تحميل رواية «بين الامس و اليوم» PDF
بقلم HaboOoshy
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
************ قبل واحد ثلاثين عاما عالم غير العالم ودنيا غير الدنيا وبشر غير البشر بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لتنمو.. أو لتُنحر!! يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما يفرق بينهم الأصل والقبيلة ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة الكثير منها ثلاثتها كثيرٌ من الفقر وكثير من الصداقة وكثير من الرجولة!!! "زايد.. هونها وتهون يأخوك" " قهرتني ياخليفة.. قهرتني" خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر ال...
رواية بين الامس و اليوم الفصل 101 - بقلم HaboOoshy
انتهيا من صلاتهما... وعادا للصمت..
وإن كان هذا الصمت هذه المرة هو كسابقه عند وضحى..
صمت خجل طبيعي..
فهو مختلف عند نايف.. فهو هذه المرة مستمتع بمراقبة تعابير خجلها!!
وهو يكتشف -بمتعة- أنوثتها الرقيقة التي خشي فعلا ألا تكون موجودة..
بناء على تفكيره السابق عنها.. وخصوصا أن شقيقاته لم يقصرن وهم يصفن أمها وأختها إنهما (نسرتان)!!
وإنها لابد مثلهما!!
كان دائما يتساءل : لماذا الوصف لأمها وشقيقتها ثم ينسحب توقع غير متأكد إلى شخصيتها... ؟؟
لو كان هناك عيب مباشر في شخصيتها لم يكن شقيقاته ليقصرن في نبشه..
شعر كما لو كانت ظلا غير واضح لأمها وشقيقها..
تماما مثلما كان هو!!!!
ظل غير واضح لشقيقاته السبع اللاتي اتخذن من محبته لهن حبلا أحكموا لفه حول عنقه..
مطلقا ليس ضعيف الشخصية.. ولكن حبه لهن أضعفه أمامهن.. يخشى أن يسبب الحزن لهن وهو أخيهن الوحيد!!
وفي نقطة التهاون هذه كان تماما كوضحى.. فهي أيضا ليست ضعيفة الشخصية!!
لكن وجودها في ظلال شخصيات قوية جعلها تستكين بشعور أمان.. أو ربما تخاذل!!
لكن حينما احتاجت لإبراز قوة شخصيتها أبرزتها وفي عدة مواقف..
وأقربها في إصرارها عليه هو رغم تحفظ أمها وشقيقتها!!
وضحى تشعر بتوتر رقيق لأنها تجلس أمامه بدون أي زينة بعد أن مسحت زينتها تماما .. تخشى أن تكون تهورت في هذا التصرف..
ولكنها أرادت بالفعل أن يراها هكذا.. يتعرف على شكلها الطبيعي!!
بينما هو كان ينظر لها بشجن.. إحساس عميق يتشكل في داخله نحوها..
وملامحها توحي له بشعور مُفتقد!!
شعور أمومة حنون!!
قد يكون غريبا أن يقول أنه يفتقد شعور الأمومة في ظل وجود سبع أمهات..
قد يعاني شعور تخمة الأمومة..!!!
ولكن معهن كان إحساسه بالأمومة مبتور.. لأن صراعهن الدائم حوله سبب له التشتت!!
واليتيم سيبقى دائما يفتقد أمه...
كما يعلم أن وضحى لابد تفتقد أباها!!
نايف قام ليجلس جوارها.. همس لها بتساؤل باسم: أنتي على طول كذا ساكتة؟؟
لم تجبه أيضا.. حينها مد يده ليتحسس أطراف أناملها.. شدت يدها لتدخلها في داخل أكمام روبها الحريري وهي تتنفس بصعوبة بدت واضحة له!!
هتف حينها بمودة: خلاص يا بنت الحلال لا تروعين كذا..
اعتبريها خطأ غير مقصود..
سألها ليستحثها على الكلام: تدرين إني ما ادري وش طبيعة شغلش؟؟ قولي لي؟؟
حينها همست وضحى بخفوت: مدرسة بالإشارات.. أدرس صم وبكم!!
حينها ضحك نايف بدفء: تدرين إني لي زمان ميت أسمع صوتش..
وأنتي ما بغيتي تحنين علينا..
حينها اختنقت وضحى.. ظنته يتكلم عن تلك المرة ..
شعرت أنها لن تتجاوز خجلها منه.. ولا توجسها حتى تعتذر منه..
لذا همست باختناق: نايف أنا فعلا آسفة على اللي صار المرة اللي كنت تبي تكلمني..
بس أنا ما أرضى أسوي شيء من ورا هلي!! أتمنى إنه مافي خاطرك شيء علي!!
لأنه الموضوع واجد مأثر علي!!
نايف لا ينكر التأثر الرقيق الذي غمر روحه حتى أقصاها... قد يكون تضايق من ذكرها لهذا الوضوع المحرج وهو قرر تناسيه...
لكن اعتذارها أثر عليه كثيرا وهو يهمس بمودة:
أنا نسيت الموضوع أساسا...
والعذر مقبول..
ثم أردف بإبتسامة خبيثة: تبين أحب رأسش عشان تدرين؟!!
وضحى تراجعت بوجل : لا لا.. كلامك يكفيني!!
نايف يستطيع اعتبار خبرته شاسعة في عالم الأناث.. ليس بالمعنى الذي قد يتبادر للذهن..
ولكن في الطبيعة الأنثوية بشكل عام..
الأنثى تتقبل الكثير من الحديث قبل أن تتقبل أي لمسة مهما كانت!!
فمثلا لو غضبت عليه إحدى شقيقاته وأراد أن يقبل رأسها..
ستصرخ به (لا تحب رأسي).. لكنها مستعدة لعتابه لساعتين كاملتين دون توقف..
كذلك كانت عالية.. حينما تغضب منه ويريد أن يشاكسها.. ستصرخ به ( لا تجي جنبي) رغم أنها ستصدع رأسه بحديثها لساعات متطاولة..
ووضحى ليست مطلقا هي الشذوذ عن القاعدة... وهو باله طويل... ويريد فعلا أن يتعرف عليها.. ويسمح لها بالتعرف عليه!!
بعيدا عن الأحكام المسبقة !!!
لذا همس بهدوء وهو يسند ظهره للخلف: بكرة إن شاء الله بنسافر باريس..
حبيت أوديش لمكان أدل فيه عدل.. عشان أتفشخر عليش إني أدل..
أنا عشت في باريس 7 سنين.. وقد ماأحب ذا البلد قد ما اكرهها...
غريب صح؟؟
لأنه باريس مثل مالها ميزات... عيوبها بالضبط!!
نايف انهمر بحديث ممتع .. بدأ يجذب انتباهها فيه رويدا رويدا.. ويدخلها إلى عوالمه.. بحديث هادئ عميق!!
وهو من حين لآخر يوجه السؤال لها.. لأنها لن تتكلم إلا جوابا على سؤال..
ثم يعقب السؤال بسؤال ليجعلها تستغرق في الحديث وتفاصيله..
ليكتشف بمتعة حقيقية طريقتها الهادئة الرزينة والعذبة في الكلام!!!
***************************************
الليلة تبادلا الأدوار..
فبعد أن كانت طوال الليالي السابقة هي من تحتويه في حضنها..
الليلة كان دوره ليحتويها في حضنه..
لم يتخيل أنه قد يراها يوما بهكذا ضعف رقيق..
رؤيتها هكذا تذيب قلبه تماما..
يشعر أنه بين نارين.. نارين بكل معنى الكلمة!!
لا يريد أن يظلمها مطلقا.. لكنه يعلم أنها غير مرتاحة لحالته وتشعر بها في داخلها..
بل سألته عدة مرات ماذا به؟؟ وكان يتهرب من الجواب..
التهرب الذي لم يغب مطلقا عن ذكائها!!
قاطعت أفكاره بهمسها الخافت وهي تحتضن ذراعه: حبيبي وش اللي مشغل بالك؟؟
ولا تقول لي مافيه شيء..
أنا حاسة إن فيك شيء متغير من قبل زواج مزون بحوالي أسبوع..
قلت يمكن عشان زواجها.. بس السالفة غير!!
همس بعمق وهو يمرر أنامله عبر خصلات شعرها التي ترتاح على ذراعه:
مهوب وقته يامزنة..
استدارت لتوليه وجهها.. تنظر في عينيه من أقرب مسافة.. تتنفس أنفاسه من قرب لتستشف أفكاره من تغير خلجاته..
همست مزنة بعمق خافت: أنا فاهمتك زين.. وكنت عارفة إن عندك شيء تبي تقوله.. بس تأجله لين عقب عرس البنات..
وهذا البنات عرسوا... ريحني الله يريح بالك!!
همس بدفء موجوع في عمق أذنها.. وهو يجذبها ليدفن وجهها بين أضلاع صدره:
بكرة الصبح بأقول لش.. وبأدعي ربي يبعد الصبح لأبعد مدى!!
****************************************
" هاحبيبتي.. شاخبار العرس؟؟ "
مزون تتمدد بجوار غانم وهي تسند ظهرها لظهر السرير وتهمس برقة:
كان حلو.. ماشاء الله!!
غانم بمودة: زين بكرة نبي نروح نزور نجلاء..
أنا جيتها اليوم.. بس أبيش تروحين معي بكرة... ونودي لها هدايا عيالها..
حينها همست مزون بتردد: عادي نودي لها أغراض البنت.. وإلا نودي أغراض غنومي وبس..؟؟
غانم يمسك قلبه بطريقة تمثيلية:آه ياقلبي... تجنن غنومي من بين شفايفش..
ماينفع تقولينها لي... غرت من ولد أختي!!
مزون ضحكت: غانم.. بلا بياخة!!
غانم قلب وجهه وهو يضخم صوته: (غانم) مهيب حلوة.. وع!!
مزون ابتسمت برقة: زين ياغنومي الكبير نودي أغراض غنومي الصغير بس؟!!
ابتسم غانم وهو يشد أناملها بين أنامله: ودي الأغراض كلها... المها أساسا تحسنت واجد.. يمكن تبي لها أسبوع وإلا أسبوعين وتطلع للبيت!!
مزون بابتسامة: على طاري المها.. أختك مها هذي تحفة... تجنن.. الواحد وده يأكلها من قد ماهي حلوة وعسل ودمها خفيف!!
ابتسم غانم بمرح: هذي جينات أمي... ما تلعب!!
مزون بتساؤل: إلا غانم... امك وش اسمها؟؟ دايم أم غانم أم غانم.. ولا عمري عرفت اسمها..
غانم ابتسم: وش ظنش؟؟
مزون ضحكت: أمك على ستايلها باين فيها عرق تركي... تلاقيها صافيناز وإلا شهيناز!!
ضحك غانم: والله منتي بهينة .. أمي اسمها تركي بس مافيها عرق تركي.. أمي اسمها جيهان...
(جيهان بالتركية يعني العالم)
مزون ضحكت: والله حلو... نفس اسم جيهان السادات... وجيهان السادات لين الحين تجنن وحلوة مع إنها كبيرة واجد...
ثم أردفت بتساؤل: إلا أمك أشلون خذت إبيك؟؟
غانم بإبتسامة: إساليها؟؟
مزون بحرج: من جدك... أروح أقول لها يمه أشلون خذتي عمي؟؟ عيب!!
غانم بذات الابتسامة: لا عيب ولا شيء... أصلا أمي تحب ذا السالفة..
تقولين راشد آل ليث في عينها رشدي أباظة زمانه..
******************************
" كساب.. تأخرت واجد الله يهداك!!"
كساب تنهد بعمق وهو يهمس في هاتفه بخفوت: غصبا عني.. فيه ظرف عطلني!!
كاسرة تنهدت بخيبة أمل تخفيها خلف حزم صوتها: خلاص يا ابن الحلال.. مهيب اول مرة!!
كساب ابتعد بكرسيه قليلا وهو يهمس بخفوت حازم: قلت لش غصبا عني.. انتهينا..
كاسرة همست بسكون ونبرة مقصودة: خلاص تصبح على خير.. نشوفك بكرة إن شاء الله.. أنا بأنام..
كساب كاد يلقي هاتفه أرضا ليهشمه.. لا يعلم سبب اشتياقه الغريب لها..
ولكنه لا يستطيع ترك علي وهو على هذا الحال!!
علي همس بسكون: كساب قوم روح لمرتك.. أنا بأصلي هنا.. وعقب بأطلع لدوامي من هنا.. تدري الخارجية من هنا خطوتين..
مافيه وقت أرجع البيت.. لانه بنستقبل وفد بدري!!
كساب تنهد بحزم: أولا ماني بمخليك.. لين تروح لدوامك وتلهى فيه..
ثاني شيء مثلي مثلك.. على ما أرجع للبيت.. بيأذن الفجر..
وأنا شركتي من هنا أقرب... واليوم عندنا صب باقي الأساسات عقب الصلاة!!
(سوق واقف يقع تماما بين الكورنيش حيث تقع وزارة الخارجية
وبين منطقة شارع حمد الكبير /شارع البنوك حيث تقع شركة كساب
وكلاهما لا يستغرق خمس دقائق من السوق!! )
********************************
إن كان علي عاجزا عن العودة للبيت لأنها غير موجودة فيه..
فهي عاجزة عن النوم حتى وهي تعلم كم ضايقته!!
حتى في خيانته لها.. تجد أن تفكيرها فيه يسبق تفكيرها في نفسها!!
تتنهد بيأس..
تتمنى أن تستطيع أن تقسو عليه كما يستحق..
فهو بالفعل يستحق هذه القسوة..
ولكن حبها له أكبر من كل شيء.. حتى خيانته لها!!
تحاول أن تصدقه.. أن الأثار هذه لها!!
فتجد أن حتى هذه الفكرة مؤذية لها ولحساسية مشاعرها...
أن هناك رجلا تجرأ على ضمها على صدره.. قبل أن يعلما كلاهما أنهما زوجان!!
عدا أن الشك الأنثوي يحاول اقناعها أن هذه الأثار ليست لها!!
ولكنها تعود وتقول.. علي متدين جدا.. ويستحيل أن يفعلها..
" ولكن حتى مع تدينه فهو تجرأ على لمس امرأة يظنها ليست حلالا له!!
لم يقاوم وسوسة الشيطان..
فكيف سأضمنه كلما خرج أنه لن يكرر هذا الشيء..
.
.
لا لا علي يحبني..
مستحيل يسويها... تيك كان لها ظرف خاص..
وهو شرحه لي عشرين مرة...
إحساسه فيني غير لأني كنت حلاله!!
.
.
وأنتي بتصدقين خرابيط واحد لعب عليه الشيطان!!
.
يا ربي بأموت.. باموت... ارحمني من التفكير!!
قلبي مهوب مستحمل أكثر..
أحبه... ويدري زين إني أحبه.. خايفة يستغل ذا الشي ضدي!! "
******************************
" بسم الله الرحمن الرحيم..
من؟؟"
جميلة انتفضت من نومها بجزع على رنين هاتفها وهي تلتقطه دون ان تنتبه لاسم أو رقم..
جاءها صوته مرهقا دافئا: أنا فهد!!
حينها همست بعفوية وهي تنظر للساعة: فهد الله يهداك فزعتني... الساعة 3 الصبح وأنا كنت نايمة..
لا يعلم لِـمَ شعر بأمل بريء يداعب أهداب قلبه أنها عاتبته على وقت الاتصال وليس على الاتصال نفسه!!
همس بذات الصوت المرهق والدافئ:
شأسوي.. يوم دخلت غرفتنا في الأوتيل.. ماطقتها من عقبش!!
تدرين إني طلبت إنهم يغيرونها..
ما اقدر اقعد فيها.. وكل شيء فيها يذكرني فيش!!
جميلة ارتبكت من هذا الكلام غير المتوقع.. ومن شخص كفهد!!
بينما هو يكمل حديثه بنبرة عتب: وأنتي حتى ماهان عليش تكلميني وتقولين تروح ترجع بالسلامة..!!
جميلة تنهدت: فهد أرجوك مافيه داعي تتصل.. المرة الثانية لو اتصلت ماراح أرد عليك!!
حينها هتف فهد بغضب مكتوم: أنتي ليش منشفة رأسش كذا؟؟
وش اللي تبينه...؟؟ كنتي تبين تذليني وبس؟؟
أقول لش أحبش وشاريش.. وأبي أكمل حياتي معش.. وماراح تشوفين مني إلا اللي يرضيش..
وأنت مافيه شيء يرضيش..
جميلة همست بهدوء مليء بالوجع: لكل شيء أساس.. وحن أساس حياتنا تجريح ووجع.. يعني من أولها أساس فاشل..
فهد بذات النبرة الغاضبة: وليش تبين تعتبرين هذا الأساس... انسي ذا الأساس..
وخلينا نبدأ من أساس جديد..
جميلة بألم: والإنسان يشتغل بريموت كنترول.. يقولون له انسى.. ينسى..
يقول له انسى الجرح والتجريح.. ينسى!!
فهد زفر بيأس: زين عندش ذا الوقت كله لين أرجع..
وأتمنى يوم أرجع.. تكونين عقلتي وألقاش في بيتش!!
**********************************
" نايف.. قوم.. نايف.. نايف!! "
نايف يهمس بصوت ناعس: وضحى حرام عليش خليني أنام شوي..
من البارحة لين اليوم وأنا ريقي نشف عشان أقنعش بس تنامين جنبي..
وأول مانمنا تصحيني..
وضحى باستعجال مختنق بالخجل: أنا أساسا مابعد نمت..سامحني قومتك..بس فيه حد كسر الباب..
نايف بتأفف ناعس: ما أسمع صوت!!
وضحى بذات الخجل: الباب الخارجي صار له نص ساعة يندق.. أول شيء قلت يمكن حد غلطان.. بس الدق ماسكت...
نايف يزفر وهو ينفض الغطاء.. ينظر للساعة .. الساعة السابعة إلا ربع صباحا..
من سيأتيهم في هذا الوقت المبكر؟؟
نزل باستعجال وهو (بالفنيلة والسروال) ليفتح الباب ليتفاجأ بالهجوم...
نورة وسلطانة... معهما ثلاث خادمات..
بالكثير من الأواني اللاتي دخلن الخادمات ورصفنها على الطاولة!!
نورة بإبتسامة أمومية: ألف مبروك ياعريس... صباحية مباركة..
أنا وسلطانة حلفنا ماحد يسوي ريوق المعاريس غيرنا..
من قبل صلاة الصبح وحن نشتغل!!
نايف لم يعلم بماذا يشعر؟؟ بالغضب أم التأثر؟؟
ولكن التأثر غلب... فهو يعلم أنهن لابد لم يغادرن الزفاف إلا في وقت متأخر..
ومع ذلك لم ينمن ليعددن له فطور يعلمن أنه بالكاد سيأكل منه عدة لقمات!!
نايف مال على رأس نورة ليقبله: الله يبارك فيش... ولا يخليني منش وجعل عمرش طويل..
سلطانة ابتسمت: حبة الرأس للكبيرة بس؟
نايف مال على رأس سلطانة وهو يبتسم : وللصغيرة بعد!!
حينها تساءلت نورة بنبرة مقصودة: وين مرتك.. ماوراكم طيارة!!
حن قلنا بنجيب ريوقكم بدري قبل تطلعون المطار..
نايف يهمس بمودة: مرتي فوق.. بتلبس وبتنزل لكم..
نايف عاود الركض للأعلى ليجد وضحى تنتظره بقلق.. وهمست بخجلها الرقيق: عسى ماشر؟؟
نايف تنهد: خواتي جايبين ريوق!!
وضحى باستغراب: ذا الحزة؟؟
نايف لم تعجبه نبرة استغرابها لذا قرر أن يبين لها منذ البداية قرب شقيقاته منه
لذا همس بحزم: يجوون أي حزة يبونها... عندش اعتراض؟؟
وضحى أيضا لم تعجبها نبرتها.. لكنها قررت أن تكون حذرة تماما في هذا الموضوع...
فهو يستحيل أن يقدمها بأي حال من الأحوال على شقيقاته... وخصوصا أنه مازال لا يعرفها حتى..
بينما هؤلاء شقيقاته.. حياته كلها !!!
لذا همست بثقة ولباقة مغلفة بخجل رقيق: أبد وليش يصير عندي اعتراض... حياهم الله.. البيت بيتهم..
نايف تنهد بطيبة قلبه: وضحى أنا ما أقصد أضايقش.. بس حطي دايما في بالش..
إن خواتي من أولويات حياتي.. وإني مستحيل أزعلهم عشان مرتي..
لأنه لو مالي خير فيهم... مالي خير فيش..
ابتسمت وضحى برقة: وعلى رأسي أنت وخواتك!!
وموقفك يكبرك في عيني مايصغرك...
حينها ابتسم: زين بدلي وانزلي لهم..
خليني أسبح وألبس.. أستعد لروحة المطار..
وضحى حاولت أن تستبدل ملابسها وتضع زينتها بأسرع طريقة.. ولكنها أيضا يجب أن تراعي أنها عروس يوم صباحيتها..
ولو وجدوا عيبا في تأنقها.. سيجدون لهم سببا للحديث!!
لذا انتهى نايف من الاستحمام وهي مازالت لم تنتهي... همس نايف بعتب:
لين الحين مانزلتي؟؟
وضحى بخجل: نايف الله يهداك أنت سبحت في عشر دقايق... وأنا على الأقل أبي لي عشرين دقيقة وأنا مستعجلة بعد..
لذا نزل نايف مرة أخرى لشقيقاته.. همست سلطانة بنبرة مقصودة:
ذا كله تلبس أنت والمدام؟؟ وإلا عادي تنقعونا؟؟
نايف بمودة: الله يهداش أنتو جايين واحنا صاحيين من النوم.. أكيد نبي لنا شوي وقت..
حينها همست نورة بذات نبرة شقيقتها المقصودة: وست الحسن وينها؟؟
ابتسم نايف بطريقة مقصودة: ست الحسن نازلة الحين!!
نورة وسلطانة تبادلتا النظرات (مصدق الأخ نفسه!!!)
وضحى نزلت وهي تشعر بخجل شديد بالفعل..
فهي لم تتوقع مطلقا أنها قد ترى أحد قبل موعد طيارتهما.. ولم تتهيأ لذلك حتى..
كانت متأنقة تماما في دراعة فخمة للاستقبالات احتراما لشقيقتيه .. حتى يعلمن تقديرها لحضورهما!!
انحنت لتسلم على الاثنتين المتجاورتين.. وتبادلا الترحيبات والسلامات المعتادة..
ثم جلست قريبا من نايف على الأريكة الطويلة التي كان يجلس عليها من باب اللياقة..
سلطانة مالت على نورة وهي تهمس بخفوت: صدق مابه سحا.. توها عارفته البارحة لصقت فيه اليوم!!
نورة تمصمص شفتيها بصوت منخفض: تبيه يشم الريحة.. وأنا أقول ليش تاخرت.. قاعدة تتبخر وتتعطر!! باقي تتسبح عطر!!
صدق ماعاد يستحون بنات ذا الزمن!!
نورة رفعت صوتها بالسؤال المقصود: أنتي بتروحين للمطار وريحتش كذا؟؟
وضحى انتفضت بحرج: لا طبعا.. بأبدل ملابسي كلها.. أصلا ما أقدر أروح للمطار بالدراعة ذي!!
نورة أكملت عليها: إيه يأمش.. كنش رايحة عرس بدراعتش ذي!!
نايف شعر بالفعل بالشفقة عليها..
وهي شعرت بالعتب عليه.. أنه لم يرد عليهم حتى بأي كلمة.. تدفع عنها الحرج..
وهي مازالت عروسا في يومها الثاني!!
سلطانة هتفت بصوت عال: يا الله قوموا تريقوا.. وراكم رحلة..
والبيت لا يهمكم منه.. بنسكره عقبكم..
وضحى شعرت بالحرج أكثر.. لا تريد أن يرى أحدا أغراضها الخاصة..
لم تعلم أنهن سبق ورأين كل شيء!!
لأنها حين دخلت البيت.. كان كل شيء بترتيب أمها وأغراضها.. لم تعلم أنه ترتيب عالية المعاد!!
نايف تناول قليلا من الفطور...
ووضحى لم تتناول شيئا... فهي تشعر بحرج مختلط بالخجل مختلط بالتوتر..
تتمنى لو رأت أمها قبل أن تسافر وهي تخجل حتى أن تطلب ذلك من نايف..
و يُحكم عليها ألا ترى إلا هذين العقربتين!!
وهم مازالوا في جلستهم.. دخل عليهم إعصار جديد..
سلطانة مالت على نورة بتأفف: وذي وش جابها؟؟ صدق قوية وجه... حد يأتي ذا الحزة!!
انتزعت نقابها وهي تدخل بمرح صاخب: قلت لازم أمر أسلم على نويف حبيب قلبي.. قبل أروح دوامي حتى!!
احتضنت عنق نايف وهي تهمس في أذن نايف : أنت داري إني راجعة وأنا خلاص على باب المستشفى رايحة لدوامي..
يوم اتصلت أصبح على أمي... وقالت لي إن خالاتي هنا!!
غثوا المسكينة وإلا بعد؟؟
نايف همس في أذنها باستسلام: غثوها وخلصوا..
وضحى حين رأت عالية كانت تريد ان تبكي فعلا.. لولا أن اعتزازها بنفسها لم يسمح لها!!
عالية سلمت على وضحة ثم شدتها وهي تهمس بمرح: يا الله ياعروس خلينا نجهز أغراضش بسرعة مافيه وقت!!
ما أن وصلتا للأعلى حتى همست عالية بتاثر: امسحيها في وجهي!!
هزت وضحى كتفيها: ماصار شيء... يمكن تأثرت عشاني عروس وتدرين النفسية تصير حساسة..
لكن هم ماقالوا إلا كلام عادي!!
عالية تضحك بمرارة: عادي؟؟؟ ما يكونون خالاتي...
ثم أردفت بجدية: وضحى الكلام هذا كان المفروض أقوله لش من قبل..
بس ماحبيت أحرجش..
لكن الحين أنتي شفتي الوضع...
اسمعي نصيحتي عدل.. لا تسوين مثل نويف مهما أنصحه ما ينتصح!!
أول شيء حاولي تطولين في سفرتش قد ماتقدرين..
أدري نايف حاجز أسبوعين أقنعيه على الأقل بأسبوع زيادة..
لا تخلينه يرجع إلا وأنتي مالية يدش منه!!
لا يغرش إن نايف عاش واجد برا.. أنا كنت معه!!
وترا نويف خام.. يومين وينكب على وجهه... وقلبه طيب فوق ما تتخيلين..
بس أنتي ابذلي جهد زيادة عشان تكسبين قلبه صدق... وهو ترا يستاهل من يتعب عشانه!!
ثاني شيء نايف يحب خالاتي واجد.. يعني ولا يطري على بالش إنش تسوين تخيير بينش وبينهم.. لأنه بيختارهم حتى لو روحه معلقة فيش!!
لكن اللي أبي أقوله لش إنش مستقيمة بزيادة.. وهذا ما ينفع مع خالاتي...
يعني هادنينهم وسايسيهم.. بس في نفس الوقت لا تسمحين لهم يتدخلون في حياتش ومن أولها..
لأنش لو فتحي لهم الباب... على أساس إنش مستحية وماتبين تقولين لهم شيء من أولها.. ترا بيتدخلون عقب في كل شيء!!
حينها همست وضحى بحرج: الحين يبون يقعدون في البيت عقبنا..
كيفهم في البيت... بس أنا مستحية يدخلون غرفتنا.. ويشوفون أغراضي الخاصة!!
عالية تنهدت بحزم: ذا المرة خليها علي!!
أدري ماتبين تروعين نايف منش... بس أنا عادي متعودين علي هم ونايف!!
أنا اللي بأخذ المفتاح.. والله يعيني على خالاتي!!
*********************************
" حبيبي دام شغلك اليوم متأخر شوي..
مهوب المفروض تقول لي وش اللي شاغل بالك!!"
زايد استدار ناحيتها... يحاول أن يشبع عينيه نظرا لها فلا يستطيع.. صمت لم يتكلم..
حينها همست مزنة بعمق فاجأه بمضمونه: زايد أنا أدري إنك ما تقبلتني لحد الحين!!
وكنت أدري إنك حاط في بالك صورة لمزنة ماعادت موجودة..
صورة مزنة قبل 30 سنة...
لكن يا زايد أنا ماني بصورة داخل برواز.. تمر عليها السنين ماتغيرت!!
زايد تنهد بيأس: مزنة ليش تقولين كذا؟؟
همست حينها بيأس مشابه: زايد.. صار لنا 3 شهور متزوجين..
أول ثلاث أيام غرقتني في مشاعر حب حسبت إنها مستحيل توجد في ذا العالم!!
وعقبه سكتت.. حتى كلمة وحدة بالغلط ماعاد قلتها!!
لأن هذاك الكلام كله... أنت قلته لمزنة الصغيرة..
لكن يوم عرفت إنها راحت.. شحيت بكلامك على مزنة الكبيرة!!
وأنا يازايد ذا كله مايهمني... وش قيمة الكلام وأنت بكبرك بجنبي... وأنت أغلى من كل كلام الدنيا؟؟
لكن في الفترة الأخيرة حسيتك متغير عليّ... في النهار جاف معي.. وفي الليل كنك خايف تفقدني!!
التعامل ذا يازايد تعب لي أعصابي... لأني عارفة إن أعصابك تعبانة...
فريح روحك وريحني... ولا تخاف علي من شيء..
زايد اللي مثلي شافت من الدنيا كل وجيعة.. جلدي تعود.. ماعاد تفرق معي!!
زايد تنحنح بحزم يخفي خلفه رفضه لكل مايقوله ويجد نفسه مجبرا على قوله..
وهو يحاول أن يبسط الموضوع: الموضوع مهوب مثل منتي فاهمة..
كل السالفة إني أبي أنزل لجناح علي القديم تحت!! واقعد هناك!!
مزنة شعرت بثقل ما في أنفاسها وهي تشد لها نفسا عميقا وتهمس بسكون متوجس:
وبعد؟؟
زايد تزايدت صعوبة الكلمات على لسانه ومع ذلك مازال يتكلم بطريقته الحازمة المعتادة:
وأبي الاحتكاك بيننا يكون في أقل حدوده...
مزنة همست ببساطة موجوعة.. لشدة بساطتها تنحر الروح: تقصد ما يكون بيننا احتكاك أبد..؟؟؟
زايد صمت تأكيدا لفكرتها.. حينها همست بذات البساطة الذابحة المذبوحة:
زايد أنت تبي تعاقبني؟؟
زايد انتفض بجزع: ليش تقولين كذا يامزنة؟؟
مزنة بألم: لأن الرجّال مايهجر مرته إلا لأنه يبي يعاقبها على شيء... قل لي وش ذنبي اللي سويته..؟؟
تعاقبني لأنك ماقدرت تحبني؟!!
زايد اقترب منها ليشد على كفها بين كفيه.. والغريب أن يفعل ذلك وهو يريد أن يهجرها.. والأغرب أنها لم تنتزع يدها وهي تعلم بنيته!!
همس حينها بوجع ماعاد يستطيع إخفاءه: أبي أعاقب نفسي مهوب أعاقبش..
لأني لو ماعاقبت نفسي... مستحيل أقدر أعيش مع ذا الذنب اللي خانقني!!
مزنة حينها وقفت لتنتفض بغضب موجوع لأقصى مساحات الوجع تجذرا:
وأنا وش ذنبي تعاقبني على ذنوبك..؟؟
وإلا قول.. عشان دريت وش كثر صرت أحبك.. تبي تعاقبني؟؟
تعاقبني لأني رفضتك وأنا بزر؟؟.. أو تعاقبني لأني تغيرت وماعدت مزنة اللي في بالك؟!!
زايد عاود شد كفها ليجلسها وهو يهمس بألم عميق:
مزنة والله العظيم ما أبي أعاقب إلا نفسي... من كثر ماصرت متعلق فيش أبي أحرم نفسي منش!!
مزنة تشعر أنها تريد أن تبكي .. أي جنون يهذي به هذه الرجل؟؟
أ بعد أن علقها فيه لهذه الدرجة يريد أن يهجرها..؟؟
لا ويريد أن يهجرها وهو أمامها!!! ماكل هذه القسوة يازايد!!
مزنة همست بيأس ازداد عمقا: خلني أجاريك في كلامك اللي مايدخل المخ..
تعاقب نفسك ليه؟؟
زايد تردد للحظات.. لكنه لم يعتد التراجع حين يقرر.. ومن حق مزنة عليه أن تعلم بالسبب:
مزنة ترا مناداتي لاسمش كل ليلة مهوب شيء جديد..
ترا من أيام زواجي من وسمية...
بس توني دريت..!!
تخيلي المسكينة كل ليلة نايمة جنبي وتسمعني أون باسم غيرها..
لا و درت إني مسمي بنتها على حبيبتي..
تخيلي وجيعتها.. تخيلي!!!
مزنة تراجعت بجزع وهي تشهق... تحاول تخيل وجع وسمية فلا تستطيع.. لا تستطيع..
أي امرأة قد تصبر على مثل هذا!! اي امرأة!!
مزنة صرخت بجزعها: وأي مرة تصبر على مثل ذا؟؟ أي مرة؟!!
زايد بوجع: هي صبرت!!
مزنة شدت لها نفسا عميقا جدا.. من أقصى روحها.. رغم شعورها العميق بالألم من أجل وسمية لكنها يجب ان تقاتل من أجل هذا الرجل...
فمايربط بينهما ماعاد محض مشاعر.. بل أكثر من ذلك بكثير:
صبرها عليك كان غلط..
وسكوتها عليك كان أكبر من أي غلط..
لأنها ماظلمت نفسها بس.. ظلمتك بعد.. لأنها خلتك تستمر في ظلمها سنة بعد سنة وأنت ماتدري!!
لكن وسمية خلاص راحت.. ارتاحت عند ربها..
بيرضيها الحين ظلمك لي؟!! بيرجعها من قبرها عشان تعتذر لها؟؟
يعني وسمية ظلمتها وأنت ماتقصد... تبي تظلمني وانت تقصد ومتعمد!!
زايد يزداد يأسه ووجع روحه: أنا ماني بمرتاح يا مزنة .. أنا أتعذب... وكل ماشفتش قدامي تزيد وجيعتي..
حتى لو قعدنا مستمرين في حياتنا كزوجين.. شبح وسمية بيظل يطاردني وبيخرب علينا حياتنا!!
مزنة شدت نفسا عميقا والكلمة تقف في حنجرتها كموس مسموم:
تبي تطلقني.. بس منحرج؟!!
زايد انتفض بجزع حقيقي: مستحيل.. ولا خطر ببالي.. لا مكانتش ولا مكانتي تسمح لنا بتصرف بزارين مثل ذا..
البيت ذا أساسا أنا كتبته باسمش ومن فترة.. يعني بيتش... وانا عندش ضيف فيه!!
لكن نجيب لنفسنا الكلام وحن في ذا العمر..؟؟
في بيتنا ماحد داري باللي بيننا..
مزنة بحزن عميق: كتبته باسمي يوم قررت تبيعني.. كن البيت بيكون تعويض لي عنك؟!!
زايد بوجع: مزنة لا تقولين كذا..
مزنة حزنها يزداد.. ودقات قلبها تزداد ثقلا: زايد هي مالها معنى إلا كذا..
مشكور يازايد لا أبغي غرفتك ولا بيتك..
بيت ولدي جنبي..
ولا تخاف من كلام الناس..
لأنه أنا أساسا أغلب اليوم هناك عند إبي... حد عرف أنا وين نمت!!
ووأساسا أنت اخترت توقيت مناسب عشان تطردني من حياتك..
لأنه تميم مسافر اليوم.. خلاص بأروح عند إبي..
زايد برجاء حقيقي فخم: تكفين مزنة.. لا تطلعين من البيت..
مزنة بإصرار مثقل بالوجع: وأنت وش تفرق عندك.؟؟..
أنت أساسا تبي تقعد تحت..وماتبي يصير احتكاك بيننا.. اعتبرني نفذت اللي قلته..
على الأقل خلني أحس إني حافظت على شوي من كرامتي!!
*********************************
كاسرة لم تذهب لعملها اليوم.. قررت أخذها كإجازة عارضة..
فهي لا تعلم متى سيعود كساب.. ولا تريده أن يحضر ولا يجدها..
رغم أنه ضايقها بعدم حضوره البارحة وهو يتجحج بالظروف ثم بالعمل!!
لكنها لم تستطع أن تكون بخيلة مع كرمه عليها بغزله الفاخر الليلة قبل الماضية..
كلما تذكرت كلماته ونبرته فقط.. شعرت بتساقط عروق قلبها إعياء وتأثرا!!
قررت التوجه لغرفة أمها حتى تتوجها كلاهما للسلام على تميم قبل أن يذهب للمطار..
فوجئت بل صُعقت بأمها تضع أغراضها في حقائب.. ولم تكن تنتقي.. بل كانت تفرغ الخزائن..
همست بجزع: يمه شتسوين؟؟
مزنة بحزم: باروح اقعد عند إبي لين يرجع تميم..
كاسرة باستغراب: بس تميم حالف ما تقعدين في البيت بروحش..
مزنة بذات الحزم البالغ الذي يخفي خلفه روحا تذوي بمعنى الكلمة:
أنا أمه.. مهوب أمي عشان يحلف علي!!
كاسرة بعدم تصديق: واللي تبي تقعد أسبوع تاخذ الشناط ذي كلها.. وتفضي الدولايب..
أساسا أنتي ملابسش هناك في غرفتش.. ماتحتاجين تشيلين ملابس معش!!
مزنة صرخت بها بحزم موجوع تماما: كاسرة مالش شغل.. انتهينا!!
كاسرة صرخت بحزم مشابه: لا لي شغل.. وش ذا الزعلة اللي تخليش تشيلين ملابسش كلها..؟؟
لا وأنتي حامل بعد؟؟
تراجعت كاسرة بصدمة حقيقية: عمي مهوب راضي بالحمل؟؟... عشان كذا زعلتي..؟؟
مستحيل عمي يكون كذا!! مستحيل!!
مزنة عاودت سحب ما تبقى من أغراضها لتضعها في الحقائب..
وكأنها تسحب أشلاء روحها المدمرة بعد معركتها الخاسرة.. لتعود إلى جبهتها مثخنة بالجراح..
همست كأنها تحادث نفسها وهي مستغرقة تماما في لملمة أذيال الانسحاب:
زايد مابعد درى إني حامل!!
كاسرة بصدمة: ليه يمه حرام عليش .. ليش ماقلتي له؟؟
حينها انفجرت مزنة بعصبية موجوعة: وش تبيني أقول له وهو يقول لي اطلعي من حياتي..؟؟
أقول تكفى خلني عشاني حامل...
مهيب مزنة بنت جابر اللي تذل نفسها..
ومثل ماربيت أربعة بروحي.. ماني بعاجزة من خامس...
كاسرة تكاد تجن: زين وليش يقول لش اطلعي من حياتي..؟؟
من يوم تزوجتوا وأنا حاستكم سمن على عسل.. فجأة اكتشف إنه مايبيش في حياته...
مزنة حينها تركت مابيدها واستدارت نحو كاسرة لتمسح على خدها بحنو..
وتهمس بوجع بعمق جذور التاريخ:
تدرين وش مشكلتي أنا وزايد؟؟
إنه زايد حب مزنة أمس.. بس ما قدر يحب مزنة اليوم..
وأنا ماقدرت أحب زايد أمس.. بس حبيت زايد اليوم..
يمكن تكون هذي العدالة ..وأنا ماني بمعترضة...
زايد عانى واجد... ويمكن صار دوري الحين...
وماحد يأخذ أكثر من اللي الله كتبه له... وأنا راضية باللي الله كتبه لي..
كاسرة تشعر بالكلمات باهتة على شفتيها: تبون تطلقون يمه؟؟
مزنة هزت رأسا نفيا.. وهمست بإرهاق: طلاق لا... إبي يتضايق واجد.. وهو ماعاده بحمل ذا السوالف..
وأنتي وكساب حياتكم بتتأثر من ذا الموضوع...
ناس كثيرين متزوجين وكل واحد منهم في بيت!! يعني حالتنا مهيب استثناء...
اللي أبيه منش ماحد يدري بشيء...
أنتو كساب بتدرون لأنكم ساكنين معنا في البيت.. بس غيركم ما أبيه يدري!!
***************************************
هاهو يعود أخيرا عند الظهر..
لم يتصل بها حتى.. فهو تعب لكثرة مايتصل ثم يحدث شيئا يعيق لقاءهما..
قرر هذه المرة أن يحضر دون اتصال.. ودعا الله طويلا أن يجدها..
ووجدها بالفعل.. جالسة في انتظاره..
شعر أن دفق الدم سيمزق صدره من فرط اشتياقه لها..
حين دخل.. وقفت.. تراجع خطوة للخلف وهو يرى مسحة حزن تجلل عظمة حسنها..
ثم عاود التقدم ليمسك بكفيها الاثنتين ويهمس بقلق:
كاسرة وش فيش؟؟
همست بسكون: مافيني شيء!!
هتف بذات النبرة القلقة: أنتي زعلانة عشان ماقدرت أشوفش إلا الحين..؟؟
هزت رأسا بذات الحزن: لا أبد..
ثم مالت برفق لتقبل صدره وهي تهمس بذات نبرة الحزن التي أغرقت صوتها:
الحمدلله على سلامتك!!
شعورها بالحزن غامر فعلا.. ان ترى أعظم شخصين في العالم يحدث بينهما هكذا مشكلة وهي من كانت ترى في عظمتهما ترفعا حتى عن الخلافات!!
كساب شدها ليجلسها وهو يحتضن كتفيها ويهمس بنبرة حزم مغلفة بالقلق:
والله العظيم إن قد تقولين لي!!
كاسرة تنهدت بوجع: أمي وإبيك بينهم خلاف كبير.. واتفقوا كل واحد منهم يعيش في مكان!!
كساب انتفض بجزع وهو يقفز واقفا : من جدش؟؟
كاسرة هزت كتفيها: وليش أكذب؟؟
كساب بغضب: لاااااااا... الشيبان شكلهم استخفوا.. وش ذا الخرابيط؟!!
كاسرة بسكون: هذا اللي صاير!!
كساب يستعد للمغادرة وهو يهتف بحزم غاضب: ليه هم ظنهم إني بأخليهم على كيفهم؟؟
كاسرة شدته بلطف : تكفى كساب اقعد... مهوب كل شيء تقدر تتدخل فيه وتمشيه على كيفك..
سويت اللي في رأسك وزوجتهم.. بس ماتقدر تجبرهم يرجعون يعيشون مع بعض..
عطهم وقت.. أنا متفائلة خير.. إنهم يبون وقت بس!!
كساب عاود الجلوس جوارها وهو يزفر بغيظ: والروس الكبيرة العاقلة وش مزعلهم من بعض عقب ماكان الغرام باقي يطلع من عيونهم؟؟
كاسرة بهدوء: شي يخصهم بروحهم..
كساب بذات النبرة الغاضبة: ولا يكونون ناوين يتطلقون بعد؟؟ هذا اللي ناقص!!
كاسرة تنتهدت: طلاق لا... أصلا هم مايبون حد يدري إن بينهم خلاف..
بس أنا وأنت ساكنين معهم في البيت.. لازم بندري!!
بس حتى علي ومزون مهوب لازم يدرون..
ثم أردفت برجاء وهي تحتضن خصره: كساب أبي أروح أقعد عند أمي يومين ثلاثة..؟؟
حينها انتفض كساب بغيظ: زين أنا وش ذنبي تعاقبيني ؟؟
تنهدت كاسرة: كساب وليش أعاقبك؟؟ بس ما أبي أمي تقعد بروحها.. وهي متضايقة..
كساب شد له نفسا عميقا وهو يحتضنها بقوة: أنا كنت اقول الله يستر من شفقتي على شوفتش ذا المرة..
كنت حاس إن الدنيا ماتجي على الكيف!!
روحي كاسرة ما أقدر أردش من أمش..
ثم أردف بحزم: بس أنا بجي أنام عندكم في مجلس الحريم..
مايصير البيت فاضي عليكم وتميم مسافر!!
كاسرة برفض: لا كساب تكفى.. لأنه أمي وقتها بتحلف أرجع معك..
بعدين البيت جنب البيت ومفتوحين على بعض..
والله العظيم لا نحتاج شيء لا أدق عليك..
حينها تنهد بعمق شاسع: تدرين كاسرة.. أول مرة تزعلين علي... وانا مالي ذنب!!
كل مرة يكون الذنب ذنبي... بس ذا المرة ماسويت شيء استحق عشانه تخليني بروحي!!
.
.
.
كاسرة تنزل بعد قليل..
لتتفاجأ بدخول عمها زايد..
مشاعر متضادة اختلجت روحها وهي تراه..
كانت تتمنى ألا تراه.. وتخشى أن تراه.. فهي عاتبة عليه..
وتخشى أن تقول له شيئا يغضبه أو يضايقه!!
كانت تريد أن ترد على تحيته وتخرج فورا..
لولا أنه بادرها بالسؤال الأبوي بعد السلام: يابيش وين بتروحين ذا الحزة؟؟
كساب مهوب فوق؟؟
أجابته بسكون: بلى فوق.. بس أنا استئذنته أروح لأمي!!
حينها شعر زايد بثقل عميق في أنفاسه .. صعوبة الزفير والشهيق!!
(أ حقا فعلتها؟؟
هل تركت البيت؟؟ وأنا أكدت عليها ألا تفعلها
كل ماكنت أريده أن تبقى رائحتها قريبا مني..
ألمحها صاعدة أو نازلة!!
لكن هي قررت أن تقسو.. أن تعاقبني أكثر مما قررت معاقبة نفسي!! "
مازال يمنح نفسه الأمل المبتور وهو يهمس بنبرة تساؤل حاول أن تكون تلقائية قدر الإمكان:
وأمش وينها؟؟
كاسرة باستغراب موجوع: أمي وينها؟؟ إسأل روحك يبه.. أمي وينها..
ثم أردفت بوجع: خلت لك الجمل بما حمل...
أستغرب يبه إنه فيه رجال عاش مع أمي وعرفها..
وعقبه يدور على طيف قديم اختفى!! وليت الطيف يستاهل حتى!!
يعني أنت كنت تبي مزنة البزر المطفوقة وتفضلها على مزنة الثقل والركادة..؟؟
لو كنت يبه خذت أمي وقت مابغيتها..
كان حالكم صار أردى من حالي أنا وكساب..
لأنه وقتها أنتو أصغر بواجد... وكل واحد منكم يبي يكسر رأس الثاني..
بس خلاص حكي في الفايت نقصان في العقل..
استمتع بحياة العزوبية مرة ثانية... الله يهنيك..
زايد موجوع أن مزنة أخبرت كاسرة بهذه التفاصيل بل أنها أخبرتها بوجود خلاف حتى بينهما..
لذا هتف بحزم أقرب للغضب: أعتقد إني أنا وأمش اتفقنا مشاكلنا تظل بيننا..
ما ننشرها قدام عيالنا!!
كاسرة بسخرية شديدة المرارة: وهذا اللي هامك يبه..
يعني تخيل أنا دخلت عليها لقيتها تشيل أغراضها كلها... تبيني أسكت أو أصدق أي شيء هي بتقوله إلا لو اقنعني؟؟؟
وعلى العموم تأكد إنه مافيه شيء بيطلع مني..
كساب بس يدري بينكم خلاف مايعرف وش هو..
زايد شعر بزيادة تثاقل أنفاسه ..
( أحقا حملت كل شيء!!
أ حقا حزمت أمرها على بتر ماكل بيننا حتى أطياف الذكريات؟؟)
كاسرة غادرت.. بينما زايد انهار جالسا على الأريكة..
لا يريد حتى أن يصعد للأعلى.. لا يريد أن يرى أطلالها الفارغة!!
كم يبدو القرار صعبا بعد تنفيذه..
كان يعلم أن التنفيذ سيكون صعبا وموجعا.. ولكن ليس إلى هذه الدرجة!!
ليس إلى هذه الدرجة!!
فالألم الذي يشعر به لا حدود له .. لا حدود له!!
"أليس هذا ما أردته؟؟ أن تعاقب نفسك؟؟
استمتع إذن بالعقاب!!"
يبدو أن مزنة ستبقى دائما هي عقابه الأبدي..
في بعدها.... وقربها..
ثم في بعدها مرة أخرى!!!!
************************************
" وضحى سامحيني على الكلام اللي قالوه خواتي..
وخصوصا كلام نورة...
تدرين مرة كبيرة.. وماحد يشره على الحريم الكبار!!"
تنهدت وضحى وهي تهمس بلباقة: ماحد يزعل من وحدة مثل أمه..
أصلا خواتك كلهم في مقام أمي..
يعني احترامهم على رأسي!!
نايف مد يده ليمسك بكفها وهما يجلسان متجاورين في مقعد الطائرة..
وضحى شدت كفها بوجل عفوي قبل أن يمسك بها..
نايف ابتسم بتأفف: تونا كنا حلوين ونقول كلام شعر!!
ثم أردف بابتسامة: عطيني يدش بس يا البخيلة.. نشفتي ريقي!!
حتى يدش ما أعرف ملمسها!! بأمسكها بس ماني بمأكلها!!
وضحى منحته كفها بتردد خجول..
إحساس عميق يجتاح كلا منهما بهذه اللمسة الرقيقة العذبة التي يتعرف عليها كلاهما للمرة الأولى..
إحساس سماوي بها ناتج عن كونها لمسة حلال لا شبهة فيها تقتحم طهارة أطراف كل منهما..
صمتا كلاهما.. ونايف يحتوي كفها بين أناملها بدفء..
ثم يمد كفه الأخرى ليحتضن كفها بينهما كلاهما!!
همس بدفء: شفتي إني ما أعض!!
وضحى متوترة وتتمنى لو انتزعت يدها بين يديه لشدة تصاعد دقات قلبها
ولكنها خجلت أن تفعل ذلك وحاولت أن تتلهى بشيء آخر.. سألت نايف بهمس رقيق:
نايف كم عمرك يوم ماتوا أمك وإبيك؟؟
نايف يمر أنامله عبر أناملها ويهتف بسكون وهو ينثال بغزارة ليشرك شريكة حياته في مشوار حياته:
ماماتوا مع بعض.. بينهم فرق طويل..
أول حد مات أمي الله يرحمها.. ماتت عمري سنة..
موجعني واجد إني ماعرفتها.. تدرين إنه حتى صورة لها ماعندي..
حتى صورة جواز مافيه... لأنه قبل مثل ماتعرفين.. كانت جوازات سفر الحريم بدون صور!!
جوازها لين الحين عندي... بس بدون صورة.. أحاول أتخيل لها صورة في عقلي..
يقولون لي إن عالية تشبهها واجد.. عشان كذا عالية غالية واجد على قلبي..
يوم ماتت.. كان باقي من خواتي ثنتين ماعرسوا.. فاطمة وقتها كان عمرها 18
وسلطانة عمرها 15 ..
فاطمة وقتها كانت متملكة بس عرسها تأجل عشان مرض أمي..
فاطمة تزوجت عقب سنة .. عقب ماحلف عليها إبي..
ماكانت تبي تعرس.. تبي تقعد عندي انا وإبي!!
وعقبها سلطانة.. وش كثر جاها خطاطيب وكانت تعيي..
كانت متعلقة فيني واجد.. وهي أكثر حد تولى مسؤوليتي وانا صغير!!
إبي حلف عليها يوم صار عمرها 20 إنها تتزوج.. هو بعد كان رجّال كبير
وخايف يصير له شيء وهي مابعد تزوجت..
أتذكر زين الليلة اللي قبل عرسها.. لا نامت ولا خلتني أنام..
طول الليل وهي قاعدة عند رأسي وتبكي.. وانا أسألها وش فيها؟؟
تضمني وتبكي وتقول مافيه شيء..
وهي كل ماتبكي.. أبكي معها..
وعشان أمي ماتت وسلطانة صغيرة.. سلطانة تعلقت واجد بنورة.. لأنها أكبر خواتي..
عشان كذا لزمت تسمي أكبر عيالها نورة!!
وعشان كذا الثنتين طبايعهم نفس شيء!!
وعقب إبي مات وأنا عمري 10 سنين.. ومن يومها وأنا أطوف من بيت وحدة من خواتي لبيت الثانية!!
كثير كنت أحس إنهم يبدوني حتى على عيالهم... كل وحدة منهم حاطتني على رأس أولويوتها..
عشان كذا لا تلوميني لو شفتيني ما أقدر أقول لهم شيء.. مايهون علي أوجعهم وأنا عارف إن غلاهم لي مافيه شك!!
على قد ما حسيت إني متشتت طول عمري وأنا ما أعرف لي بيت ولا أعرف لي أم...
على قد ما انخنقت من اهتمامهم..!!
على قد ما أحبهم..!!
على قد ما كنت أبي أهرب منهم..!!
عشان كذا هجيت أول ماخلصت ثانوي لفرنسا..
وما تتخيلون أشلون سوو مناحة يوم عرفوا إني باروح أدرس برا..!!
نايف صمت.. ووطأة الحديث تستنزف كثيرا من طاقته..
بينما وضحى شعرت أنها اُستنزفت من التأثر تماما... وهي من تشد هذه المرة على أنامله بعفوية رقيقة!!
****************************************
" يوووووه ..وش الشعب المقفل ذا؟؟
مايرضون يردون على كلمة وحدة بالانجليزي!!"
ابتسم تميم: هذولا هل بون كذا..
بس هل ميونخ متعودين على السياح!!
سميرة بتساؤل: وأنت وشدراك.. جيت هنا قبل؟؟
تميم ابتسم: يوم خلصت ثالث ثانوي.. رحت أنا وربعي في المدرسة جولة في أوربا.. خذنا شهرين كاملة في الصيف!!
طفنا أوربا كلها..
عشان تعرفين فايدة لغة الإشارة.. مالقينا مشاكل أبد.. الناس هنا متفهمين..
ويوم يشوفونا نتكلم إشارة يحاولون يساعدون قد مايقدرون..
سميرة باستغراب: وعمتي مزنة أشلون وافقت تروح وأنت صغير كذا..؟؟
تميم ابتسم: أمي طول عمرها تعتبرني رجال.. ولا عمرها حسستني بغير كذا!!
اللي اعترض امهاب الله يرحمه.. وكاسرة...
بس أمي وقفتهم عند حدهم.. وقالت لي سافر.. وانبسط.. وما أوصيك إلا في صلاتك ما تأخرها مهما كان!!
ابتسمت سميرة: فديتها عمتي مزنة..
ثم أردفت باهتمام: زين وش جدولنا بكرة؟؟؟
تميم بمودة: الصبح بنسوي الفحص.. وعقب بنطلع لميونخ على القطار!!
*********************************
عاد أخيرا إلى جناحه.. بعد ان كان يهرب بالعمل طوال النهار..
لا يتخيل أنه سيعود ولن يجدها..
لا يتخيل أنه قد ينام وهو لا يتوسد أمواج الكستناء ويتنفس عطرها الذي يهز أعطافه!!
أي نوم هذا؟؟ بل هو كابوس!!
يتنهد بعمق.. وهو يصعد درجات السلم.. كما لو كان يصعد إلى قبر موحش..
" لازم أتعود..
أنا كنت عارف إنه ذا كله بيصير..
وكنت عارف إنه الموضوع بيوجعني..
بس لازم أطهر روحي بالوجع.. عشان أقدر أتعايش مع ذنبي!! "
حين دخل إلى الجناح..
شعر بألام صدره تتزايد..
كما لو كانت ضلوع صدره تتقارب لتعتصر رئتيه وقلبه!!
كان الجناح مرتبا لأبعد حد..
ترتيبها هي.. يعرفه تماما..
" أكان لديكِ الوقت لترتبي أحزاني قبل أن ترحلي؟؟
أ تركت لي خصلة من شعركِ؟؟
أو بعضا من عطركِ؟؟
هل نسيتِ شيئا من أجلي يصبرني على بعدكِ؟؟
يبدو أنكِ نسيتِ أهم شيء.. نسيتِ أن تضعيني في إحدى حقائبكِ قبل الرحيل!!
لأنه يبدو أن لا شيء سيصبرني!!
لا شيء!!"
كان يهذي بهذه الأفكار وهو يدور في أرجاء الجناح الفارغ من أغراضها..
كان يفتح الخزائن كالمجنون.. يرجو أن تكون تركت أي شيء يخصها..
شيء قد تعود من أجله!!
ولكنها لم تترك شيئا.. ولا أي شيء!!
حتى مفرش السرير الذي قضيا فيه ليلتهما الأخيرة سويا.. غيرته بمفرش جديد قبل أن ترحل!!
لم تترك له أي شيء!!
وماذا يريد بالأشياء من بعدها.. وبماذا ستفيده سوى زيادة حرقة جوفه الملتهب كنار مستعرة..؟؟؟
يشعر بأنفاسه التي تخرج من صدره كما لو كانت ستحرق ما أمامه لشدة سعيرها!!
جلس على السرير وهو يشعر أن الجناح الواسع يضيق ويضيق ليصبح كفتحة الإبرة..
جلس من ناحيتها حيث كانت تنام.. يتحسس المكان الخالي..
ويشعر أن أنامله ستدمي كما روحه تدمي!!
مد يده لسيتند على حاجز الطاولة الصغيرة المجاورة لها.. لتقع يده على سلك شاحن هاتفها..
كف يده كما لو كان لمس جمرة أحرقته..
"وأخيرا تركت شيئا!!"
ينظر لكفه.. للأثر الباهت القديم لحرق كفه حين أمسك بالجمرة ليلة زواجها من سواه..
تلك الليلة أمسك بجمرة فعلية ليتناسى أنها تلك الليلة تنام في حضن سواه!!
ثم حين أصبحت تنام في حضنه أمسك بكل جمرات الكون.. وهو يبعدها عنه!!
لن يحتمل!!
لن يحتمل!!
لن يحتمل!!
************************************
تنظر لكاسرة النائمة وهي تجلس في زاوية الغرفة..
تتنهد بعمق.. لم تكن تريد من كاسرة أن تترك زوجها لتلحق بها..
ستتركها تنام الليلة لأنها حلفت!!
ولكنها في الغد من ستحلف عليها أن تعود لبيتها..
فالبيت خال من وجود امرأة..
فمن سيعتني بالرجال المتواجدين فيه؟؟
من سيعتني بزايد؟؟
من سيعتني بزايد بعد أن أفسدته بالدلال؟؟
فبعد أن كان في الأيام الأولى لزواجهما هو من يستخرج أغراضه كعادته..
أصبح لا يعرف مكان أي شيء إلا أن تخرجه هي له.. بعد أن أعادت ترتيب أغراضه هي...
هي من تستخرج له ملابسه صباحا..
وتستخرج له طقم أزرة وقلم وساعة هي من تنسقها.. بل حتى محفظته هي من تستخرجها من ثوبه القديم لتضعه في ثوبه الجديد..
حتى هاتفه هي من تشحنه له!!
تنهدت بوجع صارخ...
" صدقتي روحش؟؟!!
غصب تقولين إنه تعود عليش؟؟
الرجّال من بداية عرسكم وهو عايفش..
يا الله تحملش ثلاث شهور!!
.
.
.
زين يوم إنه عايفني من البداية
ليش ماقال لي عقب أسبوع أسبوعين..
ليش خلاني لين تعلقت فيه..
لذا الدرجة يبي ينتقم مني يعني؟!! "
وهي مستغرقة في وجع أفكارها المتشعب.. رن هاتفها..
انتفضت بجزع.. (من بيتصل ذا الحزة؟؟)
التقطت الهاتف وضعته على وضعية الصامت بسرعة حتى لا تزعج كاسرة النائمة
وحتى تنظر من المتصل...
كان هو.. هــــو!!
استغربت.. وارتعش قلبها اليائس المكلوم بخليط من الغضب والتأثر..
" وش يبي يتصل؟؟"
تكرر الرنين... تنهدت وهي تقرر الرد.. فكلاهما أكبر من لعبة التجاهل السخيفة..
ربما كان يريد أن يسأل عن شيء من أغراضه!!
وماداما قد اتفقا على وضعية عيش معينة ولكنهما يبقيان زوجان في إطارها..
فالاحترام لابد أن يبقى بينهما!!
ردت مزنة بلباقة رغم أنها تمنت في داخلها أن تغلق الهاتف في وجهه:
هلا أبو كساب ..
زايد صمت لثانية ثم أردف بهدوء عميق: مساش الله بالخير!!
مزنة بذات اللباقة التي اتعبتها مع وجع قلبها: الله يمسيك بالنور..
آمر يا أبو كساب.. إذا فيه شيء من أغراضك ماتعرف مكانه..
تراها كلها مرتبة كل شيء بروحه..
أزرارك وساعاتك في................
قاطعها بوجع عميق: ومافيه شيء غير الساعات والأزرار أبي أسألش عنه يعني؟؟
مزنة بثقة: ما أدري.. آمرني!!
سألها بحزم يخفي خلفه أملا غريبا: ولو أمرتش.. بتطيعين؟؟
مزنة بحذر: إن شاء الله.. لو في مقدرتي ما أقصر يا أبو كساب..
زايد بنبرة قاطعة صارمة ومباشرة: أبيش ترجعين.. واعتبري نفسش ماسمعتي شيء اليوم!!
مزنة شهقت بصدمة كاسحة: نعم... ليه حن كنا نلعب؟؟
ثم أردفت بغضب: أو أنت شايفتني لعبة عندك.. روحي.. تعالي!!
زايد شد له نفسا عميقا: محشومة.. بس أنا حسيت إنه حن استعجلنا في القرار.. خلينا نتناقش في الموضوع أكثر..
أكيد فيه حل غير كذا.. حتى لو أعرض نفسي على طبيب نفسي ماعندي مانع..
صمت لثانية ثم أردف بصدق مثقل بالألم:
أنا ماني بمستحمل المكان عقبش.. باستخف لو قعدت ليلة ثانية كذا!!
مزنة تغلق عينيها وتفتحها.. وجعها يزداد وجرح كرامتها يتسع:
الحين منت بمستحمل المكان عقبي لدرجة إنك مستعد تعرض نفسك على طبيب نفسي؟؟
وليش مافكرت في ذا الشيء اليوم الصبح..؟؟
مسرع قلبت..!!
وإلا عشان كاسرة علمتك.. بتسوي علي ذا اللفة الطويلة والتمثيلية البايخة؟؟
زايد.. أنا ربيت أربعة بدون أب.. يعني باعجز أربي واحد..
وإلا تكون خايف على ولدك من تربيتي؟؟
زايد شعر أن هناك قنبلة تفجرت في منتصف جمجته ونثرت خلايا دماغه أشلاء متناثرة (أي ولد؟؟ وأي تربية؟؟!!)
زايد همس بثقل وأحرفه تتبعثر: أي ولد تتكلمين عنه؟؟
مزنة موجوعة فعلا.. موجوعة.. يطردها من حياته دون رحمة.. لم يقدر مشاعرها.. ولا حبها له..
ثم يريد أن يعيدها من أجل طفل مازال في علم الغيب:
زايد أرجوك لا تزيدها علي..
خلاص اتفاقنا ماتغير فيه شيء.. الطفل ماراح يسوي فرق..
وأنا مستحيل أجبرك تعيش معي وأنت عايفني عشانه!!
زايد لم يستطع أن يرد بكلمة.. ألجمته الصدمة غير المعقولة..
" مزنة حامل!!
ولدي أنا.. ومن مزنة؟؟!!"
مزنة آلمها صمته أكثر من كلامه بكثير!!
( ماصدق أقول له كذا!!
كأنه كان جابر نفسه يقول ذا الكلمتين عشان يريح ضميره...
ويقول : كنت أبي أرجعها بس هي مارضت!! )
لم يقل كلمة واحدة... مازال عاجزا عن الاستيعاب..
فما يسمعه كان أشبه بمعجزة حقيقية ( ابنه هو.. ومن مزنة؟؟!!)
مزنة كانت من تكلمت ختاما وهي تحاول أن تتكلم برزانة تخفي خلفها ألما ماعاد احتماله بالإمكان حتى:
خلاص زايد ماقصرت.. رايتك بيضا.. والوجه من الوجه أبيض!!
تصبح على خير..
ثم أنهت الاتصال..
ليستوعب حينها أن الاتصال انتهى.. انتهى..!!
سارع لمعاودة الاتصال مرة أخرى..
ولكنها أغلقت الهاتف في وجهه هذه المرة..
ثم أغلقت هاتفها بالكامل!!
كان مازال يجلس على سريره.. على مكانها تحديدا..
وإحساس برودة قارص يجتاح خلاياه..
حتى فرحته بالخبر حرمته منها..!!
حرمته حتى أن يقول لها كلمة "مبروك!!"
حرمته أن يخبرها كم هو سعيد بهذا الطفل...
ليست مجرد سعادة بمعناها المجرد البسيط..
بل إحساس سعادة معقد مركب بالمعجزة التي حدثت..
وكأنك ترى أيام صباك تعود أمام ناظريك..!!!
وكأن الحلم الذي سُلب منه يعود إلى حضنه..!!
كم حلم بصبي له ذكاء نظراتها... أو صبية لها لون جدائلها!!
كم حلم بعبق روحها يضمه قريبا من قلبه!!
كم حلم بمخلوق يكون خليطا من روحيهما التي أبت الامتزاج..
ثم حين امتزجت.. كان هو من رفض هذا الامتزاج!!
شد نفسه بإرهاق ليقف... وهو يشعر أنه سينهار فعلا!!
عاجز عن البقاء في المكان بعدها.. كل شيء باهت من غيرأنفاسها..
كل شيء لا نكهة له!!
قرر أن يتوجه للمجلس ويبقى فيه حتى صلاة الفجر...
لا يريد أن يبقى في البيت حتى.. حيث سارت خطواتها وطاف خيالها!!
كان متأكدا أنه لن يجد أحدا في هذا الوقت!!
ليتفاجأ بوجود ابنيه كلاهما.. كساب وعلي!!
بعد تقافزهما للسلام عليه... هتف بحزم: وش مقعدكم ذا الحزة؟؟
ليه منتوا بعند نسوانكم؟؟
علي حاول أن يهمس بطبيعية: شعاع تتوحم ومهيب طايقة البيت!!
ليس من عادته أن يخفي على والده.. لكن إحساسه بهم عظيم يطبق على أنفاس والده جعله يخشى على والده من وطأة الهموم!!
بينما كساب هتف بنبرة مقصودة وهو ينظر لوالده بنظرة حادة مباشرة:
مرتي عند أمها.. ياحرام عمتي عند إبيها عشان تميم مسافر!!
خلتك بروحك مثلنا..
تعال صف جنبنا!!
زايد نظر لكساب بحدة مشابهة... يكره طريقته المبطنة هذه في الكلام..
يغيظه خبثه هذا.. وخصوصا حينما يكون محقا!!
زايد جلس بالفعل بجوار ابنيه!!!
ثلاثة رجال مطعونون بالهجر هذه الليلة!!
إن كان كبيرهم أخطأ دون قصد وأراد أن يعاقب نفسه..!!
وصغيرهم أخطأ بقصد.. واستحق العقاب!!
فإن أوسطهم ...ولأول مرة.. لم يخطئ.. ومع ذلك يُعاقب معهم!!
ربما آن له أن يتذوق نتائج أخطاء الآخرين..
كما كان يحمل الآخرين نتائج أخطائه..
حتى زواج مزنة وزايد كان هو من سعى له ليصلح أخطائه بطريقة ملتوية!!
طال ليلهم.. يتبادلون الحديث البارد..
وإحساسهم بالهجر يتعمق من إحساسهم ببعضهم دون كلام!!!!!
#أنفاس_قطر#
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل 102 - بقلم HaboOoshy
" الحمدلله على سلامتش
نورتي باريس وضواحيها!!..
وسامحيني على التعطيل اللي صار على الشناط..
تأخرنا وأنتي ميتة تعب.. يومين مانمتي "
وضحى همست بإرهاق حقيقي: عادي يا ابن الحلال.. المهم وصلنا..
حسيت من طول الرحلة إنها ماتبي تنتهي!!
ابتسم نايف: لذا الدرجة دمي ثقيل؟؟
ابتسمت وضحى برقة: اصلا لولا وجودك كان شقيت ثيابي!!
نايف اقترب ليمسك بكفها بحنان: آسف يا وضحى.. من أولها وأنا غاثش..
الصبح خواتي.. وفي الليل أنا وذا الرحلة..
همست وضحى بذات الرقة: لا تقول كذا تزعلني!!
حينها فتح نايف كفها ليغمرها بقبلات رقيقة شفافة.. شعرت وضحى أنها سيغمى عليها وهي تتمنى شد كفها بقوة..
لولا أنه أفلتها بنفسه حين شعر بارتعاش كفها وهو يبتسم بأريحية:
باقي على صلاة الفجر شوي.. بنصلي..
ثم اشبعي نوم..
بكرة بيكون يوم باريسي حافل!!!
***********************************
" هلا كساب.. فيه شيء؟؟ "
كانت كاسرة تنظر لساعتها باستغراب لاتصال كساب المبكر...
هتف كساب بحزم: وش بيكون فيه؟؟ ماتبين تروحين دوامش؟؟
كاسرة هزت رأسها: بلى.. بس ماتوقعت إنك بتوديني.. عشان ما اتفقنا أمس!!
كساب بذات الحزم: خلاص اتفقنا اليوم..
أنا أنتظرش برا.. انزلي لي!!
كاسرة تنهدت: كساب أنت كل شيء عندك حامي حامي حتى من صباح الله خير..
انزل تريق أول.. بأجهز لك ريوق بسرعة!!
كساب بذات نبرته الحازمة المعتادة: خلصيني كاسرة.. ما أقدر أتاخر!!
كاسرة كان بودها أن تتركه لوقت طويل ينتظرها.. لكن قلبها لم يطاوعها وهي تنزل له بعد دقائق!!
حين ركبت مد كفه لها بدون كلام.. فوضعت كفها في كفه دون كلام أيضا..
آن لها أن تعرف طباع زوجها..
رفع كفها إلى شفتيه ويغمرها بقبلات دافئة.. كاسرة همست بحرج:
كساب الله يهداك لا حد يشوفنا أشلون موقفنا..
كساب احتضن كفها بين أنامله بقوة وهو يهتف بثقة:
اللي يبي يشوف.. يشوف.. ترانا في حوش بيتكم مهوب في الشارع..
يعني جدش وأمش نعطيهم تذاكر فرجة ببلاش!!
ثم عاود رفع كفها ليفتح باطنها ويغمرها بقبلاته من جديد.. حينها شدت كفها بقوة وهي تهمس بغيظ:
تدري إنك وقح!! ووقاحتك هذي مرض مزمن!!
ابتسم كما لو كانت تثني عليه: أدري.. ماجبتي شيء جديد..!!
بس تدرين وقاحة المشتاقين مرفوع عنها القلم!!
لا تعلم بالفعل أي لعبة خطيرة يلعبها هذا الرجل.. لكنها باتت لا تحتمل أي كلمة ناعمة قد يقولها لروحها المجدبة!!
همست بسكون: وتبيني أصدق إنك مشتاق؟!!
حرك سيارته وهو يهمس بتلاعبه المثير: الواحد دايما يعكس مشاعره الشخصية على الآخرين..
أنتي مثلا لأنش منتي بمشتاقة لي.. ما تبين تصدقين إني مشتاق لش..
ويا الله ما أقدر أقول شيء غير قول الشاعر ابراهيم الخفاجي: (لنا الله ياخالي من الشوق...)
الله كريم يجبر بالخواطر المكسورة!!
حينها همست كاسرة باستغراب شفاف .. فمادام سيصارحها فهي ستصارحه:
زين أنت كنت تغيب بالأسبوع والأسبوعين عمرك ماقلت إنك اشتقت لش..
الحين مشتاق من يومين؟؟
كساب بدفء عميق لكن لا يستطيع إبعادة عن أسر نبرة التلاعب المثيرة:
اللي عنده وحدة مثلش.. يشتاق لها حتى وهي جنبه.. حتى وهي في حضنه!!
(آه ياقلبي.. والله إنك مجرم!!
وش ناوي عليه؟؟ تجلطني؟؟) كاسرة صمتت..
ماذ يفعل بها حتى يلجمها عن الرد وهي من كانت ردودها جاهزة دوما..؟؟
حينها ابتسم كساب: الحين أنتي ذا اللفة كلها عشان ما تجامليني على الأقل..
ترا من باب اللياقة لو حد قال لأحد (اشتقت لك) يرد عليه: وأنا بعد!!
حينها هتفت كاسرة بإجهاد من بين أسنانها كما لو كانت تكتم إحساسا أرهقها:
اشتقت لك.. اشتقت لك يالسخيف يا البايخ يا أبو دم ثقيل..
كساب انفجر ضاحكا: الظاهر ماتقصدين شي من اللي قلتيه غير الكلمات الثلاث الأخيرة..
زين والسخيف والبايخ يقول لش: ترجعين معه البيت الظهر..؟؟؟
تنهدت بإرهاق.. فهو أرهقها فعلا: بأرجع معك.. بس في الليل بأنام عند أمي!!
تأفف كساب: صارت طبيتني أمش!!
حينها ابتسمت كاسرة: ما تبيني.. رجعت لأمي من ظهر؟؟
كساب باستعجال مرح: وش ترجعين؟؟ (العوض وإلا الحريمة..)
أبي أشوفش ساعة وحدة قدامي وبس!!
(العوض ولا الحريمة: مثل شعبي.. يعني تماما أي شيء مهما كان بسيطا أفضل من لا شيء)
*************************************
كان يخرج هو أيضا من باحة بيته متوجها لعمله..
بدا له هذا النهار أسوأ نهار عمل منذ بدايته..
كان يتأفف وهو يستحم.. يتأفف وهو يرتدي ثيابه.. يتأفف وهو يبحث له عن أزرة يلبسها..
ثم بدت له بشعة وغير متناسقة مع ساعته..رغم أن كل مالبسه كان حقيقة متناسقا تماما مع بعضه..
لكنه لم يعجبه.. بل بدا له خاليا من الذوق!!
غيرها عدة مرات!!
وأعاد إحكام أزراره عده مرات بفشل.. ويداه تتعرقان كلما أراد لف قفل الأزرار!!
وفي كل مرة يتأفف ويتأفف ويتأفف.. حتى رائحة عطره المعتاد لم تعجبه لدرجة أنه ألقاه في القمامة بغيظ..
وبلغ تأففه ذروته وهو يكتشف أن هاتفه شبه خال من الشحن..ويقرر أن يعلقه في شحن السيارة وهو يتأفف للمرة المليون هذا الصباح!!
قد تبدو فترة 3 أشهر فترة قصيرة نوعا ما.. لتتعود على أحدهم بهذه الصورة الجنونية!!
ولكن إن كنت تنتظر هذا الشخص لثلاثين عاما..
ثم حينما جاء فرض حضوره حتى على أنفاسك التي تتنفسها.. فكيف سيكون حالك..؟؟
والإنسان بطبيعته البشرية مخلوق يعتاد على الدلال أكثر بأضعاف مضاعفة من اعتياده على الشدة!!
فلو أنك مثلا نفذت لطفلِ رغباته لثلاثة أيام متتالية فقط.. لن تستطيع بعدها مطلقا السيطرة عليه!!
ولو أنك أهديت زميلا قطعة من الشيكولاته كل يوم على مدى ثلاثة أيام..
سيبقى يتوقعها منك اليوم الرابع والخامس!!
فكيف بمن تكفل أن يقوم بكل شيء عنك طيلة 3 أشهر؟؟
ولم يكن هذا الإنسان أي إنسان!!
بل كان مزنة... مزنة...
مـــــــزنـــــــة!!
يزفر بيأس وهو يلكم مقود سيارته..
" عمري ما أتخذت قرار فاشل مثل ذا القرار!!
والله إني أفشل رجل أعمال..
وقبلها أفشل رجّال!!
الحين أشلون اقنعها ترجع وأنا عارف يباس رأسها؟؟
لا بارك الله في اللي بقى من طبايع مزنة الصغيرة
ليت ربي يفكنا منها.. ويرجع لي مزنة الكبيرة!! "
كانت هذه أفكاره التي تحرق تفكيره المرهق اشتياقا ووجعا.. وغيظا على نفسه
وهو يخرج من باحة بيته ليلملح كسابا يخرج من باحة البيت المجاور وبجواره كاسرة..
" إيه ولدي أبو لسان طول الليل يقط حكي
وهو مهوب حاس بوجيعتي..
وهذا هو طالع هو ومرته!!
وماحد بيأكلها غيري!!"
ليجد نفسه.. بشعور أو بغير شعور.. بقصد أو بغير قصد... يدخل هو أيضا لباحة البيت المجاور..
فهل الجينات المشتركة بين الأب وابنه تحركهم نحو ذات الاتجاه؟؟
نزل من سيارته متوجها لباب غرفة الجد الذي يفتح باتجاه الباحة..
اتصل بسليم أولا.. فأخبره أنه في المجلس..
لأن عمته مزنة عند والدها!!
كان يعلم ذلك.. فهو شعر بطيفها قريبا.. كما لو أن روحه تقوده إليها دون دليل..
مشتاق حتى مافوق أذنيه.. ومن فراق ليلة واحدة!!
فكيف يحتمل قساوة الليالي وبرودتها في بعدها!!
حاول فتح الباب.. فوجده مغلقا!!
كان يريد مباغتتها ..!! الآن يخشى ألا يجدها..
ليس لأنها ستهرب لأنه يعلم أن مثلها لا تهرب.. لكن لأنها تريد معاقبته!!
وصله صوتها الحازم الواثق: سليم روح.. لا تجي إلا أذان الظهر عشان تودي بابا المسجد..
إحساس غيرة مرُّ اجتاح كيانه..
"أ تمنح غيره همسات صوتها الرخيم ؟!!"
هتف بغضب مغلف بحزمه البالغ: افتحي يامزنة.. أنا زايد..
مزنة تراجعت بعنف..
تمنت ألا تفتح.. وألا تراه..
فهي غاية في الضعف.. وجرحها مازال ينزف بغزارة مؤلمة!!
فهي منذ غادرت بيته صباح أمس وهي كما لو كانت ترى أمامه نهرا من دم ينسكب من خلايا جسدها وروحها..
ليغرق الرؤية أمامها.. ومع ذلك تتحرك وتتكلم بثقتها المعتادة دون أن تشتكي أو تسمح لنفسها أن تنـزوي قليلا بحزنها!!
ولكنها لم تستطع إلا أن تفتح..
فليس من اللائق أن تتركه خارجا.. ولا أن تهرب منه كطفلة مذعورة..
ليست مزنة إن فعلتها!!
انفتح الباب.. وزايد يخشى أن تكون فتحت وغادرت المكان..
لذا تفاجأ واهتز وهو يراها أمامه..
كانت تقف في الزاوية.. واقترب هو ليلقي السلام بصوت عال..
الجد ابتسم وهو يرد السلام: ياحيا الله أبو كساب
وش ذا النهار المبارك اللي تصبحت فيه بكم كلكم!!
كان زايد يتبادل السلامات مع الجد بالأريحية المعتادة..
ليلتفت خلفه باستعجال..
ويجد مكانها خاليا!!
" تريد أن يكون عقابها لي مضاعفا!!
ألمحها قبلا.. ثم تغادر.. لتنسف مابقي من صبري!! "
لم يعلم أنه لو كان الأمر بيدها.. لم تكن لتغادر..
لم تكن لتبدو أمامه بهذا الضعف والعجز عن المواجهة!!
مثقلة بالجرح..
ومن جرحها يقف أمامها بكل صلافة واثقة..!!
كما لو أن الضحية تقف أمام الجلاد ويُطلب منها أن تبتسم في وجهه..
لم تستطع فعلا أن تقف.. وتنظر في وجهه من هذا القرب!!
شعرت أنها توشك على الانهيار.. ومؤشراتها الحيوية توشك على الوصول إلى أدنى مستوياتها!!
تركت له المكان كاملا.. وهي تتصل بسليم بإرهاق: سليم تعال قهوي بابا زايد.. وخلك عند بابا جابر..
لم تكد تنهي الاتصال وهي تصل لأسفل الدرج حتى أوقفتها الصرخة الحازمة:
مــزنـــة!!
تنهدت بيأس ( ليه كذا يارب؟؟ اللهم لا أعتراض!!)
استدارت نحوه وهي تحشد في صوتها كل الثقة: أنت أشلون دخلت؟؟ أنا ماقفلت الباب..
اقترب منها ليهتف بحزم: لو قفلتيه.. ماكان دخلت!!
أشلون تخلين الباب مفتوح بينش وبين العامل؟؟
تنهدت مزنة بحزم: لو نسيته مرة.. سليم بيسكره بنفسه..
وسليم عبارت ولدي!!
زايد بغضب مكتوم: لا مهوب ولدش هذا رجال غريب!!
مزنة تنهدت: زين يا أبو كساب.. أنت جاي عشان ذا الموضوع؟؟
سلمت على إبي وماقصرت.. وكثر الله خيرك!!
مزنة تراجعت للخلف بعنف.. لأنه لم يرد عليها.. بل مد يده ليتنزع برقعها عن وجهها وهو يهتف بحزم:
آخر مرة تكلميني وحن بروحنا وتغطين وجهش عني!!
حينها انفجرت مزنة بغضب: أنت ماعندك إحساس؟!!
أمس طاردني من حياتك.. واليوم جاي لي ما كانه صار شيء..
لا تخلين الباب مفتوح بينش وبين العامل.. لا تتغطين عني!!
أنت وش جنسك؟؟ تقتل القتيل وتمشي في جنازته؟؟
لم يرد عليها بشيء.. ونبرته تتغير لدفء لا يخلو من غضب:
ليش ماقلتي لي إنش حامل!!
مزنة تحاول أن تشيح بنظرها عنه وهي تهتف بثقة: كاسرة ماقصرت!!
زايد بثقة: كاسرة ماقالت لي شيء.. إسأليها لو بغيتي.. انا مادريت إلا منش البارحة!!
مزنة بمرارة: وماقصرت.. بينت فرحتك بالخبر لدرجة إني حسيتك بتطير!!
هتف بثقة غامرة: وانا فعلا مستانس ومبسوط.. هذي نعمة من رب العالمين
ولأنه منش بيكون أعظم نعمة!!
وإذا أنتي ماحسيتي بفرحتي.. لأنها كانت أكبر من إن الواحد يعبر عنها بكلمات!!
بس بعد ليش ماقلتي لي؟؟
مزنة بذات المرارة التي تبصقها مع كلماتها: ومتى أقول لك؟؟
وأنت في النهار ماتطيق تشوف وجهي.. ويا الله تقول لي كلمتين!!
وإلا في الليل وأنت لاصق فيني لدرجة تخوفني لا تكون مريض؟؟
زايد بثقة: مهوب عذر.. خبر مثل المفروض أنا أول حد يدري به..
مهوب كاسرة ولا غيرها..
في أي أسبوع أنتي؟؟
مزنة حاولت أن تبتعد عنه (عن أي أسابيع يتحدث؟؟ وهي تكاد تكمل الشهر الثالث!!)
لكنه شدها ليوقفها أمامه وهو يسأل بحزم: ماجاوبتيني على سؤالي!!
مزنة شدت معصمها منه وهي تهمس بحزم: آخر الثالث..
زايد تراجع بصدمة: أي ثالث؟؟ قربتي تكملين ثلاث شهور وماكنتي حتى ناوية تقولين لي؟؟
مزنة تنهدت بعمق .. فهي فعلا مرهقة منه ومن الوضع ونفسيتها شبه مدمرة:
زايد لا تحاول تحسسني بذنب ماراح أحس فيه..
لأنه الذنب كله ذنبك.. وأنا ماني بمستعدة أسمح لك تتلاعب فيني بذا الطريقة..
زايد مد يديه ليمسك وجهها بين كفيه.. حاولت التراجع..
لا تعلم هل بالفعل منعها حاجز الدرج؟؟ أم هي من عجزت عن مغادرة أسر كفيه؟؟
همس بدفء عميق: مزنة خلينا من لعب البزراين.. أنا معترف إني غلطان.. والرضوة اللي تبينها تجيش لين عندش..
ارجعي لبيتش وأنا حاضر لأي شي تبينه..
مزنة انهمرت بطوفان يأسها ووجعها وحرقتها:
والموضوع عندك كذا بسيط؟؟
لذا الدرجة شايفني شيء رخيص وتافه.. تحذفه متى مابغيت وترجعه متى مابغيت..؟؟
كل كلمة قلتها لي البارحة..جرحتني جرح ماله مدى..
أول شيء قلت أبي أهجرش ولا تحتكين فيني كني مريضة بجرب!!
وثاني شيء كملتها إنك تبي تعاقبني على ذنب مهوب ذنبي..
وش ذنبي إن وسمية سمعتك تناديني في نومك..؟؟ أنا طلبت منك كذا..؟؟
أنا حتى عطيتك ريق حلو ذاك الزمان يخليك تتعلق فيني؟؟
بالعكس وأنا صغيرة كنت جفسة وقليلة أدب.. ومافيني شيء ممكن يغريك أني أصير حلم تهذي به 30 سنة!!
لكن أنت معي سويت كل شيء عن قصد.. خليتني أتعلق فيك.. وحاولت بكل طريقة... لين أنا تعلقت فيك..
وعقبه حذفتني مثل شيء ماله عازة... وثاني يوم جاي تبي ترجعني..
ليه وش شايفني؟؟
لو أنك حريص علي كان فكرت ألف مرة قبل مايكون أول قرار عندك أن تقطع كل مابيننا..
ولأنه حن على قولتك ما احنا ببزران.. فكل واحد مسئول عن قراره..
لأنه اللي في عمرنا مايسوي قرار هو ما ملأ يده منه..
************************************
" مسكينة أختك نجلا.. ذابلة مرة وحدة..
وش صاير فيها..
أنا شفتها آخر حملها كانت أحسن بواجد!!"
غانم بعفوية: تدرين ولادتها صعبة وعقبه توأم ومتشحططه بين الولد والبنت..
لازم يبين عليها!!
مزون بتأثر: كسرت خاطري والله..
الحين لا جبت عيال.. باصير كذا؟؟
ابتسم غانم: وليش الأفكار السلبية هذي؟؟
نجلا انتظري عليها ترجع البنت لحضنها.. وبتشوفينها أشلون تحسنت..
مزون صمتت لدقيقة ثم همست بتردد: غانم ماعليه الليلة أروح لبيت علي.. وأسهر عنده شوي..
أبي أشوف وضع بيته.. مرته تتوحم وخلت البيت!!
غانم بتأفف باسم: والحين أي واحد من أخوانش تتدلع عليه مرته بتطيح في رأسي..
ابتسمت مزون: أنا أساسا كنت أبي أقول لك أبي أنام عنده.. بس عارفة إنك ماراح ترضى.. فقعدت بكرامتي!!
غانم يصفر: ياسلام عليش.. هذا اللي ناقص..
روحي له ياقلبي.. شوفي وضعه وترجعين
السهرة لا.. الساعة 8 بأجي أجيبش..
مزون برجاء: 8 بدري.. لين 12 بس!!
غانم بحزم رقيق: مزون ياقلبي.. ماقلت لش شيء.. روحي من العصر لين الليل
بس عقب لازم ترجعين تتعشين معي ونسهر سوا..
وإلا أنا مالي فيش نصيب!!
مزون صمتت على مضض.. فهي تخشى أن يكون علي لا يتناول طعاما جيدا وخصوصا أنه مازال يأكل علاجه..
وعلاجه هذا ثقيل ولابد أن يكون مع معدة ممتلئة ..
كانت تريد أن تتأكد أنه سيتعشى قبل عودتها!!
غانم شعر بامتعاضها.. لذا حاول أن يلهيها بالحديث: إلا على طاري بيت أخيش علي...
أنا أدري إنه اللي على اليمين بيت كساب وهو باعه على نسيبه..
واللي على اليسار بيت علي.. بس اللي ورا بيت من؟؟
مزون بتساؤل: تقصد الفيلا الصغيرة اللي داخل حوش بيتنا؟؟
هذي لخالتي عفراء..
غانم هز رأسه: لا أقصد اللي نفس ستايل بيوت أخوانش وحجمها وفي حوش مستقل..
ابتسمت مزون: هذا بيتي أنا!!
غانم بصدمة: ماقلتي لي من قبل..؟؟
ابتسمت مزون: ماجات فرصة.. إبي أول شيء بنى البيت الكبير واشترى الأراضي اللي حواليه..
وقبل حوالي سبع سنين بنى البيوت هذي!!
غانم يتساؤل عفوي: والبيت الكبير كم عمره؟؟
مزون تحسب في رأسها المدة: حوالي 12 سنة..
ابتسم غانم: ماشاء الله كأنه توه أمس مبني!!
ابتسمت مزون: لأنه شركة أبي هي اللي بنته.. فأكيد توصوا عدل..
ثم أردفت بشجن عميق مغرق بنبرة ولع غريبة: إبي فديته عقب ماماتت أمي...
مارضى نقعد في نفس البيت عقبها..
باع البيت واشترى واحد ثاني.. وقعدنا فيه لين خلص بيتنا هذا..
غانم لا ينكر إحساسه الغريب بالغيرة من تعلقها بأهلها.. حتى نبرته حينما تتكلم عنهم تتغير لتصبح أكثر سماوية..
مزون صمتت لثوان ثم أردفت بتردد: زين دامك سألت عن بيتي..
وش رأيك لو نسكن فيه كلنا بدل ماهو قاعد فاضي كذا؟؟
حتى أخوانك الصغار كل واحد منهم بيصير له جناح!!
غانم التفت نحوها بحدة: نعم؟؟ عيدي؟؟
أنتي مهوب عاجبش بيتي؟!!
مزون بحرج: ماقصدت غانم.. بس دام عندي بيت نستفيد منه..
غانم يشد له نفسا عميقا: مزون لو سمحتي سكري ذا الموضوع عشان ماتصير هذي أول زعلة بيننا..
بيتش كيفش فيه.. بيعيه.. أجريه... أنا مالي شغل فيه!!
غانم يزفر بحرقة..
( أمن أجل أنها تريد قرب أهلها
هي مستعدة لجرحي وإحراجي هكذا!! )
***********************************
صحت على رفرفات رقيقة تغمر كتفها..
فقفزت بخجل وهي تشد الغطاء عليها كاملا وتهمس بخجل عذب:
صباح الخير نايف...
نايف بمودة: تراه صار مساء.. العصر قرب يأذن.. قومي صلي الظهر والعصر مع بعض..
وضحى بجزع: وليش ما قومتني للظهر..؟؟
نايف يضحك: توني قمت أساسا.. نمنا مثل المقتولين..!!
وضحى مدت يدها لتتناول روبها وتلبسه وهي تهمس برقة: سبحان الله.. صدق كنت تعبانة موت..
والحين جوعانة.. تصدق؟؟
نايف بإبتسامة: أصدق ونص.. لأني جوعان وأنا أساسا أكلت..
وأنتي صار لنا يومين ماشفتش حطيتي شيء في حلقش..
ثم أردف بحماس: يا الله نأخذ شاور.. وأوديش مكان تأكلين فيه أحلى أكل..
وعقب بأمشيش في باريس تمشية سبيشل مايعرفها إلا واحد لفلف حواري باريس مثلي!!
ثم أردف بمرح خبيث وهو يستعد لدخول الحمام: إلا أنتي وش تحطين على كتفش.. سكر وإلا عسل؟؟
وضحى انتفضت بخجل شديد وهي تخفض عينيها وتشد روبها على جسدها أكثر..
" يمه منه..
وتقول لي عالية.. خام ومسكين!! "
************************************
دخلا قبل قليل لجناحهما..
ودخل كساب ليستحم.. لم تستطع انتظاره لأنها كانت تشعر بالحر فعلا بعد نهار العمل الصيفي الطويل..
لذا دخلت للحمام الآخر لتستحم..
حين خرجت استغربت أنه لم يخرج بعد.. بالعادة لا يطيل أكثر منها..
كان باب الحمام مواربا.. معنى ذلك أنه خرج وعاد..
شعرت بالقلق فهذا الرجل له تصرفات تثير القلق دوما...
لذا طرقت الباب ودخلت فورا دون مقدمات..
فوجئت به يغير لنفسه وهو يضع شاشا على كتفه..
انتفضت بجزع.. وهي تقترب منه وتهمس بقلق مر: وش سويت في نفسك ذا المرة بعد؟؟
همس بثقة: مافيني شيء.. رجاء كاسرة عطيني دقيقتين وأجي لش !!
كاسرة بحزم: لا.. بأقعد معك أشوف شتسوي.. وبنطلع سوا..
كساب بحزم: كاسرة اطلعي برا.. لأني الحين بأبدل على فخذي وبأشيل الفوطة اللي حاطها على خصري..
كاسرة انسحبت.. ليست غبية لتعلم ماذا فعل.. مادام يغير على كتفه وفخذه..
شعرت أن الدقائق لا تريد أن تمضي والمرارة في جوفها تنغرس وتتعمق!!
حين خرج بعد أن ارتدى ملابسه.. همست بصوت غائر: يعني سويتها؟؟ وحرقت روحك..
هتف بثقة: لا... سويت عملية بسيطة.. وماحسيت بشيء.. وشلته وارتحت خلاص..
كاسرة موجوعة بالفعل من إخفائه كل شيء يفعله عنها..
همست بعتب عميق: وأنت كساب عمرك ماراح تشركني في شيء من قراراتك..
يعني سفرتك ماكانت توقيع عقد؟؟
كساب تنهد وهو يشدها ليجلس ويجلسها جواره:
والله العظيم توقيع عقد.. والعملية حتى أخي علي مادرى عنها..
أنتي الحين الوحيدة اللي تدرين..
كانت عملية بسيطة لمجرد طمس الأرقام.. وبتبين كأنها حرق قديم..
ثم ابتسم بشفافية غريبة كما لو كان يحادث ذاته:
يا الله ياكاسرة ما تتخيلين وأشلون حسيت بالحرية كني عصفور فكوه من حبسه..
تمنيت ألبس شورت وفنيلة علاق بس وأتمشى في الشوارع..
كاسرة لكمت صدره برقة وهي تهمس بتأثر عذب: هذا اللي ناقص!!
ثم أردفت بوجع وهي تحتضن خصره: بس أشلون عصفور حر..
وأنت مرتبط مع شغلك بشغل ثاني..
قبل وأنت مسافر ماكنت أحاتي سفراتك.. بس الحين عقب ماعرفت كل ماسافرت بيأكلني التفكير..
حينها همس بسكون أقرب للحزن: لا هذي هم حرروني منها.. أساسا يوم خذت الثياب تيك المرة.. رحت عشان أسلمها..
أنا جاني إعفاء عشان إصابة كليتي!!
مادريت أنا أستانس وإلا أحزن!!
كاسرة تنهدت براحة شعرت بها ستشق جنبيها لشدة اتساعها..
الآن عرفت سبب تغيره..
فهو تحرر من كل شيء.. من كل ماكان يفرق بينهما..
أسراره ووسمه وعمله السري..
تتمنى فقط لو علمت كيف وصل لهذا المكان.. فهذه الحكاية تعلم أنها من صنعت تكوينه الصعب..
لو علمت بها فقط سترتاح كليا وتصبح صورة كساب صافية تماما..
الآن بدت تجد له الأعذار لغموضه وحدة شخصيته وتقلباته..
لكن حين تكتمل الصورة ستصبح أقرب وفهمها له أعمق...
وهذا كل ما تريده!!
كساب شدد احتضانه لها وهو يهمس بثقة: الحلوة شا اللي شاغل بالها..؟؟
كاسرة همست برفق وهي تمرر أناملها على ساعده:
أبي أعرف شيئين اثنين.. ليش دخلت السجن؟؟
وأشلون وصلت لسالفة المهمات العسكرية!!
تكفى كساب .. أبي أرتاح.. ما أبي أحس إنه فيه حاجز بعد بيننا..
نثر قبلاته على شعرها المبلول وهو يهمس بذات الثقة:
صدقيني المعرفة ماراح تريحش.. ماراح تتحملين اللي بأقوله..
كاسرة برجاء: جربني زين!!
كساب بإصرار: خلاص كاسرة انتهينا..
***************************************
" والله العظيم لو ما رديتي عليه ذا المرة
إني ماعاد أكلمش!!"
جميلة بجزع: لا يمه تكفين.. خلاص بأرد عليه..
كانت جميلة على وشك الرد لولا أن هاتفها سكت عن الرنين.. همست بانتصار:
شفتي يمه.. هذا هو سكر من نفسه.. !!
عفراء ببساطة حازمة : عادي فيه اختراع اسمه إعادة اتصال.. اتصلي له أنت..
جميلة شعرت أنها ستبكي: تكفين يمه.. لا تخليني أذل نفسي له وأتصل أنا له..
وعد وعد لو اتصل المرة الجاية إني أرد عليه!!
عفراء رفعت حاجبا وأنزلت الآخر وهي تهمس بذات البساطة الحازمة:
الحين أنتي بتذلين نفسش لو اتصلتي.. وهو ماذل نفسه وهو كل يوم يتصل كم مرة وأنتي ما تعبرينه!!
جميلة هزت كتفيها: هو اللي غلط في حقي مهوب أنا اللي غلطت عليه..
عفراء بثقة: فيه كلام أبي أقوله لش.. بس اتصلي أول بفهد وعقب تعالي وأقوله لش..
جميلة برجاء: يمه تكفين!!
عفراء بإصرار حازم: أنتي يا بنت ماعاد شيء له حشمة عندش حتى حلوفتي عليش..
قومي كلمي رجالش خلصيني..
جميلة تأففت وهي تقف لتتصل به من غرفة أخرى.. لم تكن تريد والدتها أن تسمع ماستقوله له..
فهد كان هناك يتأفف بدوره لأنها لا ترد على اتصالاته..
أثقله الشوق حتى الثماله.. واستغرقه حتى النخاع.. وهي مطلقا لا ترحمه..
نعم أخطأ.. ولكنه أعتذر.. وطهر نفسه بالألم والندم..
أ لم يكفها كل ذلك؟؟ ماذا تريد أكثر؟؟ أن ينتحر مثلا حتى ترتاح؟؟ أو يقطع لسانه حتى تشعر بالسعادة؟؟
لا يعلم من أين أتت بكل هذه القسوة وهو من كان يظن أن لها قلبا يذوب كذوب الثلج في نهار مشمس!!
لذا حينما تصاعد رنين هاتفه كان سيسكته فهو لا يشعر برغبة للتحدث مع أي أحد.. لولا أنه رأى الاسم ينير على الشاشة..
كما لو كان ينير بين عتمات جنبيه!!
التقطه بلهفة لم تبدو واضحة في حزم صوته: وأخيرا حنيتي وتكرمتي بالاتصال!!
جميلة بغيظ: أصلا لولا إن أمي حلفت علي وإلا والله ما أكلمك!!
يا الله كيف من الممكن أن تهوي من القمة للقاع في ثانية واحدة.. هذا تماما ماحدث له.. يكاد يشعر بوجع عظامه من قوة الارتطام..
رد عليها ببرود يخفي خلفه ألمه المتسع: الله يبارك في عمتي اللي علمتش السنع..
جميلة بذات الغيظ: وأنت متى بتعرف السنع.. ؟؟
قلت لك لا تكلمني.. وأنت تتصل وأنا ما أرد عليك...
متى بتفهم أنت؟؟
أنت ماعندك كرامة؟؟...........
أسكتها صرخة حازمة جمدت الدم في عروقها وصوته يصب كنار غاضبة في أذنها: أص ولا كلمة... سامعتني أنتي ياقليلة الحيا.... أص!!
إذا أنتي تشوفينها سالفة كرامة يأم كرامة.. أنا شايفها سالفة حق.. وماراح أتنازل عنه!!
حقي أتصل.. وأنتي تردين علي وأنتي ما تشوفين الطريق!!
دام أنتي عارفة إني أتصل وأنا ما أبي إلا كل خير.. لا أبي اغثش ولا أبي أضايقش!!
ليش ما تردين؟؟
لأنش وحدة تحبين المغثة...
يعني يوم كنت أنا موريش الويل وما تسمعين معي كلمة زينة...... كنتي صابرة وساكتة..
ويوم شفتيني ماني بقادر على بعدش.. وخاطري أقول لش كلمة حلوة أعوض فيها عن كل اللي قلته قبل...... ماحتى عطيتيني مجال..
خلاص جميلة تبين المغثة..؟؟ تراني حاضر..
وترا الأيام الاولى من زواجنا يوم كنت أغثش.. تراني ماكنت قاصد..
تخيلي إذا كنت قاصد أغثش.. أشلون بتكون المغثة؟؟
فهد أنهى نيران جوفه المسكوبة.. ثم أغلق هو الهاتف في وجهها.. جميلة انتفضت بجزع..
(ياربي ليش استفزيته كذا؟؟
الحين يمكن يطلقني.. وإلا تصير مشاكل بينه وبين عمي منصور بسبتي!!)
جميلة عادت إلى أمها وهي تسير كما لو كانت شبحا.. تسحب خطواتها على الأرض بدون صوت مسموع..
لم تتذكر حتى أن والدتها قالت لها أنها تريد أن تقول لها شيئا من شدة استغراقها في التفكير.. حتى همست والدتها باستغراب:
هيه جميلة.. وش فيش يأمش؟؟
جميلة انتفضت بخفة: مافيه شيء فديتش..
كنتي تبيني في سالفة؟؟ آمريني!!
عفراء تنهدت وهي تضع تضع زايد الصغير في مقعده ثم تقوم لتجلس جوار جميلة..
ثم تهمس بحنان حازم وهي تشد على كف جميلة:
جميلة يأمش.. أنا يوم أجبرش تكلمين فهد ما أبي أكسرش في عينه ولا أهينش..
بس أنتي يامش صايرة تتصرفين بدون منطق.. وأنا يوم أتدخل أبي مصلحتش!!
يوم صارت زعلتنا أنا ومنصور وطولنا واجد.. وأنتي تعاتبيني ليش ما ترجعين لعمي.. وأنا اتعزز وأقول هو غلط في حقي!!
بس لو جينا للحق.. عمش منصور ماقال لي ارجعي.. حتى تلفون مادق لي..
كان يروح يسأل عني زايد وعياله.. ومافكر يتصل لي أنا..
صحيح زعلت وكبرتها وطلعت من البيت.. بس عقبها بكم يوم صفا تفكيري وندمت إني سويتها.. وكنت أنتظر منه كلمة عشان أرجع..
بس هو قعد ست شهور لين تكرم علي وقال لي ارجعي..
فهد ماسوى كذا.. فهد شاريش من قلب.. أدري غلطته كبيرة عليش..
بس خلاص الرجّال اعتذر.. لو كل مرة بيغلط عليها رجالها بتهج وتخليه..
ماكان قعد فيه اثنين مع بعض..
عطيه فرصة.. خليه يثبت لش إنه ندمان صدق.. ليه منتي براضية تعطينه ذا الفرصة..؟؟
ترا فهد على عيوبه فيه ميزات أكثر.. والبشر مافيهم كامل..
جميلة همست بيأس: يمه ماني بمتقبلة فكرة الرجعة له!!
حينها همست عفراء بثقة: تدرين يأمش ليه منتي بمتقبلة الرجعة له؟؟
لأنش تبين تعاقبينه بذنب خليفة.. أو لأنش خايفة يسوي مثل خليفة..
جميلة انتفضت باستغراب: وخليفة وش دخله يمه؟؟
عفراء بحزم: خليفة هو ساس المشكلة.. خليفة كان رجال زين.. بس أنتي ضيعيتيه من يدش..
وفهد بعد رجال زين وتبين تضيعينه من يدش..
المشكلة وين؟؟
إنه خليفة تخلى عنش أول ماقلتي له ما أبيك.. كأنه ماصدق!!
لكن فهد على كثر ماقلتي له ما أبيك... متمسك فيش..
وأنتي مستمرة في قولت (ما أبيك) كانش تبين توصلينه آخره عشان تشوفين هو بيسوي نفس خليفة أو لأ..
الشيء الثاني.. خليفة ما اعتذر عن اللي هو سواه... بس فهد اعتذر..
ما تقدرين تسامحين فهد وأنتي ماسامحتي خليفة..
مع إن خليفة هو صاحب الفضل وتبين تسامحينه عشان تقدرين تكملين حياتش..
جميلة برفض: يمه ذا الكلام كله صدقيني ماله معنى..
عفراء بإصرار واثق: وأنا متاكدة من ذا الكلام..
يأمش شيلي خليفة من رأسش عشان تقدرين تعيشين حياتش..
لا تخلين طيف خليفة يخرب عليش حياتش ويوقف حاجز بيتش وبين رجالش!!
***************************************
" وين الأغراض اللي جابها غانم لمهاوي؟؟ أبي أشوف ذوق أخيش ومرته!!"
نجلا ترفع راسها بينما كانت تبدل لغانم الصغير ملابسه..
و تلتفت لصالح بنبرة عتب مقصودة تخفي خلفه حزنا مرا.. وذبولا متوحشا؟؟ حزن جديد بدأ يتصاعد في الروح حتى خنقها:
زين وأغراض غانم ماتبي تشوفها ؟؟.. تراه ولدك بعد!!
صالح بعفوية: أنا زهقت من شوفت أغراض العيال.. عيوني احولت من شوف الأزرق.. خاطري أشوف الوردي!!
ثم أردف بحماس: الدكتور يقول المها حالتها الحين ممتازة.. وتقدر تطلع قريب..
أول شيء بنسويه لا رجعت المها للبيت.. نلبسها فستان.. وبأوديها للمجلس.. عشان أصورها مع سلطان..
البارحة رجع من السفر.. أول شيء سواه.. راح معي للمستشفى عشان يشوفها.. و .......
قاطع انهماره الحماسي انفجار نجلا المفاجئ بالبكاء ... صالح انتفض بجزع وهو يجلس جوارها ليأخذها في حضنه..
وهو يحاول تهدئتها: نجلا حبيبتي وش فيش؟؟
نجلا تصاعدت شهقاتها وهي تبعده عنها: لا تجي جنبي.. ولا تقرب مني!!
وتدري.. ما أبيك حتى تدخل البيت.. خلك في المجلس..
وإذا جات بنتك.. مرخوص تجي تشوفها.. وتطلع.. أنا وعيالي مانبي منك شيء!!
صالح بصدمة: نجلا ليش تسوين كذا؟؟ معقولة تكونين غيرانة من بنتش؟؟
نجلاء انفجرت بحزنها المكتوم منذ الصباح.. وهي بالكاد تتكلم مع غانم ومزون حينما جاءا هذا الصباح..
وتنتظر صالح بوجع ليشاركها المصيبة.. ولكنه لم يأتي إلا الآن بعد صلاة المغرب!!
بعد أن أثقل على روحها الوجع.. حتى ماعاد بالاحتمال..
انفجرت بهستيرية: أنا غيرانة من بنتي؟؟ إلا أنت اللي ما تستاهل تكون أب...
اطلع برا وما أبي أشوف وجهك!!
برا.. برا...
صالح يحاول تهدئتها: نجلا الله يهداش.. ترا مافيه شيء يستاهل ذا اللي أنتي مسويته كله..؟؟
نجلا انهارت جالسة ماعاد فيها أي طاقة وصوتها يتحول لتمتات باهتة: مافيه شيء يستاهل!!
صالح وش صار على فحوص غانم اللي صار لي أكثر من أسبوع ونص أحن عليك تجيبها؟؟
صالح بحرج: يا بنت الحلال هذا فحص دوري يسوونه لكل المواليد..
لو كان فيه شيء لا قدر الله كانوا اتصلوا..
نجلا بذات النبرة الباهتة الممزقة وجعا: فحص دوري...؟؟
كنت أقول لك... الولد طريقة تنفسه مهيب مريحتني..
تقول لي عادي.. ماتذكرين عزوز وخالد كانوا كذا..
أقول لك تكفى تأكد من فحوصه اللي خذوها في المستشفى يوم طلعنا..
تقول لي إن شاء الله.. كل يوم إن شاء الله..
صالح لا يعلم لِـم بدأ القلق يتسرب لروحه.. فنجلا بالفعل غير طبيعية..
هتف بهذا القلق: نجلا شا اللي صاير؟؟
حينها عاودت الانفجار بشكل أشد وجعا وهستيرية:
شا اللي صاير؟؟؟..
اللي صاير إنك ماخذت الفحوص لأنك ماعندك اهتمام بأحد غير بنتك..
والمستشفى دقوا عليك أكثر من مرة.. ولقوا جوالك مسكر.. لأنك أكيد عند بنتك بعد..
لحد ماطلعوا رقمي أنا من ملفي..
غانم قلبه تعبان واجد.. ولدي بروحي أنا قلبه تعبان.. ولازم أستعجل في الفحوص عشان يسوون له عملية في أقرب وقت!!
والحين أنت اطلع برا.. ماني بطايقة شوفتك قدامي... اطلع.. اطلع..
برا.. برا...........
****************************************
كان ينتهي للتو من وضوءه لصلاة العشاء ويريد التوجه للمسجد قبل الآذان..
حين سمع صوت الطرقات الهادئة على الباب..
هتف بحزم: ادخل..
دخلت بخطواتها الواثقة وهي تسلم وتقبل رأسه..
ثم تهمس باحترام بدون مقدمات: أنا أسفة يبه لو كنت ضايقتك أمس..
وتراني جيت البارحة ذا الحزة بس مالقيتك!!
وكنت أبي أعتذر لك بنفسي مهوب في التلفون!!
زايد هتف بأبوية: لا تعتذرين يا أبيش عن قولت الحق..
أصلا لو أنتي ماعاتبتيني.. ما تكونين بنتي كاسرة اللي ما ترضى بالحال المايل..
ثم أردف بشجن مغلف بحزمه: وأنا اشهد إن حالي مايل!! وأنا اللي ميلته بروحي!!
كاسرة بثقة: أنا كنت موجوعة واجد عشان أمي...
بس لو جينا للحق.. أنا مالي حق أتدخل بينكم.. هذي مشاكلكم الخاصة وأنتو اللي تحلونها..
تنهد زايد بحزم: شكلها يأبيش ماتبي تنحل..
ثم أردف بثقة: أنا متأكد إن أمش ماقالت لش إني كلمتها البارحة وجيتها اليوم..
واعتذرت منها.. وطلبت منها ترجع.. بس هي مارضت!!
كاسرة بصدمة حقيقية: لا.. ماقالت لي شيء..
زايد بذات الثقة: كنت عارف!!
مثل مادست علي خبر حملها... تظن إنها يوم تحتفظ بسر كل شيء إن هذا بيخليها في موقع القوة..
عشان ماحد يقدر يضغط عليها بشيء!!
كاسرة بحرج: أنت دريت بخبر حملها؟؟
زايد بذات الثقة الحازمة: دريت منها.. وهي تحسب إنش قلتي لي..
وماخذه في خاطرها.. تحسبني أبي أرجعها عشان الحمل!!
كنت أقول مزنة تغيرت وعقلت.. بس عنادها مثل ماهو.. ورأسها أيبس من الصوان..
حاولي فيها يا ابيش.. حاولي تقنعينها..
اعتذار واعتذرت.. وأي شيء تبيه زود... أنا حاضر!!
**********************************
" عبدالرحمن.. عالية بترجع تتعشى معنا؟؟"
عبدالرحمن بإبتسامة: لا يمه فديتش... الليلة بتتعشى عند أمها..
أم عبدالرحمن همست بحنان: زين تبيني أكفيك؟؟ أنا بأروح مع السواق وأجيبها..
عبدالرحمن يتناول كف والدته التي تجلس جواره على الأريكة ليقبل ظاهرها باحترام جزيل ومودة غامرة:
لا جعلني فداش.. بأروح أجيبها.. وش عندي؟؟
ثم التفت للجالسة معهما وهي في عالم آخر.. آخر.. شاردة.. مثقلة بالهم..
وهتف بصوت عال: شعاع.. اشعيع..
شعاع انتفضت برقة: لبيه..
عبدالرحمن بمودة: قومي يأخيش استعجلي إبي..
دخل يتوضأ ولا عاد طلع.. الأذان بيأذن الحين..
وأنا بروحي عبالة.. أبي لي عشر دقايق لين أوصل المسجد..
(عبالة = شيء ثقيل بالمعنى المعنوي لا الحسي)
شعاع قفزت وهي تهمس باحترام: إن شاء الله أبشر..
عبدالرحمن كان على وشك أن يطلب من والدته أن تقرب له مقعده البعيد الذي وضعته شعاع في زاوية الصالة..
لولا الصرخة اليائسة التي تفجرت في البيت من حنجرة شعاع بهستيرية:
يمه الحقيني.. إبي نايم على السرير وما يتكلم..
أم عبدالرحمن صرخت بجزع وهي تحاول الوقوف وتتعثر.. وتحاول المشي وتتعثر..
حتى وصلت لداخل الغرفة واختفت فيها..
وصرخات الاثنتين بدت واضحة تماما لعبدالرحمن وهما تحاولان إيقاظ والده..
إحساس غريب.. سبق أن شعر به..
قبل عام تقريبا...
دوامة يطوف بها..
وصوت اصطدام..!!
وحشرجة أنفاس مهاب..
وصراخ الجد..
وصراخ أمه وشعاع.. ووالده لا يرد!!
بدت له الدنيا باهتة.. باهتة.. لا شيء ذو قيمة فيها..
سوى شيء واحد.... والــــــــــده!!
أثمن كل شيء وأغلى..
أثمن حتى من مهاب لو قارنهما معا!!
أثمن من ابنه القادم.. وأثمن من عالية !!
ثمين إلى حد اليأس.. ثمين إلى أقصى مسافات التاريخ..!!
ثمين بقدر حنان أزلي منحه له منذ الدقيقة الأولى في حياته حتى قبل دقائق..
وهو يبتسم له ابتسامة الرضا مغادرا ليتوضأ!!
ثمين بقدر ماربطت بينهما الصداقة وتشعبت الحكايات.. وتبادلا الضحكات..
ثمين بقدر ماتعاتبا.. حين كان يقسو على شقيقتيه.. فيرد عليه : (أخاف عليهم يأبيك..)
ثمين بقدر الساعات والدقائق والثواني التي قضاها فوق رأسه وهو في غيبوبته..
وهو يوقف حياته كاملة من أجله!!
ثمين بقدر الليالي التي قضاها ساهرا يحرك أطرافه ويناجيه دون يأس..
وكأن روحه تعلقت بأنفاسه الباردة التي ينفثها في غرفة مستشفى أشد برودة!!
ثمين بقدر حبه له.. وهو يعلم أنه لا يوجد والد أحب ابنه..
كما أحب فاضل ابنه عبدالرحمن!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل 103 - بقلم HaboOoshy
عبدالرحمن كان على وشك أن يطلب من والدته أن تقرب له مقعده البعيد الذي وضعته شعاع في زاوية الصالة..
لولا الصرخة اليائسة التي تفجرت في البيت من حنجرة شعاع بهستيرية:
يمه الحقيني.. إبي نايم على السرير وما يتكلم..
أم عبدالرحمن صرخت بجزع وهي تحاول الوقوف وتتعثر.. وتحاول المشي وتتعثر..
حتى وصلت لداخل الغرفة واختفت فيها..
وصرخات الاثنتين بدت واضحة تماما لعبدالرحمن وهما تحاولان إيقاظ والده..
إحساس غريب.. سبق أن شعر به..
قبل عام تقريبا...
دوامة يطوف بها..
وصوت اصطدام..!!
وحشرجة أنفاس مهاب..
وصراخ الجد..
وصراخ أمه وشعاع.. ووالده لا يرد!!
بدت له الدنيا باهتة.. باهتة.. لا شيء ذو قيمة فيها..
سوى شيء واحد.... والــــــــــده!!
أثمن كل شيء وأغلى..
أثمن حتى من مهاب لو قارنهما معا!!
أثمن من ابنه القادم.. وأثمن من عالية !!
ثمين إلى حد اليأس.. ثمين إلى أقصى مسافات التاريخ..!!
ثمين بقدر حنان أزلي منحه له منذ الدقيقة الأولى في حياته حتى قبل دقائق..
وهو يبتسم له ابتسامة الرضا مغادرا ليتوضأ!!
ثمين بقدر ماربطت بينهما الصداقة وتشعبت الحكايات.. وتبادلا الضحكات..
ثمين بقدر ماتعاتبا.. حين كان يقسو على شقيقتيه.. فيرد عليه : (أخاف عليهم يأبيك..)
ثمين بقدر الساعات والدقائق والثواني التي قضاها فوق رأسه وهو في غيبوبته..
وهو يوقف حياته كاملة من أجله!!
ثمين بقدر الليالي التي قضاها ساهرا يحرك أطرافه ويناجيه دون يأس..
وكأن روحه تعلقت بأنفاسه الباردة التي ينفثها في غرفة مستشفى أشد برودة!!
ثمين بقدر حبه له.. وهو يعلم أنه لا يوجد والد أحب ابنه..
كما أحب فاضل ابنه عبدالرحمن!!
لا يعلم ما الذي حدث.. ولا كيف حدث..
كل ما يعلمه أنه وجد نفسه ينحني على سرير والده.. وهو يجس نبضه ويتأكد من أنفاسه.. ويصرخ بشعاع: اتصلي في الاسعاف بسرعة..
ثم ينهار جالسا على الأرض..
لم ينتبه أحد كيف تحرك من الصالة لغرفة والده دون كرسيه!!
فبالهم كان مشغولا بشيء آخر..
شعاع كانت تتصل بالاسعاف وهي تشهق بهستيرية..
بينما أم عبدالرحمن مازالت تحاول إيقاظه بكل يأس..
حينها انتبه عبدالرحمن لنفسه.. انتبه أنه هنا..!!
أنه هنا بدون كرسي..!!
لم يهمه كيف حدث ذلك.. كل ما كان يهمه هو والده..
حاول الوقوف مرة أخرى.. شعر أن قدميه تتخاذلان.. وأنهما عاجزتان عن حمله..
لكنه تحامل على نفسه..
"مادمتُ فعلتها من أجله قبل قليل دون وعي مني
سأفعلها الآن بأذن الله ومن أجله أبضا وأنا بكامل وعيي!! "
شعر بصعوبة الأمر.. وان قدميه لا تستجيبان..
لكنه حاول وهو يستند لطرف السرير.. ليقف بصعوبة بالغة..
ثم يجلس بجوار والده.. وهو يتأكد من استمرار تنفسه!!!
" يا الله.. كم تبدو الحياة باهتة بدونك يافاضل!!
هل تريد أن تتركني؟؟
هل تريد أن ترحل قبل أن ترى حفيدك؟؟
هل تريد أن تترك عبدالرحمن الذي لا يعرف بهجة الحياة دون ابتسامة رضاك!! "
*********************************
" علوي حبيبتي..
امشي أوديش لبيتش!!"
عالية بمودة: لا عبدالله فديتك.. عبدالرحمن جايني الحين..
عبدالله بمودة يخفي خلفها قلقه العارم: أنا حلفت على عبدالرحمن أجيبش..
أنا أساسا أبي أروح الحلاق الحين..
بأوصلش وبأروح..
عالية نهضت وهي تهمس بمرح وترتدي عباءتها: الله لا يخليني منك..
زين عشان ما أتعب الدحمي!!
عبدالله بنبرة مقصودة: أم حسن..
جوزا بلباقة رقيقة: لبيه..
عبدالله بذات النبرة المقصودة: أبي جوالش عشان أكلم الحلاق.. جوالي طفا..خلص شحنه..
جوزاء ناولته هاتفها بعفوية.. أخذه منها وهو يهتف بمودة: زين روحي رقدي حسن.. تأخر الوقت..
جوزا شدت حسن وهي تهمس برقة: إن شاء الله..
كان عبدالله يريد أن يحرص أنه لن يفاجئها أحد بالخبر..
فهاتفها معه.. وهي حين ينام حسن يستحيل أن تتركه لوحده..
وفي غرفتها لن يصعد لها أحد!!
حين أصبحا كلاهما في السيارة.. هتف عبدالله بحزم:
اسمعيني زين.. ترا عمش تعبان شوي.. بس إن شاء الله إنه زين!!
تبين أوديش للبيت..؟؟ وإلا تبين تروحين لهم المستشفى..؟؟
عالية انتفضت بجزع: نعم؟؟ عمي تعبان..
لا أكيد أبي أروح المستشفى فدينك!!
عالية طوال الطريق أفكارها تغلي..
تعرف ارتباط عبدالرحمن بوالده.. تتخيل وضع عبدالرحمن الآن..
ليزداد قلبها غليانا!!
*****************************
كان يعبر طرقات المستشفى كالمجنون.. منذ اتصل به عبدالرحمن واخبره أن حالة شعاع صعبة وأنها لم تسكت من البكاء..
وأنه يخشى عليها وعلى جنينها ويرجوه أن يحضر لتهدئتها..
لأنه بالكاد يقدر على تهدئة والدته الآن!!
كانت تقف قريبا من باب غرفة الإنعاش.. ودموعها لم تتوقف عن السيلان حتى غرق نقابها..
كم تبدو مشاكلنا تافهة حين يأتيها ماهو أكبر منها!!
يبدو الآن كل خلافها مع علي لا قيمة له إطلاقا أمام قلقها على والدها.. وخشيتها من فقده..
فهل نحتاج دائما لصدمة لكي تعدل تفكيرنا المائل..؟؟
رغم محبتها الهادرة لعلي التي أشعرتها بالاستغناء عن العالم وكأنها لا تريد من الحياة شيئا سواه!!
لكنها علمت الآن ويقينا أنها تحب والدها أكثر!!
وأنه لا علي ولا سواه سيعوضها عنه لو ذهب!!
حتى لو كان يقسو عليها أو قسا عليها.. يكفيها إحساسه بأنفاسه في الحياة..
تنبئها أن لها ظهرا حنونا لا تخشى الدنيا مادام خلفها..
شعرت بالفعل بإحساس اليتم المر من مجرد خوفها من فقده!!
كانت هذه أفكارها المتصاعدة مع شهقاتها وهي لا تشعر بشيء حتى شعرت باليد الحانية على كتفها..
وهمسه الدافئ الحنون: اذكري الله ياقلبي.. إن شاء الله مافيه إلا العافية!!
حينها استدارت لتسند جبينها لعضده وهي تنتحب بشكل أشد..
كان علي يشعر أنه سيموت ليأخذها في حضنه..
ولكن وقفتهما في الممر لم تسمح له بذلك..
وهو يرى عبدالرحمن يجلس قريبا منهما وبجواره والدته يحاول تهدئتها..
ربما لشدة انشغاله بشعاع لم ينتبه إلى عصا مسندة للحائط خلف عبدالرحمن!!
فكل كيانه مع هذه المنتحبة وهي تسند رأسها لعضده..
وتتمنى لو كانت تستطيع أيضا الارتماء في حضنه لتسكب وجيعتها كما تشعر بها فعلا!!
علي يهمس لها بحنان: حبيبتي اهدي تكفين.. خافي اللي في النفس اللي أنتي شايلتها..
عمي فاضل إن شاء الله إنه طيب..
حينها اتسعت عينا علي بصدمة حقيقية وهو يرى عبدالرحمن يتناول العصا من خلفه.. ثم يستند عليها ليقف..
كان يتحرك ببطء شديد وصعوبة.. ولكنه كان يتحرك!!
كان يقف!!
كان متوجها ليسأل أي أحد ليطمئنهما..
قلق عارم يعصف به..
فوالده سبق أن أُصيب بأزمة قلبية من فترة ليست بالبعيدة.. حين أفاق هو من غيبوبته...
قلقه يتزايد وهو يرى أن لا أحد يخرج لتطمينهم بأي شيء!!
كان على وشك العودة ليجلس جوار والدته!!
في لحظة وقوفه تلك..
كان هناك شخصان آخران قادمان..
رجل وأمراة..
لتتهاوى المرأة مغشيا عليها حالما رأت عبدالرحمن واقفا وهي تشهق شهقة عنيفة!!
عبدالله المصدوم انحنى ليسند شقيقته ثم يحملها قبل أن تصل للأرض والممرضات يسرعن نحوه لينقلها لغرفة إنعاش مجاورة!!
عبدالرحمن حين رأى المشهد أمامه.. قفز بسرعة أكبر متوجها نحوها.. رغم صعوبة المشي عليه..
ليصل إليها فور إنزالها على السرير وهو يهتف بغضب:
عبدالله الله يهداك ليش تجيبها هنا..
عبدالله بغضب مشابه: وأنت ليش ماقلت لي إنك مشيت.. يوم كلمتني!!
أنا قلبي كان بيوقف يوم شوفتك واقف.. أشلون ذا المسكينة؟؟
عبدالرحمن انحنى على وجهها يربت على خدها بلطف: عالية.. عالية..
الممرضات أزحنه جانبا ليقمن بدورهن في إفاقتها.. لم تستغرق دقيقة حتى تصاعدت شهقتها الثانية..
واستوت جالسة وهي تهمس بلهفة موجوعة: وين عبدالرحمن؟؟
حينها رأته واقفا جوارها.. وحينها دفنت وجهها بين كفيها وانتحبت من أقصى روحها..
عبدالله حين اطمأن لإفاقتها قرر أن يخرج لأنه شعر أن وجوده غير مناسب في هذه اللحظة الخاصة جدا!!
عبدالرحمن اقترب منها ليحتضن رأسها ويهمس بوجع: حبيبتي أنا محتاجش قوية الحين.. عشاني!!
عالية احاطت خصره بذراعيه وهي تنتحب وتشهق بعنف: بس عطني دقيقة وحدة أستوعب..
ماني بقادرة أصدق إنك واقف قدامي.. الحمدلله يارب...
ياربي ماني مصدقة.. صدق أنت واقف؟؟
عبدالرحمن بشجن عميق: واقف.. بس ياخوفي يكون ثمن وقفتي أغلى منها بواجد!!
**************************************
مازال معتصما بمكانه في صالة البيت منذ عاد إلى البيت..
وهي معتصمة بغرفتها التي نزلت فيها للأسفل بعد ولادتها..
كلاهما لديه إحساس عميق بالذنب يتعمق ويتعمق..
هــــــو لأنه اكتشف أن فرحته بالصغيرة جعلته مغيبا تماما.. أهمل أسرته كاملة من أجلها..
قبل دقائق مر به عبدالعزيز.. لم يقل له شيئا وهو متوجه ليدخل عند والدته..
نـــاداه.. شعر برغبة مضنية لاحتضانه..
ست سنوات وهو من كان آخر العنقود.. ست سنوات وهو المدلل..
ثم فجأة وكأنه اختفى ماعاد حتى ينتبه لوجوده.. فكيف سيشعر طفل كهذا؟؟
احتضنه بقوة وهو يغمر وجهه بقبلاته ويشعر أنه سيبكي..
يا الله كم افتقد رائحته!!
تفاجأ في ملامحه العذبة بسن مفقود..
هتف باستغراب: متى طاح سنك؟؟
عبدالعزيز بإبتسامة: من زمااااان.. (من عدة أيام!!)
صالح يتحسس المكان الفارغ بألم... كيف لم ينتبه حتى لسقوط سنه الأول..
هتف بهذا الألم: ومن اللي شاله لك؟؟
عبدالعزيز بذات الابتسامة: عمي هزاع يوم جا يأخذنا يودينا عند جدي..
ماحسيت فيه.. قال لي غمض عيونك.. وبعدين شفته في يدي!!
ووداني الدكان أنا وخويلد وخلاني أشتري أغراض واجد عشاني مابكيت..
صالح بذات الألم: وليش ماقلت لي أنا إن سنك يتحرك عشان أشيله..؟؟
عبدالعزيز بتأفف طفولي: يووه قلت لك كم مرة.. بس أنت ماتسمعني..
مستعجل.. على طول مستعجل!!
وأمي على طول تبكي.. ما أبيها تشيل سني وهي تبكي!!
" يا الله.. وش كل ذا الوجع؟!!"
صالح عاود احتضان عبدالعزيز وهو يرفعه ليجلسه في حضنه.. في لحظتها خرجت نجلا..
تحاشت النظر لهما.. وهي تهتف بحزم:
عزوز يا الله عشان تنام.. اطلع غسل أسنانك والبس بيجامتك.. أنت وخويلد وأنا جايتكم الحين..
نجلا كانت تريد مناداة الخادمة لتجلس عند غانم الصغير حتى تعود لها..
لولا أن صالحا قاطعها بحزم مرهق: أنا بأقعد عندهم لين ينامون..
ارجعي لغانم!!
كان بودها أن ترفض.. لكنها بالفعل مرهقة.. وإحساسها بالذنب كذلك يخنقها..!!
تشعر أن الله عز وجل يعاقبها على تطيرها.. فهي كرهت أن تُسمى ابنتها باسم طفلة ماتت بالقلب.. فيظهر أن ابنها مصاب به!!
تستغفر الله كثيرا من هذه الأفكار.. ولكنها لا تستطيع الابتعاد عن أسرها..
وإحساسها بالذنب يتزايد ويتزايد!!
*********************************
أجبرها أن تجلس.. وهاهو يجلس جوارها..
يحتضن كفها في كفه.. وهي لم تتوقف عن النحيب.. ولم ترد عليه بكلمة منذ رآها..
همس بحنان: شعاع ياقلبي بس.. هذا أنتي سمعتي بنفسش إنه عدا مرحلة الخطر..
بكرة الصبح إن شاء الله بيكون بخير!!
لم ترد عليه بشيء.. وهي مستمرة في البكاء.. تبكي الكثير من الأشياء..
تبكي قلقها على والدها.. تبكي من إحساسها أنها كانت على وشك فقده..
تبكي حتى مسامحتها الجالس جوارها وهي لا تريد أن تسامحه!!
تبكي رغبتها أن تطوق عنقه بذراعيها وهي لا تستطيع!!
قلبه يذوب من أجلها ذوبا.. وهي لا ترحم حاله..
يشعر أنه سينهار من الإرهاق وسينهار قبل أي شيء من أجلها..
ومع ذلك يحاول التجلد من أجلها أيضا!!..
وضع مختلف عن وضع المتجلدين في مكان آخر بعيدا عنهما..
عبدالرحمن وعالية.. عبدالرحمن بدأت روحه تطمئن قليلا حين أخبروه أن والده استقر وضعه وتجاوز مرحلة الخطر.. بعد الأزمة القلبية المفاجئة التي فاجئتهم جميعا !!
مشغول باله بشدة ومثقل بالهم.. هذه هي الأزمة الثانية.. فهل سينجو من ثالثة؟؟
عالية تهمس بمودة وتصبير: عبدالرحمن الله يهداك.. عمي الحين أحسن.. قل الحمدلله..
عبدالرحمن يتنهد: الحمدلله والشكر.. بس أنا خايف عليه.. هذي الازمة الثانية..
مع إن إبي بشكل عام صحته زينة.. وتوه مهوب كبير..
حاس إني أهملته.. كان المفروض إنه أسافر أنا وإياه ونسوي له تشييك كامل..
ثم أردف بحزم: عالية قومي روحي للبيت أنتي وامي.. وجيبيها الصبح.. عبدالله ينتظركم..
ولو تاخر أكثر على جوزا.. بيصير بالها يودي ويجيب..
عالية برفض: وأخليك؟؟
عبدالرحمن بإصرار: اسمعي الكلام.. أمي تعبانة ولازم ترتاح..
وحتى الحين بأخلي علي يأخذ شعاع..
تعالوا كلكم بكرة..
***********************************
منذ عاد لها بعد أن نام الصغيران..
وكلاهما معتصم بصمت مر.. تبدو مرارة الصمت كمرارة العلقم!!
ومرارة الذنب أمر من ذلك وأقسى!!
كلاهما غارق في مرارة ذنبه التي تشربت بها الروح!!
لم يقاطع جمودهما المؤلم سوى تعالي صرخات غانم الصغير..
كلاهما قفز في ذات الوقت..
كان هو من وصله أولا.. وتناوله من فراشه..
كان بودها أن تدفعه عنه.. وتأخذه من يده!!
ولكنها رأت أن في هذا قسوة لا ترضاها لنفسها ولا لوالد أطفالها..
فهي رغم كل شيء في حاجته.. حتى لو كان لن يقدم شيئا تكتفي بوجوده لتستمد منه القوة!!
لذا عادت للجلوس على سريرها وتركت غانما بين يديه!!
صالح أسكت الصغير ثم تساؤل بإرهاق: يبي يرضع؟؟
همست نجلاء بإرهاق أعمق: إيه.. عطني إياه!!
ناولها إياه.. وفي لحظة التماس تلك.. لم يستطع إلا أن يجلس جوارها ويأخذها بين ذراعيه..
لتنهار في بكاء موجوع وهي تسند رأسها لكتفه وتحمل ابنها بين ذراعيها..
همس لها بحنان مغرق في الوجع: سامحيني نجلا.. سامحيني ياقلبي.
أدري إني غلطتي كبيرة.. ومالي عذر..
وكفاية الذنب اللي أنا حاسة عقاب لي!!
فرحتي بالبنت اللي حلمت فيها سنين.. أعمتني عن أشياء واجد..
يمكن كنت أبي لي صدمة تفوقني.. بس الصدمة ذي توجع توجع..
قالها وهو ينحني ليتناول الصغير من بين يديها ويغمر وجهه ويديه بالقبلات
ويهمس بوجع متزايد:
لا تحاتين.. إن شاء الله مافيه إلا العافية..
وربي رحمته أوسع من كل شيء!!!
**************************************
يدخلان لبيتهما سويا .. وأخيرا..
طوال الطريق وهما صامتان تماما.. رغم أنه كان يتحرق ليقول لها أي شيء..
لكنه احترم صمتها وحزنها!!
في أحيان كثيرة قد يكون أفضل ما نقدمه للآخرين هو.. الصمت..
حين يكون الصمت أكثر تعبيرا من الكلام!!
حين وصلا للبيت... حدث ما توقعه تماما..
انفجرت في البكاء.. وهي تجلس على الأريكة وتدفن وجهها بين كفيها!!
جلس جوارها ليأخذها في حضنه.. لم تحاول أن تتمنع..
فالتصنع لا يليق بهما!!
دفنت وجهها في منتصف صدره لتنتحب بكل قوتها..
همس لها بحنان وهو يحتضنها بكل الحنان والقوة: خلاص شعاع حني عليّ بكلمة وحدة الله يرضى عليش..
أنتي وش طاقة البكاء العجيبة اللي عندش ذي.. ما تتعبين!!
حرقتي قلبي!!
انتحبت وشهقاتها تتناثر: كله منك.. كله منك!!
لم يستطع إلا أن يبتسم فهذه العبارة يسمعها للمرة الثانية وفي موقف شبيه بهذا الموقف:
أدري كله مني.. وأنا أستاهل ونص..
وأنا آسف..
شعاع ياقلبي تدرين وش كثر أحبش.. لو تحبيني نص ما أحبش..
ماكان هان عليش تخليني عشان غلط اعتذرت عنه..
شعاع بصوتها المبحوح: والحين حياتنا كلها بتقعد معلقة على ذا الغلط؟؟
علي يبعدها قليلا عنه لينظر إلى وجهها ويمسح دموعها المنهمرة بأنامله:
مافيه شيء غيره.. هو الغلط الوحيد.. وعاقبتيني بمافيه الكفاية..
خلاص ياقلبي.. تدرين إني حتى يوم واحد ما أطيق بعدش...
أحس كأني مثل المسبه اللي فاقد التوزان!!
حينها مدت أناملها لتمسح على عارضه برقة موجوعة: شأخبار فحوصك؟؟
همس بعتب رقيق وهو يتناول كفها من خده ليحتضنها بين كفيه:
زين تذكرتي؟؟
ابتسمت بشفافية مغمورة بالدموع: أدري إنها زينة.. لأني سألت كاسرة بطريقة غير مباشرة..
وقلت لها إني خايفة تكون مخبي علي شيء.. وهي سألت كساب وطمنتني!!
حينها ابتسم بشفافية أكثر: وليه ذا اللفة كلها؟؟
ترا السالفة كلها مسج أو تلفون حتى لو أنتي زعلانة عليّ..
همست بشجن: بس أنا كنت زعلانة واجد.. ولين الحين زعلانة!!
أجابها بولع غامر: أراضيش باللي تبينه.. لو تبين عيوني الثنتين.. بس خلش جنبي..
وحلفتش بالله.. لو صار زعل بيننا .. وإن شاء الله عمره مايصير بيننا زعل..
بس لو صار.. حلفتش بالله ماتطلعين من بيتش.. خلش قدام عيوني..
ترا فيه فرق بين إنش تعاقبيني.. وبين إنش تذبحيني!!
***********************************
" يا الله ياعبدالله..
أما أنت أمس وترتني صدق.. أول شيء تأخرت علي
وحتى تلفون ماعندي أتطمن عليك!! "
عبدالله بمودة: غصبا عني حبيبتي..
جوزاء بتساؤل: إلا أنت وين موديني من صبح كذا؟؟
عبدالله يتنهد بهدوء: عندي لش مفاجئتين وحدة حلوة وتجنن وبتطير عقلش من الوناسة..
والثانية بتزعلش شوي..
جوزاء بتوجس: عبدالله خوفتني..
عبدالله يحاول تهيئتها للموضوع وهو يهتف بهدوء تام: صدقيني مافيه شيء يخوف..
بس أنتي جمدي لي قلبش الله يرضي عليش..
لو علي ماكان ودي أقول لش الخبر الحلو ولا والشين.. بس أنا عارف إنه بتدرين بتدرين!!
كله ولا تفكرين تولدين لي في الثامن.. طالبش ياقلبي!!
جوزاء بدأ توجسها يزداد وهي تضع أسوأ الاحتمالات في رأسها.. وكل الاحتمالات تدور حول أهلها..
بما أن عبدالله معها الآن.. وحسن تركته خلفها عند أم صالح!!
اختنق صوتها: أمي صاير لها شيء.. أو إبي أو أخواني؟؟
عبدالله بنبرة تطمين: ليش ذا الفال الشين؟؟ صدقيني إنهم كلهم طيبين وبخير!!
جوزا تنظر حيث دخلت السيارة ويزداد اختناق صوتها: تقول لي طيبين وأنت موديني المستشفى..
عبدالله يشعر بالتمزق فعلا وهو يهتف بثقة ودودة: والله العظيم إنهم كلهم طيبين..
وبتشوفين بعينش... عشان كذا جبتش.. مابغيتش تروعين!!
جوزاء بدأت تبكي: من اللي تعبان فيهم؟؟ من هو؟؟
عبدالله شد على كفها وهو يقف في الموقف ويهتف بثقة: انزلي بنفسش وتشوفينهم كلهم طيبين..
عمي بس تعب البارحة تعب بسيط وهذا هو طيب وبخير وبتشوفينه بعينش!!
جوزاء نزلت باستعجال وهي تكاد تركض.. عبدالله شدها ليوقفها وهو يهتف بحزم: شوي شوي..
كانت تحاول التجلد وهي تريد أن تطير بينما عبدالله يمسك كفها بقوة..
حتى أوصلها إلى الطابق الخامس..
همس لها بحزم وهما مازالا عند الباب: شفتي هذا هو في غرفة عادية..
لا في العناية ولا الإنعاش..
سمي بسم الله.. وادخلي بالراحة.. لو شعاع مهيب هنا.. ناديني!!
جوزاء هزت رأسها وهي تصر على أسنانها بقوة.. وتشعر بألم متعاظم في أسفل بطنها..
فتحت الباب ودخلت..
حين دخلت .. كانت أسرتها بكاملها متواجدة.. ووالدها نائم..
بدت كما لو كانت ستسقط وهي تبحث عن شيء تستند له..
شعاع وعالية قفزتا كلتاهما لتسنداها.. والغريب أن معهما ثالث رغم أنه وصل متأخرا!!..
حين أوصلوها بجوار والدتها.. ارتمت في حضن والدتها وهي تنتحب..
أم عبدالرحمن مسحت على رأسها بحنان: والله العظيم إنه طيب يأمش.. اذكري ربش!!
حين التفتت لتتأكد من شيء غريب لمحته وظنت نفسها تتخيل..
وجدت نفسها لا تتخيل.. كان عبدالرحمن يقف جوارها مستندا لعصا وهو يهمس بقلق: أشلونش الحين؟؟
حين رأته واقفا.. شهقت بعنف وهي تستدير لتحتضن خصره وتنتحب بهستيرية..
عبدالله وصله صوت نحيبها وهو في الخارج.. لم يستطع أن يصبر وهو يطرق الباب بقوة..
البنات تأكدن وضع أغطيتهن وهن لا يعملن من الطارق بعد.. ليدخل عبدالله كالأعصار: وش فيها؟؟ وش فيها؟؟
عالية تمسح دمعة فرت منها رغما عنها: لا تحاتي أم حسون... بس صرنا عايلة هنود على مستوى..
سيلنا دموع أكثر من أي فيلم هندي مر في التاريخ!!
عبدالله وقف فوق رأسها وهو يهتف بقلق: أم حسن.. حاسة بشيء؟؟ شيء يوجعش؟؟
جوزاء لم ترد عليه وهي مازالت متعلقة بعبدالرحمن الذي كان يحتضنها بحنو ويهمس عبدالله بمودة: مافيها إلا العافية..
متاثرة شوي.. كانت متوقعة إنه أبو دم ثقيل ماعاده بماشي على أرجيله مرة ثانية!!
ثم استدار عبدالرحمن ليوجه حديثه للجميع : ياجماعة الخير.. إبي لا يدري إني وقفت أو مشيت.. خايف عليه من الصدمة..
أنا بروحي بأقول له وبطريقتي!!
********************************
" يا الله وضوحي وش ذا الكسل؟؟
قومي!! "
وضحى تفتح عينيها وهي تهمس بإرهاق: خاطري أقوم قدامك..
مهوب أنت كل مرة تقوم قبلي وتشوف شكلي وأنا صاحية من النوم..
ابتسم نايف وهو يمرر ظهر أنامله على خدها: تدرين أصلا أنا تقصدت أقوم قبلش عشان أشوف شكلش وأنتي نايمة ثم وأنتي تبطلين عيونش على وجهي..
شكله بيصير إدمان!!
وضحى اعتدلت بخجل : سامحني.. بكرة إن شاء الله أنا بأقوم قبلك..
نايف بمرح: ليه حتى الإدمان ذا منعوه.. ترا مادرست إنه ممنوع في القانون..
ثم أردف بذات المرح: وش رأيش في جولتنا البارحة؟؟
وضحى برقة: تجنن.. بس بلاها نطول لين الفجر.. أخاف!!
نايف بنبرة عتب: تخافين وأنتي معي؟؟ وبعدين يعني أنا باوديش الحواري اللي بعد غياب الشمس ماحد يمشي فيها..عشان تخافين..
كلها مناطق مليانة سياح!!
وبعدين مافيه تيك المسافة بين الشانز وسكننا في سانت لازار في منطقة الأوبرا..
تدرين الفنادق أكثر قريب الشانز.. بس الشانز زحمة وعالم وقرف..
وأنا أبيش تشوفين باريس بعيون واحد من أهلها مهوب عيون سايح!!
ثم أردف بمرح ونبرة مقصودة وهو يلمس شفتيها بطرف سبابته: ولو أنه حلو نرجع بدري عشان أشوف وجهش وأنتي تسولفين علي بدون نقاب!!
عشان السوالف من بين ذا الشفايف ماينشبع منها!!
***********************************
" أنا بروح أزور أبو عبدالرحمن وأشوف أخبار عمتش..
تروحين معي؟؟"
كاسرة تنهدت: ما أقدر يمه.. اتصلت في عمتي والبنات..
وعمي فاضل باتصل له تلفون..
بس ما أقدر أروح له في المستشفى.. كساب بيعيي لو قلت له..
مزنة بحزم: خلاص أنا بروح.. لا تقعدين في البيت بروحش..
ولو تبين تقعدين خلش عند جدش وسكري البيان كلها..
حينها همست كاسرة بنبرة مقصودة: يمه استئذنتي عمي تروحين؟؟
مزنة بذات الحزم: تدرين زين إني ما أحب تكلميني بذا النبرة يابنت!!
حينها ابتسمت كاسرة: خلش من النبرة.. المهم الجواب.. استئذنتي عمي؟؟
حينها أجابتها مزنة بصرامة : مهوب شغلش يا بنت بطني.. وعيب عليش تتدخلين بيني وبين عمش!!
حينها همست كاسرة بتحكم: ذا كله يمه عشان خايفة إني أسألش ليه ما قلتي لي عن جية عمي البارحة وإنه اعتذر منش؟؟
مزنة بذات الصرامة: بعد مهوب شغلش... يوم أنتي جيتي عندي زعلانة على كساب.. مارضيتي حتى إني أتدخل بينش وبينه..
عشان تتدخلين بيني وبين إبيه الحين..
حينها همست كاسرة بشجن: يمه لا تقارنين... كساب مافكر يعتذر لي حتى..
ورجعني بدون مايعتذر لي..
لكن أنتي زايد آل كساب بكبره جاء لين عندش واعتذر..
يمه تكفين لا تضيعين عمي من يدش.. والحين بينكم طفل..
ماعليه.. خلي الخبال ويباس الرأس لي.. بس أنتي تكرمين!!
مزنة تنهدت وهي تربت على خد صغيرتها: ماراح تفهمين يأمش..
كاسرة برجاء: فهميني زين!!
مزنة تنهدت للمرة الثانية: يأمش انتهينا..
حينها كان الاتصال الذي ورد لهاتف مزنة هو من قاطع الحاح كاسرة..
مزنة شدت لها نفسا عميقا.. (لماذا يتصل؟؟
لماذا لم يكتفِ برسالة كما فعلت؟؟ )
فمزنة كانت قد أرسلت بالفعل رسالة لزايد تستأذنه في الذهاب لزيارة إبي عبدالرحمن..
وتأخر في الرد عليها!!
ولها أكثر من نصف ساعة وهي ترتدي عباءتها وتنتظر رده!!
تعلم أنه لن يرفض.. لذا استعدت للذهاب.. واستغربت تأخره في الرد..
مزنة تنهدت لترد بثقتها المعتادة: هلا أبو كساب!!
كاسرة رقصت حاجبيها لوالدتها.. بينما مزنة أشاحت بوجهها وهي تستمع صوت زايد الواثق:
أنا أتناش برا.. تعالي!!
مزنة بصدمة وهي تقف لتبتعد بهاتفها: نعم؟؟ زايد أنت من جدك؟؟
زايد بحزم: إيه من جدي... أنتي تبين تروحين تزورين فاضل وأنا بعد..
وأنا ما أرضى تزورينه بروحش..
مزنة ستجن منه وهي تحاول أن تهمس بأكبر قدر من الهدوء: زايد الله يهداك إذا أنت مرخص لي..؟؟ رحت مع السواق والخدامة..
منت بمرخص لي؟؟ قعدت !!.. السالفة ماتحتاج تعقيد..
زايد بصرامة: والله مافيه حد معقدها غيرش.. الحين حن ما احنا متفقين إنه على الأقل قدام الناس شكلنا مايفشل..
الحين أنا على كل حال رايح أزوره.. نتقابل هناك يعني كن حن ربع؟؟
مزنة تنهدت وهي تضع هاتفها في حقيبتها وتستعد للخروج له..
وتهتف بصرامة قبل أن تقول كاسرة أي كلمة: أص ولا كلمة.. ما أبي أسمع تعليق واحد!!
كفاية اللي مسويه فيني عمش الغالي!!
حين ركبت جواره سلمت باختناق حاولت أن لا يبدو واضحا في صرامة صوتها.. ولكنه ظهر..
شعرت أن السيارة ضيقة جدا.. وأن جنبها يكاد يلتصق بجنب زايد رغم المسافة الفاصلة بينهما!!
تشعر أنه يتلاعب بها.. كما لو كانت إحدى عرائس الماريونت التي تُحرك بالخيوط.. يقربها حينا ويبعدها حينا!!
وهي الخاسرة الوحيدة في كل الأحوال..
رد عليها السلام بفخامة أصيلة وهو يردف بدفء عميق متجذر: هلا حبيبتي!!
مزنة رغما عنها شهقت بعنف.. وهي تلتصق بباب السيارة.. بل وتفتحه دون أن تشعر رغم أن زايدا بدأ بتحريك سيارته..
زايد مد ذراعه ليشدها ناحيته بقوة وهو يهتف بغضب: أنتي شتسوين؟؟
مزنة استدارت نحوه بغضب أشد: إلا أنت اللي وش تسوي؟؟
زايد بغضب متزايد: وش سويت؟؟
مزنة صمتت.. لم ترد عليه.. فهي ممزقة تماما.. بل كلمة التمزق لا تتناسب حتى مع حالة التشرذم الشامح الذي تشعر به!!
" أي رجل قاس هو هذا الرجل؟؟
بل أي قلب يحمل؟؟
كلمة انتظرتها مطولا وشح بها عليّ ثم يلقيها عليّ كشيء بلا قيمة
بدون إحساس..
كما لو كانت فضلة يريد إسكاتي بها!!
ليقول لي : أ ليس هذا ما تريدينه؟؟ ارضي به واصمتي!! "
ومازاد إحساسها مرارة وقسوة أن زايد بدأ ينهمر في حديث عفوي..
كما لو أنه لم يحدث بينهما شيء مطلقا!!!
كان يهتف بثقة باسمة: تدرين إنه طلعاتنا مع بعض شوي.. دايم متقابلين في البيت..
يبي لنا مع بعض أكثر.. نطلع نتغدى سوا.. ونجيب أغراض البيت سوا..
اشرايش نروح بكرة بدري (الكبرة) نجيب ميرة البيت..
مزنة تشعر أنها تريد أن تنفجر في البكاء فعلا.. (هل هذا الرجل خال من الإحساس فعلا؟؟!! )
هل اكتشف للتو أن ظهورهما سويا من البيت قليل بل شبه معدوم
وهي لم تشتكي من ذلك مطلقا.. فهي بطبعها لا تخرج إلا لحاجة ضرورية
وكان يكفيها رؤيته أمامها في البيت!!
فأي لعبة سخيفة يلعبها الآن؟؟
زايد يستحثها للكلام: مزنة حبيبتي وش فيش ماتردين علي؟؟
مزنة همست بإرهاق: زايد لو سمحت.. بلاها حبيبتي ذي!!
ابتسم زايد بفخامته المعتادة: زين وش فيها؟؟ أنتي حبيبتي..
مزنة همست بشعور قهر متزايد: ومن متى ذا الكلام؟؟
زايد بدفء محترف: من زمان وأنتي عارفة..
مزنة تنهدت: اللي أنا عارفته شيء ثاني..
فلو سمحت يأبو كساب.. خلنا في اللي احنا فيه...
حن رايحين نزور ابو عبدالرحمن ونرجع وبس..
هتف بحزم يخفي خلفه رجاء عميقا: منتي براجعة معي لبيتش؟؟
مزنة بحزم موجوع: بيتي هو اللي أنت خذتني منه..
فارجوك احترمني يا أبو كساب.. أنا ماني ببزر عشان تغصبني!!
*********************************
دخلت عليه وهو يلاعب زايد الصغير..
بينما والدتها كانت منشغلة في المطبخ...
كانت تريد التراجع.. فهي في الفترة الأخيرة أصبحت تتحاشى مواجهته وحيدين..
تخشى أن يجر الحديث حديثا آخر تتهرب منه..
منصور حين رآها هتف بصوت عال مرح: حيا الله بنتي اللي ماعاد شفناها..
هذا وأنتي عندنا في البيت.. لا جا فهد وش بتسوين!!
جميلة مالت على رأسه لتقبله وهي تهمس بابتسامة: توني شفتك اليوم الصبح..جعلني الأولة!!
ابتسم منصور: وهذي تسمينها شوفة.. وأنا رايح بسرعة لشغلي!!
جميلة مالت لتأخذ زايد من بين يديه حتى تلتهي به عن التوتر الذي بدأت تشعر به..
لكن منصور هتف بمودة: خليه.. مابعد شبعت من ذا السكني الصغير!!
سبحان الله سميته زايد.. وفيه من زايد مواري واجد..
(مواري= علامات)..
ابتسمت جميلة: يارب يطلع يشبه عمي زايد في كل شيء.. إلا الشكل عاد نبيه مثلك!!
حينها ضحك منصور: يعني أنتي شايفتني شكل بس.. وشايفة زايد المضمون..؟؟
جميلة تفجر وجهها احمرارا لدرجة أنها كحت: والله العظيم ماقصدت ياعمي...
ياربي... السموحة فديتك..
منصور مازال يضحك: وش فيش تروعتي كذا؟؟ أمزح معش يأبيش!!
جميلة مازالت تشعر أنها تريد تبكي من شدة الحرج..
ولكن منصور أخرجها لاتجاه آخر وهو يهتف بمودة: ها شأخبار الاستعداد للجامعة..؟؟
جميلة بإحساسها بالحرج الذي تحاول الخروج منه: كل شيء تمام..
الدوام بعد أسبوع تقريبا.. وأنا اساسا رجعت قيدي وسجلت مواد من الفصل اللي فات..
منصور بعفوية: يعني بيكون دوامش قبل رجعة فهد؟؟
( هذي هي السالفة اللي ما أبيها!!) حاولت أن تهمس بتلقائية: قبل رجعته بيومين تقريبا!!
ثم أردف منصور بنبرة مقصودة: والوضع بينكم الحين أشلون؟؟
جميلة باستعجال: زين ياعمي.. زين!!
منصور بحزم: يضايقش فهد بشيء؟؟؟
جميلة بذات الاستعجال: أبد.. مايقصر وحاطني فوق رأسه!!
منصور نظر لها نظرة سابرة.. شعرت بالارتباك وبالحر.. كما لو أنها تجلس في فرن مشتعل..
وقفت وهي تهمس بذات النبرة المستعجلة: باروح أشوف أمي تبيني أساعدها في شيء!!
بعد دقائق..
دخلت عفراء..
وهي تحمل بين يديها القهوة والشاي.. وتتبعها خادمة تحمل (الفوالة).. وضعتها وغادرت..
بينما عفراء جلست بجوار منصور الذي هتف لها بنبرة مقصودة وهو يقبل زايد الصغير:
جميلة جاتش؟؟
عفراء بعفوية: لا...
حينها هتف بذات النبرة المقصودة: أشلون الوضع بينها وبين فهد ولا تكذبين علي في شيء..
لأني عارف إنه فيه شيء مهوب طبيعي!!
عفراء تنهدت: الوضع بينها وبين فهد.. شيء يخصها هي وفهد..
أنت سويت اللي في رأسك وزوجتهم...
طالبتك الحين تخليهم يحلون مشاكلهم بنفسهم.. لأنك لو تدخلت بينهم بتخلي السالفة تكبر!!
***********************************
" أنتي مارحتي لبيتش؟؟"
كاسرة تغطي جدها الذي تمدد للتو وتلتفت لوالدتها بهدوء: وليش أروح؟؟
البيت فاضي وكساب في شغله..
وهنا قاعدة مع جدي ونسولف..
ثم أردفت باهتمام: عمي فاضل اشلونه؟؟
مزنة تنهدت: ماشفته.. كان عنده زوار ياجيل واجد.. قعدت مع عمتش في الاستراحة..
وتقول إنه أحسن بواجد.. يومين ثلاثة ويطلع إن شاء الله..
حينها ابتسمت كاسرة: والطريق شأخباره؟؟ كان حلو؟؟
قرصت مزنة خد كاسرة بلطف وهي تهمس بنبرة مقصودة:
الطريق كان زحمة ويسلم عليش.. وخلي اللقافة منش..
وقومي فزي لبيتش.. رجالش أكيد على وصول..
حينها ردت كاسرة بنبرة مقصودة مشابهة:
رجالي مهوب جاي ذا الحزة..
بس قولي إنش تبيغيني أروح للبيت عشان اللي وصلش الحين..
قاعد في البيت بريحاته ماعنده حد.. لا أنيس ولا ونيس.. يعد الطوف.. طوفة طوفة!!
مزنة تنهدت وهي تميل على والدها لتتأكد من وضعية نومه:
كاسرة للمرة الأخيرة أقول لش..
لا تتدخلين بيني وبين عمش.. ومالها لزوم ذا التعليقات..
********************************
" حبيبتي ليش حاسش منتي مبسوطة؟؟
إذا المكان مهوب عاجبش رحنا مكان ثاني!!"
سميرة تشير لتميم بتوتر: لا والله المكان يجنن.. وميونخ بكبرها تجنن..
بس أنا متوترة عشان نتايج الفحوص اللي سويناها..
ابتسم تميم: كلها كم يوم ونرجع وتطمنين إنه مافيه إلا العافية!!
سميرة بشفافية موجوعة: تميم أنا خايفة يكون عندي مشكلة!!
أمي كان عندها مشكلة من عقب ماجابتني لين حملت بصالح فجأة..
وأختي نجلا 3 سنين ماحملت وكانت تتعالج..
شد تميم على كفها بقوة ثم أشار بأريحية: اللي منا عنده مشكلة أنا وأنتي بيتعالج إن شاء الله..
ولو الله كاتب لنا رزق ماحد يقدر يمنعه..
ولو هو ماكتب لنا رزق ماحد يقدر يجيبه...
***********************************
عبدالرحمن منذ أفاق أبوه وهو لم يتحرك من مقعده.. بل طلب منهم إحضار كرسيه من البيت..
وهاهو يطلب من أمجد أن يساعده لينتقل إليه ليقترب من والده..
سبحان الله.. يشعر بكراهية مريرة لهذا الكرسي الآن..
يشعر أنه يحرق جنبيه كما لو أنك تعود لسجنك باختيارك!!
عبدالرحمن مد كفه ليمسح على ساعد والده بحنان: يبه فديتك..
أنت فيه شيء مضايقك.. قل لي.. كلهم راحوا الحين.. وبأقول لأمجد يطلع ينتظر برا..
أمجد من نفسه تحرك للخارج... لكن فاضلا أشار له أن يقف وهو يهمس بتثاقل مرهق:
مافيه شيء أدسه.. عبدالجبار يطلبك البيحة!!
عبدالرحمن زفر بيأس: يبه الله يبيح منه... شيبة في باكستان وقد له 16 سنة وهو لا هو حي ولا ميت.. ربي رحمه من العذاب..
فاضل بحزن عميق: يا أبيك الموت مامنه مهرب .. وعبدالجبار كنت أروح كل سنة لباكستان وأقول ذا السنة بأزور قبره..
بس ولده عبدالمؤمن الله يهداه فجعني... دق علي أول مادخلت منكم أتوضأ..
وقال لي إبيه مات.. استعذت بالله.. وقلت إنا لله وإنا إليه راجعون..والله يرحمه..
قال لي مادريت أشلون مات؟؟
لقوا جثة أختي اللي مختفية من 16 سنة..
إنا لله وإنا إليه راجعون..
الشيبة كانت روحه معلقة فيها.. كن أنفاسه متعلقة بشفقته إنه عاده بيشوفها..
مافي قلوبهم رحمة.. جابوا له اللي باقي من ثوبها اللي كان عليها..
آخر ثوب شافه عليها يوم أمست..
قد لها 16 سنة من يوم ماتت.. وهو كل يوم يترجاها بتعود له!!
يوم شاف ثوبها.. شهق وودع.. إنا لله وإنا إليه راجعون!!
عبدالرحمن بتأثر: إنا لله وإنا إليه راجعون..
وأنت يبه يعني ماخبرتك حساس كذا..
حاول عبدالرحمن أن يبتسم: ترى الرقة ماتليق عليك كلش!!
يتنهد أبو عبدالرحمن: الله يجيرنا من قسوة القلب يأبيك..
والله يا أبيك كنت لا شفت وجهها كني أشوف وجه شعاع..
أكثر حد كنت أحاتيه يوم بطلت عيني شعاع..
خايف عليها تتعب وهي حامل.. ولا حتى عليها حال!!
*******************************
" شأخبارش الحين ياقلبي!!
خوفتيني عليش!!"
شعاع تتنهد وهي تسند ظهرها لظهر السرير: مافيني شيء فديتك!!
حتى روحة المستشفى اللي لزمت علي فيها ماكان لها داعي..
علي بعتب: أشلون مالها داعي.. والدكتورة عطتش إبرة مثبت وقالت لا تتحركين!!
شعاع بإرهاق: أنا بس كنت تعبانة.. كم سالفة جات ورا بعض..
وبعدين تاثرت واجد إني أنا أكون أول حد يسأل عنه إبي أول مافتح عينه..
توقعت بيسأل عن عبدالرحمن!!
علي احتضن كتفيها وهو يهمس بتأثر وقلق : الله يطول في عمره ويخليه لكم..
وطالبش ياقلبي ما تتحركين ذا اليومين كلش..
طالبش.. !!!
حتى أنا بأقدم على إجازة وبأقعد عندش!!
***********************************
" ماشاء الله كم صار لش قاعدة مع إبي؟؟
شكلكم من زمان!! "
هزت كاسرة كتفيها وهي تهمس بنبرة مقصودة: كل واحد منا يسلي الثاني..
شنسوي.. ؟؟
هو خلته أمي بروحه.. وأنا خلاني ولده بروحي!!
كساب بنبرة مقصودة شبيهة: لا تصيرين نصابة.. أنا قلت لش إني بأتأخر!!
كاسرة جلست وهي تهمس بهدوء يخفي خلفه غيظا شاسعا: زين ولأنك تاخرت وبلغتني.. مايمنع إني أقول إنك خليتني..
كساب أنا ما أتدخل في شغلك ولا أبي أقيدك فيني
بس الساعة صارت ثنتين.. وش الشركة اللي فاتحة لين ذا الحزة؟؟
يوم قلت لي بتتأخر حسبت حدك بيكون 11.
حينها ربت على أرنبة أنفها بتلاعب: تغارين وإلا تشكين؟؟
كاسرة زفرت وهي تبتعد عن مدى يده: لا هذي ولا هذي.. أقول الله يعدي شهور حملي على خير..
ويجيني بيبي يلهيني!!
عاود شدها ناحيته وهو يهتف بعتب مقصود: تبين حد يلهيش عني؟!!
كاسرة تتنهد: مثل منت لاهي عني!!
جلس وهو يشدها لتجلس جواره ويهمس بدفء وهو يمسح أناملها برفق دافئ:
من هذا اللي يلهى عنش؟؟ ماجابته أمه..
بس كان عندنا عشاء مع رجال أعمال من برا.. وبعضهم ماوصلوا إلا 12 .. يا الله خلصنا العشا جيت على طول!
ثم أردف وهو يبتسم: ها قولي لي.. تشكين وإلا تغارين؟؟
صمتت وهي تتحسس برقة -بكلتي يديها- الأثار المتبقية من إصابته الأخيرة على ظاهر يده..
استحثها لتجيب: ها جاوبيني .. الجواب مهم عندي!!
رفعت يده إلى عذوبة شفتيها لتقبلها قبلة واحدة غاية في الرقة والدفء ..
شعر بتثاقل في أنفاسه يشبه القرصات الحانية على غشاء قلبه.. فهي نادرا ماتعبر عن مشاعرها بهذه الطريقة..
همس بهذا التثاقل: وحدة بس يا البخيلة!!
احتفظت بكفه بين كفيها وهي تجيب بشجن عميق:
عمري ماشكيت فيك... بس الغيرة مهيب في يدي!!
*****************************************
بعد يومين
.
.
.
" خذي غانم.. وروحي للاستراحة بأكلم الدكتور وأجيش عشان نروح للبيت"
نجلاء باستغراب: وش نروح البيت؟؟ أبي أروح أشوف بنتي..
هذي هي في المستشفى اللي جنبنا..
صالح بتردد: خفت إنش ماتبين تشوفينها..
نجلاء بصدمة: من جدك أنت؟؟
ثم أردفت بعتب: صالح أنا ماني بمثلك..
المها بنتي.. مثل ماغانم ولدي..
وأنا زعلتي عليك مهوب على بنتي.... هي وش ذنبها؟؟
صالح يبتسم: يا شينكم يا النسوان إذا لقيتوا لكم شيء تذلون الرياجيل عليه!!
*********************************
" الحمدلله على سلامتك يبه!!
نورت بيتك!!"
أبو عبدالرحمن يخطو للداخل بتثاقل وهو يهتف بإبتسامة:
الله يسلمك يأبيك..
ولا يحرمني شوفتك داخل(ن) علي بدون ذا الكرسي..
عبدالرحمن بنبرة مقصودة: قريب يبه.. قريب!!
أبو عبدالرحمن بفرحة مفاجئة: أ ربك صادق يأبيك؟؟
عبدالرحمن يبتسم وهو يقترب من والده: الدكتور يقول لي إنه متوقع إني أمشي قريب.. لأنه بديت أحركها بروحي!!
أبو عبدالرحمن بشجن: يا الله رحمتك.. يا الله عونك.. لا تحرمني شوفته يمشي وشايل ولده..
ثم أردف بحماس فخم: نذر علي لله عز وجل.. يا اليوم اللي بتمشي فيه..
إن قد أمط سماط غدا وعشا لعمال الصناعية.. أسبوع كامل!!
**************************************
بعد يومين آخرين
.
.
" ها شأخبارش مع حضرة النقيب؟؟"
جميلة تهز كتفيها: لحد الحين.. الأمن مستتب.. لا عاد اتصل ولا كلم..
مزون بنبرة مقصودة: وأكيد أنتي الحين متضايقة؟؟
جميلة باستنكار: وليش أتضايق؟؟ أتضايق إن ربي رحمني منه ومن غثاه..
مزون تنظر لجميلة نظرة مقصودة: جمول مهوب علي ذا الكلام!!
مافيه وحدة يرضيها إن رجّالها يطنشها.. حتى لو كانت هي تبيه يطنشها!!
جميلة تتهرب بشيء آخر: خلينا من حضرة النقيب ونروح لولد عمه الكابتن أبو عيون عسلية..
أنتي شأخبارش مع سبع البرمبة؟؟
مزون ابتسمت: غانم يجنن ومافيه مثله اثنين.. بس لو أنه يخف شوي من تحسسه من هلي..
ثم أردفت بشجن: غانم يبي يكون رقم واحد في حياتي.. وأحس إنه يتضايق من تعلقي في إبي واخواني..
عجزت أحاول أوضح له إنه شيء وهلي شيء.. ولكل واحد غلاه..
وهو توه أتعرف عليه.. لكن هلي علاقتي فيهم أساسا غير..
يقول لي: أنا فاهم.. أو يحسسني إنه فاهم.. بس أنا أحس بضيقته..
ابتسمت جميلة: كان ودي أنصح.. بس أنا عاد أفشل من بيقدم نصيحة زوجية..
إسألي أمي!!
مزون ابتسمت: هذا شيء مايبي نصيحة.. يبي له وقت بس!!
**************************************
" حبيبي تكفى.. ماعاد طقت شوفت ذا الكرسي قدامي!! "
عبدالرحمن يمشي ذهابا وإيابا باستخدام عصاه وهو يهتف بثقة: هذا أنا عندش أتحرك بدونه..
بس برا ما أقدر.. خايف على إبي!!
عالية برجاء: ومتى بتقول له؟؟
عبدالرحمن بثقة: هانت.. هذا أنا قاعد أمهد له شوي شوي!!
********************************
" خلاص حبيبتي .. بيرسلون النتايج لنا في الدوحة!! "
سميرة تشعر أنها ستبكي فعلا.. فهي كانت تنتظر النتائج بفارغ الصبر..
بل ماعاد فيها صبر حتى!!
يا الله تريد أن تكون أما.. وتريد شيئا يطمئن قلبها!!
تميم يتنهد: تكفين سميرة بلاها ذا النظرة اللي فيها دموع..
سميرة بحزن: أنت قلت لي النتايج ما تأخذ حتى 3 أيام.. فليش تأخرت كذا؟؟
تميم بحنان: لا تحاتين ياقلبي بيرسلونها للدوحة.. ولو بغيتي سوينا غيرها..
الحين خلاص خلينا نستعد لطيارتنا..
*****************************************
كانت تجلس عند والدها الذي كان يصلي ضحاه..
والذي كان لا يعلم مطلقا أنها تنام عندهم.. بل كان يظنها تأتيه من بيت زايد..
ليأتيها اتصال منه.. تنهدت كما تفعل كل مرة يتصل بها..
فهو يتصل بها في اليوم عدة مرات.. كما لو كان يريد الاستمرار في تعذيبها..
لم يكن يهاتفها بهذه الكثافة حينما كانت عنده!!
في كل مرة كانت تتمنى ألا ترد.. ولكنها تجد نفسها مجبرة على الرد..
جاءها صوته مستعجلا: مزنة لو سمحتي جهزي لي شنطة بأسافر أسبوع..
السفرة جات بسرعة وماعندي وقت أرجع أرتب شنطتي..
أبي أجي أخذها وأطلع بسرعة..
مزنة شعرت بالصداع ( هل هذا رجل طبيعي؟؟ وهل هما زوجان طبيعيان حتى يطلب منها هذا الأمر؟؟)
مزنة صمتت.. حينها أكمل زايد بحزم:
مزنة البيت فاضي.. رتبي لي الشنطة بس... وروحي..
اعتبريها مساعدة إنسانية لجاركم.. الطوفة وحدة وترا!!
مزنة همست بنبرة ميتة: حاضر إن شاء الله..
" إلى أي مدى وصل امتهانه لي؟؟
إلى أي مدى؟؟ "
تشعر أن كل خطوة تقودها لبيته.. كما لو كانت خطوة تقربها من قبرها..
وهي من تذهب للقبر بقدميها..
هي من تذهب بقدميها!!
غلفت كل مشاعرها بكل البرود الكوني.. وهي تصعد للأعلى وتقترب من مكانه..
حيث أنفاسه.. وعبقه.. ودفئه.. وتجريحه..
حيث طردها من حياته!!
الألم يزداد في قلبها إلى درجة عدم الاحتمال المطلق.. وهي تفتح الباب ..
تستخرج حقيبته..
وتبدأ بوضع أغراضه بدقة آلية!!
جمدت مشاعرها حتى لا تشعر بشيء وهي تتحسس ملابسه.. فرشاة شعره..
معجون أسنانه..
وترتب كل شيء بجمود.. وتنتهي بذات الجمود الموجع..
ماكادت تغلق الحقيبة وتريد أن ترفعها عن السرير حتى تنزلها على الأرض..
حتى وصلتها الصرخة الحازمة: والله ماتشيلينها.. أنتي صاحية!!
مزنة انتفضت بجزع: متى جيت؟؟
زايد يقترب منها ويتنهد: توني جيت من دقايق وأنتي ولا حاسة بحد!!
مزنة باختناق حقيقي: زايد أنت تلعب علي؟؟.. جايبني وأنت في البيت..؟؟
زايد رفع هاتفه أمام ناظرها وهو يهتف بحزم موجوع: مزنة... شوفي أنا متى اتصلت لش.. صار لي أكثر من ساعة..
أساسا توقعت ماراح ألقاش.. وبألقى الشنطة بس.. ويمكن ما ألقاها..
بس ربي يحبني.. عشان أشوفش قبل ما أروح...
"معقولة ساعة كاملة أرتب شنطة ولا حسيت بنفسي!!"
مزنة تأخرت للخلف وهي تحاول أن تهمس بطبيعية: هذي شنطتك.. واسمح لي..
تميم بعد بيوصل الليلة!!
زايد بنبرة مقصودة: زين إنه بيجي وأنا مسافر.. عشان تتأجل مواجهتش معه..
مزنة بذات نبرته المقصودة: أنا وولدي نعرف نتفاهم..
كانت تريد أن تغادر.. لولا أنه شد معصمها ليوقفها وهو يهمس بدفء:
بتروحين كذا؟؟
مزنة شعرت أن الاختناق يعاودها: كذا أشلون؟؟
زايد بذات الدفء: بدون ماتسلمين علي..
مزنة باستعجال: تروح وترجع بالسلامة!!
زايد بنبرة شديدة الدفء: هذي كان ممكن تقولينها لي في التلفون..
بس دام ربي خلاش تنتظريني..
فالسلام مايكون كذا!!
مزنة بتوجس مرعب: أشلون يكون؟؟
هذه المرة مد يده ليتنزع برقعها وشيلتها معا.. وهو يهمس بوجع:
خاطري بس أضمش مرة وحدة وأنا أتنفس شعرش وأقول لش وش كثر أنا أحبش!!
مزنة ابتعدت عن مدى يده وهي تهمس بوجع حقيقي:
تكفى يازايد لا تهيني أكثر من كذا..
ما أقدر أردك لو بغيت تسوي كذا..
بس كفاية علي إحساسي بالمهانة وأنا جاية بيتك بأرجيلي..
طالبتك ماتزيدها علي.. والله مافيني مايستحمل..
زايد تنهد بوجع مر وهو يمدها بشيلتها وبرقعها: روحي يامزنة..
روحي!!
************************************
بعد أسبوع
.
.
مر الأسبوع ثقيلا بطيئا سريعا..
وهاهو زايد يعود في الغد مساء.. ومواجهتها لابنها تقترب...
مازال لا يعلم بحملها إلا زايد وكاسرة..
ولكن بطنها بدأت تبرز قليلا.. والأمر بات مخجلا لها لأبعد حد..
وحتى بنتها ستصل غدا في الفجر..
وكأن كل المواجهات تتأجل لهذا الغد!!!
" يمه مزنة وش تفكرين فيه؟؟ "
مزنة بمودة: مافيه شيء يأمش؟؟ أنتي اللي قولي وش فيش؟؟
من يوم رجعتي من السفر وبالش مهوب رايق!!
سميرة تميل لتقبل كتفها وتهمس بمرح اصطناعه أكثر من حقيقته:
لا ياحلو.. أنتي اللي عشانش مشتاقة لعمو زايد.. عقلش يودي ويجيب!!
سميرة تتنهد... مضى أسبوع على عودتهما..
وتميم كل يوم يقول لها أن الفحوص ستصل في الغد..
لولا إنشغالها بالتفكير في عملية غانم الصغير التي ستكون بعد يومين
وخصوصا أن المها ستخرج في ذات الوقت!!
وإلا كانت لتذهب وتجري فحوصا جديدة.. حتى ترتاح من التفكير!!
************************************
اليوم التالي
.
.
.
"نورتي بيتش ياقلبي
سامحيني كان ودي نقعد بعد..
بس إجازتي خلصت أساسا بأنام ساعة بس وبأروح لدوامي!!"
وضحى تنزل حقيبتها على التسريحة وتهمس برقة: النور نورك..
ولا تحاتي.. المهم شغلك..
لم يناما حتى صليا الفجر.. ووضحى تقوم بالكثير من الترتيب..
ومع ذلك لم تنسى وضع المنبه على وقت نهوض نايف لعمله لتقوم معه وتعد له إفطاره!!
ولكن نايف صحا قبل أن تصحو قصدا وأقفل جرس هاتفها.. فهي مرهقة تماما
عدا أنه يعلم أنه فور وصولهم..
فوجئت بدورتها الشهرية..
بالطبع لم تخبره.. لكن من هو مثله لا يحتاج للاخبار..
فهو عاش مع صبية لست سنوات!!
لذا نهض بنفسه وتركها نائمة..
ولم يذهب حتى تأكد من وصول الخادمة التي أخبرته أن أمها سترسلها لها..
فهو لا يريد تركها وحيدة في البيت..
وضحى بقيت نائمة فعلا حتى انتصف النهار..
وفوجئت بطرقات قوية على باب غرفة نومها مباشرة...
*********************************
" يمه فديتش.. لا تحاتين..
عملية غنومي بتكون بسيطة إن شاء الله!!"
أم غانم بتأثر عظيم: يا قلبي يا نجلا.. هي تلاقيها منين؟؟
الولد هيستحمل عملية يعني؟؟
غانم يشد على كفها بحنو ويقبل رأسها: صدقيني يمه أنا بروحي تكلمت مع الدكتور وطمني.. لا تحاتين..
مزون متأثرة بالفعل من توالي الضغط على نجلا المسكينة وخصوصا وهي ترى تأثر الجميع..
غانم همس لوالدته بمودة: يمه اشرايش تخلين التفكير.. وتسولفين علينا..
أم غانم بشجن: وش تبيني أقول؟؟
غانم ابتسم: يمه.. مزون تبي تدري أشلون خذتي إبي.. علميها..
مزون قطبت جبينها لغانم بمعنى (احرجتني!! )
بينما أم غانم ابتسمت بشجن: أعلمها ليش لا... الواحد نفسه في حكاية تنسيه الهم شوية!!
************************************
دخل إلى غرفته منذ لحظات..
لم يعلم ماذا يتوقع.. أ يتوقعها؟؟ أو يتوقع برودة غيابها؟؟
قد يكون لم يتصل بها مطلقا منذ فترة.. لكنها تعلم تماما بموعد عودته..
تصاعد الغضب والغيظ في روحه..
ليس لأنه لم يجدها فقط.. ولكن لأنه لا يستطيع اسكات لهيب الشوق المتصاعد في روحه..
تناول هاتفه ليتصل بعفراء... لن يتصل بها هي..
بعد السلامات المعتادة هتف باحترام: يمه وين جميلة؟؟
عفراء بحرج: السموحة يأمك.. كان لازم تبلغها بموعد رجعتك..
جميلة في الجامعة... وبتطلع الساعة 11.. سواقتي بتروح لها الحين..
فهد بحزم: لا تروح.. خلاص أنا بأجيبها..
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل 104 - بقلم HaboOoshy
" يمه السيارة تأخرت علي؟؟ "
عفراء باستغراب: يأمش فهد هو اللي جاش ومن زمان..
وأنا قلت له أي ممر... ماشفتي سيارته؟؟
جميلة شهقت بعنف وهي تتراجع خطوة للخلف.. ثم تعود لتلتصق بالزجاج.. لتراه فعلا جالسا بداخل سيارته التي يبدو إنها متوقفة منذ فترة ليست بالقصيرة..
لأنها كانت تلاحظ السيارات الواقفة في الممر.. ولكن تركيزها كان مع سيارة والدتها..
مازال هاتفها معلقا بأذنها ووالدتها تهتف بحزم: روحي مع رجالش.. وخلش مرة سنعة..
جميبة هزت رأسها كما لو أن والدتها تسمعها..
شعور عارم بالتوتر والتوجس.. يتخلل كل أنحاء جسدها
قد تكون تكلمت معه على الهاتف بشيء من الجرأة والوقاحة.. لكنها ما أن رأته..
حتى شعرت أن عظامها ستذوب من الخوف والتوتر...
" ياربي... أشلون نسيت موعد جيته؟؟
يمكن تناسيت.. مانسيت..
ياربي.. الحين معصب من كل صوب..
ما انتظرته في البيت.. وعقب نقعته في سيارته
.
وأنا وش دراني إنه برا؟؟
أعرف الغيب... ليش مادق علي؟؟"
جميلة لو كان الأمر بيدها لم تكن لتخرج له.. فهي خائفة منه فعلا..
خائفة من حدته.. ومن قسوته.. ومن تهديده!!
ولكنها ختاما خرجت وهي تقدم قدما وتؤخر أخرى..
هــو عرفها منذ خرجت من الباب البعيد.. وكأن الشمس أشرقت من هناك..
فهل هناك من يجهل شروق الشمس...؟؟
بدت دقات قلبه تتصاعد بعنف..
وهو يكره هذا الشعور الذي يحيله إلى مراهق عاجز عن السيطرة على خلجات نفسه!!
ركبت جواره بتردد وهي تتمتم باختناق: الحمدلله على السلامة..
أجابها بسكون وهو يحاول ألا ينظر لها: الله يسلمش... كان قعدتي بعد شوي!!
اجابته بذات النبرة المختنقة: أنت ما اتصلت علي..
ازدادت نبرته حدة: وأنتي ما كنتي عارفة إني بأجي اليوم؟؟
صمتت.. لم ترد عليه.. شعرت أنها إن قالت كلمة إضافية قد تبكي!!
هو أيضا لم يصبر على ألا ينظر لها.. فهو لا يعرف كيف يتصرف خلافا لطبيعته..
كان ينظر ليديها العذبتين المشبوكتين في حضنها.. لا يعلم لِـمَ شعر بتأثر رقيق أنها ترتدي دبلته..
ولكن التأثر تحول لغضب وهو يصرخ بها: ممكن أعرف ليش ملونة أظافرش؟؟
جميلة انتفضت بجزع: عادي.. شوف أظافري مقصوصة للآخر واللون فاتح..
فهد بذات الغضب: والحين صارت القضية إن أظافرش قصيرة.. واللون فاتح..
ليش أساسا تحطينه.. ماعندكم دكاترة في الجامعة وعمال؟؟
جميلة زفرت بحرقة: فهد الله يهداك أنت جاي من المطار حاد سكاكينك علي..؟؟
أساسا أنا أقعد ورا.. لا شافني دكاترة ولا عمال..
بس خلاص أوعدك ما أحط في الجامعة ولا برا.. شيء ثاني؟؟
حينها كان هو من صمت..
فهو يعترف أنه جاء إليها وهو يشعر بالاستفزاز بعد مكالمتها الأخيرة..
لم يتوقع أنها ستجابهه بهذه المهادنة والرقة التي تذيب مفاصله..
تبادلا الصمت حتى دخلا باحة بيته..
حينها كانت من همست بجزع: ليش جايبني هنا؟؟
أجابها بحزم: وين تبين تروحين؟؟
جميلة باختناق: أبي أروح بيتنا..
فهد بذات الحزم وهو يفتح بابه: هذا بيتش.. خلصيني وانزلي!!
جميلة تشعر إنها ستموت: زين بأروح أجيب ملابسي..
فهد باستغراب: تجيبين ملابسش... ؟!!
عندش هنا ملابس تغطي آسيا وأفريقيا... وش تجيبين فوقهم؟؟
انزلي بس!!
جميلة نزلت مجبرة.. فهي بالفعل لا تريد أن تكبر مشكلتهما.. وتعلم أنها لو بقيت في بيت أهلها بعد عودته..
فهذا سيكون بمثابة إعلان علني بوجود خلاف بينهما!!
قد تكون قالت له أنها لا تريده.. وتريد أن تبقى في بيت أهلها..
لكنها تعلم أن هذا كلام غير منطقي.. وكانت تقوله لشدة غيظها منه!!
ولكنها أيضا تشعر على كل حال أنها غير قادرة على تقبله..
وتشعر بوجود حاجز غريب بينهما!!
نزلت بخجل.. وهي تسحب قدميها سحبا!!
متوجهة لغرفة عمتها أم صالح..
هتف بحزم: وين بتروحين؟؟
جميلة بذات النبرة المختنقة: بأروح أسلم على عمتي..
أجابها بنبرة مقصودة: لا والله راعية واجب..
أمي وجوزا رايحين الجمعية يجيبون أغراض البيت..
عقبال ما تكفين أمي وتجيبنهم أنتي!!
همست حينها بذات نبرته المقصودة: إن شاء الله.. إذا حسستني صدق إني مرتك..وهذا بيتي..!!
مثل ماعبدالله محسس جوزا..
دائما لدغتها ناعمة حينما تريد!!
أجابها بحزم غاضب: لا تقارنيني بغيري.. أظني صرتي تعرفين.. إن هذا سمي وناري!!
جميلة تنهدت وهي تصعد للأعلى..
فوجئت أنه لم يتبعها وهي تتنفس الصعداء..
بينما هو توجه للمسجد ليلحق بصلاة الظهر!!
جميلة بدأت بإزالة الصبغ عن أظافرها.. ثم فتحت خزانتها لتستخرج لها لباسا ترتديه بعد أن تستحم وتصلي..
في داخلها.. لا تشعر بأي رغبة لأن تتأنق لهذا المعقد..!!
ولكنها لابد أن تتأنق بطبيعتها.. وخصوصا أنها ستنزل لتسلم على عمتها وجوزا وتتغدى معهما..
حمدت الله أنه لم يعد مباشرة..
فوجوده يثقل على نفسها بشكل مجهد فعلا..
لم يعد حتى عادت لغرفتها بعد الغداء..
كانت تجلس أمام المرآة.. تمشط شعرها..
بعد أن خلعت الدراعة التي ترتديها ولبست لباسا خفيفا.. يتكون من (ليقنز وتيشرت) من القطن.. فقط!!
مهما كان لباسها بسيطا.. تبدو في عينيه شيئا مبهرا إلى أبعد حد..!!
رؤيتها مجهدة لمشاعره وقلبه لأبعد حد!!
دخل بسكون وسلم بسكون.. وجلس على طرف السرير خلفها مباشرة.. يراقبها بتمعن وهي تمشط شعرها بتوتر.. لأنها تعلم أنه يراقبها..
نهض ليتقدم نحوها.. انكمشت على نفسها قليلا وهو يميل عليها ليتناول المشط من يدها..
ويضعه على التسريحة لتتخلل أنامله خصلاتها الناعمة وهو يهمس بدفء:
كأنه شعرش طايل شوي.. لا تطولينه.. يعجبني كذا!!
( وش اللي تغير؟؟ عقب ماهو منتف.. عاجبك!!) همست باختناق:
بس أنا أحب الشعر الطويل.. وأبي أرجع أطوله!!
هز كتفيه وهو يمسك بعضديها ليوقفها ثم يديرها ناحيته وهو يهمس بذات الدفء:
براحتش.. حتى لو كنتي بدون شعر عاجبتني!!
قربها منه برفق ليغمر وجهها بقبلات شفافة حانية بينما انكمشت هي رغما عنها..
همس في أذنها بعمق: طالبش.. بلاها ذا الحركة.. تحسسني وش كثر أنتي خايفة مني!!
أنا ما أكرر غلطتي مرتين.. فلا تكررينها أنتي!!
*****************************************
وضحى قفزت بجزع وهي تسمع الطرقات القوية على الباب..
لتتفاجأ بالباب يُفتح ونورة تدخل..
وضحى بقيت لدقيقة مذهولة (كيف دخلت هذه؟؟)
لتشعر أنها ستبكي وهي تنتبه أنها تقف أمامها ببيجامة مكونة من (شورت وتوب بحمالتين رفيعتين) فقط!!
أمها لم ترها مطلقا بهذا المنظر.. فكيف تراها هذه؟؟
قفزت لتختبئ داخل غرفة التبديل وهي تهمس باختناق حرجها المر:
أم سعود دقيقة بس وأنزل لش!!
نورة كانت مذهولة.. ولا تنكر أنها شعرت بالحرج..
فهي فوجئت بالأبواب مفتوحة.. ولا أحد في البيت..
لذا صعدت مسرعة لغرفة شقيقها!!
نورة عادت للأسفل.. ففي الأسفل كانت تجلس رفيقة دربها سلطانة..
وهما في انتظار شقيقتين آخريين من شقيقاتهما..
سلطانة بقلق: لقيتي حد؟؟
نورة بتأفف: لقيت مرت أخيش متفسخة.. يا الله جيرنا من كشف الستر!!
راقدة وهي مهيب لابسة شيء..
والبيبان كلها مفتحة.. لو أن اللي داخل عليها حرامي وش كان سوت؟؟
إيه ما ألومه أخيش يستخف.. ولا كلمناه يكلمنا بالقطارة!!
سلطانة ضحكت: نورة الله يهداش.. عروس وش تبينها تلبس عند رجّالها؟؟
نورة بذات التأفف: والله إنكم جيل ماعاد في وجهه حيا ولا مستحى!!
والاثنتان مستمرتان في حوارهما فوجئتا بالخادمة التي أحضرت لهما القهوة والشاي..
سلطانة باستغراب: من أنتي؟؟
الخادمة بعربيتها المكسورة: أنا خدامة ماما مزنة.. ماما يجيب هنا عشان بنية ودحه صغير..
سلطانة تلوي شفتيها: خدامة من الحين؟؟ وخدامتها قدامها بعد!!
حن جايبين قهوة وفوالة روحي جيبيها..
الخادمة تبتسم: هذي قهوة مال أنتي ماما.. أنا يشوف أنته يجيب قهوة.. أنا يجيب بيالة فنجال بس..
نورة بغضب: وين كنتي مندسة يالسكنية.. ومخلية كل شيء مفتوح..
الخادمة مازالت تبتسم: ماما أنا قدام عين مال أنتي.. أنا كنت ينظف صالة..
حينها كانت وضحى تنزل.. ووجهها متفجر بالاحمرار.. عاجزة عن وضع عينها في أعينهما..
بعد انتهاء السلامات المعتادة..ووضحى تتولى مسئولية ضيافتهما..
همست نورة بحزم: وين نايف؟؟
وضحى باحترام: راح لشغله..
نورة بحزم لا يخلو من غضب: راح لشغله وأنتي راقدة وراه كنش فطيسه..
مهوب عيب عليش يأمش..؟!!
هذا السنع؟؟
وضحى صُدمت تماما من هذا الهجوم غير المتوقع.. ابتلعت ريقها ومعه عبرة كانت ستقفز (والله ما أشمتهم فيني!!)
هتفت بكل برود مغلف بالحزم مع ابتسامة رائقة:
أنا مارقدت إلا عقب ماراح نايف لشغله..
أصلا مستحيل أقدر أرقد وهو قايم الله لا يخليني منه!!
نورة وسلطانة تبادلتا النظرات معناها (صدق إنها ما تستحي!!)
بينما وضحى جلست لترسل لنايف رسالة ترجوه أن سألته إحدى أخواته أن يأكد على كلامها..
فهي فعلا كانت تريد أن تنهض معه.. ولكنه من اطفأ جرسها!!
***********************************
" يمه فديتش.. لا تحاتين..
عملية غنومي بتكون بسيطة إن شاء الله!!"
أم غانم بتأثر عظيم: يا قلبي يا نجلا.. هي تلاقيها منين؟؟
الولد هيستحمل عملية يعني؟؟
غانم يشد على كفها بحنو ويقبل رأسها: صدقيني يمه أنا بروحي تكلمت مع الدكتور وطمني.. لا تحاتين..
مزون متأثرة بالفعل من توالي الضغط على نجلا المسكينة وخصوصا وهي ترى تأثر الجميع..
غانم همس لوالدته بمودة: يمه اشرايش تخلين التفكير.. وتسولفين علينا..
أم غانم بشجن: وش تبيني أقول؟؟
غانم ابتسم: يمه.. مزون تبي تدري أشلون خذتي إبي.. علميها..
مزون قطبت جبينها لغانم بمعنى (احرجتني!! )
بينما أم غانم ابتسمت بشجن: أعلمها ليش لا... الواحد نفسه في حكاية تنسيه الهم شوية!!
غانم يبتسم: لا يمه.. مايصير كذا.. لازم تدخلين في المود.. وتصير عيونش تولع قلوب.. تقولين سعاد حسني يوم شافت رشدي إباظه..
ونبيها بالمصري.. عشان حلاتها كذا!!
حينها ابتسمت أم غانم: فشر رشدي إباظة يجي جنب راشد..!!
ده مايجيش ظفره!!
غانم مال على مزون بمرح: اسمعي الهياط بس!!
مزون سألت ام غانم بمودة: يمه ياحلوه الكلام المصري من ثمش..
قولي لي كم صار لكم متزوجين أنتي وعمي؟!! ووين تزوجتوا؟؟ في مصر صح؟؟
أم غانم بإبتسامة شفافة: كملنا 31 سنة..
واتجوزنا هنا في قطر.. أنا أساسا كنت مقيمة هنا.. جيت هنا مع ماما وخالي.. وأنا تانية سانوي..
وكملت المدرسة هنا.. بس مادخلتش جامعة..
عشان ماما كانت ست كبيرة ومريضة..
وحتى خالي كان زيها.. وئرب على التقاعد.. مراته ماتت ئبل مانجي هنا
وماكانش عندو ولاد..
والاتنين شايلين همي.. يحصل لهم حاجة ويسيبوني لوحدي..
خطبني مصريين كتير هنا.. بس أنا مابيعجبنيش العجب!!
غانم يميل على اذن مزون باسما: العجب تراه أبو غانم!!
أم غانم بغضب باسم: خلاص ئول انته الحكاية لمراتك..
مزون باستعجال ودود: يمه ماعليش منه.. كملي!!
أم غانم أكملت ولكن هذه المرة انكسرت ابتسامتها: ماما ماتت بعد كم شهر واندفنت هنا..
عشان كده كان عندي إحساس إني لازم اتدفن مترح ما اتدفنت أمي!!
تعبت كتير بعد ماما.. وخالي تعب معايا الله يرحمه!!
بس بعد كده ئلت لازم أكون أئوى شوية عشانه.. هو هيلائيها منين!!
في الوئت ده بالزبط كان غانم عاوز يتجوز وحدة بس مش من جماعتهم.. من ئبيلة تانية..
أبوه وأخوه أبو صالح ما رضيوش.. وهو كان شاب فاير وراسه ناشف..
فحلف إنه يتجوز وحدة من برا حدود الخليج كله!!
ولو جيتي للحئ هو ئال لي إنه استغفر عن الحلف ودفع كفارة.. بس هو كان عاوز يئرص ودانهم..
أكملت حينها بابتسامة اتسعت: خالي كان معاه في الشغل.. فهو يحكي لخالي الحكاية..
فخالي ئال له إنه هو اللي هيجوزه وحدة من برا الخليج..
راشد كان عاجب خالي كتير.. بس خالي ماكنش في باله واحد خليجي خالص..
لحد ماماتت أمي.. واندفنت هنا وأنا مش راضية أسيب هنا ولا أنزل مصر حتى في الإجازات..
راشد اتحرج.. ئال له خالي ما تنحرجش.. أنتو هتشوفها زي ماشرع ربنا ئال..
بس راشد ما رضيش..
ئال وئتها ماكنش مقتنع خالص وعاوز يسكت خالي وبس..
خالي ئال لي الحكاية.. زعلت عليه خالص.. ئلت له أخرتها تعرضني على راجل وهو مايرضاش حتى..
ومن ئال لك إني عاوزة واحد قطري... شكلهم كِشر..
غانم ضحك: يمه أما على سالفة إنه شكلنا كِشر لازم نرفع عليش قضية!!
مزون برجاء: تكفى غانم لا تقاطعها.. خربت اندماجي!!
غانم بإبتسامة: لو تدرين عاد قطعت عليش عند (الماستر سين)!!
أم غانم بتافف: أنته هتسكت ياله.. وإلا سيبني أئوم أبدل للولاد..
مزون برجاء: أنا بأبدل لهم.. بس كملي الحين فديتش يمه..
ابتسمت أم غانم: ئولي لجوزك الرغاي..
سيبينا منه.. بعدها بكم شهر كنت مع خالي في المستشفى عشان كان تعبان شوية..
وراشد كان جايب الست مامته الله يرحمها!!
ضحكت أم غانم بخجل عفوي : الواد غانم مابيحبش الحكاية دي!!
بس أنتي عارفة إنه زمان بنات السبعينات عاملين ازاي.. ومع كده أنا كنت بألبس طويل بس ماكنتش باتحجب..
راشد بيئول لي إنه حاول ما يبصش بس مائدرش.. أصلو كان فاكرني شبه خالي..
خالي كان أسمر وماكنش حلو خالص!!
خالي لما سلم عليه أنا اتلحس مخي.. حلاوة إيه.. طول إيه.. شبه الواد فهد ابن أخوه خالد..
حينها لم يستطع غانم إلا أن ينفجر في الضحك: ماقلت لش.. ترا السالفة أول كان يشبهني..
الحين صار يشبه فهد.. انتظري عليه المرة الجاية بتقول لش شبه عبدالله..
مزون بتأفف رقيق: لو دارية كان خليتها تسولف علي وأنت برا بسلامتك..
خربت الجو مرة وحدة!!
يمه تكفين كملي لي!!
ضحكت أم غانم: هي كده كملت.. بس الواد ده نصاب.. عمري مائلت إن راشد شبهه... راشد أحلى منو بعشرين مرة!!
طبعا أهل راشد ماكنوش راضيين بالجوازة خالص خالص..
بس المرة دي راشد عنّد وصمم.. وخدت وئت طويل لحد ما أهله تئبلوا فكرة جوزانا..
أول شيء ئاله راشد لخالي.. لازم تتغطى..
ضحكت: ئلت لخالي اللي هو عاوزة.. هأعمله..إن شاء الله يكون عاوز يحبسني في ئمئم!!
والحمدلله عمري ماحسيت بالندم من أول دئيئة لحد دلوئتي ربنا مايحرمنيش منو ولا من طيبة ئلبو!!
ضحكت: تدرون تعبت أحكي مصري... تعودت على الحكي المكسر!!
غانم يضحك: شفتي القلوب يوم نطت من عيونها؟؟
مزون ضحكت: لا والله شفت العصافير اللي تطير حول رأسك..
وأنا أتمنى لو عمتي أم غانم تضربك بالمزهرية على رأسك من كثر ماتقاطعها!!
*************************************
" إلا وش سالفة المسج بالتفصيل؟؟
خواتي وش سوو اليوم!! "
وضحى بألم شفاف: خلوني في نص ثيابي يا نايف.. تخيل نورة دخلت على وأنا نايمة..
شافت لبسي.. أمي ماشافتني كذا!!
وعقبه تقول لي أنتي ماتعرفين السنع... نايمة ونايف رايح لشغله!!
وضحى كانت تحادثه بشفافية لأنها لا تستطيع أن تشتكي لسواه..
بل إنها لم تخبره بكل شيء.. فهم حين اكتمل عقد الشقيقات الأربع قالوا ماهو أكثر من ذلك..
حتى أمها وخادمتها التي أرسلتها.. لم تسلما من تعليقاتهما..
وهي وحيدة تتلقى الضربات من الأربعة.. وكلهن سيدات كبيرات في السن..
ولا تستطيع أن ترد عليهن احتراما لسنهن ومكانتهن..
ولكنهن لم يرحمنها مطلقا من تعليقاتهن وأسئلتهن واستفساراتهن حتى عن تفاصيل حياتها الخاصة مع شقيقهن..
ورغم أنها لم تخبره بكل ذلك.. نايف رد بتأفف: مهوب كنش مزودتها؟؟
وضحى بصدمة: أنا مزودتها؟!!
نايف بذات التأفف: إيه مزودتها.. يعني المساكين تاركين بيوتهم وعيالهم من صبح عشان يجون يسلمون عليش ويقهونش..
أخرتها تشتكين منهم كذا..
ليش تشتكين؟؟
لأنش واجد متصلبة وماعندش أي مرونة..
وضحى بذات النبرة المصدومة: أنا ماعندي مرونة؟؟
نايف لا يريد فعلا أن يضايقها.. لكنه سبق أن حذرها في هذا الموضوع لذا هتف بتقصد:
حتى لو كنت نسيت موضوع تميم.. لكنه كشف لي إنش ماعندش مرونة في التعامل مع المشاكل..
وش فيها لو جاملتي خواتي العجايز شوي وتحملتيهم..؟؟
وضحى شدت لها نفسا عميقا.. حتى لو قال أنه نسي... يبدو أن هذا الموضوع سيبقى حاجزا بينهما..
لأنه وضع له تصور مسبق لشخصيتها سيحبسها في إطاره..
لذا همست باختناق متردد: تميم مايدري عن شيء!!
نايف نظر لها بدهشة: يدري عن ويش؟؟
وضحى انكمشت قليلا فهي تجهل بالفعل ماذا ستكون ردة فعله: مايدري عن المسجات..
أنا اللي أرسلتها من تلفونه ثم مسحتها!!
نايف اتسعت عيناه بصدمة.. ثم شرق وكح ..
ثم .......
انفجر بالضحك..
ضحك مطولا لدرجة أن عينيه دمعتا قبل أن يهتف بين ضحكاته:
لا بصراحة غطيتي على عالية.. المفروض عالية تجي تأخذ عندش دروس في المقالب..
ذا كله صبيتي قلبي... وآخرتها الرسايل من عندش!!
******************************************
" ها ياحلوة.. وينش؟؟
عقب منتي ما تبين تروحين معه.. حتى تلفون توش تكلميني..
أنا مابغيت أدق وأصير عمة ثقيلة دم!! "
جميلة بتأفف: يمه.. توه أفرج عني..
من عقب صلاة العصر.. واحنا طالعين.. تونا رجعنا.. وراح لأبيه في المجلس!!
عفراء باستغراب: زين وحدة مطلعها رجالها.. ليه زعلانة؟؟
أعرفش تحبين الطلعات والتمشيات..
لا والمسكين توه جاي من السفر اليوم وطلعش على طول!!
جميلة تزفر: يمه... دمه ثقيل على قلبي!!
عفراء بغضب: والله ماحد دمه ثقيل غيرش.. يا بنت اعتدلي مع رجالش..
جميلة بيأس: والله يمه ماضايقته بشيء.. وكل ماقال لي شيء.. قلت لبيه وحاضر..
بس عاد أغصب نفسي أحبه وأتقبله.. مهوب بيدي!!
عفراء تنهدت بعمق: الله يصلح حالش يأمش.. الله يصلح حالش!!
***************************************
" ها يأمش شأخبار نايف معش؟؟"
وضحى تزفر: يمه نايف يجنن وطيب وأخلاقه تجنن...
بس يمه خواته ما ينطاقون.. وهو يموت عليهم.. يمه توه من أول يوم طفروني..
ما أدري اشلون باستحمل..
مزنة تنهدت: يأمش أنتي خذتي الرجّال وانتي عارفة إن خواته كذا!!
مايصير الحين تاففين منهم..
هذولا بيصيرون عمات عيالش.. وكلش ولا قطع الرحم..
الرحم متعلقة بالعرش.. وتقول اللهم اقطع من قطعني.. وصل من وصلني!!
وضحى ابتسمت: عاد يمه ماوصلت لقطع الرحم.. أعوذ بالله من غضب الله..
بس أنا يمه أبي طريقة أمسك العصا من النص..
وعجزت أفكر.. لأنهم ماشاء الله مايعطون الواحد مجال.. حادين بشكل!!
ابتسمت مزنة بأمومة حازمة: تعاملي معهم بما يرضي الله.. وإن شاء الله مايصير إلا خير!!
وضحى بمودة: زين يمه أنا أبي أسلم على عمي زايد.. بيتأخر..؟؟
كاسرة قالت إنها بتروح تنتظره في البيت..
وأنا نايف بيجيني الحين!!
مزنة تنهدت: بيتاخر شوي يأمش.. روحي الحين وسلمي عليه بكرة!!!
.
.
في الخارج..
فور أن ركبت وضحى مع نايف.. انفجر في الضحك..
وضحى بحرج: نايف حرام عليك.. مهوب كل ما تشوف وجهي تضحك..
ترا أنا في حوش بيت هلي..
بتسوي فيني كذا.. نزلت!!
نايف يشد معصمها ناحيته وهو يغالب الضحك: وش تنزلين؟؟؟ خلاص بأسكت..
الله يقطع إبليسش يا الوضحي.. كل ماتذكرت حالتي وأنا أصب عرق وأنا قاعد في المجلس.. أموت على روحي من الضحك!!
حينها ابتسمت وضحى: تستاهل.. عشانك واحد مغازلجي..
نايف يضحك: أما مغازلجي كثري منها.... أنا على قولت المثل... اللي ماعمره تبخر.. تبخر واحترق!!
ثم أردف بتماسك: ها انبسطتي عند هلش..؟؟
وضحى بمودة: أكيد ولو أنه سميرة نفسيتها تعبانة عشان عملية ولد أختها بكرة..
وكاسرة ماطولت عندي.. راحت لبيتها عشان مزون بتجي وبينتظرون عمي زايد جاي من السفر!!
نايف بنبرة واثقة: ترا حتى أمش ماعجبتني يوم نزلت أسلم عليها..
وضحى باستغراب: أشلون ماعجبتك؟؟
نايف هز كتفيه: شكلها تعبانة أو متضايقة..
وضحى بقلق: لا تروعني على أمي.. أنا شفتها عادية!!
ابتسم نايف وهو يشد على كفها: عشان ما عندش سبع خوات..
لازم أول شيء تسوينه تطلين في عيون الوحدة منهم عشان تعرفين نفسيتها..
قبل تفتحين ثمش بكلمة!!
**********************************
" يأبيك تبي تقوم تنسدح؟؟"
عبدالرحمن بمودة غامرة: لا جعلني فداك.. تو الناس!!
أبو عبد الرحمن باهتمام: بس أنت وراك دوام بكرة.. لازم تتريح!!
عبدالرحمن باحترام: محاضراتي متأخرة أساسا!!
حينها تذكر أبو عبدالرحمن شيئا: إلا أنت اليوم من اللي وداك دوامك؟؟
رجعت من عند طيوري لقيت سيارتك مهيب هنا.. والسواق قاعد مع المقهوي!!
أسأله عنك قعد يمغمغ .. (يمغمغ= يهمهم بكلام غير مفهوم عند الارتباك)
عبدالرحمن صمت شعر كما لو كان وقع بين المطرقة والسندان.. فهو اليوم لأول مرة يتهور.. ويقرر أن يقود سيارته بنفسه..
بقدر مابدت له العملية متعبة بقدر ما بدت ممتعة.. وليس على استعداد أن يعود مرة أخرى ليسوق به السائق..
وخصوصا أن اليوم كان تجربة.. ويريد أن يفاجئ عالية في الغد أن يذهب بها هو لعملها!!
عبدالرحمن وجد له عذرا: جاني واحد من ربعي على تاكسي.. وهو اللي ساق السيارة..
ثم أردف بحذر: مع إنه يبه يمكن لو حاولت أسوق.. أسوق.. أرجيلي صارت حركتها أحسن..
والسواقة ما تبي إلا دوسة بسيطة على البنزين..
أبو عبدالرحمن بتحذير: لا يا ابيك لا تستعجل.. لين تمشي زين..
ثم أردف بامل: ولو أنك يا أبيك طولت.. قد لك أكثر من أسبوع وأنت تقول لي كل يوم بكرة!!
وش رأيك تحاول قدامي شوي؟؟.. بأعاونك..
طالبك يا أبيك!!
عبدالرحمن بمودة متجذرة: وليه تطلبني.. باحاول.. اشرايك تعطيني العصا اللي في كبت الدِلال..؟؟
اللي نساها قصيرنا عندنا!! (قصيرنا= جارنا)
أبو عبدالرحمن قفز بلهفة.. وهو يتناول العصا ويعطيها لعبدالرحمن ثم يحاول إيقاف عبدالرحمن من ناحية..
وعبدالرحمن يمسك بالعصا بيده الأخرى..
عبدالرحمن أظهر صعوبة الوقوف عليه وهو يحاول لمرتين بفشل.. ثم يقف في الثالثة..
ويخطو خطوتين قصيرتين ثم يجلس.. وبهمس بإرهاق مصطنع: بس يبه كذا يكفي!!
أبو عبدالرحمن كان يقف مذهولا عاجزا عن استيعاب كل هذه السعادة وهو يتمتم باختناق فعلي: اللهم لك الحمد والشكر..
اللهم لك الحمد والشكر..
ماعليه يا أبيك ماعليه..
اليوم خطوتين وبكرة عشر..
يا الله ما أكبر رحمتك.. ما اكبر رحمتك!!!
*************************************
يعود ... إلى أميرته..
التي طالت ليالي اشتياقه لها حتى شعر أنها لا تريد الانقضاء!!
كل شيء بدا له -بعيدا عنها- بلا رونق.. بلا حياة.. بلا ألوان!!
وكأن بهجة الحياة ورونقها لا تغرد إلا على نغم خطواتها وحضورها العاصف في حناياه!!
هكذا هو.. قلبه المستقيم الذي لا يعرف كيف يكون تزييف المشاعر أو تغطيتها أو تسميتها بغير مسمياتها!!
قد يكون في البداية جهل ماهية المشاعر التي اقتحمت قلبه الذي بدأ يرتعش لرؤيتها. وخلاياه التي تذوب اشتياقا لرؤيتها..
قد يكون بعد ذلك قاوم هذه المشاعر حتى لا تستولي عليه..
ولكنها ما أن ظهرت وتحكمت.. حتى أظهرها كما يجب أن تظهر.. لأنها مشاعر يعجز عن إخفائها!!
حين دخل.. كانت على الحاسوب تقوم ببعض البحث من أجل أحد مقرراتها..
ابتسم وهو يسلم عليها... ردت السلام!!
فهد هتف بثقة: مطولة؟؟
أجابته بسكون: نص ساعة بس..
هتف بذات الثقة: على ما أسبح تكونين خلصتي!! خلي اللابتوب شغال.. بأوريش شيء..
( ما ينفع تسبح لين أنام أنا!!) ورغم عدم رغبتها حتى بالجلوس معه ابتسمت:
زين إن شاء الله!!
حين خرج.. كانت بالفعل انتهت!!
كان ينهي لباسه وهو يهتف لها بثقة ودودة: انبسطتي اليوم في الطلعة؟؟
هزت رأسها برقة: انبسطت..!! (رغم أنها لم تشعر بشيء عدا ثقل وجوده على أنفاسه!!
رغم أنه حاول بذل كل جهده!!)
تنهد: ماعليه أنا توني عليمي في سوالف الطلعات.. لاني اساسا ماني براعي طلعات!!
بس ماهان علي أكون غايب ذا الوقت كله وعقب أحبسش في البيت بعد!!
صمتت.. فهذه التعامل والتفكير الرقيق لا يتناسبان مطلقا مع تفكيرها في شخصية فهد..
كانت تنظر له وهو يتجه لفتح حقيبته الشخصية ثم يستخرج منها بطاقة ذاكرة ويطلب منها أن تضعها في الحاسوب وفتحتها...
جميلة أدخلت البطاقة بحذر في الحاسوب.. دائما تتوجس من كل ماهو من ناحيته..
جلس جوارها وهو يسند ذراعه لكتفيها بطريقة حانية وتملكية في آن..
تناول الحاسوب منها هو..
بدت لها حركته عليه خبيرة بالفعل.. رغم أنها كانت تظنه لا يعرف أي شيء عن الحواسيب..
همست بتلقائية: تعرف له؟؟
ضحك: أعرف له؟؟؟ مهوب لذا الدرجة ترا..!!
جميلة بخجل: ماقصدت..!!
صمتت لأن أي شيء قد تقوله قد يبدو محرجا أكثر!!
فهي بالفعل كانت تظنه لاعلاقة له بالتكنولوجيا كما لو كان يعيش متحجرا في عصر آخر!!
كانت الذاكرة ممتلئة بالصور..
هتف فهد بحماس فخم: بأوريش صورنا في الدورة الأخيرة.. وصور لي بعد قديمة!!
وصور قبل الكاميرات الرقمية بعد.. بس دخلتها فيه!!
عشرات عشرات الصور..
كما لو كان يكشف لها تاريخه كله ويبسطه أمامها..
صوره وهو صغير مع والده وأشقائه في مناسبات ورحلات مختلفة..
صوره في الكلية.. صوره باللباس العسكري بأشكال مختلفة..
الكثير من الصور مع منصور!!
بل هناك أكثر من صورة له مع زايد الصغير في مجلس منصور!!!
ابتسمت بعفوية: شكلك يجنن في اللبس العسكري.. بس أحلى صور اللي مع زيود فديت قلبه!!
ابتسم بفخامة: ماعليه نبلعها إن أبو منصور مقدم علينا!! يستاهل!!
سألت بذات العفوية الرقيقة: تحب تصور؟؟
هز كتفيه: لا.. بس لا صورت.. أحب أحتفظ فيها..
أبي أوريها لعيالي..
ما تتخيلين أشلون انبسط لا شفت صورة لأبي هو صغير..
لأنه أنا ماعرفت إبي إلا وهو كذا... لحيته بيضاء وطويلة!!
كان ينهمر بحديث عفوي.. ينبئ فعلا أن هذا رجل يحمل قلبا أشبه بقلب طفل..
أحاديثه كلها مصاغة بعفوية لا تخلو من فخامته الرجولية..
أحاديث لا تزييف فيها ولا حتى تحسين للحقائق!!
كان قد أنزل الحاسوب جانبا.. وهاهو يحتضن أناملها بين كفيه..
يتحدث وأنامله تناجي أناملها.. وكأنه عاجز حتى عن الإفراج عن أناملها..
بينما هي عاجزة حتى عن محاولة تقبله!!!!
**************************************
" هلا حبيبي..
غريبة ماقعدت عند أبيك شوي؟؟"
علي يخلع غترته ويلقيها جانيا ويهتف بهدوء: واجهته في المجلس عقب ماجابه كساب من المطار..
بس هو راح داخل لمزون ومرت كساب..
وأنا ما أقدر أتاخر عليش وأنتي بروحش!!
شعاع بخجل: والله كنت أبي أسلم عليه الليلة.. بس الوقت متأخر واستحيت أواجه كساب!!
علي برفق حازم: خلاص بكرة لا رحت أنا للدوام.. روحي سلمي عليه..
شعاع بوجل رقيق: مسرع خلصت إجازتك؟؟
ابتسم علي: صار لي أكثر من أسبوع قاعد مقابلش.. وانتي الحين صرتي احسن بواجد..
ما أقدر أقعد من شغلي أكثر من كذا؟؟
ابتسمت برقة وهي تميل لتقبل كتفه: قلت لك قبل الوقت معك ماينحسب..
ثم أردفت بذات الرقة: زين بكرة لا سلمت عليك..
أبي أروح مع جوزاء.. بتسوي تلفزيون وعبدالله عنده شغل مهم..
وعقب بنروح نتطمن على ولد نجلا إن شاء الله يكون خلص عمليته!!
ابتسم علي بلهفة: مهوب مشكلة.. بس أنتي متى بتسوين التلفزيون بعد؟؟
بأموت متشفق على شوفة أي شيء منه!!
ابتسمت برقة: قريب إن شاء الله..
**********************************
هاهو يعود... لم يتوقع أنه قد يجدها..
ولكنه الإنسان.. دائما مثقل بالأمل..
لأنه إنسان!!!
وجد مزون وكاسرة في انتظاره..
حتى مزون لم تستطع البقاء إلا قليلا.. لم يشبع حتى من ضمها لصدره..
فغانم كان ينتظرها خارجا.. والوقت أصبح متأخرا..
فاضطرت للذهاب..
وكاسرة جلست معه قليلا ثم اعتذرت ...واضطرت هي ايضا أن تصعد لكساب الذي كان هو من أحضره من المطار..
وهاهو يضطر للصعود .. لجناحه البارد الصقيعي..
يا الله..!!
بقدر مابدت له رحلته طويلة ومُرة بعيدا عنها..
بقدر ماتبدو غرفته أكثر قسوة.. لأنه ماعاد يطيقها بعدها..
(الظاهر إني على كل حال لازم أروح لجناح ثاني!!
ماني بمستحمل ذا القعدة... باستخف)
.
.
.
هي هناك... تعلم أنه عاد لبيته..
عودته نثرت يأسها وحزنها مضاعفا..
اشتاقت له كثيرا.. لا تستطيع أن تنكر ذلك!!
" كم نحن مخلوقان غريبان!!
كما هما ولدينا!!
نعيب عليهما.. ونحن من أورثناهما الغرابة!!"
أخرجها من أفكارها الطرقات على بابها.. شدت روبها على جسدها.. وفتحت الباب المغلق بنفسها..
كان تميم هو الطارق..
أشرق وجهها حين رأته..
قبل جبينها ثم أشار بمودة: يمه.. عمي مهوب جاي الليلة.. ليش مارحتي لبيتش؟؟
مزنة تشير بحزم تخفي خلفه توجسها: بلى.. بس هو جاي متأخر.. واتفقنا أرجع بكرة!!
مزنة تنهدت.. لا تريد أن توتر ابنها..
وهي تعلم أنه متوتر مع زوجته مع أجل عملية غانم الصغير في الغد..
تريد أن تنتهي عمليته بخير أولا!!
ثم تبحث لها عن عذر مناسب عجزت تبحث عنه ومازالت لم تجده!!
تميم أشار برجاء: زين يمه أبي منش خدمة!!
ابتسمت مزنة: آمرني فديتك!!
تميم بذات الرجاء: أبيش بكرة تكونين مع سميرة.. العايلة كلها قلوبهم ماشاء الله ماي..
أنا بأكون موجود معها.. بس أنا مستحي من أختها.. وبأكون واقف بعيد..
أبي أتطمن إنه فيه حد قوي معها!!
مزنة بحنان: بدون ماتقول يأمك.. أنا أساسا متفقة معها أروح معها المستشفى بكرة..
تميم أشار بصفاء باسم: الله لا يخلينا منـــ...
بتر إشارته وعيناه تنقلبان بشكل مفاجئ وهما تتجهان لمكان في كتف والدته..
بجانب عنقها ..
لأن طرف جيب الروب تعلق في دانتيل حمالات القميص العريضة لذا لم يغطيه!! ومزنة لم تنتبه!!
مد يده ليشد جيبها.. بينما مزنة تأخرت بجزع.. وهي تشير بجزع أشد: وش فيك أمك؟؟
تميم جن تماما وعيناه تتحولان لجمرتان محمرتان وهو يشير بجنون مطبق: أنا اللي وش فيني؟؟ أنا اللي وش فيني؟؟
تميم يريد خلع روبها رغما عنها.. وهما تقريبا يتعاركان عليه.. لأن مزنة علمت السبب..
ولكن تميم ختاما كان هو أقوى منها ..وهو تقريبا يمزق روبها وينظر بقهر موجوع وغضب عارم للعلامات الواضحة على جسدها..
مكانان.. وخمس علامات في كل مكان .. علامة منفردة وأربع علامات متجاورة!!
في كتفها من ناحية اليمين.. وعضدها من ناحية اليسار!!
لم يتمنى في حياته كلها كلها كلها.. أن يكون لديه صوت مثل هذه اللحظة..!!
لشدة شعوره بالقهر والغضب... تمنى أن يصرخ ويصرخ ويصرخ حتى تتمزق حباله الصوتية من الصراخ!!
" أ تُمد يدا على والدته وهو مازال يتنفس الهواء؟؟
إذن حياته كلها لا معنى لها!!
هو لا معنى له!! "
تميم أشار بجنون مطبق: والله ما أخليه.. والله لا أذبحه الليلة..
والله إن قد أذبحه!!
يسوي فيش كذا يحسب ما وراش رجال.. يحسب ماوراش رجال!!
تميم غادر ركضا.. بينما مزنة انتزعت جلال الصلاة لتلبسه فوق قميصها..
وهي تركض خلفه..و تتصل بزايد بجزع مرعوب:
زايد ترا تميم جايكم للبيت وهو مايشوف من الزعل..
متحلف فيك.. تكفى سكر بابك عليك.. ولا تنزل له!!
زايد بغضب: تبيني أندس من بزر أصغر من عيالي؟؟
يتحلف فيني ليه؟؟ وش مسوي له؟؟
مزنة كانت تبكي فعلا.. فهي تعلم أن تميما قد يؤذي زايد فعلا..
أما الاحتمال الأقرب فهو أن كسابا لو تدخل فهو من سيؤذي ابنها..
فهو لن يسمح له بمد يده على والده وهو يشاهد!!
زايد أنهى الاتصال وهو يهتف بغضب:
أنا انتظره تحت..خلني أشوف وش عنده..
ولا تحاتينه.. بأهديه!!
مزنة كانت تركض بكل قوتها.. فهي تعلم أن زايد لن يستطيع التفاهم معه حتى..
ولأن تميم لم يسبق مطلقا أن زارها في بيتها لأنها على الدوام عندهم... فهو لم يعرف أين يتجه تماما..
لذا حينما وصلت كان للتو يلتحم مع زايد وهو يرفع زايد من جيبه دون أي تفاهم!!
تميم فقد عقله تماما.. لم يفكر حتى أن هذا رجل أكبر منه سنا ولا يوازيه قوة..
فما رآه في والدته نحر روحه تماما.. وإحساسه بالقهر ألغى مابقيفيه من التفكير!!
فجسد والدته كان مبقعا بأثار أظافر غارت في جسدها.. تركت أثرا بنيا واضحا لم يختفِ رغم مرور عشرة أيام..
رغم أنه في الأيام الأولى كان أسوأ بكثير.. بين اللون الأحمر ثم البنفسجي ثم الأزرق.. وهاهو خَفَت للون بني يوشك على الذهاب!!
لذلك غيرت مزنة المفرش قبل ذهابها!!
لأنه تلطخ ببقع من نقاط الدم التي نزلت من جسدها..
لم تستطع مطلقا أن تلوم زايد.. فهو في ليلتهما الأخيرة معا كان نائما ومتمسكا فيها بشدة..
كانت تريد أن تقوم للحمام.. ولم ترد إيقاظه.. فحاولت التخلص من يديه برفق..
فشد عليها بقوة أكبر لدرجة أن أظافره غاصت في لحمها كثيرا!!
لذلك كان تأثرها منه لا حدود له.. ولا علاج له..
لأنها صمتت على كل هذا الألم الجسدي وهي تفسر ذلك بعدم قدرته على التخلي عنها حتى وهو نائم!!
ولم تخبره بشيء وهي ترتدي ملابس مغلقة تماما..
وتغطي المفرش السفلي بالعلوي انتظارا لذهابه حتى تغيره..
كانت تعلم أنه لو علم بهذا الأمر سيجرحه ويؤذيه لأبعد حد.. لذا لم تخبره ولم تخبر سواه..
ثم بعد ذلك...
يصفعها وبكل بساطة.. أنه لا يريد أي احتكاك بينهما!!
لماذا إذن كان يمسك بها هكذا؟؟ لماذا؟؟
أ يتمسك بها بكل هذا التملك والوجع.. ثم لا يريد أي احتكاك بينهما!!
فأي ألم حرث بمناجله روحها ذهابا وإيابا؟!!
مزنة فور وصولها.. فرقت بينهما رغم صعوبة إبعاد تميم عن زايد وهو كالمجنون..
كان يريد أن يكسر الأيدي التي امتدت لوالدته!!
مزنة أشارت لتميم بغضب: أنت اشفيك ماعندك تفكير..
اللي فيني مهوب من زايد..من كاسرة.. وإسألها !!
تميم كما لو كان سُكب على رأسه ماء مثلجا وهو يتراجع بجزع كاسح مصدوم:
من كاسرة؟!!
مزنة بحزم: إيه من كاسرة.. أنت تدري إن كاسرة أحيانا تحلم بكوابيس!!
ويوم كنتو مسافرين كانت نايمة عندي..
وسوت فيني كذا بدون ماتحس يوم قامت مفزوعة من الكابوس!! لأني كنت أبي أهديها وهي ماتبي تهدأ...
وإسألها لو تبي!!
(كانت مزنة متأكدة أنه لن يحرج كاسرة ويسألها عن ذلك!!)
بينما تميم اسود وجهه تماما.. ماعاد قادرا على وضع عينه في عين زايد..
وهو يقترب ليقبل رأس زايد ثم يغادر دون أن يرفع بصره!!
زايد كانت أنفاسه تعلو وتهبط من العصبية وهو يحاول السيطرة على أعصابه..
وينتظر أن تنتهي من حوارها الغريب مع ابنها..
ليتفاجأ بانتهائه هكذا.. بقبلة رأسه ثم رحيل تميم..
رغم أن تميما حين حضر كان كالمجنون تماما وعيناه محمرتان من شدة الغضب!!
حين غادر تميم.. انهارت مزنة جالسة..
زايد جلس جوارها وهو يهمس بسكون : ممكن أعرف ليش ذا كله؟؟
مزنة بوجع عميق عميق عميق: تبي تدري ليش ذا كله؟؟
تعال في مجلس الحريم وأقول لك.. ما أقدر أقول هنا.. أخاف حد يشوفني..
زايد بأمل أعمق: وما ينفع تقولينه لي في غرفتنا؟؟
مزنة بوجع أشد وأكثر وحشية بدأ يختلط بوجعها الجسدي وهي تشعر بتقلصات موجعة في أسفل بطنها: لا ماينفع..
زايد غادر معها لمجلس الحريم.. وتوجس غريب ينتشر في روحه!!
حــيــنــهـــا...
خلعت جلال الصلاة عنها..
زايد اتسعت عيناه بجزع وقهر أشد من كل مصطلحات العالم وأحاسيسها..
وهو يتحسس العلامات في جسدها ويشعر أن أنامله ستحترق لشدة الغضب..
كاد يجن بكل معنى الكلمة وهو يصرخ بهذا الغضب المجنون: من اللي سوى فيش كذا؟؟ من اللي سوى كذا؟؟
مزنة ببساطة موجوعة: أنت!!
زايد تراجع بصدمة كاسحة: أنا؟؟
مزنة بذات البساطة الموجوعة: آخر ليلة قضيناها سوا.. كنت متمسك فيني لدرجة أن أظافرك غاصت في جسمي..
وعقبه ثاني يوم تقول لي لا تحتكين فيني!!
وعقبه ثالث يوم تقول لي ارجعي لي!!
زايد جلس جوارها منهارا على الأريكة.. روحه تمزقت بقسوة لا حدود لمرارتها..
وهو يتمتم بذهول مثقل بالوجع الصاف الصِرف:
أنا مستحيل أكون طبيعي..
أنا سويت فيش كذا ؟؟ انا؟؟ أنا؟؟
تنقص يدي اللي انمدت عليش.. تنقص يدي!!!
مزنة لم تكن تستمع لشيء مما يقوله وهي تفاجئه بإمساك معصمه بقوة وهي ترص على أسنانها:
زايد... أنا أنزف!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل 105 - بقلم HaboOoshy
زايد اتسعت عيناه بجزع وقهر أشد من كل مصطلحات العالم وأحاسيسها..
وهو يتحسس العلامات في جسدها ويشعر أن أنامله ستحترق لشدة الغضب..
كاد يجن بكل معنى الكلمة وهو يصرخ بهذا الغضب المجنون: من اللي سوى فيش كذا؟؟ من اللي سوى كذا؟؟
مزنة ببساطة موجوعة: أنت!!
زايد تراجع بصدمة كاسحة: أنا؟؟
مزنة بذات البساطة الموجوعة: آخر ليلة قضيناها سوا.. كنت متمسك فيني لدرجة أن أظافرك غاصت في جسمي..
وعقبه ثاني يوم تقول لي لا تحتكين فيني!!
وعقبه ثالث يوم تقول لي ارجعي لي!!
زايد جلس جوارها منهارا على الأريكة.. روحه تمزقت بقسوة لا حدود لمرارتها..
وهو يتمتم بذهول مثقل بالوجع الصاف الصِرف:
أنا مستحيل أكون طبيعي..
أنا سويت فيش كذا ؟؟ انا؟؟ أنا؟؟
تنقص يدي اللي انمدت عليش.. تنقص يدي!!!
مزنة لم تكن تستمع لشيء مما يقوله وهي تفاجئه بإمساك معصمه بقوة وهي ترص على أسنانها:
زايد... أنا أنزف!!
زايد قفز وهو يصرخ بجزع لا حدود له: أشلون تنزفين؟؟
مزنة تضغط أسفل بطنها وتهمس بألم: أنا جيت ورا تميم أخب...
زايد يصرخ بكل حرقة جوفه: وليه تخبين؟ يعني ماتدرين إنش حامل..
كان خليتيه يذبحني أحسن!!
كان خليتيه يذبحني أحسن!! أنا أستاهل.. أستاهل!!
كان يصرخ بحرقة حقيقية...
لأول مرة يعجز عن السيطرة على نفسه بهذه الطريقة.. فمعرفته بمافعله بمزنة حتى لو كان عن غير قصد..
نــحـــــره..!!
نحره من الوريد إلى الوريد.. بكل معنى الكلمة!!
حاول أن يشد له نفسا.. شعر به مسموما مؤلما وهو يدخل لخلايا رئتيه ويمزقها:
دقيقة وحدة بأروح أدعي كاسرة تجيب لش ثياب ونمشي..
مزنة شدت على معصمه برجاء: تكفى يازايد لا تفضحني في عيالي وعيالك أكثر من كذا!!
روح لغرفة مزون جيب لي جلابية ضافية وعباة..
ثم همست بألم حقيقي: خلاص الجنين رايح رايح.. وشو له يدرون فيه.. أو حد يشوف شكلي وأنا كذا..
بأروح أنا وأنت بس..
زايد استدار نحوها بألم مرعوب بالغ الحدة والجزع: وش يروح؟؟ أذكري ربش.. اذكري ربش..
الحين بأجيش!! الحين.. ثواني بس..
**********************************
هاهو يقف في الخارج...
ويشعر أنه يحترق بكل معنى الكلمة..
يكاد يترمد من شدة الاحتراق!!
" لا حول ولا قوة إلا بالله..
أنا السبب في كل شيء.. أنا السبب!!
منذ البدايات كنت السبب!!
طوال عمري كنت أتعذب من أجلها!!
وحين أصبحت بين يدي عذبت نفسي وعذبتها!!
(ينظر ليديه وأنامله!!)
كم أتمنى لو استطعت أن أقص أناملي التي جرؤت على إيلامها!!
كيف فعلت بها هذا؟؟ كيف؟؟
.
أ تتألم من أجل علامات جسدية مؤقتة ستمضي بعد أيام..
وأنت تركت في روحها علامات ألم لن تمحيها الأيام؟؟ "
يقتله القلق... وهم أدخلوها للداخل وتركوه في الخارج.. يبدو كما لو كان كل شيء يتآمر ليدمر أعصابه رويدا رويدا!!
أ حقا يكتب عليه الله عز وجل ذهاب هذا الطفل الذي يشعر منذ الآن بلهفة موجعة لضمه لصدره..؟!!
ربما كان طفل من مزنة حلما أكثر مما يستحق!!
فهو يستحق العقاب.. ولا يستحق نعمة كهذه!!
" ياربي عاقبني أنا..
مزنة وطفلها وش ذنبهم؟؟
الذنب ذنبي بروحي!!
اللهم إني استغفرك وأتوب إليك!!
يا الله الرحمة من عندك!! "
الوقت يمضي.. ويمضي.. وأعصابه تكاد تفلت..
حينا يجلس وحينا يقف..
وحينا يسير في الممر بيأس موجع!!
كل الخيالات والصور تبدو موجعة له.. وأعصابه ماعادت تحتمل!!
يكثر الدعاء أن يحفظ الله مزنة والطفل كلاهما...
فهذا الطفل لو ذهب سينقطع تماما كل ما يربطه مزنة وكأنه لم يوجد!!
" يا الله رحمتك.. رحمتك الواسعة!!
لا تردني وأنا على بابك..
موجوع ومهموم بس كلي أمل في رحمتك!!"
خرجت الطبيبة ختاما!!
زايد قفز ليتلقاها ووجهه يعبر عن سوء حاله.. سألها بلهفة: شأخبارها طمنيني!!
الدكتورة بهدوء: الأم والجنين كلهم تعبانين شوي..
زايد زفر بقوة بعد اختناقه المطبق: يعني الجنين مانزل؟؟
الطبيبة بمهنية: لا مانزل.. الجنين ماعاد صغير.. في الأسبوع 13 الحين.. (الحمل يحسب من بداية آخر دورة شهرية)
بس دقات قلبه ضعيفة جدا..
بصراحة أنا توقعت إنه ممكن يكون نزل.. لأن الأم كبيرة في السن وبذلت مجهود جسدي ونفسي كبير..
بس هي ماشاء الله عليها جسدها قوي.. وحافظ على الجنين!!
لكن مادام النزف مستمر.. الخوف مستمر!!
أنا عطيتها إبر تثبيت.. ولازم تظل نايمة على ظهرها لشهر على الأقل..
عندك مشكلة نجحز لها جناح.. وتظل عندنا في المستشفى؟!!
زايد شد له نفسا عميقا.. نفس ارتياح بعد هذا الشد المضني:
لا طبعا ماعندي مانع ...
ثم أردف برجاء حازم: دكتورة لو سمحتي.. أبي أشوفها بنفسي خمس دقايق..
ثم أبي أسمع نبض الجنين بنفسي لو تكرمتي!!
زايد دخل عليها.. كانت نائمة..
رؤيتها بهذا الضعف هزت قلبه هزا..!!
جلس جوارها.. ورغم عنه وجد أنامله تتجه لتتحسس عضدها حيث تركت أنامله أثاره التي أدمت روحه بفيضان من دم وألم..
أي حب مؤلم هو هذا الحب!!
أ يتمسك بها لهذه الدرجة المؤلمة وهو يقرر أن يتركها صباح الغد..؟؟
أ كان عقله الباطن يرفض بكل الوجع ماقرره عقله الواعي.. لذا كان يرفض إفلاتها؟؟
مال ليقبل عضدها بيأس حفر روحه روحا..
حينها فتحت عيناها بضعف..
همست باختناق وعبرتها تسد مسارب حنجرتها: راح الجنين؟؟
قبل أن يجيبها دخلت الدكتورة وهي تبتسم: ها نسمع؟؟
مزنة لم تفهم لماذا كانت تريد الدكتورة وضع الجهاز على بطنها..
فهي كانت منهارة من التعب ونائمة ولم تسمع النبض في المرة الأولى..
بل هي لم يسبق أن سمعت نبضه إطلاقا..
فهي لم تذهب لطبيبة حتى الآن لانشغالها بالكثير من الأشياء..
واكتفت بأقراص حمض الفوليك حين علمت بحملها..
حين سمعت صوت الدقات الضعيفة التي بالكاد تُسمع..
تزايدت أنفاسها ثقلا.. وبدأت دموعها تسيل بصمت مثقل بسعادة ما أقربها من الألم وما أشبهها به!!
زايد مد يده ليمسح دموعها بألم حقيقي.. والطبيبة خرجت لتتركهما بحريتهما..
بينما زايد وقف ليقبل جبينها وهو يهمس قريبا من أذنها بوجعه وسعادته:
شفتي رحمة ربي.. الله سبحانه ما يبي الرابط اللي بيننا ينقطع!!
مزنة همست بصوت مبحوح وهي عاجزة عن النظر له.. فالتعقيد بينهما بات أكثر كثافة بكثير: أبي أروح للبيت!!
زايد بجزع: وش تروحين؟؟ الدكتورة تقول شهر نايمة على ظهرش..
أنتي بتقعدين هنا في المستشفى..
مزنة بجزع أشد: ما أقدر أخلي إبي ذا كله.. مستحيل!!
زايد برجاء: خلش أسبوع واحد بس في المستشفى لين يستقر حالش!!
الدم أساسا ماوقف..
حينها همست بسكون: زايد لو سمحت روح.. وخل كاسرة تجيني.. وما أبي حد غيرها يدري إني هنا ذا الحين..
******************************************
" فهد أنا تعبت من السهر.. أبي أنام!! وراي جامعة"
فهد لا يريد أن يصمت عن الكلام ولا يريدها أن تصمت..
لم يشبع من حديثها ولا من رؤية عينيها ولا التواء شفتيها حين تتكلم!!
همس بولع دافئ: يا النصابة محاضرتش الساعة 10 .. اسهري معي شوي..
ما تتخيلين وش كثر اشتقت لش!!
حينها ابتسمت بشقاوة عفوية: وش كثر يعني!!
حينها تمدد ليسند رأسه إلى فخذها وهو يتناول أناملها ويقبل رأس كل أصبع من أصابعها بدفء:
كثر ماحلمت إني أحب كل أصبع من أصابعش خمسين ألف مرة في اليوم..
الإبهام خمسين ألف مرة (قالها وهو يقبل رأس إبهامها)
السبابة خمسين ألف مرة (قالها وهو يقبل رأس سبابتها)
الوسطى خمسين ألف مرة (قالها وهو يقبل رأس وسطاها)
البنصر خمسين ألف مرة (قالها وهو يقبل رأس بنصرها)
الخنصر خمسين ألف مرة (قالها وهو يقبل رأس خنصرها)
كل عبارة كان يلفظها ببطء دافئ متجذر.. يرافقها قبلة أكثر دفئا!!
يتنفسها كما لو كان يتنفسها من أقصى خلايا روحه!!
جميلة شدت يدها برفق من يده وهي تمسح على خصلات شعره بيأس..
بقدر ما أرهقت كلماته ولمساته قلبها الغض!!
بقدر ماتجد نفسها عاجزة عن التجاوب معه أو تقبله كما يُفترض!!
لا تعلم كيف يجتمع الشعورين في ذاتها..
تتأثر بلمساته وكلماته لأبعد حد... ومع ذلك تجد نفسها عاجزة عن التفاعل معه!!
فهد صمت.. وهو يحتضن كفها قريب من قلبه..
همست جميلة من باب اللياقة: وش فيك كتمت؟؟
فهد هتف بسكون: ما كتمت... بس أحاتي ولد صالح بكرة وعمليته!!
بأوديش الجامعة وعقبه بأمرهم شوي..
ولو أني مستحي عشان هل مرته كلهم هناك!!
ابتسمت جميلة: تعرف تستحي؟؟ جديدة ذي!!
ابتسم فهد: تخيلي إني أعرف!!
*************************************
" أمي مزنة ما أدري ليش ماجات؟؟
هي قالت لي إنها بتجي معي!!
أدق على تلفونها مسكر!!"
تميم يشعر بحرج مريع مما حدث بالأمس.. عاجز عن معاودة وضع عينه في عين والدته أو زايد..
أشار باصطناع: أمي رجعت لبيتها البارحة... يمكن انشغلت..
أنا وأنتي بنروح.. وهذا أنا معش... أنا ما أكفي!!
سميرة أشارت بشجن: تكفي ونص..
بس أنت كنت قلت لي إنك ماتقدر تقعد جنبي عشان مستحي من أختي ومرت غانم!!
وبتوقف بعيد..
تميم تنهد: بأقعد أنا وأنتي على الطرف بعيد شوي بس عنهم!!
سميرة بتأثر: الله لا يحرمني منك ياقلبي..!!
***********************************
" يمه شا اللي صار؟؟"
مزنة بسكون: تعبت في الليل واتصلت في زايد يوديني!!
كاسرة بعدم تصديق: يمه تميم عندش في البيت.. تتصلين في عمي زايد وأنتي زعلانة عليه!!!
مزنة همست بثقة قدر ما سمح لها إرهاقها المتزايد: تميم مايدري إني حامل واستحيت يدري بذا الطريقة
وخصوصا إنه ولد نجلا عنده عملية اليوم..
وهو بروحه مبتلش مع مرته..
لقيت أهون الشرين إني أتصل في زايد!!
بدا المبرر مقنعا لكاسرة إلى حد ما.. لذا أردفت باهتمام: زين أنا جايبة لش ملابس.. ماتبين أبدل لش ثيابش..
مزنة بإصرار: لا... بأبدل بروحي..
كاسرة بطبيعية: زين براحتش.. بس عمي زايد ينتظر برا.. يقول لا خلصتوا نادوني!!
حينها همست مزنة بحزم مرهق: كاسرة لو سمحتي اطلعي لزايد وقولي له..
إني ما أبيه يجي يزورني..
وأنا لا طلعت من المستشفى رجعت بنفسي للبيت..
على الكلام اللي هو قاله لي أول مرة.. ينزل في جناح علي.. ومايحتك فيني ولا يكلمني!!
كاسرة بصدمة: يمه وش ذا الكلام؟؟
مزنة تنهدت بذات الحزم المرهق الموجوع: انا تعبت أدور عذر أقوله لتميم وسميرة ليه أنا قاعدة عندهم في البيت.. ومالقيت!!
ومهيب زينة في حقي.. حامل وفي عمري وطالعة من بيت رجّالها!!
وأبي منش ترجعين ملابسي لغرفتي وقت مايروحون تميم وسميرة لشغلهم!!
حينها همست كاسرة بحزم: الملابس بأرجعها.. بس الكلام اللي غيره قوليه لرجالش بنفسش..
اسمحي لي يمه.. ما أقدر أقول لعمي كذا!!
مزنة تنهدت وكاسرة تصمم على رأيها.. وتتصل بزايد ثم تتوجه لغرفة الجلوس الملحقة وتغلق الباب بينها وبين والدتها..
زايد دخل..
الإرهاق باد عليه فعلا.. لم ينم منذ البارحة ولم يغير ملابسه حتى.. ولم يذهب لشركته..
مال ليقبل رأسها لكنها أشاحت بوجهها... الأمر بينهما بات معقدا لأبعد حد..
حتى من ناحيته..
بات عاجزا عن النظر لوجهها وهو يتخيل كيف غاصت أنامله القاسية في ليونة جسدها لدرجة أنه أدماها..
ثم لا تشتكي أبدا... بينما يخبرها هو بدم بارد أنه لا يريدها!!
جلس قريبا منها وهو يهتف باهتمام: أشلونش الحين؟؟
أجابت بسكون: الحمدلله..
ثم أردفت بحزم تخفي خلفه اختناقا مرا: فيه عندي كلام أبي أقوله لك!!
مزنة أخبرته بما تريد بشكل مقتضب موجوع حاد..
كانت تتألم أكثر منه بكثير.. بكـــثـــيـــر!!!
كان وجهه خال من التعبيرات تماما.. وهي تتكلم..
وحين انتهت.. كانت صدمتها الحادة أنه هتف بحزم وهو يقف:
وأنــــــا مـــوافـــق!!
ثم غادرها...
*************************************
" نجلا ياقلبي.. هدي أعصابش شوي..
مايصير اللي أنت مسويته في روحش!!"
نجلاء بين طوفان دموعها تهمس باختناق: بأموت ياصالح.. بأموت..
حاسة قلبي مهوب بين جنوبي..
خايفة عليه.. خايفة ما يتحمل العملية!!
صالح شد على كفها بحنو شديد: لا تحاتين إن شاء الله ربي ما يخيبنا..
ونطلعه هو وأخته من المستشفى في يوم واحد!!
.
.
زاوية أخرى..
" غانم اقعد شوي.. حرقت أعصابك!!"
غانم بتأفف قلق: تاخروا واجد.. وماحد حتى طلع يطمنا!!
حينها همست مزون بتقصد وهي تريد إخراجه من جو التوتر قليلا وفي نفس الوقت توصل له رسالة:
غانم لو قلت لك إنه ضرسي ذابحني وبأموت من الوجع.. وابي أروح للدكتور الحين..
بتوديني؟؟
غانم بحزم: اسمحي لي.. باقول لضرسش ينتظر شوي.. مايضره!!
مزون همست بذات التقصد: طيب ولو أنا زعلت عليك عشانك ماوديتني..
وش تقول؟؟
غانم بذات الحزم: بأقول ماعندش سالفة.. لاني مستحيل أخلي أختي وهي في ذا الوضع!!
حينها ابتسمت مزون بشفافية وهي تربت على فخذه: شفت إنه غلا الأهل مايتعارض مع غلا شريك الحياة..
أنت البارحة سحبتني من عند إبي ماحتى قعدت معه عشر دقايق وهو راجع من سفر عقب أسبوع..
وماقلت لك شيء.. ومع كذا أنت تأففت إنه اهتمامي في هلي مبالغ فيه بينما هذا هو الشيء الطبيعي بين الأهل!
حينها ابتسم غانم بشجن متأثر وهو يربت على يدها التي تتمدد على فخذه...
.
.
يحتضن كفها في كفه..
صــامــتــان.. صـامـتـــان..!!
مكتفية بصمته وبقوة تدفق مشاعره..
لو خيروها الآن بين كل كلمات العالم وبين صمته..
لأختارت صمته بدون تردد!!
فقوة صمته فاقت في تأثيرها عليها همسات العالم وصرخاته!!
فما قيمة كلمات باردة لن توصل لها حتى نصف ماتشعر به الآن من تفاعله معها؟!!
رغم قِصر المدة التي عرفت فيها غانم الصغير..
ولكن من أول مرة حملته فيها شعرت أن مشاعرها تذوب من أجله!!
ربما لأنها هذه المرة حين حملته...
حملته بروح مشفقة على طفل مثله!!
ليس كأحساسها بخالد وعبدالعزيز.. مجرد خالة محبة!!
هي الآن تشعر فيه بمشاعر أم!!
ولذا مشاعرها من أجله بلغت أفصى غايات العمق والألم..
وهي تتخيل كيف ستكون الحياة خالية من هذا الكائن الصغير المبهج..
كانت تشد على كف تميم بقوة وهي تمتم بكلمات الدعاء..
تميم أشار لها بيد وحدة.. بماذا تتمتم.. لأنه يشعر بذبذبة خروج الكلمات من بين شفتيها المغطاة بالنقاب..
أشارت سميرة بوجع عميق وإيمان أعمق:
أدعي ربي يخلي لنجلا ولدها..
وما يحرمني أشيل ولدنا بين إيدي !!!!
.
.
" أم غانم الله يهداش.. أنتي مرة معش ضغط
ذا البكاء كله مهوب زين لش..
شوفي عيونش أشلون تنفخت؟؟"
أم غانم همست بصوت مبحوح من بين دموعها الصامتة: والدموع وش عازتها إلا ذا الحين؟؟
بنتي وعيالها حارقين قلبي..
أبو غانم بمؤازرة مثقلة بالإيمان: لا تحاتين.. ربي مهوب مخيبنا إن شاء الله..
الله عالم وش كثر دعيت له من قلبي اليوم من عقب صلاة الفجر لين الحين..
جعل الدعوة تصادف ساعة إجابة..
**********************************
" هاحبيبتي تأخرتي.. ما تبين تروحين للدوام؟؟"
عالية باستعجال وهي ترد على هاتفها: لا فديتك.. أنت نسيت..
قلت لك البارحة بأروح لبيت هلي.. عشان عيال عمي راشد الصغار بيحطونهم أهلهم هناك..
وأنا واعدة أمهم أخلي بالي عليهم لين تخلص عملية غنومي بالسلامة..
وبعد عيال صالح هناك.. وما أبيهم يجننون أمي!!
عبدالرحمن بمودة: زين يا الله أنا في السيارة..
عالية خرجت باستعجال وهي تتجه للمقعد الخلفي لتسمع صوت عبدالرحمن يحادثها بمرح: قدام يامدام..
أنا سواقش وتحت أمرش.. بس أنا سواق يحب عمته تقعد جنبه..
عالية شهقت بعنف وهي تغلق الباب الخلفي وتتجه للأمامي وتفتحه وتقف أمامه مذهولة لثوان لا تتحرك حتى عيناها..
عبدالرحمن بإبتسامة رائقة: يا الله يامدام.. دريول جنابش وراه محاضرات..
عالية انتفضت بخفة وهي تتمتم بكلمات متناثرة: عبدالرحمن من جدك.. تبي تسوق؟؟
عبدالرحمن برجاء: علوي قلبي اطلعي قبل يطلع إبي ويشوفني..
ترا أمس سقت ورحت لدوامي بروحي..
واليوم قلت بأسوي لش مفاجأة..
مادريت إنها بتكون مفاجأة كئيبة لش..
حينها همست عالية باختناق وهي تركب جواره وتغلق بابها:
كئيبة؟؟ لولا إني خايفة تضحك علي.. وتقول هذي صارت هندية من قلب..
وإلا كان سويت لك سيول في السيارة..
عبدالرحمن شد كفها وهو يحرك السيارة ويهمس بولع حقيقي:
يعني يا قلبي مافيه فرحة إلا بذا الدموع الغالية..؟؟
عالية تنظر له بانبهار والسيارة تخرج للشارع وتهمس بأنفاسها المبهورة المتصاعدة:
لا صارت الفرحة أغلى من الدموع.. وش حيلة الواحد غير الدموع...!!
**********************************
طال الانتظار..
والأعصاب أوشكت على التلف.. إن لم تكن تلفت!!
فاطراف نجلاء بدأت ترتعش بحدة.. وصالح يحاول تهدئتها دون فائدة وهي تتفلت منه..
دموع سميرة باتت تنسكب بغزارة غير طبيعية.. وتميم قلبه يذوي مع كل دمعة تنزل من عينيها..
أم غانم أخذها أبو غانم للطوارئ القريبة لأن الضغط ارتفع معها لمستويات عالية..
وعادا دون أن يعرف أحد سبب ذهابهما..
غانم له أكثر من ساعتين ماعاد قادرا على الجلوس حتى!!
حتى خرج الطبيب.. قطرات العرق مازالت تلتمع على جبينه..
والجميع ركضوا نحوه..
عدا مزون التي بقت في الزاوية خجلا من صالح..
وتميم الذي وقف في زاوية أخرى حرجا من نجلا..
ابتسم الطبيب.. وأخيرا ابتسامة: الحمدلله العملية ناجحة..
لتنهار نجلا بين يدي صالح وتسقط أرضا وهي تنتحب..
وأسرتها بكاملها تجتمع حولها.. والكل يتلقفها بالأحضان والتهاني والتهدئة..
*********************************
" كاسرة وين رحتي؟؟"
كاسرة تحتضن هاتفها وتخرج بالهاتف من عند والدتها النائمة لغرفة الجلوس..
وتهمس بخفوت: كساب اتصلت لك ومارديت علي..
وعقب أرسلت لك إني باروح مع إبيك..
كساب بحزم: كنت في اجتماع.. والمسج وصلني..
السؤال هو وين رحتي مع إبي؟؟
كاسرة تنهدت: المستشفى الأهلي!!
حينها تحولت نبرة الحزم لنبرة قلق عميق: ليش؟؟ حاسة بشيء؟؟ فيش شيء؟؟
كاسرة تنهدت: أمي هي اللي تعبانة..
تحولت نبرة القلق المثقلة باللهفة لنبرة قلق مختلط بالاهتمام وبالاحترام:
ليش عسى ماشر؟؟
كاسرة بحذر: تعال هنا واقول لك!!
كاسرة كانت قلقة من كيفية إخبار كساب بخبر حمل والدتها..
تجهل كيف ستكون ردة فعله..
لن يغضب بالتاكيد.. ولكنها تخشى أن يثور فيها لأنها لم تخبره قبلا..
وبشكل عام.. مطلقا لا تشعر بالذنب لأنها لم تخبره..
لأن هذا سر ائئتمنته عليها والدتها.. وكما حافظت على أسراره لابد أن تحافظ على أسرار سواه..
لكن الآن بما أن والدتها دخلت المستشفى.. سيبدأ الخبر بالانتشار..
وحقه الآن عليها أن يكون أول من يعلم!!
لم يستغرق حتى نصف ساعة حتى وصلها..
أدخلته لغرفة الجلوس..
وتركت الباب مفتوحا.. بينها وبين والدتها حتى تسمعها لو صحت من نومها..
كساب جلس وهو يهمس بنبرة خافتة عامرة بالقلق: وش فيها عمتي؟؟
كاسرة صمتت لثوان ثم همست بسكون: حامل!!
كساب اتسعت عيناه بذهول وبدا لدقيقة غير قادر على الاستيعاب: نعم؟؟
كاسرة بابتسامة لم تستطع منعها: سمعتني!!
حينها لم يستطع إلا أن ينفجر في الضحك وهو يحاول كتم صوت ضحكاته حتى لا تصل للنائمة في الداخل..
كاسرة اتسعت ابتسامتها بعفوية وهي تراه يضحك هكذا.. بل لأول مرة تراه يضحك بهذه الطريقة..
كساب يحاول أن يتماسك من ضحكاته: بصراحة خبر الموسم.. كان ودي أكون من يبشر إبي.. وأشوف وجهه بس!!
مهوب هينين الشيبان.. يبون يغطون علينا..
من جدش كاسرة؟؟ من جدش؟؟
لحد الحين ماني بمصدق!!
كاسرة بابتسامة متسعة: ليه هم مسوين جريمة؟؟
إذا أنت شايف إبيك شيبه.. ترا أمي توها!!
انطفئت ابتسامة كاسرة قليلا وهي تهمس: بس كساب جاوبني بصراحة..
وتراني ماراح ازعل..
أنت فرحان بالخبر وإلأ..؟؟
حينها مد كساب كفه ليحتضن كفها وهو يهتف بحزم رجولي صميم:
وليش ما أفرح..؟؟ حتى لو شيبت أنا.. الأخوان عزوة...
وإبي واجد تعب معنا... دفن شبابه كله علينا.. يحق له الحين يستانس وينبسط..
إلا قولي لعمتي.. نبي منها بعد اثنين ثانين..
نبيها تجيب ولدين وبنت مثل ماجابت أمي..
أنا بس تفاجأت بالخبر.. لأنه كان غير متوقع!!
كاسرة بنبرة حذرة نوعا ما: ما أدري.. يمكن تكون من اللي يقولون..
اللي في سنهم المفروض يتفرغون لأحفادهم مهوب في طفل صغير يبتلشون فيه..
أو متى بيلحقون يربونه؟؟
كساب هز كتفيه بحزم: تدرين التفكير هذا أحسه أكثر تفكير متخلف وأناني في العالم..
لأنه أبيك وأمك ربوك ودللوك وخلاص... تبي الدلال اللي كان لك يروح لعيالك وحاسد فيه أخيك أو أختك الصغار..؟؟
زين أنت وين رحت يا الدبش العود؟؟
دلع عيالك بنفسك.. وخل الشيبان يستمتعون بولدهم الصغير..
ولا تحاتي.. بيجي ولدك نصيبه من الدلع من جدانهم لأنه هذي فطرة فيهم..
أما على العمر.. حد يدري متى يومه...؟؟ يمكن حن نودع قبلهم..
ياكثر اللي ماتوا وهم شباب وعيالهم ربوهم جدانهم.. وعاشوا لين زوجوهم وشافوا عيالهم!!
تدرين كاسرة.. يمكن فيني عيوب كثيرة بس عمري ماكنت أناني بذا الطريقة عشان أفكر ذا التفكير..
حينها احتضنت كاسرة عضده لتقبل كتفه وهي تهمس بابتسامة شفافة:
ياحلو التفكير الرايق ياناس!!
صاير تقول تحف..
كساب احتضن ذراعها وهو يهمس بخبث باسم: بس عقب ماخذتش..
أعترف إني بديت أصير أناني... وأبيش حقي بروحي أنا وبس..
أفكر بطريقة جدية أغار من ولدي.. عشانه بيأخذش مني!!
ابتسمت كاسرة بشفافية أكبر: أبي أدري من وين صاير تطلع مواهبك المدفونة..
كساب بنبرة استكانة تمثيلية: موجودة من زمان.. بس أنتي ما تعطيني مجال!!
ثم أردف باهتمام وهو ينظر لساعته: عندي اجتماع بعد ساعة..
أبي أسلم على عمتي قبل أروح..
كاسرة برقة: بس هي نايمة الحين..
كساب بذات النبرة المهتمة: زين بأطل عليها بس.. مايصير وصلت لين هنا وما أطل عليها..
كاسرة بتردد: أخاف تزعل إنك شفت وجهها..
كساب يبتسم: عاد أمش على ذا التفكير.. تقولين عجوز عمرها 80 سنة..
مهوب وحدها توها في نص الاربعينات ومتعلمة..
كساب وقف وتوجه ناحيتها.. وكاسرة توجهت للداخل خلفه..
كساب كان يريد أن يميل ليقبل جبينها.. لولا أن كاسرة شدته برجاء خافت:
تكفى كساب لا تقومها.. هي تعبانة كلش توها نامت... من فجر وهي صاحية..
كساب التفت وهو يهمس لكاسرة بخفوت محمل بنبرته اللئيمة:
ما ألوم أبو كساب يستخف على أمش!!
إذا أنتي عقب 20 سنة بتقعدين حلوة كذا..
وعد ما أتزوج عليش!!
كاسرة قرصته في عضده وهي تهمس بمرح شفاف:
تتزوج في عينك..
ما أرخص لك تتزوج ولا أبيح منك إلا لو كنت أنا مودعة الدنيا بكبرها!!
****************************************
" نجلا فديتش اقعدي شوي!!"
نجلا بنبرة حزن مثقلة بالألم المعنوي قبل الجسدي: تعبانة سميرة.. تعبانة.. الحليب تحجر في صدري..
وصدري ذابحني!!
وياخوفي عيالي كلهم بيطلعون من المستشفى وأنا خلاص مافيني حليب!!
سميرة بمؤازرة: روحي لمستشفى الولادة خلهم يشفطون لش الحليب..
أنا عند غنوم..
ولو إنه وقفتنا كذا عند القزاز مالها فايدة.. هم قايلين ماراح يسمحون لحد يدخل عليه لين يتجاوز 48 ساعة..
نجلا تنهدت: قلبي مهوب قاويني مخلية كل واحد منهم في مستشفى.. وارجع للبيت..
سميرة بتأثر: زين وعزوز وخويلد مالهم نصيب!!
كانتا الاثنتان تتحاوران ولم ينتبها لمن كان يقترب..
كان صالح وبيده شيء صغير ملفوف..
نجلاء حين رأته شهقت بكل قوتها.. وهي تتهاوى فعلا لتسندها سميرة!!
صالح ابتسم بأبوية شاسعة وهو يضع الصغيرة بين يديها ويهمس بحنان:
اخذي بنتش وروحي البيت..
أنا بأقعد عند غانم..
نجلاء احتضنت الصغيرة وهي تنتحب بشكل مؤلم..
وتقبل بلهفة كل ماهو ظاهر من وجهها الصغير!!
سميرة شدت الصغيرة برفق وهي تهمس من بين سيول دموعها الصامتة تأثرا لحال أختها:
نجلا بس ذبحتيها.. مافيها حيل لذا الحبب كلها..
نجلاء ضمت عباءتها على صدرها بحرج وهي تهمس باختناق:
سميرة خلينا نمشي..
ملابسي غرقت حليب من لما شفت إبيها جايبها!!
*******************************************
" وضحى أنتي تبكين؟؟"
وضحى تهمس في الهاتف باختناق وهي ترد على جزع كاسرة:
أمي وينها؟؟ أتصل عليها تلفونها مسكر!!
أبيها تجيني الحين أو أنتي تجيني.... لو نايف هنا كان جيتكم بنفسي..
بس نايف في الدوام..
كاسرة تهمس بثقة تخفي خلفها ارتباكها: أنا وأمي مانقدر الحين..
أنتي وش فيش؟؟ عسى ماشر!!
وضحى بذات نبرة الاختناق: تخيلي كاسرة.. أنا رايحة للمطبخ أسوي حلا عشان سلطانة قالت لي إنها بتجي تتقهوى عندي!!
تجيني الخدامة.. تقول سلطانة جاية عندها غرفة الغسيل تشوف غسيل ملابس نايف وكويها..زين وإلا لأ ؟؟
ليه يعني وش شايفتني؟؟ ما اعرف أرتب أغراض رجّالي..
بأموت كاسرة بأموت.. ما أقدر أقول شيء لانها ماواجهتني..
وما ابي أروح أقول لها ليه تروحين من وراي؟؟
كاسرة تنهدت: شوفي وضحى.. أنا ما أقدر أنصحش في ذا الموضوع...
لانه لو هو أنا.. كان تصرفت تصرف يخلي نايف وخواته يقفون على رؤوسهم..
بس أمي حذرتني أنا بالذات ما أعطيش نصايح في ذا الموضوع..
فخذي عقب من رأس أمي!!
وضحى تنهدت: خلاص كاسرة.. أنا بس كنت أبي أشتكي لا أنفجر.. انا بأتصرف..
بس أمي وينها؟؟ أبي أصبحها بالخير بس!!
كاسرة شدت لها نفسا عميقا: اتصلي في نايف واستئذنيه تطلعين..
وأنا بأرسل لتميم رسالة يجيبش..
أبيش أنتي وتميم تجوني الحين!!
صامتان كلاهما منذ أبلغتهما كاسرة بالخبر.. وهي تحمد ربها أن والدتها نائمة
حتى لا ترى ردة الفعل المبهمة لتميم ووضحى..
قد يكونان كلاهما مصدومان من الخبر...
ولكن سبحان الله.. ظروف كل منهما الحالية.. هيأته لتقبل الخبر تماما..
وضحى.. الصغرى.. أصبحت ربة بيت.. مشغولة بمشاكلها الشخصية..
وهي منذ البداية من كانت أجبرت والدتها على هذا الزواج..
فهل تستنكر الآن أن ينتج عن الزواج الذي سعت له هي طفل؟؟
تميم.. ربما لو تلقى الخبر بالامس.. لكان أبدى امتعاضا ما منه..
ولكنه الآن متقبل له.. بل يدعو الله أن يحفظ هذا الجنين لأمه حتى لا يشعر بمزيد من الذنب!!
فهو يشعر بإحساس ذنب شديد المرارة أنه هو السبب لما حدث والدته حتى لو لم يقل له أحدا ذلك..
بل وزادها بالتهجم على عمه بدون ذنب!!!
فهو ربما برضاه عن الخبر يكفر عن ذنبه تجاه الاثنين كما يشعر به!!
كاسرة همست وأشارت بحزم في ذات الوقت: وش فيكم ساكتين؟؟
حد منكم معترض؟؟
تميم هز كتفيه: ومن اللي يعترض على رزق رب العالمين.. بس الخبر صدمنا شوي!!
وضحى لم تزد على أنها همست بتأثر: أمي عسى مهيب تعبانة الحين!!
كاسرة تنهدت: تعبانة شوي..
تبي لها شوي راحة وتكون زينة إن شاء الله!!
*********************************
" ليش تقعدينه في حضني؟؟
كنت أبي أقعده في حضن زايد!!"
ابتسمت عفراء وهي تنظر لزايد جالسا في حضن والده المبتسم الذي يغمره بقبلاته الحانية: ابيه يطلع مثلك..
ابتسم منصور: يا بنت الحلال كان خليتينا نقعده في حضن زايد وإلا علي..
كود ما يجيه طبايعي الخايبة أنا وكساب!!
لأنه كساب زايد قعده في حضني وأنا عمري 15 سنة..
عفراء بمودة غامرة: ياحظه لا طلع مثلك أنت وكساب!!
(لدينا معتقد طريف.. أنه الطفل لا يقعد بشكل مستقيم حتى يكمل أربعة أشهر وزيادة..
حتى يصبح ظهره طويلا!!..
ثم حين يجلس إن كان صبيا ففي حضن رجل وإن كانت صبية ففي حضن امرأة..
ولا يكون الاختيار عشوائي.. بل يكونان من أهل الخير والكرم "والسنع"
حتى يصبح الصغير يشبه من جلس في حضنه!!
وهو مجرد معتقد قديم طريف.. ماعاد أحد يقوم به إلا على سبيل التكريم!!
يعني حينما تجلس ابنك في حضن أحدهم لأول مرة تنبئه كم أنت تقدره وتحترمه!!)
منصور يبتسم وهو يمدد زايد على في حضنه ويلاعبه: على طاري كساب أشوفه ذا الأيام النفسية فوق الريح..
والابتسامة 24 ساعة شاقة..
ابتسمت عفرا: فديت قلبه.. شكله استقر حاله.. عقب حمال مرته!!
منصور بنبرة مقصودة: عقبال مايستقر حال عيالنا!! ويجيبون لنا عيال!!
ضحكت عفرا برقة: أما أنت يامنصور الظاهر إنك شيبت..
ماعاد وراك سالفة غير فهد وجميلة. خلهم في حالهم وانسى منهم..
ضحك منصور وهو يحك رأسه بتفكير: أنسى منهم؟؟ صعبة ذي..
بس بأحاول..
ثم أردف بخبث: بأنسى منهم إذا جبتي لي ولد ثاني وإلا بنية..
عشان واحد ما يكفي يشغلني!!
تدرين حتى اثنين مايكفون!!
إذا جبتي أربعة فكيتهم مني ومن حنتي ونشبتي في حلوقهم!!
ثم أردف برجاء باسم مغلف بحزمه الطبيعي: يا الله عفية على الشاطرة.. عمر زيود قرب على خمس شهور.. خلي المانع!!
ضحكت عفراء بذات الرقة: بس منصور.. لا تحاول..
يعني قعدت وراي لين خليتيني قدمت تقاعد..
بس خلاص مهوب كل شيء ينفع فيه الـحَنة..
رفع منصور حاجبا وأنزل آخر وهو يهمس بخبث باسم : زين نشوف حنتي بتجيب نتيجة وإلا لأ !!
************************************
" ياربي عليش يانجلا!!
صدق عرق خالي هريدي العاطفي ضارب عندش التوب!! "
نجلا تحتضن صغيرتها بين ذراعيها ودموعها تسيل بغزارة وهي تهمس بصوت مبحوح تماما:
ماتخيلت ياسميرة ولا حتى واحد في المية إنها ممكن ترضع من صدري..
صار لها شهر في الحضانة ويعطونها رضاعات..
ماتوقعت إنها ممكن تقبل صدري!!
سميرة متأثرة بالفعل.. ومع ذلك تحاول التماسك من أجل نجلا:
شفتي أشلون إحساسها فيش سبحان الله..
بس يا نجلا طالبتش.. شوفي أشلون عيون خالد وعزوز متعلقة فيش..
وكل ماشهقتي الثنين فزوا..
نجلا ناولت المها لسميرة.. ثم نهضت بنفسها لتجلس بين الأثنين وتحتضنهم بقوة حانية..
وتهمس لهم بحنان: تبون تروحون تلعبون وتتعشون عقب برا؟؟
الاثنان هزا رأسيهما بجذل طفولي..
ابتسمت نجلا بحنان غامر: خلاص أنا بأكلم غانم وهزاع اللي منهم فاضي بيوديكم..
والمرات الجاية بابا هو اللي بيوديكم..
ولا صاروا أخوانكم الصغار زينين أنا بأروح معكم بعد!!
****************************************
" باركي لأبيش!!"
مزون تهمس بابتسامة شفافة وهي تنظر لغانم الذي يلبس حتى يذهب بابناء شقيقته:
أبارك له بويش.. بشرني!!
خذ مشروع كبير؟؟
ابتسم كساب وهو يخفي توجسه من ردة فعلها على الخبر: كل مشاريع أبيش كبيرة اللهم لا حسد...
شيء أحسن بعد؟؟
مزون بمرح: أمممممم صار وزير؟؟
ضحك كساب: يستاهل.. بس بعد لا!!
مزون برجاء: كساب يا الله فديتك.. قل لي..
كان غانم ينظر لها ويبتسم وهو يرى كم ابتسامتها مشرقة لمجرد أنها تهاتف كساب (اللهم أوعدنا!!)
لذا انطفئت ابتسامته ما أن رأى ابتسامتها انطفئت وصوت كساب المرح يصب في أذنها:
بابا بيصير بابا للمرة الرابعة..
كساب صمت لثوان ينتظر ردها.. لكن الرد لم يصله.. لذا همس بقلق:
مزون حبيبتي وش فيش؟؟
أجابته بتبلد: مافيني شيء بس مصدومة!!
كساب تنهد: أنا كنت عارف إنش يمكن تضايقين من الخبر..
عشان كذا قلت أبلغش في التلفون ما أحب أشوفش متضايقة..
والشيء الثاني قلت يوصلش الخبر قبل ما تواجهين إبي..
عشان إبي يستاهل إنش تكونين فرحانة عشانه!!
مزون بذات التبلد: بس أنا لا فرحانة ولا زعلانة!!
غانم اقترب ليجلس جوارها.. شعر أن هناك شيء غير طبيعي يحصل!!
كساب شد له نفسا عميقا ثم هتف بحزم:
أنتي الحين مرة متزوجة ولاهية في حياتش.. وبكرة بتحملين..
إذا جيتي فرحانة بحملش وقلتي لأبيش يبه أنا حامل..
وقال لش: خير.. لاني بفرحان ولا زعلان!!
وش ردة فعلش؟؟
مزون تنهدت: أكيد بأحزن... وأخذ على خاطري!!
كساب بحزم: وصلنا خير..
الإحساس اللي تكرهين إن إبيش يحسسش فيه.. لا تحسسينه فيه!!
انتهى الاتصال
مزون وضعت هاتفها جانبا ثم مالت لتضع رأسها على كتف غانم..
غانم احتضنها بحنو: عسى ماشر؟؟
مزون بذات النبرة المتبلدة: مرت إبي حامل..
غانم ابتسم: أفا يامزون.. عقب ماكنت ما أسمعش تقولين لها إلا عمتي مزنة..
ولا كلمتيها تقولين يمه... الحين صارت مرت أبيش بس!!
والمرة تتصل فيش وتسأل عنش.. أكثر حتى ما أمي تتصل فيني!!
مزون بذات النبرة المتبلدة: أنا ماني بزعلانة من عمتي.. أنا زعلانة من إبي!!
حينها ضحك غانم: لا.. حالتش صعبة..
مزون زفرت: أدري حالتي صعبة.. وكلامي مهوب منطقي..
بس غصبا عني..
تخيل 23 سنة وأنا الحشاشة.. الحين يجي غيري..
أدري تفكير أناني.. بس غصبا عني!!
غانم تنهد بابتسامة: أجل أختي سميرة وش تقول؟؟
20 سنة وهي بروحها.. وعقبه يجي وراها 2 ورا بعض وهي موجودة في البيت وهي اللي ساعدت أمي فيهم..
لكن انتي خلاص.. صرتي عند رجال.. ومشغولة في حياة جديدة..
لو صار ذا الحمل وأنتي عندهم.. أدور لش عذر..
بس الحين لأ..
ثم أردف وهو يغمز: وين اللي اليوم الصبح عطتني محاضرة في العظم إن الواحد لازم مايكون أناني!!
ويفكر في غيره مثل مايفكر في نفسه!!
*************************************
في الليل
.
.
أربع فتيات مجتمعات عندها...
تشعر بالحرج أن تضع عينيها في أعينهن..
كلهن مبتسمات.. ويتبادلان الحوارات المرحة..
ولكنها تعلم أن كل واحدة منهن تخفي شعورا مبطنا بالألم!!
أو لنكن أكثر تحديدا.. ثلاث من الفتيات الأربع!!
فكاسرة منذ البداية تقبلت الخبر بأريحية!!
وضحى تختزن شعورا غريبا بالاحتياج.. فهي فعلا تحتاج لأمها وقوتها في مواجهة ظروف حياتها الجديدة..
ولكن ربما كان هذا ختاما في مصلحتها.. فهي من يجب أن تجابه مشاكلها بنفسها..
وهي تعلم يقينا أنها غير عاجزة عن ذلك.. لكنها احتاجت للنصيحة الممزوجة بالخبرة التي لا يستغني عنها عاقل!!
مزون تختزن شعورا غريبا بالغيرة.. قد تكون حدته خفت مع خفوت الصدمة..
ومع كلام كساب وغانم وحتى علي الذي هاتفها فور معرفته بالخبر!!
اتصلت وباركت لوالدها وهي تظهر فرحها من أجله فقط..
ومع ذلك بدا لها في نبرته الحازمة المعتادة رائحة حزن عجزت في تفسيرها!!
سميرة... حزن شفاف وسعادة شفافة.. كما هي تماما بشفافيتها!!
سعيدة من أجل عمتها مزنة التي تحبها كأم وصديقة..
ولكنها حزينة من أجل نفسها... فحتى عمتها رزقها الله بالحمل...
فمتى يرزقها الله عز وجل!!
حين عادت مزنة للنوم.. خرجن الفتيات لغرفة الجلوس..
تنام كثيرا.. كما لو كانت تهرب بالنوم من شيء ما!!
وضحى هتفت بمودة: كاسرة ترا أنا اللي بأنام عند أمي الليلة!!
كاسرة برفض قاطع: لا والله ما تنامين عندها..
توش عروس مالش 3 أسابيع وتبين تخلين نايف؟؟
حينها هتفت سميرة بحزم: وقبل ماتكثرون الحلايف..
والله مايقعد عندها غيري لين تطلع من المستشفى..
وحدة منكم عروس والثانية حامل..
إلا لو أنتو منتو بعاديني بنتها مثلكم.. هذا شيء ثاني؟!!
لم تترك لهن سميرة مجالا بهذا الكلام وكاسرة ترد عليها بمودة:
أنتي بنتها مثلنا وأكثر.. بس عاد مهوب تقعدين عندها لين تطلع..
بنتبادل؟؟
سميرة برفض: لا.. لا تحاولين..
في الليل بأنام عندها.. الصبح بيمرني تميم يزورها.. تعالي معه.. واقعدي عندها وأنا بأروح لدوامي!!
***************************************
" هاحبيبتي شأخبار موعدش اليوم؟؟
سامحيني بس تدرين عملية ولد صالح اليوم..
وأنا وإبي رحنا وقعدنا في صالة انتظار الرياجيل لين خلصت العملية.."
جوزا بمودة: الحمدلله على سلامته.. تستاهلون سلامته
أما موعدي..تمام.. وكل شيء زين..
وهانت.. كلها أسبوع وأدخل التاسع...
عبدالله يبتسم: ياربي ما تتخيلين وش كثر متشفق على جية ذا الصغنون..
طبعا حبيبنا حسون ماحد فيه ينافسه..
بس هذا انتظرته يوم بيوم وأسبوع وبأسبوع وشهر بشهر..
رحت معش المواعيد.. وسمعت دقات قلبه وشفته يتحرك في بطنش..
واشترينا أغراضه كلها سوا.. خلاص مافيني صبر عشان أشوفه وأشيله!!
حاس إني يوم ولادتش يمكن يصير لي من الشفقة..
جوزاء انتفضت بجزع رقيق: بسم الله على قلبك!!
ثم أردفت بابتسامة حانية: على كثر ما تناقشنا عن ذا المولود كل ما نجي على اسمه.. تغير السالفة..
خلاص ماعاد فيه وقت.. خلنا نتفق على اسم!!
لو بنت وش نسميها؟؟
عبدالله بإبتسامة حانية: سميها على كيفش.. الاسم اللي يعجبش!!
ضحكت جوزا : لو علي كيفي على كيفي... بأسميها (صيته) على اسم أمي!!
بس عشان ماحد من الجدات يزعل لا صافية ولا صيته..
وبنتي ما تتعقد من أسماء العجايز أبي أسميها ( الهنوف) عشاني أحب الأسماء اللي بأل التعريف..
عبدالله بمودة صافية: الهنوف الهنوف.. حلو..
جوزا بمودة مشابهة: ولو ولد؟؟
عبدالله صمت لم يرد عليها.. حينها احتضنت جوزا ذراعه وهي تسند خدها لعضده: حبيبي لو بغيت تسميه خالد ترا ما عندي مانع..
عبدالله تنهد وهو يمد يده الحرة ليربت على خدها: ولو سميته خالد.. بيرجع خالد؟؟
جوزاء برقة: بنسميه خالد على عمي!!
عبدالله شد له نفسا عميقا وهتف بتنهيدة: ما أبي أسمي خالد.. إبي عارف غلاه بدون ما أسمي عليه!!
وصالح سمى عليه.. وعقب أكيد فهد وهزاع...
أنا مشتهي أسميه فهد على أخي فهد..
إلا لو أنتي تبين نسميه فاضل ماعندي مانع؟؟
جوزا تقبل عضده وتهمس بمودة : يستاهل فهد نسمي عليه..
فهد بن عبدالله.. ياحلو الاسم.. رزة وكشخة !!!
********************************
" فهد.. فهد.. !! "
خرج وهو يجفف شعره بالمنشفة ويهتف بعفوية: نعم.. حبيبتي..!!
هي كانت تقف على مقعد التسريحة وتناديه حين سمعت صوته بعد أن خرج من الحمام لغرفة الملابس... حتى تناوله أغراضا أخذتها من الأدراج العليا..
لا تعلم كيف اضطربت أعصابها وهو يرد عليها هكذا (حـبـيـبـتـي)!!
ولأول مرة.. وبهكذا نبرة دافئة وعفوية إلى أقصى درجات الوجع!!
لذا اهتزت وكادت تسقط عن المقعد .. لولا أنه في لحظتها أزال المنشفة عن وجهه..
ليفجع أنها تكاد تقع.. ويسارع لتلقيها بين ذراعيه وهو ينزلها للأرض كما لو كان يحمل طفلة!!
ويصرخ فيها بغضب: أنتي خبلة.. وش مطلعش تالي ذا الليل..
تبين تكسرين أنتي وأبتلش فيش!!
جميلة أزالت كفيه عن خصرها وهي تبتعد عنه وتهمس بعتب:
يعني هذا اللي هامك... ما تبتلش فيني؟؟
فهد زفر وهو يقترب منها ويشدها.. ليجلس.. ثم يُجلسها على رجليه ويهتف بزفراته:
عاد لا تدققين على كل مصطلح يطلع مني ترا بتتعبين..
تدرين إني ما أقصد..
أنا بس تروعت عليش ياقلبي!!
جميلة صمتت.. بينما فهد احتضن خصرها بحنو وهو يهتف بإبتسامة:
يا الله لا يصير دمش ثقيل..
ثقل الدم لايق علي.. بس عليش لأ..
لا تعلم مابها فعلا.. بقدر ما باتت تتأثر فعلا من كل كلمة عذبة يقولها..
وكل لمسة رقيقة يناجي بها حواسها..
بقدر ما تجد نفسها تتبلد وتعجز عن الرد شفويا وجسديا..
هاهي صامتة.. يداها متشابكتين في حضنها!!
فهد باهتمام مثقل بالولع: جميلة وش فيش؟؟
متضايقة مني؟؟
خلاص الكلمة وسحبناها!!
جميلة هزت رأسها وهي تقف وتهمس بحياد:
لا والله فهد مافيني شيء... بس مرهقة شوي وأبي أنام!!
*********************************
" يبه وش فيك جعلني فداك؟؟
هذا أنا قاعد انتظر كساب وعمي يروحون عشان أسألك.."
زايد يلتفت لعلي ويهتف بحزم: مافيني شيء..
علي بعتب: تدس علي يبه؟؟
زايد نظر له نظرة سابرة وهتف بنبرة مقصودة: مثل مادسيت علي وقلت إن مرتك توحم..
وبلعتها أنا بمزاجي!!
علي ابتسم: زين وكشفتني.. تزاعلت أنا وشعاع زعل بسيط.. ورجعت..
وما حبيت أشغلك بسالفتي لأني كنت حاسك متضايق..
بس الحين وش الي مضايقك؟؟
علي أردف بحذر وشيء معين يخطر بباله: تكون منت براضي بحمل عمتي؟!!
زايد التفت له بحدة: ماعاد إلا ذا... لي أنا تقول ذا الكلام؟؟
علي بتراجع مهذب: يبه ماقصدت.. بس ماشفت فيه سبب مرتبط غير ذا!!
زايد بحزم: لا يا أبيك غلطان..
وأنا مافيني شيء.. فلا تشغل بالك فيني..
علي صمت.. فهو أكثر من يعرف من والده..
ومادام قرر الكتمان فلن يستطيع أحد استخراج مكنوناته أبدا!!
مرهق هذا الرجل.. مرهق حتى الثمالة!!
نعم وافق مزنة على ماتريد.. لأنه وافق رغبته هو..
فربما أراد أن يعاقب نفسه بداية من أجل وسمية...
لكنه الآن يريد أن يعاقب نفسه من أجل الاثنتين.. نفسه الصحيحة ترى أنها أجرمت في حق الاثنتين..
وهكذا يكون العقاب.. أن يحرم نفسه منها..
وهو يعذب نفسه برؤيتها أمامه...!!
الأمر الآخر الذي لا يستطيع نسيانه.. هو أثار أنامله على جسدها..
مجرد تفكيره في الأمر يجعل الحسرات تأكل روحه..
حسرة خلف حسرة!!
قد يفسره البعض محض حب تجاوز الحد.. وهو لم يقصد مطلقا أذيتها..
ولكنه ماعاد يأمن نفسه عليها..
يخشى عليها حتى من نفسه!!
يخشى عليها من حبه الذي لعظمته وامتداده ماعاد قادرا على السيطرة عليه!!
لذا لتنجو بنفسها منها..
ولينل هو عقابه بعيدا عن دفء موانئها!!
*****************************************
" يه.. الحلو هنا؟؟
توقعت بتنامين عند أمش..
ليه ما قلتي لي أجيبش أولا؟؟
وليش ماقلتي لي إنش هنا كان جيت بدري ثانيا؟؟"
كاسرة ابتسمت وهي تكتم صوت الأخبار التي كانت تسمعها:
سميرة حلفت هي اللي تنام عند أمي..
وجيت مع تميم!!
واتصلت لك تلفونك مسكر..
كساب يستخرج هاتفه من جيبه: يوه الشحن خلص.. وحن كنا نلعب بيلوت!!
لو دريت إنش هنا كان جيت من بدري بدل ذا اللعبة الفاضية..
اللي حرقت أعصابي وحن الفريق الخسران بعد..
وأنا واحد أكره الخسارة!!
قالها وهو يميل ليقبل خدها بتروي.. ثم يجلس جوارها..
همست برقة وهي تمد يدها لتحتضن أنامله: ومن خويك؟؟ عمك منصور كالعادة؟؟
زفر كساب بمرح رائق: لا والله ذا المرة إبي.. وعمي منصور كان مع علي..
وإبي عاد باله مع أمش مهوب معي في اللعبة!!
ثم أردف باهتمام وهو يغمز بعينه: إلا الشباب المتزاعلين وش أخبارهم؟؟
ما راضاهم اللي صار؟؟
كاسرة أخبرته أن والدته ستعود ولكن وفق شرط معين أخبرت كساب به..
لأنه بالتأكيد سيلاحظ وجود والده في جناح علي في الأسفل..
لذا لابد أن يتهيأ للخبر..
كساب احتضن كاسرة وهو يمرر أنامله عبر خصلات شعرها ويهمس بخبث شاسع:
تدرين لو كملوا أسبوع عقب ما ترجع أمش وكل واحد منهم في جناح..
يكون إبي يبي كورس مكثف من عندي!!
ويبي دعم لوجستي من ولده بعد!!
*************************************
بعد يومين
.
.
.
"نجلا الله يهداش جايبتها للمستشفى ليه؟؟
كان خليتيها عند أمي وإلا أمش!! "
نجلا تضمها لصدرها بجزع رقيق: ما أقدر ياصالح ما أقدر..
أصلا لاخليتها ودخلت الحمام حتى..
أحس إني مثل المقروصة لين أرجع لها!!
صالح ضحك بحنان: وين اللي كانت بتموت من الغيرة من بنتها.. وماتبي غير ولدها..
ابتسمت نجلا بحنان أكبر.. وهي تميل على كف غانم الصغير تحتضنه برفق وتحتضن ابنتها بقوة أكبر بيدها الأخرى:
خل ولدي يطلع.. وأقط بنتك عليك..
صالح مازال يضحك: ياخوفي تأخذين الاثنين وأنا أقعد أعد الطوف..
لأنهم بيشغلونش حتى تطلين في وجهي!!
**************************************
" يمه الله يهداش.. أشلون تطلعين؟؟
توش مالش 3 أيام..
أنتظري لين تكملين الأسبوع!!"
مزنة بإصرار: ما أقدر.. قلبي يغلي على إبي.. والدم خلاص وقف معي..
والإبر بأرجع أخذها في موعدها..
كاسرة بإصرار أكبر: بس يومين يمه.. يومين... جدي كل يوم أطل عليه طيب وبخير..
وضحى باهتمام: حتى أنا يمه كل يوم أمره.. والله إنه طيب..
يمه عليش ذنب في ذا النفس اللي بطنش.. لازم ترتاحين شوي..
مزنة تنهدت حينها وهي تتوجه بالسؤال المباشر لوضحى: زين قولي لي..شأخبارش مع خوات رجالش؟؟
وضحى ابتسمت ابتسامة أقرب للبكاء: هذا أنا أحاول أتصرف بدبلوماسية..
بس شكل الدبلوماسية مهيب نافعة..
كاسرة حينها همست بحدة: أنتي لازم تعرفين أشلون توقفينهم عند حدهم.. مهوب كل شيء يتدخلــــ .......
مزنة قاطعتها بصرامة: كاسرة أظني عطيتش قبل أمر صريح إنش ما تعطين وضحى نصايح في ذا الموضوع بالذات..
كاسرة بغضب: أنا مارضيت أقول كلمة إلا قدامش وإسأليها..
بس خلاص خليهم يركبون على ظهر بنتش..
وبكرة يقولون لها حتى أمش لا تروحين تزورينها...
ويربون عيالها بدالها!!
مزنة همست لوضحى بحنان حازم: يأمش شوي شوي..
لاتخلينهم يزودونها عليش..بس في نفس الوقت إياني وإياش تقللين احترام وحدة منهم..
مهما كان هذولا عجايز قبل مايكونون خوات رجالش!!
وضحى هزت راسها بيأس: خير يمه.. خير!!!
مزنة تنهدت وهي تتلفت حولها: سميرة وين راحت؟؟ صار لها ساعتين رايحة..
هذا كله تزور صديقتها..
اتصلي عليها وضحى شوفيها ليش تأخرت..
روعتني عليها الله يهداها..
وضحى باستغراب: أي صديقة تزور.. كل صديقاتها صديقاتي!!
كاسرة هزت كتفيها: ما أدري أول ماجيت قالت لي هي تبي تروح تزور صديقة لها جايبة ولد البارحة..
وهما تتحاوران.. دخلت سميرة وهي تسلم..
فاجئتها وضحى بالسؤال: من اللي ولدت؟؟ ماخبرت حد من ربعنا حامل؟؟
سميرة تغمز لوضحى: غادة ولدت.. أنتي نسيتي؟؟
وضحى لم تنتبه بعد للغمزة: أي غادة؟؟
سميرة بتأفف غير ظاهر وهي تغمز لوضحى: غادة يالخبلة.. غادة!!
وضحى انتبهت وهمست باصطناع: إيه غادة ياحليلها.. لازم أروح لها أنا بعد..
قد تكون مزنة لم تنتبه لأنها كانت على سريرها ولكن كاسرة لم تفتها الإشارات بل حتى ماقبل الإشارات.. لذا همست بتقصد:
زين لا رحتوا كلكم لغادة.. اخذوني معكم أسلم عليها..
سميرة تنهدت.. يبدو أنها مجبرة على إخبار الاثنتين أين ذهبت..
وهو على العموم ليس بالامر الخطير.. وتعلم أن الاثنتين كتومتين لأبعد حد!!
********************************
" ها يا أبيك.. يا الله نروح..
خلني أدعي أمجد يقرب كرسيك!!"
عبدالرحمن بتقصد يخفي خلفه توجسا وأملا وإيمانا تعاظمت كلها في نفسه:
يبه المسجد قريب من البيت.. وخاطري أول مكان أطلع معك منه أمشي هو المسجد..
أبو عبدالرحمن شعر بتثاقل أنفاسه وهو يهمس بلهفة موجعة:
أكيد يا أبيك تقدر..؟؟
عبدالرحمن يشعر بتأثر حقيقي.. فالجو كله يبدو غاية في الروحانية: عطني يدك وإن شاء الله بقدر...
أبو عبدالرحمن مد يده ليوقف عبدالرحمن الذي كان على كل حال مازال يصلي على كرسي لصعوبة الانحناء عليه..
ولكنه كان قد بدأ بالوقوف منذ تحسنت حالته.. وهو يصلي خلف والده حتى لا يلاحظه!!
عبدالرحمن بدأ يتحرك ببطء ومع كل حركة يقفز قلب أبي عبدالرحمن لحنجرته..
حتى خرجا من باب المسجد وأبو عبدالرحمن يمنع دموعا غالية من الانهمار!!
وهو يتمتم بكثير من الحمد والشكر لله عز وجل!!
كاد قلبه يتوقف فعلا من السعادة وهما يصلان لباب المجلس ويصرخ لأمجد بفرحة عارمة:
ود عبدالرحمن داخل..
أنا رايح ذا الحين أتفق مع المطعم يمد السماط في الصناعية من الليلة!!
*********************************************
" ها أم زايد وش أخبار مرت زايد؟؟"
عفراء تركب جواره وتغلق بابها بسكون وهي تهمس بنبرة محايدة: زينة الحمدلله؟؟
سألها بشكل مباشر وصريح .. ووديّ: زعلانة عشانها حامل؟؟
عفراء بذات السكون : زعلانة لأ.. متضايقة؟؟ بعد لأ..
بس متأثرة.. وغصبا عني!!
حينها هتف منصور بحزم: ترا يأم زايد رجّال غيري.. ممكن يزعل من تأثرش..
عفراء استدارت بجزع وهي تنسى موضوع مزنة : أفا يا أبو زايد.. ليه؟؟
منصور بذات الحزم: لاني شايفش قاعدة تغارين على زايد نيابة عن أختش اللي ماتت من 18 سنة..
يعني أنتي تبين تطابنين بدل قبر؟!!
صمتت عفرا.. تعترف أنه أحرجها فعلا.. بل بالغ في إحراجها وبعبارة بسيطة وموجزة وحادة...
منصور هتف بذات الحزم: أنا ما أقول إني ما أقدر تأثرش من غلاش عندي..
بس لا جيتي للحق ترا ذا التاثر كله مايدخل ذمة العقل بريال..
يعني لا أختش حية عشان تحس بالقهر..
ولا عيال أختش صغار عشان تحاتينهم..
ولا فلوس زايد شوي.. عشان تخافين عيال مزنة يشاركونهم في الورث..
وزايد من الحين كاتب لكل واحد من عيال أختش اللي يعيشه ملك..
يعني وش مبرر التأثر ذا..؟؟
جعلها تبدو سخيفة ومحدودة التفكير في عين نفسها بالفعل.. ومع ذلك هناك فعلا سبب حساس لتأثرها..
همست بهذا التأثر: يعني ما تشوف إنه كان يحب مزنة وأختي حية وتعرف بعد.. سبب يقهر ويوجع..
منصور بذات الحزم: يوجع ويقهر لو زايد جرح أختش في يوم بكلمة وحدة عشان مزنة أو غيرها وهو قاصد..
يوجع ويقهر لو أختش عادها حية..
بس أختش ماتت.. ماتت الله يرحمها.. ادعي لها بالرحمة وتصدقي عنها.. لأن هذا اللي هي محتاجته بس..
تأكدي إنش لو تخيرينها الحين وهي عند رب كريم.. بين تأثرش ذا السنين كلها..
وبين ريال واحد تصدقين به عنها... فهي بتختار الريال..
***************************************
بعد ثلاثة أيام
.
.
تعود أخيرا لبيتها بعد أن مرت والدها أولا...
بدت خطواتها بين ردهات البيت قاسية عليها..
والأقسى على روحها أنها لم تره منذ اشترطت عليه كيفية حياتهما معا!!
لم يلاحظ أحد غيابه عن زيارتها...
لأن الجميع كان يظن إنه يأتي في وقت عدم تواجده..
بينما هو لم يأتي أبدا!!
وهاهي تعود لتنفذ الشرط المتوحش القاس على كليهما!!
وكما كان موافقته على شرطها من أجلها..
فهي كان طلبها للشرط من أجله..
ومن أجـــلــه فـــقــــط!!!!
تنهدت وهي تستند على يد كساب لتصعد..
كساب كان يريد أن يحملها.. لكنها حلفت ألا يفعل..
لذا كان يسندها وهو تقريبا لا يدع قدماها تلمسان الأرض..
وكاسرة تمشي خلفهما تحمل عباءتها ..
حين أوصلها كساب لسريرها.. هتف بمودة: تبين شيء يمه؟؟
همست مزنة بمودة مشابهة: لا فديتك..!!
كساب التفت لكاسرة بثقة: باتعشى في المجلس مع إبي وعمي وبأجي..
كاسرة هزت رأسها.. وهي تلتفت لأمها وتهمس بحنان: يا الله بجيب عشا وأتعشى انا وإياش..
مزنة تخلع برقعها وشيلتها وتضعها جوارها وهي تهمس بهدوء:
ما ابي ماني بمشتهية..
كاسرة ابتسمت: إذا أنتي ما تبين تغذين أخي.. غذي حفيدش.. أنا جوعانة..
ولو ما تعشيتي ماني بمتعشية..
حينها همست مزنة بسكون موجع : زايد شأخباره؟؟ يأكل زين؟؟
كاسرة همست بسكون مشابه فهي تعرف مشاعر والدتها جيدا وتفهمها:
الأيام اللي فاتت أنا مشغولة معش...
بس أسأل الخدامة عنه.. تقول الصبح يطلع ماتريق..
ومايرجع إلا في الليل!!
في الليل أسأله تعشيت تغديت؟؟ يقول لي الحمدلله..
وما يسأل إلا عن شيء واحد.. عنش.. وعن صحتش؟؟ وعن أكلش؟؟
مزنة صمتت..
الآلام تعاود حصار فؤادها بلا هوادة..
هل يهديها معاناته طوال ثلاثين عاما ؟؟
هاهي خلال أشهر باتت تشعر كما لو كانت تعاني معه منذ الأزل..
متخمة بألم بات يتسرب عبر خلايا جسدها التي امتلئت بقيح الوجع وتشربت به!!
وهي صامتة.. لا تشتكي..
ولـــن تشتكي!!
*****************************************
" وضحى الله يهداش.. ما أبي مشاكل بينش وبين خواتي!!"
وضحى بصدمة: مشاكل؟؟ مشاكل ويش؟؟ أنا اشتكيت لك من شيء؟؟
نايف يتنهد وهو يشد كفها ليجلسها ويجلس جوارها:
يا قلبي يا وضحى يا حبيبتي أنتي ما اشتكيتي بس هم يشتكون..
وتونا يا الله كملنا شهر من تزوجنا!!
حينها همست وضحى بنبرة أقرب للحزن: وعشانهم هم اللي اشتكوا أكون أنا اللي غلطانة لأني ما اشتكيت ولا فتحت ثمي؟؟
نايف بدأ يشعر كما لو كان في دوامة فعلا.. ويشعر بالصداع من كل هذا..
زفر بيأس أقرب للغضب: أنا قلت لش خليش مرنة معهم.. عجايز وش يبون إلا الكلمة الطيبة؟!!
وضحى زفرت بألم حقيقي: زين خلنا من سوالف واجد يوجعوني فيها.. وماقلت لك عنها شيء..
خلنا في الليلة.. وأسأل خواتك لو تبي..
هم عارفين زين إن امي بتطلع من المستشفى الليلة..وكنت علمتهم من قبل إني أبي أروح لها..
ومع كذا جاوو واقعدوا عندي وتعشوا عندي.. ومارحت لأمي ولا فتحت ثمي.. وأنا أرحب وأهلي..
أخرتها مستلمين أمي.. إنها عجوز وحامل وما تستحي على وجهها وليش ما كلت مانع..
أنا وش رديت؟؟ وش قلت؟؟
كل اللي قلته وبطريقة عادية.. هذي أختك فاطمة في سن أمي وحامل.. ليش ماكلت مانع..
وأختك الجازي اللي أكبر منها وأكبر من أمي توها جايبة بزر.. وهي جدة لخمس بزران..
هبوا فيني كلهم.. إني لساني طويل وما أحترم حد ولا أحشم اللي أكبر مني!!
تخيل أنا بروحي وهم 3.. وكل وحدة منهم تقط كلمة أكبر من الثانية..
قل لي أنت.. وش تبيني أقول عشان أقوله؟؟
إيه حلال عليكم وحرام على أمي.. وقطعوا في لحم أمي وأنا أسمع عليكم بالعافية..
وضحى كانت تتكلم وصوتها يرتعش.. وهي تصل للختام انفجرت في البكاء..
رغم أنها لم تكن تريد أن تبكي مطلقا!!
ولكن رغما عنها.. فقد احتملت خلال الأيام الماضية الكثير من تدخلهم في حياتها..
وهي تحاول بلباقة وذكاء أن توقفهم عند حدود معينة!!
لكن أن يصل الأمر إلى تجريحها عن طريق والدتها وبهذه الطريقة المؤلمة..
فالأمر فاق الاحتمال!!
نايف شدها بجزع ليحتضنها وهو يهمس بتهدئة حانية: خلاص حبيبتي.. خلاص..
امسحيها في وجهي يا بنت الحلال..
أنا مادريت إن السالفة كذا..!!
خلاص أوعدش ذا المرة ما أسكت.. عمتي مالهم طريق عليها يتكلمون عليها وقدامش!!
****************************************
" الحمدلله على سلامة أمش مزنة..
عشان ترتاحين شوي وتقرين عندي!! "
سميرة تشير بإبتسامة شفافة تخفي خلفها ألما شاسعا: الله يسلمك!!
تميم يلاحظ اليوم غرابة في تصرفاتها.. وهو يريد أن يخبرها بأمر مهم لذا أشار بحذر:
ترا نتايج الفحوص وصلت قبل كم يوم..
بس أنا كنت أبي أمي تطلع من المستشفى عشان أقول لش!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل 106 - بقلم HaboOoshy
" الحمدلله على سلامة أمش مزنة..
عشان ترتاحين شوي وتقرين عندي!! "
سميرة تشير بإبتسامة شفافة تخفي خلفها ألما شاسعا: الله يسلمك!!
تميم يلاحظ اليوم غرابة في تصرفاتها.. وهو يريد أن يخبرها بأمر مهم لذا أشار بحذر:
ترا نتايج الفحوص وصلت قبل كم يوم..
بس أنا كنت أبي أمي تطلع من المستشفى عشان أقول لش!!
سميرة كان يرتسم على وجهها الغموض وهي تسأله:
وش تقول النتايج؟؟
تميم استغرب عدم لهفتها مع أنها كانت ستموت لتعرف.. ومع ذلك أجابها بحذر وملامح وجهه يرتسم عليها حزن مدروس:
أنا عندي شوي مشاكل.. تستلزم إنه كلنا نعالج..
أنتي مافيش شيء بس لأنه مشكلتي عويصة شوي.. لازم أنتي بعد تأكلين علاج عشان الحمل يصير..
لا تحاتين حتى العلاج إن شاء الله ما يطول..
سميرة بذات الإشارة الغامضة: صحيح..؟؟ ياحرام يا تميم..
زين ولو قلت لك ما أبي أكل علاج.. أنا مالي ذنب إن العيب فيك.. عالج بروحك أو كيفك..
تميم شعر بالتوتر لم تعجبه إشارتها ولا نظرات عينيها.. أشار بحزم:
لازم تأكلين علاج معي.. هذا حقي عليش!!
سميرة حينها أشارت بحزم أشد: زين وليش ما يكون من حقي عليك إنك تطلقني.. دام فيك عيب...
مهوب الشرع يقول كذا؟؟
تميم تراجع بحدة: أطلقش؟؟ أنتي صاحية؟؟
أقول لش مشكلتي لها علاج.. مستكثرة علي تستحمليني شوي لين أتعالج..؟؟
شوي بس..
سميرة تزداد ملامحها صرامة: زين أنا أبي أشوف النتايج بنفسي..
تميم ارتبك: بلغوني النتيجة بالتلفون!!
سميرة بحدة: توك تقول إنها وصلت.. أشلون الحين بلغوك في التلفون..
وإلا قل إنك تبي تأخر علي الخبر وبس.. لين أزهق وما أقول وين الأوراق..
تميم مصدوم بالفعل ومجروح.. لم يتخيل أن ردة فعلها ستكون جارحة له هكذا!!
لذا انصدم من انهيار الملامح الحازمة على وجهها فجأة.. وهي تنتحب بحدة وتنهار على الارض..
تميم نزل جوارها على الأرض ليحاول تهدئتها وهي تتعلق بعنقه وتنتحب..
دموعها أغرقت عنقه بلهيبها.. وأحرقت قلبه بمرارتها..
استغرقت وقتا طويلا قبل أن تهدأ.. ليبعدها عنه برفق ويمسح وجهها ثم يشير لها بيأس: ليه تبكين حبيبتي؟؟
لذا الدرجة مالي خاطر عندش وتبين تخليني؟؟ والله العظيم المشكلة لها علاج..
حينها أشارت سميرة بيأس موجع من بين شهقاتها: والمشكلة اللي تقول لها علاج عند من؟؟
تميم تراجع وهو يشير بحزم يخفي ارتباكه خلفه: عندي أنا!!
سميرة بألم: أنت كنت عارف عن نتيجة الفحوصات وحن عادنا في ألمانيا.. بس ماكنت تبي تقول لي!!
تميم بارتباك: مهوب صحيح!!
سميرة بألم أعمق: إلا صحيح .. ليش يعني لذا الدرجة خايف ما استحمل الخبر تقوم تلزق العيب فيك!!
تميم تراجع بصدمة: وش ذا الكلام؟؟
سميرة ممزقة تماما : لأنه هذا هو الصحيح.. العيب فيني ومهوب بسيط مثل ماتقول.. وعلاجه طويل وصعب..
تميم بصدمة أشد: من اللي قال لش؟؟.. أنتي لقيتي النتائج؟؟..
مستحيل.. أنا مخليها في خزنة مكتبي في الشغل..
سميرة تمسح أنفها المحمر لتشير بألم: سويت فحص ثاني في الأهلي يوم عمتي مرقدة هناك..
تميم شدها ليحتضنها بقوة.. كان يريد تجنيبها الألم الذي يعرف أنها تعانيه الآن..
لم يخبرها في البداية حتى لا تسأله عن الورق..
ثم احتار ماذا سيقول لها وكيف.. حتى توصل لهذه الكذبة غير المتقنة.. ولكنها كانت أفضل ماوجد..
شدها ليوقفها .. وأجلسها على الأريكة..
أشار لها بحنان غامر: اسمعيني عدل.. أنا وأنتي تونا صغار..
والعلم تطور واجد.. والمشكلة اللي معش حتى لو كانت صعبة شوي بس لها علاج..
ليه مسوية ذا المناحة ياقلبي؟؟
سميرة دموعها تأبى التوقف: وأنت وش ذنبك تجبر نفسك تعيش مع وحدة يمكن تكون عاقر!!
ابتسم تميم وهو يمسح وجهها ثم أشار بذات الابتسامة الشفافة:
مثل ذنبش إنش عايشة مع واحد أصم أبكم..
سميرة أمسكت بكفيه وثبتتهما في حضنه وهي تشير بغضب:
ما أسمح لك تقول على نفسك ذنب!!
تميم أشار بولع: وأنا ما أسمح لش تقولين على نفسش كذا..
أنا أحبش ياسميرة.. ولو خيروني بين الدنيا كلها وبينش..
كفتش بترجح..
يعني قبلتيني على عيبي وهو عيب ماله علاج..
ما تبيني أقبلش على عيب له علاج!!
**************************************
" علوي حبيتي؟؟"
عالية ترفع رأسها عن تقارير تعدها وتنظر لعبدالرحمن الذي أنزل حاسوبه جانبا وتهمس بمودة: آمر دحومي!!
عبدالرحمن بمباشرة: أبي أسوي لش عرس..
عالية كحت ثم ضحكت: نعم؟؟ عرس؟؟
عبدالرحمن بجدية: إيه عرس..
عالية مازالت تضحك: نكتة الموسم ذي؟؟
عبدالرحمن بجدية أكبر: والله العظيم أتكلم من جدي.. خاطري أعوضش عن كل شيء..
وإحساسي بالذنب ذابحني.. لحد الحين ماني بقادر أتجاوز سالفة إني حرمتش فرحتش..
عالية وضعت أوراقها جانبا ثم نهضت لتجلس جواره وهي تشد على كفه وتهمس برقة:
أنت واللي في بطني فرحتي..
عبدالرحمن تنهد: زين بنسويه شيء على الضيق.. حتى لو تبين أنا وأنتي بس..
تلبسين فستان أبيض.. تصورين..
شيء نحتفظ فيه ونوريه لعيالنا..
عالية ابتسمت: صدقني ياعبدالرحمن شيء ماله معنى..
يمكن فيه بنات فرحتهم باستعدادهم لعرسهم وتلبس فستان..
بس كلهم نفس الشيء..
لكن أنا كنت شيء مميز..
تدري عبدالرحمن حسيت إني بطلة قصة خرافية.. والبطل خطف البطلة..
قصتي هي اللي بأحكيها لعيالي.. مهيب صورة بليدة داخل ألبوم كنه فستان العيد..
عبدالرحمن ضحك بأسى: والله على البطل اللي خطف البطلة.. مكسح وعلى كرسيه..
ضحكت عالية: الحين قول مكسح على كيفك.. صارت ذكريات صدقني إنها رغم قسوتها حلوة..
أردفت بعمق: تجربتي معك بكل اللي صار فيها.. اختارها بدل مليون عرس..
تجي تقول لي عرس وفستان أبيض..
لكل شيء إحساسه في وقته!!
*************************************
" يبه من جدك أنت موافق على خرابيط كل واحد منكم في جناح..
مرتك فوق وأنت تبي ترقد هنا بروحك؟؟"
زايد هتف بحزم وهو يجلس على سرير علي الذي أصبح سريره:
تبي ترقد عندي.. ماعندي مانع..
كساب بنبرة مقصودة: لا والله اسمح لي.. مرتي تنتظرني فوق..
وفيه وحدة فوق بعد راقدة بروحها خايفة ماعندها حد..
اكسب أجر فيها.. وخصوصا إنها تعبانة.. تبي من يوديها الحمام.. يعنـز لها..
زايد بحزم: بتنام عندها الخدامة.. أنا ملزم عليها..
ولولا إني ذال إنك تنتحر وإلا كان خليت كاسرة تنام عندها..
كاسرة بالفعل استأذنت كساب أن تنام عند أمها وهو أذن لها.. ولكن مزنة حلفت ألا تنام عندها..
وقالت أنها ليست بحاجة لها في وجود الخادمة معها..
لذا هتف كساب بنبرته اللئيمة: وأنا وش ذنبي في زعلكم.. ماصدقت الجو يروق بيني وبين مرتي..
عقبالكم..
زايد شد له نفسا عميقا ثم هتف بحزم: اسمعني زين.. عشانك معنا في البيت..
وداري إنه بيننا خلاف.. ما يعطيك الحق تتدخل بيننا..
آخر مرة أسمح لك تتكلم في ذا الموضوع... وياويلك أخوانك يدرون به..
كساب هز كتفيه وهتف بحزم مشابه: بكيفك.. خلكم عايشين الدور البايخ الله يهنيكم..
كساب حين وصل للأعلى..
همست له كاسرة بلهفة: وش سويت معه؟؟
كساب هز كتفيه بحزم: نفس اللي سويتيه مع أمش..
كاسرة بخيبة أمل: أمي مافي أذنها ماي.. (يعني مصممة على رأيها!!)
كساب بحزم: وهو مثلها..
خلاص خليهم على ذا الحال.. لين ينضجهم الشوق..
ثم أردف بإبتسامة: وعقبه تلاقين إبي مثلي يتعربش على الدرايش!!
ثم أردف بخبث: وأنتي وش سويتي عشان أمش تسوي مثله..؟؟
ضحكت كاسرة برقة: تسوي روحها زعلانة من علبشته على الدرايش وهي اللي خلت الدريشة مفتوحة..
ضحك كساب: يا النصابة مافتحتي لي الدرايش.. إلا كل يوم مسكرتها..
وأنا البرد يلفحني وأنا أحاول فيها لين أفتحها..
***************************************
اليوم التالي
.
.
يجلس على مائدة الإفطار.. معه كساب وكاسرة..
عيناه تبحثان عنها بوجع..
ربما كانت أكثر مرة يلتهم فيها فطورا في حياته..
كان يأكل ببطء حتى لا ينتبها أنه ينتظر شيئا ما..
حتى غادر كساب وكاسرة لعملهما..
ما أن غادرا حتى بادر بسؤال الخادمة بنبرة حازمة تخفي خلفها لهفة موجعة:
مدام مزنة وين؟؟
الخادمة بعفوية: راحت بابا كبير قبل شوي..
زايد بتأفف خافت: وأنا قاعد حارس الفطور أحسبها بتجي..
ثم أردف باهتمام: ماكلت فطور..؟؟
الخادمة باحترام: أنا كلام مدام يبي فطور.. هي كلام أكل سوا بابا كبير..
زايد تنهد .. يريد أن يراها فقط..
لا يطلب الكثير..
يريد الاطمئنان على وضعها..
فهل هذا كثير؟؟
************************************
" حبيبي أنا آسفة لو كنت أحرجتك مع خواتك!!"
نايف يتنهد: لا أحرجتيني ولا شيء.. هي كلمة حق وقلتها..
وهم فعلا قالوا إنهم قالوا الكلام اللي قلتيه..
نايف يشعر بصداع فعلي.. فحوار حاد دار بينه وبين شقيقاته..
فهن اعترفن أنهن من بدأن فعلا وأنهن قلن ماذكرته زوجته .. ولكنهن مهما يكن سيدات كبيرات..
وهن يتوقعن منها الاحترام لأنها في سن بناتهن.. ولا يرضين أن ترد عليهن بهذه الطريقة الندية..
نايف لا يعرف فعلا كيف يتصرف معهن.. لكنه مبدئيا قال لهن بكل مودة واحترام :
يعني مرتي وأهلها ما يستحقون تحترمونهم عشاني.. وإلا أنا مالي قدر عندكم..
لأنه لو لو لي قدر عندكم وإلا تحيوني مثل ما تقولون..
ماكان ضايقتوا مرتي بذا الطريقة... لأني أنا اللي عايش معها.. ولو هي تضايقت أنا بأتضايق..
معنى كذا إنكم تبون تضايقوني أنا من البداية!!
أخواته صمتن.. لكنه يعلم أنهن غير راضيات .. وسكتن على مضض!!
"الله يعدي كل شيء على خير!! "
***************************************
بعد أسبوعين..
.
.
" جميلة.. أنتي زعلانة علي؟؟"
جميلة انتفضت بجزع رقيق: لا والله.. ليش تقول كذا؟؟
فهد تنهد ثم هتف بحزم: مهوب أنا اللي أقول.. تصرفاتش اللي تقول..
جميلة بيأس: ليه أنا وش سويت؟؟
فهد همس بيأس أشد قسوة.. فهو عاشق يشعر أنه لا يلاقي مايوازي عشقه:
جميلة كملت أكثر من 3 أسابيع من يوم رجعت..
وأنا ما باقي في قواميس الدنيا كلام حلو ماقلته..
وأنتي بصراحة باردة معي بشكل موجعني..
جميلة بيأس مختلط بالحزن: ليه وش اللي قصرت فيه؟؟
فهد تنهد بوجع: أدري ماقصرتي بشيء لا في حقي ولا في اهتمامش بأغراضي وملابسي.. ولا حتى في احترامش لهلي..
وأدري إني أكون متطلب لو طالبتش بشيء أكثر..
بس اللي يحب ما يبي من حبيبه يعامله كأنه مجرد واجب يسويه على أكمل وجه وخلاص..
جميلة أنا أحبش فوق ما تتخيلين.. وأنتي صرتي عارفة ذا الشيء زين!!
ما أقدر أجبرش تحبيني غصبا عنش..
بس على الأقل أبي أحس إنه فيه أي مشاعر في قلبش لي..
مودة على الأقل!!
ثم أردف بسخرية موجوعة: صرت أحس إنش تستانسين يوم أتأخر..
كأنه وجودي ثقيل على قلبش..
جميلة تشعر بحرج فعلي.. أ لهذه الدرجة مشاعرها واضحة له؟؟
رغم أنها تحرص ألا تظهر..
همست باصطناع: فهد حرام عليك.. صدقني أفكارك هذي كلها غلط..
هز كتفيه بذات السخرية المرة: إيه غلط!!
فور انتهاءه من عبارته تصاعدت طرقات حادة على باب جناحهما..
جميلة انتفضت بجزع..
بينما فهد توجه ليفتح ليعود لها بعد دقيقة وهو يهمس باستعجال ويرتدي ملابسه:
بسرعة جميلة بدلي والبسي عباتش..
مرت عبدالله بتولد.. وهو مايبي يقول لأمي ولا أمها يروعهم .. وأختي وأختها حوامل..
ويبي وحدة تدخل معها للولادة..
***************************************
" فهد يا أخيك ما تقدر تكلم مرتك تطمنا..
أعصابي مهيب مستحملة!! "
فهد بحزم: عبدالله اصطلب شوي.. قلت لك قبل تلفونها مسكر..
وأنا قايل لها لو صار أي شيء تطلع وتطمنا..
شوف حالتك.. ما باقي إلا تبكي!!
عبدالله زفر: تدري فهد ترا ماني بناقصك الله يرحم والديك!!
فهد جالس في مقعده ينظر لعبدالله الذي لم يجلس حتى.. رغم مرور أكثر من 3 ساعات على وصولهم..
يروح ويأتي.. وهو حينا يزفر.. وحينا ينظر للساعة.. وحينا يتمتم بالدعاء..
"أ يُكتب لي أن أشعر أنا بهذا التوتر اللذيذ والانتظار الشهي في يوم من الأيام؟؟
قد أكون ألوم عبدالله ظاهرا..
لكن قد يكون ما أشعر به هو محض غيرة صافية..
يحبها وتحبه بجنون.. والكل يعلم ذلك!!
ينتظران مولودا يتوج هذا الحب والسعادة..
وأنا كل ما أنتظره أن تشعر بي فقط!!
لا أنتظر مولودا أعلم أنه قد لا يأتي مع ما مرت به من ظروف من صحية..
أنتظر إحساسا فقط.. محض إحساس!! "
بعد دقائق رن هاتف فهد..
فهد خرج من استراحة الرجال للممر..
عبدالله لم يستطع الصبر حتى وهو يخرج خلف فهد..
سيجن من قلقه على جوزا ورعبه من أجلها..
جميلة حين رأت عبدالله مع فهد ابتسمت بشفافية وهي تهمس باحترام رفيع:
مبروك يا أبو حسن جالك ولد يجنن.. يشبه حسون..
عبدالله بأنفاس ذاهبة.. كان يشهق: المهم جوزا.. جوزا أشلونها؟؟
ابتسمت جميلة بتاثر: جوزاء طيبة.. وولادتها كانت من أحسن وأسهل مايكون ماشاء الله..
حينها تنفس عبدالله بارتياح وهو يزفر بسعادة محلقة: الحمدلله الحمدلله..
فهد ابتسم: ألف مبروك يأبو حسن.. على البركة الرجّال..
عبدالله احتضن فهد وهو يهتف بسعادته الغامرة:
ترا الرجّال اسمه فهد عليك!!
*********************************
اليوم التالي
.
.
.
" كذا يام حسن تسمون الولد على فهيدان
وأنا اللي قاعد حارس حسون في البيت عقب ماكدرتوا نومي..
ما تسمون علي!!
يعني عشان فهيدان ترس لكم الغرفة ورد وحلويات..؟!
لو سميتو علي كان جبت لكم وردتين من الزرع اللي على الكورنيش.. وقوطي رهش من سوق واقف !!"
جوزا تهمس بإبتسامة أخوية من خلف جلالها الذي يغطي وجهها:
ماعليه يا ابو خالد السموحة ذا المرة..
جهز لنا الوردتين وقوطي الرهش حق ولادتي الجاية إن شاء الله!!
هزاع يميل على كتف أمه مقبلا: شهدتي يمه؟؟ مهوب يكذبون علي..
ترا الولد الجاي حقي وباسمي.. كيفي فيه عقب.. إن شاء الله أقلصه في الجيب!!
ضحكت أم صالح: شكلهم يأمك بيدعون ماعاد يجيهم إلا بنات..
هزاع بتأفف: أفا يأم صويلح كذا.. تشتمين الأعادي فينا..
عالية تضحك: الأعادي هذي مقصود فيها أنا؟!!
هزاع بمرح: أنتي قلتيها مهوب أنا...
ماتبين لش أنتي بعد وردتين وقوطي رهش؟؟
عالية بإبتسامة مرحة: لا يأختك.. الله الغني... عادني ابي ولدي.. دور لك خروف تقلصه في جيبك!!
ثم أردفت بذات الابتسامة: يا الله قوم بسلامتك... لمتى وأنت مبلط.. عبدالله راح وأنت قاعد..
هزاع يعدل غترته فوق رأسه ويهمس بمرح: القعدة عند الوالد تونس... عيشة وفلة حجاج..
عالية بمرح: خلني لين أولد وأتنفس وأجي عندكم وتشبع عيشة يا الدب..
قوم خالاتي بيجون الحين.. قلنا لك ألف مرة.. وعبدالله استحى على وجهه وراح
وأنت السحا ماتعرفه..!!
هزاع بحماس: يا سلام خالاتي جايين.. وهذا المطلوب.. خالتي الجازي بتجيب عصيدة؟؟
أموت على عصيدتها..
عالية تشده لتوقفه: خلاص قوم.. عط أم حسن مجال تتنفس..
وخالاتي بناتهم معهم بتقعد معهم بعد؟؟
هزاع بتأفف مازح: واخيه على كذا بنات.. هذولا تسمينهم بنات..؟؟
اللي مهيب النوري هي الوحيدة اللي تنبلع لا صار معها ماي بس.. وإلا الباقيات أنا أحلى منهم..
أردف بمرح وهو يقف ويتجه لسرير فهد الصغير ويضع فيه ظرفا:
أنا بأروح عشان خاطر أم حسن بس تأخذ راحتها!!
***********************************
" لو أدري خالاتش هنا كان أجلت زيارتي شوي.."
عالية تبتسم وهي تميل على أذن وضحى بخفوت: اللي يسمعش مايقول إنهم كل يوم طابين عليش في البيت..
وضحى بإبتسامة.. فشر اليلية مايضحك: ماعليه في البيت الفضايح ملمومة..
أخاف الحين يقطون كلمة مالها سنع ويحرجوني قدامكم..
عالية بتحدي: خلهم يقطون.. واعرفي أشلون تردون عليهم!!
ثم أردفت في أذنها: خالاتي احترميهم بس عرفيهم حدعم.. هم صحيح ماراح يخلون قط الحكي
بس ترا الوضع بيكون أخف عليش بواجد..
شوفي الحين.. ماعاد يوجعون جوزا بالحكي مثل أول.. لأنها ردها جاهز عليهم.. ترد كلمة جامدة وباحترام..
جميلة مايقولون لها شيء لأنهم خايفين من فهد يشرشحهم.. وفهد في الحق ماعنده يمه ارحميني!!
وسرعان ماحضر ماتخشى منه وضحى.. إذا هتفت نورة بصوت عالي:
ها وضحى وأنتي ماسويتي شيء..؟؟
عالية كانت من ردت باستظراف مصطنع: سوت قهوة وشاهي وهذي هي جابتها معها..
وجابت لنا سلة ذا الشكولت الفخمة الذوق اللي يخلي غاليها..
نورة بحدة: ما سألتش يا بنت صافية..!!
كم مرة قلت لش اللقافة شينة..
أنا أسأل مرت أخي..
أم صالح كانت هذه المرة من ردت بحدة: وبنت صافية وش فيش حاطتها على رأسش..؟؟
وخلي مرت نايف منش.. البنية توها مالها شهر ونص معرسة..
لو صار شيء بتدرين به!!
نورة بغضب: إنش اللي مقوية رأس بنتش.. ماكني بأختش الكبيرة وأكبر خالاتها..
ترد الكلمة بكلمة!!
صافية ردت بغضب مشابه: على رأسي وأنتي دارية.. بس مافيه داعي تحرجين الوضيحى.. توها تقول ياهادي!!
الاثنتان سكتتا.. مع همسات شقيقاتهما المتواجدات..(بس الله يهداكم)
وضحى مالت على أذن على عالية بحرج: شفتي الإحراج.. وخالتي أم صالح تمشكلت مع أختها بسبتي..
عالية باستغراب: صحيح أمي أحيانا ترد عليها.. بس لا استفزوها صدق..
بس الحين توها خالتي نورة تسوي تحمية مابعد نزلت الملعب.. غريبة حدة أمي!!
أم صالح تتنهد في داخلها.. لم تكن تريد الرد على نورة..
ولكن نايف رجاها بشدة أنه في حال تواجدها.. ألا تسمح لشقيقاتها الأخريات بمضايقة وضحى!!
وأن تخبره بالذي يحدث!!
فهو متعب من هذا الأمر ويريدها أن تساعده..
وهي تدخلت هذه المرة من أجله!!
لم يطلب من عالية.. لأن عالية سيبقى لها حدود تلتزمها.. وهن سيغضبن منها..
لكن صافية يعلم يقينا اتفاق شقيقاتها على معزتها!!
**************************************
" يا الله يا ام حسن..
صحيح ماطولتي في الولادة..
بس مرت علي ذا الثلاث ساعات كنها ثلاث سنين!!"
جوزا شدت على أنامل عبدالله التي تحتضن كفها وهي تهمس بتأثر:
الله لا يحرمني منك.. الحمدلله على عطاه يوم عطانا..
ابتسم عبدالله بمرح وهو يقف ويميل على الصغير ليقبله: عقبال ما تجيبين لنا بنوتة..
خلاص مانبي عيال.. عشان ما ينشب لنا هزاع بالوردتين وقوطي الرهش..
ضحكت جوزا: ياحليله هزاع.. يستاهل نسمي عليه..
هو أكثر واحد خاطره وسيع على البزران هو الوحيد اللي يستحمل ولدي وعيال صالح لا تجمعوا عليه!!
وبعدين يا أخي أخاف أجيب بنت يجيك حالة أخيك صالح..
عبدالله يعود ليجلس جوارها على السرير ويحتضن كتفيها بولع باسم:
لا صالح انعدل حاله الحمدلله.. وأنا الحمدلله حالي معدول من زمان!!
************************************
" ياحليله أخيك عبدالله..
مابعد شفت رجال جنتل وحساس كذا..
لدرجة إنه يحلف ماحد يبات عند مرته غيره!! "
فهد ابتسم: ولا يهمش.. لا ولدتي.. والله مايمسي عندش حد غيري..
دام بتمدحينا..
جميلة همست بانكسار: فهد أنت تعايرني عشان عارف إني عندي مشكلة في الحمل..؟؟
فهد بجزع رجولي حقيقي وهو يشد كفيها: والله العظيم ولا خطر ببالي..
أنا كنت أمزح معش بس!!
جميلة شدت كفيها من يديه وهي تهمس بذات الانكسار: وإلا تقصد.. عادي!!
فهد تنهد وهو يشدها ليحتضنها ويهمس في أذنها بوجع رجولي خالص:
ياشينه الواحد لا درا بغلاه.. ويدور اللي يوجع مغليه!!
مايوجعني كثر ذا النظرة والنبرة!!
****************************************
بعد أربعة أشهر
.
.
.
" الحين يمه من أكبر.. فهودي وإلا غنوم؟؟"
نجلا تبتسم وتجيب ابنها خالد: غنوم أكبر بحوالي شهرين يأمك..
خالد بتأفف طفولي: زين ليش فهودي أكبر من غنوم؟؟
جوزا انفجرت بالضحك: نجلا.. كنه ولدش يتنظل ولدي؟!!
عالية تضحك وهي تشد خالد وتحتضنه وفقا ما يسمح لها بطنها المتضخم بعد أن دخلت شهرها السابع:
هذا يا حبيب عمتك.. عشان أمك جابت فيران.. مهوب بزران..
فلا تقارنهم بالبزران العاديين..
جميلة تضحك وهي تشد خالد ناحيتها وتحتضنه برقة حانية: حرام عليش عالية..
صدق ما عندش إحساس.. تقولين للبزر كذا؟!!
ثم أردفت بحنان شفاف: حبيبي خلود.. غنوم ومهاوي كانوا تعبانين شوي..
كل ما يكبرون كل ما يصيرون أكبر!!
خالد يمد أنامله الصغيرة ويشد لفات شعر جميلة اللولبية التي طالت قليلا لتصل إلى كتفيها.. ويهمس بطفولته الشفافة:
خالتي جميلة لا جبتي أنتي وعمي فهد بنت.. أنا بأتزوجها.. عشان بتصير حلوة مثلش!!
عالية تضحك: الولد هذا خربان.. أكيد هزاع مخربه!!
نجلا تضحك: لا والله لا تتهمون هزاع ظلم.. هذا صالح قلبه أخضر..
يقول لهم اللي من عمانكم بيجيب بنت حلوة بنأخذها..
والشينة بنخليها لعيال عبدالله!!
جوزا بمرح: يا سلام عليكم.. واحنا يعني مسمين على فهد ببلاش..
بنت فهد لنا..
وأنتو خذوا بنت غانم اللي سميتوا عليه.. هذي مزون حامل..
جميلة سكتت.. مشاعر متضادة اخترقت روحها..
قد تكون لا تريد أن تحمل.. وتحمد الله أن حملها تأخر..
فمشاعرها تجاه فهد مازالت تعاني البرود والضبابية والجمود رغم محاولاتها لتغيير مشاعرها تجاه شيء أكثر إيجابية..
ولكنها على الجانب الآخر.. لا تنكر رغبتها لتصبح أم.. فمهما يكن هذه رغبة مغروسة في كل أنثى..
أخرجها من أفكارها اتصال من فهد يطلب منها أن تحضر له..
استغربت.. (هل يكونون قد انتهوا من غداء يوم الجمعة المعتاد؟؟)
جميلة استاذنت لتخرج مع مجموعة من التعليقات غالبها من عالية..
حين وصلت للأعلى.. وجدت فهد قد فتح حقيبته على السرير..
همست باستغراب: بتسافر مكان؟؟
فهد باستغراب أكبر: بأسافر؟؟
قايل لش قبل كم يوم إني الجمعة بأسافر عندي دورة أسبوع في الامارات!!
ثم أردف بتذكر يائس: إيه نسيت... أكيد كنتي منتي بمنتبهة معي كالعادة!!
جميلة تحاول بحرج أن تتذكر.. فلا تستطيع.. والمأساة أنه محق..
فهو في أحيان كثيرة يندفع في الكلام.. لتسرح هي ولا تركز في شيء مما يقوله
لشعورها بالتأفف من كثرة حديثه.. وهي لا تريد أن تبدو أمامه غير مهتمة ..فتسرح..!!
جميلة أجابته بإصطناع: إيه تذكرت.. سامحني.. كان لازم أرتب شنطتك قبل..
صمت وهو يجلس جانبا.. مطرزا بحزن شفاف..
يعلم أنها لم تتذكر..
بل يعلم ماهو أكثر من ذلك ألما...
يعلم أنها لولا شعورها بالخجل وإلا لا كانت انفجرت أمامه الآن من الضحك لشدة سعادتها أنه يفرج عنها أخيرا!!
والمأساة أنه كان محقا أيضا.. فجميلة كانت تغالب ابتسامتها حتى لا تظهر..
فهي فعلا سعيدة أنها أخيرا ستأخذ مساحة من الحرية بعيدا عنه..
فطوال الأشهر الماضية.. كان عمله له طبيعة معينة.. فلم يكن يتغير.. بل في وقت ثابت صباحا كدوام الموظفين..
لذا لم يسمح لها أن تبات عند أمها ولا لليلة واحدة..
وهو ملتصق بها بطريقة كانت تثير ضيقها.. ومع ذلك تحاول أن تظهر رضاها الذي كان يعلم أنه ليس أكثر من رضى مصطنع..
وهو يقول لنفسه:
" (كثر الدق يفك اللحام) لو سمحت لها أن تبتعد عني.. ستعتاد..
أريدها أن تعتاد على وجودي في حياتها..
أريدها ان تشعر في قربي .. ببعض مما أشعر به في قربها..
أريدها أن تشعر أي لهيب يحرقني وهي في حضني..
بينما هي تتسربل بالصقيع الذي أحاول يائسا ألا يصل لعمق روحي!!"
جميلة أنهت الحقيبة وأغلقتها..
وقف ليقترب منها وهو يهتف بسكون: تبين أوديش هلش الحين؟؟
همست برقة: لا.. بأتغدى مع أمي صافية والبنات..
وأرتب مكاني.. والعصر بأخي أمي ترسل سواقتها لي!!!
تروح وترجع بالسلامة..
هتف بذات السكون: من قلبش ذا الدعوة؟؟
جميلة همست بغضب عذب: فهد وش ذا الكلام؟؟
فهد هز كتفيه وهو يتناول الحقيبة وينزلها أرضا:
أحسه عادي عندش لو رحت.. وما رجعت!!
جميلة بذات الغضب الرقيق: إحساسك هذا أسخف إحساس ولا له معنى..!!
فهد شدها ليحتضنها بقوة..
رغم أن عظامها آلمتها لشدة احتضانه لها ولكنها لم تقل شيء وهو ينهي احتضانه لها بقبلة على أذنها..
وهو يهمس في داخل أذنها بوجع يختفي في طيات حزم صوته: اللي موجعني إنه إحساس صدق وأنتي عارفة إني عارف!!
جميلة صمتت.. ماذا لديها لتضيفه وهو يحمل حقيبته ويهتف بحزم:
أنا حطيت في حسابش فلوس زيادة من أمس..
سلمي لي على عمتي وخلي بالش من نفسش!!
جميلة همست برقة: زين طمني عنك أول ما توصل!!
أجابها بسكون: ما أقدر أكلمش... بيأخذون تلفوناتنا أول مانطلع الطيارة..
بأرجع السبت الجاي إن شاء الله..
لن يأخذوا هواتفهم.. لكنه قرر أن يريحها فعلا منه..
ويريح نفسه من لهفته التي يعلم أنها لن يجد مقابلا لها إلا البرود أو اهتمام مصطنع سيؤلمه أكثر من برودها..
وما يؤلمه أكثر وأكثر أنه يعلم أنها لن تكلف نفسها أن تتصل بهاتفه حتى..
لتعلم هل هو محق أو لا...!!!
ما أن أغلق الباب خلفه حتى تنفست جميلة بعمق..
وهي تشير بيدها علامة (yes) وتهمس بسعادة: يس.. يس.. يس.. وأخيرا.. أجازة لي.. حتى المكالمات رحمني منها..
ما بغى يفارق ويفك مني شوي..
كنت خلاص بانفجر من ثقل وجوده على قلبي..
***************************************
يتحسس بطنها المتكور بحنانه الخاص وهو يهمس بنبرة حنانه الخاصة أيضا:
مهوب كن بطنش صغير... بطن عمتي أكبر!!
ابتسمت كاسرة وهي تضع يدها فوق يده برقة: أنا في السابع وأمي في الثامن..
يا أخي خل غيرك هو اللي يراقب بطن أمي..
كساب ابتسم: غيري راقب لين أحولت عيونه..
شوفيه بس لا مرت عليه يحط نفسه مهوب منتبه وهو ماباقي إلا ينط من مكانه..
حركات عاجنينها وخابزينها..
كاسرة تنهدت: والله طولوا واجد وحالهم مايسر.. والمشكلة رأسهم يابس اثنينهم..
كساب بثقة: خلينا منهم.. تعبونا معهم كنهم بزران..
أنا عندي اقتراح.. اشرايش أروح أنا وأنتي للمزرعة يومين..
الجو الحين يجنن.. وخاطري اقعد انا وانتي بروحنا لا شغل ولا دوشة..
كاسرة بتردد: وأمي أخليها بروحها؟؟
ثم أردفت بابتسامة لا تخلو من خبث: أخاف عليها من إبيك.. وهم بروحهم في البيت..
كساب بابتسامة محملة بالخبث: ياحرام مساكين.. قاعدين بريحاتهم لا أنيس ولا ونيس.. والشوق ذبّاح.. والشيطان شاطر!! و..........
كاسرة احتضنت رأسه وهي تضحك برقة: بس كساب الله يقطع ابليسك!!
اسند رأسه لصدرها وصمت..
مكتفيا بسماع دقات قلبها وأناملها تعبر خصلاته بحنان..
طوال الأشهر الماضية.. تبادلا سعادة صافية حقيقية..
لا يخلو الأمر من مشاحناتهما المعتادة وحدة شخصياتهما..
ولكن كل منهما بدأ بتقبل ذلك كجزء من بهارات الحياة..
كاسرة تمرر أناملها بين خصلاته بولع حقيقي..
قد يكون مطلقا لم يقل لها أنه (يحبها ) ككلمة.. ولكنها ماعادت بحاجة لسماعها لتعلم كم يحبها!!
أصبحت تعلم يقينا أن الحب ليس مجرد كلمة تُقال.. بل هو موقف ومسؤولية وإحساس..
وكلها منحها إياها كساب.. كما منحته هي إياها..
تنهدت وهي تشعر بالندم على كل لحظة أضاعتها في انتظار هذه الكلمة وكساب أمامها وبين يديها..
شدت رأسه لتحتضنه بقوة أكبر.. (أنت أكبر من كلمات الحب التي قيلت والتي لم تُقال!!)
لا تنكر أنها تتمنى سماعها من بين شفتيه.. لأنها تشعر أنها ستنفجر لتقولها له..
تشعر أنها من بين شفتيه ستكون كقنبلة لا مثيل لقوتها بين حناياها..
ستفجر كل مشاعرها المكبوتة.. والتي تحاول إظهارها وتجد نفسها عاجزة ولا تعلم السبب..
****************************************
كم هو محق ابنه اللئيم..!!
يراقبها بوجع.. بل بما هو أشد من الوجع!!
يراقب تغيراتها بدقة.. بطنها التي تكبر.. وهو يشعر أنه سيذوي لمجرد أن يتحسسها بيدها!!
تتحاشى أن تتصادف معه.. وقد يمر يومين أو ثلاثة لا يراها..
يشعر حينها أنه أوشك على أن ينضج تماما..
ويحاول أن يصتادها حينها بأي طريقة.. يرابط في الصالة السفلية قريبا من الدرج
وهو يدعي مشاهدة الأخبار!!
أو يذهب لزيارة والدها في غرفته!!
حينا تنجح محاولاته وأحيانا تفشل..
وكل ما يناله منها حديث رسمي مقتضب..
والمؤلم أكثر من كل شيء!! والجارح لأبعد مدى!!
أنه لم يرى وجهها منذ آخر مرة رآها في المستشفى!!
فهي تنزل وتصعد ببرقعها على وجهها كعادتها!!
سيموت ليرى ابتسامتها فقط!!
وما يؤلمه أيضا.. (ويا لا كثرة مابات يؤلمه..!!)
أنه منذ أشهر.. منذ تحسنت حالتها الصحية.. وهو يعلم أنها من ترتب جناحه وملابسه..
يعرف لمساتها.. يشعر بها!!
حين يدخل.. يكاد يقسم أنها كانت هنا قبل ثوان...
فمازالت رائحة عبقها تعطر الجو.. وتعتصر قلبه بلا رحمة..
حاول جاهدا أيضا أن يصتادها ولو لمرة واحدة في جناحه..
فقد يرى وجهها حينها..
ولكنه في هذا الأمر لم ينجح ولا لمرة واحدة!!
منذ ماحدث بينهما في المرة الأخيرة وهو يراجع طبيبا نفسيا..
الطبيب يقول له منذ عدة أسابيع أنه ماعاد فيه ما يستدعي الزيارة!!
فكل ماهنالك أنه رجل عاشق عجز عن السيطرة على مشاعره
وأظهر عقله الباطن هذه المشاعر سواء بمناداته له أو بإمساكه القوي له..
كل ما يحتاجه هو تقنية السيطرة على مشاعره وتوجيهها التوجيه الصحيح..
فهو كان يناديها واستمر في منادتها لأنه لم يخبرها بمشاعره كما يجب!!
لو أنه لم يسكت عن إخبارها بمشاعره بعد أيام من زواجهما..
لكان كبت السنوات كله ليخفف رويدا رويدا.. لتتحول مشاعره لاتجاه إيجابي..
لكنه عاود كتم مشاعره.. لذا استمر في مناداتها كما كان..
وحين شعر أنه ماعاد قادرا على مزيد من الكتمان ومشاعره تتحول نحوها لاتجاه أكثر قوة وتجذرا هو كان يرفضه..
كان تمسكه بها بهذه الطريقة لدرجة أن تغوص أنامله في جسدها!!
هكذا فسر له الطبيب حاله.. وعلمه على تقنية السيطرة على المشاعر..
ولكنه مازال يخشى عليها هي من مشاعره التي يشعر بها تتضخم كل يوم أضعافا مضاعفة عن اليوم الذي قبله..
يخشى عليها من حبه.. الذي يخشى أن يكون خطرا عليها!!
***************************************
اليوم التالي
.
.
" جميلة يأمش.. وجهش كلش مهوب زين من صبح..؟؟
جميلة بإرهاق: مارقدت من أمس يمه.. تعبانة باموت أبي أرقد..
تكفين يمه.. خلني أكل بنادول نايت ..
عفراء بإصرار غاضب: أنا حالفة عليش من زمان إن ذا البنادول ماعاد يطب حلقش!!
جميلة بإرهاق عميق: يمه صرنا عقب الظهر وأنا مارقدت.. أنا ما أصلي.. خلني أكل بنادول وأنام..
تكفين يمه..
عفراء برفض: إذا فيش نوم بترقدين بدون حبوب..
ثم أردفت عفرا بإبتسامة: ترا ذا الطبع أنتي خذتيه مني.. أنا عقب ما تعودت على النوم جنب منصور..
اليوم اللي عنده زام في الليل ما أقدر أنام!!
جميلة بحرج جازع: يمه وش دخل؟؟
ضحكت عفرا: وش دخل؟؟ كل السالفة إنش مشتاقة لفهد وعشان كذا منتي بقادرة تنامين..
لا تعبتي بتنامين!! وماوراش شي.. حن في إجازة الربيع ذا الحين..
جميلة زفرت بغضب: غلطانة يمه.. أساسا أنا أبيه يفك مني شوي عشان أرتاح..
عفراء بإبتسامة عذبة: على أمش ياجمول؟! الحين انتي البارحة أو قبل البارحة.. أو الشهر اللي فات..جاش ذا الأرق؟؟
جميلة تحاول أن تتذكر.. وتتمنى أن تكون شعرت بهذا الأرق.. تعتصر ذاكرتها.. فلا تجد شيئا..
ما تتذكره أن فهدا يمد ذراعه لها.. لتضع رأسها على كتفه..وتدفن وجهها في عنقه..
وهو يهمس لها بدفء موجع بالكثير من الكلمات التي تعي بعضها ولا تعي البعض الآخر لأنها تكون غرقت في النوم!!
جميلة زفرت وهي تحاول أن تهمس بطبيعية: زين عمي منصور ماقال لش إن فهد كلمه..؟؟
عفراء هزت رأسها بلا.. وهي تتلقى بإبتسامة حنونة زايد الذي بدأ يخطو خطواته الأولى منذ أيام!!
************************************
تعبر أمامه بتوتر..
وهي عائدة للتو من بيت ابنها..
وتعلم أنه لا يوجد في البيت سواهما بعد ذهاب كاسرة وكساب منذ الصباح للمزرعة..
لأول مرة يخلو عليهما البيت منذ عودتها من المستشفى!!
حتى لو سافر كساب لعمل.. فكاسرة موجودة معها..
ولا تستطيع أن تبقى في بيت ابنها وهم يعلمون أن زايدا في البيت!!
همست بالسلام وهي تعبر من أمامه متجهة للأعلى!!
رد عليها السلام وهو يهتف بحزم قبل أن تهرب:
زين تعالي اقعدي معي شوي.. أنا ما تعشيت.. وخاطري أشوف حد قدامي وأنا أكل!!
توترت بشدة..
فهي لا تضطر للجلوس معه إلا في وجود مزون أو شعاع.. وكلاهما يمثلان الطبيعية رغم أنهما يجلسان متباعدين..
وعلى كل حال لم تجلس معه وحيدة مطلقا!!
وهــــي
في غيابه الحقيقي/ وجوده الظاهري
متوترة.. ويائسة.. ومرهقة..
تعبر شهور حملها الثقيلة وحيدة.. تئن طوال الليل من الألم ..
وأقصى ما تحلم به هو يده تشد عليها كلما اعتصرتها الآلام!!!
تدعي أنها بخير أمام الجميع بلا استثناء..
رغم أن حملها منهك جدا.. لا تكاد تتنفس من الثقل الذي تشعر به..
وتعاني من الزلال.. وقدماها منتفختان على الدوام..والمشي بات أشبه بمأساة لها..
ومع ذلك تمشي.. وتمشي.. وهي تقوم بمهامها للجميع دون أن تشتكي..
بنتا لجابر..
وأما لأبنائها وأبناء زايد.. ولسميرة ونايف معهم..
وربة لبيت زايد وهي تهتم بترتيب أغراضه وعزائم ضيوفه..
هي كل شيء..... إلا امـــرأة....
تفتقد لشريك حياتها ووجوده جوارها إلى حد الوجع المضني!!!
وقفت أمامه دون تجلس.. وصحن العشاء الليلي الخفيف مغطى أمامه منذ وقت طويل..
همست بسكون: العشا شكله برد.. خلني أسوي لك غيره..
أجابها بثقة: هو أساسا بارد.. سلطة وسندوتش وعصير.. بأكل الحين
بس اقعدي..
جلست.. وهي ترخي ثوبها الطويل على قدميها حتى تخفيها..
حينما يجلس شخصان وحيدان..
ملاحظة كل منهما للآخر تقفز للذروة..لأن تركيز كل منهما على الآخر
فكيف بمن هما في حالهما؟؟
كل منهما سيموت ليحضى بنظرة من الآخر!!
خشيت فعلا أن يرى قدميها.. ولو كان معهما أحد ثالث ربما لم تكن لتخشى أن يلاحظ..
وهو أيضا.. بدت له حركتها في إخفاء قدميها غير عفوية إطلاقا..
لذا هتف بحزم مباشر: مزنة رجلش وش فيها؟؟
مزنة همست بحزم مشابه: مافيها شيء؟؟
زايد بذات الحزم: زين ليش تدسينها؟؟
ردت بذات المستوى الذي لا يتذبذب من الحزم: مادسيتها.. واسمح لي.. تبي تتعشى أو أقوم أروح لغرفتي؟؟
زايد بأمر صريح: خلني أشوفها..
مزنة وقفت وهي تهتف بثقة: اسمح لي..
أجابها بنبرة حادة أقرب للغضب: تعصيني؟؟ قلت لش خلني أشوف رجلش..
تنفذين..
واقعدي أنا ماقلت لش قومي!!
مزنة تنهدت وهي تجلس: زايد هذا مهوب أسلوب تكلمني فيه..
زايد شد له نفسا عميقا..
يتمنى لو قال الكثير.. وبأسلوب مختلف.. مختلف..!!
هتف بمهادنة راقية: الله يهداش أقول لش أبي أشوف رجلش.. تعاندين..
مزنة تنهدت بيأس: ما أبيك تشوفها.. من حقي تحترم رغبتي...
زايد بإصرار: ومن حقي تطيعين أمري..
قالها وهو يقف ليجلس جوارها ويرفع طرف ثوبها بنفسه.. ليكشف عن ساقيها وقدميها..
مزنة تمنت أن تمنعه.. فالموقف كله محرج ومؤثر وموجع.. لأول مرة يجلس جوارها منذ أشهر.. ليتصرف هذا التصرف!!
وتعم أنها لو حاولت منعه سيعاند أكثر.. وهي مرهقة تماما نفسيا جسديا!!
تتمنى لو كانت لبست حذاء رياضيا كما كانت تفعل طوال الفترة الماضية حتى لا يلاحظ أحدا ساقيها..
لكنها اليوم تهورت ولبست صندلا.. لأن كل شيء بات يضايقها فيها..
وهي تعلم أن لا أحد في بيت تميم إلا والدها..
لأن تميم دعا وضحى وسميرة للعشاء خارجا الليلة!!
زايد حين رأى قدميها .. تراجع بجزع وهو يكاد يئن..يئن فعلا!!
يكاد يقسم أن صندلها الذي تلبسه أكبر بخمس مقاسات عن مقاسها السابق..
كان شكل قدميها مرعبا..كانتا متضخمتان.. وخطوط الصندل تغوص فيها بشكل واضح..
وساقاها متضخمتان بشكل أكبر والضربات واضحة فيهما لأن من يعاني من الزلال.. أي ضربة حتى لو كانت بسيطة تترك أثرا واضحا!!
همست بسكون موجوع: ارتحت الحين؟؟
بينما زايد هتف برعب مثقل بالرجولة: أنتي صاحية؟؟ تدرين إنش المفروض ما تمشين كلش..
أشلون وأنتي أساسا ما تقعدين على حيلش؟؟
مزنة تنهدت: خلاص هانت.. بأدخل شهري قريب..
زايد يشعر أنه لشدة الألم يريد أن يبكي فعلا..
أ تكون تعاني هكذا.. وهي تعبر أمامه بخطاها الثقيلة.. وهو لا يشعر بها حتى!!
هتف بحزم موجوع: والكلى عندش أشلونها؟؟
مزنة هي من تريد أن تبكي فعلا الآن.. تأثرها يقفز للذروة وهي تحاول أن تجيب بثبات:
زينة..!!
أجابها بغضب حقيقي: كذابة.. مستحيل يكون الزلال معش كذا.. ومايكون متعب الكلى..
تنهدت مزنة بيأس: تعب وقتي.. بيروح لا ولدت..
زايد غضبه يتزايد ويتزايد: والبهايم اللي عايشين معنا.. مايشوفون حالتش..
أشلون ساكتين ومخلينش طالعة نازلة الدرج وأرجيلش كذا ؟؟
وإلا عادي.. كل واحد ماهمه إلا نفسه؟؟
مزنة بسكون: الزلال في أرجيلي بس.. وأنا على طول لابسة جوتي رياضة..
ماحد يدري..
كل واحد مشغول بهمه.. ليش أشغلهم بنفسي بعد؟؟
يا الله .. أتكون تعاني كل هذا؟؟
وهو لا يخفف عنها حتى بكلمة .. والكل لاه عنها هكذا!!
زايد هتف بحزم بالغ: خلاص.. فوق والله ماعاد تطلعين.. بتنامين تحت..
مزنة بحزع حقيقي: وين تبيني أنام؟؟
زايد تأفف: لا تخافين ما أبيش تنامين عندي..
الجناح اللي جنبي فاضي.. من الليلة بتنامين فيه..
مزنة تنهدت.. تعلم أنه لن يتراجع مادام قد حلف: زين خلني لين بكرة..
لين أجيب أغراضي..
زايد بصرامة: أنا حلفت وانتهينا..
الليلة أنا بأجيب لش اللي تحتاجينه.. ومن بكرة الخدامات ينزلون أغراضش.. والله ما تحطين يدش في شيء..
مزنة حرجها يتزايد: زايد الله يهداك منت بعارف تجيب لي أغراضي.. بأطلع أجيبها وبأنزل..
زايد تنهد بحزم أشبه بتنهيدة الوجع: تراني كنت معش في غرفة وحدة لشهور..
يعني مالحقت أنسى وش تستخدمين.. وش تلبسين..
" ليتكِ تعلمين كم استعدت في ذاكرتي
كل عاداتك اليومية كشريط لا أمل من إعادته وتكراره..!!
حتى حفظت كل شيء كمقرر سيمتحنونني فيه!!
أنا الآن أكثر معرفة مما مضى!!"
مزنة لا تنكر تأثرها المتعاظم..
ففي خضم كل هذا الإرهاق.. يكون الإنسان بحاجة للمسة حانية مهما يكن..
فكيف واللمسة الحانية منه؟؟
كيف استطاع اكتشاف كل آلامها من أول جلسة معها..
بينما الجميع يمرون عليها وكأنهم لا يبصرونها!!
قد يكون أبنائها مهتمون لأبعد حد بها.. لا تنكر.. لكن لا أحد منهم لاحظ ما تخفيه!!
لا أحد منهم كلف نفسه أن يفتش خلف ماتخفيه أمه القوية التي يريدها قوية على الدوام..
لكن هــــو بحث عن ضعف الأنثى فيها... ووجـــده!!
صعد بالفعل وأحضر أغراضها ووضعها في كيس..
وهي مازالت تجلس في الصالة السفلية ممزقة بين حرجها وتأثرها..
هتف لها بحزم: عطيني يدش أقومش..
مزنة بحرج: زايد الله يهداك أنا جاية من عند إبي أمشي مافيني شي..
تبي تمشيني ذا الخطوتين!!
زايد تنهد.. قد تكون محقة.. ربما هو يبحث عن أي سبب ليلمسها!!
ليشعر بملمس أناملها بين أنامله من جديد..
أو ربما هو فعلا يشعر بالذنب تجاه تركه لها تعاني كل هذا دون أن يبدي أي اهتمام بها!!
**************************************
" ها يامش الساعة صارت تسع.. ماتبين تنامين؟؟"
جميلة بنبرة مرهقة تماما: مافيني نوم..
منصور بنبرة رجولية حنونة: خلها لين تعشى وعقبه تنام..
جميلة تتجه بالحوار لمنصور وهي تهمس بخجل: يبه فديتك.. فهد كلمك؟؟
منصور بأبوية: لا يأبيش.. كلميه.. خلصوا تدريب أكيد من زمان..
جميلة شعرت بتشوش ما.. كيف يقول لها أن تهاتفه وهاتفه ليس معه..
همست بحذر: أخاف تلفونه مهوب معه!!
ابتسم منصور: دام طلع من التدريب أكيد معه.. وين بيروح؟؟
ليه أنتي ما كلمتيه تطمنين عليه البارحة؟؟
جميلة بحرج: بلى كلمته.. بس اليوم ماكلمته!!
جميلة حملت هاتفها وخرجت..
" معقولة يكذب علي وماخذوا تلفونه؟؟
زين ليش؟؟
ليش يافهد؟؟"
جميلة تنهدت وهي تتصل بعمتها أم صالح..
بعد السلامات المعتادة همست بطبيعية: يمه فهد كلمش الليلة لأني أكلمه تلفونه مسكر؟؟
أم صالح بعفوية حنونة: توه مكلمني من شوي فديته..
جميلة سألت بحذر وهي تشعر بتوجس عميق من الإجابة : كلمش من تلفونه؟؟
أو تلفون ثاني..؟؟
أم صالح تستطيع أن تقرأ قليلا وإن كانت لا تكتب.. وهي تحفظ الأرقام والاسماء المخزنة في هاتفها..
فجرت الإجابة تأثرا عميقا في نفس جميلة وهي تسمع جواب أم صالح القاطع:
من تلفونه يأمش..
جميلة ألقت الهاتف جوارها وهي تنفجر في بكاء غير مفهوم..
بكت بعمق شفاف.. كما لو كانت تكتم وجعا عميقا منذ زمن وتشعر الآن برغبة في تحريره!!
لم يخرجها من دوامة البكاء سوى رنين هاتفها..
لم تكن تشعر برغبة لسماع صوت أي أحد أو الرد على أي اتصال
سوى اتصال شخص واحد.. تريد أن تفرغ فيه غضبها الذي تشعر به الآن..
تريده أن يتصل فيها الآن لتصرخ فيه وتعاتبه وتسبه..
تركت الرقم الذي لم تعرفه يرن حتى انقطع!!
ثم انتفضت بجزع وشيء مرعب وجارح يخطر ببالها..
"الخاين النذل الخسيس يمكن أساسا ما يكون عنده دورة
ويمكن أساسا ماراح الامارات!!
الله أعلم وين راح؟؟ ووش يسوي؟؟
الخاين.. والله لأسود عيشتك.. والله لأسود عيشتك!!"
تناولت الهاتف من فورها لتتصل بفهد بأنامل مرتجفة.. وغضب عارم يجتاح روحها..
فور تناولها للهاتف... وردها اتصال من ذات الرقم الغريب..
فتحت الاتصال دون أن تقصد..
لتتفاجئ بالصوت الرجولي غير الغريب أبدا وهي تهمس بصدمة كاسحة:
خــــلــــيــــفـــــة؟؟!!!
**************************************
" كاسرة.. تعالي بس..
حن جايين هنا عشان تقعدين في المطبخ؟؟"
كاسرة بمودة: بأسوي لك عشا بس..
كساب بمودة أعمق: العشا تلاقين الطباخ سواه أساسا..
وأنا ما أبي عشا..
شوفتش قدامي مثل الحلى اللي عقب العشا..
خبرتي حد يتعشا عقب ما يأكل الحلى ؟!!
ابتسمت برقة: لا ماخبرت.. مثل إني ماخبرت إنه حد يشبع من كلام..
ومع كذا أنا شبعت مع أني كنت جوعانة..
ابتسم كساب وهو يشدها لتجلس جواره: بنتعشى بس بعد شوي
لو مهوب عشاننا... عشان ولدنا مايموت من الجوع..
ثم أردف باهتمام: إلا أنتي ماقلتي لي.. عجبتش المزرعة عقب التغييرات اللي سويتها فيها؟؟
كاسرة احتضنت عضده برقة وهي تهمس بعفوية حانية: تجنن والله..
أصلا أنت كل اللي تسويه يجنن..
ليتك بس تدري وش كثر..................
بترت عبارتها شعرت لثقل ما ستقول أنها عاجزة عن إخراجه كما تشعر به..
بينما هو شعر لحظتها كما لو أن دقات قلبه توقفت انتظارا لما ستقوله..
أنفاسه أصبحت ثقيلة لأبعد حد وهو يهمس بهذا الثقل كما لو أن خروج الكلمات يمزق حنجرته: وش كثر ويش؟؟ ليه سكتي؟؟
همست بإبتسامة تخفي خلفها أنفاسها اللاهثة المتقطعة: وش كثر خاطري أسمع منك سالفة دخلتك السجن واللي صار عقبها؟؟
كساب بإصرار موجوع ( أحقا كانت ستقولها؟!!) : لا ماكانت كذا.. أنا متأكد..
همست كاسرة بابتسامة عذبة مثقلة بالولع: إذا قلت لي السالفة.. كملت لك العبارة اللي أنت صرت عارف تاليها..
حينها ابتسم كساب بأمل شفاف: وعد.. اسمع الجملة كاملة.. لو قلت لش السالفة كاملة..
بس تجمدين لي قلبش..
ابتسمت بحماس: قلبي حديد وجامد.. والجملة تبيها مقدم قلناها..
شد كفها بولع حقيقي: خليها في الآخر عشان الكلام يجر كلام أكبر!!
وخلينا في سالفتي أخلص منها ومن همها..
وعشان تفهمينها عدل.. لازم نرجع بالزمن ورا خمس سنين ونص بالضبط...
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل 107 - بقلم HaboOoshy
تناولت الهاتف من فورها لتتصل بفهد بأنامل مرتجفة.. وغضب عارم يجتاح روحها..
فور تناولها للهاتف... وردها اتصال من ذات الرقم الغريب..
فتحت الاتصال دون أن تقصد..
لتتفاجئ بالصوت الرجولي غير الغريب أبدا وهي تهمس بصدمة كاسحة:
خــــلــــيــــفـــــة؟؟!!!
صوته وردها مرتبكا محرجا بعيدا: مساج الله بالخير جميلة...
ردت بارتباك أكبر: هلا خليفة.. فيه شيء؟؟
عمي أحمد فيه شيء؟؟
خليفة ارتبك أكثر..وأكثر... وكثير مما يريد قوله يتسرب من خياله...
( أ حقا هذا صوتها؟؟ لماذا يبدو لي مختلفا؟؟
خاليا من نغمته الحلوة..
بل أقرب للبلادة!! )
خليفة يجمع كل حزمه رغم ارتباكه: أنا صار لي 3 شهور أنتظر ذا اللحظة..
حسبت لها يوم بيوم وشهر بشهر..
جميلة تشعر باستغراب عظيم وبضيق أعظم.. تتمنى لو انتهى هذا الاتصال بسرعة..
تشعر أنها تخون فهد بتلقيها لهذا الاتصال والسماح لصوت خليفة بدخول أذنها
وهي تعلم غيرة فهد الشديدة وتضايقه من مجرد اسمه..
بل شعرت بإحساس غريب وهي تسمع صوت خليفة بعد مرور كل هذا الوقت..
أن زخم حضور خليفة السابق في روحها يتضاءل ويتضاءل.. وهي تراه باهتا تماما أمام إشعاع فهد وألقه في روحها..
كما لو أنك أطفأت مصباحا فجأة... ثم أشعلت مصباحا آخر فورا..
همست بهذا الضيق والاستغراب: وليش 3 شهور بالضبط؟؟
خليفة ارتبك أكثر.. وأفكاره تتشوش تماما... يتمنى لو أنه لم يتصل..
بدت له هذه المرأة غريبة.. باردة.. جافة..
وخالية تماما مما كان يفتنه فيها!!
(وش كان عاجبني فيها؟؟!!)
يشعر لأول مرة برغبة عارمة أن يترك كل هذا ليتوجه ليدفن وجهه بين كفي زوجته ويغمرهما بقبلاته..
وهو يعلم أنها تنتظر مولودهما الأول بين لحظة وأخرى بعد أنهت شهرها التاسع تقريبا..
وتوجهت لتقضي أيامها الأخيرة عند أهلها.. بعد أن يأست أنها قد تثير في نفسه التفاعل الذي تتمناه..
بينما هي تكاد تقتل نفسها لتحصل منه على مجرد ابتسامة رضا..
يضن بها عليها وهو يتسربل ببرود غريب رغما.. رغم أنه يحاول أن يبدي لها طيب تعامله ردا على طيب تعاملها..
ولكنه كان يحلق في عالم آخر بعيدا عنها.. وهي احتملت من أجله كل شيء!!
حرر عنقه من أزراره العلوية.. وهو يشعر بالاختناق والكلمات تجف على شفتيه..
وجميلة همست بذات الضيق والحرج: خليفة فيه شيء؟؟ أو اسمح لي أسكر..
خليفة باختناق: أنا كنت أنتظرج تخلصين عدتج.. عشان يكون لي حق أكلمج..
جميلة بصدمة: عدة؟؟ أي عدة؟؟
خليفة بحرج أشد: سمعت إنج تطلقتي قبل 3 شهور..
جميلة باستنكار: تطلقت؟؟ من اللي قال ذا الخرابيط..
عمي أحمد قال لك كذا..؟؟
خليفة حرجه تزايد وتزايد: لا.. وحدة من خالاتي قالته.. وأنا حفظت الوقت واستحيت أسأل عن التفاصيل..
جميلة تنهدت وهي تهمس بحزم: غلطان أنا ما تطلقت..
ولولا حشمتك كنت سكرت التلفون لأني ما أرضى أكلم رجّال غريب من ورا رجالي..
خليفة حينها ابتسم..ابتسامة شاسعة...
شعور غريب بالحرية والانطلاق اخترم روحه من أقصاها إلى أقصاها..
كان يظنها طُلقت بسببه.. وخطرت بباله عشرات الأفكار التي حالت بينه وبين زوجته..
ثلاثة أشهر وهو ينتظر شيئا لا معنى له..!!
وشهور قبلها يبكي حلما فر من يديه... حلم لم يكن يوما له..
يبتسم لأنه الآن حر..
يبتسم لأنه لو لم يكلمها لكان بقي أعمى طوال عمره من أجل شيء لا يستحق...
كم يبدو لنا الشيء عظيما لأنه بعيد.. ولم نحصل عليه..
بينما ماهو بين أيدينا هو الأعظم والأجمل..
قد تكون جميلة حلما جميلا.. تعب من أجله وتمناه.. وزاد من حسرته أنه لم يستطع الوصول له..
لكن زوجته كانت حقيقة واقعة.. واقع ناضج.. وصله دون تعب... لذا لم يتحمس له..
لم يفكر ببساطة أن زوجته كانت مكافأة له على أيام الشقاء التي قضاها مع جميلة..
وكم من الأشياء العظيمة تكون بين أيدينا... وتضيع.. لأننا لا نعرف قيمتها..
سعيد لأنه عرف قيمتها قبل أن يفوت الآوان..!!
هتف بذات الابتسامة: أنا بس حبيت أقول لج..
إنج بنت عمي وعلى رأسي.. وتأكدي دوم إن وراج أخوان..
وأنا يوم طلقتج.. طلقتج لأني كنت مجروح وايد من تصرفج معاي..
ما قصدت أقلل من قدرج ولا قيمتج وادري إني غلطان وأنا آسف سامحيني..
كان لازم أقول هالكلمتين عشان أقدر أعيش مع زوجتي بدون ما أحس بالذنب..
زوجتي مرة مافي مثلها.. بس لاني حاس بالذنب من ناحيتج ماقدرت أقول لها وش كثر هي نادرة..!!
وش كثر أنا أحبها..!! وش كثر أنا سعيد إنها بتيب لي ولد أو بنت تعطيهم من طبايعها الرايقة وقلبها الطيب وروحها الحلوة..!!
ابتسمت جميلة ابتسامة شاسعة بشفافية: أنت متصل لي عشان تتغزل بزوجتك؟؟
كلمها وقول لها ذا الكلام كله..
خليفة ضحك.. وضحك.. وضحك.. : الحين بأروح بنفسي وأقول لها ذا الكلام وأكثر..
لم يكن مطلقا هذا هو الكلام الذي خطط ليقوله لجميلة..
كان هناك كلام مختلف.. تبخر كله حالما سمع همسات جميلة.. وقبل أن يعلم أنها ليست مطلقة حتى..
وصورة زوجته تتضخم وتتضخم لتحتتل هي كل الذاكرة وأكثر..
جميلة همست بشجن: وقبل ما تسكر ودامك كلمتني بنفسك..
خلني أقول لك.. إنك أنت رجّال مافيه مثلك.. والله يهنيك مع مرتك..
وأنه جميلك فوق رأسي طول عمري.. وإني لو شكرتك ألف مرة ما وفيتك حقك...
وأنا يوم مارضيت أرجع معك من المطار.. ماعفتك..
لكن كنت أبيك أعطيك حرية الخيار بس..
وسبحان الله هذا أنت لقيت نصيبك وأنا لقيت نصيبي..
لأنه نصيبنا عمره ماكان مابعض..!!
انتهى الاتصال...
وجميلة اختلطت شفافية دموعها بابتسامتها..
إحساس خيالي بالحرية والانطلاق والرحابة.. تشعر به..
لا تعلم.. لو لم يهاتفها خليفة كيف كانت ستبقى على عمى بصيرتها..
وكأن الأمرين يجتمعان ليزيلا الغمة من أمامها...
سفر فهد.. واتصال خليفة...
فلو أن خليفة اتصل وفهد كان موجود لا تعلم كيف كان من الممكن أن تكون النتائج..
ولو أن فهدا سافر.. وخليفة لم يتصل.. لربما بقي إحساسها بخليفة يكدر علاقتها بفهد..
فهل لابد لنا من هزة لتفيقنا من الغيبوبة؟؟!!
جميلة تنهدت من أفكارها وهي تمسح دموعها وتتنهد بعمق.. تتنفس أنفاسا مثقلة بعبق حرية مختلف تماما..
لتعود وتتذكر المهمة المعلقة..
فـــــــــهـــــــد..!!
تشعر الآن أنها ستجن من إحساس لذيذ اســمــه (الـغـيـرة )!!
وكل شيء يبدو واضحا أمامها لدرجة صفاء الصورة المذهل..
قلبها يُعتصر.. يعتصر من كل شيء!!
وأكثر شيء يعتصر قلبها.. اشتياقها له..
مشتاقة له كأنه غائب من عامين وليس من يومين... وكأنها باشتياقها له تريد أن تعوضه عن برودها معه لليالي متطاولة!!!!
جمعت كل شجاعتها.. واتصلت..
حينها كان فهد يتعشى مع مجموعة من زملائه في مطعم..
حين رأى اسمها يضيء الشاشة.. كادت الملعقة تسقط من يده..
وهو يضع الهاتف على الصامت.. وينتظر قليلا ليتماسك!!
بينما هي اتصلت عدة مرات ولم يرد عليها..
كادت تجن وهي تحاول دون رد عليها..
هو ماعاد قادرا على أن يتناول لقمة واحدة .. ثم استأذن وخرج للشارع ليكلم بحريته..
" غريبة.. وش عندها متصلة؟؟
لا تكون غلطانة الأخت بس!! "
حالما وصلها اتصال منه..
تصاعدت دقات قلبها بعنف..
إحساس جديد آخر تختبره لأول مرة!!
هذه اللهفة... والأنفاس المبهورة.. والدقات المتصاعدة!!
فتحت الهاتف لتجيب فورا بحزم مقصود يخفي اختلاج أنفاسها: يعني تلفونك معك؟؟ ماخذوه منك؟؟
أجابها ببساطة أقرب للسخرية: هذا أنتي يوم فكرتي تتصلين لقيتيه معي..
جميلة بغضب: وليش قلت لي إنهم بيأخذونه..
وش عندك ما تبيني أعرفه؟؟
فهد يشعر باستغراب حقيقي (وش عندها ذي): نعم؟؟ وش عندي يعني؟؟
جميلة بذات النبرة المشتعلة: أنت أدرى؟؟
ثم أردفت بإصرارها المشتعل:وينك الحين ووش تسوي؟؟
أجابها ببساطة: في مطعم.. أتعشى..
سألته بحدة: ومن اللي معك؟؟
نهرها بحزم: نعم؟؟ تسألين من معي؟؟
مالش شغل...
جميلة انفجرت: الرجال اللي يكذب على مرته كذا..
يكون عنده شيء داسه.. كنه سواد وجهه!!
فهد صرخ فيها بغضب: أص ولا كلمة... إني ولد إبي.. أنا تقولين لي كذا؟؟
زين ياجميلة دواش عندي لا رجعت..
حينها انفجرت تبكي بهستيرية: زين ارجع.. ارجع وسوي فيني اللي تبيه بس ارجع.. ارجع الحين..
فهد لم يفهم نبرة الوجع والاشتياق في صوتها!!
أو ربما لم يصدقها !!.. أو لم يستوعبها..!!
فكل مافهمه أنها تتحداه.. وكأنها تقول (كن فيك خير ارجع وسو اللي تبي)
هتف بغضب حقيقي: كلها كم يوم وأرجع.. وأقص لسانش اللي يبي له قص!!
أغلق هو الهاتف في وجهها..
وألقت هي هاتفها جوارها وهي مستمرة في النحيب.. بلا توقف..
بلا توقف!!!
*************************************
" ها وضحى أوديش لبيتش..
وإلا تروحين معي لبيتنا وتكملين السهرة معنا لين يجيش نايف"
وضحى تشير بمودة: أبي بيتي فديتك.. الساعة صارت 11..و نايف معزوم على العشاء عند رياجيل..
وأكيد على وصول!!
أبي أكون قبله في البيت...
وضحى نزلت لتتفاجأ بوجود نايف ومعه شقيقتيه نورة وسلطانة..
سلمت عليهم.. ثم جلست جوار نايف وهي تهمس في أذنه بمودة:
ليش ماقلت لي إنهم هنا.. كان رجعت بدري..
نايف همس بمودة باسمة: هم اهجموا علي وأنا كنت بأروح للعشاء..
قلت دام طلعتي خربتي ليش أخرب طلعتش..
تونا تعشينا.. وهذا أنا معهم .. وش يبون بعد؟؟
ولكن لم يكن رأيه كرأيهن.. إذ همست نورة بنبرة أقرب للغضب:
والله يأمش ماخبرت المرة تلوب بين البيوت ورجالها قاعد يحرس البيت..
(تلوب= تدور بالمعنى السلبي
لوبة= اسم لمن لا تقر في بيتها)
وضحى تنهدت بعمق وهي تشد لها نفسا عميقا وتحاول أن تتحامل على نفسها:
أنا طلعت مع أخي ومرته.. ونايف كان بيطلع وراي.. لأنه معزوم على عشا..
لو دريت انكم بتجون ماكان رحت..
حينها سألت سلطانة بفضول: مرت أخيش ماحملت..؟؟
وضحى شدت نفسا آخر: لا.. الله يجيب خير من عنده..
حينها هتفت نورة بمباشرتها القاسية: الظاهر أخوانش كلهم عندهم مشاكل..
كاسرة ماحملت إلا عقب سنة..
وذا تميم كملت مرته سنة ونص ماحملت..
وأنتي قدش بتكملين ست شهور..
وضحى ابتلعت عبرتها بالفعل.. قد يكون موضوع الحمل لا يشغلها حاليا لا هي ولا نايف.. فما زال الوقت مبكرا..
لكن هذا التجريح الجامع جرحها بالفعل..
والأسوأ أنها كانت تنتظر من نايف تحركا ما..
لم تكن تريد أن ترد عليهم في وجوده.. قررت أن تصمت حتى ترى ردة فعله..
وهو لم ينطق بحرف.. ووقت الرد فات..
وخصوصا أن نورة عاودت الاستئناف بذات المباشرة الحادة:
اللي أنا مستغربته بنت آل ليث اللي كنها زبدة وش مصبرها على أخيش..؟؟
أطرم ولا فيه عيال...
حينها انفجرت وضحى فعلا وهي تقفز واقفة وترتعش: لا.. لين هنا وبس..
حتى أخي.. لحقتوه بالحكي..
انتهينا..
أنا طالعة من ذا البيت اللي رجالي ماعرف يحشمني فيه..
من يوم خذته وأنا حاشمتكم من حشمتي له.. وأنتو ما حشتموني عشانه..
وليش تحشموني وهو أساسا ماحشمني!!
وخلا كل وحدة منكم تمد لسانها علي وش طوله!!
نايف أخيرا نطق بتمزق: وضحى عيب عليش..
وضحى انفجرت بغضب أشد: الحين طلع لك لسان.. الحين حكيت..
اشبع بخواتك وخلهم يشبعون فيك..
أنت أساسا ماتبي لك مرة.. تبي لك بقرة..
تأكل علف وتهز رأسها وهي ساكتة..
أنا خلصت من ذا الدور... شبعت من دور البقرة..
دور لك بقرة غيري..
سلطانة بذهول توجه الحوار لشقيقها: أنت بتسكت وهي تسبك كذا..؟؟
وضحى ماعادت تسمح لأحد أن يتكلم وهي متفجرة تماما:
وش تبين بعد؟؟
يضربني قدامكم عشان ترتاحون؟؟
قلت لش أنا طالعة.. باخلي لكم الجمل بما حمل..
اشبعوا في أخيكم.. لأنه أنا مالي رجّال في ذا البيت..
الرجال هو اللي نزلني هنا.. وراح..
والحين بيرجع يأخذني..
وضحى أنهت عبارتها وخرجت فعلا وهي ترسل رسالة لتميم أن يعود ليأخذها فورا بدون تأخير..
لأنها ستنتظره في الشارع..
نايف للتو يفوق من الغيبوبة.. كان يريد الركض خلفها...
لولا أن نورة حلفت بصرامة: والله لا تطلع وراها إني ماعاد أرفع برقعي لك..(يعني أهجرك من السلام)..
وأن لساني ما عاد يخاطب لسانك..
خل بنت مزنة.. خلها...
مثل ماطلعت بروحها.. بترجع بروحها وهي ماتشوف الدرب!!!
نايف ينظر نحو الباب بتمزق حقيقي: نورة الله يهداش.. عيب في حقي أخلي مرتي تطلع ذا الحزة من بيتها..
بأوصلها بيت أهلها بس..
استغفري يأخيش.. طالبش..
نورة بصرامة أشد: أنا حلفت خلاص..
وكنك فجرتني؟؟.. والله ماعاد أعرفك.. لا أنت أخي ولا أعرفك..
واشبع حزتها ببنت مزنة!!
**************************************
هاهما وصلا مكانها الجديد منذ بعض الوقت..
وهي جلست على المقعد.. بينما مازال هو واقفا..
هتف زايد بحزم: منتي بمبدلة ملابسش؟؟
مزنة بحرج: زايد الله يهداك.. إذا طلعت بدلت..
زايد بإصرار: باقعد هنا لين تنامين..
عاجز عن الاقتراب.. لكنه أيضا عاجز عن الابتعاد.. يريد أن يرى وجهها..
كيف أثرت فيه علائم البعد؟؟
هل حفرت فيه علائم الشوق كوجهه؟؟
يريد أن يشعر برائحتها قريبة.. يراها خارج إطارها الرسمي الذي تسربلت به طوال الأشهر الماضية..
تتنهد هـــي بيأس وهي تراه قريبا هكذا..
وحيدان.. وكل ماحولها يضغط عليها لتتقبل قربه الذي يعرضه..
ولكنها تخشى أن تقبل هذا القرب.. فيعود هو لدوامة الذنب التي تعلم أنها تخنق روحه الطاهرة..
سيعذب نفسه ويعذبها..
وعذابها لا يهمها.. فقد اعتادت الألم.. ولكنها لن تحتمل رؤية ألمه مرة أخرى..
وهو يرجوها أن تتركه لأنه يتعذب في قربها...
زايد تنهد بصرامة: مزنة لا تصيرين عنيدة كذا..
أبي أتاكد إنش تمددتي قبل أروح..
وإنش ماتبين شيء..
عاجبش حالتش؟؟
كانت مزنة على وشك الرد.. لولا الاتصال الذي وردها!!
********************************************
" كاسرة.. تعالي بس..
حن جايين هنا عشان تقعدين في المطبخ؟؟"
كاسرة بمودة: بأسوي لك عشا بس..
كساب بمودة أعمق: العشا تلاقين الطباخ سواه أساسا..
وأنا ما أبي عشا..
شوفتش قدامي مثل الحلى اللي عقب العشا..
خبرتي حد يتعشا عقب ما يأكل الحلى ؟!!
ابتسمت برقة: لا ماخبرت.. مثل إني ماخبرت إنه حد يشبع من كلام..
ومع كذا أنا شبعت مع أني كنت جوعانة..
ابتسم كساب وهو يشدها لتجلس جواره: بنتعشى بس بعد شوي
لو مهوب عشاننا... عشان ولدنا مايموت من الجوع..
ثم أردف باهتمام: إلا أنتي ماقلتي لي.. عجبتش المزرعة عقب التغييرات اللي سويتها فيها؟؟
كاسرة احتضنت عضده برقة وهي تهمس بعفوية حانية: تجنن والله..
أصلا أنت كل اللي تسويه يجنن..
ليتك بس تدري وش كثر..................
بترت عبارتها شعرت لثقل ما ستقول أنها عاجزة عن إخراجه كما تشعر به..
بينما هو شعر لحظتها كما لو أن دقات قلبه توقفت انتظارا لما ستقوله..
أنفاسه أصبحت ثقيلة لأبعد حد وهو يهمس بهذا الثقل كما لو أن خروج الكلمات يمزق حنجرته: وش كثر ويش؟؟ ليه سكتي؟؟
همست بإبتسامة تخفي خلفها أنفاسها اللاهثة المتقطعة: وش كثر خاطري أسمع منك سالفة دخلتك السجن واللي صار عقبها؟؟
كساب بإصرار موجوع ( أحقا كانت ستقولها؟!!) : لا ماكانت كذا.. أنا متأكد..
همست كاسرة بابتسامة عذبة مثقلة بالولع: إذا قلت لي السالفة.. كملت لك العبارة اللي أنت صرت عارف تاليها..
حينها ابتسم كساب بأمل شفاف: وعد.. اسمع الجملة كاملة.. لو قلت لش السالفة كاملة..
بس تجمدين لي قلبش..
ابتسمت بحماس: قلبي حديد وجامد.. والجملة تبيها مقدم قلناها..
شد كفها بولع حقيقي: خليها في الآخر عشان الكلام يجر كلام أكبر!!
وخلينا في سالفتي أخلص منها ومن همها..
وعشان تفهمينها عدل.. لازم نرجع بالزمن ورا خمس سنين ونص بالضبط...
تراجعت نبرته لتتحول لشيء غامض.. خليط من وجع ومرارة وذكريات قاسية:
نرجع لأيام ماخلصت مزون الثانوية...
أذكر زين تيك الأيام..
ماكنت أنام .. سهران معها وهي تدرس.. حفظت دروسها من كثر ماكنت أسمع لها..
خليت شغلي وكنت أقعد على باب المدرسة من يوم أوصلها لين تطلع علي..
عشان أشيك معها على إجاباتها..
كنت حاس كأني اللي أمتحن.. من كثر ماكنت أحاتيها..
وعقب ماخلصت... حسيت الأيام ماتمشي وأنا أنتظر نتيجتها..
يوم طلعت نتيجتها فرحت فيها أكثر من فرحتي أنا يوم خلصت ثانوية وجامعة ألف مرة..
أسألها وين تبين تدخلين؟؟ تقول لي طيران.. حسبتها تمزح.. بس هي صممت وإبي قوى رأسها..
حاولت فيها بكل طريقة.. حتى قلت لها بأروح معها أي مكان في العالم عشان تدرس شيء ثاني..
كنت مستعد أوقف حياتي كلها عشانها.. وهي ماهان عليها ترد على رجاي أنا وعلي!!
مع إن ذا السالفة انتهت.. بس حتى تذكرها يوجعني.. ما تخيلين وش كثر ترجيتها.. ماباقي إلا أبكي قدامها..
وهي مارحمتني.. ما تخيلت إن مزون اللي أغلى علي من روحي ممكن تسوي فيني كذا..
مزون ماكانت أختي.. كانت بنتي.. من يوم دخلت صف أول ماكان حد يدرسها غيري..
كنت أعرف أسماء مدرساتها وصديقاتها وكل شيئ يخصها مهما كان صغير!!
كسرتني هي وإبي كسرة شينة.. شينة..!!
صرت حتى قعدة المجالس أتجنبها.. أظن الكل يتكلم عنا.. وعن أختي اللي دخلت طيران!!
وعقبه تجنبت الكل.. دخلت نادي رفع أثقال.. كنت أقعد فيه من الصبح لين الليل.. ما أطلع إلا للمسجد..
أبي شيء أفرغ فيه حرتي وابردها.. وحرتي عيت تبرد.. عيت تبرد..
عقبه قررت أهج برا الدوحة.. سجلت ماجستير ادارة أعمال في أمريكا..
كنت أبي شيء يشغلني عن التفكير والقهر.. لا أستخف..
دراسة الماجستير كانت سهلة علي واجد.. دوام صبح قصير ومقررات سهلة..
كنت أبي شيء يشغلني أكثر..
فدخلت هناك نادي رياضي..
كنت أقعد فيه من يوم أطلع من الجامعة الظهر تقريبا.. وما أطلع منه لين يسكرونه..
كانت طاقة القهر تخليني ما أكل ولا أمل.. خلال 3 شهور بنيت عضلات يبي له الواحد سنة عشان يبنيها..
كان فيه واحد يتدرب معي.. ويراقبني بدقة... والأكيد طبعا إنه سوى تحريات عني..
في يوم قرب مني.. قال لي النادي ذا ما يناسبك.. قدراتك تفوقه بواجد..
أدلك على مكان أحسن هو اللي بتقدر تفرغ فيه طاقتك..
سألته وين مكانه؟؟
قال لي أنا بأوديك.. بس تراه مكان غالي واجد.. مهوب الكل يقدر على قيمته...
وفعلا وداني مكان.. تخيلي يتبع من؟؟
الجيش الأمريكي... طبعا هو غير مصرح إنه يتبع الجيش الأمريكي..
بس أي غبي بيفهم إنه التقنيات والامكانيات ذي لهم...
مكان تتدرب فيه وممكن تأخذ شهادة مدرب جيش لو قدرت توصل لين الأخير...
بس أنا لأني ماني بعسكري الشهادة ذي ماتفيدني!!
بس أنا حسيت بالإغراء والمغامرة... مكان مثل ذا هو اللي بيشغلني فعلا..
تدرين إن الجيش الأمريكي هو اللي مدرب المرتزقة والإرهابيين المنتشرين في العالم..
أي حد يشوفون عنده إمكانيات.. يجيبونه عشان يتدرب.. ويصير له ملف عندهم..
ويأخذون منه مبلغ مهول فعلا...
المهم تدربت عندهم أربع شهور لين خلصت الماستر اللي كان كله سبع شهور..
كنت أروح عندهم من عقب الجامعة لين الفجر..
أتدرب 14 ساعة متواصلة... فخلصت في فترة قياسية كل متطلبات البرنامج..
ما تتخيلين أيش اللي سووه فينا في ذا التدريب..؟؟
كان معاي عيال ناس أغنياء جابتهم هنا البطرة والرغبة في المغامرة..
شفتهم قدامي يبكون مثل البزران..
وفيه اللي شفته يطيح من فوق الجبال ويتقطع..
وفيه اللي مايعرف يفتح المظلة ويتكسر..
وطبعا كل واحد منا موقع إنه المسئول الوحيد عن نفسه!!
بس كله يهون يهون.. قدام اللي شفته عقب..
كاسرة بدأت دقات قلبها تتصاعد بعنف وريقها يجف أكثر وأكثر وهي تسأل بتوتر:
وش اللي صار عقب..؟؟
هتف بسكون موجع والذكريات تستغرقه للبعيد: قالوا اللي يبي شهادة مدرب جيش معتمدة من الطراز الأول..
يسوي الاختبار الأخير..
والاختبار إنه يدخل أخطر سجن في أمريكا لمدة ست شهور.. لو قدر يهرب من السجن قبل الست شهور.. يأخذ الشهادة..
ولو استحمل الست شهور بدون ما يستخف أو يصير له شيء هناك..
هم بيطلعونه ويعطونه شهادته العادية!!
زفر بحرقة ومرارة: أغبى قرار اتخذته في حياته..
وافقت أدخل.. حسبتها مغامرة ماراح تتكرر..
وقلت لأبي إني بأطلع تخييم فوق الجبال ويمكن أطول شهور وما أقدر أتصل!!
من أول مادخلت وشفتهم جايين بيحطون لي الوسم.. صحت..
(خلاص ما أبي.. طلعوني.. أنا ماني ببهيمة تحطون علي رقم..)
لكن ماحد عبرني..
كل يوم كنت أصيح طلعوني أنا ماني بمسجون.. وخلاص ما ابي..
مهوب لأني خايف من السجن..
لكن لأني ماني بقادر أستحمل اللي أسمعه..
تخيلي المسجون اللي معي في غرفتي يتفاخر إنه اغتصب 20 طفل وذبحهم..
ما استحملت.. ما استحملت...ضربته لحد ماكسرت وجهه..
ولا حد حاسبني..
يبونا نصير وحوش صدق..
لولا الصلاة وإلا كان استخفيت..
وتخيلي الله يسامحني إني كنت أصلي ووجهي أحيانا مهوب صوب القبلة لأني كنت أصلي في الزاوية
ظهري لطوفة وجنبي لطوفة..
عشان ماحد يباغتني من وراي..
ولو كان معي حد في الغرفة سجدت وركعت بعيوني بس..
لأني عارف إنهم ينتظرون مني لحظة غفلة وحدة..
ناس الإجرام صار يمشي في دمهم.. يذبحون لمجرد المتعة!!
وتخافين على نفسش من اللي أبشع من الذبح.. وأنتي فاهمتني..
كنت قاعد في ذاك السجن عيوني في قمة رأسي..
أرقد عين مفتوحة وعين مسكرة.. عشان كذا لحد الحين ماقدرت أتجاوز ذا المرحلة.. نومي ما أرتاح فيه..
واللي بيحركني وأنا نايم ممكن أكسر يده..
و ياكثر اللي تهاديت معهم في السجن.. واللي كسرتهم.. ومافيه محاسب..
لحد ماصاروا المساجين يتجنبوني ..
كنت طول اليوم أتدرب.. وأدور في السجن.. أحاول أدرس المخارج والمداخل..
وأدرس مناوبات الحراسة..
وأصنع لي أدوات وأدسها.. وأنا على ذا الحال خمس شهور..
لحد ماعرفت الطريقة اللي ممكن أهرب فيها..
استغليت فترة تغيير المناوبات وقت ماكان المساجين راقدين..
وهربت مع فتحة تهوية كانت تطلع على جبل..
تقطعت إيدي وأرجيلي وأنا أنزل الجبل بدون معدات..
كساب لم ينتبه إلى أن كاسرة بدأت دموعها تسيل بغزارة لشدة انشغاله بحكايته وهو يتنهد:
حسيت إني ورطت نفسي في سالفة كبيرة..
طلعت من السجن للسفارة... وبلغتهم كل شيء بالتفصيل.. حسيت إني لو ماسويت كذا..
يمكن أجي أرجع للدوحة ألقى اسمي على البلاك لست..
لقيت السفارة أصلا مشغولة تدور لي.. لأن إبي جنن الخارجية في الدوحة..
والخارجية جننوا السفارة..
السفارة كانوا يبون يتأكدون من اللي انا قلته..
لكن قبل ما يتحركون أي حركة..
كانت وزارة الداخلية والدفاع والأف بي أي كلها تتصل تسأل عني..
وأنهم مهتمين يبون يعرفون أشلون هربت بالتفصيل..
أنا بداية.. رفضت أقول لهم.. من القهر اللي في قلبي عليهم..
بس السفارة طلبوا مني أعطيهم المخطط كامل..
لأنه السجن ذا فيه أخطر مساجين ولو حد منهم تبع طريقي وهرب بتكون مشكلة كبيرة..
عطيتهم المخطط وعطوني الشهادة اللي ماكرهت شيء كثرها..
رجعت للدوحة..
و ماخلوني أرجع لهلي على طول..
قعدت في التحقيقات أسبوعين وهم يتأكدون من كل شيء قلته..
وعقبها عرضوا علي أني أسوي مهام للدولة..
ولأني ماني بعسكري كنت أسويها بشكل سري..
وكنت مخلي لهم تلفون خاص بهم.. ما أسكره لا ليل ولا نهار ولا أخلي حد يقرب منه.. عشان التواصل بيننا عن طريقه..
دربت في الجيش.. وسويت مهام انقاذ.. وخذت دورات في كل شيء يطري على بالش.. وسويت الدورات هذي هنا..
وشاركت في الكوارث اللي كان تروح لها وفود قطرية..
شفت خلال أربع سنين اللي ماشافه حد..
عرفت معنى الموت والحسرة والخسارة.. شفت الناس قدامي يموتون وما أقدر أسوي شيء..
شفت اللي تحدهم الكوارث يأكلون لحم الميتين عشان يعيشون..
أشياء عمرش ماراح تقرين عنها في كتاب أو تشوفينها في تلفزيون..
شفت أشلون قسوة الحياة والإنسان تحول الإنسان لوحش مايرحم...............
كان مازال سيتكلم لولا سماعه للشهقات المتصاعدة: بس كساب بس..
كان وجهها غارقا في الدموع.. وهو لم ينتبه لنفسه كيف استغرق في الحديث وهو يحرر ذاته أخيرا من كل ثقلها...
يشعر أمامها ومعها بالحرية من كل شيء!!
استدار نحوها بجزع وهو يهتف بتهدئة: خلاص كاسرة خلاص.. أنا آسف يا بنت الحلال.. آسف
كانت تشهق بعنف ودموعها لا تتوقف عن السيلان وهي تتخيل بشاعة كل مامر به..
تتخيل بشاعة الحياة وقسوتها التي حُكم بها عليه.
كانت تمسك ببطنها بقوة: كساب.. باولد.. بأولد!!
كساب قفز برعب وقلبه يقفز لحنجرته: أشلون تولدين وأنتي في السابع..
يتهيأ لش..
غلطانة أكيد..
كاسرة بدأت تنتحب بعنف.. فالألام بدأت تداهمها منذ بداية الحكاية قبل أكثر من ساعتين..
منذ شعرت بتأثره بما فعلته به مزون.. وكأنه لشدة تأثرها تأثر جسدها كله معها:
والله العظيم باولد.. بأولد..
أبي أمي.. تكفى كلم أمي..
كساب قفز ليحضر عباءتها وهو يسب نفسه بأقسى العبارات..
يلفها بعباءتها ليحملها وهو يهتف بجزع حقيقي:
الحين بأكلمها تجينا في المستشفى.. الحين.. هدي.. هدي..
كان يهدئها وهو غير قادر على أن يهدأ..
ركض بها نحو سيارته.. وهو يتصل بعمته.. ويخبرها..
مزنة صرخت برعب: أشلون تولد وهي في السابع.. تو الناس.. يمكن إنها مهيب فاهمة.. وش عرفها هي في الولادة!!
عطني إياها..
كساب أعطى كاسرة الهاتف وهو يقود بأقصى سرعته...
كانت كاسرة تبكي ووالدتها تحاول تهدئتها: يمه بأموت.. بأموت..
ماني بخايفة على نفسي.. خايفة على ولدي!!!
كساب حين سمعها تقول ذلك شعر أنه هو من سيموت فعلا... وهو يزيد سرعة سيارته بطريقة جنونية..
ومزنة تهدئها بيأس: يأمش اذكري ربش.. وخذي نفس... وش حاسة فيه؟؟
كاسرة تشهق: ما أدري يمه.. ما أدري.. بطني يتقطع من الوجع.. نفس آلام الدورة بس أقوى..
والحين أحس الكرسي تحتي غرق ماي...
مزنة قفزت من مكانها وهي تهتف برعب: عطيني كساب..
كساب تناول الهاتف برعب ومزنة تصرخ في أذنه برعبها: لا تخليها تمشي حتى خطوة وحدة..
أنا الحين باتصل في المستشفى يجهزون سرير النقل عند الباب..
الماي نزل عليها وخطر عليها وعلى الجنين..
أنا أنتظركم عند باب المستشفى... لا تتأخرون طالبتك يأمك..
كساب ألقى هاتفه خلفه بعنف.. وهو يبحث عن كفها بلهفة ليشد عليها..
كما لو أن حياته تتوقف على أطراف هذا الأنامل..
هتف باختناق: هدي.. كاسرة.. هدي.. بسم الله عليش..
ماعليش إلا العافية.. دقايق ونكون في المستشفى..
كان يشعر أنه سيبكي من القهر..
قد يكون شعر بالكثير من القهر طوال حياته..
ولكن لا شيء يشبه هذا القهر..!!
فحياة زوجته وابنه على المحك ولا يستطيع أن يفعل شيئا.. يتمنى لو كان يستطيع أن يطير..
فالطريق طويلة.. وحتى لو قاد بأقصى سرعة لن يصل قبل 40 دقيقة..
كانت تعتصر أنامله بقوة وهي تشهق: بأموت ياكساب..
باموت..وأنا ماشفت ولدي..
كساب يصر على أسنانه حتى شعر بالألم فيهما: استهدي بالله.. وش ذا الكلام..
أنتي والولد ماعليكم شر.. وش كثر نسوان ولدوا في السابع وعيالهم طبيعين ومافيهم شيء..
تحاول أن تتماسك وهي تشد لها نفسا عميقا وتزفر بقوة.. وهي تهمس من بين صرير أسنانها:
كساب لو صار لي شيء.. امنتك بالله.. أمي هي اللي تربي ولدي تحت عينك..
كساب يشعر أن روحه تذوي وتتأكل كشمعة أحرقها اللهيب.. وهو يهتف بصرامة موجوعة:
ولدنا أنا وأنتي بنربيه.. وما أبي أسمع ذا الكلام!! فاهمة!!
الطريق طويل.. طويل...
لا يريد أن ينتهي...
وهو يشد على كفها بقوة كما لو أنها المرة الاخيرة التي يمسكها فيها..
يُكثر من الدعاء.. والرجاء.. وهو يسمع شهقاتها التي باتت تكتمها...
والتي تخترق روحه بوجعها..
تشد أنفاسها وتزفرها بقوة..
بودها لو تقول له الكثير من الكلام..الذي لم تمنحها الحياة الفرصة لقوله..
ولكن هل للكلمات معنى الآن؟؟
كلماتها لن تفعل شيئا إلا أن تؤلمه.. وتعلم أنه الآن يتألم بما يكفي!!
لكنها لابد أن تقول شيئا يريحه.. حتى لا يشعر مطلقا بأي ذنب قد يؤرق حياته فيما بعد..
همست بسكون استغربه.. بينما كانت دموعها تسيل بصمت وهي تحاول أن تتناسى آلامها التي تمزقها:
كساب أنا عمري ماندمت على دقيقة عشتها معك..
أنا ندمانة على الدقايق اللي ماعشتها معك!!
ولو رجع فيني الزمن ألف مرة.. كل مرة باختارك.. وأختار الحياة معك..
كساب قفز قلبه لحنجرته وهو يهمس بصوت مبحوح ممزق: وش لازمة ذا الكلام الغريب؟؟
شدت أنامله أكثر وهي تمسكها بيديها الاثنتين وتعتصرها كما يعتصرها الألم:
ماله لازمة على قولتك بس أنا حبيت أقوله لك..
كان يريد أن يقول هو شيئا ولكن مايريد قوله يحتاج سنوات وسنوات ليخبرها به..
لن تكفيه الثوان المتبقية وهو يدخل لداخل بوابة المستشفى..
ويرى والده ومزنة يقفان فعلا هناك.. وبجوارهما طاقم الإسعاف..
أوقف سيارته بشكل عرضي وعجلات السيارة تصر بصوت مسموع..
قفز بسرعة ليحملها هو.. وهو ينتزع غطاء سرير النقل الذي أسرعوا به نحو السيارة.. ويلفها به..
لم يرد أن يحملها سواه..
تعلقت بعنقه بضعف وشهقاتها تصبح أكثر ضعفا..
كاد يجن وهو وهو يرى مقعد السيارة مبقعا بالدم..
كان يتلوى من الأنين و يشعر أن أحشائه تتقطع من الألم..
وهو ينزلها على السرير..
و تهمس هـــي بضعف شديد في أذنه في (لحظة التماس الأخيرة) بينهما:
أحـــــــبــــــك..
كان يريد أن يصرخ لها ( وأنا أكثر) !!
لكن طاقم الإسعاف سحبوها منه بسرعة وهو يركضون بها للداخل..
ومزنة وزايد يركضان خلفهم..
بينما هو وقف لثوان عاجزا عن السيطرة على ارتعاشات جسده.. وأنفاسه المزفورة بحرقة..
ليشد نفسه ويدخل راكضا هو أيضا..
ويجد والده فقط.. هتف بهمسات مبتورة: وينها؟؟ وينها؟؟
والده يربت على كتفه بمؤازرة حانية: دخلوها داخل..
لا تحاتي.. أمها معها..
ووش كثر بزران يجون في السابع.. وهم وأماتهم بخير وسلامة..
صمت.. ابتلعه الصمت في بئر لا قرار لها..
وهو يتأخر ليلتصق بالحائط..
لا يريد كلمات مؤازرة باردة..
لا يريد أن يهدئه أحد..
يريدها هي فقط أن تخرج له سليمة..!!
لا يريد أن يقول له أحد ( لا تقلق )..
لأن ما يشعر به ليس مجرد قلق.. بل روحه تتمزق يأسا ورعبا ووجعا..
شيء في داخله ينبئه أن هذا الوجع الذي يمزق كل مافيه..هو وجع أعمق من مجرد انتظار ساعات..
وجع سنوات .. أو قرون..
قـــــــرون !! قــــــرون!!
فهذا الوجع لا حد له.. لا حد له!!
شرّح روحه تشريحا!!
عبر كل خلية في جسده بمناجله آلاف المرات...
يشعر أنه عاجز عن التنفس .. وهو يسند جبينه للحائط..
لم ينتبه حتى أنه لا غترة فوق رأسه.. وهو يهرع بكاسرة للمستشفى بثوبه الذي عليه!!
والده يقترب منه ويهتف له برفق:
كساب يا أبيك روح البيت.. اسبح وبدل ثيابك..
هذا أنا موجود عندهم..
والنسوان يبطون في الولادة..
لم يرد على والده حتى.. فالصمت ابتلع روحه في سوداويته..
يستحيل أن يبتعد عن المكان وهو مازال لم يطمئن عليها..
روحـــه هنا..
فمن يستطيع أن يبتعد عن روحه؟؟
الوقت يمضي بطيئا.. بطيئا.. بطيئا..!!!
ساعتان فقط..
ساعتان روحه تناجي روحها بيأس..
وأنفاسه تضيق وتضيق.. وتضيق!!!
يريد أن يمزق رئتيه عله يستطيع التنفس.. فلا يستطيع...
أن يفتح صدره وأضلاعه ليجلب نسمة هواء واحدة.. فلا يستطيع!!
حتى خرجت الطبيبة وجهها مسود كسواد اللحظات التي يمر بها وهي تسأل بتأثر:
وين زوج كاسرة ناصر؟؟
كساب استدار نحوها بعنف حاد.. لم يقل شيئا وهو يقترب منها.. ووالده خلفه..
وهي لم تحتج أن يخبرها من هو...
فوجهه أنبأها..!!
والوجع في عينيه أنبأها..!!
ورعشة شفتيه أنبأتها..!!
وهي تهمس بذات التأثر: أنا ما أعرف شنو أقول لك..
بس والله العظيم حاولنا جهدنا ننقذها..
بس أنتو وصلتوا متأخرين كثير..!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل 108 - بقلم HaboOoshy
ماعاد يسمع شيئا..
وهو يخرج راكضا.. يركض كما لو أنه يحترق والنار مازالت تشتعل في جسده..
وتذيب جلده بلهيبها..
قبل أن يتوقف على باب المستشفى وهو يركع على ركبتيه..
ويتقيأ ويتقيأ ويتقيأ..
يعلم أنه لن يبكي.. فمثله عاجز عن البكاء..!!
يتقيأ حسرته.. فلا تنتهي!!
يتقيأ وجعه.. فلا ينتهي!!
يتقيأ روحه... فلا يجدها!!
فروحه ذهبت معها..
وهو محض جسد لا روح فيه!!
رحلت دون أن يراها..
رحلت دون أن يخبرها كم يحبها..
رحلت دون أن يخبرها أن أنفاسها ما كانت تمده بعبق الحياة ومعناها!!
رحلت دون أن يقول لها أن الحياة بعدها لا تستحق أن تُعاش!!
رحلت وهو لم يشبع بعد من ضمها لصدره..
رحلت دون أن يخبرها كم من المخططات فكر فيها ليقوما بها سويا..
مخططات لم تكن الحياة كلها لتكفيها..
فلماذا رحلت قبل أن ينفذا شيئا منها حتى؟؟
كان مستمرا في التقيء.. والتقيء.. حتى بدأ يتقيأ دما..
دم قلبه.. شرايينه الممزقة!!
خلاياه التي تهاوت!!
" لو استطعت.. لتقيأت كبريائي الذي حال بيني وبينك!!
لو استطعت.. لتقيأت قسوتي التي أبعدتكِ عني!!
لو استعت.. لتقيأت الحياة كلها التي ماعاد لها معنى بعدك!!
كنت أعلم أنكِ نعمة أكثر مما أستحق..
رجل بقسوتي وسواد قلبي.. لا يستحق معجزة مثلكِ!!
أعلم أني لا أستحق أن تبقي من أجلي..
لكن لماذا ترحلين وتتركين صغيرنا يتيما؟؟
لا تبقي من أجلي.. ابقي من أجله.. من أجله هو!!
فأي تربية سأربيه أنا؟؟
وأنا رجل أثخنتني الجراح وقسوة التجارب..
كنت للتو بدأت أعالج جراحي من أجلكِ..
فإذا بك تطعنيني بالجرح الذي لن يُشفى
جراحي بعدكِ لا شفاء لها..
لا شفاء لها!!! "
أسرع نحوه المسعفون يريدون إسعافه.. انتزع نفسه منهم بقسوة..
وهو يعاود الركض..
ثم يعاود الانكفاء على ركبتيه والتقيء.. قريبا من سور المستشفى..
لا يعلم حتى أين سيارته أو أين مكانها؟؟
يوقف أحد المارة سيارته..
وينزل لإسعافه.. ثم يحمله معه خارج المستشفى..
*********************************
اليوم التالي ليلا..
.
.
" يمه كساب وينه؟؟ ليه ماجاء لين الحين..
عطيني التلفون أنا بأكلمه بنفسي!!"
مزنة تتنهد بحزن عميق وهي تمسح على شعرها:
بيأتي يأمش.. بيأتي..
مازالت دموعها تسيل بدون توقف.. لدرجة أن عينيها تورمتا من البكاء..
همست بصوتها المبحوح تماما: يمه تكفين عطيني التلفون..
خلني أكلمه..
أبيه يجيني الحين..
مزنة تحاول تهدئتها فهي لم تتوقف عن السؤال عنه مطلقا منذ فجيعتها بالخبر..
وكأن وجوده هو ما سيبعث القوة في روحها...
همست بثقة مصطنعة: قلت لش يأمش كلمته وبيجي.. ارتاحي الحين..
مزنة أشارت للممرضة أن تعطيها إبرة منومة..
فهي تعبت من وعدها بحضوره.. وهم لا يعلمون أين هو حتى.. بعد أن ترك سيارته في المستشفى.. وهاتفه بداخلها..
.
.
عودة لليلة الماضية
.
.
كانت الطبيبة توجه حوارها لكساب بتأثر: أنا ما أعرف شنو أقول لك..
بس والله العظيم حاولنا جهدنا ننقذها..
بس أنتو وصلتو متأخرين كثير..!!
لا تعلم ماذا حدث له وهو يركض ويتركها مازالت تتكلم:
كانت البنت خلاص اختنقت من قلة الأكسجين..
سبحان الله على صغر حجمها بس عمري في حياتي ماشفت مولودة أحلى منها..
كأنها ما تنتمي للأرض.. لازم تكون عصفورة من عصافير الجنة!!
زايد اقترب منها وهو ينظر لظهر كساب المغادر ركضا باستغراب.. ويسألها باهتمام:
والأم أشلونها؟؟
الطبيبة بذات التأثر: الأم منهارة بصراحة.. لأنه من أول مانزلت الطفلة وهي تصيح تبي تشوفها..
سمعت الممرضات يقولون الجنين ميت.. انهارت أكثر.. كنت أبي أبلغ الأب عشان يمتص الصدمة..
ويدخل يهديها شوي لما نطلعها الاستراحة..
بس مبدئيا وضع الأم كويس..
وممكن لو حبت.. تحمل بعد شهر شهرين.. لأن هذي ولادة مش تسقيط..
والله يعوض عليكم بطفل سليم تقر عيون أبوه وأمه فيه!!
لا يعلم لِـمَ كانت الأفكار السلبية هي ما تركزت في رأسه..
شعر أن حبا متعاظما كحبه لها.. لا يكتب له الحياة..
شعر أن الله عز وجل يريد أن يعاقبه ويحرمه منها لكثرة ما أرتكب من أخطاء..
شعر أن الله عز وجل يريد أن يتنزعها منه لأنه لم يعرف قيمتها..
لدرجة أنه شح عليها بكلمة واحدة كان يعلم جيدا لهفتها لها..
وحين قالتها هي له.. شعر أنها تودعه بها..
شعر أنها كلمة الوداع بينهما..
وما أكد له ذلك كله أن الطبيبة قالت (لم نستطع إنقاذها) وليس (إنقاذه)
وهو يعلم أن مافي بطنها هو صبي..
فهو ذهب معها بنفسه إلى موعد (التلفزيون) وهكذا أخبرتهما الطبيبة..
لذا لم يشك للحظة واحدة أن الراحلة المقصودة هي كاسرة..
روحـــه... ولا أحد سواها..
عقابا له أنه لا يعرف قيمة شيء حتى يفقده !!
وما أقسى هذا العقاب..!!
ما أقساه!!
فأنت حينما تعاقب شخصا.. تعاقبه حتى لا يكرر خطئه!!
لا تعاقبه لتأخذ روحه!!
.
.
.
" يمه.. مايصير مخليتها راقدة على طول كذا..
وكل ماصحت ساعتين خليتيهم يعطونها منوم!! "
مزنة تنهدت بروحها الممزقة وهي ترد على وضحى:
وش تبين أسوي يعني..
كل ما صحت رجعت تبكي على بنتها.. وتسأل عن كساب!!
على الأقل خلي كساب لين يجي.. يمكن يقدر يهديها..
وضحى تمسح دموعها وتهمس بسكون: والبنت متى بيدفنونها؟؟
مزنة اختنقت بعبرتها حين تذكرت رؤيتها للصغيرة البالغة الصغر:
زايد يدور لكساب.. كان يبيه يحضر دفنها والصلاة عليها..
لو مالقاه لين بكرة بيدفنها..
وضحى تنهدت باختناق حقيقي: يمه صدقيني أحسن يدفنها بدون مايشوفها إبيها...
أنا وتميم حالتنا حالة عقب ماشفناها.. أشلون إبيها وأمها؟؟
خلها تندفن قبل ما تقول كاسرة إنها تبي تشوفها بعد...
والله يعوض عليهم إن شاء الله.. ويجعلها حجاب لهم من النار!!
ثم تنهدت وهي تردف بألم: يمه لو ولدوها قيصري.. ماكان ممكن تعيش البنت؟؟
يمكن عشانها جابتها طبيعي انخنقت..
تنهدت مزنة بإيمان: يأمش اللي الله كاتبة مامنه مفر..
كاسرة يوم وصلت كان نبض البنت متوقف خلاص.. ورأسها صار في أسفل الحوض..
ماخذت حتى وقت جهزوها للولادة إلا البنت نازلة..
ياقلب أمها وش كثر تعذبت بنيتي.. بكرية ومالحقت حتى تأخذ أي نوع من المهدئات..
لا أكسجين ولا إبرة الفخذ حتى..
وضحى تقف لتطل عليها.. تطبع قبلة على جبينها وتهمس في أذنها من قرب بوجع عميق:
الله رحمته واسعة.. واللي مثلش ما يكسرها اختبار مثل ذا!!
أردفت بإبتسامة موجوعة: قومي ياقلب أختش.. شوفيني سمعت نصيحتش..
خليت البيت لنايف وخواته.. قومي عشان تقولين (عفية على أختي)..
شدي حيلش وقومي..ترا الدنيا ماتسوى من غيرش..
*********************************
" تميم حبيبي.. استهدي بالله..
هذي أختك طيبة... والله سبحانه له حكمة في كل شيء!!"
تميم يشير وهو يتنهد بوجع: كاسرة خاطري واجد أختي..
سنة كاملة وهي تنتظر ذا الحمل..
وعقبه تموت البنت ماحتى شافتها..
سميرة بحزن: يمكن الله يبغي لها الخير.. عشان ماتشوفها وتتعلق فيها..
لله عز وجل حكمة في كل شيء!!
تميم بتأثر متزايد: حارقة قلبي كاسرة.. الله يعوض عليها باللي يسر قلبها..
*************************************
يلقي غترته جواره وهو يسند ظهره بإرهاق للمقعد بعد أن أطل على كاسرة
ويهتف بإرهاق موجوع:
مزنة الله يهداش.. ليه مهوب أنتي اللي بلغتينا الخبر..
على الأقل كنتي لمحتي لي..
وأنا مهدت للولد.. الحين الولد هج..
ماخليت مكان مادورته أنا وعلي ومنصور.. وحتى موظفين شركتي كلهم.. ومالقيناه..
مزنة بإرهاق متزايد مغلف بالحزن: زايد من جدك.. أخلي بنتي وهي تبكي ومنهارة وأطلع عشان أبلغكم..؟؟
كاسرة كانت بتموت في يدي وهي تصيح خلوني أشوف بنتي..
كانت تحسبها ولد.. ويوم درت إنها بنت تأثرت زيادة..
خفت يصير لبنتي شيء الله يصبر قلبها..
أصلا الدكتورة ماطلعت عليكم إلا عقب ما يأست تهديها..
زايد تنهد بحزن: الله يصبر قلبها ويعوض عليها..
توهم صغار.. والدكتورة تقول وضعها زين..
وهي مؤمنة وعارفة قضاء ربي وقدرته!!!
مزنة صمتت.. فماباتت تعانيه أكثر من طاقتها بكثير.. تشعر أنها توشك على الانهيار فعلا..
وهي تستنزف كل طاقاتها الجسدية والنفسية!!
زايد هتف لها بحزم وهو يتذكر: مزنة ارفعي أرجيلش قدامش..
مزنة بحرج: زايد مافيها شيء؟؟
زايد تنهد: منحرجة مني؟؟ قمت أروح لبيت..
صمتت مزنة.. تعلم أنها تحتاجه لجوارها فعلا.. لكن لشدى استغراقها في مأساة ابنتها عاجزة حتى عن طلب المعونة...
ولكنها تعلم أنها لو رفضت تنفيذ أمره.. معنى ذلك أنها تقول له ضمنيا أنها تريده أن يغادر..
لذا استدارت قليلا لتمدد ساقيها أماما على الأريكة وهي تغطيها بعباءتها..
لولا أن زايد فاجأها بوقوفه وهو ينتزع العباءة عن ساقيها ليهتف بغضب حقيقي وهو يرى ساقيها وقدميها المتورمتين بشكل مأساوي:
كنت عارف إنها بتكون كذا.. أنتي ما ترحمين نفسش شوي..
حرام عليش اللي تسوينه في نفسش..
ليش ماخليتي وضحى تقعد عند أختها ورحتي للبيت..
مزنة تنهدت وهي تشد العباءة من يده بحرج لتغطي قدميها:
ما أقدر أخلي كاسرة.. ما أقدر.. مستحيل أرتاح لين ترتاح هي..
زايد تنهد وهو يعود لمقعده ويهتف بحزم: خلاص أنا قاعد عندش الليلة..
وياويلش تنزلين أرجيلش من مكانها..
اللي تبينه أنا بأسويه..
مزنة تنهدت بحرج عميق (ليتني خليت وضحى تقعد عندي بدل ما أحلف عليها تروح..
الحين وش السواة؟؟)
***********************************
" مزون حبيبتي مايصير اللي أنتي مسويته في نفسش؟؟
أنتي بروحش تعبانة..
اتقي اللي في اللي في بطنش!!
يعني البنت هذي حتى ماعاشت عشان تحزنين عليها كذا!!"
كان يمسح دموعها بأنامله وهو يتمدد جوارها مسندا ظهره لظهر الحائط..
بينما رأسها مسند للمخدة التي تضع رأسها عليه..وتنظر في الزاوية لباقة الورد الضخمة التي بدأت تذبل ومع ذلك لم تخرجها..
همست باختناق عبراتها وسيول عينيها: ياقلبي ياكساب.. ماتخيلت إنه ممكن يتأثر كذا عشان بنته ماتت..
لدرجة إنه ماحد يدري وينه..
دامني ماشفته قدامي وضميته لصدري..مستحيل أرتاح.. أو تجف دمعتي!!
ياقلبي وش كثر كان فرحان يوم درا إني حامل.. يعني مستكثر علي ذا الحين أتأثر معه..
ياقلبي يأخيي.. مالحق يفرح هو ومرته..!!
غانم يصمت وهو يمسح شعرها..
ففي الختام هي محقة.. ففرحة شقيقها بحملها جعلته يخجل من فرحته هو..
وهو ينظر مثلها لباقة الورد الضخمة التي توسطتها هدية ثمينة جدا..
مع سلة خاصة من الشكولاته وصلا كلاهما من كساب فور معرفته بخبر حملها...
تنهد بعد دقيقة صمت وهو يهتف بحزم: أوعدش بكرة أدور مرة ثانية..
وين بيروح؟؟
وبأسال عنه في المطار.. لو كان طلع برا الدوحة.. حتى لو طلع عن طريق البر..
بيكون واضح في الكمبيوترات عندنا في المطار..
غانم يشعر باستغراب عميق..
يعني حدوث أمر كهذا .. وفاة ابنته..
ليس بالأمر الذي قد يهز رجلا مؤمنا ككساب..
لدرجة أنه يهرب ويختفي بهذه الطريقة!!
**********************************
صباح اليوم التالي
.
.
" مِن مَن الورد ذا يأمش؟؟"
تنهدت وضحى وهي تعيد البطاقة لمكانها بعد أن قرأت الاسم:
من نايف يمه..
مزنة تنهدت بسكون: عادش منتي براضية تردين على تلفوناته..؟؟
وضحى بألم عميق: لا أبي أرد على تلفوناته ولا أشوفه..
موجوعة منه واجد.. واجد يمه..
تخيلي يمه قعدت في حوش بيته أكثر من 5 دقايق وأنا عيني على الباب..
أقول ماني بهاينة عليه..!!
مستحيل يخليني أطلع في ذا الليل!!.. بيلحقني الحين..!!
كسر نفسي يمه.. كسر نفسي..
مزنة تنهدت: يأمش المسكين كل شوي يدق عليش.. كلميه.. أكيد يبي يعتذر لش..
وضحى بألم: ما أبيه يعتذر لي وما أبي شيء منه..
يمه فيه شيء ينفع فيه الاعتذار.. وشيء ما ينفع..
وياكثر ماسمعت منه آسف وامسحيها في وجهي..
مابقى في وجهه مكان أمسح فيه..
بالفعل نايف أرسل لها الكثير من رسائل الاعتذار الهاتفية.. ثم طلب من عالية أن تكلمها..
حين رأى رفضها الرد على اتصالاته..
*************************************
" ها عالية.. وش قالت لش وضحى؟؟"
عالية نظرت بحدة إلى خالها الذي كان يستجوبها بلهفة.. وهمست بذات الحدة:
أنا بصراحة ماكنت أبي أكلمها.. بس من غلاك عندي..
أولا وضع أختها مايسمح كلش بكلام مثل ذا..
ثاني شيء لأنه لو أنا مكانها.. كان كسرت البيت فوق رأسك أنت وخواتك ثم طلعت!!
نايف بتأفف حازم: عالية ترا مهيب ناقصتش.. خلصيني..
عالية هزت كتفيها: طبعا مارضت حتى أفتح ثمي في الموضوع..
نايف بخيبة أمل: تقولينها وأنتي مبسوطة بعد؟؟
عالية تنهدت: وليش انبسط.. بس بصراحة غلطتك عليها مالها دوا..
ثم أردفت بنبرة أقرب للغضب: خلنا من إنك خليت خالتي نورة تجرح فيها وفي أهلها وأنت قاعد مثلك مثل الكرسي..
بس عيب عليك مخلي مرتك طالعة في نص الليل للشارع..
ولا تقول لي خالتي نورة حلفت.. لأنه الرجال ماترده حلوفة النسوان من المراجل!!
نايف قاطعها بغضب: تراش مسختيها.. عيب عليش..
عالية بغضب مشابه: الحين أنا اللي عيب علي..
تخيل إن إبي يدري بسواتك.. والله يا أقل شيء يسويه إنه يطردك من مجلسه..
وأزيدك من الشعر بيت.. سميرة بنت عمي تقول إن رجالها مصمم إنها ماعاد ترجع لك..
يقول اللي مايحافظ على أخته ما يستاهلها.. وهو خذها من بيت رجّال مهوب من الشارع..
سميرة تقول إن تميم مستوجع واجد.. إنه جا ولقاها واقفة في الحوش قريب من باب الشارع...
يعني لو أنك على الأقل وقفت معها لين يجي أخيها.. أو حلفت أنت توديها.. كان غلطتك ممكن تنبلع..
بس الحين.. خبز خبزتيه يا الرفلا اكليه...
عجزت أقول لك لازم تحط حد لخالاتي.. بس أنت كنت مبسوط بالوضع..
خلاص اشرب..
نايف تنهد بيأس حقيقي.. حياته كاملة تنهار أمامه.. وليس في يده أي حل..
فماذا يفعل؟؟
ماذا يفعل؟؟
**************************************
"دفنتوها خلاص؟؟"
علي يلقي غترته جانبا ويهمس بتأثر: دفناها.. جعلها تكون حجاب لأبيها وأمها من النار..
شعاع تمسح دمعة تأثر: ياقلبي ياكاسرة..
الله يعينها ويواجرها..
أنا وأنا حملت على طول.. لو يصير للبيبي حقي شيء بعيد الشر بأستخف..
أشلون هي .. وهي ماحملت إلا عقب سنة..
ويوم قربت خلاص.. يطلب الله أمانته..
علي يتنهد وهو يربت على كفها: الله له حكمة من كل شيء..
مهوب حارق قلبي الحين كثر أخي اللي ما أدري وين راح..
ماخليت مكان مادورت فيه.. لا هو في مستشفيات ولا سجون.. ولا طلع برا الدوحة..
وين راح؟؟ بأستخف.. بأستخف..
ثم أردف بتهيدة شاسعة: باتسبح وأرجع أدور له..
شعاع بتأثر رقيق: حبيبي أنت من أمس ما نمت ولا قعدت دقيقة في البيت وأنت تدور له..
علي يتجه للحمام وهو يهتف بحزم: ولاني بنايم لين ألاقيه..
تدرين وش اللي موجعني؟؟
إني مابعد احتجت كساب ومالقيته جنبي..
والحين يومه محتاجني ماقدرت أكون جنبه!!
حين خرج علي من الحمام..
همست شعاع وهي تناوله ملابسه: ترا تلفونك دق كم مرة..
لا يعلم لما شعر بتوتر مفاجئ وهو يركض نحو هاتفه..
حين وجد أن الاتصال من العامل المسئول عن المزرعة.. تزايد توتره ولهفته وهو يتصل باستعجال...
شعاع توترت معه لتوتره وهي تقترب منه وتسمعه يصرخ في الهاتف:
أشلون يكون عندكم وأنا سألتك بدل المرة ألف وتقول لي إنه مارجع عليكم..
........................
متأكد إنه نايم؟؟
...................
أنا جاي الحين.. لا تحركونه ولا تقومونه..
شعاع بتوتر ولهفة: لقوا كساب..؟؟
علي يرتدي ملابسه باستعجال وهو حتى لا يعلم كيف ارتداها ويهتف باستعجال مغلف بجزع ورعب حقيقين..:
عمال المزرعة لقوه نايم في غرفتي أنا.. يوم جاو يرتبون..
لأنهم أمس مارتبوا.. وماشافوه دخل.. ولا كان فيه سيارة..
يقولون إنه نايم.. والسرير عليه بقع دم..
الله يستر الله يستر..
لا تقولين لحد شيء.. لحد ما أروح بنفسي وأشوف السالفة..
.
.
.
علي لا يعلم كيف وصل إلى المزرعة حتى...
وهو يقفز من سيارته ويتركها تعمل.. ويركض نحو غرفته ليجد عمال المزرعة كلهم يتجمهرون على بابها..
طلب منهم جميعا المغادرة.. وبقي معه فقط المسئول عن المزرعة..
حين دخل.. كان كساب فعلا نائما..
والمرعب أنه كان هناك بقع دم لا يعلم من أين أتت..
وهو يدقق النظر في جسده فلا يجد إصابات..
اقترب منه ليجد أن هناك دم متخثر على أطراف فمه..
علي اقترب منه ليهتف له برفق قلق قبل أن يهزه: كساب.. كساب قوم يا أخيك..
فعلي يعلم جيدا أن كساب لا يحب أن يحركه أحد وهو نائم قبل أن يكلمه..
كساب انتفض بجزع وهو يقفز بتحفز ويمسح وجهه: بسم الله الرحمن الرحيم..
أعوذ با الله من الشيطان الرجيم..
علي بقلق: كساب الدم ذا من وين جاي؟؟
كساب عاجز عن النظر لأي وجه وهو يهتف بنبرة ميتة: يمكن من ثمي..
لأني البارحة زعت دم..
علي برعب حقيقي: زعت دم... قوم.. قوم نروح للمستشفى..
كساب رد عليه بقسوة: ما أبي أروح للمستشفى..
ثم أردف بنبرة ميتة تماما بالكاد استطاع إخراجها: أبي أروح أدفنها..
علي بتردد: دفناها خلاص..
كساب هتف بذهول: دفنتوها بدون ما أشوفها؟؟.. توها ماتت قبل الفجر.. تدفنوها بذا السرعة بدون ما أشوفها..؟؟
ثم بدأ يصرخ بشكل هستيري: تدفنونها ليه؟؟ ليه؟؟ ليه؟؟
علي يحاول تهدئته: كساب أنت مختفي من فجر أمس.. وإكرام الميت دفنه..
ولكن كساب لم يهدأ وهو يصرخ بكل هستيرية الكون: مالحد منكم حق يدفنها..
أنا بس اللي لي الحق..
أشلون هان عليكم تنزلونها في القبر..؟؟
أشلون هان عليكم توسدونها القاع؟؟
من اللي نزلها؟؟ من اللي كشف عن وجهها؟؟ من آخر من شافها؟؟
حرام عليكم.. حرام عليكم.. ليه تسوون فيني كذا..؟؟
ماحتى خليتوا لي شيء أتذكره منها!!
علي يصرخ فيه بحزم: بس كساب.. تراك مزودها..
الحين فيه اللي محتاجك أكثر.. اسبح وأمش معي..
يا الله.. ما أضيق الدنيا في عينيه..!!
أ حتى جسدها اختفى من وجه الأرض قبل أن يراها ولو لمرة واحدة..؟؟
هتف بتبلد: الولد أشلونه؟؟
علي بعدم فهم: أي ولد؟؟
كساب بذات التبلد: ولدي!!
علي يحاول أن يفهم ويجمع الصور.. لتتضح الصورة بشكل مفاجئ في عينه..
هتف علي بنبرة مقصودة: الولد زين.. في الحضانة.. ماتبي تشوفه؟؟
كساب تنهد بألم شاسع: أكيد أبي أشوفه.. وش بقى لي من ريحتها غيره..
ثم أردف بالم أشد: تكفى علي جيب لي ملابس من حجرتي.. ما أقدر أدخلها عقبها..
" يا الله.. ما اكبر ألمك يا أخي!!
لأول مرة أراك تصرخ بإحساسك بالألم بهذه الطريقة!!"
علي قرر ألا يخبر كساب.. لأنه لا يعلم كيف ستكون ردة فعله..
هذا الذي نام لأكثر من يوم وهو يظن أنه نام لساعات..
وتقيأ دما..
وكأن جسده يتصرف نيابة عنه.. لأنه عاجز عن البكاء..
حين خرج من المستشفى فجر أمس..
لم يفكر أن يذهب إلى أي مكان إلا للمزرعة.. آخر مكان جمعهما سويا..
كان يريد أن يهدأ قليلا..
لم يستطع أن يدخل لغرفتهما.. لذا توجه لغرفة علي..
لا يعلم كيف نام كل هذا الوقت..
هل كان جسده يرفض أن يصحو بعدها؟؟
أو هي رحمة الله به الذي أراد أن يرحمه من كل هذا الضغط؟؟
يتنهد بوجع وهو يدخل للحمام ليستحم..
وهو يبصق دمـــــا..!!
" فمثلها لا يُبكى بمجرد ماء بارد.. دموع تنسكب من العين..
بل تُبكى بدم ملتهب يُبصق من القلب"
فأي عشق هذا الذي أورثه هذا الرجل لابنائه؟؟
يستند على جدران الحمام بضعف.. يشعر أنه بالفعل ماعاد يريد أن ينظر حتى للحياة من بعدها..
ولكنه يبقى رجلا قويا.. في إيمانه.. قبل كيانه!!
يعلم أن هذا اختبار رب العالمين له.. لابد أن يصبر من أجل ابنه على الأقل..
" ولكن من أين أتي بالصبر؟؟
من أين أتي به؟؟
وحالي معها كما قال الشاعر:
يامن صورت لي الدنيا كقصيدة شعر....... وزرعت جراحك في قلبي وأخذت الصبر
جرح فقدها في قلبي لا قرار له..
والصبر أخذته معها.. أخذته معها..!!
كل شيء أخذته معها.. ما أبقت لي شيئا..
ماذا بقي من الدنيا بعدك ياكاسرة!!
الدنيا باهتة..
والسماء اختفت نجومها..
والهواء بعدكِ بات ثقيلا يدخل لصدري كالخناجر..
أقسم أني عرفت قيمتكِ
أقسم أني حفظت الدرس..
فهل تعودين لي الآن؟؟
هل تعودين؟؟
سأقول لكِ أحبكِ ألف مرة في كل دقيقة..
سأقول لكِ أنني كنت غبيا لأني لم أصرخ لكِ بها كل ليلة حتى أصيبك بالصداع!!
أريد أن نسافر لمكان بعيد.. فقد وعدتكِ منذ أشهر طويلة أن نسافر..
أعلم أني تأخرت كثيرا لأفي بوعدي..
فلماذا ترحلين وتتركين وعدي معلقا..؟؟
كنت اريد أن ارى الدنيا بعينيك.. وتريها بعيني...
فأي عيون سترى الدنيا من بعدك؟؟
لو كنت أعلم أن الدنيا ستكون شحيحة بكِ هكذا..
لو كنت أعلم فقط!!"
طرقات علي تتصاعد على باب الحمام بقلق: كساب وش فيك تأخرت؟؟
كساب يصحو من غيبوبته والماء ينسكب بغزارة حرقته فوق رأسه هتف بتبلد:
دقيقة وأجيك..
حين خرج كساب هتف بذات التبلد الذي يغلف فيه مشاعره:
خلني أصلي الصلوات اللي فاتتني ونمشي..
.
.
.
يخرجان خارج المزرعة وعلي يسأل بنبرة مقصودة: وين تبينا نروح أول؟؟
كساب بحزم: قبرها..
علي برجاء: زين خلنا نأجل زيارة القبر شوي.. بأوديك المستشفى أول..
كساب بحزم أشد: قلت لك ودني قبرها.. ماتبي توديني نزلني هنا وبألاقي اللي يوديني مثل مالقيت اللي جابني..
علي باستسلام: إن شاء الله.. بأوديك!!
حين أصبحا قريبين من المقبرة.. همس كساب بإجهاد: ما أقدر.. ما أقدر..
خلنا نرجع ماني بمستعد..
بدت الدنيا سوداء تماما في عينيه.. ما أن شعر باقترابه من رائحة الموت الذي انتزعها منه..
لن يحتمل رؤية التراب يحول بينه وبينها..
لن يحتمل رؤية قبرها وهو يعلم أن ظلمته احتوت جسدها..
يخشى أن يتصرف تصرفا يكدر راحتها في قبرها..
ولكن هو كيف يرتاح؟؟ كيف يرتاح؟؟
حين بدأ علي يبتعد عن المقبرة مرة أخرى.. شعر أن قلبه يقفز من بين جنبيه وعيناه تتابعان بألم سور المقبرة:
بأرجع.. صدقيني بأرجع..
بس عطيني وقت أقدر أستوعب الخسارة اللي ما أظن إني في يوم من الأيام بأقدر أستوعبها..
خسارتش أكبر من قدرتي على الاحتمال..
أكبر بواجد!!
يقتربان من المستشفى..
يرسل علي رسالة لمزنة يخبرها أنه وجد كسابا..
وأنه يريد من الجميع أن يتركوها لوحدها وينسحبوا لغرفة الجلوس..
كان علي يعلم أن الاثنين مثقلان بالجرح..
ومن حقهما أن يعالجا جراحهما بنفسيهما دون أعين تراقب!!
كساب كان يتبع علي دون إحساس.. كما لو كان جثة تتحرك..
" ماذا بقي لي سواك يا بني ؟؟
أرجوك لا ترحل أنت أيضا..
أريدك أن تكون تشبهها..
أرجوك أن يكون لك التماعة عينيها أو ابتسامة شفتيها.."
حين وقفا عند باب غرفة كاسرة..
هتف علي لكساب: ادخل..
كساب انتبه من غيبوبته التي بات يغرق فيها كثيرا: بس هذي مهيب الحضانة..
علي يتنهد: أنت ادخل الحين وبتشوف بنفسك..
كساب دخل بخطوات مترددة.. وعلي تأكد من إغلاق الباب خلفه.. ثم توجه لانتظار الطابق..
مازال عاجزا عن الاستيعاب.. هناك سرير وهناك من ينام على السرير..
(وش السالفة؟؟)
شعر بتثاقل أنفاسه وهو يقترب من النائم...
يقسم أن رائحتها قريبة.. قريبة جدا!!
(الظاهر إني استخفيت!!)
اقترب أكثر وهو يشعر بتزايد إجهاده..
يشعر كما لو كان يصعد لقمة جبل.. والهواء لشدة نقائه وكثافته بدأ يؤلمه بعد اختناق صدره ..
يصعد القمة مع اقترابه من السرير.. أضلاعه تؤلمه أكثر وأكثر..
شهق بحدة وهو يراها ممدة على سريرها نائمة بسكون..
استند على حافة السرير حتى لا يسقط.. وهو ينظر لها كالمجنون..
"حلم.. أحلم أنا..
أكيد أحلم..
بس الحلم ما يكون حلو كذا..
لأمه مافيه حلم يقدر يصورها..
هي أكثر من كل الأحلام وأجمل!!"
مال برفق وهو يستند على حافة السرير بثقل..
مال ليتنفس عبق رائحتها من قرب.. (هي.. هي.. هي!!)
مد أنامله المرتعشة ليتحسسها ( مافيه غيرها.. لا لمسته حسيت أناملي ترتعش مع رعشة قلبي!!)
كان يريد أن يتنزعها من سريرها انتزاعا بدون تفكير ليضمها لصدره بكل قوته ليدخلها بين ضلوعه ويخفيها هناك..
لولا أنه بقي في رأسه بعضا من عقل ينبئه أنها للتو أنجبت..
وأي حركة غير محسوبة ستؤلمها..
شعر أن جسده منهك منهك تماما.. وهو ينهار على المقعد قريبا منها..
ينظر لها بيأس ولهفة..
" يا الله يا ربي ما أوسع رحمتك!!
ما أوسع رحمتك!"
لا يعلم كم مضى له من الوقت وعيناه تلتهمان تفاصيلها الساكنة..
رؤيتها تبعث في روحه جرح السعادة..
جرح لا يعلمه إلا من عرفه!!
قبل أن يجرؤ أن يمد يده ليمسك بيدها..
كان يريد أن يقبل أناملها قبلة رقيقة.. قبلة واحدة فقط..
فإذا به بغمرها بعشرات القبلات المبللة باليأس والسعادة..
لم يخرجه من فوضى المشاعر التي اجتاحته.. إلا أنة ضعيفة صدرت عنها..
حينها أفلتها وهو يقفز ليقف قريبا منها..
همست بضعف دون أن تفتح عينيها: يمه.. كساب جاء..؟؟
كان الجواب هو شفتيه اللتين لم تجدا طريقة للتعبير عن حزنه عليها سوى ببصقهما دما..
لتنفثا في روحها الحياة الآن..
كاسرة شهقت وهي تفتح عينيها لتطوق عنقه بذراعيه وهي مازالت ممدة..
أفلت شفتيها.. ليلصق خده بخدها وهو يرفعها برفق..
انتحبت بشفافية وهي تغرق عنقه بدموعها: وين كنت ذا كله؟؟
أنت تعاقبني عشان بنتنا ماتت بدل ما تكون جنبي..
كساب عاجز عن التفكير لا يستوعب أي شيء سوى أنها بين يديه الآن..
وهو من كان يظن أنه لن يحتضن سوى مرارة الأيام بعدها..
همس في أذنها بكل وجع العالم: أحبش وأحبش وأحبش
وسامحيني على على كل شيء.. على كل شيء..
سوي فيني اللي تبين بس تكفين لا تفكرين تخليني مرة ثانية!!
**********************************
" يمه كساب وين راح؟؟"
مزنة همست بإبتسامة متأثرة: أكيد قريب يأمش.. راح عشان النسوان اللي جاوو يسلمون عليش..
وأكيد بيرجع..
مازالت عاجزة عن تخفيف فيض دموعها التي تأبى التوقف وهي تهمس بصوتها المبحوح الممزق:
تكفين يمه كلميه يجي..
تشعر في غيابه كما لو كانت محض طفلة فقدت أنامل والدها في خضم زحام كبير..
ولن تشعر بالأمان حتى تعود للاطباق على أنامله..
حينها ستسكن روحها من القلق والخوف والجزع..
همست مزنة بحنان: باتصل له يأمش.. مع إني ما أدري تلفونه معه وإلا لا..
قبل أن تتصل مزنة كان هو من يتصل يسأل هل مازال عندهم زائرات..
ويخبرهما أن معه مفاجأة..
مزنة أنزلت نقابها ووضعت عباءتها على رأسها.. لتخرج وترى.. حين رأت مفاجأة كساب ابتسمت بشفافية وهي تفتح الباب على اتساعه..
دخلا مع باب غرفة الجلسة ليتوجها لكاسرة التي كانت ترفع ظهرها قليلا..
حين رأت القادم تزايدت دموعها وهي تحاول النزول لتقف..
هتف لها كساب بحزم: والله ما تنزلين أنا بجيبه عندش..
اقترب الجد وهو يستند لكف كساب.. ويحاول أن يتبين ما أمامه ويهمس بتأثر عميق: وينش يأبيش؟؟
كان الرد على جوابه أن كاسرة طوقت خصره وهي تقبل كتفه بتأثر عميق حين أوقفها كساب جوار سريرها..
احتضن رأسها بحنان وهو يهمس بذات تأثره الرقيق المتجذر كجذور شخصيته وهو يشعر بتبلل كتفه من دموعها:
ياويل حالي من ذا الدموع كلها.. اذكري الله يأبيش..
الله يأخذ ويعوض بأكثر منه وأحسن..
قبل ما تجيني مزنة.. مات علي خمسة ماحد منهم كمل شهر..
ولو يخيروني بينهم كلهم وبين مزنة.. ما تخيرت حد عليها..
همست كاسرة باختناق: الحمدلله على كل حال يبه.. ما نعترض على عطاه..
بس الوجع غصبا عني..
كان كساب ينظر للمشهد.. ويشعر أن الألم يغوص في ثنايا روحه مع إحساسه بالندم من أجله..
تأثرها يهز أعماقه.. لا يعرف كيف يستطيع التعويض عليها إلا بمشاعره المنهمرة من أجلها.. وهو يبحث عن كل ماقد يرضيها أو يسعدها!!
*********************************************
" أشلون كاسرة الحين؟؟"
تميم يشير بهدوء: الحمدلله أحسن.. بكرة الصبح بتطلع من المستشفى إن شاء الله..
ابتسم فاضل: ماتبي تمرن جنحان طيورك..؟؟ خاست من القعاد في مركز الطيور..
ابتسم تميم: نمرنها هنا في الدوحة ماعليه.. بس قنص ذا السنة ما أقدر..
ثم أردف بإشارة غامضة: عندي شغل..ما أقدر أخليه..
تنهد فاضل بإبتسامة شاسعة: والله حتى أنا ماودي أطلع من الدوحة ذا السنة..
خايف مرت عبدالرحمن تولد وأنا ماني بهنا..
ذا البنات ماعاد مسكوا غرانهم في بطونهم شوي..
وأنا من شفقتي عليه ما أبي حد يشله قدامي!!
ابتسمت أم عبدالرحمن التي كانت تقطع للاثنين صحنا من الفاكهة وهي تخاطب أبا عبدالرحمن:
خاطري أدري أشلون تسولفون.. على أنه ولد أخي أنا.. أشياء واجد ما أعرف أقولها لها.. ولا أفهم عليه..
ابتسم أبو عبدالرحمن: طول العشرة خلته يفهم علي ولو أني داري إن إشاراتي كلها غلط..
أشار أبو عبدالرحمن لتميم بشيء.. فاتسعت ابتسامة وهو يشير برفض قاطع..
أم عبدالرحمن ضحكت: والله أنك منت بخالي.. إشارتك ماجازت لي..
ضحك أبو عبدالرحمن: أقول له عمتك تقول تدور لي بنية مزيونة من هل الكمبيوترات اللي يجونك..
كود نجدد الصبا..
ابتسمت أم عبدالرحمن بغيظ رقيق.. يبقى موضوعا مهما كبرت المرأة تشعر بالغيظ منه:
ومابه من صبي مزيون بعد عشان إذا خليتك أنت وبنيتك المزيونة..
أبو عبدالرحمن ضاحكا: أفا يا الصيتي.. اللي خربت الدعوى..
يا بنت الحلال.. ما أبي إلا أنتي وحسن الخاتمة..
**************************************
اليوم التالي
.
.
يدخلون أربعتهم للبيت..
كساب يحمل كاسرة التي تفجر وجهها احمرارا وهي تحاول اقناعه بإنزالها وهو يرفض بإصرار: بسش حنة.. ماني بمنزلش إلا على سريرش..
أردف بوجع: لو علي اصلا ماخليتش تبعدين من حضني دقيقة..
بينما زايد يهتف بصوت عال وبمودة غامرة: الحمدلله على سلامتش يابيش.. نورتي بيتش..
مزنة باستعجال تتجه لجناحها الذي أصبح في الأسفل:
كساب يأمك جيبها عندي..
كساب برفض قاطع وهو مازال يحملها: اسمحي لي يمه.. كاسرة بتقعد عندي..
مزنة باستغراب: يأمك مايصير.. كاسرة تبي من يراعيها.. ونفاس.. مايصير تقعد عندك..
كساب بإصرار حازم: ماعلي من ذا الكلام كله.. كاسرة بتقعد عندي..
كاسرة ستموت من الحرج وهي تهمس في أذنه: كساب خلاص نزلني..
كساب بخفوت: بس اسكتي.. ماني بمنزلش الحين..
مزنة تتنهد: يأمك ما أقدر أطلع فوق.. أشلون تقعدها فوق بروحها..
مزنة تشعر بالحرج أن تخبرهم أن زايدا حلف عليها ألا تصعد للأعلى مرة أخرى..
حينها هتف كساب بخبثه الذي لا يستطيع تركه:
خلاص روحي اقعدي مع شيبتش في جناحه.. وعطينا جناحش..
مزنة صمتت بحرج بالغ.. ليهتف زايد الذي لا يرضى أن يشعرها أحد بالحرج:
خلاص خذوا جناحي أنا.. أنا اللي بأطلع فوق..
مزنة لم تستطع إلا أن تنظر له بامتنان وكساب يتجه بكاسرة لجناح والده ويهتف بنبرة مقصودة:
كثر الله خيرك يبه.. من يومك جنتل..
خصوصا لا حضرت عمتي مزنة في السالفة..
حين أنزلها كساب على سريرها.. همست بذبولها الذي يلازمها منذ ولادها:
كساب الله يهداك أحرجتني واجد..
كساب هز كتفيه بثقة: وين الإحراج؟؟ ماشفته!!
كاسرة تاخرت قليلا بألم لتضع مخدة خلف ظهرها وهي تهمس بألم حقيقي:
ياشينه إحساس الألم وما في يدي شيء ينسيني الوجع..
كساب جلس على طرف السرير قريبا منها وهو يمسح خدها:
اذكري الله .. ربي بيعوض علينا إن شاء الله..
سالت دموعها بصمت مجروح وهي تتحسس ثديها بحرقة: تدري إن صدري فيه حليب..
همس كساب بندم عميق: أنا آسف.. كله مني!! أنا السبب أنا وسالفتي اللي كنها وجهي..
وضعت كاسرة أطراف أناملها على شفتيه: لا تقول كذا.. هذا اللي كتبه رب العالمين لنا.. وماحد يعترض على اللي ربي يكتبه..
اقترب ليحتضنها برفق وهو يهمس بحنان: سامحيني حبيبتي.. ما تخيلين وش كثر ندمان على أشياء واجد..
همست كاسرة بألم: كان لازم نخسر ذا الخسارة.. عشان اسمع ذا الكلمة..؟؟
همس وهو يغمر شعرها بقبلاته: فيني ذا الطبع الخايب على قولت إبي..
ما أعرف قيمة الشيء لين أخسره..
والحمدلله إني ما خسرتش..
ما تتخيلين وش اللي صار فيني... أنا كنت باستخف يوم تخيلت الشمس بتشرق علي من غير شوفة وجهش!!
ويمكن ياقلبي إن الله سبحانه يبي يطوي صفحة من حياتنا ونبدأ صفحة جديدة..
نجيب طفل قلت لش قبل ما تحملين فيه ألف مرة أحبش واحبش واحبش..
*************************************
" قرت عينش يمه برجعة كساب!!"
عفراء تبتسم ابتسامة باهتة: وعقبال ما تقر عينش بشوفة فهد..
جميلة تنهدت وهي تتذكر موعد عودة فهد الذي يقترب مه تزايد اشتياقها له حتى ماعاد في الاحتمال..
وهي تخجل أن تتصل به.. فيصرخ بها.. أو يقول لها كلمة تؤلمها..
تنهدت جميلة بحنان: زين يمه دام كساب رجع.. ليش متضايقة كذا؟؟
عفراء بتأثر: متضايقة عشانه هو ومرته.. من حزني عشانهم مافرحت بحملي..
جميلة اتسعت عينيها وهي تنظر لوالدتها بذهول قبل أن تقفز بصدمة حماسية: نعم؟؟ حامل يمه..؟؟ وليش ماقلتي لي..؟؟
تنهدت عفرا: توني دريت البارحة.. وما كان لي خلق أقول شيء..
جميلة تترقص بحماس طفولي: ومتى قطيتي المانع؟؟ ماقلتي لي..
عفراء هزت كتفيها: صار لي فترة.. منصور جنني من كثر ما يحن.. وأنا استحيت من كثر ما أرده..
قلت خلاص زيود كبر.. وأنا مهوب من صغري عشان أجل أكثر من كذا..
جميلة بذات حماسها الطفولي: وبما أنه عمي منصور من البارحة وهو في الزام..
معناتها مابعد درى..
ابسمت عفرا وهي تشد زايد صغيرها في حضنها وتغمره بقبلاتها: لا مابعد درا.. بأقول له لا جا..
جميلة برجاء حار: تكفين يمه.. أنا أبشره.. تكفين..
ابتسمت عفراء: هذا هو على وصول... بشريه..
ما أن أنهت عفراء كلمتها حتى كان سلام منصور المجلجل يغمر المكان بفخامته وهو يدخل بلباسه العسكري..
ردتا عليه السلام.. وهو يجلس ويشير لزايد الصغير أن يأتي له وهو يهمس بأبوية حانية:
تعال يامجند.. عط القائد بوسة كبر رأسك ..
عفراء أدارت زايد نحو والده وهي تنظر بابتسامة حانية له ولجميلة التي تبدو كما لو كانت تقلى على النار..
منصور تلقى زايد الذي كان يمشي نحوه بخطواته غير المتزنة..
وهو يمد له يديه الطويلتين ليتلقاه قبل أن يصله كما لو أنه أشفق عليه من طول المسافة التي كانت خطوتين وهو يهتف بإبتسامة حانية:
الولد هذا ذيب.. حتى مشيته مشية ذيب..
حينها همست جميلة بإبتسامة شاسعة: وماتبي لك مع الذيب ذيب ثاني؟؟
منصور استدار نحوها وهو يهتف بصدمة سعيدة: أنتي حامل؟؟
ضحكت جميلة: لو أنا حامل.. الذيب بيصير حق آل ليث..
ضحك منصور: لا ولدش أنتي وفهد حقي بروحي..
جميلة غمزت عينها بشقاوة: دور لك ذيب ثاني.. أقرب بواجد..
حينها أجلس منصور زايد جواره وهو ينظر لعفراء بإبتسامة شاسعة.. بينما كانت تخفض عينيها بخجلها العفوي الرقيق:
يعني الذيب حقنا؟؟
الحمدلله حنتي جابت نتيجة والذيب مايهرول عبث..
أردف بفخامة وهو يقف: جمول .. عادي أحب أمش قدامش لأني مافيني صبر..؟؟
جميلة قفزت بخجل وهي تلتقط أخاها وتهرب به: لا مهوب عادي..
خلني أروح وكيفكم..
منصور وقف أمام عفراء ليشدها ويوقفها..
أحتضن وجهها بين كفيه ليغمره بقبلاته وهو يهمس بخفوت: ألف مبروك ياقلبي..
همست برقة: الله يبارك فيك..
أردف وهو يبعدها قليلا لينظر لوجهها: تدرين إن فرحتي بحملش هذا أكبر..
ابتسمت: وش معنى؟؟
أردف بفخامة: لأنه حملش بزايد عاده حسرة بقلبي.. أول شيء ماعرفت الخبر بطريقة أرضتني..
وثاني شيء ماكنت معش في حملش خطوة بخطوة..
الحين هذا أبي أستمتع معش فيه بكل لحظة أنا وأنتي وزايد..
*********************************
" بسم الله عليش ياقلبي.. بسم الله عليش!!"
شدها برفق ليحتضنها بخفة حتى لا يؤلمها وهو يسمع صرخاتها الموجوعة التي دلت على كابوس كانت تحلم به..
مالت بشكل جانبي لتدفن وجهها في صدره وهي تنتحب بخفوت..
مسح على شعرها وهو يقرأ عليها الكثير من الآيات ليهدئها..
ثم أردف بحنان بعد أن هدأت قليلا: سلامات ياقلبي.. سلامات.. وش فيش..؟؟
همست كاسرة باختناق وهي تدفن وجهها أكثر في صدره : كابوس قديم.. توني أفهمه.. أو يمكن عمري مافهمته..
همس كساب بذات الحنان العذب: إذا شيء شين لا تقولينه..
كاسرة عاودت التمدد وكساب يساعدها أن تتمدد حتى لا تؤلم نفسها
وهمست بخفوت موجوع وهي تنظر لوجهه وهو يتمدد نصف تمدد ويستند على كفه لينظر لها:
من عقب مامات أبي.. يجيني حلم غريب..
إنه بيدي بنت صغيرة.. أنا ضامتها بكل قوتي.. كأن روحي متعلقة فيها..
وبعدين يجي حد ويأخذها غصبا عني.. كل ماصارت ذا اللحظة أفز من نومي أصيح كأنه حد نزع قلبي من مكانه..
عشان كذا كنت واجد أصك على أختي وضحى.. كنت أخاف عليها تكون البنت اللي بيأخذونها مني..
وأحيانا كنت أقول هذي أنا.. حد ينزع روحي من بين إيدي..
عقب ماخذتك.. سبحان الله.. ماعاد جاتني ذا الأحلام.. ما رجعت لي إلا فترة زعلتنا..
ويوم حملت.. كنت متوترة ما أبي بنت.. على كثر ماني مشتهية يكون بكري بنت..
ويوم دريت إن اللي بطني ولد تريحت..
وهذي هي بنتي راحت..
كساب مد أنامله ليمسح دموعها المتناثرة بشفافية وهو يهمس لها بعمق:
خلاص الكوابيس راحت..
وربي بيعوضنا ببنت ثانية.. وإن شاء الله تكون بكرنا بنت مثل ما تبين..
وطالبش ماتحاتين شيء وأنا جنبش..
الدنيا تصير في عيني أضيق من فتحة الأبرة لا شفتش ضايقة كذا!!
هاهو تشاركهما في الحزن وإحساس الفقد يطهرهما تماما..
مخلوقان مثقلان بالوجع والتأزر..
والعشق الذي أنضجته نار الفجيعة..
فلا شيء يقرب البشر ويصهر الخلافات ويجعلها لا قيمة لها..
مثل الــــحــــزن!!
****************************************
اليوم التالي
.
.
" ياعمي طالبك تساعدك..
تميم ماحتى رضى يقابلني.. وش اللي يرضيكم أنا حاضر له..
لاني بأول واحد ولا آخر واحد يغلط على مرته..
وأنا معترف إني غلطان.. وحقها علي..
وحاضر أراضيها باللي هي تبيه"
زايد ينظر له بعتب عميق لا يخلو من غضب: يأبيك..
الرجال لاخذ بنات أما يحشمهم.. وإلا ترا بيوت أهلهم مهيب عاجزة منهم..
تنهد نايف بحزم: وبنت ناصر لها القدر والحشيمة..
لكن ياعمي من أول زعلة بتصير بيننا.. بتقوون رأسها علي..؟؟
عطوني فرصة وحدة بس.. إن رجعت عليكم زعلانة مرة ثانية.. حقكم كلكم برقبتي..
خلاص وش عاد تبون أقول أكثر.. اعتذار مابقى حد ماتعذرت منه..
وأوعدها ماعاد يصير إلا اللي يرضيها..
أنا لا كابرت على الغلط.. ولا أصريت عليه..
على الأقل خلوني أتكلم معها.. أنت إبينا كلنا..
بأكلمها قدامك..
تنهد زايد بحزم: أنا بأقول لها.. لكن ماني بغاصبها..
لأنه حقها أقول لها.. لكن أنتو أجعتوها وأجعتونا معها..
ولولا غلاك وأني شايفك متحسف.. وإلا والله لا يكون تصرفي شيء ثاني مايرضيك..
************************************
" يه عقب ماهو مستر كساب طافش طول اليوم
وأنتي تدورين وراه في السكيك..
ماعاد فارق شوي نشوفش..
اليوم كله مبلط عندش.. ماوراه دوام الأخ؟؟"
كاسرة تنظر لسميرة بإبتسامة ذابلة: حرام عليش سمور..
والله إني طلعته بالغصب عشانش..
قلت له سميرة اتصلت كم مرة تبي تجي..
تدرين وش يقول؟؟ يقول ماوراها رجال المفروض تفرغ له..
ضحكت سميرة بمرح: قولي له رجّالي طافش مني كالعادة.. الله يبارك في سوق الكمبيوترات المزدهر..
عقبال مايزدهر سوق العقارات وتفك شوي بعد..
وضحى تدور بكاسات العصير على المتواجدات بينما مزون تهمس بإبتسامة:
عاد حدش سمور.. كله ولا كساب يلحقه الحكي..
سميرة بمرحها المعتاد: احترمي بنت عم رجالش قبل ألتش كفين..
كيفي أنا ورجّال حماتي..
على قولت خالي هريدي: ياداخل بين البصلة وئشرتها.. ماينوبك منها غير ريحتها..
مزون بإبتسامة وهي توجه حوارها لمزنة: يمه قولي لمرت ولدش قبل أتوثم فيها..؟؟
سميرة تنفذ عن ذراعيها بحركة تمثيلية: تكلمي على قدش يابنت..
دنا بنت أخت هريدي والأجر على الله..
مزنة همست بإرهاق: مزون يأمش.. شاخبارش الحين عقب التعب اللي جاش..؟؟
همست مزون بمودة: طيبة.. يوم شفت كساب.. طبت والشر راح..
همست مزنة بذات الإرهاق: الله الله في نفسش.. تبين أروح معش الدكتورة؟؟
ابتسمت مزون بتأثر: والله يمه أنتي اللي تبين لش دكتورة.. شكلش منتهية من التعب..
ابتسمت مزنة بإرهاقها ذاته: هانت خلاص.. الله يهون من عنده!!
وضحى همست وهي تميل على أذن أمها: يمه فديتش قومي انسدحي شوي..
هذا أنا عند كاسرة.. لين يجي كساب..
كانت مزنة فعلا تريد أن تنهض لتتمدد.. لولا أن هاتفها رن.. تحادثت على هاتفها بخفوت لدقيقة..
ثم التفتت لوضحى وهمست بأمر: وضحى روحي لعمش أبو كساب في مجلس الحريم..
وضحى ابتلعت ريقها..
كانت تعلم أن هذا الطلب قادم.. لكنها تعلم أن إنشغال زايد الفترة الماضية لابد منعه..
تنهدت وهي تهز رأسها بغصة : إن شاء الله..
بينما سميرة ترقص حاجبيها: جاك الموت ياتارك الصلاة..
مزون تضحك: إبي الموت يا الخايسة..
ضحكت سميرة: إلا وضيحى تارك الصلاة.. قصدي تارك نايف..
يا الله استلئي وعدك ياحلوة..
وضحى تأكدت من لبس نقابها.. خشية ان تصادف كساب.. ثم توجهت لمجلس الحريم..
دخلت بسكون وأغلطت الباب خلفها..
ثم رفعت نقابها فوق رأسها لتتوجه لزايد وتقبل رأسه وتجلس قريبا منه بسكون..
هتف زايد بنبرته الأبوية الخاصة: أشلونش يأبيش؟؟
همست وضحى بخجل: لاقدك طيب أنا طيبة..
زايد بحنان فخم: جعلش طيبة وبخير..
ثم أردف بحزم: فيه ناس يبون يشوفونش يأبيش..
وضحى ارتعشت بخفة وهي تهمس باختناق: وأنا ما أبي أشوفهم..
تنهد زايد: يا أبيش ماحد بغاصبش على شيء..
ونايف غلط عليش غلطة كبيرة... بس هو تعذر لين قال بس..
ويقول جاهز للي يرضيش.. ويبي يكلمش..
عطيه فرصة ثانية.. اسمعيه بس..
وضحى باختناق: يبه هذا أمر وإلا أقتراح..؟؟
كانك تأمرني.. نفذت ولا لي حق أفتح ثمي.. وتبيني أشوفه الحين شفته..
لكن كنه اقتراح.. اسمح لي فديتك.. جرحي منه ماطاب عشان أشوفه..
ابتسم زايد: الله يكبر قدر يأبيش..
لا بالله هذي مجرد رسالة وصلتها لش منه..
فكري براحتش..
وخلني أقول لش الكلمة اللي باقولها لمزون لو هي جاتني زعلانة.. مثلش مثلها..
وكلكم بناتي..
المرة لا جاها رجّالها نادم بذا الطريقة.. تعطيه فرصة ثانية.. عشان تكسبه..
ترا ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابين..
*************
" يا الله ياقلبي تجهزي للسفر خلال أسبوع!!"
جوزاء تنظر لعبدالله باستغراب: أي سفر؟؟
ابتسم عبدالله: عشان تكملين دراستش.. مسرع نسيتي!!
خلاص الدراسة بتبدأ بعد عشرة أيام.. وأنا جهزت كل شيء..
جوزاء بصدمة: ماقلت لي..
ابتسم عبدالله برجولة صافية: تقدرين تقولين إنها مفاجأة.. ولو أنه ماعاد هي بمفاجأة لاني من زمان قايل لش..
لولا حادث عبدالرحمن ثم فهودي الصغير وإلا كان رحنا من السنة اللي فاتت..
الحين فهودي صار عمره 4 شهور.. خلاص خلنا نروح..
قبل يكبرون العيال وتصير السالفة أصعب..
والمدة كلها فصل واحد.. وش كثر تعبت لين قدرت أدبرها ماتكون أطول..
جوزاء بدأت تشعر بالتوتر المختلط بالتاثر: ياربي وعيالي وش أسوي فيهم..
عبدالله بحنان: بناخذ خدامة أمي الكبيرة.. صار لها عندنا 15 سنة..
مرة ثقة.. وبعدين ترا كل السالفة تروحين 3 مرات في الأسبوع مدة ساعتين بس..
جوزاء ماعادت قادرة الجلوس.. وهي تقاوم انهمار دموعها: صدق عبدالله صدق بأروح أدرس؟؟
عبدالله شدها ليجلسها ويشد على أناملها بتأثر عميق: صدق ونص..
عساني بس أقدر أكفر عن اللي سويته فيش..
جوزاء أسندت رأسها لكتفه وهي تهمس باختناق: الله لا يحرمني منك..
ويقدرني أسعدك وأرضيك مثل منت محسسني برضا ربي علي!!
قاطع جوهما الخاص دخول حسن الصغير عليهما وهو ينظر لأمه ثم يهتف بغضب:
بابا وس سويت؟؟ ليه ماما تبكي؟؟
ضحك عبدالله وهو يشده ليحتضنه: إخس يا العصبي... ترا مهوب أنت اللي سمي فهد هدي أعصابك شوي..
ماما فرحانة..و عاد يا أبيك النسوان ماينعرف لهم..
يستانسون يبكون.. يحزنون يبكون..
*****************************************
" يمه أبي أروح لبيتي.."
عفراء بابتسامة: فهد بيجي بكرة.. وش فيش مستعجلة كذا؟؟
جميلة بخجل رقيق: أبي أرتب المكان قبل يجي.. عشان أتفرغ لنفسي بكرة..
ابتسمت عفرا: تطورات ياجمول.. الله يديم نعمة العقل عليش..
تبين حد من الخدامات يروح معش؟؟
جميلة بحماس رقيق: لا فديتش.. مايحتاج.. ولو احتجت.. خدامات البيت موجودين..
تنهدت وهي تقف لتجهز أغراضها للمغادرة..
" النذل اشتقت له واجد..
وهو حتى تلفون مادق..
وش ذا القلب اللي عنده يمه منه؟؟
قلب بعير ماينسى!! "
*********************************
" ها حبيب القلب مازولا وش أخباره؟؟
عاد مرته طافشة منه؟؟"
عالية ضحكت وهي تطوق عنق عبدالرحمن المشغول كالعادة بين تحضير دروسه
ومع ذلك لا يترك دقيقة واحدة قد يقضيها معها..
قبلت خده وهي تهمس بمرح: مازولا يقول فكه من شرك يا تنكة السمن..
حاط دوبك دوبه... بدل ما تقنع بنت خالك ترجع له..
ضحك عبدالرحمن: أفهم من هذا ضمنا إنه خالش نايف بما إنه مازولا فهو خفيف على القلب وخالي من الكريسترول..
وأنا دسم على القلب وصاروخ كريسترول..
عالية بمرح: وليش ماتقول نويف سامج ومافيه نكهة.. وأنت كل النكهة..
عبدالرحمن يضع يده على قلبه: وأخيرا انصفني الزمن بمدحة من عندش..
اللهم دمها نعمة واحفظها من الزوال..
حواراتهما المرحة والعميقة والمهتمة عن كل شيء وحول كل شيء لا تتوقف..
قبل أن يضع عبدالرحمن كل أوراقه جانبه ويمد ذراعه ليحتضن كتفيها ويهتف باهتمام:
قريب بتدخلين الثامن ما تبين تأخذين إجازة ترتاحين؟؟
ابتسمت عالية وهي تسند رأسها لكتفه.. وتعبث بأنامله:
تو الناس فديتك.. أبي أخلي إجازتي عقب إجازة الوضع..
لين يصير عمر البيبي 4 شهور..
ضحك عبدالرحمن: مافيه حد يعد لحملش مثل إبي الله يعطيه العافية..
لدرجة إنه حتى القنص ذا السنة ماراح ولا هو برايح..
خايف تولدين وهو مهوب هنا..
ابتسمت عالية بشجن ودود: الله لا يخلينا منه..
ثم أردفت بمرح: ولا يهمه بأقطه عليه وخله يبزيه على كيفه..
****************************************
" نجلا حبيبتي.. وش رأيش نروح لدبي؟؟
باقي من عطلة العيال أسبوع.."
نجلا بتردد: لا صالح تكفى ما أقدر مع الاثنين الصغار..
تنهد صالح وهو يحتضن غانم الصغير الذي يجلس على ساقيه:
حبيبتي حرام عشان خاطر عزوز وخويلد.. صار لهم أكثر من سنة ماطلعوا برا الدوحة..
وبيرجعون للمدرسة ماغيروا جو..
نجلا بذات التردد: أخاف على غنوم ومهاوي حد منهم يمرض وإلا يتغير عليهم الجو..
ابتسم صالح: بسش يالوسواسية.. حرام عليش صاكة عليهم وصاكة على نفسش معهم..
يا الله يا بنت الحلال..
خلينا نسافر الحين.. نرجع قبل مايسافر عبدالله وهله عشان نواجههم..
*************************************
اليوم التالي
.
.
توترها تصاعد للذروة..
أعادت ترتيب كل شيء عدة مرات..
نظرت لنفسها في المرآة آلاف المرات..
عدلت لباسها وأحمر شفافها لمرات ماعادت تذكرها..
وكأنها تبحث عن شيء تفرغ فيها توترها..
وهذا التوتر لا ينزاح ولا ينجلي..
تنظر للساعة.. (كأنه تأخر!!)
ماعادت تستطيع الجلوس حتى.. وهي تروح وتجيء وتنظر عبر النافذة..
حتى رأت سيارة هزاع تتوقف في الباحة..
تراجعت بعنف وهي تلتصق بالحائط..
فهي تعلم أن هزاع هو من ذهب لإحضاره من المطار..
تصاعدت دقات قلبها... وشعرت بريقها جافا تماما..
جلست وهي تحاول السيطرة على ارتعاشها دون جدوى..
وضعت أناملها على جبينها (الظاهر إني مسخنة!!
جسمي مولع وارتعش.. أكيد مريضة!!)
قضت وقتا طويلا وهي مازالت تنتظر.. ارتعاشها يتزايد ومعه حرارة جسدها..
(أكيد مريضة..
خلني أنام قبل يجي..
لو عصب علي بأقول له أنا مريضة!!
وش أسوي؟؟
حد أقوى من المرض؟؟
هو أساسا معصب معصب.. لقاني صاحية وإلا نايمة..
يمكن يرحمني لا شافني مريضة!!)
جلست على طرف السرير لتخلع كعبها الأسود العالي..
وكانت ستنفذ مخططها فورا.. وتندس في الفراش قبل أن يأتي!!
لولا الباب الذي فُتح فجأة..
قفزت واقفة وهي تدعك أناملها بحدة..
وقف أمام الباب لثوان كتمثال صامت.. قبل أن يغلقه..
يعترف أنه مصدوم..
فهو ماكان يظن أنه سيجدها بعد أن هددها بمعاقبتها في الهاتف..
كان يظن أنه ستكون في بيت أهلها..
وقد تتخذ تهديده سببا لتتركه أو لتماطل في العودة إليه!!
لكن أن يجدها أمامه دون أن يتوقع..
بل بهذه الصورة الموغلة في البهاء والحسن والإبهار.. كان أكثر من احتماله بكثير..
حاول أن يحرر عنقه من ازراره بفشل.. فهو لم يكن يرتدي ثوبا..
بل كان يرتدي بدلته العسكرية الخاصة بالتشريفات بأزرارها القاسية..
كانت ترتدي فستانا قصيرا فخما خليطا من اللونين التركواز والأسود..
كل مافيها ينطق بالأناقة والفخامة والحسن الموجع..
بدءا من كعبها الاسود لساقيها المصقولتين لفستانها الاستثنائي.. لنحرها المشرق..
لشعرها... شعرها؟؟؟.. بقصته القديمة التي رأها فيها أول مرة..
اللئيمة الصغيرة.. في كل مرة يعود من سفره متحفزا ضدها.. لتصدمه بسحب تحفزه كله كالسحر!!
همس بثقل وهو يفتح فمه أخيرا: قصيتي شعرش؟؟
ردت عليه باختناق دون أن ترفع بصرها: قصيته عشانك.. عشانك قلت إن قصتي القديمة كانت تعجبك..
همس بذات الثقل: ذا الكلام قلته يمكن قبل خمس شهور..
شدت نفسا مختنقا: توني فهمته..
اقترب منها أكثر لترفع عيناها بوجل نحوه...
تعلقت عيناها به.. لأول مرة تراه وسيما هكذا.. أو ربما لأنها نظرت له بعين مختلفة هذه المرة..
همست باختناقها ذاته: ليش تأخرت؟؟.. أنتظرك من زمان..
هتف بذات نبرته الثقيلة: كان لازم نأخذ صور في المطار للدفعة كلها مع القادة..
بكرة بتطلع في الجرايد.. عشان كذا لبست بدلة التشريفات.. وتأخرت..
همست بذات النبرة المختنقة: تعشى؟؟
هز رأسه رفضا وهو يهمس بإجهاد: ما أبي..
وبسش تكفين..
تراجعت بوجل وهي تكاد تبكي: والله ماسويت شيء..
مد يده ليمسح شفتيها بولع: بسش تعضين في شفايفش.. ذبحتيني..
من أول مادخلت وأنتي مرتبكة وتعضين في شفايفش وتدعكين في أصابعش..
بسش..
همست بخجل عميق: ماقصدت..
شدها ليحتضنها بقوة حانية وهو يهمس بولع موجوع:
أدري ماتقصدين.. واللي ذابحني إنش ماتقصدين..
وياكثر ماتذبحيني وأنتي ماتقصدين..
انتفض بعنف وهو يشعر بقبلاتها على ذقنه وطرف خده وعنقه (بسم الله الرحمن الرحيم..
هذي اش فيها؟؟ استخفت؟؟)
لتنتفض روحه برعشات أعمق وهي تسكب همساتها الرقيقة قريبا من أذنه:
اشتقت لك يا الظالم.. اشتقت لك..
أسبوع كامل ماتكلمني إلا مرة وحدة عشان تعصب علي وتسكر في وجهي..
حرام عليك كنت بأموت من شوقي لك..
فهد أبعدها عنه بجزع وهو يضع يده على جبينها: مريضة أنتي؟؟
همست باختناق مبلل بالعبرات والدموع وهي تتناول كفه عن جبينها وتغمره بقبلاتها: الظاهر كذا..
عاود شدها بقوة أكبر بين أحضانه وهو يهمس برجاء عميق:
زين.. طالبش خلش مريضة كذا على طول!!
.
.
.
" فهد.. فهد.. قوم حبيبي..
وش ذا الكسل اللي عندك؟؟
الظهر قرب يأذن.. بالعادة ماتنام لذا الحزة حتى في الإجازات"
تنهد بعمق وهو مازال مغمض العينين: أخاف أفتح عيني..يكون ذا كله حلم..
وبعدين انجلط..
جميلة انحنت عليه بجزع رقيق: بسم الله على قلبك..
ثم انحنت أكثر لتغمر وجهه بقبلاتها الشقية الرقيقة: هذي قرصة عشان نصحيك من الحلم..
حينها فتح عينيه بنعاس وهو يهمس بصوت ناعس مبتسم: اقرصيني مرة ثانية..
عشان مابعد صحيت من الحلم..
قرصت خده وهي تهمس بمرح: دمك عسل.. وهذي قرصة.. قوم يا الله..
شدها ليمنعها من المغادرة وهو يعيدها لحضنه ويهمس بابتسامة: القرصة هذي بايخة..
وخاطري أدري وش صار وأنا مسافر غيرش كذا..
لو هو سفرتي.. سافرت كل يومين أسبوع.. مادمت بأرجع ألاقيش كذا..
جميلة برجاء عذب: لا طالبتك.. بلاها السفرات وأنا وأوعدك أقعد كذا على طول..
ثم أردفت بابتسامة: بالعكس لو سافرت مرة ثانية.. بترجع بتلاقيني رجعت مثل أول..
فهد ضحك: لا خلاص.. حرمنا.. بأبلط هنا في الدوحة..
*******************************
بعد أكثر من أسبوع..
.
.
" ها يا الخال... عاد مرتك طامح؟؟"
نايف بتأفف: ترا ذا المصطلح السخيف اللي كنه وجهك ماعاد حد يقوله..
هزاع يهز كتفيه بمرح: والله مهوب أنا اللي اخترعته..
سامع خواتك يقولونه..
يضحك ضحكة مجلجلة: (مرت أخينا طامح..)
خربوا بينك وبين المدام وعقبه يتمسخرون عليك!!
نايف بغضب: هزيع تلايط!!
هزاع يرفع حاجبا وينزل آخر: إيه علي انفش ريشك.. وعند خالتي النوري تنافض.. على قولت الشاعر:
أسد عليَّ وفي الحروب نعامة..
نايف وقف وهو يضع نقود الحساب على الطاولة ويهتف بغضب: الشرهة على اللي وافق يطلع معك..
هزاع أمسك بكفه وهو يهتف بحزم: اقعد ياخال اقعد.. كمل قهوتك..
نايف جلس وهو يدفع فنجانه بحدة فتنسكب بعض قطراته داخل الصحن وعلى الطاولة..
هزاع ضحك: إخس يالخال.. كني شفت نفس الحركة سواها أميتاب باتشان.. مع ميري بنت راجو..
تنهد نايف بعمق: هزاع واللي يرحم شيبانك ارحمني من ملاغتك..
أنا ماكنت أبي أطلع معك.. بس أنت قلت تبيني ضروري..
خلصني!!
حينها نظر هزاع لنايف نظرة مباشرة: صحيح مرتك طلبت الطلاق..؟؟
نايف بصدمة حقيقية قفز وكلماته تتناثر: لا.. من اللي قال كذا..؟؟
حينها شعر هزاع كما لو كان سُكب على راسه ماء باردا (أنا وش دخلني؟؟
ياشين اللقافة..!!
يعني بلفيت إني باواسيه أنا ووجهي!! )
هزاع هتف بارتباك: ماحد قال لي.. أنا بس كنت أظن كذا؟؟
نايف أمسك معصم هزاع بقوة: هزيع خلصني.. الكلام ذا مهوب من عندك..
هزاع زفر (دامني تورطت.. هو مصيرة عارف عارف):
سمعت أمي تقوله لعالية.. عشان أمي راحت تبي تراضيها بس هي قالت إنها تبي الطلاق..
نايف قفز ليغادر مسرعا.. وهو يتجه دون تفكير لأم صالح!!
.
.
.
" صافية ليش ماعلمتيني؟؟"
أم صالح بأسى: ياختك ما دريت أشلون أقول لك.. قلت لعالية تقول لك..
وبعدين الكلام أخذ وعطا..
أنا قايلة لمزنة تحاول فيها..
بس مزنة اللي فيها مكفيها.. موجوعة عشان سواتك أنت وخواتك في بنتها..
ومستوجعة عشان ضنا بنيتها الثانية اللي راح..
وبروحها تعبانة من الحمل..
نايف بأسى: الحين هم خواتي بروحي.. مهوب خواتش معي..
أم صالح تنهدت بحزن: ياقلبي يأخيي فديتك.. صحيح خواتي وخواتك وعلى رأسي..
بس أنت غلطان يامك.. عجزت أدمح زلتك ولا هيب بمدموحة..
الحين وش استفدت؟؟
أنت داري إني حاولت في نورة سلطانة يروحون معي يطيبون خاطر البنية بكلمة..
مهوب لازم يتأسفون.. كلمة تطييب خاطر... سلطانة مسكينة تبي تروح بس خايفة من نورة... تقول لا سمحت لها نورة راحت..
ونورة حلفت ماتروح..
الحين قل لي وش بينفعونك...
تبي تطلق مرتك؟؟
نايف يحزع: لا تكفين صافية.. كله ولا ذا الطاري.. أراضيها باللي هي تبيه..
بس طاري الطلاق لأ..
تكفين يأخيش.. أنتي أمي واختي.. من لي غيرش.. تكفين..
أدري الناس كلهم يعزونش.. ساعديني..
أنا أبي مرتي.. ومستحيل أطلقها لو حتى انطبقت السماء على الأرض..
وبعد ما اقدر أزعل خواتي عشانها.. هذولا عبارت أمي..
واللي مافيه خير لهله مافيه خير لمرته..
أم صالح تنهدت وهي تقف: عطني يومين وأرجع أحاكيهم مرة ثانية..
كان نايف سيخرج لولا أن هزاع دخل خلفه يبحث عنه وهو يشعر بالذنب لأنه كان من أبلغه الخبر..
هتف بهذا الندم الرقيق المغلف بابتسامته: سامحني ياخال.. أنا حسبتك تدري..
تنهد نايف : أنت وش ذنبك؟؟ العلم كان لازم يوصلني على كل حال..
تنهد هزاع بمرحه المعتاد: تدري ياخال وش الشيء الوحيد اللي ممكن ينفعك..
إنك تكون خال جدع.. وبنت آل سيف تكون حامل..
عقبها بترجع غصبا عنها..
تدري بنات اليومين ذي حساسات.. مهوب مثل عجايز أول عادي عندها تتطلق وهي وراها سبع بزران.. والقاع تربيهم على قولتها..
الحين البنت تقول: لا بعتين يتعكد ولدي ماعنده بابا.. وربعه كلهم عندهم بابا..
كانت ضحكة هزاع تنطلق مجلجلة وهو سعيد بنكتته.. بينما نايف يرد عليه بتافف: زينك ساكت بس..
وش عرفك أنت؟؟ ماتعرف كوعك من بوعك..
*****************************************
" ها سوسو هانم.. متى بتشرفينا في الدوام؟؟"
كاسرة تنهدت: مهوب قريب..
فاطمة بتردد: أنتي عارفة إنه إجازتش أسبوعين بس.. وهذي خلصت وأنا طلبت لش أسبوع زيادة..
لأنه الشهرين مايعطونها إلا بشهادة ميلاد الطفل.. والحين أنتي عبارة إجازة طبية..
كاسرة بثقة: بأقدم على إجازة بلا راتب.. مالي خلق دوام.. وبعدين كساب ملزم يبينا نسافر..
تنهدت بيأس وهي تهمس بعفوية: فديت قلبه يحاول ينسيني بأي طريقة..
جعل يومي قبل يومه..
فاطمة أمسكت قلبها بألم تمثيلي: آه ياقلبي.. ما أستحمل..
الحمدلله ربي أحياني لذي اللحظة.. الحين مستعدة أموت وأنا مرتاحة..
كاسرة ابتسمت لأول مرة منذ وفاة ابنتها: بس يا الخبلة..
همست فاطمة بمرح وهي تغلق عينيها: وابتسامة بعد... وأخيرا
أنا ودعت خلاص... الله الله في عيالي.. وقولي لأبيهم.. لا يتزوج علي طلعت من قبري وسودت عيشته..
**********************************
" وضحى ليش تفشليني كذا في أم صالح؟
المرة جاية تراضيش تقولين أبي الطلاق.."
وضحى تسيل دموعها بصمت: هي اللي زعلتني عشان تراضيني..؟؟
تنهدت مزنة: واللي زعلش راضاش بدل المرة ألف..
المسكين كم مرة يروح ويجي على زايد..
لكن ماحد ميبس رأسش إلا أخيش..
وضحى باختناق: عشان تميم مهوب راضي لي بالمذلة..
مزنة بحزم: وين المذلة؟؟
اللي أشوفه أنكم ذليتوا طوايف المسكين..
يأمش خلاص.. رجالش وجا لين عندنا وتعذر..
ووعدنا مايصير إلا اللي يرضيش.. خلاص مالنا طريقة عليه..
ارجعي وشوفي هو بيكون قد كلمته وإلا لأ..
ثم أردفت مزنة بتقصد: إلا لو كنتي ماتحبين نايف نفسه.. وعايفته..
وماصدقتي تلاقين لش سبب عشان تطفشين وتطلبين الطلاق..
وضحى بجزع: أنا يمه!!
أردفت بيأس: لو أني ما أحبه.. ماكان تأثرت كذا..
مزنة بحزم: واللي تحب رجالها تطلب الطلاق منه..؟؟
وضحى بذات النبرة اليائسة: لاصار يمه اللي بيننا أخرته بيجيب الكره..
خلنا نتفارق وحن بيننا المودة..
يمه هو مستحيل يحط لخواته حد.. وأنا ما أقدر ألومه.. خواته كل وحدة منهم بمكانة أمه..
ومن اللي بيبدي مرته على أمه إلا واحد مافيه خير..
وانا أدري نايف إنه فيه خير.. وقلبه طيب واجد..
بيقعد طول عمره متقطع بيننا يعني؟!!
وخواته مستحيل يغيرون طبايعهم عقب ذا العمر!!
وش أسوي يعني؟؟
أعيش حياتي كلها كذا.. تعبت يمه!! تعبت!!
****************************************
" خالد فديتك جعلني الأولة..
طالبتك!!"
أبو صالح التفت بوقاره المعهود وهو يهتف بأريحيته الجليلة: أفا عليش يام صالح..
أنتي تامرين ماتطلبين..
أم صالح تنهدت باحترام جزيل: طالبتك تحاكي زايد آل كساب وتوسط عندهم..
عشان ترجع مرت نايف له..
تنهد أبو صالح بعمق وهو يهتف بنبرة مقصودة: ونايف ليه ماحاكاني؟؟
بدل ماهو قد له كم يوم ماشفته..
أم صالح بحرج ودود: مستحي منك.. وهو والله ماقال لي أحاكيك.. بس أنا قلبي حارقني عليه..
مرته طالبة الطلاق ومصممة عليه.. ولو جيت للحق كلام البنية كان موزون..
قالت أنا ما ألوم نايف وأدري إنه خواته مثل أماته..
بس أنا ما أقدر أعيش حياتي كلها كذا..
وأنا حتى ماقدرت أقول له كذا.. ما أبي أحزنه..
أبو صالح وقف وهو يهتف بحزم بالغ: وأنا ما أنتظرتش لين تقولين لي..
ولا زعلت عليه إنه ماقال لي..
أنا تصرفت.. بس ماني برايح احاكي زايد.. زايد ماله دعوة..
لأنه زيتنا في مكبتنا.. المشكلة من عندنا حن.. مهوب من عندهم!!
**********************************
" حبيبي ليش مارحت لأبيك في المجلس..
سمعت إنه طالبكم كلكم؟؟"
ابتسم فهد وهو يزيل كتابها من حضنها ويضع رأسه في حضنها:
تبين الفكة مني..؟؟
ابتسمت وهي تميل على جبينه لتقبله وتحاول أن تقلد طريقته في الكلام:
ياشين الواحد لا درا بغلاه.. ويدور اللي يوجع مغليه..
ثم أردفت بشقاوة رقيقة: تدري إني ما أبي إلا قعدتك جنبي..
بس استغربت إنه عمي يبيك وما تروح..
تنهد فهد وهو يتناول أناملها بين أنامله: أنا عارف إبي وش يبي..
وهو أساسا مايبيني.. بس كان يبيني حاضر..
وأنا أخاف لو حضرت وصارت فيه حدة في الكلام.. أو حد قال لأبي شيء ..
أعصب.. وأخربها بدل ما تنحل..
**************************************
" غريبة إبي وش عنده..
مسوي اجتماع قمة لرياجيل خالاتي!! "
صالح يبتسم وهو يميل على أذن هزاع: الله أعلم.. بس كني حاسس باللي يصير..
عشان كذا حرصت أجي..
قلت لازم أشوف بنفسي..
ضحك هزاع بخفوت: إيه أكيد مايطلعك من عند شواذيك إلا الشديد القوي
وأنت قاعد تبزيهم أكثر من أمهم..
ضحك صالح: يا الكذوب.. اللي يسمعك مايقول إني محضر عندكم هنا كل يوم..
هزاع بمرح: توقيع حضور وانصراف فقط.. رفع عتب!!
أسكت حوارهما صوت أبي صالح الجهوري الحازم:
أبو سعود..
التفت أبو سعود (زوج نورة) برزانة نحو أبي صالح: سم طال عمرك..
أبو صالح بنبرة حازمة: أنت عاجز(ن) من مرتك؟؟
أبو سعود انتفض بغضب: إني ولد إبي.. لي أنا تقول ذا الحكي؟؟
وش جاك من مرتي؟؟
أبو صالح بذات الحزم: الحكي لك وللحى الغانمة..
أنا أكبركم ونسوانكم عدة خواتي.. وحن كلنا ربينا نايف..
تربى في بيوتنا كلنا مع عيالنا وعدته عدتهم..
هو عاجبكم سنع نسوانكم في مرته..؟؟ بنية(ن) يتيمة لا غلطت عليهم ولا طولت لسانها على حد منهم..
هم اللي جايينها في بيتها تالي الليل.. وعقبه تحلف أم سعود على نايف ماحتى يوديها ويخلونها تطلع تيك الحزة من بيتها..
حد منكم يرضى ذا الشيء على بنته؟؟
يعني عشان نايف من حشمته لخواته ماقدر يقول شيء.. منتو بمسنعين نسوانكم؟؟
وإلا بتفكونهم وذا في حلوق خلق الله!!
اللي منكم عاجز من مرته يوليني إياها اكوفنها بالعقال شوي..
لين تعرف إن الله حق وتقر في بيتها وتكف شرها عن الناس..
بو سعود وقف بغضب: ماحنا بعاجزين من نسواننا ولا نبي حد يربيهم بدالنا..
ووالله إني مادريت بذا كله..
ويوم نايف مستاذي ليه ما علمني أسنع أخته..
بس ذا وجهي كنها زيد فتحت حلقها عنده وإلا عند غيره..
العجوز تقر في بيتها.. تذكر ربها.. وتبزي عيال عيالها... وتقول يا الله حسن الخاتمة..
************************************
" يابو سعود الله يهداك.. وش فيك علي؟؟
مابعد عصبت علي من يوم عرفتك كثر اليوم؟؟"
أبو سعود وسط ثورته العارمة: عاجبش سواتش.. تصغريني في المجلس وقدام الرياجيل..
أنا اللي عمري كله ما أداني سوالف النسوان ولا اتسمع لها..
توصلني لين بيتي..
نورة بمهادنة: اذكر ربك.. أنا ماسويت شيء يزعلك مني؟؟
أبو سعود بغضب: يعني أبو صالح بيكذب عليش؟؟ بيكذب عليش؟؟
نورة بتراجع: محشوم أبو صالح.. بس أنا مابغيت إلا صالح أخي إللي كنه ولدي..
أبو سعود بحزم غاضب: وصالحه في اللي أنتي سويتيه؟؟
علم(ن) ياصلش ويتعداش.. ذا الساعة تركبين تروحين تعذرين لبنت ناصر آل سيف..
ولا عاد تفتحين ثمش عندها وإلا عند غيرها إلا بالزينة.. وإلا قصيت لسانش..
ترا كنش ماحشمتي عمرش.. خليتش تحشمينه غصب..
نورة بجزع: نذر علي ما أفتح ثمي.. بس طالبتك الروحة لبنت مزنة لا.. تبيني أنزل روحي لبنية أصغر من بناتي؟؟
ترضاها علي؟!!
أبو سعود بحزم: اركبي يامرة.. أنتي اللي رضيتيها لروحش يوم صغرتي روحش لذا السوالف اللي مهيب قدرش..
*************************************
" بس يأبيش شكرت"
مزون تناولت فنجان القهوة من عمها وأنزلته وهي تهمس لغانم برقة:
أصب لك..
أشار لها بعينيه برجاء (إلا أبيش تجين تقعدين جنبي!!)
فهي كانت تسكب القهوة وهي جالسة على الأرض وهو يخشى أن يتعبها الجلوس على الأرض وهي حامل..
أم غانم ابتسمت:
قومي يأمش اقعدي جنب رجالش احولت عيونه..
القهوة ذي بتطلع من بطوننا اليوم!!
ابتسمت مزون بخجل وهي تقف ولكنها تجلس بعيدا عن غانم قليلا لشدة إحساسها بالحرج لأن عمتها لاحظت..
ابتسم غانم: عاد يمه على قوة الملاحظة اللي عندش.. فشلتينا.. وماخليتي عجوزي تقعد عندي..
منتي بملاحظة إن شيبتش صابغ لحيته.. ومشاويره كاثرة!! وجهي الرادار عليه!!
أم غانم صرت عينيها وهي تنظر لأبي غانم الذي هتف ضاحكا: تهبى يا الكذوب..
أنا صابغ لحيتي.. ومشاويري كاثرة يامحراك الشر؟؟
أم غانم ابتسمت وهي تهمس بنبرة مقصودة:
إلا الظاهر يأمك عشان عوارضك بادي الشيب يكثر فيها.. صرت تحس إن أبيك صابغ لحيته..
لا تقارن نفسك براشد تتعب..
حينها همست مزون بخبث رقيق: حرام عليش يمه.. أنا ماكنت أبي أقول له أصدمه..
غانم قفز بعفوية لينظر للمرآة: أنا طالع في عوارضي شيب؟؟
تراجع وهو يجلس بجوار والده ويهمس بمرح: خلني جنبك يبه..
البنت وعمتها سوو حزب عليّ..
********************************
" وضحى.. نورة أخت رجالش هنا.. وتبيش"
وضحى قفزت بحرج وكلماتها تتناثر: نعم؟؟ نورة هنا..
وين أمي؟؟
سميرة باستعجال: وش عرفني؟؟ تبين أتصل فيها؟؟
وضحى تنهدت بتوتر: لا خلاص روحي للعجوز قهويها وأنا بجيش الحين..
وضحى أبدلت ملابسها.. ونزلت بخطوات مترددة..
مازالت غير متأكدة ماذا تريد نورة..
فالاعتذار بدا لها شيئا بعيدا جدا عن طبيعة نورة..
ربما تريدها أن تعود بطريقتها الحادة وكأنها تريد تسيير الكون..
حين وصلت لمجلس الحريم.. كانت نورة تريد أن تقف.. لولا أن وضحى حلفت عليها وهي تنحني وتقبل رأسها وتجلس بعيدا عنها..
وسميرة تتولى مسئولية سكب القهوة وتترقب ماسيحدث بفضولها المرح..
نورة صمتت لثوان.. ثم أردفت باختناق.. فالأمر كان صعبا عليها.. ولولا قسم زوجها عليها كان يستحيل أن تفعله تحت أي ظرف من الظروف:
وضحى يأمش لا تحملين نايف غلطتي.. هو كان يبي يطلع وراش بس أنا حلفت عليه..
وأنا يأمش.........
وضحى قاطعتها بأريحية لم يهن عليها أن تجعلها تذل نفسها باعتذار وهي سيدة بهذا العمر:
والله ماعاد تقولين شيء ولا تعذرين.. كفاية جيتش لين هنا..
الله يكبر قدرش!!
نورة تنهدت بارتياح أنها رحمتها من الاعتذار الثقيل.. وهي تهمس بتأثر: زين ارجعي لبيتش..
ونذر علي أنا وخواتي اللي أنا أكبرهم.. ماعاد نضايقش في بيتش..
تنهدت وضحى: مشكلتي أنا ونايف حن نحلها..
*********************************
" تعشيت ياقلبي؟؟"
كساب جلس جوارها وهو يهمس بابتسامة ولع: أنتي اللي قلبي وروحي وعيوني.. يا أنا كنت بأموت عشان أسمع ذا الكلمة منش..
ابتسمت كاسرة برقة: لو قلتها كان أنا قلتها.. أنا كنت أبي منك تلميح الله دخيلك يا البخيل..
ضحك كساب وهو يحتضن كتفيها: أصلا كنت أحسب إنش ماتعرفين تقولينها أساسا..
ثم أردف بابتسامة شجن: يوم سمعتش تقولينها حق زيود التوتو.. قلبي وقف.. كان ودي أخذه وأسويه كورة وأشوته مع الدريشة..
هذاك اليوم تعبان وكل شيء فيني ينزف.. وبأموت أبي قربش..
وأنتي قاعدة قدامي تتحببين فيه.. وتغزلين في مفاتن القرد الصغير..
وحتى بكلمة ماعبرتيني..
تنهدت كاسرة وهي تحتضن خصره: ياربي ياكساب لا تذكرني..
لو تدري بس وش كثر كنت أتعذب من بعدك وقربك..
ابتسم بخبث: تحبيني؟؟
ابتسمت بعذوبة: اللي يسأل سؤال وهو عارف جوابه.. يكون خبيث ترا..
كساب بابتسامة شاسعة: وأنا معترف إني إب الخبث وأمه.. قولي لي..
همست كاسرة بشجن عميق وهي تسند خدها لدقات قلبه: من كثر ما أحبك..
أحس أني انولدت وأنا أحبك..
أحاول أتذكر متى أول مرة حسيت بحبك.. ألقاها أول مرة شافتك عيوني..
وأنت داخل علي في مكتبي نافخ ريشك..
قلبي وقف.. وحسيت الهوا ماعاد تحرك وأنا أقول هذا إنسان وإلا أنا أتخيل..
شدها كساب لحضنه بشكل أقوى وهو يهمس بعمق مذهل:
الأكيد إني أحبش أكثر..
ثم أفلتها برقة ليتناول أناملها ويضعها على عارضه العلامة الصغيرة المختبئة تحت شعيرات عارضه وهو يردف بذات العمق:
من يوم ماخليتي علامتش هنا.. وأنتي في قلبي شيء ماقدرت أطلعه ولا أنساه!!
********************************
" نويف البشارة..
أختك نورة حنت عليك غصبا عنها ببركات أبو سعود..
وراحت لوضحى وخذت بخاطرها..
يا الله انقز عند مرتك..
لو مارجعت لك.. تكون أصلا عايفة خشتك"
قلب نايف توقف وهو يهمس لعالية بإجهاد: وليش ماحد ماقال لي..
ليش؟؟
عالية تضحك: هذا أنا قلت لك يالمشفوح..
روح طير.. والله الله في الركادة..
نايف شعر بتثاقل أنفاسه وهو يتصل برقمها بأنامل مرتعشة رغما عنه..
تعب لكثرة ما اتصل وهي لا ترد عليه..
فهل سترد عليه هذه المرة..؟؟
رنة.. رنتان.. ثلاث..
ثم جاءه صوتها الذي أضناه الاشتياق له : هلا
همس بعتب: أكثر من أسبوعين يا الظالمة.. حتى بكلمة مارديتي علي..
وإلا عشان دارية بغلاش..
تنهدت وضحى بعتب أعمق: الغالية مايخلونها تطلع من بيتها تالي الليل ماكن لها قيمة..
تنهد نايف بعمق: عاتبيني كثر ماتبين بس في بيتنا..
همست وضحى باختناق: عطني ساعة وتعال..
هتف لها برجاء شفاف: مهوب واجد ساعة..
أنتي حتى ملابسش كلها في بيتنا.. وش تبين بالساعة؟؟
عشر دقايق وأكون عندش..
وضحى لا تنكر أن رجاءه دفع في روحها ثقة محلقة ولكنها همست برجاء أعمق:
طالبتك نايف.. لازم ساعة.. بأروح أسلم على أمي وأختي وعمي..
وبعدين تميم برا وراجع الحين..
بعد ساعة..
تنزل بخطوات خجولة..
وهاهو ينتظرها في الصالة السفلية وابتسم بشجن وهو يشير لها:
مقتنعة بالرجعة؟؟
هزت رأسها وهي تشير له بشجن مشابهة: لو ماني بمقتنعة مارجعت..
احتضنها تميم بحنان غامر ثم أفلتها ليشير لها برجولة خالصة:
طالبش طلبة.. إنش ماتسمحين لأحد يضايقش وإلا يدوس لش على طرف وأنا رأسي يشم الهوا..
وضحى تطاولت على أطراف أصابعها لتنزل رأسه وتقبله ثم تغادر..
.
.
.
" مادريت إن قلبش قاسي كذا؟؟"
تنهدت وضحى وهي تستوي جالسة في مقعدها بعد تحرك السيارة:
ومن اللي قسى قلبي؟؟ مهوب فعايلك؟؟
تنهد نايف وهو يشد أناملها بقوة حانية: خلاص يا بنت الحلال..
طلعت عيني على ذا السالفة..
إن شاء الله كل شيء انحل..
يمكن فيه أشياء ماقدرت أتصرف فيها.. لأن التصرف خارج عن قدرتي..
بس الحين تدخل فيها اللي له الحل والربط..
وإن شاء الله مايصير إلا الي يرضيش..
ومافيه حياة تخلى من المشاكل..
تنهدت وضحى بشجن: المشاكل مهيب المشكلة.. المشكلة لو مالقيتك جنبي يوم تصير المشكلة..
نايف شد على أناملها أكثر وهو يهتف بعمق: وضحى.. تدرين زين وش كثر أحبش..
أنا ماحسيت في الاستقرار في حياتي إلا معش..
حرام عليش تفكرين تخليني مرة ثانية... والله العظيم حالتي حالة عقبش..
إذا شفتي البيت دريتي..
ابتسمت وضحى: عفست لي البيت صح؟؟
ضحك: وش أسوي؟؟ عزابي.. واستحيت الخدامة تقعد معي.. رجعتها لبيتكم..
تنهدت وضحى بألم: تدري إني يوم شفتها.. آجعني قلبي.. أقول ياقلبي نايف..
الحين من بيغسل له من بيطبخ له..
ابتسم بمرح: ما أبي غسل ولا طبيخ.. أبيش أنتي وبس.. ودامني كنت على بالش الله يبشرش بالخير..
ثم أردف باهتمام: تبين نجيب شيء قبل نرجع البيت..
همست وضحى بتردد: أبي الصيدلية..
نايف باستغراب: ليه عسى ماشر..؟؟
وضحى بذات التردد: أبي تيست حمل..
حينها انفجر نايف في ضحك هستيري: والله منت بهين ياهزاع..
قال لي مهيب راجعة كون كنها حامل.. وأنا أقول له إنك ماتفهم شيء..
طلع ماحد متيس غيري..
وضحى بخجل: حرام عليك نايف.. أنا أساسا كل شهر أسوي تيست كل ما تأخرت الدورة لو يوم واحد.. وأنت عارف ذا الشيء زين
والحين متأخرة يومين.. مهوب من اللازم إني حامل..
نايف بذات الضحك هستيري: لا ذا المرة إن شاء الله تصيب..
عشان الولد ذا خارق.. دام قال حامل.. خلاص حامل!!
*********************
بعد عدة أيام
.
.
.
" أشلونش يأبيش؟؟"
مزون تميل لتقبل رأس والدها ثم تجلس جواره وهي تحتضن ذراعه وتهمس بمودة غامرة:
طيبة فديتك..
لمس بطنها بحنان مصفى: الحمل متعبش يأبيش؟؟
همست بذات المودة وهي تحتضن كفه الممدة على بطنها: لا فديتك.. نفسه خفيفة مثل أبيه..
ابتسم زايد: الله يديم المودة..
ثم أردف باهتمام: وش مخططاتش عقب ماخلصتي دراسة..
مزون ببساطة: ما أدري مابعد قررت..
زايد بنبرة رجل الأعمال المتحفز البارع: أنا عندي لش مشروع بيعجبش ويناسبش ويناسب ظروفش..
(شركة وساطة نسائية إسلامية) بتشتغل على خطين..
الحين في السوق وش كثر فيه سيدات أعمال.. ووش كثر فيه حريم عندهم فلوس يبون يشتغلون بيزنس وماعندهم خبرة أو ماعندهم وقت..
الشركة بيكون فيها وسطاء كلهم بنات بيشتغلون لهم في الاسهم الاسلامية..
والسالفة كلها بالتلفون والكمبيوتر وأنتي عارفة..
وبنعين شباب هم اللي يكونون في مقر البورصة..
هذا الخط الأول..
الثاني إنه الشركة بتسوي دراسات جدوى لأي وحدة تبي تسوي مشروع.. وتخلص لها كل التراخيص لحد مايقوم المشروع..
وراح يكون مقر الشركة وديكورتها معبرة عن خصوصية المرأة وأناقتها.. برا بنحط سيكورتي رجال وداخل حريم..
ومايدخله إلا نسوان..
وأنا بأعطيش موظفة من عندي تكون المديرة.. وحدة متمرسة جدا ومعها دكتوراة اقتصاد..
وصار لها تشتغل عندي 8 سنين.. يعني أنا اللي أضمنها لش..
يعني أنتي تعالي بس وقت ماتبين ووقت مايكون غانم في رحلاته...
يعني دوام حر ومرن..
مزون كانت تنظر لانثيال والدها المحترف بانبهار حقيقي..
بقيت لدقيقة صامتة ثم أردفت بتأثر: الله لا يحرمني منك..
بس لازم أخذ رأي غانم قبل أي شيء..
ابتسم زايد: أكيد لازم تأخذين رأيه ويكون موافق..
ومبدئيا مافيه داعي إنه يتحسس لأنه الفلوس بتكون من عندش..
لو احتجتي من عندي.. بيكون سلف.. سلف بس..
قالها وهو يحتضها بأبوية حانية ويضحك بفخامته الخاصة...
**********************************
" تميم حبيبي..
غريبة إنك قاعد لين ذا الحزة..
منت برايح للدوام؟؟"
أشار بابتسامة مقصودة: خلصت دوامي الصبح ورجعت معش..
سميرة باستغراب: ودوام المسا؟؟
تميم بذات الابتسامة المقصودة: المسا كله لش.. إلا لو احتاجوني لشيء طارئ..
خلاص دوامي بيكون صبح وبس..
سميرة تراجعت بحزن: أنت سويت كذا.. عشان تجاملني في سالفة إني ما أحمل..
مد يده ليحتضن كفها ثم يرفعها لشفتيه مقبلا بكل ولع ومودة..
ثم أفلتها ليشير بأريحية:
غلطانة.. أنا سويت كذا عشان أتفرغ لش ولعيالنا اللي بيجون..
وأنا من قبل سالفة الحمل ذي كلها..
كنت أقول لش.. أبي أرتب وضعي..
وأنا فعلا كنت أتراسل مع واحد كان يشتغل عندي هو اللي ثقة.. بس رجع لبلاده..
وكنت أنتظره يخلص عقده .. وتوه خلصه من أسبوع وجا..
تبين تأكدين..روحي افتحي ايميلي وشوفي رسايلي معه وتاريخها.. بتلاقينها من قبل سفرتنا لألمانيا..
************************************
" هلا علي..
تعشيت؟؟"
علي يجلس وهو يهمس لها بنبرتها التي لا تكون إلا لها: تعشيت ياقلب علي..
تعالي اقعدي جنبي وبس..
ابتسمت برقة وهي تجلس جواره: تعشيت مع عمي..؟؟
ابتسم وهو يحتضنها ويغمرها صدغها بقبلاته: تعشيت مع عمش..
وعمش شكله باله مهوب معي..
كنه يبيني أقوم..
وأنا فهمت السالفة وسويت نفسي جنتلمان ورحت..
ضحكت شعاع برقتها الدائمة: ياقلبي ياعمي أكيد يحاتي خالتي مزنة..
خلاص دخلت الشهر التاسع..
وهي مسكينة تعبانة كلش..
*************************************
" حبيبي هذا كله تطفي سيارتك؟؟
قلت لي أنا في الباركينغ أطفي سيارتي..
وخذت لك ربع ساعة.."
كساب يلقي غترته وهو يضحك: وش أسوي أخروني قصرانا.. مراهقين سنة 75..
كاسرة ابتسمت: لو أن الله يفكهم من عيونك كان هم بخير وسلامة..
حاط دوبك دوبهم..
وش سوو ذا المرة؟؟
كساب يجلس ويشدها ليجلسها في حضنه وهو مازال يضحك:
صدق لا قالوا شر البلية مايضحك..
تخيلي زايد آل كساب.. البزنس مان المعروف.. والرجال اللي تنهز له المجالس..
واقف على باب غرفة أمش ربع ساعة مثل اللي غرقان في كوب ماي.. يشاور روحه أدخل وإلا ما أدخل..
وأنا يوم شفته.. قعدت واقف بعيد ما أبي أدخل وأحرجه..
ابتسمت كاسرة وهي تطوق عنقه وتسند خدها لرأسه وتهمس باهتمام:
والزبدة دخل وإلا مادخل؟؟
كساب غمز بخبث وهو يشدها برفق ليحتضنها:
أفا عليش.. لو مادخل.. والله ثم والله لأسحبه على الدرج..
وأدخله عندها وأسكر الباب عليهم.. وما أبطله إلا الصبح وبكيفهم!!
همست كاسرة بشجن وهي تقبل جبينه برقة مثقلة بالشجن:
كساب.. عقب 30 سنة.. لو الله عطانا عمر...
بتحبني كثر ما إبيك يحب أمي؟؟
همس بعمق أزلي وهو يشدها ليقرب أذنها من شفتيه يغمرها بقبلاته ودفء همساته:
أكثر بكثير.. بـــكــــثـــــيــــر!!
بــــــــــــكـــــــثــــــيـــر!!
********************************************
مازال واقفا أمام الباب منذ أكثر من ربع ساعة..
يتنهد بعمق.. اليوم كله لم يستطع رؤيتها..
أضناه الشوق حتى منتهاه..
وأنضجه القلق حتى غايته... وهو يعلم أنها دخلت الشهر التاسع أخيرا..
لا يعلم إن كان يحق له اقتحام خلوتها بهذه الطريقة..
دون استئذان!!
" يحق لي كل شيء..
كل شيء!!
هي كلها حق لي وحدي!!
أي جرم ارتكبته حين أريد الاطمئنان عليها فقط!!
فقط الاطمئنان!!"
تنهد بعمق.. وهو يفتح الباب ليدلف..
ليس خائفا مطلقا.. فمثله لا يعرف الخوف..
ولكن لها في جوانحه هيبة المحب.. وأي هيبة هذه الهيبة؟؟ أي هيبة؟؟
هيبة لا يعرفها إلا رجل مثله..
قضى حياته كلها ناسكا في محراب هواها..
تفتح (صباه) على وقع خطاها.. تخطوها فوق شغاف قلبه..
لاهية لا تعلم ماذا فعلت بعيني الجار المتيم التي ماعادت تبصر سواها..
وكأن الحياة لا اسم لها سوى اسمها..
والفجر يطلع لينير بهجة صباها..
والشمس تشرق من بين التماعة خصلاتها!!
حرير (بخنقها) المطرز حين كان يطير من نسمة هواء شقية.. كان قلبه يسابقه ليطير معه..
عله حين يحط يحط مثله ليلامس حرير بشرتها..
ولكن قلبه كان يطير ويطير ولا يحط سوى بحسرات النظرات تناجيها من بعيد..
ازدهرت (رجولته) حرقة لاهبة وهو ينظر لكل رجل كانت له قبله..
ينظر له باحتراق روحه التي كواها السهد وكأنه يخاطبه:
"هل لامست شفتيها التي لا أعرف ملمسها؟؟
هل سمحت لنفسك أن تتنفس عطرها الذي أضناني التفكير فيه؟؟
كيف جرؤت أن تمد يدك لربيع جسدها؟؟
كيف تطاولت على شمسي لتخبئها عن ناظريّ؟
هل تعلم أني ماعدت أبصر الشمس بعدها؟؟
الشمس بعدها باتت مختلفة.. باهتة.. خالية من السحر!!
يا الله ما أقسى الحياة التي شحت بها عليّ ومنحتها لسواي!!"
وهاهو يحط على شواطئ (كهولته) وهي بين يديه..
نعمة لفرط ما استكثرها على نفسه.. أبعدها عن موانيه..
يتذكر الآن كل لحظة مرت من الأشهر الشحيحة التي ارتوت فيها روحه من قربها..
وكم كانت شحيحة..!!
فهو مازال لم يرتوِ.. ولن يرتوي..!!
حكاية عشق جديدة نسجها بجذور ضاربة في عمق التاريخ..
على أساس مغرق في القوة والمتانة..
حكاية تاريخه بمجمله حطت على أعتابه..
هكذا كانت مزنة..
مـــــزنــــــة!!
تاريحه الذي ماعرف له تاريخ سواه!!
عشقه الذي تجدد في كل أوان..
روحه التي ماعرف روحا غيرها من صباه حتى الآن..
أفلا يشعر في حضرة كل هذا التاريخ بهيبة أشبه بهيبة الملوك؟!
هكذا كان يشعر وهو يقترب منها بخطوات هادئة قوية كما لو كان يحفرها على تاريخه من جديد..
كانت الأضواء خافتة كأضواء ليلة سحرية خالدة..
نور أكثر إضاءة يشتعل قريبا منها..
كما لو كان يضعها في بؤرة الصورة..
وهــــي نــائــمـــة..
شعرها السرمدي.. حكاية عشقه التي لا تخفت... مسكوب على جداول مخدتها..
وهي تنام على جنبها لتوليه وجهها..
وكأنها تعلم أنه قادم..
وأنه موجوع بالشوق.. ومكلوم بالفقد!!
وقف لدقيقة صامتا...
وكأنه يقول (الصمت في حرم الجمال جمال)
" هل هناك من يفلت معجزة أرضية كهذه سوى أحمق مثلي؟!!"
شد له نفسا عميقا ليجده يتلجلج في صدره بعنف..
عاجز عن سحبه كما يجب..
"فمن يستطيع التنفس في حضرتها؟!!"
حتى إرهاق الحمل وقسوة مامرت به رغم انطباعه على تفاصيل وجهها..
لم يزدها في عينيه إلا حسنا ماعاد قادرا للوصول إلى ذروته حتى!!
" يا الله كم اشتقت لرؤية وجهك!!
تنفس أنفاسك من قرب..
الاحتراق بقربك ذلك الاحتراق الذي يطهر الروح لسموه وعمقه!!"
شد مقعد التسريحة ليجلس قريبا منها..
ملاصقا لها..
لحظات مرت.. وهو يمسح بناظريه صفحة وجهها ببطء شديد..
كما لو أنه يريد الاستمتاع بكل جزء من الثانية تعبر فيه عيناه تفاصيلها الأثيرة..
وكأنه لا يريد للحظة أن تنقضي لشدة بهائها ووطأتها على قلبه..
ارتعشت شفتيها بخفة.. ليرتعش قلبه بعنف..
كان يريد أن يمد يده ليلمس ورد شفتيها.. ولكنه نهر أنامله بقسوة..
لم يرد أن يكدر عليها نومها..
أو ربما خشي من ردة فعل تأخذه من هذه العوالم السماوية..
لم يخرجه من هذه العوالم إلا همسة رقيقة ندت من بين شفتيها بخفوت:
زايــــــد!!
انتفض بولعه الخاص وهو يهتف بعفوية قارصة موجعة:
لــــبـــيـــــه!!
حينها فتحت عينيها وهي تحاول الاعتدال بصعوبة لشعورها بالثقل..
مد ذراعه ليسندها وهي تهمس بخفوت أقرب للحرج:
كنت أحسب نفسي أحلم وأنا أشم عطرك قريب كذا!!
أسندها حتى جلست.. ولكنه لم يستطع إزالة ذراعه من خلفها.. رغم أنه حاول..
ولكنه لم يستطع.. لم يستطع..
كان سيموت ليلمسها من جديد.. فكيف يبتعد الآن؟؟
جلس جوارها..وذراعه مازالت خلفها..
لحظات طويلة مرت.. ثقيلة.. موجعة.. محلقة!!
وكل منهما إحساسه بالآخر يؤلمه في أعمق نقطة في الروح!!
كم مر عليهما وهما في منفاهما الاختياري..كل منهما بعيد عن شطآن الآخر؟!!
كان زايد هو أول من قطع الصمت وهو يهمس باهتمام رجولته الخاصة:
وينش اليوم ماشفتش كلش؟؟
صمتت.. إحساسها بالألم والاحتياج يضعفها لأقصى حد..
أعاد السؤال عليها.. همست بسكون: رحت الصبح كان عندي موعد..
ومسكتني الدكتورة عندها عشان تركب علي مغذي عشان ارتفاع الزلال..
وكانت تبيني أبات الليلة هناك بس أنا مارضيت..
عاجز حتى عن أن يصرخ بها.. وحرقته تتزايد في روحه وهو يهمس بسكون موجوع:
وأكيد ماقلتي لأحد كالعادة؟؟ وأي حد يكلمش تتعذرين له ألف عذر؟؟
همست بألم: وش تبيني أسوي زين؟؟
رد عليها بألم أعمق: لا تسوين شيء.. احرقي قلبي وبس!!
عادا لتبادلا الصمت لثوان قبل أن يهتف هو بإجهاد:
مزنة مهوب كفاية كذا؟؟
والله العظيم كفاية.. وأكثر من كفاية!!
ردت عليه بشجن مثقل بالالم: يمكن كفاية عندي .. بس أخاف مهوب كفاية عندك!!
زايد حينها حرك ذراعه التي خلف ظهرها ليحتضنها به وهو يصدر أنينا خافتا مثقلا بالوجع.. ما أن شعر برأسها بين ضلوعه:
دريتي الحين إنه كفاية..!!
همست برجاء عميق وهي تقيد كفيها.. كل كف بالأخرى:
زايد ضربتين في الرأس توجع.. ماراح استحمل منك ضربة ثانية..
ماراح استحمل إحساسك بالذنب.. ولا أنك تعاقبني بذنب غيري..
أوعدك لو جبت بنية أسميها (وسمية) كان ذا الشيء بيريحك.. بس تكفى مافيني للوجيعة..
احتضنها زايد بعمق أكبر.. لتجد أن مقاومتها تتفكك كتفكك عظامها المرتعشة بين خلاياه..
وهي تحتضن خصره بكلتا ذراعيها وتقبل صدره بوجع بللته بدموعها وانينها!!
بينما زايد يهمس بعمق كوني.. عمقه الرجولي المختلف الذي امتد من الأمس لليوم:
ما أبيش تسمين وسمية.. ما راح أغلط نفس الغلطة مرتين..
أمس.. جرحت وسمية وأنا ما أدري يوم سميت بنتها باسمش!!
مستحيل اليوم.. أجرحش وأنا أدري وأخليش تسمين بنتش باسمها!!
بنتنا أو ولدنا بنسميهم اسم جديد..
خلاص مانبي ظلال الأمس اللي غطت اليوم..
أنا وأنتي وعيالنا كلهم نبي نفتح صفحة جديدة لـــبــكـــرة!!!
#أنفاس_قطر#
.
.
.
.
تمت بحمدلله أيام (بين الأمس واليوم) ولياليها..
دعاء ختم المجلس:
" سبحانك اللهم وبحمدك... أشهد أن لا إله إلا أنت ... أستغفرك وأتوب إليك"
رواية بين الامس و اليوم الفصل 109 - بقلم HaboOoshy
.
تبقى بين الأمس واليوم كما كانت حصرية في *******
هذا احنا خلصنا.. ومثل ماقلت لكم لا مشهد ناقص ولا زايد..
فيه ناس لو سمعت كلامهم كان خلصت من زمان..
وناس لو سمعت كلامهم كان قعدت معكم لسنة قدام بعد :)
وحلات الشيء ينتهي مثل ماهو مخطط له تمام <== على الأقل من وجهة نظر محدثتكم الهذارة :)
.
.
وما انتهينا نهاية مأساوية ولا حزينة.. لسبب وحيد
اللي يعرفني زين كان بيعرفه
إنه أنا قلت لكم قبل إني أكتب بروح قارئة..
وأنا كقارئة فعلا أكره النهايات الحزينة...
كم قصص عجبتني ولما وصلت نهايتها ندمت إني قريتها.. لأنها حرقت قلبي على الأخير..
وأنا مثلكم أقرأ لأبحث عن فسحة من الأمل..
نعم الحزن مطلوب لتنقية الروح.. ولكن ليس لإتعاسها..
قد يرى البعض أن الكاتب الاستثنائي لايهتم بهذه الأمور..
ولكن أنا لا أرى في هذا استثنائية بل أراه نوع من التعقيد..
ولو هو الاستثنائية فأنا متنازلة عن هذا المسمى..
لماذا أتعب نفسي في رواية لعام كامل وأعطيها من روحي ووقتي وكياني
وأخذ من وقت آلاف القراء حتى أجعلهم يكرهونها في النهاية..
هل سأسعد بقصة ستموت في خيال قراءها؟؟
هذا رد على حكاية النهايات الحزينة :)
.
أمنيتي وطلبي الأخير منكم إن كل من سيمر على هذه الأسطر..
يترك لنا ولو كلمة واحدة يودعنا بها.. حتى اللي تابعونا بصمت طيلة الأشهر الماضية..
ألا تستحق منكم (بين الأمس واليوم) أن تقولوا وداعا لها؟؟
وخصوصا أنها كما قلت لكم آخر عمل لي.. كما أظن!!
لا أريد إغضابكم..
ولكن هذا هو فعلا إحساسي..
أريد استراحة محارب طويلة جدا جدا جدا جدا.. سأنقطع فيها عن الانترنت وعن عوالم الكتابة..
ولأني وعدتكم أني لو وجدت مايستحق العودة سأعود.. فأنا عند وعدي..
ولكن حتى ذلك الحين أمامي الآف المشروعات المؤجلة!!
ولكل شيء مرحلته وزمنه..
وأرجو منكم دائما أن تذكروني بالكلمة الطيبة وبدعواتكم الخالصة
أن يهديني الله إلى مايحب ويرضى... ويوفقني لمرضاته..
ويصلح ويحفظ أطفالي كلهم حتى القادمين منهم!
يعز علي فراقكم فوق ما تتخيلون..
موجوعة حتى الثمالة وحتى النخاع <== كما كنت أقول عن شخصياتي حتى أصبحت هذه المصطلحات مرادفة لهم..
سأفتقد لجمعتنا الدافئة ومشاعركم الأدفأ..
والله أني في هذه اللحظات كما يقول المتنبي:
يامن يعز علينا أن نفارقهم..... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
ماعاد للحديث مجال.. :(
رُفعت الأقلام وجفت الصحف..
أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
سبحانك اللهم وبحمدك... أشهد أن لا إله إلا أنت... أستغفرك وأتوب إليك
.
.
أنفاسكم
أنفاس قطر
.
.