في حياة مفقود فيها أهم عنصر في الحياة الزوجية .. الاحترام..
حينها أمسك كساب بمعصمها بقوة وهو يرفعه لأعلى..
ويشدها ناحيته ويهتف بنبرة مرعبة وهو يركز نظره في عينيها كذلك:
إذا أنتي منتي بحريصة على حياتش معي.. مافيه أي سبب يخليني انا أكون حريص..
لأن هذي مسؤوليتش أنتي.. وإذا أنتي تخليتي عنها فتأكدي أني باكون قبلش..
كاسرة دون أن يتذبذب صوتها أو يتغير أو ينحدر وهي تهمس بذات النبرة الحازمة الواثقة:
كساب ممكن تقول اللي أنت تبيه بدون ما تستخدم إيديك..
شل يدك لأنك آجعتني.. تراني أسمع بأذني مهوب بيدي..
تبادلا النظرات لثوان وكل واحد منهما يرتشف نظرات الآخر بلهفة غريبة مشبعة بتحدي غامض ومشاعر أكثر غموضا..
ثم أفلت كساب ذراعها ليظهر احمرار معصمها واضحا مكان يده في بياض جلدها بين نقوش الحناء الغامقة..
حينها وبشكل صدمها تماما وبعثر مشاعرها.. رفع ذراعها ليقبل مكان الإحمرار بدفء حان.. قبلة قصيرة مبتورة سريعة..
ثم أنزل ذراعها بجوارها وعاد ليتمدد على الأرض ليكمل تمريناته..
بينما توجهت هي الحمام لتغتسل وتتوضأ ودقات قلبها تطرق جنباتها بدوي هائل
(هذا مستحيل يكون طبيعي
أكيد عنده انفصام في الشخصية!!
مهوب طبيعي!!
مهوب طبيعي!!
مريض نفسي أكيد!!)
" يالله وش قالت لش كاسرة؟؟
البارحة قلتي لي تعبانة
والحين خلاص لازم تقولين لي"
جوزاء لا رغبة لها في الحديث.. تهربت منها البارحة.. ولكنها تعلم أن شعاع ستلح حتى تعرف..
لذا أخبرتها باختصار وهي تشعر بالصداع من مجرد الفكرة..
شعاع هزت كتفيها: عندها حق..
جوزاء بغضب: أي حق؟؟ أنا أرجع للزفت مرة ثانية عقب ماخلصني ربي منه..
شعاع بهدوء منطقي: زين قولي لي... هل بتتزوجين غيره يوم؟؟
جوزاء أنزلت راسها بين كفيها وهي تضغطه وتهمس بإرهاق:
ما أبيه ولا أبي غيره.. أبي أربي ولدي وبس..
شعاع بذات الهدوء المنطقي: جوزا أنتي عادش عمرش 25 سنة.. عادش صغيرة
من حقش تعيشين حياتش وتجيبين عيال غير حسن..
حسن بكرة بيكبر وبيكون له حياته الخاصة فيه..
إذا أنتي ماتبين تزوجين عشان حسن.. ارجعي لإبيه.. أدبيه عشان يعرف غلطته..
بس عبدالله بنفسه رجال فيه خير.. عطي نفسش وعطيه فرصة ثانية..
حينها انتفضت جوزاء بغضب عارم: نعم؟؟ فيه خير؟؟ واعطيه فرصة؟؟
أنتي أكيد مجنونة.. أنا وعبدالله مع بعض مرة ثانية؟؟..
مستحيل !! مستحيل!!
*********************************
" هلا والله بهل العرس البارحة..
متى جيتي البارحة يالصايعة؟؟ أنا رقدت عيالش ثم نمت وأنتي عادش ماجيتي"
نجلاء تبتسم وهي تجلس بجوار عالية: يأختي ردي السلام أول
ثاني شيء حتى عرس الرياجيل تأخر.. صالح أساسا هو اللي تأخر علي
بس شنو عرس ياعلوي.. خرافي والله العظيم..
عالية بتساؤل حماسي: والعروس كانت حلوة؟؟..
نجلاء بابتسامة عذبة: عاد كاسرة أخر وحدة ينسأل عنها ذا السؤال
هي حلوة على كل حال.. أشلون ليلة عرسها..
كانت خيال ماشاء الله وفوق الخيال بعد..
حياتي كلها ماشفت ولا ظنتي أشوف عروس كذا..
عالية تشد ياقة قميصها بحركة تأنق وهي تتساءل بغرور تمثيلي: ولا حتى أنا؟؟
نجلاء تضحك: لا عاد أنتي شيء ثاني.. أحلى وحدة في كوكب غير الأرض..
عالية تضحك: مالت على عدوش.. المهم أصير حلوة في عيون الدحمي بو نظارات..
عساه بس نظره ضعيف والشوف عنده ردي؟!..
نجلاء بمرح: لا طال عمرش.. جوزاء تقول لي نظره 6 على 6 بس النظارة للحماية وهو تعود عليها..
عالية بتحسر تمثيلي: أخ اللي طفش الرجّال..
ثم أردفت بابتسامة: خلينا مني.. تو الناس...
علميني عن العرس.. البنات وش كانوا لابسين؟؟..
نجلاء بمودة: ماشاء الله الكل حلو ومتكشخ..
عالية بتذكر: تدرين نجول أني شفت العريس وأنا جايه من فرنسا كان معنا على نفس الطيارة
بس شنو يانجول.. يسطل.. يسطل.. أنا انسطلت من قلب.. طاحت كبدي عنده..
لولا ان خالي نايف عصب علي.. وإلا كان رحت وقعدت في حضنه..
نجلاء تضحك: وين الدحمي يسمعش..
عالية بمرح: يا بنت الحلال إن الله جميل يحب الجمال...
والله يهني كسّاب بكاسرة..
ويهني الدحمي بعالية اللي بتطلع عيونه وقبلها نظاراته..
******************************************
" ماكلتي شيء!!"
كاسرة تهمس بهدوء: الحمدلله .. شبعت..
هتف بنبرة أقرب للتهكم: شوفتي تسد النفس يعني؟!!
كاسرة بثقة: ماقلت كذا.. لكن لو أنت تظن كذا أكيد عندك أسباب وجيهة..
كساب حينها أردف بنبرة لا تخلو من الغضب: أنتي على طول لسانش طويل كذا؟!!
كاسرة وقفت وهي تهمس بنبرة ساخرة: ما أشوف لساني طويل.. لكن اللي على رأسه بطحا يحسس عليها..
حينها شدها كساب بقوة ليجلسها جواره وهو يهتف بغضب:
زين ما أعتقد إنه يجهلش يأم الذوق والأدب أنه عيب تروحين ورجالش يحاكيش..
كاسرة همست ببرود مختلف عن غضبه: والله حسبت الكلام خلص..
كساب حينها كان من وقف وهو يهتف بحزم دون أن يلتفت ناحيتها:
قومي البسي عباتش.. اليوم بناخذ جولة مشي حوالين الفندق ثم بنطلع المدينة القديمة..وساحة بورغ دي فور..
وبكرة بيبدأ البرنامج بعد التعديل..
ثم أردف بصرامة وبنبرة أمر متسلطة : واعرفي أشلون تثمنين الكلمة قبل تقطينها.. تراني خاطري مهوب وسيع دايما!!
وترا أمش داعية عليش لو صدفتي قفلة خاطري وأنتي بملاغتش ذي!!
**********************************
" يبه فديتك.. قم توضأ للصلاة.. ماعاد دون الصلاة شيء"
هتف بتثاقل ودون أن يفتح عينيه: كاسرة كلمت؟؟
ابتسمت مزنة بشجن: لا فديتك.. بس أرسلت لي رسالة الفجر
إنها وصلت وقالت لي إنها بتكلم عقب صلاة الظهر..
مد يده لتساعده ابنته على الجلوس وهو يهتف بشجن عميق:
جعلني ما أخلى منش.. بس البيت من غير كاسرة ماكن فيه حد..
مزنة تناولت كفه لتقبل ظاهرها وهي تهمس بمودة عميقة:
دارية بغلاها عندك.. جعل ربي مايخليني منك..
ثم أردفت بابتسامة: وبعدين أنت اللي بغيتها تعرس...
الجد يخلع غترته الملفوفة حول رأسه ويضعه جواره على السرير وهو يتحسس بحثا عن عصاه ويهتف بعمق:
كاسرة أنا عارفها أكثر من روحي.. لو أني ما لزمت إنها تأخذ كسّاب ماكان عرست أبد..
كان قعدت تعيي من الخطاطيب لين يروح عمرها وشبابها..
بغيت لها الزين وأنا داري إن فرقاها علي صعيبة.. كن روحي مهيب بين جنوبي يأبيش..
كن روحي مهيب بين جنوبي!!
**************************************
كانت قد انتهت لتوها من صلاة الظهر حين سمعت رنين هاتفها..
تناولته بإرهاق ودون أن تنظر للرقم لترد بصوت مثقل بالإرهاق والذبول: نعم.. من؟؟
رغما عنه.. صوتها الذابل نفض أوتار قلبه الذائبة من أجلها وترا وترا ..
آلمه كم الإرهاق المتبدي من صوتها ومع ذلك هتف بنبرة رسمية متحكمة:
السلام عليكم يأم حسن..
حينها ارتفع ضخ الأدرينالين عندها وهي تهتف بغضب: أنا مهوب قلت لك تنسى ذا الرقم..
عبدالله ببرود: وأنا ما نسيته... بترفعين علي قضية تطالبيني أنساه..؟؟
وبعدين توش صوتش يالله طالع..
ماشاء الله من وين طلع ذا الصوت كله؟؟
جوزاء بغضب: مهوب شغلك.. صدق شين وقوات عين....
عبدالله قاطعها بصرامة: جوزا ..حدش.. ماراح أسمح لش تطولين لسانش علي..
أنا وأنتي بيننا ولد.. فهل كل مابغيت حسن أو بغيت أسأل عن شيء يخصه بأحط وسيط بيننا..؟؟
جوزاء بذات الغضب: وأنا ماني بحلال لك تدق معي سوالف..
عبدالله بذات البرود: والله أنا ما كلمت أتغزل فيش.. هي كلمة ورد غطاها
العصر جهزي حسن بأوديه أفصل له ثياب
مهوب عاجبني أنه يلبس بناطيل...
جوزاء بسخرية: وأنت وش كنت تلبس الأربع سنين اللي فاتت؟؟
عبدالله بحزم: والله لبستها مضطر.. وما أبي ولدي يتعود عليها.. أبيه يتعود على لبس الثياب..
جوزاء ببرود: و من وين صار ولدك وأنت قبل أسبوعين ماتدري عنه شيء؟؟
عبدالله ببرود: تبين أقول لش من وين.. قلت لش بالتفصيل
جوزاء تفجر غضبها عارما متدفقا: صدق أنك وقح وقليل أدب..
عبدالله بذات البرود: من طق الباب سمع الجواب يأم حسن..
تحدين الواحد على أقصاه.. وإنه يقول شيء مايبغي يقوله..
جوزاء بنفاذ صبر: خلاص العصر بتلاقيه جاهز.. شيء ثاني؟؟..
عبدالله بثقة: إيه أبي أدري أي روضة سجلتيه؟؟
جوزاء تكاد تمزق شعرها غيظا: وأنت وش دخلك؟؟..ياشين اللقافة!!
وعلى العموم حسن توه صغير ما سجلته في شيء
عبدالله بحزم: أشلون ماسجلتيه فتح المدارس بعد شهر ونص وبيكون عمره تقريبا 3 سنين ونص.. لازم يدخل روضة
وأنا كنت أقرأ في جرايد قطر أنه في أزمة تسجيل ولازم الواحد يسجل قبل نهاية السنة الدراسية..
جوزاء بغضب: وانت وش دخلك.. عني ما سجلته... إن شاء الله أقعده جنبي وعمره مادخل مدرسة...مالك شغل..مالك شغل
يأخي روح دور لك حد تحرق أعصابه بثقل دمك غيري..
عبدالله بحزم: قصري حسش.. وبعدين سالفة مالي شغل هذي تنسينها..
لأني لي شغل ونص.. وتأكدي إنه كل شيء يخص حسن أنا بأتدخل فيه..
جوزاء بذات الغضب: لا تحط لنفسك حقوق مهيب لك.. أنت تفهم وإلا ما تفهم.. حسن هذا ولدي أنا بروحي..
عبدالله بنفاذ صبر: حسن ولدي مثل ماهو ولدش.. افهمي ذا الشيء زين.. وتاكدي أني ماراح أتنازل عن حقي في تربيته هو وأخوانه..
جوزاء بتساؤل مصدوم: أخوانه؟؟
عبدالله بثقة وهو يشدد النبر على كل حرف: إيه أخوانه اللي أنتي بتجيبنهم لي..
بعثرت جوزاء كل مشاعره بعنف وهي تجيب بتسرع ودون تفكير: بأفكر..