تحميل رواية «انا لها شمس» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شخصيات رواية «أنا لها شمس» عائلة غانم الجوهري البطلة: إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ممشوقة القوام، تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفِي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا، والمكونة من بِذل نسائية كلاسيكية، مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها، بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها، تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة، مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما، رغم اكفهرار ملامحها طيلة الوقت، تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة...
رواية انا لها شمس الفصل الأول 1 - بقلم روز امين
شخصيات رواية «أنا لها شمس»
عائلة غانم الجوهري
البطلة:
إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانيةً وعشرون عامًا،ممشوقة القوام تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا والمكونة من بِذَل نسائية كلاسيكية مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها،تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما رغم إكفهرار ملامحها طيلة الوقت،تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة عريقة في مجال الإستيراد والتصدير، مُطلقة ولديها طفل يُدعى يوسف في السادسة من عمره
والدها:
غانم محمد الجوهري، رجل بسيط أمّي، فلاح مكافح يمتلك قطعة أرض صغيرة استطاع من خلالها تربية أولاده الأربع بشرف ونزاهة، ضعيف الشخصية أمام ابناءه وزوجته لذا اختار الصمت للنأي بحاله من المناوشات والجدل الذي لا يجدي نفعًا معهم
الأم:
-منيرة عبدالحليم، إمرأة في بداية عقدها السادس بسيطة التفكير تعشق أبناءها الذكور وتفعل كل ما بوسعها لأجلهم وتضحي بالغالي والنفيس حتى بإبنتها الوحيدة في سبيل مستقبل أفضل لذكورها
الشقيق الأكبر لإيثار:
-عزيز غانم،في نهاية العقد الثالث من عمره متسلط جشع يحقد على شقيقته كونها استطاعت إكمال دراستها الجامعية بينما هو حصل على مؤهل متوسط
-نسرين”زوجة”عزيز”البالغة من العمر الثانية والثلاثون عامًا لديهم ثلاثة أبناء،غانم البالغ من العمر الثانية عشر و جودي ثمانية أعوام والإبنة الصغرى سما ذات الخمس سنوات.
الإبن الثالث:
-وجدي البالغ من العمر الخامس والثلاثون،حنون لكنه يتحرك باتجاه التيار وللمصلحة العامة يشبه أبيه كثيرًا بطباعه، متزوج من نوارة التي تصغر إيثار بثلاثة أعوام، لديه ولدان،خالد وأيهم
الإبن الثالث”أيهم”البالغ من العمر الرابع والعشرون
********
عائلة علام زين الدين
البطل:
-فؤاد علام زين الدين
وكيل للنائب العام، ذو الستةُ والثلاثون عامًا،يتمتع بملامح رجولية جذابة،شخصية قيادية صارمة يمتلك كاريزما ولباقة وقدرة فائقة على إدارة الحديث بشكل لافت للاهتمام،ممشوق القوام يتمتع بجسد رياضي جذاب،بشرته حنطية وجههُ مستطيل يمتلك عينين حادتين سوداويتين ورموشٍ كثيفة،ولحية نامية محددة يعتليها شارب خفيف زاد من وسامته، مغرور بعض الشيء، كاره للنساء نتيجة لتجربة مر بها هدمت كيانه وهزت ثقتهُ بحاله حينها ولولا قوته وقوة عائلته التي ساندته بكل ما لديها من قوة لتدمر كُليًا وما عاد كما رأيناه مجددًا
والدهُ:
-سيادة المستشار “علام زين الدين”أحد أعضاء هيئة المحكمة الدستورية العليا، رجل حكيم رصين يمتلك من القلب والعقل ما أوصلاه لذاك المنصب الراقي
والدته:
-دكتورة” عصمت الدويري” أستاذ القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة القاهرة، إمرأة راقية عاقلة حكيمة تعشق نجلاها
شقيقته:
-“فريال”إبنة الثانية والثلاثون عامًا،فقد إختار علام اسماء نجله وابنته تيمنًا بأسماء ملوك مصر السابقين لكي يصبح شأنهم بأهمية اسمائهم
متزوجة من”ماجد “المعيد بكلية الحقوق ذاتها التي تعمل بها والدة زوجته، يسكن معهم بنفس القصر ولديه طفلان، بيسان وفؤاد
*********
عائلة نصر البنهاوي
طليق إيثار:
-عمرو أصغر أبناء نصر البنهاوي والمدلل لدى العائلة،يبلغ من العمر الخامس والثلاثون متزوج من”سُمية”ذات الثمانية والعشرون عامًا ولديهما طفلة وحيدة تُدعى”زينة “ذات الأربع سنوات
الاب:
-نصر البنهاوي رجل ظالم،ترشح ليُصبح عضوًا بمجلس الشعب ليتخذ من عضويته تلك ستارًا لتجارته الغير مشروعة بتهريب الأثار
زوجته:
-إجلال ناصف، إمرأة قوية لا تملك قلبًا وتعشق عمرو لكونه الوحيد الذي ورث ملامح والدها الحاج ناصف التي تعتز بكونها ابنة ذاك الاسطورة من خلال وجهة نظرها
الشقيق الأكبر لعمرو:
-طلعت الذي تخطى عامه الاربعون، زوجته ياسمين ولدية ثلاثة فتيات
الشقيق الاوسط:
-حسين وزوجته”مروة”ولديهما طفل وطفلة
********
عائلة أيمن الاباصيري مدير الشركة التي تعمل بها إيثار والذي تخطي عامه الستون بخمسة أعوام،يمتلك قلبًا حنون مما جعله يتخذ من إيثار كإبنة له نظرًا لظروفها الخاصة
– زوجته” نيلي” إمرأة جميلة مدللة،لديه إبن يُدعى أحمد طبيب جراح ويمتلك مشفى استثماري خاص به أسسها له والده، زوجته “سالي”
-لارا إبنة أيمن سنتعرف على قصتها لاحقًا
دعونا نكتفي بهذا القدر لنتعرف على باقي الشخصيات من خلال الأحداث.
«أنا لها شمس»
لم نُخلقُ عبثا، لقد خلقنا الله لغاية وهدف ولحكمة لا يعلمها سواه،كل خطواتنا بالحياة موثقة بأمرٍ من رب العالمين، حتى عثراتنا والألام،ما هي إلا بداية لطريقًا جديدًا كُتب لنا لنمضي بداخلهُ ونحنُ أكثر حكمة وأوسعُ أفقًا.
أنا لها شمس
روز أمين
داخل مدينة كفر الشيخ تحديدًا بإحدى قراها المتمدنة بحكم قُربها من المدينة،تجلس تلك السيدة الخمسينية أمام أحد مواقد الغاز لتخبز خُبزها بيداها وتُلقيه فوق الساج الساخن ليتم عملية خبزه قبل أن يفيق زوجها وابنائها ليتناولوا طعام إفطارهم منه،أقبلت عليها زوجة ولدها الأوسط وتُدعى “نوارة”تبلغ من العمر الخامسة والعشرون لتتحدث بتثاؤب:
-صباح الخير يا ماما، مخبطيش عليا ليه علشان أساعدك في الخبيز؟
تحدثت السيدة بأنفاسٍ لاهثة نتيجة مجهودها المبذول:
-خفت لـ وجدي يصحى وأقلق نومه،ده يا حبة عيني راجع من الجبل وش الفجر هو وعزيز
تتنهدت” نوارة” لتتحدث بإِسْتِياء:
– والله يا ماما ما عارفة أخرت اللي بيعملوه ده إيه،اللي إسمه عمرو وابوه دول مبيجيش من وراهم خير،واللي بيعملوه ده غلط ولو اتقفشوا هيروحوا في سين وجيم.
إلتفت سريعًا نحوها لترمقها بازدراء ونظراتٍ نارية لتهتف بحِدة ناهرة إياها:
-تفي من بقك يا غراب البين إنتِ،جاية من صباحية ربنا تفقرى على ولادي زي البومة؟
اهتزت بوقفتها لتتحدث بارتباك ظهر بصوتها:
-والله مااقصد يا ماما،أنا بتكلم من خوفي عليهم
حولت المرأة سريعًا وجهها للموقد لتهتف غاضبة بعد أن اشتمت رائحة قوية لحريق الخبز:
-وادي الرغيف إتحرق من كلامك اللي زي السِم
لتستطرد حانقة:
-إخفي من خلقتي وانجري على المطبخ حضري الفطار قبل الرجالة ماتصحى، ومتنسيش تصحي المعدولة التانية.
حاضر… نطقتها بتوتر قبل أن تنسحب هاربة من بطش تلك التي تتحول لغول عندما يخص الأمر بأولادها، أو بالأدق أنجالها الذكور التي تعشقهم وتضحي لاجلهم بالغالي والنفيس، فهم أغلى ما لديها وحسب ما تربت أن الذكر لابد أن يحظى بكل الرعاية وجميع الحقوق، تلك هي أفكارها السوداء وقناعاتها الخاطئة
بعد مدة كانت تُلقي بأخر قطعة من العجين داخل الموقد لتتفاجيء بنجلها البكري وأول من رأت عيناها المسمى بـ “عزيز”والبالغ من العمر التاسعة والثلاثون ليقترب عليها وهو يتحدث بنبرة جادة:
-صباح الخير يا أم عزيز
صبحك بكل خير يا عزيز… نطقتها منيرة بابتسامة سعيدة لتستكمل حديثها بلهفة واشتهاء:
-ها،طمني، عملتوا إيه إمبارح؟
لسة شوية يا أما، دعواتك بالتساهيل… نطقها بهدوء ليسترسل بنبرة جادة:
-المهم طمنيني، عملتي إيه في الموضوع إياه، عمرو مش مبطل زن
أغلقت زرائر الموقد لتقف تُلملم ما حولها من فوضى وهي تحدثه بطمأنة:
-حاضر يا عزيز، النهاردة هكلمها وربنا يسهل ودماغها تلين
-لازم تلين يا أما، وإلا ورحمة الغاليين أكسرلها دماغها الناشفة ولا هيهمني زعل أبويا ولا كلمته…زفر ليستطرد:
-ما أنتِ عارفة اللي إسمه عمرو وجنانه، ده مش بعيد لو المصلحة طلعت قبل ما موضوعه يتم يتحجج وميديناش حقنا ولو عطانا أكيد مش هيدينا النسبة اللي إتفقنا عليها
الواد شاري يا أما، يا ريت تعقليها بدل ما أفقد أنا عقلي وأروح أجيبها لك من شعرها
-ربنا يسهل يا ابني… نطقتها بعدما حملت بعضًا من الخبز داخل سلة وتركت المتبقي مفرودًا ليهدأ لتتحرك نحو بهو المنزل لتضع السلة أرضًا بجانب منضدة الطعام الأرضية وتتحدث لزوجها الجالس أرضًا بجانب تلك المنضدة:
-صباح الخير يا أبو عزيز
ردد بهدوء دون ان ينظر لها:
-صباح النور يا”منيرة ”
هتفت تصيح لزوجتي نجليها “نسرين”زوجة”عزيز”البالغة من العمر الثانية والثلاثون عامًا وأيضًا”نوارة”زوجة”وجدي”:
-هاتوا الاكل وحطوه على الطبلية على ما أصحى أيهم علشان يلحق شغله هو كمان
تحركت وجلس عزيز بجانب والده الذي تحدث باستنكار:
-مش هتبطل جري إنتَ وأخوك ورا إبن نصر البنهاوي يا عزيز
استاء عزيز واكفهرت ملامحه ليستكمل الأب بتوجس:
-بطل الطمع اللي فيك ده وارضى باللي ربنا رزقك بيه
—البحر يحب الزيادة يا حاج…نطقها باقتضاب ليجيبه الاخر:
-ده لما تكون زيادة حلال،مش سرقة أثار البلد
قالها بارتياب ليجيبه الاخر بلامبالاة واطمئنان ظهر فوق ملامحهُ الساكنة:
-دي مش سرقة، دي لقية يا حاج يعني حلال مية في المية، وبعدين أنا هخرج مبلغ لله من نصيبي اللي هيطلع لي
رمقه بازدراء ليتحدث بيقين:
-الله طيب لا يقبل إلا طيب يا متعلم يا بتاع المدارس
تملل بجلسته لتتحدث منيرة التي انتوت مساندة نجلها والدفاع عنه كما دائمًا تفعل:
-مالك بس يا حاج،متروق كدة يا اخويا وادعي لهم بالتساهيل، خير ورزق ربنا بعتهُ لهم علشان يوسعوا على عيالهم وعلينا
لتستطرد باستنكار:
-نقوم إحنا نقول له لاء ونقفل بابنا في وشه!
-إنتوا الكلام معاكم زي قلته،وجع قلب على الفاضي… نطقها بقلة حيلة وضعف كعادته ليقطع حديثهم وجدي الإبن الثاني البالغ من العُمر الخامسة والثلاثون قائلاً:
-صباح الخير
رد الجميع الصباح وتلاه الدخول الإبن الثالث”أيهم”البالغ من العمر الرابعة والعشرون حيث تحدث بصياح كعادته:
-فين الفطار إتأخرت على شغلي
وجه الأب اليه حديثه الهاديء:
-استهدى بالله يا ابني واصبر لما يجيبوا الأكل من المطبخ
جلس الأبناء الثلاث والتف الأحفاد حول الطاولة،أولاد عزيز الثلاث،غانم البالغ من العمر الثانية عشر و جودي ثمانية أعوام والإبنة الصغرى سما ذات الخمس سنوات، وأبناء “وجدي”الذكرين،خالد وأيهم، بدأ الجميع بتناول الطعام قبل أن ينصرف كُلٍ إلى وجهته
_________________
بالجهة الاخرى بنفس القرية
يجلس رجلاً ذو هيبة على رأس طاولة كبيرة مرصوص فوقها الكثير من الأصناف التي تدل على ثراء ساكني هذا المنزل، تجاوره زوجته قاسية الملامح والتي يبدوا عليها القوة من إكفهرار وجهها وصلابة جسدها، يقابلها بالجلوس نجلها الاكبر “طلعت” ويجاورهُ الشقيق الأوسط”حسين” حضرت زوجتيهما ياسمين ومروة بعدما اتموا جلب جميع الطعام من المطبخ بجانب الخادمة وجلستا استعدادًا لتناول وجبة الفطار، بعد قليل دخلت من باب الحجرة “سمية” زوجة “عمرو” الإبن الأصغر ممسكة بيدها إبنتها الوحيدة “زينة”صاحبة الخمس سنوات والتي لم تنجب بعدها وهذا ما جعلها تتردد على الاطباء كثيرًا كي تتعجل بالحمل بطفلٍ أخر، اقتربت وهي تقول بابتسامة زائفة:
-صباح الخير
رد الجميع الصباح عدا ذاك الـ”نصر” الذي هتف بملامح مقتضبة:
-البيه جوزك منزلش علشان يفطر ليه؟
تحمحمت لتجيبهُ بصوتٍ مرتبك لقوة ذاك الرجل وتجبره:
-عمرو لسة نايم يا عمي،وجيت أصحيه رفض، أصله جه متأخر إمبارح كان سهران مع الرجالة في مزرعة المواشي
بعينين كالصقر هتف بما جعلها تنكمش على حالها:
-اللي يسمعك بتقولي كدة يقول سهران بيشتغل، مش بيحشش هو وشوية الصيع اللي ملموم عليهم
نظرة مشتعلة شملته بها تلك المتجبرة المدعوة بـ “إجلال”لتزمجر باستياء وهي تنظر لزوجات أبناءها في مغزى:
-مش وقت الكلام ده يا حاج نصر…وبرغم جبروته مع الجميع إلا أنها الوحيدة التي لا يستطيع مجابهتها ولا مراجعة قراراتها ويرجع ذلك لقوة عائلتها التي منحته جميع الصلاحيات ليصبح على ما هو عليه الأن،فقد تزوجها وهو موظف إداري بسيط في وزارة الزراعة فسحبه والدها معه إلى التنقيب في الجبال والبحث عن الاثار الفرعونية لبيعها حال العثور عليها للتجار المختصين ليقوموا بتهريبها بطريقة غير شرعية خارج البلاد مما يضر باقتصاد البلد واثارها التي لا تقدر بثمن، اتقن”نصر” العمل ونال شهرة كبيرة بعدما تمرس بالموضوع واصبح ذو شهرة عالية بين لصوص الاثار،ثم ساعدهُ عمها في الدخول إلى عالم السياسة عن طريق ترشحهُ لمجلس الشعب ليُصبح سيادة النائب وينال من السلطة والنفوذ ما يكفي ليحمي به تجارته القذرة وتجارة عائلة زوجته،لذا فهو لا يجرؤ على إغضابها كي لا ينال عقاب أسياده وأصحاب الفضل عليه،وتلك هي نقطة الضعف التي استغلتها”إجلال”لصالحها طيلة سنوات زواجها به وللأن
وإنتِ…نطقتها بحدة موجهة حديثها إلى “سمية “لتسترسل أمرة:
-إطلعي صحي جوزك وقولي له ينزل حالاً
بس يا مرات عمي…توقفت لتبلع باقي حديثها عندما زمجرت الأخرى هاتفة بعينين تقطرُ شرًا:
-أنا قولت لك قبل كدة ألف مرة إني مبحبش أعيد كلامي، الكلمة اللي اقولها تتنفذ من سكات.
أطرقت برأسها برعبٍ لتترك إبنتها لزوجة عمها الكُبرى”منى”وتنسحب سريعًا عائدة للأعلى لتدخل مسكنها وتتجه صوب غرفة النوم حتى اقتربت من ذاك الممدد بطريقة عشوائية فوق التخت لتهتف بنبرة غاضبة وهي تلكزهُ بكتفه بطريقة حادّة:
-قوم يا عمرو بيه كلم أبوك تحت، مخدتش من وراك غير التهزيق على الصبح
اتتفض من نومه بفزع لينظر إليها بعينين جاحظتين مستفسرًا:
-فيه إيه يا سمية في ليلتك اللي مش فايتة؟!
أبوك مستنيك تحت على الفطار…رمقها بازدراء قبل أن ينزل بجسده ليتمدد من جديد ويسحب الغطاء عليه قائلاً بلامبالاة:
-قوليله كان سهران في المزرعة ونايم.
جذبت من فوقه الغطاء بحدة لتردف باستنكار:
-قولت له يا بيه، واتمسخر عليا وعليك قدام إخواتك ونسوانهم العقارب، والست أمك بهدلتني ليه وليه اللي بقولها ده نايم وتعبان، قالت لي تطلعي تصحيه وتخليه ينزل حالاً
هتف رامقًا إياها بنظرة غاضبة:
-إحترمي نفسك وإنتِ بتتكلمي عن الست” إجلال”بنت الحاج “ناصف” سِيد البلد كلها
واستطرد مهددًا بابتسامة ساخرة:
-ولا تحبي اقولها عن الطريقة اللي إتكلمتي بيها عنها واسلمك ليها تسليم أهالي؟
ابتلعت ريقها ونظرت إليه قائلة بصوت مضطرب لتجنب بطش تلك الحية ولتيقنها من تفاهة زوجها:
-وتهون عليك سمية يا عمورتي، ده أنا حُب العمر ولا نسيت؟
-أيوة كدة إظبطي… نطقها بابتسامة نصر ليسترسل:
-جهزي لي الغيار اللي هنزل به على ما أدخل الحمام ارش وشي بشوية ماية عشان أفوق
بعد مدة قصيرة كان يجلس بجوار شقيقاه يتناول طعامه بتملل وضيق شعر بهما والده ليتحدث بذات مغزى:
-عملت إيه في الموضوع اللي اتكلمنا فيه من إسبوع؟
رفع رأسه ليتطلع عليه قائلاً بعينين ملتمعتان بزهو الامل:
-بدأت اتصرف يا حاج،وقريب قوي هتسمع الاخبار الحلوة
-أما اشوف هتفلح المرة دي ولا هترجع لي إيدك فاضية زي كل مرة… قالها باستهجان ليهتف الاخر بعدما شع الامل بعينيه اكثر:
-المرة دي غير كل مرة يا حاج، أنا اتبعت مقولة الزن على الودان أمر من السِحر
قطبت جبينها لتهمس بجانب أذن زوجها تجنبًا لسماع والداه:
-موضوع إيه اللي عمي طالبه منك يا عمرو؟
ابتسم ساخرًا على فضول تلك المتحشرة ليجيبها بتسلي:
-مهو قدامك اهو،ماتسأليه؟
زفرت بضيق من طريقته المستفزة التي دائمًا ما يتبعها معها لتعود لتناول طعامها بضيق والفضول يكاد ان يقتلها،نظرت إجلال لذاك المقابل لها بالجلوس،نجلها المدلل والأقرب لقلبها لما يمتلك من ملامح ورثها عن والدها والتي تعتز بكونها إبنة لذاك الإسطورة من وجهة نظرها،لذا فهي تعشق عمرو ويظل الأقرب لها وكل ما يتمناه ويطرأ بباله ينفذ في الحال،بسطت يدها بصَحن معجون ثمار الفراولة لتقول بابتسامة حانية:
-خد يا حبيبي المربى اللي بتحبها، خليت فتحي الغفير ينزل المركز مخصوص وقلب لي الدنيا على الفراولة لحد ما لقاها
تناول منها الصحن ينظر له بشهية مفتوحة ليتحدث بابتسامة واسعة وهو يُلقبها بلقبها المحبب لديها والذي يُشعرها بقيمة حالها والغرور:
-تسلم إيدك يا “ستهم”
ابتسامة ساخرة خرجت من جانب ثغر “طلعت” الإبن الاكبر ليهتف متهكمًا:
– شوفت يا سيدي غلاوتك عند الست إجلال بجلالة قدرها،مهنش عليها إنك سألت على المربي إمبارح ومكنتش موجوده، بعتت الغفير اتشقلب في المركز وطلع بالفراولة مع إنه مش أوانها، وكل ده علشان خاطر عيون مدلل عيلة البنهاوي
واستطرد بنبرة عاتبة:
-مع إني قايل لها إن نفسي في الكوارع ليا شهر ولا عبرتني
تحدثت بابتسامة باردة لامرأة لا تمتلك قلب:
-نسيت يا سي طلعت،إيه،هتعلق لي المشانق؟!
-العفو يا ستهم ، ماعاش ولا كان اللي يقدر يحاسب ست البلد والمركز كله…رفعت قامتها بخيلاء ليتحدث نصر قائلاً:
-عاوزك تتابعي مع عمرو في الموضوع إياه يا “إجلال”
بابتسامة شامتة حولت بصرها لتلك الجالسة بجوار زوجها لتتحدث بذات مغزى:
-متقلقش يا سيادة النايب، مسافة شهر بالكتير وكل اللي أمرت بيه هيتنفذ
لتسترسل بغرور:
-ما أنتَ عارف لما “ستهم” بتحط حاجة في دماغها
ابتسامة تفاخر ارتسمت فوق ثغره ليقرب كفه من خاصتها الموضوع فوق الطاولة ليربت عليه قائلاً بامتنان:
-طول عمرك سدادة وبميت راجل يا بنت الحاج “ناصف”
ابتلعت ما في جوفها من طعامٍ بصعوبة بالغة لاستشعارها أن هذا الحديث يخص غريمتها الحقيرة لتبتسم “مروة” زوجة الإبن الأصغر وهي تنظر عليها بشماتة مما جعل داخل الاخرى يشتعل لترمقها بازدراء، انتهى الفطور وانسحبت النساء إلى المطبخ ليصنعن مشروب الشاي لوالداي ازواجهن وللجميع، لتبدأ العاملات بجمع بقايا الطعام من فوق الطاولة وتنظيف المنزل
-مقولتليش يا ست مروة، كنتي بتضحكي على إيه وإحنا على الفطار؟… سؤالاً حادًا وجهته لها لتقول الاخرى بذات مغزى مما زاد من اشتعالها:
-على نفس السبب اللي خلى اللقمة وقفت في زورك وكنتي هتفطسي
-بلاش تتلائمي عليا يا مروة، إنتِ مش قد اذيتي،أنا قرصتي والقبر… نطقت جملتها بنبرة تهديدية لتبتسم الاخرى مجيبة بتهكم:
-مش هينفع تقرصيني يا سلفتي،لايجوز شرعًا… قالت جملتها الاخيرة وهي تحرك عُنقها لتهتز رأسها بطريقة ساخرة مع إطلاقها لضحكة استهزائية ليشتعل وجه الأخرى مما جعلها تهجم عليها بدون عقل وكادت أن تجذبها من تلابيبها لتكيل لها الضربات قبل أن تقف ياسمين زوجة طلعت حائلاً بينهما لتقول بعنف:
-ماتتلمي ياختي منك ليها، إنتوا إتجننتوا، هتضربوا بعض وحماكم ورجالتكم قاعدين برة!
هتفت سمية وهي تحاول الفكاك من بين قبضتي “ياسمين”:
-سبيني عليها المرة السو دي وأنا أعرفها مقامها صح
أفلتت ياسمين يداها لتهتف مشيرة إلى مروة:
-شكلك ناوية على طلاقك النهاردة يا سلفتي، وأدي مروة قدامك إعملي فيها ما بدالك، علشان ستهم تيجي على حِسك العالي وتطين عيشتك، وبدل ما أنتِ خايفة وقاعدة منتظرة البلا ليحصل، تبقى سهلتي عليهم المهمة والبلا فعلاً هيحصل، بس وإنتِ قاعدة زي البيت الوقف في بيت أبوكِ
لتبتسم ساخرة مستطردة بذات مغزى:
-ما أنتِ عارفة قانون نصر البنهاوي، اللي تتجوز عيل من عيالة يحرم عليها صنف الرجالة من بعده، وكأن اللي بيدخل عليها واحد منهم بتتوشم بوشمه اللي لا تقدر تمحيه حتى النار
ابتلعت ريقها بازدراء وتراجعت للخلف لتذهب الاخرى إلى الموقد وتبدأ بسكب المشروب داخل الكؤوس مسترسلة:
-أيوة كدة إعقلى
لتتحرك بالصنية وتناولها إياها بحدة قائلة:
-خدي يا حبيبتي الشاي طلعيه برة
كان صدرها يعلو ويهبط بفضل شعورها العظيم بالغضب،حولت بصرها لترمق تلك المروة المبتسمة بشماتة قبل أن تتناول الصينية الممدودة متحركة للخارج بغضب،اتجهت”ياسمين ” بنظرها إلى”مروة “لتقول بنبرة حانقة:
-وإنتِ يا مروة،مش هتبطلي كيد النسا اللي فيكِ ده؟
بررت الأخرى موقفها قائلة بتنصُل:
-وأنا كنت جيت جنبها يا”ياسمين “، ما اللي حصل كله كان على يدك،دي واحدة مجنونة وعلى راسها بطحة
زفرت الأخرى لتهتف بحِدة:
-بلاش تستفزيها أحسن لك، وإديكي قولتيها بنفسك، واحدة مجنونة، والجنان بيزيد عليها لما الموضوع يخص” عمرو”وحكايته القديمة،فياريت تخليكِ إنتِ الأعقل وبلاش تجُري شكلها
اكتفت مروة بنفس الابتسامة الساخرة لتنسحب إلى حوض المطبخ لتتابع جلي الصحون تحت غضب الاخرى من كلتا الغبيتان اللتان تعيشا معها بنفس المنزل
_________________
بالقاهرة الكُبرى
إنتهى من ارتداء رابطة عنقه وعقدها بتمرس ورتابة ليجذب بحِلة بدلته السوداء من فوق عليقة الملابس مرتديًا إياها ليتحرك صوب مرأة زينته ممسكًا بفرشاة شعره ليصففهُ بعناية، أعاد الفرشاة إلى موضعها ليلتقط قنينة عطره المميز وبدأ ينثر فوق ذقنه وعنقه،بات ينظر لهيئته الجذابة برضا تام،تحسس ذقنه النابته ثم نظر لشعر رأسه الفحمي مرورًا بعينيه السوداويتين كثيفة الأهداب وبشرته الحنطية التي جعلت منه جذابًا عن المعتاد، ثم نزل بنظره على صدره العريض وتقسيمات جسده الرياضية ليبتسم بمرارة حينما تذكر ماضيه الأليم، قطع شروده استماعه لبعض الطرقات الخفيفة فوق باب جناحه ليهتف برزانة مخاطبًا الطارق:
-إدخل.
فُتح الباب لتظهر منه سيدة أنيقة ترتدي بذلة نسائية تدل على وقار تلك المرأة بعمرها السابع والخمسون ذات الشعر البُني القصير المظهر التي وما أن رأها حتى ظهرت إبتسامة سعيدة على محياه لتتحدث هي بنبرة حنون:
-صباح الخير يا سيادة المستشار
-صباح النور يا حبيبتي…نطقها صاحب السادسة والثلاثون عامًا بابتسامة وهو يقترب عليها ليقوم بتقبيل رأسها بوقار،تحدثت باعجاب:
-ده إيه الشياكة دي كلها
-أنا إبن دكتورة عصمت الدويري أستاذ القانون الجنائي، فطبيعي أكون شيك ومميز زيها… نطقها باعتزاز لتضحك بسعادة قائلة:
-طول عمرك شاطر في الكلام وبتعرف تغلب بيه اللي قدامك
نظر لها ليقول بثقة:
-بس ده مش كلام يا ماما، أنا حقيقي طول عمري فخور بيكِ وواخدك مثال وقدوة للست الناجحة من وجهة نظري
واستطرد بإطراء:
– ست بيت وزوجة وأم عظيمة، وفي نفس الوقت أستاذة جامعية شاطرة، قدرت توصل لإنها تكون من أكبر الاساتذة في مادة القانون الجنائي على مستوى جامعات الحقوق في مصر كلها
تنهدت بهدوء لتتحدث بتمنى:
-فاضل لي أمنية واحدة وأكون حققت كل أحلامي يا فؤاد، وإنتَ الوحيد اللي قادر تحققها لي
-ومع ذلك مستخسرها فيا زي ما تكون صعبان عليك راحة قلبي…قالت كلماتها الأخيرة بكثيرًا من التأثر والألم لينسحب من أمامها متجهاً صوب تلك المنضدة الجانبية جاذبًا من فوقها حقيبة جلدية باللون الأسود تحتوي على أوراق هامة خاصة بعمله كنائب في النيابة العامة ليتحدث متهكمًا:
-إبتدينا الوصلة الصباحية اللي مبتخلصش، كنت عارف إن زيارتك لأوضتي مش مجرد زيارة عادية، واللي توقعته حصل يا دكتورة
قالت بنبرة متأثرة:
-بتلومني علشان خايفة على مصلحتك يا فؤاد؟
واستطردت بنظراتٍ جالدة لذاته:
-إمتى بقيت أناني كدة، هو أنا مبصعبش عليك؟!
طب بلاش أنا، بباك اللي عاش عمرة كله يبني في إسمه وتاريخه ويجمع في ثروته وجيت إنتَ علشان تكمل مسيرته، مش شايف إن من أبسط حقوقه يكون له إمتداد لإسمه؟!
هتف بحنقٍ بعدما تحولت ملامحهُ لشرسة:
-سبق وإتكلمنا في الموضوع ده وقولت لحضرتك إن موضوع الجواز والخلفة شيلتهم من حساباتي نهائي، كفاية عليا اللي شفته من تجربتي المُرة اللي عيشتها
تعمق بمقلتيها ليستطرد لائمًا بملامح مكفهرة:
– ليه عوزاني أعيش نفس الأذى تاني؟!
-مش كل الستات زي… كادت أن تكمل لولا تحركه السريع نحو الباب وهو يتحدث متمللاً:
-نفس الإسطوانة المشروخة بتاعت كل يوم،ياريت توفري على نفسك وعليا الكلام وتسيبيني أتحرك علشان أشوف شغلي،وحضرتك كمان لازم تتحركي علشان تلحقي طلابك بدل ما تتأخري عليهم يا دكتورة
-إهرب زي كل مرّة، هي عادتك ولا هتشتريها… نطقت بها بحدة ليتابع هو مروره بالممر المؤدي للدرج دون تعليق، بعد قليل ولج إلى غرفة الطعام، وجد والدهُ سيادة المستشار “علام زين الدين”أحد أعضاء هيئة المحكمة الدستورية العليا،مترأسًا الطاولة تجاوره نجلته”فريال”إبنة الثانية والثلاثون عامًا،فقد إختار علام اسماء نجله وابنته تيمنًا بأسماء ملوك مصر السابقين لكي يصبح شأنهم بأهمية اسمائهم، يجاور فريال زوجها”ماجد “المعيد بكلية الحقوق ذاتها التي تعمل بها والدة زوجته ولقد تعرف عليها من خلال زياراتها المتكررة لوالدتها بعملها وأُعجب بها وطلبها للزواج وكان شرط علام الوحيد للموافقة على تلك الزيجة هو مكوث ماجد معهما بالمنزل ويرجع هذا لحب وتعلق علام بنجليه، يليهما بالجلوس إبنتهما بيسان ذات الاعوام الست ولديها أيضًا طفل رضيع أطلقت عليه اسم” فؤاد” لتُدخل السرور على قلب والديها اللذان حرما من حفيد لنجليهما الوحيد ليسرا به نظريهما
تحدث وهو يقترب من مقعده المجاور لوالده:
-صباح الخير يا باشا
أجاب بوجهٍ مقتضب كعادته يرجع لجديته في الحياة:
-صباح الخير يا سيادة المستشار
ألقي تحية الصباح على شقيقته وزوجها ليسأله علام بعدما رأي دخول” عصمت”وملامحها التي توحي بمدى غضبها:
-مالكم على الصبح، أصواتكم عالية ليه؟
-مفيش حاجة سيادتك، دي دكتورة عصمت كانت بتصبح عليا كعادتها… جملة ساخرة نطقها وهو يغرس شوكته بأحد صحون الجُبن لينقل منها بداخل صَحنه، تنهدت عصت وجلست بجواره لتبدأ بتناول طعام فطورها باقتضاب، تحدثت فريال إلى شقيقها:
-إنتَ مبقاش نافع معاك أي كلام يا فؤاد، لحد إمتى هتفضل تاعب قلوبنا معاك بالشكل ده؟
-أكلي جوزك واهتمي بيه يا حبيبتي، وياريت تصُبي كل تركيزك عليه، الرجالة بتزهق من عدم الإهتمام وبتطلع تدور عليه برة لو نقص جوة… نطق بها متعمدًا تغيير الموضوع لتهتف فريال بتذمر تشتكي لوالدها:
-شايف يا بابا كلامه
-كبري عقلك يا فريال، اخوكِ بيهزر معاكِ… هكذا أجابها والدها بتعقل لتتحدث بعناد:
-لو فاكر إن كلامك ده هيخليني أبطل أخاف على مصلحتك تبقى غلطان، وهفضل وراك لحد ما دماغك تلين وتتجوز يا فؤاد
ابتسم ليتحدث بملاطفة:
-قول لمراتك تخليها في حالها وبلاش تحشر مناخيرها في حياة غيرها يا دكتور
تحدث ماجد مبتسمًا بلباقة:
-خرجني انا من بينكم يا سيادة المستشار، إنتوا عيلة واحدة والداخل بينكم خارج
تحدث علام بصدقٍ:
-إنتَ كمان من العيلة يا ابني، من يوم ما اتجوزت فريال وأنا بعتبرك إبن تالت ليا
-متشكر يا باشا، ده شرف كبير ليا سعادتك…جملة نطق بها “ماجد” لتستكمل على حديث زوجها “عصمت”قائلة بتهكم على نجلها:
-سيادة المستشار عنده حق يا ماجد،على الأقل إنتَ مريحنا مش واجع قلوبنا زي ناس
ابتسم بجانب فمه ليرتشف أخر رشفة من فنجان الشاى وتحدث وهو يهم بالوقوف:
-أنا شايف إن انا انسحب علشان حرب الكلام بتاعة كل يوم شكلها هتبتدي، وأنا بصراحة عندي قضية مهمة ومحتاجة ذهن صافي
تحدث علام برزانة:
-أقعد كمل فطارك يا فؤاد
أمسك بمحرمة ورقية وقام بتجفيف فمه ثم أجاب والدهُ بوقار:
-أكلت الحمدلله يا باشا،لازم أتحرك حالاً علشان عندي تحقيق في قضية مهمة ولازم أجهز لها
وقبل أن يتحرك تمسكت بكفه لتتحدث بحنان:
-من إمتى وإنتَ بتروح شغلك قبل ما تشرب قهوتك؟
لتستطرد بعينين مترجيتين بعدما شعرت بأنه ينسحب بفضل ضغطهم عليه:
-أقعد كمل فطارك على ما سعاد تعمل لك القهوة
ربت فوق كفها وتحدث بابتسامة هادئة:
-صدقيني يا حبيبتي معنديش وقت للقهوة، هبقى أشربها في المكتب
نطقها وتحرك للخارج تحت شعور عصمت بالذنب لتتحدث نادمة:
-شكله زعل من كلامنا
تحدث ماجد باستحياء:
-بصراحة يا دكتورة حضرتك وفريال تقريبًا بتكلموه يومياً في موضوع الجواز وأكيد حاجة زي دي بدأت تضايقه وتخنقه
لف وجههُ لزوجته واستطرد لائمًا:
-وأنا أكتر من مرة لفت نظر فريال بإنها حتى لو هتفاتحه فميكنش قدامنا
زفرت فريال بضيق لشعورها بالندم وأيضًا والدتها التي نكست رأسها ليتحدث علام بنبرة هادئة:
– يا جماعة فؤاد عقله مش صغير علشان يزعل من كلامكم، هو أكيد عنده شغل مهم
واستطرد عاتبًا:
-بس ده ميمنعش إن ماجد عنده حق في كلامه
تنهدت عصت لتهم بالوقوف وتحدثت:
-أنا رايحة الكلية، عندي محاضرة الساعة عشرة
أنا جاي مع حضرتك… نطق بها ماجد ليقف ويقبل رأس زوجته ونجليه ثم تحركا معاً وبعدها ذهب علام لعمله وظلت فريال بمفردها بصحبة طفليها والعاملين حيث أنها لم تعمل بشهادة بكالوريوس العلوم الحاصلة عليه وفضلت المكوث بالمنزل لرعاية صغيريها والاهتمام بنفسها وزوجها وكل ما يخص عائلتها الكبيرة
_________________
بمحافظة القاهرة الكُبرى
في تمام الساعة الرابعة مساءًا
بأعلى واجهة مبنى زُجاجيًا ضخمٍ،ناطحة سحاب مثلما يطلقون عليه، توجد لافتة كبيرة كُتب عليها إسم شركة الأباصيري للأستيراد والتصدير باللون الذهبي ليدل على فخامة وعظمة الإسم وصاحبه،نتجه داخل المبني وتحديداً داخل مكتب مدير الشَركة “أيمن عزمي الأباصيري” البالغ من العُمر الخامسة والخمسون من عُمره،يبدو على هيئته الهيبة،يرتدي حلة ذات ماركة عالمية تدل على ثراءه الفاحش، تقف بجوار مقعد مكتبه شابة بعمر السابعة والعشرون،ترتدي بدلة سوداء عملية أشبه بلباس الرجال لتتناسب مع شخصيتها الجادة بنظارتها الحافظة لنظرها ليكتمل وقارها وشخصيتها الحادة التي اتخذتها نهجًا لها منذ أن قررت الإستقلال بذاتها،يعتلي رأسها حجاباً أنيقًا وبسيط
تنظر بترقُب من خلف نظارتها الطبية علي قلم مديرها الذي يتحرك بخفة فوق الأوراق المطلوب توقيعها وتُقلبها له واحدة تلو الأخرى،تحدث الرجُل بتملُل بعدما أصابهُ الضجر من كثرة عدد الأوراق:
-وبعدين يا إيثار،أنا زهقت، هو الورق ده ناوي مش يخلص النهاردة ولا إيه؟
أجابتهُ بنبرة جادة كعادتها مُنذ أن عملت معهُ قبل الثلاثة سنوات:
-مش فاضل غير ورقتين بس يا أفندم.
بالفعل وضع إمضاءه على تلك الورقتين ليقوم بارجاع ظهره الى الخلف مغمضاً عيناه كي يحصُل علي قسطٍ بسيط من الراحة قبل مغادرتهُ للشركة،أغلقت هي ملف الأوراق وأحتفظت به بيدها وبكل حرفية أمسكت باليد الأخرى الهاتف الموضوع فوق المكتب وتحدثت قائلة بنبرة صارمة:
-كريم،تعالى حالاً علي مكتب ايمن باشا علشان تاخد الشنطة
أغلقت ثم نظرت إلي أيمن لتتحدث بوقارٍ واحترام:
-أي أوامر تانية يا أفندم؟
أجابها بوجهٍ بدا عليه الإرهاق:
-متشكر يا إيثار،تقدري تروحي لمكتبك علشان تجهزي نفسك وتروحي
أومأت له لتتحدث برصانة وهي تتأهب للإنسحاب خارج حُجرة المكتب:
-بعد إذن حضرتك
استدارت وتحركت صوب الباب ليوقفها صوتها الهاديء:
-أخبار يوسف إيه يا إيثار؟
إستدارت لتجيبهُ بابتسامة خافتة:
-بخير يا أفندم الحمدلله
سألها باهتمام:
-اللي اسمه عمرو ده لسة بيضايقك؟
تنفست بهدوء لتجيبه بملامح وجه مبهمة:
-أخر مرة شوفته فيها كان من إسبوعين،لقيته مستنيني تحت العمارة وأنا راجعة من الشغل، هددته لو ما ممشيش هتصل بالبوليس ومن وقتها مشفتوش تاني
لتكمل بنبرة بائسة:
-للأسف، مش مبطل إسلوب الضغط عليا بكل الطرق المشروعة والغير مشروعة
اجابها وهو يحمل أشياءه الخاصة:
-منصب أبوه مقوي قلبه،لو اتعرض لك تاني واتجنن وجالك إتصلي بيا وانا هعرف اتصرف معاه،الاشكال اللي زي دي محتاجة تتعامل بشدة علشان تحترم نفسها
تنهدت بأسى وهي تومي برأسها بموافقة ثم تحركت للخارج ولملمت أشيائها وقامت بوضعها داخل حقيبة يدها،صدح صوت جوالها لترفعه لمستوى عينيها وما ان رأت نقش اسم المتصلة حتى زفرت بقوة واكفهرت ملامح وجهها بامتعاض،تجاهلت الرنين لتخفيه بداخل حقيبتها،تحرك إليها كريم ذاك الشاب العشريني الذي تعين سائقًا لصاحب الشركة منذ ما يقارب من العام وقد حظي بثقة إيثار به وهذا ما جعل الجميع يتعجب حتى إيثار بذاتها استغربت لكونها رسمت الجمود فوق ملامحها وارتدت شخصية جدية لتضع حدودًا بينها وبين الجميع لم يستطع أحدهم تخطيها،لكنها سمحت لذاك الكريم بكسرها ربما لظروفهُ التي تشبهها حيث تخلى عنه جميع اهله ليشق طريقه ويفحر بالصخر كي يستطيع العيش بكرامة،مثلما فعلت تمامًا،تحرك صوبها ليتحدث بابتسامتهُ البشوشة كعادته:
-أزيك يا استاذة إيثار
بهدوء أجابت:
-الحمدلله يا كريم، أخبارك وأخبار خطيبتك إيه، لسة محددتوش ميعاد الفرح؟
تحدث بنبرة حماسية:
-قريب إن شاءالله، فاضل لنا الغسالة والبوتجاز وكدة الشقة ميبقاش ناقصها حاجة.
بابتسامة خافتة تحدثت:
-لو ده اللي معطلك تقدر تحدد ميعاد الفرح مع حماك، ولو على الغسالة والبوتجاز إعتبرهم جم، خد أماني بكرة وانزل أشتريهم وخلي صاحب المحل يبعت الفاتورة على مكتبي
-بس ده كتير قوي يا استاذة،مش كفاية ساعدتيني في أوضة السُفرة… نطقها باستحياء وخجل لتتحدث في محاولة منها للتخفيف عنه:
-إبقى ردها لي في جوازة يوسف يا سيدي.
ربنا يفرحك بيه… نطقها لتهتف بنبرة جادة:
-بسرعة روح للباشا زمانه جهز.
حمل كريم الحقيبة الجلدية الخاصة برئيسه وتحركا لتتحرك هي الاخرى خلف سيدها بالعمل حتي وصلا إلي المصعد الكهربائي لينزلا للطابق الأسفل ومنهُ إلي خارج المبني بصحبة كريم،تحرك أيمن في طريقهُ لسيارته الفارهة،واتجهت هي نحو سيارتها المتواضعة كي تستقلها لتعود إلي منزلها، وقبل أن تقوم بوضع ساقها داخلها إلتفتت لتنتظر مديرها كي يتحرك أولاً لتجحظ عينيها فور رؤيتها لظهور مُقنعان يستقلان دراجة بخارية الأول يقودها بهدوء والأخر أخرج رشاشاً وقام بتفريغ محتوياتهُ من الطلقات الرصاصية بعشوائية متفرقة مما أحدث فوضي داخل المكان وباتت أصوات الصرخات المستنجدة تتعالي
جحظت عينيها بعدما لاحظت أحد المهاجمين وهو يضغط على زيناد سلاحه الناري لتنطلق إحدى الرصاصات من فوهة السلاح بسرعة فائقة وتستقر بموضع قلب ذاك الذي وقف امام سيدهُ ليتلقى الرصاصة بدلاً عنه وكأنهُ جندي يدافع عن وطنهُ بكل بسالة ،إهتز بدنها بالكامل لتفتح فاهها بذهول بعدما رأت ذاك الخلوق مُلقى على الأرض غارقًا وسط بركة من دمائه البريئة التي سالت بدون ذنب،لتصرخ بكامل صوتها ناطقتًا باسمه وهي تنطلق إلى موضع رقوده:
-كرررررريم
هرول رجال الحراسة التابعة للشركة إلى أيمن كي يؤمنوه من أية محاولاتٍ لاعتداءاتٍ أخرى محتملة وقاموا بإحاطته جيدًا كسياجٍ بحيث لا يُخترق حتى من نملةٍ ثم أنزلوه ليحتمي خلف السيارة ،بطريقةٍ تلقائية وضع أيمن كفي يديه فوق رأسه ليحتمي من تلك الطلقات المتراشقة بين رجال الحراسة التابعين له وبين هؤلاء المُقنعين الذين خرجوا من العدم،من يستمع لصوت الطلقات يعتقد أن حربًا شرسة وقعت للتو، أما هي فلن تكترث لتلك الطلقات وبشجاعةٍ تُحسد عليها هرولت لذاك المسكين وباتت تتفحصهُ بعينيها لتهتف متلهفة:
-رد عليا يا كريم،رد عليا ارجوك
تأملت أن يُطمئنها ولو بكلمة بسيطة منه ولكنها صُعقت بعدما تحدث أحد الرجال الذي تشجع وإنضم إليها كي يفحص ذاك الكريم متجاهلاً تراشق الطلقات التي قد تصيبهُ:
-لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم،النفس إنقطع،الظاهر إن الطلقة جت له في مقتل
هزت رأسها بعدم تصديق وهى تنظر إليه لتهتف بذهولٍ:
-إنتَ بتقول ايه، اكيد ما متش، ده كان لسة بيكلمني وإحنا فوق، مستحيل
لتصرخ في محاولة بائسة منها علهُ يستفيق وينتبه لصرخاتها:
– كررررريم
وبرغم رُعب أيمن مما حدث معهُ للتو من محاولة إغتيال دنيئة إلا أنهُ نظر إلي تلك الصارخة بعدما انتبه لصرخاتها المتوالية ليتحدث بأمرٍ إلى بعض رجاله المحاطين له بعدما انتهى صوت إطلاق الرصاص وتيقن من هروب المعتدين بعدما فشلوا في إتمام مهمتهم:
-روحوا لـ إيثار وأحموها وهاتوها لعندي حالاً، وحد فيكم يتصل بالشُرطة ويبلغها بالهجوم اللي حصل
نطق كلماته قبل أن يفرد قامتهُ معتدلاً ليتحرك سريعًا لداخل مقر الشركة وحولهُ حائطًا بشريًا مكون من رجال الأمن الشخصي ذوات الأجساد الضخمة يتحركوا بحذرٍ وهم يحملون اسلحتهم المشهرة لمواجهة أي هجومٍ أخر
هرول رجلين إليها ليتحدث أحدهم وهو يتلفت حولهُ بعينين كالصقر حاملاً سلاحهُ بوضع الإستعداد:
-إتفضلي معانا جوة الشركة لحد ما ننشط المكان ونأمنه يا افندم
إتصل بالإسعاف بسرعة، كريم بيموت… كانت تلك كلماتها المتوسلة لذاك الشخص قبل أن يتحدث الشخص الأول مرةً أخرى:
-للاسف يا أستاذة،كريم مات خلاص
ليُكمل بعينين أسفتين:
-البقية في حياتك
اتسعت عينيها وهي تنظر إليه لتهتف بقلبٍ صارخ متألم لأجل ذاك الخلوق:
-إسكت حرام عليك، أكيد لسة عايش، الدكاترة أكيد هيسعفوه وهيبقى كويس
بسط أحد رجال الحراسة يدهُ وتحدث إليها باقتضاب وهو يجذبها من كف يدها:
-اتفضلي معايا يا أستاذة إيثار، الباشا مستنيكِ جوة وميصحش نتأخر عليه
رمقتهُ بحِدة وبطريقة عنيفة نفضت يده بعيدًا لتهتف حانقة:
-أنا مش هتحرك من هنا قبل الإسعاف ماتيجي.
-الباشا أمر إنك لازم تدخلي حالاً، فأحسن لك تسمعي الكلام وتقومي معايا وما تضطرنيش اتعامل معاكِ بالقوة…هكذا تحدث أحد الشخصين بحِدة وفظاظة وهو يجذبها من رسغها قبل أن تدفعهُ بعيدًا عنها نافضة يدها من لمسته لتنظر إليه بعينين حادتين كنظرات الصقر وهى تهتف بسُبابٍ:
-إبعد إيدك عني يا حيوان
كاد أن يقترب ويجذبها مرةً أخرى ليتحرك بها إلى الداخل عنوةً عنها لولا صديقه الذي اقترب منه وجذبهُ ليبتعدا قليلاً ثم هتف ناهرًا إياه بحدة:
-إنتَ إتجننت يا بني أدم، إيه اللي بتهببه ده؟
ليستطرد بتنبيهٍ:
-إنتَ عارف ايمن باشا لو عرف إنك ضايقتها هيعمل فيك إيه، ده مش بعيد يدفنك مكانك وإنتَ واقف
ليه يعني، تبقى مين بسلامتها…هكذا تحدث متذمرًا وذلك لحداثة تعيينه ليهتف الأخر بإعلامٍ:
-تبقى إيثار غانم الجوهري يا غبي.
ليستكمل بإبانة:
-مديرة مكتبه واللي مبيتحركش خطوة من غيرها،كل خبايا الشركة في عبها ومفيش صغيرة ولا كبيرة بتحصل إلا بعلمها
اشار الرجل بكفه ليتحدث مستنكرًا:
-طظ،إيه يعني مديرة مكتبه،ده أنا قولت بنته ولا قريبته من تفخيمك فيها
هز الاخر رأسه باستسلام وبصعوبة اصطحباها الرجلان للداخل تحت اعتراضها بالأول لكنهما أخذا الأوامر بإحضارها ولابد من التنفيذ،ولجت بدموعها وانهيارها لتجد أيمن يجلس فوق مقعدًا مُلقي برأسهُ للخلف ويبدوا من مظهره أن نوبة فرط ضغط الدم ستهاجمه من جديد حيث كان يتنفس بصعوبة واضعًا كف يدهُ فوق صدره ويقوم بتدليكهُ بوجهٍ شاحب، وبرغم ما تعانيه من تمزق للروح وتيهة بسبب فقدانها لذاك الخلوق إلا أنها استعادت لمهنيتها وهرولت إليه وهي تتفحصه بهلعٍ ظهر بعينيها:
-مالك يا أيمن بيه، إنتَ تعبان
ليجيبها بانفاسٍ متقطعة:
-إتصلي لي بـ أحمد بسرعة يا إيثار
على عجالة هتفت وهي تبحث بحقيبة يدها التي أحضرها أحد الرجال حيث كانت ملقاه بجوار سيارتها بالخارج:
-هكلمه حالاً يا أفندم، بس حاول تتنفس بانتظام وتهدى
بالفعل هاتفت أحمد الإبن الأكبر لـ أيمن والذي يمتلك مشفى إستثماري كبير قد أعدها لهُ أبيه ليمارس بها مهنة الطب الذي درسهُ بالخارج،بسرعة البرق حضرت قوة من رجال الداخلية وانتشر رجالها محاوطين سياج الشركة وحضر أحمد بسيارة إسعاف مجهزة طبيًا بعدما اخبرته إيثار وعلم أنها حالة ضغط الدم التي تهاجم والده عندما يتعرض لحالة من الصدمة أو الحزن الشديد، تحرك الشرطي إلى أيمن المتواجد بعربة الإسعاف يتلقى الإسعافات الأولية وتحدث بوقار:
-حمدالله على سلامتك يا أيمن بيه
-الله يسلمك يا حضرة الظابط.. ليتحدث الضابط من جديد:
-حضرتك بتتهم حد بالهجوم المسلح؟
تذكر ذاك الرجل الذي حضر ليقوم بتهديده وهاجمه في عُقْر داره ولم يخشى رجال الحراسة المسلحين، نظر له ليجيبه:
-مفيش غيره،”صلاح عبدالعزيز”، هو اللي هددني من يومين لما اتهجم عليا في قلب بيتي وكان موقف رجالته بالسلاح بره
سألهُ الضابط:
-عملت محضر بالواقعة دي؟
هز رأسه باعياء ظهر على ملامحه:
-محبتش اكبر الموضوع، قولت راجل موجوع على إبنه وجاي يفش غله بكلمتين فارغين، بس متوقعتش إنه هيطلع مجنون زي إبنه وينفذ تهديده
لاحظ أحمد شحوب وجه والده فهتف بشدة:
-لو سمحت يا افندم، يا ريت تأجل التحقيق لوقت تاني لأن زي ما حضرتك شايف، والدي تعبان ولازم يتنقل المستشفى حالاً قبل ما حالته تتأثر وتسوء
اومأ الشرطي وانتقل للشهود في حين تساءل أحمد بنبرة لائمة:
-ليه مبلغتنيش إن صلاح عبدالعزيز جه هددك في البيت؟
ليستطرد لائمًا على زوجته بجبينٍ مُقطب:
-وازاي “سالي” متقوليش على حاجة زي دي؟!
بنبراتٍ متقطعة نتيجة حالة الاعياء تحدث بضعفٍ:
-محبتش اشغلك يا ابني،كفاية عليك شغل المستشفى اللي واخد كل وقتك
ليستطرد بإبانة:
-وانا اللي قولت لمراتك بلاش تبلغك علشان متقلقش
-ريح نفسك ومتتكلمش يا بابا، إحنا لازم نتحرك حالاً… نطقها وهو ينظر للضجيج من حولة أنوارًا ساطعة لسيارات الشرطة التي انتشرت بالمكان وفريق من النيابة العامة التي حضرت لتعاين جثة كريم، وتلك المسكينة التي تقف تتابع بدموعٍ منهمرة ذاك البريء الملقى أرضًا غارقًا بدمائه الطاهرة، لقد دفع حياته ثمنًا وهو يحمي رب عمله،مشهد درامي يدمي القلوب وتقشعر له الأبدان، أشار للضابط ليفسح لسيارة الإسعاف كي تتحرك بوالده الذي وما أن رأى الضابط يقترب من إيثار ورأى إنهيارها حتى تحدث وهو يشير لنجله:
-روح لحضرة الظابط وخليه يأجل استجواب إيثار معايا لبكرة هنا في الشركة، وخلي حد من رجالتنا يتابع موضوع كريم ويفضل مع جثته لحد ما يطلع له تصريح الدفن
ليستطرد بتأثر وصوتٍ متقطع:
-الولد ملوش حد في الدنيا غير خطيبته واهلها
بالفعل تحرك الشاب للضابط وقص ما املاه عليه والده ليقتنع الضابط بحديثه بعدما رأى ارتعاشة جسد تلك المرعوبة ليسألها أحمد عن حالها:
-إنتِ كويسة؟
هزت رأسها بإيماءة لتتطاير دمعاتها ليسألها متأثرًا بحالتها:
-هتقدري تسوقي ولا اخلي حد من الحرس يوصلك؟
هسوق بنفسي، اتفضل حضرتك خد الباشا على المستشفى وياريت تبقى تطمني عليه… اومى لها وتحرك بأبيه على المشفى، ألقت نظرة وداع على صديقها لتخرج منها إبتسامة مريرة وهي تحدث حالها وكأنها ترثي روحه:
-يا لحظك التعيس أيها الرفيق، ماذا فعلت يا صديقي لكي تجني كل هذا البؤس من الحياة،لقد تلقيت صفعتك الاولى عندما ترككَ أباكَ وانتقل للحياة الأبدية بينما لاتزال جنينًا بأحشاء والدتك،وقبل أن تتم عامك الثاني ابتعدت الاخرى بعدما تقدم لخطبتها ثري عربيًا وكان شرطه الأول هو التخلي عنك حتى يحظى بكل اهتمام تلك فائقة الجمال له،لتوافق في الحال وتترككَ في رعاية جدتك لأبيك،هذه السيدة المسنة التي غمرتك بحنانها الفياض كتعويضًا عن التي اختارت أن تعيش لأجل حالها ودلالها وتنعمها بثروة زوجها وفقط،حتى أنها لم تطرأ برأسها فكرة النزول إلى مصر منذ أن غادرتها وهي عروس لتطمئن على صغيرها،وما أن وصلت لسن السادسة حتى تركتك تلك العجوز لتضل بجسدك النحيل بلا عون،بلا سند،لتتلقى لطمتك الكُبرى من الحياة،إجتمع بعضًا من الجيران وتناقشوا بامرك حتى وصلوا إلى حلاً،وهو ان يضعوك داخل “الْمَيْتَم”دار لإيواء الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، ترعرعت بداخله حتى أصبحت شابًا واتممت دراستك الجامعية لتخرج للحياة من جديد لتشق طريقك وتلتقي بحب العمر ويتم الإرتباط بشكلٍ رسمي إلى أن وصلت إلى هنا، جثة هامدة،يبدوا أن الله قد احبك كثيرًا لذا أراد أن يحمي روحك الطاهرة قبل أن تتدنس في خطايا الحياة
ابتسمت بدموعها المنسدلة لتحدث حالها بصوت باكٍ يملؤه القهر وهي تُلقي على جثمانه نظرتها الاخيرة:
-وداعًا يا صديقي الصغير،فلتتنعم روحك الطاهرة في الفردوس الأعلى،سلامًا لروحك النقية وإلى أن نلتقي.
يتبع…
رواية انا لها شمس الفصل الثاني 2 - بقلم روز امين
أحيانًا نحتاج لمن يحتوينا بضمته ليُشعرنا بالأمان بأحلك أوقاتنا، ندورُ بأعيننا لنبحث عن ذاك الشخص الذي سنرتمي بأحضانه ليسحب من داخلنا آهاتنا والآلام، ليزداد أنين روحنا وتمزقها عندما ندرك وحدتنا وأننا بلا حبيب، بلا صديق بلا شخصٍ يؤتمن، لنكتشف حينها أن تلك هي مأساتنا بالحياة.
خواطر إيثار الجوهري
بقلمي روز أمين
عادت إلى منزلها لا تعلم كيف قادت سيارتها وقطعت تلك المسافة وهي تذرف دموعها تلك التي لم تنقطع ولو للحظة، فتحت الباب ودخلت لتجد "عزة" باستقبالها، تلك السيدة الأربعينية التي تهتم بصغير إيثار "يوسف" ذو الأعوام الست، والتي لم تحظَ بفرصة للزواج ليضعها القدر بطريق إيثار عن طريق الصدفة لتطلب منها بأن تمكث معها بنفس المنزل لتهتم بصغيرها مقابل مبلغ مادي تتلقاه شهريًا، تحركت صوبها لتقول بنبرة لائمة:
- اتأخرتي كدة ليه يا إيثار، وبعدين مبترديش على تليفونك ليه، ده أنا متصلة بيكي أربع مرات.
واستكملت بثرثرة استدعت استياء الأخرى:
- وأمك صدعتني من الصبح، مبطلتش رن على التليفون الأرضي لحد ما زهقتني في عيشتي، بتقول إنها كلمتك كتير ومبترديش عليها، وأكدت عليا أول ما توصلي لازم تكلميها علشان عاوزاكي في موضوع ضروري.
- خلاص يا عزة، ارحميني بقى من رغيك، أنا لا نقصاكي ولا نقصاها...
نطقت كلماتها بهتافٍ حاد لتسترسل بصراخٍ هيستيري جعل عيني الأخرى تتسع على مصراعيها:
- ولو اتصلت تاني مترديش عليها، قولي لها تنساني وترحمني بقي، هي إيه، مكفاهاش كل اللي حصل لي بسببها هي وولادها، سبتلهم دنيتهم بحالها، عاوزة مني إيه تاني؟!
بملامح وجه قلقة سألتها بخفوت:
- مالك يا بنتي، فيكي إيه، إنتي معيطة يا إيثار؟
بسيقان مهتزة وصلت إلى أقرب مقعد ورمت حالها فوقه باستسلام ثم رفعت رأسها ناظرة بعيني عزة لتنطق بألم بعدما تركت العنان لدموعها أن تنهمر من جديد:
- كريم اتقتل يا عزة، اتقتل قدام عنيا، راح في لحظة، مسافة غمضة عين روحه فارقت جسمه.
- يا لهوي، كريم السواق، مين اللي قتله؟
بدموعها الغزيرة قصت عليها ما حدث لتهتف الأخرى بحِدة وقد ظهر الرعب بمقلتيها وكأنها قطعة من روحها:
- لاااا، الحكاية دي ما يتسكتش عليها، إنتي لازم تسيبي الشغل عند اللي اسمه أيمن ده، ما هو أنا مش مستغنية عنك، المرة دي الطلقة جت في المسكين كريم يا عالم المرة الجاية هتيجي في مين.
واستطردت بهلع:
- أبو الواد اللي قتله أيمن مش هيسكت، وهيحاول مرة واتنين وعشرة لحد ما ياخد تار ابنه اللي دمه ساح في بيت اللي اسمه أيمن.
نظرت لها لتتحدث بيأسٍ:
- ولما أسيب الشغل هنعيش أنا وإنتي منين يا عزة، والمسكين اللي جوه ده هجيب مصاريف مدرسته منين؟!
- من الموكوس أبوه، هو ملزوم غصب عنه يصرف على ابنه وعلى تعليمه، هو فقير، دي الفلوس بالكوم على قلبه وقلب أبوه...
كلمات نطقتها بهتافٍ غاضب لتجيبها الأخرى بألم:
- وهو ده اللي عاوزه، أتذل له وأطلب فلوس لابني وساعتها هيبيع ويشتري فيا ويحط شرط رجوعي قصاد الفلوس.
ثم نظرت أمامها في نقطة اللاشيء لتهتف بعزيمة وإصرار:
- وده اللي عمري ما هعمله حتى لو هموت أنا وابني من الجوع.
دارت عزة حول نفسها لتهتف بحماس وهي تدق على كفيها:
- خلاص، دوري على شغل جديد، يعني هو اللي خلق شركة الأباصيري ما خلقش غيرها؟!
- وتفتكري الشغل الجديد هيدوني نفس المرتب اللي أيمن بيديهولي، ولا هيدوني منصب زي اللي وصلت له عند أيمن، أنا مديرة مكتب أيمن الأباصيري واللي ما بيتحركش خطوة من غيري...
لتستطرد بامتنان:
- ده غير إن أيمن بيه بيعتبرني زي بنته ومديني بريستيجي في الشركة، معقولة هسيب كل ده وأروح أبدأ من الصفر في مكان تاني؟!
تنهيدة استسلام خرجت من صدر تلك الصادقة والتي اتخذت من إيثار ابنة لها ومن يوسف حفيدًا وحمدت الله على تعويضها بهما بديلًا عن الأسرة التي حُرمت من تكوينها، تحدثت بأسى:
- سيبيها على الله وهو هيحلها، أنا هدخل أملى لك البانيو مياه سخنة وأحط لك فيه شوية زيوت عطرية تهدي لك جسمك.
واقتربت لتمسك بيدها لتساعدها على الوقوف لتستطرد:
- قومي يلا معايا.
وقفت تنظر بعينيها ثم أمسكت كفاي يداها لتتحدث شاكرة:
- ربنا يخليكي ليا يا عزة، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه، الدنيا كلها باعتني وإنتي الوحيدة اللي اشترتيني.
بابتسامة خافتة تحدثت:
- بتشكريني على إيه يا عبيطة، ده إنتي ربنا بعتك ليا هدية من السما إنتي ويوسف، اللي ربنا يعلم لو كان عندي حفيد ما كنتش هحبه زيه.
ابتسمت لها وسألتها باهتمام وكأنها للتو تذكرت صغيرها:
- هو يوسف نام؟
- من بدري...
لتسألها من جديد:
- اتعشى؟
أجابتها لتطمئنها:
- طمني بالك من ناحية يوسف خالص، إنتي عارفة إنه في عنيا...
أومأت بتطابق وبعد قليل كانت تغمر جسدها داخل حوض الاستحمام، شهقة عالية خرجت منها لتنهمر دموعها من جديد وتختلط بمياه المغطس، تألمت حين تذكرت جسد كريم وعينيه وهي تُغلق للمرة الأخيرة، ظلت تبكي علّ دموعها تغسل همومها وتمحي ما يؤرق روحها، خرجت من المغطس عندما شعرت ببعضٍ من الراحة بفضل بكائها، ارتدت ثيابها وتحركت لغرفة صغيرها لتمدد جسدها بجواره بالفراش، تأملت ملامحه البريئة لتمرر أصابعها حيث تخللت خصلات شعره بحب وتميل على وجنته تطبع بها قُبلة حنون، تنفست براحة وحاوطت جسده الصغير لتضمهُ إلى صدرها بحنو، كم كانت تحتاج لهذا العناق لينسيها ما عاشته بيومها الصعب، شددت من عناقه في غفوة منها ليحرك الصغير أهدابه ويفتحهما عدة مرات لينطق بابتسامة صافية:
- ماما.
قابلت ابتسامتهُ بأخرى وبعينين تقطرُ حنانًا تحدثت وهي تشدد من عناقه:
- حبيبي، وحشتني.
- إنت كمان وحشتيني يا مامي.
تنهدت وسحبت جسدها للأسفل لتضع رأسه فوق ذراعها وهي تقول:
- يلا نام يا حبيبي.
- إنت هتنامي معايا؟
هزت رأسها بإيجاب مما أدخل السرور لقلب الصبي الذي لف ذراعه الصغير حول خصر والدته وغط في سُباتٍ عميق بعدما شعر بالأمان في حضرة مصدر أمانه الوحيد بجانب عزة، تنفست وحاولت جاهدة الدخول في النوم لتنجح بعد كثيرٍ من الوقت لتسقط بدوامة النوم وتغرق بها علها تخفف عنها وطأة ذاك الكابوس الموجع التي عاشته.
*****
صباح اليوم التالي
استيقظت وساعدت صغيرها على ارتداء ثيابه الخاصة بالمدرسة ثم اصطحبته وخرجا متجهين للمطبخ لتجد عزة تقف أمام موقد الغاز لمباشرة تجهيز طعام الفطار، تحدثت وهي تُجلس صغيرها:
- صباح الخير يا عزة.
- صباح الفل على عيونك...
واستطردت بعدما تحركت إلى الصغير لتميل على وجنته طابعة قُبلة به:
- صباح الخير يا حبيب قلبي.
- صباح الخير يا زوزة...
نطقها الصغير بطلاقة، جلبت عزة الطعام ورصته فوق الطاولة وجلست لتتحدث لتلك التي تُطعم صغيرها بذهنٍ شارد:
- ما بتاكليش ليه يا حبيبتي؟ ده أنا عمالالك الأومليت اللي بتحبيه.
تنهدت لتجيبها بألم:
- وهجيب النفس اللي آكل بيها منين يا عزة.
- وحدي الله وهوني على نفسك وادعي له بالرحمة...
تحدثت بيقين لتجيبها الأخرى:
-لا إله إلا الله محمد رسول الله.
مدت يدها وناولت صغيرها كأس الحليب لتتحدث:
-اشرب اللبن بسرعة قبل الباص ما ييجي يا يوسف.
تناوله منها وبدأ بارتشافه. بسطت عزة ذراعها بشطيرة لتتحدث برجاء:
-طب خدي ساندوتش الرومي ده كليه علشان يسندك.
أجابتها بملامح متأثرة:
-مش قادرة أحط أي حاجة في بؤي.
كادت أن تضغط عليها من جديد لولا مقاطعة رنين الهاتف الأرضي لتهتف عزة قائلة:
-دي أكيد أمك اللي بتتصل على الصبح كده. سيبك منها وماترديش. هي رنت على فُوني من شوية وأنا كنسلت.
ثم نهضت وتحدثت وهي تضع صندوق الطعام داخل حقيبة الصغير:
-يلا يا حبيبي علشان نلحق الباص تحت. وماتنساش تاكل كل أكلك. عاوزة اللانش بوكس يرجع فاضي مش زي كل يوم. مفهوم يا شو؟
-حاضر يا مامي.
تمسكت بكف صغيرها وجذبت حقيبتها لتتحدث بهدوء:
-أنا ماشية يا عزة.
سألتها باستغراب:
-مش لسه بدري؟
أجابت بإبانة:
-هروح أرتب الشغل وألغي مواعيد أيمن بيه. أكيد لسه تعبان ومش هييجي الشركة النهاردة.
سألتها مستفسرة:
-ولو أمك اتصلت أقولها إيه؟
هتفت بضجر:
-اتصرفي يا عزة. ولا أقولك، أنا هارد عليها لو اتصلت بيا علشان أرحمك من زنها.
تحركت بجانب طفلها حيث أودعته داخل الباص وتحركت بسيارتها باتجاه الشركة. أمسكت هاتفها وطلبت رقم أيمن ليجيبها بعد قليل بصوت واهن وهو يقبع فوق أحد أسرة المشفى المملوك لنجله:
-أهلاً يا إيثار.
تحدثت بتأثر:
-أهلاً بيك يا أفندم. طمني على صحتك. يا رب تكون بقيت أحسن.
-أنا بخير الحمد لله. طمنيني، روحتي الشركة.
نطقها مستفسرًا لتجيبه بإبانة:
-أنا في الطريق، وهالغي لحضرتك كل مواعيد النهاردة لحد ما ترجع بالسلامة.
بصوت ضعيف أملى عليها:
-اقعدي مع المهندس عدنان وتابعي معاه أخبار الصفقة الجديدة.
كاد أن يكمل فهتفت تلك الجالسة بجواره:
-كفاية كلام وما تتعبش نفسك يا أيمن. إيثار فاهمة شغلها كويس وأكيد هتعمل كل ده من نفسها.
واستطردت بملامة:
-ما هي ياما مشت أمور الشركة لما كنت بتأخذ إجازات ونسافر.
نظر بعينيه لتلك الجميلة ذات الأعوام الخمسين ليتحدث بعينين راجيتين:
-معلش يا حبيبتي، هأبلغها كم نقطة بس وهأقفل على طول.
قطع حديثه نجله الذي ولج للتو لينظر بحدة بالغة إلى الهاتف متحدثاً وهو يجذب الهاتف من يده:
-هو ده اللي اتفقنا عليه يا بابا؟ مش قلت لك بلاش الموبايل وحاول تسترخي.
واسترسل بعتاب وهو يتطلع لوالدته:
-وحضرتك قاعدة تتفرجي عليه يا ماما؟
-أنا حاولت يا أحمد بس باباك هو اللي صمم يرد لما عرف إن إيثار هي اللي على التليفون.
هكذا أجابته فوضع أحمد الهاتف وتحدث لتلك التي تستمع لحديثهم عبر سماعة "البلوتوث" الموضوعة بداخل أذنها حيث تتابع القيادة:
-تابعي الشغل بنفسك وبلاش ترجعي للباشا يا إيثار. هو محتاج راحة تامة أسبوع على الأقل.
بهدوء أجابته:
-أنا ما كلمتش الباشا علشان الشغل يا دكتور. أنا كنت بكلمه أطمن على صحته. لكن أنا عارفة هاتصرف إزاي في المواقف اللي زي دي. أصلها مش أول مرة الباشا يسيب لي الشركة تحت تصرفي.
أجابها بتأكيد:
-علشان كده بأقول لك اتصرفي وما ترجعلوش. ولو فيه حاجة ضروري كلميني أنا.
-تمام، هأقفل علشان ما أعطلش حضرتك.
نطقتها باقتضاب ليتحدث باحترام:
-تمام يا إيثار، مع السلامة.
أغلق معها ليتحدث إلى أبيه:
-مش ممكن يا بابا اللي بتعمله في نفسك ده؟ معقولة الشغل عندك أهم من صحتك!
نظر لتلك الأسلاك المعلقة بيده ليتحدث بتملل وهو يعتدل جالسًا:
-تعالى شيل البتاع اللي مركبهولي ده علشان أروح بيتي أرتاح فيه.
نهضت "نيلي" لتقترب من زوجها قائلة بقلق:
-بيت إيه اللي عاوز ترجعه وإنت تعبان بالشكل ده يا أيمن!
-زهقان يا نيلي، مش طايق منظر المحاليل ولا ريحة الأدوية والتعقيم.
كلمات قالها باقتضاب ليكمل وهو يتزحزح لينزل قدميه من فوق السرير ليهتف نجله:
-يا بابا ما ينفعش اللي إنت بتعمله ده. على الأقل خليك هنا يومين كمان لحد ما ترتاح.
نطق بضجر:
-مش هأرتاح طول ما أنا في المكان ده يا أحمد. روحني يا ابني، نفسي أنام على سريري.
لم يكن بمقدور نجله فعل شيء سوى الانصياع لرغبة أبيه. بالفعل تحركوا به إلى المنزل وما أن دخل من الباب حتى وجد من تهرول من فوق الدرج لتسرع إليه لترتمي داخل أحضانه ليهتف شقيقها محذرًا:
-حاسبي يا لارا، بالراحة بابا لسه تعبان.
ابتسم هو ووضع كف يده ليمرره فوق شعرها قائلاً بحنان:
-سيبها يا أحمد، دي اللي حضنها فيه الشفا لقلبي.
التصقت به أكثر وباتت تتمسح بصدره قائلة بدموعها التي انهمرت:
-أنا آسفة يا بابي، أنا السبب في كل اللي حصل ده.
ابتسم لها وتحدث نافيًا كي يمحي عنها شعور الذنب الذي بات ملازمًا لها منذ تلك الليلة المشؤومة:
-إنت مالكيش ذنب في أي حاجة حصلت. كل اللي حصل من أول حادثة بسام لحد حادثة الاغتيال بتاعة إمبارح مكتوب ومقدر.
اقتربت نيلي من نجلتها وبدأت بسحبها لتحثها بالابتعاد عن والدها لتقول:
-مش وقت الكلام ده يا لارا، بابي لسه تعبان ولازم يطلع يرتاح في أوضته.
-لا يطلع إيه، بابا مش لازم يطلع سلالم ويجهد قلبه.
نطقها أحمد باعتراض واسترسل مفسرًا:
-أنا كلمت الشغالين خليتهم جهزوا أوضة الضيوف علشان الباشا يرتاح فيها لحد ما صحته تتحسن.
وافقه الجميع وتحرك أيمن صوبها بصحبة زوجته ونجلاه.
**********
بالشركة
بعد قليل كانت داخل مكتبها تجفف أثر دموعها التي انهمرت عندما وصلت لمقر الشركة وشاهدت تجمع بعض رجال الشرطة المتواجدين لاستكمال التحقيق مع جميع الموظفين. تذكرت ما حدث بالأمس لذاك المسكين وكأنه شريط سينمائي يعاد أمام عينيها من جديد. حاولت جاهدة تجاوز ما حدث والتغلب على الألم الساكن قلبها لتتحرك إلى مكتبها وترتمي فوق مقعدها باستسلام. دلفت فتاة رشيقة تمتلك جسدًا ممشوقًا ترتدي تنورة قصيرة تكشف عن ساقيها البض تعتليها كنزة ضيقة بأكمام تاركة العنان لشعرها الأصفر مما جعلها صارخة الجمال. اقتربت من إيثار وتحدثت باحترام:
-صباح الخير يا أستاذة إيثار.
لتجيبها الأخرى بعملية:
-صباح النور يا "هانيا".
واستطردت وهي تناولها ملفًا:
-اتصلي بأسماء العملاء اللي موجودين في الملف ده واعتذري لهم والغي مواعيد النهاردة. وبلغيهم إن حالة أيمن بيه الصحية ما تسمحش وإننا هنبلغهم بالمواعيد الجديدة أول ما حالته تتحسن ويرجع لشركته.
تحدثت "هانيا" مستفسرة:
-هو أيمن بيه كويس؟
أجابت باقتضاب:
-الحمد لله، هو بخير بس طبعًا مش هيقدر ينزل الشركة قبل أسبوع على الأقل.
واسترسلت:
-من فضلك خلي البوفيه يعمل لي قهوتي.
أومأت الفتاة وتحركت للخارج.
داخل مبنى النيابة العامة بالقاهرة الكبرى
كان يجلس فوق مقعده الخاص بمكتبه، منشغلاً بتخليص أحد الأوراق المتواجدة أمامه ليقطع تواصله رنين الهاتف الأرضي الموضوع جانبًا. أمسك بالسماعة ليجيب بوقار يليق به:
-ألو.
استمع للطرف الآخر وكان رئيسه المباشر حيث تحدث قائلاً:
-أزيك يا فؤاد.
-بخير يا باشا، اتفضل معاليك.
نطقها بعملية ليقول الآخر بتفسير:
-فيه حادثة محاولة اغتيال حصلت إمبارح لرجل الأعمال "أيمن الأباصيري" قدام شركته. رجل الأعمال فلت من ضرب النار، والسواق بتاعه هو اللي دفع حياته ثمن حمايته لأيمن.
أومأ فؤاد متحدثًا:
-قريت عن الحادثة في صفحات التواصل الاجتماعي وعندي فكرة عنها.
-طب كويس، وفرت عليا شرح التفاصيل. القضية دي من النهاردة قضيتك يا سيادة المستشار، لأنها متشعبة وفيه قضية مرتبطة بيها، قضية قتل ابن رجل أعمال شهير اتقتل في فيلا أيمن الأباصيري. وعلى فكرة، أيمن قدم بلاغ رسمي النهاردة بيتهم فيه رجل الأعمال "صلاح عبد العزيز" بمحاولة قتله. القضية صعبة ومحتاجة مجهود ذهني جبار.
واسترسل باستحسان:
-أنا قلت لسيادة الريس إن محدش هيخلص القضية دي ويقفلها غير "فؤاد زين الدين".
-متشكر لثقة سعادتك يا باشا وربنا يقدرني وأكون قدها.
نطقها برزانة ليتحدث الآخر:
-هأبعت لك ملف القضية اللي اتحول لنا من قسم الشرطة اللي حقق في الواقعة. ومعلش يا سيادة النائب، هتضطر تروح لـ "أيمن الأباصيري" المستشفى بنفسك علشان تاخد أقواله.
وإلى هنا فقد تحول داخله من السكون إلى الاشتعال. نهض والتف حول مكتبه ليقف أمام النافذة يتطلع إلى الخارج ليتحدث في جمود:
-بس جنابك عارف إني رافض مبدأ خروج وكيل النيابة من مقره مهما كان مين الشخص اللي هيتاخد أقواله. إحنا المفروض بننفذ القانون يا أفندم والقانون ده يمشي على الكل من أصغر مواطن لأكبر رأس في البلد.
تنفس قبل أن يجيبه مفسرًا:
-أنا فاهم الكلام ده كويس ومقدر موقفك وباحترمه يا فؤاد، لكن هنعمل إيه، لازم نبدأ في التحقيق. والراجل من ساعة اللي حصل له وهو مرمي في المستشفى وتعبان. ما عندناش رفاهية الوقت اللي هنستناه لحد ما يخرج من المستشفى. الراجل اسمه كبير وليه وزنه في البلد، ممكن جدًا اللي حاولوا يقتلوه يكرروا المحاولة ولا قدر الله تنجح والراجل يتقتل بجد المرة دي. ساعتها الرأي العام هيتقلب علينا ويتهمونا إننا تقاعصنا عن شغلنا.
-تمام معاليك، بس إديني فرصة لحد بكرة. معايا قضية سالم الحسيني ولازم أقفلها النهاردة.
هكذا أجابه ليوافقه الآخر الرأي تحت ضيق فؤاد من تلك التنازلات التي يوافق عليها مضطرًا في بعض الأحيان.
***********
مر اليوم على الجميع بسلام. كانت تقود سيارتها قاصدة العودة لمنزلها، ممسكة بتارة القيادة وهي شاردة الذهن تفكر بذاك الكريم الذي فقد حياته بلمح البصر. قطع شرودها رنين هاتفها، نظرت بشاشته لتزفر بضيق حين رأت نقش اسم والدتها. ردت باقتضاب وبصوت خالٍ من المشاعر:
-نعم يا ماما، خير!
تنهدت "منيرة" بضيق ثم تحدثت بصوت حزين متصنع:
-هو ده ردك على أمك يا إيثار!
زفرت بقوة لتهتف بضجر:
-هاتي من الآخر وقولي عاوزة إيه يا ماما، أنا سايقة العربية وممكن آخذ مخالفة، فانجزي.
تنهيدة حارة خرجت من صدر منيرة لتقول باندفاع:
-عمرو كلم عزيز تاني وعاوز يرجعك.
لتستطرد بنبرة طامعة:
-بس المرة دي غير كل مرة. ده هيحط لك نص مليون جنيه في البنك باسمك، وهيجيب لك شبكة جديدة والذهب اللي إنت هاتنقيه كله هيشتريهولك، وكل اللي تقولي عليه هينفذه من غير كلام.
سألتها متهكمة:
-ويا ترى ولادك الرجالة هياخدوا كام من ورا الصفقة الجامدة دي يا أم عزيز؟
ارتبكت وتحدثت نافية بتلعثم:
-اخص عليكي يا إيثار، هو ده ظنك في إخواتك؟ طب دول يا حبة عيني كل مناهم إنهم يشوفوكي متسترة ومتستتة في بيتك وفي ضل راجل.
هتفت ساخرة:
-راجل!
- هو مين ده اللي راجل، عمرو ابن إجلال!
- عيب تتكلمي كده على الراجل يا بنتي، طب على الأقل اعملي حساب ليوسف.
وكأنها بمجرد نطقها لتلك الكلمات قد فتحت عليها بابًا من أبواب جهنم لتهتف الأخرى بقوة بكلمات لاذعة:
- عيب دي تقوليها لولادك اللي عاوزين يبيعوني ويرموني لراجل زبالة علشان خاطر مصالحهم، وتقوليها لنفسك قبلهم.
شعرت بغصة مرة بحلقها لتقول مسترسلة:
- أنتِ إيه يا شيخة، هو أنا مش بنتك أنا كمان، بتعملي فيا كده ليه!
من المتوقع أن تتألم أية أم لنطق ابنتها لتلك الكلمات اللائمة، لكن الأمر يختلف مع تلك المنعدمة المشاعر لتتحدث بنبرة تهديدية صريحة:
- بلاش الكلمتين الماسخين بتوع كل مرة دول واسمعيني كويس، أنا حايشة عنك عزيز بالعافية، فمتسوقيش فيها عشان أخوكِ مستني يشوفني هعمل إيه معاكِ، وأنتِ عارفة عزيز كويس، لو اللي في دماغه ممشيش هيهد الدنيا على دماغك.
واستطردت لتخيفها علها تتراجع:
- ده مش بعيد ييجي ياخدك من قلب الشغل مجرورة من شعرك ويفرج عليكِ الناس، فخديها من قصيرها وتلمي هدومك أنتِ وابنك وترجعي وتتقي شر إخواتك.
- رجوع مش هرجع، وأعلى ما في خيلكم اركبوه، وخلي رجالتك يوروني هيعملوا إيه.
نطقت كلماتها بحدة لتسترسل بتهديد:
- وأقسم بالله العظيم، لو حد فيهم قرب لي أنا ولا ابني لأنهشه بسناني وألبسه قضية ما يطلع منها أبدًا.
قالت كلماتها التحذيرية وأغلقت الهاتف قبل أن تنطق الأخرى بحرف واحد، ظلت تنظر أمامها وبدون سابق إنذار خانتها دموعها لتنهمر على وجنتيها كشلال، تركت لها العنان لتتخلى عن وجه القوة التي رسمته باحترافية شديدة وباتت تصدره للجميع وتتوارى خلفه، بكت بحرقة حتى انتفض جسدها إثر بكائها الشديد، لقد قررت الابتعاد عن عائلتها وقررت الهروب والعيش وحيدة هي وصغيرها في تلك المدينة الواسعة لتنأى من بطش جميع ذكورها، فلقد ابتليت بكثرة الذكور بحياتها وإلى الآن لم تجد ذاك الرجل التي تستطيع الاستناد والاعتماد عليه، لذا قررت الانسحاب والبدء من جديد ولتكن هي السد المنيع لها ولصغيرها بهذه الحياة.
****************
ليلًا داخل قصر سيادة المستشار "علام زين الدين".
ولج "فؤاد" بسيارته من بوابة القصر ليترجل بعدما صفها بمكانها المعتاد، تطلع بعينيه يتفقد المكان ليبتسم حين رأى شقيقته تجاور زوجها الجلوس فوق الأريكة الموجودة أمام "حمام السباحة" وسط أجواء هادئة تدعو للاستجمام، تحرك صوبهما ليقول بوجه بشوش:
- مساء الخير.
- مساء النور يا فؤاد، أخبارك إيه؟
قالها ماجد بهدوء ليجيبه الآخر برزانة:
- أنا تمام، أنتَ كويس؟
- ماشي الحال.
قالها وهو يهز رأسه لتقول فريال بحنو:
- تعالى اقعد معانا يا فؤاد.
تنهد ليجيبها باعتذار:
- معلش يا حبيبتي، يومي كان طويل وعندي شغل كتير بكرة، يا دوب أطلع آخد شاور وأنام.
وقفت لتتحدث باهتمام كعادتها مع شقيقها التي تعتبره نجلها برغم أنه يكبرها بعدة أعوام:
- هخلي سعاد تجهز لك العشا حالًا علشان تتعشى قبل ما تطلع أوضتك.
أوقفها وهو يمسك رسغها برفق ليقول:
- ما تتعبيش نفسك يا رولا، أنا اتعشيت مع واحد صاحبي.
قطب ماجد جبينه وأحاط ذقنه بأصابع يده ليقول بمداعبة:
- مش عارف ليه عندي إحساس إن صاحبك اللي بتتعشى معاه من وقت للثاني ده هتطلع في الآخر مزة وهتطلع سيادتك مغفلنا كلنا وعايش لنا فيها دور عدو المرأة وأنتَ مقضيها جولات مع الفاتنات.
انطلقت ضحكة مرتفعة منه وصلت حد القهقهة ليضحك الزوجان على ضحكاته ليتوقف بعد ثواني وهو يقول:
- ضحكتني يا دكتور والله، بس تعرف يا ماجد، مش أنتَ متجوز أختي من أكتر من خمس سنين، بس شكلك لسه متعرفش مين هو فؤاد زين الدين.
قطب ماجد جبينه ليرفع الآخر قامته للأعلى وبقوة استطرد بإبانة:
- أنا زي الشمس، مبستخباش ورا عمايلي، ولسه متخلقش اللي يجبرني أكدب أو أخبي حاجة.
- مالك قلبتها جد كده يا سيادة المستشار، أنا بهزر معاك.
نطقها ملتمسًا العذر ليقول الآخر:
- عارف إنك بتهزر يا دكتور، أنا حبيت بس أوضح لك نقطة اتذكرت في سياق الكلام.
وهم سريعًا بالانسحاب قائلًا كي لا يعطي المجال للحديث أكثر:
- تصبحوا على خير.
نظر بشرود في أثره ليقول متوجسًا:
- هو زعل ولا إيه، أنا كنت بهزر والله.
جلست من جديد لتقول بأسى وهي تتابع انسحاب شقيقها للداخل:
- هو عارف كويس إنك بتهزر يا حبيبي، بس الموضوع القديم شكله أخد محور جديد في حياته.
زفر بضيق وتحدث بتأنيب ضمير:
- الظاهر إننا لازم ناخد بالنا أكتر من كده وإحنا بنتكلم معاه.
تطلعت لعينيه وتحدثت بعينين شبه دامعتين:
- أنا حاسة إني عاجزة قدام مشكلة أخويا يا ماجد، مش عارفة أعمله إيه علشان أخرجه من الدايرة دي.
تنهد بأسى لأجل حبيبته ثم قال بإبانة علها تقتنع وتترك شقيقها وشأنه:
- ريحي نفسك يا رولا، أخوكِ مش صغير ومش محتاج وصي في حياته، ده راجل معدي ستة وثلاثين سنة يعني ناضج كفاية بإنه يعرف مصلحته، ولو هو ما اقتنعش بفكرة الجواز مرة تانية ما فيش مخلوق هيقدر يفرض عليه الفكرة.
أطرقت برأسها قائلة بحزن:
- للأسف كلامك صح.
سحبها لداخل أحضانه كي يخفف عنها ثم تحدث بمداعبة:
- إحنا كنا بنقول إيه قبل فؤاد ما ييجي؟
ضحكت لتذكّرها مداعبات زوجها لها قبل ولوج شقيقها واندَمجت معه مرة أخرى.
************
صباح اليوم التالي
كانت متواجدة بمكتبها عندما ولجت إليها "هانيا" وأبلغتها بحضور رب عملهما إلى الشركة لتنهض سريعًا وتتحرك متجهة صوب مكتب "أيمن" والذي يفصل بينهما باب داخلي حيث أن مكتب أيمن يوجد له بابان، باب خارجي منفتح على حجرة مكتب السكرتارية والآخر على الحجرة الخاصة بمديرة مكتبه "إيثار"، خطت للداخل لتقول بذهول:
- ده حضرتك هنا بجد، أنا ما صدقتش "هانيا" وهي بتقولي إنك وصلت لمكتبك وعاوزني، معقولة تنزل الشركة وأنتَ لسه تعبان!
- طب قولي لي حمد لله على السلامة الأول وبعدين حققي، وبعدين مش كفاية عليا تحقيق دكتور أحمد ونيلي، هيبقى هما في البيت وأنتِ هنا يا إيثار.
نطق كلماته لائمًا لترد باستغراب:
- أنا بصراحة مستغربة ومش عارفة دكتور أحمد ساب حضرتك تخرج إزاي؟!
تنهد ليتراجع بمقعده للخلف وقد بدا عليه التعب وعدم التعافي الكامل ليقول بإبانة:
- أنا خرجت منهم بإعجوبة، بعد ما أقنعتهم إني لو فضلت قاعد في البيت ممكن يجرى لي حاجة.
واستطرد بجدية:
- خلينا في المهم، اتصلي بشركة "طارق الرفاعي" وخليه ييجي علشان نعقد الاجتماع اللي اتأجل إمبارح.
تحدثت باعتراض لطيف:
- يا باشمهندس حضرتك لسه تعبان، حرام عليك اللي بتعمله في نفسك ده.
أجابها بإبانة:
- أنا كويس يا إيثار، وهقول لك اللي قولته لولادي ونيلي، اللي زيي ما بيتعبش من الشغل، اللي زيي بيموت لو بعد عن شغله وشركته يا بنتي.
استطرد ليحثها على التحرك:
- يلا بقى اسمعي الكلام وبلغي الراجل علشان يلحق يظبط مواعيده.
هزت رأسها باستسلام وتحركت لتنفيذ ما أُمرت به، في تمام الساعة الحادية عشر وداخل قاعة الاجتماعات الخاصة بالشركة كانت تجلس بجوار أيمن تتابع بتركيز ما يقال داخل الاجتماع وتدونه بدفترها حيث حضر طارق الرفاعي وبعضًا من موظفيه لحضور الاجتماع وإبرام الصفقة، استمعت لأصوات عالية تأتي من مكتب السكرتارية فنهضت سريعًا بعدما رأت نظرات أيمن الغاضبة، انسحبت للخارج لترى ما المشكلة وتنهيها وتحاسب المتسبب بإحداث تلك الفوضى بوجود الزائرين، وجدت "هانيا" تقف أمام رجلين أحدهما يرتدي حلة سوداء ويبدو من هيئته الوقار والثراء وهذا ما استشفته من ظهره، استمعت إليه يهتف غاضبًا:
- تدخلي حالًا تدي للمدير بتاعك خبر بوجودي وإلا مش هيحصل لك طيب.
- فيه إيه يا حضرة، صوتك عالي ليه، لازم تراعي إنك موجود في شركة محترمة مش في سويقة.
كانت تلك كلماتها التي نطقتها بحدة واستنكار ليستدير لها شاملًا إياها بنظرات ازدراء من رأسها لأخمص قدميها تحت إثارة غضبها، رفع حاجبه الأيسر ليتحدث بتقليل من شأنها:
- وأنتِ تطلعي إيه أنتِ كمان؟!
رمقته بنظرة استنكارية لتهتف "هانيا" متطوعة بالإجابة:
- دي الأستاذة "إيثار الجوهري" مديرة مكتب أيمن بيه.
- سكرتيرة زيك يعني.
نطقها بازدراء ليسترسل بصرامة موجهًا حديثه إلى "هانيا":
- شوفي لي حد محترم في أم الشركة دي أكلمه.
رمقته هي بنظرات نارية ولو كانت النظرات تصيب لتفحم وتحول إلى رماد أمامها، نطقت بصوت يبدو هادئًا لكنه يحمل بين طياته حربًا باردة:
- حضرتك الموظفين المحترمين عندنا ما بيستقبلوش غير العملاء المميزين، لكن أنا وزميلتي موجودين علشان نقابل أمثالك.
قالت جملتها الأخيرة وهي ترمقه بنظرة ذات مغزى ليرفع حاجبه الأيسر قائلًا بتكرار لجملتها:
- العملاء أمثالي؟!
واستطرد بذات مغزى:
- طب ادخلي يا شاطرة قولي للي مشغلك إن وكيل النائب العام المستشار "فؤاد علام زين الدين" عاوز يقابله وحالًا.
- للأسف يا سيادة المستشار، اللي مشغلني عنده اجتماع مهم ومستحيل أقاطعه علشان أبلغه بوجود جنابَك.
نطقت كلماتها ببرود استفزه لتنظر إليه باستنكار مسترسلة:
- وعلى ما أظن إن حضرتك مش واخد ميعاد سابق؟!
اشتعلت عينيه بشرارات الغضب وهدر وهو يقول بحدة بالغة:
- الزمي حدودك معايا واتكلمي كويس واعرفي أنتِ واقفة قدام مين؟!
بقوة أجابته:
- حدودي أنا عارفاها كويس جدًا ومش محتاجة حضرتك تعرفها لي، وبالنسبة لشخص جنابَك فده شيء ما يخصنيش لأني لحد الآن ما تخطيتش حدود اللباقة معاك.
ازداد انعقاد حاجبيه وهو ينظر إليها متعجبًا قوتها، لا ينكر أنه أعجب بشموخها رغم اشتعال روحه من مجادلتها له، أغمض عينيه محاولًا تنظيم أنفاسه كي يستعيد هدوئه حتى لا يحتد عليها أكثر ثم تحدث قائلًا بإبانة:
- اسمعيني يا… قولتي لي اسمك إيه؟
- أستاذة إيثار.
نطقتها بعزة وشموخ ليبتسم داخله برغم جمود ملامحه الخارجية ثم تحدث من جديد مفسرًا بعدما تملك من حالة الغضب التي شملته:
- أوك، أنتِ شكلك كده مش فاهمة الموقف فأنا هشرح لك، أنا وكيل النائب العام المكلف بالتحقيق في قضية الاغتيال اللي حصلت قدام الشركة من يومين، والمفروض إني كنت هاخد أقوال "أيمن الأباصيري" النهاردة في المستشفى، بس لما روحت أنا والكاتب لقيناه خرج من المستشفى وابنه بلغني إنه موجود هنا في الشركة.
واستطرد بنفاذ صبر:
- فياريت تدخلي تبلغيه لأن كده بتعطلوا وقت النيابة وده غلط عليكم.
كان يتوقع ردًا لطيفًا لكن حدتها لم تتراجع حيث تحدثت بما استفزه:
- للأسف، مش هينفع.
قست نبراته مع هذا الغضب الذي ظهر بعينيه وهو يرمقها قائلًا:
- أنتِ كده تعديتي حدودك معايا، وعنادك ده هدفعك ثمنه غالي.
تحدثت بصوت هادئ لتشرح له موقفها:
- يا أفندم أنا لا بعاند معاك ولا حاجة، اسمح لي زي ما حضرتك شرحت لي سبب الزيارة أبين لك أنا كمان سبب كلامي.
واسترسلت مشيرة بكفها نحو مكتبها باحترام:
- يا ريت تتفضل معايا في مكتبي أشرح لك أسبابي وأنتَ بتشرب قهوتك.
توقفت لتسأله:
- قهوة حضرتك إيه؟
توقف أمامها ليتأمل ملامحها الصارمة، نظارتها الطبية التي أعطت لها مظهرًا عمليًا ووقارًا غريبًا يجبر من يتحدث معها على احترامها، بجانب تلك البدلة العملية التي توحي لمدى جديتها بالحياة، قطب جبينه متعجبًا طريقتها ليتنهد قائلًا باستسلام:
- سادة.
التفت للكاتب وسألته بابتسامة لطيفة أثارت تحفظ فؤاد حيث أخذها من باب عدم الاحترام لشخصه:
- وقهوة حضرتك؟
أجابها الرجل فنظرت إيثار للفتاة وأملت عليها جلب القهوة إلى مكتبها لتتقدم الرجلين متجهة صوب مكتبها الخاص لتجلس خلف مقعدها بعدما جلسا الزائرين، وضعت ذراعيها أمامها وبدأت تتحدث بوقار:
- الباشمهندس أيمن لسه تعبان وحالته الصحية مش أحسن حاجة، هو حضر مضطر علشان يتمم صفقة مهمة جدًا للشركة المفروض كانت تتم إمبارح، وكل يوم تأخير بيكلف الشركة خسارة لمبالغ كبيرة.
هزت رأسها برفض لتسترسل:
- ما ينفعش أقتحم الاجتماع وأطلب منهم ينتظروا لحد ما الباشمهندس يخلص كلامه مع حضرتك.
كان ينظر إليها بتعمق واضعًا كف يده فوق ذقنه يتحسسها بتأمل لتستطرد كلامها:
- خلينا نتكلم بموضوعية أكثر، سيادتك جاي تاخد أقوال الباشمهندس في اللي حصل، سؤال هيجيب سؤال وموضوع هيفتح موضوع تاني.
ضيقت بين حاجبيها بتفكير لتستطرد:
- يعني أقل حاجة الاستجواب هياخد ساعة ده إذا ما كانش أكتر، تفتكر حضرتك الناس اللي جوه دي هتقدر تنتظر ساعة؟!
- كنت دايمًا بستغرب من لقب مديرة مكتب، كنت بقول لنفسي دي مجرد منظرة من صاحب الشركة، أصل هتكون بتعمل إيه يعني أكتر من اللي السكرتيرة بتعمله.
قال كلماته باستخفاف ليستطرد باستحسان:
- لكن بصراحة بعد الموقف ده، آمنت بأهمية دور مديرة المكتب.
أومأت شاكرة، تقدمت "هانيا" عامل البوفيه لتتحدث بهدوء إلى إيثار:
- القهوة يا أستاذة.
- قدمها للضيوف يا "عزت".
جملة عفوية نطقتها إيثار ليتحرك عامل البوفيه ليقدم القهوة إلى الموظف لينتفض الرجل بجلسته مشيرًا لسيده قائلًا بتوقير:
- ما يصحش كده، قدم للباشا قهوته الأول.
ابتسامة متهكمة اعتلت ثغرها لاحظها ذاك الجالس بغرور واضعًا قدمًا فوق الأخرى ليسألها مستفسرًا:
- ممكن أعرف إيه سبب الضحكة الغريبة دي؟
أجابته بذات مغزى:
- أصلي بستغرب جدًا من رجال النيابة والقضاء المصري، برغم إنهم القائمين على إصدار القوانين وتطبيقها إلا إنهم أول ناس بيخترقوها.
قطب جبينه غير مستوعب لتسترسل موضحة باستفسار:
- المفروض إن لقب البهوية والبشوية اتلغت من مصر بقوانين، ومع ذلك لسه ناس كتير في السلطة بتستخدم اللقب وكأنهم قاصدين علشان يميزهم عن باقي الشعب، وأكثر الناس دي هما رجال القضاء، اللي زي ما قولت المفروض يكونوا أحرص الناس على تطبيق القوانين.
- ده أنتِ طلعتي معقدة طبعًا.
نطقها مع ابتسامة ساخرة بادلته بمثلها لتتحدث متهكمة:
- هو علشان كلامي ما جاش على هوا جنابَك هتطلعني مريضة نفسيًا!
- أنا جبت سيرة مرض نفسي؟
نطقها بمراوغة لَتُجيبه باقتضاب:
- مش لازم تقولها صريحة.
أشارت بكفها:
- اشرب قهوتك قبل ما تبرد.
واستطردت بذات مغزى وهي تضغط في إخراج الحروف:
- القهوة لما بتبرد بتفقد مذاقها وبتبقى زي عدمها.
تبسم معجبًا بذكائها وشخصيتها القوية ليرتشف قهوته بهدوء، بادر بسؤالها:
- أنتِ كنتي موجودة وقت الحادثة ما حصلت؟
تغيرت ملامح وجهها لتكتسي بالحزن وتنهدت لتجيبه متأثرة:
- أيوة، أنا نزلت في الأسانسير أنا والباشمهندس.
واسترسلت بغصة في حلقها:
- وكريم الله يرحمه كان معانا، خرجنا من باب الشركة مع بعض لحد ما وصلنا لعربياتنا، وحصل اللي حصل.
سألها باهتمام:
- يعني أنتِ شفتي الناس اللي ضربوا النار، تقدري توصفيهم؟
هزت رأسها بنفي لتقول شارحة:
- اللي حصل كان مفاجأة للكل، ما حدش لحق يركز في حاجة، ضرب النار كان كتير جدًا وصعب حد يركز في مواصفاتهم.
- هستناكي بكرة في مبنى النيابة علشان تدلي بأقوالك.
نطقها ورفع كوب القهوة ليرتشف ما تبقى به، قطبت جبينها لتتحدث بإبانة:
- أنا قولت كل اللي أعرفه لحضرة الظابط اللي حقق في القضية.
- القضية اتحولت للنيابة وبقت تحت مسؤوليتي.
قالها بجدية ليسترسل بتفاخر:
- وفؤاد علام ما بيعتمدش على تحقيقات حد.
تنهدت بضيق ثم تحدثت مقترحة:
- طب ممكن حضرتك تسألني في اللي حابب تعرفه هنا، وكده كده عندنا وقت.
ابتسم ساخرًا ليتحدث بنبرة مقللة:
- على آخر الزمن رئيس النيابة هياخد أقوال الشهود في مكاتبهم.
وبلحظة تحولت ملامحه لصارمة ليستطرد بنبرة حادة:
- أنتِ بتكلمي رئيس نيابة مش عامل دليفري يا أستاذة.
رفعت حاجبها الأيسر لتتحدث ساخرة:
- بيتهيأ لي إن جناب رئيس النيابة جاي هنا علشان ياخد أقوال أحد الشهود في مكتبه.
وضعت سبابتها بمقدمة رأسها مدعية التذكر لتستطرد بذات مغزى:
- آه نسيت، حضرتك جاي لرجل الأعمال أيمن الأباصيري مالك أكبر شركة استيراد وتصدير في البلد كلها، مش معقول هتعامل إيثار الجوهري مديرة مكتبه بنفس المعاملة.
انتفض واقفًا بعدما تحولت ملامحه إلى مشتعلة مما جعلها ترتعب وتشعر أنها قد أزادتها، ليتقدم منها وكاد أن يتحدث قاطعه صوت رنين هاتف مكتبها لترد سريعًا بعدما استمعت لصوت مديرها:
- حاضر يا أفندم.
أغلقت وأشارت نحو الباب لتتحدث بارتياب:
- الباشمهندس أيمن في انتظارك.
رمقها بنظرات حارقة ليهتف بنبرة حادة:
- التليفون ده رحمك من غضبي، بس بسيطة، مستنيكي بكرة في مكتبي علشان أوجب معاكي وأرد لك تحيتك.
رمقته بنظرات جادة وتقدمت أمامه لتهتف باحترام وهي تشير لأيمن:
- اتفضل يا سيادة المستشار.
لتسترسل بتعريف:
- حضرته يبقى "فؤاد علام زين الدين" وكيل النائب العام اللي جاي ياخد أقوالك يا أفندم.
تعجب من سردها لاسمه بدقة، لقد نال ذكائها وسرعة بديهتها استحسانه بجانب شخصيتها الفريدة، وقف أيمن وتحرك باتجاهه ليمد يده متحدثًا باحترام:
- أهلًا وسهلًا يا فؤاد باشا، دكتور أحمد ابني كلمني وقال لي إنك سألت عليا في المستشفى.
واستطرد بامتنان:
- ومش عارف أشكرك إزاي إنك جيت لي لحد هنا.
- ده شغلي يا أيمن بيه وكان لازم أنجزه لأن وقتي ضيق.
نطقها بعملية ليُشير أيمن إلى تلك الأريكة المتواجدة بالمنتصف:
- اتفضل معاليك.
نظر إلى تلك الواقفة واستطرد قائلًا:
- شوفي الباشا بيشرب قهوته إزاي يا أستاذة إيثار.
بإشارة من يده أوقفها ليجيبه باقتضاب:
- ما فيش داعي، شربت فنجان بره في مكتب الأستاذة.
- يظهر إن قهوتنا ما عجبتش الباشا.
قالها أيمن بعدما رأى جمود ملامحه لينظر الآخر إلى إيثار متحدثًا بذات مغزى:
- بصراحة لا، كانت باردة وملهاش طعم.
استشاط داخلها لتيقنها بأنه يقصدها لا القهوة، ليتحدث أيمن متعجبًا:
- غريبة قوي، ده ما فيش حد داق قهوتنا إلا وشكر فيها، دي إيثار بتبعت تجيب البن مخصوص من البرازيل.
تحدثت باستفزاز:
- القهوة أصلها أذواق يا باشمهندس.
رمقها أيمن بنظرة عاتبة لتتحدث هي بانسحاب:
- أنا بره في مكتبي، لو حضرتك احتجتني رن عليا.
- خليكي معانا علشان سيادة المستشار ياخد أقوالك بالمرة.
نطقها أيمن بتلقائية لتجيبه بنبرة تهكمية:
- لا ما هو سيادته استدعاني لمكتبه بكرة، علشان كده هستأذن بكرة بدري ساعتين علشان ألحق ميعاد النيابة.
- ميعادك الساعة 11 صباحًا يا أستاذة، أنتِ هنا اللي بتحددي مواعيد اللي يدخل لمديرك، لكن مواعيد النيابة دي بتاعتي أنا.
قالها بحنق مما أثار فضول أيمن الذي تساءل:
- يظهر إنك زعلتي الباشا مننا يا إيثار.
- ما حصلش يا أفندم، بس من الواضح إن سعادته من الشخصيات اللي بيتوتر ويتضايق من الانتظار، وأنا ما كانش في إيدي أي حاجة أعملها، وخصوصًا إن سعادته ما كانش واخد ميعاد سابق.
نطقت كلماتها لأيمن الذي تفهم حديثها ليقول وهو يحثها على الخروج:
- خلاص يا إيثار، تقدري تخرجي تشوفي شغلك.
خرجت تحت أنظار ذاك الذي تابعها حتى اختفت خلف الباب، ليبدأ بحديثه قائلًا بعدما نظر بعينيه للموظف وحثه على البدء بتدوين التحقيق:
- حضرتك قدمت بلاغ ضد المدعو "صلاح عبدالعزيز" اتهمته فيه إنه وراء محاولة الاغتيال اللي اتعرضت لها، ممكن أعرف إيه السبب ورا الاتهام ده؟
تنهد وظهر الإعياء على ملامحه ليتحدث بإبانة:
- صلاح عبدالعزيز جالي بيتي من كام يوم وهددني إنه هياخد تار ابنه مني.
- كويس إنك فتحت الموضوع، أنا عاوزك تحكي لي قصة ابنه اللي اتقتل في فيلتك وعلى إيدك، ويا ريت بأدق التفاصيل.
نزلت كلماته على قلب أيمن كسواط لتجلده، أخذ نفسًا عميقًا ليقول بنبرة حزينة:
- أنا عمري ما كنت أتخيل إني ممكن أؤذي نملة، مش أقتل بني آدم، اللي حصل كان غصب عني.
قطب جبينه وبات يتطلع عليه بتعمق ليسرد الآخر:
- بسام ابن صلاح عبدالعزيز كان في حفلة عيد ميلاد واحدة قريبته، لارا بنتي كانت حاضرة الحفلة بحكم إن البنت زميلتها في الجامعة، لما بسام شافها أعجب بيها وحاول يتقرب منها ويتكلم معاها لكن لارا صدته، فضل متابعها شهور يجري وراها في كل مكان والبنت كانت بتصده بكل قوتها لأنه كان فاشل وثقيل الدم، لحد ما في يوم كان بيشرب خمور مع أصحابه وأخدوا حبوب مهلوسة، جاب واحد صاحبه وجه لحد بيتي في نص الليل ونط من على سور الفيلا من غير ما الحرس ياخدوا بالهم.
واسترسل موضحًا:
- وده ظهر في كاميرات المراقبة اللي النيابة اطلعت عليها وقت التحقيقات، المهم، صاحب الولد ساعده ونقلوا سلم حديد كان الجنايني جايبه يطلع بيه على الشجر العالي علشان ينضفه، طلع على بلكونة أوضة بنتي.
قاطعه فؤاد مستفسرًا:
- وهو عرف أوضة بنتك منين؟!
أجابه ليقطع عنه الشك الذي ساوره:
- "بسام" كان مجنون بحب "لارا"، كان بيقف بعربيته بالساعات يراقب البيت ويستناها لحد ما تخرج في البلكونة علشان يشوفها.
واسترسل:
- أنا كنت نايم في أوضتي لما سمعت صراخ بنتي فجريت أنا ومراتي علشان نشوف فيه إيه، لما دخلنا لقيناه ماسك لها مسدس وبيجبرها على إنها تنزل معاه من السلم اللي موصل للبلكونة، اتجننت لما شفت رعب بنتي في عينيها، جريت عليها وأخدتها في حضني، وهو شد أجزاء المسدس وهددني لو ما بعدتش عنها وسبتها تمشي معاه هيقتلها قدام عينيا، وفعلًا بدأ يشدها من إيدي في الوقت ده أخوها أحمد دخل وكان هيهجم عليه، من خوفي على ولادي جريت عليه وحاولت آخد منه المسدس بس هو كان عامل زي المجنون، البرشام والمخدرات اللي كان شاربها ما كانتش مخليه في وعيه، مسكت معاه المسدس وقعدنا نشد قصاد بعض أنا وهو لحد ما صباعه ضغط على الزناد وخرجت منه طلقة، استقرت في كليته عملت له نزيف وكانت السبب في موته.
كان يروي ما حدث منذ ثلاثة أشهر وكأنه يرى الحادث أمام عينيه، اغرورقت الدموع بمقلتيه ليستطرد وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا:
- صدقني يا سيادة المستشار أنا ما قتلتوش، والطب الشرعي أثبت إن بصمات بسام هي اللي كانت موجودة على الزناد وقت ما الطلقة خرجت.
- وطبعًا صلاح عبدالعزيز اتهمك بقتل ابنه.
نطقها فؤاد ليجيبه أيمن بتأكيد:
- ومن يومها وهو حالف لياخد بتاره مني، دي مش أول محاولة ليه، من حوالي شهر حاول يسممني لما قدم رشوة للشغالة اللي عندي في البيت وعطاها نوع سم تحطهولي في العصير، ولولا ستر ربنا والطباخ شاف البنت وهي بتحط السم من قزازة كانت في جيب فستانها ومسكها ونده لنا، ما كناش اكتشفنا الموضوع وكان زماني مقتول على إيده.
سأله مستفسرًا:
- قدمت بلاغ بالواقعة دي؟
- أيوة طبعًا قدمت بلاغ اتهمته فيه بالتحريض على قتلي وسلمت البنت لقسم الشرطة واعترفت بكل حاجة، لكن صلاح أنكر صلته بالموضوع وساعده في إنه يفلت منها إن الولد اللي اتفق مع البنت قال لها إنه تبع واحد بيكرهني وعاوز يخلص مني، ما ذكرش اسم صلاح وده اللي خلى النيابة تخرجه لعدم وجود أي أدلة قوية تدينه.
انتهى من التحقيق وخرج بعدما شكره أيمن الذي أوصله إلى الباب المؤدي لمكتب "هانيا" السكرتيرة، بات يتلفت بعينيه عله يرى تلك المشاكسة لكن خاب أمله، تعجب من حاله ومن التفكير بها ليهز رأسه ينفض منها تلك الأفكار العجيبة ليتحرك مغادرًا الشركة بأكملها.
*************
فتحت عينيها باتساع لتنتفض من فوق فراشها تتلفت حولها بفزع بعدما استمعت لصوت جرس الباب والطرقات العالية التي صدحت لتصدر صوتًا مزعجًا أفزعها من نومها، اتسعت عينيها بارتِعاب وهي تنظر إلى الهاتف لتكتشف أن الساعة قد تخطت الثانية بعد منتصف الليل، نفضت الغطاء واتجهت نحو عليقة الملابس لتنتزع مئزرها الشتوي وترتديه بتلبك وهي تتحرك على عجالة باتجاه باب المسكن لتقابلها عزة التي هتفت بارتِعاب:
- مين اللي بيخبط علينا كده يا إيثار؟
- مش عارفة، مش عارفة.
نطقتها وهي تهز رأسها بهلع لتتجه إلى الباب وتقترب منه لاصقة إحدى عينيها بفتحة الباب السحرية لتجحظ عينيها بفزع وهي ترى عمرو لتتسلل إلى مسامعها نبراته التي تخشاها وتمقتها وهو يقول بصوت يبدو عليه عدم الاتزان:
- افتحي يا إيثار، افتحي لي الباب.
شهقت لتهتف بحدة جنونية:
- أنتَ اتجننت يا عمرو، هي حصلت تجيلي الشقة وتخبط عليا الساعة اتنين بالليل؟!
زاد من طرقه الجنوني للباب وتحدث بلسان ثقيل مع ترنح جسده مما جعلها تتوقع احتساءه لأحد المشروبات الكحولية:
- افتحي الباب يا حبيبتي، أنا قلبي مولع نار وعاوز أطفيها جوه حضنك.
- يا نهارك أسود، أنتَ شارب.
نطقتها بذهول ليهتف بعلو صوته:
- أيوة شارب علشان أنسى رفضك ليا، ارجعي لي يا إيثار علشان أحس إني عايش.
تحدثت برجاء كي تحثه على الرحيل:
- امشي يا عمرو قبل الجيران ما تصحى وتتفرج عليك وأنتَ بالشكل ده، أرجوك أنا مش ناقصة فضايح.
- لو مش عاوزة فضايح افتحي وخلينا نتكلم جوه.
نطقها مستغلًا خشيتها من حديث الجيران لتهتف عزة بصوت مرتعِب:
- أوعي تفتحي له، ده الموكوس شارب ومش واعي بنفسه.
- أفتح له إيه أنتِ كمان، شايفاني مجنونة قدامك.
نطقت كلماتها بملامح وجه مكفهرة لتهتف محدثة ذاك الواقف خلف الباب:
- امشي حالًا علشان ما تضطرنيش أطلب لك البوليس.
نطق بعناد وتَعَنُّت بجسد مترنح:
- اعملي اللي أنتِ عاوزاه، أنا مش هتحرك من هنا قبل ما أشوفك وأتكلم معاكِ.
صرخت بعدما أفقدها توازنها:
- والله العظيم لو ما مشيت حالًا لأتصل بالبوليس واخليهم ييجوا ياخدوك ويعملوا لك محضر تهجم ومحضر سكر.
- قولت لك افتحي.
نطقها وهو يركل الباب بقدمه بقوة ليخرج جارها المقابل متحدثًا بنبرة حادة:
- فيه إيه يا أستاذ، إيه الدوشة اللي أنتَ عاملها دي، أنتَ عارف الساعة كام؟
ترنح بوقفته ليهتف بتهديد صريح:
- ادخل واقفل بابك عليك بدل ما أخليك تندم على عمرك.
ما أن استمعت لصوت همهمات الجيران التي بدأت تعلو بعدما خرجوا من جميع الطوابق على صياح ذاك الحاد، شعرت بروحها تكاد أن تنسحب منها لتهرول باتجاه غرفة النوم لتتبعها عزة التي تحدثت وهي تراها تخطف هاتفها الجوال من فوق الكومود استعدادًا لعمل مكالمة:
- أنتِ هتطلبي البوليس بجد يا إيثار، إحنا مش ناقصين مشاكل مع نصر البنهاوي، ده راجل شراني وقرصته بالقبر.
- المشاكل هي اللي جت لحد عندنا يا عزة.
نطقتها وهي تطلب رقم.
رواية انا لها شمس الفصل الثالث 3 - بقلم روز امين
«لا أحد يُدرك حجم مُعاناتك وصراعك المستوحش الساكن داخل ثنايا روحك المُحطمة سواكِ، لذا لا تلتفتي لحماقات الآخرين، فيكفيكِ ما أنتِ فيه من معارك شرسة».
خاطرة إيثار الجوهري
بقلمي روز أمين
ضغطت زر الاتصال برقم "أيمن الأباصيري" لتتحدث بحرج بعدما استمعت لصوته المتحشرج بفضل تعمقه بالنوم:
-أنا أسفة بجد إني بزعج حضرتك في وقت متأخر زي ده، بس مقداميش حد تاني ألجأ له.
سألها مستفسرًا:
-اتكلمي وقولي فيه إيه يا إيثار، أنا عارفة إنك مش هتتصلي في الوقت المتأخر ده إلا إذا كانت فيه مصيبة، وده اللي خلاني رديت.
أجابته بصوتٍ مرتعب:
-هي فعلًا مصيبة يا أفندم، عمرو البنهاوي واقف لي على الباب وعمال يخبط ومُصر إنه أفتح له، وشكله سكران على الآخر.
أجابها بنبرة خفيضة من أثر نومه:
-ده يبقى وقع ولا حدش سمى عليه، متفتحيش وأنا هتصل بسعادة اللواء قدري الخواجة وأخليه يبعت لك قوة تقبض عليه حالًا، وهخليه يعمل له محضر عدم تعرض ويمضيه عليه.
واستطرد متوعدًا:
-ده بعمله الغبية دي خدمك خدمة العمر.
أغلق معها لتتملل زوجته "نيلي" الممدة بجواره بالفراش لترفع رأسها للأعلى وهي تسأله بعينين متعجبتين:
-فيه إيه يا أيمن، وإزاي إيثار تتصل بيك في وقت زي ده وخصوصًا إنها عارفة إنك لسه تعبان؟!
ربت على كتفها وتحدث وهو يضغط على رقم ذاك اللواء:
-هحكي لك بعد ما أعمل مكالمة ضرورية يا حبيبتي.
أغلقت إيثار الهاتف وأبدلت ثيابها سريعًا بأخرى محتشمة استعدادًا لمقابلة رجال الشرطة، ثم هرولت إلى الباب من جديد حيث زاد صوت الخبطات وتعالت أصوات عمرو الصارخة:
-افتحي يا إيثار بدل ما أكسر الباب عليكِ، أنا مش همشي غير لما أشوفك أنتِ ويوسف، افتحي يا حبيبتي، ده أنا حبيبك عمرو، أنتِ نسيتي أنا كنت إيه بالنسبة لك.
-حرام عليك، أنتَ بتعمل فيا كده ليه، اعتقني يا أخي لوجه الله بقى... نطقتها بهتافٍ حاد بعدما استمعت لهمهمات السُكان التي تعالت ليتحدث بصوتٍ ضعيفٍ متوسل أشبه بباكي:
-افتحي يا حبيبتي عاوز أنام في حضنك، وحشتيني قوي ونفسي تنيميني على رجلك وتلعبي لي في شعري زي زمان، فاكرة يا إيثار، فاكرة.
اتسعت عينيها بذهول لتصرخ بعدما شعرت بالحرج من ساكني البناية ومن صورتها التي حتمًا ستهتز أمامهم وهي التي طالما حافظت عليها بكل ما أوتيت من قوة:
-بس بقى كفاية فضايح، أنتَ إيه يا أخي، شيطان، ليه مُصر تدمر سلامي النفسي واستقراري اللي مصدقت أبنيهم من يوم ما بعدت عنك ونضفت، اتقي الله وسيبني في حالي وارجع لمراتك وبنتك.
ركل الباب بقدمه بقوة ليهتف غاضبًا:
-افتحي الباب، مش هسيبك إلا لما ترجعي لي، أنتِ بتاعتي، ملكي أنا، محدش هيقدر يبعدك عني ومسيرك هترجعي لحضني تاني، افتحي يا إيثاااار.
قال كلماته الأخيرة بصراخ هستيري جعلها تهمس إلى عزة بارتياب:
-روحي اقعدي جنب يوسف ليصحى مخضوض من الخبط بتاع المجنون ده.
أجابتها:
-حاضر بس هدي نفسك، زمان البوليس جاي وهياخده يرميه في الحبس، وبدل ما ينام على الفرشة الحرير اللي جايبها له أبوه، هينام على البورش وسط المجرمين وقتالين القتلة.
لتشيح بكفيها بغيظ:
-على الله واحد فيهم يغزه بسكينة يخلصنا من شره وغتاتته.
دخلت إلى الصبي وظل ذاك الأرعن يدق بابها ويصيح باسمها مطالبًا إياها بفتح الباب حتى استمعت لصوت جلبة بالخارج لتنظر من فتحة العين وتتنفس باطمئنان بعدما رأت بعضًا من الرجال مرتدين زي الشرطة وعلى الفور أمسكوه واجتمع بعضٌ من ساكني البناية حول الشرطة ليبدأوا في تقديم إفادتهم وإزعاج ذاك المتعدي لهم، استمعت لطرق أحدهم للباب وهو يقول بطمأنة:
-افتحي يا مدام إيثار ومتخافيش، إحنا جايين بناءً على تعليمات من سيادة اللواء قدري الخواجة، هو قال لنا إن عندك علم إننا جايين.
بالفعل فتحت وما أن رآها ذاك المعتوه حتى أفلت حاله ليهرول عليها وكاد أن يصل لها ليحتضنها لولا أيادي الشرطيين اللذين لحقا به ليكبلا ساعديه خلف ظهره ويشيلا حركته بالكامل مما أصابه بالجنون ليصرخ قائلًا:
-سيبوني، أنتوا اتجننتوا، أنتوا مش عارفين أنا ابن مين؟
هتف الضابط المسؤول عن الحملة موبخًا إياه:
-بس يالا، مش عاوز أسمع نفسك.
هتف صارخًا باعتراض:
-دي مراتي، والله لأخليكم تندموا كلكم، أنا ابن نصر البنهاوي يا بقر.
رمقه الضابط بازدراء ثم توجه ببصره إلى رجاله متحدثًا:
-خذوا المحروس ونزلوه تحت في البوكس.
تحرك الرجال ساحبين ذاك الذي بات يحرك جسده محاولًا التملص من بين أياديهم وهو يصرخ ويقذفهم بوابلٍ من أقذر السُباب محاولًا التملص، نظر الضابط لها وتحدث باحترام:
-ده طليقك يا أستاذة إيثار، مظبوط؟
أومأت بإيجاب ليسترسل بإعلام:
-إحنا هنعمل له محضر سُكر واقتحام المكان والتهجم على أنثى في عُقر بيتها، وهستناكي بكرة تيجي في القسم علشان تمضي على المحضر وتأكديه.
أومأت برأسها ليتحدث إلى سُكان البناية:
-وياريت كام حد منكم ييجوا بكرة يقدموا إفادتهم علشان نوثق المحضر ونأكد على الاتهامات الموجهة للمتهم.
أومأ الجميع ليتحدث أحدهم:
-إحنا تحت أمرك يا باشا، الأستاذة إيثار ست محترمة وليها سنين معانا هنا في العمارة محدش شاف منها حاجة وحشة، أنا عن نفسي هاجي بكرة أشهد باللي حصل.
ليستطرد بإبانة:
-وهشهد كمان بإن طليقها اتهجم عليها ومسكها من ذراعها قدامي من حوالي أسبوعين، وأنا اتدخلت وقتها أنا والسكيورتي وخلصناها من إيده وهددناه لو ممشيش هنتصل بالشرطة.
شكرته بدموع عينيها التي انسكبت رُغمًا عنها ثم توالت أصوات باقي السُكان الذين تطوعوا بإدلاء شهاداتهم والوقوف بجوار تلك الخلوقة في الوقت الذي تخلى عنها أقرب الأقربون.
انصرف الضابط وتحرك السكان كُلٌ لوجهته.
صدح صوت ابتهالات ما قبل أذان الفجر من صوامع مساجد البلدة ليملأ القلوب بالراحة والسكينة، عدا تلك الحائرة التي تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا ممسكة هاتفها تضعه على أذنها بانزعاج، لم تعد تدري كم عدد المرات التي هاتفته بها ولم يرد، توقفت لتهتف بضيق:
-لا، كده الوضع ما يتسكتش عليه.
أسرعت إلى خزانة ملابسها وانتقت ثوبًا محتشمًا وارتدته سريعًا ثم أمسكت بحجابٍ وضعته على رأسها بعشوائية لتنطلق إلى الأسفل وبلحظة كانت تطرق باب والدي زوجها لتفتح لها إجلال التي صُدمت من ملامح وجه الأخرى المتوترة لتتحدث الأولى بارتياب:
-الحقيني يا ماما، عمرو مجاش لحد الوقت وبرن عليه تليفونه بيدي جرس ومابيردش.
عقدت بين حاجبيها لتسألها بصوتٍ متحشرج:
-مجاش منين، أنا مش سألتك عليه قبل ما نقفل الباب الحديد قولتي لي إنه نايم فوق من بدري؟
تلعثمت ولم تجد أمامها سوى النطق بالحقيقة لتتحدث بنبرة مرتعبة:
-هو اللي أكد عليا أقول لكم كده علشان يسهر مع أصحابه براحته من غير الحاج ما يعرف ويبهدله زي كل مرة.
همست بصوتٍ خفيض وهي تحثها على الابتعاد بعدما بدأت بغلق الباب:
-تعالي نتكلم بعيد بدل ما الحاج يسمعنا ويطين عيشته لما ييجي.
بالفعل تحركت بجانبها إلى أن دخلتا داخل حجرة الطعام وما أن أغلقتها حتى أمسكت ذراعها لتهزها بعنفٍ ثم صاحت بتوبيخ:
-عارفة يا وش البومة أنتِ لو ابني جرى له حاجة هعمل فيكي إيه.
انكمشت على حالها لتتحدث برعبٍ:
-وأنا ذنبي إيه يا ماما.
-ذنبك إنك مش مالية عين جوزك ومخلياه طافش طول الليل من خلقتك العكرة... نطقتها بازدراء لتستطرد بكراهية:
-ده غير إنك كذبتي عليا وقولتي إنه نايم فوق.
هتفت متنصلة لتبرئ حالها:
-هو اللي قال لي أعمل كده والله العظيم، أنا مكنتش أقدر أخالفه ما أنتِ عارفاه وعارفة عِناده، لو قالي اعملي حاجة وخالفته بينكد عليا بالشهور.
بحنقٍ أجابتها:
-ما هو من خيبتك، دي اللي اسمها إيثار كانت مخلياه لازق لها ليل نهار في الشقة، أبوه كان بيخانق معاه علشان يسيبها ويروح يشوف شغله.
ابتسامة ساخرة خرجت منها لتتحدث وهي ترفع عنقها بكبرياء:
-وهو لو كان بيحبها بجد كان فضلني عليها؟
-وهو لما الشيطان وسوس لسيدنا آدم وخلاه أكل التفاحة الملعونة اللي خرجته من الجنة، كده يبقى حب الشيطان؟... نطقتها بنبرة متهكمة لتستشيط الأخرى لكنها توارت بخبث خلف حزنها التي رسمته بإتقان لتسألها باستياءٍ مصطنع:
-أنتِ بتشبهيني بالشيطان يا ماما؟
حملقت بدهشة مصطنعة لتقول بامتنان:
-شيطان مين ده اللي أشبهك بيه يا بت، ده الشيطان يتعلم منك ويقف يسقف لك كمان.
كم تبغض تلك الحقيرة وتكن بقلبها لها كرهًا لا يضاهيه شيء، وذلك لتيقنها بحقدها الشديد ورفضها لشخصها منذ الوهلة الأولى لدخولها للعائلة.
جذبت منها الهاتف لتعيد الاتصال من جديد على هاتف نجلها ليصدح رنينه ويهتز على سطح مكتب الضابط الذي تحدث بتملل للشاويش:
-وبعدين في أم التليفون اللي مش عاوز يبطل زن ده.
-ما ترد على المتصل يا باشا وبلغه إن صاحب التليفون مقبوض عليه... نطقها الشاويش ليقول الضابط وهو ينهض استعدادًا للخروج:
-الواد متوصي عليه يا حسين، الباشا قال لي محدش من أهله ياخد خبر إلا لما المحضر يتحول للنيابة علشان أبوه ما يعرفش يطلعه منها.
أومأ الرجل ليستكمل الضابط:
-أنا طالع السكن علشان أنام لي كام ساعة قبل النهار ما يطلع، مش عاوز حد يصحيني حتى لو الدنيا خربت، مفهوم يا حسين... نطق الأخيرة للتأكيد ليهز الآخر رأسه قائلًا:
-مفهوم يا باشا.
بعد قليل داخل حُجرة الحجز التابعة لقسم الشرطة المحتجز به.
كان يقف خلف الباب ممسكًا بالسياج الحديدية الخاصة بباب الحجز، يصرخ بكل ما أوتي من قوة:
-افتحوا لي الباب يا رِمم، أنتوا متعرفوش اللي رميتوه في الحجز ده يبقى ابن مين، والله لأخرب بيوتكم كلكم.
-ما تخرس ياد في ليلتك السودة دي، صدعتنا من ساعة ما جيت من كتر صواتك اللي زي صريخ النسوان... التف ليستكشف من ذاك الذي تجرأ ونعته بذاك الوصف ليجد رجل ذو جسدٍ ضخم يتوسط الأرض بجلوسه العشوائي يرتدي ثيابًا متسخة وشعر رأس وذقن مبعثران، يمتلك وجهًا حاد الملامح وبه الكثير من النُدوب الناتجة عن جروح بطعنات توحي بمدى إجرامه، لم يهتم بما رآه ليهتف بقوة يرجع سببها لعدم استيعابه لما يحدث بفضل كثرة المشروبات الكحولية التي تناولها وهي التي أودت به إلى هنا بعدما تصرف بعدم إدراك:
-أنتَ بتكلمني كده إزاي يا جدع أنتَ، أنتَ مش عارف أنا ابن مين؟
هتف أحد الرجال قائلًا باستهجان:
-ما تفوق لنفسك يا بقف، أنتَ واقف قدام المعلم "برعي" كبير الحجز، يعني تدي له التمام وتقلب نفسك وتطلع كل اللي في جيوبك عشان تنول الرضا، ده لو مش عاوز كرامتك تتداس تحت جزمه أقل محجوز هنا.
رمقهم بازدراء ليقول بكثيرٍ من الكبرياء:
-ليك حق، ما أنتَ لو تعرف أبويا يبقى مين مكنش زمانك واقف قدامي أصلًا.
-هو كل عيل سيس ميسواش ربع جنيه مخروم ييجي لنا هنا يسمعنا البوقين الحمضانين دول... نطقها "برعي" باستهزاء ليسترسل ساخرًا بصوتٍ غليظ:
-طب إشجيني يا روح أمك وقولي أنتَ ابن انهي حرامي في البلد؟
رمقه بازدراء ليهتف الآخر صارخًا:
-ما تنطق ياد بدل ما أخلي الرجالة تعمل معاك الصح.
صاح بكل صوته هاتفًا بغضب:
-رجالة مين يا أبو رجالة، طب خلي نطع فيهم كده يقرب لي وأنا أمسح لك بيه بلاط الحجز.
تناقل الجميع نظراتهم لبعض لينطلقوا بقهقهاتهم الساخرة وذلك لمظهره المنمق وملامحه التي لا توحي بحديثه، زادت قهقهاتهم مما زاد من حنق عمرو ليهتف بحنق:
-والله يا كلاب لأخلي لأبويا يربيكم كلكم.
توقف كبيرهم عن الضحك بعدما استمع لسبه على يد هذا الإمّعة ليُعطي إشارة من رأسه صوب ذاك المغرور ليقترب منه الرجال مشكلين حلقة حوله ليرتاب داخله بعدما رأى نظرات الغدر بأعينهم المصوبة عليه، انقض عليه الجميع دفعة واحدة ليركله أحدهم ويلكمه الآخر وهكذا توالت اللطمات مما جعله يصرخ بأعلى صوته لينثر على مسامعهم وابلًا من أقذر الشتائم مع تهديده الواهي لهم، كل هذا تحت أنظار ذاك الـ"برعي" الذي تعالت قهقهاته لتظهر أسنانه بلونها البُني المثير للاشمئزاز.
هتف أحد الرجال الواقف بجوار الباب يراقب الوضع:
-الشاويش حسين جاي يا معلم.
هرول الجميع بتخبط كُلٌ لوجهته تاركين ذاك المغرور مُلقيًا أرضًا وآثار الضرب ظاهرة على وجهه، استمع الجميع لصوت فتح الأقفال ليدخل بعدها الشاويش حسين هاتفًا بغضب:
-صوتكم عالي ليه يا غجر؟
استقر بصره على ذاك المطرُوح أرضًا والدماء تسيل من أنفه وفمه ليهتف حانقًا قاصدًا بحديثه الجميع:
-الله يخرب بيوتكم، أنتم لحقتوا، الواد لسه داخل لكم ما كملش نص ساعة.
حول بصره إلى كبيرهم ليقول بنبرة لاذعة:
-وبعدين معاك يا "برعي"، مش ناوي تجيبها لبر أنتَ ورجالتك ليه.
-لا أنا ولا رجالاتي لينا يد في اللي حصل له يا شاويش، الواد هو اللي اتشنكل وهو ماشي ووقع على بوزه اتشلفط... قالها ذاك المجرم ليرد عليه الآخر بتكذيب:
-صدقتك أنا كده.
تحرك صوب عمرو وتحدث وهو يسنده ليساعده على الجلوس:
-قوم يا موكوس.
ساعده على الجلوس ليسترسل بعدما نظر لوجهه بوضوح:
-ده أنتَ وشك اتشلفط على الآخر.
ثم نظر لبرعي قائلًا:
-ملكش دعوة بالجدع واتلم أنتَ ورجالتك بدل ما تقضيها انفرادي النهاردة.
نهض وتحدث مهددًا الجميع:
-أنا طالع، وإياك أسمع صوت حد فيكم.
استند على الأرض ونهض متحاملًا ليُمسك بذراع الشاويش وهو يتوسل إليه قائلًا:
-أرجوك يا حضرة الشاويش طلعني من هنا، حطني في أوضة لوحدي وأنا هدفع لك فلوسها.
تعالت الضحكات الساخرة حتى الشاويش لم يستطع كبح ضحكاته ليقول ساخرًا:
-تكونش فاكر نفسك نازل في لوكاندة السعادة.
ليسترسل ناصحًا:
-ما تنشف ياد لـ يأكلوك.
-طب رجع لي تليفوني خليني اتصل بأبويا ييجي يخرجني... نطقها بعينين مترجيتين ليتحدث الآخر متنصلًا:
-الموضوع ده في إيد حضرة الظابط، وهو راح السكن خلاص ومحدش يقدر يهوب ناحيته ويصحيه، وإلا تبقى وقعته سودة.
واسترسل مشيرًا على جميع أركان الحُجرة المليئة بأجساد هؤلاء المتهمين الملقون بعشوائية:
-شوف لك حتة فاضية اتلقح فيها أنتَ كمان واتخمد لك ساعتين لحد النهار ما يشق والظابط ييجي وأقول له.
تركه وغادر مغلقًا خلفه الباب غير مباليًا بنداءات عمرو المتوسلة، حول بصره ونظر للرجل وجده يتوعده باستكمال ما بدأ فانكمش على حاله وخر جالسًا مستندًا بظهر الباب لينظر للجميع بترقب وقد سكن الرعب بمقلتيه ولأول مرة يشعر بالخوف.
كم كانت ليلةً عصيبة تضاف إلى لياليها الموحشة، لكنها لم تتأثر بالقدر المتوقع، لو حدث ما حدث بالماضي لانهارت وفقدت ثباتها، لكنها تغيرت بفضل ما مرت به خلال الأربع سنوات المنصرمة، لقد حولتها الصدمات إلى شخصٍ أقوى حتى فاقت قدرة تحملها كثيرًا من قدرة الرجال، اصطحبت صغيرها وأوصلته إلى مدرسته لتواصل طريقها باتجاه مركز الشرطة التابع لمنطقتها والذي أخبرها به الشُرطي، صدح صوت هاتفها معلنًا عن وصول مكالمة لتُجيب بصوتٍ هادئ:
-صباح الخير يا باشمهندس.
على الجهة الأخرى كان يجلس حول طاولة الطعام يتناول إفطاره بصحبة أسرته ليسألها مستفسرًا:
-وصلتي لإيه يا إيثار؟
-أنا في الطريق لقسم الشرطة، هخلص هناك وأطلع على مبنى النيابة علشان قضية كريم... لتستطرد بالتماس:
-وبعد إذن حضرتك هتأخر شوية.
-شوفي اللي وراكي وارجعي بيتك ارتاحي، ليلتك كانت صعبة امبارح وأكيد منامتيش... قالها برحمة لتتنهد براحة ويسترسل هو:
-أنا كلمت الأستاذ عبدالسلام و زمانه مستنيكي في القسم، هيتابع معاكي إجراءات المحضر ويعمل اللازم.
اغرورقت عينيها بدموع العرفان، لقد غمرها ذاك الحنون برعايته لها وطالما كان لها العون والسند بعد الله، خرج صوتها متأثرًا لتتحدث بعرفان:
-ربنا يخليك ليا، مش عارفة أشكرك إزاي، جمايلك كترت قوي يا باشمهندس.
أجابها بما نزل على قلبها بردًا وسلامًا وتعويضًا:
-بطلي هبل، جمايل إيه اللي بتتكلمي عنها، هو فيه جمايل بين الأب وبنته.
أغلق معها بعدما شكرته ليسأله أحمد مستفسرًا:
-مالها إيثار يا بابا؟
قص ما حدث تحت اهتمام أحمد وزوجته "سالي" وشقيقته "لارا" بجانب "نيلي" التي كانت على دراية مسبقة، لتتحدث "نيلي" بتأثر ظهر بين صوتها:
-البنت دي حظها قليل قوي في الدنيا، ربنا بلاها بزوج كلمة راجل خسارة فيه، ولا أخواتها، حاجة تقرف... نطقت كلمتها الأخيرة باشمئزاز لتؤكد على حديثها سالي قائلة:
-عندك حق يا طنط، لا ومن بجاحته ما اكتفاش باللي عمله فيها لما كانت مراته، راجع يكمل ندالته وخسته معاها بعد ما طلقها.
-موقف أهلها المخزي مقوي قلبه، هما ظلموها أكتر منه... كلمات صادقة قالها أحمد بجدية، كان يستمع لهم وهو يتناول طعامه، أوقف ارتشافه لكأس الشاي الساخن لينزله كي يتحدث لابنته الشاردة باستفهام:
-ساكتة ليه يا "لارا"، إيه اللي شاغل بالك يا حبيبتي؟
أغمضت عينيها في ألم ثم فتحتهما من جديد وهي تقول:
-هو حضرتك مش شايف كل المشاكل اللي بتحصل بسببي.
واستطردت بنبرة متألمة:
-أنا تقريبًا مش بنام يا بابي من يوم اللي حصل، مش قادرة انسى مشهد موت بسام، منظره وهو غرقان في دمه مش بيغيب عن عنيا.
-علشان خاطري خلينا نسيب مصر ونروح نعيش في بلد تانية... قالت جملتها بعينين متوسلتين.
مزقت نبراتها الحزينة نياط قلب والدها ليقول محاولًا التخفيف عنها:
-نسيب بلدنا ونروح فين بس يا بنتي، مش كفاية سيبت بيتي اللي عيشت فيه عمري كله ونقلنا هنا لما قولتي إنك مش قادرة تقعدي فيه بعد اللي حصل.
أطرقت برأسها قائلة بحزن بعدما شعرت بأنها قد ضغطت على والدها وزادتها عليه:
-أنا آسفة يا بابي، أنا عارفة إني تعبتك معايا الفترة الأخيرة، بس أنتَ أكيد حاسس باللي أنا بمر بيه، أنا حاسة بالذنب بسبب اللي حصل لـ بسام واللي حصل لكريم السواق واللي لسه بيحصل لحضرتك.
واسترسلت بعينين متوسلتين:
-أرجوك سامحني.
تأثر الجميع بحديثها وتشتُت روحها الذي بات يلازمها مؤخرًا بفضل ما حدث، تألم قلبه لأجلها وما شعر بحاله إلا وهو ينهض متجهًا صوبها ليسحبها من كفها لتقف بقبالته ويجذبها لتسكن أحضانه واضعًا كفه ليمرره فوق ظهرها بحنان حتى هدأت، ليتحدث بنبرة قوية كي يحثها على الخروج من تلك الحالة التي سيطرت عليها:
-إوعي تحملي نفسك ذنب أي حاجة، أنتِ بريئة من كل اللي حصل، وبسام اللي أنتِ زعلانة عليه ده هو السبب في كل حاجة، الله يسامحه مات وساب الدنيا والعة.
بعد قليل.
كانت تجلس داخل مكتب الضابط المختص بالتحقيق بصحبة المحامي الذي بعثه أيمن، تمم الضابط جميع الإجراءات ليتحدث المحامي مستفسرًا:
-هي القضية هتتحول للنيابة إمتى يا باشا؟
-النهاردة إن شاء الله... هكذا أجابه لتتحدث هي بارتباك خشيةً من بطش نصر البنهاوي:
-أنا شايفة إننا نكتفي بالمحضر وعدم التعرض يا أستاذ عبدالسلام.
أجابها الضابط بعملية:
-مينفعش يا أستاذة، طالما عملنا المحضر وأثبتنا صحته بشهادة شهود الإثبات يبقى لازم يتحول للنيابة، وبعدين سيادة اللواء قدري الخواجة موصي عليه وقال لنا لازم يتربى.
استرسل بإبانة بعدما رأى ترددها بعينيها:
-تحقيقات النيابة هي اللي هتجيب لك حقك وتعلمه الأدب، لما يلبس في جُنحة هيفكر ألف مرة قبل ما يتصرف بغباء مرة تانية.
أطرقت رأسها بموائمة لتتحدث:
-تمام، أنا مضطرة استأذن لو حضرتك مش محتاجني في حاجة تانية لأن عندي ميعاد نيابة ولازم ألحقه.
-إحنا كده خلصنا وتقدري تتفضلي... جملة قالها الضابط لتنهض مستأذنة لتتحرك سريعًا باتجاه مبنى النيابة التابعة له، قادت بأقصى سرعة لتستطيع الوصول قبل حلول الوقت المحدد كي لا تدع للمدعو فؤاد فرصة مضايقتها، أخيرًا وصلت قبل الميعاد بخمسة دقائق، سألت على مكتبه فأرشدها أحدهم، اقتربت من رجل الأمن الواقف أمام باب المكتب وطلبت منه إبلاغ وكيل النائب العام بحضورها وناولته بطاقة تعريفها، طلب منها الرجل الانتظار لحين اتخاذ الإذن لها، ولج للداخل مغلقًا الباب خلفه ليتحدث بتوقير وهو يقدم البطاقة لذاك المنكب على أوراقه بتمعن:
-الأستاذة بتقول إن عندها ميعاد مع حضرتك يا باشا.
رفع رأسه وبسط كفه ليأخذ البطاقة مدققًا النظر بها، ابتسامة ساخرة خرجت من جانب ثغره ثم ضيق عينيه وهو يحك ذقنه بأصابع يده ليقول بعد تفكير:
-خليها واقفة برة لحد ما أضرب لك الجرس.
خرج العامل ليبتسم بخبث بعدما عقد النية لمعاقبتها على المعاملة التي لم تلقَ استحسانه بالأمس، بالخارج، تمللت بوقفتها بعدما مر أكثر من نصف ساعة وهي في الانتظار دون حدوث جديد، شعرت ببعض الآلام بساقيها لتنظر لذاك الواقف قائلة بامتعاض:
-هو أنا هفضل مستنية كتير؟!
-الباشا قال لي ما أدخلكيش غير لما يضرب الجرس... قالها باقتضاب كتمثالٍ لتهتف هي بحنق:
-أنا مالي ومال جرس الباشا بتاعكم، أنا ميعادي الساعة 11، والساعة الوقت 12 إلا ربع.
واسترسلت بعينين غاضبتين:
-تدخل تقول للباشا بتاعك إني لو ما دخلتش حالًا همشي وأبقى أجي له وقت تاني يكون فاضي يشوف شُغله فيه.
أرجع ظهره للخلف وابتسم مستمتعًا بعدما توغل داخله شعورٌ بالتشفي، تحمحم لينظف حنجرته قبل أن يهتف بقسوة مناديًا على الحارس الذي هرول إليه ليقول الآخر بصرامة مخيفة أجاد رسمها:
-إيه اللي بيحصل برة يا أمين، ومين دي اللي اتجرأت وعلت صوتها في حضرة النيابة؟
-دي الأستاذة... قطع حديثه اقتحام تلك الغاضبة للمكتب حيث قالت بنبرة صوت لاذعة تنم عن استيائها الشديد:
-أنا اللي اتجرأت يا سيادة المستشار.
تراجع في مقعده وضيق عينيه ليرمقها بازدراء قائلًا بلهجة متعجبة:
-أنتِ إزاي تدخلي عليا من غير ما أذن لك؟
لم تهتم بحديثه اللاذع ولا بنظراته النارية بل تحدثت بثقة وحنق أظهرا كم استيائها:
-أنا واقفة برة ليا ساعة إلا ربع منتظرة حضرتك تطلبني علشان أقول شهادتي وأمشي، بس وقفتي طالت ومش عارفة هفضل مستنية لحد إمتى!
-وإيه المشكلة لما تقفي ساعة واتنين، اللي يشوف حمقتك يقول إن مصالح البلاد والعباد متوقفة على جنابك... نطقها متهكمًا لترمقه بنظرات ثاقبة وهي تقول بحزم بعدما تيقنت أنه قاصد ليرد لها ما حدث معه بالأمس:
-المفروض إننا في نيابة يعني المواعيد ليها احترامها وقُدسيتها، مش واقفة في فرنة بلدي علشان أستنى ساعة واتنين لما صاحب الفرنة يحن عليا ويديني دور في طابور العيش؟
أشار للعامل ليخرج ثم تراجع بمقعده الهزاز وأخذ يدور يمينًا ويسارًا وهو يرمقها بعينين باردتين كالصقيع ليقول بنبرة ذات مغزى:
-أعرف ناس حياة العباد متوقفة على شغلها حرفيًا ومع ذلك انتظرت ساعة بحالها.
ابتسمت ساخرة بجانب فمها بعدما تأكدت من حدسها لتتحدث بذات مغزى:
-طب كويس، كده يبقى صفينا حساباتنا، ممكن بعد إذنك نبدأ التحقيق علشان ألحق ميعاد شغلي؟
رفع سماعة الهاتف الأرضي دون أن يلتفت إليها قائلًا بجمود:
-تعالى لي في مكتبي حالًا يا سامي.
أغلق الهاتف ثم أشار بكف يده بغرور كي تجلس دون أن يتفوه بحرفٍ، رمقته ثم جلست بحدة ليحضر كاتب النيابة بعد قليل ويبدأ بأخذ أقوالها بجدية وموضوعية وكأن شخصًا آخر تلبس شخصيته، شخصًا حكيمًا عاقلًا عادل، سألها بجدية:
-الاسم والسن والعنوان والحالة الاجتماعية؟
أجابته بثقة:
-إيثار غانم محمد حسان الجوهري.
-عندي ثمانية وعشرين سنة، ساكنة في مدينة نصر، عنواني بالكامل موجود في البطاقة اللي مع حضرتك.
نظر للبطاقة التي أمامه فوق سطح المكتب ليناولها للكاتب لملء البيانات لتسترسل هي:
-الحالة الاجتماعية "مطلقة".
ضيق عينيه مستغربًا لينفض سريعًا تلك الأفكار التي اقتحمت مخيلته ليُلقي عليها سؤالًا تلو الآخر.
انتهت من تقديم إفادتها ليتحدث بجدية:
-كده خلصنا.
نهضت بحدة ثم تحدثت وهي تستدير للمغادرة:
-بعد إذنك.
أوقفها صوته البارد حيث قال قاصدًا استفزازها وكأنه أُعجب بحالة التنافر والتجاذب التي خُلقت بينهما منذ أن التقيا بالأمس:
-هتمشي من غير ما تدوقي قهوتنا؟
التفت تنظر عليه بجبينٍ مقطب وعقلٍ غير مستوعب، نهض والتف حول مكتبه ليقف أمامها، لقد كان مظهره جذابًا للغاية، تطلعت لطوله الفارع وجسده الرياضي الذي ظهر من خلال ثيابه حيث كان مرتديًا بدلة سوداء وقميصًا مماثلًا محكمان على جسده مع وضعه لربطة عنق رمادية اللون ورائحة عطره المميزة التي ملأت أرجاء المكان ليتعمق بمقلتيها بعينيه الحادتين اللتان تتابعاها بدقة ليتحدث بنبرة هادئة وكأنه تحول لآخر:
-سبق لما زرتك في مكتبي طلبتي لي قهوة وضيفتيني بيها، أنا كمان عاوز أضيفك وأشربك قهوة، بس قهوة بجد.
ازداد انعقاد حاجبيها ليستطرد هو بكلماتٍ متقطعة لتجعل منه مُثيرًا:
-قهوة فؤاد، علام، زين الدين.
كان ينتظر رضوخها لسطوة وسامته كغيرها من النساء اللواتي قابلهن بحياته، فجميعهن يذبن بمجرد رؤيته وكعادته لم يبالِ بهن وكأنهن والعدم سواء، فما بالك بتلك التي يقف أمامها ويحدثها بكل ذاك الاهتمام لكنها فاجأته بنظراتها الحادة حيث تحدثت بذات مغزى:
-ضيافتك وصلتني يا سيادة المستشار، متشكرة لأفضالك.
ابتسم باستفزاز وتحدث قائلًا:
-أنتِ مش لسه قايلة من شوية إننا صفينا حساباتنا؟
ليسترسل بمداعبة في محاولة منه بتلطيف الأجواء:
-خلينا نشرب قهوة على الأقل ما يبقاش ليكِ جمايل عليا.
-أنا متأخرة على شُغلي يا أفندم، فياريت لو مفيش حاجة خاصة بالتحقيق تسمح لي أمشي... قالتها بملامح وجه حانقة ليُشير بكف يده باتجاه الباب بملامح تحولت لمقتطبة بفضل أسلوبها المنفّر لتقول هي باستياء:
-بعد إذنك.
خرجت كالإعصار ليتأكد حينها بأنها وصلت للمنتهى مما فعله به، تنفس بهدوء ليعود لمكتبه من جديد متابعًا عمله ولكن بذهنٍ شارد بتلك الفرسة الجامحة وهذا النوع من النساء الذي يصادفه للمرة الأولى بحياته.
في تمام الساعة الثانية عشر ظهرًا.
دخل منزله كالإعصار المدمر حتى استقر بمنتصف البهو ليهتف بنبرة صاخبة زلزلت أركان المنزل بأكملها:
-سُمية، أنتِ ياللي اسمك سُمية.
خرجت من المطبخ لتهرول إليه لتتبعها ياسمين ومروة اللتان كانتا تتابعان تجهيز الغداء تحت ارتيابها من عدم إجابة زوجها إلى الآن على اتصالاتها المتكررة لكنها كبتت انزعاجها بناءً على تعليمات إجلال الصارمة، وقفت أمامه بجسدٍ مرتجف بعدما رأت نارًا مشتعلة بعينيه الغاضبة ليُمسكها من ذراعها يهزها بعنفٍ شديد وهو يقول بسخط:
-جوزك فين؟
ابتلعت لُعابها وظهر الرعب بعينيها لمحت إجلال قد خرجت من غرفتها لتنظر إليها بنظراتٍ مستنجدة، استشاط داخله من صمتها ليصرخ بوجهها:
-ما تردي يا بت، جوزك فين؟
-فيه إيه يا حاج، بتزعق ليه؟... جملة قالتها إجلال بداخِلٍ مرتعب ليهتف الآخر صارخًا:
-فيه إن بنت ناصرة ضحكت علينا وقالت لك امبارح إن جوزها نايم فوق وهو بايت برة البلد كلها.
اتسعت عيناه عندما رأى عدم تفاجؤ زوجته بالموضوع بل أنها أمسكت كفه لتفلته من فوق ذراع تلك التي تكاد تفقد أنفاسها من شدة رعبها:
-سيبها وتعالى نتكلم في أوضتنا يا حاج.
قطب جبينه وسألها بتشكيك:
-أسيبها إزاي، بقول لك البت قرطستني.
-هي جت الفجر خبطت علينا وقالت لي وأنا ما حبتش أزعجك، وقولت أكيد سرح في الوقت مع أصحابه ونام عند حد منهم... قالت كلماتها بهدوء كي تحثه على الاسترخاء لكنها فوجئت باحتدام ملامحه ليهمس مذهولًا:
-يعني مرات ابنك كانت جاية تقول لنا علشان نشوف البيه بيتسرمح في انهي داهية تاخده لو وش الفجر وأنتِ اللي منعتيها تتكلم؟
زفرت بضيق مع تقليب عينيها بضجر لتهتف ناهرة إياه بنبرة حادة:
-هو كان حصل إيه للغاغة اللي أنتَ عاملها دي كلها يا نصر؟
رمقها بغضب ليصيح ملقيًا اللوم عليها:
-حصل إن ابنك بايت في القسم يا ست إجلال، ابن نصر البنهاوي عضو مجلس الشعب اللي بتتهز له شنبات بات في القسم امبارح.
لطمت خديها ليزيدها من البيت شعره قائلًا بغضبٍ عارم:
-وياريتها جت على قد كده ووقفت، ده المحضر اتحول من نص ساعة على النيابة وكمان شوية الصحافة هتاخد خبر وأعدائي ماهيصدقوا.
-إيه الكلام اللي أنتَ بتقوله ده يا نصر؟... نطقتها وهي تخبط على صدرها بكفيها ليصيح بحدة:
-اللي سمعتيه يا أختي، ما أنتِ لو كنتي قولتي لي من ساعتها كنت عملت اتصالاتي وعرفت مكانه ولحقت المصيبة قبل ما تكبر، كنت هسكت ظابط القسم بقرشين ونخلص الموضوع، ولو ملوش في السكة دي كنت هجيبها له من اللي فوق منه وأخليه يقطع المحضر ولا من شاف ولا من دري.
قالها بغضب ليسترسل بحدة:
-إنما بعد ما المحضر اتحول للنيابة مستحيل يخرج منها إلا لما بنت الجوهري تروح بنفسها للنيابة وتتنازل عن المحضر.
برقت سُمية عينيها وهتفت مستفسرة والغيرة تنهش قلبها:
-وإيه دخل بنت الجوهري في الموضوع يا عمي؟
-إبقي إسألي البيه لما ييجي لك يا أختي... نطقها وهو يهز رأسه باستهزاء ليتكرر السؤال مرة أخرى ولكن تلك المرة من المتجبرة زوجته حيث سألته بعينين متسعتين:
-بنت الجوهري مالها بحبس عمرو يا نصر؟
-العرة ابنك راح لها البيت الساعة اتنين الفجر وهو سكران واتهجم على شقتها وفضل يخبط قدام الجيران، والبوليس جه أخده.
واستطرد باستهجان:
-والست إيثار راحت القسم وعملت له محضر تعدي، والجيران عملوا له محضر إزعاج، والشرطة لبسوه في محضر سُكر... كان يتحدث مشوحًا بكفاه من يراه يتيقن أنه أوشك على ذبحة صدرية ليستطرد بعينين حاقدتين:
-وطبعًا لازم أروح بنفسي لبنت الجوهري وأترجاها علشان تتنازل عن المحضر.
-يا لهوي يا لهوي يا لهوي... قالتها وهي تلطم وجنتيها تحت ذهول ياسمين ومروة وسمية التي شعرت بنار الغيرة تسري بأوردتها لتسترسل إجلال صارخة بنظراتٍ لائمة:
-وأنتَ سايب الواد مرمي في النيابة وجاي تحقق معايا أنا ومراته يا نايب الدايرة؟
-تنزل حالًا على مصر وما ترجعش غير وابني في إيدك، اتحرك يا نصر... نطقتها صارخة بأمر ليهتف وهو يجز على نواجذه من شدة غيظه:
-أنتِ كمان ليكي عين تعلي صوتك وتتأمري.
كادت أن تنهره لولا تدخل سمية التي أمسكت كف يده وتحدثت وهي تنظر له بنظراتٍ ذليلة:
-وحياة حبيبك النبي يا عمي لتروح تطلعه وبعدين ابقى تعالى ولومنا، إن شاء الله حتى تولع فينا، بس تطلعه الأول من المصيبة دي.
وزع رمقاته الغاضبة بين كلتاهما ليزفر بضيق ثم هاتف نجله البكري طلعت المتواجد بالأراضي الشاسعة التابعة لوالده ليتابع ما يقوم به الفلاحون من أشغال خاصة بالزراعة والري وطلب منه أن يحضر في الحال ويترك أمر المتابعة لشقيقه حسين، ودخل غرفته ليأخذ بعضًا من رزم المال الورقية ويحملها بجيب جلبابه الكبير وينصرف تاركًا خلفه هؤلاء الأربع لينتحبن ويلطمن وجناتهن ليعلو صوت تلك الغاضبة حيث توجهت باتهام لوالدة زوجها:
-أنتَ السبب في اللي حصل لـ عمرو، لو قولتي لعمي كان اتصرف ومكناش وصلنا للي إحنا فيه ده.
حُبست أنفاس كلٍ من مروة وياسمين ووضعتا كفي يديهما فوق فاههما لتجحظ عيني الأخرى وهي ترمقها بنظراتٍ حارقة ولو كانت النظرات تصيب لانتهى أمر سُمية وتحولت لرمادٍ في الحال، همست بفحيح كالحية التي تستعد لبخ سمها بعيني ضحيتها:
-يا نهار أبوكِ أسود، أنتِ اتجننتي ولا إيه يا بت؟
واستطردت بذهول وهي تقترب منها كالأسد الذي ينقض على فريسته:
-جبتي منين الجرأة اللي جمدت قلبك وخلتك تكلمي ستهم كده؟!
ارتجف جسدها عندما رأتها تُقبل عليها والشرر يتطاير من مقلتيها لتأخذ خطوات استباقية وتتوارى خلف ياسمين التي هتفت برجاء وهي تضع كفيها بصدر إجلال برفقٍ:
-هدي نفسك يا مرات عمي، دي بت هبلة وبتهلفط بكلمتين من حرقة قلبها على اللي حصل لجوزها.
-الهبلة تتأدب علشان تاخد بالها من كلامها مع "ستهم" بعد كده... قالتها وهي تجذب تلك المختبأة وتنزل بكل قوة فوق وجنتها بصفعة قوية أحدثت صوتًا من شدتها لتسترسل وهي ترفع قامتها بكبرياء:
-وبعدين هو كان إيه اللي حصل لجوزها يا ست ياسمين أنتِ كمان، ده ابن "نصر البنهاوي" بجلالة قدره والكل عارف كده، وأكيد الظابط النبطشي نيمه في مكتبه واتعامل أحسن معاملة، ما يقدرش يعمل غير كده لأن الكل عارف مين هو سيادة النايب نصر البنهاوي وعارفين إن اللي بيقف في سكته بيتأذي.
واستطردت بوعيد:
-والقادرة بنت منيرة هتدفع ثمن عملتها السودة دي غالي.
ارتعبت أوصال زوجات أبنائها الثلاث لتتراجع هي للخلف ثم أمسكت خصلة من شعرها ولفتها على أصابع يدها لتتحدث بفحيح بعدما تحولت ملامح وجهها لحاقدة:
-وحياة شعري ده ولا يكون على حُرمة، لأخلي بنت منيرة تتحسر على شبابها وأجيبها له لحد عنده تركع تحت رجليه وتترجاه عشان قلبه يحن ويعتبرها مرة زي زمان.
اشتل قلب سمية وزاد كرهها لتلك المرأة المتجبرة وعلمت حينها أن لا مفر من رجوع تلك الإيثار لزوجها ويرجع هذا لتيقنها بقدرة هذه المرأة على تنفيذ أية فكرة تصمم عليها لتتحسر على حالها وتنتظر القادم بقلبٍ مشتعل، فقد تيقنت أن القادم ليس بهين على الجميع.
وصل نصر ونجله البكري أمام منزل غانم ليصف سيارته الفاخرة ويترجلا متجهين لذاك المنزل البسيط، وجد الجميع بانتظارهما بناءً على مكالمة تمت بين طلعت وعزيز أبلغ من خلالها الأول بحضور الثاني بصحبة والده مما أسعد قلب عزيز الذي ربط سبب مجيء نصر بطلبه رسمي لرجوع شقيقته لنجله المدلل وهذا ما بات يتمنى تحقيقه بشدة، ولج الجميع للداخل ليتحدث غانم بترحاب:
-يا مرحب، يا ألف أهلًا وسهلًا يا سيادة النايب.
كان يتحدث بترحاب وهدوء تحولا لتعجب بعدما هتف الآخر بوجهٍ صارم ينم عن مدى غضبه:
-هي بنتك خلت فيها أهلًا ولا سهلًا بعد اللي عملته يا غانم؟
سأله بنبرة متوترة:
-إيثار!
-هو أنتَ عندك بلوة غيرها... نطقها بحدة ليهتف عزيز بحدة وخنوع:
-عملت إيه مقصوفة الرقبة؟
رمقه غانم بنظرة نارية غاضبة ليتلعثم بوقفته ليقطع نظراتهم حديث نصر الغاضب:
-بنتك المحترمة بنت الأصول المتربية كتبت بلاغ في عمرو امبارح وخلته قضى ليلته في الحجز.
اتسعت عينا منيرة وذُهل الجميع ليستطرد بتغطرس:
-طب لو مش باقية على العِشرة والهنا والعز اللي اتمرمغت فيهم لما كانت متجوزاه، على الأقل كانت عملت حساب لابنه اللي أنا سايبهولها بمزاجي علشان يفضل الود موصول لحد ما ربنا يهديها وترجع لجوزها هي وابنها.
ليستطرد بافتخار:
-ابنها اللي معيشاه في حتة شقة قد الجُحر وحرماه من سراية جده اللي يرمح فيها الخيل.
-إيه اللي حصل وخلى بنتي توصل بإنها تشتكي على عمرو يا سيادة النايب؟... سؤال طرحه غانم على نصر الذي صاح بتهرب:
-إحنا في إيه اللي حصل ولا في ابني اللي مرمي في الحجز بسبب بنتك يا غانم.
نكس رأسه ليهتف الآخر أمرًا بوجهٍ صارم:
-يلا معايا ننزل مصر علشان ناخد الهانم على النيابة تتنازل عن المحضر.
-أنا اللي هاجي معاك يا حاج نصر... قالها عزيز بجسده المشدود المنتصب نتيجة غضبه العارم الذي أصابه من أفعال شقيقته التي تقف دائمًا عقبة أمام تحقيق رغباته وأطماعه بالحياة، ليسترسل وهو ينظر لوالده المتعجب:
-أبويا تعبان وصحته ما تتحملش بهدلة الطريق والمرمطة في الأقسام.
على الفور وافق نصر لعلمه بقوة شخصية عزيز واستطاعته التأثير والضغط على تلك المتمردة، وقف "أيهم" الابن الأصغر لـ غانم ليتحدث بعدما شعر بتوتر عضلات عزيز وتيقن بأنه من الممكن أن يؤذي شقيقته إذا مانعت التنازل:
-أنا كمان جاي معاكم.
وقف نصر مقابلًا غانم ليقول بوصاية مشيرًا بسبابته:
-أنا ماشي يا غانم، تتصل ببنتك وتعقلها علشان لما نوصل لعندها نروح على النيابة على طول، وإلا قَسمًا بالله لأخليها تعض على صوابع إيديها من اللي هعمله فيها، أنا مش قليل عشان ابني يترمي في الحبس بسبب واحدة قليلة عقل زي بنتك.
نكس رأسه بخنوع لعلمه سطوة ذاك المتجبر وما يمكنه فعله بابنته المسكينة التي تجرعت المرار على يد نجله المدلل لتُكمل عليها والدتها وشقيقاها عزيز ووجدي، تحرك الجميع للخارج لتهتف منيرة وهي تدق على فخديها بنحيب:
-أنا عارفة إن عيالي مش هيشوفوا راحة طول ما هي قاعدة لنا في مصر لوحدها.
حولت بصرها إلى ذاك البائس لتسترسل بنبرة لاذعة:
-شوفت آخرة دلعك فيها يا غانم، علشان تبقى تتصدر لها تاني وتقف في وش إخواتها عشانها، دي واحدة مستبيعة ومش هتسكت إلا لما نصر البنهاوي يحط إخواتها في دماغه ويطوحنا من البلد كلها.
تنهد بضيق وهو يرمقها بحدة لتُمسك هي بهاتفها مسترسلة وهي تضغط زر الاتصال برقم ابنتها:
-أما أشوف آخرتها معاكِ يا بنت منيرة.
-بدل ما تندبي وتولولي علشان عيالك الرجالة اطمئني الأول على بنتك واسأليها ابن نصر عمل لها إيه خلاها تتجنن وتروح تشتكيه... كلمات نطقها بتبكيت علها تشعر بصغيرتها وتسترد مشاعر الأمومة نحوها لكنها لم تبالِ بحديثه حيث هتفت بحنقٍ وكأنها لم تستمع لما قال:
-برضه ما بتردش.
بسطت ذراعها باتجاهه لتسترسل:
-هات تليفونك اتصل عليها منه، هي مش هترد عليا لو قعدت أرن عليها للصبح أنا عارفة.
ناولها هاتفه لتتصل ولكن دون جدوى مما أشعل داخلها.
داخل مسكن إيثار.
كانت تجلس فوق مقعدها الهزاز الموجود بالشرفة المنفتحة على البهو عاقدة حاجبيها بضيق وهي تتطلع إلى الأفق البعيد بشرودٍ تام، تنهدت ومدت يدها صوب الطاولة لالتقاط كأسٍ من مشروب البرتقال الطازج قد صنعته لها عزة فور عودتها من النيابة مباشرةً بعدما أخبرتها بأن أيمن قد منحها إجازة من عملها اليوم لتُريح أعصابها مما حدث بالأمس، يقابلها صغيرها يتناول الحلوى المحببة لديه والتي جلبتها له معها من الخارج كي تجلب السرور على قلب ذاك المسكين الذي لم يحظَ بحياة أسرية مستقلة كجميع الأطفال، استمعت إلى رنين الهاتف للمرة التي لا تعلم عددها والمتصل واحد، وهي والدتها التي لم تستسلم لعدم ردها لتحاول من هاتف والدها كي تخبرها بأمر عودتها لذاك الـ عمرو، هكذا فسرت ما يحدث، تجاهلت الرنين وأكملت ارتشاف مشروبها، ليتحدث الصغير بلطافة:
-أنتِ ليه مش بتردي على تليفونك يا مامي؟
-ده رقم غريب يا حبيبي، وإحنا مش بنرد على أرقام غريبة... ابتسم لها الصغير وتابع تناول الحلوى من جديد لترفع هي الأخرى الكأس وهي تقربه من شفتيها ليقطع اندماجها صوت طرقات قوية فوق الباب بجانب رنين الجرس المتواصل مما أزعجها لتهرول صوب الباب بعدما أوصت الصغير على عدم الخروج من الشرفة ومتابعة الاستمتاع بالحلوى، قابلتها عزة التي خرجت من المطبخ قائلة:
-خير يا رب، مين اللي بيرن الجرس بالشكل ده، هو أحنا مش هنخلص.
واسترسلت بذعر بعدما رأت إيثار تقترب من الباب استعدادًا لفتحه:
-ما تفتحيش إلا لما تبصي من العين السحرية.
رأت الصواب بحديثها لتقترب من فتحة الباب الصغيرة تستكشف الطارق، قطبت جبينها عندما رأت صورة شقيقها الصغير "أيهم" والذي صدره "عزيز" لعلمه مدى تعلق تلك المتمردة به، تعجبت لتلك الزيارة المفاجأة لكنها سُرعان ما ابتسمت وأمسكت مقبض الباب لتفتحه بلهفة ترجع لحبها الزائد لذاك الوسيم، تراجعت للخلف بقوة أثر دفعة قوية تلقتها بكتفها من عزيز كادت أن تبطحها أرضًا لولا عزة التي أسرعت عليها لتُسندها، رفعت عينيها وتعمقت بنظراتها المرتعبة لتلتقي بنظراته الجحيمية ليقول بفحيحٍ:....
رواية انا لها شمس الفصل الرابع 4 - بقلم روز امين
جذب فؤاد الفتاة من يده بقوة وخبأها بأحضانه ليهتف بعينين تطلقُ شزرًا:
- إنتَ اتجننت يا ماجد، إنتَ إزاي تعامل البنت بالطريقة الهمجية دي؟
- بنتي يا سيادة المستشار، وحقي أحميها… قالها بصياحٍ عالي لتهرول فريال تجاور صغيرتها لتحتويها بحماية، ليستمع الجميع لصوت علام الصارم:
- تحميها من مين يا ماجد؟
برغم إرتباكه من ملاحظة الجميع حدته وسخطه على الشاب إلا أن غضبه الأعمى سيطر عليه وحولهُ لماردٍ لا يخشى أحدًا حتى “علام” بذاته، لدرجة أنه هتف بنبرة عالية متعديًا أصول اللباقة:
- من اللي دمر حلمي فيها يا باشا
نطقها ليحول بصره متابعًا إلى ذاك الذي يقف بكبرياءٍ ويطالعهُ بعينين حادتين كحدة الصقر:
- ولسه مُصر يكمل تدمير مستقبلها بالكامل.
- كفاية يا “ماجد”… جملة نطقتها”فريال”وهي ترمقهُ بعتابٍ لتتابع برجاء:
- إسكت الله يخليك.
- وأسكت ليه ولحد إمتى يا فريال؟! واسترسل بحدة أكبر:
- لحد ما ألاقي بنتي ضاعت مني؟!
هتف فؤاد وهو يُشير لنجله العاقل بعدما رأى هلع الصغير وهو يختبيء خلف شقيقتهُ عند ارتفاع الأصوات وحدتها:
- زين، خد إخواتك ودخلهم جوه بسرعة.
أطاع الفتى أمر والده وتحرك بشقيقيه ونجل عمته في الحال ليعاود “علام” ويسأل ذاك الحانق بجبينٍ مُقطب:
- إنتَ ليه بتتكلم بالألغاز يا”ماجد”!، لو حابب تبلغنا حاجة ياريت تقولها صراحتًا.
أخذ يتبادل النظرات بين إيثار ويوسف لينطق بحدةٍ وحقد ظهر عيانًا داخل مقلتيه:
- كلامي مش هيعجب الكل يا باشا.
إحتدم داخل ذاك العاشق واستشاط قلبهُ حينما رأهُ يتطلع حاقدًا على خليلة الروح والفؤاد ليهتف بحدة صارمة:
- “ماجد”، لما تحب توجه كلام توجهُ لي وإنتَ عينك في عيني، مفهوم.
- تمام يا سيادة المستشار… قالها باستنفار ليتابع مسترسلاً في لحظة تحلى بها بالشجاعة:
- ياريت بقى تخلي المحترم إبن مراتك يبعد عن بنتي، وإلا مش هيحصل له كويس.
بالكاد فتح “يوسف” فمه ليهم بالحديث لكنه توقف بعدما استمع لصوت ذاك الحانق حيث هدر محتدمًا:
- ياريت تنتقى ألفاظك وتحاسب عليها قبل ما تخرجها وإنتَ بتتكلم عن الباشمهندس يوسف ده أولاً يا دكتور.
بسط ذراعهُ ليحث خليلتهُ على السكون بأحضانه وضمها بحمايه وباليد الأخرى مازال يحتوي تلك الباكية”بيسان”وتابع محذرًا بإشارة من عينيه:
- تاني حاجة وياريت تحطها في قاموسك علشان ما نخسرش بعض، مراتي ويوسف خط أحمر بالنسبة لي، واللي يتعداه يبقى فتح على نفسه جبهة من النار هو مش قدها، والجبهة دي هيلاقيني مستنية جواها علشان نبدأ الحساب.
صاح ماجد بعدما انفلت منه زمام ضبط النفس:
- ياريتك زي ما بتهددني قدامهم، تنبهه وتقول له عيب اللي بيعمله، وتخليه يبعد عن بنتي بشكل نهائي.
هُم فؤاد ويوسف بالرد قاطعهما صوت “زينة” التي هرولت على شقيقها وبعينيها تملك الذعر وهي تتشبثُ بذراعه:
- يلا نمشي من هنا يا “يوسف”، أرجوك بلاش تعمل مشاكل مع حد.
تطلع بألمٍ لحالها وتحدث وهو يحتوي وجنتيها كي يهدأ من روعها ويبث داخل روحها بعضًا من السلام:
- متخافيش يا حبيبتي، مفيش أي مشاكل، إدخلي جوة عند عزة وإحنا هنتكلم شوية وبعدها هاخدك ونمشي على طول.
حزن الجميع لأجل الفتاة وحالة الهلع التي أصابتها لتُسرع إليها السيدة “عصمت” وحثتها على المضي معها وهي تقول بنبرة حنون:
- تعالي معايا أدخلك عند “تاج” تقعدي معاها يا حبيبتي.
هزت رأسها برفضٍ تام، فكيف لها أن تترك شقيقها يواجه ذاك الشرس لحاله، كيف لها التخلي عن ذاك الحنون الذي شملها بحنانه وغمرها بكل أنواع الرعاية لتشعر ولأول مرة مُنذ نشأتها بكيانها وبكونها إنسانة ولها الحق أن تعيش بهذه الحياة بأدمية، تحدثت وهي تتشبثُ أكثر بذراع شقيقها التي ما عاد لها سواه:
- لا، أنا مش هسيب “يوسف”.
- يا حبيبتي متقلقيش عليا… نطقها بعينين تفيضان حنانًا ليتابع بابتسامة خفيفة كي يدخل على قلبها الطمأنينة:
- هو إنتِ ليه محسساني إني في خناقة في وسط الشارع؟
دار بعينيه على وجوه الجميع ثم تابع بابتسامة لطيفة:
- أنا في وسط أهلي اللي اتربيت وسطهم، وده نقاش عادي جداً.
كانت “بيسان” تتطلعُ عليه وقلبها ينزفُ دمًا حزنًا على حالها، ترى حبيب القلب يطمأن شقيقته ويحتوي هلعها بكثيرًا من الحنان بينما هي، أين هي من إهتماماته؟، تمنت للحظة لو أنهُ احتواها وطمأن خوفها مثلما فعل مع شقيقته، هي أيضًا حبيبتهُ ولها في اهتمامهِ حق، تحتاج رعايته، تحتاجه حاجة الظمآن في نهار صيفٍ حار لشربةِ ماءٍ باردة، ليتهُ يعلم ما يعنيه وجودهُ بالنسبة لها بالحياة، بل ليتهُ يعلم أنهُ أصبح لها الحياةَ بأكملها، تحركت الفتاة بجوار “عصمت” التي أوصلتها للداخل وعادت سريعًا لتتابع الأمر خشيةً تطور الامور وخروجها عن السياق وإنفلات زمام الجميع.
وقف يوسف ليناظر ذاك الغاضب وبنبرة رجولية نطق يسألهُ:
- هو إنتَ عاوز مني إيه بالظبط يا دكتور؟!
واسترسل موضحًا:
- بتطلب مني أبعد عن” بيسان” إزاي؟!
واسترسل تحت نظرات” بيسان” الصارخة وقلبها الذي يئنُ وجعًا من ظلم الحبيبِ لها:
- عاوزني أبعد إيه أكتر من إني سيبت لك البيت والمنطقة كلها وروحت سكنت في أخر الدنيا، دي حتى الزيارات للبيت اللي اتربيت فيه لما منعتها بسببك، علشان اريحك من طلتي اللي بقت تجننك وتخرجك عن السيطرة.
واستطرد بلحظة غضب:
- وبالمرة أرحم نفسي من كلامك اللي كان أقوى عليا من الرصاص وإنتَ بتوجهُ لي بمناسبة وغير مناسبة.
وتابع بعينين صارخة تريد صب أم غضبها على أحدهم:
- وكأنهُ بقى روتينك اليومي اللي مبترتاحش غير لما تعمله…
بالكاد انهى حديثه لتصيح تلك النمرةَ الشرسة بعدما خرجت من أحضان زوجها بجنون للدفاع عن صغيرها، لتندفع بشراسة باتجاه ذاك الذي جنى على حالهِ حين أظهر حدته وعبر عن غضبه للشاب بوجودها:
- معناه إيه الكلام ده يا دكتور”ماجد”؟
وتابعت وهي تُشير بسبابتها نحوه بصياحٍ غاضب وعينين تطلقُ سهامًا نارية لو انطلقت لوقع صريعًا بالحال:
- يعني إنتَ كنت السبب في إن إبني يبعد عن حُضني ويسبني ويسيب إخواته؟!
بسخطٍ تحدث إليها:
- جرى إيه يا مدام، هو أنتِ وإبنك عاوزين تشيلوني الليلة وتطلعوني قدام الكُل الشيطان الأعظم في الحكاية؟
- مــاجد… كلمة صرخ بها “فؤاد” بعدما ترك الفتاة لأمها واندفع باتجاهه ليقف أمامهُ وقد سحب زوجتهُ ليخفيها خلفه بدفاعٍ وجسارة:
- لأخر مرة هحذرك، مراتي ويوسف، خط، أحمر يا ماجد، كلامك توجهُ لي أنا.
تحدث وهو يهز رأسهُ بتأكيدٍ:
- طب مهو ده بالفعل اللي أنا عملته يا باشا، وجهت لحضرتك الكلام وقولت لك خلي الأستاذ يبعد عن بنتي، بسيطة أهي!
وأشار إلى تلك النمرة رامقًا إياها بحدة مماثلة لحدتها:
- لكن المدام هي اللي كسرت كلامك واتدخلت ووجهت لي الكلام.
واسترسل بصفاقة جعلت من نار فؤاد تغلي بعروقه:
- يبقى الصح إنك توجه لها هي تحذيرك ده يا سيادة المستشار، ولا جنابك مش قادر تنتقدها قدامنا فبتهددني أنا.
- تعديت حدودك معايا يا ماجد، وأنا عمري مارحـ … قاطع حديثهُ علام الذي هتف بحدة:
- جرى لك إيه يا ماجد النهاردة، إنتَ شكلك مش طبيعي ومحتاج للي يفوقك.
حتى صوت “علام” الذي صدح بحدة لم يحثهُ على التراجع والتعقل بكلماتهِ واتهاماته التي يوزعها جزافًا هُنا وهناك، لينطق بنظراتٍ استعطافية اراد بها جذب علام لطرفه:
- وأبقى طبيعي إزاي يا باشا وأنا بنتي ضيعت مستقبلها علشان خاطر الأستاذ، وياريته إكتفى، ده مصمم يكمل تدمير للي باقي لها.
تلك المرة تدخلت “عصمت” للدفاع عن ذاك الخلوق:
- إنتَ ليه مُصر تحمل” يوسف” ذنب اللي عملته “بيسان” يا ماجد، مع إن بنتك نفسها قالت أكتر من مرة إن ده كان إختيارها وتم بكامل إرادتها، وأنا بنفسي شاهدة على يوسف وهو بيقنعها تدخل الحقوق هنا في الجنينة، وبنتك اللي رفضت.
عدل علام من وضع نظارته الطبية ليوجه له سؤالاً وجيه:
- اللي أنا مش قادر أفهمه ولا أستوعبه هو تمسُكك بكلية الحقوق بالشكل المخيف ده يا ماجد؟!
وتابع بجبينٍ مُقطب ودهاء:
- وكأنك كنت عاوز تثبت لنفسك إنتَ شيء وفشلت فيه، إنتَ أوحيت لي إن القصة أكبر من كلية كان نفسك بنتك تدخلها والقدر كان له رأي تاني!
إرتبك من تلميحات ذاك المُحنك وبلحظة شعر بأنه كشف عقدة النقص التي لديه، فبرغم معاملة أسرة علام الطيبة لماجد طيلة سنوات زواجهُ بابنتهم، إلا أن شعور النقص وعدم التكافؤ بينه وبين علام باشا ونجله مثلما يلقبهما الجميع، كانت حاجزًا وراء شعور التقزيم الذي لم يفارقه منذ أن تعرف عليها أثناء زياراتها لوالدتها بالجامعة، تلبك لينطق بحدة مدافعًا عن موقفه:
- هي فعلاً القصة أكبر من كده بكتير، قصة مستقبل وحلم هي نفسها حلمت بيه وكبر جواها وشاركتني فيه وكبرته جوايا، وفي الأخر إتنازلت عنه بكل سهولة علشان خاطر واحد مُصمم يكمل على الباقي منها.
- هو حضرتك عمال تلف وتدور وتيجي عند النقطة دي تحديدًا وتقف ليه… ليتابع الشاب بعدما وضع كفيه بداخل بنطاله وقد قرر وضع النقاط فوق الحروف وحسم ذاك الموضوع القاتل لكرامته اليوم:
- عندي فضول تكمل كلامك قدام العيلة كلها.
- بلاش، لانك هتزعل… قالها محذرًا ليقاطعهُ الاخر بإصرارٍ عجيب:
- أنا محدش يقدر يزعلني، أنا سامعك.
قال كلمتهُ الأخيرة بإشارة من كفه للبدء، لينجرف الأخر وراء فخ الشاب بمنتهى الغباء:
- تمام، طالما الموضوع مش فارق معاك، يبقى نتكلم على المكشوف.
وتابع وهو يوجه حديثهُ إلى ذاك الذي يرمقهُ بحدة كحدة الصقر:
- هسألك سؤال وتجاوبني عليه بمنتهى الصدق، بعيدًا عن المشاعر يا سيادة المستشار.
طالعهُ الآخر بإيماءة ليتابع مسترسلاً:
- لو “تاج” بنت سعادتك إتقدم لها عريس أبوه هربان برة البلد، وتاريخ عيلته مليء بالإجرام، قتل والمتاجرة في أثار ونهب ثروات البلد وتهريبها للخارج.
وتابع تحت صرخات قلب”إيثار”الذي تمزق ألمًا على صغيرها حتى أنها همت لتجبرهُ على الصمت فاحتوى نجلها كف يدها وبعينيه حثها على الصمود، ليكمل الآخر بقسوة:
- ده غير جده اللي اللي مات مقتول في السجن وهو محبوس في جريمة قتل، وعمه اللي اتسجن كام سنه وخرج، ومرات أبوه اللي قتلت مرات خاله وأخدت إعدام.
وناظر الفتى وتحدث بشماتة:
- ها، تحب أكمل ولا كفاية كده يا… يا باشمهندس… قال كلمتهُ الأخيرة ساخرًا ثم عاد إلى فؤاد يسألهُ من جديد:
- جاوبني يا سيادة المستشار، كنت هتوافق؟!
بلحظة أراد الثأر إنتقامًا لكرامته التي دُهست تحت قدمي ذاك الفاقد الخُلق والأخلاق ومعدوم الإنسانية، متناسيًا مشاعر تلك البريئة التي تقف منقسمة بين والدها وحبيبها، وكلاهما يمتلك نصف القلب، لينطق بكامل الثقة رافعًا قامته للأعلى:
- إسمح لي أنا اللي أجاوبك بدل سيادة المستشار، لأن الموضوع يخصني أنا، ميخصش حد غيري.
إبتسم ليستعرض بكفيه بطريقة مسرحية تحت عدم تحمل علام لما يجري أمام عينيه، فأحضر لهُ فؤاد مقعدًا وساعدهُ كي يستريح عليه:
- إتفضل سمعنا.
سألهُ مضيقًا بين عينيه:
- بالنسبة للإستعراض اللي حضرتك قمت بيه من شويه وبصراحة كان هايل.
وتابع مصفقًا بكفيه:
- شابوا حقيقي، قدرت تجسد كل جرايم عيلتي وتظهرها بشكل رائع لدرجة إن أنا نفسي إشمئزيت من نفسي، تخيل؟!
قالها وهو يميل برأسهِ بطريقة ساخرة ليتابع بقوة وثبات:
- بس السؤال المهم واللي شاغل بالي هنا، هو إيه مناسبته؟!
واسترسل تحت صرخات الفتاة:
- هل، أنا في يوم من الأيام جيت لك وطلبت إيد “بيسان” منك؟!
تلبك بوقفته وبلحظة اتسعت عينيه ليسألهُ الاخر بصوتٍ قوي:
- ما تجاوب يا دكتور؟
نطق محاولاً الثبات برغم ما أصابه من إهتزاز الثقة:
- هو لازم تطلبها صريحة مني… صاح الفتى بحدة:
- امال هطلبها بالنية ولا إيه حضرتك؟!
ارتبك ليكرر الفتي سؤالهُ بحدة أمام الجميع:
- من فضلك تجاوب على سؤالي إجابة واضحة وصريحة يا دكتور.
وأشار على حاله:
- انا جيت طلبت بنتك للجواز؟!
رمقهُ بنظراتٍ كسهامٍ نارية تمنى لو خرجت وتوجهت لصدره ليلفظ انفاسهُ الأخيرة وينتهي الأمر، ثم نطق من بين أسنانه:
- محصلش.
- تمام… ثم أشار بكفيه قائلاً بعينين تطلقُ شزرًا:
- طالما محصلش, يبقى مسمعش حضرتك مرة تانية بتجيب سيرتي أو سيرة أهلي وتغلط فيهم.
وأقسم متوعدًا:
- لأني قسمًا بالله، هنسى وقتها إنك راجل قد أبويا، وإني أكلت معاك عيش وملح قبل كده.
- خلاص يا يوسف، رسالتك وصلت يا ابني… قالها علام بخزيٍ بعدما لقن الشاب لذاك الغاضب درسًا وقام بإحراجه أمام العائلة بأكملها، ليتحدث يوسف والالمُ يشطر قلبهُ لنصفين:
- أنا آسف يا باشا على اللي حصل في وجود جنابك، بس للأسف.
واستدار يناظر ماجد بأسى:
- الدكتور قدر بكل براعة يخرج أسوء ما في.
ليخرج صوت إيثار من بين بكائها الصامت:
- إنتَ طلعت أبشع مما تخيلتك، كنت عارفة إن من جواك بتكره إبني، بس خيالي مقدرش يرصد مدى بشاعتك من جوة وسواد قلبك ناحيته.
- أنا مسمحلكيش… قالها بحدة وغضب لتتعالى الأصوات وتصدح بين الجميع متناسيين تلك العاشقة التي فقدت آخر أمل لديها في عودة الحبيب إلى أحضانها، الكل منشغل عنها بتوجيه التهم للأخر، كلٍ يرمي الأخر ويحملهُ مسؤلية ما حدث متغافلين عنها، كانت دموعها تتدفقُ كشلالاتٍ في موسم الفيضان، باتت تفرق نظراتها على الجميع، خاصتًا والدها وحبيبها وكلٍ منهما يقف للاخر بالمرصاد، يتناقرانٍ كديوكٍ وسط حلبة مصارعة هي الأقوى من نوعها.
تطلعت إلى يوسف، ذاك الذي إختارتهُ من بين جموع الرجال، لقد توسمت بهِ خيرًا وظنت أنهُ سيقف أمام العالم أجمع ويحارب لأجلها، لكنها نسيت أن بعض الظن إثمٌ عظيم، فقد تخلى عنها لأجل الثأر لكرامته، متغاضيًا عن مشاعرها حتى أنهُ لم يلحظ وجودها بالأساس، أفكارًا حادة هاجمتها بشراسة لتشعر وكأنها ورقة شجرة ذابلة سقطت لتتلاطم بين هواء الخريف القاسي، هاجم رأسها دوارًا حاد لتشعر وكأن جسدها يتهاوى وبدأت الغشاوة تقتحم عينيها لتبدأ الرؤية بالتلاشي وبلحظة خر جسدها ساقطًا ليرتطم أرضًا بعدما فقد عقلها وجسدها القدرة على تحمل كل ما حدث من ويلات.
إلتفت الجميع وتوجهت أبصارهم نحو تلك المسكينة التي تكومت على الأرض لتصرخ فريال بكامل صوتها:
- بيســـان.
هرول فؤاد ليضع كفه تحت رأسها ثم بات يضرب بخفة وجنتها علها تستفيق، هرول أيضًا ماجد ليهزها برفق وهو يقول بهلعٍ أصابهُ خشيةً من فقدان نجلته الغالية:
- بيسان، فوقي يا حبيبتي.
صرخت به فريال لتدفعهُ بعيدًا عن ابنتها:
- إنتَ السبب، إنتَ اللي وصلت بنتي لكده.
واسترسلت متوعدة وهي تشير بسبابتها:
- لو بنتي حصل لها حاجة والله يا ماجد ماهرحمك.
اتسعت عينيه بذهولٍ وهو يشاهد تحول زوجته من قطة وديعة إلى غولٍ شرس، إبتعد ليهب واقفًا يشاهد الجميع وهم يلتفون حول الفتاة في محاولة منهم لاستعادة وعيها من جديد، لم يتحمل منظر إبنته وتسطحها فاقدة الوعي بشكل كامل، ولا نظرات الجميع التي صوبت باتجاهه كسهامٍ نارية ترشقت بجميع جسده، ما شعر بحاله إلا وهو يهرول خارجًا من البوابة الخارجية ومنها إلى سيارتهِ ليقودها هاربًا من المكان برمته.
عودة لذاك العاشق، وقف يتطلع بمقلتين تكاد تقفزُ للخارج من هول ما حدث، وقلبٍ يصرخ ويئنُ وجعًا لأجل حبيبته، بلحظة تحدث القلب سائلاً العقل بطريقة لائمة:
- منْذُ متى وأنتَ تفكر بهذه الأنانية، وأنانيةُ مع من أيها الأخرق، مع الحبيبة التي احتضنتك برائتها وتلفحت روحك بحنانها لتغمر كيانك وتحتوي كُلك، صاحبة الإبتسامة البهية والنظرات الحنون، يا لكَ من ناكرًا للچميل.
أجبرتهُ ساقيه دون وعيٍ منه لينحني لمستواها وينطق بنبرة متقطعة وهو ينظر إليها بحُزنٍ:
- بيسان، قومي يا حبيبتي.
إرتجف داخلهُ وهو يتطلعُ لأهدابها الساكنة ونفسها الضعيف ليستفيق على صرخات فريال حيث تحدثت وهي تهز ذراع شقيقها:
- البنت مبتفوقش ليه يا فؤاد؟!
اجابها وهو ينظر إلى إيثار التي أتت من الداخل مهرولة وهي تحمل قنينة عِطرٍ:
- متقلقيش، لو مفاقتش من البرفيوم هاخدها على المستشفى حالاً.
مدت يدها بالقنينة ليلتقطها ذاك العاشق “يوسف” وبلحظة كان يقربها من أنفها ويمررها يمينًا ويسارًا في محاولة منه وهو يقول تحت نظرات الجميع المشفقة على حاليهما:
- فوقي يا بوسيه.
هبطت دموعهُ رُغمًا عنه ضاربة بكل القوانين عرض الحائط، لم تفق فهتف بقوة بعدما هب واقفًا وهو يستعد لحملها متناسيًا وضعهما:
- إحنا لازم نتحرك على المستشفى حالاً.
وافقته فريال الرأي فأشار فؤاد بكفه بحزمٍ كي يمنعهُ من التقرب:
- إبعد يا “يوسف”.
إرتعد داخلهُ وهو يطالع فؤاد ليتابع الأخر مسترسلاً:
- روح جهز عربيتك بسرعة وأنا هشيلها وأجي وراك.
تحرك على عَجلة لينطق علام لنجله الذي حمل الفتاة:
- طمني أول ماتوصلوا المستشفى يا فؤاد.
- حاضر يا باشا… انطلق لتجاورهُ فريال وإيثار وأيضًا فؤاد ماجد الذي حضر للتو من الداخل على إثر الصياح، تنهدت عصمت وهي تنظر بأثرهم ثم تحدثت لزوجها وهي تربت على كتفه ليطمئن:
- متقلقش يا حبيبي، هتبقى كويسة، تلاقي الضغط نزل عندها من خوفها من اللي حصل.
نطق بعينين مثبتتين على البوابة:
- ماجد إتجنن خلاص يا عصمت، لدرجة إنه مش قابل وجود الولد ولا أمه.
بكلماتٍ تائهة نطقت وهي تهز رأسها بعدم استيعاب:
- أنا مش فاهمة إيه اللي غيره بالطريقة دي، من يوم ما بوسي رفضت دخول الحقوق وهو اتحول.
- ماجد قدم في النيابة بعد ما خلص كلية الحقوق واترفض، وده سبب عقدة النقص اللي عنده… قالها علام بهدوء لتسألهُ عصمت بعدم استيعاب:
- معقولة يا علام، أنا أول مرة أعرف الكلام ده.
ثم استرسلت:
- وإنتَ عرفت إزاي حاجة زي دي؟
- عرفت من خلال مصادري وأنا بتحرى عنه لما اتقدم لخطبة فريال، بس العجيبة إني اتكلمت معاه كتير قبل كده حوالين الموضوع ده وعمره ما جاب لي سيرته.
وتابع مسترسلاً:
- المعلومات اللي وصلتني بتقول إنه كان راسم وباني أحلامه على إنه يكون وكيل نيابة، ولما ورقه إترفض دخل في نوبة إكتئاب بصعوبة خرج منها.
سألتهُ بعينين متسعتين:
- ولما أنتَ عارف الكلام ده، ليه وافقت من الأول على جوازه من بنتنا يا علام؟
- لأني سألت عن أخلاقه وأخلاق عيلته وطلع لاغبار عليهم وده كان الأهم بالنسبة لي، وفعلاً الولد عاش معانا سنين أخلاقه كانت لا تشوبها شائبة.
واسترسل مضيقًا بين عينيه:
- أتاريه لما إتجوز فريال، الحلم إتجدد جواه، وعاش على أمل إنه يحقق حلمه المفقود في ولاده، ولما لقى إن يوسف بيحلم نفس حلمه شجعه، وحب قربه من بيسان، شاف إن قُربه منها دافع قوي لتحقيق حلم البنت.
وتابع موضحًا:
- بس يظهر إن اللي حصل مع “بيسان” جننه وجدد عنده خيبة الأمل وحالة الرفض والنكران اللي صابته زمان، بس المرة دي السبب المباشر لفقدانه لحلمه كان مختلف، السبب كانت بنته بذات نفسها، واللي أكيد حبه ليها والفِطرة هتمنعه من إنه يكرها، فصب كل غضبه وجحيمه على المسكين “يوسف”.
تنهد بألم نم عن حزنه العميق على من رباهُ واتخذهُ حفيدًا:
- وكأن اللي حصل للمسكين ده كله مش كفاية بالنسبة له، فقرر يحمله ذنب بنته هي كمان.
كانت تستمع إلى ذاك الداهي بذهولٍ وعدم استيعاب، فذاك العلام على دراية بكل ما يجري من حوله لكنه يشاهد عن كثب كالذئب ويعلم خفايا الجميع ومتى يتحرك.
سألتهُ وخيبة الأمل تسيطر على صوتها وجميع الحواس:
- الظاهر إن ماجد كان السبب في إن يوسف يا حبيبي يضطر يسيب البيت.
- للأسف ده اللي إكتشفته النهارده من الكلام اللي دار بين ماجد ويوسف… قالها باستسلامٍ مخزي، فاليوم اكتشف أن الماء كان يجري من تحته ولم يشعر، تلك هي المرةِ الأولى التي تجري بها الأمور من غير علمه، وهذا ما أحزنهُ وجعلهُ يلقي اللوم على حاله، سألتهُ بألم:
- وهتعمل إيه يا علام؟
زفر بقوة وتحدث:
- مش قادر أفكر حاليًا في أي حاجة، نتطمن الأول على بيسان وبعدها نشوف.
داخل القصرحيث يجلس أولاد فؤاد، وأيضًا “زينة” التي تجلس بارتيابٍ ظاهر بعدما حدث بالوسط، لاحظت “تاج” إرتجاف جسدها، وبرغم أنها لا تحمل لها الكثير من المحبة وتحملها ذنب ترك يوسف للمنزل مما أحزن والدتها، إلا أنها حزنت لأجل الحالة التي عليها وتحدثت كي تطمئنها:
- إنتِ ليه قلقانة قوي كده.
إلتفتت إليها الفتاة ليُكمل “زين الدين” على حديث شقيقته:
- اللي حصل ده خلاف عادي جداً، وممكن يحصل في أي عيلة.
نطقت بصعوبة ترجع لخوفها:
- أنا خوفت على “يوسف” من جوز عمتك، حسيت إنه ممكن يتهور ويضربه.
ضحك التوأمان حتى الصغير المشاكس، لتنطق الفتاة متهكمة:
- خوفتي على “يوسف” من أنكل “ماجد”؟
ثم تابعت بملاطفة:
- ده لو لمس يوسف بطرف صباعه، بابي كان عمل منه بطاطس محمرة.
نزل الصغير من فوق الأريكة ليهتف بصياحٍ وهو يهرول إلى المطبخ وكأنهُ تذكر:
- يا زوزة، أنا عاوز بطاس محمرة وعليها كاتشب.
عدل زين من وضع النظارة الطبية ليتابع بجدية حديثه إلى تلك الـ”زينة”:
- شكلك مش عارفة قيمة” يوسف” وقدره في العيلة، جدو “علام” بيعتبره صديق، مش مجرد حفيد زينا.
اومأت”تاج” بموائمة لحديث شقيقها، حضرت عزة من الداخل ممسكة الصغير بيدها وهي تقول:
- تعالي هنا يا مغلبني، متتحركش من جنبي لحد ما يحمروا لك البطاطس بتاعتك.
أشارت للعاملة لتضع فوق المنضدة ذاك الحامل الموضوع عليه بعضًا من كؤوس مشروب الليمون البارد، جاورت الفتاة الجلوس وقامت بوضع ذاك المشاغب بجوارها، ناولت كأس مشروب الليمون البارد للفتاة قائلة:
- خدي يا زينة إشربي كباية الليمون دي وإنتِ هتبقي زي الفل.
تناولتها وارتشفت منها القليل، ثم شرودت تتطلع أمامها لتقول:
- ياترى “بيسان” عاملة إيه؟
أشاحت بكفها قبل أن تنطق بلامبالاة:
- شوية وهتلاقيها داخلة تتنطط زي القردة، ده دلع بنات مِرق.
واسترسلت بثرثرة:
- لو كنت شفتها قبل ما ياخدوها على المستشفى كنت فوقتها بطريقتي.
سألتها “تاج” ساخرة:
- ويا ترى إيه هي طريقة دكتور عزة في الإفاقة؟
- بصلة… نطقتها بفاهٍ ملتوي لتجحظ أعين التوأمان في حين لم تتعجب زينة، لتسألها تاج بملامح وجه مكفهرة:
- بصلة؟
اومات قائلة:
- آه بصلة، كنت هدشها وأفلقها نصين والزقها في مناخيرها، كانت هتقوم تجري وترمح زي الحصان.
تعالت الضحكات رغم ما تمر به العائلة من مشاكل لكنهم لم يستطيعوا كظم ضحكاتهم من كلمات تلك التي ما فشلت إطلاقًا بإضحاكهم بجميع الأوقات.
إنشغل الأشقاء بالحديث الجانبي لتنطق زينة وهي تنظر أمامها باستغراب:
- أنا كنت فاكرة إن المشاكل والخناقات دي مقتصرة على الفقرا وبس، لكن لما شوفت بيسان إتأكدت إن التعاسة والحزن ملهمش علاقة بالغنى والفقر.
تنهدت عزة لتنطق بجدية يصاحبها أسى:
- محدش خالي من الهموم يا بنتي، البيوت مقفولة على أصحابها والحيطان ياما بتداري، إشربي الليمون بتاعك.
توقف” يوسف” بسيارته أمام مدخل المشفى، ليترجل متلهفًا يفتح الباب الخلفي حيث تجلس الفتاة ما بين والدتها و” إيثار” وقد بدأت تستعيد وعيها قليلاً، تفتح عينيها بصعوبة لتغلقهما من جديد، قابلهم فريقًا من التمريض كان بانتظارهم بعدما أبلغهم فؤاد بقدومهم، ساعد يوسف بخروج فريال المنهارة وكاد ان يوشك على حمل حبيبته لكنهُ توقف حين تذكر أن لمستها عليه مُحرمة، أشار له فؤاد بالإبتعاد ليساعدها على الخروج من السيارة وأخذها فريق التمريض ليضعوها فوق الحامل ومنه لداخل حجرة الفحص ومعها والدتها، بالخارج، يقف فؤاد بجوار الفتى لينطق وهو يربت على كتفه:
- متقلقش يا فؤاد، أختك هتبقى كويسة.
أما إيثار فوقفت بجوار نجلها تسألهُ وهي ترمقهُ بنظراتٍ لائمة:
- ليه مقولتليش إن اللي إسمه ماجد كان بيضايقك بالكلام؟
بقلبٍ يئنُ ألمًا أجابها عاتبًا:
- هو حضرتك شايفة إن ده الوقت والمكان المناسبين للكلام في الموضوع ده؟!
زفرت بألمٍ ينخر بعمق قلبها، ثم نطقت بحيرة والدموع تسكنُ مقلتيها:
- مش عارفة أقول لك إيه يا حبيبي، لا قادرة أوافقك على اللي عملته وكان سبب من الأسباب اللي وصلت البنت للي حصل لها، ولا قادرة ألوم عليك.
وتابعت وهي تلقي برأسها لتستند على ذراعه:
- بالنهاية إنتَ كنت بتدافع عن كرامتك اللي اتهانت قدام الكل.
ابتعدت قليلاً لتنطق بأعين معتذرة:
- أنا آسفة يا يوسف، سامحني على سوء إختياري للأب والعيلة اللي يليقوا بيك يا حبيبي.
تنهد بألم لأجلها وسحبها لتسكن أحضانه.
خرج الطبيب ليسرع إليه الجميع ويسألهُ فؤاد متلهفًا:
- طمنا على “بيسان” يا دكتور.
اجاب الطبيب بمهنية:
- مفيش داعي للقلق يا سيادة المستشار، الانسة بيسان كويسة، هي حصل لها هبوط حاد في مستوى السكر أدى لإغماء، نتيجة لتعرضها لضغط عصبي شديد.
وتابع:
- هي كويسة وممكن تدخلوا تشوفوها، هنخليها تحت المراقبة نص ساعة وبعدها تقدروا تاخدوها وتروحوا.
هرول فؤاد وإيثار للداخل بينما تجمدت ساقاي “يوسف” وكأنهُ فقد السيطرة على الحركة، كيف سيدخل وبأي عين سينظر إليها، هو من خزلها للمرة الثانية على التوالي، الأولى منذ ما يتخطى الشهرين حين تخلى عن وعودهُ لها وطالبها بمحو جميع ذكرياتهما معًا، واليوم هي المرة الثانية والتي لم تتحملها تلك المسكينة، كم شعر بندالته وكم الحقارة، يرى حالهُ الآن لم يختلف عن ماجد، فكلاهما ساعد بتمزيقها وقتل روحها بطريقته الخاصة، أما الفتى فؤاد منعه من الدخول وصول مكالمة هاتفية من والده، تحدث الفتى باحترام:
- ايوه يا بابا.
كان يجلس داخل سيارته المصطفة بجانب الرصيف، قلبهُ يؤلمه بشدة وشعور الإشمئزاز هو المسيطر عليه حاليًا، لقد تسبب في الأذى النفسي لصغيرته التي يعشقها، بصعوبة أخرج صوته ليسأل الفتى:
- أختك عاملة إيه يا فؤاد؟
- كويسة يا بابا، الدكتور قال نص ساعة وهتخرج من المستشفى… إنزعج ليهتف بهلعٍ متسائلاً بلهفة:
- مستشفى ليه، أختك مالها؟!
لم يخطر بباله أن تسوء حالة صغيرته لتلك الدرجة، فقد اعتقدها إغمائة بسيطة وستزول بمجرد استنشاقها لبعضًا من العطر، هتف برُعبٍ ظهر بَين بصوته:
- قولي بسرعة إنتوا في أي مستشفى.
قاطعهُ صوت فريال التي اختطفت الهاتف من صغيرها بعدما استمعت لحديثه الدائر:
- عاوز إيه يا ماجد، بتتصل بينا تاني ليه بعد اللي عملته.
إرتجفت أوصال يوسف وهو يرى تحول وشراسة تلك الجميلة، على الجانب الأخر تحدث متوسلاً:
- مش وقت الكلام ده يا فريال، قولي لي بنتي مالها وإيه اللي وصلها لإنكم تنقلوها المستشفى.
هتفت ولأول مرة توبخهُ:
- إنتِ إزاي بجح كده يا ماجد، بعد كل اللي عملته بتسأل إيه اللي وصل البنت للحالة دي؟!
وتابعت:
- على العموم البنت بقت كويسة وفاقت، وعشر دقايق وهنروح.
وتابعت بقوة وشراسة:
- ومن الافضل ليها بلاش تشوفك النهارده.
أغمض عينيه بألم، فمهما تخيل لم يأتي بباله أن تحدثهُ زوجته بتلك الطريقة المهينة لرجولته.
تسحب “يوسف”وولچ للداخل، ليجددها ممددة فوق السَرير الطبي، تجاورها إيثار من جهة والجهة الأخرى فؤاد ممسكًا بكفها برعاية، تحمحم كي ينتبه الجميع وما أن استمعت لصوتهِ التي تحفظهُ عن ظهر قلب حتى شعرت بالألم يعاود ليغزو قلبها البريء، ما عاد فيها التحمل أكثر من ذاك، خرج صوته بصعوبة وهو يقول بقلبٍ نازف:
- سلامتك يا” بيسان”.
تطلعت إلى خالها وبصوتٍ خرج متألمًا نطقت:
- خليه يخرج برة يا خالوا، مش عاوزة أشوفه.
نزلت دموع إيثار ليخرج صوتها متأثرًا:
- إهدي يا حبيبتي، وبلاش تظلمي يوسف وتظلمي نفسك معاه.
- خليه يطلع برة يا خالو، من فضلك… صاحت بها لتهرول فريال من الخارج على صوت انهيار صغيرتها لتتابع الأخرى صارخة:
- طلعي الباشمهندس برة يا مامي، وقولي له إني مش عاوزة أشوف وشه لحد ما أموت.
صرخت بانهيارٍ:
- قولي له كمان إني لو شفته ماشي في شارع، هغير طريقي علشان ميكونش فيه بينا أي شيء بيربطنا، حتى لو شارع هنمشي فيه.
إلتفتت إليه لتنتفض جالسة وبنظراتٍ حادة صرخت وهي تهز رأسها بهيستيريا:
- انا بكرهك يا يوسف، بكرهك، بكرهــك، إمشي يا يوسف، إمشي من هنا.
هرول فؤاد يحتضنها محاولاً السيطرة على حالة الهياج التي هاجمتها بشراسة بينما نزلت دموع الأخر بقوة تأثرًا بحالتها، أما فريال فتحدثت بصياحٍ عالي:
- أخرج برة يا يوسف، أرجوك أخرجه.
هرولت إيثار لتسحبهُ للخارج تحت عدم رغبته لتركها بتلك الحالة، هرول أيضًا الاطباء فور استماعهم لصرخات المريضة، خرج وتحدث إلى أمه:
- أنا حيوان، حيوان.
وأشار بكفيه:
- بيديا أذيت حبيبتي ونور عيوني، أذيتها باديا يا ماما.
احتضنته بقوة لتربت على ظهره وتحدثت بدموعها:
- إهدى يا يوسف، إهدى من فضلك.
إنتهى اليوم وعادت بيسان لمنزلها تحت التفاف جديها والجميع من حولها واحتوائهم لها للتخفيف من وطأة ما حدث، عاد يوسف بصحبة شقيقته إلى سكنهما بقلبٍ مهشم وكيانٍ محطم، ذهب ماجد إلى منزل والديه ليمكث معهما لبضعة أيام حتى يهدأ الجميع.
بعد مرور عِدة أيام
داخل شركة الزين تحديدًا بالقاعة الخاصة بعقد الإجتماعات، كعادتها تترأسُ الطاولة تلك القوية التي أثبتت جدارتها لتستحق ذاك المقعد الخاص برئيس مجلس الإدارة، الجميع يجلس بحالة من التوتر وعدم الإرتياح إنتظارًا لنتيجة المناقصة، فاليوم هو الحاسم، حك “بسام”ذقنهُ ليسألها مبتسمًا بتسلي:
- قلقانة ليه كدا يا أستاذة إيثار، مش المفروض إنك رئيس مجلس الإدارة وواثقة من خطواتك؟
أجابتهُ باقتضابٍ:
- الحمدلله يا باشمهندس.
سألها متهكمًا:
- الحمدلله على إيه بالظبط؟
أجابتهُ بهدوء:
- على كل حاجة… قالتها بنظراتٍ متفحصة لتتابع مسترسلة بكلماتٍ يشوبها الإبهام أثارت ريبته:
- لازم نحمد ربنا على نعمة البصيرة، وبإن سبحانه وتعالى إدانا عقل نفكر بيه، ونمشي ورا الدلائل لحد ما نلاقي اللي بندور عليه.
تحمحم وهو يعدل من ربطة عنقه بارتباكٍ ظهر عليه ليسألها مرتابًا:
- أكتر حاجة بكرها في حياتي هو رمي الكلام بطريقة غير مباشرة.
واستطرد متعمدًا التقليل من شأنها أمام الجميع:
- التصرفات دي تليق بتجمعات ستات المصاطب، مش رئيسة مجلس إدارة شركة عريقة زي شركة«الزين»؟!
وتابع قاصدًا إحراجها:
- فياريت إذا تكرمتي تقولي قصدك من الكلام مباشر يا أستاذة.
لأول مرة يحدثها بتلك الطريقة الفجة، وما زاد من سوء تصرفهُ أنه تم أمام جمعًا ليس بالقليل من كبار موظفي الشركة، إحتدم داخل”أيهم “غيرة على شقيقتهُ ولولا نظراتها التي صوبتها إليه وطالبتهُ من خلالها بضبط إنفعالاتهُ لهب واقفًا وأسرع مهرولاً ليسدد له سيلاً من اللكماتِ والصفعات على ما اقترفهُ من خطيءٍ بحق شقيقته، تمالك من غضبه بإعجوبة، أما هي فابتسمت ببرودٍ أثار ريبة ذاك المتعجرف وجعلتهُ يتطلعُ إليها متفحصًا تلك الإبتسامة المستفزة، تحت استغراب واستنفار كلاً من الموجودين لما يحدث ولتلك الطريقة الغير لائقة التي يتبعها ذاك الحانق بتلك التي ترأسهُ، قطع خيط تفكير الجميع صوت هاتفها الذي صدح بالحجرة لتمسكهُ وتستمع دون رد تحت استنفار الجميع وانتظارهم الأخبار بقلوبٍ متلهفة، سوى ذاك الخائن”عزت البنداري”الذي يجلس مطمئنًا بفضل خسته وتسريبه كالعادة للمعلومات الخاصة بالمناقصة، أغلقت الهاتف ثم نظرت لمديرة مكتبها وتحدثت:
- أستاذة عالية.
أومأت المرأة برأسها وتحركت صوب الباب بطريقة توحي لإتفاقٍ سابق بينهما، فتحت الباب لتُشير لمن يقف خلف الباب قائلة:
- إتفضل.
رواية انا لها شمس الفصل الخامس 5 - بقلم روز امين
لأول مرة يحدثها بتلك الطريقة الفجة، وما زاد من سوء تصرفهِ أنه تم أمام جمعًا ليس بالقليل من كبار موظفي الشركة.
احتدم داخل”أيهم “غيرة على شقيقتهُ، ولولا نظراتها التي صوبتها إليه وطالبتهُ من خلالها بضبط إنفعالاتهُ، لهب واقفًا وأسرع مهرولاً ليسدد له سيلاً من اللكماتِ والصفعات على ما اقترفهُ من خطيءٍ بحق شقيقته.
تمالك من غضبه بإعجوبة.
أما هي فابتسمت ببرودٍ أثار ريبة ذاك المتعجرف وجعلتهُ يتطلعُ إليها متفحصًا تلك الإبتسامة المستفزة، تحت استغراب واستنفار كلاً من الموجودين لما يحدث ولتلك الطريقة الغير لائقة التي يتبعها ذاك الحانق بتلك التي ترأسهُ.
قطع خيط تفكير الجميع صوت هاتفها الذي صدح بالحجرة، لتمسكهُ وتستمع دون رد تحت استنفار الجميع وانتظارهم الأخبار بقلوبٍ متلهفة، سوى ذاك الخائن”عزت البنداري”الذي يجلس مطمئنًا بفضل خسته وتسريبه كالعادة للمعلومات الخاصة بالمناقصة.
أغلقت الهاتف ثم نظرت لمديرة مكتبها وتحدثت:
- أستاذة عالية.
أومأت المرأة برأسها وتحركت صوب الباب بطريقة توحي لإتفاقٍ سابق بينهما. فتحت الباب لتُشير لمن يقف خلف الباب قائلة:
- إتفضل.
صُوبت جميع الأعين نحو الباب، فولچ رجُلاً فارع الطول يرتدي حلةٍ سوداء ترتسمُ الجدية على ملامحهُ الصارمة. لم يتعرف عليه أحدًا من السادة الجالسون لذا تعجب جميعهم.
اعقبهُ الدخول السيد”موافي” المسؤل عن غرفة تحكم ومراقبة كاميرات المراقبة. إرتبك “بسام”وبات يتحرك بعدم راحة فوق مقعدهِ. تبادلا النظرات هو وذاك الـ”موافي”ليطالعهُ مستفسرًا بنظراتٍ فهم مغزاها الرجل فبادلهُ بأخرى معناها أن لا علم له بما يجري.
قطع وصلهما صوت تلك القوية التي نطقت بصوتٍ قويٍ ثابت وهي تُشير للرجل:
- أهلاً يا أستاذ”حازم”، إتفضل شوف شُغلك.
أومأ برأسهِ بهدوءٍ كتحية منه ثم تحرك صوب شاشة العرض المُعلقة بالحائط والمخصصة لعرض صور المشاريع المستقبلية من خلالها، أو أي شيء خاص بالعمل.
وبدأ بتوصيلها بجهاز الحاسوب الخاص به ثم أخرج”فلاشة” كانت بجيب معطفهِ العُلوي وأدخلها بالجهاز.
خرج صوت “بسام” غاضبًا ممتزج ببعض الرجفة مما بات يخشاه:
- هو فيه إيه يا أستاذة، مين الراجل ده وإيه اللي بيعمله هنا؟!
واستطرد منفعلاً:
- وإزاي حد يدخل علينا أوضة إجتماع خاص وبدون علمي وإذني؟!
أخذت نفسًا عميقًا كي تتحكم بانفعالاتها أمام ذاك المنفعل الذي أصبح يعاملها بقسوة وحدة أمام الجميع دون مراعاة مركزها ومكانتها سواء العملية أو العائلية، وذلك بعدما بدأ بفقد السيطرة على ضبط النفس.
لتنطق بابتسامة زادت من استفزازه وتوتره:
- أكيد هعرف حضرتك عليه يا أستاذ” بسام”.
واسترسلت بجدية وكأنها تحولت:
- بس الأول خليني أقول لكم على الخبر المنتظر.
باتت توزع نظراتها الثاقبة بين الجميع لتكمل مسترسلة:
- مبروك علينا المناقصة.
وكأن ببضع الكلمات التي ألقتهم من فمها قد سحبت الأكسجين من الغرفة بالنسبة لـ”بسام”. هلل الجميع سرورًا وبدأوا يهنئون حالهم ماعدا “عزت”.
فقد تصبب العرق من جبهته وبصعوبة ازدرد ريقهُ وكأنه يصارع الموت ويلفظ أنفاسهُ الأخيرة.
خرج صوت بسام مرتبكًا وهو يسألها مترقبًا:
- هي المناقصة رسيت علينا إزاي ؟!
رفعت حاجبها لتجيبهُ مستنكرة:
- يعني إيه إزاي، مش فاهمة ليه الإستغراب؟!
برغم غضبه إلا أنه استطاع التماسك ليُجيبها بابتسامة ساخرة:
- يمكن إتعودت علشان أخر مناقصتين اللي أخدتهم شركة الصخرة بمنتهى السهولة والسذاجة مننا.
قطعت جملتهُ الأخيرة بحدة إمرأة قوية صارمة تعلم جيدًا ماذا تفعل:
- إنك تخسر بعض المعارك ده شيء لا يُعيبك على الإطلاق، العيب إنك تنبطح وتتقبل وضعك بمنتهى الإستسلام، والعيب الأكبر إنك تسيب نفسك محبوس جوة دايرة مقفولة عليك وتفضل تلف جواها زي التور اللي مغميين عيونة، لازم تثور وتشيل غمامة عيونك وتدور على المَخرج.
لتكمل بمغزى عميق وهي تترصد نظراته الزائغة:
- بس عارف إيه هي الخسارة اللي لا يُمكن تخطيها يا باشمهندس، الخيانة.
- قصدك إيه؟!
جملة خرجت بصعوبة من جوفه تحت مراقبة أيهم لتعبيرات ملامحهُ ونظراتهِ المرتعبة.
إبتسامة ساخرة كانت كفيلة بالرد عليه لتحول نظرها على ذاك الجالس حيث يرتعب داخليًا من رد فعل تلك السيدة البنانية الحادة الطباع عندما يتقلبُ مزاجها.
وجهت حديثها للجميع:
- الوقت هنشوف كلنا قصدي إيه.
الجميع في حالة استنفار وترقب ينتظرون رؤية ما سيشاهدونه من خلال الشاشة المعلقة وما تحملهُ تلك الـ”إيثار”من مفاجأت.
قاطعت شرودهم بصوتها القوي وهي تشير للرجل بشموخٍ ورفعة:
- إتفضل يا أستاذ” حازم” ، شُغل الفيديو وخلينا نتفرج على الخيانة في أبشع صورها.
مال بإيماءة بسيطة من رأسهِ ثم ضغط على زِر التشغيل.
وبلحظة ظهر “عزت البنداري” وهو يترجل من سيارته أمام مبنى ضخم تظهر عليه لائحة كبيرة مكتوب عليها بالنص «شركة الصخرة للإستيراد والتصدير».
إنتفض جسد الرجل لدرجة أنهُ أوشك على لفظ أنفاسه الأخيرة، وقد توجهت جميع الأعين صوبهُ والشك والاستغراب يملؤُ جميعها.
تحرك الرجل للداخل واختفى.
عودة لما قبل سبعةُ أيام من الآن.
كانت تجلس تلك الـ “رولا” خلف مكتبها الفخم. ولچت مديرة مكتبها لتخبرها:
- مدام رولا، أستاذ عزت البنداري وصل وطالب يقابل حضرتك.
أشارت لها بإيجاب فولچ الرجل ليلهث وهو يتفحصُ جمالها الخلاب بدايةً من شعرها الأصفر لزينة وجهها الصاخبة والتي تدل على جرأتها كامرأة جميلة تهتم بحالها.
تحدث بعينين زائغتين:
- مساء الخير يا هانم.
أشارت بكفها وهي مستندة للخلف واضعة ساقًا فوق الأخرى، تُحرك مقعدها يمينًا ويسارًا بخفة:
- أهلا وسهلا فيك، إتفضل.
جلس ثم أخرج الورقة التي بحوزته وتحدث:
- دي الورقة اللي فيها كل المعلومات الخاصة بالمناقصة والأسعار اللي قدمتها شركة الزين للهيئة.
مالت بجذعها لتلتقط حقيبة جلدية من اللون الأسود كانت بجوارها ثم تحدثت وهي تناولهُ إياها:
- كتير حلو، وهيدا المبلغ يلي اتفقنا عليه من قبله.
ب واقفًا واختطفها من يدها ثم فتح سحابها وبات ينظر للمال بلهفة مفرطة أظهرت جم حبهِ للمال مما جعل السيدة تطالعهُ باشمئزازٍ وتقليلًا لشأنه.
أغلق الحقيبة ثم نظر إليها وتحدث متلهفًا:
- عقبال فلوس الصفقة الجاية يا هانم، والمرة الجاية المبلغ هيكون أكبر.
واستطرد بجشعٍ ظهر بينًا بعينيه:
- حضرتك عارفة الأسعار بترفع كل يوم.
أجابته بجدية:
- ما عندي مشاكل بهالموضوع، أهم شي بالنسبة لئلي هو الإخلاص، وطول ما انت مخلص، راح تاخد اللي بدك إياه.
أومأ لها بطاعة وأخذ الشيك وخرج من الشركة ومازال السيد حازم يتابع تصويره توثيقًا لخيانته ومدى خسته.
عودة لغرفة الإجتماعات.
تصنم الجميع مما رأوه لتنطق وهي تصوب نظراتها باتجاه ذاك الخائن:
- وبكده يبقى عرفنا مين الشخص الخاين اللي بيناتنا.
ته بالحديث ليقول:
- أستاذة إيثار أنا، أنــا.
- إنتِ إيه….
قالتها بعينين تطلق شزرًا ثم هبت واقفة لتدب على سطح الطاولة وهي تقول بحدة أرعبت الجميع:
- إنتِ خاين وحقير يا عزت، بعت المكان اللي بقى لك سنين فاتح بيتك منه وخونت الناس اللي وثقت فيك وأمنتك على أسرار شغله.
رفعت كتفيها لتكمل متعجبة:
- و وكل ده ليه، علشان شوية فلوس جاية من طريق قذر.
نطق بخزيٍ وجسدٍ منتفض:
- الشيطان كان أشطر مني يا أستاذة، سامحيني وإعفي عني علشان خاطر ولادي الصغيرين.
- دي نفسك الضعيفة الأمارة بالسوء هي اللي غلبت عليك يا خاين… قالتها باشمئزاز ثم انتقلت ببصرها إلى موافي الذي انتفض جسدهُ أكثر لتتابع بابتسامة ساخرة:
- ها يا أستاذ موافي، مش هتقول لنا إديت لمين تسجيل العشر دقايق اللي إتقصوا من تسجيلات الكاميرات بتاعت الشركة؟!
إلتفت على الفور إلى “بسام” الذي ألقى لهُ تحذيرًا حادًا من عيناه بألا يتحدث. ولأنهُ يعلم مدى ضعفه أمام سُلطة “بسام الزين” قرر الصمت والنأي بحالهِ من براثن ذاك الذي قام بتهديدهُ من قبل وهددهُ بأنهُ سيفنيه من العالم إذا خرج ذاك السر من بينهم.
تحدث بهدوء بصعوبة بالغة استدعاه لينطق متنصلاً:
- انا مش فاهم حضرتك بتتكلمي عن إيه يا أستاذة إيثار!
عندما ساورها الشك بشأن خسارة الشركة لمناقصتين متتاليتين قامت باستدعاء شركة أمن خاصة وطلبت منها تتبع شركة الصخرة ومتابعة ما إذا كان أحد موظفي شركة الزين يلتقى بأحد مسؤلي الأخرى أم لا، وأيضًا استدعت خبيرًا بالكاميرات لاكتشاف الخائن من خلال تسجيلات كاميرات المكاتب او العثور على ثغره تهديهم إلى الحقيقة.
أبلغها المتخصص الذي ولچ متخفيًا ليلاً إلى الشركة بمساعدة رجال الأمن حيث أخذوا الأمر منها شخصيًا، وتسلل إلى غرفة المراقبة وللأسف لم يعثر على أي خيط يتتبعه للبحث عن الخائن.
لكنه اكتشف قطع عشرة دقائق من التسجيل الخاص بمكتب عزت، ومن هنا طلبت من الرجل تكثيف مراقبته.
هتفت بحدة بعدما تأكدت من شكوكها أن لبسام يدٍ باختفاء التسجيل:
- بتكلم عن تسجيل الجزء الخاص بإدانة “عزت”.
واكملت:
- اللي اتحذف واتسلم لحد بعينه؟
هنا تطلعت إلى “بسام” الذي لعنها بأفظع السباب بسريرته.
لتتابع هي:
- أحسن لك تطلعه بالذوق بدل ما ابلغ البوليس وييجي هنا يخليك تخرجه غصب عنك.
- بوليس إيه يا هانم، أنا هقول على كل حاجة، بس بلاش تدخلي البوليس…
كلماتٍ قالها بذعرٍ ليقاطعه بسام الذي تحدث بعدما شعر بخسارته تقترب بل ومعهُ فضيحة كبيرة من الصعب محوها لو أزيح الستار عن الحقائق أمام الجميع:
- إحنا محتاجين نتكلم لوحدنا شوية يا أستاذة إيثار.
أشارت بكفها نحو الخارج:
- إتفضل على مكتبي.
وقف أيهم بعدما قرر مساندة شقيقته لتشير هي له بالتوقف:
- خليك مكانك يا أستاذ” أيهم”.
فبرغم شكوكها بأن بسام وراء ما يحدث أو على الأقل له يدٍ، إلا أنها ارادت أن تحافظ على ماء وجهه وحفظ كرامة العائلة حتى أمام شقيقها.
ولچت بصحبته إلى المكتب لتنطق بحدة:
- أنا سامعاك، إتفضل فسر لي.
- أنا اللي خليت موافي يقص التسجيل ويدهولي… قالها بشموخ واكمل بمراوغة وهو ينفي شكوكها به:
- بس مش علشان أداري على عزت ولا أأذي الشركة زي ما وصل لك وحسيته من نظراتك ليا، أنا عملت كده علشان أحتفظ بيه قبل ما غيرنا يشوفه ويعرف اني كشفت عزت وبراقبه.
رفعت حاجبها مستنكرة ليهتف هو مؤكدًا بزيف:
- هو أنتِ فاكرة إن مفيش غيرك تهمه مصلحة الشركة وبيخاف عليها ولا إيه؟! أنا كمان كنت جايب واحد وممشيه ورا عزت.
نطقت بما اربكهُ:
- ولما حضرتك ممشي وراه حد، إزاي مكتشفتش تردده على شركة الصخرة؟!
أجاب سريعًا بعدما وجد مخرجًا لا يقنع عقل طفلاً:
- الراجل كان عنده ظروف اليوم اللي عزت راح شركة المنافسين، مراته كانت في المستشفى بتولد، واتصلوا عليه وراح لها.
- حمدالله على سلامتها، إبقى فكرني أبعت كادو بإسم الشركة للمولود… واكملت متهكمة:
- هو ولد ولا بنت؟!، أصلها بتفرق.
استشاط داخلهُ من حديثها المهين ليهتف غاضبًا بعدما فقد السيطرة على هدوئه:
- هو حضرتك بتتريقي ولا إيه يا أستاذة؟!
- العفو يا باشمهندس… قالتها بملامح ساخرة لتتابع بحدة وصرامة بكلماتٍ تحذيرية مُبطنة:
- بس ياريت تخلي بالك من رجالتك اللي بتختارهم بعد كده، ومتقلقش على الشركة، لأنها في عهدة إيثار الجوهري، مرات سيادة المستشار فؤاد علام.
واسترسلت بقوة:
- أصحابها سلموني إدارتها أمانة.
واكملت بإصرار:
- وأنا عمري ما أفرط في الأمانة أبدًا.
فهم مغزى تهديدها وسألها مستعلمًا:
- هتعملي إيه مع “عزت”؟!
أجابتهُ بصمود وهي تبسط كفها إليه:
- إديني التسجيل والباقي سيبه علي.
تنفس ليكظم غيظهُ ثم أخرج جوالهُ المحمول وبعث لها التسجيل.
بعد قليل كانت بغرفة الإجتماعات من جديد، وقفت بشموخ أمام الجميع لتنطق بحدة لرجال الامن الخاصة بالشركة بعدما قامت باستدعائهم:
- خدوا الخاين ده وحطوه في أي مكتب على ما البوليس يوصل.
بات يصرخ مستنجدًا ومتوسلاً إليها تحت نظرات الجميع المتعجبة من قوة تلك المرأة التي لم تهتز وذاك المشهد العجيب.
حولت بصرها لذاك الموافي المرتعب وتحدثت:
- إنت مرفود يا موافي، ومش بس كده، هيتكتب في إستمارة إقالتك إن السبب هو خيانة الأمانة وتعريض الشركة للأذى والضرر، وإبقى وريني بقى أي شركة هترضى تشغلك مع سجلك الإسود ده.
ثم تبادلت النظرات بينهُ وبين بسام وتابعت بمغزى عميق:
- واحمد ربنا إني عاملة إعتبارات لأمور خاصة مرتبطة بسمعة الشركة والعيلة، وإلا قسما بربي ما كنت خرجت من هنا غير على السجن زيك زي الخاين عزت.
تنطق بعينين تكاد تبكي من شدة الندم:
- أستاذة إيثار أرجوكِ، لازم تسمعيني وتعرفي اللي حصل بالتفصيل، أنا مليش ذنب في اللي حصل.
وصرخ وهو يوجه حديثهُ إلى بسام:
- أنا جبت التسجيل وسلمته للباشمهندس زي ما طلب مني، وكنت فاكر إنه هيقول لحضرتك بس هو قال لي….
قاطعهُ بسخطٍ مرتبك كي لا يفصح عن ما تم حياكتهُ بينهما ويظهر تضليلهُ لها:
- إخرس يا موافي، الأستاذة إيثار عارفة كل حاجة حصلت بالتفصيل.
وتابع بزيفٍ كي ينفي عنه تهمة التواطيء للضرر بمصالح الشركة:
- وعارفة إني أخدت التسجيل علشان ميوقعش في إيد عزت وياخد باله ويحرص، وعارفة كمان إني كنت براقب عزت علشان أكشفه.
رمقتهُ باشمئزاز ثم تحدثت إلى “موافي”:
- روح على الحسابات علشان يسلموك باقي مستحقاتك يا موافي، أنا مبلغاهم بكل حاجة.
وتابعت متهكمة:
- المبلغ ده علشان يعينك على الحياة لحد ما تلاقي محل كشري، ولا صاحب عربية فول وطعمية واقفة على ناصية شارع يرضى يشغلك من غير ما يشوف السي في بتاعك.
واكملت:
- يا خسارة يا موافي، ضيعت نفسك بسكوتك عن الحق وصمتك المخزي وإنتَ شايف المكان اللي فاتح بيتك بيخسر واحتمال ينهار، دي كانت قرصة ودن ليك ويارب تتعلم منها وتخلي ضميرك دايمًا صاحي.
وتابعت بصدقٍ:
- إنتَ أكتر حد صعبان عليا في الموضوع ده كله، على الاقل عزت قبض تمن خيانته فلوس، لكن إنتَ خُنت بدون مقابل.
خرج موافي لتنطق وهى تنظر للجميع:
- كلنا شوفنا بعيونا نهاية الخيانة وجزائها عندي بيكون إيه؟
واسترسلت بقوة لتبث داخل أرواحهم العزيمة:
- من النهاردة عاوزة عيون الكل مفتحة، كلنا هنبقى إيد واحدة ومهمتنا الأساسية هي تدمير شركة الصخرة، من هنا ورايح هيشوفوا رد شركة الزين بيكون عامل إزاي على كل اللي يتجرأ وييجي علينا، واحدة بواحدة والبادي أظلم.
صفق لها الجميع وأظهروا دعمهم بالهتاف تحت نار قلب بسام المشتغلة.
خرج الجميع ليلقي” بسام” نظرة ساخطة عليها قبل أن يخرج بادلتهُ إياها بأخرى متحدية.
ذهبت هي الأخرى إلى مكتبها بصحبة “أيهم” الذي اقترب منها متحدثًا بعدما قصت عليه ما حدث:
- لازم تبلغي فؤاد وسيادة المستشار على اللي عمله “بسام “، ده إنسان غبي وكان هيضيع الشركة بحقده، لازم يتعاقب يا إيثار.
- أكيد هبلغ فؤاد… قالتها لترتمي فوق مقعدها بإرهاق محاربة.
بمكان أخر بمدينة “ستراسبورغ” المتواجدة بدولة”فرنسا” داخل منزلٍ فخمٍ يوحي بثراء ساكنيه، انتفض من مقعده كالملسوع ليهتف بحدة مستنكرًا بعينين غاضبتين وهو يتحدث عبر الهاتف:
- إنتِ بتقولي إيه يا “لارا”، وإنتِ كنتي فين، وإزاي تسمحي بحاجة زي دي تحصل؟!
- حياتي فيك تهدى بليز… قالتها لتستدعي هدوءه ليصيح الآخر وهو يسحب شعر رأسهِ للخلف بجنون يكاد أن يقتلعه من جذوره:
- أهدى إيه وزفت إيه بعد ما إيثار علمت عليكِ إنتِ ورجالتك الهُبل دول.
برغم غيرتها المُرة وشعور الغليان الذي يِصيبها عندما تستمع لذكر زوجها لحروف اسم تلك الغريمة لكنها استطاعت ضبط النفس لأبعد الحدود لتنطق بإبانة:
- بليز فيك تهدى، وأنا زيي زيك بالزبط، مابعرف شو يلي صار لحتى تطير هالمناقصة من ايدينا، المحامي كان كتير مطمني ومأكدلي إن هالمنائصة ما راح تطلع من بين إدينا.
واسترسلت موضحة:
- وهيداك الموظف يلي اسمه عزت، جبلي الفايل تبعن يلي فيه كل المعلومات اللي قدموها.
صاح بسخطٍ غاضب:
- واضح يا هانم إن الموظف عميل عندها ولعب عليكِ إنتِ والمحامي الأهبل بتاعك؟
أجابتهُ باقتناعٍ:
- يلي عم تحكيه مش مزبوط وما ممكن يكون حقيقي، هايدي مانا اول مرة بنشتغل فيها مع هالزلمة، بترچاك حياتي تهدي حالك وأنا راح أتصرف.
واسترسلت وهي تنظر أمامها بتوعدٍ:
- شكلي ماعرفت أقيم هالمرة منيح، لكن بوعدك راح فتح عيوني أكتر من هيك، والضربة الجاية بتكون القاضية.
ئلهاتحدث بصوتٍ مهزوم:
- إقفلي يا لارا، انا متضايق ومش قادر أتكلم.
- أوكِ… قالتها باستيعاب لغضبه لتكمل:
- راح اتركك هلا وبنحكي بعدين.
اغلق هاتفهُ وباتت شياطين العالم تتراقص أمام عينيه، للمرة التي لا يعلمُ عددها تفوقت عليه إيثار. بات داخلهُ يغلي من شدة غضبه، فقد عزم الأمر على تدمير تلك الشركة التي تُديرها ليثبت للجميع فشلها لعل عائلة زوجها وهو أولهم يغضبون عليها ويسخطون، ولعل الأمل يتجدد داخلهُ بتطليق زوجها لها، فبرغم زواجهُ بأخرى جميلة ومنمقة وسيدة مجتمع من الطراز الأول، إلا أن مازال لعشقها داخلهُ مكانًا لم تطأهُ قدم إحداهُن إلى الآن.
تذكر أفضال زوجته الكثيرة عليه، حين سافر إلى فرنسا بعد حادث القبض على شقيقه، قابلها بعدما كان تائهًا بين طرقات المدينة، يلهو هنا وهناك ويرتمي داخل أحضان النساء علهُ يستطيع نسيان ما حدث له ولعائلته من تشريد، إلى أن قابلها فغيرت مجرى حياته بالكامل بعد أن أوقعها سلطان العشق في غرام إبن البنهاوي، فقد كان وسيمًا للغاية، جذبها بعفويته وتأذت لتيهته وشروده فقررت أن تساعدهُ.
بالفعل أخذت بيده وادخلتهُ لعالمها، انجذب له أبيها بعدما علم ضخامة ثروته التي جمعها من مال الأثار، وأيضًا ما لم يعلمه الجميع ويعلمهُ هو عن وجود مقبرة ضخمة كان والدهُ يضع بها مجموعة هائلة من الأثار ويخبأها للزمن، ولم يأمن أحدًا على سرهِ سوى ذاك المدلل “عمرو”، حتى إجلال بذاتها لم تكن على عِلم.
عندما تقرب من والد لارا وأمن له صرح له بسره العظيم، تحرك الرجل بعلاقاته المتعددة وقاموا بإخراج تلك الأثار وتهريبها خارج البلاد مما جعل الاموال تهطل عليهم كالأمطار الغزيرة.
تقاسم هو والرجل تلك الأموال وبدأوا باستثمارها فزادت وتكاثرت بشدة، تزوج بعدها من لارا وأنجب ابنته نور وسليم الذي أسماه على اسم أبيها الذي ساعدهُ كثيرًا ومدهُ بالقوة لما لهُ من نفوذ بحكم علاقته برجال خارجين عن القانون.
استمع إلى رنين الهاتف فرفعه لمستوى عينيه وجد غاليته الحبيبة، أخذ نفسًا عميقًا لينطق بهدوء:
- أزيك يا ماما.
على الجانب الأخر، هتفت إجلال بفرحة وهي تتحرك بوسط غرفتها التي أغلقتها عليها جيدًا كي لا يستمع أحد ويعلم بأمر صغيرها:
- إزيك إنتَ يا حبيبي، وحشتني يا” عمرو”.
- إنتَ كمان وحشتيني قوي يا ستهم…
نطقها بتلقائية لتتسع عينيها وهي تنطق بحنين:
- ياه يا عمرو، الإسم ده كنت خلاص قربت أنساه، لحد ما كلمتني إنتَ من كام شهر وفكرتني بيه.
وأكملت تنتحبُ بحسرة على مجدها الزائل:
- ستهم اللي الكل كان بيعمل لها ألف حساب ويتهز لإسمها رجالة بشنبات، شافت ذل بعمرها كله من أهل الكفر، الصغير قبل الكبير هانها وشمت فيها.
نزلت كلماتها على قلبه كجمراتٍ من لهب ليهتف بفحيحٍ من بين أسنانه:
- وحياة هيبتك لاجيب لك حقك من كل اللي جم عليكِ يا ستهم، وهوقف هم لك صف ورا بعض، يميلوا ويبوسوا رجلك علشان ترضي عنهم وتسامحي.
شعرت بانتشاء لتأخذ نفسًا مطولاً وهي تقول:
- إمتى بس يا “عمرو”.
- قريب، قريب قوي… قالها وهو ينظر أمامهُ بتعمقٍ وابتسامة نصر ترتسمُ على محياه.
داخل منزل حسين البنهاوي، عاد من العمل الجديد محملاً بأكياسٍ مليئة بالخضروات والفاكهة والحلوى لإدخال السرور على قلب عائلته وتعويضًا لما عانوه معه وتحملوا الصعاب وهم صامدون.
فتح الباب وولچ يهتف بصوتٍ لاهث من ثقل حمل الأكياس وصعود الدرج بهم:
- مروة، إنتِ فين يا مروة.
خرجت مسرعة من المطبخ وهي تجفف كفيها بالمنشفة لتتفاجيء بما يحمله، هرولت إليه لتحمل عنه وهي تسألهُ بسعادة ظهرت بابتسامتها:
- إيه اللي إنتَ جايبه ده كله يا حسين؟
تحدث بابتسامة وهو يضع ما تبقى من أكياس على تلك الطاولة الصغيرة:
- قولي ماشاء الله علشان ربنا يزيد الخير يا مروة.
نطقت بابتسامة:
- ماشاء الله يا سيدي، بس هو يعني أنا هحسدك يا حسين؟
- قالوها أهالينا زمان، ما يحسد المال إلا أصحابه… قالها وهو يرتمي بجسده فوق الأريكة ليرتاح من صعود الدرج، لتنطق وهي تقلب بالاكياس:
- الله أكبر، إيه ده كله.
التفت يناظرها وهو يقول بامتنان:
- دي أقل حاجة علشان اعوضكم عن سنين الحرمان اللي عيشتوها معايا.
اتحركت لتجاورهُ الجلوس ثم تحدثت بعينين عاشقتين لرجلها:
- متقولش كده يا حسين، وجودك معانا سالم غانم أكبر نعمة في حياتنا، وإنتَ عمرك مقصرت معانا في حاجة.
- إنتِ جدعة وبنت أصول واتحملتيني يا مروة، ما عندك ياسمين مرات طلعت أخويا، اول ما اتقبض عليه رفعت قضية خلع وطلقته، ده غير عياله اللي وخداهم ومش عارف يشوفهم من يوم ماخرج.
أجابته بعدما وقفت وتحركت لتفتش من جديد داخل الأكياس:
- صوابعك مش زي بعضها يا ابو أحمد، الله أعلم بظروفها، مش يمكن يكونوا أهلها هما اللي غصبوها على الطلاق.
طالعها باعتراض:
- وأهلها كمان اللي خلوها تعمل لتليفونك حظر؟!
ثم استرسل بامتنان يفيضُ من عينيه:
- كل واحد أصله بيظهر في وقت الشدة يا مروة، وعندك إيثار أكبر مثال على كلامي.
نطقت بنبرة سعيدة:
- الله يكرمها ويبارك لها في عيالها، ويزيدها خير زي ما كانت السبب في توسيع رزقنا.
- عندك حق، لولاها كان زمانا على حالنا… قالها بحزن متأثرًا فنطقت كي تخرجهُ من تلك الحالة:
- سيبك من ده كله وقوم غير هدومك على ما أجهز الغدى.
واشارت بكفها بانتشاء:
- ده أنا عاملة لكم شوية ملوخية خضرا على فرخة ورز بشعرية إنما إيه، هتاكلوا صوابعكم وراهم.
- هما الولاد جم من برة؟
ردت عليه نجلتهُ الكبرى وتدعى “حنان” حيث خرجت من غرفتها المشتركة مع شقيقتها الصغرى “تقى”:
- أنا جيت من الجامعة بقالي نص ساعة يا بابا، يادوب غيرت هدومي، وأحمد تحت بيجيب كيس سُكر من المحل، وتقى اتصلت وقالت انها جاية في الطريق.
أجابها بحنانٍ:
- حمدالله على السلامة يا حبيبتي، يلا بسرعة جهزي الغدى علشان تدخلي مع أمك إنتِ واختك وتعملوا لنا عشا محترم، أصلي اتصلت بيوسف وزينة ولاد عمك علشان ييجوا يتعشوا معانا النهاردة.
نطقت مروة بصوتٍ معترض:
- إخص عليك يا حسين، طب كنت قول لي من الصبح علشان أنضف الشقة كويس.
أجابها مستنكرًا:
- مالها الشقة يا مروة، مهي زي الفل أهي، يلا جهزوا الغدى هموت من الجوع.
داخل جامعة القاهرة كانت تتحرك داخل رواقٍ صغير بالحديقة الخلفية للجامعة، بعد أن خرجت من الحمام الخاص بالفتيات وكانت بطريقها المؤدي لقاعة تلقي المحاضرات.
قطع طريقها ذاك الـ”مازن”وهو يقول بسخافة بعدما استغل هدوء المكان وعدم وجود مارة:
- على فين يا سندريلا، إنتِ مش ناوية تفكي وتخرجي عن صمتك ولا إيه؟
ارتبكت وتحدثت بتهتهة:
- وسع لو سمحت، خليني ألحق المحاضرة قبل الدكتور ما يدخل.
مرر لسانهُ فوق شفته العلوية لينطق بغمزة وقحة وهو يقترب منها:
- ما تسيبك من المحاضرة وتعالي أعزمك برة على حاجة نشربها ونتسلى سوى.
تراجعت للخلف سريعًا وهو تصده:
- سيبني في حالي الله يخليك.
اقترب مرةً أخرى قبل أن يقول بوقاحة:
- إسمعي الكلام وتعالي معايا، صدقيني هتنبسطي.
وأكمل مشيرًا لذاك اليوم تحت ضحكات صديقهُ “إياد” المستند على الحائط يشاهد ما يحدث بتسلي بدون نخوة:
- هو أنا أه معنديش عربية بي إم دبليو زي الواد اللي إنتِ مصحباه، بس أعجبك.
صرخت حين لمس كف يدها لتنطق بحدة:
- والله لو مبعدت عني لاصوت والم عليك الجامعة كله.
رمقها بنظراتٍ حادة ليهتف بسخطٍ:
- جرéd إيه يا روح أمك، إنتِ هتعملي عليا شريفة وإنتِ مدوراها.
وأشار لصديقه الذي صدحت ضحكاته المستهترة بحالة الفتاة:
- طب قول لها إنتَ يا إياد، عرفها إننا شفناها مع الواد بتاعها وإن اللي بتعمله ده ممنوش فايدة.
- فيه إيه يا أنسة، الأستاذ بيتعرض لك ولا حاجة؟… قالها شاب في الفرقة الرابعة كان يمر من جوارهم ولاحظ هلع الفتاة ودموعها، هرولت تختبيء خلفه وهي تقول مستنجدة به:
- أرجوك تبعده عني وتخليك معايا لحد ما أوصل لباب القاعة.
تألم لحالة الهلع التي بدت عليها وبسرعة تحدث يطمأنها:
- إهدي ومتخافيش، أنا جنبك ومش هسيبك.
قطع حديثه ذاك المتهور الذي جذبها من خلف الشاب بحدة وتحدث بقوة وعينين تمتلئتين بالشر:
- خليك بعيد بدل ما تتأذي، وبعدين اللي إنتَ جاي تدافع عنها دي مدوراها ومصاحبة واد بعربية بي إم دبليو، يعني من الأخر كده هتضيع نفسك علشان واحدة شمال متستاهلش.
- والله العظيم كذاب، اللي بيتكلم عنه ده يبقى يوسف أخويا… قالتها للشاب ثم استرسلت وهي تجذب ذراعها بقوة تحلت بها:
- حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا بعيد، ربنا يدوقك من كاس الظلم اللي شربتني منه.
كاد الشاب أن يضحك على مظهرها وهي كالفرخ المبلول وحديثها الجديد عليه، لكنه نفض تلك الافكار وتحرك إليها ليقف امامها بجسارة ويقول:
- يلَ يلَ منك ليه من هنا، روحوا إلعبوا بعيد، وإياك ألاقى حد منكم بيتعرض لها هي ولا غيرها.
- وإنتَ مال أمك يا جدع… قالها وهو يدق بكفيه على صدر الشاب كتهديد بالإبتعاد، ليتابع:
- روح شوف نفسك رايح فين بدل ما أذيك.
دفعه الشاب بقوة تراجع على أثرها للخلف وكاد أن ينبطح أرضًا لولا يداي صديقهُ إياد الذي أسنده ليتابع الشاب بسخرية:
- مالك يا ابني نافش لي ريشك كده ليه، ده أنتَ شبر ونص يلَا.
ثم رمقهُ من قمة رأسه لأخمص قدميه وهو يقول ساخرًا من قُصر قامته بالنسبة له:
- أمال لو كنت طول بعرض كنت عملت فينا إيه؟!
احتدت ملامح مازن بغضب ليتابع الشاب ناصحًا:
- أنا هسيبك المرة دي علشان باين عليك غلبان وأبوك شارب المر علشان يعلمك.
واستطرد:
- إنتَ شكلك جديد ولسه في سنة أولى ومتعرفش قوانين الجامعات وصرامتها، صدقني لو خدتك من إيدك الوقت وروحنا لعميد الكلية وحكيت له اللي حصل أنا وزميتلك هتترفد وقتي، ده غير الحبسة.
اتسعت أعين صديقه إياد لينطق مزبهلاً:
- حبس؟!
اجابه الشاب:
- أه يا حبيبي حبس، بتهمة التعرض لقاصر والتحرش بيها وفين، داخل الحرم الجامعي يا غشيم منك ليه، يعني محبوس محبوس.
رمقه الشاب بحدة وتحدث بوعيد:
- ماشي، هنتحاسب بس بعدين.
قالها وتحرك للامام هو وصديقه ليصيح الاخر متهكمًا:
- وليه بعدين يا حيلتها، ما أحنا فيها أهو، تعالى لو راجل وواجهني.
مضى بطريقهُ دون رد ليلتفت الشاب متحدثًا باهتمام لتلك التي مازالت ترتجف:
- إنتِ كويسة؟!
بنبرة مرتعبة نطقت:
- أنا متشكرة جداً، إلهي ما يوقعك في ضيقة ابدًا ويسترك.
- إنتِ منين؟… سؤال وجههُ لها بعدما لفت انتباههُ كلماتها التي لا تتناسب مع مظهرها وثيابها الثمينة، لتنطق هي متعجبة:
- إشمعنا؟
- إنتِ هتخشي لي أفية؟… قالها بمناغشة لتحزن وتنظر أسفل قدمها بعدما شعرت بسخريته مما أحزنهُ لينطق سريعًا:
- زعلتي ليه كدة، يا بنتي أنا بهزر، بنكشك علشان تفكك من الخوف ده.
تطلعت إليه لتتعمق بمقلتيه البنيتين ليتابع من جديد:
- إضحكي خلاص.
ابتسمت بخفة ليكمل:
- أنا إسمي رامي كمال، طالب تجارة بالفرقة الرابعة.
ظلت صامته ليحثها على التحدث قائلاً:
- دورك.
- دوري في إيه مش فاهمة؟!… قالتها ببلاهة ليطلق ضحكة رجولية أثارت إنتباهها ثم توقف ليقول:
- ده أنتِ مشكلة، شكلك خام قوي.
ثم تابع مفسرًا:
- أقصد إسمك إيه؟!
أجابت بصوتٍ خافت:
- زينة، سنة أولى كلية علوم.
طالعها ليبتسم قائلاً:
- إسمك حلو قوي يا زينة، زي شكلك.
ارتبكت لتسحب عنه بصرها بارتباك وتحركت للأمام لتقف متسمرة عند سؤالهِ:
- إنتِ صحيح مصاحبة زي ما الولد ده قال؟!
التفتت لتجيبه وهي تهز رأسها بارتباك ظهر عليها:
- لا والله العظيم أبداً، ده بيفتري عليا.
- خلاص مصدقك من غير ما تحلفي… أخرج بطاقة تعريفية واقترب منها ليبسط ذراعه قائلاً:
- ده الكارت بتاعي وفيه رقم تليفوني، لو حد منهم ضايقك تاني رني علي.
رمقتهُ بحزنٍ وهي تتنقل ببصرها بين البطاقة وعينيه ثم التفتت لتسرع إلى الأمام دون نطق حرفًا واحدًا مما أصاب الأخر بالإندهاش من تلك الفتاة غريبة الأطوار التي أصابتهُ بالفضول.
عادت لمنزلها لتجد ذاك الثائر ينتظرها داخل الحديقة وما أن رأها تترجل من سيارتها حتى أقبل عليها ليهتف غاضبًا:
- اهلاً بالهانم اللي معتبراني كيس جوافة في حياتها؟
ليصيح معترضًا على حديثه:
- ده حتى كيس الجوافة ليه فايدة عني.
ارتجف جسدها لتسألهُ بهلعٍ بعدما اعتقدت حدوث شيئٍ سيء لأطفالها:
- إيه اللي حصل يا فؤاد؟ حد من الولاد جرى له حاجة؟
- اللي حصل عندك إنتِ يا مدام… قالها بصياحٍ مرتفع أظهر كم غضبه ليتابع بحدة بالغة:
- دايرة تخططي وتكوني فرقة مراقبة، وتطلبي البوليس، وكل ده في شركتي ومن ورى ظهري وانا نايم على وداني زي المغفل.
استكانت قليلاً بعدما علمت سبب حدته لتنطق وهي تحتوي كفيه برعاية:
- طب ممكن تهدى وتيجي معايا فوق علشان نعرف نتكلم براحتنا.
نفض كفيها ليصيح بحدة تحت نظرات والديه اللذان خرجا على ارتفاع صوته الغاضب:
- نتكلم في إيه يا أستاذة، ونتكلم بعد إيه؟!
تسائل والدهُ باستغراب:
- فيه إيه يا سيادة المستشار؟! ، صوتك عالي ليه؟
هتف بنبرة أظهرت كم سخطه:
- فيه إن الهانم مراتي شيلاني كزوج من حساباتها، وبتتعامل معايا كرئيسة مجلس إدارة للشركة.
واسترسل ساخطًا:
- ده حتى دي مش عاملة لي حساب فيها.
هتفت هي الاخرى بدفاعٍ عن موقفها:
- وكنت عاوزني أعمل إيه يا سيادة المستشار، أجي اجري عليك وأستخبي في حضنك وأقولك إلحقني يا فؤاد.
لتشيح بكفيها مستعرضة:
- وأبقى فشلت في اول إختبار حقيقي ليا كرئيس مجلس إدارة الشركة، وأفقد إحترام الموظفين ليا، وأفقد كمان ثقتكم اللي كلكم حطتوها في.
ثم اقتربت عليه ونطقت في محاولة منها لامتصاص غضبه:
- يا حبيبي إهدى من فضلك وخليني اشرح لك.
تطلع لملقتيها بجنونٍ قبل أن يصيح بغضب أظهر ارتعابه عليها:
- تشرحي لي إيه يا إيثار، هتقولي إنك دخلتي وكر العقارب برجليكِ من غير ما تبلغيني، إزاي تبقى فيه شركة بتحاربك ومجندة موظفين جوة الشركة ومتبلغنيش بمصيبة زي دي؟
- مكنتش عاوزة أشغلك يا فؤاد، أنا مقدرة جدًا ظروف شغلك ومنصبك الكبير.
ضحك ساخرًا وبات يدور حول حاله بجنون وهو يجذب شعر رأسه للخلف، ليتوقف ويتحدث ساخرًا لأبويه:
- سامعين الهانم مراتي بتقول إيه؟
هتف علام كي يعي نجله على حاله ويخرج من حالة الغضب تلك:
- خلاص يا فؤاد، إهدى وخلينا نفهم اللي حصل من إيثار.
وبدون مقدمات إقترب منها ليجذبها بقوة ويسكنها بأحضانهِ ثم حاوطها بذراعيه ليشدد عليها بقوة كادت ان تفتت عظامها، وهمس بجانب أذنها:
- إزاي قدرتي تعملي كده، تخبي عن حبيبك يا إيثار، ده أنتِ نايمة في حضني طول الليل.
ابتعد قليلاً ليحاوط وجنتيها بكفيه وتابع بجنون العشق:
- إفرضي أذوكِ، كنت هعمل أنا إيه وقتها؟
زادها الحنينُ عشقًا فوق عشقها الهائل له، وما شعرت بحالها سوى وهي تتلمسُ ذقنهِ النابتة بكفها قبل أن تقول بنبرة حنون وبعينيها حنان الدنيا بأكمله:
- ما أنا قدامك أهو وكويسة يا حبيبي.
ثم سألته:
- بس إنتَ عرفت منين؟
رفع حاجبهُ وبنصف عين أجابها متهكمًا:
- هي الهانم ناسية هي مرات مين ولا إيه؟
أما عن الزوجان الواقفان يشاهدان بتعجب لما يحدث، فقد نطق علام بمداعبة بعدما قرر تلطيف الأجواء:
- أنا بقول تاخد مراتك وتطلع اوضتكم بدل ما أتصل ببوليس الأداب ييجي يلمكم ويمشي.
قهقهت عصمت وتحدثت:
- والله عندك حق يا سيادة المستشار، إبنك ومراته إتجننوا على كبر، بعد ما كان بيزعق وخارب الدنيا، فجأة أخدها في حضنه وهاتك يا كلام حب وغرام.
جلست وقصت عليهم ما حدث لينطق علام متأثرًا:
- انا مش قادر أستوعب إن بسام يعمل كده.
أجابته عصمت بتعقلٍ:
- الغيرة تعمل أكتر من كده يا علام.
حك فؤاد ذقنه وتحدث:
- اللي أهم من موضوع غيرة بسام وتصرفه هي الشركة دي، مين صاحبها وليه قاصدنا إحنا بالذات من وسط سوق العمل كله؟
أجابته بما تراه من وجهة نظرها:
- ولا قاصدنا ولا حاجة يا فؤاد، الموضوع أبسط من كده، الشركة نازلة بتقلها في السوق، واكيد هتحطنا في دماغها بما إننا المنافس الأكبر ليها في المجال.
أشار بكفه معترضًا:
- لا يا إيثار، أنا عندي إحساس إن الموضوع أكبر من كونها منافسة شركات.
تنهدت عصمت لتقول باستغراب:
- أنا مش فاهمة الدنيا جرى فيها إيه، الطمع والجشع ملى قلوب الناس بشكل يخوف.
أسرع الصغير إلى والدته ليحتضنها قائلاً بدلال وهو يتمسح بها:
- مامي حبيبة قلبي.
- يارروحي يا ملوك، وحشتني يا عمري.
تحدث بملاطفة:
- إنتِ كمان وحشتيني، يلا علشان تتغدي وتنامي في حضن بابي، وبعدين تصحي ونروح عند چو.
مسحت فوق شعره بحنان ثم أجابته:
- مش هينفع نروح لچو النهاردة، هو وزينة معزومين على العشا عند عمهم.
وقف فؤاد ليحمل صغيرهُ ويحتضنه وهو يقول:
- تعالي يا حبيبي علشان مامي تقوم تغير هدومه.
لف الصغير ذراعيه حول عنق والده وسند رأسهُ فوق كتفه، ليلتفت فؤاد لخليلة الروح وتابع قائلاً:
- يلي يا بابا علشان تغيري هدومك ونتغدى مع بعض.
أومأت لتهب واقفة وتتحرك للداخل تحت نظرات ذاك الحبيب العاشق.
ليلاً كانت تجلس فوق مقعدها الهزاز بشرفة غرفتها الخاصة، دموعها تتساقط حزنًا وألمًا على ما وصلت إليه من حال بفضل عزيزاي عينيها، حبيبها ووالدها، تطاردها ذكرياتهما معًا طيلة الوقت.
استمعت لبعض الطرقات الخفيفة فوق باب غرفتها لتهتف بصوتٍ خافت بعدما قامت بتجفيف دموعها سريعًا:
- إتفضل.
اقتربت منها فريال وحاوطت كتفيها متسائلة بنبرة حنون:
- قاعدة لوحدك ليه يا بوسي، تعالي أقعدي معايا أنا وفؤاد تحت في الجنينة.
- معلش يا مامي، أنا مرتاحة كده.
تنهدت الأم لتتابع الفتاة بجدية:
- ماما.
تطلعت عليها لتسترسل الفتاة بعينين ذابلتين من شدة البكاء:
- إتصلي بـ بابي وخليه يرجع، كفاية كده.
تألمت وشعرت بوخزة شديدة هاجمت قلبها بضراوة، خرج صوتها متألمًا وهي تقول بنبرة عاتبة:
- هو أنا كنت قولت له يمشي، ده زي ما يكون بيتلكك، راح قعد عند مامته ومن يوم اللي حصل مرنش عليا مرة واحدة.
تنفست الفتاة بعمقٍ وهي تقول:
- إنتِ عارفة إنه مكسوف من اللي حصل لي بسببه، أرجوكِ كلميه وخليه يرجع، بلاش تحسسوني بذنب أكبر، كفاية عليا اللي أنا فيه.
وما أن نطقت كلماتها حتى انفجرت ببكاءٍ مرير لتحتضنها الاخرى وتشاركها دموعها الحزينة.
بمكانٍ آخر يقف بشرفة الردهة ينظر إلى السماء، داخله يتقطعُ ألمًا وقهرًا على الحبيب، يريد معرفة أخبارها، يتطوق شوقًا لرؤية وجهها والإطمئنانِ عليها، ينتظر يوميًا أمام جامعتها ينتظرها ليرى وجهها من بعيد ويطمئن بشوفتها، لكنها منذ ذاك اليوم لم تطأ ساقيها الجامعة ولا الشارع من الأساس.
تنهد بألمٍ ينخر بقلبه، استمع لصوت شقيقته وهي تقول بصوتٍ حماسي يرجع لسعادتها لزيارة منزل عمها التي تربت بكنفه:
- أنا جاهزة يا يوسف.
التفت ليقول بفتورٍ:
- يلا يا حبيبتي.
اقتربت عليه ومسكت كفهِ لتقول بمغزى:
- روح لها يا يوسف، قول لها إنك لسه بتحبها ومش قادر تبعد عنها، هي كمان واضح إنها بتحبك.
أجابها بقلبٍ ينزفُ دمٍ:
- مبقاش ينفع خلاص يا زينة، الشرخ كبر قوي بينا والمسافة بعدت.
كادت أن تتحدث فقاطعها لينهي الحديث:
- يلا علشان منتأخرش على عمك.
رواية انا لها شمس الفصل السادس 6 - بقلم روز امين
حول تلك الطاولة الصغيرة بمسكن “حسين البنهاوي”، اجتمعت العائلة حولها بصحبة يوسف وشقيقته التي توسعت ابتسامتها وكاد قلبها أن يخرج من مكانه جراء سعادتها البالغة، تشعر وكأنها سمكة عادت للمياه بعد أن كادت تلفظ أنفاسها على الشاطئ.
تحدثت مروة بحفاوة وهي تقوم بوضع الطعام داخل الوعاء الخاص بـ”يوسف “:
- كُل يا يوسف ومتتكسفش، ده بيت عمك، يعني بيتك يا حبيبي.
واسترسلت بملاطفة كي تحثهُ على الإندماج:
- ولا يكون أكلي مش عاجبك ومكسوف تقول؟
أجابها بوقار وابتسامة هادئة:
- بالعكس يا طنط، الأكل طعمه حلو جداً، تسلم إيد حضرتك.
تطوعت زينة بالحديث بمرحٍ على غير عادتها:
- يوسف أكلته ضعيفة يا مرات عمي.
واسترسلت بمشاكسة وهي تتطلع إلى شقيقها:
- أصله رياضي ومبيحبش يتخن ويبوظ شكله.
تنهدت”تقى “الصغيرة البالغة من العمر سبعة عشر عامًا وهي تنظر إليه بهيام مراهقة وتقول:
- عنده حق، خليك كده يا يوسف وبلاش تتخن، كده فيك شبه من الممثل أحمد عز.
ابتسم بمجاملة وهو يقول:
- متشكر يا تقى.
تحدث حسين إلى إبن شقيقهُ بحميمية، فهو يكن له الكثير من الحب بعيدًا عن مساعداته المادية له:
- كل يا ابني واستمتع بنعمة ربنا وأشكر فضله، الأكل ده متعة ونعمة من نعم ربنا، وطالما ربنا موسع عليك متحرمش نفسك، إنتَ لسه شاب وصغير.
ابتسم وبدأ بتناول الطعام ليتحدث حسين إلى تلك الجميلة التي طالما اعتبرها إبنة ثالثة له وعاملها بما يرضي الله:
- عاملة إيه يا”زينة” في كُليتك؟!
أجابته بابتسامة راضية:
- الحمدلله يا عمي، الدراسة كويسة وأنا اتأقلمت بسرعة معاها.
مالت عليها”جنة “لتهمس بمشاكسة:
- وأخبار مزز الكلية إيه، مفيش جديد، حاجة كده ولا كده؟
همست بعدما تصبغت وجنتيها باللون الأحمر خجلاً:
- إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا جنة، إنتِ عارفاني بردوا بتاعة الحاجات دي؟
ابتسمت الفتاة بشدة على خجل إبنة عمها المبالغ به لتقول بملاطفة:
- عمرك ما هتتغيري يا زينة، هتفضلي زي ما أنتِ، بروطة في مشاعرك.
- مش عاوزة أتغير، أنا حابة نفسي كده، إطلعي إنتِ منها يا ست جنة…
قالتها بنبرة جادة لتضحك الفتاة وهي تقول بمداعبة:
- خليك لحد ما ييجي اللي يوقعك على بوزك، وساعتها هتيجي لحد عندي وتحكي لي.
- مش هيحصل…
نطقتها زينة وهي تنظر بمقلتي جنة بتحدي قابلته الأخرى بهزة رأس ساخرة، قطع همساتهما يوسف حيث نطق موجهًا حديثهُ إلى” أحمد” الذي يصغرهُ بعامٍ واحد:
- إنتَ في كلية إيه يا أحمد؟
نطقت جنة تلك المشاغبة كي تلطف من الأجواء:
- لهو إنتَ كل ده متعرفش هو في كلية إيه يا يوسف!، ده أنتَ ليك سنتين داخل طالع علينا.
أجابها بابتسامة خافتة:
- مجتش فرصة نتكلم في الموضوع يا جنة.
- ولا يهمك يا هندسة… قالها أحمد ليتابع حديثه بملاطفة:
- أنا يا سيدي في أولى حقوق حلوان.
وما أن نطق بكلمة “حقوق” حتى تزلزل قلب الأخر وكأن وقع الكلمة عليه أصبح مؤلمًا، فكلما ذُكرت أمامهُ الكلية تذكر حلمه الضائع وكيف لحقت بهِ جميع أحلامه بتسلسلٍ مريب وسريع، بلحظة تذكر حبيبتهُ البريئة،”وجعهُ” مثلما أطلق عليها ولقبها.
سألهُ الشاب بعدما رأى شروده:
- روحت فين يا هندسة؟!
نطق بابتسامة مزيفة:
- موجود يا متر.
خرج صوت مروة معترضًا وهي تقول لأنجالها:
- سيبوا إبن عمكم ياكل اللقمة بنِفس، وبعد العشا إبقوا إرغوا براحتكم.
بعدما انتهوا من تناول الطعام، إنتقل حُسين وابن شقيقهُ إلى شرفة المسكن يتناولان مشروب الشاي الساخن، نطق حسين بكلماتٍ حذرة:
- أبوك بعت لي حد من طرفه من يومين، وطلب مني رقم تليفون.
اتسعت عينيه ذهولاً ليتابع الاخر بعدما ارتشف بعض الشاي:
- بيقول عاوز يكلمك ويطّمن عليك إنتَ واختك ويشوف لو ناقصكم حاجة، بس أنا مرضتش أدي له رقمك إلا لما استأذنك الأول.
تسمرت ملامحه لبرهة وبدون سابق إنذار انطلقت ضحكاته الساخرة دون توقف تحت نظرات حسين المتعجبة من حال الشاب، حاول تمالك حاله وتوقيف قهقهاته لكن بائت جميعها بالفشل، لينطق من بينهم قائلاً باعتذار:
- أنا آسف يا عمي، بس حقيقي مش قادر أوقف ضحك.
تعجب حسين ليسأله باستغراب:
- هو أنا يا ابني قولت لك نكتة علشان تضحك بالشكل ده؟!
نطق ومازال مبتسمًا:
- هو اللي حضرتك قولته ده مش نكتة يا عمي؟، دي أفيه الموسم زي ما بيقولوا.
وبلحظة إِحتدمَ غَيظا واحتدت نظراته كالصقر ليهتف ناطقًا بسخطٍ ظهر بعينيه:
- حضرته افتكر الوقت إن عنده عيال وجاي يسأل عليهم؟!
وصاح معترضًا بتجهم:
- كان فين زمان لما كنا محتاجين له، كان فين وأنا بتربى في بيت راجل غريب وطول الوقت فاكر إنه أبويا.
أشار بكفه للداخل ليتابع مسترسلاً بقهرة تسكن قلبه وتستوطنه منذ أن علم بوجود شقيقته ورأى إزدراء حالتها ككُل:
- كان فين والمسكينة اللي جوة دي عايشة عالة عليكم ومحملاكم فوق طاقتكم لأن أبوها راجل أناني، كان فين وهي بتتقطع كل يوم وهي حاسة إنها عِبئ وحِمل تقيل على كل اللي حواليها، دمرها بأنانيته وخلاها هشة وضعيفة، ولحد الان مش عارفة ولا عندها القدرة إنها تواجه المجتمع.
توقف لبرهة ثم رفع حاجبهُ ليسأله متهكمًا:
- الوقت بس افتكر إن عنده ولاد وجاي يسأل عليهم؟!
كان يستمع لصرخات الشاب بقلبٍ يتقطع وعينين تنظر أرضًا لا تقوى على المواجهة، يعلم صحة ما يقولهُ وداخلهُ حزين، تحدث بعدم اقتناع لكن لابد من النُصح:
- أنا عارف إن عمرو غلط في حقكم كتير، بس يا ابني ده في الأول وفي الاخر أبوكم، وربنا أمركم بطاعته وبره.
- لا يا عمي، ربنا عمره ما يأمر بالظلم… ليتابع بجمود وصلابة:
- أنا مش مطالب أبر راجل مفيش أي حاجة تربطني بيه غير إن إسمي محطوط قبل إسمه في البطاقة، راجل أناني عمره ما فكر فيا ولا عمل حساب لوجودي في الحياة.
نطق حسين كي يهدئ من روع ابن شقيقه الثائر:
- إزاي بتقول كده على أبوك يا يوسف، ده عمره ما حب في حياته حد قد ما حبك!
إستشاط داخلهُ غضبًا قبل أن ينطق بحده:
- مش صحيح، الحب مش مجرد كلام إنشا بنردده، الحب فعل، خوف على الغير، الحب أب بيحترم ولاده وحريص على صنع مستقبل أفضل ليه.
وتابع بجرحٍ غائر ينزف دمًا:
- الراجل اللي إنتَ بتقول عليه أبويا كان سبب رئيسي ومباشر بتدميري من كل النواحي، سواء العلمية أو الأدبية أو حتى الإنسانية.
- بس يا ابني… قاطعهُ ليهب واقفًا لينهي ذاك الحديث الغير مرحب به لديه:
- أرجوك يا عمي كفاية، إحترم عدم رغبتي في الكلام عنه.
وتابع وهو يشير إلى بهو الردهة:
- أنا هروح أقعد شوية مع أحمد والبنات قبل ما نمشي، بعد إذن حضرتك.
قال جملته وانطلق كي لا يعطي فرصة لفتح الموضوع، تنهد حُسين ثم وضع رأسهُ بين كفيه بحزنٍ وقلة حيلة.
كان يجلس بشرفة الردهة الخاصة بمسكن أبيه، ولج إليه حاملاً قدحين من القهوة الساخنة وهو يقول بملاطفة بعدما قرر التخفيف من وطأة حزن ولده الذي أصبح ملازمًا له منذ ما حدث بينه وبين أهل زوجته:
- عملت لنا كوبايتين قهوة وقولت أجي نشربهم مع بعض.
تطلع إلى والدهُ بعينين مهمومتين فتابع الرجل بملاطفة:
- قولت نتكلم شوية قبل ما أمك تيجي من عند خالتك سناء وتكتم على نفسنا زي عادتها.
استطاع رسم البسمة على فاه نجله فتحدث من جديد:
- أيوا كده يا ابني، إضحك وزيح الهم خليه يبعد عنك ويسلا.
نطق بنبرة خافتة تدل على إرهاقه:
- انا تعبت قوي يا بابا، حاسس نفسي مُشتت، مبقتش عارف إذا كان اللي بعمله ده صح ولا غلط.
ناولهُ كوب القهوة ثم أجابهُ بخبرة أعوامٍ كُثر:
- أنا قولت لك من الأول بلاش تمشي ورا كلام أمك، وأحمد ربنا على كل النعم اللي إنتَ فيها.
اتسعت عينيه ذهولاً من حديث والده المُدين ليجيب بحدة:
- ومين اللي قال لحضرتك إن أنا مش حامد ربنا، مش معني إني حزين على مستقبل بنتي اللي ضاع وبحارب على اللي لسه جاي، أكون سيء ومش بحمد ربنا.
وتابع بحيرة وقلبٍ يتمزق كلما تذكر:
- يا بابا دي بنتي الوحيدة، إنتوا عاوزيني أرمي بنتي لواحد أهله كلهم مجرمين وابوه هربان بره البلد؟
تنهد الرجل ثم تحدث بنبرة تعقلية:
- محدش طلب منك تجوزها لابن مرات فؤاد، من حقك كأب تدور لبنتك على الأحسن والأفضل.
وتابع ناصحًا:
- بس بلاش تعامل الولد بعنف علشان متكسبش عداوة امه وفؤاد كمان، خليك ذكي يا دكتور وامشي معاهم زي ما طول عمرك ماشي، وبالنسبة لمستقبلها ده ربنا وحده اللي يعلمه، مش يمكن لو كانت دخلت نيابة كانت مسكت قضية وأساءت الحكم فيها وكانت سبب لدخولها النار، ولا مسكت قضية لناس كبيرة في البلد او إرهابيين وصفوها زي اللي اتصفوا قبلها.
وتابع بيقين:
- إرضى يا ابني وآمن بالقدر.
أومأ برأسه وانتهيا من شرب القهوة، حمل والده الاكواب ودخل ليقضي فرض الصلاة وتركه وحيدًا شاردًا فيما وصل إليه، صدح رنين هاتفهُ، رفعه ليزدرد ريقه حين رأى نقش اسم زوجته، فمنذ ذاك اليوم لم يتحدث كلاهما للآخر فتح الزر سريعًا لينطق متوترًا:
- إزيك يا فريال، الولاد كويسين.
قال جملته الأخيرة حين وجد صمتها فأجابته بصوتٍ حاد دل على مدى استيائها منه:
- الولاد بخير، أنا بتصل بيك علشان ترجع بيتك، بيسان تعبانة ومحتاجة لك جنبها.
- تعبانة إزاي؟!… نطقها بلهفة وهلعٍ لتجيبه بهدوء:
- نفسيًا يا دكتور، ولا حضرتك ناسي اللي حصل لها؟!
قالتها لائمة مشيرة لما حدث بفضله، فنطق هو في محاولة منه لفتح الحديث:
- فريال، أنا…
قاطعت حديثه بحدة:
- أنا مضطرة أقفل لأني رايحة عند ماما، ياريت ترجع بسرعة علشان نفسية الاولاد، ومتنساش إن اللي بيحصل ده ممكن يأثر على نفسية فؤاد وعلى تحصيله الدراسي.
- حاضر يا فريال… قالها مستسلمًا لتنطق بنبرة جادة جعلته يرتعب:
- مضطرة أقفل.
نطقتها وأغلقت الهاتف سريعًا مما جعلهُ ينظر بالهاتف مذهولاً، متى أصبحت بتلك القسوة، يبدوا أن معركته الأخيرة جعلته يخسر الكثير من محبة واحترام من حوله وأولهم زوجته الحنون.
قطع شروده دخول والدته التي حضرت من الخارج وسألته باستغراب لحالته:
- اللي واخد عقلك يا دكتور، سرحان في إيه؟
قص جميع ما حدث عليها لتنطق بابتسامة شامتة:
- يظهر إن الهانم بنت الأكابر بدأت تحن، بس مكسوفة وبتجيبها في العيال.
تطلع عليها تائهًا لتتابع ناصحة:
- عاوز نصيحتي، إقعد لك كمان اسبوع وطنشها، ولا تعبرها، هتلاقيها جيالك زاحفة لحد هنا تترجاك علشان ترجع معاها.
دقت على كفيها وتحدثت:
- ساعتها بقى تقعد وتحط رجل على رجل وتملي شروطك عليها، وأولهم حق عيالك في المال السايب اللي سلموه للفلاحة مرات أخوها.
واسترسلت بتحريض كالشيطان:
- لازم تخليها تكلم ابوها في موضوع حقها في الشركة يا ماجد.
أجابها كي يحثها على ترك الامر ونسيانه:
- يا ماما سبق وقولت لك إن سيادة المستشار علام كتب كل أسهم الشركة لفؤاد بعد ما خلف ولاده التوأم، وحط مبلغ لفريال في البنك مقابل حقها في الأسهم.
تحولت ملامحها لغاضبة وصاحت معترضة:
- وهي سكتت من خيبتها، أهي فلوسها لسه مرمية في البنك بنفس القيمة، والشركة كل يوم سعرها بيزيد لما بقت بمليارات المليارات.
وتابعت بجنون وحدة:
- ده حرام يا ناس وميرضيش رينا، وإنتَ لازم تخلي مراتك تتكلم مع ابوها واخوها.
- هنرجع للموضوع ده تاني يا نوال… جملة حادة قالها عليوة ليتابع وهو يشير لنجله:
- بلاش تسمع كلامها وتصغر نفسك قدام الناس يا ابني، سيبك من أمك وقوم جهز نفسك علشان ترجع بيتك لمراتك وولادك.
زفر بحيرة تملكت منه ومازاد الأمر سوءًا هي مناوشات والديه الحادة التي بدأت للتو وكالعادة بدأ كلاً منهما رمي التهم على الآخر، تلك الفترة هي أسوء فترات حياته، يعيش حالة من التشتت والضياع، ساخطًا على نجلته وحلمه بها التي اضاعته من بين يديه للمرة الثانية، ناهيك عن إصرارهِ القوي برفضه لإرتباط يوسف منها، بالإضافة لتلك الإيثار واستحواذها على ثروة العائلة التي كانت ملكًا لأنجاله قبل مجيئها الأسود هي وصغيرها إلى قصر علام الزين.
ولجت للحجرة الخاصة بها وخليل الروح، وجدته يجلس فوق السَرير يتوسطهُ مستندًا بظهره للخلف، يضع جهاز الحاسوب الخاص به فوق ساقيه يتصفح من خلاله أحد المواقع الخاصة بعمله، تجاهل دخولها، شرعت بخلع المئزر عنها وقامت بتعليقه وهي تقول:
- الولد مالك بقى مجرم حرفيًا، هلكني لحد ما نام، تخيل كان عاوز ييجي ينام في وسطنا زي إمبارح، شكله أخد على دلعك فيه.
لم تجد منه سوى الصمت ، تطلعت إليه لتجده مازال على وضعه، نطقت بنبرة متعجبة تسأله:
- إنتَ مش سامعني ولا إيه يا فؤاد؟!
لم يعر لحديثها إهتمام فأدركت أنهُ مازال غاضبًا منها، تنهدت ثم تحركت لتتكأ بجسدها فوق الفراش ثم بسطت ذراعها تتلمس إحدى ساقيه بنعومة قبل أن تنطق بدلالٍ مفرط:
- هو شرشبيلي الشرس زعلان من حبيبته ولا إيه؟
ظل متجاهلاً حتى دلالها الذي يعشقه مما جعلها تدرك أن غضبه طائل، نطقت بنبرة حنون:
- خلاص بقى يا فؤاد، وحياتي عندك ما تعملها زعلة وتتقمص زي العادة.
- إتقمص؟!… نطقها مستنكرًا لتبتسم وهي تحرك كفها فوق ذقنه بغنجٍ ليزيح كفها عنه وهو يقول بحدة:
- لو كنتي فاكرة إني هعدي لك حصل بالساهل كده تبقى غبية، ولسه معرفتيش فؤاد علام كويس يا مدام.
واسترسل مفسرًا بإبانة:
- أنا عديت الموضوع تحت علشان خاطر أبويا وأمي وشكلك قدامهم، لكن وحياتك عندي ما هعديه يا إيثار.
إعتدلت لتجلس بشكلٍ صحيح بعدما رأت ثورة غضبه ثم تحدثت بجدية:
- ما أنا شرحت لك اللي حصل وفهمتك وجهة نظري يا فؤاد.
إحتدت ملامحه وامتلئت بالقسوة قبل أن يصرخ عاليًا:
- أنا جوزك قبل ما أكون صاحب الشركة يا هانم، والمفروض إني أكون على عِلم بكل خطوة بتخطيها سواء في البيت أو في الشركة أو أي مكان بتروحيه.
وتابع بتذكيرٍ لها:
- ومتنسيش إن ده كان إتفاقنا قبل ما تنزلي الشغل، وده لأمانك مش تعنت مني لاسمح الله.
أخذت تقلب عينيها بضجرٍ قبل أن تنطق مفسرة:
- يا حبيبي أنا فاهمة كل الكلام ده ومقدرة خوفك عليا، بس أنا بالطريقة دي عمري ما هتقدم في شغلي ولا هقدر أحترم نفسي طول ما أنا حاسة إني تابع ليك يا فؤاد.
واسترسلت بإبانة:
- ده غير نظرة الموضفين ليا اللي دايمًا هتكون دونية.
بحدة مفرطة هتف:
- ملعون أبو أي اعتبارات سيادتك بصالها قدام أمانك بالنسبة لي.
أنهي كلماته و إندفع مغادرا الغرفة كثورٍ هائج لا يري أمامه بينما زفرت هي وارتمت بظهرها للخلف مستسلمة.
في الصباح
فاقت من نومها ولم تجده بجوارها، استمعت إلى صوت المياه يأتي من الحمام فعلمت أنهُ بالداخل، أما بالأسفل، ولج الصغير إلى المطبخ وعينيه تجوب على ضالته حتى وجدها فابتسم وهو يُسرع إليها قائلاً:
- إنتِ ليه مش جيتي تصحيني وتلبسيني اليونيفورم زي كل يوم؟!
بابتسامة واسعة اجابته:
- علشان كنت بعجن لك البيتزا اللي بتحبها.
صفق بكفيه ليقفز وهو يقول بسعادة:
- يسلاااام يا زوزة يا جميلة.
ضحكت وهي تقوم بتشكيل العجينة وتقوم بوضع المكونات فوقها لتنطق بمشاكسة:
- وبعدين انا بعت لك البت اللي إنتَ قولت لي قبل كده إن شكلها حلو وعيونها ملونين، كاترينا دي ولا ابصر اسمها إيه.
تطلع عليها وبات يهز رأسهُ وكأنه يستوعب حديثها، لتتابع بثرثرة كعادتها:
- أهي شكلها يفتح نفسك على الصبح بدل ما تصطبح بخلقة عزة اللي حفظتها بقالك ست سنين.
ضحك الصغير ببلاهة لتزبهل السيدة سعاد وتقترب منها لتنبيهها:
- ست عزة، الكلام اللي بتقوليه لمالك ده عيب وميصحش.
وتابعت بتهديدٍ مُبطن:
- ولو فؤاد باشا عرف رد فعله مش هيبقى كويس.
أشاحت بكفها الملطخ بالعجين قبل أن تقول:
- يختي أنا بهزر مع الواد وبفكه، هو أنتِ هتفضلي واقفة لي كده على الكلمة.
صاح الصغير بنبرة ملحة:
- خليني أحط انا الجبنة على وش البيتزا يا زوزة.
نطقت برفضٍ تام:
- مش هينفع علشان متبهدلش هدوم المدرسة، روح يلا عند جدك الباشا وأقعد معاه لحد ما البيتزا تجهز وأخرجها لك.
وتابعت بجدية:
- سيادة المستشار لو نزل من فوق ولقاك في المطبخ هيلسوع.
اتسعت عينيه وتذكر تحذير والده شديد اللهجة له بعدم دخوله غرفة تحضير الطعام، وضع كفيه الصغيرين فوق فمه وهو يقول:
- بابي لو شافني هينفخ.
نطق كلمته وهرول مسرعًا للخارج، لتنطق سعاد باستياء:
- الولد ألفاظه بقت بيئة بسببك يا عزة، مين يصدق إن ده إبن سيادة المستشار فؤاد زين الدين، وحفيد سعادة المستشار علام باشا زين الدين.
نطقت وداد من بين ضحكاتها:
- طب والله دمه زي العسل، مش أحسن من زين اللي ماشي في البيت زي الرجل الآلي.
ضحكت العاملات لتوفقهُن نظرة سعاد الحادة التي تحدثت بصرامة:
- كل واحدة تشوف شغلها وهي ساكتة، ويلا خرجوا الأكل ورصوه على السُفرة.
ثم نظرت لساعة يدها وأكملت:
- فاضل خمس دقايق والباشا الصغير وحرمه ينزلو.
تحركن سريعًا لتنفيذ أوامر تلك الصارمة.
بعد قليل كان الجميع مجتمع على طاولة الطعام، تحدث زين وهو ينهي كأس الحليب الخاص به:
- خلصي فطارك بسرعة يا تاج علشان الباص فاضل له خمس دقايق بالظبط ويوصل.
وقفت إيثار تغلق صناديق الطعام الخاصة بصغارها وهي تقول:
- خلي بالك من اختك يا زين.
- حاضر يا ماما.
نطقت الفتاة باعتراض:
- على أساس إني عيلة صغيرة وإبنك العاقل هياخد باله مني.
- بطلي لماضة… قالتها إيثار لتمط الفتاة شفتيها باعتراض، فتابعت إيثار وهي تجذبها إليها بمداعبة:
- هاتي بوسة قبل ما تمشي.
دلتلت الفتاة وابتسمت لترتمي بأحضان والدتها التي عانقتها بشدة وقامت بوضع قبلة حنون فوق وجنتها الناعمة، مالت الفتاة على وجنة أبيها بتضع قبلة وهي تقول:
- باي باي يا بابي.
- باي يا قلب بابا.
قبلت أيضًا وجنتي جديها وتحركا للخارج، لم يتبقى سوى الصغير الذي صفق بحفاوة وهو يرى عزة قادمة بالشطيرة:
- بيتزا عزة وصلت، وااااو.
ضحك علام وتحدث:
- إحنا لازم نفتح لعزة محل بيتزا ونسميه بيتزا عزة.
نطقت بابتسامة:
- إنشالله يخليك يا سيادة المستشار.
بدأت بوضع الشطيرة داخل صحن الصغير لتنطق إيثار لزوجها في محاولة منها لارضائه:
- أحط لك بيتزا يا سيادة المستشار؟
- متشكر… نطقها مقتضبًا ووقف ليحمل حقيبته وهو يقول بجدية:
- بعد إذنكم.
سألته عصمت باهتمام:
- مش هتشرب قهوتك يا حبيبي؟
- هشربها في المكتب يا ماما… قالها وتحرك مغادرًا قبل الموعد المحدد له ليتركها متأثرة بقلبٍ حزين.
ليلاً
كانت تجلس بغرفتها تسترجع ألبوم ذكرياتهما سويًا، تقلب صفحات الألبوم والإبتسامة تشق ثغرها تارة وتارةً أخرى تنسابُ الدموع، مازال قلبها مولع يصرخ متألمًا بفضل فراقه، منذ ذلك اليوم وهي تعيش صدمة لم يستوعبها عقلها إلى الآن، توقفت أمام صورة لها وهي ترتدي ملابس سباحة مكونة من قطعتين، ابتسامة ممتزجة بالدموع خرجت حين تذكرت ذكريات تلك الصورة وذاك اليوم.
عادت بذاكرتها لما قبل عامين، بعدما انتهت هي ويوسف من إختبارت الثانوية العامة، قرر علام الذهاب للفيلا التابعة له بمنطقة الساحل الشمالي كي يحصل الجميع على كم من الاستجمام والراحة قبل ظهور النتيجة، وقت غروب الشمس، فاق يوسف من أيلولته ليخرج على الشاطيء المقابل للفيلا، اتسعت عينيه بحدة حين وجد بيسان ترتدي ثوبًا خاص بالسباحة مكون من قطعتين من اللون الأسود، تقف بجوار شقيقها وتنظر باتجاه والدتها التي تلتقط بعض الصور التذكارية لهما بالكاميرا الخاصة بهاتفها الحديث، تراقصت الشياطين أمام عينيه وهرول مسرعًا متجاهلاً وجود والدتها ليجذبها من ذراعها بقوة وهو يقول بصياحٍ أرعبها:
- إيه الزفت اللي إنتِ لبساه ده؟
خلع عنه قميصهُ ولف جسدها به ثم سحبها وتحرك باتجاه المنزل ليتابع بسخطٍ:
- انا مش قولت ألف مرة مفيش مايوهات تتلبس؟
كان يتحدث وهو يجرها خلفه بسرعة لتصرخ باعتراض:
- حاسب يا يوسف هتوقعني.
أما فريال فضحكت على ذاك الغيور وتابعت التقاط الصور للصغير.
أدخلها المنزل ليدفعها للداخل وهو يصرخ بحدة:
- والله العظيم لو شفتك لابسة مايوة تاني لاقطم رقبتك، إنتِ فاهمة ولا لا؟
نطقت باعتراض وهي تدب الارض بساقيها معترضة:
- يا يوسف الفيلا خاصة والشط خاص بينا ومقفول، يعني محدش هيشوفني غيرك.
- وأنا مش عاوز أشوفك كده، ولا حابب خالك ولا جدو ولا أي مخلوق يشوفك كده، اللي إنتِ لبساه ده حرام ومش مقبول، إفهم.
تنهدت لتقول بتفهم:
- حاضر يا چو، مش هلبس كده تاني.
أشاح بكفه للأعلى وهو يشيح بنظره عنها:
- إتفضلي على اوضتك غيري هدومك.
- حاضر، بس ممكن تضحك… قالتها بدلال قابله بحدة قائلاً بتحذير:
- بيسان.
ربعت ساعديها لتنطق بدلالٍ وأنوثة:
- طب إيه رأيك مش هطلع غير لما تضحك، وكمان تقول لي يا بوسي.
تنهد مستسلمًا لعشقها المجنون ليبتسم وهو يقول:
- إطلعي غيري.
- يا إيه؟… قالتها بدلالٍ ليجيبها بانصياع:
- يا بوسي.
صعدتهُ بعينين عاشقة قبل أن تقول بنعومة وفراشات العشق تداعب أسفل معدتها:
- بحبك يا عمر بوسي وقلبها.
- يلا على فوق… قالها بابتسامة وهو يشير للأعلى بحنوٍ لتنساق لأمره وتصعد الدرج تحت سعادة قلوبهم الهائمة.
فاقت من ذكرياتها لتتحسس بأناملها صورة لهما في نفس المصيف وهي تقف خلفه تستند بذراعيها على كتفيه والسعادة تنطقُ من أعينهم، نزلت دموعها كشلالاتٍ وهي تقول بصوتٍ واهن:
- وحشتني يا حبيبي، إزاي هونت عليك يا چو، إزاي هانت عليك بوسي وقدرت توجعها بالشكل ده.
بعد مرور يومين، عصرًا
وقف بسيارته أمام منزله أو بالأدق منزل زوجته الذي اهداهُ لها والدها، أبطل إدارة محركها وجلس متسمرًا بمقعده، جزءًا منه يريد الترجل والدخول إلى عائلته وليسرع لزوجته مهرولاً كي يحتضنها ويقدم إعتذارهُ عما بدر منه وحول ذاك اليوم الكارثي بالنسبة للجميع، وليحتوي صغيرتهُ ويتأسف لها عما حدث، وجزءًا أخر لا يريد ويأبى بل ويطالبه بالإنسحاب الفوري حفاظًا على ما تبقى من هدرٍ لكرامته أمام الجميع، كانت تتحرك داخل الحديقة الخاصة بمنزلهم تحاول الخروج من تلك الحالة التي أصابتها منذ ذاك اليوم المشؤوم، تطلعت بعينيها لخارج البوابة الحديدية فلمحت سيارة والدها، راودها شعورًا بخجل والدها فتوجهت صوب البوابة لتقوم بتشجيعه للدخول، نعم هو كان سببًا رئيسيًا بكسر قلبها وإجبار حبيبها بالتخلي عنها أمام الجميع بتلك الطريقة المُهينة لإنوثتها، لكنه بالنهاية يظل أبيها التي تكن له الحب والإحترام برغم قساوته الجديدة عليه.
رأها وهي تُقبل فزادتهُ رؤيتها خجلاً، فتح باب السيارة ووقف لتقبل عليه بابتسامة خافتة رسمتها كي تزين ملامحها الحزينة ولكن هيهات، إنتفض قلبهُ حزنًا على هيأتها، فقد شحب وجهها كثيرًا وفقد لون بشرتها حيويتهُ ليبدوا جلدها بلونٍ أصفر باهت، إما عينيها فحدث ولا حرج، باتت ذابلة واقتحمت الهالات السوداء حولها لتبدوا بهيئة مزرية وكأنها فتاةٍ أخرى غير ابنته، بالإضافة إلى فقدانها لبعض الوزن، أين صغيرته الجميلة المنطلقة، أين حيويتها وروحها المرحة، لقد تدمرت بفضله، بملامح وجه حزينة وعينين تنطقُ أسفًا طالعها، أخرجت صوتها بصعوبة وهي تقول بنبرة خافتة:
- حمدالله على السلامة يا بابا.
بدون كلمة واحدة جذبها لأحضانه وبات يشدد عليها وهو يقول بصوتٍ نادم:
- أنا أسف يا حبيبتي، مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل لك.
ابتعدت قليلاً لتنطق بهدوء كي تخفف من وطأة حزنه وخجله معًا:
- حصل خير يا بابا.
وتابعت وهي تجذب كفه لتحثهُ على الدخول:
- تعالي ندخل، مامي وفؤاد قاعدين جوة، محدش لسه إتغدى.
تنفس بهدوء ليغلق باب السيارة وينطلق مجاورًا لها، ولجت للداخل محتضنة كفه ليتفاجأ بخروج فريال من المطبخ وهي تقول بصوتٍ جاد:
- بسرعة جهزي السُفرة يا نادية، الولاد جاعوا….
تسمرت حين وجدته يجاور ابنتها، يتطلع إليها بنظراتٍ حزينة ممتزجة بشوقٍ، بادلتهُ بأخرى عاتبة غاضبة لائمة، تسمر كلاهما بمكانه، كلٍ ينتظر المبادرة من الآخر، شعرت الفتاة بوضع والديها المحرج فقررت التدخل لانهاء ذاك الموقف.
تحدثت وهي تتحرك باتجاه والدتها ممسكة بكف ابيها الذي تحرك طواعًا:
- إعملي حساب دكتور ماجد معانا في الغدى يا نادية.
وقف مقابلاً لها لينطق وهو يبسط ذراعه استعدادًا لمصافحتها:
- إزيك يا فريال.
- الحمدلله… قالتها باقتطاب لتتابع بجدية:
- حمدالله على السلامة يا دكتور.
- الله يسلمك… نطقها بصوتٍ خافت لتكمل هي بما املته عليها تربيتها السليمة كإبنة تربت على اتباع الأصول، وذلك بعدما شعرت بحرجه:
- نورت بيتك، على ما تغير هدومك هيكون الغدى جهز.
عادت إلى المطبخ من جديد دون نطق حرفٍ لتتحدث الفتاة:
- بصوتٍ مرتفع:
- فؤاد، يا فؤاد.
خرج الفتى من غرفة المعيشة لتتابع بصوتٍ أهدى:
- تعالى سلم على بابا.
هرول الفتي ليحتضن والده وهو يقول بحفاوة أدخلت السرور على قلب ماجد:
- حمدالله على السلامة يا بابي، وحشتني.
- إنتَ كمان وحشتني يا حبيبي… قالها بابتسامة واسعة.
تناول الجميع الغداء في أجواء هادئة، وانتهى اليوم لتستقل فريال غرفة غير غرفتها المشتركة به بعدما قررت إعتزاله وتجنب وجوده، كنوعًا من الإعتراض على ما فعل بابنتها وما قام به من افتعاله لمشكلة هزت الوسط بأكمله.
داخل الاراضي الفرنسية
كان يتحدث عبر الهاتف الجوال، ليصيح بسعادة مفرطة:
- يعني كده خلاص يا متر، حضرتك سويت المشكلة مقابل المبلغ اللي هدفعه؟
استرسل بعينين زائغتين من شدة سعادتهما:
- وبكدة هقدر أدخل البلد بشكل شرعي؟
على الطرف الاخر أجابه المحامي ذات الإسم اللامع الذي اختاره لتسوية الأمر مع السلطات المصرية، تحدث بابتسامة وكبرياء:
- الأمر بسيط زي ما بلغتك قبل كده يا عمرو بيه، إحنا سوينا الأمر وهتدفع مبلغ مقابل تسوية الأمر وبكدة هتسقط قضية الأثار فورًا، وبعدين الموضوع بسيط، ده مجرد إتهام في قضية تهريب اثار ودي تعتبر قضية بسيطة جدًا.
أغلق مع المحامي ونظر أمامهُ وهو يبتسم بانتشاءٍ وفخر وكأنهُ حقق أعظم انتصاراته للتو.
أمام بوابة جامعتها
يقف على الرصيف الموازي ينتظر بلهفةٍ والشوق يقتل جميعهُ، متشوقًا لنظرة واحدة ترضي حنينهُ الصارخ إليها، كم من الليالي مرت تمنى أن يزورهُ طيفها بالأحلام ولو لمرةٍ واحدة، وكأن عالم أحلامهُ تأمر عليه كغيرهُ.
انتفض قلبهُ بلوعةً حين رأها تخرج من بوابة الجامعة الرئيسية تنتظر الموظف المسؤل عن جراچٍ خاص بجوار الجامعة تصف سيارتها به يوميًا بعيدًا عن الزحام، كانت قد سبق وابلغته من خلال الهاتف ليحضر لها السيارة أمام البوابة حيث تقف، كالعادة اقتحم المدعو “نبيل” خصوصيتها لينطق بغرورٍ كعادته:
- هي عربيتك مش معاكِ ولا إيه؟
لم تعير لحديثه اهتمام بل تجاهلته تمامًا، فتابع بإصرارٍ وكأنهُ تعود على الإهانة على يدها، برغم مئات الفتيات اللواتي يرتمين عليه بما له من قبولٍ حَسن بالمظهر والملبس وأيضًا نفوذ والده المالية مما جعل الفتيات تتهافتن عليه ويحاولن جذب انتباهه بشتى الطرق، إلا أنهُ أصر على إمتلاك تلك الفرسة الجامحة واختطافها من خيالها العاشق، ومازال يواصل رغم عدم تقبل بيسان له:
- تعالي أوصلك.
إلتفتت لتواجههُ تحت غليان قلب ذاك المغروم الذي يشاهد من الجهة المقابلة:
- قولتل لك قبل كده إن طريقنا مش واحد.
- مين قال لك إنه مش واحد… وتابع بثقةٍ تعجبت منها:
- إنتِ ليا يا بوسي، وبكرة تقولي لي كان عندك حق يا نبيل.
واسترسل بعينين تجوب ملامحها بإعجابٍ:
- بصي لنا كويس يا بوسي، إحنا كابلز يجنن، بنكمل بعض، كل واحد فينا مينفعش يكون غير مع التاني.
تمللت من كلماته السخيفة وباتت تتطلعُ من حولها ثم كات أن ترد لتتفاجأ بسيارة الأخر من بعيد، تصطف على الرصيف المقابل، على الجانب الأخر، اشتعلت النيران بقلبه لتطال كل خليه بجسده حيث باتت عروقهُ تبرز وتنتفضُ من شدة غليان غيرته على من تملكت من الوجدان، بدون إدراكٍ قبض بقوة على عجلة القيادة وشدد بقبضته حتى برزت عروق كفه وابيضت، كاد أن يخرج من سيارته ويقتحم وقوفهما ليجذبها ويخبأها خلف ظهره لتلاشي نظرات ذاك الوقح الجريئة، لكنه توقف باللحظة الأخيرة، فبأي حق سيذهب إليها وبأي صفة ستنساق لأوامره؟، هو الأن قد فقد شرعيته بالكامل، فحديثه بذاك اليوم المؤلم يعدُ بمثابة تنازل رسمي عن حقه بها، اشتعل داخلها لتهرول إليه بنارٍ مستعرة تاركة خلفها ذاك الذي تعجب تحولها وهي تهرول بتلك الشراسة، من يرى هيأتها وتوسع عينيها يجزم بأنها مقبلة على حربٍ ضارية لا محال، انتفض قلب “يوسف” حين وجدها تسلك الطريق بحدة وعنف قاصدة سيارته، ارتبك واهتز قلبه حتى أن العقل أعطاهُ أمرًا بإدارة المحرك والهروب لكنه عاند ووقف مكانهُ، فلم يكن الهروب يومًا ضربًا له، هو رجل المواجهات فليظل كما هو وليواجه بجسارة تلك الحبيبة، أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا حين شعر باقترابها، لفت للجهة الأخرى ودقت بعنفٍ على زجاج السيارة المُفيم، تنهد قبل أن يضغط على زِر نافذة السيارة لينزل، تطلعت إليه ثم بلحظة جذبت الباب لتستقل مقعدها المجاور له قبل أن تلتفت وبدون مقدمات صاحت متسائلة بحدة:
- إنتِ واقف هنا بتعمل إيه؟!
بالطبع لم تجد إجابة ومازاد من جنونها هو تطلعهُ للأمام وتركيزه بنقطة اللاشيء بمبالاة، فصرخت بحدة وهي تعيد عليه السؤال:
- رد عليا، إنتَ واقف هنا بتعمل إيه، ومتحاولش تكذب لأني كشفاك.
إلتفت يطالعها بجمود مصطنع ثم خرج صوتهُ متزنًا:
- جاي اشوفك واطمن عليكِ.
- ليه؟!… باغتتهُ بذاك السؤال وتابعت بحدة أكبر تكادُ تصل للعداء:
- تطمن عليا بتاع إيه؟!
صمت لتصيح من جديد:
- رد عليا يا يوسف.
- ممكن تهدي… قالها كي يستقطب هدوئها لكنها باغتته بحدة أكبر:
- ميخصكش، أهدى، أولع، ميخصكش، إنتَ تجاوب على سؤالي وبس.
أغمض عينيه ورمى رأسه مستندًا بها على خلفية المقعد باستسلام، زادها مظهره جنونًا فصاحت وهي تجذب وجهه تجبرهُ على النظر إليها، اقشعر جلده حين لامست أناملها الرقيقة ذقنهُ النابتة وما شعر بحالهِ سوى وهو يشدد على تلك الأنامل كي يجبرها على الإطالة بلمسته، زاد جنون غضبها من تصرفه ونظراته المتلهفة التي كشفت عن مكنون صدره وما يحملهُ من عشقٍ دفين لها، جذبت كفها بحدة وتحدثت بعصبية مفرطة:
- قولتل لك جاوب على سؤالي، إنتَ بتعمل إيه هنا؟
اتسعت مقلتيه بذهولٍ من تصرفها العنيف، فتلك هي المرةِ الأولى التي تقاوم فيها لمستهُ ونظرات عيناه، يبدو أنه توغل في أذاها للحد الذي جعل كرامتها تتحدى مشاعرها وتتفوق عليها، لام حاله على ذاك التصرف الأهوج، فقد اتخذ قرار الإبتعاد أو بالاصح النفي، فهو سيُفنى بابتعاده عن محبوبته وخليلة الكيان، تحمحم كي ينظف حنجرته ليستطيع التحدث بشكلٍ يظهر عدم مبالاته:
- إعتبريها غلطة ومش هتتكرر تاني يا بوسي.
دفعته بصدره بقوة لتهتف بألمٍ ينخر بقلبها:
- متقوليش يا بوسي، ولا حتى تنطق إسمي كله على لسانك، أنا بكرهك يا يوسف، بكرهك ومش عاوزة أشوفك قدامي تاني.
شعر بصفعة قوية نزلت على جدران قلبه زلزلته، وبرغم أنه استمع إلى تلك الكلمة منها أثناء تواجده بالمشفى إلا أنهُ إعتبرها هزيان من شدة الصدمة، لكن تلك المرة كانت التأكيد، لا يدري ما حدث له، فقد تملك التحدي منه وأراد تعرية مشاعرها أمامها، فتحدث ناظرًا بعينيها بقوة:
- عمرك ما هتقدري تكرهيني، عارفة ليه؟
طالعتهُ بحقدٍ ليتابع بنعومة مشيرًا على صدرها:
- لأني محفور هنا، جوة قلبك، اللي بينا مش مجرد قصة حب عابرة يا بيسان، اللي بينا سنين ومواقف وعمر بحاله، ومهما تحاولي تمحيه مش هيطلع غير بالمووت.
بجبروتٍ وعنفوان جديدًا عليها أجابتهُ:
- يبقى الموت أهون عندي من إن حب واحد زيك يفضل ساكني.
- واحد زيي؟!… قالها بذهول ليتابع متسائلاً بحدة:
- إنتِ شيفاني إزاي يا بيسان؟
- شيفاك واحد خاين للعهد… نطقتها بحدة لتسترسل بنبرة ساخطة:
- وعدتني بالحب وعشمتني بالجنة معاك.
واسترسلت بملامح متأثرة وغشاوة دموع تلألأت داخل مقلتيها:
- خلتني طيرت في سماك وبنيت معاك كل أحلامي، ربطت كل حاجة تخصني ووقفتها على وجودك.
رفعت كتفيها لتتابع مسترسلة باستسلام:
- وفي النهاية سبتني ومشيت، خلتني متعلقة، لا أنا اللي طايلة سما أطير فيها وأعيش أحلامي اللي رسمتها، ولا أنا اللي واقفة على أرض ثابتة أقدر من خلالها أكمل حياتي مع حد تاني.
توسع بؤبؤ عينيه حين اشارت بحديثها على أحدهم، أيمكن ان يمتلكها غيرهُ من الرجال؟! شعرت بصراعٍ حاد ظهر بَين بمقلتيه، ومَن غيرها يشعر به ويلمس روحه، تحاملت على حالها لتسألهُ، تعلم أنها جارت على كرامتها بما يكفي لكنها ستعطيه تلك الفرصة علهُ يرأف بحالها ويتراجع عن صرامته وعِنده:
- لأخر مرة هسألك يا يوسف، لو لسه بتحبني خلينا ناخد فرصة تانية ونحاول.
وتابعت مسترسلة بتحذير:
- وقبل ما تجاوب لازم تعرف إن دي الفرصة الأخيرة اللي هديها لك.
إمتلئت عينيه بحيرة امتزجت بألمٍ، وباتت عينية تجوب ملامحها بنظرات زائغة، صراعٌ عنيف هاجمهُ بضراوة، انقسم كل شيءٍ به ما بين الرفض والقبول، قلبهُ حالمًا يزجه على أن يظفر بتلك الفرصة ويغتنمها لصالح قلبيهما، ولينسى الماضي ويضعهُ جانبًا متلاشيًا جُل شيء مقابل التنعم داخل أحضان الحبيب والفوز بالمستقبل، بينما العقل والكرامة اتحدا ليكونا فريقًا شرسًا ليهاجما القلب بعنفٍ قائلين:
- أصمت أيها الخاضع الخنوع، يالك من قلبٍ فاقدًا للكرامة، أين نخوتك وعزة نفسك أيها البائس، ألأجل حب إمرأة لا تختلفُ عن مثيلتها من بنات حواء تخضع وتخنع لأبيها وتدع حالك تحت قدميه ليدهس على كرامتك ذهابًا وإيابًا.
رد القلب بهيامٍ يكاد يقتلهُ:
- لكنها ليست كباقي النساء، هي حبيبتي، خليلتي وشريكة أحلامي، هي من بقيت صامدًا لسنواتٍ لأجلها، هي من حلمتُ أن أسكن مدينتها، هي فقط دون غيرها.
- لا داعي للمبالغة، فـ فالنهاية كلهُن سواسية، كلهُن نساء… كانت تلك كلمات العقل قبل أن يخرجه من تلك الحرب صوتها الناعم وهي تترجاه بعينيها:
- قولتل إيه يا يوسف؟
بعد صراعٍ عنيف هز رأسهُ وهو يقول:
- مش هقدر.
ولتابع بذُلٍ وألم:
- أرجوكِ قدري موقفي.
ابتسمت ساخرة لتنطق بنبرة ضعيفة سيطرة عليها الهزيمة:
- كنت متأكدة إن ده هيبقى ردك، كنت واثقة إنك هتبيعني وتدوس على حُبي.
هز رأسهُ ناكرًا تفكيرها لتتابع مسترسلة بعينين يملئهما التحدي وكأنها تحولت لأخرى شرسة:
- بس وحياة حبك اللي لحد اللحظة دي مش قادرة أخرجه من جوايا لانساك يا يوسف، ولو روحي متعلقة فيك هخرجها بإيدي، ولا إني أعيش مذلولة تحت رحمة حبك.
وتابعت بحدة وصلت للإهانة:
- إوعي تخليني أشوف وشك مرة تانية، ولو عندك كرامة بجد متجيش بيت جدو علام بعد النهارده، خلي عندك ضمير وابعد علشان أقدر أتنفس في بُعدك وأعيش.
اكتفت بهدر تلك السهام بقلبه وبدون مقدمات خرجت لتنطلق بطريقها نحو سيارتها برأسٍ شامخ وصلابة محاربة عزمت الامر على اقتحام ساحة المعركة.
تاركة خلفها قلبًا تحطم وفؤادًا من العشق تمزقَ، ليقابلهُ على الجهة الأخرى نبيل بابتسامة منتصر وكأنهُ كان ينتظر رجوعها إليه.
دمعة حارة إنزلقت من عينيه وهو يراقب ابتعادها وكأن روحهُ سُلبت منه برحيلها، خرجت كلمة بصوتٍ ضعيف وقلبٍ صارخ يأبى القادم:
- متتمشيش.
شهقة حادة خرجت لتتابعها دموعًا انهمرت كشلالاتٍ من عينيه، دموعًا احتجزت طويلاً والأن لم يعُد بمقدورها الإنتظار أكثر:
- متسبنيش لوحدي، هموت في بُعدك يا بيسان.
مال برأسهِ جانبًا لينطق وكأنهُ يحتضر:
- إرجعي.
وكأنها استمعت لمناداتها لتستدير تنظر باتجاههِ ولكن بنظراتٍ حادة ممتلئة بالقوة والتحدي وكأنها تتوعد قلبه وتطالبهُ بانتظار ما هو قادم للإنتقام، ألقت عليه نظرة ساخطة لتستدير وتتابع طريقها من جديد وهي تتحرك بخطواتٍ واثقة نحو الأمام، نحو ذاك المبتسم بشماتة ظهرت بعينيه وهو يتطلعُ على ذاك الزجاج المُفيم متأكدًا أن من خلفهُ يناظرهُ بحقدٍ دفين.
رواية انا لها شمس الفصل السابع 7 - بقلم روز امين
«ليت كل أشياءنا الجميلة تبقى بدايات»
روز أمين
داخل أحد المراكز التجارية الضخمة، وبالتحديد داخل الحلبة الخاصة بلعبة السيارات الاصطدامية، تقف عزة خارج الحلبة وهي تقوم بالتصفيق وتشجيع يوسف الجالس بجوار إيثار ممسكًا بطارة السيارة بينما تساعده هي بقيادتها لحمايته من الاصطدام. تطلعت عزة بعينين متلألئتين بالدموع وهي ترى ضحكاتها العالية التي تصدح بالمكان وهي تداعب صغيرها. كانت تبذل كل ما في وسعها تعويضًا لذاك الملاك كي لا تشعره بغياب الأب والعائلة، لذا فكانت تحتويه وتمنحه أقصى درجات الحنان والعطف لكي لا يشعر ولو قليلًا بمرارة ما قاسته بمشوار طفولتها المعذبة حيث ذاقت من خلال قساوة والدتها الأمرين. هي من حُرمت من حنان والدتها، هي التي لم تتذوق لضمة أحضان الأم طعمًا، لذا فقد كانت دائمة الحرص على تعويض حالها بغمرة أحضان ذاك الصغير لتجد من خلالها الملاذ وتكسر قاعدة "فاقد الشيء لا يعطيه".
تنهدت عزة حين تذكرت ليلة شتوية عاصفة ممطرة خيم عليها الظلام لانقطاع التيار الكهربائي، حيث جلستا ببهو المنزل تحتضنهما الأريكة القطيفية المريحة بعد أن صنعت عزة كوبين من مشروب الشيكولاتة الساخنة لتحتسيهما سويًا. تطلعت لصغيرها الغافي فوق صدرها لتتنهد براحة وهي تجذب الغطاء الوثير لتغمر جسده الصغير وتُدفئه للحماية من صقيع يناير القارص. وضعت قُبلة حنون فوق جبينه وباتت تتلمس شعر رأسه الحريري بلمسات تقطر حنو قبل أن تتنهد وتبدأ بسرد قصتها على مسامع تلك الحنون التي وجدت بأحضانها كل ما انتزعته منها تلك القاسية التي تربت على يديها. كانت تخبرها بدموع عينيها ما قاسته، لم تكن طفولتها كأي فتاة، تذكرت حينما كانت بالسابعة من عمرها عندما أتاها والدها بدمية كهدية تحفيزية بعد نجاحها بالصف الثاني الابتدائي لتحتضنها وتشعر معها بالسعادة التي لم تكتمل حين اقتحمت منيرة جلوسها وهي تلهو بدميتها لتنتزعها بدون رحمة وتقوم بتمزيقها وتحويلها لأشلاء وهي تخبرها بكل حنق أنها أصبحت فتاة كبيرة ولا ينبغي التصرف كالصغيرات، لتجذبها بقوة من رسغها لتلقي بها بحجرة المطبخ وتأمرها بغسل الأواني لتتعلم المهارات المنزلية التي ستعود عليها بالنفع بدلًا من تبديد وقتها بتلك المهاترات. مر بذهنها دموعها الغزيرة التي انهمرت وهي تسرد آلامها النفسية التي خرجت بها من طفولتها ولازمتها إلى الآن.
تنهدت عزة بأسى لتبتسم بسعادة وهي تراها تمرح وتلهو مع صغيرها وكأنها تشاركه طفولته تعويضًا لها عما مضى. انتهى الوقت المحدد للعبة لتتوقف السيارات ويبدأ الجميع بالترجل لإعطاء الأطفال المنتظرين أدوارهم. حملت صغيرها وخرجت لتستقبلهما عزة بملامح متهللة وهي تفتح ذراعيها على مصراعيهما لتلتقط الصغير لأحضانها. تحركوا إلى المطعم ليتناولوا طعام غدائهم بسعادة ومذاق شهي، لتتحدث عزة إلى الصغير وهي تجفف له فمه بالمحرمة الورقية:
- كده يا چو بهدلت نفسك كاتشب، عمالة أقولك خليني أأكلك.
تذمر الصغير لتقول إيثار بنبرة حنون وهي تتحسس شعر رأسه بحنو:
- سيبيه براحته يا عزة.
لتبتسم لذاك الملاك الذي حول بصره يتطلع عليها بابتسامة شكر لتسترسل بعينين تقطر حنانًا:
- كل براحتك واعمل كل اللي إنتَ عاوزه يا قلبي.
ضحك لها الصغير لتسترسل سريعًا بعدما لمحت اعتراض تلك الحازمة:
- الكلام ده ينطبق على النهاردة وبس يا چو، مش عاوزين نكسر قواعد عزة.
- أيوا كده اظبطي الكلام بدل ما تبوظي لي حتة الواد اللي تعبت في تربيته وتخليني أقلب عليكِ...
نطقتها بمشاكسة لتضحك الأخرى وهي تقول بملاطفة:
- وأنا لا قد قلبتك ولا لوية بوزك يا ست عزة.
هتف الصغير بوجه متهلل وهو يشير إلى ثيابه التي يرتديها:
- مامي، أنا عاوز ألبس الطقم ده وأنا رايح بكرة عند بابي.
وقفت غصة مرة بحلقها وبلحظة تبدلت ملامحها من مستكينة هادئة لغاضبة مستاءة. زفرت عزة لتسألها بحدة:
- إنتِ هتخليه يروح بكرة عند أبوه بجد؟
أجابتها متأثرة:
- غصب عني يا عزة، مش عاوزة أدخل الولد في مشاكلنا علشان نفسيته ماتتأثرش، ما إنتِ عارفة هو متعلق بيهم قد إيه.
واسترسلت بإبانة:
- نصر البنهاوي اتصل بالمحامي النهاردة وطلب منه يستأذني ياخده بكرة علشان باباه عاوز يشوفه.
سألتها بحذر وهي تنظر للصغير:
- هو رجع من السفر؟
علمت أنها تقصد بخروجه من سرايا النيابة لتقول:
- محامي أيمن بيه قال لي إنه رجع إمبارح بعد ما خلصوا الأربع أيام.
لتسترسل بحذر وهي تراقب صغيرها المنشغل بتناوله للطعام:
- أبوه جاب له أكبر محامي في البلد، أخد شهر مع إيقاف التنفيذ وغرامة ألف جنيه في المحضرين.
لوت عزة فاهها لتقول وقد ارتسم عدم الرضا والاستياء على ملامحها:
- بعد كل اللي نيله ده ياخد شهر وكمان ميتحبسوش؟!
زفرت إيثار لتسترسل الأخرى بنبرة يائسة:
- عليه العوض ومنه العوض.
نظرت للأمام لتتحدث بقوة وصلابة:
- مش مهم المدة قد ما مهم إنهم عرفوا إني مش هسكت بعد كده، وإن عندي اللي يساعدني واللي نصر بجبروته مقدرش على تخطيتهم.
- مامي أنا عاوز آيس كريم شيكولا...
ابتسمت لتجيبه:
- كمل البيتزا بتاعتك وبعدها نروح ناكل الآيس كريم.
عبس وجه الصغير وابتعد مهرولًا عن مقعده ليدق الأرض بقدميه معلنًا عن اعتراضه ليخرج صوته بضجر وهو يعقد حاجبيه بضيق:
- بس أنا شبعت وعاوز آيس كريم.
كادت أن تنهره أوقفتها عزة التي هبت واقفة لتجاور ذاك العنيد قائلة:
- أنا خلصت أكل، كملي إنتِ أكلك وأنا هروح أجيب له.
زفرت باستسلام لتنطق بنظرات لائمة:
- إفضلي إنتِ كده دلعي فيه لما هتخليه يتنمرد علينا وبعد كده مش هيسمع لواحدة فينا كلام.
ابتلعت ما تبقى بجوفها من حديث بعدما شاهدت تصفيق الصغير بحماس تحت سعادة كلتاهما لتنسحب عزة بعدما حملته بينما تابعت هي تناول طعامها. استمعت لرنين هاتفها الموضوع جانبًا فوق الطاولة لتضيق عينيها بعدما وجدت الرقم مخفي لتتذكر ذاك المغرور. أمسكت محرمة سريعًا لتنظيف يدها ثم التقطت الهاتف وهي تجيب باستحسان بنبرة جادة:
- مواعيدك مظبوطة بالدقيقة يا سيادة المستشار.
وصلها صوته المتعالي وهو يقول بزهو:
- فؤاد علام كل حاجة في حياته مظبوطة مش بس مواعيده.
شعرت بالضجر من غروره البالغ فأخذت تحرك عينيها يمينًا ويسارًا بملل، لم تبغض شيئًا بحياتها أكثر من الغرور وأهله، فدائمًا يذكرها بتلك "إجلال" سيدة الغرور الأولى بالعالم بالنسبة لها، لتزفر بنفاذ صبر وهي تسأله بصوت صارم متجاهلة جملته التي تقطر تباهيًا:
- أنا حجزت لحضرتك الميعاد، الساعة واحدة يناسب حضرتك؟
لمس ضجرها بنبرة صوتها الجادة ليبتسم بتسلٍ وهو يتخيل ملامح وجهها الصارمة ليقول:
- ميعاد مناسب جدًا.
واسترد بمشاكسة أصبحت تلازمه كلما جمعه حديثًا مع تلك الأنثى المتمردة والتي من الواضح أن كبريائها قد جذبه إليها وكلما نفض تفكيره بها ليبتعد خطوة يجد القدر يقربه أكثر ويضعها بطريقه ليلتقيا من جديد:
- يا ترى غيرتوا البُن المغشوش بتاعكم ولا أجيب معايا البُن بتاعي؟
أخذت تقلب عينيها بضجر تلعن غرور هذا الرجل بسريرتها. لقد كان مستفزًا لدرجة جعلتها تريد غلق الهاتف لتنهي تلك المحادثة السخيفة لكنها تحاملت على حالها لتنطق بحنق وصل له من خلال نبرتها:
- تقدر تجيب البن بتاع حضرتك معاك، لأننا مبنغيرش ثوابتنا علشان نرضي أي حد.
- بس أنا مش أي حد يا أستاذة، وتقدري تسألي مديرك...
خرجت كلماته بحدة بعض الشيء لتشعر ببعض من الانتصار وبأنها قد استطاعت استفزاز ذاك المغرور لتبتسم وهي تقول بمراوغة كي لا تثير حفيظته أكثر:
- مش محتاجة أسأل حد يا سيادة المستشار، اسم جنابك يكفي.
ضم شفتاه المكتنزة لتخرج ابتسامة جانبية ساخرة بعدما علم مكرها ليقول لاستدعاء ضجرها من جديد:
- كويس إن الشخص يبقى على علم بقيمة ومركز اللي قدامه تجنبًا للمشاكل اللي ممكن يوقع نفسه فيها.
أقبلت عزة حاملة أكواب مثلجات الشيكولاتة ليقترب الصغير ويقف بجانب والدته ليهتف بعدما رأى تعابير وجهها السائمة وهي تقلب عينيها ضجرًا:
- مامي، إنتِ بتكلمي شرشبيل؟
صدمتها كلمات صغيرها التي اخترقت أذن فؤاد لقرب مسافة ذاك المشاكس من الهاتف مما جعله يقطب جبينه متعجبًا لتنطق هي بكلمات متقطعة لشدة تلبكها:
- اسكت يا چو علشان معايا تليفون شغل.
- شغل إزاي، أنا سمعت صوت شرشبيل وهو بيقول لك إنه هيتصل بيكِ الساعة ثمانية...
قال كلماته التي جعلت وجهها شاحبًا كما الأموات ليستطرد وهو يشير بأصبع السبابة على ساعة الحائط المعلقة بالمكان:
- والساعة أهي ثمانية.
رمقته بنظرة نارية لتسرع إليه عزة وتجذبه من رسغه قائلة بتعنيف:
- تعالى يا لمض وسيب ماما تتكلم، تعالى يا جلاب المصايب.
- أنا آسفة يا أفندم...
قالتها بصوت معتذر ليهم بالحديث ليوقفه صوت ذاك الصغير ويضم بين عينيه لإصراره العجيب حيث هدر بصوت مرتفع قائلًا بتأكيد:
- سيبيني يا زوزو علشان أحمي مامي من شرشبيل، أنا متأكد إنه هو، أنا سمعت صوته من فون مامي وهو بيقول لها هتصل بيكِ الساعة ثمانية تكوني شوفتي المواعيد.
- ابنك باين عليه لذيذ قوي...
نطقها باستحسان لتقف مبتعدة عن طاولتهم قبل أن تصاب بذبحة صدرية من تصميم ذاك الأخرق على كلماته. بصعوبة أخرجت صوتها متلبكًا مما جعل فؤاد يشكك بالأمر:
- متشكرة يا أفندم وآسفة لو كان أزعجك بلمضته.
- بالعكس، باين عليه فطن ومتحدث لبق، تقريبًا وارث صفاته منك...
رفعت حاجبيها متعجبة حديثه المثني عليها ليباغته صوتها الناعم وهي تسأله بدلال لا تعلم كيف انفلت منها:
- أعتبر ده مدح من جناب المستشار؟!
- وتستحقيه وبجدارة...
نطقها بثقة جعلت الابتسامة تشق طريقها لشفتاها التي انفرجت على مصراعيهما ليخرج صوتها هادئًا معلنًا عن بلوغها لدرجة ليست بالقليلة من الطمأنينة في حضرته:
- ميرسي.
تبسم بتعالٍ بعدما أيقن ببداية انجذابها له وهذا ما جعله يشعر بالتفاخر، لتنهي هي المحادثة للعودة لمجالسة صغيرها وبداخلها طمأنينة لا تعلم من أين مصدرها.
صباحًا
كان ينزل من فوق الدرج بكامل أناقته استعدادًا للذهاب لعمله، ابتسم على صغيرة شقيقته التي تجلس ببهو القصر تشاهد أفلام الكرتون الخاصة بالأطفال عبر شاشة العرض الكبيرة. اقترب عليها ليميل بطوله الفارع طابعًا قُبلة حنون فوق وجنتها:
- حبيبة قلب خالو عاملة إيه؟
تبسمت الصغيرة لتقول وهي تركز بعينيها على الشاشة:
- كويسة.
خرجت فريال من المطبخ حاملة صحنًا به بعضًا من الشطائر وبيدها الأخرى كأسًا من الحليب الطازج لتضعهما أمام صغيرتها وهي تقول مرحبة بشقيقها:
- صباح الخير يا فؤاد.
أجابها مرددًا:
- صباح النور يا حبيبتي.
تحدثت:
- بابا وماما مستنيينك على الفطار في الجنينة.
قطب جبينه ليسألها متعجبًا:
- هي بيسان بتفطر لوحدها ليه؟!
زفرت لتجيبه مستسلمة:
- بتتفرج على الكرتون بتاعها يا سيدي.
ابتسم ليقول بعدما تذكر أن اليوم هو الأحد يوم عطلتها المدرسية:
- بقى بدل ما تستغلي يوم إجازتك الوحيد في إنك تفطري مع جدو وبابي تقضيه قدام التلفزيون؟!
ابتسمت له وهي تقضم قطعة من الشطيرة لتجيبه شقيقته:
- ريح نفسك مش هترد عليك، يلا بينا علشان نفطر.
خطى بساقيه بطريقه للخارج ليتوقف بجبين مقطب حين استمع لصياح ابنة شقيقته وهي تهتف بصوت مرعب:
- شرشبيل!
لتسترسل بتنبيه:
- حاسب يا سنفور شرشبيل وراك.
التفت إليها متذكرًا طفل إيثار وهو يكرر ذاك الاسم عدة مرات بالأمس ليقبل على الصغيرة متسائلًا عن أصل ذاك الاسم:
- مين شرشبيل ده يا بيسان؟
- ده يا خالو...
نطقتها وهي تشير بأصبعها لتلك الشخصية الكرتونية، دقق النظر ليجد رجلًا ذو صلعة ويمتلك أنفًا طويل يوحي لمدى شره لتسترسل الفتاة:
- ده شرشبيل الشرير اللي بيحارب السنافر.
قطب جبينه وبدأ بربط الخيوط وترتيب الكلمات ليهز رأسه مبتسمًا وهو يحك ذقنه بأصابع يده بتسلٍ.
أخرجته من شروده شقيقته التي صاحت باسمه لتستعجله.
ظهرًا
بمحافظة كفر الشيخ وبالتحديد بمنزل نصر البنهاوي، يجلس فوق فراشه ممسكًا بين أصابعه إحدى لفائف التبغ يدخنها بشراهة مما عبأ الغرفة بسحابات الدخان الكثيفة. ولجت سمية للداخل لتتحرك صوبه وتجاوره الجلوس:
- وبعدين معاك يا حبيبي، هتفضل حابس نفسك كتير كده في الأوضة؟
هتف بنبرة حادة بوجهه الذي مازال متصبغًا بالاحمرار نتيجة ما تلقاه من ضربات عنيفة على أيادي الخارجين عن القانون أكثر من مرة داخل الحجز:
- قلت لك سيبني واطلعي برة يا سمية.
ليستطرد بصوت هادر رامقًا إياها باشمئزاز:
- إنتِ إيه، مابتفهميش؟!
احتدت ملامحها بالغضب الحاد وهي تهتف قائلة بسخط:
- هو خدوهم بالصوت ليغلبوكم، ولا علشان أنا بنت أصول وبحاول أقف جنبك في المصيبة اللي وقعتك فيها بنت الكلـ.
دي يبقى ده جزائي؟!
ما أن قامت بسب مالكة لِبه حتى ألقى بلفافة تبغه بالمطفأة لينقض عليها كثورٍ هائج لا يرى أمامه، أمسكها من أحد ذراعيها وقام بليها خلفها وصرخ بها هادرًا:
- لسانك الو…. ده لو سمعته مرة تانية بيجيب سيرة إيثار بخير ولا شر هقطعه لك، إنتِ فاهمة؟
قال الأخيرة بتحذير، وبدأ بالضغط على لي ذراعها بقوة حتى كاد أن يكسر لتجحظ عينيها وهي تشعر بألم يكاد يفتك بروحها لتحاول المقاومة والإفلات من قبضته الفولاذية وهي تقول بتذلل:
- سيب إيدي يا عمرو، إيدي هتتكسر.
هتف ليخرسها:
- خليها تتكسر علشان ما تنسيش تحذيري.
حررت ذراعها من قبضته لتنهض سريعًا وتستدير لتطالعه هاتفة بصرامة وهي تنظر له بعينين حادتين ممتلئتين بالشر:
- كل ده علشان قلت كلمة على الهانم من حرقة قلبي من البهدلة اللي شفتها اليومين اللي فاتوا على إيديها؟!
لترمقه بنظراتٍ ازدرائية قائلة:
- مش كفاية إني اتخرست وما فتحتش معاك موضوع مرواحك لبيتها في أنصاص الليالي؟!
- ده شيء ما يخصكيش.
نطقها بحدة لتهتف بصراخٍ وجنون:
- كلك على بعضك تخصني يا عمرو، أنا مراتك.
هب واقفًا ليقترب من وقوفها ثم دنا منها ليهمس بفحيحٍ من بين أسنانه:
- وهي قريب قوي هترجع هنا علشان تنور بيتها من جديد، وهتبقى ستك وست الكل.
- مش هيحصل يا عمرو، على جثتي بنت منيرة تخطي بيتي برجلها.
قالتها بنظراتٍ تتطاير شررًا ليهتف بابتسامة ساخرة:
- بيتك!
ما بلاش الكلام الكبير ده علشان لو وصلت لكده يبقى هدخلها على جثتك بجد بعد ما أطلع روحك على إيدي.
هنشوف، هنشوف يا عمرو.
نطقت كلماتها واندفعت للخارج كحمم بركانية أوشكت على الانفجار. تنهد بضيق ليعود لفراشه ملقيًا بجسده المنهك فوقه ليستند بظهره للخلف ونظر أمامه في نقطة اللاشيء ليعود بذاكرته للماضي وهو يلعن حاله على الانجذاب لتلك الشيطانة التي ولجت لحياته فأفسدتها وانتزعت حبيبته وصغيره الغالي من بين أحضانه لتلقي بروحه بين غيابة الجب، ومنذ ذاك الحين وروحه حبيسة ماضيه الجميل.
انتباااااه!
عودة لما حدث بالماضي.
ارتدت ثيابها كاملة لتخرج بخطواتها من منزلها بطريقها للطريق الخارجي وإذ بها تفاجئ بسمية حيث كانت تنتظرها أمام باب منزلها. شملتها باستغراب حيث كانت ترتدي بنطالًا من الجينز ضيقًا للغاية تعتليه كنزة مفصلة على جسدها لتبرز معالمه ومفاتنها، أما وجهها فحدث ولا حرج، فقد كان ملطخًا بعدة ألوان من الزينة، من يراها يعتقدها ذاهبة لحضور زفاف ليلي وليس لطلب العلم. هتفت بتملل:
كل ده بتلبسي؟ ناموسيتك كحلي؟ يلا اتأخرنا.
قالت كلماتها على عجالة لتجذب رسغ تلك المذهلة وتسحبها خلفها لتقول إيثار باستفهام:
أنت واقفة هنا من بدري؟
أنا ليا أكثر من ساعة إلا ربع مستنياكِ.
سألتها متعجبة:
طب وليه مدخلتيش؟
هتفت على عجالة وهي تسرع بخطواتها كأنها تسابق الزمن:
بطلي رغي وسرعي خطوتك شوية، الراجل زمانه مستنينا من بدري، ليزهق ويمشي.
تعجبت لأمر صديقتها وغرابة أفعالها وفضلت الصمت حتى وصلا لبداية الكوبري لتجد ذاك العاشق يتطلع بعينيه الزائغة باحثًا بين البشر عمن ملكت فؤاده وتربعت بعرش قلبه. ارتجف قلبه وبدأت دقاته تعلو وتنتفض عند رؤياها التي باتت تشبع روحه وتبلغها السكينة. لمحته من بعيد لتبتسم تلقائيًا لنظراته الهائمة التي يشملها بها. لقد وصل لحد الهيام وبات غرامها يتملك لُب فؤاده. كانت تشعر بالرضى وهي تتحرك صوب موقف السيارات بينما يحترق داخل تلك التي تجاورها بعدما رأت نظرات ذاك الثري لصديقتها التي تصفها دائمًا بالبلهاء، فكيف لبلهاء كتلك سرقة عقل شاب فاحش الثراء والوسامة كعمرو بينما هي التي تحاول جاهدة لم تعثر على الأقل منه بكثيرٍ إلى الآن.
هتفت بصوت خرج حاد رُغمًا عنها:
تعالي نسلم عليه ونقف جنبه على ما أي ميكروباص ييجي.
لتسترسل بتذمر:
مش كان جاب عربيته علشان ناخد راحتنا أكثر، أنا مش فاهمة إيه الهبل اللي هو فيه ده.
التفت لجانبها تطالعها بذهول وهي تقول باستياء:
إيه اللي أنت بتقوليه ده يا سمية، إزاي تفكري إني ممكن أركب معاه عربيته؟
مش هيبقى خطيبك.
قالتها باستخفاف لتهتف الأخرى مستنكرة:
أولًا هو لسه مبقاش خطيبي، وحتى لو بقى أنا لا يمكن أركب معاه عربية لوحدنا.
خليكي بتفكيرك أبو طربوش ده لحد ما يزهق منك ويروح يدور على واحدة فاكة وفرفوشة.
نطقتها بازدراء لتزفر الأخرى بضيق وتفضل الصمت. وقفت بعيدًا عن ذاك الذي يتابعها بعينيه متلهفًا لنظرة من عينيها التي أبعدتهما عنه وهي تنظر أمامها بخجل، بينما انطلقت الأخرى لتقتحم وقوفه وهي تمد يدها لمصافحته قائلة بكل جرأة:
أزيك يا أستاذ عمرو.
تطلع إليها باستغراب لتقول بعينين متلهفتين تحت ذهول إيثار التي تتابعها من بعد:
أنا سمية صاحبة إيثار.
تعجبت لأمره كيف ينظر لها بهذا الاستغراب ألم يراها وهي تجاورها؟ بحقيقة الأمر هو لم يراها فكل الكون يصبح شفافًا بحضرة أسرت لبه. بسط لها كفه ليصافحها متحدثًا ونظراته مثبتة على إيثار مما أثار حنق الأخرى:
أهلًا وسهلًا.
هتفت للفت الانتباه:
على فكرة إيثار كلمتني عنك كتير، أصل أنا صاحبتها الوحيدة وهي مبتخبيش عني أي حاجة.
عند ذكرها لتلك النقطة لم يستطع الصمود فالتف سريعًا لها ليسألها متلهفًا:
بجد إيثار كلمتك عني؟!
احترق قلبها بنار الحقد لما تراه من لهفة وعشق بعيني ذاك الثري لتلك الحقيرة لترسم ابتسامة مصطنعة وهي تجيبه بصوت ناعم ونظرات جريئة تعجب لها عمرو:
طبعًا كلمتني، أصل أنت متعرفش أنا أبقى إيه بالنسبة لإيثار، دي ماتعرفش تخطي خطوة واحدة من غيري، أصلها على نياتها ومعندهاش خبرة في أي حاجة.
كلمات ملتوية نطقتها بنظرات جريئة لتجذبه إليها في محاولة منها لاستقطابه داخل براثنها. ابتسم داخله بسخرية على تلك البلهاء وهي تتبع أسلوب الإيقاع بالفريسة. رمقها بازدراء فمثلها كأخريات كُثر ممن يرتمين تحت قدميه لنول رضاه والاستفادة بمال أبيه الذي لا حصر له. تجاهلها وعاد بنظره لملاكه ليجدها ترمقهما بضيق ليبتسم داخله بعدما رأى غيرتها الواضحة ليتجدد الأمل بقلبه. توقفت سيارة فأسرع هو ليبتعد الجميع مفسحين له الطريق مع تعجبهم لذاك الثري الذي ترك سيارته الخاصة ليشارك الفقراء وسيلة تنقلهم. اختار المقعد الأخير بالسيارة ليحيل بنظره إلى تلك الغريبة لتستقل المقعد المجاور للنافذة لكنها سرعان ما جذبت يد إيثار لتقحمها بمقدمة السيارة قائلة:
خلي إيثار تدخل الأول، أصلها بتحب القاعدة جنب الشباك.
قطب جبينه ونظر للأخرى التي رفعت كتفيها باستسلام لتستقل مقعدها لتجاورها الأخرى ويليهم هو بالأخير. انطلقت السيارة فنظر هو لها متلاشيًا تلك المتطفلة ليقول مبتسمًا بصوت حنون:
إزيك يا إيثار؟
ابتسمت لترد بخجل جعل من وجنتيها كثمرات التفاح في موسم حصادها:
الحمد لله.
سألها متلهفًا:
فكرتي في الموضوع اللي فاتحتك فيه؟
همت بفتح فمها لتقاطعها سمية قائلة بعدم حياء:
هي المواضيع دي بتتاخد على الدوغري كده يا عمرو؟
ضيق بين عينيه متعجبًا اقتحامها الحديث والسماح لحالها بقول اسمه بدون ألقاب لتسترسل بعينيها وحاجبيها وكتفيها كفتيات الليل:
إحنا نروح الوقت نقعد في كافيتريا ونتكلم مع بعض وبعدها نخرج في أي مكان مفتوح، علشان إيثار تعرف تاخد قرار بعدها.
رمقتها بحدة لتهتف باعتراض حاد:
إيه الكلام اللي أنت بتقوليه ده يا سمية؟
واستطردت وهي تهز رأسها بنفي:
أنا مش هخرج في أي حتة، وبعدين أنا عندي محاضرات مهمة ولازم أحضرها.
وجه حديثه بحسم إلى إيثار بعدما فهم نظرات تلك اللعوب وعلم أنها تبغض حبيبته وتريد انتزاعه منها:
أنت وعدتيني الأسبوع اللي فات إنك هتفكري وهتردي عليا النهاردة يا إيثار.
ليستطرد بعينين متأملتين تنطق بالغرام:
وأنا عاوز رأيك الوقت.
ابتلعت لعابها وهي ترى هيئته العاشقة. مشاعر متعددة هاجمتها، ارتياب على شعور بالراحة مصحوب بالخوف من القادم لكنها بالنهاية تشعر بالطمأنينة كلما نظرت بعينيه. سحبت بصرها تتطلع لصديقتها التي هزت رأسها وعينيها تحذرها وتأمرها بالرفض التام. تنهدت براحة لتعود ببصرها إليه من جديد تحت دقات قلبه المتسارعة وكأنها تنتظر حكمًا سيغير مجرى الحياة إما بالتنعم داخل أحضانها الدافئة أو الموت البطيء في ابتعادها. ابتسمت خجلًا لتقول بصوت ناعم:
أنا موافقة.
شهقة عالية خرجت منه وكأنه كان يكظم أنفاسه انتظارًا لردها ليهتف متناسيًا تلك التي تتوسط جلوسهما وهي تحتك بجسده بلا حياء أو خجل متأملة إثارته عله ينتبه لوجودها ويتم تبديلها بصديقتها البلهاء:
وأنا هعيشك معايا أسعد أيام حياتك، مش هخلي الدموع تعرف طريق لعنيك، هحطك جوه عنيا وأقفل عليكِ برموشي علشان نسمة الهوا ماتجرحكيش.
تطلعت إليه بعينين سارحتين بحديثه المعسول، فتلك المرة الأولى التي تسمح لأحدهم بالتقرب منها. شعرت بتحرر مشاعرها التي كبحتها أعوامًا ككبت حياتها. ابتسمت لتسحب عنه بصرها وتنظر لكفيها وهي تفركهما ببعضيهما من شدة خجلها وتوترها بينما سمية على وشك بالإصابة بسكتة دماغية من شدة حقدها مما حدث للتو.
قطع شروده طرقات خفيفة فوق الباب ليهتف بنبرة حادة عبرت عن مدى الغضب الكامن بداخله:
انتبااااه!
عودة للحاضر.
مش قولت لك مش عاوز أشوف خلقتك النهاردة؟
فتح الباب لتطل منه والدته وهي تقول بابتسامة:
فيه حد عاوز يشوفك.
هتف بحدة ومازال ينفث لفافة التبغ بشراهة:
مش عاوزة أشوف حد، خدي الباب في إيدك وأنت نازلة.
حتى لو كان يوسف حبيبك؟
نطقتها بملاطفة ليظهر الصغير من خلفها وهو يقول بابتسامته الصافية:
وحشتني يا بابي.
وكأن بصوته وهيئته الملائكية ترياقًا لحياة تلك البائس. تبدل حاله بلحظة لينظر للصغير بسعادة وهو يسرع إليه متلهفًا ليقوم بحمله وإدخاله داخل أحضانه مشددًا بضمته بقوة وكأن بأحضانه سحرًا فقد تبدل حزنه لسعادة بالغة. أبعد وجهه ليهتف وهو يلثم وجنتيه وكل إنش يقابله بوجهه باشتياق جارف:
وأنت وحشتني قوي يا حبيبي.
أبعد الصغير وجهه ليضع كفه الرقيق فوق عين أبيه المنتفخة ليقول مستفسرًا:
إيه اللي في عينك ده يا بابي؟
تبدلت ملامح عمرو لحزينة لتهتف إجلال التي تنظر لنجلها بقلب متألم:
دي حادثة يا يوسف، بابا عمل حادثة بالعربية.
يا حبيبي يا بابي.
نطقها الصغير وهو يلثم عين أبيه المنتفخة ليدخله عمرو بأحضانه. بعد مدة كان يجلسه فوق ساقيه وتجاورهما إجلال فوق الفراش. يطعمه كل ما لذ وطاب حيث أمرت إجلال الخادمة بإحضار الطعام وبعض الحلوى والفاكهة التي يحبذها الصغير. هتف الصغير بصياح طفولي:
عارف يا بابي، مامي أخدتني الملاهي إمبارح أنا وعزة وأكلنا بيتزا وأيس كريم، ودخلت سباق العربيات ولعبت في بحر الكور كمان، كان يوم حلو قوي.
لوت إجلال فاها لتهتف بغل ظهر بين صوتها:
ليها نفس تخرج وتاكل بنت منيرة بعد اللي عملته.
لتسترسل وهي تمسك خصلة من شعرها بين أصابعها لتقول بوعيد:
بس وحياة ده ولا يكون على ستهم، إن ما خليتها تيجي زاحفة تحت رجلي وتطلب مني الرحمة والسماح ليها ولأهلها.
قطب الصغير جبينه لعدم فهمه لما تفوهت به جدته ليهتف عمرو من بين أسنانه بحدة:
وبعدين معاكِ يا أما، إيه اللي بتقوليه ده؟
ليسألها الصغير ببرائة:
هو أنت بتتكلمي عن مين يا تيتا؟
زفرت بضيق لتربت على ظهر حفيدها الغالي وهي تقول بصوت حنون يرجع لمكانته العالية بقلبها:
دي واحدة قليلة أصل متعرفهاش يا حبيبي. المهم، كل وخلي بابا يخلص أكله كله علشان هخلي جدك يوديك الملاهي اللي في المركز، وهخليه يشتري لك كل الألعاب واللبس اللي نفسك فيهم.
وهخدهم معايا يا تيتا ولا هيفضلوا هنا زي كل ألعابي؟
نطقها الصغير بأسى ليخترق الألم قلب عمرو على صغيره، لتقول هي بجبروت:
هيفضلوا هنا في أوضتك علشان لما ترجع وتعيش هنا على طول هيبقوا بتوعك طول الوقت.
بس أنا عاوز أخد ألعابي معايا علشان ألعب بيهم هناك.
نطقها بعينين حزينتين لتهتف بتحريض للصغير:
خلاص، زن على ماما وخليها تجيبك وترجعوا تعيشوا هنا من جديد وكل ده هيبقى تحت إيدك طول الوقت، ومش بس كده، ده أنا هاخدك كل يوم وأنزل أشتري لك ألعاب ولبس جديد.
مال برأسه وبصوت راجي همس الصغير بعينين متوسلتين يلين لهما الحجر:
طب خليني أخد العربية الكبيرة اللي بابي جابها لي المرة اللي فاتت، عاوز مامي وعزة يشوفوني وأنا بسوقها.
وكأن تلك القاسية لم تُخلق بقلب كباقي البشر، فقد انتزعت الرحمة من قلبها لتقوم باستغلال ذاك البريء للضغط على إيثار وإجبارها للرضوخ والقبول بعودتها لنجلها عن طريق ملاكها الصغير، فهي من أجبرت نصر والجميع على عدم إرسال مال ليحيا الصغير حياة الأثرياء كأبيه، واكتفت بإرسال المبلغ الزهيد التي حددته المحكمة والذي لا يكفي حتى لشراء ما يحتاجه الصغير من خبز يسد جوعه، كل هذا كي يزيد من الضغط عليها واستسلامها لكنها أبت فهي تقطع من قوتها لتأمن حياة كريمة للصغير من مأكل وملبس إلى مصاريف دراسته بالمدرسة الخاصة التي ألحقته بها لتأمين مستقبل دراسي أفضل. هتفت بقوة وصرامة:
قولت لك مش هينفع يا يوسف، الحل عند ماما، خليها ترجع تعيش هنا وأنا هعيشك عيشة الملوك.
عبس وجه الصغير ونكس رأسه للأسفل، أما عمرو فلم يعد لديه القدرة على التحمل لإذلال صغيره بتلك القسوة. أي عقل يستوعب هذا وأي قلب يتحمل؟ أنزل صغيره من فوق ساقيه ليهرول للخارج هاربًا من نظرات طفله القاتلة لتزفر إجلال وتلحق به بعدما طلبت من الصغير إكمال طعامه وعدم الخروج. خرجت لتجده يجوب بهو مسكنه الخاص مع سمية ذهابًا وإيابًا ويبدو على ملامحه الغضب الحاد. اقتربت منه ليصيح بغضب عارم:
قولي لي لحد إمتى هقدر أستحمل أشوف ابني وهو بيتذل بالطريقة دي قدام عنيا وأنا ساكت؟
لحد ما يحصل المراد.
نطقتها ببرود ولا مبالاة ليهتف بوجه مكفهر:
هو ابني مبيصعبش عليكِ؟!
السؤال ده يتسأل لأمه مش ليا أنا.
نطقتها برأس شامخ لتسترسل بقوة:
لو كانت بتحبه بجد كانت رجعته لعز أبوه وجده، لكن دي واحدة قادرة عاوزة تعيش على كيفها من غير حاكم.
واستطردت وهي ترمقه باشمئزاز:
كان يوم أسود لما وافقتك على جنانك وخطبت لك واحدة قليلة الأصل، وآدي النتيجة.
قالتها بنظرات لائمة ليهتف بقوة:
إيثار عمرها ما كانت قليلة الأصل، دي كانت أحلى حاجة حصلت لي، مدوقتش السعادة والراحة غير في حضنها.
ليسترسل بألم ظهر بعينيه:
ومن يوم فراقها الدنيا كلها فارقتني.
هتفت لائمة:
أنت بتكلمني زي ما أكون أنا السبب في إن البرنسيسة سابتك ومشيت، ماهو كله بسبب صاحبة عمرها الزبالة التانية اللي روحت بليتنا بيها.
لتستطرد بازدراء:
حظك زفت في الجوازتين، قال وأنا اللي كنت راسمة أجوزك بنت وزير ولا حتى بنت عضو في مجلس الشعب زي أبوك.
لم يتحمل حديثها ليهتف بصوت أشبه بصارخ:
ارحميني بقى من كلامك اللي ليكي سنين بتسمعيه لحد ما حفظته.
ليسترسل بنبرة ساخطة:
يا ريت تسبيني أنا وابني لوحدنا وتنزلي تشوفي مملكتك.
زفرت بضيق لما توصل له نجلها لتنسحب بهدوء إلى الأسفل كي لا تضغط عليه أكثر.
دقت الساعة لتعلن عن الواحدة ظهرًا. كانت تعمل بمكتبها مرتدية نظارتها الطبية وبدلتها العملية ليقطع اندماجها صوت "هانيا" السكرتيرة وهي تقول:
سيادة المستشار فؤاد علام برة وطالب يقابل أيمن بيه.
وقفت لتتحرك أمامها لاستقباله قائلة بنبرة عملية:
أهلًا وسهلًا يا سيادة المستشار.
اكتفى بهزة من رأسه لتشير هي للداخل بنبرة جادة:
الباشمهندس أيمن في انتظار حضرتك.
أسرع بخطاه ليقترب منها قبل أن تفتح الباب ويقول بعدما مال بطوله عليها ليقترب من أذنها:
ابقي قولي ليوسف إن شرشبيل الشرير باعت له السلام.
تسمرت بوقفتها لتستدير تطالعه بأعين متسعة لتقول بارتباك ظهر بعينيها وصوتها المهزوز:
شرشبيل مين؟ أنا مش فاهمة حضرتك تقصد إيه؟
مرر لسانه فوق شفته السفلى بتسلٍ لينطق بعينين متفحصتين لخاصتها مستمتعًا بارتجافة جسدها التي باغتتها:
شرشبيل، اللي كان ميعاده معاكِ الساعة ثمانية إمبارح، واللي واقف قدامك حاليًا.
ابتلعت لعابها ليسترسل بمشاكسة:
بس تصدقي طلع فيه شبه مني، حتى شعره شبه شعري.
نطق الأخيرة وهو يمرر كف يده على شعره ليغمز لها بإحدى عينيه وهو يبتسم بتسلٍ. تسمرت بوقفتها وشحب وجهها وكأن الدماء انسحبت منه ليخرجها من حالتها وهو يشير لها إلى الباب:
أيمن بيه في انتظاري.
هزت رأسها لتستوعب ما حدث وأقحمت به حالها لتسحب بصرها سريعًا تتقدمه وهي تفتح الباب لتقول بمهنية:
سعادة المستشار وصل يا أفندم.
دخليه بسرعة يا إيثار.
قالها وهو يتحرك ليستقبله بنفسه كنوع من التقدير لشخصه ليسترسل وهو يبسط ذراعه للمصافحة:
أهلًا وسهلًا يا سيادة المستشار، في ميعادك بالظبط.
أهلًا بيك يا أيمن بيه.
نطقها ليقول بعملية:
أنا عارف إن وقتك بحساب، علشان كده يا ريت نقعد علشان نتكلم في المفيد.
نظرت لأيمن لتقول بصوت مازال متأثرًا بما حدث:
هبعت لحضرتك البوفيه حالًا، بعد إذنكم.
تحركت ليوقفها صوته حين قال أمرًا:
يا ريت تطلبي لنا قهوة إحنا التلاتة وتيجي لأني محتاج لك معايا يا أستاذة.
ارتبكت بوقفتها لتشير بيدها على حالها باستغراب:
محتاج لي أنا؟!
أومأ بعينيه وهو يضع كفي يديه بجيب بنطاله مع ابتسامة مستفزة أرعبتها وظنت أنه سيشتكيها لرئيسها. بعد مرور حوالي نصف ساعة كانت تنظر إليه بانبهار. فقد تغيرت نظرتها كليًا خلال تلك الدقائق واكتشفت مدى إنسانية ذاك المستشار. تحدثت بنبرة ظهر بها الإعجاب:
أنا حقيقي مبهورة بتفكير حضرتك الإنساني يا سيادة المستشار.
رفع أحد حاجبيه يطالعها لتسترسل متحاشية غروره:
لو كل واحد في إيده فرصة يتطوع بيها ويعمل مبادرة يحقن بيها دماء ناس كتير كان حالنا إتغير للأفضل.
هز رأسه شاكرًا ليقول أيمن مثنيًا على تصرفه النبيل:
أنا مش عارف أشكر حضرتك إزاي يا سيادة المستشار، سمعت كتير عن نبل أخلاقك وإخلاصك في عملك بس مكنتش متخيل إنك إنسان للدرجة الكبيرة دي.
ليستطرد بعينين شاكرة:
أنت مش متخيل الحمل اللي شيلته من على قلبي، أنا مكنتش بنام بسبب الموضوع ده.
أردف بنبرة جادة:
أنا معملتش غير واجبي تجاه المسؤولية اللي أنا متحملها يا أيمن بيه، وإن شاء الله كلها يومين والموضوع هيكون منتهي.
تهللت أسارير أيمن ليهتف بحماس:
لو الموضوع ده تم على خير هعمل حفلة ضخمة وسعادتك هتكون ضيف الشرف فيها، وهعلن فيها للصحافة عن التصالح اللي تم بيني وبين صلاح عبدالعزيز، وكمان هنتفق على صفقة بينا توثق العلاقة أكثر.
تمام، حلو قوي كده.
كلمات مقتضبة نطقها ليهب واقفًا فاردًا ظهره ليقول وهو يغلق زرار حلته برتابة:
أستأذن أنا علشان تشوف شغلك.
متشكر جدًا يا جناب المستشار.
قالها بعينين تفيض شكرًا لتتحرك ويتبع خطواتها. توقفت ببداية مكتب هانيا لتقول بعملية وهي تودعه:
شرفت يا أفندم.
متنسيش اللي قولت لك عليه.
ضيقت عينيها تطالعه باستفهام ليردد بابتسامة مستفزة:
تبلغي يوسف سلام شرشبيل الشرير.
قالها واستدار متحركًا بالممر لتخرج ابتسامة ساحرة توقفت على الفور لتجحظ عينيها وهي تستمع لحديثه وكأنه يراها:
حلوة ابتسامتك على فكرة.
نطقها مواليًا ظهره لها لتبتلع لعابها وظلت تتابعه حتى اختفى عن عينيها لتتنهد وتنسحب عائدة لمكتب أيمن.
بباطن الجبل ليلًا وقد تخطت الساعة الحادية عشر ليلًا، يقف عزيز وشقيقه وجدي بصحبة طلعت يباشرون حفر العمال وهم يستمرون بالتنقيب بباطن الأرض بحثًا عن الآثار حسبما أخبرهم الساحر المرافق لنصر البنهاوي بكل أعمال التنقيب السابقة. هتف عزيز بحدة مخاطبًا الرجال:
ما تشد حيلك يا أخويا منك ليه، أسبوعين بتفحتوا في حتة أرض ومش عارفين تجيبوا آخرها، لو على شغلكم الرايق ده مش هنوصل بعد شهر.
هتف أحد الرجال متذمرًا:
ما تهدى علينا شوية يا عزيز، ما إحنا شغالين فحت على آخرنا أهو.
طالعه وجدي بعتاب ليقول بنبرة رحيمة:
بالراحة على الرجالة يا عزيز، دي ناس شقيانة طول النهار في شغلها وبتيجي تكمل بالليل هنا عشان تقدر تأكل عيالها.
خليك على جنب بقلبك الحنين ده يا وجدي وسيب عزيز يشوف شغله، ده صنف نمرود ما يجيش إلا بالعين الحمرا.
نطقها طلعت مشيدًا بطبع عزيز القاسي ليشعر عزيز بالافتخار بذاته مما زاده جبروت ليهتف بصوت أعلى لائمًا الرجال. باغته صوت نصر القوي الذي أتى من خلفهما حين قال باقتضاب:
عزيز.
التفت للخلف لتنفرج أساريره وقبل أن يهلل بتملق كعادته قاطعه صوت نصر الصارم حين قال بملامح وجه مكفهرة:
خد أخوك وروح واعتبر الاتفاق اللي بينا ملغي لحد ما ترن عليا وتقولي إن أختك في بيتك والمأذون والشهود جاهزين، غير كده ملكش عندي شغل لا أنت ولا أي حد من طرفك.
كان يتحدث بغل يملأ قلبه لتلك الفتاة التي أظهرته بصورة صاغرة أمام زوجته المتجبرة وأنجاله وأمام عائلة غانم. وبعد تفكير عميق دام لأيام لم يجد أمامه سوى أن يلغي باتفاقه مع الشابان اللذان لم يستوعبا ويصدقا حاليهما حينما أخبرهما قبل الثلاثة أسابيع أنه يريدهما بالعمل معه في التنقيب والبحث عن الآثار وسيعطي كلًا منهما خمسون ألفًا من الجنيهات المصرية مما أدخل الرجلان في حالة من الذهول والفرحة العارمة ويرجع هذا لعدم حصولهما على مبلغ كهذا بطيلة حياتهما. كل هذا كان مخططًا من إجلال التي اقترحت عليه بالقيام بهذا العرض كي تجعل الشابان بقبضة يديهما والضغط بالمال ليبذلا أقصى جهدهما في الضغط على شقيقتهما للرضوخ لأمر العودة من جديد كزوجة لنجلها المدلل الذي سرى عشق تلك الفتاة بشرايينه ولم يستطع التخلص من غرامها وأيضًا لعودة حفيدها الغالي لحضن عائلته.
رواية انا لها شمس الفصل الثامن 8 - بقلم روز امين
دوائر مفرغة، بت أشعر أني تائهة داخل دوائر مغلقة الإحكام، حيث لا مفر ولا إدبار. كلما سعيت وحاولت البزوغ منها والنأي بحالي، استنبطت أني عدت لنقطة البداية لأكتشف من جديد أن لا مفر ولا نهاية.
إيثار غانم الجوهري.
داخل منزل غانم الجوهري.
تجلس منيرة فوق الأريكة الخشبية مربعة الساقين، تدقهما بكفيها منتحبة بعدما عادا نجليها وقصا عليها ما حدث من طرد نصر لهما وحرمانهما من الأموال التي بنيا عليها أحلامهما. رفعت بصرها تتطلع على نجليها اللذين يقابلانها الجلوس منكسين رأسيهما لتقول بعويل:
-يعني الفلوس طارت خلاص يا عزيز؟
رفع رأسه ليهتف بغيظ وشر:
-فلوس إيه دي اللي طارت يا أما، ده أنا كنت أطير فيها رقبة بنتك.
هزت رأسها بألم لتتحدث بدموع وقهر:
-من يوم ما خلفتها وأنا عارفة إنها هتكون سبب شقاي ونكدي في الدنيا. لما ابن الحاج نصر اتقدم لها دونًا عن بنات البلد كلها، قلت لنفسي شكلك كنتي ظالماها يا منيرة وهي اللي هتبقى سبب سعدك. بس بعد كل اللي حصل عرفت إنها شؤم عليا وعلى ولادي.
هب عزيز من جلسته ليقف بعينين تطلق شزرًا وهو يقول متوعدًا:
-وديني وما أعبد، لو ما رجعت لجوزها الإسبوع ده بمزاجها، لأكون مرجعها في صندوق خشب ودافنها علشان ارتاح من عارها.
-جرى إيه يا عزيز، ما توعى لحالك وتحسس على الكلام اللي خارج منك…
نطقها وجدي محملقًا ومنتفضًا لأجل شقيقته ليسترسل بغضب حاد:
-أختك بمية راجل وعايشة بكرامتها وشرفها، وبعدين لما أخوها الكبير يتكلم عليها كده الناس الغريبة هتقول إيه؟
لوى جانب فمه بابتسامة ساخرة ليهتف متهكمًا:
-هي الناس لسة هتقول يا سبع البرمبة؟ ما الكل كل وشنا بعد ما الهانم فضحتنا بقعادها لوحدها في مصر.
-قطع لسان اللي يجيب سيرة بنتي بكلمة…
انتبه الجميع موجهين رؤوسهم نحو الباب ليتطلعوا على غانم الذي استفاق من غفوته على أصوات نحيبهم العالية ليسترسل بنبرة لائمة محملقًا بعزيز:
-الفضيحة عمرها ما كانت لبنتي، بنتي طلعت من بيت البنهاوية بكرامتها وشرفها، والكل كان شاهد على ولاد نصر التلاتة وهما رايحين جايين على بيتنا علشان يرجعوها وهي اللي رفضت واتطلقت. ولما خرجت من البلد خرجت مع أخوها اللي قعد معاها تلات سنين.
ليستطرد وهو يشير بكف يده بين ثلاثتهم بصوت يفيض منه خيبة الأمل:
-لحد ما اتفقتوا عليها مع نصر اللي جاب لـ أيهم تعيين هنا في كفر الشيخ علشان يزغلل عنيه بالوظيفة الحكومية والمرتب الكبير. نصر كان فاكر إنه بكده هيضغط على بنتي وأرجعها علشان كلام الناس من قعادها مع نفسها.
لوت منيرة فاهها لتهتف متهكمة:
-والشهادة لله إنت ما قصرتش يا غانم، وبدل ما تعقلها وتخليها ترجع تعيش تحت جناح جوزها وفي حمايته هي وابنها، قويت قلبها ووقفت لإخواتها وهما رايحين يجيبوها من شعرها.
-إيه اللي جدد الكلام ده الوقت يا منيرة؟ مش كنا خلصنا منه…
نطقها بحدة لتنطق هي بغضب حاد:
-اللي جدده إن نصر طرد عيالك من الجبل بسبب عملة بنتك السودة مع ابنه، وقال لهم ملكوش عندي شغل إلا لما تحكموا على اختكم وترجعوها لجوزها.
قالت كلماتها ليهتف هو بوجه متهلل:
-بركة يا جامع اللي جت منه، المفروض تفرحي إن ربنا مش رايد لولادك قرش حرام يدخل في جوف عيالهم.
رفع عزيز وجهه ليقول معترضًا:
-يا أبا تجارة الآثار مش حرام، كذا شيخ قالوا إنها لقية واللي يلاقيها يخرج منها خمسها والباقي حلال عليه، وبعدين الحاج نصر راجل حاجج بيت الله وعمره ما يعمل حاجة حرام أبدًا.
هتف غانم ناهرًا نجله:
-الحلال والحرام يعرفه ربنا يا أخويا، أنا اللي راعبني إن الحكومة لو شمت خبر هتيجي تشدكم على القسم وابْقوا شوفوا مين ساعتها اللي هياكل عيالكم.
-فال الله ولا فالك يا أخويا…
نطقتها منيرة ليقول وهو يشير لهم بلامبالاة:
-قوموا ريحوا علشان تناموا لكم شوية قبل الفجر ما يأذن.
صعد عزيز وما أن ولج لباب مسكنه الخاص حتى هلع منتفضًا بجسده للخلف حينما رأى "نسرين" تقف خلف الباب بالظلام، حيث كانت تتسمع عليهم وعندما وجدته يصعد هو وشقيقه أسرعت للاختباء بمسكنها. هتف والهلع مازال يتملكه:
-إنت واقفة في الضلمة كده ليه يا نسرين؟ قطعتي خلفي يا ولية.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها قبل أن تهز رأسها لتقول بتهكم:
-وإنت عاوز تخلف تاني ليه يا حبيبي؟ مش لما تبقى تعرف تأكل الثلاث عيال اللي حيلتنا تبقى تدور على غيرهم.
زفر بضيق ليتخطى وقوفها وصولًا لغرفة النوم، لحقته بخطى غاضبة لتهتف بسخط وهي تلوح بكفيها في الهواء:
-هي طول ما أختك في حياتنا هنرتاح ولا هنكسب…
نطقتها باستشاطة تنم عن غضبها العارم، لتحتد ملامحها مع اتساع لعينيها بحقد وهي تهمس بفحيح:
-بقى تلات رجالة طوال عراض زيك إنت وإخواتك، مش قادرين على حتة بت؟
خلع عنه جلبابه لتلتقطه من يده وتذهب لتعليقه ليهتف هو بحدة:
-عوزانا نعمل إيه يعني وأبويا حالف علينا اللي هيقرب لها ما يخطيش البيت برجله تاني وياخد عياله ويشوف له مكان بره.
-عمي غانم راجل طيب، أخره كلمتين وخلاص.
تسطح فوق الفراش لتستطرد هي بتحريض:
-طب ما تجرب تكلمها في التليفون وتجر معاها ناعم، ابلفها بكلمتين، مش يمكن دماغها تلين؟
احتدت ملامحه وامتلأت بالكراهية وهو يقول بازدراء:
-وهي دي حد يعرف يبلفها؟ دي بت دماغها سم بتدور على الأذى منين ومنين، وليا أنا بالذات.
هتفت بكراهية:
-بوز فقر من يومها، بقى فيه واحدة عاقلة تسيب العز اللي كانت عايشة فيه في بيت نصر البنهاوي، وتروح تشتغل حتة سكرتيرة بشوية ملاليم.
واسترسلت بحقد دفين ظهر بعينيها:
-دي عاشت مع عمرو أربع سنين كان بيتمنى لها فيهم الرضا، وراها فيهم دلع عمرها ما حلمت بيه، أشي ذهب وأشي لبس أشكال وألوان وسفريات، بس تقول إيه، فقر وعنطزة.
نظرت إليه لتهتف بحقد:
-لازم تتصرف وتكلمها يا عزيز، وإن ما جتش بالحنية يبقى تاخد وجدي وتأجر عربية وتروحوا تجيبوها بالعافية، إن شاء الله حتى تخطفوها.
هز رأسه بضيق ليهتف مزمجرًا:
-لك حق تقولي كده، أصلك ما شفتيش اللي حصل، البت بقت إيدها طايلة والراجل اللي بتشتغل معاه واصل، دي حبست عمرو واترمى أربع أيام في الحجز ونصر بجلالة قدره وفلوسه المتلتلة ما عرفش يطلع ابنه.
لوت فاهها ووضعت سبابتها فوق ذقنها لتهتف بعدما جالت بخاطرها فكرة شيطانية:
-أنا جت لي حتة فكرة، هتخلي عمي غانم بنفسه هو اللي هيروح يجرها من شعرها ويوديها لعمرو بإيده.
كان متسطحًا واضعًا ذراعيه خلف رأسه، قطب جبينه ليسألها مستفسرًا:
-قولي يا أم العريف.
اعتدلت لتتمدد بجواره مستندة بذراعها فوق الوسادة وهي تقول بابتسامة شيطانية:
-إحنا نطلع عليها إشاعة إنها على علاقة مع صاحب الشغل بتاعها علشان كده بيحميها.
ابتلعت في جوفها ما تبقى من خطتها الدنيئة بعدما باغتها عزيز الذي هب من نومه ليخرج صوت صراخها الذي دوى بالمكان بعدما هوت يده على وجنتها تلطمها بقسوة لتنتفض برعب بينما قبض الآخر بقبضته الحديدية فوق عنقها ليهتف مزمجرًا بعينين تطلق شزرًا:
-هي مين دي يا بنت الكـ...
اللي على علاقة بمديرها.
واستطرد بانتفاضة لأجل شرف شقيقته:
- طب انطقي بس حرف من اللي قلتيه ده بينك وبين نفسك حتى وشوفي أنا هعمل فيك إيه!
جحظت عينيها وباتت تقاوم بكفيها في محاولة لفكاك قبضته الفولاذية من فوق عنقها، شعرت بالاختناق وبأن روحها في طريقها للانسحاب ليخرج صوتها مكتومًا وهي تقول بتوسل:
- سبني يا عزيز، روحي هتطلع في إيدك.
رمقها باحتقار قبل أن يدفعها للخلف بقوة لترتطم أرضًا، رفعت بصرها لتتلفت عليه بعينين جاحظتين ووجه شديد الاحمرار لتمسك سريعًا بعنقها تتحسسه وهي تسعل بشدة غير مستوعبة أنها ما زالت على قيد الحياة بعدما كانت على أعتاب لفظ أنفاسها الأخيرة.
اشتعلت عينيه بشرارات الغضب وهو ينهرها قائلًا بسخط وازدراء:
- اطلعي نامي مع بناتك وبلاش تخليني أشوف خلقتك ليومين قدام، وده أحسن لك.
قال الأخيرة مزمجرًا لتنهض مهرولة بفزع للخارج دون أن تنبس ببنت شفة.
_____________________
تقلبت عزة بفراشها وهي تشعر لحاجتها بالذهاب إلى الحمام، نهضت لخارج غرفتها واتجهت لصوب الحمام لتتوقف متسمرة بعدما رأت تلك الجالسة فوق الأريكة بالظلام ملقية برأسها للخلف بإهمال. تحركت إليها لتتحدث مستفهمة:
- إيثار!
ظلت ساكنة لم يتحرك منها إنش سوى عينيها الحزينة وهي تنظر وكأنها تشتكي إليها مر حالها. اقتربت عليها لتجاورها الجلوس ثم بسطت يدها تتلمس وجنتها لتهمس بحنو ظهر بصوتها:
- مالك يا بنتي، إيه اللي مقعدك في الضلمة كده؟
وليه ما نمتيش لحد الوقت؟!
همست بصوت يوحي لمدى تألم روحها:
- مش عارفة أنام ويوسف بعيد عن حضني.
تنهدت بأسى وهي تقول لطمأنتها:
- هو يعني يوسف نايم في الشارع، ده عند أبوه، والشهادة لله اللي اسمه نصر والحرباية مراته بيعاملوه أحسن معاملة، والولد بنفسه بييجي من هناك يحكي ويتحاكى باللي بيعملوه معاه.
- أنتِ مش فاهمة حاجة، البيت ده لعنة يا عزة، لعنة، ما حدش من اللي ساكنين فيه بيحب الخير للتاني، وأنا مش عاوزة ابني يدخل في وسط الناس دي.
نطقتها لتنفلت منها دمعة نزلت على قلب عزة كمادة كاوية لتحرقه، جذبتها بأحضانها وبدأت تهدهدها كطفلة صغيرة مع طمأنتها ببعض الكلمات والمسح على ظهرها بحنو مما هدأها لتستكين وكأنها كانت بحاجة ملحة لاحتواء أحدهم ليخرجها من ظلمة ليلها الدائم.
________
بنفس التوقيت
داخل الحديقة الخاصة بقصر المستشار علام زين الدين، يتحرك حول المسبح بطوله الفارع فاردًا جسده وهو يتأمل سكون الليل ومظهر نجومه البديعة. أغمض عينيه ورفع وجهه للأعلى ليأخذ نفسًا عميقًا من الهواء النقي ويزفره براحة مستمتعًا بالهدوء من حوله، قرب من فمه كوبًا من الشاي الساخن ليرتشف بعض قطراته متذوقًا إياه بتلذذ. ابتسم تلقائيًا عندما تذكر مشاكسته مع تلك الشرسة في الصباح ليضع يده على ذقنه ويحكها بتسلي وهو يتذكر وجهها الذي زاد احمرارًا من شدة خجلها عندما كان يخبرها اكتشافه لقصة شرشبيل. انطلقت منه ضحكة عالية ليقول بصوت مسموع:
- ماشي يا أستاذة، عاملة لي فيها عميقة قوي بالنظارة الطبية اللي لابساها ومستخبية وراها طول الوقت، بس على مين، ده أنا فؤاد علام، وخلاص حطيتك في دماغي ونويت أجيب آخرك، أما أشوف هتفضلي صامدة قدامي لحد إمتى.
انتفض بعدما استمع صوت شقيقته الذي صدح من خلفه وهي تقول متعجبة:
- أنتَ بتكلم نفسك يا فؤاد؟!
- إيه يا بنتي اللي بتعمليه ده، فيه حد يتسحب ويفاجئ الناس بالطريقة اللي تخض دي؟!
رفعت حاجبها الأيسر قبل أن تقول بمداعبة:
- واضح إن الباشا بتاعنا كان بيكلم نفسه وهو سرحان لدرجة إنه ما سمعش بكعب الشوز بتاعتي وهي بترن على الأرض.
هز رأسه ليقول مستسلمًا:
- أنا عارف إني مش هخلص معاكِ النهاردة ولا هعرف أسد قدامك، علشان كده بنسحب وبرفع الراية البيضا من أولها.
ضحكت لتتحدث بكبرياء:
- وإيه الجديد، ما أنتَ في كل مناقشة لينا بترفع الراية البيضا وتعلن استسلامك.
ابتسم ساخرًا ليرتشف من كوبه من جديد، لتسأله بمشاكسة:
- يا ترى إيه اللي شاغل بال سيادة المستشار ومسهره للوقت المتأخر ده؟
رفع كتفيه بلامبالاة لتسترسل متعجبة:
- قاعد في الجنينة لوقت متأخر وبتشرب شاي وبتكلم نفسك وعاوز تفهمني إن ما فيش حاجة؟
ناظرها باستغراب ليقول بملاطفة:
- يعني أألف لسيادتك قصة علشان أرضي فضولك ولا أعمل إيه أنا؟
- خلاص ما تبقاش قفوش كده.
نطقتها وهي تقترب عليه لتلقي بحالها داخل أحضانه ليتلقاها مرحبًا بها وهو يلف ذراعه حولها محتويًا إياها ثم مال بطوله ليضع قبلة حنون فوق شعر رأسها. تنهدت براحة وهي تشعر بدفء وحنان شقيقها الوحيد الذي بادر بسؤالها بنبرة عطوفة:
- أنتِ كويسة يا فيري؟
- آه يا حبيبي كويسة.
نطقتها بهدوء ليعاود سؤالها باهتمام:
- ماجد عامل إيه معاكِ؟
لتجيبه بإيجاز:
- الحمد لله كويسين، ماجد ابن حلال وبيحبني.
- وأنتِ ست البنات كلهم وتتحبي.
قالها بافتخار، ابتسمت لتشدد من احتضانه لها قبل أن تقول بفضول ينهش بقلبها:
- مش هتقولي بقى إيه اللي شاغل دماغك؟
انطلقت منه قهقهات عالية وهو يقول:
- ما فيش فايدة فيكِ.
ضحكت مع شقيقها لينسحبا للداخل كي ينال هو قسط من النوم يريح به جسده ويمده بالطاقة لاستكمال الغد.
__________________
بنفس التوقيت داخل محافظة كفر الشيخ
داخل مسكنه الخاص الذي جمعه بإيثار، حيث تركه بكل ما فيه لحين عودتها المنتظرة، فحينما تزوج من تلك السمية جهز له والده الشقة المقابلة لمسكن إيثار وترك الأخرى لحين عودتها الأكيدة بالنسبة لهم.
كان يتسطح فوق فراشه الذي جمع بينه وبين حبيبته الأولى بل والأخيرة، محتضنًا صغيره الغافي بين أحضانه، مكبلًا إياه يشم عبيرها من خلال عبير صغيره الأغلى على الإطلاق. نظر للغرفة يتطلع بكل ركن بها متذكرًا ليلة زواجه السعيد بها، ابتسم وهو يتذكر أسعد ليلة مرت بسنواته أجمع، تنهد بألم وعاد بذاكرته للخلف.
"انتباه"
"عودة لما مضى"
ببهو منزل نصر البنهاوي، يجلس مجاورًا زوجته يلتف حوله أبناءه الثلاث، طلعت وحسين ومدلل العائلة عمرو الذي تحمحم وهو يقول:
- أنا عاوز أتجوز.
التفت إليه الجميع وإجلال التي تهلل وجهها لتسأله متلهفة:
- أخيرًا ربنا هداك.
تطلع إليه نصر ليسأله باهتمام:
- حاطط عينك على بنت مين؟
ابتسمت إجلال بغرور لتقول بيقين:
- أكيد بنت الحاج عبد السلام صاحب مصنع العلاّفة، بصراحة البت زي القمر، من يوم ما شفتها أنا وعمرو عند دكتور الأسنان وأنا عارفة إنها عجبته.
لتستطرد ذات مغزى وهي تضحك:
- خدت بالي يومها إنك ما رفعتش عينك من عليها طول القعدة، وعلشان كده كلمتك عنها وقلت لك فكر في الموضوع.
ابتسم نصر ليقول باستحسان:
- الحاج عبد السلام نسب يشرف، راجل كبير عيلته وأصل وجاه ومال.
تحمحم ليقول على استحياء منتظرًا ثورة والديه:
- أنا اخترت واحدة قلبي مال لها، وحاسس إن هي دي اللي هتسعدني، بعيد عن حسابات العيلة والفلوس.
ابتسامة ساخرة ارتسمت على جانب ثغر طلعت حين قال متهكمًا:
- طالما قلت البوقين الحمضانين دول يبقى أكيد اخترت بنت أفقر واحد في البلد.
بينما ضحك حسين ليكمل على حديث شقيقه:
- ما يبقاش عمرو لو ما عملش كده.
ضحك الشابان لترتسم علامات الغضب على وجه الآخر لسخرية شقيقاه منه لتهتف إجلال بنبرة ساخطة بعدما رأت عبوس وجه غاليها:
- كفاية أنتَ وهو، ده مش وقت هزار.
لتسترسل بنبرة جادة:
- اخترت مين يا عمرو؟
تطلع عليها وكأنها قارب النجاة ليهتف سريعًا بلمعة بعينيه:
- إيثار، بنت عمي غانم الجوهري.
زفرة قوية خرجت من صدر نصر وبات يرمق ولده بخيبة أمل بينما تهدل كتفي إجلال بيأس، ليهتف طلعت متهكمًا بتشفٍّ:
- شفتوا، علشان بس تبقوا تصدقوا كلامي.
- هو أنتَ يا ابني عاوز تشلني، أنتَ مش عارف أنتَ ابن مين في البلد؟
كلمات نطقها نصر بإحباط ليستطرد بتعالٍ وتجبر:
- بقى عاوزني أنا، الحاج نصر البنهاوي عضو مجلس الشعب، صاحب الأطيان والمصانع، أروح أهز طولي وأدخل بيت غانم وكمان أطلب نسبه؟!
- أنا بحب البنت ومش قادر أشوف واحدة غيرها مراتي.
نطق كلماته بعينين لامعتين بالعشق ليضحكا شقيقاه مستهزئين بمشاعره بينما هتف نصر بتجبر:
- حبك برص يا أخي، هو اللي زيك بيعرف يحب، ده أنتَ كل يوم مع واحدة شكل.
ابتلع لعابه خجلًا ليسترسل الآخر بإبانة:
- لتكون فاكرني نايم في العسل ومش دريان بمشيك العوج مع البنات والنسوان الزبالة اللي مخلص فلوسي عليهم.
هتف سريعًا بنفي:
- أنا مسحت كل أرقامهم من عندي وبطلت أشوف حد.
ليسترسل متوعدًا برجاء:
- أنا ما بقتش عاوز ولا شايف من الستات غير إيثار، ووعد مني لو وافقت على جوازي منها هتشوف عمرو ثاني عمرك ما شفته.
نكست إجلال رأسها لتهمس بنحيب:
- يا خيبة أملك في ابنك يا إجلال، قال وأنا اللي كنت حاطة أمل عليك.
ناظرها بعينين لائمتين لتسترسل:
- هي البت حلوة ما قلناش حاجة، بس الحلاوة مش كل حاجة، أنتَ ابن الحاج نصر وستهم، يعني يوم ما تختار لازم تحط اسم عيلتك قدام عينيك.
هب واقفًا ليقول بنبرة حادة:
- أنا لا يهمني عيلة ولا غيره، كل اللي يهمني إني أكون مرتاح للست اللي هأعيش معاها.
- وأنا مش موافق يا عمرو.
نطقها نصر بجبروت لينطق الآخر بعناد:
- وأنا مش هتجوز غيرها يا بابا.
قال كلماته وخرج كالثور الهائج تاركًا نصر الذي هاج وبدأ بسبه بأعلى صوته لتسرع إليه إجلال في محاولة لتهدئته. مرت ثلاثة أسابيع ترك بهما عمرو منزل أبيه وأخذ من المزرعة سكنًا له تحت محاولات إجلال المستميتة لعودة مدللها للمنزل لتبوء جميعها بالفشل في محاولة منه للضغط عليها وبالآخر رضخت إجلال تحت عزيمة نجلها وأجبرت نصر على الموافقة في سبيل إسعاد نجليهما. تمت الخطبة تحت سعادة عائلة غانم الهائلة وإحباط كلٍّ من نصر وإجلال. حاولت سمية الإيقاع بين إيثار وعمرو بعدما بحثت ورائه وعلمت تاريخه المشين وعلاقاته المتعددة بالفتيات والنساء. غضبت إيثار وحاولت حل الخطبة لتقابل سيلًا من السباب من عزيز ووالدتها فصارحت عمرو بما وصلها ليعترف لها بصحة ما وصلها عن ماضيه وأخبرها بأنه تغير ووعدها بأنها ستكون ملكة على عرش قلبه فلمست الصدق من حديثه وبرغم محاولاتها بالابتعاد عن تلك السمية لما رأته من حقد دفين لها بكل تصرفاتها مؤخرًا إلا أن الأخيرة كانت تقحم حالها أكثر بحياتها.
تم تحديد موعد الزواج سريعًا بإجازة السنة الثالثة لها بالجامعة بناءً على إصرار عمرو الذي بات يذوب بها وما عاد له التحمل أكثر على الابتعاد.
واليوم هو يوم الزفاف، صعدا العروسان بعد انتهاء حفل الزفاف الأسطوري الذي أقامه نصر لنجله الصغير.
خطت بجانبه لمسكنهما بثوب زفافها الرائع الذي أبهر الجميع وجعل منها كملكة بليلة تنصيبها، ناهيك عن جمالها الفاتن الذي خطف الأبصار وحولها إليها. أغلق الباب لينظر إليها بنظرات يملؤها الغرام والاشتياق، مد يده يتلمس بها بشرة وجنتها الناعمة لينتفض جسدها مع إنزالها لعينيه أرضًا من شدة الخجل. ابتسم بسعادة وأمسك ذقنها ليرفعها وتقابلت الأعين لتذوب بالغرام الناطق بداخلهم. مال على شفتها ليلثمها بحنو ورقة أثارتها وجعلت القشعريرة تسري بكامل جسدها. ابتعد قليلًا ليخرج صوته متحشرجًا من جراء حلاوة اللحظة:
- نورتي بيتك يا حبيبتي.
اكتفت بابتسامة خجولة ليسألها بصوت حنون:
- مبسوطة يا إيثار؟
هزت رأسها بإيجاب ليبتسم بسعادة ليهم بحملها لتلف هي ذراعيها حول عنقه بخجل وتحرك بها داخل حجرتهما الخاصة ليعيد غلق الباب بقدمه متقدمًا نحو الفراش ليضعها بحرص شديد وكأنها فراشة رقيقة يخشى تكسر أجنحتها. مال عليها وبدأ بتقبيلها بنعومة أثارت كليهما لينهض سريعًا وبدأ بخلع حلة بدلته وفك ربطة عنقه ليطرحهما أرضًا. انتفضت لتجلس وهي تراه يتجرد من ثيابه بطريقة أرعبتها لتتحدث وهي تفرق كفيها ببعضيهما:
- إحنا محتاجين نغير هدومنا ونصلي الأول يا عمرو.
اقترب عليها ليغمرها بأحضانه هامسًا بجانب أذنها للتأثير عليها:
- خلي الصلاة بعدين يا حبيبتي، أنا مشتاق لك قوي ومش هأقدر أستنى.
ابتعدت ونفضت يديه لتتحدث بجدية تحت إصرارها ببدء حياتها بالصلاة للحصول على مباركة الله بحياتهم:
- ما ينفعش يا عمرو، لازم نصلي الأول علشان ربنا يبارك لنا في حياتنا.
قطب جبينه متطلعًا عليها باستغراب، أي صلاة تتحدث عنها تلك الغائبة عن الوعي، ألم تشعر بناره الشاعلة التي أوقدتها بقربها المهلك منه. لم تكن الصلاة تشكل شيئًا مهمًا لدى عمرو الذي عاش حياته بأكملها لم يرَ والده يركع لله سوى بيوم الجمعة عندما يجمع أبناءه الثلاث كروتين أسبوعي ويذهب بهم إلى مسجد القرية ليلتف الجميع حوله بتملق ثم يعودوا للمنزل لينتظر الجمعة التالية وهذا كل ما يربطه بالصلاة.
أمسك كفها وتحدث بعينين يفيضان عشقًا:
- طب ممكن علشان خاطر حبيبك عمرو نخلي الصلاة بعدين.
تأثرت بعينيه ورق قلبها لنظراته المتوسلة وبرغم هذا أبت وأصرت على موقفها حيث اقتربت عليه تتلمس وجنته بجرأة لا تعلم من أين مصدرها لتتحدث أمام عينيه:
- علشان خاطري أنتَ خلينا نصلي وبعدها هأكون تحت أمرك.
انتفض قلبه من لمستها ونظراتها التي أخبرته بأنها أيضًا وقعت أسيرة عشقه، وافقها الرأي وبالفعل أبدلا ثيابهما وتوضأ ليصلي بها وبعد الانتهاء التف إليها وساعدها بخلع ثيابها نظرت له بخجل تحت سعادته، لمس يتحسس شعرها وهو يخبرها:
- شعرك حلو قوي يا إيثار، كل حاجة فيكِ حلوة قوي.
تبسمت وهي تطالعه بخجل ليوعدها وهو يطالعها بعينين مسحورتين:
- على فكرة، أنا بحبك فوق ما تتخيلي، وحبي ده هتعرفيه في تصرفاتي ومعاملتي ليكِ.
ليستطرد وهو يتلمس بشرة جسدها الناعم:
- أنا هأعيشك ملكة، وهأخلي البلد كلها تحسدك على حب جوزك ليكِ.
تنفست بهدوء لتتحدث بابتسامة سعيدة:
- أنا متأكدة من حبك ليا يا عمرو، أنا شفت حبك في عينيك.
ابتسم بسعادة لتسترسل هي برجاء:
- أنا بس ليا عندك طلب واحد.
- أنتِ تؤمريني يا روح قلبي وطلباتك كلها هتبقى تحت رجليكِ.
- بلاش توجعني يا عمرو.
نطقتها بعيون متوسلة لتسترسل بألم يسكن قلبها:
- أنا عارفة إنك كنت بتعرف بنات كتير قبلي.
قطع حديثها ليقول:
- مش أنا قلت لك إن كل ده كان قبل ما أعرفك ووعدتك إني عمري ما هأرجع للسكة دي ثاني؟
- وأنا مصدقاك وواثقة فيك، أرجوك بلاش تكسر الثقة وتخليني أندم.
كلمات نطقتها بتمنٍّ قابلها بابتسامة ووعد، وبعدها أقبل عليها حاملًا إياها لينزلها ببطء فوق فراشهما السعيد الذي شهد على لقائهما الحالم ليتحول لثورتهما الأولى حيث أذاقها ذاك الخبير بتلك الأمور ما لم يكن يخطر ببالها ليسحبها معه لعالم لم تكن تتخيل بوجوده من الأساس وبدأ يذيقها على يده جمال الغرام ليرتشفا كلٌّ منهما من بحر عسل الآخر بتلهف واشتياق.
باليوم التالي
فاقا العروسان من نومهما بقلوب ترفرف كطيور من شدة سعادتها. ارتدت إيثار عباءة مطرزة باللون الوردي وحجابًا مماثلًا مما زاد جمالها أضعافًا. وقامت بوضع بعض زينة الوجه الخفيفة لتنزل الدرج بجانب عمرو الذي تشبث بكفها بقوة واحتواء. كان يجاورها النزول رافعًا رأسه للأعلى بتفاخر وكأنه حصل على أغلى الجوائز. رفعت إجلال رأسها تتطلع على صغيرها وهو يتأمل تلك الفتاة المجاورة له بتأمل وعشق ظاهر للأعمى، لا تعلم لما شعرت بالغيرة حينما لمحت كفه القابض برعاية على خاصتها. تنفست بضيق ليصلا العروسان إلى الجميع لتتعالى الزغاريد من عاملات المنزل وأيضًا "ياسمين" و"مروة" زوجتي طلعت وحسين اللتان أتيتا من المطبخ. وقف الجميع وبدأوا بالترحيب بهما. أقبلت على نصر لتصافحه قائلة:
- صباح الخير يا عمي.
- صباح النور، مبروك يا عروسة.
قالها بملامح وجه جامدة كعادته مع الجميع اتجهت لإجلال لتتعجب لملامح وجهها المكفهرة، تجاوزت الأمر وبسطت يدها للمصافحة باغتها الأخرى برفع ظهر يدها وتقريبه من فم إيثار استعدادًا لتقبيله. نظرت لها باستغراب ليتحمحم عمرو بعدما رأى علامات التعجب على وجه حبيبته ليهم مقتربًا بجوار عروسه ليتناول هو كف إجلال ويقوم بوضع قبلة حنون عليه واقترب محتضنًا إياها ليهمس بجانب أذنها برجاء:
- أبوس إيدك يا ماما تعدِّي اليوم على خير، ولا أنتِ عاوزة تنكدي على عموري حبيبك في يوم زي ده.
قال كلماته التوسلية وابتعد ليراقب ردة فعلها وجدها تتنفس بضيق وهي تكظم غيظها بصعوبة لأجل نجلها لتمد إيثار يدها من جديد للمصافحة قائلة بابتسامة هادئة:
- صباح الخير يا ماما.
- اسمي "ستهم".
نطقتها باستعلاء لتكمل وهي تضع كف يدها بخاصتها:
- من هنا ورايح تقولي لي يا "ستهم" زيك زي ياسمين ومروة.
- حاضر.
نطقتها باستحياء وخجل لتهتف الأخرى بتجبر:
- حاضر يا إيه؟!
ابتلعت ريقها وتمنت لو بإمكانها الاختفاء من أمام تلك المتجبرة لتقول برضوخ:
- حاضر يا "ستهم".
ابتسمت بتجبر لتأمرها:
- ادخلي اتفرجي على المطبخ مع سلايفك على ما عمرو يشرب الشاي مع الحاج وأخواته.
نظرت تطالعه باستنجاد ليطمئنها بعيناه فانسحبت تجاور ياسمين ومروة وما أن ولجوا للمطبخ حتى تنفسا بصوت عالٍ وكأنهما كانتا تكظمان أنفاسهم. تحدثت مروة بطمأنينة:
- ما تزعليش من ستهم، هي تبان تخوف وترعب.
نطقتها بملامح وجه مرتعبة لتنتفض مصححة حديثها خشية من أن يتسمع عليها أحد:
- بس طول ما أنتِ بتسمعي كلامها وتنفذيه بالحرف مش هتشوفك أصلًا.
- أما بقى.
قالتها بوجه لا يبشر بخير لتقطع حديثها ياسمين التي هدرت بها:
- ما خلاص يا مروة، أنتِ هتخوفيها من أولها ليه؟
- أنا بوعيها علشان ما تقعش في اللي وقعنا فيه قبلها.
قالتها مروة بصدق تحت ارتعاش جسد إيثار التي تيقنت من دخولها لمنزل الأشباح. سحبتها ياسمين من رسغها لتجلسها فوق مقعد وتقابلها الجلوس حول الطاولة المستديرة المتواجدة بالمنتصف وهي تقول بتوعية:
- بصي يا إيثار، أهم حاجة ما تحاوليش تقربي من أي قاعدة بتجمعها بجوزها وولادها، زي ما شفتيها من شوية كده وهي بتطردنا بصنعة لطافة.
- بتطردنا؟!
قالتها بملامح وجه مزهلة لتهتف الأخرى ساخرة:
- له هو أنتِ كنتِ فاكرة إنها عاوزة تفرجك على المطبخ بجد؟!
قطبت إيثار جبينها بعدم استيعاب لتقول مروة بصوت ساخر وهي تدق بيدها على الطاولة:
- دي من النهاردة هتكون قعدتك، مكانك في البيت ده هو المطبخ، هتقومي كل يوم من الساعة ثمانية الصبح، تنزلي على هنا، هنجهز فطار للرجالة وستهم وبعدها نغسل المواعين ونبتدي نجهز للغدا لحد ما الرجالة تيجي ونغرف لهم ونطلع الأكل بنفسنا، ممنوع أي خدامة تبص ولا تشوف الأكل ولا تدخل المطبخ من أصله، هي ما بتحبش حد غريب يبص في أكل عيالها، الخدامات هنا للمسيح والتنظيف والخبيز وزريبة البهايم وبس، أما المطبخ ده مكان متحرم على أي حد خارج أهل البيت.
قالتها مروة بتذكير لتكمل الوصايا السبع:
- المهم، الرجالة وستهم بياكلوا في أوضة السفرة.
كانت تستمع لكلتاهما بفاه فاغر وعينين متسعتين بذهول لتسألها مستفسرة:
- طب وإحنا؟
انتقلت ببصرها سريعًا ليد مروة التي صدحت بدقها فوق الطاولة لتقول بسخط مفتعل:
- أنتِ فهمك بطيء يا بت يا إيثار ولا إيه، أنا مش لسه قايلة لك إن مكانك في البيت هنا.
دب الرعب بأوصالها ليقطع انتباهها لكلتا العجيبتين دخول عمرو الذي انتشلها صوته الحنون حين قال:
- يلا يا إيثار علشان نطلع شقتنا.
التفتت إليه سريعًا لتهب واقفة وبلمح البصر كانت تتشبث بذراعه كطفلة ليطالعها قائلًا بتوجس:
- أنتِ كويسة؟
اكتفت بهزة سريعة من رأسها ليمط شفتيه للأمام وتحرك مصطحبًا إياها لخارج المطبخ. نظرت مروة إلى ياسمين لتقول بنبرة ساخرة:
- البت شكلها اتصدمت.
تنهدت ياسمين لترجع بظهرها للخلف وهي تقول:
- دي اللي هتذوقه على إيدين ستهم هيخليها تمشي تتلفت حوالين نفسها زي المجنونة، دي خدت منها ننوس عينها، ده غير إنها ما كانتش موافقة على دخولها البيت من أصله.
- يلا، نصيبها كده.
قالتها مروة وهي تتناول كوب الشاي الموضوع أمامها لترتشف منه.
صعدت بجانب عمرو وما أن خطت لمسكنها حتى باغلها بجذبه لخصرها ليقربها منه قائلًا وهو ينظر لشفتاها باشتهاء:
- وحشتيني يا قلبي.
ابتسمت بتيهة ليسألها متعجبًا:
- مالك يا حبيبتي؟!
نظرت إليه بتعمق قبل أن تنطق بارتباك:
- مامتك شكلها صعبة قوي يا عمرو.
- هي تبان صعبة بس صدقيني قلبها أبيض وطيبة.
نطقها مفسرًا ليسترسل وهو يقطف قبلة سريعة من شفتيها:
- وبعدين أنتِ بالذات ما تخافيش، ده أنتِ مرات الغالي عند ستهم، ومحدش يقدر يمسك بكلمة طول ما أنا جنبك.
ابتسمت بخفوت ثم باغتته بسؤالها:
- هو أنتوا صحيح الرجالة بتاكل لوحدها والستات في المطبخ؟
هز رأسه بإيجاب ليقول سريعًا كي لا يحزنها:
- مش عاوزك تقلقي من النقطة دي، أنا خلاص ما بقتش قادر أستغنى عنك، دول الخمس دقايق اللي قعدتهم تحت من غيرك كنت هتجنن فيهم.
واستطرد ليطمئنها:
- أنا هأكلم ماما وهأخليها تغير الوضع ده.
لف يداه حول خصرها ليجذبها إليه أكثر وهو يقول بافتخار:
- البرنسيسة إيثار مكانها عمره ما هيبقى المطبخ، البرنسيسة إيثار مكانها جوه قلبي وتاج على راسي.
زادت ابتسامتها لتجعل من وجهها مثيرًا تنهد بعشق ليحملها ويتجه بها سريعًا صوب غرفتهما ليغوصا معًا من جديد داخل بحر عسليهما.
"عودة للحاضر"
استفاق من خياله وبات يتطلع من حوله على تلك الغرفة ذاتها التي شهدت على أسعد وأجمل لحظاته وأيامه التي عاشها معها ليهبط ببصره إلى قطعة روحها الغالية والغافي بين أحضانه، مال بشفتاه يلثم وجنته الرقيقة وهو يشم رائحة جلده الذكية التي تذكره برائحة محبوبته العطرة، تنهد بألم ينهش بقلبه ليحاول غلق عينيه لينال قسط ولو بسيطًا كي يستيقظ مبكرًا لإكمال يومه من بدايته مع صغيره الغالي.
__________________
صباحًا
انتهت من صلاة ركعتي الصباح ووقفت تلملم سجادة الصلاة ثم شرعت في ارتداء ثيابها العملية استعدادًا لذهابها للشركة. صدح صوت هاتفها الجوال لتنتبه عليه. ضغطت زر الإجابة بعدما وجدت رقمًا غير مسجل لاعتقادها أنه أحد العملاء الخاص بالعمل، فوجئت بصوته الحاد وهو يقول بنبرة ساخطة:
- يا رب تكوني مرتاحة بخراب بيتنا يا بنت أبويا.
زفرت بضيق واستغفرت ربها طالبة منه العون على تحملها لكل تلك الأحداث التي تتعرض لها حدثًا تلو الآخر، لتقول بصوت يائس:
- اتفضل كمل، أنا سمعاك.
لتستطرد باستسلام:
- قول لي قد إيه أنا إنسانة بشعة وخربت لكم حياتكم ودمرتها، قولي إنكم من غير وجودي كانت حياتكم هتبقى وردي، وإني شؤم عليكم ووجودي ما جابش معاه غير الخراب زي ما ماما دائمًا بتقول.
- أنتِ بتتريقي، طب إيه رأيك إن كلام أمك كله طلع صح، لما الحاج نصر يلغي شغل بينا أنا والمسكين وجدي بسببك، ده تسميه إيه؟
واسترسل مستنزفًا لمشاعرها:
- أنا ووجدي كان هيطلع لنا مبلغ من ورا الشغلانة دي يعيشنا مستورين إحنا وعيالنا وأبوكِ الغلبان.
توقف ليكمل متهكمًا ليقحمها بدائرة الشعور بالذنب:
- لكن إزاي ده يحصل وإيثار موجودة، وكأن لعنتك على رأي أمك لازم تطول الكل.
باغتته بسؤال متهكمًا:
- وإيثار بقى دخلها إيه في الموضوع ده يا عزيز؟
ولا يكونش أنا اللي روحت قلت لنصر يلغي الشغل اللي بينكم وأنا ما أعرفش!
- الحاج نصر حط شرط رجوعك لجوزك قصاد شغلنا معاه يا بنت أبويا.
نطقها بصوت ضعيف كي يستجدي تعاطفها ورضوخها لكنها باغتته بصوتها المعترض الحاد:
- أولًا اسمه طليقي مش جوزي.
واستطردت بريبة:
- نيجي بقى للسؤال الأهم يا عزيز، شغل إيه ده اللي جمعك أنتَ ووجدي بنصر، أكيد شغل شمال ومش قانوني، مهو اللي اسمه نصر جمع ثروته دي كلها من الشغل الشمال، وإن شاء الله نهايته هتكون أسود من قلبه.
كان يستمع لحديثها قابضًا على كف يده بقوة من جراء غيظه، لم يدرِ لما دائمًا حديثها ورؤيتها يثيرا حفيظته، لكنه الآن مجبرًا على مجاراتها بالحديث اللين كما نصحته نسرين، ليقول بنبرة حاول جاهدًا بخروجها هادئة كي لا يثير غضبها ويستدعي تمردها المعتاد:
- اسمعيني يا بنت أبويا، أنا لآخر مرة بكلمك بالحسنى وعامل خاطر للدم اللي بينا.
كانت تستمع له بابتسامة ساخرة مغلفة بالألم ليستطرد هو بتهديد خفي:
- بعد كده ما تلوميش غير نفسك لأنك هتكوني السبب في أي حاجة تحصل لك أنتِ أو ابنك.
ضحكت لتقول ساخرة:
- من ناحية ابني وده اللي يهمني في الموضوع كله فأنا مطمنة جدًا، لأني متأكدة إنك أعقل من إنك تعادي نصر البنهاوي وتأذي حفيده.
- ومين قال لك إني هأذيه ولا هأتحرك خطوة واحدة من غير علم نصر؟
ضيقت عينيها لعدم استيعاب لحديثه المبهم ليسترسل بدهاء بما دب الرعب بأوصالها:
- أنا كل اللي هأعمله هأخلي المحامي يقدم للمحكمة طلب ضم حضانة يوسف لجدته منيرة حسب القانون ما بيقول.
ابتلعت لعابها رعبًا ليستطرد هو بخطة شيطانية قد حبكها بمخيلته بعدما لجأ إلى محامي ببلدتهم للاستعلام عن تفاصيل القضية لتهديدها:
- مش برضه القانون بيقول إن الأم لما تبقى شغالة وطول اليوم بره البيت ومهملة في تربية ابنها اللي يدوب كمل ست سنين، الحضانة بتتنقل لجدته؟
واستطرد بابتسامة خبيثة:
- وبكده الحاج نصر مش بس هأيرجع لاتفاقنا القديم معاه، ده احتمال يديني قد اللي كان هأيديهوني ثلاث أو أربع مرات، ويشكرني إني رجعت له حفيده في حضنه وفي وسط بلده وعزوته والراجل مش عاوز أكثر من كده.
نطقت بصوت جاهدت بظهوره متزنًا:
- ما تلعبش معايا اللعبة القذرة دي لأنك عارف كويس إني هأقدم للمحكمة الأوراق اللي تثبت إن حالة جدته المادية لا تسمح لتربيته، ده غير إني موفرة لابني مرافقة قاعدة معاه طول الوقت اللي بأغيبه عنه في شغلي.
- تفتكري إن الحاج نصر هتعدي عليه حاجة زي كده؟
نطقها ليرهبها لتسأله مستفهمة:
- تقصد إيه؟
ابتسم بخبث بعدما تيقن بارتعابها من جراء نبرة صوتها المهتزة:
- أقصد إنه عنده استعداد يهد لنا البيت ويبني مكانه قصر علشان لما المحكمة تبعت مندوبها تلاقي كل حاجة تمام، وكل ده لأجل عيون الحفيد ابن الغالي.
نطق الأخيرة بابتسامة شامتة لتصرخ هي بكامل صوتها بعدما فقدت السيطرة على ثباتها:
- طب اسمعني كويس قوي يا عزيز علشان كلامي مش هأعيده ثاني، ما تحاولش تتحداني وتأذيني في ابني، علشان اللي هيقرب من ابني هأنهش لحمه بسناني، حتى لو كان غانم الجوهري بنفسه، إلا ابني يا عزيز، إلا يوسف.
ضحك ساخرًا لتهتف هي بقوة مصدرها مؤازرة أيمن الدائمة لها:
- وبلاش تتسند قوي على نصر لأنه جنب الناس اللي ورايا حيطة مايلة هتأخدك وتقع، وأظن أنتَ شفت بنفسك اللي حصل مع ابنه، نصر بجلالة قدره ما قدرش يسد قدام الناس اللي سانديني، فبلاش أنتَ كمان تقف قصادي علشان إيثار الغلبانة بتاعة زمان ما بقاش ليها وجود، واللي هيقرب من ابني هأمحيه من الوجود، أنتَ سامع؟
- ده أنتِ فجرتي وما بقاش هامك حد، أنتِ إزاي يا بت تكلمي أخوكِ الكبير بالطريقة دي؟
نطقها بغضب عارم لتهتف ساخطة:
- وعاوزني أكلمك إزاي وأنتَ بتهددني بابني ومستقوي بالناس اللي قهروني وظلموني.
لتسترسل بصوت يئن ألمًا:
- الأخ الكبير يعني الحماية والسند، يعني الحضن الحنين لما الدنيا تضيق، أنتَ بقى فين من كل ده يا عزيز، أنتَ لا عمرك كنت سند ولا حماية، ولا عمري دؤت لحضنك طعم.
لتستطرد بألم ينهش بداخلها:
- علشان خاطر ربنا سيبني في حالي يا عزيز، أنا مش عاوزة منكم أي حاجة غير إنكم تسيبوني أعيش مع ابني في سلام.
- تبقى بتحلمي لو فكرتي إني ممكن أسيبك قاعدة لوحدك في مصر بعد النهاردة، دي الناس كلت وشنا.
نطقها بحنق لترد عليه بنبرة متألمة لتذكرها لماضيها الأليم وإجبارها على الهجرة للقاهرة:
- بيتهيأ لي أنتَ آخر واحد يحق له الكلام في الموضوع ده، ولا نسيت أنا سيبت بيت أبويا وخدت ابني على كتفي وجيت القاهرة ليه، نسيت اللي عملته فيا أنتَ وأمك ومراتك وأخواتك يا عزيز؟
واستطردت بدموعها الحارة بعدما فقدت السيطرة عليها:
- ده أنا شفت ذل على إيديكم أنا وابني عمري ما هأنساه وهيفضل معلم في قلبي لحد ما أقابل وجه كريم، وساعتها هأشتكيكم كلكم قدام ربنا، هأقوله على كل اللي عملتوه فيا، هأحكي له على الأيام اللي كنت بأباتها ودموعي على خدي وحاسة بالعجز وأنا مش لاقية أجيب لابني علبة زبادي ولا واحدة بامبرز، وكل ده علشان تضيقوا العيشة عليا وتجبروني أرجع مذلولة لعمرو بعد اللي عمله فيا.
شهقت بدموعها ليخرج صوتها مستسلمًا:
- أخ كبير إيه اللي بتتكلم عنه، سيبوني في حالي بقى وانسوني، وكفاية اللي حصل لي على إيديكم، اتقوا ربنا وروحوا جهزوا نفسكم وشوفوا هتقفوا قدامه وتبرروا اللي عملتوه فيا بإيه.
كانت تتحدث ودموعها تنهمر بغزارة من مقلتيها وشهقاتها تعلو وهي ترى ما عاشته بالماضي يتجسد أمام أعينها وكأنها تعيشه مجددًا حتى أنها تشعر الآن بمرارته بحلقها.
وكأن ما يستمع إليه من صرخات وأنين ودموع ما هو إلا مشهد مسرحي اعتاد على رؤيته وسماعه ليهتف مهددًا متجاهلًا ما تفوهت به:
- قدامك يومين ثلاثة بالكثير تظبطي فيهم أمورك، تمشي الولية البومة اللي عندك دي وتسيبي الشغل، وبعدها تتصلي بيا علشان أجي آخدك، غير كده تستني أبواب جهنم اللي هتتفتح في وشك مني.
قال كلماته التهديدية وأغلق بوجهها دون أن ينبس ببنت شفة ليتركها بوجع جديد يضاف لأوجاعها.
_____________________
داخل قصر علام زين الدين
التف الجميع حول طاولة الطعام ليتناولون إفطارهم قبل اتجاه كلٍّ منهم لوجهته. وجه والده سؤالًا مستفسرًا:
- ما قلتليش يا فؤاد، عملت إيه في موضوع قضية أيمن الأباصيري وصلاح عبد العزيز؟
تناول قطعة الجبن المعلقة بشوكته ليمضغها بهدوء وهو يجيب أبيه برزانة:
- اتفقت معاهم الاثنين وموافقين من حيث المبدأ، وبكرة هنتقابل في فندق ونتمم الموضوع، وبعدها الاثنين هيسحبوا البلاغات اللي مقدمينها في بعض ويتم التصالح في محضر رسمي عندي في النيابة.
- لو الموضوع ده تم على خير، هيبقى نقطة قوة تضاف في سجلك يا سيادة المستشار.
نطقها والده بتباهٍ ليرد الآخر وهو يهز رأسه بلامبالاة:
- ما فكرتش في كده خالص يا باشا، أنا عملت الموضوع خالص لوجه الله أولًا ثم لأيمن وصلاح، لأن الاثنين محترمين وما يستحقوش بحور الدم اللي كانوا هيغرقوا فيها هما وأولادهم.
ليسترسل وهو يطالعه بنظرة صادقة:
- ربنا عالم إني مش مستني منه أي تقدير أو منصب.
كان يستمع لنجله بافتخار لينطق بإشادة واستحسان:
- أنتَ مثال محترم للموظف المسؤول يا سيادة المستشار، مثال مشرف يحتذى به.
ابتسامة خافتة خرجت من جانب ثغره ليقول مثنيًا على أبيه:
- أنا ماشي على خطى جنابك يا معالي المستشار.
- ربنا يحميك يا حبيبي، أنا حقيقي فخورة بيك.
جملة حنون نطقت بها عصمت ليلتفت يناظرها وقبل أن يغمرها بكلماته اللطيفة قاطعه ولوج العاملة لتقول بنبرة مرتجفة:
- حارس الأمن بيقول إن فيه ضيفة واقفة على البوابة وطالبة تقابل سعادتك يا فؤاد باشا.
كان يمضغ طعامه ليتوقف سائلًا باستفسار:
- ضيفة!
ثم التف ليناظرها باستفهام:
- مين الضيفة دي يا سعاد؟
وقفت تفرق كفيها ببعضيهما ويبدو على وجهها الارتياب ليهتف هو بحدة بعدما استشعر من تلبكها شخص الضيفة:
- ما تنطقي!
ارتعبت أوصالها لينتفض جسدها من جراء حدة صوته ثم ابتلعت لعابها وهي تقول بارتياب:
- "فايزة" هانم والدة مدام "نجلا".
ما أن نطقت باسمها حتى احتدت ملامحه وشعر بنار شاعلة اقتحمت جسده بدون رحمة ليتحول بياض عينيه إلى أحمر مشتعل يوحي لمدى الغضب الذي داهم كيانه بالكامل ليحول روحه لحمم بركانية. انتفض جسد كلٍّ من عصمت وفريال اللتان تبادلتا نظرات الرعب الممزوجة بالألم وهما ينظران لغاليهما ليهتف علام بنبرة حازمة:
- اطلعي قولي للحرس يمشوها من هنا حالًا.
تجمدت ملامحه ليزيح مقعده للخلف بحدة وينطق بنبرة صارمة:
- أنا طالع لها.
هبت عصمت منتفضة من جلستها لتلحق بنجلها ممسكة برسغه بقوة وهي تقول بترجي:
- بلاش يا فؤاد، دي صفحة سودة ومصدقنا قفلناها.
هبت فريال لتهتف بغضب:
- دي ست ما عندهاش ريحة الدم، هي لسه ليها عين تيجي لحد هنا بعد اللي بنتها عملته.
واستطردت بحدة وغضب عارم ظهر فوق ملامحها وهي تهم بالخروج:
- أنا اللي هأخرج لها وهأعرفها مقامها كويس.
- فريال!
نطقها فؤاد وغضب العالم قد تجمع بملامحه الحادة ليسترسل بنظرات ساخطة:
- ما حدش هيخرج لها غيري، ده موضوعي وأنا كفيل إني أحله.
اقترب ماجد من زوجته ليمنعها من الخروج كي لا تستدعي غضب فؤاد عليها قائلًا بعقلانية:
- اسمعي كلام سيادة المستشار واقعدي مكانك يا فريال.
أما علام فكان منكس الرأس تحولت ملامحه لمتألمة لشعوره بما أصاب نجله الوحيد بعد سماعه لاسم تلك الحقيرة. خرج صوته جادًا وهو يقول دون أن يحيل نظره عن صحن طعامه:
- كل واحدة فيكم ترجع لمكانها وزي ما فؤاد قال، الموضوع هو اللي هيخلصه.
ألقى نظرة امتنان لوالده قبل أن ينطلق كأسد جريح بطريقه للانقضاض على فريسته، من يرى غضبه يتيقن بأنه سيحرق الأخضر واليابس وكل من يقع في طريقه فهو هالك لا محالة.
خرج صوت عصمت بوهن وهي تقول بقلب يدمي لأجل صغيرها:
- جاية ليه بعد السنين دي كلها، مش كفاية اللي عملوه في ابني.
- اهدي يا عصمت أرجوك.
جملة حنون نطق بها علام وهو يربت على كف زوجته الموضوع على الطاولة لتنهمر دموعها فوق وجنتيها بغزارة.
اشتعلت عيونه بشرارات الغضب بعدما اقترب من البوابة الخارجية للقصر ليجد تلك السيدة الأنيقة وهي تقف بجانب سيارتها الحديثة لتقترب عليه وهي تقول بنبرة خجلة:
- إزيك يا فؤاد.
- اسمي سيادة المستشار ده أولًا.
نطقها بجدية لتقسو نبراته مع هذا الغضب العظيم الذي ظهر بعينيه وهو يرمقها مستطردًا باحتقار:
- ثانيًا وده الأهم، أنتِ جاية هنا ليه، أنا مش نبهت عليكِ قبل كده إن الفيلا دي ما تخطيهاش برجلك لا أنتِ ولا أي حد من طرفكم؟
أطرقت برأسها لتقول بحزن:
- ما عنديش حد غيرك ألجأ له، بنتي تعبانة يا سيادة المستشار.
لتستطرد بتذلل:
- أرجوك ارحمها.
اقترب أكثر منها ليتوقف وأخذ ينظر لوجهها بتمعن وهو يرفع أحد حاجبيه قائلًا بسخرية:
- أرحمها، وهي ليه ما رحمتنيش وفكرت فيا قبل ما تعرضني لفضيحة كانت هتقضي على مستقبلي النيابي لولا ستر ربنا.
نظرت إليه لتقول بصوت مضطرب حاولت أن تتحكم به قدر الإمكان:
- كانت طايشة وغلطت وخدت جزاءها بحبسها سنتين بحالهم، أرجوك كفاية لحد كده، نجلا مش حمل مرمطة السجون أكثر من كده، مش هتقدر تتحمل الخمس سنين الثانيين.
احتدت ملامحه لتمتلئ بالقسوة وهو يصرخ هادرًا:
- ما تنطقيش اسمها قدامي ثاني.
- أرجوك يا ابني تقف جنبها، المحامي قال لي إنه ممكن يقدم طعن بس لو أنتَ عدلت من شهادتك في القضية.
- أنتِ مجنونة يا ست أنتِ، أنتِ عاوزاني أخالف ضميري المهني وأهز صورتي وأنا بأغير شهادتي علشان واحدة حقيرة زي بنتك؟
نطقها بنظرات احتقارية لتهتف بتذلل:
- وحياة أغلى ما عندك تساعدها، افتكر لها الأيام السعيدة اللي كانت بينكم.
احتدت ملامحه ليجتمع بعينيه غضبًا جحيميًا وهو يرمقها بسخط قائلًا:
- أنا ما فيش بيني وبين بنتك غير كل غدر وخسة وخيانة، احترمتها وعاملتها بني آدمة وما لقيتش منها غير الخيانة اللي بتجري في دمها.
عاد للخلف بخطوات واسعة ليقول بنبرة صارمة وهو ينظر إلى طاقم الحراسة:
- الست دي لو جت هنا ثاني تطلبوا لها البوليس، مفهوم.
نطق كلماته وتحرك للداخل بعدما رمقها بنظرات يملؤها الحقد والاحتقار لتصرخ هي بصوت متألم:
- أرجوك ترحم بنتي يا فؤاد، أرجوك ترحمها.
توقف متسمرًا بمنتصف الحديقة حين عادت به الذاكرة قبل سنتين من الآن ليهز رأسه نافضًا تلك الصرخات المتوسلة لها، بعدما تحدث القاضي داخل قاعة المحاكمة وهو يقول بحزم:
- حكمت المحكمة على المتهمة "نجلا جلال السيد منير" بالسجن لمدة سبع سنوات مع الشغل والنفاذ.
رواية انا لها شمس الفصل التاسع 9 - بقلم روز امين
هل سبق وتذوقت طعم السكر المر من ذي قبل؟!
دعني لا أخفيك سرًا وأخبرك عن خيبتي لا قصتي.
نعم خيبتي، فلعل أكثر الأمور إيلامًا على الإطلاق أن تضع ثقتك الكاملة بأحدهم، لتكتشف لاحقًا أنه لم يكن سوى خائن، ولم تكن أنت سوى غافل. عندها ستشعر وكأن عالمك ينهار تحت قدميك، وبأن حياتك التي طالما رأيتها رائعة، لم تكن أكثر من أكذوبة.
"فؤاد علام زين الدين"
بقلمي "روز أمين"
عاد بذاكرته لما قبل عامين من وقتنا الحالي.
في تمام الساعة السابعة صباحًا، داخل الجناح الخاص بفؤاد علام وزوجته نجلاء، خرج من الحمام الملحق بغرفة النوم يلف خصره بمنشفة كبيرة، وقطرات الماء تتساقط من شعر رأسه لتسيل فوق صدره العاري. اتجه صوب غرفة تبديل الملابس، وبعد عدة دقائق كان قد انتهى من ارتداء جميع ثيابه، ليتحرك نحو غرفة النوم قاصدًا مرآة الزينة، حيث وقف يتطلع على حاله ليضع ربطة عنقه حول ياقة القميص دون عقدها. تناول ساعة يده وارتداها، ثم صفف شعره بعناية فائقة. وما أن تناول زجاجة عطره الفرنسي استعدادًا لنثر عطره حتى تبسم عندما رأى تلك الجميلة المتسطحة فوق الفراش تتمطى بتكاسل وهي تقول بصوت ناعم:
- صباح الخير يا حبيبي.
- صباح النور... نطقها بابتسامة وهو يتأمل بعينيه تلك الشقراء وجمالها الساحر وهي تنفض عنها الغطاء كاشفة عن ثوب نومها الرقيق وجسدها الأنثوي لتنزل متحركة صوبه، حتى وقفت خلفه وأحاطت خصره بذراعيها لتميل برأسها تسندها على كتفه وهي تتطلع على انعكاس صورتهما معًا لتتنهد بإغراء. استدار بوجهه تجاهها قليلًا ليضع قبلة رقيقة بجانب شفتيها، استقبلتها بسعادة وتشديد من ذراعيها حول خصره وهي تقول بدلال:
- حبيبي زي القمر.
ابتسم بخفوت ليجيبها بثبات بعدما عاد ببصره للأمام يتطلع لانعكاس صورته وهو يعقد ربطة عنقه بتمرس:
- فيه راجل برضه يتقال له زي القمر؟!
تدللت أكثر وهي تقول:
- أيوه حبيبي زي القمر، وده مجنني ومخليني دايمًا قلقانة لتيجي واحدة وتخطفك مني.
ضحك برجولة واستدار بجسده بعدما انتهى من نثر عطره ليحتويها بذراعيه وهو يقول:
- بيتهيء لي إنك واثقة فيا وعارفة كويس إني راجل محترم وإن الستات مش سكتي.
صمت ليغمز بعينيه متابعًا:
- ثم أنا إيه اللي هيخليني أبص بره وأنا متجوز برنسيس؟
هذا ما كانت تنتظر سماعه منه لترتفع قامتها للأعلى وهي تلف ذراعيها حول عنقه وتجيبه بكبرياء وتعالي:
- مهو علشان السبب ده بالذات أنا قلقانة.
رفع حاجبه الأيسر لعدم فهمه لجملتها لتسترسل هي بإبانة:
- فيه نوع من الستات بتحب تحط عينها على الرجالة المتجوزين من برنسيسات زيي كده، وتحاول توقعه علشان تثبت لنفسها تفوقها وإنها ست بجد، وكل ما الست كانت أجمل وأرقى كان التحدي والرهان على جوزها أكبر، بالبلدي كده الصيدة لازم تبقى صعبة علشان تحس إنها عملت إنجاز.
ضحك بسخرية وهو يهز رأسه بعدم استيعاب قائلًا:
- بس النوعية اللي بتتكلمي عنها دي مش ستات يا حبيبتي، دول بنات شوارع وعيب يتقال عليهم ستات.
صمت قليلًا ثم قطب ما بين عينيه ليقول بنبرة مستغربة:
- ثم أنت إيه عرفك بالحوارات دي أساسًا؟!
ابتعدت عنه لتستدير موالية ظهرها وهي تقول بلامبالاة:
- قعدات شلة ستات النادي بتجيب لك الجديد من الأخبار لحد عندك.
ابتسم ساخرًا وهو يرد عليها متهكمًا:
- قصدك شلة النميمة.
ضحكت ليتحرك هو نحو الطاولة يلتقط حقيبته المليئة بأوراقه الخاصة بعمله، فهو معتاد على جلب أوراق القضايا الهامة معه ليدرسها جيدًا بعقل حكيم وذهن صافي بعيدًا عن ضوضاء العمل. اقتربت عليه تحرك أصابع يدها فوق صدره وهي تعبث بأزرار قميصه بدلال:
- بقول لك إيه يا فؤاد، كنت محتاجة منك مبلغ أشتري بيه شوية حاجات نقصاني.
قطب جبينه ليطالعها متعجبًا:
- أنا مش لسه محول لك مصروفك الشهري على الكريدت من يومين؟!
ابتعدت لتقول بلامبالاة وهي تدور حول نفسها وتنظر للأسفل:
- صرفته يا فؤاد، وبعدين هي العشرين ألف جنيه اللي بتحولها لي كل شهر دي فلوس؟!
- العشرين ألف جنيه اللي مش عاجبينك دول فيه شباب بيفتحوا بيهم مشاريع وبيبدأوا مسيرة حياتهم... نطقها باستياء لتقول بكبرياء وهي ترفع عنقها للأعلى:
- أنا مرات فؤاد علام ابن الملياردير علام زين الدين، ولازم مصروف إيدي يتناسب مع وضع وحجم ثروتكم.
أجابها بملامح وجه ثابتة ترجع لصعوبة تأثره ودرجة ثباته الانفعالي العالية:
- لو كلنا مشينا بالمنطق بتاعك ده كنا فلسنا من سنين.
ليستطرد بإبانة:
- بابا وعمي ورثوا الشركة والمصنعين والأراضي من جدي الله يرحمه، وبما إن بابا اتجه لدخوله في عالم النيابة فكان مضطر يسلم كل حاجة لعمي عبدالله، والحق يقال، عمي كان أهل ثقة وبدل الشركة بقت ثلاثة والمصنعين بقوا سلسلة مصانع أولاد الزين، وبابا طول السنين دي بياخد أرباح مهولة وبدل ما يركنهم في البنوك استغلهم وشغلهم في مشاريع تانية بتديرها ناس أهل خبرة وثقة، ومع ذلك عشنا زي أي حد.
رمقها بنظرة لائمة ليستطرد:
- لو ماما فكرت بعقليتك كان زمانا عايشين على مرتباتنا من النيابة ويدوب مكفيانا أكل.
نكست رأسها للأسفل لترتسم علامات الحزن والخذلان فوق ملامحها. أخذ نفسًا عميقًا ليزفره بهدوء كي يحافظ على ثباته الانفعالي وتوجه إليها ليرفع ذقنها مجبرًا إياها على النظر لعينيه، وهم متحدثًا بنبرة هادئة:
- إوعي تفكري إني بحاول أتحكم فيك أو إني قاصد أحرمك من حاجة إنت عاوزاها، بس إنت بجد زودتيها يا نجلا، مصاريفك بتعلى كل شهر عن اللي قبله، وده غلط، لازم يبقى لك سقف للمصاريف وتجبري نفسك على الالتزام بيها، لازم نروض نفسنا ونأدبها يا حبيبتي علشان ما تفجرش.
- كل حاجة سعرها ارتفع الضعف يا فؤاد، ولو مش مصدقني إسأل، أنا مرات المستشار فؤاد علام ولبسي وإكسسواراتي لازم تكون متجددة دايمًا، كل أصحابي ما بيكرروش الفستان ولا الإكسسوار مرتين... نطقت كلماتها بحدة ووجه عابس ليرد عليها مستاءً:
- هو بعيدًا عن إنه تبذير وحرام وإن ربنا هيحاسبهم على كده، بس منين بيجيبوا فلوس لكل ده؟!
أجابته بتفاخر:
- كلهم متجوزين رجال أعمال، وعلى فكرة، محدش فيهم عنده الثروة اللي عندك إنت وبباك.
نطقت كلماتها لتمط شفتيها مع عبوس وجهها وتحركت منسحبة لتجلس على طرف الفراش منكسة الرأس لتشعره بالذنب. بالفعل تحرك إليها بعدما حزن لأجلها وتحدث:
- عايزة كام؟
رفعت رأسها لتطالعه بنظرات منكسرة افتعلتها للتأثير عليه حيث قالت بصوت حزين:
- خلاص يا فؤاد مش عايزة حاجة، أنا هروض نفسي زي ما أنت قولت لي.
يعلم من داخله بأنها تتدلل كي تستجدي تعاطفه ليهتف قائلًا بتملل:
- إخلصي يا نجلا وقولي عايزة كام، ورايا شغل ومش فاضي أنا لدلع الستات ده.
ابتلعت لعابها لتنطق بصوت خافت وعينين مترقبة:
- عايزة زيهم.
- عشرين ألف جنيه!
ليه يا نجلا؟
نطقها بذهول، لتنهض من مكانها وتستقر بوقوفها أمامه وهي تقول بشفتين ممطوطة للأمام:
-هو أنا ليه حاسة إنك مش واثق فيا يا فؤاد؟
ملّس بكف يده على وجنتها الناعمة وهو يقول لمراضاتها بعدما لمح امتعاض ملامحها:
-مش قصة ثقة يا حبيبتي، أنا لو مش واثق فيكِ وفي تصرفاتك مية في المية ما كنتش ربطت اسمي باسمك من الأساس.
طالعته بعتاب ليسترسل بإبانة لوجهة نظره:
-أنا ما بحبش التبذير علشان ربنا ما يزيلش مننا النعم.
زفرت باستسلام ليقول مبتسمًا:
-خلاص ما تزعليش، هاحولهم لك على الكريديت بكرة.
اتسعت عينيها لتلتمع بوميض اللهفة واقتربت تطبع قُبلة فوق وجنته قبل أن تنطق متلهفة:
-عايزاهم النهاردة.
قطب جبينه يطالعها مستغربًا لهفتها لتنطق سريعًا وهي تعبث من جديد بأزرار قميصه بإثارة:
-أصل عيد ميلاد نوفا صاحبتي بعد يومين، واتفقت أنا وهي وباقي صاحباتي ننزل النهاردة نجيب فساتين البارتي مع بعض.
تنهد بقلة حيلة واتجه للخارج حاملًا حقيبته بعدما وعدها بتحويل المبلغ اليوم وكالعادة غمرته بأحضانها المتلهفة، انتظرت عدة دقائق بعدما تأكدت عبر الشرفة المطلة على الحديقة من خروجه بسيارته من حديقة القصر لتمسك هاتفها سريعًا وهي تتحدث بنبرة حذرة:
-أيوة يا ملك، أنا اتصرفت خلاص في الفلوس، أكدي لي الحجز ونتقابل هناك الساعة اتنين الظهر.
استمعت لتأكيد الطرف الآخر لحديثها لتأخذ نفسًا عميقًا يعبر عن راحتها وتحركت لترتمي فوق الفراش لتعود لغفوتها من جديد بعدما تمت خطتها بالنجاح.
******
في تمام الساعة الحادية عشر، كانت تنزل الدرج بأناقتها المعتادة ورأسها الشامخ لتقابلها والدة زوجها وهي تصعد الدرج بنفس اللحظة لتقول الأخرى بابتسامة زائفة:
-إزّي حضرتك يا طنط.
-أهلًا يا نجلا...
نطقتها بصوت جاد ووقار يرجع لعدم استلطاف تلك النجلا لتستكمل وهي تشملها باستغراب:
-لابسة ومتشيكة ورايحة فين كده على الصبح؟
نطقت بابتسامة صفراء:
-هقابل صاحباتي في النادي نفطر وبعدها هنعمل شوبينج علشان أشتري شوية حاجات نقصاني.
رمقتها بنظرات شاملة لتنطق بضيق ظهر فوق ملامحها العابسة:
-نفسي تفرحيني في مرة وتقولي لي إنك رايحة تشتري لبس للبيبي.
شعرت بغضب عارم يجتاح كيانها من تلك السيدة الغليظة التي أصبحت لها بالمرصاد بعدما انتهت السنة الخامسة منذ زواجها دون إنجابها الحفيد للعائلة، قبل ذلك كانت كثيرة اللطف بحديثها لكنها مؤخرًا تحولت، جاهدت بالحفاظ على هدوء ملامحها وثباتها الانفعالي بدلًا من أن تحطم رأس تلك الحمقاء لتقول وما زالت محتفظة ببسمتها المصطنعة:
-أكيد هيحصل في يوم من الأيام يا طنط، ما تستعجليش.
عدلت من وضع نظارتها الطبية لتقول وهي ترمقها باستغراب:
-لكم خمس سنين متجوزين، عايزاكِ أستنى إيه أكثر من كده علشان أشوف حفيد لابني الوحيد.
مطت شفتيها لتهز كتفيها وهي تقول بلامبالاة:
-وأنا مالي بالموضوع ده يا طنط، حضرتك بنفسك جيتي معايا للدكتور بدل المرة اتنين، وهو بنفسه أكد لك إن لا أنا ولا فؤاد عندنا أي مشاكل في موضوع الخلفة، وإن تحاليلنا كويسة جدًا وطبيعية.
لتستطرد وهي تذكرها:
-وإن الموضوع كله مجرد وقت وهيحصل.
ضيقت عصمت بين حاجبيها لتسألها بفضول:
-وشك أصفر ليه كده؟
ارتبكت بوقفتها لتجيبها بتهرب:
-إجهاد من عدم كفايتي للنوم.
ونكست رأسها تسترسل بزيف:
-وكمان عندي مغص.
فهمت عصمت ما تشير إليه لتزفر قائلة بطريقة حادة وهي تصعد الدرج متخطية وقوفها:
-يا ريت ترجعي بدري قبل ما جوزك ييجي من الشغل.
-حاضر يا طنط، باي...
نطقتها بضيق لتقلب عينيها بضيق قبل أن تزفر بقوة وتمضي بطريقها للخارج.
******
عودة للحاضر
بمنزل نصر البنهاوي
جاهد محاولًا فتح عينيه بصعوبة بعدما استمع لصدوح صوت جرس الباب يصاحبه بعض الطرقات العالية على الباب الخارجي للشقة، شعر بتحريك جسد صغيره ليفتح عينيه سريعًا وهو يقول:
-نام يا حبيبي.
نظر له الصغير ليغلق عينيه مجددًا بعدما أهداهُ ابتسامة كانت كفيلة بأن تجعل قلبه يرفرف وتخفف من وطأة آلامه التي باتت مصاحبة له بعد انفصاله عن مالكة الفؤاد، لثم وجنته بحنو ليتحرك صوب الباب سريعًا بعد صدح الرنين من جديد، فتح الباب ليجد أمامه سُمية وهي ترمقُه بنظرات نارية لو خرجت لدمرت كل ما يقابلها ولحولته لرماد في الحال، خرج صوته متحشرجًا وهو يطالعها بغضب:
-فيه إيه على الصبح، حاطة إيدك على الجرس ونازلة دوس زي ما أكون مديون لكِ وجاية تطالبيني.
هتفت ليخرج صوتها كفحيح أفعى دهس أحدهم على ذيلها:
-لا وإنتَ الصادق، جاية أدور على جوزي اللي واخد ابن ضرتي وقافل عليه شقتها وقاعد يسترجع الماضي الحزين.
لتستطرد بنبرة ساخطة لعينين تنطقان حقدًا:
-وناسي إن ليه واحدة ست وعنده بنت محتاجة هي كمان لرعايته زي ابن الهانم اللي بيتعامل معاملة خمس نجوم إذا كان منك ولا من جده وجدته.
-وطي صوتك وإنتِ بتتكلمي...
نطقها بصوت صارم ليسترسل لإرعابها:
-ولا عايزة ستهم تسمعك وتبقى ليلتك مش معدية.
نظرت إليه لتتراجع نبراتها من حادة لذليلة وهي تغير استراتيجياتها لكسب تعاطفه كالمعتاد برغم أنه لم يتأثر به مؤخرًا إلا أنها ما زالت ماضية بطريقتها التقليدية:
-إنتَ بتعمل فيا كده ليه يا عمرو، بتعاقبني على إيه، على إني حبيتك وما شفتش في الدنيا راجل غيرك؟!
أغمض عينيه يتأفف بوقفته ليقول بنبرة متمللة:
-هو إحنا مش هنخلص من الأسطوانة المشروخة دي بقى، يا بنتي ارحمي نفسك ده أنا تعبت لك.
كاد أن يكمل ليبتلع ما بجوفه من حديث بعدما استمع لصوت صغيره يناديه حيث خرج من الغرفة باحثًا عنه:
-بابي.
اشتعل قلبها بنار الغل عندما رأت لهفته على الصبي حيث التفت وأسرع متلهفًا بخطى واسعة ليقابله وهو يقول بصوت حنون ليطمئنه:
-أنا هنا يا حبيبي.
حمله بعناية بينما تحدث الصبي ببراءة:
-أنا عايز آخد شاور.
هم بالحديث لتباغته وهي تبسط يديها باتجاه الصغير استعدادًا لحمله لتقول بابتسامة مصطنعة علها تكسب بتصرفها هذا ود عمرو:
-تعالى يا يوسف أنا هحميك.
تأوهت على أثر دفعها من قِبل عمرو حيث دفعها للخلف محتضنًا صغيره ليبعدها عنه وكأنها عدوى يخشى على صغيره من لمستها وصاح هو يقول بنبرة حادة لملامح وجه صارمة:
-اوعي تحاولي تلمسي ابني أو تتقربي منه.
ليرمقها بسخط هاتفًا بقوة أصابت جسدها بالارتجاف:
-إنتِ فاهمة.
طالعته بعينين جاهدت لتترقرق بهما غيمات الدموع ليهتف هو غير عابئ بحالتها:
-اقفلي الباب وراكِ وإنتِ خارجة.
مثلت نزول دموعها لتستدير مهرولة للخارج لتصفق الباب خلفها وتتحول ملامحها لحاقدة متوعدة لإيثار وطفلها المدلل الذي وبرغم ابتعاده إلا أنه اختطف سعادتها وحياة ابنتها التي كانت من المنتظر أن تحياها لولا وجود هذا الحفيد المقرب لقلوب العائلة.
أخذ عمرو الصبي وولج به إلى الحمام وبدأ بغمر جسده جيدًا داخل الماء وبغسله بالصابون الخاص بالاستحمام، دلل صغيره وعاش معه المشاعر التي يفتقدها بابتعاده عنه، أخرجه من المغطس ليلف جسده بالمنشفة الكبيرة حاملًا إياه ليتجه نحو غرفة النوم الخاصة بإيثار، ساعده بارتداء ثيابه وصفف له شعره ليبتسم الصغير برضا وهو يقول:
-ممكن بقى ننزل نفطر علشان بعدها أكلم مامي؟
تحمحم ليقول بنبرة متلهفة وهو يتناول هاتف نجله الذي يجلبه معه بكل زيارة لمهاتفة والدته من خلاله كي تطمئن عليه:
-طب إيه رأيك نكلمها الأول وبعدين ننزل نفطر مع بعض في الجنينة أنا وإنتَ وجدو وتيتا.
هز يوسف رأسه بموافقة ليضغط عمرو رقمها سريعًا ليأتيه الرد وكأنها كانت تنتظر:
-أيوة يا حبيبي.
علت دقات قلبه وتحولت كدقات طبول حرب، ولم يشعر إلا بروحه التي سرحت بملكوت صوتها الناعم وهي تنطق بـ "حبيبي"، كم مضى من السنوات دون استماعه لتلك الكلمة التي كانت بيوم غذاءً لروحه واليوم أصبحت الترياق ويا ليته يستطيع الحصول عليه، تحمحم قبل أن ينطق بصوت يفيض بالاشتياق:
-إزيك يا إيثار.
اشتعلت روحها وكأن نارًا قد سرت بجميع أوردتها ليتحول صوتها من ناعم لحاقد وهي تصيح بنبرة حادة:
-إديني ابني.
-حاضر، طمنيني بس عليكِ الأول...
قالها بصوت خانع لتهتف غاضبة بحدة وصرامة:
-قلت لك إدي التليفون ليوسف.
زفرت عزة التي تقابلها الجلوس حول طاولة الطعام حيث كانتا تتناولان فطورهما واستغفرت ربها بينما ناول عمرو الهاتف للصغير دون أن ينبس ببنت شفة تجنبًا لإغضابها أكثر ليهتف الصغير مهللًا:
-وحشتيني يا مامي.
تلهف قلبها عند استماعها لنبرات فلذة قلبها الغالي لتهتف بحبور:
-وإنتِ كمان وحشتني قوي يا قلب وعقل وروح مامي.
انتهى الصغير من محادثة والدته وعزة التي أغرقته بسيل من الكلمات المدللة ليسعد قلبه، حمل الصغير وتوجه للأسفل ليجد جميع العائلة جالسون بانتظار الصغير حول الطاولة ولم يجرأ فرد بلمس الطعام بأمر من نصر مما جعل طلعت يستشيط غضبًا من أفعال والده المبالغ بها في دلال الصغير وإعطائه أهمية عظمى، تهلل وجه نصر وتحدث مرحبًا وهو يفتح ذراعيه على مصراعيهما لاستقبال حفيده خفيف الظل والحضور:
-يا صباح الفل يا يوسف باشا.
تبسم الصغير مبتهجًا ليرتمي بأحضان جده الحانية ليغمره الآخر بقبلاته الحارة والصادقة تحت احتراق قلب سُمية التي لوت فاها وإنارت وجه مروة التي شملتها بنظرات شامتة مما زاد اشتعال روح الأخرى حيث رمقتها بنظرة نارية لو خرجت لحولتها لجثة متفحمة في الحال، وضع نصر الصغير فوق ساقيه وأشار للجميع قائلًا بمداعبة لوجنة الصغير:
-الوقت بس تقدروا تاكلوا بعد ما حضرة الظابط يوسف وصل.
تعالت ضحكات الصغير لينشرح قلب عمرو وإجلال ويستشيط لها الآخرون حتى الأطفال وهم يرون هذا الدخيل الذي يتمتع بدلال جديهما وله منهما جميع الصلاحيات المحرمة عليهم.
جلس عمرو وبدأ نصر بإطعام الصغير بنفسه بكل ما لذ وطاب ليتحدث مدالًا إياه:
-خلص أكلك علشان نطلع الجنينة وأخليك تمسك السكينة وتذبح بيها الخروف ونشويه على السيخ سوا.
جحظت أعين الصغير ليتحدث بارتياب وعفوية:
-لا يا جدو مش هينفع أعمل كده، أنا أخاف وكمان مامي منعاني أمسك السكينة لأنها بتأذي.
هتفت إجلال التي ما أن استمعت لاسم غريمتها حتى فقدت ثباتها لتقول بصوت حاقد:
-والله ما حد هيتلف أملك ويطلعك خيخة غير المعدولة أمك.
نظر لها ولم يفهم ما تتفوه به ليطالعها عمرو بنظرات ملامة منعتها من تكملة حديثها السام وهي تهز رأسها باستسلام.
تحدثت ابنة طلعت الكبيرة بتفاخر:
-خليني أذبحه أنا يا جدي.
هتفت إجلال متهكمة:
-ما بقاش إلا البنات كمان اللي هتذبح يا بنت طلعت.
هتف طلعت غاضبًا:
-ومالهم البنات يا أُمَّا، ده أنا مربي بناتي الثلاثة أجدع من أي راجل.
أجابته ساخرة:
-مش بالتربية يا عين أُمك، في الآخر اسمهم بنات وآخرهم هيتجوزوا ويخلفوا ولاد يشيلوا اسم راجل تاني.
زفرت ياسمين واستشاط داخلها من تلك الحية الرقطاء التي تبخ سمها بوجوه الجميع ولم يسلم من شر لسانها حتى أقرب الناس لديها، ليجيبها طلعت بنبرة تحمل الكثير من السخط:
-إن كان على الواد هاجيبه يا أُمَّا، اللي يجيب البنت يجيب الواد.
وحول بصره لتلك الجالسة بآخر الطاولة تجاور زوجتي شقيقاه حسب أوامر إجلال ليهتف آمرًا بقوة:
-من بكرة تروحي لدكتورة الزفت اللي إنتِ متبعاها وتشوفي الحبل اتأخر ليه المرة دي.
واستطرد بتهديد صريح لقلب مشتعل:
-وإلا وعزة وجلال الله لأكون متجوز عليكِ اللي تجيب لي الواد.
لعنت بسريرتها إجلال وإيثار وطفلها اللعين الذي يحول زوجها لناقم عليها وعلى حاله كلما حضر لزيارتهم، رمقت إجلال هؤلاء النسوة وسبت بسريرتها تلك الإيثار التي لعبت بعقل نجلها ليتوسط لهن بأن يحضرن الطعام معهم وبالآخر رضخت مجبرة تحت إصرار مدلل قلبها.
بعد مرور حوالي الساعتين، ذبح نصر الشاه بمساعدة أنجاله الثلاث وتحت نظرات الصغير لتأخذ النساء اللحم لتسويته وينسحب كل لوجهته بينما جلس نصر وإجلال بصحبة الصغير بالحديقة الواسعة الخاصة بالمنزل لإشباع لهفتهما عليه، كان يستقل تلك السيارة التي جلبها له عمرو بذكرى يوم ميلاده وتجاوره شقيقته من أبيه فقلب الصغير يميل لها رغم معاملة سُمية ونظراتها العدائية له، كانت عينا إجلال تطالعه بحرص وتفاخر لتزفر بقوة وهي تتحدث بنبرة غاضبة:
-هتفضل سايب الواد لبنت منيرة كده كتير يا نصر، يوسف لازم يرجع بيت أبوه ويعيش في عزنا.
أغمض عينيه ليقول باستسلام:
-سيبيني لحد ما الانتخابات تخلص وبعدين أروق لها.
اتسعت عينيها لتقدح بشرارات الغضب وهي تهتف من بين أسنانها بفحيح كأفعى تتجهز ببخ سمها بعيني فريستها:
-إنتَ عايزني أستنى ست شهور بحالهم يا نصر، ده إنتَ ناوي تجلطني على كده؟
تنفس بعمق كي يستطيع مجابهة تلك المتجبرة ليقول بإبانة وتعقل لكسبها:
-يا إجلال إفهمي، البنت مستقوية بناس كبار حواليها، وأنا مش عايز شوشرة قبل بداية الانتخابات، محدش عارف الناس دي بتفكر إزاي وممكن أذاهم يوصل لحد فين.
واستطرد مستشهدًا:
-وأظن إنتِ بنفسك شوفتي موضوع عمرو حبكوه إزاي علشان المحضر يتحول للنيابة قبل ما آخد خبر بيه.
شددت على قبضة يدها حتى ابيضت لتقول من بين أسنانها:
-آه يا ناري لو تطولها إيديا، لأربيها من جديد على إيد ستهم.
هزت رأسها وهتفت بحقد:
-المركز كله رجالة وستات محدش فيهم قدر يعمل معايا اللي بنت منيرة عملته، نفسي أبرد ناري من ناحيتها يا نصر، نفسي أذلها وأكسرها قدام الناس كلها.
وضع كوب القهوة فوق الطاولة ليلتف بجسده ناحيتها مربتًا على كفها الموضوع فوق ساقيها وهو يقول متوعدًا:
-اصبري على ما أخلص من موال الانتخابات وأرتاح، وعد عليا هاجيبها لك متكتفة وأرميها لك تحت رجليكِ، وساعتها اعملي فيها ما بدا لك.
تنفست بعمق لتنطق بغل ظهر جليًا بنظراتها:
-هأصبر يا نصر مع إن الصبر مش طبعي ولا سكتي، بس هأصبر على أمل أنول مرادي في الآخر.
-بعيد عن انتقامك منها البنت لازم ترجع لعمرو يا إجلال...
نطقها بصوت خافت ليسترسل بخيبة أمل كست ملامحه:
-ابنك ما اتصلحش حاله وبقى راجل غير لما اتجوزها، ومن يوم ما دخلت بينهم الشيطانة اللي اسمها سُمية والبنت اتطلقت، وابنك رجع أسخم من الأول، الواد تحسيه بقى تايه، دماغه مش مظبوطة، رجع للشرب والنسوان الزبالة من تاني، بعد ما ربنا هداه وبعد عن السكة دي وقرفها على إيدين بنت غانم.
زفرت بقوة ونكست رأسها بانكسار دلالة على صحة حديثه وعدم راحتها بما وصل له نجلها المدلل من خيبة وإخفاق.
******
داخل المطبخ الخاص بمنزل نصر، هتفت سُمية الواقفة أمام موقد الغاز تتابع التقليب بالملعقة بأحد الأواني الموضوعة على النار:
-الغيرة هتموتني يا ياسمين، كل ما الواد ييجي يتلكك بيه وياخده ويجري على شقة المحروقة اللي اسمها إيثار وما يخرجش منها غير لما الواد يمشي.
هتفت الأخرى بنبرة حادة:
-ما إنتِ اللي خايبة، قلت لك هاتي لك حتة عيل كُلي عقله بيه وهو ينسى ابن إيثار.
احتدت ملامحها لتهتف غاضبة:
-وهو بإيدي إياك، ده أنا ممكن أعد لك الكام مرة اللي قرب لي فيهم من يوم ما كتب عليا، ومعظمهم تم وهو مش في وعيه، مع إني عملت له البِدع.
لتستطرد بعينين حزينتين:
-فالح يقضيها سرمحة مع النسوان الشمال بره وييجي لحدي وكأنه شاف عقربة قدامه.
انتفضت على أثر صوت تلك التي ولجت إلى المطبخ دون أن تشعرا بها وهي تتحدث شامتة:
-يمكن علشان بتفكريه بخيبته الثقيلة وبالغالي اللي خسره قصاد الرخيص.
التفت سريعًا لتهتف بصياح ووجه مشتعل ينذر بنشوب حرب على الأبواب:
-ابعدي عني الساعة دي يا مروة أحسن لك، أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط قدام عيني، ما تخلينيش أفش غلي فيكِ.
ضحكة خليعة أطلقتها مروة لتستشيط الأخرى ليخرج صوت نسرين يوقف كلتاهما وهي تنهرهما:
-ما تخرسي وتخلي ليلتك تعدي إنتِ وهي، البيت مولع لوحده ما تزودوهاش.
رمقت مروة بازدراء لتسترسل ناهرة لتلك التي تعشق التصنت عليهما:
-وإنتِ يا ست مروة، مش هتبطلي العادة الزفت اللي فيكِ دي.
اتجهت نحو الطاولة وجذبت المقعد لتجلس وتحدثت ببرود قاتل بعدما شرعت بتقطيع خضراوات السلطة:
-والله محدش قال لكم تقعدوا تنموا في المطبخ وحسكم يجيب آخر البيت، عايزين تتكلموا في أسرار يبقى في شققكم مش هنا.
زفرت ياسمين وعادت لطهي الطعام من جديد مفضلة الصمت أمام كلتا الغبيتين التي ابتليت بهما ببيت الأشباح هذا.
******
ليلًا
تجلس على مقعد مجاور للفراش بحجرتها المظلمة حيث أغلقت الضوء لتحاول تهدئة حالها من التوتر الذي اجتاح كيانها فور مكالمة عزيز التي أشعلت بها روحها بالكامل وجعلتها تدخل بنوبة من الهلع كلما تذكرت تهديداته الصريحة بأخذ صغيرها من بين أحضانها، تشعر بعجز شديد وبأن يديها مكبلة، وبلحظة انتفضت لتقف متجهة نحو الكومود لتلتقط هاتفها بعدما اهتدت لفكرة ستضع بها حدًا لهذا العزيز، بحثت بالأرقام المسجلة إلى أن اهتدت لرقم والدها لتضغط زر الاتصال منتظرة الإجابة ليأتيها صوت أبيها المتلهف:
-إيثار، إزيك يا بنتي.
تنفست بهدوء في محاولة لتهدئة حالها كي لا تنقل لوالدها توترها الهائل:
-إزيك إنتَ يا بابا.
-أنا الحمد لله، المهم إنتِ طمنيني عليكِ...
نطقها برضا ليخرج صوتها متألمًا شاكيًا لأبيها حيث قالت بنبرة خرجت غاضبة رغم محاولاتها:
-أنا بقى مش بخير ولا كويسة.
ارتعب قلبه ليسألها متلهفًا:
-ليه يا بنتي، فيكِ إيه؟
هتفت بصوت شديد الغضب:
-عزيز اتصل بيا النهاردة الصبح وبيهددني يا بابا، أخويا اللي المفروض إنه سندي بيهددني لو ما رجعتش البلد بعد يومين هيرفع عليا قضية ضم حضانة.
وبدأت بقص ما بدر من شقيقها تحت غضب وحزن قلب غانم الذي ما عاد فيه التحمل أكثر لما يراه من ظلم كبير يقع على ابنته المنكسرة، هاج ليخرج صوته هادرًا:
-هي حصلت يهددك علشان خاطر مصلحته.
-إسمعني كويس يا بابا، أنا اتحملت من عزيز وماما اللي ما يتحملوش بشر...
نطقتها بهدوء لتعلو نبرة صوتها قائلة بتهديد:
-بس لحد يوسف ومحدش يلومني على اللي هاعمله.
-لو وصلت إني أفتري عليه وأقدم فيه بلاغ إنه اتهجم عليا وضربني هاعمل كده، وعندي بدل الشاهد عشرة وبدل الإيد اللي هتتمد وتساعدني مية...
قالتها بصوت شديد الحدة يرجع لوصولها لحالة من الانهيار النفسي وكأن جدارها الواهي قد هُدم وخارت قواها وتحطمت تحت شعورها الدائم أنها تسبح ضد التيار، تنهد غانم لينكس رأسه وشعورًا بالخزي من ضعفه يعتريه ليخرج صوتُه ملامًا وهو يقول:
-هاتحبسي أخوكِ يا إيثار، وقدرتي تطلعيها من بوقك.
ابتسامة مريرة خرجت من جانب ثغرها تخبرها عن مرارة ما تشعر به، تنفست لتجيب والدها بنبرة متهكمة:
-وحضرتك عايزني أقف متكتفة وأسيبهم ياخدوا ابني ويسلموه لإجلال تربيه، ده مش بعيد يدوه لسُمية الخاينة تربيه علشان أموت بحسرتي.
لتسترسل بألم طعن والدها بمنتصف قلبه:
-وساعتها أكيد ماما وعزيز هيرتاحوا، ويمكن يوزعوا نذر لله إنه خلصهم من الشؤم اللي موقف حياتهم وخاربها.
اجتاحه شعور هائل بالأسى يرجع لحزنه الأليم وهو يرى أنجاله يتقاتلون وبدلًا من أن يصطفوا ويمثلوا قوة أمام الظلم يتفرقون كلٌ بطريق عكس الآخر لتدمير أنفسهم بأنفسهم لينطق بصوت مغلوب:
-استهدي بالله يا بنتي واعتبري موضوع عزيز مُنتهي.
سألته بتشكيك:
-مُنتهي إزاي يا بابا، يعني حضرتك هتقدر تمنعه من إنه يرفع القضية؟
حزن داخله لينطق بانكسار:
-للدرجة دي شايفة أبوكِ راجل ضعيف وقليل يا إيثار؟
نزلت كلماته المستكينة على قلبها شطرته لنصفين لتعنف حالها وهي تنطق سريعًا:
-لا عشت ولا كنت لو ده اللي أقصده، أنا قصدي إن عزيز الغضب مخليه مش شايف قدامه ومش هيسمع لحد.
-وأنا قلت لك اعتبري الموضوع منتهي وقفلي عليه...
نطقها بصوت غاضب لتنطق متأسفة بخجل:
-حقك عليا يا بابا، أرجوك ما تزعلش مني.
أجابها بصوت رجل مهزوم:
-أنا مش زعلان منك يا بنتي، أنا زعلان من نفسي.
واستطرد بأسف بصوت ذليل نزل على قلبها وكأنه نصل سكين حاد شطره دون رحمة:
-كان نفسي أكون لك الأب القوي اللي يقف في ظهرك ويحميكِ، بس العين بصيرة والإيد قصيرة، أبوكِ راجل غلبان والزمن جار عليه والفقر هده.
ما شعرت إلا بدموعها الأبية تنهمر فوق وجنتيها كسيل جارف يطيح بكل ما يقابله، خرج صوتها ضعيفًا متأثرًا وهي تقول في محاولة للتخفيف من وطأة ما يشعر به من تخاذل:
-إنتَ في عيوني أحسن أب في الدنيا، كفاية مساندتك ليا في موضوع طلاقي، ولولا وقوفك جنبي قصاد نصر ما كنتش قدرت آخد ابني وأخرج بيه بره البلد.
واستطردت بشهقة خرجت لتشق بها صدر غانم:
-ربنا يخليك ليا يا بابا.
ابتسامة حانية خرجت من ثغره وهو يقول بنبرة حنون:
-وحشتِ أبوكِ يا إيثار.
-على عيني بعادي عنك يا حبيبي، ما إنتَ عارف أنا ما بانزلش البلد ليه...
نطقتها بضعف وأسف ليجيبها بصوت بشوش:
-أنا اللي هاجي لكِ، هاجيب لك يوسف بكرة وأجي أقعد معاكِ يومين بحالهم.
اتسعت عينيها لشدة حبورها لتهتف بتهلل ولهفة:
-بجد هتيجي يا بابا؟
حلق قلبه فرحًا لسماعه لتلك النبرة السعيدة التي غمرت صوت صغيرته ليؤكد لها قائلًا:
-إن شاء الله هاجي لكِ، شوفي عايزاني أجيب لك معايا إيه وأنا عيني لكِ.
-تسلم عيونك يا بابا، مش عايزة أي حاجة غير إني أشوفك وده كفاية...
أنهت مكالمتها الهاتفية بحال مختلف كليًا عن بدايتها، فكم كانت أحلامها بسيطة، يكفيها ولو كلمة، شعورًا، غمرة ليجعلاها كطير حُر يطلق جناحيه القويتين محلقًا بسماء الله الواسعة دون قيد.
استندت برأسها للخلف لتغمض عينيها وهي تزفر براحة وتدعو الله بسريرتها بأن يساندها وينصرها على كل من ظلمها ويستمر بظلمها وأن يحمي لها يوسف، ثمرتها حلوة المذاق التي جنتها من زيجتها المشؤومة لتكون عوضها عن سنوات العجاف التي قضتهم بمنزل الأشباح.
******
ظهر اليوم التالي
انتهت من العمل على ملف مهم كانت تعمل عليه لتستمع إلى صوت هاتفها الجوال لتجيب على الفور بعملية، أخبرها المتصل أنه كاتب النيابة وأنها غفلت وتركت بطاقتها الشخصية أثناء تنازلها عن محضر التعدي ليتناسى هو ويقوم بوضعها داخل الأوراق الخاصة بالمحضر واليوم فقط عُثر عليها أثناء بحثه للملف، اشتدت سعادتها للعثور عليها بعدما كانت قد فقدت الأمل وسعت بالفعل على استخراج بدل فاقد بعدما قدمت بلاغًا بفقدانها، أخبرته أنها ستأتي إلى النيابة بعد ساعتين من الآن لاستلامها، دخلت إلى أيمن وطلبت منه الإذن وتوجهت سريعًا قبل انتهاء مواعيد العمل الرسمية بالمبنى كي تعود لمنزلها لتستعد لاستقبال أبيها الغالي، توجهت إلى مكتب النائب العام المقصود لتجد الكاتب بانتظارها أمام باب المكتب فسلمها إياها وشكرته هي وتحركت صوب الخروج، وأثناء سيرها بالممر فوجئت بخروج "شرشبيل" كما أطلقت عليه يخرج من باب مكتبه حاملًا حقيبته الخاصة بعمله، تلاقت الأعين لتقول بابتسامة هادئة بعدما شعرت براحة بقلبها لشخصه:
-إزيك يا سيادة المستشار.
رمقها بجمود متجاهلًا ابتسامتها لتتجمد الابتسامة على محياها وهو يرد باقتضاب وملامح عابسة ترجع لرؤيته لوجه فايزة لتنزع صباحه ويومه بالكامل وتُعيد تجديد أحزانه:
-أهلًا وسهلًا.
ابتلعت لعابها خجلًا وشعرت كما لو أن أحدًا سكب دلوًا من الماء البارد فوق رأسها، طالعت ذاك المغرور الذي تحرك صوب المصعد الكهربائي دون الالتفات لها وكأن لا وجود لها من الأساس، تحركت بقلب مشتعل وجاورته الوقوف انتظارًا لوصول المصعد لينضم إليهما "شريف" النائب العام التي قدمت إفادتها لديه في قضية عمرو، تحدث إلى فؤاد وهو يحيه برأسه باحترام:
-فؤاد باشا.
قابل الآخر تحيته بمثلها بابتسامة خافتة، ليحول شريف بصره إليها وهو يسألها بعدما تذكرها:
-أخدتِ بطاقتك؟
وصل المصعد ليلج ثلاثتهم لداخله لتلتفت إليه وهي تقول بصوت خافت:
-آه يا أفندم أخدتها...
نطقتها باقتضاب ليكمل الآخر معتذرًا:
-معلش ما اكتشفناهاش غير النهاردة، الكاتب نسي وحطها في ملف القضية، ولما فتحنا الملفات النهاردة علشان نراجعها قبل ما تروح للأرشيف لقيناها.
طالعته بابتسامة بشوش بعدما حدثها كثيرًا من اللطف والاحترام لتقول بإبانة:
-حصل خير يا أفندم، وكفاية إنه اتصل بيا في الوقت المناسب.
لتسترسل بابتسامة هادئة:
-أنا كنت خلاص فقدت الأمل إني ألاقيها وقدمت بلاغ بضياعها، وكنت رايحة بكرة أخرج بدل فاقد.
كان يستمع لحديثهما بقلب غير مستكين، يشعر بضيق لا يعلم سببًا له وهو يراها تنظر لذاك الشريف وهو يحادثها بملاطفة وترد عليه بملامح وجه بشوشة لم يرها عليها من قبل.
وما جعله يشعر بسوء كبير هو حديثها عندما توقف المصعد وهي تقول بابتسامة صافية سرقت لُبه:
-ميرسي لذوق حضرتك يا سيادة المستشار.
مال الآخر لها برأسه بترحَاب، ليُفتح باب المصعد بتلك اللحظة وتنطلق هي للأمام بخطوات واسعة وقبل أن تصل لباب سيارتها استمعت لصوته من خلفها وهو ينطق باسمها لتتوقف زافرة قبل أن تستدير بجسدها لتقف بمقابلته حيث تحمحم وهو يتحدث بنبرة متلبكة بعض الشيء:
-أنا...
ضيقت عينيها باستغراب لحالته ليسترسل بنبرة بها تعالٍ وهو يستصعب خروج كلمة أسف:
-يعني... بخصوص معاملتي لكِ جوه.
واستطرد سريعًا:
-كنت سرحان وما أخدتش بالي من ابتسامتك.
-ابتسامتي؟!
نطقتها بجبين مقطب لتسترسل متهكمة وهي تتنكر لابتسامتها وكأنها وصمة عار وجب محيها:
-هو يظهر إن حضرتك فعلًا كنت سرحان، عن إذنك.
نطقت كلماتها الأخيرة بملامح متجهمة واستدارت تستقل سيارتها لتنطلق سريعًا دون عناء النظر إليه، مما جعله ينظر على أثرها بذهول غير مستوعب ما حدث وهجومها الضاري عليه، لكنه لام حاله وعذرها على تلك المعاملة التي لم تكن سوى رد فعل.
******
عاد لمنزله بحالة مزاجية سيئة يرجع سببها لما حدث بينه وبين تلك الشرسة التي شغلت حيزًا ليس بالقليل من تفكيره، تناول وجبة غدائه بصحبة عائلته ليصعد بعدها متجهًا لداخل الحمام حيث ملأ حوض الاستحمام بالماء الدافئ وسائل الصابون المنعش ليتجرد من جميع ثيابه ونزل غامرًا جسده بالكامل تحت الماء، أغمض عينيه ليتذكر ما آل به لتلك الحالة المزاجية من الجمود والكره لجميع بنات حواء.
انتباه
"عودة لما مضى"
خرجت "نجلا" واستقلت سيارتها لتصل لإحدى ماكينات الصرف المتواجدة أمام البنوك لتحصل على المبلغ فقد حوله لها زوجها واتجهت إلى صديقتها "ملك" لتنطلقا بسيارتها إلى منطقة شعبية، تطلعت حولها باشمئزاز ظهر على ملامحها لتنطق بازدراء:
-ملقتيش مكان أنضف من ده؟
أجابتها الأخرى بجدية حتى تهدأ:
-هو ده المكان الوحيد اللي هتقدري تعملي فيه العملية ومحدش هيحس بيكِ.
انكمشت ملامح وجهها بجزع وهي تقول بصوت خافت:
-أيوه يا ملك بس المكان شكله يخوف قوي.
رفعت كتفيها لتقول بلامبالاة:
-ولا يخوف ولا حاجة، أنتِ بس اللي عينك متعودة على الأماكن الهاي كلاس.
واستطردت وهي تراقب الشوارع الضيقة بتمعن كي لا يتوهَا بالعنوان:
-زي ما قولت لك، أنا جيت هنا مع سميرة البهنسي من شهرين تقريبًا.
-طب هي العملية بتوجع وليها آثار بعد كده؟
سألتها بارتياب لتسترسل متوجسة:
-يعني فؤاد ممكن ياخد باله؟
أجابتها الأخرى عن تجربة:
-خالص، أنا بعد الندل جمال ما قالي إنه مش مسؤول عن البيبي ولو منزلتيهوش هيقطع الورقتين العرفي اللي ما بينا ويسيبني أواجه المشكلة لوحدي.
واستطردت بإبانة:
-فكرت بعقلي وقتها ولقيت إني كده ممكن أخسر كل حاجة، جمال وفلوسه ومنصبه الكبير، إيه المشكلة لما أكون متجوزاه في السر بس عايشة في عزه وغرقانة في فلوسه، وبصراحة جمال كريم جدًا معايا ومش مخلي نفسي في حاجة.
واستطردت والأخرى تتابع القيادة:
-سألت وقتها وقدرت أوصل للدكتور ده عن طريق سميرة وهي اللي جابتني ليه.
-وبعدين؟
نطقتها نجلا لتعطشها لمعرفة تكملة القصة لتقول الأخرى:
-جيت يا ستي وعملتها وروحت بعد ساعتين بيت ماما، وعاوزة أقول لك ماما ولا حست إن فيه أي حاجة متغيرة فيا.
هزت رأسها لتشق ابتسامة ساخرة ثغرها وهي تقول:
-هو أنتِ مش ناوية تعقلي وتسيبك من اللي اسمه جمال ده وترجعي لطليقك؟
واستطردت بضحكة متهكمة:
-الراجل يا حرام هيتجنن وترجعي له، ده ماسابش ولا واحدة من صاحباتك غير وطلب منها تتوسط بينكم.
-بتهرجي صح؟ يا بنتي أنا مصدقت خلصت منه ومن فقره.
قطعت حديثها وهي تشير لها على المدخل:
-ادخلي في الشارع الجاي ده واقفي قدام أول عمارة على اليمين.
صفت السيارة جانبًا وصعدتا الدرج قاصدتين إحدى العيادات غير المرخصة والتي تجرد طبيبها من شرف المهنة ليشتهر بإجرائه لعمليات الإجهاض المحرمة دينيًا والمجرمة قانونيًا، بعد قليل كانت ترتدي ثوبًا خاصًا بالعمليات وتقف بجانب صديقتها بغرفة عمليات متواضعة حتى بأدواتها، ارتعب جسدها حين وقعت عينيها على السرير الخاص بالعمليات والأدوات الخاصة بالجراحة لتمسك كف صديقتها وهي تقول بشفاه مرتجفة:
-أنا خايفة قوي يا ملك، حاسة إني ممكن يجرى لي حاجة.
ابتلعت الأخرى ريقها حين لمحت شحوب وجه نجلا لتقول علها تتراجع:
-أنتِ مش مضطرة تنزلي البيبي يا نجلا، تعالي نخرج من هنا وروحي فرحي جوزك وأهله بخبر حملك.
واستطردت بجشع:
-أهل جوزك بيحلموا بالحفيد، تخيلي الهدايا والعز اللي هيغرقوكي فيه لو عرفوا إنك هتجيبي لهم ولي العهد اللي هيورث الثروة دي كلها، فكري يا نجلا.
هزت رأسها لتقول برفض تام:
-الموضوع بالنسبة لي محسوم، مش قبل خمس سنين لما أفكر إني أخلف، أنا لسة مكملتش ستة وعشرين سنة، إيه اللي يخليني أدفن شبابي وأخسر رشاقتي بحمل وخلفة ورضاعة.
-أنتِ حرة، أنا حبيت أنصحك باللي أنا شايفاه صح من وجهة نظري، أنا عن نفسي لو مكانك هجري حالًا على جوزي وأبشره.
ولج الطبيب ليقول بعملية:
-جاهزة يا مدام؟
أخذت نفسًا عميقًا استعدادًا لما ستقبل عليه لتجيبه بصوت ما زال مرتجفًا لشدة رعبها:
-جاهزة.
أشار لصديقتها بالخروج وأقبل عليها طبيب التخدير ليحقنها بالمخدر لتغيب عن الوعي ويبدأ الطبيب بإجراء عملية الإجهاض لتلك التي تجردت من آدميتها وخنقت شعور الأمومة لديها بإقبالها على قتل جنينها قبل أن تنفخ به الروح، خانت أمانة زوجها لديها وكسرت كل العهود بمحو حلمه وحلم عائلته بقدوم حفيد يكن لهم الفرحة المنتظرة والوريث لعرش "آل الزين".
بعد مرور ساعتين
كانت تستقل المقعد الأمامي للسيارة بينما تولت صديقتها القيادة، كانت مستلقية واضعة رأسها للخلف ويبدو على ملامحها الإعياء الشديد، تأوهت بخفوت لتنظر لها صديقتها وهي تقول:
-شكلك تعبان جدًا، لو روحتي بمنظرك ده مش بعيد حماتك تلاحظ الموضوع وتكشفك، أنا رأيي تيجي تقعدي في شقتي ساعتين ثلاثة لحد ما تتحسني.
أومأت برأسها لتسألها بصوت خافت:
-جبتي لي البرشام اللي قولت لك عليه؟
أجابتها بينما تتابع القيادة:
-آه وحطيت لك العلبة في شنطتك، الصيدلي قال لي إن ده أقوى برشام مانع للحمل.
لتستطرد بتنبيه:
-بس أهم حاجة تاخديه بانتظام، لأن النوع اللي كنتي بتاخديه شغال كويس جدًا معايا، لكن عدم انتظامك فيه هو اللي عمل اللخبطة دي والحمل حصل.
واستطردت مقترحة:
-اضبطي المنبه على ساعة معينة في اليوم وخديه فيها علشان ماتنسيش.
تحدثت بنبرة استسلامية:
-أكيد هأخلي بالي بعد اللي حصل لي النهاردة.
نطقتها نجلا بإعياء شديد، ذهبت لمسكن صديقتها لتغفو لمدة ساعتين حتى شعرت بتحسن ثم عادت لمنزلها ومن حسن حظها كان المنزل خاليًا إلا من العاملات، حيث ذهبت عصمت وفريال لزيارة إحدى قريباتهما المريضة وعلام يغفو بغرفته أما فؤاد فكان بتحقيق خارج النيابة لذا لم يعد إلا بتمام التاسعة مساءً. ولج لجناحه ليجده غارقًا بظلام دامس، ضغط زر الإضاءة ليتفاجأ بتلك الغافية ليقطب جبينه متعجبًا، تحرك إليها ومال عليها هامسًا:
-نجلا.
لم يجد منها إجابة فكرر بصوته لتفتح عينيها ببطء شديد وهي تجيبه بهمهمة توحي لعدم استعادتها لوعيها الكامل:
-إممممم.
سألها بحنان:
-إيه اللي منيمك بدري يا حبيبتي، أنتِ تعبانة؟
ارتبكت لتهب جالسة وهي تنفي بقوة:
-أنا كويسة.
-طب إهدي.
قالها حين لمح ارتيابها ليقف منتصب الظهر ويبدأ بخلع حلته وأخذ ثيابًا بيتية من خزانة الملابس ليتجه للحمام اغتسل سريعًا وخرج ليجدها غارقة بنومها من جديد، أشفق على حالها ونزل إلى الأسفل تناول عشائه بصحبة عائلته لينسحب صاعدًا للأعلى مجددًا لينضم لزوجته بالفراش محتضنًا إياها من الخلف بعدما شعر بحاجته لها فقد أثارته بثوب نومها الناعم، همس بجانب أذنها بصوت مثير:
-نجلا، اصحي يا روحي.
فتحت عينيها لتنهض بفزع أثار فضوله ليسألها بارتياب:
-فيه إيه؟ هو أنا كل ما أقرب منك هتتفزعي؟!
ابتلعت لعابها لتجيبه بصوت جاهدت ليخرج متزنًا:
-معلش يا حبيبي كنت شايفة كابوس.
قطب جبينه ثم اقترب من فمها ليلثمها برقة تابعها بلمسة ناعمة خلف عنقها لتبتعد حين وصلها مقصده وهي تقول محمحمة:
-مش هينفع يا حبيبي.
ضيق بين عينيه يستشف مقصدها لتتحمحم مسترسلة بتوتر ظهر جليًا بصوتها:
-أصلي.
قالتها وهي تنزل بصرها للخلف مدعية الخجل لينتبه سريعًا بفطانته ويسألها باستغراب:
-بس ده مش ميعادها؟
-آه ما أنا عارفة، بس تقريبًا حصل لخبطة في الهرمونات.
نطقتها بكثير من التوتر لتسترسل بإزاحة بصرها عنه متهربة:
-هبقى أروح للدكتور وأشوف السبب.
اقترب منها يضع قبلة حنون فوق وجنتها قبل أن يهمس بنبرة حنون:
-وده اللي مخليكي متوترة بالشكل ده؟
هزت رأسها بعينين خجلتين ليبتسم لها ثم ربط على وجنتها بتعطف وهو يسألها باهتمام:
-أخلي حد من الشغالين يطلع لك حاجة سخنة؟
-لا يا فؤاد، مش قادرة أشرب أي حاجة.
قالتها بملامح وجه منكمشة ليربت عليها قائلًا بنبرة رحيمة:
-طب نامي يا حبيبتي.
تمددت ودثرها هو بالغطاء وقام بوضع قبلة بجبينها قائلًا بأسى:
-أنا آسف يا حبيبتي إني قلقتك.
-مش هتنام؟
قالتها حينما رأته يقف مبتعدًا ليجيب بنبرة متزنة:
-عندي قضية مهمة هأدرس الملف بتاعها تحت في المكتب وبعدين هأبقى أنام.
-تصبحي على خير.
قالها وهو يحمل حقيبته الجلدية لتوقفه قائلة بصوت معتذر:
-أنا آسفة يا حبيبي.
استدار ليحدثها بنبرة متفهمة:
-آسفة على إيه بس، الموضوع مش بإيدك.
قالها وشملها بابتسامة حنون قبل أن يخرج من الغرفة لتضع تلك المرتعبة كفها بموضع قلبها مع أخذها نفسًا عميقًا وزفره بقوة لتهدئ قليلًا بعدما مرت كذبتها على خير.
مرت الأسابيع وتحسنت حالتها كثيرًا، عاد فؤاد من العمل ونزلا تناولا معًا الغداء بصحبة العائلة ليصعدا في المساء، ولجا من الباب لتلتصق به محتضنة إياه بقوة، نظر لها وقام بتقبيلها بنهم ثم ابتعد وهو يقول:
-هأدخل الحمام وأجي لك حالًا.
تبسمت بموافقة، تطلعت عليه وما أن أغلق باب الحمام خلفه حتى هرولت إلى خزانة ملابسها ورفعت طيات ملابسها البيتية بيدها التي تحمل الهاتف لتضعه وتسحب علبة الدواء لتأخذ قرصًا من الشريط وتبتلعه سريعًا وتعيد العلبة بمكانها قبل أن يخرج زوجها، أغلقت باب الخزانة لتتفاجأ بزوجها يخرج من الحمام، ابتسمت له واتجهت صوب الكومود لتتناول كأس الماء وترتشف البعض منه، ولجت هي الأخرى إلى الحمام لتتجهز بعدما أخذت ثوبًا خاصًا بالنوم بينما وقف هو يصفف شعر رأسه ويضع عطره، استمع صوتًا خافتًا لهاتف ليتلفت من حوله يبحث عن مصدر الصوت إلى أن اهتدى للخزانة ففتحها ليقترب الصوت المكتوم، بحث ليعثر عليه تحت طيات ملابسها الشخصية وأثناء سحبه للهاتف وقعت على الأرض علبة ليتبعثر محتواها وإذ بها أشرطة تحتوي على أقراص دوائية كانت قد دثرتها هنا لطمأنتها أن لا أحد يستطيع الوصول لهذا الجزء لغلقها له بمفتاح خاص لاحتوائه على مجوهراتها وأشيائها الثمينة ولكنها غفلت عن غلقه لتوترها، قطب جبينه وهو ينظر للأسفل ليميل بطوله ملتقطًا العلبة ليدقق النظر بالكلمات المدونة عليها لتجحظ عيناه بذهول سرعان ما تحول لاشتعال وهو يرى تلك الحبوب المانعة للحمل والذي تعرف عليها فور رؤيته للشريط، فهو رآه من قبل بحكم وظيفته ويعرفه جيدًا.
خرجت من الحمام مرتدية ثوبًا مثيرًا يكشف فتحة صدرها وفخذيها لتتحرك إليه بدلال متحدثة بابتسامة وهي تشير بكفيها بتفاخر على حالها:
-أنا جاهزة، إيه رأيك؟
وقفت أمام ذاك المتصلب الجسد ليخرج يده من خلف ظهره ويسألها وكل ذرة بجسده تنتفض بقوة من شدة اشتعالها:
-إيه ده؟
انتفض جسدها فور رؤيتها بشريط الدواء وظهر الرعب بعينيها ليتأكد من شكوكه وقبل أن تنطق بكلمة كانت تصرخ شاعرة بألم شديد عندما هوت يده على وجنتها لتلطمها بقسوة ليترنح جسدها على أثرها وتطرح أرضًا.
رواية انا لها شمس الفصل العاشر 10 - بقلم روز امين
كبيتٍ من الرمال بفصل الصيف، حياتي شيدتها ووضعت بداخلها جميع أحلامي وأمنياتي، لتأتي موجة عنيفة تقتلعه من جذوره أمام عيني، لأكتشف حينها كم كان واهيًا بلا أساس.
"فؤاد علام زين الدين"
بقلمي "روز أمين"
خرجت من الحمام مرتدية ثوبًا مثيرًا يكشف عن فتحة صدرها وفخذيها، لتتحرك إليه بدلال متحدثة بابتسامة وهي تشير بكفيها بتفاخر على حالها:
- أنا جاهزة، إيه رأيك في جمال وسحر مراتك؟
وقفت أمام ذاك المتصلب الجسد، ليخرج يده من خلف ظهره ويسألها وكل ذرة بجسده تنتفض بقوة من شدة اشتعالها:
- إيه ده؟
انتفض جسدها فور رؤيتها بشريط الدواء وظهر الرعب بعينيها ليتأكد من شكوكه، وقبل أن تنطق بكلمة كانت تصرخ شاعرة بألم شديد عندما هوت يده على وجنتها لتلطمها بقسوة، ترنح جسدها على أثرها وتُطرح أرضًا.
تجرد من شخص رجل القانون الحكيم الكامن بداخله، ليرتدي ثوب رجل شرقي طعنته أنثاه بمنتصف قلبه بخنجر الغدر. شعر بنار تسري بجميع أوردته عندما هاجمته فكرة رفض شريكته حمل قطعة منه داخل رحمها. كم كان شعورًا قاسيًا بالنسبة لشخص كفؤاد، أفرط بعشقه وماله ولم يبخل عليها بشيء ليجني بالأخير تلك الخيانة الكبرى.
اندفع نحوها بشراسة ليجثو على ركبتيه وهو يمد يده قابضًا على شعرها بقوة ليهمس بفحيح غاضب، أوحى لبركانه الكامن بداخله:
- قولي لي سبب واحد يخليكِ تاخدي برشام يمنع الحمل اللي مستنيه يحصل ليا سنين؟!
كانت ترتجف منكمشة على حالها تنظر إليه برعب كغزالة ضئيلة وقعت فريسة بقبضة أسد جائع. شهقت عدة مرات ليخرج صوتها المرتجف وهي تقول بحروف متقطعة:
- إديني فرصة أشرح لك يا فؤاد.
اشتعلت عيونه بشرارات الغضب ليشدد من قبضته على شعرها لتخرج منها صرخة متألمة، وبحدة يهدر قائلًا:
- هتشرحي لي إيه بعد ما شوفت كل حاجة بعينيا؟
بعينين متوسلة صرخت بكلمات توحي لمدى تألمها من جذبه القوي لخصلات شعرها:
- إنت فاهم غلط، والله فاهم الموضوع غلط، سيب شعري بس واديني فرصة أشرح لك.
لم يرأف قلبه لدموعها الغزيرة بل زاد من ضغطه ليجيبها من بين أسنانه بفحيح مخيف:
- مفيش أي كلام في الدنيا ممكن يشفع لك ويخليني أغفر لك جريمتك في حقي وحق عيلتي.
صرخت وهو يزيد من ضغط قبضته لتصيح وهي تحاول تخليص خصلاتها من براثنه:
- شعري هيتخلع في إيدك يا فؤاد، أرجوك خلينا نتفاهم بالعقل.
واستطردت في محاولة منها لاستعادة وعيه:
- من إمتى وإنت بتتعامل معايا بالهمجية دي؟!
امتعضت ملامحه لتقسو نبرات صوته القاسية مع شرارات الغضب التي ظهرت بعينيه ليصيح قائلًا بفحيح:
- من ساعة ما حسيت بطعنة غدرك في ظهري.
نطقها ليدفعها للخلف بعنف، انبطحت على أثره أرضًا، ليهب واقفًا وبدأ يدور حول نفسه كالأسد الحبيس يجذب خصلات شعره الفحمية بحدة مفرطة للخلف ترعب من يراه. مسح على وجهه بجنون ليتحدث بغضب عارم قائلًا:
- مش قادر أتخيل إن مراتي اللي قدمت لها كل حاجة ممكن يقدمها راجل لست، يبقى جزاتي إنها تحرمني من إني أكون أب.
بينما هو يدور حول حاله كالأسد الجريح طرأت على ذهنها فكرة سريعة حيث تذكرت صديقتها "ملك" حينما تعرضت لمشكلة في الهرمونات أدت إلى لغبطة بمواعيد الدورة الشهرية، مما جعلها تذهب إلى طبيبة خاصة بأمراض النساء والتوليد لتصف لها حبوب مانعة لحدوث الحمل كي تساعدها على إعادة تنظيم الهرمونات والدورة الشهرية، لتتحدث بشهقات متقطعة اتباعًا لخطتها:
- من فترة حصل لي لغبطة في الهرمونات والبريود مواعيدها اتغيرت، واضطريت أروح لدكتورة أمراض نسا وهي اللي كتبت لي على الحبوب دي.
رمقها بنظرات ساخطة ليهتف بإنكار لروايتها:
- إنت فكراني راجل أهبل علشان أصدق الكلام الساذج اللي بتقوليه ده؟!
صرخت بدموعها المفتعلة لتقول بزيف:
- أنا بقول لك الحقيقة، ولو مش مصدقني تقدر تيجي معايا وتسأل بنفسك الدكتورة وهي هتأكد لك على كلامي.
توقف بمكانه ليتطلع عليها يسألها بنبرة تشكيكية:
- ومن إمتى وإنت بتاخدي الزفت ده؟
هتفت سريعًا حينما تذكرت:
- من حوالي شهر تقريبًا، يوم ما جيت تصحيني وأنا قولت لك وقتها إن...
صمتت لتُكمل بتلهف مستشهدة بحديثه حينها:
- حتى إنت بنفسك قولت لي إن ده مش ميعادها.
قطب بين حاجبيه ليتذكر تلك الليلة ليهدأ قليلًا حين تيقن صحة روايتها، لكنه مازال غاضبًا منها ليهتف بنبرة شديدة اللهجة:
- ولما هو الموضوع كده، مخبية البرشام في دولابك الخاص بمجوهراتك ليه؟!
واستطرد بعينين مازال بهما شك:
- والسؤال الأهم يا مدام، حاجة مهمة زي دي مجتيش قولتي لي عليها ليه؟!
- دي حاجة خاصة جدًا، أنكسف أقولها لك... نطقتها برأس منكس مدعية الخجل ليصيح هو مقاطعًا:
- وإحنا من إمتى بقى فيه بينا حاجات خاصة؟!
واستطرد بصوت حاسم دب الرعب بأوصالها:
- أي حاجة تتعلق بيكِ وبالأخص لو كانت متعلقة بموضوع مهم زي الخلفة يبقى مش خاصة يا هانم.
ابتلعت لعابها لتجيب بنبرة منكسرة وهي مازالت متسطحة على الأرض:
- أنا آسفة يا فؤاد، أرجوك سامحني، غلطة ومش هتتكرر صدقني.
- ده شيء مفروغ منه يا ماما... نطقها باشمئزاز ليسترسل بقامة مرتفعة:
- الغلطة التانية عند فؤاد علام فيها قطع رقاب.
ساد الصمت لثوانٍ ليرمقها باشمئزاز وهو يشير على الباب الخاص بالجناح ليهتف بسخط:
- تلبسي هدومك حالًا وتروحي تنامي في الجناح الشرقي.
حدقت عينيها لترفعهما تطالعه بذهول لتسأله بتيهة:
- إنت بتقول إيه يا فؤاد؟
- اللي سمعتيه... نطقها بقوة وهو يواليها ظهره لتتحامل على حالها مستندة بكفيها على الأرض لتنهض ثم تحركت صوبه إلى أن وقفت خلفه مباشرةً. أخذت نفسًا عميقًا وهمّت بفتح ذراعيها لتلفهما حول خصره، وما أن لامسته حتى انتفض جسده مبتعدًا وكأن لدغته حية ليبتعد ويهتف بقوة ومازال مواليها ظهره:
- قولت لك إلبسي هدومك وروحي الجناح الشرقي ومشوفش وشك هنا تاني غير لما أبلغك بنفسي.
همست بانكسار وهي تتلفت من حولها بأعين مندهشة:
- إنت بتطردني من أوضتي يا فؤاد؟
لم يعرها عناء النظر لوجهها وتوجه لخزانة ملابسه وبدأ بخلع ثيابه البيتية ملقيًا إياها بعنف على الأرض وإبدالها بأخرى تصلح للخروج، وبعد الانتهاء توجه إلى الكومود ليختطف عُليقة مفاتيحه وحافظته الخاصة متوجهًا صوب الباب تحت ذهول نجلا، ليهتف بقوة وحزم دون النظر إليها:
- أنا خارج بره البيت، عاوز أرجع ملاقيش لوجودك أثر في الجناح.
أنهى كلماته الصارمة واندفع نحو الباب كثور هائج لا يرى أمامه ليخرج غالقًا إياه بغضب ليصدر منه صوت جعلها تنتفض رعبًا.
كانت تشهق ودموعها تنهمر بغزارة من مقلتيها وشهقاتها تعلو، وما أن خرج حتى تنفست بقوة وكأنها كانت تكظم أنفاسها. وضعت يدها على صدرها وباتت تتلفت حولها بفزع لتهرول تُسرع في ارتداء ثيابها ولملمت ما تحتاجه لقضاء ليلتها خارج الجناح بعدما قررت مغادرته في الحال قبل عودة ذاك الغاضب والفتك بها إذا رآها أمامه، فهي باتت تحفظه عن ظهر قلب، فذاك الـ فؤاد برغم رُقيه وسمو أخلاقه لكنه يتحول لغول حين يغضب والجميع يعلم ذلك لذا يتجنبوه خشية من أن يحدث صدام يخسر فيه كل الأطراف.
أما فؤاد فكان يشعر بنار شاعلة بجميع جسده، بات يزفر مرات متتالية بقوة عله يهدأ وهو يدير محرك سيارته التي اندفعت بسرعة جنونية لتجوب شوارع القاهرة دون وجهة. كان يقود بجنون لا يعلم أين وجهته، كل ما يريده هو أن يصرخ لعله يخرج ما في جوفه من نار تكاد تحرق روحه وكل ما يقابله. ظل يجوب الشوارع لمدة لا يعلمها حتى خارت قواه وشعر بالإنهاك ليعود مرة أخرى لقصر والده ليجد جميع ساكنيه نائمون. ولج لجناحه وجد الهدوء يعم المكان فهدأت روحه حين وجده خاليًا من تلك المخادعة ليذهب لفراشه ويُلقي بحاله فوقه بإهمال. تنفس وأغمض عينيه عله يستطيع الدخول بغفوة تريح صدره من تلك الحالة التي وصل إليها بفضل عديمة المسؤولية المسماة بزوجته.
******
عودة للوقت الحالي.
حمل صغيره بعدما ودعاه جديه بقلوب مفطورة وذهب إلى منزل جده غانم ليسلمه له حسب اتفاق إيثار التي هاتفت المحامي وأبلغته بأن يسلم نجلها لأبيها كي يأتي به إلى القاهرة. ترجل من السيارة حيث صفها أمام المنزل مباشرة ولف للجهة الأخرى ليحمل صغيره وتحرك متجهًا صوب الباب الموارب لينادي على وجدي الذي خرج مبتسمًا وهو يقول بترحاب لابن شقيقته:
- أهلًا يا يوسف، إدخل يا عمرو.
حمل عنه الصغير وولجوا للداخل ليجد غانم بانتظاره مرتديًا ثيابه. حمل صغير ابنته وقام بتقبيله ليقبل عليه عمرو الذي تحدث باشتياق وهو يصافحه:
- إزيك يا عم غانم؟
أجابه بصوت بارد:
- الله يسلمك يا عمرو، اقعد يا ابني واقف ليه؟
جلس بعدما صافح عزيز وأيهم ليتحدث الصغير إلى جده:
- هتوديني أمتى لمامي يا جدو؟
ليرد الجد بوجه بشوش:
- هانمشي الوقت يا يوسف.
خرجت منيرة من المطبخ لتُقبل على عمرو بوجهها الضاحك وهي ترحب به بتهليل:
- إزيك يا عمرو؟ عامل إيه يا ابني؟
وقف سريعًا ليصافحها بترحاب ليقف غانم قائلًا بحزم:
- تعالى معايا يا عزيز إنت ووجدي.
خرج بصحبة أنجاله الثلاثة وترك الطفل يجلس بأحضان عمرو الذي اقترب هامسًا لمنيرة بعدما جاورته الجلوس:
- عملتي لي إيه في موضوعي يا خالتي؟
- اصبر يا عمرو، أنا مش ساكتة وبضغط عليها بقوتي ومش هستريح غير لما ترجع وأطمن عليها معاك... نطقت كلماتها لتطمئنه ثم استرسلت وهي تجز على أسنانها:
- بس لو تسمع كلامي وتطلق العقربة اللي اسمها سُمية.
تنفس بيأس ليُجيبها:
- حاولت كتير أكلم أبويا في الموضوع ده، بس هو رافض والحاجة إجلال كمان، بتقولي مينفعش علشان بنتي لما تكبر هتتعاير إن أمها متطلقة.
واستطرد بملامح مكفهرة وضيق ظهر بعينيه:
- أنا أصلًا لولا البنت كنت رمتها من ساعتها، هي اللي كاسراني قدامها ومكتفاني.
لوت فاهها لتقول متهكمة:
- وهي أمها أول واحدة هتطلق، ما البلد مليانة مطلقين وأولهم بنتي.
أخذت نفسًا عميقًا ثم حولت مجرى الحديث قائلة بعتاب:
- يرضيك اللي عمله الحاج نصر مع عزيز ووجدي ده يا عمرو، مكنش العشم يمشيهم كده قدام الرجالة.
- حقك عليا أنا يا خالتي متزعليش، أبويا زعلان من اللي حصل لي ومحمل إيثار الذنب... قالها مبررًا ليهتف بعينين متلهفتين:
- بس كل ده هيتغير بمجرد ما إيثار ترجع تنور بيتها من تاني.
- على الله يا ابني... نطقتها بتمني.
أما بالخارج، وقف غانم أمام أولاده الثلاثة ليهتف محذرًا بسبابته بوجه عزيز:
- أنا رايح أقعد عند أختك يومين، قسمًا بالله يا عزيز ما تعمل أي حاجة تضر بيها أختك لأتبرى منك قدام البلد كلها.
واستطرد مشيرًا للجميع:
- والكلام ليكم إنتوا الثلاثة، وعزة وجلال الله لو طاوعتوا شيطانكم لأكون كاتب البيت والكام قيراط اللي حيلتي لإيثار وطايحكم بره إنتوا وعيالكم، وإبقوا خلوا نصر وعياله ينفعوكم ساعتها.
احتدمت ملامحه ليهتف بعصبية مفرطة:
- إيه يا أبا الكلام اللي بتقوله ده؟ بيت إيه ده اللي هتكتبه للبت؟
هتف غانم مؤكدًا على تهديده:
- زي ما سمعت يا عزيز وده مش تهديد، وإنت عارفني لما بحلف على شيء.
هتف بعينين متسعتين ذهولًا:
- كل ده علشان عاوز الستر لأختي؟!
ليرد عليه مستنكرًا:
- وهو الستر مش موجود إلا في بيت نصر البنهاوي؟
- آه يا أبا وإنت عارف كده كويس... قالها بتأكيد ليسترسل بتذكرة:
- ولا نسيت قوانين بيت نصر، اللي بتتجوز واحد من عياله بتتحرم على غيره، واللي عمله عمرو ونصر في الباشمهندس عبد العزيز اللي اتقدم لها يشهد على كلامي، ولا ناسي إن نصر أجبره يسافر السعودية ويسيب البلد كلها.
وأكمل مستطردًا باستعراض جبروت آل البنهاوي:
- ولا معتز ابن حسن المنسي اللي بس قال على القهوة في وسط أصحابه إنه بيفكر ييجي يطلبها منك، عمرو راح له بيته ومسبهوش غير ورجليه الاتنين متكسرة بعد ما الغفر بتوع أبوه كتفوه قدام أهله ومفيش مخلوق من البلد كلها قدر يخلصه من إيد عمرو.
نكس الأب رأسه لتيقنه من صحة حديث نجله عن افتراء وتجبر نصر وأنجاله بأهل القرية، ليقطع شروده صوت وجدي الذي قال مؤكدًا على حديث شقيقه:
- عزيز عنده حق يا أبا، أختي لسه صغيرة ومش معقول هتكمل حياتها من غير جواز تاني، ده غير إن أهل البلد مش مبطلين كلام علينا، وإن إزاي أربع رجالة بيناموا بالليل قافلين عليهم بابهم وسايبين بنتهم في الغربة لوحدها ما يعرفوش عنها حاجة.
واسترسل بتأكيد:
- إيثار مقدمهاش حل غير إنها ترجع لعمرو.
ابتلع المتبقي من كلماته بجوفه لمقاطعة غانم بكلماته اللائمة:
- خلاص، روحوا هاتوها بالعافية ورجعوها له علشان تموت نفسها زي ما حصل قبل كده.
ابتلع وجدي وأيهم لعابهما ونكسا رأسيهما لذكر والدهما لتلك الذكرى الأليمة، عدا ذاك الجاحد الذي لم يتأثر حتى أنه هم باعتراض ليوقفه غانم قائلًا بحزم ونبرة حادة وكأن الضعف مل من ضعفه وثار عليه:
- اللي عندي قولته وإنتوا أحرار، أنا مش هفضل واقف أتفرج على بنتي وهي بتتذل أكثر من كده.
- لحد هنا وكفاية يا عزيز، لحد هنا وكفاية... نطق كلماته الأخيرة بتهديد خفي ليشير إلى أيهم قائلًا:
- هات ابن أختك من جوه علشان نلحق نوصل قبل الدنيا ما تليل علينا.
- خليني أجي معاك أوصلك يا أبا... نطقها أيهم ليجيبه بمعارضة:
- هروح لوحدي يا أيهم، عاوز آخد راحتي مع بنتي.
خرج عمرو حاضنًا صغيره واقترب ليطالع غانم قائلًا:
- يلا يا عمي أنا هوصلكم.
- لا يا ابني كتر خيرك، أنا هركب مواصلات وهروح لوحدي... قالها بذات مغزى ليفهم عمرو مقصده وبأنه يخشى غضب إيثار لو علمت لذا انصاع لرغبته.
******
انتباااااه
"عودة للماضي"
مرت ثلاثة أسابيع منذ اكتشافه لتعاطيها لحبوب منع الحمل في تجاهل تام منه، حيث كان يتجنبها ولم يجمعهما مكانًا سوى حجرة الطعام وهما يتناولاه بصحبة العائلة. عاد من عمله في تمام الرابعة عصرًا وولج لجناحه يشرع بخلع ثيابه. استمع لدقات خفيفة فوق الباب ليهتف بصوت عالٍ نسبيًا:
- إدخل.
فُتح الباب لتظهر وهي تتحرك ببطيء نحو بعدما أغلقت الباب لتقول على استحياء برأس منكس:
- ممكن نتكلم؟
لم يعر لدخولها اهتمام وتابع تبديل ملابسه بملامح مقتضبة لتقترب منه وكادت أن تضع كفها على صدره ليوقفها صوته الحاد حيث هتف بصرامة مشيرًا بكف يده للتوقف:
- ابعدي إيدك.
ارتعدت لتتسمر مكانها تحاول تنظيم أنفاسها للحفاظ على ثباتها لتكمل ما أتت إليه. تحدثت بنبرة مرتجفة خشية إثارة غضبه من جديد، فمنذ ذاك اليوم وقد تغيرت نظرتها له وقررت التعامل معه بحذر تام، فإلى الآن لم تستوعب ما حدث وعقلها رافض تصديقه، فهل يعقل أن يتحول رجل القانون الرزين والرومانسي إلى رجل همجي يحركه غضبه ويجعله يصفع زوجته ويقوم بتعنيفها جسديًا ونفسيًا:
- كفاية يا فؤاد، حرام عليك اللي بتعمله فيا ده.
واستطردت وهي تذرف دموع التماسيح لاستقطابه نحوها:
- اللي يشوف معاملتك ليا يفتكر إني عملت جريمة.
واسترسلت بدفاع عن حالها:
- أنا واحدة تعبانة وكنت باخده كعلاج، ليه بتحاسبني على إني باخده بغرض إني أحرمك من الخلفة؟
- أنا بعاقبك على إنك خبيتي عليا... قالها بصرامة لتتحدث على عجالة:
- أول وآخر مرة، صدقني مش هتتكرر.
صمت وتابع ارتداء آخر قطعة لينتهي فاقتربت منه بعدما وجدت ملامحه قد لانت قليلًا وتحدثت وهي تداعب وجنته بأناملها:
- للدرجة دي مش فارق معاك وجودي من عدمه؟
لتستطرد بدلال وهي تمط شفتيها بطريقة مثيرة:
- أنا كنت فاكرة إنك بتحبني وراهنت نفسي إن مش هيمر على بعادنا يومين إلا وألاقيك جاي تاخدني من الجناح وتدخلني لحد هنا وإنت شايلني بين إيديك.
لتستطرد بصوت أنثوي:
- بس يا خسارة، خسرت الرهان مع نفسي.
واستطردت بعينين رسمت بداخلهما الخجل بمنتهى البراعة:
- أنا روحت للدكتورة وقالت لي إن البريود اتظبطت وبطلت خلاص الحبوب.
رفع حاجبه يسألها بخبث:
- إنت عاوزة إيه يا نجلا؟
- عوزاك... كلمة نطقتها باحتياج وكانت كفيلة لإذابة جبل الجليد الذي بُني ليفرق بينهما طيلة الفترة المنصرمة. اقتربت عليه لتلتصق به فاستجاب للمساتها المثيرة ليغوصا معًا بعالمهما الخاص بعد فراق دام لأكثر من ثلاثة أسابيع. لاحظت خلال لقائهما أن به شيئًا مختلفًا، لم يكن معها ذاك الحنون الرومانسي كما كان بالسابق، بل كان يتعامل معاملة رجل بأنثى وليس حبيب بحبيبة كما عاهدته. شعرت حينها أنها افتقدت احترامه وجزءًا كبيرًا من عشقه لها.
بعد مرور حوالي شهر آخر، لم يعد فؤاد معها كما كان، فقد تغيرت معاملته معها وأصبح أكثر جدية وصلابة، وتخلى عن مرونته بعدما اكتشف عدم مسؤوليتها. ليلًا داخل شقة واسعة يبدو من أثاثها الفخم انتماء ساكنيها لأعلى مستوى من الطبقة الوسطى، تتكئ على الأريكة بجانب والدتها التي تفوهت بنبرة جادة:
- وبعدين في عقلك اللي هيخرب عليكِ عيشتك ده، مش ناوية تعقلي وتبطلي تهور؟
زفرت بضيق لتهتف فايزة ناصحة لنجلتها المتهورة والتي لم تكن على علم بعملية الإجهاض ولا بحملها من الأساس:
- يا بنتي جوزك لو عرف إنك ضحكتي عليه ولسه بتاخدي الحبوب هيخرب الدنيا ومش بعيد يطلقك.
- يطلقني؟!
نطقتها نجلا باستهجان لتكمل بكبرياء:
- يا حبيبتي ريحي نفسك، أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس قوي.
واستطردت بكثير من الثقة وصلت لحد الغرور:
- أولًا فؤاد بيعشقني مش بس بيحبني، وميقدرش يبعد عني أبدًا، بدليل إنه بعد ما عرف زعل له كام يوم ورجع معايا تاني زي الأول وأحسن.
ابتسمت ساخرة لتجيبها بدهاء:
- فؤاد راجل ذكي ولئيم ومش من النوع اللي بينسى ويغفر الغلط في حقه بسهولة، وعمره ما هيرجع معاكِ زي الأول، وإنتِ بنفسك لسة بتشتكي إنه قلل لك مصروفك الشهري لعشر آلاف بدل عشرين.
احتدمت ملامح نجلا حين تذكرت لتسترسل والدتها بنصح:
- إلحقي نفسك وبطلي الزفت ده وفاجئيه بخبر حملك، يمكن فرحته تنسيه عملتك السودة.
أغمضت عينيها بتملل لتجيبها باستسلام:
- هبطله يا مامي، أساسًا مبقاش قدامي حل تاني بعد ما فؤاد عرف.
لتستطرد بكثير من الأنانية والتفاهة:
- هستنى بس شهرين لحد ما فرح ناريمان صالح يتم وبعدها همنعه.
رمقتها والدتها بنظرة حادة لتهتف الأخرى باسترسال موضحة:
- أظن مش معقول يا مامي هروح فرح صاحبتي وبطني قدامي قد كده؟
اتسعت عيني فايزة لتقول باستنكار:
- بطنك إيه اللي هتبقى قدامك يا نجلا بعد شهرين، دي البكرية بطنها مبتظهرش غير بعد الشهر السادس.
- بلاش موضوع بطني. قالتها بلامبالاة لتسترسل باعتراض:
- خلينا في الإرهاق والتعب اللي هحس بيهم وأوردي هيأثروا على نضارة بشرتي.
زفرت فايزة لتهب واقفة وهي تقول بعدما فقدت صبرها من تلك البلهاء:
- أنا هقوم أعمل لي أي عصير فريش بدل ما انجلط جنبك.
- ماتخلي الشغالة تعمل لك. نطقتها باستنكار لتهتف الأخرى بسخط:
- هي دي بتعرف تعمل حاجة، دي ملهاش أي نفس في أي حاجة، اديني كلمت المكتب علشان يغيروها لي.
استمعت لصوت جرس الباب لتخرج العاملة لاستقبال الزائر ليلج إليها محسن ابن خالتها قائلًا بمرح:
- إزيك يا نجلا.
اعتدلت بجلوسها لتجيبه بابتسامة خافتة:
- هاي يا محسن.
- كويس إني لقيتك هنا، أنا كنت هكلمك في التليفون علشان نتقابل برة البيت. نطقها وهو يتلفت من حوله بترقب خشية من أن يستمع عليه أحد.
- ليه، فيه حاجة ولا إيه؟ نطقتها مستفسرة باستغراب ليجيبها بنظرة متلهفة:
- فيه خير كتير قوي جاي لك ومتقدم لك على طبق من ذهب.
ضيقت بين عينيها ليسترسل هو بشراهة:
- خمسة مليون جنيه.
سألته بعدم استيعاب:
- مش فاهمة؟
أجابها بنهم ليزرع الطمع بداخلها:
- فيه حد عارض عليكِ خمسة مليون جنيه مقابل خدمة بسيطة هتقدميها له.
- أنا؟ نطقتها وهي تشير على حالها بلمعة لهفة ظهرت بعينيها ليهز الآخر رأسه بتأكيد فاسترسلت باستفهام:
- وأنا إيه اللي عندي يستاهل المبلغ ده؟
- مش عندك إنتِ، عند جوزك. نطقها بإبهام لتهمس بتيهة:
- فؤاد.
- ورقة، حتة ورقة هتبدليها من ملف معاه في شنطته. قالها بسهولة لتهتف بارتعاب:
- إنتَ شكلك اتجننت، إنتَ عاوزني ألعب مع فؤاد في شغله، ده أنا أبقى بكتب شهادة وفاتي بإيدي.
لتسترسل بإبانة:
- يا ابني شغل النيابة بالنسبة لفؤاد أهم من أي حاجة في حياته، ده أهم من حياته هو شخصيًا، إنتَ مش فاهم علاقة فؤاد بشغله وملفاته اللي بيجيبها البيت، ده بيعامل شنطته معاملة البيبيهات، ده لو اكتشف ضياع ورق منها هيهد البيت على اللي فيه لحد ما يوصل للي عملها.
- ومين قال لك إننا هناخد ورق؟ قالها بهدوء ليسترسل بدهاء:
- إحنا هنبدل مستند بمستند تاني يغير مجرى القضية ويبعد التهمة نهائي عن المتهم.
ابتلعت ريقها وصمتت ليسترسل كالشيطان:
- هتاخدي تلاتة مليون النهاردة، ولما تسلمي الورقة اللي بدلتيها هتستلمي باقي الخمسة مليون.
سألته بذكاء:
- وإنتَ إيه اللي هتستفاده لو الموضوع ده تم؟
أجابها بهدوء:
- ليا نسبة هاخدها من الطرف الأول، يعني هستفيد بعيد عن فلوسك اللي هتاخديها خالصة مخلصة.
سال لعابها من هول وضخامة المبلغ لتسأله بتردد ظهر بمقلتيها:
- طب الموضوع مفيهوش خطورة عليا؟
أجابها بثقة عالية:
- ولا على فؤاد نفسه، فؤاد هيكتب تقريره بناءً على المستندات والإثباتات اللي متقدمة له واللي موثوق من مصدرها جدًا.
سألته بذكاء:
- طب الفريق اللي مقدم المستندات مش هيشك بعد الحكم ببراءة المتهم؟
أجابها ليطمئنها:
- يا بنتي النيابة العامة دي فرق شديدة التنظيم، وكل فريق ليه شغله اللي بينتهي عند نقطة معينة، وملوش أي علاقة ولا متاح ليه يتابع باقي الإجراءات بعد ما يسلم شغله.
- أنا خايفة ومش مطمنة يا محسن. نطقتها بارتياب ليرد عليها بجشع:
- الخمسة مليون هيطمنوكي لما تاخديهم في حضنك.
سال لعابها لتجيبه بتردد:
- اديني فرصة أفكر.
أجابها بحزم:
- للأسف يا بنت خالتي، رفاهية الوقت مش متاحة لينا، جوزك هيروح بملف القضية في شنطته النهاردة، يعني لازم تقولي كلمتك حالًا، سواء بالموافقة أو بالرفض علشان يلحقوا يتصرفوا.
- هيتصرفوا إزاي؟ قالتها باستفهام ليجيبها بما دب الرعب بقلبها:
- ده شغلهم مش شغلنا، هما عندهم طرقهم المختلفة، ولعلمك مش هيغلبوا، هياخدوها عن طريق ساعي أو كاتب النيابة ولا حتى شغالة من عندكم في البيت، دي ناس إيديها طايلة وجرابهم مبيخلاش.
عمى شغفها للمال عينيها ونظرت له بعدما حسمت أمرها وقررت دخولها بنفق الخيانة للحصول على أموال طائلة تستطيع من خلالها شراء كل ما تشتهي له بعيدًا عن تحكمات فؤاد بها وبالأخص بعدما خصم منها نصف مصروفها الشهري كعقاب لها، لتهتف بلهفة ظهرت بعينيها:
- وأنا موافقة، هاخد فلوسي إمتى؟
أجابها بصوت رزين:
- هتنزلي معايا حالًا نقابل الراجل في شقته، هناخد منه الورقة والتلاتة مليون، وبكرة الصبح تسلمي لي الورقة اللي بدلتيها ونسلمها له وناخد باقي فلوسنا، ولا من شاف ولا من دري.
واستطرد بمداعبة:
- شفتي الموضوع بسيط إزاي.
نظرت له بارتياب لتسأله:
- لازم يعني موضوع شقته ده، ما نتقابل في أي مكان عام؟
رمقها بازدراء قبل أن يقول متهكمًا:
- علشان الكاميرات اللي بقت في كل مكان تصورك معاه وإنتِ بتسلميه الورقة وبتاخدي شنطة الفلوس، ونروح في داهية كلنا.
زفرت باستسلام لصحة حديثه وبالنهاية وافقت فطلب منها ذاك الشيطان ألا تخبر حتى والدتها وقامت لتستعد بعدما ودعت والدتها التي حضرت للترحيب بابن شقيقتها الذي انتظر قليلًا قبل أن يستأذن ليلحق بالتي خطت للمضي قدمًا بأولى خطوات الخيانة لله وللوطن قبل زوجها.
خرج عمرو من منزل غانم وقلبه متلهفًا يكاد الشوق والحنين إلى الماضي أن يفتكا بروحه، حيث تذكر زيارته الأولى له وإيثار إلى عائلة غانم بعد زواجهما بأربعة أسابيع.
"انتبااااااه"
"عودة إلى الماضي"
ولجت لمنزل أبيها بصحبة زوجها الذي حمل الكثير والكثير من الهدايا الخاصة لأهل المنزل والحلوى والفاكهة ليغمر بهم أهل زوجته تعبيرًا منه عن امتنانه، رحب الجميع بالزوجين السعيدين لتحتضن منيرة ابنتها قائلة بحبور:
- نورتي بيت أبوكِ يا إيثار.
تعجبت لتغير والدتها الجذري بمعاملتها وابتسامتها الصادقة وحضنها التي تتذوقه للمرة الأولى بحياتها، تخطت سعادة منيرة بزيجة ابنتها عنان السماء وذلك لما جنته من مال وهدايا ثمينة ومصوغات ذهبية غمرها بها عمرو كتعبير منه عن امتنانه لمن كانت سببًا لوجود حبيبته التي ذاق على يدها العشق وغرق بشهد الغرام داخل أحضانها الحنون، كانت تلك هي المرة الأولى التي ترى إيثار بها معاملة عزيز ووالدتها لها كإنسانة مستقلة ولها كيان، فقد رحب بها عزيز حتى أنه احتضنها وبرغم عدم شعورها بصدق غمرته إلا أنها كانت سعيدة للغاية.
كانت تجاور زوجها الجلوس فوق الأريكة لتتفاجأ بمنيرة تسحبها من كفها وهي تقول:
- تعالي يا إيثار معايا جوة، عوزاكِ.
ليجذبها ذاك العاشق قبل أن تترك جواره وهو يقول متلهفًا:
- وخداها على فين يا خالتي؟
أطلقت منيرة ضحكة سعيدة لتقول:
- هو أنا هاكلها يا عمرو، هتكلم معاها جوة شوية على ما نسوان إخواتها يجهزوا الغدا.
- ماتتأخريش عليا. نطقها بعينين هائمتين لتهز رأسها بخجل ممزوج بسعادتها التي تخطت عنان السماء بعشق ذاك الحنون الذي غمرها وقدم لها كل ما حرمت منه وكأن الحياة ادخرت لها سعادتها لتوهبها إياها دفعة واحدة على يد هذا الحنون، اصطحبتها إلى غرفتها الأولى وأجلستها فوق الفراش وجاورتها لتقول بإطراء بلمعة بعينيها:
- طلعتي شاطرة يا إيثار وعرفتي تخلي جوزك يحبك وميقدرش يبعد عنك.
نكست رأسها بخجل لتستطرد الأولى حديثها:
- أنا عوزاكِ كده على طول، تدي له كل اللي يسعده وإوعي في يوم يطلب منك حاجة وترفضيها وخصوصًا الموضوع إياه.
تحمحمت ليخرج صوتها مبحوح من جراء خجلها:
- حاضر يا ماما.
هتفت الأخرى باستفهام:
- قولي لي ستهم عاملة إيه معاكِ، بتعاملك حلو؟
مطت شفتيها للأمام لترد بلامبالاة:
- هي ست شديدة وكلامها صعب، لكن عمرو معايا دائمًا ومبيخليش أي حد يقولي كلمة تضايقني.
لتستطرد متلهفة بعينين ظهر بهما الانبهار:
- تصوري يا ماما، خلاها تغير قوانين البيت علشاني.
ضيقت بين حاجبيها لتتساءل بعدم استيعاب:
- قوانين؟!
لتهتف الأخرى بإبانة:
- بصي، هي كانت بتاكل هي وعمي نصر وأولادها على السفرة برة، وياسمين ومروة كانوا بياكلوا لوحدهم في المطبخ، بس عمرو قال لها إنه ميقدرش ياكل وأنا بعيدة عنه، وطلب منها تخلينا ناكل كلنا مع بعض، بس هي طبعًا رفضت، فعمرو قال لها إنه هياكل معايا فوق، وهي طبعًا اتضايقت وقعدت تزعق، بس في الآخر وافقت وبقينا كلنا بناكل مع بعض.
واستطردت بعينين تقطر عشقًا:
- عمرو حنين وبيحبني قوي يا ماما.
ردت باستحسان:
- شاطرة يا إيثار، شاطرة.
واستطردت وهي تنظر ليدها محدقة بالثلاث أساور الذهبية اللواتي أهداهم لها عمرو بثاني أيام زواجه كتعبير منه عن فرحته بعروسه الجميلة:
- والله وبقيتي سبب سعدي يا إيثار، لبست الدهب والحرير على إيدين جوزك.
ابتسمت بسعادة وهي تربت على يديها بحنو:
- تتهني بيهم يا ماما.
خرجت لتجد تلك المتطفلة قد حضرت لتقبل عليها وتحتضنها برياء وهي تقول بنبرة لائمة:
- كده يا إيثار، بقى تيجي من غير ما تعرفيني علشان أجي أقعد معاكِ وأشبع منك.
تطلعت عليها باستغراب، فقد كانت ترتدي ثوبًا مجسمًا على جسدها وحذاءً بكعب مرتفع ناهيك عن وجهها الملطخ بجميع أنواع وألوان الزينة من يراها يتيقن بأنها ذاهبة لحضور حفل زفاف، أما منيرة فرمقتها بنظرة حادة ترجع لعدم راحتها لشخصها مؤخرًا، وبالأخص فترة خطبة عمرو وابنتها، فقد كانت تتعمد زيارتهم كل خميس أثناء زيارة عمرو لمنزلهم وتحاول جاهدة جذب أنظاره بالتطفل بالحديث معه والضحكات الخليعة والملابس الضيقة والمثيرة لأي رجل، لكن ما كان يجعل منيرة هادئة هو عشق عمرو الظاهر لابنتها وهذا جعله لا يرى في الوجود سواها، فكانت عينيه لا تفارقها طيلة الزيارة حتى الرحيل، وهذا ما طمأن قلبها وقد حذرت صغيرتها منها وبالفعل إيثار بدأت بأخذ الحيطة والبعد عنها قدر الاستطاعة.
لوت منيرة فاهها لتسألها بطريقة توحي بعدم تقبلها وبأنها شخص غير مرغوب بوجوده:
- وإنتِ عرفتي منين إنها جاية النهاردة؟
أشارت إلى ياسمين التي كانت تجاورها الوقوف حيث خرجت لاستقبالها بعدما استمعت لصوتها المنادي:
- كلمت نسرين إمبارح وسألتها وهي قالت لي.
ابتلعت نسرين ريقها بصعوبة بعد نظرات منيرة النارية التي رمقتها بها لتهتف الأخرى مسترسلة بسماجة:
- هدخل أسلم على عمرو وأجي أجهز معاكم الغدا.
بالكاد نطقت كلماتها لتهرول للداخل تحت اتساع أعين إيثار ومنيرة التي لكزت نجلتها بذراعها قائلة:
- ادخلي لجوزك ومتسبيهوش لوحده مع العقربة دي.
أما بالداخل، ولجت سريعًا تهرول إليه قائلة وهي تتلمس كف يده بنعومة لإثارته:
- إزيك يا عمرو.
رمقها بغرابة ليسحب كفه من خاصتها سريعًا وكأن حية تلفحت بيده، أجابها ببرود وهو ينظر إلى غانم وعزيز ووجدي:
- الله يسلمك.
وتابع استكمال حديثه لتجلس بجواره دون حياء، اقتربت إيثار ليقوم سريعًا لاستقبالها وهو يتطلع عليها كمن اهتدى لضالته مما أسعد قلب إيثار وأشعل قلب الأخرى، جلست إيثار بالمنتصف لتضع حدًا لتلك الثقيلة لتنسحب بعد قليل للخارج بعدما تجاهلها الجميع حيث اقترب عمرو من إيثار وبات يهمس لها بحديث جانبي يعبر لها من خلاله عن كم اشتياقه لها.
تناول الزوجان غدائهما بصحبة عائلة غانم ليعود بزوجته من جديد إلى مسكن الزوجية الذي يشهد على أسعد أيام كلاهما معًا، صعد معًا بعدما رمقتها إجلال بسخط تغاضت عنه لأجل عمرو الذي ما أن ولج لمسكنهما حتى حملها واتجه بها سريعًا لفراشهما كي يشبع قلبه ويُمنيه بقرب الحبيب، وبعد قليل كانت تقطن بأحضانه الحانية يحتويها بذراعيه وهو يقول بنبرة حنون:
- لو أقول لك وحشتيني قد إيه الشوية اللي قعدناهم في بيت عمي غانم مش هتصدقيني.
تبسمت ليزداد جمالها وهي تقول:
- هو إحنا لحقنا نبعد يا عمرو، وبعدين هو أنتَ سبتني، ده أنتَ كنت لازق فيا طول الوقت.
- لا وإنتِ الصادقة، صحبتك السخيفة هي اللي كانت لازقة فينا طول الوقت. قالها باعتراض ليسترسل مشمئزًا:
- يا ساتر يا إيثار، أنا مش عارف إنتِ إزاي مصاحبة واحدة زي اللي اسمها سمية دي، فرق كبير قوي بينكم.
أخذت نفسًا عميقًا لتجيبه بهدوء:
- مكنتش كده الأول، دي اتحولت وتصرفاتها بقت غريبة.
- سيبك من سيرتها اللي تسد النفس وخلينا نكمل، هو أحنا كنا بنقول إيه؟
نطقها بدعابة لتبتسم وتقول بجرأة جديدة عليها:
- كنا بنقول إنك حبيبي، وإن ربنا بيحبني علشان كده رزقني بيك.
حدقت عينيه ليهتف متلهفًا:
- إنتِ قولتي إيه؟ حبيبك، أنا حبيبك يا إيثار؟!
تبسمت لتنطق وهي تداعب وجنته بأناملها الرقيقة:
- إنتَ حبيبي وجوزي وصاحبي وكل ما ليا يا عمرو.
كان يستمع لحديثها وشعور هائل من السعادة يجتاحه ليميل عليها لاثمًا شفتيها بإثارة وهو يقول:
- ربنا يقدرني وأخليكي أسعد واحدة في الدنيا كلها.
- إنتَ فعلًا خلتني أسعد واحدة في الدنيا يا عمرو. نطقتها بنبرة حنون ليجذبها إليه ويغوصا معًا من جديد داخل عالمهما.
بعد عدة أسابيع أخرى، تناول طعام الغداء مع العائلة واصطحبها ليصعدا بعش الزوجية ليهنأ بالقرب ممن امتلكت القلب والوجدان، هيأت له الأجواء وجلست فوق الأريكة وأشعلت شاشة التلفاز بعدما أحضرت بعضًا من الفاكهة والمسليات وبدأ بمشاهدة أحد الأفلام الرومانسية الأجنبية، وضعت رأسه فوق ساقيها وباتت تداعب خصلاته بأناملها الرقيقة مما جعله ينتقل لعالم ساحر من المشاعر المختلطة، أمسك بكف يدها وقبله لتسحبه من جديد ممسكة به قطعة من ثمار الكمثرى لتضعها بفمه ويقتضمها هو بسعادة، انتفض على أثر خبطات مرتفعة فوق الباب لتخرجهما من حالة الوله ليهب منتفضًا من مكانه يتحرك صوب الباب متوعدًا للطارق، فتح الباب وهم بفتح فمه ليبتلع حديثه حينما وجد والدته ليسألها باستغراب:
- خير يا ماما، فيه حاجة؟
- فيه حاجات مش حاجة واحدة يا نن عين ماما. قالت كلماتها وهي تجنب جسده بذراعها لتلج مهرولة للداخل دون استئذان، ابتسامة ساخرة ارتسمت على جانب فمها وهي ترى تلك الجميلة الجالسة بثوب نومها الرقيق حيث كانت ترتدي قميصًا ناعمًا من الساتان باللون الأزرق ليضفي على بياض جسدها ويزيدها سحرًا، خجلت لتنكمش على حالها تخبئ فتحة صدرها بيديها تارة وتارة ساقيها العاريتين ليشعر عمرو بارتباكها ويسرع ملقيًا عليها عباءته الموضوعة جانبًا لتتنفس هي بعد شعورها ببعض الراحة، أما إجلال فهتفت ساخرة:
- وأنا أقول الباشا سايب أبوه وإخواته يراعوا المصالح لوحدهم ولازق فوق ليه، أتاري بنت منيرة لابسة له المحزق والملزق والمفتوح علشان تربطه جنبها، اللي موصيكي واعي يا حبيبتي.
خجلت من تلميحاتها ليهتف عمرو بحدة بعدما شعر بإهانة زوجته:
- لازمته إيه الكلام ده يا ستهم؟
- لازمته إن أبوك متصل بيا وخارب الدنيا علشان واقف لوحده مع التاجر اللي جاي يشتري محصول جنينة المانجة، وبيتصل بيك بقى له ساعة، بس البيه مش فاضي، وراه حاجات أهم. نطقتها وهي ترمقها باشمئزاز ليهتف عمرو مبررًا:
- وأنا هروح أعمله إيه وهو بيتفق مع الراجل، وبعدين أنا مراتي كلها كام يوم وترجع لكليتها وهضطر أقوم كل يوم بدري أوديها وأجيبها يعني هتسحل أنا وهي، ومن حقي آخد الكام يوم دول راحة أتدلع فيهم أنا ومراتي.
رمقتها بنظرة حقودة قبل أن تقول بما يشفي غليل قلبها:
- من الناحية دي اطمن يا حبيبي، إنتَ لا هتروح ولا هتيجي.
ضيق بين عينيه لتسترسل وهي تنظر لإيثار بشماتة:
- أنا شايفة إن كفاية علام لحد كده على الست إيثار.
ارتجفت أوصالها ليخرج صوتها أخيرًا:
- يعني إيه الجملة دي مش فاهمة؟
- إيه اللي مش مفهوم في كلامي يا عنيا، بقولك أنا قررت إنك خلاص مش هتكملي علام. نطقتها بنبرة ساخطة لتهتف الأخرى بارتياب:
- مستحيل طبعًا، أنا متفقة مع عمرو قبل الجواز إني هكمل السنة اللي فاضلة لي.
- اتفاقك مع عمرو ده يا حبيبتي تبليه وتشربي ميته. قالتها بسخرية لترفع قامتها لأعلى بتفاخر وصوت حاد هز أركان المكان:
- أنا هنا الكل في الكل، الكلمة كلمتي والشورة شورتي.
نطقتها بجبروت لتسترسل قبل أن تنسحب للخارج:
- قومي غيري المسخرة اللي إنتِ لابساها دي وحصليني على المطبخ علشان تجهزي العشا للرجالة.
لتستطرد متهكمة:
- أصل الخدامة اللي أبوكِ باعتها وراكي واخدة إجازة النهاردة.
ابتلعت إهانتها بغصة مريرة ولم تستطع الرد لتحذيرات والدتها الشديدة بعدم الرد وبالأخص على تلك المتجبرة، نظرت لزوجها الواقف مكتف الأيدي لتهرول عليه قائلة بنبرة مترجية:
- عمرو أنتَ ساكت ليه، إنتَ هتسيب مامتك تتحكم في مستقبلي وتنفذ كلامها؟
أخذها بأحضانه ليهدئ من روعها وهو يقول:
- اهدي يا حبيبتي ومتقلقيش، أنا هكلمها بس مش الوقت علشان ماتعندش، لما تهدى.
- وعد يا عمرو. نطقتها بعينين متوسلتين ليهز لها رأسه بتأكيد، وبالفعل توسط لها عند والدته لتوافق بعد جدال عنيف بينها وبين نجلها المدلل وكالعادة فاز هو بالجولة لكنها اشترطت أن تذهب إيثار إلى كليتها مرتين فقط في الأسبوع، مرت الأيام وحملت إيثار بجنينها الأول والذي سعد به الجميع وكانت الفرحة لا تسع قلبي إجلال ونصر عندما علما بأنه ذكر، مرت الشهور سريعًا وأنجبت إيثار يوسف ومر عام آخر سريعًا ما بين شد وجذب وتهكم إجلال وحقدها الظاهر على من ملكت لب مدلل قلبها.
وبغروب يوم ما، كانت تقبع بمسكنها الخاص، حملت صغيرها الذي أكمل عامًا ونزلت به الدرج لتجد مروة جالسة بمفردها ببهو المنزل، اقترحت عليها مروة بأن يخرجا ليشمَّا بعض الهواء أمام البوابة الحديدية وبالفعل خرجت بجوارها وأثناء وقوفهم أقبل عليهم أحمد ابن عم زوجها، ألقى عليهم السلام وحمل الصغير وبدأ بمداعبته وطلب من مروة كأسًا من الماء لشدة عطشه، أتى عمرو بتلك اللحظة ليجد أحمد حاملًا صغيره يداعبه ويتحدث إلى إيثار المبتسمة، اشتعلت النار وسرت بأوردته وذلك لشدة ما شعر به من غيرة وشك اقتحم قلبه، تحدث إلى زوجته بنبرة جادة متجاهلًا ابن عمه:
- إيه اللي موقفك برة؟
- خرجت أشم هوا أنا ومروة. هكذا أجابته بملامح وجه متعجبة حدته ليهتف أحمد بمداعبة:
- يا أخي طب قول السلام عليكم الأول.
بسط يده يتناول صغيره الذي ما أن رآه حتى ابتسم وارتمى عليه، تحدث لابن عمه وهو يشير لها بالدخول:
- معلش تعبان شوية.
اعتذر أحمد وذهب بعدما شعر بعدم رغبة عمرو بوجوده ودخلت هي بجواره ليتقابلا بمروة التي تحدثت إليها وهي تشير بكوب الماء:
- هو أحمد مشي من غير ما يشرب؟
وقفت ليرتجف جسدها حينما صرخ بها قائلًا:
- تعالي ورايا.
تعجبت مروة تجهم ملامح عمرو وحدة لهجته مع إيثار وهذا ما لم يحدث من قبل، صعد الدرج وهي خلفه لتسأله متعجبة:
- مالك يا عمرو، إنتَ اتخانقت مع عمي نصر؟
لم يعر لكلماتها أدنى اهتمام وأكمل صعوده وهو يحمل الصغير، وقف أمام باب الشقة ليفتحه وما أن دلفت وقبل أن يغلق الباب كان صافعًا إياها بقوة جعلت الذهول سيد موقفها، بنفس توقيت سقوط اللطمة على وجنة إيثار كانت إجلال تخرج من الشقة المقابلة حيث تحتفظ داخلها بأشياء ثمينة وكانت تتفقدها، سعد قلبها لهذا المشهد الذي أثلج صدرها ليغلق عمرو الباب دون أن يرى والدته ليكمل بصوت يحترق من شدة غيرته عليها:
- أول وآخر مرة أشوفك واقفة مع اللي اسمه أحمد أو أي حد غيره.
ليسترسل بنبرة صارخة:
- وإياك أساسًا أشوفك واقفة قدام الباب تاني.
كان يتحدث ويصرخ وهي ساكنة لم تنبس ببنت شفة تنظر للأمام وكأنها أصبحت خارج نطاق الزمن، شعر بالندم الوقتي لكنه أبى الاعتذار، تعالت صرخات الصغير ليلقيه بأحضانها ويخرج تاركًا المنزل بأكمله تحت صدمة وذهول إيثار التي وعت على صرخات صغيرها، لتبدأ بهدهدته وهنا انهمرت دموعها بغزارة وكأنها استفاق ووعت لتستوعب ما حدث للتو من حبيبها، بعد حوالي ثلاثة ساعات، لم تتوقف بهم دموعها ولا صرخات الصغير وكأنه يشعر بألم غاليته النفسي، انتبهت لطرقات فوق الباب فجففت دموعها سريعًا واتجهت للباب تفتحه تحت صرخات الصغير التي زادت، وجدت إجلال بوجهها وبدون حديث جذبت الصغير من بين أحضانها لتهدأته، ثم نظرت لها لتقول بذات مغزى:
- أنا هاخد الولد يبات معايا النهاردة، وإنتِ حاولي تراضي جوزك لما يرجع.
- عمرو لو بات زعلان النهاردة أنا اللي هزعلك. نطقتها بتهديد مباشر واستدارت لتهبط الدرج بالصغير، تاركة خلفها تلك التي شعرت بأنها ذليلة وما زاد من شعورها بالمرارة هو انقلاب زوجها عليها وإهانته القاسية ليتحول لجلادها بعدما كان لها الأمان، انسحبت لغرفة صغيرها وأوصدت بابها بعدما عقدت النية على الابتعاد عنه كي يشعر بفظاظة ما اقترفه بحقها، دقت الساعة الواحدة ليعود هو بجسد مترنح نتيجة ما تناوله من مشروب كحولي ونوعًا من الحبوب المخدرة مع أصحاب السوء الذي كان يرافقهم قبل زواجه من إيثار والذي تغير كليًا على يدها لكنه عاد اليوم ليرتمي بين أحضانهم بعد أول خلاف مع زوجته، ولج للغرفة يبحث عنها ليجن جنونه بعدما تأكد من عدم وجودها، هرول كالمجنون يبحث عنها داخل الحمام والمطبخ وبالأخير وصل لغرفة صغيره ولف مقبضها ليتنفس الصعداء عندما وجده موصود ليتيقن أنها بداخلها.
- افتحي الباب يا إيثار. قالها بثمالة لتغمض عينيها ودموعها تنهمر فوق خديها بغزارة ليصيح بصوت عال بعدما وجد منها الصمت:
- قولت لك افتحي الباب بدل ما أكسره.
نطقت بدموعها الحزينة:
- امشي يا عمرو، روح نام في أوضتك وسيبني في حالي.
لم يتمالك حاله عندما استمع لصوت شهقاتها المتألمة ليهمس بصوت نادم:
- افتحي يا حبيبتي وأنا هنسيكي كل اللي حصل، علشان خاطري افتحي، والله يا إيثار ما همد إيدي عليكِ تاني.
- امشي بقى، قولت لك امشي. نطقتها بصياح ودموع ليصرخ بقوة بعدما جن لابتعادها عن أحضانه:
- افتحي الباب بقولك.
بات يركل الباب بقدمه ويصرخ ليستيقظ جميع من بالمنزل على صرخاته الجنونية وهو يقول بحدة:
- افتحي يا إيثار، مش هعرف أنام وأنا بعيد عن حضنك، اسمعي الكلام وافتحي.
نطق الأخيرة بصراخ ليتصنم مكانه حينما استمع لصوت نصر الذي جلجل بالمكان ليهتز على أثره أركان المنزل بأكمله وهو يقول:
- وطي صوتك يا بقف وداري على خيبتك التقيلة، وبدل ما أنتَ واقف تصرخ زي النسوان اكسر عليها الباب وربيها من جديد.
واستطرد نادبًا:
- يا خيبتك في ابنك يا نصر، على آخر الزمن ابن نصر البنهاوي واقف يعيط ومذلول على إيد بنت غانم.
وصل حديث نصر المهين لمسامعها ليجعلها تدخل بنوبة من الانهيار أكثر بعدما شعرت بالإهانة لشخصها والتقليل من شخص أبيها، انتفضت من جلوسها لترتدي عباءة منزلية وتلف حجابها سريعًا لتفتح الباب وتهرول صوب باب الشقة الخارجي متجنبة ذاك المترنح، وقفت بأعلى الدرج لتهتف بدموعها بصوت لائم:
- بدل ما حضرتك تتكلم عني وتهيني أنا وأبويا بالطريقة دي، كنت تسألني الأول أنا قافلة ليه الباب على نفسي.
رمقها بغضب عارم لتتجاهله مسترسلة بدموعها الحارة بعدما لمست وجنتها بتأثر:
- ابنك ضربني بالقلم من غير ما أعمل له أي حاجة.
ابتسم ساخرًا ليصيح بجبروت:
- ويضربك بالجزمة كمان.
اتسعت عينيها بذهول لتكمل إجلال على حديثه بكبرياء وإهانة:
- فوقي لنفسك يا حبيبتي واعرفي قدرك في البيت ده، أنا مجوزاكِ ليه علشان مزاجه، مزاجه وبس، يعني يضربك بالجزمة تناوليها له تاني وتوطي على إيده تبوسيها.
واستطردت وهي تشملها بنظرات احتقارية:
- وتحمدي ربنا إن ابن الحاج نصر وستهم، اتنازل واتجوز بنت عمي غانم الجوهري.
نزلت عليها كلماتهم لتنهي على ما تبقى من كرامتها لتشعر كم هي ذليلة بلا سند أو عون.
صعد طلعت من الطابق الثاني للثالث التي تقطنه وتحدث بهدوء بعدما رأى انهيارها من حديث والديه المهين لها والذي حدث على مرأى ومسمع أهل المنزل بأكمله:
- ادخلي شقتك واستهدي بالله.
بعينين زائغتين نظرت له ليشير لها بكفه للداخل، تحركت بجانبه لتتفاجأ بزوجها مستلقيًا على الأرض بعدما خارت قواه واستسلم للنوم من تأثير المشروب والحبوب التي تناولها بصحبة رفقاء السوء، هرول طلعت على شقيقه ليساعده على النهوض لينضم إليه حسين وحملاه ليضعاه بفراشه ليهتف حسين بسخط وهو ينظر على شقيقه:
- بدل ما يشوفوا خيبة ابنهم قاعدين يهينوا في بنات الناس ويذلوا فيهم، ويعايروهم بالآملة اللي بقوا فيها لما نالوا شرف جوازهم من ولاد الحاج نصر.
زفر طلعت ليقول لشقيقه:
- أبوك صح، كل واحدة في البيت ده لازم تعرف تمامها علشان ماتسوقش العوج علينا بعد كده.
خرجا من الحجرة ليرى تلك الإيثار ما زالت على حالها وكأنها تعرضت لصدمة قوية جعلتها تدخل بحالة من اللاوعي، كانت تتطلع أمامها في نقطة اللا شيء ليحزن حسين لأجلها وهو يقول مشفقًا على حالها:
- ادخلي اغسلي وشك ونامي والصباح رباح.
هزت رأسها دون حديث لينسحبا للطابق الأسفل تاركين تلك المتألمة بدوامة أحزانها.
******
"عودة للحاضر"
بداخل مطبخها الأنيق، تقف هي وعزة تعملان على قدم وساق تتسابقا مع الزمن لتجهيز كل ما لذ وطاب قبل حضور والدها الحبيب ونجلها الغالي، هتفت لعزة قائلة بتسرع:
- شوفي صنية المكرونة لا وشها يتحرق يا عزة.
أسرعت لتفتح فرن الموقد وتخرجها قائلة بسعادة:
- الله أكبر، الصنية زي الفل وشكلها يفتح النفس.
- طب كويس الحمد لله، كملي بقى تقطيع السلطة وحطيها في الثلاجة. قطع حديثها رنين الهاتف الذي صدح بالمكان لتسرع لالتقاطه من فوق رخامة المطبخ وتنظر بشاشته لتقطب جبينها وهي ترى عدم ظهور الرقم، زفرت بضيق عندما تيقنت بشخص المتصل، إنه ذاك المغرور غريب الأطوار لا غير، تحدثت لنفسها بصوت هامس:
- مش وقتك خالص إنتَ كمان.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تجيب بصوت صارم ردًا على معاملته السخيفة لها اليوم:
- ألو.
كان يقف بشرفة غرفته يحتسي كوبًا من القهوة الساخنة وما أن أتاه صوتها الحاد حتى تبسم ليجيبها بصوت مرن:
- إزيك يا أستاذة.
اشتد بها الغضب من بروده لترد سريعًا بعدما عقدت النية على رد الإهانة له بطريقتها حتى تشفي غليلها منه:
- مين معايا؟
رفع حاجبه باستنكار ثم أخرج لسانه ليمرره فوق شفته العلوية بتسلٍ بعدما فهم بفطانته أن تلك الشرسة تريد اللعب معه، فمرحبًا بك أيتها المشاكسة داخل عالمي المليء بالمغامرات، فدعينا نلهو ونمرح ونتسلى سويًا، استعاد توازنه لينطق بنبرة حنون أربكتها:
- معقولة لحقتي تنسي صوتي؟
ليسترد بتسل:
- ده أنا حتى نبرة صوتي مميزة.
- ده على أساس إننا كل يوم بنتكلم بالساعات، مكنوش مرتين اللي اتكلمنا فيهم. نطقتها بعفوية لتلعن حالها وغبائها الناتج عن تشتتها وعدم تركيزها لتعلو قهقهاته التي أربكتها وجعلت من قلبها يدق بوتيرة عالية، فقد كانت ضحكاته مثيرة للغاية، لحضوره هيبة وهالة تجعل كل من يراه يتأثر برجولته الطاغية، تكاد تجزم بأن لولا تجربتها المريرة التي جعلتها تعكف عن صنف الرجال بأكمله وتقرر العزوف عنهم والنأي بحالها من براثنهم لكانت وقعت صريعة غرامه بالوهلة الأولى التي رأته بها، لكن ولسوء حظها فقد دخل حياتها بالتوقيت الخطأ، وعت على حالها عند استماعها لصوته الرجولي وهو يقول بطريقة جعلتها تشعر بالحرج:
- طب ما إنتِ عارفاني أهو، لازمتها إيه بقى دخلة الوش الخشب دي.
واستطرد بدعابة جعلتها تضغط بأسنانها فوق شفتها السفلية:
- ولا الأستاذة بترد لي اللي حصل مني النهاردة؟
واسترسل سريعًا قبل أن تسوء فهم حديثه:
- واللي كان غصب عني على فكرة.
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بأسف ولأول مرة بحياته ليكسر معها أولى ثوابته:
- لو قولت لك أنا آسف هتقبلي؟
انتفاضة وقشعريرة سرت بجميع جسدها لا تعلم مصدرها، بالتأكيد حدثت نتيجة صوته الناعم الذي أسرها، نظرت من حولها لترى عزة منشغلة بالعمل فخرجت منسحبة للخارج لتصل لغرفتها وهي تتلفت من حولها بارتياب:
- محصلش حاجة علشان تتأسف.
واستطردت بعدما انتوت مشاكسته:
- وبعدين أنا متعودة منك على كده.
كرر ضحكاته من جديد لتغمض على أثرها عينيها وتستمع لصوته المنتعش وهو يقول:
- تقصدي إن قلة ذوقي مش جديدة عليكِ؟!
تحمحمت لتجيبه بصوت ناعم أثار داخله لينتفض قلبه بهزات عنيفة تعجب لها:
- العفو يا سيادة المستشار، حضرتك شخص ذوق ومحترم.
- حضرتك وسيادة المستشار في جملة واحدة. نطقها بملاطفة لتبتسم بهيام لتنتفض سريعًا بعدما استمعت لصوت عزة التي ولجت إليها قائلة بتعجب:
- بتكلمي مين كل ده؟
تحمحمت ليخرج صوتها مرتبكًا وهي تقول بارتياب:
- مكالمة خاصة بالشغل.
- طب يلا إنجزي علشان تلحقي تاخدي شاور وتغيري هدومك قبل ما أبوكِ ييجي. اتسعت عينيها بذهول وباتت تشير بكفها بأن تصمت لتخرج الأخرى وهي تبرطم بكلمات معترضة:
- إنتِ حرة، كله هييجي على دماغك في الآخر.
أصيب بنوبة من الضحك الهيستيري مما استمعه من تلك المصيبة المتحركة على الأرض ليصل لمسامعه صوت تلك التي شعرت بالخجل يعتريها وهي تقول:
- أنا آسفة.
- هي دي مامتك؟ نطقها بعفوية لتتنهد بألم حين تذكرت حالتها المريرة لتجيبه باقتضاب وضيق شعر هو به:
- لا، دي عزة اللي بتساعدني في تربية يوسف.
تعجب لتغيير نبرة صوتها لكنه لم يرد أن يقحم حاله بحياتها الخاصة أكثر فتحدث بعملية بعدما استمع لحديث المرأة وتيقن تعجلها:
- طيب علشان مضيعش وقتك لأن واضح إنك مشغولة، أنا بكلمك علشان أبلغك إني حابب إنك تكوني حاضرة معانا بكرة المقابلة بين أيمن الأباصيري وصلاح عبدالعزيز.
قطبت بين عينيها لتسأله باستغراب:
- وأنا هحضر بصفتي إيه؟
- بصفتك إني عاوز ده يحصل. نطقها ببعض من الغرور لتجيبه متهكمة:
- لا والله، تصدق أقنعتني.
أطلق ضحكة عالية لتتنهد من جديد بعد أن وضعت كف يدها فوق صدرها وكأنها تهدئ قلبها وتطالبه بالتعقل وعدم الانصياع لتلك الدقات الغبية، لينطق هو بغرور مصطنع:
- ده العادي بتاعي على فكرة، شرسبيل بقى.
لمست به حس الفكاهة وتعجبت التغيير الشامل بمعاملته ليقول هو بجدية بعدما شعر بتلبكها:
- نتكلم جد شوية.
- يا ريت. نطقتها بهدوء ليكمل هو:
- أنا بجد محتاجك معايا.
نطقها بنبرة ناعمة لتنزل الكلمة على قلبها زلزلته، ليكمل هو بجدية:
- أنا محتاج لحد عاقل زيك علشان يساعدني في مهمتي، وأهو بالمرة تاخدي ثواب.
ابتسمت لتجيبه بصوت متأثر:
- تمام، أنا معاك.
نطق بصوت هادئ:
- اتفقنا، مش هأخرك أكثر من كده.
ليسترسل بوقاحة جديدة عليه:
- علشان تلحقي تاخدي الشاور بتاعك، نعيمًا مقدمًا.
واستطرد بملاطفة:
- مش بردوا بيقولوا كده بعد الشاور؟
شعرت وكأن أحدهم قد سكب فوق رأسها دلوًا من الماء البارد لتهتف بنبرة جادة لتعديه حدود اللباقة والخصوصية:
- بعد إذن حضرتك، مضطرة أقفل.
- تمام، مع السلامة. نطقها بهدوء لتغلق وهي تهتف بغضب بصوت مسموع:
- واحد قليل الأدب.
لتهتف بصوت غاضب وهي تتجه نحو عزة للفتك بها:
- إنتِ يا عزة هانم، يومك مش فايت النهاردة.
أما عند فؤاد، الذي ألقى بهاتفه جانبًا ليمسك بكفيه سور الشرفة وبدأ يتنفس بارتياح وهو ينظر للزهور المتواجدة بحديقة القصر قبل أن يقول لحاله بصوت مسموع:
- إنتِ هتتشاقى على كبر وتخيب ولا إيه يا فؤاد؟
واسترسل بغرور يليق به:
- رفقًا بقلوب العذارى يا ابن الزين، البت غلبانة ومش قد سحرك.