تحميل رواية «انا لها شمس» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شخصيات رواية «أنا لها شمس» عائلة غانم الجوهري البطلة: إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ممشوقة القوام، تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفِي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا، والمكونة من بِذل نسائية كلاسيكية، مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها، بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها، تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة، مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما، رغم اكفهرار ملامحها طيلة الوقت، تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة...
رواية انا لها شمس الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم روز امين
أخاف، بل يسكنني رعب حين تلوح بمخيلتي فكرة الرجوع إلى نقطة الصفر من جديد، إلى حيث خذلني حلمي والجميع.
بالماضي رفضت الخضوع والخنوع والاستسلام لانكساري والبقاء داخل روحي المفتتة، وقمت بطرد خفافيش الظلام التي سكنتني برهة من الوقت. اتخذت من فشلي حافزًا وعزيمة لبداية جديدة، لم أقف لأتطلع على أطلال حلمي وأنعى خسارته، بل نفضت ركام الماضي وشققته وخرجت من بينه صامدة لأضمد جراحي بيدي، واتخذت حلمًا جديدًا لأجاهد من أجل الوصول وأصنع لحالي مستقبلًا مضيئًا أمضي بطريقه أنا وصغيري.
وبعدما شعرت بلذة الوصول وتذوقت حلاوته، ها أنا الآن على أعتاب خسارة حلمي الجديد، وأسأل حالي:
هل ظل في العمر بقية كي أبدأ من جديد، أم أنها ستكون الضربة القاضية لعزيمتي وآمالي؟
8
إيثار غانم الجوهري
بقلمي "روز أمين"
3
تأوهت بقوة وهي تضغط على كفه مما أصابه برعب وتيقنه مدى تألمها، ليحملها سريعًا بين ساعديه ويتحرك مهرولًا صوب الباب وهو ينطق قاصدًا شقيقته:
- اتصلي أنت بالدكتورة يا فريال، وقولي لها إننا رايحين لها في الطريق.
واسترسل بصياح إلى عزة المرتعبة على ابنتها:
- هاتي مفاتيح عربيتي من فوق بسرعة يا عزة.
كانت تلف ساعديها حول عنقه متشبثة به بكل قوتها، تدفن وجهها بصدره كي تكظم آهاتها ولا يشعر بها أحد، لكنها غفلت عن خليل روحها الذي يشعر بما يدور بخلدها ويسكن الفؤاد من مجرد حركة وصوت أنفاسها.
نطق متأثرًا وهو ينظر لها وحنان الدنيا بأكمله تمركز بمقلتيه:
- متخافيش يا بابا، هتبقى كويسة.
ببطء رفعت مقلتيها تناظر خاصته لتنطق بارتعاب ظهر علنًا بدموع عينيها وانتفاضة صوتها المرتجف:
- البيبي يا فؤاد، مش عاوزة أخسره.
نطقت عصمت التي تجاور نجلها مهرولة معه باتجاه السيارة يتبعهم علام وفريال وأيضًا ماجد:
- إهدي يا إيثار وحاولي تنظمي أنفاسك علشان البيبي ما يتأثرش.
أسرعت عزة لتنطق بنبرة هلعة:
- المفتاح يا باشا.
التقطه من بين كفها ماجد حيث هرول إلى السيارة ليستقل مقعد القيادة، ثم قام بتشغيلها بينما فتح علام الباب الخلفي أمام نجله ليجلس حبيبته بالمقعد برفق، ثم جاورها الجلوس وتحدث وهو يتحسس وجهها بصوت يرتجف هلعًا:
- حاولي تتماسكي علشان خاطري وخاطر ابننا.
هزت رأسها لعدة مرات متتالية والرعب يسكن عينيها خشية من فقدان صغيرها. استدارت عصمت لتجاورها الجلوس، أما علام فجاور ماجد لتنطق فريال وهي تتفقد مقاعد السيارة بحيرة:
- وأنا هركب فين؟!
صاحت أيضًا عزة اللاصقة بنافذة السيارة تتطلع على تلك الحبيبة والعوض:
- وأنا كمان عاوزة أروح مع بنتي علشان أطمن عليها.
طالعها فؤاد لينطق بنبرة عقلانية بأمل:
- خليك مع يوسف يا عزة، وأنا هطمنك بالتليفون. مينفعش كلنا نسيب البيت.
لتتحدث عصمت إلى ابنتها وهي تؤكد على حديث صغيرها:
- فؤاد معاه حق، وإنت كمان اقعدي علشان تاخدي بالك من البيت والأولاد.
كادت أن تفتح فمها لتعترض قاطعها فؤاد بصياح بدا من خلاله للجميع مدى فزعه:
- اطلع بسرعة يا ماجد.
انطلق ماجد بسرعة فائقة ليقول وهو يراقب الطريق جيدًا:
- ألف سلامة عليك يا مدام إيثار، بسيطة إن شاء الله.
- يارب... تمتم بها فؤاد بارتياب.
استدار علام ليتطلع على تلك الساكنة أحضان زوجها ويبدو على ملامحها المقتطبة الألم ليس بجسدها فقط بل لروحها والفؤاد. سألها بنبرة أبوية بحتة:
- متخافيش يا بنتي، شوية وهنوصل للدكتورة وهتبقى كويسة إنت والبيبي.
نطقت بدموعها المتألمة:
- ادعي لي ربنا يحفظ لي البيبي يا بابا.
- إن شاء الله ربنا هيحفظه لنا ويجبر بخاطرنا كلنا... قالها بقلب أب يتمزق ويطوق لرؤية حفيد من صلب نجله الوحيد ليقر به عينه قبل الرحيل.
أمن الجميع على دعائه.
تنفست بارتجاف احتل جميع أطرافها لتشعر ببرودة قارصة تخللت بجسدها بالكامل لتصل لعمق روحها المرتبكة. مال على أذنها ليهمس بحنان جارف كي يصل لأعماق روحها ويبث داخلها الطمأنينة:
- إهدي واطمني وادعي ربنا والجأي له، وخليكي واثقة إن ربنا مش هيخذلنا أبدًا.
نطقت بصوت مرتجف:
- يارب، يارب احفظ لي ابني واحميهولي.
1
عودة إلى عزة التي أمسكت بهاتفها وقامت بالضغط على رقم أيهم، حيث كان يجلس ببهو مسكن شقيقته يشاهد شاشة التلفاز بتمعن وهو يتطلع على إحدى قنوات الأخبار العالمية. قاطع تركيزه رنين هاتفه الجوال حيث صدح بجواره. نظر بشاشته ليلتقطه سريعًا حين لمح نقش اسم عزة لتيقنه أنها لا تتصل سوى للأمور الضرورية والخطيرة، وما أكد له هو تأخر التوقيت. على الفور ضغط زر الإجابة لينطق بصوت ظهر عليه التوتر والارتياب:
- خير يا عزة، إيثار ويوسف كويسين؟!
أصابه هلع حين استمع لصوتها الباكي وهي تقول:
- إيثار تعبت فجأة وخدوها على المستشفى، بسرعة روح أقف مع أختك وابقى طمني.
- تعبت إزاي، إيه اللي حصل بالضبط فهميني يا عزة... سألها وياليته لم يفعل، فقد انفتح بوجهه باب هو في غنى عنه، حيث هتفت بسخط وحدة ظهرت بصوتها وهي توبخه بتهكم:
- يا أخويا هو ده وقت أسئلة، أنت هتعمل لي فيها وكيل نيابة وهتقعد تحقق معايا؟! بقول لك البت تعبت وخدوها على المستشفى، اتنطر قوم روح لها يا واد، ده إيه العيلة الهم دي يا ربي.
سألها وهو يهرول صوب غرفة النوم كي يرتدي ثيابه ويحمل حافظة نقوده وأشيائه الخاصة:
- طب هي في أي مستشفى؟
صرخت به ساخرة لتوبخه من جديد:
- وأنا اش عرفني يا أخويا، قالوا لك عليا بشم على ظهر ايدي، اتصل بجوزها وخد منه اسم المستشفى، إنجز يلا.
صرخت بالأخيرة لتغلق الهاتف دون إعطائه حق الرد.
9
************
داخل منزل غانم الجوهري
كانت نوارة تجلس صغير عزيز فوق ساقيها تطعمه بحنان في محاولة منها كتعويض للصغير عن فقدانه لحنان والدته المغدورة. ولج عزيز من الخارج بصحبة شقيقه وجدي ليهتف الأخير بنبرة عبرت عن مدى ذهوله:
- شوفتوا اللي حصل، البلد مقلوبة بره بيقولوا إن الحاج هارون اتقتل مضروب بالنار في عزبة أبو جميل وهو بيعمل دعاية لنفسه هناك.
شهقت منيرة واتسعت عينيها بعدم استيعاب لتنطق بهلع:
- سترك يا رب.
ليتابع وجدي بارتياب من هول الحدث:
- عيلة ناصف بالنفر مجمعين بعضهم وشايلين السلاح ورايحين عزبة أبو جميل ووشهم عليه غضب ربنا، اللي يشوف منظرهم يقول القيامة قامت خلاص.
جلس عزيز بجوار والدته التي تحدثت مستفسرة بذهول:
- ومين ده اللي يجرأ يعادي عيلة ناصف ويقتل واحد منهم؟
نطق عزيز مؤكدًا:
- هو فيه غيره، نصر البنهاوي طبعًا اللي عملها.
هزت رأسها لتنطق بنفي تام:
- الحاج نصر لا يمكن يعمل كده.
هتفت نوارة التي مازالت تطعم الصغير:
- وميعملهاش ليه، ولا يكونش الحاج نصر ده إمام جامع وإحنا منعرفش.
واسترسلت بنبرة تأكيدية:
- ده راجل مبيخافش ربنا ولا بيتقيه.
تحدث وجدي مؤكدًا على رأي شقيقه وزوجته:
- محدش ليه مصلحة في قتل الحاج هارون غير نصر، هارون كان هيكتسح الأصوات منه لأن مهما كانت فلوس نصر اللي بيفرقها على الناس بس الأصل غلاب، وعيلة ناصف ماتتقارنش بأي عيلة في المركز كله وهي اللي صنعت نصر من الأساس، هو كان حيلته حاجة قبل ما يتجوز ستهم.
2
هز عزيز رأسه بموائمة على حديثه لتنطق منيرة باستحسان:
- الحمد لله إنكم بعدتوا عنه وعن شغله، لو هو اللي عملها بجد يبقى عيلة ناصف هتخربها على دماغه ومش هو بس، دول عالم جبابرة وشرهم هيطول كل اللي شغال مع نصر وليه علاقة بيه من بعيد أو قريب.
2
نطقت نوارة بامتنان:
- احمدوا ربنا وادعوا لإيثار وجوزها وكيل النيابة.
واسترسلت وهي تشير بكفها بإيضاح:
- لولاهم كان زمانا مغروسين في قلب الموضوع وإيثار وابنها كان زمانهم في قلب بيت نصر نفسه، يعني في قلب النار.
أكد وجدي قائلًا باقتناع ويقين:
- عندك حق يا نوارة، سبحان الله ربنا مبيعملش حاجة للبني آدم إلا لما تكون في صالحه.
- ونعم بالله... قالتها منيرة بخزي من حالها لينطق عزيز:
- والله إنتوا غلابة قوي، وهي الست إجلال هتخلي حد من عيلتها يلمس شعرة واحدة من جوزها اللي وقفت قدام إخواتها وأعمامها علشان تتجوزه ولولا أبوها وقف معاها وكبرها عليهم الموضوع مكنش تم، ولا حد منهم هيجرأ يهوب ناحية بيتها وولادها.
واستطرد بنبرة أكثر جدية:
- دي ست قادرة وكلمتها بتمشي على الكبير قبل الصغير فيهم.
نطق وجدي متفوهًا بكلمات يحكمها العقل والمنطق:
- بس ده دم وتار يا عزيز، الموضوع هنا يختلف.
هتفت منيرة لتغيير مجرى الحديث:
- سيبكم من السيرة اللي توجع البطن دي وخلونا في حالنا.
ثم نظرت إلى عزيز لتنطق وهي تشير للصغير:
- البت ألاء جت النهاردة وكانت عاوزة تاخد أحمد، بتقول إن أمها عاوزة تربيه علشان يعوضها عن بنتها اللي راحت.
احتدت ملامحه وامتلأت بالقسوة ليصيح بحدة وعينين تشبه نظرات الصقر:
- بقول لك إيه يا أما، الناس دي مش عاوز سيرتهم تيجي قدامي ولا يدخلوا بيتنا تاني، دي صفحة سودة وقفلتها، وبعدين هتاخد الواد تربيه علشان يطلع خاين زي بنتها؟!
تنهدت بألم للحالة التي وصل لها نجلها لتقول بهدوء:
- أنا قولت لها الواد مش هيبعد عن إخواته وأنا ومرات عمه واخدين بالنا منهم كلهم، بس قولت أقول لك بردوا ده ابنك والكلمة الأخيرة ليك.
نظر إلى نوارة وتحدث بعينين ممتنة:
- ابني مرات عمه كتر خيرها موالياه، والناس دي مش عاوز أعرفهم تاني يا أما، كفاية اللي حصل لي من ورا بنتهم.
نكس رأسه للأسفل ليتابع مسترسلًا بصوت منكسر مذلول:
- كفاية نظرة الناس ليا وأنا ماشي في الشارع النهاردة، أنا كنت شايف في عيون الرجالة نظرة تقليل واحتقار للراجل اللي عاش مختوم على قفاه العمر كله من الست اللي بتنام على سريره آخر كل يوم.
نزلت كلماته على قلب الجميع أحرقته. ربّت شقيقه على كتفه بمؤازرة ونطق كي يزيل من همه القابع على عاتقه:
- هون على نفسك يا عزيز وسيبك من كلام الناس، الناس طول الوقت بتتكلم، وإنت مراتك لا خانتك ولا داست على شرفك، دي واحدة طماعة وخانت العيش والملح وده شئ ما يعيبكش، واهي خدت جزائها وبقت بين أيادي ربنا.
2
- أخوك عنده حق يا ابني... قالتها منيرة لتستبدل الحديث قائلة:
- أيهم أجازته بكرة، اتصل وقال لي نفسه في البط، هعمل لكم دكرين بط وحلة محشي كرنب.
1
- أهو ده الكلام اللي يفتح النفس يا ماما... جملة حماسية نطقتها نوارة لتحمل الصغير الذي غفى على ساقيها وهي تقول:
- هدخل أنيم أحمد على سريرك وأعمل لكم كوبايتين شاي يظبطوا الدماغ.
************
داخل منزل نصر البنهاوي، كانت تجلس بوسط المنزل هي وزوجتي نجليها والصغار. استمعوا لطرقات سريعة فوق الباب لتهرول الخادمة صوب الباب لتفتحه، فوجئت بأزهار التي دفعتها من صدرها بقوة لتنطق وهي تصرخ بقوة:
- هي فين الحرباية، تعالي لي يا إجلال، وريني وشك يا خرابة البيوت.
هبت واقفة لتصيح بتوبيخ وبحدة بوجه تلك الباكية ويبدو من هيأتها عدم الاتزان والصدمة وابنتيها تلاحقاها:
- فيه إيه يا مرة، مالك داخلة بزعابيبك كده ليه، ومنين جبتي الجرأة اللي تتكلمي بيها كده على ستك وست بلدك.
صرخت بعلو صوتها بانهيار:
- مش عارفة فيه إيه يا غراب البين، فضلتي تتحنجلي وحرضتي هارون على دخول البرلمان قصاد جوزك علشان تنتقمي منه وتكيديه لما فضل عليك واحدة تانية، أهو جوزك قتال القتلة طخه.
اتسعت حدقتي إجلال لتنطق الأخرى بقسم كالرجال:
- بس الله في سماه، ما هنام الليلة ولا يهنى لي بال إلا لما نصر يحصل هارون في رقدته وأحسر قلبك عليه.
1
هتفت متسائلة بذهول:
- إنت بتقولي إيه يا ولية إنت، هارون اتقتل؟!
صرخت ابنتها وهي تقول بانهيار ودموع كشلالات:
- أبويا اتقتل في عزبة أبو جميل يا عمة.
أصابها ذهول ورجفة بجسدها لتستفيق على صوت أزهار التي صاحت بغضب عارم لو خرج من صدرها لأحرق البلدة بأكملها:
- قتله جوزك يا جلابة المصايب، أنا جيت بس علشان أقولك تجهزي نفسك لدفنته الليلة دي، واللي خلق الخلق لأحرق قلبك عليه يا إجلال.
نطقت كلماتها وانطلقت كالإعصار للخارج تلتها نجلتيها لتبتلع إجلال ريقها وتمسك هاتفها لتهاتف شقيقها الذي صدح صوته الغاضب وهو يهتف:
- الواطي جوزك قتل هارون يا إجلال، إياكش تكوني ارتحتي وعجبك تخطيطك.
صاحت تسأله بحدة:
- مين اللي قال إن هو اللي قتله يا حاج محمد، نصر من بعد العصر في كفر راجح، ناصب صوان دعاية هناك وولادي كلهم معاه.
واسترسلت بدفاع مميت كي تدفع عنه شر أهلها كي لا يطوله:
- ده أكيد حد قاصد يولع بين العيلتين واستغل الانتخابات، إهدى يا حاج محمد وفكر بالعقل.
نطق بقوة وثبات:
- العقل ده سبناه للنسوان اللي زيك يا إجلال، لكن إحنا السلاح هو اللي هيرد، نجيب بس ميتنا وندخله بيته وقبل خرجته هيكون نصر محصله.
1
نطق كلماته الغاضبة ليغلق بوجهها الهاتف تحت ذهولها من تحول شقيقها معها، كيف تجرأ وحدثها بتلك الطريقة الخالية من الاحترام. هتفت مروة ودموعها تسيل فوق وجنتيها من شدة خوفها:
- كلمي عمي نصر وقولي له على قتل الحاج هارون، وخليه يطلع بسرعة من عنده هو وحسين وطلعت وعمرو.
نطقت ياسمين بصوت مرتجف أظهر كم الرعب الذي سكنها:
- خليهم يطلعوا على بيت عمرو اللي في مصر يا ستهم، لو نزلوا البلد عيلة ناصف مش هيسيبوهم.
برغم الهلع الذي سكن داخلها جراء حديث شقيقها إلا أنها أظهرت قوتها لتتحدث بثبات تحسد عليه:
- إنت اتجننتي يا بت إنت وهي، هو فيه حد يجرأ يلمس شعرة منهم حتى لو كانوا أهلي.
نطقت مروة بدموعها:
- ده تار يا ستهم، وساعة التار العقل بيتلغي.
أمسكت هاتفها وولجت لغرفتها لتوصدها جيدًا ثم طلبت رقم زوجها الذي ابتسم بشر وخبث حين رأى نقش اسمها ليقول بهدوء من وسط دوشة الأصوات المتداخلة ببعضها:
- خير يا ستهم.
صاحت بحدة وصوت بدا عليه الانزعاج:
- هارون ابن عمي اتقتل يا نصر.
نطق سريعًا بهلع ظهر على وجهه:
- يا ساتر يا رب، إمتى وإزاي ده حصل؟!
سألته بتشكيك:
- قول لي الحقيقة يا نصر، إنت ليك يد في قتله.
هتف بقوة زائفة:
- إنت اتجننتي يا ستهم، أنا أقتل، ده أنا راجل حاجج بيت الله أربع مرات.
7
هتفت بارتعاب ظهر بصوتها:
- طب بلاش تيجي البلد، الدنيا هنا مولعة، روح على مصر إنت والعيال.
أنهى معها ليجد رجال الأمن قد حضروا وحاوطوا الصوان ليأخذوه هو وأولاده الثلاث إلى قسم الشرطة كي يبعدوهم عن شر عائلة ناصف لحين انتهاء التحقيقات ومعرفة من القاتل.
********
هاتف الوسيط مهرب الآثار ليعرض عليه شرط عمرو لينطق الرجل بدهاء:
- قل له أننا موافقون وسنفي بوعدنا بعد انتهاء الحفر وتسليمنا الآثار.
نطق الرجل بارتياب:
- يا باشا مش هيوافق.
بكل ثقة أجابه:
- لا بل سيوافق وينتظر، كونه لجأ لنا فهذا يعني أن جميع أبوابه قد أغلقت بوجهه ولم يتبقى سوى بابنا نحن.
سأله مستفسرًا:
- طب وحضرتك هتنفذ له طلبه بجد يا باشا؟!
ضيق بين عينيه لينطق بصرامة:
- هل تراني أبله يا رجل لأوقع حالي بتلك الكارثة، مالي أنا برجل كغريمه ذاك.
وتابع بجدية وحزم:
- سوف آخذ منه حاجتي فور خروجها وليأخذ هو نقوده التي اتفقنا عليها منذ البداية، وإن اعترض وثار هي طلقة ببضعة جنيهات ستجعله يصمت إلى الأبد.
5
************
عودة إلى عائلة علام، كان علام وماجد ينتظران فوق مقعدين أمام باب الكشف لينضم لهما أيهم حيث أقبل عليهما مهرولًا يسأل علام بلهفة ورعب ظهرا بعينيه:
- إيثار كويسة يا سيادة المستشار؟
نطق الرجل بحصافة:
- إهدى يا أيهم، الدكتورة بتكشف عليها جوه وإن شاء الله هتبقى كويسة.
نطق مأمنًا وهو يجاورهما الجلوس:
- إن شاء الله.
أما بالداخل، كانت تتسطح فوق الشيزلونج الطبي والطبيبة تباشر بالكشف الطبي عليها، يقف بجوارها ذاك العاشق ممسكًا بكف يدها ليبث الطمأنينة داخل روحها الهلعة. تحدثت الطبيبة بهدوء بعد انتهاء الفحص:
- من انتظام النبض أقدر أقول لكم إن حالة الجنين إلى حد ما كويسة بس مطلوب منك الهدوء يا مدام إيثار.
سألتها عصمت مستفسرة:
- هو إيه اللي حصل يا دكتورة؟!
نطقت الطبيبة بشكل مفصل:
- واضح من كلامكم ومن الأعراض إن المدام اتعرضت لحالة من الرهاب الشديد نتيجة مخاوفها من حاجة معينة، الرعشة الشديدة والتعرق وتسارع ضربات القلب والدوخة كل دي أعراض رهاب واضحة.
لتنطق بعقلانية:
- طبعًا أنا مش دارسة طب نفسي لكن كلامي بقوله بناءً على الكشف اللي أثبت الحمد لله إن مفيش مشاكل خاصة بالبيبي، وكمان أنا قرأت كتير في الطب النفسي علشان يفيدني في شغلي والتعامل مع نفسيات الستات الحوامل.
- يعني هي كويسة؟... قالها فؤاد بصوت مازال مرتبكًا بسبب ارتعابه على حبيبته لتنطق الطبيبة بعملية:
- هي كويسة بس لازم تقعد معاها وتشوف إيه الأسباب اللي عرضتها للرهاب وتحاولوا تلاقوا لها حل، لأن للأسف الموضوع ده لو اتكرر ممكن يأثر على صحة الجنين.
هز رأسه عدة مرات لتتابع بابتسامة بشوش وهي تقول بنبرة تفاؤلية:
- مش حابين تعرفوا نوع الجنين؟
- هو ممكن... قالتها عصمت بحبور هائل وتلهف ظهر بمقلتيها لتجيبها الأخرى بأريحية:
- ينفع جدًا، حاليًا نوع الجنين بيظهر في السونار بعد اكتمال الشهر الثالث على طول.
تطلعت لذاك الممسك بكفها لتبتسم له فسألها متجاهلًا حديث الطبيبة:
- إنت كويسة؟
أومأت بهدوء ليتابع بطمأنة:
- أما نروح هنتكلم وأي حاجة مضايقاك أو تعباكي تأكدي إني هعمل المستحيل وأحلها لك.
تطلعت عليه بحزن وقد تجمعت العبرات بعينيها ليميل عليها مستغلًا انشغال الطبيبة بتجهيز جهاز التصوير "السونار" للكشف على نوع الجنين:
- علشان خاطري تهدي، وكل اللي تؤمري بيه أنا هنفذهولك.
ابتسمت لطمأنة ذاك العاشق لتضع الطبيبة المادة السائلة التي تساعد الآلة المرتبطة بالجهاز فوق بطنها وبدأت تمررها بتدقيق ليستمع الجميع لصوت نبضات مرتفعة ومتداخلة تصل للضجيج. ابتسمت الطبيبة لتنطق بكلمات مبهمة للجميع المتطلعون بأعينهم على شاشة الجهاز بتمعن شديد:
- كنت متأكدة وأنا بكشف على النبض.
تطلع فؤاد عليها ليسألها باستفهام:
- متأكدة من إيه حضرتك؟
5
نطقت بصوت سعيد:
- من إن النبضات تخص أكتر من جنين، مبروك يا أفندم، مدام إيثار حامل في توأم، ولد وبنوتة.
17
نطقت كلماتها بتلقائية ولكنها لم تدرِ مدى وقع تلك الكلمات البسيطة على قلب ذاك المسكين الذي حرم من ذاك الشعور لسنوات عديدة بسبب زوجة انتزعت من قلبها الرحمة فاقدة للأخلاق والمبادئ. شعور لم يستطع تفسيره، فهو مختلف كل الاختلاف عن أية مشاعر قد تعرض لها طيلة حياته. وجد حاله ينصت متجاهلًا جميع الأصوات من حوله، فقط صوت نبضات جنينيه هو من يقتحم قلبه قبل أذنيه، وكأنها نغمات موسيقية لمعزوفة من أندر وأعذب الألحان. نصب عينيه على صورتهما التي تتحرك بفعل تحرك الجهاز فوق بطن حبيبته، بات يشاهد كل أجزاء جسديهما التي تعرضها الطبيبة. ود لو أن باستطاعته التخلي عن هيبته والهرولة صوب الشاشة لتقبيل كل جزء مصوب على صغاره لفعل دون تردد. وبرغم السعادة التي تجعل من الكبير صغيرًا والعاقل مختلًا إلا أنه استطاع الصمود والتحمل أمام هذا الحدث العظيم. استفاق على صوت شهقات عصمت التي بدأت بالارتفاع وهي تقترب من الشاشة وتتلمس صورة الصغار وهي تردد بالأدعية شكرًا لله:
- اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد كله، ولك الشكر كله، وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره، اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
5
قبضت على كفه لتنطق بسعادة متأثرة بحلاوة اللحظة:
- مبروك يا حبيبي، يتربوا في عزك وعز بابا وماما.
التفتت عصمت لتطالع ذاك الناظر لزوجته تارة ولشاشة الجهاز تارة أخرى باذهلال وتيهة وعلامات الدهشة والفرح ظاهرة على وجهه، وفجأة وبدون سابق إنذار بدأت عيونه تلتمع بغيمات الدموع لتهرول إليه والدته لتحتضنه بقوة وهي تردد:
- ربنا عوض صبرنا خير يا حبيبي، ورزقنا بولد وبنت هيملوا علينا البيت فرحة.
ابتعدت عنه ليأخذ نفسًا مطولًا كي يتحكم بدموع الفرح ويمنعها من النزول لتميل هي وتقترب على إيثار تقبل وجنتيها وجبهتها بحفاوة وهي تتحدث:
- قولت لك قبل كده إن وشك وش السعد على بيتنا، دخلتي علينا وجبتي معاك الفرح والخير كله.
3
تلبكت أمام سعادة تلك السيدة الهائلة لتنطق بنبرة مرتبكة:
- يا حبيبتي يتربوا في عزك وعز بابا وفؤاد.
هرولت السيدة إلى الطبيبة التي تشاهد تلك اللحظة بتأثر شديد لتقول بلهجة حماسية:
- من فضلك يا دكتورة، عاوزة صورة أوريها لجد الأولاد بره.
2
أجابتها باحترام وحفاوة:
- حاضر يا دكتور عصمت.
مال حتى اقترب من وجهها لينطق بصوت متلبك تأثرًا باللحظة:
- شكرًا لأنك في حياتي، وشكرًا لربنا لأنه بعتك ليا علشان تحققي لي كل أحلامي.
- مبسوط؟... نطقت بها بعينين تفيض حنانًا وسعادة لأجله ليخرج صوته متلهفًا:
- فيه مشاعر مهما حاولنا نوجد لها كلمات هيبقى صعب تلاقي الكلمة الدقيقة اللي تشرح المعنى الحقيقي للشعور وتعبر عنه، واللي جوايا وحاسس بيه حاليًا عمر ما كلمة بسيطة زي مبسوط هتقدر توصفه.
نطقت بصوت حنون:
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
ليكتفي بقبلة حنون بباطن كفها كي يبث لها المعنى الذي شرحه لها من ذي قبل مما أدخلها بحالة من الهيام.
انتهت الطبيبة من أخذ الصورة وتحركت المساعدة لتنظف لها مكان السائل من فوق بطنها. أخذت عصمت الصورة وخرجت سريعًا لينطق فؤاد بسعادة:
- ماما يا حبيبتي هتطير من الفرحة.
تنهدت لتنطق وهي تعتدل بجلوسها:
- إنتوا عيلة جميلة وتستاهلوا كل حاجة حلوة.
بالخارج، هرول علام بسؤالها الحنون:
- طمنيني على إيثار والبيبي.
نطقت بحبور لطمأنة الجميع بعدما هرول عليها أيهم وقام بالسؤال عن شقيقته:
- إيثار زي الفل.
ثم رفعت الصورة بوجه علام لتنطق بما جعل من دقات قلب الرجل تقفز من مكانها فرحًا ورقصًا:
- اتفرج على أحفادك يا سيادة المستشار، جاي لنا ولد وبنوتة زي القمر، وما شاء الله صحتهم زي الفل.
1
انعقد لسانه من هول المفاجأة واعتلت الفرحة ثغره حتى أنه بدا أصغر من عمره من شدة حبوره، فهكذا هي الفرحة تمنحنا نشوة من نوع خاص تتخلل إلى أرواح وقلوب وتنتقل إلى ملامحنا لتجعلها تبدو أصغر مما هي عليه بأعوام وأعوام. ابتسمت لتنطق من جديد:
- إيه يا سيادة المستشار، مش هترحب بأحفادك؟
2
بيد مرتجفة تناول الصورة ليتمعن بها بعينين لامعتين وقلب ينتفض فرحًا ليخرج صوته أخيرًا وهو يقول:
- الحمد لله، ربنا يمد في عمري لحد ما ينوروا الدنيا وأشيلهم على إيديا وأملي عيني منهم.
9
وضعت كفها على ظهره لتمرره صعودًا وهبوطًا بحنان وهي تقول بيقين:
- إن شاء الله تشوفهم وتربيهم بنفسك مع فؤاد يا علام.
تطلع عليها وحنان الدنيا بعينيه لينطق:
- إن شاء الله يا حبيبتي.
اقترب ماجد ليحتضن علام وهو يربت على ظهره بحفاوة:
- ألف مبروك يا باشا، يتربوا في عزك وعز الدكتورة وسيادة المستشار.
- تسلم يا حبيبي... قالها علام بابتسامة بشوشة لينظر الآخر إلى عصمت مهنئًا:
- مبروك يا دكتورة.
نطقت بابتسامة رائعة أظهرت كم حبورها الهائل:
- ميرسي يا ماجد.
هنأهما أيضًا أيهم الذي كان يتطلع على الباب ليجده ينفتح وتخرج منه شقيقته يساندها زوجها ليهرول عليها ويسألها وهو يتمعن بملامحها:
- إنت كويسة يا إيثار؟
ابتسمت لطمأنته وهي تقول:
- الحمد لله يا حبيبي بخير.
احتضنها وهو يقول بسعادة:
- مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك.
ثم ابتعد وتطلع على فؤاد الذي بادر باحتضانه كي يجنبه حرج اللحظة ويقربه منه فوجد حاله يربت على ظهره مهنئًا:
- ألف مبروك يا سيادة المستشار، يتربوا في عزك إن شاء الله.
عاد الجميع إلى المنزل بعدما أخبروا فريال عبر الهاتف وعزة التي استقبلتهم بالزغاريد والتهليل لتنطق عصمت بنبرة سعيدة وهي تتطلع على صف العاملات اللواتي خرجن للتهنئة:
- كل واحدة فيكم مصروف لها شهرين مكافأة حلاوة الخبر.
نطق علام بحبور ظهر بوجهه وهو يربت على كتف إيثار التي تخطت سعادتها عنان السماء:
- وشهرين من عندي أنا كمان، الدكتورة مش أكرم مني يعني.
2
تعالت أصواتهن الشاكرة لتنطق سعاد باحترام:
- ربنا يديم السعادة في قلوبكم يا سيادة المستشار ويقوم مدام إيثار بالسلامة.
نطق فؤاد المجاور لزوجته يساعدها على الوصول للأريكة:
- وأنا مكافأتي إن شاء الله لما الهانم تقوم بالسلامة.
شكرهن العاملات وانسحبن للداخل فنطق علام وهو يتطلع إلى فؤاد:
- ابقى بلغ الجزار اللي بنتعامل معاه في المناسبات علشان يدبح عجلين ويوزعهم على المحتاجين يا فؤاد.
نطق باحترام:
- حاضر يا باشا.
جلست فوق الأريكة لتسألها فريال باهتمام مبالغ به:
- أخلي سعاد تعمل لك إيه علشان تاكليه؟
نطقت وهي تهز رأسها بشكر:
- متشكرة يا فريال، بس حقيقي مش قادرة أكل أي حاجة.
خرج الصغير من الداخل هو وبيسان حيث كانا بصحبة معلمة الموسيقى ليهرول إلى والدته كي يرحب بها. احتضنه أيهم الذي عاد معهم للاطمئنان على شقيقته:
- إزيك يا يوسف؟
2
قال الصغير بنبرة طفولية:
- إزيك إنت يا خالو، وحشتني.
اقتربت منه عزة وبدأت بمداعبته وهي تقول:
- شوفت يا يوسف، مامي هتجيب لك أخين، ولد وبنوتة.
اتسعت عينيه ليسعد داخله وهو يقول بإشارة من كفه على ثلاث من أنامله:
- كده يبقى عندي تلاتة إخوات.
تطلع الجميع عليه ليسترسل بسعادة:
- زينة أختي، والاتنين البيبي.
ثم تطلع على والدته ليسألها:
- هما إخواتي اسمهم إيه يا مامي؟
6
نطقت بإعياء مازال يلزمها:
- مش قادرة أفكر يا چو، أنا هطلع أرتاح وبكرة نقعد مع جدو علام ونانا عصمت ونختار الأسماء.
كانت الأجواء سعيدة متفائلة إلى حد هائل. عاد أيهم لسكنه وأخذت عزة الصغير للأعلى كي يغفو وكاد فؤاد أن ينسحب للأعلى ليوقفه صوت علام حيث تحدث أمام الجميع:
- اللي حصل النهاردة مش عاوزة يأثر على حد فيكم، والكلام ليك إنت بالذات يا إيثار.
ابتلعت ريقها وظهر الحزن على ملامحها لتقول بصوت خجول:
- أنا آسفة، مكنتش أتمنى ده يحصل بسببي.
وقف ماجد ليتحدث برجولة تحسب له كي يزيل عنها الشعور بالذنب الذي يؤرق روحها:
- مفيش حاجة حصلت بسببك يا مدام إيثار، بلاش تحملي نفسك ذنب اللي حصل لأن القرار أنا كنت هاخده عاجلًا أم آجلًا.
واسترسل شارحًا:
- أنا ومراتي من حقنا يكون لينا بيتنا وحياتنا الخاصة وده كان لازم يحصل في يوم من الأيام.
وقفت عصمت لتجاورها وتربط على ظهرها للتحسين من حالتها السيئة:
- يا حبيبتي خرجي نفسك من الموضوع ومتحمليش نفسك أكتر من طاقتها، واديكي شوفتي نتيجة زعلك وكلام الدكتورة.
أما فؤاد وفريال فكلاهما وضعا في موقف لا يحسدا عليه. تنفس علام وتحدث بحصافة فمنذ أن تحدث مع نجله وهو يبحث عن حل يرضي جميع الأطراف:
- الموضوع حله عندي ومتقلقوش.
سألته عصمت باستفسار لأهمية الموضوع لديها كأم لا تريد ابتعاد كلا نجليها:
- هتحله إزاي يا سيادة المستشار؟
تنهد قبل أن ينطق بهدوء:
- فيلا مجدي الحوفي رجل الأعمال اللي اتوفى من مدة.
ضيق فؤاد عينيه ليسأله:
- دي اللي بوابتها على يمينا على طول يا باشا؟
أجاب بإبانة:
- أه يا فؤاد هي، ابنه الوحيد كان مسافر كندا ولما بابه اتوفى رجع وأخد مامته علشان تعيش معاه، وعرض الفيلا من أسبوع للبيع.
ونطق بابتسامة هادئة:
- وكأن ربنا بيحل لنا المشكلة من عنده، أنا هشتري الفيلا وأكتبها باسم فريال وبكده مش هيبعدوا عننا، ماجد هيمشي على شغله وفريال تجيب ولادها وتقعد مع إيثار طول اليوم.
اشتدت سعادة فريال وعصمت ليقاطعه ماجد قائلًا:
- بس كده كتير يا باشا ثم أنا ما أقبلش إن حضرتك تدفع مبلغ كبير بالشكل ده علشان تحل لنا المشكلة، أنا هشتري شقة على قدنا ولما ظروفي تتحسن هشتري لفيري فيلا تليق بيها.
1
نطق فؤاد بصوت قوي:
- مفيش حاجة كتيرة على فريال ثم ده حقها على الباشا، وكمان الحل اللي اختاره الباشا ممتاز ومش هيبعد فريال وولادها عننا، وإحنا دايمًا هنكون مع بعض في كل مناسباتنا وإجازاتنا الأسبوعية.
رحب الجميع بالفكرة واشتدت سعادة عصمت وفريال وأيضًا إيثار التي شعرت بالراحة، لكن صوت ماجد خرج ليعترض لحفظ ماء الوجه فقاطعه علام بقوة وصوت لا يقبل المناقشة:
- خلصنا يا ماجد، هو ده الحل الوحيد علشان بنتي متبعدش عن عيلتها، ومش هقبل بأي اعتراض منك.
تطلع عليه لينطق باحترام وتقدير لذاك الراقي:
- أنا تحت أمرك يا باشا.
1
************
بالأعلى، هتف الصغير وهو يتطلع إلى عزة بتوسل:
- علشان خاطري يا عزة تخليني أكلم بابي.
تنهدت بحزن لحال الصغير لتقول باعتذار:
- يا حبيبي مش هينفع ماما هتزعل مني.
3
نطق بدلال:
- أنا هقول لها إن أنا اللي كلمتك كتير وطلبت منك ده.
ثم مال برأسه لينطق متوسلًا مما جعلها تستسلم لرغبته:
- علشان خاطري يا عزة.
ناولته الهاتف وطلبت رقم ذاك المتواجد مع والده وشقيقاه بمكتب الضبط لحمايتهم بعد غضب عائلة ناصف التي حضرت وتجمهرت أمام مبنى القسم وطالبوا بتسليمهم نصر للقصاص منه ففضت الشرطة التجمهر ووعدتهم بالتحقيق في القضية والقبض على الجاني في أقرب وقت واستجوابه. كانوا يجلسون على المقاعد فصدح صوت هاتف عمرو ليرد سريعًا على ذاك الرقم الغريب ليفاجأ بصوت صغيره البريء:
- وحشتني يا بابي.
هب واقفًا لينطق بعدم تصديق واشتياق لصغيره المحبب والمقرب من قلبه لما لوالدته من غلاوة:
- يوسف.
نطق الصغير ببراءة:
- أيوة أنا، إنت وحشتني وخليت عزة ترن لي على رقمك من فونها لأن مامي جابت لي فون جديد بس مفيهوش رقمك، لكن عزة عندها رقمك.
نطق عمرو بصوت متأثر:
- وحشتني يا حبيبي، وحشتني قوي.
ليجيبه الصغير:
- إنت كمان وحشتني وجدو ونانا وحشوني وكمان زينة.
لينطق ببراءة وقد بدا على صوته السعادة:
- بابي مامي هتخلف بنت وولد، هي لسه جاية من عند الدكتور هي وأنكل فؤاد وقال لها هتجيبي اتنين بيبي.
شهقت عزة لتخطف الهاتف من الصغير وهي تقول بانزعاج:
- هات التليفون ده يا مصيبة.
أغلقته وهتفت معنفة إياه:
- أنا عارفة إن طردي من البيت ده هيبقى على إيدك يا شبر ونص إنت.
رواية انا لها شمس الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم روز امين
داخل غرفة التحقيقات الخاصة بقسم الشرطة التابع للمركز، اختار عمرو أحد المقاعد الخشبية المتواجدة جانبًا بأحد جدران الحجرة ليجلس عليها مبتعدًا عن والده وشقيقيه كي لا يشعر به أحدهم، نكس رأسه للأسفل ليضعها بين كفيه كي يداري غضبه العارم الذي أصابه من ذاك الخبر المشؤوم الذي تلقاه منذ القليل من صغيره البريء. شعر بدوار أصاب رأسه، أما جسده فسرت بسائره نار مستعرة ود لو بإمكانه الخروج ليحرق بها عدوه اللدود. لم يتوقع حتى بأبشع كوابيسه أن أنثاه التي اعتبرها ملكية خاصة مختومة بختم قلبه تحمل داخل رحمها جنينًا بل جنينين من رجل غيره. نار مشتعلة لو خرجت لدمرت الأخضر واليابس أمامها كالإعصار. كان والده وشقيقيه يتحدثان في بعض الأمور التي يجب اتباعها كي يتجنبوا ثورة عائلة ناصف الغاضبة. لاحظ نصر ابتعاد نجله بعدما انسحب ليجيب على مكالمة هاتفية فسأله مستفسرًا باهتمام:
-مالك يا عمرو، مين اللي كان طالبك على التليفون؟!
أخذ نفسًا مطولًا قبل أن يرفع رأسه ليناظر والده بهدوء كي لا يكشف تخطيطه حيث عقد العزم على أن يقوم بتنفيذه مهما كلفه الأمر حتى بعدما استمع عن حمل من توطنت في القلب:
-ده يوسف يا بابا.
برغم كم المصائب التي تكومت ونزلت على رأسه دفعة واحدة إلا أنه ابتسم بحبور حين استمع لاسم حفيده الغالي والمقرب من قلبه والذي انتوى أن يحارب فؤاد بشراسة فور حصوله على مقعد البرلمان لاسترداد الصغير واحتضانه، نطق سريعًا بتلهف:
-طب ليه مخلتنيش أكلمه يا عمرو، الواد ده وحشني قوي.
لم يستطع كظم حقده نحو ذاك الصغير الذي لا حول له ولا قوة ولا ذنب له بكل ما يجري سوى أن الله وضع محبته والقبول بقلوب كل من حوله ومن رآه، ليهتف بحدة وحقد ظهر فوق ملامحه:
-هو ده وقت كلام العيال برضه يا أبا.
التفت إليه نصر يتطلع عليه بحدة واستغراب لنبرته التي خرجت رغمًا عنه بسخط كي تكشف ما بقلبه المريض نحو الصغير ليبتلع لعابه سريعًا حين رأى عينين نصر تطلق سهامًا صوبه ليسترسل بدهاء أبعد به شر والده عنه:
-أنا قصدي تستغل الوقت وتكلم حد من الناس الكبار يبعت قوة كبيرة من الشرطة ولا الجيش توقف عيلة ناصف عند حدهم، لحد ما الشرطة تلاقي اللي عمل المصيبة دي وياخد جزاءه.
تنهد نصر بعدما اقتنع بتفكير نجله ليقول بهدوء:
-متقلقش، أبوك عامل حساب لكل حاجة.
ثم التفت إلى عمرو من جديد ليسأله باهتمام:
-مقولتليش، يوسف قال لك إيه؟!
أجابه والحزن يسيطر على ملامحه ونبرات صوته:
-سلم عليا وقال لي إني واحشه قوي.
سأله واللوم يملأ عينيه:
-ليه مدتنيش التليفون أسلم عليه؟!
نطق بخفوت:
-ملحقتش، يا دوب كلمني كلمتين والولية اللي اسمها عزة أخدت منه التليفون وقفلته.
قطب نصر جبينه ليتابع الآخر بإيضاح:
-أصله كلمني من تليفونها من غير إيثار ما تعرف.
ابتسم نصر ساخرًا لينطق بحدة وغل:
-آه يا زمن، عليت الواطي وعملت له قيمة، بنت غانم الشحات بقى لها سعر وبتتحكم في أسيادها اللي كان يوم عيد عندها هي وعيلتها العرر يوم ما اتنازلنا وناسبناهم.
نكس رأسه للأسفل ليقف حسين وجلب بعض الأكياس الموجودة فوق منضدة خشبية ليقول وهو يقوم بتفريغ محتوياتها:
-تعالى يا عمرو كل لك لقمة معانا.
كان الضابط قد بعث وابتاع لهم الطعام كي يتناولوه لحين الصباح والبت في أمرهم وصعد هو للملحق الخاص به المجهز ليغفو كي يستطيع المواصلة في التحقيق بتلك الواقعة التي قلبت المركز بأكمله رأسًا على عقب.
**********
داخل الجناح الخاص بفؤاد وزوجته، كانت تتمدد فوق التخت يدللها ذاك المغرم الوسيم بعدما صعدا مباشرة، يحمل فوق ساقيه صينية يوضع عليها كل ما لذ وطاب من أنواع فاكهة الموسم حيث بعثت بها عصمت مع إحدى العاملات كي يتغذى صغيري نجلها الحبيب. قطع جزءًا من فاكهة الكمثرى وقربها من فمها لتقضمها باستمتاع وعينين شاكرة لينطق بنبرة صادقة:
-إوعى أشوفك زعلانة أو قلقانة من أي حاجة طول ما أنا عايش وفيا نفس.
تنهدت بهدوء لتنطق بإيضاح:
-من بعد ما دوقت راحة البال والسلام النفسي جوه حضنك وأنا بقى عندي فوبيا إني أخسر الأمان اللي حسيته بينكم.
توقفت لتأخذ نفسًا مطولًا قبل أن تتابع بنبرة أظهرت كم تأثرها ورعبها من الرجوع إلى الماضي وخسارة ما اكتسبته في كنف تلك العائلة التي احتوتها برعاية هي وصغيرها:
-من أول يوم دخلت بيتك فيه وأنا بنام مطمنة، شعور كنت نسيته من سنين.
تنهدت لتكمل ما أظهر معاناتها بالماضي:
-من يوم ما خرجت من بيت بابا وجيت بيوسف على القاهرة، وأنا مفيش يوم عدى عليا من غير مشاكل، عيشت سنين والخوف ملازمني زي ظلي.
تطلعت إليه لتتعمق بعينيه التي تتمعن بتفاصيلها بتأثر وألم لتتحول نظراتها من حزن إلى أعلى درجات الهيام وهي تقول:
-لحد ما القدر ورحمة ربنا حطتك بطريقي، ومن يومها وأنا حياتي كلها اتغيرت.
أمسك ذقنها وبدأ بمداعبته بأصابع يده ليقول بنبرة تفيض حنانًا وعشقًا:
-طب وإيه اللي اتغير يا إيثار، ما أنا هو نفسه فؤاد حبيبك، يبقى ليه الخوف اللي يوصلك لحالة الرهاب اللي كنتي عليها النهاردة؟!
هزت رأسها وأمسكت كفه بخاصتيها لتنطق متأثرة بعينين بهما غيمة تكونت بفضل شعورها بالذنب:
-خفت يا فؤاد، خوفت أهلك يحملوني ذنب خروج فريال من البيت وأفقد حبهم واحتوائهم ليا أنا وابني.
لم تعد تحتمل كتمان دموعها وحبسهم أكثر فسمحت لها بالهطول وهي تقول بنبرات مزقت بها نياط قلبه:
-إنت أصلك مشوفتش معاملة بيت نصر ليا كانت عاملة إزاي، إجلال كانت بتحاسبني على دور البرد اللي بيصيب ابنها وتنصب لي المحاكمة.
أفلت يداه من خاصتها ليحاوط بهما وجنتيها باحتواء، جفف بإبهاميه دموعها التي سالت على الخدين لينطق سريعًا قاطعًا حديثها:
-كل اللي فات عاوزك تنسيه وتمحيه من ذاكرتك خالص، وكأنك معشتهوش أصلًا.
هز وجهها بيديه وكأنه يجبرها على الخروج من تلك الحالة المرضية:
-مفهوم يا إيثار؟!
هبطت دموعها من جديد لتلقي بحالها داخل أحضانه وهي تقول:
-أنا مش قوية زي ما الكل شايفني يا فؤاد، أنا أضعف مما تتخيلوا كلكم.
على عجالة ابتعدت عنه لتتعمق بعينيه وهي تقول بنبرة توسلية:
-إوعدني إنك ماتسبنيش مهما حصل، لو في يوم عملت حاجة تزعلك ناقشني وحاول تفهم أسبابي، وصل لي وجهة نظرك وأنا هتقبلها بس إوعى تسيبني.
احتوى وجنتيها من جديد لينطق بقوة وثبات بث لها من خلالهما الاطمئنان والسكن والسكينة:
-عاوزك تكوني متأكدة من حاجة مهمة قوي وتحطيها دائمًا قدام عيونك، إن مهما حصل مستحيل أبعد عنك.
واسترسل بعينين ممتنتين تفيض عشقًا:
-لأن ببساطة أنا محسيتش إني عايش غير بعد ما عرفتك، أنا وأهلي مدوقناش طعم الفرحة اللي بجد إلا بعد دخولك إنت ويوسف لحياتنا.
وهمس أمام شفتيها بغرام:
-ده غير إن شفايفك بقت ترياق الحياة اللي بيحييني، معقول أضيع عمري كده بسهولة.
نطقها واقترب عليها ليأخذها بعالمه الساحر من خلال قبلته الرقيقة التي بث لها كم من المشاعر الهائلة.
***********
بعدما اطمأنت أن الصغير قد غفى بسلام هبت واقفة وباتت تجوب الغرفة إيابًا وذهابًا وقد تملك الرعب من قلبها، باتت تفكر في شر عمرو الذي سيطال إيثار بالتأكيد بعدما علم بحملها، فهو كائن بربري يسعى لتخريب حياة كل من حوله وإفساد سلامهم النفسي وبالأخص تلك المسكينة التي أوقعها حظها السيئ ليعشقها ذاك المريض بالتملك دون غيرها من فتيات البلدة، توقفت فجأة لتنطق وهي تشير بكفيها:
-وأنا هوجع قلبي على إيه، أنا هروح أحكي اللي حصل لصاحبة الأمر وجوزها يتصرف.
ثم وضعت كفها ليحتوي فكها وهي تفكر:
-بس سيادة المستشار لو عرف ماهيصدق ويمسكها عليا ذلة.
هزت رأسها على عجالة لتقول بلامبالاة:
-يعمل اللي يعمله بقى، قال هيسخطوك يا قرد.
نطقت كلمتها وأسرعت للخارج بعدما عقدت النية على الاعتراف بجريمة الصغير التي تمت تحت إشرافها الكامل، عودة إلى فؤاد الذي ذاب بقبلته لبعيد مع معشوقة الروح خليلة القلب، فقد سحبها لتعتلي ساقيه وبات يتذوق شهد شفتيها بتلذذ واستمتاع لكلاهما حتى فصلتهما تلك الطرقات لتفزع هي مبتعدة مما جعل الآخر يستشيط غضبًا، كور قبضة يده بقوة لينطق من بين أسنانه:
-الخبطة دي أنا عارفها كويس قوي.
ليشير لها صوب الباب:
-هي مفيش غيرها.
لوت فاهها لتنطق باستحياء:
-عزة!
-طبعًا عزة… قالها لتنزل هي عن ساقيه فتحرك هو صوب عليقة الملابس ليلتقط مئزره ويرتديه ثم توجه لفتح الباب ليهز رأسه حين وجدها تقف أمامه بابتسامتها البلهاء والتي توقع من خلالها أنها فعلت كارثة وما أكد حسه هي كلماتها التي نطقتها بهدوء:
-عاوزة أبلغك إنت وإيثار بحاجة مهمة حصلت.
أشار بكفه بطريقة مسرحية لتنطلق للداخل فور سماحه لها وتحركت حتى وصلت لحجرة النوم ليتبعها وهو يقول:
-اتفضلي اشجيني وقولي لي على المصيبة اللي عملتيها.
نظرت إليه لتنطق باذهلال:
-هو سعادتك عرفت منين؟!
أجابها ساخرًا:
-من ملامح وشك يا عزة هانم.
سألتها إيثار التي اعتدلت على الفراش ليتحرك فؤاد ويضع لها إحدى الوسائد خلف ظهرها:
-إيه اللي حصل يا عزة؟!
تبادلت النظرات بينهما لتفرك كفيها ببعضهما وقد بدا التوتر ظاهرًا بقوة على ملامحها ليهز فؤاد رأسه وينطق باستسلام:
-قولي قولي، هببتي إيه؟!
انطلقت الكلمات من فمها كما الرصاصات التي تخرج بقوة من المدفعية:
-الواد يوسف كلم أبوه وقال له ماما هتجيب توأم.
اتسعت عيني فؤاد وقبل أن ينطق حرفًا وجد تلك الجالسة فوق الفراش تهتف والهلع ظهر بعينيها:
-كلمه إزاي ومنين؟!
لتهب واقفة وهي تنطق وقد استولى الهلع عليها:
-هات لي يوسف يا فؤاد، هاته ينام في حضني.
هرول إليها ليحتوي كفيها ويعيدها من جديد إلى الفراش وهو يقول:
-ممكن تهدي وتقعدي علشان مايحصلش اللي حصل من شوية والولاد يتأذوا؟!
نظرت إليه بعينين متسعتين لتنطق وهي تتمدد من جديد:
-صح، إنت صح يا حبيبي، أنا لازم أهدى خالص وما أعرضش ولادي للأذى، بس برضه هات لي يوسف.
دثر جسدها بالغطاء ليقول بنبرة تغلفت بالسكينة والهدوء:
-ارتاحي خالص وأنا هحل الموضوع بطريقتي، وبالنسبة ليوسف مش هينفع يبات هنا.
تطلعت عليه لينطق مفسرًا كي لا تفسر حديثه خاطئًا:
-لو نام جنبك ممكن لا قدر الله يخبطك برجله ولا دراعه ويأذي الولاد من غير قصد طبعًا.
ثم تابع ليهدئ من روعها:
-عايزك تطمني، القصر متأمن من حديد لدرجة إن مفيش نملة ممكن تعدي، يعني خوفك ده كله في غير محله.
نطقت عزة التي تشعر بالأسى:
-بس اللي اسمه عمرو مش هيسكت يا باشا، ده معجون بماء شر زي أمه بالضبط.
هتف وهو يرمقها بحدة:
-ولما أنت عارفة الكلام ده يا هانم خليتي يوسف اتصل بيه ليه؟!
-الواد صعب عليا لما شوفته مشتاق لأبوه وقعد يتحايل عليا كتير… نطقتها بتأثر وعينين كادت أن تدمع لتتحول سريعًا وهي تتابع بلوم لحالها:
-يقطعه قلبي الحنين اللي جايب لي الكافية ومخليني ملطشة للي يسوى واللي مايسواش.
اتسعت عيني فؤاد وكاد أن يفتك بها لولا تدخل إيثار التي جذبت يده قبل أن يندفع نحوها ليلقي بها خارج الجناح:
-علشان خاطري يا حبيبي تمسحها فيا.
لوت فاهها لتنطق باستهجان:
-هي إيه يختي دي اللي هيمسحها فيك؟!
ضغطت فوق أسنانها وهي تقول بغيظ:
-عزة، اتفضلي على أوضتك لا يصحى الولد مايلاقكيش جنبه.
كادت أن تتحرك فأوقفها صوت فؤاد القوي:
-أوضة الولد مش هتدخلها تاني يا إيثار.
جحظت عيني عزة بفزع لتنطق إيثار بصوت متلبك:
-مش هينفع ابني ينام لوحده وخصوصًا في الظروف دي يا فؤاد.
نصب عوده ليضع كفيه بداخل جيبي مئزره لينطق بحزم:
-الولد كبر خلاص ولازم يتعود ينام في أوضة منفصلة، دي التربية الصحيحة لطفل داخل على تمن سنين، إنما النظام بتاعكم ده لا ينفع دينيًا ولا حتى نفسيًا.
نكست عزة رأسها للأسفل وهي تقول:
-شكلك عاوز تمشيني ومكسوف تقولها لي في وشي يا باشا.
-عزة… قالها بحدة وعينين تحذيرية تطلق شزرًا ليتابع بنبرة أكثر صرامة:
-أنا مبتكسفش يا ماما، ولو عاوز أمشيك هقولها لك في وشك ومش هتكسف منك.
وتابع بحزم:
-ما اتخلقش لسه اللي يخزيني.
لوت فاهها وهمست بصوت خافت لن يصل سوى لأذنيها:
-وإنت اللي زيك هيتكسف من إيه، فلوس أبوك المتلتلة مقوية قلبك يا أخويا، سيبوا الخزي والكسوف للغلابة اللي زينا.
هتف بحدة وصرامة جعلت الرجفة تصيب جسدها:
-أكتر حاجة بكرهها في حياتي كلها هي البرطمة، يا تعلي صوتك وتتكلمي زي البني آدمين يا تسمعيني جمال سكاتك ومعاهم جمال خطوتك.
شعرت بالإهانة من كلماته الحادة ونظراته الثاقبة لتنطق بخزي وهي تتأهب للخروج:
-حاضر يا باشا.
شعرت إيثار بنغزة بقلبها فور خروج عزة وهي مطأطأة الرأس لتنطق بنبرات يملؤها اللوم:
-ليه كده يا فؤاد؟
التفت يتطلع عليها لينطق متعجبًا:
-بتسألي بجد؟!
-أنا عارفة إنها غلطت بس… لم يدعها لتكمل حديثها ليهتف بحدة أظهرت كم استيائه:
-ده مش غلطة يا إيثار، ده تعدى للحدود والخطوط الحمرا.
ليسترسل بصرامة:
-تبقى إيه عزة بالنسبة ليوسف علشان تقرر منها لنفسها كده وتخليه يكلم باباه بدون علمنا، مين إداها الحق ده؟!
تنفست قبل أن تنطق باعتراض ودفاع عن من اتخذتها كأم بديلة عوضًا لها:
-من فضلك يا فؤاد تتكلم كويس عن عزة، عزة أكتر حد وقف معايا وهي اللي ساعدتني في تربية ابني.
رفع حاجبه الأيسر باستنكار لينطق شارحًا الوضع:
-طب يا أستاذة، أحب أقول لك إن البيه اللي عزة هانم اتصلت عليه وخلت ابنك يكلمه موجود حاليًا في قسم الشرطة هو وأبوه وإخواته.
فغرت فاهها لتسأله بلهفة:
-إيه اللي حصل يا فؤاد؟
زفر بضيق ليخلع عنه المئزر ويقوم بتعليقه برتابة ثم تحرك لينضم إليها بالفراش، أخذ نفسًا عميقًا لينطق بهدوء:
-هحكي لك اللي حصل مع إني مكونتش حابب أوجع دماغك بحكايات متخصناش.
بدأ يقص عليها كل ما دار تحت علمه وإمداده بكل المستجدات من قبل رجاله المراقبون لنصر وأنجاله الثلاث، وأيضًا أخبرها بقصة الآثار وزواج نصر السري لتشهق بصدمة وهي تستمع لينطق هو بنظرات عاتبة:
-عرفتي أنا ليه بكلم الهانم بالطريقة دي.
واسترسل مفسرًا:
-لأن ممكن في لحظة اللي اسمه عمرو يتهور ويعمل حركة من حركاته الزبالة اللي زيه، ده واحد شايف إمبراطورية أبوه بتنهار فوق دماغهم كلهم، واللي زي ده ممكن يهد المعبد على دماغ الكل لو لقى نفسه بيخسر كل حاجة.
أغمضت عينيها لتنهمر دموعها كالشلال، اقترب عليها ليسألها بنبرة جاهد بقوة لتظهر هادئة عكس نار الغيرة الكامنة بأحشائه:
-دموعك دي على مين يا إيثار؟
نطقت من بين شهقاتها التي تنم عن مدى توجع روحها:
-على ابني يا فؤاد، لو عيشت عمري كله أتأسف له على سوء اختياري لأبوه مش هيكفي.
لتهز رأسها وهي تنطق وشعور رهيب من الذنب يتخلل كامل جسدها:
-أنا مجرمة، ظلمت ابني ووصمته بأب فاشل وعيلة الإجرام بيجري في دمهم.
سحبها لأحضانه وبدأ يحرك كفه الحنون فوق ظهرها ليجعل روحها تطمئن وتستكين، أخذ نفسًا مطولًا قبل أن يقول بصوت مطمئن:
-إوعي تحملي نفسك فوق طاقتها وتحبسيها جوه دايرة الذنب، الموضوع كله مرتبط بالقدر وبعيد كل البعد عن الحسابات البشرية، محدش بيختار قدره ويحدده، ربنا هو اللي بيحدد لنا مصائرنا من قبل حتى ما نتولد.
علت شهقاتها لتنطق بتأثر:
-صعبان عليا يوسف قوي.
ابتعد قليلًا ليحتوي وجهها وهو ينظر لها بعينين بغرامها هائمتين:
-يوسف هيتربى أحسن تربية وسط عيلته اللي بتحبه، ووعد مني عمري ما هفرق بينه وبين ولادي.
لينطق وهو يحثها على السكون:
-إهدي بقى علشان خاطر ولادنا.
أومأت له لينطق غامزًا وهو يحاول إخراجها من تلك المشاعر السلبية التي تملكت منها:
-ما تيجي نكمل اللي كنا بنقوله قبل ما البومة اللي اسمها عزة تقتحم علينا خلوتنا.
لم يفشل منذ زواجهما بمحاولة إخراجها من همومها وسحبها لعالمه الخاص، فقد استطاع بالفعل جذبها بحديثه المشاكس لترتسم ابتسامة صادقة على ثغرها ليلثمه برقة نالت استحسانها وسحبتها داخل غيمة من المشاعر الرومانسية التي استولت على كلاهما من جديد.
***********
أما عزة فخرجت من غرفتهما بقلب حزين متألم من قرار فؤاد لتتوجه إلى حجرة يوسف، فتحت بابها والتقطت أشيائها الخاصة وهي تنظر للصغير بتأثر لتميل عليه تضع قبلة حنون فوق جبهته ثم دثرته بالغطاء جيدًا وتركته وخرجت وقلبها صارخًا لأجله، نعم ليس من دمها لكنها اعتبرته حفيدها حيث كرست حياتها بالكامل للاهتمام به وبجميع شؤونه، هبطت درجات السلم على مضض إلى أن وصلت إلى غرفتها التي خصصتها لها عصمت منذ اليوم الأول لدخولها القصر إكرامًا لزوجة نجلها.
أما بحجرة فريال وماجد الذي تحدث باستياء ظهر جليًا على ملامحه:
-الباشا الكبير حطني في خانة اليك يا فريال، أنا كنت خلاص كلمت سمسار وبدأ يشوف لي شقة قريبة من شقة ماما، المشكلة إني بلغتها.
واسترسل وهو يهز رأسه ببؤس:
-هتقول عليا إيه الوقت.
حاوطت كفيه بخاصتيها لتقول بابتسامة علها تستطيع سحبه مما يثقل كاهله:
-أنا مش عاوزاك تشيل هم زعل طنط خالص، أنا متأكدة إنها مش هتزعل وكمان هتفرح لنا.
زفر بضيق لشعوره الدائم بالإجبار لكنه في النهاية لم ير من تلك العائلة سوى كل الخير والاحترام لذا فهو مجبر هذه المرة أيضًا على الموافقة لاحترام رغبة علام بعدم إبعاد ابنته الوحيدة عن كنف عائلتها، لتتابع هي بحماس وإصرار:
-أنا هاخد الأولاد وأروح بكرة أقضي معاها اليوم وأفاتحها في الموضوع وإن شاء الله هقنعها، وهبعت أجيب غدوة سمك إنما إيه، ومن المطعم اللي هي بتحبه كمان، وإنت تعالى على هناك نتغدى ونكمل السهرة معاهم ونبقى نرجع آخر الليل.
سألته بابتسامة ساحرة:
-قولت إيه يا حبيبي؟!
ابتسم بحبور بعدما استطاعت حبيبته سحبه مما كان يؤرق روحه لينطق بنبرة حنون:
-وأنا أقدر أقول حاجة بعد كلام حبيبة قلبي وتخطيطها.
واسترسل بمشاكسة:
-رايحة تبلفي أمي بكلمتين وأكلة سمك يا فيري.
-من فضلك بلاش تتدخل بيني وبين حماتي… نطقتها وهي تشيح بكفيها بطريقة جعلته يضحك بشدة لتنطق بعدما أخذت نفسًا عميقًا أظهر عمق مشاعرها:
-مش قادرة أوصف لك مدى الرعب اللي حسيت بيه لما إيثار تعبت، مجرد فكرة إننا ممكن نخسر البيبي مرعبة، كانت هتبقى كسرة كبيرة قوي لبابا وماما.
تنهد بهدوء ليقول بنبرة صادقة:
-الباشا والدكتورة ناس محترمة وقلوبهم نضيفة، وبيتقوا الله في كل خطواتهم، وأكيد ربنا مش هيخذلهم.
-يا رب يا ماجد، نفسي أشوف ابن لفؤاد وأضمه لحضني… قالتها بعينين متمنيتين لتتابع متأثرة:
-عارف إيه أكتر حاجة كانت تعباني ومقطعة قلبي لما قولت لي إننا هناخد شقة بعيد.
تعمق بعينيها باستفسار لتنطق مسترسلة:
-إني مكونتش هتابع تربية أولاد فؤاد وأشوفهم وهما بيكبروا قدام عنيا.
واسترسلت متحمسة:
-لكن خلاص، بابا حل لنا الموضوع ورضانا كلنا.
جذب رأسها ليقربها من فمه ليطبع قبلة بجبينها وهو يقول بنبرة تغلفت بالسكينة والحنو:
-الحمد لله يا حبيبتي، يلا ننام بقى علشان الوقت اتأخر.
أومأت له فتمدد بجسده فوق الفراش لتسكن أحضانه ويضغط هو على زر جهاز التحكم بالإضاءة لينطفئ الضوء سريعًا ويهدأ الحبيبان لينعما بنوم هنيء.
***********
في الصباح، فاقت عصمت من نومها العميق فمنذ أن علمت من الطبيبة بأن الله قد من عليهم ووهب نجلها بصبي وفتاة وهي تشعر بحالة عجيبة من السكون والهدوء والراحة، ولذا فقد غطت في سبات عميق ومتعة لم تشعر بها منذ سنوات، نظرت بجوارها لتتفقد حبيبها وشريك العمر وهو يغط في سبات عميق هو الآخر، وضعت كفها الحنون تتفقد وجنته وهي تقول بصوت هادئ:
-حبيبي، اصحى يا علام.
بدأ يفتح عينيه تدريجيًا لينظر لذات الوجه البشوش والذي لم يمل من النظر لوجهها الذي يبهج روحه ويبعث السرور داخل نفسه، خرج صوته متحشرجًا ليقول بابتسامة بشوشة:
-صباح الخير يا حبيبتي.
بمجرد ما أن رأت ابتسامته حتى ارتجف قلبها فرحًا وهي ترد عليه:
-صباح الورد، يلا علشان تاخد الشاور بتاعك وتنزل تشوف ورداتك على ما الفطار يجهز.
تمطأ باسترخاء واضح لينطق:
-الحمد لله نمت كويس قوي امبارح.
أجابته بهدوء وحكمة:
-ده علشان اطمنا على ولادنا، الكام يوم اللي فاتوا أنا وإنت كنا قلقانين من غضب فؤاد وغيرته على مراته من ماجد، لكن إنت يا حبيبي حليت الموضوع بمنتهى العقل والحكمة والحل نال رضى الجميع.
-الحمد لله يا عصمت… قالها وتحرك واقفًا لينطق بصوت حماسي:
-هادخل آخد شاور سريع.
ساعدته بتجهيز الحمام ثم ارتدت ثيابها وهبطت للأسفل لتتابع الإشراف على العاملات وتجهيزهن لوجبة الفطار التي تهتم بها جيدًا وبجميع عناصرها الغذائية للحفاظ على صحة أفراد أسرتها.
***********
داخل حجرة المكتب الخاص بالضابط، ولج الضابط بصحبة العسكري ليجد كلًا من نصر وأنجاله الثلاث كلًا منهم يتخذ مقعدًا يغفو عليه بإرهاق، تحدث العسكري بصوت أزعج الجميع:
-اتفضل يا باشا.
اعتدل نصر لينطق الضابط بحدة:
-طلعت وحسين وعمرو تقدروا تخرجوا وتروحوا بيتكم وإنتوا متطمنين، البلد محاطة بقوة أمنية ومحدش هيقدر يأذيكم، ده غير إن الشرطة قبضت على المجرم اللي ضرب النار على القتيل واعترف عن اللي حرضه.
ابتلع نصر لعابه ليسأله متوجسًا:
-وأنا يا سعادة الباشا؟!
رمقه بنظرة حادة قبل أن ينطق بثبات وقوة:
-إنت هتشرفنا هنا رسمي.
جحظت أعين الجميع ليتابع الضابط مسترسلًا:
-طلع أمر من النيابة بالقبض عليك يا حاج نصر.
ارتجف جسده ليسأله طلعت بقوة:
-ليه يا سعادة الباشا، هو أبويا عمل إيه؟!
نطق الضابط بحدة:
-القناص اللي ضرب النار على هارون اعترف إن أبوك هو اللي دفع له علشان يقتله.
صاح بصوت حاد يدافع عن حاله:
-كداب يا باشا، ده أكيد مزقوق عليا من أعدائي، جنابك عارف إن الانتخابات على الأبواب وألف واحد يتمنى يوقعني علشان اتزاح من طريق منافسيني.
نطق الضابط بحزم:
-مفيش داعي للإنكار يا حاج نصر، الظابط اللي قبض على المجرم وجد بحوزته تسجيلات بأصوات كل اللي أجروه على حوادث الاغتيالات، يظهر كانت هواية عنده تسجيل الاتفاق بالصوت.
انصدم أنجاله ولم يقوَ على الإنكار بعدما أبلغه الضابط بوجود تسجيل صوتي له حيث اتفق مع قاتل مأجور ليتخلص من هارون ويدعي أن أعداءه استغلوا نقطة الخلاف بين العائلتين وقضوا على حياته لكن القدر وعدالة الله كانت أسرع، حيث لاحظ رجال المعاينة وجود كاميرات بالشارع الذي حدثت به الجريمة ليجدوا رجلًا متخفي غريب الأطوار فتتبعوا تحركاته إلى أن وصلوا لمكانه وقاموا بتفتيش مسكنه ليعثروا على كنز ثمين سيكشف لغز كثيرًا من القضايا ويعيد فتح ملفاتها والتحقيق فيها من جديد. علمت عائلة ناصف بأن نصر هو القاتل وتأكدت شكوكهم فتحرك شقيقها محمد ومعه جميع رجال العائلة لمنزل نصر، اصطفوا بأسلحتهم خلف شقيقها محمد الذي هتف بقوة واضعًا صلة القرابة والدم جانبًا:
-بصي يا بنت أبويا، إنت طبعًا عارفة عوايدنا وقانون عيلة ناصف وعارفة إن اللي بيلمس شعرة من حد من عيلتنا بنصفي بيته كله ولازم البيت يخرب، بس علشان صلة الدم اللي بينا إحنا مش هنقدر نأذي ولادك، لأن للأسف حاملين دمنا إحنا كمان.
كانت تقف قبالته تتقدم أولادها الثلاث بقلب ولأول مرة يرتجف ويخشى شر، ليتابع محمد بقوة وعينين حادتين كالصقر:
-بس ده ميمنعش إن بيت نصر لازم يتزال من أساسه وكل اللي فيه يتشردوا.
نطقت بعينين قوية وصوت حاد عكس ما يسكن روحها المرتعبة:
-هتشرد أختك وولادها يا حاج محمد، هي دي أمانة أبوك اللي سابها لك؟!
هتف بقوة:
-أمانة أبويا تخصك إنت وبس، وإنت الوحيدة اللي ليك الأمان والحماية عندي.
طلعت وحسين وعمرو، هتسيبوا البلد ومحافظة كفر الشيخ كلها حالًا ومالكوش نزول تاني لحد ما أرواحكم تروح عند اللي خالقها، حريمكم وعيالكم سيبوهم عند أهاليهم لحد ما تلاقوا شغل وكل واحد فيكم يعرف ياخد مكان يعيش فيه مراته وعياله، ولما ده يحصل أبو كل واحدة منهم يوصلها هي وعيالها لحد عنده لأن زي ما قولت رجلكم مش هتخطي أرض المحافظة تاني.
ونطق بحدة:
-طبعًا ده لو أهالي حريمكم عاوزين كده، كل واحد منهم له الحرية في إنه يخلي بنته على ذمتكم ولا يطلقها.
هتف طلعت بغضب عارم وغطرسة:
-قانون عيلتكم يمشي عليكم يا خال، محدش هيقدر يطلعنا من بيت أبونا وبيت الحاج نصر هيفضل مفتوح بحس عياله الرجالة وأحفاده العمر كله.
صاح محمد بثبات وملامح حادة مخيفة:
-اتكلم على قدك يا طلعت وبلاش تقول كلام يخليني أنسى إنك ابن أختي.
صاح عمها محمود بصوت أرعب أوصالها:
-عقلي عيالك بدل ما نتصرف إحنا يا إجلال، خليهم يمشوا بكرامتهم بدل ما نطلعهم متكتفين ونخليهم فرجة للي يسوى واللي مايسواش.
نزلت دموعها ولأول مرة تشعر بالذل والانكسار لتنطق متوسلة:
-أحب على أيديكم تسيبوا ولادي في البلد، سيبوهم وأنا هديكم نص اللي يملكه نصر.
ابتسم شقيقها الأصغر ساخرًا لينطق:
-استني لما تسمعي باقي الشروط يا إجلال.
ابتلعت لعابها ليكمل محمد:
-أرض نصر وفلوسه كلها هتتحول لعيال هارون ومراته، والبيت ده هيتقفل ويبقى خرابة تعشش فيه الوطاويط علشان يبقى عبرة لمن يعتبر.
-وأنا هعيش فين لما تقفل بيتي يا حاج محمد؟!… سؤال نطقته بعينين تطلق شزرًا ليجيبها بهدوء:
-هتعيشي عندي معززة مكرمة، بيت أخوك أولى بيك.
اتسعت عيناها بقوة قبل أن تنطق بذهول:
-هتاخدني بيتك لمراتك تتحكم فيا يا محمد؟! وبعد ما كنت ست البيت والبلد كلها هستنى لقمتي من تحت إيد مراتك؟!
هتف بحدة وصرامة:
-الموضوع ده مفهوش نقاش يا إجلال، بيت نصر لازم يتقفل ويتحول لخرابة علشان نرد هيبتنا قدام الناس.
نطق حسين يستعطف خاله:
-علشان خاطر ربنا اديني أمي أخدها معايا يا خال.
ليهتف عمرو بقوة ورعونة:
-هو أنت هتتحايل عليهم يا حسين، ماما هتمشي معانا والراجل فيكم يوريني نفسه.
شد ابن خاله أجزاء سلاحه ليستعد لإطلاق الرصاص قبل أن يهتف بحدة وغضب وكبرياء:
-أنا هوريك الرجولة على حق يا جوز سمية.
أوقفه والده قائلًا بحدة:
-خلاص يا سليم.
رد سليم بغضب عارم:
-إنت مش سامع كلامه اللي يفور الدم يا أبا.
أجابه والده متهكمًا على عمرو:
-وإحنا من إمتى بناخد على كلام العيال ونحاسبهم عليه يا سليم.
هاج الجميع وتعالت الأصوات لينطق طلعت وهو يجذب شقيقه الأرعن هو وحسين بعدما تفاقم الموقف وكادت الأمور أن تخرج عن السيطرة:
-خلاص يا خال، إحنا رضينا بحكمك وهنمشي، بس على الأقل خلونا ناخد الفلوس اللي في خزنة أبويا وإنتوا خدوا الأرض والمزارع.
كان نصر يضع جميع أمواله الطائلة بخزنة كبيرة داخل غرفة لكي لا يضعها بالبنوك وتأتي الهيئة العامة للرقابة المالية وتسأله السؤال الشهير… من أين لك هذا.
نطق عمها بقوة مستهزئًا:
-ومن إمتى أبوك كان عنده فلوس يا طلعت، أبوك لما اتقدم لجدك ناصف علشان يتجوز أمك كان حتة موظف كحيان محلتوش غير الكام جنيه اللي بيقبضهم آخر كل شهر واللي مكونوش بيكفوه العيش الحاف، لعب على بنت الحاج ناصف وخلاها تتعلق بيه وفضلته عن كل شباب العيلة اللي اتقدموا لها إكمنه متعلم وبيلبس بنطلون وقميص، جدك ناصف هو اللي نضفه وعمل له قيمة بين الخلق، وفلوسكم اللي فرحانين بيها دي بتاعت عيلتنا وأهو الحق رجع لأصحابه.
تنفس محمد ليكمل على حديث عمه:
-الفلوس والأرض كلها هتروح دية لأولاد الحاج هارون اللي أبوك غدر بيه وبينا كلنا وعض الإيد اللي اتمدت له.
نفذ الحكم وخرجت إجلال لمنزل شقيقها والنساء بأطفالهم لمنزلي والديهما تحت دموعهما وصرخات الأطفال المرتعبة لتأخذ مروة زينة معها فقد رفضت التخلي عنها، وأجبروا الثلاث رجال على الخروج من البلدة تحت مرأى ومسمع أهالي البلد أجمعين حيث تجمعوا بناءً على رغبة عائلة ناصف كي يشهدوا على خروج أنجال نصر وهم أذلاء كي يكونوا عبرة لمن تسول له نفسه ويحاول الاقتراب من تلك العائلة وأفرادها الجبابرة، كل هذا تحت نظرات أهالي البلدة الشامتة في نصر وأولاده حيث تجبروا كثيرًا وانتشر ظلمهم واليوم هو يوم الحصاد.
**********
مساء اليوم التالي داخل منزل غانم الجوهري، حضر أيهم من القاهرة محملًا بالهدايا للجميع وجميع أنواع الفاكهة وأصناف الحلوى المحببة للأطفال وساعدته سيارة إيثار لجلب كل تلك الأشياء، استقبله الجميع بحفاوة شديدة لتنطق منيرة بعد تبادل السلام والأحضان والقبلات الحارة:
-إيه يا ابني اللي جايبه ده كله، حرام عليك بهدلت المرتب.
أجابها مبتسمًا وهو يرى سعادة الأطفال والكبار من حوله:
-خير ربنا كتير يا ماما، الحمد لله سيادة المستشار فؤاد خلى عمه حدد لي مرتب مفيش شاب في سني مهما كانت وظيفته بيقبضه.
لم تعلم لما أصابها كلام نجلها بالحزن العميق بدلًا من أن تسعد لأجله لتنطق نوارة وهي تتفقد ملابس أطفالها الذي جلبها لهم أيهم:
-ربنا يسعده ويدي له على قد قلبه الطيب، إيثار غلبانة وربنا كرمها ورزقها براجل باين عليه إنه ابن حلال وبيحبها.
هتف أيهم بسعادة ونبرة حماسية:
-لو شوفتوا العيشة اللي عايشاها إيثار، جنينة القصر اللي عايشة فيه قد نص مساحة أرض بلدنا، ولا أهل جوزها، شايلينها هي وابنها من على الأرض شيل.
نطق وجدي بصوت يملؤه الحزن والخزي:
-ربنا يسعدها ويعوضها خير.
نطق بتأكيد:
-عوضها يا وجدي، إيثار حامل في توأم وعلى الفرحة اللي كانوا فيها أهل جوزها لما عرفوا، أصل فؤاد كان متجوز قبل كده ومخلفش.
ضيق عزيز عينيه ليسأله متعجبًا:
-هما معندهمش عيال خالص؟!
نطق وهو يتناول واحدة من حبات الشيكولاتة ويزيل غلافها ويقتضم منها:
-أبو فؤاد معندوش عيال غير فؤاد وأخته، وأخته عايشة معاهم في القصر هي وجوزها وعندهم ولد وبنت.
رفع عزيز أحد حاجبيه بإعجاب لينطق:
-البت دي محظوظة من يومها، دخلت بيت نصر وجابت لهم الولد اللي طير عقل نصر وستهم وبقى هو اللي هنا وهو اللي هناك، والوقت حامل في توأم هتقش بيهم خير الراجل كله.
نطقت نوارة بصوت حزين لأجل الصغير:
-ربنا يستر وحظهم ميطلعش زي حظ يوسف في أهله.
سأل أيهم باهتمام:
-هو إيه اللي حصل للحاج نصر وعياله، وأنا داخل البلد قابلت واحد صاحبي ركبته معايا لحد شارعهم، حكى لي شوية تفاصيل كده مفهمتش منهم قوي.
قص عليه شقيقاه ما حدث لينطق مؤنبًا عزيز:
-شوفت حكمة ربنا من اللي حصل يا عزيز، أبويا أصله كان راجل طيب وبتاع ربنا، دعواته قعدت لنا وربنا بعد عننا الشر والمال الحرام.
هز عزيز رأسه فقد تغير نسبيًا بعد حادثة زوجته وتقرب من الله أكثر وواظب على إقامة الصلوات بأوقاتها داخل المسجد لتنطق منيرة بحمد:
-الحمد لله يا ابني إن ربنا بعدنا عن سكتهم، كان زمان همهم وشر عيلة ناصف طايلنا.
ثم صمتت لتسأله بنبرة حرجة:
-أختك عاملة إيه في الحمل، بتروح لها وتشوفها؟!
هتفت بصوت حماسي:
-زي الفل يا ماما، كنت معاها من يومين، حماتها ست محترمة وبتعاملها زي بنتها بالضبط، وعزة معاها على طول مبتسبهاش لا هي ولا يوسف.
ضحك عزيز لينطق:
-لهي إيثار أختك خدت الولية البومة دي معاها القصر؟!
نطق أيهم بنبرة جادة مفتخرًا بشقيقته:
-إيثار أصيلة تربية غانم الجوهري، هي الوحيدة اللي خدت كل خصاله الطيبة، الله يرحمك يا بابا.
ردد الجميع بتأثر:
-الله يرحمه.
-ربنا يهدي سرها… جملة نطقها عزيز بتأثر ليؤمن الجميع لينطق أيهم متحدثًا إلى والدته عندما رأى الحزن يخيم على عينيها:
-جرى إيه يا أم عزيز، إحنا هنقضي الليلة في الكلام ومش هتأكلينا ولا إيه، ده أنا بحلم بالبط والمحشي بتوعك من أول امبارح.
واسترسل بمشاكسة كي يخرجها من تلك الحالة التي لا تليق بمنيرة الجاحدة:
-ولا تكوني استخسرتي الدكرين بط فيا وبعتيهم يا أم عزيز.
أطلق الجميع ضحكاتهم لتنطق بنبرة حنون:
-أبيعهم ليه يا ابني، هما اللي هياكلوهم أحسن منكم.
وهبت واقفة بعدما وضعت الأكياس المحملة بهداياها جانبًا لتقول وهي تحث نوارة على النهوض:
-قومي معايا يا نوارة علشان نغرف الأكل.
نطق عزيز وهو يحث صغيرتيه إحداهما البالغة من العمر عشرة أعوام والأخرى ثمانية أعوام على مساعدة جدتهما وزوجة عمهما:
-قومي يا چودي إنت وسما هاتوا الطبلية واملوا شفاشق الماية وهاتوهم.
أطاعت الفتاتان والدهما وتحركتا لتنفيذ ما قال وبعد قليل كان الجميع يلتفون حول الطاولة الأرضية يفترشون الأرض يضحكون وهم يتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم ويتناولون طعامهم الحلال والذي يرجع أصله لسعي والدهما بشرف في الدنيا كي يجمع ثمن قطعة الأرض الصغيرة حيث بارك الله له فيها واستطاع من رزقها أن يدخل جميع أنجاله التعليم ويقدمهم للمجتمع كنموذج مشرف، قد يشرد البعض منهم أحيانًا لكنه يعود لأن منبع مأكله حلالًا طيبًا وهذا وعد الله لعباده الطيبين.
**********
تناولت طعام العشاء بصحبة العائلة لتتحرك مع علام ويوسف وبيسان إلى الحديقة للتمشية بعدما ولج فؤاد داخل حجرة المكتب كي يراجع ملفًا هامًا خاص بعمله، وتوجهت عصمت لقضاء صلاة العشاء حيث تأخرت اليوم عن أدائها بموعدها، أما فريال وماجد فصعدا لجناحيهما.
أغمضت عينيها لتأخذ نفسًا عميقًا باستمتاع بتلك الروائح العطرة حيث اختلطت روائح الزهور والنباتات العطرية التي يهتم علام برعايتها لتنطق بعدما فتحت عينيها وهي تسير بجانبه تتفقد الزهور:
-نوع الورد الأخير اللي حضرتك جبته تحفة يا بابا.
نطق سريعًا بنبرة حماسية:
-شوفتي، مكونش عاجب البيه جوزك.
نطقت باستهجان:
-معقولة، دي ريحته تهوس.
أسرعت بيسان لتهتف إلى إيثار بصوت مترجي:
-أنطي إيثار، خلي يوسف يرد عليا.
تطلعت لذاك الجالس فوق الأرجوحة مربعًا ذراعيه ويهز ساقيه بحدة تنم عن مدى غضبه لتسألها باهتمام:
-وهو يوسف مش بيرد عليك ليه؟!
رفعت الصغيرة كتفيها لتنطق:
-علشان اتكلمت مع شادي اللي معانا في تمرين السباحة.
ابتسمت ليشير لها علام قائلًا:
-روحي حلي مشكلة الشرق الأوسط بعيد عني علشان مصدع، وربنا معاك.
ضحكت لتمسك كف الصغيرة وتتجه صوب نجلها وهي تقول:
-مزعل بيسان منك ليه يا چو؟!
نطق الصغير متذمرًا بملامح وجه مستاءة:
-لو سمحتي يا مامي، خليها تبعد عني لأني مخاصمها ومش عاوز أكلمها.
مطت الصغيرة شفتيها ببؤس لتسأله إيثار:
-ليه كل الزعل ده؟!
نطق بقوة وهو يرمقها بنظرات عاتبة:
-علشان قولت لها قبل كده مش تتكلمي مع السخيف اللي اسمه شادي وهي مش سمعت كلامي.
-خلاص يا چو، مش هكلمه تاني… نطقتها متأثرة بعينين واعدة ليسألها بتوجس:
-وعد يا بيسان؟!
-وعد يا چو… قالتها بعينين آسفة ليبتسم لها سريعًا ويترجل من فوق الأرجوحة وهو يسحبها من كفها:
-تعالي نلعب عند حوض الورد بتاعي.
ضحكت إيثار لتنظر باتجاه علام فوجدته يتحدث مع فؤاد الذي خرج للتو:
-حضرتك عامل إنجاز في الجنينة يا باشا.
تطلع على نجله ليرفع حاجبه وينطق متباهيًا:
-الإنجاز الحقيقي إنت اللي عملته يا سيادة المستشار.
واسترسل قاصدًا توأمه:
-أما من أول جولة بتجيب جونين أومال هتعمل إيه في باقي الجولات يا باشا.
رفع قامته ليعدل من ياقة قميصه قبل أن ينطق بتفاخر مصطنع:
-هو أنا مش قولت لجنابك إني هبهرك.
-وقد كان معاليك… نطق بها علام سريعًا لتنطلق ضحكاتهما التي وصلت حد القهقهة لتسأل تلك التي أقبلت عليهما:
-ممكن تضحكوني معاكم؟
فتح ذراعه ليستقبلها بأحضانه فلم تدع فرصة للتفكير واقتربت عليه ليحتويها مقبلًا جبهتها ليتحدث علام:
-جوزك عندك ابقي إسأليه.
ألقى من يده رشاش المياه لتسأله بعدما رأته يستعد للانسحاب:
-رايح فين يا بابا؟!
-هطلع أغير هدومي علشان تراب الزرع وهنزل تاني… قالها وانسحب لتتطلع على حبيبها الذي بدأ يسير بجانبها:
-مش هتقول لي كنتوا بتضحكوا على إيه؟!
نطق بما أثار فضولها:
-تؤ، كلام رجالة عيب تسمعيه.
مطت شفتيها ببؤس مصطنع لتنطق بإلحاح:
-وحياتي تقول لي، نفسي أعرف حوارات الرجالة.
اتسعت عينيه ليقول بذهول:
-أخلاقك اتغيرت خالص يا إيثار، بقيتي بجحة يا بابا.
لكزته في صدره ليهمس بجانب أذنها:
-سيبك بقى من الكلام الفاضي ده وخلينا في المهم، أنا عازمك على سهرة حلوة في الجاكوزي.
نطقت بتذمر وعناد:
-مش رايحة معاك في أي حتة غير لما تقول لي إنت وبابا كنتوا بتضحكوا على إيه.
نطق وهو يضمها لصدره ويحثها على التوجه لغرفة الجاكوزي:
-ما هو ده المكان المناسب للكلام في المواضيع دي.
قطبت جبينها تسأله:
-قصدك إيه؟!
-تعالي بس معايا وهقول لك على كل حاجة وإحنا بنبدل هدومنا… قال كلماته وهو يسحبها لتفلت يدها من يده وهي تقول بنبرة خجولة:
-فؤاد، أنا عاوزة أكل حاجة.
توقف لينطق سريعًا:
-عيوني يا بابا، شوفي عاوزة تاكلي إيه وأنا أخليهم يجهزوها لك في المطبخ حالًا.
تحدثت وهي تبتلع لعابها بتلبك:
-الحاجة اللي نفسي فيها مينفعش يجهزوها في المطبخ.
ضيق بين عينيه لتنطق بتردد:
-أنا نفسي في الفسيخ والملوحة قوي.
-نعم!… قالها بذهول لينطق سريعًا:
-على جثتي عيالي ياكلوا القرف ده.
نطقت وهي ترمقه بازدراء:
-قرف، بقى الفسيخ قرف؟!
نطق بجدية ترجع أسبابها لخوفه الشديد على صحة جنينيه:
-إيثار متهزريش، الحاجات دي مش صحية وأنا مستحيل أخاطر بصحة ولادي وبقائهم، شوفي أي حاجة غيره إن شاء الله يكون لبن العصفور.
سألته بعينين تطلق سهامًا نارية:
-ده آخر كلام عندك؟!
أجابها بجدية:
-ومعنديش غيره.
-طيب يا فؤاد… قالتها وهي تكز على أسنانها لتنطلق مهرولة باتجاه باب المنزل الداخلي لينطق مناديًا عليها:
-إيثار، طب ارجعي نتفاهم.
رآها تدخل من البوابة لتختفي خلفها وينتهي الأمل لينطق وهو يشير لغرفة الجاكوزي:
-طب والجاكوزي يا حبيبي.
وضع كفيه داخل جيبي بنطاله لينطق وهو يهز رأسه بإحباط:
-كده السهرة اتضربت وبسبب سمكة معفنة.
**********
داخل الحجز الخاص بقسم الشرطة المتواجد داخل المركز، كان يدور حول حاله كالثور الهائج بعدما علم بما حدث لأنجاله الثلاث على يد عائلة ناصف، فغدًا سيترحل على القاهرة لبدأ التحقيق معه في النيابة العامة استعدادًا لمحاكمته عن طريق القضاء العالي، لم يستوعب الخبر بعد، أيعقل ما حدث لأبنائه وثروته الطائلة التي عاش حياته يسعى ويلهث لجمعها من أي جهة كانت حلالًا أو حرام، كلما تخيل مشهد طرد أنجاله من البلدة بمنتهى الإهانة يفور دمه داخل عروقه لتنفر بشدة جعلت من يراه يتيقن أنه على وشك إصابته بجلطة دماغية آتية لا محالة، هو من كان يجبر البشر على الرحيل وكم من أسر تشردت على يده هو ونجله طلعت، واليوم عليه تسديد ديونه لكنه لم يقبل بحكم الله وقدره فقد ثار وهاج وصاح بكامل صوته يسب ويلعن عائلة ناصف وبالكاد كظم غيظه بعدما تعرض للإهانة اللفظية على يد العسكري الذي كان يعظم له بالماضي كلما حضر إلى القسم ليعطي له عدة ورقات مالية كهبة منه ليسددوا له الخدمات ويقدموا الاحترام والتعظيم والولاء كي يرضي غروره وكبرياءه، الآن أصبح مجردًا من المال الذي كان يجعل له قيمة بين البشر ليتحول بدونه إلى نكرة إمعة يهينه كل من هب ودب من رواد الحجز، اقترب من أحد الرجال الذي يملك هاتفًا يؤجره للمساجين وتحدث بجدية:
-عاوز أعمل تليفون.
رد الرجل وهو يتطلع عليه باشمئزاز:
-مكنش ينفع، إنت راجل مفلس والشحن ده بيجيني بالشيء الفلاني.
نطق بثقة بعدما قرر أن يهاتف مهرب الآثار كي يبعث له بقوة تقتحم سيارة الشرطة التي ستقله غدًا إلى القاهرة وتساعده على الهرب ومقابل هذا سيهبه مقبرة فرعونية يلهث حولها كل من يعمل بهذا المجال وهو الوحيد الذي عثر على مقرها ويحتفظ به لحاله:
-هتصل بناس مهمة علشان يساعدوني أخرج، وساعتها هغرقك فلوس.
سال لعاب الرجل ليخرج الهاتف سريعًا ويناوله إياه متأملًا في الحصول على رزمة من أموال ذاك الثري الطائلة، أخذ الهاتف وخبأه داخل ملابسه وانتظر حتى تأخر الليل وغفى الجميع، تحرك إلى الحمام ليتحرك خلفه رجل ضخم البنية الجسدية كان يراقبه عن كثب وقبل أن يضغط على زر الهاتف كان الرجل خلفه مكممًا فمه بقوة ليقوم بطعنه بعنف غارسًا نصل السكين المدبب بكليته وبات يحركه يمينًا ويسارًا كي يمزق الكلية بالكامل ويصيبها بالنزيف ثم مال على أذنه ليهمس بشماتة:
-الست أزهار مرات المرحوم هارون بيه بعتالك التحية دي، وبتقول لك السلام أمانة لهارون بيه.
جحظت عينيه لتنزل دموعه وهو ينظر أمامه بعدم استيعاب لما جرى ليرتمي فوق الأرض ويلفظ أنفاسه الأخيرة لتكون نهايته من داخل أحد مراحيض السجون المليئة بالحشرات والقاذورات والروائح الكريهة، تأكد الرجل من موته ليصعد على أحد البراميل ويلقي بالسكين والقفازين التي ارتداهما أثناء ارتكابه للجريمة لإخفاء البصمات من حديد النافذة ليلتقطهم أحد الرجال ويفر هاربًا كي يخفي أثر السلاح المرتكب به الجريمة، تلصص الرجل على الجميع ليجدهم غارقون بنومهم ليتحرك على أطراف أصابعه ويعود لمكانه يمثل النوم كالبقية.
رواية انا لها شمس الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم روز امين
دقت الساعة الخامسة والنصف صباحًا، بالكاد شق ضوء الصباح ليزيل عتمة الليل الغامق وينثر نور الصباح على الأرض.
خرجت من منزلها ترفع قامتها لأعلى بكبرياء، بعدما أوفت بعهدها وزفت إليها البشرة التي انتظرتها منذ أن تلقت صدمة خبر مقتل زوجها. يجاورها نجليها حاملين سلاحيهما ليتوجها صوب منزل الحاج محمد ناصف.
وقفت أمام المنزل لتدق الباب بقوة وثبات والسعادة تعلو ثغرها.
فتحت العاملة الباب لتنطق السيدة أزهار بصوت مرتفع:
- إندهي لي الحاج محمد وإجلال.
- البيت كله لسه نايم يا ست أزهار.
قالتها العاملة وهي تطالعها باستغراب لتهتف الأخرى بصوت يملؤه الحماس:
- النايم يصحي.
لتستدير لنجليها وهي تشير إليهما وتعطي لهما إشارة البدء:
- زفوا البشارة وعرفوا البلد كلها إن ولاد الحاج هارون خدوا بتاره.
انطلق صوت إطلاق الأعيرة النارية لتفزع تلك التي تجلس فوق تختها في الحجرة التي خصصها لها شقيقها محمد تبكي وتنتحب غير مستوعبة ما حدث لزوجها وأنجالها. قفزت من فوق الفراش وهرولت للخارج كجميع سكان المنزل الذين فزعوا من نومهم على إثر صوت الطلقات المتتالية بكثرة.
خرج محمد ليجد أزهار تلف عباءة زوجها المغدور حول كتفيها بفخر، لتتحدث بنبرات تقفز من بينهم السعادة:
- ابعت هات ولاد إعمامك وانصبوا صوان العزا يا حاج محمد. النهاردة بس ولاد الحاج هارون هيرفعوا راسهم في وسط البلد وياخدوا عزا أبوهم.
ضيق بين عينيه لينطق بعدم استيعاب:
- إيه اللي حصل يا أزهار؟!
وجدت إجلال تهرول عليهما لتجاور شقيقها فابتسمت بشدة بينت صفي أسنانها لرؤيتها لانكسار تلك الجبروت حيث ظهر الحزن جليًا على ملامحها وجفنيها المنتفخين ووجهها الذابل لتنطق من بين أسنانها بتشفٍ وهي ترمق من كانت السبب الرئيسي في موت زوجها:
- وعدتك ووفيت يا إجلال. أينعم الدفنة مكانتش واحدة، بس مش مهم، الفرق كله ليلة.
تزلزل كيانها وتملك الرعب من قلبها وعلى الفور شعرت بنغزة قوية تقتحم منتصف صدرها لتهتف مستفسرة بصوت مرتجف خشية تصديق الأخرى على حدسها:
- قصدك إيه يا عقربة؟!
اقتربت الأخرى عليها لتقترب حتى لفحت أنفاسها الحارة المليئة بالحقد وجنة الأخرى:
- البقية في حياتك في الكلب نصر. روحه النجسة راحت للي خالقها.
اتسعت أعين الحاج محمد ليردد بذهول منبهرًا بقوة تلك المرأة الشجاعة التي اقتصت لزوجها بكل قوة وشجاعة:
- خدتي بتارك يا أزهار؟!
ابتعدت قليلًا لتجيبه بفخر:
- وريحت جوزي في تربته يا حاج محمد. جهزوا صوان العزا.
لتكمل بسخرية وهي تطالع تلك المكسورة التي تجبرت على الجميع من ذي قبل:
- الحاج هارون هيتعمل له أحسن صوان عزا متعملش لمأمور المركز السابق بذات نفسه.
لتتابع بشماتة وقهرة قلب زوجة فقدت سندها وزوجها الحبيب:
- والكلب اللي غدر بيه هيندفن من سكات، مفيش مخلوق سواء من البلد ولا براها هيمشي في جنازته.
استفاقت وعادت لوعيها لتهجم عليها كما الأسد الجائع وهي تقبض بكفيها حول عنقها بقوة وتجذبها لداخل المنزل لتصرخ بصوت مرعب كزئير الأسد من يستمع له يعتقد أنها ستحرق الأخضر واليابس وكل ما يطالها:
- قتلتي نصر يا بنت الـ... أنا بقى اللي بوعدك إن دفنتك هتكون قبل دفنة جوزي.
هرولت زوجة شقيقها "شريفة" لتجذبها بقوة من بين يديها وهي تقول بحدة:
- سبيها يا مجنونة. الست هتموت في إيدك.
ازدادت ضغطت قبضتيها بقوة أكبر لتشهق المرأة التي تحولت عينيها بلون الدم وكادت أن تزهق روحها وهي تهتف بغل لتبعد زوجة شقيقها:
- ابعدي أحسن لك يا شريفة وبلاش تكسبي عداوتي.
هرول محمد ليفك قبضة تلك المتجبرة وينقذ أزهار التي سعلت بشدة لتهتف شريفة زوجة محمد وهي تشير لزوجة نجلها:
- هاتي كباية ماية لعمتك أزهار بسرعة يا آية.
هرولت تلك الـ آية لتجلب كوبًا من الماء فاختطفته شريفة لتتحدث بلهفة واهتمام وهي تقربه من فم أزهار لترتشف منه القليل:
- اشربي لك بق ماية وخدي نفسك يا أزهار.
كانت تتطلع على زوجة شقيقها وهي تكرم قاتلة زوجها وتهتم بها دون أدنى احترام لمشاعرها أو خوفًا منها كالسابق. اشتعل جسدها نارًا وباتت عروقها تنفر ولولا شقيقها الذي يقيدها بذراعيه ويشل حركتها لكانت انقضت عليها لتنهي حياتها.
رفعت أزهار عينيها المشتعلة لتتقابل مع خاصتا إجلال المستعيرة لتنطق الأخيرة بحدة من بين أسنانها مما يدل على مدى ما يسكن قلبها من غضب عارم:
- مش هسيبك يا أزهار، هدفعك التمن غالي، وروحك مش هتكفيني علشان انتقم لنصر.
وإلى هنا لم يعد يتحمل شقيقها تجبرها أكثر فقد طفح الكيل وامتلأ لذروته. دفعها بقوة ترنحت على إثرها حتى أنها كادت أن تسقط أرضًا لولا قوة بنيانها. رفعت عينيها تتطلع عليه ليهتف هو بعينين تقطر غضبًا وكرهًا:
- كفاية بقى يا شيخة، إيه الفجر والبجاحة اللي أنتِ فيهم دي، مكفاكيش اللي حصل، بتهجمي على واحدة خدت حق جوزها اللي اتغدر بيه من ناكر الجميل الواطي اللي مطمرش فيه خيرنا وعيشنا وملحنا.
اتسعت عينيها وهي ترمقه بحدة متسائلة بذهول وعدم استيعاب:
- أنتَ بتقول لي أنا الكلام ده يا حاج محمد؟!
رمقها باشمئزاز لينطق بصرامة وهو يشير بسبابته محذرًا:
- اسمعي يا بنت أبويا الكلام اللي هقوله ده واحفظيه لأني مبحبش أعيد كلامي وأنتِ عارفة كده كويس. أسلوبك القديم اللي كنتي بتتعاملي بيه مع الكل تنسيه خالص.
رفع قامته لأعلى لينطق بحدة وحسم:
- زمنك عدى وفات يا إجلال، إحنا كنا مكبرينك ومكبرين جوزك إكرامًا لأبوكِ الله يرحمه وكمان علشان ثقتنا في حكمتك وعقلك اللي ورثتيهم عن الحاج ناصف.
ليكمل وهو يهز رأسه بيأس:
- بس بعد اللي عملتيه وتخطيتك اللي ضيع الحاج هارون وكسر هيبتنا في البلد، ملكيش عندنا غير النومة واللقمة وأكتر من كده ماتتعشميش. وده إكرامًا لأبوكِ الله يرحمه، لولاه كنت اتصرفت معاكِ تصرف تاني بعد المصيبة اللي حطيتي العيلة كلها فيها.
شاح بوجهه للجهة الأخرى مناظرًا لزوجته تحت اتساع بؤبؤ عيني إجلال التي تستمع لكلمات شقيقها المهينة وتشعر كأنها داخل كابوس يطبق على أنفاسها يكاد يخرج بروحها معه. هتف بقوة زلزلت المكان:
- خديها على أوضتها واقفلي عليها بالمفتاح لحد اليومين دول ما يعدوا وهي ترجع لعقلها.
وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى:
- الباب ميتفتحش إلا لسببين. أولهم صينية الأكل اللي هتدخليها لها في ميعاد كل طقة، أو دخول الحمام. ودول السببين اللي هسمح بيهم. غير كده أنتِ اللي هتتحاسبي لو كلامي ما اتنفذش بالحرف.
ترك النساء وتحرك للخارج ليهنئ نجلا هارون وتحدث بعلو صوته أمام الجمع الذي تجمع على إثر أصوات طلقات النار:
- صوان عزا الحاج هارون هيتنصب الليلة دي يا أهل البلد، وزي ما قالت الحاجة أزهار من شوية، الصوان هيتنصب لمدة تلات ليالي.
واسترسل بسبابته مهددًا:
- وكلمة واحدة من اللي حصلت هنا تخرج برة البلد ولا توصل لضابط المركز أنتوا عارفين، عيلة ناصف مبتقبلش بالخاين وسطيهم.
هز الجميع رؤوسهم بطاعة خشية بطش تلك العائلة المتجبرة ليشير لهم بالانصراف فتحرك الجميع كل لوجهته. بالداخل وقفت أزهار بقوة بعدما استعادت انتظام تنفسها لتتطلع عليها بقوة منتصر وهي تقول بتشفٍ:
- شرك وحقدك قضوا على جوزك وشردوا لك عيالك. بإيدك خربتي بيتك بعد ما شيطانك وزك ودي كانت نهايتك اللي الناس هتتحاكى بيها لسنين قدام ويغنوها على الربابة.
واسترسلت بقلب يتمزق:
- ربنا عادل وميرضاش بقهرة المظلوم. وأنتِ وجوزك ياما اتجبرتوا وافتريتوا وظلمتوا.
كادت أن تهجم عليها فقيدتاها شريفة وآية وسحباها إلى حجرتها عنوة عنها تحت صرخاتها المعترضة على تلك المعاملة. أوشكت على الإصابة بالجنون بعد أن وصل بها الحال إلى إهانتها ممن كانوا بالماضي يخشون نظراتها ويقدمون لها فروض الولاء والطاعة كي ترضى عنهم، فما بالك بأوامرها؟ فسبحان الله المعز المذل.
نصب سرادق العزاء لهارون وحضره جميع عائلات المركز والمأمور والضابط بذاتهما أما نصر فقدم جسده للتشريح لتبين سبب الوفاة وبعد يومين أفرج عن جثته ليدفن جسده من قبل رجال الشرطة ولم يحضر دفنته سوى أقرب الأقربون إليه، وقيدت القضية ضد مجهول لعدم ثبوت أو وجود أدلة للبحث عن الجاني.
*************
بعد مرور سبعة أيام، داخل منزل علام زين الدين، كانت داخل غرفتها تعيد ترتيب خزانة ملابسها، فمنذ ذاك اليوم وهي لم تخرج منها سوى لمساعدة العاملات بالمطبخ وتعود لها مرة أخرى كي لا تتواجه مع ذاك القاسي. استمعت لطرقات فوق الباب فسمحت للطارق لتلج إيثار بابتسامتها المعهودة وهي تقول:
- قاعدة لوحدك ليه؟
رفعت كتفيها لأعلى لتقول بلامبالاة:
- كده أحسن للكل، أوضتي أولى بي، واهو على الأقل مش هتسبب لك في مشاكل مع جوزك.
اقتربت عليها لتمسك كتفها بلمسات حنونة وهي تقول:
- وأهون عليكِ تسيبيني وأنا في عز شهور وحامي وتعبانة، دي حتى القهوة الدكتورة منعاني منها.
واسترسلت بابتسامة مداعبة:
- شفتي المأساة اللي أنا فيها، يعني حياتي أصبحت بلا قهوة وبلا عزة، والله حرام اللي بيحصل فيا ده.
رمقتها من قمة رأسها لأخمص قدميها لتقول وهي تلوي فاهها بطريقة تهكمية:
- كفاية عليكِ يا أختي سيادة المستشار يمزج لك دماغك.
ابتسمت بشدة على كلمات تلك العفوية لتنطق في محاولة لمراضاتها:
- ما أنتِ برضه غلطتي يا عزة، معقولة تعملي حركة زي دي وأنتِ أكتر واحدة عارفة شر المؤذي اللي اسمه عمرو.
رمقتها لتنطق بعينين لائمتين:
- هو أنتِ كمان هتقعدي تقطمي فيا زي جوزك؟
نطقت مبررة:
- أنا أكيد مقصديش وأنتِ عارفة غلاوتك عندي قد إيه.
- أيوا مهي غلاوتي بانت.
قالتها وهي تنظر للأسفل لتتهرب وتعود إلى ترتيب الخزانة وهي تتابع:
- على العموم أنا مبلومش عليكِ، ده جوزك ومينفعش تقفي في وشه علشاني.
أجابتها بجدية:
- عزة بلاش تكبري الموضوع، أنا كام مرة شرحت لك ليه موقف فؤاد كان حاد معاكِ بالطريقة دي، وقولت لك ظروف عمرو وأهله.
تنفست عزة بهدوء، هي تعلم أنها ارتكبت خطأ فادحًا لا يغتفر ولو شخصًا غير فؤاد ما ترك القصة تمر مرور الكرام ولكان عاقبها بشدة، لكنها حزينة وعاتبة عليه من قساوة حديثه الحاد ومعاملته القاسية، فقد عاشت مع إيثار مرفوعة الرأس وكرامتها مصانة، لكنها بذاك اليوم بالتحديد شعرت بهدر كرامتها بالأخص بعدما منعها من دخول غرفة الصغير ومكوثها بغرفتها بالطابق الأرضي. نطقت بهدوء ونبرة مكسورة:
- حصل خير يا إيثار، سيبك مني واطلعي شوفي جوزك وابنك.
علمت أنها لم ولن تعود كالسابق إلى أن يقدم لها ذاك الصارم اعتذارًا واضحًا عما بدر منه من إهانة بحقها، هي باتت تحفظها عن ظهر قلب. تنهدت باستسلام لتتركها وتعود للخارج لتسأل والدة زوجها الواقفة بوسط البهو تتحدث مع مديرة المنزل السيدة "سعاد":
- هو فؤاد فين يا ماما؟
أشارت لها صوب حجرة المكتب لتنطق بصوت هادئ:
- جوه في المكتب يا حبيبتي.
كادت أن تتحرك لولا صوت سعاد الذي جعلها تتوقف لتستمع إليها وهي تقول:
- أنا جهزت لحضرتك التونة اللي الدكتورة عصمت بلغتني بيها يا هانم.
تعمقت بالنظر لها تحاول فهم مقصدها لتتابع الأخرى كما الآلة الإلكترونية المبرمجة على الحديث:
- وهي جاهزة لو تحبي تاكلي منها النهاردة على العشا.
توجهت بالنظر إلى عصمت التي فسرت حديث سعاد:
- أنا قولت لسعاد تعمل لك تونة هنا في البيت، مضمونة بسمك طازة ونضيف، وخليتها تحط لها توابل وفلفل حراق علشان تطعمها لك.
- بس أنا مقولتش لحضرتك إني عاوزة تونة.
قالتها بجدية لتنطق بحدة خرجت عنوة عنها لممانعة الجميع لتنفيذ رغبتها بما تشتهيه نفسها:
- أنا نفسي في ملوحة وفسيخ، أظن طلبي مش صعب للدرجة دي.
تنهدت عصمت لتشير برأسها إلى تلك اللبيبة التي ذهبت في الحال. تنهدت لتنطق وهي تحتوي كفي زوجة نجلها بعدما امتصت حزنها من لهجة تلك الغاضبة الحادة ورجحت حدتها لتغيير هرمونات الحمل مع الضغط النفسي والهلع الذي أصابها منذ أن علمت بوجود التوأم وهذا يحدث أحيانًا لبعض السيدات اللواتي يفزعن عند علمهن بحملهن بزوجين من الأطفال، هكذا أخبرتهم الطبيبة لاستيعاب تغييراتها الطارئة:
- أنا عارفة اللي نفسك طلباه كويس يا إيثار، وحقيقي كان نفسي أجيب لك الفسيخ وتاكليه، بس لما كلمت الدكتورة وبلغتها حذرتني جدًا من خطورة الموضوع على الأجنة.
ابتسمت لتمد كف يدها تمسد به على وجنتها بحنو في محاولة لامتصاص حالة الغضب تلك امتثالًا لأوامر الطبيبة:
- وأظن أنتِ أكتر واحدة فينا خايفة على الأولاد.
لا تعلم لما تشعر بكل تلك السكينة أثناء حديثها مع تلك السيدة الراقية بكل مرة تتناقشان فيها. ابتسمت وتنهدت بهدوء لتقول بأسى:
- أنا آسفة يا ماما إني احتديت شوية في الكلام، بس صدقيني غصب عني، معرفش ليه مودي متغير ومبقتش بتحمل اللي كنت بتحمله زمان.
أجابتها تلك الرزينة:
- كل ده من تغيير الهرمونات يا حبيبتي، إن شاء الله بعد الولادة كل ده هيتغير وهترجعي لطبيعتك وأحسن كمان.
- إن شاء الله يا ماما، بعد إذن حضرتك.
نطقت كلماتها وانطلقت نحو باب المطبخ لتطلب من العاملات أن يصنعن كوبًا من القهوة لزوجها كي تتوجه به نحو حجرة المكتب لتدق الباب ثم يأتيها صوته الجهوري لتفتح الباب وتطل عليه كقمر منيرًا أضاء حياته. تحدثت بابتسامة سعيدة كي تجذب انتباه ذاك المنكب على أوراقه بتركيز شديد:
- ممكن أخد شوية من وقت سيادة المستشار.
رفع رأسه لينظر إليها من خلف نظارته الطبية الحافظة للنظر. شقت ابتسامة واسعة ثغره لينطق بتهليل وترحاب وهو يخلع عنه نظارته ويضعها بعلبتها:
- إيثار هانم زين الدين جايبة لي القهوة بنفسها.
هم بالوقوف لتشير له بألا يفعل لتقول:
- خليك مكانك أنا جاية لك.
جلس من جديد لتقترب منه وقالت وهي تقوم بوضع ما بيديها جانبًا فوق المكتب الخشبي:
- أنا قولت أجيب لحبيبي فنجان قهوة يظبط له المزاج علشان يعرف يركز في شغله كويس.
- تسلم لي حبيبة حبيبها اللي حاسة بجوزها ومزاجه.
قالها وهو يستدير بمقعده المتحرك بنصف زاوية ويشير على فخده كي تتحرك وتحتله تلك العاشقة. أرخت جسدها لتجلس براحة فوق ساقيه لتميل بوجهها وتقوم بوضع قبلة حنون فوق شفتيه قبل أن تنطق بصوت هائم:
- بحبك.
نطق بنبرة رجل عاشق بعدما بادلها قبلتها السريعة:
- وأنا بعشقك يا عمري.
تناولت قدح القهوة لتقربه منه وهي تقول باهتمام واضح:
- اشرب قهوتك قبل ما تبرد يا حبيبي.
هز رأسه برفض فهو يريد دلال أنثاه لينطق:
- عاوزة أشربها من إيد حبيبي.
ضحكت بدلال لتقول وهي تقربها من فمه:
- بس كده، فؤادي يؤمر.
ارتشف البعض منها ليغمض عينيه مستمتعًا بمذاقها اللذيذ وبات يحرك رأسه مما يدل على تلذذه. فتح عينيه ليقول بعينين بالغرام ناطقة:
- أحلى قهوة دوقتها في عمري كله.
ابتسمت لتجيبه:
- بألف هنا يا حبيبي.
قربت الفنجان من فمه ليرتشف بعضها بتلذذ وتأثر بدا على وجهه ليسألها بجبين مقطب:
- أنتِ اللي عاملة القهوة؟
تؤ. أجابته نافية ليرفع حاجبه باستغراب وهو يقول:
- أمال إيه السبب إن طعمها أحلى؟
مطت شفتيها متعجبة لتنطق بملاطفة:
- ميمشيش معاك إني طلبتها لك وجبتها لحد هنا وكمان بشربها لك بإيدي، كل دي مش أسباب كافية تخلي طعم أي حاجة أحلى؟
لف ذراعيه حول خصرها لينطق بدلال واستمتاع:
- كل حاجة في وجودك وبلمستك غير وأحلى يا قلبي.
ثم كرر عليها السؤال بطريقة جدية:
- بس بجد مش أنتِ اللي عملاها؟
أجابته وعينيها تطالع خاصتيه بحنان:
- كنت أتمنى، بس للأسف، القهوة من إيدي حرفيًا ماتتشربش.
قالت الأخيرة لتطلق ضحكاتها وهي تتابع:
- في مرة عزة كانت مسافرة البلد عند أخوها، واضطريت أعمل فنجان قهوة لنفسي لأني كنت مصدعة وكان عندي شغل كتير لازم يخلص.
كان يستمع إليها باهتمام عاشقًا بكل تفاصيل من ملكت القلب وتحكمت ليسألها بشغف لمعرفة تفاصيلها:
- وبعدين؟
رفعت كتفيها لأعلى وتحدثت:
- مفيش، حسيت إن الحوض مصدع أكتر مني فتنازلت له عنها.
ضحك حد القهقهة. تعمقت بعينيه قبل أن تقول بترقب:
- عاوزة أتكلم معاك في موضوع مهم.
- مستنيه من بدري.
قالها بدهاء لتتسع عينيها وهي تسأله بجدية:
- للدرجة دي باين عليا؟
أشار بكفه نحو كوب القهوة الموضوع جانبًا:
- باين للأعمى من الاهتمام المبالغ فيه واللي على غير العادة.
نطقت بحدة وهي ترمقه بضيق:
- بطل سخافة يا فؤاد وبلاش تحسسني إني مهملة فيك.
تحركت فوق ساقيه استعدادًا للنهوض ليجبرها على عدم الحركة وهو يقول:
- بطلي أنتِ الجنان والحساسية اللي بقيتي فيها دي.
واسترسل محفزًا بابتسامة وهو يداعب أرنبة أنفها بخاصته:
- يلا قولي وكلي آذان صاغية.
أخذت نفسًا عميقًا وكأنها تعلم أنها مقبلة على مناقشة حادة لتنطق بنظرات مترجية:
- عوزاك تصالح عزة.
ضيق بين عينيه ليسألها مستنكرًا:
- عوزاني أنا اللي أصالحها، ليه هو اللي كل مرة بعمل مصيبة أكبر من اللي قبلها وأبوظ الدنيا بغبائي واستهتاري؟
نطقت بدلال كي تستجدي موافقته:
- يا حبيبي عزة متأثرة قوي باللي حصل ومن يومها وهي يعتبر حابسة نفسها في أوضتها ومبقتش بتخرج منها.
قطب جبينه ليسألها باقتضاب:
- وإيه المطلوب؟
- تروح تصالحها.
قالتها بعفوية لينطق بصوت صارم:
- بس أنتِ كده بتدمري قوانين الدكتورة عصمت اللي وضعتها لنظام البيت من سنين يا إيثار.
ليسترسل بجبين مقطب:
- عوزاني أروح أعتذر لواحدة شغالة عندي وياريتني غلطت فيها، لا دي هي اللي عاملة كارثة وبدل ما تتعاقب تتقدر وصاحب البيت يروح لحد عندها ويعتذر.
واستطرد ساخرًا من طلبها:
- مش عوزاني بالمرة أتصل بسعاد وأبلغها تجمع لي العمال كلهم علشان الاعتذار يكون مرضي لعزة هانم؟!
شعرت بالإهانة والتقليل من طلبها وعلى الفور هبت واقفة لتدور للجهة الأخرى حتى وقفت بمقابل مقعده ليفصل بينهما المكتب. تطلعت عليه لتنطق بكبرياء:
- بس عزة مش شغالة عندكم يا فؤاد، أنا لحد وقت قريب كنت بدفع لها مرتبها من مالي الخاص لولا تدخل بابا اللي قال لي عيب ده يحصل في وجودي، وإكرامًا لبابا وغلاوته عندي كان لا يمكن أوافق أبدًا علشان ما أحرجهاش.
واسترسلت بحزم تحت نظرات زوجها المبهمة والمسلطة عليها وهو يحرك مقعده بطريقة استفزتها:
- عزة بالنسبة لي عمرها ما كانت مجرد ست بتساعدني وبتاخد بالها من ابني يا فؤاد، دي اللي ربنا عوضني بيها عن قسوة أيامي.
تنفس ليقف وتحرك إلى أن وصل إلى مكانها وقابلها الوقوف ليقول:
- خلاص متزعليش، أنا كل اللي بعمله ده من باب الضغط عليها علشان متكررش غلطها تاني وتاخد بالها من تصرفاتها بعد كده.
تنهد لينطق:
- وعلى فكرة، أنا كمان بعزها ومستجدعها جدًا من اليوم اللي جت لي فيه النيابة علشان أروح لك البلد وأجيبك من بيت باباكِ، بس ده ميمنعش إننا نعترف إنها غلطت وإن لازم يكون فيه عقاب رادع يخلي الشخص يتعلم من أخطائه وياخد باله بعد كده.
تطلعت عليه ليتابع بأسف وهو يداعب وجنتها بأصابعه:
- خلاص بقى متزعليش.
نطقت بنبرة متأثرة:
- أقول لك على سر، فاكر اليوم اللي عزمتني فيه على العشا علشان تطلب إيدي.
تنهدت بألم عندما تذكرت مرارة ذاك اليوم وبشاعته لتتابع شارحة:
- انهارت وقتها وأنا راجعة بالعربية، لما وصلت البيت مكنتش شايفة قدامي من كتر الدموع، ساعة ما دخلت ولقيتها قدامي جريت عليا واترميت في حضنها وقولت لها ضميني يا عزة، حضنها هو اللي لملم شتاتي وقتها.
نزلت كلماتها كخنجر مسموم على قلبه العاشق ليهب واقفًا وفي غضون ثوانٍ كان يقف أمامها لينطق بطريقة دعابية كي يرفع عنها ما تشعر به من ألم وغصة مريرة إثر ما تجرعته من خذلان على يده بالماضي ومن كلماته الآن:
- مهو ده من خيبتك، ما أنتِ لو ست شاطرة بجد كنتي رديتي على تليفوني بدل ما تعملي لي بلوك وأنا كنت جيت أخدتك في حضني ونسيتك كل اللي شوفتيه طول حياتك، مش بس اللي شوفتيه الليلة دي.
غمز بعينيه وهو ينطق بجملته الأخيرة لتلكزه بصدره قائلة:
- تحضن مين يا قليل الأدب أنتَ، هو أنتَ فاكرني إيه؟
- دماغك دايمًا حادفة شمال.
قالها بمشاكسة ليتابع حديثه الذي أراد به سحبها من تلك الغيمة من المشاعر السلبية بعدما تقرب منها واقترب من شفتيها:
- كنت هاخدك وأطير على أي مأذون وأجيبك بعدها على جناحنا وأمسح لك دموعك والروج كمان.
ابتسمت بابتسامة حنون لتنطق بعينين مترجيتين:
- طب علشان خاطري تيجي معايا تصالحها.
أخذ يقلب عينيه بضجر بعدما سأم ذاك الحديث لتتابع بدلال أنثوي:
- علشان خاطري بقى.
زفر بقوة ليخرج ما بداخله من مشاعر سلبية ويتحدث بمشاكسة:
- بقى هي الحكاية كده، بتستغلي حبي ليكِ ومكانتك في قلبي وتبتزيني يا إيثار؟
وضعت يدها خلف رأسه لتداعب خصلات شعره بأناملها الرقيقة وهي تتدلل بطريقة أفقدته صوابه لتنطق برجاء:
- وحياتي.
تنهد براحة وعينين كساهما الغرام وتملكه لينطق بلسان قلبه:
- حياتك بقت أغلى عندي من حياتي نفسها.
سألته بدلال ومازالت أناملها الرقيقة تداعب خصلاته كي لا تفقد تأثيرها السحري عليه:
- يعني هتراضي عزة؟
نطق والعشق يقطر من حلو كلماته:
- علشان عيونك أنا أعمل أي حاجة.
ضمته لأحضانها لتربت على ظهره بحنان وهي تقول بنبرة تقطر غرامًا:
- ربنا يخليك ليا ولا يحرمني من حنانك عليا أبدًا.
شعر بسكون داخل أحضانها الحنون لم يسبق وتذوقه سوى بضمتها. سحبها من كفها لتتحرك بجواره إلى أن وصلا إلى غرفة عزة الخاصة ودقتها هي. لتفتح عزة الباب وتتفاجأ بذاك الصارم يقف أمامها لتنطق بعفويتها المعهودة:
- فؤاد باشا بجلالة قدره جاي لحد المسكينة عزة، هي الدنيا جرى فيها إيه يا ولاد.
- تصدقي بالله يا عزة، برغم كلامك ولسانك اللي فيه حتة زيادة ده.
قالها بجدية لتبتلع إيثار لعابها خوفًا وعزة هلعًا بعدما أنب حالها ليتابع ذاك الوسيم بابتسامة جذابة:
- إلا إن كلامك ومناوشاتنا أنا وأنتِ وحشتني.
انفرجت أساريرها لتنطق على عجالة بسعادة بالغة:
- إن شاء الله يخليك يا ابن الأصول.
تحدث بما جبر خاطرها:
- متزعليش مني على حدتي معاكِ.
اتسعت ابتسامتها تحت حبور إيثار الشديد ليسترسل قائلًا:
- بس أنتِ أكيد عارفة إن نرفزتي يومها كانت خوف على يوسف وإيثار.
نطقت بصوت حماسي أظهر كم سعادتها:
- عارفة وعذراك يا باشا، وخلاص مش زعلانة منك، يلا المسامح كريم.
ضحك على عفوية تلك المرأة العجيبة لينطق بابتسامة:
- وأنتِ كريمة يا ست عزة.
مدت إيثار يدها تحتضن كفها لتسألها:
- خلاص مش زعلانة؟
هتفت بنبرة تقطر حماسًا:
- عمري ما أزعل منك، وعلشان أثبت لك من بكرة الصبح هنزل المعادي وأجيب لك أحسن فسيخ موجود عند محلات الباشا.
جحظت عينيه بذهول من تلك التي لا تتعلم من أخطائها أبدًا لتنتفض إيثار وهي تترجاه بعينيها وكفيها ليهتف هو بعينين تطلق شزرًا وكأنه تحول إلى غول:
- الست دي مش طبيعية، أنتِ أكيد مجنونة يا ماما.
انتفض جسدها لتتراجع للخلف سريعًا وهي ترى قدوم ثورته لتقف إيثار حائلًا بجسدها وهي تقول بتوسل:
- وحياتي عندك ما أنتَ متنرفز.
كانت عصمت قد تحدثت أمامها في المطبخ أن إيثار تشتهي الأسماك المملحة لكن الطبيبة حذرتهم لبعض المشاكل لذا فقد طلبت من سعاد تحضير سمك التونة المطبوخ مع بعض التوابل والفلفل الحار ليعطي نتيجة مقاربة وبرغم هذا انظر ماذا فعلت تلك المهرجة. رفع سبابته وتحدث بصرامة وحزم:
- أقسم بالله يا عزة، ما فسيخة واحدة تدخل البيت، لأكون رابطك ومعلقك في المخزن وأحنطك لحد ما تتخللي وتبقي شبه الفسيخة اللي لسه خارجة من الصفيحة، وبعدها هفصصك وأبعتك لمحلات الباشا تبيع منك بالكيلو.
كانت تستمع إليه بفاه فاره غير مستوعبة كم الغضب الهائل الذي اقتحم ذاك الحاد لتنطق بمداعبة لتلطيف الأجواء:
- طب أمانة يا باشا وأنتَ بتفصص متنساش الليمون والطحينة.
ستصيبه حتمًا بسكتة دماغية بيوم من الأيام. تطلع على زوجته التي تطبطب بكفها عليه ونظرات توسلية كي تهدأ من روعه لينطق بذهول:
- دي بتهزر، بتقلش يا إيثار.
نطقت وهي تسحبه بحدة ليتحركا للأمام:
- علشان خاطري اهدى ويلا نطلع نتمشى في الجنينة شوية.
تطلع عليها لتنطق وهي تشير على فمها:
- أنا بعد كده مش هتكلم في حضور جنابك خالص، حكم أنتَ قلبتك تقطع الخلف يا باشا.
تدخلت إيثار بينهما لتهدئ الوضع وتفض الاشتباك وبعد قليل تحدثت إليه بابتسامة واسعة أظهرت كم سعادتها:
- على ما تروحوا على الجنينة وتقعدوا هكون عملت لكم كبايتين جوافة باللبن عمركم ما دوقتوا زيهم.
ابتسمت إيثار وتحدثت بنبرة حنون:
- تسلم إيدك مقدمًا يا عزة.
أمسك كف زوجته وتحرك إلى الحديقة لتتجه عزة نحو المطبخ.
هل شعرت يومًا بصمت مريب يحتل كل ما حولك وكأنك تسكن الكون وحدك؟ حياتك ساكنة لا صوت يكسر صمتها المخيف ولا ونيس يحلي مذاق مرارتها. يمر يومك دون جديد فاليوم أشبه بالبارحة والبارحة أشبه بما قبلها وهكذا. أصبح كل شيء مملًا ولا مذاق له. نهاري يمر بلا شيء ملموس، أما ليلي فحدث ولا حرج. كم كنت أبغض قدومه حين يسدل ستائره السوداء لأغرق في ظلامه الدامس وسط ذكرياتي المؤلمة. أجلس وحيد غرفتي أتطلع على جدرانها المرتفعة لتدور عيناي متمعنًا بكل محتوياتها حتى أصل ببصري إلى فراشي وأتلمسه بكف يدي. كم كان باردًا لا نفس فيه ولا حياة. إلى أن التقيت "بسندريلا". نعم فهي سندريلا حياتي التي ظهرت من العدم لتقلبها رأسًا على عقب. وبعد أن كنت كارهًا لكل صنف حواء أصبحت عاشقًا لأنفاس إحداهن بل وصلت بعشقها لأعلى درجات الغرام. أصبحت أيضًا من محبي الليل ومغرمًا بسكونه حيث يجمعني برفقة حبيبتي. دفأت فرشتي وتلونت جدراني كحديقة بفصل الربيع بعدما عثرت على نصفي الآخر. والآن فقط أقر وأعلنها بأن فؤاد علام قد اكتمل.
فؤاد علام زين الدين
داخل فيلا عمرو المتواجدة بأحد الأماكن الجديدة، يجلس بصحبة شقيقاه بعدما تم طردهم على يد عائلة والدتهم. حالهم يقطع نياط القلوب ومظهرهم يدل على ما تعانيه أنفسهم. شعر رؤوسهم مشعثًا وذقون متروكة حتى انتشر الشعر بها بكثرة وعشوائية. يجلسون ببهو المنزل يشعلون سجائرهم الذي انتشر دخانها بشكل كثيف كاد أن يخنقهم. تحدث طلعت بانكسار وقد بدا الحزن والذل على ملامحه:
- آخرتها ارمينا في بيت في آخر الدنيا يا ولاد سيادة النائب، حتى دفنة أبونا مجرأناش نحضرها.
ليكمل حسين على حديثه المؤلم:
- أنا مش قاطع فيا ومدمرني قد الموضوع ده، تلات رجالة يسدوا عين الشمس وفي الآخر اللي يحل على أبويا واحد غريب.
هتف طلعت بحدة ظهرت فوق ملامحه الغاضبة:
- في أي شريعة وأي دين يمنعوا ولاد الميت إنهم يمشوا في جنازته؟!
بنبرة تملؤها الحسرة تحدث حسين:
- في شريعة نصر البنهاوي كل شيء كان متاح يا طلعت، ولا نسيت إن أبوك الله يسامحه ياما ظلم ناس وأجبرهم على ترك البلد.
واسترسل مستشهدًا:
- وآخرهم أهل سمية اللي خلاهم يمشوا ويسيبوا بيتهم من غير حتى ما يبيعوه ويستفادوا بتمنه.
نكس طلعت رأسه لتيقنه من صحة حديث شقيقه ليعم الصمت المكان. نظر حسين لذاك الذي ينفث دخان سيجارته بشراهة وقبل أن تنتهي يشعل غيرها لينطق متسائلًا:
- أنتَ ساكت ليه يا عمرو؟!
أجابه بخفوت وانكسار:
- وعاوزني أقول إيه يا حسين، أنا حاسس إني في كابوس وكل يوم أقوم من النوم أقول أكيد الكابوس انتهى وهصحى ألاقي نفسي في بيتي.
وتابع وهو ينظر أمامه بحنين وحالمية:
- وأبص على فرشتي ألاقي إيثار ويوسف نايم ما بينا زي زمان.
تطلع عليه طلعت وابتسم ساخرًا لينطق وهو يحدث حسين:
- عمرو أخوك بيفكرني بالمثل اللي بيقول خراب يا دنيا عمار يا دماغي.
واسترسل بحدة وهو يرمقه بسخط:
- بيتنا خرب وأمك وعيالنا وحريمنا اتشردوا في البيوت وده كل اللي في دماغه بنت غانم اللي ادته على قفاه وراحت اتجوزت.
- طلعت.
قالها عمرو بحدة ليسترسل وهو يرمقه بنظرات لائمة ممزوجة بالازدراء:
- بلاش تستغل الكلام وزي عادتك تقوم الكل عليا وتطلعني أنا الأهبل والمغيب وأنتَ العاقل الحكيم اللي مفيش منك اتنين.
لينطق بكبرياء وهو يشمله باشمئزاز:
- والحقيقة هي إن مفيش حد في بيت نصر كله طلع عاقل وحكيم وحاسب حساباته للزمن غيري.
وأشار بكفيه يستعرض ما حوله:
- والبيت اللي لاممنا ده والفلوس اللي بناكل ونشرب وعايشين منها.
واستطرد ساخرًا:
- لولا عقلي كان زمانا مرميين على أرصفة الشوارع زي كلاب السكك.
كان داخله يغلي كالبركان، فلم يتوقع ويمر بمخيلته أن هذا المدلل يمتلك كل تلك الأموال الطائلة، أما هو فكان منشغلًا بالحقد الذي يملؤ قلبه باتجاه الجميع وكرس كل اهتمامه على تنمية ثروة أبيه ممنيًا حاله بالفوز بها بأية طريقة بعد رحيل والده وإزاحة شقيقيه من طريقه أو على الأقل الاستحواذ على معظمها وترك القليل لهما، لكن إرادة الله أتت عكس ما خطط له ذاك الشرير. هتف بشراسة وغل أظهرا كم الحقد الذي يكنه داخل قلبه المريض لشقيقه الأصغر:
- أنتَ هتذلنا باللقمة اللي بتأكلهانا يا عمرو بيه.
لينتفض واقفًا وهو يقول بصرامة:
- طب أنا ماشي وسايبها لك مخضرة.
هب حسين وتحرك ليتمسك بذراع شقيقه قائلًا وهو يحثه على الوقوف:
- اقعد يا طلعت واستهدي بالله أخوك ميقصدش.
اكفهرت ملامحه ليصيح بحدة:
- يعني أنتَ مش سامع كلامه اللي يحرق الدم يا حسين، ده بيذلنا بفلوسنا.
- فلوسكم؟!
قالها عمرو وهو يرمقه مستنكرًا ليرد الآخر بقوة وتشكيك:
- آه فلوسنا يا عمرو، فلوسنا اللي جزء منها كنت بتسرقها من ورا أبوك والباقي كنت بتقلب أمك فيه يا ننوس عين ستهم.
- بقى هي دي آخرتها، بدل ما تشكرني على اللي عملته معاك تطلعني حرامي؟!
نطقها عمرو بجنون ليسترسل مستشهدًا بشقيقه:
- سامع كلام أخوك يا حسين؟
نطقها وكأنها كانت الكلمة الفاصلة لينفجر ذاك الهادئ ويخرج براكينه الكامنة بداخل روحه المعذبة:
- كفاية بقى أنتَ وهو، أنتوا إيه مبتحسوش، معندكوش دم، مش حاسين بالحال اللي وصلنا له، سايبين كل المصايب اللي حطت على دماغنا وواقفين لبعض زي الديوك.
واسترسل وهو يرمقهما باشمئزاز:
- قاعدين تقطعوا في بعض بدل ما نحط إيدينا في إيدين بعض ونفكر هنعمل إيه علشان نرجع حياتنا تاني، مش لازم ترجع زي الأول بس على الأقل يكون عندنا مكان كويس ونشتغل علشان نعرف نجيب أمكم وستاتنا وعيالنا ونعيش مع بعض زي الأول.
زفر عمرو بقوة ليتخلص من شحنة الغضب التي اجتاحت جسده لينطق بهدوء:
- البيت أهو موجود ويساع الكل، وإن كان على الشغل أنا معايا فلوس هفتح لكم مشروع صغير تشغلوه وتبعتوا تجيبوا ولادكم.
واسترسل بإبانة:
- بس أنا متعملوش حسابي معاكم، لأني مسافر وسايب البلد كلها.
قطب حسين جبينه ليسأله بتشكيك:
- جبت الفلوس دي كلها منين يا عمرو؟!
أما طلعت فتبسم ساخرًا ليجيب الآخر بقوة:
- من شغلي الخاص يا حسين.
سأله بقوة:
- اللي هو إيه شغلك الخاص ده يا عمرو؟!
ليسترسل مشككًا:
- وإيه الشغل اللي يجيب فلوس كتير بالشكل ده.
نظر لشقيقه لينطق بقوة:
- جمعت رجالة وبنحفر على الآثار يا حسين، ارتحت؟!
نطق الآخر من باب الخوف على شقيقه:
- بس ده حرام يا عمرو.
ضحك بقوة حتى ادمعت عينيه لينضم إليه طلعت وباتا يضحكان بشدة تحت خجل الآخر من حاله لينطق عمرو بعدما تحكم بتوقف ضحكاته:
- ده على أساس إنك كنت بتروح الجبل كل ليلة تبيع سبح للنهيبة يا شيخ حسين؟!
نكس رأسه بخزي لتعريته من قبل شقيقه الأصغر ليتابع الآخر ساخرًا:
- بلاش تتكلم على الفضيلة والحلال والحرام وإحنا عيشنا عمرنا كله مغروسين في الطين يا حسين.
نطق حسين بكلمات خافتة لشدة خزيه من حاله:
- زمان كنا مجبورين نكمل في الطريق غصب عننا وأنتَ عارف كده كويس، بلاش تكمل فيه بعد ما بقيت حر نفسك وسيد قرارك.
اقترب طلعت من عمرو ليحاوط كتفه برعاية لينطق بجشع ملأ قلبه بعدما قرر أن يستغل الفرصة لصالحه كعادته:
- سيبك منه ده عقله تعبان وشكله هيقلب درويش، خلينا في المصلحة وخدني معاك في سكتك.
قطب جبينه يتعجب تلونه السريع لكنه عاد وتذكر طبيعة شقيقه ليتابع الآخر بنهم:
- قولت إيه؟
سأله مستفسرًا باستغراب:
- قولت إيه فيه إيه يا طلعت؟!
نطق الآخر بجشع ظهر بعينيه:
- تدخلني معاك في شغلك ونمسكه مع بعض زي أيام أبوك.
نطق حسين باعتراض:
- بلاش يا طلعت، أنتَ شفت بعينيك اللي حصل لفلوس أبوك وآخرتها، خلينا نشتغل ونأكل عيالنا لقمة حلال يمكن ربنا يقبل توبتنا ويبارك لنا فيهم.
جذب طلعت عمرو من يده وتحدث بنبرة حماسية كي لا يدع فرصة لحسين للتأثير عليه بكلماته عن التوبة وكأن الشيطان تمثل بهيئته:
- سيبك من الكلام اللي مش هيأكل عيش ده، إحنا واخدين على المصاريف الكتير والعيشة الحلوة إحنا وولادنا، الفقر مايمشيش مع اللي زينا صدقني.
لم يكن ينتظر حديث شقيقه كي يقنعه فهو يعلم ماذا يريد وقد خطط لخطواته القادمة وانتهى الأمر. نظر إلى طلعت وتحدث بنبرة جادة:
- حاضر يا طلعت، جهز نفسك بكرة على العصر هاخدك أعرفك على الرجالة ونبدأ شغل، أصلي موقف من ساعة اللي حصل.
هز رأسه متلهفًا وتحدث بتملق:
- حاضر يا أخويا، وتقدر تسيب لي الرجالة وأنا هضبطهم لك واخليهم يمشوا زي الساعة، حاكم أنا عارفك قلبك حنين وهما عاوزين الشدة.
هز رأسه عدة مرات وهو ينظر لتغير شقيقه الجذري معه تحت حزن قلب حسين الذي لا حيلة له ويشعر بضعفه أمام شقيقيه.
*************
بعد مرور أسبوعين، داخل فيلا أيمن الأباصيري، في تمام الساعة التاسعة صباحًا، حيث تجهيزات حفل زفاف ابنته لارا والكل يعمل على قدم وساق لإتمام جميع الترتيبات للحفل الذي سيقام عند الثالثة عصرًا حيث قرر أيمن إقامته بمنزله لبعد منزل والد العريس بمحافظة منيا الصعيد وكان والد العريس قد قرر إقامته داخل أحد الفنادق الكبرى لكن أيمن طلب منه أن يقيمه بحديقة المنزل حيث مساحتها الشاسعة تستطيع جمع جميع المدعوين من طرف العائلتين. ولجت تتأبط ذراع زوجها حيث طلبت منه أن تأتي مبكرًا كي تحضر تجهيزات العروس وتشارك تلك العائلة الجميلة التي احتضنتها برعاية فرحتهم، وقد واجهت صعوبات في إقناع ذاك الذي أصبح يخاف عليها من كل شيء وأي شيء. تتبعهما إحدى العاملات التي تعمل بمنزل علام زين الدين حيث تحمل صندوقًا به الثوب التي سترتديه "إيثار" والذي صمم خصيصًا لها من قبل إحدى أشهر بيوت الأزياء العالمية المتواجدة بباريس عاصمة الموضة والجمال. تجاورها إحدى العاملات في أحد مراكز التجميل تحمل ما ستحتاجه لتزيين تلك الجميلة. كل هذا قد أشرف عليه مالك فؤادها بنفسه كي يبث السعادة في نفس معشوقته.
تحدث وهو يتحرك باتجاه أيمن وزوجته حيث خرجا سريعًا لاستقبالهما بعدما أبلغهما حارس البوابة:
- مش عاوز أعيد كلامي يا إيثار، ما تجهديش نفسك وتخلي بالك كويس قوي من نفسك ومن ولادي، متخلنيش أندم إني وافقت إنك تيجي قبلي.
سأمت حديثه المكرر للمرة التي لا تعلم عددها منذ أن سمح لها بالأمس بحضور الزفاف مبكرًا بعد مداولات استمرت لعدة ساعات وكأنها داخل اجتماع عمل تحاول جاهدة إقناع طرف صعب التفاهم لإبرام صفقة العمر معه. نطقت بهدوء وهي تكظم غيظها:
- يا حبيبي متقلقش وبلاش تتعامل معايا على إني بلورة قزاز وأي لمسة هنكسر، ولا كل شوية حافظي على ولادي حافظي على ولادي.
واسترسلت بضجر:
- ثم أنتَ ليه محسسني إني لو مشيت كام خطوة الولاد هيقعوا مني؟!
تطلع عليها بجبين مقطب لكنه ابتلع كلماته عند اقتراب أيمن وزوجته التي رحبت قائلة بابتسامة عذبة:
- البيت نور يا سيادة المستشار.
شكرها وأقبلت لتحتضن إيثار وهي تقول بنبرة صادقة:
- وحشتيني.
- وحضرتك كمان وحشتيني جدًا.
قالتها بحفاوة لتوجه بصرها لذاك الذي يتطلع عليها باشتياق كاشتياق الأب لابنته التي تربت على يده. تحدثت باشتياق جارف ظهر بعينيها:
- إزي صحة حضرتك، طمني عليك.
- متأثرة يا أستاذة من ساعة ما سبتيني ومشيتي.
قالها بنوع من الملاطفة ليكمل بنبرة جادة:
- مديرة مكتبي الجديدة عاملة زي العسكري اللي بينفذ التعليمات.
أطلق الجميع ضحكاتهم ليتابع بإبانة:
- تعرفي لو دخلت ولقتني بموت قدامها ولا تهتم، تديني الأول الملفات أمضيها وبكل برود تسألني، تؤمرني بحاجة تانية حضرتك.
أطلق فؤاد ضحكة رجولية ليسأله بمزاح:
- دي كده تبقى آلة مبرمجة حضرتك.
نطق بحماس مؤيدًا لحديثه:
- برافو عليك يا فؤاد باشا، هي فعلًا آلة مبرمجة، ده أفضل وصف ليها.
ثم استرسل متابعًا بعينين تشتاق بحنين للماضي ولتلك التي طالما اعتبرها كابنة له:
- أكتر حد فهمني وفهم شغلي من بين كل اللي اشتغلوا معايا هي إيثار، كانت بتعرف أنا محتاج إيه من غير كلام، كانت واخدة بالها من علاجي وأكلي حتى المشروبات كانت بتختارها لي بناءً على حالتي الصحية والمزاجية.
كانت تتطلع عليه بحنين لا يقل عن الساكن بداخله وقلب يتمزق لترك ذاك الكريم لكن ما بيدها لتفعله، هكذا هو حال الدنيا. تطلع على فؤاد الممسك بكف حبيبته بفخر ليتابع أيمن بعينين لامعة بالفخر:
- أنتَ معاك جوهرة يا سيادة المستشار، حافظ عليها كويس.
تطلع بعينيها وتعمق لينطق بنبرة بغرامها سابحة:
- دي في عيوني وساكنة القلب من جوه.
شعرت وكأنها تطير في الهواء بخفة والزهو والحبور يحيطاها لتتابع "نيللي" بقلب سعيد من أجل تلك الخلوقة:
- ربنا يخليكم لبعض يا سيادة المستشار، إيثار بنت حلال وتستاهل إنها تتجوز راجل محترم زي جنابك.
مال برأسه يحييها باحترام وهو يشكرها:
- مرسي لذوق حضرتك يا هانم.
قطعت حديثهم تلك التي أقبلت عليهم لتنطق وهي تمد يدها لمصافحة فؤاد بحفاوة:
- نورت يا فؤاد باشا.
لم يشعر بالارتياح لتلك المرأة اللئيمة حيث شعر بحقدها على زوجته لذا قرر تجاهلها ليجيبها بكلمات مقتضبة وهو يسحب كفه سريعًا:
- متشكر يا هانم.
شعرت بالضجر وأصابتها كلماته بالإحباط لتقترب من إيثار تحتضنها برياء وهي تقول بنبرة يشوبها بعض الكبرياء:
- إزيك يا إيثار.
تعلم من داخلها أن تلك الـ سالي تعاملها بترفع منذ أن اختارها ذاك السامي وتزوجها دون غيرها من النساء لكنها مرغمة على احترامها إكرامًا لزوجها وعائلته التي عاشت في كنفهم طيلة سنواتها الضائعة. لتتحدث بنبرة باردة كنبرة تلك المغرورة:
- أنا تمام، أنتِ أخبارك إيه؟
رفعت حاجبها باستنكار لتهز رأسها بابتسامة مصطنعة ليقطع حديثهما الخالي من الدفء ذاك الراقي حيث تطلع سريعًا على زوجته لينطق بنبرة أوضحت للجميع مدى عشق ذاك الوسيم لتلك الرائعة:
- أنا همشي يا حبيبي وأنتِ خلي بالك من نفسك.
تطلعت عليه بعينين تنطق بالغرام ليقطع حديثها أيمن الذي تحدث بنبرة جادة:
- مش قبل ما تشرب حاجة.
نطق معتذرًا باحترام:
- معلش يا أفندم، لما أجي الفرح هشرب معاك إن شاء الله.
نطق أيمن بإصرار:
- لا يمكن، هنشرب قهوة مع بعض هنا في الجنينة.
أومأ له بموافقة لينطق أيمن قاصدًا زوجته:
- خليهم يجهزوا لنا فنجانين قهوة مظبوط ويبعتوهم على الاستراحة يا نيللي.
- حاضر يا حبيبي.
نطقتها تلك الراقية "نيللي" لتوجه حديثها لزوجة نجلها بطريقة مهذبة:
- من فضلك يا سالي.
ثم تابعت وهي تشير لمساعدتي إيثار:
- خذي البنات وعرفيهم الأوضة اللي أنا خصصتها لـ إيثار علشان تجهز فيها، وخليهم يرتاحوا لحد ما إيثار هانم تطلع لهم.
اشتعل داخلها بشرارات الغضب من إسناد والدة زوجها تلك المهمة السخيفة لكنها لا تقوى على الرفض فما كان منها سوى الانصياع حتى لا يظهر حقدها الدفين على تلك التي كانت تعمل عند والد زوجها مجرد عاملة حقيرة أما الآن فقد تبسم لها الحظ لتصبح بين ليلة وضحاها زوجة رجل مهم ذو منصب رفيع المستوى ناهيك عن اسم عائلته وأموالهم الطائلة والتي ظهرت على تلك الريفية كما تطلق عليها بين حالها. فطالما رأتها الفتاة الريفية التي اقتحمت المدينة متمردة على وضعها لتخلق بيديها حياة جديدة جعلت منها شخصية أخرى لا تشبه السابقة والآن أصبحت من أهم سيدات المجتمع بعدما اقترن اسمها باسم عائلة الزين وما زاد من قوتها هو حملها بجنين لتثبيت قدميها والوقوف على أرض ثابتة.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها مستنكرة الوضع قبل أن تهز رأسها وهي تنطق مرغمة ولكن برأس مرتفعة بكبرياء لعدم التقليل من شأنها:
- أوك يا طنط.
نطقت إيثار بطريقة راقية وهي تنسحب:
- بعد إذنكم، هطلع أشوف لارا.
أومأ لها الجميع وانسحب فؤاد مع أيمن وإيثار بصحبة سالي التي تحدثت فور ابتعادهما واتجاههما نحو الباب الداخلي للمنزل:
- برافو عليكِ يا إيثار، طلعتي أشطر مما توقعت.
تطلعت عليها لتسألها بعدم استيعاب لمغزى كلماتها:
- وإيه بقى اللي كنتي متوقعاه وأنا تخطيته يا أستاذة سالي؟!
ابتسمت ساخرة لتصلا لأول الدرج لتتوقف على الفور ممسكة بالدرابزين وباتت تتطلع لعينيها وهي تقول بوقاحة:
- بصراحة أنا كنت مستغربة قوي إنك ماحاولتيش تتقربي من دكتور أحمد ولا حتى عمو أيمن زي ما معظم السكرتيرات بيعملوا.
اشتعل داخل الأخرى ورمقتها بنظرات جحيمية لتتابع الأخرى متجاهلة مشاعر الغضب التي بدت على معالم وجه الأخرى:
- لحد ما قدرتي وبكل براعة توقعي سيادة المستشار في مصيدتك، ساعتها عرفت إنك كنتي مستنية الفرصة الأكبر، وبصراحة.
توقفت عن استكمال حديثها السام لبرهة صغيرة لحتى تصفق بكفيها بطريقة مسرحية لتكمل بغمزة من عينيها:
- برافو، برافو مدام إيثار، الصيدة تقيلة وتستحق الصبر.
ابتلعت غصة مرة من حديث تلك الوقحة التي وصمتها بالمرأة التي تتصيد فرص الزواج من الأثرياء. تماسكت كي تستطيع الرد المناسب لتلك الحقيرة:
- فيه مقولة حلوة قوي تنطبق جدًا عليكِ.
ضيقت بين عينيها تنتظر تكملة حديثها بتمعن لتكمل إيثار كلماتها المعبرة وبكل براعة:
- المقولة بتقول، كل يرى الناس بعين طبعه، فلا تنتظر من الخبيث أن يراك نقيًا، ولا من المنافق أن يراك صادقًا، ثق بنفسك وأسلوبك وأخلاقك وامضي.
انتهت من جملتها لترمقها بنظرات احتقارية أشعلت تلك الـ سالي التي لم تتوقع حتى بأحلامها أن تهان على يد تلك التي طالما نظرت لها بعين التقليل. وقبل أن تستجمع شتات حالها المبعثر نطقت إيثار بقوة وهي تشير لإحدى العاملات التي تعرفها جيدًا بعدما خرجت من باب المطبخ:
- ماجدة.
أتت العاملة مهرولة لتنطق بترحاب بتلك الجميلة:
- أستاذة إيثار، إزيك.
- الحمد لله يا حبيبتي بخير.
نطقتها بابتسامة رائعة لتتابع باحترام يعود لتربيتها السليمة على يد والدها الذي زرع بها الأصول واحترام من هو أقل منها:
- ممكن توريني الأوضة اللي مدام نيللي جهزتها لي.
- تحت أمرك يا ست الكل.
قالتها الفتاة بحبور لتصعد الدرج سريعًا وهي تقول:
- اتفضلي معايا.
تطلعت على تلك المذهولة حيث مازالت تحت تأثير الصدمة فقد أفحمتها بالرد المناسب دون المساس بها مباشرة احترامًا لمالك المنزل. تحدثت بابتسامة مصطنعة ونظرات تقليلية:
- بعد إذنك يا، يا سالي هانم.
رفعت رأسها بترفع وصعدت الدرج بطريقة راقية وخطوات واثقة لتلحق بها العاملتان تحت نظرات سالي المشتعلة وعقلها الصارخ وقلبها المستعير بنار الحقد.
وصلت إيثار إلى غرفة لارا ودقت بابها ثم ولجت لتجد تلك الجميلة تجلس على المقعد المتواجد أمام مرآة الزينة تتطلع على حالها وهي ترتدي ثوب الحمام الأبيض مستسلمة لخبيرة التجميل التي تصفف لها شعرها. تفاجأت بولوج تلك التي هتفت بنبرة حماسية:
- العروسة تسمح لي أدخل؟!
- إيثوووووووو.
قالتها بحبور شديد لتنهض منتفضة تاركة مقعدها وهي تهرول باتجاهها لتحتضنها وباتت تلف بها بطريقة جعلت إيثار تصرخ لتقول وهي تحتضن بطنها لتحميهما من جنون تلك المنطلقة:
- حاسبي البيبي يا مجنونة.
اتسع بؤبؤ عينيها لتتوقف على الفور وتضع كفيها أمام وجهها لتقوم بتقديم الاعتذار بطريقة تمثيلية:
- I’m sorry.
لترد إيثار وهي تتطلع عليها باستنكار:
- ويفيدني بإيه أسفك لما فؤاد علام يعلقني في أوضة المخزن.
ضحكت على مزحة صديقتها لتنطق إيثار وهي تتطلع عليها بنظرات متأثرة فاتحة ذراعيها لتستقبلها بأحضانها:
- مبروك يا قلبي.
اقتربت لكن بحذر تلك المرة واحتضنتها بحفاوة لتنطق بعدما ابتعدت قليلًا:
- فين چو؟!
أجابتها وهي تقترب من الفراش لتجلس عليه كي تستريح:
- عنده تمرين سباحة هيخلص وييجي مع فؤاد في ميعاد الفرح.
ابتسمت الفتاة لتهرول على ثوب زفافها المعلق وهي تقول بنبرة حماسية ترجع أسبابها لسعادتها لزواجها بالرجل التي عشقته:
- تعالي أوريكِ الفستان، مورتهوش لحد خالص حتى مامي، مخليه مفاجأة للكل.
لتتطلع إيثار عليها بحنان لتنطق الأخرى مسترسلة:
- بس أنتِ غير يا إيثار، مش بعرف أخبي عنك حاجة.
بعد قليل استدعاها أيمن عن طريق العاملة كي تنضم لطاولة الطعام. نزلت الدرج وأخذتها العاملة لحجرة الطعام لتجد أيمن يتقدم الطاولة تجاوره على اليمين زوجته وعلى شماله أحمد تليه سالي. وما أن رآها أحمد حتى انتفض من جلوسه ليرحب بها بطريقة سامية:
- أهلًا، إزيك يا مدام إيثار.
هزت رأسها بحبور لتجيبه بابتسامة بشوش:
- الله يسلمك يا دكتور، أخبار حضرتك إيه.
أشار لها أيمن لتجلس فاستدارت وجلست مقابل سالي التي رمقتها بنظرة حادة لتردها بابتسامة صفراء. بدأ الجميع بتناول الطعام لتنطق إيثار بإعجاب وهي تتطلع على أصناف الطعام المتواجدة على السفرة:
- حلو قوي أكل الشيف، والأصناف متنوعة وهترضي جميع الأذواق.
تحدثت نيللي وهي تتطلع بفخر على زوجها:
- الشيف اختيار أيمن، هو اللي اختار الشركة المنظمة للحفلة وأصر عليهم يختار الشيف بنفسه.
أكملت على حديثه لتمدح في مديرها السابق بنبرة صادقة:
- الباشمهندس طول عمر اختياراته كلها perfect.
واسترسلت وهي تنظر لها:
- وأكبر دليل على كده إنه اختار حضرتك.
وضعت كفها على خاصتها الموضوع فوق حافة الطاولة وربتت عليها وهي تقول:
- حبيبتي يا إيثار، عيونك الحلوين يا روحي.
بادر أيمن بسؤالها الحنون:
- قولي لي يا إيثار، يا ترى هتجيبي لنا أخ ولا أخت للأستاذ يوسف.
ابتسمت خجلًا لتجيبه وهي تنظر إليه بسعادة:
- فؤاد كان نفسه في بنوتة قوي، وبابا علام وماما عصمت كان نفسهم في ولد علشان يكون امتداد للعيلة، فربنا راضى الكل والحمد لله.
نطقت نيللي بسعادة ظهرت بعينيها:
- توأم، هتجيبي بنت وولد يا إيثار؟
أومأت عدة مرات للتأكيد بسعادة لتتلقى التهنئة من الجميع ماعدا تلك التي زاد حقدها وهي تتطلع عليها لتسأل حالها، ما الذي يميز تلك الحقيرة لكي تنال كل شيء دفعة واحدة.
*************
بدأ حفل الزفاف وحضر الجميع والآن هم في انتظار خروج العروس مع والدها من الداخل. تحدث أيمن وهو ينزل الدرج وابنته تتأبط ذراعه بفخر:
- مبروك يا حبيبة قلبي، زي القمر يا ماما.
أجابته بسعادة هائلة:
- مرسي يا بابي.
تطلع على تلك الجميلة التي تنزل خلفهما:
- كان نفسي أسلمك بإيدي لسيادة المستشار، بس جنابك عملتيها من ورايا.
ضحكت بصوت مرتفع لتجيبه:
- أنا كنت في إيه ولا في إيه بس يا باشمهندس، ده أنا كنت خارجة من مصارعة تيران وقتها.
ضحك جميعهم وتحركوا للخارج تحت تصفيق حار من الجميع. أما ذاك العاشق فكان في عالم آخر. تطلع على ملكة زمانها التي أبهرت الجميع بمظهرها الهائل وذاك الثوب نبيذي اللون والذي لام حاله كثيرًا لاختياره اللون المفضل لديه حيث أضفى جمالًا على جمالها. وقف ليستأذن من عائلته التي حضرت بالكامل بناءً على دعوة أيمن وإصراره على الحضور. وذهب إليها في حين هرول يوسف ليستقبل لارا فأوقفه فؤاد ليحمله وهو يقول بهدوء:
- استني يا حبيبي لما بباها يسلمها للعريس وبعدها نروح نسلم عليها.
- بس لارا صاحبتي يا أنكل.
قالها بتلقائية ليجيبه فؤاد:
- حتى لو صاحبتك، مينفعش يا چو، ده بروتوكول الأفراح مش هنيجي إحنا ونكسره.
نطق الصغير بخيبة أمل:
- طب نزلني علشان أرجع لبيسان.
هبط ليهرول عائدًا إلى طاولة العائلة لينطلق الآخر إلى حبيبته يتحرك بين الحضور بخفة وجاذبية وعينيه مصلطة على تلك السندريلا التي ظهرت بحياته لتنيرها وتجعلها أكثر إشراقًا. وصل لوجهتها ليرفع كفها يقبله وهو يتطلع عليها باشتياق جارف وعينين تكاد تلتهمها لشدة جمالها. تحدث أمام عينيها:
- زي القمر يا قلبي، مع إني طلبت من خبيرة التجميل تحط لك ميك أب خفيف جدًا إلا إنه أضاف لك جمال على جمالك.
نطقت بسعادة وهي تتعمق بمقلتيه:
- وحشتني، حاسة إني بعيدة عنك ليا أيام مش مجرد كام ساعة.
أجابها وهو يبادلها نفس النظرات الولهة:
- نفس اللي حصل لي يا حبيبي، البيت وحش قوي من غيرك يا إيثار، الكام ساعة اللي قعدتهم فيه من غيرك حسسوني قد إيه وجودك بقى أهم من الهوا اللي بتنفسه.
ابتسمت وظهر الحبور بعينيها لينطق بحدة وكأنه تحول لآخر:
- بس اعملي حسابك يا هانم، دي آخر مرة هتلبسي فيها نبيتي برة أوضة النوم، فاهمة ولا لا؟
هزت رأسها بطريقة ساخرة لتجيبه:
- ده على أساس إن أنا اللي اختارت موديل الفستان ولونه؟!
- غبي.
نطقها بحدة ليسترسل والغيرة تنهش بقلبه بظهورها بكل هذا السحر والجمال:
- أنا بعترف إني أغبى واحد في الكون.
وتابع بغيظ من بين أسنانه:
- بس بسيطة، محدش بيتعلم ببلاش.
نطقت بعينين تهيم غرامًا:
- هو للدرجة دي أنا حلوة في عيون حبيبي؟
بنفس درجة الهيام أجابها:
- أنتِ حلوة في عيون حبيبك في كل حالاتك يا قلب حبيبك.
- تحبوا أجيب لكم اتنين ليمون وشجرة.
جملة قالتها فريال التي تسحبت لتتسمع عليهما من الخلف لينتفض على إثرها العاشقان مما جعل إيثار تنطق برجفة:
- حرام عليكِ يا فريال فزعتيني ورعبتي ولاد أخوكِ.
- كله إلا ولاد أخويا.
قالتها وهي تتحسس بطنها ليجذب يدها بحدة ترجع لغيرته قبل أن ينطق بغيرة:
- أنتِ اتجننتي يا فريال، إزاي تحطي إيدك على بطنها بالشكل ده قدام الناس.
نطقت وهي ترفع كفيها للأعلى باستسلام بطريقة كوميدية:
- خلاص خلاص متزعليش، نسيت إن الباشا بيغير.
لتتابع متعجبة:
- أنا مش عارفة الغيرة الفظيعة اللي طرأت على شخصيتك دي، من إمتى والباشا بيغير كده؟!
نطقت إيثار بثقة تصل للغرور وهي تتطلع على زوجها وتتمسك بذراعه لكي تثبت للجميع أنها المرأة الوحيدة التي استطاعت امتلاك قلب فؤاد علام وأن التي سبقتها لم يعد لها أثر:
- من يوم ما حب وعشق بجد يا أستاذة.
وتابعت وهي تنظر بمقلتيه تسأله بدلال لامرأة تعشق زوجها:
- مش كده يا حبيبي؟
بادلها نظراتها الولهة ليؤكد على حديثها:
- كده يا قلب حبيبك.
نطقت فريال وهي تتطلع على نظراتهم المغرمة:
- وربنا لتفضحونا النهاردة، أنا رايحة أقعد جنب جوزي قبل ما تتهوروا وتتمسكوا فعل فاضح في الطريق العام وأروح أنا في الرجلين.
استلم العريس عروسه وتم عقد القران لتنطلق الزغاريد والمباركات وتبدأ الرقصة الأولى. تحركت إيثار بجانب زوجها لتقوم بالترحاب بهما بجانب أيمن ونيللي. جلست بجوار فؤاد ليسألها علام بعد انسحاب أيمن وزوجته:
- أحفادي الأبطال أخبارهم إيه.
أجابته بممازحة لذاك الخلوق:
- أحفادك مش مبطلين ترفيس في جنبي سعادتك، ما شاء الله عليهم شكل الولد هيطلع مو صلاح التاني وأخته هتطلع بطلة جمباز.
نطقت عصمت على عجالة:
- قولي الله أكبر يا إيثار، ما يحسد المال إلا أصحابه.
سأل ماجد فؤاد:
- هو أنتوا لسه ما اختارتوش أسماء البيبهات ولا إيه يا سيادة المستشار؟!
تطلع على عيني حبيبته لينطق بسعادة:
- اخترناهم خلاص يا دكتور.
نطقت فريال باستهجان:
- من ورايا؟!
واسترسلت بمشاكسة:
- أنا ملاحظة إن من يوم ما انتقلنا على بيتنا أنا وماجد وفيه شغل كتير بيحصل من ورا ظهرنا، ولا إيه يا ست ماما؟
ضحك الجميع لتجيبها عصمت بصدق تجنبًا لحزن نجلتها:
- صدقيني أنا اتفاجأت بالكلام زيي زيك بالظبط، ولا أعرف الأسماء لحد الوقت.
نطق فؤاد لإرضاء شقيقته:
- محدش لسه عرف يا فيري، أنا وإيثار اخترناهم بالليل ولسه مبلغناش حتى الباشا.
نطق عل
قال فؤاد:
- إن شاء الله، زين الدين فؤاد علام زين الدين، وتاج فؤاد علام زين الدين.
نزل الخبر على قلب علام كالغيث هطل على قطعة أرض متشققة من شدة العطش، ليرويها وينعشها وتدب بها الروح من جديد. ربتت عصمت على كف زوجها الذي نظر إليها بسعادة، تلقى الزوجان التهنئة من الجميع الذي أجمعوا على حسن اختيار الاسمين.
بعد قليل صعد الجميع ليرقصوا معًا رقصة الثنائيات، وصعد أيضًا يوسف الذي ارتدى بدلة كاملة، وبيسان حيث ترتدي ثوبًا منفوشًا كثوب العروس، ليرقصا ويمرحا معًا بعد أن قدما التهنئة للعروسين. كان زفافًا حقًا رائعًا سعد به الجميع، عدا تلك سالي التي ملأ الحقد قلبها من ناحية إيثار.
*************
عادت مع زوجها لتلج إلى الحمام وتغطس بجسدها في الماء كي تريح جسدها المنهك. بعد مدة خرجت لتجد حبيبها بانتظارها، وقد أشعل بعض الشموع ذات الروائح العطرة ليخلق أجواءً رومانسية، وأيضًا شغل موسيقى هادئة كي تساعد حبيبته على الاسترخاء. اقترب عليها لينحني بطوله الفارع حتى وضع كف يده على بطنها ليتحدث إلى جنينيه بقلب يرتجف فرحًا:
- حبايب بابي اللي وحشوه طول اليوم.
وكأن الصغيرين استمعا لصوته الرنان ليتحركا تحت كفيه، مما جعل قلب ذاك الحنون ينتفض فرحًا وسعادة، لينطق بصوت يكسوه الحبور الشديد:
- دول سمعوني وبيردوا عليا يا إيثار، ولادي عارفين صوتي وبيحسوا بيا.
تلمست شعر رأسه بحنان لتنطق بنبرة سعيدة لأجله:
- طبعًا عارفينك يا حبيبي، دول ولاد سيادة المستشار فؤاد علام وأكيد وارثين عنك النباهة والذكاء.
ابتسم ليعتدل بجسده من جديد، ثم جذبها لأحضانه وتحدث وهو يستنشق شعر رأسها:
- وحشتيني قوي، كل حاجة فيك وحشتني، نظرة عيونك صوتك، حتى ريحتك اللي تشبه ريحة الجنة.
كانت تستمع إلى كلماته وكأنها تستمع إلى عزف رائع على البيانو، تعمقا بالنظر كل منهما إلى الآخر ليندمجا معًا داخل حالة الهيام التي اجتاحت روحيهما، ليغوصا داخل بحر هواهما العظيم. غفت بين أحضانه بعد أن قضى كلاهما ليلة رومانسية لتضاف إلى لياليهم الرائعة. فاق في الصباح ليراها جالسة ووجهها عابس، ليسحب جسده سريعًا ويسألها باهتمام:
- مالك يا بابا؟ قاعدة كده ليه؟!
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنطق بصوت جاد:
- فؤاد، أنا عاوزة أروح كفر الشيخ.
زفر وهو يقلب عينيه بضجر لينطق بصوت حاد:
- صباح الهرمونات والجنان الرسمي.
تطلعت بعينيه وابتلعت ريقها قبل أن تقول بتأثر:
- أنا مبهزرش يا فؤاد، أنا عاوزة أزور قبر بابا وأسد الدين اللي عليا.
ضيق بين عينيه ليسألها مستفسرًا:
- دين إيه ده اللي عليك يا إيثار؟!
طالعته بتأثر قبل أن تنطق...
رواية انا لها شمس الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم روز امين
تطلعت إليه بعينين متعجبتين ليسألها مستفسرًا بغرابة:
- دين؟! دين إيه ده اللي عليكِ يا إيثار؟!
صمتت لبرهة ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنطق بنظراتٍ متأثرة:
- هرجع لإخواتي حقهم، هتزل لهم عن ملكيتي للبيت والأرض وهوزعهم عليهم بشرع ربنا.
واسترسلت وهي تهز رأسها:
- ومش هاخد من الورث أي حاجة علشان يرتاحوا.
أضيق عينيه ليسألها:
- وتفتكري لما تتنازلي عن حقك أبوكِ هيرتاح؟!
تنهدت لتجيبه متأثرة لذكر اسم والدها الحبيب:
- بابا الله يرحمه كان أكتر واحد بيحس بيا، وأكيد وهو في دار الحق هيحس ويفهم أنا عملت كده ليه.
تحدث بصدقٍ وهدوء:
- بصي يا حبيبي، إنتِ أكيد عارفة ومتأكدة إن ولا يعني لي أي مبلغ هتاخديه من ورث بباكِ، ومهما أخدتي هتكون بالنسبة لي ملاليم.
واسترسل مستشهدًا بالمال الذي وضعه باسمها في أحد البنوك كي يشعرها بالأمان وبأنها أصبحت زوجة لرجلٍ ثري وترك لها حرية التصرف في المال كيفما شاءت دون الرجوع إليه، وقد عارضته كثيرًا حينها لكنه أصر على قراره وما كان منها سوى الإنصياع لرغبته فبالنهاية هي زوجته ويحق لها التمتع بماله:
- أنا حطيت لك في حسابك اللي يكفيكِ عمرك كله واللي لو صرفتي منه ليل ونهار مش هيخلص، بس أنا بتكلم علشان تراجعي نفسك، لأن قرار زي ده محتاج تفكير علشان مترجعيش تندمي.
أمسكت يده وتحدثت بنبرة حنون:
- أنا عارفة إن كلامك من باب لفت الإنتباه مش أكتر، بس قراري أنا أخدته بعد تفكير عميق.
واسترسلت بإبانة:
- وعلى فكرة، أنا من اليوم اللي بابا الله يرحمه سلمني الورق وأنا ناوية إني هرجعه أول ما إبني يتم السن القانوني وقلبي يطمن عليه، وقررت بيني وبين نفسي إني مش هاخد أي حاجة من الورث ده، لأني الحمدلله ربنا كان رازقني ومُرتبي من شركة أيمن الأباصيري كان مكفيني أنا وإبني وعزة.
واسترسلت وهي تنظر إليه بعرفان:
- وبما إنك حليت لي مشكلة الحضانة فمفيش داعي إني أحتفظ بالورق معايا أكتر من كده.
واسترسلت متأثرة بحنين:
- هما محتاجينه علشان يطمنوا، وكمان عزة قالت لي إن نوارة كلمتها وقالت لها إنهم كانوا محتاجين يبيعوا حتة أرض علشان يوسعوا على نفسهم وأولادهم، لكن طبعاً هما ميقدروش يتصرفوا طول ما كل حاجة بإسمي.
حاوط وجنتيها بكفاه وتطلع عليها بفخرٍ ثم تحدث بقلبٍ سعيد ببراءة وأخلاق زوجته نقية القلب:
- لو أقول لك أنا فخور بيكِ قد إيه مش هتصدقي، إنتِ جميلة قوي يا إيثار، وجمال قلبك طاغي وزود من جمال ملامحك.
ابتسمت بسعادة ليفتح لها ذراعهُ يدعوها كي تسكُنه وكأنها كانت تنتظر لترمي حالها سريعًا فقد أصبح حُضنهُ ملاذها الأمن الذي تتحامى به من جميع ما يؤرق روحها.
تنهدت وهي تتنعمُ بين أحضانه الحانية وتستمتع بلمساته الحنون الذي ينثرها فوق ظهرها وشعر رأسها مما أدخلها بحالة من الإسترخاء والسعادة اللامتناهية.
نطقت بصوتٍ مرتخي جراء حالتها:
- فؤاد.
- إيه يا حبيبي… قالها مستمتعًا بضمتها لتسألهُ مستفسرة:
- هنروح إمتى كفر الشيخ؟
نطق ببرود وهو يستنشق عبير شعرها:
- ومين قال إننا هنروح كفر الشيخ يا عمر.
نزعت جسدها من بين أحضانه وهي تنفض ذراعيه لتسألهُ بعينين متسعتين:
- هو احنا مش إتفقنا خلاص.
صعدت بهدوء لينطق مفسرًا:
- إحنا أه اتفقنا إنك هترجعي الورق لاخواتك وتتنازلي لهم عن حقك في ميراثك الشرعي.
واسترسل وهو يُشير بكفه على حاله:
- لكن أنا قولت لك ولا حتى لمحت إننا هنسافر كفر الشيخ؟!
ضيقت عينيها بعدم استيعاب لتسألهُ متهكمة:
- وهتنازل لهم إزاي إن شاءالله؟!
تنفس بهدوء قبل أن ينطق بثبات وجدية:
- هكلم المحامي بتاع العيلة ييجي النهاردة يكتب لك التنازل وتمضي عليه وهبعته لهم مع السواق.
- وبالنسبة لزيارتي لقبر أبويا… قالتها باستفهام لتتابع ساخرة بتهكم:
- هتبعت تجيبه لحد هنا هو كمان يا سيادة المستشار؟!
أغمض عينيه محاولاً تهدأت حاله قبل ثورتها المتوقعة فقد بات يحفظ طبعها عن ظهر قلب:
- حبيبي، موضوع زيارتك لقبر عمي الله يرحمه مضرين نأجله لبعد الولادة إن شاء الله.
كانت تستمع إليه وهي تهز رأسها مستنكرة لحديثه ككل وقبل أن تنطق قاطعها برفضٍ قاطع:
- إنسي، أنا مستحيل أضحي بأمانك وأمان ولادي علشان خاطر أي حد.
نطقت بنبرة متأثرة علها تستطيع إقناعه:
- بس دول أهلي يا فؤاد.
أجابها بحدة وصرامة:
- على راسي من فوق إكرامًا ليكِ ولـ يوسف، بس مش على حساب ولادي.
ثم استرسل بنبرة متعجبة لأمرها:
- أنا مش فاهم إنتِ بتفكري إزاي، بسهولة كده بتعرضي نفسك وولادك للخطر علشان خاطر ناس عمرهم ما فكروا فيكِ ولا يوم كنتي من أولاوياتهم؟!
نزلت كلماته على قلبها كـ خنجرٍ مدبب غرسهُ بمنتصف قلبها بدون رحمة، هي تعلم صحة حديثه بل والأكثر من هذا، لكنهم بالنهاية عائلتها.
علت أصواتهم ليقطعها طرقًا قويًا فوق الباب لينتفض ويقف أرضًا وينتزع قميصه كي يستر به نصفه العلوي العاري، إرتداه على عجالة ليتحرك نحو الباب وقام بفتحه لتنطق تلك الثرثارة سريعاً:
- مالكم يا باشا كفانا الشر، صوت خناقكم جايب أول السلم.
أشار لها ليغلق الباب وهو يتحدث بحدة:
- إدخلي شوفي الهانم وعقليها يا عزة، الأستاذة عاوزة تروح كفر الشيخ.
دبت فوق صدرها لتنطق بغرابة:
- يلهوي، كفر الشيخ إيه اللي عاوزة تروحها، هي نسيت اللي حصل لها أخر مرة من عرة النسوان أمها والمواكيس إخواتها اللي محسوبين عليها رجالة؟!
كانت تتحدث وهي تتحرك للداخل حتى وصلت إلى حجرة النوم وتحدثت باستغراب لتلك التي تتوسط بجلوسها الفراش:
- إنتِ عاوزة تروحي كفر الشيخ بجد؟!
نطقت بحدة وصرامة:
- عزة، خرجي نفسك من الموضوع ده علشان ما اطلعش كل غضبي فيكِ.
هتفت معترضة:
- أخرج نفسي إزاي ومحدش بيشيل همك في الأخر غيري، حرام عليكِ يا إيثار.
واسترسلت بنبرة لائمة وهي تشيح بكفيها نحو بطنها:
- طب يختي لو مش خايفة على نفسك خافي على عيال الناس، دول ما صدقوا ربنا راضاهم وطايرين بيكِ وشايلينك من على الارض شيل.
واسترسلت ناصحة:
- إستهدي بالله كده واعقلي يا بنت عم غانم.
كان واقفًا شابكًا ذراعيه أمام صدره يتطلع عليها وعلى وجههِ علامات الضيق من أفعال تلك العنيدة التي ستصيب قلبه بالتوقف يومًا ما، لينطق مؤكدًا على صحة حديثها:
- قولي لها وفكريها يا عزة، الهانم شكلها نسيت اللي إتعمل فيها هنا.
تطلعت عليه بعينين تغشوها دموع الألم لتنطق بنبرة مكسورة:
- هو أنتَ إزاي مش قادر تحس بيا يا فؤاد، أنا نفسي أزور بابا وأرد الامانة لأصحابها.
قالت كلماتها الأخيرة ودموعها تسيلُ فوق وجنتيها بعدما فقدت التحكم بها، وبرغم تأثره الشديد بدموعها إلا أنه تحكم بمشاعره ليتحدث بقوة وثبات كي لا يضعف أمام رغبتها:
- أنا مش قادر أفهم إنتِ إزاي مش عاملة حساب للمجنون اللي إسمه عمرو ورايحة لحد بلده.
ليتابع بجنون:
- ده خطفك من قلب القاهرة وكان عاوز يسفرك إنتِ ويوسف، إنتِ متخيلة ممكن يعمل إيه وإنتِ في قرية حجمها محدود وهو دارس مخارجها ودواخلها كويس قوي.
نطقت بشهقاتٍ قطعت بها نياط قلبه:
- ما أنتَ مراقبه وعارف كل تحركاته هو وإخواته.
بسطت عزة ذراعها لتربت على كتفها بمؤازرة لينطق هو مفسرًا علها تقتنع:
- مراقبه هو يا حبيبي، لكن إيه اللي يضمن لي إنه مش مأجر حد يراقبنا من بعيد ويستغل الفرصة اللي سيادتك عاوزة تقدميها له على طبق من دهب؟
رفعت كفيها لتجفف دموعها بعنفٍ وهي تسألهُ بحدة وكأنها لم تستمع لكلماته الأخيرة:
- من الأخر كده يا فؤاد، هتديني ولا لاء؟
نظر لها لتتقابل أعينهم وهم يتبادلون نظرات التحدي لينطق بصرامة:
- مفيش سفر لكفر الشيخ قبل الولادة يا إيثار.
واسترسل سريعًا وهو يشير بسبابته:
- وده علشان خاطر تزوري قبر عمي غانم الله يرحمه وبسو.
تابع بغيرة تنهش داخل قلبه كلما تذكر أنها قضت بتلك البلدة سنواتها الفائتة وتزوجت من غيره وعاشت ببيته الملعون وداخل أحضانه لسنوات:
- لولا كده كان لايمكن أسمح بإنك تنزلي البلد دي تاني إلا على جثتي.
رفعت رأسها بشموخ وتحدثت:
- تمام، ممكن تطلعوا بره إنتوا الإتنين علشان تعبانة وعاوزة أنام.
قالت جملتها لتُمدد جسدها فوق الفراش من جديد وتسحب الغطاء حتى دفنت رأسها تحته، نظر إلى عزة وهز رأسه يمينًا ويسارًا بإحباط لتنطق وهي تجذب الغطاء لتكشف وجهها:
- قلبتوا دماغي ونستوني أنا كنت جاية في إيه.
واسترسلت:
- قومي يلا علشان تفطري، الباشا الكبير والدكتورة مستنينكم على الفطار تحت.
جذبت الغطاء من يدها لتنطق بحدة وهي تعيد تغطية وجهها من جديد:
- قولت لك تعبانة وهنام.
كادت أن تتحدث فأشار لها فؤاد وتحدث بهدوء:
- إنزلي وإحنا هنحصلك يا عزة.
تنهدت بأسى لتنطق وهي تتحرك للأمام:
- أوامرك يا باشا.
أخذ نفسًا عميقًا ثم تحرك ليجاورها الفراش ثم سحب الغطاء ليتفاجأ بدموعها التي تسيل على الخدين كشلالاتٍ ليسألها بنبرة حزينة:
- ليه يا بابا دموعك دي، ليه بتعملي كده في نفسك وفيا؟!
شهقت لتنطق بحدة ونبرة ساخطة:
- مش عارف دموعي دي ليه بجد، دي دموع قهر على حالي واللي وصلت ليه معايا.
اتسعت عينيه ذهولاً لتتابع هي بألم:
- من يوم جوازنا وإنتَ قاصد تفرض رأيك وهيمنتك عليا في كل شئ يخصني، شغلي خروجي حتى أكلي عامل لي بيه قايمة ممنوعات ومديها لسعاد بتنفذها بدون نقاش، كل ده ليه، علشان ولادك؟
- طب وأنا؟… نطقتها بغضبٍ حاد وهي تشير على حالها… أنا راحتي فين، كياني واستقلاليتي فين يا فؤاد؟!
لم يستوعب كم الإتهامات الباطلة التي تلقيه بها بهتانًا لينطق مذهولاً:
- يــاه يا إيثار، إنتِ للدرجة دي شيفاني شخص ديكتاتور وظالم؟!
أشاحت بوجهها بعيدًا عن عينيه لتتنهد ثم نطقت بصوتٍ متألم شطر صدره لنصفين:
- أنا تعبانة ومحتاجة أنام، ياريت تطفي النور وتدخل تلبس جوه لأن أعصابي تعبانة ومش هتحمل إضاءة جنبي.
حاول بسط ذراعيه كي يجذبها لأحضانهِ عله يساعدها على الاسترخاء لكنها صدته سريعًا ووالته ظهرها بحدة أظهرت كم غضبها منه، ليزفر بضيقٍ من حالهِ قبلها، هب واقفًا ليطفئ لها الأنوار ويختفي خلف باب الحمام كي يحصل على حمامه الدافئ اليومي ثم خرج بعد قليل ليرتدي ثيابه ويقوم بصلاة الضحى قبل أن يتجه صوب فراشها، وقف يتطلعُ على ملامحها وهي غافية وقلبهُ يتألم لحالها، لم يوافقها على جنونها ذاك وبالتأكيد لن يرضخ لتنفيذ طلبها ليس تعنتًا كما تظن هي بل خوفًا ورُعبًا عليها وصغيراه اللذان لم يرا الدنيا بعد، لم ولن يسمح لها ولا لحاله أن يُمس طفليه بسوء ويُحزن بل ويؤلم قلبي والداه حيث أصبح شغلهما الشاغل هو انتظار قدوم مولودي نجلهما بفارغ الصبر.
هز رأسه بيأسٍ وتحرك نحو مرآة الزينة، إلتقط ساعة يده وارتداها لتزيد من أناقتهِ المعتادة وأمسك قنينة عطرهِ الرجولي لينثر منه على عنقة وذقنه ليضعها من جديد وتطلع على حالهِ بنظراتٍ خاطفة قبل أن يحمل حقيبته الجلدية ذات اللون الأسود والتي يحتفظ بأوراق عمله داخلها ويتركها أمامها دون خوفٍ من تكرار الماضي اللعين، هو سلم لها روحهُ وانتهى الأمر بعدما تيقن من طهارتها ونقائها، ألقى عليها نظرة وكاد أن يخرج لكنه لم يقوى دون توديعها ككل يوم، ساقته قدميه ليتجه صوب الفراش، مال عليها بطوله الفارع ليلثم شفتها السُفلى في قُبلة سريعة نعم لكنها شغوفة حنون، مسح على جبينها بنعومة ليهمس أمام وجهها باعتذار:
- أنا آسف.
قالها وتنفس بصوتٍ مسموع ليخرج على عجالة كي لا يتأخر على موعد عمله، استمعت إلى صوت خافت لغلق الباب ففتحت أهدابها، لم تكن غافية وتعلم أنه تيقن من ذلك لذا تأسف لها، أجهشت ببكاءٍ مرير وغصة مرة توقفت بمنتصف حلقها، تعلم أنهُ محق بشأن مخاوفهُ المشروعة على جنينيه، لكنها اشتاقت لرؤية لحد أبيها، تريد الجلوس بحضرة روحه الطاهرة كي تطمأنهُ عن حالها وأنها أصبحت بخير، اشتاقت لان تتحدث معه وقد أوصلها حثها أنها لو جلست أمام قبره وتحدثت سوف تشعر بالأرتياح، لذا هي مُصرة على الذهاب، اشتاقت أيضٕا لرؤية شقيقاها وأنجالهما ووالدتها وتلك الـ نوارة ذات القلب النقي، فبرغم ضراوة قسوتهم عليها إلا أنها لم تكن يومًا بكارهة لهم، يراودها شعورًا يلح عليها بإرجاع الحق لأهله كي تستريحُ ويهدأ ضميرها، يعتريها رُعبًا من إقبالها على الولادة قبل عودة الحق لاصحابه، تريد تخليص روحها من جميع القيود قبل دخولها بعملية الولادة تحسبًا لوفاتها أثناء الولادة، فلو لا قدر الله توفت تكون قد سددت جميع ديونها الدنيوية، إنها معضلة لكنها متأكدة بأن فارسها يستطيع فكها لكنهُ يتبع معها إسلوب التعنت، هذا ما استشفته من حديثها معه.
بالأسفل، ولج لغرفة الطعام بوجهٍ صارم يتطلعُ على والديه وهما يتناولان فطورهما قبل أن يذهبا كُلٍ منهما على وجهته لينطق هو بجدية:
- صباح الخير.
رد والداه التحية ليتحدث وهو يبحث بعينيه عن الصغير:
- أمال فين يوسف؟
أجابهُ علام بابتسامة ترتسمُ على محياه كلما أتت سيرة ذاك الصغير الذي استحوذ على جزءًا ليس بالقليل من قلبه واهتمامهُ:
- فطر معانا وعزة عملت له السندوتشات بتاعته وخرجته للباص بنفسها.
هز رأسهُ بتفهم، نظرت له والدته متعجبة نزوله لحاله دون زوجته كـ كل يوم، فمنذ إنتقال فريال وزوجها وأولادها للعيش بمنزلهم الجديد وهي تحضر معهما الفطار اليومي كي لا تشعرهما بالوحدة وفقدان مكان ابنتهما الحبيبة، لذا سألته عصمت باهتمام:
- فين مراتك يا حبيبي؟!
نطق وهو يجذب مقعده ويجلس فوقه باستسلام:
- تعبانة شوية ونايمة.
بلهفة سألته:
- تعبانة إزاي يا فؤاد، لو حاجة تخص الحمل هتصل بالجامعة وأخد أجازة وأوديها للدكتورة بتاعتها تعمل لها سونار ونتطمن على الاولاد.
تنهد بضيق ظهر فوق ملامحه ولن يخفى على والداه لينطق وهو يبتلع الطعام بمرارة:
- مش مستاهلة، دول شوية إرهاق ولما تنام هتصحى كويسة إن شاء الله.
- مالك يا فؤاد؟… جملة قالها علام كي يطمئن على نجله لينطق الأخر بتهرب:
- مفيش يا باشا، سلامتك.
نطق الأخر ساخرًا:
- مفيش إيه يا حبيبي بوشك الكِشر ده.
نظر إلى أبيه ليتابع علام بنبرة ساخرة:
- قول يا حبيبي قول وفك عن نفسك.
وكأنه كان ينتظر الإشارة لينطق بنبرة خرجت حادة رُغمًا عنه:
- الهانم عاوزة تروح كفر الشيخ، قال إيه عاوزة تزور قبر بباها وترجع لاخواتها عقد الأرض والبيت.
سألته عصمت بجبينٍ مقطب لعدم علمها بقصة الأرض والمنزل:
- عقد إيه ده يا فؤاد؟!
أجابها باقتضاب:
- بباها الله يرحمه كان كاتب لها كل اللي يمتلكه علشان يحميها هي ويوسف، ويمنع أمها واخواتها من رفع قضية ضم حضانة الولد.
تفهمت لتهز رأسها بهدوء فسألهُ علام مستفسرًا:
- وإنتَ قولت لها إيه؟
- رفضت طبعاً… نطقها بثبات وقوة ليتابع بحسمٍ:
- أمانها هي وولادي أهم من أي حاجة في الدنيا.
تنهد علام لينطق برزانة وتعقُل:
- بس هي من حقها تشوف أهلها يا فؤاد.
استمعوا لصوت تلك التي ولجت للتو من الباب لتتحدث وهي تحمل دورقًا زجاجيًا ملئ بعصير البرتقال الطازج واستمعتهم بالصدفة وكعادتها الثرثارة تدخلت بالحديث:
- لا يا باشا متأخذنيش في الكلام، فؤاد باشا عنده حق، اللي اسمه عمرو واهله دول مجرمين ومبيخافوش ربنا.
واسترسلت تستعرض قوة وجبروت إجلال لعدم علمها بالتطورات الأخيرة التي حدثت ولم تمدها بها نوارة كالعادة:
- إمه دي ست قادرة والبلد كلها خدامين تحت رجليها، ومش بعيد لما تعرف إن إيثار في بيت أهلها تبعت لها ناس يأذوها هي واللي في بطنها.
وتطلعت إلى عصمت التي تلون وجهها بعدما هربت منه الدماء هلعًا على أحفادها الغوالي لتتابع وهي تشيح بكفيها بطريقتها المعتادة:
- دي نوارة مرات أخو إيثار كانت بتحكي لي عنها حكايات تشيب، طب دي في مرة…
قاطعها صوت فؤاد الصارم الذي سأم ثرثرتها وأراد ان يوقفها في الحال:
- عزة، مش وقتك، إتفضلي على المطبخ وعلى الساعة عشرة تطلعي لها فوق وتصحيها علشان تنزل تفطري.
وأشار بتأكيد:
- لازم تاكل كويس وتاخد الفيتامين، مفهوم.
هزت رأسها عدة مرات متتالية لتنطق مرددة:
- مفهوم، مفهوم يا باشا.
وانصرفت وهي تهمس ببرطمة:
- يا ساتر على قلبتك، دي بنت منيرة الله يكون فى عونها منك، الراجل عليه قلبة تقطع الخَلف، الحمدلله إني مقررة من زمان إني مخلفش، وإلا كانت تبقى مصيبة.
أما علام فسألهُ بعقلانية:
- هتعمل إيه يا فؤاد؟
رفع كتفيه وتحدث وهو يُمسك بكأسه الزجاجي الفارغ ويقدمه نحو والدته التي بدأت بسكب بعض العصير الطازج له:
- هخلي المحامي يكتب عقد تنازل وتمضي هي عليه وأبعته مع السواق.
نطق والده بقلبٍ لين:
- طب ومراتك يا ابني، دي ممكن تزعل جداً والدكتورة قالت إن الزعل غلط عليها.
هتفت عصمت متبنية قرار نجلها الحكيم:
- مراته هتزعل لها يومين وفؤاد في الأخر هيعرف يراضيها يا علام، إيثار طيبة وهتفهم وهتهدى مع الوقت، أهم حاجة أمانها هي والأولاد.
كان يستمع لحديث والديه بعقلٍ شارد في حبيبته الشرسة، يعرف أنها شرسة عنيدة لكنه يستطيع ترويضها بكل براعة، فهي أنثاه الطائعة المحبة حتى ولو جُنت لبعض الوقت إلا أنها ستعود لرشدها سريعًا وترتمي داخل ملاذها الأمن، "حضنه الدافئ".
ارتشف أخر قطرات العصير ليقف يهندم من ثيابه وهو يقول:
- موضوع إقناع إيثار هياخد وقته وفي النهاية هتهدى وتقتنع، المهم عندي إن صحتها ما تتأثرش من الزعل.
نطقت عصمت بهدوء لتريح قلب نجلها من ناحية حبيبته:
- متقلقش يا حبيبي، أنا قبل ما اتحرك على الجامعة هوصي عزة وسعاد عليها، وكده كده فريال شوية وهتجيب فؤاد وتيجي لها، وانا لما أرجع هقعد معاها ومش هسيبها.
أومأ لها وتحدث وهو يلتقط حقيبته:
- أنا لازم اتحرك.
نهضا والديه ليتحدث علام:
- خدني معاك أنا كمان.
تحرك ثلاثتهم لتذهب عصمت إلى المطبخ قبل الذهاب كي تملي عليهم تعليماتها الصارمة بشأن إيثار وإدارة المنزل وتوجهت هي الأخرى للخارج ليفتح لها السائق باب السيارة وينطلق بطريقه إلى الجامعة.
داخل إحدى المستشفيات العامة، وبالتحديد داخل إحدى الغُرف الخاصة، تحركت الممرضة إلى العسكري الواقف أمام الباب لحراسة المريضة لتنطق الممرضة:
- صباح الخير يا دُفعة.
- صباح النور… نطقها بصرامة ليكمل حديثه الحاد:
- تخلصي معاها وتطلعي فورًا.
أجابته بارتباك لصرامته الحادة:
- حاضر.
ولجت للداخل لتجد تلك المرأة فوق التخت المعد للمرضى، فقد أجريت عملية لاستئصال الرحم بالأمس وتمت العملية بنجاح، تحدثت الممرضة وهي تفرغ لها أنبول الدواء داخل المحلول المعلق:
- عاملة إيه النهاردة.
أجابتها سُمية بصوتٍ خافت وجسدٍ واهن وملامح باهتة شاحبة كشحوب الموتى:
- تعبانة، بقول لك إيه.
نطقت الأخرى بتمعن:
- قولي.
لتتابع الأخرى بعرضٍ حقير كحقارتها:
- أنا عندي فلوس كتير شيلاها في مكان محدش يعرفه غيري، لو ساعدتيني أهرب من هنا هديكي نصهم.
واسترسلت كي تزرع الطمع بقلبها:
- الفقر هيفارقك عمرك كله ومش هتشوفي خلقته تاني.
تطلعت عليها الممرضة قبل أن تنطق بجدية:
- أنا هعتبر اللي سمعته ده من تأثير البنج عليكِ ومش هبلغ بيه العسكري، بس لو كررتيه تاني هتضريني أبلغ الظابط بنفسه.
كادت أن تذهب لتتمسك الأخرى بكفها مستعطفة إياها وهي تتمسك بفرصتها الأخيرة للنجاة:
- أبوس أيدك ساعديني، أنا لو خرجت من هنا على السجن هيعدموني.
وتابعت بزيف كي تستجدي تعاطفها:
- بنتي اللي عندها خمس سنين ذنبها إيه تتيتم في السن ده.
جذبت الممرضة كفها بقوة لتنطق بنبرة جادة:
- بنتِك دي كان لازم تعملي حسابها قبل ما تعملي عملتك وتقتلي الست المسكينة، واللي بردوا عيالها اتيتموا واتحرموا من امهم بسببك.
واسترسلت وهي تهز رأسها بأسى:
- كل واحد لازم يدفع تمن أخطاءه، علشان الكل يتعظ.
تركتها وأغلقت خلفها الباب لتسبها الأخرى بألفاظٍ نابية وهي ترمق الباب بنظراتٍ ساخطة.
داخل منزل عمرو، كان اليوم الموعود الذي انتظره كثيرًا حيث اليوم هو اليوم الأخير لخروج الآثار من المقبرة حيث وصل الرجال بالحفر للبوابة واليوم ستفتح البوابة ويخرجوا منها القطع الأثرية النادرة، على أمل أن يسلمهم إياها ويقوم الرجل بخطف إيثار والصغير ويتبني سفرهم عبر البحر كما أوهمه.
كان يتناول الطعام مع حسين الذي وجد عملاً مناسبًا في إحدى الشركات وتم توظيفهُ بشهادته الجامعية بمرتبٍ ضئيل لكنه اكتفى به كبداية لطريق الكسب الحلال، أقدم عليهما طلعت الذي تحدث بنبرة جادة:
- أنا رايح أتابع الرجالة يا عمرو، وإنتَ استريح في البيت النهاردة.
وقف عمرو لينطق باعتراض:
- مينفعش يا طلعت، أنا لازم أكون موجود عند التسليم.
- أنا ورأفت صاحبك هنكون موجودين… قالها في محاولة منه لاقناعه ليتابع بزيف:
- وبعدين المفروض إنك الكبير بتاعنا، عمرك شفت كبير بيروح يسلم البضاعة بنفسه، زي ما الخواجة قاعد في مكتبه مستريح، إنتَ كمان تقعد هنا زي الباشا.
رفع عمرو قامته للأعلى مستحسنًا فكرة شقيقه التي جعلته يشعر بالتفاخر بحاله، ليسترسل طلعت كي يبعد عنه أية شبهة:
- امال الفلوس هتستلمها إزاي يا عمرو؟
أجابهُ الأخر بمراوغة:
- هستلمها من الخواجة في مكتبه يا طلعت، أنا متعود معاه على كده.
كذب عليه بالحديث فتلك هي المرة الأولى في التعامل بينهما وأيضًا وعلى حسب الإتفاق أنه لن يستلم نقودًا بل سيسدد له خدمة إختطاف إيثار ونجله مقابل تخريجه للأثار، نطق حسين متوسلاً لشقيقيه:
- بلاش المشوار ده أنا مش مطمن، خلينا نمشي في السليم علشان ربنا يسترها معانا.
أشار له طلعت على الصحن المتواجد أمامه وهو يقول:
- خليك في الطعمية السخنة وكلها قبل ما تبرد يا حسين.
واسترسل بنبرة حادة:
- وياريت كمان تخليك في حالك.
كالعادة هز رأسهُ مستسلمًا واكتفى بالصمت المخزي لينطلق طلعت بسيارته التي ابتاعها له عمرو وتوجه إلى سوهاج بعدما هاتف رأفت واطمئن على وجوده مع الرجال بداخل فندق بسوهاج ينتظرون قدوم الليل كي يذهبوا إلى موقع الحفر ليخرجا القطع الأثرية وتنتهى تلك المهمة الصعبة التي أرهقتهم وأخذت منهم الكثير من الوقت قضوه في هلع وترقب خشيةً هجوم أهل البلدة عليهم.
أما بمحافظة سوهاج، وبالتحديد بإحدى المنازل المملوكة لأحد أكبر الباحثين عن الأثار والحفر عليها وبيعها للمهربين، يترأس الجلسة المتواجد بها رفقائه بذاك العمل الغير أخلاقي والمخالف للقانون حيث أنهم ينهبون ثروات البلد ويساعدون على تهريبها للخارج مقابل مبالغ مالية طائلة لكنها لا تعني شيئًا مقابل القيمة المادية والعلمية لتلك الآثار الفرعونية النادرة الوجود، تحدث الرجل بثقة:
- أنا جمعتكم النهاردة علشان أقول لكم إننا مش هنتدخل في موضوع الخواجة ماريو والواد بتاع كفر الشيخ وأخوه.
هب أحدهم لينطق بصرامة واعتراض:
- كلام إيه اللي بتقوله ده يا حاج عمران، يعني عاوزنا نسكت بعد ما الواد ده اتعدى على الأصول ودخل بلدنا واتعدى علينا، ده لازم يتأدب هو والخواجة ويطلعوا الإتنين ملط من البلد.
نطق رجلاً أخر بحدة مماثلة:
- أيوا يا حاج عمران، إحنا هنسيبهم لحد ما العملية تكمل ونهجم في اللحظة الأخيرة، ناخد الآثار والفلوس، و ان حد منهم اعترض طلقة بجنية تخرسه.
نطق عمران الجالس بشموخ فوق مقعده المرتفع والذي يشبه مقاعد الملوك، ممسكٕا بكفه عصا فرعونية برأسٍ ذهبية على هيأة ثعبان مخيف:
- ده اللي كنا متفقين عليه وهنفذه، بس العيون بتاعتي اللي بتراقبهم في الجبل لاحظوا إن مش عنينا إحنا بس اللي عليهم.
تمعن الجميع منتظرين كلماته ليتابع بما أذهلهم:
- الحكومة طلعت مرقباهم ولما عملت إتصالاتي بالناس الكُبار بتوعنا إتأكدوا إن الموضوع كبير ويخص حيتان في البلد إحنا مش قدهم، والراجل بتاعي قالي إخفى من الموضوع خالص، علشان كده جمعتكم النهاردة قبل ما حد فيكم يتهور ويتحرك لوحده.
تطلع الجميع لبعضهم وعقلوا الحديث واتفقوا على ألا يقتربوا من الجبل نهائيًا اليوم ليتركوا الجميع كلٍ للنهاية التي يستحقها.
أتى الليل سريعًا، كان يتحرك في الحديقة ذهابًا وإيابًا ينتظر الأخبار بقلبٍ حزين لأجل ذاك الصغير الذي أُبتُلي بهكذا أب تسوقه غرائزه الحيوانية ويتحرك بتهور دون حسابات، خرجت إلى الشرفة كي تستنشق بعض الهواء، فمنذ ما حدث بينها وبين حبيبها في الصباح وهي تشعر بالإختناق والحُزن يملؤ قلبها، حزنًا عميق وكأن شيئًا ثقيلاً يضغط على صدرها يكاد يزهق بروحها، لا تدري مصدر ذلك الشعور كل ما تشعر به هو الحزن الذي يخيم على حياتها منذ الصباح، باتت تدورُ بعينيها تتطلع على ما حولها لتلاحظ وجوده داخل الحديقة، يبدو عليه هو الأخر الحزن والضيق، تنفست بعمق فمنذ أن عاد من عملهِ عصرًا وهي تتغاضى وجوده وتتلاشاه، حاول مرارًا أن يتحدث معها ويتفاهما لكنها رفضت بتعنُت فابتعد كي لا يضغط عليها ويغضبها أكثر.
خرج والده مصطحبًا الصغير بكفه ليتجولا معًا ويتفقدا زهورهما، ليهرول الصغير باتجاه فؤاد وهو يصيح بصوته الطفولي الملئ بالحماس:
- شرشبيل.
التفت لينظر إليه وبدون وعيٍ منه اتسعت ابتسامته وهو يرى ذاك الصبي يناديه بلقبه التي أطلقته عليه فرسته الجامحة، على الفور تذكر تلك الأيام الجملية مما خفف من ألم قلبه، حمل الصغير وثبتهُ داخل أحضانه وهو يقول:
- أهلاً اهلاً بحبيب قلب شرشبيل.
نطق الصغير وهو يملس على وجنته بأنامله الرقيقة:
- أنا مش شفتك من ساعة ما جيت من المدرسة.
أجابهُ بملاطفة:
- ده علشان جنابك طافش من البيت وسارح ورا بيسان هانم طول اليوم.
ضحك الصغير وتحدث:
- أنا أكلت عندهم بيتزا وذاكرنا مع بعض ولعبنا كتير.
ابتسم بلطف واقبل على وجنته ليضع قبلة حنون بث من خلالها حبه وأسفه الشديد للصغير، نطق بنبرة خرجت متألمة:
- أنا آسف يا حبيبي.
سألهُ ببراءة:
- آسف على إيه يا عمو؟
- ولا حاجة يا يوسف، آسف وخلاص… قالها بتأثر شعر به والده ليأخذ الصغير من بين أحضانه ليحثه على الركض وهو يقول:
- يلا يا بطل إسبقني على حوض الورد على ما اتكلم شوية مع عمو فؤاد وأحصلك.
ركض الصغير بسعادة لتتنهد تلك التي كانت تشاهد صغيرها وهو بين أحضان حبيبها المستبد، ولجت لداخل غرفتها لتجد تلك العاملة وداد وهي تتحدث برسمية:
- الحمام جاهز يا هانم.
أومأت لها لتتحرك إليه بعدما شكرت العاملة، نزعت ثيابها بالكامل لتنزل بقدميها فى المغطس لتغمر جسدها بالكامل تحت المياة الدافئة المختلطة بالزيوت العطرية التي تساعد على الإسترخاء، أغمضت عينيها علها تحصل على بعض الراحة ويزيل ذاك الثقل الذي يطبق على أنفاسها.
عودة إلى فؤاد وعلام الذي سألهُ باهتمام:
- مالك يا فؤاد؟!
أخذ نفسًا عميقًا ليزفرهُ براحة قبل أن ينطق بنبرة متأثرة:
- النهاردة ميعاد عملية سوها.
جهز علام رأسهُ وهو يقول:
- أيوا ما أنا عارف، سيادة النائب العام بلغني بالميعاد.
صمت فؤاد ليسألهُ والده باستغراب:
- إنتَ إيه اللي مزعلك أنا مش فاهم؟!
تطلع على الصغير الذي يلهو ويحفر بالطين حول الزهور كما تعلم من علام لينطق بعينين متألمتين:
- صعبان عليا يوسف قوي.
واسترسل متعجبًا حاله:
- تخيل إني فكرت في إني أحذر اللي إسمه عمرو بأي طريقة، مش قادر أتخيل إني أكون السبب في كسرة الولد طول حياته.
نطق علام بجدية:
- بلاش تخلي إحساس الذنب يسيطر عليك ويشوش أفكارك، السبب في كل اللي بيحصل لـ يوسف هو أبوه وعيلته اللي لا راعوا ربنا في تصرفاتهم ولا عملوا حساب لسمعتهم ومستقبل أولادهم، فطبيعي إن دي تكون النتيجة.
نطق بتألم:
- أيوا بس ده أخو ولادي يا بابا.
أضيق علام بين عينيه ليسألهُ بعدما تشوش فكرهِ:
- إنتَ خايف على ولادك من مستقبل يوسف يا فؤاد؟
بقوة وثبات رد نافيًا:
- طبعاً لا يا باشا، مستقبل يوسف هيكون هايل إن شاءالله، أنا مش هسيبه غير لما يبقى شاب ناجح في دراسته وحياته، وهساعده يأسس شغل لنفسه كمان، عمري ما هفرق في المعاملة بينه وبين أولادي.
واسترسل موضحًا:
- أنا بتكلم على يوسف نفسه، شعوره لما يكبر ويعرف حقيقة أهله، جده اللي اتقتل في السجن بعد ما ارتكب جريمة قتل، وأبوه وعمه اللي اتسجنوا في قضية تهريب آثار.
ظهرت علامات الأسى والألم فوق ملامحه لينطق بصوتٍ متأثر:
- إزاي الولد هيتحمل كل الفضايح دي يا باشا.
تحدث علام بنبرة قوية تعود لحبه الشديد للصغير وتضامنه معه:
- إحنا هنكون معاه وهنساعده يتخطى الموضوع يا فؤاد، وبعدين إحنا فين والكلام اللي بتقوله ده فين.
نطق بخزيٍ وألم:
- تفتكر ممكن يسامحني لو عرف إني كنت السبب في تدمير عيلته؟
قاطعه علام باعتراض:
- بس إنتَ مدمرتش عيلته يا سيادة المستشار، إنتَ قمت بواجبك تجاه بلدك كـ رجل قانون بيتقي الله في عمله.
تنهد بحزن ليحتوي علام كتفه ويربت عليه قبل أن يقول:
- هون على نفسك يا حبيبي، وإطلع صالح مراتك وراضيها.
واسترسل بأسى:
- معجبنيش شكلكم إنتم الاتنين على الغدا، متعودتش أشوفكم كده.
هز رأسه عدة مرات متتالية ليتحرك إلى الداخل وكاد أن يصعد الدرج ليجد بوجههِ عزة لينطق بهدوء:
- خلي بالك من يوسف يا عزة ومتخلهوش يتأخر على ميعاد نومه.
هتفت بنبرة حماسية:
- يوسف ده في عنيا من جوه.
واسترسلت وهي تسألهُ بتعجب لهيأته:
- إنتَ كويس يا باشا؟!
هز رأسهُ دون حديث واكمل طريقه بالصعود تحت استغراب عزة لحالته تلك، ولج لجنحه ليجدها تجلس بمقعدها أمام المرآة ترتدي مئزر الحمام وتكشف عن ساقيها لتضع عليهما بعض كريمات الترطيب وتقوم بتدليكها على الجلد، إقترب عليها ليستند بكفيه على كتفيها ومال ليضع قبلة على وجنتها لكنها باغتتهُ بابتعادها بحركة عصبية ليزفر بقوة وينتصب بظهره من جديد وهو ينطق بنبرة أظهرت كم تأثرهُ من ابتعادها عنه:
- إحنا هنفضل كده كتير؟
لم يجد منها سوى الصمت ومتابعة ما تفعل متجاهلة وجوده تمامًا لينطق بنبرة حادة بعض الشئ:
- مهي دي مش عيشة يا إيثار، مش كل ما هنختلف مع بعض هتتقمصي زي العيال الصغيرة.
تطلعت إليه ونطقت بسخرية وتهكم:
- وسيادتك بقى عاوزني اتصرف إزاي لما أزعل منك، أقدم لمعاليك فروض الطاعة والولاء؟!
وانتفضت واقفة لتواجههُ وهي تتابع بسخرية:
- ولا ألبس لك أشيك لانچري عندي وأكتر لون بتحبه وأقدم لك نفسي زي الجواري علشان الباشا يتكيف وينبسط؟
اشمئز من حديثها ليصيح بها بحدة:
- إيه القرف اللي بتقوليه ده، هي دي طبيعة حياتنا يا إيثار؟! هو ده اللي بينا من وجهة نظرك، لانچري ونوم مع بعض ووقت أتكيف فيه؟!
نطقت بحدة أظهرت كم الاستياء الذي أصابها:
- وانتَ بقى شايفها إزاي يا سيادة المستشار، قولي على حاجة واحدة بس مشتركة بينا غير الموضوع ده؟
أشار لها بحدة وعينين تطلقان سهامًا نارية لينطق بقوة أرعبتها:
- مش هحاسبك على كلامك الفارغ ده الوقت، لأنك مش في وعيك وباين قوي إن أعصابك تعبانة.
واسترسل متوعدًا:
- بس وحياة أمي يا إيثار ماهفوت لك كلامك ده ولا هنساه.
همست بصوتٍ خافت:
- أعلى ما في خيلك إركبه.
هتفت بحدة جعلت جسدها ينتفض:
- علي صوتك وسمعيني بتقولي إيه يا مدام؟
صاحت باستياء:
- بكلم نفسي، ولا ممنوع ده كمان؟!
أجابها بقوة ولهجة حادة أظهرت ديكتاتوريته التي يمارسها بين الحين والأخر:
- أه ممنوع، عاوزة تكلمي نفسك يبقى في سرك يا هانم.
وضعت كفيها تتوسط بهما خصرها قبل أن تنطق متهكمة:
- وبالنسبة للكحة والعطس جنابك، مسموح بيهم ولا أعملهم فيبريشن؟
كظم ضحكاته على هيأتها وكلماتها الساخرة ليستدير مواليها ظهره كي لا ترى ابتسامته وهو يقول:
- يكون أفضل.
اتجه إلى الحمام ليأخذ حمامًا دافئًا على عجالة وخرج مرتديًا بنطالاً قطني باللون الأسود وصدره عاري كما عادته، وجدها تجلس فوق الأريكة تربع ساقيها وتضع فوقهما وسادة صغيرة موضوع عليها جهاز اللاب توب الخاص بها تتصفح من خلاله أحد تطبيقات التواصل الإجتماعي كي تمرر وقتها العصيب، زفر بقوة وجذب حقيبة عمله ليجلس فوق الفراش ويخرج بعض أوراقه الخاصة ليعمل ولأول مرة من داخل غرفة النوم كي لا يتركها وحيدة فريسة للحزن ينهشها.
بمدينة سوهاج، استطاع العمال إخراج جميع القطع الأثرية وتسلمها رجال المهرب الأجنبي ليسلم الوسيط حقيبة المال إلى طلعت كما اتفق معه سابقًا بعدما استطاع إثبات حاله وجدارته في إدارة العاملون مما نال من استحسان الخواجة والوسيط، واتفق طلعت معهما بأخذ المال واقناع شقيقه، وفي الحقيقة هو كاذب وقام بخداع الطرفين، وسيأخذ المال لنفسه ويبدأ به من جديد ولن يعود لمنزل عمرو مجددًا.
تحدث الرجل بنبرة سعيدة:
- إستنى مني تليفون قريب علشان نتفق على العملية الجديدة.
- أكيد يا باشا، أنا ورجالتي تحت أمرك… قالها للرجل الذي تحرك إلى سيارته ليفتح طلعت حقيبة السفر الكبيرة المليئة برزم الأوراق المالية التي تحمل عملة الدولار ليقترب عليه رأفت ويسألهُ بنظراتٍ زائغة:
- إنتَ اتفقت معاهم على فلوس إمتى يا طلعت؟
- ده عمرو متفق معاهم على حاجة تانية خالص… قالها باستغراب وهو يرى الرجال التابعين للمهرب يرحلون بسياراتهم رباعية الدفع بعدما حملوا بضاعتهم، لينطق طلعت بحدة:
- قصدك المصيبة اللي كان عاوز يوقع نفسه فيها تاني ويوقعنا معاه.
وهتف بحدة لذاك الذي ابتلع لعابه:
- اللي أنا مستغرب له إنتِ يا رأفت، إزاي توافقه على الجنان ده وإنتَ أكتر واحد إتأذى معاه المرة اللي فاتت، ده انتَ اتحبست شهرين دوقت فيهم الذل على إدين رجالة المستشار.
سألهُ رأفت بتلبك:
- إنتَ عرفت منين؟
أجابهُ:
- روحت للوسيط وسألته وعرفت منه كل حاجة، واتفقت معاه ينسى الجنان ده كله وأخدت الفلوس وهديها لعمرو، مش ده أحسن لصاحبك بردوا ولا إيه يا سي رأفت؟!
ارتبك رأفت وتحدث بنبرة صادقة:
- أنا حاولت كتير أمنعه وأعقله بس إنتَ عارف أخوك لما بيحط حاجة في دماغه، مفيش مخلوق يقدر يخليه يغير رأيه.
هز رأسه بإيماء ليخرج بعض الرزم المالية ويوزعها على الرجال كما اتفق معهم قبل سابق، نظر للمال بشراهة قبل أن يغلق الحقيبة وهو يقول بعدما ابتعد عنه رأفت:
- أيامك الحلوة هترجع تزهزه تاني يا طلعت، وأول حاجة هعملها من الفلوس دي، أتجوز بت صغيرة تخلف لي الولد اللي هيورثني ويمد في اسمي.
بالكاد أنهى جملته ليستمع الجميع لصوت سرينة سيارات الشرطة ورجالها التي هجمت على المكان وحاوطته من جميع النواحي بعدما تأكدوا من ابتعاد رجال المهرب كي يكملوا طريقهم وتتابعهم رجال الشرطة المتخفيين وعبر كاميرات المراقبة المزروعة بالطرق، إنتفض قلب طلعت حين وجد كم الرجال الهائل الذين كانوا يتخفون خلف الجبال ينتظرون إشارة الهجوم، وضع طلعت يدهُ في جيب جلبابه وقبل أن يُخرج سلاحه استمع لصوت الشرطي عبر المكبر الذي امتزج مع صوت طلقات النار:
- مفيش داعي للمقاومة، المكان كله محاصر، أي حركة هنضرب في المليان.
رفع كفيه للأعلى هو وجميع الرجال ليصرخ وهو يقول متنصلاً:
- أنا برئ يا باشا ومليش ذنب، ده شغل عمرو أخويا حتى إسأل الرجالة وصاحبه، أنا كنت جاي أمنعهم من الجنان ده بس ملحقتش.
نطق الضابط وهو يرى رجال الشرطة يلوون ذراعيه خلف ظهره ويضعون له الأصفاد الحديدية:
- الكلام ده تقوله في تحقيقات النيابة يا روح أمك.
واسترسل:
- ولعلمك، كل حاجة حصلت هنا متصورة صوت وصورة.
نطق كلماته الأخيرة وهو يُشير عاليًا على أعمدة الإنارة المزروع بها كاميرات مراقبة بأمر من النيابة العامة ليصرخ طلعت كالمجنون:
- الله يخربيتك يا عمرو، منك لله ضيعتني.
تابعت الشرطة رجال الخواجة حتى وصلوا جميعهم إلى مقر الرجل وشركائه وتم القبض عليهم جميعًا متلبسين بجرمهم.
أما بمنزل عمرو المتواجد بأحد الأماكن الجديدة، كان عائدًا من أحد مراكز التسويق الكبرى بعدما ابتاع بعض الملابس التي سيحتاجها له وإيثار ويوسف في خلال رحلتهم إلى فرنسا كما وعده الرجل، تفاجأ بسيارتي شرطة تقف أمام منزله ليعود للخلف سريعًا في محاولة منه للهرب مما جعل رجال الشرطة يلاحظون وبسرعة البرق انطلقت السيارتين خلف سيارته لملاحقته.
ترى هل سيستطيع رجال الشرطة التمكن منه والقبض عليه؟ أم سيستطيع الفرار؟
رواية انا لها شمس الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم روز امين
الحياة كلوحة بيضاء تنتظر منا الألوان لتغدو أكثر جمالاً وتألقًا وتأنقًا،فاختر ألونك بعناية كى تزهو حياتك وتزدهر،اصمد أمام حلمك حتى يتحقق فلا مستحيل مع الإصرار والتحدي،إذا حُجبت سماؤك يوماً وتلبدت بالغيوم أغمض جفونك لبرهة ترى خلف الغيوم نجوم، والأرض حولك إذا ما توشّحت بالثلوج أغمض جفونك تجد تحت الثلوج مروج،واعلم أن وراء كل فشلِ يوجد نجاح وخلف كل حزنٍ تأتي السعادة لتفتح بابها على مصراعيها لاستقبالك،وخلف كل جفافٍ بأتي غيث الله،فمهما يحدث تمسك بحُلمك وأعلم أن برغم قساوة الواقع ومرارته دائمًا يوجد أمل.
تفاجأ عمرو بسيارتي شرطة تقفان أمام منزله ليعود للخلف سريعًا في محاولة منه للهرب مما جعل رجال الشرطة يلاحظون وبسرعة البرق انطلقت السيارتين خلف سيارته لملاحقته،كان يقود سيارتهُ بسرعة جنونية والسيارتين تلاحقاه،ظل هكذا لمدة خمسة عشر دقيقة حتى وصلا لنقطة تقاطع ومن حُسن حظ عمرو فلت بسيارته لتقاطعهم شاحنة نقل كبيرة تجر خلفها مقطورة محملة بالأحجار البيضاء التي تستعمل في البناء لتقطع الطريق بأكمله حيث كانت تمر للطريق المقابل مما جعل إحدى السيارتين تصتدم بها والأخرى توقفت بصعوبة بأخر لحظة قبل الإصتطدام مما أحدث صوتًا عاليًا دب الرُعب في قلوب الجميع،إنشغل الجميع بالتصادم وتوقف الطريق ونزل المارة ليطمئنوا على سيارة الشرطة التي صُدمت ليجدوا أن السائق قد أصيب بنزيفٍ في الرأس بينما أُصيب الضابط المجاور له ببعض الكدمات،انتهز عمرو الفرصة التي أتته على طبقٍ من ذهب ليفر من المكان بأكمله،خرج الضابط سريعًا من السيارة التي لم تُصدم ليراقب الطريق من جانب شاحنة النقل ليجد سيارة عمرو قد فرت واختفت من المكان ليدب بساقه الأرض لاعنًا تلك الشاحنة وسائقها المخالف
************
عودة لحجرة إيثار وفؤاد،مازال يتوسط الفراش بجلوسه منكبًا على أوراقه،يتمعن بها عبر نظارته الطبية،شعر بوخزاتٍ بعنقه من طريقة جلوسهُ الخاطئة فتوقف وبات يدلك عنقه بعناية كي يحصل على بعض الراحة،تطلع على تلك الجالسة فوق الأريكة والتي كانت تتصفحُ مواقع التواصل الاجتماعي ليجد رأسها ساندًا على الأريكة ويبدو أنها قد غفت،انتفض واقفًا ليتحرك صوبها فتيقن من نومها حقًا،تنفس بحنقٍ من تلك العنيدة ليعود من جديد إلى الفراش يلملم أوراقه ويُهئ الفراش لاستقبالها،تحرك إليها وما أن حملها بين ساعديه حتى رفعت أهدابها تنظر إليه لتجده فتحدثت باعتراض بصوتها الناعس:
-سيبني،أنا هنام على الكنبة
لم يعير لحديثها إهتمام وتوجه صوب الفراش لتعيد حديثها متذمرة:
-قولت لك هنام على الكنبة
اشتد غضبها من عدم رده عليها ليصل بها إلى الفراش ويقوم بوضعها برفقٍ فوق الفراش لتحتد بحديثها:
-هو أنا بكلم نفسي،بقول لك مش هنام على السرير أنا!
زفر بقوة قبل أن ينطق بلهجة حادة جعلتها تبتلع لعابها وتصمت:
-صوتك الحلو ده مش عاوز أسمعه وأحسن لك تنامي علشان ليلتك تعدي على خير
تعمق بعينيها وبث بنظراتهِ الحادة تحذيرًا قويًا لتتنفس بهدوء فأشار برأسهِ يحيي تعقلها بطريقة استفزتها قبل أن يتحرك ويختفي داخل الحمام،زفرت بقوة لتعود من جديد لغفوتها،خرج بعد قليل ليتلقى إتصالاً هاتفيًا من الشخص الذي يتابع تطورات الليلة فأخذ هاتفه وخرج بالشرفة لينطق بصوتٍ جاد بعدما أغلقها عليه:
-طمني يا رامز بيه
نطق المدعو رامز بأسى:
-للأسف يا فؤاد باشا الأخبار متطمنش
اتسعت أعين فؤاد ليتابع الأخر بإبانة:
-اللي إسمه عمرو قدر يهرب منهم بسبب حادثة على الطريق،والظابط اللي كان بيطارده بلغ بأوصاف العربية والطريق اللي هرب منه، ولما الشرطة إتحركت لقت العربية، بس للأسف، كانت فاضية
سألهُ بصوتٍ مهزوز:
-وعمرو فين؟!
أجابهُ باقتضاب:
-رجالة الشرطة مشطوا المكان كله،إختفى وملوش أي أثر
واسترسل معلمًا:
-جنابك عارف إن الكمبوندات الجديدة كلها محاطة بالصحرا، فسهل جداً إنه يهرب
نطق فؤاد بجدية:
-أكيد إتصل بحد ساعده
نطق المدعو رامز بثبات:
-متقلقش يا باشا،رجالة الداخلية أكيد هيجبوه حتى لو رجع في بطن أمه
لقد شتته ذاك الخبر المشؤوم وبعد أن كان يشعر بالقلق حيال زوجته وصغيرها الأن أصبح مصابًا بهوس شبح ذاك المجنون فاقد العقل والبصيرة،ما زاد من قلقه هو فقدان عمرو لكل شئ كان يمتلكهُ لذا سينتقم بكل ما أوتي من قوة لينفث عن غضبه العارم بعدما فقد أخر أمل له،تحدث بغضبٍ ظهر بنبرات صوته المحتدة:
-ياريت يتحركوا بسرعة قبل ما يعمل مصيبة جديدة أو يهرب بره البلد
واسترسل وهو يستعد لإنهاء المكالمة:
-ياريت لو حصل أي جديد تبلغني يا رامز بيه
-أكيد معالك…نطقها الرجل قبل أن يغلق الخط،إستند بذراعيه فوق سور الشرفة الحديدي ليرفع وجههُ للأعلى وهو يزفر بقوة،شعر بالإختناق وكأن أحدهم يقبض على عنقه بقوة، نطق وهو يحملق في السماء بيقين ينادي ربه ويستعينُ به:
-يارب،يارب
ولج لغرفة نومهِ يتطلع على تلك الغافية لينسحب بهدوء إلى الخارج،تحرك داخل الممر المتواجد بين الغرف وتوقف حين وصل لحجرة الصبي،أمسك مقبض الباب وتنفس مطولاً قبل أن يديره ويدلف ويوصد خلفه الباب بهدوء كي لا يزعج الصغير،تمدد بجواره بخفة وبات يتأمل ملامحهُ البريئة،لم يحتفظ بملامح والدته، من يدقق بملامح وجهه يكتشف الشبه الكبير بينه وبين ذاك الـ “عمرو”ومع أنه احتفظ بملامح غريمه الذي يُذكرهُ دومًا أنه لم يكن الرجل الاول بحياة خليلة القلب التي عثر عليها بعد معاناة، إلا أنه استطاع إحتلال جزءًا ليس بالقليل من قلبه الحنون،بات يمسد على شعره بكفه الحنون لينزل على وجنتهِ الناعمة،إنتفض قلبهُ حين وجد الصغير يفتح جفنيه ويبتسم له لينطق ببراءة:
-شرشبيل
-عيون شرشبيل…قالها فؤاد وشعور الذنب ينهش صدره ليميل على وجنته يقبلها مما أسعد الطفل ليسألهُ مستفسرًا:
-إنتَ هتنام جنبي بدل عزة؟!
برغم حالة الحزن والهلع اللذان اقتحما قلبه إلا أن ذاك المشاكس استطاع أن يرسم الضحكة على وجهه لينطق من بين ابتسامته الواسعة:
-لا يا سيدي،إحنا بقينا رجالة خلاص ومينفعش حد ينام جنبنا،لا أنا ولا عزة ولا حتى مامي
نطق الطفل بنبرة خجلة:
-بس أنا ساعات بصحى بالليل وبخاف وأنا لوحدي
سحب جسده للأعلى ليفرد ذراعه يستقبل ذاك الرائع لينطق بنبرة حنون:
-بص يا حبيبي، ده خلاص بقى بيتك ومينفعش تخاف وإنتَ في أوضتك،ينفع تخاف وإنتَ وسط أهلك؟
هز رأسهُ بنفي ليسترسل فؤاد وهو يداعبه في بطنه بأصابع يده:
-طب إيه بقى
تعالت قهقهات الصغير ليزيد فؤاد من مداعباته حتى توقفا عن الضخك لينطق الصغير وهو ينظر له:
-على فكرة أنا بحبك قوي وإنتَ طيب قوي، مش عارف ليه مامي كانت بتقول عليك شرشبيل الشرير
رفع كتفيه لأعلى لينطق بملاطفة:
-إسأل مامي وهي أكيد هتجاوبك
نطق يوسف بعينين راجيتين:
-عمو،هو أنتَ ممكن تحكي لي حدوتة زي اللي عزة بتحكيهم لي
رفع حاجبه وسألهُ مستعلمًا:
-هي عزة بتحكي لك حدوتة إيه؟
نطق ببراءة:
-بتحكي لي حكاية ليلى أم الفستان الأحمر اللي الديب الشرير أكل جدتها بأسنانه المدببة،والساحرة الشريرة أم منقار
هز رأسهُ ليقول ساخرًا:
-كنت هستغرب لو كانت بتحكي لك حكايات تستفيد منها،يعني،هي في الأخر بردوا عزة
واسترسل وهو يستعد لقص الحدوتة:
-أنا بقى يا بطل هحكي لك قصة السندباد البحري
إعتدل الصغير وتحدث بنبرة حماسية:
-أنا مش بعرفها دي،يلا بسرعة قولها لي
ضحك بشدة ليتحدث:
-حاضر يا حبيبي
إستمعا لبعض الطرقات الخفيفة لتدلف إيثار التي شعرت بخروج حبيبها من الغرفة بعدما تفقدت الفراش ووجدته فارغًا،تسحبت وأتت إلى حجرة صغيرها كي تتفقده وتطمئن عليه فتفاجأت بوجود فؤاد وهو يحتضن الصغير بحميمية،اشتدت سعادتها عند رؤية ابتسامة صغيرها البرئ الذي انتفض بجلوسه ووقف فاتحًا ذراعيه ليستقبل والدته قائلاً:
-مامي،تعالي إقعدي جنبي واسمعي معايا الحدوتة اللي عمو فؤاد بيحكيها لي، دي حلوة قوي
أقبلت على الصغير واحتضنته لتتحدث بهدوء:
-إنتَ إيه اللي مسهرك للوقت المتأخر ده،المفروض تكون نايم من ساعة
أمال رأسهُ ليستدعي تعاطفها وهو يقول:
-عمو فؤاد بيحكي لي حدوتة حلوة قوي،تعالي إنتِ كمان إسمعيها،وبعدين أنا عندي أجازة بكرة،يعني هصحى من النوم براحتي
تطلعت إلى ذاك الحبيب الغاضب من حديثها المهين له في الصباح،تعلم أنها تمادت معهُ بالحديث وقبل أن تعرضهُ للإهانة هي أيضًا أهانت حالها لذا فهي غاضبة أيضاً من حالها،لكنها بالوقت ذاته غاضبة منه ولم تستطع تلك المرة أن تغض البصر عن رفضه لطلب زيارتها لقبر غاليها،لم تكن هي فقط الغاضبة فبمجرد ما تلاقت عينيها بخاصته سحبها على الفور ليثبتها بمكانٍ أخر،تنهدت بألم لتخرج من شرودها على صوت الصغير الذي عاد وارتمى بأحضان فؤاد لينطق:
-تعالي بقى يا مامي
ابتلعت لعابها ثم جلست وتمددت بجوار صغيرها ليعود فؤاد بقص الحكاية تحت استمتاع الصغير الذي اندمج لأبعد حد وبات يسأل ويستفسر عن شخصية السندباد وبالمقابل كان يجيبه بكل أريحية وثقافة لتوسيع أفاق الطفل،بعد قليل غفى يوسف على ذراع فؤاد ليقوم بهدوء سحبه وتسحب من جواره بعدما دثره جيدًا تحت الغطاء بعناية مما جعل قلب إيثار ينتفض من شدة تأثرها،فتح الباب وتحرك لغرفتهما،مالت على صغيرها وقبلت جبهته بحنان ثم لحقت بزوجها لتلج إلى الحجرة وجدته يقف أمام مرآة الزينة واضعًا يديه بجيب بنطاله وعلى وجههِ حديثًا يريد من يفسح له المجال ليخرج كي يزيل من ذاك الثقل الطابق على أنفاسه
طالعته بحيرة لتسألهُ بعدما شعرت بحدوث شئٍ،فتلك هي المرة الاولى التي يذهب بها إلى غرفة الصغير ليلاً،دائمًا ما يهتم به بالأسفل أمام الجميع:
-هو فيه إيه يا فؤاد؟
تطلع على إنعكاس صورتها وتحدث بجدية:
-طلعت البنهاوي إتقبض عليه في سوهاج وهو بيخرج مقبرة فرعونية وبيسلمها لناس برة مصر علشان يهربوها
ابتلعت لعابها ليتابع بنفس الجمود:
-الرجالة اللي كانت بتحفر إعترفوا إنهم تبع عمرو وطلعت كمان إعترف عليه،ده غير التسجيلات اللي سجلتها الشرطة بأمر من النائب العام شخصيًا
شهقت ووضعت كفها فوق فمها ليستدير لها واسترسل وهو مقابلاً لها:
-الشرطة هاجمت بيت عمرو اللي كان خاطفك فيه وللأسف قدر يهرب منهم
هُنا لم تستطع الصمود لتنطق بهلعٍ ظهر بعينيها:
-هرب إزاي وفين؟
واسترسلت وهي تهز رأسها بهيستيريا وكأن أصابها مسًا شيطاني:
-يبقى أكيد هيحاول يأذينا،هيحاول يخطفني تاني أنا وإبني
واسترسلت:
-يوسف مش لازم يخرج برة البيت لحد ما يتقبض عليه يا فؤاد
إقترب عليها حين لاحظ حالة الهيستيريا التي أصابتها لينطق بقوة وثبات:
-إهدي وماتخافيش،يوسف أنا مأمنه كويس قوي،ولو رجالة المافيا العالمية نفسهم حاولوا يقربوا منه مستحيل يقدروا يكسروا حصار الحماية اللي أنا حاطتها له بنفسي
واسترسل وهو يلومها بعينيه:
-وطبعًا أمان سيادتك متوقف على خطواتك،ياريت ما تتصرفيش من غير علمي علشان ما تعرضيش نفسك وتعرضينا كلنا للأذى
شعرت بوخزة بقلبها مع هطول دموعها الحارة التي هبطت حزنًا وهلعًا على الصغير،تحرك إلى الفراش ورفع الغطاء ليشير لها بأن تتسطح فنفذت أوامره بطاعة وبدون أي اعتراض،قامت بالتسطح ليدثرها جيدًا وخلع عنه كنزته ليظهر أمامها عاريًا جذابًا للغاية،أمسك بجهاز التحكم في الإضاءة عن بُعد ليقوم بغلقها إلا من إضاءة خافتة باللون الأزرق وتمدد على ظهرهِ فوق الفراش واضعًا ذراعه الأيمن تحت رأسه يدقق النظر بسقف الحجرة بنظراتٍ ثاقبة حادة كنظرات الصقر،يفكر في ذاك الحقير الذي هرب ليأخذ معه راحة البال والسكينة،تنهد بصوتٍ عالي استمعت له تلك التي تتطلع عليه والخوف والهلعُ ينهشان قلبها،كانت تتوقع منه أن يأخذها بين أحضانه ويقوم بتدليلها وطمأنتها كما المعتاد أو هكذا تمنت،لكنه طاح بأمانيها بتجاهله التام لها،وهذا ما أثار جنونها، فبرغم ارتعابها من هروب ذاك الحقير لكن يظل شغلها الشاغل وأكثر إهتماماتها هو ذاك الحبيب الرائع التي تفتقد حنانه منذ الصباح،ليته يفهم ويشعر ما تعانيه من شعورها بالاشتياق الجارف لفقيدها الحبيب”والدها”،وأيضًا شعورها الدائم بالخزي كونها وحيدة طيلة الوقت أمام عائلة زوجها عريقة الأصل،كم تمنت أن تكون صلتها بعائلتها قوية ومترابطة كي تقوم بزيارتها بمنزل العائلة عل ذاك الشعور المرير يزول وينتهي،ناهيك عن التقلبات المزاجية التي هاجمتها نتيجة إختلاف الهرمونات الخاصة بحملها بتوأمها المنتظر
تطلعت إليه بحنين وتنهدت بصوتٍ مرتفع كي يصل له ويفرد لها ذراعه يدعوها لتسكن ملاذها لكنهُ باغتها بتجاهله حيث استدار وتمدد على جنبه ليعطيها ظهرهُ مما جعلها تشعر بالإهانة،تألم قلبها بقوة لاحتياجها الشديد له خصوصًا بهكذا ظروف،باتت تتقلب بالفراش وهو يشعر بتقلباتها ويستمع لأصوات تنهيداتها التي تدل على عدم راحتها،لكنه تحكم في قلبه العاشق وارتدى قناع القوة والتجاهل كي يعطيها درسًا قاسيًا يحثها على التفكير بعمق في المستقبل قبل التفوه بكلمة أو تصرف يقلب الموازين رأسًا على عقب،ظل كلاهما يتقلبان بالفراش دون راحة حتى غفيا بعدما أُنهك جسديهما وروحيهما من شدة الإشتياق والعناد.
************
داخل أحد الملاهي الليلية المتواجدة بالعاصمة،كانت تتحرك بين المتواجدين من السكارى بملابسها الخليعة،حيث ترتدي تنورة باللون الأسود قصيرة للغاية وضيقة حيث تصف جميع تفاصيل منحنياتها تعتليها كنزة من اللون الأحمر المزركش بأكمامٍ عارية وصدرٍ مفتوح يكشف أكثر مما يستر،وقفت تتطلع بين الطاولات حتى وقعت عينيها على طاولة يجلس حولها رجلان يرتديان ثيابًا خليجية،ابتسمت وغمزت بعينيها لأحدهم الذي رحب ورفع كأس مشروبه لأعلى كتحية منه ودعوة لانضمامها إليهما،كادت أن تتحرك ليقطع طريقها ظهور صديقتها الشهيرة بـ نونا لتقول باستغراب:
-شذي؟! إنتِ إيه اللي رجعك هنا تاني، إنتِ مش اتجوزتي راجل متريش وبطلتي شغلانة الريكلام دي؟!
تنهدت ثم مالت على الطاولة المجاورة لها وسحبت سيجارة من عُلبة الرجل لتميل بجسدها بعدما وضعت السيجارة بين شفتيها بإغراء:
-ممكن تولع لي؟
نطق الرجل وهو يتفقدها بنظراتٍ زائغة جائعة:
-الجميل يؤمر
أمسك القداحة وأشعل لها السيجارة لتعتدل وهي تجيب صديقة العمل:
-إسكتي على اللي حصل لي، لو حكت لك مش هتصدقي،هتقولي إني بحكي لك فيلم هندي
لكزتها الفتاة بصدرها قبل أن تنطق باعتراض:
-ما تنطقي يا اختي،إنتِ هتنقطيني بالكلام؟
قصت لها ما حدث لتنطق بنبرة حادة:
-وقريت خبر قتله في السجن من النت زيي زي الغريب،مكنتش أعرف أصلاً إنه اتسجن إلا لما شوفت صوره ماليه النت وكاتبين عن فضيحة نائب مجلس الشعب اللي طلع بيتاجر في الأثار وقتل قريب مراته علشان يفوز بكرسي المجلس
هتفت صديقتها:
-معرفتيش تقلبيه في قرشين حلوين ينفعوكِ يا بت؟!
نفثت دخان السيجارة في الهواء لتنطق بوجهٍ كاشر:
-هي حتة الشقة اللي كان كاتبها بإسمي مفيش غيرها
لتتابع بسخطٍ ظهر بَينٍ على ملامحها:
-الصراحة الراجل مكنش بخيل،كان بيديني فلوس كتير وانا من خيبتي كنت بسرفها كلها،معملتش حساب للحظة إنه ممكن يسيبني وأرجع أتحوج تاني للي يسوى واللي مايسواش
سألتها الفتاة:
-طب مش هتروحي تطالبي بورثك فيه؟!
نطقت على عجالة:
-إنتِ شيفاني مستغنية عن عمري،ده نصر نفسه كان بيترعب من مراته وياما حكى لي عن جبروتها، عوزاني أروح لها وأقول لها إني ضُرتك اللي بتدوري عليها وتعالي خدي تارك مني وبردي نارك؟!
أومأت الفتاة بتفهم،أشار لها الثري العربي كي يتعجلها لتغمز له بطرف عينها وأطلقت ضحكتها الخليعة المشهورة بها لتنطلق صوب طاولتهم لتستمع لصوت أحد الرجال السَكارى وهو يقوم بتحيتها:
-حمدالله على السلامة يا مزة،الكبارية نور
قامت بتحيتهِ عن طريق ضحكتها الشهيرة وحتفهِ بقبلة في الهواء لتقترب على الرجلين قائلة:
-مساء الورد يا بشوات،نورتوا مصر.
************
بعد مرور سبعة أيام،قضاهما ذاك الثنائي كُلٍ يتجاهل الاخر،فقد فرق بينهما العناد وانتهى الأمر،علم من والدته أنها أصيبت بالأمس ببعض التقلصات أثناء تواجده بالعمل مما استدعى بأن يصطحباها علام وعصمت بذاتهما إلى الطبيبة مع وجود حراسة مشددة كي يطمئنوا عليها،واليوم عاد من عمله متأخرًا ليتناول غدائه لحاله حيث تأخر كثيرًا عن الموعد المحدد من عصمت والتي لم تتنازل عن كسر الروتين اليومي لمنزلها لأجل أي احد بالمنزل حتى لو كان نجلها الغالي،خرج من باب القصر ليجدها تجلس بصحبة علام وعصمت وفريال التي تحدثت وهي ترى شقيقها مقبلاً عليهم:
-منور الدنيا يا سيادة المستشار
وقفت وفتحت ذراعيها ليقبل عليها ويسحبها داخل أحضانه مقبلاً جبهتها تحت استشاطة قلب تلك الحبيبة العاشقة،بدأ يمسد على ظهرها بكفه الحنون حين وجد تعابير وجه تلك الغيورة التي اشتعلت وجنتيها بحمرة الغيرة حتى أنه شعر بسخونة صدرها المستعير تقتحم جسده من شدتها،ياله من ماكر فقد أطال من ضمته لشقيقته كي يزيد من لوعة نارها أكثر،ليتحدث بنبرة حنون مستغلاً وضع شقيقته حيث لم يراها منذ يومان بسبب انشغاله بقضية هامة:
-وحشتيني يا قلبي
أجابته بنبرة تفيضُ حنانًا:
-إنتَ كمان وحشتني قوي يا فؤاد
نطقت عصمت بعدما رأت مبالغة من نجليها في التعبير عن اشتياق كُلٍ منهما للأخر:
-اللي يشوف أحضانكم وكلامكم يفتكر إن ليكم شهر مشوفتوش بعض، مش يومين
إلتفت فريال إلى والدها لتقول بمشاكستها المعتادة:
-ما تشوف الدكتورة يا سيادة المستشار،شكلها غيرانة
ضحك الجميع على مزحتها سوى تلك التي تحرقها نار الإشتياق لأحضان رجلها الحنون،فقد إشتاقت له حد الجنون وكم من المرات التي قررت البوح له بذاك الإشتياق والإرتماء داخل أحضانه لكنه كان دائمًا يتجاهلها ويتعمد الابتعاد عنها كي يعاقبها على حديثها السخيف التي نطقت به،جلس بجوارهم لينطق وهو يخبرها بنبرة جادة بعدما رأى حزنها قد ارتسم على ملامحها:
-إعملي حسابك رايحين بكرة كفر الشيخ
اتسعت أعين الجميع إلا علام حيث أبلغهُ نجله بالأمس،هتفت عصمت باعتراض بعدما أبلغها علام بقصة والد وعم الصغير منذ يومين:
-كفر الشيخ إيه اللي هتروحوها في الظروف دي يا فؤاد؟!
تطلع على تلك التي نظرت عليه باستغراب لينطق بنبرة جادة:
-ما تقلقيش يا ماما،أنا عامل كل إحتياطاتي
نطقت فريال بقلبٍ مرتاب على شقيقها وزوجته وطفلاهما:
-طب وجوز إيثار الأولاني اللي هربان؟!
اشتعل داخلهُ بنار الغيرة من مجرد ذكره بجوار اسم سارقة النوم من عينيه ليهتف بحدة أظهرت كم إحتراق روحه:
-إسمه بابا يوسف يا فريال
ابتلعت لعابها ليسترسل بنبرة جادة:
-عرفت من مصادري إن البيه هرب برة مصر في عبارة ووصل لـ اليونان،الإنتربول المصري هيبلغ ويطالب بالقبض عليه وترحيله لمصر بعد ما يتحكم عليه في قضية تهريب الأثار
نطق علام بنبرة خافتة:
-ده لو قدروا يلاقوه يا فؤاد،هو هرب بـ باسبور مزور ولولا صورته اللي في الباسبور والكاميرات اللي لقتطه مكنش اتعرف إنه في اليونان أصلاً
نطق فؤاد بهدوء ظاهري عكس النار المشتعلة بداخله:
-المسألة مسألة وقت يا باشا،أنا كل اللي يهمني حاليًا إنه بعيد عن أهل بيتي،أما بخصوص القبض عليه فدا شئ مفروغ منه
وقف لينطق بهدوء تحت صمت إيثار اللافت للأنظار:
-أنا طالع أرتاح شوية،يومي كان صعب وتعبت في التحقيق،عن إذنكم
قال كلماته وانطلق للأعلى،وقفت لتلحق بهِ لتسألها فريال:
-رايحة فين يا إيثار؟
قالت بنبرة خافتة:
-طالعة أطمن على فؤاد يا فريال
انسحبت لتهتف فريال بنبرة حادة:
-هو حضرتك هتوافق فؤاد على الجنان ده يا بابا؟!
زفر بقوة ليقول بنبرة حازمة:
-وبعدين معاكِ يا فريال،كام مرة قولت لك إن أخوكِ كبير بما فيه الكفاية ومسؤول عن تصرفاته وقراراته
نطقت عصمت بحدة ناتجة عن هلعها على نجلها وحفيديها وزوجته:
-فريال عندها حق يا علام،فؤاد مش لازم يروح كفر الشيخ خالص،هو أخد القرار بضغط من مراته
واسترسلت بغضبٍ من إيثار:
-الأستاذة منكدة عليه بقى لها إسبوع بسبب الموضوع ده،وللأسف، فؤاد شكل حبها لدرجة إن عشقه ليها هيكون نقطة ضعفه
نطق بدفاعٍ مستميت عن نجله:
-مش فؤاد علام اللي تحركه واحدة ست حتى لو كانت روحه فيها يا دكتورة
واسترسل بنبرة جادة:
-فؤاد ما بيتحركش خطوة من غير ما يكون حاسب لها كويس قوي،هو اتكلم مع الدكتورة إمبارح وهي اللي طلبت منه إن لو فيه حاجة موتراها فمن الأفضل إنه ينهي الموضوع علشان التقلصات اللي بتحصل لها غلط علي الاولاد،وفؤاد عاوز يحافظ على ولاده وفي نفس الوقت البنت مش طالبة المستحيل
ليتابع بعقلانية وإنسانية تتأصل بداخل قلبه وشخصه النبيل:
-إيثار طالبة تزور قبر بباها وده أبسط حقوقها الإنسانية
واسترسل وهو يشير بكفيه:
-عاوزة تشوف أهلها وترجع لهم الأمانة اللي بباها سلمها لها قبل ما يتوفى علشان يحميها؟!
تابع بجدية:
-بردوا حقها،أبشع حاجة ممكن تنكد على البني أدم حياته هو إنه يكون عليه دِين محتاج يتسدد
نطقت عصمت ومازال موقفها لم يتغير:
-كل كلامك أنا بحترمه جداً يا سيادة المستشار، وحقها فعلاً
لتسترسل بنبرة صارمة:
-بس مش على حساب أمان إبني وأحفادي،إنتَ نفسك عارف العصابة اللي الأستاذة كانت متجوزة في وسطهم وعارف شرهم ممكن يوصل لحد فين
نطق كي يُهدئ من روعها:
-يا حبيبة قلبي أنا مقدر خوفك على إبنك وولاده،بس إوعي تنسي إن إبنك ده مستشار قد الدنيا وكلمته بتتهز لها رجالة بشنبات،فـ مفيش داعي لخوفك ده كله، وأحب أطمنك إن عيلة نصر البنهاوي إتمحت للأبد وجبروتهم وظلمهم للناس إتقلب عليهم،وربنا خلص منهم ذنب كل اللي ظلموهم وأولهم إيثار نفسها
ربتت فريال على كف والدها وتحدثت:
-هدي نفسك يا ماما،أكيد بابا مش هيضحي بفؤاد ومراته وولاده
تنفست وهي تهز رأسها بعدم اقتناع ورعبٍ سكن قلبها
************
أما بالأعلى،خرج من باب الحمام ليجدها تقف بجوار الفراش تنتظر خروجه،نطقت بنبرة خافتة نظرًا لخجلها من قراره:
-مش لازم نروح كفر الشيخ على فكرة
اتسعت عينيه لينطق بجبينٍ مقطب:
-ده بجد؟!
هزت رأسها بتأكيد لينطق بحدة أرعبتها:
-ولما هو مش لازم،كان إيه لزمته النكد طول الإسبوع اللي فات يا مدام؟!
واسترسل بصياحٍ عالي أرعبها:
-ولادي اللي عرضتيهم للخطر لدرجة إن دكتورتك تطلب مني انفذ للهانم رغباتها تجنبًا للخطورة اللي ممكن تواجهم وأخسرهم للأبد
صاح بنبرة أكثر حدة:
-وش جنابك الخشب اللي مصدراهولي من يومها وكلامك السخيف وبجاحتك اللي أول مرة أشوفها كانت ليه لما هو مش لازم؟!
نطقت بتلبك لرؤيتها لثورته تلك:
-فؤاد أنا
قاطعها وهو ينظر إليها بازدراء:
-إنتِ إيه،إنتِ واحدة أنانية مبيهمكيش غير نفسك وبس،أهم حاجة تعملي اللي في دماغك وتحسي باستقلاليتك ويولع الباقيين، لا اهتميتي بخوفي عليكِ ولا شفع لي عندك حبي ليكِ ولا أي حاجة عملتها علشان أخليكِ مبسوطة وعايشة معايا في أمان
أشار بكفه بانفعال وألم ظهر بعينيه:
-حتى أهلي اللي عاملوكِ بمنتهى الحب والحنية سقطوا من حساباتك،وإنتِ عارفة ومتأكدة إن أمان الأولاد ووصولهم للدنيا بسلام بقى حلم حياتهم اللي عايشين علشانه
حالة من الصدمة أصابتها وهي تستمع لكم الإتهامات الباطلة التي انهالت عليها من حبيبها التي اختارته ليكون رفيق دربها لنهاية العمر،صدمة لعدم شعوره بها وتقدير ما تشعر به من ضياع،نطقت بصوتٍ خرج منها بصعوبة…..
الحياة كلوحة بيضاء تنتظر منا الألوان لتغدو أكثر جمالاً وتألقًا وتأنقًا،فاختر ألونك بعناية كى تزهو حياتك وتزدهر،اصمد أمام حلمك حتى يتحقق فلا مستحيل مع الإصرار والتحدي،إذا حُجبت سماؤك يوماً وتلبدت بالغيوم أغمض جفونك لبرهة ترى خلف الغيوم نجوم، والأرض حولك إذا ما توشّحت بالثلوج أغمض جفونك تجد تحت الثلوج مروج،واعلم أن وراء كل فشلِ يوجد نجاح وخلف كل حزنٍ تأتي السعادة لتفتح بابها على مصراعيها لاستقبالك،وخلف كل جفافٍ بأتي غيث الله،فمهما يحدث تمسك بحُلمك وأعلم أن برغم قساوة الواقع ومرارته دائمًا يوجد أمل.
بقلمي« روز أمين»
قاطعها وهو ينظر إليها بازدراء:
-إنتِ إيه،إنتِ واحدة أنانية مبيهمكيش غير نفسك وبس،أهم حاجة تعملي اللي في دماغك وتحسي باستقلاليتك ويولع الباقيين، لا اهتميتي بخوفي عليكِ ولا شفع لي عندك حبي ليكِ ولا أي حاجة عملتها علشان أخليكِ مبسوطة وعايشة معايا في أمان
أشار بكفه بانفعال وألم ظهر بعينيه:
-حتى أهلي اللي عاملوكِ بمنتهى الحب والحنية سقطوا من حساباتك،وإنتِ عارفة ومتأكدة إن أمان الأولاد ووصولهم للدنيا بسلام بقى حلم حياتهم اللي عايشين علشانه
حالة من الصدمة أصابتها وهي تستمع لكم الإتهامات الباطلة التي انهالت عليها من حبيبها التي اختارته ليكون رفيق دربها لنهاية العمر،صدمة لعدم شعوره بها وتقدير ما تشعر به من ضياع،نطقت بصوتٍ خرج منها بصعوبة وهي تُشير إلى حالها بذهول:
-هي دي نظرتك ليا؟!
لتتابع بعينين تلتمعُ بهما قطرات الدموع التي تأبى النزول إمتثالاً لكرامتها:
-أنانية وعديمة أصل وناكرة للجميل؟!
نطق بصوتٍ حاد رافضًا تحويرها لمعاني الكلمات:
-أكتر حاجة بكرهها في حياتي إن كلامي يتحور ويتقلب معناه، فبلاش تتبعي معايا الإسلوب ده لأني مش هقبله
خرجت من بين شفتيها إبتسامة واهنة تحمل الكثير من الألم والمعاناة لتنطق بصوتٍ واهن ضعيف كحالتها:
-الكلام مش محتاج يتحور علشان يتفهم يا سيادة المستشار،الكلام شارح نفسه وواضح جداً
صمتت لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تنطق بطاعة وخنوع:
-وحاضر،هنفذ لكم أوامركم بعد كده من غير ما أفتح بقي ولا أطالب بأي حقوق،لأني إكتشفت إني مسلوبة الحقوق والإرادة في أي مكان بروحه،وكأن إنكتب عليا طول الوقت الخضوع وكلمة “حاضر”
حملق بها غير مستوعبًا ماتفوهت به من حماقة لينطق بحدة:
-برافوا عليكِ، قوام قلبتي التربيزة وطلعتيني الزوج الديكتاتور اللي كل همه إن أوامره تتنفذ بدون نقاش
شعرت بإنهاكٍ روحي وكأنها تبحر ضد التيار،فنطقت بنبرة منكسرة:
– إنتَ عاوز إيه مني يا فؤاد،عاوز إيه من واحدة لقت نفسها بين يوم وليلة محبوسة في بيت مبتشوفش شكل الشارع غير في وجود حراسة مشددة مانعة عنها حتى الهوا،وبعد ما كانت مسؤلة عن نفسها وسيدة قرارها أصبحت عبد طائع مش مسموح له حتى ياخد قرار بنفسه ولا ينفذه؟!
اقترب منها على بعد خطوتين ليتوقف وأخذ ينظر لوجهها بتمعن وهو يرفع أحد حاجبيه متعجبًا ويقول:
-والوضع ده مين السبب فيه يا إيثار، مش دي ظروفك اللي إتفرضت علينا،انا تعايشت معاها وإنتِ مش قادرة تتعايشي ولا تتأقلمي؟!
نظرت إليه بضعف وقد خارت قوتها لينطق بنبرة أظهرت كم عشقه لتلك التي ملكت القلب واستوطنت:
-أنا بعمل كده علشان حمايتك إفهمي
واسترسل بايضاح:
-فيه فرق بين إني أكون شخص متعنت وديكتاتور وكل اللي يهمني إن أوامري تتنفذ،وبين إني خايف عليكِ إنتِ ويوسف وولادي
نطقت وهي تُشير بسبابتها باتهامٍ صريح وكأنها لم تستمع من حديثه سوى الكلمةِ الأخيرة:
-أيوا،هنا بقى القصة كلها يا سيادة المستشار،ولادك،ولادك اللي إنتَ مرعوب عليهم وعامل عليا حصار بسببهم وصل لإنك تدخل بنوعيات الأكل اللي باكله
-ولادي أنا لسه مشفتهومش…جملة قالها بنبرة عاتبة ونظراتٍ لائمة ليتابع بتذكير:
-ولو ترجعي بذاكرتك لأول ما اتجوزنا هتلاقي معاملتي ليكِ محصلش فيها أي تغيير،خوفي عليكِ وحرصي على حمايتك وأمانك إنتِ ويوسف كان من أهم أولوياتي من أول يوم دخلتوا فيه البيت ده
واسترسل متهمًا إياها:
-بس إنتِ مش بتشوفي غير اللي إنتِ عاوزة تشوفيه وبس
تبادلت الإتهامات بينهما لتنطق بصوتٍ يدل على احتراق قلبها:
-وإنتَ يا فؤاد حاسس بيا؟ حاسس باللي بمر بيه وبوجعي،أنا عايشة في بيتك ليا أكتر من خمس شهور مفيش مخلوق من أهلي دخل عليا في يوم،طول الوقت حاسة بالخجل منك ومن أهلك
هتف بقوة يسألها بصرامة:
-وأمتى أنا ولا أهلي حسسناكِ بده،إمتى فرق معانا موضوع أهلك وزيارتهم ليكِ؟!
هتفت بحدة وقد فكت الحصار عن دموعها الحبيسة وسمحت لها بعدما فقدت السيطرة لتنطلق بقوة أغرقت وجنتيها وهي تقول:
-حتى لو مش دي طريقة تفكيركم والموضوع مش فارق معاكم
لتنطق بصوتٍ أظهر نزيف قلبها:
-بس فارق معايا أنا قوي،شعور إني مكملة حياتي زي الزرع الشيطاني اللي ملوش أصل شعور مُميت،عمر اللي زيك ما يحس بيه
نزلت كلماتها ودموعها على قلبه كمادة كاوية شديدة أحرقت وطاحت بطريقها كل ما قابلها بعنفوان لينطق بنبرة خافتة:
-أنا أهلك وجوزك وحبيبك
طالعته بألم ونظراتٍ مريرة ممزوجة باللوم قبل أن تنطق:
-مش حقيقي،إنتَ كل اللي يهمك سلامة ولادك وبس
سألها بعينين متعجبتين:
-وإنتِ،ميهمكيش سلامتهم؟!
ناظرته لتصمت فابتسم نصف ابتسامة مؤلمة ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
-جهزي نفسك بكرة علشان هنقوم بدري
تطلعت عليه ثم أخذت نفسًا مطولاً قبل أن تطرق برأسها وتقول بصوتٍ واهن حزين:
-قولت لك مش هروح
هتف بقوة أرعبتها:
-مش بمزاجك على فكرة،مش بعد ما جهزت كل حاجة وبلغت الحراسة وجهزت أمان العربيات تيجي بكل بساطة وتقولي مش رايحة
أطرقت برأسها تنظر إليه بحزن لتهرول على باب الحمام تغلقه وتختبئ خلفه،إستندت بظهرها على الباب وأطلقت العنان لدموعها فشهقت شهقة خرجت عنوةً عنها لتصل لذاك الواقف بمكانه بين نارين،نار العشق والاشتياق وقلبه الملتاع،ونار كلماتها الجارحة التي وصمته بها منذ ذاك اليوم المشؤوم،أغمض عينيه بألم وبات يمسح على وجهه بكف يده عله يطفئ من لهيب قلبه المشتعل،يشعر وكأن قدماه متسمرة بأرضها ليزفر بقوة ويقرر التوجه إليها بعدما ساقه قلبه العاشق ليدق الباب وهو ينطق بهدوء:
-إفتحي الباب يا إيثار
انتفض جسدها حين استمعت لصوته يناديها بكل ذاك الحنان لينفطر قلبها من شدة البكاء لينتج شهيقًا عاليًا بفضل بكائها الحار،شعرت بمقبض الباب يدار فابتعدت ووالتهُ ظهرها ليلج إليها متحدثًا:
-بطلي عياط وتعالي إرتاحي برة علشان ماتتعبيش
شهقة عالية خرجت منها وبدأ جسدها يهتز تأثرًا بحالة البكاء الهيستيرية التي أصابتها لينتفض قلبهُ حزنًا عليها وما شعر بحاله وهو يهرول إليها ليقف أمامها ممسكًا كتفيها بعناية لينطق بعينين لائمتين:
-ليه ده كله،عاملة في نفسك وفيا ليه كده؟!
ما كان منها سوى البكاء بشدة لينطق وهو يضمها بين أحضانه وما أن تلامسا حتى انتفض جسديهما معًا،فمنذ سبعة أيام لم يقترب أحدهما من الأخر وهذا ما جن جنون كلًا منهما، فتلك هي المرة الأولى التي يبتعدا عن بعضيهما منذ أن إلتحمت روحيهما قبل الجسد،لم تشعر سوى وهي ترفع ذراعيها لتحاوط بهما عنقه وكأنها كانت تنتظر الإشارة،ابتلع لعابهُ حين تلامس جلد وجنتها مع عنقه ليشعر بانتفاضه بجميع عروقه،ود لو باستطاعته حملها بين ساعديه والتوجه بها نحو فراشهما ليضعها فوق ساقيه ويضمها لصدرهِ حتى يُشبع روحهُ العطشة من رائحة جسدها الذكية والنظر داخل مقلتيها الساحرة والغوص ببحريهما العميق،لكنه الكبرياء لعنة الله عليه من منعه،شعرت بتخشب جسدهِ لتتنهد بألم،تعلم أنهُ غاضب بل وثائر لكرامته التي دُهست تحت قدميها على حد وصفه،لكنها تريده،تريد ضمة أحضانه الحانية التي حُرمت منها طيلة الأيام المنصرمة،لقد أصبحت أنفاسه ترياقها وأحضانه حصنها المنيع،تريد ضمته الأن وبقوة،خرجت من بين أحضانه لتطالعه بعينيها الباكية وهو تقول بدلالٍ أنثوي خفيف أرادت بهِ كسر الحواجز التي بُنيت على يد العناد والكبرياء:
-أنا زعلانة منك قوي
طالع عينيها بعتابٍ قائلاً:
-أنا كمان زعلان منك قوي
قالت بنبرة أكثر دلالاً عل جسده المتخشب ذاك يلين ويحتضنها بقوة:
-إنتَ مش بتحبني
تنهد بشوقٍ لو خرج لفاض وتكفل بقلوب العاشقين جميعًا ثم قال بمراوغة:
-أنا فعلاً مش بحبك
ليسترسل بنبرة تصرخ بأنين الهوى:
-أنا بعشق كل ما فيكِ،نظرة عيونك إبتسامتك لما تكوني راضية،لمسة إيدك وهي بتطبطب عليا
لم تنتظر أكثر لتضع كفها تتلمس به ذقنهُ النابتة التي تعشق النظر إليها وملمسها الحنون،إرتعش جسده تأثرًا بلمستها لتنطق بعينين معتذرتين:
-أنا أسفة
نظر لأنفها الأحمر بفضل بكائها وابتسم ليقول بنبرة حنون:
-وأنا كمان أسف
سحبها وخرجا ليجلس فوق الفراش وتتخذ هي من ساقيه مجلسها،ارتمت داخل أحضانه لتضع رأسها فوق موضع قلبه،تنهدت براحة وظلت داخل أحضانه لفترة ليست بالقليلة
خرجت من بين أحضانه التي طالت لتسألهُ بعدما استمعت لدقات قلبهِ العالية وهي تنبض كطبول الحرب:
-هو أنتَ لسه زعلان مني
ابتلع لعابه من مظهرها المهلك لقلبهِ،فقد امتزج إحمرار وجهها السعيد بعودتها داخل أحضانه وإحمراره السابق بفضل بكائها ليشكلا مظهرًا جعل قلبهُ ينتفض اشتياقًا،كان يريد أن يغوص معها ببحر عشقهما ليتذوق شهدها ويذيقها من لذة شراب العشق لكنه كان يمنع بل ويحارب ذاك الشعور كي لا يؤكد لها إتهامها المهين لشخصه بإن كل ما يربطهما هو الإحتياج الجسدي لها وغريزته التي تحركه، فأراد أن يثبت لها عكس ما تشعر به،هز رأسه بنفيٍ دون حديث لتسألهُ وهي تتحسس شعر صدره الظاهر من فتحة قميصهُ:
-طب ليه باعد نفسك عني
أجابها بمراوغة يريدها أن تكشف عما بمكنونها أكثر:
-باعد إزاي وأنا واخدك في حُضني
شعرت بالخجل يعتري روحها لتميل برأسها تنظر للأسفل ثم تحدثت بنبرة حزينة:
-إنتَ زعلان من الكلام اللي أنا قولته لك، صح؟!
لم ينطق لترفع أهدابها تتطلع عليه لتتحسس ذقنه في حركة أنهت على صبره لتنطق:
-مش أنا قولت لك إني أسفة،المفروض الكلمة دي تمحي أي زعل بينا
-تفتكري كلمة أسفة ممكن تزيل شعور الإهانة اللي حسيت بيه منك…نطقها لائمًا ليتابع بنبرة متألمة:
-إنتِ حصرتي علاقتي بيكِ في لانجري وليلة حلوة بنقضيها مع بعض،هو ده اللي بينا من وجهة نظرك يا إيثار؟!
تعمقت بمقلتيه وبأناملها الرقيقة باتت تتحرك فوق ذقنه بطريقة إحترافية جعلت من قلبهِ مستسلمًا لتنطق بنبرة أقرب إلى الهمس:
-اللي بينا كتير قوي يا فؤاد،اللي بينا مفيش حاجة في الدنيا ولا أي كلام يقدر يوصفه
انتهت من كلماتها لترفع جسدها للأعلى كي تطوله وتطبع قُبلة حنون فوق شفته السُفلى سرعان ما أثارت حواسه وانتفض لتتحول القُبلة إلى شغوفة عنيفة ويفقد هو صبره ليقع قناع القوة الذي ارتداه لكنه لم يستطع الصمود أمام سحرها ودلالها ليخر راكعًا راضخًا لأمر الهوى ويذوب معها.
*********
تتمدد على جنبها فوق الفراش المخصص لها،تسند رأسها بكفها الموضوع فوق وسادتها،شاردة بحالة أنجالها وما حدث لهما وتبكي بانهزام،فقد هاتفها حسين وقص لها ما حدث وبأن الشرطة قامت بالحجز على منزل وسيارة عمرو وهروبه للخارج،أبلغها أيضًا أنه يعمل بإحدى الشركات وبالكاد استطاع تأجير غرفة يستطيع العيش بداخلها لحين إشعار أخر،ما زاد من شعورها بالمرارة هو انتشار تلك الاخبار بالبلدة بأكملها وشماتة الناس بهم وحتى أشقائها وعائلتها رجحوا حدوث ذلك لقتل نصر لهارون والغدر به،لم تتوقع ما حدث لعائلتها الصغيرة حتى بأسوء كوابيسها،برغم ما اقترفه نصر بحقها إلا أنها مازالت تكن لهُ عشقًا عميقًا داخل قلبها،فتلك الـ إجلال تنطبق عليها مقولة”ومن الحب ما قتل”فـ لاجل الثأر لكرامتها دمرت أسرتها بالكامل،ذاك هو العشق لدى إجلال ناصف،ولجت زوجة شقيقها المدعوة بـ شريفة لتنطق بضيق وهي ترى انتحابها المتواصل ليلاً ونهارًا منذ أن جاء بها زوجها وأسكنها بمنزلهم:
-هو احنا يا اختي مش هنخلص من الندب ده، ده حتى فال شوم على البيت واصحابه
نطقت بحدة وهي تخفي أثر دموعها بكفيها:
-سبيني في حالي يا ولية واطلعي برة
شهقت الأخرى لتنطق باستهجان:
-ولولو عليكِ ساعة وسكتوا يا بعيدة،هي مين دي اللي ولية؟
اتسعت عيني إجلال واحتدت ملامحها لتمتلؤ بالقسوة وهي تعتدل سريعًا لتهتف بقوة:
-إنتِ بتكلميني أنا كده يا بت؟!
تعمقت الاخرى وهي تتشفى بمظهرها المذبهل،فقد أتت لها الفرصة ويجب أن تغتنمها جيدًا،فكم من المرات التي أُهينت بها وتم تصغيرها على يد تلك المتجبرة،والان هو وقت الحصاد والإنتقام،هتفت بنبرة حادة وهي تقوم بإهانتها:
-أكلمك وأكلم اللي يتشدد لك كمان،فوقي وإوعي لنفسك يا إجلال،لتكوني فاكرة نفسك لسه قوية زي الأول
استشاط داخلها من تعدي تلك الحقيرة عليها بتلك الطريقة المهينة:
-إنتِ اللي لازم تفوقي لنفسك وتعرفي مقامك في البيت ده يا شريفة،أنا إجلال بنت الحاج ناصف، ستهم اللي مهما حصل هفضل ستهم
واسترسلت بابتسامة خبيثة:
-اتمتعي باليومين اللي أنا قاعدة فيهم في اوضتي حزينة،علشان لما أفوق وأطلع لك من الاوضة دي،مش هتبقي ست البيت زي ما أنتِ متعودة، هتبقي الخدامة بتاعتي، فاهمة يا بت
اقتربت عليها لتهتف بفحيحٍ كالأفعى:
-ده في أحلامك يا إجلال،إنتِ خلاص، بقيتي منبوذة من العيلة كلها زيك زي الكلب الجربان اللي الكل بيبعد عنه ويزقه برجليه لـ يعديه،زمنك فات وانتهى خلاص يا بنت الحاج ناصف
لتسترسل بعينين حادة كنظرات الصقر وهي تُشير بسبابتها نحو باب الغرفة:
-ولما يتفك حزنك على الخاين اللي استغفلك وراح اتجوز عليكِ بت صغيرة وتطلعي من باب الأوضه دي،هتشوفي المعاملة الجديدة اللي تستاهلها واحدة زيك
كانت إمرأة متجبرة متعالية لم تستثمر بحياتها وتجمع رصيدًا في قلب أحدهم حتى يشفع لها بعد إنهيارها،بل كانت تعادي الجميع وتجبرت،هبت من جلوسها لتُمسك ذراعها وتحاول ليه لتصرخ المرأة بقوة ومن سوء حظ إجلال ولج شقيقها ونجله للتو من باب المنزل ليستمعا لصرخات المرأة فيهرولا ويجدا إجلال وهي تعنفها،هرول الشاب ليقوم بتخليص والدته بالقوة وهو ينهرها:
-سيبي أمي يا عمة،إنتِ مسكاها كده ليه؟
ليهتف محمد بحدة وصرامة:
-إنتِ إتجننتي يا إجلال،إيه اللي بتعمليه ده؟
نطقت وهي تحاول الهجوم عليها بشراسة والمرأة تختبئ خلف زوجها لتحتمي به:
-إنتَ أصلك مسمعتهاش بتقولي إيه يا حاج محمد،مراتك طلعت قليلة أصل
صرخت المرأة لتنطق بتزييف لما حدث:
-ولا قولت لها حاجة يا اخويا،ليه وليه داخلة بقول لها بطلي ندب وعويل في البيت أنا خايفة على راجلي وعيالي، هجمت عليا وقالت لي هشغلك عندي خدامة
ثار الشاب بعدما استمع لإهانة والدته ليهتف برعونة الشباب:
-كلام إيه اللي بتقوليه ده يا اما،إنتِ ست البيت ده ومحدش يجرأ يوجه لك أي إهانة حتى لو كان مين
اتسعت عينين إجلال لتهتف بسخطٍ:
-أما إنك عيل قليل الرباية صحيح، بقي بتصدق العقربة أمك وتنصفها على ستهم
-إجلال… كلمة أطلقها محمد بصوتٍ زلزل أركان المنزل بأكمله ليسترسل بنظراتٍ حادة كطلقات الرصاص:
-إحترمي نفسك وإتكلمي بأدب مع ست البيت
جحظت عينيها لتنطق بذهول:
-إنتَ كمان هتنصفها عليا يا محمد؟!
نطق بقوة وهو يحاوط كتف زوجته بذراعه:
-إسمعيني كويس يا بنت أبويا،اللي أوله شرط أخره نور،شريفة هي ست البيت وكلمتها تمشي على حريم الدار كله، وطالما هتعيشي في بيتها يبقي تحترميها وتسمعي كلامها كمان، أنا راجل مبحبش النكد والمشاكل في بيتي، وأكتر حاجة أكرهها هو الصوت العالي
واسترسل وهو يرمقها بازدراء:
-ومن النهاردة مش عاوز اسمع شكوى من شريفة بخصوص النويح والندب على الندل اللي راح
قال كلماته بصرامة ليخرج من الغرفة تابعه نجلهِ لتطالعها شريفة بنظراتٍ متشفية ثم ابتسمت بتهكم لتلحق بزوجها تاركة تلك التي اشتعلت نارها لتشعر بالقهر والعجز
*********
تشعر وكأن روحها عادت إليها وهي تسكن أحضان ذاك الممدد بجوارها مشددًا عليها وكأنهُ يخشى هروبها،تتنعم بلمساته الحنون مغمضة العينين سارحة بسماء عشقهما بعد غوصها معه بإحدى الجولات العشقية التي أنعشت روح كلًا منهما،استفاقت على صوت حبيبها الذي نطق وهو يضم جسدها لخاصته ليقربها بقوة:
-إوعي تبعدي عني تاني
تحدثت بدلال وهي تلقي باللوم عليه:
-وهو أنا كنت بعدت أولاني يا باشا
ضحك بصوتٍ خافت ليقول من جديد:
-مش فارقة مين السبب يا عمري،المهم إن اللي حصل ده ما يتكررش تاني
بطريقة مازحة أجابته:
-عُلم ويُنفذ جنابك
ابتسم وتنفس بهدوء ليسألها بنبرة حنون وهو يتلاعب بخصلات شعرها بين أصابع يده:
-إيه رأيك أخلي سعاد تطلع لنا العشى هنا وناكل لوحدنا،هأكلك بأديا وإنتِ قاعدة على حجري
نظرت تتطلع عليه بسعادة ليسترسل كي يزيل بعض الأسباب التي تؤرقها:
-ويا ستي فيكِ تختاري الأكل على مزاجك، ومهما كان الصنف اللي هتختاريه هخليها تعملهولك بدون نقاش
ابتسمت لتجيبهُ بهدوء:
-هو أنتَ فاكرني زعلانة علشان الأكل اللي أنا ممنوعة منه يا فؤاد؟!
ضيق عينيه يتطلع عليها بحيرة لتكمل بنبرة جادة:
-طول عمري وأنا أكتر حاجة بتنرفزني وتخليني أفقد اعصابي هو الإجبار وفرض القرارات عليا،وده اللي حصل لما عملت لي لستة بالأكل اللي لازم أكله ولستة بالممنوعات
تنهد بهدوء ليرفع ذقنها يحثها على النظر إلى عيناه قبل أن ينطق مستفسرًا:
-وهو أنا عملت كده علشان أضايقك يا حبيبي؟!
ليتابع بتذكيرها:
-مش لما تعبتي من الأملاح والصديد واتحجزتي يومين في المستشفي والدكاترة علقوا لك محاليل،كان لازم أتدخل وأعمل لستة بالاكل علشان صحتك أولاً والاولاد ثانيًا وإلا كنا هندخل في مشاكل صحية لا حصر لها
ابتسمت بخفوت لتتحدث بنبرة أظهرت تشتتها هذه الفترة:
-أنا أسفة،أنا عارفة إن أنا تعبتك معايا من يوم ما عرفتني،بس كل الظروف بتضغط عليا وبتخنقني،مش بلحق أخد نفسي من كتر الصدمات يا فؤاد
لتنطق بنبرة منكسرة:
-خايفة في يوم تزهق مني ومشاكلي تكون سبب في إنك تبعد عني
بلهفة أجابها:
-أنا عمري ما أقدر أبعد عنك يا حبيبي،هو ينفع حد يبعد عن النفس اللي بيحييه؟!
رفعتها كلماته لعنان السماء لتشعر وكأن روحها تتراقصُ على أنغام كلماته ما جعلها تدفن حالها بين أحضانه تتمسح به كقطة تعشق مربيها
تحمحم لينطق بحذرٍ خشيةً ردة فعلها:
-حبيبي،عاوز أفاتحك في موضوع بس مش عاوزك تزعلي ولا تاخدي الموضوع بحساسية
ابتعدت قليلاً لتتطلع بتمعن وهي تقول:
-أنا عمري ما أزعل منك يا فؤاد،قول اللي إنتَ عاوزة وتأكد إني هفهمه مهما كان
تحمحم وتحدث بهدوء:
-أنا عارف إنك عانيتي كتير قوي في حياتك واتعرضتي لصدمات محدش يتحملها
قاطعته قبل أن يكمل:
-قول اللي إنتَ عاوزه بدون مقدمات يا حبيبي،وأنا وعدتك إني هتفهم الوضع
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن ينطق بحذر:
-أنا شايف إننا لو روحنا لمعالج نفسي الوضع هيكون أفضل
توقع ثورتها أو حتى تحسسها من طرحه للأمر لكنها فاجأتهُ حين تنهدت لتنطق بهدوء:
-أقول لك على سر؟
أومأ بقوة ليحمسها فاسترسلت:
-أنا فكرت قبل كده إني أروح لمعالج نفسي
واسترسلت بابتسامة تتوارى بها خلف خجلها:
-بس بصراحة حالتي المادية هي اللي منعتني وقتها،المرتب كان يدوب بيكفي مصاريف المدرسة التجريبية بتاعت يوسف وأكلنا واحتياجتنا الضرورية،بجانب مبلغ بسيط كنت بوفره لـ عزة كل شهر كـ مرتب ليها
واسترسلت بابتسامة وهي تتذكر مواقف تلك المرأة الجميلة التي ساندتها بكل ما أوتيت من قوة:
-مع إنها كانت بترفض تاخده وأنا اللي كنت بصر عليه،ولما كنت بقصر في طلبات البيت كانت هي اللي بتجيب من مرتبها من غير ما تحسسني
واسترسلت بألم:
-بس أنا كنت بعرف
نطق بابتسامة حنون لسببين،أولهما أن يلهيها عن حساسية الامر كي لا تخجل والثاني هو إعجابه الحقيقي بتلك الـ عزة:
-جميلة قوي علاقتك بـ عزة وغريبة
ابتسمت لتومي بموائمة ليتحمحم وهو يسألها:
-يعني أشوف معالج كويس وأحجز لنا عنده؟!
أومأت بموافقة لينطق في محاولة منه للتخفيف عنها:
-أنا كمان هحجز وهاخد جلسات على فكره،عندي حبة كلاكيع نفسية محتاجة أزيلها من جدورها
ضحكت ليطلق هو الأخر ضحكاته ليكملا حديثهما بأريحية بعدما أزيح ذاك الثقل من فوق صدره،فمنذ أخر مشادة كلامية حدثت بينهما وهو يرى أن الحل الأنسب لإزالة العراقيل التي تواجهه بعلاقته مع زوجته هو زيارتها لمعالج نفسي كي يساعدها على تخطي ما حدث معها بالماضي والذي ترك أثرًا كبيرًا داخل نفسها المتألمة.
*********
داخل منزل غانم الجوهري رحمة الله عليه
تقف منيرة ونوارة على قدمٍ وساق يعيدان ترتيب المنزل وينظفاه لاستقبال ابنتهم الغائبة وزوجها إبن الأكابر مثلما يطلقون عليه أهل البلدة،تحدث عزيز إلى أيهم الذي حصل على عطلة اليوم للتجهيز لاستقبال شقيقته وزوجها الذي أخبره بالأمس أنه سيجلب إيثار لزيارة قبر أبيها ومنزل عائلتها غدًا بيوم الجمعة “العطلة الرسمية لدى الجميع” :
-مقولتليش يا أيهم،إيثار وجوزها جايين البلد ليه؟!
أجاب شقيقه بهدوء:
-واحدة جاية بيت أبوها هسألها جاية ليه؟!
ابتسم وجدي لينطق بما أثار حنق عزيز:
-قصدك جاية بيتها يا أيهم
تطلع عليه عزيز ليقول بحدة:
-قفل على السيرة دي الله يبارك لك يا وجدي،انا كل ما افتكر المبلغ اللي معروض علينا قصاد بيع القيراط وافتكر إننا منملكش الحق في بيع أرضنا بتركبني شياطين الجن كلها
تنفس وجدي عاليًا لينطق لائمًا أبيه على تلك الحالة التي وضعهم بداخلها:
-الله يسامحك على اللي عملته فينا يا ابا،لولا إنه كتب لـ إيثار كل حاجة كان زمانا بيعنا القيراط واشترينا البيت اللي جارنا ووسعنا على ولادنا
وتطلع على المنزل بحالتهِ المتواضعة واسترسل بإشارة من كفه:
-على الأقل كان زمانا مجددين دهانات البيت والفرش بدل ما واحد زي وكيل النيابة ده يدخل البيت بحالته دي
قاطعه أيهم حيث نطق وهو يتطلع من حوله:
-وماله بيتنا يا وجدي، الحمدلله البيت نضيف وزي الفل وفرشه زي فرش بيوت كتير
ابتسم عزيز ليقول ساخرًا:
-بقى بذمتك اوضة الكنب دي تليق إن الباشا ابن الأكابر يقعد فيها،على الاقل كنا اشترينا أنتريه
انتهت منيرة من اعداد المنزل بمساعدة نوارة ونجلتاي عزيز لتجلس بهدوء،سألها وجدي باهتمام:
-جهزتوا لغدا يشرف بكره يا اما،أنا اديت فلوس لنوارة علشان تجيب لك كل الطلبات اللي هتحتاجيها بكرة
نطقت بصوتٍ خافت ظنوا أنه وهن من تنظيف المنزل لكنهُ خجلاً من تلك المواجهة التي لم تستعد لها بعد:
-نوارة قالت لي يا ابني، وأنا نضفت تلات دكورة بط وكام جوز حمام هحشيهم فريك بالسمنة البلدي
نطق عزيز دون وعي منه:
-إبقي إعملي لها برام رز معمر يا اما،إيثار بتحبه
صمت الجميع ليتطلع عليه شقيقاه لينطق مبررًا وكأنهُ فعل شيئًا مشينًا حين أظهر اهتمامه بزيارة شقيقته الوحيدة:
-دي بردوا ضيفة ولازم نعمل لها الاكل اللي بتحبه
أتت نوارة على أصواتهم لتهتف بسعادة وحماس يرجعان لتشوقها لرؤية صديقتها الحنون:
-متقلقش يا أبو غانم،ماما عاملة كل الأكل اللي إيثار كانت بتحبه، وأيهم الله يكرمه جايب معاه من مصر حلويات وجميع أنواع الفاكهة اللي في السوق
واشارت بكفها بنبرة حماسية:
-يعني هتبقى عزومة تشرف، ولا عزومة نصر البنهاوي في زمانه اللي كان بيعملها للكبرات
قاطعتها منيرة بحدة ترجع لتشاؤمها:
-فال الله ولا فالك يا بت،قفلي علي السيرة الزفت دي وقومي إعملي لنا دور شاي يظبط دماغنا
نطقت بابتسامة ووجهٍ بشوش:
-من عنيا
قالتها وانطلقت لتترك خلفها زوجها وعائلته يرتبون ويستعدون لزيارة الغد.
***********
أتى الصباح على الجميع كلٍ يحمل مشاعر مختلفة ما بين خوف وارتياب وترقب واستغراب،وقفت تتطلع على هيأتها بانعكاس المرآة،كان مظهرها رائعًا تبدو كملكة ذاهبة لتتويجها،فقد تبدل حالها كليًا لتبدو لمن يراها كأخرى لم تشبهها سوى بالملامح الجميلة التي لم تختلف بعد،فقد إعتنى بها فؤاد كثيرًا حيث سلمها لمختصون بدار أزياء عالمية كي ينتقوا ثيابها بعناية وأيضًا خبراء الإهتمام بالبشرة والشعر لتبدوا أصغر من عمرها بعدة سنوات حيث من يراها الان يتوقع الا يتعدى عمرها الثانية والعشرون،هكذا كانت مكافأة ودلال ذاك العاشق لـ أنثاه التي أثارت جنونهُ بجموحها واختلافها عن الأخريات
وضعت بعض اللمسات من زينة الوجه والإكسسوارات والحُلي اللائقة بثوبها الناعم وحجابها الأنيق،أمسكت قنينة عطرها الفرنسي وقامت بنثره بسخاءٍ على عنقها وثوبها لتعيدها من جديد.تناولت ساعة اليد المرصعة بحبات الألماس هديتها الثمينة التي تلقتها من عصمت بمناسبة حملها بالتوأم لترتديها لتزيد من أناقتها ومظهرها الجذاب،إرتدت أيضًا خاتم الزواج الذي أهداها إياه فؤاد ليتناسب مع تلك الساعة ويكملا الاناقة،تطلعت بتمعن على ملمع الشفاة بلونه الوردي التي وضعته ليزيد من جمالها وإشراقة ونضارة وجهها الصبوح،خرج من غرفة ملابسهُ جاهزًا ببدلته السوداء ذات الماركة العالمية ليطلق صفيرًا ونظراته المنبهرة تحاوطها لينطق باعجاب:
-إيه الجمال والشياكة دي كلها يا حبيبي
تطلعت عليه وهي تبتسم بسعادة ليتابع وهو يرفع كفاه للأعلى بملاطفة:
-أنا كده هغير رأيي ومش هنخرج من الجناح ده النهاردة
رفعت حاجبها لأعلى لينطق بمداعبة:
-ما أحنا ما اتفقناش على إنك تبقي مثيرة قوي كده
تحركت إليه بخطواتٍ أنثوية واثقة وكعب حذائها المرتفع يصدر صوتًا عاليًا ليرسخ ثقتها العالية،اقتربت عليه لتضع كفيها على صدره وتقول بإغراء مصطنع بصعوبة لشدة ارتباكها من تلك الزيارة:
-أنا مينفعش غير إني أكون حلوة ومثيرة،لأني أنا مرات فؤاد علام
هز رأسه بثقة ليعود للخلف يميل برأسه وهو يقيمها بشمولية لينطق بنبرة هادئة:
-طب إتفضلي يا حبيبة قلب فؤاد علام غيري الشوز دي حالاً
مطت شفتيها بتذمر ليتابع ساخرًا:
-هي البرنسيس ناسية إنها حامل في السادس ولا إيه؟!
اقتربت عليه لتقول بعينين تلتمستين الرضا وبشفاه ممدودة بإثارة كي تستطيع التأثير عليه:
-مش ناسية ولا حاجة يا حبيبي،بس إحنا مش هنمشي علشان ألبس شوز أرضي،إحنا هننزل من العربية جنب القبر وكذلك البيت بردو
نطق بصوتٍ هادئ:
-بيبي،بلاش شغل المحلسة ده علشان أنا اللي بدعته
واسترسل بصرامة لا تقبل النقاش:
-يلا إلبسي كوتش أرضي علشان ظهرك
زفرت بقوة لتقول متعللة:
-مش هعرف أربط رباط الكوتش يا فؤاد
رفع ذراعيه بطريقة مسرحية:
-بسيطة
خلع عنه حلة بدلته ليلقي بها فوق الفراش ثم اختفى بداخل غرفة الأحذية والحقائب الخاصة بها ليخرج بعد قليل حاملاً زوجًا من الأحذية الرياضية ليسحبها نحو الفراش ويجلسها قبل أن يستند بركبتيه أرضًا تحت ساقيها ليرفعها ويقول وهو ينزع عنها ذاك الحذاء ذو الكعب العالي:
-أنا أربط لك الشوز وأعمل لك كل حاجة تعوزها يا بابا
برغم غضبها منه إلا أن تصرفهُ أصاب جسدها بالإرتجاف من شدة تأثرها بحنانهِ المفرط الذي يغرقها به،ألبسها الحذاء وعقد لها ربطته بطريقة إحترافية نالت استحسانها ليرفع بصره إليها وتحدث بغمزة جريئة من عينيه:
-فاكرة اول مرة لبستك الخلخال؟
واسترسل رافعًا قدمها ليرفع ثوبها للأعلى ويظهر جزءًا من ساقها البيضاء ثم قربهُ من شفتيه الغليظة ليطبع قُبلة مثيرة وهو يتعمق بمقلتيها المتسعة وصدرها الذي بات يعلو ويهبط من شدة شعورها الرائع الذي شملها من تصرف ذاك الراقي
تحدثت بنبرة حنون وهي تتطلع عليه:
-إن شاءالله بعد الولادة هعمل لك كل اللي نفسك فيه يا حبيبي
أنزل ساقها وانتفض منتصب الظهر ليسألها وهو يساعدها على النهوض لتقابلهُ:
-وحبيبة حبيبها هترقص له؟
أومأت بسعادة ليتابع بمشاكسة:
-بالبدلة النبيتي؟
أومأت لتقول بتأكيد:
-بالبدلة النبيتي
نفخ أوداجه بالهواء ليزفر بقوة وتحدث وهو يجذب حلته من فوق الفراش ليرتديها على عجاله:
-طب يلا حالاً ننزل من هنا
ضحكت لتقف خلفه تساعده بارتداء حلته مما أسعد قلبه ليستدير ويسلم لها حاله لتقوم بعدل ربطة عنقه وياقة الحلة،مال عليها ليضع قبلة سريعة فوق شفتيها ثم أشار لها بذراعه لتتأبطه وتتحرك بجواره بحبورٍ بينما يشعر هو بالفخر من إمتلاكه لتلك “الدرة المكنونة”مكافأته من رب العباد جراء صبره على الإبتلاء
هبط الدرج بجوار تلك التي تتأبطه لينظر لهما الجميع،علام،عصمت، فريال وأيضًا ماجد حيث اليوم العطلة الأسبوعية،ضيقت عصمت عينيها حين رأت لمعة تسكن مقلتي نجلها،لمعة هي تعرفها جيدًا وتحفظها عن ظهر قلب،تيقنت على الفور أن ذاك الثنائي العنيد قد تنازلا عن عنادهما وارتمى كلاهما داخل أحضان الأخر ليرتويا وينتعشا وتزدهرُ قلوبهم،وقف علام يستقبلهما لينطق بنبرة جادة:
-خلاص نويتوا
هزت رأسها بابتسامة لينطق زوجها الحبيب:
-بإذن الله يا باشا
تحركت عصمت إليهما لتنطق وهي تربط على كتف صغيرها والقلق ينهش قلبها:
-خلي بالك من نفسك ومن مراتك يا حبيبي
وتطلعت إليها بنظراتٍ لائمة نزلت على قلب إيثار زلزلتها لتقول بهدوء:
-ترجعوا بالسلامة إن شاءالله
رأت حزنًا بعينيها فارادت أن تخفف من تأثير نظراتها المرتعبة على نجلها وزوجته وأحفادها:
-سلمي على ماما وإخواتك
كادت أن تتحرك لكنها أوقفتها بكفها لتنطق بنبرة خافتة:
-مش عاوزاكِ تزعلي مني يا ماما
تنهدت لتنطق بنبرة صادقة فقلبها مرتعب من تلك الزيارة:
-أنا مش زعلانة منك يا إيثار،أنا خايفة عليكم وعلى ولادكم
واسترسلت بنبرة حنون:
-أنا قولت لفؤاد مايخدش يوسف معاكم،بس هو كان مقرر قبلها إنه مش هياخده علشان الولد ما يسألش على أهل بباه ونفسيته تتأثر باللي حصل لهم
نطقت بعينين معتذرتين لتلك الراقية التي تتفهم رعبها:
-والله يا ماما غصب عني،شوقي لـ بابا الله يرحمه غلبني،ونفسي أرد أمانته قبل ما أدخل على الولادة علشان أكون مرتاحة
تنهدت بقوة،هي لا تنكر عليها حق زيارتها لـ لحد أبيها الراحل ولا اشتياقها لرؤية عائلتها،لكنها تخشى ما قد يكون وراء تلك الزيارة وهذا البلد الغير أمن كما أخبرتها عزة،أومأت لها لتنطق بنبرة حنون:
-ربنا يرجعكم بالسلامة يا بنتي
إقتربت فريال على شقيقها تحتضنه بقوة وهي تقول:
-خلي بالك من نفسك ومن إيثار يا حبيبي
ليهتف علام بحدة كي ينهي ذاك المشهد الدرامي المبالغ به من زوجته وابنته:
-ما خلاص يا جماعة،ده معاه إسطول عربيات بحراسة مسلحة ولا الحرس الجمهوري
تطلعت عليه عصمت بنظرات لائمة لينطق وهو يربت على كفها بمؤازرة:
-أنا مأمنه هناك كويس،متقلقيش
هتف ماجد وهو يربت على كف فؤاد:
-زيارة موفقة يا سيادة المستشار
تسلم يا دكتور…نطقها فؤاد ليتحرك بزوجته وهو يقول:
-يلا يا حبيبي
تحركا ليقاطع خروجهم عزة التي هتفت وهي تنظر إليه بنظراتٍ عاتبة:
-بردوا سمعت كلامها يا سيادة المستشار،هو ده اللي اتفقنا عليه
-خلاص يا عزة…قالها فؤاد ليكمل بنبرة حاسمة:
-فات وقت الكلام ده
نطقت بنظراتٍ مترجية:
-طب خدني معاك
ثم استرسلت وهي تتمسك بكف ابنتها:
-عاوزة أكون معاها علشان لو حصل حاجة ما يتكاتروش عليها زي المرة اللي فاتت
احتدت ملامحه لينطق بسخطٍ أرعبها:
-شكلك إتجننتي يا عزة،هما مين دول اللي يتكاتروا عليها في وجودي،طب حد يمسها بنظرة وأنا اولع في أم البلد كلها
نظرت الى عينيها اللامعتين بتأثر لتقول لطمئنتها:
-إطمني وريحي بالك،وبعدين مينفعش تيجي معايا وتسيبي يوسف لوحده، إنتِ ناسية إن فؤاد وداه عند بيسان علشان ميشوفناش وإحنا ماشيين ويعرف إننا رايحين الكفر ويشبط
هزت رأسها بهدوء لينطق فؤاد بتوصية:
-خلي بالك من الولد لحد ما نرجع، وإياك توقعي بلسانك وتقولي قدامه إننا سافرنا بلد بباه
-ليه شايفني هبلة قدامك…قالتها وهي ترمقه بازدراء أثار استياءه لينطق من بين أسنانه:
-يلا نخرج قبل ما ارتكب جريمة حالاً
خرج لتستقل المقعد الخلفي بجواره لتنطلق السيارة بين أسطول ذاك السيارات المليئة برجال الحراسة وأسلحتهم المرخصة.
رواية انا لها شمس الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم روز امين
مشاعر مضطربة إجتاحت روحها،ما بين رهبة إرتيابٍ إشتياقٍ وحنين،حنين لعائلتها التي لم تحصد من وجودهم بحياتها سوى الوجع والذل وخيبة الأمل،لكنهم بالنهاية أهلها،يسيطرُ عليها شعورًا مريرًا يسكن جوفها،كانت تتطلع من نافذة السيارة،شاردة بالطريق الزراعي التي تمر منه للوصول إلى قريتها،شعرت بهلعٍ عندما اقتربت من ذاك الكوبري التي ستمر من خلاله لدخول بلدتها،لاحت بمخيلتها خروجها عبرهُ بالمرة الأخيرة لها،كانت بصحبته أيضًا بعدما انتشلها باللحظة الأخيرة من براثن هؤلاء المفترسون،تذكرت أيضًا خروجها المهين من ذاك الكوبري وهي تحمل صغيرها على كتفها بعدما حصلت على الخلاص من تلك الزيجة التي لم تجني منها سوى الألم والمرارة والذل والخيانة،يبدو أن هذا الكوبري هو خلاصها الدائم، فـ بكل مرة تخرج منه هاربة تتلفت حولها من شدة الهلع لتجد الدنيا تفتح لها ذراعيها على مصراعيهما كي تحتضنها وتطيب خاطرها وتفتح لها أبوابًا جديدة من الأمل،بالمرة الأولى وجدت والد صديقتها حيث أوصلها إلى شركة أيمن بعد أن توسط لها لتعمل سكيرتيرة خاصة لدى أيمن الأباصيري، والمرة الأخيرة كان العوض الأعظم من رب الكون”الله سبحانه وتعالى” حيث كافأها بعائلة علام زين الدين التي احتضنها جميع أفراد العائلة وشملوها بعطفهم هي وصغيرها البرئ،تسائل داخلها،ترى ما الذي ينتظرني تلك المرة وهل سأخرج من ذاك الممر هاربة كـ كل مرة،أم أنني سأخرج مرفوعة الرأس وسيتغير قدري تلك المرة
إنتفض جسدها حين شعرت بكف يدٍ يحتضن خاصتها وعلى الفور التفتت لذاك المجاور لها بالمقعد لتجدهُ مبتسمًا وبنظراته الحنون بث لها أمانًا كي يطمئنُ بهِ روحها،على الفور اخترقت نظراتهِ المطمأنة جدار قلبها ليهدئ من ارتيابها،لم يخفى عليه نظراتها التي كشفت عن هلعٍ داخلها ليميل بجذعه وهو يطمئنها بكلماته الحنون:
-إهدي يا بابا،الزيارة هتعدي على خير وكل حاجة هتبقى تمام
كلماتٍ بسيطة لكن كان لها أثرًا هائلاً على نفسها لتومي له برأسها،شعر ببرودة كفها لينطق بملاطفة أراد بها سحبها من تلك الحالة:
-شايفة جسمك تلج إزاي
ثم غمز بعينيه وهو يشير إلى أحضانه:
-علشان تبقى تسمعي الكلام ومتخرجيش برة حضني تاني
ابتسامة باهتة ظهرت على محياها ولعلها تشعر ببعضًا من الأمان انجرفت وراء طلبه لتقترب وتُلقي بحالها داخل أحضانه،ألقت برأسها فوق موضع قلبه لتستمع لدقاته المنتظمة،أما هو فـ لف ساعدهُ ليضم كتفها برعاية كي يشعرها بالإطمئنان،شعرت بقليلاً من الراحة لكن تخوفها من تلك المواجهة وهاجس خروجها من هذه القرية بات يؤرق روحها ويزدادُ مع دخولها إلى البلدة من خلال عبورها ذاك الكوبري
وكأن تلك القرية هي لعنتها بالدنيا،دفنت كفها بين قميصه وحلة البدلة كي تستمتع بدفئ صدره وباتت تتمعن بعينيها بوجوه المارة من أهل قريتها من خلف ذاك الزجاج العازل للرؤية”مُفيم”توقف الناس يتطلعون بأعين متعجبة وأفواهٍ مفتوحة على ذاك الأسطول من السيارات شديدة الفخامة بزجاجها المفيم وهيكلها المصنع مضاد للطلقات النارية،كانت أعين المارة متمركزة على السيارات بتمعنٍ شديد،يحاولون باستماتة اكتشاف من بالداخل،استمعت لهمساته الحنون وهو ينطق بدلالٍ كي يشغلها ويخفف من وطأة رُعبها:
-حبيبي إنتَ يا بابا
تهيمُ روحها عشقًا حين يتغزلُ بها ويناديها بصيغة المُذكر،تشعر حينها انها طفلتهُ التي يحرص على دلالها بكل الطرق كي ينول رضائها ويرفه عن نفسها،تنفست براحة لتضم حالها إليه أكثر تتمسح بصدره ليهمس هو بجانب أذنها بملاطفة أراد بها إخراجها من حالة التشتت والضياع:
-بطلي شقاوة وحركات إنتِ مش قدها،وإعملي حساب إن إحنا في الشارع وياريتنا كمان لوحدنا
واقترب أكثر ليهمس:
-معانا السواق
لكزته بصدره ليضحك برجولة ويضمها أكثر،إعتدلت بجلستها ونطقت بصوتٍ ظهر عليه التوتر:
-هفرد ظهري علشان الولاد ما يتأذوش
أومى لها برغم شعورهُ بتوترها لكنه تغاضى،ابتلعت لعابها وهي تتخطي الشارع المتواجد به منزل أبيها لتتجه بطريقها المستقيم للوصول للمقابر نهاية القرية،انتفض جسدها حين رأت منزل نصر البنهاوي وبناءه الشامخ والذي يشبه قصور الأمراء،مر شريط ذكرياتها حين خرجت منه أخر مرة ذليلة مهانة عندما حاولت الإنتحار بعدما أعادتها والدتها وعزيز رُغمًا عنها بعد خيانة من كانت تظنُ أنه مصدر الأمان لها،اتسعت عينيها عندما اقتربت السيارة أكثر من المنزل ووجدت البوابة الحديدية الشامخة وقد تجمعت حولها النفايات وتُركت بأمر من عائلة ناصف كي تكون عبرة لمن اعتبر،دققت النظر على خيوط العنكبوت التي اتخذت من البوابة بيوتًا لها بعدما هجرها أهلها وأصبح المنزل خاويًا يحوي الحشرات وتتخذ الوطاويط منه مسكنًا، كان يتطلع بتمعنٍ على تلك الشاردة بعينيها المذهولة ليتيقن أن ذاك هو منزل الشياطين التي كانت تسكنه من ذي قبل،التزم الصمت كي لا يزيد الأمر سوءًا،لا تعلم لما أصاب قلبها حزنًا لرؤيتها لذاك المنزل الشامخ على حالته المحزنة تلك،نعم فقد تجرعت كؤؤسًا من المرار والظلم والذُل على أيادي معظم ساكني ذاك المنزل الملعون،لكنهم بالنهاية يضلوا عائلة صغيرها وأهله،تنفست لتتطلع للأمام بعدما تخطت المنزل، لتمضي بطريقها المستقيم بوجهة المقابر، حولت بصرها لذاك الحبيب وهي تسألهُ باستغراب لعدم استعلام السائق عن المكان:
-هو السواق عارف مكان المقابر إزاي؟!
تطلع عليها بطرف عينيها ليبتسم بخفوت وهو ينطق بدعابة:
-عيب لما تكوني مرات فؤاد علام وتسألي سؤال ساذج زي ده
-مغرور…قالتها بمشاكسة ليبتسم ويعود بنظره للأمام يتفقد الطريق،فقد بعث برجاله تفقدوا المكان جيدًا وقاموا بتأمينه قبل يومين،وصلا لأعلى الجبل حيث المقابر وتوقفت السيارات عند بداية اللحود كي يتجنبوا حُرمة المكان وقدسيته،تطلعت على “لحد” غاليها لينخلع قلبها حين وجدت أشقائها الثلاث يقفون حوله يبدوا من تطلعهم على السيارات أنهم بانتظارها،توقف السائق ليتوجه رجال الحراسة بفتح باب السيارة إلى فؤاد بعدما انتشر الرجال ليحاوطوا السيارة حاملين أسلحتهم في حالة من التأهب وكأنهم جنودًا في حالة حرب
ترجل فؤاد ليقف منتصب الظهر مرتديًا نظارته الشمسية حيث ذادته وقارًا ووسامة،أغلق زِر حلته لتكتمل شياكته ثم استدار للباب الأخر ليفتحه ويبسط كف يده إلى زوجته الحبيبة لتضع خاصتها وتسلمهُ زمام أمرها،ساعدها على الخروج لتقف بهيأتها الخاطفة للأنفاس وطلتها التي تُشبه الأميرات تحت نظرات كل من بالمكان،فقد كان المكان مكتظًا بالزائرين لقبور أحبائهم حيث اليوم هو يوم الجمعة عطلة لدى الجميع،فقد جرت العادة في تلك القُرى بزيارة الأهالي قبور أقاربهم ليقومون بتلاوة ما تيسر من “القرأن الكريم”وتوزيع الأطعمة مثل المخبوزات والفاكهة والتمور وأيضًا الأموال رحمة على أرواح من افتقدوهم
وقف الجميع يتطلع على تلك الجميلة إبنة قريتهم التي تحولت من إبنة غانم الفقير وطليقة إبن نصر البنهاوي لتلك الراقية والتي ظهرت بثيابًا تظهر مكانتها الجديدة وأسطول السيارات التابع لها وكل هولاء الرجال المسلحون،فقد ذُهل الجميع وتشتت أذهانهم ما بين النظر لتلك الجميلة وزوجها الوسيم وبين أسطول السيارات الفخمة،أم لهولاء الرجال ذو الأجساد الضخمة والعضلات البارزة الدالة على القوة وكثرة التدريبات الشاقة للحصول على تلك القوة
تحركت إيثار بصحبة زوجها ليقابلها أشقائها الثلاث يتقدمهم أيهم الذي احتضنها بحفاوة وهو يقول:
-نورتي بلدك يا حبيبتي
شعرت براحة بضمة شقيقها الحنون لتسترخي بين ذراعيه فلطالما كان أيهم الأقرب لروحها من بين أشقائها وطالما هي كانت الاقرب إليه أيضًا،ابتعدت عن أحضانه لتجد وجدي يرحب بزوجها قائلاً وهو يصافحه باليد:
-حمدالله على السلامة يا باشا،نورتوا البلد
أجابهُ فؤاد بنبرة جادة يرجع أسبابها لعدم تقبلهُ لهم جميعًا بعد الأذى النفسي الذين تسببوا لحبيبته به بتصرفاتهم الخالية من الإنسانية:
-متشكر يا أستاذ وجدي
تعجب وجدي من نطقه لاسمه فمن أين علم به وهو لم يراه سوى بذاك اليوم المشؤوم الذي ندم عليه أشد الندم وتمنى لو عاد به الزمن من جديد ما كان اتخذ ذاك الموقف المهين لشخصه قبل شقيقته ولكان احتواها وطمئن رعبها بعد فقدانها للعزيز أبيهم،الجميع يتعجب اليوم بمعرفة فؤاد بتفاصيل كثيرة لكنهم غفلوا عن وظيفته التي بحكمها تعلم أن يجمع كل المعلومات عن خصمه قبل المواجهة وألا يخاطر ويذهب إلى مكان جديدًا عليه قبل أن يتخذ جميع إحتياطاته الأمنية، هكذا هو فؤاد علام.
تقدم أيضًا عزيز من وقوف فؤاد ومد يده للمصافحة الحارة ليقابلها فؤاد ببرودٍ تام مع إختراقه بنظراتٍ مبهمة أربكت عزيز وكأن ذاك الغريب يستكشف داخله بالكامل ويحوم داخل خبايا روحه.
اقترب وجدي من شقيقته ليتطلع بعيناها وبلحظة انفطر قلبه حين وجدها تنظر إليه بنظراتٍ مختلطة بالألم مع العتاب والملامة،انتابهُ شعورًا بالخزي والألم والحزن العميق،خرجت منه كلمة واحدة بتلقائية دون أدنى ترتيبٍ لها:
-حقك عليا،سامحيني يا اختي
لم تشعر سوى بدموع عينيها التي انهمرت جراء ما استمعت إليه من إعتذار شقيقها الصريح،كلماتٍ بسيطة لكنها تحمل الكثير من المعاني لديها خاصةً مع نظراتهِ النادمة المصحوبة بنظراتٍ تائبة،اقترب عليها ومد كفيه نحو وجهها ليزيل قطرات دموعها التي انهمرت كشلالاتٍ تأثرًا بالحدث،جذبها ليسكنها أحضانه تحت نظرات فؤاد المتأثرة لما يحدث،بات جسدها يهتزُ بين أحضان شقيقها من شدة تأثرها وبكائها الحاد،نعم كان يشتاق لها وبين الحين والأخر يشعر بحنينٍ لشقيقته الوحيدة،لكنه لم يخطر ببالهِ بأن يكون اللقاء هكذا ويحمل كل تلك المشاعر القوية التي هزت أعماق قلبه،لم يكن الأمر بهين عليها هي الأخرى،فـ إلى الأن لم يُشفى جرحها العميق ولم تنسى ما فعلوه بها،لم يُمحى من ذاكرتها مشهد صرخات صغيرها الهلعة وهم يجذبوها عنوةً عنها لتصعد الدرج،عاد المشهد يتكرر بذاكرتها وكأنهُ يعاد بكل حذافيرهُ حتى صرخاتها المستنجدة بأيهم ووجدي صارت تدوي بأذنيها كأنها حية، مشهد مؤثر جعل كل من بالمقابر يتطلع عليهما ويشفق على حال تلك الباكية بقوة
عادت لوعيها حين شعرت بكف زوجها الحنون يلامس كتفها وهو يهمس بنبراتٍ حنونة:
-حبيبي إنتِ كويسة؟
خرجت من بين أحضان شقيقها لتجفف دموعها وهي تقول بنظراتٍ زائغة متهربة وكأنها تخشى أن يراها أحدًا بذاك الضعف،فتحت حقيبة يدها سريعًا لتعبث بها وتُخرج نظارتها الشمسية ذات الماركة العالمية كـ كل أشيائها،على عجالة إرتدتها ورفعت رأسها للأعلى لتجد ذاك الـ عزيز وهو يقترب منها بخطواتٍ مترددة،تعمقت بعينيه لتجد نظراته ولأول مرة خجلة،ابتلع لعابهُ وتحدث بحنينٍ ظهر بصوته ونظراته وهو يبسط يده للمصافحة:
-إزيك يا إيثار
يا الله،ألديه قلبًا كباقي البشر كي يحن ويشتاق؟!
من أين لك ذاك الحنين يا ابن أبي،ألم تكن أنتَ سببًا في جُل معاناتي وشقائي،كل كارثةٍ حلت بي كنت أنتَ سببًا رئيسيًا بها،من بداية إرغامي لعودتي لمن غدر بي وخان الوعد وخالف العهد وأتي بعشيقته إلى فراش الزوجية بكل جبروت،ألست أنت من أجبرتني على ترك تراب بلادي وجعلتني أفر إلى المدينة هاربة من ضيق الحال حاملة على عنقي صغيري الذي لم يُكمل عامة الثالث بعد، بعدما أمرت الجميع ووضعت خطة بتضييق الحال علىِ لدرجة أني لم أعد أملك ثمن الحصول على إطعام صغيري بالإتفاق مع ذاك الجبروت “نصر” وزوجته الشمطاء لإجباري على الرجوع ذليلة لذاك الحقير الخَائن؟!
فاقت لتنفض تلك المشاعر السلبية التي لازمتها أينما ذهبت ولكنها الأن هاجمتها بضراوة لرؤيتها لوشوش من ظلموها وكبلوها بقيودٍ من حديد ظلت تقيدها وتشل حركتها وكلما حاولت الصراخ والتملص والهروب لبدأ حياةٍ جديدة جذبوها من تلك السلاسل الحديدية وأعادوها لمكانها من جديد،كانت تشعر وكأنها مكبلة بطوقٍ من حديد يلتف حول عنقها يكاد يزهق بروحها،حتى التقت بفارسها الذي تغير قدرها بالكامل على يده
نظرت وهي ترفع رأسها بشموخ لتنطق بصوتٍ حاربت ليخرج قويٍ شامخ:
-كويسة جداً الحمدلله
شعر بحدة طريقتها معه عكس ما تعاملت به مع شقيقاه،تيقن أنها لم تنسى الماضي بعد فهز رأسهُ لينطق بخفوت:
-حمدالله على السلامة
-الله يسلمك…قالتها وهي تنظر إليه بقوة وجمودٍ وثبات،ثم التفتت إلى لحد والدها وعلى الفور هزة عنيفة رجت قلبها فنزلت دموعها كشلالاتٍ،مالت برأسها تتطلع على ذاك اللحد لتجتاحها حالة من القهر كلما تخيلت جثمان والدها يسكن داخل ذاك القبر الضيق،تذكرت نظراتهُ الحنون وهو يبتسمُ لها،تذكرت نبرات صوته وهو يحدثها بكل لين،ما أروعه من أبٍ طالما رأتهُ بعينيها أعظم الأباء وأشرفهم،لم تدينهُ يومًا ولم تحملهُ نتيجة ما أوت إليه بسبب ضعفه،طالما وجدت له مبرراتٍ كثيرة ولم تحملهُ يومًا ذنبها،كادت أن تجثو على ركبتيها كي تريح ساقيها فأمسكها فؤاد بذراعه ثم أشار لأحد الرجال بصباعي الإبهام والوسطى مما أحدث صوت فرقعة بسيطة ليلبى الرجل طلبه الذي فهمه بفطانته دون أن يفصح فؤاد عنه وبسرعة البرق كان يُخرج مقعدًا من شنطة السيارة ليفرده سريعًا ويضعه أمام اللحد،ليساعد فؤاد زوجته بالجلوس مما جعل جميع من بالمكان ينظر بإعجاب لذاك الخلوق الذي يهتم بأبسط الأشياء التي تخص زوجته وهذا يعني مدى عشقه الهائل لها
عادت ببصرها للحد أبيها لتتحدث بهمسٍ لداخلها:
-كيف حالك أبي وكيف أصبحت؟،ليتني أستطيع معرفة أخبارك ليطمئن قلبي عليك،أتمنى على الله أن تكون بخير وبحالٍ أفضل مما كنت عليه بالدنيا،أعلم أنك كنت تراعي الله وتضعه نصب عينك بجميع اعمالك وقراراتك وبرغم هذا أطلب لك الغفران والرحمة من الله
نزلت دموعها الحارة لتشهق وهي تحدث حالها:
-لقد كنت طيب القلب طاهر اللسان يا أبي،فوالله ما رأيتك يومًا تزم فلانًا أو تغتابُ علانًا،لقد كنت رائعًا يا عزيز عيني،بل كنت الاروع من بين كل البشر،هكذا كانت تراك عيناي
شهقت بقوة تحت سمع الجميع لتكمل بابتسامة خفيفة:
-جئتك اليوم لأطلعك على حالي،لكني في البداية وقبل كل شئ أريد الإعتذار منك وألتمس الغفران لتقصيري في حق زيارتك
مالت برأسها تلتمس العذر منه وكأنهُ أمامها ويراها وهي تقول:
-لكنك تحفظني عن ظهر قلب وتعلم أن الأمر لو كان بيدي لكنت زرتك يوميًا وتسامرت معك واخبرتك عن حالي وكم اشتياقي لك،فعذرًا حبيبي على تقصيري الغير متعمد
أستنشقت جرعة كبيرة من الهواء حبستها بداخل رئتيها ثم زفرتها دفعةً واحدة قبل أن تكمل حديث نفسها مع الحبيب:
-أريد أن أطمئنك على حالي،لقد وجدته يا أبي،عثرت على فارس أحلامي ورجُلي الهمام، ذاك الذي طالما حلمت بظهورهُ لينتشلني من وحل أل البنهاوي الذي كلما حاربت وجاهدت كي أخرج منه أجد من يسحبني من قدمي ليعيدني إليه لأغرق بجسدي في الوحل من جديد حتى أتاني،هو حبيبي وصديقي وأخي وكثيرًا من الأحيان يشعرني بأني طفلته وبأنه أبي
ابتسامة جانبية اختلطت بدموعها لتكمل حديثها:
-لا تحزن عزيزي فمازلتُ احتفظ بمكانتك المرتفعة بقلبي ولم ولن يجرؤ أحدًا بزحزحتها إنشًا واحدًا،لكنه حقًا يشعرني بحنانك الذي افتقدته بعد رحيلك،ضمة يدهُ المربطة فوق ظهري بحنانٍ هي بذاتها ضمتك،لمساتهُ الحنون تشبه لمساتك يا أبي
تطلعت على ذاك الواقف بجوارها وهمست لـ أبيها:
-أنظر إليه وتطلع يا عزيزي،كم هو رجلاً ذو طلة بهية وهيأة شامخة
وددتُ أيضًا أن أطمئنك على يوسف، لقد تبدل حالهُ للأفضل ألاف المرات، لقد مَن الله عليه بعائلة حنون عوضًا عن عائلته التي افتقدها،أصبح رجلاً صغيرًا بفضل الله ثم توجيهات ذاك الخلوق المسمى بـ علام،فقد قام بتكريس جزءًا ليس بالقليل من وقته الثمين لتعليم صغيري أشياءًا جديدة عليه وزرع بعض القيم والاساسيات التي ستجعل منه رجلاً حكيمًا ذو أخلاق عالية
ثم شهقت لتحدثه وهي تتحسس بطنها:
-كدت أنسى يا عزيزي،لقد مَن الله عليا وحملت بتوأم صبي وفتاة،لو مد الله في عمري سأتي بهما بعد الولادة لأعرفك عليهما
تنهدت ثم قالت والألم يمزق داخلها:
-لقد اشتقت رؤياك البهية،ابتسامتك،نظرة عيناك التي تحمل بين طياتها حنان الدنيا بأكمله،ليتك تعود ولو ليومًا واحدًا لارتمي بداخل أحضانك وأحتفظ برائحتك الذكية بين رأتاي ولترحل من جديد
رأت رجلاً يحمل بين يداه كتاب الله “المصحف الشريف”يتنقل به بين اللحود ويقوم بقراءة ما تيسر من” القرآن الكريم”بصوتهِ العَذب مقابل بعض المال فأشارت إليه وما أن اقترب الرجل حتى وجد تلك الدروع البشرية تقف بوجههِ ويشهرون أسلحتهم مما دب الرعب بقلب الرجل وقلب الجميع لتنطق إيثار لزوجها:
-خليهم يسمحوا له ييجي يا حبيبي،ده قارئ وصوته حلو جداً
هز برأسه ليشير لهم بكفه مع صوته الاجش:
-سيبوه
كلمته كانت كفيلة ليفسحوا له الطريق واقترب الرجل من القبر ليجثو على ركبتيه وبدأ بتلاوة سورة” الواقعة” بصوتٍ أدخل السرور على قلب فؤاد وجميع الحضور من حلاوته،أخرجت هي الأخرى المصحف الشريف من حقيبتها الخاصة وفتحته وبدأت بتلاوة سورة” يس”لما لها من فضلٍ كبير على المتوفي،قرأ أيضًا فؤاد وأشقائها ما تيسر من السور الصغيرة،انتهت من قرائتها للسورة وانتهى الرجل لتخرج مبلغًا من المال وأعتطه للرجل وشكرته ليشير فؤاد إلى رجلين من الحراسة ليخرجا عدة صناديق محملة بأكياسٍ بلاستيكية من حقيبة أحد السيارات ويوزعا منها على الحضور والمحتاجين،كانت عبارة عن بعض الخبز “الكرواسون” وبعض التمور وأنواع الفاكهة،تجمع الأطفال بفرحة لأخذ حصتهم تحت سعادتها على تلك الوجبات التي اصرت على شرائها من أموالها الخاصة التي جمعتها من عملها في شركة أيمن ورفضت دفع فؤاد لثمنها
إقتربت إحدى السيدات لتحدثها ولكن من خلف هؤلاء الرجال حيث يشكلون درعًا بشريًا يمنع مرور حتى الناموسة:
-إزيك يا إيثار،عاملة إيه يا بنتي
تطلعت على تلك المرأة وعلى الفور تذكرتها،لتنطق بنبرة هادئة نظرًا لتأثر حالتها من زيارة قبر والدها للمرة الاولى منذ وفاته:
-الله يسلمك يا خالتي،الحمدلله أنا بخير
نطقت المرأة بتأثر لقصة تلك الجميلة حيث تغنت القرية سنواتٍ بقصتها الحزينة وتجبر عائلة نصر عليها:
-ربنا نصفك وخد لك حقك من اللي ظلموكِ يا بنتي، وزي ما خانوكِ إتخانوا، وزي ما شردوكِ بره البلد ربنا وقف لهم اللي اقوى منهم علشان يشردهم، سبحان الله يا بنتي كل اللي اتعمل فيكِ وفي غيرك منهم اترد عليهم بالسوء
ليرد عليها رجلاً كان يتابع الحديث:
-إن ربك لبالمرصاد
لتتحدث أخرى وكأن الجميع استغلوا تلك الفرصة ليعبروا عن شماتتهم بما حدث لتلك العائلة التي تجبرت في الأرض واستقوى جميع أفرادها على الضعفاء فأراد الله ان يجعل منهم عبرة لمن يعتبر:
-ولا إجلال واللي حصل لها،مرمية في بيت أخوها الحاج محمد وشريفة مراته ذلاها
لتهتف أخرى وهي تحاوط فكها بكف يدها:
-ده أنا سمعت إنها بتأكلها في المطبخ مع حميدة الشغالة
لتنطق أخرى:
-اللهم لا شماتة،بس الولية دي اتجبرت وافترت على خلق الله، وربنا ميرضاش بالظُلم أبدًا
همست إحداهن بعدما اجتمعن حول بعضهن ليصنعن دائرة:
-فين إجلال تيجي تشوف العز والابهة اللي بقت فيهم بنت غانم،دي راجعة ولا الممثلات اللي بنشوفهم في التليفزيون،ولا لبسها،ولا جوزها باين عليه غني قوي
هتفت أخرى بحماس:
-ده وكيل نيابة قد الدنيا، عمها أحمد اللي قال كده تالت يوم العزا بتاع أبوها، لما وقف قدام بابهم وعرف أهل البلد عليه، البت دي أصلها غلبانة وشافت كتير في حياتها،دي حتى أمها كانت قليلة الأصل معاها ووقفت في صف إجلال ضدها
ابتسمت إحداهُن لتنطق بتشفي:
-فينه الحاج نصر ييجي يشوف، مش كان بيقول إن اللي تطلق من عيل من عياله تحرم على صنف الرجالة كله ومفيش راجل يقدر يقرب منها
لتنطق أخرى:
-فاكرين اللي عمله عمرو في المحامي اللي اتقدم لـ إيثار بعد طلاقها منه بسنة،ده ضربه ساعتها لحد ما كسر له رجليه وشالوا الواد من تحتيه بالعافية،وبعدها الحاج نصر خلى حد جاب له عقد عمل في الخليج وطفشه من البلد كلها بعد ما عمرو كان ناوي يقتله
لتنطق أخرى وهي تتعمق بنظرها إلى بطن إيثار:
-شكلها حامل،بطنها كبيرة
-أيوا حامل،وشكلها معدية الشهر السابع كمان…قالتها أخرى وظلوا هكذا يتبادلون الأحاديث فيما بينهن.
اقترب أيهم من شقيقته ومال بجزعه ليقول:
-كفاية كده علشان متتعبيش يا حبيبتي ويلا علشان نروح البيت
قالها وتطلع إلى فؤاد ليسألهُ:
-ولا إيه رأيك يا سيادة المستشار؟
طالعهُ بهدوء لينطق:
-والله يا أيهم أنا كنت عاوز أقول كده بس سكت علشان متزعلش وتقول إني استعجلتها
تنهدت بهدوء قبل أن تنطق:
-تمام يا حبيبي،يلا بينا
وضعت كفها على تراب القبر لتحتضنه وكأنها تقوم بتوديع والدها الغالي لتقول بصوتٍ مسموع:
-مع السلامة يا حبيبي،إن شاءالله بعد الولادة هاجي لك،سواء قومت بالسلامة هجي لك هنا، ولو ربنا أخد أمانته هنتقابل أكيد
انتفض قلب حبيبها حين استمع لتلك الكلمات لتسري الرجفة بجسده وهو يقول بحدة:
-إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟!
تنهدت وهي توجه كفها صوبه كي يساندها لتقف ثم تحدثت وهي تنظر بعينيه:
-الموت علينا حق يا حبيبي،ده الحقيقة المؤكدة في الدنيا
أشار بكفه ليجبرها على الصمت:
-خلاص يا إيثار لو سمحتي، خلينا نمشي من هنا
استقلت سيارتها هي وزوجها تحت انظار الجميع وصعد عزيز و وجدي سيارة أيهم واتجهوا نحو منزل غانم الجوهري
*********
بعد قليل ترجلت من السيارة وباتت تتطلع على المنزل بحنين،مشاعر متضاربة هاجمتها من جديد، يبدوا أن شعار اليوم المرفوع هو “المشاعر المتضاربة”وما بيدها لتفعل إذا كانت هذه البلدة لا تحمل لها سوى الذكريات المؤلمة،تنهدت لتدلف بخطواتٍ ثقيلة بجوار زوجها،سبقهم عزيز لينطق بصوتٍ حماسي:
-إنتِ فين يا أم عزيز، تعالي قابلي ضيوفك
تطلعت لجدران المنزل وأثاثه باشتياقٍ وحنين،تعجبت حين وجدت دفئًا عجيبًا يسكن المنزل كان قد غادرهُ منذ الزمان،اشتمت روائح الطعام الذكية نفسها التي كانت تشتمها قبل زواجها من المدعو” عمر”خرجت نوارة تستقبلهم بوجهها البشوش وابتسامتها التي تدخل السرور والبهجة على القلوب لتنطق بسعادة:
-ضيوف إيه بس يا أبو غانم،دول أصحاب بيت ونورونا وشرفونا بزيارتهم
التفت لتطالع تلك الـ نوارة لتبتسم لها وهي تفتح احضانها لاستقبالها،نطقت إيثار وهي تحتضنها:
-وحشتيني قوي يا نوارة
نطقت تلك الحنون:
-وإنتِ كمان وحشتيني يا إيثار،إيه الغيبة دي كلها
ابتعدت لتنظر لزوجها وهي تشير إلى نوارة بفخر وسعادة:
-دي نوارة مرات وجدي،وصاحبتي
أمال برأسهِ وهو يقول مرحبًا بابتسامة هادئة:
-أهلاً وسهلاً
حيته بابتسامتها الرائعة:
-أهلاً بيك يا سيادة المستشار، نورت البيت
تطلعت لابناء شقيقاها واحتضنتهم بحفاوة لتزيل إبتسامتها حين استمعت لصوت والدتها الذي صدح وهي تنطق بترحاب:
-يا أهلاً وسهلاً
اقتربت على فؤاد الذي صافحها قائلاً باحترام:
-إزي حضرتك
إبتسمت وهزت رأسها وهو تقول:
-الحمدلله يا ابني
ثم حولت بصرها تتطلع على تلك المتجمدة المشاعر،فقد توقفت بسمتها فور خروجها من الداخل،فقد تكرر بذاكرتها المشهد التي اجبرتها به على الصعود للدرج وحبستها بالغرفة بعدما انتزعت صغيرها من بين أحضانها بدون رحمة،استمعت لصرخاتها الحية وهي تستنجد بها وتتوسلها بأن تتركها وصغيرها ليرحلون بسلام،تذكرت جمود قلبها القاسي وهي تحدثها وتخبرها كم هي أنانية ولا تكترثُ سوى لما يفيدها وفقط،كل هذا جعل من نظراتها قاسية وهي تتطلع عليها،على الجانب الأخر كانت تنظر إليها بخزيٍ وأملٍ بالعفو،فقد بدأت مشاعر الأمومة لديها بالتحرك حين علمت بشأن حملها ومازاد من إزالة الشوائب العالقة بقلبها تجاه صغيرتها هي مساعدتها لشقيقها بفرصة العمل التي وفرها زوجها له وراتبها الهائل والذي خصص منه أيهم جزءًا للمساهمة في احتياجات المنزل،ناهيك عن شقتها الخاصة وسيارتها التي وضعتهم تحت تصرفه لتخفيف عبئ المعيشة داخل المدينة وهذا ما جعله يوفر جميع راتبه ويقوم بادخاره كي يساعده على دفع مقدم لشقة كي يتزوج فيها
نظرت إليها وتحدثت بصوتٍ وعينين متأثرتين:
-إزيك يا إيثار
كانت تنظر أن ترتمي بداخل أحضانها كـ قبل لكنها باغتتها بردها البارد حتى أنها لم تمد يدها للمصافحة:
-الحمدلله
ابتلعت المرأة لعابها من شدة الخجل وهي تراقب نظرات فؤاد المتعجبة من رد فعل زوجته على رؤية والدتها،نظرت على بطنها المنتفخ لتتحدث من جديد كي تكسر ذاك الحاجز:
-مبروك،ربنا يتمم لك على خير وتقومي بالسلامة إنتِ وولادك
ردت بملامح وجه جامدة:
-متشكرة
دام الصمت من الجميع بعد ذاك السلام الفاتر لينطق أيهم كي يقطع ذاك الصمت المريب المحمل بنظراتٍ منها اللائمة ومنها الخجلة المرتبكة:
-يلا يا نوارة جهزي الغدا علشان فؤاد باشا يدوق أكلنا
قاطعته بحدة وصرامة لا تقبل النقاش:
-إحنا معندناش وقت للغدا يا أيهم ولا جايين نقعد ونتضايف
واسترسلت بنبرة حازمة:
-أنا جاية أتكلم معاكم خمس دقايق وماشية على طول أنا وجوزي
تطلع عليها فؤاد بقلبٍ متأثر،يشعر بثورة مشاعرها المتأججة ما بين غاضبة تريد الإطاحة بكل ما يقابلها كي تنفث عن غضبها العارم، تريد الصراخ لإخراج مكنون قلبها من المشاعر السلبية الحبيسة بداخلها طيلة الأعوام المنصرمة منذ أن كانت طفلة منبوذة بذاك المنزل،وما بين مشاعرٍ بالحنين لكل ركنٍ بذاك المكان المرتبط به قلبها بما يحمل بمخيلتها ذكرياتها الجميلة وأيامها التي عاشتها مع والدها الحنون،فلكل مكانٍ ذكرياته السعيدة وأيضٕا المريرة
نطق وجدي بقلبٍ يئنُ ألمًا لأجل شقيقته وما وصلت إليه من بغض لهم بسبب أفعالهم السابقة وخزلانهم المتكرر لها:
-خلينا نتغدا الأول وبعدها نقعد ونتكلم في كل اللي إنتِ عوزاه
واسترسل بممازحة كي يخفف من وطأة ذاك الجو المشحون لدى الجميع:
-ولا عاوزة سيادة المستشار يقول علينا بخلا
تحدث فؤاد بنبرة هادئة مؤازرًا خليلة روحه:
-خرج سيادة المستشار من حساباتك خالص يا أستاذ وجدي،أنا موجود هنا علشان راحة إيثار،وكل اللي هي عوزاة ويريحها أنا معاها فيه
أخيرًا قرر عزيز الخروج عن صمته فتحدث وهو ينظر لشقيقته بنظراتٍ عاتبة:
-عيب اللي بتعمليه ده يا إيثار،إنتِ في بيت غانم الجوهري اللي كان معروف بالكرم ومقابلة الناس الغُرب في بيته،تفتكري لو كان لسه عايش كان هيبقى مبسوط باللي بتعمليه ده قدام جوزك؟!
دارت حول نفسها لترمقهُ بنظراتٍ مبهمة وهي تنطق بابتسامة ساخرة:
-عيب!
ثم أخذت نفسًا طويلاً قبل أن تنطق بكلماتٍ ذات مغزى:
-هو لو بابا عايش الله يرحمه مكنش هيبقى مبسوط بحاجات كتير قوي حصلت
خجل الجميع لفهمهم مغزى حديثها لتنطق بقوة وشموخ:
-سيبك من الكلام المزوق اللي لا هيقدم ولا هيأخر وخلينا في المهم
واسترسلت بذات مغزى:
-أنا عندي الكلام المفيد اللي هيريحك إنتَ واخواتك وأمك ويبسطكم من الأخر،ويخلي نفسكم تتفتح اكتر على الغدا اللي عاملينه على شرف حضوري أنا وجوزي
لم يرق له حوارها مع عائلتها بتلك الحدة لعلمهِ أنها تتمزق من داخلها مع إخراجها لكل كلمة تتفوه بها،تألم لألمها ليتحدث بهدوءٍ وهو يشير لها إلى إحدى الارائك:
-إقعدي يا إيثار،ولو حابة أخرج أستناكِ في العربية لحد ما تخلصي كلام مع إخواتك أنا هخرج
إنتفض قلبها رُعبًا وهرولت عليه تتمسكُ بيده دون إدراكٍ لتهتف بعينين مترجيتين أثارت دهشة الجميع:
-متسبنيش لوحدي معاهم
نزلت كلماتها على قلوب الجميع لتمزقه خاصةً اشقائها الثلاث،فعوضًا من أن يكونوا لها حصن الأمان والعون أصبحوا هم سبب هلعها وعدم شعورها بالامان في حضرتهم بل وتستعينُ بزوجها لحمايتها منهم،إنه لمنتهى الحزن والوجع،الأن وفقط وبعد رؤيتهم لهلع تلك الجميلة ادركوا بشاعة ما اقترفتهُ أياديهم بحق شقيقتهم الوحيدة،أتلك هي وصية أبيهم،يا لكم الوجع والخزي الذي اقتحم قلوبهم بدون رحمة بتلك اللحظة ليخبرهم بخستهم وندالتهم.
تألم داخله لأجلها بعدما لمح قلقها،إحتضن كف يدها بقوة لينطق وهو يتعمق بعينيها كي يبث لها الامان ويخبرها أنه هنا،معها وبجوارها ولن يتركها مادام حيًا:
-تعالي نقعد الاول علشان ماتتعبيش، وأنا هقعد جنبك ومش هسيبك أبدًا
كان يتحدث وهو يتعمق بعينيها وكأنها صغيرته التي تحتاجه لتشعر بالأمان،أومأت له بموافقة وتحركت بجواره إلى الأريكة التي أشار لها وجلست ومازالت تحتفظُ بكفه وتتمسك به بقوة جعلت حبيبها يشعر بكم الإضطراب والهلع لذا إقترب منها وربت على كفها بكفه الاخر ليبث بروحها الإطمئنان.
__________________________
كما الظمأن التائهُ بوسط الصحراء وبلحظة ظهر أمامهُ بئرًا من الماء العذب ليهرول إليه يشربُ ويشرب حتى الإرتواء،هكذا رأها أمامه،نظراتها التي تبدلت،وكأن شيئًا كان ينقصها والأن فقط قد عثرت عليه لتكتمل.
#أنا_لها_شمس
#بقلمي_روز_أمين
نجح فؤاد بمحاولة تهدأتها ،لكنها رفضت الجلوس وبشدة لتتحدث إليه بنبرة أظهرت كم إضطرابها والألم الساكن بالقلب منذ سنواتٍ ينهش بداخلها:
-مش مستاهلة قعاد،أنا عاوزة أمشي من هنا بسرعة
اشفق على حالتها وتشتت روحها،ود لو يسحبها بأحضانه ليشق صدرهُ ويضعها بداخلهِ ليحميها من كل البشر والمشاعر المؤذية،أومى لها بابتسامة هادئة بثت بكيانها الطمأنينة لتتنهد براحة قبل أن تفتح حقيبة يدها وتُخرج منها بعض الأوراق لتمد يدها إلى عزيز وهي تجاهد في أن تظل أمامهُ بتلك القوة التي استدعتها بصعوبة بالغة بينما داخلها مدمر هشٍ ضعيف،نطقت وهي ترمقهُ بنظراتٍ حادة:
-دي أمانة بابا اللي كان سايبها عندي،خلاص،وجودها معايا مبقاش ليه لازمة بعد ما أطمنت على حضانة إبني
إتسعت أعين عزيز ومنيرة فقد ظنت أن ابنتها ستستغل تلك العقود لتنتقم منهم وتحاول إذلالهم لما فعلوه بها أثناء وفاة والدها،لتنطق وهي تُخرج الأوراق وتنظر بداخلها:
-أنا خليت المحامي يقسم الميراث بينكم إنتم الأربعة بشرع ربنا
ومدت يدها بورقة إلى عزيز:
-وده تنازل مني عن الأرض والبيت علشان أبطل العقد اللي بابا كان كاتبه لي
بدأت بتوزيع العقود عليهم وتوقفت أمام والدتها لتنطق:
-وده عقدك
نطق وجدي من خلفها بعدما قرأ العقد الخاص به:
-وإنتِ فين حقك يا إيثار؟
إلتفتت إليه تطالعه بغرابة لتقول بصوتٍ متعجب:
-وأنا إمتى كان ليا حق معاكم علشان يبقى لي الوقت يا وجدي؟!
تطلع عليها بتأثرٍ لتتابع بصوتٍ مختنق يريد الصراخ:
-طول عمري وأنا بتعامل في البيت ده على إني مواطن درجة تالتة،جارية مسلوبة الإرادة عايشة لتلبية رغبات الجميع إلا رغباتها هي
نطق أيهم وقد تجمعت بعينيه قطرات الدموع تأثرًا بحال شقيقته وما تشعر به:
-إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا حبيبتي،إنتِ بنت غانم الجوهري وطول عمرك كنتي الأقرب ليه مننا كلنا،وبابا بنفسه كتب لك كل حاجة من غير ما يفكر
رفعت ذراعيها لتنطق وهي تنزلهما من جديد باستسلام ودموع الهزيمة ملئت مقلتيها:
-وأنا مش عاوزة حاجة منكم يا أيهم،اللي عيشت عمري كله أدور عليه وكنت محتاجاه للأسف مش موجود عندكم
أزالت دمعة فرت بأصابعها ثم تنفست كي تستطيع المواصلة لتسترسل:
-أنا كده وفيت بوعدي لـ أبويا ورجعت الأمانة لأصحابها
وتابعت:
-بس ليا طلب عندكم
نظر الجميع إليها بتمعنٍ وتركيز لتستطرد بعينين مليئتين بنظرات الترجي:
-عاوزاكم تسامحوا بابا،أنا عارفة إنكم زعلتم منه لما كتب لي كل حاجة،بس هو يا حبيبي عمل كده علشان يحميني
باتت توزع نظراتها اللائمة علي جميعهم لتتابع بمرارة وانكسار:
-كان متأكد إني ضعيفة وزي ما يكون كان عارف اللي في نفوسكم ومخططين له بعد وفاته
يا لهُ من شعورٍ مرير أصاب قلوب جميعهم بعد أن ادلت بجملتها الأخيرة وهي تتطلع لهم بنظراتٍ مليئة بالحسرة والألم
“عزيز”،توارى من نظراتها الجالدة لينزل بعينيه لأسفل قدميه وكأنهُ يختبئ من عاره المسطر على جبينه بالخط العريض،هو شقيقها الأكبر وكان من المفترض أن يكون عوضًا عن والدها،فمن المتعارف عليه أن بعد فقدان الفتاة لوالدها يحل محله الشقيق الأكبر ليصبح هو سند الفتاة وأمانها وحمايتها من كل ما يؤرق عليها الحياة،لكنه كان عكس كل ذلك،فما رأت منه سوى الخسة والندالة والتفريط في وصية أبيه،وبدلاً من أن يكون لها العوض كان لها الجلاد،تاجر الرقيق الذي جذبها من يدها ليعرضها بسوق النخاسة ويقبض الثمن
“وجدي” أصابه الغثيان من حاله وصرخ ضميره وبات يعنفهُ،كيف له أن ينساق وراء وجهة نظر شقيقه الطامع ووالدته التي طالما إعتبرت ابنتها كنزها الثمين ويجب إعطائها لمن سيدفع أكثر ويعود عليها وذكورها الثلاث بالنفع،لماذ لم يثور ويعترض ويرفض،كان عليه أن يصرخ ويعترض ويأخذ بيد شقيقته الضعيفة ويخرجها من الظلمات هي وصغيرها بدلاً من المشاركة في تلك المذبحة،يا لهُ من خاسر.
“أيهم”برغم أنهُ أقلهم ندالة لكنه لم يسلم من شعور الذنب الذي اقتحم قلبه بضراوة ليفتك بمشاعرهِ البريئة،شعر بالخزي والعار يعتريه ولم يشفع لهُ وقوفهُ بجانبها، نعم كان موقفًا مخزيًا فقد ساعدها من خلف الستار كاللصوص،إكتفى بمكالمة هاتفية شرح من خلالها الوضع لتلك الـ” عزة” وترك لها كامل التصرف بإنقاذ من تعتبرها كإبنة لها،ولولا أن هدى الله تفكيرها بذاك الـ فؤاد لكانت الفتاة ضاعت للأبد وقضي عليها.
“منيرة”هي مشتتة الذهن بالأساس،فقد عاشت حياة مأساوية منذ صغرها قضت على كثيرًا من مشاعرها الإنسانية حتى أصبحت” إمرأة بلا قلب”فاقدة الحِس،تلك السيدة تنطبق عليها مقولة”فاقد الشئ لا يُعطيه”وبرغم شخوصٍ قاسوا ظروفًا أشد قسوةً منها واستطاعوا صُنع شخصيتهم وتغيير مسار حياتهم بالعزيمة والإصرار على النجاح والفلاح وكسر تلك المقولة، ومنهم إيثار بذاتها،فبرغم أنها افتقدت حنان ورعاية الأم ولم تتنعم بيومٍ بأحضان أمها كغيرها من الفتيات،إلا أنها أثبتت”أن فاقد الشئ يعطيه وبسخاءٍ”حيث فاضت على صغيرها بسيلٍ من الحنان وحاوطط عليه لتحميه من المخاطر المحاطة بها بل وحملته على ظهرها وباتت تبحث له عن الأمان والحماية حتى وجدتهم.
خرج صوت عزيز مليئًا بالخزي والألم:
-أبوكِ كان راجل حكيم وقريب من ربنا،علشان كده ربنا نور بصيرته بالفكرة دي،الله يرحمه باللي عمله حمانا كلنا من الشر
واسترسل بخزيٍ:
-يا عالم كان إيه اللي هيحصل لنا لو كنتي رجعتي لـ عمرو وإحنا رجعنا لشغلنا مع نصر
نطق وجدي بنبرة نادمة:
-الله يرحمك يا ابا،حمانا من شر المال الحرام وهو عايش،وحتى بعد موته طيباته قعدت لنا وربنا حمانا من اللي كان ممكن يحصل لنا
إبتسامة ساخرة خرجت من جانب فمها على شقيقاها،هل كانا يحتاجان لكارثة تعصف بحياة نصر ليدركا أن ماله حرامًا وفاسد وأن والدهما كان على حق!
تحدث عزيز من جديد بنبرة تحمل الإصرار،فقد تغير وأصبح أكثر حكمة وتفكرًا بعد حادثة زوجته التي عصفت بكيانه وجعلته ينظر للأمور من جميع الزوايا:
-إنتِ لازم تاخدي حقك علشان أبوكِ يكون مرتاح في تربته
نطقت بثبات:
-حقي أنا متنازلة عنه من زمان قوي،من يوم ما أخدت إبني وهو لسة مكملش سنتين ونص وخرجت بيه برة البلد
واسترسلت بهدوءٍ وسكينة ظهرت من بين كلماتها:
-وبالنسبة لأبويا فهو مرتاح لأني أخدت قراري بمحض إرادتي وعن إقتناع
ثم نظرت إلى زوجها ونطقت بعينين تفيضان حنانًا وعرفان:
-والحمدلله،جوزي مش مخليني محتاجة لأي حاجة لا أنا ولا إبني
بادلها بابتسامة حنون وعينين تمتلؤ عشقًا لينطق عزيز من جديد علها تتراجع:
-الأرض دخلت كردون المباني بعد الطريق الجديد وسعرها إتغير يا إيثار،وبعد ما كانت بملاليم بقى سعرها ملايين
نطق فؤاد ليعلمه:
-إحنا عارفين الكلام ده كله،وإيثار واخدة قرارها النهائي،مفيش داعي للكلام الكتير في الموضوع ده لأنه هيتعبها.
نطق كلماته لتنطق وهي تتطلع على حبيبها:
-يلا بينا يا فؤاد
تحرك بجوارها تحت نظرات أشقائها الثلاث وحزنهم العميق،تخطت وقوفهم مرورًا بوالدتها لتباغتها الأخيرة بالتمسك بكفها مما جعل الرجفة تسري بجسدها وتوقفت جراء تشبث منيرة بيدها،إلتفتت لتطالعها وتفاجأت بما رأت،عينين يتجلى بعمقهما الندم والأسف لتنطق بنبرة متأثرة:
-ماتمشيش قبل ما تتغدي إنتِ وجوزك مع اخواتك
ونطقت بنظراتٍ متوسلة:
-أنا عاملة لك كل الأكل اللي بتحبيه
برغم انتفاضة قلبها لكلماتها ونظراتها الخاضعة إلا أنها نطقت بنبرة متهكمة:
-ياه،هو حضرتك طلعتي عارفة أنا بحب إيه؟!
صمتت منيرة وتطلعت على ابنتها وكأنها تتأسف لها بنظراتها تلك لتتابع الاخرى ساخرة:
-بصراحة إنتِ فاجئتيني
نطقت بصوتٍ خافت يرجع لشعورها بالخزي والألم:
-متظلمنيش يا بنتي،مفيش أم بتكره بنتها ولا بتكره لها الخير
واكملت بقوة وهي تنظر بمقلتيها:
-أنا زيي زي أي أم،طول عمري كنت بحلم إنك تتجوزي راجل غني وتعيشي معاه مرتاحة علشان ما تدوقيش اللي انا دوقته وعمرك يضيع كله في الحرمان والحُوجة،وعمرو كان فرصة علشان يخرجك من الفقر وتعيشي معاه عيشة محترمة
-محترمة؟!…قالتها إيثار باستهجان لتكمل منيرة ما بدأته:
-لما لقيتك بتخربي بيتك بإيدك وبتخسري كل حاجة كان لازم أقف لك وأرجعك لعقلك، كان لازم أفوقك قبل ما تخسري جوزك اللي كان بيتمنى لك الرضا وتخسري عيشتك المرتاحة معاه
نزعت كفها بقوة وعنف من خاصة والدتها لتهتف بعينين تطلق شزرًا:
-أي جوز وأي عيشة مرتاحة اللي بتتكلمي عنهم؟!،جوزي اللي كان بيقبل عليا الإهانة من أهله ويسكت ولما كان يفيض بيا وأشتكي له يقول لي معلش؟!
هتفت بحدة أكبر:
-جوزي اللي لما اعترضت على إهانتي من أبوه وامه اللي قالت لي قدام البيت كله أنا جايباكِ هنا علشان مزاج إبني، وحبيت أحتفظ بكرامتي ضربني وبهدلني وأخدني عصب عني؟!
وصرخت وهي ترمقها بنظراتٍ مثل الرصاص لو انطلقت لاخترقت قلبها وشطرته لنصفين:
-يومها أخدت إبني وهربت وجيت لك،وريت لك جسمي اللي كان مليان باللون الأزرق من كتر ضربه فيا،فاكرة يومها قولتي لي إيه؟!، قولتي لي معلش، كل الستات بتنضرب
والتفتت بحدة تطالع شقيقها الاكبر بنظراتٍ كالسهام وهي تشير إليه:
-وأخويا الكبير اللي بدل ما يجيب لي حقي ضربني بالقلم وقال لي إنتِ عاوزة تخربي بيتنا، واخدة حفيد نصر البنهاوي وجاية بيه من وراه لحد هنا
دارت حول حالها لتتابع وهي تفرق بينهم نظرات اللوم والغضب:
-وكلكم وقتها اتفقتم على إن عزيز ياخدني يرجعني ويتأسف لـ نصر وعمرو بيه
لم يتحمل كلماتها التي تنزل على قلبه كسوطٍ يجلد بدون رحمة،أمسك كف يدها ليهتف بحدة أظهرت كم غضبه وهو يسحبها للخروج:
-كفاية يا إيثار وخلينا نمشي من هنا
انتزعت يدها بعنفٍ لتصيح بدموعها المنهمرة:
-لا مش كفاية يا فؤاد،لازم أوريهم بشاعة اللي عملوه فيا وأعريهم قدام نفسهم
وصرخت وهي تُشير على منيرة:
– لازم أعرفها إنها كانت أم فاشلة طالما شايفة وحاسة إنها مغلطتش وكانت أم عظيمة بتحافظ على بنتها الخايبة
اتسعت عينيه وهو ينظر إليها ولثورتها العارمة،يريد أن يحملها ويهرول بها مغادرًا تلك “القرية الملعونة” تاركًا ذكرياتها المؤلمة خلفهما ليبدأ حياة جديدة،حياة خالية من المواجع والأحزان والخزلان،سيحاول جاهدًا تعويضها عن كل ما قاست منه،نعم كان يعلم انها عانت كثيرًا لكنه لم يتخيل حتى بأبشع كوابيسه ما تجرعته من كؤؤس الغدر والخيانة والخذلان ما يكفي لقريتها بالأكمل،سيخرج من تلك القرية ويذهب بها مباشرةً للمعالج النفسي مثلما اتفقا، سيحاول بشتى الطرق تعويضها وحذف الماضي اللعين وما تعرضت له من ذاكرتها
فاق على صوت منيرة التي تحدثت بدفاعٍ عن حالها:
-أنا كنت عوزاكِ تعيشي وتستري، مكنتش عاوزة الناس تضحك عليكِ ويقولوا بنت منيرة خابت واتطلقت
بصوتٍ يملؤه الوجع أشارت على حالها:
-وأنا،ووجعي وأنا بموت في اليوم مية مرة وأنا عايشة مع راجل سُكري وخاين وكل يوم مع واحدة شكل؟!
واسترسلت بتوجع:
-تفتكري إني مكنتش حاسة إنه بيخوني من قبل موضوع سُمية؟
أنا ست والست بتحس بجوزها،بس كنت بتغاضى وأعمل نفسي مش واخدة بالي زي ما كنتي دايمًا بتقولي لي،وكل ده علشان أحافظ على إبني
نظرت منيرة أرضًا وتحدثت بخفوت:
-أنا كنت عاوزة لك الستر،أهالينا علمونا إن الست لازم تصبر وتتحمل علشان عيالها
صرخت بكامل صوتها المعترض:
-أمونة كانت مرات أبوكِ مش أمك
لتتعمق بعينيها وهي تقول بنبرة يملؤها القهر:
-إنت عملتي فيا كل اللي أمونة عملته فيكِ،كنتي بتطلعي فيا كل اللي عملته فيكِ وكأنك بتنتقمي منها فيا
وإلى هُنا لم يعد بإمكان منيرة الصمود أكثر،فانهمرت دموعها بغزارة لتتابع إيثار وهي تنظر إليها بضعف:
-ربنا يسامحك على اللي عملتيه فيا،وأنا يمكن في يوم من الأيام أقدر أسامح
تعالت شهقات منيرة ليهرول أيهم ويحتضنها ثم نظر إلى شقيقته ليقول بنظراتٍ متوسلة:
-كفاية يا إيثار،كفاية لحد كده،إرحميها
تطلعت إلى شقيقها بعينين تترقرق بهما قطرات الدموع وبشفاهٍ مرتعشة ثم انفجرت كبركانٍ لتشهق ببكاءٍ يقطع نياط القلوب ليسرع إليها فؤاد ويقوم باحتضانها فتشبثت بقميصه بقوة ودفنت وجهها بصدره لتبكي كما الأطفال وصوت شهقاتها يعلو ويعلو،انفطر قلبه عليها وبات يشدد من احتضانها وهو يهمس لتهدأتها:
-إهدي يا بابا،علشان خاطري بطلي عياط
بخطواتٍ متخبطة إقتربا عليهم عزيز ووجدي،وباتا يهدأن كلتاهما،خرجت منيرة من حضن أيهم لتتجه لتلك التي تدفن حالها في حضن زوجها وكأنها تختبئُ من أوجاعها داخل أحضانه،بسطت كفها لتجذبها برفقٍ من ذراعها،ابتعدت عن صدر فؤاد لتُصدم برؤية والدتها وهي تطالعها بدموعها المنهمرة لتقول:
-سامحيني يا بنتي،حقك عليا
شهقت بقوة لتنزل دموعها أكثر وما شعرت بحالها سوى وهي ترتمي بأحضانها وتشدد بمسكتها،وكأنها كانت تنتظر المبادرة،دموعٍ وشهقات مرتفعة متألمة تنم عن مخزون وجعٍ لسنواتٍ طويلة،يا الله،كم هو رائع ومختلف حُضن الأم،فتلك هي المرة الأولى التي تجربه،باتت تشدد من ضمتها أكثر وهكذا منيرة أيضًا التي ارتفع صوت بكائها وكأنها تعتذر لصغيرتها عن التقصير بحقها بتلك الطريقة
تطلع على حبيبته بألمٍ وأمل،ألمٍ على حالتها ووجعها وما كانت تكنه بداخل قلبها،وأملًا بالتأثير الإيجابي على نفسيتها جراء تلك المصالحة،وضع كفيه داخل جيب بنطاله وبات يتطلع على عزيز وهو ينتشل شقيقته من أحضان والدتها ليضمها إليه ويربت عليها،وكأنهُ اليوم العالمي لصحوة الضمير
شاركهما وجدي وأيهم الذي تأثر بدموع غاليتاه وانتقلت العدوى إليه وأيضًا نوارة حيث كانت تتطلع عليهم بجوار الباب،تحدث عزيز بعدما انتبه لوجود ذاك الراقي الذي تركهم يعبرون عن مكنون قلوبهم وابتعد:
-معلش يا باشا حقك علينا
هز رأسه وتحدث بهدوء:
-ولا يهمك
ثم نظر إلي حبيبته لينطق:
-نمشي يا حبيبي؟
شددت منيرة من مسكتها لتنطق بعينين متوسلة:
-إتغدي مع اخواتك وباتي معايا،ورحمة أبوكِ تباتي معايا
انتفض قلبها لتلك النظرات وما تحملهُ من حنانٍ لأول مرة تتلقاهُ على يدها، التفتت سريعًا لزوجها تستشف رأيه،تطلع إلى عينيها ليتعجب من نظراتها،فتلك هي المرة الأولى التي يرى ذاك النقاء بهما،وكأنها تحولت إلى طفلة مرحة،نظرة صافية خالية من أيه شوائب تعكر صفوها،ابتسم لينطق لأجلها بعدما فهم مغزى نظراتها:
-أنا قولت لك،اللي إنتِ عوزاه وشايفة إنه هيريحك أنا معاكِ فيه
هزت رأسها وهي تسألهُ ومن داخلها تتمنى الموافقة:
-يعني ممكن نبات هنا فعلاً؟
لم يكن الامر بسهلٍ عليه، فاتخاذ قرارٍ بأمر المبيت يحتاج ترتيباتٍ أخرى،رجال الحراسة وتأمين مبيتهم هنا،إقناع والدهُ لوالدته المرتعبة عليه من مجرد الزيارة فكيف له أن يقنعها بالمبيت في تلك القرية،مع وجود كل تلك العوائق والعراقيل ومع ذلك لم يهتم،جل ما جال بفكرهِ بتلك اللحظة هو راحة خليلة قلبه وفقط،لذا تبسم لها وتحدث بنبرة حنون:
-لو إنتِ حابة كده أنا معنديش أي مانع
هرولت إليه لتحتضنه بقوة وهي تقول بنبرة حماسية:
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي
كما الظمأن التائهُ بوسط الصحراء وبلحظة ظهر أمامهُ بئرًا من الماء العذب ليهرول إليه يشربُ ويشرب حتى الإرتواء،هكذا رأها أمامه،نظراتها التي تبدلت،وكأن شيئًا كان ينقصها والأن فقط قد عثرت عليه لتكتمل.
شددت من احتضانها ليشاركها لحظة السعادة بعودتها إلى كنف عائلتها،بعد قليل كان يجلس فوق إحدى الأرائك يتوسط عزيز و وجدي حيث بدأ بفتح الأحاديث لادماج زوج شقيقتهم،وضعوا الطاولة الارضية وسط الغرفة وبدأت نوارة وفتيات عزيز وشاركتهم إيثار برص الاطعمة المتنوعة فوقها،كانت تتحرك برشاقة رغم حملها وهي تجلب الطعام من المطبخ وتقوم برصه وكأنها عادت إبنة التاسعة عشر،انتهوا من تجهيزها لتهرول هي لإحدى الأرائك وبدأت بحمل إحدى الوسائد ووضعها فوق الأرض لتنطق وهي تُشير لزوجها:
-حطيت لك مخدة علشان تكون مرتاح وإنتَ بتاكل
أجابها بهدوء وهو يتطلع لتلك الطاولة الأرضية:
-ملهاش لزوم يا حبيبي،أنا هقعد معاكم على الأرض
هتف وجدي بحبور:
-ميصحش سعادتك
وقف الجميع وحمل عزيز وسادة ليضعها بجوار جلوس فؤاد وتحدث إلى شقيقته وكأنهُ يريد محو الماضي من مخيلتها:
-وإنتِ كمان إقعدي جنب جوزك علشان متتعبيش
تطلعت عليه بنظراتٍ مختلطة،ما بين سعادة وحيرة واستغراب، وعلى الفور ابتسمت له ليمسك زوجها بيدها وساعدها على الجلوس نظرًا لحملها ثم جاورها،حضرت منيرة والتف الجميع حوال الطاولة لينطق أيهم في محاولة منه لفتح أحاديث مع زوج شقيقته:
-طبعاً دي أول مرة تاكل فيها على الطبلية يا سيادة المستشار؟
ابتسم وهو يقول بملاطفة:
-بصراحة أول مرة،بس حبيت القعدة جدًا
وتابع وهو يشير بكفيه:
-تحس إن فيه ألفة وجو عائلي أكثر من السُفرة
قامت منيرة بتقطيع لحوم البط وقامت ببسط ذراعها وهي تضع إلى فؤاد بصحنه لتنطق بحبور ووجهٍ بشوش:
-مد إيدك وكُل يا ابني،ومتقلقش من ناحية النضافة،إحنا نضاف وأكلنا زي الفُل
تحدث على عجالة لينفي فكرتها:
-ده شيئ واضح يا افندم ومش محتاج كلام
أمسكت نوارة ملعقة كبيرة وقامت بغرف قطعة كبيرة من صينية “الأرز المعمر”لتقول وهي تضعها بصحن ذاك الراقي:
-دوق بقى الرز المعمر بتاع ماما وقول رأيك فيه
واسترسلت بحماس وهي تُشير إلى إيثار:
-ده بقى أكلة إيثار المفضلة،كانت بتعشقه وعمي الله يرحمه كان بيخلي ماما تعمله مخصوص ويوديه لـ إيثار مصر بنفسه
تذكرت والدها وزياراته لها حيث كان يأتي محملاً بالخيرات،تنهدت لتبسط كفها تلتقط إحدى وحدات أصابع المحشي لتتناولهُ وتغمض عينيها تتلذذُ بنكهته الرائعة والتي تذكرها بأيام صباها،إلتقطت واحدًا أخر لتضعهُ بفم زوجها دون أن تشعر بالخجل كـ قبل مع عمرو لتنطق بعينين تظهر بهما السعادة:
-دوق المحشي ده،هيعجبك قوي
بدأ بمضغه ليرفع حاجبهُ للأعلى باندهاش لينطق وهو يتطلع إليها:
-طعمه هايل
ثم توجه بحديثه إلى منيرة وتحدث:
-تسلم إيد حضرتك
اجابته بابتسامة صافية:
-بالهنا والشفا يا ابني
وضعت لها نوارة قطعة من الأرز المعمر لتتناول ملعقة منه وتعود بذاكرتها لذاك الطعم المميز،تطلعت للمائدة وأصناف الطعام الموجودة وعادت بذاكرتها للخلف،وجوه الموجودين بذاتهم لم تتغير، رائحة الطعام الذكية وطعمه الحُلو المميز،ذاك الدفئ الذي كانت تشعر به بحضرتهم،كل شيئٍ ظل كما هو إلا ذاك الحبيب الطيب،وبرغم رحيلهُ إلا أنها كانت تشعر بروحهِ الطاهرة تحوم من حولهم وكأنهُ”الحاضر الغائب”ويرى هذا التجمع وسعيدٌ به أيضًا
تطلعت بسعادة للجميع وهم يتناولون الطعام بشهية مفتوحة وسط أحاديثهم الشيقة حتى فؤاد اندمج معهم بالحديث
سألتها منيرة باشتياقٍ ظهر بصوتها:
-مجبتوش يوسف معاكم ليه؟
ده وحشني قوي ونفسي أشوفه
ابتسمت لتجيبها بمرارة:
-محبتش أجيبه علشان ميسألش عن أهله
تأثر الجميع لأجل الصغير فجميعهم يعلم مدى تعلق الصغير بعائلته وعشقه لهم،حمل وجدي إحدى الحمامات المحشوة بالفريك وقدمها لشقيقته وقال كي يُلهيها ويمحو عنها حزنها:
-كُلي حمام يا إيثار
أشارت لصحنها وهي تقول:
-قدامي واحدة يا وجدي
نطق عزيز بنبرة حنون تعجبت لها:
-اللي قدامك محشية رز لكن دي محشية فريك،خديها من إيد أخوكِ
ابتسمت وتناولتها من يد شقيقها برغم عدم الاشتهاء لها،تحدث عزيز إلى فؤاد بصوتٍ حماسي:
-كل حمام يا باشا،ولا ملكش فيه؟
-لا باكله عادي…قالها ليتابع وهو يُشير إلى طبقه بملاطفة:
-بس اكيد مش هاكل أربعة
نطقت نوارة بنبرة حماسية:
-كل يا باشا بالهنا والشفا،دي أول مرة تاكل عندنا
نطقت منيرة وهي تتطلع إلى ابنتها بتعمق لعينيها:
-إن شاءالله مش هتكون الأخيرة
ابتسمت بخفوتٍ لوالدتها وتابع الجميع تناولهم للطعام،ليتحدث عزيز:
-بعد الغدا إطبخي للرجالة اللي برة علشان يتغدوا يا نوارة
نطق فؤاد برفضٍ قاطع:
– متشغلوش نفسكم بالرجالة يا عزيز،أنا بعت واحد منهم يجيب غدا من المركز القريب من هنا وزمانه جاب لهم
قالت منيرة بنبرة عاتبة:
-ليه كده يا ابني،هو احنا قليلين في نظرك علشان تبعت تشتري لرجالتك أكل من برة؟!
نطق بهدوء مبررًا:
-انا مقولتش كده حضرتك،أنا بس محبتش أشغلكم بتجهيز الاكل وقولت تستغلوا الوقت في القعدة مع إيثار
واسترسل بنبرة هادئة:
-ولما طلعت أكلم الباشا وأبلغه إننا هنبات،خليت واحد منهم يروح يجيب غدا للباقي
انتهوا وحملوا الاواني للمطبخ واتجه الجميع لغسل أياديهم ثم توجهوا لغرفة الضيافة لتناول مشروب الشاي التي صنعته نوارة، وأثناء تناولهم للشاي استمعوا لخبطات فوق الباب لتذهب نوارة ثم تعود بعد قليل وهي تقول بنبرة مرتبكة:
-فيه واحدة برة عاوزة تقابلك يا إيثار
ضيقت بين حاجبيها لتسألها باستغراب:
-واحدة،عوزاني أنا؟!
سألتها منيرة تحت نظرات فؤاد المدققة:
-مين دي يا نوارة؟!
صمتت قليلاً قبل أن تنطق بتلبك:
-مروة مرات حسين البنهاوي،ومعاها بنت عمرو وسمية
لتسترسل بإبانة:
-الأمن حاجزينهم برة وواحد منهم هو اللي خبط وبلغني
أوقفها الأمن ومرر على جسدها وجسد الطفلة جهاز كشف الأسلحة والمعادن ليتأكدا من خلوها قبل أن يسمحا لها بتخطي الحاجز الأمني الذي حدده المسؤل عنهم.
ارتبكت بجلستها لينطق فؤاد بحدة بعدما استمع للقب “البنهاوي”:
-من فضلك بلغيها إن إيثار مش عاوزة تقابل حد
وقفت إيثار وتحدثت إلى زوجها برجاء:
-معلش يا فؤاد أنا هقابلها،ده بعد إذنك طبعاً
اتسعت عينيه يرمقها بحدة لتتابع مبررة:
-مروة شخصية طيبة مش زيهم، وبعدين أنا معاكم ووسطكم
نطقت منيرة:
-متقلقش يا ابني،مروة من عيلة محترمة وبنت ناس
ثم وقفت وجاورت ابنتها لتتابع كي تطمأنه:
-وأنا هطلع معاها علشان تطمن
اطمئن قليلاً بوجود الحرس وتأكد من أن رئيسهم لن يسمح لها بالدخول لولا تأكده من الأمان،خرجت إيثار لتجد مروة تقف بجوار الطفلة المتشبثة بثوبها تختبئُ خلفها وكأنها حصنها المنيع،اقتربت عليها تحت نظرات مروة المتفحصة لحال إيثار الذي تبدل وكأنها ترى أميرة،نعم طالما كانت جميلة وبرغم فقرها إلا أن ثيابها كانت جميلة وأنيقة وبعد زواجها من عمرو تغير حالها للأفضل ولكن ليس بتلك الحالة التي عليها الان، فقد أصبحت طلتها كالأميرات ونجمات السينما نظرًا للمستوى المادي التي انتقلت إليه بزواجها من أحد الأثرياء، تحدثت إيثار وهي تقترب عليها:
-أهلاً يا مروة
بسطت مروة يدها للمصافحة لتنطق بنبرة لإمرأة ظهرت بائسة حزينة لما أوت إليه:
-إزيك يا إيثار
أشارت لها منيرة لإحدى الغرف:
-تعالي يا بنتي جوة
-معلش يا خالتي،انا جاية أتكلم مع إيثار كلمتين وماشية على طول… قالتها بانكسار لتتابع وهي تنظر إلى تلك الصغيرة المنكمشة خلفها:
-وجبت زينة معايا علشان تشوف أخوها وتسلم عليه
ازدردت إيثار ريقها وهي تتطلع بتمعنٍ لما يظهر من تلك الصغيرة التي تحمل إثم والدتها على عاتقها،فتلك هي حصاد الخيانة التي تعرضت لها بأقسى طريقة، زوجها وصديقة العمر،يا لها من ضربة قاسية أطاحت بحياتها بالكامل وأفقدتها الثقة في الجميع حتى بحالها لمدة ليست بالقليلة حتى تعافت وعادت لها ثقتها بحالها من جديد،لم يظهر من الصغيرة سوى إحدى عينيها التي تتطلع بها من خلف جلباب مروة وكأنها تخشى مواجهة العالم، نطقت إيثار بهدوء وهي تنقل بصرها إلى مروة:
-يوسف مجاش معايا،خفت يسأل عنكم ويطلب يزور البيت
واسترسلت بتأثر ظهر بصوتها ونظرات عينيها الحزينة:
-إبني لسه صغير على إني اصدمه وأقول له حقيقة اللي حصل مع عيلته
تألم داخل مروة ثم تحدثت:
-أنا جايبة لك رسالة من حسين، ومني أنا كمان
قطبت جبينها باستغراب لتتابع الأخرى بتوسل:
-حسين طالب منك تسامحيه وتسامحي أهله،بيقول إن اللي حصل لهم ده كله بسبب لعنتك، لعنة ظلمك اللي كلنا شهدنا عليه وسكتنا
أخذت الأخرى نفسًا عميقًا وتحدثت:
-ربنا اللي بيسامح يا مروة،أنا ربنا عوضني أنا وابني براجل محترم ونسيت معاه كل اللي فات، وصدقيني لو قولت لك إني زعلت على اللي حصل معاكم
واسترسلت بجدية:
– دول مهما كان أهل إبني واللي يضرهم يضره
سألتها باهتمام:
-يعني مش زعلانة مني ولا من حسين؟!
هزت رأسها بنفي لتسألها باهتمام:
-هو حسين معاكم هنا؟
تنهدت بألم حين تذكرت حال زوجها لتقول بصوتٍ متأثر:
-حسين قاعد في مصر شغال هناك في شركة،بيقبض مرتب ضعيف ولما ظروفه تتحسن هيبعت ياخدني أنا والولاد
ثم تطلعت لتلك المختبأة خلفها:
-وهاخد زينة معايا، هي عايشة معايا عند بابا
-هي أمها… قالتها إيثار وقبل أن تُكمل قاطعتها مروة لتنطق:
-كانت عيانة، عندها ورم في الرحم بعيد عن السامعين،عملوا لها العملية وحُكم الإعدام هيتنفذ فيها بعد بكرة
هزت إيثار رأسها بأسي لتتابع الأخرى بيقين:
-ربنا جزاها على كل الأذى اللي عملته في حياتها،الله يسامحها بقى
هتفت منيرة بحدة وشراسة:
-الله لا يسامحها لا دنيا ولا أخرة وينتقم منها بحق العيال اللي يتمتهم وكسرتهم
نطقت مروة بكلماتٍ حق:
-مهي نسرين التانية مكنتش بريئة يا خالتي
أشارت منيرة بكفها وتحدثت بأسى:
-حسبي الله ونعم الوكيل فيهم هما الإتنين،ربنا يكحمهم في جهنم بحق ما خربوا بيت بنتي
هتفت نوارة باتساع عينيها المتعجبة:
-لسة بتقول خراب بيت بنتها؟!،هو أنتِ يا خالتي مش شايفة حالة بنتك ولا جوزها سيادة المستشار، إيش جاب لجاب
نطقتها بملامة ثم نظرت إلى مروة لتنطق بصوتٍ جاد:
-معلش يا مروة أنا لساني فالت ومبعرفش أسكت قدام الحق، وبصراحة كده إيثار ربنا بيحبها إنه نجاها من العيلة الهم دي
قالت إيثار لإنهاء ذاك الحديث:
-خلاص يا نوارة،كل شئ انتهى وراح لحاله والكلام مبقاش ليه لزوم
تحدثت مروة وهي تستعد للرحيل:
-يعني أطمن حسين يا إيثار؟
أومأت لها وتحدثت بنبرة صادقة:
-حسين طول عمره كان محترم معايا،وعمره ما أذاني حتى بكلمه،ربنا يصلح حاله ويفك كربكم وتتجمعوا قريب
استمعت لصوت ذاك الحنون الذي خرج ليطمئن عليها بعدما فقد القدرة على الصبر أكثر من هذا، لينطق:
-الوقفة دي غلط عليكِ يا حبيبي
ما اروعهُ حين يقول كلمة حبيبي،ينطقها أمام الجميع دون أن يخجل بالعكس،يشعر دائمًا بالفخر بامتلاكه لتلك الرائعة،اقترب عليها لتنطق مروة بعدما شعرت بالخجل:
-أنا همشي
قالت منيرة بنبرة هادئة:
-هتمشي يا بنتي من غير ما تشربي حاجة
تطلعت إلى فؤاد الذي يخترق ملامحها بنظراته ليستكشف نواياها بحكم ما تعود عليه من خلال عمله لتنطق هي بارتباك:
-مرة تانية يا خالتي،متشكرة يا إيثار
رفعت كتفيها لتنطق بنبرة صادقة:
-على إيه بس يا مروة
تطلعت إيثار على تلك الصغيرة لتشعر بالأسى تجاهها،فقد جنى عليها والداها بمجيئها للدنيا بتلك الطريقة المهينة،رحلت المرأة لتتركها بصحبة عائلتها،قضت سهرتها بصحبة عائلتها لتغفى بالليل بصحبة زوجها بغرفة أيهم،وباليوم التالي خرجت من البلدة لتمر من ذاك الكوبري ولأول مرة مرفوعة الرأس بقلبٍ سعيد،تطلعت لذاك الجالس بجوارها لترتمي داخل أحضانه تتنعم بحنانه ليهمس بأذنها:
-بعد الليلة دي محتاجين نستجم في الچاكوزي،أظن كده من حقي أدلع
لفت ذراعها حول عنقه لتنطق بسعادة وارتياح لم تشعر به منذ سنوات:
-أنا حبيبي يستاهل دلع الدنيا كلها
ابتسم بسعادة لشعورهُ بشدة حبور خليلة الروح ليشدد من إحتضانها ويضع كفهُ يتحسس موضع صغيراه ليسألها:
-حبايب قلبي أخبارهم إيه
-زي الفل يا حبيبي…قالتها وهي تطمئنهُ على جنيناه ليتنهد براحة
***********
بعد مرور أقل من ثلاثة شهور
كانت بصحبة زوجها وعائلتها داخل منزل “أميرة”تلك الفتاة التي تعرف عليها”أيهم” من خلال عمله بشركة الزيني،فقد حضروا اليوم لزيارتهم لخطبة الفتاة لـ أيهم،وقد حضرت معهم إيثار وفؤاد بعدما تحسنت علاقتهم وعادت كأي علاقة صحية لفتاة بعائلتها، وأثناء الترحاب بهم وبعد الإتفاق على تفاصيل الزواج،شعرت إيثار ببعض الألم، في البداية كظمت ألمها كي لا تفسد فرحة شقيقها وعروسه الجميلة لكنها لم تستطع الصمود اكثر لتطلق صرخة مدوية وهي تتمسك بكف زوجها:
-فؤاد،إلحقني
إنتفض قلبه لينظر عليها بوجهٍ شاحب كالأموات من شدة هلعه عليها ليسألها:
-مالك يا قلبي
حملقت عينيها باتساع وهي تقول بهلعٍ:
-شكلي بولد، أاااااااه
يتبع…
رواية انا لها شمس الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم روز امين
إخترقت صرخاتها المتألمة جدار قلبه قبل أذنيه ليأن وجعًا ورُعبًا على شريكة الروح،يقود سيارته بجنون فقد أوشك على فقدانه لعقله كلما استمع لأنينها وصوت صرخاتها المستنجدة،تارة يتابع الطريق بعيناه الزائغة وتارةٍ أخرى يتطلع بانعكاس المرآة على حبيبته القاطنة بالمقعد الخلفي تتلوى من شدة الألم تجاورها والدتها حيث تؤازرها وتحاول التخفيف عنها ببعض الكلمات كي تتحمل ألم المخاض الذي هاجمها بضراوة على حِين غِرَّة:
-إتحملي لحد ما نوصل،وإجمدي كده هي يعني أول مرة ليكِ
ضغطت على يد والدتها المحتضنة كفها لتنطق قائلة:
-ما أنا مستحملة أهو يا ماما، هعمل إيه أكتر من كده
ثم صرخت مستنجدة به بطريقة حادة:
-بسرعة يا فؤاد،هو إنتَ طالع رحلة
برغم غضبها وحدتها بالحديث إلا أنهُ أوجد لها العذر وتحدث بصوتٍ أظهر كم الهلع الذي أصابهُ من وجعها:
-حاضر،حاضر يا حبيبي،حاولي تاخدي نفس وتهدي وإحنا خلاص قربنا من المستشفى،أنا أتصلت بالدكتورة وهي في انتظارنا
يجلس بالمقعد المجاور له وجدي بينما أيهم وعزيز يتبعاهُ بسيارة أيهم وبصحبتهم أميرة التي أصرت على ألا تترك خطيبها وعائلته بهذا الظرف الطارق فأخذت الإذن من والدها حيث سمح لها على الفور بأن ترافقهم.
بكثيرًا من التوتر أخرج هاتفهُ بيدٍ مرتجفة لينطق وهو يبحث عن رقم والدته:
-أنا هكلم ماما تحصلنا على المستشفى هي والباشا
نطقت على عجالة وهي تصرخ:
-خليها تجيب لي عزة معاهم
صاحت والدتها باعتراض يرجع لعدم تقبلها لشخصية تلك الـ عزة لما لهما من جولاتٍ وصولات من التراشق بالكلمات الاذعة بالماضي جعلت كلًا منهما تبغض رؤية الأخرى وتتجنب الإجتماع بها:
-أنا مش عارفة يا بنتي إنتِ مستحملة الست دي لحد الوقت إزاي،دي عليها لسان عاوز قطعه من لغلوغه
-ماااااما…نطقتها بصراخٍ معترض كي تجبرها على الصمت والتوقف عن الحديث فيما يثير غضبها بشأن تلك الـ عزة لتنطق الاخرى وهي تضع كفها تسد به فمها:
-خلاص،هخرص خالص ومش هجيب سيرة الست عزة هانم
لينطق وجدي وهو يحاول تهدأت شقيقته:
-إستحملي يا إيثار،شوية ونوصل إن شاءالله
أغمضت عينيها تعتصرهما مع ضغطها بقوة على كف والدتها لتكظم ذاك الألم المبرح فاستمعت لصوت فؤاد وهو يتحدث مع والدته:
-بسرعة يا ماما،ومتنسيش تجيبي عزة معاكِ، وبلغي فريال وهاتيها هي كمان
هاجمتها تقلصات المخاض لتُلقي بجسدها للأمام فلم تشعر بحالها إلا وهي تقبض على كتفي ذاك الذي يستقل مقعد القيادة وتهزه بعنفٍ قائلة بصراخٍ هيستيري:
-إقفل الزفت ده وزود السرعة،إنت فاكر نفسك طالع رحلة وقاعد توزع الدعاوي
واسترسلت بصراخٍ بعدما أصيبت بنوبة فزع:
-إنتَ السبب في اللي أنا فيه ده كله يا فؤااااااد
اتسعت عينيه بذهولٍ ولولا ثباتهِ وقوته الجسدية لاهتزت الطارة من بين يداه وواجهوا كارثةٍ كبرى،صاح بها لتترك كتفيه:
-إهدي يا بنتي وسيبي هدومي،هتودينا في داهية
اعتدل وجدي بجسده وحاول فك قبضة شقيقته المتشنجة من فوق تلابيب فؤاد وهو يهتف عاليًا:
-إهدي يا إيثار مش كده، سيبي الراجل لنعمل حادثة
ساعدت منيرة نجلها بفكاك قبضتيها المتشبثة لتنطق وهي تعيد ظهر ابنتها للخلف:
-بسرعة يا ابني الله لا يسيئك،البت شكلها تعبان قوي ومش قادرة تتحمل
رد يجيبها:
-أنا سايق بأقصى سُرعة مسموح بيها يا أمي،لو ذودت أكتر من كده هعرض حياتنا للخطر وخصوصًا مع زحمة الطريق
ثم استرسل بنبرة حنون وهو ينظر لحبيبته في المرآة:
-استحملي يا بابا علشان خاطري
تطلعت لانعكاس عينيه لتنزل دموعها وكأنها تشتكيه مر الألم لينشطر قلبه في الحال لشعوره بالعجز حيال ألامها الشرسة.
بعد مرور حوالي ثلاثون دقيقة وصلا للمشفى ليجدا عائلة علام بانتظارهم خارج المشفى نظرًا لقرب القصر من المكان،هرولت عصمت عندما رأت سيارة نجلها الذي خرج سريعًا ليفتح الباب لزوجته المتألمة،بسط ذراعه ليتمسك بخاصتها وهو يقول بحنو:
-هاتي إيدك يا بابا وإنزلي بالراحة
تطلعت عليه بعينين دامعتين وما أن وقفت حتى مالت لتستند برأسها على كتفه لتنطق وهي تشهق بنبرة شقت صدرهُ لنصفين:
-هموت يا فؤاد
حاوط كتفيها برعاية وضمها إليه لينطق بصوتٍ خافت تجلى الرعب بين نبراته:
-بعد الشر عليك يا قلبي، متقوليش كده علشان خاطر حبيبك
نطقت عصمت وهي تتفحصُ وجنتها الموضوعة على كتف فؤاد والهلع يظهر بين قسمات وجهها:
-إنتِ كويسة يا حبيبتي؟
أجابتها وهي تبكي:
-موجوعة يا ماما،موجوعة قوي
ترجل أيهم من السيارة وهرول مسرعًا ليهتف بعجالة وهو يقوم باستعجال فريق المساعدة:
-إتحركوا بسرعة
كان علام يتابع الأمر وهو يقف بجوار ماجد وهو من أمر فريق المساعدة بألا يتقدموا وذلك بعدما رأى إيثار قد سندت برأسها على كتف زوجها فتيقن حاجتها الملحة لحُضنه كي تستمد قوتها منه،إقتربت عزة من إيثار وتحدثت بنبرة حنون وهي تربت على ظهرها:
-طمنيني عليكِ يا بنتي
لوت منيرة فاهها باستنكار لتنطق الأخرى وهي تتمسك بكفها:
-تعبانة يا عزة تعبانة
رفع فؤاد رأسها وتحدث ليحثها على الإعتدال:
-يلا يا حبيبي علشان ندخل المستشفى
وكأنها وجدت ملاذها بين أحضانها رغم ألامها الغير محتملة،ساعدتها عاملتان بالجلوس فوق المقعد المتحرك وسحبوها للداخل والجميع يرافقها حتى وصلت إلى غرفة الفحص فتوقف الجميع بالخارج وولجت معها عصمت فقط بطلبٍ من الطبيبة،وأثناء ما كانت عزة تستكشف المكان فؤجئت بتلك الـ “منيرة”ترمقها بازدراء وعدم القبول يظهر على محياها لتلوي عزه فاهها وهي ترمقها بحدة،لتهمس الأخرى لنجلها عزيز قائلة:
-سبحان من زرع كره الولية دي في قلبي،أطيق العمى ولا أطيقهاش
نطق عزيز بنبرة جادة:
-كبري دماغك يا أم عزيز وتجنبيها،إحنا مش جايين نعمل مشاكل، وبعدين الست ما هي واقفة في حالها أهي
مرت الساعات وولجت إلى غرفة العمليات تحت ارتعاب قلوب الجميع وأدعيتهم لها،تحرك فؤاد ليقف بجانب الباب وكلما استمع لصرخات زوجته انتفض قلبه هلعًا ليغمض عينيه يعتصرهما بألم،ليته يستطيع الدخول إليها والوقوف بجانبها،لكنهُ لم يتحمل رؤيتها وهي تتألم لذا فضل البقاء بالخارج،إقترب عليه والدهُ ليربت على كتفهِ قائلاً:
-متقلقش يا حبيبي،إن شاء الله شوية وهتخرج بالسلامة وتشوف ولادك وتفرح بيهم
نطق بصوتٍ متحشرج نتيجة تأثره:
-أهم حاجة هي تبقى بخير يا بابا،أنا مش عاوز غيرها
وتابع وهو يهز رأسه بتأكيد:
-والله العظيم ما عاوز من الدنيا غيرها
غامت عينيه بلمعات الدموع لينطق علام بقوة كي يحث صغيره على الثبات لكي لا تهتز صورتهُ أمام الحضور:
-إهدي يا فؤاد وحاول تتماسك،مينفعش اللي بتعمله ده يا ابني،إدعي لها ربنا يقومها بالسلامة هي وولادك
أما منيرة فوقفت بجوار باب الغرفة وقلبها ينتفض هلعًا على صغيرتها،نزلت دموعها وهي تستمع لصوتها الصارخ وباتت تدعو الله كي ينجي ابنتها وصغيراها لتجاورها عصمت تربت على كفها بمؤازرة،لتنضم لهما عزة التي تحدث بقلبٍ لا يقل هلعًا عن منيرة:
-إدعي لها يا اختي ربنا يقومها بالسلامة،إنتِ أم،ودعوة الأم مستجابة
تطلعت عليها منيرة بعينين دامعة،لتخرج بتلك اللحظة إحدى الممرضات حاملة أحد الصغيرين وتحدثت وهي تُسلمها إلى فؤاد:
-سمي الله وخد بنت حضرتك يا افندم،حمدالله على سلامتها وتتربى في عزك إن شاءالله
شعورًا عجيبًا ومختلفًا لأول مرة يحتل قلبه حين نظر لوجه تلك الملاك،هل حقًا هذه البريئة هي مِلكٌ له،استعاد توازنه وبسرعة رفع رأسه يسأل عن خليلة روحه قبل أن تسحبهُ تلك الساحرة الصغيرة بعالمها الجديدُ عليه:
-إيثار كويسة؟
أجابته بابتسامة مطمئنة:
-المدام زي الفل، والبنوتة أهي قدام حضرتك،وأخوها دكتور الاطفال بيكشف عليه وهخرجه أول ما يطمن عليه
هرول الجميع وأحاطوا فؤاد الذي بسط ذراعيه ليحمل صغيرته ويتمعن بوجهها الملائكي،وبدون ادنى شعور مال بشفتاه يلثم وجنتها الناعمة لينطق بنبراتٍ مرتبكة من هول الموقف:
-حمدالله على السلامة يا قلب بابي،نورتي حياتي يا تاج،يا تاج راسي وأمل حياتي اللي عيشت أتمناه
استمع لصوت شهقات والدته حيث انهمرت دموعها تأثرًا بهيئة صغيرها وهو يحمل ابنته أخيرًا وبعد مرور كل هذا العمر في الإنتظار،إقتربت لتسند رأسها على كتفه تتطلع على ملاكهم وهي تقول:
-مبروك يا حبيبي،الحمدلله اللي ربنا مد في عمري وشوفت ولادك يا فؤاد
وعى على حاله لينطق بنبرة حنون:
-هأذن في ودانها وهديها لك تشيليها يا حبيبتي
أومأت بموافقة فقد كانت تشتاق حمل الصغيرة بين ذراعيه لكنها ستتحلى بالصبر إلى النهاية،اقترب من أذن الصغيرة وبدأ يأذن بصوتٍ هادئ في أذنها اليمنى ثم انتقل لليسرى ونطق الإقامة، لتتناولها منه عصمت لتقربها من حضنها وتميل تشتم رائحة وجهها وتقبل كفها الصغير،إحتضنت فريال شقيقها وباتت تربت على ظهره بحنان
أخرجوا الصغير أيضًا وتكرر ذاك المشهد مع فؤاد والجميع، بعد قليل كانت تتمدد فوق تختها والجميع يحاوطوها برعاية:
-تحدث إليها عزيز بنبرة حنون،فقد بات يعلم أن شقيقته تكن لهم كل الحب وتتمنى لهم الخير:
-حمدالله على سلامتك يا إيثار
-الله يسلمك يا عزيز…نطقتها بصوتٍ واهن ليتحدث إلى علام الذي يحمل الصغير ويتطلع عليه بسعادة الدنيا،تجاوره زوجته لتشاركه الفرحة:
-يتربوا في عزكم يا باشا
اجابه علام:
-متشكر يا عزيز
أما أميرة فكانت تحمل الصغيرة بيدين ترتجفتين خشيةً إفلاتها،يجاورها أيهم حيث تحدث بملاطفة:
-عقبال ولادنا يا قلبي
خجلت وأنزلت بصرها للأسفل لتقبل عليهما عزة تلتقط الصغيرة وهي تقول:
-هاتي يا اختي البت لتقع منك بإديكي اللي بتترعش دي
نطقت اميرة وكأنها وجدت طوق النجاة:
-متشكرة بجد
تحركت بها ووقفت بوسط الغرفة لتتحدث وهي تنظر إلى منيرة كنايةً بها:
-العيال دول محدش هيدق لهم الهون غيري،وهوصيهم يسمعوا كلام مين ويطنشوا مين
رمقتها منيرة بنظراتٍ نارية في حين نطقت عصمت وهي تقبل الصغير:
-لما ييجي السبوع إبقي إعملي اللي إنتِ عوزاه يا عزة
هتفت الأخرى بنبرة حماسية:
-إنشالله يخليكِ يا أصيلة يا بنت الأصول
مال بجزعه لينطق بصوتٍ حنون وهو يلثم كف يدها:
-كنت هموت عليكِ يا قلبي
أجابته بصوتٍ خافت ووجهٍ شاحب:
-بعد الشر عنك يا حبيبي،الحمدلله،عدت على خير
نطق أمام عينيها بنبرة صادقة:
-ربنا يخلي لنا ولادنا التلاتة وحلو قوي كده،أنا مش عاوز من الدنيا غيركم
إبتسمت بسعادة ليلثم كفها من جديد تحت استحسانها،عادت إيثار باليوم التالي إلى المنزل واستقلت غرفة مجهزة بالطابق الأرضي،قامت عصمت بالإشراف بنفسها على التجهيزات كي تستقبل زوجة نجلها والصغيرين إستقبالاً يليقُ بهم،كانت الغرفة رائعة حيث زُينت بأشرطة الزينة وعمودين من البلالين عمودًا باللون الازرق والأخر باللون الزهري ليناسب الفتاة،يجاورهما تختان واحدًا باللون الازرق خاص بالفتى والأخر بجوار عامود البلالين الزهري، ولجت عصمت حاملة بين يديها الصغير “زين”تقربهُ من حضنها وتضمهُ بحرصٍ شديد وكأنهُ أغلى كنوزها،تلتها فريال حاملة الصغيرة لتتوجها بهما إلى السريرين وقامت كلٍ منهما بوضع الصغير بالتخت المخصص له،خطت إيثار بساقيها تتوسط حبيبها حيث يسندها بكفه وبيده الأخرى يحاوط خصرها،تجاورها والدتها من الجهة الأخرى حيث نطقت وهي ترى جسد صغيرتها المتراخي والمنهك:
-إتحملي يا بنتي،هما خطوتين اللي فاضلين وتنامي على سريرك
وبالفعل وصلت إلى التخت ليساعدها فؤاد على أن تتمدد ثم وضع لها إحدى الوسائد خلف ظهرها وسألها باهتمام:
-مرتاحة يا حبيبي؟
-إمممم…قالتها بصوتٍ خافت دل على شدة وهنها لتدثرها منيرة بالغطاء وتحدثت:
-المفروض تتغدا علشان تاخد العلاج بتاعها
نطقت عصمت التي انضمت إليهم بعدما اطمئنت على الصغير ودثرته بغطاءٍ وثير:
-عزة بتجهز لها الغدا وشوية وهتجيبه
ثم استرسلت وهي تُشير إلى منيرة:
-إتفضلي معايا يا مدام منيرة علشان سعاد توصل حضرتك للأوضة اللي هترناحي فيها
لم تريد ترك ابنتها وصغيريها فتحدثت رافضة:
-تسلمي يا دكتورة،أنا هقعد مع إيثار لحد ما تتغدى وترضع الولاد
نطقت عصمت بإصرار تخوفًا على صحة صغيراي نجلاها:
-إيثار هتدخل تاخد شاور وتغير هدوم المستشفي،وكلنا هنعمل كده علشان الجراثيم والأطفال
لوت منيرة فاهها بعدما أدركت مقصدها لتتابع الأخرى مسترسلة بنبرة جادة:
-إتفضلي حضرتك معايا وعلى ما تاخدي شاور وتغيري هدومك هيكونوا البنات جهزوا السفرة علشان نتغدى
طلبت أن ترافق إبنتها إلى الحمام كي تساعدها فاعترض فؤاد وأصر على أن يساعد هو زوجته،تحركت بمساعدته ودخلت إلى الحمام المرفق بالغرفة،فساعدها بخلع ثيابها وتحدث وهو يساندها كي تصل إلى كبينة الإستحمام:
-براحتك يا حبيبي
توقفت داخل الكبينة وفتح هو صنبور المياه لتنسدل على جسدها وبات يساعدها بالحموم،وضع قليلاً من سائل صابون الشعر ثم قام بتدليك شعرها برفقٍ ليتحدث بهدوء:
-إسندي عليا يا حبيبي وشوية وهنخلص على طول
تنهدت لتنطق بإشفاقٍ عليه:
-ياريتك طلعت إرتحت في جناحنا يا فؤاد وعزة وماما كانوا هيقفوا معايا
أجابها بإصرارٍ ونبرة حنون:
-مستحيل أقبل إنك تنكشفي على حد وحبيبك موجود
نطقت بحنوٍ:
-يا حبيبي إنتَ معايا في المستشفى من إمبارح ومردتش تيجي تبات هنا وبيت معانا والأولاد صدعوك طول الليل،فأكيد محتاج تاخد شاور وترتاح شوية
نطق وهو يجفف جسدها بالمنشفة ويساندها ليخرجها من الكبينة:
-وأنا أطول أتعب لخليلة الروح وولاد عمري كله
ساعدها بارتداء ملابسها وخرجت لتجد العاملات بانتظارها ليساعدوها بالتمدد بعدما قاموا بتغيير جميع الأغطية حسب التعليمات الصارمة اللواتي تلقينها من ربة عملهن”عصمت”،وصعد هو ليحصل على حمامًا دافئًا كي لا يُحرم من حمل صغارهِ حسب تعليمات عصمت الصارمة،وحضرت عصمت وفريال ومنيرة بعدما حصلت كل منهن على حمامًا دافئًا وتغيير ثيابهن لأخرى نظيفة، أخذن الصغار وبدلن لهن الثياب لتدخل عزة وهي تحمل بين يديها صينية وهي تقول بنبرة حماسية:
-عملت لك شوية شوربة وحتة فرخة بلدي هتاكلي صوابعك وراهم
وضعت الصينية وبدأت بإطعامها لتنطق إيثار باستحسان:
-تسلم إيدك يا عزة،الشوربة طعمها حلو قوي
ليلاً،ذهب الجميع لتناول وجبة العشاء وظل هو بجوارها وصغاره،كانت تحمل الصغير فوق ساقيها تريح ظهرها للخلف مستندة على الوسادة، يجاورها شريك رحلتها يحمل بين يداه تلك الساحرة الصغيرة حيث استطاعت سرقة لُبه من الوهلة الأولى التي رأتها به عيناه،كانت تفتح عينيها تتطلع من حولها ثم قربت كف يدها الصغير من فمها وبدأت بمص أصابعها ليخرج صوتًا ينم عن جوعها،ابتسم بحبورٍ ليقول لحبيبته:
-تاجي شكلها جعانة يا إيثار
نطقت وهي تطالعها بقلبٍ حنون:
-حطها هنا جنبي وتعالي خد زين نيمه في سريره وأنا هرضعها
مد يده ليُبعد أصابعها عن فمها فالتقطت إبهام أبيها وباتت تمتصهُ بنهمٍ ليطلق الضحكات وهو يبعد إبهامهِ عنها ويقول:
-هو حبيبي جعان قوي كده،إصبري يا قلبي ومامي هتأكلك حالاً
مدد صغيرته برفقٍ على الفراش لتصرخ بعلو صوتها بتذمرٍ فحمل الصغير الذي غفى بعدما حصل على إشباعهِ من حليب والدته ومدده بتخته ليغفى بسلام بينما حملت هي تلك الباكية وبدأت بإطعامها تحت انتفاضة قلب إيثار وشدة سعادتها،تحرك ليجاور زوجته وبات يطالع عزيزتاي عينيه مستمتعًا بأجمل مشهد تراه عينيه،قرب كفه ليمسك كف تلك الصغيرة فتشبثت بأصبع والدها مما أدخله بحالة رائعة وجعل قلبهُ يرفرفُ من شدة الحبور لينطق بصوتٍ يهيمُ فرحًا:
-البنت دي خطفتني خلاص يا إيثار،إستحوذت على اللي باقي من فؤاد علام
طالعته لتسألهُ بما تتيقن من إجابته لكنها أرادت مشاكسة زوجها وحثهِ على التغزل بها قليلاً:
-ويا ترى اللي باقي من اللي باقي ده راح لمين يا سيادة المستشار؟!
-لروح قلب جوزها الغالية…قالها وهو ينظر بعينيها ليقترب من شفتها يلثمها برقة نالت إستحسانها لتميل برأسها على كتفه وينظران على صغيرتهما الجميلة،نطق بصوتٍ ظهر به مدى تأثره:
-حاسس إني عايش جوة حلم حلو قوي،من أول ما عرفت إنك حامل وأنا بتخيل فرحتي لما أشوف ولادي وألمسهم،بس اللي اتخيلته حاجة،وشعوري بلمستهم حاجة تانية خالص
تنفس بسلامٍ لينطق بصوتٍ تجلى به الانتشاء:
-أتاري شعور إنك تشيل إبنك لأول مرة شعور لا يوصف،فيه مشاعر مهما حاولت توجد لها كلام يوصفها مش هتلاقي
تنفست بانتشاء لتنطق وهي تتطلع عليه بنظراتٍ جمعت حنان الدنيا بأكملها لتقدمه لذاك الراقي:
-قد إيه إنتَ حد جميل يا حبيبي،أحلا زوج وأعظم إبن وأحن أب في الدنيا كلها
وتسائلت بعينين عاشقتين:
-ياترى أنا عملت إيه حلو في حياتي علشان ربنا يكافئني بيك؟
-مش يمكن ربنا بيكافئني أنا…قالها بعينين تفيضُ عشقًا ليميل على شفتيها يلثمهما برقة أسعدت قلبها
مرت سبعة أيام سريعًا وجاء يوم السبوع كما يطلقون عليه،اهتم علام بالجانب الديني حيث قام بذبح الذبائح وتوزيع لحومها على الفقراء والمساكين وقاموا بصنع الطعام وأطعموا المحتاجين، ثم أقام حفلة وقام بدعوة جميع الأحباء والأقارب فقط،اجتمع الحضور ببهو المنزل،عائلة أحمد الزين وباقي أفراد عائلة الزين،وعائلة أيمن الأباصيري وأيضًا عائلة غانم الجوهري،إنبهر جميع الحضور بالتجهيزات التي أشرفت عليها عصمت مع تكليفها لشركة قامت بجميع التحضيرات تحت تعليماتها،جلس الجميع بانتظار خروج الأم وتوأمها وأعينهم مصوبة نحو باب تلك الغرفة الأرضية حتى اتسعت أعينهم وهم يتطلعون بأعين منبهرة على تلك التي خرجت بجوار زوجها
فقد كانت ترتدي ثوبًا باللون الزهري ما رأت العين أجمل منه،بدا وكأنهُ صُنع خصيصًا لها وبالفعل هذا ما حدث،فقد طلب فؤاد من دار الأزياء التي تتعامل معها زوجته أن يقوموا بصُنع ثوبًا مميزًا ورقيقًا يليق بتلك المناسبة الرائعة،ارتدت حجابًا بنفس اللون،وقد إختار لها فؤاد مجوهراتٍ تليقُ برقة الثوب وقام بتقديمها كـ هدية لتلك التي ولچت إلى حياته لتُنيرها وتزيد من روعتها،لم تكن حياته هو فقط من تغيرت وتأثرت بحضرة تلك الـ إيثار،فقد نثرت الزهور داخل أرواح جميع من بالمنزل لتنتعش وتتبدلُ وتمتلئُ بالفرح.
لم تتوقف مفاجأتهُ لها عند هذا الحد،بل استغل نظرات الجميع المصوبة عليهما ليشير إلى رئيسة العاملات “سعاد”فناولتهُ الأخرى صندوقًا ليخرج منه تاجًا يشبة تاج الأميرات مرصعًا بحبات الألماس الأبيض وبه بعض الأحجار ذات اللون الفيروزي مما أعطاهُ بريقًا ومظهرًا خلابًا استطاع سحر أعين الحضور،وقف أمام تلك التي اتسعت إبتسامتها بحبورٍ شديد ليقوم بتتويجها في حركة أراد بها الإعلان على أن تلك الساحرة هي ملكة حياته ومالكة الفؤاد،نطق بنبرة قوية:
-ملكة قلبي ونور حياتي وأم أمرائي
سألتهُ بذهولٍ وعدم استيعاب:
-إيه اللي بتعمله فيا ده يا فؤاد
وتابعت بأعين شغوفة وهي تراه يضع لها التاج فوق حجابها:
-بقيت مجنون رسمي
-بيكِ،بقيت مجنون إيثار…قالها بأعين تفيضُ غرامًا وهو يتعمق بمقلتيها قبل أن يحيط وجنتيها بكفيه واضعًا قُبلة إحترام وتقدير ومحبة تحت تصفيق الجميع منهم المحب السعيد لأجلهم ومنهم الحاقد كـ”سميحة” التي رمقتها بنظراتٍ كالرصاص و”سالي”التي ترى أن تلك الماكرة إختطفت ذاك الوسيم الرائع سليل لك العائلة الثرية وتراها غير مناسبة لتلك الزيجة وهذه العائلة العريقة، فاقت تلك الحقودة على صوت لارا التي صاحت بسعادة وهي تهلل لصديقتها:
-واااو،التاج حلو قوي وإيثو تستحق تكون ملكة بجد
إلتفتت لترمقها بحدة وهي تقول:
-ملكة! قصدك طلعت لئيمة ونشنت صح
واسترسلت بنبرة اظهرت كم سوء نفسيتها الغير سوية:
-صدقيني الجوازة دي مكنتش هتستمر لولا إن صاحبتك السكرتيرة دبستهم وجابت لهم الولاد اللي كانوا بيحلموا بيهم،علشان تجبر فؤاد على إستمرار الجواز اللي كلنا عارفين ظروفه كويس
ثم أعادت بصرها من جديد على تلك التي احتضنت زوجها بسعادة لتسترسل بعينين حاقدتين:
-تخطيط شيطاني ميخرجش غير من عقل حد خبيث،مكذبش اللي قال لؤم فلاحين
اتسعت أعين لارا بعد ما استمعته من زوجة شقيقها بحق جميلة الروح التي اتخذتها كصديقة مقربة لها منذ أن رأتها بعدما استلمت عملها كـ سكرتيرة خاصة لدى والده،صدمتها من تلك الكلمات الحاقدة ألجمت لسانها ومنعتها عن الرد،فلم تجد كلماتٍ مناسبة لذا قررت عدم الرد على تلك المهاترات.
عودة لتلك التي شعرت بأن روحها تطيرُ وتقفز فرحًا بذلك الحبيب الذي أصبح يُعلن عشقه لتلك الحورية على الملئ بمناسبة وبدون وكأنهُ يريد إخبار العالم بأكمله بملكيته الخاصة لها،نطقت وهي تتطلع بعينيه العاشقة:
-فؤاد أنا بحبك قوي
خرجت من خلفيهما عزة تحمل الصغير داخل ما يُسمى بـ “الغربال”المزين بقماش من الشيفون الرائع بلونهِ الأزرق الخفيف لتجاورها منيرة تحمل”تاج”بغربالٍ باللون الزهري لتباغت عزة الجميع بإطلاقها للزغاريد مما أضفى على الإحتفال نوعٕا من البهجة ورونقٍ خاص أدخل الحضور في حالة من الحماس،أقبل الجميع على” إيثار”وباتوا يقدمون التهاني والمباركات لها ولزوجها السعيد في حين وقفت عزة بالمنتصف وباتت تصيحُ بصوتها المحبب لدى الجميع عدا تلك الـ منيرة التي لم تغفر لها أخطاء الماضي على حسب قولها،فهي تتهمها بأنها كانت السبب الرئيسي لعناد صغيرتها وابتعادها عن عائلتها وليس أفعالهم الشنيعة،نطقت بنبرة عالية حماسية بعدما افترشت الارض ووضعت أمامها الصغير:
-يلا يا حبايب علشان ندق الهون
اتسعت أعين فريال وعصمت التي اعترضت حينما وجدت ذاك الشئ المصنوع من النحاس “الهون”:
-أكيد مش هتخبطي جنب الاولاد وتسببي لهم إزعاج بالصوت العالي ده يا عزة!
نطقت تلك المشاكسة بنبرة إعتراضية وهي تشيحُ بكفها:
-لا بقول لك إيه يا ست الدكتورة،إنتِ تقعدي على الكرسي بفستانك الحلو ده وتسبيني أشوف شغلي، دق الهون ده أنا ندراه من يوم ما عرفت إن إيثار حامل
واسترسلت وهي تتطلع على علام:
-وبعدين أنا خدت الإذن من سعادة الباشا الكبير،يعني كلامك يبقى معاه هو مش معايا
تطلعت عصمت إلى زوجها حيث أومى لها للتأكيد على صحة حديث عزة وحثها على الموافقة فابتسمت بحنانٍ ونطقت باستسلام:
-وهو فيه رأي بعد رأي الباشا،الباشا يؤمر وما علينا إلا الطاعة
ابتسم ليحييها باحترام تحت غضب نجوى زوجة شقيقه التي همست لابنتها سميحة:
-مرات عمك فاكرة نفسها لسه بنت العشرين وبتدلع عليه قدام الناس
لم تلتفت لها ولم تعير لحديثها أدنى اهتمام،فلديها ما يؤرق عليها حياتها ويجعلها تفقد زهوة كل شئٍ،وذلك لما رأتهُ من عشقٍ واهتمام من حبيب العمر إلى زوجته،هي من عشقته بكل ذرة في كيانها ليفضل عليها تلك التي تراها من وجهة نظرها لا تليق ولا ترتقي لذاك الوسيم المميز.
نطقت عزة وهي تدق الهون بعدما أقنعت إيثار بأن تخطو بقدميها من فوق الاطفال كما هو موثق بالطقوس المصرية وتوارثتها الاجيال:
-الأولة بسم الله، والتانية باسم الله، والتالتة باسم الله، والرابعة بسم الله، والخامسة باسم الله، والسادسة باسم الله، والسابعة يا بركة محمد بن عبد الله»
أمسك فؤاد يد زوجته وساعدها بالجلوس وتطلعوا على عزة التي باتت تتحدث وهي تتابع دق الهون:
-إسمعوا كلام أبوكم الباشا إبن الباشا الكبير
أشار لها يشكرها بطريقة درامية ليضحك الجميع لتتابع وهي تتطلع إلى إيثار:
-وإسمعوا كلام بنتي حبيبتي ست البنات كلهم
شملتها إيثار بنظراتٍ تشعُ حنانًا وامتنان لتلك الجميلة صاحبة القلب الذهبي التي طالما شملتها بحنانها وعطفها،أكملت عزة بخفة ظلها التي نالت بها استحسان الجميع:
-إسمعوا كلام جدكم علام باشا المحترم،وست الهوانم جدتكم الدكتورة عصمت
ضحكت عصمت ونال ما تفعله عزة استحسانها،هتفت فريال بنبرة حماسية وهي تشير على حالها:
-وأنا يا عزة، إوعي تنسيني
نطقت بانتشاء:
-ودي تيجي يا ست البنات
هزت غربال الصغير وهتفت بنبرة حماسية:
-وكمان عمتكم فريال،لازم تسمعوا كلامها،وجوزها الدكتور ماجد علشان راجل محترم
واسترسلت وهي تتطلع على يوسف وبيسان المجاورين لها يستمتعان بتلك الطقوس الجديدة عليهما:
-وإسمعوا كلام أخوكم الكبير يوسف،وكمان القمر بيسان إسمعوا كلامها
صفقت بيسان بسعادة ومالت على وجنة الصغيرة تُقبلها كما فعل يوسف
رمقت عزة منيرة وعزيز الجالس بجوارها بنظراتٍ ازدرائية وهي تقول:
-أما بقى جدتكم منيرة فاللي تقوله تعكسوه على طول
أطلق الجميع ضحكاتهم لتسترسل وهي تتطلع على عزيز:
-وخالكم عزيز حطوه في نفس خانة جدتكم منيرة
ثم تطلعت على أيهم الواقف بجوار خطيبته:
-إنما الواد أيهم غلبان وأنا بحبه، إبقوا إسمعوا كلامه
-وكمان خالكم وجدي ومراته نوارة علشان بحبهم…إتسعت إبتسامة نوارة وبعثت لها بقبلاتٍ في الهواء
ثم نطقت من جديد وهي تُشير على نفسها بتفاخر وكبرياء مصطنع:
-وطبعًا مش محتاجين اقول لكم إنكم تسمعوا كلامي
أطلق الجميع ضحكاتهم على خفيفة الظل ثم حملت إيثار غربال الصغير وجاورها فؤاد بعدما حمل غربال صغيرته التي استطاعت الإستحواذ على عقله والتف من حولهما الأطفال يحملون الشموع المشتعلة مرددين الاغانى الجميلة التى توارثناها عن الأجداد:
-حلقاتك برجالاتك حلقة دهب فى وداناتك”و “يارب يا ربنا تكبر وتبقى زينا”
ثم أمسكت عزة وعاءٍ مملوء بالملح وأخذت تُلقيه فى جميع أركان المنزل كما جرت العادة
حمل علام الصغير وبات يتطلع عليه بنظراتٍ حنون تحمل أمل البقاء والإستمرارية الذي تجدد بحضور ذاك الملاك،وكأنهُ أتى إلى الدنيا ليزرع الأمل داخل قلب جده
وبنهاية اليوم وبعدما رحل الجميع أخرج علام ورقة وقدمها إلى فؤاد قائلاً:
-ده تنازل مني عن حصتي في كل أسهم شركات الزين
اتسعت أعين فؤاد لينطق بنبرة رافضة:
-أنا مقدر فرحة سعادتك بولادة زين وتاج يا باشا،لكن أكيد مش هقبل العرض ده وأظلم أختي
رفع علام حاجبه مستنكرًا تفكير نجله لينطق بكلماتٍ ثابتة:
-ومين جاب سيرة ظُلم فريال،أنا قبل ما أكون أب فأنا قاضي،يعني يد الله في تحقيق العدالة على الأرض يا سيادة المستشار
واسترسل بإبانة:
-أنا كتبت لـ أختك حصتها من الشركات وكنت هكتب للدكتورة هي كمان، لكن رفضت وتنازلت عنهم لـ زين وتاج
وتابع لايضاح فكرته من ذاك القرار:
-أنا حبيت أجمع كل أسهمنا في إيدك علشان تاخد منصب رئيس مجلس الإدارة والمالك الأكبر من أسهم الشركة،أنا عاوزك تكبر إسم الزين واولادك يكملوا المسيرة يا فؤاد
واسترسل غامزًا وهو يربت على كتفه:
-عاوزين صفقة جامدة زي صفقة زين وتاج في أقرب وقت يا سيادة المستشار
-للدرجة دي مستغني عني يا باشا…قالها بضحك ليطالعه بنظراتٍ هادئة وهو يتابع:
-الحمدلله على كده يا باشا،ربنا يبارك لنا فيهم ويخلي لي إيثار ومش عاوز حاجة تاني من الدنيا.
*********
بعد مرور أربعة سنوات
أمام أحد المباني شاهقة الإرتفاع بوجهتها الزجاجية،توقفت سيارة فارهة تدل على رفاهية من يستقلها، تسبقها سيارة دفع رباعي سوداء ترجل منها ثلاثة رجال ذو أجسادٍ ضخمة وعضلاتٍ بارزة تدل على مدى قوتهم البدنية،أسرعوا ليحاوطوا تلك السيارة الفارهة حيث ترجل من الباب المقابل للسائق ضابطًا للحراسات الخاصة كان قد عينهُ زوجها ومعهُ بعض رجال الحراسة المدربون بأعلى مستوى ليقومون بحراستها وتأمين حياتها من ألا يصيبها أي مكروه من ذاك الذي مازال هاربًا خارج البلاد،بات الضابط يمشط المكان بعينيه بينما أسرع سائق السيارة لفتح الباب الخلفي لتترجل منها تلك التي أصبحت عضواً هامًا وبارزًا في شركات”الزين”بل أصبح اسمها يتردد كثيرًا في سوق الأعمال لما أحرزته من تقدم في عملها التي استلمته من علام شخصيًا
وضعت قدميها في الأرض وارتدت نظارتها الشمسية لترفع رأسها تتطلع بشموخٍ لذاك المبني،حاوطها الرجال أخذين وضع الإستعداد ليتحركوا سريعًا خلف تلك الشامخة التي تتحرك بقوة وثبات باتجاه بوابة الشركة،كانت ترتدي بدلة نسائية رائعة المظهر بلونها البيج يعتلي رأسها حجابًا من نفس اللون بدرجة أغمق،سار بجوارها ذاك الضابط حيث سألها باحترام:
-حضرتك هتخلص شغل زي كل يوم يا افندم ولا هتتأخري زي إمبارح
نطقت وهي تتحرك للأمام قاصدة وجهتها:
-إمبارح كان يوم إستثنائي يا صفوت،كان لازم أجهز أوراق الصفقة الجديدة وأشرف على الترتيبات بنفسي
سألها صفوت من جديد:
-جنابك مش هتخرجي بدري علشان ترتيبات عيد ميلاد يوسف؟
نطقت بثبات إمرأة ناجحة:
-لو هخرج أكيد هنبهك يا صفوت
تحدث الرجل على استحياء بعدما شعر بضجرها من كلماته:
-أنا أسف سعادتك،أكيد مش قصدي أضايقك بأسألتي،أنا بس بحب أكون مستعد ومرتب لشغلي من قبلها
نطقت وهي تتخطي بوابة الشركة الإلكترونية المصنوعة من الزجاج والتي فُتحت على مصراعيها فور اقترابها:
-أنا فاهمة ده كويس يا صفوت
واسترسلت بإبانة:
-ومش متضايقة بالعكس،أنا طول عمري بحب النظام في كل حياتي
ثم اعتدلت لتقابلة وهي تتابع:
-بس تقدر تقول إني مبحبش كتر الكلام في بداية اليوم،ربنا خلقني كده
-فهمت سعادتك… قالها الرجل وهو يشيح بنظرهِ أرضًا كما يفعل دائمًا خشيةً إثارة غضب ذاك الغيور عاشق زوجته،أومأت له وتحركت باتجاه المصعد الكهربائي ورافقها صفوت ورجل الحراسة المسؤول عن حمله للحقيبة الخاصة بأوراق العمل،أوصلاها لحيث مقر مكتبها ورحل كلًا منهما لوجهته،سألتها السكرتيرة الخاصة:
-أجيب لحضرتك القهوة يا افندم؟
أجابتها بنبرة جادة:
-هاتي لي الأول ملف الصفقة الجديدة بالكامل،وابعتي لي الموظف المسؤول عن التعاملات البنكية مباشرةً
اومأت الفتاة برأسها لتنطق وهي تعود للخلف:
-تحت أمرك إيثار هانم
قالت كلماتها وتحركت للخارج،بعد قليل،كانت منكبة على الأوراق التي أمامها تراجعها بتمعنٍ ودقة أثناء تناولها كوب قهوتها الساخنة،استمعت لدقاتٍ خفيفة فوق الباب لتنطق ومازالت على وضعيتها:
-إدخل
ولجت السكرتيرة تتحرك بخطواتٍ ثابتة قبل أن تنطق بنبرة جادة:
-باشمهندس بسام الزين برة وعاوز يقابل حضرتك يا افندم
تنهدت لعلمها سبب مجيأة لتنطق وهي تنظر للأوراق تراجعها بتمعن:
-خليه يتفضل
تحركت السكرتيرة إلى الباب وأشارت بكفها بابتسامة خافتة:
-مدام إيثار في انتظار حضرتك يا باشمهندس
ولج بخطواتٍ واسعة ومن صوت قوة حذائه التي دكت الارض أيقنت غضبه لترفع رأسها تعدل بأصابعها من وضعية نظارتها الطبية لينطق هو بصوتٍ جاهد أن يخرج هادئًا مع رسمه لابتسامة لزجة:
-صباح الخير يا أستاذة
أراحت ظهرها للخلف لتنطق بابتسامة مشابهة لابتسامته المصطنعة:
-صباح النور يا باشمهندس،إتفضل حضرتك
نطقتها وهي تُشير بكفها إلى المقعد المقابل لمكتبها وتابعت وهي تتوجه بحديثها إلى السكرتيرة:
-قهوة الباشمهندس بسرعة لو سمحتي يا ليلى
أوقفها بإشارة حادة من كف يده لينطق بصوتٍ خشن علمت من نبرته أنه غاضب:
-مفيش داعي،أنا مش هطول،ورايا شغل كتير لازم يخلص النهاردة
مالت برأسها قليلاً لتشير للموظفة بالخروج لتفعل على الفور،توجهت له لتنطق بصوتٍ هادئ:
-إتفضل يا باشمهندس،أنا سامعة حضرتك
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره كي يطرد شعور الغضب من داخله وألا يحتد عليها ويضع حاله أمام ذاك الشرس الذي لا يسمح لأي شخصٍ مهما كان مجرد التعدي بحدة الكلمات على زوجته،:
-ممكن أفهم حضرتك أخدتي ملف الصفقة الأخيرة ليه؟!
أجابتهُ مختصرة:
-براجع البنود بتاعته
سألها بحدة اظهرت مدى سخطه:
-بأي صفة يا أستاذة،دي وظيفتي وأنا المسؤول هنا عن مراجعة عقود الصفقات وإتمامها
نطقت بقوة وثباتٍ أربكهُ:
-وأنا مفوضة من رئيس مجلس الإدارة بإدارة شؤون الشركة،واظن حضرتك عارف إنه مديني صلاحيات أتابع بيها العمل فيما يخدم الشركة ومصالحنا
سألها بنظراتٍ نارية:
-يعني حضرتك بتستغلي منصب جوزك وبتستغلي إنه بقى مالك الحصة الاكبر من أسهم الشركة بعد عمي علام ما اتنازل له عن الأصول بتاعته؟!
عدلت من وضعية نظارتها لتنطق بقوة وثبات لم يأتيا من فراغ:
-ياريت يا باشمهندس تتكلم معايا على إني المدير المالي المسؤول عن الشركة،وأظن مش من المهنية إن حضرتك تخلط ما بين العلاقات العائلية والشغل
وتابعت قاصدة إظهار عدم مهنيته:
-يعني مينفعش تذكر مصطلحات زي جوزك وعمي والكلام ده وإحنا بنتكلم في أمور تخص العمل
استشاط داخله من تلك المرأة الحديدية مثلما أطلق عليها جميع من يعمل بالشركة لقوة تحملها للعمل الشاق وثباتها في اتخاذ القرارات الحاسمة لما لها من صلاحيات قد فوضها لها فؤاد لثقته الهائلة بها كموظفة قبل أن تكون زوجة صالحة،لينطق بكلماتٍ بذل مجهودًا شاق كي يُخرجها هادئة:
-أولاً أنا أسف،يمكن خاني التعبير، بس ده لا يمنع إني بتكلم في الحق،حضرتك يا أستاذة تعديتي على اختصاصاتي وأنا من حقي أقدم إعتراضي
-حقك طبعاً،بس ده لما يكون تعدي على وظيفتك بجد،أنا بباشر صلاحياتي وده يُسأل عنه مدير مجلس الإدارة مش أنا…كلماتٍ نطقتها بحكمة لتكمل بنبرة عملية:
-على العموم أنا هبلغ فؤاد بيه وهطلب منه يأمر بإجتماع عاجل يوضح فيه النقاط اللي مضايقة حضرتك،ولما سيادته يحدد الميعاد الإدارة هتبلغك
ارتبك لعدم رغبته بالتصادم مع فؤاد وذلك لصرامته فيما يخص العمل،فـ أراد أن يتلاشى المواجهة معه وتحدث وهو يحاول تلطيف الوضع:
-مفيش داعي تشغلي فؤاد باشا معانا،كان الله في عونه
واسترسل مبررًا بترقيته التي لم يمر عليها سوى بضعة أسابيع:
-أكيد مسؤليته تضاعفت بعد الترقية الاخيرة
-أوكِ،زي ما حضرتك تحب…قالتها بثبات وهي تنظر إليه بتفحص لينتفض واقفًا وهو يقول:
-هروح أتابع شغلي، وأسف إني أخدت من وقتك
وقفت باحترام لتنطق بثبات وهدوء:
-نورت يا باشمهندس.
تحرك سريعًا مغادرًا مكتبها وبداخله براكينٍ من الغضب يكظمها عنوةً عنه،أمسك مقود الباب واداره ليجد ذاك الـ أيهم يقف مع السكرتيرة وعلى ما يبدو أنه جاء لمقابلة شقيقته،تحدث بسام بابتسامة مصطنعة ترجع أسبابها لعدم تقبلهُ مؤخرًا جراء سطوة شقيقته وفرض هيمنتها على الشركة:
-أزيك يا أستاذ أيهم
-أهلاً يا باشمهندس…كلماتٍ مقتضبة بالكاد أخرجها أيهم لينطلق الأخر كالإعصار مغادرًا المكان برمته لينظر أيهم إلى ليلى ويسألها:
-ماله ده
مطت شفتيها ورفعت كتفيها للأعلى لتنطلق ضحكاتهما وياليته لم يفعل فقد وصلت للتو زوجته “أميرة”ليشتعل داخلها بنار الغيرة بعدما رأت رجُلها منسجمًا بالحديث مع تلك الحسناء ذات الشعر الأشقر المجعد بمظهرهِ الخاطف للأنفاس وثيابها الملفتة للأنظار،توقف وابتلع قهقهاته وهمس بصوتٍ لم يستمع إليه سواه:
-يا وقعتك السودة يا أيهم،ليلة الخميس إنضربت خلاص
رمقته بنظراتٍ كالرصاص لتبسط ذراعها بذاك الملف إلى تلك الـ ليلي وهي تقول بجدية:
-الورق ده كانت طلباه مدام إيثار،ياريت توصليه حالاً
تحمحم مرددًا وهو يشير لها صوب باب مكتب شقيقته:
-تعالي دخليه بنفسك يا أميرة،أنا كمان داخل لـ إيثار
-معنديش وقت أضيعه في الضحك والكلام الفارغ يا حضرة المحاسب المحترم…رمت بكلماتها اللاذعة بجانب نظراتها الحادة وانطلقت كالسهم لتعود لمقر مكتبها بقلبٍ يحترق من لوعة الغيرة على من يعشقه القلب،لوى فاهه ليبتسم ببلاهة لتلك التي تطالعهُ بملامح وجه بدا عليها التضامن والمؤازرة فيما سيناله من تلك الشرسة عاشقة زوجها، لينطق بملاطفة:
-إنتِ كويسة يا لولا؟
بمشاكسة ردت تلك الـ ليلى:
-مش مهم أنا يا أستاذ أيهم،المهم انتَ اللي تكون كويس
هز رأسهِ بطريقة ساخرة لتشير هي إلى الباب قائلة:
-ثواني هدخل الملف للهانم وابلغها إنك عاوز تقابلها
بعد قليل خرجت وتوجه هو ليلج إلى شقيقته فوجدها تتطلع على كومة من الاوراق ليتحدث بنبرة جادة:
-بسام الزين طالع شايط من عندك ليه؟
رفعت رأسها تطالعهُ قبل أن ترد مستنكرة:
-جنابه مش عاجبه طريقة شُغلي وبيتهمني إني بتعدى على اختصاصاته
جلس بالمقعد لينطق متخوفًا:
-أنا قولت لك من الأول بلاش تستفزيه وتدخلي في الامور اللي تخص منصبه
احتدت ملامحها لتعلن عن غضبها وهي تنطق بنبرة جادة:
-مفيش حاجة إسمها أمور تخص منصبه،ده مال ولادي وجوزي مأمني عليه،والبيه بيتعامل كأنه المالك الرئيسي والوحيد للشركات ويا عالم بيهبب إيه من ورانا،فكان لازم أحجم صلاحياته واستخدم صلاحياتي اللي أدهالي فؤاد بحكم منصبي،وخصوصًا إنه كان مانع الموظفين يدوني أي أوراق خاصة بالصفقات
بكلماتٍ يحكمها العقل والمنطق نطق أيهم:
-بس كده ممكن يحطك في دماغه،وأحمد الزيني ممكن معاملته ليكِ تتغير،بالعقل كده أكيد مش هيسيب إبنه وينضم لفريقك ضده
-يوريني أخر ما عنده…جملة بها تحدي نطقتها قاصدة أحمد لتتابع بجدية:
-ولو باشمهندس أحمد الزين هيكون فريق ضدي لمجرد إن بسام إبنه يبقى هيخسر كتير قوي
واسترسلت بنبرة شرسة:
-لأنه هيلاقي معاملة وإيثار مختلفة كليًا عن إيثار اللي كانت بتعامله بلطف واحترام
رفع حاجبه باعجاب لينطق:
-بقيتي قوية لدرجة يتخاف منك يا إيثار
أجابته باقتضاب:
-محدش بيخاف غير اللي ماشي غلط يا أيهم
وافقها الرأي لتنطق بعدما قررت تغيير مجرى الحديث:
-متنساش بكرة تجيب أميرة وساندي وتيجو بدري علشان عيد الميلاد هيبدأ الساعة أربعة العصر إن شاءالله
ابتسم وتذكر طفلته ذات الثلاثة أعوام وتحدث:
-كل سنة ويوسف طيب،عقبال ما تشوفيه راجل قد الدنيا
-متشكرة يا حبيبي…قالتها بابتسامة سعيدة لتتابع:
-الحمدلله إن عيد ميلاده وافق يوم الجمعة وإلا كنت هضطر أخد أجازة أنا وفؤاد،انا عادي لكن فؤاد لسه مترقي من كام إسبوع ومشغول جداً في مهام الترقية الجديدة
-ربنا يوفقه يا حبيبتي،فؤاد راجل محترم ويستاهل كل خير…قالها ثم هب واقفًا ليتحرك للخارج تاركًا إياها تتابع عملها
*********
بعد عدة ساعات عادت من عملها لتجد صغيراها اللذان اتما عامهما الرابع يلهوان داخل حديقة المنزل بصحبة دكتورة عصمت التي كرست جزءًا كبيرًا من وقتها بل وحياتها لصغيراي نجلها الغالي وفلذات قلبه بعد أن تبدلت حياتها للأفضل بوجودهما،تجاورها فريال حيث باتت لا تفارق منزل أبيها إلا قليلاً للاهتمام بشؤون توأم شقيقها الغالي وعزيز عينيها،فقد دبت الحياة بالمنزل وكأنهُ تحول لأخر،فبرغم وجود نجلي فريال بالإضافة إلى حضور يوسف إلا أن ذاك التوأم لهما حضورٍ خاص ويرجع ذلك لفطانة الصغيرين والمحبة التي وضعها الله لهما في جميع قلوب من حولهم،تطلع عليها الصغير بعينيه التي ورثهما عن والده مما زاد من عشقها له ليهرول مهللاً:
-مامي
هرولت إليه لتلتقطه وتخبأه داخل أحضانها مع نثرها لقبلاتها الشغوفة فوق وجههُ وعنقه وجل ما يقابلها من ذاك الغالي لتنطق عصمت بنبرة حادة معترضة على تصرف إيثار:
-معقولة يا إيثار اللي عملتيه ده،تحضني الولد وتبوسيه قبل ما تغيري هدومك وتغسلي وشك؟!
هزت فريال رأسها استسلامًا لحديث والدتها وتشددها في حماية الصغار من الجراثيم لتنطق بكلماتٍ ساخرة:
-أنا شايفة إن حضرتك تجيبي لهم صندوق من البلور وتحطيهم جواه وإحنا نشاور لهم من برة البلور
رمقتها حانقة لتتابع ابنتها:
-مش معقول يا ماما اللي بتعمليه ده
هتفت عصمت بارتيابٍ يعود لشدة خوفها على الصغار:
-على أساس إنك مبتسمعيش عن كم الأوبئة والجراثيم اللي بقت محوطانا يا أستاذة
إقتربت عليهم إيثار التي مازالت تزيد من قبلاتها الشغوفة للصغير لتنطق أخيرًا:
-ما تقلقيش يا ماما،عملت حسابي وعقمت نفسي وأنا جاية في العربية
تنهدت براحة لتبتسم لها قائلة:
-حمدالله على السلامة يا حبيبتي
أطلقت فريال ضحكاتها وهي تقول:
-الوقت بس تقدر تقول لك حمدالله على السلامة
ضحكت الأخرى وناولت الصغير إلى عمته التي تلقتهُ بالقبلات الشغوفة لترفع تلك الصغيرة وتقول وهي تدللها:
-الندلة اللي مش بتسأل في مامي وقاعدة في حضن نانا
عوضًا من أن تحتضنها الصغيرة سألتها باعتراضٍ ظهر جليًا على ملامحها:
-فين بابي،ليه مش جه؟
أجابتها وهي تُقبل وجنتها الوردية بشغفٍ فقد اتخذت ملامح جدتها عصمت وكأنها نسختها الصغيرة مما زاد من عشق علام وفؤاد لتلك الصغيرة التي خطفت لُبهما:
-لسه الساعة إتنين يا حبيبتي،بابي هيوصل النهاردة الساعة خمسة علشان عنده شغل كتير
أنزلت الصغيرة التي سكنت أحضان جدتها من جديد لتسترسل باستئذان:
-أنا هطلع أخد شاور وأطمن على يوسف
واسترسلت بنبرة هادئة:
-متعملوش حسابي في الغدا،أنا هستنى فؤاد لما يرجع
ضيقت عصمت بين حاجبيها وهي تقول:
-بس فؤاد مش هيرجع قبل الساعة خمسة يا إيثار،كده الغدا هيبقى عشا
-ولو قعدت لبكرة بردوا هستناه…قالتها باصرار نال استحسان عصمت وطمأنها على نجلها في حين نطقت فريال بمشاكسة لزوجة شقيقها التي أصبحت صديقتها المقربة:
-قولي إنك عاوزة تنفردي بالباشا وتحولوا الغدا لعشاء رومانسي على ضوء الشموع
رفعت قامتها للأعلى وهي تقول:
-وهنكر ليه،جوزي وحبيبي وأتمنى أعيش عمره كله في قربه
ابتسامة عريضة ظهرت على ثغر عصمت بانتشاء لتنسحب الاخرى إلى الاعلى،صعدت الدرج لمنتصفه لتتفاجئ بظهور عزة التي تهبط من الأعلى،على الفور ارتسمت على وجهها الابتسامة وهي ترحب بها:
-حمدالله على السلامة يا ست الكل،جهزت لك الحمام زي ما بلغتيني في التليفون من شوية، واسترسلت بملاطفة:
-حطيت لك فيه من الزيوت اللي بتفك الجسم وتنعنشه
ابتسمت الأخرى لتجيبها:
-ربنا يخليكِ ليا يا عزة
واسترسلت بجدية:
-يوسف في أوضته؟
أجابتها باستفاضة:
-أيوا فوق،لسه باص المدرسة واصل من شوية،سبته كان داخل ياخد الشاور بتاعه على ما الغدا يجهز
-تمام،أنا كمان هاخد شاور وأروح له أوضته يكون خلص…قالتها لتغمز لها عزة وهي تقول:
-أنا خليت البت وداد تجهز لك اوضة الزاكوزي زي ما أمرتي،وحضرت لك الشيكولاتة والفاكهة اللي قولتي عليها،هو أحنا عندنا أغلى من الباشا علشان ندلعه
ردت لها الغمزة وهي تقول بابتسامة عريضة:
-برافوا عليكِ يا عزة
تركتها وصعدت سريعًا قبل أن تفتح تلك الثرثارة بمواضيعها التي لا تنتهي، أخذت حمامًا ثم ارتدت ثيابها واتجهت صوب غرفة نجلها الغالي،وجدته يقف أمام مرآة الزينة يقوم بتمشيط شعره،تطلعت عليه بسعادة فقد أصبح نجلها رجلاً صغيرًا حيث سيكمل غدًا عامه الثاني عشر،فقد زاد طولاً حتى أنهُ تخطاها وأصبحت تتطلع للأعلى حتى تنظر بعيناه،واشتد عوده نظرًا لكثرة التماربن التي يتلقاها على يد المدرب الخاص به وأيضًا ممارسته للسباحة،نطقت وهي تفتح ذراعيها لاستقباله:
-إيه الشياكة دي كلها يا باشمهندس، بالراحة على قلوب البنات
تطلع على صورتها بانعكاس المرآة بملامح وجه معترضة قبل أن ينطق:
-قولت لحضرتك مليون مره قبل كده إني هكون وكيل نيابة زي جدو علام وبابا،مش فاهم إيه إصرارك بإنك تناديني بالباشمهندس
لقد أصبح يُلقب فؤاد بـ بأبي مثل أخويه عندما كان بالتاسعة من عمره وبدأ أخويه ينطقان ويطلقان “بابا” على فؤاد فاعتاد هو الأخر من باب التعود،وحدث الامر رُغمًا عنه فبالاخير هو ابن التاسعة من عمرة ويظل طفلاً، تقبل فؤاد الأمر بل وسعد به بينما هي تحسست من ذاك الوضع لكنها لم تفصح عنه،والأن ينشطر قلبها للمرة اللا معلوم عددها حين تستمع من صغيرها الإعتراض على مهنة المهندس التي حاولت ومازالت جاهدة بزرع الفكرة في عقله منذ الصغر لكنهُ مصرًا على أن يلتحق بكلية الحقوق كي يمتهن مهنة القاضي تشبهًا بما يناديه بـ أبي”فؤاد” وقدوته “علام زين الدين”حيث يراهما قدوته الحسنة ويريد التشبه بكلاهما
هو يعلم أن فؤاد ليس بأبيه الحقيقي ولا علام بـ جدًا له،لكنه تأقلم على وجودهما بحياته وشعر بكيانه معهما ولم يعد يسأل عن أهله بعدما تلقى على عدة حجج من والدته جعلته يغلق الباب على ذاك الأمر برمته
كيف لها أن تبلغه أنه لا يمكنه الالتحاق بسلك القضاء نظرًا لتاريخ عائلته الإجرامي والذي يتعارض مع شروط الدخول لذاك العالم النزية،يزداد الأمر سوءًا مع كل يومٍ تتأخر هي بإخباره عن حقيقة أمر عائلته لكنها لم تستطع،فالأمر شبه مستحيل لديها،كيف لها أن تهدم عزيمة نجلها وتقتل شغفه بالمستقبل التي تراه بعينيه،وبالرغم من إصرار فؤاد وعلام والضغط عليها بعدم إخفاء الامر عليه إلا أنها أغلقت باب النقاش نهائيًا وأبلغتهم بأنها ستبلغه في الوقت الذي ستراهُ مناسبًا من وجهة نظرها،فما كان منهما سوى إلتزام الصمت حيال رغبتها فبالنهاية هي والدته وصاحبة الكلمة الأخيرة فيما يخصه ويخص مستقبله.
تجاهلت كلماته حين اقترب عليها لتحتضنه بحنوٍ وتسألهُ:
-وشك رايق وبيضحك،شكل يومك كان لطيف النهاردة
بنبرة حماسية أجابها:
-جداً،لو تعرفي اللي حصل هترفعي راسك للسما إنك مامت”يوسف عمرو”
اتسعت ابتسامتها لتتحسس وجنته وهي تحتويهِ بنظراتٍ حنون:
-طول عمري وأنا فخورة بيك من غير حاجة يا حبيبي
لتسألهُ بشغفٍ ولهفة:
-بس مفيش مانع إنك تقولي على اللي مخليك فرحان كده علشان افتخر بيك أكتر
أجابها بصوتٍ حماسي وأشعة لامعة تخرج من مقلتيه الصافية وهو يقول:
-النهاردة اكتشفت نظرية في الرياضيات وبلغت المستر بيها، فرح بيا جداً بس قال لي إنها للمخترع فيثاغورس وإني هاخدها في ثانوي عام إن شاءالله، بس المستر فرح بيا جداً وقال لي إن اللي يوصل بدماغه للنظرية دي وهو في سني، مش بعيد يوصل لنظريات تانية مش موجودة
سعدت لذاك الحماس الذي يكتسي صوته ويظهر جليًا بعينيه لتحتضنه وتثنى عليه،ثم تحركت معه للأسفل كي يتناول هو وجبة غدائه في حضور العائلة وتهتم هي بصغيريها حتى موعد عودة حبيبها
*********
بحلول الساعة التاسعة مساءًا،عاد زوجها بموعده وتناولا غدائهما سويًا ثم جلسا بصحبة العائلة،كانت تحتضن والدها تلف ذراعيها الصغيرتين حول عنقه وهي تقول:
-تاج فؤاد زعلانة منك يا بابي
ضحك علام على تلك المشاغبة ليسألها ذاك الذي امتلكت قلبهُ تلك الساحرة وانتهى الأمر:
-وليه زعلانة يا قلب فؤاد من جوه؟
بدأت تمرر أناملها فوق ذقن والدها لتنطق بدلالٍ يليق بابنة فؤاد وحفيدة علام زين الدين:
-علشان إنتِ قولت لي بالليل إنك هترجع على طول من الشُغل، وتزرع معايا أنا وجدو الوردة بتاعتي
بمداعبة نطق وهو يداعب وجنتيها بأصابعه:
-يا خلاثي يا ناس على اللي زعلان ومادد بوزه اللي عاوز يتقطع من البوس ده
تدللت لينطق علام بنبرة عاتبة:
-مش أنا قولت لك تعالي نزرعها وإنتِ اللي رفضتي
رفعت كتفيها بغرور لتكمل:
-بس أنا عاوزة بابي هو اللي يزرعها معايا
تحدثت عصمت بمشاكسة:
-متتعبش نفسك يا علام،دي بنت أبوها بحت
واسترسلت وهي تُقبل وجنة ذاك القابع بأحضانها:
-إحنا ملناش غير زين حبيب قلب نانا وجدو
ضحك الصغير بسعادة لتنطق إيثار:
-ريحي نفسك يا ماما، دي متعرفش في البيت كله غير فؤاد وبس
نطقت الصغيرة بمفاخرة:
-أنا مش بحب غير بابي،علشان أنا تاج فؤاد،بابي بيقولي إني تاج فؤاد وحبيبته
تحدث إليها علام بملاطفة:
-طب إبقى شوفي مين بقى اللي هيلعب معاكِ وبابي حبيبك في الشغل؟
-بابي هيقعد من الشغل وهيلعب معايا…قالتها ليطلق الجميع ضحكاتهم على تلك المشاكسة عاشقة أبيها،همست إيثار بجوار أذن زوجها لتبعدها الصغيرة بغيرة واضحة وهي تقول:
-إبعدي يا مامي،بابي مش بيحب الوشوشة غير من تاج وبس
هزت رأسها لتنطق باستسلام:
-البنت بتعاملني على إني مرات أبوها مش امها
تعالت ضحكات الجميع لتقترب إيثار من جديد وأخبرته أنها تنتظره بحجرة الچاكوزي فتيقن ان تلك المثيرة تعد له مفاجأة،بصعوبة بالغة أفلت حالهُ من تلك الصغيرة وتحرك إلى الحديقة واقترب من الباب الخاص بحجرة الچاكوزي وقام بفتحه ليشهق وتتسع عينيه بعدما رأها بكل ذاك السحر والدلال،استدار ليوصد الباب خلفه ثم اعتدل من جديد يتطلع على أميرته الحسناء التي أصبحت أيقونة من الجمال والسحر بعدما زالت مشاكلها وهُدمت جميع العراقيل التي كانت تؤرق حياتها والأن أكتملت أركان سعادتها بعد تصالحها النفسي ورجوعها لحضن عائلتها
تمركزت عينيه على منحنياتها حيث أبرز ذاك المايوة المكون من قطعتين جمالها ومفاتنها الانثوية المثيرة وجعلها تبدو كـ نجمة مضيئة بليلٍ عاتم ليظهر بريقها ويخطف العيون بسحرهِ،وما جعل قلبهُ ينتفضُ فرحًا هو تحديدها للونه المفضل الذي يعشقه عليها،”النبيذي”الغامق مما أظهر انعكاس لونهُ على جسدها ليظهر بياضه أكثر،اقتربت عليه وهي تتحركُ بغنجٍ أثار كل ما به ليشعر بانتشاءٍ غمر كيانهُ بالكامل لتنطق هي بدلالٍ انثوي أصبحت تجيدهُ جيدًا وهي تفردُ ذراعيها تستعرض حالها أمام عينيه:
-إيه رأيك في المفاجأة الحلوة دي؟
أجابها وعينيه تستبيح النظر فوق مفاتنها بجرأة:
-مفيش أحلا من كده مفاجأت
إقتربت لتلتصق به قائلة:
-ياترى حبيبي يسمح لي أعزمه على سهرة چاكوزية
رفع يدهُ اليمني للأعلى قائلاً وكأنهُ مسحور:
-حبيبك من إيدك دي
ليتابع وهو يرفع اليسرى وعينيه تتمركز على شفتيها المثيرة:
-لإيدك دي
واسترسل مستسلمًا:
-من الأخر كده أنا سايب لك نفسي
مالت عليه لتهمس بجوار أذنه:
-أوعدك مش هتندم،هدلعك
-أرجوكِ…نطقها بعينين متوسلتين لتطلق ضحكاتٍ رقيقة وهي ترفع رأسها للأعلى لينطق مهللًا:
-دي شكلها هتبقى ليلة فل،خميس خميس مفيش كلام
وبلحظة كان يتجرد من ملابسه ليجذب ذاك المايوه الخاص به حيث وضعته له بالسابق فوق أحد المقاعد المجاورة لحوض السباحة،ثم حملها ليقفز بها داخل المياه المتحركة لتطلاطم بجسديهما،لفت ساعديها حول عنقه بينما تجولت أناملها تعبث بخصلات شعره كما تعبث الأنامل فوق البيانو لتصدر أعذب الألحانِ،أغمض عينيه لينطق وهو يدور بها داخل المياه:
-شكلك ناوية على جناني النهاردة
-الباشا عنده مانع ولا حاجة؟…نطقتها مستفسرة بنبرة لئيمة ليغمز لها مكررًا ما تفوه به منذ القليل:
-الباشا سايب لك نفسه ومسلم
غمزت بعينيها ليميل هو على شفتيها يلتقطهما بين خاصته ويذوب بقبلة رائعة المذاق أنهت على ما تبقى من صبره،بات يسبح معها داخل المياه لمدة كبيرة حيث انساقا وراء مشاعرهما ووصلا لأبعد حد من المتعة الروحية قبل الجسدية،فقد أصبح كلًا منهما ترياق الحياة بالنسبة للأخر وما عادا يشعران بمتعة الحياة سوى من داخل أحضان بعضيهما،فقد انصهرت روحيهما وأصبحت واحدة في جسدين،إستند على جدار الحوض ملقيًا برأسه للخلف،نظرت على ملامحه المنتشية لتبتسم بفخرٍ من حالها، فقد استطاعت أن تصل برجلها للمنتهى من السعادة واللذة،أمسكت بثمرة من التفاح الأحمر وقامت بقطع جزءًا منها بسكينًا حاد لتقربها من فم ذاك المغلق لعينيه مستمتعًا بتلك الحالة التي وصل إليها بفضل تلك الحبيبة،فتح فمه حين شعر بشئٍ يقترب من شفتيه ليقتطم قطعة من التفاح وتكملها هي باستمتاع،فتح عينيه يتطلع عليها لينطق بصوتٍ متحشرج متأثرًا بحالته:
-بحبك يا أحلا حاجة حصلت لي في حياتي
ابتسمت ليمسك من يدها ذاك السكين ويلقيه بعيدًا ليجذبها فوقه تعتليه ليصبح وجهها مقابلاً لخاصته،شدد من مسكته لخصرها لتميل على وجنته تلثمها بقبلةٍ حنون أثارت جنونه ليقول بصوتٍ متحشرجًا:
-مهما كان حجم تعبي الجثماني أو النفسي كله بيزول بمجرد ما بتاخديني جوه حُضنك،نظرة عيونك كفيلة تنقلني لعالم تاني،عالم مفيهوش غير حبك،حبك وبس
بنبرات صوتٍ تشعُ حنانًا نطقت:
-بسيطة،متخرجش من حُضني طالما بتلاقي فيه راحتك
أجابها باسترخاء تجلى بنبرات صوته:
-ياريت كان ينفع
تنفس عاليًا لتريح رأسها على صدره تستمتع لدقات قلبه وكأنها تستمع لأعذب الألحان الموسيقية،تنفست بانتشاء وأغمضت عينيها تستمتع بذاك الهدوء والجو الرومانسي،موسيقى هادئة وإضاءة خافتة وماءٌ ووجهٍ حسن،ماذا يحتاج المرء أكثر من هذا كي يسبحُ بعالمٍ من الخيال أكثر حالمية،نزلت من فوقهِ لتحثه على الإلتفاف فاسترخى منقلبًا على بطنه لتبدأ بتدليك ظهره بكفيها،أفرغت بعضًا من الزيوت الخاصة بالتدليك وباتت تمرر بكفيها على ظهرهِ وذراعيه حتى استسلم لها وأرخى جسده باستمتاع كاد أن يدخلهُ في نعاس لولا صوتها الذي جعله ينتبه وهي تقول:
-بتحبني؟
أجابها باستمتاع:
-بعشقك
إنتهت ليلتهما بسعادة حيث ارتديا ثيابهما وصعدا لغرفتهما ليغفى كلًا منهما داخل أحضان الأخر.
*********
عصر اليوم التالي
اجتمعت عائلة علام وعائلة غانم وأيضًا عائلة أيمن بجانب زملاء الفتى داخل المدرسة والنادي الرياضي لحضور حفل يوم ميلاده السعيد،إهتم فؤاد بالحفل كثيرًا حيث سلمه لأحد الشركات الخاصة بتجهيز هذا النوع من الحفلات ليظهر في أبهى صورة له،وقفت بيسان تتطلع من بعيد على ذاك الواقف بين أصدقاءه يضحك ويتسامر معهم بالحديث ولا يكترث لأمر تلك الحانقة،لاحظت إيثار هذا الأمر ولاحظت أيضًا التصاق فتاة بنجلها فتوقفت عن المرور بين الضيوف والترحيب بهم لتقترب على الصغير وهي تقول بابتسامة ساحرة:
-ممكن أخد چو منكم شوية يا شباب
تحدث أحدهم بممازحة:
-إتفضليه طبعاً يا طنط
ابتعدت قليلاً بنجلها لتسألهُ وهي تتطلع على تلك الحزينة:
-إنتَ متخانق مع بيسان يا چو؟
هتف بنبرة حادة أظهرت غضبه:
-أنا ما أتخانقتش مع حد يا مامي،هي اللي مقموصة لوحدها
سألته مستفسرة:
-وهي هتتقمص منها لنفسها كده،أكيد عملت لها حاجة زعلتها
هتف على عجالة وهو يرمق تلك التي تطالعه بعينين حزينتين:
-والله حضرتك ممكن تروحي تسأليها هي وتشوفي ردها
أنا بسألك إنتَ يا يوسف…قالتها بصرامة ليزفر ثم قرر المصارحة:
-الأستاذة فاكرة إني من ضمن ممتلكاتها وعاوزة تتحكم فيا ،وكل شوية تحط لي ليستة ممنوعات،متكلمش دي ولا تقرب من دي
واسترسل بنبرة أظهرت كم شعوره بالاختناق من اسلوب تحكمها به:
-دي وصلت إنها بتدخل في فريق السباحة اللي بتدرب معاهم، تخيلي مش عوزاني أتكلم مع البنات المشتركة معايا في الفريق ؟!
واسترسل موضحًا:
-شافتني إمبارح وأنا واقف مع أيلا زميلتي في الفريق والبنت كانت بتسألني عن حاجة خاصة في الدراسة،جت عليا وسمعتني كلام سخيف جداً ومش مقبول،وبتهددني يا اقطع علاقتي بالبنت دي يا أقطع علاقتي بيها هي
واسترسل تحت اهتمام والدته واستماعها لشكواه:
-قولت لها انا مش هقطع علاقتي بحد ومش هسمح لأي مخلوق إنه يتحكم فيا،قالت لي يبقى أنتَ اللي اخترت، ومن وقتها وهي بعيد وبتتجنب أي مكان أكون أنا فيه
ليتابع الفتى باعتزاز بنفسهِ:
-مهما كنت بعزها أو مهما كانت قريبة من قلبي ده ما يديهاش الحق هي أو غيرها إنه يتحكم فيا ويمشيني على كيفه،أنا عندي كرامة وليا كياني ومش هسمح لأي مخلوق إنه يتحكم في قراراتي
كادت أن تتحدث قاطعها اقبال فؤاد عليهم وحديثه إلى يوسف وهو يمسد على كتفهِ بحنان:
-كل سنة وإنتَ طيب يا حبيبي
ابتسامة سعيدة ارتسمت فوق محياه لينطق بصوتٍ حماسي:
-وحضرتك طيب يا بابا
-مش عاوز تشوف هديتك…قالها بابتسامة سعيدة لينطق الفتى بلباقة:
-من قبل ما أشوفها أكيد هتبقى بيرفيكت،وكفاية إنها ذوق حضرتك وإختيارك يا باشا
نظر إلى زوجته لينطق بتفاخر:
-إنتِ سامعة اللي أنا سامعه يا إيثار،إبني كبر وبيتكلم ولا رجال السلك الدبلوماسي
-تربيتك يا باشا…قالتها إيثار بحبورٍ ظهر بعينيها ليبتسم لها كلاهما باستحسان لكلماتها،مد فؤاد يده بعلبة وناولها للفتى وقال:
-افتحها وشوف بنفسك
نزع الفتى الغطاء عن العُلبة لينبهر ويحدق بعينيه وهو يرى أمامه تلك الساعة الشبابية ذو الماركة العالمية التي أصبحت حديث الشباب مؤخرًا ولم تنزل الأسواق المصرية بعد،أيعقل أنهُ إهتم به لتلك الدرجة،يا لك من رائع أيها الـ فؤاد،فقد علم من بيسان قبل عشرة أيام حين سألها عن أكثر شئ سيسعد قلب يوسف وأبلغته عن تلك الساعة التي شغلت باله مؤخرًا وكان يريد التحدث إلى أمه بأمرها،فبعث إلى الخارج وقام بشراءها ليفاجئ الفتى بها وقد حدث بالفعل،فقد سعد الشاب لدرجة جعلت قلبه كاد أن يقفز من مكانه وهو يحتضن فؤاد ويقول:
-معقولة يا بابا، حضرتك جبت لي الساعة اللي كان نفسي فيها
-كل سنة وإنتَ طيب يا حبيبي… قالها فؤاد بسعادة وهو يتطلع على حبور الفتى،استدعاهم علام فذهبوا إلى الطاولة حيث علام وزوجته والصغيران،لفت الصغيرة ذراعيها حول عنق شقيقها وهي تقول:
-هابي بيرث داي يا چو
-هابي بيرث داي يا قلب چو…قالها وهو يقبلها لينطق علام وهو يحتضن الفتى ويربط على كتفه:
-كل سنة وإنتَ طيب يا حبيبي
وأخرج من بين جيبه ورقة وأعطاها له قائلاً:
-جدو علام دقة قديمة، ومعرفش في هدايا شباب اليومين دول، فأنا عملت معاك اللي كان أبويا الله يرحمه بيعمله معايا،عملت لك شهادة إدخارية
تبسمت إيثار لتنطق بعينين ممتنة:
-تعبت نفسك ليه بس يا حبيبي،ده وجود سعادتك في حياتنا في حد ذاته أعظم هدية
ابتسم ليحاوط وجنة من يعتبرها ابنته الثانية تحت سعادة الجميع،وقدمت عصمت هديتها وكانت عبارة عن حذاء رياضي ذو ماركة عالمية سعد بها الفتى وتحدث وهو يقبلها:
-ميرسي يا نانا
أجابته بسعادة بما للصغير نصيبًا كبيرًا في قلبها:
-كل سنة وإنتَ طيب يا چو،وعقبال مية سنة يا حبيبي
أقبل أحد الحراس على فؤاد ليميل ويقول له:
-سعادة المستشار،فيه طرد جاي باسم يوسف من خارج مصر ومندوب الشركة مصمم إن يوسف بنفسه هو اللي يستلمه
ابتعد قليلاً ليسأله:
-مقالش مين اللي باعت الطرد؟!
لاحظت توتر فؤاد فاقتربت منه لتسأله بتوترٍ ظهر بصوتها:
-فيه إيه يا فؤاد؟
أمسك كتفها ليقول بحنو:
-مفيش يا حبيبي،إرجعي عند الولاد وأنا هطلع لحد البوابة أشوف حاجة وأرجع على طول
تحرك بجوار رجل الامن فانتابها شعورًا بعدم الراحة لا تعلم مصدره لتتبعه إلى الخارج دون أن يلاحظ،وجدته يسأل الرجل بحدة:
-مين اللي باعت الطرد ده؟
أجابه الرجل بجدية:
-صدقني يا باشا ما أعرف، كل اللي اعرفه إنه مبعوت عن طريق حد مهم ومتوصي عليه من الشركة
سأل فؤاد ضابط الأمن المكلف بحراسة القصر:
-كشفتوا على الطرد يا اسماعيل؟
رد الرجل باستفاضة:
-كشفنا عليه بالجهاز ولقيناه أمن يا باشا
أشار للرجل قائلاً:
-إفتح الصندوق
كانت تقف بجوار الباب تستمع وتشاهد لما يجري دون أن يلاحظ وجودها،تحدث الرجل باعتراض:
-ده مش شغلي يا افندم،أنا مهمتي أسلم الطرد ليوسف عمرو شخصيًا وأتكل على الله
تحولت عينيه من هادئة إلى براكين خامدة ستنفجر بأي وقت ليهتف بحدة صارمة أرعبت الرجل:
-إسمع الكلام وبطل رغي يا روح أمك علشان ليلتك السودة دي تعدي على خير
ارتجف جسدها من تحول فؤاد فهي أدرى الناس بطباع زوجها،فطالما وصل إلى هذا الحد وانفلت زمام صبره فهذا يعني أنه يستشعر الخطر،فتح الرجل الطرد ليجدوا بداخله علبه لأحدث هاتفًا محمول نزل بالأسواق وثمنهُ باهظًا للغاية،يصاحبه كارت فأشار له فؤاد بأن يجلبه له وما أمسكه وبدأ بقرائته حتى باغتتهُ تلك التي التصقت به وعينيها على تلك الكلمات «كل سنة وإنتَ طيب يا حبيبي،وعقبال مليون سنة،أكيد هييجي اليوم اللي نجتمع فيه تاني مع بعض،أنا بابا يا يوسف،بابا اللي عمره ما حب حد في الدنيا قد ما حبك،سلم لي على ماما لحد ما أشوفكم» اهتز جسدها بجواره ليتطلع عليها وجد وجهها شاحبٕا كالأموات وبسرعة البرق كان يحملها بين ذراعيه قبل أن يسقط جسدها أرضًا بعدما فقدت وعيها.
إنتهى الجزء الأول من رواية «أنا لها شمس»،بقلمي روز أمين
رواية انا لها شمس الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم روز امين
خليل القلب، أليف الروح، صفي الفؤاد أنت يا شمسي، يا من ملكت الكيان ولا أحد يدرك أمر عشقك غيري. أحببتك بكياني وكينونتي وبكل حواسي، وهل يوجد من الحب شيئًا أعظم؟ ولجت لعالمي المحطم، لتضيف بصمتك، وبوشم عشقك الراقي وشمّت قلبي. أشرقت روحي وبالغرام حولت كلي، من بائسة فاقدة للانتماء يائسة، لفراشة منطلقة ألوانها جذابة زاهية، بسعادة ورشاقة تتجول بين الزهور هائمة راقصة. لا أعلم كيف كانت ستمضي حياتي من دونك، فحقًا هنيئًا لي باقتحامك لعالمي يا من للقلب أصبحت دومًا مؤنس.
إيثار غانم الجوهري
بقلمي روز أمين
***
الثانية عشر ظهرًا بتوقيت القاهرة
خرج من الحمام المرفق بالجناح الخاص به وبخليلة الروح التي أصبحت للقلب أقرب من حجرة البطين الأيسر. مرت سنوات عديدة على زواجهما وما زادتهما إلا ارتباط روحيهما ومتانة العلاقة بينهما حتى أصبح كلا منهما يتنفس للآخر. كان يلف نصفه الأسفل بمنشفة كبيرة، تتساقط قطرات المياه من شعر رأسه المبلل لتتدلى على صدره العاري كحبات الندى. تطلع باحثًا بعينيه عن حبيبته، وجدها تقف أمام مرآة الزينة تصفف شعرها الحريري. ابتسم بجاذبية حين وجدها ترتدي مئزر الاستحمام الخاص به. أقبل عليها ثم احتضنها من الخلف دافنًا أنفه بحنايا عنقها يشتم عبيرها قبل أن ينطق وعينيه تتجولان على ذاك الرداء الأسود:
- مش هتبطلي الخصلة اللي فيكي دي، مفيش بورنس من بتوعي إلا ولبستيه يا هانم، ويا ريتهم على مقاسك.
أعادت فرشاة الشعر إلى مكانها لتلف ساعديها للخلف حول عنق خاطف الأنفاس لتأخذ نفسًا عميقًا وبقلب هائم غارق في عشق ذاك النبيل تحدثت:
- عاوزة أحس طول الوقت بقربك وإنك محتويني، أشم ريحتك حتى وإنت بعيد عني.
تنفس بعمق لينطق بعينين بالغرام هائمتين:
- أنا على طول معاكي يا حبيبي، حتى لما ببعد قلبي بيقرب.
بعينين متوسلتين نطقت:
- خليك على طول جنبي يا فؤاد، اوعدني إن عمرك ما هتبعد ولا هتسيبني.
- هو فيه حد بيبعد عن روحه؟ ده انتِ بالنسبة لي النفس اللي أنا عايش بيه يا بابا.
قالها وهو يشملها بمشاعر عميقة وصل معناها لعمق قلبها لتبتسم بسعادة منتقصة شعر بها. لفها لتقابله ثم حاوط وجنتيها بكفي يديه لينطق بطمأنينة عله ينتزع من قلبها الحزن العميق الذي سكنها منذ شهرين، مدة رحيل نجلها البكري عنها ليأخذ معه السكينة وراحة البال:
- مش عاوز موضوع "يوسف" يأثر عليكي بالشكل ده.
اغرورقت عينيها وامتلأت بالدموع ليكمل هو بعدما مال ولثم وجنتها برقة:
- الحزن مش لايق عليكي يا نور عيوني، السعادة اتخلقت علشان تسكن عيونك.
وضعت كفها تحتوي وجنته ثم نطقت متأثرة:
- أنا آسفة يا حبيبي، أنا تعبتك معايا كتير الفترة اللي فاتت.
غمز لها ليهمس مشيرًا للفراش في محاولة منه بتخفيف وطأة ما يعانيه قلب الأم:
- اللي حصل بينا من شوية والدلع اللي شفته جوه حضنك كفيل إنه يمحي أي حاجة حصلت.
ثم جذبها ليقربها عليه وتابع مسترسلًا بصوت يفيض حنانًا:
- وبعدين إيه تعبتك معايا دي، انتِ بنتي قبل ما تكوني مراتي يا إيثار، يعني أنا موجود في الدنيا دي علشان أسعدك وأخفف عنك أي حمل.
ثم تابع وهو يشعر بعجز:
- يا ريتني كنت أقدر أمد إيدي جوه قلبك وأشيل منه كل الوجع، وأحط مكانه فؤاد وبس.
ليتابع غامزًا:
- بما إن فؤاد هو الوحيد اللي بيقدر يسعد حبيبة حبيبها.
ابتسمت لتجيبه:
- ومين قال لك إن قلب إيثار فيه حاجة غير عشق فؤاد؟ عشقك وشم قلبي وطبع عليه بختم قلبك يا باشا.
مال يلتهم شفتيها في قبلة عميقة بث من خلالها مدى عشقه الذي يتزايد مع مرور السنوات. بعد مدة فصلا قبلتيهما كي يستطيعا التنفس ليسألها بجدية:
- هتروحي ليوسف النهاردة؟
بمجرد ذكر ذاك المتمرد سكن الحزن عينيها لتومي قائلة:
- آه يا حبيبي، "عزة" بتجهز له كام أكلة من اللي بيحبها ولما تخلص هنتحرك.
سألها:
- تحبي أروح معاكي؟
حركت رأسها بنفي قائلة:
- بلاش المرة دي، حابة أتكلم معاه شوية على انفراد، يمكن ربنا يهديه ويرجع معايا.
لتنطق والألم زاد بمقلتيها:
- شهرين بحالهم وهو بعيد عني، شهرين وأوضته فاضية وسريره بارد، كل ما أدخلها وألاقي كل حاجة في مكانها إلا هو ببقى هتتجنن.
حركت رأسها بجنون لتتابع مستنكرة:
- عقلي مش مستوعب إن "يوسف" خلاص قدر يستغنى عني يا "فؤاد".
- إيه اللي بتقوليه ده يا حبيبي، يستغنى عنك إيه بس...
ليتابع لزرع الثقة بداخلها من جديد:
- كلنا عارفين انتِ إيه بالنسبة لـ"يوسف"، هو بس بيمر بأزمة نفسية وهيعدي منها ويرجع أحسن من الأول.
ابتعدت لتنطق بحدة وصوت عالٍ نسبيًا والألم ينهش داخلها:
- يعدي إيه بس، بقالي تلات سنين من ساعة اليوم المشؤوم إياه وأنا بصبر نفسي وأقول هتعدي، بكرة ينسى ويرجع لطبيعته ويرضى بنصيبه ويتقبله.
لتصيح وقد انفجرت عينيها بالدموع بعدما فقدت السيطرة عليها:
- لكن الواقع صدمني، اللي بيحصل عكس اللي كنت بتمناه ومستنياه، الولد كل يوم بيغضب أكتر ويتمرد أكتر، لدرجة إنه أعلن راية العصيان وسابني وراح سكن في شقة لوحده. ابني سابني ورضي عليا أتوجع في بعده وعلشان مين؟ علشان الناس اللي أذوني ووجعوا قلبي سنين.
هرول عليها ليجذبها وبقوة أسكنها بأحضانه. ملس على ظهرها بحنان وهو يقول:
- اهدي يا إيثار، اهدي يا حبيبي، ابنك لا باعك ولا رضي بوجعك، ابنك راجل والمفروض تفتخري إنه تربيتك.
- مش على حساب حرقة قلبي من بعده عني يا "فؤاد"، أنا أولى برعايته، أنا أمه...
قالتها ببكاء ونحيب لتتابع بشهقات مرتفعة:
- أنا اللي ضيعت عمري عليه وحاربت الدنيا كلها علشانه، ميكونش ده جزائي في الآخر.
أجلسها فوق الفراش واحتضنها وبات يهدأ من روعها بكلماته ولمساته الحنون على ظهرها ورأسها حتى استكانت روحها وهدأت. بعد قليل كان يرتدي ملابس بيتية ليسألها:
- أنا نازل أقعد مع بابا شوية وانتِ حاولي تنامي لك ساعة علشان تبقي فايقة وتقدري تتكلمي معاه بهدوء.
وافقته الرأي ليدثرها تحت الغطاء ثم قبل جبهتها وأغلق لها الستائر وخرج بعد أن أغلق الباب خلفه.
***
داخل الحرم الجامعي الخاص بكلية العلوم بجامعة القاهرة العريقة، ولجت من البوابة الخارجية بعدما أظهرت البطاقة التعريفية الخاصة بها ليسمح رجال الحراسة المسؤولين عن أمن وحماية الجامعة بدخولها، وذلك بعدما تأكدوا من هويتها. تحركت للداخل منطلقة مباشرة باتجاه قاعة المحاضرات الخاصة بها. كانت أعين بعض زملائها بالفرقة الأولى تتوجه صوبها لتتحدث إحداهن وتدعى "أيتن":
- السندريلا الصامتة وصلت.
لتضحك أخرى وهي تقول:
- بكرة تنطق وتنطلق في الكلام زي ما انطلقت في اللبس.
نطقت "أيتن" من جديد باستغراب:
- نفسي أعرف إيه اللي شقلب كيانها بالشكل ده، البنت بين يوم وليلة كل ستايل لبسها اتبدل، وكأنها اتحولت لواحدة تانية.
لتتابع بطريقة مستنكرة:
- من بنت بسيطة بتلبس من على ناصية الحواري.
لتنطق مستطردة بحاجب مرتفع بدهشة:
- لواحدة بتلبس من أفخم وأرقى محلات البلد، ده غير الموبايل اللي بقى معاها.
لتسخر أخرى ناطقة بتهكم:
- وبعد ما كانت بتتشعبط في أتوبيس الشعب، بقت رايحة جاية بـ Uber.
زفرت إحدى الفتيات لتقول بما يمليه عليها ضميرها:
- ما تخرجوها من دماغكم يا بنات، دي من يوم ما جت الكلية وهي في حالها وعمرها ما أذت حد لا بكلمة ولا بفعل.
نطقت المدعوة "أيتن" والفضول يكاد يفتك بها:
- هو فيه حد مننا قال إنه عاوز يأذيها يا بنتي، كل الموضوع إن التغير الجذري اللي حصل لها ملفت جدًا وزود الفضول عندي.
- أنا بقى عندي اللي يرضي فضولك ويريحك يا "أيتن"...
جملة نطقتها إحدى الفتيات لتتابع وهي تعدل من ياقة قميصها بتعالٍ مفتعل:
- أنا قعدت معاها إمبارح وسحبت منها الكلام، بس تعبتني قوي على ما اتكلمت، شكلها حويطة مش سهلة زي ما كنا فاكرين.
لتهتف الأخرى بكثير من التلهف:
- طب انطقي وقولي إيه الحوار.
ضحكت أخرى وهي تقول ساخرة:
- أكيد ألفت لها فيلم هندي خيبان، وقالت لها أصل خالي اللي في كندا مات ومكنش ليه وريث شرعي غيري.
أطلقتن جميعهن ضحكاتهن الساخرة لتقاطعهن تلك الـ"أيتن" بحدة وغيظ:
- بطلوا تفاهة بقى، وانتِ كملي وقولي قالت لك إيه السندريلا.
أجابتها الفتاة وهي ترفع حاجبها لأعلى:
- بتقول إنها كانت عايشة مع عمها، وإن أخوها الوحيد كان مسافر ورجع، وأخدها تعيش معاه.
ثم استرسلت وهي ترفع قامتها لأعلى:
- وأنا بقى بذكائي توقعت إن أخوها ده كان مسافر الكويت ولا دبي، وهو ده السر ورا التغيير الكبير اللي حصل لها.
******
داخل ذاك المنزل العريق والمليء بالدفء والحنان، تعالت أصوات تلك الغاضبة صاحبة الثلاثة عشر عامًا، وهي تهرول لتهبط الدرج بغضب حاد لتلاحق ذاك المشاكس ذو الستة أعوام وهي تصرخ قائلة بصياح حاد:
- مش هسيبك يا "مالك"، لازم تتحاسب علشان تحرم تعمل كده تاني.
- إلحقني يا بابي، "تاج" عاوزة تضربني...
نطقها ذاك المشاكس الذي يهرول مسرعًا فوق الدرج ليتسع بؤبؤ عيني "عزة" التي ظهرت من العدم كعادتها لتذهل بذاك الصغير المدلل معرضًا أن تنزلق إحدى ساقيه ويخر واقعًا، لتقفز مهرولة تلتقطه وتقوم بتخبئته بين أحضانها بينما يصيح الآخر وهو يدفن رأسه بكتفها:
- إلحقيني يا زوزة، خبيني بسرعة.
صرخت تلك الغاضبة وهي تحاول أن تطاله بيداها من تلك التي تراوغها:
- محدش هيرحمك مني المرة دي يا "مالك".
همست عزة بأذن الصغير:
- هببت إيه يا شبر ونص خلاها اتحولت زي امنا الغولة كده؟
رفع كتفيه لينطق متنصلًا من جريمته:
- مش عملت حاجة صدقيني.
صرخت الأخرى وشرارات الغضب تقفز من مقلتيها:
- إوعي يا زوزة أحسن لك.
لتتابع بنفس الحدة والغضب:
- اخرجي من الموضوع وخليكي بعيد.
استدارت الأخرى سريعًا لتواليها ظهرها كي تحمي الصغير منها وهي تقول:
- عارفة يا "تاج" لو لمستيه، محدش هيقف لك غيري، أنا بقول لك أهو.
ثم همست للصبي:
- أبوك وجدك قاعدين في الجنينة، إجري بسرعة عليهم بدل ما ترنك علقة ولا تعلقك على باب المطبخ وإنت كلك على بعضك متجيش قد صباع الفينو الفرنساوي.
نطقت كلمتها الأخيرة لتفلته وما إن طالت ساقيه الأرض حتى فر وبسرعة البرق توارى عن أنظار تلك التي صرخت بسخط وهي تدب الأرض بساقيها بتذمر طفولي:
- على فكرة بقى، محدش هيبوظ الولد ده غيرك يا "عزة".
بنظرة ساخرة طالعتها لتلوي فمها في تهكم واضح وهي تقول:
- اسم الله يختي على العقل اللي بيشر منك، اللي يسمعك كده يقول إنك مبتغلطيش أبدًا.
زفرت الفتاة لتنطق بسأم:
- أوف بقى.
نطقتها لتهرول خلف ذاك الصغير.
في الخارج وبالتحديد بالحديقة، كان يجلس ذاك الشامخ "علام زين الدين" بصحبة زوجته ونجلاه يحتسون مشروبًا باردًا ليمدهم بعضًا من الانتعاش بأيام فصل الصيف الحار. انتبه الجميع على صياح ذاك الذي يهرول باتجاههم قائلًا باستنجاد:
- إلحقني يا بابي، "تاج" عاوزة تضربني.
طالعه الجميع بينما نطق "فؤاد" وهو يدعوه لاتخاذ الحيطة:
- بالراحة يا حبيبي لتقع.
فوجئ بتلك التي تلحق به وهي تهتف بشراسة:
- تعالى هنا يا "مالك"، صدقني ما هسيبك المرة دي بالذات.
التصق ذاك المشاكس بصدر أبيه وتحدث بصوت خافت:
- إحميني منها يا بابي.
قهقه علام بصوت مرتفع وهو يعلق على حديث ذاك المشاكس:
- انت مشكلة يا "مالك".
ليسأل "فؤاد" مستفسرًا مدللته الثائرة:
- فيه إيه يا "تاج"؟
ليتابع وهو يطالعها بنظرات لائمة:
- بتخوفي أخوكي بالشكل ده ليه، مش خايفة ليقع وهو بيجري منك؟!
زفرت لتدق الأرض بساقيها تعبيرًا عن ما أصابها من غضب عارم من تصرفات شقيقها التي أصبحت قمة الإزعاج بالنسبة لها:
- يا بابي بقى، "مالك" بيتعمد يدمر لي كل حاجتي.
طالعتها جدتها لتسألها بهدوء:
- اتكلمي بطريقة أهدى من دي يا "تاج"، وقولي بوضوح أخوكي عمل لك إيه؟
أشارت بغيظ على ذاك الذي ينظر إليها بترقب من داخل أحضان أبيه:
- استغل وجودي في التواليت ودخل أوضتي وفتح موبايلي وقعد يلعب فيه، وحذف لي أكتر من تطبيق.
أمسك بذقن صغيره ليجبره على النظر لوجهه وسأله مستفسرًا:
- انت فعلًا عملت كده؟
أنزل بصره مدعيًا الخجل لينطق بشفاه ممتدة للأمام:
- مش كنت أقصد يا بابي، أنا كنت بلعب وغصب عني اتحذفوا.
بعينين عاتبة ناظره لينطق بحزم:
- أنا مش بتكلم عن النقطة دي يا "مالك".
ليتابع مستنكرًا تصرف نجله:
- انت إزاي تسمح لنفسك تمسك تليفون أختك وتنتهك حرمة خصوصيتها، انت متعرفش إن ده تطفل واقتحام صريح لخصوصية الغير؟
- يعني إيه الكلام ده يا بابي؟!
سؤالًا وجهه بعفوية وبلاهة ليتدخل "علام" لائمًا نجله:
- انتهاك واقتحام إيه بس يا سيادة المستشار اللي بتتكلم عنهم ولد عمره ست سنين؟!
أشار الصغير بكفيه لينطق بعينين متسائلة:
- أنا مش عارف يا جدو.
أطلقت عصمت ضحكات مرتفعة لتشاركها إياها فريال لتنطق من بين قهقهاتها:
- انت بلوة مسيحة يا ملوك.
بينما فتح "علام" ذراعيه لاستقبال حفيده القريب للقلب قائلًا:
- تعالى عندي يا قلب جدو وأنا هفهمك.
أفلت حاله ليسرع إلى "علام" حيث أجلسه فوق ساقيه وتحدث بهدوء بعث الطمأنينة في قلب الصغير:
- بص يا حبيبي، هو ينفع حد يدخل على حد التواليت؟
هز الصغير رأسه نافيًا ليتابع الآخر بحكمة:
- أهو فتحك لتليفون الشخص بالظبط زي ما بتدخل عليه التواليت، زائد إنه عيب جدًا تمسك حاجة غيرك، لأن التصرف ده بيخليك مش محبوب بين الناس.
ببلاهة أجابه:
- بس "تاج" مش متصورة وهي بتعمل بيبي يا جدو.
احتّدت ملامح "فؤاد" لينطق بحزم وشدة:
- ولد، اسمع الكلام وقول حاضر.
ربع ساعديه بحدة وتحدث بعدما مط شفتيه للأمام كاعتراض منه على تلك الطريقة التي يخاطبه بها والده العزيز:
- حاضر.
كانت تربع ساعديها في وقفتها وهي تتطلع على الوجوه بملامح وجه متجهمة لتنطق باعتراض:
- ها يا بابي، وبعدين؟!
طالع صغيرته ليسألها مستفسرًا:
- قولي سؤالك بطريقة مباشرة.
نطقت بجدية:
- أوك، حضرتك اتكلمت مع الأستاذ "مالك" وجدو كمان، وميرسي ليه بجد وعدكم إنه مش هيمسك فوني تاني، بس أنا مشكلتي متحلتش حضرتك.
نطقت "عصمت" بهدوء:
- انتي هتعملي مشكلة من موضوع تافه يا "تاج"، أخوكي من غير ما يقصد حذف لك كام تطبيق، ادخلي على جوجل ونزليهم تاني.
زفرت بضيق ثم انتبهت لوجود الجميع لتشتكي والدتها لأبيها علها تجد النصر منه:
- بابي، كنت عاوزة أطلب منك حاجة مهمة.
طالعها بعينين ممتلئتين بحنان فائض وهو يقول:
- قولي يا حبيبي.
تحركت إليه لتجلس فوق حافة مقعده ثم حاوطت كتفيه بساعديها لتستند بذقنها فوق رأسه وتقول بدلال:
- عاوزة أنزل تطبيق الـ TikTok على الأيفون.
أغمض عينيه ثم أجابها بصوت هادئ:
- مش انتِ طلبتي مني الطلب ده من إسبوعين وقولت لك قولي لمامي؟
زفرت بقوة لتقول بلهجة اعتراضية:
- مامي رفضت.
رفع كتفيه للأعلى قائلًا بطريقة ناهية للنقاش:
- خلاص، يبقى الموضوع انتهى والنقاش فيه مجرد إضاعة للوقت.
هبت واقفة لتبتعد ثم تحدثت باعتراض:
- يا بابي مامي بقت متحكمة جدًا وبتدخل حرفيًا في كل حاجة في حياتي، ثم الـ TikTok تطبيق عادي جدًا وكل أصحابي منزلينه، وبينزلوا عليه فيديوهات ليهم كمان.
نطقت "عصمت" بجدية:
- إيثار معاها حق في النقطة دي يا "تاج"، هي من حقها تتابع أي حاجة تنزليها على فونك.
- مفيش ولا واحدة من صاحباتي مامتها بتمسك فونها...
قالتها بحزن لتكمل بصوت مختنق:
- لكن أنا تليفوني مباح لمامي طول الوقت، تفتش فيه براحتها وتتابع كل حاجة باشترك فيها.
تلك المرة تدخلت "فريال" لتقول بهدوء:
- يا حبيبتي التيك توك ده تطبيق خطر جدًا على حد في سنك، ومعظم الناس اللي عليه للأسف بيستخدموه غلط، ده غير إن معظم الفيديوز اللي موجودة عليه كلها إسفاف وانحطاط أخلاقي وعته.
هتفت الفتاة بحدة:
- طب ولما حضرتك شيفاه بالبشاعة دي، ليه سمحتي لـ"بيسان" تنزله وبتتفاعل عليه كمان.
أجابتها بهدوء:
- أولًا لأن "بيسان" عندها واحد وعشرين سنة، يعني كبيرة وفاهمة الصح من الغلط، ده غير إن المحتويات اللي بتابعها كلها محترمة وبتستفاد منها سواء علميًا أو استفادة حياتية.
- "تاج"...
ناداها والدها بحزم لتلتفت إليه وهو يتابع بصرامة لا تقبل النقاش:
- الموضوع ده اتقفل من اللحظة اللي إيثار رفضت فيها، آخر مرة هيتفتح، مفهوم؟
برغم اعتراضها وحزنها العميق إلا أنها استجابت لتنبيه والدها لتجيبه بصوت خافت:
- أوك يا بابي.
تطلع على من تملكت الفؤاد وهي تخرج من باب المنزل الداخلي لتنير حياته كشمس ساطعة. كانت تتحرك بثياب أنيقة متكاملة استعدادًا للخروج. تجاورها "عزة" تحمل بيديها عدة أكياس محملة بالطعام الساخن، وأيضًا تلك العاملة "وداد" التي تحمل أيضًا بضعة أكياس. تحركتا إلى السيارة لتضعا ما بأياديهم داخل صندوق السيارة الخلفي. بينما أقبلت إيثار على عائلتها ليسألها ذاك الحبيب بعينين تتابع كل ما بها بدقة وتمعن:
- إيه يا بابا، رايحة لـ"يوسف" خلاص؟
نطقت بقلب يئن من أفعال نجلها الذي بدأ بالتمرد والعصيان عليها مؤخرًا وتمادى بتصرفاته:
- آه يا حبيبي، عزة عملت له كام أكلة من اللي بيحبهم وهنروح نوديهم له.
هرولت الفتاة باتجاه أمها لتنطق متلهفة:
- خديني معاكي يا مامي أشوف چو، أصله وحشني قوي.
حاوطت كتف صغيرتها لتقول بإقناع:
- بلاش المرة دي يا "تاج"، أنا هحاول أخليه ييجي معايا، ولو رفض هاخدك ونروح له بعد يومين.
- بلغيه سلامي وقولي له جدك "علام" زعلان منك قوي يا "يوسف"...
كلمات نطقها ذاك الخلوق بقلب حزين لأجل فراق من احتضنه منذ الصغر وتربى بين كنفه حتى أنه نسي أن ذاك الملاك لا يحمل دم تلك العائلة. لقد عامله على أنه فردًا أصيلًا من العائلة، وبالمقابل تمرد ذاك العاصي وحمل حاله ورحل تاركًا خلفه قلوبًا تتحرق شوقًا لذاك الحبيب والابن الغالي.
تنهدت بألم لتتحرك صوب ذاك الحنون ثم مالت على رأسه تقبلها بحنان وهي تقول:
- علشان خاطري متزعلش منه يا بابا، والله "يوسف" بيحبك وبيحترمك جدًا.
ثم تابعت بغصة مرة وقفت بحلقها وكادت أن تخنقها:
- بس اللي حصل له كان فوق احتماله، أنا رايحة له وهحاول أقنعه يرجع معايا.
تألمت والدة زوجها لحالها ثم نطقت للتخفيف من وطأة حزن قلب تلك الأم:
- إن شاء الله هيسمع كلامك وهيرجع معاكي يا بنتي، "يوسف" بيحبك وأكيد مش هيرضى بوجع قلبك عليه.
- يا رب يا ماما، ادعي لي أقدر أقنعه.
وقف ليجاورها ثم تحدث بجسارة:
- أنا هاجي معاكي ومش هسيبه المرة دي غير ورجله على رجلي.
تريده معها بكل خطوة تخطوها بالتأكيد، لكنها تخشى تعنت نجلها ورفضه لطلب فؤاد للمرة اللاعدد لها، فحبيبها بالقمة بالنسبة لها وبالطبع لن ترضى له التصغير من نجلها المتمرد. أمسكت كفه لتنطق وهي تشمله بعينين تحملان من الحنان ما يكفي ويفيض لعائلة بأكملها:
- خليني أروح له المرة دي لوحدي يا حبيبي.
طالعها بعينين تخشى خيبة أملها من جديد لتتابع كي تطمئنه:
- متقلقش عليا.
أجابتها عينيه قبل لسانه:
- لو مقلقتش عليكي، هقلق على مين يا إيثار؟
خرج صوت "فريال" متنهدًا وهي توصيها:
- سلمي لي عليه كتير يا "إيثار".
أومأت بهدوء ليتشبث الصغير بساقيها وهو يترجاها بعينيه:
- خديني معاكي عند چو يا مامي.
كادت أن تعترض لولا توسلات عينيه وكالعادة رضخت لأمر ذاك المدلل، فهذا الساحر قد أخذ ملامح والده بالكامل ليصبح نسخة مصغرة منه مما جعله يحفر مكانًا ويمتلك عشقًا مضاعفًا بقلب والدته العاشقة لكل ما يتعلق بذاك الفؤاد مالك الفؤاد. تنهدت وهي تنظر لزوجها الذي نطق مستسلمًا:
- خديه معاكي يا بابا وخلي بالك منه كويس.
أومأت برأسها لتنسحب ممسكة بكف صغيرها الذي تحرك بجوارها وهو يقفز بساقيه للأعلى بحبور شديد تحت غضب "تاج" التي تحدثت باعتراض:
- كل حاجة مالك مالك، الوضع بقى خنيق.
قالت كلماتها بتذمر وانطلقت للداخل. أما "إيثار" فكانت تتحرك تحت نظرات حبيبها حيث قام بوضع كفيه بجيبي بنطاله لينظر باتجاهها هي والصغير بعناية. قابلتها العاملة لتنطق:
- رصينا كل حاجة في شنطة العربية يا هانم.
- متشكرة يا "وداد"...
قالتها للعاملة التي انصرفت للداخل أما "عزة" فاتخذت مقعدها المجاور لمقعد إيثار، أعطت لها الصغير لتجلسه على ساقيها وتحركت للجهة الأخرى وقبل أن تستقل مقعدها خلف طارة القيادة أوقفتها تلك الجميلة التي ولجت من البوابة الخارجية، إنها "بيسان ماجد"، فقد أصبحت شابة بملامح جميلة وجسد ممشوق. أقبلت عليها لتسألها وعلامات اللهفة ترتسم على وجهها وهي تسألها:
- حضرتك رايحة تزوري يوسف يا طنط؟
طالعتها بنظرات حزينة على تلك العاشقة لتومي لها بإيجاب فتابعت الأخرى بابتسامة مريرة وقلب يعتصر ألمًا:
- قولي له إني مش مسمحاه على اللي عمله فيا، قولي له كمان إن منتهى الظلم إنه يعاقبني معاه على ذنب لا أنا ولا هو لينا علاقة بيه.
وضعت كفها لتحتوي به كتف تلك الرقيقة لتخرج صوتها المتألم بكلمات تجدد بها الأمل داخلها قبل تلك الجميلة:
- انتِ عارفة إن اللي عمله يوسف ده وضع مؤقت ومسيره يرجع لحياته من تاني.
حركت رأسها يمينًا ويسارًا لتجيب على حديثها:
- وضع مؤقت بالنسبة لحضرتك وبالنسبة لرجوعه هنا للقصر اللي سايبه من شهرين، لكن وضعي معاه مختلف، دي السنة التالتة من يوم ما قرر ينهي علاقتنا.
ضغطت على كتفها بنعومة لتنطق من جديد في محاولة لبث روح العزيمة داخل قلب الفتاة:
- "يوسف" عمره ما حب ولا دخل قلبه غيرك يا بوسي، وانتِ عارفة الكلام ده كويس قوي.
تعمقت بنظراتها داخل مقلتي الأخرى لتقول بنظرات قوية لائمة:
- اللي أعرفه إن اللي بيحب حد عمره ما يفكر يأذيه، ويوسف أذاني كتير قوي بقرار بعده عني.
- هيرجع، والله ليرجع...
قالت جملتها بتأكيد وأمل يملؤ عينيها لتكمل بقلب أم صارخ:
- مهو مش معقول أضيع عمري عليه واشتريه، وفي الآخر هو يبيعني.
تنهدت الفتاة لتقطع وصلة انسجامهما صوت تلك التي احتدت بحديثها:
- ما تيلا يا إيثار، هتفضلي لطعاني في العربية كده كتير أنا وابنك وقاعدة تتسايري انتِ والغندورة.
لتوجه حديثها للأخرى بتوبيخ:
- وانتِ يختي، من الصبح وإنتِ نايمة بتتمرغي على سريرك في بيتكم، محلالكيش الكلام إلا وإحنا ماشيين؟!
ابتسامة فلتت من ثغر "إيثار" لترفع كتفيها قائلة باستسلام:
- "عزة".
ابتسمت الأخرى وهي تقول:
- توصلي بالسلامة حضرتك.
- الله يسلمك يا حبيبتي...
قالتها لتستقل مقعدها وتنطلق بصحبة سيارتين من الحراسة لا يتركاها حيال خروجها من المنزل، سواء للشركة أو لغير ذاك. نطقت "عزة" بجدية:
- بقول لك إيه، "يوسف" لو نشف دماغه ومرضاش يرجع معانا أنا مش هسيبه، هفضل معاه لحد ما ربنا يهديه ونرجع سوى.
وكأن كلماتها مادة كاوية نزلت على قلبها لتزيد من لهيب ناره. خرج صوتها متألمًا:
- وتسبيني انتِ كمان يا "عزة"؟!
- هسيبك وأروح فين بس يا حبيبتي، هو أنا أقدر أعيش من غيرك.
لتتابع بإيضاح:
- بس انتِ عارفة، أنا روحي متعلقة بيوسف من صغره، والبيت بقى وحش قوي من غيره.
لتهتف بقوة جعلت من الأخرى تفزع:
- وأهو بالمرة أعقده في عيشته من كتر زني وأخليه يقول حقي برقبتي، ويرجع القصر، والبت ترجع لعمها زي الأول ونخلص من الهم ده بقى.
لتسترسل بغضب وسخط عارم:
- منك لله يا نصر يا بنهاوي انت واللي اسمها إجلال، كنت قارفنا وإنت عايش، وسايب خلفتك بعد منك ترازي فينا وتنكد علينا حياتنا.
- بالراحة يا زوزة صوتك عمل لي صداع...
قالها ذاك المشاغب لتهب هاتفة تحت ضحكات الصغير:
- بس يا أبو لسانين، والله ما فيه حد مغلبني في الدنيا دي كلها قدك وقد لماضتك.
- كلمتي "يوسف" وقولتي له إننا رايحين له، بدل ما ندب المشوار على الفاضي ونرجع زي ما روحنا.
أجابتها وهي تتابع الطريق بعينيها:
- معقولة هروح من غير ما أقول له يا عزة.
***
داخل شقة سكنية بمنطقة متوسطة الحال
يجلس ذاك المتمرد فوق مقعد من الجلد، فقد أصبح شابًا يافعًا يمتلك جسدًا رياضيًا يرجع لممارسته الرياضة بشكل منتظم، بشعر فحمي شديد النعومة، أخذ من ملامح والده كثيرًا لدرجة أن من يراه يظنه "عمرو" بشبابه، مرتديًا نظارته الطبية ويتابع عمله على جهاز اللاب توب الخاص به. فبرغم أنه مازال طالبًا بالفرقة الثالثة كلية الهندسة تخصص هندسة إلكترونية، إلا أنه يعمل على الإنترنت مع أكثر من تطبيق منذ أن كان بالفرقة الثانية، فمنذ ذاك اليوم المشؤوم قد كرس حياته للعمل للهروب من نظرات البشر وهمومه التي باتت تلاحقه وتكاد تفتك برأسه كلما تذكر ماضي عائلته الغير مشرف. استمع إلى صوت جرس الباب لينتفض بانتشاء كطفل اشتاق لمنبع حنانه، فبرغم أنه من قرر واختار البعد لعدة أسباب لديه، إلا أنه مازال مفتقدًا حنان عائلته التي تربى بكنفها. فتح الباب ليصرخ الصغير الذي قفز لأعلى ليلتقطه "يوسف" ويثبته داخل أحضانه لتنطق "عزة" وهي تستدعي حارس البناية:
- تعالى يا اخويا دخل معايا الحاجة في المطبخ على ما يخلصوا سلاماتهم.
أما الصغير فصاح بصوت حماسي:
- چو حبيبي، وحشتني كتير.
- وانت كمان وحشتني يا ملوك...
قالها وهو يحتضنه بحنان فائض ثم نظر لتلك التي تراقب ملامحه باشتياق جارف. أنزل الصبي ليقترب على تلك التي تحسست وجنتيه وعينيها تجول على كل إنش بوجهه وبدون حديث جذبها ليثبتها بأحضانه وهو يقول:
- وحشتيني يا حبيبتي.
ضمته بقوة لتدفن أنفها بملابسه وتشتم رائحته التي اشتاقتها حد الجنون. قالت بصوت مختنق:
- لو كنت وحشتك حقيقي مكنتش سبتني.
أبعدها قليلًا ليطالعها بنظرات عاتبة وهو يقول:
- تاني يا ماما، هنرجع للكلام في الموضوع ده تاني؟!
تحركت للداخل لتنطق بحدة واعتراض:
- إوعى تفتكر إني هستسلم لقرارك وأقف أتفرج عليك وإنت بتضيع نفسك وبتخسر مستقبلك.
- بضيع مستقبلي؟!
قالها مستنكرًا ليتابع بإبانة:
- أنا بدرس وفي نفس الوقت بشتغل وشايل مسؤلية نفسي ومسؤلية أختي.
تألمت لحال نجلها وما حدث له من تغيرات كثيرة قضت على جميع أحلامه، فمنذ أن كان طالبًا في المرحلة الثانوية، استعد بكل ما به بأن يحقق حلمه ويصبح وكيلًا للنائب العام وقد هيأ نفسه وتلك الجميلة "بيسان" التي كانت معه بذات الحلم، فكونهما بنفس العمر ونفس السنة الدراسية حلما بأن يلتحقا بكلية الحقوق ليلتحقا بعدها بالسلك القضائي، ليكملا مشواريهما العلمي والحياتي معًا، حيث عشق كلاهما الآخر واتفقا على الزواج فور تخرجهما. لكن، ليت كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد تحطمت أحلامه على صخرة حادة عندما انتهى من المرحلة الثانوية وحصل على مجموع هائل، حينها فقط قررت إيثار بمصارحة الفتى برفضها التحاقه بكلية الحقوق وأبدت له رغبتها بالتحاقه بكلية العلوم الهندسية، وعندما رفض وتشبث بقراره اضطرت لمصارحته وكشف المستور، بمساعدة فؤاد. ثار الفتى ودخل بنوبة من الرفض والاستنكار ثم تملك منه الاكتئاب مما جعل فؤاد يعرضه على طبيب نفسي كي يساعده، وبالفعل استجاب الفتى للعلاج لكن بقى داخله جزءًا ممزقًا، وصار حساسًا بطريقة مزعجة، فبات يفسر كل نظرة موجهة إليه وكل كلمة حنون على أنها شفقة وهذا ما رفض تقبله. تحمل عامين كاملين بمنزل فؤاد ولكن قضاهما بعزلة تامة. ابتعد عن "بيسان" رويدًا رويدًا وبالأخص بعدما بدأ يفهم تلميحات ماجد له وعدم تقبله فكرة تقرب يوسف من ابنته، وقد أعطى له الحق في خشيته على نجلته. بدأ يسأل والدته وعلم منها وجود شقيقته "زينة" التي تجلس بمنزل عمها "حسين" حيث آواها بيته واحتضنها تحت كنفه وحاوطاها بحنانه هو وزوجته رغم ضيق الحال.
ذهب لزيارة عمه وقد ذهِل وحزن كثيرًا عندما رأى حالتهم المنعدمة، حزن لأجل شقيقته حين رأى ملابسها المهترئة وخجلها وانعدام الثقة بحالها الناتج عن ما عانته منذ نشأتها الأولى، وشعور الذل والعار الملازمان لها منذ أن وعَت على الحياة. من هنا قرر أن يتحمل مسؤوليته كرجل تجاه تعيسة الحظ تلك. عمل بجد حتى استطاع جمع مبلغ ليس بالقليل، وقام بتأجير ذاك المسكن وذهب لعمه ليأخذ شقيقته، وكانت تلك نقطة فاصلة بحياتها، فقد ساعدها على تغيير حياتها للأفضل حسب إمكانياته المتاحة، فهو يعمل بمجال الإلكترونيات في عدة مواقع إلكترونية ويتقاضى مقابلًا من العملة الصعبة، وهذا كان كافيًا ليتكلف عبء المعيشة ويحيا حياة محترمة هو وتلك البائسة.
كان أمامه اختيارين كلاهما أصعب من الآخر، إما أن يظل بجانب والدته ويرضيها ويتخلى عن رجولته ومسؤوليته الواجبة تجاه شقيقته، أو يقوم بواجبه ويرضي ضميره وتحمل مسؤوليته تجاه "زينة"، وقد اختار إرضاء ضميره ورجولته للأضعف منهما.
سألته أولًا كي لا تتحدث بكلمات من الممكن أن تقوم بإيلام روح الفتاة:
- هي زينة موجودة؟
أجابها بهدوء:
- لا يا ماما، عندها محاضرة متأخرة وهتخلص بعد نص ساعة.
نطقت لكي ترضي ضميره:
- بص يا حبيبي، أنا مش ضد تفكيرك في أختك وبأنك تصرف عليها، بالعكس، اعمل لها مرتب شهري محترم بس رجعها تعيش مع عمك حسين من تاني، مروة مراته كويسة، والبنت أكيد كانت مرتاحة معاهم.
اتسعت عينيه ذهولًا لينطق بحدة:
- وأتخلى عنها زي ما أبوها عمل؟!
- عوزاني أهرب من مسؤليتي زي ما هو هرب وسابها ومسألش عنها ولا عني من يومها؟!
ليتابع مستهجنًا:
- وبدل ما أبقى شبهه في الشكل أبقى بشبهه كمان في الندالة والحقارة؟!
صاحت ودموع الألم بعينيها:
- لاحظ إنك متمسك بالكل إلا أنا.
ثم استرسلت ودموعها هرولت فوق وجنتيها:
- أنا اللي ربيتك وحميتك من الدنيا كلها، مستحقش منك كل الوجع ده يا ابني، والله ما استحقّه.
اقترب منها ليمسح دموعها قائلًا بصوت متأثر لأجلها:
- يا حبيبتي حاولي تفهميني، أنا مكاني هنا مع أختي، مش في قصر علام باشا زين الدين.
واسترسل متوسلًا:
- المفروض تساعديني على إني أحفظ ماء وجهي وكرامتي قدامهم.
صرخت معترضة:
- لتاني مرة بتفكر في الناس وبتعمل حسابهم إلا أمك، أنا راحتي فين في وسط كل ده يا "يوسف"؟
وأكملت وقلبها يئن ألمًا:
- انت ليه مش قادر تقدر موقفي وحالتي في بعدك، أنا بموت كل يوم بتبات فيه برة البيت يا "يوسف"، مبقتش بتهنى في نومي طول ما أنت مش معايا ومعرفش عنك حاجة، ده حتى طعم الأكل لما اتغير زي كل حاجة في حياتي ما اتغيرت من يوم ما سبتني، مش عارفة أعيش حياتي بشكل طبيعي يا حبيبي.
نطق الصغير وهو يمسح وجنتيها بأنامله الرقيقة:
- مش تعيطي يا مامي علشان خاطري.
احتضنت صغيرها أما "يوسف" فأخرج تنهيدة موجعة ليجيبها مفسرًا:
- يا ماما أنا مبقتش صغير علشان تقلقي عليا وحياتك تقف علشان أنا بعدت، اعتبريني سافرت أكمل تعليمي برة، مش ده كان طلبك في الأول؟!
قاطع حديثهما تلك التي صاحت بحدة وهي تجاوره الجلوس:
- بقول لك إيه يا ابن إيثار، قدامك حل من اتنين، يا إما تقوم تلم هدوم المحروسة أختك وترجعها تعيش عند عمها من تاني وترجع معانا وتريح قلب المسكينة دي.
واسترسلت بابتسامة شيطانية:
- يا إما تستحمل رزالتي وزني على ودانك الليل قبل النهار لحد ما تقول حقي برقبتي.
قطب جبينه بعدم استيعاب لتتابع هي بجدية:
- هو أنا مقولتلكش؟
- لا مقولتليش...
قالها متهكمًا لتجيبه:
- أصل أنا بالصلاة على النبي كده، مش ناوية أتحرك من هنا غير ورجلي على رجلك، آه والله زي ما بقول لك كده.
عقب على حديثها:
- اسمعيني كويس يا "عزة"، أختي أنا مش هسيبها ولا هتخلى عنها لو على رقبتي، وقعد هنا انسي.
لوت فاهها لتسأله ببلاهة:
- ليه يا اخويا إن شاء الله؟!
زفر ليخرج ما بداخله من ألم لأجل شقيقته ليقول مفسرًا:
- "زينة" حد خجول جدًا ودايمًا حاسة إنها عبء على الكل حتى عليا أنا شخصيًا، لو قعدتي معانا هتحس بغربتها أكتر.
نطقت إيثار بألم يمزق أحشائها:
- تعبتني معاك يا ابني، حرام عليك اللي بتعمله ده يا "يوسف".
أشاحت عزة باتجاهها لتنطق في محاولة منها للتأثير عليه عله يتراجع:
- يرضيك اللي انت عامله في أمك ده، يعني هو ده جزات تربيتها فيك يا واد؟
ألقى رأسه للخلف يستند على الأريكة لينطق بروح منهكة:
- على فكرة، اللي بتعملوه معايا ده بيوجعني وبيزود عذابي.
ثم اعتدل ليمسك بكفي والدته يترجاها:
- أنا تعبان يا ماما، ومش قد دموعك دي ولا توسلاتك، كلامك بيقتلني لأني مش هقدر أنفذه.
واسترسل بتعقل:
- انت حواليكي ناس كتير بتحبك، أنكل فؤاد وإخواتي وجدو علام وتيتا عصمت، عندك خالي أيهم ومراته وولاده، وتيتا منيرة واخوالي، شغلك ونجاحك وطموحاتك الكبيرة.
واستطرد متألمًا:
- لكن زينة ملهاش حد غيري، أنا كنت قارب النجاة اللي انتشلتها من غرق محتم، إزاي بتطلبي مني أرميها تاني بأيديا للموت والضياع بعد ما مسكت أيديها وادتها أمل؟!
لم تدرِ ما عليها فعله، فصغيرها ممزق ما بين الواجب وحبه لها. أكمل برجاء:
- علشان خاطري سامحي وسبيني على راحتي.
تنهدت عزة لتنطق:
- لو ربنا يرزقها بعريس وتتجوز والموضوع يتحل من عنده.
استمع لصوت تكة المفتاح لينطق سريعًا:
- علشان خاطري محدش يتكلم قدامها في أي حاجة.
أمسك رأس والدته ليقبلها بحنان ووقف يستقبل تلك التي ولجت لتقف مرتبكة حين رأتهم أمامها. تحرك باتجاهها ليحثها على التقدم والوثوق بالنفس:
- تعالي سلمي على ماما وعزة يا حبيبتي.
- إزي حضرتك يا خالتي...
كلمات خرجت منها بنبرة مرتبكة لتجيبها إيثار بابتسامة هادئة:
- ازيك يا زينة، عاملة إيه في دراستك.
كانت تتشبث بحقيبتها وتضغط عليها والارتباك ظاهرًا عليها لتنطق بنفس التلبك:
- الحمد لله كويسة.
- إزيك يا زينة يا جميلة يلا مزعلة مامي...
قالها ذاك المشاغب لتجذبه عزة وتلتقطه حاملة إياه وهي تتجه إلى المطبخ لتهمس مستنكرة:
- تعالى يا أبو لسان فالت يا فضاح ياللي هتودينا في داهية.
ثم تحدثت إلى الفتاة:
- ادخلي يا حبيبتي غيري هدومك على ما أجهز السفرة علشان ناكل مع بعض.
أومأت بخجل لتنسحب وتغلق بابها عليها. تنفست الصعداء وتوجهت ترتمي جالسة فوق طرف الفراش. يا لحظ تلك المسكينة، دائمًا ما يراودها شعور مرير بالغربة أينما ذهبت. حين كانت طفلة كانت منبوذة من الجميع حتى والدها. كان يحملها ذنب خراب حياته وابتعاد حبيبته ونجله المقرب إلى قلبه. وحين انتقلت مع عمها وزوجته، طالما راودها شعور الانكسار وبرغم معاملة مروة الحسنة لها، إلا أنها كانت دائمًا تشعر بأنها عبء مضاف فوق أعبائهما، فكان شعور المرارة لا يفارقها حين تبتلع القليل من الطعام وهي تعلم أنه طعام أطفالهم وهي تشاركهم به. أما الآن فالأمر اختلف كليًا في وجود شقيقها، وبرغم أن حالته المادية هائلة وانتقلت معه وتحولت لفتاة أخرى، إلا أن شعور الذنب بات يلازمها. حملت حالها ترك شقيقها لوالدته ومنزل عائلته البديلة لأجلها، وكأن شعور العبء والمرارة بات يلازماها وأصبحا جزءًا لا يتجزأ من حياتها البائسة.
ابتسمت حين تذكرت شقيقها وما فعله لأجل عمها حسين، فبرغم أنه لا يمتلك المال الكثير إلا أنه بات ينفق كل ما يتحصل عليه من مال عليهم، فقد خصص مرتبًا شهريًا بقيمة خمسة آلاف من الجنيهات المصرية، يقوم بتحويلها لزوجة عمه كي يعينهم على الحياة. المبلغ يظهر بسيطًا لكنه بمثابة كنز بالنسبة لظروفهم السيئة.
انتفضت بجلستها لتهب واقفة حين استمعت لصوت طرقات فوق الباب ليدخل شقيقها بعدما سمحت له. اعتصر قلبه ألمًا حين وجدها مازالت بملابسها تفرك كفيها ببعضهما مما يدل على مدى خجلها. اقترب ليقول بنبرة حنون:
- مغيرتيش هدومك ليه يا "زينة"، "عزة" حطت الأكل على السفرة خلاص.
ابتلعت لعابها لتقول بارتباك ظهر بينًا بعينيها:
- أنا مش حابة أبقى عزول في وسطكم يا يوسف، روح كل معاهم وأنا هبقى آكل لوحدي في المطبخ لما يمشوا.
نزلت كلماتها على قلبه كسوط جلدت كل ما قابلها ليصرخ داخله لأجلها. أمسك كفيها وجدهما باردتين كالثلج لينطق بصوت هادئ كي يبث بداخلها الطمأنينة:
- ليه بتقولي كده يا حبيبتي، دي ماما وعزة بيحبوكي جدًا، دي عاملة لك المحشي اللي انتِ بتحبيه.
ابتسمت بهدوء ليتابع بحزم:
- لو مخرجتيش علشان تاكلي معايا، أنا كمان مش هاكل.
ابتسمت واطمأن داخلها لتخرج بصحبته. وجدت إيثار تقوم بتوزيع الطعام داخل الصحون لتوجه لها الحديث:
- يلا يا "زينة" قبل ما الأكل يبرد، "عزة" عاملة لك محشي الفلفل والبتنجان اللي بتحبيه مخصوص علشانك.
جلست وبدأت بتناول الطعام بأريحية بعدما شعرت بالترحاب من الجميع وبالأخص كلمات "عزة" المضحكة ومشاكستها هي والصغير مما خلق جوًا لطيفًا ساعدها على الارتخاء.
***
ظهر اليوم التالي
داخل شركة الزين وبالتحديد حجرة الاجتماعات، تترأس تلك الطاولة بحكم منصبها الجديد، فقد استلمت إدارة الشركة لتصبح رئيس مجلس الإدارة بعد تنحي "أحمد الزين" عن منصبه نظرًا لكبر سنه وإصابته بمرض السكري، ففضل الابتعاد والراحة بعيدًا عن مشاحنات العمل حيث تزيد من توتره. كان من المرجح اختيار "بسام" نظرًا لما له من سنوات عديدة قضاها بخدمة الشركة وبالطبع يعلم الكثير ليجعله مؤهلًا لذاك المنصب، لكن تصويت الجميع وقع على اختيارها نظرًا لذكائها وحسن تدابيرها لمنصبها طيلة الأعوام الثلاثة عشر التي قضتهم بالعمل داخل الشركة منذ أن تسلمت مهام منصب مدير المالية، وأيضًا كان يستعين بها "أحمد" كي يستفيد من ذكائها ومهارتها مما زاد من خبراتها ليؤهلها لذاك المنصب الكبير، ومنذ ذاك الوقت تحول "بسام" بمعاملته لها. عدلت من وضعية نظارتها الطبية لتنظر بتمعن بتلك الأوراق الموضوعة أمامها فوق الطاولة، ثم تحدثت وهي توزع نظراتها للجميع:
- سعر المناقصة حلو جدًا، والعرض اللي شركتنا مقدماه مناسب لينا وليهم.
ثم استرسلت:
- إن شاء الله المناقصة المرة دي ترسى علينا، ومتروحش مننا في آخر لحظة زي ما حصل مع المناقصة اللي فاتت.
تحدث "أيهم" بعملية:
- فوزنا بالمناقصة اللي فاتت كان شيء مفروغ منه، لولا العرض اللي قدمته شركة "الصخرة" في آخر وقت، وكأن الموضوع كان مترتب له أو مقصود.
احتدّم داخل "بسام" الذي يجلس على المقعد المقابل لتلك الـ"إيثار" من الجهة الأخرى ليرفع حاجبه وهو يلقي على الآخر سؤالًا بنبرة حادة:
- تقصد إيه بإن الموضوع كان مقصود يا أستاذ "أيهم"؟!
رفع كتفيه للأعلى لينطق بلامبالاة:
- مقصدش حاجة يا باشمهندس، أنا بتكلم في الـ...
لم تدع شقيقها يكمل جملته لتطرح سؤالها الأهم على ذاك الحانق:
- السؤال الأهم اللي المفروض كلنا نسعى لمعرفة الإجابة عليه يا باشمهندس، هو إننا نعرف مين الناس اللي ورا شركة "الصخرة"، لأن من الواضح إن الشركة قوية ونازلة بتقلها في السوق.
وتابعت بتفخيم له علها تستطيع أن تخمد نيران الحقد الذي ملأ قلبه تجاهها منذ أن تولت إدارة شؤون الشركة:
- وأظن محدش غيرك يقدر يمدنا بالمعلومات دي، حضرتك ما شاء الله ليك سنين في السوق وعندك شبكة علاقات ضخمة تقدر من خلالها تعرف بمنتهى السهولة المالك الحقيقي للشركة.
لم يرق له تملقها وعلم بخديعتها له فتحدث بنبرة حادة:
- وحضرتك مهتمة ليه قوي كده بإنك تعرفي مالك الشركة؟!
استندت بظهرها على المقعد وتحدثت وهي تعدل من وضع نظارتها قبل أن تجيبه بما أحرق قلبه:
- لأن ده منافس قوي وداخل السوق بشراسة، والقاعدة الأولى في البيزنس بتقول إن المفروض نعرف كل منافسينا وندرس قدراتهم كويس علشان نقدر نأمن شغلنا.
أحال بوجهه عنها فهو غاضب للغاية ولم يتقبل إلى الآن أن ترأسه امرأة، بل والأدهى أنها لا تحمل دم العائلة. علمت أنه لم يصفُ بعد فتجاهلته لتنظر للمحامي المختص بأمور الشركة قائلة:
- المهمة دي بقت مسؤوليتك يا أستاذ عزمي، عاوزة أعرف كل المعلومات عن أصحاب الشركة دي وفي أقرب وقت.
أبدى موافقته لتقف وهي تلملم أوراقها وتقول بعملية:
- الاجتماع انتهى، تقدروا تتفضلوا على مكاتبكم.
***
بمطار القاهرة الدولي، داخل صالة استقبال كبار الزوار
كانت تتحرك بخطوات ممشوقة كجسدها، مرتدية ثيابًا عصرية بجودة عالية تدل على ثرائها الفاحش، ترفع شعرها للأعلى على هيئة كعكة منمقة لتضيف لجمالها جمالًا. تتحرك بجوارها فتاة بعمر السابعة وطفل آخر بعمر الثالثة تحمله العاملة المسؤولة عن تربيته. يجاورها رجلان كلا منهما يدفع بعربة محملة بالحقائب. قابلها أحد الرجال المرتدي لزي رسمي ليقول بابتسامة ترحيبية:
- أهلًا وسهلًا "رولا" هانم، نورتي مصر يا فندم.
رفعت قامتها لتقول بكبرياء:
- ميرسي كتير.
لتنطق بلكنتها العربية:
- بليز لو بدي عذبك خدنا عالبيت بسرعة، كتير تعبنا بهيدي السفرة وبدنا نرتاح.
- أوك يا هانم...
نطقها وتحرك أمامها باحترام ليرشدها نحو السيارة التي ستقلهم إلى المنزل الفخم حيث صمم لهم خصيصًا منذ عدة أشهر عندما قررت هي وزوجها العودة إلى مصر لمباشرة أعمالهما.
تحركت السيارة بعدما استقلت هي الكنبة الخلفية شاركتها الجوار الصغيرة، بينما استقلت العاملة المقعد المجاور للسائق وبحوزتها ذاك الصغير الغافي بسلام. سألتها الفتاة بنبرة هادئة:
- ماما، ايمتى راح ييجي البابا لعنا؟
أجابتها ومازالت نظراتها تتفحص الطرقات بتمعن واستطلاع لذاك البلد الذي تزوره للمرة الأولى بحياتها:
- راح ييجي عن قريب يا قلبي، بس ليخلص اكم شغلة وحيجي دغري.
سألتها من جديد بفضول شديد:
- وجدو والتيتا كمان راح ييجوا لهون؟
- لشو كل هالأسئلة "نور"، من لما وصلنا وإنتِ صرعتي راسي من كتر الحكي.
- سوري ماما...
قالتها الصغيرة بعدما أنزلت رأسها للأسفل بملل.
رواية انا لها شمس الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم روز امين
ما زلت أجالس النجوم كل ليلة، وأنتظر منك رسالة مسائية معطرة، تخبرني فيها أني لا زلت أميرة أحلامك كما كنت دومًا تلقبني. لا زالت أحلامي الوردية تتراقص من حولي وتخبرني بأني ملكت فؤادك وبأن عشقي بقلبك ما زال متوغلًا، لكني حين يشتد بي حنيني الجارف ولا أجدك، تشتعل ناري وأقسم بأن أنهيك داخلي، فإذا بي أعود وأبدأ فيك من جديد.
"بيسان ماجد"
بقلمي
"روز أمين"
***
بالقاهرة الكبرى، وسط مسكن صغير مكون من حجرتين وردهة صغيرة جدًا وحمام وحجرة صغيرة لإعداد الطعام، بداخلها عدة أوانٍ وبعض الأجهزة البسيطة جدًا والبدائية حيث تستطيع سيدة المنزل بالكاد أن تصنع من خلالها الطعام. كانت تقف سيدة المنزل تعد لزوجها وأولادها ما تيسر لديها من بعض حبوب العدس لتطهوه كي يسد جوعهم، فقد أصبحت الحياة صعبة بالنسبة لهم في ظل غلاء الأسعار الفاحش الذي اجتاح العالم أجمع. استمعت إلى صوت طرقات فوق الباب، اتجهت صوبه لتفتحه بنفسها فزوجها بالعمل ونجلها وشقيقتيه بدوام دراستهم. اتسعت عينيها وهي ترى تلك الـ "إيثار" تقف أمامها بهيئة مبهرة، ثيابًا عصرية رائعة تتناسب مع حجابها وحشمتها، وإشراقة وجه تدل على حياتها المرفهة وسعادتها مع زوجها وعائلتها الجديدة. أما الأخرى فقد فغر فاهها وهي ترى حال تلك الـ "مروة" وقد تبدد على الأخير، فقد ظهر بوجهها خطوط وعلامات تقدم السن وتاه جمالها بزحمة السنوات، ناهيك عن ملابسها المهترئة التي تدل على ضيق الحال. تألم قلبها كثيرًا ليخرج صوتها مع ابتسامة مصاحبة لجميلة الروح والخلق تلك:
- إزيك يا "مروة"… قالتها بأنفاس لاهثة لصعودها قدمًا على درجات سلم البناية لخمسة من الأدوار، وذلك لعدم وجود مصعد كهربائي.
- "إيثار"؟!… نطقت اسمها باندهاش، فمنذ أن أتت بصحبة زوجها وأنجالهما الثلاثة وزينة إلى القاهرة لم تفكر بزيارتهم ولو لمرة واحدة برغم أن "مروة" عثرت على رقم الهاتف الخاص بها من خلال "نوارة" وهاتفتها كي تحضر "يوسف" لزيارة شقيقته كي لا يكبرا بالعمر وهما يجهلان وجود كلاهما للآخر، لكن الأخرى تغاضت عن الأمر وفضلت الابتعاد وطي صفحة الماضي بالنسيان كي تنأى بصغيرها وتبعدها عن الماضي برمته. ابتسمت لتسألها وهي تشير للداخل:
- هتسبيني واقفة على الباب كتير ولا إيه يا بنت الأصول؟
انتبهت لتستفيق من ذهولها لتشير لها:
- لا إزاي، اتفضلي يا أم يوسف.
أشارت إيثار لأحد الحراس الملازم لها وتحدثت وهي تشير إلى الطاولة:
- حط الحاجة اللي في إيدك وانزل مع الحراسة تحت يا سامي.
- هستنى حضرتك قدام الباب… قالها الرجل بناءً على تعليمات فؤاد فرضخت ليخرج هو وتغلق خلفه تلك الـ "مروة" لتتناقل النظر بين تلك الواقفة وبين الأكياس وهي تقول باستغراب ناتج عن تعففها:
- إيه الشنط اللي أنت جايباها دي كلها يا إيثار؟!
نطقت بهدوء وهي تتحرك إلى الأريكة لتريح ساقيها من صعود الدرج:
- دي حاجة بسيطة للأولاد يا "مروة".
- حسين لو عرف هيزعل… قالتها بحزن لتجيبها الأخرى كي تخفف من وطأة خجلها:
- وليه يزعل، هما مش ولاد عم يوسف ومن حقهم عليا إني أهاديهم بحبة حلويات؟
ابتلعت الأخرى لعابها ثم تحدثت وهي تشير على الأثاث المتهالك:
- معلش يا إيثار، البيت مش قد المقام.
- ومن إمتى كنا بنقيم مقاماتنا بالبيوت والفرش يا "مروة"؟… لتتابع بحنين إلى ماضٍ رحل وتبقى أثره الطيب بحنايا القلب مستوطنًا:
- أبويا الله يرحمه كان راجل على قد حاله، وبيتنا كان بسيط جدًا، ومع ذلك كان مقامه قد الدنيا كلها، كفاية إنه عاش عفيف النفس ومات شريف.
تنهدت لتتابع بحكمة:
- البيوت بتتغير والدنيا دوارة يا "مروة"، لا اللي فوق بيثبت على حاله ولا اللي تحت بيفضل مكانه.
أخرجت الأخرى تنهيدة حارة لتنطق بألم:
- عندك حق، وحالي أنا وحسين أكبر مثال على كده، بعد العز اللي شوفته في بيت أبويا وبعدها في بيت جوزي.
تنهدت بحسرة لتشير بكفيها ومقلتيها تدور على ما حولها وهي تقول ببسمة ساخرة:
- شوفي بعينك الحال وصل بيا لفين.
قطبت الأخرى جبينها لتسألها بفضول واستغراب:
- إلا قولي لي يا مروة، هو إزاي باباك وإخواتك سايبينك بالشكل ده؟!
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنطق بألم ينخر بقلبها:
- أبويا أتوفى من عشر سنين.
بمشاعر حزينة نطقت:
- البقاء لله يا حبيبتي، الله يرحمه.
شكرتها بعينيها لتتابع بإبانة:
- الله يرحمه كان بيساعدني ويبعت لي كل شهر اللي يسترني أنا وجوزي وعيالي.
لتتابع بحزن عميق:
- بس من يوم ما مات إخواتي الرجالة طمعوا في حقي، حرموني من ورثي، وبقيت زي ما أنت شايفة، عايشة محتاجة وأنا ليا ورث يعيشني ملكة.
هزت رأسها لتنفض من مخيلتها تلك الأفكار التي أرقت حياتها لسنوات طوال. نظرت لتلك المتأثرة لتسأل بابتسامة خافتة:
- لسه بتشربي الشاي بنص معلقة سكر ولا غيرتي؟
أشارت بجوارها وهي تقول:
- سيبك من الشاي وتعالي اقعدي جنبي، عاوزة أتكلم معاك في موضوع مهم.
نطقت بإصرار:
- هعمل لنا كوبايتين شاي نشربهم الأول، ومتخافيش، أنا حاجتي نظيفة وزي الفل.
قالت بعتاب بسيط:
- الله يسامحك يا مروة، أنت فكراني قرفانة؟
تحركت إلى حجرة تجهيز الطعام وبعد قليل خرجت لتجاورها الجلوس بعدما ناولتها كأس مشروبها. ارتشفت بعضًا منه ثم طالعتها لتنطق باستمتاع:
- تسلم إيدك.
- خير يا إيثار؟… قالتها بنظرات مترقبة لتتابع:
- قولي اللي خلاك تفتكرينا بعد كل السنين دي وتيجي تدقي على بابنا.
طالعتها بنظرات متألمة لتقول بكلمات ذات مغزى:
- أنا عارفة إني قصرت في حقكم كتير، كنت فاكرة إني بكده بحمي ابني وببعد بيه عن الماضي.
لتسترسل بنبرة خائبة:
- بس طلعت غلطانة، وعلى قد ما بعدت بيه وخبيته جوه ضلوعي، أول ما كبر خرج من حضني وراح للماضي برجليه.
كانت تستمع إليها بتمعن تحاول فهم كلماتها المبهمة بعض الشيء، بالنهاية فهمت مقصدها لتقول بهدوء:
- أنا عارفة إنك زعلانة على اللي عمله يوسف، بس والله يا إيثار إحنا ما لينا أي ذنب في اللي حصل، أنا وعمه اتكلمنا معاه كتير علشان يسيب أخته عايشة معانا بس هو مسمعش لحد، هو كان جاي ومقرر.
ثم تابعت بنبرة صادقة:
- أوعي تكوني فاكرة إن فراق زينة كان هين عليا، دي كانت زي بناتي بالظبط وربنا يعلم إني اتقيت الله فيها، وعمري ما فرقت بينها وبين عيالي لا في أكل ولا لبس ولا حتى في الحنية.
- ربنا يجازيك عنها خير يا مروة، أنت أثبتي إنك ست أصيلة بجد، وقفتي جنب جوزك في أزمته وسندتيه زي الرجالة.
- حسين يستاهل يا إيثار… قالتها بعينين مليئة بالحنان لزوجها، تحدثت الأخرى بذات مغزى:
- مهو أنا جاية النهاردة علشان حسين طيب ويستاهل.
ضيقت بين عينيها بعدم استيعاب لتتابع الأخرى بإيضاح:
- أنا جاية أعرض على حسين شغل في شركة استثمارية كبيرة، طلبت من مدير الشركة شخصيًا وظيفة محترمة تناسب مؤهلاته، والراجل مشكورًا كلمني إمبارح والمرتب محترم جدًا.
تهلل وجه المرأة ورقص قلبها حين شعرت بالانفراجة لتستطرد الأخرى معللة:
- أنا طبعًا كان نفسي أعينه معايا في الشركة، بس أنت عارفة موقفي كويس.
قاطعتها لترفع عنها الحرج:
- أنا عارفة إن الموضوع محرج بالنسبة لك قدام جوزك، يعني علشان "حسين" يبقى أخو "عمرو".
وابتسمت بحبور ظهر بعينيها وهي تقول بامتنان:
- كتر ألف خيرك يا "إيثار"، ربنا يسترك زي ما هتسترينا.
ربتت على كفها وبادلتها الابتسامة ثم سألتها بترقب أرادت به معرفة أي معلومة تخص ذاك الهارب كي يطمئن قلبها أنه لن يعود من جديد لأذيتها هي وصغارها من "فؤاد":
- مروة، هو "عمرو" ما بيكلمش "حسين" ولا حتى بيحاول يساعدكم بفلوس؟
طالعتها الأخرى وقبل أن تنطق تابعت إيثار من جديد كي لا تثير الشكوك حول تساؤلها:
- فلوس لبنته أقصد.
ابتسمت ساخرة لتقول بنبرة متهكمة:
- وهو من إمتى كان عامل زينة على إنها بنته علشان يفتكرها الوقت.
أشاحت بكفها لتكمل:
- مفيش غير مرة واحدة من ييجي أربع سنين بعت عشر آلاف دولار مع واحد كده لابس بدلة، بس حسين مرضاش ياخدهم منه، وطلب من الراجل إنه يتصل بيه علشان يطمن عليه ولا حتى يديه رقمه وهو يبقى يكلمه، بس الراجل كان لئيم ومتوصي، قاله أنا معرفش أي حاجة ولا أعرف مين "عمرو"، أنا بشتغل عند محامي كبير وهو اللي إداني العنوان ده وقالي أسلمهم للأستاذ "حسين" وأقول له إن أخوه "عمرو" هو اللي باعتهم.
ثم أكملت بإبانة:
- "حسين" نفسه عفيفة قوي يا "إيثار"، ومهما كنا محتاجين بس هو مبيقبلش علينا قرش واحد حرام، وفلوس عمرو كلها من بيع الآثار والسلاح اللي كان بيبيعهم قبل العملية الأخيرة اللي البوليس طب عليهم فيها، "حسين" اتغير قوي وقرب من ربنا، مبقاش ابن نصر البنهاوي و"إجلال" بنت الحاج "ناصف".
أومأت لها لتتابع الأخرى حديثها بخجل ملأ عينيها:
- وإذا كان على الشهرية اللي يوسف بيبعتها له، هو بينه وبين نفسه معتبره دين وهنرده إن شاء الله، لما "أحمد" ابني يتخرج ويشتغل، هو في آخر سنة كلية التربية.
قالتها بلهفة وعينين يملؤهما الأمل لتطالعها الأخرى بجبين مقطب متسائلة:
- شهرية إيه اللي بتتكلمي عنها يا مروة؟!
لتتابع بصدق لعدم إخبار "يوسف" لها بذاك الأمر كي يحفظ ماء وجه عمه:
- يوسف مقاليش على أي حاجة، وحتى لو بيساعد عمه، ده لا يقلل منكم ولا هيزود من "يوسف" لأن ده شيء واجب عليه، في النهاية انتوا أهله والأهل واجب عليهم يقفوا مع بعض.
اتسعت ابتسامة الأخرى ثم تحدثت بفخر:
- ما شاء الله عليك يا "إيثار"، ربيتي راجل بجد، ربنا يخليهولك وتشوفيه عريس قد الدنيا.
- متشكرة يا مروة… وقفت ثم أخرجت من حقيبتها بطاقة تعريفية لتقول وهي تناولها إياها:
- ابقي بلغي حسين بكلامي وادي له الكارت ده وخليه يروح على العنوان، وأول ما يقول لهم اسمه هيدخلوه للمدير ويستلم الشغل على طول.
- طب اقعدي معايا شوية كمان، ده احنا حتى لسه مشربناش الشاي… قالتها بحنين لتنطق متحمسة:
- ولا أقول لك، اقعدي لحد ما اجهز غدا ويكون حسين والعيال رجعوا من بره وناكل مع بعض كلنا، وأهو بالمرة تتعرفي عليهم، ده أحمد اسم الله بقى راجل، والبنتين زي القمر.
أجابتها بابتسامة هادئة:
- مرة تانية أكون عاملة حسابي إني هتأخر، أنا واخدة ساعتين راحة من الشركة وراجعة تاني علشان أكمل شغلي.
بنبرة متأثرة تحدثت تلك الجميلة:
- ابقي زوريني وخليني أشوفك يا إيثار، متقطعيش بيا وتنسيني.
أمسكت كفها لتتطلع عليها بنظرات متأثرة:
- حاضر يا مروة، هبقى أجي لك تاني.
أشارت إلى الأكياس لتقول بابتسامة هادئة:
- مفيش داعي تعملي غدا، أنا جايبة للولاد غذا جاهز معايا.
شعرت مروة بالخجل لتعجل الأخرى مفسرة بملاطفة كي تزيل عنها ذاك الشعور المرير:
- كنت عارفة إني هأخرك في الكلام ومش هتلحقي تجهزي حاجة للولاد.
أقبلت عليها لتتبادلا القبلات وهي تقول:
- أشوفك بخير يا مروة.
- مع السلامة يا إيثار، ابقي بوسي لي الأولاد… قالتها بتأثر لتودعها ثم تحركت لتتفحص الأكياس بعدما أغلقت الباب خلفها، تبسمت بخفة حين وجدت عدة علب كرتونية تحتوي على تلك الشطائر المحببة لدى الشباب "البيتزا"، وبعض الأكياس محملة بعلب الدجاج المقرمش مع أصابع البطاطا المقلية، وبعضًا من الحلوى والفاكهة مما أسعد قلب تلك الأم مما ستجلبه تلك الأشياء من سعادة على قلوب أحبائها.
أما إيثار فقد شعرت بالراحة بعدما رفعت المعاناة بذاك التصرف عن كاهل نجلها من عبء عمه، فمنذ أن علم يوسف بسوء حال أسرة عمه وهو حزين ويشعر بالعجز تجاهه، فقررت هي أن تبحث عن فرصة عمل وتهديها إلى حسين وبذلك يهدأ بال حبيبها ويغلق ذاك الباب.
***
بإحدى شوارع القاهرة، كان ذاهبًا إلى جامعة القاهرة لحضور إحدى محاضراته، يقود سيارته الفارهة ماركة «بي إم دبليو» التي أهداها له فؤاد بذكرى ميلاده العام الماضي، وعندما قرر الرحيل تركها بالجراج الخاص بقصر علام زين الدين ورحل، مما أحزن قلب فؤاد عندما شعر بأن الفتى بذاك التصرف تنصل من أبوته التي طالما شعر بها تجاهه وتنحى عنه بلحظة، أخذها باليوم التالي وذهب إليه ليطلب منه أن يحتفظ بها لكي لا يشعره بالتخلي عنه، استسلم الشاب أمام توسلات عينين من طالما اعتبره والده وعاش كامل طفولته ومراهقته داخل كنفه وبات يناديه بأبي.
تذكر أيضًا ذاك الخلوق علام وما عاشه بصحبته، تلك المشاعر النبيلة التي افتقدها منذ أن اتخذ قرار ترك المنزل لينأى بحاله من تلك النظرات الجالدة والمقللة من شأنه التي بات يتلقاها كل يوم من ذاك الـ "ماجد"، وكأنه كان يراهن على كرامة الشاب وحفظه لماء وجهه، وبالفعل حدث ما خطط له لكي يبعده عن ابنته الشابة التي تمردت على أبيها ورفضت دخول كلية الحقوق كما تمنى وخطط لها "ماجد" دومًا، لكي يراها بيوم من الأيام شامخة ذات منصب شبيه بخالها وجدها الشامخ سيادة المستشار "علام زين الدين" العضو البارز بالمحكمة الدستورية العريقة، لكن الفتاة أبت وأصرت على عدم التقديم بتلك الجامعة بعد أن فقد رفيق درب طفولتها وحياتها وحبيبها الأمل في الالتحاق بحلم حياته، وأصرت على الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية رغم غضب أبيها العارم لدرجة أنه وصل لمقاطعتها بالحديث والجلوس معها بمكان واحد، وبرغم تضحيتها الكبيرة لأجله إلا أنه تركها وتخلى عن غرامها الكبير لأجل صيانة كرامته وحفظ ماء وجهه أمام الجميع، تخطى عشقه ودعس على قلبه وكل ذاك بفضل «أذناب ماضٍ لم يكن يومًا بفاعله».
شعر بحنين قلبه الملتاع من فراق ذاك الحنون «علام زين الدين»، أخرج الهاتف الجوال واستقر على رقمه ليضغط زر الاتصال. كان جالسًا بمكتبه الخاص بالعمل، يحتسي قهوته بمذاقها المحبب لديه، أمسك هاتفه الخاص لينظر من خلف نظارته الطبية كي يكشف عن شخصية المتصل، شعر بنغزة قوية اقتحمت قلبه حين رأى نقش اسم من اتخذه حفيدًا له وامتلك حيزًا ليس بالقليل من قلبه.
توقفت يده عن ضغط زر الإجابة ككل مرة، فمن اليوم الذي ترك يوسف به المنزل منذ أكثر من شهرين وهو يحاول جاهدًا أن يتصل به دون فائدة، فقد اتخذ علام موقفًا بعدم الإجابة ردًا على قرار تركه للمنزل دون إرادته، انتهى زمن المكالمة وكما المعتاد مؤخرًا لم يجد إجابة، تنهد بألم وتابع مراقبة الطريق مع استماعه لموسيقى شبابية، بعد مرور بضعة دقائق قليلة لا تتعدى الثلاث استمع لرنين هاتفه فنظر به وإذ ببؤبؤ عينيه يتسع على مصراعيه وهو يرى اسم عزيز العين ذاك الفاضل، ضغط سريعًا على سماعة البلوتوث الموضوعة بأذنه ليجيب متلهفًا:
- إزيك يا جدو.
- لو كنت معتبرني جدك بجد يا "يوسف" مكنتش فارقتني، وخصوصًا إنك عارف غلاوتك عندي.
توقف بسيارته ليصفها جانبًا بعدما شعر بغصة ذاك النبيل من نبرة صوته المتأثرة، نطق بصوت أظهر كم حزنه الساكن قلبه:
- غصب عني والله يا حبيبي.
واسترسل بتمني غفران ذاك الراقي لما اقترفه من ذنب بحقه:
- أنا كنت معتمد على حضرتك إنك الوحيد اللي هتفهمني وتعذرني، وتحاول تهدى ماما وتقنعها إني أخذت القرار الصح.
زفرة قوية خرجت من صدره، من داخله متيقنًا بصحة ما فعله يوسف ولو لم يتصرف هكذا لشك بتربيته له، وحزن كثيرًا على ما أضاعه من وقت بتهذيب سلوكه وتقويمه وتربيته على الأسس السليمة والمبادئ الصحيحة، لكنه بالوقت ذاته حزينًا وقلبه يتألم لابتعاد من احتضنه لسنوات واعتاد على وجوده معه، نطق أخيرًا بعد صراعات نفسية عنيفة وقد استقر على مسامحته:
- خلاص يا يوسف، اللي حصل حصل، وعتابنا فات وقته.
بنبرة متلهفة سأله عندما شعر بلين حديثه:
- يعني حضرتك سامحتني وخلاص مش زعلان مني؟
ابتسم للهفة ذاك الحبيب في السؤال ليجيبه بمراوغة:
- هسامحك في حالة واحدة.
- إيه هي؟… قالها بعجلة لينطق الآخر:
- تجيب أختك وتيجوا تقضوا اليوم معانا بعد بكرة، اللي هو يوم الجمعة.
واسترسل بإنسانية كعادته:
- على الأقل تعرفها على عيلتك وإحنا كمان نتعرف عليها.
شعر بتردده لصمته المفاجئ ليتابع علام بحدة وصرامة:
- لو مجتش بعد بكرة يا يوسف، تنسى إن ليك جد اسمه علام، ورقمي تحذفه من عندك.
كلمات نطقها بحزم لتيقنه رفض الآخر، فتحدث كي يستجدي رضاه عليه:
- حاضر يا جدو.
سعد داخل ذاك السامي لينطق بما أسعد قلب الآخر:
- متنساش تجيب لي معاك بسبوسة من المحل اللي كنت بتجيب لي منه.
شعر بحبور شديد فذاك الراقي يتعمد دائمًا أن يشعره بأن له قيمة عالية لديه، نطق بسعادة:
- حاضر يا حبيبي، أحلى بسبوسة بالمكسرات لعيون الباشا الكبير.
***
داخل الشركة، وصلت إلى مكتبها لتباشر عملها بعد زيارتها لمنزل "حسين البنهاوي"، وقف ذاك المحامي من مقعده حيث أخبرها الآن بما طلبت معرفتها منه مسبقًا، مدها بالمعلومات التي استطاع جمعها بصعوبة بالغة لشح المعلومات عن ذاك المالك الغامض، تحدث بهدوء:
- أي أوامر تانية يا هانم؟
- متشكرة يا أستاذ "عزمي"، تقدر تتفضل على مكتبك وياريت لو عرفت جديد في الموضوع ده تبقى تبلغني.
- أكيد يا هانم، بعد إذنك… تحرك ليقابله "أيهم" وزوجته "أميرة"، ليسألها باهتمام بعدما جلسا متقابلين:
- أستاذ عزمي قدر يعرف مين صاحب شركة "الصخرة"؟
أومأت بحيرة:
- بيقول صاحبها راجل لبناني معاه الجنسية الفرنسية وعايش هناك، اسمه "سليم إلياس"، وبنته هي اللي بتدير الشركة من مصر.
ضيق بين حاجبيه ليصمت فتحدثت "أميرة" بنبرة حميمية:
- إحنا جينا نشرب معاك نسكافيه في البريك بتاعنا.
ابتسمت بموائمة، رفعت سماعة الهاتف لتطلب المشروبات لهم جميعًا، ثم تحدثت إليها بحميمية:
- "علي" و"شاهي" أخبارهم إيه؟
- تمام الحمد لله.
تحدثت من جديد:
- يا ريت تجيبيهم وتيجوا تقضوا معانا يوم الجمعة.
- الجمعة رايحين كفر الشيخ، العيال وحشوا ماما وعاوزة تشوفهم… قالها أيهم ليعرض عليها قائلًا:
- ما تجيبي ولادك وتيجي معانا.
عقبت بهدوء:
- مش هينفع، الأولاد عندهم mid term قريب ومش حابة أشتتهم.
بمكان آخر بنفس الشركة، وبالتحديد داخل مكتب "بسام الزين"، نطق بجبين مقطب وهو يتحدث إلى ذاك الموظف الجالس أمامه:
- بقى "عزت البنداري" طلع هو الجاسوس اللي سرب معلومات الصفقة للمنافس؟!
ثم سأله بتأكيد:
- أنت متأكد من الكلام ده يا "موافي"، مش عاوزين نظلم حد؟
أجابه "موافي" الموظف المسؤول عن غرفة الكاميرات:
- طبعًا متأكد يا باشا، أنا راجعت تسجيلات كاميرات الشركة كلها في الفترة المذكورة زي ما حضرتك أمرتني، وشفت "عزت" بنفسي وهو بيتسحب ويفتح ملف المناقصة ويصور منه ورق.
ابتسم الآخر وبات يحرك مقعده يمينًا ويسارًا وهو يحك ذقنه بكف يده، ليسأله ذاك الـ "موافي" باهتمام:
- حضرتك هتبلغ "إيثار" هانم إمتى علشان تاخد الإجراءات اللازمة ضده؟
انتفض كمن لدغه عقرب ليقول محذرًا بسبابته:
- أوعي تفكر مجرد التفكير إنك تبلغها باللي عرفناه ده، هي أو غيرها.
ضيق الرجل بين عينيه لعدم استيعابه ليتابع بسام بحدة:
- أنا اللي طلبت منك إنك تتحرى عن الموضوع، والموضوع هيخلص بينا هنا، احذف المشهد من التسجيلات وقبل ما تحذفه تبعتهولي واتس، والباقي بتاعي أنا.
تحدث الرجل بعقل:
- بس كده يا باشا عزت ممكن يكررها في المناقصة الجديدة.
- وهو ده المطلوب بالظبط… قالها وهو ينظر أمامه متمركزًا بنقطة اللاشيء تحت استغراب الآخر ليتابع هو شارحًا بشماتة:
- هي مش عملت فيها سبع رجالة في بعض وقبلت منصب رئيس مجلس الإدارة، تروح تحلها بقى لوحدها وتلاقي الجاسوس.
واسترسل متشفِّيًا:
- خلي عمي وابنه وأبويا أولهم يشوفوا نتيجة اختيارهم، لما الهانم تغرق الشركة في الديون من كتر الخساير اللي عمالة تتعرض لها الشركة ورا بعض.
تعجب الرجل من تفكير ذاك الـ "بسام" العقيم، فقد تبنى نظرية هدم المعبد على رؤوس الجميع كي يحصل على الانتقام من العائلة، ردًا على عدم اختياره رئيسًا للشركة خلفًا لأبيه.
***
انتهى من المحاضرة وتحرك صوب البوابة ليخرج قاطعته إحدى زميلاته التي تكن له مشاعر عشق جارف اجتاح كيانها، لكنه لم يرَ من العالم أجمع سوى تلك العاشقة، من اختطفت القلب وبثنايا الروح استوطنت، تحدثت الفتاة بلهفة:
- "يوسف".
توقف لتنطق بعينين تتجول بجرأة فوق ملامحه الجذابة:
- إزيك.
- الله يسلمك يا "ساندي"… قالها بتجهم فلم تستسلم هي وتحدثت من جديد:
- ما تيجي نقعد في مكان بره الجامعة، ونتكلم شوية.
لم يدع لها المجال كي تكمل وقاطعها قائلًا كي يقطع عليها أي أمل:
- أنا آسف، أختي مستنياني هعدي عليها أخدها من الجامعة.
أصيبت بالإحباط حيث نطقت بصوت بائس:
- يا خسارة، مليش حظ.
- بعد إذنك… قالها وانسحب سريعًا، لم يكن يومًا بفاقد للذوق، لكنه أراد عدم تمادي مشاعرها باتجاهه.
استقل سيارته الفارهة وانطلق متجهًا إلى جامعة شقيقته كي يقلها ويخرجا يتناولا الغداء بأحد المحال كما وعدها، تنهد بألم اقتحم قلبه بضراوة حين لاحت بمخيلته عينين تلك العاشقة، تذكر المرة الأولى التي اعترف لها بمدى عشقه وذوبان قلبه البكر بغرامها، كانا بالصف الأول بالثانوية العامة، داخل المدرسة المشتركة فلقد كان بنفس المدرسة وبالصف ذاته، كانت تكن له العشق بقلبها بل امتلأ قلبها الصغير بغرامه وفاض، وبيوم من الأيام، ذهبت إلى الحمام عندما دق جرس الاستراحة، وعندما خرجت لم تجده بالكافيتريا مثلما المعتاد، سألت صديقه المقرب فأبلغها بأن زميلة لهم طلبت منه الذهاب معها إلى مكتبة المدرسة للاستعانة به لشرح أحد الكتب، هرولت إلى المكتبة لتتفاجأ بتلك الفتاة اللعوب وهي تضع يدها فوق خاصة ذاك الأبله المنشغل بالقراءة والشرح لها كما طلبت، لكنها لم تكن سوى خطة دنيئة منها للتفرقة بينه وبين تلك الحبيبة، نعم لم يصرحا كلا منهما بالعشق للآخر لكن أعينهما صرحت للجميع، فبات الجميع يعلمون سواهما.
خرجت سريعًا ودموعها تغرق وجنتيها قبل أن ترى انتزاعه ليده ووقوفه السريع وانسحابه من المكتبة بغضب، وصلت هي إلى الصف وأكملت اليوم ولكن لم تعيره اهتمام مما جعله يتعجب، مر يومين وبالثالث وجدها تمارس لعبة الكرة الطائرة مع أحد الأصدقاء الشباب داخل الملعب الخاص باللعبة داخل المدرسة، لم يتمكن من حدته عندما رآها تقفز لأعلى لتلقي ضربات الكرة وجسدها بالكامل يهتز بطريقة أشعلت نيران الغيرة بقلبه لدرجة أنه لم يدرِ بحاله سوى وهو يهرول عليها ويجذبها من معصمها قائلًا بحدة:
- تعالي معايا.
جذبت معصمها بسخط لتهتف بنظرات حادة كالرصاص:
- سيب إيدي يا همجي.
اتسعت عينيه حين وجدها تعود من جديد لتمارس اللعبة ليهرول إليها وهو يقول:
- لو مرميتيش المضرب ده من إيدك وجيتي معايا، هوريكي الهمجية اللي بجد.
اقترب عليهما الشاب ليقول ساخرًا:
- إيه يا مان قلة الذوق دي، أنت مش شايفها بتلعب معايا، ولا مش قادر تتحمل إنها سابتك وجت لي.
لم يدرِ بحاله إلا وهو يقبض على تلابيب قميصه بقوة لتصرخ هي بذعر ثم قبضت على كفيه وهي تقول والرعب ينهش قلبها خوفًا عليه:
- بلاش يا يوسف.
احتدمت ملامحه بقوة ليهتف بعينين تطلق شزرًا:
- ابعدي يا "بيسان".
- مش هبعد، يلا خلينا نخرج من هنا.
- اسمع الكلام وامشي معاها يا جو… قالها الشاب ساخرًا ليزيد من حدة قبضة يوسف عليه وكاد أن يضربه بالرأس لتصرخ هي بقوة وهي تقول:
- علشان خاطري بلاش يا جو، وحياتي عندك لتخلينا نخرج من هنا.
طالعها بحيرة فمالت بعينيها برجاء أربكه، أفلت كفيه ليجذبها بحدة ويخرجا تاركين الملعب تحت صياح الشاب وهو يقول متهكمًا:
- كويس إنك سمعت كلامها يا جو، وإلا كان بابي جه أخدك من تحت إيدي وأنت مش نافع لحاجة خالص.
لم يعر لحديثه اهتمام وابتعد بها حتى وصلا للصف الخالي من الجميع ودفعها للداخل بقوة وهو يقول:
- عارفة لو شفتك واقفة مع حد ولا بتلعبي مع أولاد تاني هعمل فيك إيه؟
استشاط داخلها من دفعه لها لتصيح بحدة وهي تقترب عليه:
- وإنت مالك، أقف مع اللي أنا عايزة أقف معاه، وأنت ملكش حاجة عندي.
- طب اعمليها وشوفي هعمل فيك إيه يا بوسي… قالها بعينين تمتلئ بشرارات الغضب لتواجهه بعينين تمتلئ بالتحدي:
- بصفتك إيه هتمنعني؟
ارتبك من قربها بتلك الطريقة المهلكة فتلبك، سألته من جديد وهي تلوح بكفها بحدة:
- ما تتكلم، ولا القطة بلعت لسانك؟
أمسك كفها ليقربه من شفتيه الغليظة، وقبله وهو مغمض العينين في حركة مباغتة جعلت القشعريرة تصيب جسدها بالكامل وهي تشعر بشفتيه تجول فوق جلد يدها، فتح عينيه يتطلع لمقلتيها الزرقاوين المتلبكة ليهمس أمام عينيها:
- بصفتي حبيبك، وبصفة إنك بتاعتي من يوم ما شفتك، وبصفتي إني هبقى جوزك، فلازم تسمعي كلامي.
ذاب قلبها وبدأت فراشات الحب تداعب أسفل معدتها، ارتجف جسدها عندما استمعت لكلمة "هبقى جوزك" لتشهق وتسحب يدها سريعًا وتنطلق للخارج تحت ابتسامته الحنون وراحة قلبه باعترافه الصريح والأول بعشقها.
فاق من ذكرياته ليتنهد بقلب يئن ألمًا على تلك الرقيقة التي أضاعها من يده بفضل ماضي عائلته اللعين، توقف بسيارته أمام جامعة "زينة" وهاتفها لتخرج له بعد قليل تحت نظرات ثلاثة شباب كانوا يترقبونها ليهتف أحدهم "مازن" وهو يراها تستقل تلك السيارة الفارهة:
- طب ما هي بتخرج مع شباب وحلوة ومقضياها أهي، أمال عاملة لنا فيها خضرة الشريفة ليه!
نطق الآخر ويدعى زياد:
- لما يبقى معاك بي إم دبليو زي الباشا هتبقى ترافقك وقتها.
ضحك ساخرًا وتحدث:
- بقى هي الحكاية كده، ماشي يا زينة، أنا كنت سايبك بمزاجي وبقول مؤدبة.
واسترسل بتوعد:
- بس طالما طلعتي كده، يبقى أنت اللي جبتيه لنفسك يا مزة.
بعد قليل، كانت تقابله الطاولة داخل أحد المحال المتخصص بتقديم المأكولات البحرية، يتناولان طعامهما، ليتحدث بهدوء:
- "زينة"، جدي علام عازمني بعد بكرة أنا وأنت على الغدى عندهم.
ارتبكت وأخذ جسدها بالانتفاض، ويرجع هذا لفقدانها للثقة بالنفس وعدم الشعور بالراحة وسط التجمعات البشرية والازدحام، نطقت بصوت مختنق:
- بلاش أنا أروح يا يوسف، وديني عند عمي حسين وروح أنت.
- بس جدي عاوز يتعرف عليك، وبعدين أنت أختي، ومكانك لازم يبقى جنبي دائمًا.
احتضن كفها باحتواء ليقول بنظرات مطمئنة:
- أنا مش عاوزك تقلقي من أي حاجة طول ما أنا معاك، مفهوم يا حبيبتي؟
تنفست ثم هزت رأسها بهدوء، ابتسم ليشير لطبقها قائلًا:
- يلا ناكل السمك قبل ما يبرد.
تبسمت وشرعت من جديد لتناول الطعام.
***
عصرًا بقصر علام زين الدين، يجلس فوق مقعد بالحديقة بعدما تناول وجبة الغداء بصحبة العائلة، لحقت به تلك المدللة الصغيرة وجلست على طرف مقعده لتحتضنه قائلة بدلال يستسيغه ذاك الحنون:
- هو أنا قلت بحبك النهاردة يا بابي ولا نسيت؟
ابتسم فؤاد ليقول بمراوغة لمدللة قلبه:
- محصلش.
شددت من احتضانه لتقترب وتلثم وجنته وهي تقول:
- بحبك يا بابي.
- روح قلبي أنت يا تاج راسي… قالها فؤاد بصوت حنون جعل الفتاة تطير كفراشة من شدة سعادتها، اقترب عليهما زين ومالك الذي هرول مسرعًا ليقفز فوق ساقي فؤاد وأحاطه بكفيه الصغيرتين ليقول بحدة وهو ينظر بغيرة لشقيقته ويزيحها بكفه:
- ابعدي، الكرسي هينكسر بينا.
قهقه فؤاد عاليًا وهو يرى غيرة صغيره المشاغب لتهتف الأخرى بحدة كالأطفال:
- أنت إزاي سخيف قوي كده يا "مالك"؟
- علشان طالع لك… قالها بمناكفة لينطق "زين" الذي جاور والده الجلوس بمقعد خاص:
- تعالي اقعدي جنبي يا "تاج".
زفرت وهي تتنحى جانبًا لتترك المجال لذاك المشاكس الذي دفن وجهه بصدر غالي قلبه، بدوره احتضنه فؤاد وقام بتقبيل وجنتيه الناعمتين وبات يزيدهما من قبلاته المتلهفة، فذاك الصغير استطاع سرقة لب كل من حوله وبالأخص والده، رفع رأسه يتطلع على نجله العاقل ليسأله بجدية:
- زين باشا عامل إيه في مذاكرتك؟
أجابه بجدية كعادته، فهو جاد بحياته، يمتلك شخصية كأبيه، يفكر بعملية ومتفوق بدراسته:
- كويس جدًا يا بابي.
ابتسم له بفخر لتنطق "تاج" بتفخيم لقيمة شقيقها:
- "زين" يا بابي أجمد حد عندنا في الـ class.
- وأخت زين نظامها إيه هي كمان؟… سؤالًا وجهته إليها إيثار التي أقبلت وهي تحمل قدحين من القهوة لها ولحبيب العمر، أجابت الفتاة بخيلاء يعود لدلالها المفرط التي تلقته على أيادي الجميع:
- أنا بيرفكت في كل حاجة يا مامي.
لتطالع والدها الحنون وتقول بفخر واعتزاز:
- أنا بنت فؤاد باشا علام، وطالعة له.
تناول قهوته لينطق بعينين شاكرتين:
- تسلم إيدك يا بابا.
- بالهنا والشفا يا باشا… نطقتها بحنان شملته به وقد وصله ليبتسم بعينين مغرمتين، جلست بجوار نجلها العاقل لتقول وهي تتحسس شعر رأسه:
- محدش طالع لفؤاد باشا غير ابني العاقل "زين".
هزت رأسها اعتراضًا ليصيح ذاك المشاكس حيث انتفض من حضن أبيه حتى أنه كاد أن يسكب عليه القهوة:
- وأنا مش طالع لبابي يا ست مامي؟
هتفت وهي تشير بكفها ليتوقف:
- بالراحة يا ولد، هتدلق القهوة على بابي.
ربع ساعديه ثم مط شفتيه كاعتراض على تلك المعاملة، بينما تحدث فؤاد بملاطفة:
- هو ده اللي أخدتي بالك منه يا إيثار، الولد بيقول لك يا ست مامي.
واستطرد وهو يميل برأسه للصغير:
- ولد، ممنوع تقعد مع عزة لوحدكم تاني، مفهوم؟
- ومالها عزة بقى يا سيادة المستشار؟… جملة متهكمة نطقت بها تلك التي اقتربت عليهم لتتابع وهي تضع أكواب المشروب للأطفال:
- الحق عليا اللي عملالكم عصير فريش يطري على قلبكم.
صفق الصغير بحفاوة وهو يكرر حديثها بلا وعي:
- وأنا عاوز أطري يا عزة.
انصدم فؤاد ليشير لصغيره وهو يقول مؤنبًا للتي أرادت أن تنشق الأرض وتبتلعها:
- اتفضلي يا عزة هانم، طري على قلب الولد، وقبلها بيقول لمامته يا ست مامي.
واسترسل ساخرًا بنظرات حادة:
- ده شوية كمان وهيقولها يا خالتي أم "يوسف".
انطلقت قهقهات "زين" و"تاج" و"مالك" على سخرية والدهم ليحتد هو بالحديث قائلًا:
- أنا ما بهزرش.
التزم الجميع الصمت ليتابع هو محذرًا:
- عزة، انتقي ألفاظك شوية مع الولد، "مالك" بيروح مدرسة وبيختلط مع زمايله، ده غير إنه بيخرج معانا في عزومات مختلطة، ومينفعش يبقى ده أسلوب ابن "فؤاد علام".
هزت رأسها وهي تقول بجدية:
- حاضر، أوعدك هحاول على قد ما أقدر.
ثم تحدثت سريعًا وهي تنظر باتجاه "إيثار" في محاولة منها لجذب انتباهه لمنطقة أخرى من الحوار:
- إلا بالحق، نسيت أقول لك.
سألتها مستفسرة:
- خير يا عزة؟
نطقت بسعادة ظهرت على وجهها:
- الباشا الكبير بلغني أنا والست الدكتورة والست فريال، إن يوسف وزينة هييجوا بعد بكرة يقضوا معانا يوم الجمعة كله.
هلل الصغار وتحدثت تاج بسعادة ظهرت بعينيها:
- أخيرًا يوسف هيرجع البيت تاني.
عقبت على حديثها بنفي:
- أنا جبت سيرة رجوع القصر؟
نطق فؤاد متعجبًا:
- غريبة قوي، ما احنا كنا لسه بنتغدى مع الباشا جوه، ليه ما بلغناش؟
أجابته:
- أصل الباشا لما قال لنا مكنش جنابك لسه جيت من النيابة، ولا حتى إيثار كانت رجعت من شغلها.
رأى حبور حبيبته الشديد ليسعد داخله لسعادتها وأيضًا لبدء هدوء بحر يوسف العاصف.
همست تاج بأذن شقيقها بتذمر:
- هو جو هيجيب أخته معاه ليه؟
أجابها ذاك الذي يسبق تفكيره سنوات عمره "زين":
- أنت بنفسك لسه مجاوبة على سؤالك، هي أخته، وطبيعي تيجي معاه لما يجي يزور عيلته.
- بس إحنا مش عيلتها يا "زين"!… قالتها باعتراض لتتابع بملامح وجه مكفهرة:
- وأنا مش بحبها، المرتين اللي شفتها فيهم لما زورت جو حسيتها خانقة قوي، وبعدين مش كفاية إنها بعدت أخونا عننا؟
- "يوسف" عمل الصح يا "تاج"، قبل ما تحكمي على حد حطي نفسك مكانه، هل لو كنتي مكانها، كنتي هتبقي مرتاحة لو أنا اتخليت عنك؟
طالعته بتمعن بحديثه لتهز رأسها بيأس وهدوء.
***
- بابا عازم "يوسف" وأخته يوم الجمعة وعاوزنا كلنا نتجمع هناك… قالتها "فريال" التي تجلس ببهو منزلهما بصحبة "ماجد" يرتشفان مشروبًا باردًا.
توقف عن ارتشافه المشروب وزفر بقوة لينطق مزمجرًا:
- مش كنا خلصنا من الموضوع ده، أنا مش فاهم باباك ليه مصر يقحم الولد ده في حياتنا من تاني، أنا مصدقت إنه خرج من البيت وبعد عن بنتي؟
اتسعت عينيها تعجبًا لشدة حنقه ثم قالت مستنكرة:
- باباك؟!
شملها بنظرات ثاقبة قبل أن يهتف متهكمًا:
- هو ده اللي لفت نظرك من الموضوع كله يا فريال؟!
أخذت نفسًا عميقًا كي تهدئ من روعها ثم سألته بحيرة:
- أنا حقيقي مبقتش قادرة أفهم سبب كرهك ورفضك المفاجئ للولد يا ماجد.
واسترسلت متعجبة من تغييره المفاجئ:
- مع إنك كنت بتحبه جدًا وهو صغير، وكنت بتعامله كويس قوي!
تحولت ملامحه لحادة ليجيبها بسخط أظهر كم الغضب الساكن بقلبه:
- ده لما كان بعيد عن بنتي.
تنهدت قبل أن تقول بتأثر:
- بس بنتك بتحبه وتعبانة قوي من يوم ما بعد يا ماجد.
احتدت ملامحه وامتلاءت بشرارات الغضب قبل أن يصيح معترضًا:
- حب إيه وكلام فارغ إيه اللي بتتكلمي عنه يا "فريال"، ده أنت ناقص تقولي لي نوافق إنه يتجوزها؟
- وإيه المشكلة؟!… قالتها متعجبة ليصيح بعينين بالغضب مشتعلتين:
- أنت شكلك اتجننتي ومش مستوعبة الكلام اللي بتقوليه.
نطقت بأسى من طريقته الحادة:
- مكنتش متخيلة إنك طبقي بالطريقة دي.
حملق بها غير مصدق ما تفوهت به من حديث لا يروق له ولا يتقبله عقله ليصيح معترضًا:
- طبقي مين يا بنت سيادة المستشار، متفوقي بقى من الغيبوبة اللي أنت عايشة فيها دي.
ليتابع بأسلوب لائم:
- بقى عاوزة تجوزي بنتك الوحيدة لواحد أبوه مجرم هربان وعيلته كلها ما بين مقتول ومسجون؟!
واسترسل مستهجنًا طريقتها الفقيرة بالتفكير:
- ده بدل ما تفكري إزاي تخليها تتواجد باستمرار وتظهر في وسط الطبقة المخملية، يمكن يشوفها ابن مستشار ولا رجل أعمال كبير من معارف باباك ويطلبها للجواز.
أطرقت برأسها في حزن من نعته لها ليزفر هو بقوة متسائلًا باستهجان:
- ممكن أعرف إيه الغلط اللي أنا قلته يخليكي تزعلي وتقلبي وشك بالشكل ده؟
- اللي مزعلني منك يا ماجد إنك بقيت بتتعامل مع البنت على إنها صفقة ولازم تلاقي رجل أعمال علشان يقيمها… قالتها متأثرة لتسأله بعتاب:
- فين مشاعر بنتك من تفكيرك الرأسمالي والطبقي ده يا دكتور؟!
هز رأسه مستنكرًا ضآلة تفكيرها العقيم لينطق:
- أنا بجد مش مصدق، مشاعر إيه اللي بتتكلمي عنها، أنت متخيلة إن بنتي لو اتجوزت البني آدم ده هتبقى بتحكم على مستقبل أولادها منه بالإعدام، وزي ما حلمه اتقتل من ورا أبوه وعيلته المجرمين، هيبقى هو كمان السبب ورا ضياع أحلام أولاده اللي هيلعنوه ويلعنوا بنتك علشان أساءت اختيار أب ليهم كويس ومن عيلة تشرف.
تنهدت بحيرة، لا تنكر أن حديثه بذاك الأمر مقنع، وله الأحقية بالتفكير بشأن مستقبل ابنته، هي لا تلومه على ذاك، كل اعتراضها على معاملته التي تحولت لسيئة منذ أن علم بمشاعر ابنته المتبادلة معه، وبأنها أخذت مسارًا جديًا من الطرفين.
قطع حديثهما نزول "بيسان" من الطابق الأعلى لتقبل قائلة بصوت خافت يكسو عليه الحزن المعتاد مؤخرًا:
- هاي.
سألها عن شقيقها قائلًا:
- فين فؤاد؟
- بيذاكر في أوضته.
تنهد ليتحدث بنبرة جادة صارمة:
- بعد بكرة مش عاوزك تروحي عند جدك نهائي، رجلك متخطيش القصر يا بوسي، مفهوم؟
قال كلمته الأخيرة محذرًا لتسأله باستغراب:
- ليه يا بابي، وليه بعد بكرة بالتحديد؟!
طالعته فريال بعتاب تنتظر إجابته على تلك العاشقة ليجيبها بحدة:
- مش لازم كل حاجة تسألي فيها، أنا باباك والمفروض إني أكتر واحد حريص على مصلحتك.
أجابته بالمنطق والصراحة التي طالما ربياها عليها:
- وهو علشان حضرتك بابا ده يشفع لك إنك تفرض عليا أسلوب السمع والطاعة، من غير ما أفهم ولا أعرف إيه اللي بيدور حواليا؟!
يعلم أنها لم تلتزم الصمت ولن تتبع إرشاداته إلا إذا أدركت المغزى من وراء ذاك القرار، فأراد أن ينهي ذاك الجدال قبل أن يتخذ مسارًا آخر:
- جدك علام عزم البيه ابن إيثار، وهيفرضه يوم الجمعة علينا هو وأخته اللي منعرفلهاش أصل من فصل علشان يقضوا اليوم في وسطنا، والمطلوب إننا ننفذ الأمر من غير أي اعتراض.
أعلن قلبها عن دق طبول الحرب عليها لينتفض بقوة ويعلن عجزه أمام ذاك العشق الهائل، ظهر توترها الممتزج بالسعادة الهائلة لرؤية وجه من عاقبها بالابتعاد عن ذنب لم تقترفه يداها، تملكت من رجفة جسدها لتجيب والدها بمراوغة خرجت بصوت مهزوز رُغمًا عنها:
- ولما هو أمر من جدو، حضرتك عاوزني أخالفه ليه؟
- أنت عارفة السبب كويس قوي يا بيسان، وياريت تبطلي أسلوب العند اللي أنت فيه ده، واحمدي ربنا إني سامحتك ورجعت أتكلم معاك تاني بعد ما كسرتيني وضيعتي حلمي في إنك تكوني وكيلة نيابة، علشان ترضي الولد اللي اسمه "يوسف".
تلك المرة فريال هي من تكلمت بعدما هبت من جلستها لتحتد عليه قائلة عندما لمحت دموع ابنتها تتلألأ بمقلتيها كحبات من اللؤلؤ:
- فيه إيه يا ماجد، هو إحنا مش هنخلص من الكلام في الحكاية السخيفة دي؟!
عدى سنتين وأكثر على الموضوع، ومع ذلك مصر بمناسبة وغير مناسبة إنك تتكلم فيه.
- لأنه مستقبل بنتي اللي ضاع يا هانم… نطقها بحدة ليتابع ساخرًا من أفعالها الساذجة على حسب تفكيره:
- لكن أنت هيهمك في إيه مستقبل بنتك، خليك قاعدة في قصر الباشا تربي أولاد إيثار هانم اللي استحوذت على شركة العيلة وبلعتها في عبها هي وأخوها، بعد ما أبوك والباشا العاشق سلم لها الإدارة بالكامل.
- ماجد… قالتها بحزم لتسترسل بحدة وصرامة وعنجهية:
- خلي بالك كويس وأنت بتتكلم عن سيادة المستشار علام زين الدين، وابنه سيادة المستشار فؤاد زين الدين.
تألمت "بيسان" وانهمرت الدموع فوق وجنتيها وهي ترى مشادات والديها بكثرة في الآونة الأخيرة بفضلها، بينما ابتسم "ماجد" بزاوية ليلوي فمه في تهكم واضح قبل أن ينطق ساخرًا:
- هايل، بقيتي بتعلي صوتك عليا وتعدلي على كلامي، يا ريت تبقي تعملي كده مع الهانم مرات أخوك اللي حولتك لـ "بيبي سيتر".
اشمأزت من حديثه وتقليله المتعمد من شأنها أمام ابنتها، بينما استدار هو ليوجه حديثه الصارم لابنته:
- وأنت، لو لمحتك في بيت جدك اليوم ده، متلوميش إلا نفسك.
نطق كلماته ثم مال على الطاولة ليختطف عُليقة مفاتيحه وينطلق للخارج تاركًا المنزل بأكمله، شهقت الفتاة بكامل صوتها ليخرج صوت بكائها الحاد معلنًا عن آلام ذاك القلب العاشق، تحركت صوبها لتحتضنها بقوة، ثم مسحت على ظهرها بحنان ليخرج صوتها متأثرًا وهي تهدهدها:
- متعيطيش يا حبيبتي، اهدي يا بوسي.
خرجت من بين أحضانها لتقول بعينين حائرتين:
- هو أنا وحشة قوي كده علشان ربنا ميحبنيش يا مامي؟!
شهقة عالية خرجت من فم "فريال" صاحبتها اتساع بعينيها المذهولتين لتنطق باستغراب:
- ليه بتقولي كده يا حبيبتي، أنت جميلة وربنا بيحبك جدًا.
هزت رأسها باعتراض قبل أن تنطق بدموع عينيها:
- أمال ليه بيحصل لي كل ده، أخسر حبيبي اللي عمري ما اتمنيت غيره، ويهجرني ويمشي من غير حتى ما يودعني، وبابي ومعاملته ليا اللي اتحولت 180 درجة، لا وبيتهمني إني ضيعت حلمه.
وإلى هنا لم يعد بمقدورها الصمود والكتمان أكثر، فقد انفجرت لتصرخ بانهيار وهي تشير على حالها:
- أنا اللي أحلامي كلها انهارت قدام عنيا وأنا لسه مبدأتش حياتي، أنا اللي حلم حبيبي ضاع منه وحلمي حصله.
بنظرات مشتتة، وبتيهة وشرود استرسلت:
- كل اللي قعدنا نحلم بيه ونرتب له في لحظة اتهد وانهارت معاه كل طموحاتنا وأحلامنا، وبدل ما بابي يحضني ويحاول يحسسني بالأمان، اتقلب عليا وبقى يعاملني وكأني عدوه اللدود.
وتابعت باعتراض ودموع:
- وكل ده ليه، علشان اتمسكت بحقي في اختيار طريقي اللي هكمله، هو أنا مش من حقي أختار الكلية اللي هدرس فيها يا مامي؟!
أخذت نفسًا مطولًا لتقترب على ابنتها ثم حاوطت وجنتيها بحنان في محاولة لاحتواء حزنها:
- متزعليش من بابي يا بوسي، هو بيحبك قوي وكان نفسه تطلعي وكيل نيابة ويفتخر بيك.
هتفت بحدة:
- وأنا للسبب ده دخلت اقتصاد وعلوم سياسية، علشان أحقق له حلمه في إني يشوفني سفيرة ويفتخر بيا، لكن هو المفروض كان احترم قراري.
- بابا عارف كويس إنك رفضتي تدخلي الحقوق علشان يوسف، وده اللي زود غضبه من ناحيته.
احتدت ملامحها لتهتف بنبرة غاضبة:
- ويوسف ذنبه إيه علشان يحمله مسؤولية اللي حصل، هو حاول معايا كتير برغم كسرة قلبه وقتها.
واسترسلت بإيضاح:
- أنا اللي أصريت على قراري وأخدته عن اقتناع، والمفروض إن بابي كان احترم رغبتي.
صمتت لعدم وجود رد مقنع لديها، فتابعت الفتاة بعدما احتوت كفيها متوسلة:
- مامي، أرجوك تحاولي تقنعيه يسيبني أحضر اليوم ده.
واسترسلت بدموع نزلت على قلب فريال أحرقته:
- يوسف وحشني قوي ونفسي أشوفه.
هزت رأسها وهي تقول لطمئنتها:
- متقلقيش يا حبيبتي، أنا هكلمه لما يرجع.
ابتسمت الفتاة من بين دموعها لتتابع الأم عاتبة:
- بس أنا ليا عندك رجاء، عاوزاك متظهريش ضعفك وحبك ليوسف، لازم تغيري من طريقة معاملتك معاه.
ضيقت بين حاجبيها لتسألها:
- إزاي يا مامي؟
أحاطت وجنتيها تتلمسهما بحنو ثم تحدثت من خلال خبرتها المكتسبة من الحياة:
- الراجل طول ما هو شايف البنت بتجري وراه ومستنياه بيسوق فيها ويستعبط، لكن لو مرة واحدة لقاكي طنشتيه ومكملة حياتك، بيتجنن ويرجع يحوم حواليك من جديد علشان يعرف السبب.
- بس جو مش كده يا مامي… قالتها بعينين مغرمتين لتجيبها الأخرى:
- وحياتك عندي كلهم كده.
استمعوا لصوت "فؤاد ماجد" الذي نزل من الأعلى ليسأل ببرود:
- فيه إيه، صوتكم كان عالي مع بابي ليه من شوية؟
تطلعت إليه بيسان باستغراب لتقول متهكمة:
- وسيادتك لسه فاكر تنزل وتسأل!
أجابها وهو يتمطى:
- هو أنا فاضي لكم يا بنتي، أنا مفحوت في نظام الثانوية الجديد ده كمان.
تطلعت عليه والدته وهي تقول:
- متشغلش بالك بأي حاجة غير مستقبلك يا "فؤاد"، لازم تذاكر كويس قوي السنة دي، علشان السنة الجاية تراكمية وهي اللي هتحدد مصيرك.
نطقت "بيسان" ساخرة:
- مش محتاج لكل ده يا مامي، كل اللي محتاجه مجموع كلية الحقوق علشان يعوض حلم بابي اللي بنته الفاشلة ضيعته له.
- طب يلا يا فاشلة لاعبينا دور بلاي ستيشن «PlayStation» علشان أفحتك فيه.
ابتسمت لتتحرك بجوار شقيقها تحت احتدام قلب "فريال" من طريقة زوجها الجديدة بالحديث معها.
***
كان يجلس بصحبة والدته "نوال" داخل الشرفة، نطقت بعدما قص عليها كل ما دار، فبالفترة الأخيرة أصبح متعلقًا بوالدته بشكل كبير وبات يحكي لها كل ما يدور بحياته سواء داخل بيته أو قصر علام، نطقت بنبرة خبيثة:
- عاوز نصيحتي يا دكتور؟
- قولي يا ماما… قالها بوجه مكفهر لتتابع هي بتفكير شيطاني:
- جوز بنتك للولد ابن إيثار.
حملق بها غير مستوعب ما تفوهت به من حديث عبثي ليهتف بحدة:
- أنت بتقولي إيه يا ماما، بقى عاوزاني أجوز بنتي الوحيدة لابن راجل هربان؟!
وضعت كفها تحتوي خاصته قبل أن تقول بدهاء:
- خليك ذكي والعب مع الحصان الرابح، إيثار قدرت تلعب على فؤاد وأبوه وخلتهم يسلموها كل ثروتهم بكامل إرادتهم، بعد ما جابت لهم بدل الولد اتنين وأكلت عقلهم بيهم.
واسترسلت بدهاء وحكمة:
- يبقى العقل بيقول إنك تحاول تكسبها، وبلاش تشتري عداوتها.
لتتابع:
- إيثار نقطة ضعفها هي يوسف، واللي هييجي عليه ويزعله مش هترحمه، دي ست خبيثة.
استندت بظهرها للخلف لتنطق وهي تنظر أمامها بتمعن:
- أنا أول ما شفتها قلت لك إنها فلاحة خبيثة، ومش هيهدى لها بال إلا لما تسيطر على كل أملاك علام زين الدين.
هز رأسه برفض تام قبل أن يقول بحدة وصرامة:
- انسى يا ماما، أنا مستحيل أعمل في بنتي كده.
احتوت فكها بأناملها لتنطق بعد تفكير:
- خلاص، يبقى مفيش حل غير اللي قلته لك قبل كده.
- حل إيه ده؟… قالها بجبين مقطب لتعقب عليه بتذكير:
- تستقيل من شغلك وتروح تمسك معاها إدارة الشركة، هو ده مش مال عيالك أنت كمان ومن حقك تديره بنفسك وتحافظ عليه من الأغراب؟
نطق بحيرة وقد زادت كلمات والدته من سخطه تجاه تلك المرأة بل وتلك العائلة بأكملها:
- وأنا هروح أشتغل إيه في الشركة يا ماما، أنا دكتور جامعي قد الدنيا، معقول عاوزاني أسيب منصبي اللي تعبت سنين على ما وصلت له، علشان أروح أبتدي من جديد وأشتغل تحت إيد الست إيثار وأسيبها تحكم وتتشرط عليا؟!
- ما تسمعش كلام أمك وخليك ماشي في طريقك زي ما أنت يا ابني… جملة نطق بها "عليوة عبدالحميد" ليكمل بتعقل وهو يجلس بجوارهم تحت استشاطة نوال:
- بلاش تخسر احترام الناس اللي عيشت معاهم سنين، احتضنوك فيهم وحبوك وعاملوك على إنك واحد منهم.
تشتت عقله أكثر ليهب واقفًا بعدما قرر الانسحاب، فأخر ما يحتاجه الآن هو مشادات والديه التي تنتهي دائمًا بنزاع قوي وإلقاء كلا منهما التهم على الآخر.
***
بداخل إحدى المجمعات السكنية الجديدة الخاصة بالطبقة المخملية في المجتمع، والتي لا يسكنها سوى من يملكون الأموال الطائلة، كانت تتنقل في حديقتها الخاصة، تسكب من دلوها الصغير الماء لتروي أزهارها المتنوعة بألوانها الزاهية، وتتحدث بالهاتف في ذات الوقت:
- إي بابا، احنا كتير مبسوطين، هون الطقس بيعقد.
لتتابع مسترسلة باستفسار:
- إي متى رح تيجي تزرونا أنت والماما، "نور" كتير عم تسأل عنكن، وأنا والزغير كتير اشتقنالكن.
على الطرف الآخر، كان ذاك الستيني جالسًا على الأريكة الخلفية داخل سيارته الفارهة، يستند بظهره للخلف بعنجهية، يتجول وسط شوارع فرنسا وبيده السيجار الكوبي يدخن منه، لينطق بصوته الجهوري:
- عن قريب رح نيجي، بالأول طمنيني عن الشركة وكيف الشغل فيها؟
أجابته بإبانة:
- ماشي الحال، بس ضروري تجي بأسرع وقت، أنت بتعرف إن أنا ما بقدر أدير الشغل لحالي، وخصوصًا بوجود هادول المنافسين.
لتتابع بحقد ظهر بعينيها:
- هاديك المرة يلي اسمها "إيثار" كتير ذكية، مشغلة جواسيس عم تدور وتسأل عن شركتنا لحتى تعرف مين صاحبها، حتى المحامي تبعها راح للشهر العقاري وسأل عن المالك.
تحدث الآخر بفخر:
- منيح إني سجلت الشركة باسمي، لحد ما يرجع جوزك وننقل ملكيتها لإله بشكل رسمي.
سألته متلهفة:
- طمني وقول لي إنه ما بقى وقت كتير وبينزل على مصر، يا الله كتير اشتقتله يا بابا، "نور" طول الوقت عم تضل بسيرته وبتبكي كل ما يحاكيها هي وسليم الزغير "فيديو كول".
أجابها بثقة فائقة:
- هانت يا قلبي، زلامي عم يشتغلوا على الموضوع منيح ومش مقصرين، ما بقي إلا وقت قليل وبيرجع، وقتها أنا برتاح وبقدر أتابع شغلي هون بفرنسا ببال رايق.
رواية انا لها شمس الفصل الخمسون 50 - بقلم روز امين
باللحظة الأولى التي اتخذت بها قراري الحاسم بالابتعاد عنك، كنت أعلم أنه ليس بالقرار السهل على كلانا، وكيف للمرء أن يتخلى بسلاسة عن خليل روحه دون اختلال حياته وفقدانه للاتزان الكامل. لقد رافق كل منا رحلة حياة الآخر منذ أن كنا صغارًا حتى أصبحنا بريعان شبابنا. لطالما كنتِ بعيني كزهرة برية رائعة المظهر، طيب عطرك سابقًا لخطواتك، ولطالما كنتِ الأنثى المفضلة لدي، بل الأفضل والأروع على الإطلاق وستبقين. برغم يقيني من هلاك قلبي جراء ابتعادك عنه، لكنني اتخذت ذاك القرار عن قناعة امتثالًا لكرامتي وعزة النفس. قمعت مشاعري وضغطت على جرح قلبي بيدي وتركته يتلوّع وجعًا من شدة الاشتياق. ادّعيت الصمود لأقف شامخًا وبيدي كظمت صرخات قلبي الذي يئن ألمًا لكي أتفادى الانهيار. حاولت جاهدًا ألا أرى عيناكِ لكي لا أفقد طاقة صبري وينزف جرحي من جديد وأسرع مهرولًا كي أضمّك بروحي لإطفئ نار اشتياقي. واليوم قد عدت، وها أنا الآن أقف أمام سحر عينيكِ لينفجر قلبي صارخًا من مجرد رؤيا من تمكنت من استيطان العقل وامتلاك لب القلب وثنايا الروح.
"يوسف عمرو البنهاوي"
بقلمي "روز أمين"
***
لم تنم بليلتها الفائتة من شدة أنين قلبها الملتاع، تتسطّح على ظهرها فوق الفراش، تنظر لسقف غرفتها بعينين ثابتتين لا ترمشان إلا قليلًا، وفاه فاغر وكأنها مغيبة عن الواقع، فمنذ أن علمت من والدها الغاضب بحضور فارسها المتمرد إلى قصر جدها وهي في حالة يرثى لها، ما بين قلب عاشق يتتوق لوعًا لرؤية الحبيب، وما بين أنثى غاضبة عقلها يرفض تركها من رجلها الوحيد التي فضلته على جميع أبناء جنسه، يا له من رجل قاسِ، كيف له أن يترك ذاك القلب الذي يعلم علم اليقين أنه ذائب بغرامه. تنفست بقوة ثم تطلعت بجوارها لتنظر بشاشة هاتفها تتفقد الوقت، وجدت الساعة لم تتخطى السادسة صباحًا بعد. زفرت وتهيأت للنهوض لتنفض عنها الغطاء وتحركت مهرولة باتجاه الشرفة الملحقة بحجرة نومها. خطت بساقيها خارج الشرفة لتقتحم جسدها قشعريرة بفضل برودة الطقس، بينما كانت ترتدي منامة من الحرير. رفعت رأسها للسماء وباتت تأخذ نفسًا عميقًا لعل مشاعرها الثائرة تهدأ ولو قليلًا. عادت بذاكرتها لعام مضى، كانا مازالا معها وكل منهما روحه مرتبطة بالآخر.
عودة لما قبل عام من وقتنا الحالي، داخل الحرم الجامعي الخاص بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، انتهت من المحاضرة لتخرج إلى الفناء، توقفت لتستدير حين استمعت لصوت ذاك الثقيل المسمى بـ "نبيل"، هو بذاته ذاك الشاب الذي تشاجرا بالماضي من أجله أثناء ممارستها للعبة التنس معه بالمدرسة، اقترب عليها لينطق بنبرة بها بعض التعالي:
- إزيك يا بوسي.
بنبرة حادة حدثته بتنبيه:
- أكتر من مرة قولت لك إن اسمي "بيسان".
- هو حبيب القلب بيتقمص لما حد غيره بيدلعك ولا إيه؟!
قالها ساخرًا لتحتد بنبرة ساخطة:
- ملكش دعوة بـ "يوسف" يا "نبيل"، أنا بحذرك.
لتتابع مستنكرة وهي ترمقه بنظرات كارهة:
- وبعدين أنت تدلعني بتاع إيه أصلًا؟!
وضع كفيه بجيبي بنطاله لينطق بتعالٍ وتفاخر يرجع لتباهيه بأموال والده رجل الأعمال الشهير:
- أنت مكانك الحقيقي معايا يا بيسان، جنب "نبيل عاطف السرجاوي"، هي دي المكانة اللي المفروض تكوني فيها وتليق بواحدة بجمالك ومركز عيلتك، صدقيني وخليكِ معايا، هنعيش أنا وأنت ملوك على الأرض.
ابتسمت بجانب فمها ساخرة قبل أن تقول بتقليل لشأنه:
- أنا وأنت! ده أنت لو آخر راجل في الدنيا، مستحيل إني أتخيل نفسي معاك.
ابتسم بزاوية فمه ساخرًا قبل أن يقول بغرور:
- فيه مليون بنت غيرك تتمنى العرض اللي بقدمه لك ده.
أجابته بكبرياء:
- أوك، روح بقى قدم عرضك ده لواحدة من المليون، لأني آخر واحدة ممكن توافق عليه.
اشتعل داخله لكنه كظم غيظه وهو يقول بملامح متصنعة بالهدوء:
- كل ده علشان خاطر الولد ابن مرات خالك؟!
صدمت من حديثه ليتسع بؤبؤ عينيها وهي تسأله باستغراب:
- أنت مين قال لك إن يوسف يبقى ابن مرات خالو؟!
قهقه بصوت مرتفع ليرفع قامته لأعلى متباهيًا بحاله:
- أنت شكلك مش عارفة أنت بتتكلمي مع مين يا بوسي.
وبرغم أنه استدرج صديقتها المقربة "علياء" وعلم منها صلة القرابة بين العاشقين، إلا أنه حاول إظهار حاله في صورة أكبر من حجمه الطبيعي:
- أنا بعلاقاتي أقدر أعرف أي حاجة أنا عاوزها.
احتدت ملامحها واكفهرت قبل أن تشير بسبابتها قائلة بتحذير صارم:
- ابعد عني أنا و"يوسف" وده أفضل لك يا نبيل.
لتتابع بتهديد مباشر:
- ولو كنت مسنود على فلوس باباك رجل الأعمال، ابقى اسأل عن خالو "فؤاد" اللي بيعتبر "يوسف" ابنه، وجدو علام باشا زين الدين.
هو بالتأكيد يعلم أفراد عائلتها بالكامل ومكانتهم الاجتماعية المرموقة، حيث تحدث إلى أبيه عنها وعن رغبته بالزواج منها ويعود هذا لاختلافها عن كل بنات حواء اللواتي تعرف عليهن طيلة حياته وواعدهن، وعلى الفور سعد قلب الرجل حين علم بشخص جدها ومكانته الرفيعة داخل المجتمع، وحفزه على مواصلة لفت نظرها لتتقبل به كزوج. رفع حاجبه ليجيبها بتأكيد:
- عارف وسائل كويس قوي، وعلشان كده متمسك بيك أنت بالتحديد.
رمقته باشمئزاز قبل أن تتركه وتتحرك بطريقها دون أن تعير لجملته اعتبار، لكنها صدمت بذاك الذي ولج لتوه من البوابة الحديدية للجامعة، وما أن لمحها تقف مع ذاك السمج حتى تحولت ملامحه لحادة غاضبة، هرولت لتقابله تقطع عليه الطريق كي لا يتشاجرا من جديد، لتسأله باستغراب:
- يوسف! أنت مش المفروض عندك محاضرة؟!
ثم استرسلت متعجبة:
- وليه ما اتصلتش بيا وقولت لي إنك جاي؟!
أجابها وهو يناظر ذاك الذي يطالعه كديك منفوش داخل حلقة مصارعة ويبتسم بسماجة لينطق بجدية:
- محاضرتي الأخيرة اتلغت فجيت أعمل للأستاذة مفاجأة واخدها ونخرج نتغدى مع بعض.
حول بصره إليها ليتابع بحدة وعينين تطلق شزرًا:
- لكن شكلي جيت في وقت غلط، لأن سيادة السفيرة كانت واقفة مع جنابه.
أمسكت كفه لتحثه على المضي قدمًا باتجاه الخارج:
- طب يلا علشان نتغدى، أنا جعانة جدًا ومفطرتش.
طالعها بنظرات لائمة لتتابع بمثيلتها متوسلة:
- علشان خاطري خلينا نمشي من هنا.
زفر بحدة حين وجد الرعب يسكن مقلتيها، فهي رقيقة كالنسيم، وأكثر ما يؤرق عليها حياتها ويصيبها بالارتياب والهلع هو الصوت العالي والشجار، لذا فضل المضي معها للخارج. وصلا لسيارته وفتح الباب المجاور لمقعد القيادة ثم نطق وهو يخرج هاتفه من جيب معطفه الرتيب:
- اركبي.
استمعت لحديثه بدون نقاش واستقلت المقعد ليغلق هو الباب بهدوء ثم تحدث إلى الحارس الخاص بقصر علام:
- شريف، تعالى على جامعة أستاذة بيسان وخد العربية بتاعتها وصلها الفيلا، أنا هسيب لك المفتاح مع أمن الجامعة.
وبالفعل ترك المفتاح مع رجل الأمن الذي يعرفه جيدًا ويعلم شخصية "بيسان" وبأن تلك المرة ليست بالأولى، استقل مقعده لينطلق بالسيارة دون الالتفاف إلى تلك الجالسة بجواره وحدثها بحدة:
- اتصلي على عمتي وقولي لها إنك خارجة معايا.
أومأت لتخرج هاتفها ثم تحدثت إلى "فريال" وبدورها رحبت، ظل ناظرًا أمامه دون أن يعير لوجودها اهتمام، لم تحزن منه لعدم تقديره لوجودها بل حزنت لأجل غضبه العارم وغيرته الحادة عليها، هي تحبه بل تعشقه حد الجنون وتقدر جيدًا غيرته العمياء عليها. التفت ناحيته لتنطق بدلال عل صوتها الذي يعشقه وهو حنون يستطيع إخراجه مما هو عليه:
- ها يا جو، هتغديني فين؟
بصوت حاد نطق وهو ينظر أمامه دون الالتفاف لها:
- شوفي عاوزة تروحي فين.
تدللت أكثر:
- بس أنا عاوزاك تغديني على ذوقك، عاوزة كل حاجة أعملها في حياتي تبقى بموافقتك ورضاك.
طالعها يعنفها بنظراته المتعذبة:
- يهمك قوي رضايا يا بوسي؟
- طبعًا يا حبيبي...
قالتها بنعومة مؤكدة ليصيح بعينين متألمتين:
- طب ليه مصرة تثيري جنوني، برغم إني نبهتك بدل المرة ألف إنك ما تختلطيش مع اللي اسمه نبيل، إلا إنك مصرة تخالفي كلامي وتخرجي الوحش اللي جوايا.
واستطرد:
- تعرفي إني مسكت نفسي بالعافية علشان ما أجريش عليه وأضربه بوكسين في خلقته يشوهوه، يمكن يفهم ويحس على دمه، ويبعد عنك.
واسترسل بما أثبت مدى رجاحة عقله رغم حداثة سنه:
- بس طبعًا سيادتك عارفة لو ده كان حصل في كلية عريقة زي دي، كان إيه اللي ممكن يحصل.
تعلم مدى خطورة نتيجة ذاك التصرف الأهوج لو كان فقد عقله وأقدم عليه، فكلية السياسة والعلوم السياسية هي واحدة من أعرق الكليات داخل مصر حيث يتخرج منها أغلب الساسة وصفوة الدولة، لذا الاقتراب من طلابها أو افتعال المشاكل داخل حرمها كي يعرض صاحبه للاحتجاز من قبل رجال الشرطة. وضعت كفها تحتوي خاصته لتنطق بنبرة حنون تطمئنه:
- أنا مش قادرة أفهم أنت ليه شاغل نفسك بواحد زي نبيل، الكلام ده كان ممكن يشغلك لو أنت مش واثق ومتأكد من حبي ليك، لكن أنت عارف يا جو إن مفيش في قلبي ولا هيكون غيرك.
طالعها بنظرات تقطر عشقًا ليقول هامسًا:
- أنا مفيش حاجة مصبراني في حياتي على كل اللي عرفته عن ماضي أهلي، وخسارتي لحلم النيابة غير حبك وعيونك يا بوسي.
ابتسمت وتراقصت حولها فراشات العشق جراء كلماته، ليرفع هو كتفيه باستسلام ليتابع:
- بس غصب عني غيرتي بتقتلني لما بشوف الولد ده بيقرب منك.
لتحتد عينيه ويهتف بقلب مشتعل:
- ده حول من كلية الحقوق بعد ما عرف إنك مش فيها زي ما كنتي مقررة، ودخل اقتصاد وعلوم سياسة علشانك يا بوسي، وجالي مخصوص كلية الهندسة وقالي شوفت، أنا وهي بقينا في نفس الكلية، يعني القدر بيهيء لنا حياتنا اللي جاية مع بعض.
زفرت حين استمعت لحديثه لتنطق بطريقة متذمرة:
- وبعدين معاك يا يوسف، هو أنت مخرجني علشان ننبسط مع بعض ولا علشان نضيع الخروجة كلها في سيرة البتاع ده!
تنفس بعمق محاولًا تهدئة حاله، لكنه لم يستطع كبح غضبه ليسألها بصوت جاهد بإخراجه هادئًا:
- كان عاوز منك إيه؟
طالعته متعجبة لتزفر قبل أن تجيبه بحدة عل ذاك النقاش عديم المنفعة ينتهي ويرتاح قلبه:
- كان بيسخف وكالعادة اديته في وشه وسيبته ومشيت.
ابتسم رغمًا عنه ليسألها مكررًا المصطلح التي استخدمته للتو:
- اديتيه في وشه إزاي يعني؟
رفعت كتفيها قبل أن تقول بابتسامة:
- صحبتي بتقولها كده، لما تحرج حد بتقول اديته في وشه.
قهقه عاليًا من شدة ضحكاته لتتجمد وهي تنظر على ذاك الوسيم الذي يستطيع بضحكة منه أن يأسر قلبها ويسحبها من العالم أجمع ليسحرها بعالمه الخاص به هو وهي فقط لا غير. نطقت وهي تطالعه كالمسحورة:
- خليك كده دايمًا يا "يوسف"، الضحك والسعادة لايقين عليك قوي.
تنفس عاليًا حين تذكر حياته الرائعة وضحكاته قبل ذاك اليوم المشؤوم الذي نزل عليه كقنبلة فوق أرضه لتتناثر أحلامه هنا وهناك وتتوقف ضحكاته وتتجمد، ولولا وجود عيناي تلك الرقيقة ووقوفها بجانبه رغم رفضه وثورته على الجميع ودخوله بنوبة اكتئاب حادة أثرت بالسلب على إيثار وأدخلتها بنوبة هلع وبكاء هيستيري لا ينقطع، مما جعل من فؤاد يتحرك سريعًا ويعرضه على طبيب نفسي، وبمساعدته والجميع وخصوصًا "علام" استطاعوا إخراجه بصعوبة، وبرغم هذا لم يعد لحياته كما كانت، لكنه مازال يحاول مواصلة الحياة وتخطي تلك الطامة الكبرى.
تطلع عليها ثم تحدث ونبضات قلبه تنتفض وتدق كطبول حرب:
- بحبك يا قلب وعمر يوسف كله.
ابتسمت لتسحب عنه عينيها بخجل أسعده، ليعود متابعًا الطريق من جديد.
بعد قليل كانا يتناولان أكلتهما المفضلة، تلك الشطائر "البيتزا". نظر عليها وهي تجفف فمها بمحرمة ورقية لينطق وهو يشير إلى صحنها:
- كملي أكلك يا قلبي.
أشارت بكفها لتنطق باكتفاء:
- عاوزني آكل إيه تاني يا جو، أنا أكلت لدرجة إني مش قادرة أتنفس خلاص.
ثم تابعت وهي تتطلع عليه بنظرات تهيم عشقًا:
- تعرف يا يوسف، معاك كل حاجة بيبقى لها طعم تاني ومختلف، حتى الأكل.
ابتسم ليقول وهو يمسك مثلثًا من الشطيرة استعدادًا لقطمها:
- بالهنا والشفا يا حبيبتي.
أمسكت بالمياة الغازية ترتشف منها وتبتسم، بعد قليل كانت تجاوره الجلوس داخل السيارة وهي بقمة سعادتها، فحقًا معه كل شيء مميز ومختلف. وصلا لمكان منزليهما لتتبدل ملامحها حين وجدت ذاك الحانق ينتظرها والسخط يكسو ملامحه، توقف يوسف أمام منزلها الذي يسبق القصر ببضعة أمتار، ليترجل وهي أيضًا بنفس التوقيت، تحدث بهدوء لذاك الواقف يرمقهما بحدة:
- إزي حضرتك يا دكتور.
نطق مرغمًا وبحدة:
- الله يسلمك.
ثم وجه حديثه لابنته:
- فين عربيتك؟!
تحدثت بهدوء لاعتيادها على ذاك الأمر منذ أن أهدت "إيثار" تلك السيارة إلى "يوسف" بعيد ميلاده التاسع عشر:
- الـ bodyguard أخدها من الكلية وجابها هنا، وأنا خرجت مع جو اتغدينا.
رمقها بحدة ليسألها بطريقة جديدة عليها ومختلفة كليًا عما هي معتادة عليه:
- استأذنتي مني قبل ما تخرجي معاه؟
شعر بتلبكها فأراد التدخل كي يرفع عنها كهل تلك المواجهة:
- إحنا استأذنا من عمتي.
- مين عمتك؟!
قالها وهو يرمقه بنظرات حادة كالصقر، ليجيبه الآخر وهو يبتلع لعابه:
- عمتي فريال.
- أولًا فريال مش عمتك، ولا عمرها هتكون…
قالها بجبروت ليكمل بقسوة وحروف ذات مغزى:
- أنت كبرت وكل الحقايق انكشفت قدامك، والمفروض تتعامل على ده الأساس.
قالها بحقد ملمحًا ما علم به الشاب مؤخرًا عن عائلته مما جعل الحزن يقتحم قلبه وما شطره لنصفين ما نطق به متابعًا:
- المفروض كمان إنك تستأذن مني أنا لما تحب تخرج مع بنتي، ولا علشان اللي ربتك واحدة ست فانطباعك إن كل البيوت بتديرها ستات؟!
وبرغم كلماته القاتلة والمقصودة ليبتعد عن ابنته إلا أنه تماسك ووقف بقوة شامخًا قبل أن ينطق بحزم:
- أنا اللي رباني سيادة المستشار علام زين الدين وسيادة المستشار فؤاد زين الدين، والاتنين علموني الأصول كويس قوي وعمري ما أتخطاها، وطول عمري وأنا بخرج أنا وبيسان لوحدنا، وبستأذن من "فريال" هانم.
واسترسل بذات مغزى:
- طالما كلمة عمتي بتزعل حضرتك.
وتابع مسترسلًا:
- وعمرك ما اعترضت على ده، بالعكس، حضرتك كنت واخد الموضوع عادي جدًا.
وتساءل تحت دموع بيسان التي سالت لأجله:
- إيه اللي اتغير علشان كلامك ده؟!
بقوة وصرامة أجابه:
- حاجات كتير قوي اتغيرت، وبلاش أقولها علشان ما أجرحكش.
وتابع آمرًا بحدة:
- ومن النهاردة ممنوع منعًا باتًا إنك تخرج مع بنتي أو تقعد معاها لوحدكم، حتى لو كان في جنينة قصر الباشا.
اتسعت عينيه وتمزق قلبه ألمًا من شدة ما شعر به من إهانة توجهت له على يد والد الفتاة التي يعشقها، ما زاد من إيلام روحه هو وجودها أمامه لترى عجزه أمام والدها الحقير، لم يعطه حق الرد والدفاع عن نفسه ليجذب نجلته من رسغها ويجرها خلفه بطريقة همجية صدمتها كونها المرة الأولى التي يعاملها بها والدها بتلك الطريقة الغير متحضرة بالمرة، ليتركا الآخر يتلقى خيبة جديدة تضاف لخيباته التي تتوالى واحدة وراء الأخرى.
عودة للحاضر
تنفست بألم ينخر بأعماق قلبها ويكاد يفتك به، تحركت للداخل كي تغتسل وتبدل ثيابها، بعد عدة دقائق كانت تنزل الدرج لتنضم إلى طاولة الفطار التي تضم والديها وشقيقها، سألها والدها باهتمام:
- عيونك منفخة ليه كده؟
أشاحت بوجهها عنه لتنطق بهدوء:
- مش نايمة كويس.
- ليه؟!
كلمة حادة وجهها لها لتجيبه بتوتر:
- كنت بذاكر.
لم ينطلِ عليه حديثها ولهذا تحدث بصرامة:
- زي ما اتفقنا، مفيش دخول لقصر الباشا النهار ده، اقعدي ذاكري أحسن.
نطق الفتى باستغراب:
- بس ده جو جاي النهاردة يا بابي.
- فؤاد...
قالها حازمًا ليصمت الفتى مستغربًا حالة والده التي تحولت كليًا وكأنه تبدل لآخر، تلك المرة تحدثت فريال وهي تقول بنبرة مبطنة بالتحذير:
- ولو جدها سأل عليها يا دكتور، هترد عليه تقول له إيه؟
طالعها بجبين مقطب ليتحدث بقوة:
- دي مشكلتي يا فريال وهعرف أحلها، اهدي أنت بس كده وريحي أعصابك المشدودة دي.
تنفست لتكظم غيظها منه وتستدعي الصبر على تصرفات ذاك المتحول، وقفت الفتاة لتنطق وهي تتحرك للتأهب للصعود إلى غرفتها من جديد بعدما شعرت وكأن حجرًا ضخمًا يجثو فوق صدرها:
- بعد إذنكم.
- رايحة فين؟!
التفتت ليتابع والدها بأمر:
- اقعدي كملي فطارك.
بكسرة قلب تحدثت بنبرة خرجت مختنقة لتوقف الدموع بمقلتيها:
- مليش يا نفس، ومن فضلك يا بابي سيبني براحتي وبلاش تخنق في روحي أكتر من كده.
نطقت جملتها الأخيرة لتسرع مهرولة للدرج ودموعها تسيل فوق وجنتيها من شدة شعورها بالظلم التي تتعرض إليه على أيادي جميع أحبتها.
***
بقصر سعادة المستشار "علام زين الدين" تحديدًا داخل الجناح الخاص بذاك الحبيب وتلك العاشقة التي خرجت بطلة رائعة من ملحق غرفة الملابس، فقد ارتدت أفضل ما عندها وتأنقت احتفاءً بقدوم نجلها الحبيب إلى القصر اليوم، فسعادتها اليوم لا توصف، تطلعت بعينين سعيدتين على ذاك الذي يتوسط الفراش ومازال بالنوم غارقًا، اقتربت من المنضدة لتلتقط جهاز التحكم عن بعد الخاص بالستائر، ضغطت زر الفتح لتنزاح الستائر ويقتحم نور الشمس الغرفة لتتسلط أشعتها الذهبية من خلف الزجاج وتسقط فوق وجه ذاك الغافي الذي تملل لتنكمش عينيه بانزعاج ثم فتحهما رويدًا رويدًا ليحجب بذراعه الشمس عن عينيه، نظر أمامه ليرى تلك الجميلة المبتسمة وهي تقول بوجه مبهج كإشراقة الصباح:
- صباح الخير يا حبيبي، يلا قوم بسرعة يا كسلان علشان نفطر مع بابا.
فرد ذراعيه وتمطأ بتكاسل وهو يسألها:
- هي الساعة كام؟
- تمانية.
تعجب ليسألها:
- وإيه اللي مصحيكِ بدري كده، المفروض النهاردة الجمعة يعني يوم أجازتنا، والكل عارف إننا بنسهر الخميس برة البيت وبنرجع متأخر نكمل سهرتنا هنا في الجناح، وطبيعي بنقوم متأخر.
تطلع إلى تلك المبتسمة لينطق بعدما تذكر:
- آه، مش تقولي إن جو جاي النهاردة.
اقتربت عليه لتجلس بجواره وهي تقول بسعادة هائلة:
- يظهر إن سهرة إمبارح في أوضة الجاكوزي أثرت على ذاكرة سيادة المستشار.
غمز لها قبل ان يقول بمشاكسة:
- وهو اللي حصل منك إمبارح يخلي الواحد يحتفظ بعقله يا مديرة.
نطقت بذهول وعدم استيعاب لما حدث منه بالأمس:
- فيه راجل عاقل يدخل بمراته أوضة الجاكوزي بعد سهرة طويلة برة البيت، وفي عز الشتا والساعة واحدة بالليل يا مفتري.
- بس أنت كنت وحش يا إيثو...
قالها وهو يغمز بوقاحة مما جعلها تضحك بدلال، جذبها من رسغها لتعتليه وتحدث غامزًا:
- تعالي هنا، أنت مين اللي سمح لك تاخدي شاور وتسيبيني نايم، ها؟
حاولت التملص من بين قبضتيه وهي تقول:
- بطل شقاوة ويلا خد الشاور بتاعك علشان ننزل نفطر ونستنى يوسف.
بدلال تحدث:
- طب نامي في حضني شوية.
- فؤاد...
قالتها بتملل ودلال ليجيبها بهمس:
- عيون حبيبة يا بابا.
ابتسمت لتنطق بنعومة أنثوية:
- وحياتي تقوم علشان تفطر معايا.
ثم تابعت بحماس وعينين تنطق سعادة:
- عاوزة أدخل المطبخ علشان أعمل ليوسف بنفسي كل الأكلات اللي بيحبها.
تلمس بشرة وجنتها الناعمة وهو يقول بابتسامة حنون:
- مبسوط قوي علشانك، وعلشان يوسف أكتر، إن شاء الله تبقى بداية وربنا يهديه، وعلى الأقل يزورنا هنا كتير علشان أخواته اللي متعلقين بيه.
اكفهرت ملامحها لتهب من فوقه وبلحظة كانت تقف على الأرض، تحدثت باعتراض:
- يزورنا، طب قول ربنا يهديه ويرجع يعيش معانا؟
نفض عنه الغطاء وبلحظة كان يقابلها الوقوف ليحتضن وجنتيها قبل أن يقول بتعقل:
- يوسف مش هيتخلى عن أخته، ده تربية إيدي وأنا أدرى بيه.
ثم تابع ناصحًا:
- ياريت تأقلمي نفسك على كده علشان ما تتعبيش وتتعّبيني معاكِ.
تملك الألم من ملامحها وارتسم الحزن لتنزل عينيها للأسفل مما جعله يتألم لأجلها فتحدث وهو يتأمل عينيها:
- وحياة فؤاد عندك لتهدي وتسيبي الولد يعمل اللي يريحه، يوسف مبقاش صغير يا بابا، ده راجل ومش أي راجل، يوسف راجل يعتمد عليه وسند لأخته.
تنهدت بألم، لا تنكر أنها تحاول جاهدة مؤخرًا الاعتياد على هذا الوضع الذي فرض عليها، لكن قلب الأم لا يستوعب ولا ولن يتقبل بعد، ذاك الذي لطالما رأته ذاك الصغير ذو الستة أعوام والتي حاربت من أجله عالمها بأجمع.
جذبها لتسكن أحضانه، تنهدت براحة شعرت بها لتستمتع بلمسات يده الحنونة وهي تصول فوق ظهرها بنعومة وهمسات بكلمات حنونة من ذاك العاشق جعلتها تدخل في حالة من الاسترخاء، تلاشت بلحظة دخول ذاك المشاغب الصغير الذي اقتحم الباب وهو يقول:
- أنتوا بتعملوا إيه؟!
انتفضت لتبتعد سريعًا ليتحدث إليها متعجبًا:
- فيه إيه يا إيثار؟!
ابتلعت لعابها خجلًا ليتابع بحدة:
- محسساني إنه قفشنا في وضع مخل، أنت لابسة كامل هدومك وحجابك يا بابا.
ثم تطلع على ذاك الذي يربع ذراعيه ليتابع بحدة وغضب طفولي:
- جو قرب ييجي وأنتوا لسه منزلتوش، دي زوزة عملت له الجيلي اللي بيحبه، وأنا كمان بحبه معاه.
كظم فمه لينطق بمداعبة:
- اسكت يلا، كلامك بيعمل مشاكل.
ابتسمت زينة على الصغير لتقول بهدوء:
- أنت جميل قوي يا "مالك".
- وأنت كمان.
بات يتطلع بعينيه باحثًا عنها بلهفة بين جميع الحضور، أصابه الإحباط عندما تأكد من عدم وجودها، أقبلت عليه والدته التي احتضنته بحبور تجلى بعينيها، وباتت تربت على ظهره بحنان وهي تقول:
- نورت بيتك يا حبيبي.
لتبتعد قليلًا تحتضن وجنتيه متلهفة وهي تقول:
- وحشتني يا جو، وحشتني قوي يا حبيبي.
بلهفة لا تقل عن لهفتها تحدث وهو يحتوي ذراعيها بكفيه:
- أنت كمان يا قلبي وحشتيني قوي، طمنيني عليكِ يا ماما.
هتفت بسعادة وعينين تتلالأ بهما دموع الفرح:
- أنا بخير لما شوفتك قدامي يا يوسف.
التفتت إلى تلك التي تقف وشعرت بحرجها، أقبلت عليها لتحتضنها وهي ترحب بها بحفاوة وسعادة:
- نورتي يا "زينة"، إزيك يا حبيبتي.
لطالما وضعتها بخانة المظلوم وأشفقت عليها وعلى الطريقة التي أتت بها إلى الحياة، لكن تعاطفها تضاعف بعدما ذهبت إلى منزل "حسين" ورأت بعينيها تلك الحياة البائسة التي نشأت وكبرت بها.
كانت تتمسك بذراع يوسف وتتطلع على تلك الدخيلة بحدة وتقييم لهيأتها قبل أن يوجه يوسف إليها الحديث:
- مش هتسلمي على "زينة" يا "تاجي"؟
يناديها بـ تاجي كنوع من الدلال والغنَج ونسبها إليه كونها الفتاة الوحيدة بالمنزل والتي لاقت من الجميع دلالًا لو قام توزيعه على بلدة بأكملها لكفى وفاض.
تنهدت بثقل وبابتسامة متصنعة تحدثت:
- إزيك.
برغم الشعور بعدم التقبل الذي وصل لديها من تلك المراهقة إلا أنها عذرت تفكيرها كونها فتاة صغيرة وتحدثت بابتسامة بشوش:
- الله يسلمك يا "تاج".
أما ذاك الخلوق زين فتحدث باحترام:
- أخبارك إيه يا "زينة"؟
فجميع أشقائه تعرفوا عليها بالسابق أثناء زيارة شقيقهم، أجابته بابتسامة:
- أنا بخير الحمد لله يا "زين".
- عامل إيه يا بطلي في المذاكرة؟
جملة قالها يوسف بحفاوة لذاك الرزين الذي عدل من وضع نظارته الطبية قبل أن يقول بجدية ووقار يسبقان سنوات عمره القليلة:
- كويس جدًا يا جو، بتبع نصايحك في المذاكرة.
- ربنا يبارك فيك يا حبيبي...
قالها ثم نظر لشقيقته "زينة" يتمسك بكفها ويتحرك للأمام كي لا تشعر بوحدتها، توقف ليُقبل على "علام" الذي فتح ذراعيه يستقبله بحفاوة:
- الندل اللي نسي جده خلاص.
احتضنه بقوة ليقول بتأثر:
- مش علام باشا اللي يتنسي، حضرتك علامة بتثبت وتستوطن جوة عقل أي حد يشوفك ولو مرة، فما بالك باللي عاش واتربى جوة حضنك يا حبيبي.
تأثر بكلماته لدرجة أنه كاد أن يوشك على البكاء، لكنه تماسك وضمه من جديد ليشتم رائحته العطرة التي تتوق إليها، نطق بعتب عليه:
- كده يا يوسف، تسيب حبيبك بعد ما كبر وعجز وبقى محتاج لك تسنده في شيبته.
ثم ابتعد تحت تأثر كل من حوله ليتابع وهو يخبط على وجنته بخفة:
- ده أنا كنت بقول لنفسي إنك هتبقى عكازي يا ندل.
- وأنا روحت فين بس يا باشا، أنا تحت الأمر ورهن إشارتك...
ليتابع بصدق وعينين متأثرتين:
- في أي لحظة تحتاجني رن لي، هتلاقيني تحت رجليك في ثانية.
ربت عليه ليميل على وجنته يقبلها باشتياق مما أسعد قلب يوسف، لتجذبه تلك الحنون التي تشوقت هي الأخرى وطال انتظارها لاحتضانه:
- هو دلع جدك "علام" هينسيك تيتا ولا إيه يا جو.
- حبيبة قلبي وحشتيني...
احتضنها بقوة لتبتسم بسعادة وتقول:
- أنت اللي وحشتني جدًا يا "يوسف".
استقبل علام الفتاة قائلًا:
- إزيك يا "زينة"، عاملة إيه يا بنتي.
- الحمد لله حضرتك.
استقبلتها أيضًا عصمت بترحيب عالٍ أسعد قلبها وبث بداخله الطمأنينة.
- إزيك يا حبيبي...
قالتها فريال وهي تقبل خديه بحفاوة، فقد تربى على يدها واتخذته كنجليها تمامًا، نطق بسعادة:
- الله يسلمك، إزي حضرتك.
لكزته بكتفه بقوة قبل أن تهتف باعتراض:
- إيه حضرتك دي يا ولد، نسيت أيام ما كنت لسه بشورت وبتقولي.
وقلدت صوت طفولته:
- تعالي العبي معايا لحد ما جدو علام ييجي من الشغل يا عمتو.
أطلق الجميع ضحكاتهم تحت غضب "ماجد" وحدة نظراته المصبوبة كسهام نارية إلى زوجته التي تجاهلته تمامًا لتحول بصرها إلى تلك المجاورة لـ إيثار:
- أنت زينة؟
أومأت بصمت وخجل لتتابع الأخرى بانبهار:
- ده أنت طلعتي جميلة قوي يا زينة، زي القمر يا حبيبتي.
وأقبلت تقبلها تحت شعور الفتاة بالاطمئنان والراحة من قبل تلك الحنون.
أما "ماجد" فأقبل باسطًا كفه إلى "يوسف" كي لا يدع الجميع يلاحظون العداوة، فهو شخص شديد الذكاء يتمتع بالخبث والدهاء معًا، وتلك العادات طارئة عليه نتيجة حقده مما حدث من مستجدات مؤخرًا، كخسارته الكبيرة بحلم ابنته الوحيدة واستيلاء إيثار ووضع يدها على جميع أملاك العائلة من وجهة نظره وما تبثه والدته من سموم داخل نفسه، فلطالما عامله أمام الجميع بمنتهى اللطف، بينما ينتهز فرصة انفرادهما ويمارس عليه شعور القوة ليقهره ويشعره بالضعف، ويقوم بالتقليل منه كي يجبره على الابتعاد مرغمًا عن "بيسان":
- إزيك يا يوسف.
- الحمد لله يا دكتور...
نطقها بقامة مرتفعة ليشيح عنه نظره سريعًا لعدم تقبله للنظر إليه مؤخرًا.
ظهر فؤاد حيث كان بالداخل يعمل على بعض الملفات الهامة لتخبره العاملة، بابتسامة سعيدة فتح ذراعيه ليقبل عليه الآخر بلهفة ويرتمي بأحضانه مستندًا برأسه فوق كتفه مثلما كان يفعل دومًا، فلطالما كان له السند والدفء والعون بعد الله، تحدث وهو يشدد من تمسكه به وكأنه يتمنى الرجوع إلى الماضي وطفولته البريئة:
- إزيك يا أنكل، وحشتني.
ربت فؤاد على ظهره بحنان قبل أن ينطق بصوت متأثر:
- عامل إيه يا حبيبي.
ابتعد قليلًا وتحدث:
- أنا بخير الحمد لله، وحشتني مناقشاتنا وقعدة الجنينة بالليل.
ابتسم له وتنهد متأثرًا قبل أن يقول:
- تعالى كل يوم يا حبيبي وإحنا نقعد زي زمان، هات أختك وتعالى، ده بيتك يا جو.
أومأ بابتسامة فقال فؤاد من جديد:
- مجهز لك ماتش هنلعبه مع بعض بالليل، ومش هرتاح غير لما أغلبك النهار ده.
- وأنا مستعد للهزيمة لخاطر عيونك يا باشا...
قالها وهو يتحرك بجواره ليقول فؤاد بمشاكسة:
- بس يلا يا بكاش، كل مرة بتقول فيها كده وبردو بتهزمني، ومش أي هزيمة، ده بيكون فوز ساحق.
بدعابة تحدث:
- ما أنت اللي ما بتعرفش تلعب يا باشا، لا وفاكر لي نفسك حريف.
تشاركا القهقهة ليجد من تهرول إليه لتحتضنه بحفاوة قائلة:
- كده تيجي من غير ما تسأل عليا يا يوسف؟
- والله يا حبيبتي كنت لسه هدخل لك.
- سماح المرة دي، أما أنا بقى عاملة لك طاجن مسقعة باللحمة المفرومة، هتاكل صوابعك وراه.
- طول عمري وأنا بعشق أكلك يا وزة...
قالها بدلال لتبتسم ثم تحدثت إلى فؤاد:
- شايف الناس اللي كلامها زي البلسم يا باشا.
وربتت على صدرها بكف يدها لتتابع بفخر وهي تهز رأسها:
- تربيتي.
اتسعت عينيه ليتحدث بذهول:
- بقى المحترم ده تربيتك أنت؟!
***
باللحظة الأولى التي اتخذت بها قراري الحاسم بالابتعاد عنك، كنت أعلم أنه ليس بالقرار السهل على كلانا، وكيف للمرء أن يتخلى بسلاسة عن خليل روحه دون اختلال حياته وفقدانه للاتزان الكامل. لقد رافق كل منا رحلة حياة الآخر منذ أن كنا صغارًا حتى أصبحنا بريعان شبابنا. لطالما كنتِ بعيني كزهرة برية رائعة المظهر، طيب عطرك سابقًا لخطواتك، ولطالما كنتِ الأنثى المفضلة لدي، بل الأفضل والأروع على الإطلاق وستبقين. برغم يقيني من هلاك قلبي جراء ابتعادك عنه، لكنني اتخذت ذاك القرار عن قناعة امتثالًا لكرامتي وعزة النفس. قمعت مشاعري وضغطت على جرح قلبي بيدي وتركته يتلوّع وجعًا من شدة الاشتياق. ادّعيت الصمود لأقف شامخًا وبيدي كظمت صرخات قلبي الذي يئن ألمًا لكي أتفادى الانهيار. حاولت جاهدًا ألا أرى عيناكِ لكي لا أفقد طاقة صبري وينزف جرحي من جديد وأسرع مهرولًا كي أضمّك بروحي لإطفئ نار اشتياقي. واليوم قد عدت، وها أنا الآن أقف أمام سحر عينيكِ لينفجر قلبي صارخًا من مجرد رؤيا من تمكنت من استيطان العقل وامتلاك لب القلب وثنايا الروح.
"يوسف عمرو البنهاوي"
بقلمي "روز أمين"
***
داخل الشقة التي استأجرها يوسف ليقطن بها هو وشقيقته، دقت الساعة الحادية عشر ظهرًا، ارتدى كامل ثيابه ونثر عطره الرجولي على جسده بسخاء، تطلع على حاله عبر المرآة، انتفض قلبه بقوة داخل صدره عندما تذكر أنه من المحتمل أن يراها اليوم، هي من تملكت من القلب والعقل معًا، لقد نشأ غرامها بداخله تزامنًا مع سنوات عمرهما معًا، تذكر دموعها باليوم الذي تركها به، يا الله، كم كان يومًا كئيبًا بل الأبشع على الإطلاق منذ نشأته، حتى أن حزنه في ذاك اليوم فاق صرخات قلبه الرافضة حين عَلِم بقصة عائلته، ألم قوي اقتحم قلبه ليزلزل كيانه بالكامل حين لاحت بمخيلته مشهد دموعها وتأوه قلبها النازف وهي تترجاه وتتوسله بكل ما هو عزيز لديه بألا يفعل بهما هذا.
عودة لما قبل الشهرين.
أصبحت رؤيته لوجه ذاك الـ "ماجد" تثير اشمئزازه وتورق عليه حياته، وما عاد فيه تحمل سخافاته أكثر من ذاك، بالإضافة إلى وضع شقيقته المزرِي، فمنذ أن علم بوجودها وذهب لرؤيتها التي صدمته، فما كان يخطر على باله أن تكون تلك هي حالة شقيقته، تأثر كثيرًا وبات يضغط على حاله في البحث عن فرص عمل أكثر عبر الإنترنت ليزيد من فرصة كسبه للمزيد من المال من أجل انتشال تلك البائسة والنأي بها من مستنقع العوز الذي حيت بداخله منذ نشأتها، انغمس في المذاكرة وتطوير ذاته بالإضافة إلى العمل كي يشغل كل وقته، انعزل في غرفته وبات يقضي بها معظم وقته أثناء تواجده في المنزل كي يقلل من فرص رؤية ماجد وأيضًا بيسان، مما جعل حالة إيثار تتأثر سلبًا من عزلته، استطاع جمع المال من عمله وبلحظة قرر الرحيل، قام بتأجير مسكن في منطقة متوسطة الحال وقرر إخبار مالكة القلب، ذهب إليها في الجامعة، فذاك هو المكان الوحيد الذي يستطيع أن يراها به دون قيود، هاتفها ففرحت كثيرًا وانتظرته، وصل إلى الجامعة وجدها تنتظره بلهفة داخل الفناء، هرولت عليه لتنطق بحبور ظهر جليًا بمقلتيها الساحرتين:
- يوسف، أنا مبسوطة قوي إنك طلبت تقابلني، أخيرًا هتفوق وتبطل تاخدني بذنب بابي.
مع كل كلمة تنطقها كانت تزيد من إيلام روحه وأنين قلبه الذي امتلأ شروخًا وما عاد فيه الاحتمال، أكملت لتزيد من عذاباته:
- أنت وحشتني قوي يا يوسف.
واسترسلت بقلب يفيض غرامًا ويترجم ذاك الشعور ليظهر جليًا بعينيها:
- بص لي يا يوسف، عيونك وحشتني قوي.
انتفض قلبه صارخًا يئن ألمًا مطالبًا إياها بالرحمة والكف عن تلك الكلمات التي ما تزيد روحه إلا مزيدًا من الوجع، بحث عن صوته كثيرًا وترجاه كي يظهر ولا يخجله، ليمتثل لأمره قائلًا:
- إحنا لازم نتكلم يا "بيسان".
- أول مرة تقول لي يا "بيسان" وإحنا لوحدنا!...
قالتها بحزن وخيبة أمل لتتابع بحيرة:
- مالك يا "يوسف"، فيك إيه يا حبيبي؟
كلماتها جالدة للذات، نظراتها كصرخات تنزل على جسده تشعل ناره، بلحظة فكر بأن ينصاع لنداء قلبه ويشق صدره ليخبأها داخله ويرحل مهرولًا تاركًا عالمه المظلم ذاك، ويحيا معها حياة العاشقين، ينهل من شهد غرامها ويسقيها من كأس عشقه العظيم، لكن العقل والضمير متيقظان ويقفان لذاك القلب بالمرصاد، بصعوبة أخرج صوته بعدما حسم أمره:
- تعالي نتكلم برة في العربية.
سعد داخلها ومَنّت حالها بأنه عاد معتذرًا عن كل ما مضى من الابتعاد اللعين الذي قرره منذ ما يتخطى الستة أشهر، أمسكت كفه سريعًا وضمته بين راحتها لتنطق وهي تتعمق بمقلتي ذاك الذي انتفض جسده بالكامل من إثر لمستها معلنًا العصيان على ذاك العقل الجاحد، رغمًا عنه أطبق أنامله يحتوي كفها وترك لجام قلبه ليستمتع بلمساتها الأخيرة، وصلا للسيارة لكنه توقف أما الباب الخاص به ولم يفعل ككل مرة كان يهرول بها ويفتح لها الباب حتى تجلس براحة ويطمئن على وضعيتها ثم يغلقه بهدوء كي لا يزعجها بصوته، وقفت تتطلع على ذاك الذي ناظرها بملامح جامدة وهو يقول:
- اركبي يا بيسان.
تنهدت وتحركت بساقين متثاقلتين تجر بهما أذيال خيبتها، استقلت بجواره لتجده يتطلع أمامه متمركزًا بمقلتيه في نقطة اللاشيء، تلاشت حدسها المتشائم لتسأله بنبرة متفائلة رغم ما تشعر به من أعاصير قادمة:
- مش هتتحرك، تعالى نروح الكافية بتاعنا ونشرب الكابتشينو اللي بنحبه.
نظر للأمام وبمنتهى القسوة تحدث:
- مش هينفع، إحنا هنتكلم هنا، وبعدها هتنزلي وتاخدي عربيتك وتروحي على بيتك.
توقف لوهلة ثم ابتلع لعابه يجاهد بإخراج الكلمة التي خرجت حروفها كأنها تصرخ بأعلى صوتها:
- وتنسيني للأبد.
فغر فاهها ببلاهة، لم تستوعب ما نطق به، تشوش عقلها وكأنه رافض تصديق ما وصله، نطقت بحروف متقطعة:
- أنساك إزاي يعني، هو فيه إيه يا يوسف؟!
تطلع عليها بجمود حارب ليستطيع الصمود عليه، تابعت وهي تهز رسغه عله يستفيق:
- يوسف، أنت بتخوفني بكلامك ده، أرجوك اتكلم وطمني.
تنهد بقوة لينظر بعينيها قائلًا بما نزل على قلبها ليشطره بدون رحمة:
- أنا جاي أحلك من أي وعد وعدتهولك في يوم من الأيام، حكايتنا خلصت لحد كده.
- أنت بتقول إيه؟!...
قالتها بهلع لتتابع وهي تهزه من كتفه بقوة:
- فوق يا يوسف، فوق وشوف أنت بتقول إيه.
أخذ نفسًا مطولًا ليتماسك ثم تحدث ناطقًا:
- أنا فايق كويس قوي وعارف أنا بقول إيه، قراري أخدته بعد تفكير عميق، ولقيت إن ده أنسب حل ليا وليكِ، أنا أخدت شقة بعيد، وهنقل فيها النهاردة، هعيش فيها أنا وأختي، والقصر أنا مش هرجعه تاني.
صرخت ودموعها شرعت بالهطول كأمطار غزيرة بليلة شتوية شمسها غائب:
- مش هسمح لك تدمر حلمنا علشان أوهام في دماغك، حرام عليك بقى.
- دي مش أوهام، فوقي بقى، ده الواقع اللي عايشينه...
كلمات نطقها بنظرات حادة ليتابع بصياح مرتفع أرعبها وأصاب جسدها بالانتفاض:
- أنت فاكرة إيه؟ سهل قوي بالنسبة لي لما أجي وأقولك خلاص، إحنا لازم نسيب بعض، أنا بموت من جوايا وأنا بنطق الكلمة.
ليتابع مسترسلًا بألم:
- بس خلاص، الواقع بيقول إن حكايتنا خلصت لحد كده.
مالت برأسها ونطقت وقلبها يتمزق:
- وأنا المفروض أعمل إيه الوقت، أضغط على زرار النسيان جوايا وأنزل من عربيتك ناسيه كل حاجة كانت بينا؟!
وتابعت بوجع وهي تبتسم ساخرة مشيرة بكفها:
- ذكريات سنين طويلة بقى، وحب عمره قد سنين عمري، مشاعر اتخلقت جوانا ومواقف عشناها زودت ارتباطنا ببعض.
تابعت بدموعها المنهمرة:
- لمسات ونظرات زودت من ارتباط روحنا، وكلام هيج جنون حبنا لبعض، أحلام حلمناها وصدقناها وسعينا نحققها، المفروض إني أضغط على زرار وأعمل delete لكل المشاعر دي؟!
طالعها بعينين تتلألأ بداخلهما دموع القهر والخذلان لتتابع بضعف ودموع وهي تهز كتفيها مستسلمة:
- طب قولي أنت يا "يوسف"، أعمل إيه؟
- ده نصيبنا ولازم نرضى بيه...
قالها باستسلام طارئ على شخصيته القوية ولا يليق به، لتصرخ باعتراض:
- ده مش نصيبنا، ده قرارك الأناني اللي أخدته لأنك ضعيف ومش قد المواجهة.
اتسعت عينيه ليصيح بحدة معترضًا:
- أنا مش ضعيف.
بحدة مماثلة عارضته:
- لا ضعيف، وطلعت مش راجل كمان زي ما كنت فكراك يا يوسف، لأن مفيش راجل بيتخلى عن وعد إداه لواحدة سلمت له قلبها واطمنت على نفسها وهي معاه.
هتف بحدة تنم عن مدى ما أصابه من غضب جراء حديثها المهين له كرجل شرقي حر:
- أنا لو مش راجل بجد، ما كنتش قتلت نفسي في الشغل علشان أقدر أتحمل تكاليف العيشة أنا وأختي لوحدنا، لو مش راجل، كنت سيبت أختي لكلاب الشوارع تنهش فيها وأنا عايش مرتاح وملك زماني في قصر علام باشا.
أشارت على حالها تسأله بذهول وعدم استيعاب:
- طب وأنا يا يوسف، ما فكرتش فيا زي ما فكرت في أختك وفي معاملة بابا ليك؟!
بكلمات جادة وملامح وجه جامدة أجابها:
- فكرت، ولقيت إن أبوكِ عنده حق في تفكيره، هو من حقه يطمن عليكِ مع راجل من عيلة محترمة.
- هترضاها عليا يا "يوسف"؟! هتتحمل تشوف "بيسان" مع راجل غيرك؟!
برغم كلماتها المميتة والذي أشعلت داخله وحولته لجحيم مستعر إلا أنه تظاهر بعكس ما يدور وتحدث ببرود قاتل:
- ربنا يوفقك مع الإنسان اللي يستاهلك بجد.
ذهول وحالة من النكران وعدم الاستيعاب سيطرت عليها وشلت جميع حواسها، صمت رهيب دام لبضعة دقائق.
- انزلي يا بيسان.
شهقت من شدة ذهولها لكلمته ليتطلع أمامه ويقول بنبرة ضعيفة أظهرت كم الآلام الساكنة روحه:
- انزلي بقى...
نطقها بصوت يئن وجعًا لترتفع شهقاتها ليدفع بيده فوق عجلة القيادة وبات يدق عليها بصراخ كمجنون:
- انزلي، يلا انزلي وانسيني، انزلي بقول لك.
اتسعت عينيها وصاحبتها انتفاضة قوية لجسدها لتمسك بمقبض الباب بيد مرتعشة وتفتحه لتهرول هاربة ودموعها تتدفق كشلالات فوق وجنتيها جعلت من كل المارة ينظرون عليها باستغراب وشفقة، كانت تجفف دموعها بكفيها معتقدة بأنها ستتوقف، هرولت على السيارة لتفتح بابها بارتباك ويد مرتعشة، وأخيرًا ارتمت فوق مقعدها لتتوارى خلف زجاجها المفيم من أعين الجميع التي ألحقت بها تتفرسها.
"عودة للحاضر"
اعتصر قنينة عطره بقوة ولولا صلابة زجاجها لتحطمت وتحولت لأشلاء مزقت راحته، تنهد والألم يعتصر قلبه ثم زفر محاولًا طرد ذاك الشعور المرير، يشعر بالحقارة لتخليه عنها لكنه ليس بالرجل الذي يفرض حاله على أحد، يكفيه شعورًا بالرضا أنه احتوى شقيقته ليرحمها من قسوة الزمن، ومَن منا يستطيع الحصول على كل ما يريد، فهكذا هي الحياة، تنتزع منا أشياء لتمنحنا أخرى بالمقابل.
خرج من غرفته ليقف في البهو وهو ينادي:
- زينة، لو جهزتي يلا علشان ما نتأخرش على الناس.
فتح الباب وخرجت منه وكأنها كانت تنتظر ورائه، كانت ترتدي ملابس عصرية لائقة أظهرتها بصورة رائعة، فقد عرضها على إحدى خبراء الأزياء لتنتقي لها ما يناسبها من حيث تناسق الجسد ولون البشرة ولم تنسى احتشامها والحجاب، تطلع عليها وقال بابتسامة لطيفة:
- زي القمر يا زينة.
ابتسمت وشعرت ببعض الراحة التي غابت عنها منذ أن علمت بتلك الزيارة وضرورتها ليوسف، أقبل عليها وتمسك بكفها لينطق محاولًا طمأنتها:
- ما تقلقيش، الناس اللي رايحين عندهم دول، لطفاء جدًا، أنا متأكد إنك هتحبيهم وهما كمان هيحبوكِ.
تبسمت لتقول بهدوء كعادتها:
- أهم حاجة عندي إنك تكون مبسوط يا يوسف.
أمسك ذقنها بحنو ليقول:
- أنا مبسوط طول ما أنتِ مرتاحة يا زينة.
لطالما كانت كلماته داعمًا عظيمًا يبث داخلها شعور الراحة والثقة بالنفس والاطمئنان.
تحركت بجواره وبعد قليل كانا يلجان بالسيارة داخل القصر، تطلع أمامه ليُذهل لرؤية انتظار الجميع له واصطفافهم وكأنهم ينتظرون تشريفة لأحد الشخصيات الهامة بالدولة، توقف بالسيارة بمكانها المخصص ليرى شقيقته رائعة الجمال "تاج" وهي تهرول عليه لتلقي بحالها داخل أحضانه تتنعم بدفئها الحنون وهي تقول:
- يا جو وحشتني يا حبيبي.
ابتسم بقوة ليضمها وبات يقبل رأسها قائلًا:
- يا حبيبي أنت كمان وحشتيني جدًا.
وصل ذاك العابث الصغير ليهز بنطاله متسائلًا باعتراض وتذمر:
- وأنا مش وحشتك ولا إيه يا جو؟
قهقه على ذاك المشاغب لينحني بطوله الفارع ويلتقطه يثبته بأحضانه ليزيد من قبلاته الشغوفة ويقول:
- ده أنت أكتر واحد بتوحشني في الدنيا كلها.
أشار إلى زينة قائلًا بطفولية:
- إزيك يا "زينة"، مامي قالت لي أعاملك بلطافة علشان مش أتعاقب.
كظم فمه لينطق بمداعبة:
- اسكت يلا، كلامك بيعمل مشاكل.
ابتسمت زينة على الصغير لتقول بهدوء:
- أنت جميل قوي يا "مالك".
- وأنت كمان.
بات يتطلع بعينيه باحثًا عنها بلهفة بين جميع الحضور، أصابه الإحباط عندما تأكد من عدم وجودها، أقبلت عليه والدته التي احتضنته بحبور تجلى بعينيها، وباتت تربت على ظهره بحنان وهي تقول:
- نورت بيتك يا حبيبي.
لتبتعد قليلًا تحتضن وجنتيه متلهفة وهي تقول:
- وحشتني يا جو، وحشتني قوي يا حبيبي.
بلهفة لا تقل عن لهفتها تحدث وهو يحتوي ذراعيها بكفيه:
- أنت كمان يا قلبي وحشتيني قوي، طمنيني عليكِ يا ماما.
هتفت بسعادة وعينين تتلالأ بهما دموع الفرح:
- أنا بخير لما شوفتك قدامي يا يوسف.
التفتت إلى تلك التي تقف وشعرت بحرجها، أقبلت عليها لتحتضنها وهي ترحب بها بحفاوة وسعادة:
- نورتي يا "زينة"، إزيك يا حبيبتي.
لطالما وضعتها بخانة المظلوم وأشفقت عليها وعلى الطريقة التي أتت بها إلى الحياة، لكن تعاطفها تضاعف بعدما ذهبت إلى منزل "حسين" ورأت بعينيها تلك الحياة البائسة التي نشأت وكبرت بها.
كانت تتمسك بذراع يوسف وتتطلع على تلك الدخيلة بحدة وتقييم لهيأتها قبل أن يوجه يوسف إليها الحديث:
- مش هتسلمي على "زينة" يا "تاجي"؟
يناديها بـ تاجي كنوع من الدلال والغنَج ونسبها إليه كونها الفتاة الوحيدة بالمنزل والتي لاقت من الجميع دلالًا لو قام توزيعه على بلدة بأكملها لكفى وفاض.
تنهدت بثقل وبابتسامة متصنعة تحدثت:
- إزيك.
برغم الشعور بعدم التقبل الذي وصل لديها من تلك المراهقة إلا أنها عذرت تفكيرها كونها فتاة صغيرة وتحدثت بابتسامة بشوش:
- الله يسلمك يا "تاج".
أما ذاك الخلوق زين فتحدث باحترام:
- أخبارك إيه يا "زينة"؟
فجميع أشقائه تعرفوا عليها بالسابق أثناء زيارة شقيقهم، أجابته بابتسامة:
- أنا بخير الحمد لله يا "زين".
- عامل إيه يا بطلي في المذاكرة؟
جملة قالها يوسف بحفاوة لذاك الرزين الذي عدل من وضع نظارته الطبية قبل أن يقول بجدية ووقار يسبقان سنوات عمره القليلة:
- كويس جدًا يا جو، بتبع نصايحك في المذاكرة.
- ربنا يبارك فيك يا حبيبي...
قالها ثم نظر لشقيقته "زينة" يتمسك بكفها ويتحرك للأمام كي لا تشعر بوحدتها، توقف ليُقبل على "علام" الذي فتح ذراعيه يستقبله بحفاوة:
- الندل اللي نسي جده خلاص.
احتضنه بقوة ليقول بتأثر:
- مش علام باشا اللي يتنسي، حضرتك علامة بتثبت وتستوطن جوة عقل أي حد يشوفك ولو مرة، فما بالك باللي عاش واتربى جوة حضنك يا حبيبي.
تأثر بكلماته لدرجة أنه كاد أن يوشك على البكاء، لكنه تماسك وضمه من جديد ليشتم رائحته العطرة التي تتوق إليها، نطق بعتب عليه:
- كده يا يوسف، تسيب حبيبك بعد ما كبر وعجز وبقى محتاج لك تسنده في شيبته.
ثم ابتعد تحت تأثر كل من حوله ليتابع وهو يخبط على وجنته بخفة:
- ده أنا كنت بقول لنفسي إنك هتبقى عكازي يا ندل.
- وأنا روحت فين بس يا باشا، أنا تحت الأمر ورهن إشارتك...
ليتابع بصدق وعينين متأثرتين:
- في أي لحظة تحتاجني رن لي، هتلاقيني تحت رجليك في ثانية.
ربت عليه ليميل على وجنته يقبلها باشتياق مما أسعد قلب يوسف، لتجذبه تلك الحنون التي تشوقت هي الأخرى وطال انتظارها لاحتضانه:
- هو دلع جدك "علام" هينسيك تيتا ولا إيه يا جو.
- حبيبة قلبي وحشتيني...
احتضنها بقوة لتبتسم بسعادة وتقول:
- أنت اللي وحشتني جدًا يا "يوسف".
استقبل علام الفتاة قائلًا:
- إزيك يا "زينة"، عاملة إيه يا بنتي.
- الحمد لله حضرتك.
استقبلتها أيضًا عصمت بترحيب عالٍ أسعد قلبها وبث بداخله الطمأنينة.
- إزيك يا حبيبي...
قالتها فريال وهي تقبل خديه بحفاوة، فقد تربى على يدها واتخذته كنجليها تمامًا، نطق بسعادة:
- الله يسلمك، إزي حضرتك.
لكزته بكتفه بقوة قبل أن تهتف باعتراض:
- إيه حضرتك دي يا ولد، نسيت أيام ما كنت لسه بشورت وبتقولي.
وقلدت صوت طفولته:
- تعالي العبي معايا لحد ما جدو علام ييجي من الشغل يا عمتو.
أطلق الجميع ضحكاتهم تحت غضب "ماجد" وحدة نظراته المصبوبة كسهام نارية إلى زوجته التي تجاهلته تمامًا لتحول بصرها إلى تلك المجاورة لـ إيثار:
- أنت زينة؟
أومأت بصمت وخجل لتتابع الأخرى بانبهار:
- ده أنت طلعتي جميلة قوي يا زينة، زي القمر يا حبيبتي.
وأقبلت تقبلها تحت شعور الفتاة بالاطمئنان والراحة من قبل تلك الحنون.
أما "ماجد" فأقبل باسطًا كفه إلى "يوسف" كي لا يدع الجميع يلاحظون العداوة، فهو شخص شديد الذكاء يتمتع بالخبث والدهاء معًا، وتلك العادات طارئة عليه نتيجة حقده مما حدث من مستجدات مؤخرًا، كخسارته الكبيرة بحلم ابنته الوحيدة واستيلاء إيثار ووضع يدها على جميع أملاك العائلة من وجهة نظره وما تبثه والدته من سموم داخل نفسه، فلطالما عامله أمام الجميع بمنتهى اللطف، بينما ينتهز فرصة انفرادهما ويمارس عليه شعور القوة ليقهره ويشعره بالضعف، ويقوم بالتقليل منه كي يجبره على الابتعاد مرغمًا عن "بيسان":
- إزيك يا يوسف.
- الحمد لله يا دكتور...
نطقها بقامة مرتفعة ليشيح عنه نظره سريعًا لعدم تقبله للنظر إليه مؤخرًا.
ظهر فؤاد حيث كان بالداخل يعمل على بعض الملفات الهامة لتخبره العاملة، بابتسامة سعيدة فتح ذراعيه ليقبل عليه الآخر بلهفة ويرتمي بأحضانه مستندًا برأسه فوق كتفه مثلما كان يفعل دومًا، فلطالما كان له السند والدفء والعون بعد الله، تحدث وهو يشدد من تمسكه به وكأنه يتمنى الرجوع إلى الماضي وطفولته البريئة:
- إزيك يا أنكل، وحشتني.
ربت فؤاد على ظهره بحنان قبل أن ينطق بصوت متأثر:
- عامل إيه يا حبيبي.
ابتعد قليلًا وتحدث:
- أنا بخير الحمد لله، وحشتني مناقشاتنا وقعدة الجنينة بالليل.
ابتسم له وتنهد متأثرًا قبل أن يقول:
- تعالى كل يوم يا حبيبي وإحنا نقعد زي زمان، هات أختك وتعالى، ده بيتك يا جو.
أومأ بابتسامة فقال فؤاد من جديد:
- مجهز لك ماتش هنلعبه مع بعض بالليل، ومش هرتاح غير لما أغلبك النهار ده.
- وأنا مستعد للهزيمة لخاطر عيونك يا باشا...
قالها وهو يتحرك بجواره ليقول فؤاد بمشاكسة:
- بس يلا يا بكاش، كل مرة بتقول فيها كده وبردو بتهزمني، ومش أي هزيمة، ده بيكون فوز ساحق.
بدعابة تحدث:
- ما أنت اللي ما بتعرفش تلعب يا باشا، لا وفاكر لي نفسك حريف.
تشاركا القهقهة ليجد من تهرول إليه لتحتضنه بحفاوة قائلة:
- كده تيجي من غير ما تسأل عليا يا يوسف؟
- والله يا حبيبتي كنت لسه هدخل لك.
- سماح المرة دي، أما أنا بقى عاملة لك طاجن مسقعة باللحمة المفرومة، هتاكل صوابعك وراه.
- طول عمري وأنا بعشق أكلك يا وزة...
قالها بدلال لتبتسم ثم تحدثت إلى فؤاد:
- شايف الناس اللي كلامها زي البلسم يا باشا.
وربتت على صدرها بكف يدها لتتابع بفخر وهي تهز رأسها:
- تربيتي.
اتسعت عينيه ليتحدث بذهول:
- بقى المحترم ده تربيتك أنت؟!
يا شيخة اتقي الله!
اتسعت عينيها ليتابع وهو يشير إلى "مالك":
- المتشرد اللي هناك ده هو اللي تربيتك.
وتابع مسترسلًا وهو يربط على كتف الشاب متباهيًا:
- لكن الباشمهندس تربية علام باشا.
- شايف يا يوسف الباشا بيعاملني إزاي؟
نطق بمشاكسة:
- الباشا بيحبك يا عزة، علشان كده بيحب يناغشك.
ابتسمت لتقول بلهفة:
- هروح أكمل تقطيع السلطة وأرجع لكم، مش هتأخر عليكم.
- لا خدي راحتك على الآخر يا عزة...
قالها فؤاد ليقهقه يوسف تحت تذمر تلك العزة.
اقتربا على الجميع ليتفاجأ يوسف بذاك الراقي "علام" وهو يحتوي كتفه بذراعه ويسحبه إلى المقاعد قائلًا بكثير من الحميمية والود:
- تعالى يا باشمهندس علشان تحكي لجدو على كل أخبارك.
- هنحكي ونتكلم للصبح يا باشا...
قالها بابتسامة مرحة ليتابع مسترسلًا وهو يتطلع لساعة يده الفخمة:
- نصلي الجمعة الأول لأن الخطبة خلاص هتبدأ بعد كام دقيقة.
تحدث فؤاد المحتضن نجليه زين وتاج:
- يلا الكل يدخل يتوضى ويجهز علشان الصلاة.
ثم تابع وهو يتطلع إلى زينة كي لا يشعرها بالغربة:
- يلا يا زينة ادخلي مع طنط إيثار وطنط فريال علشان تجهزوا للصلاة.
اعترضت فريال بحدة مصطنعة:
- إيه طنط دي يا سيادة المستشار، هو علشان جنابك عجزت وطلع لك كام شعرة بيضا في دقنك، هتكبرني أنا كمان؟!
هتفت إيثار باعتراض وهي تتحرك باتجاه زوجها لتحتضن ذقنه النابت بتباهي:
- فشرتي يا حبيبتي، ده الباشا لسه في عز شبابه وبكامل لياقته، والشعرتين اللي بتقولي عليهم دول موضة، اللي عندهم عشرين سنة صابغينهم.
- حبيبة حبيبها اللي دايمًا نصفاه يا ناس...
قالها غامزًا بعينه وهو يخرج زين ويجلبها لتسكن أحضانه، بينما نطقت تاج بتصفيق حاد:
- عاش يا باشا.
تطلعت فريال على زينة لتشير بكفها على كلتيهما:
- التطبيل عالي قوي من البنت ومامتها للباشا الصغير.
ضحك الجميع ثم تحرك الرجال إلى المسجد.
كانت تختبئ خلف ستائر غرفتها، تسترق البصر على جميع المارة بالشارع، تنتظر مروره إلى الجامع للصلاة، فمنذ أن لمحت سيارته وهي تدخل إلى المجمع السكني وهي تنتظر خروجه للصلاة بفارغ الصبر، انتفض قلبها حين لمحته يجاور جدها وشقيقه "زين" أما الصغير "مالك" فيتمسك بكف والده "فؤاد" ويسبقهم والدها، من حسن حظها أن الجميع توقف لتحية أحد المعارف، فابتعد قليلًا وترك الجميع، رغمًا عن عقله الراجح وجد حاله يرفع قامته للأعلى على أمل رؤية وجهها الذي تتوق لرؤياه بشدة، توارت سريعًا إلى الخلف لكي لا يلمحها ويرى ضعف قلبها، تنهد بألم حين وجد نافذة غرفتها خالية، ارتبك حين استمع لصوت ذاك البغيض:
- بلاش تبص لفوق كتير، اللي بيبص لفوق بيقع وتنكسر رقبته.
التفت ليطالعه بكبرياء ثم ابتسم ليقول بذات مغزى:
- المثل ده غلط يا دكتور، والدليل إن حضرتك لسه واقف ورقبتك ثابتة مكانها.
توسع بؤبؤ عينيه ليسأله بحدة:
- أنت تقصد إيه بكلامك ده يا ولد؟!
بنبرة صارمة ونظرات حادة كالصقر تحدث:
- أنا مش ولد، اسمي الباشمهندس "يوسف".
وأشار بكفه عندما لمح فؤاد وعلام يتحركون للأمام:
- صلاة الجمعة هتفوتك يا دكتور.
قالها لينطلق للأمام حين ناداه علام ليجاوره ويستند عليه لثقل حركته التي تأثرت بعوامل السن، اشتعل داخل ماجد ليمضي خلفهم مجبرًا.
بينما تلك العاشقة كانت تراقب صراع كل منهما تحت دموعها التي انهمرت بألم لتنعي حالها.
عاد الرجال من الصلاة والجميع متواجد بالحديقة عدا تلك العاشقة، بدأت العاملات برص طاولة الطعام، وأثناء تفقد علام للجميع لاحظ عدم تواجد حفيدته الغالية ليتطلع إلى ابنته يسألها مستفسرًا:
- فين "بيسان" يا فريال؟!
انتفض قلب ذاك العاشق حين ذكر اسمها لكنه ادعى عدم المبالاة تجنبًا لإثارة غضب "ماجد".
صمتت فريال لينطق ماجد سريعًا:
- عندها مذاكرة كتير يا باشا.
نطق متعجبًا:
- وهي المذاكرة تمنعها إنها تيجي تستقبل يوسف وأخته يا "ماجد"؟!
تلبك فتحدث "فؤاد" بحماس الشباب:
- أروح أنده لها يا جدو؟!
هتف ماجد بلحظة تهور منه متناسيًا حاله:
- اقعد يا ولد.
تعجب الجميع من حدته ليتحدث علام لحفيده:
- اقعد يا "فؤاد".
ولأنه يعلم مكر ماجد مؤخرًا وغضبه الذي يصبه على ذاك الشاب، نطق ليجعله يندم على ما قام به منذ القليل:
- أبوك هو اللي هيروح ينده لها بنفسه.
اتسعت عينيه بحدة وغضب لاحظه فؤاد واشتعل داخله، لكن سرعان ما تدارك حاله ليستدعي هدوئه في وجود ذاك الداهي ليتحدث بهدوء معتذرًا:
- هي لو عاوزة تحضر المقابلة يا باشا كانت جت، لكن هي بنفسها اللي اعتذرت وفضلت تشوف مستقبلها.
طالعته إيثار بغضب لأجل نجلها الحبيب، واشتعل صدرها بنار لو خرجت لحولت ذاك السخيف لجثة متفحمة، أما علام فهتف بقوة وصرامة لا تقبل المناقشة:
- روح هات البنت يا ماجد، ومتتأخرش، السفرة قربت تجهز، ومحدش هيتحرك ناحيتها إلا في وجود "بيسان".
احتدت ملامحه وامتلأت بشرارات القسوة قبل أن يحول بصره إلى ذاك الذي تحول لغريم بين ليلة وضحاها، وجده يتطلع أمامه بلامبالاة، من يراه يعتقد أنه غير عابئ بما يحدث، بينما داخله كالبركان الثائر يتشوق لرؤية عينيها بشدة، تحامل على حاله وبصعوبة أخرج كلماته:
- حاضر يا باشا، تحت أمرك.
قالها بابتسامة مرسومة وما أن استدار ووالى الجميع ظهره حتى تحولت ملامحه لغاضبة وعيناه باتت تطلق شزرًا لو خرج لحول المكان لجحيم، مالت عصمت على ابنتها التي تجاورها الجلوس لتسألها باستغراب:
- جوزك ماله يا فريال؟!
- ماجد اتجنن يا مامي، تصرفاته كلها بقت غريبة.
تفاجأت بحديث نجلتها فهي أكثر من عاشر ماجد من خلال احتكاكهما بالعمل بالإضافة إلى المنزل، لتنطق متعجبة:
- ليكون هو اللي مانع "بيسان" من إنها تيجي و"يوسف" هنا؟!
نطقت مؤكدة:
- بالظبط ده اللي حصل.
وتابعت:
- هحكي لك على كل حاجة، بس بعدين، لما نبقى لوحدنا.
أومأت المرأة متفهمة لتنظر لتلك الفتاة:
- نورتي بيتنا المتواضع يا "زينة".
- متشكرة يا أفندم...
قالتها بهدوء لتسألها الأخرى في محاولة منها لإدماجها بالحديث معهم:
- أنت بتدرسي إيه يا زينة؟
داخل منزل ماجد، ولج بعينين تطلق شزرًا ليهتف بصوته العالي:
- سمرة، أنت يا اللي اسمك سمرة.
خرجت العاملة تهرول لتجيب ذاك الغاضب بتوقير:
- أفندم يا دكتور.
- اطلعي اندهي لـ"بيسان" وخليها تنزل لي بسرعة.
هرولت تتسلق الدرج خشية بطش ذلك الحانق، أخبرتها بطلب والدها لتسألها الفتاة متعجبة:
- متعرفيش عاوزني في إيه؟
- لا يا أستاذة، بس هو باين عليه متعصب قوي.
- وإيه الجديد يا سمرة، مهو ده بقى العادي بتاع بابي...
وتابعت:
- روحي وأنا هغسل وشي وجاية وراكي.
بعد قليل كانت تقف تتدلى الدرج لينطق بحدة:
- اتفضلي قدامي على قصر جدك.
ضيقت بين عينيها قبل أن تسأله بفضول:
- هو مش حضرتك...
لم يدعها تكمل سؤالها لينطق كاظمًا غيظه:
- جدك عاوزك تحضري الغدا.
وتابع محذرًا:
- تحضري الغدا والولد اللي اسمه يوسف تبعدي عنه خالص، وبعد الغدا تعتذري من جدك وترجعي هنا، فاهمة يا "بيسان"؟!
نطقت بنبرة جادة أظهرت كم الوجع الذي يسكنها:
- سبق وقولت لحضرتك إن أنا ويوسف سبنا بعض خلاص، يعني مفيش داعي لكل اللي حضرتك بتعمله ده.
تنهد ببعض الراحة ليجدد حديثه:
- اللي عندي قولته، اتفضلي قدامي.
حمدت الله بسريرتها بأنها تأنقت بثوب كان يعشقه عليها وتجملت على أمل أن يجد بالأمور شيئًا وبالفعل حدث ما تحسبت إليه، كانت تتحرك بجوار والدها بقلب يطير كفراشة رائعة الألوان، وما أن اقتربت من البوابة حتى أخذت نفسًا عميقًا كي تستطيع ضبط النفس والتحكم بقلبها الراقص لرؤية الحبيب بعد شهرين تعمد من خلالهما عدم الإجابة على اتصالاتها والاختفاء من جميع الأماكن التي كانا يتقابلان فيها.
ولجت متلهفة لرؤياه وكذلك هو شعر بقدومها من خلال ضربات قلبه التي تزايدت وعلى صوتها، أقبلت على مكان جلوس الجميع وأخيرًا لمحته، كان يجلس بجوار جدها يتحدث معه بهيئته الجذابة، انتفض قلبها صارخًا متلهفًا يطالبها بالهرولة إليه والارتماء داخل أحضانه وليحدث بعدها ما يحدث، لم يكن حاله بأفضل منها، فقد تطلع إليها ليتوه بجمالها وأناقتها المعتادة، شعرها الحريري وهو يتطاير حولها بفضل نسمات الهواء المنعشة، انعكست خيوط الشمس وتعمدت على وجهها المستدير لتزيده نورًا وسحرًا، ابتلع لعابه حين رآها بذاك الثوب الذي لطالما عبر عن إعجابه به وأخبرها مدى روعته عليها، اقتربت لتنظر إلى جدها وتقول:
- ازيك يا جدو، بابي قال لي إن حضرتك عاوزني.
- طب مش تسلمي الأول على "يوسف"؟!
تحمحمت لتقول بلامبالاة مفتعلة:
- سوري، ما أخدتش بالي.
تطلعت إليه وبصوت جاد استطاعت السيطرة عليه تحدثت:
- إزيك يا باشمهندس.
برغم اجتهاده في إظهار عكس ما يحمله ذاك القلب المسكين إلا أنه أمام عينيها رمى بجميع وعوده وقوانينه الصارمة التي فرضها على حاله لمعاقبتها على أذناب لم تقترفها، ووقف ليقترب عليها وهو يبسط ذراعه لها استعدادًا لمصافحتها:
- إزيك يا "بيسان".
يا الله، كم كانت تتشوق لاستماع نبرات صوته الرجولية وهو ينطق حروف اسمها، النظرة بداخل عيناه تساوي العالم بأجمع، ارتبكت من لمسة يده التي احتضنت خاصتها وتلمستها بنعومة، تمعنت بالنظر لمقلتيه لتجد حنينًا واشتياقًا منهما، وكأنه يحتضن عينيها بخاصته.
انتفض قلبها حين استمعت لصوت والدها الذي خرج حادًا بعض الشيء:
- سلمي على أخت يوسف واقعدي يا "بوسي".
ابتعدت عنه كالملدوغة لتقترب على تلك التي وقفت لتبسط يدها قائلة:
- أنا "زينة"، أخت "يوسف".
ابتسمت بارتياح وشعرت بطيبة تلك الفتاة وبراءتها، فتحدثت وهي تصافحها:
- أنا اسمي "بيسان"، وكان نفسي أتعرف عليك من زمان، بعد اللي سمعته عنك من طنط إيثار.
ابتسمت بسعادة لتحضر عزة وهي تقول باحترام:
- السفرة جاهزة يا بشوات، اتفضلوا.
وقفت عصمت لتشير إلى الطاولة وهي تدعو الجميع:
- يلا يا جماعة قبل الأكل ما يبرد.
احتضن فؤاد حبيبته وتحركا باتجاه الطاولة ليسألها بحنو:
- مبسوطة يا حبيبي؟
تعمقت بمقلتيه لتنطق بحبور أظهر ابتهاج روحها:
- قوي يا فؤاد، حاسة إني هطير من السعادة.
- قلبي أنت يا بابا...
قالها بابتسامة جذابة وحنان فائق لتضع رأسها فوق كتفه بدلال نال استحسانه.
توجه الجميع واتخذ كل مقعدًا ليأتي مقعد العاشقين متقابلين، تحدث فؤاد وهو يشير إلى "يوسف":
- مسقعة عزة الملهلبة يا چو، مولعة زي لسانها بالظبط.
قهقه الجميع ليتحدث هو بدعابة:
- مش قادر أوصف لحضرتك مدى افتقادي ليها في حياتي.
أجابه بمشاكسة جعلت الجميع يدخل بنوبة جديدة من الضحك:
- يا سيدي لو مفتقداها قوي كده، خدها معاك وأنت ماشي، أرجوك.
هتف ذاك الصغير بمشاكسة:
- ولما چو ياخد عزة، مين هيعمل لي الرز بلبن يا بابي؟
تطلع إلى صغيرة ليداعبه ساخرًا:
- طبعًا لازم تتمسك بيها، مش قاموسك اللغوي.
لكزته زوجته وهي تقول:
- خلاص بقى يا فؤاد، لتكون جاية على غفلة وتسمعك وتزعل.
تلك المرة تحدثت عصمت:
- أنا نفسي أعرف هي بتطلع لنا منين، نكون بنتكلم في أمان الله، ودي تلاقيها نطت في وسطنا ومدخلة نفسها في الحوار.
قهقه الجميع ليتحدث علام:
- بس غلبانة ومحترمة، ست جدعة وبميت راجل.
كان الجميع يتحدثون مستمتعون بالطعام، سوى تلك العاشقة التي تسترق النظرات من ذاك العنيد القابع أمامها، وهو أيضًا كان يختطف النظرات إليها تحت احتراق قلب ماجد الذي مال على أذن زوجته وتحدث:
- شوفتي قلة ذوق الولد، قاعد يبص عليها بكل بجاحة.
نطقت بدفاع:
- الولد قاعد باحترامه يا ماجد، من فضلك متعملش مشكلة من لا شيء.
ثم استرسلت:
- لو مش مرتاح في المكان فيك ترجع البيت، وإحنا لما اليوم يخلص هنحصلك.
- وأسيب بنتي معاه في مكان واحد؟!
ده بعده...
قالها بتحدي ليتطلع مجددًا يراقب نظرات كلاهما للآخر.
تحدثت "تاج" إلى شقيقها بدلال:
- خليك معانا النهارده يا چو، وحياتي.
- مش هينفع يا حبيبتي...
لترد عليه وهي تتطلع إلى زينة:
- لو علشان زينة ممكن تبات هنا هي كمان.
ثم تطلعت لوالدها لتهتف بدلال:
- وحياتي يا بابي تخليه يوافق.
رفع فؤاد كفيه لينطق بمداعبة:
- مقدرش أتكلم يا چو، تاج راسي أمرت ولازم أمرها يطاع.
- حبيبي إنت يا بابي...
قالتها وهي تميل برأسها بدلال ليهتف "مالك" بحدة وغيرة:
- سخيفة ودلعك سخيف زيك.
- ولد...
قالها فؤاد محذرًا لينطق باعتراض وهو يربع ساعديه بحدة:
- ما هي بتغيظني يا بابي، بتحب فيك قدامي.
- تكونش مراتي يلا وأنا مش واخد بالي.
قالها فؤاد ليضحك الجميع وينطق ذاك المشاغب الصغير:
- أنا حبيبك الوحيد، مش أنا اللي كل يوم بتجيب لي شيكولاتة معاك، وأنا اللي بنام في حضنك إنت ومامي، يبقى أنا اللي حبيبك وبس.
برقة ودلال حدثه بعدما استولى على قلبه بكلماته ونظراته الآسرة للقلوب:
- إنت قلب "فؤاد" من جوه يا ملوك.
ضحك الصغير وهدأت ثورة غضبه فتحدث علام وهو يتطلع لذاك العاقل:
- ربنا يكملك بعقلك يا زين باشا.
- ميرسي يا جدو...
نطقها الفتى باحترام فتفاخرت إيثار وهي تقول:
- هو أنا خلفت غير زين، حبيب قلب ماما اللي مريح قلبها.
ابتسم الفتى بسعادة لينطق تلك المرة يوسف باعتراض مفتعل:
- وأنا بقى اللي واجع قلبك يا ست ماما؟!
تنهدت وهي تنظر إليه بحنو ممتزج بعتب:
- طول عمرك وإنت نقطة ضعفي وسيد قلبي يا يوسف.
- ريحي قلبك من ناحيتي يا حبيبتي، والله أنا مرتاح...
قالها ليطمئن قلب غاليته فأشعل قلب الأخرى التي تطلعت إليه بنظرات حادة لمحها وارتبك من فهمها الخاطئ لجملته، بالفعل فسرت راحته في الابتعاد عنها واستشاط داخلها وغلى قلبها. بعد قليل انتهى الجميع من الطعام فتحدثت بيسان إلى زينة:
- تعالي نتمشى في الجنينة وأفرجك على الورود النادرة اللي جدو زارعها بإيده.
اصطحبتها وتحركوا لتهرب من أمام أبيها الذي يراقبها بعينيه. أحضرت فريال مع عزة حلوى الجيلي وباتت توزعه على الجميع، وأثناء حديثهم استقبل هاتف يوسف مكالمة فانسحب ليجيب بعيدًا عن الازدحام.
انتهى واستدار ليجد ذاك الماجد بوجهه، وضع كفيه بجيبي بنطاله وتحدث بحدة:
- أوعى خيالك يصور لك إنك تستغل حبي للباشا الكبير وتحاول تفاتحه في موضوع بيسان، لأني ساعتها هقف في وش الكل ومش هيهمني زعل حد.
واستطرد مهددًا:
- ولو وصلت هاخد بنتي وأسيبها لك إنت ومامتك تشبعوا بيها.
ضيق بين عينيه يستوعب حديثه ثم تحدث بقوة وشموخ:
- أنا مش ضعيف ولا خسيس علشان أضغط على حد بيحبني وأستغل درجة حبي في قلبه علشان أحقق رغباتي الشخصية زي ناس.
كلمات مقصودة ألقاها بوجهه ليزيد من نار ماجد ويتابع من جديد:
- اطمن يا دكتور، وياريت تبعد عني وتخرجني من دماغك، بنتك وسبتها لك والقصر والمكان كله سيبتهولك، عاوز مني إيه تاني علشان أبرهن لك إني بقيت مش طايق أي مكان ولا حاجة تجمعني بيك؟
وأكمل بحدة:
- وتاني مرة أوعى تجيب سيرة أمي على لسانك، صدقني ما هرحمك...
قالها بتهديد وهو يحذره بسبابته.
- فيه إيه يا يوسف؟
سؤال طرحته إيثار التي اقتربت عندما لاحظت احتدام نجلها لينطق ذاك الغاضب بتهديد مباشر:
- انصحي ابنك وخليه يبعد عن بنتي يا مدام، وده أفضل لكم أنتم الاثنين.
احتدت ملامحها وثارت من طريقته السخيفة لتنطق بقوة:
- اتكلم بأسلوب أحسن من كده يا محترم.
- أنا محترم غصب عنك...
قالها بحدة لتنطق بيسان التي حضرت عندما تعالت أصواتهم:
- أرجوك يا بابي كفاية، كفاية بقى حرام عليك اللي بتعمله ده.
هرول فؤاد والجميع عليهم ليهتف فؤاد وهو يجذب الفتاة من رسغها:
- قدامي على البيت.
جذب فؤاد الفتاة من يده بقوة وخبأها بأحضانه ليهتف بعينين تطلق شزرًا:
- إنت اتجننت يا ماجد، إنت إزاي تعامل البنت بالطريقة الهمجية دي؟!
- بنتي يا سيادة المستشار، وحقي أحميها...
قالها بصياح عالي لتهرول فريال تجاور صغيرتها بحماية، ليستمع الجميع لصوت علام الصارم:
- تحميها من مين يا ماجد.
يتبع...