تحميل رواية «بين الامس و اليوم» PDF
بقلم HaboOoshy
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
************ قبل واحد ثلاثين عاما عالم غير العالم ودنيا غير الدنيا وبشر غير البشر بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لتنمو.. أو لتُنحر!! يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما يفرق بينهم الأصل والقبيلة ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة الكثير منها ثلاثتها كثيرٌ من الفقر وكثير من الصداقة وكثير من الرجولة!!! "زايد.. هونها وتهون يأخوك" " قهرتني ياخليفة.. قهرتني" خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر ال...
رواية بين الامس و اليوم الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم HaboOoshy
كانت كاسرة قد أصبحت قريبة جدا من الدرج حين وقفت لثوان..
رغما عنها شعرت أن قلبها يعتصر إلى حد الإجهاد..
غرفته قريبة جدا.. تكاد تشعر برائحة عطره تعبق في الجو فعلا..
كما لو كان عبر المكان منذ ثوان فقط..
يا الله كم اشتاقت له.. ولعطره.. ولصوته.. وحتى للؤمه وخبثه !!
تنهدت بوجع عميق وهي تتحرك متجهة للأسفل..
لتتفاجأ برائحة العطر -التي كانت تظنها طيفا- تحيط بها تماما.. إحاطة السوار بالمعصم حتى دخلت أقصى حويصلاتها الهوائية!!
ويد قوية جدا تطبق على فمها..
والأخرى تحيط بخصرها وتكتف ذراعيها لجنبيها وتحملها لتسحبها بخفة إلى مكان تعرفه جيدا..!!!
لم تستطع أن تستوعب شيئا حتى سمعت صوت إقفال الباب.. وهو يشدها لآخر غرفة الجلوس في جناحه..
حينها أفلتها.. لتراه واقفا أماما.. بكامل أناقته كابن للعريس أو ربما والده..
بكامل بروده وثقته.. وصفاقته !!
اتسعت عيناها بشدة الصدمة الكاسحة غير المتوقعة وجسدها يرتعش..
ولشدة صدمتها وغضبها وقهرها..لم تعلم ماذا تقول أو تفعل.. كل ماخطر ببالها هو سيل شتائم لا ينقطع.. كان بعض شذراته المتناثرة:
والله العظيم أنت مجنون.. مجنون.. مكانك مستشفى الأمراض العقلية
أنت حرام يخلونك تمشي بين البشر..
أنت أساسا خطر يخلونك فالت كذا.. أنت فاقد الأهلية.. خبل.. ورأسك مافيه ذرة عقل..
أجابها ببرود وهو يلوح بالمفتاح وبهاتفها في يده: خلصتي شتيمة؟؟
كاسرة تكاد تجن من الغضب: عطني المفتاح خلني أطلع.. أكيد أختك الحين تدور لي..
كساب بثقة : عادي لو نزلت ومالقتش بتظنش رحتي للبيت..
كاسرة بغضب متزايد: أخواني بيدورون لي الحين..؟؟
كساب بذات الثقة: صدقيني ماحد بيدور لش.. كل واحد بيدخل غرفته ويسكر على نفسه..
ولو دوروا عادي.. خلهم يدرون إنش قررتي ترجعين لي..
كاسرة تكاد تموت من شدة القهر: أنا قررت أرجع لك؟؟
كساب بابتسامة واثقة: أجل ويش.. بتقولين لهم إني خطفتش..
عيب عليش.. عيب عليش.. مرة وش كبرش وتقولين رجالش خطفش..
الحين أنتي بتقعدين عندي هنا مثل الشاطرة وبدون ازعاج..
وأدري إن غرورش مارح يسمح لش تصيحين أو تستنجدين.. أو تصغرين نفسش وتقولين إني مسكر عليش في غرفتي..
وبكرة عقب مايدرون كل الناس إنش أمسيتي عندي..
أدري إنه مستحيل تفكرين تطلعين من هنا مرة ثانية.. عشان ماحد يقول لش.. ليه رجعتي وأنتي ناوية تخلينه؟؟
كاسرة تشد لها نفسا عميقا وهي تحاول دراسة الموقف: زين .. وأنت الحين وش بتستفيد من ذا كله؟؟
كساب بنبرة أقرب للسخرية: وش بأستفيد؟؟
بأستفيد إنش بترجعين لي طبعا..
كاسرة تحاول أن تتكلم بمنطقية: بذا الطريقة؟؟ بذا الإسلوب؟؟
مافيه حد يرجع مرته كذا غصبا عنها..
كساب هز كتفيه بثقة: أنتي ماخليتي لي طريقة ثانية.. راكبة رأسش ومصممة على الطلاق..
وأنا واحد مستحيل أطلق.. نعيش حياتنا كذا يعني؟؟ كل واحد في بيت؟؟
حينها سألته كاسرة بألم مختلط بنوع غريب شفاف من الأمل:
والحين أنت سويت ذا اللفة كلها عشان ترجعني..؟؟
كساب بثقة بالغة: تقدرين تقولين كذا..!!
لا تعلم كيف تصف إحساسها وأمل عذب جدا ينتعش في روحها إلى درجة الطعنات العذبة..
همست بنبرة مموهة تخفي خلفها امتدادات شاسعة من أمل مجروح.. ألا تقول عنه والدتها أنه رجل عاشق ؟؟ :
زين وليش تبي ترجعني؟؟
بــعــثــرها !! بعثرها بقسوة.. بوحشية.. مزق براعم أملها تمزيقا وهو يهتف بتكبر:
لأن اللي أبيه أسويه.. وماحد يمشي شوره علي..
كانت روحها تدمي.. تدمي.. تنزف طوفانا من الألم.. همست بحزم بالغ بمقدار وجعها:
كساب لو غصبتني أرجع بذا الطريقة.. صدقني قلبي عمره ماراح يصفا لك..
حينها أجابها بحزم أكثر صرامة: وأنا يعني وش بأستفيد وقلبش صافي لي وأنتي بعيدة عني وحتى الشوفة ما أقدر أشوفش؟؟
يا فرحتي بقلبش الصافي.. خلني أعيش مع إحساسه اللي بيوصلني عبر اللاسلكي وكل واحد منا في بيت..
ثم أردف بحزم أشد وأشد: قلبش صافي.. مهوب صافي.. المهم إنش هنا... وجنبي..
كان يتحاور معها في جدلها العقيم كما يراه.. بينما كل مايريده هو أن يسكت ضجيج كلماتها بدفن وجهها في منتصف صدره..
حينها يعلم أن لهيب صدره سيذيب كلماتها..
أو ربما دفء أنفاسها وهمساتها سيدفئ جليد ضلوعه..
ففي بُعدها.. اجتمع في صدره الضدين... الجليد والنار!!
لتهذي كما تشاء..
فـهــو لايعلم متى ستعلم أن هناك كلمات لا تقال.. لا تقال.. ولكن تُحس.. تُحس..
كان ينظر لها بتمعن وهي ثائرة.. وتهذي وتهذي.. ماعاد لديها سوى الهذيان!!
كانت نظراته تشرب ملامحها بعطش أرض بور نزلت عليها قطرات يتيمة من المطر..
لا يرمش حتى لا تفوته انحناءة واحدة من انحناءات جبينها المقطب بغضب.. شفتيها المتدفقتين بحممها.. يديها المتحركتين بثورة!!
مازالت تفاصيل غضبها كما هي منذ طفولتها.. وهي تفتنه بها.. وهو يذهب مع والده مرارا وتكرارا لمجلس جدها..
لم يكن يفهم حينها أي سحر يجتاحه.. وهو يشعر بحيوية غضبها الطفولي حين يثيرها بالسخرية منها..
الآن يعلم كيف تغلغل هذا السحر في روحه حتى أقصاها..
حتى مع توقفه عن رؤيتها بعد وفاة والدته وسمية.. فهو كان بدأ يعي قبل ذلك.. أنها بدأت تكبر وماعاد يصح جلوسها مع جدها في المجلس..
حينها لا يستطيع تفسير فتوره وعدم رغبته في الذهاب مع والده..
لماذا يذهب إن كان لن يراها ويسخر منها حتى تغضب..؟؟
كطفل.. كان يظن أنه يحب اللعب مع البنات.. وأي سخرية سيحضى بها لو علم الآخرون !! لذا أنكر الأمر حتى على نفسه..!!
وإذا كانت كاسرة قد نسيته تماما فعلا وهي تكبر.. وماعادت تذكره حتى..
فهو أدعى أنها تناساها مع إنشغاله بالكثير من الأشياء..
لكن كيف يتناسى والعلامة في خده مازالت ماكنة واضحة؟؟
وكأنها في اللحظة التي قررت أن تدخل حياته بطبع قبلة طفولية على خده..
قررت أن تترك على جسده علامة وكأنها تخبره أنه أصبح من أملاكها..
وهو فعل بالمثل " إن كنت سأصبح ملككِ فأنت أيضا ستصبحين ملكي!!"
قد يكون مر بالكثير الذي قلب حياته رأسا على عقب.. وآخر ماكان ينقصه أن يفكر بطفلة عبرت أيام طفولته..
وقد يكون غرق في كثير من الأفكار التي غطت مشاعر الطفولة وأفكارها بغطاء من الغبار الذي لم يكن يحتاج سوى لبعض النفض..
وإن لم تكن تغطت تماما حتى..!!
فهو لا ينكر على نفسه إحساس غير مفهوم يشبه سكون النسيم حين يمر قريبا من بيتهم!!
لا ينكر أن عينيه رغما عنه تابعت سيارة تخرج من باحة بيتهم وهو يتساؤل
( من بداخل السيارة؟؟)
لا ينكر أن شعوره حين ضرب من تبع سيارتهم تجاوز الإحساس بالحمية إلى الإحساس بالتملك!!
لا ينكر متابعته لأخبارها من بعيد جدا.. وأنها مازالت لم تتزوج.. وأنها ترفض كل من يتقدم لها..
فهل كانت تنتظره وهو غارق في عالم عقده وسوداويته وغموضه؟؟
وربما لو لم يعرض عليه والده الزواج منها لربما ظل في غيبوبته التي لا يعلم متى كان سيصحو منها..
حين أخبره عمه أن والده يريد تزويجه من بنت ناصر.. أجاب بسخرية: بل ابنة حبيبة القلب..
لكن خلف السخرية.. كانت هناك تساؤل محموم.. أعلم أنهما اثنتان.. أيهما؟؟ أيهما؟؟
وتظل مشكلته الأزلية التي تعاظمت بعد موقفه مع مزون.. افتقاره للشفافية في المشاعر..
كان سيموت ليعلم ماهو اسمها؟؟
أ هو ذات الاسم الذي رسخ في ذاكرته؟؟ أم اسم آخر؟؟
سأل عمه.. ولكن عمه طلب منه أن يسأل والده لأنه لا يعلم..
العلاقة المعقدة بينه وبين والده لم تسمح له أن يسأل..
ولا يعلم كيف استطاع الصبر حتى يسأل خالته؟؟
حين أخبرته خالته.. ظن أنه سمع لحنا عذبا سكن أذنه..
ولولا تكبره المقيت وإلا لكان قفز ليقبل خالته...
أجابها حينها بجواب يشبه ماقاله لجدها.. سيغير اسمها لو تزوجها..
رغم أنه يظن أنه لم يسمع في حياته اسما أعذب..
أنكر معرفتها.. لأنه هكذا..
مـــخــلـــوق مــعــقـــد !!..
فلو أنكر معرفتها.. قد يستطيع إنكار تسلطها المجهول على روحه..!!
وهو يكره أن يكون في موقف ضعف.. يكره أن يكون في موقف ضعف!!
وما مر به في حياته جعله يتعلم أنك حين تصبح في موقف الضعف ولو للحظة فإن من أمامك سيباغتك ويفرض سيطرته!!
هـي كانت مثقلة بالجرح.. تهذي عن كل شيء إلا عن حقيقة جرحها..
تسبه.. تتهمه بالتسلط والجنون والتكبر والغرور..
بينما كل ما كانت تريد أن تقوله: لماذا أنت عاجز عن أن تحبني كما أحبك؟؟
لشدة غضبها وجرحها وألمها وهي تنهمر بكل هذا الغضب لم تنتبه كيف اقترب منها حتى أسكتها تماما..
حتى قبلته تشبهه.. مـتـكـبـرة..مثقلة بالعنفوان واليأس والدفء اللاهب..
"أ تهذي بينما هو يقتله الشوق لها؟!!
أ تهذي بينما روحه تذوب شوقا لعطر أنفاسها؟!"
كاسرة دفعته بقوة وهي تصرخ بغضب مرير: والله العظيم أنت أحقر مخلوق على وجه الأرض..
لو قربت مني مرة ثانية.. والله العظيم بأصيح وبأفضحك وأفضح روحي.. مايهمني!!
هتف لها ببرود يختلف عن اشتعال مشاعره الثائرة حتى الترمد:
لو بغيت أقرب.. قربت ولا تقدرين تفتحين ثمش..
بس أنا خلاص.. خذت اللي برد خاطري الحين..
وترا صار لي أكثر من شهر ونص محروم.. عادي نزيد عليهم يوم يومين شهر شهرين لين يطيح اللي في رأسش..
كاسرة بمرارة حقيقية: أنت وش جنسك؟؟ من ويش مخلوق؟؟
ما تحس!! ما عندك مشاعر !!؟؟
لو أجاب بحقيقة مايشعر لقال لها (المشاعر كلها لكِ والإحساس كله لكِ وحدكِ)
ولكنه اعتاد أن يجيب بغير ما يشعر به.. أجابها ببروده المحترف الذي دفع فيه سيطرته هو على الموقف:
خلينا المشاعر لش.. وخصوصا إنش مغرقتني مشاعر لين اختنقت!!
ماذا يضر أن يستمر في تمثيليته؟؟ فهو يعيش في عالم من الإزدواجية منذ تزوجها..
بل حياته كلها قائمة على الإزدواجية.. فكما يعيش حياتين.. يستطيع أن يعيش الشعورين..
الاحتراق واللهفة والألم والعشق اللامتناهي داخلا!!
والبرود والتكبر والقسوة خارجا!!
وكما لو أن أهله ومعارفه علموا بحياته المخفية فهذا سينعكس على حياته الأساسية..
فهي لو علمت بحقيقة مشاعره تجاهها سيجعلها هذا في موقع القوة التي ستجعلها تفرض شروطها على مشاعره الخارجية الظاهرة..
فهي تماما كأمها.. أمها لأنها علمت أن زايد مولع بها.. أحرقت قلبه ودون أدنى رحمة أو تراجع أو شفقة..
وكاسرة أيضا لو علمت أنه مولع بها.. ستحرق قلبه دون رحمة!!
لابد أن تسلم هي أولا.. حتى يكون من يفرض سيطرته على قلبها.. حينها هو مستعد لدك كل الحواجز والأسوار!!
فمثل كاسرة يجب أن تشعر أنها مهددة حتى تستطيع الاستيلاء على روحها!!
كساب هتف ببرود وهو يتجه للداخل ويحمل في يده مفتاح الجناح الأساسي وهاتفها: أنا بروح أنام..
وأنتي مافيه داعي تقعدين قاعدة بعباتش كذا..
الدولايب مليانة ملابسش..
ثم أردف بخبث مقصود: أستغرب إن وحدة زعلانة من رجالها وتبي الطلاق ومافي أذنها ماي...
ومع ذلك ماخذت شيء من ملابسها حتى عقب ذا الأسابيع كلها!!!
*************************************
مر دقيقتين ربما منذ غادرتهما مزون
والصمت مطبق في المكان..
مزنة رغما عنها وبحياء الأنثى السوية الفطري لم تستطع أن ترفع عينيها لزايد..
بينما هو كان في عالم آخر.. يخشى حتى الموت أن يراها..
لا يعلم ما الذي يخشاه في رؤيتها..؟؟
"ما الذي يخشاه؟؟
إن كان لم يحتمل رؤية أناملها.. فكيف حينما يرى حلم حياته ماثلا أمامه؟؟
هذا الذي هو يخشاه!!"
وفي ذات الوقت تمزقه رغبة بذات القوة أن يشبع جوع عينيه من رؤيتها!!
كل ما أستطاع أن يلمحه فيها أنها فعلا أطول منه.. ابتسم وهو يتذكر معايرتها له بقصره وهما صغيران..
يا الله ما أعذب تلك الأيام في ذاكرته.. حتى معايرتها له يراها غاية في العذوبة!!
مازالت تتنازعه الرغبتان القاسيتان بين الرؤية وعدمها...
وعلى كلا الحالين لا يصح أن يقف أمامها كمراهق عاجز عن التصرف..
هتف بحزم واثق وأريحية متقنة بلباقته المدروسة:
أم امهاب اقعدي.. تريحي.. ترا المكان مكانش وأنتي اللي تعزميننا فيه..
حينها رفعت مزنة عينيها له..
ولــيـتـهـا لم تفعل!! ليتها لم تفعل !!
شعر بصاعقة شطرته نصفين دون مبالغة..
عيناها غابتان من حسن مثير لا يمكن إنكارهما أو تجاهل إثارتهما..
أجمل حتى من أقصى خيالاته!!
ولــكــنـهـمـا..
مختلفتان.. مـخـتـلـفـتــان!!
مختلفتان عن عينيها اللتين سكنتا خياله وحفرتا فيه كعلامتين غائرتين من النور والنار..
أصغر قليلا.. أكبر قليلا.. لا يعلم أين الاختلاف..!!
بالتأكيد أكثر جمالا بكثير وبدون أدنى مقارنة... ولكنهما مختلفتان.. مختلفتان!!
حينها لم يستطيع أن يفسر الحزن الشفاف الذي اجتاح روحه كالطوفان الهادر!!
عيناها اللتان كانتا تشعلان كل تفكيره اختفتا.. اختفتا!!
يعلم أن ثلاثين عاما تمر على إنسان لابد أن تغير في ملامحه.. ولكن ليس إلى هذه الدرجة!! ليس إلى هذه الدرجة!!
وربما لأن صوتها لم يتغير ولكن نضج بأنوثة موجعة.. توقع أن ملامحها ستكون نالت نصيبها من النضج دون أن تتغير..
حاول إبعاد هذه الأفكار عن رأسه.. وهو يقول لنفسه.." مازلت لم أرى وجهها كله..
ربما حين تكتمل الصورة كلها ..سيبدو هذا الاختلاف -الذي أظنه- محض تخيلات!! "
مزنة جلست بناء على دعوته وهي تهمس بتهذيب رقيق: الله يكبر قدرك.. والمكان عامر بهله!!
لم يستطع أن يجلس حتى وهو يهتف بتثاقل: تريحي شوي وعقب توضي عشان نصلي!!
وقفت وهي تهمس بذات النبرة الراقية: أنا على وضي.. نصلي الحين..
دقيقة أجيب سجادتي..
قالتها وهي تتجه لحقيبتها التي رأتها في الزاوية.. فتحتها واستخرجت سجادتها وجلالها من أعلاها..
ثم لمحها زايد بطرف عينه وهي تخلع عباءتها وتعلقها.. بين محاولاته الممزقة للنظر ولعدم النظر ..
لم يستطع أن يلمح سوى شلال كستنائي موجع انحدر حتى خصرها حين نزعت شيلتها عن رأسها ونزعت مشبكها لتعيد لف شعرها مرة أخرى..
وهي لأنها كانت تراه يوليها جنبه وغير منتبه لها.. خلعت عباءتها بحرية وشيلتها وأعادت لف شعرها ثم ارتدت جلالها.. وتوجهت نحوه..
وكخجل فطري لم تستطع أن تنظر له بوجه مكشوف بهذه السرعة..
فكانت تمسك طرف جلالها وتغطي به أنفها وفمها وتهمس باحترام:
يا الله نصلي يا أبو كساب..
زايد خلع غترته وأبقى طاقيته فقط على رأسه..
حينها لا تعلم لِـمَ ابتسمت..
ربما لأن شعره مازال مازال كثيفا وفاحما كما تذكره هي في أيام صباهما..
وقفت خلفه.. وصليا الركعتين..
وحين سلما أعادت وضع جلالها على طرف وجهها وهي تمسكه بكفها..
استدار لها وهما زالا جالسين على الأرض ليضع كفه على رأسها..
رغما عنه ارتعشت يده بعنف..
فهذه هي المرة الأولى التي يجرؤ على مد يده لها.. وملامسة جزء من جسدها.. كلمسة فعلا بمعناها المقصود!!
أحقا هذه يده تلمس مزنة أخيرا.. أخيرا..
يا الله ما أشد هذا الوجع الذي جعل قلبه يرتعش وأطرافه ترتعش وروحه المعذبة ترتعش وكل شريان ووريد في جسده يرتعش...!!
هو زايد.. يرتعش من قرب امرأة!!
شعرت بارتعاش يده وهو يدعو.. حين انتهى من الدعاء..
رفعت رأسها وهي مازالت تغطي طرف وجهها بكفها وجلالها وهمست باحترام:
فيك شيء يأبو كساب؟؟
لم يجبها.. بل مد يده بثقة لبقة.. ليزيل كفها عن وجهها..
لم تمنعه.. ولم تحاول تغطية وجهها عنه.. تعلم أنها ستبدو سخيفة لو فعلت ذلك..
بل سمحت له أن ينظر لوجهها كيف شاء..
وللمرة الثانية.. لـيـتـهـا لم تفعل!! ليتها لم تفعل..!!
"يا الله.. ماهذا الذي يحدث لي؟!"
لم يبق من ملامح مزنة التي سكنت عمق روحه سوى شبح باهت سكن تفاصيل هذه المرأة أمامه..
بالتأكيد مازال هناك شبه كبير جدا.. والمرأة أمامه أجمل بكثير من المرأة التي سكنت خياله..
ولكنه يبدو كمجرد شبه بين قريبتين مهما كان قويا!!
فأين مزنة بتفاصيلها الحادة النحيلة المرسومة بدقة خانقة من هذه بوجهها المرتوي حسنا وإثارة لا حدود لهما بتفاصيلها الناعمة الثرية؟؟
ولكن جمال هذه التي أمامه لا يهمه.. لا يهمه أبدا..
فتلك كانت مزنته هو..!!
لكن هذه لا يعرفها.. لا يعرفها !!
حزن أكثر غرابة وعمقا وسوداوية بدأ يجتاح روحه..
أ يعقل أن حلمه الأسطوري ينتهي هكذا.. هكذا !! بهذه البساطة.. فقط لأن ملامحها تغيرت قليلا..؟؟!!
لأن مزنة ذات الخمسة عشر ربيعا بملامحها وعنفوانها وجنونها هي من سكنت خياله فقط؟!!
" تعوذ من إبليس يأبو كساب.. الظاهر من كثر ماحلمت في مزنة
يوم صارت في يدك استكثرت على روحك الحلم!!
يعني خلاص من كثر ما تعودت على الحرمان ماعاد تبي شيء غيره
ولا تقدر تتصور حياتك من غير ما تنكد على روحك
أول منكد على روحك بمزنة في خيالك..
ويوم صارت مزنة عندك.. تقول لا ما أبيها عشانها صارت أحلى..
خلك من الخبال .. ولا تفشل روحك في المرة !!
ويمكن ربي رحمك إنها تغيرت.. يمكن لو ما تغيرت ما تستحمل شوفتها قدامك!!"
مزنة بدأت تستغرب فعلا من هذا الرجل..
صمته أكثر من كلامه..
هل كساب أجبره عليها.. كما وضحى أجبرتها عليه؟؟
زايد أنهى تفكيره أن وقف ثم مد يده لها.. مزنة من باب اللباقة منحته كفها ليشدها ويوقفها..
لكنه بعد أن أوقفها لم يفلت يدها.. ولم يستطع حتى لو حاول..
فنعومة أناملها شعر بها تذوب بين أنامله..وهو يحكم قبضته عليها..
شعوره هذا زاده ألما غريبا عميقا..
أهو يمسك بيده هكذا لأنها مزنة..؟؟
أو لأنها محض امرأة هي حلاله وأثارته بنعومة يدها ؟!!
"يا الله لماذا يبدو كل شيء معقدا هكذا!!
وكيف أستطيع أن أشعر هكذا في حضرة مزنة؟؟
في حضرة مزنة!!"
همست مزنة بحرج: أبو كساب لو سمحت.. فك يدي خلني أحط جلالي..
زايد حينها أفلتها وجلس على الأريكة.. فمازالا في قاعة الجلوس ولم يتجاوازها للداخل..
مزنة خلعت جلالها وطوته داخل سجادتها..
كانت ترتدي دراعة مغربية فخمة بلون بحري شفاف رائق..
مازال لجسدها تفاصيله الثرية ولكنها مطلقا لم تفكر أن ترتدي فستانا ضيقا..
رأت أن حيادية الجلابية وفخامتها أنسب لها بكثير..
من باب الذوق توجهت لتجلس مع زايد.. كانت على وشك أن تجلس على مقعد منفرد ولكنه أشار لها أن تجلس جواره..
تقدمت وجلست جواره ولكنها تركت مسافة فاصلة بينهما..
ليصدمها بجرأته الواثقة البالغة أنه اختصر المسافة ليجلس ملاصقا لها..
بل ويمد يده بكل ثقة لينزع مشبك شعرها ويحرر خصلاته من أسرها..
همس بثقة تخفي خلفها ألما شاسعا لا يعرف سببه إلا هو: لون شعرش هو هو.. ما تغير..
صمتت.. لم تستطع أن ترد عليه حتى وهو يمرر أنامله بحرية بين خصلات شعرها..
لا تنكر شعورها بالاختناق من قربه هكذا.. ومن جرأته..!!
تعلم أنهما غير صغيران.. وكلاهما سبق له الزواج.. ولكنها تراه مندفعا أكثر من اللازم..
لم تعلم أنه كان يبحث بوجع محموم عن أي تفصيل صغير يقوده لمزنة تلك..
فربما كانت مزنة تختبئ بين طيات شعرها وتريد من يحررها..
حينها انتبه لنفسه.. وأن أنفاسها تصاعدت بارتباك لأنه أثقلها عليها..
فتأخر قليلا وهو يسألها باهتمام: بنتش وضحى عاطفية كذا على طول؟؟
حينها همست مزنة بشجن حنون وهي ترفع عينيها له:
طالبتك يا أبو كساب.. وضحى بالذات لو تقدر عطها شوي زيادة من اهتمامك..
يمكن كاسرة صارت تحبك مع العشرة.. بس وضحى معزتها كبيرة لك من زمان..
حينها ابتسم ابتسامته الفخمة الواثقة: تعزني وهي ماتعرفني؟!!
ابتسمت مزنة حينها ابتسامة غاية في الشفافية: عاطفية على قولتك..
"يا الله .. أي أنثى هذه!!
كل مافيها يأسر حتى النخاع.. وخصوصا هذه النظرة والابتسامة..
تذيبان الحشا حتى العمق.."
ولـــكــــن المصيبة...!!
المصيبة... المصيبة أنه عاجز عن الإحساس بها كما تستحق مزنة التي في خياله!!
كل شيء يشعر به قد يفتنه فيها.. يمنع نفسه أن يتجاوب معه بالإحساس المستحق لكونها مزنة..
لأنه يبحث في كل ذلك عن مزنة أخرى.. مزنة ماعادت موجودة أبدا!!
فمزنة التي سكنت خياله وذكرياته.. تقف بينه وبين مزنة هذه..
وبالتأكيد مزنته من تنتصر.. نصرا كاسحا!!
فكيف تقارن من سكن قلبك وخيالك وامتلك كل مافيك من مشاعر وأنفاس وصدى لسنوات لا حساب لها.. بشخص لا تعرفه؟!!
كـيـف؟؟
كـــيــــــف؟؟؟؟
*********************************
كانت تدخل بعباءتها بينما كان هو جالس ينهي بعض الأعمال على حاسوبه..
همست برقة: مساء الخير حبيبي..
عبدالله رفع عينيه وحين رآها ابتسم بطريقة تلقائية وهو يهتف بمودة صافية:
يعني ما تأخرتي حبيبتي؟؟
ابتسمت جوزاء وهي تضع حقيبتها وتجلس: عرس شيبان بعد؟؟ تبيهم يقعدون لين الساعة وحدة..
الساعة 9 ونص.. جاء وخذها واحنا تعشينا وجينا.. وصلتني أمي وراحت..
ثم أردفت حولها وهي ترى الهدوء: حسون تعبك قبل ينام؟؟
عبدالله بحنان: لا أبد.. خمس دقايق إلا هو يشخر؟؟
جوزاء بعذوبة: والله ماكنت أبي أخليه يجننك.. بس أنت اللي لزمت ما أوديه معي..
عبدالله بحزم: قلت لش قبل دامني موجود لا تودينه حفلات نسوان.. ولا أعراسهم..
ثم أردف بابتسامة: خالاتي مهوب تحت سهرانين مع أمي وعالية؟؟ ماتبين تقعدين معهم؟؟
جوزاء انقلب وجهها بمرح: عبدالله عاد سهرة مع خالاتك وأخليك بروحك.. هذي اسمها وكسة..مهيب سهرة..
حينها هتف عبدالله بحزم: وأنتي بتقعدين تهربين من القعدة معهم.. خلي وحدة منهم تقول لش شيء وشوفي ردي عليها..
خالاتي لهم الحشيمة.. لكن مهوب معنى حشيمتهم أخليهم يضيقون على مرتي حياتها..
جوزاء اقتربت منه لتلتصق به وهو تحتضن عضده وتقبل كتفه وهي تهمس بصفاء:
كافيني إحساسك.. وأنا ما أبيك تزعل خالاتي عشاني..
أنا أعرف أوقفهم عند حدهم.. بس حشمة لك ما أبي أحتك فيهم عشان ما أضطر أعلي صوتي..
ابتسم عبدالله وهو يحتضن خصرها: وأنتي عاد لا طولتي صوتش الله يستر منش بس..
جوزاء ضحكت: لا.. وتخيل قبل فترة.. قبل ملكة شعاع ..كانت أمك مسوية عشاء وجمعة نسوان..
وخالتك نورة تلمح لأمي إن شعاع خلاص بتتخرج وخالك نايف بيتخرج
وإنه خل نجمع الشامي والمغربي..
أنا عاد غمزت أمي.. إنه سكري السالفة بدون نقاش..
عبدالله ضحك: والله إن خالي نايف أجودي ورجال فيه خير..
جوزاء بابتسامة: فيه خير لروحه ولخواته.. أنا وأنا مرت ولد أختهم وعارفين لساني طويل ومع كذا ناشبين في حلقي..
أشلون مرت أخيهم الوحيد.. لا وشعاع على قولت المثل القطوة تاكل عشاها..
أشلون بتتعامل مع خالاتك المفتريات؟؟
عبدالله ضحك: خلش من خالاتي وقومي حطي عباتش واقعدي معي براحتش..
جوزاء وقفت لتخلع عباءتها لتعلقها هي وشيلتها.. حينها ابتسم عبدالله بشجن عميق جدا..
حينها همست جوزاء بابتسامة: لا تكون تضحك على كرشي اللي غصبتها تدخل في الفستان..
عبدالله بشجن عميق: لا حرام عليش تو الناس على الكرش..
بس تذكرت موقف مثل هذا.. في زواجنا الاولي..
رحتي تحضرين عرس عقب زواجنا بحوالي شهر ونص.. وكان فستانش لونه أخضر.. أذكره مثل الحلم..
حينها همست جوزاء بشجن أعمق مغلف بحزن رقيق: أتذكر..
ذبحت روحي من كثر ما تزينت تيك الليلة..
وماكان عشان العرس.. كان عشان أعجبك أنت..
ورجعت وأنت مثلك الحين قاعد على كمبيوترك.. ولا حتى عبرتني..
قعدت قريب منك.. وقعدت.. وقعدت.. أقول الحين بينطق.. الحين بينطق
كلمة وحدة ما عبرتني فيها ولا حتى نظرة.. تقول كمبيوترك كان فيه سر الذرة وبيطلع بين إيديك من كثر ما كنت تطقطق عليه..
قعدت ساعتين كاملة مقابلتك..وأخرتها حسيت نفسي ما أسوى شيء...
قمت للحمام.. وبكيت تحت الماي.. وبكيت.. وبكيت.. وبكيت لحد ما انتفخت عيوني ووجهي..
وكنت أحاتي تطلع وتشوف وجهي..
لما طلعت لقيتك نمت على كنبتك.. وجهك للكنبة وظهرك لي..
رجعت للحمام وبكيت وبكيت وبكيت.. لحد خلاص ما حسيت إني بانهار من كثر ما بكيت..
تركها تتكلم وتفرغ ما بداخلها.. فهو يعلم أنه مهما يكن مازال في روحها وجع كبير من تلك الفترة مهما تكلما عنها
ثم شدها ليجلسها ويحتضنها بقوة وحنو.. حينها بكت أيضا وهي تدفن وجهها في كتفه..
فالذكرى حتى لو كانت مضت.. ذكرى موجعة.. موجعة!!
احتضنها بقوة وهو يهتف بعمق موجوع: زين خليني أقول لش اللي صار بس من ناحيتي..
يوم سمعت صوت تحريكش للباب.. خذت الكمبيوتر اللي كان مطفي أساسا..
كأني أبي أحتمي فيه منش..
تدرين إني أساسا كنت قاعد أنتظرش.. وأبي أعذب نفسي بشوفتش..
وكنت باتصل وأقول ليش تاخرتي يوم سمعت صوت الباب يتحرك..
كنت أطقطق على كمبيوتر مطفي.. وخايف تلفين وتشوفينه..
وفي نفس الوقت آخر همي إنش تشوفينه.. لأني كنت مشغول فيش أنتي وبس..
أسرق عيني من تحت لتحت وأحيانا أخذ راحتي وأنتي سرحانة وتفركين يديش..
حسيت يومها إن اللون الأخضر أحلى لون في العالم.. وياليت الدنيا كلها خضراء حتى البيوت والسيارات..
كنت أطقطق على الكمبيوتر بكل قوتي عشان أدس ارتعاش يدي..
كنت بأموت..بأموت.. بأموت بكل معنى الكلمة.. بأموت أبي ألمس طرف كمش الأخضر..
ألمس طرف شفايفش..
أشم ريحة عطرش من قريب..
تعبت نفسيتي وأنتي قاعدة مقابلتني.. أقول الحين بترحمني وتقوم.. الحين بترحمني وتقوم..
بس كنت حاسس إنش مستمتعة بتعذيبي.. والله العظيم حتى وصف التعذيب شوي في اللي حسيته ذاك اليوم..
وكنت أقهر روحي وأقول لنفسي: أنت منت بكفو لها.. خاف ربك تنجس مثل ذا الطهارة..
وكل ماحسيت نفسي بتغلبني.. قعدت أطقطق أكثر على الكمبيوتر..
حسيت الازرار بتنكسر من يدي.. وأخرتها صدق واحد منهم انشلع برا الكيبورد..
ومسكته قبل تشوفينه..
ويوم رحمتيني أخيرا وقمتي.. تدرين وش سويت قمت وجلست مكانش..
قلت ياحظها الكنبة اللي لامستش.. ياحظه الهوا اللي لامس خدش..
وعقبه اندسيت في كنبتي ما أبي أشوفش لا طلعتي.. كنت حاس إني بانهار صدق!!
تكفين ياقلبي ما تخلين شيء من ذكريات تيك الفترة تضايقش..
لأنه لو أنتي استوجعتي من أي موقف تأكدي إني استوجعت معش وأكثر..
حينها انفجرت جوزاء في بكاء مختلط بالشهقات.. بكاء عذب مطهر الروح..
وهو يشدها لحضنه بقوة.. وكتف (فانيلته) البيضاء فسد تماما من أثر زينتها المختلط بدموعها...
همست بابتسامة باكية وهي ترا هذه الآثار: والحين بعد صار وجهي مهرج ويفشل
وأنا اللي كنت أبي أقعد أسهر معك بكشختي!!
مسح وجهها بكفيه وقبلاته وهو يهمس بحنان ووله حقيقين: أنتي في عيني أحلى ماخلق ربي على كل حال..
*********************************
" يا الله وش ذا الهم!!
البيت كنه قبر من غيرها!!
يا الله يمه.. ما أثقل الليلة من غيرش"
هاهو يصعد الدرج بعد أن قضى ساعات تعذيب في مجلس زايد..
واضطر أن يجبر نفسه أن يبقى لساعة إضافية بعد مغادرة زايد لأخذ أمه..
لم يحضر حتى مع زايد كما كان يفترض وهو يشير له أن المكان مكانه..
بينما كل ما أراده أن يهرب من مشهد مغادرة أمه مع رجل غريب سيأخذها منهم..
ما كان سيحتمل هذه المشهد.. ويعلم أن والدته ستتفهم ذلك ولن تتضايق من عدم حضوره..
فأمه كانت تفهمه من دون كلمات.. ولا إشارات.. قلبها يشعر به دون أي لغة تواصل..
" يا الله يمه.. وشلون بأتحمل العيشة عقبش؟؟
كل شيء بارد ولا له طعم!!"
لم يخطر بباله أن يمر بأحد من شقيقتيه.. فوضحى غاضب منها هذه الليلة أكثر وأكثر.. ويخشى أن يُفجر كل غضبه فيها..
وكاسرة يخجل من اقتحام خصوصيتها حين تغلق بابها.. فمهما كان هي شقيقته الكبرى..
لذا توجه لغرفته مباشرة..
حين دخل.. كان هناك شيئا مختلفا.. واختلاف جذري!!
كانت الغرفة تغرق في أضواء خافتة.. وسميرة تكمل المشهد المختلف بأناقة مختلفة!!
مازالت تحتفظ بتسريحتها وزينتها ولكنها خلعت فستان السهرة الطويل لترتدي فستانا قصيرا بلون وردي ناصع مزين بدانتيل فضي..
لا يعلم لماذا النظر لها زاده ألما فوق ألمه.. هل تحاول تعزيته بهذه الطريقة الفاشلة؟؟
هل تحاول أن تنسيه مراراته الليلة بشيء يعلم أنها لا تقصده!!
وحتى لو قصدته فهي لا تفعله باقتناع..
يشعر بالتعب من كل شيء.. وهو يشعر أنه يغرق في عالمه الصامت أكثر وأكثر دون أن يجد يدا تُمد له..
فمن كانت أكثر من تفهمه..وضحى.. صدمته بقسوة.. ويعلم أنه سيحتاج للكثير حتى يستطيع مسامحتها..
من كانت بتفهمها أقرب له من أنفاسه.. أمه.. هاهي ترحل وتتركه..
من بقي له؟؟
هذه التي تسخر منه ومن رجولته وتتلاعب به كأنه بلا مشاعر؟؟
هذه التي تريد أن تذله بحسنها وهو يراها مكتوب عليها ممنوع اللمس..
تعبث به.. تعبث به.. هذا هو ماتفعله الآن!!
يبدو أن هذا كل ما تفعله منذ تزوجا.. وفي كل مرة تخطر ببالها لعبة جديدة تريد أن تجربها فيه..
تجربها فيه دون رحمة.. دون تفكير..
متعب.. متعب.. متعب.. ماذا تريد منه؟؟ أن يطلق رصاصة الرحمة على نفسه أمامها حتى تفقد لعبتها التي كانت تلعب بها؟؟
حتى ترحمه من هذا العبث العقيم الذي بات يثير اشمئزازه منها!!
أصبح الآن يفهم جيدا المثل الشعبي الذي يقول: (من تغلى تخلى) ..
والليلة يشعر بهذا أكثر من كل ليلة..فهي "تغلت" عليه إلى حد القرف..
كل ليلة من الليالي القليلة الماضية على هذا الحال من التمثيل السمج المقرف..
تتزين.. وتتقرب.. ثم تبتعد عنه كأفعى لسعته بجلدها المصقول اللامع..
دون أن تفهم صراخه اليومي أنه لا يريد منها أن تتصرف معه بهذه الطريقة..
ماعاد يريدها ولا يريد أي شيء منها..
الليلة بالذات لن يحتمل هذا العبث منها..
لن يحتمل!!
لن يـــحتمل !!
*****************************************
" عبدالرحمن أنت أشفيك الليلة؟؟ تتغلى علي يعني؟؟
اليوم ولا مرة كلمتني.. وأنا أحاول أتغلى وأقول بأنتظر لين تكلمني..
بس طلع أسلوب التغلي خرطي.. وما قدرت أصبر يا الدب..
مهوب كفاية إني مابعد بردت خاطري فيك من سالفة كراتين الموز البارحة
وشكلي لو ماكلمتك الليلة.. ماكان لك نية تكلمني حتى!!"
أجابها بيأس عميق: يمكن أهرب من شيء بس أنتي ماسمحتي لي!!
انقبض قلبها فورا بعنف.. لأول مرة تسمع نبرته هكذا.. وليست أي نبرة..
نبرة مشبعة بالوجع والياس.. ردت بقلق عميق:
عبدالرحمن فيه شيء يوجعك؟؟.. طالبتك ما تدس علي!!
رد عليها بألم شفاف.. فالعلاقة بينهما فعلا أصبحت غاية في الشفافية:
أنا اللي طالبش ما تروعين كذا عشاني.. وأنا مافيني شيء..
بس أنا أبي أقول لش شيء وخايف ما تفهميني..
حينها كادت تجن.. وصوتها يختنق برقة موجعة:
أنت وش أنت داس علي؟؟ اليوم كان عندك موعد وما كلمتني تقول لي وش صار؟؟
وأنا ما تروعت من شيء.. لأنك قلت لي موعد تدليك عادي..
وش قالوا لك ؟؟ وش قالوا لك؟؟
قالوا لك ما تقدر تمشي؟؟
عادي.. عادي.. لا أنت أول ولا آخر واحد يعيش حياته يستخدم كرسي متحرك..
وأنا ما عندي مانع.. والله العظيم بأحطك فوق راسي وأني ما أشتكي في يوم..
بس تكفى لا يكون طاري على بالك خبال المثالية.. وتقول ما ابي أظلمش معي وذا الخرابيط..
ترا ذا فيلم عربي أيام الأبيض والأسود.. ماعاد يمشي الحين!!
شعر أن ألم قلبه يتزايد بعنف أشد " يا الله ما أعذبها !! أتكون تفكر هكذا وأنا أريد جرحها بأقسى طريقة ؟!!"
هتف لها بذات النبرة اليائسة: تكفين لا تقولين كذا.. تصعبين علي السالفة..
والله العظيم الكلام نشب ببلعومي..
حينها اختنق صوتها تماما وبدا أثر البكاء واضحا فيه:
خلاص والله ما أقول شيء.. بأسكر حلقي.. بس طالبتك ما تدس علي شيء..
قل لي وش فيك؟؟
عبدالرحمن شد له نفسا عميقا.. وهو يشعر أن ما يريد قوله يقف في حلقه كالأشواك التي تمزق حلقه وهي تعبر مجرى الكلمات:
عالية حبيبتي تكفين افهميني.. ولا تستعجلين في الحكم ياقلبي طالبش..
خليني أشرح لش مبرراتي أول وافهميها..
عالية حينها انفجرت في البكاء وهي تسد فمها بقوة حتى لا يسمع شهقاتها وتمنعه من إكمال مايريد قوله..
شعرت أن هناك مصيبة هائلة قائمة..
ربما لن يستطيع مطلقا أن يمشي.. أو أصبح عاجزا جنسيا.. أو لا ينجب..
وكل ذلك لا يهمها.. لا يهمها.. المهم ألا يفكر بتركها..
تريد أن تبقى جواره حتى آخر يوم في عمرها مهما كانت حاله هو..
كانت تسد فمها بكل قوتها وهي تكتم شهقاتها بداخلها حتى كادت تنفجر
وكل ذلك حتى يستطيع أن يقول مايريد قوله..
لم تعلم أنه كان يريد نحرها بدم بارد رغم أنه هتف بوجع حقيقي عميق وهو يكمل ما بدأه بصعوبة بالغة:
عالية.. أنا أبي أتزوج وضحى بنت خالي !!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم HaboOoshy
عبدالرحمن شد له نفسا عميقا.. وهو يشعر أن ما يريد قوله يقف في حلقه كالأشواك التي تمزق حلقه وهي تعبر مجرى الكلمات:
عالية حبيبتي تكفين افهميني.. ولا تستعجلين في الحكم ياقلبي طالبش..
خليني أشرح لش مبرراتي أول وافهميها..
عالية حينها انفجرت في البكاء وهي تسد فمها بقوة حتى لا يسمع شهقاتها وتمنعه من إكمال مايريد قوله..
شعرت أن هناك مصيبة هائلة قائمة..
ربما لن يستطيع مطلقا أن يمشي.. أو أصبح عاجزا جنسيا.. أو لا ينجب..
وكل ذلك لا يهمها.. لا يهمها.. المهم ألا يفكر بتركها..
تريد أن تبقى جواره حتى آخر يوم في عمرها مهما كانت حاله هو..
كانت تسد فمها بكل قوتها وهي تكتم شهقاتها بداخلها حتى كادت تنفجر
وكل ذلك حتى يستطيع أن يقول مايريد قوله..
لم تعلم أنه كان يريد نحرها بدم بارد رغم أنه هتف بوجع حقيقي عميق وهو يكمل ما بدأه بصعوبة بالغة:
عالية.. أنا أبي أتزوج وضحى بنت خالي !!
حينها ذابت الشهقات في صدرها كالسم المتعفن المر وهي تهمس بتبلد: نعم؟؟ وش قلت؟؟
عبدالرحمن بصعوبة: أبي أتزوج وضحى بنت خالي..
عالية بذات التبلد: تتزوجها؟؟ ليش أنت عزابي يعني؟؟ أنا ويش؟؟ كيس شعير؟؟
عبدالرحمن بذات الصعوبة: أنتي قلبي وحبيبتي ومرتي.. بس لازم أتزوج وضحى بعد..
لا أنا أول ولا آخر واحد يصير عنده مرتين..
عالية بذات التبلد وكأنها فقدت الإحساس تماما:
مرتين؟؟.. ياعيني..لا والله يا شهريار زمانك؟؟.. وأنا اللي كنت بأموت عشانك أحسب فيك شيء..
أثر الأخ يبي يتزوج مرة ثانية.. وهو حتى مابعد تزوج مرة أولى..
براحتك عبدالرحمن.. تزوج.. على قلبك بالعافية..
عبدالرحمن بصدمة حقيقية وهو يشعر بضيق فعلي وألم أكثر قوة أن الموضوع لم يهمها:
يعني ما عندش مانع أبد؟؟
عالية بذات التبلد الغريب الذي أحاطت به مشاعرها:
وليش يصير عندي مانع.. طلقني.. وتزوج أربع يا ولد فاضل..
عبدالرحمن بصدمة أشد: أطلقش ؟؟ مستحيل.. مستحيل..
حينها انفجرت تماما.. انفجرت.. انفجرت.. بل الانفجار لا يعبر مطلقا عن حالة الثورة الغاضبة التي مزقتها تماما:
نعم؟؟ مستحيل يا قلب أمك...؟؟ تقول مستحيل؟؟ المستحيل أنك تفكر إني أنا بأوافق تجيب ضرة على رأسي وأنا على ذمتك..
يا الخاين.. يا النذل.. يا الحقير.. أنت كل قاموس الشتايم ما يكفيك..
أشلون هان عليك تطعنني كذا.. يا أخي كان طلقتني وعقبه ذلفت في أي داهية تعرس..
لكن أنا قاعدة أتغزل فيك ليلة من جدي.. وأنت تكذب علي.. وتخطط مخططات أكبر..
عليك بالعافية بنت خالك.. غطها على قلبك..
بس طلقني.. طلقني.. يا الخاين..
خاين.. خاين.. خاين.. ونذل وحقير..
كانت تريد أن تبكي دما بدل الدموع.. ولكنها يستحيل أن تشمته فيها..
شعرت أن كل مرارات العالم وقسوته وحشيته لا تساوي ما يحدث لها الآن
وعلى يد من؟؟
على يد عبدالرحمن!! عبدالرحمن!!
عبدالرحمن الذي كان لها بلسم الروح.. ونسمة الحياة!!
عبدالرحمن هتف بتهدئة حانية: هدي حبيبتي هدي.. والله العظيم مقدر زعلش..
بس اسمعي مبرراتي أول..
عالية بغضب عارم: أي مبررات؟؟ أي مبررات؟؟ بنت خالك كانت قدامك ذا السنين كلها.. ليش تخطبني وأنت تبيها؟؟
ليش تعلقني فيك وأنت قلبك لغيري.. ليش؟؟ ليش؟؟
عبدالرحمن بذات نبرة التهدئة المثقلة بالوجع: تكفين عالية افهميني.. وضحى أخت امهاب..
مستحيل أخليها عقب ما تزوجت أمها وخلتها..
أشلون أزور قبر امهاب وأنا مخلي أخته.. لو أنا اللي صار لي شيء مستحيل كان يخلي امهاب هلي..
عالية بذات الغضب المتفجر: وانت توك تكتشف إن امهاب مات.. وما تبي تخلي أخته..؟؟
إلا قول يا النذل الخسيس إنك كنت تبي تتأكد إني ما أقدر أستغنى عنك
وإني ممكن أرضى بأي شيء عشان أكون جنبك.. والحين يوم تاكدت.. قويت قلبك وقلت أصير شهريار زماني..
لا لا لا.. اصح يا بابا..أنا عالية بنت خالد.. وإذا تظن إن قلبي بيذلني لك.. فأنت ما عرفتني..
أدوس قلبي بروحي وأفعصه تحت رجلي.. قدام حد يدوسه..
عبدالرحمن يقدر غضبها ومازال يحاول تهدئتها: والله العظيم وربي اللي خلقني
إن فكرة الزواج من وضحى ما صارت برأسي إلا عقب ما تزوجت أمها..
قبل كذا أنا كنت حاسس إني عايش أحلى غيبوبة معش.. صرت ما أفكر في شيء غيرش..
وأنا مشغول فيش ومعش عن كل شيء في الكون.. حاس حياتي كلها متعلقة على طرف شفايفش..
والله العظيم ولا خطر في بالي إني أجرحش كذا لين تزوجت أم امهاب.. حسيت كن حط عطاني كف على وجهي..
خالتي مزنة مرة قوية.. وما كنت خايف على وضحى وهي معها.. بس الحين وضحى مثل الأمانة في رقبتي..
وضحى هذي أخت امهاب.. امهاب اللي قطعة من روحي راحت وخلتني..
أخلي الحين قطعة من روحه بدون سند حقيقي!!
وضحى شخصيتها لينة واجد.. ومحتاجة لها سند.. وامهاب كان دايما يحاتيها..
ما أقدر أخليها.. افهميني عالية الله يرحم والديش..
أنتي صرتي أكثر وحدة فاهمة أشلون كانت علاقتي بامهاب الله يرحمه!!
والله العظيم السالفة عليّ أصعب منها عليش.. لأني فعلا ما أبي وضحى..
وأشلون أتزوج وحدة وأنا عارف إنه مالها في قلبي مكان..
بس غصبا عني غصبا عني.. افهميني..
عالية بغضب متفجر مدمر: وتبيني أصدق ذا الكلام يا الكذاب... وضحى عادها صغيرة وبيجيها نصيبها..
وماشاء الله هذا تميم عندها.. رجّال كداد وماعليه قاصر..
لا تدور عذر لعينك الزايغة..
يعني أنت الحين يا المكسح شايف نفسك أحسن من تميم.. ؟؟
وش زودك عليه...؟؟
الله يأخذ قلبي اللي ذلني لواحد مثلك!!
رغم قسوة تجريحها.. ولكنه لا يهمه شيء غيرها لذا هتف بيأس عاشق حقيقي:
تكفين عالية لا تصيرين كذا.. والله العظيم أنا أتعذب..
و وضحى مسكينة عمرها ماتقدم لها حد غيري.. وأنا تقدمت لها عشان أناسب امهاب بس.. عشان ما تزعلين بعد..
يعني لو فيه نصيب لها كان قد جاها ..
عالية تكاد تنفجر غضبا ويأسا وحزنا: باقي عندك شيء ما جرحتني فيه يا النذل؟؟
وبعد خاطبها قبلي.. وتبي ترجع تخطبها بعد..؟؟
روح اخطبها.. روح لحبيبة القلب.. عليك بالعافية..
عبدالرحمن بذات اليأس الهائل: عالية.. أنا ماراح أتزوجها الحين.. بس أنا مقرر أسويها عقب ما نتزوج..
وما أدري حتى لو وضحى هي بتوافق علي.. بس أنا مقرر ذا المرة إني مستحيل أخليها..
وماحبيت أني أخدعش.. لأني لو خدعتش كني أخدع نفسي.. بغيتش تكونين على بينة حبيبتي..
عالية انفجرت باكية ماعادت تحتمل.. انهرت دموعها وشهقاتها ويأسها:
لا تقول حبيبتي.. لا تقول حبيبتي..
حبتك قرادة يا الخاين..
طلقني.. طلقني.. ما أبيك.. ما أبيك.. ما أبيك يا الخاين..
ثم أغلقت هاتفها في وجهه.. رن هاتفها عشرات المرات ربما.. بينما هي منكبة على سريرها تنتحب وترتعش كالمذبوحة..
مذبوحة فعلا.. مـــذبـــــوحـــة !!
بينما هو منذ سمع صوت بكاءها وهو كالمجنون يأسا وحزنا وقهرا..
ولم يكل عن الاتصال بها حتى أذن الفجر.. وأرسل عشرات الرسائل يرجوها أن تطمئنه عنها..
ولكن دون أي رد..
يعلم أن مافعله جارح ومؤلم لأبعد حد.. لكنه كان يعتمد على قوة عالية التي يعلمها..
لم يعلم أن المرأة التي تحب فعلا يستحيل أن ترضى بأنصاف الحلول..
وحين تُجرح قد تصبح نمرة مفترسة!!
كان مجروحا بجرح أعظم زاده إحساسه بالعجز..
يعلم أنها الآن.. تبكي.. منهارة.. مثقلة بالجرح..!!
هي التي أصبحت نبض روحه.. ودفء أنفاسه عاجز عن مواساتها.. او حتى الاعتذار لها..
والأشد قسوة أنه عاجز حتى عن الاطمئنان عليها..
لتغضب منه كيف شاءت ولكن ليتها تطمئنه عنها.. فقط تطمئنه!!
آلمته يده لكثرة ماحمل هاتفه وأتصل وأرسل.. دون رد.. دون رد!!
*****************************************
أصبح تميم الآن يفهم جيدا المثل الشعبي الذي يقول: (من تغلى تخلى) ..
والليلة يشعر بهذا أكثر من كل ليلة..فهي "تغلت" عليه إلى حد القرف..
كل ليلة من الليالي القليلة الماضية على هذا الحال من التمثيل السمج المقرف..
تتزين.. وتتقرب.. ثم تبتعد عنه كأفعى لسعته بجلدها المصقول اللامع..
دون أن تفهم صراخه اليومي أنه لا يريد منها أن تتصرف معه بهذه الطريقة..
ماعاد يريدها ولا يريد أي شيء منها..
الليلة بالذات لن يحتمل هذا العبث منها..
لن يحتمل!!
لن يـــحتمل !!
هــــي.. تعلم أن تميما صبر عليها كثيرا.. كل ليلة تتزين له.. وهي تقرر أنها لابد أن ترضيه الليلة..
فكيف يستطيعان أن يتمازجا روحيا فعلا.. وهي مازالت تضع بينهما هذا الحاجز ؟؟
ولكنها في كل ليلة كانت تجبن.. لتثير خيبة تميم وهو يرجوها ألا تكرر هذا التصرف..
ولكنها تكرره لأنها ترجو أنها اليوم ستتشجع.. ألم عميق يتجمع في روحها.. لأنها تعلم مقدار الألم الذي تسببه له.. ليلة بعد ليلة!!
لذا الليلة قررت أنها لن تتراجع.. حتى لو لم تتقبل الأمر نفسيا ستجبر نفسها من أجله.. ومن أجل حقه عليها..
ربما حين تكسر هذا الحاجز حتى لو عنوة.. ستجد أن الحواجز بينهما تكسرت فعلا..
وتميم يستحق منها أن تفعل ذلك من أجله.. فرجل آخر لن يحتمل كل هذا الجفاء من زوجته!!
لذا كان استعدادها لهذه الليلة مختلفا فعلا.. بأناقتها واستعدادها..
وخصوصا أنها تعلم أنه محتاج فعلا لصدر يطرح عليه همومه التي بلغت ذروتها الليلة..
حين رأته دخل.. وقفت لاستقباله بابتسامة حانية..
بينما هو حين دخل.. لم يشر لها بالسلام حتى..
بل دخل بشكل مباشر.. وأخذ له غيارا .. واستعد للخروج..
حينها أوقفته سميرة وهي تشير له باختناق حقيقي موجوع: تبي تهرب مني مرة ثانية للمجلس..؟؟
تأخر بصرامة وهو يقطب جبينه بحزم موجوع بالغ:
لا ذا المرة ماني بهربان من حسنش اللي ماقدرت أقاومه..
ذا المرة أنا بأخذ لي غرفة ثانية لي وبأنقل أغراضي كلها لها.. وخل هلي يدرون.. لأني خلاص انقرفت منش ومن تغليش..
على ويش ذا التغلي..؟؟ شفتي روحش غالية قلتي أذله بغلاي؟؟
أو قلتي أنا خسارة في ذا اللي ما يسمع ولا يتكلم؟؟
يا بنت الناس لو أنتي عفتي شوي.. تراني عايف واجد..!! طلعتي روحي!!
بغيتي تقعدين حياش الله مثلش مثل وضحى.. وش تفرق؟؟ كلنا أخوان !!
مابغيتي.. وتبين تروحين لهلش.. حقوقش بتوصلش كاملة وزيادة دبل..
وخلصنا من ذا الموال اللي ماله معنى!!
******************************************
مازالا على ذات الجلسة بعد أن صليا قيامهما..
لتهمس له مزنة بتهذيب عذب:
" ماعليه أبو كساب ممكن تسمح لي بسؤال لو سمحت..
ولو مابغيت تجاوب براحتك"
زايد ينظر لها بتعجب لا يخلو من مرارة غريبة فعلا.. !!
رقيقة.. رفيعة التهذيب.. واثقة دون تبجح.... و..... مختلفة.. مختلفة تماما..
لا يتخيل أن مزنة السابقة قد تستأذن بكل هذا التهذيب الرفيع لمجرد أن تسأل..
مزنة كانت لتسأل بكل تبجح.. وآخر ما يهمها رغبة الآخر بالرد من عدمه..!!
هتف لها بثقة رجولية لا تخلو أيضا من لباقته الرفيعة.. فليست مزنة فقط من تغيرت يا زايد !! ..:
أم امهاب.. هذا أنا إحنا في بداية حياتنا سوا..إذا بغيتي تسألين عن شيء..
إسالي ولا تهتمين.. وبدون استئذان.. مافيه داعي تحطين حاجز بيننا..
إن كان شعر بالمرارة غير المفسرة لتغيرها الإيجابي.. فهي ابتسمت باستغراب وإعجاب لتغيره الإيجابي..
فزايد الشاب ربما لو قالت له سأسألك سؤالا.. لربما قال لها (وتستأذنين أنتي وجهش ياقوية الوجه؟!!)
وإن كانت على كل حال تعلم أن من هو في مكانته ردوده دائما محسوبة ولبقة..
همست باحترام:
مرة ثانية خلني أقول اسمح لي بالسؤال لأنه يمكن أنت ماتبي تجاوبه..
أبو كساب.. وش السبب اللي خلاك ترجع تخطبني عقب ذا السنين كلها..؟؟
عشان كساب؟؟
ابتسم زايد بفخامة: وأنتي وش اللي خلاش توافقين علي عقب ذا السنين وعقب مارديتيني مرتين..؟؟
عشان كاسرة؟؟
ابتسمت بعذوبة: مع إنه مايصح تجاوب السؤال بسؤال بس قدرك ما يسمح لي ألف وأدور معك..
أبو كساب أنت أكيد مانسيت أنت وش كنت مسوي فيني وحن صغار..
اتسعت ابتسامتها أكثر: أنت تدري إني كنت قبل أطلع رأسي من الباب.. أطل مع فتحة الباب أشوف أنت قاعد في دكتكم وإلا لا..
لو لقيتك قاعد ماطلعت.. والمشكلة إنك قاعد 24 ساعة.. ما أدري وش تسوي ذا كله؟؟
وإذا في الأخير اضطريت وطلعت.. نطيت في حلقي.. وش مطلعش؟؟ وارجعي وأنا بأجيب لش اللي تبين؟؟
وأنت تذكرني بعد.. الحمدلله والشكر على نعمة العقل.. كنت مرجوجة ولساني طويل..
ولو قلت لي كلمة.. قلت لك عشر..
وبصراحة عقب ماضربتني استوجعت منك واجد.. كانت أول وآخر مرة انضرب في حياتي..
كان مستحيل أوافق وأنا حاسة إنك بس تبي تاخذني عشان تضربني وتكسر شوكتي..
ولو افقت عليك وقتها.. صدقني ماراح نتوالم.. وما أسرع ما بنتطلق!!
حينها بشعور أو بدون شعور.. مد كفه اليمنى ليمسح على خدها اليسار.. وهمس كأنه يكلم نفسه: أجعتش واجد وقتها..؟؟
همست بحرج وهي تتأخر قليلا: ياه يا أبو كساب.. راحت.. وراح وجعها..
" ولكنها في داخلي لم تذهب لم تذهب.. ولم يذهب وجعها
ليتك تعلمين أني حين خرجت من بيتكم ضللت ألكم الجدار حتى أدمت يدي
وكأنمي أريد أن أعاقب اليد التي جرؤت على إيلامك
مع أنني آلمت روحي قبل أن آلمك..
أو الأصح قبل أن أؤلمها هي.. مزنة.. تلك البعيدة الغائبة
يا الله يا مزنة.. لماذا أشعر بكل هذه التعقيدات؟؟
أين ذهبتِ أنتِ؟؟ "
زايد ماعاد يعلم أي مشاعر غريبة تجتاحه بغرابته.. ينظر لمن أمامه ويبحث في ثناياها عن أنثى أخرى اختفت ولن تعود أبدا..
زايد اقترب منها أكثر.. أرادت في داخلها أن تتأخر.. ولكنها منعت نفسها من التحرك..
فهي متدينة.. حافظة للقرآن ويستحيل أن تمنع زوجها حقا إن أراده..
ومن ناحية أخرى تعلم أن الإحساس البالغ بالتوتر والجفول حتى ولو كانت تشعر به فعلا.. لا يتناسب مع وضعها ولا وضع زايد..
لكنها لا تستطيع منع نفسها من الشعور بالاختناق فعلا ..
وأناملها ترتعش حين رأته يميل على خدها اليمين حيث كانت كفه تسكن قبل ثوان..
لتسكن شفتيه مكان كفه على خدها في قبلة دافئة مختلفة.. ويـطـيـل.. لدرجة زادت في اختناقها أكثر..وأكثر..
كان يتنفس عطرها من قرب.. يتنفس بعمق.. مازال يبحث عن مزنة الأخرى.. ربما كانت تختبئ تحت جلدها.. يريد أن يشعر بها بأي طريقة..
ربما لو تنفس واستنشق بصورة أعمق سيجدها..
يستحيل أن تكون اختفت هكذا.. حتى رائحتها اختفت!!
كل ماكان يشمه.. رائحة أنثوية دافئة عطرة مثيرة.. وناضجة لأبعد حد..
ولكنها ليست رائحة مزنة.. ليست رائحة مزنة التي كان يشعر بها تعبق في الأجواء دون أن يقترب منها حتى..
وهاهو يتنفس عبق هذه الأخرى من أقرب مكان..ملتصق بها.. ويجد رائحة مختلفة.. مختلفة تماما..
حينها همست مزنة بحرج بالغ: أبو كساب لو سمحت خلاص.. أحرجتني الله يخليك..
أخرجته من دوامته الغريبة التي كان فيها.. وربما لو لم تخرجه لا يعلم حتى متى سيستمر ملتصقا بها..
تأخر قليلا وهتف بثقة راقية: آسف ماكان قصدي أحرجش.. بس من يشوف ذا الزين قدامه ويمسك روحه؟؟
وجد أن هذا التبرير قد يكون مرضيا لامرأة مثلها.. حتى وإن كان لا يقصده تماما.. فهو على جانب كبير من الصحة..
مزنة صمتت.. في داخلها غير مرتاحة لهذا الاندفاع ولكن هل بيدها حيلة..
همست بذات التساؤل الذي لم يجب عليه.. علها تعيده لعالم الحوار: تراك ماجاوبتني على سؤالي..
ما تبي تجاوب.. قل لي.. عشان ما أكرره..
ابتسم وهو يقف ويهتف بثقة: تعالي باسولف لش اللي تبينه بس وانا منسدح..
لأني طول اليوم صالب روحي ما تمددت ولا حتى شوي..
مزنة توترت أكثر وهي تقف وتتبعه.. حتى دخل إلى غرفة نومه..
خلع ملابسه ودخل ليغتسل.. وحين خرج كانت تجلس على مقعد التسريحة دون أن تستبدل جلابيتها..
أغلق الإضاءة التي على السرير.. وترك لها بقية أضواء الغرفة..
توجه لسريره..وتمدد على يمينه ثم أغلق عينيه.. صــمــت لدقيقة..
ومزنة مستغربة منه.. ردات فعله غير متوقعة..
حــــيــنــــهـــا
همس بنبرة مختلفة.. مختلفة.. تذيب القلب تماما كما لو كان ينادي من عمق عمق روحه: مـــزنــــــة..!!
إن كان غاويا للنكد.. واستكثر على نفسه قربها.. وهو ربما يبحث عن أسباب تقف بينهما حائلا..
فهو الآن على الأقل يستطيع أن يغذي جوع روحه المتطاول بمناداة اسمها الذي سكن روحه... وسماع همسها الذي لم يتغير..
مزنة وقفت وهي تقترب وتهمس برقة: لبيه..
همس لها بذات النبرة المختلفة.. النبرة التي كانت لتكون لمزنة وليس لسواها وهو مازال مغلق العينين:
مزنة اقعدي جنبي ..
مزنة جلست على طرف السرير وأقدامها على الأرض.. لم تجرؤ حتى أن ترفع قدميها أو تمدد جواره..
همس لها بعمق: عطيني يدش.. وعقبه إسأليني اللي تبينه..
وقولي لي يازايد.. خلني أسمع اسمي لا غردتيه بصوتش..
مزنة رغما عنها اختنقت خجلا.. لم تتخيل هكذا غزلا رقيقا عذبا.. !!
لكنها كانت مجبرة على تنفيذ طلبه!!..
لا تريد أن تعصيه وفي ذات الوقت لا تريد أن تبدو بمظهر توتر وارتباك تشعر أنه لا يناسب ثقتها بنفسها..
مزنة حينها كانت مجبرة أن ترفع ساقيها على السرير حتى تستطيع الاقتراب منه.. فطوت ساقيها تحتها وهي مازالت جالسة..
ثم مدت يدها له وهو مازال مغلق العينين ووضعتها في كفه المفتوحة الممدودة لها..
صدمها بعنف أنه تناول كفها ليقبلها بعمق مذهل ودفء متجذر.. لدرجة أنها شعرت أن كفها ستشتعل لحرارة أنفاسه وتوترها المتزايد..
ثم تناول كفها ووضعها تحت خده وهمس بعمق غريب.. غريب ومختلف عن أي عمق كوني: إسأليني يا مزنة..
ولا تسأليني ليه خطبتني يازايد.. إسأليني ليه ما نسيتني يازايد؟؟
مزنة همست بعمق خافت: وانت صدق مانسيتني يا زايد؟؟
كان هذا ما ينتظره لينثال.. وينثال.. وينثال..
كفها تلامس خده.. وهي تهمس له من قرب بصوتها الذي سكن روحه منذ دهور..
وعيناه مغلقتان.. فهو لا يرى شبح المرأة الغريبة التي تقف بينه وبين مزنة..
همس بعمق متجذر.. متــجــذر.. عمق كعمق تاريخ أزلي ضرب بجذوره إلى العمق:
نسيتش؟؟
مزنة.. حد ينسى يتنفس الهوا؟؟ حد ينسى دقات قلبه أو يقدر يوقفها؟؟
حد يقدر ينسى الدم اللي يجري في عروقه..؟؟
هذا أنتي يا مزنة.. هواي اللي أتنفسه.. ودقات قلبي.. ودمي اللي يمشي بعروقي..
مزنة مصدومة فعلا ( هذا كذاب وإلا متعود يبالغ؟؟) شعر بارتعاش كفها تحت خده وهي تهمس بارتباك لم يظهر في نبرتها الهادئة برقي:
مهوب كنك تبالغ شوي؟!!
تناول كفها من تحت خده مرة أخرى ليغمرها بقبلاته بينما كفها تتزايد ارتعاشاتها..
ثم وضع كفها هذه المرة قريبا من قلبه وهتف بذات نبرته العميقة:
أبالغ؟؟ المشكلة مهما حاولت أوصف الحكي بيكون قاصر..
شوفي أشلون يدش ترتعش من قربي.. وأنا طول عمري قلبي يرتعش مثل مذبوح عشانه ماطال قربش..
مزنة تشعر بالصداع والتوتر يتزايدان لديها (هذا مهوب طبيعي!!)
لم تتخيل أنها قد تسمع هذا الكلام من رجل.. وبعد مرور هذه السنوات كلها!!
أكمل انثياله المدفون في صدره منذ قرون وقرون:
هان عليش يا مزنة تكونين لرجّال غيري.. هان عليش تعطين حقي لغيري..
هان عليش تذبحيني بدل المرة مرتين..
مستحيل واحد منهم كان يحبش أو حبش واحد على مليون من حبي لش..
مزنة ماعادت تستطيع منع صوتها أن يخرج بكامل توتره وارتباكه وكلامه غير المعقول يمزق عقلها المطارق:
زايد الله يهداك.. لا تبالغ.. وقتها كنا بزارين.. وكلن راح في طريقه..
زايد على ذات النبرة العميقة المتجذرة: أنتي كنتي بزر وما اهتميتي.. يمكن..
بس أنا قلبي احترق.. احترق..
كل ليلة عرستي فيها.. مسكت لي لي جمرة في كفي.. أقول يمكن حر الجمرة يلهيني عن حر قلبي..
وعن التفكير إنش تنامين الليلة في حضن رجّال غيري..
أول عرس حرقت كفي اليمين.. وثاني عرس حرقت كفي اليسار..
الله يسامحني على الجهل وطيش الشباب ياكثر ماندمت إني سويتها عشان ربي.. وإلا لو علي لو قدرت أحرق قلبي صدق حرقته..
بس وش أسوي.. بغيت استخف.. بغيت استخف..
وعمر ماحد درا بسبب حرق كفوفي غير خليفة الله يرحمه..
مزنة كانت تظنه يتكلم عن حرق معنوي.. حتى أفلت كفها ليريها كفه اليمين..
ورغم ضعف الإنارة ولكن أثر حرق قديم باهت جدا بدا واضحا في المنطقة بين السبابة والإبهام..
هو مابقي من الحرق.. لأن الكفوف تلتئم بسرعة..
مزنة انتفضت بجزع حقيقي.. وهي تنكمش وتبتعد عنه..
ودقات قلبها تتصاعد بعنف مرعب.. حتى كاد قلبها يخرج من بين ضلوعها..
عاود الهمس بعمق: مزنة وين رحتي؟؟
مزنة همست باختناق: جنبك.. جنبك..
صــــمــــت.. فما قاله يكفيه عن دهور..
شعر أنه مستنزف من البوح..كما لو كان بركانا هائلا تمور حممه داخله لقرون ثم أطلقها دفعة واحدة!!
وفي ذات الوقت كان يشعر أنه خفيف.. خفيف..
بعد أن تخلص من ثقل الاعتراف بمشاعره الثقيلة..
كما لو كان يحمل أثقال جبال فوق كتفيه حتى كاد ينهار من التعب ثم ألقاها أخيرا عن جسده ليستطيع أن يرتاح!!
بينما مزنة تشعر كما لو كان أحدهم ألقاها من فوق هذه الجبال العالية..
وتشعر بجسدها مفتت من أثر الاصطدام..
" هذا أكيد يبالغ...يبالغ..
مستحيل يكون يتكلم من جده!!
بس.. بس.. رجّال مثله وفي مركزه.. مستحيل يتكلم ذا الكلام حتى لو مبالغة..
ياربي رأسي يوجعني.. وعظامي حاستها مكسرة..
عمري ما توقعت إني ممكن أسمع كلام مثل هذا.. حتى ولا في أحلام المراهقة الخبلة"
بعد مرور أكثر من ربع ساعة وكلاهما معتصم بمكانه.. سمعت صوت انتظام تنفسه دلالة على نومه..
فهو فعلا لم ينم منذ 3 أيام.. والجهد الذي بذله في مجرد البوح كان جهدا قاتلا فعلا..
كتمان 30 عاما نزفه في دقائق معدودة !!
وهــي.. نهضت.. لتشد حقيبتها..
استخرجت فوطتها وروبها وقررت أن تستحم.. عل برودة الماء في هذا الوقت المتأخر تخفف بعضا من حرارة جسدها..
ربما طوال الأيام الماضية أحاطت مشاعرها بنوع من التبلد حتى لا تفكر.. لكن ماحدث لم يخطر لها ببال.. بتفكير أو بدونه..
خرجت ملتفة بروبها وهي تمشي بحذر رغم أن الجناح واسع جدا ويستحيل أن يصحو زايد على صوت خطواتها..
بعادتها التي لا تتغير كانت تحب تعطير شعرها وهو مازال رطبا..
لكنها الليلة قررت أن تغير استراتيجيتها حتى ترى كيف ستمر بها هذه الليلة العاصفة..
ارتدت بيجامة حريرية باللون الفستقي بأطراف من التور المطرز.. وأرتدت فوقها روبها المصمم على طريقة الكومينو الياباني..
بأكمام واسعة بأطراف من التور المطرز أيضا.. وبحزام حريري مطرز عريض جدا يُربط من الخلف..
شعرت أن هذا اللباس محايد وأنيق وفي ذات الوقت يعبر عن ذوقها الرفيع وفخامته حتى لا تبدو أمامه كما لو كانت غير مهتمة بمظهرها أمامه..
ثم ارتدت جلالها وقررت أن تراجع حفظها.. فهي تعلم أنها لن تنام في هكذا مكان غريب..
وتلاوة القرآن ستخفف كثيرا من توترها حتى وقت صلاة الفجر التي بقي عليها أكثر من ساعتين ونصف..
جلست في زاوية قريبا من زايد وأشعلت لها إضاءة قريبة منها حتى لا تزعجه وفي ذات الوقت إن صحا لا يظنها تركته وذهبت لمكان آخر..
ولكن قطع مخططاتها أنها بعد حوالي نصف ساعة سمعت همسا أشبه بالأنين..
كان صادرا من ناحية زايد.. وضعت مصحفها وخلعت جلالها وتوجهت له..
أرهفت السمع.. كان يناديها.. ويئن.. اقتربت أكثر بجزع..
همست وهي تقترب منه باحترام وقلق: ابو كساب فيك شيء؟؟ تبي شيء؟؟
كان مستمر في مناداتها وعلى ذات الوتيرة من الأنين الصادر من عمق روحه كما لو كان يتألم فعلا: مزنة.. مزنة..
رأت أنه من غير اللائق أن يناديها "مزنة".. وتقول له (أبو كساب)
كما لو أنها تريد وضع حاجز بينهما.. لذا همست من قرب أشد وهي تنحني عليه:
زايد أنا هنا.. تبي شيء؟؟
ولكنه لم يفتح عينيه وهو مازال يئن باسمها أنينا يمزق القلب.. اقتربت أكثر حتى جلست على الأرض على ركبتيها..
وهي تهمس له ووجهها قريب جدا منه وتهز كتفه برفق:
زايد وش فيك؟؟ مستوجع؟؟ تبي شيء؟؟
حينها فتح عينيه..
الإضاءة ضعيفة جدا.. بالكاد يلمح وجهها.. وشعرها المتناثر على كتفيها..
همس بوجع خافت كما لو كان يكلم نفسه: مزنة.. أنتي جيتي؟؟
مزنة تشعر باستغراب (يا الله عدي ذا الليلة على خير.. الرجال شكله مهوب صاحي) ومع ذلك همست باحترام:
أنا هنا يا زايد.. جيت..
همس بوجع أعمق بكثير: أبطيتي.. أبطيتي واجد..
لا تعلم لِـمَ شعرت رغما عنها بالألم يجاوب ألمه... فلا يمكن أن تكون معدومة المشاعر مع هكذا نبرة تذيب القلب:
زايد هذا أنا جيت.. حتى لو ابطيت..
حينها سألها بذات النبرة العميقة التي يبدو فيها كما لو كان يكلم نفسه:
مزنة تحبيني مثل أحبش؟؟
مزنة حينها تراجعت قليلا بجزع حقيقي وهي تهمس بارتباك جزع: نعم؟؟
همس لها بذات الوجع الداخلي العميق بنبرة تبدو مختلطة بالنعاس: قولي إنش تحبيني..
بأموت يامزنة.. بأموت ما ابتلت عروق قلبي..
مزنة لم تستطع أن تقول شيئا حتى( والله العظيم ذا الرجال مهوب طبيعي!!)
ريقها جاف تماما وأناملها ترتعش بعنف..
مد يده ليمسح ظلال خدها غير الواضحة وهو يهمس بذات الوجع المتضخم:
مزنة.. تحبيني؟؟
مزنة وجدت نفسها مجبرة على إسكاته بما يريد.. فيبدو أنه يهذي ولا يعلم حتى ماذا يقول..
وجدت نفسها مجبرة ومنذ ليلتها الأولى معه أن تقول له كلمة لم تقلها لأحد زوجيها السابقين..
فهذا الذي يحدث لها لم يحدث مطلقا من قبل!!
همست له باختناق وباستعجال وهي تشعر بالكلمة كالأمواس على لسانها:
أحبك يازايد..
همس حينها كمن تلقى طعنة قاتلة يعاني شدة ألمها وانهمار نزيفها:
مرة ثانية يامزنة.. قوليها مرة ثانية..
شعرت بها أصعب من المرة الأولى بكثير لذا خرجت بطيئة مبعثرة: أحبك يازايد.. أحبك.. تبي شيء ثاني؟؟
لم يرد عليها ولكنه شدها من عضدها إلى جواره وهو يزيح ليوسع لها مكانا..
مزنة شعرت بقلبها يقفز في منتصف حنجرتها وهو يحتضنها بكل قوته..
ويهذي في عمق أذنها بكثير من الغزل العميق الموجع..
مصطلحات لم تسمعها في حياتها كلها.. والغريب أنه كان يهذي فعلا بنبرة عميقة دافئة شفافة مثقلة بوجع لا مثيل له..
وهي تشعر باختناق عميق وتأثر متعاظم.. لا تعلم هل هو من أجله أو من أجل نفسها..!!
.
.
حينما صحا من نومه على صوت منبه هاتفه المؤقت على قبل صلاة الفجر بقليل..
مد يده ليشعل الإنارة أولا..
ثم ضغط على جانبي رأسه بقوة و هو يرى ظهرها ناحيته..
كان يحاول أن يتذكر بشكل واضح ماحدث.. ليجد نفسه عاجزا عن تذكر الأمور بتفاصيلها..
فهل تستطيع أن تتذكر الأحلام بحذافيرها؟؟
كان في حلم طويل.. عذب.. مليء بالهذيان..
كان يفتح عينيه ويغلقهما دون انتباه أن من كانت جواره كانت كتفاها ترتعشان بخفة..
وهي تحاول التوقف عن البكاء منذ رأته أشعل الأضاءة.. فهي لم تنم مطلقا وهي غارقة في بكاء خافت مثقل بألم شفاف لا تعرف له معنى!!
لا تعلم لِـمَ كانت تبكي حتى؟؟ هـي تبكي؟؟ مزنة تبكي؟!!
مزنة.. من دموعها كانت عندها أغلى من أن تنحدر لأي سبب كان.. ولم ينزلها إلا أسوأ النكبات وفي خفية عن الأعين..
كما تفعل الآن في خفية وهي تمسح وجهها.. وتأخذ لها نفسا عميقا..
لتستدير حتى تجيب على نداء زايد لها بصوت خافت: مزنة.. مزنة..
همست باحترام وهي تعتدل جالسة وتحاول ألا تنظر له بشكل مباشر:
لبيه.. هذا أنا قايمة..
حينها انتفض بجزع وهو ينظر لها بذات الجزع كمن يصحو من نوم عميق..
ألـــم !! ألـــم !! ألــم !!..
ألم عميق.. عميق غاص في روحه حتى أقصاها.. ألم يجتاحه بعنف مرّ !!
أهذه هي المرأة التي قضت الليل في حضنه؟؟
أ هذه هي المرأة التي هذى لها بكلمات حب أسطوري لم يهذي بها لسواها؟؟
أ هذه هي المرأة التي منحها في لحظات مشاعر وأحاسيس عجز عن منحها لأحد طيلة ثلاثين عاما؟؟
أ خان ذكرى مزنة من أجل شبح مزنة؟؟
والأسوأ من كل ذلك.. شعور ندم مر قارص المرارة تخلل كل شرايينه وأوردته وخلاياه..
أ عجز عن حب وسمية كما تستحق من أجل امرأة ماعادت موجودة؟؟
لو أنه علم فقط قبل أن تذهب وسمية كان ليمنحها حبا كانت تستحقه ووقفت مزنة بينهما فيه..
بينما مزنة كانت أساسا اختفت.. اختفت..
كما لو كنت نذرت حياتك ومشاعرك وكيانك لشيء لا جود له..
لا وجـــــود لـــــه أبدا!!
**********************
لم ينم مطلقا.. ولكنه بقي معتصما بغرفة التدريبات منذ صلى قيامه وأنهى ورده
يتدرب حتى قبل أذان الفجر..
كان يريد شيئا يلهيه عن التفكير بمن يعلم أنها تجلس خارجا..
وكل ما يريده لو أنه يجلس أمامها حتى لو لم يتكلما.. يشبع عينيه من رؤيتها بعد أن أضناه الشوق لها حتى عمق العظام..
لم يتخيل أن كاسرة قد تقدر على الاستيلاء على مشاعره هكذا وفي غضون أشهر قليلة!!
وهنا الفرق بينه وبين والده تماما... هنا الفرق الذي صنع الاختلاف!!
قد يكون كساب غزت روحه كاسرة الطفلة.. وبقيت شيئا ثمينا نادرا في روحه..
هو الأساس العميق الذي صنع من إحساسه بها شيئا مختلفا عميقا..
ولكن كساب عشق كاسرة الأنثى لا كاسرة الطفلة..
كاسرة الأنثى التي أيقظت كل الحواس والجنون فيه..
جمالها وشخصيتها وعنفوانها وروحها.. كل ذلك.. أيقظ فيه رجولته وكبريائه وعنفوانه واندفاع روحه..
معها شعر أن روحه الميتة تصحو من جديد..
ولم يبحث في ثناياها عن ملامح طفولتها.. بل كانت ملامح طفولتها مرحلة انتقالية ليبهره نضج كل مافيها لدرجة الوجع..
هذا النضج الذي أذاب قلبه كانصهار الحديد..
وهكذا كان قلبه.. الحديد الذي انصهر!!
كانت هذه أفكاره التي أرهقته روحه وهو يرهق نفسه في التدريب وافكاره كلها معها!!!
ختاما.. ماعاد فيه صبر.. سيمر ليرى ما فعلت قبل أن ينزل.. على أن يتوضأ في المسجد وينتظر هناك حتى يأذن الآذان..
حين خرج لها.. وجدها مازالت تجلس بعباءتها وشيلتها.. وعلى وجهها معالم إرهاق مرير..
وكانت بالفعل مرهقة ومجروحة إلى أقصى مساحات الوجع..
فما فعله كساب فيها وهو يجرها إلى غرفته كالذبيحة دون احترام لإنسانيتها أو كونها زوجته أو احترام لأي شيء..
نسف كل ما بينهما نسفا.. وهي تشعر بامتهانه لمشاعرها لأبعد حد..
حتى حقها في الغضب والاعتراض والحزن يريد سلبه منها!!
كساب حين رأها انقبض قلبه.. يبدو أنها لم تستسلم بعد..
لم يكلمها حتى.. قرر أن يؤجل المواجهة حتى يعود من الصلاة..
ولكنها على عكسه كانت تنتظر المواجهة..
كانت هادئة تماما حتى رأته فتح الباب...
حينها قفزت وهي تحاول الخروج ليمسك بها كساب الذي كان يفتح الباب بحذر وهي تصرخ باستنجاد: عمي زايد.. عمي زايد الحقني..
كساب أغلق الباب بغضب بيد وهو يسد فمها باليد الأخرى.. ويهمس من بين أسنانه بغضب: بس يالخبلة تبين تفضحينا..
شدها هذه المرة حتى أوصلها لغرفة النوم.. آخر غرفة في الجناح..
كانت تقاوم بشدة فعلا.. ولكن مقاومتها العاتية لم تؤدي سوى لإجهادها هي ولم تؤثر إطلاقا فيه..
كساب لم يتوقع أن يأسها منه وأن رغبتها في تركه.. قد يدفعها أن تفضح نفسها هكذا..
بينما كاسرة فكرت في اتجاه آخر..
ستبقى بعباءتها وشيلتها حتى موعد الفجر حينها ستنتجد بعمها زايد الذي تعلم أنه لابد سيعبر نازلا لصلاة الفجر..
لا يهمها إن علمت والدتها وعمها زايد.. فهم حين يرونها بعباءتها سيعلمون أنه لم يحدث شيئا بينهما وانها قضت الليل مجبرة هنا..
لا يهمها حينها لو علم الباقون أنها باتت في بيت زايد قريبا من أمها.. المهم ألا يعلم أحد سواهما أنها باتت في غرفة كساب..
لا يمكن أن تسمح لكساب أن يفرض عليها نفسه ورغباته بهذه الطريقة وهو يسلبها إنسانيتها وحقها في اختيار حياتها حتى!!
صرخت كاسرة بصوت عال فعلا وبغضب متفجر: ماراح أسمح لك تفرض نفسك علي..
أنا.. أنا.. أنا ما أبيك.. ما أبيك.. غصيبة هي..
كانت تريد أن تقول له " أنا أكرهك" ولكن حتى لسانها لم يطاوعها..وهي مستمرة في الصراخ..
كساب بغضب عارم: اسكتي قبل أسكتش غصب.. أنتي عارفة البيت كله عوازل صوت.. من اللي بيسمعش.. وكل واحد في غرفته.. وش بعدها..
كاسرة ما زالت تصرخ: كيفي بأصيح.. بأصيح لين أنفجر.. عندك مانع..
طلعني من هنا.. طلعني.. ما أبيك..
حينها وللمرة الثالثة يفعلها بها.. حين رأته اقترب علمت ما الذي سيفعله.. صرخت بيأس: لا لا.. حرام عليك حرام عليك.. مهوب كل شيء في الدنيا على كيفك..
ولكنها كانت بعد ثوان كانت تسقط فاقدة الوعي بين يديه..
حينها احتضنها بيأس وهو يجلس على السرير وهي في حضنه..
شد شيلتها عن رأسها.. ثم احتضنها بكل قوته وهو يدفن وجهه في عنقها ويهمس في أذنها بوجع عميق:
أنتي ما تبين تنهدين شوي؟؟.. تعبتيني وتعبتي نفسش..
والله أني أحبش يا الخبلة.. أحبش.. عمياء أنتي ما تشوفين.. وإلا ماعندش قلب يحس..
خلاص حسي.. حسي.. لأني مستحيل أقولها..
الله عطاش رجال معقد.. الله خلقني كذا..
لازم تكسريني عشان تنبسطين يعني؟؟..
ياربي ياكاسرة.. أنا وأنا جنبش أحس إني من زود حبي لش أخاف أحرقش.. وأنتي ولا حاسة بشيء..
وش ذا البرود اللي أنتي فيه.. ؟؟
ثم قبّل أذنها قبلة وحيدة طويلة مثقلة بالأنين وكأنه يتمنى لو أوصل أنينه بعضا من ثقل مشاعره ووطأتها.. عبر إذنها لشرايين قلبها..
ثم حملها بخفة ليضعها على السرير.. مسح زينتها بسرعة بمناديلها التي مازالت على التسريحة.. ثم خلع عباءتها.. و خلع ملابسها..ثم غطاها..
ثم خبأ ملابسها وعباءتها في دولابه المغلق.. وكان هدفه من ذلك أنها لو صحت وهو في المسجد.. فهي لن تستطيع التصرف..
لأنها إن لبست ملابس أخرى وحاولت أن تستنجد.. سيعلمون أنها خلعت ملابسها.. وقضت الليل بعد أن مسحت زينتها..
وهذه أمور تحدث برضا الشخص لا رغما عنه.. !!
لذا فهي لن تجرؤ على فعل ذلك ولن تستنجد !!
حين عاد من الصلاة.. كان مستعدا لجولة جديدة من العراك..
ولكن ما أصابه بالجنون.. أنه وجدها مازالت على ذات الوضعية التي تركها فيها.
حينها ركض لها بكل جنونه وقلقه ورعبه..
أ يعقل أنه أثقل عليها العيار وهو يضغط على العرق وأنها سقطت في غيبوبة؟؟
سيجن لو حدث لها شيء.. سيجن!!
حينها انحنى عليها وهو يهزها بعنف ويصرخ بجزع: كاسرة.. كاسرة..
لتفتح عيناها بجزع وهي تعتدل جالسة: نعم.. نعم..
حينها انتبهت أين هي.. وأنها بملابسها الداخلية فقط..
صرخت بغضب وهي تشد الغطاء عليها: أنت وش سويت فيني يا الحيوان؟؟
وقف مبتعدا عنها وهو لا يعلم أ يحتضنها لسعادته أنها بخير..؟؟
أو يصفعها لأنها أخافته عليه لدرجة الموت..؟؟
أو يمزق شعرها لأنها تشتمه بهكذا شتيمة..؟؟
هتف ببرود قارص: وش سويت فيش يعني؟؟ شلت ملابسش بس..
وأنا ماني بحيوان.. رجالش يامدام ياذربة.. ولو بغيت شيء خذته منش وأنتي واعية..
تمنت حينها أن تدفن وجهها بين ركبتيها وتنتحب.. وتنتحب وتنتحب..
" يا الله هل لهذا الوجع نهاية ؟!! "
هتف بحزم وهو يخلع ملابسه ويستدير لينام جوارها: قومي توضي وصلي..
وتبين تصيحين الحين.. صيحي على كيفش..
وإلا ليش تتعبين حبالش الصوتية؟؟... ترا مفتاح الجناح في الباب..
وتلفونش بتلقينه على الطاولة اللي برا..
ثم أردف بابتسامة خبيثة: يعني لا تقولين إني جبرتش تقعدين؟؟
وترا أبي يسلم عليش.. واجهته في المسجد.. وعلمته إنش شرفتي بيتش..
*************************************
قبل ذلك..
" علي أنا تعبتك واجد وأنا أسهرك كذا..
ماعاد باقي على صلاة الفجر شيء!!"
علي ابتسم بإرهاق: هذي ليلة تاريخية لازم نخلدها بالسهر..
مزون بحنان: عقبال مانخلد ليلتك التاريخية أنت عقب أسبوعين..
ثم أردفت بخبث: وأنا اللي بأسهر معك بعد.. وبأقعد فوق رووسكم..
ابتسم علي بحنان: حياش الله..
ضحكت مزون: يا النصاب.. ما تبي إلا شعاع بس..
علي بشجن: يعني أنا أعرفها عشان أبيها.. خل نعرفها أول..
مزون باستغراب: تدري إني مستغربة منك.. نهائي ما سألتني عن شكلها أو طبايعها..
حتى كساب اللي حاط روحه أبو الهول سأل خالتي عن مرته قبل عرسهم..
علي ببساطة: كلها أسبوعين وأشوفها بروحي.. ليش أستعجل شيء صاير صاير..
تقدرين تقولين أحب أسوي صورتي عن مرتي بنفسي.. ما أبي صورة مسبقة..
مزون بمودة: زين وش صار على بشتك.. اشتريته أو بعد..؟؟
علي ابتسم بمودة: أبو الهول على قولتش.. تخيلي قبل أمس راح الحسا وشرا لي بشت ورجع على طول
وعقبه جاب لي (الخبان) من سوق واقف لين المستشفى
وخذ قياسي عشان يخبنه.. (الخبان والخبانة= خاصة بالبشوت والعبي)
مع إني كنت أقول له.. الدولاب عندي مليان بشوت..
مزون بمودة: جعلك ماتذوق حزنه ولا يذوق حزنك.. ما أدري كساب أشلون قادر يركز في كل شيء كذا!!
ثم أردفت: تدري أدق له أبيه ينزل يسهر معنا مايرد..
ابتسم علي بمرح: وماراح يرد.. لأن الأخ العزيز الليلة عريس مثل أبيه..
المدام رجعت الليلة.. وإلا مادريتي.. هو قال لي إنهم متفقين ترجع الليلة..
حينها شعرت مزون كما لو كانت ضُربت على رأسها.. في رأسها تخيل مرعب لما حدث تحاول انكاره..
وما يجرحها لأبعد حد مشاركتها في هذه المؤامرة وهو يستغلها فعلا لتنفيذ مخططه وهي تنفذ دون تفكير..
وهو يستغل محبتها اللا محدودة له لخداع زوجته وجلبها لمكانه رغما عنها..
******************************************
حين عاد من صلاة الفجر..
وجدها مازالت تصلي..
استغرب من طول هذه الصلاة.. حين انتهت.. كان يتناول مصحفه ليقرأ ورده..
هتف بابتسامة فخمة: ماشاء الله هذي كلها صلاة؟!!
ابتسمت مزنة وهي تطوي سجادتها: السنة إنك تقرأ السور الطوال في ركعتين الفجر.. وأنا أراجع حفظي فيها..
ابتسم وهو يجلس: ماشاء الله إبي جابر قال لي إنش حفظتي القرآن كامل.. الله يكتب لنا نفس الخير..
شعرت بخجل ما أنه يتتبع أخبارها لهذه الدرجة.. وشعرت بخجل ذكرى أعظم جعل أطرافها ترتعش كما لو مر عبرها ماسا كهربائيا..
وهي تراه أمامها وتنزل عيناها بخجل وهي تتذكر دفء واختلاف همساته ولمساته قبل ساعات ... شيء كانت تظنه مجرد حلم..
فلا يوجد رجل بهكذا رقي وحنان وعمق ودفء مشاعر واختلاف!!!
حاولت الخروج من أسر أفكارها التي بعثت ألما شفافا في روحها ووجهها يحمر لمجرد التذكر..
استأذنته برقة: زين .. ممكن أقرأ وردي؟
أجابها زايد باستغراب: تستأذنين عشان تقرين وردش؟؟
فأجابته بذا الرقة: هذي نافلة مهيب فرض.. وحقك علي دامك موجود أستأذنك لو ترخص لي..
لا يعلم لِـمَ شعر بألم متزايد بغرابة عميقة..
أتستأذنه في عبادة؟؟ يعلم أن زوجة كهذه يشكر أي رجل نفسه عليها؟؟
أي نعمة ستكون هذه المرأة التي تعرف حقوق زوجها وتحترمها لهذه الدرجة!!
ولكنه شعر بحزن عميق لأنه أيقن أن مزنة قد أختفت تماما.. اختفت..
فمزنة كان يستحيل أن تفعل هذا!! يستحيل!!
يعلم أن التدين ومرور السنوات وتزايد الخبرة كلها أمور تغير الآنسان..
ولكن مزنة بقت في خياله تمثال أسطوري كما هي بشخصيتها وشكلها..
أسطورة زاد في قوتها وسموها خيالات سنوات متطاولة جسدتها وعمقتها..
ويصعب عليه أن يتقبل اختفاء أسطورته..هكذا..!!
يشعر أن حزنا عميقا يستقر في روحه.. وحاجز غريب غير مفهوم يرتفع بينه وبين هذه المرأة التي أصبحت زوجته!!
بينما هي.. قد لا تكون متشجعة على تأدية دور الزوجة المطيعة.. ولكن شدة تدينها تجبرها على ذلك..
وخصوصا أن زايد بشكل عفوي يستجلب احترام من أمامه بطريقة سحرية لينفذ له كل مايريد...
حين انتهيا كلاهما من قراءة وردهما.. همست مزنة بهدوء:
ماعليه زايد أنا كل يوم أبي أروح لأبي بدري..؟؟
وضع مصحفه جواره وهتف بثقة: براحتش.. خذي المفتاح من كاسرة وخلي الباب مفتوح لا عاد تسكرينه.. عشان بناتش لو بغوا يجونش بعد..
مزنة بهدوء: كاسرة ماجابت المفتاح معها.. اطلبه من كساب..
ابتسم زايد: اطلبيه من كاسرة.. لأنها رجعت لمكانها ورجالها.. توني شفت كساب في الصلاة وقال لي..
ماقالت لش..؟؟
مزنة قطبت حاجبيها بغضب.. أتسخر منها هذه الفتاة أو تعبث بها؟؟
أ ترجع لزوجها وتكون آخر من تعلم؟؟
أي عبث هذا؟؟
أ تأتي معها لكي تعود له ؟؟
أي امتهان لنفسها ترتكبه في حق نفسها؟؟
إن كانت تريد العودة له.. فلماذا لا تعود كما تعود بنات الأصول؟؟
لماذا هذه الطريقة المحرجة المهينة؟؟
************************************
" وين رايحة؟؟"
كانت هذه إشارة تميم الغاضبة لوضحى وهو يراها بعباءتها وتستعد للخروج هي والخادمة..
أشارت بعفوية: فيه أوراق مهمة لشغلي أبي أصورها.. وعقبه باشتري فواله وأروح لأمي..
تميم أشار لها بحزم بوجهه المرهق: لا.. ما تطلعين من البيت بروحش..
انتظري لين أوديش أو روحي مع كاسرة أو سميرة..
وضحى باستغراب: تميم أنت تروح دوامك صبح وعصر.. متى بتوديني؟
وكاسرة مالقيتها في غرفتها.. وماترد على تلفونها.. يمكن راحت لأمي..
وسميرة اتصلت فيها ماردت علي.. يمكن تبي تنام شوي.. اليوم سبت..
بأروح محل قريب وبأرجع بسرعة..
يعني مهيب أول مرة أروح مع الخدامة.. خصوصا عقب ما اشتغلت..
تميم بحزم: هذاك أول.. الحين منتي بكفو ثقة.. وما تنتخلين تروحين بروحش
وضحى بصدمة: أنا يا تميم أنا؟؟ أنا ماني بكفو ثقة ؟؟.. ليه ما تعرف من أنا؟؟
تميم بألم شاسع: كنت أظن نفسي أعرفش.. لكن الحين ماعاد أعرف حد..
حتى نفسي ما أعرفها..
وضحى بغضب هادر: تميم عيب عليك.. أنا وضحى على آخر عمري بتشك فيني!!
تميم بحزم صارم: انتهينا.. طلعة بروحش مافيه.. تبين تروحين لأمش روحي..
غيرها ما تطلعين شبر من البيت.. لا اليوم ولا غير اليوم..
كل شيء هقيته من أي حد.. إلا أنتي يا وضحى.. إلا أنتي...
ثم غادر...
لتنهار وضحى جالسة وهي تخلع نقابها وتلقي حقيبتها جوارها
وتدفن وجهها بين كفيها وذكرياتها تعود بها لأكثر من ستة أعوام...
للذكرى المريرة التي أحدثت قلبا مرا في شخصيتها!!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم HaboOoshy
قبل ست سنوات
.
.
كان يوم الامتحانات الأخير للصف الثاني الثانوي..
فرحة طفولية شفافة.. وقلوب مخضرة.. وابتسامات محلقة..
وضحى وصديقاتها كن قد اتفقن جميعا أن يذهبن لبيت صديقة لهن بعد انتهاء الاختبار احتفالا بانتهاء الاحتبارات..
بناء على دعوة هذه الصديقة لهن..
كاسرة كانت رافضة تماما لذهاب وضحى.. لأنهن سيذهبن جميعا على سيارة هذه الصديقة..
بينما مزنة وافقت لأنها اتصلت بأم الفتاة التي كانت تعرفها جيدا
وأكدت لها أنها هي بنفسها من ستأخذ الفتيات ثم تعيدهن كل واحدة لبيتها بعد صلاة العصر..
وأكدت ذلك لمزنة عدة مرات...
وهكذا كان الاتفاق...!!
سيذهبن أربعتهن وضحى وسميرة وصاحبة الدعوة وصديقة رابعة إلى بيت صاحبة الدعوة القريب جدا من المدرسة مع والدتها...
ليحتفلن احتفالا صغيرا دعتهن إليه صديقتهن..
حين خرجن الساعة التاسعة والنصف صباحا..
وجدن السيارة تنتظرهن ولكن دون والدة البنت..
سميرة حين رأت ذلك.. قررت أن تعود للمدرسة وتتصل بأهلها ليأخذوها..
لأن أمها وافقت على أساس أن أم الفتاة من ستأخذهن..
وكانت وضحى ستعود معها.. لولا أن صاحبة الدعوة كادت تبكي وأظهرت تأثرها المتزايد..
لأنها أعدت كل شيء للاحتفال وأنهن سيفسدن فرحتها..
وأن والدتها لم تحضر لانشغالها بأمر طارئ... والبيت قريب جدا.. خطوتان فقط!!
ضغطت على براءة مشاعرهما ولين شخصياتهما وصفاء قلبيهما!!
ركبت وضحى معها هي والصديقة الثالثة وهما غير مرتاحتان..
ولكن لأنهما لم تريدا أن تحزنا صديقتهما.. وخصوصا أن بين البيت والمدرسة شارع واحد فقط..
لتتفاجأ بالسيارة تتجه للشارع العام..
حينها همست لهما هذه الصديقة برجاء حاد أنها تريد شيئا من المجمع التجاري القريب... وسيعدن فورا..
وضحى والصديقة الأخرى رفضتا بشدة وأرادتا العودة.. ولكنها كانت تترجاهما بحرارة وأنهن سيعدن جميعا بسرعة.. فضعفتا أمام رجاءاتها..
وكان الاتفاق أن تأخذ ما تريد ويعدن فورا...
فالوضع كله أصبح قلقا.. غير مريح.. فيه شيء مقلق فعلا أشعرته به شفافية روحيهما.. لكنهما لم يصدقا في صديقتهما أي ظن سوء!!
ونزلتا معها حتى لا تنزل وحدها...
لتتفاجأ الفتاتان بحقيقة ماحدث..
الحقيقة التي فجعتهما وصعقتهما وجعلتهما ترتعشان من الرعب وهما تريدان الهرب لولا أن كل شيء حدث بسرعة هائلة...
فالصديقة البريئة الفاضلة صاحبة الدعوة اقنعت والدتها أنهن سيخرجن اليوم متأخرات ..
وأن إحدى المدرسات ستوصلهن ثم ستذهب لبيتها لأن غدا ليس هناك من يوصل هذه المدرسة..
وهكذا فالأم لا مكان لها معهن..
والمشكلة كم يصدقن الأمهات براءة بناتهن!!
بينما الحكاية كلها أن هذه الفتاة كانت تكلم شابا عبر الهاتف.. وكان يلح عليها كثيرا حتى يراها..
وهي لأنها لم يسبق أن فعلت ذلك مطلقا.. خافت من توابع ذلك.. وأن تذهب لمقابلته وحيدة..
لذا أرادت أن تحضر صديقاتها كحماية لها..
ولكنها لم تعلم أنه أيضا أحضر أصدقائه معه ولكن لكي يفرجهم على صيدته الجديدة..
كانوا يقفون بعيدا.. ولكن حينما رأوا أن الفتيات أكثر من واحدة تقدمن بجرأة..
وكان ذلك في زاوية غير مطروقة من المجمع.. والوقت صباحا.. ولم يكن هناك الكثير من الناس..!!
الفتيات الثلاث كلهن أردن الهرب حينها.. ولكن الشباب كانوا خمسة.. وأحاطوا بهن يحاولون اقناعهن أن يذهبن معهم لشرب قهوة فقط في أحد مقاهي المجمع...
ثم حاول أحدهم بجرأة شد نقاب إحدى الفتيات..
بينما بكاء وضحى بدأ بالتصاعد وهي تنكمش مبتعدة لتلتصق بالحائط
وتريد أن تهرب من المكان كله ولكن أقدامها ماعادت تحملها لشدة الرعب...
الفتاة حين رأته شد نقابها.. تناولت حذائها ذو الكعب العالي وضربته به على وجهه..
تعالى الصوت والشباب يسبون بصوت عال وهو يرون وجه زميلهم الغارق في الدم..
ويصدف حينها لسوء الحظ تواجد الشرطة قريبا جدا..
والولد وجهه ينزف..
والهرج والمرج يتصاعد..
والفتيات يقلن للشرطة أن الشباب من تعرضوا لهن..
والشباب يقلون أن الفتيات من واعدوهم أساسا في هذا المكان.. وهن يبيتن النية للاعتداء بالضرب..
بينما وضحى ماعادت حتى تستطيع التصرف أو الكلام أو التحرك وهي تنتحب بهستيرية..
وتشعر كما لو كانت تشاهد فيلما مرعبا لا تستطيع تغييره رغم أنها أحد الممثلين فيه!!
شعرت أنها ستموت من الرعب والخوف والقهر.. تتخيل الذي سيحدث لها؟؟
كل شيء يمر في خيالها ككابوس مرعب.. همسات الناس ونظراتهم المحرقة وامتهانهم لها.. مستقبلها الذي سيضيع..
حياتها التي ستتدمر كلها من أجل خطأ بسيط تافه فعلته بحسن نية!!
كانت تسب نفسها بقسوة لماذا لم تعد مع سميرة؟؟
وتتخيل أهلها حين يعرفون بالأمر.. ماذا سيفعلون بها؟؟
تتخيل ما الذي قد يفعله بها مهاب الذي لا يخرج الآن مطلقا من البيت بسبب تأثره من إصاباته في حادث السيارة الذي ألزمه المستشفى عدة أشهر..
وبسبب حبسه لنفسه في البيت لأنه لا يستطيع العودة الكلية وبسبب عجزه عن المشي كما يجب..
أصبح عنيفا جدا ومتحفزا ويدقق في كل شيء لدرجة خانقة مرعبة..
كانت ترتعش وتنتحب وهي في سيارة الشرطة وتهمس بكلمة واحدة :
" بيذبحني!! بيذبحني!!
والله العظيم بيذبحني
بيذبحني !! "
في مركز الشرطة هي بالذات لم تفلح الشرطة في أخذ كلمة واحدة منها لأنها لم تسكت من البكاء..
بينما الفتاتان الآخريان كانتا متماسكتين.. ورفضتا مطلقا اخبار الشرطة بأسماءهن..
ولم يجدو معهن أي اثبات للشخصية.. ولم يفد أخذ بصماتهن..
لأنهن كن أقل من 18 عاما ومازلن لم يستخرجن بطاقات شخصية لذا لا سجل بصمات لهن على الحاسوب!!
والشباب يعلمون أن الفتيات قُصر.. بينما الشباب ليسوا كذلك..
فخافوا أن تلبسهم قضية .. لذا أصروا أن الفتيات هن من يهاتفنهم وأنهم يظنونهن طالبات جامعة..
والآن هن من اعتدوا على زميلهم بالضرب..
وضحى كانت مغيبة في عالم آخر وهي فقط تنتحب كمذبوحة في الممر..
وترتعش برعب وتحاول كتم شهقاتها المرعوبة
ورفضت حتى أن تتحرك من مكانها لداخل المكاتب..
حينها رأته.. رأته.. رأته..!!
نجدة من السماء أرسلها لها الله في هذا الوقت بالذات!!
رأته كما لو كان مشعل نور أضاء سواد كل ما أمامها!!
كان قد جاء لينهي قضية عراك بين عماله في أحد مواقع البناء..
حين رأته لا تعلم أي نشاط دب في جسدها الهامد من البكاء..
وهي تقفز ناحيته قبل أن تمسك بها الشرطية.. وتتعلق بساقه وهي منهارة على الأرض وتصرخ بين شهقاتها:
عمي زايد.. عمي زايد.. طالبتك.. طالبتك تأخذني معك.. لا تخليهم يفضخوني..
والله العظيم ماسويت شيء.. ماسويت شيء.. ولا عمري شفت ذا الشباب..
هلي بيذبحوني لو دروا.. بيذبحوني..
تكفى ياعمي.. تكفى.. طالبتك.. طالبتك.. أحب رجلك خذني من هنا..
زايد كاد يجن من صراخها ومن تدافع دم الحمية في عروقه.. وهو يشدها عن الأرض ويخفيها خلفه..
ويهتف لها بحزم بالغ ووجهه محمر من شدة تدافع الدم:
وصلتي يأبيش.. وصلتي.. والله لو أنش ذابحة لش حد.. ما اطلع من ذا المكان إلا بش..
زايد دخل على الضابط وهي مازالت مختبئة خلفه..
وفهم منه المسألة.. ثم تفاهم مع الشباب.. واستطاع اقناعهم بالتنازل بضغط منه وبمعرفته لأباء اثنين منهم..
وهم أيضا كانوا يريدون التنازل أساسا لكنهم كانوا يخشون من ردة فعل البنات.. وخصوصا أن إصابة زميلهم بسيطة.. وجرحه سطحي..
ولكن كانت المشكلة أنه لابد من معرفة اسماء البنات لإغلاق المحضر..
ولكن البنات بقين مصرات على عدم ذكر أسمائهن..
حينها هتف زايد بحزم للضابط: خلاص يأبو فلان.. البنات في وجهي وباين أنهم بزران..
خلهم يروحون.. وبلاها المحضر من أساسه..
وهذا عيالي تنازلوا عن الموضوع..
ابتسم الضابط: أبشر يأبو كساب.. عشان خاطرك وجيتك لين مكاننا ماحن برادينك.. ودام الأطراف كلهم متنازلين.. خلاص سهالات..
حينها خرج زايد بالفتيات معه .. وتمنت وضحى حينها أن تركع على قدميه وتقبلها..
لم تخيل أنها قد تخرج من هذا المكان إلا مع مهاب وهي تتخيل ما الذي سيحدث بعد ذلك على يد مهاب..
تتخيل فيلما مرعبا بحق ستعيش فيه حياتها كلها.. حين يشتهر أمر دخولها لمركز الشرطة والحكايات المبهرة بالكثير من البهارات التي ستنتشر بعد ذلك!!
حين ركبن الفتيات في سيارة زايد انخرطن ثلاثتهن بالبكاء..
هتف بحزم غاضب ودون أن ينظر لهن في الخلف:
أنا ماني بناشدكم أنتو بنات من.. وحتى لو دريت ماني بقايل لأحد..
لأنكم مثلكم مثل بناتي..
ويأبيكم البنت ألزم ماعليها سمعتها وسمعة أهلها..
تخيلوا شكل ابانكم لو أنهم اللي واقفين ذا الموقف .. وش يسوى عليهم ذا الفضيحة؟؟
البنت الحشيم ما تخلي لأحد عليها طريق..
الفتاة صاحبة الدعوة طلبت من زايد أن يعيدهن للمجمع حتى يعدن مع سائق البيت الذي ينتظرهن هناك..
أنزلهن فعلا.. لكنه تبعهن حتى رأهن يدخلن أحد البيوت..
ورغم معرفته من صاحب البيت.. لكنه قرر أن ينسى الحكاية.. كحكايات كثيرة غيرها..
وكن بالفعل يعدن للبيت في حدود الساعة الواحدة والنصف ظهرا..
وضحى والفتاة الأخرى لم تجلسا حتى.. وهما تطلبان من أم الفتاة أن توصلهما..
حاولت فيهما أن تجلسا ..
ولكن كل واحدة منهن لم تكن تريد رؤية الأخرى حتى.. والموضوع يُدفن في صدر كل واحدة منهن بقرار مشترك لا اتفاق فيه..
ولأن كل واحدة منهن عرفت خطر هذه الحكاية وهي تحمد الله على انتهاءها بسلام.. وتقرر أن تدفنها بسلام أيضا..
وهذا ماحدث فالسر بقي مدفونا حتى عدة أيام..
رغم أنه كان أحد أهم حدثين في حياة وضحى..
أحد الحدثين الذين أحدثا تغييرا هائلا في حياتها..
هذا الحادث.. ووفاة مهاب!!
فهذا الحادث جعلها تستسلم لكاسرة تماما ولقوة شخصيتها..
وجعلها تتقوقع داخل ذاتها إلى حد ما..
فهي رأت أن كاسرة كانت محقة.. فهي لا تستطيع التصرف وحدها..
وستبقى دائما محتاجة للتوجيه والحماية..
إحساسها بالذنب خنق روحها.. وجعل نفسها مكسورة للجميع..
فهي تحت سيطرة كاسرة وحماية مهاب وأخوة تميم وأمومة مزنة.. وهي تستمد وجودها منهم!!
وقد تكون الحادثة كحادثة انزوت في ذاكرتها وهي تحاول نسيان الرعب الذي عاشت فيه.. ولكن أثرها بقي مسيطرا عليها لأبعد حد..
وهو يشكل لها شخصية هلامية ظاهرة تختلف عن شخصيتها الحقيقية...
لتحدث الردة المعاكسة حين توفي مهاب.. انتفضت روحها من شدة الصدمة..
فسندها القوي ذهب.. وكاسرة تزوجت.. وأمها لن تعيش لها أبد الدهر!!
فحتى متى ستعيش في الظل تتجرع مرارة تجربة لا ذنب لها فيها..؟!!
ثم حين سمعت وضحى أن زايدا تقدم لوالدتها..
تفجرت في روحها رغبة عاصفة عمرها أكثر من ست سنوات..
قضتها وهي تعيش امتنانا عميقا لهذا الرجل الذي أنقذها وهو لا يعلم حتى من هي!!
أنقذ حياتها كلها ومستقبلها وسمعتها وسمعة أهلها من الضياع والامتهان..
هذا الرجل الذي حلمت ليال طويلة أنها قد تستطيع يوما تقبيل رأسه وكفه!!
لا تنكر أنها فعلا تمنت حين خطب كساب كاسرة لو أنه خطبها هي..
أمنية مستحيلة تعلم أنها لن تتحقق.. ولكنها تمنتها من أجل زايد فقط.. فهو سيصبح حينها محرما لها..
ثم تمنت لو استطاعت كاسرة فعلا أن تجعل عليا يخطبها.. لذات الأمنية..
ولكنها في النهاية أصبحت تاخذ الأمور ببساطة .. فليست كل الأماني تتحقق..
وللإنسان قدر مكتوب له لا يتجاوزه..
ويبدو أن زايد الرجل المثال النادر سيبقى القرب منه حلما لن تستطيع نيله!!
حتى علمت بخطبته لأمها حينها انتفضت روحها وأمنياتها.. فالحلم أصبح قريبا جدا..
كان يستحيل أن تجبر أحد ولدي زايد على الزواج منها..
لكنها تستطيع إجبار أمها على الزواج من زايد!!
وإن كانت الحكاية وحدها كافية لدفع كل دماء الحمية والغضب في روح تميم.. وهي تستفزه لرد الجميل لهذا الرجل الذي حافظ على سمعته..
وجعل رأسه مرفوعا بين الناس وهو لا يعرفهم حتى..
فهي لم تكن كافية مع والدتها التي فور أن أخبرتها بالحكاية صفعتها على وجهها بكل قوتها...
ثم شدت لها نفسا عميقا جدا وهتفت بحزم مرعب:
هذا كف وجيعتي إنش دسيتي علي ذا السالفة ذا السنين كلها..
أدري مالش ذنب إلا أنش خبلة وكلمة تجيبش وكلمة توديش..
بس مستوجعة منش واجد.. مستوجعة..
أنتي عارفة وش سويتي فينا.. بغت سمعتنا كلها تروح.. عشان خطأ تافه سببه خبالتش..
وعقبه تدسين السالفة علي كنه ماصار شيء؟!!
وضحى همست بحزم غريب ودون أن تلمس خدها المحمر حتى:
ماعليه اضربيني.. أنا أستاهل الضرب أصلا..
بس وافقي على عمي زايد.. طالبتش..
مزنة بحزم أشد: آسفة..منتي بمشية شورش علي..
أبو كساب راعي الأولة.. وفعايله كلها فعايل الطيب..
وما أقدر أرد له جميله علينا لو مهما سويت .. ستر بنتي وحافظ على سمعتنا..
بس خلاص سالفة وانتهت وسكريها.. ولا عاد أسمعها على لسانش..
حينها وقفت وضحى بذات الحزم الغريب:
بس السالفة ذي أنا قلتها لتميم خلاص.. وإذا أنتي شايفة إن زايد اللي ستر على بنتش ما يستاهل إنه يكون لش رجّال ولنا أب..
فأنا الحين وربي اللي خلقني.. واللي ما أحلف به باطل لأروح وأخذ تلفون كاسرة وأتصل بزايد نفسه..
وأعلمه بنفسي بالسالفة كلها.. واقول أنا مستعدة أتزوجه دامش ما تبينه..
وحتى لو هو ما يبيني على الأقل وصلت له إحساسي بجميله علي!!
حينها أتبعت مزنة صفعتها الأولى بصفعة ثانية جعلت خد وضحى يشتعل احمرارا فعلا ومزنة ترتعش من الغضب:
يعني يوم ستر عليش الرجّال وهو ماحتى عرفش.. تبين تفضحين روحش وتفضحيننا؟؟
وبعد تروحين وتعلمين تميم وتحرقين قلبه يا اللي ما تستحين!!
وضحى تقاوم اختناقها بعبراتها وهي تحاول أن تهمس بحزم موجوع:
أنتي اللي محسستني إني شيء تافه.. ومالي قيمة عندش.. وحتى ذا الشيء الكبير في حياتي ماله قيمة عندش..
أقول لش الرجّال ستر علي وعليكم وأنتي ولا هامش!!
يعني لو ذا الشيء صار مع كاسرة وهي اللي طلبت منش كان مستحيل تردينها..
بس أنا مالي قيمة.. مالي قيمة!!
حينها ماعادت مزنة قادرة على السيطرة على نفسها وهي تصفعها للمرة الثالثة على ذات الخد..
ثم في ذات اللحظة.. تشدها لتحتضنها بقوة بالغة.. ولكن جسد وضحى كان متصلبا تماما..
رغم أنها تمنت أن ترتمي في حضن أمها وتنتحب.. فلأول مرة تفعل أمها ذلك وتضربها..
ولكنها خشيت أن تنفجر في بكاءها الذي بات على أطراف رموشها وحنجرتها..
مزنة مازالت تحتضنها وهي تهمس في أذنها بحنان غريب مختلط بالحزم والغضب:
يأمش قهرتيني.. قهرتيني..
قهرتيني بأول السالفة وتاليها..
*******************************
" وين المدام يا أستاذ كساب؟؟"
كساب يلتفت لمزون بحدة وهو يرتشف قهوته ويهتف لها بنبرة مقصودة:
إذا عرفتي أشلون تسألين أخيش الكبير
عرفت أشلون أجاوبش..
حينها همست مزون بذات النبرة المقصودة الغاضبة التي تعلم أنها أغضبته:
وش فيها يا أستاذ كساب؟؟
مهوب أنا طلعت السكرتيرة اللي تنفذ بدون تفكير..
حتى لو كان اختطاف..!!
ضحك كساب ضحكة قصيرة ساخرة:
اختطاف !! مرة وحدة!!
لا نكون في شيكاغو على غفلة!!
وعلى العموم المدام نايمة فوق.. والباب مفتوح عليها.. يعني ماراح تلاقينها مربوطة في الدولاب..
وإسأليها كم طلبت منها فدية للاختطاف ياقلب أخيش؟؟
نجح في إشعارها بالذنب.. واحتقار تفكيرها وفعل ذلك ببراعة فائقة.. !!
محق؟؟.. هل هناك رجل يختطف زوجته؟؟.. ربما أراد فقط فرصة للتحدث معها..
وأقنعها حينها بالعودة له؟؟
مزون صمتت .. حينها هتف كساب بثقة المسيطر: وين علي؟؟ قام وإلا بعد؟؟
مزون بسكون: إبي رجعه للمستشفى..
ابتسم كساب: ماشاء الله العريس قايم من بدري..
ابتسمت مزون: والعروس نزلت قبله وراحت لابيها.. وتقول لك لو سمحت بطل الباب عشان ترجع معه..
ابتسم كساب: حاضرين نبطل الباب..
***************************************
" الحين لين متى وأنتي تبكين كذا؟؟"
وضحى مازالت تحتضن خصر والدتها وتنتحب: ماهقيت تميم يقول لي كذا؟؟
تميم؟؟
سالفة صارت قبل 6 سنين ومالي ذنب فيها.. وكل شيء عدا على خير..
يرجع يحاسبني عليها.. لا ويبي يحبسني في البيت.. يقول ماني بكفو ثقة؟؟
أنا؟؟ أنا يقول علي كذا؟؟
مزنة تحتضنها وهي تهمس بحنان مختلط بالحزم: لا تلومينه يأمش.. اللي سويتيه مهوب بسيط..
ولا تقولين مالها قيمة.. لأنه أنتي خليتي لها كل القيمة..
يعني عطيه وقت لين يستوعب الفكرة.. أنتي بالذات عارفة قرب تميم منش..
موجوع منش واجد..
وضحى حاولت أن تعتدل وهي تمسح وجهها وتهمس بنبرة مختنقة:
أنا شغلتش بنفسي.. أشلونش يمه ؟؟ عساش مبسوطة؟؟
كنت أبي أطلع وأجيب لش فوالة وأجيش.. بس ماخلاني..
ثم عادت لتنخرط في البكاء الذي تحاول الخروج من أجوائه..
مزنة شدتها وهي تربت على كتفها وتهمس بحزم: بس يامش خلاص..
خلاص أنا باكلم تميم..
وضحى برفض: لا يمه.. خلي خاطره يطيب من نفسه ما أبيش تجبرينه على شيء.. أنا وتميم نعرف نتفاهم..
ثم أردفت بتساؤل وهي تحاول التماسك: يمه كاسرة جاتش؟؟ مالقيتها في البيت..
حينها وقفت مزنة وهتفت بحزم غاضب: لا مابعد شفتها.. الشيخة رجعت لرجالها من البارحة..
وضحى بصدمة حقيقية: نعم؟؟ أشلون ترجع بدون حتى ماتعطي حد منا خبر؟؟
مزنة بذات الغضب الحازم: هذا موضوع باتفاهم معها فيه .. بس خلني أشوفها..
أنا أفرح ماعلي.. ترجع لرجالها.. كل أم تبي مصلحة بنتها.. بس السنع سنع..
ثم أردفت بتساؤل: ووينها سميرة بعد؟؟.. ماشفتها!!
وضحى تمسح وجهها وتهمس بسكون: ما أدري حتى أنا ماشفتها من البارحة..
حينها نهضت مزنة لتتوجه إلى غرفة ابنها.. طرقت الباب ولم يجبها أحد..
حينها فتحت الباب بخفة ودخلت..
كانت الأضواء كلها مقفلة.. والغرفة غارقة في ظلام خفيف رغم أن الوقت قبل صلاة الظهر بقليل..
كان هناك جسد مغطى على السرير.. مزنة اقتربت أكثر وهي تهمس بحنان:
سميرة يأمش.. أنتي عادش راقدة ؟؟ عسى منتي بتعبانة؟؟
حينها لاحظت مزنة أن الغطاء بدأ بالارتعاش.. مزنة اقتربت أكثر وجلست جوارها وهي ترفع الغطاء وتهمس بحزم:
سميرة وش فيش؟؟
سميرة كانت منكبة على وجهها وفور أن رفعت مزنة عنها الغطاء استدارت وهي مازالت متمددة لتحتضن خصر مزنة
وتنتحب بطريقة هستيرية وهي تدفن وجهها في حضن مزنة..
مزنة كادت تجن وهي تراها على هذا الحال وهي تسألها برعب:
حد من هلش فيه شي؟؟
سميرة بدأت تهذي بطريقة مقطعة وبصوت مبحوح مرهق..
لأنها لم تنم مطلقا منذ البارحة بل قضت طوال الليل حتى اليوم في البكاء:
تميم .. قرفان .. مني.. ما يبيني... ويقول.. روحي... لبيت.. هلش..!!
ما يبيني.. ما يبيني.. يقول ما يبيني.. ويكرهني..
مزنة همست لها بحزم خافت: أششششششش.. خليني أسكر الباب..
مزنة نهضت بالفعل وأغلقت الباب وأشعلت الإضاءة.. ثم عادت لها وهي تهمس بحزم حنون:
يا الله هاش اشربي ذا الماي وقولي بسم الله واهدي.. وعقب قولي لي السالفة كاملة!!..
سميرة اعتدلت جالسة لترتعب مزنة من انتفاخ وجه سميرة من البكاء واحمراره المتفجر..
مزنة احتضنتها بحنان وهي تجلس جوارها.. حينها عادت سميرة للبكاء.. مزنة انتظرت حتى أفرغت طاقة بكاءها كاملة..
ثم سألتها مرة أخرى... لتخبرها سميرة بالحكاية كلها بدون أن تخفي عليها أي شيئا فهي فعلا تعبت وتريد حلا نهائيا لمشكلتها..
مزنة شدت لها نفسا عميقا ثم سألت بحزم: سميرة يأمش بأسألش وجاوبيني..
أنتي ماتبين قرب تميم نفسه عشان الجرح اللي بينكم أول..؟؟
أو أصلا ما أنتي متقبلة قرب رجّال وخايفة منه..؟؟
لأنه يا سميرة يامش إن كنتي حاسة إن فيش خلل.. ترا مافيها شيء نراجع دكتورة نفسية.. هذا علم!! وأنا باوديش وماحد راح يدري بشيء..
سميرة بجزع: دكتورة؟؟ لا لا يمه..
مزنة تحاول تهدئتها: لا تخافين والله ماحد يدري بشيء..
مزنة تؤمن فعلا باهمية العلم ولا ترى مشكلة في اللجوء للطب النفسي كعلم.. فهي من كانت أقنعت أم عبدالرحمن أن تسمح لجوزاء بالذهاب لطبيب نفسي رغم أنها كانت رافضة بشدة وتقول "بنتي مافيها شيء!!"
سميرة انفجرت في البكاء وهي تهمس بين شهقاتها: والله أني أبيه.. وما ني بخايفة منه ولا من فكرة قربه مني..
بس يوم أشوفه جاء جنبي ما أدري وش يصير لي..
حيا.. زعل .. تغلي عليه.. ما أدري!!
مزنة بمنطقية هادئة: اسمعيني سميرة.. يوم كنتي مطنشته مرة واحدة.. كان راضي لأنه يعرف إنش ماسامحتيه على غلطته..
بس أنتي عقب صرتي تقربينه.. والرجال يأمش مهوب حجر..
وصعب عليه يمنع نفسه خصوصا يوم تكونين أنتي معطيته الضوء الأخضر وعقب عند حد معين تبين توقفينه..
السالفة مهيب لعبة.. وواجد توجع الرجال..
الحين بأسألش سؤال محدد ومافيه داعي تلفين وتدورين.. أنتي تبين تميم وتبين ترضينه وإلا لأ..؟؟
سميرة بين سيول دموعها: والله أني أبيه.. بس هو الحين اللي هج مني ويقول مايبيني.. ولا حتى يبي يقعد معي في غرفة وحدة..
حينها هتفت مزنة بحزم: خلاص قومي جهزي شنطتش وروحي لبيت هلش..
سميرة بجزع: نعم..؟؟ بس أنا ما أبي أروح لبيت هلي.. ما أبي..
مزنة بدهاء: يا الخبلة.. هو قالش روحي وما أبيش.. تبين ترخصين روحش..؟؟
سميرة تبكي: بس أنا الغلطانة.. وما ابي أروح..
مزنة بذات الدهاء: ياصبر أيوب عليش.. الرجال مثل ماهو مايبي مرته تتغلى عليه..
تراه مايبيها ترخص روحها له..
يعني ترا التصرف الطبيعي اللي هو متوقعه منش إنش بتزعلين صدق وبتروحين لهلش..
يعني هو يبي يكبر السالفة.. خليها تكبر!!
لكن هو مافكر في توابع ذا الشيء... البيت بيخلا عليه بروحه..
لأني لو رحتي.. بأخذ بنتي وضحى عندي.. ما أقدر أخليها في البيت بروحها وتميم طول اليوم طالع..
بنقعد عند إبي لين الليل وعقبه بنروح..
الشيء الثاني يا الخبلة.. الولد يموت عليش.. أنتي ما تشوفين؟؟.. بس مجروح منش ويبي به وقت بس..
أنتو بصراحة يا بنات ذا الأيام أما عندكم عمى ألوان وإلا عقولكم متركبة بالمقلوب..
أنتي الولد ميت عليش وأنتي منتي بعارفة أشلون تعاملين معه..
والثانية رجالها بيموت عليها من أقصاه.. بيّن حتى في عيونه ونظراته لها وهي ولا حاسة..
ثم أردفت مزنة بألم: أدري إنه اللي أسويه في تميم قاسي وهو بروحه موجوع.. ولا هذا بوقته..
بس شأسوي فيكم اللي اخترتوا ذا الوقت بالذات عشان تتزاعلون..
عطيه وقت يفكر بصفاء ذهن..
صدقيني يومين وبيرجعش.. بس ذاك الوقت يا ويلش يا سمور ويا سواد ليلش تصدينه تيك الليلة..
سميرة وكأنها بدأت تقتنع: بس أنا ما أبي هلي يدرون إني زعلانة على تميم..
مزنة تبتسم بأمومة: أصلا أنا ما أبيش تقولين إنش زعلانة.. ولا حد يدري!!
قولي إنش منتي بطايقة البيت عقبي..
مهوب أنتي كنتي مادة لسانش إنش بتهجين من البيت عقب ما أروح؟؟؟
بس تكفين يأمش ريحيه.. خلاص.. كفاية اللي شافه..
****************
"علوي.. يأمش وش ذا الرقاد كله؟؟
والتلفون مسكر بعد!!"
عالية تنهض من سريرها بجزع وهي تخفي معالم وجهها المتورم من البكاء..
وتهمس بذات الجزع الشفاف: يمه أنتي طالعة لين هنا بروحش؟؟
كان أرسلتي لي وحدة من الخدامات وأنا نزلت..
أم صالح تجلس بإرهاق وهي تهمس بقلق: أرسلت الخدامة قالت لي إنش مطفية الليتات ومنسدحة وخافت تقومش تغسلين شراعها..
فأنا تروعت لا تكونين تعبانة.. تعالي خلني أعس رأسش.. وجهش مهوب زين!!
عالية تجلس جوار والدتها لتقبل كتفها وتهمس بصوت مبحوح:
تعبانة شوي يمه.. شكلها سخونة..
" يا الله يا أمي.. لو تعلمين أي حمى أصابتني من البارحة لليوم..!!
من المؤكد أني هذيت حتى كدت أصاب بالجنون..
يا الله يأمي.. لو تعلمين كم أشعر بنار محرقة تستعر في صدري وعجزت عن إطفاءها..
نعم حمى!! وحمى حقيقية!!
المسي جبيني ستجدينه مشتعلاً بالحرارة التي اجتاحت كل جسدي..
يا الله.. يــا.......... حتى اسمه ماعدت قادرة على نطقه..
اسمه الذي كان أعذب الاسماء على لساني.. ماعدت قادرة على نطقه حتى
بل لو استطعت لقطعت لساني الذي همس له بكلمات لا يستحقها..
لو استطعت لأحرقت قلبه كما أحرق قلبي بدون رحمة..
النذل.. النذل..!!
الخائن.. الخائن.. الخائن !!! "
لم تنتبه عالية أنها أصبحت تهذي بصوت مسموع وهي تصرخ بغضب مكتوم وهي تلكم فخذها بقبضتها : الخاين.. الخاين.. الخاين..
أم صالح بجزع: من الخاين ذا؟؟
ثم ابتسمت أم صالح بحنان أمومي وهي تنظر أمامها:
فديت قلبه..وش خاين ذي.. يبي يسوي لش مفاجأة عشان كذا ماعلمش بجيته!!
عالية انتفضت بجزع أنها كانت تهذي بصوت مسموع وهي لا تعلم عن ماذا كانت والدتها تتحدث..
لتنظر هي أمامها أيضا..
لتجده واقفا أمامها تماما.. وهو يهتف بابتسامته الغالية: خاين مرة وحدة يالدبة عشان ماعلمتش بجيتي..!!
الشرهة على اللي يبي يسوي لش سربرايز.. أنتي ووجهش..
حينها قفزت عالية لتتعلق بعنقه وهي تنتحب بشكل جنائزي مفاجئ.. لدرجة أنها انهارت بين يديه وهو يحاول رفعها دون جدوى..
حتى شدها بقوة وأجلسها على السرير وجلس جوارها.. دون أن تترك جيبه وهي متعلقة بحضنه وتدفن كامل وجهها في صدره حتى أغرقت صدره بدموعها
بينما هو كان ينظر لأخته متسائلا: وش فيها؟؟
أم صالح همست بقلق وتأثر بالغين: الله يهداك نايف فجعتها وهي مشتحنة لك.. البنية بغت تستختف.. كان خليتني أعلمها بجيتك أول..
نايف يعلم أن هذا ليس كله تأثرا من لقاءه.. حتى مع قوة علاقتهما ومتانتها.. ولكنها تراه بشكل يومي وهما يتحادثان عبر كاميرا الحاسوب..
لذا هي لم تفتقد رؤيته للدرجة التي تجعلها تبكي بانهيار هكذا!!
همس لأم صالح بنبرة حازمة مقصودة: صافية فديتش.. خلاص تروحين وتخلينا بروحنا شوي؟؟
أم صالح همست بقلق: بس!! بس أبي اشوف وش فيها..
نايف بذات النبرة الحازمة المقصودة: مافيها إلا العافية.. شوي وأنزل أنا وياها نتقهوى معش..
أم صالح خرجت وهي تتعكز على عصاها.. بينما نايف بقي محتضنا لعالية حتى أنهت ثورة البكاء..
حينها شدها بحزم حان ليرفع وجهها إليه: علوي وش فيش؟؟
أخفضت وجهها وهي تهمس بصوت مبحوح: مافيني شيء بس اشتقت لك.. وشفتك فجأة قدامي.. ماقدرت أمسك نفسي..
نايف بنبرة شك: علي يا علوي ذا الكلام؟؟ من متى ذا الحساسية؟؟
عالية عاودت وضع راسها على صدره بسكون وهي تهمس بصوتها المبحوح:
يا قدرة الله... تخيل أنا صرت حساسة.. وغبية.. وكلمة توديني وتجيبني..
نايف احتضنها بحنو: وغير كذا.. وش عندش مخبى؟؟
خلينا من الأونطة لأني ما أكلها.. حطي عليها شوي بهارات وملح يمكن تنبلع بس مالغة كذا مستحيل..
عالية همست بسكون صادق: مضغوطة بس يانايف من أشياء كثيرة وتعبانة ومسخنة..
وشوفتك هزتني واجد.. لأني فعلا كنت محتاجة وجودك جنبي.. وبس..
نايف ابتسم: زين صدقناش.. خلني أستانس أنش بكيتي عشاني واحطها في التاريخ..
ولو أنه الظاهر أنش تبين تمثلين على عبدالرحمن دموع التماسيح..
المسكين تخيلي لقيته قاعد في مجلسكم بروحه ماعنده حد غير المقهوين..
والمقهوين يقولون إنه جاي من صبح.. ويبي أبو صالح بس مالقاه.. ومصمم ينتظره..
قلت له بأسلم على هلي وأجيك..
ثم ضحك نايف: يوم قلت له بأسلم على هلي.. حسيت وده يقوم ينط من الكرسي ووجهه فيه حكي..
عالية حينها قفزت وهي تهمس بقلق عميق لنايف: خلاص نايف انزل لأمي شوي وأنا جايتك الحين.. بأغسل وجهي..
فور أن خرج نايف فتحت هاتفها.. عشرات الرسائل... أولها قلق مليء بالقلق واللوعة.. والرجاءات العميقة أن تطمئنه عليها
وأخرها غاضب محمل برائحة تهديد أنه سيتصرف تصرفا لن يرضيها لو لم ترد عليه..
عالية بدأ ذهنها العملي المتفوق يعمل على عدة جهات...
لماذا أتى؟؟ يريد أن يطلقها ؟؟أو يخبر والدها بما حدث..؟؟ او حتى يقهرها حين يجبرها على مواجهته بحجة الرؤية الشرعية؟؟
لن ترضى بأي خيار من هذه الخيارات.. لن ترضى.. على الأقل حتى تنفذ مخططها..!!
وستعرف كيف ستنتقم من هذا الخائن على مافعله بها وهو يمتهن مشاعرها..
ويستغلها بكل حقارة وجبن يغلفها بمثاليته السمجة التي لا معنى لها!!
سيدفع ثمن الحرقة التي لم تذق مثلها في حياتها كلها وهو يحطم قلبها بكل قسوة..
وكل ذنبها هو حبها له!!
هذا هو كل ذنبها!!
عالية تناولت هاتفها لترسل له:
" عبدالرحمن لو سمحت لا تدخل حد في مشاكلنا..
خلني لين أروق شوي وعقبه نتفاهم!!"
وصلها رده خلال ثوان:
"كلميني!!"
عالية أرسلت له:
" عبدالرحمن أرجوك.. كفاية اللي سويته فيني البارحة
ترا الذبح في الميت حرام..
خلني لين أروق..
حرام يعني؟؟.. وإلا لازم تقهرني عشان ترتاح؟؟"
عبدالرحمن كان مازال جالسا في مجلسهم في انتظار إبي صالح وبرأسه مخطط ما
فهو لم يستطع أن ينم مطلقا وقلقه عليها يمزقه..
لم يرد أن يسال جوزا عنها لأنه خاف أن تخبر عبدالله وخوفه هو على عالية وليس على نفسه.. فختاما فهو رجل ولن يُحاسب على شيء..
والحساب كله سيكون لها!!
حينها وصلته رسالته.. عاجز عن وصف إحساسه حين وصلته..
الأمر أصبح معقدا جدا بينهما..
ظنها ستتقبل مثاليته المندثرة غير المعقولة..!!
ظنها ستفهم لماذا سيفعل ذلك!! وظنها ستتقبل صراحته معها!!
كان يعلم أنها ستغضب لابد.. ولكن ليس إلى درجة تجريحه بقسوة!!
وفي ختام الأمر كانت هي كل ما أشغل باله!!
حين قرأ رسالتها.. لا يعلم فعلا كيف يصف إحساسه.. أراد أن يسمع صوتها..
مثقل بالوجع واليأس والعشق والألم اللامتناهي..
وإحساس العجز دائما يزيده إحاسيسه قسوة وحدة..
وحين وصلتها رسالتها الثانية.. التفت لأمجد وهتف بإرهاق:
يا الله يا أمجد.. اتصل في السواق وخله يشغل السيارة وينزل.. عشان تشلوني للسيارة..
بنمر المسجد أول.. ماعاد باقي على صلاة الظهر شيء!!
**************************************
كان يجلس عند علي النائم وذهنه مشغول تماما منذ عاد من صلاة الظهر
كما هو مشغول منذ الصباح!!
الآن في وضح النهار.. وأشعة الشمس.. يتذكر بوضوح جلي ليلة البارحة الأسطورية..الحلم غير المعقول!!
يتذكر كل ماحدث.. كل لمسة.. كل همسة!!
وهذا التذكر أرهقه واستنزفه لأبعد حد..
البارحة لشدة وطأة مشاعره عليه.. شعر كما لو كان في غيبوبة.. غيبوبة لذيذة.. قاسية.. جارحة.. عذبة..
ليس نادما مطلقا على بوحه بمشاعره.. فهو كان يحتاج فعلا لهذا البوح حتى يرتاح!!
ولكنه يخشى نتائج هذا البوح على مزنة.. مزنة الحالية!!
بوحه لها بمشاعر لم تعد لها.. بل هي لمحبوبة في خياله هي كل مابقي منها!!
وربما لو تكرر هذا الموقف مرة أخرى.. لن يتردد في البوح بمشاعره بذات الطريقة..
لا يعلم أي تعارض وتناقض هذا!!
ولكن يبدو أن التناقض سيصبح أحد ملامح علاقته بزوجته الجديدة!!
تماما كما يشعر الآن بعدم الرغبة في رؤيتها لأنه حين يراها رؤيتها ستجدد جروح اختفاء مزنة وملامحها..
وفي ذات الوقت يشعر برغبة عارمة أن يراها..
وإن كان يعلم تماما لماذا لا يريد أن يراها.. فهو لا يعلم لماذا يريد أن يراها!!
هل يريد تعذيب نفسه على الجهتين.. خائن لمزنة وقبل ذلك لوسمية!!
" يا الله ماكل هذا التعقيد!! "
والأغرب أنه يريد الاتصال بها.. حتى يخبرها أنه لن يعود إلا في الليل.. من باب الذوق واللباقة!!
ولكنه عاجز عن سماع صوتها.. عاجز عن سماع همسها ينسكب في أذنه مباشرة..
مع أنه أخذ رقمها اليوم صباحا قبل أن يخرج على أنه سيتصل بها!!
تنهد وهو يتناول هاتفه ويتصل بها.. فهو يعلم أن عدم اتصاله بها سيظهره بظهر غير لبق إطلاقا.. وخصوصا أنه اتصل بمزون عدة مرات..
فكيف لو كانت جوارها وهو لم يتصل بها أبدا ؟!!
اتصل بها.. حينها كانت تعود للتو بعد أن أوصلت سميرة لبيت أهلها..
وطلبت من وضحى أن تجهز لها عدة غيارات لأنها ستنام عندها الليلة
حتى تعود سميرة المرهقة نفسيا من غياب مزنة!!
على أن تعود مزنة لبيت أولادها العصر قبل خروج تميم..
حتى تكون مع وضحى.. التي عاد لها تميم الآن!!
كانت مزنة تريد استبدال ملابسها لتبحث عن كاسرة التي لم تريها وجهها اليوم..
حينها اتصل بها زايد.. ردت بهدوء عذب: هلا أبو كساب..
صمت لثوان.. يبدو أن معجزة صوتها سيبقى عاجزا عن تجاوزها.. ثم هتف بثقة:
هلابش.. أشلون الوالد وبناتش يوم جيتهم اليوم؟؟
مزنة بذات الهدوء الواثق العذب: طيبين طاب حالك.. وترا وضحى تبي تجي عندي يومين بعد أذنك..؟؟
زايد بأريحية: لا تشاورين في حلالش.. حياها الله..
ثم أردف بثقة باسمة راقية: زين تراني بتأخر لين الليل... بعد أذنش طبعا!!
ابتسمت مزنة: مرخوص.. طال عمرك.. وسلم لي على علي..
" حلوة ذي (بعد أذنش) يبه.. ممكن نستفيد منها عقب!!"
زايد يلتفت على علي ويبتسم: الظاهر كساب صادق إنك سكني..
أو أنك أساسا ما ترقد وقاط أذنك..
علي اعتدل جالسا وهمس بابتسامته الصافية: مستعد أروح في غيبوبة كل ماكلمتوا المدامات أنت وولدك..
بس علمني وش صار البارحة؟؟
ابتسم زايد بفخامة: إذا سألتك أنا عقب أسبوعين وش صار البارحة؟؟
يحق لك تسألني ..
اللقافة شينة يا أبيك!!
*************************************
دخل إلى جناحه بحذر وهو يحمل كيسا فخما في يده.. بحث عنها في أرجاء الجناح فلم يجدها.. لكنه سمع صوت ماء الاستحمام في حمام غرفة النوم..
قرر أن يجلس في انتظارها حتى تخرج.. لولا أنه قاطع قراره طرقات على باب الجناج الرئيسي..
فتح الباب ليجد عمته أمامه.. قبل رأسها وهو يهتف بمودة حقيقية:
ألف مبروك يمه..
مزنة أجابته وهي تنظر لما خلف ظهره: الله يبارك فيك..
وأنت بعد مبروك.. وينها العروس اللي ما ترد على اتصالاتي؟؟
كساب هتف بثقة: تسبح.. والتلفون من البارحة وهو هنا في الصالة..
مزنة بنبرة مقصودة: وياحرام مالقت وقت حتى تبلغني بقرارها بالرجعة!!
أو أنت وإياها ماعاد تعرفون السنع.. اللي براسكم تسونه ماكن لكم كبير تردون له الشور حتى..
كساب بحزم بالغ: يمه عندش كلام يوجع.. قوليه كله لي.. كاسرة مالها ذنب..
أنا ضغطت عليها عشان ترجع لي..
وكفاية اللي أنا سويته فيها.. يعني لا تزيدينها عليها..
مزنة بغضب حازم: وأنت يعني سحبتها غصبا عنها..؟؟ لو أنها ما تبي ترجع ماكانت رجعت..
بنتي وأعرفها..
يا ولدي أنا وش أبي أساسا؟؟ ما أبي إلا مصلحتكم وإنها ترجع لبيتها..
بس أنت وإياها مضيعين السنع كله..
كساب عاود تقبيل رأسها وهو يهتف بلين مدروس: دامها مايهمش إلا مصلحتنا
فخلش من المظاهر اللي مالها داعي.. المهم إنها رجعت وفي بيتها..
بس طالبش يمه ما توجعينها في الحكي..
مزنة بحزم وهي تغادر: ماعليه يأمك.. اسمح لي.. ما تقدر تردني إني أعلم بنتي السنع إذا هي ما تعرفه..
إذا طلعت من الحمام خلها تجيني..
كساب عاد للداخل.. كانت تخرج للتو من الحمام..
شعرها المبلول يتناثر على كتفي روبها..
وخداها محمران تماما.. كخدي طفل لفحتهما الشمس..
جسدها يرتعش بخفة غير ملحوظة..
أشاحت بوجهها حين رأته.. بينما كان كل ما يتمناه أن يشدها إلى حضنه ليمسح النظرة اليائسة التي شعر بها تنحره على أطراف أهدابها..
جلست على طرف السرير وهي تتجاهل وجوده..
جلس جوارها وهو يمدها بالكيس الذي كان معه..
لم تتناوله منه.. فاستخرج العلبة المربعة الفخمة التي كانت فيه!!
وضعها في حضنها وهو يهتف بهدوء حازم مختلط بالأريحية: هذي رضاوتش..
أجابته بسكون بارد ودون أن تنظر ناحيته: ما أتذكر إني رضيت عشان تجيب لي رضاوة..
رأى أنها يبدو أنها لن تفتحها مطلقا.. لذا فتح الغلاف بنفسه وهو يستخرج العلبة التي بدأ على سطحها اسم ماركتها الاستثنائية ..
ثم استخرج السوار الماسي الثمين جدا.. الذي أختلطت فيه الماسات الشفافة بالألماسات السوداء..
كانت تعلم يقينا أنه يتجاوز على الأقل سعر هدية جميلة التي أثارت غيظها وغيرتها.. بضعف السعر.. إن لم يكن الضعفين..
ألبسها السوار بنفسه في معصمها.. لم تمنعه..
ولكنه حين انتهى.. خلعته وأعادته في العلبة وهي تهمس بحزم بصوتها المرهق:
آسفة ما أقدر أقبله.. رجعه.. بيعه.. تبرع فيه.. لأنك أكيد محتاج لثواب التبرع..
كساب هتف بغضب: نعم؟؟ أرجعه؟؟ لمعلوماتش يامدام الأسوارة هذي انطلبت لش مخصوص من برا الدوحة..
أما التبرع.. ترا مهوب أنتي اللي تدخلين بيني وبين ربي.. لأنه هو اللي يدري باللي أتبرع به.. وما أتبرع عشانش ولا عشان غيرش..
لكن لأنه حق ربي علي.. اللي أنعم علي بفضله..ولئن شكرتم لأزيدنكم..
همست بذات الإرهاق العميق: زين جيب لك حيوان أليف.. سكّر عليه معي في الغرفة .. ولبسه إياه في رقبته..
وش الفرق بيني وبينه؟؟
أنهت عبارتها الموجعة ثم وقفت.. فغضب وهو يهتف بذات الغضب: أنتي متى بتعرفين السنع وأشلون تحترمين رجالش؟؟
ثم عاود شدها لتجلس .. لتلسعه حينها حرارة يدها فهو حين ألبسها الأسوارة بالكاد لمس يدها لذا لم ينتبه لحرارتها..
مد يده ليلمس جبينها.. أبعدت وجهها عن مدى يده.. لكنها شدها ليلمس جبينها..
انتفض بعنف وهو يهتف بقلق حقيقي: قومي ألبسي عباتش أوديش المستشفى.. أنتي مولعة..
همست حينها بتهكم موجوع وهي تتمدد على جنبها على السرير فجسدها مهدود تماما:
مولعة؟؟
أشلون عرفت؟؟
تصدق أنا أصلا لوح ثلج.. لا عنده إحساس ولا مشاعر ولا كرامة ولا شيء..
أبد اسحبه من مكان لمكان..
بس لو ذاب.. لا تشره عليه.. ماحد يشره على لوح ثلج..!!
كساب بغضب يحركه فيها لوعته عليها: يالخبلة يأم الفلسفة الفاضية.. قومي نروح المستشفى..
كاسرة بسكونها المعذب: مافيني شيء.. وعلى العموم ليش تطلب مني..
شيلني مثل البهيمة اللي مالها شور.. ودني المستشفى.. ودني المسلخ.. ماتفرق!!
حينها ألقى غترته جواره ثم تمدد جوارها ليحتضنها من ظهرها.. شعر بحرارة جسدها تنتشر في كل نواحي جسده..
لم تمنعه من احتضانها.. تعلم أنها لا تستطيع مقاومته وهي بكامل قوتها فكيف وهي خالية تماما من أي طاقة..
لذا همست بسكون مثقل بالألم: كساب خلني.. ما أبيك تلمسني ولا تجي جنبي..
حرام عليك تفرض علي كل شيء عشان ربي عطاك قوة ما أقدر أجاريها..
حاول ان يفلتها.. بل حاول جاهدا.. ولكنه لم يستطع.. لذا همس في عمق أذنها بحنان عميق:
امشي معي المستشفى وأهدش.. كاسرة حرام عليش نفسش ..أنتي تعبانة واجد!!
همست حينها بحزم ويأس وهي تحاول أن تزيح ذراعيه عن خصرها:
قلت لك هدني.. وما أبي أروح معك مكان..
حينها نهض.. ليتوجه لجناح والده ويطرق على مزنة الباب حين خرجت هتف لها بحزم:
كاسرة تعبانة واجد.. وما تبيني أوديها للمستشفى..
وديها أنتي لو بتوافق..
مزنة تفجر وجهها بالقلق: تعبانة وش فيها؟؟
كساب بذات النبرة الحازمة التي تخفي خلفها قلقا شاسعا: روحي شوفيها..
لو وافقت أوديكم هذا أنا قاعد تحت.. لو ما تبيني كلمي السواق..
مزنة أوقفته وهي تمسك بعضده: يأمك وش صاير بينك وبينها؟؟
يعني حتى يوم رجعت لك ما تبون ترتاحون وتريحون..
حينها هتف بعمق حازم مثقل باليأس والألم:
الظاهر يمه أنا وياها عندنا هواية تعذيب الذات!!
مزنة توجهت بسرعة لغرفة ابنتها.. دخلت بخطوات سريعة لتجدها متمددة على سريرها وهي ترتعش من الحمى..
فشدة القهر والكبت الذي لم تستطع التنفيس عنه تحول لحمى فعلية اخترمت كل نواحي جسدها..
مزنة انحنت عليها وهي تزيح شعرها المبلول عن جبينها لتلمس جبينها المشتعل
لم تسألها عن شيء.. ولن تعاتبها على شيء..
يكفيها النظرة اليائسة الدامعة التي أطلت من عينيها حين أبصرت أمها لتنحر روحها الأمومية بالقلق والحزن..
مزنة فتحت الدولايب بسرعة وهي تستخرج ملابس لها.. وتساعدها على ارتداءها بينما كاسرة تهمس لها بما يشبه الهذيان:
ما أبي كساب يودينا.. ما أبي كساب يودينا..
كله منه.. كله منه.. قهرني يمه!! قهرني يمه!!
مزنة بحزم وهي منهمكة في إلباسها: بنروح مع سواق البيت.. الله يصلح بينش وبين رجالش.. وش ذا الحالة!!
*************************************
" تغدى معي.. وإلا ما تبي تقعد معي على السفرة؟؟"
كانت هذه إشارة وضحى لتميم الذي دخل للتو..
أشار لها وهو ينظر حوله: باتغدى معش من غير تلميحات سخيفة..
وين الباقين؟؟
وضحى بنبرة مقصودة: أي باقين؟؟ ليش ما تقول وين سميرة؟؟
فيه غيرها معنا في البيت؟؟
وعلى العموم سميرة راحت بيت أهلها..
حينها أشار تميم بجزع: نعم؟؟ راحت بيت أهلها..؟؟
ثم تراجع بسكون: خلاص خلهم يحطون الغدا.. دقيقة أبدل وأنزل..
صعد الدرج.. ولكنه لم يذهب لغرفته الجديدة.. بل صعد إلى غرفته/ غرفتها..
ليفتح الأدراج والدولايب كالمجنون..
بالفعل كانت أخذت الكثير من ملابسها..
ولكن مالم يعلمه.. أن هذه الملابس بقيت في غرفة مزنة.. بينما هي لم تأخذ معها سوى حقيبة صغيرة فيها غيارات قليلة..
تميم انهار جالسا على طرف السرير..
لمح مخدتها كانت متسخة تماما بالكحل المختلط بدموعها التي أشبعت فيها ثنايا المخدة البارحة..
مسح على المخدة بيأس: يعني سويتيها يا سميرة؟؟.. سويتيها!!
هنت عليش أول وتالي!!
" وش تبيها تسوي زين؟؟
وأنت تقول لها أنا قرفان منش وروحي بيت هلش..
أي وحدة عندها كرامة مستحيل تقعد!!"
" بس أنا كنت تعبان.. تعبان.. وهي ما تبي ترحمني.. ماتبي ترحمني..!!
والله العظيم كانت شوفتها قدامي تكفيني
بس هي اللي ما كفاها الحدود اللي كانت حاطتها
كانت تبي توترني وتختبر صبري بتصرفاتها!!"
" خلاص.. هذي الأطلال عندك.. اقعد وابكي عليها..
وش كنت تبيها تسوي؟؟
تسمع كلامك وتقعد قدامك وبس؟؟"
يا الله ما أكبر هموم هذا الفتى!!
مرهق حتى نخاع النخاع..
مرهق من كل شيء.. من كل شيء!!
ومجروح من الجميع..!!
فهل سيبقى طوال عمره مكتوب عليه هذا الهم؟؟
**********************************
" أما إنش غريبة... هذا كله شوق لعمتش تهجين من البيت؟؟"
سميرة حاولت تغليف ألمها بابتسامة: وأنتي وش عرفش.. خلش في كرشش؟؟
وبعدين اسمها خذت تايم آوت وبس..
يومين وبأرجع.. أنتي وش حارق بصلتش؟؟
نجلاء تبتسم: عدال وش يحرق بصلتي؟؟ بس مستغربة.. صحيح أنا أحب أم صالح وأموت عليها..
بس عادي لو عرست على عمي أبو صالح.. وأنا في البيت.. بأكبر مخدتي وأرقد!!
سميرة اغتصبت ابتسامة.. فبالها ليس للمزاح إطلاقا:
هذي آخرتها.. زوجي عمتش..
نجلاء تقف لتخرج من غرفة سميرة وهي تهتف بتأفف باسم:
صدق إنش قافلة وتجيبين النكد..
بأروح أدور غنوم أحسن لي من وجهش..
صار لي يومين ما شفته رجّال مزينة...
فور خروج نجلاء قفزت سميرة لتغلق الباب ثم عادت لتندس في فراشها وتنهمر ببكاء موجوع مثقل بالأنات المكتومة..
فهي أيضا كثير كل هذا عليها!!
أما آن لها أن ترتاح من هذا الهم الذي لا ينجلي سواد ليله!!
وألمها الاكبر هو من أجل تميم ليس من أجل نفسها..
فهو الآن وحيد في البيت.. مثقل بالهجر والياس والوحدة!!
نفسها تتمزق عليه ومن أجله!! تتمزق تماما!!
********************************
" عمتي وكاسرة رجعوا؟؟"
مزون تنظر لملامح كساب المعقودة بقلق وتهمس بهدوء: رجعوا من بدري..
مرتك في غرفتها.. وعمتك راحت لأبيها..
سألها بذات القلق: زين وش قالوا لها في المستشفى؟؟
حينها تساءلت مزون بدهشة: ليه أنت ما سألت عنها ولا اتصلت بها؟؟
كساب هتف بغضب: كم مرة قايل لش لا تجاوبين عن سؤالي بسؤال..
مزون شدت لها نفسا عميقا: حمى.. وحرارتها عالية.. وعطوها إجازة ثلاث أيام..
ثم أردفت بنبرة مقصودة: وتوني طليت عليها لقيتها نايمة..
عمتي وصتني عليها لين ترجع.. بس بما أنك جيت خلاص الوصاة انتقلت لك..
كساب شد له نفسا عميقا جدا.. وهو يصعد درجات السلم..
كان لديه اجتماع عمل مهم ألغاه حتى يستطيع العودة للاطمئنان عليها!!
كانت غرفة النوم تغرق في أضواء خافتة.. فالوقت كان بين العصر والمغرب..
والإضاءة مقفلة..
وبدا له الجو مقبضا للقلب.. وهو يدخل باحثا عنها..
بالفعل كانت نائمة.. جلس قريبا منها وهو يتمدد نصف تمدد.. وهو يتحسس حرارة جبينها بشفتيه..
كانت دافئة بالفعل.. أدخل ذراعه تحت كتفيها ليجلسها وهو يهمس قريبا من أذنها بحنان:
كاسرة قومي.. مهوب زين النوم ذا الحزة..
كانت خادرة تماما وجسدها مستنزف من الحمى وهي تتعلق بجيبه لا إراديا..
شعر أن قلبه يذوب مع دفء أنفاسها التي كانت تلفح عنقه..
همست بصوت مبحوح تماما: وين أمي؟؟
أجابها بحنو وهو يشدها لصدره بحنان بالغ: راحت لجدش وبتجي الحين..
تبين أجيب لش شيء..؟؟
أسندت كفها في منتصف صدره لتبعده عنها وهي تهمس بإرهاق:
أبيك تخليني في حالي وبس.. وما أبيك تجي جنبي حتى..
دامك سويت كل اللي في رأسك.. وفرضت وجودك علي..
فلا تفرض نفسك على جسمي بعد.. لأن هذا شيء خاص فيني..
أفلتها مجبرا وهو ينزلها برفق.. لتنهار مرة أخرى على مخدتها..
شعر أن قلبه يتمزق بكل معنى الكلمة وهو يرى مهرته ذاوية هكذا..
وهو عاجز حتى دفنها في صدره عله يستطيع سحب كل هذه الحرارة لجسده هو..
هو سيحتمل الحرارة والحمى والمرض..
ولكن جسدها اللين لن يحتمل.. لن يحتمل!!
لا يعلم هل مسترخية أو نائمة.. ولكنه لم يستطع تركها لوحدها وهي على هذه الحالة..
لذا قرب مقعده منها وبقي يراقبها..
وكل لحظة تمر تزيد في عذابه أكثر وهو يراها هكذا ولا يستطيع أن يعبر لا بالجسد ولا باللسان..
حتى حضرت مزنة.. حينها وقف وهو يوصيها عليها..
ثم خرج وهو يشعر كما لو كان هو مريضا أيضا فعلا!!
*****************************
" يمه.. أدري أنش الليلة خلصتي الأربعين
وعندش مخططات..
بس أنا أبي متى بنروح نسلم على خالتي مزنة عشان نودي لها هديتها"
ارتعشت يد عفراء التي كانت تحدد شفتيها بمحدد الشفاة لتخرج خارج حدود شفتيها..
" يعني أنا أحاول أنسى وأنتي تذكريني بذا الوجيعة؟!!"
همست عفراء بجمود ألمها وهي تمسح الخط الذي خرج خارجا: ماعليه يأمش لاحقين خير..
ابتسمت جميلة وهي تقبل زايد بين يديها: زين ترا زيود خلاص بينام عندي في غرفتي الليلة..
عفراء تكمل زينتها وهي تهمس برفض: لا يامش.. ماعليه.. ما أقدر..
خليه عندش كثر ما تبين.. بس في الليل يرقد عندي..
جميلة تبتسم: يمه بس الليلة.. سوي لعمي منصور سربرايز عدل..
عاد سربرايز وزيود مأساة مو سربرايز..
****************************************
" يا الله شوفي أنا مستحيل أخليش
لين تقولين لي أنتي وش فيش؟؟ منتي بطبيعية أبد
بتدسين علي يعني؟؟"
عالية بإرهاق: أنت عازمني تعشيني برا.. عشان تستجوبني؟!!
نايف ابتسم: ألا يا قليلة الخاتمة.. الحين أنا عيت أتعشى عند عطران الشوارب..
عشانش أنتي ووجهش.. وعادش بعد مخيسة النفس..
إنها عوايدش يا بنت خالد.. خياس النفس ذا لا حضرت ماعاد شفتي قدامش..
عالية بذات النبرة المرهقة: تعبانة من اشياء واجد... والله العظيم تعبانة..
نايف حينها هتف بمودة صافية: أفا يا بنت أختي.. أفا..
تتعبين ونايف عندش.. قطي حمولش ولا تنشدين!!
حينها نظرت له عالية بنظرة مباشرة وهي تهتف بنبرة مقصودة:
تقولها من جدك؟؟
وإلا كلمة ومقيولة؟؟
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم HaboOoshy
" يا الله شوفي أنا مستحيل أخليش
لين تقولين لي أنتي وش فيش؟؟ منتي بطبيعية أبد
بتدسين علي يعني؟؟"
عالية بإرهاق: أنت عازمني تعشيني برا.. عشان تستجوبني؟!!
نايف ابتسم: ألا يا قليلة الخاتمة.. الحين أنا عيت أتعشى عند عطران الشوارب..
عشانش أنتي ووجهش.. وعادش بعد مخيسة النفس..
إنها عوايدش يا بنت خالد.. خياس النفس ذا لا حضر ماعاد شفتي قدامش..
عالية بذات النبرة المرهقة: تعبانة من اشياء واجد... والله العظيم تعبانة..
نايف حينها هتف بمودة صافية: أفا يا بنت أختي.. أفا..
تتعبين ونايف عندش.. قطي حمولش ولا تنشدين!!
حينها نظرت له عالية بنظرة مباشرة وهي تهتف بنبرة مقصودة:
تقولها من جدك؟؟
وإلا كلمة ومقيولة؟؟
حينها نظر لها نايف نظرة مباشرة أقرب للغضب: وأنا متى كنت أقول كلام ما أقصده؟؟
عالية بذات نبرتها المقصودة: أقصد فيه أشياء ما تقدر تفيدني فيها!!
ابتسم نايف: مثل؟؟
عالية تبتسم بإصطناع: مثل إني متضايقة واجد لأن صديقتي بتتزوج واحد برا قطر
وحتى عرسي ما تقدر تحضره.. ما تتخيل أشلون ذا الموضوع متعب نفسيتي..
نايف باستغراب: ومن صديقتش ذي اللي ما أعرفها؟؟ واللي بتموتين عشانها كذا؟؟
عالية أنتي منتي بصاحية؟؟ وإلا أنا اللي توني بأعرفش؟؟
عالية بضيق وهي تنهمر بعصبية: نايف تبي تخدمني.. وأنا صدق أهمك.. أبيك تأخذها!!
نايف ينفجر ضاحكا: استخفيتي بصراحة.. أنا توني واصل من فرنسا اليوم ترا.. حتى شهادتي مابعد خلصت خليت ربعي يصدقونها..
والعرس آخر شيء أفكر فيه في حياتي..
وأنتي جايتني بذا النكتة البايخة!!
عالية تشد لها نفسا عميقا: اسمعني عدل.. بيت ملك وعندك.. ووظيفة أساسا عندك وأنت رايح تدرس على حساب النيابة العامة..
ليش ماتبي تعرس؟؟
حينها نظر لها نايف نظرة قارصة.. نظرته التي تكرهها لأنها تعلم أنها يكتشف أنها تخطط لشيء ما: عالية من الآخر.. لأن الكلام هذا مايدخل مخي ولا بنص ريال..
حينها انفجرت عالية تبكي بصوت مسموع وهي تحاول كتمان شهقاتها بدفن وجهها بين كفيها..
نايف قفز من مكانه ليجلس جوارها وهو يحاول تهدئتها
ويحمد الله أن المكان مغلق ولكنه لا يكتم الصوت لذا همس لها برجاء: علوي تكفين لا تفضحينا..
وش فيش كل شوي هالة الدميعات.. ما كنتي كذا يا بنت الحلال!!
عالية بين شهقاتها: الخاين النذل الخسيس يبي يأخذ بنت خاله على رأسي..
نايف نظر لها باستغراب: وأنتي وش عرفش لو هو يبي يأخذ بنت خاله؟؟
ذا الكلام ماسمعته عند خالد ولا عياله..
عالية شعرت أنه حصرها في الزاوية ومع ذلك هتفت بين شهقاتها: أخته قالت لي..
ثم شرحت عالية المبررات التي قالها لها عبدالرحمن على أنها مبررات أخته.. ليهتف نايف بحزم أقرب للغضب: بالطقاق.. خله يولي..
بيطلقش ورجله فوق رقبته.. يعني ما يستاهل الأمر إنش تبكين كذا..
أنتي لا بعد عرفتيه ولا عاشرتيه عشان تحزنين عليه كذا!!
عالية بين شهقاتها: بس أنا ما أبي اتطلق.. تبي الناس يأكلون وجهي..
تكفى نايف تزوج بنت خاله.. والله العظيم البنية أنا أعرفها زين وحن ربع..
وهي أساسا ماتبي عبدالرحمن.. بس أخاف يجبرونها.. يعني لا هي مبسوطة ولا عبدالرحمن مبسوط ولا أنا مبسوطة..
نايف بحزم: طيب أنا وش ذنبي في السالفة كلها؟؟ أتورط في عرس غير محسوب عشان خاطرش أنتي ورجالش؟!!
عالية حينها همست برجاء عميق وهي تقبل كتف نايف:
طالبتك نايف.. والله لأحط جميلك على رأسي طول عمري..
وقسم بالله بأنها مهيب ورطة.. لو أنت أساسا تبي تعرس كنت رشحتها لك.
بنت أجواد وأخلاقها عالية ووحدة عقلها موزون وكلمتها ثقيلة..
والله العظيم بتعجبك وعلى ضمانتي...
نايف ممزق بين ضعفه الشديد ناحية عالية وبين عدم رغبته في الزواج فعلا وخصوصا أن هذه هي المرة الأولى التي يرى عالية ترجوه هكذا..
يشعر أنها ستموت من شدة الرجاء والبكاء.. لم يسبق له أن رأى عالية هكذا أبدا..
بينما عالية مستمرة في الانهمار والشهقات وهي تضغط عليه بهما بشدة:
أدري أنك ما تبي تعرس الحين.. بس أنت مصيرك بتعرس..
بس وش عقبه؟؟ عقب ما تدمر حياتي أنا.. والبنت راحت.. ولا حد منا مبسوط..
هتف نايف بتردد وهو يسب نفسه على ضعفه أمامها: زين عندها استعداد تتحمل خواتي؟؟
عالية قفزت لتقبل رأسه: لو ما تحملتهم ماحد راح يتحملهم غيرها..
هتف بابتسامة: زين عطيني وقت أفكر..
أبكي وجهش ما أغلاش.. اللي بأورط روحي ذا الورطة عشانش..
عالية حينها همست بحزم بصوتها المبحوح من البكاء فعلا:
لا.. تبي تتم جميلك.. تروح تخطبها بكرة وتملك على طول..
والعرس براحتك متى ما بغيت..
******************************************
" جميلة وين أمش؟؟"
جميلة كانت تجلس في الصالة السفلية وبيدها زايد الصغير الذي أعاده لها منصور بعد أن خنقه بكثرة القبلات..
و كانت تنظر لمنصور وفي عينيها شقاوة محببة وهمست بخبث لطيف:
أمي في المطبخ!!
منصور بدهشة: في المطبخ.. وش تسوي في المطبخ؟؟
جميلة بذات الخبث اللطيف: عصبت على الخدامات والحين تنفض المطبخ.. تنظفه من جديد.. وتقول ماراح تنام هي وإياهم لين يخلصونه!!
لم تكن عفراء طلبت من جميلة أن تقول هكذا لكن هذه كانت اجتهادات جميلة لتصبح المفاجأة مفاجأة فعلا..
بينما منصور همس لنفسه" الظاهر يا منصور من كثر ماتعد الأيام ضيعت الحساب!!"
ثم هتف لجميلة بحنان: خلاص دامها في المطبخ ومطولة.. أنا بأروح يأبيش للمجلس.. تبين شيء؟؟
جميلة بجزع : لا وش تروح للمجلس.. أنت مهوب كنت تقول تبي تعلمني رماية ورني السلاح زين..
منصور يبتسم: بس أنتي قلتي ما تبين..
جميلة بإصرار: بلى أبي.. بس روح جيب السلاح وتعال تكفى عمي..
منصور بذات الابتسامة: زين خلاص أنتي تعالي وأوريش إياهم كلهم لأنه السلاح اللي عندي واجد..
جميلة بذات الاصرار زين أنت اطلع وطلعهم وأنا بس بألف زايد عدل واجيك..
منصور باستغراب: زين هذا زايد ملفوف كنه سندويشة وش تلفينه أكثر من كذا..
جميلة بتأفف عذب: لا حول ولا قوة إلا بالله ياعمي.. وش فيك صاير عنيد كذا!!
منصور ابتسم: لأني أساسا عنيد... يعني طبعي وإلا باشتريه؟؟
حينها وقفت جميلة معه وهمست بابتسامة: الله يعين أمي عليك وعلى يباس رأسك..
يا الله امش نطلع..
حين وصلا لمنتصف الصالة العلوية همست جميلة بتذكر تمثيلي: يوه عمي بأروح لغرفتي بسرعة وأجيك.. نسيت الماي مفتوح هناك..
منصور توجه لغرفته وهو يبتسم: وش فيها ذا البنية الليلة مهيب طبيعية؟؟
حين فتح باب غرفته علم أن الليلة كلها غير طبيعية.. فالغرفة كانت تعبق في أجواء دافئة عطرة بإضاءتها الخافتة المختلفة وبالعشاء المضاء بضوء الشموع في زاوية غرفة الجلوس..
ابتسم وعيناه تبحث عنها.. فكل الرتوش هذه لا تهمه.. ولكن اهتمامه كله بآسرته!!
نادى بجزالة: عفرا صدق لا تكونين في المطبخ!!
عفراء خرجت من غرفة التبديل حيث كانت تضع التعديلات الأخيرة على شكلها.. وهي تهمس برقة: أي مطبخ؟؟
أشبع عينيه نظرا لها.. مشتاق لها حتى وهي جواره.. لا يعلم ماذا كان سيفعل لو كانت مثلا والدتها حية وأرادت أن تقضي النفاس عندها..!!
فهو بالكاد احتمل بعدها وهي إلى جواره!!
كانت آسرة فعلا بفستان كريمي من الشيفون على الطريقة الرومانية قصير من ناحية وطويل من ناحية أخرى..
اقترب كما لو كانت حلما يريد التأكد منه..!!
شد كفها ليجلسها ثم يجلس جوارها وهو مازال ممسكا بكفها التي غمرها بقبلاته قبل أن يهتف باسما:
كانت روحي بتخلص ما خلصت ذا الأربعين..
وقبل الأربعين ست شهور زعل.. المفروض يعطوني جايزة على صبري..
عفرا مالت لتضع رأسها على كتفه وهي تحتضن خصره وتنتهد من أعماقها تنهيدة حارة مثقلة بالشجن..
منصور احتضنها بحنو وهو يهمس باهتمام حان: عفرا وش اللي مضايقش؟؟ ولا تقولين مافيه شيء..
صار لش كم يوم متضايقة وأنا حاسس فيش؟؟
عفراء احتضنت خصره أكثر وهي تهمس بألم: غصبا عني منصور.. من يوم قلت لي إن زايد خطب مزنة قبل وسمية وأنا مستوجعة..
أختي عاشت معه وهو باله مع غيرها.. موجوعة واجد يا منصور !!
ابتسم منصور وهو يمسح على شعرها ويهتف بعمق: تدرين وش أكبر مشكلة عند الإنسان ؟؟
الأنانية...
أنتي الحين تبين تحاسبين زايد على مشاعر أخفاها في قلبه.. وماله ذنب إنه ماقدر يلغيها أو ينساها..
لكن تنسين زايد وش سوى لوسمية...
أمنتش بالله ياعفرا.. قد شفتي رجّال كان يحشم مرته ويحترمها ويعزها ويقدرها مثل ما كان زايد مع وسمية..
أنتي الحين تبين تحاسبينه إنه حقق حلم تمناه في صباه.. وتنسين وش صار له أيام مرض وسمية.. مابقى مكان في العالم ما وداها له..
أهمل شغله وعياله ونفسه.. وماكان هامه في الدنيا شيء غيرها..
ويوم ماتت الله يرحمها كان بيموت وراها من الحزن.. وعقب ذا كله تبين تحاسبينه على مشاعره عقب ما ماتت وسمية بأكثر من 17 سنة..
وش ذا الأنانية ياعفرا؟؟.. الأنانية تلبق لي.. بس ما تلبق لش..
حينها انفجرت عفراء في البكاء وهي تدفن وجهها في صدره..
متأثرة بشدة من كلام منصور.. ومخنوقة بالحزن من الجانبين..
يالا غرابة البشر الذين يشعرون بأحزانهم ويرفضون الإحساس بأحزان الآخرين!!
منصور هتف بابتسامة: لا تكفين.. مابعد شفت وجهش.. تحوسين الدنيا بالبكا..
عفراء حاولت أن تتماسك وهي تهمس باختناق:
سبحان الله أشلون تكون فيه أشياء بديهية في الحياة.. بس ما نقدر نشوفها لأنه أنانيتنا ما تبينا نشوفها..
وصدقني مع إن كلامك خفف واجد من ضيقتي بس ما أقدر أقول أنه الموضوع بسيط علي أو هين..
حينها ابتسم منصور: يعني لو مثلا أخت وحدة من نسواني اللي قبل.. زعلت عشان أنا خطبتش قبلهم ورجعت وتزوجتش عقبهم.. يكون لها حق؟؟
عفراء انتفضت بجزع حقيقي وهي تبتعد عن حضن منصور قليلا كي تتمكن من رؤية وجهه وهي تهمس بذات الجزع: أنت خطبتني قبل ما تتزوج؟؟
منصور مد سبابته ليمسح دمعة اختلطت بالكحل كانت تتعلق بأهدابها وهو يهمس بحنان: الأصح قرعت على خليفة.. بس زايد ما رضى..
صمتت عفرا.. لا تستطيع أن تقول أنها حزينة لأنها لم تكن لمنصور منذ البداية.. رغم أنها تشعر الآن كما لو كانت له وحده منذ الأزل.. وأنها لم تكن أبدا لرجل قبله..!!
ورغم تجربتها القصيرة والمشوشة مع خليفة.. ولكنها لو عاد بها الزمن لفعلتها مرة أخرى
لأنه نتج عن هذه التجربة (جميلة) وهي كان يستحيل أن تضحي بوجود جميلة في حياتها مقابل أي شيء!!
ولكنها همست بشفافية بالغة: ما أدري منصور.. عمري ما حسيت إنك تبيني..
أحيانا كنت أشك أنك عارف إني موجودة معكم في البيت..
ابتسم منصور بشجن مرح: سبحان الله.. تنهين الإنسان عن شيء فيجن جنونه فيه..
أنا بصراحة كنت لاهي عنش.. لين حذرني زايد منش..
قال لي لا عاد تدخل داخل البيت كلش..عشان عندنا بنت كبرت وتستحي ما يصح إنك تشوفها..
فأنا تعجبت من البنت ذي؟؟.. عفيرا البزر صارت تستحي..!!
واكتشفت إن البنت كبرت واحلوت وأنا مادريت..
فصار مالي شغلة إلا أني إبي أشوفش وبأي طريقة وبس.. الظاهر أنا وأخي عندنا ذا الشيء في الجينات الوراثية!!
عفراء مصدومة بالفعل.. صدمة غاية في الشفافية والتأثير:
منصور عمري ما انتبهت لذا الشيء.. بالعكس أنت كنت جدي بزيادة وشايف نفسك..
أنا كنت أخاف منك أكثر ما أخاف من زايد..
منصور أرجوك.. مهوب تنصب علي في سالفة مثل ذي.. قلبي بدا يوجعني!!
منصور قبل رأسها وهو يبتسم: قلبش يوجعش الحين.. عقب ما آجعتي قلبي سنين!!
تدرين عاد مشكلة التكبر الله يكفينا شره.. وبعدين بصراحة أنا كنت أستحي..
وش تبين أسوي وأنتي ما تشوفيني إلا وتنزلين رأسش كني باكلش..
كنت بأموت وأشوفش بس ترفعين عيونش فيني.. ولحد الحين وأنتي نظرة العيون ذي تشحين فيها عليّ..
عفراء تشعر بتأثر متعاظم: منصور حرام عليك تسوي فيني كذا..
بروحي متاثرة من أشياء واجد ومشتاقة لك.. وحاسة بالذنب عشانك.. وتجي تقول لي كذا!!
منصور يبتسم وهو يتنفس بعمق عطر شعرها الذي يغمره بقبلاته: أما عاد الذنب.. طالبش تحسين فيه..
ست شهور يا الظالمة ناسيتني.. ما تقولين رجّالي مسكين مستوحش في البيت بروحه.. لا أنيس ولا حد يراده الصوت..
حينها ابتسمت عفراء بشفافية: لا عاد يا أبو زايد لا تعيرني بعيارتك وتركبني حمارتك.. أنت اللي ما سألت عني..
ما تقول مرتي وحامل وتعبانة ولا حتى تدق علي مرة ولا بالغلط..
منصور يحتضنها بكل قوته كأنه يريد إخفائها بين ضلوعه ويهمس بعمق شفاف:
خوش وقت نتعاتب فيه..!!
عفراء تهمس بعذوبة مثقلة بالمشاعر ووجهها مختبئ في صدره:
زين خلنا من العتاب.. صدق منصور كان في قلبك مشاعر لي قبل تتزوج
وإلا تنصب علي؟؟..تكفى تجاوبني بصراحة..
لأني لمعلوماتك.. وعشان تعرف أشلون الإنسان أناني..
أموت من الغيرة كل ما طرا علي أنك كنت متزوج قبلي ثلاث..
شده أكثر إلى حضنه وهو يهمس بعمق متجذر:
يكفيش لو قلت إني عمري ما حسيت إني متزوج ولا حتى عايش مثل باقي مخاليق ربي ..إلا عقبش أنتي!!
**************************************
" يمه.. شأخبارها الحين؟؟"
كان كساب يهمس بخفوت بهذه العبارة لمزنة التي كانت تقرأ وردها قريبا من كاسرة بعد أن صلت قيامها..
مزنة وضعت المصحف جانبا وهي تهمس بخفوت:
احسن بواجد.. ما معها حرارة الحين.. صلت قيامها بدري ونامت..
والحين نايمة..
كساب بابتسامة مغلفة بالاحترام: تعبناش معنا وأنتي توش مالش يوم من يوم جيتي بيتنا..
والعريس من بدري في غرفته..
حينها همست مزنة باهتمام: زين من اللي قعد عند علي يوم كلكم جيتوا؟؟
كساب بسكون: علي حلف ما حد يقعد عنده.. وعلى العموم أصلا ربعه ميتين يبون يمسون عنده..
بس عشان دايما أنا وإبي موجودين يستحون.. والليلة يمكن يمسي عنده اثنين منهم..
مزنة حينها وقفت وغادرت المكان.. بينما كساب انحنى على كاسرة قليلا وهو يتحسس جبينها..
وجد حرارتها طبيعية..فخلع ملابسه ليمارس تمارين الضغط ثم استحم وصلى قيامه وقرأ ورده ثم عاد ليتمدد جوارها..
وكان أول ما فعله أنه عاود تحسس جبينها..هذه المرة وجدها دافئة قليلا
همس لها من قرب: كاسرة قومي كلي علاجش.. أنتي دافية..
كاسرة اعتدلت جالسة لتتناول الأقراص من جوارها دون أن تلتفت له..
ولكنه سبقها أن مد يده عبر خصرها ليتناول الأقراص والماء ويعطيها إياها..
تناولتها دون أن تقول شيئا ودون حتى أن تنظر له..
ثم عادت لتتمدد..
اقترب منها بخفة.. حينها همست بحزم: كساب لو سمحت لا تجي جنبي.. قلت لك ذا الكلام أكثر من مرة..
وإلا أنت لو ما فرضت نفسك ما ترتاح..
همس بخفوت دافئ عميق: ماني بفارض نفسي.. وبأقول لش لو سمحتي وتكرمتي نامي في حضني بس..
والله العظيم ما أبي منش شيء.. بس نامي في حضتي بس..
يعني هذا أنا تنازلت عن شيء. تنازلي أنتي عن شيء..
كاسرة بألم عميق مغلف بنبرتها الحازمة: تعبت تنازلات يا كساب.. وما أبي أتنازل.. على الأقل خلني أحس أني رفضت
لأني عارفة إنك بتجبرني على اللي تبيه..
كساب حينها ابتعد عنها لآخر طرف السرير وهو يوليها ظهره يهتف ببرود قارص:
لا أجبرش ولا شي.. براحتش يا بنت ناصر..
**************************************
قبل ذلك بقليل..
دخلت إلى جناحها بخطوات مترددة.. انشغالها طوال اليوم بمشاكل ابنائها لم يترك لها مجالا للتفكير بشيء..
ولكن الآن في هجعة الليل.. وفي هذا المكان.. وهي تعلم أنه بالداخل.. كل ذلك بعث توترا عميقا في روحها..
لن تحتمل كلمات كالتي قالها لها البارحة.. لن تحتمل!!
غريب كيف بقي قلبها عذريا طوال عمرها..!! ولم تشعر بتلك الرعشة الفاتنة العذبة التي تهز ثنايا القلب بألم شفاف إلا الآن..
ليست مراهقة ولا محدودة التفكير لتتأثر من مجرد كلمات!!
ولكن المشكلة أنها لم تكن مجرد كلمات.. لم تكن مجرد كلمات..!!
وهي ليست حجرا ولا معدومة المشاعر حتى تعجز عن الإحساس به!!
فهذا الرجل الذي احتواها في أحضانه البارحة كان يشتعل.. ينزف.. ينهمر.. فكيف يكون مجرد ماقاله كلمات؟؟!!
كان يشتعل نارا شعرت بها تتسرب إلى حناياها..
كان ينزف حبا موجعا حاول ترجمته إلى كلمات.. فإذا بالكلمات تتحول إلى أنين موجوع أشبه بأسهم حارقة ثقبت روحها...
كان ينهمر بكلماته كمطر خرافي أسطوري يستحيل أن يكون قد وجد قبله أو سيوجد بعده..
فلا يمكن أن يقول رجل ما هذه الكلمات التي قالها هذا الرجل الاستثنائي لها..
وهو يُشعرها أنها أسطورة فعلا.. أنها أنثى لا تكرر.. وهو يقفز بإحساسها الأنثوي بنفسها إلى الذروة!!
وهو يخبرها بكلمات حب لا تكون إلا لأسطورة فقط ولا تستحقها سوى أسطورة لم تخلق من قبل!!
كلما تذكرت فقط.. تذكرت فقط.. همساته.. دفء أنفاسه..
ارتعش جسدها بالقشعريرة التي تمر عبر عمودها الفقري لاسعة حادة..
وشعرت أنها تريد الجلوس لأن قدميها لا تحملانها.. كما هي تجلس الآن في غرفة الجلوس في جناحهما..
وتعلم أنه بالداخل ولكنها عاجزة عن مواجهته.. لا تعلم كيف فعل بها هذا؟؟
وكيف جعلها تجبن عن المواجهة وهي من لم تجبن عن مواجهة يوما؟؟
هـــو معتصم بناحيته من الجبهة..
يعلم أنها عادت للجناح.. منذ وقت ليس بالقصير.. تحديدا منذ عاد كساب لغرفته..
ومع ذلك مازال لم يراها وهو يتمزق تماما بين رغبتيه الغريبتين أن يراها وألا يراها..
كان باله يحدثه أن ينام قبل أن تأتي فهو في غنى عن مواجهة لا يعلم كيف سيكون تصرفه فيها..
ولكن ما يريده.. غير ما تريده رغباته المتعارضة..
لذا خرج لغرفة الجلوس.. ليجدها جالسة هناك.. غارقة في أفكارها..
ولم تنتبه حتى جلس جوارها..
انتفضت بخفة وهي ترحب بعذوبة واحترام: هلا أبو كساب.. السموحة كنت جايه الحين..
مد يده لينزع برقعها عن وجهها.. لا يعلم ما الذي دفعه لذلك وهو يهمس لها بدفء: برقع في غرفتش عاد!!
شعرت بالخجل وهي تنزل جلالها على كتفيها وتهمس بذات الخجل المغلف بتهذيبها الرفيع:
كنت في غرفة كاسرة.. واستحي كساب يشوف وجهي..
أجابها بذات الدفء: تستحين من كساب ماعليه.. بس تستحين مني بعد؟؟
ابتسمت حينها بعذوبة: ترا كساب ولدي صار له شهور.. وأنت توني أعرفك البارحة..
أجابها بدفء أشد مثقل بالعمق: ما سمعتي بالليلة اللي عن ألف سنة.. هذي هي!!
مزنة رغما عنها اشتعل وجهها احمرارا وهي تقف لتهمس بثقة تخفي خلفها ارتباكها:
السموحة.. كان المفروض إني قبلك في الغرفة وأنتظرك..
بس مرض كاسرة لخبطني شوي.. عطني 10 دقايق أبدل واجيك..
مزنة غادرت بينما زايد تنهد بعمق..
لا يعلم لماذا يتصرف معها على هذا النحو؟؟
أو يحادثها بهذه النبرة التي لم يسبق أن كلم بها أحدا مطلقا ولا حتى وسمية؟؟
وليس غبيا ليلاحظ تأثرها البالغ..
يشعر كما لو كان يرتكب جريمة في حقها وهو يمنحها إحساسا كاذبا لا يستطيع منع نفسه من الانهمار به!!
فما الذي يحركه؟؟ أ هي أنوثتها الطاغية التي حركت الرجل المحروم في أعماقه؟؟
يكره جدا هذا التفكير.. بل يحتقره!!
أ يكون هذا تفكيره بمزنة؟؟ بــمــزنـــة؟؟!!
ولكنه لا يجد لنفسه مبررا آخر لهذا الاندفاع الذي لا يستطيع السيطرة عليه..
والغريب أن التناقضات تتصارع في نفسه بصورة أشد وأكثر إيلاما..
يشعر أن هناك حاجز ضخم بينهما.. ولكنه في ذات الوقت يريدها أن تصبح أقرب من أنفاسه..
يحاول أن يمنع نفسه أن يقول لها الكثير من الكلام الذي بات يعرف يقينا أنه ليس لها..
ومع ذلك يكاد يحترق لهفة للحظة التي سيسكب هذه الكلمات في عمق أذنها..!!
هذه المرة كان من غرق في التفكير لفترة لا يعلم كم طالت.. حتى انتفض بخفة وهو يتذكر أنها لابد من تنتظره الآن..
دخل بخطواته الهادئة الواثقة.. كانت الإضاءة خافتة كما تركها هو...
كانت تجلس على مقعد التسريحة ووقفت حين دخل..
فــــــــــــــــــاتــــــــــــــــنــــــة..!! فـــــاتـــنــــة إلى أقصى درجات الهلوسة!!
وهي تقف كحورية.. كتمثال نادر.. كأيقونة للجمال.. وشعرها الكستنائي يتناثر باستثنائية على فخامة سواد روبها الحريري الحالك!!
رؤيتها.. كان من المفترض أن تبعث في روحه سعادة خالصة..
فمن يرى كل هذا الحسن له وبين يديه ولا يسعد به؟!!
ولكن الغريب أنه شعر بحزن عميق غريب غمر فؤاده حتى أقصاه.. بل أقصى أقصاه!!..
تجاوزها ليجلس على سريره ودون أن يقول لها كلمة واحدة..
مزنة استغربت منه فعلا..
" يكون زعلان عشاني تأخرت عليه؟؟"
لتتصارع الرغبتان في روح مزنة أيضا..
رغبة يدفعها لها معرفتها لحقه وأنها يجب أن ترضيه لأنها من قصرت في حقه..
ورغبة اخرى هي الأقوى.. هي رغبة روحها التي لا تعرف المهادنة..
فهو يعرف أن ابنتها مريضة.. وإن كان سيغضب لأنها تأخرت عندها.. فليغضب كما يشاء!!
ولكنه قطع عليها خط الصراع وهو يتمدد نصف تمدد ويهمس بدفئه الذي أصبح علامة مخصصة لها:
ها مزنة مطولة وأنتي تفكرين تحنين علي وإلا لأ؟؟
تعالي.. تمددي جنبي!! قطعتي قلبي..
مزنة انتفضت بخفة وهي تتقدم نحوه وتهمس بخفوت اختلط بخجلها الفطري: هذا أنا جايه..
حين جلست جواره وهي تسند ظهرها لظهر السرير.. تناول كفها ليحتضنها بين كفيه كليهما بينما همست هي بشفافية:
زايد أبي أقول لك شيء وأتمنى ما يضايقك..
ابتسم زايد: أتضايق من شيء تقولينه؟؟ أفا عليش.. قولي وتدللي!!
مزنة بذات الشفافية: بصراحة ردات فعلك غريبة شوي.. أو يمكن أنا أشوفها غريبة لأني ما بعد أعرف طبايعك..
يعني أحيانا تسكت وأنا متوقعة منك تقول شيء.. واحيانا أتوقع منك تسكت تفاجئني بكلام ما توقعته..
حينها هتف بعمق شديد: إذا على الصمت.. فأحيانا الصمت في حرم الجمال جمال..
أما على الكلام.. فيا الله يامزنة.. ما تتخيلين وش كثر في قلبي كلام..!!
حينها همست مزنة برجاء عميق: تكفى زايد.. لا تقول لي شيء..
أنا عادني ما قدرت أستوعب كلامك أمس.. وحاسة كأني في دوامة عدم توازن..
تكفى ما تقول لي شيء.. ترا ضربتين في الرأس توجع..
ولكنه لم يرحمها ولم يرحم رجاءها الذي كانت تعنيه حقا!!
وهو يفلت كفها ليحتضن كتفيها وهو يزيح شعرها خلف أذنها ليغمرها بقبلاته وهو يهمس بعمق متجذر في داخل أذنها:
ما أقدر.. حاس أني باموت لو ما تكلمت.. كتمت ثلاثين سنة.. ثلاثين سنة!!
حاس بأنفجر من كثر الكلام اللي دسيته لش !!
**************************************
" وضحى شتفكرين فيه؟؟"
وضحى انتفضت بخفة وهي تنظر لمزون وتبتسم: مافيه شيء.. سرحت كذا!!
فهي الليلة ستنام مع مزون التي أصرت أن تنام وضحى معها في غرفتها..
بينما وضحى تحاول الخروج من أسر أفكارها التي تطوقها رغما عنها..
ماذا تقول لها؟؟
أ تقول لها انها متضايقة إلى درجة الاختناق من تصرفات تميم!!
اليوم آلمها ألم أكثر من سنوات عمرها كلها!!
لأنه تميم.. تميم.. نبض روحها!!
بدءها صباحا بمنعها من الخروج..
وختمها مساء.. وهو يتعارك مع أمه لأنه كان رافضا أن تبات وضحى خارج البيت..
يريدها أن تبقى سجينة تحت عينيه..
وربما كان يريد أيضا إغلاق الغرفة عليها.. مايدريها..!!
بقدر ماشعرت بالألم أنها أفشت سرها ليتخذه تميم سيفا مسلطا على رقبتها..
بقدر ما شعرت أن الأمر يستحق وزايد يمر بها وبمزون الليلة وهو يجلس بينهما ويحتضن كل واحدة منهما بذراع..
وهو يحدثهما بحديثه الآسر الأبوي الحاني لحدود السماء..
شعرت أن هذا يكفيها عن كل ألم..
يا الله كم هذا الشعور رحب وثري ودافئ!!
ولكن هل سيطيل تميم عليها تصرفاته.. لأنها لا يمكن أن تتحمل هذا من تميم بالذات..؟؟
فالأمر جارح لها ومؤذي لأبعد حد!!
**********************************
يدور في غرفته كالمجنون.. مليء بالهواجس والألم..
البيت خال عليه تماما..
كان يريد أن ينام مع جده.. حتى يخفف شعوره بالوحدة..
ولكنه لم يستطع .. فإن كان لا يستطيع سماع شخير جده الذي يصم الآذان
فهو بالتأكيد اختنق من رائحة (الفيكس) الذي يبدو أن (سليم) قد استحم به!!
ولا يستطيع أن يطلب من سليم أن ينام في مكان آخر.. لآن جده لو قام في الليل ونادى فهو لن يسمعه..
لذا عاد لغرفته مدحورا مقهورا..
وهو يدور في أرجائها كعقرب ثوان لا يكف عن الحركة!!
لشدة إحساسه بالوحدة يتمنى لو أرسل لوضحى حتى تعود وهو سينتظرها عند الباب الواصل بين البيتين..
ولكنه رأه تصرفا غير لائق.. عدا أن وضحى قد تكون نائمة أصلا!!
غرفته باتت تمثل له كابوسا يكتم على أنفاسه..
قرر أن ينام في غرفة أمه.. فرائحة أمه قد تهدئ قلق روحه كما فعل البارحة وهو يقضي الليل فيها ..
لكنه انصدم أن غرفة أمه مغلقة..
شعر بالألم.. لماذا أغلقتها؟؟
لم تبق له إلا رائحتها فيها وحتى هذه الرائحة استكثروها عليه!!
"يا الله... رحماك ياربي..
ماعاد للهم في قلبي مكان!!"
*******************************
اليوم التالي
.
.
.
" من جدك نايف اللي سويته؟؟
من جدك؟؟
واصل أمس ورايح تخطب اليوم وبدون حتى ما تشورنا
ما تقول خواتي أخذ رايهم.. أخليهم يختارون لي..
رايح تتبع شور عالية مثل الخروف.. أكيد هذا شورها..
بنت خال رجّالها ومرت عبود أم لسانين!!"
نايف يشد له نفسا عميقا وهو يضغط رأسه حتى لا ينفجر.. فهذا هو العتاب السادس اليوم وبذات المعنى..
بل يستطيع الآن أن يحدد تماما ماذا ستقول بعد ذلك..
وهو تقصد تماما أن يفاجئهن بخبر الخطبة لأنه لو أخبرهن قبلها لصنعنها قضية الشرق الأوسط..
ولأفسدوا الخطبة بأكملها..
والآن تقصد أن تكون نورة آخر من يخبرها لأنه يعلم أنها ستكون أشدهم وأقساهم عتابا..
نايف بنبرة حنونة: نورة يا قلبي أنتي.. الحين مابعد صار شيء.. هذي مجرد خطبة..
نورة بغضب عارم: إيه وصافية عندها خبر من البارحة.. ورجالها اللي رايح يخطب لك..
وليه ما قلت لي أنا ورجّالي؟؟ وإلا ما حنا بكفو ياحضرة وكيل النيابة..
نايف يميل على رأسها ليقبله وهو يهتف بذات النبرة الحانية:
صافية رجّالها هو الكبير.. ما يصير نتعدى عليه..
هذي الأصول وأنتي أم الأصول اللي تعلمينها يأم سعود..
نورة بذات الغضب: بس البنت مهيب عاجبتني.. ماحتى خذت شوري فيها..
نايف يشد له نفسا للمرة الألف هذه المرة: ليه مهيب عاجبتش؟؟
تردين شيء في دينها؟؟ في أخلاقها؟؟
نورة حينها همست بجزع: لا والله حاشاها.. ما أبهتها..
بنت أجواد وحشيم وأنا أشهد إنها ذربة ومتربية.. أنا عندي بنات ولا أبهت بنات الناس..
نايف استغرب أن نورة بالذات التي لا يعجبها العجب.. تشهد لها ومع ذلك لا تريدها: زين دامش تمدحينها ذا المدح كله.. ليه مهيب عاجبتش..
نورة تصرح تماما بما في ذهنها: أمها وأختها الكبيرة ما ينداس لهم على طرف..
اللي بيقول لهم كلمة بيردونها عليه عشر..
وشيدرينا إنها بكرة لا خذتك ما تكون مثلهم..
هي ذا الحين صغيرة.. بس يمكن بكرة تنفش ريشها.. واقلب القدر على ثمها تطلع البنت لامها..
حينها ضحك نايف: ليه أنتو ناوين تدعسون في بطن مرتي وما تبونها حتى ترد!!
نورة بغضب: غدت مرتك من ذا الحين..؟؟
أنت أخينا الوحيد.. وما نبي حد يفرق بيننا وبينك.. ونبي لك الزين..
ووضحى الله يستر علينا وعليها ماحتى هي بذابحها الزين!!
نايف ينظر لها بنظرة مباشرة وهو يهتف بنبرة مقصودة: شينة يعني؟!!
نورة تنظر له بغضب لأنه يسألها بهذا البرود: لا ..مهيب شينة.. بس مهوب ذابحها الزين..
نايف وقف وهو يقبل رأس نورة ويستعد للمغادرة ويهتف بابتسامة مرحة:
اللي فيها من الزين بيكفيني..
ما أبي مرتي يذبحها الزين.. لا ذبحها وش باستفيد عقب وهي ميتة!!
************************************
" ما أدري يمه.. بأصلي استخارة وبأفكر!! "
كانت هذه عبارة وضحى التي نطقت بها في خجل شديد وهي تنزل رأسها
بعد أن أخبرتها أمها بالخطبة التي أخبرها بها زايد بعد أن اتصل به خالد وطلب أن يقابله ومعه تميم والجد جابر في مجلس تميم حتى يخطب منهم وضحى لنايف..
مزنة جلست جوارها وهي تربت على فخذها بحنو..
بينما كانت تهمس بنبرة حازمة: أنا بعد يامش باصلي استخارة..
لكن خلني أقول لش مبدئيا إني ماني بمرتاحة..
نايف بنفسه يمدحونه.. بس خواته الله يصلحهم معروف أشلون ناشبين في حلقه..
والوحدة منهم لسانها شبرين خصوصا نورة وسلطانة.. الواحد يعيف مقعدهم..
جوزا كانت تبكي من اللي كانوا يسوونه فيها وهي مرت ولد أختهم..أشلون مرت أخيهم الوحيد والصغير..؟؟
وأنا يأمش ما عينتش في الشارع.. لو شكيت واحد في المية إن ذا العرس مافيه خيرة لش ما وافقت..
كاسرة التي تمدد على سرير أمها بإرهاق همست بإرهاق حازم:
يمه كان قلتي لعمي زايد يقول لهم من أولها مافيه نصيب..
خواته ذولا سحالي مهوب آدميات.. وضحى وش حادها على حياة الشقا ذي؟؟
عادها صغيرة.. ونصيبها بيجيها..
حينها همست وضحى بحزم رقيق: كاسرة لو سمحتي.. هذا أنتي قلتي.. نصيبها..
يعني هذا موضوع يخصني.. ومن حقي أفكر فيه وأنا اللي أعطي قراري..
ابتسمت كاسرة فموضوع وضحى جاء في وقت مناسب حتى ينشغل به الجميع عن موضوع عودتها حتى لا يناقشوها فيه ويزيدوا حرقتها حرقة..
وهي تهمس بنبرة مقصودة: والله صايرة قوية يا بنت..
إذا القوة ذي بتطلعينها على خوات نايف لا خذتيه ما ينخاف عليش..
الخوف تمدين لسانش عندي.. وعقبه يدبغونش خواته..
وضحى جلست جوار كاسرة وهي تميل لتقبل رأسها وتبتسم بمرح:
عندي أخت لسانها ما يحتاج.. إذا بتخليهم يدبغوني.. وش فايدة لسانها..
كاسرة تحتضن عضد وضحى بحنو وتهمس بذات الحنو:
أفا عليش.. يا أنا مستعدة ومجهزة لساني.. ولا يهمش..
مزنة ابتسمت: زين يا بنت أنتي وإياها ما حلت لكم السوالف إلا على فراش أبو كساب.. قوموا يا الله للصالة..
كاسرة ووضحى كلتاهما تمددتا أكثر.. بينما كاسرة تغمز بعينها لوضحى:
صدق ريحة فراش معاريس.. أنا تعبانة وما أشم ومع كذا دخت من حلات العطر..
مزنة شدت كل واحدة منهما من اذنها وهي تهمس بابتسامة:
صدق أنكم بنات مافي وجيهكم سحا..
**************************************
" نعم؟؟ ماسمعت.. عيدي اللي قلتيه لأمي"
جوزا تهمس بابتسامة: كنت أقول لأمي إن نايف خال عبدالله.. خطب اليوم وضحى بنت خالي..
توه واصل أمس راح يخطب اليوم.. ماعنده وقت!!
حينها انفجر عبدالرحمن ضاحكا.. لأول مرة يرونه يضحك هكذا منذ صحى من غيبوبته..
أم عبدالرحمن ابتسمت بسعادة لضحكه: الله يونسك دوم.. وش يضحكك..
عبدالرحمن بين ضحكاته: سالفة طرت علي بس!!
" والله منتي بهينة يا مدام..!! ينخاف منش!!
تدبرين لوضحى عريس عشان تزيحينها من دربش!!
صدق إنش خطيرة!!
ودام دبرتي لوضحى رجّال.. متى بتحنين علي أنا؟؟
ميت ياعالية.. ميت من شوقي!!
لا تصيرين قاسية كذا!!
يا الله !! يوم مر ما سمعت صوتها..
حاسة يوم ناقص من عمري.. ما ينحسب!!"
******************************
بعد ثلاثة أيام
.
.
" يمه أنا موافقة خلاص"
مزنة تلتفت لها وتهمس بحزم: يأمش لا تستعجلين.. هذا عرس.. عشرة عمر
مهوب يوم ولا يومين..
وضحى بسكون: يمه أنا صليت استخارة كم مرة وقلبي مرتاح له..
لا تنكر أن جزءا كبير موافقتها كان يرجع لمعاملة تميم الجديدة لها..
مع أنها الآن تبات في بيت زايد..
ولكن معظم اليوم تقضيه في بيتهم.. ولا يسمح لها مطلقا بالخروج إلى أي مكان..
صباحا يذهب بها للمدرسة وينتظر حتى يراها دخلت.. وظهرا يحضر قبل خروجها بأكثر من ساعة..
هل يشك أنها تذهب لمكان آخر؟؟
الأمر بات يجرحها بشدة.. فلترحه من همها مادامت أصبحت هما هكذا؟!!
بل حتى انشغاله بها.. أشغله عن مشاكله الخاصة..
فسميرة مازالت في بيت أهلها!!
ويبدو أنه لم يجد وقتا ليفكر بإعادتها.. كيف يفكر وهو مشغول بسجينته؟؟
لم تعلم أن التفكير كان يلتهمه كل ليلة كالتهام النار للهشيم..
ولكنه لا يريد إجبارها على العودة.. وهو يشعر أنها لو عادت له فستعود مجبرة..
لذا مازال لم يستمع لإلحاح مزنة عليه أن يذهب لإعادة سميرة التي تنتظر عودتها له على أحر من الجمر!!
ومن ناحية أخرى.. يشعر أنه يريد أن يبقي في قلبه بعض الأمل..
لأنه يخشى أن يذهب لإحضارها فترفض أو يرفض أهلها الذين يكره أن يجلس أمامهم كمذنب لمناقشة مشاكله الخاصة..
مزنة قررت أن تمهله عدة أيام قبل أن تتدخل بشكل قاطع لأنها علمت أنه محتاج لبعض الوقت للتفكير فعلا بصفاء ذهن مازال لم يتوفر له مع تأثره من موضوع وضحى ثم انشغاله بخطبتها..
****************************************
كانت مسترخية على سريرها مثقلة بهذا الهم الذي ماعادت تعرف كيف تزيله عن روحها..
مرارة الخذلان!!
وقسوة الخيانة!!
أسوأ شعورين قد يشعر بهما بشر.. يحطمان الروح ويعمرونها بالسواد!!
وصلتها رسالته.. حانية.. دافئة .. صادقة كما هو!!
كاذبة .. منافقة .. خائنة كما أصبحت تراه !!
" عالية حبيبتي..
مشتاق لش يا قلبي..
ما أبي أضغط عليش أو أفرض نفسي..
بس والله العظيم ماعاد فيني صبر..
أنا غلطان.. والغلط راكبني من ساسي لرأسي..
وآسف.. والف مرة آسف..
ما يكفيش ذا كله تسامحيني وتحنين عليّ
والله العظيم حاس أني بأموت من شوقي لصوتش!!"
عالية.. نظرت للهاتف بنظرة محروقة.. حارقة.. جارحة.. مجروحة!!
كتبت له:
" عبدالرحمن أرجوك عطني وقت..
أنا لا رقت بنفسي اتصلت فيك"
ألقى هاتفه جواره بأسى..
كان صوتها هو ما يأخذه من ضيق هذه الجدران الأربعة إلى رحابة العالم..
كان معها ينسى أنه عاجز عن المشي.. كأنها هي قدميه!!
ولكنه الآن عاجز حتى عن محاولة التناسي.. وعجزه يتجسد أمامه ويتجسد ويتجسد..
مشتاق لجلسة المجالس..
مشتاق للجامعة وللتدريس..
مشتاق حتى لقيادة سيارته حتى يذهب لكل الأماكن التي كان يذهب مع مهاب لها..
ولكنه يجد نفسه مجبرا على حبس نفسه في البيت.. حتى عن الجلوس في مجلس والده.. وهو يتمزق من حبسته في البيت كفتاة..
بل حتى الفتيات يخرجن أكثر منه....
ولكنه يكره جلوسه في المجلس وشكله يصبح مهينا والعمال يحملونه داخلا وخارجا وذاهبا للحمام..
وهم يمزقون جسده بالألم بحملهم غير المحترف له..
أما أكثر ما يمزقه في هذه الجلسة هو اضطرار (الشيبان) للانحناء للسلام عليه..
البعض منهم ماعاد قادرا على الانحناء حتى..
ومع ذلك ينحنون عليه بمودة.. بينما كان هو من يلقاهم سابقا على باب المجلس بسلامه وتحياته وترحيبه..
لذا صار يحبس نفسه باختياره في البيت وهو يكثف جلسات العلاج الطبيعي والتدليك التي يبدو مفعولها بطيئا جدا..
بل بمعنى أصح لا مفعول لها.. لأنه مازال لم يلحظ أي تحسن على حركة قدميه الميتتين تماما..!!
وفي كل هذا... كانت هي مرشدته.. ونوره ونبراسه وقدميه ومحاورته..
باختصار...
كانت له كـــــل شـــــيء!!!
***********************************
بعد ثلاثة أيام أخرى!!
.
.
" الحين حن مطولين على ذا الحال؟؟"
كاسرة تمشط شعرها وتلتفت لكساب الذي يجلس على طرف السرير وينظر لها بنظرة غامضة..
كاسرة ببرود: أي حال؟؟
كساب بحزم: تعاملش معي كني ماني بموجود معش في الغرفة!!
صار لش أسبوع من رجعتي..
أول الأيام كنتي مريضة ماقلت شيء.. بس الحين مافيش إلا العافية..
كاسرة همست بتهكم: ومن قال أنك منت بموجود.. أصلا أنت الموجود وبس..
لأني أساسا مالي وجود..
فأشلون غير الموجود يعامل الموجود على إنه غير موجود؟؟
كساب بغضب: ألف مرة قلت لش بلاها الفلسفة الفاضية وكلميني كلام محدد..
حينها نظرت له كاسرة بنظرة مباشرة وهتفت بنبرة شديدة المباشرة والحزم:
الكلام المحدد إني قلت لك إنك لو رجعتني بطريقة البهايم ذي.. عمر قلبي ماراح يصفا لك..
أنت قلت عادي عندك.. ماتبي قلبي يصفا لك.. المهم أني جنبك مثلي مثل الكرسي..
وهذا أنا جنبك.. فلا تطالبني بشيء أنت رضيت فيه من البداية...
كساب يشد له نفسا عميقا ويهتف بحزم: أنتي اللي كنتي معندة وما تبين ترجعين
ماخليتي لي طريقة غير ذا الطريقة..
كاسرة همست بوجع: بلى كان فيه طرق غير ذي.. بس أنت ما تعرف إلا الطرق الملتوية..
لكن الحين خلاص.. لا عاد يفيد طرق مستقيمة ولا ملتوية...
كساب بذات الحزم: يعني أشلون؟؟ بنعيش حياتنا كلها كذا؟؟
كاسرة همست بثقة: أنت الحين ليش مسوي روحك زعلان؟؟
كل اللي تبيه سويته وما اهتميت من حد..
وش تبي زود؟؟
حقك كزوج ؟؟.. ما أقدر أمنعك منه.. ومالي حق أمنعك.. وحقك على رأسي عشان ربي مهوب عشانك..
حينها انفجر كساب بغضب: أنا أبي أدري أنتي وش شايفتني؟؟ حيوان مايهمه إلا غرايزه؟؟
أنا سبق لي ولو مرة وحدة إني غصبتش علي أو جبرتش.. عشان تكلميني بذا الأسلوب؟؟
حينها همست بسخرية مريرة : أبد حاشاك.. أنت تجبرني؟؟
تصدق.. حتى قبل ما تسكر ثمي وتسحبني لغرفتك..
استئذنتني.. قلت لي تسمحين لي.. أقهرش وأسحبش مثل البهيمة المربطة؟؟
حينها انتفض بحدة ليقطع المسافة بينه وبينها في ثانية ويشدها قريبا منه وهو يدخل كفيه في خصلات شعرها من الخلف ويقربها منه حتى أصبحت أنفاسه المتطايرة تلفح وجهها بقوة..
وكلاهما يتبادلان النظرات الحادة من قرب وهو يهتف لها بحزم بالغ:
لو سمعتش تعيدين ذا الكلام مرة ثانية.. والله ما يحصل لش طيب!!
أجابته بحزم مشابه: وش بتسوي زود؟؟ تضربني؟؟
عاد الكلام ما تقدر تحرمني منه.. لأني بأتكلم مثل ما أبي..
وهدني لو سمحت لأني أسمع زين..
حينها همس بخفوت بنبرة دافئة ومتلاعبة:
توش تقولين لو بغيت حقي بتعطيني إياه.. والحين تقولين هدني..
وين أم الكلام اللي الظاهر كلامها كله ما تعني منه شيء؟؟
كاسرة صمتت وأنفاسها تعلو وتهبط بغيظ وتوتر وهي عاجزة عن توقع خطوته القادمة..
ليفاجئها بإفلاتها ببساطة وهو يتأخر ويتناول غترته عن السرير ويهمس ببرود حازم ساخر:
بأروح أمسي عند علي..
لا تنسين تكلميني قبل تنامين.. عشان تقولين: تصبح على خير يا حبيبي!!
*********************************
هاهو يريح رأسه على فخذها وهو مغلق العينين.. وهي تمرر أناملها عبر خصلاته بحنو..
لا تعلم كيف تصف علاقتهما التي باتت تتجه لاتجاه غريب تماما..
الليلة هي الليلة التاسعة لزواجهما...
أنهك أعصابها واستنزف مشاعرها وكيانها بفيضان كلماته غير المعقولة طوال الليالي الثلاث الأولى..
كلماته التي أحدثت ثورة عارمة في كيانها الذي بات يرتعش كرعشات الحمى كلما تذكرت فقط همساته..
وبعد ذلك.. صمت.. صمت تماما.. الليالي الخمس الماضية بات حديثهما يتجه إلى التعمق في الحوار في نواحي أخرى من الحياة والتفكير..
ولكن بقدر ما أرعبتها كلمة " أحبكِ" وهو يقولها بطريقته التي تذيب القلب في الأيام الأولى..
وبقدر خوفها من تكراره لها وهي كل مرة تتحول لسلاح أكثر قوة في يده..
بقدر ما تشعر بلهفة قاتلة لسماعها الآن من بين شفتيه!!
لها وقع أشبه بالسحر تماما.. بل هي سحر خالص في التأثير غير المعقول على قلبها وكيانها وأعصابها وكل خلاياها التي شعرت بها تتساقط إعياءً على حد كلماته المسنون!!
تناول كفها من فوق رأسه ليخرجها من دوامة أفكارها.. وهو يضمها قريبا من قلبه وهو يهمس بسكون:
مزنة شتفكرين فيه؟؟ ليه سكتي؟؟
تدرين إنش لا حكيتي ما أبيش تستكتين..
ابتسمت برقة: حسبتك رقدت ومابغيت أزعجك..
هتف لها بثقة وهو مازال محتفظا بكفها قريبا من دقات قلبه:
تبين شي معين نشترطه بكرة على نايف في الملكة؟؟
ابتسمت مزنة: لو أقدر كان شرطت إن خواته ما يطبون البيت عند بنتي..
بس شأسوي؟؟
الولد أجودي.. أعرفه من عاده صغير.. كان دايما كاسر خاطري وخواته يتهادون عليه كنه لعبة..
ما أقول إلا الله يسخره لبنتي ويسخرها له..
ثم أردفت مزنة بحزم عذب: بس عندي طلب واحد بعد أذنك..
أبي عبدالرحمن يشهد على عقد الزواج..
عبدالرحمن كان غالي واجد على امهاب.. ولو امهاب موجود ما كان طلب من حد غيره يشهد..
ابتسم زايد بفخامة: أصلا عبدالرحمن بنفسه اتصل لي وقال لي إنه يبي يشهد على العقد..
فأنا حلفت إنه مايشهد على العقد غيره هو وإبيه.. أعرف بغلا فاضل عند تميم..
فعبدالرحمن وإبيه هم شهود العقد إن شاء الله!!
**********************************
اليوم التالي.. انتهاء عقد قران نايف ووضحى على خير...
يجلس في الزواية.. يشعر بتحليق حقيقي.. ويشعر أنه اليوم خفيف.. خفيف.. يكاد يحلق فعلا!!
ينظر أمامه لوالده ولنايف.. ولخالد آل ليث وأولاده.. وزايد وكساب وتميم والجد جابر و وأنسباء نايف الآخرين.. ومعارف لزايد من الوزن الثقيل..
حتى الشيخ الذي مازال جالسا لأن زايد حلف عليه أن يبقى للعشاء..
المجلس مزدحم تماما... لم يشعر اليوم بالحرج ولا الأذى النفسي من جلوسه معهم لأنه اليوم سعيد.. سعيد.. ولن يسمح أن يكدر سعادته بأي شيء..
ينظر لهم وهو يشعر أنه ليس معهم.. فهو في مكان آخر.. حيث قلبه.. مـــعـــهــا!!
سترضى عليه.. يعلم أنها ستفعل..
ألم تكفها الأيام العشرة الماضية عقابا له..؟؟
يعلم أن قلبها الحاني لن يظلمه أكثر من هذا..
فهي تعلم كم بات يتمزق من جوعه لسماع صوتها وانسكاب أنفاسها وضحكاتها في أذنه..
كان غارقا في هذه الأفكار حتى وصلته رسالة..
حين رأى اسمها يتصدر الرسالة.. شعر بقلبه يقفز إلى منتصف بلعومه " ياقلبي ياعالية.. داري إن قلبش كبير وأكبر حتى من ذنبي الكبير!!"
فتح الرسالة.. ليقفز قلبه من حنجرته ممزقا خلاياه لينهار أشلاءً متطايرة في فضاء المكان:
" طــــلــــقـــنــــي !!
لأني مستحيل أضيع شبابي وحياتي في خدمة واحد مكسح مثلك!!"
#أنفاس_قطر#
.
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم HaboOoshy
تجلس في زاوية الغرفة على الرخام البارد..
تحشر نفسها في الزواية وبرودة الحوائط والرخام تتسرب لجسدها وقدميها الحافيتين..
تحتضن رجليها الملصقتين بصدرها وتدفن وجهها بين ركبتيها..
وبقربها هاتفها المحطم إلى أشلاء متناثرة.. تماما كما فعلت بقلبها قبل قلبه..
و
تـــنـــتـــحـــب!!
تنتحب كما لم ينتحب مخلوق قبلها.. تنتحب بهستيرية.. وبصوت عالٍ !!
ولكن صوتها لم يتجاوز أسوار غرفتها لأنها كانت تجلس في الزاوية البعيدة ووجهها مدفون تماما بين ركبتيها..
محطمة تماما.. محطمة!!
بل وصف التحطم لا يتناسب مع حالتها المنهارة تماما..
هاهي انتقمت منه.. فــلــمَ ليست سعيدة؟؟
هاهي انتقمت من عبثه بها وبمشاعرها بينما قلبه مع سواها!!
اقنعت نايف أنها لا تريد الطلاق وأنها حريصة على زواجها حتى تقنعه بالزواج من وضحى..
بينما هي كانت تخطط للطلاق منذ البداية..
فكيف ترضى أن تتزوج برجل منحته كل مشاعرها حتى آخر نقطة ليصفعها برغبته بسواها دون رحمة؟؟
كيف ترضى بفتات مشاعره بينما هي منحته لب اللب؟؟
لا تعلم لماذا يتوقع منها الناس أن تكون بلا مشاعر لمجرد أنها قوية..
هل القوة كانت المبرر لينحر عبدالرحمن قلبها المتيم به وبهذه القسوة؟؟
تعلم أنه يستحق تماما ما فعلته به... بل حتى ما فعلته به لا يوازي جريمته في حقها..
فهو كان البادئ.. والبادئ دائما أظلم..
كما أنه نحرها بدم بارد وطعنها بكل وحشية في الوقت الذي كان صدرها مفتوحا تماما لطعنته غير المتوقعة..
لكن هي هيئته تماما لطعنتها.. الخطبة أولا.. ثم ملكة حبيبته.. ثم طلبها الطلاق..
تعلم أن من هان عليه أن يبيعها بهذا الرخص.. لن يهمه طلاقها..
ولكن ما يجرحها حتى نخاع النخاع أنها جرحته بطريقة بشعة وهي تعايره بعجزه..
قد تكون فعلتها مسبقا.. ولكنها فعلتها في لحظة غضب وهي حينما تغضب تضيع الإحساس بما تقول..
ولكنها الآن قالتها مع سبق الإصرار والترصد..
لم تكن تريد أن تفعلها أو تكتبها أو تقولها.. شعرت أن الكلمة كانت سكينا نحرها بوحشية..
ومع ذلك فعلتها لأنها أرادت أن تؤذيه كما أذاها..
ولكنها وهي تؤذيه آذت نفسها بشكل أعمق وأعمق وأحد وأكثر وجعا..!!
قد تكون فعلا تريد الطلاق.. فهي يستحيل أن توافق على العيش مع رجل مشاعره مع غيرها منذ البداية..
بل وكان يتلاعب بها بكل تقصد..
ولكنها.. لم ولن تستطيع أن تكرهه.. فحبه تغلغل حتى آخر خلية في روحها..
إذا كانت أحبته وهو مجرد جسد هامد لا حياة فيه..
فكيف لا تحبه وهو من كان يهمس لها بدفء كلماته ليشعلها من الوريد للوريد..؟؟
قد يكون عبدالرحمن لم يحبها كما أحبته..
ولكنها تعلم عنه شيء هي متأكدة منه تماما..
أن هذا الرجل الذي تجاوز الثلاثين.. أستاذ الجامعة.. الذي درس في الخارج
وله خبرة لا يستهان بها في الحياة..
يحمل في داخله روحا أشبه بروح طفل بريء!!
وإلا أي رجل يصارح زوجته أنه يفكر أن يتزوج عليها لأنه لا يريد أن يخدعها!!
وهي تعلم الآن ما فعلته بهذه الروح البريئة!!
مـزقـتــهـــا.. مزقتها تماما!!
************************************
" (مكسح) ؟؟
أ هكذا تراه؟؟
لماذا جرحك هذا الأمر لهذه الدرجة؟؟
ألست كذلك فعلا؟؟ (مكسح) ؟؟ "
كان يجلس بينهم وهو لا يشعر بأحد إطلاقا.. وشتان بين إحساسه بعدم تواجدهم قبل دقائق وإحساسه الآن..
يعتصر هاتفه بين يديه.. وهو يقرأ رسالتها للمرة الألف..
" تبين تطلقين يا عالية عشان ما تبين المكسح..؟؟
دامش وريتني وجهش الثاني اللي كنتي تحذريني منه
فخلي المكسح يوريش وجهه الثاني بعد..
وإذا أنتي تعرفين تخططين خطط طويلة
وتؤمنين إن الانتقام وجبة توكل باردة..
فالمكسح يفكر وينفذ فورا
وما أمسي بحرتي في قلبي!!
وأي حرة يا عالية؟؟ أي حرة؟؟
حرقتي القلب اللي ما انكتب على جدرانه اسم غير اسمش!!
والكلمة نفسها ما تهمني.. بأقول مرة مجروحة..
لكن أنتي خططتي ونفذتي وكنتي قاصدة كل شيء!! "
عبدالرحمن رفع صوته بنبرة جهورية حازمة بالغة الاحترام : عمي خالد..
الجميع التفت لناحية عبدالرحمن.. فالنبرة العالية التي نادى فيها عبدالرحمن عمه.. أشعرتهم بشيء غير طبيعي..
أبو صالح هتف بأريحية: نعم يأبيك..
عبدالرحمن بذات النبرة: طلبتك قدام ذا الوجيه الغانمة.. قل تم !!
أبو صالح انتفض بشدة لحميته التي تخللت عروقه وهو يهتف بصوت عال: تم.. يأبيك تم..
ولكن عبدالرحمن أعاد عليه التأكيد بطريقة أكثر استفزازا للحمية: وعطني وجهك ما تردني..
أبو صالح ماعاد حتى قادرا على الجلوس لاشتداد الحمية في عروقه.. وقف بحزم وهو يهتف بحزم أشد: ولك وجهي..
ليفجر عبدالرحمن قنبلته مدوية في أرجاء المجلس الواسع:
أبي أدخل على مرتي الليلة.. وذا الوجيه الغانمة يشهدون إنك عطيتني!!
أبو صالح هتف بذات الحزم: وأنا عطيتك.. وتم!!
أبناء خالد الثلاثة عبدالله وصالح وفهد ومعهم نايف تغيرت وجوههم..
وفهد كان يريد أن يقفز لشدة غضبه لولا أن صالح المجاور له أمسك به وأجلسه وهو يهتف بحزم خافت:
أص ولا كلمة.. أبيك عطى الرجّال.. وش أنت قايم له؟؟
فهد وجهه محمر من الغضب: وهذا سنع.. وين حن عايشين وأبيك يحسب روحه عاده عايش في البر..
بيهز الرواق على هل الشق ويقول ياعرب عندكم عرس الليلة
وش يدخل الليلة؟؟ وش خرابيطه؟؟ هذا كلام عقّال؟؟
زايد لاحظ الوجوم الذي حدث في المكان والجميع في مجلسه بعد أن حلف عليهم بالعشاء عنده بعد أن تمت الملكة في بيت تميم..
لذا لابد أن يتدخل الآن..
هتف بحزم قيادي:
عبدالرحمن يأبيك.. أبو صالح ما قصر وعطاك..
بس يابيك أنا طالبك تأجل سالفة الدخلة ذي أسبوع وإلا أسبوعين لين يتجهزون العرب..
عبدالرحمن بذات الحزم: طلْبتك على رأسي.. بس عمي خلاص عطاني..
وأنا شوفة عينك ماعاد حتى أقدر أطلع للمجالس..
وذبحتني الضيقة من مقابل الطوف.. وأنا ذا الحين أحوج ما أكون لمرتي..
كان أنها بتقدر توقف جنبي الحين.. وإلا ما أقدر أمسك بنت الناس وأنا ما أدري متى الله يكتب لي أمشي!!
وش تقول يا عمي؟؟ تعطوني مرتي؟؟ وإلا تشوفوني ماني بكفو لها؟؟
أبو صالح بحزم بالغ: إلا كفو وكفو.. ومهوب بناتنا اللي يقصرون في حق رياجيلهم لا اختبرهم الله من عنده..
والمرة مرتك.. ومالنا حق نردك منها...
والعرس كله خرابيط مالها معنى..
مر البيت عقب ما نطلع من هنا وخذ مرتك لبيتك..
وترا عشاكم كلكم عندي بكرة..
*****************************************
" يأبيك اللي سويته مهوب سنع!!
وش عرسه وأنت بذا الحال..؟؟
وخالد ماعنده إلا ذا البنت.. وأنا ماعندي ولد غيرك..
وش يضرك لو انتظرت لين تتحسن وعقبه نحدد عرسك ونسوي لكم عرس على قدركم عندنا؟؟"
عبدالرحمن تنهد بعمق.. وهو يجلس مع والده في المقعد الخلفي بينما السائق وأمجد في المقعدين الأمامية..
يعلم أن في تصرفه كم كبير من الأنانية.. بينما هو فعلا أبعد الناس عن هذه الصفة..
ولكنه مجروح.. وتصرف بتسرع.. أو ربما بغير تسرع فهو فعلا ماعاد فيه صبر على بقاءه على هذا الحال..
يريد أن تكون عالية لجواره.. ولكن لأنه غير أناني فهو لم يرد فعلا أن يربطها لجواره وهو مازال لم يتحسن..
ولكنها الآن أعطته المبرر القوي ليكون أنانيا وغاضبا ومجروحا..
لا تريد المكسح..؟؟؟
فلتنم في حضنه الليلة!!
فهي كان يجب ان تعلم أن هذا المكسح زوجها وأن له عليها من الحقوق مالا تتخيله..
قبل أن ترميه بطلب الطلاق وبمعايرتها له..
ماهي الجريمة التي ارتكبها لدرجة أن تفعل به كل هذا؟؟
أنه كان وفيا لصديقه وصريحا معها؟؟
لماذا لم تقل له بطريقة واضحة أنا حريصة عليك وأستطيع أن أدبر لوضحى عريسا ما دامت قادرة على ذلك..
كانت تستطيع أن تغضب كيف شاءت وهو من سيراضيها كما يفعل الناس الطبيعين..
ولكن أن تلف هذه اللفة الطويلة حتى تنتقم منه!!
طريقة مطلقا لا تتناسب مع شفافيته ولا حتى مع وضعه الصعب!!
عبدالرحمن هتف بحزم لوالده:
يبه جعلني فداك.. خلاص اللي صار صار..
وأنا فعلا تعبت من الوحدة..
إذا هم صدق يبون يعطوني مرتي وإلا خلها تروح في حالها..
بس إني قاعد معلق ومعلقها معي هذا اللي مهوب سنع!!
*****************************
" أص ولا كلمة..
أنت وش جابك معنا؟؟
أنت منت بجاي مع صالح؟؟ ليه ماذلفت معه؟؟"
أبو صالح يهتف بذلك بغضب لفهد الذي كان يرتعش غضبا منذ سمع عبدالرحمن
وركب مع والده في سيارة عبدالله حتى يفرغ بعضا من غضبه..
فهد بغضب: يبه حتى الكلام ما نحكي.. محتر.. بأموت..
عبدالله بحزم غاضب: إيه احتر وموت.. وإلا بتقعد تراد أبيك بعد؟؟
فهد وجد له وجهة لتفريغ غضبه: إيه وش عليك.. نسبيك.. أفرح ماعليك تونسه
لكن أختك مالها قدر عندك..
عبدالله حينها هتف بغضب حقيقي: أص يا فهيدان..
أظنك عارف زين إني أقرب واحد فيكم لعالية..
وعبدالرحمن ما طلب إلا حقه اللي المفروض حن عرضناه عليه..
الرجال طلع من المستشفى تعبان ومحتاج اللي يقوم به..
أمه عجوز..وخواته أم حسن حامل وتعبانة.. والثانية أبيها طلع أخير منا وحلف تروح مع رجالها التعبان..
وحن اللي كان من المفروض نقدم الغانمة.. ونقول له مانبي عرس ولا خرابيط وخذ مرتك لبيتك..
لكن الظاهر إنك ماعاد تعرف السنع ولا السلوم ولا المراجل كون طول لسانك على أبيك وأخيك الكبير..
فهد ابتلع غيظه.. بينما أبو صالح هتف بحزم: صح لسانك يا أبو حسن..
الظاهر إني ما عرفت أربي عقبك أنت وصالح..
بس ترا الواحد ما يكبر على التربية.. وكان التربية ما نفعت..
فتراك ما كبرت على العقال.. أعلّم به جنوبك شوي..
فهد ماعاد يحتمل وهو يهتف بغضب: الحين لا قلت كلمة حق أستاهل العقال يعلم في جنوبي..
حينها هتف أبو صالح بحزم بالغ: عبدالله وقف السيارة!!
عبدالله أوقف سيارته دون تفكير وهو يصف جانب الطريق بينما أبو صالح هتف بحزمه الشديد:
انزل يا الرخمة.. والله ما تخاوينا..
البيت مهوب بعيد.. امش شوي ما يضرك..
فهد نزل فعلا وهو يغلق الباب بصوت مسموع.. بينما أبو صالح فتح شباكه وهتف بغضب: زين يا فهيدان.. وتصفق الباب بعد..
أما سنعتك فأنا ما أني بخالد آل ليث!!
*********************************
الطرقات تتعالى على باب عالية..
كان عبدالله هو الطارق وهو يهتف بحزم: عالية انزلي أبي يبيش الحين ضروري...
عالية انتفضت بجزع وهي تقف من مكانها الذي لازمته لأكثر من ساعتين لدرجة أن عظامها تصلبت من قسوة الرخام وبرودته..
وهي تهمس بصوت مبحوح: زين عبدالله نازلة الحين..
لتنتفض بجزع أكبر..
"والدها يطلبها ؟؟؟.."
نظرت لساعتها.. الساعة التاسعة والنصف مساء..
والدها بعادته.. حينما يصلي العشاء فهو لا يحب أن يخوض في حديث عدا التسبيح إلا إن كان مضطرا للحديث فعلا..
فما هو الحديث الضروري الذي يريدها فيه بعد عودته من ملكة نايف التي كان عبدالرحمن موجودا فيها..؟؟
سدت فمها بيدها حتى لا تخترق الشهقة روحها..
أ يعقل أنه فعلها بهذه السرعة؟؟ طلقها؟؟
لا يوجد تبرير آخر... عبدالرحمن طلقها !!
كانت تريد أن تنفجر بالبكاء فعلا..
فرغبتك بشيء تظنه في بالك.. مختلف تماما حينما يحصل..
أ يعقل أن ما بينها وبين عبدالرحمن قد انتهى؟؟!!
هذا الرباط الروحي المتين انقطع؟؟
ما عادت تربطها بعبدالرحمن أي علاقة؟؟
أ يعقل كل هذا الألم الذي شعرت به يثقل روحها لدرجة العجز عن التنفس؟؟
جمدت كل مشاعرها وأحاسيسها وهي تستبدل ملابسها وتغسل وجهها بماء بارد..
وتلف رأسها بجلال وتقربه من أطراف وجهها حتى لا ينتبه أحد لذبول وجهها..
فهي مهما كان عالية بنت خالد.. وستبقى قوية !!
و أ ليس هذا ما أرادته فعلا؟؟ أ لم تكن تريد الطلاق؟؟
هاهي حصلت عليه!!
عالية نزلت لوالدها..
كان يجلس في الصالة.. قريبا منه كان يجلس عبدالله ووالدتها..
انقبض قلبها تماما والعبرات تسد حلقها حين رأت الدموع التي تملأ عيني والدتها..
كان مازال في قلبها بعض أمل غبي لا معنى له.. ولكن حين رأت دموع والدتها علمت أن الامر فعلا حصل...
عبدالرحمن طلقها !!! طلقها!!
أما حين ناداها والدها بحنو لتجلس جواره وهو يهمس بحنان عميق:
تعالي يأبيش جنبي أبيش في سالفة..
حينها علمت أن مخاوفها حقيقة واقعة وأنها حتى وإن أرادت الطلاق كفكرة لرد كرامتها..
ما عادت تريده الآن حين علمت أنه حقيقة.. لذا دفنت وجهها في كتف والدها وهي تنتحب بعنف هستيري..
أبو صالح احتضنها بحنو حقيقي وقلبه يذوب لها.. يؤلمه قلبها أن يحرمها من فرحتها بحفل زواج كبقية الفتيات..
وهي ليست أي فتاة.. بل عالية!! عالية!! وحيدته ونبض قلبه!!
ولكن ماذا يفعل وهو يوضع في موقف يختبر طيب عاداتهم المتوارثة وحميته ورجولته؟؟
ويعلم أن ابنته قوية وصلبة وكل هذه رتوش لا تهمها..
وإن كانت ابنته عند ظنه فهي لن تخيب رأيه فيها!!
همس لها بذات الحنان الذائب وهو يظن أنه أصبح لديها خبرا بما أنها تبكي هكذا
ولأن عبدالله وصالح كلاهما أبلغا زوجتيهما فور معرفتهما بالخبر حتى تشتريا الأغراض الضرورية لعالية:
اسمعيني يا أبيش أدري إن الموضوع مهوب بسيط عليش..
بس وشأسوي يا أبيش.. عبدالرحمن حدني على أقصاي وخلاني أعطيه وجهي..
عالية تزايد نحيبها وهي تدفن وجهها أكثر في كتف والدها.. بينما أبو صالح يكمل بذات الحنو:
يا أبيش المجلس مليان رياجيل وماقدرت أرده.. وهو يا أبيش ترا ما طلب إلا حقه..
والمفروض إنه حن اللي قلنا له ذا الكلام قدام يطلبه...
وأنا ماني بغاصبش على شيء.. بس ما ظنتي إنش بتفشليني وتصغريني قدام الرياجيل..
عالية بدأ ذهنها يتشوش.. ماكل هذا؟؟ وماذا يقصد والدها؟؟
لتنصدم صدمة حياتها ووالدها يكمل: عشان كذا يا أبيش قومي تجهزي تروحين مع رجالش..
نجلا وجوزا بيساعدونش الحين تجهزين اغراضش الضرورية بسرعة..
وأغراضش الباقية بيرتبونها لش ويجونش بها بعدين..
وبالفعل كانت نجلا حينها تدخل.. عائدة من المجمع القريب .. بعد أن أنزلت جوزا في بيت أهلها..
بعد أن أخبرهما زوجيهما قبل أكثر من ساعتين حتى يشتريا لعالية شيئا مناسبا على عجالة..
فمرت نجلا بجوزا وذهبت بها..
واشتريا لها بشكل سريع قمصان نوم وبيجامات وملابس داخلية وبعض الأطقم الجديدة وهما تركضان في المجمع..
والاثنتان فعلا لم تكونا راضيتين بهذا.. فمن التي تتزوج بهذه الطريقة؟؟
حتى جوزا مطلقا لم تكن راضية بما فعله عبدالرحمن وهي تحاول وضع نفسها مكان عالية لتجد الأمر صعبا عليها..
ولكنها اتصلت فورا بشعاع لتجهز هي أيضا غرفة عبدالرحمن..
لتنزل لها الآن لكي ترتب الأغراض التي اشترتها لعالية في الغرفة..
وبما أن زواج شعاع بعد أقل من أسبوع فهي تقريبا كانت أغراضها جاهزة..
لذا قررت شعاع أن تضع مفرشها الفخم الذي كانت جوزاء قد اشترته لها لليلة زواجها لهما..
فهي مازال الوقت أمامها وجوزا ستشتري لها غيرها.. ولكن عالية المسكينة صدموها بهذا التصرف غير المعقول..
بل إن شعاع بأريحية وشفافية كبيرة علقت في الدولاب كثيرا من قمصانها وملابسها الجديدة ..
ونثرت على التسريحة عطورها وكريماتها المعطرة وبخورها.. وكثير من أدوات زينتها..
وكذلك فعلت في الحمام وأرجاء الغرفة.. وهي تبخر كل شيء وتعطره بعناية..
وحين دخلت جوزا بالأكياس الكثيرة ومعها خادمتين يحملونها.. فوجئت أن كل شيء تقريبا جاهز..
كغرفة عروس فعلا بأجواءها وترتيبها ورائحتها..
جوزا همست بتأثر وهي تختنق من تأثرها: شعاع يا قلبي وش خليتي من أغراضش..؟؟
ابتسمت شعاع بشفافية: الأغراض هذي أنتي اشتريتها في أسبوع.. ما تقدرين تشترين لي غيرها يعني؟؟
جوزا احتضنتها بتأثر: واللي خلق عيونش الحلوة لأشتري لش أحلى وأكثر منها.. وفي يومين بس..
جعل ربي يفرح قلبش مثل ما فرحتي قلب ذا المسكينة..
وجعل عين ولد آل كساب ما تشوف غيرش.. قولي آمين..
*******************************************
كانت نجلا ترتب حقيبة عالية على عجالة..
وهي عاجزة عن منع طوفان دموعها من الانهمار.. وهي تهمس بكلمات مختنقة أشبه بكلمات متقاطعة:
ترا والله عمي خالد انحرج من المجلس.. صالح قال لي إن عبدالرحمن ما خلا له مجال... وهو يطلبه قدام الرياجيل..
تكفين لا تتضايقين.. بكرة بنجي عندش ونسوي لش أحلى حفلة..
وبأرقص لش بكرشي..
وبجيب لش هدية ماصار مثلها ولا أستوى.. تكفين لا تتضايقين...
المهم توفيقش..
كانت نجلاء تنهمر بكلماتها المبتورة المتغرغرة بالدموع وهي تتحرك بتوتر في أرجاء الغرفة.. بينما عالية جالسة على طرف السرير غارقة في التبلد..
ختاما كانت هي من شدت نجلا لتجلسها وهي تهمس بذات التبلد:
نجلا بس.. اقعدي.. الشنطة خلصتيها من زمان.. وأنتي نفس الأغراض تدخلينها وتطلعينها..
ومن قال لش أنا متضايقة.. أنا متقبلة الموضوع ببساطة..
وفعايل أبو صالح فعايل رياجيل صدق وما تنلحق.. ومهوب أنا اللي أسود وجهه.. عشان خرابيط مالها داعي..
حينها كانت نجلا من انفجرت في البكاء وهي تدفن وجهها في حضن عالية..
عالية ربتت على كتف نجلاء المنكبة في حضنها وهي تهمس بذات التبلد:
تدرين عبدالرحمن كنه حاسس فيني..
كنت أفكر أشلون أنا بألبس فستان أبيض.. حسيته شيء غبي ما يلبق لي..
وأشلون بأمشي فيه؟؟.. مثل البطة!!
وأشلون أرسم نفسي عروس وأقعد باحترام وذرابة وأنا ما أعرف..
فخلاص تريحت وريحت رأسي من التفكير بكل ذا السخافات..
نجلاء تزايد انهمارها بالبكاء بطريقة هستيرية وهي تشهق: بس عالية تكفين اسكتي..
لا تقولين شيء.. مافيها شيء لا بكيتي.. ابكي وفضفضي..
عالية وقفت وهي تهمس بحزم: وليش أبكي.. أنا أبي أعرف وين المأساة في الموضوع؟؟
عبدالرحمن رجّالي صار له شهور طويلة..
المفروض أساسا أني رايحة بيته من زمان..
ويا الله نجلا كلمي صالح خله يوديني لبيت رجّالي..
نجلا تنظر لعالية بدهشة حقيقية: نعم؟؟ تبين صالح يوديش..؟؟
عبدالرحمن بنفسه بيجيش لين مكانش..
عالية بحزم شديد: عبدالرحمن وضعه مايسمح له يجيبني.. يجيني مع السواق؟؟
أنا أبي أروح بنفسي وأنتظره هناك..
" تحسب أنك بحركتك بتكسرني يا عبدالرحمن..؟؟
بتجي تأخذني وتلاقيني منهارة أبكي..؟؟
لا يا ولد فاضل..
ما عرفتني !!
أنا اللي بأروح هناك.. وبنفسي.. وأتعدل وأنتظرك مثل عروس..
ورني أنت أشلون بتمثل دور العريس !! "
*****************************
" عبدالرحمن لا تروح تجيب عالية خلاص"
عبدالرحمن يعتصر هاتفه ويهمس بصوت مبحوح: وليش ما أجيبها؟؟ أهلها غيروا رأيهم..؟؟
شعاع بابتسامة عذبة: لا بس عالية صارت هنا خلاص..
وتقول بس عطها ساعتين قبل تجي..
عبدالرحمن ألقى الهاتف من يده كأنها شعلة من نار أحرقت يده..
ليسقط الهاتف عن المقعد المتحرك الذي كان يجلس عليه في المجلس.. لأنه اتصل بالسائق حتى يذهب لإحضار عالية..
ماذا تقصد من هذه الحركة؟؟
أن تثبت له سيطرتها على الأمور؟؟ أو عدم اهتمامها بحركته؟؟
بالفعل يشعر أنه يجهل المرأة التي كان يظن أنه بات يعرفها أكثر من نفسه!!
وهو يرى الطريق أمامهما بات مليئا بالتعقيدات والعناد والخطوات غير المحسوبة!!
لا يعلم كيف قضى الساعتين حتى..
يتمزق بين أفكاره المتعارضة المؤلمة والجارحة..
والده غادره منذ فترة مجبرا.. بناء على حلف عبدالرحمن عليه لأنه يعلم أن والده يفضل النوم مبكرا..
والعمال ذهبوا للنوم أيضا.. فهو على كرسيه المتحرك ويستطيع تحريكه بنفسه حتى يصل لداخل البيت.. بعد أن وضع والده الممرات المسطحة على كل المداخل..
سيتصل بشعاع لتساعده فقط ليصعد لداخل البيت..
لا مشكلة حتى الآن في دخول البيت الذي دخله فعلا..
ولكن الـمـشـكـلـة....
أنه يقف الآن على أعتاب باب غرفته ولا يريد الدخول..
لا يريد الدخول فعلا !!!
عاجز عن توقع شكل المواجهة أو وطأتها وهو فعلا غير مستعد لها ولا بأي شكل!!
مازال يقف أمام باب غرفته..
يسب نفسه على تسرعه..
هاهو في خضم مواجهة هو غير مستعد لها إطلاقا..
هو غير نادم على التصرف الذي قام به.. ولكنه تمنى لو أنه قال لعمه أريد أن أدخل على زوجتي بعد أسبوع أو أسبوعين..
يكون تهيأ للأمر نفسيا..
وبهذه الطريقة يكون وصل لكل اهدافه..
أدبها على ما فعلته به..
وفي ذات الوقت استطاع أن يحضرها لتكون جواره..
لا يستطيع حتى أن يتخيل تقبلها له.. أو تقبله لها...
نحن حينما نسمع عن شخص أو نتكلم معه دون مشاهدة نرسم في خيالنا صورة ما.. قد لا تكون حقيقية إطلاقا..
عبدالرحمن لأنه رجل منفتح التفكير كان يرفض أن يتزوج من محض شبح لا يعرفه..
بدأ بالكلام معها.. وكان يخطط لأن يطلب منها صورة لها على أن يراها ويعيدها لها.. لكي تكتمل الصورة في ذهنه..
حقيقة وفعلا الجمال لا يهمه إطلاقا ولا يشغل باله.. ولكن يهمه أن يعرف شكل المرأة التي ستصبح أقرب له من روحه..
لا ينكر أنه رسم لها صورة ما.. صورة تغلغت في تفكيره من خلال شبه أشقائها..
قد يكونون أولاد خالد آل ليث الذكور يتمتعون بوسامة استثنائية إلا هزاع.. ولكنه لم يستطع أن يتخيل أبدا أن عالية قد تكون جميلة بأي حال من الأحوال.. ولكنها ليست دميمة أيضا..!!
بل الغريب أنه شعر أنها قد تكون أقرب شبها لهزاع ولكن بالطريقة الأنثوية..
فالشباب كانوا يتدرجون في هرم على رأسه عبدالله ثم فهد ثم صالح... ثم يأتي هزاع متأخرا جدا في آخر الهرم..
فهزاع يتمتع ببنية جسدية ضخمة هي الأضخم بين أشقائه.. وتتصف ملامحه بالحدة والخشونة لأبعد حد..
ولأن عالية كانت حتى في حديثها معه تربط بينها وبين هزاع فهذا الربط بدأ يحدث في ذهنه تلقائيا..
وخصوصا أن عالية لم تكن تتمتع بأي أنوثة في الحديث.. الذي كان هو مفتاحه الوحيد لمعرفتها..
بالتأكيد يعلم أنها ليست ضخمة.. لأنه رأها بالعباءة الواسعة.. فطولها طبيعي كطول أي أنثى.. قريبة من طول شعاع مثلا!!
إذن فالصورة التي تكونت في ذهنه..
أن عالية عادية الملامح ولكنها (مملوحة) كما يُقال في اللهجة الدارجة.. أي وجه ترتاح العين لمرآه..
وفي ذات الوقت.. الأنوثة عندها هي في مستوياتها الدنيا..
ومع كل ذلك.. كان متأكدا أنها ستكون المخلوقة الأجمل في عينيه..
فمتى كان الجمال هو مقياس كل شيء في الحياة؟؟
ولكن مع هذا التعقيد الحاصل بينهما.. وهي تجرحه بدون رحمة..
يخشى أنها مهما كان شكلها فهو لن يبصر إلا مساوئها..
وهكذا هي النفس.. ما حسنته فهو حسن.. وما قبحته فهو قبيح!!
هـــــي في الداخل..
تسب نفسها على تسرعها أكثر منه..
بل تسب نفسها أكثر على ثقتها التي شعرت أنها تبخرت في الهواء..
فهي منذ وصلت لبيتهم.. رغم دفء ترحيب أم عبدالرحمن وشعاع وجوزا.. وهن يكدن يحملنها عن الأرض..
وهي تشعر أنها عاجزة عن التنفس.. أما حين وصلت للغرفة ثم تركنها فيها..
شعرت أنها سيغمى عليها...
كانت تظن أنها ستأتي إلى غرفة رجل جامدة.. تبدو كأرض حرب محايدة..
ولكن الغرفة كانت تبدو فعلا كغرفة عروسين في أبهى صورة..
فكيف استطاعوا فعل ذلك في أقل من 3 ساعات ؟؟
المفرش الأبيض البالغ الفخامة.. والشموع العطرية المنثورة في المكان.. والرائحة العطرة الدافئة..
وأكوام العطور والزينة على التسريحة..
أما حين فتحت الدولاب أغلقته بسرعة كما لو كان سيخرج منه عفريت وهي ترى أمواجا من الفساتين الجديدة.. والقمصان الفاخرة..
قررت أن تهرب للحمام وهي تنتزع فوطتها وروبها من حقيبتها.. تريد أن تستحم حتى تغسل جسدها من الحرارة والتوتر..
حين دخلت للحمام.. أصيبت بخجل أعمق.. حتى الحمام كان غارقا في فخامة استثنائية بطقمه الفاخر الجديد..
وهو يفوح برائحة الزيوت العطرية.. وغارق في أكوام الكريمات ومعطرات الجسد..
كادت تجن.. كيف فعلوا كل هذا في وقت قصير.. بل دون وجود وقت حتى؟؟
بل لماذا فعلوه وهم يسلبونها حقها في القوة والثقة ليجعلوها تشعر بالخجل والتزعزع كأي فتاة غبية؟؟
لم يخطر ببالها أن كل هذه الأغراض هي أغراض شعاع التي كانت جاهزة أصلا..
وكل ما احتاجته.. هو خادمتين معها لتنتهي من العمل كله في أقل من ساعة..
مع أنه لم يكن لها عقل لتفكر وهي تستحم.. ولكنهالم تستطع منع نفسها من الشعور بألم عميق..
وهي تلاحظ في الحمام بقرب المرحاض والمغطس وجود الألواح الحديدية التي توضع لذوي الاحتياجات الخاصة لتساعدهم على الحركة داخل الحمام..
حاولت تنحية الألم الذي غمر روحها لأقصاها وهي وتقرر أنها لابد أن تمشي في مخططها كما رسمت.. مع أنها ماعاد بها قدرة لا للتفكير ولا للتنفيذ..
صلت قيامها قبل أن تقوم بأي شيء وهي تدعو الله أن يقوي عزيمتها ويبعث في روحها القلقة السكينة..
ثم حاولت أن تهدأ وهي تقوم لتبدأ بتنفيذ مخططها..
بعد أن انتهت من تعطير جسدها وشعرها وتبخيرهما.. أخرجت فستانها الذي قررت أن تلبسه.. فستان زهري..
ضيق على الصدر ويتسع من الصدر بكسرات متعددة..
فهي بطبعها ولأنها نشأت في بيت كله شباب ثم عاشت سنواتها الأخيرة مع شاب كانت لا ترتدي إلا الملابس الواسعة..
وربما حتى هذا الفستان كانت تراه مخجلا.. ولكنه كان الفستان الوحيد الجديد الجاهز لديها لأنها كانت أعدته لزواج شعاع..
تركت شعرها المتوسط الطول يجف دون تمشيط وهي تمرر بعض الجل خلاله ليكون مموجا بطبيعية..
ثم رفعت أطرافه من الأمام بفراشات زهرية..
ووضعت زينة خفيفة.. اعتمدت على ألوان الزهر في مجملها..
لا تعلم حتى لو كان شكلها مرتبا وهي تنهي زينتها برشات كثيفة من العطر..
ولكن هذا ما استطاعت فعله وهي تنظر لساعتها وترى أن الساعتين اللتين طلبتهما من عبدالرحمن عن طريق شعاع قد انتهتا من أكثر من ربع ساعة..
كانت تجلس في الجلسة الصغيرة في الزاوية حين رأت الباب يُفتح..
شعرت أن قلبها يقفز إلى منتصف حنجرتها من الرعب والتوتر..
حاولت أن ترفع عينيها لتنظر له بتحدي و برود حتى تريه أنه لم ولن يكسرها..
ولكنها لم تستطع رفع عينيها عن يديها المتشابكتين وصوت دقات قلبها يكاد يطغى على صوت العجلات التي سمعتها تتقدم لداخل الغرفة..
هــــو... بقي أمام الباب لوقت طويل.. لا يعلم مدته.. ربع ساعة.. نصف ساعة..
يعصف به توجس عميق.. في داخله كره أن تراه بهذه الضعف.. وهو يدخل على كرسيه المتحرك..
وكأنها تتأكد بذلك مما وصفته به أنه " مكسح " !!!
أذى نفسي متزايد هو في غنى عنه..!!
ولكنه في النهاية وجد نفسه مجبرا على الدخول.. فحتى متى سيبقى أمام الباب؟؟
أ ليس من أراد جلبها لعنده؟؟ وهاهي عنده كما أراد تماما..
حين دخل لم يستطع حتى أن ينظر ناحيتها..
وإهانتها المرة تقفز فورا لذاكرته...
غمغم بسلام بارد وهو يتجاوزها للحمام.. لترد هي بسلام أكثر برودا..
وعبرتها تقفز لمنتصف حلقها وهي تتذكر حين سمعت صوته.. ماقاله لها في مكالمتهما الأخيرة..
وهو يطعن قلبها الطعنة التي حاولت أن تنحيها من تفكيرها فإذا بها تقفز لتحتل كل المساحات وهي تراه أمامها..
قضى في الحمام نصف ساعة قبل أن يخرج من غرفة التبديل وشعره يبدو مبلولا..
خلال الفترة التي قضاها في الحمام كانت رغما عنها تتساءل بألم شاسع:
كيف يتصرف في الداخل..؟؟
كانت تنظر له بطرف عينها وهي تراه يعبر من أمامها.. متوجها للسرير ودون أن يوجه لها كلمة واحدة..
نقل نفسه للسرير.. بدا له أنه عانى طويلا حتى استطاع فعل ذلك..
ولكنها لم تجرؤ على عرض المساعدة.. وهي تشعر رغما عنها أن كل حركة فاشلة يقوم بها تجعل قلبها ينتفض وهي تخشى أن يقع على الأرض خلال محاولاته..
وهي مازالت تسترق النظرات له وهي تراه يتوجه للقبلة ويصلي قيامه.. ثم يتناول مصحفه ليتلو ورده..
ثم يضع مصحفه جانبا.. لينظر أمامه.. دون أن يتوجه لها بكلمة..
شعرت بغضبها يتصاعد منها.. لماذا أحضرها هنا إن كان يريد أن يتعامل معها كأحد مقاعد الغرفة..؟؟
فهو لم يكن يحتاج لمقعد إضافي..
مرت دقائق صمت قبل أن يكسر هو الصمت وهو يهتف ببرود مقصود:
تراني تعشيت في ملكة خالش العزيز..
لو تبين تتعشين.. تعشي أنتي..
قالها وهو يشير بيده للعشاء المرتب على طاولة التقديم في الزواية..
حينها رفعت عينيها وهي تنظر له بشكل مباشر وترد ببرود أشد:
شكرا مالي نفس.. نفسي مسدودة طال عمرك..
حينها تجرأ لينظر لها.. فنبرة التحدي منحته عذرا ليقوي أعصابه..
حـــــيـــــــــنــــها...
تبعثرت مشاعره تماما..
فالمرأة أمامه شكلها مختلف تماما عما رسمه في ذاكرته..
لا تشبه أي واحد من أخوتها ولها شكلها الخاص بها..
قد تكون فعلا عادية الجمال.. ولكن ملامحها كانت عذبة وأنثوية ورقيقة لحد بعيد..
كانت فعلا في عينيه هو أنثى فاتنة وهي أمامه كزهرة عطرة متفتحة في أجمل فصول الربيع!!
لم يتخيل أن من لها هذا اللسان الحاد السليط قد يكون لها مثل هذه الملامح الرقيقة..!!
رغما عنها حين رأته يتفحصها بهذه الطريقة المتمعنة أنزلت عينيها
" وش فيه الدب يتمقل كذا كنه عمره ماشاف مره؟؟
يمكن يتمسخر هو ووجهه ذا الحين!!!"
لم تستطع أن تسكت وهي تراه يطيل النظر فيها هكذا .. فروحها المتمردة رأت في تفحصه لها بهذا الاستهزاء امتهانا لها..
لذا رفعت عينيها وهي تنظر له وتهمس بنبرة تهكمية:
تطلع الأخطاء السبعة؟؟.. وإلا تحسر على حالك لأنك كنت تتمنى ناس ثانين يكونون مكاني..؟؟
حينها رد ببرود: ناس ثانين مثل من؟؟
أجابته حينها بمباشرة غاضبة وكل الأقنعة تسقط: بنت خالك مثلا يابو عين زايغة..
حينها أجاب ببساطة حازمة: لو أنا أبغي بنت خالي على قولتش..
ترا أبسط شيء إنه أتصرف تصرفات القرون الوسطى.. و أقرع على خالش من يوم دريت إنه خطب..
ولو كنت مثل ما تظنين.. فخطبة خالش بتحل كل مشاكلي..
لأني لو خطبت عادي لهم حق يردوني.. لكن لو قرعت ما لحد حق يفتح ثمه..
كذا تقول العوايد يا اللي تعرفين العوايد..
ولو حتى بغيتها الحين.. ممكن أروح أشتكي عند كبار القبيلة وأخلي خالش يطلقها..
صحيح هذا مهوب حق في الشرع ولا الدين.. بس حق في العادات والتقاليد..
والرجال العاشق ماعليه شرهة..
أشرايش عالية؟؟ أسويها؟؟
عالية صمتت بغيظ وغضب وألم أوسع من كل ألم..
وما يؤلمها حتى آخر شرايينها.. أنه محق تماما..!!
لو كان يريد وضحى ويحبها كما كانت تظن.. كان يستطيع أن يحجرها على خالها..
فالمحب يستحيل أن يتخلى عن حبيبه.. تماما كما فعل هو معها الآن.. بينما هي فعلت العكس.. العكس تماما!!!
بدا لها الأمر بسيطا واضحا إلى درجة الوجع.. ولكن الأمور لا تكون بهذه البساطة والوضوح لامرأة مجروحة!!
شعرت بتزايد حزنها ووجعها في قلبها.. حتى شعرت أنها تريد أن تتقيأ دون أن تستطيع!!
تبادلا النظرات الصامتة لثوان.. ثم تمدد عبدالرحمن وهو يهتف بسكون:
تصبحين على خير..
ابتلعت غصتها الصامتة.. شعرت لضخامة الغصة أنها ستتقيأ فعلا وهي تبتلعها رغما عنها..
" يا الله كم هو مرهق!! "
بينما هو كان مرهق فعلا.. متعب من هذه المواجهة القصيرة..
لم يتخيل أن ليلته الأولى مع عالية لن تكون سوى مأساة واستنزاف لمشاعره وأعصابه بهذه الطريقة..
ألا يستطيع أن يناديها ويقول لها تعالي جواري فقط.. أريد أن أسمع أنفاسك من قرب..
أنفاسك التي رافقت روحي وأخرجتني إلى ضوضاء الحياة!!
لماذا كل هذه التعقيدات بينهما؟؟
وهو يحاول بفشل ذريع أن يتجاوزها ليجد حاجزين ممتدين أمامها..
معايرتها الجارحة له..
ثم إحضاره لها بطريقة مطلقا لا تناسب قدرها الكبير عنده !!
رغم أنه بذاته إنسان غير معقد أبدا.. واعتاد على أخذ الأمور ببساطة وشفافية..
فلماذا يحضر التعقيد بينهما؟؟
وهو يتمدد... تذكر أن الغرفة ليس بها مكان مناسب للنوم عدا هذا السرير..
لأن هذه غرفة مؤقتة له..
والجلسة الصغيرة في الزاوية عبارة عن أربع مقاعد دون أريكة حتى!!
حاول أن يعتدل بذات الصعوبة التي عاناها في تمدده وكانت مازالت تجلس على المقعد ليهمس بذات السكون:
عالية تعالي نامي جنبي.. مافيه مكان تنامين فيه..
ثم أردف بتهكم موجوع: ولا تخافين.. السرير كبير.. وأنا واحد مكسح..
ما أقدر أجي جنبش..
شهقت بعنف.. ولكنها كتمت شهقتها بداخلها مع أخواتها الأخريات..
وهي تسمع معايرتها له بلسانه.. تبدى لها مقدار بشاعة الكلمة وقسوتها ووحشيتها..
بدت الكلمة فعلا بشعة لأقسى صور البشاعة التي لا يمكن تخيلها حتى!!
" أ حقا جرؤت أن أجرحه بهذه الطريقة غير الإنسانية؟؟
أ حقا فعلتها؟؟"
قفزت للحمام دون أن ترد عليه..
شعرت أنها ستنفجر في البكاء أمامه ودون مقدمات..
لذا أغلقت باب غرفة التبديل.. ثم باب الحمام.. لتنتحب..
يا الله .. أي ليلة زواج هذه التي قضت أكثر من ثلاثة أرباعها في النشيج والنحيب!!
حين استكانت بعد أن فرغت ثورة بكائها..
خرجت لغرفة التبديل لترتدي بيجامة حريرية واسعة بلون مشمشي..
لا تعلم لماذا اختارتها؟؟
كانت أقرب شيء ليدها.. ربما..!!
بريئة ودافئة.. ربما!!
حين خرجت.. كان يتمدد على جنبه .. عيناه مفتوحتان لكن مسبلتان جزئيا..
"يفكر.. مهموم.. !!
وأي شخص بحاله لا يكون هموما.. اجتمعت عليه المصائب..
العجز والقهر والحبس... وأنا !! "
اعتصمت بمكانها في مقعدها حتى أذن الفجر الذي لم يكن بعيدا أساسا..
حينها رأته يزيح غطائه ويحاول النهوض.. رغما عنها قفزت لتقف..
محاولة الاعتدال وهو يسحب قدميه.. بدت مؤلمة..
فكيف بمحاولة النزول عن السرير للكرسي المتحرك؟؟
ولكنها لم تتحرك من مكانها.. فليس لها حق الاقتراب ولا عرض المساعدة!!
لها حق تجميع الغصات فقط!!
هــو.. شعر بأذى نفسي كبير أنها تراقب عجزه وقلة حيلته من هذا القرب..
وقوفها ساكنة متفحصه هكذا يؤلمه.. بل يذبحه..
ولو عرضت المساعدة فهي ستذبحه تماما.. لأنها حينها ستريه أي (مكسح) هو!!
عاني طويلا فعلا لينقل نفسه للمقعد لأن قدميه كانتا متيبستين تماما..
حين دخل للحمام.. شعرت برغبة مضنية للبكاء.. هل هناك من آخر لهذه الدموع التي لا تشبهها..؟؟
لم تتخيل أن رؤيته بهذا العجز وقلة الحيلة سيؤذيها بهذه الطريقة..
والمؤذي أكثر من كل شيء معرفتها أنه يكابر على وجعه حتى لا يبدو كما قالت له في كلمتها البشعة...
بقيت معتصمة بمكانها وآلامها الغريبة تتسع وتتسع..
خرج بعد عشر دقائق مرتديا ثوبه.. ولكنه يحتاج إلى من يسدله له على قدميه..
حينها وقفت وهي تهمس له بحزم رقيق:
لا تصير سخيف وتعيي..
خلني أوطي لك ثوبك..
هتف لها بحزم أشد: إبي ينتظرني في الصالة وبيوطيه لي..
حينها همست بنبرة أقرب للرجاء: وتشوفها زينة في حقي قدام إبيك.. إنك طالع من عندي وشكلك كذا..؟؟
فأجابها بنبرة أقرب للألم: وهذا كل اللي هامش..
خلاص تعالي وطيه..
ألم شفاف فعلا يغمر قلبيهما النقيين.. ألم ماعاد له معنى.. وكل منهما يرى كم الآخر مجروح منه...!!
انحنت لتسدل ثوبه على قدميه..
تمنى حينها وهو يراها قريبة هكذا.. لو استطاع أن يضع كفه على رأسها ويقول لها كلمة واحدة تسمعها منه بشكل مباشر: (أنا أسف)..
وتمنت هي لو دفنت رأسها في حجره وبكت فيض دموعها وغصاتها المكتومة وهي تهمس بكلمة واحدة: (أنا آسفة)..
غريب هو الإنسان كيف يهوى تعذيب نفسه!! ويبحث عن مبررات لهذا العذاب وأسباب!!
مع أن أسباب التسامح والسعادة أقرب وأقرب!!!
غريب هو الإنسان كيف يكون سهلا عليه أن يغضب ويجرح..!!
ثم يكون صعبا عليه أن يحتوي ويسامح..!!
غريب هو الإنسان كيف يرضى بالعطش والماء بين يديه!!
غريب هو الإنسان يرضى أن يكون جارحا ويرفض أن يكون مجروحا!!
غريب هو الإنسان كيف يريد مع كونه جارحا أن يتلبس دور الضحية!!
ويرفض دور الجلاد مع رفضه للجرح...
فكيف تكون ضحية لم تُجرح!!
وكيف تكون جارحا وأنت لست بجلاد !!!
تساؤلات دارت في النفسين المعذبتين على ذات المستوى من القهر والوجيعة
وهي تراه يغادرها للصلاة..
ثم وهي تصلي وتقرأ وردها ولا تكف عن البكاء..
ثم وهي تكتم شهقاتها وهي تراه عائدا من الصلاة....
اقتربت هذه المرة دون أن تتكلم لتساعده على خلع ملابسه..
فما عادت تحتمل أن تتركه يتعذب هكذا لوحده وهي مازالت لم ترى عذابه سوى لليلة واحدة..
وتمنى هو أن يرفض..
ولكنه لا يستطيع أن يكون لئيما ولا يعرف..
وهو يعرف أنه إن رفض سيجرحها.. وهو عاجز عن جرحها متقصدا..
فهو إن كان جرحها عن غير قصد.. فلا يستطيع أن يكون مثلها ويفعلها عن قصد...
بدا كل شيء بينهما حينها كثيفا وجارحا وحساسا ومغمورا في شعور جارف لا يمكن صده ولا تحديده..
أنفاسه الدافئة المتوترة قريبة منها وتلفح وجهها!!
وأناملها الباردة الأكثر توترا على عضده وكتفيه..!!
بدت العملية أكثر من مجرد خلع ثوب إلى معضلة إنسانية موجعة.. بين الفعل ورد الفعل!!
بين إحساس كل منهما بالذنب وبالجرح في ذات الوقت!!
بين إحساس كل منهما بالقرب والبعد!!
بين اختلاج الإنفاس وارتعاش اللمسات !!
حين انتهت وهي تشد ثوبه مبتعدة.. كان كل منهما يشد أنفاسه التي شعر بها احتبست من هذا القرب اللاسع..
همست بخجل وهي عاجزة عن النظر له: أقومك على السرير..؟؟
فرد عليها بثقل عميق: لا.. أقدر بروحي..
فكلاهما بدا غير قادر على احتمال جولة أخرى من هذا القرب المموه اللاسع الجارح..!!!
وبالفعل حاول نقل نفسه بصعوبة بالغة لسريره حتى نجح..
تمدد على جنبه.. وأسبل عينيه وهي مازالت واقفة..
همس بإرهاق شديد وهو مغلق العينين: تكفين عالية تعالي نامي.. أنا ميت من التعب.. ومستحيل أقدر أنام وأنا عارف أنش قاعدة صالبة نفسش كذا..
تنهدت بعمق.. " إذا كنت عذبا وشفافا هكذا؟؟
فكيف استطعت أن تجرحني بهكذا قسوة؟؟"
وقفت لثوان ثم اقتربت من الناحية الأخرى..
تمنت أن تهرب من المكان كله..
لكنها لم تستطع أن ترفض وهي ترى كم هو متعب!!
لم تتخيل أن رؤيته قريبا هكذا ستفجر في داخلها مشاعر على مستوى آخر..
أنها تود أن تكون جواره.. تخفف عنه..
تنسيه هم هذا الثقل الذي لم تستطع هي احتماله.. فكيف بمن يعانيه؟؟
اقتربت وهي تختنق بخجلها لتجلس على طرف السرير الآخر..لم تستطع أن تتمدد حتى..
علم أنها أصبحت جواره هي تسلل إلى أقصى خياشيمه رائحة عطرها العذب المعذب..
فتح عينيه.. لتنتفض هي بجزع.. همس بسكون: ليش قاعدة كذا.. انسدحي.. ترا أنا ما أعض..
تمددت وهي تشعر كما لو كان الفراش يتحول لفراش من مسامير..
شدت الغطاء على كامل وجهه.. وهي تترك فقط عينيها اللتين كانتا نتظران نحوه وهي تمسك الغطاء على وجهها...
حينها همس بيأس حقيقي.. بصدقه الشفاف: تكفين عالية لا تزيدينها علي..
والله إني ندمان إلى جبتش بذا الطريقة اللي ما تناسب قدرش عندي..
فلا تزيدينها علي وأنا أشوفش خايفة وحزينة كذا!!
حـــيـــنـــهــــا...
انفجرت تماما في البكاء.. ماعادت تحتمل.. ماعادت تحتمل!!
أيكون نادما لأنها أحضرها هنا..
وهي أ ليست نادمة ألف مرة على تجريحها البشع له الذي دفعه لهذا التصرف؟؟
هو حين رآها تبكي هكذا.. شعر بقلبه يتحطم لشظايا..
ظنها تبكي لأنه شعرت بالقهر منه ومن تصرفه معها..
شد نفسه بصعوبة ليقترب منها.. ثم ربت على كتفها بحنو ذائب وهو يهمس بذات الحنو الذائب الموجوع:
عالية يا قلبي.. والله أني آسف.. الله يلعن الشيطان ويباس الرأس..
تكفين لا تبكين.. والله قلبي ما يستحمل..
وش اللي يرضيش؟؟ تبين ترجعين بيت هلش وننتظر لين أقدر أمشي وعقب نحدد عرس؟؟ أنا حاضر..
أدري إنه كلام مهوب منطقي عقب ماجيتي عندي وأمسيتي في بيتي!!
بس أنا ما علي من حد.. وما يهمني كلام الناس.. يهمني اللي يرضيش أنتي..
تبين الطلاق صدق؟؟.. أنا حاضر حتى لو كان الموت أهون علي.. المهم أنتي..
تزايد نحيبها وهي تدفن وجهها بين كفيها..
بينما شعر هو أن شظايا قلبه المحطم تتزايد تطايرا كلما رأى تزايد بكاءها..
تمنى لو يشدها ليحتضنها وهو يرى نفسه عاجزا عن تهدئتها..
ولكنه لم يرد أن يزد رعبها منه رعبا..
هـــي.. مطلقا لم تكن مرعوبة.. ولا خائفة... بل محض نادمة!!
عاجزة عن تجاوز تجريحها له الذي يتغلغل ألمه في روحها..
تشعر أن شفافية روحه تكاد تضيء جوانحه بينما تشعر هي أنها روحها ملوثة بسواد لا يليق بطهر روحه!!
همس عبدالرحمن بذات الحنو الموجوع وهو يمد يده المرتعشة ليمسح على شعرها:
عالية بس تكفين.. طالبش.. خلاص..
زين كلميني بس.. سبيني لو تبين..
بس طالبش ما تبكين كذا!! حرام عليش.. بروحي نفسيتي زفت..
حينها أزالت كفيها عن وجهها.. لتقترب هي منه وهي تحارب خجلها وحزنها ويأسها وتوترها.. وتصدمه بدفن وجهها في منتصف صدره...
وحينها.. ماعاد للكلمات معنى أو قيمة.. !! تضاءلت كل قيمة لها ومعنى أمام معجزة إحساس سماوي غير مسبوق...
فيكفيه ارتعاشها بين يديه.. ودموعها تغرق صدره.. وأنفاسها تبعث قشعريرة قارصة في كل خلاياه..
ويكفيها صلابة ذراعيه تحيطها بكل حنان العالم.. وهي تتوسد عضده وتستمع إلى دقات قلبه المتصاعدة من هذا القرب!!
يكفيه أنها غفرت له جرحه لها وهي تطهر روحه بلهيب دموعها وأنفاسها الساكنة بين حناياه..
ويكفيها أن صدره كان الميناء الذي استقبل بشاعة معايرتها له دون أن يجعل هذه الكلمة المرعبة سدا بينها وبين ميناء حضنه..
يكفيهما هذا الإحساس بالذوبان والتماهي والامتزاج وكل منهما يشعر أن خطيئته في حق الآخر هي الأكبر..
ويشكر الله على نعمة التسامح التي منحها لقلبيهما ولسكينة روحيهما..
#أنفاس_قطر#
.
.
.
أدري البعض الحين بيقولون خليتهم يتراضون بسرعة.. موب منطق..
بأقول لهم إلا هذا هو المنطق اللي أنا قصدته هنا..
من أسهل ما يكون أني أطول في زعلهم كم بارت.. وأحداث زعلهم تمشي جنب لجنب مع أحداث الباقين..
لكن أنا قصدت تمام أخليهم يتراضون بسرعة لسبب مقصود جدا أعتقد إنه وصلكم : )
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السادس والسبعون 76 - بقلم HaboOoshy
الليلة السابقة..
ملكة وضحى ونايف..
.
.
.
" يا الله وش إحساسش ياعروس؟؟ "
وضحى بتوتر خجول: ما أدري..مرحلة عدم توازن!!
ثم أردفت بحزن عميق: وحزينة واجد..
تخيلي تميم مابارك لي..!!
كاسرة هزت كتفيها بحزم: أنا ما أدري أنتي وش مزعلة تميم فيه.. بس عطيه كم يوم..
تميم قلبه كنه قلب طفل.. مسرع ما ينسى..!!
وهما تتحاوران رن هاتف كاسرة.. ابتسمت وهي تشير للهاتف: السكنية سمور تتصل..
وضحى بعتب: أنا زعلانة عليها.. ومتقصدة ما أرد على تلفوناتها..
أكلمها أقولها تعالي أنا محتاجتش.. تطنشني..
كاسرة حينها تنهدت: ردي عليها.. لا تزودينها عليها.. ظنش إنها لو روحتها طبيعية لأهلها.. كان قعدت كذا كله وفوتت ملكتش بعد..
وضحى صرت مابين حاجبيها وهي تهمس بتردد: أنا عارفة إنه فيه شيء مهوب طبيعي.. بس كل ما سالتها تقول لا
وأنا ما أتخيل سميرة تدس علي..
حينها ربتت كاسرة على خد وضحى وهمست بعمق: بكرة لا تزوجتي
دريتي إنه اللي يصير بين الأزواج بيكون سر المفروض ماحد يدري به!!
كلمي سميرة.. وخذي بخاطرها..
************************************
" يأمك ليش ما باركت لأختك؟؟
عيب عليك اللي تسويه فيها!!
وضحى ما تستاهل منك كذا!!
زين وصار اللي صار.. كانت بزر.. ونيتها صافية وغلطت دون قصد..
بس أنت عارفها زين وعارف أخلاقها.. عيب عليك تشك فيها.. ترا كنك تشك في روحك!!"
تميم يشير بألم: يمه موجوع منهما واجد.. أنتي عارفها غلاها عندي..
كن حد حرقني بالنار يوم دريت..
والله العظيم كان ودي أخذها في صدري وأبارك لها..
بس على قد غلاها وجيعتي منها!!
عطيني كم يوم يمه.. كم يوم.. أدري عظامي ما تشلني عليها!!
حينها همست مزنة بحزم: زين خلنا الحين من وضحى..
ومرتك؟؟
انتفض تميم: وش فيها سميرة؟؟
مزنة بحزم: خلاص مالك عذر.. أول تعذر أنك مشغول مع وضحى وبفحوصها..
هذي وضحى تملكت.. وخلصت..
بكرة تروح وتجيب مرتك..
حينها أشار تميم بيأس: بس يمه أنا خايف هلها يعقدون السالفة..
وأنتي عارفتني نفسي عزيزة واجد.. وأكره ما علي أقعد قدام حد يحاسبني..
حينها ابتسمت مزنة وهي تقف وتهمس بنبرة مقصودة:
زين أنت روح بكرة.. واتصل بس لمرتك وقل لها تنزل لك..
وراضها مثل ما الناس السنعين يراضون نسوانهم..
ومهوب أنا اللي أعلمك السنع..
******************************
" ها سمور.. شأخبار العروس؟؟"
سميرة تضع هاتفها جوارها وتهمس بابتسامة: مسوية روحها مستحية الأخت..
لا وزعلانة ليش إني ماجيت..
حينها نظرت لها نجلاء نظرة مباشرة وهمست بنبرة مقصودة:
وليش مارحتي.. صار لش أكثر من أسبوع هنا ترا..
سميرة تتشاغل بشيء في يدها وهي تهمس بنبرة تمثيلية: بأروح ذا اليومين..
تميم كان لاهي شوي.. وعنده مشاغل..
نجلا تنظر لها نظرة مقصودة: زين.. سلمي لي على تميم لا رحتي..
سميرة تزايد تشاغلها بما في يدها حتى لا تنفجر في البكاء..
تعلم أن أسرتها باتت تشعر بشيء مريب..
الكل بدأ يلمح لها بالسؤال إن كان هناك مشكلة بينها وبين تميم.. والدها ووالدتها ونجلاء وغانم..
وهي تصر أنه لا شيء.. وتعلم أن التلميحات ستتحول قريبا لتصريحات..
ستموت أن جابوها بشكل مباشر.. تعلم ما الذي سيحدث..
" أ ليس هذا من اخترتيه رغم تحفظنا الشديد على اختيارك؟؟
أليس هذا من أصريتي بكل قوتك عليه؟؟
فما الذي حدث الآن ؟؟"
باتت تفكر بشكل جدي أن تعود لبيتها حتى لو لم يرجعها تميم..
أ لم يقترح عليها أن تبقى كأخت لو أرادت.. وهكذا ستفعل إن لم يكن يريدها زوجة؟؟
ولكن مهما كان كرامتها تمنعها أن تتصرف هذا التصرف..
كيف سيحترمها لو تصرفت هكذا؟؟
يا الله.. تتمزق من كل هذا.. تتمزق.. ولا تستطيع طلب المعونة من أحد..
حتى خالتها مزنة.. ماذا تقول لها؟؟
اطلبي من تميم أن يرجعني..
**************************************
" عاد أنا جيت في الوقت الضايع..
لا حضرت ملكتك..
ولا حضرت روحة عالية لبيت سبع البرمبة!! "
نايف بضيق شديد: لا تذكرني.. لا تذكرت طرا علي أخنق عبدالرحمن وأبيك فوقه..
هزاع يضحك: عبدالرحمن بكيفك.. بس عاد أبو صالح دون حلقه حلوق..
نايف بذات الضيق: تلايط بس.. وأنت من يوم جيت بس تنكت أنت ووجهك..
هزاع مازال يضحك: الشرهة علي اللي جيت أبارك لك وقلت أمسي عندك وأسهر عندك ياعريس..
نايف بتحسر: الله ينكد على عبدالرحمن مثل ما نكد علي.. قال عريس قال..
هزاع بمرح: لا تخاف عليه.. عنده بير نكد الليلة.. عنده حبيبة قلبك بتقوم بالواجب وزيادة..
نايف بذات نبرة التحسر: حتى الشوفة مالحقت أشوفها..
قهروها.. قهروها.. وقهروني معها !!
حينها همس هزاع بجدية: أنا أبي أدري ليه حارق نفسك كذا.. صار لك ساعتين تأكل في روحك..
والأخت تلاقيها طابخة الطبخة مع رجالها..
نايف تفجر بغضب: ما اسمح لك تقول عنها كذا..
هزاع حينها تفجر غضبه المكتوم عارما: بلا ما تسمح لي بلا بطيخ..
الشيخة عالية.. طايحة مكالمات مع حبيب القلب وأنت بتموت من الحزن عليها
نايف بصدمة حقيقية: كذاب.. عالية ما تسويها.. كذاب
وحتى لو سوتها أنت أشلون تدري وساكت يا الرخمة..؟؟
هزاع حينها هز كتفيه وهو يتماسك: توني دريت اليوم الصبح وأنا رايح الكلية..
إبي قال لها تروح تسوي له جمر..
فهي خلت تلفونها وقامت.. خذته أبي أشوف مسجاتها..
وخصوصا إنها ذا الأيام صارت مستحيل تخليه يطيح من يدها.. واستغربت إنها خلته ذا المرة..
يوم فتحته انفجعت بالمسجات.. اعتذارات بالكوم.. والمسكين قلبه ذايب من جده..
ما قدرت افهم السالفة لأن إبي صاح علي : ماعاد إلا تلفونات النسوان تقلب فيها يا الرخمة..
حطيت التلفون وأنا مولع وأبي أروح أوريها شغلها.. بس إبي موجود وأنا كنت أبي السالفة بيني وبينها بس..
وموعد الكلية تاخرت عليه وانا عندي امتحان اليوم.. قلت خلاص لا رجعت وريتها شغلها..
ثم أردف بابتسامة: بس سبحان الله.. جيت لقيتها في بيت رجّالها..
خلاص خلهم ينلمون بدل الفضايح!!
نايف بصدمة حقيقية: عالية تكلمه وتدس علي بعد..عشان كذا كانت بتموت عشان أخذ بنت خاله..
ثم أردف بغضب كأنه يكلم نفسه:
زين ياعالية.. زين.. دواش عندي.. عطيني كم يوم بس..
***********************************
" مبروك ملكة وضحى.. جعل تشوفين عيالها "
مزنة تهمس برقة وهي تتناول غترة زايد منه: قلتها لي قبل..
ابتسم ابتسامته الفخمة المعهودة وهو يجلس على الأريكة ويشير للمكان الخالي جواره: بس وجه لوجه غير..
مزنة همست بذات الرقة وهي تجلس حيث أشار : الله يبارك فيك..
ثم أردفت بنبرة حزن مخفية: ولو أنه صعب علي أتخيل إن وضحى بتتزوج..
هذي آخر العنقود ولحد الحين في عيني أشوفها صغيرة..
زايد بذات الابتسامة وهو يستدير ناحيتها: خلي كساب وكاسرة يتشطرون ويجيبون لنا أحفاد يلهوننا عن عيالنا اللي عرسوا..
مزنة حينها ابتسمت بشفافية: الله يرزقهم برزقه..
وحينها مد زايد يده ليمسك بذقنها بين سبابته وإبهامه وهو يهمس بنبرة خافتة دافئة: استغرب وحدة لها ابتسامتش وما تكون مبتسمة على طول..
رغما عنها حضر لها شعور الارتعاش الذي يجتاح فؤادها ما أن يهمس لها زايد بهذا الدفء..
وكأنها تختبر هذا الإحساس لأول مرة..
"وكـــأنــــهـــــا؟؟؟ "
هي فعلا تختبر هذا الأحساس للمرة الأولى.
والد مهاب لم يعش معها إلا لفترة قصيرة..
أما زوجها الثاني فقد توفي وهي في نهاية العشرينات.. وهي في صباها كانت حادة الطباع نوعا ما..
حدة هدأتها مرور السنوات وزيادة التدين..
وربما كانت حدتها القديمة حاجزا فصل بينها وبينه..
عدا أنه رحمه الله كان لين الطباع لأبعد حد.. وترك لمزنة حرية التصرف كيف تشاء..
لم تشعر بهذا الإحساس بالاحتواء بالرجولي المثقل بالزخم إلا الآن..
مـــع زايــــــد!!
ثم أفسد هذا الإحساس الرائع المذهل المحلق.. ما همس به زايد بنبرة أكثر دفئا وعمقا وحنانا كأنه يحادث نفسه:
صحيح الحين ابتسامتش أحلى بدون مقارنة حتى..
بس أول كنت لا شفتش تبتسمين وحن صغار.. أحس عظامي تبرد لدرجة إني ما أقدر أتحرك من مكاني..
لا تعلم لـِمَ شعرت بضيق غريب... (أول) ليس الآن..!!!
لا تعلم لماذا بدا لها هذا الماضي كأنه حاجز غير مفهوم..
فهذه ليست المرة الأولى التي يفصل فيها في الحديث بين ماكانت في الماضي وما هي الآن.. كما لو كان يتحدث عن امرأتين مختلفتين!!
مزنة كانت على وشك النهوض.. لولا أنه منعها وهو يشدها من كفها التي احتفظ بها بين كفيه وهو يهمس بدفئه المتجذر الغريب:
زعلتي؟؟
ابتسمت ابتسامتها التي لا يعلم أتعجبه لإثارتها وحسنها؟؟.. أم تثير شجنه بذكرياتها وماضيها؟؟ :
وليش أزعل؟؟
زايد بعمق: ما أدري.. أخاف أني أحيانا يمكن أضايقش بكلامي اللي ماله معنى..
حينها همست بنبرة مقصودة: دامك تشوفه ماله معنى.. فليش أزعل من شيء ماله معنى..
إلا لو أنت شايفه شيء ثاني وله معنى..؟؟
حينها صمت.. صمته ضايقها أكثر..
كانت تريد القيام.. وللمرة الثانية يمنعها..
هذه المرة مد كفه ليدخلها في جانب شعرها المنسدل..
أنامله تغوص بين خصلاتها.. وباطن كفه على خدها..
ويشدها ناحيته ليلصق خده بخدها الآخر وهو يهمس في أذنها بنبرته التي تجمد الدماء في شرايينها حين يهمس اسمها بهذه الطريقة:
مزنة لو شفتي مني أي شيء يضايقش استحمليني شوي..
أنا مثل واحد كان طول عمره يشرب مع فتحه تنقط الماي نقطة نقطة..
وعقبه عطوه أكبر وأعذب نهر في الكون.. أشلون بتكون ردة فعله؟؟
" هل يوجد أعذب وأرقى من هذا الرجل؟؟"
كان هذا هو ما يدور في رأس مزنة وهي تمد ذراعيها لتطوق هي عنقه ولتهمس هي في أذنه بصوتها الذي يذيب أوصاله بنبرة دافئة عميقة:
الله يقدرني وأسعدك بس.. ما أبي شيء أكثر..
*******************************
" حبيبي تكفى ما تكون تضايقت من اللي صار من عبدالرحمن الليلة.."
عبدالله يتنهد ومازال رأسه مسندا لفخذها وأناملها تعبر خصلاته الكثيفة:
ما أقدر أقول أني ما تضايقت.. بس في النهاية حسيت إن ضيقي ماله معنى..
عبدالرحمن طلب حقه.. ويمكن لو كنت مكانه كان سوبت نفسه..
رجال محكور ما يطلع إلا بصعوبة والكل لاهي عنه..
من حقه تكون مرته جنبه في ذا الظروف..
واللي ضايقني عقب إنه ليش إحنا ماعرضنا عليه ذا الشيء..
ليه حديناه يحرج نفسه ويحرجننا..
جوزاء مالت لتقبل جبينه وهي تهمس بحنان: صدقني عبدالرحمن بيحطها في عيونه.. عبدالرحمن أحن مخلوق على الأرض..
بس أنت تكفى ما تتضايق..
عبدالله اعتدل جالسا ثم مد يده ليمسح على بطنها ويهمس بحنان: والله العظيم ماني بمتضايق
بس أنتي اللي طالبش لا عاد تنحنين على بطنش بذا الطريقة..
حينها همست جوزا بشيء يشغل بالها منذ فترة وبالتحديد منذ صحوة عبدالرحمن من غيبوبته:
عبدالله..
عبدالله بولع: ياعيون عبدالله اللي يروح وطي لا دعيتيه..
جوزاء حينها مالت لتحتضن ذراعه وهي تهمس بخجل رقيق:
عبدالله عادك على كلامك أنني ممكن أروح أكمل دراستي..؟؟
عبدالله بمودة غامرة ورجولة عميقة: وما أرجع في كلامي.. بس خل لين تولدين بالسلامة.. ونروح..
ولا يهمش الوظيفة مضمونة من الحين لو بغيتي..
شددت احتضانها لذراعها وهي تقبل عضده وتهمس بتأثر: ما أبي وظيفة..
أبي أتفرغ لك ولعيالي.. بس أبي أكمل دراستي..
***********************************
" كاسرة بسم الله عليش..
كاسرة قومي.. قومي.. "
كاسرة شهقت وهي تنهض بشكل حاد تمسح وجهها وهي تهمس بنفس مقطوع:
أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم..
كساب كان لم ينم بعد.. وهو يجلس جوارها مسندا ظهره للسرير يقرأ في كتاب..
وهي كانت قد نامت قبل أكثر من ساعة.. وحتى رؤية وجهها وهي نائمة حرمته منها وهي تنام وهي توليه ظهرها ..
لذا تناول كتابا يتشاغل به حتى ينام بعد أن صلى قيامه وقرأ ورده..
ثم لفت انتباهه حشرجة غريبة كانت تصدر منها.. تزايدت الحشرجة وهي تهمس بكلام غير مفهوم..
يبدو أنها تحلم بكابوس ما لأنها بدت متضايقة جدا.. وملامح وجهها تتقطب حين أدارها بخفة ناحيته..
منذ زواجهما لم يسمعها مطلقا تتكلم وهي نائمة.. أو حتى حدث معها ما حدث الليلة..
لذا أيقظها وهو يدخل ذراعه تحت كتفيها ويرفعها برفق..
همست بصوتها المقطوع: أعوذ بالله.. أعوذ بالله.. صار لي زمان ما حلمت ذا الأحلام..
همس لها بقلق: وش فيش؟؟
همست بذات الصوت المقطوع: أحلام مهيب زينة.. كنت أحلم فيها من يوم توفى إبي الله يرحمه..
بس صار لي شهور ما حلمت فيها..
منذ وفاة والدها وهي تحلم بكوابيس مرعبة من وقت لآخر.. ولكنها كانت ترفض أن تحكيها لأحد..
وهي صغيرة كانت لا تحكيها من خوفها منها.. لكنها حين كبرت كانت لا تحكيها اتباعا للسنة التي توصي بعدم رواية الكوابيس..
ولكنها من بعد زواجها وهي توقفت عن رؤية هذه الكوابيس.. لا تعلم لِـمَ عادت لها الليلة..
همس لها كساب بحزم حان: تعوذي من الشيطان واتفلي عن يسارش.. مافيه إلا الزين إن شاء الله.. نامي..
كاسرة تعوذت من الشيطان ونفثت عن يسارها ثم همست بإرهاق وهي تنهض:
باقوم أتوضأ وأصلي ركعتين قبل أرجع أنام..
كان كساب يراقبها وهي تتحرك في أرجاء الغرفة بإرهاق.. حتى أنهت الصلاة وعادت لتتمدد جواره..
هذه المرة لم توليه ظهرها.. بل أولته وجهها وهي تغمض عينيها..
تمنى بكل جوع روحه الملهوفة القلقة عليها.. أن يضمها لصدره.. وألا يتركها تنام إلا على ذراعه وقريبا من قلبه..
وهو ينظر بشجن عميق لملامح وجهها المسترخية بإرهاق شفاف..
ولكنه كتم رغباته في روحه.. فليس على استعداد أن يعرض عرضا يعلم أنها سترفضه..
وهي أولته وجهها.. وكأنه ترسل له رسالة من غير شعور منها.. أنها تحتاج بالفعل أن تنام في حضنه الليلة..
رغم كل التعقيدات غير المعقولة بينهما.. ولكنها لا تستطيع أن تنكر أنها عاجزة حتى عن مجرد محاولة كرهه..
أو حتى الأقل إيقاف طوفان مشاعرها المتزايد ناحيته..
فلماذا لا تستطيع أن تمنحه الحجم الذي يستحقه؟ ولماذا يستولي على قلبها حتى آخر نقطة وخلية وشريان بينما هي منفية خارج أسواره ومشاعره؟؟
يا الله.. تشعر أنها ستموت لتدفن وجهها بين عنقه وكتفه وتتنفس عبق رائحته من قرب..
ولكن قلبها مليء بالتعقيدات والضبابية ناحيته..
عاجزة عن مسامحته.. فعلا عاجزة.. وكيف تسامحه وهو لم يفكر أن يعتذر حتى..؟؟
وكأن كل ما فعله بها حق من حقوقه غير القابلة للنقاش..
بقيا كلاهما ساهرين.. وكل منهما معتصم في مكانه.. ومتمرس خلف حصون كبرياءه البغيض..
حتى آذان الفجر..
***********************************
اليوم التالي
.
.
.
" عالية حبيبتي.. قومي
باقي على آذان الظهر ساعة"
كان يهز كتفها برفق شديد الحنو.. وهو يجلس مسندا ظهره للسرير..
انتفضت بجزع وهي تعتدل جالسة وتشد جيب بيجامتها على عنقها.. ثم تنظر ناحيته بخجل شديد..
كان مبتسما لها بكل حنان الأرض.. وجهه مشرق دافئ ومغمور بحنان غريب..
لا تعلم ما الذي حدث لها..
لم تتمالك نفسها أن تعاود الانفجار في البكاء.. رغم أنها بالكاد سكتت عن البكاء هذا الصباح بعد محايلة طويلة منه وهو يحاول إسكاتها عن بكاءها كطفلة باكية مصرة على الصراخ..
عبدالرحمن حينها همس بألم: عالية الله يهداش.. حرقتي قلبي.. أنتي مهوب قلتي لي إنش سامحتيني خلاص.. وتونا تراضينا..
ليش تبكين الحين؟؟ وإلا ندمتي على أنش سامحتيني..
عالية بين شهقاتها: والله العظيم مافي خاطري شيء عليك.. بس أنا ماني بقادرة أسامح روحي..
ما أتخيل أشلون قدرت أكتبها أو حتى أتصورها..
حينها ابتسم عبدالرحمن: زين ما كذبتي.. أنا مهوب مكسح صدق؟؟
حينها تزايد نحيبها: طالبتك عبدالرحمن ما تذبحني كذا وأنت تعيدها..
عبدالرحمن شد كفها ليحتضنه بحنو.. وهو يهمس بحنان عميق باسم: كنتي تقولين إنش ما يبكيش شيء..
شكلي تزوجت حنفية دموع..
حينها حاولت مسح وجهها والتماسك وهي تهمس بصوت مختنق:
وربي اللي خلى خالد آل ليث أغلى خلقه.. أني عمري ماكنت صياحة كذا..
بس كله منك.. خليتني حساسة وغبية..
عبدالرحمن يقطب حاجبيه بعدم فهم تمثيلي: نعم عيدي ما سمعت..
من أغلى خلقه ذا؟؟ وأنا وين مكاني؟؟
حينها ابتسمت عالية ابتسامة مرحة من بين دموعها:
أبو صالح.. وعقبه أمي.. وعقبه خالي نايف.. وعقبه عبدالله.. وعقب صالح..
وعقب........
عبدالرحمن يقاطعها باسما: وعقبه راعي البقالة... وعقبه البنغالي اللي يكنس شارعكم.. وعقبه واحد مات في جنوب أفريقيا..
مازالت عالية تمسح وجهها وتهمس بابتسامة: نسيت واحد في نيبال..
حينها شد عبدالرحمن كفها أكثر ليجذبها ناحيته: مانسيته.. بس فيه كم واحد قبله لازم نذكرهم..
عالية ارتبكت بشدة حين شدها.. وارتبكت أكثر حين أحاط كتفيها بذراعيه وهو يهمس بدفء مرح خافت:
ترا معلق لش في رقبتي وعد..
عالية انتفضت بخجل شديد: وأنا متنازلة عنه..
عبدالرحمن شدها أكثر لحضنه وهو يهتف بذات النبرة الدافئة:
بس أنا ما تنازلت عنه..
*******************************
" ليش تأخرتي كذا؟؟
صار لي عشر دقايق من يوم اتصلت لش وقلت لي نازلة.."
كاسرة تغلق بابها وهي تهمس بنبرة أقرب للبرود: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
آسفة أستاذ كساب غصبا عني..
وعلى العموم أنت اللي مارضيت إن السواق والخدامة يجوني..
كساب بنبرة حازمة أقرب للغضب: تدرين إني ما أرضى حد يوديش أو يجيبش غيري إلا لو كنت ما أقدر..
وش اللي تغير؟؟
كاسرة بذات النبرة الباردة: ماتغير شيء.. بس أنت اللي قاعد تنافخ عشان تأخرت..
صمتت لثانيتين ثم أكملت بثقة: وعلى العموم أنا كنت نازلة.. بس اتصل لي المدير.. وعطلني بإلحاحه..
حينها نظر لها كساب نظرة حادة مباشرة وهتف بحدة مباشرة أيضا:
وحضرة المدير المبجل ليش كان يلح؟؟
كاسرة تنهدت ثم أجابته مباشرة: فيه ورشة عمل في البحرين كنت وافقت عليها يوم كنت عند هلي على أساس تميم بيروح معي..
لأنها يوم واحد بس...
وبلغتهم رفضي من فترة بس المدير مهوب راضي.. ويحاول يقنعني أروح لأنهم ما كنسلوا السفرة أساسا..
حينها سألها كساب بنبرة مقصودة: ومتى الورشة؟؟
كاسرة بسكون: بكرة من الساعة 4 لـ8 الليل.. بس أنا خلاص بلغتهم رفضي..
حينها هتف بنبرة حازمة لا تخلو من التهكم: وليش ترفضين؟؟ هذا كله عشان ما تطلبين مني؟؟
كاسرة أجابته بنبرة أكثر حزما ولا تخلو من التهكم أيضا:
وليش ما أطلب منك؟؟ أنت رجالي وملزوم فيني..
بس أنا عارفة أنك ما تقدر.. أدري إنك مشغول في تجهيزات عرس علي.. خلاص ما بقى شيء.. كلها كم يوم..
عدا إني أدري إنك بتسلم مشروعين الأيام الجاية.. وتوقع عقد مشروع جديد..
وأكيد ماعندك أي وقت فاضي عشان أشغلك بسالفتي...
حينها قطب حاجبيه وهو يسأل: من وين عرفتي أخبار مشاريعي وأنا ما قلت لش؟؟
همست بسخرية: اخبارك أعرفها من عمي زايد.. ليه أنت تتنازل تقول لي شيء؟؟
أجابها بسخرية مشابهة: والله قبل كنت أقول لش.. بس ذا الأيام أنتي حتى ما تطلين في وجهي عشان أعطيش أخبارش..
ثم أردف بثقة: وعلى العموم مشاغلي أعرف أتصرف فيها زين..
تجهزي نسافر بكرة الظهر.. والحين بأتصل في سكرتيري يحجز لنا..
وبنرجع بعد بكرة الصبح..
*************************************
" أنا رحت أصلي وتغديت مع إبي ورجعت وأنتي قاعدة هنا ما طلعتي"
عالية بخجل: والله أمك وشعاع ماقصروا.. كلهم طلوا علي وحايلوني..
بس أنا اللي مستحية..
وحتى الغدا أرسلوه لي هنا.. بس أنا مستحية.. أدري غريبة أنا مستحية كذا..
بس شأسوي.. غصبا عني..
حينها همس عبدالرحمن بتأثر: أنا عارف إني حرمتش حقتش من إنش تكونين عروس..
وأطلع أنا وأنتي ونسافر.. ...
عالية تقاطعه بابتسامة: بس لا تصير سخيف..
خلها معلقة لي في رقبتك.. عادك بتوديني لين تزهق..
حينها ابتسم عبدالرحمن بخبث: ياكثر اللي تعلقينه في رقبتي وعقبه ما تبينه..
عالية اشتعل وجهها احمرارا: ياثقل طينتك.. تعال بس خلني أساعدك تبدل ملابسك..
*******************************
" يمه وش ذا بعد؟؟ توني متغدية"
أم عبدالرحمن تضع صحن الكعك والعصير على طاولة شعاع وهي تهمس بنبرة أقرب للغضب: أي غدا؟؟ اللي ماكلتي منه إلا لقمتين..
والحين حن عقب صلاة العصر..
شعاع برقة : يمه جعلني فداش.. والله ماني بمشتهية.. اعفيني..
أم عبدالرحمن بتصميم: والله ثم والله لو ماكلتي ذا كله إني ما أحاكيش اليوم كله..
شعاع تقفز بجزع لتلقي الكتاب على الطاولة وهي تقبل رأس والدتها وتهمس بجزع عذب:
لا طالبتش.. بأكل الصحن كله.. مع إني يمه والله زايدة كيلو ونص..
خايفة يأتي يوم الجمعة الفستان مايدخل فيني..
أم عبدالرحمن رفعت برقعها لتقبل خد شعاع وهي تهمس بحنان:
وين ذا الكيلو ونص وانتي ذابحة روحش مذاكرة.. وحتى الرقاد ماترقدين..
حينها همست شعاع بيأس وهي تعاود الجلوس: يمه فصل تخرج.. عدا أني أحاول ألهي نفسي عشان ما أفكر بعرسي..
أم عبدالرحمن بحنان مصفى: يأمش لا تحاتين شيء.. رجالش يمدحونه واجد.. ويقولون رجال فيه خير ومصلي..
شعاع بعذوبة: يمه أدري ذا كله والله.. بس.. بس ماني بعارفة حتى أشلون أتعامل معه..
الرجّال مريض.. وانا مابعد أعرفه ولا أعرف طبايعه..
أخاف أضايقه.. أثقل عليه !!
أم عبدالرحمن بذات الحنان المصفى: ياويه.. ياحظه اللي ضواش.. يكفيه شوفة وجهش قدامه..
حينها ابتسمت شعاع: ياليته يشوفني بعيونش بس..
أم عبدالرحمن همست بحنان: كل من له عيون بيشوفش كذا..
خلني أنزل أشوف خويتش اللي مثلش ماكلت شيء.. يافضحي منها.. والله أني متفشلة في البنية..
وعقب بأروح أشوف تجهيزات العشا والعمال اللي يرتبون الطاولات في الحوش..
وأنتي إياني وإياش تنزلين.. أولا عندش امتحانات.. وثاني شيء عرسش الجمعة وعيب النسوان يشوفونش..
**********************************
" أنا أبي أدري أنت وأبي ليش ملزمين ما أطلع من المستشفى إلا نفس يوم عرسي
خلاص ما باقي إلا أربع أيام
بأطلع.. طلعت روحي.."
كساب يلتفت لعلي الغاضب بطريقته الباردة والحازمة: اقعد ياأخ لا ينقص فيك عرق..
السبب طال عمرك إنك لحد الحين ما تأكل مثل الأوادم..
وفي المستشفى حالك زين ونشيط ووزنك رجع مثل أول... لأنك عايش على المغذيات والفيتامينات اللي يعطونك إياها..
لكن لو طلعناك من الحين بيجي يوم عرسك وأنت حالتك حالة..
خلك متلصمق كذا لين ليلة عرسك.. لا تفشلنا في المعازيم اللي جايين من كل مكان..
حينها ابتسم علي رغما عنه: حلوة متلصمق ذي.. شايفني كرتون بيطير؟؟ (متلصمق=شي متماسك ظاهريا)
كساب يبتسم: ليتك كرتون.. إلا قرطاسة..
ثم أردف بمودة: توصي شيء من البحرين؟؟
علي يبتسم: سلامتك.. أنت أساسا بتلحق تقعد عشان أوصيك؟؟..
أنت بس خذ الوقت اللي بتكن فيه مرتك في الورشة تايم أوت عشان تريح..
واجد متعب نفسك ذا الأيام..
كساب باستنكار: يا سلام عليك..
تبيني أخليها في الورشة بروحها.. أصلا رجلي على رجلها لين نرجع..
أنا حتى الفندق حجزت نفس الفندق اللي فيه الورشة..
علي ابتسم: يا سلام ياراجل ياحمش..
كساب رد عليه بابتسامة مشابهة: أفا عليك.. لا توصي حريص...
**********************************
" يا الله سميرة يامش..
تأخرنا على عشا بنت عمش وصلوح جنني من كثر ما يشد عباتي يبي يطلع
ومهوي تشد برقعي.. خلصيني.."
سميرة تلبس عباءتها ووتأكد من وضع الملمع على شفتيها وتهمس باستعجال وهي تنظر للمرأة القريبة من المدخل: هذا أنا خلصت يمه..
حين فتحت أم غانم الباب المؤدي للباحة عادت لسميرة وهي تهمس باستغراب:
سمور يامال العافية.. رجالش برا في سيارته وشكله ينتزر..
ليش ماقلتي لي إنش بتروحين معاه.. كان رحت من زمان..
سميرة ارتبكت لدرجة أن الحقيبة سقطت من يدها وهي تهمس بذات الارتباك:
نعم؟؟ تميم؟؟
تناولت هاتفها بسرعة أ يعقل أنه أرسل شيئا وهي لم تراه لإنشغالها بزينتها؟؟
بالفعل وجدت ثلاث رسائل منه وأولها قبل 40 دقيقة..
" حبيبتي أنا أنتظرش برا..
جهزي شنطتش ولا تطولين علي!!"
سميرة شعرت برعشة حادة قسمتها شطرين وهي تشير لوالدتها أن تغادر..
رسالة بسيطة عذبة ودون تعقيدات..
ثم رسالته الثانية:
" طولتي علي يا قلبي..
لو تبين وقت زيادة.. أرسلي لي وأنا بأروح وأرجع بعدين "
ثم رسالته الثالثة.. غاضبة.. عاتبة..:
" أنا ماني برايح لين تردين علي..
ما تبين تروحين معي.. قولي لي.. مافيه داعي تنقعيني عند بابكم"
سميرة تناولت حقيبتها على عجل وهي تخرج له.. لم تستطع حتى أن تنظر لشيء حتى ركبت جواره..
دفئه الغريب يغمر المكان.. وعطره الأكثر دفئا يتسلل إلى أنفها إلى أقصى درجات السيطرة!!
هو كان يقف في الخارج.. منذ أربعين دقيقة..
كان قد بدأ يسب نفسه أنه وافق والدته.. شعر بحرج عميق من نفسه..
رغم أن ما خفف عليه أنه يعلم أن غانما ووالده ليسا هنا ولن يحضرا قريبا لأنهما في العشاء عند بيت أبي صالح..
لذلك لن يشعر بالحرج منهما لو سألاه لماذا تقف كل هذا..
ولكن الموقف كله محرج وهي تتجاهل رسائله.. كان بوده أن يغادر..
لكنه لم يستطع.. كان يشعر أن هذه هي فرصتهما الأخيرة.. ولن يدعها تفلت بهذه السهولة..
حين رأى عمته أم غانم تخرج شعر بحرج عميق جدا وهو ينزل ليسلم عليها..
كانت تشير له أن سميرة ستخرج له حالا..
ولكنه لم يستوعب إشارتها غير الدقيقة لشدة حرجه !!
ولكنه ما أن عاد لسيارته حتى فهم ما المقصود إذ رأها تعبر الباب متجهة نحوه..
شعر حينها أن طبول الحرب أعلنت صراعها بين جنبات قلبه وروحه وشرايينه وأوردته..
أما حين ركبت جواره شعر أنه يريد أن يفتح جيبه قليلا
لأنه شعر كما لو أن كل الأكسجين المتواجد في السيارة قد فرَّ خارجها هاربا من سطوة حضورها!!
لم يشر لها بشيء ولم تشر له بشيء.. وهو يحرك سيارته مغادرا..
كانت تعبث في هاتفها بين يديها..
لتصله رسالة بعد ثوان:
" أنا آسفة
والله العظيم ماشفت رسايلك إلا الحين"
لم يرد عليها وقتها بشيء لأنه كان مشغولا بالسواقة..
لكن ما أن توقفت السيارة في الإشارة..
حتى التفت لها مشيرا بشجن عميق:
أنا اللي آسف.. وآسف على أشياء كثيرة ما أدري متى بتسامحيني عليها..
ما كفاش وش كثر عاقبتيني الشهور اللي طافت!!
سميرة حينها شعرت أنها اختنقت تماما بعبراتها وأنها قد تنفجر في البكاء بين لحظة وأخرى..
كان بودها أن تقول " كنت أعاقب نفسي قبل أن أعاقبك" ولكنها شعرت لضخامة العبرات أنها عاجزة حتى ان اختراع إي إشارة!!
كانت تدعك أناملها بعصبية.. لم تشر له بشيء.. وهي مشغولة بالتفكير..
ولكنها انتبهت بعد فترة أن الطريق طال أكثر من المعتاد..
لتصدم أنها تتجه في طريق مختلف تماما..
لم تجرؤ حتى أن تتساءل.. الهواجس والحزن واليأس والأمل.. مشاعر تصطرع في ذاتها على أقسى مستوى!!
حتى توقفا بداخل منتجع "شرق" لم يتوجه للداخل بل توجه للفلل الصغيرة في الخارج بعد أن سلم سيارته لموظف صف السيارات..
شعرت سميرة بالتوتر والترقب.. أ يعقل أن يكون قد أعد لها مفاجأة ما..؟؟
شعرت حينها بشعور طفلة مبهورة الأنفاس تترقب هديتها بفارغ الأنفاس..
كانت سميرة تراقب تحركاته وهو يفتح الباب..
أي أن حجزه حجز مسبق وسبق له الحضور..
في خلال الدقائق القليلة بعد دخولهما للمنتجع دار في رأسها عشرات الأفكار..
ولكن ما رأته أمامه فاق الوصف.. فاق الوصف تماما..
فالمكان كله كان غارقا في الأزهار والشموع بطريقة بارعة غاية في الاتقان والبراعة..
وفي المنتصف كانت تقف المضيفة بجوار طاولة طعام معدة ..
أشار لها تميم أن تغادر بينما سميرة كانت مبهوتة تماما.. شعرت كما لو كانت في حلم غير معقول..
فأي شاب تخطر له مثل هذه الأفكار؟؟!!
حينها التفت لها تميم وهو يشير بإبتسامة: أتمنى إن مفاجأتي عجبتش..؟؟
ولو فيها قصور ماعليه سامحيني توني عليمي!!
لم تستطع أن تشير بشيء حتى ..
اقترب منها ليشير بدفء: زين خليني أشوف وجهش..
سميرة أزالت نقابها وشيلتها بإرتباك.. بدت بأناقتها وحسنها كما لو كانت مستعدة لمفاجأته وحمدت الله أنها كانت متوجهة للعشاء المقام لعالية
يالله كم افتقد دفء ملامحها وبريق ابتسامتها..
شدها من كفها برفق ليجلسها ثم أشار:
حتى إشارة وحدة م أشرتي لي.. حرام عليش سميرة.. عبريني شوي..
حينها أشارت له بإشارة واحدة: مصدومة..
ابتسم بدفء: ترا أنا ما نسيت هديتش.. حطيتها في الخزنة هنا..
سميرة أشارت بارتباك: لويش الهدية؟؟
همس بدفء حان: عشان تعرفين إن زعلش مهوب رخيص عندي..
وصدقيني كل هدايا الدنيا ماتعبر..
بس اعتبري هذي شيء صغير..
حينها بدئت عيناها تترقرق بالدموع.. مد يده ليلمس أسفل عينيها وهو يمسح الدمعة التي ستسقط
ثم يشير بابتسامة: على ذا الكشخة كلها وتبكين؟؟
أشارت بابتسامة متاثرة: أي كشخة!! لو أدري أنك بتجيني الليلة
كان كشخت شيء غير..
حينها ابتسم بخبث لطيف: هذا إحنا فيها.. ملابسش فوق في شنطة جهزتها أمي من الملابس اللي كنتوا داسينها عني
وخليتو قلبي يحترق أحسبش شليتش قشش كله وخليتيني بروحي!!
حينها تفجر وجهها احمرارا.. وهي تشير بخجل: هذي فكرة أمي مزنة..
ابتسم تميم: ويازين أمي لا فكرت..
ثم أردف بما يشغل باله وحياته وفكره أشار كما لو كان يشير بما بقي من أعصابه ومشاعره: زين خلينا ذا كله!!
وخلينا من الاهم..
عاجبش حالنا كذا؟؟ من اللي ممكن يعيش حياته كذا وبذا الطريقة؟؟
أنا غلطت في حقش أول عرسنا.. وأنا آسف وحقش على رأسي..
بس عقب.. أنتي مقتنعة فيني وراضية فيني كزوج؟؟ وإلا لأ..
سميرة شعرت أن كل هذا كثير عليها.. لم تعرف كيف تعبر سوى بدموع سفحتها بين كفيها..
حينها اقترب منها ليزيل كفيها عن وجهها..
ويشدها برقة ليحتضنها بين ذراعيه وهو يشعر برعب بالغ أنها ستتقبل حضنه لدقيقة ثم ستفر منه كالعادة..
حتى عندما استكانت في حضنه وهي تدفن وجهها في كتفه ودموعها تنهمر بشفافية كان مازال إحساسه بالرعب مستمر..
فما كانت تفعله به هو مايشبه ما يحدث الآن.. تستكين في حضنه لثوان ثم تقفز كما لو كان لسعها أفعى..
ولكن الاطمئنان والسكينة بدأ يتسربان لروحه شيئا وشيئا.. وهو يراها تشدد احتضانها لخصره.. وهي تدفن وجهها أكثر في صدره حتى بدأ يشعر بتبلل ثوبه من أثر دموعها..
كان مازال عاجزا عن التصديق أو منح نفسه الأمل لطيلة ماعانى الحرمان..
كان يريد أن يشدها أكثر حتى يخبئها بين أضلاعه.. ولكنه لم يرد إثارة رعبها منه أو فقدان خيط تواصله معها الذي مازال يشعر به رقيقا هشا..
ولكن الدقائق كانت تمر وتمر وهي تهدي روحه إحساسا خرافيا بالطمأنينة.. لأنها مازالت تستكين بين جنبيه.. لم تهرب.. لم تتحجج..!!
حينها تجرأ أن يشدها إلى حناياه أكثر وأكثر رغم أنه مازال خائفا أن يجد كل هذا الإحساس المعجز يتهاوى في لحظة حين تهرب منه..
ولكن إحساس الخوف بدأ يتسرب من بينهما.. ويحل مكانه إحساس مختلف..
دافئ وعميق وحان.. ومكلل بالأمان وكثير من السكينة!!
************************************
" يعني عشان عارفة إن عمتش هنا.. لبستي اللي على الحبل كله..
وش ذا الكشخة كلها؟؟ وخر عنها.. هذا كله عشان أم غانم توصل لحضرة الكابتن!!"
كانت جميلة تهمس بذلك في أذن مزون التي ردت عليها بإبتسامة مشابهة:
والله ماحد لبس اللي على الحبل وفوق الحبل وتحت الحبل غيرش..
يعني ذا الكشخة كلها عشان قربتي تخلصين العدة.. وتبين تدورين عريس..
جميلة بإبتسامة: أي عريس حسرة!!!
البنات الآنسات مالقوا عرسان.. عشان المطلقة اللي مثلي تلقى..
خلاص أنا خلصت من موال الزواج كله.. جربت نصيبي واكتفيت..
حينها همست مزون في أذن جميلة بغضب: لا تتكلمين عن نفسش كذا..
وش مطلقته؟؟ وش خرابيطه؟؟
حينها همست جميلة بجدية خافتة: مزون خلاص سكري ذا السالفة..
أنا مطلقة وما أبي أتزوج خلاص.. وش الشيء الغريب في الكلام اللي قلته؟؟
ثم أردفت بتنهيدة: خلاص مزون أنا طالعة أغير من حبسة البيت.. وماراح أطول عشان ما أتأخر على أمي..
فخلينا ما نقلب القعدة نكد..
ثم أردفت بابتسامة وهي تحاول نسيان الشد الحاصل وتنظر ناحية عالية:
يا حليلها عالية.. كنت أنتظر شوفتها في الفستان.. ماني بمتخيلة شكلها فيه..
وسبحان الله ماصار.. بس والله إنها طالعة الليلة كيوت وتجنن وشكلها مبسوطة وهذا أهم شيء..
حينها ابتسمت مزون: أنا عاد كنت جاية مخصوص أبي أشوف شعاع.. أبي أشوف لو غيرت شيء في شكلها قبل العرس..
بس يا الله الظاهر مافيه نصيب أشوفها قبل العرس..
مازال الحوار الباسم الخافت يدور بين الاثنتين وجميلة تهمس وهي تنظر ناحية كاسرة:
والله مافيه حد يدوخ في القعدة كثر مرت أخيش.. يأختي كساب لحد الحين معقد؟؟ مافككت كاسرة عقده؟؟
مزون ضحكت بخفوت: نفس الكلام قلته لخالتي أول ماخطب كاسرة..
قلت لو هذي مافككت عقد ولد أختش.. مستحيل إنها تفكك..
بس الظاهر عقد كساب من النوع الأصلي مافيه شيء يفككها!!
****************************************
" تأخرت حبيبي!!
وأنا قاعدة بكشختي أبيك لين تجي"
كانت هذه هي عبارة عالية لعبدالرحمن وهي تتلقاه داخلا وتدفعه بكرسيه المتحرك للداخل..
همس بإبتسامة مثقلة بالولع: والله العظيم أني أبي أجي من بدري.. ميت أبي أشوفش
بس وش أسوي.. أخوانش اللي أخروني.. الظاهر يبون يعاقبوني عشان خذتش من عندش..
حلفوا إلا أقعد ألعب معهم (بيلوت) عقب العشاء..
أنا وصالح كنا فريق.. وعبدالله وهزاع فريق..
أنا اللي خسرت صالح.. لأن بالي مهوب معي.. وكل شوي غصبا عني أتفكر في الساعة..
مارحموني من تعليقاتهم..
حينها همست بنبرة مهتمة وهي تتناول غترته عن رأسه:
زين فهد ونايف وينهم؟؟
عبدالرحمن حينها شاب ابتسامته شيء من الضيق:
الاثنين كانوا مادين بوزهم شبرين تقولين ميت لهم ميت..
وعقب العشاء سروا على طول..تقولين مهوب طايقين شوفتي..
ابتسمت عالية بحنو وهي تقترب بخجل لتفتح أزرار جيبه:
ماعليك منهم.. أساسا فهد لازم يكمل سهرته عند منصور آل كساب وإلا ما يعتدل مزاجه..
ونايف لازم يوقع حضور وانصراف عند خالتي نورة وإلا بتسود عيشته!!
ابتسم عبدالرحمن بشفافية: حبيبتي عاد جيبي أعرف أفتحه بروحي..
عالية بذات النبرة الحانية: دامني موجودة كل شيء يخصك أنا أبي أسويه..
بتمنعني يعني؟؟
عبدالرحمن بمرح: ومن اللي يقدر يمنعش؟؟
هذا اللي بايع روحه لا تسوين فيه مخططات بعيدة المدى..
عالية بخجل عذب: لا يصير قلبك أسود عاد..
عبدالرحمن حينها شد كفها بين كفيه واحتضنها بحنو بالغ:
قلبي يصير أسود على الناس كلهم إلا عليش.. مايقدر !!
************************************
صباح اليوم التالي
.
.
.
نقرات ناعمة حانية كانت تلامس خده.. فتح عينيه ببطء..
ليرى شعاع الشمس يبرق بين خصلات شعرها الذهبية.. وجهها الندي الخالى من المساحيق يبدو محمرا بشفافية لشدة الصفاء..
ابتسم بشفافية غامرة كما لو كانت رؤيتها هذا الصباح أشبه بالبلسم الحاني للروح بينما كانت تشير له بابتسامة مرحة:
قوم يا الكسلان.. صرنا قريب الظهر..
قوم أنا ميتة من الجوع..
مد أنامله ليمسح خدها وهو مازال مستلقيا ثم أشار بإبتسامة:
زين عطيني شوي من العسل أول..
أشارت حينها سميرة بخجل رقيق وهي تشير لشعرها: لا تقول لي عسل ذي.. ما أحبها لسببين..
الأول إن العسل اللي عندي تايواني مهوب أصلي..
الثاني إن هذي كلمة صالح لأختي نجلاء.. دور لي كلمة حقي بروحي!!
أشار لها حينها بمرح مشابه: زين مربى وقشطة وجبن وبيض وزيتون وحمص وفول.. وكل شيء يفطرون عليه الناس..
ثم أنهى إشارته بإن شدها لجواره وهو يحتضنها بحنو بالغ..
لا تنكر أنها تتمنى وهي في حضنه لو استطاعت أن تتكلم.. أن تهمس في أذنه من قرب..
ولكنها لكي تستطيع أن تخبره بشيء لابد أن تنهض من حضنه وتبتعد لمسافة كافية حتى تشير..
أي أنها يستحيل أن تجمع الإحساسين.. فهي لابد أن تكتفي بأحدهما..!!
بدا لها هذا الأمر موجعا إلى حد كبير..
أن تتخلى عن الاستكانة في حضنه بينما هي لا تريد... ولكنها مجبرة على فعل ذلك حتى تخاطبه!!
ولكنها يجب أن تتأقلم مع ذلك.. فوجودها لجواره يكفيها عن كل كلمات العالم الباردة!!
******************************************
" طالعين الحين للمطار؟؟
اقعدوا تغدوا.. الغدا جاهز!!"
كساب يضع الحقيبتين اليدوتين الصغيرتين من يده ويميل ليقبل رأس مزنة ثم رأس والده وهو يهتف باحترام:
مافيه وقت يمه.. طيارتنا الساعة ثنتين.. يا الله نوصل ونحط أغراضنا وتروح كاسرة الورشة..
خلفه كانت كاسرة تنزل وتتوجه لزايد أولا لتقبل رأسه ثم رأس والدتها وهي تسلم وتسأل باحترام عميق:
توصون على شيء؟؟
زايد هتف بفخامته المعتادة: سلامتش يأبيش.. لا تطولون علينا..
كساب يحمل الحقيبتين وهو يهتف بحزم: بكرة الصبح حن هنا إن شاء الله..
حين غادرا هتف زايد لمزنة بإبتسامة: ليش قاعدة بعيد؟؟ تعالي اقعدي جنبي..
ابتسمت مزنة برقة: مزون صارت على وصول.. رايحة تشوف آخر ترتيبات عرس علي..
مايصير تجي تلاقيني لاصقة فيك!!
حينها اتسعت ابتسامة زايد وهو يتساءل: ليش قدام مزون أحسش تصيرين معي رسمية ومستحيل تقربين مني..
مزنة ابتسمت برقة: لأنه البنت بالذات تكون حساسة..
ولا تنسى إنك ذا السنين كلها كنت لها بروحها.. فلازم إنها بتحس بالضيق مني حتى لو ما بينت أو حتى لو كانت ماتبي تحس ذا الإحساس..
بس البنات بطبعهم حساسات واجد.. وأنا ما ابي أضايقها أو أزيدها عليها..
حينها همس زايد بعمق خافت: زين تعالي اقعدي جنبي ولا تلصقين فيني..
من قال إني باستحمل لاحسيتش قريب مني..
بس باقول لش سالفة..
مزنة رغما عنها تفجر خجل رقيق في روحها وهي تقوم لتجلس جواره مع ترك مسافة متباعدة فاصلة بينهما..
ابتسم زايد: مهوب كن المسافة كبيرة شوي..؟؟
همست مزنة برقة باسمة: لا.. زينة..
حينها همس زايد بخفوت بنبرة عميقة متجذرة دافئة: مزنة.. ماعمرش سألتي نفسش ليه سميت بنتي مزون..؟؟
مزنة أجابت بتلقائية: لا........
ثم بترت عبارتها برعب جازع.. اخترم روحها كسهم حقيقي بعثر مشاعرها بصدمة موجعة..
همست حينها باختناق فعلي.. بنبرة لأول مرة يسمعها منها:
مرتك كانت تدري؟؟
زايد بجزع: لا طبعا ما كانت تدري.. ماني بمعدوم المشاعر لذا الدرجة..
ثم أردف بدفء: بس عشان تدرين أشلون اسم مزنة لزق في روحي وماقدرت أشيله..
حينها تزايد اختناق نبرتها رغما عنها: لا.. زايد.. حرام عليك.. لا تسوي فيني كذا.. والله العظيم حرام عليك!!
لم تستطع حتى أن تكمل عبارتها وهي تقف متوجهة لجناحها كالملسوعة.. حاول زايد إيقافها ولكنها كانت قد ابتعدت عن مدى يده..
هي مشاعرها كانت مبعثرة تماما.. الخبر بعثر مشاعرها تماما.. لم تستطع أن تكون أنانية..
وهي تضع نفسها مكان وسمية.. تتخيل زوجها يسمي ابنتها باسم امرأة يحبها!!
ولكنه طمأنها أنها لم تكن تعلم..
لذلك مابقي في روحها هو إحساس أكثر ضخامة وسموا ووجعا... موجع لابعد حد..
أيكون يحبها لدرجة أن يسمي ابنته باسمها..
بينما هي كانت عاجزة حتى عن مجرد الإحساس به وهي تقذفه بالشتائم الطفولية كلما رأته؟؟؟
كانت تقف في غرفتها وهي تستند بكلتا كفيها لظهر المقعد الذي تمسك به بقوة وترتعش.. ترتعش فعلا كمصابة بالحمى!!
شعرت أنها عاجزة عن التنفس لذا انتزعت برقعها وجلالها بحركة واحدة وكأنها تريد لها مساحة للتنفس..
تشعر أن الدنيا تدور بها وتدور وتدور.. فالخبر كان صادما لها لأبعد حد..
صادما بشفافيته ورقته وعذوبته وتجذره وعمقه..
عاجزة حتى عن مجرد وصف صدمتها وهي تشعر أن إحساسها بالدوار يتزايد وكأنها تنفصل عن هذا العالم..
لذا حين شعرت بكفيه على خصرها من الخلف وهو يهمس لها بقلق "مزنة اشفيش؟؟ زعلتي؟؟"
شعرت أن قواها تخور.. وهي تكاد تسقط بين ذراعيه..
أسندها وهو يشدها ليجلسها على الأريكة ثم يجلس جوارها ويهمس بقلق اعمق:
مزنة أشفيش؟؟
لم تجبه بشيء بل احتضنت خصره وهي تقبل صدره مكان شفتيها حيث اختبأ راسها في طيات ضلوعه..
شدها إلى حضنه بيد ويده الآخرى تمسح على شعرها.. وهو لا يعلم هل كان محقا في إخبارها بخبر صدم مشاعرها هكذا..!!
واثق تماما أنها لن تخبر أحدا.. ولكن هل من حقه أن يعلقها فيه بهذه الطريقة بينما مشاعره هي ملك للماضي وحده؟؟
******************************************
" كساب وش ذا التصرف الهمجي؟؟
تسحبني من الورشة بدون ما أكملها حتى!!"
كانت هذه هي عبارة كاسرة الغاضبة التي قالتها لكساب بعد أن شدت كفها منه..فور دخولهما لجناحهما وهو يسحبها في ممرات الفندق..
كساب ببرود ملتهب: أنا ما سحبتش منها.. أنا ماخليتش ترجعين عقب ماصلينا صلاة العشاء..
وش اللي بقى نص ساعة.. خلاص انتهينا من ذا الورشة..
كاسرة بغضب: زين وش السبب؟؟ وش بيضرك لو خليتني أكمل ذا النص ساعة؟؟
كساب بذات النبرة الباردة الملتهبة: ماني بمرتاح لذا الورشة المختلطة..
كاسرة تشد لها نفسا عميقا حتى لا تنفجر فيه: شوفت عينك.. النسوان كانوا في ناحية والرجال في ناحية وأنا ما فتحت ثمي بكلمة..
وحضرتك قاعد معي كنك بودي جارد..
كاسرة قالت ذلك وهي تشد نقابها لتخلعه حتى لا يظهر غيظها وغيرتها المتزايدة رغما عنها.. وهي تتذكر معاناتها واحتراقها من نظرات النساء له...
حينها اقترب منها وهو يهمس بغضب: وليش حاطة كحل؟؟
كاسرة شدت نفسا أعمق (الصبر من عندك يارب!!) وهي تهمس ببرود متحكم:
أنا حاطة كحل؟؟ أنا لا حاطة كحل ولا ماسكرا ولا حتى فاونديشن ولا أي شيء حتى..
دامك منت بمقتنع بجيتي للورشة ليش تجيبني أساسا.. عشان تحرق أعصابي وبس..
حينها همس بذات النبرة الغاضبة: أنا اللي حرقت أعصابش.. وإلا أنا الي حاس كل اللي في الورشة عيونهم عليش..
كاسرة حينها همست بغضب: لا.. شكلك استخفيت.. أنا.. أنا ؟!!
أنا ولا حتى حد طالع ناحيتي.. وش يطالعون؟؟ سواد مهوب باين منه شيء؟؟
وليش أنا ما أقول إن اللي صار صدق إن عيون النسوان اللي في القاعة كانت بتطلع على البودي جارد اللي معي بدون احترام لي كني طوفة..
كساب أنت وش فيك الليلة؟؟ تبي لك سبب تهاد عشانه وخلاص..؟؟
حينها فوجئت به يشدها من معصمها.. وهو يثبت كفيها بقوة على صدره
ويهمس بحزم غريب مثقل بالشجن: إيه أبي أهاد لأنش وحدة ما تفهمين.. وإذا ماطلعتيني من طوري ما ترتاحين!!
ثم شدها أكثر وهو يفلت كفيها ليطوقها بذراعيه وهو يهمس في أذنها بدفء عميق مخلتلط بنبرته الحازمة:
أنا أبي أدري أنتي اللي يجري في عروقش دم مثل باقي البشر.. وإلا ماي..
دامش الإحساس ملغي من قاموسش..
لين متى وأنتي تعامليني كذا ؟؟.. كني ماني بموجود..
ليست غبية لتفهم ما الذي يريده وأنامله تشد شعرها بحنو وقبلاته تعبر محيط وجهها بشغف..
وبقدر ماقد يثيره هذا فيها من سعادة كأنثى..
يثير أضعافا مضاعفة من الحزن كأنسانة.. لأن كساب عاجز عن رؤية ماهو خارج حدود الجسد..
كان بودها أن تدفعه عنها.. لماذا يغضبها ويلف ويدور إن كان هناك ما يريده منذ البداية لماذا لم يصارحها؟؟
لماذا لا يعرف أن يكون صريحا فأي حال من الأحوال؟؟
همست باختناق توتر مشاعرها وارتباكها من قربه الموجع:
كساب أنا ما منعتك من حقوقك.. عشان تلف وتدور ذا كله..
همس في داخل أذنها تماما بنبرة موجعة لقلبها بطريقة تستعصي على الوصف:
أدري ما منعتيني من حقي السخيف.. بس أنا أبي شيء ثاني عجزتي تفهمينه!!
لماذا كل منهما عاجز عن إيصال جنون مشاعره التي تجاوزت الحد إلى الآخر؟؟
لماذا كل هذا التعقيد والضبابية بينهما لدرجة الاختناق؟؟
كيف يكون قلبها غارقا في الألم هكذا بينما هو يحاول إيصال عمق مشاعره لها؟؟
كيف.. كيف .. ولماذا.. ولماذا؟؟
عشرات من علامات الاستفهام والأسئلة تعبر المحيط والاجواء لأقصى درجات الأختناق وهي تصنع شبكة معقدة من المشاعر والأحاسيس والأوجاع!!
***************************************
بعد ثلاثة أيام
.
.
.
" جوزا تكفين مانمت من البارحة.. وتوني راجعة من الجامعة مابعد حطيت عباتي حتى تقولين لي الصالون.. خليه العصر"
جوزاء تنظر بشفقة حقيقية لشعاع التي تبدو منتهية تماما من التعب ومع ذلك شدتها بإصرار:
الحين نروح للصالون.. عشان تخلصين شغلش كله..
العصر بتجيش الحناية..
يا الله اللون يبين ويغمق على بكرة!!
شعاع تكاد تبكي: تعبانة جوزا حرام عليش!!
جوزاء بإصرار: مافيه.. إذا صليتي العشاء ارقدي لين بكرة ولا صليتي الصبح ارقدي لين الظهر..
بتشبعين رقاد وزود..
.
.
.
" يبه فديتك روح للبيت"
زايد يبتسم بحنو: مثل ما شاركتني آخر ليلة في العزوبية.. لازم أشاركك..
حزن عميق يخترم روح هذا الشاب هذه الليلة.. غدا سيحكم على روحه بأسر جديد..
ألا يكفي إحساسه بالذنب لمشاعره لحبيبته المجهولة حتى يتزايد إحساسه حين يرى زوجته التي لا ذنب لها أمامه..
والمشكلة أنه عاجز حتى عن مجرد فكرة تقبل هذه الزوجة..
كيف يتقبلها وكل ذرة في كيانه هي لامرأة أخرى؟؟
حاول أن يهمس بابتسامة: بس ليلتك كانت غير يبه.. أنت كنت تنتظر حلمك سنين..
بس أنا الله يعين ما أدري أشلون بيكون إحساسي حتى..
خايف أجرح بنت الناس وأنا ما أقصد..
زايد ربت على فخذه وهو يهمس بحزم:
ما ينخاف عليك يا أبيك..
بس الحين فيه سالفة مهمة أبي أقولها لك يا أبيك!!
.
.
.
#أنفاس_قطر#
.
.
.
يا الله جهزوا الفساتين والكشخة
معزومين على عرس علي وشعاع المنتظر
البارت الجاي كله للعرس.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السابع والسبعون 77 - بقلم HaboOoshy
" يبه فديتك روح للبيت"
زايد يبتسم بحنو: مثل ما شاركتني آخر ليلة في العزوبية.. لازم أشاركك..
حزن عميق يخترم روح هذا الشاب هذه الليلة.. غدا سيحكم على روحه بأسر جديد..
ألا يكفي إحساسه بالذنب لمشاعره لحبيبته المجهولة حتى يتزايد إحساسه حين يرى زوجته التي لا ذنب لها أمامه..
والمشكلة أنه عاجز حتى عن مجرد فكرة تقبل هذه الزوجة..
كيف يتقبلها وكل ذرة في كيانه هي لامرأة أخرى؟؟
حاول أن يهمس بابتسامة: بس ليلتك كانت غير يبه.. أنت كنت تنتظر حلمك سنين..
بس أنا الله يعين ما أدري أشلون بيكون إحساسي حتى..
خايف أجرح بنت الناس وأنا ما أقصد..
زايد ربت على فخذه وهو يهمس بحزم:
ما ينخاف عليك يا أبيك..
بس الحين فيه سالفة مهمة أبي أقولها لك يا أبيك!!
بدأ زايد يخبر عليا بما قاله له الطبيب الغاضب حين أعطاه زايد بطاقة حضور حفل زفاف علي قبل يومين..
بينما كان وجه علي يحتقن شيئا فشيئا..
وحينما انتهى زايد من الحديث.. انفجر علي بغضب وهو يقفز واقفا:
أنا وجهي في وجه الدكتور كل يوم.. ليش كلام مثل هذا يقوله لك وما يقوله لي.. كلام مثل هذا خاص فيني بروحي!!
زايد بعتب: علي يأبيك وش أنا وش أنت؟؟
الدكتور ارتاع يوم عزمته على عرسك وقال لي وضعك الصحي ما يسمح لك
وإن هذا كان استعجال منا..
وكان يبي يتكلم معك بس أنا قلت له خلاص بأقول لك..
علي ألقى بنفسه جالسا على المقعد مرة أخرى.. لشدة الهم الملقى على كاهله..
هل يوجد امتهان للمشاعر والأدمية أكثر من هذا..؟؟
تفاصيله الحميمة والخاصة يتناقشون بها كعارض طبي..؟؟
امرأة لا يريد حتى مجرد النظر لوجهها.. ولكنها تبقى زوجته.. وعلاقته بها خاصة بهما وحدهما..
فكيف تقبل على رجولتك أن يأتيك طرف ثالث مهما كان قربه من روحك ويقول لك لا تقترب من زوجتك حتى تتحسن صحتك
لأن وضعك الصحي المتردي داخليا لن يحتمل!!
أي امتهان ومساس بالكرامة هذا!!
وكل هذا بسببها.. بسببها هي!! هــي !! تلك الغائبة الآسرة !!
ليس غبيا ليدرك رغم تماسكه الظاهري أن قلبه وكبده خصوصا يعانيان من ضعف شديد لذا كان إصرار والده على السفر!!
يعتبر أن هذا كله ليس أكثر من ابتلاء من رب العالمين له.. ويؤمن أن الله إذا أحب عبدا ابتلاه..
ولكن هناك طرف ثالث لا ذنب له فعلا.. زوجته لا ذنب لها لتعاني معه من جنونه ويأسه وعشقه..
ربما كان يحاول أن يجاري الجميع في قضية زواجه.. وهو يحاول أن يضع والده كمثال له.. فوالده كان رجلا عاشقا ولكنه استطاع الزواج أخرى وعاش سعيدا معها..
فألا يستطيع أن يكون مثل والده؟؟
ألا يستطيع؟؟
لا.. لا يستطيع.. هذا ماهو يشعر به..
فكل يوم يمر.. يشعر أن سيطرة تلك الغائبة المجهولة تزداد على روحه.. ماعاد حتى يستطيع إزاحتها من ذاكرته ولا لثانية واحدة..
أصبحت حياته كما لو كانت تعيش على اجترار ذكراها الوحيدة الأسطورية..
ملمسها.. ملامحها.. رائحتها.. صوتها.. شذى روحها.. كل ذلك حُفر في روحه بمنجل غائر حتى أقصى وأعمق مسافة..
تتعاظم في روحه أحاسيس العشق.. والغيرة والقهر.. واليأس والندم ..
العشق لكل مافيها..لكل تفصيل صغير من تفاصيلها المحفورة في قلبه وعقله..
والغيرة لأنها لسواه.. الغيرة تنهش روحه بطريقة دموية تقتله شيئا فشيئا..
في أكثر الليالي يقفز من نومه جزعا لأنه يتخيل يد رجل مجهول تمتد إلى حسنها لينهل منه..
فيشعر حينها أن القهر يتزايد في روحه ويتزايد وهو عاجز عن التصرف بأي شيء!!
واليأس لأنه يعلم أنها لم ولن تكون له يوما.. فهذا العشق لا أمل له يوما بالقرب الذي هو دواء العاشق..
والندم لأنه يعلم أنه تعدى على حرمات غيره والذنب ينهش روحه خوفا وجزعا من العقاب رغم كثرة استغفاره وإبداءه الندم..
وما يؤلمه أكثر من أي شيء.. أنه رغم كثرة استغفاره فهو لا يستطيع نزعها من كيانه.. بل كل دقيقة تمر يزيد انغراسها في روحه!!
فهل يكون الله عز وجل غاضبا عليه فعلا ويريد معاقبته بها؟؟
*************************************
" جننوني وضحى وسميرة يبون يجون ويصحونها
أقول لهم تجون حياكم الله.. بس تصحونها لا
يقولون حن جايين نبي نسهر معها..
أقول لهم هذي منتهية تعب.. مهوب راضين يفهمون"
كانت هذه جملة جوزاء المرحة لعالية وهي مشغولة بترتيب أغراض شعاع وتكمل باهتمام:
تروحين معي بكرة الصبح الأوتيل نرتب جناح العرسان ونودي أغراض شعاع..
مزون بعد بتجي تجيب أغراض أخيها!!
عالية بحماس رقيق: نروح ليش لأ.. حلوة أجواء حوسة العرس وإن الواحد يكون عنده عروس في البيت ويدبك لها ومشغول معها..
أنا أخواني كلهم شباب ماجربت ذا الحوسة..
حتى أنا حنيتوني غصبا عني.. مع إني ما أحب الحنا..
حينها لم تستطع جوزاء إخفاء تأثرها: كان المفروض إن حن اللي رتبنا لش وانشغلنا معش وحسسناش بأجواء العرس..
مهما كانت عالية تدعي أن هذه شكليات لا تهمها..
فهي مهما كان شابة كانت تنتظر هذه الليلة وترسم لها مخططات طويلة من التجهيز والاستعداد..
وخصوصا وهي ترى هذه الاستعدادات أمام عينيها بينما هي حُرمت منها
ومع ذلك همست لجوزاء بمرح مصطنع: يا بنت الحلال الله رحمني.. يدري إني مالي بال على ذا كله..
جوزاء حينها كانت تعبث بهاتفها كما لو كانت ترسل رسالة ما وهي تهمس لعالية بمودة صافية: الله يعطيش على قد نيتش.. ويسخر عبدالرحمن لش..
قولي آمين..
ابتسمت عالية: والله يرزقش أنتي وعبدالله بولد وإلا بنوتة وأنتي بصحة وسلامة
على قد ما تعبتي مع شعاع وهلكتي نفسش..
**********************************
" كاسرة أشفيش تونين؟؟"
كاسرة تعتدل بصعوبة وهي تلتفت لكساب الذي تمدد جوارها للتو وتهمس بألم:
ظهري ذابحني.. اليوم كنت أساعد مزون في ترتيب أغراض علي..
وشلت شنظة ثقيلة وحسيت إنه فيه شيء في ظهري انعقد..
كساب حينها هتف بغضب حقيقي: ليه من قلة الخدامات في البيت عشان تشيلين الشنطة بروحش..؟؟
كان دعيتوتهم وخليتهم يتساعدون على الأغراض.. والشنطة اللي شلتيها بروحش كان شالوها ثنتين منهم..
كاسرة بضيق نابع من ألمها: كساب واللي يخليك.. اللي فيني مكفيني..
بكرة عرس أخيك وبنت عمتي ومن الصبح بأكون مشغولة.. ما أدري حتى متى بألحق أروح المستشفى..
كساب شد له نفسا عميقا حتى لا ينفجر فيها وهو يهتف لها بأمر: وين ظهرش يوجعش.. خلني أحاول فيه..
كاسرة بجزع: لا كساب تكفى.. تبي تقرطبه.. تقوم وتكسره..
كساب بأمر أكثر حزما: والله ما أقرطبه.. بس وريني ( يقرطب= يطرقع فقرات الظهر أو الأصابع بصوت مسموع)
كاسرة أشارت له أين الألم حتى تسكته وهي تهمس له برجاء مخلوط بحزمها:
كساب يا ويلك توجعني..
كساب تحسس ظهرها بدقة حيث أشارت حتى وصل إلى مكان معين ثم همس بإبتسامة:
هذي هي..
ضغط المنطقة المعقودة ضغطة بسيطة جدا فانحلت.. كاسرة شهقت وهي تعتدل وتهمس بدهشة: وش سويت؟؟ ظهري كأنه ما كان فيه أي شيء!!
ابتسم وهو يجيبها ببساطة: فكيت العضلة اللي انعقدت يوم شلتي الشنطة..
كاسرة بدهشة أشد: ووين تعلمت ذا الشيء بعد؟؟
كاسرة كان بودها أنها لم تسأل.. لأنها تعلم أنه لا جواب لسؤالها..
لذا تفاجأت أنه أجابها ببساطة غريبة: تعلمتها من ربع السجن الله لا يذكرهم بالخير ولا يرد أيامهم.. كانت ظهورنا تتعقد من النومة على البلاط..
فالصبح إذا طلعنا للساحة.. فيه واحد تايلندي كان سكنيّ.. علمني أشلون أفكها.. وأنا أشوف وش يسوي للمساجين..
كاسرة مازالت غير مستوعبة لما قاله.. فهي لم تعلم أنه قد سُجن إلا في حادثة قتل العامل قبل زواجهما وحتى تلك الحادثة لم يدخل السجن حتى..
مع ذلك أجابته باستنكار: كذاب.. السجن عندنا مايخلونهم ينامون على البلاط.. ينامون على سراير ..
اجابها بذات البساطة الغريبة: ومن قال لش انسجنت هنا.. انسجنت هناك في أمريكا..
مازالت عاجزة عن الاستيعاب: متى؟؟ متى؟؟
أجابها بذات النبرة الواثقة البسيطة: بعد تخرجي من الماجستير على طول..
كاسرة حينها كما لو كانت ضُربت على رأسها وهي تهمس بصدمة حقيقية: الخمس شهور اللي قلت إنك كنت فيها في رحلة تخييم فوق الجبال؟؟
أجابها بشبح ابتسامة: شاطرة!!
لا يعلم لماذا أخبرها بشيء لا يعلمه أحد.. ربما أراد أن يوصل لها رسالة.. لا يعلم هل وصلتها ام لا..
ولكنها لم تكتفِ بما قاله.. لأول مرة تشعر به يشاركها هكذا سر لا يعرف به احد..
شعور غريب كان يجتاح كيانها وهي تسأله بإصرار:
زين ليش انسجنت؟؟ وش سويت؟؟
أجابة حينها بحزم: ماسويت شيء أبد..
سألته بذات الإصرار: يعني انسجنت ظلم..؟؟
أجابها بذات الحزم: ولا انسجنت ظلم..
كاسرة تشعر بالتشوش: دامك ماسويت شي.. ولا انسجنت ظلم.. فليش دخلت السجن؟؟
أجابها حينها بحزم أشد: السبب مالش دخل فيه.. يكفيش إني قلت لش شيء ماحد يدري فيه ابد..
أجابته بغضب: لا.. لي دخل.. لا تقول لي نص السالفة وتسكت على نصها..
ما كان قلتها من أساسها..
حينها أجابها بتلاعب خبيث حتى يلهيها عن السؤال:
يعني ذا اللفة كلها عشان ما تعطين الدكتور اللي عالج ظهرش أتعابه..؟؟
كاسرة قفزت وهي تهمس بغضب حقيقي:
كساب لا تسخف الموضوع.. ليش يوم تقربني منك وتقول لي شيء...
ترجع تبعدني في نفس اللحظة.. هذي مهيب حياة.. حرام عليك..
معيشني في فيلم غامض ما أعرف شيء عنه!!
حينها وقف ليجابهها واقفا وهو يهتف بحزم غاضب: وليش ما تقولين إنش ما تشوفين أبعد من خشمش.. وتفكيرش محدود.. وتموتين في النكد؟؟
كاسرة تناولت روبها الموضوع على طرف السرير وهي تهمس بحزمها الغاضب:
القعدة معك تقصر العمر.. بأروح أرقد في الصالة أحسن لي..
ولكنه شدها ليثبتها في مكانها..
غاضب بالفعل.. رغم خطورة ماقاله لها ومع ذلك لم تكتفِ.. لم تنظر لما قاله لها وأهميته.. بل نظرت إلى مالم يقوله..
"يا الله.. متى ستفهمه هذه المخلوقة الغبية؟؟ " لذا هتف بغضبه المتفجر:
أنا أبي أعرف النكد يمشي في عروقش بدل الدم...؟؟
منتي برايحة مكان وبترقدين جنبي وفي حضني.. برضاش وإلا غصبا عنش..
******************************************
" هلا حبيبي مهوب كنك تأخرت شوي!!"
عبدالرحمن يحرك مقعده للداخل وهو يبتسم: بلى تأخرت بس كان عندي مشوار ضروري..
عالية بفضول: مشوار شنو؟؟
عبدالرحمن بمودة صافية: أخذي الكيس المعلق في مقبض الكرسي وتدرين..
عبدالرحمن منذ جاءت عالية لبيته وإحساسه بالذنب الرقيق يتزايد.. لا يستطيع أن يتناسى مطلقا أنه بأنانيته حرمها من حقها بالفرح كعروس..
وخصوصا وهو يرى الأيام الماضية كيف يقف البيت على قدم واحدة استعدادا لزواج شعاع..
أ لم تكن عالية تستحق استعدادا كهذا وهي وحيدة والديها المدللة؟؟!!
وماكان ينقصه لاكتمال احساسه بالذنب هو رسالة جوزا الليلة وهي توصيه أن يحاول التخفيف عن عالية لأنها حتى لو أخفت تأثرها.. فهي متأثرة وبشدة!!
يعلم أن الهدية مهما كانت ثمينة لن تكون تعويضا لها.. فالهدية أمر مستحق لها ولن تعوض النقص الذي حصل..
ولكن ماذا يفعل؟؟ ليس بيده شيء آخر!!
عالية ابتسمت بشقاوة وهي تستخرج العلبة المغلفة: هذي لي؟؟
ابتسم عبدالرحمن بحنان: لا حق حبيب قلبش اللي في جنوب أفريقيا..
افتحيها وشوفي لو ذوقي بيعجبه..
عالية شدت مقعد عبدالرحمن حتى قربته من من مقعدها ثم جلست وهي تفض غلاف الهدية حين فتحتها.. همست بتأثر:
تجنن ياقلبي.. بس واجد كلفت على نفسك..
شكلها أغلى حتى شبكتي بواجد..
ابتسم بذات الحنان: شبكتش مابعدني أعرفش..
بس الحين كل ماشفت شيء في المحل قلت والله مهوب قدرها عندي..
ولو علي كان جبت لش المحل كله..
بس هذا اللي قدرت عليه الميزانية..
عشان تلبسينه بكرة في عرس شعاع..
عالية وضعت الطقم الماسي الثمين جانبا ثم وقفت لتقبل رأسه بتأثر وهي تهمس بذات التاثر: الله يكبر قدرك ولا يحرمني منك.. قول آمين..
عبدالرحمن شدها ليجلسها على قدميه وهو يطوق خصرها ويهمس بولع حقيقي مغلف بندم شفاف:
خليني أمشي والله يمن علي.. والله لأعوضش عن اللي سويته فيش وأنا أجيبش هنا بدون عرس ..
عالية حينها طوقت عنقه ودفنت وجهه تحت أذنه وهي تهمس بدفء:
عبدالرحمن الله يهداك اشفيك واجد متحسس من ذا الموضوع..
ماراح أكذب وأقول أني ما تمنيت عرس مثل باقي البنات..
بس والله العظيم وهذا أنا حلفت.. لو خيروني بينك وبين ألف عرس..
إنك كفتك اللي ترجح بدون مقارنة..
*****************
" عبدالله حبيبي تعبانة.. أبي أنام!!"
عبدالله بخفوت دافئ: بس كلميني عشر دقايق ياقلبي..
أشلون يجيني نوم وأنا حتى ماسمعت صوتش..
مهوب كفاية إنش من البارحة بايتة عند هلش ومخليتني..
حينها ابتسمت بشغف رغم إحساسها بالنعاس وهي تعدل المخدة تحت رأسها:
يا النصاب أنت ما تنسى حركات النصب لو مهما صار..
عبدالله ابتسم: إيه.. على قولت أخواننا المصريين.. اللي إيدو في المية مش زي اللي أيدو في النار..
وش عليش نايمة عند هلش ومبسوطة وأنا قاعد بريحاتي أعد الوردات اللي في جبس السقف..
جوزاء ضحكت برقة: صدق نصاب..
عبدالله بولع: دام أبو حسن سمع ضحكتش.. تراه راح في خرايطها .. وماعاده بممسي الليلة..
جوزاء بولع أعمق: جعل أم حسن ماتذوق حزن أبو حسن وعمره طويل لها ولعياله..
عبدالله برجاء رجولي دافئ: زين وشرايش أمرش الصبح نطلع نتقهوى سوا؟؟
جوزاء برفض مرهق: لا ياقلبي والله ماعندي وقت..
عبدالله بتأفف: حرام عليش يالظالمة يومين ما شفتش..
جوزاء برقة: خلاص بكرة في الليل راجعة لا تسوي فيها ذايب وأنت من جنبها..
عبدالله يضحك: أنا من جنبها.. زين.. بكرة أول مايزفون المعرس ترا بأجي أخذش..
خلاص لا زفوا أختش مالش في العرس عازة..
*********************************************
" أم زايد الله يهداش.. حولتيني اقعدي"
ضحكت عفراء برقة: حبيبي أنا كذا لاصار وراي شيء مهم ما أقدر أقعد..
وهذا مهوب أي شيء.. هذا عرس علي فديت قلبه..
منصور يتمدد بشكل جانبي وهو يستند على كفه ويقبل زايد الصغير اللذي مدده جواره على السرير وهو يهتف بفخامة حميمة:
زين أنا وش ذنبي؟؟ اقعدي خليني أشبع من شوفة وجهش شوي..
أنا شكلي أتبرا من عيال أخي كلهم أحسن..
شايلة همهم من قلب..
عفراء تجلس خلفه وهي تهمس برقة: يمه منك.. هذا أنا جيت.. ما يوكل عشاك لا تخاف على روحك..
منصور حينها وضع عاد للوراء وهو يتمدد على ظهره ويضع رأسه على فخذها ويبتسم:
يخسى اللي يأكل عشاي.. مابعد جابته أمه ( ما يوكل عشاه= كناية عن الرجل الذي لا يُداس له على طرف)
والحين أنتي رايحة جاية وعرس علي بكرة ليش؟؟
عفراء تمسح على شعره وتهمس برقة: ما أدري.. مشتطة ياقلب خالته..
يا سبحان الله كنت دايم أقول من اللي تستاهل علي وكفو له..
وياسبحان الله الطيبون للطيبات.. مرته مهما أقول رقيقة وطيبة ما أوفي..
منصور يبتسم: فلت مني الهيس.. لو أنه ماخذ بنت فاضل وإلا كان خليته يأخذ جميلة..
عفراء باستنكار: لا حرام عليك.. أنا أصلا ما أرضاها لعلي.. حتى لو كنت أشوف إنه مافيه أحسن منه لبنتي!!
بس جميلة آجعته واجد يوم رفضته.. نروح نغصبه عليها..
حينها أجاب منصور بغموض خيرة من الله: جميلة كلها كم يوم وتخلص عدتها وربي يرسل لها اللي أحسن منه..
عفراء بضيق: ياربي يامنصور أنت ليش مصمم على ذا الموضوع.. قلت لك ما أبي بنتي تعرس..
حينها هتف منصور بغضب: إلا بتعرس وتعرس.. وإلا تبينها تقعد على أطلال اللي باعها برخيص..
تدرين إن الشيخ عرسه كان قبل كم يوم.. اقعدي ابكي عليه.. وخلي جميلة تبكي معش..
عفراء بصدمة: عرسه قبل كم يوم؟؟
ثم أردفت بعصبية: خلاص الله يوفقه.. رجال وتملك وما عقب الملكة إلا العرس
بس هذا ما يغير من أنه بنتي ما تبي العرس وتبي تكمل دراستها وبس..
منصور اعتدل جالسا وهو يهتف بحزم: وأنا أقول إنها بتعرس..
لأن الرجّال اللي ابيه لها وش يدريني يقعد ينتظر.. ماعاده بصغير في السن.... وأنا مستحيل أخليه يضيع من يد بنتي!!
****************************************
" أي واحد أحلى؟؟ هذا وإلا هذا؟؟ "
تميم يشير لسميرة بإبتسامة مرهقة: حرام عليش حبيبتي دوختني..
أنتي أساسا موب مسوية لعرس شعاع فستان ليه ما تلبسينه وخلاص..
سميرة بتأفف: يعني هذا كله عاجز تعبر لي عن رأيك..
ابتسم تميم: ماصار رأي.. صار قضية الشرق الأوسط..
ابتسمت سميرة وهي تعيد الفستانين لداخل الدولاب.. مازالت تعترف أنها حتى بعد تواصلها الحميم مع تميم مازالت تعاني أنها لابد أن تفرغ يديها الأثنتين حتى تستطيع أن تشير..
كأبسط موقف.. الذي حدث قبل قليل.. لا تستطيع أن تحمل الفساتين بيديها وتسأله أيهما أفضل.. بل لابد أن تعلقها أولا حتى تستطيع أن تتحاور معه..
ومغ ذلك هاهي تحاول جاهدة ألا تجعل ذلك عقبة بينهما..
لذلك وحتى تعاقب نفسها على مجرد التفكير بهكذا تفكير..
أخرجت كل فساتينها وهي تعرضها أمام تميم.. حتى تعتاد أنها لابد أن تفرغ يديها كلما تحاورت معه.. وأن تراه أمرا تلقائيا لا يدعو للضيق..
ولكن مع شخصية كثيرة الكلام كما هي ترى نفسها.. يبدو الأمر أصعب بكثير..!! وسيحتاج لكثير من الجهد منها!!
************************************
" يعني ما أشوفش استئذنتيني تروحين للعرس
لا تكونين ناوية تروحين بدون استئذان!!"
نجلاء تبتسم بإرهاق وهي تعدل المخدة وراء ظهرها: إلا أفكر ما أروح من أساسه.. تعبانة واجد حبيبي..
صالح بعتب: مايصير يا قلبي هذولا جماعتنا عدا إنه بيننا وبينهم نسب..
العروس أخت مرت عبدالله ورجّال عالية..
نجلاء بذات النبرة المرهقة: أدري حبيبي بس الليلة من كثر ما أنا تعبانة حاسة مالي خلق شيء..
يمكن بكرة نفسيتي أحسن.. تلاقيني متزكرته ومرتزة وأقول لك ودني..
صالح بقلق: يا بنت الحلال توش على التعب.. توش في السابع..
نجلاء بابتسامتها المرهقة: ثقيلة يا قلبي ذا الحمل.. مع إني أوله ما حسيت فيه..
ابتسم صالح: بنتي ما تجي بالساهل.. بنتي كايدة !!
نجلاء تضحك: وأنت ليش ملزم إنها بنت ...؟؟
صالح يضحك: أنا أدري إنه من النذالة اللي فيش ماتبين تسألين الدكتورة عشان تحرقين أعصابي... بس أنا حاسس إنها بنت..
ميت أبي بنت... حتى خوات ما كان عندي إلا عالية.. لا ولابسة ثوب ولد على طول وهي صغيرة..
خاطري أشوف شعور مربطة وفساتين وألوان وردية!! جفاف وتقشف عندنا في ذا العايلة.. عساكر وجباوة !! لاعت كبدي!
نجلاء بخبث: ولو جبت ولد..
صالح يهز كتفيه بمرح: عادي نعطيه عبدالله ونأخذ بنتهم اللي بيجيبونها..
نجلاء تضحك برقة: وأنت وشدراك إن عبدالله بيجي ليه بنت؟؟
صالح بإبتسامة: تحلمت إنه بيجيب بنت وكم مرة..
نجلاء تبتسم: زين فالح تحلم لعبدالله.. وماحلمت لروحك..
صالح يمد كفه ليمسح على بطنها بحنو ويهتف بإبتسامة:
من كثر شفقتي على بنتي ما قدرت أحلم فيها!!
***********************************
اليوم التالي
.
.
.
" وش فيش يأبيش قاعدة ذا الحزة؟؟"
شعاع التي كانت تجلس في الصالة وهي تجلس على الأريكة وتضم ساقيها لصدرها..
انتفضت بخفة وهو تلتفت لوالدها..
لا تعلم كيف قفزت العبرات لتزدحم في حنجرتها وهي تراه أمامها وماء الوضوء مازال يتقاطر من لحيته..
همست باختناق خجول: راقدة البارحة بدري وشبعت رقاد.. وتوني قمت وقلت بأنتظر آذان الفجر..
أنت اللي أشفيك نازل قبل الآذان حتى؟؟
أبو عبدالرحمن حينها همس بحزم مخلوط بالحنان وهو يجلس جوارها: أنا ماجاني رقاد.. البيت يأبيش عقبش بيغدي عقبش كن مافيه حد بسلامة هله..
حينها استدارت شعاع لتدفن وجهها في كفه وعبراتها المكتومة تسيل مع شهقاتها الخافتة..
أبو عبدالرحمن احتضنها بحنو وهو يهمس بذات النبرة الحانية الحازمة:
يا أبيش لا تهتمين من شيء.. رجالش رجّال فيه خير..
الله الله فيه.. تراه تعبان واجد!!
شعاع لم تستطع أن تجبه بشيء وهي تشدد احتضانها لخصره.. وشهقاتها الرقيقة تتزايد وتتزايد..
بينما صمت وهو يتنهد ويشدد احتضانه لها وهو يمسح على خصلات شعرها بحنو بالغ...
********************************************
" لا زايد أنا اللي بأقول للبنت.. ماراح أقول لأم عبدالرحمن تقول لها شيء!!"
زايد بحزمه المعتاد: بس أخاف الموضوع يكون محرج لش.. وأنا ما أبي أحرجش..
كفاية الحرج لا قلتي لأم عبدالرحمن أشلون لا قلتيه للبنت"
مزنة بمنطقية: صحيح السالفة محرجة شوي.. بس شعاع مثل بنتي..
والأحسن إني أقول لها بدون وسيط... لأن السالفة ذي كل ما قلوا اللي يعرفون بها كان أحسن..
يعني كفاية أنت وعلي وأنا وشعاع..
الموضوع فيه حرج كبير لعلي وأنا ما أبي عمته تشيل في خاطرها من أولها..
ابتسم زايد: الله يكملش بعقلش..
أنا أدري إن علي بيزعل لو درا أني وصلت الكلام للبنت..
بس أنا ما أبي البنت تتضايق يوم تشوفه كاش منها وإلا مايقرب ناحيتها!!
وهي خذته وهي عارفة أساسا إنه مريض!!
مزنة بمودة: لا تحاتي يا أبو كساب.. أنا بأوصيها ما تبين له شيء..
زايد يتناول كفها ويفتح باطنها ليقبلها قبلة واحدة دافئة شديدة العمق وهو يهمس بامتنان عميق مغلف بنبرته الواثقة:
ما أدري أشلون كنت باتصرف في الموضوع من غيرش..
مستحيل كان أقول لبنتي او عفرا مثل ذا الكلام..
وأنا واجد مهتم من موضوع علي وما أبي شيء يضايقه.. كفاية اللي فيه!!
*************************************
" وأخيرا شفت الشارع.. آخر مرة شفته قبل أسبوعين.. ليلة عرس إبي"
كساب يبتسم: اصطلب وصر رجّال.. وشوف الشارع على كيف كيفك..
ابتسم علي: يا ثقل طينتك يا ولد إبي.. تراني الليلة عريس.. يعني عاملني معاملة سبيشل.. ماعندك إلا كلامك اللي يسم..
الله يعين بنت ناصر عليك..
كساب يبتسم: أنا والله (مثل العومة ماكولة ومذمومة)... الله يعيني عليك أنت وبنت ناصر..
الحين أنا الصبح وصلتها هي ومزون للفندق.. والحين جاي أخذك أوديك لحلاق..
وعادك تبي تحاسبني على الحكي !!
علي مازال يبتسم ابتسامته الشفافة التي تغلف كثيرا من الأسى:
أنت كم جناح حجزت؟؟
كساب بثقة: أربعة.. واحد لك واحد للعروس وأهلها.. واحد للبنات يتعدلون فيه.. والرابع للعرسان.. عشان ماحد يفتح جناحكم لين الزفة..
علي تنهد: قلت لمزون إني ما أبي أنزل للكوشة اللي تحت..؟؟
كساب بعملية: قلت لها.. فهي تقول إنهم سووا لكم كوشة بسيطة في جناحكم عشان التصوير..
ثم أردف وهو يبتسم: مع أني أدعي ربي تسوي فيك مثل ما سوت مرتي فيني..
تقول مهيب طالعة لين أنت تجي وتطلعها!! عشان أتشمت فيك مثل ما تشمت فيني تيك الليلة..
حينها أجابه علي بإبتسامة مرهقة: مرتك ماشاء الله رأسها يابس.. مثلك..
لكن أنا واحد رايق.. ويقولون مرتي مثلي..
يعني كل واحد ربي يعطيه اللي مثله!!
وبعدين أنت وضعك كان غير..
أنا لو عليّ.. والله ودي ما أكسر بخاطرها في شيء..
بس لا نفسيتي ولا وضعي يساعدون..
*********************************
" مرت خالش سابقا وش فيها تزن في أذن شعاع؟؟"
جوزا بتلقائية: يمكن توصيها.. خالتي مزنة نعتبرها أمنا الثانية!!
ابتسمت عالية (بعيارة): أكيد لازم توصيها.. ولد رجّالها!!
ابتسمت جوزاء وهي تنظر لشكلها في المرآة.. فستانها الشيفون البحري المتسع قليلا من عند بطنها التي بدأت تبرز وهي تهمس بابتسامتها:
يا السكنية حرام عليش.. رجّالها يستاهل من يوصي عليه.. صبي تعبان..
عالية المتأنقة بخصوصية راقية في فستان فضي ضيق جديد اشترته للتو كانت تضحك: زين ليه ما وصيتيني على الدحمي؟؟
جوزاء تنظر لها من الأسفل للأعلى وهي تهمس بخبث باسم:
ما تحتاجين وصاة..
إلا إذا تبين أقول لش خفي شوي من اهتمامش فيه.. خنقتيه!!
عالية تكبر في وجهها بطريقة تمثيلية مرحة: الله أكبر عليش.. لا حول ولا قوة إلا بالله..
والله لو فيه وحدة بيوصونها تخف اهتمامها برجالها تكون أنتي!!
اللي لو صار قاعد معش في الجلسة ما تقدرين تشيلين عينش من عليه.. تخافين تفوتش منه نظرة ولا كلمة..
جوزا تقرصها في فخذها وهي تهمس بمرح: يمه منش يا اللي ما تستحين.. حشا مهيب عيون... مشغلة أبراج مراقبة!!
.
.
في زواية الجناح..
مزنة تنتهي من حديثها مع شعاع التي كانت قد أنهت مكياجها وفرد شعرها..
وتنتظر فقط أن تلبس فستانها حتى تعمل تسريحة شعرها..
وتحمد الله أنها تضع أطنانا من البودرة والإضاءة وإلا كان احمرار وجهها ظهر صارخا متفجرا..
بينما مزنة كانت تختم حديثها بنبرة أمومية حازمة:
يأمش أدري إنه الكلام ذا ما يليق أقوله لش.. بس أنتي مثل بنتي.. وعلي مثل ولدي..
وأنا مابغيت أدخل حد في السالفة.. وعلي ترا مافيه عيب يأمش نهائي..
بس...........
شعاع قاطعتها بخجل: بس يمه تكفين.. والله أني فهمت قصدش.. والموضوع بكبره ما يهمني ولا حتى فكرت فيه..
أنا أساسا أدري إن علي مريض وماني بمنتظرة منه شيء.. تكفين يمه لا تحرجيني أكثر..
ولا تحاتين.. علي في عيوني.. وأنا معه لين يتشافى من مرضه..
مزنة تقف لتقبل جبين شعاع وهي تهمس بحنان:
الله يعطيش على قد نيتش ويجمع بينكم في خير... خلني أروح أشوف البنات خلصوا وإلا لا..
.
.
.
" يمه ليش أحس أنش ما تهضمين خالتي مزنة؟؟"
عفراء باستغراب وهي تلف زايد جيدا لتحمله: أشلون ما أهضمها..
هذا أنا قبل شوي أسولف معها عادي..
جميلة بنبرة مقصودة مع نظرتها السابرة: يمه لو دسيتي على خلق الله ما تقدرين تدسين علي..
يعني عشانها خذت رجال أختش؟؟ ترا خالتي وسمية قربت على 18 سنة من يوم توفت..
عفراء تقف وهي تهمس بحزم: ما سمعت أسخف من ذا الكلام..
هاش اخذي أخيش خلني أروح أشوف مزون خلصت وإلا لا..
عفراء غادرت غرفة النوم حيث كان زايد الصغير نائما متوجهة لصالة الجناح..
تعلم في داخلها أن جميلة محقة..
فهي مازالت غير قادرة على تقبل مزنة...لا تستطيع أن تنسى أنها كانت سببا لتعاسة أختها وحتى لو بغير قصد منها..
وما يؤلمها وآلمها.. أن مزنة مازالت حتى الآن باهرة الجمال.. وجمالها من النوع الذي يدير رؤوس أعتى الرجال..
فماذا بقي لأختها في ذاكرة زايد ومثل هذه بين يديه؟؟!
.
.
.
" يمه أنا وسميرة خلصنا ونبي نروح لشعاع.."
ابتسمت مزنة وهي تجيب وضحى: يمه منكم.. توكم كنتو عندها قبل تجيكم الكوافيرة.. ومابغيتوا تجون لين حرقتكم بالتلفونات..
روحوا الله يسهل عليكم.. واقعدوا عندها بعد لين تنزل.. ريحوني من حنتكم..
سميرة تضحك: يمه هذي ريحة عرس.. الواحد يلاقي ريحة عرس كل يوم..؟؟
كاسرة كانت من أجابت هذه المرة بإبتسامة: على شفاحتكم على العرس
تقولون مابعد عرستوا... وحدة عرست والثانية في الطريق..
وضحى وسميرة ارتدتا عبايتيهما وغادرتا... بينما كانت مزنة تلتفت لكاسرة وتهمس بحزم: يا الله يأمش تجهزي عشان ننزل.. لازم نكون في الاستقبال من بدري..
كاسرة باستعجال: خمس دقايق وأكون جاهزة!!
ثم أردفت مزنة كمن تذكرت لها شيئا: كاسرة يأمش فيزتش خلصت وإلا؟؟
كاسرة بتلقائية: خلصت بس ماراح نروح مع علي.. وكساب يقول إن سفر علي أساسا تأجل يومين
لأنه عمي زايد هو اللي بيروح مع علي!! ما رضى يخليه بروحه!!
حينها تصاعد ضيق عميق عميق في روح مزنة..
أ يقرر أن يسافر دون أن يعطيها خبرا حتى..؟؟
بالتأكيد لا مشكلة لديها مطلقا أن يسافر مع ابنه.. ولكن المشكلة أنها تعلم خبرا مثل هذا من سواه..
وهي كانت قد رأته للتو هذا الصباح حين عاد من المستشفى وطلب منها إخبار شعاع بوضع علي الصحي!!
أ لم يجد حينها الوقت أيضا ليخبرها أنه سيسافر مع ابنه؟!!!!
أو بمعنى أصح لم يجد دقيقة واحدة ليخبرها؟؟
ماذا يقصد بذلك؟؟
أنها غير ذات أهمية في حياته لدرجة أن يتجاهل إخبارها بهذا الموضوع الشديد الأهمية؟؟؟
***********************************
" يبه تبي تكسر عليّ؟؟
قاعد جنبي ولابس بشت أسود تقول أنت العريس..
عرسك قبل أسبوعين ما لبست بشت جاي تلبس الحين!!"
زايد يبتسم برزانة محترفة وهو ينظر لعلي بمودة غامرة: من جدك؟؟
أنا ملكة بس وفي مجلسي.. وأنت جاي لك أمة لا إله إلا الله.. تبيني أقعد قدامهم بدون بشت..؟؟
ثم أردف باهتمام: ترا يأبيك سفرنا عقب يومين إن شاء الله.. أنا غيرت في الجدول شوي.. عشان الدكتور اللي حن رايحين له تغيرت مواعيده..
علي حينها أجاب بنبرة أقرب لعدم اهتمام: مهوب مشكلة.. بكيفك..
ولماذا يهتم؟؟ أو حتى يشعر أو يحس؟؟
يشعر كما لو كان أشبه بأحد ممثلي الكومبارس الذين يمثلون أنهم أفراد من جيش ما في مسلسل تاريخي..
لا يمكن أن ينتبه لهم أحد ولا أهمية لهم سوى تكثير أفراد الجيش..
كل شيء يتم تقريره في حياته دون أن يعودوا له.. زواجه.. حياته.. وحتى علاقته بزوجته!!
فما الذي سيهتم له بعد؟؟
لم يكن هكذا مطلقا من قبل.. بل كان رغم هدوءه وسماحة أخلاقه حين يقرر قرارا لا يتراجع عنه..
مثلما قرر أن يسافر ليعمل في مكاتب التمثيل الخارجي ولم يستطع أحد ردعه..
لــكــــــن...
من بعدها هي... أحواله كلها تغيرت..
دخلت في حياته لمجرد دقائق حتى تقبلها رأسا على عقب!!
في أحيان كثيرة بات يظن أن ما رآه مجرد شبح أو طيف أرسله الله له ليعاقبه على ذنب لا يعلم ماهو !!
ولكنه في ذات اللحظة رغما عنه تستعيد ذاكرته المثقلة بالشجن واليأس..
ملمس ليونة جسدها ورقة عظامها وعبق رائحتها.. ليعلم أنه لا يمكن أن توجد حقيقة أقوى منها!!
تبدو كما لو كانت الحقيقة الوحيدة في حياته التي باتت ضبابية من بعدها!!
يزفر بحرارة تنهيدة بضخامة المجرة... حتى في هذه الليلة التي يجب أن يكون تفكيره محصور في امرأة واحدة هي زوجته..
لا يستطيع أن يفكر في شيء سواها.. حبيبته المجهولة!!
هي.. الحلم.. الذي يبدو أنه سيموت وهو يلهث وراءه!!
يستغفر ويكثر من الاستغفار.. لتدمي روحه أكثر..وأكثر!!
لأنه كلما استغفر كلما تزايد تفكيره بها..
"يبدو أنها فعلا عقوبة من الله عز وجل لي!!
فمتى ترحمني يارب؟؟ متى؟؟
تعبت يا الله!! تعبت!! "
.
.
.
زاوية أخرى من حفل الزواج الضخم..
" أبو زايد اقعد شوي الله يهداك
استقبال واستقبلت.. وترحيب ورحبت.. والمعازيم كل واحد قاعد في مكانه وانتفخ من كثر ما تقهوى وكل حلى..
اقعد خلاص.."
كساب يتنهد وهو هو يجلس جوار غانم: هي ليلة وحدة.. يعني أخي بيتزوج كل يوم..
غانم يبتسم وهو يهمس بمرح: والحين ليلة عرسي كنك بتسوي لي كذا
كبرت المخدة ورقدت لين أجي في الزفة بس..
كساب يبتسم: أنا ليلة عرسي.. علي سوى لي أكثر من كذا..
وأنت ماشفت وجهك إلا مع المعازيم يوم جاو..
غانم يضحك: والله تيك الليلة ماكنت نسيبي.. لو أنك كنت نسيبي كان لقيتني في العرس من فجر..
كساب يضحك: يا الكذوب.. هذا علي نسيبك وماشفنا وجهك إلا مع المعازيم بعد..
غانم مازال يضحك: والله العظيم توني جاي من رحلة يا الله لحقت أبدل..
كساب بابتسامة: مهوب شغلنا كان اعتذرت عن الرحلة..
مهوب تاخذ أختنا وتبينا نرتب عرسك بعد..
احنا أساسا بنجي نخربه عشانك خذت شمعة بيتنا...
ابتسم غانم ابتسامة مقصودة: هذا أنتو منتو بمقصرين علي بالنكد
حتى موعد عرس.. منتو براضين تبلون ريقي بموعد..
كساب ينظر له نظرة مقصودة باسمة: شين الطفاقة ياناس.. اركد يا ولد الناس قدام نغير رأينا.. أختنا وكيفنا!!
غانم يضحك: مايسوى علي أختك.. ذليت أبو طوايفنا!!
.
.
.
زاوية ثالثة من الحفل..
" ماشاء الله.. ماهقيت بأشوف علي كذا..
صار لي مدة مازرته .. بس حالته تحسنت واجد عن أول..
تقريبا راجع لحالته الطبيعية"
منصور بفخامة: الحمدلله على كل حال..
فهد يبتسم: والله شوفته بالبشت شهوتني على العرس..
منصور يرد بابتسامة مشابهة: أنت كل عرس نحضره تقول شوفت المعرس بالبشت تشهويك على العرس ولا حصل ذا العرس..
فهد يضحك: وش أسوي.. بأنتظر عشرين سنة لين تكبر بنتك اللي أنت وعدتني فيها..
حينها همس منصور بنبرة حازمة مقصودة: وليش تنتظر 20 سنة وأنا عندي بنت عمرها 20 وجاهزة..؟؟
فهد بمرح: ماشاء الله على بنتك نازلة من بطن أمها عمرها 20...
يالله حاضرين متى الملكة؟؟
أجابه منصور بجدية : عقب أسبوعين تعال اخطب مثل الناس.. وعقبها انشد متى الملكة..
فهد مستغرب نوعا ما.. حتى وإن كان حضرة العقيد من النوع الحاضر البديهة المرح بتوازن.. ولكنه مطلقا لا يبالغ في المزح كما يفعل هذه الليلة..
لذا خشي لاحترامه الشديد له أن يتمادى معه في المزح.. فصمت!!
لكن (حضرة العقيد) لم يصمت وهو يردف بنبرة شديدة الحزم:
فهد أنا ما أرخص بنتي يوم أعرضها عليك.. ولو أنه حد غيرك ماعرضتها عليه..
بس أنت عارف غلاك عندي.. أنا اعتبرك مثل ولدي.. عشان كذا أبيك لبنتي..
فهد بدأ يتشوش لأبعد حد.. ولا يعلم حتى عن ماذا يتكلم.. عن أي بنت يتحدث وهو ليس لديه سوى ولد عمره أشهر قليلة؟؟
ولكنه فهم مايقصده العقيد لتتبعثر مشاعره من الصدمة تماما ومنصور يكمل بذات النبرة الحازمة:
أدري مايصير نتكلم في موضوعها الحين لين تخلص عدتها.. وعدتها بتخلص عقب أسبوع..
بس الكلام جر بعضه.. وإلا أنا ماكنت ناوي أتكلم معك الحين..
فهد بهت تماما من الصدمة.. بهت.. تبعثر تماما..
" أ يقصد بكل هذا الحديث ابنة زوجته المطلقة؟؟
أ هي من يقصدها بابنته؟؟
متى أصبحت ابنته وهو للتو تزوج من أمها من سنة واحدة؟؟ "
" لذا الدرجة أرخصتني يا حضرت العقيد وأنت اللي أغلى علي من خلق الله..
تبي تزوجني مطلقة؟؟ ولا هيب من قبيلتنا حتى؟؟
لذا الدرجة هنت عليك عشان بنت مرتك؟؟ "
فهد أغلق عينيه وفتحها وكأنه يحاول نفض الصدمة التي لا تنتفض..
" مطلقة؟؟ كانت لرجال قبلي؟؟ "
فهد ارتعش بعنف ارتعاشة لم تتعد داخله إلى ملامحه المتحكمة الخارجية..
قد يكون لم يفكر بالزواج كفكرة قريبة الوقوع..
ولكنه كأي شاب كان في خياله مواصفات معينة.. ولم تكن امرأة كانت لرجل قبله من ضمن خياراته أبدا..
لماذا يتزوج من فتاة ليس هو الأول في حياتها وهو من لم يسبق له حتى مجرد الاحتكاك بامرأة؟؟
لم يهاتف فتيات.. ولم يرفع جتى طرف عينه إلى امرأة..
فكيف تكون نصيبه امرأة على جسدها آثار رجل آخر.. وعلى نحرها آثار أنامله.. وعلى شفتيها رائحة أنفاسه..؟؟
يشعر أنه سيتقيأ فعلا..
كما لو كان أحدهم يجبره على استعمال شيء مستعمل..
كما لو أن أحدهم يطلب منه مثلا أن يغسل أسنانه بفرشاة استعملت قبله عشرات المرات.. ومع ذلك ليس حقه الرفض.. بل لابد أن يقبلها..
رغم بشاعة المثال... ولكن هذا ماشعر به فهد هذه اللحظة!!
شعور بالقرف يتزايد في روحه إلى درجة الاختناق!!
يعلم أن مثل هذا التفكير لا يجوز.. ومثل هذه المقارنة لا تجوز.. ولكن هذا هو تفكيره.. وهو هكذا!! هكذا خلقه الله!!
هو يرى نفسه كصقر حر لا يقبل بالفضلات.. وتأبى نفسه أن يلمس شيء لمسه سواه..
وحتى بعيدا عن كونها مطلقة.. وعن كونها ختاما من قبيلة مختلفة تماما..
هي.. كيف هي؟؟
فهو رجل على حدود الثلاثين بشخصية حادة جدا..
وأكثر ما يكرهه في العالم هي الأنثى المدللة .. لا يستطيع ابتلاعها حتى..
بينما هي من أطراف الحديث الذي كان يصله من منصور بدون قصد يعرف أنها مدللة جدا..
بل إنه في أحد المرات وهو مع منصور في سيارته اتصلت بعمها ففتح منصور الميكرفون دون قصد.. فوصله صوتها:
" عمي حبيبي وينك؟؟ تأخرت علي.. صار لي ساعة لابسة وأنتظرك!!"
منصور أغلق الميكرفون بغضب وهو ينزل من السيارة كاملة.. ولكن صوتها وصله بوضوح وأثار قرفه..
صوت بالغ النعومة إلى درجة تثير الغثيان.. وطريقتها في الحديث مدللة إلى درجة تثير الصداع..
فكيف يبتلي بمثل هذه في بيته؟؟
ومن ناحية ثالثة أو ربما رابعة.. يتخيل شكل من تضطر حضرة العقيد أن يتنازل عن كبرياءه وبرجه العالي ليخطب لها..
لابد لأنه يعلم أنها يستحيل أن تجد عريسا لبشاعتها.. لذا قرر أن يصتاده لها..
هذه التي فر زوجها منها وهما مازالا في المطار..
لابد أنه كان لزوجها المبرر القوي ليفعل ذلك في ابنة عمه!!
"مطلقة وشينة ودلوعة !!
والله العظيم ثلاث ضربات في الرأس مهيب توجع
إلا تذبح !!"
كانت هذه أفكار فهد التي غرق فيها الثوان التي تلت عرض منصور عليه قبل أن يقطع منصور عليه أفكاره بحزمه: فهد وشفيك سكتت؟؟
فهد نظر لمنصور بمودة غامرة واحترام جزيل..
رغم كل شيء هذا حضرة العقيد.. لو طلب منه أن يلقي نفسه في النار سيفعلها دون تردد..
فكيف والمطلوب أهون من ذلك.. زواج !!!... من أجله مستعد أن يتزوج الغولة حتى!!
لذا هتف بحزم بالغ: وليش ننتظر أسبوعين... عقب أسبوع تخلص عدتها ونكون عندك نخطب ثاني يوم..
*************************************
" يمه الله يهداش.. بسش دموع.. شعاع بروحها متوترة.. تكفين لا تشوف دموعش تحوس الدنيا"
أم عبدالرحمن بتأثر: هذا أنا قاعدة برا عشان ماتشوفني..
جوزاء بتأثر رقيق: بس هي كل شوي تسأل عنش.. وتقول أمي وينها.. تكفين يمه تعالي بس عقب ما تمسحين دموعش..
أم عبدالرحمن تنهدت بحرارة: زين يأمش خلني أروح الحمام أغسل وجهي وأجيش..
.
.
زاوية أخرى من حفل النساء..
" تدرين ماهقيت الأحمر بيطلع عليش يجنن كذا"
مزون تبتسم: ولا أنا..
ماتعودت صراحة على الألوان الجريئة كذا..
جميلة برقة: ياحلوه الأحمر.. ولو أنه ما يناسبني.. بس عليش خيال ورب العالمين..
مزون بمرح: يعني أروح أتمصلح عند أم غانم..؟؟؟
جميلة بمرح مشابه: تمصلحي والئلب داعي لك والعتبة خضراء
وكلها على قولت هريدي خال سميرة..
مزون بتردد: جد شايفته حلو علي؟؟
جميلة بابتسامة: ياملغش بس!! يجنن وربي يا البايخة!!
.
.
.
.
في غرفة العروس الملحقة بالقاعة
.
.
" يالبي قلبها طالعة تجنن.. تجنن !!"
سميرة بتأفف باسم تجيب وضحى التي كانت تنظر لشعاع بتأثر بالغ والدموع تترقرق في عينيها:
هذا كله معجبة ببنت عمتش..
لوعتي كبدي هذي المرة العشر طعش عقب الألف اللي تقولينها..
يأختي خلي للعريس شيء يقوله.. خلصتي الغزل كله عليه!!
وإلا تدرين خلصي الكلام على العريس لأنه المسكين يقولون مريض..
يشوف شعيع الليلة.. بيطب ساكت..
وضحى باستنكار: يمه منش.. فاولي على المسكين..
سميرة تضحك: أنا الحين اللي أفاول عليه.. شعيع دارية المسكين تعبان وقلبه مايستحمل وشو له تكشخ كذا..
ما ألومه يطب ساكت!!
على قولت خالي هريدي: دا يبئى موت وخراب ديار..
وضحى بغضب مرح: لو أن الله يفكنا منش أنتي وأمثال خالش كان حن بخير!!
.
.
" شعاع ياقلبي.. ترا ابي كلمني.. يقول اطلعي فوق
العريس واصل بعد شوي"
حينها أمسكت شعاع يد جوزا بقوة وبدأ ذقنها يرتعش: أمي وينها؟؟ أمي وينها؟؟
" هذا أنا يأمش هنا.." جاءها صوتها الحاني ولمسة يدها الأحن .. شعاع حينها أمسكت ذراع والدتها بقوة وكل مافيها يرتعش..
أم عبدالرحمن ربتت عليها بحنو وهي تسمي عليها وتدعو لها وتقرأ عليها آيات من القرآن الكريم..
ثم التفتت وهي تهمس بحزم أمومي حتى تمنع نفسها من البكاء: جوزا هاتي عباة أختش..
وأنتي ياوضحى روحي ادعي أمش تطلع معنا فوق..
**********************************
دقائق مرت منذ غادرهما الجميع وأغلقوا باب الجناح خلفهم..
وكلاهما معتصم بمكانه دون أن ينظر للآخر مطلقا..
حين دخل للجناح تلقته خالته وأخته وعمته مزنة وأجلسوه بجوار العروس..
التي كانت وصلت قبله بدقائق ورتبوا شكلها وجلست..
ولم يبق معها سوى والدتها التي كانت توصيه بابنتها بصوت بالغ الاختناق..
لم يستطع حتى أن يتكلم.. شعر أنه يختنق فعلا.. لذا هز رأسه بهزة حاول جعلها واثقة..
كانوا يباركون له وهو يشعر أنه في عالم آخر.. آخر!!
أبعد مايكون عنهم... وعن أجواءهم..
لم يرد على أحد..
خشي أن ينفجر..
أن يقول لهم لماذا تباركون لي؟؟ المفترض أن تعزوني لأن روحي تموت.. تموت..!!
كان كلاهما يجلسان على المقعد الطويل.. يشعر بأطراف ثوبها الأبيض المتسع بعفوية تلامس بشته الأسود..
ومع ذلك يشعر أن بينهما مسافة ككل محيطات الأرض!!
لم يستطع حتى أن ينظر ناحيتها..
كان كل ما اقتحمه منها هو رائحة عطرها وبخورها الفاخر تزكم أنفه من هذا القرب!!
أما كل مالمحه منها فهو عضدها النحيل المطرز بنقوش الحناء..
شعر حينها بألم غير مفهوم يغوص في حناياه..
كل شيء يعود ليذكره بها رغما عنه!!
فهي أيضا كان عضدها نحيل.. وعظامها غاية في الرقة..
حينها عاوده الشعور بالذنب يعتصر روحه..
يعتصره من الناحيتين.. هاهي حلاله جواره... وهو يفكر في حلال سواه..
"يا الله ما كل هذا الألم!! ماكل هذا الألم!!
يارب ماعاد في القلب مكان!!
ماعاد في القلب مكان.. ارحمني
ارحمني!!"
هي مازالت تعتصم بمكانها ترتعش بخجل شديد.. لم تستطع مطلقا أن ترفع عينيها له..
وهي تمسك بمسكتها وتفرغ توترها فيها.. وهي تشدد قبضتها حولها
وحين جلس جوارها كادت تقفز من مكانها خجلا وهي تشعر بحفيف بشته يلامس عضدها العاري..
وتشعر أنها ستنتختنق فعلا.. وعاجزة عن سحب الأكسجين !!
ففستانها كان برقبة عالية (هاي نك) على الطريقة الفيكتورية يزين منتصفه (بروش) دائري من الألماس..
وأسلاك الكورساج الحديدية تشعر بها تطبق على أضلاعها و أنفاسها أكثر وأكثر..
ورغم بساطة الفستان ونعومته ورقيه إلا أنها شعرت أن كل مافيه يطبق على أنفاسها ويخنقها..
ومازادها اختناقا.. تجاهل هذا الجالس جوارها لها..
لا تعلم لِـمَ قفز لذاكرتها برعب ليلة جوزاء الأولى مع عبدالله...
أ يعقل أن يكتب عليها ذات المصير الذي قلب حياة أختها؟؟
كانت الدقائق تمر وتمر وتمر وهو يتجاهلها.. دون أن يتحرك من مكانه أو يوجه لها كلمة واحدة..
بينما هو لم يكن مطلقا يقصد تجاهلها ولكنه لم يشعر بمرور الوقت وهو غارق في أفكاره.. ويخشى أن يقول لها شيئا فيضايقها!!
مشاعره الرقيقة ممزقة بين عمق مشاعره في تلك الآخرى..
وخوفه من إيذاء من تجلس جواره!!
شعاع حين يأست أنه قد يبادر بشيء.. قررت أن تنهض فهي ماعادت قادرة على احتمال الفستان..
شعرت بضيق عميق أنه دفعها لتجاهل خجلها الطبيعي..
بينما هو حين رأى خيالها يعبر أمامه ... كان بوده أن يقول لها أي شيء حتى لو كانت مجاملة باردة لا تقدم ولا تؤخر..
فهي مهما يكن صبية ليلة زفافها.. ولا تستحق التجاهل..
لكنه حين رآها تتجه للحمام.. قرر أن يتركها حتى تنتهي من الحمام قبل أن يحاول محادثتها..
شعاع دخلت الحمام.. استندت للمغسلة بكفيها وهي تشد لها نفسا عميقا..
وتهمس لنفسها بتجلد عذب:
ماني باكية.. ماني باكية.. لازم أقدر إنه تعبان ونفسيته تعبانة..
وأكيد الموضوع اللي قالته لي خالتي مزنة متعب نفسيته أكثر..
لازم أراعي ذا الشيء..
شعاع لا تعلم إن كان رأى زينتها حتى.. لكنها تتوقع أنه رآها حين دخل..
كان بودها أن تجلس معه بزينتها قليلا.. فلمن تزينت هذه الليلة؟؟
لكنها خشيت أن يسيء فهمها وخصوصا مع تجاهله لها..
لذا خلعت ثوبها رغم صعوبة الأمر..
ثم مسحت زينتها بعناية بالغة.. ثم فككت تسريحتها اللولبية لتتناثر اللفات بنعومة على كتفيها..
كانت تريد أن تستحم ولكنها رأت أنها بذلك ستستغرق وقتا طويلا.. ولا يليق أن تتركه كل ذلك..
ارتدت فستانا أبيضا ناعما خفيفا من الشيفون يصل طوله لمنتصف ساقها كانت طلبت من جوزا أن تعلقه لها في الحمام..
ولكنها حين رأت كشفه ساقيها تمنت لو أنها اختارت فستانا طويلا..
ولكن لم يكن هناك سواه هو وقميص نومها الذي لم تكن تريد أن ترتديه أبدا..
لذا لبست صندلها الشفاف الذي يكشف عن نقوش الحناء التي كانت تصل
لأسفل ركبتيها ..
ثم وضعت ماسكرا وأحمر شفاه مشمشي اللون واكتفت بهما.. وقررت الخروج..
وقفت لوقت طويل أمام باب الحمام الذي كانت فتحته أساسا.. ولكنها لم تستطع الخروج عبره لشدة إحساسها بالخجل..
حتى سمعت الهمس الرجولي العميق الهادئ والقريب: شعاع تعالي لا تستحين..
بدا لها الصوت مألوفا لحد ما.. لكنها لم تستطع التعرف عليه..
ولكنها تعترف في ذاتها أنها شعرت برعشة حادة دافئة وهي تسمع اسمها بنبرته الرجولية العميقة!!
خرجت وهي تكاد تتعثر في خطواتها..
هو كان قد خلع بشته وغترته ويجلس بثوبه فقط في الجلسة القريبة من الحمام..
عاود الهمس لها بذات نبرته الهادئة العميقة: تعالي اقعدي.. قلت لش لا تستحين!!
صرت جبينها قليلا "الصوت غير غريب.. كأني قد سمعته قبلا.. لكن لا أعلم أين!!"
تقدمت باستيحاء وجلست مقابلا له على الأريكة...
هو لم يكن يشعر بأي رغبة لا في محادثتها ولا في النظر إليها ولكن إحساسه بالذنب من ناحيتها كان يجبره على ذلك..
حينها رفع عينيه لها بينما كانت هي تخفض رأسها بشدة.. فلم يرى إلا خصل شعرها الملتوية بعذوبة تتناثر للأمام..
لا يعلم حينها لِـمَ شعر برعشة حادة صارخة تجتاح روحه حتى أقصاها حين نظر لها..
شيء غير مفهوم يحصل له.. !!
شيء لا يعقل يحصل له!!
لماذا ترتعش يداه هكذا؟؟
وريقه لماذا جف هكذا؟؟
وأنفاسه لماذا تتثاقل هكذا؟؟
ودقات قلبه لماذا تتزايد بعنف هكذا؟؟
إحساس شعر به مرة واحدة فقط.. واحدة فقط في حياته كلها!!
المرة الثانية التي تبع فيها حبيبته المجهولة في ممر المستشفى!!
فلماذا يعود له الآن؟؟ لماذا؟؟
حينها همس باختناق لا يعلم له سببا: ترا العشا جا من أول مادخلتي الحمام.. تعشين؟؟
همست باختناق خجلها الرقيق دون أن ترفع رأسها: شكرا.. ما أبي..
كلمتان..
كـــــلــمتــــان
كــلـــمـــتــــــان فقط!!
أحرف معدودة من بين شفتيها..!!
بل لو همست بحرف لعرفها.. بينما هي سمعت كل هذه الجمل ولم تعرفه..
فكيف تعرفه وهي نحرته ومضت..؟؟
كيف تعرفه وهي ارتكبت جريمتها فيه ثم ارتحلت؟؟
كان يكفيه حرف واحد من صوتها الذي سكن روحه ليعرفها..
كان يكفيه همسة واحدة من همساتها التي رافقت أحلامه ويقظته طيلة الوقت الماضي ليعرفها..
كيف كانت جواره طوال الساعة الماضية ولم يعرفها..؟؟
كيف لم يتعرف على رائحتها حتى لو غطتها أطنان البخور والعطور؟؟
كيف كانت جواره ولم يروي ضمأ روحه لروحها منذ الدقيقة الأولى؟؟
كيف سمح أن يضيع دقيقة واحدة من بين يديه؟؟
لم يسأل لحظتها كيف ولماذا؟؟
فالحقيقة بدت واضحة كوضوح الشمس.. وهكذا كان يجب أن تكون منذ البداية..!!
هي له منذ البداية ولم تكن أبدا لسواه..
وكان يستحيل أن تكون لسواه!!
هكذا العدالة تقول.. وهكذا الحق يقول..
يستحيل أن يحبها كل هذا الحب.. ويعشقها كل هذا العشق.. وترتبط روحه بها إلى درجة التمازج ثم تذهب لغيره..
فهو لم يعشقها هكذا إلا لأن روحه نادت نصفه الثاني في حناياها!!
كانت له.. له وحده.. منذ البداية.. لــــــه!!
لـــــــــــه هو فقط!!
هي أنهت همستها القصيرة وصمتت لتتفاجأ بعد ثانية واحدة بيديه الأثنتين تنتزعانها من مكانها ليوقفها..
شهقت برعب لأنها لم تعرف لماذا تصرف هكذا.. وهي ترفع عينيها له..
وبقدر الرعب الصارخ الذي ارتسم على ملامحها وهي تتعرف على الواقف أمامها..
على الضد كانت ترتسم على محياه أضعاف مضاعفة من مشاعر الشجن والوجع واليأس والألم والولع والعشق اللامحدود..
وعيناه تلتهمان بعطش قرون وقرون تفاصيلها تفصيلا تفصيلا..
تلتهم بشوق سرمدي لا نهائي كل انحناءات وجهها التي حُفرت في روحه وعلى مجاري دمه..
هي ..بدأت ترتعش بعنف.. حين رأته ينقل كفيه من عضديها إلى وجهها ويتحسسه بأصابع يديه الأثنتين..
كانت روحه تبكي وتنزف طوفانا تلو طوفان.. وهو يتحسس مخمل وجهها بأنامله المرتعشة..
يريد أن يتأكد أنها أمامه فعلا.. أمامه فعلا!!
"يا الله.. ما أكبر رحمتك.. ما أكبر رحمتك!!
أنا كنت على أبوب قبري خلاص"
كان ارتعاشها يتزايد وعيناها الجزعتان تمتلئان بالدموع..
أ يكون هذا هو نصيبها؟؟ ومع هذا الرجل بالذات؟؟
بينما هو كان مشغوف بالنظر لها وكأنه لن يشبع مطلقا من النظر..
وهو ينقل يديه من وجهها ليدفنهما في طيات شعرها ..
وهو يقترب منها برفق.. ليدفن رأسه بين خصلاتها ويتنفس..
يتنفس بعمق موجوع.. وكأنه يتنفس كل أكسجين الحياة بعد اختناق..
يتنفس بعد التصقت رئتاه من الجفاف واليأس..
يتنفس بعد أن جف الهواء في مسارب جسده وروحه!!
" يالله.. أشعر أني سأموت الآن..
أحقا هاهي بين يدي؟؟"
حينها شدها بحنو ليحتضنها بكل قوته.. وهو يدفنها بين أضلاعه.. بين حناياه..
بين خلايا جسده الذي جف شوقا لها.. وآن له يزهر ويرتوي برؤيتها وقربها!!
" هي.. هي..
ملمسها.. وعظامها.. وعبق روحها..
هي.. هي!!"
شعاع بدأت تشهق بخفة وهي تحاول إبعاد نفسها عنه دون جدوى..
لم تعد المشكلة لديها أنه شاب عابث أو يطارد الفتيات..
ولكن المشكلة أصبحت أنه اقتحم خجلها دون تمهيد.. وأنه كسر حياؤها الرقيق دون اهتمام!!
أما حين أفلتها ليمسك بوجهها بين كفيه ليقبلها بكل شغف العالم وولعه..
شعرت أنها ستنهار فعلا من شدة الصدمة والخجل..
بينما هو كان يحلق في عالم آخر..آخر..
يشعر أنه يعود ليتنفس الحياة عبر أنفاسها الداخلة إلى صدره..
رائحة أنفاسها التي تربعت في روحه ولم تغادر أبدا.. وهي تستنزف الحياة منه رويدا رويدا..
هاهي تعيد له الحياة الذاهبة مرة أخرى!!
شدت نفسها بقوة من بين ذراعيه لتسقط للخلف على الأريكة..
وهي تتراجع لأقصى الخلف وترفع قدميها للأعلى وهي تضمهما لصدرها وتنتحب..
حينها زالت الغيبوبة اللذيذة التي كان غارقا فيها إلى مافوق أذنيه..
انتبه إلى أنه صدمها بتصرفه غير المعقول بالنسبة لها..
فالصورة التي ظهرت لها أنه هجم عليها دون مقدمات..
شعر أنه عاد للتعبثر وهو يسمع نحيبها الذي عاد لتمزيق روحه من جديد..
" لا يمكن أن أسمح للدموع أن تجدا طريقا لعينيها!!"
علي جلس جوارها وهو يضع كفيه على كتفيها المنحنيين على ركبتيها ويهمس بوجع عميق مغلف بسعادته الأعمق:
شعاع حبيبتي.. لا تلوميني.. والله العظيم ماحسيت بنفسي..
أنا ماكنت في وعيي.. أنا ماصدقت أشوفش..
أنا من عقب سالفة الأصنصير وأنا لا ليلي ليل ولا نهاري..
أنا كل المرض اللي جاني من سبة فرقاش.. مادريت إنش أساسا مرتي وحلالي..
ياقلبي أنا كنت مثل واحد ميت عطش وعقبه لقى الماي قدامه...
تكفين لا تبكين!!
شعاع هزت كتفيها لتبعد كفيه عنها.. وهي ترفع رأسها وتبتعد أكثر لطرف الأريكة..
بينما علي اقترب أكثر منها وهو يتناول كفيها ويدفن وجهه بينهما
وهو يغمرهما بقبلات ملهوفة وموجوعة ومشتاقة ويهمس بمقدار وجع قبلاته وشوقها:
حبيبتي تكفين لا تبكين.. واللي يرحم والديش لا تحرقين قلبي..
سوي فيني اللي تبينه.. أنا ما أبي إلا شوفتش قدامي..
بس تكفين لا تبكين.. لا تبكين..
شعاع تراجعت أكثر وهي تشد كفيها منه وملامح الرعب تتزايد على وجهها..
لم تعد المشكلة لديها أنه عابث أو يطارد الفتيات!!
ولم تعد المشكلة في اقتحامه الجريء لخجلها الرقيق..
بل المشكلة باتت أخطر... أخــطــر من ذلك بكثير..!!!
والفكرة تقفز لبالها بكل وضوح ومنطقية... ورعب !!!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم HaboOoshy
مازالت تنظر له برعب متزايد..
بينما هو ينهمر بالكلمات بيأس.. ماعاد حتى قادرا على الصمت..
ولماذا يصمت وكيف يصمت؟؟
تعب من الصمت.. تعب من الكتمان..!!
تعب من الحرمان!!
يعلم أنه تهور في تصرفها معها.. ولكن أ يمكن أن يُلام على ذلك؟؟
فالذي حدث له لا يمكن تخيله ولا تصوره...
كما لو أنك سافرت لبلد بعيد.. وبقيت تعمل في هذا البلد لـ 40 عاما متواصلة بلا راحة..
وتواصل الليل بالنهار.. وحرمت نفسك من كل متع الحياة وأنت تعاني بصمت لا تشتكي حتى عما تعانيه.. لتجمع لك مالا يريحك حين تعود لبلدك..
ثم في رحلة العودة.. فقدت حقيبة المال وسط شارع مزدحم..
فكيف سيكون حالك وأنت تبحث وتبحث وتبحث وتمر الأشهر ولا تجد مالك..؟؟
ثم تعود لبلدك البعيد مقهورا منحورا يائسا.. أشبه بجسد ميت أنهكه العمل دون فائدة!!
ثم تفتح باب غرفتك......
لتجد حقيبة المال تتربع على سريرك..
كيف ستكون ردة فعلك؟؟ كيف؟؟
فرحة هذا الرجل بماله.. لن تكون قطرة واحدة في محيطات فرحة علي برؤية شعاع أمامه..
أ تلومه حينها على تعبيره عن فرحته؟؟!!
فهو كان مخنوقا على آخر رمق يزفر أنفاسه الأخيرة.. فأرسلوا له الهواء!!
كان عطشانا تشققت روحه من العطش.. فأرسلوا له أعذب ماء في الكون!!
كان محموما تجاوزت حرارته الأربعين.. ووضعوه في درجة حرارة تجاوزت الخمسين..
وحين تحمص من الحرارة.. سكبوا عليه ثلجا رقيقا باردا !!
فكيف ستكون ردة فعله؟؟ كيف؟؟
يعلم أنه فاجاءها وصدمها.. ولكن هل كان بيده شيء آخر!!
مازال حتى الآن لم يروي حتى واحدا من مليارات شوقه لها وهي مرعوبة منه هكذا..
فكيف لو سكب لها ما تبقى!!
اقترب منها أكثر وهو يلتصق بركبتيها المطويتين ويهمس بكل وجعه ويأسه وولعه:
سامحيني يا قلبي.. والله العظيم غصبا عني.. ماقصدت أخوفش كذا..
بس أنا كنت ميت بكل معنى الكلمة..
فاهمة أشلون ميت؟؟ ميت من تفكيري فيش وشوفي لش..
وأنا كنت أظنش حلم مستحيل مستحيل ألقاه يوم!!
تكفين لا تخافين مني..
مازالت تنظر له بذات الرعب والجزع..
وهي في داخلها لا تصدق حرفا واحدا مما يقول.. فهناك فكرة مرعبة واحدة اجتاحت تفكيرها وتغلغلت فيه ولم تسمح لها بالتفكير بشيء آخر سواه!!
مد يده بيأس ليمسح طرف خدها بظهر أنامله..
سيموت ليضمها إلى صدره.. ليتنفس رائحتها من قرب.. ليرتشف أنفاسها التي أضناه الشوق لها..
ولكنها قفزت عن الأريكة كاملة وهي تهمس بارتعاش:
أنت الدكتور ماقال لك لا تقرب مني..؟؟
لا تقرب مني!! لا تقرب مني!!
حينها قفز علي بغضبه المتفجر المصدوم المفجوع: من اللي قال لش ذا الكلام؟؟ من؟؟
شعاع بدأت تنتحب: مهوب مهم من اللي قال لي.. بس أنت لا تقرب مني..
لا تقرب مني..
والله العظيم لو حاولت تقرب مني مرة ثانية.. إني لأصيح مع الدريشة.. وأفضحك في الأوتيل كله!!
علي تنهد بعمق وقهر عظيم يتصاعد في روحه.. كيف يسمحون لأنفسهم أن يتدخلوا في حياته ويفسدوها بهذه الطريقة؟؟
تنهد بعمق أكبر.. لا يريد منها شيئا.. يكفيه رؤيتها أمامه..
لكنه تمنى أن تسمح له ببعض القرب فقط.. بعضه.. لا يريد شيئا أكثر..
بعضا من القرب يروي روحه المجدبة..
بعضا من القرب ينسكب بنداه على صحراء خلاياه القاحلة..
ولكن كيف يقترب وهي جافلة هكذا!!
تنهد وهو يهمس لها بحنان عميق:
خلاص حبيبتي لا تخافين.. ماني بجاي جنبش.. أنا الحين بأتوضأ أصلي قيامي..
وأنتي هدي.. هدي..
حين غادرها عادت للانهيار على الأريكة وهي تنفجر في النحيب بصوت مسموع..
" قال يصلي.. تعرف ربك أنت؟؟
يا الله.. ليه ياربي كذا.. ليه؟؟
اللهم لا اعتراض.. سامحني يارب..
بس ماسويت في دنيتي اللي أستاهل عليه تعاقبني بواحد مثل هذا..
يارب سامحني..
اللهم لا اعتراض..
إنا لله وإنا إليه راجعون!! "
لم يعلم زايد ومزنة أن تدخلهما الحاني.. قلب الأمور رأسا على عقب..
فربما لو لم تقل مزنة لشعاع ماقالته.. لربما كان لعلي بصيص أمل في مسامحتها له..
فهي كانت ستظنه شاب عابث ككثير من الشباب.. ولكنه حين تسمع تبريراته قد تصدقها بحسن نيتها..
أو ربما تغضب منه لأيام..وترضى مع تعرفها على شخصيته العذبة الشفافة..
ولكن ماسمعته من مزنة.. مع ماحدث الليلة.. مع أحداث مرضه.. مع ماحدث لها معه في مقابلتهما الأولى في المستشفى ...
مع معرفتها بعمله في الخارج لسنوات...
كل هذه المعطيات صنعت من علي شخصية بشعة.. بل غاية البشاعة في عينيها..!!
فالصورة التي تكونت لديها..
أن علي شاب تجاوز عبثه كل حدود.. لدرجة الانغماس في الخطيئة التي من المؤكد أنها نقلت له مرضا خطيرا معديا.. ناتج عن علاقاته غير المشروعة..
وإلا كيف تفسر هجومه عليها إلا بكونه شاب لا يهمه غرائزه..؟؟
ولأن مزنة كانت تخاف عليه منه.. أو أن يجرها معه أو يصيبها بالعدوى..
حذرتها بطريق غير مباشر أن لا تسمح له بلمسها..
لا تشك في نوايا أهله.. أو أنهم زوجوها ابنهم وهو مريض بهكذا مرض..
فمن المؤكد أنهم لم يكتشفوا مرضه إلا في الأيام الأخيرة.. وسيكون إلغاء الزواج فضيحة مدوية..
لذا أخبرتها مزنة بشكل غير مباشر.. فعلي لم يبدو لها مريضا للدرجة التي وصفتها لها مزنة..
لكن لأنها خائفة عليها.. ألفت كل هذه الحكاية عن أن صحته لا تحتمل.. حتى تحميها منه..
ومازاد في بشاعة الصورة أمامها.. أنه أراد منذ اللحظة الأولى أن يجرها معه لإشباع رغباته دون اهتمام بما سيجلبه لها من مصائب..
بل ويؤلف لها حكاية لا تصدق عن عشقه لها ليقنعها بما يريد..
فأي رجل بشع هذا!!
أي رجل بشع !!
**************************************
" مزنة.. اشفيش الليلة؟؟ مزاجش كنه مهوب رايق..أول مرة أشوفش كذا"
مزنة تترك المشط الذي كانت تمشط بها شعرها وتضعه على التسريحة لتلتفت لزايد الذي كان يجلس على طرف السرير
وتهمس بنبرة مقصودة: لا أبد.. وليش مايروق مزاجي..
أنت سويت شيء يعكر المزاج يا أبو كساب؟؟
ليس جاهلا كي يجهل أن نبرتها تحمل الكثير من الغضب.. هتف بحزم بالغ:
وأبو كساب وش سوى يعكر مزاجش؟؟
توني كنت عندش اليوم الصبح ومافيش شيء..
حينها أكملت بذات النبرة المقصودة الحادة:
إيـــــه !! اليوم الصبح !! قلت لي كلام واجد اليوم الصبح..
تدري من كثرته.... نسيته!!
حينها وقف زايد ليقترب منها (هذي وش فيها الليلة؟؟ أبد مهيب عوايدها!!) وهتف بغضب حازم:
مزنة عندش شيء تقولينه.. قوليه لا تلفين وتدورين كذا!!
بروحي تعبان من الصلبة في عرس علي..
حينها وقفت مزنة لتقابله وهي تهمس بحدة حازمة: ليه أنت قلت لي شيء..
عشان أقول لك شيء..
ثم حين أنهت عبارتها استدارت لتغادر.. لتوقفها قبضة زايد التي انتزعت عضدها بقوة وهو يشدها ليديرها ناحيته بطريقة حادة آلمتها في عضدها
وهو يهتف بغضبه الحازم المتماسك:
ما اسمح لش تعطيني ظهرش وأنا أكلمش..
حينها تفجر غضب مزنة المتجمع منذ بداية الليل وهي تشد عضدها بقوة من يده وتهتف بغضبها الحاد المتفجر:
وأنا ما أسمح لك تمسكني بذا الطريقة.. وذا المرة بأعديها عشان خاطر علي بس وأنك تعبت في عرسه...
لكن لو تكررت إنك تمد يدك علي بأي طريقة.. بيكون تصرفي شيء مايخطر على بالك أبد..
مهوب أنا اللي تنمد علي يد عقب ذا السنين كلها..
وإن كنت عديتها لك وأنا بزر..
ما أعديها لك الحين!!
بعثرت الصدمة تفكير زايد وهو ينظر لها بذهول حقيقي: مزنة تهدديني..؟؟
مزنة ابتعدت لتجلس على طرف السرير وهي تهمس بحزم واثق:
ما أهددك.. محشوم يا أبو كساب.. بس أحط النقط على الحروف..
ثم أردفت بذات الحزم الواثق وبنبرة مقصودة جدا:
ومتى ما بغيتني أرتب شنطتك قل لي.. إلا لو أنت مرتبها من زمان ومخليها في المطار!!
حينها علم زايد سبب غضبها.. ولكنه بالفعل مازال مذهولا.. مذهولا بمعنى الكلمة.. ذهوله منعه من التصرف كما يجب..
فهو من ناحية ... كان يشعر بدغدغة لذيذة ما..
وهو يرى حدتها القديمة وسلاطة لسانها تتدفق أمامه.. تماما كما كانت في صباها..
وكأن الأيام لم تنقضي!!
كأنها لم تنقضي!!
ولكن الغريب.. الغريب..!!
من ناحية أخرى..أن تصرفها المتحدي مطلقا لم يرضيه ولم يعجبه..
يكره أن تتصرف معه زوجته بهذه الطريقة الحادة وهي تضع رأسها برأسه..
وخصوصا أن مزنة عودته الأيام الماضية على أقصى درجات اللطف والاحترام بل والتبجيل!!
فأين كانت تخفي هذه الحدة كلها؟؟
****************************************
" عسى ماتعبتي الليلة؟؟ "
كان هذا سؤال كساب لكاسرة التي تمددت جواره بعد أن أنهت قيامها ووردها..
أجابته بسكون: لا ماتعبت.. بالعكس.. العرس كان رايق ويجنن مثله مثل المعاريس..
مد ذراعه لها دون أن يتكلم.. فاقتربت هي أيضا دون تتكلم ووضعت رأسها على عضده.. ليحتضنها بخفة..
لا فائدة من المعارضة.. فهذا الرجل غير قابل للإصلاح...
عدا أنها تعلم مهما كان فرضه لرأيه يضايقها.. فهي لن تستطيع النوم براحة إلا قريبا منه..
وإلا فأنها ستعاني الأرق والكوابيس التي تعانيها بعيدا عنه!!
همست برجاء ووجهها يختبئ قريبا من عنقه: كساب قل لي تكفى.. ليش انسجنت؟؟
والله العظيم ما أقول لأحد.. تشك إني ممكن أطلع أسرارك..؟؟
بس تكفى ريحني..
كساب أجابها بحنان مرهق وهو يمسح على شعرها: أدري إنش ماراح تقولين لأحد..
بس صدقيني السالفة كلها ماتهمش.. لا تلحين يا بنت الحلال..
أنا ما أدري متى بتصيرين تأقلمين مع طبايعي..
أنتي تدرين إني لو عندت في شيء ما أحب حد يناقشني.. ليش دايما تبين تطلعيني من طوري؟؟
حينها همست كاسرة بعمق: وأنت متى بتفهم إني ما أقدر أتأقلم مع حياة الغموض اللي أنت معيشني فيها..
أشلون نعيش حياة طبيعية وأنت حاط بيننا ذا الحواجز كلها؟؟
كساب صمت بيأس وهو يشدها أكثر لصدره..
وهي متى ستفهم أن يريدها أقرب من أنفاسه دون أي حواجز..
ولكن هذا مايقدر عليه..!!
فعلا هذا مايقدر عليه مع كل التعقيدات في شخصيته وحياته!!
********************************************
كانت مستغربة من طول صلاته فعلا..
فهي استحمت وصلت وقرأت وردها.. وهو مازال قائما يصلي..ويدعو ويبتهل.
ومضى له أكثر من نصف ساعة الآن وهو يقرأ القرآن
كيف يستوي أن شخصا عابثا مثله يصلي هكذا صلاة ويعرف الورد؟؟
" تمثيل يا الخبلة.. يمثل.. وإلا واحد مثل هذا يعرف صلاة وإلا قرآن!!"
كانت تجلس على الأريكة وهي ترتدي لها قميصا حريريا بأكمام طويلة بأطراف من الدانتيل..
فهي يستحيل أن تلبس عند هذا المخلوق المنحط الهمجي قميص نوم أو حتى بيجامة!!
هو كان يختم ورده وصلاته بعد أن أكثر من شكر الله الذي منّ عليه بالمغفرة وبنعمة وجود شعاع جواره..
ثم التفت لها.... ليبتسم وتبتسم روحه وهو يراها كزهرة ندية في غلالتها الزهرية وشعرها المبلول مازال يتناثر على كتفيها..
بدت له أشبه بلوحة خيالية لا يمكن أن توجد على أرض الواقع!!
فكيف يكون على أرض الواقع هذا الحسن.. وهذه البراءة.. وهذه الفتنة؟؟
اقترب ليجلس قريبا منها.. لتتأخر هي بجزع..
حينها تأخر هو قليلا وهو يشعر أنه يقهر روحه لأقصى درجات القهر ليبعد نفسه عنها..
بينما يشعر أنها كالمغناطيس الذي رغما عنه لابد أن يلتصق به..
همس علي بيأس: شعاع ياقلبي أنتي.. يانور عيوني.. أدري إني غلطت يوم خوفتش مني.. بس غصبا عني..
لا تخلين ذا الشيء حاجز بيننا.. تكفين.. أنا ماهقيت إني بشوفش قدامي..
لا تخربين علينا شهر عسلنا عشان غلطة صغيرة والله ماقصدت أضايقش فيها..
شعاع بصدمة: غلطة صغيرة؟؟ وشهر عسل؟؟
أي عسل هذا اللي في ظنك إني ممكن أعيشه وياك؟؟
ثم أردفت برجاء طفولي عميق: تكفى علي.. أنا بسافر معك لعلاجك.. وماراح أقول لأحد شيء..
بس تكفى لا تجي جنبي.. وإذا رجعنا طلقني.. تكفى!!
علي قفز وهو يرتعش بشدة.. وكلماته تتبعثر بصدمة كاسحة: نعم .. نعم؟؟
أطلقش؟؟ أنتي صاحية؟؟
أخليش عقب ما لقيتش؟؟
شد له نفسا عميقا وهو يحاول التماسك رغم أنه يشعر أنه سينهار..
وكل الطاقة التي في جسده كما لو كانت سُحبت فجأة ككقنديل سُحب ضوءه فجأة..
همس بنبرة تهدئة مرهقة: اسمعيني زين شعاع..
ماراح أجي جنبش إلا برضاش...
بس تكفين طاري الطلاق ذا ما تجيبينه حتى لو كنتي ماتقصدينه.. سمعتيني..
لا تستعجلين.. يمكن تكونين أرملة أقرب..
شعاع انتفضت بجزع..
" يعني عارف إنه مريض لدرجة إنه ممكن يموت
ومع كذا يركض وراء شهواته لين آخر لحظة!!
أعوذ بالله من مثل ذا الإنسان!!
أعوذ بالله!! "
علي أنهى عبارته ثم توجه للسرير وأندس فيه وهو يتمتم بالأذكار..
مثقل بإرهاق غير طبيعي...
إرهاق نزع منه إحساس الحياة المذهل الذي شعر به يتدفق إلى عروقه إلى درجة الأمتلاء المتفجر حين رآها أمامه..
فالطاقة الروحية المتدفقة التي شعر بها جابهها الآن رغما عنه يأسه وصدمته وضعف جسده فعلا..
فآخر غذاء دخل لعروقه هو الجلوكوز الذي عُلق عليه هذا الصباح!!
"يا الله.. وش فيها عليّ؟؟
يعني تهورت وضميتها وحبيتها.. يكون سبب عشان تطلب مني الطلاق؟؟..
والله العظيم ما أبي منها شيء.. تكفيني شوفتها..
بس شوفتها برضاها وهي مبسوطة .. مهوب وهي مجبورة وتبكي!!
يا ربي...
تكون وافقت علي مغصوبة؟؟!!
أو زعلت لأني مهما كان عرضت على وحدة الزواج وهي على ذمتي؟؟!!
بس هي ماقالت لي وش سبب زعلها؟؟
ما على لسانها إلا.. لا تقرب مني!!
ياقلبي ما أبي أقرب..
.
إلا أبي أقرب وأبي أكون أقرب أنفاسش!!
يا ربي بأستخف.. بأستخف "
تنهد بعمق وهو يحاول إراحة جسده المنهك..
ورغم كل شيء.. كان يغلق عينيه وعلى شفتيه إبتسامة شفافة..
فهو لم يتخيل ولا حتى في أكثر أحلامه جموحا وبعدا عن التصديق أنه قد ينام وهي معه في ذات المكان..
إنه قد ينام وروحه قد سكنت بمعرفتها.. بل بضمها لصدره بعد كل أيام الشقاء والقهر واليأس..
لا بأس.. لتخف منه الليلة..
الايام طويلة.. ومادامت أنفاسه تردد..
تكفيه بالفعل رؤيتها أمامه رغم كل التضادات والتعارضات!!
************************
كان يهز كتفها برفق وهو يهمس قريبا من أذنها:
" مزنة.. مزنة !! "
انتفضت بعفوية وهي تهمس بحميمية عفوية ناعسة: لبيه حبيبي..
ابتسم هو أيضا بشكل عفوي عميق عميق عميق.. وهو يراها تعتدل بحرج أو ربما بعتب عليه وعلى نفسها قبله..
وهي تشد روبها من جوارها لتلبسه.. شد روبها من يدها وهو يقبل رأس كتفها ثم يهمس في أذنها بدفء:
أول مرة تقولين لي حبيبي..!!
مزنة شدت الروب من يده وهمست بحزم وهي ترتديه: وحدة قايمة من النوم نعسانة وماعليها شرهة..
ابتسم زايد وهو يحيط كتفيها بذراعه: زين خلي الشرهة علي..
وأنا آسف لأني ماقلت لش على السفر.. بس السالفة جات بسرعة
توها ترتبت أمس عقب ماطلعت من عندش ومالحقت أقول لش..
مزنة شدت نفسا عميقا لتهمس بعدها بحزم مختلط بالرقة:
أنا ما أبيك تعتذر زايد.. بس أنا جد تضايقت إني سمعت الخبر من بنتي!!
يعني كساب لقى وقت يقول لها.. وأنت مالقيت..؟؟
أنا اللي آسفة.. بس أنا لا قفلت.. صرت شينة ومخي يقفل..
ابتسم زايد وهو يشدد احتضانه لكتفيها: وعسى التقفيلات ذي مهيب واجدة بس؟؟
ابتسمت مزنة وهي تحتضن خصره: الله كريم.. أنت وحظك!!
" أما إنك غريب يازايد..!!
مهوب هذا اللي تبيه.. مزنة المقفلة الحادة!! مثل مزنتك في شبابها!!
ليه الحين ماعجبك تصرفها؟؟
.
ما أدري.. ما أدري..
مـــــا أدري!!..
يمكن ما قدرت أتقبل ذا الشيء من مزنة الحين
اللي عرفتها رايقة وهادية ورزينة!!
وبشكل عام ماقدر أتقبل إن مرتي ترادني.. وتطول صوتها عندي..
صدق إنك غريب يازايد!! "
زايد هتف بحزم حان: زين مزنة.. أبيش تتصلين بشعاع وتسألينها عن حال علي لو زين.. أو بأمر أوديه المستشفى..
لأني لو كلمته بيقول مافيني شيء...
ابتسمت مزنة وهي تقف: شوي زايد بأتصل فيهم عقب ساعة..
يمكن مابعد قاموا الحين!!
************************************************
تنهدت بعمق وهي تنهي اتصالها مع مزنة..
أكثرت مزنة عليها من الوصايا التي أرهقت روحها البريئة الشفافة..
" علي مريض.. وما يأكل
وهذا سبة مرضه..
حاولي فيه يأكل.. لأنه لو ماكل بيجي أبيه يوديه المستشفى يركبون عليه مغذي.."
مع إنهاءها للاتصال كان علي يخرج من الحمام وهو يستند بإرهاق على باب الحمام..
كان يبتسم بإرهاق وابتسامته تتسع وهو يراها أمامه إشراقها أكثر من إشراق شمس هذا الصباح..
وبهجة رؤيتها تبعث في روحه سعادة أكثر من أقطار الأرض الأربعة!!
كان على وشك سؤالها من كان يتصل بها .. لولا أنه ترنح ثم سقط مغشيا عليه دون مقدمات..
شعاع قفزت بجزع ناحيته وهي تجلس على الأرض وترفع رأسه إلى حضنها..
كانت تربت على خده برفق وهي تهمس برفق جازع: علي.. علي..
لا تعلم كيف بدأت الأفكار المتعارضة تتوارد إلى بالها بجنون وهي تنظر لملامح وجهه وتحاول إيقاظه بجزع روحها المتزايد:
" ياربي أشلون واحد له ذا الوجه الحلو السمح اللي ماينشبع من شوفته ويكون كذا؟؟
صدق إنه تحت السواهي دواهي!!
.
يا ترا المرض اللي معه ممكن يكون ينتقل بالنفس؟؟!!
لا... لا ما ظنتي..
لأنه أكثر الأمراض هذي ما تنتقل إلا بالإتصال!!
.
يا ربي هذا وش فيه ما يقوم؟؟"
همست برقتها الجزعة: علي.. علي تكفى قوم..
فتح عينيه بضعف ليجد رأسه مسندا لحضنها وقريبا من صدرها..
كان بوده أن يدير رأسه ليدفن وجهه في ثنايا صدرها.. ولكنه منع نفسها حتى لا يخيفها منه ..
كل ما أستطاع فعله أنه همس بيأس مثقل بالولع:
ليتش تعرفين بس وش كثر أحبش...
أنا مهوب بس أحبش.. أنا أتنفس هواش..
عشان كذا الفترة اللي راحت كلها ماكنت قادر أتنفس..
توني قدرت أتنفس من البارحة بس!!
يا الله ياشعاع حرام عليش اللي سويتيه فيني قبل.. واللي تسوينه الحين..
رغم أنها تعلم أنه يكذب.. ولكنها لم تستطع منع قلبها البريء الغبي من الارتعاش..!!
فهي لأول مرة تسمع مثل هذا الكلام.. وبهكذا نبرة تذيب القلب فعلا!!
همست بتوتر خجول: ما تبي تتريق؟؟
ابتسم بإرهاق: ما أبي.. تكفيني شوفة وجهش قدامي ياقلبي!!
حينها شعرت شعاع بالصداع وهي تهمس له بنبرة خجولة رقيقة:
خلاص ما تبي تأكل.. ماني بماكلة.. مع إني بأموت من الجوع..
حينها همس بحنان وهو يعتدل جالسا: لا خلاص بأتريق بس تعالي سنديني مافيني حيل أقوم..
لا يعلم هل هو فعلا يحتاج لمن يسنده؟؟ أم هي حيلة العاشق غير المقصودة؟؟
شعاع همست بخجل عميق وهي تخشى أنها قد لا تستطيع أسناده:
خلاص حط يدك على كتفي..
أحاط كتفيها بذراعيه.. وهو يقف معها متوجهان للجلسة..
الرحلة القصيرة كانت بالنسبة لها أشبه برحلة عذاب كريهة وهو ملتصق بها هكذا..
وماخفف عنها لا تعلم كيف.. رائحة عطره.. كانت رائحة تسبب الدوار الأشبه بالغيبوبة العذبة..
شمت رائحة عطور والدها وعبدالرحمن وكلها من العطور الفخمة الفاخرة..
ولكن لم يكن لهما ذات تأثير عطره... شفاف.. أثيري.. فخم.. حنون!!
فما هو سر عطره؟؟؟ ماسره؟؟
هو كان يشعر أنه سيذوي فعلا وهو يشتم عبق رائحتها من هذا القرب...
ويشعر بليونة عظامها تحت ذراعه..
تمنى هو ألا تنتهي هذه الرحلة أبدا..
ولكنها انتهت وهي توصله للمقعد وتبتعد عنه هاربة وهي تجر أنفاسها المحتبسة!!
كانت تنظر له بيأس..
يبدو اليوم مريضا فعلا..
ستقوم بواجبها ناحيته كما يفترض من اي زوجة..
لكن كل ماتريده ألا يفكر أن يقترب منها أبدا!!
همست برقتها التلقائية وهي تقرب طاولة الفطور : دام أنك ماكنت تاكل الأيام اللي فاتت..
كل بس شيء خفيف.. واشرب حليب طازج وبس..
ابتسم علي بولع شفاف: إذا شفتش تأكلين.. بأكل اللي بتعطيني إياه..
حتى لو عطيتيني المخدات كليتها بدون ما احس!!
********************************************
" وش عندش مصحبتنا من بدري يا المزعجة؟؟
إيه وش عندش سريتي البارحة من بدري مع أبو الشباب وجيتي تزعجينا الحين..
مهوب كفاية توني خلصت من أختش البارحة واقول بأسيطر على الشيبان ألاقيش ناطة!! "
جوزاء تضع حقيبتها وهي تشد حسن لتجلسه وتهمس لعالية بخفوت:
ياكثر بربرتش..
أمي شأخبارها؟؟
عالية حينها هزت كتفيها وهمست بسكون: ما أدري ماشفتها.. أنا قاعدة هنا من بدري عشان أقهويها.. بس هي مانزلت من غرفتها..
واستحيت أطلع لها..
بس مر علي أبيش يهاد ذبان وجهه..
جوزا بتاثر: إذا أبي يهاد وجهه.. أجل أمي وش مسوية؟؟
أنا بأطلع أشوفها.. حطي عينش على حسون..
عالية تشد حسن لحضنها وهي تهمس بنبرة مرعبة تمثيلية مضحكة:
خليه عندي لأني أبي أكله.. جوعانة ماتريقت!!
جوزاء صعدت لغرفة والديها وهي تسمع صوت ضحكات حسن المتعالية لأن عمته كانت تدغدغه...
طرقت باب الغرفة بخفة.. وفتحت الباب فلم تجد أحدا..
حينها علمت أين ستجدها..
توجهت لغرفة شعاع.. لتجدها هناك فعلا.. تضع ملابس شعاع المتبقية في حقائب.. وتبدو عيناها الباديتان من خلف فتحات برقعها متورمتان من البكاء..
جوزا جلست جوار والدتها على الارض وهي تضم كتفيها وتقبل رأسها وتهمس بتاثر عميق:
يمه الله يهداش ترا بنتش ماهاجرت.. ترا كلها خطوتين..
ثم حاولت أن تردف بمرح فاشل: الظاهر اشعيع أغلى مني بواجد..
ماسويتي كذا يوم رحت أنا..
أم عبدالرحمن لم تجبها حتى وهي مستمرة في وضع الملابس في الحقائب..
همست حينها جوزاء بذات النبرة المتأثرة:
زين أنتي الحين وش تسوين؟؟
أم عبدالرحمن أجابت باختناق: أبيش كان يفكر يسوي الطابق الثاني كله لعبدالرحمن.. بس حادث عبدالرحمن أجل الفكرة..
خلاص خليني الحين ألهى في ذا السالفة لا أستخف!!
بأنزل أغراضنا كلها في الغرف اللي تحت!!
جوزا تشد أمها بلطف: زين فديتش خلاص أنا والخدامات بنرتب الأغراض ونخلي العمال ينزلونهم..
أم عبدالرحمن برفض حازم: لا أنا أبي أشتغل بروحي!!
***************************************
" ياربي عليش ياجميلة..
يعني إلا تجيبني هنا وصباحية عرس أخي..
حاسة إني بأموت من التعب"
جميلة تبتسم وهي تخلع نقابها وتضعه جواره: أي صبح حن الحين عند الظهر..
وبنشرب الحين كوفي وبتصحصحين..
مزون بتأفف: تدرين بعد إني ما أطيق اللاندمارك بكبره..
جميلة تبتسم: شأسوي متعودة أفصل عباياتي في المتحجبة هنا.. تعودت شأسوي..
خلينا الحين نتقهوى.. وعقب نأخذ عباتي ونمشي على طول..
مزون تبتسم بإرهاق: زين ماكان ينفع بكرة.. أنا عطلت خلاص بأوديش أي وقت..
جميلة تبتسم: لا ماينفع.. بكرة رفيقاتي مسوين لي بارتي صغير..
كانوا ينتظرون يخلصون امتحانات الجامعة وتوهم خلصوها.. وأبي ألبس عبايتي الجديدة..
مزون بذات النبرة المتأففة: زين كنت بأوديش الصبح.. والبارتي أكيد عقب العشاء..
ابتسمت جميلة: لا البارتي العصر.. لأنه أمي مارضت يكون في الليل..
وبعدين أنا بكرة من الصبح مشغولة..
أبي أسوي لنفسي حمام مغربي وأدلع نفسي صايرة خبيرة حمامات مغربية من القعدة البطالية..
وعقب بتجيني الكوافيرة تسوي شعري وتسوي لي بديكير منيكير يالله ألحق أخلص على العصر..
ضحكت مزون: أما أنا بصراحة ماشفت وحدة تهتم بنفسها كثرش..
وش الحمام المغربي اللي صايرة تسوينه لروحش كل أسبوعين..
لو منتي بملاحظة جلدش قرب يسيح من النعومة.. وانتي أساسا ذايبة على روحش من خلقتش!!
قالتها مزون وهي تشد معصم جميلة البالغ النعومة تتحسه بمرح.. جميلة شدت معصمها وهي تهمس بمرح: الله أكبر عليش..
قولي ماشاء الله.. خليني أهتم بنفسي وش وراي..
أنا أساسا كنت أنتظرش تخلصين جامعة عشان أستلمش شوي..
إذا ماخليت كابتن غانم يستقيل ويقعد جنبش.. قولي جميلة ماقالت!!
مزون بخجل: صدق قليلة أدب.. تحشمي يا بنت.. أنا أكبر منش بـ3 سنين ياقليلة الحيا!!
كان الحوار مستمر بين الاثنتين وهما ترتشفان قهوتيهما في مقهى أوبرا القسم النسائي..
كانتا على وشك الانتهاء حين دخلت فتاتين.. أحدهما تدفع عربة طفل صغير عمره حوالي 9 أشهر..
انتفضت جميلة بشفافية وهي تتعرف على الطفل..
الذي عرفته من الصور الكثيرة التي رأتها.. وعرفته كذلك من عربته وملابسه!!
فهذه العربة بل حتى الملابس التي يرتديها والتي تشكل طقما مع العربة هي من اشترتها له من محل لايوجد أبدا في قطر !!
والغريب أنهما جلستا في أقرب طاولة لمزون وجميلة..
مزون همست لجميلة باستغراب: وش فيش كن القطوة كلت لسانش؟؟
جميلة باختناق متوتر: مزون خلاص خل نحاسب ونطلع..
أشارتا للنادلة أن تأتيهما بالفاتورة..
بينما كانت الفتاة الثانية تهمس بتأفف رقيق لأم الطفل: الله يهداج أم أحمدوه.. أخاف أطول على خليفة.. قلت لج خل نأخذ أغراضي ونطلع..
بس أنتي إلا تيين هني..
جميلة شعرت بالصداع وهي تسمع حوارهما بهذا الوضوح ومع سماعها لاسم خليفة زاد صداعها..
ابتسمت أم أحمد: يعني أنتي ساحبتني معاج تقولين تبين أغراض.. وحتى قهوة حرام تشربيني..
أنتي مامليتي من مجابل ويه خليفة طول هالأسبوع اللي فات.. حتى سفر ماسافرتوا..
خلاص فكي عنه خله يتوله عليج يا المسبهة..
ابتسمت العروس برقة: ياربي منج.. صج الرازق في السما والحاسد في الأرض..
ما ألوم جاسم يشرد من ويهج النكد..
جميلة قفزت وهي ترتدي نقابها وتهمس لمزون باختناق: خلاص أنتي ادفعي وتعالي لي في المتحجبة..
مزون كانت تنظر لها باستغراب وهي تهرب متعثرة في خطواتها.. وهي تركض باتجاه الدرج..
كانت تهمس في داخلها.. " لن أبكي.. لن أبكي.."
(خلاص الله يهنيه!!
دامه مبسوط.. أنا ما أبيه إلا مبسوط
أنا ماقدرت أسعده ولا أملأ عينه..
الله يهنيه!!
الله يهنيه!! )
كانت تكرر عبارة (الله يهنيه) دون أن تشعر بانحدار دموعها الشفافة التي أغرفت نقابها..
مشاعر حزن شفافة تغزو قلبها.. وكأنها تُجبر على أن تطوي صفحة من حياتها لم تكن تريد أن تطويها بعد!!
***************************************
" أنت من جدك سقت سيارتك من الفندق لين هنا؟؟"
علي ببساطة: إيه وش فيها؟؟
زايد بغضب: لا والله منت بصاحي.. لو أنك دعمت في الطريق لا قدر الله..
أنت فيك حيل تسوق؟؟
علي يبتسم: ما أشين فالك يبه..
زايد يتنهد: يأبيك ما أفاول.. بس أنا تروعت يوم طلعت ومالقيت سيارتك..
وتروعت أكثر يوم قالوا لي العمال إنك اتصلت وطلبت واحد منهم يجيب سيارتك للفندق..
علي بذات الابتسامة الودودة: زين مرتي تبي تروح تشوف أهلها.. أوديها على تاكسي؟؟
ابتسم زايد بأبوية: يا النصاب.. السواق اللي جاب لك السيارة كان جابك أنت وياها..
علي بذات ابتسامته المحلقة: يعني أول مشوار لي أنا ومرتي ويودينا سواق...
شايفها حلوة في حقي؟؟
إحساس دافئ غريب يتعاظم في روح زايد بدأ منذ رأى علي يدخل عليه هذا المساء.. هتف بدفء حان:
يأبيك وجهك متغير.. وضحكتك ماشاء الله مافارقت وجهك...
الظاهر إن شوفة بنت فاضل جايبة نتيجة غير متوقعة..؟؟
ابتسم علي وهمس بنبرة مقصودة تماما: فوق ما تتصور يبه!!
زايد مستغرب تماما.. الفتى كان سيموت من العشق وفور رؤيته لزوجته بدأ يتحسن..
أما مازاد في استغرابه فعلا أن عليا أشار للمقهوي: يا ولد قرب الفوالة..
وصب لي قهوة أنا وعمك زايد..
كان زايد ينظر له بذهول حقيقي وهو يراه يلتهم نصف حبة المعمول ويرتشف فنجانين من القهوة..
ثم يضع فنجانه وهو يهتف بمودة باسمة: لو علي أنا كان كلت الصحن كله.. وشربت الدلة كلها..
حاس لي سنين ماشربت قهوة..
بس ما أبي أثقل على بطني وأنا توني ماتعودت على الأكل..
زايد سأل بصدمة سعادته غير المعقولة: يأبيك أنا أفرح ماعلي أشوفك تأكل وتشرب..
وأنا اللي كنت بأموت عشان أشوفك تشرب ربع قلاص عصير..
بس يأبيك ماحد يتغير في يوم وليلة.. إلا لو صارت له معجزة..
علي بنبرة مقصودة جدا: ويمكن اللي صار معي معجزة!!
زايد يتنهد بعمق سعادته المحلقة التي شعر توشك أن تفجر حناياه: الله يديم المعجزات عليك يأبيك.. وش معجزتك أنت؟؟
علي بأبتسامة مقصودة: تقدر تقول إن مرتي دخلت مزاجي وعقب عدلته لين آخر جد..
زايد بصدمة: يأبيك حدث العاقل بما يعقل.. هو مزاجك مثل الزر اللي يشغلونه ويطفونه..
ثم قطع زايد كلامه وهو يردف بسعادة حقيقية وابتسامة متسعة جدا:
خله يكون زر.. مايهمني.. المهم إنك مبسوط..
مبسوط يأبيك؟؟
علي بسعادة حقيقة: مبسوط شوي على اللي أنا حاس فيه!!
شعر زايد حينها أن شرايين قلبه تكاد تتهاوى من فرط ضغط السعادة وهو يهمس بتأثر رجولي:
لازم أقوم أصلي ركعتين شكر الحين!!
وفعلا نهض من مكانه قبل أن يردف باهتمام : شوفتك نستني وش كنت أبي أقول لك..
خلاص رحلتنا بكرة العصر إن شاء الله..
ابتسم علي: تقصد رحلتي أنا ومرتي..؟؟
زايد ضحك: ماتبي خوتي يا الهيس؟؟
علي بمرح: خوتك على الرأس والعين.. بس حد يأخذ أبيه في رحلة شهر عسل..
حينها تغير وجه زايد للقلق الجدي: علي الله يهداك وضعك الصحي أنت عارف إنه تعبان.. ولازم يكون معك حد...
لو تعبت هناك..البنية المسكينة بتبلش فيك!!
علي بإصرار: يبه أنا أعرف أتصرف زين.. أنا واحد شغلي كله كان برا.. ماني بعارف أتصرف يعني..
زايد يحاول اقناعه: يأبيك ماقلت إنك منت بعارف تتصرف..
بس أنا ما أقدر أخليك وأنت وضعك كذا..
علي بإصرار حازم: أرجوك يبه.. خلاص.. قلت بسافر بروحي..
وأوعدك أخلص فحوصي كلها لا تحاتي..
******************************************
كانت شعاع غاية في التألق والتأنق وهي تبالغ في التزين حتى لا يلاحظ أهلها شحوب لونها..
أما توترها فهي تعلم أنهم سيرجعونها لخجل العرائس الطبيعي!!
جوزاء تقرص جنبها بمودة وهي تهمس بحنان: العرس يخلي البنات حلوين كذا؟!!
همست شعاع بذبول فسروا نبرته المنخفضة بأنه خجل: مثلش..
هذا أنتي من عقب رجعتش لعبدالله وأنتي محلوة بزيادة!!
همست جوزاء في أذنها بخفوت: علي شأخباره معش؟؟
شعاع تتلاهى عن إجابة سؤالها بسؤال آخر: أمي وين راحت؟؟
جوزاء بحنان: أمي شكلها بتسوي لش العشاء بنفسها.. ياربي نفسيتها زفت من الصبح توها زانت يوم شافتش..
شعاع بتأثر: فديت قلبها.. زين علوي أم لسانين مامنها فايدة تخفف عن أمي..
جوزاء تبتسم: المسكينة تحاول.. بس أمش مقفلة من الضيقة..
شعاع قطبت جبينها بتساؤل: إلا عالية وين راحت؟؟
جوزاء بتلقائية: اتصل فيها عبدالرحمن وقال لها إن خالها بيجي يسلم لها وراحت له في مجلس النسوان..
*****************************************
وإن كانت شعاع تأنقت للتظاهر.. فهناك عروس أخرى تأنقت لإحساسها الحقيقي بالألق والسعادة..
نايف ينظر لها بنظرة مقصودة من تحت أهدابه: ماشاء الله نفسيتش جايه على العرس..
منورة من قلب وشدوقش تقولين إعلان معجون أسنان!!
عالية تضحك: تنظلني يا الدب؟؟ يعني غاط من يوم عرسي.. ويوم طلعت جاي عشان تنظلني..
نايف بذات النبرة المقصودة تماما: والله ماشفتش فقدتيني.. ولا كلمتيني..؟؟
مشغولة الله يعينش..
عالية بعفوية: لا تزعل مني فديت عينك.. بس والله لهيت مع البنات في تجهيز عرس حماتي وتوها تزوجت البارحة...
نايف بذات نبرته المقصودة المريبة: مبروك إن شاء الله.. وعقبال مايصير عندكم عرس ثاني..
ضحكت عالية: خلاص خلصوا.. إلا لو عمي فاضل يبي يجدد شبابه..
نايف يكمل بذات النبرة: فيه من هو أصغر من فاضل..
تدرين علوي الطبخة عجبتني مـــــوت!!
عالية باستغراب: أي طبخة؟؟
نايف بتلاعب: يووووه أقصد حركة عبدالرحمن يوم أحرج خالد.. وحركة عطني وجهك وتم..
ذكرتني بسوالف أمي الله يرحمها...
عالية شعرت بخجل رقيق فلم تعرف ماذا تقول وصمتت ولكن نايف لم يصمت فهو لديه ماخطط تماما ليقوله:
تدرين علوي.. عبدالرحمن على حركته المنقرضة.. خلاني أشتهي أسوي حركة أكثر انقراض..
عالية باستغراب: أي حركة؟؟
نايف بنبرته المقصودة المتلاعبة الحازمة:
تذكرين يوم كانت أمي تسولف لنا.. عن إن الرجال أول كان أحيانا إذا طلق مرته.. يقول (ترا فلانة طالق من وجهي في وجه فلان)
عشان يجبر الرجّال الثاني إنه يأخذ مرته... وفضيحة عليه لو ماخذها وطليقها علقها في وجهها...
عالية لم ترتح مطلقا لنبرة نايف وهي تهمس بغضب: وش لازمة ذا الحكي الفاضي..؟؟
نايف بحزم بالغ مرعب: مهوب فاضي.. لأني باطلق وضحى وبأطلب من عبدالرحمن يأخذها!!
وبأحرجه وأحده على أقصاه عشان يأخذها!!
#أنفاس_قطر#
.
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم HaboOoshy
نايف بنبرته المقصودة المتلاعبة الحازمة:
تذكرين يوم كانت أمي تسولف لنا.. عن إن الرجال أول كان أحيانا إذا طلق مرته.. يقول (ترا فلانة طالق من وجهي في وجه فلان)
عشان يجبر الرجّال الثاني إنه يأخذ مرته... وفضيحة عليه لو ماخذها وطليقها علقها في وجهها...
عالية لم ترتح مطلقا لنبرة نايف وهي تهمس بغضب: وش لازمة ذا الحكي الفاضي..؟؟
نايف بحزم بالغ مرعب: مهوب فاضي.. لأني باطلق وضحى وبأطلب من عبدالرحمن يأخذها!!
وبأحرجه وأحده على أقصاه عشان يأخذها!!
عالية قفزت بغضب شديد: تدري أسخف من ذا الكلام وأحقر ماسمعت..
نايف وقف أمامها بتحدي ونبرة حازمة: لا والله يا بنت أختي..
الحقارة إن البنت تطبخ الطبخة مع حبيب قلبها.. وعقبه تلعب على خالها وتخليه مثل البهيمة اللي تنفذ مخططاتها بدون تفكير..
هذي هي الحقارة!!
عالية تفجر غضبها أكثر: أنت وش تبربر وش تقول؟؟
نايف ضحك بسخرية: وش أبربر؟؟ لا والله البربرة هذرتيها مع حبيب القلب من ورا هلش..
عالية تراجعت خطوة للخلف وهي تهمس بصدمة مختلطة بنبرتها الغاضبة:
نعم؟؟
ولكن نايف شدها بقوة من عضدها وهو يهتف بقسوة حازمة:
الله ينعم عليش ياحبيبة خالش..
يا اللي ماتدسين عليه شيء.. يا اللي أسراركم وحدة..
يعني كنتي تكلمين عبدالرحمن من ورا هلش.. صحيح إنه منقود.. لكن لا هو حرام ولا عيب عشان تدسين علي أنا سالفة مثل ذي..
وأنتي تلفين وتدورين عشان تزوجيني بنت خاله...
يعني وش فيها لو قلت لي كل شيء بصراحة.. من متى وأنا وأنتي بيننا حواجز..
لكن دامش حطيتي الحواجز وخدعتيني وأرخصتيني وضحكتي علي..
جزاش مثل ماسويتي فيني..
وحدة خذتها بالخدعة وعشانش.. مالي حاجة فيها... خل عبدالرحمن يأخذها!!
وانبسطي أنتي وإياها.. وصيروا ربع.. وانتوا في بيت واحد.. ضراير وش حليلكم..
حينها همست عالية باختناق حقيقي وعيناها تمتلئان بالدموع:
نايف أنت جدك؟؟
نايف أفلتها وهو يدفعها بحدة ويهتف بحدة قاسية:
ومابعد كنت من جدي مثل الليلة!!
**************************************
" يبه.. علي وش فيه؟؟
أنتو غيرتوا له العلاج وأنا مادريت؟؟
أو عطيتوه فاتح شهية قوي؟؟"
ابتسم زايد ابتسامته الفخمة باتساع: ليه تسأل يعني؟؟
كساب بصدمة: ليش أسأل؟؟.. أنا قربت أنسى شكل علي وهو يمد يده لثمه ويأكل..
انصدمت إنه قام معنا على العشاء.. صحيح كل أكل خفيف.. بس أنا ماهقيت إنه بيأكل حتى!!
ابتسم زايد : يقول إن شوفت بنت فاضل فتحت نفسه..
لم يستطع كساب إلا أن يضحك لفرط سعادته: والله إن بنت فاضل تستاهل السمن يصب إيديها كانها اللي خلته يأكل..
منصور العائد من الحمام ليغسل يديه بعد العشاء جلس جوار زايد وهو يشده ناحيته ويهمس في أذنه بذات سؤال كساب..
بينما علي توجه ليجلس جوار كساب من الناحية الآخرى وهو يهمس في أذنه بمرح:
مايسوى علي ذا العشاء اللي تعشيته
بتطلعونه من بطني أنت وعمك وعيونكم طايرة فيني وأنا أكل.. تقولون مابعد شفتوا ناس يأكلون؟؟
كساب يبتسم: شنسوي كنا خايفين تأكل عشانا وتخلينا ماشبعنا..
ثم أردف بمودة: تبيني أوصلك للأوتيل؟؟
علي برفض باسم: مشكور طال عمرك.. بأروح بنفسي.. وتكفى ماترادني عجزت من المرادد مع أبيك..
وعلى طاري المرادد.. أنت وأبيك لين متى منشفين ريق غانم المسكين..؟؟
خلوا المسكين يحدد موعد عرسه..
أنا طيب مافيني شي.. ولا تخلوني عذر لكم..
ومزون خلصت الفصل.. على الأقل خلهم يتزوجون ذا الصيفية قبل ما ترجع الجامعة الفصل الجاي..
**************************************
" عالية وش فيها من يوم رجعت من عند خالها وهي مكتمة مرة وحدة!!"
جوزاء تجيب شعاع باستغراب: ما أدري وش فيها؟؟
حينها سألتها شعاع برقة: منتي برايحة لبيتش زين؟؟
جوزاء بتردد: ما أدري.. ودي أرقد عند أمي.. بس لو أقول لعبدالله بيذبحني!!
شعاع بيأس رقيق: لذا الدرجة أمي متضايقة؟؟
جوزا تبتسم: مهيب متضايقة بس تبي تتدلع على أبيش شويتين..
لا تهتمين خلي ذا السالفة علي وقومي تجهزي..
رجالش مهوب كلمش وقال إنه جايش الحين..؟؟
شعاع بضيق: بلى جاي..
جوزاء بمرح: وليش لاوية بوزش.. قومي البسي عباتش.. عيب تنقعينه في السيارة..
شعاع سلمت على أمها وعالية وخرجت ترتدي عباءتها عند مرآة المخرج ومعها جوزاء التي كانت تحمل حقيبتها حتى تنتهي من لبس نقابها..
رنة رسالة تصل لهاتف شعاع فتهمس جوزاء بخبث: عادي نقراها وإلا صار عندنا أسرار..؟؟
شعاع بعفوية : افتحيه تلاقينه مسج من كيوتل يقولون ادفعوا الفاتورة لا نحوسكم حوس!!
جوزاء بابتسامة متلاعبة: الرقم سبيشل والكلام سبيشل.. والله من بهينة يا بنت فاضل..
وأنا اللي أقول اشعيع بريئة.. جبتي رأس الرجال من أول ليلة!!
"طعون" مرة وحدة.. خفي اللعب عالمسكين..
شعاع انتزعت الهاتف والحقيبة من يد جوزا ووجهها يتفجر حرجا وتختنق بغصات خجلها وضيقها
وهي تلمح الرسالة التي مازالت الشاشة مفتوحة عليها قبل أن تضع الهاتف في الحقيبة وتخرج:
" أنت الوحيد اللي بقلبي تمكنت..
تمون !!.. لكن لا تكثر طعونك!! "
ركبت جوار علي وهي تتمتم بسلام خجول متوتر ثم تلتصق بالباب
وهي تتمنى لو استطاعت البقاء في حضن أهلها وأمانهم بعيدا عن الرعب المجهول الذي تعيشه مع هذا الرجل المجهول المتلاعب..
همس علي بدفء حقيقي: هلا والله إني صادق ومن جدي..
اشتقت لش ياقلبي.. والله العظيم كني قاعد على مقلى من شوقي!!
كان بود شعاع أن تصرخ به.. (لا تقول لي ذا الكلام ولا تكذب علي..)
وكان بودها أن تبكي.. وتنزف كل هذا الحزن المكتوم في روحها..
ولكنها صمتت بيأس وهي تبتلع غصاتها.. بينما علي لم يتوقف مطلقا عن الكلام..
حينا يتغزل بها غزلا شفافا عميقا موجعا..
وحينا يحكي لها عن بعض الأماكن الي يمرون بها عن ذكرياته فيها أو معلوماته الخاصة عنها..
كان يحادثها وكأنها شخص يعرفه منذ قرون.. بينما هي عاجزة عن مجرد التواصل معه..
بموضوعية تامة.. كان حديثه غاية في المتعة والدفء ونبرة صوته الهادئة العميقة والدافئة أشبه ما تكون بمهدئ فعّال للأعصاب..
ولكنها عاجزة عن الإحساس به أو بما يقوله.. وإحساس الرعب منه يسيطر عليها تماما..
حتى وصل في محور حديثه إلى قوله: حبيبتي ترا بكرة سفرنا على طيارة العصر..
حينها همست باختناق خجول: ومن اللي بيسافر معنا؟؟ كاسرة ورجّالها؟؟
ابتسم علي: ماحد مسافر معنا.. فيه حد يأخذ معه مرافقين في شهر العسل..؟؟
شعاع بصدمة تتخيل حالها وهي معه لوحدهما.. كيف يتركونها معه وهو أشبه مايكون بقنبلة موقوتة تخشى تفجرها فيها في أي وقت..؟؟
كيف تفعل بها خالتها مزنة ذلك؟؟
كيف تتركها معه لوحدهما؟؟
صمتت... ماذا لديها لتقوله..؟؟
ليس لديها إلا الله عز وجل تدعوه أن يحميها منه!!
بينما كان علي يكمل بقية حديثه بهدوء واثق: بكرة قبل الظهر بنسوي شيك آوت من الأوتيل وعقب بنروح نتغدى عند هلي..
وعقب بأمر بش هلش تسلمين عليهم قبل نطلع المطار..
وقبل أنسى.. هاش خذي.. هذا مفتاح بيتنا.. عطيه أمش لو تبينهم يرتبون أغراضش قبل نرجع من السفر..
همست حينها شعاع باختناق أشد: أنا وأنت بنسكن بروحنا؟؟
ابتسم علي بمودة: عندي بيت وش كبره.. وين نسكن يعني؟؟
صحيح إبي لو عليه يبيني معه في البيت.. بس الحين معه كساب..
وأنا أبي نكون بروحنا وبراحتنا...
شعاع بتبعثر: قصدي.. بس......
شعاع تريد أن تبكي فعلا.. بماذا يفكر هذا الرجل؟؟
أيفكر بجعلها سجينة له طوال عمرها وهو يرسم هكذا مخططات طويلة الأمد..
ماعادت تعرف ماذا تقول.. أصبحت مشوشة تماما.. وبدأت تنتابها حالة اكتئاب يبدو أنها ستتعمق!!
**********************************
" حبيبتي حرقتي قلبي..
طالبش تقولين لي وش مضايقش؟؟ "
عالية بذبول: مافيني شيء حبيبي صدقني..
عبدالرحمن بيأس: عالية ياقلبي نشفتي ريقي.. صار لي ساعتين ألح عليش وأنتي تقولين ولا شيء..
مستحيل مافيه شيء..
نايف وش قال لش؟؟ جوزا تقول إنش من عقب ماراح من عندش وأنتي متغيرة..
حينها قفزت عالية بجزع: نايف ماقال لي شي.. ماقال شي..
تكفى لا تسأله عن شيء.. طالبتك.. لا تسأله..
ثم بشكل مفاجئ جلست على الأرض.. ودفنت وجهها في السرير قريبا من ساقيه الممدتين على السرير.. وهي تشهق بخفة!!
عبدالرحمن فُجع منها.. وهو يمد يده ليمسح على شعرها..ويهمس بقلق شديد:
والله العظيم حرقتي قلبي.. تعالي هنا.. تعالي..
عالية رفعت رأسها لتدفن وجهها في حضنه وهو يحتضنها بخفة.. لم يسألها عن شيء.. لأنه يعلم أنها لن تخبره..
عالية كانت شبه محطمة.. ليس خوفا من أن عبدالرحمن قد يفعلها ويتزوجها..
ولكن من صدمتها في نايف.. توأم روحها.. ونبضها..
لم تتخيل أنها بسبب خطأ بسيط قد ارتبكته قد يعاقبها هكذا عقاب.. وبهكذا قسوة..
لم تتخيل أن قلب نايف الحاني قد يقسو عليها هكذا..
فنايف دائما كان ملاذها حين تُغلق كل الأبواب في وجهها..
للحظات ظنت أنه يمزح.. ولكنه كان غاضبا منها فعلا.. وهددها بطريقة فاجعة وصارمة..
" معقولة يا نايف أنا تسوي فيني كذا!!"
عبدالرحمن ظل محتضنا لها بكل حنو حتى أفرغت طاقة بكائها.. حتى رفعت رأسها وهمست باختناق وهي تمسح وجهها..
وتهمس بذبول مختنق: آسفة حبيبي.. أشغلت بالك معي.. سامحني..
بأروح أتسبح عشان أهدأ شوي وبأجيك..
فور مغادرتها له.. تناول عبدالرحمن هاتفه.. فهو كان ينتظر مغادرتها بفارغ الصبر ليقوم بهذا الاتصال..
فور أن رد الطرف الثاني هتف عبدالرحمن بمودة: مساء الخير نايف..
نايف بمرح: قده صبح طال عمرك..
ابتسم عبدالرحمن: وش نسوي بك وانت مسهرنا لين الصبح؟؟
نايف بحرج: أنا؟؟
حينها همس عبدالرحمن لنايف بحزم: نايف أنت وش قلت لعالية؟؟.. من يوم طلعت من عندها وهي حالتها حالة..
حينها انفجر نايف في الضحك المجلجل وهو يتناثر بالكلمات بين ضحكاته:
خلها تستاهل.. أنا كنت أبي أثقل العيار عليها..
بس قلبي ما يطاوعني عليها الحمارة.. مع إنها تستاهل.. وأنت معها تستاهل مع احترامي لك...
لو خليتها تنكد عليك يومين زيادة بعد أحسن..
بس يا الله.. بأحتسب أجري عند رب العالمين..
عبدالرحمن ضحك مع تهديد نايف المرح له.. ومن يغضب من نايف؟ :
وليه وش سويت أنا بعد.. خلني بعيد عنك أنت وبنت أختك ماني بحملكم..
نايف مازال يضحك: قلها تفتح تلفونها وتقرأ المسج اللي بيجيها بعد شوي..
وأنت على قولتك.. اطلع من بيننا.. لأنه حن اثنين خبلان..
عبدالرحمن سمع بالفعل صوت رنة الرسالة التي وصلت هاتفها الموضوع على التسريحة..
كان بوده أن يقرأ الرسالة ولكنه كتم رغبته لسببين:
الأول أنه ليس من حقه التدخل بينها وبين خالها.. فقد يكون هناك سر ما بينهما..
الثاني أنه حتى لو فكر أن يفعلها.. فحتي يقوم على كرسيه المتحرك.. ويصل هناك ستكون قد خرجت من الحمام.
لذا انتظر حتى خرجت تلف شعرها بفوطتها بعد أن ارتدت بيجامتها..
كان وجهها ذابلا فعلا وهي تستدير لتنام جوار عبدالرحمن..
ولكن عبدالرحمن أوقفها وهو يهمس بإبتسامة: افتحي تلفونش جاش رسالة..
عالية توجهت لهاتفها بذات الخطوات الذابلة تناولته لتفتحته.. تفاجأت أن الرسالة من نايف فتحتها بتوتر..
لتتغير ملامحها للنقيض تماما... من ملامح ذابلة ساكنة.. إلى ملامح متفجرة بالحياة والحدة والصراخ والغضب:
الحيوان النذل.. خالي الزفت.. خال العازة..
يا من يجيبه عندي أعضه لين أقول بس..
أشلون أمسي الحين من الحرة!!
زين يانويف.. زين.. دواك عندي.. والله ما أعديها لك!!
عبدالرحمن انفجر في الضحك لأنه كان يراها تسبه وتشمته وهي تضحك بشكل هستيري:
والله أنك أستاذ يانايف بس عاد مهوب على الدكتورة عالية...
انا ماحد آكلني الأونطة قدامك.. والله لاردها لك دبل..
عبدالرحمن استغل أنها اقتربت منها حتى يتنزع الهاتف من يدها لأنه علم أن في الحكاية مقلب وأراد أن يعرفه..
عالية تركت الهاتف له وهي تستدير لتجلس جواره وهي تحتضن عضده بقوة سعادتها وهي تقرأ معه الرسالة للمرة الثانية:
" والله كان ودي أخليش تحترقين يوم يومين..
بس ماتهونين علي يا الدبة..
نسيت اقولش يوم جيتش ..
إني اليوم رحت لتميم في شغله عشان يسأل هله متى يبون موعد العرس بالتحديد
لأني مستعجل شويتين.. وأبيه على أبعد حد عقب شهر ونص شهرين...
.
تعيشين وتأكلين غيرها "
عبدالرحمن ضحك: بصراحة مافهمت شيء.. يعني أنتي زعلانة ذا الزعل كله عشان نايف ماقال لش متى يبي موعد عرسه؟؟
ما أشوفه سبب بصراحة!!
عالية احتضنت عضده أكثر وهي تهمس بسعادة حقيقية لأن نايف لم يخذلها:
لا.. النذل نويف ما ادري أشلون اكتشف إني كنت أكلمك..
وقال لي أنتي خدعتيني.. وإنه يبي يطلق مرته ويورطك تزوجها عشان يأدبني..
ضحك عبدالرحمن: وأمانة عليش صدقتي سالفة خبلة مثل هذي..
نايف رجّال فيه خير.. أنا اللي ماعشت معه مستحيل أصدق لو قال لي..
أشلون أنتي؟؟
عالية بمرح: ما أدري.. مخي اختبص.. وهو بين شكله جدي ويروع من قلب..
حينها همس عبدالرحمن بغرور تمثيلي: وذا كله وبغيتي تموتين.. عشانش غيرانة علي لأجيب على رأسش وحدة..
عالية تفلت ذراعه وهي تهمس بمرح: روح بس... شايف روحك على الفاضي..
عادي عندي.. أنا ووضحى ربع أصلا..
عبدالرحمن رقص حاجبيه: زين ولو جبت لش كتكوتة من بنات الجامعة اللي كاشخين تقولين رايحين عرس مهوب للجامعة..
حينها همست عالية بغيظ فعلي: والله لأقطعك وأحطك في أكياس نايلون..
وخل الكتكوتة تشبع فيك حزتها..
**************************************
" يا أختي أنتي وش جابش عندي لغرفتي.. فارقي لرجالش!!
أبي أنام.. زهقتيني!!"
سميرة تتمدد على سرير وضحى وهي تضحك: من زين خشتش بس..
لو علي ما أبي إلا شوفة تيمو..
بس شأسوي هو مشغول بكمبيوتر صاحبه يقول يبيه ضروري بكرة الصبح..
وطردني لأني كل شوي مدخلة يدي مع يده أهندس معه.. ما أقدر أقعد فاضية يدي تأكلني!!
وضحى بتأفف باسم وهي تتمدد جوارها: أنتي كل شيء فيش يأكلش..
أول مرة أشوف وحدة تهذر على الجهتين مثلش.. بإيديها ولسانها..
سميرة بمرح: زين خلينا من ذا الهذرة وقولي لي وش قررتي في اللي قاله لش تميم؟؟
وضحى بخجل: ما أدري مابعد فكرت.. أنتي وش رأيش؟؟
سميرة بمرح مختلط بالجدية: تبين رأيي.. مابدهاش.. عقب شهر وعشرين يوم بالضبط..
وضحى ضحكت برقة: وش معنى ذا التحديد الدقيق؟؟
سميرة بإبتسامتها العذبة: لأنه هذا وقت رجعتنا للدوام.. فليش تضيعين على نفسش إجازة الزواج..
يعني استغلي إجازة الصيف تتسوقين وأنتي مرتاحة.. وعقب خذي إجازة الزواج الأسبوعين من عيون الشغل..
وضحى تضحك: يمه منش يالسكنية.. ولا حتى طرى على بالي ذا كله..
سميرة قفزت بحماس: يعني أقول لتميم يقول لنايف..؟؟
وضحى بجزع خجول: لا لا.. لازم تقولين لأمي أول وهي بتقول له..
****************************************
البارحة بعد أن تمدد على السرير.. وعاود فتح عينيه ليجدها مازالت تجلس على الأريكة
حلف عليها أن تنام هي على السرير ونام على الأريكة..
ولكن هل يتكرر هذا الليلة أيضا؟؟
بالفعل لايريد منها شيء مما يخطر ببالها.. يريدها أن تطمئن له فقط..
ولكن مادامت لا تريد أن تتقبل قربه ولا بأي طريقة فكيف ستبدأ تعتاد عليه!!
كانت تجلس على الأريكة بعد أن أنهت وردها.. جاء وجلس قريبا منها حين انتهى هو أيضا وهو يهمس لها بولعه الحقيقي:
حبيبتي شعاع الليلة بعد تبين تنيمني على الكنبة؟؟
شعاع دعكت يديها بتوتر.. بينما علي يهمس لها بعمقه الواله:
والله العظيم أدري إنش مصدومة من تصرفي البارحة..
بس خلني أسالش شيء..
لو أبيش الله يحفظه لش.. غاب عنكم سنين ماتدرون عنه شيء.. وعقب رجع فجأة وشفتيه قدامش..
هل بتوقفين قدامه وتقولين له ياحياك الله يارجّال.. ووين الغيبة..؟؟
وإلا بتلوين عليه بدون مقدمات أو كلام؟؟
شعاع لا تعرف طبعا ماذا يقصد بكل هذا لكنها أجابته بعفوية:
طبعا بأتلوى عليه.. من اللي له قلب يحكي ذاك الوقت من الصدمة؟؟
ابتسم علي: زين هذي حالتي بالضبط.. شفتش قدامي وأنا كنت أظن إني مستحيل أشوفش حياتي كلها..
تبين أقعد أخذ وأعطي معش في الكلام وأنا عقلي طار مني..
شعاع لا تصدقه إطلاقا لذلك لم تفكر حتى أن تسأله.. كيف إذن تتزوج واحدة وقلبك مع واحدة أخرى؟؟.. او كيف تتجرأ أن تخطب واحدة في يوم ملكتنا؟؟
فبالها في أمور أعمق وأهم الآن..
أن تحمي نفسها منه!!
همست شعاع برقتها التلقائية: زين أنت الحين ليش تضرب ذا المثال؟؟ وش بتستفيد منه يعني؟؟
علي بدلا من أن يجيبها همس بولع: أنتي مخلوقة حقيقية وإلا حلم؟؟
أنتي الحين تتكلمين وإلا تنثرين شهد وسكر من بين شفايفش؟؟
شعاع اختنقت بالفعل ووجهها يتفجر احمرارا من الخجل..
حتى إن كانت لا تصدقه.. فهي لا تستطيع احتمال مثل هذا الكلام.. لا تستطيع..
براءتها لا تستطيع.. شفافية قلبها لا تستطيع.. نقاء روحها لا يستطيع!!
علي حينها ضغط جانبي رأسه وهو ينظر بكل ولعه اللامتناهي إلى احمرار وجهها المتفجر:
شعاع ياقلبي خفي علي.. أنا واحد ذايب بدون شي.. ارحميني..
شعاع بيأس: أرجوك علي لا تقول لي ذا الكلام.. أنا ماسويت لك شيء؟؟
علي باستنكار واله: ماسويتي لي شيء..؟؟!!
أنتي مابقى شي من التعذيب ماسويتيه فيني من أول دقيقة شفتش فيها لين الحين..
حتى شوفت خدودش وهي مولعة حمر كذا يعذبني..
حتى وأنتي ساكتة تعذبيني.. وحتى يوم تحنين علي وأسمع همستين من بين شفايفش تعذبيني..
شعاع صمتت واحمرار وجهها يتزايد.. " يا الله هذا وش يبي مني بعد؟؟"
همست باختناق: الحين علي.. وش اللي تبي توصل له من ذا الكلام كله؟؟
همس علي بشفافية عميقة: ما أبي شيء.. أبي أعبر عن مشاعري بس لا أموت من الكبت..
أنا ما أدري وين أفكارش موديتش.. بس صدقيني ..شوفتش قدامي تكفيني عن كل شيء..
ثم أردف بمرح شفاف: بس بعد حبيبتي لا تصيرين صكة مرة وحدة.. يعني مافيها شيء لو نمتي جنبي.. خليتيني أمسك يدش على الأقل..
عشان تتعودين علي شوي شوي.. مايصير ذا الحاجز اللي حاطته بيننا..
حينها همست شعاع بجزع: ولو أنت تهورت..؟؟
ابتسم علي: زين وتهورت.. صارت مصيبة يعني؟؟
ماعليش من كلام الدكتور.. لا تخافين عليّ.. هو وش عرفه إني لقيت دواي خلاص ..
شعاع تكاد تبكي.. "هذا أكيد مهوب صاحي.. معقولة لذا الدرجة ماعنده إنسانية؟؟
أو هو مايدري بحقيقة مرضه؟؟ "
*******************************************
" تميم الليلة قال لي إن نايف يبي يحدد موعد العرس
خلال شهر ونص شهرين بالكثير... وش رأيك؟؟"
زايد يضع الكتاب الذي كان يقرأ فيه جانبا ويلتفت لمزنة التي أنهت قيامها ووردها للتو.. وتمددت جواره..
ويهمس بمودة صافية: الرأي رأيش أنتي وبنتش..
مزنة بأريحية راقية: ورأيك بعد.. وخصوصا إنك بتسافر بكرة..
وأكيد الموعد بيتحدد وأنت مسافر..
زايد بثقة: الموعد اللي بيناسب وضحى ودوامها براحتها..
وأنا بعد أبي أحدد موعد عرس بنتي لأنه غانم حرقنا بالإلحاح..
وأما السفر.. مابه سفر.. قاعد عندكم..
مزنة بتساؤل باسم: أفرح ماعلي تقعد عندنا.. بس علي من بيروح معه؟؟
زايد بإبتسامة شامعة: ماحد.. على قولته .. من اللي يأخذ معه مرافقين في شهر العسل..
ثم أردف بسعادة ودودة: تدرين يامزنة.. صرت متشفق على شوفت شعاع...
علي ماشفتيه البارحة أشلون منقلب حاله؟؟
أبي أشوف اللي قدرت تغير مزاج علي كذا..
ابتسمت مزنة بسعادة: الله يبشرك بخير.. لا والله ماشفته.. لأنه يوم جا البارحة.. كنت عند إبي أعشيه..
أما على شعاع.. فسبحان الله يازايد.. على إن عيال فاضل كلهم غالين علي..
بس شعاع من أول مرة شلتيها في يدي وهي مولودة تحسها تشرح القلب وترّبع فيه..
الله يجمع بينهم في خير وعلى خير!!
******************************************
" اليوم حاولي تطلعين من الدوام بدري شوي
بأمر عليش 11 ونص"
كاسرة باستغراب وهي تلتفت ناحيته بينما نظره مثبت على الطريق:
ليه فيه شيء؟؟
كساب بثقة: لا مافيه شيء.. بس علي ومرته بيتغدون عندنا قبل يطلعون المطار.. وأبيش تكونين موجودة!!
كاسرة بهدوء: إن شاء الله.. 11 ونص بأكون جاهزة..
كساب صمت لثوان ثم أردف بحزم: وترا عندي سفرة عقب كم يوم.. ويمكن أطول فيها شوي..
أنا كنت مأجلها على أساس أني يمكن أسافر مع علي..
بس الحين ما أقدر أأجلئها..
رغما عنها ارتعشت أناملها التي أمسكت بها بقوة وأخفتها بداخل أكمام العباءة وهي تهمس بحزم صوتها المعتاد:
تطول كم يعني؟؟ أسبوع؟؟ أسبوعين؟؟
كساب بذات النبرة الحازمة ويداه مثبتتان على مقود السيارة: شهر ويمكن أكثر..
حينها لم تستطع أن تمنع عبرتها من القفز لتقف في منتصف حنجرتها وتتضخم (شهر يالظالم!! ويمكن أكثر!!)
لم ترد عليه وهي تعتصم بالصمت..
بينما زفر هو بداخله بيأس.. لو كان الأمر بيده لم يكن ليغيب عنها وخصوصا أن الوضع غير مستقر أبدا بينهما..
ولكن ماذا يفعل؟؟ لديه مهمة مؤجلة من فترة وماعاد يستطيع التأجيل أكثر!!
هتف بحزم: وش فيش سكتي؟؟ ماعلقتي يعني؟؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تجيب بخفوت حتى لا يفضحها ارتعاش صوتها:
خلاص صار عندي خبر.. وش تبيني أقول؟؟
تروح وترجع بالسلامة..
************************************
لم يناما حتى صليا الفجر.. هي لتوترها ولكثرة ما سألها..
وهو لاستمتاعه بمراقبتها وسماع همساتها..
يا الله لم يتخيل أن مراقبة إنسان ستكون ممتعة ومبهجة للروح إلا معها..
وكل حركة تقوم بها.. تذيب قلبه الذائب منذ أمد..
دعكها لأناملها.. لفها لخصلات شعرها على أصابعها.. عضها لشفتيها..
أما حين تهمس ردا على أسئلته التي لا تنتهي لأنه لا يريدها أن تصمت.. فهمساتها كانت تنحره نحرا..
سألها عن كثير من الأشياء.. وأجابته بشفافية متوترة.. وهي لا تعلم ماذا يستفيد من معرفة كل هذا؟؟
ماذا يستفيد من معرفة اسم مدرستها الابتدائية؟؟
أو متى فكرت أن تقص شعرها لأول مرة؟؟
أو ماهو طعامها المفضل؟؟
هو كان يريد أن يعرف كل مافعلته في حياتها قبل أن تلتقيه.. أراد أن يغوص في ثنايا حياتها بكل دقائقها وتفاصيلها..
ولكنه بدأ يسأل عن حياتها الخارجية قبل أن يغوص للعمق.. ويعلم أنه مازال أمامه الكثير.. ولكنه مستمتع جدا برحلة المعرفة هذه..
وهو يقدم لها البديل الفوري مباشرة.. حتى يكون كل منهما على ذات المستوى من معرفة الآخر..
فإن سألها عن شيء وأجابته.. أجاب لها عن ذات الشيء عن نفسه..
أخبرها عن يومه الأول في المدرسة.. وعن أول شجار..
أحاديث عامة.. لم يغص فيها إلى العمق بعد حتى يكسب ثقتها التي أصبحت حلما له!!
وكان مازال يشعر أنه يريد أن يقول الكثير ويسألها عن الكثير لولا أنه وجدها نامت فعلا حين عاد من صلاة الفجر..
وإن كان لم يستطع مراقبتها وهي نائمة حين عاد.. بسبب عتمة الفجر..
فهاهو يقترب منها الآن في ضوء النهار الساطع.. بعد أن نام مجبرا على أريكته..
بدت له أشبه ما تكون بحلم غافٍ... لا يعلم كيف يغفو الحلم.. ولكن من المؤكد أنه هكذا يغفو!!
سماوي.. عذب.. مثقل بالروعة والحسن والبهاء!!
كانت مستغرقة من النوم لا تعلم عن العينين الوالهتين اللتين كانتا تراقبانها بشغف..
ملامحها الغافية كانت تتسلط على روحه بقسوة حانية.. كيف تكون القسوة حانية؟؟ لا يعلم أيضا!!
فعلى اعتابها.. اجتمعت التضادات في روحه.. الهجير والنسيم العليل..
الوجع والرضى.. الألم والاطمئنان..
انحنى قليلا ليمد يده ليمسح على أناملها الغافية جوارها برفق عاشق..
همست برقة ناعسة: أممممم يمه.. أبي أنام..
همس بحنان عميق: حبيبتي قومي.. نبي نسوي شيك آوت نطلع..
شعاع حينها انتفضت بجزع وهي تجلس بحدة وتتراجع للخلف حتى تبتعد عنه
وهي تشد جيبها عى عنقها بحركة دفاعية.. رغم أنها تلبس قميصا بجيب مغلق تماما..
علي شعر بضيق عميق من حركتها وهو يعتدل واقفا ويهمس بضيقه الشفاف:
شعاع تراني ماني بهمجي ولا متوحش عشان تخافين مني كذا!!
لم تقل شيئا وهي تتمنى لو استطاعت أن تبكي فقط..
هل لكل هذا من آخر؟؟ هل له آخر؟؟
***************************************
" حبيبتي وين بتروحين ذا الحزة..
أشوفش ملبسة زايد وتلبسين "
كان منصور العائد من عمله يجلس على الاريكة وهو يراقب عفراء التي كانت تتانق أمام المرآة..
عفراء أجابته برقة: أم امهاب عازمتني على الغدا.. بتجيهم مرت علي..
وأبي أسلم على علي ومرته قبل يسفرون..
منصور بعتب: وبدون ماتقولين لي حتى؟؟
عفراء اتسعت ابتسامتها برقة شديدة.. تتخيل لو أن هذا الموقف حدث في أول أيام زواجهما.. كان منصور ليثير عليها زوبعة.. قبل أن يسمع ردها
مالت لتقبل رأسه وهي تهمس برقة: افتح تلفونك شوف كم اتصال جايك..
ويوم يأست إنك ترد علي.. أرسلت لك مسج..
منصور يستخرج الهاتف من جيبه: يوووووووه.. نسيته على الصامت.. كنا في اجتماع مهم شوي..
ابتسمت عفراء وهي تنظر للمرآة وتسأل بعفوية: خير إن شاء الله؟؟ وإلا أسرار عسكرية..؟؟
ابتسم منصور: عندنا تدريبات للفرق وتراني بألهى معهم شوي الأيام اللي بتجي..
فلا تحاتيني لو صرت أتأخر بدون ما أتصل لش..
عفراء حينها استدارات لتقترب منه وتهمس برجاء عميق:
لا منصور طالبتك.. بلاها تتأخر بدون اتصال ذي.. على الأقل أرسل لي مسج..
إلا لو تبيني استخف..
منصور وقف وهو يميل ليقبل جبينها ويهمس بمودة عميقة: بأحاول.. بس بعد أقول لش لا تحاتين..
خلاص عطيني دقايق أسبح وأبدل وأنا بأوديش.. زايد عازمني على الغدا بعد..
وطالبش تقولين لجميلة تكون جاهزة قبل أخلص.. لا أنتف شعر رأسي..
************************************
" حبيبتي ليش تبكين كذا؟؟"
همست شعاع بشفافية بين شهقاتها الخافتة: مشتاقة لهلي..
ابتسم علي بحنان: لا تحاتين ياقلبي.. أسبوعين بالكثير وحن راجعين..
ثم أردف وهو يحاول إلهائها عن التفكير: تدرين إبي معجب فيش بشكل..
ما أدري وش سويتي بالشيبة وولده؟؟
شعاع لم ترد عليه وهي مازالت تحاول كتمان شهقاتها..
حينها سألها سؤال آخر: متى آخر مرة رحتي لندن؟؟
أجابته باختناق: مارحت لندن من قبل..
علي باستغراب: أبدا مارحتي؟؟
شعاع تحاول أن تتماسك: أبد..
ابتسم علي: أحسن عشان تشوفينها بعيوني.. لندن أنا حافظها مثل كف يدي..
زين متى آخر مرة رحتي فيها أوربا..؟؟
شعاع كان بودها أن تضربه بحقيبتها على رأسه (صدق إنك بايخ وسخيف) شدت لها نفسا عميقا:
أنا مارحت برا الدوحة إلا للسعودية رحت للعمرة كم مرة وبس..
علي بصدمة: من جدش؟؟
حينها همست شعاع بنبرة مقصودة: والله مهوب كل الناس هايتين برا على غير سنع !!
علي لم ينتبه لنبرتها وهو يهتف بأريحية: ولا يهمش.. معي بتشوفين العالم كله..
شعاع صمتت لثوان ثم أردفت بذات نبرة الاختناق التي عادت لها:
علي .. أنا مابعد ركبت طيارة في عمري..
حينها هتف علي بصدمة حقيقة: نعم؟؟ من جدش عاد؟؟
حينها انفجرت في البكاء ومخاوفها تختلط قديمها وجديدها وهي تخبره بما منعها خجلها منه:
أنا خايفة من الطيارة.. وأخاف من الأصنصيرات.. وأخاف من كل شيء مرتفع ومسكر..
أنا خايفة.. ما أبي أسافر.. ما أبي!!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثمانون 80 - بقلم HaboOoshy
" حبيبتي شعاع هدي شوي..
أنا قلت لش بأكنسل السفر بس أنتي مارضيتي"
شعاع بين رعشات جسدها وشفتيها: أشلون نكسل والناس كلهم عارفين إنه حن طالعين المطار
وأنت مرتبط بمواعيد مع الدكتور..
أنا خلاص مافيني شيء.. مافيني شيء..
شعاع كانت تشعر في هذه اللحظات التي جلست فيها على مقعد الطائرة برعب حقيقي مختلط بمشاعرها الشديدة التعقيد..
كشخص لم يسبق له ركوب الطائرة مطلقا لم تفكر أنها ستخاف منها..
فالإنسان لا يخاف من شيء لم يجربه أو يفكر فيه.. لأنه حتى التفكير في الرحلة لم تجد له وقتا..
فموعد زواجها تحدد مع امتحاناتها وكانت مشغولة تماما.. وهي في رتم متسارع بين الدراسة والتجهيز..
حتى حين طلب والدها جواز سفرها لينجز لها الفيزة.. لم تسأله أين سنسافر.. أو ربما منعها الخجل!! ففي بالها أمور كثيرة !!
ثم صدمتها ليلة زواجها والأحداث تتلاحق لتجد نفسها بعد ذلك في السيارة متجهة مع علي للمطار..
وخلفهم سيارة أخرى فيها والدها وكساب ومعهم أحد سائقين شركة كساب ليعيد سيارة علي..
فهل تفضح نفسها أمام الناس وتقول أنها لن تسافر.. ؟؟
وخوفها الحقيقي ليس من علي.. ولكن من والدها.. رغم أن والدها بعد حادث عبدالرحمن أصبح حنونا كثيرا..
ولكنها تعلم أنه ما أن يغضب.. فأنه سيجلجل ويثور دون رحمة!!
تتخيل منظرها أمام علي وفي الشارع حين تقول إنها لن تسافر.. وما الذي سيفعله لها والدها؟؟
لذلك رأت أن الطائرة أهون الشرين..
وخصوصا أنها تعلم أن علي لديه موعد غدا صباحا.. فهل تربك كل ذلك من أجل خوف لا مبرر له..
ومن ناحية ثالثة لا تريد أن يتكلم عليها أحد.. وتتخيل شكل الإشاعات التي ستظهر عليها حين تعود من المطار...
لن يقول الناس خائفة من الطائرة... بل كل لسان سيخترع له حكاية!!
ومن ناحية رابعة.. لا تريد أن يشعر علي أنه صاحب فضل عليها حين يلغي كل شيء من أجلها..
لأنه حين يقدم لها جميلا.. فهو بالتأكيد سيريد مقابلا له..
وتشعر بالرعب الأشد من رعب الطائرة حين تفكر بالمقابل!!
لذلك جمدت مشاعرها كلها حتى أنهت كل الإجراءات.. وصعدت للطائرة..
وجلست في مقعدها.. لتبدأ حينها في الارتعاش!!
كانت تشبك يديها في حضنها وصوت اصطكاك أسنانها يبدو واضحا بخفة..
علي شد يدها بحنان ليمسك بكفها وهو يحتضنها بين كفيه ويدعكها بخفة حانية ويهمس لها بحنان مصفى:
سمي بسم الله.. وتعوذي من الشيطان.. وادعي دعاء السفر..
كانت شعاع تحاول التكلم لتجد لسانها مرتبطا.. علي همس لها بخفوت في أذنها وهو مازال يشد على كفها: يا الله قولي وراي..
كان يدعو وهي تكرر ورائه كما لو كان أبا يعلم ابنته ويهدئها..
شعرت بنوع من الهدوء النسبي والراحة النفسية.. وهي تترك كفها بين يديه دون أن تنتزعها كما كان يظن أنها ستفعل..
فهي في هذه اللحظات أشد حاجة له من حاجته لها..!!
حينها ولأول مرة وجد الفرصة ليتأمل رقة أناملها.. ويشعر بمتعة وروعة وسماوية وجودها بين يديه..
ورقتها ونعومتها تذوي كالزبد بين أنامله.. شعر بشعور أشبه بالصداع ناتج عن رغبته الشديدة إلى رفع كفها إلى شفتيه ليغمرها ببعض من قبلاته الوالهة..
ولكنه لم يستطع إلا أن يكتم رغبته.. فليس الوقت ولا المكان بالمناسبين!!
كما أنه لا يريد استعجالها بشيء فترعب منه!!
هذه المرة تركت يدها له.. فليرضى بالقليل الذي تقدمه برضاها إن كان يريد أن يحصل على الكثير!!
فالسياسة علمته الصبر والدبلوماسية!!
وماصارت تقدمه برضاها بات أكثر من المتوقع.. لأنه ما أن بدأت الطيارة تتحرك حتى صرخت شعاع بخفوت: وش فيها؟؟ وش فيها؟؟
ابتسم وهو يشد على كفها مطمئنا: لا تخافين ياقلبي.. الحين تتحرك عشان تتوجه للمدرج.. دقيقتين بالكثير ونطير..
ماراح تحسين بشيء أبد!!
أما حين بدأت بالتحرك بسرعة على أرض المدرج.. انتزعت كفها من بين يديه وهي تصرخ بذات الخفوت المكتوم: يمه.. يمه.. بأموت ياعلي.. يمه بأموت..
لتستدير ناحية علي لتحتضن عضده بذراعيها الاثنتين وتخفي وجهها فيه..
كاد يغمى عليه وهو يشعر بحرارة أنفاسها المتصاعدة تلفح عضده..
مد يده ليمسك بعضدها وهو يربت عليه ويقرأ عليها آيات القرآن الكريم بصوت رخيم جدا وبالغ الحنان لدرجة تُشعر بالنشوة النفسية العميقة!!
شعاع بقيت على هذه الوضعية وصوت علي الحاني بالفعل يطمئن روحها
حتى شعرت أن الطائرة هدأت تماما وكأنها لا تتحرك...
وكل ماشعرت به هو بعض الألم في أذنيها الذي زال مع ابتلاعها ريقها الذي جف في حنجرتها..
أفلتت يده ليشعر حينها كما لو أن قلبه قفز من مكانه.. لأنه لم يكن يريدها أن تفلته..
بينما كانت تهمس باختناق: شا اللي صار؟؟
ابتسم بحنان: شفتي!! ماصار شيء.. الطيارة طارت.. وهذا أنتي مافيش إلا العافية !!
همست باختناق أشد: ريقي ناشف أبي ماي.. إذا ممكن..
هتف بذات الحنان وهو يشير للمضيفة: أكيد ممكن..
****************************************
" عبدالله.. أبيك تساعدني في موضوع.. طالبك!!"
ابتسم عبدالله وهو يضع فنجانه: غريبة!! مهيب عوايد!!
فهد بتأفف: عبدالله لا تزيدها علي.. يعني بتذلني قبل ماتساعدني..
عبدالله ضحك: وش مذلته يا الكذوب؟!! مابعد فتحت حلقي!!
فهد بحزم: اسمعني وش بأقول لأبي.. ولو أنا احتجت مساعدة أرجوك عبدالله ساعدني..
وعلى العموم إبي ماني بخايف منه.. إبي رجال راعي دين..
لكن النسوان أنت تعرف تفكيرهم!! عشان كذا أنت عقب اللي بتكلم أمي!!
عبدالله حينها شعر بالقلق: فهد وش السالفة؟؟
فهد يقوم من مكانه ليجلس جوار والده وهو يهتف لعبدالله بثقة: الحين بتعرف..
حينها كان أبو صالح يرتشف قهوة العصر.. ويشاهد الأخبار قبل أن يجلس فهد جواره وهو يربت على فخذه ويهتف باحترام:
يبه أبيك في سالفة!!
أبو صالح بحزم: وأنا ما أسمع.. ولا لك عندي سمع ولا جابه!!
فهد بصدمة: أفا يا أبو صالح.. ليه كذا؟؟
أبو صالح بذات الحزم والصرامة: مسرع نسيت من سواتك الشينة ليلة راحت عالية لبيت رجالها!!
فهد قفز ليقبل رأس والده ثم أنفه ثم يده وهو يهتف باحترام حقيقي:
أفا يبه.. أنت عادك شايل في خاطرك.. حزة شيطان وراحت..
وأنت عارفني دمي حامي والذبانة ما تمر من قدام خشمي..
ماهان علي تروح أختي لبيتها ونفسها مكسورة..
بس يوم شفتها ذا الأيام مبسوطة ومستانسة.. والله إني استانست لها..
حينها هتف أبو صالح بشبح ابتسامة: والله ما أدري وش عندك يا الهيس في صفصاف ذا الحكي!!
شوف... كن السالفة أنك تبي تعرس.. أنا حاضر..
كنه شيء ثاني.. قم فارقني في السعة!!
ابتسم فهد: أنت اللي قلتها!! أنت حاضر!!
اتسعت ابتسامة أبي صالح: مابغيت يا أبيك.. شابت رموش عيني وأنا أحن عليك..
تبي تخطب عند حد تعرفه.. وإلا تبينا ندور لك؟؟
عبدالله كان يستمع للحوار الدائر ويبتسم متسائلا لماذا طلب فهد مساعدته.. فهو يبدو غير محتاج للمساعدة أبدا..
ولكنه حين رأى تغير وجه فهد بعد سؤال والده... تجهز عبدالله للمساندة لأنه علم أن المشكلة هي في اسم العروس شخصيا!!
تنحنح فهد : لا.. فيه حد معين في بالي.. (قالها وهو ينظر لعبدالله بنظرة معناها استعد للمساعدة)
هتف أبو صالح بتلقائية: بنت من؟؟
فهد شد له نفسا عميقا ثم هتف بحزم: بنت مرت منصور آل كساب!!
أبو صالح تغير وجهه قليلا ولكنه شد له نفسا عميقا أيضا ثم هتف بحزم حان مختلط بالصرامة البالغة:
اسمعني يا أبيك.. أنا عارف غلا منصور عندك.. بس لاتخلي الغلا يحدك على شيء ماتبيه!!
أنا ماني بقايل لك كلام الجهّال وأقول لك حضرية.. لأنها من عرب أجواد وفيهم خير وأنا كنت أعرف أبيها وجدها..
ولاني بقايل مطلقة مع إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟"
بس البنت كانت مريضة وبغت تموت.. وأنا بنفسي متذكر وش اللي جا زايد وهو يراكض من مكان لمكان عشانها..
وش يدريك إن مرضها مايرجع.. وإلا يكون أثر عليها وتكون ماتجيب عيال؟؟
الرجال لا عرس يبي له صيب.. وذي سنة ربي في الحياة!!
فهد بتصميم: وأنت بعد يبه وشيدريك إنها ماتجيب عيال.. هذا كله قسمة ربك!!
أبو صالح بتصميم: وأنت وشيدريك بعد أنها تجيب..
والله يا أبيك ما أشوف شيء يحدك تأخذها.. كون غلا منصور.. وهي حتى مهيب بنته!!
فهد بتصميم أشد وأشد: إذا جالي عيال.. مهوب خوالهم عيال منصور آل كساب؟؟
أبو صالح بانتصار: هذا أنت رجعت إنك تبغي عيال.. وهي يمكن ماتجيب لك!!
حينها تدخل عبدالله بنبرته الهادئة الحازمة: يبه الله يهداك.. وش فيك تعضل على فهد..
دام البنت ماينرد في أخلاقها ولا دينها شيء.. مايصير ترده منها..
أبو صالح بثقة: أنا أبي له الزين.. وأنا وش أبي إلا توفيقه.. بس أبيه يأخذ وحدة تملأ عينه.. مهوب عشان (ياخال أبوي حك ظهري)..
حينها هتف فهد بحزم بالغ: وأنا لو ماخذتها.. ما أبي العرس خلاص..
والبنت بتخلص عدتها عقب كم يوم.. وما أبي حد يسبقني عليها!!
**********************************************
" يبه تبي فنجال بعد؟؟"
الجد جابر يهز كفه المعروقة هامسا بحنان: لا يأبيش شكّرت..
ابتسمت كاسرة: أحسن.. كثر القهوة مهوب زين لك..
الجد حينها هتف بإصرار: أجل صبي لي فنجال.. كم مرة قلت لش أنا ماني ببزر تحاكيني كذا..
كاسرة وقفت لتقوم عن الأرض حيث كانت تجلس وهي (تقهوي) جدها لتجلس جواره على سريره بعد أن قبلت رأسه وهي تهمس بابتسامة:
خلاص أنا البزر وأنا اللي ما أفهم.. السموحة يبه!!
الجد ابتسم بحنان وهو يسألها: زين رجالش وينه؟؟ قد لي يومين ماشفته!!
ابتسمت كاسرة: يبه كان لاهي في عرس أخيه وتو أخيه راح اليوم راح يوصله للمطار وأكيد عقب راح لشغله.. شغله قريب من المطار..
وبيجيك الليلة.. أبشر!!
الجد جابر بعفوية: بأروح لمجلس زايد أتقهوى عندهم عقب المغرب.. بأشوفه هناك على خير..
أربكم يأبيش حالكم زين؟؟
كاسرة تنهدت: الحمدلله يبه.. ماشي الحال..
الجد جابر بقلق: تقولينها كنش منتي براضية؟؟
ابتسمت كاسرة: إلا راضية.. ومن اللي يشوف وجهك الزين ولا يرضى!!
ابتسم الجد: يا الكذوب ماعليش من وجهي!! أنشدش من كساب؟؟
ضحكت كاسرة بمرح رقيق: وعاد وجه كساب أزين الله لا يخليني منه!!
" آمـــــــيــــــــن"
كاسرة قفزت واقفة وشهقت وهي تسمع الصوت ثم ترى الخيال الذي دخل مع الباب الخارجي ثم أغلقه وراءه بالمفتاح..
كاسرة همست بغضب تغطي به على حرجها المتفجر: أنت أشلون تدخل كذا بدون استئذان حتى؟!!
كساب تقدم وهو يسلم وينحني على رأس الجد ثم يشدها من عضدها وهو يهمس بحدة بالغة وبصوت منخفض:
إلا أنتي اللي أشلون قاعدة كذا وحتى شعرش مفكوك.. والباب اللي من صوب الحوش مفتوح.. لو سليم اللي داخل عليش الحين؟؟
بس ماعليه.. حسابش في البيت..
كاسرة بصوت غاضب منخفض: والله سليم عمره مادخل بدون مايدق الباب لين توجعه يده.. وأنا بالعادة أصلا أسكر الباب..
وليش ماتقول أنت أشلون داخل كذا.. لو وحدة من البنات هي اللي عند جدي وأنت داخل مدرعم كذا ؟!!
كساب غاضب بالفعل: لا يا بنت ناصر.. أنا أعرف الأصول زين..
أنا رحت لمجلسنا حسبت بأعين أبي جابر مثل عادته.. بس مالقيته..
اتصلت في أمش أسأل عنه لأنه لي يومين ماشفته..
قالت لي في حجرته وماعنده إلا مرتك.. مادريت إن مرتي ماخذه راحتها بزيادة!!
الجد جابر قاطع الشرارات المتفجرة بين نظراتهما وهو يهتف بتساؤل متأفف:
أنتو وش تهذرون ماسمعتكم؟؟
كساب يجلس جواره وهو يهتف باحترام مختلط بغضبه من كاسرة: أبد يبه..
أنشد كاسرة عنك!!
ابتسم الجد: انشدني من روحي.. وإلا نشدة كاسرة أزين؟؟
حينها ابتسم كساب بخبث: أكيد يبه.. وش جاب صوتك عند صوتها اللي أروح عنده وطي!!
حينها ضحك الجد بصوت مسموع: الله يهني سعيد بسعيدة ويعوض علي..
هي شايفة وجهك أزين.. وأنت شايف صوتها أزين..
ها وش الي مقعدكم عندي؟؟
كاسرة وجهها احمر فعلا من الحرج والغضب.. وهي تسب نفسها لأنها لم تغلق الباب.. وتسب كساب لأنه تعمد إحراجها هكذا!!
همست بحزم وهي تستعد للمغادرة : المكان مكانك.. أنا باروح داخل..
ولكن كساب أمسك كفها بقوة وهو يهتف بحزم مازال يتخلله الغضب:
اقعدي قهويني.. مابعد تقهويت..
الجد الذي كان نظره ضعيفا لذا هو يرى مايحدث بضبابية فقط.. هتف بغضب:
أفا ياكاسرة أنتي ماقهويتي رجالش..؟؟
كاسرة همست من بين أسنانها: حاضر يبه.. بأقعد أقهويه!!
كاسرة جلست على الأرض لتصب لكساب القهوة.. كساب تناول منها الفنجان بذات حدته..
كان يرتشف قهوته ببطء .. وعيناه ترتشفان ببطء أيضا ملامح حسنها الغاضبة.. أمواج شعرها الغافية على كتفيها..
وغضبه يتزايد كلما تخيل أنه كان من الممكن أن تلمحها عين رجل سواه..
بعد أن أنهى فنجانه.. هزه دلالة على انتهاءه بينما كاسرة همست بغيظ: مقعدني قدامك عشان فنجال واحد بس..؟؟
أجابها بنبرة مقصودة تماما: شوفتش قدامي تسوى فناجيل!!
وقفت وهي تهمس بحزم: خلاص أترخص..
أكمل وهو يقول للجد باحترام: بنترخص كلنا..
ثم أردف لكاسرة بحزم: يا الله معي للبيت..
كاسرة لا تريد أن تذهب معه.. لأنها تعلم ما الذي سيحدث.. سيصرخ عليها قليلا ويؤنبها لأنها تركت الباب مفتوحا..
وهي تشعر فعلا بالحرج ولا تحتاج للمزيد!!
همست بصوت منخفض: كساب ما أبي أروح الحين..
كساب شدها من كفها وهو يهتف بحزم بالغ: غطي وجهش بجلالش وامشي..
خلصيني..
كاسرة شدت كفها وهي تهمس بغضب حقيقي من بين أسنانها:
كساب أظنك تعرف إني مستحيل أروح معك بذا الطريقة..
حينها أفلتها وهو يهتف ببساطة تثير الغيظ: خلاص براحتش..
بس عشان ماتزعلين وتقولين ماقلت لي.. أنا بأروح أرتب أغراضي وبأطلع المطار عقب المغرب لأن طيارتي بعد العشا..
كاسرة تراجعت نصف خطوة وهي تهمس بصدمة حقيقية: أنت مهوب قلت لي عقب كم يوم؟!!
هز كتفيه وهو يفتح الباب ويستعد للخروج : تقدمت الرحلة.. فيه مانع يعني؟؟
وخرج فعلا وهو يغلق الباب وراءه.. ثم يتنهد خلفه بعمق لاسع!!
يتخيل أنه قد يمنعها عنادها من اللحاق به.. وأنه قد يسافر دون أن يودعها..
دون أن يضمها لصدره.. ويتزود من عبق أنفاسها!!
شعر حينها أن قلبه يُعتصر بقسوة... ولكنه مضى..
مــا الـجــديــــد؟؟
قهر نفسه وأمنياته ورغباته شيء اعتاد عليه حتى غاص بوجعه في خلاياه!!
لذا لم يستطع منع نفسه من الابتسام وهو يراها تدخل خلفه إلى غرفتهما بعد دخوله بدقيقتين..
كان قد وضع حقيبته على السرير وفتحها..
همست دون أن تنظر ناحيته وهي تشد الحقيبة ناحيتها: ملابسك ذا المرة ملابس شغل واجتماعات؟؟ وإلا كالعادة؟؟
هتف بذات ابتسامته التي لم يستطع منعها من الاتساع: كالعادة..
همست بحزم: خلاص افتح لي الدولاب السري.. خلني أرتب ملابسك..
غريبان هذا الزوجان.. غريبان بالفعل!!
يخفي سرا كبيرا.. وتعلم هي ذلك.. ويعلم هو أنها تعلم!!
أحيانا حين يسافر تكون هي من ترتب ملابسه كما يحب هو.. بطريقة منظمة جدا.. بنطلونات وقمصان وأحذية رسمية للعمل واجتماعات رجال الأعمال
أحيان أخرى يكون هو من يرتب حقيبته.. دولاب مغلق مفتاحه معلق مع مفتاح سيارته.. الملابس معلقة في أكياس قماشية داكنة.. وكذلك الأحذية!!
يكون هو من يستخرجها ويصفها في الحقيبة!!
فما الغريب أن ترتبها هي اليوم.. مادامت لا تعرف ماهية هذه الملابس ولا شكلها!!
كساب فتح لها الدولاب فعلا.. ووقف جانبا.. وكأنه بهذه الطريقة يريد أن يريها كم أصبحت قريبة منه..
كاسرة همست بسكون: كم لبسة تبي؟؟
أجابها بحزم: كلهم..
شعرت حينها أنها اختنقت تماما.. اختنقت بالفعل.. (كلهم؟!!)..
كم يريد أن يطيل هذا القاسي المتحجر؟!!
كانت تضع الملابس بآلية دقيقة..حتى انتهت.. كانت تريد أن تغلق الحقيبة..
لولا أنه أمسك بها من عضديها وأدارها ناحيته وهو يهمس بعمق:
أنتي الحين ليش زعلانة مني؟؟؟.. من يوم دخلتي حتى عينش ماحطيتها في عيني!!
همست بسكون ودون أن تنظر لوجهه: كساب ماني بزعلانة.. والله العظيم ماني بزعلانة!!
حينها همس برفق وهو يمد سبابته ليرفع ذقنها قليلا: زين خلني أشوف عيونش
عشان أدري إنش منتي بزعلانة..
حاولت رفع عينيها ولكنها لم تستطع.. لا تعلم ما الذي حل بها..
لكنها تخشى أن تنفجر باكية.. وهي تفضل أن تموت على أن يراها تبكي!!
كساب تنهد.. لا يعلم ما بها.. ولكن يبدو أنها غاضبة فعلا لذا لا تريد أن تنظر له بشكل مباشر..
شدها برفق ليحتضنها بقوة.. كانت ذراعيه تحيطان بها بقوة حانية..
بينما مدت هي ذراعيها لتحيط بعنقه وهي تتطاول على أطراف أصابعها وتهمس في عمق أذنه بنبرة عميقة خاصة:
لا تتأخر..
نثر قبلاته العميقة على أذنها قبل أن يهمس لها بعمق خالص: بأحاول.. بس أنتي خلي بالش من نفسش..
صمت لثانية ثم أردف: وأنتي تدرين ياكاسرة وش كثر أغار عليش..
أمنتش بالله.. الشيء اللي كان يزعلني وأنا موجود.. ماتسوينه وأنا غايب!!
*********************************
" الحمدلله على السلامة!!"
شعاع همست بتوتر وهي تنظر للجناح حولها: الله يسلمك!!
ابتسم علي بمودة: شفتي الرحلة انتهت على خير بدون إصابات ولا رعب..
شعاع بضيق خجول: انتهت عقب ماجننتك.. وأنت بروحك تعبان!!
علي بولع: أنا كلي حلالش.. المهم أنش تحاولين تتخلصين من خوفش شوي شوي..
ثم أردف بمرح: وياكثر اللي تخافين منه.. الطيارات والأصنصيرات...... وأنـــا !!
شعاع تراجعت بخجل شديد وهي تخلع عباءتها وتعلقها وتهمس باختناق:
أبي أتسبح عشان أصلي..
هتف علي بعفوية: خلاص تسبحي براحتش.. بأنزل أخلص كم شغلة في الريسبشن وبأجي..
شعاع تعلقت في ذراعه بجزع: لا لا تخليني.. خلاص بأروح معك.. وباتسبح عقب..
علي همس بقلق: حبيبتي أنتي ليش تخافين كذا.. مافيه شيء يخوف كذا!!
شعاع جلست وهي تنهمر ببكاء رقيق:
أنا آسفة.. بس غصبا عني.. أنا عمري ماقعدت بروحي.. وإبي حتى ماكان يرضى أعتب البيت بدون مايكون معي حد..
وأنا الحين في بلد غريبة.. وما أعرف إلا أنت.. أخاف حد يدق علي الباب.. يطلع لي شي يروعني وأنا بروحني!!
علي شعر أن قلبه يذوب مع بكاءها.. كما لو كان يرى أمامه طفلة جزعة تخاف من كل شيء..
جلس جوارها وهو يحيط كتفيها بذراعه ويهمس لها بحنان: طالبش ماتطقين..
رغم شعور شعاع بالجزع وبالخجل ولكنها ويا الغرابة.. كانت تظن أنها من ستكون سندا لعلي في رحلة علاجه فإذا بها من تحتاج للسند والحماية اللذين يقدمهما لها علي بكل أريحية!!
مشاعرها مختلطة بجزع عظيم.. ولكن حاجز حمايتها الذي تظنه.. أن مرض علي الذي تظنه لن ينتقل لها إلا بطريقة واحدة..
طبعا من المستحيل أن تسمح بها!!
لذا لم تكتفي أنها لم تهرب من ذراعه الموضوعة على كتفيها بل استدارت لتدفن وجهها في منتصف صدره وهي تحيط خصره بذراعيها..
وهي تظن أنها بذلك تنال إحساس الحماية الذي تظنه.. وفي ذات الوقت تمنح علي دعما معنويا يحتاجه..و أنها لا تشعر بالجفول منه.. وأنها لا تخشاه كما يظن!!
وهي تظن أنها بذلك أيضا تعبر لها عن امتنانه لما فعله لها طوال الرحلة وهو يحتملها بصبر عظيم.. وهي حينا تبكي وحينا تهذي بخوف..
تتخيل أنه حتى عبدالرحمن الحنون لن يحتملها هكذا!!
شيء في روحها بدأ يذوب من أجله لا تعلم كيف.. لدرجة أنها بدأت تظن أنه ربما المرض انتقل له عن طريق خطأ ما..
فهل يعقل أن مثل هذا الملاك قد يرتكب هكذا أخطاء؟؟
ولكنها تعود وتقول أنها رأت جرأته البالغة بنفسها.. أفكارها مشوشة تماما..
ولكن ماتعلمه جيدا أنها تشعر نحوه بشعور امتنان عميق مغلف بتأثر عميق من أجله وهي ترى مدى إرهاقه وتعبه ومع ذلك هي في المقام الأول عنده!!
لذا كان تعبيرها عن ضغط كل هذه المشاعر بهذه الطريقة..!!
لم تعلم بما فعلته بهذا الذائب المتيم الذي شعر أن هناك قنبلة قد تفجرت في منتصف صدره..
لدرجة شعوره بألم أضلاع صدره المفتتة من الإنفجار وهو يراها ترتمي على صدره بإرادتها!!
همس بثقل موجوع مغمور بألم فعلي ونبراته تتقطع.. وهو يشدد احتضانها قريبا من قلبه:
لا تخافين من شيء حبيبتي.. وربي اللي خلقش وخلاش تمكنين من القلب لين أقصاه..
إنه مايجيش شيء ولا يضايقش شيء وأنتي معي..
شعاع حينها تفلتت منه بشكل مفاجئ وهي تهمس بجزع: علي وش فيك؟؟
هتف بذات النبرة الثقيلة: مافيني شيء!!
شعاع بجزع أشد وصوتها يتغرغر بالبكاء: أشلون مافيك شيء.. أنت ولسانك ثقيل كذا..؟؟
همس بذات النبرة وهي يمسك بالناحية اليسرى من صدره: مافيني شيء حبيبتي بس قلبي يوجعني شوي.. خليني آخذ نفس وبأكون زين!!
شعاع قفزت تبحث عن الثلاجة حتى وجدتها واستخرجت قنينة ماء..
ثم ركضت ناحيته وهي تميل عليه وتهمس بصوتها الباكي: علي تكفى اشرب شوي ماي..
علي ارتشف قليلا من الماء بينما كانت تميل عليه وهي تفتح أزرار قميصه العلوية وأناملها ترتعش بشدة وهي تتنشج بطريقة طفولية..
علي أنزل القنينة جانبا وهو يمسك بيدها ويلصق باطن كفها بصدره ويهمس بإرهاق:
حبيبتي مافيني شيء.. أنا مرهق شوي بس..
ولا شفتش كذا تعبت أكثر!!
همست بين موجات نشيجها الرقيق: كم رقم الدكتور خل نتصل فيه!!
همس بذات الإرهاق: ماله داعي.. أنا أساسا بكرة الصبح عندي موعد..
تزايد نشيجها: وأنت بعد ماكلت شيء الليلة.. ولا حتى كلت شيء في الطيارة!! وكله مني!!
علي شدها بضعف ليجلسها جوارها وهو يهمس بنبرة تهدئة: ياقلبي هدي شوي..
أشلون تبيني أكل وأنتي ماكلتي..
شعاع قفزت وهي تمسح وجهها بطريقة طفولية وتهمس باختناق:
أنا أبي أتعشى الحين.. بأطلب الروم سرفس الحين..
شعاع كانت تشعر أنها لو تناولت لقمة واحدة فهي سترجعها فورا.. لشدة اختناقها بالجزع والارتباك والتوتر..
تتخيل لو ساءت حالة علي وهي معه لوحدها.. كيف ستتصرف وهي تشعر أن حاجتها له تتزايد أكثر من حاجته لها..
ومع ذلك ستأكل.. من أجله.. وحتى يأكل هو!!
**************************************
طرقات خافتة ترتفع على بابها.. أم صالح تضع طرف جلالها على وجهها وهي تهمس بهدوء: تعالي..
فهي ظنت الطارق جوزا أو أحد الخادمات.. لذا تفاجأت أنه عبدالله.. التفتت تبحث عن برقعها..
لولا أن عبدالله هتف بإبتسامة حانية: والله ما تلبسينه... حرام عليش يمه مانشوف وجهش إلا بالسراقة..
ابتسمت أم صالح: عيب عليك يأمك.. تبيني أقعد قدامك فاتشة خشتي..؟!!
عبدالله مال على رأسها مقبلا وهو يهتف بمودة صافية: بأموت ماشبعت من شوفة ذا الخشة!!
أم صالح بجزع حنون: بسم الله عليك يامك.. يومي قبل يومك أنت وأخوانك..
" لا ما أنا ما أرضى.. قدام عبدالله بكيفش أنتي وإياه..
بس أنا لا!! "
أم صالح ابتسمت وهي ترى فهد يدخل خلف عبدالله: وش عندكم الليلة؟؟
دخلتوا علي كلكم ماععلي برقع..
ابتسم فهد وهو يميل ليقبل رأسها ثم كتفها:
أبي أدري وش معنى القرد هزيع كل مادخلت عليش عينته منسدح في حضنش وبرقعش فوق رأسش..
يعني حلال عليه شوفة وجهش الزين وحن حرام..
أم صالح بإبتسامة حانية: كلكم غلاكم واحد.. بس هزيع حشاشتي.. عندي لين الحين إنه ماكبر..
فهد ضحك وهو يجلس جوارها: يمه قده بيسوي انفجار في البيت من كثر ماكبر.. ماعاد فيه حتى سرير على طوله!!
أم صالح بجزع حنون: اذكر ربك يامك.. العين حق..
فهد بابتسامة: ماشاء الله تبارك الله على الدبش العود.. لا تخافين على الجريو..
أم صالح بغضب: ولدي مهوب جريو.. إلا ذيب.. (الجريو= صغير الكلب)
عبدالله حينها ابتسم: الله يستر على الذيابة لا يأكلها ولدش..
أم صالح بغضب: أنتو وش فيكم الليلة.. جايين حاطين على هزاع!!
عبدالله مال ليقبل راسها مرة ثانية وهو يهمس بحنان:
زين يمه خلينا من هزاع ومن الذيابة والجراوة... ما تبين تشوفين عيال ذا العتوي اللي قاعد جنبش؟؟
حينها أشرق وجه أم صالح بشكل جذري وهي تشهق وتلتفت لفهد بحماس أمومي: صدق يامك تبي تعرس؟؟
فهد هتف بحذر: إذا أنتي تبغين!!
أم صالح بإبتسامة شاسعة: أكيد أبغي.. وابغي.. وابغي.. من اللي أنت تبي تناسبهم ونروح لهم من بكرة..؟؟
عبدالله حينها همس بحذر: يمه أنتي أكيد تدرين إن فهد هو اللي بيعيش مع المرة..
ولازم يكون مقتنع فيها ويبيها.. وخص إنه كان رافض العرس ذا السنين كلها..
أم صالح بتوجس: أكيد.. بس وش لازمة ذا الحكي.. قلبي نغزني منه!!
المرة اللي يبي من هي؟؟
فهد بذات النبرة الحذرة: بنت خليفة بن أحمد..
أم صالح باستغراب للاسم: من بنت خليفة بن أحمد؟؟
فهد أكمل بذات حذره: بنت مرت منصور آل كساب..
أم صالح بجزع: جميلة بنت عفرا؟؟ وليه يامك خلصوا البنات؟؟
عبدالله يشد كف أمه بحنو: ليه يمه وش تردين في البنت؟؟
أم صالح بغضب: ما أرد فيها شيء.. بنت أجواد.. وأمها ماحد(ن) بمثلها.. تنحط على الجرح يبرأ..
بس الشيخ فهد وش طير سكونه في وحدة مطلقة ولا حتى هي من بنات جماعته عشان ندور له عذر.. ؟؟
فهد كان سيتكلم.. لولا أن عبدالله أشار له بالصمت.. لأنه يخشى أن يغضب فهد ويُغضب أمه..
عبدالله أكمل بمنطقية هادئة: يمه النفس وما تشتهي.. وفهد مشتهي إن خوال عياله يكونون آل كساب..
أم صالح بغضب: وأنا وش عليّ من آل كساب... أنا يهمني ولدي وبس..
وأنا ما أنا براضية.. وقوموا يا الله.. خلصنا..
فهد وقف وهو يهتف بغضب ذات ماقاله لأبيه: يمه لو ماخذتها.. ما أبي أعرس خلاص!!
أم صالح بحزم غاضب: لا تعرس يأمك.. مكانك زين جنبي!!
*************************************
هاهو يتمدد أخيرا بإرهاق شديد.. بعد أن صلى قيامه وقرأ ورده.. ولم يستطع حتى أن يطيل الليلة لأن جسده خال تماما من الطاقة التي استنزفتها الرحلة الطويلة..
همست شعاع بحنان وهي تقف بجوار السرير وتميل عليه: علي تبي أجيب لك شيء؟؟
علي بإرهاق: لا حبيبتي.. وش أبي؟؟ لحد الحين حاس إني ما أقدر أتنفس من كثر ماكليت..
ابتسمت شعاع برقة: لازم تأكل زين عشان مايصير فيك نفس اللي صار الليلة..
يمه.. صبيت قلبي..
علي ابتسم بإرهاق: بسم الله على قلبش.. ياحظي اللي لي شوي اهتمام فيه!!
حينها احمر وجه شعاع خجلا وهي تهمس بارتباك: أنا قاعدة قريب منك إذا بغيت شيء؟؟
علي همس بعمق خافت وهو يستوقفها ويمسك بكفها: لا حبيبتي تعالي نامي جنبي.. أو أنا بأقوم عندش.. مستحيل أنام وأنتي قاعدة..
شعاع تزايد توترها وهي تتنهد بيأس.. تريد أن ترضيه فعلا ولكن ليس على حساب نفسها..
همست باختناق شفاف: زين بأنام جنبك.. بس توعدني ماتجي جنبي!!
ابتسم علي: أمنتش بالله.. شايفة شكلي شكل واحد يقدر يقرب أو يبعد!!
تعالي.. أبي أحسش قريبة مني وبس!!
شعاع استدارت وهي تجلس على أقصى طرف السرير الثاني بخجل شديد مختلط بتوتر أشد..
همس لها علي بحنان مصفى: ياربي ياشعاع.. لو أدري بس ليش خايفة كذا..
ريحي ظهرش ونامي.. والله ما أجي جنبش..
بس خلينا نسولف لين ننام..
ما أبي إلا أسمع صوتش واحسش قريب.. ياعمري أنتي!!
*******************************************
صباح اليوم الثاني
.
.
.
هذا الصباح يشعر فعلا بالانتعاش والنشاط بعد أن أخذ كفايته من النوم..
ويشعر بجوع شديد وبرغبة شديد لتناول الإفطار.. ولكنه لابد أن يجري فحوصاته وهو صائم..
لم يكن يريد أن يوقض شعاع من نومها.. فهو يستطيع إجراء الفحوص والعودة وهي مازالت نائمة..
لكنه يخشى أن تنهض من نومها وتشعر بالرعب حين ترى نفسها وحيدة!!
التفت ناحيتها.. ليجد مكانها خاليا..
نهض عن فراشه وهو يبحث عنها في أرجاء الجناح.. ليجدها تخرج للتو من باب الحمام..
انتفضت بجزع وهي تراه واقفا أمامها بعد أن كانت تركته نائما ويهمس لها بحنان: صباح الخير حبيبتي.. ماتوقعت تقومين بدري كذا.. خصوصا إنه شكلش يوم صلينا الصبح ميتة تعب!!
شدت روبها أكثر على جسدها وهي تشعر بتوتر خجول.. وتهمس باختناق: هلا.. خفت أعطلك عن موعدك.. قلت بأقوم أسبح وأتجهز!!
علي اقترب خطوة منها وهو يهمس بضيق: على فكرة شعاع.. أنا أتضايق واجد من ذا الحركة.. لو سمحتي لا تكررينها إلا لو أنتي قاصدة فعلا إنش تضايقيني..
شعاع بخجل: اي حركة؟؟
علي بضيق لا يخلو من نبرة عتب عميقة: لما تشدين ملابسش عليش كذا!!
كأنش تبين تتسترين عني..
أولا أنا رجالش لو أنتي ناسية.. ثانيا أنا لاني همجي ولا متوحش وقلتها لش قبل..
يعني لا تخافين إني لو شفت شيء ظاهر منش باهجم عليش..
يعني تبين تحسسيني بالندم يوم تهورت وعبرت عن فرحتي بشوفتش..؟؟
خلاص أنا ندمان.. مافيه داعي تعذبيني أكثر!!
علي أنهى عباراته القارصة.. ثم تجاوزها ليدخل الحمام..
بينما شعاع شعرت بضيق عميق أيضا.. لأنها ضايقته.. لم تكن تريد أن تضايقه أبدا..
فهي رغما عنها باتت تشعر بحنان عميق ناحيته..
لم تعرف كيف من الممكن أن تعبر له عن أسفها.. وضيقها من أجله!!
وبطريقة عفوية لم تقصدها أبدا.. وكأنها سترضيه بذلك..
بالغت في التأنق والزينة... وهي ترتدي فستانا أنيقا باللون السماوي بجيب واسع وبدون أكمام..
علي حين خرج من الحمام لم يتخرج لغرفة الجلوس أولا.. بل صلى ضحاه أولا ثم استبدل ملابسه استعدادا للخروج..
حين خرج كانت تنتظره في غرفة الجلوس..
ابتسم لرؤيتها.. كما لو أن رؤيتها أشبه بدواء قوي المفعول..
جلس بجوارها وهو يمد يدها ليمسح خدها بحنو بالغ:
الله لا يحرمني من عيونش الحلوة..
بس غيري لبسش وامسحي الميك آب ياقلبي.. عشان اللبس ذا ما يصلح للمستشفى..
همست شعاع باختناق خجول: وأنا ماتعدلت للمستشفى.. تعدلت لك..
ومتى مابغيتنا نمشي.. غيرت لبسي ومسحت مكياجي في دقيقتين بس..
حينها همس بتثاقل متأثر: حبيبتي شعاع قلت لش أنا ما استحمل شيء من طرفش.. خفي علي ياقلبي..
شعاع باختناقها الخجول المتزايد: علي.. أبي أرضيك.. وأدري إنه فيه أشياء مستحيل اقدر أرضيك فيها..
فأنا أحاول اللي أقدر عليه..
علي بذات التثاقل: لا تحاولين شيء ياقلبي عشان ترضيني وهو مايرضيش..
قلتها لش قبل.. شوفتش قدامي تكفيني..
***************************************
" هلا ياعمي!! كساب كلمني البارحة وقال لي إنك تبيني..
وماعندي وقت فاضي إلا الحين.. قلت أمرك قبل أروح المطار عندي رحلة!!"
ابتسم زايد وهو يشير لغانم أن يجلس في المقعد المقابل لمكتبه:
لك عندنا حاجة ماعطيناك إياها..
نبي نشوف متى تبغيها؟؟
اتسعت ابتسامة غانم: والله حاجتنا نبيها متى ما حنيتوا علينا!!
#أنفاس_قطر#
.