تحميل رواية «انا لها شمس» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شخصيات رواية «أنا لها شمس» عائلة غانم الجوهري البطلة: إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ممشوقة القوام، تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفِي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا، والمكونة من بِذل نسائية كلاسيكية، مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها، بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها، تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة، مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما، رغم اكفهرار ملامحها طيلة الوقت، تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة...
رواية انا لها شمس الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم روز امين
جذب فؤاد الفتاة من يده بقوة وخبأها بأحضانه ليهتف بعينين تطلق شزرًا:
-إنت اتجننت يا ماجد، إنت إزاي تعامل البنت بالطريقة الهمجية دي؟!
-بنتي يا سيادة المستشار، وحقي أحميها.
قالها بصياح عالٍ لتهرول فريال تجاور صغيرتها لتحتويها بحماية، ليستمع الجميع لصوت علام الصارم:
-تحميها من مين يا ماجد؟
برغم ارتباكه من ملاحظة الجميع حدته وسخطه على الشاب إلا أن غضبه الأعمى سيطر عليه وحوله لمارد لا يخشى أحدًا حتى "علام" بذاته، لدرجة أنه هتف بنبرة عالية متعديًا أصول اللباقة:
-من اللي دمر حلمي فيها يا باشا.
نطقها ليحول بصره متابعًا إلى ذاك الذي يقف بكبرياء ويطالعه بعينين حادتين كحدة الصقر:
-ولسه مصر يكمل تدمير مستقبلها بالكامل.
-كفاية يا "ماجد".
جملة نطقتها "فريال" وهي ترمقه بعتاب لتتابع برجاء:
-إسكت الله يخليك.
-وأسكت ليه ولحد إمتى يا فريال؟!
واسترسل بحدة أكبر:
-لحد ما ألاقي بنتي ضاعت مني؟!
هتف فؤاد وهو يشير لنجله العاقل بعدما رأى هلع الصغير وهو يختبئ خلف شقيقته عند ارتفاع الأصوات وحدتها:
-زين، خد إخواتك ودخلهم جوه بسرعة.
أطاع الفتى أمر والده وتحرك بشقيقيه ونجل عمته في الحال ليعاود "علام" ويسأل ذاك الحانق بجبين مقطب:
-إنت ليه بتتكلم بالألغاز يا "ماجد"؟! لو حابب تبلغنا حاجة ياريت تقولها صراحة.
أخذ يتبادل النظرات بين إيثار ويوسف لينطق بحدة وحقد ظهر عيانًا داخل مقلتيه:
-كلامي مش هيعجب الكل يا باشا.
احتدم داخل ذاك العاشق واستشاط قلبه حينما رآه يتطلع حاقدًا على خليلة الروح والفؤاد ليهتف بحدة صارمة:
-"ماجد"، لما تحب توجه كلام توجهه لي وإنت عينك في عيني، مفهوم.
-تمام يا سيادة المستشار.
قالها باستنفار ليتابع مسترسلًا في لحظة تحلى بها بالشجاعة:
-ياريت بقى تخلي المحترم ابن مراتك يبعد عن بنتي، وإلا مش هيحصل له كويس.
بالكاد فتح "يوسف" فمه ليهم بالحديث لكنه توقف بعدما استمع لصوت ذاك الحانق حيث هدر محتدمًا:
-ياريت تنتقي ألفاظك وتحاسب عليها قبل ما تخرجها وإنت بتتكلم عن الباشمهندس يوسف ده أولًا يا دكتور.
بسط ذراعه ليحث خليلته على السكون بأحضانه وضمها بحماية وباليد الأخرى مازال يحتوي تلك الباكية "بيسان" وتابع محذرًا بإشارة من عينيه:
-تاني حاجة وياريت تحطها في قاموسك علشان ما نخسرش بعض، مراتي ويوسف خط أحمر بالنسبة لي، واللي يتعداه يبقى فتح على نفسه جبهة من النار هو مش قدها، والجبهة دي هيلاقيني مستنيه جواها علشان نبدأ الحساب.
صاح ماجد بعدما انفلت منه زمام ضبط النفس:
-ياريتك زي ما بتهددني قدامهم، تنبهه وتقول له عيب اللي بيعمله، وتخليه يبعد عن بنتي بشكل نهائي.
هم فؤاد ويوسف بالرد قاطعهما صوت "زينة" التي هرولت على شقيقها وبعينيها تملك الذعر وهي تتشبث بذراعه:
-يلا نمشي من هنا يا "يوسف"، أرجوك بلاش تعمل مشاكل مع حد.
تطلع بألم لحالها وتحدث وهو يحتوي وجنتيها كي يهدأ من روعها ويبث داخل روحها بعضًا من السلام:
-متخافيش يا حبيبتي، مفيش أي مشاكل، إدخلي جوة عند عزة وإحنا هنتكلم شوية وبعدها هاخدك ونمشي على طول.
حزن الجميع لأجل الفتاة وحالة الهلع التي أصابتها لتسرع إليها السيدة "عصمت" وحثتها على المضي معها وهي تقول بنبرة حنون:
-تعالي معايا أدخلك عند "تاج" تقعدي معاها يا حبيبتي.
هزت رأسها برفض تام، فكيف لها أن تترك شقيقها يواجه ذاك الشرس لحاله، كيف لها التخلي عن ذاك الحنون الذي شملها بحنانه وغمرها بكل أنواع الرعاية لتشعر ولأول مرة منذ نشأتها بكيانها وبكونها إنسانة ولها الحق أن تعيش بهذه الحياة بآدمية، تحدثت وهي تتشبث أكثر بذراع شقيقها التي ما عاد لها سواه:
-لا، أنا مش هسيب "يوسف".
-يا حبيبتي متقلقيش عليا.
نطقها بعينين تفيضان حنانًا ليتابع بابتسامة خفيفة كي يدخل على قلبها الطمأنينة:
-هو إنت ليه محسساني إني في خناقة في وسط الشارع؟
دار بعينيه على وجوه الجميع ثم تابع بابتسامة لطيفة:
-أنا في وسط أهلي اللي اتربيت وسطهم، وده نقاش عادي جدًا.
كانت "بيسان" تتطلع عليه وقلبها ينزف دمًا حزنًا على حالها، ترى حبيب القلب يطمئن شقيقته ويحتوي هلعها بكثير من الحنان بينما هي، أين هي من اهتماماته؟ تمنت للحظة لو أنه احتواها وطمأن خوفها مثلما فعل مع شقيقته، هي أيضًا حبيبته ولها في اهتمامه حق، تحتاج رعايته، تحتاجه حاجة الظمآن في نهار صيف حار لشربة ماء باردة، ليته يعلم ما يعنيه وجوده بالنسبة لها بالحياة، بل ليته يعلم أنه أصبح لها الحياة بأكملها، تحركت الفتاة بجوار "عصمت" التي أوصلتها للداخل وعادت سريعًا لتتابع الأمر خشية تطور الأمور وخروجها عن السياق وانفلات زمام الجميع.
وقف يوسف ليناظر ذاك الغاضب وبنبرة رجولية نطق يسأله:
-هو إنت عاوز مني إيه بالظبط يا دكتور؟!
واسترسل موضحًا:
-بتطلب مني أبعد عن "بيسان" إزاي؟!
واسترسل تحت نظرات "بيسان" الصارخة وقلبها الذي يئن وجعًا من ظلم الحبيب لها:
-عاوزني أبعد إيه أكتر من إني سيبت لك البيت والمنطقة كلها وروحت سكنت في آخر الدنيا، دي حتى الزيارات للبيت اللي اتربيت فيه لما منعتها بسببك، علشان أريحك من طلتي اللي بقت تجننك وتخرجك عن السيطرة.
واستطرد بلحظة غضب:
-وبالمرة أرحم نفسي من كلامك اللي كان أقوى عليا من الرصاص وإنت بتوجهه لي بمناسبة وغير مناسبة.
وتابع بعينين صارخة تريد صب أم غضبها على أحدهم:
-وكأنه بقى روتينك اليومي اللي مبترتاحش غير لما تعمله.
بالكاد أنهى حديثه لتصيح تلك النمرة الشرسة بعدما خرجت من أحضان زوجها بجنون للدفاع عن صغيرها، لتندفع بشراسة باتجاه ذاك الذي جنى على حاله حين أظهر حدته وعبر عن غضبه للشاب بوجودها:
-معناه إيه الكلام ده يا دكتور "ماجد"؟
وتابعت وهي تشير بسبابتها نحوه بصياح غاضب وعينين تطلق سهامًا نارية لو انطلقت لوقع صريعًا بالحال:
-يعني إنت كنت السبب في إن ابني يبعد عن حضني ويسيبني ويسيب إخواته؟!
بسخط تحدث إليها:
-جرى إيه يا مدام، هو أنت وابنك عاوزين تشيلوني الليلة وتطلعوني قدام الكل الشيطان الأعظم في الحكاية؟!
-مــاجد.
كلمة صرخ بها "فؤاد" بعدما ترك الفتاة لأمها واندفع باتجاهه ليقف أمامه وقد سحب زوجته ليخفيها خلفه بدفاع وجسارة:
-لآخر مرة هحذرك، مراتي ويوسف، خط أحمر يا ماجد، كلامك توجهه لي أنا.
تحدث وهو يهز رأسه بتأكيد:
-طب مهو ده بالفعل اللي أنا عملته يا باشا، وجهت لحضرتك الكلام وقولت لك خلي الأستاذ يبعد عن بنتي، بسيطة أهي!
وأشار إلى تلك النمرة رامقًا إياها بحدة مماثلة لحدتها:
-لكن المدام هي اللي كسرت كلامك واتدخلت ووجهت لي الكلام.
واسترسل بصفاقة جعلت من نار فؤاد تغلي بعروقه:
-يبقى الصح إنك توجه لها هي تحذيرك ده يا سيادة المستشار، ولا جنابك مش قادر تنتقدها قدامنا فبتهددني أنا.
-تعديت حدودك معايا يا ماجد، وأنا عمري مارحـ...
قاطع حديثه علام الذي هتف بحدة:
-جرى لك إيه يا ماجد النهاردة، إنت شكلك مش طبيعي ومحتاج للي يفوقك.
حتى صوت "علام" الذي صدح بحدة لم يحثه على التراجع والتعقل بكلماته واتهاماته التي يوزعها جزافًا هنا وهناك، لينطق بنظرات استعطافية أراد بها جذب علام لطرفه:
-وأبقى طبيعي إزاي يا باشا وأنا بنتي ضيعت مستقبلها علشان خاطر الأستاذ، وياريته اكتفى، ده مصمم يكمل تدمير للي باقي لها.
تلك المرة تدخلت "عصمت" للدفاع عن ذاك الخلوق:
-إنت ليه مصر تحمل "يوسف" ذنب اللي عملته "بيسان" يا ماجد، مع إن بنتك نفسها قالت أكتر من مرة إن ده كان اختيارها وتم بكامل إرادتها، وأنا بنفسي شاهدة على يوسف وهو بيقنعها تدخل الحقوق هنا في الجنينة، وبنتك اللي رفضت.
عدل علام من وضع نظارته الطبية ليوجه له سؤالًا وجيهًا:
-اللي أنا مش قادر أفهمه ولا أستوعبه هو تمسكك بكلية الحقوق بالشكل المخيف ده يا ماجد؟!
وتابع بجبين مقطب ودهاء:
-وكأنك كنت عاوز تثبت لنفسك إنت شيء وفشلت فيه، إنت أوحيت لي إن القصة أكبر من كلية كان نفسك بنتك تدخلها والقدر كان له رأي تاني!
ارتبك من تلميحات ذاك المحنك وبلحظة شعر بأنه كشف عقدة النقص التي لديه، فبرغم معاملة أسرة علام الطيبة لماجد طيلة سنوات زواجه بابنتهم، إلا أن شعور النقص وعدم التكافؤ بينه وبين علام باشا ونجله مثلما يلقبهما الجميع، كانت حاجزًا وراء شعور التقزيم الذي لم يفارقه منذ أن تعرف عليها أثناء زياراتها لوالدتها بالجامعة، تلبك لينطق بحدة مدافعًا عن موقفه:
-هي فعلًا القصة أكبر من كده بكتير، قصة مستقبل وحلم هي نفسها حلمت بيه وكبر جواها وشاركتني فيه وكبرته جوايا، وفي الآخر اتنازلت عنه بكل سهولة علشان خاطر واحد مصمم يكمل على الباقي منها.
-هو حضرتك عمال تلف وتدور وتيجي عند النقطة دي تحديدًا وتقف ليه؟
ليتابع الشاب بعدما وضع كفيه بداخل بنطاله وقد قرر وضع النقاط فوق الحروف وحسم ذاك الموضوع القاتل لكرامته اليوم:
-عندي فضول تكمل كلامك قدام العيلة كلها.
-بلاش، لأنك هتزعل.
قالها محذرًا ليقاطعه الآخر بإصرار عجيب:
-أنا محدش يقدر يزعلني، أنا سامعك.
قال كلمته الأخيرة بإشارة من كفه للبدء، لينجرف الآخر وراء فخ الشاب بمنتهى الغباء:
-تمام، طالما الموضوع مش فارق معاك، يبقى نتكلم على المكشوف.
وتابع وهو يوجه حديثه إلى ذاك الذي يرمقه بحدة كحدة الصقر:
-هسألك سؤال وتجاوبني عليه بمنتهى الصدق، بعيدًا عن المشاعر يا سيادة المستشار.
طالعه الآخر بإيماءة ليتابع مسترسلًا:
-لو "تاج" بنت سعادتك اتقدم لها عريس أبوه هربان بره البلد، وتاريخ عيلته مليء بالإجرام، قتل والمتاجرة في آثار ونهب ثروات البلد وتهريبها للخارج.
وتابع تحت صرخات قلب "إيثار" الذي تمزق ألمًا على صغيرها حتى أنها همت لتجبره على الصمت فاحتوى نجلها كف يدها وبعينيه حثها على الصمود، ليكمل الآخر بقسوة:
-ده غير جده اللي مات مقتول في السجن وهو محبوس في جريمة قتل، وعمه اللي اتسجن كام سنه وخرج، ومرات أبوه اللي قتلت مرات خاله وأخدت إعدام بعدها.
وناظر الفتى وتحدث بشماتة:
-ها، تحب أكمل ولا كفاية كده يا... يا باشمهندس...
قال كلمته الأخيرة ساخرًا ثم عاد إلى فؤاد يسأله من جديد:
-جاوبني يا سيادة المستشار، كنت هتوافق؟!
بلحظة أراد الثأر انتقامًا لكرامته التي دهست تحت قدمي ذاك الفاقد الخلق والأخلاق ومعدوم الإنسانية، متناسيًا مشاعر تلك البريئة التي تقف منقسمة بين والدها وحبيبها، وكلاهما يمتلك نصف القلب، لينطق بكامل الثقة رافعًا قامته للأعلى:
-اسمح لي أنا اللي أجاوبك بدل سيادة المستشار، لأن الموضوع يخصني أنا، ميخصش حد غيري.
ابتسم ليستعرض بكفيه بطريقة مسرحية تحت عدم تحمل علام لما يجري أمام عينيه، فأحضر له فؤاد مقعدًا وساعده كي يستريح عليه:
-اتفضل سمعنا.
سأله مضيقًا بين عينيه:
-بالنسبة للاستعراض اللي حضرتك قومت بيه من شويه وبصراحة كان هايل.
وتابع مصفقًا بكفيه:
-شابوه حقيقي، قدرت تجسد كل جرايم عيلتي وتظهرها بشكل رائع لدرجة إن أنا نفسي اشمئزيت من نفسي، تخيل؟!
قالها وهو يميل برأسه بطريقة ساخرة ليتابع بقوة وثبات:
-بس السؤال المهم واللي شاغل بالي هنا، هو إيه مناسبته؟!
واسترسل تحت صرخات الفتاة:
-هل، أنا في يوم من الأيام جيت لك وطلبت إيد "بيسان" منك؟!
تلبك بوقفته وبلحظة اتسعت عينيه ليسأله الآخر بصوت قوي:
-ما تجاوب يا دكتور؟!
نطق محاولًا الثبات برغم ما أصابه من اهتزاز الثقة:
-هو لازم تطلبها صريحة مني...
صاح الفتى بحدة:
-أمال هطلبها بالنية ولا إيه حضرتك؟!
ارتبك ليكرر الفتى سؤاله بحدة أمام الجميع:
-من فضلك تجاوب على سؤالي إجابة واضحة وصريحة يا دكتور.
وأشار على حاله:
-أنا جيت طلبت بنتك للجواز؟!
رمقه بنظرات كسهام نارية تمنى لو خرجت وتوجهت لصدره ليلفظ أنفاسه الأخيرة وينتهي الأمر، ثم نطق من بين أسنانه:
-محصلش.
-تمام.
ثم أشار بكفيه قائلًا بعينين تطلق شزرًا:
-طالما محصلش، يبقى مسمعش حضرتك مرة تانية بتجيب سيرتي أو سيرة أهلي وتغلط فيهم.
وأقسم متوعدًا:
-لأني قسمًا بالله، هنسى وقتها إنك راجل قد أبويا، وإني أكلت معاك عيش وملح قبل كده.
-خلاص يا يوسف، رسالتك وصلت يا ابني.
قالها علام بخزي بعدما لقن الشاب لذاك الغاضب درسًا وقام بإحراجه أمام العائلة بأكملها، ليتحدث يوسف والألم يشطر قلبه لنصفين:
-أنا آسف يا باشا على اللي حصل في وجود جنابك، بس للأسف.
واستدار يناظر ماجد بأسى:
-الدكتور قدر بكل براعة يخرج أسوأ ما فيا.
ليخرج صوت إيثار من بين بكائها الصامت:
-إنت طلعت أبشع مما تخيلتك، كنت عارفة إن من جواك بتكره ابني، بس خيالي مقدرش يرصد مدى بشاعتك من جوه وسواد قلبك ناحيته.
-أنا مسمحلكيش.
قالها بحدة وغضب لتتعالى الأصوات وتصدح بين الجميع متناسيين تلك العاشقة التي فقدت آخر أمل لديها في عودة الحبيب إلى أحضانها، الكل منشغل عنها بتوجيه التهم للآخر، كل يرمي الآخر ويحمله مسؤولية ما حدث متغافلين عنها، كانت دموعها تتدفق كشلالات في موسم الفيضان، باتت تفرق نظراتها على الجميع، خاصة والدها وحبيبها وكل منهما يقف للآخر بالمرصاد، يتناقران كديوك وسط حلبة مصارعة هي الأقوى من نوعها.
تطلعت إلى يوسف، ذاك الذي اختارته من بين جموع الرجال، لقد توسمت به خيرًا وظنت أنه سيقف أمام العالم أجمع ويحارب لأجلها، لكنها نسيت أن بعض الظن إثم عظيم، فقد تخلى عنها لأجل الثأر لكرامته، متغاضيًا عن مشاعرها حتى أنه لم يلحظ وجودها بالأساس، أفكار حادة هاجمتها بشراسة لتشعر وكأنها ورقة شجرة ذابلة سقطت لتتلاطم بين هواء الخريف القاسي، هاجم رأسها دوارًا حاد لتشعر وكأن جسدها يتهاوى وبدأت الغشاوة تقتحم عينيها لتبدأ الرؤية بالتلاشي وبلحظة خر جسدها ساقطًا ليرتطم أرضًا بعدما فقد عقلها وجسدها القدرة على تحمل كل ما حدث من ويلات.
التفت الجميع وتوجهت أبصارهم نحو تلك المسكينة التي تكومت على الأرض لتصرخ فريال بكامل صوتها:
-بيســـان.
هرول فؤاد ليضع كفه تحت رأسها ثم بات يضرب بخفة وجنتها علها تستفيق، هرول أيضًا ماجد ليهزها برفق وهو يقول بهلع أصابه خشية من فقدان نجلته الغالية:
-بيسان، فوقي يا حبيبتي.
صرخت به فريال لتدفعه بعيدًا عن ابنتها:
-إنت السبب، إنت اللي وصلت بنتي لكده.
واسترسلت متوعدة وهي تشير بسبابتها:
-لو بنتي حصل لها حاجة والله يا ماجد ماهرحمك.
اتسعت عينيه بذهول وهو يشاهد تحول زوجته من قطة وديعة إلى غول شرس، ابتعد ليهب واقفًا يشاهد الجميع وهم يلتفون حول الفتاة في محاولة منهم لاستعادة وعيها من جديد، لم يتحمل منظر ابنته وتسطحها فاقدة الوعي بشكل كامل، ولا نظرات الجميع التي صوبت باتجاهه كسهام نارية ترشقت بجميع جسده، ما شعر بحاله إلا وهو يهرول خارجًا من البوابة الخارجية ومنها إلى سيارته ليقودها هاربًا من المكان برمته.
عودة لذاك العاشق، وقف يتطلع بمقلتين تكاد تقفز للخارج من هول ما حدث، وقلب يصرخ ويئن وجعًا لأجل حبيبته، بلحظة تحدث القلب سائلًا العقل بطريقة لائمة:
-منذ متى وأنت تفكر بهذه الأنانية، وأنانية مع من أيها الأخرق، مع الحبيبة التي احتضنتك براءتها وتلفحت روحك بحنانها لتغمر كيانك وتحتوي كلك، صاحبة الابتسامة البهية والنظرات الحنون، يا لك من ناكر للجميل.
أجبرته ساقيه دون وعي منه لينحني لمستواها وينطق بنبرة متقطعة وهو ينظر إليها بحزن:
-بيسان، قومي يا حبيبتي.
ارتجف داخله وهو يتطلع لأهدابها الساكنة ونفسها الضعيف ليستفيق على صرخات فريال حيث تحدثت وهي تهز ذراع شقيقها:
-البنت مبتفوقش ليه يا فؤاد؟!
أجابها وهو ينظر إلى إيثار التي أتت من الداخل مهرولة وهي تحمل قنينة عطر:
-متقلقيش، لو مفاقتش من البرفيوم هاخدها على المستشفى حالًا.
مدت يدها بالقنينة ليلتقطها ذاك العاشق "يوسف" وبلحظة كان يقربها من أنفها ويمررها يمينًا ويسارًا في محاولة منه وهو يقول تحت نظرات الجميع المشفقة على حاليهما:
-فوقي يا بوسي.
هبطت دموعه رغمًا عنه ضاربة بكل القوانين عرض الحائط، لم تفق فهتف بقوة بعدما هب واقفًا وهو يستعد لحملها متناسيًا وضعهما:
-إحنا لازم نتحرك على المستشفى حالًا.
وافقته فريال الرأي فأشار فؤاد بكفه بحزم كي يمنعه من التقرب:
-إبعد يا "يوسف".
ارتعد داخله وهو يطالع فؤاد ليتابع الآخر مسترسلًا:
-روح جهز عربيتك بسرعة وأنا هشيلها وأجي وراك.
تحرك على عجلة لينطق علام لنجله الذي حمل الفتاة:
-طمني أول ماتوصلوا المستشفى يا فؤاد.
-حاضر يا باشا.
انطلق لتجاوره فريال وإيثار وأيضًا فؤاد ماجد الذي حضر للتو من الداخل على إثر الصياح، تنهدت عصمت وهي تنظر بأثرهم ثم تحدثت لزوجها وهي تربت على كتفه ليطمئن:
-متقلقش يا حبيبي، هتبقى كويسة، تلاقي الضغط نزل عندها من خوفها من اللي حصل.
نطق بعينين مثبتتين على البوابة:
-ماجد اتجنن خلاص يا عصمت، لدرجة إنه مش قابل وجود الولد ولا أمه.
بكلمات تائهة نطقت وهي تهز رأسها بعدم استيعاب:
-أنا مش فاهمة إيه اللي غيره بالطريقة دي، من يوم ما بوسي رفضت دخول الحقوق وهو اتحول.
-ماجد قدم في النيابة بعد ما خلص كلية الحقوق واترفض، وده سبب عقدة النقص اللي عنده.
قالها علام بهدوء لتسأله عصمت بعدم استيعاب:
-معقولة يا علام، أنا أول مرة أعرف الكلام ده.
ثم استرسلت:
-وإنت عرفت إزاي حاجة زي دي؟!
-عرفت من خلال مصادري وأنا بتحرى عنه لما اتقدم لخطبة فريال، بس العجيبة إني اتكلمت معاه كتير قبل كده حوالين الموضوع ده وعمره ما جاب لي سيرته.
وتابع مسترسلًا:
-المعلومات اللي وصلتني بتقول إنه كان راسم وباني أحلامه على إنه يكون وكيل نيابة، ولما ورقه اترفض دخل في نوبة اكتئاب بصعوبة خرج منها.
سألته بعينين متسعتين:
-ولما إنت عارف الكلام ده، ليه وافقت من الأول على جوازه من بنتنا يا علام؟!
-لأني سألت عن أخلاقه وأخلاق عيلته وطلع لا غبار عليهم وده كان الأهم بالنسبة لي، وفعلًا الولد عاش معانا سنين أخلاقه كانت لا تشوبها شائبة.
واسترسل مضيقًا بين عينيه:
-أتاريه لما اتجوز فريال، الحلم اتجدد جواه، وعاش على أمل إنه يحقق حلمه المفقود في ولاده، ولما لقى إن يوسف بيحلم نفس حلمه شجعه، وحب قربه من بيسان، شاف إن قربه منها دافع قوي لتحقيق حلم البنت.
وتابع موضحًا:
-بس يظهر إن اللي حصل مع "بيسان" جننه وجدد عنده خيبة الأمل وحالة الرفض والنكران اللي صابته زمان، بس المرة دي السبب المباشر لفقدانه لحلمه كان مختلف، السبب كانت بنته بذات نفسها، واللي أكيد حبه ليها والفطرة هتمنعه من إنه يكرها، فصب كل غضبه وجحيمه على المسكين "يوسف".
تنهد بألم نم عن حزنه العميق على من رباه واتخذه حفيدًا:
-وكأن اللي حصل للمسكين ده كله مش كفاية بالنسبة له، فقرر يحمله ذنب بنته هي كمان.
كانت تستمع إلى ذاك الداهي بذهول وعدم استيعاب، فذاك العلام على دراية بكل ما يجري من حوله لكنه يشاهد عن كثب كالذئب ويعلم خفايا الجميع ومتى يتحرك.
سألته وخيبة الأمل تسيطر على صوتها وجميع الحواس:
-الظاهر إن ماجد كان السبب في إن يوسف يا حبيبي يضطر يسيب البيت.
-للأسف ده اللي اكتشفته النهارده من الكلام اللي دار بين ماجد ويوسف.
قالها باستسلام مخزي، فاليوم اكتشف أن الماء كان يجري من تحته ولم يشعر، تلك هي المرة الأولى التي تجري بها الأمور من غير علمه، وهذا ما أحزنه وجعله يلقي اللوم على حاله، سألته بألم:
-وهتعمل إيه يا علام؟
زفر بقوة وتحدث:
-مش قادر أفكر حاليًا في أي حاجة، نتطمن الأول على بيسان وبعدها نشوف.
***
بداخل القصر
حيث يجلس أولاد فؤاد، وأيضًا "زينة" التي تجلس بارتياب ظاهر بعدما حدث بالوسط، لاحظت "تاج" ارتجاف جسدها، وبرغم أنها لا تحمل لها الكثير من المحبة وتحملها ذنب ترك يوسف للمنزل مما أحزن والدتها، إلا أنها حزنت لأجل الحالة التي عليها وتحدثت كي تطمئنها:
-إنت ليه قلقانة قوي كده.
التفتت إليها الفتاة ليكمل "زين الدين" على حديث شقيقته:
-اللي حصل ده خلاف عادي جدًا، وممكن يحصل في أي عيلة.
نطقت بصعوبة ترجع لخوفها:
-أنا خوفت على "يوسف" من جوز عمتك، حسيت إنه ممكن يتهور ويضربه.
ضحك التوأمان حتى الصغير المشاكس، لتنطق الفتاة متهكمة:
-خوفتي على "يوسف" من أنكل "ماجد"؟
ثم تابعت بملاطفة:
-ده لو لمس يوسف بطرف صباعه، بابي كان عمل منه بطاطس محمرة.
نزل الصغير من فوق الأريكة ليهتف بصياح وهو يهرول إلى المطبخ وكأنه تذكر:
-يا زوزة، أنا عاوز بطاطس محمرة وعليها كاتشب.
عدل زين من وضع النظارة الطبية ليتابع بجدية حديثه إلى تلك الـ"زينة":
-شكلك مش عارفة قيمة "يوسف" وقدره في العيلة، جدو "علام" بيعتبره صديق، مش مجرد حفيد زينا.
أومأت "تاج" بموائمة لحديث شقيقها، حضرت عزة من الداخل ممسكة الصغير بيدها وهي تقول:
-تعالى هنا يا مغلبني، متتحركش من جنبي لحد ما يحمروا لك البطاطس بتاعتك.
أشارت للعاملة لتضع فوق المنضدة ذاك الحامل الموضوع عليه بعضًا من كؤوس مشروب الليمون البارد، جاورت الفتاة الجلوس وقامت بوضع ذاك المشاغب بجوارها، ناولت كأس مشروب الليمون البارد للفتاة قائلة:
-خدي يا زينة اشربي كباية الليمون دي وإنت هتبقي زي الفل.
تناولتها وارتشفت منها القليل، ثم شردت تتطلع أمامها لتقول:
-يا ترى "بيسان" عاملة إيه؟
أشاحت بكفها قبل أن تنطق بلامبالاة:
-شوية وهتلاقيها داخلة تتنطط زي القردة، ده دلع بنات مرق.
واسترسلت بثرثرة:
-لو كنت شفتها قبل ما ياخدوها على المستشفى كنت فوقتها بطريقتي.
سألتها "تاج" ساخرة:
-ويا ترى إيه هي طريقة دكتور عزة في الإفاقة؟
-بصلة.
نطقتها بفاه ملتوي لتجحظ أعين التوأمان في حين لم تتعجب زينة، لتسألها تاج بملامح وجه مكفهرة:
-بصلة؟
أومأت قائلة:
-آه بصلة، كنت هدشها وأفلقها نصين والزقها في مناخيرها، كانت هتقوم تجري وترمح زي الحصان.
تعالت الضحكات رغم ما تمر به العائلة من مشاكل لكنهم لم يستطيعوا كظم ضحكاتهم من كلمات تلك التي ما فشلت إطلاقًا بإضحاكهم بجميع الأوقات.
انشغل الأشقاء بالحديث الجانبي لتنطق زينة وهي تنظر أمامها باستغراب:
-أنا كنت فاكرة إن المشاكل والخناقات دي مقتصرة على الفقرا وبس، لكن لما شوفت بيسان اتأكدت إن التعاسة والحزن ملهمش علاقة بالغنى والفقر.
تنهدت عزة لتنطق بجدية يصاحبها أسى:
-محدش خالي من الهموم يا بنتي، البيوت مقفولة على أصحابها والحيطان ياما بتداري، اشربي الليمون بتاعك.
***
توقف "يوسف" بسيارته أمام مدخل المشفى، ليترجل متلهفًا يفتح الباب الخلفي حيث تجلس الفتاة ما بين والدتها و"إيثار" وقد بدأت تستعيد وعيها قليلًا، تفتح عينيها بصعوبة لتغلقهما من جديد، قابلهم فريق من التمريض كان بانتظارهم بعدما أبلغهم فؤاد بقدومهم، ساعد يوسف بخروج فريال المنهارة وكاد أن يوشك على حمل حبيبته لكنه توقف حين تذكر أن لمستها عليه محرمة، أشار له فؤاد بالابتعاد ليساعدها على الخروج من السيارة وأخذها فريق التمريض ليضعوها فوق الحامل ومنه لداخل حجرة الفحص ومعها والدتها، بالخارج، يقف فؤاد بجوار الفتى لينطق وهو يربت على كتفه:
-متقلقش يا فؤاد، أختك هتبقى كويسة.
أما إيثار فوقفت بجوار نجلها تسأله وهي ترمقه بنظرات لائمة:
-ليه مقولتليش إن اللي اسمه ماجد كان بيضايقك بالكلام؟
بقلب يئن ألمًا أجابها عاتبًا:
-هو حضرتك شايفة إن ده الوقت والمكان المناسبين للكلام في الموضوع ده؟!
زفرت بألم ينخر بعمق قلبها، ثم نطقت بحيرة والدموع تسكن مقلتيها:
-مش عارفة أقول لك إيه يا حبيبي، لا قادرة أوافقك على اللي عملته وكان سبب من الأسباب اللي وصلت البنت للي حصل لها، ولا قادرة ألوم عليك.
وتابعت وهي تلقي برأسها لتستند على ذراعه:
-بالنهاية إنت كنت بتدافع عن كرامتك اللي اتهانت قدام الكل.
ابتعدت قليلًا لتنطق بأعين معتذرة:
-أنا آسفة يا يوسف، سامحني على سوء اختياري للأب والعيلة اللي يليقوا بيك يا حبيبي.
تنهد بألم لأجلها وسحبها لتسكن أحضانه.
خرج الطبيب ليسرع إليه الجميع ويسأله فؤاد متلهفًا:
-طمنا على "بيسان" يا دكتور.
أجاب الطبيب بمهنية:
-مفيش داعي للقلق يا سيادة المستشار، الآنسة بيسان كويسة، هي حصل لها هبوط حاد في مستوى السكر أدى لإغماء، نتيجة لتعرضها لضغط عصبي شديد.
وتابع:
-هي كويسة وممكن تدخلوا تشوفوها، هنخليها تحت المراقبة نص ساعة وبعدها تقدروا تاخدوها وتروحوا.
هرول فؤاد وإيثار للداخل بينما تجمدت ساقا "يوسف" وكأنه فقد السيطرة على الحركة، كيف سيدخل وبأي عين سينظر إليها؟ هو من خذلها للمرة الثانية على التوالي، الأولى منذ ما يتخطى الشهرين حين تخلى عن وعوده لها وطالبها بمحو جميع ذكرياتهما معًا، واليوم هي المرة الثانية والتي لم تتحملها تلك المسكينة، كم شعر بندالته وكم الحقارة، يرى حاله الآن لم يختلف عن ماجد، فكلاهما ساعد بتمزيقها وقتل روحها بطريقته الخاصة، أما الفتى فؤاد منعه من الدخول وصول مكالمة هاتفية من والده، تحدث الفتى باحترام:
-أيوة يا بابا.
كان يجلس داخل سيارته المصطفة بجانب الرصيف، قلبه يؤلمه بشدة وشعور الاشمئزاز هو المسيطر عليه حاليًا، لقد تسبب في الأذى النفسي لصغيرته التي يعشقها، بصعوبة أخرج صوته ليسأل الفتى:
-أختك عاملة إيه يا فؤاد؟
-كويسة يا بابا، الدكتور قال نص ساعة وهتخرج من المستشفى.
انزعج ليهتف بهلع متسائلًا بلهفة:
-مستشفى ليه، أختك مالها؟!
لم يخطر بباله أن تسوء حالة صغيرته لتلك الدرجة، فقد اعتقدها إغماءة بسيطة وستزول بمجرد استنشاقها لبعض من العطر، هتف برعب ظهر بين بصوته:
-قولي بسرعة انتوا في أي مستشفى.
قاطعه صوت فريال التي اختطفت الهاتف من صغيرها بعدما استمعت لحديثه الدائر:
-عاوز إيه يا ماجد، بتتصل بينا تاني ليه بعد اللي عملته؟
ارتجفت أوصال يوسف وهو يرى تحول وشراسة تلك الجميلة، على الجانب الآخر تحدث متوسلًا:
-مش وقت الكلام ده يا فريال، قولي لي بنتي مالها وإيه اللي وصلها لإنكم تنقلوها المستشفى.
هتفت ولأول مرة توبخه:
-إنت إزاي بجح كده يا ماجد، بعد كل اللي عملته بتسأل إيه اللي وصل البنت للحالة دي؟!
وتابعت:
-على العموم البنت بقت كويسة وفاقت، وعشر دقايق وهنروح.
وتابعت بقوة وشراسة:
-ومن الأفضل ليها بلاش تشوفك النهارده.
أغمض عينيه بألم، فمهما تخيل لم يأتِ بباله أن تحدثه زوجته بتلك الطريقة المهينة لرجولته.
تسحب "يوسف" وولج للداخل، ليجدها ممددة فوق السرير الطبي، تجاورها إيثار من جهة والجهة الأخرى فؤاد ممسكًا بكفها برعاية، تحمحم كي ينتبه الجميع وما أن استمعت لصوته التي تحفظه عن ظهر قلب حتى شعرت بالألم يعاود ليغزو قلبها البريء، ما عاد فيها التحمل أكثر من ذاك، خرج صوته بصعوبة وهو يقول بقلب نازف:
-سلامتك يا "بيسان".
تطلعت إلى خالها وبصوت خرج متألمًا نطقت:
-خليه يخرج بره يا خالو، مش عاوزة أشوفه.
نزلت دموع إيثار ليخرج صوتها متأثرًا:
-إهدي يا حبيبتي، وبلاش تظلمي يوسف وتظلمي نفسك معاه.
-خليه يطلع بره يا خالو، من فضلك.
صاحت بها لتهرول فريال من الخارج على صوت انهيار صغيرتها لتتابع الأخرى صارخة:
-طلعي الباشمهندس بره يا مامي، وقولي له إني مش عاوزة أشوف وشه لحد ما أموت.
صرخت بانهيار:
-قولي له كمان إني لو شفته ماشي في شارع، هغير طريقي علشان ميكونش فيه بينا أي شيء بيربطنا، حتى لو شارع هنمشي فيه.
التفتت إليه لتنتفض جالسة وبنظرات حادة صرخت وهي تهز رأسها بهيستيريا:
-أنا بكرهك يا يوسف، بكرهك، بكرهــك، إمشي يا يوسف، إمشي من هنا.
هرول فؤاد يحتضنها محاولًا السيطرة على حالة الهياج التي هاجمتها بشراسة بينما نزلت دموع الآخر بقوة تأثرًا بحالتها، أما فريال فتحدثت بصياح عالٍ:
-اخرج بره يا يوسف، أرجوك اخرج.
هرولت إيثار لتسحبه للخارج تحت عدم رغبته لتركها بتلك الحالة، هرول أيضًا الأطباء فور استماعهم لصرخات المريضة.
خرج وتحدث إلى أمه:
-أنا حيوان، حيوان.
وأشار بكفيه:
-بإيديا أذيت حبيبتي ونور عيوني، أذيتها بإيديا يا ماما.
احتضنته بقوة لتربت على ظهره وتحدثت بدموعها:
-إهدى يا يوسف، إهدى من فضلك.
انتهى اليوم وعادت بيسان لمنزلها تحت التفاف جديها والجميع من حولها واحتوائهم لها للتخفيف من وطأة ما حدث، عاد يوسف بصحبة شقيقته إلى سكنهما بقلب مهشم وكيان محطم، ذهب ماجد إلى منزل والديه ليمكث معهما لبضعة أيام حتى يهدأ الجميع.
***
بعد مرور عدة أيام
داخل شركة الزين تحديدًا بالقاعة الخاصة بعقد الاجتماعات، كعادتها تترأس الطاولة تلك القوية التي أثبتت جدارتها لتستحق ذاك المقعد الخاص برئيس مجلس الإدارة، الجميع يجلس بحالة من التوتر وعدم الارتياح انتظارًا لنتيجة المناقصة، فاليوم هو الحاسم، حك "بسام" ذقنه ليسألها مبتسمًا بتسلي:
-قلقانة ليه كده يا أستاذة إيثار، مش المفروض إنك رئيس مجلس الإدارة وواثقة من خطواتك؟
أجابته باقتضاب:
-الحمد لله يا باشمهندس.
سألها متهكمًا:
-الحمد لله على إيه بالظبط؟
أجابته بهدوء:
-على كل حاجة.
قالتها بنظرات متفحصة لتتابع مسترسلة بكلمات يشوبها الإبهام أثارت ريبته:
-لازم نحمد ربنا على نعمة البصيرة، وبإن سبحانه وتعالى إدانا عقل نفكر بيه، ونمشي ورا الدلائل لحد ما نلاقي اللي بندور عليه.
تحمحم وهو يعدل من ربطة عنقه بارتباك ظهر عليه ليسألها مرتابًا:
-أكتر حاجة بكرهها في حياتي هو رمي الكلام بطريقة غير مباشرة.
واستطرد متعمدًا التقليل من شأنها أمام الجميع:
-التصرفات دي تليق بتجمعات ستات المصاطب، مش رئيسة مجلس إدارة شركة عريقة زي شركة "الزين"؟!
وتابع قاصدًا إحراجها:
-فيا ريت إذا تكرمتي تقولي قصدك من الكلام مباشر يا أستاذة.
لأول مرة يحدثها بتلك الطريقة الفجة، وما زاد من سوء تصرفه أنه تم أمام جمع ليس بالقليل من كبار موظفي الشركة، احتدم داخل "أيهم" غيرة على شقيقته ولولا نظراتها التي صوبتها إليه وطالبته من خلالها بضبط انفعالاته لهب واقفًا وأسرع مهرولًا ليسدد له سيلًا من اللكمات والصفعات على ما اقترفه من خطيئة بحق شقيقته، تمالك من غضبه بإعجوبة، أما هي فابتسمت ببرود أثار ريبة ذاك المتعجرف وجعلته يتطلع إليها متفحصًا تلك الابتسامة المستفزة، تحت استغراب واستنفار كل من الموجودين لما يحدث ولتلك الطريقة غير اللائقة التي يتبعها ذاك الحانق بتلك التي ترأسه، قطع خيط تفكير الجميع صوت هاتفها الذي صدح بالحجرة لتمسكه وتستمع دون رد تحت استنفار الجميع وانتظارهم الأخبار بقلوب متلهفة، سوى ذاك الخائن "عزت البنداري" الذي يجلس مطمئنًا بفضل خسته وتسريبه كالعادة للمعلومات الخاصة بالمناقصة، أغلقت الهاتف ثم نظرت لمديرة مكتبها وتحدثت:
-أستاذة عالية.
أومأت المرأة برأسها وتحركت صوب الباب بطريقة توحي لاتفاق سابق بينهما، فتحت الباب لتشير لمن يقف خلف الباب قائلة:
-اتفضل.
رواية انا لها شمس الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم روز امين
«لا تستهن بامرأة وقفت شامخة بمفردها أمام ريح عاتية كادت أن تقلعها لكنها صمدت، حاربت وهي عزلاء بكل ما تمتلك من قوة ورفضت الرضوخ والاستسلام أمام جبروت البشر، فما بالك وهي قوية مستندة بظهر سيد الرجال وأقواهم وأرجحهم عقلًا، فهل ستهرب من المواجهة! هيهات.»
"إيثار الجوهري"
لأول مرة يحدثها بتلك الطريقة الفجة، وما زاد من سوء تصرفه أنه تم أمام جمع ليس بالقليل من كبار موظفي الشركة، احتدم داخل "أيهم" غيرة على شقيقته، ولولا نظراتها التي صوبتها إليه وطالبته من خلالها بضبط انفعالاته، لهب واقفًا وأسرع مهرولًا ليسدد له سيلًا من اللكمات والصفعات على ما اقترفه من خطأ بحق شقيقته.
تمالك من غضبه بإعجوبة، أما هي فابتسمت ببرود أثار ريبة ذاك المتعجرف وجعلته يتطلع إليها متفحصًا تلك الابتسامة المستفزة، تحت استغراب واستنفار كلًا من الموجودين لما يحدث ولتلك الطريقة غير اللائقة التي يتبعها ذاك الحانق بتلك التي ترأسه.
قطع خيط تفكير الجميع صوت هاتفها الذي صدح بالحجرة لتمسكه وتستمع دون رد تحت استنفار الجميع وانتظارهم الأخبار بقلوب متلهفة، سوى ذاك الخائن "عزت البنداري" الذي يجلس مطمئنًا بفضل خسته وتسريبه كالعادة للمعلومات الخاصة بالمناقصة.
أغلقت الهاتف ثم نظرت لمديرة مكتبها وتحدثت:
- أستاذة عالية
أومأت المرأة برأسها وتحركت صوب الباب بطريقة توحي لاتفاق سابق بينهما، فتحت الباب لتشير لمن يقف خلف الباب قائلة:
- اتفضل.
صوبت جميع الأعين نحو الباب فولج رجلًا فارع الطول يرتدي حلة سوداء ترتسم الجدية على ملامحه الصارمة. لم يتعرف عليه أحدًا من السادة الجالسين لذا تعجب جميعهم، أعقبه الدخول السيد "موافي" المسؤول عن غرفة تحكم ومراقبة كاميرات المراقبة.
ارتبك "بسام" وبات يتحرك بعدم راحة فوق مقعده، تبادلا النظرات هو وذاك الـ "موافي" ليطالعه مستفسرًا بنظرات فهم مغزاها الرجل فبادله بأخرى معناها أن لا علم له بما يجري.
قطع وصلهما صوت تلك القوية التي نطقت بصوت قوي ثابت وهي تشير للرجل:
- أهلًا يا أستاذ "حازم"، اتفضل شوف شغلك.
أومأ برأسه بهدوء كتحية منه ثم تحرك صوب شاشة العرض المعلقة بالحائط والمخصصة لعرض صور المشاريع المستقبلية من خلالها، أو أي شيء خاص بالعمل، وبدأ بتوصيلها بجهاز الحاسوب الخاص به ثم أخرج "فلاشة" كانت بجيب معطفه العلوي وأدخلها بالجهاز.
خرج صوت "بسام" غاضبًا ممتزج ببعض الرجفة مما بات يخشاه:
- هو فيه إيه يا أستاذة، مين الراجل ده وإيه اللي بيعمله هنا؟!
واستطرد منفعلاً:
- وإزاي حد يدخل علينا أوضة اجتماع خاص وبدون علمي وإذني؟!
أخذت نفسًا عميقًا كي تتحكم بانفعالاتها أمام ذاك المنفعل الذي أصبح يعاملها بقسوة وحدة أمام الجميع دون مراعاة مركزها ومكانتها سواء العملية أو العائلية، وذلك بعدما بدأ بفقد السيطرة على ضبط النفس، لتنطق بابتسامة زادت من استفزازه وتوتره:
- أكيد هعرف حضرتك عليه يا أستاذ "بسام".
واسترسلت بجدية وكأنها تحولت:
- بس الأول خليني أقول لكم على الخبر المنتظر.
باتت توزع نظراتها الثاقبة بين الجميع لتكمل مسترسلة:
- مبروك علينا المناقصة.
وكأن ببضع الكلمات التي ألقتهم من فمها قد سحبت الأكسجين من الغرفة بالنسبة لـ "بسام"، هلل الجميع سرورًا وبدأوا يهنئون حالهم ماعدا "عزت"، فقد تصبب العرق من جبهته وبصعوبة ازدرد ريقه وكأنه يصارع الموت ويلفظ أنفاسه الأخيرة.
خرج صوت بسام مرتبكًا وهو يسألها مترقبًا:
- هي المناقصة رسيت علينا إزاي؟!
رفعت حاجبها لتجيبه مستنكرة:
- يعني إيه إزاي، مش فاهمة ليه الاستغراب؟!
برغم غضبه إلا أنه استطاع التماسك ليجيبها بابتسامة ساخرة:
- يمكن اتعودت علشان أخر مناقصتين اللي أخدتهم شركة الصخرة بمنتهى السهولة والسذاجة مننا.
قطعت جملته الأخيرة بحدة امرأة قوية صارمة تعلم جيدًا ماذا تفعل:
- إنك تخسر بعض المعارك ده شيء لا يعيبك على الإطلاق، العيب إنك تنبطح وتتقبل وضعك بمنتهى الاستسلام، والعيب الأكبر إنك تسيب نفسك محبوس جوة دايرة مقفولة عليك وتفضل تلف جواها زي التور اللي مغميين عيونه، لازم تثور وتشيل غمامة عيونك وتدور على المخرج.
لتكمل بمغزى عميق وهي تترصد نظراته الزائغة:
- بس عارف إيه هي الخسارة اللي لا يمكن تخطيها يا باشمهندس، الخيانة.
- قصدك إيه؟!... جملة خرجت بصعوبة من جوفه تحت مراقبة أيهم لتعبيرات ملامحه ونظراته المرتعبة.
ابتسامة ساخرة كانت كفيلة بالرد عليه لتحول نظرها على ذاك الجالس حيث يرتعب داخليًا من رد فعل تلك السيدة اللبنانية الحادة الطباع عندما يتقلب مزاجها. وجهت حديثها للجميع:
- الوقت هنشوف كلنا قصدي إيه.
الجميع في حالة استنفار وترقب ينتظرون رؤية ما سيشاهدونه من خلال الشاشة المعلقة وما تحمله تلك الـ "إيثار" من مفاجآت، قاطعت شرودهم بصوتها القوي وهي تشير للرجل بشموخ ورفعة:
- اتفضل يا أستاذ "حازم"، شغل الفيديو وخلينا نتفرج على الخيانة في أبشع صورها.
مال بإيماءة بسيطة من رأسه ثم ضغط على زر التشغيل، وبلحظة ظهر "عزت البنداري" وهو يترجل من سيارته أمام مبنى ضخم تظهر عليه لافتة كبيرة مكتوب عليها بالنص «شركة الصخرة للاستيراد والتصدير»، انتفض جسد الرجل لدرجة أنه أوشك على لفظ أنفاسه الأخيرة، وقد توجهت جميع الأعين صوبه والشك والاستغراب يملأ جميعها، تحرك الرجل للداخل واختفى.
عودة لما قبل سبعة أيام من الآن، كانت تجلس تلك الـ "رولا" خلف مكتبها الفخم، ولجت مديرة مكتبها لتخبرها:
- مدام رولا، أستاذ عزت البنداري وصل وطالب يقابل حضرتك.
أشارت لها بإيجاب فولج الرجل ليلهث وهو يتفحص جمالها الخلاب بداية من شعرها الأصفر لزينة وجهها الصاخبة والتي تدل على جرأتها كامرأة جميلة تهتم بحالها، تحدث بعينين زائغتين:
- مساء الخير يا هانم.
أشارت بكفها وهي مستندة للخلف واضعة ساقًا فوق الأخرى، تحرك مقعدها يمينًا ويسارًا بخفة:
- أهلًا وسهلًا فيك، اتفضل.
جلس ثم أخرج الورقة التي بحوزته وتحدث:
- دي الورقة اللي فيها كل المعلومات الخاصة بالمناقصة والأسعار اللي قدمتها شركة الزين للهيئة.
مالت بجذعها لتلتقط حقيبة جلدية من اللون الأسود كانت بجوارها ثم تحدثت وهي تناوله إياها:
- كتير حلو، وهيدا المبلغ يلي اتفقنا عليه من قبل.
هب واقفًا واختطفها من يدها ثم فتح سحابها وبات ينظر للمال بلهفة مفرطة أظهرت جم حبه للمال مما جعل السيدة تطالعه باشمئزاز وتقليلًا لشأنه، أغلق الحقيبة ثم نظر إليها وتحدث متلهفًا:
- عقبال فلوس الصفقة الجاية يا هانم، والمرة الجاية المبلغ هيكون أكبر.
واستطرد بجشع ظهر بينًا بعينيه:
- حضرتك عارفة الأسعار بترفع كل يوم.
أجابته بجدية:
- ما عندي مشاكل بهالموضوع، أهم شي بالنسبة لإلي هو الإخلاص، وطول ما أنت مخلص، راح تاخد اللي بدك إياه.
أومأ لها بطاعة وأخذ الشيك وخرج من الشركة ومازال السيد حازم يتابع تصويره توثيقًا لخيانته ومدى خسته.
عودة لغرفة الاجتماعات:
تصنم الجميع مما رأوه لتنطق وهي تصوب نظراتها باتجاه ذاك الخائن:
- وبكده يبقى عرفنا مين الشخص الخاين اللي بينا.
تهته بالحديث ليقول:
- أستاذة إيثار أنا، أنا.
- أنت إيه....
قالتها بعينين تطلق شزرًا، ثم هبت واقفة لتدب على سطح الطاولة وهي تقول بحدة أرعبت الجميع:
-إنتِ خاين وحقير يا عزت، بعت المكان اللي بقى لك سنين فاتح بيتك منه وخونت الناس اللي وثقت فيك وأمنتك على أسرار شغلها.
رفعت كتفيها لتكمل متعجبة:
-وكل ده ليه؟ علشان شوية فلوس جاية من طريق قذر.
نطق بخزي وجسده منتفض:
-الشيطان كان أشطر مني يا أستاذة، سامحيني وإعفي عني علشان خاطر ولادي الصغيرين.
-دي نفسك الضعيفة الأمارة بالسوء هي اللي غلبت عليك يا خاين...
قالتها باشمئزاز ثم انتقلت ببصرها إلى موافي الذي انتفض جسده أكثر لتتابع بابتسامة ساخرة:
-ها يا أستاذ موافي، مش هتقول لنا إديت لمين تسجيل العشر دقايق اللي اتقصوا من تسجيلات الكاميرات بتاعت الشركة؟!
التفت على الفور إلى "بسام" الذي ألقى له تحذيرًا حادًا من عينيه بألا يتحدث، ولأنه يعلم مدى ضعفه أمام سلطة "بسام الزين" قرر الصمت والنأي بحاله من براثن ذاك الذي قام بتهديده من قبل وهدده بأنه سيفنيه من العالم إذا خرج ذاك السر من بينهما.
تحدث بهدوء بصعوبة بالغة استدعاه لينطق متنصلًا:
-أنا مش فاهم حضرتك بتتكلمي عن إيه يا أستاذة إيثار!
عندما ساورها الشك بشأن خسارة الشركة لمناقصتين متتاليتين، قامت باستدعاء شركة أمن خاصة وطلبت منها تتبع شركة الصخرة ومتابعة ما إذا كان أحد موظفي شركة الزين يلتقى بأحد مسؤولي الأخرى أم لا، وأيضًا استدعت خبيرًا بالكاميرات لاكتشاف الخائن من خلال تسجيلات كاميرات المكاتب أو العثور على ثغرة تهديهم إلى الحقيقة، أبلغها المتخصص الذي ولج متخفيًا ليلًا إلى الشركة بمساعدة رجال الأمن حيث أخذوا الأمر منها شخصيًا، وتسلل إلى غرفة المراقبة وللأسف لم يعثر على أي خيط يتتبعه للبحث عن الخائن، لكنه اكتشف قطع عشرة دقائق من التسجيل الخاص بمكتب عزت، ومن هنا طلبت من الرجل تكثيف مراقبته، هتفت بحدة بعدما تأكدت من شكوكها أن لبسام يد باختفاء التسجيل:
-بتكلم عن تسجيل الجزء الخاص بإدانة "عزت".
وأكملت:
-اللي اتحذف واتسلم لحد بعينه؟
هنا تطلعت إلى "بسام" الذي لعنها بأفظع السباب بسريرته، لتتابع هي:
-أحسن لك تطلعه بالذوق بدل ما أبلغ البوليس وييجي هنا يخليك تخرجه غصب عنك.
-بوليس إيه يا هانم، أنا هقول على كل حاجة، بس بلاش تدخلي البوليس...
كلماته قالها بذعر ليقاطعه بسام الذي تحدث بعدما شعر بخسارته تقترب بل ومعه فضيحة كبيرة من الصعب محوها لو أزيح الستار عن الحقائق أمام الجميع:
-إحنا محتاجين نتكلم لوحدنا شوية يا أستاذة إيثار.
أشارت بكفها نحو الخارج:
-إتفضل على مكتبي.
وقف أيهم بعدما قرر مساندة شقيقته لتشير هي له بالتوقف:
-خليك مكانك يا أستاذ "أيهم".
فبرغم شكوكها بأن بسام وراء ما يحدث أو على الأقل له يد، إلا أنها أرادت أن تحافظ على ماء وجهه وحفظ كرامة العائلة حتى أمام شقيقها.
ولجت بصحبته إلى المكتب لتنطق بحدة:
-أنا سامعاك، إتفضل فسر لي.
-أنا اللي خليت موافي يقص التسجيل ويدهولي...
قالها بشموخ وأكمل بمراوغة وهو ينفي شكوكها به:
-بس مش علشان أداري على عزت ولا أأذي الشركة زي ما وصل لك وحسيته من نظراتك ليا، أنا عملت كده علشان أحتفظ بيه قبل ما غيرنا يشوفه ويعرف إني كشفت عزت وبراقبه.
رفعت حاجبها مستنكرة ليهتف هو مؤكدًا بزيف:
-هو أنتِ فاكرة إن مفيش غيرك تهمه مصلحة الشركة وبيخاف عليها ولا إيه؟! أنا كمان كنت جايب واحد وممشيه ورا عزت.
نطقت بما أربكه:
-ولما حضرتك ممشي وراه حد، إزاي مكتشفتش تردده على شركة الصخرة؟!
أجاب سريعًا بعدما وجد مخرجًا لا يقنع عقل طفلًا:
-الراجل كان عنده ظروف اليوم اللي عزت راح شركة المنافسين، مراته كانت في المستشفى بتولد، واتصلوا عليه وراح لها.
-حمدالله على سلامتها، إبقى فكرني أبعت كادو باسم الشركة للمولود...
وأكملت متهكمة:
-هو ولد ولا بنت؟! أصلها بتفرق.
استشاط داخله من حديثها المهين ليهتف غاضبًا بعدما فقد السيطرة على هدوئه:
-هو حضرتك بتتريقي ولا إيه يا أستاذة؟!
-العفو يا باشمهندس...
قالتها بملامح ساخرة لتتابع بحدة وصرامة بكلمات تحذيرية مبطنة:
-بس ياريت تخلي بالك من رجالتك اللي بتختارهم بعد كده، ومتقلقش على الشركة، لأنها في عهدة إيثار الجوهري، مرات سيادة المستشار فؤاد علام.
واسترسلت بقوة:
-أصحابها سلموني إدارتها أمانة.
وأكملت بإصرار:
-وأنا عمري ما أفرط في الأمانة أبدًا.
فهم مغزى تهديدها وسألها مستعلمًا:
-هتعملي إيه مع "عزت"؟!
أجابته بصمود وهي تبسط كفها إليه:
-إديني التسجيل والباقي سيبه عليا.
تنفس ليكظم غيظه، ثم أخرج جواله المحمول وبعث لها التسجيل، بعد قليل كانت بغرفة الاجتماعات من جديد، وقفت بشموخ أمام الجميع لتنطق بحدة لرجال الأمن الخاصة بالشركة بعدما قامت باستدعائهم:
-خدوا الخاين ده وحطوه في أي مكتب على ما البوليس يوصل.
بات يصرخ مستنجدًا ومتوسلًا إليها تحت نظرات الجميع المتعجبة من قوة تلك المرأة التي لم تهتز وذاك المشهد العجيب، حولت بصرها لذاك الموافي المرتعب وتحدثت:
-إنت مرفود يا موافي، ومش بس كده، هيتكتب في استمارة إقالتك إن السبب هو خيانة الأمانة وتعريض الشركة للأذى والضرر، وإبقى وريني بقى أي شركة هترضى تشغلك مع سجلك الأسود ده.
ثم تبادلت النظرات بينه وبين بسام وتابعت بمغزى عميق:
-واحمد ربنا إني عاملة اعتبارات لأمور خاصة مرتبطة بسمعة الشركة والعيلة، وإلا قسمًا بربي ما كنت خرجت من هنا غير على السجن زيك زي الخاين عزت.
نطق بعينين تكاد تبكي من شدة الندم:
-أستاذة إيثار أرجوكِ، لازم تسمعيني وتعرفي اللي حصل بالتفصيل، أنا مليش ذنب في اللي حصل.
وصرخ وهو يوجه حديثه إلى بسام:
-أنا جبت التسجيل وسلمته للباشمهندس زي ما طلب مني، وكنت فاكر إنه هيقول لحضرتك بس هو قال لي....
قاطعه بسخط مرتبك كي لا يفصح عن ما تم حياكته بينهما ويظهر تضليله لها:
-اخرس يا موافي، الأستاذة إيثار عارفة كل حاجة حصلت بالتفصيل.
وتابع بزيف كي ينفي عنه تهمة التواطؤ للضرر بمصالح الشركة:
-وعارفة إني أخدت التسجيل علشان ميوقعش في إيد عزت وياخد باله ويحرص، وعارفة كمان إني كنت براقب عزت علشان أكشفه.
رمقته باشمئزاز ثم تحدثت إلى "موافي":
-روح على الحسابات علشان يسلموك باقي مستحقاتك يا موافي، أنا مبلغاهم بكل حاجة.
وتابعت متهكمة:
-المبلغ ده علشان يعينك على الحياة لحد ما تلاقي محل كشري، ولا صاحب عربية فول وطعمية واقفة على ناصية شارع يرضى يشغلك من غير ما يشوف السي في بتاعك.
وأكملت:
-يا خسارة يا موافي، ضيعت نفسك بسكوتك عن الحق وصمتك المخزي وإنتَ شايف المكان اللي فاتح بيتك بيخسر واحتمال ينهار، دي كانت قرصة ودن ليك ويارب تتعلم منها وتخلي ضميرك دايمًا صاحي.
وتابعت بصدق:
-إنتَ أكتر حد صعبان عليا في الموضوع ده كله، على الأقل عزت قبض تمن خيانته فلوس، لكن إنتَ خنت بدون مقابل.
خرج موافي لتنطق وهى تنظر للجميع:
-كلنا شوفنا بعيونا نهاية الخيانة وجزائها عندي بيكون إيه؟
واسترسلت بقوة لتبث داخل أرواحهم العزيمة:
-من النهاردة عاوزة عيون الكل مفتحة، كلنا هنبقى إيد واحدة ومهمتنا الأساسية هي تدمير شركة الصخرة، من هنا ورايح هيشوفوا رد شركة الزين بيكون عامل إزاي على كل اللي يتجرأ وييجي علينا، واحدة بواحدة والبادي أظلم.
صفق لها الجميع وأظهروا دعمهم بالهتاف تحت نار قلب بسام المشتعلة.
خرج الجميع ليلقي "بسام" نظرة ساخطة عليها قبل أن يخرج، بادلته إياها بأخرى متحدية، ذهبت هي الأخرى إلى مكتبها بصحبة "أيهم" الذي اقترب منها متحدثًا بعدما قصت عليه ما حدث:
-لازم تبلغي فؤاد وسيادة المستشار على اللي عمله "بسام"، ده إنسان غبي وكان هيضيع الشركة بحقده، لازم يتعاقب يا إيثار.
-أكيد هبلغ فؤاد...
قالتها لترتمي فوق مقعدها بإرهاق محاربة.
بمكان آخر بمدينة "ستراسبورغ" المتواجدة بدولة "فرنسا".
داخل منزل فخم يوحي بثراء ساكنيه، انتفض من مقعده كالملسوع ليهتف بحدة مستنكرًا بعينين غاضبتين وهو يتحدث عبر الهاتف:
-إنتِ بتقولي إيه يا "لارا"، وإنتِ كنتي فين، وإزاي تسمحي بحاجة زي دي تحصل؟!
-حياتي فيك تهدى بليز...
قالتها لتستدعي هدوءه ليصيح الآخر وهو يسحب شعر رأسه للخلف بجنون يكاد أن يقتلعه من جذوره:
-أهدى إيه وزفت إيه بعد ما إيثار علمت عليكِ إنتِ ورجالتك الهبل دول.
برغم غيرتها المرة وشعور الغليان الذي يصيبها عندما تستمع لذكر زوجها لحروف اسم تلك الغريمة لكنها استطاعت ضبط النفس لأبعد الحدود لتنطق بإبانة:
-بليز فيك تهدى، وأنا زيي زيك بالزبط، مابعرف شو يلي صار لحتى تطير هالمناقصة من ايدينا، المحامي كان كتير مطمني ومأكدلي إنو هالمناقصة ما راح تطلع من بين إيدينا.
واسترسلت موضحة:
-وهيداك الموظف يلي اسمه عزت، جبلي الفايل تبعن يلي فيه كل المعلومات اللي قدموها.
صاح بسخط غاضب:
-واضح يا هانم إن الموظف عميل عندها ولعب عليكِ إنتِ والمحامي الأهبل بتاعك؟!
أجابته باقتناع:
-يلي عم تحكيه مش مزبوط وما ممكن يكون حقيقي، هايدي مانا أول مرة بنشتغل فيها مع هالزلمة، بترجاك حياتي تهدي حالك وأنا راح أتصرف.
واسترسلت وهي تنظر أمامها بتوعد:
-شكلي ماعرفت أقيم هالمرة منيح، لكن بوعدك راح فتح عيوني أكتر من هيك، والضربة الجاية بتكون القاضية لإلها.
تحدث بصوت مهزوم:
-إقفلي يا لارا، أنا متضايق ومش قادر أتكلم.
-أوك...
قالتها باستيعاب لغضبه لتكمل:
-راح اتركك هلا وبنحكي بعدين.
أغلق هاتفه وباتت شياطين العالم تتراقص أمام عينيه، للمرة التي لا يعلم عددها تفوقت عليه إيثار، بات داخله يغلي من شدة غضبه، فقد عزم الأمر على تدمير تلك الشركة التي تديرها ليثبت للجميع فشلها لعل عائلة زوجها وهو أولهم يغضبون عليها ويسخطون، ولعل الأمل يتجدد داخله بتطليق زوجها لها، فبرغم زواجه بأخرى جميلة ومنمقة وسيدة مجتمع من الطراز الأول، إلا أن مازال لعشقها داخله مكانًا لم تطأه قدم إحداهن إلى الآن.
تذكر أفضال زوجته الكثيرة عليه، حين سافر إلى فرنسا بعد حادث القبض على شقيقه، قابلها بعدما كان تائهًا بين طرقات المدينة، يلهو هنا وهناك ويرتمي داخل أحضان النساء عله يستطيع نسيان ما حدث له ولعائلته من تشريد، إلى أن قابلها فغيرت مجرى حياته بالكامل بعد أن أوقعها سلطان العشق في غرام ابن البنهاوي، فقد كان وسيمًا للغاية، جذبها بعفويته وتأذت لتيهته وشروده فقررت أن تساعده، بالفعل أخذت بيده وأدخلته لعالمها، انجذب له أبيها بعدما علم ضخامة ثروته التي جمعها من مال الآثار، وأيضًا ما لم يعلمه الجميع ويعلمه هو عن وجود مقبرة ضخمة كان والده يضع بها مجموعة هائلة من الآثار ويخبئها للزمن، ولم يأمن أحدًا على سره سوى ذاك المدلل "عمرو"، حتى إجلال بذاتها لم تكن على علم، عندما تقرب من والد لارا وأمن له صرح له بسره العظيم، تحرك الرجل بعلاقاته المتعددة وقاموا بإخراج تلك الآثار وتهريبها خارج البلاد مما جعل الأموال تهطل عليهم كالأمطار الغزيرة، تقاسم هو والرجل تلك الأموال وبدأوا باستثمارها فزادت وتكاثرت بشدة، تزوج بعدها من لارا وأنجب ابنته نور وسليم الذي أسماه على اسم أبيها الذي ساعده كثيرًا ومده بالقوة لما له من نفوذ بحكم علاقته برجال خارجين عن القانون.
استمع إلى رنين الهاتف فرفعه لمستوى عينيه وجد غاليته الحبيبة، أخذ نفسًا عميقًا لينطق بهدوء:
-أزيك يا ماما.
على الجانب الآخر، هتفت إجلال بفرحة وهي تتحرك بوسط غرفتها التي أغلقتها عليها جيدًا كي لا يستمع أحد ويعلم بأمر صغيرها:
-إزيك إنتَ يا حبيبي، وحشتني يا "عمرو".
-إنتَ كمان وحشتيني قوي يا ستهم...
نطقها بتلقائية لتتسع عينيها وهي تنطق بحنين:
-ياه يا عمرو، الاسم ده كنت خلاص قربت أنساه، لحد ما كلمتني إنتَ من كام شهر وفكرتني بيه.
وأكملت تنتحب بحسرة على مجدها الزائل:
-ستهم اللي الكل كان بيعمل لها ألف حساب ويتهز لاسمها رجالة بشنبات، شافت ذل بعمرها كله من أهل الكفر، الصغير قبل الكبير هانها وشمت فيها.
نزلت كلماتها على قلبه كجمرات من لهب ليهتف بفحيح من بين أسنانه:
-وحياة هيبتك لأجيب لك حقك من كل اللي جم عليكِ يا ستهم، وهوقفهم لك صف ورا بعض، يميلوا ويبوسوا رجلك علشان ترضي عنهم وتسامحي.
شعرت بانتشاء لتأخذ نفسًا مطولًا وهي تقول:
-إمتى بس يا "عمرو".
-قريب، قريب قوي...
قالها وهو ينظر أمامه بتعمق وابتسامة نصر ترتسم على محياه.
داخل منزل حسين البنهاوي، عاد من العمل الجديد محملًا بأكياس مليئة بالخضروات والفاكهة والحلوى لإدخال السرور على قلب عائلته وتعويضًا لما عانوه معه وتحملوا الصعاب وهم صامدون، فتح الباب وولج يهتف بصوت لاهث من ثقل حمل الأكياس وصعود الدرج بهم:
-مروة، إنتِ فين يا مروة.
خرجت مسرعة من المطبخ وهي تجفف كفيها بالمنشفة لتتفاجأ بما يحمله، هرولت إليه لتحمل عنه وهي تسأله بسعادة ظهرت بابتسامتها:
-إيه اللي إنتَ جايبه ده كله يا حسين؟!
تحدث بابتسامة وهو يضع ما تبقى من أكياس على تلك الطاولة الصغيرة:
-قولي ماشاء الله علشان ربنا يزيد الخير يا مروة.
نطقت بابتسامة:
-ماشاء الله يا سيدي، بس هو يعني أنا هحسدك يا حسين؟!
-قالوها أهالينا زمان، ما يحسد المال إلا أصحابه...
قالها وهو يرتمي بجسده فوق الأريكة ليرتاح من صعود الدرج، لتنطق وهي تقلب بالأكياس:
-الله أكبر، إيه ده كله.
التفت يناظرها وهو يقول بامتنان:
-دي أقل حاجة علشان أعوضكم عن سنين الحرمان اللي عيشتوها معايا.
تحركت لتجاوره الجلوس ثم تحدثت بعينين عاشقتين لرجلها:
-متقولش كده يا حسين، وجودك معانا سالم غانم أكبر نعمة في حياتنا، وإنتَ عمرك مقصرت معانا في حاجة.
-إنتِ جدعة وبنت أصول واتحملتيني يا مروة، ما عندك ياسمين مرات طلعت أخويا، أول ما اتقبض عليه رفعت قضية خلع وطلقته، ده غير عياله اللي وخداهم ومش عارف يشوفهم من يوم ما خرج.
أجابته بعدما وقفت وتحركت لتفتش من جديد داخل الأكياس:
-صوابعك مش زي بعضها يا أبو أحمد، الله أعلم بظروفها، مش يمكن يكونوا أهلها هما اللي غصبوها على الطلاق.
طالعها باعتراض:
-وأهلها كمان اللي خلوها تعمل لتليفونك حظر؟!
ثم استرسل بامتنان يفيض من عينيه:
-كل واحد أصله بيظهر في وقت الشدة يا مروة، وعندك إيثار أكبر مثال على كلامي.
نطقت بنبرة سعيدة:
-الله يكرمها ويبارك لها في عيالها، ويزيدها خير زي ما كانت السبب في توسيع رزقنا.
-عندك حق، لولاها كان زمانا على حالنا...
قالها بحزن متأثرًا فنطقت كي تخرجه من تلك الحالة:
-سيبك من ده كله وقوم غير هدومك على ما أجهز الغدى.
وأشارت بكفها بانتشاء:
-ده أنا عاملة لكم شوية ملوخية خضرا على فرخة ورز بشعرية إنما إيه، هتاكلوا صوابعكم وراهم.
-هما الولاد جم من برة؟
ردت عليه نجلته الكبرى وتدعى "حنان" حيث خرجت من غرفتها المشتركة مع شقيقتها الصغرى "تقى":
-أنا جيت من الجامعة بقالي نص ساعة يا بابا، يا دوب غيرت هدومي، وأحمد تحت بيجيب كيس سكر من المحل، وتقى اتصلت وقالت إنها جاية في الطريق.
أجابها بحنان:
-حمدالله على السلامة يا حبيبتي، يلا بسرعة جهزي الغدى علشان تدخلي مع أمك إنتِ وأختك وتعملوا لنا عشا محترم، أصلي اتصلت بيوسف وزينة ولاد عمك علشان ييجوا يتعشوا معانا النهاردة.
نطقت مروة بصوت معترض:
-إخص عليك يا حسين، طب كنت قول لي من الصبح علشان أنضف الشقة كويس.
أجابها مستنكرًا:
-مالها الشقة يا مروة، مهي زي الفل أهي، يلا جهزوا الغدى هموت من الجوع.
داخل جامعة القاهرة.
كانت تتحرك داخل رواق صغير بالحديقة الخلفية للجامعة، بعد أن خرجت من الحمام الخاص بالفتيات وكانت بطريقها المؤدي لقاعة تلقي المحاضرات، قطع طريقها ذاك الـ "مازن" وهو يقول بسخافة بعدما استغل هدوء المكان وعدم وجود مارّة:
-على فين يا سندريلا، إنتِ مش ناوية تفكي وتخرجي عن صمتك ولا إيه؟!
ارتبكت وتحدثت بتهتهة:
-وسع لو سمحت، خليني ألحق المحاضرة قبل الدكتور ما يدخل.
مرر لسانه فوق شفته العلوية لينطق بغمزة وقحة وهو يقترب منها:
-ما تسيبك من المحاضرة وتعالي أعزمك برة على حاجة نشربها ونتسلى سوى.
تراجعت للخلف سريعًا وهي تصده:
-سيبني في حالي الله يخليك.
اقترب مرة أخرى قبل أن يقول بوقاحة:
-اسمعي الكلام وتعالي معايا، صدقيني هتنبسطي.
وأكمل مشيرًا لذاك اليوم تحت ضحكات صديقه "إياد" المستند على الحائط يشاهد ما يحدث بتسلٍّ بدون نخوة:
-هو أنا أه معنديش عربية بي إم دبليو زي الواد اللي إنتِ مصحباه، بس أعجبك.
صرخت حين لمس كف يدها لتنطق بحدة:
-والله لو مبعدت عني لأصوت والمّ عليك الجامعة كلها.
رمقها بنظرات حادة ليهتف بسخط:
-جرى إيه يا روح أمك، إنتِ هتعملي عليا شريفة وإنتِ مدوراها.
وأشار لصديقه الذي صدحت ضحكاته المستهترة بحالة الفتاة:
-طب قول لها إنتَ يا إياد، عرفها إننا شفناها مع الواد بتاعها وإن اللي بتعمله ده ممنوش فايدة.
-فيه إيه يا آنسة، الأستاذ بيتعرض لك ولا حاجة؟
قالها شاب في الفرقة الرابعة كان يمر من جوارهم ولاحظ هلع الفتاة ودموعها، هرولت تختبئ خلفه وهي تقول مستنجدة به:
-أرجوك تبعده عني وتخليك معايا لحد ما أوصل لباب القاعة.
تألم لحالة الهلع التي بدت عليها وبسرعة تحدث يطمئنها:
-إهدي ومتخافيش، أنا جنبك ومش هسيبك.
قطع حديثه ذاك المتهور الذي جذبها من خلف الشاب بحدة وتحدث بقوة وعينين تمتلئتين بالشر:
-خليك بعيد بدل ما تتأذي، وبعدين اللي إنتَ جاي تدافع عنها دي مدوراها ومصاحبة واد بعربية بي إم دبليو، يعني من الآخر كده هتضيع نفسك علشان واحدة شمال متستاهلش.
-والله العظيم كذاب، اللي بيتكلم عنه ده يبقى يوسف أخويا...
قالتها للشاب ثم استرسلت وهي تجذب ذراعها بقوة تحلت بها:
-حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا بعيد، ربنا يدوقك من كاس الظلم اللي شربتني منه.
كاد الشاب أن يضحك على مظهرها وهي كالفرخ المبلول وحديثها الجديد عليه، لكنه نفض تلك الأفكار وتحرك إليها ليقف أمامها بجسارة ويقول:
-يلّا يلّا منك ليه من هنا، روحوا إلعبوا بعيد، وإياك ألاقى حد منكم بيتعرض لها هي ولا غيرها.
-وإنتَ مال أمك يا جدع...
قالها وهو يدق بكفيه على صدر الشاب كتهديد بالابتعاد، ليتابع:
-روح شوف نفسك رايح فين بدل ما أذيك.
دفعه الشاب بقوة تراجع على أثرها للخلف وكاد أن ينبطح أرضًا لولا يدا صديقه إياد الذي أسنده ليتابع الشاب بسخرية:
-مالك يا ابني نافش لي ريشك كده ليه، ده إنتَ شبر ونص يلّا.
ثم رمقه من قمة رأسه لأخمص قدميه وهو يقول ساخرًا من قصر قامته بالنسبة له:
-أمال لو كنت طول بعرض كنت عملت فينا إيه؟!
احدتت ملامح مازن بغضب ليتابع الشاب ناصحًا:
-أنا هسيبك المرة دي علشان باين عليك غلبان وأبوك شارب المر علشان يعلمك.
واستطرد:
-إنتِ شكلك جديد ولسه في سنة أولى ومتعرفش قوانين الجامعات وصرامتها، صدقني لو خدتك من إيدك الوقت وروحنا لعميد الكلية وحكيت له اللي حصل أنا وزميلتك هتترفد وقتي، ده غير الحبس.
اتسعت أعين صديقه إياد لينطق مذهولًا:
-حبس؟!
أجابه الشاب:
-أه يا حبيبي حبس، بتهمة التعرض لقاصر والتحرش بيها وفين، داخل الحرم الجامعي يا غشيم منك ليه، يعني محبوس محبوس.
رمقه الشاب بحدة وتحدث بوعيد:
-ماشي، هنتحاسب بس بعدين.
قالها وتحرك للأمام هو وصديقه ليصيح الآخر متهكمًا:
-وليه بعدين يا حيلتها، ما أحنا فيها أهو، تعالى لو راجل وواجهني.
مضى بطريقه دون رد ليلتفت الشاب متحدثًا باهتمام لتلك التي مازالت ترتجف:
-إنتِ كويسة؟!
بنبرة مرتعبة نطقت:
-أنا متشكرة جدًا، إلهي ما يوقعك في ضيقة أبدًا ويسترك.
-إنتِ منين؟
سؤال وجهه لها بعدما لفت انتباهه كلماتها التي لا تتناسب مع مظهرها وثيابها الثمينة، لتنطق هي متعجبة:
-إشمعنا؟
-إنتِ هتخشي لي أفيه؟
قالها بمناغشة لتحزن وتنظر أسفل قدمها بعدما شعرت بسخريته مما أحزنه لينطق سريعًا:
-زعلتي ليه كده، يا بنتي أنا بهزر، بنكشك علشان تفكك من الخوف ده.
تطلعت إليه لتتعمق بمقلتيه البنيتين ليتابع من جديد:
-إضحكي خلاص.
ابتسمت بخفة ليكمل:
-أنا اسمي رامي كمال، طالب تجارة بالفرقة الرابعة.
ظلت صامتة ليحثها على التحدث قائلًا:
-دورك.
-دوري في إيه مش فاهمة؟!
قالتها ببلاهة ليطلق ضحكة رجولية أثارت انتباهها ثم توقف ليقول:
-ده إنتِ مشكلة، شكلك خام قوي.
ثم تابع مفسرًا:
-أقصد اسمك إيه؟!
أجابت بصوت خافت:
-زينة، سنة أولى كلية علوم.
طالعها ليبتسم قائلًا:
-اسمك حلو قوي يا زينة، زي شكلك.
ارتبكت لتسحب عنه بصرها بارتباك وتحركت للأمام لتقف متسمرة عند سؤاله:
-إنتِ صحيح مصاحبة زي ما الولد ده قال؟!
التفتت لتجيبه وهي تهز رأسها بارتباك ظهر عليها:
-لا والله العظيم أبدًا، ده بيفتري عليا.
-خلاص مصدقك من غير ما تحلفي...
أخرج بطاقة تعريفية واقترب منها ليبسط ذراعه قائلًا:
-ده الكارت بتاعي وفيه رقم تليفوني، لو حد منهم ضايقك تاني رني عليا.
رمقته بحزن وهي تتنقل ببصرها بين البطاقة وعينيه ثم التفتت لتسرع إلى الأمام دون نطق حرف واحد مما أصاب الآخر بالاندهاش من تلك الفتاة غريبة الأطوار التي أصابته بالفضول.
عادت لمنزلها لتجد ذاك الثائر ينتظرها داخل الحديقة.
وما أن رآها تترجل من سيارتها حتى أقبل عليها ليهتف غاضبًا:
-أهلًا بالهانم اللي معتبراني كيس جوافة في حياتها؟!
ليصيح معترضًا على حديثه:
-ده حتى كيس الجوافة ليه فايدة عني.
ارتجف جسدها لتسأله بهلع بعدما اعتقدت حدوث شيء سيء لأطفالها:
-إيه اللي حصل يا فؤاد؟ حد من الولاد جرى له حاجة؟
-اللي حصل عندك إنتِ يا مدام...
قالها بصياح مرتفع أظهر كم غضبه ليتابع بحدة بالغة:
-دايرة تخططي وتكوني فرقة مراقبة، وتطلبي البوليس، وكل ده في شركتي ومن ورى ظهري وأنا نايم على وداني زي المغفل.
استكانت قليلًا بعدما علمت سبب حدته لتنطق وهي تحتوي كفيه برعاية:
-طب ممكن تهدى وتيجي معايا فوق علشان نعرف نتكلم براحتنا.
نفض كفيها ليصيح بحدة تحت نظرات والديه اللذين خرجا على ارتفاع صوته الغاضب:
-نتكلم في إيه يا أستاذة، ونتكلم بعد إيه؟!
تساءل والده باستغراب:
-فيه إيه يا سيادة المستشار؟!
صوتك عالي ليه؟
هتف بنبرة أظهرت كم سخطه:
-فيه إن الهانم مراتي شيلاني كزوج من حساباتها، وبتتعامل معايا كرئيسة مجلس إدارة للشركة.
واسترسل ساخطًا:
-ده حتى دي مش عاملة لي حساب فيها.
هتفت هي الأخرى دفاعًا عن موقفها:
-وكنت عاوزني أعمل إيه يا سيادة المستشار، أجي أجري عليك وأستخبى في حضنك وأقولك إلحقني يا فؤاد.
لتشيح بكفيها مستعرضة:
-وأبقى فشلت في أول اختبار حقيقي ليا كرئيس مجلس إدارة الشركة، وأفقد احترام الموظفين ليا، وأفقد كمان ثقتكم اللي كلكم حطتوها فيا.
ثم اقتربت عليه ونطقت في محاولة منها لامتصاص غضبه:
-يا حبيبي إهدى من فضلك وخليني أشرح لك.
تطلع لملقيتها بجنون قبل أن يصيح بغضب أظهر ارتعابه عليها:
-تشرحي لي إيه يا إيثار، هتقولي إنك دخلتي وكر العقارب برجليك من غير ما تبلغيني، إزاي تبقى فيه شركة بتحاربك ومجندة موظفين جوة الشركة ومتبلغنيش بمصيبة زي دي؟!
-مكنتش عاوزة أشغلك يا فؤاد، أنا مقدرة جدًا ظروف شغلك ومنصبك الكبير.
ضحك ساخرًا وبات يدور حول حاله بجنون وهو يجذب شعر رأسه للخلف، ليتوقف ويتحدث ساخرًا لأبويه:
-سامعين الهانم مراتي بتقول إيه؟
هتف علام كي يعي نجله على حاله ويخرج من حالة الغضب تلك:
-خلاص يا فؤاد، إهدى وخلينا نفهم اللي حصل من إيثار.
وبدون مقدمات اقترب منها ليجذبها بقوة ويسكنها بأحضانه، ثم حاوطها بذراعيه ليشدد عليها بقوة كادت أن تفتت عظامها، وهمس بجانب أذنها:
-إزاي قدرتي تعملي كده، تخبي عن حبيبك يا إيثار، ده أنتِ نايمة في حضني طول الليل.
ابتعد قليلًا ليحاوط وجنتيها بكفيه وتابع بجنون العشق:
-إفرضي أذوكِ، كنت هعمل أنا إيه وقتها؟
زادها الحنين عشقًا فوق عشقها الهائل له، وما شعرت بحالها سوى وهي تتلمس ذقنه النابتة بكفها قبل أن تقول بنبرة حنون وبعينيها حنان الدنيا بأكمله:
-ما أنا قدامك أهو وكويسة يا حبيبي.
ثم سألته:
-بس أنتَ عرفت منين؟
رفع حاجبه وبنصف عين أجابها متهكمًا:
-هي الهانم ناسية هي مرات مين ولا إيه؟!
أما عن الزوجان الواقفان يشاهدان بتعجب لما يحدث، فقد نطق علام بمداعبة بعدما قرر تلطيف الأجواء:
-أنا بقول تاخد مراتك وتطلع أوضتكم بدل ما أتصل ببوليس الآداب ييجي يلمكم ويمشي.
قهقهت عصمت وتحدثت:
-والله عندك حق يا سيادة المستشار، ابنك ومراته اتجننوا على كبر، بعد ما كان بيزعق وخارب الدنيا، فجأة أخدها في حضنه وهاتك يا كلام حب وغرام.
جلست وقصت عليهم ما حدث لينطق علام متأثرًا:
-أنا مش قادر أستوعب إن بسام يعمل كده.
أجابته عصمت بتعقل:
-الغيرة تعمل أكتر من كده يا علام.
حك فؤاد ذقنه وتحدث:
-اللي أهم من موضوع غيرة بسام وتصرفه هي الشركة دي، مين صاحبها وليه قاصدنا إحنا بالذات من وسط سوق العمل كله؟!
أجابته بما تراه من وجهة نظرها:
-ولا قاصدنا ولا حاجة يا فؤاد، الموضوع أبسط من كده، الشركة نازلة بتقلها في السوق، وأكيد هتحطنا في دماغها بما إننا المنافس الأكبر ليها في المجال.
أشار بكفه معترضًا:
-لا يا إيثار، أنا عندي إحساس إن الموضوع أكبر من كونها منافسة شركات.
تنهدت عصمت لتقول باستغراب:
-أنا مش فاهمة الدنيا جرى فيها إيه، الطمع والجشع ملى قلوب الناس بشكل يخوف.
أسرع الصغير إلى والدته ليحتضنها قائلًا بدلال وهو يتمسح بها:
-مامي حبيبة قلبي.
-يا روحي يا ملوك، وحشتني يا عمري.
تحدث بملاطفة:
-أنتِ كمان وحشتيني، يلا علشان تتغدي وتنامي في حضن بابي، وبعدين تصحي ونروح عند جو.
مسحت فوق شعره بحنان ثم أجابته:
-مش هينفع نروح لجو النهاردة، هو وزينة معزومين على العشا عند عمهم.
وقف فؤاد ليحمل صغيره ويحتضنه وهو يقول:
-تعالى يا حبيبي علشان مامي تقوم تغير هدومها.
لف الصغير ذراعيه حول عنق والده وسند رأسه فوق كتفه، ليلتفت فؤاد لخليلة الروح وتابع قائلًا:
-يلا يا بابا علشان تغيري هدومك ونتغدى مع بعض.
أومأت لتهب واقفة وتتحرك للداخل تحت نظرات ذاك الحبيب العاشق.
ليلًا
كانت تجلس فوق مقعدها الهزاز بشرفة غرفتها الخاصة، دموعها تتساقط حزنًا وألمًا على ما وصلت إليه من حال بفضل عزيزَي عينيها، حبيبها ووالدها، تطاردها ذكرياتهما معًا طيلة الوقت، استمعت لبعض الطرقات الخفيفة فوق باب غرفتها لتهتف بصوت خافت بعدما قامت بتجفيف دموعها سريعًا:
-اتفضل.
اقتربت منها فريال وحاوطت كتفيها متسائلة بنبرة حنون:
-قاعدة لوحدك ليه يا بوسي، تعالي أقعدي معايا أنا وفؤاد تحت في الجنينة.
-معلش يا مامي، أنا مرتاحة كده.
تنهدت الأم لتتابع الفتاة بجدية:
-مامي.
تطلعت عليها لتسترسل الفتاة بعينين ذابلتين من شدة البكاء:
-اتصلي بـ بابي وخليه يرجع، كفاية كده.
تألمت وشعرت بوخزة شديدة هاجمت قلبها بضراوة، خرج صوتها متألمًا وهي تقول بنبرة عاتبة:
-هو أنا كنت قولت له يمشي، ده زي ما يكون بيتلكك، راح قعد عند مامته ومن يوم اللي حصل مرنش عليا مرة واحدة.
تنفست الفتاة بعمق وهي تقول:
-أنتِ عارفة إنه مكسوف من اللي حصل لي بسببه، أرجوكِ كلميه وخليه يرجع، بلاش تحسسوني بذنب أكبر، كفاية عليا اللي أنا فيه.
وما أن نطقت كلماتها حتى انفجرت ببكاء مرير لتحتضنها الأخرى وتشاركها دموعها الحزينة.
بمكان آخر
يقف بشرفة الردهة ينظر إلى السماء، داخله يتقطع ألمًا وقهرًا على الحبيب، يريد معرفة أخبارها، يتطوق شوقًا لرؤية وجهها والاطمئنان عليها، ينتظر يوميًا أمام جامعتها ينتظرها ليرى وجهها من بعيد ويطمئن بشوفتها، لكنها منذ ذاك اليوم لم تطأ ساقيها الجامعة ولا الشارع من الأساس، تنهد بألم ينخر بقلبه، استمع لصوت شقيقته وهي تقول بصوت حماسي يرجع لسعادتها لزيارة منزل عمها التي تربت بكنفه:
-أنا جاهزة يا يوسف.
التفت ليقول بفتور:
-يلا يا حبيبتي.
اقتربت عليه ومسكت كفه لتقول بمغزى:
-روح لها يا يوسف، قول لها إنك لسه بتحبها ومش قادر تبعد عنها، هي كمان واضح إنها بتحبك.
أجابها بقلب ينزف دم:
-مبقاش ينفع خلاص يا زينة، الشرخ كبر قوي بينا والمسافة بعدت.
كادت أن تتحدث فقاطعها لينهي الحديث:
-يلا علشان منتأخرش على عمك.
رواية انا لها شمس الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم روز امين
حول تلك الطاولة الصغيرة بمسكن "حسين البنهاوي"، اجتمعت العائلة بصحبة يوسف وشقيقته التي توسعت ابتسامتها، وكاد قلبها أن يخرج من مكانه جراء سعادتها البالغة، تشعر وكأنها سمكة عادت للمياه بعد أن كادت تلفظ أنفاسها على الشاطئ.
تحدثت مروة بحفاوة وهي تقوم بوضع الطعام داخل الوعاء الخاص بيوسف:
- كُل يا يوسف ومتتكسفش، ده بيت عمك، يعني بيتك يا حبيبي.
واسترسلت بملاطفة كي تحثه على الاندماج:
- ولا يكون أكلي مش عاجبك ومكسوف تقول؟
أجابها بوقار وابتسامة هادئة:
- بالعكس يا طنط، الأكل طعمه حلو جدًا، تسلم إيد حضرتك.
تطوعت زينة بالحديث بمرح على غير عادتها:
- يوسف أكلته ضعيفة يا مرات عمي.
واسترسلت بمشاكسة وهي تتطلع إلى شقيقها:
- أصله رياضي ومبيحبش يتخن ويبوظ شكله.
تنهدت تقى الصغيرة البالغة من العمر سبعة عشر عامًا وهي تنظر إليه بهيام مراهقة وتقول:
- عنده حق، خليك كده يا يوسف وبلاش تتخن، كدة فيك شبه من الممثل أحمد عز.
ابتسم بمجاملة وهو يقول:
- متشكر يا تقى.
تحدث حسين إلى ابن شقيقه بحميمية، فهو يكن له الكثير من الحب بعيدًا عن مساعداته المادية له:
- كل يا ابني واستمتع بنعمة ربنا واشكر فضله، الأكل ده متعة ونعمة من نعم ربنا، وطالما ربنا موسع عليك متحرمش نفسك، أنت لسه شاب وصغير.
ابتسم وبدأ بتناول الطعام ليتحدث حسين إلى تلك الجميلة التي طالما اعتبرها ابنة ثالثة له وعاملها بما يرضي الله:
- عاملة إيه يا زينة في كليتك؟!
أجابته بابتسامة راضية:
- الحمد لله يا عمي، الدراسة كويسة وأنا اتأقلمت بسرعة معاها.
مالت عليها جنة لتهمس بمشاكسة:
- وأخبار مزز الكلية إيه، مفيش جديد، حاجة كده ولا كده؟
همست بعدما تصبغت وجنتاها باللون الأحمر خجلًا:
- إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا جنة، أنت عارفاني بردوا بتاعة الحاجات دي؟
ابتسمت الفتاة بشدة على خجل ابنة عمها المبالغ به لتقول بملاطفة:
- عمرك ما هتتغيري يا زينة، هتفضلي زي ما أنت، بروطة في مشاعرك.
- مش عاوزة أتغير، أنا حابة نفسي كده، إطلعي أنت منها يا ست جنة.
قالتها بنبرة جادة لتضحك الفتاة وهي تقول بمداعبة:
- خليك لحد ما ييجي اللي يوقعك على بوزك، وساعتها هتيجي لحد عندي وتحكي لي.
- مش هيحصل.
نطقتها زينة وهي تنظر بمقلتي جنة بتحدي قابلته الأخرى بهزة رأس ساخرة، قطع همساتهما يوسف حيث نطق موجهًا حديثه إلى أحمد الذي يصغره بعام واحد:
- أنت في كلية إيه يا أحمد؟
نطقت جنة تلك المشاغبة كي تلطف من الأجواء:
- لهو أنت كل ده متعرفش هو في كلية إيه يا يوسف؟! ده أنت ليك سنتين داخل طالع علينا.
أجابها بابتسامة خافتة:
- مجتش فرصة نتكلم في الموضوع يا جنة.
- ولا يهمك يا هندسة.
قالها أحمد ليتابع حديثه بملاطفة:
- أنا يا سيدي في أولى حقوق حلوان.
وما أن نطق بكلمة "حقوق" حتى تزلزل قلب الآخر وكأن وقع الكلمة عليه أصبح مؤلمًا، فكلما ذكرت أمامه الكلية تذكر حلمه الضائع وكيف لحقت به جميع أحلامه بتسلسل مريب وسريع، بلحظة تذكر حبيبته البريئة، "وجعه" مثلما أطلق عليها ولقبها، سأله الشاب بعدما رأى شروده:
- روحت فين يا هندسة؟!
نطق بابتسامة مزيفة:
- موجود يا متر.
خرج صوت مروة معترضًا وهي تقول لأنجالها:
- سيبوا ابن عمكم ياكل اللقمة بنفس، وبعد العشا ابقوا ارغوا براحتكم.
بعدما انتهوا من تناول الطعام، انتقل حسين وابن شقيقه إلى شرفة المسكن يتناولان مشروب الشاي الساخن، نطق حسين بكلمات حذرة:
- أبوك بعت لي حد من طرفه من يومين، وطلب مني رقم تليفونك.
اتسعت عيناه ذهولًا ليتابع الآخر بعدما ارتشف بعض الشاي:
- بيقول عاوز يكلمك ويطمن عليك أنت واختك ويشوف لو ناقصكم حاجة، بس أنا مرضتش أدي له رقمك إلا لما استأذنك الأول.
تسمرت ملامحه لبرهة وبدون سابق إنذار انطلقت ضحكاته الساخرة دون توقف تحت نظرات حسين المتعجبة من حال الشاب، حاول تمالك حاله وتوقيف قهقهاته لكن باءت جميعها بالفشل، لينطق من بينهم قائلًا باعتذار:
- أنا آسف يا عمي، بس حقيقي مش قادر أوقف ضحك.
تعجب حسين ليسأله باستغراب:
- هو أنا يا ابني قولت لك نكتة علشان تضحك بالشكل ده؟!
نطق وما زال مبتسمًا:
- هو اللي حضرتك قولته ده مش نكتة يا عمي؟! دي أفيه الموسم زي ما بيقولوا.
وبلحظة احتدم غيظًا واحتدت نظراته كالصقر ليهتف ناطقًا بسخط ظهر بعينيه:
- حضرته افتكر الوقت إن عنده عيال وجاي يسأل عليهم؟!
وصاح معترضًا بتجهم:
- كان فين زمان لما كنا محتاجين له، كان فين وأنا بتربى في بيت راجل غريب وطول الوقت فاكر إنه أبويا.
أشار بكفه للداخل ليتابع مسترسلًا بقهرة تسكن قلبه وتستوطنه منذ أن علم بوجود شقيقته ورأى ازدراء حالتها ككل:
- كان فين والمسكينة اللي جوة دي عايشة عالة عليكم ومحملاكم فوق طاقتكم لأن أبوها راجل أناني، كان فين وهي بتتقطع كل يوم وهي حاسة إنها عبء وحمل تقيل على كل اللي حواليها، دمرها بأنانيته وخلاها هشة وضعيفة، ولحد الآن مش عارفة ولا عندها القدرة إنها تواجه المجتمع.
توقف لبرهة ثم رفع حاجبه ليسأله متهكمًا:
- الوقت بس افتكر إن عنده ولاد وجاي يسأل عليهم؟!
كان يستمع لصرخات الشاب بقلب يتقطع وعينين تنظر أرضًا لا تقوى على المواجهة، يعلم صحة ما يقوله وداخله حزين، تحدث بعدم اقتناع لكن لابد من النصح:
- أنا عارف إن عمرو غلط في حقكم كتير، بس يا ابني ده في الأول وفي الآخر أبوكم، وربنا أمركم بطاعته وبره.
- لا يا عمي، ربنا عمره ما يأمر بالظلم.
ليتابع بجمود وصلابة:
- أنا مش مطالب أبر راجل مفيش أي حاجة تربطني بيه غير إن اسمي محطوط قبل اسمه في البطاقة.
راجل أناني عمره ما فكر فيا ولا عمل حساب لوجودي في الحياة.
نطق حسين كي يهدئ من روع ابن شقيقه الثائر:
- إزاي بتقول كده على أبوك يا يوسف، ده عمره ما حب في حياته حد قد ما حبك!
استشاط داخله غضبًا قبل أن ينطق بحدة:
- مش صحيح، الحب مش مجرد كلام إنشا بنردده، الحب فعل، خوف على الغير، الحب أب بيحترم ولاده وحريص على صنع مستقبل أفضل ليهم.
وتابع بجرح غائر ينزف دمًا:
- الراجل اللي أنت بتقول عليه أبويا كان سبب رئيسي ومباشر بتدميري من كل النواحي، سواء العلمية أو الأدبية أو حتى الإنسانية.
- بس يا ابني.
قاطعه ليهب واقفًا لينهي ذاك الحديث الغير مرحب به لديه:
- أرجوك يا عمي كفاية، احترم عدم رغبتي في الكلام عنه.
وتابع وهو يشير إلى بهو الردهة:
- أنا هروح أقعد شوية مع أحمد والبنات قبل ما نمشي، بعد إذن حضرتك.
قال جملته وانطلق كي لا يعطي فرصة لفتح الموضوع، تنهد حسين ثم وضع رأسه بين كفيه بحزن وقلة حيلة.
***
كان يجلس بشرفة الردهة الخاصة بمسكن أبيه، ولج إليه حاملًا قدحين من القهوة الساخنة وهو يقول بملاطفة بعدما قرر التخفيف من وطأة حزن ولده الذي أصبح ملازمًا له منذ ما حدث بينه وبين أهل زوجته:
- عملت لنا كوبايتين قهوة وقولت آجي نشربهم مع بعض.
تطلع إلى والده بعينين مهمومتين فتابع الرجل بملاطفة:
- قولت نتكلم شوية قبل ما أمك تيجي من عند خالتك سناء وتكتم على نفسنا زي عادتها.
استطاع رسم البسمة على فاه نجله فتحدث من جديد:
- أيوا كده يا ابني، اضحك وزيح الهم خليه يبعد عنك ويسلاك.
نطق بنبرة خافتة تدل على إرهاقه:
- أنا تعبت قوي يا بابا، حاسس نفسي مشتت، مبقتش عارف إذا كان اللي بعمله ده صح ولا غلط.
ناوله كوب القهوة ثم أجابه بخبرة أعوام كثر:
- أنا قولت لك من الأول بلاش تمشي ورا كلام أمك، واحمد ربنا على كل النعم اللي أنت فيها.
اتسعت عيناه ذهولًا من حديث والده المدين ليجيب بحدة:
- ومين اللي قال لحضرتك إن أنا مش حامد ربنا، مش معنى إني حزين على مستقبل بنتي اللي ضاع وبحارب على اللي لسه جاي، أكون سيء ومش بحمد ربنا.
وتابع بحيرة وقلب يتمزق كلما تذكر:
- يا بابا دي بنتي الوحيدة، انتوا عاوزيني أرمي بنتي لواحد أهله كلهم مجرمين وأبوه هربان بره البلد؟
تنهد الرجل ثم تحدث بنبرة تعقلية:
- محدش طلب منك تجوزها لابن مرات فؤاد، من حقك كأب تدور لبنتك على الأحسن والأفضل.
وتابع ناصحًا:
- بس بلاش تعامل الولد بعنف علشان متكسبش عداوة أمه وفؤاد كمان، خليك ذكي يا دكتور وامشي معاهم زي ما طول عمرك ماشي، وبالنسبة لمستقبلها ده ربنا وحده اللي يعلمه، مش يمكن لو كانت دخلت نيابة كانت مسكت قضية وأساءت الحكم فيها وكانت سبب لدخولها النار، ولا مسكت قضية لناس كبيرة في البلد أو إرهابيين وصفوها زي اللي اتصفوا قبلها.
وتابع بيقين:
- ارضى يا ابني وآمن بالقدر.
أومأ برأسه وانتهيا من شرب القهوة، حمل والده الأكواب ودخل ليقضي فرض الصلاة وتركه وحيدًا شاردًا فيما وصل إليه، صدح رنين هاتفه، رفعه ليزدرد ريقه حين رأى نقش اسم زوجته، فمنذ ذاك اليوم لم يتحدث كلاهما للآخر فتح الزر سريعًا لينطق متوترًا:
- إزيك يا فريال، الولاد كويسين.
قال جملته الأخيرة حين وجد صمتها فأجابته بصوت حاد دل على مدى استيائها منه:
- الولاد بخير، أنا بتصل بيك علشان ترجع بيتك، بيسان تعبانة ومحتاجة لك جنبها.
- تعبانة إزاي؟!
نطقها بلهفة وهلع لتجيبه بهدوء:
- نفسيًا يا دكتور، ولا حضرتك ناسي اللي حصل لها؟!
قالتها لائمة مشيرة لما حدث بفضله، فنطق هو في محاولة منه لفتح الحديث:
- فريال، أنا...
قاطعت حديثه بحدة:
- أنا مضطرة أقفل لأني رايحة عند ماما، ياريت ترجع بسرعة علشان نفسية الأولاد، ومتنساش إن اللي بيحصل ده ممكن يأثر على نفسية فؤاد وعلى تحصيله الدراسي.
- حاضر يا فريال.
قالها مستسلمًا لتنطق بنبرة جادة جعلته يرتعب:
- مضطرة أقفل.
نطقتها وأغلقت الهاتف سريعًا مما جعله ينظر بالهاتف مذهولًا، متى أصبحت بتلك القسوة، يبدو أن معركته الأخيرة جعلته يخسر الكثير من محبة واحترام من حوله وأولهم زوجته الحنون.
قطع شروده دخول والدته التي حضرت من الخارج وسألته باستغراب لحالته:
- اللي واخد عقلك يا دكتور، سرحان في إيه؟
قص جميع ما حدث عليها لتنطق بابتسامة شامتة:
- يظهر إن الهانم بنت الأكابر بدأت تحن، بس مكسوفة وبتجيبها في العيال.
تطلع عليها تائهًا لتتابع ناصحة:
- عاوز نصيحتي، اقعد لك كمان أسبوع وطنشها، ولا تعبرها، هتلاقيها جيالك زاحفة لحد هنا تترجاك علشان ترجع معاها.
دقت على كفيها وتحدثت:
- ساعتها بقى تقعد وتحط رجل على رجل وتملي شروطك عليها، وأولهم حق عيالك في المال السايب اللي سلموه للفلاحة مرات أخوها.
واسترسلت بتحريض كالشيطان:
- لازم تخليها تكلم أبوها في موضوع حقها في الشركة يا ماجد.
أجابها كي يحثها على ترك الأمر ونسيانه:
- يا ماما سبق وقولت لك إن سيادة المستشار علام كتب كل أسهم الشركة لفؤاد بعد ما خلف ولاده التوأم، وحط مبلغ لفريال في البنك مقابل حقها في الأسهم.
تحولت ملامحها لغاضبة وصاحت معترضة:
- وهي سكتت من خيبتها، أهي فلوسها لسه مرمية في البنك بنفس القيمة، والشركة كل يوم سعرها بيزيد لما بقت بمليارات المليارات.
وتابعت بجنون وحدة:
- ده حرام يا ناس وميرضيش ربنا، وأنت لازم تخلي مراتك تتكلم مع أبوها وأخوها.
- هنرجع للموضوع ده تاني يا نوال.
جملة حادة قالها عليوة ليتابع وهو يشير لنجله:
- بلاش تسمع كلامها وتصغر نفسك قدام الناس يا ابني، سيبك من أمك وقوم جهز نفسك علشان ترجع بيتك لمراتك وولادك.
زفر بحيرة تملكت منه وما زاد الأمر سوءًا هي مناوشات والديه الحادة التي بدأت للتو وكالعادة بدأ كلًا منهما رمي التهم على الآخر، تلك الفترة هي أسوأ فترات حياته، يعيش حالة من التشتت والضياع، ساخطًا على نجلته وحلمه بها التي أضاعته من بين يديه للمرة الثانية، ناهيك عن إصراره القوي برفضه لارتباط يوسف منها، بالإضافة لتلك الإيثار واستحواذها على ثروة العائلة التي كانت ملكًا لأنجاله قبل مجيئها الأسود هي وصغيرها إلى قصر علام الزين.
***
ولجت للحجرة الخاصة بها وخليل الروح، وجدته يجلس فوق السرير يتوسطه مستندًا بظهره للخلف، يضع جهاز الحاسوب الخاص به فوق ساقيه يتصفح من خلاله أحد المواقع الخاصة بعمله، تجاهل دخولها، شرعت بخلع المئزر عنها وقامت بتعليقه وهي تقول:
- الولد مالك بقى مجرم حرفيًا، هلكني لحد ما نام، تخيل كان عاوز ييجي ينام في وسطنا زي إمبارح، شكله أخد على دلعك فيه.
لم تجد منه سوى الصمت، تطلعت إليه لتجده ما زال على وضعه، نطقت بنبرة متعجبة تسأله:
- أنت مش سامعني ولا إيه يا فؤاد؟!
لم يعر لحديثها اهتمام فأدركت أنه ما زال غاضبًا منها، تنهدت ثم تحركت لتتكئ بجسدها فوق الفراش ثم بسطت ذراعها تتلمس إحدى ساقيه بنعومة قبل أن تنطق بدلال مفرط:
- هو شرشبيلي الشرس زعلان من حبيبته ولا إيه؟
ظل متجاهلًا حتى دلالها الذي يعشقه مما جعلها تدرك أن غضبه طائل، نطقت بنبرة حنون:
- خلاص بقى يا فؤاد، وحياتي عندك ما تعملها زعلة وتتقمص زي العادة.
- اتقمص؟!
نطقها مستنكرًا لتبتسم وهي تحرك كفها فوق ذقنه بغنج ليزيح كفها عنه وهو يقول بحدة:
- لو كنتي فاكرة إني هعدي لك حصل بالساهل كده تبقى غبية، ولسه معرفتيش فؤاد علام كويس يا مدام.
واسترسل مفسرًا بإبانة:
- أنا عديت الموضوع تحت علشان خاطر أبويا وأمي وشكلك قدامهم، لكن وحياتك عندي ما هعديه يا إيثار.
اعتدلت لتجلس بشكل صحيح بعدما رأت ثورة غضبه ثم تحدثت بجدية:
- ما أنا شرحت لك اللي حصل وفهمتك وجهة نظري يا فؤاد.
اشتدت ملامحه وامتلأت بالقسوة قبل أن يصرخ عاليًا:
- أنا جوزك قبل ما أكون صاحب الشركة يا هانم، والمفروض إني أكون على علم بكل خطوة بتخطيها سواء في البيت أو في الشركة أو أي مكان بتروحيه.
وتابع بتذكير لها:
- ومتنسيش إن ده كان اتفاقنا قبل ما تنزلي الشغل، وده لأمانك مش تعنت مني لا سمح الله.
أخذت تقلب عينيها بضجر قبل أن تنطق مفسرة:
- يا حبيبي أنا فاهمة كل الكلام ده ومقدرة خوفك عليا، بس أنا بالطريقة دي عمري ما هتقدم في شغلي ولا هقدر أحترم نفسي طول ما أنا حاسة إني تابع ليك يا فؤاد.
واسترسلت بإبانة:
- ده غير نظرة الموظفين ليا اللي دايمًا هتكون دونية.
بحدة مفرطة هتف:
- ملعون أبو أي اعتبارات سيادتك بصالها قدام أمانك بالنسبة لي.
أنهى كلماته واندفع مغادرًا الغرفة كثور هائج لا يرى أمامه بينما زفرت هي وارتمت بظهرها للخلف مستسلمة.
في الصباح، فاقت من نومها ولم تجده بجوارها، استمعت إلى صوت المياه يأتي من الحمام فعلمت أنه بالداخل، أما بالأسفل، ولج الصغير إلى المطبخ وعيناه تجوب على ضالته حتى وجدها فابتسم وهو يسرع إليها قائلًا:
- أنت ليه مش جيتي تصحيني وتلبسيني اليونيفورم زي كل يوم؟!
بابتسامة واسعة أجابته:
- علشان كنت بعجن لك البيتزا اللي بتحبها.
صفق بكفيه ليقفز وهو يقول بسعادة:
- يا سلام يا زوزة يا جميلة.
ضحكت وهي تقوم بتشكيل العجينة وتقوم بوضع المكونات فوقها لتنطق بمشاكسة:
- وبعدين أنا بعت لك البت اللي أنت قولت لي قبل كده إن شكلها حلو وعيونها ملونين، كاترينا دي ولا أبصر اسمها إيه.
تطلع عليها وبات يهز رأسه وكأنه يستوعب حديثها، لتتابع بثرثرة كعادتها:
- أهي شكلها يفتح نفسك على الصبح بدل ما تصبح بخلقة عزة اللي حفظتها بقالك ست سنين.
ضحك الصغير ببلاهة لتذهل السيدة سعاد وتقترب منها لتنبيهها:
- ست عزة، الكلام اللي بتقوليه لمالك ده عيب وميصحش.
وتابعت بتهديد مبطن:
- ولو فؤاد باشا عرف رد فعله مش هيبقى كويس.
أشاحت بكفها الملطخ بالعجين قبل أن تقول:
- يا أختي أنا بهزر مع الواد وبفكه، هو أنت هتفضلي واقفة لي كده على الكلمة.
صاح الصغير بنبرة ملحة:
- خليني أحط أنا الجبنة على وش البيتزا يا زوزة.
نطقت برفض تام:
- مش هينفع علشان متبهدلش هدوم المدرسة، روح يلا عند جدك الباشا واقعد معاه لحد ما البيتزا تجهز وأخرجها لك.
وتابعت بجدية:
- سيادة المستشار لو نزل من فوق ولقاك في المطبخ هيلسوعك.
اتسعت عيناه وتذكر تحذير والده شديد اللهجة له بعدم دخوله غرفة تحضير الطعام، وضع كفيه الصغيرين فوق فمه وهو يقول:
- بابي لو شافني هينفخني.
نطق كلمته وهرول مسرعًا للخارج، لتنطق سعاد باستياء:
- الولد ألفاظه بقت بيئة بسببك يا عزة، مين يصدق إن ده ابن سيادة المستشار فؤاد زين الدين، وحفيد سعادة المستشار علام باشا زين الدين.
نطقت وداد من بين ضحكاتها:
- طب والله دمه زي العسل، مش أحسن من زين اللي ماشي في البيت زي الرجل الآلي.
ضحكت العاملات لتوقفهن نظرة سعاد الحادة التي تحدثت بصرامة:
- كل واحدة تشوف شغلها وهي ساكتة، ويلا خرجوا الأكل ورصوه على السفرة.
ثم نظرت لساعة يدها وأكملت:
- فاضل خمس دقايق والباشا الصغير وحرمه ينزلوا.
تحركن سريعًا لتنفيذ أوامر تلك الصارمة.
بعد قليل كان الجميع مجتمعًا على طاولة الطعام، تحدث زين وهو ينهي كأس الحليب الخاص به:
- خلصي فطارك بسرعة يا تاج علشان الباص فاضل له خمس دقايق بالضبط ويوصل.
وقفت إيثار تغلق صناديق الطعام الخاصة بصغارها وهي تقول:
- خلي بالك من أختك يا زين.
- حاضر يا مامي.
نطقت الفتاة باعتراض:
- على أساس إني عيلة صغيرة وابنك العاقل هياخد باله مني.
- بطلي لماضة.
قالتها إيثار لتمط الفتاة شفتيها باعتراض، فتابعت إيثار وهي تجذبها إليها بمداعبة:
- هاتي بوسة قبل ما تمشي.
تدللت الفتاة وابتسمت لترتمي بأحضان والدتها التي عانقتها بشدة وقامت بوضع قبلة حنون فوق وجنتها الناعمة، مالت الفتاة على وجنة أبيها لتضع قبلة وهي تقول:
- باي باي يا بابي.
- باي يا قلب بابي.
قبلت أيضًا وجنتي جديها وتحركا للخارج، لم يتبقى سوى الصغير الذي صفق بحفاوة وهو يرى عزة قادمة بالشطيرة:
- بيتزا عزة وصلت، وااااو.
ضحك علام وتحدث:
- إحنا لازم نفتح لعزة محل بيتزا ونسميه بيتزا عزة.
نطقت بابتسامة:
- إن شاء الله يخليك يا سيادة المستشار.
بدأت بوضع الشطيرة داخل صحن الصغير لتنطق إيثار لزوجها في محاولة منها لإرضائه:
- أحط لك بيتزا يا سيادة المستشار؟
- متشكر.
نطقها مقتضبًا ووقف ليحمل حقيبته وهو يقول بجدية:
- بعد إذنكم.
سألته عصمت باهتمام:
- مش هتشرب قهوتك يا حبيبي؟
- هشربها في المكتب يا ماما.
قالها وتحرك مغادرًا قبل الموعد المحدد له ليتركها متأثرة بقلب حزين.
***
ليلًا، كانت تجلس بغرفتها تسترجع ألبوم ذكرياتهما سويًا، تقلب صفحات الألبوم والابتسامة تشق ثغرها تارة وتارة أخرى تنساب الدموع، ما زال قلبها مولع يصرخ متألمًا بفضل فراقه، منذ ذلك اليوم وهي تعيش صدمة لم يستوعبها عقلها إلى الآن، توقفت أمام صورة لها وهي ترتدي ملابس سباحة مكونة من قطعتين، ابتسامة ممتزجة بالدموع خرجت حين تذكرت ذكريات تلك الصورة وذاك اليوم.
عادت بذاكرتها لما قبل عامين، بعدما انتهت هي ويوسف من اختبارات الثانوية العامة، قرر علام الذهاب للفيلا التابعة له بمنطقة الساحل الشمالي كي يحصل الجميع على كم من الاستجمام والراحة قبل ظهور النتيجة، وقت غروب الشمس، فاق يوسف من أيلولته ليخرج على الشاطئ المقابل للفيلا، اتسعت عيناه بحدة حين وجد بيسان ترتدي ثوبًا خاص بالسباحة مكون من قطعتين من اللون الأسود، تقف بجوار شقيقها وتنظر باتجاه والدتها التي تلتقط بعض الصور التذكارية لهما بالكاميرا الخاصة بهاتفها الحديث، تراقصت الشياطين أمام عينيه وهرول مسرعًا متجاهلًا وجود والدتها ليجذبها من ذراعها بقوة وهو يقول بصياح أرعبها:
- إيه الزفت اللي أنت لابساه ده؟!
خلع عنه قميصه ولف جسدها به ثم سحبها وتحرك باتجاه المنزل ليتابع بسخط:
- أنا مش قولت ألف مرة مفيش مايوهات تتلبس؟!
كان يتحدث وهو يجرها خلفه بسرعة لتصرخ باعتراض:
- حاسب يا يوسف هتوقعني.
أما فريال فضحكت على ذاك الغيور وتابعت التقاط الصور للصغير.
أدخلها المنزل ليدفعها للداخل وهو يصرخ بحدة:
- والله العظيم لو شفتك لابسة مايوة تاني لأقطم رقبتك، أنت فاهمة ولا لا؟!
نطقت باعتراض وهي تدب الأرض بساقيها معترضة:
- يا يوسف الفيلا خاصة والشط خاص بينا ومقفول، يعني محدش هيشوفني غيرك.
- وأنا مش عاوز أشوفك كده، ولا حابب خالك ولا جدو ولا أي مخلوق يشوفك كده، اللي أنت لابساه ده حرام ومش مقبول، افهمي.
تنهدت لتقول بتفهم:
- حاضر يا جو، مش هلبس كده تاني.
أشاح بكفه للأعلى وهو يشيح بنظره عنها:
- اتفضلي على أوضتك غيري هدومك.
- حاضر، بس ممكن تضحك.
قالتها بدلال قابله بحدة قائلًا بتحذير:
- بيسان.
ربعت ساعديها لتنطق بدلال وأنوثة:
- طب إيه رأيك مش هطلع غير لما تضحك، وكمان تقول لي يا بوسي.
تنهد مستسلمًا لعشقها المجنون ليبتسم وهو يقول:
- اطلعي غيري.
- يا إيه؟!
قالتها بدلال ليجيبها بانصياع:
- يا بوسي.
طالعته بعينين عاشقة قبل أن تقول بنعومة وفراشات العشق تداعب أسفل معدتها:
- بحبك يا عمر بوسي وقلبها.
- يلا على فوق.
قالها بابتسامة وهو يشير للأعلى بحنو، لتنساق لأمره وتصعد الدرج تحت سعادة قلوبهم الهائمة.
فاقت من ذكرياتها لتتحسس بأناملها صورة لهما في نفس المصيف وهي تقف خلفه تستند بذراعيها على كتفيه والسعادة تنطق من أعينهم، نزلت دموعها كشلالات وهي تقول بصوت واهن:
- وحشتني يا حبيبي، إزاي هونت عليك يا جو، إزاي هانت عليك بوسي وقدرت توجعها بالشكل ده.
***
بعد مرور يومين، عصرًا، وقف بسيارته أمام منزله أو بالأدق منزل زوجته الذي أهداه لها والدها، أبطل إدارة محركها وجلس متسمرًا بمقعده، جزءًا منه يريد الترجل والدخول إلى عائلته وليسعف زوجته مهرولًا كي يحتضنها ويقدم اعتذاره عما بدر منه وحول ذاك اليوم الكارثي بالنسبة للجميع، وليحتوي صغيرته ويتأسف لها عما حدث، وجزءًا آخر لا يريد ويأبى بل ويطالبه بالانسحاب الفوري حفاظًا على ما تبقى من هدر لكرامته أمام الجميع، كانت تتحرك داخل الحديقة الخاصة بمنزلهم تحاول الخروج من تلك الحالة التي أصابتها منذ ذاك اليوم المشؤوم، تطلعت بعينيها لخارج البوابة الحديدية فلمحت سيارة والدها، راودها شعورًا بخجل والدها فتوجهت صوب البوابة لتقوم بتشجيعه للدخول، نعم هو كان سببًا رئيسيًا بكسر قلبها وإجبار حبيبها بالتخلي عنها أمام الجميع بتلك الطريقة المهينة لأنوثتها، لكنه بالنهاية يظل أبيها التي تكن له الحب والاحترام برغم قساوته الجديدة عليه.
رآها وهي تقبل فزادته رؤيتها خجلًا، فتح باب السيارة ووقف لتقبل عليه بابتسامة خافتة رسمتها كي تزين ملامحها الحزينة ولكن هيهات، انتفض قلبه حزنًا على هيأتها، فقد شحب وجهها كثيرًا وفقد لون بشرتها حيويته ليبدو جلدها بلون أصفر باهت، أما عينيها فحدث ولا حرج، باتت ذابلة واقتحمت الهالات السوداء حولها لتبدو بهيئة مزرية وكأنها فتاة أخرى غير ابنته، بالإضافة إلى فقدانها لبعض الوزن، أين صغيرته الجميلة المنطلقة، أين حيويتها وروحها المرحة، لقد تدمرت بفضله، بملامح وجه حزينة وعينين تنطق أسفًا طالعها، أخرجت صوتها بصعوبة وهي تقول بنبرة خافتة:
- حمد لله على السلامة يا بابي.
بدون كلمة واحدة جذبها لأحضانه وبات يشدد عليها وهو يقول بصوت نادم:
- أنا آسف يا حبيبتي، مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل لك.
ابتعدت قليلًا لتنطق بهدوء كي تخفف من وطأة حزنه وخجله معًا:
- حصل خير يا بابي.
وتابعت وهي تجذب كفه لتحثه على الدخول:
- تعالى ندخل، مامي وفؤاد قاعدين جوة، محدش لسه اتغدى.
تنفس بهدوء ليغلق باب السيارة وينطلق مجاورًا لها، ولجت للداخل محتضنة كفه ليتفاجأ بخروج فريال من المطبخ وهي تقول بصوت جاد:
- بسرعة جهزي السفرة يا نادية، الولاد جاعوا.
تسمرت حين وجدته يجاور ابنتها، يتطلع إليها بنظرات حزينة ممتزجة بشوق، بادلته بأخرى عاتبة غاضبة لائمة، تسمر كلاهما بمكانه، كل ينتظر المبادرة من الآخر، شعرت الفتاة بوضع والديها المحرج فقررت التدخل لإنهاء ذاك الموقف، تحدثت وهي تتحرك باتجاه والدتها ممسكة بكف أبيها الذي تحرك طواعية:
- اعملي حساب دكتور ماجد معانا في الغدى يا نادية.
وقف مقابلًا لها لينطق وهو يبسط ذراعه استعدادًا لمصافحتها:
- إزيك يا فريال.
- الحمد لله.
قالتها باقتطاب لتتابع بجدية:
- حمد لله على السلامة يا دكتور.
- الله يسلمك.
نطقها بصوت خافت لتكمل هي بما أملته عليها تربيتها السليمة كابنة تربت على اتباع الأصول، وذلك بعدما شعرت بحرجه:
- نورت بيتك، على ما تغير هدومك هيكون الغدى جهز.
عادت إلى المطبخ من جديد دون نطق حرف لتتحدث الفتاة:
- بصوت مرتفع:
- فؤاد، يا فؤاد.
خرج الفتى من غرفة المعيشة لتتابع بصوت أهدأ:
- تعالى سلم على بابي.
هرول الفتى ليحتضن والده وهو يقول بحفاوة أدخلت السرور على قلب ماجد:
- حمد لله على السلامة يا بابي، وحشتني.
- أنت كمان وحشتني يا حبيبي.
قالها بابتسامة واسعة.
تناول الجميع الغداء في أجواء هادئة، وانتهى اليوم لتستقل فريال غرفة غير غرفتها المشتركة به بعدما قررت اعتزاله وتجنب وجوده، كنوعًا من الاعتراض على ما فعل بابنتها وما قام به من افتعاله لمشكلة هزت الوسط بأكمله.
***
داخل الأراضي الفرنسية، كان يتحدث عبر الهاتف الجوال، ليصيح بسعادة مفرطة:
- يعني كده خلاص يا متر، حضرتك سويت المشكلة مقابل المبلغ اللي هدفعه؟
استرسل بعينين زائغتين من شدة سعادتهما:
- وبكدة هقدر أدخل البلد بشكل شرعي؟
على الطرف الآخر أجابه المحامي ذات الاسم اللامع الذي اختاره لتسوية الأمر مع السلطات المصرية، تحدث بابتسامة وكبرياء:
- الأمر بسيط زي ما بلغتك قبل كده يا عمرو بيه، إحنا سوينا الأمر وهتدفع مبلغ مقابل تسوية الأمر وبكدة هتسقط قضية الآثار فورًا، وبعدين الموضوع بسيط، ده مجرد اتهام في قضية تهريب آثار ودي تعتبر قضية بسيطة جدًا.
أغلق مع المحامي ونظر أمامه وهو يبتسم بانتشاء وفخر وكأنه حقق أعظم انتصاراته للتو.
***
أمام بوابة جامعتها، يقف على الرصيف الموازي ينتظر بلهفة والشوق يقتل جميعه، متشوقًا لنظرة واحدة ترضي حنينه الصارخ إليها، كم من الليالي مرت تمنى أن يزوره طيفها بالأحلام ولو لمرة واحدة، وكأن عالم أحلامه تأمر عليه كغيره، انتفض قلبه بلوعة حين رآها تخرج من بوابة الجامعة الرئيسية تنتظر الموظف المسؤول عن جراج خاص بجوار الجامعة تصف سيارتها به يوميًا بعيدًا عن الزحام، كانت قد سبق وأبلغته من خلال الهاتف ليحضر لها السيارة أمام البوابة حيث تقف، كالعادة اقتحم المدعو "نبيل" خصوصيتها لينطق بغرور كعادته:
- هي عربيتك مش معاك ولا إيه؟
لم تعر لحديثه اهتمام بل تجاهلته تمامًا، فتابع بإصرار وكأنه تعود على الإهانة على يدها، برغم مئات الفتيات اللواتي يرتمين عليه بما له من قبول حسن بالمظهر والملبس وأيضًا نفوذ والده المالية مما جعل الفتيات تتهافتن عليه ويحاولن جذب انتباهه بشتى الطرق، إلا أنه أصر على امتلاك تلك الفرسة الجامحة واختطافها من خيالها العاشق، وما زال يواصل رغم عدم تقبل بيسان له:
- تعالي أوصلك.
التفتت لتواجهه تحت غليان قلب ذاك المغروم الذي يشاهد من الجهة المقابلة:
- قولت لك قبل كده إن طريقنا مش واحد.
- مين قال لك إنه مش واحد.
وتابع بثقة تعجبت منها:
- أنت ليا يا بوسي، وبكرة تقولي لي كان عندك حق يا نبيل.
واسترسل بعينين تجوب ملامحها بإعجاب:
- بصي لنا كويس يا بوسي، إحنا كابلز يجنن، بنكمل بعض، كل واحد فينا مينفعش يكون غير مع التاني.
تمللت من كلماته السخيفة وباتت تتطلع من حولها ثم كادت أن ترد لتتفاجأ بسيارة الآخر من بعيد، تصطف على الرصيف المقابل، على الجانب الآخر، اشتعلت النيران بقلبه لتطال كل خلية بجسده حيث باتت عروقه تبرز وتنتفض من شدة غليان غيرته على من تملكت من الوجدان، بدون إدراك قبض بقوة على عجلة القيادة وشدد بقبضته حتى برزت عروق كفه وابيضت، كاد أن يخرج من سيارته ويقتحم وقوفهما ليجذبها ويخبأها خلف ظهره لتلاشي نظرات ذاك الوقح الجريئة، لكنه توقف باللحظة الأخيرة، فبأي حق سيذهب إليها وبأي صفة ستنساق لأوامره؟! هو الآن قد فقد شرعيته بالكامل، فحديثه بذاك اليوم المؤلم يعد بمثابة تنازل رسمي عن حقه بها، اشتعل داخلها لتهرول إليه بنار مستعرة تاركة خلفها ذاك الذي تعجب تحولها وهي تهرول بتلك الشراسة، من يرى هيأتها وتوسع عينيها يجزم بأنها مقبلة على حرب ضارية لا محال، انتفض قلب "يوسف" حين وجدها تسلك الطريق بحدة وعنف قاصدة سيارته، ارتبك واهتز قلبه حتى أن العقل أعطاه أمرًا بإدارة المحرك والهروب لكنه عاند ووقف مكانه، فلم يكن الهروب يومًا ضربًا له، هو رجل المواجهات فليظل كما هو وليواجه بجسارة تلك الحبيبة، أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا حين شعر باقترابها، لفت للجهة الأخرى ودقت بعنف على زجاج السيارة المفيم، تنهد قبل أن يضغط على زر نافذة السيارة لينزل، تطلعت إليه ثم بلحظة جذبت الباب لتستقل مقعدها المجاور له قبل أن تلتفت وبدون مقدمات صاحت متسائلة بحدة:
- أنت واقف هنا بتعمل إيه؟!
بالطبع لم تجد إجابة وما زاد من جنونها هو تطلعه للأمام وتركيزه بنقطة اللاشيء بمبالاة، فصرخت بحدة وهي تعيد عليه السؤال:
- رد عليا، أنت واقف هنا بتعمل إيه، ومتحاولش تكذب لأني كشفاك.
التفت يطالعها بجمود مصطنع ثم خرج صوته متزنًا:
- جاي أشوفك وأطمن عليك.
- ليه؟!
باغتته بذاك السؤال وتابعت بحدة أكبر تكاد تصل للعداء:
- تطمن عليا بتاع إيه؟!
صمت لتصيح من جديد:
- رد عليا يا يوسف.
- ممكن تهدي.
قالها كي يستقطب هدوءها لكنها باغتته بحدة أكبر:
- ميخصكش، أهدى، أولع، ميخصكش، أنت تجاوب على سؤالي وبس.
أغمض عينيه ورمى رأسه مستندًا بها على خلفية المقعد باستسلام، زادها مظهره جنونًا فصاحت وهي تجذب وجهه تجبره على النظر إليها، اقشعر جلده حين لامست أناملها الرقيقة ذقنه النابتة وما شعر بحاله سوى وهو يشدد على تلك الأنامل كي يجبرها على الإطالة بلمسته، زاد جنون غضبها من تصرفه ونظراته المتلهفة التي كشفت عن مكنون صدره وما يحمله من عشق دفين لها، جذبت كفها بحدة وتحدثت بعصبية مفرطة:
- قولت لك جاوب على سؤالي، أنت بتعمل إيه هنا؟
اتسعت مقلتيه بذهول من تصرفها العنيف، فتلك هي المرة الأولى التي تقاوم فيها لمسته ونظرات عيناه، يبدو أنه توغل في أذاها للحد الذي جعل كرامتها تتحدى مشاعرها وتتفوق عليها.
لام حاله على ذاك التصرف الأهوج، فقد اتخذ قرار الابتعاد أو بالأصح النفي، فهو سيفنى بابتعاده عن محبوبته وخليلة الكيان، تحمحم كي ينظف حنجرته ليستطيع التحدث بشكل يظهر عدم مبالاته:
- اعتبريها غلطة ومش هتتكرر تاني يا بوسي.
دفعته بصدره بقوة لتهتف بألم ينخر بقلبها:
- متقوليش يا بوسي، ولا حتى تنطق اسمي كله على لسانك، أنا بكرهك يا يوسف، بكرهك ومش عاوزة أشوفك قدامي تاني.
شعر بصفعة قوية نزلت على جدران قلبه زلزلته، وبرغم أنه استمع إلى تلك الكلمة منها أثناء تواجده بالمشفى إلا أنه اعتبرها هذيان من شدة الصدمة، لكن تلك المرة كانت التأكيد، لا يدري ما حدث له، فقد تملك التحدي منه وأراد تعرية مشاعرها أمامها، فتحدث ناظرًا بعينيها بقوة:
- عمرك ما هتقدري تكرهيني، عارفة ليه؟
طالعته بحقد ليتابع بنعومة مشيرًا على صدرها:
- لأني محفور هنا، جوة قلبك، اللي بينا مش مجرد قصة حب عابرة يا بيسان، اللي بينا سنين ومواقف وعمر بحاله، ومهما تحاولي تمحيه مش هيطلع غير بالموت.
بجبروت وعنفوان جديدًا عليها أجابته:
- يبقى الموت أهون عندي من إن حب واحد زيك يفضل ساكني.
- واحد زيي؟!
قالها بذهول ليتابع متسائلًا بحدة:
- أنت شايفاني إزاي يا بيسان؟!
- شيفاك واحد خاين للعهد.
نطقتها بحدة لتسترسل بنبرة ساخطة:
- وعدتني بالحب وعشمتني بالجنة معاك.
واسترسلت بملامح متأثرة وغشاوة دموع تلألأت داخل مقلتيها:
- خلتني طيرت في سماك وبنيت معاك كل أحلامي، ربطت كل حاجة تخصني ووقفتها على وجودك.
رفعت كتفيها لتتابع مسترسلة باستسلام:
- وفي النهاية سبتني ومشيت، خلتني متعلقة، لا أنا اللي طايلة سما أطير فيها وأعيش أحلامي اللي رسمتها، ولا أنا اللي واقفة على أرض ثابتة أقدر من خلالها أكمل حياتي مع حد تاني.
توسع بؤبؤ عينيه حين أشارت بحديثها على أحدهم، أيمكن أن يمتلكها غيره من الرجال؟!
شعرت بصراع حاد ظهر بين مقلتيه، ومَن غيرها يشعر به ويلمس روحه، تحاملت على حالها لتسأله، تعلم أنها جارت على كرامتها بما يكفي لكنها ستعطيه تلك الفرصة عله يرأف بحالها ويتراجع عن صرامته وعناده:
- لآخر مرة هسألك يا يوسف، لو لسه بتحبني خلينا ناخد فرصة تانية ونحاول.
وتابعت مسترسلة بتحذير:
- وقبل ما تجاوب لازم تعرف إن دي الفرصة الأخيرة اللي هديها لك.
امتلأت عيناه بحيرة امتزجت بألم، وباتت عيناه تجوب ملامحها بنظرات زائغة، صراع عنيف هاجمه بضراوة، انقسم كل شيء به ما بين الرفض والقبول، قلبه حالمًا يزجه على أن يظفر بتلك الفرصة ويغتنمها لصالح قلبيهما، ولينسى الماضي ويضعه جانبًا متلاشيًا جل شيء مقابل التنعم داخل أحضان الحبيب والفوز بالمستقبل، بينما العقل والكرامة اتحدا ليكونا فريقًا شرسًا ليهاجما القلب بعنف قائلين:
- أصمت أيها الخاضع الخنوع، يا لك من قلب فاقد للكرامة، أين نخوتك وعزة نفسك أيها البائس، ألأجل حب امرأة لا تختلف عن مثيلتها من بنات حواء تخضع وتخنع لأبيها وتدع حالك تحت قدميه ليدهس على كرامتك ذهابًا وإيابًا؟
رد القلب بهيام يكاد يقتله:
- لكنها ليست كباقي النساء، هي حبيبتي، خليلتي وشريكة أحلامي، هي من بقيت صامدًا لسنوات لأجلها، هي من حلمت أن أسكن مدينتها، هي فقط دون غيرها.
- لا داعي للمبالغة، فـ في النهاية كلهن سواسية، كلهن نساء.
كانت تلك كلمات العقل قبل أن يخرجه من تلك الحرب صوتها الناعم وهي تترجاه بعينيها:
- قولت إيه يا يوسف؟
بعد صراع عنيف هز رأسه وهو يقول:
- مش هقدر.
ليتابع بذل وألم:
- أرجوك قدري موقفي.
ابتسمت ساخرة لتنطق بنبرة ضعيفة سيطرت عليها الهزيمة:
- كنت متأكدة إن ده هيبقى ردك، كنت واثقة إنك هتبيعني وتدوس على حبي، دايمًا بتختار المقابل ليا قصاد التخلي عني.
هز رأسه ناكرًا تفكيرها لتتابع مسترسلة بعينين يملأهما التحدي وكأنها تحولت لأخرى شرسة:
- بس وحياة حبك اللي لحد اللحظة دي مش قادرة أخرجه من جوايا لأنساه يا يوسف، ولو روحي متعلقة فيك هخرجها بإيدي، ولا إني أعيش مذلولة تحت رحمة حبك.
وتابعت بحدة وصلت للإهانة:
- إوعي تخليني أشوف وشك مرة تانية، ولو عندك كرامة بجد متجيش بيت جدو علام بعد النهارده، خلي عندك ضمير وابعد علشان أقدر أتنفس في بعدك وأعيش.
اكتفت بهدر تلك السهام بقلبه وبدون مقدمات خرجت لتنطلق بطريقها نحو سيارتها برأس شامخ وصلابة محاربة عزمت الأمر على اقتحام ساحة المعركة.
تاركة خلفها قلبًا تحطم وفؤادًا من العشق تمزق.
ليقابلها على الجهة الأخرى نبيل بابتسامة منتصر وكأنه كان ينتظر رجوعها إليه.
دمعة حارة انزلقت من عينيه وهو يراقب ابتعادها وكأن روحه سلبت منه برحيلها، خرجت كلمة بصوت ضعيف وقلب صارخ يأبى القادم:
- متمشيش.
شهقة حادة خرجت لتتابعها دموع انهمرت كشلالات من عينيه، دموع احتجزت طويلًا والآن لم يعد بمقدورها الانتظار أكثر:
- متسبنيش لوحدي، هموت في بعدك يا بيسان.
مال برأسه جانبًا لينطق وكأنه يحتضر:
- ارجعي.
وكأنها استمعت لمناداتها لتستدير تنظر باتجاهه ولكن بنظرات حادة ممتلئة بالقوة والتحدي وكأنها تتوعد قلبه وتطالبه بانتظار ما هو قادم للانتقام، ألقت عليه نظرة ساخطة لتستدير وتتابع طريقها من جديد وهي تتحرك بخطوات واثقة نحو الأمام، نحو ذاك المبتسم بشماتة ظهرت بعينيه وهو يتطلع على ذاك الزجاج المفيم متأكدًا أن من خلفه يناظره بحقد دفين.
رواية انا لها شمس الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم روز امين
كل منا يتخذ نهجًا لحياته، ويتعامل معها وكأنها لوحة بيضاء خاوية من أية معالم، يرسم بريشته أحلامه الوردية، وكأن العالم أجمع سخر لتحقيق آماله. يأخذ خطواته للأمام نحو ذاك المستقبل المنتظر بكامل ثقته، حتى تباغته الحياة بسيل من الأحداث المغايرة لما خطط له، وبلحظة تنهار أحلامه حلمًا تلو الآخر حتى تختفي وكأنها تحولت إلى سراب لم يكن له أثر ذات يوم، يداهمه اليأس بضراوة ويكاد أن يفتك به، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
بقلمي "روز أمين"
____________
كان يجلس داخل المكتبة الخاصة بجامعة القاهرة، مندمجًا لأبعد حد وهو يتصفح إحدى المراجع الخاصة بمجاله، بعدما قرر الانخراط في الدراسة والعمل كي لا يعطي لعقله المجال بالتفكير فيما حدث بينه وبين تلك الحبيبة، قرر أيضًا تجنب التفكير وإرهاق عقله بحل تلك المعضلة وتركها لله ولعامل الوقت وهو كفيل بحل جميع المشاكل، معتمدًا على عشق تلك المغرمة الجارف له، وبأن قلبها سينصاع بالنهاية لمشاعره وينتظر حتى قدوم الحبيب وانتصار الحب. هكذا كان ظنه بها، لكنه نسي أن بعض الظن إثم عظيم.
وأثناء اندماجه بالقراءة شعر بظل أحدهم يجلس بالمقعد المقابل له، لم يشغل باله ولم يهتم فاضطرت تلك الشابة لإخراج صوت حمحمة كي ينتبه لوجودها. وبالفعل رفع رأسه بهدوء لتتقابل عينيه مع خاصتي تلك الجميلة "ساندي"، صديقته بنفس الفرقة، فبرغم علمها بقصة غرامه مع بيسان إلا أنها عشقته بكل جوارحها، وبرغم عدم تجاوبه مع محاولاتها للتقرب منه، إلا أنها لم تتوانى بلفت أنظاره طيلة الوقت، تبسمت وهي تقول برقة:
- ممكن أخد من وقتك شوية صغيرين؟
تطلع إليها متعجبًا لطافتها الزائدة لتتابع هي برقة:
- عاوزة أخد رأيك في حاجة خاصة بالدراسة.
أومأ بهدوء قائلًا:
- لو خاصة بالدراسة أكيد مش هتأخر عليكي.
مطت شفتيها وتحدثت بدلال استدعى لاستغرابه:
- يعني لو حابة أتكلم معاك في أي موضوع تاني، هتكسفني يا يوسف؟
حدثها بنبرة جادة متلاشيًا طريقتها التوددية:
- اتفضلي وأنا سامعك يا باشمهندسة.
تنهدت بيأس بعد فشل المحاولة اللاعدد لها من التقرب منه، وبدأت تطرح عليه بعض الأسئلة التي طرأت بمخيلتها بتلك اللحظة في محاولة منها في فتح حديث يجمعهما سويًا.
*****
بمحافظة كفر الشيخ، وتحديدًا أمام منزل "نصر البنهاوي"، توقفت سيارة جيب لونها أسود، تتبعها صف من السيارات التي تحمل الكثير من العمال ومهندسين من التخصصات المختلفة سواء معماري أو ديكور، ترجل أحد الرجال من السيارة يرتدي بذلة سوداء وحذاء مماثل ويبدو من هيأته الوقار، نظر على تلك البوابة الحديدية المغلقة بسلاسل حديدية صدأة نظرًا لعوامل الزمن، تنتهي بقفل أكله أيضًا الصدأ، ثم تطلع باشمئزاز على القاذورات والنفايات التي تنتشر حول سور المنزل وأمام البوابة حيث تحول المكان بعد قتل نصر ونفي أنجاله لمكان إلقاء نفايات القرية بأكملها وكأنهم بتلك الطريقة ينتقمون من جبروت ذاك الذي تجبر عليهم لسنوات عديدة، أشار للعمال الذين أسرعوا بالهبوط من فوق السيارات وانتشروا كالجراد وبدأوا بجمع النفايات داخل أكياس مخصصة، اقترب أحد الرجال وقام بفتح المنزل بعدما ناوله الرجل المفتاح الخاص تحت تعجب المارة من أهل القرية للذين توقفوا وباتوا يشاهدون ما يحدث باستغراب وطرح الكثير والكثير من الأسئلة على بعضهم البعض بشأن هوية هؤلاء الرجال.
بمكان آخر من القرية
بوسط الساحة الموجودة داخل منزل الحاج محمد، يتوسط الجلوس فوق الأريكة الخشبية تجاوره زوجته "شريفة" ونجله الأوسط "مجدي"، تقابلهم بالجلوس إجلال، كانوا منشغلين بتبادل أطراف الحديث فيما بينهم حتى التزموا الصمت حين استمعوا لصياح أحد الرجال بالعائلة وهو يهرول قائلًا بأنفاس متقطعة:
- إلحق يا حاج محمد.
وتابع تحت نظرات الجميع المترقبة:
- فيه جوز رجالة شكلهم ألاجة قوي، نزلوا من عربية آخر أبهة ودخلوا بيت الحاج نصر البنهاوي الله يرحمه.
وتابع وهو يأخذ نفسًا كي يستطيع المواصلة:
- ومعاهم رجالة ياما، عمالين ينظفوا في البيت من بره ومن جوه، وبيخرجوا الفرش ويركنوه بره في الشارع.
اعتدل "محمد" مستنفرًا وتحدث بعينين متسعة:
- ليكونوا حرامية يا عبدالسلام؟
نفى الرجل سريعًا:
- حرامية إيه بس يا حاج، بقولك ناس ألاجة وباين عليهم النظافة، والناس اللي شافتهم أول ما جم، قالوا إنهم فتحوا البيت بالمفتاح.
- طب ارجع أنت على هناك تاني واوعى يغيبوا عن عينك، وأنا هشرب الشاي وجاي على طول، لما نشوف الحكاية العجيبة دي كمان.
تعجبت "شريفة" من تلك الجالسة تتناول مشروبها بمنتهى الأريحية وكأن الأمر لا يعنيها، مما جعلها تهتف مستنكرة:
- مالك يا إجلال، أنتِ كويسة يا أختي؟!
تبسمت بسعادة ظهرت بمقلتيها ثم رفعت كوب المشروب لترتشف منه قبل أن تتحدث بسكون:
- أنا زي الفل وحالي عال العال.
ضيق شقيقها ما بين عينيه ثم سألها متوجسًا:
- هي إيه الحكاية يا إجلال؟ قاعدة كده لا بيكي ولا عليكي وكأنك مسمعتيش معانا اللي حصل؟!
- ده أنا قولت هتقومي تجري وتخربي الدنيا على دماغ الناس دول!
خرجت ضحكة شريرة وباتت ملامحها تشبه من كانت بالماضي، ثم نطقت بما جعل جميعهم يتعجبون:
- وأقوم من مكاني ليه وأنا عندي علم بكل اللي بيجرى حواليا.
سألها ابن شقيقها "مجدي" مستغربًا:
- عندك علم منين وإنتِ قاعدة وسطينا ما اتحركتيش يا عمة؟!
هتف محمد مستفهمًا بارتياب:
- مين الناس دي يا إجلال؟
- دول رجالة عمرو ابني يا حاج، جايين ومعاهم مهندسين هيكشفوا على البيت ويرمموه، وينظفوه ويجددوا كل حاجة فيه علشان يرجع أحسن من الأول.
وأكملت بتباه:
- هيرموا الفرش القديم ويفرشوه على الموضة.
سألها بنصف عين:
- وإنتِ عرفتي منين الأخبار دي كلها؟
- وابنك جاب منين الفلوس اللي هيعمل بيها كل ده وهو هربان بره البلد؟!
وضعت ساقًا فوق الأخرى لتتحدث بتباهي:
- عمرو راجع مصر الأسبوع الجاي.
هتف مستنكرًا:
- راجع إزاي وهو عليه حكم بالسجن؟!
تبسمت لتجيبه:
- مبقاش عليه حاجة خلاص، سوى كل أموره مع الحكومة والمحامي حل له كل القضايا، ولو على الفلوس فإحنا طول عمرنا معانا اللي يسد عين الشمس ويفيض كمان.
وتابعت ساخرة وهي تتطلع إلى زوجة شقيقها:
- لو محتاجة من فرش البيت حاجة روحي خديها وماتتكسفيش يا "شريفة"، أنا قولت لـ عمرو يخلي العمال يسيبوه قدام قصر الحاج نصر، علشان الناس المحتاجة تستفاد منه بدل ما يترمي للكلاب والقطط تقعد عليه.
هتفت المرأة بغيظ وتعالي:
- اقعدي عوج واتكلمي عدل يا "إجلال"، أنا مرات الحاج محمد ناصف على سن ورمح يا حبيبتي، إحنا أسياد البلد كلها وهنفضل طول عمرنا أسيادها، واللي بيفيض من على طبلتنا يكفي مركز بحاله.
وتابعت تذكرها بما فعلوه معها من احتواء:
- ولا رجعة ابنك الهربان هتنسيكي اللي عملناه معاكي يا "إجلال"؟!
انتفضت من جلستها لتهب واقفة وتحدثت بجبروت الماضي وكأن الزمان عاد بها لما قبل:
- اسمي ستهم يا بت، واللي هينطق "إجلال" دي تاني هقطع له لسانه مهما كان هو مين.
وتابعت بنظرات متوعدة:
- وماتخافيش، اللي اتعمل فيا منكم ومن العيلة مايتنسيش غير بطلوع الروح.
اتسعت أعين الجميع ليهتف محمد موبخًا:
- باين عليكي رجعة ابنك الصايع قوت قلبك ونسيتك الحقيقة يا "إجلال".
طالعته دون استيعاب لحديثه ليتابع موضحًا:
- إنتِ نسيتي إن نسل نصر النجس كله متحرم عليهم نزول الكفر من تاني ولا إيه!
بابتسامة ماكرة تحدثت بشبه تهديد:
- عمرو اللي راجع مش عمرو اللي ساب مصر هربان من كام سنة يا حاج محمد، ابني راجع شديد وعارف ناس كبرات قوي في البلد، ونصيحة من أختك حاول تشتري وده، لأن اللي هيعاديه هيفتح على نفسه طاقة جهنم.
فرقت نظراتها الكارهة على الجميع مسترسلة بوعيد:
- رمية عيالي بره البلد السنين دي كلها ليها ثمن غالي، ووقت الحساب قرب، وكل واحد هيتحاسب وهيدفع الدين اللي عليه.
نطقت كلماتها التهديدية وتحركت للداخل بعدما تركتهم بأفواه مفتوحة وأعين مذهلة.
*****
وصل بسيارته الفارهة إلى البوابة الحديدية للوحدة المملوكة لوالده، والمتواجدة بأحد المدن الجديدة، نظر بابتسامة فخر لليافطة الذهبية المثبتة على جدران الواجهة والمدون عليها "فيلا رجل الأعمال عاطف السرجاوي". انفتحت البوابة أوتوماتيكيًا ودلف بسيارته ليسرع إليه الحارس وهو يرحب بتفخيم لذاك المغرور:
- حمدالله على السلامة يا "نبيل" بيه.
ابتسم بغرور ثم صف سيارته وترجل يعدل من وضع نظارته الشمسية ذات الماركة العالمية ككل أشيائه لينطق بنبرة متعالية:
- "عاطف" باشا هنا ولا لسه في الشركة يا "محروس"؟
- الباشا الكبير جه من ييجي ساعة يا سعادة البيه... نطقها الرجل وهو يقف متأهبًا لأوامر ذاك المتسلط وبالفعل تحدث باستعلاء:
- طب خد مفتاح العربية ونظفها لي من بره ومن جوه، عاوزها بتزيق من كتر النظافة.
واستطرد متوعدًا بتهديد:
- عارف يا محروس لو لقيت فيها ذرة تراب واحدة ولا القزاز مش متنظف كويس ومتكروت زي المرة اللي فاتت، أنا هعمل فيك إيه؟
ارتبك الرجل خشية من بطش ذاك الشاب وتحدث متلبكًا:
- ماتقلقش سعادتك، هخليها لك بتبرق زي العروسة في ليلة دخلتها.
ألقى عليه نظرات احتقارية قبل أن يتركه ويتحرك صوب الداخل، برغم أن جملته نالت إعجابه، وفور نطقه للجملة تذكر تلك الفرسة الجامحة "بيسان"، ولج من باب المنزل الداخلي ليجد والديه يجلسان بردهة المنزل المتسعة والتي تحتوي على أثاث فخم يدل على رخاء وتنعم تلك العائلة، تحدث بابتسامة واسعة:
- معقولة الباشا بجلالة قدره عندنا.
ضيق "عاطف" بين عينيه وهو يرمق نجله قبل أن ينطق متعجبًا بأسلوب استفز الشاب وأثار استيائه:
- اللي يسمعك كده يقول بتقعد في البيت قوي يا أخويا، ده أنا وأمك بنشوفك بالصدفة ياد.
تملل بوقفته ليحرك رأسه يمينًا ويسارًا باعتراض قبل أن ينطق ضاجرًا:
- وبعدين يا باشا، مش اتفقنا نبطل أسلوب الصنايعية ده؟
لم يدع له الفرصة ليكمل وقاطعه بحدة معترضًا:
- ومالهم يا سي "نبيل" الصنايعية، دول أجدع ناس، وبعدين من فات قديمه تاه يا أخويا.
قررت تلك التي تجاوره الجلوس التدخل للدفاع عن نجلها المدلل كونه وحيدها، فهي وزوجها لم يرزقا بأطفال بعد أن أنجبا نجلهما الأول "نبيل" وترجع الأسباب لمشاكل لديها، اكتفى الرجل بنجله بالرغم من ضغط عائلته ودائرة أصدقائه المقربين منه، حيث حثه الجميع على الزواج بامرأة أخرى لتنجب له عدة أبناء ليكونوا عزوة وسند له في الكبر، لكنه رفض جميع المحاولات وتمسك بتلك المرأة التي ساندته وتحملت فقره ورافقته طريق المشقة، حيث تزوجته وهو عامل بسيط في مجال البناء، يحمل شكائر الرمل على أكتافه ويصعد به للأعلى للمشاركة في أعمال بناء البنايات المرتفعة، وقد تحمل المشقة واجتهد حتى وصل لملاحظ أفراد ثم مقاول بسيط ومع الصبر والعزيمة أصبح مالك لشركة تعد من أكبر شركات المقاولات في الدولة، واجه الكثير من الضغط بشأن الزواج بأخرى، وعلى العكس دعم امرأته وتمسك بها لأبعد حد، تحدثت السيدة وتدعى "ناهد" والتي تنتهج طريق نجلها في الكبرياء والتمسك بالمستوى المعيشي الذي انتقلوا إليه مؤخرًا:
- "نبيل" عنده حق يا "عاطف"، إحنا اتنقلنا نقلة كبيرة قوي لما جينا هنا في الكمبوند، ولازم نبقى شبه العالم اللي ساكنين حوالينا.
- بالظبط يا ماما ده اللي أقصده... ليتابع شارحًا الوضع الحالي:
- لازم تتعامل على إنك عاطف باشا السرجاوي، رجل الأعمال اللي بيمتلك شركة من أكبر شركات المقاولات في البلد.
لم يجبه بتلك النقطة بل انتقل لموضوع أهم وأعظم بالنسبة له:
- سيبك من الكلام اللي مبيأكلش عيش ده وخلينا في المهم.
طالعه نبيل بجبين مقطب وترقب شديد، ليهم هو بسؤاله بطريقة أظهرت مدى تعجله لإتمام الموضوع:
- فاتحت البت حفيدة المستشار بجوازكم زي ما قولت لي؟
حك ذقنه وابتسم بتسلٍ حين تذكر نظراتها الزائغة التي صوبتها عليه عندما كانت تتجه إليه هاربة من حبها الضائع، اقترب عليها وسألها تحت نظرات يوسف التي تقدح شررًا لو خرج لحول المكان برمته إلى شعلة متوهجة من النار:
- إنتِ كويسة؟
دون وعي منها أومأت برأسها مما شجعه ليتمادى بسؤالها:
- لو مش قادرة تسوقي أنا ممكن أوصلك بعربيتك لفيلتك، وبعدها هبقى أرجع آخد عربيتي.
- ميرسي يا "نبيل"، أنا كويسة وهسوق عربيتي بنفسي... قالتها بحدة وملامح وجه حادة ليسألها للتأكيد:
- متأكدة؟!
أومأت للتأكيد فتحرك يسبقها بخطوة حتى اقترب من سيارتها وقام بفتح بابها بطريقة أظهرت كم تحضره ورقه، ساعدها حتى استقلت مقعدها ثم أغلق لها الباب بعدما سألها ما إذا كانت تحتاج لشيء، فشكرته بابتسامة ساحرة أرادت بها إضرام نيران الغيرة داخل قلب ذاك الذي يصوب نظراته النارية باتجاهها، تطلع نبيل صوب ذاك الجالس بسيارته يختبئ خلف زجاجها المانع للرؤية "المفيم"، وابتسم بخبث كذئب انتصر على فريسته بالمكر والتخطيط والدهاء.
فاق من شروده على صوت والده الذي صدح بحدة وهو يسأله متعجبًا:
- ما تنطق يا ابني، مالك متنح ومنشكح كده ليه؟!
ضحك بكبرياء قبل أن يجيب بنبرة يملؤها الغرور:
- يا حبيبي أنا قولت لك قبل كده اعتبر الموضوع منتهي.
ثم استرسل رافعًا قامته بكبرياء:
- مافيش بنت لحد اللحظة اللي أنا واقف فيها قدامك دي قدرت تقاوم سحر ورجولة نبيل السرجاوي.
رمقه بنظرة مقللة ليسأله بطريقة سوقية:
- طول عمرك كلمنجي ومش فالح غير في الكلام الفاضي، أنا عايز فعل يا حبيبي، عاوز النسب ده يحصل بأي طريقة علشان أقدر أستفاد في شغلي من جد البت دي وخالها.
أخذ يقلب عينيه بضجر اعتراضًا على طريقة والده المخزية في الحديث، بينما ضيقت "ناهد" بين حاجبيها لتبادر باستغراب بسؤال زوجها:
- ودول هيفيدوك في إيه يا "عاطف"؟!
- دول وكلاء نيابة على كلام نبيل؟!
- ولو وكيل النيابة السالك ما فادكيش في تسهيل الدنيا والشغل، مين هيفيدك يا "ناهد"؟! وبعدين دول مش أي وكلاء نيابة والسلام... نطق جملته الأخيرة بانتشاء وعينين متسعة أظهرت مدى جشعه:
- ده الراجل الكبير طلع منصبه كبير قوي، ولما سألت عليه المحامي بتاع الشركة عندي، قال لي إنه مترشح يمسك بعد النائب العام، لو يعني النائب ساب منصبه لأي ظروف.
كان يتطلع إلى والديه بابتسامة وانتشاء واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله متطلعًا بعينين تقطر غرورًا كعادته، في حين زادت ابتسامة ناهد التي تطلعت لنجلها بافتخار لتنطق بكثير من الزهو:
- "نبيل" ابني طول عمره شاطر وبيقع واقف، وكل البنات هتموت عليه.
طالعها مقوسًا فمه لينطق بطريقة تهكمية:
- ما تتفرديش وتتني قوي كده إلا لما نشوف أمارة، والبنت توافق على سي نبيل بتاعك.
- هتوافق يا بابا، وقريب جدًا... قالها بثقة عالية ليتابع مسترسلًا بابتسامة:
- جهزوا نفسكم لزيارة سيادة المستشار علام زين الدين قريب قوي.
*****
مع غروب شمس اليوم، داخل مطبخ قصر "علام زين الدين" يلتفتن العاملات حول الطاولة المستديرة المتواجدة بالمنتصف، يحتسين مشروبًا باردًا صنعته إحداهن ليتمتعن به في وقت راحتهن، صدح صوت ذاك الهاتف المعلق بالحائط والخاص بخدمة ساكني القصر، تحركت السيدة "سعاد" لتجيب بجدية ورأس مرفوع:
- ألو.
أجابها فؤاد من غرفته الخاصة:
- ابعتي لي حد من عندك يوضب لي شنطة هدوم تكفي ثلاث أيام سفر يا سعاد.
بمنتهى العملية أجابته:
- تحت أمر حضرتك يا سيادة المستشار، حالًا وداد هتكون عندك.
قاطعها بهدوء:
- بلاش الوقت.
توقف عن الحديث لينظر بساعة يده ثم تابع:
- ابعتيها كمان نص ساعة بالضبط أكون خلصت الشاور بتاعي، علشان أشوف الهدوم اللي هتحطها وأقول لها على كام حاجة معينة.
- أوكي يا باشا.
أغلق معها ليلج إلى الحمام مباشرة، أما بالمطبخ، أنهت المكالمة لتنطق بنبرة جادة:
- وداد، جهزي نفسك بعد نص ساعة بالضبط هتطلعي لفؤاد باشا علشان تجهزي له شنطة هدومه.
باغتها عزة بسؤالها المتعجب:
- شنطة لإيه يا مدام سعاد؟!
سحبت المقعد لتعود للجلوس من جديد ثم تحدثت بجدية:
- الباشا بيقول إنه مسافر يومين.
اتسعت عيني الأخرى لتقول بشرود:
- إيثار ما جابتليش سيرة الموضوع ده يعني؟!
وتابعت وهي تحتوي فكها بأصابع يدها:
- وبعدين من أمتى الباشا بيخلي حد يلمس هدومه غيرها؟!
شملتها سعاد بنظرة ساخرة وهي تقول متهكمة:
- وهي الهانم لازم تقدم لك تقرير عن كل حاجة بتحصل معاها ولا إيه يا ست عزة؟!
ضحكت العاملات ساخرة من عزة مما جعلها تستشيط غضبًا لتقول بنبرة حادة وعينين تطلق شزرًا:
- آه يا حبيبتي، كل صغيرة وكبيرة في حياتها بعرفها.
قاطعتها بلهجة حماسية تلك الفتاة الجالسة بينهن والتي انضمت حديثًا لفريق العاملات:
- اسمحي لي حضرتك أطلع أنا أواضب الشنطة لسيادة المستشار.
تطلعت عليها وداد وقبل أن تعترض تابعت الأخرى بنبرة ماكرة:
- وداد يا حرام تعبانة طول اليوم من التنظيف، ومن حقها ترتاح شوية.
ابتسمت وداد لتتحدث بارتياح بعدما نال أسلوب الفتاة على استحسانها:
- خلاص يا مدام سعاد، خليها تطلع هي بدالي، أنا فعلًا حاسة بتكسير في كل جسمي ومحتاجة أرتاح، وكمان مش هقدر أطلع السلم.
ابتسمت الفتاة بمكر لنجاح مخططها لتنطق سعاد بجدية:
- ما فيش مشكلة، اطلعي بدالها.
لتتابع وهي تشير بسبابتها بتحذير شديد:
- بس خلي بالك كويس وبلاش تعملي فوضى وإنتِ بتسحبي الهدوم من الدولاب، وتلبسي القفاز لأن الباشا ما بيحبش حد يلمس هدومه.
وأكملت مسترسلة باستغراب:
- المفروض إن إيثار هانم هي اللي بتجهز له شنطته، بس إحنا بننفذ الأوامر.
ضيقت "عزة" بين حاجبيها وهي ترمق الفتاة بنظرات ثاقبة، تلك الفتاة في بداية العقد الثاني من عمرها "الثالثة والعشرين" تدعى "هند" تمتلك وجهًا حسن وجسدًا متناسق أنثوي من الدرجة الأولى "صارخة الجمال كما يطلقون على شبيهاتها"، حضرت عن جديد إلى القصر لتعمل به، بعد أن فقدت عملها في منزل المهندس "أحمد الزين" بعد أن قامت "نجوى" زوجة أحمد بطردها أمام الجميع بأحد التجمعات العائلية بعد أن تعرقلت ساق الفتاة في مما جعلها تقع على وجهها ويقع معها طقم الكؤوس التي ورثته تلك الـ "نجوى" عن والدتها، مما جعل الدماء تغلي بعروقها وتنفجر لتهجم على الفتاة وكادت أن تصفعها لولا تدخل أحمد وعلام وفؤاد، وقد أصرت على طردها بكثير من التعنت، بكت الفتاة بشدة وكادت تتوسلها دون فائدة، مما جعل علام يتدخل ويأخذ الفتاة لتنضم للعاملات داخل قصره بعدما لان قلبه لدموع الفتاة وتوسلاتها، وباتت تتحدث عن حاجتها الملحة لهذا العمل.
وقفت عزة لتنطلق إلى الخارج تبحث عن تلك المغيبة "إيثار"، وجدتها تجلس بجوار والدي زوجها وأولادها الثلاث "زين الدين، تاج، المشاغب مالك"، نطقت بنبرة أظهرت كم توترها:
- تعالي معايا، عوزاكي في حاجة مهمة.
قطبت جبينها وسألتها متعجبة:
- فيه إيه يا عزة؟
- ما فيش، كنتي عاوزة أخد رأيك في حاجة تخصني... قالت جملتها بجدية، نطقت "عصمت" وهي تحث زوجة نجلها للذهاب:
- قومي معاها وشوفيها عاوزة إيه.
نهضت لتنطق بتهذيب:
- بعد إذنكم.
خرجت معها إلى الحديقة فالتصقت "تاج" بجدها وارتمت داخل أحضانه وهي تقول بدلال مفرط:
- جدو، هو أنا قولت لك النهاردة أنا بحبك قد إيه؟
يحفظ طباع حفيدته ويحفظ شخصيتها عن ظهر قلب، أشار بكفه لينطق بمداعبة:
- سيبك من الكلام ده وهاتي من الآخر وقولي عاوزة إيه يا بكاشة.
ابتعدت لتتطلع عليه وهي تسأله باندهاش مفتعل:
- إنت تعرف عني إني بكاشة يا جدو؟
ضحكت عصمت وتحدثت بما أكد حديث زوجها:
- هو جدك بس اللي يعرف يا تاج، العيلة كلها عارفة إنك بكاشة ودلوعة.
تعالت ضحكات زين ومالك الذي تحدث بكلمات تصاحبها قهقهة ساخرة:
- يا بكاشة يا عيوطة يا تاج.
مطت شفتيها وربعت ساعديها بحدة ثم نطقت وهي تتطلع على جدها تشتكيه بملامة:
- عاجبك تريقة زين ومالك عليا دي يا جدو.
لم يرق لعصمت اتهامها لتوأمها الخلوق فتحدثت بنبرة عاتبة:
- هو "زين" يا حبيبي نطق بحرف واحد؟!
- قولي لها يا نانا... نطقها ذاك الرزين لتهتف الفتاة باستياء:
- وهو ضحكه عليا ده مش تريقة؟! ولا الأستاذ مالك وخفة دمه اللي مغرق القصر فيها.
أخرج الصغير لسانه قاصدًا إغاظتها وبالفعل حصل على ما أراد فاستشاطت الفتاة.
قرر علام التدخل كي يفض ذاك النزاع قبل أن يحدث ويتحول لمشادة كلامية وحرب شرسة، فابتسم للفتاة وهو يربت على كفها باحتواء:
- سيبك منهم وقولي لي عاوزة إيه من جدو يا حبيبتي.
تبسمت وظهر عليها الارتياح ثم نطقت متحمسة:
- المدرسة عاملة رحلة لإنجلترا، هيقعدوا هناك أسبوعين بس.
وتابعت وهي تمرر كفها فوق صدره بحنان:
- ممكن تسمح لي أروح أنا وزين.
- اتكلمي عن نفسك لو سمحتي... نطقها زين وهو يعدل من وضع نظارته الطبية ليتابع مسترسلًا بعملية ووقار وكأنه رجلًا تخطى الثلاثين من عمره:
- أنا الفكرة نفسها غير مطروحة للنقاش بالنسبة لي.
تكلمت بلطف ولين كي تستحوذ على قلب شقيقها فيقتنع:
- ليه يا زين، كل أصحابنا رايحين وصدقني هننبسط جدًا.
وتابعت بعينين متوسلة:
- بليز يا زينو توافق.
أشار بكفه بحزم:
- ما تحاوليش، وياريت توفري الجدال لأنه مش هيفيد حد فينا غير إنه هيرهق عقلك ويستنفذ طاقتك وطاقتي.
وتابع بجدية وصرامة:
- أنا واخد قراري والأمر محسوم بالنسبة لي، وزي ما سبق وقولت لك، غير مطروح للنقاش.
- إنت سخيف زيك زي أخوك بالضبط... قالتها بانفعال شديد فقاطعتها "عصمت" هادرة:
- تاج، نقي ألفاظك وإنتِ بتتكلمي مع إخواتك.
تثاوب الصغير فحملته عصمت فوق ساقيها وسألته بحنو يقطر من نبراتها:
- إنت عاوز تنام يا حبيبي؟
أومأ برأسه وهو يقاوم فتح أهدابه، أخذته بأحضانها ليغلق جفنيه سريعًا بعد أن قامت بتقبيل وجنته الناعمة وهي تبتسم وتقول:
- يفضل يتشاقى طول اليوم وفي لحظة ينام على نفسه.
ضحك زين وهو يقول:
- من يومين كان طالع من المطبخ وببص لقيته جري هنا على الكنبة واتمدد جنبي، وفي لحظة لقيته راح في النوم.
ضحك الجميع فلاحظ علام غضب تلك الحانقة فتحدث بهدوء:
- إنت فاتحتي بابي في موضوع الرحلة دي؟
هزت رأسها ونطقت بيأس:
- لا، لأني عارفة إنه هيقول لي كلمته الشهيرة، قولي لمامي... قالت جملتها الأخيرة وهي تهز رأسها بتهكم فقاطعتها عصمت قائلة بتأكيد:
- فؤاد عمره ما هيقول لك كده بخصوص موضوع مهم زي ده، هو آه بيسيب بعض الأمور تحت تصرف مامتك، لكن ده في الأمور البسيطة، أما بخصوص موضوع سفرك فده موضوع مهم ومستحيل باباكي يسيب القرار فيه لماما.
- اطلعي اتكلمي مع بابا وشوفي رأيه إيه... نطقها علام وهو يحتوي كتفها بساعده لتنطق متوسلة:
- طب ما تكلمه حضرتك، هو بيحبك وأكيد هينفذ أوامرك بدون نقاش.
- ما أقدرش أتدخل في حاجة ليها علاقة بتربية أبوكي وأمك ليكي يا تاج، أتدخل يوم ما ألاقي قراراتهم هتضرك وتضر مستقبلك إنتِ أو أي حد من إخواتك، غير كده أنا آسف.
ربعت ساعديها وزفرت بقوة دلت على كم استيائها.
*****
بالخارج
سحبت عزة إيثار من كفها وتحدثت بنبرة عاتبة:
- كده يا إيثار، بقى بعد العمر ده كله بتخبي على "عزة".
وشملتها بنظرات ملامة:
- بقى أعرف موضوع سفر الباشا زيي زي الغريب؟
واسترسلت وهي تدق على كفيها:
- ده أنا شكلي كان زي الزفت وهي الولية اللي اسمها "سعاد" بتدي أوامر لـ "وداد" علشان تطلع تجهز له الشنطة.
لتتابع بنظرات مشتعلة:
- واللي غاظني أكتر البنت الجديدة أم جيبة محزقة وملزقة اللي طلعت لنا زي الخازوق دي كمان، البت يا أختي اتنطرت زي اللي لسعتها عقربها أول ما سمعت سعاد بتقول لـ "وداد" تطلع، ونطت في الكلام وهتطلع هي بدلها.
جذبت رسغ الأخرى لتتابع هاتفة:
- البت دي أنا مش مرتاحة لها يا إيثار، مسهوكة كده ومش عجباني حركاتها ولا لبسها.
كانت تستمع لها بعدم استيعاب لتسألها باستهجان وكأن الأخرى تهذي:
- إنتِ بتخرفي وتقولي إيه يا عزة؟
- سفر إيه وشنطة مين دي اللي تتوضب؟!
- شنطة جوزك يا ست الهوانم.
لتتابع متوجسة بعدما بدأ الشك يساورها:
- أنا شكلي كده ظلمتك، إنتِ باين عليكي ما تعرفيش.
هتفت بعينين متسعتين:
- عزة إنتِ بتتكلمي بجد، أنا جوزي فعلًا مسافر وأنا ما أعرفش؟!
كادت أن تتحدث لكنها توقفت حين اندفعت الأخرى بجنون نحو الداخل ومنه للدرج، فتحدثت الأخرى بنبرة لائمة:
- ما أنتِ مش ناوية تجبيها لبر يا بنت منيرة، لساني نشف ودلدل وأنا بقول لك تستسمحي جوزك وتصالحيه وتنهي الخناقة اللي مش باين لها آخر دي، ابقي خلي بقى كرامتك تنفعك لما ينفيكي ويستغنى عنك واحدة واحدة.
صعدت إيثار عدة درجات لتتوقف بعدما استمعت إلى صوت والد زوجها الرزين:
- تعالي يا إيثار، عاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم يخص "تاج".
ابتسمت الفتاة ولكن سرعان ما زالت البسمة وتجهم وجهها حين استمعت لتلك التي انطلقت على الدرج كطلقة المدفع لتتحدث وهي تتسلق الدرج على عجلة من أمرها:
- هشوف فؤاد وأنزل لحضرتك تاني يا بابا.
هتفت الفتاة بطريقة حانقة:
- شايف يا جدو، علشان تعرف إني آخر اهتمامات مامي.
- بلاش افترا يا تاج، مامتك واخدة بالها منكم كويس... جملة قالتها "عصمت" لتهدأ روع الفتاة، لتتابع حين لمحت عزة تلج من الباب:
- هاتي واحدة من البنات تشيل مالك وتاخده على أوضته يا عزة.
- تحت أمرك يا دكتورة... وتابعت متعللة:
- أنا والله لولا الغضروف اللي عندي كنت شيلته أنا.
بالأعلى
قبل قليل
داخل الغرفة الخاصة بفؤاد وزوجته، خرج من الحمام مرتديًا مئزره الخاص بالاستحمام تتدلى قطرات المياه من شعر رأسه لتنزل على صدره العريض بطريقة ملفتة للنظر، من يراه يقسم بداخله أنه لم يتعدى الثلاثين من عمره بعد من شدة جاذبيته وجسده الرياضي، فما زال يحافظ على رشاقة جسده باتباع الرياضة دومًا، وقف أمام مرآة الزينة وأثناء ما كان يقوم بتصفيف شعره استمع لقرع فوق الباب، وبعد السماح للطارق ولجت تلك الفتاة "هند" وتحدثت بنبرة رقيقة واحترام:
- مساء الخير يا باشا، مدام سعاد بعتاني علشان أوضب لحضرتك الشنطة.
أشار بكفه دون الالتفاف وتحدث وهو يتابع تصفيف شعره:
- ادخلي.
التفت وأمسكت الباب استعدادًا لإغلاقه ليباغتها صوته الحاد:
- سيبي الباب مفتوح.
أصابها الارتباك وهزت رأسها عدة مرات متتالية ليتابع هو بعملية:
- خرجي لي ثلاث أطقم داخلية ورصيهم تحت، وبعدها الترنجات، ولما تخلصي هقول لك تحطي إيه تاني.
أومأت بحماس وأخرجت القفازات وبدأت بارتدائها وهي تنظر لانعكاس وجهه كي تنال إرضائه، جذبت الحقيبة وبدأت برص الثياب كما أخبرها، كانت تسترق منه النظرات الإعجابية، متمركزة بنظراتها على فتحة صدره، وفجأة ولجت تلك الغاضبة تتلفت حولها بتمعن، اشتعل جسدها بنار الغيرة حين تطلعت عليه ورأته بكل تلك الجاذبية، يا له من وقح، كيف له أن يقف هكذا أمام أنثى غيرها، وتلك الحقيرة من تكون كي تتواجد بمكان واحد مع حبيبها وتحظى برؤيته المهلكة تلك.
شملت الفتاة بنظرات يملؤها الازدراء، فمنذ حضورها إلى القصر وهي لا تروق لها، فشخصيتها غامضة وعليها علامات استفهام بالنسبة لها، ملابسها الضيقة تستثير غضبها، تمايلها بمشيتها وغنجها المبالغ به يثيران حنقها، نظرت لفتحة صدرها التي تظهر جزءًا وتحدثت بحدة أظهرت كم وصولها للغضب:
- سيبي اللي في إيدك ده واطلعي بره.
تطلعت الفتاة إلى ذاك الذي يواليهما ظهره وما زال يصفف شعره بلامبالاة لتقول بصوت يحمل دلالًا أنثويًا:
- هوضب شنطة الباشا وهخرج على طول يا هانم.
استشاط داخلها وهي ترى تلك الفظة تعود لترتيب الثياب وكأن حديث الأخرى مجرد صدى صوت أو فقعات هواء لا قيمة لها، وما زاد من حنقها هو ميل الفتاة بجسدها على الحقيبة بطريقة ملفتة مما أحرق قلب إيثار وجعل نيران الغيرة تتأجج بقلبها لتصيح بحدة وهي تصك على أسنانها:
- قولت لك اطلعي بره وما أشوفش خلقتك هنا في الأوضة مرة تانية.
اعتدلت الفتاة ثم نظرت إلى فؤاد تنتظر رده، رأى وقوفها في انعكاس المرآة ليعتدل يطالعها ثم تحدث بحسم وعينين جامدتين:
- إنتِ مش سامعة كلام الهانم؟!
- أنا مستنية أشوف أوامر حضرتك يا باشا علشان أشوف هعمل إيه... قالتها بانكسار علها تكسب تعاطفه.
رمقها بنظرات حادة لينطق بلهجة صارمة أرعبتها:
- أوامر إيه اللي بتتكلمي عنها، الحرف اللي المدام بتنطقه أمر وينفذ في الحال، مفهوم؟
ابتلعت لعابها من هيئته المخيفة وبلمح البصر كانت تترك ما بيدها ثم هرولت سريعًا صوب الباب لتفادي غضب تلك الحانقة، وبعد أن أغلقت الباب خلفها ابتسمت بخبث ثم استمالت نحو الباب لاستراق السمع.
بالداخل، نطق بنبرة صارمة بعدما والاها ظهره يتطلع لهيئته ويتابع نثر عطره على جسده بسخاء:
- يا ريت بعد كده تخلي بالك من تصرفاتك قدام الخدم.
ثم أكمل مسترسلًا بجدية بعدما رأى نظراتها المتعجبة:
- ما كانش فيه داعي تطلبي من البنت إنها تخرج وتسيب اللي في إيدها وإنتِ عارفة ومتأكدة إنها بتنفذ أوامري.
وتابع بما أفقدها اتزانها:
- قللتي من نفسك قوي قدام البنت.
اتسعت عينيها غير مستوعبة أنها تستمع إلى تلك الكلمات من زوجها، فنطقت بذهول:
- إنت بتقول لي أنا الكلام ده يا فؤاد؟!
- وبعدين هو مين اللي حطنا في الموقف البايخ ده، مش إنت؟!
ثم صمتت لوهلة وكأنها تذكرت لتصيح بحدة:
- ثم تعالى هنا يا سيادة المستشار، إنت مسافر بجد؟
نطق ببرود:
- على ما أظن الشنطة اللي قدامك أفضل إجابة على سؤالك.
- يعني مسافر بجد وكمان من غير ما أعرف؟!
- للدرجة دي وجودي من عدمه ما بقاش فارق لك!
لم تجد منه سوى ذاك الصمت المريب الذي بات يرعبها، فمنذ ما حدث في الشركة بأمر كشفها للمخطط وهو يتجاهلها تمامًا ولا يتحدث معها، وباءت كل محاولات تقربها منه بالفشل الذريع، حتى توقفت عن تلك المحاولات ووضعت كرامتها حائلًا بينهما.
هرولت باتجاهه وجذبت ذراعه لتجبره على النظر لوجهها، ثم صرخت بقوة واعتراض:
- رد عليا يا فؤاد، ما تسيبنيش أكلم في نفسي كالعادة.
- عاوزة إيه يا إيثار؟... قالها بحدة أظهرت كم حنقه لتجيبه بضعف وهوان:
- عاوزة أعرف عقابي ده أمتى هينتهي، لحد أمتى هتفضل تذل فيا وتقلل مني؟
وتابعت مستنكرة باشمئزاز:
- كل ده علشان قررت أعتمد على نفسي في شغلي وأثبت جدارتي للمنصب اللي إنت بنفسك سلمته لي وأمنتني عليه؟!
وتابعت باتهام:
- وكأنك بتعاقبني على نجاحي واستقلاليتي.
- اللي جنابِك شايفاه إثبات جدارة واستقلالية هو من وجهة نظري تسيب وعدم تحمل للمسؤولية.
اتسعت عينيها ذهولًا ليتابع هو بإبانة:
- الهانم نسيت إنها زوجة لرئيس نيابة منصبه حساس، وإن احتمال جدًا الناس دي تكون قاصدة تضربني في شغلي عن طريقك، ومرتبين خطة لتوقيع الهانم في الفخ، وطبعًا كالعادة الهانم ماشية بمزاجها.
وأشار على نفسه:
- والمغفل آخر من يعلم.
صاحت بحدة مستنكرة وضعها:
- وهو أنت محتاجني أبلغك؟! ما كفاية عليك جواسيسك اللي مالية الشركة، واللي حتى مش مسموح لي أعرف هما مين.
- احمدي ربنا إني بحميكي من غباء عنادك... قالها مستنكرًا لتصيح بصوت رافض:
- حافظ على كلامك معايا يا فؤاد.
بالخارج، كانت تسترق السمع لما يقال خلف الأبواب بوجه مبتسم شامتا حتى استمعت لصوت أقدام يأتي من خلفها فارتبكت لتلتفت سريعًا وجسدها بالكامل ينتفض رعبًا، اطمئن قلبها قليلًا حين رأت القادم، هرولت سريعًا وتصنعت بأنها خرجت للتو من الباب، طالعتها الفتاة بلامبالاة وتوجهت لوجهتها التي تقصدها حتى وقفت أمام الباب لتستمع لصياح والديها مما جعلها تقطب بين حاجبيها باستغراب، أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته وتشجعت لتدق الباب بخبطات خفيفة، استمعت لصوت أبيها فولجت لتتفاجأ بوقوف والديها كل أمام الآخر وكأنهما مصارعين داخل حلبة المصارعة، برغم صمت أبويها المريب إلا أنها نطقت بصوت لطيف:
- ممكن أدخل يا بابي، عاوزة أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم.
برغم جسده المشتعل نارًا من حواره الحاد مع عنيدته والذي تحول لصراع إلا أن قلبه لان لتلك الحبيبة، وما كان منه سوى أن فتح ذراعيه على مصراعيهما لينطق مستقبلًا إياها:
- تعالي يا قلبي.
أسرعت بخطواتها حتى وصلت لأحضانه ثم تحدثت وهي تتطلع إلى حقيبة الملابس:
- هو أنت مسافر؟!
أجابها بهدوء:
- رايح كام يوم الغردقة في شغل.
أومأت ثم تحدثت باستكانة:
- المدرسة عاملة رحلة لإنجلترا مدتها أسبوع، وكل أصحابي رايحين.
ابتعدت قليلًا وتطلعت بعينيها المتوسلة لمقلتي والدها في محاولة منها للتأثير عليه، وتابعت مسترسلة:
- وأنا نفسي أروح معاهم قوي يا بابي.
تطلع لعينيها وشعر بضعف كبير، فتلك الصغيرة دون غيرها باستطاعتها السيطرة على قلب وامتلاك "فؤاد علام"، نطقت إيثار مستبقة حين رأت التردد والحيرة يسكنان عينيه:
- مع إنك عارفة إن السفر لوحدك لأي دولة من غيرنا مرفوض يا "تاج"، إلا إنك كل فترة بتحبي تثيري الجدل وتطلعي لنا بموضوع تنكدي بيه على نفسك، وكأنك بتتعمدي إنك تحسي وتعيشي شعور المظلومة اللي عايشة بين شوية مستبدين متعمدين يكبتوا حريتها.
تلألأت دمعاتها الحزينة بمقلتيها وهي تستمع لكلمات والدتها القاسية ثم توجهت بنظراتها نحو أبيها وكأنها تشتكيه، حاوط وجنتيها بكفيه ثم تحدث بابتسامة قائلًا:
- أنا موافق، هكلم مديرة المدرسة بكرة وهحجز لك إنتِ وزين.
نزلت كلماته على قلبها كطلقات من الرصاص اخترقت قلبها دون رحمة، وعلى الجانب الآخر فكان واقع كلماته مختلف تمامًا على الفتاة، حتى أنها قفزت في الهواء عدة مرات متتالية وهي تقول بعدم استيعاب:
- بجد يا بابي.
- بجد يا حبيب بابي... نطقها ببالغ من الحنان لتنطق بفرحة عارمة ومشاعر شديدة الصدق:
- أنا بحبك قوي يا بابي.
ثم صمتت بتفكير لتتابع بخيبة أمل ظهرت بعينيها:
- بس "زين" رافض فكرة السفر نهائي.
ابتسم لطمأنتها:
- سيبي "زين" عليا، أنا هعرف أقنعه.
ارتمت داخل أحضانه لتضع رأسها على موضع قلبه قبل أن تقول بنبرة تقفز منها السعادة:
- إنت أجمل وأحن بابي في الدنيا كلها، أنا بحبك قوي.
ربت على ظهرها لتشكره الفتاة وتخرج مهرولة والسعادة والحماس يلازماها، كانت تتطلع عليه وحزن عميق يحتل قلبها ويؤلمها، لمعت عينيها بالدموع تأثرًا بالحزن الذي أصابها، باتت تنظر إليه أملًا في أن يتطلع عليها ويشرح لها سبب قراره دون مناقشتها، وحينما طال تجاهله خرجت عن صمتها لتقول بلهجة أظهرت كم تأثرها:
- أول مرة تقرر لوحدك في موضوع خاص بالولاد، من غير ما تناقشني فيه ونتفق!
وضع كفيه بجيبي الرداء ثم التفت باتجاهها وتحدث بطريقة حادة:
- وهو إنتِ كنتي أخدتي رأيي ولا ناقشتيني لما رديتي عليها بالرفض النهائي؟!
- إنت بتعند معايا وتردها لي يا فؤاد؟... نطقتها بعينين متسعتين ثم تابعت:
- وبعدين أتناقش معاك في إيه، مش إنت برضه اللي سيبت لي حرية التصرف في أي حاجة تخصهم من وهما صغيرين، وقتها قولت لي إنك واثق في عقلي وحكمتي وإني هقدر أوفق ما بين الصالح ليهم ومتعتهم في الحياة؟!
- رجعت في قراري زي ما إنتِ نقضتي وعدك ليا... طالعته بعدم استيعاب فتابع موضحًا:
- لو الهانم فاكرة، أول ما سلمتك منصبك طلبت منك ما تتصرفيش في أي حاجة غير لما ترجعي لي علشان أمانك، وسيادتك يومها وعدتيني إن ما فيش قرار ولا أي صغيرة وكبيرة هتحصل إلا لما تكوني مبالغاني بيها.
نطقت مفسرة:
- دي غير دي يا فؤاد.
- بالنسبة لي واحد، وياريت تتقبلي قراري وتقفلي على موضوع سفر الأولاد، لأنه لو اتفتح هتزعلي... قال كلماته وتحرك إلى غرفة الملابس دون انتظار رد منها تاركًا إياها في حالة ذهول من تغيره الكلي.
*****
بنفس التوقيت، تحديدًا داخل حجرة فؤاد
كان يتجاوران التمدد فوق السرير المشترك، يتقلبان بعدم راحة وكأنهما يرقدان فوق صفيح ساخن، تشعر باستعارة جسدها وكل ذرة به تنتفض غضبًا، أحقًا قرر السفر وقام بجميع خطواته دون إخطارها، لولا "عزة" لكان رحل دون علمها، قلبها يغلي ويحثها على النهوض والصراخ بوجهه باعتراض على كل ما يجري، تريد الاعتذار منه والارتماء داخل أحضانه بعد السماح ولتتنعم بدفء أحضانه ورائحة جسده العطرة التي اشتاقتها شوق الزهور لحبات الندى، لكن عقلها يأبى الرضوخ وخصوصًا أن جميع محاولاتها السابقة بنيل رضاه باءت بالفشل الذريع، أما هو فكان بين نارين، نار الهوى والاشتياق لعطر خليلته ولشهد رحيق شفتيها، ونار سأمه من عناد تلك الفرسة الجامحة وعدم انصياعها لقراراته التي وضعها وفقًا لتأمينها، لكنها بكل مرة ترمي بحديثه وقراراته بعرض الحائط وهذا بات يؤرقه ويستدعي جنونه عليها.
قلبه يأمره بجذبها بقوة وإدخالها داخل أحضانه بل شق صدره وتخبأتها بين ضلوعه، لكن عقله رافضًا رفضًا باتًا، والاستمرار في معاقبتها بالبعد عنه تأملًا بتعلمها من أخطاء الماضي وتلاشيها بالمستقبل، ظل كلاهما يتقلب بالفراش وكأنهما على جمر حتى غاب هو بغفوة رغما عنه مستسلمًا لإرهاقه، استسلمت وهاجمها الحزن بعدما استمعت لانتظام أنفاسه وتأكدت من دخوله في سبات عميق، تنهدت بأسى وظلت تفكر وتفكر حتى غلب عليها هي الأخرى النعاس.
استيقظ على صوت المنبه المزعج ليعتدل ساحبًا جسده مستندًا على ظهر التخت، مسح بكفه على وجهه بحركة عفوية ثم استقر ببصره على خليلة الروح، وجدها تتصنع الغرق بغفوتها فتنهد متألمًا للحال الذي وصلا إليه، رفع الغطاء واتجه بهدوء صوب الحمام ليختفي خلف بابه، استمعت لصوت غلق الباب ففتحت عينيها لتخرج من صدرها تنهيدة حارة، توضأ وخرج ثم قام بتأدية صلاته، انتهى من ارتداء ثيابه وتوجه للحقيبة حملها وخرج على الفور بعد أن ألقى نظرة أخيرة على تلك الغافية وصراع عنيف مع النفس، أيتقدم إليها ويقوم بوضع قبلة وداع السفر، أم يثبت على موقفه، بالفعل انحاز للاختيار الثاني وخرج سريعًا قبل أن يضعف، استمعت لغلق الباب فرفعت جفونها، سحبت جسدها للأعلى وباتت تمسح الغرفة بعينيها على أمل أن تجده ما زال موجودًا ينتظر إفاقتها ليدخلها بأحضانه ويعتذر عما بدر منه ليلة أمس، شعرت بالأسى وبدون سابق إنذار هبطت دموعها لتغرق وجنتيها، باتت تبكي مع ارتفاع شهقاتها المتألمة، رفعت عنها الغطاء وتحركت باتجاه النافذة لتنظر من خلف الستارة بعد أن اختبأت خلفها، وجدته يصعد إلى السيارة بالمقعد الخلفي وانطلق السائق متحركًا للخارج، ارتفع صوت بكائها ليخرج صوتها الباكي:
- معقولة يا فؤاد، إزاي قدرت تسافر من غير ما تودعني وتطمن قلبي إنك هترجع بسرعة؟
وتابعت بشهقة عالية تقطع نياط القلب:
- هونت عليك إزاي يا حبيبي.
أمسكت هاتفها وتحدثت إلى مديرة مكتبها لتخبرها أنها لن تأتي اليوم إلى الشركة لإصابتها بإرهاق شديد.
*****
بعد مرور ساعة، كانت تجلس في الحديقة تتناول قدحًا من القهوة مع بعض الكعك الخفيف التي أصرت "عزة" على إحضاره بعدما رفضت الأولى تناول وجبة الفطار، انضمت إليها "عصمت" بعدما علمت بوجودها بالمنزل وعدم ذهابها للعمل، سألتها بهدوء:
- سعاد بلغتني إنك ما روحتِيش الشركة قولت أجي أشرب قهوتي معاكي.
أشارت للمقعد:
- اتفضلي يا ماما.
جلست ثم سألتها باستغراب بعدما رأت انتفاخ عينيها واحمرار أنفها:
- مالِك، شكلك مش نايمة كويس.
أجابتها في محاولة منها للهروب:
- أنا كويسة، مرهقة من الشغل شوية.
- أوعي تكوني فاكرة إني مش واخدة بالي من تصرفاتك إنتِ وفؤاد في الفترة الأخيرة، لا إنتِ كويسة ولا ابني كويس.
التزمت الصمت فتابعت الأخرى بحدة:
- أنا مش بقول لك كده ومستنية إنك تحكي لي، لأني عارفة إن لا إنتِ ولا فؤاد بتحبوا تحكوا مشاكلكم الخاصة، بس يا ريت تخلي بالك لأن مشاكلكم بدأت تأثر على الأولاد.
ضيقت بين عينيها وسألتها متعجبة:
- بتأثر إزاي حضرتك؟
أجابتها باستياء:
- إنتِ مش ملاحظة إنك ما بقيتِيش تقعدي مع ولادِك زي الأول، ولا قرار سفر زين وتاج اللي اتفاجأنا بيه أنا والباشا.
وتابعت بحدة ملقية عليها مسؤولية اتخاذ نجلها لذاك القرار وتبعياته:
- إزاي فؤاد ياخد قرار زي ده وهو عارف إن طول الوقت فيه خطر على الأولاد وعليكي؟!
- أنا اتفاجأت بيه زي حضرتك بالضبط، فؤاد عمل كده كنوع من العقاب ليا.
سألتها بتشكيك:
- وإيه بقى اللي عملتيه يخلي فؤاد ياخد قرار متهور زي ده لوحده، من غير حتى ما ياخد رأي الباشا؟!
أجابتها بحدة ترجع لعدم تقبلها لهجة "عصمت" المدينة:
- حضرتك ما سألتيهوش ليه؟!
- سألته طبعًا، بس كالعادة قال لي ما تشغليش بالك يا ماما، مشكلة بسيطة وهتعدي... قالتها بحدة لتسترسل متهكمة:
- لكن المشكلة طولت يا إيثار، ومش بس منكدة على ابني حياته، لا، دي بدأت تأثر على أحفادي.
لم يرق لها حديث تلك السيدة، فبرغم حنانها البالغ واحتوائها لها طيلة سنوات زواجها من فؤاد، إلا أنها تتحول وتنحاز عندما يصل الأمر لسعادة نجلها وأحفادها، وطالما كان هذا الحاجز بينها وبين إيثار، عكس ذاك الراقي "علام"، فطالما عاملها كابنة له واحتواها مثلها مثل فريال تمامًا، احتدم داخلها لتنطق بدموع ظهرت بمقلتيها:
- هو ليه حضرتك جايبة اللوم عليا لوحدي.
وتابعت بإبانة:
- اللي مغير فؤاد هو وقوفي في الشركة وحلي للمشكلة اللي اتعرضنا ليها في الفترة الأخيرة واللي حضرتك على علم بيها يا دكتورة.
وتابعت بإيضاح:
- وبرغم إن من حقي أثبت جدارتي في إدارة الشركة وأحل مشاكلي بنفسي، إلا إني اعتذرت له واتذللت علشان يسامحني إني ما قولتلوش.
واسترسلت باستسلام وضعف:
- بس هو رافض اعتذاري، قولي لي إيه اللي مطلوب مني أعمله وما عملتوش.
- أنا ما ليش دعوة بكل الكلام ده يا إيثار، مشاكلك مع جوزِك تحليها بنفسك، وكان من الأولى بلاش تعملي الحاجة اللي بتنرفزه.
وتابعت بأنانية:
- أنا اللي يهمني في الموضوع هو إن ابني وأحفادي ما يتأثروش.
واسترسلت بإشارة من سبابتها:
- إنتِ عارفة كويس إن أكتر حاجة بتحرق دمي، هي لما ألاقي ابني مش مبسوط.
لم تنتظر رد الأخرى وتابعت بأمر:
- حاولي تحلي الموضوع وتراضي جوزك بأسرع وقت، ويا ريت لو تكلميه النهاردة في التليفون وتحاولي تخليه يتراجع عن قرار سفر الأولاد، أنا قلبي مش مطمن للسفرية دي.
وتابعت بحدة ظهرت بعينيها:
- ولو لا قدر الله حصل حاجة للأولاد، إنتِ اللي هتكوني مسؤولة قدامي.
انتهت من حديثها وأسرعت للداخل تاركة الأخرى وسط دوامة أفكارها المشتتة، لم يكن ينقصها سوى والدة زوجها وتلميحاتها السخيفة تلك، وكأن كل ما يهمها بالأمر هو تحسين مزاج نجلها وفقط.
أثناء دخول عصمت للمنزل قابلتها عزة التي كانت بطريقها بالقهوة إليها، تحدثت:
- القهوة بتاعتك يا دكتورة.
بحدة بالغة تحدثت:
- اديها للمدام بتاعتك، يمكن لما تشربها تفوق وتوعى لنفسها.
أسرعت بالدخول في حين امتعضت ملامح الأخرى لتنطق بصوت خفيض:
- مالها أم قويق دي كمان.
اقتربت من تلك الواضعة رأسها بين كفيها لتسألها:
- وإنتِ مالِك إنتِ الأخرى، شايلة طاجن ستك على دماغِك ليه على الصبح؟ ومالها الولية حماتك، بتقول يا شر اشتر من صباحية ربنا كده ليه؟!
- سيبيني في حالي يا عزة، آخر حاجة محتاجاها الوقت إني أقعد أجاوبك على أسئلتك دي.
وضعت القهوة وجلست مقابل لها ثم تحدثت بتبرم:
- ما هي دايمًا كلمة عزة هي اللي بتقف في زورِك، مع إني قلبي عليكي وبشوف اللي مسقطاه عنيكي، وبدل ما تسمعي كلامي وتعملي بيه، تقومي عليا وتقلبي.
*****
داخل الجامعة، ولجت "زينة" إلى المقهى المخصص لتقديم الوجبات الخفيفة والمشروبات، تطلعت على الطاولات لتتحرك صوب طاولة جانبية خالية من الأشخاص وجلست عليها بعدما طلبت تجهيز شطيرة لها وقنينة مياه عذبة وأخرى غازية، جلست لتنتظر إعدادها من قبل العامل، كان يجلس بإحدى الطاولات الفتيات اللواتي يركزن معها فنطقت إحداهن:
- مش عارفين تجروا رجل البنت دي علشان تنضم لشلتنا.
ضحكت إحداهن وهي تقول:
- إشمعنا يعني؟
أجابتها بابتسامة خبيثة:
- بصراحة أخوها دخل مزاجي وعاجبني، وعاوزة أضرب صحوبية معاه.
نطقت صديقتها بضحكة:
- هو اللي عاجبك برضه ولا عربيته البي إم دبليو.
نطقت بلهفة:
- لا بجد الواد مز قوي وعاجبني.
أجابتها أخرى وهي ترمق "زينة" باشمئزاز:
- ده لو توم كروز في عز شبابه يغور من وشها، دي بنت كئيبة وشبه البومة.
وتابعت بامتعاض:
- ما تتغروش في البراند اللي بتلبسها، دي الهدوم مدارية الفلح بتاعها.
ردت الفتاة الأولى:
- يا بنتي وأنا مالي ومالها، أنا عاوزة أخوها، بصراحة أنا اتكلمت معاه من يومين، كان واقف مستنيها بره جنب عربيته، اتلككت وعملت نفسي تايهة وسألته عن شارع، وصف لي الطريق وكان جنتل جدًا معايا، عاملني بمنتهى اللطف والتحضر.
نطقت إحداهن بعقلانية:
- يا بنات البنت شكلها خجولة وما عندهاش ثقة كفاية بنفسها، هي رافضة أي حد يقرب منها، فياريت تحترموا رغبتها وتسيبوها في حالها.
تطلعن لبعضهن وتابعن نميمتهن عليها.
بطاولة أخرى
تضم "مازن" ورفيقه "إياد" الذي تحدث وهو يبتسم لصديقه:
- العصفورة قاعدة لوحدها، ما تيجي نزاحمها في القفص بتاعها.
تطلع عليها بنظرات متفحصة قبل أن يقول بذات مغزى:
- اصبر يا عم "إياد"، أنا بجهز لها خطة في دماغي هتخليها تقع في شباكي بمنتهى السهولة.
ضحك الآخر وتحدث مصفقًا:
- الله عليك يا مازن يا جامد.
أما هي فتبسمت حين رأت دخول ذاك الرجل النبيل "رامي"، لن تنسى له موقف التصدي لذاك الوغد حين كان يتحرش بها، فمنذ ذاك اليوم وهي تراه كثيرًا حيث كثرت صدفهم، مرة داخل المكتبة الخاصة بالجامعة، وفي الفناء وحتى هنا داخل المقهى، كان يجلس بصحبة أصدقاء له، أثناء ما كان يمشط المكان بعينيه لمحها فجال بخاطره المرات التي رآها بها، فوجد نفسه يبتسم تلقائيًا، رفعت بصرها لتتلاقى الأعين وسرعان ما سحبت خاصتها سريعًا لتشغل حالها بتناول الطعام في محاولة للهرب من عينيه الساحرة، ضحك على خجلها وتابع تمشيط المكان ليجد من يرمقه بحقد وكراهية تقطر من عينيه فغمز له مع ابتسامة مستفزة في حركة أشعلت نيران "مازن" وجعلته يتوعد بسريرته بالانتقام منه.
*****
مرت الليلة الأولى على الحبيبان بمنتهى القسوة، ذاق كلاهما الأمرين في الابتعاد واشتياق كل لحضن الآخر، أشرق صباح يوم جديد فتحركت إلى الشركة بكامل لياقتها.
ولجت للداخل تتحرك بخطوات ثابتة لامرأة قوية واثقة من نفسها، يلحق بها رجلين حراسة منتقاة بعناية لا يفارقاها أينما ذهبت، وصلت إلى مكتب السكرتيرة فتوقف الرجلان لانتهاء مهمة توصيلها واكتفيا بهذا الحد، وما أن لمحتها مديرة مكتبها "عالية" حتى هبت واقفة وهرولت عليها باستنفار لتقول بنبرة متوترة:
- أنا بتصل بحضرتك من بدري وحضرتك ما بترديش.
تحدثت "إيثار" بجدية:
- كان معايا تليفون مهم يا "عالية".
وتابعت وهي تتحرك باتجاه باب مكتبها الخاص:
- دي غير إني كنت قريبة من هنا، وأديني وصلت، تعالي نتكلم جوه وقولي اللي عندك.
هتفت المرأة بصياح مرتبك وهي تراها تلف مقبض الباب استعدادًا لفتحه:
- فيه حاجة لازم حضرتك تعرفيها قبل ما تدخلي مكتبك.
نطقت جملتها بعد فوات الأوان، فقد تسمرت الأخرى بوقفتها وكادت مقلتيها أن تخرجا من عينيها مما رأت داخل المكتب.
ترى ما الذي رأته إيثار جعلها تتطلع إلى الداخل بحيرة وذهول واستنفار؟
رواية انا لها شمس الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم روز امين
هتفت المرأة بصياحٍ مرتبك وهي تراها تلف مقبض الباب استعدادًا لفتحه:
- فيه حاجة لازم حضرتك تعرفيها قبل ما تدخلي مكتبك.
نطقت جملتها بعد فوات الأوان، فقد تسمرت الأخرى بوقفتها وكادت مقلتاها أن تخرجا من عينيها وهي ترى ابنة عم زوجها تجلس بكل أريحية خلف مكتبها. اشتعل قلبها نارًا حين لفت نظرها تلك اليافطة الذهبية الموضوعة على مقدمة المكتب مدونًا عليها "رئيس مجلس الإدارة سميحة زين الدين". وما زاد من حنقها وتعجبها هو حديث تلك المستفزة التي نطقت وهي تتحرك يمينًا ويسارًا بمقعدها المتحرك:
- إيه رأيك في المفاجأة الحلوة دي؟
لم تستوعب ما تراه عيناها بعد، اتسعت عيناها بذهولٍ، في حين ارتجف قلبها هلعًا حينما هاجمتها فكرة إذلال زوجها إليها واستبدالها بابنة عمه في ذاك المنصب الذي سلمها إياه منذ سنوات عديدة. نطقت والارتياب يسيطر على كل ذرة بجسدها:
- سميحة! أنتِ بتعملي إيه في مكتبي؟!
وتابعت والذهول وعدم الاستيعاب سيدا موقفها:
- وإسمك بيعمل إيه على يافطة مكتبي؟!
- كان يا حبيبتي...
نطقت الكلمة ببرودٍ قاتل لتتابع بطريقة استفزت الأخرى:
- كان مكتبك قبل ما أنا أختاره علشان يكون مكتبي.
هزت رأسها بعدم إدراكٍ للموقف لتنطق بحيرة وتشتت ظهر بعينيها:
- أنتِ بتقولي إيه؟ ومين سمح لك بكده؟!
أجابتها بتعاظم:
- اسمي واسم عيلتي هما اللي سمحوا لي.
وتابعت رافعة عنقها بشموخٍ وكبرياء:
- عيلة الزين.
ما زال التشتت يشملها وفكرة أن فؤاد أتى بها كنايةً لها ولاستكمال عقابها المستمر هي المسيطرة على مخيلتها الآن. سألتها بصوتٍ خرج متلبكًا لصعوبة الموقف:
- فؤاد هو اللي عينك مكاني؟
مطت شفتيها للأمام وبلا مبالاة نطقت نافية:
- فؤاد ملوش علاقة بالموضوع، ده حتى لسه ما يعرفش إني جيت من دبي.
سألتها بارتيابٍ:
- عمو علام؟
- ولا عمو علام، ولا حتى بابي ليهم علاقة بالموضوع.
قطبت إيثار جبينها فتابعت الأخرى بحماقة:
- أنا اللي قررت أجي أشتغل في شركتنا، وبما إن الشركة شركة عيلتي، فاديت لنفسي الحق في اختيار المنصب اللي يلائم اسمي واسم عيلتي.
واسترسلت برعونة:
- والحقيقة ما لقتش منصب في الشركة كلها أفضل من رئيس مجلس الإدارة.
وهزت رأسها لتتابع:
- ما أنا أكيد مش هشتغل تحت إيدك يا مدام.
تداركت الموقف وتحدثت باستهزاء:
- هو أنتِ طبيعية يا سميحة؟! يعني أنتِ صحيتي من النوم فجأة كده لقيتي نفسك فاضية فقولتي تيجي تشتغلي في الشركة، لا ومن غير أي قرارات رسمية جيتي واستوليتي على مكتبي؟!
التفتت بجوارها وتحدثت بحدة إلى مديرة مكتبها المرتبكة لتلقي عليها باللوم الشديد:
- وأنتِ كنتي فين يا أستاذة، وإزاي تسمحي لها هي أو أي حد يدخل مكتبي في غيابي.
وأشارت على ذاك الصندوق الموضوع أرضًا والذي يظهر منه بعض أشيائها الخاصة بالعمل كالأوراق واللافتة المدون عليها نقوش حروف اسمها، وبعض الأشياء الأخرى لتصيح بحدة أرعبت المرأة:
- لا وكمان تلمي حاجتي بكل وقاحة وتركنها، وكأنها طلعت قرار بإقالتي.
بجسدٍ يرتجف كانت تتابع "عالية" ما يحدث لتنطق متلبكة وهي تفرق كفيها ببعضهما من شدة توترها:
- ما لحقتش والله يا أفندم، والهانم كانت جاية ومعاها البودي جارد بتوعها.
هتفت إيثار بسخطٍ وعينين تطلق شزرًا:
- ده شغل فتونة وبلطجة بقى.
- احترمي نفسك واتكلمي عني كويس قدام سكرتيرتك...
نطقتها "سميحة" بعدما هبت واقفة وهي تخبط على سطح المكتب بكل قوتها لتتابع بتعالي وكبرياء:
- وما تنسيش إنك بتكلمي بنت أصحاب الشركة، أنا اللي اسمي على اسم الزين.
وبإشارة من سبابتها استكملت باستهانة وهي ترمقها بنظراتٍ تقليلية لشأنها:
- لكن أنتِ، تطلعي مين؟!
وتابعت باستنكارٍ ودونية:
- أنتِ مجرد باراشوت على العيلة، وإوعي تفتكري إنك علشان اتجوزتي فؤاد علام وجبتي منه ولاد تبقي خلاص ارتقيتي وبقيتي من العيلة، مهما وصلتي في عيلة الزين فأنتِ في الآخر هيفضل اسمك "إيثار الجوهري".
بغرورٍ تلاعبت باليافطة الخاصة بها وباتت تحرك أناملها فوق حروف اسم الزين لتتابع مسترسلة بتفاخرٍ وتصرفاتٍ لا تليق سوى بطفلةٍ بمرحلة المراهقة:
- مش إيثار الزين.
هزت الأخرى رأسها مستنكرة جميع ما يحدث لتنطق بذهولٍ من تصرفات تلك الفاقدة للحكمة والعقل الرشيد:
- لا، أنتِ أكيد مش طبيعية، أنا هكلم أنكل أحمد حالًا ييجي يوقف المسخرة اللي بتحصل دي.
انتهت من حديثها لتمد يدها داخل حقيبة اليد لإخراج هاتفها الخاص ليقاطعها ذاك الصوت الذي صدح ساخرًا من خلفها:
- إيه الصياح والدوشة اللي على الصبح ده يا مدام، الموضوع بسيط ومش مستاهل تدخلي أحمد باشا أو غيره فيه.
وأشار على شقيقته المبتسمة بتشفٍ وتحدث بابتسامة طفيفة ظهرت بجانب ثغره:
- دكتورة "سميحة" شافت إن ده الوقت المناسب اللي لازم تيجي شركة عيلتها وتشتغل فيها وتحمي مالها بنفسها.
وتابع بطريقة مستفزة:
- وأنتِ عارفة "سميحة" دقيقة وذوقها صعب ونادرًا لما حاجة بترضي ذوقها.
وتابع باستهانة ولا مبالاة:
- هي دخلت كل مكاتب الشركة وعلى فكرة أولهم مكتبي، لتقولي إننا مستقصدينك، لكن من بين الكل ما عجبهاش غير المكتب ده.
بقوة وتحدي أجبته بحنكة أرادت بها إحراجه والتقليل من مهنيته:
- أولًا أنا اسمي أستاذة إيثار مش مدام، مدام دي تقولها لي حضرتك وإحنا قاعدين نشرب مع بعض القهوة في جنينة أنكل أحمد، لكن أنا هنا أستاذة إيثار رئيس مجلس إدارة الشركة.
وتابعت متهكمة:
- الشركة اللي حضرتك والدكتورة قلبتوها لقهوة بلدي، الأستاذة قررت فجأة تيجي تشتغل، لا ومن نفسها اختارت الوظيفة والمكتب ولا كأننا قاعدين في سويقة بيديرها تاجر في سوق العبور، مش شركة انترناشيونال وتعتبر من أكبر شركات الاستيراد والتصدير في الوطن العربي كله.
- اللي اتعمل ده عيب كبير في حقك قبل ما يكون في حق الدكتورة يا باشمهندس...
قالتها وهي ترمقه باستنكار وتابعت بقوة وثبات:
- أنا هروح مكتب أستاذ "أيهم"، عشر دقايق أرجع ألاقي كل حاجة رجعت زي ما كانت في مكتبي، وإلا تتحملوا نتيجة اللي هعمله.
احتدم داخله وأضرمت نيران الحقد قلبه ليصيح بأعين تطلق شزرًا:
- أنتِ بتهدديني؟!
شكلك نسيتي نفسك ونسيتي أنتِ واقفة قدام مين؟
هتفت بثبات أشعل داخل كلاهما:
- أنتِ اللي نسيت نفسك ونسيتي صلاحياتي اللي أسندها ليا أصحاب الشركة وأكبر مساهميها.
وقبل أن يبادر بالرد قطع هتافاتهم دخول السيد "عزمي" المحامي الذي تحدث قائلًا بهدوء:
- سيادة المستشار فؤاد باشا معايا على التليفون وعاوز حضراتكم.
صمت الجميع ليفتح الرجل مكبر الصوت ويظهر صوت ذاك القوي ثابتًا كجبال عاتية:
- باشمهندس بسام، المهزلة اللي عندك دي تنتهي حالًا، والدكتورة تلم حاجتها فورًا وترجع المكتب زي ما كان بالضبط، وتتفضل تروح على بيتها.
اشْتعل داخل بسام من أسلوب نجل عمه الحاد والذي أشعره أنه تلميذًا فاشل يُعنّف من قِبَل معلمه، لتهتف تلك التي أسرعت متلهفة إلى الهاتف تحت ولع قلب الأخرى:
- أنا جاية أشتغل في شركة عيلتي يا فؤاد.
وتابعت بصوت متأثر وكأنها تشتكي مما أضرم نيران الغيرة داخل قلب خليلة الروح:
- يعني معملتش جريمة علشان مراتك تكلمني بأسلوب مُهين قدام السكرتيرة بتاعتها.
برغم افتَرائها الكاذب عليها إلا أنها اتخذت الصمت ملاذًا آمنًا وتركت ساحة الحرب لفارسها المغوار ولتنتظر لترى ماذا هو فاعلًا لأجلها، قطع صمتها هتاف ذاك الثائر وهو يقول بصوت استطاع إخراجه متزنًا عاقلًا كي لا يقع في شرك تخطي الأصول:
- بالنسبة للشغل فمحدش معترض على وجودك، مع إني مستغرب وجود دكتورة ناجحة في مجالها زيك في شركة استيراد وتصدير؟! بس ما علينا.
وتابع صارمًا:
- لكن الشغل ليه أصول واحترام يا دكتورة، كان لازم تبلغيني الأول أو تبلغي الباشمهندس أحمد، وبعدها نعمل اجتماع مجلس إدارة ونتناقش في الوظيفة اللي تليق لك وتقدري تنتجي فيها بما يفيد الشركة ويضيف لها.
ثم استرسل لائمًا بدهاء أوقعها في شَرَك الخطأ:
- لكن سيادتك تخطيتي كل الأصول واخترتي منك لنفسك أعلى منصب في الشركة، وكمان المكتب.
بدأت وتيرة صوته تعلو ليتغلغلها الحدة والغضب:
- أنتِ والأستاذ بسام تعديتوا حدودكم وتعديتوا عليا لما حطيتوا مراتي في الموقف السخيف ده قدام الموظفين.
وأكمل موجهًا بتهديد مباشر تحت راحة قلب امرأته:
- وعند مراتي حطوا ألف خط أحمر، لأني ممكن أتلاشى أخطائكم في حق رئيس مجلس الإدارة وأعتبره تفكير غير متزن في لحظة طيش منكم، لكن أي حد هيحاول مجرد بس المحاولة بالتجاوز في حق مراتي، هيشوف مني معاملة أقسم بالله هتقهره وتكرهه في اللحظة الغبية اللي فكر فيها يقرب منها، والكلام موجه للكل مهما كان هو مين.
برغم حزنها العميق وجرحها الغائر من تصرفاته معها مؤخرًا إلا أن حديثه ودفاعه الجسور عنها أمام نجلي عمه، وإفشال مخططهما بغزو مكانتها وزعزعة عرشها الذي صنعته بجدارة حنكتها في إدارة الأمور، جعلت قلبها يلين وتشعر بنشوة هزت كيانها بالكامل، لطالما كان لها السند والجدار الصامد، رجلها القوي بطلها المغوار المستعد دائمًا بتقديم روحه فداءً لأمانها وأمنها، تنهدت براحة وبلحظة خمدت نيران جسدها المستعرة وكأن كلماته نزلت على قلبها بردًا وسلامًا.
تعرق جبين "بسام" خجلًا من حديث فؤاد، كم شعر بالتذلُّل والتصغير وما زاد من قهرته هو تهديده المباشر وإظهار ندالته هو وشقيقته بهذا الكم من الوضوح، كاد أن يتحدث فقاطعه حديث تلك الحانقة التي تحدثت بتبرم طفولي:
- أنا رصيت حاجتي في المكتب وخلاص يا فؤاد، وأظن مش من الذوق إنك تخرجني من مكتب أنا اخترته.
وتابعت تذكره بغرور:
- وياريت متنساش إن دي شركة عيلتي، يعني أقل تقدير ليا إني أختار المكان اللي هقعد فيه.
بهدوء ما قبل العاصفة تحدث:
- أنا مبعدش كلامي مرتين يا دكتورة.
وتابع متجاهلًا عن عمد:
- باشمهندس "بسام"، المهزلة دي تنتهي حالًا.
- حاضر يا سيادة المستشار... نطقها بخنوع مجبر ومشاعر التذليل تشمل روحه، فتابع فؤاد بكل صرامة:
- أنا هقفل علشان عندي شغل ومش فاضي للمهاترات الفاضية دي، عشر دقايق وهتصل بيك يا "بسام"، علشان تقولي إن كل حاجة رجعت لوضعها الطبيعي.
بصعوبة أخرج كلماته عنوة عنه:
- تمام يا سيادة المستشار، شوف شغلك واطمن.
أغلق الهاتف ونظر لشقيقته متجاهلًا إيثار ونظراتها الحادة الموجهة إليه:
- لمي حاجتك في البوكس وأنا مستنيكي في مكتبي يا سميحة، في أقل من عشر دقايق تكوني عندي.
- بسام... قالتها باعتراض وعينين راجية تطالبه بالوقوف بجانبها ضد تلك الغريمة، فتجاهل إشارات عينيها وتحدث بعدما أدار ظهره متوجهًا إلى مكتبه:
- هطلب لك قهوتك معايا، متتأخريش علشان متبردش.
بالكاد نطق كلماته وتحرك بخطوات مسرعة تدل على مدى اشتعال قلبه، أما هي فنظرت على تلك التي تربع ساعديها على صدرها وترمقها بنظرات شامتة وابتسامة نصر مرتسمة بجانب ثغرها، نطقت الأخرى بغل ظهر من نظراتها الحادة:
- الموضوع ما انتهاش لحد هنا.
بدأت بلملمة أشيائها وقامت بوضعها داخل الصندوق باضطراب منفعل وبعدما انتهت حملته بين يديها لتتحرك باتجاه الباب لكنها توقفت لتقول بحدة:
- المكتب ده خلاص، بقى بتاعي، وبكره هفكرك.
نطقت إيثار بابتسامة مستفزة أشعلت قلب الأخرى:
- على ما أظن فؤاد باشا أمرك ترجعي المكتب زي ما كان.
بنفس الاستفزاز ردت عليها:
- رجعيه أنتِ والسكرتيرة بتاعتك.
وتوقفت لتتابع باستفزاز أكثر:
- ولا أقول لك، سيبي كل حاجة زي ما هي في البوكس، لإني مش مطولة.
وانطلقت للخرج مسترسلة:
- كلها يوم ولا اتنين بالكتير وراجعة لك.
- سخيفة... كلمة نطقتها إيثار وهرولت باتجاه الباب تصفعه بكل قوتها خلف "سميحة" مما زاد من احتراق قلبها أكثر، تطلعت إيثار بحقد إلى أشيائها الملقاة بصندوق جانبي ورفعت كفيها لأعلى ثم هدلتهما باستسلام، وتحركت باتجاهه فسبقت الفتاة خطواتها لتلتقطه بين يديها ثم وضعته فوق سطح المكتب الخشبي وتحدثت وهي تفرغ ما به لتعيد كل شيء لقواعده:
- أنا هرجع كل حاجة مكانها يا مدام.
وتابعت باعتذار بالغ وعينين آسفتين:
- أنا آسفة، والله ما عرفت أعمل أي حاجة.
تنهدت لتجيبها بهدوء:
- أنتِ معملتيش حاجة علشان تعتذري عليها يا "عالية".
وتابعت وهي تهز رأسها:
- "بسام" شكله أعلن الحرب عليا، وجايب أخته علشان تساعده في استفزازي ووقوعي في الغلط.
- متقلقيش حضرتك، سيادة المستشار في ضهرك ومش هيسمح لأي مخلوق يمسك بأي سوء، وأدينا شوفنا اللي حصل من شوية.
على ذكر قاتل كبريائها أصيب قلبها بخيبة الأمل، فبرغم كل ما حدث ونصرته القوية لها، إلا أنه لم يقم بتوجيه ولو كلمة واحدة لرد اعتبارها أمام منافسيها، تطلعت لحقيبتها ونظرت بشاشة الهاتف أملًا بأن يتواصل معها ويطمئنها بكلماته التي لا يضاهيها شيء.
على الجانب الآخر، مازال واقفًا أمام النافذة الزجاجية العملاقة ينظر على حديقة الفندق المقيم به، فمازال متواجدًا بحجرته بعد، حيث كان يرتدي ثيابه استعدادًا للهبوط إلى مطعم الفندق لتناول وجبة الإفطار قبل ذهابه للعمل المكلف به، وعلم من خلال مصادره الخاصة بالشركة ما حدث من ابنة عمه، فأسرع بالاتصال الفوري بالسيد "عزمي" محامي الشركة وطلب منه الذهاب بالهاتف إلى حلبة الصراع الدائرة، نظر بشاشة هاتفه ونظر على نقش اسم معذبة فؤاده، فكر بأن يتحدث إليها ليغمرها بمشاعر الاحتواء كي يزيل عن قلبها ما حدث، لكن كبرياءه أبى أن يتنازل وقرر المضي قدمًا بخطة تهذيبها، زفر بقوة وتحرك إلى الفراش ليلتقط حلة البدلة وتحرك مهرولًا للخارج بعد ارتدائها ليبدو أنيقًا للغاية.
***
على الجانب الآخر من الشركة، تحديدًا بمكتب بسام الزين، تقف تلك المستشاطة تدور حول نفسها بجنون لتنطق بحدة أظهرت كم غضبها الكامن بالداخل:
- بقى أنا يتعمل فيا كده على إيد الشرشوحة دي يا بسام!
وتابعت وهي تشير على حالها:
- أنا، سميحة الزين، ابن عمي ينصر عليا واحدة فلاحة ويخرجني من المكتب علشانها؟!
توقفت عن دورانها الجنوني لتتطلع على ذاك الجالس خلف مكتبه يتناول قهوته بهدوء وكأن ما حدث لا يعنيه من قريب أو بعيد، هتفت بسخط وهي ترمقه باستغراب:
- إيه البرود اللي أنتَ فيه ده، قاعد تشرب قهوتك ولا على بالك، أختك انطردت من المكتب يا بني آدم، طلعت منه شايلة حاجتي على إيدي زي ما دخلت.
أجابها بصوت مستكين:
- أنا قلت لك من الأول إن اللي اسمها إيثار محتاجة تخطيط بدهاء، علشان نعرف نكسرها ونظهر للعيلة كلها إنها متستاهلش ثقتهم فيها، لكن أنتِ اللي أصريتي على دخلتك الهبلة، واللي نزلت من قيمتنا قدامها وقدام عزمي والسكرتيرة بتاعتها.
كان بسام قد تحدث عبر الهاتف منذ عدة أيام إلى شقيقته المتزوجة حاليًا من أحد أفراد العائلة وأصبح لديها ابنتان، والمقيمة بدولة الإمارات العربية، وطلب منها العودة والاستعانة وبأن تنضم إليه بفريق العمل بالشركة كي يكونا معًا فريقًا متحدًا ضد إيثار، ويحاولا إيقاعها في الأخطاء الإدارية لظهورها بشكل غير لائق لإدارة الشركة، وبناءً عليه ستُسحب منها الصلاحيات التي كُلفت بها وتنتقل إلى "بسام".
أشار لشقيقته لتجلس قائلًا:
- اهدي واقعدي اشربي القهوة بتاعتك وخلينا نفكر بالعقل، وبلاش حركات الجنان بتاعتك دي.
ضيقت بين عينيها ليتابع هو:
- علشان نمشي في السليم ونبعد الشكوك من حوالينا لازم تنسي موضوع المكتب ده خالص، وأنا قلت لك الكلام ده من الأول.
أقبلت على المكتب لتدق بكفيها بقوة على سطحه لتهتف من بين أسنانها بغيظ أظهر كم الغل بداخلها:
- على جثتي أسيبه للفلاحة دي يا بسام، يا هاخد المكتب ده، يا هاخد روحها قصاده.
إلى هنا لم يعد يحتمل غباء شقيقته، فهب واقفًا ليصيح بعينين تطلق شزرًا:
- بقول لك إيه، يا تعقلي وتبطلي الجنان بتاعك ده وتتصرفي زي البني آدمين، يا تتفضلي ترجعي لحياتك في دبي تاني وتسبيني أدير معركتي بنفسي.
اعتدلت بوقفتها لتهتف معترضة وهي تفرد ذراعيها:
- يا سلام، لعبة أنا بقى في إيدك يا باشمهندس، تجي لي لحد عندي وتطلب مساعدتي، وبعد ما أخد أجازة من شغلي وأوقف حياتي كلها وأرجع أنا وجوزي وولادي وأجي لك، بكل بساطة تقولي ارجعي مطرح ما جيتي.
نطق بحدة مماثلة:
- أنا من الأول قلت لك تسمعي كلامي ونخطط للموضوع صح، لكن أنتِ مُصرة تمشيها خناقة ستات تافهة.
وتابع بما ذبح روحها:
- مش قادرة تنسي إنها خطفت منك حبيب القلب اللي عمره ما حس بيكي أصلًا.
- بسام، خلي بالك من كلامك، أنتَ كده بتهيني... نطقتها بوجع ووغزة ظهرت بعينيها، ليتابع هو توبيخًا متجاهلًا ألمها:
- عاوزاني أكلمك إزاي، ده أنتِ بغبائك عرضتينا لموقف مؤرف، خلتيني واقف زي التلميذ الخايب اللي المدرس أخده غسيل ومكواة قدام باقي الفصل.
حاول السيطرة على حاله قدر المستطاع لينطق مسترسلًا بهدوء بعدما سيطر على انفعالاته:
- اقعدي، اشربي القهوة وخلينا نفكر ونشوف الخطوة الجاية هتكون إيه.
طالعته بحدة ثم رمت حالها على المقعد وحاولت كبح جماح غضبها.
***
انتهى اليوم دون وقوع مزيد من المشاكل، ليأتي المساء، كانت تنزل الدرج لتتناول وجبة العشاء مع العائلة، وجدت أبنائها الثلاثة مجتمعين على الأريكة الموالية للدرج، يشاهدون والدهم ويتحدثون معه صوت وصورة عبر التطبيق من خلال شاشة الحاسوب، فتوقفت بمنتصف الدرج لتستمع لصوت معذب فؤادها، هتف زين معترضًا:
- يا بابي أنا مش حابب أسافر، صدقني مش هستمتع، ليه أروح مكان ياخد من وقتي وتفكيري وفي النهاية مش هكون مبسوط، ولا بعمل حاجة بحبها؟!
أجابه بهدوء في محاولة لإقناعه:
- وبعدين يا زين، مش اتفقنا إن أنتَ رايح علشان تخلي بالك من أختك، سيبك من حتة إنك مش هتبقى مبسوط، اعتبرها مهمة أنا بكلفك بيها، إيه، هترفض مهمتي؟
باستياء ظهر على ملامح الفتى نطق بصوت خفيض:
- العفو حضرتك، زي ما تحب.
ابتسمت الفتاة وكادت أن تقفز بجلستها كالأطفال لتنطق بسعادة لأبيها:
- ربنا يخليك ليا يا بابي.
- ويخليكي ليا يا تاجي... قالها مبتسمًا لينطق الصغير بأسى أظهر كم اشتياقه لعزيز عينه:
- هو أنتَ هتيجي إمتي يا حبيبي، أنتَ وحشتني كتير.
مزقت كلمات ذاك المشاغب نياط قلب فؤاد لينطق بحنو ظهر بفيض عبر عينيه:
- كمان يومين يا حبيبي.
قطبت الفتاة جبينها لتسألها مستغربة:
- هو مش حضرتك قلت هتيجي بكرة؟
أجابها باستفاضة:
- الشغل اللي جيت الغردقة علشانه مخلصش، فاضطرينا نأخر سفرنا يوم كمان.
تألم قلب إيثار حينما استمعت لتأجيل عودته يومًا آخر، فحتى لو كانا لا يتحدثا، فيكفيها شعور وجوده حولها، فقد أصبح مستحيلًا الشعور بالاطمئنان وهو خارج محيطها، فاقت على صوت الصغير الذي التفت إليها وتحدث بصياح فاضح:
- مامي، تعالي اتكلمي مع بابي.
غصة مُرة توقفت بحلقها وبلحظة قررت الثأر لكرامتها من هادرها، تابعت الهبوط بكبرياء بعدما رفع الصغير الحاسوب لتظهر وهي تنزل الدرج بثوب أنيق يظهر تفاصيل جسدها، وما زاد من لوعة قلب ذاك العاشق هو لونه النبيذي والذي يعشقه عليها، استنفر جسده بالكامل حين رآها بكل ذاك السحر، فقد اشتاقها شوق المحتضر لترياق الحياة، تجاهلت الحاسوب بعدما رأت نظراته عليها وتحدثت بصوت مرتفع:
- عزة.
خرجت الأخرى سريعًا لتتابع حديثها:
- خليهم يجهزوا السفرة وادوا خبر للباشا والدكتورة، الوقت اتأخر ومالك لازم ينام علشان مدرسته.
نطقت كلماتها وتحركت لغرفة المكتب حيث والد زوجها، كظم غيظه منها، متى سترضخ تلك الفرسة الجامحة وتلين لخيالها، أما زالت غاضبة، ألم يشفع له ما فعله من أجلها صباح اليوم، انتظر أن تهاتفه وتتحدث معه فيما جرى، فطال انتظاره وكالعادة انحازت لكبريائها، تابع حديثه مع أنجاله الثلاث حتى استمع لصوت والده الذي تحدث إليه بعدما استمع لصوته بينما إيثار تتأبط ذراعه لمساعدته:
- اقفل مع ولادك وكلمني بعد العشا علشان عاوزك يا فؤاد.
- حاضر يا باشا، ساعة بالضبط وهرن على حضرتك... قالها دون أن يرى أبيه وبالفعل أغلق وانضم الجميع إلى حجرة السفرة ملتفين حول الطعام، بدأ علام بسؤال إيثار كي يفتح مواضيع للنقاش بدلًا من الصمت المريب الذي يملأ المكان:
- الشركة أخبارها إيه يا إيثار؟
نطقت بعملية دون أن تخبره بما حدث اليوم كي لا تشغل تفكيره بتلك المهاترات التي لا جدوى منها وأيضًا لكي لا تخلق مشاحنات بين أفراد العائلة الواحدة وتؤثم عليها وتعكر صفو منزلها:
- كل حاجة ماشية تمام يا بابا.
رمقتها عصمت بنظرة ثاقبة، فمازالت غاضبة منها للآن، تحدثت الفتاة إلى والدتها:
- مامي، ممكن تقربي لي المربى.
- حاضر يا حبيبتي... قالتها للفتاة وهي تناولها الصحن فتحدثت عصمت إلى حفيدتها:
- كلمتي بابي وخلتيه لغى فكرة السفر زي ما قلت لك يا "تاج"؟
هتف الصغير بصوت مرتفع وكأن عزة هي من تتحدث:
- دي كلمته من شوية يا نانا وخلته يخلي زين يوافق غصب عنه، وهو مش كان موافق أصلًا.
هتفت الفتاة بغيظ من ذاك المشاغب:
- اطلع منها يا مالك، وألف مرة قلت لك ملكش دعوة بأي حاجة تخصني.
هز رأسه لإغاظتها فقاطعها "زين" بصوت معترض:
- يطلع منها ليه يا "تاج"، هو بيقول اللي حصل، أنتِ فعلًا السبب وأنتِ اللي خليتي بابي يضغط عليا علشان أروح مكان أنا مش عاوز أروحه.
نطقت إيثار بحزم:
- كفاية أنتَ وهي، أنتوا إزاي تتكلموا بالطريقة دي قدام الباشا ونانا؟!
- آسف يا مامي... قالها زين ثم توجه إلى جديه وأبدى أسفه إليهما مما جعلها تشعر بالفخر، تأسفت الفتاة أيضًا للجميع وتابعوا تناول الطعام في صمت تام، انتهى الطعام وتحركت إيثار إلى المطبخ لطلب قهوة لها ولوالد زوجها وتحدثت إلى عزة:
- اعملي القهوة بتاعتي أنا والباشا يا عزة.
ثم تابعت بتوجيه حديثها إلى وداد:
- وأنتِ يا وداد، اعملي الأعشاب بتاعت الدكتورة.
- تحت أمرك يا هانم، حالًا هتكون جاهزة.
توقفت لترمق تلك الفتاة بجمود ثم تحدثت بصرامة:
- أنتِ، اليونيفورم اللي أنتِ لابساه ده يتغير وتلبسي لبس محترم، لو شوفت زرار من زراير بلوزتك مفتوح تاني هتسيبي القصر في لحظتها، وتلبسي زيك زي باقي زميلاتك، بنطالون وشيميز محترم فوق منه، الجيب الضيقة دي ممنوع تتلبس تاني، مفهوم؟
نطقت بخبث وهدوء:
- اليونيفورم ده أنا متعودة عليه من وقت ما كنت شغالة عند أحمد باشا يا مدام.
بقوة تحدثت:
- وإحنا هنا مش في فيلا أحمد باشا، أنتِ في قصر علام باشا زين الدين، يعني تلبسي نفس اليونيفورم بتاع زميلاتك.
وتوجهت باللوم لرئيسة العاملات:
- وأنتِ يا سعاد، إزاي تقبلي بالتسيب ده؟!
نطقت السيدة بوقار:
- أنا اعترضت يا هانم من أول يوم، بس هي راحت من ورايا للدكتورة وقالت لها إنها متعودة على اللبس ده ومرتاحة فيه، واستأذنتها تفضل بيه، والدكتورة سمحت لها.
هتفت بجمود:
- وأنا بقول لك ممنوع أشوفها بالمنظر ده قدامي مرة تانية، ولو حصل هتكوني أنتِ المسؤولة قدامي.
اشْتعل قلب الفتاة غيظًا لتتابع إيثار بأمر لا يقبل النقاش:
- ومن النهاردة ممنوع أي حد يطلع لخدمة الدور الثاني غير وداد وشيماء وعزة، سامعاني يا سعاد، مفيش رجل تتحرك ناحية السلم غير التلاتة اللي قلت عليهم دول.
هتفت عزة مهللة وهي ترمق الفتاة باشمئزاز:
- ينصر دينك، أهو ده الكلام ولا بلاش.
نطقت السيدة بطاعة:
- تحت أمرك يا هانم.
كانت الفتاة تنظر أرضًا تحاشيًا لتلك النظرات القاتلة التي تخرج من قلب عاشقة تذوب عشقًا وغيرة على رجلها.
تحركت للخارج لتترك همهمات الخدم وأحاديثهم الجانبية لتقطعها عزة التي هتفت بسخرية:
- جرى إيه يختي منك ليها، مصدقتوا كلمتين واتقالوا.
وتابعت متهكمة:
- ودود ودو ودودو.
ضحكن على تلك المرأة الفكاهية وتابعن ما يفعلن.
خرجت إيثار لتقطع طريقها "عصمت" حيث نطقت بجدية:
- كلمتي جوزك وصالحتيه؟
نطقت بقوة نتيجة الضغوط النفسية التي تتعرض لها مؤخرًا:
- لا يا ماما، ومش هكلمه، لأني مغلطتش علشان أصالحُه.
أجابتها بتحدي:
- براحتك، بس لما الأمور تفلت من بين ايديكي، ساعتها متبقيش تلومي غير عنادك ودماغك الناشفة.
تركتها وتحركت إلى المطبخ لتباشر العاملات تحت استياء الأخرى.
***
داخل المكتب، تحدث بارتياب:
- يا حبيبي أنا خايف على الأولاد، مينفعش يسافروا إنجلترا لوحدهم يا فؤاد.
أجاب والده بثقة:
- متقلقش يا باشا، أنا مأمنهم كويس قوي، أكيد مش هفرط في أمان ولادي وأضحي بيهم، أنا مش عاوز الولاد يحسوا إنهم محبوسين وممنوعين من كل حاجة يا بايا.
وتابع بما يثقل قلبه في الفترة الأخيرة:
- وبعدين اللي إحنا خايفين منه كلها أربع تلات أيام ويبقى في مصر، يعني هيبقى تحت رحمتي، مظنش إنه غبي لدرجة إنه يأذي ولادي وهو روحه بين ايديا.
وتابع بسخط وحدة ترجع لغيرته الشديدة من ذاك الحقير، فبرغم مرور كل تلك السنوات إلا أنه مازال يشتعل من غيرته كلما جال في خاطره فكرة أن امرأته كانت ملكًا لغيره من قبل:
- هو كمان بقى له نقطة ضعف أعرف أمسكه منها، مراته وولاده الصغيرين.
زفر الأب وسأله باستسلام:
- بلغت إيثار ويوسف برجوعه؟
- لسه، مش عارف أفاتحهم إزاي في الموضوع، بس أكيد هقول لهم لما أرجع إن شاء الله.
وتابع:
- فيه خبر عرفته جديد.
- خير يا فؤاد؟
- شركة الصخرة، طلع الحقير هو اللي وراها زي ما توقعت بالضبط، والراجل الفرنسي صاحبها طلع جذوره لبنانية، ويبقى حماه.
***
صعدت إلى جناحها بعدما اطمأنت على أطفالها، بدلت ثيابها وتمددت فوق الفراش، باتت تتقلب عليه وكأنه جمر ملتهب، فكل شيء بدونه فاقد لقيمته، حتى روحها، فاقدة للحياة، ماذا فعلت بي يا رجل حتى تتوقف حياتي عليك بتلك الطريقة، فكل شيء أصبح بلا مذاق، كلما نظرت رأيت وجهك يلاحقني بجميع الزوايا، كل الوجوه أصبحت وجوهك، كل العيون كأنها عيناك، اشتقت إليك حد الجنون، ليتك تباغتني بدخولك الآن، تهرول إليَّ وتضمني بقوة وتدخلني بضلوعك، أريدك الآن بجانبي وبقوة، لم يكن حاله ببعيد عنها، فكان يقف أمام النافذة يتناول مشروبًا باردًا عله يطفئ نار قلبه الملتهبة، فقد أضرمت نيرانًا متعددة بداخله، منها الاشتياق والغيرة والغضب أيضًا، فهو الآن ساخطًا عليها لعدة جوانب، أولهما ذاك الـ "عمرو"، يعلم أن لا ذنب لها لكنه يحملها ذنب وجوده بمحيط حياتهما، فلولا حماقتها وزواجها من ذاك الأرعن بالماضي ما كان لوجوده أثرًا، وسخطه الثاني هو عنادها الكافر والذي طالما كان سببًا لجميع مشاكلهم سويًا.
أمسكت الهاتف وطلبت نجلها بعدما شعرت بحنينها إليه، وحددا موعدًا مساء الغد ليتناولا سويًا العشاء بأحد المطاعم المحببة لديهما.
***
أتى المساء سريعًا، بأحد المطاعم الفخمة الموجودة بالعاصمة "القاهرة".
كانت تُقابل نجلها الجلوس حول إحدى الطاولات وأمامهما عِدة أصناف من الطعام المفضل لدى كُلٍ منهما، تطلعت عليه وجدته شاردًا يُقلب بتلك الشوكة بحبات الأرز داخل صحنه ويبدو عليه التشتت وعدم التركيز، مضغت ما في فمها وابتلعته لتقول وهي تُشير إلى صحنه بذاك السكين الصغير المخصص لتقطيع اللحوم:
- مبتاكلش ليه يا حبيبي؟
كان غارقًا بالتفكير فيما حدث منذ عدة أيام أمام جامعة تلك الحبيبة التي استحوذت على جميع حواسه، مازالت تلك المرارة التي سكنت جوفه تسكنه للآن، وغزة حادة اقتحمت وسط قلبه وكأنها طعنة خنج مُدبب غُرس بمنتصف القلب، كرر "مالك" ذاك المشاكس الجالس بالمقعد المجاور لوالدته بصوت مرتفع أثار انتباه جميع من بالمكان لينتبه ذاك الشارد "يوسف" لحديث شقيقه الأصغر، الذي تمسك بوالدته وأصر على الخروج معها عندما عَلِم بأنها ذاهبة لمقابلة شقيقه الأكبر:
- مش بتاكل ليه يا چو؟
انتبه وتطلع عليه ليكمل ذاك المشاغب الصغير بلطافة وعفوية ما يتردد دائمًا على أذانه من "عزة":
- على فكرة، الخضار اللي مش بتاكله ده هيجري وراك يوم القيامة، والرز كمان، هيجري وراك كل حبة لوحدها.
- يا راجل؟! نطقها بعينين متسعتين بذهول مصطنع ليسأله مستغربًا:
- معقولة دي يا ملوك، كل حبة رز هتجري ورايا لوحدها؟!
ليجيبه الصغير بانتشاء وحماس:
- أيوة يا چو، زوزة هي اللي قالت لي كده.
حدث شقيقه بكثير من اللطف وهو يشجعه على إكمال طعامه:
- طب يلا يا بطل خلص طبقك كله.
ابتسمت والدتهما لتحث صغيرها على الصمت:
- كُل وأنتَ ساكت يا ملوك علشان أخدك معايا كل مرة أروح فيها عند چو.
- وعد يا إيثو؟
اتسعت عينيها ذهولًا لتهتف ناهرة:
- ولد، عيب اللي بتقوله ده؟!
رفع كتفيه للأعلى وأشار بكفيه مبررًا:
- هو بابي بيقول عيب يا مامي!
ضيقت عينيه مستفهمة ليتابع بمراوغة:
- مش بابي هو اللي بيقولك يا إيثو.
ضحك يوسف وهو يتطلع على الصغير لتنطق والدته وهي تعنفه بنبرة حازمة:
- لو سمعت صوتك تاني اعتبر إن دي هتكون آخر مرة تخرج معايا فيها.
مط شفتيه للأمام قبل أن يزفر باستياء ويلجأ للاحتماء في الطعام لينشغل به بدلًا من أن يندمج بالثرثرة وتصب تلك الشرسة جام غضبها عليه، تنفست بحدة لتزفر أنفاسها علها تستعيد هدوئها من جديد ثم تحدثت إلى نجلها البكري المستحوذ على جزء كبير من القلب:
- مقولتليش يا يوسف، ناوي تعمل إيه في موضوع بيسان؟
ضيق بين عينيه ليسألها مستفهمًا:
- يعني إيه هعمل إيه؟!
طالعته باستغراب لحديثه ليتابع شارحًا:
- طب نخلي السؤال مباشر أكتر، إيه اللي حضرتك شايفة إني المفروض أعمله من وجهة نظرك؟!
تنهدت للحال الذي وصل إليه نجلها فتحدثت بما وصلت إليه بعد تفكير عميق:
- بص يا حبيبي، أنا فكرت كويس في وضعك أنتَ وبوسي، ولقيت إن موضوعكم مش هيتحل غير عن طريق علام باشا.
قطب بين حاجبيه ليسألها مستفسرًا:
- بمعنى؟
رفعت كتفيها قليلًا قبل أن تهدلهما من جديد وتقول:
- هكلم لك الباشا علشان يتدخل ويخطبها لك من ماجد.
بصوت مرتفع نسبيًا نطق بحدة أظهرت كم استيائه:
- إوعي تعملي كده.
ضيقت بين عينيها لتسأله باستغراب:
- ليه؟!
- علشان أنا عمري ما كنت ندل ولا عمر دي كانت أخلاقي... لم تفهم المغزى من وراء جملته فأوضح مسترسلًا:
- مش أنا الراجل اللي ألجأ لحد علشان يضغط على أبو البنت اللي بحبها علشان يجبره يجوزها لي.
تركت أدوات تناول الطعام داخل الصحن وشبكت كفيها ببعضيهما ثم استندت بفكها عليهما لتنطق بابتسامة ساخرة:
- وتفتكر اللي اسمه أمجد ده يستاهل إنك تفكر فيه بالأخلاق دي؟! ده إنسان انتهازي ووصولي، وبيركب أي موجة تجي له علشان توصله لهدفه، حتى لو كانت الوسيلة غير شريفة.
- وحضرتك بقى عاوزاني أخده قدوتي؟
- أنا مقولتش كده يا يوسف، بلاش تحور كلامي وتفسره بطريقة تدين تفكيري.
أجابها بحدة ترجع لحساسيته المفرطة تجاه ذاك الموضوع:
- الكلام واضح وضوح الشمس ومش محتاج تحوير، أنتِ أكتر واحدة عارفة عدم ارتياح دكتور ماجد ليا واللي وصل لحد الكره.
وتابع بمرارة:
- مش هقبلها على نفسي يا ماما.
سألته بألم ينخر بقلبها:
- يعني هتسيبها تضيع من إيدك يا چو؟!
- مين قال كده... قالها بثقة عالية ليتابع وهو يقتطع شريحة اللحم بالسكين والشوكة:
- أنا مش هسيب بيسان لأني ببساطة مش هعرف أعيش مع غيرها، بس الموضوع مش سهل، ومحتاج صبر مني ومنها، وسعي وجهد مني.
رفع بصره يتعمق بعينيها قبل أن ينطق بكبرياء وكرامة:
- أنا مش هتقدم لبوسي غير وأنا باني نفسي ومالي مركزي، علشان أعيشها في نفس المستوى اللي هي عايشة فيه.
واستطرد بعينين تشتعل غضبًا:
- مش هسمح للي اسمه ماجد يهيني ويتطاول عليا ويقولي إني بتحامى في أمي وجوزها.
هزت رأسها تعبيرًا عن استيائها من الحديث مع خروج ابتسامة ساخرة بجانب فمها لتنطق متهكمة:
- ده على أساس إنه عايش في خيره ولا خير أهله؟! مهو من ساعة ما اتجوز فريال وهو عايش سفلقة على عيلة مراته.
نطق متنصلًا بترفع:
- أنا مليش دعوة بغيري، ومش هحط نفسي معاه في نفس الخانة وأعرض نفسي أبقى مادة للسخرية يتنقلوها الناس بينهم، زي ما حضرتك بتتكلمي عنه الوقت.
نطقت وهي تشمله بسخرية:
- وأنتَ بقى فاكر إن البنت هتفضل مستنية جنابك لحد ما تكوّن نفسك في سنين؟!
- هتستناني، بيسان بتحبني، وأنا هعمل المستحيل علشان أكون جدير بيها.
تحدثت بتحايل:
- طب خليني أساعدك يا حبيبي، أنا عندي فلوس كتير خاصة بيا في حساباتي، كلها من تعبي وشغلي.
قاطع حديثها هادرًا بحدة أظهرت كم استيائه:
- لو سمحتي يا ماما تنسي الموضوع ده نهائي، وياريت دي تكون آخر مرة نتكلم فيه.
تنهدت قبل أن تقول بنبرة استسلامية:
- أنتَ حر، أنا حاولت أساعدك لكن أنتَ قافل دماغك ورافض تسمع أي حد غير صوتك، يارب ميجيش اليوم اللي تندم فيه يا يوسف.
بسط كفه ليحتوي خاصتها بعدما رأى غضبها يلوح بعينيها، ثم شملها بنظرات تقطر حنانًا صاحبتها ابتسامته الجذابة:
- أنا مقدر خوفك عليا وعلى مصلحتي، بس أنا عاوزك تطمني من ناحيتي، صدقيني يا حبيبتي أنا مرتب أموري كويس.
بمقلتين تمتلئ بحنان الدنيا بأكملها تحدثت:
- نفسي أشوفك أسعد إنسان في الدنيا كلها يا حبيبي، أنتَ تعبت معايا كتير قوي، ونفسي قلبي يطمن عليك.
- اطمني يا ماما... تنهد بهدوء وتناول إحدى اللقيمات ثم تحدث بنبرة حذرة مترددة:
- عمرو بيه البنهاوي باعت لعمي حسين عاوز منه رقم تليفوني.
توقف الطعام بحلقها وبدأت بالسعال مما أربك الشاب وعلى الفور ناولها كأس المياه وهو يقول بارتياب:
- اشربي مياه يا حبيبتي.
تناولت من يده الكأس وارتشفت منه وبعدما هدأت تطلعت بمقلتيه تسأله والذعر يتملك نظراتها:
- خد رقمك منه يا يوسف؟
هز رأسه نافيًا فهدأ قلبها قليلًا وتابعت:
- جاي بعد السنين دي كلها عاوز منك إيه؟!
بلامبالاة تحدث وهو يتابع تناول طعامه وكأن الأمر لا يعنيه:
- الباشا شكله قام من النوم وفجأة افتكر إن عنده عيال راميهم في مصر من سنين.
وتابع ساخرًا وهو يبتسم:
- قال إيه عاوز رقم تليفوني علشان يتواصل معايا أنا وزينة، ويشوف لو محتاجين حاجة.
بدأت تقطم أظافر يدها نتيجة لتوترها الزائد قبل أن تقول بارتباك ظهر بيِّن عبر نبراتها:
- تصرفه في الوقت ده وبعد الغيبة دي كلها ميطمنش، وأكيد وراه مصيبة.
- ولا وراه أي حاجة... نطقها بلامبالاة ليكمل مفسرًا بتقليل كي يحد من ارتياب تلك التي سكن الرعب عينيها:
- كل الحكاية إن البيه حابب ينيّم ضميره، فسأل من باب إنه كده عمل اللي عليه قدام أخوه.
- وهو اللي زي عمرو ده عنده ضمير من الأساس علشان يفوق؟! وبعدين كان فين السنين دي كلها.
وأشارت بكفها مستفهمة بنظرات حائرة وعقل مُشتت:
- إشمعنا في التوقيت ده بالذات اللي فكر فيك أنتَ وأختك!
- وبعدين يا ماما... قالها لائمًا ليتابع بحزم:
- متكبريش الموضوع وتخليني أندم إني قلت لك.
اتسعت عينيها لتهتف بعينين تقطر لومًا:
- هو أنتَ كمان مكنتش عاوز تقول لي؟!
- يا حبيبتي أنا مقصدش إني أخبي عليكي، بس حقيقي رد فعلك وتوترك ده خلاني ندمت إني بلغتك، وده خوف عليكي على فكرة.
أومأت بفتور ليتطلع هو على ذاك القاطن فوق مقعده وجده متوقفًا عن الطعام ويبدو عليه الغضب من شفتيه الممطوطة للأمام، سأله بنبرة حنون:
- مالك يا حبيبي، مبتاكلش ليه؟ إيه اللي مزعلك؟
هتف بحدة أظهرت كم استيائه:
- زهقت يا چو، حياتي كلها عبارة عن عقابات، طول الوقت بتعاقب وبتعنف من بابي ومامي.
ثم ربع ساعديه وتابع مسترسلًا بسخط:
- هو أنا لو بس أعرف أنا بتعاقب على إيه، قلبي هيرتاح ويهدى يا چو.
كظم ضحكاته من مظهر شقيقه المشاكس لتشير إيثار بكفها إلى الصغير الذي سيؤدي بها حتمًا إلى الجنون وهي تنظر على يوسف:
- اتفضل، كأني سامعة عزة بتتكلم قدامي.
تطلع على شقيقه وتحدث مبتسمًا:
- لو هنتكلم بالمنطق والعقل، فأنتَ عبارة عن مجموعة كوارث متحركة على الأرض يا مالك، يا ابني أنتَ مفيش ساعة بتعدي من غير ما تعمل فيها مصيبة، وده اللي بيزعل مامي وأنكل فؤاد منك.
رفع يده وتحدث متحمسًا:
- أنا صغير يا چو، وجدو قالي إني بكرة هكبر وهبطل كوارث.
بالكاد أكمل جملته ليصيح بصوت مرتفع وتهليل بعدما هبط من فوق مقعده ليُسرع مهرولًا على أبيه الذي ولج من باب المكان حالًا:
- بابي.
رواية انا لها شمس الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم روز امين
مثلاً، في رجل برتبة إنسان، حبيبًا أَتَوَكَّأُ عليه حين تُنهكني أفعال البشر وتُرهقني تقلبات الزمان، ملاذًا آمنًا أختبئ بكنفه ليتغلغل بكل ذرة بي الأمان، وإذا ما مِلتُ بيوم وانحرفت عن مسار طريقي المستقيم، يُقومني بحرص ولين دون تعرضي لكسرٍ يُبيد معه كل جميل بي وينتشل بعنف من داخلي السلام.
فهنيئًا لمن يبتسم لها القدر وتحظى بمثل "فؤاد علام".
"روز أمين"
صرخ الصغير باسم والده، وهرول ليرفعه فؤاد ويُثبته داخل أحضانه، ثم قام بتقبيل وجنتيه بشغف وهو يقول:
- حبيبي يا ملوك، وحشتني يا روح قلب بابي.
رفرف قلبها من شدة السعادة وهي تراه ماكثًا أمامها بكامل أناقته، والجاذبية التي طالما استولت على لُبها. اشتاقت إليه بجنون، اشتاقت للنظر داخل عينيه والتعمق والغوص داخل بحرهما العميق. ودت لو هبت من فوق مقعدها وهرولت عليه لتكرر ما فعله صغيرها وترتمي داخل أحضان ذاك الحبيب الذي حضر إليها حين عَلِمَ من رجال الحراسة بوجود خليلة الروح بذاك المكان.
عاد من المطار إلى القصر ليترك حقيبته وهدايا أطفاله والجميع، ثم تعلل بالصغير ليطير إليها مهرولًا.
وقف يوسف ليُقبل على أباه الروحي فاتحًا ذراعيه ليضمه الآخر بمنتهى الحنان، وما زال حاملًا صغيره بيد، والأخرى يُربت بها على ظهر حبيبه ونجله البكري كما كان دائمًا يطلق عليه.
نطق يوسف بحفاوة:
- حمد الله على السلامة يا باشا.
أجابه بسعادة تغمر روحه:
- الله يسلمك يا حبيبي، حظي حلو إني شوفتك النهاردة يا يوسف.
- الأكيد إن حظي أنا اللي حلو.
تطلع على الفتى وتذكر رجوع ذاك الوغد، لا بد من إخباره كي يستعد نفسيًا لذاك اللقاء الموعود. يا الله، كم يُشفق من داخله على ذاك الشاب، فلطالما لم يجد أكثر من حظه بؤسًا بدائرة المقربين منه، لقد ابتُلي بوالدٍ إينما ذُكِرا السوء والندالة نال منهما الحظ الوفير.
حزن لأجل قدره السيء وربت على كتفه بحنان أبوي وصل إلى الشاب وتغلغل الشعور بجميع كيانه.
التفت لينظر إلى ساحرة الوجدان، وما أن تعمق بعينيها انتفضت كل ذرة بجسده على الفور تُطالبه بالإسراع عليها واحتضانها كي يُهدئ ساكن الضلوع ويستكين.
تحرك إليها وما زال الصغير متشبثًا بعنق أباه كمن يخشى فقدانه.
نطق وهو يبسط ذراعيه لتلك الجالسة بارتباك ظاهر بعينيها:
- إزيك يا إيثار.
لم تتمالك حالها وبتلقائية وقفت لينتصب طولها أمامه، وبهدوء مدت يدها قائلة بعينين تجول وتصول بسوداويتاه الفاسحة:
- حمد الله على سلامتك يا سيادة المستشار.
بدون إدراك رفع كفها وقربه من فمه ليطبع قُبلة زلزلت كل ذرة بجسدها حين لامست شفتيه الغليظة جلدها الناعم، فابتل بفضل عُمق قبلته، فقد امتص جلد كفها بفمه فبلله في حركة أثارت جنون كلاهما وكادا أن يكونا على شفا الجنون لولا تحكمه بذاته وانتصاب عوده مرة أخرى ليتحرك حاملًا الصغير متخذًا مقعده.
تحمحمت وعادت لجلوسها من جديد فتحدث الصغير الذي سكن فوق ساقي أباه:
- إنتَ جيت هنا إزاي بابي؟ مش إنتَ قولت هتيجي بكرة بالليل؟
- وحشتني فمقدرتش أبعد عنك أكتر من كده...
رسائل مبطنة لمن يفطن معانيها جعلت من قلبها يرفرف كطير حُر سعيد حين أدركت أنها وجهة تلك الكلمات.
صمت ليتابع وهو ينظر للصغير بميلة صغيرة من عنقه:
- ضغطت نفسي ووقتي علشان أخلص الشغل المطلوب مني وأجي لك بسرعة.
بثت كلماته الأمل بداخلها بينما ابتسم مالك وتحدث متسائلًا متلهفًا وهو يتحسس ذقن أبيه:
- جبت لي حاجة حلوة معاك؟!
رد يوسف ممازحًا شقيقه الصغير:
- هو فيه أحلى من رجوع بابي يا "مالك"؟
مازحه فؤاد:
- قول له الباشا.
أشار بكفه وهو يقول بتبرم طفولي:
- هو حلو وكل حاجة، بس أنا بحب قوي الشوكولاتة اللي بيجبها لي معاه وهو راجع كل يوم.
- جبت لك حاجات حلوة كتير يا لمض، لما نروح هتشوفها وتبسط بيها.
صفق بيداه مهللًا:
- يا ســلام، شكرًا يا بابي.
مال على وجنته ليضع قُبلة بث من خلالها جنونه بحب ذاك الصغير المستحوذ على حيز كبير من قلبه.
رفع رأسه لينتبه على سؤال يوسف الموجه له:
- أطلب لحضرتك عشا يا أنكل؟
- تسلم يا حبيبي، أنا أكلت حاجة خفيفة في الطيارة، كملوا إنتوا أكلكم وأنا هطلب حاجة أشربها.
استدعى العامل وطلب قدحًا من القهوة وانتظر قدومها بينما تابعوا هم تناول وجبتهم. أخذ يتطلع إليها يسترق النظرات مع أخذ الحيطة كي لا تراه فرسته الجامحة ويزيد غرورها وتملكها بعشقه الهائل.
برغم الارتجافة التي أصابت جسدها حين رأته يلج من باب المكان، ناهيك عن ثورة قلبها المنتفض ومطالبتها بالارتماء بأحضانه، إلا أنها ضغطت بكامل قوتها لتظهر بثبات رهيب وتظاهرها بعدم الاهتمام بحضوره لحفظ ماء الوجه ليس إلا.
فتح حديثًا مع يوسف وبات يتبادلان أطرافه، وأثناء اندماجهما بالحديث استرق بعض النظرات إليها فوجد ما سَر قلبه وجعله يكاد يقفز من بين أضلعه. وجدها هائمة بالنظر لكف يدها تتحسس بنعومة ووله ظاهر موضع قُبلته حيث استقرت شفتيه.
شعر بزلزلة بجميع جسده ولولا رجاحة عقله لاختطفها من بين أبنيها وتركهما ليرحل بها إلى مسكنهما في الحال ويحيا معها ليلة يبث من خلالها مدى اشتياقه الجارف وحنينه الجنوني بفضل الابتعاد.
بات ينظر عليها بسعادة بينما هي غافلة بعالمها الخاص الوردي، عالم الأحلام.
انتبه على حديث الشاب:
- هو حضرتك كنت في الغردقة بخصوص القضية الشهيرة اللي قلبت السوشيال ميديا مؤخرًا يا أنكل؟
- آه يا حبيبي...
قالها مؤكدًا ثم تابع بنظرات لائمة:
- مش ناوي تبطل كلمة أنكل اللي طالع لي فيها جديد دي كمان ولا إيه؟
تعمق الفتى بعينين يملؤهما الخجل فاسترسل هو بنظرات تقطر حنانًا:
- يَلَّا ده أنا أبوك، أنا اللي مربيك في حضني يا يوسف.
صمت ليتمكن الألم من نظراته فتابع الآخر بحيرة:
- هو أنا زعلتك في حاجة يا ابني؟
- بالعكس، طول عمرك وإنتَ النموذج المثالي للأب اللي يتمناه أي حد...
ابتلع لعابه ليكمل بخجل ظهر بَيِّن بمقلتيه المشتتة وهو يرفع كتفيه للأعلى:
- جواك نضيف وطاهر لدرجة إني مش قادر أقول لك تاني يا بابا.
وتابع بجدية وصمود يُحسد عليه:
- بعد ما عرفت الحقيقة منكم مبقاش ينفع اسم راجل شَريف زيك يرتبط باسم واحد من عيلة زي عيلتي، حتى ولو بكلمة بسيطة زي كلمة بابا.
- يوسف...
نطقتها بصوت يتمزق وعينين تصرخ باعتراض رافض تقليل حاله بذاك الشكل المهين أمامهما.
رفع فؤاد كفه بتنبيه يحثها على السكوت وبالطبع استجابت ليتحدث هو بنبرة يتغللها الرأفة على حال صغيره الذي تربى في كنفه طيلة سنوات عمره:
- يا جحودك يا يوسف، هو أنتَ فاكر إنك ابنهم بجد؟
وتابع متأثرًا بصدق يقطر من مقلتيه:
- أنا اللي خدتك في حُضني من وإنتَ عندك سبع سنين، ربيتك وعلمتك كل اللي أبويا علمه لي وزرعه فيا من صغري، كنت بفرح وأنا شايفك كل يوم بتكبر قدامي، مع كل صفة رجولة كنت بتكتسبها كل يوم كنت بحس بالفخر بنفسي.
وتابع بحدة مؤكدًا:
- إنتَ تربيتي وتربية علام باشا، ابني البكري اللي مخلفتوش، ومش هسمح لك تنكر عليا مجهودي معاك.
اشتدت عينيه لتلوح بهما عاصفة من الغضب الحاد وهو يشير بسبابته مهددًا:
- وإياك أسمع منك الهبل اللي قولته من شوية ده مرة تانية، ومن النهاردة يا يوسف لو مرجعتش تقولي يا بابا تاني، لا هتكون ابني ولا عاوز أعرفك بعد كده.
يا الله، ماذا سيفعل بقلبها هذا الخلوق أكثر؟ ألم ينتهي من مواقفه الرجولية بعد؟ فبكل يوم تحيا فجره معه يفاجأها ويثبت لها بالفعل أنه الجائزة الكبرى المهداة من الله نتيجة صبرها على ما مرت به من ابتلاءات منذ نشأتها إلى أن التقت به.
مواقفه الباسلة معها لا تنتهي منذ أن وقعت عليها عينيه باللحظة الأولى. شملته بعينين تفيض من الغرام والعشق ما يملأ نهرًا بأكمله، لكنه كان منشغلًا بحديثه مع نجله الروحي ولم يلحظ فائض حنانها.
ابتسم يوسف وغمره بنظرات شاكرة ليقول بعدها بامتنان:
- حاضر يا بابا.
ابتسم باستحسان ثم تحدث بعدما قرر أن يُعلمه بأمر "عمرو" بمساعدة أبيه "علام" كي يعاونه بتلك المهمة الصعبة:
- بقولك يا يوسف، إبقى هات "زينة" وتعالوا اتعشوا معانا بكرة.
على الفور تذكر صياح حبيبته وهي تطالبه بعدم الحضور مرة أخرى إلى منزل جدها، جال بخاطره أيضًا ذاك الغليظ "ماجد" ورؤيته البغيضة حيث باتت تُنغص عليه صفو حياته، فتحدث معتذرًا باحترام:
- معلش يا حبيبي إعفيني، عندي ضغط شغل ومذاكرة الفترة دي، ومش حابب أضيع وقت.
نطق فؤاد بما استدعى استغراب إيثار وحيرتها:
- خلاص مش هضغط عليك، هجي لك أنا بكرة شقتك، عاوز أقعد معاك شوية إنتَ وزينة.
تعجبت من أمره وكادت أن تسأله مستفسرة بعدما شعرت بالريبة لكن كبريائها هو من منعها باللحظة الأخيرة.
بينما هتف الصغير إلى أبيه برجاء:
-هروح معاك يا بابي، وحياة ملوك توافق.
أجابه بهدوء:
-حاضر يا حبيبي.
هلل وهو يقفز فوق ساقي حبيبه. لاحظ يوسف صمت والدته وتلاشيها النظر إلى فؤاد، فأراد أن يداعب ذاك الراقي، فمال وسأله بمشاكسة:
-هو الباشا مبقاش مسيطر ولا إيه؟
-إخرص يا ولا، ده أنا أسيطر على بلد بحالها...
نطقها بمداعبة، وبعدها صدحت أصوات ضحكاتهم الرجولية تحت صمتها. مر الوقت سريعًا بين حديث يوسف وفؤاد ومشاركتها في بعض الأحيان، ثم وبدون سابق إنذار وضع كفه يحتوى خاصتها وتحدث ناظرًا بعينيها:
-يلا علشان نروح؟
انتفض قلبها، وما زاد من ربكتها هي نظرات عينيه المسلطة بخاصتها لتبث كل أنواع العشق والهيام. ما شعرت بحالها سوى وهي تهز رأسها بإيماءة عدة مرات متتالية أظهرت توترها. تحدث الصغير إلى شقيقه:
-تعالى معانا يا يوسف، وحياتي...
قالها بإلحاح ورجاء ليجيبه الفتى:
-مش هينفع يا ملوك، عندي مذاكرة كتير.
وتابع بجدية:
-طب ما تيجي تبات أنت معايا وإبقى روح مع بابي بكرة؟
أشار بكفه رافضًا باستنكار:
-لا، أنا بابي واحشني وهنام في السرير معاه النهاردة هو وحبيبتي مامي.
حك فؤاد ذقنه وتحدث بمداعبة:
-روح بات مع أخوك يا "مالك".
نطقها ليتشارك القهقهات مع يوسف، ثم أشار للنادل بجلب الحساب. انتهى من دفع الحساب ولملم الجميع أشيائهم الخاصة وتحركوا متوجهين للخارج. توقفت تحتضن نجلها الحبيب، فإلى الآن لن يستطيع عقلها استيعاب ابتعاده عن أحضانها. تحدثت بنبرة حنون:
-حاول تيجي القصر الأسبوع ده علشان خاطري، جدك واخواتك اشتاقوا لك قوي يا حبيبي.
كلماتها الممتزجة بنظرات متوسلة تمزق نياط قلبه. يعلم أنه أصاب الجميع بمشاعر سيئة مضطربة ومختلفة. كل شيء يحدث خارج إرادته، لكنه بالنهاية هو المسؤول، بل والبعض بات ينظر إليه على أنه المذنب الوحيد بكل الحكاية. نطق وهو يحاوط وجهها برعاية:
-هظبط أموري وهشوفهم قريب إن شاء الله، وعلشان خاطري بلاش شعور الذنب اللي جالدة نفسك بيه طول الوقت ده.
اشتعل داخله غيرة على امرأته من نظرات المارة الموجهة لها ولنجلها، فخرج صوته حادًا بعض الشيء رغمًا عنه:
-إحنا في الشارع يا يوسف، لما تبقوا في البيت إبقى إحضن وبوس براحتك.
نطق جملته الأخيرة بحدة جعلت الفتى يضحك من داخله على غيرة ذاك العاشق. فتح باب سيارته الخاصة وأشار لها بعدما أمر الحرس بأخذ سيارتها للمنزل. تركت نجلها واتخذت مقعدها المجاور للقيادة وجلس الصغير بالمقعد الخلفي. وبعد تبادل السلامات بينه وبين الفتى استقل مقعد القيادة وتحرك متجهًا إلى القصر. أراد أن يخترق هذا الصمت المميت، فأدار مشغل الموسيقى كي يرسل إليها رسالاته بطريقة الموسيقى. اشتغلت غنوة للرائعة فيروز لتتغنى بالكلمات:
عندي ثقة فيك
عندي أمل فيك وبيكفيك
شو بدك يعني أكثر بعد فيك؟
عندي حلم فيك
عندي ولع فيك بيكفيك
شو بدك إنه يعني موت فيك؟
والله رح موت فيك
صدق إذا فيك بيكفيك
شو بدك مني إذا متت فيك؟
معقول في أكثر؟
أنا ما عندي أكثر
كل الجمل يعني عم تنتهي فيك
عندي ثقة فيك وبيكفيك
حبيتك مثل ما حدا حب
ولا بيوم رح بيحب
حبيتك مثل ما حدا حب
ولا بيوم رح بيحب
إنت شايفها عادية
ومش بها الأهمية
بجرب ما بفهم شو علقني بس فيك
بكتب شعر فيك
بكتب نثر فيك وبيكفيك
شو ممكن يعني أكتب بعد فيك
معقول في أكثر؟
أنا ما عندي أكثر
ما كل الجمل يعني عم تنتهي فيك.
كانت تستمع للكلمات بقلب هائم يعنفها بشدة على ما اقترفته من بعد بتلك الأيام الفائتة عن ساكن الفؤاد، ليهاجمها العقل بضراوة مذكرًا إياها وذاك القلب المغيب أنها فعلت كل ما بيدها لمراضاته، بينما صد هو جميع محاولاتها وباءت بفشل ذريع.
زادها الحنين شوقًا، ولم تعد تتوق الابتعاد، فحولت عينيها إليه كي تتطلع عليه. وجدته ينظر إليها وشوق العمر بعيناه. انتفض قلبها حين بسط يده وحاوط خاصتها الرقيقة. شبك أصابعه وخللهما بأناملها الرقيقة وضغط بنعومة مما جعل القشعريرة تسري بكل ذرة بجسد كلاهما. تعمقت بعينيه الزائغة ما بين النظر بساحرتيها وبين متابعة الطريق. ابتلعت لعابها فأشار لها لتسكنه، وكأنها كانت تنتظر تلك الإشارة. فكت حزام الأمان وتحركت ليجذبها ترتطم بصدره، وما أن ضمها لأحضانه حتى أخرج تنهيدة حارة أظهرت كم مشاعره الملتهبة الكامنة بصدره. تمسحت بوجنتها بجانب صدره في حركة جنونية أثارت مشاعره، فضمها بقوة مشددًا عليها بذراعه الملفوف حول كتفها. كادت أن تتأوه من شدة الضمة وسحق عظامها، وبرغم شعورها بالألم إلا أنه كان لذيذًا مستحبًا لكلاهما. همست بصوت ناعم عاتبة:
-كده يا فؤاد، هونت عليك متكلمنيش ولا مرة من يوم ما سافرت.
-ششش...
قالها محذرًا خشية إفساد لحظتهما بالعتاب والمهاترات. انساقت لأمره وتجاوبت مع أحضانه لتذوب حنينًا. لحظات تحمل مشاعر هائلة مختلفة وكأنها سرقت من الجنة لتخبرهما عن المتعة الحقيقية. تنهدت بارتياح. مال بشفته ليلامس جلد جبينها ليضع قبلة بنفس طريقة قبلة المطعم وكأنه مصر على فقدان عقلها بالسيارة. لفت ذراعها حول خصره وشددت من ضمته مما جعله يشعر بالفخر. افزعهما ذاك الذي وقف واقترب عليهما لينطق بملامة:
-إيه يا مامي اللي إنت عاملاه ده؟!
انتفضت وخرجت سريعًا من ملاذها وقد تناست وجود ذاك المشاكس الصغير. أما هو فرمقها بنظرات عاتبة في حين تابع الصغير لغوه:
-إزاي تفكي الحزام وتعرضي نفسك للخطر؟!
وضع كفيه بوسط خصره وتابع متهكمًا:
-مش ده الكلام اللي إنت بتقولهولي كل شوية؟
-إرجع مكانك وأربط الحزام يا ولا...
قالها باستخفاف وتابع بأعين حادة:
-وهكلمك بلغة حبيبتك عزة علشان تفهم الكلام وتعقله.
وتابع بما جعل الأخرى تذهل وهي تستمع لزوجها الراقي:
-وحياة أمك إيثار اللي قاعدة جنبي دي يا مالك، لو سمعت لك صوت من الوقت لحد ما نوصل، لكون معلقك على الشجرة اللي جدك زارعها في الجنينة من أيام أبوه الله يرحمه ما اشتراها أرض.
-مفهوم كلامي؟!
مط شفتيه وتحدث بعدما أصابه الإحباط:
-مفهوم.
-اربط حزامك...
قالها بحزم، ثم حول بصره لتلك التي ما زالت مذهولة ليتابع حدته مشيرًا لأحضانه:
-وإنت، إرجعي مكانك.
ابتسمت لتهرول ومن جديد تسكن أحضانه ليهمس بما جعلها تدخل بنوبة ضحك هيستيرية:
-الظاهر كده إنت وولادك مبتجوش غير بالعين الحمرا، وأنا بقى نويت أظبطكم بالطريقة اللي تنفع معاكم.
نطقت وهي تدخل حالها بحضنه أكثر:
-اللي تشوفه مناسب إعمله يا باشا، أنا وولادي ملك إيديك.
رفع حاجبه متعجبًا قبل أن ينطق بطريقة متهكمة:
-لا والله، وده من إمتى الرضى والعقل والطاعة دي كلها يا جناب الـ (Strong independent woman) «سترونج إندبندنت وومن»؟!
ارتفعت قهقهاتها بهيستيرية لتنتقل عدواها إليه. وصل إلى المنزل فترجل الصغير وبات يركض حين وجد جديه وأشقائه وعمته فريال وبيسان يجلسون بالحديقة بانتظارهم. هرول وتحدث لجده:
-بابي جه من الغردقة يا جدو.
أدخله بأحضانه وتحدث بعدما قبل وجنته:
-ما أنا عارف يا حبيبي، هو جه هنا الأول ولما عرف إنك مش موجود راح لك المطعم على طول.
رفع ذراعيه لينطق باستعراض وهو يرمق شقيقته بغيظ:
-علشان وحشته كتير، أصلًا بابي بيحبني أكتر حد في الدنيا.
-سخيف...
نطقتها "تاج" لإغاظته فمد شفتيه لإغاظتها. اتجهت جميع النظرات إلى فؤاد حيث ترجل من سيارته وتوجه إلى الباب الآخر يفتحه، وما أن خرجت "خليلة الروح" حاوط خصرها بتملك أظهر للجميع انتمائها له وبأن مدة الحرب بين الحبيبين قد انتهت. ابتسمت عصمت وتنهدت براحة وهي ترى ابتسامة نجلها تملأ وجهه وتنير عيناه. قطع شرود الجميع صوت الصغير الذي صدح:
-جو حبيبي بيسلم عليك يا جدو.
وأشار مكملًا بسبابته نحو عصمت تحت اهتزاز قلب "بيسان":
-وعليك يا نانا، وعليك يا زين، وعليك يا عمتو.
وتوقف عند وصوله لشقيقته لينطق برخامة وهو يهز رأسه نافيًا:
-مجبش سيرتك لاء.
-والله يا مالك لو مبطلطش أسلوبك السخيف ده لأقول لـ بابي...
قالتها بحنق ليتدخل فؤاد الذي اقترب عليهم:
-فيه إيه يا "تاج"، مالك ومال أخوك؟
انتفضت من مقعدها وتحدثت وهي تهرول لترتمي بأحضانه بدلال:
-طول الوقت بيضايقني يا بابي.
-مساء الخير...
قالتها إيثار بوجه بشوش ليرد الجميع تحيتها.
-وبعدين في دلعك ده يا تاج...
جملة تحذيرية نطقتها عصمت بحزم لتتابع وهي تنظر لنجلها الحبيب:
-بابي لسه راجع من السفر ومحتاج هدوء، بطلي دوشة ومناقرة في أخوك الصغير.
لم تعر لحديث جدتها اهتمام وتحدثت وهي تتحسس ذقن أبيها بدلال مفرط:
-وحشتني قوي يا بابي.
ابتسم وقبلها:
-وإنت كمان يا حبيبتي.
وهنا ترك كلتاهما لترتمي الفتاة بأحضان والدتها، بينما اتجه فؤاد إلى شقيقته التي حضرت لاستقباله هي وابنتها عندما علمت بعودته من خلال مهاتفة والدتها لها. احتضنها وتحدث مربتًا على ظهرها:
-إزيك يا فيري، عاملة إيه يا حبيبتي؟
-أنا بخير يا فؤاد، حمدالله على سلامتك...
نطقتها بنبرة هادئة خالية من المرح كعادتها السابقة. حزن الجميع لأجلها، فمنذ ذاك اليوم المشؤوم تبدل حالها وكأنها أصبحت امرأة أخرى، امرأة فاقدة للشغف والحياة كما عاهدها الجميع من ذي قبل. ضمها إليه وتحدث بحنو ليحتويها:
-الله يسلمك يا حبيبتي.
طالع الفتاة التي تقف تنتظر دورها وهي تتحدث بمرح:
-أنا واقفة مؤدبة أهو ومستنية دوري.
علا صوت ضحكاته ليقول وهو يفتح ذراعيه بحنان:
-يا حبيبي أنت الدور يجي لك لحد عندك.
ارتمت لتتنعم بحنان خالها الذي طالما كان لها الأب الحنون المستمع المراعي. ابتسمت وشددت من ضمته، ثم تحركت إلى إيثار التي احتضنتها بقوة فتحدثت الفتاة معتذرة:
-أنا آسفة علشان بطلت أجي أقعد معاك زي الأول.
-متتأسفيش، أنا عذراكي ومقدرة اللي إنت فيه، بس حاولي ترجعي معايا زي الأول، لأن وجودك فارق لي جدًا.
وتابعت والحزن سكن عينيها:
-كفاية عليا بعد يوسف يا بيسان.
أصاب الوجع قلبها البريء عند ذكر اسم الحبيب، فتنهدت بألم نحر قلب الأخرى على حال المغرمين.
أمسك كفها واتجه ليجلس بجوارها وبدأ الجميع بخلق أحاديث. خرجت عزة خلف تلك العاملة "هند" والتي صدمت من مشهد جلوس الزوجين بجوار بعضيهما، وما زاد اشتعالها هو الحديث الجانبي الدائر بينهما والضحكات الناعمة الظاهرة للأعمى. تقدمت بالحامل ومالت عليه لتنطق بنعومة ونظرات مبتسمة:
-حمدالله على سلامتك يا باشا، اتفضل العصير.
شعر بعصبية زوجته من خلال تشنج كفها المتشابك مع خاصته بينما بدأت بعصره دون إدراك، فعلى الفور تحدث بحدة متجاهلًا لطف حديثها:
-مش عاوز.
والتفت إلى عزة متجاهلًا وقوف الفتاة:
-وحياتك يا عزة تلحقيني بفنجان قهوة من إيدك.
نطقت تجيبه بحماس ظاهر:
-من عنيا يا سيادة المستشار، أحسن فنجان قهوة في الدنيا كلها يتعمل لك حالًا.
ثم اقتربت منه بعدما رأت تسمر تلك الفتاة لتطرق على كتفها بقوة قائلة:
-إنت متنحة كده ليه يا أختي، يلا ورينا عرض كتافك.
اشتعل داخلها من حديث تلك العزة وتحركت إلى إيثار التي أشارت لها بالتخطي بمنتهى التقليل مما جعلها تتحرك سريعًا إلى الحضور. مالت عزة على أذن فؤاد وتحدثت بحبور شديد بعدما رأت تشبثه بكف ابنتها الحبيبة:
-ليك عندي مفاجأة.
-أستر يا رب...
قالها بريبة مفتعلة لتتابع مسترسلة بحماس:
-جهزت لك أوضة الجاكوزي أنا وسعاد.
غمز لها بطرف عينيه وتحدث:
-أيوه بقى يا عزة، هي دي المفاجآت اللي بجد.
أكملت حديثها بنفس النبرة الحماسية:
-ده أنت هتنبهر لما تشوف اللي أنا مجهزاه جوه.
-هات العواقب سليمة يا رب...
قالها وهو يطالعها بحذر مما جعلها تشعر بالغيظ لتقول:
-والنبي لو قدت لك صوابعي العشرة شمع برضه ما هيعجبك، يلا، كله لوجه الله وعلشان الغلبانة اللي قاعدة جنبك.
نطق متجاهلًا شكواها:
-روحي إعملي القهوة يا عزة، دماغي صدعت فوق صداعها.
مصمصت بشفتيها قبل أن تنطق وهي تخبط كفيها فوق بعضيهما:
-صحيح، خير تعمل.
تحركت للداخل تحت ضحكات إيثار التي سألته:
-مالك ومال زوزة، مزعلها ليه؟
طالعها مستغربًا وتحدث باستنكار:
-أنا أزعل عزة، دي جبروت، دي تزعل قارة بحالها.
-أمال بتبرطم ليه وهي ماشية؟!
مال بجزعه يهمس:
-أصلها موجبة معايا وحضرت لنا الجاكوزي، وبتقولي هتنبهر.
تحدثت بمشاكسة:
-طب والله كتر خيرها، الست حريصة على تعلية مزاج معاليك، وإنت كمان اللي زعلان؟!
-مين قال إني زعلان، أنا بس قلقت بعد كلمة هتنبهر بالأجواء دي.
وتابع متوجسًا:
-المشكلة إني حافظ عزة وأساليبها في الانبهار، دي مش بعيد تكون حاطة لنا صواريخ من اللي بتفرقع في قلب الماية، أو ديناميت كنوع من الإثارة والحماس.
لم تستطع كبح ضحكاتها التي صدحت وملأت المكان تحت استغراب الجميع الذين صوبوا نظراتهم عليها. وكزها بخفة ينبهها ليقاطعه صوت علام الحكيم:
-خد مراتك واطلع على جناحك يا فؤاد، إنت جاي من سفر وأكيد محتاج للراحة.
نطقت الفتاة بدلال:
-خليك قاعد معانا شوية يا بابي.
تطوعت عصمت بالرد:
-بكرة أجازة يا حبيبتي، إبقى اقعدي معاه براحتك.
وتابعت موجهة حديثها إلى فريال:
-إبقى هاتي ولادك وتعالي اتغدي معانا بكرة يا فريال.
أومأت بهدوء وتذكرت حزن والديها من زوجها وسخطيهما عليه بعدما حدث منه وعدم مجيئه إلى هنا منذ ذاك الحين.
وقف فؤاد وجذب خليلة روحه تأهبًا للصعود، فهب مالك من جوار جده وهتف بحماس:
-أنا هاجي أنام معاك يا بابي.
كانت إشارة من سبابته على تلك الشجرة العتيقة كافية لهدل كتفي الصغير وعودته مرة أخرى إلى كنف جده. همست بصوت خفيض:
-بقيت جبروت حتى على ولادك يا سيادة المستشار.
رد بهدوء:
-بتعلم منك يا قلب سيادة المستشار.
حاوط خصرها وتحركا للطابق الثاني وما أن أغلق باب الجناح حتى احتضنها رافعًا إياها من خصرها لأعلى لتتدلى ساقيها معلقة في الهواء. تحرك بها إلى التخت بعد أن التقط شفتيها بين خاصتيه وغاصا معًا في قطف شهدها. وصلا للتخت فنزل بركبته مستندًا على الفراش ثم طرحها بقوة للخلف وابتعد ينزع عنه ثيابه ويلقيها بإهمال ليقبل عليها بشوق وكأنه ابتعد عنها لأعوام وليس عدة أيام فقط. غاصا معًا في جنة العشاق ليبث كل منهما مدى عشقه واشتياقه الجارف للآخر.
بعد مرور حوالي ساعة، ولج من الباب الخاص بغرفة "الجاكوزي" ليجدها مزينة بألوان الشموع وألوانها المختلفة وروائحها العطرية المريحة للنفس وجلب السلام النفسي، وأنواع الفاكهة المحببة لدى كلاهما والشراب أيضًا. ما لفت انتباه فؤاد هي بذلة الرقص الشرقية التي رآها معلقة على مانيكان بجوار المغطس. بذلة جديدة كليًا بها حزام مزين من الترتر باللون ذاته. حقًا كانت رائعة ومثيرة. قامت عزة بشرائها من متجر مخصص لبيع ملابس النساء الخاصة لتقديمها كهدية إلى تلك العنيدة، وذلك لعلمها باهتمام فؤاد بذاك النوع من الملابس. هتف وهو يتطلع على الثوب بمقلتين ستترك عينه وتقفز عليه:
-دي مفاجأة عزة طلعت مفاجأة نار بجد، لا وإيه، مفاجأة من العيار الثقيل.
نطقت هي متعجبة:
-جابتها منين الأروبة دي؟
-ده وقت الأسئلة دي برضه...
قالها وهو يجذبها بقوة إليه لترتطم بجسده وتابع بوقاحة:
-دقت ساعة العمل، الست عملت اللي عليها، الباقي بتاعك إنت يا إيثو.
أفلتها وأشار إلى الساتر الخشبي:
-روحي غيري بسرعة على ما أشغل غنوة حلوة تشعلل الأجواء وتنعنشها.
بالفعل اتجهت وأبدلت ثيابها بالبدلة وما أن خرجت عليه حتى اشتعل قلبه من مظهرها الفتاك. أسرع على مشغل الموسيقى وجدها جاهزة على غنوة شعبية. بدأت كلماتها لتدخل إيثار بنوبة ضحك عندما استمعت للغنوة وهي تقول:
أنت لو كنت بتهتم
أنت لو كان عندك دم
أنت لو بتحس يا عم
هتعرف إيه اللي مزعلني
ما أنت لو كنت بتهتم
ومالية عينك كنت تتلم
أنت لو كنت بتفهم
ما تزعلنيش وتدلعني
تطلع بأعين مذهلة وهو يرى زوجته تستغل الكلمات لإغاظته وتتمايل بخصرها مع الغنوة بتردد لكلماتها فهتف بحنق:
-الله يخربيت أم غبائك يا عزة، أنا كنت متأكد إن عمرك ما تعملي حاجة عدلة وتكمليها للآخر أبدًا.
جذبته عليها لتدمجه معه بالرقص وتحدثت مع الغنوة بتمايل أصابه بالجنون لدرجة أنه اندمج لأبعد حد وبات يتمايل معها ممسكًا إياها من خصرها وتقريبها عليه:
مخصماك
وإبعد عني أنا مش طايقاك
سيبني مش عايزة أبقى معاك
ما تورينيش وشك تاني
نطق هو بغمزة:
-يا راجل، ده من قلبك؟!
تابعت بدلال مفرط وشفاه مثيرة:
مخصماك
مجنون بجد أنا مش فاهمك
مش عايزة عيني تكون شايفاك
ولا أسمع صوتك في وداني
انتهى من رقصتها الجنونية ليقسم بداخله أن تلك الرقصة وتلك الليلة ستحفر بذاكرة كلاهما. توقف وبأنفاس لاهثة تحدث منبهرًا:
-كنت هايل يا وحش.
اقتربت عليه تسأله بدلال:
-عجبتك يا فؤاد؟
-فوق ما تتخيلي.
أمسك بخصلات شعرها واشتم عبير زهورها ثم أعادها إلى خلف أذنها وتحدث بأعين يفيض منهما الشوق والاشتياق:
-وحشتيني قوي يا بابا.
ارتمت بأحضانه وتحدثت بحنين أظهر كم احتياجها ووحشتها له:
-إنت اللي وحشتني قوي يا حبيبي، وكلمة بابا هي كمان وحشتني منك قوي، أوعى تبعد عني تاني.
وتابعت:
-عاتبني وعاقبني زي ما أنت عاوز، بس من غير بعد وخصام يا فؤاد، روحي بتروح مني لما تبعد يا حبيبي.
ضمها لصدره بقوة وتحدث بنبرة يتخللها الحنان:
-كان غصب عني يا قلبي، بس كان لازم شدة الودن دي ليا أنا وإنت.
أبعدها قليلًا وتحدث:
-إلبسي المايوه وتعالي ننزل الماية، جسمي متخشب ومحتاج أفكه.
-عيوني.
بعد قليل كان منبطحًا على بطنه على حافة المسبح. تميل بجسدها عليه وبكفيها تدلك ظهره بخفة واحترافية وحركات دائرية بمساعدة بعض الزيوت العطرية المخصصة لذلك. تنفس براحة وتحدث بعينين مغمضة من شدة الاستمتاع:
-تسلم إيدك يا حبيبي، كنت محتاج المساج ده قوي يا إيثار.
ابتسمت وتابعت التدليك بحرفية. اعتدل ليستند على جدار المغطس ثم أخذها أمامه لتريح رأسها للخلف على صدره. حاوط خصرها بذراعيه وتحدث بوله وهو يضع قبلة بجانب أذنها أصابتها بقشعريرة وقتية:
-حبيبة حبيبها اللي وحشته بجنون.
لفت ذراعيها للأسفل حول عنقه وشبكتهما لتتنهد باسترخاء. تحمحم وهو يقول مضطرًا فلا وقت لديه للانتظار:
-حبيبي.
-إمممم.
تحمحم ليتابع بحذر:
-فيه حاجة مهمة حصلت ولازم تعرفيها.
-خير يا حبيبي؟...
قالتها بجفون مرتخية مستمتعة بلحظاتهم الحميمية معًا. ليتابع هو مرغمًا:
-عمرو البنهاوي.
صعقت لتلتفت إليه سريعًا تطالعه بعينين مرتعبة وكأنها تعرضت لصاعقة كهربائية. ابتلعت لعابها تنتظر تكملة الحديث بهلع بعدما رأت خيبة الأمل تملأ عينيه:
-هيوصل مصر بكرة.
"وكأنك ذنب عظيم تلاحقني لعنته أينما ذهبت".
بجسد مرتجف وصوت مرتعب تحدثت:
-إنت بتقول إيه يا فؤاد، عمرو مين ده اللي يرجع؟!
وتابعت بهذيان ونظرات زائغة توحي لمدى فظاعة وقع الخبر عليها:
-أكيد إنت غلطان، ده عليه حكم قضائي ولو نزل مصر هيتقبض عليه.
أمسك كفيها باحتواء وتحدث:
-ممكن تهدي علشان أعرف أفهمك الموضوع.
سحبت كفها من بين راحتيه وقامت بوضعها فوق فمها، وبعينين مغيمة بالدموع هزت رأسها لتشهق وبلحظة انسابت دمعاتها بغزارة على وجنتيها. شعر بأن أحدهم قام بغرس نصل سكين حاد بمنتصف القلب. هو رجلها وحمايتها، كيف لدموعها الانسياب بحضرته. احتوى وجنتيها وتحدث بتأكيد من عيناه:
-إنت خايفة من إيه، أنا معاك يا بابا، مفيش مخلوق هيقدر يقرب منك في وجودي.
-يوسف يا فؤاد، يوسف...
قالتها بضعف ووهن ودمعات تقطع نياط القلب، فأجابها بصوت هادئ مستكين:
-يوسف بقى راجل وميتخافش عليه يا حبيبي.
وتابع ليشعرها بالطمأنينة على نجلها:
-وبعدين ده ابنه، أكيد هو مش مختل لدرجة إنه يأذي ابنه.
هتفت بدموعها الهيستيرية:
-إنت بتتكلم على أساس إنه قبل كده مبعتلوش بلطجية علشان يخطفوه من باص المدرسة؟!
وتابعت صارخة بهذيان:
-ده بني آدم مجنون يا فؤاد، المخدرات لحست نفوخه وخلته فاقد الوعي والأهلية.
أجابها شارحًا:
-زمان كان يوسف صغير والخوف من إنه يخطفه وارد جدًا، لكن يوسف حاليًا بقى راجل، يعني أكتر حاجة ممكن يعملها هي إنه يروح له ويحاول يتقرب منه، ويزيف له حقايق الماضي علشان يكسبه في صفه.
-وهي دي حاجة بسيطة يا فؤاد؟!
أجابها بتعقل:
-القصة مش قصة بسيطة أو معقدة يا حبيبي، اللي يطمن في الموضوع إن يوسف راجل ومتربي صح، وعنده عقل ناضج قادر يفرق من خلاله ما بين الحق والباطل والصدق والكذب، وده اللي مخليني مطمن من ناحية يوسف.
-أما بخصوص المخدرات فالموضوع ده انتهى خلاص...
نطقها بهدوء فضيقت عينيها لتسأله بعدم استيعاب:
-يعني إيه انتهى؟!
زفر وتحدث بهدوء:
-قومي إلبسي هدومك علشان متبرديش، وتعالي نطلع نتكلم في أوضتنا.
مالت بجانب رأسها تتعمق بعينيها وكأنها تشتكيه مر زمانها. جذبها وأسكنها أحضانه لينطق وهو يمسح فوق رأسها بلمسات بثت في روحها الأمان:
-يا حبيبي أنا جنبك، خايفة من إيه بس.
بعد قليل، فوق الفراش بغرفتهما كانت تقابله الجلوس وهو يتحدث:
-أنا عاوزك تهدي خالص.
وتابع مفسرًا:
-وبعدين متقلقيش، ابن البنهاوي اللي راجع مش هو اللي سافر هربان.
قطبت بين حاجبيها بعدم استيعاب فتابع بإبانة:
-البيه اتجوز هناك ومخلف ولد وبنت.
وتابع متهكمًا:
-ما شاء الله عليه، متجوز بنت واحد فرنسي الجنسية، مفيش شغل شمال ملوش فيه.
لطمت خديها:
-يا لهوي، وبتقولي متقلقيش؟!
-أه يا حبيبي بقولك متقلقيش، وهتفهمي حالًا لما أشرح لك أنا ليه بقول لك كده...
قالها بهدوء ليتابع مسترسلًا باستفاضة:
-بصي يا ستي، هو لما هرب على فرنسا اتعرف على البنت اللبنانية اللي اتجوزها بعد كده، هي كانت مدمنة كحول وهو مخدرات، أبوها كان بيحاول معاها كتير يوديها مصحة وهي كانت بترفض، واحدة واحدة حبت البيه واتعلقت بيه، وقررت وقتها تتعالج، فأخدته معاها.
وتابع شارحًا:
-ولأنه إمعة ومطموس الهوية أي حد معدي بيأثر فيه، فاستجاب لها وراحوا بالفعل اتعالجوا، ودي كانت أحسن حاجة عملتها معاه، اتعالجوا وخرجوا ومن هنا علاقتهم اتطورت واتعرف على أبوها، حكى له عن قصة حياته كلها، وأبوها أخد الفلوس الـ...
اللي كان البيه جامعها من بيع الآثار وغسلها له.
ثم تابع مسترسلًا بإبانة لما حدث:
- دخلها له بعد كده في شوية مشاريع، وبعدها كلم محامي كبير علشان يعمل له المصالحة مع الدولة، وبدأ يعمل مشاريع هنا في مصر استعدادًا لرجوعه.
صمت لبرهة ومسح على وجهه وهو يزفر بعنف، مما استدعى تعجبها ثم تحدث بما جعل عينيها تتسع على مصراعيهما:
منهم شركة الصخرة اللي كانت السبب في خسارة شركتنا لكذا مناقصة.
أغمضت عينيها وباتت تهز رأسها بذهول من هول ما استمعت إليه من معلومات، صاحت بنبرة عاتبة:
- وأنت كنت عارف كل ده وساكت يا فؤاد؟!
أشار بكفيه شارحًا بحدة:
- ما كنتش ساكت، كنت بحاول بكل قوتي ونفوذي أمنع التصالح اللي بيعمله المحامي بتاعه مع الدولة، لكن للأسف، الاتفاقيات الدولية الموقعة بين الدول ساعات بتبقى فوق الكل، وللأسف البلد من بعد الثورة عملت كمية تصالحات في قضايا كتير.
وتابع بأسى وغيظ:
- ولأن أساسًا قضايا الآثار مالهاش أحكام شديدة عندنا، فده ساعدهم وسهل عليهم الأمر أكتر، دفع فلوس وخد المصالحة.
تنهد ليتابع بضيق بعدما رأى تشتتها والانهيار النفسي:
- أنا كل غضبي منك الفترة اللي فاتت كان بسبب كده، في وسط الضغوط اللي كنت بتعرض لها وأنا بجري وبحاول بكل قوتي أمنع الأذى عنكم، الأذى قدر يوصل لشركتنا ولحد مكتبك، وسيادتك بدل ما تجري عليا وتبلغيني ونحاول نحل ونحمي نفسنا، لغيتي وجودي واتصرفتي لوحدك، ولولا ستر ربنا وإني متابع وزارع ناس تبعي في الشركة يا عالم، كان إيه اللي هيحصل.
بأعين نادمة أمسكت كفيه وتحدثت بدموع:
- أنا آسفة يا حبيبي، ما كنتش أعرف إن الماضي الملعون قام من رقدته وراجع تاني.
زفر ليخرج شحنة الغضب الكامنة بالداخل لينطق متمالكًا حاله:
- أنا مش ضدك ولا ضد نجاحك يا إيثار، بس أنا الأمر اللي يعنيني في الأول وفي الآخر هو أمانك وأمان ولادنا ويوسف، بعدها طظ في أي حاجة.
كانت تستمع إليه بعقل مشتت وقلب ممزق، سألته بعدما أدركت حديثه بشأن أمان يوسف:
- طب يوسف وكبر وزي ما بتقول وجوده ما بقاش بيشكل عليه خطورة، لكن وولادي يا فؤاد؟!
وتابعت بهلع قفز من مقلتيها:
- أكيد هيحاول يأذينا فيهم.
- طب خليه يجرب كده وشوفي أنا هعمل فيه إيه… ليتابع بجحيم ظهر بعينيه:
- قسمًا بالله أخليه ما ينفع يكون راجل تاني.
اعتدل بجسده وجهز وضعية الفراش للنوم وتحدث وهو يدعوها لأحضانه:
- يلا يا حبيبي علشان ننام.
رفعت كفيها لتنطق بإحباط وألم مليء عينيها:
- أنام، وأنا هيجي لي نوم بعد اللي عرفته ده إزاي يا فؤاد؟!
نطق بلوم وعتاب:
- وأنا يبقى إيه لزمتي في الدنيا لو النوم فارق عيونك بسبب واحد حقير زي ده؟! ده أنا يبقى عدم وجودي فيها أحسن يا إيثار.
أسرعت لتتخذ وضعية النوم ثم ارتمت بين أحضانه لتقول بصدق:
- إيه اللي بتقوله ده يا فؤاد، ده أنا ما عرفتش للأمان عنوان غير في حضنك.
ضمها وتحدث بيقين بالله:
- يبقى تنامي جواه وترمي حمولك على ربنا، وسيبي الباقي عليا.
خرجت سريعًا من حضنه لتسأله بارتياب:
- أنت هتروح بكرة عند يوسف علشان تتكلم معاه في كده، صح؟
أومأ لها فتحدثت برجاء:
- أنا هاجي معاك.
- حاضر، هعمل لك كل اللي أنت عاوزاه… قالها بهدوء ليتابع مترجيًا بعينين يغلب عليهما النعاس:
- بس خلينا ننام علشان خاطري، أنا من ساعة ما سافرت الغردقة ما نمتش ساعتين على بعض.
ملست على شعره بحنو لتقول بصوت بث داخله الاستكانة والراحة:
- نام في حضني يا حبيبي.
غمس رأسه على صدرها وحاوط خصرها بذراعيه ليتنعم بدفء حنانها ورائحة جسدها المسكرة، لتحتضن هي رأسه وبدأت بمداعبة خصلات شعره الفحمي بأناملها الرقيقة حتى غفى بسلام بين أحضانها، أما هي فباتت تفكر فيما حدث وقد جافا عينيها النوم بعد إزاحة ستار الحقيقة.
فاق من النوم وبات يفرد ذراعيه يتمطأ بتكاسل لذيذ ومزاج حسن بفضل ما حدث، حتى ولو عكر صفو الليلة الحديث عن ذاك الإمعة، لكن أثر الليلة عليه تغلغل داخله وأدخله بحالة مزاجية رائعة، استمع لصوت باب الحمام فالتفت ليجد حبيبته تخرج بزي الحمام الخاص (البرنس)، تلف منشفة كبيرة فوق شعرها لسرعة تجفيفه، تطلعت عليه وبابتسامة جاهدت لإخراجها تحدثت:
- أنت صحيت إمتى؟
- حالًا… وتابع عاتبًا:
- ما صحيتنيش آخد حمامي معاك ليه؟
أقبلت عليه وهي تقول:
- صعبت عليا قلت أسيبك نايم.
مالت بجذعها لتضع قبلة حنون بجانب شفته فأمسكها من خصرها وأجبرها على النزول ليلتهم شفتيها فصاحت باعتراض وهي تتشبث بمنشفة الرأس خشية انزلاقها:
- الفوطة هتقع وشعري هينقط عليك ماية يا فؤاد.
نطق باستفزاز:
- وأنا راضي، أهو بالمرة آخد الشاور بتاعي على السرير.
- بطل شقاوة بقى… قالتها وأفلتت حالها بصعوبة من بين براثنه لتنطلق مهرولة إلى مرآة زينتها، سحب جسده للأعلى ليستند للخلف، طالعها بانبهار لجمالها وسحرها الفريد، فبرغم مرور سنوات عديدة على زواجهما إلى أن ما زالت لديها القدرة على سحبه لعالمها وسحر عينيه بقوة، كانت تجفف شعرها استعدادًا لتصفيفه، ابتسمت وهي تراه يطالعها مسحورًا عبر انعكاس المرآة لتتحدث بنعومة:
- بتبص لي كده ليه؟
- مسحور بجمال حوريتي…. ثم تابع بابتسامة جذابة:
- أنت حلوة قوي يا إيثار، دائمًا قادرة تجددي حبنا وتاخدينا من وسط الدنيا ومشاكلها.
ابتسمت بدلال وتحدثت لضيق الوقت:
- طب يلا قوم خد الشاور بتاعك علشان الباشا مستنينا على الفطار.
ولج إلى الحمام بمساعدتها لينتهي بعد فترة ويرتدي ثيابه ليتحرك للأسفل بعدما سبقته هي للاطمئنان عن أطفالها، وصل لنهاية الدرج وجد عزة تدخل من الباب الرئيسي للمنزل لتقبل عليه بابتسامة واسعة تزين ثغريها:
- يا صباح الفل والهنا والسعادة على عيونك يا سيد البشوات.
وأكملت بثرثرتها المعتادة:
- الله أكبر، عينك عليك باردة، اللي يشوفك وأنت نازل من على السلم زي الأسد، يقول شاب يدوب في الثلاثينات.
- الله أكبر في عينك يا عزة… قالها ممازحًا ليتابع:
- جرى إيه يا ست أنت، أنت صاحبة تقري عليا؟
- أنا أقر على جوز حبيبتي وراجلها… مصمصت بشفتيها بصوت معترض لتتابع:
- ده أنا الود ودي أشوفكم أسعد الناس كلها.
تخطى حديثها ليسألها موجهًا ببصره نحو الباب المؤدي للحديقة:
- الباشا فين؟
- مستني جنابك بره في الجنينة، كلهم قاعدين ومستنيينك على الفطار.
خطى بساقيه فأوقفته متسائلة بسعادة:
- ما قلتليش يا باشا.
التف يطالعها فتابعت وهي تهز رأسها منتظرة الإجابة بحماس:
- إيه رأيك في المفاجأة بتاعتي؟
رفع حاجبه ثم حك ذقنه وتحدث بنظرات متوعدة:
- كويس إنك فكرتيني، بقى أنا يتقال لي أنت لو بتحس يا عم، وأنت لو كان عندك دم؟
ارتبكت وتراجعت للخلف بعدما وجدته يقترب عليها بوعيد لتتحدث بتلعثم:
- يو، وأنا اشعرفني يا أخويا بالأغاني وأمور المسخرة دي.
وتابعت بتنصل للأمر:
- أنا سألت البت سميرة بنت وداد، قلت لها لما بتحبي تدلعي جوزك وتشخلعيه يا بت بتشغلي إيه؟
وتابعت:
- وهي اللي حطت لي أغنية الشوم دي.
اقترب عليها أكثر مستمتعًا بمظهرها المنكمش وهي تتراجع للخلف بذعر:
- لا والله، يعني أنت ما كنتيش تعرفي كلام الغنوة؟
هزت رأسها نافية لينطق بلهجة حذرة:
- عزة.
زفرت باستسلام وقررت الاعتراف:
- الكدب خيبة يا بيه، أنا بصراحة سمعتها، وقلت للبت ينيلك يا سميرة، أنت عاوزاني أشغل قلة القيمة دي لسيادة المستشار.
وتابعت بحماس:
- بس البت أكدت لي إن الأغنية مشهورة، وكل الرجالة بتتهبل وتجيب ورا لما بتسمعها.
- بت إيه؟!… قالها بذهول ليتابع بحدة ونظرات شزرة:
- ده أنت نهارك مش فايت معايا النهاردة يا عزة.
وتابع ناهرًا من بين أسنانه:
- بقى لامّة الشغالات حواليكي وقاعدين تختاروا لي الغنوة اللي هسمعها مع مراتي؟!
رفعت ذراعيها تحمي بهما وجهها وارتجفت وهي تقول:
- العفو والسماح يا باشا، أنشك في قلبي لو اتدخلت لك في حاجة تاني.
- في حاجة يا سيادة المستشار؟!
التف كلاهما على صوت عصمت التي ولجت تستعجل العاملات بتجهيز الفطور، فوجدت مناوشات ذاك الثنائي، تحمحم قائلًا:
- مفيش يا ست الكل.
والتف يناظر تلك التي ابتلعت لعابها براحة وكأن حضور عصمت أنقذها من براثن ذاك الوحش، واسترسل متابعًا بابتسامة مستفزة إلى عزة:
- أنا كنت بطمن على صحة عزة، أصل صحتها مش عجباني اليومين دول، فبقول لها تهتم شوية.
- يخليك ليا... قالتها بأعين زائغة لتنقذها عصمت قائلة:
- طب يلا يا عزة ادخلي استعجليهم على الفطار، الباشا والأولاد جاعوا برة.
- فوريرة يا هانم... نطقتها وتحركت مهرولة ليشيعها بنظراته حتى اختفت داخل المطبخ، اقتربت والدته تتحسس ذقنه وتقول:
- شيفاك مبسوط النهاردة.
احتوى كفها وتحدث بلباقة مداعبًا إياها:
- حد يشوف القمر ده قدامه على الصبح ومينبسطش.
ضحكت وهي تقول:
- بقيت بكاش على كبر يا سيادة المستشار، اتعلمت المراوغة من ولادك.
ابتسم لها وتحركا للخارج يتناولا بصحبة العائلة وجبة الفطار تحت سعادة عصمت ومعاملتها الحسنة لإيثار التي تعجبت تغيير المرأة الكلي معها.
عند غروب الشمس
كانت تهرول خلف ذاك الكارثة الكبرى بحديقة القصر الواسعة، ذاك المشاغب الذي تقضي يومها بالكامل ركضًا خلفه وهي تلحقه من هنا لهناك كي لا يفعل كارثة كعادته ويأتي ذاك الغاضب "فؤاد" ويحملها كل النتائج، هتفت تنادي عليه وهي تراه يقترب من المسبح:
- يا واد تعالى هنا وجعت قلبي معاك، قطعت نفسي من الجري وراك الله يهديك.
توقفت لتأخذ نفسًا ثم تابعت بأنفاس لاهثة:
- تعالى علشان تستحمى قبل ما أبوك يشوف هدومك اللي اتبهدلت من العجين دي ويسود عيشتي.
توقف يجيبها وهو يترقص بطريقة ساخرة لإغاظتها:
- هقول له زوزة هي اللي ندهت عليا وقالت لي تعالى ساعدني، واعجن البيتزا بدالي يا ملوك.
- أنا عارفة إن نهايتي وطردي من البيت ده هيكون على إيديك يا شبر ونص أنت.
قطع حديثها قدوم ذاك البغيض عليها لتكفهر ملامحها وهي تهمس لنفسها:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انصرف.
سألها بتعالٍ:
- علام باشا وفؤاد باشا موجودين يا عزة؟
- جوة في المكتب... قالتها بلامبالاة وتابعت:
- اتفضل أوصلك ليهم.
والتفتت للصغير:
- راجعة لك، اصبر عليا يا مالك.
وصلت إلى المكتب لتدقه بهدوء، استمعت إلى صوت فؤاد فولجت لتنطق:
- الدكتور ماجد برة وعاوز يقابل حضراتكم.
تبادل كلاهما النظرات سويًا فأومأ علام لنجله فتحدث بناءً عليه:
- خليه يدخل.
دخل ليرمقه علام بنظرات لائمة وتحدث مبكتًا:
- لسه فاكر يا ماجد؟
أقبل عليهما وتحدث آسفًا:
- حقك عليا يا باشا، أنا كنت هاجي لجنابك من وقتها، بس كنت محروج منك بعد اللي حصل آخر مرة.
ابتسامة ساخرة ارتسمت على ثغر فؤاد الذي ظل على حاله ناظرًا للأسفل دون أن يعير لدخوله أدنى اهتمام، أشار له علام ليشاركهما الجلوس، نطق بهدوء لذاك المتجاهل وجوده:
- ازيك يا سيادة المستشار.
هز رأسه ونطق بصوت خافض:
- الحمد لله.
اعتدل بجلوسه ثم تحدث بتوتر أظهر حضوره المجبر:
- أنا جاي أتأسف لحضرتك وليك كمان يا فؤاد باشا، عن اللي حصل مني يوم العزومة.
وتابع وهو يفرك كلا كفيه ببعضهما:
- أنا عارف إني تعديت حدودي في وجودكم، بس أنا غصب عني، لحد ولادي وبتحول.
كانا يستمعان إليه بهدوء مريب ليقرر فؤاد التحدث إلى أبيه:
- بعد إذن الباشا طبعًا.
أعطى له علام الإشارة فتابع مسترسلًا بغلظة:
- كويس إنك عرفت غلطتك واعترفت بيها يا ماجد، ولو إن أسفك متأخر بس مش مشكلة.
وتابع بحدة:
- وبرغم إن وجودك هنا مهم وكان لازم، إلا إني شايف إن الاعتذار الرئيسي مكانه مش هنا خالص.
ضيق بين عينيه وتحدث مستفهمًا:
- مش فاهم حضرتك تقصد إيه بالظبط يا سيادة المستشار؟
بقوة وصرامة أجابه:
- أقصد إن الشخص اللي أنت أهانته قدامنا كلنا هو اللي يستحق اعتذار منك، ومش بينك وبينه لا، ده لازم يكون قدام العيلة كلها.
وتابع مسترسلًا بقوة:
- وزي ما الإهانة حصلت قدام الكل، أبسط حق ليه إن كرامته تترد له هي كمان قدام الكل.
أسند ظهره للخلف وتحدث بكبرياء متغاضيًا عن مدى تعلق فؤاد بالشاب:
- بس أنا مغلطش فيه علشان أعتذر يا باشا، أنا كنت بدافع عن بنتي وافتكر إن ده حق أصيل ليا.
وتابع بازدراء للفتى:
- ثم إن اللي اسمه يوسف ده ميخصنيش في شيء، ولا يعني لي رضاه من زعله.
وتابع برياء أراد به تضامنهما:
- أنتوا اللي تخصوني وعلشان كده أنا موجود هنا.
انتفض فؤاد منتصب الظهر وتحدث متجاهلًا وجود ماجد:
- بعد إذنك يا باشا، ورايا مشوار مهم.
شعر بالإهانة من تجاهله وبرغم غضبه إلا أنه استطاع التماسك وتحدث لإصراره على كسب وده مرة أخرى:
- إحنا لسه مكملناش كلامنا يا فؤاد.
طالعه بكبرياء وتحدث بصرامة وهو يغلق زر بذلته:
- بالنسبة لي الكلام انتهى لحد هنا.
استمع لبعض الطرقات لتدخل مباشرة إيثار وهي تحمل صينية عليها قدحين من القهوة كان قد طلبهما منها علام، وتحدثت بابتسامة اختفت بعدما رأت ماجد:
- معلش اتأخرت عليكم.
أشار بكفه لتتوقف ونطق بصرامة لا تقبل المراجعة:
- اطلعي وابعتيها مع حد من الشغالين.
ثم حول بصره إلى علام يرجو منه السماح على ذاك التصرف، فليس من الرجولة أن يسمح لزوجته بتقديم المشروب لرجل يكن لها ولصغيرها البغضاء والضغينة بصدره، تفهم علام وأومأ له لينطق مستأذنًا:
- بعد إذنك يا باشا.
خرج من المكتب دون أن يعير الآخر أي اهتمام مما جعل الدماء تغلي بأوردته بفضل الإهانة المقصودة.
تحدث علام بجلد ولوم:
- مبسوط باللي وصلنا له كلنا بفضل تهورك يا ماجد.
دخلت العاملة لتقديم القهوة تلى دخولها عصمت التي جلست لتقول بفتور:
- ازيك يا دكتور ماجد.
- الله يسلمك يا دكتورة... قالها بخزي ليتابع شارحًا موقفه أمام الزوجين وبعدما انتهى تحدث علام:
- كل الكلام اللي أنت قولته ده مش مبرر للي عملته يا ماجد.
وتابع بتبكيت:
- أنت صغرتني وأهنت ضيفي في حضور أخته ده من جهة، ومن الجهة التانية ده بالنسبة لي مش مجرد ضيف، ده حفيدي اللي ربيته على إيديا وبسببك أنت اضطر يسيب بيته اللي اتربى وكبر فيه.
هز رأسه وهتف مسترسلًا بحدة ونظرات جالدة:
- وياريتك اكتفيت بكده، ده أنت حرمته من إنه يدخل البيت تاني.
وأشار بكفه باتهام:
- أنت متخيل مدى الأذى النفسي اللي تسببت لي فيه وأنا بالسن ده يا ماجد؟!
نطق مدافعًا عن حاله:
- يا باشا أنا بدافع عن مستقبل بنتي، أنتوا بتلوموني علشان رافض أجوز بنتي لواحد عيلته كلها مجرمين؟!
قاطعت حديثه عصمت التي نطقت بصرامة وأسلوب حاد يرجع أسبابه لرفضها تحول شخصيته:
- لاحظ إن اللي بتتكلم عنه ده يبقى متربي في بيتنا وتحت عنينا يا ماجد، وأنا والباشا بنعتبره حفيدنا البكري.
وتابعت بجدية وصدق:
- ده غير إن أخلاق يوسف ومستقبله يخلي أي حد يتمناه عريس لبنته.
أجابها:
- إلا أنا يا دكتورة، أنا مش مرتاح للموضوع وأظن ده من حقي، ده غير إن أنا والولد مبنرتحش لبعض، بأي عقل أجوز بنتي لواحد مفيش بيني وبينه أي ود.
نطق علام بحدة ترجع لتعنت ماجد بالفكر والحديث:
- الظاهر إن تفكيرك لا اتغير ولا هيتغير يا ماجد، وخليني أعيد لك كلام يوسف ليك قدامنا كلنا.
تابع بلوم:
- الولد متقدمش لبنتك علشان تعمل الزيطة اللي حصلت دي كلها، يعني أنت بعترت البيت كله وفرقتنا على الفاضي.
أنزل بصره بخجل تحت نظرات عصمت المستنكرة فتابع علام بإشارة من أصبعه متوعدًا:
- اسمعني كويس وافهم الكلام ده يا ماجد، اللي حصل في اليوم ده مش عاوزه يتكرر تاني، ولو فاكر إن بيسان علشان بنتك هسمح لك تهينها وتتحكم فيها فأنت غلطان، دي حفيدتي وهي وأمها وأخوها في حمايتي، وأي حد هيحاول يمسهم ولو بكلمة هفتح عليه نار انتقامي اللي مش هيقدر يتحملها، حتى لو الحد ده هو أنت يا ماجد.
ارتجف جسده من تهديد علام الصريح وأسلوبه الحاد الذي يتبعه معه للمرة الأولى منذ دخوله للعائلة.
بالخارج، كانت تنزل الدرج بعدما ارتدت ثيابها استعدادًا للذهاب مع زوجها إلى يوسف للتحدث معه، خرجت للحديقة لتستقل السيارة بجوار زوجها قائلة:
- اتأخرت عليك؟
- لا يا حبيبي، يلا بسرعة قبل ما مالك ينزل ويعمل لنا دوشة.
تحرك بالسيارة و تلته إحدى سيارات الحراسة المجهزة، سألته بعدما رأت تجهم وجهه:
- مالك يا حبيبي؟
- مفيش... قالها مقتضبًا لتنطق من جديد:
- اللي اسمه ماجد كان جاي ليه؟
- متشغليش بالك بيه، خلينا في حياتنا واللي يخصنا.
أومأت برأسها ثم تنفست بعمق ونظرت للأمام تفكر في وقع الخبر على نجلها.
بنفس التوقيت
داخل مطار القاهرة الدولي، تحديدًا بالصالة الخاصة بكبار الزوار، خطى بساقيه ينظر للمكان بسعادة والغرور يملؤه، ابتسم بجانب فمه لينطق بهمس لحاله:
- "وقت الحساب بدأ خلاص، ونار الانتقام هتحرق الكل".
استمع لصيحات تلك التي هرولت عليه تحتضنه بلهفة قائلة:
- حمد لله عسلامتك حياتي، كتير اشتقت لك أنا.
رواية انا لها شمس الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم روز امين
داخل مسكن "يوسف"
يجلس بجوار شقيقته، يقابلهما والدته وزوجها. انتهى فؤاد من سرد جل ما توصل إليه من أخبار عن والدهما لينطق يوسف ساخرًا:
- يعني الباشا كان عايش حياته بالطول والعرض في فرنسا، سايبنا إحنا نسدد في فواتيره القذرة وندفع تمن انحرافه وإجرامه، وهو داير يحب ويتجوز وكمان يخلف.
صمت الجميع وقلوبهم تتمزق على قهرة الشاب وحديثه الموجع، تابع بقلب نازف:
- طب راجع ليه؟ مكفهوش إنه دمر لنا كل اللي فات من حياتنا، جاي يكمل على اللي باقي من صبرنا وقدرتنا على مواجهة المجتمع؟!
طالعت صغيرها وبعينين يملؤها الوجع تحدثت:
- مش أنا قولت لك يا ابني، ظهوره المفاجئ وإنه يطلب رقمك من عمك حسين ده أكيد وراه مصيبة.
دقت فوق ساقيها وتابعت بدموع قطعت بها نياط قلب الشاب:
- واللي حسبته لقيته يا يوسف، أبوك راجع علشان يدمرك ويدمر نفسيتي من جديد، وكأن مكفهوش اللي عمله فيا طول السنين اللي فاتت، جاي علشان يكمل علينا كلنا.
"إيثار"... قالها فؤاد بحزم، ونظرات شزرة جراء غضبه الحاد من ظهورها بهذا الهوان أمام الشباب والفتاة، نطق يوسف لتهدئتها:
- ممكن تهدي يا ماما، أنا مش فاهم حضرتك عاملة كل ده ليه، أنا وبابا جنبك ومش هنسيبك لحظة.
وتابع بعينين تطلق حممًا بركانية:
- وأنا مش هسمح له يقرب منك بأي شكل من الأشكال.
الكل غافل عن الفتاة وما أصاب داخلها من زعزعة وحسرة، كانت تنظر أمامها بنقطة اللاشيء، وبدون مقدمات تحدثت بشرود:
- لما عمي حسين اضطر يسيب البلد وقرر ياخدنا معاه على مصر، مرات عمي راحت البيت الكبير وخدت معاها كل ألبومات الصور.
وتابعت وهي تقطم أظافر يدها بتوتر:
- ولما كبرت ودخلت الإعدادية وبدأت أوعى لنفسي، خدت الألبومات وقعدت أتفرج عليهم، لقيت صور للعيلة كلها مع بعض، جدي وجدتي وأعمامي وكل ولادهم.
تنهدت لتسلط بصرها على أخاها وتابعت:
- لقيت لك صور كتير قوي يا يوسف، مع جدي وجدتي ومعاه، كان حاضنك وبيبص لك وهو فرحان، وصور تانية وهو بيلاعبك بلعب عمره ما فكر يجيب لي منها.
ابتسمت ساخرة لتكمل مسترسلة:
- المشكلة مش في اللعب، الغريبة إني ما لقيتش ولا صورة بتجمعني بيه!
ضحكت والألم ينخر بعمق قلبها:
- بعد كده فهمت وعرفت اللي عمي ومراته خبوه عليا علشان ما اتقهرش وأحس بالعار.
تابعت بإبانة:
- لما خالتي بدأت تسأل عليا بعد سنين من سفري مصر مع عمي، وجابت بنتها معاها علشان أتعرف عليها، اتصاحبنا وبقينا بنتكلم كتير في التليفون.
صمتت لبرهة لتنظر أسفل قدميها ثم استرسلت بما أذهل الجميع:
- وفي مرة وإحنا بنتكلم، فتحت لها قلبي وقلت لها على اللي جوايا وتعبني، وكتر خيرها عرفتني اللي جاوب على كل أسئلتي اللي كانت محيراني.
صمتت لبرهة لتنساب دموعها وكأنها أنهار، لتتابع بقلب يصرخ ألمًا:
- وعرفت إني كنت بنت الخطيئة لابن الحسب والنسب "عمرو البنهاوي"، بنت الفضيحة ولعنته في الدنيا اللي كان بيحاول يغمض عينيه عليها علشان ما يفتكرهاش.
احتوى كف شقيقته وضمه بقوة كي يشعرها بالاحتواء، نطق بصوت ضعيف:
- كفاية يا زينة، اسكتي يا حبيبتي.
تطلعت إلى إيثار الباكية لأجل الفتاة وتحدثت بانكسار:
- حقك عليا يا خالتي، واحدة غيرك ما كانتش سمحت لابنها يقعدني معاه أبدًا، ولا حتى قبلت تشوفني قدامها.
وقفت وتحركت صوبها لتجاورها الجلوس ثم ضمتها لأحضانها وباتت تربت على ظهرها قائلة:
- أوعي تتأسفي بالنيابة عن حد يا زينة، أنت مالكيش ذنب في أي حاجة حصلت ومحدش يقدر يحاسبك على غلط غيرك، أبوك وأمك الله يرحمها هما اللي مسئولين مش أنت.
نظر فؤاد إلى يوسف الذي كور كفه بقوة حتى نفرت عروق يده وابيضت من شدة القبضة، حزن لأجله ولأجل الفتاة وسخط داخله أكثر على ذاك الحقير الذي دمر أبناءه وما ترك ذنبًا عظيمًا إلا وارتكبه وألقى بإثمه عليهما، لتلاحقهما "أذناب الماضي" اللعين.
داخل مدينة كفر الشيخ
يقف "عزيز" أمام المطعم الخاص به وبشقيقيه المطل على الطريق السريع، يشاهد العمال الذين يعملون على قدم وساق لتجهيزات افتتاح ذاك المطعم الفخم المكلف برأس مال ضخم، زفر بضيق لينضم إليه "وجدي" عندما رآه ينظر إلى ذلك المكان المنافس، تنفس بصوت عالي وتحدث يحث شقيقه على الدخول:
- ادخل اقعد جوه يا عزيز، مينفعش وقفتك دي.
دس كفه داخل جيب جلبابه ليهتف بغل ظهر من بين أسنانه:
- لو أعرف بس المكان المشئوم ده بتاع مين، كنت هديت وناري بردت يا وجدي.
وتابع يهز رأسه باستسلام:
- ألا محدش راضي يريحني أبدًا، وكل ما أسأل حد من العمال يقول لي معرفش، ولا حد في البلد كلها أصلًا يعرف هو بتاع مين.
وتابع بزفرة شديدة:
- حتى نجدت أبو عمران اللي باع لهم الأرض، ما يعرفش حاجة عن المشتري غير اسمه الغريب.
تحدث "وجدي" ساخرًا:
- وهو "نجدت" كان هيعمل إيه باسم الشاري يا "عزيز"، ده قابض حق تمن الأرض مرتين من المحامي اللي جاله علشان يخلص فيها، زغلل عينيه بالمبلغ علشان يلين وما يعصلجش معاه في البيع.
هتف عزيز بسخط:
- راجل واطي وبياع، لهث على الفلوس وباع الجيرة والعشرة.
- وهو كان هيعرف منين إن الشاري هيبني عليها مطعم مشويات ويضاربنا في أكل عيشنا.
وتابع مبررًا تصرف الجار:
- وبعدين خليك حقاني، الراجل لقاها فرصة ما تتعوضش، وأنت نفسك لو اتعرض عليك المبلغ اللي اتعرض عليه، كنت هتبيع له حتة من أرضك من غير ما تفكر.
زفر بحدة وتحدث:
- ما أكدبش عليك يا وجدي، أنا مرعوب من اللي جاي، المطعم متشطب على أعلى مستوى وشكله هياكل مننا الجو، ده صاحبه مسميه "التحدي" يا وجدي!
أجاب شقيقه بتوكل ويقين:
- خليها على الله يا عزيز، محدش بياخد رزق حد يا ابن أبويا.
ولج الحاج محمد ناصف من البوابة الداخلية للمنزل، وجد شقيقته تجلس بالفناء بجوار الأطفال، هتف موبخًا بنبرة مرتفعة بثت الرعب في قلوب الأطفال:
- ابنك راجع يقاسم الناس في أرزاقهم ليه يا إجلال؟!
وتابع بحدة:
- ما كفاهوش أذية أبوه للخلق زمان، راجع علشان يكمل مشواره النجس؟!
بنبرة باردة سألته:
- قصدك إيه بالكلام ده يا حاج؟
تحدث بسخط:
- ما تستعبطيش عليا يا إجلال، أنت عارفة أنا أقصد إيه كويس.
نطقت باستخفاف:
- وأنا هعرف منين يا حاج... وتابعت متهكمة:
- كنت بضرب الودع إياك؟!
سئم لؤمها فقرر كشف أوراقه أمامها بعدما أصابه الضجر:
- بتكلم عن المطعم اللي على الطريق الجديد يا إجلال.
وتابع مؤكدًا:
- ما بقاش الحاج محمد ولا أستحق أكون ابن الحاج ناصف، إن ما كان اللي وراء موضوع المطعم ده هو عمرو.
ضحكت وتحدثت بلامبالاة:
- طب دي المفروض حاجة تفرحك يا حاج، مش تخليك داخل مش طايق نفسك كده.
هتف بحدة أظهرت مدى سخطه:
- وإيه اللي هيفرحني برجوع نسل نصر الملعون في الكفر من جديد، ده إحنا مصدقنا البلد نضفت والبركة حلت عليها بعد ما غار في داهية هو وعياله.
ثم هدر بها متوعدًا بتهديد من سبابته:
- خليكي فاكرة إني حذرتك من رجوع حد من عيالك هنا تاني.
لم تهتز منها شعرة ونطقت بثقة عالية:
- منك لعمرو يا حاج، ابقى اقف قدامه وقول له الكلام ده بنفسك، أهو راجع لبلده قريب قوي.
استشاط غضبًا ولم يجد بداخله ما يتناسب مع برودها من حديث فقرر الانسحاب من أمامها لينأى بحاله من ارتكاب جريمة إذا استمرت تلك المناقشة أكثر من ذلك.
ابتسامة ساخرة ارتسمت على محياها ليسألها حفيد شقيقها متسائلًا بلهفة:
- هو صحيح المطعم اللي جنب مطعم الجوهري بتاع ابنك يا جدتي؟!
ابتسمت تحدثه بكبرياء:
- أيوه بتاعه، بس ما تقولش لحد يا ولا، علشان عمرو بيه عاملها مفاجأة للكل.
- وهناكل فيه ببلاش يا جدتي؟! نطقها الفتى متلهفًا لشدة تعلقه بالتهام الطعام المصنوع خارج المنزل فضحكت وأجابته:
- أيوه يا طفس، هتاكل فيه ببلاش، بس بشرط.
- إيه؟! قالها الصغير متعجلًا فأجابته بحقد ظهر بين مقلتيها:
- إياك أشوفك تشتري أي أكل من مطعم اللي ما يتسموا ولاد الجوهري تاني.
هز رأسه عدة مرات فتابعت بشر:
- وتخلي أصحابك كلهم يشتروا من مطعم "التحدي".
ضيقت بين عينيها بشر وهمست بهسيس:
- وقت الحساب جه يا ولاد منيرة، قيامتكم خلاص قربت، آن الأوان لكفة الميزان المايلة تتعدل من جديد، وكل واحد لازم يرجع لأصله.
وتابعت بقامة مرتفعة:
- السيد سيد، والعبد يرجع لمكانه.
تحركت إلى غرفتها وأوصدتها ثم طلبت رقم نجلها الحبيب وما أن استمعت إلى صوته حتى صاحت بزهو:
- حمد الله على سلامتك يا قلب ستهم.
كان يجاور زوجته الفراش، استمع لصدوح صوت الهاتف وعلى الفور أجاب عندما رأى اسم والدته:
- الله يسلمك يا ماما.
طلب من زوجته إحضار كأسًا من المشروب ليتحدث بخصوصية مع والدته التي هتفت بحفاوة:
- هتيجي البلد إمتى علشان ترفع راسي وترجع حق أبوك يا عمرو؟!
أجابها بهدوء:
- الموضوع مش بالسهولة دي يا ستهم، ده محتاج ترتيبات على أعلى مستوى.
نظر أمامه لينطق بقوة:
- لازم أدخل أنا وإخواتي مرفوعين الرأس، والدخلة لازم تليق بولاد نصر البنهاوي علشان نرجع الهيبة من تاني، ولازم المركز كله يتكلم عن رجوع مجدنا من جديد.
هتفت بحدة تسأله لعدم تحملها للوقت أكثر:
- أيوه يعني هستنى لسه قد إيه؟ خمستاشر سنة كمان؟!
- اصبري يا ماما، هما يومين بالظبط، أوعدك.
نزلت دموعها وتحدثت بمرارة:
- الصبر مرر عيشتي سنين يا ابن نصر، سنين والغل والقهرة بياكلوا في قلبي لما خلاص، فاض بيا وما عادش فيا حيل للصبر.
هتف بنار الحقد التي غزتها هي بداخله لسنوات طوال:
- صدقيني لأفش قلبك وأبرد لك نار السنين، هخليكي تمدي إيدك جوه صدر كل واحد ظلمك وتنتشي قلبه وتفعصيه تحت جزمتك.
وتابع لتهدئتها:
- بس اصبري، علشان كل حاجة تمشي صح.
صباح اليوم التالي
توقف بسيارته الخاصة أمام الشركة التابعة لعائلته، شركة "الزين" للاستيراد والتصدير، أسرع أحد رجال الأمن ليفتح له الباب، ترجل ليقف بشموخ ثم أغلق زر بدلته وتوجه للباب المقابل، فتح الباب لسيدة قلبه ثم قام ببسط كفه لتستند عليه، وقفت بقبالته وتحدثت بابتسامة جذابة:
- ميرسي يا حبيبي.
نطق غامزًا وهو يشير إليها لتتأبط ذراعه:
- إحنا دايمًا تحت الأمر يا باشا.
تبسمت وتحركت بجواره باتجاه مدخل الشركة تحت أنظار رجال الحراسة المنتشرين حولهما، سألته مستفسرة:
- يا ترى عمو أحمد جه ولا لسه؟
أجاب مستفيضًا:
- أكيد هنا، لما كلمته امبارح أكد عليا إنه هييجي مع بسام، هشرب معاه فنجان قهوة قبل الاجتماع علشان أتكلم معاه في كذا نقطة لوحدنا.
تحدثت بارتياب وتوتر:
- أنا خايفة لا الباشمهندس يزعل يا فؤاد.
وصلا إلى المصعد وفتح بابه أحد الحراس ليشير هو إليها فدلفت وجاورها ثم تحدث:
- هيزعل ليه؟ المفروض أنا اللي أزعل من الفوضى والهبل اللي عياله عاملينها في إدارة الشركة.
نطقت بريبة:
- ممكن ياخدها من باب إنك عامل اجتماع وجايبه علشان تصغره وتعنف ولاده قدامه.
نطق ليطمئنها:
- ما تقلقيش، عمي دماغه أكبر من يفكر بالتافهة دي، وبعدين إحنا جايين نحط النقط على الحروف علشان كل واحد يعرف حدوده كويس وما يتعداهاش بعد كده.
نظر عليها وتحدث غامزًا بعينه:
- أنت إزاي حلوة قوي كده.
باستطاعته أن يقلب جميع موازين حياتها، فبمجرد نطقه لكلماته البسيطة جعل فراشات العشق تدور من حولها لتحول نظراتها لهائمة وابتسامة رائعة شقت ثغرها وأخرجتها في الحال من دائرة التوتر، نطقت بعينين في العشق هائمتين:
- بحبك يا فؤاد.
نطق بابتسامة أظهرت كم سعادته:
- حبيبة حبيبها اللي هتجننه يا ناس.
اشتدت سعادتها وحمدت الله بسريرتها على زوجها الحنون، فهو على علم بتوترها الزائد فأراد أن يهدأ من روعها ويسحبها بعالمه قليلًا للتخفيف من وطأة التوتر، وبالفعل استطاع.
ولجت إلى مكتبها الخاص بعدما تركها فؤاد وذهب إلى عمه حيث أخبرته مساعدة إيثار أن أحمد ينتظر حضوره بغرفة الاجتماعات، خلعت عنها معطفها لتتناوله منها "عالية" لتنطق هي:
- ابعتي لي أستاذ أيهم بسرعة قبل الاجتماع ما يبدأ يا عالية.
- حاضر يا هانم.
بعد قليل كان يدخل من الباب قائلًا:
- صباح الخير يا إيثار.
- صباح الخير يا أيهم، تعالى عاوزاك.
مدت يدها بأحد الملفات لتتابع مسترسلة بجدية:
- الملف ده تشتغل عليه بسرية تامة، مش عاوزة مخلوق يعرف إنه معاك.
قلب الملف بين يديه ليسألها بجبين مقطب:
- ملف إيه ده؟!
- ده ملف صفقة الحديد الجديدة... وتابعت بحذر بعدما قررت أخذ التدابير الاحتياطية لتستبق الأحداث وتسيطر على الموقف:
- ده اللي هيتقدم للمناقصة وهيتحدد جواه السعر الحقيقي اللي هنقدمه للهيئة.
وتابعت بحذر وتشديد:
- الملف ده ما يظهرش لمخلوق يا أيهم، ولا حتى لـ "أميرة" مراتك.
سألها مرتابًا:
- أنت قلقانة من إيه؟ ما أظنش إن حد هيقدر يتلاعب تاني بعد اللي اتعمل في موافي.
أجابته بفطانة:
- بسام بعت جاب أخته من دبي يا أيهم، يعني رسم الخطة وأعلن الحرب عليا صريحة.
أجابها نافيًا تفكيرها بحكم العقل:
- بس ده ماله زي ما هو مال جوزك يا إيثار، يعني مستحيل يتعاون مع المنافسين ويدمر شركة عيلته.
نطقت بتعقل:
- الشيطان لما بيدخل لبني آدم من باب الحقد بيعمي بصيرته.
تنهد لتتابع هي بحزن ظهر بمقلتيها:
- خد الجديد عندك.
تعمق بتمعن لتتابع بما صدمه:
- شركة الصخرة، طلعت ملك عمرو البنهاوي.
اتسعت عينيه بصدمة:
- نعم، أنت بتقولي إيه؟!
قصت عليه ما حدث لينطق بعدم استيعاب:
- هي العيلة دي ربنا مش هيتوب علينا منهم ولا إيه.
بعد قليل كانت أفراد العائلة مجتمعة حول طاولة الاجتماعات، فؤاد وزوجته، أحمد ونجليه، تحدث فؤاد بحزم موجهًا الحديث لعمه:
- رأي حضرتك إيه في اللي حصل من بسام وسميحة يا عمي؟
نطق أحمد بما يمليه عليه ضميره مصطفًا لجانب الحق:
- غلط طبعًا، وأنا لا يمكن أوافق على التسيب والمسخرة دي.
أشار بسام بكفه وتحدث للاعتراض:
- ثانية واحدة بس يا بابا، أنا مش فاهم سيادة المستشار جامعني مع سميحة في نفس الخانة ليه؟!
صدمت سميحة من تخلي شقيقها وتركها لتواجه المصير داخل ساحة الحرب بمفردها، ليتابع بسام مسترسلًا بإبانة:
- أنا ذنبي إيه في اللي سميحة عملته.
ضيق فؤاد بين عينيه وهو يتابع تنصل نجل عمه من مسئولياته تجاه شقيقته ليسترسل الآخر:
- أنا نبهتها وقتها من اللي هتعمله، وأهي قدامكم أهي، اسألوها.
خرج صوت فؤاد حادًا كالسيف وهو يقول بصرامة:
- وأنت لزمتك إيه في الشركة يا باشمهندس وأنت مش عارف تمنع أختك من تصرفها الأهوج اللي خلى شكلنا كعيلة مسخرة قدام الموظفين.
- خلاص يا فؤاد، سوري إني تعديت على مكتب حرمكم المصون... نطقتها بسخرية وتهكم لتتابع بضجر:
- ممكن بقى نتكلم في المهم.
نطق بحدة وثبات:
- هو أنت فاكرة اللي حصل هيعدي بالبساطة دي يا دكتورة؟
تحدثت باستهانة وسخرية:
- أوعى تكون هترفع عليا قضية، أزعل منك قوي يا فؤاد.
- سميحة... نطقها أحمد بلهجة تحذيرية ليتابع بحدة وغضب:
- اتكلمي مع ابن عمك بأسلوب كويس واحترمي قيمة المكان اللي أنت قاعدة فيه.
زفرت لتخرج شحنة الغضب وهي تتطلع بحقد دفين على تلك التي تتابع بهدوء ولم تنبس ببنت شفة احترامًا للحضور ولزوجها قبل الجميع، برغم منصبها الذي يسمح لها بالتدخل إلا أنها قررت أخذ مقعد المتفرج لحين انتهاء تلك المناوشات وتراشق الكلمات والاتهامات.
نطقت بهدوء بعدما أخذت نفسًا عميقًا:
- سوري يا بابا.
وتابعت وهي تنظر إلى فؤاد لاستعطافه:
- سوري يا فؤاد، أنا أعصابي تعبانة شوية من يوم اللي حصل هنا في الشركة.
وتابعت تشتكي بعينيها ما بين أبيها وفؤاد:
- كتير عليا قوي إني أجمع حاجتي وأخرج قدام الموظفين كلهم من مكتب أنا اخترته بنفسي.
بهزة من رأسه تحدث أحمد مستسلمًا:
- ما فيش فايدة فيك يا سميحة، هيفضل تفكيرك محدود وعقلك عقل طفلة برغم المستوى التعليمي والوظيفي المرموق اللي وصلتي لهم.
هتف بسام مستغلًا غباء شقيقته للنأي بحاله:
- شوفتوا بعيونكم، علشان بس تعذروني.
صدمت واتسعت عينيها من دناءة شقيقها ليتابع هو متنصلًا:
- والله يا فؤاد قعدت أقنع فيها وأقول لها بلاش يا سميحة، لكن زي ما أنتم شايفين، ما بتقتنعش غير باللي في دماغها.
سئم فؤاد تلك الجلسة وغباء نجلي عمه، أقسم بداخله أن زين وتاج بهما عقل عن ذاك الثنائي الغريب، فتحدث بحسم:
- بعد إذنك يا عمي، أنا هدخل في الموضوع على طول علشان ما أضيعش وقت حضرتك ووقتي أنا كمان.
- يا ريت يا ابني لأني زهقت... قال كلمته الأخيرة وهو يرمق كلاهما شزرًا وخجلًا من تصرفاتهما الصبيانية التي ترجع لترك تربيتهما وإسنادها إلى زوجته "نجوى".
نطق فؤاد بجدية وهو ينظر إلى ابنة عمه:
- الوقت الدكتورة جاية علشان تشتغل، صح يا دكتورة؟
أومأت بنعم ليتابع فؤاد:
- تمام، أنا وعمي قررنا إنك هتمسكي مدير التسويق الإلكتروني للشركة، ودي أنسب وظيفة تنفع لك وتقدري تفيدي الشركة من خلالها.
أرجعت ظهرها للخلف لتنطق وهي تنظر إلى إيثار بتحدي:
- بس أنا عاوزة أكون رئيس مجلس إدارة الشركة.
- مش هينفع... قالها أحمد ليتابع مفسرًا:
- أولًا لأن فؤاد مالك 65% من أسهم الشركة، ومن البديهي إن الإدارة تكون معاه، وبحكم إن إيثار مراته فهي أولى بالمنصب من أي حد.
وتابع بجدية وتعقل:
- ده غير إنها أجدر حد بالمنصب، وبالفعل ليها سنين في الشركة أثبتت فيها جدارتها وقدرت تكسب الشركة أرباح مهولة.
أخيرًا خرجت عن صمتها لتشكر كلمة الحق:
- ميرسي لذوق حضرتك يا عمو.
أجابها بضميره اليقظ:
- ده حقك ونجاحك اللي محدش يقدر ينكره عليك يا بنتي.
استشاط داخل بسام ليتحدث فؤاد من جديد:
- كده يبقى كل واحد عرف اختصاصاته وإيه المطلوب منه.
وتابع وهو يفرق نظراته على الثلاث المعنيين:
- يا ريت بدل ما تكسروا في بعض وكل واحد يحاول يعلي على الثاني، تحاولوا تتحدوا وكل واحد يثبت جدارته في حتته.
وتابع بتوجس:
- الشركة ليها أعداء يا سادة.
وتابع قاصدًا بسام:
- وأنت بنفسك شوفت اللي حصل من الخاين موافي يا باشمهندس، في النهاية إحنا كلنا هدفنا واحد، الحفاظ على شركة العيلة ورفع اسمها أكثر، وطبعًا كل ما الشركة عليت كل ما الاستفادة كانت أكبر للكل، سواء ماديًا أو معنويًا.
- برافو عليك يا فؤاد، في النهاية إحنا أهل... وتابع مسترسلًا بحكمة رجل تخطى السبعين من عمره:
- وبدل ما نبقى فرجة للناس ونشمتهم فينا، نخليهم يرفعوا عينيهم لفوق قوي علشان يقدروا بس يلمحونا.
ونظر إلى سميحة قائلًا:
- اتأسفي لمرات ابن عمك على الموقف البايخ اللي حطتيها فيه.
بذهول نطقت:
- أنت بتقول إيه يا بابا، أنا اللي اتهنت قدام الموظفين وأنا خارجة بحاجتي؟!
وتابعت بحدة:
- وأنا اللي ابن أخوك بهدلني قدام السكرتيرة بتاعت الهانم مراته وهو بيقول لي مراتي خط أحمر.
- وهكررها تاني قدام عمي يا سميحة... قالها فؤاد ليشير بأصبعه بينها وبين بسام بتحذير حاد:
- مراتي، خط، أحمر.
هامت روحها وتراقص قلبها على أنغام كلمات فارسها، تنهدت براحة لينطق أحمد بحدة ولهجة صارمة:
- اتأسفي لإيثار يا سميحة ومش عاوز كتر كلام.
ثار داخلها وتحول لنار مستعرة، لكنها أخمدتها لتنطق من بين أسنانها:
- سوري يا مدام.
ما زاد من اشتعال نارها هو عدم رد تلك المستفزة التي اكتفت بهزة من رأسها وتحدثت وهي تزحزح مقعدها للخلف لتقف:
- لو مش عاوزين مني حاجة أنا لازم أستأذن علشان عندي شغل كتير.
- لا يا بنتي خلاص روحي... قالها أحمد ليقف فؤاد متحدثًا:
- أنا كمان هستأذن يا عمي.
أومأ له فمال فؤاد مقبلًا رأسه:
- مبسوط إني شوفت حضرتك النهاردة، والباشا مستنيكم يوم الجمعة علشان نتغدى سوا.
- إن شاء الله يا حبيبي.
خرج محتضنًا كف زوجته برعاية وما أن أغلق الباب حتى تحدث أحمد بأسى:
- عاجبكم اللي حصل ده، أنا حزين وأنا شايفكم قدامي بالتفاهة دي.
وتابع وهو ينظر لابنته:
- عمالة تتكلمي وتقاوحي في كلام فاضي، مش شايفة مرات ابن عمك وعقلها، دي البنت ما نطقتش بكلمة واحدة طول القعدة.
نطق بسام متهكمًا:
- وتنطق ليه وتتعب نفسها والمحامي بتاعها موجود يا باشا.
أكملت سميحة بسخط:
- عندك حق يا بسام، ده قعد عشر دقايق بالظبط مع بابا لوحدهم، غسل له دماغه فيهم وخلاه طالع يقول شعر في الهانم.
- ما فيش فايدة فيكم... قالها الرجل باستسلام وتحرك للخارج، وقفت هي وتحركت خلف والدها ليجذبها بسام من رسغها وتبسم قائلًا:
- مبروك عليك المنصب يا دكتور، جهزي نفسك بقى للشغل اللي بجد.
جذبت رسغها بعنف لتهتف من بين أسنانها وهي ترمقه بغضب جهنمي:
- أنت لسه ليك عين تتكلم بعد ما اتخليت عني وبعتني قدام أول مشكلة.
أجابها ليسحبها بصفه من جديد:
- كان لازم أعمل كده علشان أبرئ نفسي قدام فؤاد.
وتابع بإبانة:
- أمال عاوزاه يفتكر إننا شكلنا جبهة ضد مراته، خليك ذكية يا سميحة.
هتفت بحدة وعنف:
- ابعد عني يا بسام لأني مش طايقاك، ومن النهاردة أنا هشتغل لوحدي، وهوريك هوصل لإيه.
- تعالي هنا يا مجنونة وبلاش تهور... قالها وهو يحاول اللحاق بها.
داخل مكتب إيثار
ولجت إلى الداخل بجواره لتغلق الباب وتلقي بحالها داخل أحضانه الحنون وهي تقول بامتنان وحنان الدنيا بصوتها:
- ربنا يخليك ليا حبيبي وما يحرمنيش منك أبدًا.
شدد من ضمته لها وتحدث:
- ويخليك ليا يا أحلى وأجمل وأعقل ست في الكون كله.
تبسمت لترفع جسدها للأعلى متشبثة بعنقه لتضع شفتيها فوق خاصته فالتقطها هو وذابا في قبلة عنيفة بث كلاهما من خلالها مدى عشقه للآخر، بعد مدة ابتعدا يلهثان ليستطيعا التنفس، فتحدث بممازحة:
- أنا لازم أمشي حالًا، علشان لو فضلت هنا دقيقة واحدة هتهور وهيحصل ما لا يحمد عقباه.
ضحكت بدلال أنثوي لتتعلق أكثر بعنقه قبل أن تهمس بما جعل دقات قلبه تقرع كطبول الحرب:
- طب وماله، وأهو يبقى تغيير وكسر للروتين.
- قد كلامك ده؟!
وجدت بعينيه ما جعلها تفلت حالها سريعًا لتهرول خلف مكتبها وهي تقول:
- لا طبعًا مش قده، ما أنت عارف مراتك يا فؤش، بوق على الفاضي.
نطق بتحدي:
- طب بعد كده ما تلعبيش معايا وتقولي كلام ما أنت قده يا ست البوق.
- الباشا يأمر... قالتها بدلال ليرد بنبرة هائمة وقلب رجل تملك من كيانه الغرام واستوطن:
- الباشا ما بقاش يأمر، الباشا بقى بيقدم فروض الولاء والطاعة لسلطانة قلبه علشان ينول الرضا.
- بحبك... نطقتها بنظرات ولهة ليقترب منها يطبع قبلة حنين قبل أن ينصرف متوجهًا إلى عمله.
ليلًا
كان يجلس فوق الأريكة المتواجدة بفناء مسكنه الخاص، يضع جهاز الحاسوب الخاص به ويعمل عليه بجد وتركيز شديد، فمنذ عدة أيام وهو يعمل على شيء خاص بمجاله وبرغم حلول عدة مصائب عليه، إلا أنه منشغل للغاية به، أما شقيقته فكانت بغرفتها تذاكر دروسها، قطع حبل أفكاره جرس الباب حيث صدح، انتصب للخلف وزفر بقوة ناعتًا الطارق بسريرته، خلع عنه نظارته الطبية وفرك عينيه وهو يقول بازدراء:
- ده مين السخيف اللي جاي في الوقت ده ومن غير ميعاد.
ارتفع صوت الجرس من جديد فاستمع لصوت شقيقته التي خرجت وهي تقول:
- خليك لمذكرتك وأنا هفتح الباب يا يوسف.
هب واقفًا وتحدث بصوت رخيم:
- لا يا حبيبتي خليك أنت، أما أشوف مين ده كمان.
توقفت الفتاة أمام باب غرفتها يسوقها الفضول لمعرفة الطارق، فتح الباب ليرى رجلًا بالخمسين من عمره، بجسد رياضي ممشوق، سأله بفضول حين رأى صمته ونظراته الغريبة:
- أفندم؟
- أنت مش عارفني يا يوسف؟... قالها الرجل بحنين ونظرات تجمعت بهم الكثير من قطرات الدموع، ضيق بين عينيه يسأله مستفسرًا وهو يشير على حاله:
- وهو المفروض أكون عارف حضرتك؟!
بسط يده للأمام ليحتوي ذقن الشاب ونطق بصوت باك:
- أنا أبوك يا يوسف.
رواية انا لها شمس الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم روز امين
عالمي معتم وشمسي خلف الغيوم تختبئ، حياتي حالكة السواد ومصابيحها أكلها الصدأ، يتوارى قمري وراء السحاب خجلًا كما الموصوم، عفوًا! لقد أسأت تقدير وصفي ووقعت في شرك الخطأ، في واقع الأمر أنا هي الموصومة بجميع الروايات، أنا التي تلاحقني ذنوب الماضي أينما حللت، أنا التي يحملني الجميع خطاياهم وأوزار سوالفهم، أنا.. أنا هي "زينة"، "ابنة الخطيئة والذنب الذي لا يغتفر."
فتح الباب ليرى رجلًا بالخمسين من عمره، بجسد رياضي ممشوق، سأله بفضول حين رأى صمته ونظراته الغريبة:
- أفندم؟
- أنت مش عارفني يا يوسف؟
قالها الرجل بحنين ونظرات تجمعت بها الكثير من قطرات الدموع، ضيق بين عينيه يسأله مستفسرًا وهو يشير على حاله:
- وهو المفروض أكون عارف حضرتك؟!
بسط يده للأمام ليحتوي ذقن الشاب ونطق بصوت باك:
- أنا أبوك يا يوسف.
تراجع للخلف بغتة لإبعاد كف الآخر وكأنه شيئًا مقززًا سيلوث براءته، ملامحه بقيت ثابتة لم يحرك ساكنًا ولم يظهر عليه أي ردة فعل، بل وضع كفه بجيب بنطاله القطني بلامبالاة مما استدعى لاستغراب الآخر لينطق من جديد مكررًا جملته متأملًا لعدم إدراك نجله للخبر:
- أنا أبوك يا يوسف.
- سمعتك.
قالها بجمود مميت وكبرياء لتتحول ملامح الآخر لمصدومة فتابع الشاب تحت صدمة الآخر:
- فيه حاجة تانية حابب تضيفها؟
ونظر بساعة يده لينطق بلامبالاة:
- عندي شغل مهم ومش فاضي.
ابتلع لعابه قهرًا ليخرج صوته متأثرًا وعينين لامعتين بفضل دموعه الحبيسة التي تجمعت بفضل لقاء نجله بعد مرور كل تلك السنوات:
- هو ده استقبالك ليا بعد السنين دي كلها يا يوسف؟!
رفع حاجبه مستنكرًا ليخرج صوته ثابتًا وبنبرة صارمة سأله مبكتًا:
- لا هو السؤال الصح اللي المفروض يتقال في الحالة اللي إحنا فيها، أنت جاي ليه بعد السنين دي كلها؟!
بقلب يتمزق قهرًا أجابه بعينين متأثرتين بصدق يرجع لعشقه لذاك الحبيب الذي طالما امتلك القلب منذ أن طل بوجهه البريء على الدنيا وأنار حياته أملًا:
- جاي علشانك يا ابني.
- وأنا لا فاكرك، ولا عاوز وجودك في حياتي.
قالها بصياح حاد أذهل الرجل ليتابع بقوة وعينين تطلق حممًا بركانية لو ترك لها المجال لانطلقت شراراتها المستعرة والتهمت ألسنة لهبها ذاك الواقف أمامه وحوله لكتلة من التوهج:
- فبكل هدوء ياريت تتفضل تمشي.
وأشار بكفه باتجاه باب المصعد الكهربائي:
- وياريت كمان تنسى العنوان ده وتمحيه من ذاكرتك للأبد، وزي ما عيشت حياتك كلها ناسيني، ياريت تكمل جميلك ده للآخر.
وتابع بفحيح مشتعل محذرًا بإشارة من سبابته:
- لأني مش هسمح لك تدمر لي اللي جاي من حياتي زي ما عملت في اللي راح.
لم يتوان في إعطائه حق الرد وتراجع خطوة للخلف صافقًا الباب بقوة بوجه ذاك الذي اتسع بؤبؤ عينيه ذهولًا من استقبال الفتى وهجومه عليه، نعم كان يتوقع استقبالًا فاترًا وهطول أسئلة كثيرة وعتابًا ولومًا لتركه كل تلك السنوات الطوال دون سؤال، لكنه أبدًا ما جال بخاطره تلك المقابلة الجافة وذاك الجحود من نجله الذي طالما كان مدلله بل والأقرب للقلب من حبل الوريد.
بالداخل توقف بمكانه مسلطًا نظراته النارية على الباب، كور قبضته بقوة مفرطة وبات يتنفس بصوت عال وصدر يهبط ويعلو بعنف من فرط الانفعال، وما يشعر به من غضب كامن بأعماق صدره، تعرف على شخصه منذ الوهلة الأولى التي فتح بها الباب ورآه مجسدًا بهيئته، فكان يشبه ملامحه كثيرًا للحد الذي جعله يفطن معرفته، أخذ نفسًا عميقًا ثم استدار ليعود للداخل، اتسعت عينيه ذهولًا بعدما لمح تلك البائسة تتسمر بوقفتها أمام الحجرة كصنم، فقط دموعها تتساقط بغزارة وجسدها ينتفض بقوة مرعبة تظهر مدى الهلع الذي اقتحمها، أسرع بخطواته لينتشل تلك البريئة من الضياع والتشتت اللذان أصاباها من هول المفاجأة، ضمها لصدره بقوة واحتواء ليلف ساعديه حولها وينطق قائلًا وهو يربت فوق ظهرها بحنو ورعاية:
- اهدي يا زينة، خلاص مشي.
بالكاد أنهى جملته لتنتفض بين أحضانه عندما استمعت لصوت طرقات مرتفعة من ذاك الذي فاق من صدمته وقرر عدم الاستسلام والمحاولة مرارًا حتى يكسب نجله بصفه مهما كلفه الأمر، أطبق على جفنيه بعنف وبات يستغفر الله بهمس طالبًا منه العون في التصدي لذاك الجبان المسمى بوالده، تعالت شهقات "زينة" فتحدث كي يحثها على الصمود والاستكانة:
- متخافيش يا حبيبتي، هيخبط لحد ما يزهق ويمشي من نفسه.
انتفض جسدها من جديد إثر صوت ذاك الغاضب الذي تحدث بعدما خرج سخطه عن السيطرة:
- افتح يا يوسف، عيب قوي اللي بتعمله مع أبوك ده.
وتابع بقرع أعلى:
- هي دي الأصول اللي علمتها لك إيثار! ولا مكانتش فاضية تعلمك بسبب اللي باعتني علشانه؟!
لم يتحمل ذكر اسم غاليته بالسوء من ذاك الرجل، احتدم غضبًا وتحولت ملامحه لساخطة، أسرع مهرولًا باتجاه الباب تحت انكماش جسد الأخرى وانقباض قلبها، جذب الباب بعنف ليفتحه على مصراعيه واشتدت رياح الغضب بعينيه لينطلق من داخلهما الجحيم، هتف صائحًا بنبرة أظهرت فقدانه للصبر والثبات:
- لازم تحمد ربنا ألف مرة على إني تربيتها هي، لأني لو كنت تربيتك ونفس أخلاقك كنت هتشوف تصرف يليق بيك بجد.
بات يحرك رأسه بذهول وعدم استيعاب، من ذاك المتمرد الكاره بحق الله، هل هذا نجله الحبيب، من كان أقرب للقلب من الجميع، نطق بشرود وإنكار:
- إيثار قالت لك إيه عني كرهك فيا بالشكل ده؟
وتابع متسائلًا بنظرات صارخة متألمة يسعى بها لاستقطاب عاطفة الشاب نحوه:
- صدقت كلام جوزها الحقير وافترائاته عليا يا يوسف؟
تنفس بعمق ليجيبه متمالكًا أعصابه:
- أنت غلطان يا عمرو بيه، أنا اتربيت صح للدرجة اللي تخليني أحكم على الناس بضميري الحي واللي لمسته من تصرفاتهم، مش من شوية كلام يتحكوا لي.
- وأنت كنت لمست إيه من تصرفاتي يخليك تحكم عليا من قبل حتى ما تسمعني؟!
هتف يوسف بجدية:
- يعني حضرتك مصر تفتش في الدفاتر القديمة وتستعرضها؟
نطق مؤكدًا على حديثه:
- ومش همشي يا يوسف قبل ما نتكلم وأفهمك كل حاجة.
- تمام كده قوي.
قالها بحدة ثم تنحى جانبًا ليشير للداخل بكف يده متابعًا بصرامة:
- اتفضل، بس يا ريت تفتكر إن أنت اللي طلبت ده بنفسك.
ولج عمرو للداخل يتحرك بخطوات ثابتة، ليصدم بوجود تلك المنهارة، توقف بغتة يتطلع عليها في محاولة منه للاستيعاب، من تلك الفتاة، هل هي لعنته التي تلاحقه منذ ولادتها، نعم علم من رجاله أنها تسكن مع يوسف.
كانت تتطلع عليه بانهيار تام، بدت كمدينة تهدمت أعمدتها منذ بدء نشأتها، كغارقة لا تجيد السباحة وكأن أحدهم دفعها بقوة داخل الماء بلا مراس، خاضعة بلا مقاومة ولا حراك، فقط تستسلم لغرقها بهدوء وانكسار مميت.
أغلق الباب واتجه إليه لينطق متهكمًا:
- واقف ليه يا باشا، مش تروح تسلم على بنتك، ولا..
وأكمل ساخرًا:
- اوعى تكون معرفتهاش؟!
ضحك ليتابع والألم ينهش داخله:
- وأنت هتعرفها منين صحيح، ده إيه الغباء اللي أنا فيه ده.
جاهد ليخرج صوته الذي احتجز حرجًا من حديث نجله الساخر:
- ازيك يا زينة.
لازال يحملها أذناب الماضي اللعين حيث تلاحقه ذيوله للآن، فلولا وجودها ما كانت تركته المرأة الوحيدة التي عشق أنفاسها حد الهوس، طالعته بنظرات صارخة تلومه بشدة، كانت تود الصراخ لتسأله، لما لم يحبها يومًا كشقيقها، ما الذنب الذي اقترفته أياديها لتستحق عليه التجاهل الذي طالما كان نصيبها منه، لما تلك النظرات الفاترة التي تراها الآن داخل عينيه، لا، ليست فاترة، بل رافضة لرؤياها ووجودها، يا الله، إلى متى سأظل أسدد فواتيري الفائتة، إلى متى ستلاحقني أذناب الماضي وذيوله اللعينة.
وقف يوسف حائلًا بينهما لينطق بقوة وصلابة:
- واقفة كده ليه يا زينة؟
وتابع بلهجة متهكمة أراد من خلالها إظهار مدى قبح ما اقترفه بحقهما:
- متجري يا قلب أخوك على بابا وتاخديه في حضنك وتقولي له حمدالله على السلامة.
تعالت شهقات الفتاة وانكمشت أكثر محتضنة حالها ليسرع عليها يوسف ويجاورها قائلًا بصياح هز أرجاء المكان:
- كنت بتقولي بره قالوا لك إيه علشان يكرهوك فيا؟
وتابع بكفه:
- أحب أعرفك على بنتك، "زينة"، ضحيتك يا "جلاد الولايا"، الأول أمي، وبعدها المسكينة دي.
حاوط كتفيها وتحدث لذاك الواقف متأثرًا جراء الموقف:
- اوعى تكون مستني منها سلام، زينة مش هتيجي لك عارف ليه؟
واسترسل بقلب يأن ألمًا لأجلها:
- لأن أختي مريضة بالرهاب الاجتماعي، أختي بقالها ست شهور بتتعالج عند أفضل دكتور نفسي ومع ذلك مبتتقدمش خطوة واحدة، عارف ليه؟
وصرخ وهو يشدد على تلك التي انفجرت لتتعالى شهقاتها لتقطع بها نياط قلب شقيقها:
- لأنك أب فاااااشل، دمرتها من وهي طفلة وزرعت المرض فيها من صغرها ونميته لحد ما كبر معاها.
دفنت الفتاة وجهها تختبئ بصدره ليتابع هو صارخًا بعنف واتهام صريح خال من اللباقة وأبجديات الأدب بعدما خرج عن السيطرة وما عاد فيه الاحتمال أكثر:
- وكل ده بسبب أنانيتك ونزواتك الحقيرة.
توقف ليتابع بهدوء ما قبل العاصفة:
- دي أختي، وده الحال اللي وصلت له بسببك.
فرت دمعة من عينيه ليجففها سريعًا رفضًا لانهيار كبريائه أمام ذاك الغريب عنه، لاحت شبح ابتسامة ساخرة على محياه ليتابع:
- تعالى بقى لما أعد لك ذنوبك اللي ورثتها لي، وأقول لك تمن فواتيرك اللي أنا سددتها بالنيابة عن معاليك، وأنت هايص ومتنعم في فرنسا مع مراتك الجديدة وولادك.
خرج صوته بغصة مرة:
- كفاية يا يوسف، أنا مش جاي علشان أسمع منك كده يا ابني.
حرك رأسه يسأل باستنكار:
- أمال جاي علشان إيه، فاكرنا هبل وأول ما هنشوفك هنجري عليك ونترمي في حضنك ونقول لك حمدالله على السلامة يا بابا؟
- يلا بينا نعيش كلنا في بيت واحد، إحنا ومراتك وولادك علشان نعوضك سنين الغربة وندوق مع بعض نعيم دفى العيلة.
كاد أن ينطق فصرخ يوسف من جديد ليسترسل بحدة وإصرار:
- وأه لازم تسمع اللي أنا عاوز أقوله، علشان تشوف أنت وصلتنا لإيه.
وتابع بفحيح كالأفعى:
- أنت دمرتني، تاريخك وتاريخ عيلتك المحمل بالذنوب والخطايا ضيع كل أحلامي.
أكمل مسترسلًا باستسلام وعيون تملؤها غشاوة دمعات تأبى النزول امتثالًا للكرامة:
- كنت عايش مرتاح ومرتب لمستقبلي ومخطط له بالورقة والقلم، ذاكرت واجتهدت واشتغلت على نفسي، حلمت أكون وكيل نيابة شريف زي أبويا وجدي اللي ربوني وزرعوا فيا المبادئ والأخلاق الحميدة.
احتدت ملامح عمرو واكفهرت حقدًا ليتابع الشاب بوتيرة أقل عنفًا:
- لحد ما خلصت الثانوية العامة، وهنا كانت صدمتي لما حبيت أقدم في كلية الحقوق.
هز رأسه بأسى وتحدث بضياع وقلب يصرخ ألمًا:
- ماضيك ضيع لي الحاضر والمستقبل، ضيع حلمي ومكتفاش بكده.
وهنا نزلت دموعه التي جاهد بحجزها لكنها بالنهاية تدفقت لعدم قدرتها على الصمود عند ذكر الحبيبة:
- سيرتك واسم عيلتك ضيعوا مني حبيبتي اللي عيشت عمري كله أحلم باليوم اللي هيجمعني بيها.
ابتلع لعابه وتحدث بقلب يتمزق لأجل ابنه الحبيب:
- أنا رجعت لك يا حبيبي وهعوضك، هعوضك عن كل حاجة يا يوسف.
وتابع متلهفًا لإغرائه:
- أنا راجع بفلوس كتير قوي يا يوسف، فلوس من كترها خلتني أتحكم في بعض رجال السلطة وأبقى صاحب قوة ونفوذ أكثر منهم هما نفسهم.
وتابع بزهو وعينين متسعتين بصلابة وإغواء:
- يعني أي حاجة هتتمناها بإشارة واحدة منك هنفذها لك في الحال.
أخذ نفسًا مطولًا قبل أن يقول بنبرة انهزامية:
- للأسف مفيش فايدة، كنت فاكر إني بتكلم مع إنسان عنده شعور وبيحس.
واسترسل بابتسامة ساخرة:
- طلعت بهلك طاقتي على الفاضي.
وتابع بتبكيت:
- بحكي لك عن كم الخذلان والوجع اللي جوانا، وأنت بتكلمني عن الفلوس ونفوذك اللي عرفت تكونها بفلوسك المشبوهة، جاي تستعرض تأثيرك الجبار على ضعاف النفوس الخونة اللي قدرت تسيطر عليهم بالمال الحرام، وتخليهم يبيعوا ضمايرهم ويشتروا رضاك.
تطلع لتلك التي مازالت تختبئ بداخل أحضانه وتحدث:
- ده أنت قلبك محنش حتى على المسكينة اللي منهارة بسببك واتحركت وخدتها في حضنك، هو أنت للدرجة دي مجرد من المشاعر؟!
- دي بنتك، لحمك ودمك.
قالها بعدم استيعاب لجحوده ليتابع:
- طب بالنسبة لي هلاقي لك عذر إنك على الأقل كنت مطمن عليا مع أمي، وعارف إنها حصني المنيع اللي هتبلع أي حد يحاول يقرب بس مني، مش يأذيني.
ومال برأسه متأثرًا:
- لكن المسكينة اللي رميتها واتخليت عنها وسيبتها تواجه مصيرها المجهول!
- مخطرش على بالك إن ممكن محدش من عيلتك يتقبلها وتترمي في الشارع لكلاب السكك تنهش في لحمها؟!
اعتراه شعور الخزي من حديث نجله المهين لكرامته كرجل، لكنه تمالك من حاله وتحدث بخفوت:
- أنا كنت متأكد إن عمك حسين مش هيسيبها، وحتى لو هو سابها جدتك إجلال كان لايمكن تتخلى عنها.
حرك رأسه عدة مرات بخيبة أمل ليجيبه وشبح ابتسامة متهكمة لاحت بجانب ثغره:
- مصدقك طبعًا، بدليل إنها مسألتش عنها ولا فكرت تشوفها ولو لمرة واحدة من يوم ما خرجت مع عمي حسين.
تنهد والألم حل بقلبه حين تذكر ما عانته والدته، لقد تحول تجبرها لذل طاح بكبريائها وغرس به تحت أقدام الجميع، وبعد أن كانت تتحكم بمصائر جميع من حولها، أصبحت تحت رحمة جل المحيطين وأولهما شقيقها وزوجته التي نصرت أزهار عليها، مما أصاب الأخرى بالغضب والقهرة، تحدث بعينين ظهر بعمقهما التألم:
- أنت أصلك متعرفش حاجة يا ابني، جدتك اتعرضت لأبشع أنواع الخيانة، جدتك إجلال أخوها اللي من دمها حدد إقامتها، فرض عليها إقامة جبرية في بيته وحتى الشارع اتحرم عليها، وكل ده علشان متخرجش وتنتقم من ولاد أزهار اللي غدرت بجدك وقتلته في سجنه.
لم يدع له المجال لاستكمال قصته المخجلة ليصرخ مشمئزًا:
- كفاية، مش عاوز أسمع قصص عيلتك، أنت إيه، مش مكسوف وأنت بتحكي عنهم بالشكل ده؟!
حرك رأسه بهذيان مستنكرًا رفض الفتى لكل مبرراته وتحدث:
- بنت غانم وجوزها الحقير عملوا فيك إيه خلاك تكرهني وتكره عيلتك بالشكل ده؟!
قاطعه بحدة مدافعًا:
- متجبش سيرة أمي على لسانك، أمي هي الحاجة الوحيدة اللي تشرف في تاريخ حياتي كله.
تألقت عينيه بوميض مشرق وهو يتحدث بفخر عن سيدة النساء بعينه:
- أمي كانت شعاع النور اللي خد بإيدي ووصلني لطريق النجاة، لولاها يا عالم كان زماني بقيت إيه.
وتابع بما أحرق قلب الآخر:
- والراجل اللي أنت عمال تهاجمه من وقت ما جيت، رباني على إني أكون راجل من صغري، عمره ما فرق بيني وبين إخواتي منه، لدرجة إن مع السنين صدقت إني ابنه بجد ونسيت كل الماضي، وجدي علام زرع فيا كل الصفات المحترمة، علمني إني أتقي ربنا في كل حاجة أعملها علشان يبارك لي فيها، وأحط ربنا قدام عيوني طول الوقت وأتحصن بيه.
- هو ده اللي عمله بابا معايا.
قالها وهو ينظر بعيني الآخر الذي انفجر رافضًا وهو يهرول عليه محاولًا جذبه لأحضانه:
- بابا مين يا يوسف، أنا بابا، أنا اللي أمك ظلمتني لما راحت رمت نفسها في حضن وكيل النيابة ومشيت معاه على حل شعرها.
دفعه الفتى ليبعده وصرخ مستنكرًا:
- اخرس، متجبش سيرة أمي على لسانك، أمي أشرف منك ومن عيلتك كلها.
هتف الآخر بحدة:
- هي دي الحقيقة يا ابني، حتى اسأل إخوالك، روح لخالك عزيز واسأله هو ليه حبسها هو وجدته وإخوالك بعد موت جدك غانم، لما عرفوا إنها ماشية مع وكيل النيابة وهتفضحهم، حبسوها وكلموني جبت المأذون وكنت هكتب عليها تاني وآخدك علشان تعيش في حضني.
وتابع بافتراء:
- غفرت لها خيانتها ومشيها الشمال علشانك أنت يا يوسف.
صرخ الفتى من جديد مستنكرًا تحت دموع زينة وانتفاضة جسدها بقوة ونظراتها الزائغة المتفرقة بين كلاهما:
- اسكت يا ضلالي يا كذاب، أمي أشرف ست في الدنيا كلها.
صرخ بصرامة:
- لا مش هسكت يا يوسف، وزي ما ملوا دماغك من ناحيتي وسمموك هفضحهم وهكشف سترهم قدامك، علشان تعرف حقيقتهم الـ...
هما الاثنين.
وتابع بحقد دفين ظهر بنظراته الساخطة:
-الهانم أمك كانت متجوزاه بورقة عرفي ودايرة معاه في الشقق المفروشة.
اتسعت عيني الفتى فتابع بخسمه مسترسلًا افتراءه الكافر:
-ده مش كلامي يا ابني، ده كلام الكلب اللي اسمه فؤاد لما دخل علينا واحنا بنكتب الكتاب، ولو مش مصدقني روح اسألها هي والبيه وأكيد مش هينكروا لأن فيه بدل الشاهد عشرين، ولا روح اسأل جدتك منيرة وخالك عزيز وهما هيأكدوا لك كلامي، ولما حاولت أخدك منهم جوزها لفق لي تهمة وحبس عمك طلعت وأنا هربت.
وتابع بعينين متألمتين وقلب يئن ألمًا:
-هربت وسيبتك غصب عني يا يوسف.
-أنت إيه، الشيطان موكلك بالنيابة عنه؟
جملة نطقت بها الفتاة بتوتر، وصوت مرتبك، لتتابع وهي تتطلع بإشفاق على شقيقها التائه:
-مش مكفيك إنك دمرت كل حياتنا.
تحركت تجاور شقيقها تتشبث بذراعه بقوة لتحتمي به وتمده بالقوة أيضًا:
-سيب لي أخويا بخير وامشي، الله يخليك تمشي وتسيبنا في حالنا.
التفت للفتاة وانتبه لشيء مهم، قرر استخدام دهائه معها بعدما علم بمدى أهمية مكانتها لدى نجله الغالي:
-أنا مش جاي علشان أأذيكم يا زينة، أنا جاي أعوضكم عن كل اللي فات، وإنت بالذات.
واستطرد بإغراء لإغوائها:
-أنا هحولك لواحدة تانية، هخلي الكل يتكلم عن زينة عمرو البنهاوي والرفاهية اللي بقت عايشة فيها، هاخدك تعيشي معايا في الكمبوند، هعلمك السواقة وهجيب لك عربية أحدث موديل، هغرقك لبس وجواهر وهنقلك بنفوذي لجامعة خاصة تليق باسمي.
وتابع معتذرًا بعينيه:
-هعوضك يا بنتي عن كل اللي فات.
وتابع بصوت نادم:
-صدقوني أنا جاي أعوضكم، وكل اللي محتاجه هو حضنكم وإنكم تقفوا في صفي.
نطقت بدموع وجسد متيبس:
-أنا مش عاوزة منك أي حاجة، أنا عايشة مع أخويا ومش عاوزة غيره.
وتابعت وهي تشدد من تشبثها به تحت تأثره:
-يوسف الوحيد اللي حسسني إني إنسانة وعاملني على إني بني آدمة من لحم ودم، لأول مرة في حياتي حد يهتم بيا.
نظرت بعيني شقيقها وتابعت مسترسلة:
-في حضنه عرفت يعني إيه حنية ويعني إيه اطمئنان، الوحيد اللي حسيت وأنا معاه إني مطمنة.
حولت بصرها صوبه ثم مالت برأسها جانبًا لتتابع باستعطاف:
-الله يخليك تمشي وتسيب لي أخويا كويس، الله يخليك.
احتدم الشاب وقرر إنهاء ذاك اللقاء المضني لجميعهم، أفلت ذراعه من قبضة زينة وتوجه مسرعًا صوب الباب ليفتحه مشيرًا للخارج وبصوت صارم تحدث:
-المقابلة انتهت، خدت أكتر من وقتك ولحد هنا وخلص الكلام.
ثم تابع بوتيرة أعنف وهو يرمقه بشراسة بعدما رأى تسمره:
-اتفضل علشان عاوزين ننام.
تحرك إليه بخطوات واثقة إلى أن وقف أمامه ليتحدث بقوة:
-أنا همشي يا يوسف بس هرجع تاني وتالت وعاشر، ومش هبطل أحاول لحد ما أرجعك لحضني تاني.
وتذكر تعلق نجله بابنة "سمية" فتحدث لاستقطاب مشاعره:
-إنت وزينة ولادي، ومحدش يقدر ينكر ده، ومع الوقت هتكتشفوا الحقيقة وانكم ظلمتوني لما صدقتوا الإشاعات اللي طلعوها عليا علشان يشوهوا صورتي في عنيكم.
يا الله، من أي مادة مصنوع أنت يا رجل، ألم تكتفِ من الكذب وإلقاء التهم على الآخرين بعد، لك من الله ما تستحق أيها المخادع.
بالكاد خطى بساقيه للخارج ليصفق الباب خلفه بقوة ونارًا مستعرة تحرق قلبه لما استمعه عن والدته من ذاك الحقير، توجه لشقيقته وتحرك بها إلى أن وصلا للأريكة فساعدها على الجلوس، ثم اتجه إلى حجرة تجهيز الطعام وبعد قليل حضر ومعه كأسًا من الماء وبعض الأدوية الخاصة بها، وتحدث وهو يفرغ أحد الأقراص:
-خدي الدوا بتاعك وهتهدي على طول.
بيد مرتجفة تناولت القرص وساعدها هو بالتمسك بالكأس لترتشف بعض الماء التي نزل بعضها فوق ثيابها لشدة الارتباك، جاورها الجلوس فتحدثت وهي تتمسك بكفه:
-إوعى تكون صدقت الكلام اللي بباك قاله يا يوسف.
صمت فتابعت بعينين صادقتين:
-لو أمك ست خاينة زي ما قال، كنت أنا أول واحدة هعرف، بحكم عيشتي مع عمي حسين.
وتابعت بتأكيد:
-والله العظيم خالتي مروة ما كانت بتجيب سيرة مامتك غير بكل خير، وكانت دايمًا تحكي لنا قد إيه أبوك ظلمها وهي استحملت، وكمان جدتك واللي عملته فيها.
بهدوء مريب ونظرات غامضة نطق:
-متشغليش بالك بيا يا زينة، أنا كويس يا حبيبتي.
نطقت بارتياب:
-هو أنا ليه حاسة إنك صدقته يا يوسف.
التفت يطالعها بعينين تطلق شزرًا:
-أصدق إيه وكلام هبل إيه يا زينة، أنا عارف إنه بيكذب وبيفتري عليها، ومتأكد إن أمي أطهر من إن سيرتها تيجي على لسانه الزفر.
وتابع بقلب نازف:
-أنا بس موجوع لأني مقدرتش أوقفه عند حده.
امتلأت عيناه بالقسوة ليتابع بقسم ووعيد:
-ورب العزة لولا إنه أبويا لكنت قتلته ورميت جثته لكلاب الشوارع تنهش فيها.
بات يتنفس في محاولة منه لضبط انفعالاته ثم تابع بهدوء:
-قومي ادخلي أوضتك وحاولي تنامي، علشان تقومي فايقة لجامعتك.
أومأت بعدما شعرت لحاجتها للنوم بفضل الأدوية المهدئة التي تناولتها للتو.
*****
نزل بالمصعد الكهربائي ليجد أسطول حراسته بسياراتهم الخاصة بانتظاره أمام البناية تحت استغراب المارة بتلك المنطقة المتواضعة، تنهد براحة وتحرك إلى سيارته الخاصة فقام أحد الحراس بفتح الباب الخلفي ليتخذ مقعده وما أن أغلق الباب حتى ابتسم بشر وتفاؤل لما رآه من تشتت ظهر بنظرات الفتى، استمع لصدوح هاتفه فرد على الفور قائلًا:
-إيه يا حبيبتي.
ردت متلهفة لمعرفة آخر المستجدات:
-إي حياتي، طمني، شو عملت مع يوسف؟
وتابعت مستفسرة:
-عطاك فرصة لتحكي معه؟
تنفس بضيق ليجيبها:
-المقابلة مكانتش كويسة أكيد، بس بالنسبة لي بداية معقولة.
وتابع بنبرات تحمل الأسى كمجني عليه:
-أهم حاجة إني قولت له على كل اللي عملته الخاينة وجوزها معايا.
تنهدت بأسى لأجله لتنطق بمؤازرة:
-خليك متفائل يا قلبي، كل شي مع الوقت بينحل، بكرة بيعرف الحقيقة واللي تآمروا عليك ليشوهوا اسمك، هُنّ اللي راح يدفعوا الثمن، لما تنكشف ألاعيبهم الوسخة ويعرف يوسف أديش ظلمك لمن صدق افتراهم عليك.
وتابعت بتفاخر وزهو بذاك الحبيب تحت ابتساماته:
-مع الوقت راح يتأكد إن عنده أب بيجنن وما في منه، وأنا رح ساعدك، إنت حد كتير حنون يا تؤبرني، وأنا كتير فخورة إنك بي لنور وسليم.
وتابعت بهيام ظهر بصوتها:
-يوسف ونور وسليم كتير محظوظين إن إلهن بي أبضاي متلك حياتي.
تحمحم لينتبه أنه ما ذكر لها على الإطلاق أن لديه ابنة غير يوسف، فدائمًا يراها نقطته السوداء بتاريخه، لذا يتجنب الحديث عنها أو ذكرها حتى لزوجته، لكنه مجبر الآن لإخبارها بالأمر بدلًا من معرفتها من الخارج، نطق كي يغير مجرى الحديث:
-حبيبة قلبي يا رولا، ربنا يخليكِ ليا، المهم، عاوزين نرتب أمورنا ونحضر لهجمتنا علشان نضرب ضربتنا وتصيب صح.
نطقت بتوعد:
-لا تعتل هم، أنا عم جهز لهن خطة راح تقضي عليهن تنيناتن وتجيب آخرتهن...
وتابعت بغرور وزهو:
-بس إنت لا تهتم، معك مرة بتجنن، واقفة بضهرك ومعك للموت.
برغم سعيه للانتقام وعدم الالتفات لغيره، إلا أنه شعر بزهو وكبرياء من عشق تلك شديدة الجمال له، وأقسم داخله لولا عشق تلك إيثار الذي استوطن داخله وجرى بعروقه كالدماء، لكان عشق تلك الشقراء التي قدمت له كل ما يجعل رجلًا مثله سعيدًا، لكن قلبه خُتم بلعنة إيثار وانتهى الأمر.
*****
بمنزل الحاج محمد ناصف، يترأس مجلس العائلة التي اجتمعت بناءً على طلبه لبحث عودة "عمرو البنهاوي" للقرية واحتمالية ملكيته للمطعم المجهول، هتف أحد رجال العائلة بحمية:
-ابن نصر البنهاوي لو نزل البلد يبقى قول على كرامتنا واسم عيلتنا يا رحمن يا رحيم.
وتابع بتشدد:
-إنت لازم تمنع الواد ده بكل قوتك يا حاج.
ضحك أحدهم لينطق ساخرًا وهو يهز رأسه:
-باين عليك كبرت وعقلك فوت يا عبدالسلام، قوة مين اللي عاوز الحاج محمد ناصف بجلالة قدره يقف بيها قدام الواد عمرو؟!
وتابع مشمئزًا:
-حقًا بطلوا ده واسمعوا ده يا ولاد، ده الزمن جاب آخره خلاص، مبقاش إلا الفلاتي بتاع النسوان كمان اللي هنعمل له حساب.
-طب تصدقوا بمين؟
رد الجميع بصوت متناسق:
-لا إله إلا الله.
استرسل متهكمًا:
-أنا أصلًا مستكتر جمعتنا دي على عيل شمال زيه.
تعالت القهقهات المتهكمة لينطق "محمد" بجدية ووجه عابس:
-سيبك من الهزار وخلينا نتكلم جد يا عويس.
انتبه الجميع ليتابع مسترسلًا:
-الافتتاح بتاع المطعم اللي جنب مطعم ولاد غانم الجوهري بعد يومين، إحنا لازم نتجمع كلنا ونقف بسلاحنا عند المطعم.
وتابع:
-علشان لو طلع بتاعه زي ما أنا شاكك، نبقى موجودين ونقطع رجله قبل ما يفكر يدخل الكفر هو ولا حد من إخواته.
-هو ده الكلام الصحيح يا حاج...
قالها أحدهم ليتابعوا الحديث تحت تنصت تلك العجوز الشمطاء المستندة بأذنها خلف الباب لتسترق السمع وترسل ما قيل لنجلها، ارتعبت عندما أمسكت شريفة كتفها وهي تقول:
-نهارك مش فايت يا إجلال.
التفتت تطالعها بعينين جاحدتين لتتابع الأخرى:
-إنتِ بتتصنطي على أخوكِ والرجالة يا ولية يا خرفانة؟!
واسترسلت مستنكرة فعلتها:
-ده أنا مصدقتش العيال الصغيرة اللي جم يجروا عليا ويقولولي إلحقي يا جدة، جدتي إجلال بتتسنط على جدي محمد في المندرة.
أشاحت بكفها وتحركت للداخل لتنطق لتلك التي تلحق بخطواتها:
-إتهدي يا شريفة وابعدي عن وشي الساعة دي.
لتتوقف بغتة ثم تابعت بتهديد:
-وبلاش تضايقيني علشان حسابك ميتقلش معايا، وقت الحساب وجب يا بومة، روحي شوفي لك خرابة استخبي فيها يمكن أنساكِ في عز المعمعة اللي هتحصل.
احتوت فكها بأصابعها لتقول باستهجان:
-باينك كبرتي وخرفتي يا إجلال، معمعة إيه اللي هتحصل يا ولية، يا خسارة يا ولاد، بقى دي إجلال بنت الحاج ناصف اللي البلد كلها كانت بتحلف بعقلها اللي يوزن بلد، صحيح دنيا دوارة.
كانت تتحرك بصعوبة لكبر سنها فهتفت بفحيح محذرة:
-يا ولية قولت لك غوري من وشي بخلقتك اللي تقطع الخميرة من البيت دي.
دقت بكفها على الآخر لتهتف بحدة وغيظ:
-ماشي يا إجلال، هغور، بس والله ما تروحي تتصنطي على الرجالة تاني لأكون قايلة للحاج محمد، وهو يشوف شغله معاكِ.
شيعت رحيلها بعينين حادة كالصقر لتهمس لنفسها:
-نيلة عليكِ وعلى الحاج محمد بتاعك.
*****
يجلس بغرفته بعدما اطمأن على زينة، قلبه مشتعلًا بنار الغضب، كلما هدأ قليلًا تذكر كلمات ذاك الحقير عن والدته وهي تتردد داخل أذنيه لتهب عاصفة ناره ويشتعل صدره من جديد، استمع لصدوح هاتفه فنظر إليه وجدها والدته، تأفف وضغط زر كتم الصوت، زفر بقوة وأرجع شعره للخلف بحدة كادت أن تقتلعه من جذوره، أمسك بهاتفه وأتى برقم حبيبته "بيسان"، كم شعر بشدة احتياجه إليها والحنين لنبرات صوتها، يحتاج للحديث معها الآن وبشدة، تذكر عشقها الهائل له وكيف كانت تترجم على هيئة أفعال واهتمام، لقد عشقها بكل ذرة بكيانه، عشق غرامها الهائل له، تفهمها حنينها عليه، جال بخاطره كل مواقفهما وكيف كانت تخرجه بكل سلاسة من حالات الضياع حين تتملك منه، بمجرد نظرة حنون من عينيها كانت تنتشله من الحزن وتعود ضحكاته تصدح من جديد وتملأ الدنيا مرحًا، يا الله، كم تغير وأصبح شخصًا لا يشبهه سوى بالملامح فقط، ليته بقي على حاله ولم يتعرف على ذاك الماضي اللعين، يا الله كم كانت تشبه الجنة ومع رحيلها تحولت حدائقه المزهرة لصحراء كاحلة.
فكر مليًا بالضغط على زر الاتصال لكنه تراجع باللحظة الأخيرة، توقفت كرامته حائلًا بينه وبين الحياة، فحقًا هي بالنسبة إليه الحياة، ألقى برأسه للخلف بقوة فاصطدمت بظهر التخت ليغمض عينيه مطلقًا زفرة عالية أظهرت كم احتراق روحه.
*****
ولج فؤاد إلى غرفته بعد جلسة عمل قضاها مع والده بحجرة المكتب، وجد حبيبته تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا ممسكة بهاتفها تنظر بشاشته والتوتر يسيطر على ملامحها، سألها بجبين مقطب:
-مالك يا حبيبتي؟
أجابته وكأنها تشتكي إليه مر زمانها:
-اتصلت على يوسف تلات مرات مبيردش عليا.
هرولت إليه وتابعت مترجية بعدما احتوت كفيه:
-كلمه إنت يا فؤاد.
ربت على كفها وتحدث:
-مهو لو هيرد من الأولى يرد عليكِ إنتِ يا حبيبي.
نطقت على عجلة:
-إنت غير، هو بيحبك وبيحترمك، ولما بتتصل بيه في أي وقت بيرد، لكن أنا ساعات بيبقى عنده شغل ويطنش مكالمتي، ولما يفضى بيكلمني.
زفر بهدوء ليجيبها بترقب:
-عاوز أقول لك على حاجة بس توعديني متتوتريش.
ما هي إلا ثواني والذعر ملأ عينيها لتهتف وهي تشدد على كفيه بقوة غارسة أظافرها بهما دون شعور:
-ابني جرى له حاجة يا فؤاد؟ أنا كنت متأكدة، من الصبح وأنا قلبي واكلني عليه ومش مرتاحة.
-يا حبيبي اهدي، الولد كويس وفي شقته.
حركت رأسها باستفهام:
-أمال إيه اللي حصل؟
نطق دون مقدمات متعمقًا بمقلتيها:
-"عمرو البنهاوي" زار يوسف وزينة النهاردة.
بمجرد نطقه لحروف ذاك الوغد انقبض قلبها، ابتلعت لعابها تسأله بتلعثم:
-يوسف هو اللي كلمك وقال لك؟
حرك رأسه نافيًا لتتابع بتمعن:
-أمال عرفت منين؟!
-من وقت ما عرفت برجوعه عينت حراسة تراقب بيت يوسف.
وتابع محذرًا:
-إيثار، الكلام ده هيفضل بينا، مش هيوصل ليوسف، إنتِ عارفة دماغ ابنك كويس، لو عرف إني معين له حراسة هيزعل واحتمال يقاطعني فيها، مش هياخدها من باب خوفي وحرص عليه، هيتهمني إني بتعدى على خصوصيته.
نطقت بامتنان واستحسان لتصرفه:
-مش هجيب سيرة لأي حد صدقني، المهم أنا كده قلقت أكتر.
-ليه يا بابا؟
أجابته بذعر يرجع أسبابه لمعرفتها لمدى حقارة زوجها السابق:
-عدم رد يوسف على مكالماتي خصوصًا بعد زيارة الحقير ده ليه، شيء مرعب.
تحرك بجانبها إلى أن وصلا لحافة الفراش ليجلسا ثم تحدث بعقلانية:
-الأول خلينا نكون واقعيين ونتكلم بالعقل.
وتابع تحت ترقبها:
-إحنا عارفين إن مقابلة يوسف بأبوه كانت لازم هتحصل، إنتِ مش هتقدري تمنعي أب يشوف ابنه يا إيثار.
ظهر التوتر جليًا برغم محاولاته لطمأنتها لتنطق بصوت مهزوز:
-ده إنسان حقير وخبيث، يوسف بريء ونقي ومش قد ألاعيبه، أكيد هيحاول يشوه صورتي في عينيه علشان يبعده عني.
وتابعت بهلع وقلب ينتفض من شدة الفزع:
-وبكده يكون انتقم مني أشد انتقام، وعرف يدمرني ويقضي عليا بجد.
تحدث بهدوء ليزيد جرعة الطمأنينة:
-اللي في دماغك ده عمره ما هيحصل، لسبب بسيط جدًا، يوسف راجل يا إيثار، متربي كويس وميتخافش عليه.
-طب تفسر بإيه عدم رده عليا؟
نطق يجيب سريعًا:
-يا حبيبتي إدي له وقته وبلاش تضغطي عليه.
وتابع موضحًا:
-أنا لما بقول لك إن يوسف متربي وميتخافش عليه ده مش معناه إنه مش هيتأثر، بالعكس، الموضوع صعب وجدًا كمان، الولد بيشوف أبوه لأول مرة يا إيثار، يوسف كان صغير لما اتجوزنا وحرفيًا نسي كل ذكرياته اللي كانت مع عيلته لما اندمج معانا، فأكيد اللقاء هيكون أصعب مما نتخيل على نفسية يوسف وزينة.
وتابع:
-ضيفي على كل ده، إن الراجل اللي يوسف قابله ده كان سبب رئيسي في ضياع أغلى حلمين على قلبه.
لم تتحمل تخيلها لمشاعر ولدها الحبيب فهطلت دموعها ليسحبها بأحضانه فخرجت سريعًا تنطق برجاء:
-وديني عند يوسف يا فؤاد.
-مش هينفع، سيبي الولد يعيش مشاعره من غير ضغط يا إيثار، بلاش تحسسيه إنه محاصر علشان مينفرش ويهرب منك.
شهقت وزاد انهمار دموعها ليربط على كتفها بحنو:
-علشان خاطري متعيطيش، إنتِ عارفة إني بتجنن وبحس بالعجز لما بشوف دموعك.
نطقت بترجٍ أظهر هلعها:
-خليك جنب يوسف يا فؤاد، بلاش تسيب عمرو يستفرد بيه وياخده مني.
بمجرد خروج حروف اسمه من بين شفتيها اشتعلت نار الغيرة بجسده بالكامل، وبرغم تعاطفه الكبير معها إلا أنه نطق بغضب جحيمي انطلق من مقلتيه وهو يسب الآخر بأبشع الألفاظ:
-آخر مرة أسمع اسم الـ...
ده على لسانك، ولو حصل!
وضعت أصابعها سريعًا فوق شفتيه الغليظة تمنعه من الحديث لتنطق في محاولة لاحتواء ذاك الجحيم المشتعل:
غلطة ومش هكررها تاني، صدقني يا حبيبي.
وتابعت متوسلة بدموعها:
بس أوعدني إنك مش هتسيب يوسف.
زفر بقوة محاولًا السيطرة على غضبه:
هو انتِ فاكرة إن يوسف ده ابنك لوحدك، ده أبني أكتر منك يا إيثار، ولا يمكن هفرط فيه أبدًا.
ألقت بجسدها داخل أحضانه تحتمي بهما من غدر الدنيا وقساوتها ليشدد هو عليها قائلًا:
تحبي أملى لك البانيو ماية سخنة تهدي أعصابك شوية.
حركت رأسها بنفي:
مش قادرة، أنا هحاول أنام يمكن أهدى.
جهز لها الفراش ودثرها بالغطاء بعد أن جاورها لتضع رأسها فوق صدره ويلف هو ذراعه حولها باحتواء.
***
بمنزل دكتور "ماجد"
كان يتحرك بالحديقة يدخن سيجاره بشراهة تحت نظرات بيسان المراقبة له من خلف الحائط الزجاجي ببهو المنزل، التفتت وتحركت لتجلس بجوار والدتها وهي تقول:
وبعدين يا مامي، هتفضلي مخاصمة بابي وقاعدة في أوضة لوحدك لحد امتى؟
بملامح وجه منطفأة نطقت بيأس:
أنا مش مخصماه يا بيسان، أنا بعد اللي حصل والغلط الكبير اللي باباكي عمله في حق الباشا وخالك ويوسف، كان لازم أخد موقف قوي علشان ميكررش اللي عمله تاني.
شعرت بوغزة قوية بعد ذكر حبيبها لكنها تخطتها بكبرياء وتحدثت:
بس بابي عرف غلطه فعلًا، وراح اعتذر من جدو وخالو.
وتابعت تسرد عليها ما قصه أبيها لها:
بس خالو فؤاد رفض الاعتذار وعامله بطريقة وحشة جدًا.
طالعتها فريال باستغراب لتعاطفها الزائد لتتابع الأخرى وكأنها قرأت ما يجول بخاطر والدتها:
أنا عارفة إنك زعلانة جدًا من بابي، ويمكن مستغربة دفاعي عنه، بابي بقى وحيد قوي في بُعدك، وحاول يتقرب مني الفترة اللي فاتت، ومنكرش إنه صعب عليا، ده في النهاية أبويا، وكرامته تهمني جدًا قدام الكل، وعمري ما هكون مبسوطة لما ألاقي خالي أو جدو بيقللوا من شأنه.
برغم حزنها وسخطها على ماجد إلا أنها سعدت بحديث نجلتها وحُسن تربيتها.
***
بالصباح، فاقت إيثار على مكالمة من يوسف يعتذر بها عن عدم استطاعته الرد لانشغاله بالتجهيز لعمل هام خاص بعمله وجب إنجازه على وجه السرعة، فطنت اختلاقه أعذارًا واهية لكي لا يحزنها فلم تعلق وسألته عن أحواله، وباتت تستدرجه بالحديث عله يخبرها عن زيارة عمرو، لكنه تجاهل الأمر تمامًا وتحدث بمواضيع أخرى مما أدى لاستغرابها لكن فؤاد طمأنها ورجّح تصرف الشاب على أنه خوفًا على مشاعرها وعدم استدعاء قلقها عليه.
داخل منزل حسين البنهاوي، ذهب عمرو محملًا بالهدايا الباهظة الثمن لشقيقه وأبنائه فاستقبله حسين بحفاوة لا لجلب الهدايا بل لصلة الدم وحبه لشقيقه، لم يأتِ بمفرده بل اصطحب معه طلعت الذي اشتدت سعادته برجوع عمرو والمال والسلطة معًا، وبعد مدة قص خلالها ما ينوي فعله وطلب منه مساندته هو وطلعت فرد حسين بأسى وحسرة:
أنا كنت فاكر اللي حصل لنا علمك درس وقربك من ربنا يا عمرو، بس واضح إن مفيش فايدة.
وتابع بشرود وتذكره للماضي:
الحاج نصر الله يرحمه كان دايمًا يقول إن طلعت هو اللي ورث كل صفاتي، بس اللي أنا شايفه، إن انتِ اللي ورثت طباع أبوك بالملي يا عمرو.
هتف طلعت بعينين ساخطتين:
بقول لك إيه يا حسين يا أخويا، بطل الفزلقة الفاضية ودور الدروشة اللي عايش لنا فيه ده، وفكر في مستقبل عيالك.
ثم تطلع حوله بازدراء ليتابع:
ولا عاجبك الفقر اللي معشش في كل ركن في بيتك.
الفقر فقر النفوس مش الفلوس يا طلعت… هتف عمرو بعدم احتمال:
أنا معنديش وقت للخطب دي يا حسين، من الأخر كده، هتيجي معانا البلد نرجع هيبتنا قدام الناس تاني وناخد حقنا من كل اللي ظلمونا ولا لأ؟
نطق بهدوء ورضى:
ربنا يهديكم، أنا قاعد هنا ومش هرجع البلد دي تاني، وده أكرم ليا ولعيالي.
هب عمرو واقفًا لينطق بعدم صبر يرجع لانشغاله:
براحتك، يلا بينا يا طلعت.
تحركا صوب الباب ليوقفهما صوت حسين القوي:
متنساش تاخد حاجتك معاك وانت نازل يا عمرو بيه.
وتابع:
أنا بيتي مبيدخلهوش أي مال حرام.
احتدم غيظًا من حديث شقيقه المهين لينطق بعدما استدار يرمقه بسخط:
هبعت رجالتي ياخدوها حالًا!
رمقه طلعت بازدراء لينطق بتعدي:
طول عمرك وش فقر، خليك لما الفقر ينهش جثتك وجثث عيالك، وساعتها هتجي لنا زاحف على ايديك.
خرج كلاهما واستغفر حسين وطلب من الله الهداية لشقيقيه، خرجت مروة التي كانت تستمع للحديث لتقول بارتياب:
زين ما عملت يا اخويا، ربنا يكفينا بحلاله عن حرامه، ويبعد عننا شر اخواتك.
حزن داخله لأجلهما وتمنى لو كان بيده شيئًا لفعله لردعهما وإبعاد كلاهما عن ذاك الطريق المفروش بالدماء.
مر اليومين سريعًا ليحين موعد افتتاح المطعم، تجمهر أهالي القرية بأكملها أمام ذاك المطعم الفخم وتعجب الجميع من فخامته، حتى وصل الأمر باتهام البعض لمالك المكان ووصمه بالمعتوه، فأي عاقل يضع كل تلك الأموال الطائلة في مطعم بقرية بسيطة أهلها ليسوا بترف أهل المدينة، وصلت عائلة ناصف تترقب ذاك المالك تحسبًا لصحة شك محمد، اتسعت أعين الجميع وهم يرون أسطول السيارات الفخمة التي داهمت المكان ليتفاجأ محمد بحضور مأمور المركز بسيارته التابعة للشرطة، ليأمر الرجال بتخبئة السلاح سريعًا تحت عباءة كل منهم، نزل عمرو بهيئة أذهلت الجميع وجعلت نظراتهم مشدوهة مما رأوا، فقد بان عليه الهيبة والوقار وكأنه تبدل، مع احتفاظه بجسد ممشوق ليبدو كشاب في بداية الأربعين، اقترب منه المأمور وتحدث باحترام:
حمدالله على السلامة يا عمرو بيه، نورت بلدك.
الله يسلمك يا سيادة المأمور… قالها باحترام ليتابع تحت ذهول أهل البلدة وعزيز ووجدي:
تشريف معاليك لافتتاح مطعمي شرف كبير ليا.
تحدث المأمور بصوت عالٍ قاصدًا وصول الحديث للجميع:
أنا جاي بشكل رسمي علشان أدخلك بلدك وأوصلك لحد باب بيتك، وأطمن إن الأمن مستتب.
ثم حول بصره للحاج محمد الذي تسمر بأرضه ليتابع مسترسلًا:
وأكيد الحاج محمد هيساعدني في ده، بما إنه كبير البلد والكل بيحترمه وبيسمع كلامه.
خرجت حروف الرجل مجبرة:
تحت أمر جنابك يا باشا.
هتفضل واقف بعيد كده يا خالي؟… قالها عمرو بابتسامة شامتة تحت زهو طلعت وعلو رأسه الشامخ ليتابع عمرو:
مش المفروض تيجي تستقبل ولاد أختك وترحب بينا في بلدنا.
رواية انا لها شمس الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم روز امين
-هتفضل واقف بعيد كده يا خالي؟
قالها عمرو بابتسامة شامتة تحت زهو طلعت وعلو رأسه الشامخ ليتابع من جديد:
-مش المفروض تيجي تستقبل ولاد أختك وترحب بينا في بلدنا؟
اشتعلت النيران بقلب الرجل من أفعال نجل شقيقته السافرة والتي جعلت منه صغيرًا في أعين أهالي القرية، لكنه مجبرًا على التعامل بلين وهدوء لاحتواء الموقف أمام مأمور القسم، تبين له أنه لم يعطِ لحديث شقيقته عن عمرو قدره، فقد اتهمها بالعته والجنون الناتج عن تقدم العمر، لكن ما رآه اليوم بأم عينيه فاق ما أخبرته به إجلال، نطق بابتسامة مزيفة:
-ما أنتَ لسه قايل بنفسك، بلدكم، هو فيه حد بيرحب بحد في بلده؟
ابتسامة نصر ارتسمت بجانب ثغر عمرو الذي أصر على إذلال ذاك الذي أساء لوالدته وعاملها باستهانة:
-بس أنا عاوز أشوف ترحيب خالي بيا أنا وأخويا.
نظر له المأمور مستغربًا جبروته ليتحرك محمد إليه ونطق كرهًا:
-نورت بلدك يا ابن أختي.
ابتسم ساخرًا ثم دار بمكانه يتطلع على الجماهير الغفيرة التي حضرت بكثرة لحضور افتتاح المطعم الجديد وكشف هوية المالك، نطق بعلو صوته ليصل للجميع:
-ولاد الحاج نصر رجعوا تاني لبلدهم وأصلهم، البيت الكبير اترمم واتجدد والسرايا رجعت أحسن من الأول، هتنورها ستهم وطلعت بيه.
وتابع بغرور:
-وأنا هاجي لزيارة بلدي باستمرار، للأسف مش هقدر أعيش هنا على طول، لأن عندي شركات كتير بتابعها في القاهرة.
واسترسل وهو يتطلع بأعينهم في محاولة منه لعودة هيبة عائلة نصر من جديد:
-وطبعًا مش محتاج أقول إن السرايا هتبقى مفتوحة ليل ونهار في وش الجميع، أي أرملة مش مقتدرة ومحتاجة خزين لبيتها أنا متكفل بشهرية محترمة تغنيها عن السؤال، وأي راجل مش قادر يجهز بناته أنا تحت الأمر.
بدأت همهمة الجميع تتعالى ويتهامسون فيما بينهم ليتابع الآخر متبعًا سياسة الجزرة:
-وبمناسبة رجوع اسم الحاج نصر البنهاوي من جديد للبلد، المطعم هيشتغل أول أسبوع ببلاش، يعني أي حد عاوز ياكل أي نوع، إن شالله حتى يطلب المنيو كله، هيتقدم له بكل ذوق ويقعد ياكل جوه في التكييف ومن غير ما يدفع ولا مليم.
-الله يخربيتك يا عمرو يا بنهاوي زي ما هتخرب بيوتنا.
قالها عزيز هامسًا لأخيه، هلل البعض من الناس الذين انجرفوا خلف مسيخ العصر "المسيخ الدجال" والبعض ثبت على موقفه وبدت على وجوههم رفض أنجال ذاك المجرم الذي دمر البلد ونشر فيها الفساد، ويبدو أن ذاك الـ عمرو جاء ليكمل مسيرة والده المليئة بالإجرام والمعاصي.
الافتتاح كان ضخمًا للغاية لا يتناسب مع المكان، فرح الجميع وتناولوا الأطعمة المتنوعة والحلوى والمياه الغازية مجانًا، تحرك عزيز وبادر بالسلام على عمرو برغم تجاهله هو ووجدي:
-حمدالله على السلامة يا عمرو بيه.
-الله يسلمك يا عزيز.
قالها ببرود، لينطق الآخر بعتب:
-بقى كده يا عمرو، ضاقت بيك وملقتش مكان تفتح فيه في البلد كلها غير جنب مطعمي.
وتابع متأثرًا بافتعال أراد به جلب تعاطف الآخر:
-مكنش العشم تعمل كده مع أخوال ابنك.
لم يصب عزيز بتفكيره تلك المرة، فقد خانه ذكائه عندما خيل له أن ذاك الـ "عمرو" هو بذاته الفائت، وبكلمة يستطيع التأثر عليه، لكنه أصبح أذكى وأدهى مما يظنه الجميع، تحدث بغلٍ والغدر يملأ عينيه:
-أخوال ابني اللي مشيوا ورى أختهم وباركوا لها خيانتها ليا؟
اتسعت عيني عزيز ذهولًا من افترائه الباطل ليتابع الآخر بسخط ينذر بقدوم الأسوأ:
-أخوال ابني اللي مجوش في مرة وهو هنا زمان، وقالوا نوديه لجدته تشوفه، قستوه عليا وعلى جدته لدرجة إنه مزارهاش مرة واحدة من يوم ما أنا سافرت.
وبلحظة اشتعلت عيونه بجحيم الغضب ليتابع مسترسلًا بوعيد:
-بس بسيطة، كل واحد غلط فينا هيدفع التمن، وهيدفعه غالي قوي يا عزيز، وقطع رزقك دي أول خطوة ومش هتكون الأخيرة.
ظهر وجدي من العدم ليهتف بحدة بعدما استمع لتهديد الأخير:
-محدش يقدر يقطع رزق حد يا عمرو، الأرزاق بإيد الواحد الأحد، وبالراحة على نفسك شوية، وافتكر إنها مبتدومش لحد.
وتابع بيقين:
-لو كانت بتدوم، كانت دامت لأبوك قبلك.
قال كلماته بجدية وجذب شقيقه قائلًا:
-يلا بينا يا عزيز، اللي زي ده ما يتعاتبش بالأصول، اللي الزمان ما يخليهوش يتعظ، يبقى مفيش فايدة فيه.
ترك عمرو الاحتفال واتجه بأسطول سياراته تحت حماية المأمور وبصحبة خاله ورجال العائلة الذين أجبروا على الحضور، وصل إلى بيت خاله وخرجت إجلال تتطلع على الجميع بفخر، وبكل جبروت الماضي وكأن السنوات لن تمر، ولم يحدث ما يجعلها تتعظ وتعمل على موعد رحيلها الأبدي.
هرول عمرو مقبلًا كفها ورأسها لتحتضنه بلهفة وباتت تقبل بشوق كل إنش بوجهه وكفاه، كان مشهدًا مؤثرًا للغاية، لكن لكلاهما فقط، فسبحان الله الذي انتزع الرحمة من قلوب الجميع تجاه تلك العائلة لتصير مكروهة بين الجميع، انضم إليهما طلعت وانتهت فقرتهم غير المؤثرة سوى لهم، أمسك عمرو يدها وتحرك بهدوء إلى السيارة لتصعدها كملكة في طريقها للتتويج، بعد قليل كانت تقف بمنتصف السرايا تتطلع حولها بانبهار من شدة جمال كل ما حولها من أثاث وإكسسوارات، ملأ السرايا لها بالخدم من الداخل والحرس من الخارج لتشعر بعودة زهوها من جديد، وبأن عصر القوة عاد مع عودة عمرو الذي نصفها بعد خذلان الزمان لها.
بعدما تناولوا الطعام، جلسوا يتناولون القهوة التي أحضرتها لهم خادمة من القاهرة ترتدي ثيابًا مرتبة، لتنطق بصوت ناعم:
-اتفضلي القهوة يا هانم.
-هانم مين يا بت، اسمي ستهم.
قالتها بصوت أرعب الفتاة وجعلها تتراجع بهلع ليشير لها عمرو بالانصراف، وتحدث:
-بالراحة على البنات يا ستهم، فهميهم بالراحة، وواحدة واحدة هيتعلموا.
سألته بشغف:
-هتاخد بتار أبوك وتاري من اللي ظلموني أمتى يا عمرو؟
نطق بتأنٍ:
-اصبري يا ستهم، الموضوع محتاج تخطيط علشان ما يبانش إن إحنا اللي ورا اللي بيحصل، وأهل البلد يهيجوا علينا.
نطق طلعت وهو يرتشف المشروب بصوت مقزز:
-عمرو عنده حق يا ستهم.
ليتابع عمرو بفحيح وهو يتطلع للأمام بنظرات مرعبة:
-الانتقام اللي مجهزه لأزهار، ما يخطرش على بال الشيطان نفسه.
ابتسمت بشر ظهر جليًا على ملامحها ليتحدث طلعت:
-أنا عاوز أتجوز يا عمرو.
وتابع بغل:
-عاوزك تشوف لي عروسة بنت ناس ولسة صغيرة أحرق بيها قلب ياسمين وأهلها.
أومأ وصدقت إجلال على حديثه وتابعوا حديثهم المليء بالكره والحقد على الآخرين.
حول المسبح تجلس كلٌ من إيثار وفريال التي حضرت لتتسامر مع زوجة شقيقها التي تحولت مع الوقت لصديقتها المقربة، تحدثت إيثار بتحكم من العقل متجنبة القلب:
-بنتك عندها حق يا فريال، مينفعش تعيشي مع جوزك في بيت واحد وإنتوا شبه منفصلين، سامحي وانسي علشان ولادك.
تحدثت باستنكار لحديثها:
-أنسى إيه يا إيثار، ده عمل شرخ بيني وبينكم آثاره هتفضل موجودة العمر كله.
-مفيش حاجة بتفضل على حالها صدقيني، والله كله بيتنسي.
هتفت بعيون متأثرة:
-وبنتي اللي خسرت حبيبها بسببه؟
أردفت إيثار بيقين:
-اطمني، يوسف عمره ما هيسيب بيسان، هو بنفسه قال لي كده.
-بس ده مش كلام بيسان يا إيثار، وحتى لو بنتي رجعت لطبيعتها مع يوسف، تفتكري ماجد هيسمح لها؟
أجابتها بجدية:
-ساعتها مش هيقدر يتنفس لما يتحط قدام الأمر الواقع، ومتنسيش إن الباشا ليه دلال عليه.
تنهدت بضيق وصمتت لتسألها فريال:
-وإنتِ مالك أنتِ كمان، ليكِ كام يوم متغيرة؟
قصت على مسامعها ما حدث لتشهق الأخرى بذهول:
-الله يخربيته، هو الراجل ده إيه، ما بيتهدش؟
وتابعت بريبة:
-ربنا يستر، دي ماما هتخرب الدنيا لما تعرف.
على ذكر سيرة والدتها فقد خرجت من باب المنزل تتجه صوبهما وبجانبها إحدى العاملات تحمل كؤوسًا من مشروب الليمون البارد، لتتحدث بابتسامة:
-شوفتكم من البلكونة فجيت أقعد معاكم وخليت البنات عملوا لنا عصير ليمون.
ناولت إيثار كوبها وهي تقول بحميمية:
-اشربي علشان أعصابك تكون هادية دايمًا.
لم تستطع حجب كلماتها التي انطلقت بلوم:
-سبحان الله، اللي كان يشوف غضب حضرتك مني من أسبوع واحد، ما يشوفش المعاملة الملوكي اللي بتعامليهالي.
ضحكت لتجيبها بمرح:
-أنا كده، اللي يزعل ولادي يبقى عدوي، واللي يحبهم ويدلعهم، أشيله جوه عيوني.
نطقت فريال لتلطيف الأجواء ولإخراج حالها من تلك الحالة:
-قصدك اللي يزعل حبيب القلب فؤاد.
سألتها بابتسامة:
-يعني أنا مبحبكيش يا مكارة؟!
أجابتها بإبانة:
-مقولتش كده، بس ما تنكريش إن طول عمرك وفؤاد عندك غير الكل.
وتابعت قاصدة إيثار:
-المهم يا إيثار، الدرس المستفيد اللي تقدري تطلعي بيه من الموضوع ده، إن طول ما أنتِ مدَلعة سيادة المستشار والضحكة مرسومة على وشه، هتشوفي الدلع كله من دكتور عصمت.
ضحكن وأكملن حديثهن.
داخل مزرعة الخيل المملوكة لـ "علام زين الدين".
شعر بأن عالمه ينهار من حوله بعد الزيارة غير المرغوب بها من ذاك الوغد المسمى بوالده، فقد اقتحم حياته واستطاع تسميم أفكاره أو دعنا نقول زعزع عقيدته قليلًا بشأن من اعتبرها مصدر الثقة الوحيد بحياته، ضاقت الدنيا بعينيه وأصبح صدره مثقلًا بالهموم، حتى أنه شعر بعدم استطاعته التنفس براحة، بدون أن يشعر ساقته قدميه إلى مزرعة الخيول الخاصة بجده علام، شعر بحاجته الملحة برؤية الفرسة التي أهداها له ذاك الراقي منذ أن كان بعمر السابعة، فور زواج والدته وانتقالهما للعيش داخل قصر العائلة.
توقف بسيارته أمام البوابة الحديدية ليسارع الحارس بفتحه ليسير يوسف للداخل تحت تحية الحارس له والترحيب بزيارته التي أصبحت عزيزة منذ ما حدث وبعثر كيانه، ترجل من السيارة ليسرع أحد العمال المسؤولين عن الخيل وهو يقول:
-نورت المزرعة يا يوسف باشا.
-متشكر يا عم سلامة.
قالها بوقار ليتابع بشغف:
-أخبار زهرة إيه؟
-زي الفل يا باشا.
نطقها وهو يهرول خلف ذاك الذي أسرع الخطى صوب مكوث الخيول وتابع يخبره بحفاوة:
-أنا مهتم بيها زي ما وصتني سعادتك، مش ناقصها غير رؤيتك البهية.
نطق وهو يسرع بخطوات واسعة تعود لاشتياقه للفرسة وكأنه يواعد الحبيبة:
-روح هات لي سكر علشان أأكلها.
نطق الرجل بأنفاس لاهثة تعود لكبر سنه وهرولة الشاب:
-عاوز أقول لك على حاجة مهمة يا باشا.
تابع خطواته للأمام ونطق بصرامة وحزم:
-بعدين يا "سلامة"، اعمل اللي قلت لك عليه الأول وحصلني على الإسطبل.
رفع الرجل كتفيه ليهدلهما من جديد باستسلام ثم استدار عائدًا لجلب ما طلب منه، بينما أكمل الآخر طريقه ليصاب بصدمة عنيفة عندما رأى هيئتها متجسدة أمام عينيه، نعم تواليه ظهرها مرتدية قبعة لحجب سخونة الشمس عنها، فهل يضل المحبوب عن حبيبه؟
تقف بجوار فرسته الخاصة تطعمها وحدات السكر وهي تتلمس شعيرات عنق الفرسة برقة ونعومة تظهر محبتها لتلك الفرسة العربية الأصيلة بلونها المميز الأسود الممتزج بالأحمر ليسر الناظرين، كانت زهرة تتجاوب مع لمسات أنامل الفتاة بميل رأسها وكأنها تعوضها غياب صاحبها وتخليه عنها وتركها لشهور وحيدة، تنهدت "بيسان" وهي تطالعها بألم ونغزة قوية بصدرها، أذابها الاشتياق للحبيب بينما وقفت كرامتها حائلًا، بعد تفكير عميق اهتدت لفكرة الذهاب إلى الفرسة الخاصة به، أتت إليها شاكية، قصت جل ما يرهق روحها وبات يجثو على صدرها بثقل مميت.
ثار قلبه وانتفض بعنف وهو يتطلع عليها بأعين يقفز من داخلهما لهيب العشق ومنتهى الهيام، تنفس مستمتعًا وبات يشم رائحة عطرها الذي فاح في المكان بأكمله ليخترق أنفه رغم بعد المسافات، قطع عليه لحظة الانسجام تلك صوت الرجل حيث صدح من خلفه ليرعب كلاهما ويحثها على الانتباه:
-السكر يا يوسف باشا.
ارتعب داخلها وعلى حين غرة التفتت لترتفع دقات قلبها بفضل رؤية مالك الكيان، تحمحم وانتبه للرجل يتناول منه ليسأله الرجل من جديد:
-أي خدمة تانية يا باشا؟
حرك رأسه ليخرج صوته متأثرًا:
-روح أنتَ يا "سلامة".
ليكرر الرجل سؤاله تلك المرة للفتاة:
-تؤمريني بأي خدمة يا هانم؟
تسمرت بمكانها ولم يعد بمقدورها نطق حرف واحد تأثرًا باللحظة، ليشعر حبيبها بذاك الارتباك الذي تجلى بملامحها، فتحدث نيابة عنها قائلًا بجدية:
-قلت لك روح يا سلامة، ولما نحتاجك هننده عليك.
انسحب الرجل ليتحرك هو صوبها بساقين ثقيلتين، يا الله لقد اشتاق التعمق ببحر عينيها الغميق والغوص داخل سحرهما الفاتن، ما أن وقف قبالتها لتهاجمه عدة مشاعر ثائرة هزت كيانه، ما بين اشتياق وحنين، ألم وبؤس وندم، وشعور مرير يكمن في أعماق قلبه ليستقر وتزداد مرارته، خرج صوته حنونًا للغاية، بينما تحتضن عينيه بقوة كل إنش بوجهها الجميل:
-إزيك يا بوسي؟
سحبت نفسًا لتهدئة روعها، وبرغم ما أصابها من اضطرابات بفضل اشتياقها المجنون لحبيب الروح، إلا أن عنادها الكافر سيطر على جميع الحواس لتتحول ملامحها من عاشقة متشوقة يذبحها الحنين، إلى صامدة جاحدة يقودها غضب الرفض على حافة الجنون، وبكل كبرياء عاندته بجحود يتوارى خلفه جنون العشق:
-أظن سبق وقلت لك إن ممنوع أسمعك تنده لي باسم بوسي مرة تانية؟
أغمض عينه في ألم ثم فتحهما من جديد لينطق بمرارة باتت لا تفارقه:
-حاضر.
شعرت بوجع روحه وخذلانه، صرخ قلبها وبات يعنفها ويتهمها بالجحود، يطالبها الآن بالهرولة إليه وضمه لضمام جراح روحه، حاولت تتجاهل حالته ولكن، هل في مقدور الحبيب التخلي عن من يحب؟ لا والله، ولا سيما ما يخص الحبيب، أخذت نفسًا مطولًا لتشجيع حالها على اتخاذ الخطوة ليخرج صوتها متحديًا جميع القوانين الصارمة التي وضعتها للفصل بين القلب والكرامة:
-مالك يا يوسف؟
-تعبان.
نطقها بأعين تئن ألمًا ليتابع بصوت قطع به أنياط قلب عاشقة عينيه:
-تعبان قوي ومحتاج لك جنبي يا بوسي.
ازدردت ريقها مقتربة منه خطوة بعد أن لاحظت حزنه العميق ولا تدري سببًا له وسألته:
-أنتَ وزينة كويسين؟
حرك رأسه بنعم فصمتت فاقترب منها خطوتان لينطق بنظرات تقطر من الغرام ما يجعلها تقسم بعشقه الهائل لها:
-أنتِ وحشتيني قوي.
نطقت بحدة ظهرت بعينيها حين لاحت بالذاكرة توسلاتها له بأن يظل بجانبها وألا يتركها تواجه أبيها بأياد خاوية:
-الكلام ده مبقاش له معنى خلاص، إحنا اللي بينا انتهى.
نطق برفض وتصميم:
-مفيش حاجة انتهت.
امتلأت عيونها بالقسوة لتهتف بعصبية مفرطة ملقية باللوم عليه لما وصلا إليه كلاهما:
-لا انتهت، وأنتَ بنفسك اللي نهيت كل حاجة.
ابتعدت للخلف تمهيدًا للذهاب فاجأها باقتحام مجالها ليتمسك بكفيها قائلًا بعينين متوسلتين:
-متمشيش، أنا محتاج لك.
ابتلعت ريقها تأثرًا ليسترسل بنظرات مترجية:
-خلينا نقعد ونتكلم.
-هنتكلم في إيه؟
قالتها بوهن لتتابع مستسلمة:
-ما أنا جيت لك واترجيتك، وأنتَ كالعادة، كسرت قلبي من جديد.
نطق بانهزامية وعينين تجلى من خلالهما مدى إنهاك روحه:
-هتصدقيني لو قلت لك إني مش قادر أتكلم في الموضوع ده، ولا أنا حمل أي جدال من أي نوع حاليًا.
سألته بطريقة مباشرة:
-أنتَ عاوز مني إيه يا يوسف؟
نطق متلهفًا وعيون شغوفة:
-عاوزك تفضلي هنا معايا، تعالي نركب الأحصنة ونمشي بيها زي زمان، تعالي نرمي همومنا وزعلنا وكل حاجة وحشة حصلت ورا ظهرنا، ونعيش النهاردة بس لينا.
تعمقت بعينيه وسألته بمغزى:
-طب وبكرة؟
أجابها متهربًا من إجابة بعينها لينطق بمراوغة:
-بكرة سيبيه على ربنا يا بيسان، خلينا في النهاردة.
لم يرق لها حديثه المبهم ذاك، فلأول مرة تراه ملاوعًا غير واضح، تحركت خطوة للمغادرة لكنها تراجعت وتسمرت بأمر من القلب، ألا لعنة الله على خنوع القلوب للعاشقين، هي من تجعل منا أذلاء، ابتسم برضى وبسط كفيه وهو يقول:
-بما إنك أكلتي زهرة السكر بتاع الحصان بتاعك، فخدي دول أكلي المسكين اللي عينه هتطلع عليكِ والغيرة قتلاه وهو شايف تجاهلك ليه.
-يستاهل التجاهل، لو كان فضل كويس مكنتش هتجاهله.
نطقت الكلمات بقوة لتنتشل من بين يده قوالب السكر وتتجه إلى الحصان التابع لها، ضحك بقوة على غضبها الطفولي وتوجه إلى زهرة التي صهلت بقوة مهللة بمالكها ومرحبة بعودته بعد غياب، وضع قبلة حنين للفرسة وبات يتلمس عنقها بلطف وتحدث بملاطفة تلك الجميلة:
-اتغيرت قوي سعادة السفيرة يا زهرة.
مال بطرف عينيه ينظر لتلك التي تطعم حصانها بالقرب منه، لتلتفت بعنف ليتابع لمشاكستها:
-بقت قلابة.
بنبرة بها تحدي أجابته:
-مع اللي يستاهلوا بس يا زهرة.
صهلت الفرسة ومالت برأسها وكأنها تساندها فضحك لينطق بلوم للفرسة:
-بقى كده يا ست زهرة، حضرتك واقفة معاها وبتأيدي كلامها كمان؟
تحركت إليه لتحنو على الفرسة بلمسة رقيقة على عنقها وهي تقول بصوت ناعم:
-زهرة أصيلة وبتقول الحق، مش زي صاحبها.
ضيق بين عينيه مترقبًا لتتابع بصرامة وهي تتعمق بعينيه:
-بياع وملوش أمان.
رفع أحد حاجبيه ليشير على حاله مستنكرًا:
-ده أنا؟
-هي ليها صاحب غيرك؟
قالتها بتأكيد ليبتسم ويسألها بمشاكسة:
-ولما أنا وحش قوي كده، جاية للفرسة بتاعتي علشان تتونسي بيها ليه؟
وتابع مع غمزة وقحة من عينيه:
-بذمتك، مش جاية علشان تشمي ريحتي فيها؟
ضحكت لتنطق مستنكرة:
-أشم إيه!
لتتابع بإنكار في محاولة بائسة لحفظ ماء الوجه:
-أنتَ بقيت مغرور قوي يا باشمهندس، كل الموضوع إني اشتقت لركوب الخيل، وزغلول وحشني.
وأشارت لزهرة وتابعت مسترسلة:
-والمسكينة زهرة صعبت عليا بعد غدرك بيها.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه قبل أن يهز رأسه قائلًا بتهكم:
-ولما أنا وحش كده، لسه بتعشقيني وهتموتي عليا ليه؟
رفعت حاجبيها لتهتف مندهشة بافتعال:
-هموت عليك! لا ده أنتَ بقيت مغرور وحالتك صعبة بجد.
حضر السايس وجهز لهما الحصانين وامتطى كلٌ منهما حصانه وانطلق يمرح بسعادة والقلب يتراقص فرحًا، ليقضيا معًا يومًا رائع، كان سيكمل بخروجهما وتناول العشاء معًا، لولا وجود زينة بحياة يوسف حيث استأذن منها ليرافق شقيقته لزيارة الطبيب النفسي المعالج لها.
عادت بيسان إلى المنزل، صعدت إلى غرفتها وباتت تتراقص وتدور حول حالها وفراشات الحب تهيم من حولها، بانتظار غدٍ أفضل.
باليوم التالي.
بالساعة الحادية عشر صباحًا، هاتف يوسف علام وعبر عن اشتياقه لرؤياه، طلب منه أن يلتقيا داخل النادي الاجتماعي الخاص بالعائلة، وأوصاه باصطحاب أشقائه بما أنه يوم عطلة لديهم، وأيضًا إحضار عزة لرعاية الصغير، بعد قليل، كان يجلس بجوار علام وأشقائه وعزة يصطفون جميعهم حول الطاولة، نطق علام وهو يحتوي كف يوسف:
-ياه يا يوسف، أنتَ مش متخيل أنتَ كنت واحشني إزاي.
-وحضرتك كمان.
سأله بنظرات حزينة:
-هتفضل مقاطع بيت جدك كده كتير؟
وتابع متأثرًا:
-يعني لو تعبت ومقدرتش أخرج بره البيت، مش هشوفك يا يوسف؟
-يا حبيبي بعد الشر عليك، إن شاء الله تفضل بصحتك وتفضل منور حياتنا كلها.
وتابع بأسى ظهر بنظراته:
-بس خلينا كده أفضل.
وتابع معتذرًا:
-وأنا آسف يا حبيبي والله علشان بتعبك معايا.
قاطعه الرجل معترضًا:
-إوعى تقول كده، أنا أعمل أي حاجة في سبيل راحتك، وإني أشوفك مرتاح وسعيد.
-ربنا يخليك ليا يا باشا.
قالها بأعين تفيض حنانًا ليجيب الآخر بسعادة:
-ويخليك ليا يا حبيبي.
وتابع متذكرًا:
-بقول لك إيه، أنا هعزم جدك أحمد وعيلته في مزرعة الخيول كمان يومين، تعالى احضر اليوم معانا، وإن كان على ماجد وعيلته، أنا مش هعزمهم علشان خاطرك، إيه رأيك؟
هتفت تاج برجاء حماسي:
-وافق علشان خاطري يا چو، بصراحة أي تجمعات بتحصل للعيلة من غيرك، بتكون سخيفة ودمها تقيل.
-وافق يا چو.
قالها زين ليعترض الشاب بطريقة ذوقية:
-مش هينفع يا حبيبي، عندي شغل مهم في اليوم ده ولازم أخلصه.
فطن علام اختلاق يوسف للأعذار كي لا يكون سببًا في تفرقة لم شمل العائلة، لكنه فضل عدم الخوض في الحديث أكثر وغير مجرى الحديث، وقف مالك وتحدث مستأذنًا من علام:
-جدو، ممكن أروح مع عزة الكيدز آريا؟
-روحي معاه يا عزة وخدي اتنين من الحرس معاكِ، وخلوا بالكم عليه كويس.
بصوت خافت همست بتملل:
-آه يا غلبك يا عزة، حتى الخروجة والجو الحلو مش هيهنيكي عليه ابن إيثار.
اصطحبت عزة الصغير وبعد مدة سألها وهو ينظر بتمعن لفتاة شقراء تقاربه في العمر، ويبدو من نظراتها أنه شغل تفكيرها:
-هي البنت دي بتبص لي كده ليه يا زوزة؟!
وضعت كفها لتداري ضحكتها وتحدثت خجلًا:
-شكلها معجبة بيك يا واد يا مالك.
وتابعت باستحسان:
-البت دي بتفهم وعينيها ناصحة.
وتابعت بثرثرتها المعتادة:
-بالك أنتَ البت دي لما تكبر، هتنشن على الراجل صح وتوقعه بسهوكتها دي.
سألها مستفسرًا:
-يعني إيه سوكستها؟!
لوت فاهها لتجيبه ساخرة:
-سوكستها إيه بس يا موكوس، يا واد بقولك سهوكتها، يعني بت مسهوكة وهي بتبص عليك بعنيها النعسانة دي.
وتابعت بإبانة صريحة:
-يعني من الآخر كده، أنتَ عاجبها.
-يعني زي بابي ما عاجب مامي كده.
طالعته برفعة حاجب ليتابع مفسرًا:
-ما هي مامي بتقعد تبص عليه زي البنت دي بالظبط، لما بابي يكون بيتكلم مع جدو ومش واخد باله.
لكزته بذراعه وهي تقول:
-أروب وناصح يا واد يا مالك.
اقترب عليها يوسف وتحدث بجدية:
-بقولك إيه يا زوزة.
أجابته بدلال يرجع لمكانته الخاصة بقلبها:
-نعمين يا عيون زوزة من جوه.
-ما تخلي مالك يقعد مع جدو وتعالي نتمشى شوية.
اتسعت ابتسامتها لتلكزه بساعده قائلة:
-وحشتك صح؟!
ضحك على أسلوبها الساخر وتحدث لمراضاتها:
-ودي عاوزة كلام، أنتِ طول الوقت وأنتِ وحشاني يا عزة.
-يخليك ليا يا حبيبي.
قالتها بسعادة ليهتف مالك باعتراض وهو يقفز بساقيه لأعلى:
-أنا هروح معاكم.
نطق شقيقه بهدوء:
-مش هينفع يا حبيبي، روح مع الحرس وأنا هتكلم مع عزة شوية وهنرجع لك على طول.
تذمر بوقفته وهو يربع ساعديه بحدة لينطلق إلى مكان جده علام بصحبة الحرس، تحركت عزة وهي تتأبط ذراع يوسف فسألها يوسف بارتياب:
-بقولك إيه يا عزة، كنت عاوز أسألك عن حاجة كده.
-إسأل يا نن عين عزة.
تراجع بحديثه ليعيد تصحيحه لعدم ريبة الأخرى:
-هو مش سؤال بالمعنى الحرفي، نقدر نسميها دردشة أو حب استطلاع.
نطقت متذمرة لعدم استيعابها للمصطلحات:
-يا أخويا أنا مش فاهمة حاجة من كلامك الملعبك ده، قول اللي أنتَ عاوزنا نرغي فيه من غير كلام كبير أنا مفهموش.
تنهد بقلة حيلة ليخرج الكلام بصعوبة من بين شفتيه:
-هي ماما وبابا فؤاد اتجوزوا إزاي؟
-مالك يا يوسف؟!
قالتها بأعين متعجبة لتتابع بريبة:
-هو أنتَ فيه حد لاعب في دماغك يا واد؟
ازدرد ريقه لينطق سريعًا متلبكًا:
-حد زي مين، إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟
هتفت باستياء:
-أي حد من الحرابيق قرايب أبوك، ولا هو نفسه المخفي، ما أنا سمعت إنه اتنيل رجع.
تنهد بضيق لينطق متذمرًا:
-خلاص يا عزة، أنسي كل اللي اتكلمنا فيه وكأني مقولتهوش.
جذبت ذراعه تحثه على التوقف لتنطق:
-استنى بس، ما تبقاش حمقي زي أمك.
وتابعت بنبرة حنون:
-أنا هقول لك اللي يريحك ويهديك، مع إني شامة ريحة الحقود أبوك في الموضوع.
نطق بجدية وصرامة:
-قبل ما تحكي إوعديني إن اللي حصل بينا ده ما يوصلش منه حرف لماما، ولا لأي مخلوق.
-عيب يا يوسف، حد قال لك عليا إن أنا فتانة؟
قالتها بعتاب لتتابع مسترسلة بمدح حالها:
-طب ده أنا الكلمة بتيجي لحد عندي وتدفن.
-عزة.
قالها مستنكرًا حديثها المنافي لحقيقة تلك الثرثارة لتنطق متلبكة:
-ما هو مش كل الكلام يتحكي يا يوسف.
أطال النظر بعينيها لتتابع هي بنظرة مطمئنة مغلفة بالحنان:
-وغلَاوتك عندي ما فيه مخلوق هيعرف.
باتت تقص عليه جل ما حدث بالماضي وكانت هي الشاهد عليه ونقطة الوصل.
______
اتصل فؤاد على أبيه يطمئن على صحته هو والصغار بعدما علم من رجال الحراسة تحركهم المفاجئ إلى النادي الاجتماعي، فأخبره عن اتصال يوسف وتواجده بالوقت الحالي، فقرر اغتنام الفرصة ليحضر ويلتقي بالشاب، كي يستكشف ما بداخله من خلال نظرات عينيه الشفافة، ظهر من بعيد ليهرول الصغير مناديًا باسمه:
-بابي جه.
رفعه فؤاد وقبل وجنتيه لينطق الصغير بصياح:
-بابي، يوسف هنا.
نطق بهدوء:
-آه يا حبيبي، جدو قال لي في التليفون.
تحرك حاملًا الصغير صوب والده، هرولت أيضًا الفتاة وتشبثت بأحضان والدها لتنطق بحفاوة:
-بابي چو هنا.
هتف مالك لإغاظتها:
-أنا قلت له قبلك.
تجاهلت شقيقها وتحدثت برجاء:
-بابي ممكن نتغدى هنا مع چو، بليز كلم مامي تجيب نانا ونتغدى كلنا مع بعض.
نطق زين أيضًا برزانة:
-آه يا بابي من فضلك، لأن چو مبقاش ييجي القصر ومن زمان ما اتجمعناش وأكلنا مع بعض.
-حاضر يا حبيبي.
هلل الصغير ليفلته فؤاد لاقترابه من أبيه، مال بطوله على رأس والده يضع قبلة احترام تحت نظرات أبنائه الفخورة بتصرفات أبيهم الراقية مع والده:
-إزيك صحتك يا باشا؟
-الحمد لله يا حبيبي.
قالها برضى ليسأله الآخر وهو يترقب المكان بعينيه:
-هو يوسف فين؟
-كان قاعد معايا هنا وبعدين راح يشوف مالك مع عزة.
اقترب الصغير ليلتصق بساقي والده وتحدث:
-هو خلاني أرجع لجدو مع الحرس، وقال لعزة إنه عاوز يتكلم معاها في حاجات سر، مش ينفع أنا أسمعها.
قطب جبينه وسأله:
-هو قالها كده؟
أجاب مؤكدًا:
-آه، قال لي روح يا ملوك عند جدو، وأنا هتكلم وهاجي وراك.
تنهد فؤاد بثقل وتيقن هنا أن الشاب ساوره الشك بعد زيارة والده عديم الضمير.
حضرت إيثار بعدما خرجت من العمل باكرًا عن موعد انصرافها المحدد، ذهب بها السائق إلى القصر ليحضر عصمت هي أيضًا لحضور الغداء العائلي، تأهب جميع العمال بالنادي لوجود سيادة المستشار العريق "علام زين الدين"، الرجل الثاني بعد النائب العام مباشرةً، مع عائلته، وقف الجميع على قدم وساق لتجهيز وجبة الغداء التي أشرف على تحضيرها رجال الحراسة تحسبًا وضمانًا لسلامة المستشار وعائلته الكريمة، اجتمع الكل حول الطاولة الكبيرة وكلٌ اتخذ مقعده، كانت محاطة برجلي حياتها، فؤاد ويوسف، كم شعرت بسعادتها وهي تتوسطهما، وضعت كف يدها تحتوي خاصته وهي تقول بحفاوة:
-وحشتني يا حبيبي.
بنظرات فخورة وحنو يملأ مقلتيه أجابها:
-وأنتِ كمان يا حبيبتي وحشتيني جدًا.
وتابع بمشاكسة كي يكسر حدة ما حدث من فتور معها في الأيام الفائتة:
-بس هو إزاي لحقت أوحشك وأنا لسه كنت معاكِ من كام يوم؟
ضغطت على كفه لتقول بحنان مفرط:
-ولو كنت شيفاك من ساعة واحدة، بردوا بتوحشني بمجرد ما تبعد عني يا يوسف.
رفع كفها ليقبله احترامًا وتقديرًا تحت سعادة واستحسان الجميع، نطقت تاج بمعارضة مفتعلة من باب المداعبة:
-يا ريت كان اسمي يوسف علشان تحبيني قوي كده يا ست مامي.
ضحك الجميع وتحدث زين متمثلًا بالحق:
-مامي بتحبنا كلنا بنفس الدرجة، مع اختلاف طرق التعبير.
-يعني إيه بقى يا عبقري؟
سألته تاج ليجيبها:
-يعني يوسف علشان بعيد، مامي دايمًا بتظهر حبها ليه بالعواطف، وأنتِ بتظهره باللين وإنها بتوجهك للصح واللي طبعًا عمرك ما بتطبقيه.
تعالت ضحكات الجميع تحت تذمر الفتاة من سخرية توأمها ليتابع هو بذكاء:
-وأنا مثلًا، بتعبر لي باهتمامها بأدق التفاصيل اللي بتريحني كحد بيحب النظام وبيكره الفوضى في حياته، أو إنها تاخد من وقتها كل فترة، وتيجي تقعد معايا ونتناقش في خططي المستقبلية ومشاركتها لأحلامي.
كان فؤاد يستمع لنجله بفخر وعزة، ليهتف الصغير متسائلًا:
-طب وأنا يا زين، مامي بتعبر إزاي عن حبي؟
-إنها تجري وراك طول اليوم وتلمك من كل مكان في القصر هي وعزة.
صدحت الضحكات من جديد لينطق علام فخورًا بحفيده العاقل:
-كلامك يحترم يا دكتور زين.
اشتدت سعادة الفتى من إشادة جده الغالي ووصفه بالدكتور، ليتابع علام ردًا على حديث حفيدته الغالية:
-وبالنسبة لكلامك يا تاج، فيه رواية شهيرة بتقول، سئل رجل حكيم، من أحب أولادك إلى قلبك؟
فقال: أصغرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يشفى، وغائبهم حتى يعود.
وتابع وهو يتطلع إلى الشاب:
-وحبيبي يوسف ينطبق عليه الفئة التالتة، أي الغائب حتى يعود.
نطقت تاج:
-بس يوسف مش مسافر يا جدو، ومامي لما تحب تشوفه بتروح له.
هذه المرة تطوعت عصمت بالإجابة:
-الأم لو ابنها مش قدام عينيها طول الوقت، بالنسبة لها غايب يا حبيبتي.
هتف الصغير بكثير من الابتهاج:
-مش مهم كل ده يا جدو، المهم إن مامي بتحبني مع چو، وأنا بحب چو.
تطلع لشقيقه الأصغر ونطق بنبرة أظهرت كم سعادته:
-وأنا كمان بحبك يا حبيبي.
-كلنا بنحبك قوي يا چو.
قالتها تاج بصدق لتتابع بتمني:
-وكل يوم بدعي ربنا إنك ترجع تعيش معانا تاني، ونتجمع كلنا زي زمان، إحنا وعمتو فريال وبوسي وفؤاد الصغير.
-بس بلاش عمو ماجد، علشان وشه عكر وبيقطع الخميرة.
قالها الصغير لتجحظ عيني إيثار قبل أن تأنبه بحزم وشدة:
-ولد، إيه اللي بتقوله ده؟!
عنفته أيضًا عصمت:
-عيب يا مالك، مين اللي قال قدامك الكلمة دي؟
حول فؤاد بصره لتلك الجالسة بمقعدها بصمت يتفقدها بنظرات ثاقبة كالذئب، وبرغم أنها تحاول جاهدة التزام الصمت وبألا تتدخل بالحديث منعًا لجلب المشاكل لها، إلا أن حظها السيئ والمتمثل الآن في "مالك" جعل المشاكل هي من تأتي إليها مهرولة.
كاد الصغير أن يتحدث فنهره والده قائلًا بحزم:
-اخرس يا ولد، طول ما إحنا هنا مش عاوز أسمع صوتك لحد ما نروح وتتعاقب على تجاوزاتك دي.
ربع ساعديه لينطق متذمرًا:
-أوك.
تحدث علام ليشفع له:
-خلاص يا فؤاد، عدي الموضوع وخلينا مبسوطين بيوسف.
بسط ذراعه يحتوي كف ذاك الحبيب قائلًا بأعين تفيض حنانًا:
-حبيبي يا جدو، ربنا يبارك في عمرك وصحتك يا حبيبي.
أجابه بصوت يحمل بين طياته الكثير من الحب والود والحنان:
-ويبارك لي فيك يا يوسف، وأشوفك أنجح واحد في مجالك وأتشرف بيك.
-إن شاء الله يا حبيبي.
سألته عصمت بعملية:
-اخترت مشروع التخرج اللي هتشتغل عليه ولا لسه يا يوسف؟
أجابها بود:
-أنا عندي مشروع تخرج كل سنة يا حبيبتي.
-أنا قصدي مشروع التخرج النهائي يا چو.
وتابعت بنصح:
-لازم تركز في اختيارك كويس، عاوزين امتياز مع مرتبة الشرف يا باشمهندس.
-إن شاء الله يا حبيبتي.
تطلع فؤاد إلى يوسف ونطق بفخر وكأنه نجله البيولوجي:
-أنا ابني ما يتخافش عليه يا دكتورة.
ثم تعمق كلاهما بعيني الآخر ومشاعر مختلفة تملكت قلب كليهما:
-واثق إنه هيشرفني وهيخليني أفتخر بيه قدام الناس كلها.
-مساء الخير.
تسللت إلى مسامعها نبراته البغيضة والتي ما مقتت شيئًا أكثر من صاحبها، أما فؤاد فقد اشتعلت عينيه بشرارات الغضب حين استدار ليجد ذاك الحقير يقف بكل جرأة أمامهم، هب واقفًا على حين غرة ليطيح بالمقعد أرضًا من شدة غضبه، ليقف أمامه تحت استنفار الجميع.
رواية انا لها شمس الفصل الستون 60 - بقلم روز امين
تسللت إلى مسامعها نبراته البغيضة، والتي ما مقتت شيئًا أكثر من صاحبها. فجأة تسلل الرعب لجدار القلب، وكأن الماضي عاد بكل وحشيته، ليداهم سلامها النفسي والاستكانة، ويزعزع استقراريهما بضراوة. أما فؤاد فقد اشتعلت عيناه بشرارات الغضب حين استدار ليجد ذاك الحقير يقف بكل جرأة أمامهم. هب واقفًا على حين غرة ليطيح بالمقعد أرضًا من شدة غضبه، ليقف أمامه تحت استنفار الجميع. اشتدت نظراته عداءً وهو يسأله بعينين تطلق شزرًا لو خرج لأشعل اللهيب بجسد الآخر وحوله لكتلة متوهجة:
- إنت بتعمل إيه هنا يا بني آدم إنت؟
ليصيح مسترسلًا بحدة أكبر:
- ومنين جبت الجرأة اللي قادر تقف بيها قدامي بعد كل البلاوي اللي عملتها؟!
- أنا هنا زيي زيك بالظبط.
قالها بكبرياء وقح بعدما وضع كفيه بجيبي بنطاله. لتهتف عزة وهي تتطلع عليه بنظرات منبهرة بأناقته وجسده الذي مازال يحتفظ بحيويته ورشاقته رغم مرور كل تلك السنوات:
- يخربيتك يا ابن إجلال، إنت إيه اللي سخطك كده، ولا كأن الزمن لا راح ولا جه عليك يا منيل.
أشعلت بكلماتها العفوية غيرة فؤاد الذي هتف وهو يرمقها ببراكين غضبه الكامنة بعينيه:
- عزة!
ابتلعت إيثار ريقها بصعوبة وعلمت أن عزة بغبائها قد خطت بساقيها عرين الفؤاد. ليتابع الآخر بكلمات صارمة:
- خدي الأولاد واقعدي بيهم في ترابيزة بعيد عن هنا.
ازدردت ريقها وهرولت لتتمسك بكف مالك الذي أفلته وهو يقول بحدة:
- سيبيني يا عزة عاوز أتفرج على الخناقة.
همست وهي تجذبه عنوة بينما ساقيه تتمسك بأرضها:
- يلا يا منيل متجبلناش الكلام، خناقة إيه اللي عاوز تشوفها، دي هتبقى مجزرة.
تحركت عزة وصاحبها بعض الحرس لحماية الأطفال. أسرع يوسف ليجاور أبيه الروحي الوقوف والمساندة بينما رمق الآخر بنظرات يملؤها الاحتقار بعدما علم بجميع تفاصيل ما حدث بالماضي من سرد عزة المفصل وبات على علم بالحقيقة كاملة. عاد فؤاد بنظره لذاك الواقف بعناد واحتدمت نيران غضبه ليتحدث باعتراض قوي يجيب به على جملته:
- إنت عمرك ما كنت ولا هتكون زيي.
وتابع بتقليل من شأن الآخر:
- ومهما حاولت، هيفضل أصلك غالب.
خرجت الكلمة لتخترق منتصف قلب يوسف بدلًا من ذاك الأرعن الذي استغل الوضع لصالحه وقرر اغتنام الفرصة في الحال، ليقول وهو يقترب من الشاب متمسكًا بيده بقوة وصلابة:
- ماله أصلنا يا سيادة المستشار؟ ولا أنت لفقت التهم وبعد ما أقنعت الناس بيها بحكم منصبك، صدقتها؟!
جذب يوسف كفه منه بعنف ليطالعه بازدراء مع صوت صارم:
- إنت إيه اللي جايبك هنا، من فضلك امشي وكفاية فضايح لحد كده.
وتابع بعينين متألمتين:
- اتقي الله فيا وابعد عني أنا وأختي وسيبنا في حالنا بقى.
لم يخشَ الله ولا أعين الموجودين حول الطاولة الذين شهدوا على خسته وندالته وإجرامه بالماضي هو وعائلته، بل كذب وتحدث بنظرات توسلية وهو يتعمق بمقلتي الشاب كي يستقطب لبه:
- اتقي الله إنت فيا وفي نفسك، وحاول تفهم وتشوف حقيقة الناس اللي خطفوك مني وحرموني من حضنك سنين بالظلم والافتراء.
اشتعل جحيم غضب فؤاد وتقدم بساقه نحوه ليجذبه يوسف وهو يقول برجاء:
- اهدى يا بابا وتمالك أعصابك لو سمحت.
بتلك اللحظة اشتعلت نيران غضبه وشعر بكلمات نجله وكأنها نصل سكين حاد يغرز في وسط قلبه ليدميه على الفور. استجمع قوته وتحدث بغضب عارم لو خرج لأحرق الأخضر واليابس بطريقه:
- هو مين ده اللي بابا يا يوسف؟!
وتابع وهو يشير باتجاه فؤاد وعلام بنبرات تمثيلية متأثرًا:
- الناس دي لفقوا لجدك نصر قضية قتل ودخلوه السجن، وبعدها جه دوري أنا وأعمامك، وكل ده علشان يخلصوا مني ويبعدوني عن طريقهم وياخدوك من حضني.
تمالكت من حالة الانهيار التي أصابتها لتتماسك رغم هلعها وتقف تستدير وتجاور زوجها الوقوف ويخرج صوتها غاضبًا بعدما فاض بها الكيل وطفح:
- إنت إزاي قادر تكون كذاب وتمثل البراءة قدام كل اللي شهدوا على خستك وندالتك، وإزاي مصدق نفسك كده، لدرجة إني لو معرفكش كنت صدقت كلامك؟!
يا الله، كم من المشاعر الهائلة تصيب القلب عند رؤية من امتلكه بعد طول غياب، مشاعر عنيفة ضربت عمق قلبه وهو يراها بعد غياب كل تلك السنوات وحجبها عن عينيه. ظل ينظر عليها متجمد الملامح، هو الآن لا يرى ولا يسمع ولا يشعر سوى بدقات قلبه العنيفة التي تطالبه بضمتها وليحدث ما يحدث. اشتعلت نيران فؤاد وما زاد من اشتعال روحه هي تلك النظرات التي رآها متوهجة في أعين ذاك الحقير لتخترق وجه خليلة الروح، كان يتطلع عليها باشتياق بين متفحصًا إياها بأعين تلتمع بالشغف والحنين. اشتعل داخل رجلها الجاسور لتشتد نظراته عداءً وما شعر بحاله إلا وهو يندفع تجاهه ويمسك به من ياقة بذلته ليهزه بعنف ضاربًا بكل القواعد والأصول والبروتوكولات عرض الحائط.
من يرا تجهم وجهه يجزم أنه على وشك ارتكاب جريمة شنعاء. صاح يوسف وهو يجذبه للإبتعاد:
- أرجوك يا بابا تهدى.
هرولت تتمسك بساعده لتترجاه بصوتها المتوسل وعيناها المتأثرة:
- سيبه علشان خاطري يا حبيبي.
استفاق عمرو على نطقها لكلمة "حبيبي" ليزيد لهيب كرهه لذاك الرجل الذي استطاع خطف لب امرأته الوحيدة مثلما فعل بنجله الحبيب. اهتز جسدها وكادت أن تسقط أرضًا لولا يدا عصمت التي سندتها بعد دفعة فؤاد القوية وهو ينهرها للإبتعاد عن مرمى نظر ذاك الحقير الذي يأكلها بعينيه:
- ابعدي!
وتابع وهو يرمقها بغضب عارم لو خرج لأشعل المكان برمته:
- اتحركي وروحي عند ولادك حالًا!
تنفست بصعوبة وهي ترى زوجها لأول مرة يتعامل معها بتلك الهمجية. تمالكت حالها وهرولت إليه من جديد بعدم استسلام:
- اهدى يا فؤاد وسيبه علشان خاطري، والله ما يستاهل اللي بتعمله في نفسك ده.
أمسك يوسف كفيها المتمسكتين بساعدي حبيبها ليزيلهما بصعوبة:
- اسمعي كلام بابا وابعدي.
كاد فؤاد أن يلكمه لكنه توقف عند استماعه لنبرات صوت والده الخشنة:
- فؤاد!
توقف في الحال حين أمسك الأب ساعده المتشبث بياقة الآخر ليزيلها بحدة وهو يتطلع بعيني نجله الغاضب:
- دي مش تصرفات جناب المستشار فؤاد علام زين الدين.
وتابع ناهرًا:
- كل واحد ليه حدود بيتصرف على أساسها وأساس البيئة اللي اتربى فيها.
وتابع وهو يتطلع من حوله على أعين المحيطين التي تصوبت تجاههم بتمعن شديد:
- بص للناس اللي بتتفرج على سعادة المستشار ابن رجل القانون علام زين الدين، واعرف إنك غلطت لما عملت لنكرة قيمة.
لم تشفع كلمات والده ولا تلك النظرات. هرولت عليه تجذبه وتبتعد للخلف. قلبه يغلي كالبركان من شدة غيرته على خليلة الروح والفؤاد. تحدثت وهي تتحسس ظهره بلمسات حنون تحثه على الهدوء والسكينة:
- مينفعش اللي بتعمله ده، أرجوك امسك أعصابك.
برجاء تحدث إليها:
- طب امشي من هنا، روحي عند ولادك.
وتابع بعينين تطلق شزرًا:
- امشي يا إيثار بدل ما أقتله قدام ابنك.
نطقت بإصرار وعناد ناتجان من ارتعابها على من ملك الفؤاد واستوطن:
- مش هتحرك من مكاني غير ورجلي على رجلك.
جذبته من ذراعه تترجاه بنظراتها:
- يلا نروح ويوسف هيجيب الأولاد وبابا وماما ويحصلنا.
هتف بهسيس مصاحبًا بنظرات مرعبة:
- إنت ليه مش بتسمعي الكلام، بقول لك امشي من قدامه، ولا إنت عاوزاني أتحول لقاتل؟
- خد مراتك وامشي من هنا يا فؤاد.
قالتها عصمت بصوت يهتز من شدة هلعها ليجيبها بعناد كافر:
- لو مش عاوزاني أرتكب جناية، خديها من قدامي وامشوا يا ماما.
نطق علام وهو يرمق الرجل شزرًا وتقليلًا:
- لو عاوز تحافظ على اللي باقي من كرامتك، خد بعضك وامشي من النادي حالًا.
رفع حاجبه الأيسر بتهكم صاحبه تلك الابتسامة الساخرة وهو يقول:
- هو أنتم ليه بتتعاملوا مع الناس على إنكم أسيادهم.
وتابع رافعًا قامته بكبرياء ومغزى:
- أنا هنا بفلوسي ونفوذي، فاهم يعني إيه نفوذي؟
بكل ثقة تحدث علام:
- إنت اللي مش فاهم إنت واقف قدام مين وبتتحداه بمنتهى السذاجة.
بغرور أرعن نطق بلامبالاة:
- أنا عارف كويس قوي أنا واقف قدام مين، وآخرك هاته يا باشا لأني مبتهددش.
هتف يوسف من بين أسنانه بطريقة أظهرت كم الغضب الذي أصابه من ذاك الأبله عديم الفهم:
- كفاية فضايح وقلة قيمة لحد كده، أرجوك، امشي، واحفظ كرامتك وكرامتي.
أمسك علام هاتفه وابتعد قليلًا ليجري مكالمة. ليقطع الصمت صوت تلك التي تحدثت بصوت مرح:
- وينك حياتي، عم دور عليك، الزغار كتير جوعانين وبدن ياكلوا.
التفت يطالعها بارتباك تحت نظرات الجميع التي اتجهت تتمتع بتلك الجميلة الرشيقة التي تقف بكامل أناقتها، ترتدي بنطالًا ملتصقًا بجسدها، يعتليه كنزة بدون أكمام، تاركة لشعرها الأشقر العنان ليتطاير مع نسمات الهواء الربيعية. اتسعت عيناها لتهتف بذهول وابتسامة هادئة حين رأت صورة زوجها المصغرة متجسدة بذلك الشاب:
- يا الله، أكيد هيدا يوسف يا عمرو؟!
أومأ لها بصمت لتتابع وهي تقترب من الشاب تحت حدة وفوران قلب إيثار التي تراقب الوضع عن كثب:
- لك شو هالشبه يلي بيناتكن، عيوني ما عم تصدق، قديش صاير بتشبه بيك.
قطب الشاب جبينه وبات يتطلع نحوها باستغراب لجهله هويتها، فتابعت تعرفه على نفسها:
- أنا بكون لارا، مرة بيك.
وتابعت باستحسان:
- يا الله، لو بتعرف اديش البابا بيحبك وبيموت عليك، صرعني من كتر ما بيحكي عنك.
وتابعت بتأكيد وهي ترى جمود الشاب:
- والله عنجد بيحكي.
وتابعت:
- لازم تجي لعنا لحتى تشوف إخواتك وتتعرف عليهن، كتير مهضومين متلك، متأكدة إنك رح تحبهن وتصيروا إخوة بتجننوا.
أشارت بكفها باتجاه معين لتتابع:
- وحتى فيك تشوفن هلأ، هنن معنا هون بالنادي، تركتن مع الناني تبعهن وإجيت لحتى دور على البابا يلي اختفى.
نطق يوسف بهدوء عكس ما يدور داخله من بركان غضب بفضل ما يحدث من عبث بحياته بسبب ذاك المسمى بأبيه:
- أهلًا وسهلًا، ياريت حضرتك تاخدي عمرو بيه وتبعديه عن هنا، تجنبًا للمشاكل.
ضيقت ما بين عينيها متعجبة طريقة استقبال الشاب لها ثم باتت تتطلع من حولها لتجد استنفار الجميع وهم يطالعونها وزوجها، لتسأله باستغراب:
- شو في يا عمرو، مين هادول الناس، وليش عم يطلعوا فينا هيك.
هتف فؤاد موجهًا الحديث لها:
- الأسئلة دي إبقي اسأليها للبيه وانتوا لوحدكم، وياريت تسمعي نصيحة يوسف وتمشوا من المكان حالًا.
تطلعت إلى تلك المرأة المتشبثة بثياب ذاك المتعجرف لتنطق بعدم استيعاب بعدما شعرت بنغزة تقتحم قلبها وكأنه شعر بحضور غريمتها:
- مين إنت؟
ثم تطلعت نحو عمرو لتسأله:
- هيديك المرة هي بذاتها يلي كنت متجوزا؟
لم يعد يتحمل سخافات تلك المرأة بالحديث، خاصة بعدما ضغطت على جرحه النازف، فتحدث بصرامة أثارت حنقها:
- بطلي رغي وكلام فاضي وخدي جوزك واتحركي من هنا يا ست إنت.
اكفهرت ملامحها واتسعت عيناها غضبًا لتهتف حانقة:
- إنت شو مفكر حالك لحتى تحاكيني هيك، أنا رولا، بنته لسليم إلياس، رجل الأعمال المعروف بكل العالم.
هتف بحدة متهكمًا:
- غنية عن التعريف يا مدام، أصلك وفصلك عارفهم كويس قوي، أبوكي من أكبر مشبوهي العالم.
طالعها بقوة ليعد على أصابع يده بتسلسل متهكم:
- غسيل أموال، على تجارة أعضاء، على سلاح ماشي، مخدرات تلاقي.
صاحت معترضة:
- إنت كيف بتتجرأ وتحكي هيك عن البابا؟! صدقني رح تندم على كل كلمة حكيتا.
احتد غضبًا واشتعلت عيناه لتملؤها شرارات الغضب قبل أن يهتف هادرًا بتهديد:
- التزمي حدود الأدب وإنت بتتكلمي معايا، واعرفي إن اللي إنت واقفة قدامه ده، قادر يرحلك على المكان اللي إنت جيتي منه، وفي أسرع مما خيالك يصور لك.
ارتبكت وأجبرتها شخصيته القوية على الصمت. أجزمت بداخلها أنها لن ترى رجلًا بقوة ذاك الصارم من قبل.
باتت تتحسس صدره لتحثه على السكينة والهدوء وهي تقول بصوت يفيض حنانًا:
- يا حبيبي اهدى، الناس بتتفرج علينا يا فؤاد.
اشتعلت روح عمرو من شدة غيرته وهو يراها بكل ذاك اللطف والحنان. أما رولا فابتلعت لعابها وهي تطالعهما ثم نظرت لزوجها فلمحت نظرات الغيرة والحقد تملأ عينيه. حضر مدير أمن النادي ومعه بعض رجال الحراسة. أحنى رأسه قليلًا احترامًا لعلام وفؤاد اللذان بادلاه تحيته الصامتة ليتحدث الرجل مشيرًا إلى "عمرو" بعدما أتاه أمرًا بطرده من المكان فورًا بعد إجراء علام اتصالًا هاتفيًا:
- اتفضل معايا إنت والمدام يا أستاذ عمرو.
سأله بجبين مقطب:
- اتفضل مع حضرتك على فين؟!
بهدوء أجابه:
- على مكتبي، عقد اشتراكك في النادي اتحل حالًا، واتفضل معايا علشان تسترد فلوسك كاملة.
هتف بصياح معترض:
- اللي بيحصل ده تهريج وشغل كوسة، أنا مواطن مصري محترم، اشتركت بفلوسي اللي إنتوا حددتوها، يبقى مش من حقكم بعد ما اتفقنا تلغوا العقد علشان خاطر مستشار.
أجابه الرجل برزانة وثبات:
- حضرتك خالفت قوانين النادي المذكورة في بنود العقد من أول يوم ليك، اقتحمت خصوصية عيلة سيادة المستشار واتعديت عليهم باللفظ، وكل الحاضرين شاهدين بكده.
وتابع الرجل بجدية:
- إحنا نادي محترم وشغلنا كله قانوني.
رفع حاجبه بتهكم مع رسم ابتسامة ساخرة:
- آه طبعًا، وسيادة المستشار وابنه بتوع القانون كله.
صاح الرجل معنفًا:
- اتفضل وبلاش تعمل شوشرة لأنها هتضرك وتضعف موقفك أكتر.
صاح أحد أعضاء النادي المخضرمين:
- يا ريت يا أفندم تتحروا الدقة في السؤال عن المشتركين الجدد، النادي ده عريق وأعضاؤه كلهم ناس محترمة، ولازم تحافظوا على النقطة دي.
أيده جميع الحضور تضامنًا مع علام وعائلته ليرمق عمرو بنظرة تقليلية متابعًا:
- مش كل من بقى معاه شوية فلوس مجهولة المصدر، يدخل ويقعد بينا.
استشاط داخل عمرو وثار بفضل تعرضه للسخرية والتقليل من قبل هذا المتعجرف ليقابل حديثه بحديث مماثل:
- إنت بتقول إيه يا جدع إنت، أنا مولود في بقي معلقة دهب، وفلوسي وارثها أبًا عن جد.
وأشار بكفه حول الجميع مقللًا:
- الدور والباقي عليكم، لابسين بدل ماركات وإنتوا ماليانين بلاوي وعيوب.
- امشي معايا من سكات بدل ما استعمل معاكم القوة.
قالها مدير الأمن المسؤول عن المكان تحت استنكار عمرو وذهول رولا وعدم استيعابها للإهانة التي تتعرض لها هي وزوجها أمام الجميع.
- إنت إيه يا أخي، شيطان، كفاية بقى فضايح، كفاااااية.
كلمات صرخ بها ذاك الذي ظل يكظم قهرته بداخله حتى امتلأت روحه قهرًا وما عاد فيه الامتصاص أكثر فثار وهاج ليصرخ معبرًا عن قمة غضبه. اتسعت عينا عمرو وبات يلعن نفسه آلاف المرات لما آل إليه نجله الحبيب بفضله، بينما هرول نحوه فؤاد يحتضنه ليجذب عنقه يريحه على كتفه مخبئًا وجهه به وتحدث هامسًا:
- هش، اهدى يا حبيبي، حاول تمسك أعصابك يا ابني.
شعر بوخزة اخترقت قلبه بعد رؤيته لهذا المشهد، وما زاد من ذبح روحه هو تشبث يوسف بكتف فؤاد وكأنه وجد الملاذ الآمن له. هرولت إيثار صوب نجلها لتحاوط ظهره بحنو ثم طالعت عمرو لترمقه بكره لم تكنه لأحد مثله لتهتف كارهة:
- ربنا ينتقم منك، ربنا ينتقم منك.
الآن فقط أدرك فظاظة ما فعله. تحدث إلى الشاب نادمًا بعد فوات الأوان:
- أنا آسف يا يوسف، كرهي للي ظلموني قدر يتغلب على حبي ليك يا ابني.
نطق كلماته السامة ليتحرك ممسكًا بكف زوجته التي نطقت بتذكير:
- خلينا نروح لحتى نجيب الزغار.
نطق مدير أمن النادي بجدية:
- متتعبيش نفسك يا مدام، الولاد والدادة بتاعتهم والحرس اللي كانوا معاهم مستنينكم في المكتب.
طالعت فؤاد بسخط ليبتسم بجانب فمه ساخرًا على تلقيها أول هزيمة أطاحت بكبريائها أرضًا أمامه. رمقته بتحدي قبل أن تتحرك بجوار زوجها الذي تحدث:
- هنتقابل تاني يا فؤاد يا علام، ده مش آخر المطاف.
- وأنا دايمًا جاهز وفي انتظار جولاتك.
قالها بقوة وثبات ومازال الشاب بأحضانه.
_________
خرج من النادي بصحبة عائلته بعدما تلقى هزيمة ساحقة على يد غريمه الأقوى. استقل الجميع السيارة وجلس هو وزوجته ونجلاه بالأريكة الخلفية. قاد بهم السائق وتحرك تجاه طريق العودة لمنزلهم. هتفت توبخه على موقفه المخزي:
- يا عيب الشوم عليك، تركت الزلمة يبهدلني وضليتك واقف تتفرج عليي.
أجابها ببرود مميت:
- إنت اللي زودتيها لما هددتيه باسم أبوك يا رولا.
صمت ليتنفس ثم تابع بتفكير:
- شكلنا محتاجين لخطة جديدة علشان نعرف نتعامل معاهم ونضرب من تحت الحزام.
- ما كنا هيك لحد ما حضرتك خربت الدنيي بجيتنا عالنادي.
وتابعت وهي ترمقه بنظرات نارية:
- ليش إجينا على هيدا النادي بالتحديد يا عمرو، وبهالوقت؟!
صمت لتسأله والدموع تجمعت بعينيها مع نظرة عتب:
- كنت بتعرف إنها هون؟
- لا طبعًا.
قالها مستنكرًا ينفي عنه اتهامها ذاك فسألته من جديد:
- لساتك لهلا بتحبا؟
بإنكار هتف لكي لا يثير شكوكها برواياته التي قصها عليها طيلة سنوات:
- إيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا رولا، حب إيه وزفت إيه.
سحب عنها عينيه لكي لا تكشف كذبه:
- بأي عقل هفضل أحب واحدة خاينة باعتني علشان راجل تاني، واحدة حرمتني من ابني سنين طويلة، بعد ما اتفقت مع الحقير اللي سابتني بسببه.
طالعته بريبة أثارت رعبه ليتمسك بكفها في محاولة لجذب ثقتها من جديد:
- إنت مش مصدقاني يا رولا؟
نطقت بوهن يرجع لعشقها الهائل له:
- أنا حبيتك كتير، وما بخلت عليك بأي شي، وصدقني يا عمرو، لو حسيت بيوم إنك بعدك بتحب هيدي المرة.
وتابعت بعيون حادة وتهديد مباشر:
- الله وحده اللي بيعلم شو راح أعمل فيك.
ابتلع ريقه ليضمها إلى صدره وهو يقول:
- خرجي من دماغك الشك اللي زرعه لك كلام الحقير اللي اسمه فؤاد، وخليك واثقة إني محبتش في حياتي كلها حد غيرك.
تنهدت والشك مازال يساور داخلها لكنها ستصمت الآن وتنتظر ما ستظهره الأيام قبل أن تصدر حكمها بحقه.
ولج الجميع إلى المنزل بحالة مزرية ومشاعر مشتعلة. أخذت عزة الصغار وصعدت إلى الأعلى لتبديل ثيابهم. هتف علام بحدة أظهرت كم غضبه الجامح من تصرفات نجله العاقل:
- حصلني على المكتب يا سيادة المستشار.
انتهى من كلماته ليتحرك بغضب عارم. تنفس فؤاد بعنف ليتطلع على زوجته التي همست بهدوء:
- ادخله يا حبيبي، وأنا هبلغ وداد تعمل لكم قهوة.
طالعها بغضب لا تعلم سببه ليتركها ويلحق بأبيه بخطوات واسعة يدق الأرض من تحته من شدة احتدامه. تنفست بألم لتقترب منها عصمت وهي تقول بتوعية:
- حاولي تهدي جوزك وتحتويه، نسيه اللي حصل بأي طريقة يا إيثار.
وتابعت وهي تحاول جاهدة بإيجاد حلول لتلك المشكلة:
- أنا شايفة إننا نحاول منخرجش في أماكن عامة الفترة اللي جاية لحد الأمور ما تهدى.
وزفرت وهي تهدل كتفيها باستسلام:
- مش عارفة طلع لنا منين ده كمان.
نطقت والخوف يجوب بعينيها:
- الولاد مش لازم يسافروا يا ماما، إحنا لازم نقنع فؤاد بأي طريقة إنه يلغي الاشتراك.
أجابتها وهي تطالعها بذات مغزى:
- أنا شايفة إن إنت الوحيدة اللي تقدري تعملي ده، أنا والباشا حاولنا معاه كتير، وكل اللي طالع عليه هو إنه إزاي يرجع في كلامه بعد ما وعد "تاج" وهي فرحت.
وصلها مغزى الحديث فهزت رأسها متفهمة لتنطق:
- اطلعي حضرتك غيري هدومك وحاولي ترتاحي شوية، وأنا هدخل المطبخ أبلغ وداد تعمل فنجانين قهوة للبشوات، وهطلع أنا كمان أغير هدومي.
ولجت للمطبخ وجدت العاملات يقمن بوظائفهن. رمقت الفتاة "هند" بنظرات ثاقبة، ثم نطقت بجدية:
- اعملي قهوة للبشوات ووصليها بنفسك للمكتب يا وداد.
أومأت لها لتتحرك إيثار باتجاه الطاولة. تناولت كأسًا من الماء لترتشف نصفه ثم تنفست وتحركت للخارج تحت نظرات الفتاة التي شيعت خروجها بنظرات حاقدة.
داخل المكتب، هدر علام بحدة عبر من خلالها عن غضبه واعتراضه القوي على تصرفات نجله العاقل:
- ممكن تديني سبب واحد مقنع للتصرفات الصبيانية اللي عملتها في النادي النهاردة؟!
وتابع مسترسلًا بذات مغزى:
- يا ابن علام زين الدين؟!
بحدة بالغة أجابه:
- هو حضرتك مشفتش تصرفات الحقير ولا الكلام اللي قاله في حقنا يا باشا؟!
صاح علام مؤنبًا نجله بصرامة:
- الحاجة الوحيدة اللي شوفتها إنك قللت من نفسك باللي عملته النهاردة قدام الناس.
بغيرة مرة لم يستطع تخبئتها كرجل يذوب عشقًا في غرام أنثاه:
- طب وبالنسبة لنظراته الـ... لمراتي، هي كمان مشوفتهاش يا بابا؟!
أشفق على حال ولده من نار غيرته المرة. يعلم جيدًا شعور الرجل عندما يرى نظرات رجل آخر لزوجته، والمميت أن ذاك الرجل كان زوجها السابق. يا لها من قهرة لرجل عاشق لأنفاس زوجته. اقترب عليه وتحدث وهو يشدد من مسكة كتفه:
- أنا عارف ومقدر صعوبة الموقف اللي إنت اتحطيت فيه، بس إنت رجل قانون، متدرب على ضبط النفس ولازم أفعالك وتصرفاتك تكون موزونة، ولازم تحط منصبك دايمًا قدام عينيك، وتعمل له ألف حساب، وإلا الكلاب المتربصة هتنهش لحمك عند أول سهو منك.
أبعد نظره عنه لينطق بخزي:
- حاضر يا باشا، غلطة وأوعد حضرتك إنها مش هتتكرر.
- ياريت.
قالها بصرامة ليواليه ظهره.
صعد إلى جناحه فوجدها تجلس فوق مقعدها الهزاز، يبدو عليها عدم الراحة، ومن أين تأتي الراحة في وجود ذاك الشيطان المتمثل بهيئة "عمرو البنهاوي"؟ كانت ترتدي قميصًا ناعمًا من قماش الستان لونه كشمير، طوله يصل لنهاية قدميها، يعتليه مئزر بنفس اللون والقماش. هبت واقفة لتهرول عليه بلهفة، أمسكت كفه تفردها لتميل بشفتيها تضع قبلة بباطنها، أرادت من خلالها إيصال رسالة أنها ملك له. تطلع عليها وما زالت النار تشتعل بصدره، فنطقت بصوت ناعم وهي تتحسس ذقنه الخشن:
- بحبك يا فؤاد.
جذبها بقوة لترتطم بصدره وبات يضمها بقوة كادت أن تسحق عظامها وهو ينطق بخشونة ونبرة مشتعلة:
- إنتِ مراتي، بتاعتي من أول ما جيتي على الدنيا دي، ملكي لوحدي، أنا وبس.
برغم سحقه لعظامها والآلام التي بدت تغزو جسدها بالكامل إلا أنها تحملت الوجع لتنطق بصوت جاهدت ليخرج طبيعيًا بعيدًا عن الأنين:
- إهدى يا حبيبي، أنا ملكك بقلبي وروحي وكل كياني، وعمري ما كنت ملك لغيرك.
وتابعت بغباء لم تدرك حجم فجاجته وإلا ما كانت سمحت له بالخروج:
- وحتى لو كنت معاه بجسمي لما كنت مراته، فأنا عمري ما كنت معاه بروحي.
ابتعد سريعًا ليرمقها بشزر يخرج من عينيه، ارتعبت من حدة نظراته، أمسك كتفيها يعتصرهما بقوة ألمتها ونار شاعلة تستعر بقلبه العاشق ليكتم فمها بشفاهه الغليظة مجبرًا إياها على الصمت، قام بدفعها على الفراش بقوة ليثبت لحاله أنها ملك له بكل ما فيها تحت استسلامها واستشعار مدى اقترافها لخطأ فادح بحق مشاعر ذاك المغروم، دون وعي منها.
بحلول المساء، داخل منزل ماجد.
كان يجلس داخل المكتب، يعمل على حاسوبه الخاص ليقطع اندماجه دخول زوجته بعد طرقها للباب، طالعها مستغربًا، فتلك هي المرة الأولى التي تأتي إليه منذ ما حدث، أتت إليه بعدما فكرت مليًا وخافت من عقاب الله لها على الابتعاد وحرمان زوجها من ممارسة حقه الشرعي، تحمحمت لتنظف حنجرتها وتنطق بنظرات خجلة:
- أنا بلغت سمر علشان تنقل حاجتك وترجعها لمكانها، تقدر من النهاردة ترجع لأوضتك وتنام فيها من تاني.
هب واقفًا ليتحرك صوبها حتى وقف قبالتها وتحدث بنظرات عاتبة:
- أخيرًا رضيتي عليا وهتدخليني مملكتك من تاني يا فريال؟
صمتت وأشاحت ببصرها بعيدًا ليسألها متهكمًا:
- ويا ترى إيه سبب التغيير العظيم ده؟
طالعته بدون إدراك لمغزى حديثه ليتابع هو بريبة تسللت بداخله:
- ليكون الولد ابن مرات أخوكِ ناوي يفتح موضوع بيسان تاني، وإنتِ جاية بالحركة دي علشان تأثري على قراري؟
اتسعت عيناها من تفكيره الغريب المليء بالخبث لتعنفه بحدة:
- أولًا يا دكتور يا محترم، أنا تربية سيادة المستشار علام زين الدين، يعني اللؤم والخبث مش طبعي، ولو عاوزة أوصل لك حاجة هاجي مباشر وأقولها لك في وشك، مش هلف وأدور بحركات رخيصة زي ما وصفتني.
ارتبك وخشي عدولها عن قرار عودته لغرفة الزوجية، فنطق سريعًا لنيل رضاها:
- يا حبيبتي إنتِ فهمتي كلامي غلط.
هتفت بحدة أظهرت كم الغضب الذي انتابها من كلماته:
- بلا غلط بلا صح، أنا عملت كده علشان خاطر أرضي ربنا فيك، الأوضة قدامك، عاوز ترجع أهلًا وسهلًا، مش عاوز إنتَ حر.
استدارت لتخرج فلحق بها واحتضنها من الخلف ليقول بأسف بعدما دفن رأسه بثنايا عنقه:
- أنا آسف، متزعليش مني.
وهمس بجانب أذنها:
- أنا بحبك قوي يا فيري، وإنتِ عارفة كده كويس.
أذاب قلبها بهمس كلماته الناعمة، فهو زوجها وحب حياتها، ما زالت تكن له الحب بقلبها، لكنها بدأت تتأثر بأفعاله غير المقبولة، تنهدت لينطق بهمس حنون:
- اطلعي على فوق وأنا هقفل اللاب وأحصلك.
أومأت وخرجت تتجهز لينهي هو عمله سريعًا ويلحق بها.
مرت ثلاثة أيام منذ حدوث صدفتها الجميلة به، ومنذ ذاك الوقت لم يهاتفها ولو لمرة واحدة للاطمئنان عليها، أنهت محاضرتها وتحركت للخارج بصحبة صديقتها المقربة "علياء" التي سألتها عندما لاحظت حزنها:
- مالك يا بوسي؟
هتفت بحنق أظهر مدى غضبها:
- هطق من يوسف يا علياء، تصوري من يوم ما اتقابلنا في الإسطبل ما رنش عليا.
وتابعت بجنون وهي تتجه صوب الكافيتريا:
- اللي كان يشوف رقته معايا وحبه وجنونه وخوفه عليا في اليوم ده، يقول إنه هيكلمني كل دقيقة يطمن ويحب فيا.
وصلت لإحدى الطاولات وجلست لتقابلها الأخرى، استندت بفكها لتتابع بنظرات حزينة:
- عيشني مشاعر حلوة قوي، خلى قلبي ينبض بحبه ويدق بسرعة من جديد.
- طب ما تكلميه إنتِ.
هتفت باعتراض:
- لا طبعًا، هبقى برخص من نفسي قوي لو عملت كده.
أقبل النادل عليهما لتطلب كل منهما شطيرة وزجاجة من المياه الغازية. نطقت علياء بعد انصراف النادل:
- أنا مش فاهمة إنتِ مكبرة الموضوع ليه، اتصلي بيه عادي واطمني عليه، مش يمكن يكون تعبان؟
صمتت قليلًا تتمعن بكلماتها ثم حركت رأسها لتنطق برفض تام:
- لا يا علياء مش هتصل، لأن حتى لو تعبان ده مش مبرر إنه يطنشني بالشكل ده، وخصوصًا بعد اللي حصل في الاسطبل.
هتفت الفتاة:
- مفيش حاجة هتضيع حبكم الكبير ده غير العند، طول ما انتوا الاتنين عاندين قصاد بعض وكل واحد مستني التاني هو اللي يقرب ويبدأ، هتفضلوا واقفين مكانكم والفجوة هتزيد.
زفرت بقوة لتنطق بحزن والألم تملك من قلبها وظهرت الريبة بعينيها:
- عارفة أنا إيه اللي راعبني يا علياء.
ترقبت الأخرى حديثها لتتابع بألم ينهش بقلبها:
- إنه يكون ندم على الكلام اللي قاله لي في المزرعة، ولما قعد مع نفسه لامها وقرر يبعد من جديد.
غامت عيناها بغشاوة الدموع لتخرج الحروف منها بصعوبة مخترقة تلك الغصة المرة المتواجدة بمنتصف حنجرتها:
- ساعتها يوسف هيبقى نهى على اللي فاضل مني بجد، أنا ممكن أموت فيها يا علياء.
تحدثت ناهرة:
- الكلام اللي بتقوليه ده مستحيل يحصل، يوسف بيعشقك، وكلنا عارفين كده.
سألتها وهي تجفف سريعًا دمعة فرت من عينيها:
- ولما هو بيحبني، بيعمل فيا كده ليه؟!
رفعت كتفيها بلا معرفة للسبب وهنا استمعن صوت ذاك الذي اقتحم خصوصيتهما وهو يقول:
- ازيكم يا بنات.
تنفست بهدوء حاولت به ضبط أنفاسها لتنطق بنبرة باردة:
- أهلًا يا نبيل.
تحدث متوسلًا بعينيه وهو يتلفت من حوله:
- ممكن أخد البريك بتاعي معاكم، الترابيزات كلها مليانة ومش لاقي مكان آكل فيه الساندوتش بتاعي.
صمتت ليستعطفها بنظراته فنظرت لعلياء التي أومأت لها بالموافقة، فأومأت له ليجلس ثم فتح بابًا ذكيًا للحوار:
- سمعتوا عن موضوع البنت اللي لقوها مقتولة في شقة صاحبتها، مش هتتخيلوا السبب اللي خلى البنت قتلتها.
سألته بعدما نجح في جذب انتباهها:
- هما معانا هنا في الجامعة؟!
أجابها بابتسامة خبيثة:
- آه، الاتنين معانا هنا.
تضخم شعور الفخر بداخله على نجاحه وبدأ يقص عليهما الحكاية تحت نهم الفتاتين للاطلاع على التفاصيل المثيرة، وأكمل الحديث وهم يتناولون طعامهم سويًا.
داخل مسكن يوسف، كان منكبًا على الحاسوب يعمل بجد واجتهاد وكأنه يغرق حاله بالعمل كي ينأى بنفسه من ذاك التفكير القاتل، فرد ظهره وأرجعه للخلف، خلع عنه النظارة الطبية وفرك عينيه بقوة، استند للخلف ليرجع رأسه مستندًا على خلفية الأريكة لأخذ قسط من الراحة يفصل به بعد ساعات من العمل المتواصل، تبسم عندما تذكر زيارته بالمزرعة، كم كان يومًا مميزًا أنعش روحه وأعطاه القوة للدفع للأمام والمثابرة، تنفس براحة ووقف يتحرك إلى غرفة تحضير الطعام لصنع بعض القهوة كي تساعده على شدة التركيز لإكمال ذاك العمل المهم الذي يقوم به مؤخرًا، وأثناء صنعه للمشروب ولجت زينة لتتفاجأ به وتسأله بعدما شاهدت ما يفعل:
- إنتَ بتعمل قهوة لنفسك يا يوسف، طب كنت ندهت عليا وأنا أعمل لك!
أجابها باستفاضة:
- حسيت بضهري قافش من القاعدة، فقمت أعملها لنفسي وبالمرة أحرك جسمي.
وتابع مستفسرًا:
- طمنيني، عاملة إيه في جامعتك؟
- الحمد لله، كله كويس.
وتابعت بريبة:
- مش هتقولي إيه اللي مغيرك بقى لك كام يوم؟
أجابها بهدوء:
- مفيش حاجة يا حبيبتي، عندي شغل كتير ومسحول فيه، ده غير المذاكرة والامتحانات اللي خلاص على الأبواب.
أومأت بتفهم، تنفست بهدوء ثم تابعت حديثها:
- جنة بنت عمي حسين كلمتني النهاردة، بتقولي إن جدتها إجلال جاية على مصر بكرة، وقال إيه عاوزة الكل يتلم عند عمرو بيه.
نطق بصرامة:
- وإحنا مالنا بالكلام ده.
أجابته:
- بتقول إنها جاية مخصوص علشان تشوفك.
تنفس براحة ثم طالعها وبجدية تحدث:
- زينة، ركزي في مذاكرتك وبس، الناس دي مفيش أي حاجة تربطنا بيهم غير الأسامي اللي في البطاقة، ولو أقدر أمحيها والله ما هتأخر دقيقة واحدة.
تحركت لتقف بجواره ثم سألته:
- محدش منهم كلمك وقال لك؟
أجابها متجهمًا:
- البيه رن عليا كتير، معرفش جاب رقمي منين أصلًا، ولما مردتش بعت لي رسالة على الواتس، شوفتها وعملت له بلوك.
ابتسمت بصوت ليطاعها وبلحظة انطلقت ضحكاتهما ليتراقص قلبه فرحًا لأجل شقيقته وضحكاتها التي أنارت وجهها الجميل.
ظهر اليوم التالي.
خرجت زينة من الجامعة واستقلت سيارة قد استدعتها عبر أحد التطبيقات، وصلت لمنتصف الطريق إلى منزلها، ليقطع طريقهما إحدى السيارات الخاصة، تحرك منها رجلان ليقوم أحدهم بفتح الباب الخلفي وإجبار زينة على الترجل وجذبها عنوة عنها إلى السيارة الأخرى تحت هلعها وصرخاتها المرتفعة.