تحميل رواية «انا لها شمس» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شخصيات رواية «أنا لها شمس» عائلة غانم الجوهري البطلة: إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ممشوقة القوام، تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفِي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا، والمكونة من بِذل نسائية كلاسيكية، مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها، بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها، تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة، مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما، رغم اكفهرار ملامحها طيلة الوقت، تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة...
رواية انا لها شمس الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم روز امين
- أنا سمعت كل حاجة عملها عمرو بالاتفاق مع ستهم.
وبدأت تقص عليهم ما استمعته من خلف الأبواب المغلقة، أثناء ما كانت تتسمع عليهم لشعورها الدائم بعدم الأمان وسط هؤلاء العصابة.
- يوم العزا بتاع الحاجة منيرة مرات عمي غانم الجوهري الله يرحمه.
وأشارت إلى نجل الحاج محمد للتذكير:
- يوم ما بعتوا أنس ابنك علشان يبلغ ستهم وعمرو وطلعت إن الحاج محمد مستنيهم هنا في بيته.
أومأ لها الجميع فتابعت:
- يومها دخلت علشان أبلغهم، ولما قربت من الباب اللي كان مقفول عليهم لقيتهم بيتكلموا عن عمتي أزهار.
صمتت وازدردت لعابها خجلًا، ثم تابعت متلبكة:
- الكلام شدني فوقفت أسمع.
نطقت شريفة تشجعها على الاستمرار في سرد ما حدث:
- عادي يا بنتي، أي حد مكانك كان هيعمل كده.
تشجعت وتابعت مسترسلة:
- سي طلعت سأل سي عمرو وقال له، أنت متأكد من نتيجة التحاليل بتاعت أزهار يا عمرو، ولا هتكسفنا مع أهل البلد وتخلي خالك محمد يقلب علينا ويخربها فوق دماغنا؟
اتسعت أعين الجميع فتابعت الفتاة:
- قاله أنا متأكد زي ما أنا متأكد إني شايفك قدامي الوقت.
طلعت قاله طب الصيدلي أكد لك إن حقن الفيتامين الملوثة بالإيدز دي هتشتغل معاها على طول، ولا يكونش لسه مظهرش في دمها؟
وتابعت تحت ذهول الجميع وعدم استيعابهم لما يصل لأذانهم:
- عمرو رد عليه وقال له إطمن يا طلعت، أنا مسبتش حاجة واحدة تعدي من تحت ايدي، وقال له بعد ما الدكتور حقن أزهار بتلات حقن ملوثين بدم من مريض إيدز، روحت لدكتور المعمل بتاع التحاليل، وزي ما اشتريت الصيدلي اشتريت الدكتور وقولت له إني شاكك في واحدة قريبتنا عندها الإيدز بسبب لا مؤاخذة مشيها البطال، وهي زبونة عندك هنا، قال له على اسم عمتي وطلب منه يعمل لها تحليل للإيدز ولو اتأكد يقول إن هو اللي قال لسي عمرو وستهم وهما عنده بيعملوا تحاليل، ويقول لكم الكلام اللي بلغكم بيه انتوا وباقي أهل البلد ساعة القاعدة اللي عملتها يا حاج.
سي طلعت سأله وقال له، طب هو الدكتور وافق؟ قال له الفلوس بتلين الحديد يا طلعت، وقال له إن الدكتور بتاع المعمل طلع حقير وطمع لما شك إن الموضوع ممكن يبقى وراه مصلحة كبيرة، طلب نص مليون جنيه بحاله، وستهم قالت له مش خسارة في فضيحة الملعونة اللي غدرت بأبوكم، وقالت لهم أخيرًا روح الحاج نصر هترتاح في التربة.
واسترسلت وهي تتنقل بين وجوه هؤلاء المذهولين:
- وستهم قالت لعمرو، تسلم دماغك اللي خططت ولا الشياطين، أنا كنت عارفه إن نصرتي هتكون على ايديك.
دبت شريفة صدرها بكف يدها، هزت رأسها والجنون وعدم الاستيعاب سيدا موقفها وهي تصرخ:
- سلم يارب، سلم من اللي جاي واحمينا يارب.
بينما كان الرجل يستمع لحديث زوجة نجل شقيقته ولسان حاله الذهول والاستنكار، نطق مؤكدًا عليها الحديث:
- أنت متأكدة يا بنتي من الكلام اللي بتقوليه ده؟!
هتفت سريعًا تجيبه بتأكيد:
- هو الكلام ده ينفع أنطقه من غير ما أكون متأكدة وسمعاه بوداني يا عم حاج؟
وتابعت بدموع الحسرة والألم:
- ده أنا من يومها وأنا مرعوبة، منه خايفة على نفسي وأنا قاعدة لوحدي في وسط ناس ميعرفوش ربنا ولا بيخشوه، ومنه قلبي واجعني على عمتي أزهار واللي نابها منهم.
- هتعمل إيه يا أبا في المصيبة اللي حاطط على روس الكل دي؟!
سؤالًا وجهه حسن نجل محمد وعروق جسده بالكامل تنفر غضبًا على ما فعلوه هؤلاء الأندال.
أجابه الرجل بشرود:
- هجيب فريد وأسأله وأتأكد الأول من الكلام، ولو ثبت إنه صحيح يا ويلهم مني.
أصيبت بالاندهاش لتهتف وهي تشير على نفسها:
- هو أنت مش مصدقني يا عم الحاج؟!
- لا سمح الله يا بنتي.
قالها نافيًا وتابع بتفكير عقلاني لرجل ذو رجاحة:
- أنا مصدقك، بس الكلام اللي قولتيه احتمال تطير فيه رقاب، ولازم أتأكد الأول ويبقى معايا الدليل علشان مظلمش حد.
هتف نجله بحدة وغضب يشعل كل ذرة بجسده:
- الكلام ده لو طلع حصل بجد، قسمًا برب العزة، لأجمع عمتي بعيالها الثلاثة وفريد الكلب ودكتور التحاليل وأدلق عليهم جاز و... وأولع فيهم قدام البلد كلها.
وتابع صارخًا بتوعد:
- علشان يبقوا عبرة لأي كلب يفكر يهوب ناحية عيل صغير من عيلة ناصف.
نطق السيد محمد بحكمة تعود لرجاحة عقله في إدارة الأزمات:
- اهدى يا حسن، الأمور مبتتاخدش بالعصبية يا ابني.
رد شقيق حسن الأصغر "عصام" بنبرة لا تقل غضبًا عن شقيقه:
- يهدى إزاي يا أبا، عرة الرجالة المنسون اللي اسمه عمرو خلى اللي يسوى واللي ما يسواش يجيب سيرتنا وسيرة حريمنا بالبطال.
وصرخ بجنون:
- ده احنا بنمشي في الشوارع مطاطيين روسنا وعنينا في الأرض يا أبا، مبقناش قادرين نبص في وش الخلق.
هتفت شريفة بقلب يغلي كالبركان:
- إلهي ينتقم منك ربنا ويذلك يا إجلال أنت وعيالك بحق اللي عملتيه في المسكينة أزهار، الولية اتجننت.
وتابعت وقد أوشكت على شفا الجنون:
- هو جرى إيه في الدنيا يا ناس، أذية الناس في سمعتهم وصحتهم بقت عادي كده، إلهي يبتليهم بنفس المرض وينهش في جسمهم وما يلاقوا اللي يغيتهم علشان يتعظوا ويعرفوا إن الله حق.
زفر الحاج محمد بقوة أظهرت مدى ما أصاب روحه من هموم، تحدث إلى زوجته وهو يشير إلى تلك المرتعدة وقال:
- قومي يا حاجة خدي نوجا واديها جلبية من بتوع البنات وخليها تنام معاهم، والصباح رباح.
هرولت تتمسك بكفيه وهي تترجاه:
- أبوس ايدك متتخلاش عني يا عمي الحاج، أنا مش عاوزة أرجع عندهم تاني.
وتابعت بأعين زائغة وزعر:
- لو رجعت بيتهم هيقتلوني، ومش بعيد يحقنوني بالمرض زي ما عملوا في عمتي أزهار.
هتف حسن برجولة وشهامة ورثها عن أبيه:
- متخافيش يا نوجا، أنت مش هتخرجي من هنا إلا لما الموضوع ينتهي وكل اللي ليه حق ياخده.
تنفست براحة وتحركت بجانب السيدة شريفة لتنال قسطًا من الراحة قبل مواجهة الطوفان.
زالت عتمة الليل ليحل الصباح معلنًا عن ميلاد يوم جديد يحمل معه آمالًا جديدة، تملل ذاك الغافي ليتمطى بفرد ذراعيه بعينين مغلقتين، تعجب حين وجد جواره فارغًا من تلك الصغيرة، فتح عينيه وبات يدور بهما للبحث عنها فلم يجد لها أثرًا، لم يعطي للأمر أهمية قصوى واختفى خلف باب الحمام ليخرج بعد مدة يرتدي ثيابه ككل يوم، ويخرج متجهًا للدرج دون أن يركع لله شكرًا ويؤدي فروضه الخمس كأي مسلم يبغى رضا الله ورضوانه، نزل الدرج ليجد والدته تجلس ببهو ذاك المنزل الكبير دون جليس يؤنس وحدتها، نطقت بنبرة جافة خالية من الحنان:
- البت بتجهز الفطار ف المطبخ، اقعد علشان تفطر معايا.
نطق على عجالة وهو يهندم شاربه العريض بيده:
- مش هينفع يا ستهم، ورايا شغل كتير في المحل، والواد اللي بيورد لي اللحمة جايلي النهاردة ولازم أبقى هناك علشان أدي له حسابه.
هتفت بنبرة حادة وهي تطالعه بازدراء:
- الهانم مراتك هتروح للدكتور امتى عشان تشوف نفسها محملتش لحد الوقت ليه؟
وتابعت بتقريع:
- ولا هنفضل نعلف فيها زي خروف العيد من غير فايدة.
هم بالرد فقاطعه رنين هاتفه الجوال ليجيب سريعًا حين رأى نقش اسم العامل الذي نطق:
- الفراخ مجتش لحد الوقت يا سي طلعت ومتأخرين على التسوية.
أغلق معه وتحدث إلى والدته وهو يهم بالتوجه للخارج:
- أنا ماشي يا ستهم، ولما أرجع نبقى نكمل كلامنا.
لوت فاهها تبرمًا وهي تقول:
- بالسلامة يا أخويا.
ذهب إلى عمله وهو يعتقد أن زوجته ترافق العاملات بغرفة تحضير الطعام، بينما اعتقدت إجلال أنها مازالت بالأعلى تجهز حالها استعدادًا للهبوط إلى الأسفل.
بعد مرور حوالي ساعة، داخل المطعم المملوك إلى المدعو "عمرو البنهاوي" يجلس "طلعت" متكئًا خلف مكتبه الخشبي وهو يتحدث من خلال الهاتف. نطق بحرص وهو يراقب المكان بنظرات زائغة كي يتأكد من عدم استماع أحدهم لحديثه:
- ليه يا عم كل ده؟ إنت كده بتبيع لي بالضعف وده مكنش اتفاقنا من الأول يا صلاح.
نطق الطرف الآخر شريكه بتلك الجريمة الشنعاء، معدومي الضمير، حيث أبرم معه ذاك الحقير اتفاقًا بجلب لحوم حمير كي يقدمها لزبائن المطعم على أنها لحوم أنعام:
- يا عم طلعت الحمير غليت، وأصحابها بقوا يدللوا علينا.
باغته بقوله الساخر:
- ده على أساس إنك بتشتريها يا صلاح؟ ما أنا عارف اللي فيها يا أخويا، ولا تكونش فاكرني مغفل ومش عارف الحمير اللي كل يوم تتسرق من غيطان البلد والبلاد اللي حوالينا دي بتروح فين.
ارتبك الرجل وأجابه:
- يا عم طلعت افهم، أنا اضطريت للسرقة علشان أصحاب الحمير مش راضيين يبيعوا، واللي بيبيع بيطلب سعر عالي.
قاطعه طلعت بحدة:
- سيبك من الرغي ده كله عشان ميهمنيش في حاجة، أنا هزود السعر بس مش اللي في بالك، أديك شايف الأسعار اللي احنا بنبيع بيها، احنا شغالين لله وللوطن.
قاطعه الرجل بتأنيب:
- محدش قال لكم تبيعوا بالخسارة يا طلعت، وبعدين متزعلش مني، أخوك بيكيد في نسايبه القدام وعاوز يكسرهم ويكسر أختهم اللي راحت اتجوزت غيره. أنا بقى مليش دعوة بحواديت الانتقام دي، أنا راجل عاوز أكل عيش.
أغلق معه بعدما اتفقا على نسبة مرضية لكلاهما، ليستقبل مكالمة أخرى من والدته. زفر بحدة قبل أن يجيبها:
- خير يا ستهم.
- المدعوقة مراتك مش في البيت.
اتسعت عينيه يسألها:
- يعني إيه مش في البيت؟!
نطقت مفسرة باستفاضة:
- لما لقيتها اتأخرت بعت واحدة من الخدم تستعجلها، فضلت تخبط محدش فتح، اديتها هي وبت تانية نسخة المفتاح ودخلوا قلبوا الشقة عليها ملقولهاش أثر.
أجابها متعجبًا:
- أنا قومت من النوم ملقتهاش بس كنت فاكرها تحت في المطبخ مع البنات بتجهز الفطار.
ثم تابع بلامبالاة:
- تلاقيها اتسحبت الصبح ومشيت على بيت أبوها، أصلها اتصلت تشتكي لي منك امبارح وأنا اديتها على نفوخها.
صاحت بغضب عارم:
- البت دي تطلق النهارده يا طلعت، ملهاش دخول بيتي تاني.
زفر بحدة أظهرت كم الضغط النفسي الذي يتعرض له من قِبل تلك المرأة المتجبرة وأحكامها الصارمة في كل ما يخص حياته وكأنه مازال فتى بالسابعة عشر من عمره:
- إهدي يا ستهم، الأمور مبتاخدش كده، البت لساتها صغيرة ومش فاهمة، سبيها تتلقح يومين عند أبوها وبعدها هروح أجيبهالك من شعرها وأرميها تحت رجليكي تبوسهم وتستسمحك.
أرضت كلماته التذليلية غرورها وأغلقت معه الهاتف تحت غضبه.
***
داخل منزل الصيدلي، وأثناء ما كان جالسًا بجوار نجله الذي يحتضر يبكي ندمًا وحسرةً ككل يوم، تحدث إليه الصغير وهو يتمسك بكفه ولسان حاله الترجي:
- أنا تعبان قوي يا بابا، أديني دوا من الصيدلية بتاعتك يخففني.
شهق بقوة ودموعه هطلت كشلال، قلبه يعتصر ألمًا وهو يرى صغيره يذبل أمام عينيه كل يوم أكثر من السابق دون أمل في النجاة، ينتظر خروج النفس منه بكل لحظة ولسان حاله الندم والحسرة، وتأنيب الضمير بات يقطع قلبه إلى إرب، على صوت بكاء زوجته الجالسة بجوار الصغير لينطق هو بحسرة ومرارة:
- كان على عيني يا "علي"، ياريتني كنت مكانك يا ابني.
استمع لطرقات فوق باب المنزل لينسحب إلى الخارج وهو يجفف دموع آلامه وندمه، فتح الباب ليتفاجأ بالسيد محمد ونجلاه يقفان أمامه والشرر يتطاير من نظراتهم الحادة. نطق الرجل بصوت حاد:
- عاوزينك في كلمتين يا دكتور.
ارتبك وشعر بأن النهاية تقترب، تحلى بقليلًا من الصبر والهدوء وأشار لهم بالدخول ليقف الجميع بالبهو وبادر حسن بسؤاله المباشر:
- إحكي لنا بقى يا دكتور فريد على اتفاقك الـ... مع عمرو البنهاوي واللي عملتوه مع بعض في الحاجة أزهار.
تلبك وارتجف جسده لينطق بحروف متلبكة:
- اتفاق إيه اللي بتتكلم عنه يا أستاذ حسن؟! أنا مش فاهم تقصد إيه بكلامك ده.
خرج صوت السيد محمد قويًا وصارمًا للحد الذي جعل فريد يهتز بوقفته:
- مش عاوزين لت ورغي كتير يا فريد، مرات طلعت سمعت جوزها وعمرو وهما بيتكلموا عن الخطة اللي عملتوها مع بعض، وحقنة الفيتامين اللي كنت بتديها لها ولوثتها بالمرض يا عديم الشرف.
انهار وتحدث بإنكار لينأى بحاله من بطش ذاك القوي:
- أنا بريء يا حاج محمد، صدقني معرفش حاجة ولا ليا دعوة بحاجة.
"بعت ضميرك بكام يا دكتور؟" قالها محمد وتابع وهو يرمقه باشمئزاز:
- ويا ترى الفلوس اللي خدتها، تستاهل الفضيحة اللي عملتها لواحدة بريئة، والمرض اللي دخل جسمها وهينهي على عمرها، تستاهل إنك تقف قدامها يوم القيامة وهي بتطلب من ربنا يجيب لها حقها منك؟
وأشار عليه:
- إنت قد ذنب قذف المحصنات اللي شاركت فيه؟!
- كفاية بقى كفاية... قالها صارخًا بعدما ضغط الرجل بكلماته عليه ليتحرك بقايا ضميره بينما صرخت تلك التي كانت تتسمع على حديثهما، هرولت عليه لتتمسك بياقة قميصه وهي تصرخ بدموع منهمرة:
- الكلام اللي بيقوله الحاج محمد ده حقيقي؟ يعني المليون جنية اللي جبتهم وقولت لي إن شركة أدوية جديدة ادتهم لك تمن إنك تشتغل معاهم وتروج للأدوية بتاعتهم كان تمن أذية الحاجة أزهار؟!
نزلت دموعه وبات جسده يترنح بضعف بين هزاتها العنيفة، صرخت مسترسلة:
- رد عليا يا فريد، دخلت علينا فلوس حرام تمن شرف الست اللي لوثته يا عديم الشرف والأخلاق؟!
تركته وباتت تلطم خديها وهي تقول:
- يبقى مرض ابني عقاب عملتك السودة يا حقير، ياريت المرض كان جالك إنت.
- ياريت... قالها صارخًا بانهيار ليتابع والألم والندم يقفزان من عينيه:
- ياريت كنت أنا مكانه، على الأقل كنت ارتحت من عذاب الضمير.
وتابع بدموع صارخة:
- بس ربنا اختار لي أسوأ عقاب ممكن يتعرض له بني آدم على وجه الأرض، أنا بموت في اليوم ألف مرة وأنا شايف المرض بينهش في جسم ابني وصوت آهاته بتجلد قلبي وأنا واقف عاجز مش قادر أعمل له حاجة.
تنهد الحاج محمد وهو يرى بعينيه ما أصاب ذاك الطبيب بعدما اتبع وسوسة الشيطان وباع ضميره الإنساني وتخلى عن ضميره المهني والقسم الذي أداه مقابل حفنة من المال الحرام، وبدلًا من أن يقوم بعمله ويقوم بتقديم الدواء للناس لمساعدتهم على الشفاء، تحول إلى تاجر يسوق الناس للموت ويقدم لهم السُّم مختلطًا بالترياق ليفسده.
تحفظ عليه نجلي الحاج محمد داخل غرفة في منزلهم ثم اتجها إلى شريكهم في الجريمة، أخصائي المعمل وفعلا معه ما فعلاه مع فريد وتحفظا عليه هو الآخر لحين إشعار آخر.
***
داخل حديقة علام زين الدين، عصرًا والكل مجتمع حول حوض السباحة يتناولون مشروبًا باردًا، سيادة المستشار علام زين الدين وزوجته السيدة عصمت، فؤاد وأنجاله الثلاث، فريال وماجد الذي بدأ يتردد كثيرًا على قصر والد زوجته بعد زواج ابنته من يوسف، بيسان وشقيقها فؤاد الذي نطق بسعادة بالغة وهو يحادث جده:
- مش هتبارك لي يا جدو؟
ضيق علام عينيه فتابع الفتى بفخر:
- التنسيق ظهر وجالي حقوق القاهرة، وهبقى سعادة المستشار فؤاد ماجد عليوة، يعني هبقى زميل لجنابك إنت وخالو.
شعر ماجد بالفخر وارتفعت قامته للأعلى فأخيرًا سيتحقق حلم العمر على يد ابنه، بينما اشتدت سعادة علام وفؤاد الذي هنأ الفتى بحميمية:
- ألف ألف مبروك يا حبيبي، إن شاء الله هتوصل لأعلى المناصب في السلك القضائي وكلنا هنتشرف بيك يا فؤاد.
أما علام فمازح الفتى قائلًا بمفاخرة:
- أنا كنت متأكد من كده، شكلك من وإنت صغير بيقول إنك مستشار.
ضحك الجميع وتحدثت فريال وهي تحتضن صغيرها الجالس بجوارها:
- حبيب قلب مامي اللي هيشرفنا ويمشي على خطى جده وخاله.
- مبروك يا سعادة المستشار... قالها ماجد بمفاخرة ليتابع وهو ينظر إلى زين الدين:
- عقبالك يا زين لما تبقى مستشار إنت كمان.
ابتسم يشكره ثم تابع:
- أنا اختارت مجال بعيد عن بابي وجدو، إن شاء الله هدخل كلية الطب وهتخصص في جراحة القلب.
- مش كنت بتقول هتطلع مهندس زي حبيبي چو؟! قالها ذاك المشاغب الصغير وتابع متسائلًا:
- غيرت رأيك ليه يا زين؟
أجاب شقيقه الصغير باحترام ورزانة تسبق سنه الصغير:
- حاسس إني هلاقي نفسي في الطب أكتر يا مالك.
- اختار المجال اللي تحس إنه ملائم لقدراتك وهتكون مرتاح وتقدر تدي له من روحك علشان هو كمان يضيف لاسمك...
كلمات تحفيزية نطق بها فؤاد كدعم لنجله، تعجب ماجد ليسأله باستغراب:
- إنت بتشجعه كمان يا سيادة المستشار، ده بدل ما تخليه يراجع قراره ويرجع لعقله.
ضيق فؤاد بين عينيه ونطق مستغربًا:
- دي حياته هو وده قراره، ولازم يكون مرتاح ومتحمس للمجال اللي هيدرسه لأنه هيكمل معاه باقي عمره، فبالتالي لازم يكون مختاره بعناية.
نطق الصغير وهو يتمسح بساقي جده كقط شيرازي أليف:
- أنا هطلع مستشار زي جدو وبابي.
- يا قلب وروح جدو إنت... جملة حنون نطق بها علام وهو يقبل خديه بنهم وحبور اعتلى ملامحه، ثم نظر إلى زين وتابع:
- إنت لسه صغير يا زين، وتفكيرك وميولك لسه مش مستقرة، وهتاخد وقت على ما تستقر على نوع الدراسة اللي حابب تخوضها.
وتابع داعمًا بنبرة حنون:
- بس أنا عاوزك تعرف إن أيًا كان القرار اللي هتاخده، فأنا هدعمك فيه وهكون وراك.
تبسم لجده وتحدث شاكرًا:
- متشكر يا جدو، ثقة حضرتك فيا كبيرة قوي عندي وتعني لي الكثير.
سألت عصمت الفتاة بدلالها المفضل "تاج فؤاد":
- وإنت يا تاج فؤاد، لسه مقررتيش هتدرسي إيه في المستقبل؟!
أجابتها بدلال وهي تتطلع على عزيز عينيها "فؤاد":
- أنا مش عاوزة أكون غير تاج فؤاد وحبيبته.
ابتسامة واسعة خرجت من ذاك المحب ليشير لصغيرته في دعوة منه لاستقبالها داخل أحضانه وما كان منها سوى الهرولة والانصياع لتلك المشاعر الرائعة، استقبلها ليضمها بقوة بين ذراعيه مقبلًا رأسها وهو يقول:
- تاج فؤاد وحبيبة قلبه ونور عيونه من جوه.
- حبيبي يا بابي... قالتها وهي تدس حالها أكثر بصدره ليزيدها هو من دلاله وقبلاته الحارة تحت نظرات مالك الحادة الموجهة إلى شقيقته كالرصاصات الحية، والذي شعر بها علام فضمه بين ذراعيه كي يمحي شعور الغيرة لديه.
حضرت بيسان وألقت التحية فسألتها عصمت:
- أخبار يوسف إيه يا بيسان؟
ابتسمت ونطقت بارتياح تجلى بنبرات صوتها:
- كويس يا نانا.
وتابعت بنظرات زائغة تتابع ردة فعل الجميع:
- ده حتى عازم أهل خطيب زينة النهاردة عنده في الشقة.
وتابعت وهي تطلب الإذن من والدتها بنظرات متأملة:
- ممكن يا مامي أروح أساعد زينة واستقبل الضيوف معاها، إنت عارفة إنها لوحدها.
سبق صوت فؤاد إجابة فريال لينطق بصرامة:
- المفروض إنكم مخطوبين ولازم تحافظي على المسافة بينكم كويس يا بيسان، ولازم كمان تراعي الدين والأصول والعرف وتقاليد البلد اللي إحنا عايشين فيها وتعملي حساب إننا مش عايشين لوحدنا.
وتابع قاصدًا للتنبيه:
- والدين وتقاليدنا بيقولوا إنك في حكم خطيبته، وممنوع تدخلي شقته أو تكوني معاه في مكان واحد لوحدكم.
نطق ماجد مؤيدًا وكأنه كان ينتظر ذاك الحديث لينطلق خلفه:
- والله يا سيادة المستشار أنا كنت عاوز أقول الكلام ده من أول يوم تم فيه كتب الكتاب.
رفع كتفيه وتابع بشبه لوم:
- لكن خوفت تزعلوا مني وتطلعوني شرير الرواية زي كل مرة.
طالعه الجميع بدهشة لتسأله عصمت باستغراب:
- من إمتى وإحنا بنطلعك شرير الرواية يا ماجد؟!
تخطى فؤاد سؤال والدته ونطق متحدثًا:
- بعيدًا عن كلامك وسؤال دكتور عصمت المهم، بس محدش يقدر يتكلم معاك بالذات في النقطة دي يا ماجد، دي بنتك ومن حقك تحافظ عليها بالطريقة اللي تشوفها صحيحة من وجهة نظرك، ومش من حق أي مخلوق يراجعك أو يوجه لك أي لوم.
احتدم داخل الفتاة لكنها احترمت الحديث في حين تحدثت فريال إلى صغيرتها:
- كلام بابا وخالوا يتنفذ بدون نقاش يا بوسي، ولو على زينة فمتقلقيش، عزة هناك من بدري، ويوسف قال لي إن مرات عمه حسين وبناتها هما كمان هناك، يعني البنت مش لوحدها ولا حاجة.
شعور بالخجل والخزي اعتراها من حديث الجميع وانتقادهم لها، لقد باتت تشعر مؤخرًا أنها انساقت بدون وعي خلف مشاعرها الهوجاء وأطلقت لها العنان والإنجراف خلف عواطفها تحركها كيفما شاءت مما جعلها تبدو أمام الجميع كمندفعة متهورة بل وصل الأمر بوصف البعض لها بعدم الحياء، حزنت وقررت من تلك اللحظة وصاعدًا أن تنتبه وتنتهج نهجًا جديدًا تكون فيه أكثر رزانة وحكمة وهدوء بعلاقتها بحبيبها يوسف.
طالعت عصمت نجلها وهي تسأله باستغراب:
- هي إيثار اتأخرت كده ليه يا فؤاد، إتصل بيها شوفها فين كل ده، عاوزين نتغدى مع أختك وجوزها والأولاد؟!
تطلع إلى "مالك" الملتصق كالقطة الأليفة بساقي علام ثم تبسم وهو يقول:
- زمانها على وصول يا حبيبتي، بتشتري حاجة في طريقها وجاية.
وقف فؤاد وتحرك بجوار فريال لينطق ناصحًا:
- اتكلمي مع بنتك وفهميها إن يوسف مش جوزها، وإن ليها حدود في التعامل معاه وضوابط دينية لازم تلتزم بيها يا فريال، بنتك سايبة نفسها وماشية ورى مشاعرها.
وتابع ناصحًا:
- وده مينفعش حتى لو كان اللي بنتكلم عنه ده يوسف تربية ادينا، الشيطان شاطر ومحدش سلم من وسوسته.
أومأت بحرج تشعر بالتقصير تجاه تربية ابنتها من الناحية الدينية، وصلت سيارة إيثار لتترجل منها بعدما صفها السائق، أشارت بكفها إلى صغيرها الذي هرول عليها بسعادة، مالت بجذعها وقبلت إحدى وجنتيه وهي تقول:
- إنت عارف إن مامي بتحبك كتير ولا لأ؟
أومأ لها وتحدث ناطقًا:
- عارف، مامي بتحب ملوك قد البحر وسمكاته.
أطلقت ضحكة قبل أن تنطق من جديد وهي تدلله:
- وعلشان مامي بتحب ملوك كتير، جبت لك هدية هتعجبك قوي.
أشار على حاله لينطق بسعادة:
- هدية ليا أنا؟
أومأت بنعم وتحدثت وهي تضع كفيه على عينيه:
- غمض عيونك يلا.
هرولت إليهما "تاج" وجاورت "مالك" الذي أغمض عينيه والفضول تملك منه، اقتربت إيثار من باب السيارة الخلفي وأخرجت منه قفصًا به قطة بيضاء نوعها شيرازي، تشبه قطه السابق مشموش.
انضم فؤاد هو وزين الدين إلى عائلتهم الصغيرة لمشاركة الصغير تلك اللحظة السعيدة، وكان فؤاد قد اتفق منذ ليلة أمس هو وزوجته على أن يحضرا قطًا كي يدخلا السعادة والسرور على قلب صغيريهما، أمسكت القفص واقتربت لتقف أمامه وهي تقول:
- فتح عيونك يا قلب مامي.
ما أن رفع أهدابه حتى صرخ وبات يقفز لأعلى من شدة سعادته وهو يقول:
- يا ماااامي، إنت جبتي لي مشموش جديد.
شعرت بروحها تنطلق كفراشة تتراقص على نغمات سعادة صغيرها التي تخطت عنان السماء، ساعداه تاج وزين في خروج الهرة من القفص ليحملها ويهرول باتجاه صديقه الحبيب، الجد "علام" الحنون وبات يصيح بصراخ نم عن كم السعادة التي سكنت روحه:
- جدو، ملوك بقى عنده مشموش جديد يا جدو.
ضحك فؤاد ونطق معلقًا على تصرف صغيره:
- شايفة ابنك البراوي، الواد خد القطة في حضنه وجري بيها على جده من غير حتى ما يشكر الست الفلبينية وعم عبده البواب اللي جابوا له القطة.
لم تستطع التحكم في ضحكاتها التي خرجت من أعماق قلبها لينظر عليها وهو يقول بغمزة ذات مغزى:
- دي شكلها هتبقى ليلة فل، وختامها هيكون مسك في الجاكوزي إن شاء الله.
- بس كده... نطقتها بدلال لتتابع بنظرات جعلت من قلبه يتراقص:
- فؤاد باشا يؤمر، ومراته حبيبته عليها تنفيذ رغباته.
تحمحم لينطق مشيرًا إلى الأعلى صوب شرفة غرفتهم:
- طب بقول لك إيه، تعالي نطلع فوق على ما يجهزوا الغدا، وبالليل لما الدنيا تروق نبقى ننزل الجاكوزي.
- فؤاد... قالتها بدلال ليبادلها بنظرات هائمة:
- عيونه.
تطلعا على صغيريهما ليجداه مفترشًا الأرض بجوار قطته المتعجبة قليلًا، بات يلمسها ويقوم باحتضانها تحت ارتياب عصمت التي سألت متوجسة:
- بلاش تحضنها يا مالك لحد ما نوديها للدكتور يديها التطعم، جايز تكون حاملة أمراض.
طمأنها علام حيث كان على علم مسبق بالموضوع من إيثار:
- متقلقيش يا دكتورة، القطة متطعمة ونضيفة، إيثار فحصتها عند دكتور بيطري واطمنت بنفسها من سلامتها.
تطلع مالك إلى والديه حيث اقتربا من الجمع ليهتف بسعادة هائلة:
- ميرسي يا مامي إنت وبابي، أنا بحبكم قوي.
أرسلا له بعض القبلات الطائرة في الهواء، جاورت "تاج" شقيقها جلوسه أرضًا فوق الحشائش الخضراء وتحدثت وهي تتطلع على جمال القطة وهيئتها الخاطفة:
- مبروك يا مالك.
وتابعت بحذر ولطف زائد تحثه من خلاله على الموافقة:
- هو أنا ممكن ألمس القطة شوية؟
نطق بسعادة ولطف مماثل:
- طبعًا، أنا كمان هخليها تحبك يا "تاج" وتاخد بالها منك.
انسحبت العاشقة بصحبة زوجها ليسرقا من الزمن بعض لحظات السعادة ينعشا بها روحيهما، أخذا حمامًا باردًا ونزلا سريعًا كي ينضما لتجمع العائلة على الغداء وسط سعادة مالك واحتفاله بالضيف الجديد.
أسدل الليل ستائره السوداء ليسود الظلام السماء ويعم الهدوء، حضرت عائلة رامي وقد جهزت عزة بمساعدة مروة وابنتيها طاولة ممتلئة بأصناف متنوعة من الطعام. وقبل حضور الضيوف انصرفت مروة وابنتيها، وبقيت عزة وإحدى العاملات التي حضرت معها من قصر علام زين الدين لخدمة الضيوف. التف الجميع حول الطاولة ليتحدث يوسف بابتسامة هادئة:
- اتفضلوا يا جماعة.
تذوقت سماح إحدى أصناف الطعام لتنطق بانبهار ظهر فوق ملامحها:
- ما شاء الله، المسقعة بالبشاميل طعمها يجنن، إنتِ اللي عاملاها يا زينة؟
أجابتها بخجل عائدًا لشخصيتها:
- بصراحة لا يا طنط، خالتي عزة هي اللي عملاها.
قاطعتهما عزة التي اقتربت لتضع دورقًا زجاجيًا ممتلئًا بالماء البارد:
- ما تقلقيش يا مدام، إن شاء الله قبل ما زينة تتجوز هكون معلماها تعمل كل الأصناف اللي قدامك دي، وهتبقى ست البنات كلهم ومش ناقصها أي حاجة.
نطق رامي مدافعًا عن من ملكت القلب وتربعت على عرشه:
- زينة مش محتاجة حاجة علشان تبقى ست البنات، هي بالنسبة لي كده ست البنات وزينتهم.
زادتها حمرة الخجل جمالًا وسحرًا جعل الجميع يسعد لذاك الثنائي، سأل السيد كمال يوسف من باب الفضول:
- إلا قول لي يا باشمهندس، هو أنتَ لما تتخرج هتستقر في المخابرات وتترقى وكده، ولا هتركز في الهندسة؟!
أجابه بهدوء ورزانة:
- تعييني في المخابرات حاجة شرفية مقابل الخدمة اللي قدمتها للجهاز يا أفندم، منصب أعتز بيه جدًا وإن شاء الله مكمل معاهم.
وتابع مفسرًا بإبانة:
- بس شغلي الأساسي وطموحي وتركيزي كله على هندسة الإلكترونيات، ده مجالي اللي اخترته ومكمل فيه إن شاء الله.
- إن شاء الله يا ابني، ربنا يوفقك يا باشمهندس...
جملة نطقتها سماح ليكمل كمال حديثه بثناء:
- الحقيقة أنتوا عيلة تشرف، وأنا كل يوم بشكر رامي على إنه عرفنا على عيلة راقية وناس ولاد أصول زيكم.
- ولا زينة وتربيتها...
قالتها سماح لتتابع وهي تتطلع على الفتاة بتقدير وسعادة:
- بسم الله ما شاء الله، يسلم اللي ربى.
كان اللقاء ودودًا أسعد به الجميع لينتهي بسلام وانصرفت عائلة رامي آخذين انطباعًا هائلًا عن الفتاة وشقيقها الحنون.
بالكاد انصرفوا وبدأت الفتاة تساعد عزة والعاملة في لملمة ما أحدثته العزيمة من فوضى، بينما وقف يوسف داخل شرفته يحتسي قدحًا من القهوة قد أعدته إليه عزة كي يساعده على الاسترخاء وعودة الاستكانة إلى روحه، أتاه اتصالًا هاتفيًا من عمه حسين فرد ليبلغه الرجل بحزن:
- جدك الحاج محمد اتصل بيا وبلغني إنهم اتصلوا بأبوك وهيعملوا قاعدة رجالة بكرة بعد صلاة الظهر، شكلهم كده اكتشفوا حقيقة مرض أزهار.
فقد هاتف السيد محمد وطلب من حسين الحضور دون أن يبلغه بأي تفاصيل لعدم حدوث بلبلة بالوسط وعدم أخذ عمرو وطلعت الحيطة والهروب، قطب الشاب جبينه فقص عليه ما حدث وما يشعر به من شكوك هو والحاج محمد، وتابع بحزن:
- لازم تيجي البلد معايا يا يوسف، الموضوع كبير ولازم نكون جنب ستك وأبوك وعمك طلعت، علشان لو شكي طلع في محله نشوف هنداوي المصيبة اللي عملوها دي إزاي.
نطق الشاب برجاحة وتخلي عما تخلوا عنه:
- خرجني من حساباتك بخصوص الموضوع ده يا عمي، أنا ماليش علاقة بالناس دي لا من قريب ولا من بعيد، ونصيحة مني لوجه الله، ابعد إنتَ كمان عنهم وخليك في شغلك ومستقبل عيالك.
- يا ريت يا ابني كان ينفع...
نطقها الرجل وهو مغلوبًا على أمره ليغلق الهاتف بينما جُن جنون يوسف وأمسك كوب القهوة ليدفعه بكل قوة ليصطدم بحائط الشرفة مما أحدث ضجيجًا نتج عن تحطم الزجاج وتناثر قطعه لتملأ أرضية المكان، هرولت زينة وعزة التي سألته بريبة وقلق:
- اسم الله عليك يا ابني، مالك يا حبيبي؟
ولج لحجرته وجلس على طرف الفراش لينكس رأسه للأسفل بأسى والحزن اعتلى ملامحه، اقتربت زينة تسأله بترقب وحذر:
- فيه إيه يا يوسف؟
نطق بضعف وهوان:
- أبوك مش ناوي يسيبنا في حالنا يا زينة، صعبان عليه نعيش مرتاحين ومستورين بين الناس، بيتسابق هو وجدتك وطلعت أخوه على اللي يتسبب لنا في فضيحة أكبر من التاني.
وتابع بحسرة وألم:
- نفسي أعرف أنا وإنتي عملنا إيه في دنيتنا علشان ربنا يبتلينا بأب وعيلة زي دي؟!
لم تدعه عزة وحثته على الحديث وبعد أن أصبحت على دراية بما حدث هتفت بحدة وغضب:
- جدع يا يوسف إنك رفضت تتدخل، عمك حسين الغلط راكبه من ساسه لراسه، وملوش حق يطلب منك طلب زي دي.
مصمصت شفتيها لتضيف بضجر وهي تضرب كفها بالآخر:
- دي أمك لو عرفت هتسود عيشته.
- إوعي تجيبي لها سيرة يا عزة...
قالها بتحذير فوعدته وذهبت لتتابع عملها حتى انتهت وأخذها هي والعاملة وأوصل كلاهما إلى قصر علام زين الدين ليعود سريعًا إلى شقيقته.
ظهر اليوم التالي، وبعد ليلة عصيبة مرت بصعوبة على الجميع، تغيب عمرو عن الاجتماع متعللًا بعمله وذلك بعدما شعر بريبة من تلك الدعوة وأوصى أحد عملائه بإبلاغه بما سيحدث، قرر الحاج محمد أن تكون تلك المواجهة أمام منزله بالساحة الكبيرة ودعى بها جميع أهل القرية كي تتم تبرئة تلك السيدة التي وُصمت بأبشع تهمة يمكن لامرأة أن تُوصم بها، علاوة على ذلك المرض اللعين الذي دخل جسدها وتوغل به وها هي الآن بانتظار الموت الحتمي في غضون شهور أو ربما أسابيع.
توقفت سيارة طلعت لتترجل منها إجلال التي هتفت بغضب إلى شقيقها بعدما وجدت ذاك الجمع من أهل القرية:
- خير يا حاج محمد، إيه لازمة اللمة السودة دي النهاردة؟
أشار لأحد المقاعد التي جُهزت خصيصًا لاستقبالها:
- اقعدي يا إجلال.
- ستهم يا حاج...
قالتها بكبرياء واعتراض ليجيبها بابتسامة ساخرة استفزتها:
- وماله، اقعدي يا ستهم.
جلست ليقف بجوارها طلعت، سأله محمد بحدة:
- البيه أخوك ما جاش ليه يا طلعت؟!
- عمرو عنده شغل مهم ومش فاضي يا خالي...
كان هذا رده ليهز الرجل رأسه بسخرية، حضر حسين المواجهة لتنطق إجلال بحدة وغضب:
- هو فيه إيه بالظبط يا حاج محمد، إنتَ جايبني أنا وعيالي علشان تقعدنا قدام بيتك وتلم حوالينا الخلق علشان نبقى فرجتهم.
- اصبري على رزقك يا...
وصمت ليتابع متهكمًا:
- يا ستهم.
توقفت سيارة ابن السيدة أزهار لتترجل منها تحت مساعدة نجلاها وابنتها التي سندتها وذلك لشدة إعيائها حيث تملك المرض من جسدها نتيجة ضعفها علاوة على إضرابها عن الطعام، احتدت ملامح إجلال وهتفت وهي تهم بالوقوف:
- إيه اللي جاب الخاطئة دي هنا، يلا يا طلعت روحني بيتي، أنا لا يمكن أقعد في مكان واحد مع الخاطئة دي.
صرخت شريفة التي خرجت لاستقبال أزهار:
- ربنا ينتقم منك يا إجلال ويبتليكي بالمرض اللي ينهش في لحمك وما تلاقي له علاج ولا دوا.
وتابعت وهي ترمقها باشمئزاز:
- كذبتي الكذبة وصدقتيها إنتِ والشياطين اللي مخلفاهم يا مرة يا سو.
انتفض جسد طلعت لينطق محمد بقوة وصرامة بعدما رأى إجلال تهم بالرد:
- خلاص يا حاجة، مش عايز أسمع صوت أي حد غيري هنا.
وتابع وهو يتحدث إلى السيدة أزهار:
- اتفضلي اقعدي يا حاجة أزهار.
- جايبني هنا ليه تاني يا حاج "محمد"...
قالتها أزهار بإعياء شديد تجلى بنبراتها وعلى جسدها النحيل، وتابعت وهي تتحرك بصعوبة صوب المقعد المقابل إلى إجلال داخل تلك الدائرة الكبيرة التي حددها الرجل بمقاعد خشبية ليحيطها الحضور من أهل البلدة:
- هما أهل البلد لسه ما شبعوش فرجة عليا.
جلست ليجيبها الرجل بقلب ينزف دمًا على ابنة عمه وما أصابها على يد تلك المتجبرة:
- جايبك علشان كل الناس اللي شهدوا على اتهامك، يشهدوا على برائتك ودليل عفتك وطهارتك يا بنت عمي.
ارتبكت إجلال فأشار محمد إلى نجليه وشباب العائلة الذين تحمسوا لكشف المستور واسترداد شرف عائلتهم الذي دُهس بلا رحمة تحت أحذية أهل القرية، وجعل بعض أصحاب النفوس الضعيفة يشمت بهم بل وصل الأمر إلى المعايرة وذِكر جميع نساء العائلة بالسوء.
بعد دقائق من أمر الرجل خرج الرجلان مقيدان من الشباب وأجلسوهما فوق المقاعد عنوة عنهما، ارتعد جسد طلعت وما زاد من هلعه هو خروج نوجا بجوار ابن الحاج محمد حيث أشار لها الأخير قائلًا:
- تعالي يا نوجا، أوقفي قدام الكل وانطقي باللي سمعتيه.
صرخت إجلال باعتراض:
- سمعت الرعد في ودانها يا أخويا...
وتابعت وهي تهم بالوقوف كي تهرب من تلك المواجهة التي ستكشف عن وجهها الحقيقي:
- ما بقاش إلا العيال المفعصة كمان اللي هتجبهم وتشهدهم علينا.
- اقعدي يا إجلال...
قالها محمد بحزم وأعين يتطاير منهما الشرر فشدد طلعت على يدها ليعيدها من جديد هامسًا:
- اقعدي يا أما.
اتجه حسين إليهما وتحدث بأعين منكسرة:
- يا ما نبهتكم وقولت لكم بلاش الظُلم، وأدي النهاية، فضيحة وسط الناس.
هتفت وهي ترمقه بنظرات حارقة:
- اخرسي يا واد وبطل نواحك اللي شبه النسوان ده.
ربتت شريفة على كتف أزهار ونطقت متأثرة:
- ربنا أراد كشف الحقيقة وظهور برائتك على حياة عينك زي ما كنتي عايزة يا أختي، حقك هيرجع لك واللي آذوكي هيتفضحوا بعملتهم الو...
حركت رأسها بأسى والدمع سكن العين واستوطن الهم الفؤاد وتملك.
وقفت الفتاة بجوار السيد محمد ليرمقها طلعت بنظرات مرعبة يحثها على الصمت فارتعب داخلها، ليحثها السيد محمد على البدء في الحديث وطمأنها. بدأت بسرد ما استمعت إليه تحت شهقات جميع من يشهدون على تلك المحاكمة ليصرخ طلعت متظلمًا بزيف:
- البت دي كدابة، والله العظيم كدابة، دي بتفتري علينا علشان قلت لها إني هطلقها لأنها مبْتِخلفش.
هتف الصيدلي بعدما استسلم لقدره وقرر تقديم روحه قربانًا لخطيئته الكبرى لعل الله يغفر له تلك الجريمة إذا شارك في تبرئة تلك المرأة المظلومة:
- إنت اللي كذاب وشيطان إنت وأهلك، دخولكم في حياتي كانت لعنة وخطيئة.
وتابع بدموع وأعين يملؤها الندم:
- وللأسف، اللي دفع ثمنها ابني.
بات يسرد هو الآخر ما حدث تحت ذهول أهل البلدة وأزهار وأنجالها الذين هموا بالهجوم عليه ليمنعهم أبناء محمد ورجال العائلة، مطالبهم بالتحلي بالصبر وتأجيل الحساب لآخر الجلسة بعد كشف كامل الحقيقة لتبرئة والدتهم. كظم الشباب غيظهم ووقفوا والدماء تغلي بعروقهم منتظرين اللحظة الحاسمة للانقضاض بشراسة على ذاك الحقير ونيل ما يستحق.
جاء دور أخصائي المعمل ليسرد ما حدث وينهي حديثه صارخًا بصدق:
- بس أنا والله العظيم ما ليا يد في أي حاجة ولا أعرف أي حاجة عن التفاصيل دي كلها يا حاج محمد.
وتابع بصدق:
- أنا كل اللي انطلب مني إن فيه واحدة عندها الإيدز وإني أعمل لها تحليل يثبت ده قصاد فلوس، وفعلاً عملت التحليل وثبت صحة المرض عند الست أزهار، وعمرو البنهاوي طلب مني أقول لكم الكلام اللي جئت وشهدت بيه قبل كده. أنا كذبت كذبة بسيطة، بس أنا ما ليش أي ذنب في أذية الست ومرضها.
هتف محمد بحدة:
- ما لكش ذنب إزاي وإنت اشتركت بكذبتك اللي مسميها خفيفة في إن ست شريفة عفيفة يتم تلويث شرفها.
صرخ إمام المسجد بألم ينهش بصدره من هول ما استمع، وهو يقول:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول الله في كتابه العزيز: "إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
صدق الجميع على كلماته باتعاظ، بينما صرخ طلعت أيضًا متنصلًا من تلك الجريمة البشعة مكتملة الأركان:
- وأنا كمان والله العظيم يا خال ما كنت أعرف أي حاجة، ده كان اتفاق بين عمرو وأمي مع الصيدلي، ورحمة أبويا ما عرفت غير بعد اللي حصل في عزاء منيرة مرات غانم الجوهري.
- ولما عرفت عملت إيه يا طلعت؟ سؤالاً وجيهًا نطق به محمد ليجيبه الآخر متملصًا:
- وكلامي من عدمه كان هيفيد بإيه وقتها يا خال؟ ما المصيبة كانت حصلت وخلاص.
صرخت إجلال بجبروت:
- أنا اللي عملت كل ده يا حاج محمد، وأنا اللي انتقمت من اللي قتلت جوزي ويتمت عيالي وشردتهم بره البلد، ودي عبرة لازم الكل يتعظ منها.
وأكملت بكبرياء تحت ذهول الجميع وأولهم شقيقها الذي نعتها بالجنون:
- إن اللي بيجي على ستهم ولا يمس أي حاجة تخصها، هيكون نصيبه نفس اللي حصل للمرة أزهار.
زادت أصوات الجميع وهم يتساءلون بينهم بجنون وعدم استيعاب، تطلع الحاج محمد على تلك الحزينة التي تجلس بصمت، وملامح وجه خالية من التعبير بينما تحتضنها ابنتها وهي تبكي حزنًا وقهرًا على ما أصاب والدتها وتعرضت إليه من ظلم عظيم، نطق الرجل يسألها:
- ساكتة ليه يا حاجة أزهار؟ البلد كلها شهدت على عفتك وطهارتك أهي.
سألته والدموع قد اجتمعت بعينيها مع نظرة يملؤها العتب:
- وإنت كنت محتاج دليل علشان تتأكد من طهارة بنت عمك يا حاج محمد؟ ده أنا متربية معاك وياما كلنا على نفس الطبلية وإحنا عيال صغيرة يا راجل.
التفتت تتطلع على رجالها الثلاث لتتابع مسترسلة بنفس نظرة العتاب:
- ولا هلوم عليك ليه، إذا كانوا ولاد بطني اللي ربيتهم جوه حضني صدقوا فيا العيبة وعاملوني على إني خاطية، وبرغم إني ما بطلعش من بيتي غير ورجلي على رجل واحد فيهم، صدقوا على كلام إجلال الباطل.
نكس أبناؤها رؤوسهم خزيًا وحزنًا بينما نطق الحاج محمد سائلًا تلك المظلومة:
- إيه اللي يرضيكي يا بنت عمي وأنا أعملهولك في التو والحال؟
هتفت بدون تفكير:
- القصاص يا حاج، هو ده اللي يرضيني.
وتابعت وهي ترمق إجلال بنظراتها الفتاكة:
- مش ربنا قال في كتابه العزيز: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب).
- إيه اللي يرضيكي يا أزهار؟ قالها محمد مرة أخرى لتنطق بذات مغزى وهي ترمق إجلال:
- العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم يا حاج، كل اللي أنا عايزاه، إجلال تتحبس معايا في نفس الأوضة، والباقي سيبوه عليا.
ارتعد داخل إجلال لتهتف بحدة:
- شكلك اتجننتي وخرفتي يا ولية، عايزاني أتحبس مع واحدة عندها الإيدز يا عديمة التمييز؟!
نكس حسين رأسه يشعر بخزي وعار يعتريه، لم يجد كلمة واحدة يعبر بها عما بداخله أو كلمة تُنطق في هذه الظروف تهدئ من ثورة الوسط.
نطق شيخ الجامع كي يهدئ من انفعال الجميع وغضب الوجوه المتجهمة:
- اهدوا يا جماعة وسيبوا القانون يرجع الحقوق لأصحابها.
صرخ نجل أزهار البكري وغضب العالم تجمع بداخله:
- القانون ده يجيب حق العويل، لكن أنا هاخذ حق أمي بإيدي.
ودفع الرجال ليقترب على الطبيب الصيدلي الذي باع ضميره وسلم نفسه للشيطان، انضم إليه شقيقاه ليهتف أحد شباب العائلة بصياح وتحريض:
- الصيدلي لازم يموت، ده راجل إيده طايلة أجسامنا كلنا، واللي يأذي مرة يأذي ألف.
ارتفعت أصوات شباب البلدة وهجموا جميعًا على الطبيب لينهالوا عليه بالضرب المبرح الذي طال جميع جسده، والغريب أنه استقبل ذاك الهجوم باستسلام تام دون أدنى مقاومة منه.
انتشلت شريفة أزهار بمساعدة ابنتها وساعداها على الدخول إلى المنزل، وأثناء ما كانت بطريقها للداخل رأت إجلال تتحرك في طريقها للهروب فتمسكت بها بكل قوتها ونطقت:
- رايحة فين، أنا وإنت من النهاردة مصيرنا بقى واحد يا إجلال.
وتمسكت بذراعها لتأمر شريفة العاملات:
- شدوا إجلال ودخلوها غصب عنها.
أما الحاج محمد فوقف يصرخ بكامل صوته يأمر الجميع بالابتعاد عن الصيدلي وكأنه يخاطب نفسه، فحتى أبنائه ضربوا بأوامره عرض الحائط وانقضوا على الصيدلي كالذئاب المفترسة الجائعة، صرخ أيضًا إمام الجامع في محاولة منه للابتعاد دون جدوى، حالة من الهرج والمرج أصابت الوسط.
بمكان آخر، ارتعد جسد عمرو رعبًا بعدما استمع من أحد رجاله المنتشرين بالبلدة ما حدث.
رواية انا لها شمس الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم روز امين
سألته بدهشة مفتعلة ممتزجة بحدة طفيفة:
- وأنا ليش ما عندي خبر من قَبل عن هالفيلا؟ وشو لازمتها من الأساس؟
انزعج من حدتها عليه وطرح تلك الأسئلة، فأخر ما ينقصه الآن هو طرح تلك الأسئلة الغبية، صاح بها معنفًا:
- وده وقته يا "رولا"!
وتابع مسترسلًا بنبرة حزينة ونظرات أعين منكسرة لحثها على التعاطف معه:
- أنا في مصيبة كبيرة وإنتِ بدل ما تقفي جنبي جاية تحاسبيني؟
وتابع بكذب ظهر بنبرات صوته المرتبك:
- على العموم يا ستي دي فيلا كنت شاريها علشان أقدمها لك هدية في عيد جوازنا الجاي.
- حياتي إنتَ يا عمرو...
قالتها بابتسامة مزيفة لتجذبه وتسكنه أحضانها، ثم بلحظة تحولت ملامحها لحادة ونظراتها لنارية وهي تقول:
- تؤبرني قديش حنون.
خرج من بين أحضانها لينطق بهلع لم يستطع مداراته لسيطرة الخوف عليه:
- مش وقت أحضان يا رولا، إحنا لازم نسيب المكان ده حالًا، الوقت مش في صالحنا.
- شو عامل إنتَ وسِتهم لحتى تنهار بهالشكل؟
- وبعدين معكِ يا رولا...
صرخ بها وهو يدور حول حاله كالأسد الجريح مما جعلها تتراجع وتقول لاستقطابه:
- خلص، بوعدك ما رح أسألك بعد هلا.
زفر ونطق بلهفة ممتزجة بقلق عميق:
- اطلعي بسرعة هاتي حاجتك المهمة وجهزي الولاد، وادي خبر لمامتك علشان تجهز.
وتابع بحسم:
- لازم في خلال نص ساعة بالكثير نكون اتحركنا من هنا.
صعدت الدرج لتجد والدتها تقف بأعلاه، ومن الواضح أنها كانت تتسمع عليهما، أمسكت بكفها وسحبتها حتى وصلت إلى باب غرفتها ودفعته لتوصده جيدًا قبل أن تهتف بحدة:
- دخلك شو عامل هالتافه هو وإمه الحرباية لحتى يكون مرعوب هيك؟
أجابتها هامسة:
- ما بعرف يا ماما، بس شكله الموضوع كبير ومعقد.
- ونحن شو بيدخلنا بقصصهم يا ماما؟...
قالتها نائلة بارتياب لتتابع بحذر:
- خليني أتلفن لبيك وبخبره شو يلي صار، وهو بيتصرف وبيقُلنا شو بنعمل.
هتفت "رولا" تترجى والدتها بنظراتها المستعطفة:
- دخيلك يا ماما ما تدخليه للبابا في الموضوع.
تابعت وهي تنظر للأمام بشرود وكأنها تخطط لشيء ما:
- أنا بحلها، وهلا بترجاكِ تساعديني لنضب أغراضنا عالسريع لحتى نتحرك من هون.
زفرت المرأة بضيق لا يروق لها تصرفات ابنتها الهوجاء لكنها مضطرة لمجاراتها كي لا تحزن.
***
العودة إلى قرية "آل ناصف"
وقف الحاج محمد يصرخ بكامل صوته يأمر الجميع بالابتعاد عن الصيدلي وكأنه يخاطب نفسه، فحتى أبنائه ضربوا بأوامره عرض الحائط وانقضوا على الصيدلي كالذئاب المفترسة الجائعة، صرخ أيضًا إمام الجامع في محاولة منه للابتعاد وبات يقص عليهم بعض آيات الذكر الحكيم دون جدوى، حالة من الهرج والمرج أصابت الوسط.
حضر رجال الشرطة بسياراتهم بعد أن استعان بهم بعض أبناء القرية ممن رأوا أن زمام الأمور قد انفلتت على الآخر لتعم الفوضى بالبلدة، ترجل رجال الشرطة من السيارات وبدأوا بالانتشار حول الاشتباك وبدأ الضابط بالصياح يأمرهم بالابتعاد عن الصيدلي وأخصائي المعمل دون فائدة، اتسعت عينيه حين رأى غضب الناس وتجمهرهم حول الرجلين، الأمر أشبه بحيوانات مفترسة جائعة قد عثروا على فريستين فانقضوا عليهما لينهشوا من لحمهما دون الشفقة على صرخات الفريسة، أخرج الضابط سلاحه ورفعه للأعلى ليطلق بعض الأعيرة النارية في الهواء الطلق كي يُجبر الناس على الابتعاد، كرر العملية عدة مرات حتى ابتعد الجميع بمساعدة الحاج محمد وإمام الجامع ورجال الشرطة.
صرخ الضابط حين وجد الرجلين يغرقان بدمائهما بمنظر تقشعر له الأبدان، وجه كل منهما مشرح وأظافر أهل القرية قد حفرت وكل وضع علامته المؤثرة فوق جسديهما:
- أنا عاوز أعرف إيه اللي بيحصل هنا بالظبط ومين المسؤول عن الفوضى والخلل الأمني اللي حصل ده؟
وأشار لرجاله الاطمئنان على الطبيبين، بينما ازدرد السيد محمد لعابه فهو المسؤول الأول والآخر عما حدث وبدر من أهل قريته، نطق بصوت حاول السيطرة عليه ليخرج ثابتًا وهو يقول:
- الموضوع كان بسيط يا باشا وكان عبارة عن قاعدة عرفية بينا كأهل بلد واحدة.
قاطعه الضابط بحدة بالغة:
- مش إنتَ اللي تقرر إذا كان بسيط ولا لا يا حاج محمد، وبعدين البلد دي فيها قانون، وحتى لو هتعمل قاعدة عرفية فدي كمان ليها أصول وقوانين وإحنا بنكون مدعيين فيها لضبط النفس عند الجميع، وعلشان لما الأمور تتطور وتخرج عن السيطرة زي ما حصل هنا، نكون موجودين ونسيطر على الأوضاع.
انتفض جسد السيد محمد عندما استمع إلى صوت رجل الشرطة المبلغ بالاطمئنان عن المتعدي عليهما وهو يقول:
- الصيدلي مات يا أفندم.
اتسعت عيني الضابط لتعلو أصوات شباب عائلة ناصف وأهل القرية جميعًا وهم يقولون بقلب لا يعرف الشفقة على هذا القاتل بائع ضميره:
- في ستين داهية، عقبال دكتور التحاليل.
صرخ الضابط بكامل صوته كي يحث جميع الأبواق التي فُتحت على الصمت:
- الكل يسكت، مش عاوز أسمع صوت حد فيكم.
وتابع متوجهًا باتهام للسيد محمد:
- إنتَ المسؤول قدامي عن موت دكتور فريد، وعلشان كده مضطر أقبض عليك، وهناك تبقى تحكي لنا تفاصيل الفوضى اللي حصلت دي، حصلت إزاي.
علت أصوات الناس باعتراض على التحفظ على السيد محمد ناصف ليهتف إمام الجامع موضحًا حقيقة الأمر:
- الحاج محمد بريء من ذنب الدكتور يا حضرة الضابط، الراجل عمل أقصى ما بوسعه وحاول يبعد الناس ويهديهم، لكن الشباب مسمعوش لحد وثاروا على الدكتور وحصل اللي حصل.
وتابع بحكم مكانته كرجل دين:
- وبكده الحاج محمد بريء من دمه، ودم الراجل اتفرق بين شباب البلد.
- أنا ماليش دعوة بالكلام ده كله يا سيدنا الشيخ، أنا هنا بنفذ القانون، والقانون بيقول إن كل واحد مسؤول عن اللي حصل النهارده هيتقبض عليه ويتحقق معاه إلى أن تثبت براءته أو إدانته.
هرول طلعت يتحامى في الضابط فقد كان يختبئ تحت أحد الأرائك الخشبية خشية من ثورة أهل البلدة عليه وضمه مع ذاك الثنائي، صرخ مستنجدًا بجسد يرتجف هلعًا:
- احميني من أهل البلد يا حضرة الضابط، أنا بريء، والله ما كنت أعرف أي حاجة.
قطب جبينه يسأل:
- إنتَ مين يا جدع إنتَ؟
أجابه أحد الشباب:
- ده طلعت البنهاوي يا باشا، واحد من اللي اتفقوا على مرض وفضيحة الست أزهار.
ازدرد لعاب "طلعت" وقبل أن ينطق نافيًا وجد قبضة الضابط تهبط بقوة على كتفه كمن عثر على ضالته وهو يقول:
- هو أنتَ بقى طلعت البنهاوي صاحب المطعم اللي على الطريق بره، وقعت ولا حدش سمى عليك يا حبيبي.
وصاح مناديًا على أحد رجاله:
- عسكري إسماعيل، خد الواد ده ارميه في البوكس واتحفظ عليه كويس على ما نفضى له ونشوف مصايبه هو كمان.
صرخ "طلعت" متعجبًا:
- أنا عملت إيه يا باشا؟
نطق الضابط مفسرًا تحت ترقب أهل البلد وتمعنهم بالحديث:
- صلاح حرامي الحمير اتقبض عليه من كام ساعة وهو متلبس بسرقة حمارين من غيط في البلد اللي جنبكم، ولما استجوبناه اعترف إنه بيسرق الحمير بالاتفاق معاك علشان تدبحها وتستخدمها في المطعم بتاعك على أساس إنها لحمة بقر وجاموس.
ارتعد طلعت من نظرات أهل القرية التي صوبت نحوه كسهام مسممة بينما صاح أحد الشباب بذهول وهو يشعر بالتقزز:
- يعني إيه، الكفتة واللحمة المشوية والحواوشي اللي كنا بناكلهم الفترة اللي فاتت دي كلها، كانت من لحم الحمير؟
انتهز عزيز الجوهري الذي حضر هو وشقيقه "وجدي" حين علم بما يجري من كارثة، وهتف ملقيًا بكامل اللوم على أهل قريته:
- اشربوا يا بلد، مش جريتوا ورا الأكل الرخيص وقاطعتوا مطعمنا اللي بنتقي الله في كل لقمة بنقدمها لكم فيه؟
وتابع شامتًا:
- أهو عمرو البنهاوي وطلعت طلعوا بيأكلوكم لحم حمير وكمان مسروق.
صرخ طلعت متنصلًا بندالة كعادته:
- أنا ماليش دعوة يا باشا، المطعم باسم "عمرو" والاتفاقات وتوريد اللحمة وكل حاجة هو المسؤول عنها، أنا موظف شغلتي أبيع وأورد له الفلوس وبس.
لم يكن عزيز هو الوحيد الذي انتهز تلك الفرصة لتوجيه اللوم إلى أهل قريته فقط، بل اتبع الحاج محمد أيضًا نفس النهج حيث وجه لومه إلى ضابط الشرطة قائلًا:
- شوفت يا باشا، عرفت إن كان عندي حق لما نفيت نسل البنهاوي النجس وقطعت دابرهم من البلد كلها، كنا عايشين مرتاحين والبلد كانت هادية، لحد ما رجعوا تاني وإنتَ بنفسك يا باشا اللي جيت وأجبرتنا على دخولهم لما حضرت مع رجالتك افتتاح مطعم الشؤم والندامة.
وتابع محملًا إياه الذنب:
- وأهم البهوات طلعوا بيقدموا فيه سمومهم للناس في لحمة الحمير، ويا عالم الأمراض اللي دخلت جسد الناس من اللحمة اللي حرمها ربنا في كتابه العزيز.
صاح إمام الجامع موجهًا حديثه إلى ذاك الـ"طلعت" المتحفظ عليه من قِبل رجال الشرطة:
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنتوا إيه يا أخي، ما بتخافوش من ربنا ولا بتتقوه، دايرين تأذوا وترازوا في الخلق، حتى اللقمة بتاعت الناس ما سلمتش من أذاكم، هتقابلوا ربنا وتقفوا قدامه يوم الموقف العظيم بأنهي وش؟!
فارت دماء الشباب داخل عروقهم، وجميعهم شعر بالتقزز، حتى منهم من أصابه الهلع وأمسك بطنه وبدأ يتقيأ بإعياء، بينما أقبل البعض ليهاجموا طلعت، فاستشعر الضابط الخطر فقام بإطلاق الرصاص الحي بالأعلى للتفريق، وسريعًا أمر رجاله بالتحفظ على طلعت داخل سيارة الشرطة، وبالفعل هرولوا لإخفائه عن العيون خوفًا من أن تطاله أيادي أهل القرية فيمزقوه ويحولوا جسده لإرب.
هاجت الناس وتحول المكان إلى هرج ومرج من جديد، كل هذا يحدث تحت نظرات ذاك الواقف جانبًا، عيناه ممتلئة بدموع الألم والحسرة، يشعر بالخزي والعار ويتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه ليختفي من أمام أعين الناس المشفقة على حاله.
حضرت سيارتا الإسعاف، حملت إحداهما جثة الصيدلي تحت صرخات والدته وزوجته التي برغم ما حدث لصغيرها بسبب لعنة المال الملطخ بشرف سيدة بريئة، إلا أن خبر وفاته نزل عليها كصاعقة كهربائية زلزلت كيانها بالكامل، والآن خسرت زوجها وسيلحق نجلها بأبيه وستبقى وحيدة بلا ونيس يؤنس عالمها، وذاك ابتلاؤها من المولى عز وجل ربما لرفعة شأنها، فالبلاء وإن كان ظاهره النقمة إلا أن حقيقته نعمة، فالله يبتلي أهل الطاعة إما لمغفرة ذنوبهم أو رفعًا لدرجاتهم، وفي كلا الأمرين خير للإنسان لو عقل وصبر.
حملت السيارة الأخرى أخصائي التحاليل مع التحفظ عليه من قبل رجال الشرطة لحمايته وأيضًا لضلوعه في الجريمة، واتجهت إلى المشفى لعلاجه.
بدأ الضابط بالتحفظ على بعض الشباب للتحقيق معهم في واقعة وفاة الصيدلي فريد والتعدي على الآخر، ومن بينهم نجلي السيد محمد بذاته وبعض أبناء العائلة بالإضافة لبعض أهالي القرية الذين شاركوا بأخذ حق ابنة قريتهم والثأر ممن تعديا على شرفها، ليصرخ أهالي الشباب ويعترضوا فطمأنهم الضابط أنها مجرد إجراءات احترازية وسيتم الإفراج عنهم إذا ما ثبت تورطهم وذلك لتهدئة الوسط ليس إلا، لكنه سيتبع التحقيق بشفافية وحتمًا سينال كل متعدٍ جزاءه بعدل الله وحكمة القانون.
تحدث الحاج محمد إلى الضابط بصوت عالٍ كإشارة منه إلى الشباب المتحفظ عليه ورسالة للجميع بألا تأتي سيرة إجلال في أقوالهم أثناء الإدلاء بشهادتهم في محضر الشرطة الرسمي:
- يا باشا المتهم الرئيسي في اللي حصل ده كله هو عمرو البنهاوي، بمساعدة الشيطان طلعت.
- وستهم يا حاج محمد...
نطقتها إحدى النساء ليخرسها بنظراته وهو يقول بذات مغزى وصل للجميع:
- الكلام اللي قلته هو اللي حصل يا باشا، وباعتراف الصيدلي الله يرحمه قدام الجميع وكمان دكتور التحاليل، ولا إيه يا أهل البلد؟
وافقه الجميع بصوت عالٍ لثقتهم باتباعه للعدالة.
نطق الضابط مستفسرًا من المرأة:
- مين ستهم؟!
ابتلعت ريقها وبعد تفكير تحدثت بتفسير:
- أنا قصدي إن أمهم قصرت في تربيتهم وكده هي معاهم.
لم يهتم الضابط بتفسير المرأة وتحدث إلى السيد محمد باحترام لسببين، أولهما خشية من غضب التجمهر لأجل كبيرهم الحكيم، والآخر هو أنه حقًا يكن للسيد احترامًا لعدم تعديه يومًا على القانون واحترامه للجميع، عدا تلك الحادثة التي تصرف بها بهوجاء:
- أنا هاخد الشباب على القسم وأبدأ التحقيق في القضية يا حاج محمد، ومستنيك تجي لي النهاردة القسم علشان ناخد أقوالك أنت كمان، وياريت تجيب معاك الست الشاهدة مرات طلعت.
- أنا تحت أمرك يا باشا، اتفضل جنابك وأنا هصرف الناس وأهديهم وأحصلك على القسم.
بعدما انصرف الضابط ومعه جميع المشتبه بهم وهم أكثر من مئة شاب على الأقل، هدأ السيد محمد الأهالي وانصرفوا ليقترب هو من حسين المهزوم، حاوط كتفه وتحدث متضامنًا:
- قلبي عندك يا حسين يا ابني، مش عارف أقول لك إيه.
وتابع الرجل ناصحًا لأجل ما يشعر به ذاك الخلوق من مشاعر مميتة:
- خد بعضك وارجع لعيالك يا ابني، ونصيحتي ليك انسى البلد وخليك مكمل في طريقك.
- ليا عندك طلب واحد قبل ما أمشي يا خال...
قالها بصوت منكسر ذليل ليجيبه الرجل بهدوء:
- اطلب يا ابني، عاوز فلوس؟
قالها محمد بصدق ليقطع الآخر حديثه قائلًا بخجل:
- كتر خيرك يا خال، مستورة الحمد لله.
وتابع وهو يبتلع لعابه:
- أنا بقول تديني أمي أخدها معايا، ووعد عليا ما هتشوف وشها تاني ولا هتسمع عنها أي حاجة.
- طلبك متأخر يا ابني، أمر أمك مبقاش في إيدي خلاص.
ترجاه بعينيه متذللًا فحرك الرجل رأسه وتحدث:
- ده طلب ست اتظلمت واتداس على شرفها وعفتها بجزمة أهل البلد كلهم، وأقل حاجة نريحها في آخر أيامها.
سأله بذهول:
- يعني هتسلمها أمي بجد يا خال؟! هتسلمها أختك؟!
تنهد الرجل بأسى وتحدث والألم ينهش بصدره:
- أنت فاكرني مبسوط وأنا بسلم أختي لأزهار، ستهم بنت الحاج ناصف اللي كانت رجالة البلد بأكملها بتقف لها باحترام، بس للأسف، أمك هي اللي عملت ووصلت نفسها للنهاية دي، والقصاص عدل ربنا في الأرض يا حسين.
نزلت دموعه ألمًا وحسرة على ما وصلت إليه عائلته وطلب أن يرى والدته للمرة الأخيرة فرفض محمد للتحفظ على إجلال من قبل أزهار بغرفة واحدة لكنه أصر على رؤيتها.
بمسكن حسين البنهاوي داخل القاهرة الكبرى حضر يوسف بصحبة شقيقته بعدما أخبرته الأخيرة بأن ابنة عمها أبلغتها عبر الهاتف بانهيار والدتها خوفًا على أبيها المتواجد وسط النار، على الفور حضر هو وشقيقته كي يؤازرا أسرة عمهما.
يجلس منكسًا رأسه والحزن والهم والألم يسكنون ملامحه، يقابلون جلوسه مروة المنتحبة وابنتيها وأيضًا زينة التي تحدثت وهي تحتوي كف زوجة عمها الحنون:
- كفاية عياط يا خالتي، إن شاء الله عمي هيتصل بيكي تاني الوقت ويطمنا عليه.
خرج من الداخل أحمد حيث كان بالحمام، وهتف بحدة وهو يجاور ابن عمه بالجلوس:
- أنا اللي عاوز أعرفه بابا رايح ليه أصلًا، إحنا لينا إيه هناك أو مين علشان نروح له ويحط نفسه في وسط النار علشانهم؟!
- والله يا ابني أنا قلت الكلام ده لعمي...
جملة تأكيدية نطق بها يوسف ليتابع بعدم رضا ظهر فوق ملامحه:
- قلت له ركز مع ولادك وشغلك وخرج الناس دي من حساباتك، لأن محدش فينا هيشوف خير في قربه منهم.
نطقت مروة بدموعها الحزينة:
- أنت بتتكلم علشان الموضوع بعيد عنك يا يوسف، لكن عمك حسين ميقدرش يبعد، دول في الأول والآخر أمه وإخواته، وعمك ضميره حي، ميقدرش يسيبهم وهما في الظروف دي.
ضيق بين حاجبيه قبل أن يسألها مستنكرًا:
- ومين اللي حطهم في الموقف ده يا طنط؟! مش عمايلهم السودة وإجرامهم وعدم خوفهم من ربنا؟!
واسترسل يهز رأسه بذهول وعدم إدراك لمدى إجرامهم وشيطنة عقولهم:
- حضرتك مستوعبة هما عملوا إيه، دول لوثوا دم ست بريئة بمرض مميت ومرعب.
وتابع بتحريك رأسه باستنكار وجنون:
- وياريتهم اكتفوا بكده، دول مش بس لوثوا دمها، دول لوثوا سمعة ست شريفة ودنسوا طهارتها قدام أولادها وأهل البلد كلهم، دول غلبوا الشياطين بتفكيرهم الحقير.
وتابع يسألها وقد أوشك على فقدان عقله:
- حضرتك مستوعبة عمي رايح يساند مين؟!
ارتفع صوت شهقاتها وتزايد هبوط دموعها ليزفر هو مسترسلًا:
- أنا مش قصدي أضايق حضرتك بكلامي، أنا بعرفك إن عمي غلطان في دعمه ليهم.
- يوسف عنده حق يا ماما...
قالتها جنة لتهتف بجسد مستنفر:
- العيلة دي مشفناش من وراها غير العار والهم.
أكمل على حديثها أحمد الثائر:
- وبدل أبوك ما يبعد ويكفينا شرهم، مصر يجري وراهم علشان يورط نفسه معاهم، أدينا قاعدين حاطين أيدينا على خدنا ومستنيين نعرف اللي حصل معاه، يا ترى لو البوليس قبض عليه معاهم هنعمل إيه وهيكون موقفه هو إيه؟
نطقت الصغيرة تقى سريعًا وعيناها تتشبثان بأمل بابن عمها:
- لو بابا اتقبض عليه يوسف أكيد هيطلعه، مهو ضابط ويقدر يعمل كده.
وتابعت متعلقة بعينيه بتوسل بريء:
- مش كده يا يوسف؟
شملها بنظرات حزينة ونطق كي يهدأ من ورع تلك الصغيرة:
- بابا محدش هيقدر ييجي جنبه يا تقى، لأنه مش مدان بأي فعل، اطمني يا حبيبتي.
وتابع وهو يتطلع إلى زوجة عمه:
- كفاية عياط يا طنط لو سمحتي.
نطقت بتوجس وريبة:
- أنا خايفة لياخدوا عمك في الرجلين يا يوسف، بحكم إنه أخوهم، وخصوصًا إن أبوك الندل ورطهم وهرب زي عوايده.
برغم احتراق روحه وغضبه من ذكرها بلقب "أبوك" ولصق اللقب به إلا أنه تمالك من غضبه وتحدث مهدئًا روعها:
- إن شاء الله مش هيحصل كده، وصدقيني لو الموضوع لا قدر الله اتطور والشرطة قبضت على كل الناس اللي كانت حاضرة زي ما بتقولي، أنا هتصل ببابا فؤاد وهخليه يتدخل.
استمع إلى رنين جرس الباب فأشار سريعًا إلى أحمد الذي تأهب للوقوف وتحدث:
- خليك يا أحمد، ده غالبًا هيكون دليفري المطعم.
تحرك باتجاه الباب لتسأل مروة متعجبة:
- دليفري إيه اللي جاي لنا الوقت؟
أجابتها زينة بهدوء كعادتها:
- ده يوسف اتصل بمطعم مشويات وإحنا جايين في العربية، وحجز لنا عشا علشان ناكل مع بعض.
وتابعت بحرج يعود لشخصيتها:
- هو قال أكيد أنتوا مش قادرين تقفوا في المطبخ وتعملوا عشا وأنتوا في الظروف دي.
- ومين ليه نفس للأكل وعمك في وسط النار يا زينة...
قالتها لتنهمر دموعها بغزارة. احتضنتها زينة وانهمرت دموعها هي الأخرى قلقًا وحزنًا على ذاك الحنون الذي احتواها في كنفه منذ أن كانت طفلة حتى ترعرعت بين أحضانه وصارت شابة يتشرف الجميع بحسن تربيتها. استلم يوسف الطعام من العامل وحاسبه، ثم أغلق الباب ليضع الأكياس فوق الطاولة الصغيرة وهو يقول:
- يلا يا جماعة علشان نتعشى.
أشارت بكفها باعتراض:
- خد ولاد عمك وكلوا انتوا يا ابني، أنا مش هقدر أحط لقمة في بوقي إلا لما ألاقي عمك داخل علينا من الباب.
- مش هينفع اللي حضرتك بتعمليه ده، صدقيني موضوع عمي أبسط مما تتخيلي، وشوية وهتلاقيه داخل علينا لإن زي ما قولت لك، هو ملوش أي علاقة بالموضوع.
أقبل عليها وبسط كفه وتحدث:
- مينفعش تفضلي من غير أكل الفترة دي كلها، قومي علشان خاطري.
وتابع من باب الضغط عليها:
- ولا مش عوزاني أكل معاكم؟ على فكرة أنا جعان ومأكلتش من إمبارح حتى اسألي زينة.
نطقت سريعًا تؤكد على حديث شقيقها:
- آه والله ما حط لقمة في جوفه من ساعة ما عمي حسين ما كلمه، عايش طول اليوم على القهوة.
نطقت جنة أيضًا:
- لو مقومتيش أكلتي إحنا كمان مش هناكل.
نطق يوسف يجبرها على الاستجابة:
- إيه يا طنط، أنا هفضل مادد إيدي كده كتير ولا إيه؟
تبسمت له لتضع كفها بخاصته فأسندها الشاب والفتيات واتجه جميعهم إلى الطاولة ليخرجن الفتيات الطعام ويرصصنه ويبدأ الجميع بتناوله، دون شهية ولا تذوق وكأن كلًا منهما يؤدي وظيفة ويأكل، غصبًا لأجل الآخر.
ولجت بعدما استأذنت بالدخول وتحركت باتجاه ذاك القابع خلف مكتبه الخشبي. أمسكت كوب القهوة وقامت بوضعه فوق سطح المكتب وهي تقول بملامح وجه جادة:
- قهوة سعادتك يا باشا.
خلع عنه نظارته الطبية ليفرك عينيه برفق، وأغلق الحاسوب وهو يقول:
- تسلم إيدك يا عزة.
أمسكت كأس الماء وقامت بوضعه بجوار القهوة لتنطق مستفسرة:
- ألا إيه آخر الأخبار يا باشا؟
ناظرها مستفهمًا لتتابع مفسرة:
- أخبار البلد واللي بيجرى فيها.
- ملكيش دعوة بالموضوع ده... قالها بحزم، ليتابع بإشارة تحذيرية من سبابته:
- وإياك إيثار تعرف حاجة عن الموضوع يا عزة، صدقيني المرة دي بالذات ما هرحمك.
لوت جانب فمها لتنطق متهكمة:
- وأنا لو عاوزة أقول لها كنت هاجي أقول لك إنت من الأول ليه؟!
مصمصت شفتيها ونطقت وهي تضرب كفها بالآخر بأسى:
- أنا مش صعبان عليا في الليلة دي كلها إلا يوسف يا حبة عيني، الواد كل ما ييجي يقوم ويسند ظهره ييجي المنيل على عينه ويسحبه معاه لتحت بعمايله السودة.
وتابعت بإشارة من كفيها:
- كانت جوازة الشوم والندامة، ودفع تمنها المسكين.
رفع قدح القهوة وارتشف منه القليل لينطق بهدوء ورزانة:
- بطلي ندب يا عزة وروحي شوفي وراكي إيه.
- يعني هيكون ورايا الديوان... قالتها وهي تشيح بكفها لتتابع وكأنها تتحدث مع إحدى صديقاتها:
- ادينا بنتسلى.
استند بظهره للوراء ورفع حاجبه الأيسر يطالعها باستغراب، في محاولة لفهم تلك المرأة غريبة الأطوار، يقسم بداخله أنها أغرب امرأة قابلها بتاريخ حياته، عجيبًا أمره معها، برغم أفعالها العجيبة وبرغم شخصيته الحاسمة التي ما كانت تسمح بالماضي لتعدي أحدهم مهما كان حدوده التي وضعها لحاله، إلا أنه يتعجب لأمره، كيف سمح لتلك البسيطة اختراق قوانينه ليس فقط القوانين من تم خرقها بل اخترقت بعفويتها قلب ذاك الجامد ليصبح لا يطيق الاستغناء عنها واعتاد رؤية وجهها صباح كل يوم، أصبحت رؤيتها إدمانًا كفنجان قهوة الصباح من يدها، ضيقت بين عينيها لتقطع حبل أفكاره بسؤالها العفوي:
- اسم الله عليك يا باشا، إنت بتبص لي كده ليه؟!
أجابها بجمود:
- بتملى في جمال طلتك يا عزة.
- يو كتك إيه يا سيادة المستشار، ضحكتني يحظك ربنا... قالتها بعفوية وضحكة خرجت من القلب لتنير وجهها البشوش.
حاوط فكه بكف يده ثم بات يلف مقعده يمينًا ويسارًا لينطق:
- عارفة يا عزة لو حد غيرك قالي يو كتك إيه، كنت عملت فيه إيه؟!
نطقت بنبرة توددية:
- أنا عارفة إن ليا غلاوة عندك، عشان كده باخد راحتي معاك في الكلام، ولعلمك بقى... نطقتها بجدية لتتابع مفسرة:
- أنا مباخدش راحتي في الكلام كده إلا مع حبايبي والناس القريبين مني، آه.
- يا هنايا.... قالها ساخرًا ومازال يطالعها لتقطع عليهما ذاك الحوار الخارج من القلب تلك التي ولجت لتقول:
- قاعد لوحدك ليه يا حبيبي؟
- سلامة الشوف يا نضري... قالتها باستهجان لتمصمص شفتيها مسترسلة بتهكم عاتب:
- شايفاني هوى قدامك ولا اكونش مش قد المقام.
اقتربت عليها لتحتوي كتفيها ومالت على أحدهما تضع رأسها بحنو، ظهر بصوتها وهي تنطق بدلال:
- إنت قد الدنيا كلها يا زوزة، واكيد مقصدش اللي جه في بالك.
- طب اسيبك بقى مع جوزك تسليه، وأروح أسخن للباشا الكبير كباية حليب تريح أعصابه قبل ما ينام.
انصرفت وأغلقت الباب لتقترب الأخرى من حبيبها، عدلت من وضع المقعد وباتت تواجهه، ليمسك كفها ويجذبها حتى سقطت فوق ساقيه بعنف، أثار كلاهما، اقتربت عليه تستند بجبهتها على خاصته ونطقت بإثارة أمام شفتيه:
- إنت قد الحركة دي يا باشا؟!
- قدها ونص يا قلب الباشا... اقترب على شفتيها يلتقطهما ويغوص معها بقبلات حارة أشعلت قلبه بعشقها، ابتعد لينطق من جديد:
- وحشتني شقاوتك قوي يا إيثو.
تبسمت وباتت تداعب أنفه بخاصتها بملاطفة:
- أنا كلي ملكك يا حبيبي.
مال يلتقط شفتيها من جديد لينتفض كلاهما على دفع الباب مما جعلها تهب واقفة ليرى كلاهما ذاك المشاغب الحامل لهرته الجديدة، هتف بسعادة وهو يقبل عليهما:
- يا بابي، مشموش عمال يسأل عليك.
- الله يخربيت مشموش على اليوم اللي دخل فيه أم البيت ده... قالها فؤاد وهو يزفر في محاولة منه لتهدئة حالة الذعر التي سببها له ذاك المشاغب الصغير، وتابع وهو يطالع تلك المجاورة له التي دخلت في نوبة من الضحك:
- إحمدي ربنا إنك لحقتي تخلفي لك مني تلات عيال قبل ما أقطع الخلف على إيد القرد المسلسل اللي خلفتيهولنا وطلقتيه علينا في البيت.
أطلقت قهقهاتها المرتفعة مع رفعه لحاجبه يطالعها متعجبًا، اقترب الصغير من مقعد والده ونطق مجددًا وهو يلصق قطته بصدر أبيه:
- سلم على مشموش وبوسه يا بابي.
نطق مستنكرًا:
- يا ابني إنت ليه مش مقتنع إن اللي في إيدك دي أنسة، قطة حضرتك مش قط، يعني مشموشة.
أشار إلى والدته وتحدث:
- والله دي غلطة مامي مش غلطتي، هي عارفة إني بحب اسم مشموش ومش هنده لقطي غير بيه.
وتابع وهو يحتضن القطة بدلال لامس قلب أبيه تحت نظرات إيثار الحنون:
- شوف يا بابي شبه مشموش إزاي، ده حبني قوي على فكرة؟
ذاك الصغير استطاع أن يمتلك الجزء الأكبر من قلب فؤاد علام، بل الوحيد القادر على خلق بسمته من قلب الأحزان، قرب صغيره ليرفعه مثبتًا إياه فوق ساقيه ثم قبل وجنتيه وتحدث بنبرة حنون وصوت هادئ:
- إنت عارف إن أنا بحبك قوي؟
أومأ برأسه ليتابع فؤاد بحالة هائلة من المشاعر تجتاح قلبه:
- لا إنت مش فاهم، أنا بحبك قوي، بحبك أكتر من أي حد في الدنيا كلها.
- حتى أكتر من تاج؟!... قالها الصغير متعمقًا بعيني أبيه بترقب واهتمام، ابتسم فؤاد حين فطن مغزى سؤاله، فطالما شعر بانجذاب فؤاد إلى شقيقته أكثر لشعور فؤاد الدائم واقتناعه بأن الفتاة تحتاج أكثر لحنان أبيها، غمره بلمساته الحنون فوق وجنته ونطق:
- أكتر من أي حد في الدنيا، ملوك ده ساكن قلب بابي من جوه.
ابتسامة واسعة احتلت ثغره الصغير لتتسع شفتيه بلونها الوردي مما جعل قلب فؤاد يتراقص فرحًا، احتضن مالك والده ليتمسح بصدره وهو يقول:
- وأنا بحبك أكتر حد في الدنيا كلها يا بابي، حتى أكتر من مشموش.
احتضنت كلاهما وتحدثت متأثرة بنبرة حنون:
- ربنا يخليكم ليا وميحرمنيش منكم أبدًا.
كان مساندًا برأسه على زجاج نافذة سيارة الأجرة عائدًا في طريقه إلى منزله بالقاهرة، يحمل داخل قلبه همومًا لو تفرقت على مدينة بأكملها لكفت ووفت، تذكر قبل قليل بعدما ترجى خاله وولج إلى تلك القاسية التي بمجرد أن رأته حتى تجعد جبينها بينما نطق هو بدموعه التي لم يستطع أن يكظمها أكثر:
- ليه عملتي كده، شايفة وصلتي نفسك وولادك لإيه؟!
-إنتِ آخر واحد يحق لك الكلام يا عرة الرجالة.
نطقت حديثها وهي ترمقه بحدة لتتابع بعدم ذرة ندم واحدة:
-أنا وأخوك خدنا حق أبوك من الحربوءة اللي قتلته وريحنا جسده في التربة.
نطق بألم ينخر بأعماق قلبه لأجلها:
-حق إيه، إنتِ مش واخدة بالك إن أبويا قتل جوزها ويتم عيالها وكله بسببك إنتِ، لولا تحريضك للحاج هارون على نزوله في الانتخابات قصاد أبويا ما كانش حصل حاجة من كل ده.
-إمشي من قدامي وروح لمراتك اللي سحبتك وراها زي الخروف ونستك أهلك وناسك، يلا غور من هنا.
قالتها بجبروت ليخرجه محمد من الغرفة ويغلقها عليها من جديد.
داخل مسكن حسين، تأخر الوقت وما زال يوسف وزينة يجلسون بصحبة العائلة منتظرين حضور حسين الذي حضر بعد مدة ليطمئن عليه الجميع ويعود يوسف وشقيقته إلى مسكنهما دون أن يسأل عن تفاصيل ما حدث كي لا يزيدها على عمه المسكين.
______________
بينما انتقلت إجلال عنوة عنها إلى منزل أزهار وبنفس الغرفة التي تسكن بها حسبما طلبت الأخيرة، اقتربت أزهار من إجلال الجالسة فوق المقعد لتصرخ الأخيرة وهي تشير بيدها هلعًا:
-لو قربتي مني هقطعك بسناني يا أزهار.
فتحت أزهار درج المنضدة الصغيرة وأخرجت منه أمبولًا معبأ بدواء داء السكري وتحدثت بابتسامة شامتة:
-شوفتي سوء نيتك يا مرة، ده أنا عاملة حسابك وجايبة لك حقنة السكر وهديها لك بأيديا كمان.
توقفت تطالعها وتحدثت بابتسامة سعيدة ووجه من يراه لا يصدق أن تلك هي أزهار المريضة وكأن شعور الانتصار وعودة حقها أعادا لها صحتها:
-ومن حظك الحلو إني بأعرف أدي حقن من أيام الله يرحمه الحاج هارون، فاكراه يا إجلال؟!
وتابعت بمغزى ساخر:
-إسكتي، مش جالي إمبارح في الحلم وبعت لك معايا السلام، قولت له أبدًا يا حاج، سلام كده على الماشي ما ينفعش، نادرًا عليا ما أجي لك وإيدي فاضية أبدًا، لازم أجيب لك حبيبة القلب في إيدي وأنا جاية.
أنهت حديثها ومالت بجسدها تقلب داخل كيس مملوء بالنفايات الخاصة بها حيث يتركها نجلها ويأخذها كل يومين ليدفنها داخل الصحراء كي لا يتأذى أحد، صرخت إجلال وهي تقول عندما وجدتها تمسك إبرة مستعملة لحقن الدواء:
-إنتِ بتعملي إيه، إعقلي يا أزهار.
نطقت أزهار بصوت عالٍ تستدعي ابنتها وزوجة نجلها اللتان ولجتا وقامتا بتثبيت تلك السمينة التي صرخت وهي ترى أزهار تملأ الإبرة المستعملة من الدواء وتقترب عليها:
-إتقي الله وخافي من ربنا يا أزهار، إعملي لآخرتك اللي قربت وسيبك من انتقام الدنيا.
نطقت ابنة أزهار وهي تغرس أظافرها بلحم ذراعها المقيد:
-إخرسي يا ولية يا سو، إنتِ تعرفي ربنا علشان تتكلمي عنه.
اقتربت أزهار وغرست سن الإبرة الملوث منها وأفرغت الدواء وهي تبتسم بتشفٍ وشعور نشوة النصر يملأ نفسها تحت صرخات إجلال واستنجادها بالبشر دون جدوى.
انتهت لتقول:
-بالمرض إن شاء الله يا غالية.
وتابعت وهي تشير لابنتها وزوجة نجلها المرتديتين القفازات الطبية السميكة لحمايتهما:
-اطلعوا بره وسيبوني مع حبيبتي لوحدنا.
أمسكتها ابنتها عنوة عنها وهي تقول:
-حسن أخويا قال نرميها في الأوضة القبلية ونقفل عليها، وكل يوم هندخلك ليها في ميعاد الحقنة، لحد ما نتأكد من إن المرض صاب جسدها، بعدها نرميها في بيتها زي الكلبة.
تابعت أزهار متشفية:
-نسيت أقول لك على آخر الأخبار، مش الحاج محمد عطى البيت بتاعك وكل أملاك الملعون ابنك للبت نوجا وأهلها، الحاج محمد بعت جاب أهلها وتلاقيهم الوقت مهيصين في خير البيت ونعيمه.
كانت تستمع إليها والغضب والحقد يملآن قلبها لتتابع الأخرى بشماتة:
-يلا، ولاد حلال ويستاهلوا، وشوية لما المرض يمسك فيك هنبعتك لـ نوجا علشان تاخد منك حقها هي كمان، وتدوقك من النعيم اللي دوقتيهولها.
قد قرر نجل أزهار إبعاد إجلال وعزلها بغرفة بعيدًا عن والدته خشية من أن تنتقم منها وتؤذيها أثناء نومها.
***
عصر اليوم التالي، تحديدًا داخل منزل السيد "أحمد زين الدين" خرج من باب المنزل الداخلي يطوف بعينيه باحثًا عن زوجته، وجدتها تجلس على أحد المقاعد القريبة من حوض السباحة، أقبل عليها فلمح دموعها التي سارعت بتجفيفها كي لا تظهر أمامه بهيئة ضعيفة، تنهد وسحب مقعدًا ليقابلها الجلوس، طالعته قبل أن ينطق لائمًا:
-وبعدين معاك يا نجوى، بقى لك يومين من وقت ما سميحة سافرت وإنتِ ما بطلتيش عياط؟!
هتفت بحدة أظهرت مدى غضبها:
-حتى حزني على فراق بنتي عاوز تمنعني منه، مش كفاية حرمتني من وجودها جنبي هي وأحفادي؟!
وتابعت بلوم غائر:
-لازم تعرف إني لا يمكن هسامحك على اللي عملته في بنتك الوحيدة وشمت فيها وفيا اللي يسوى واللي ما يسواش.
نطق يحثها على التعقل ورؤية الصورة كاملة:
-قبل ما تلوميني على قراري اللي صححت بيه وضع ومنعت بيه خراب بيت بنتك، كان من الأولى تعقليها وتفهميها إن اللي بتعمله ده حرام وغلط وعيب، وشرعًا يندرج تحت بند خيانة الزوج.
-إنتَ اتجننت يا أحمد؟!
قالتها بأعين مندهشة لتتابع بنبرة عاتبة:
-لما إنتَ تتكلم كده عن بنتك خليت إيه للغريب والعدو؟!
هتف موضحًا:
-والله ما فيه عدو لبنتك غيرها هي نفسها، شيطانها مقويها وللأسف هي ماشية وراه بعيون مغمضة، جوزها طيب وبيحبها، وهي ضامنة وجوده وعلشان كده بتدوس على رجولته، ولو اتحمل مرة وعشرة علشان بيحبها، هيجي له وقت ويفوق من غيبوبة حبها ويثور لكرامته، بنتك يا هانم ممرمطة الراجل وراها، الأول لما حبت تهرب وهي شايفة سعادة ابن عمها واستقراره مع مراته، فخدت جوزها واستقروا في دبي، والراجل علشان بيحبها نفذ لها رغبتها، بعد سنين من الاستقرار والنجاح اللي حققوه الاتنين هناك، في لحظة نهت له على أحلامه لما الخايب أخوها كلمها وطلب منها يرجعوا علشان يكونوا جبهة واحدة يحاربوا بيها إيثار، سحبت جوزها وراها زي المعزة وبرضه علشان بيحبها طاوعها، لكن لحد إيمتى هيتحمل جنان بنتك يا نجوى؟!
وتابع بحدة:
-بنتك مريضة بحب فؤاد يا هانم، والمفروض إنتِ تشجعيني على قراري ده، ده لو كنتي فعلًا بتحبيها وخايفة عليها.
صمتت لتيقنها صحة حديث زوجها لينطق هو من جديد في محاولة منه للتخفيف عن تلك الأم الحزينة لفراق نجلتها الوحيدة:
-إهدي يا نجوى وقومي اغسلي وشك، وتعالي يا ستي نكلمها فيديو كول مع بعض ونتطمن عليها.
أومأت له وتحركت للداخل تحت نظراته المشيعة لدخولها ليخرج تنهيدة حارة خرجت من أعماق صدره حزنًا على فراق غالية قلبه ولكن لم يكن أمامه سوى ذاك القرار فلم تترك له سميحة خيارًا آخر.
***
صباح اليوم الثالث منذ انفجار العاصفة، فاق من نومه ليجد جواره خاليًا، فتح عينيه يتلفت من حوله فلم يجد لزوجته أثرًا، تنهد ثم سحب جسده لأعلى مستندًا على خلفية السرير، بعد قليل كان داخل كابينة الاستحمام والماء ينهمر على جسده، خرج وجفف جسده ليرتدي بورنس الحمام، نزل إلى الطابق الأرضي وجد رولا تقف بداخل المطبخ تجهز له طعام الإفطار، نطق وهو يتلفت من حوله باحثًا عن أطفاله بعدما وجد الهدوء يعم المكان:
-فين الأولاد يا رولا؟
-راحوا لعند الجيران مع الماما.
اتسعت عينيه ذعرًا ليصيح بهلع ظهر بعينيه:
-جيران مين اللي وديتي عندهم الأولاد، إنتِ شكلك اتجننتي يا رولا؟!
وتابع وهو يزدرد لعابه رعبًا:
-إنتِ مش عارفة إن البوليس بيدور عليا وإن ما ينفعش أي حد مننا يخرج ويتشاف لحد ما ييجي ميعاد هروبنا من البلد عن طريق البحر، ده إحنا قافلين التليفونات يا رولا، تقومي تخرجي الأولاد علشان حد يشوفهم ويتعرف عليهم؟!
اقتربت عليه وتبسمت بدلال وهي تحثه على الهدوء:
-بليز تهدى يا عمرو، أنا والماما عارفين ومقدرين الوضع يلي نحن فيه، هاديك الجارة الماما اتعرفت عليها هون بالحديقة يلي بأول الكومباوند، وهي لبنانية، يعني ما دخلها بحوارنا، فيك تهدى وتقعد لنتروق سوى.
وأشارت إلى الطاولة التي تتوسط المطبخ:
-اطلع بعيونك وشوف شو مجهزهتلك مرتك الحلوة للترويقة، عملت لك البيض بالبسطرمة يلي بتحبه.
حاول جاهدًا أن يهدأ من حاله وزفر يخرج ما في صدره ثم طالعها بأعين متعجبة قبل أن يسألها:
-وإنتِ لابسة ومتشيكة كده ورايحة على فين؟
أشارت بكفها بلامبالاة وهي ترص الصحون فوق الطاولة لتنطق بوجه عابس:
-دخيلك لوين بدي روح، إلنا تلات أيام من وقت يلي صار ونحن محبوسين متل الفروج بالعشة.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنطق مفسرة:
-قلت لحالي بلكي لو لبست لي شي فستان وعملت شعراتي بتتحسن نفسيتي ولو شوي.
اقترب عليها وأخذها داخل أحضانه لينطق بنبرة حنون مصطنعة ككل حياته معها:
-أنا آسف يا حبيبتي، أنا عارف إني تعبتك معايا، بس كلها يومين والمركب اللي هنسافر فيها هتكون جاهزة، معلش اتحملي معايا شوية لحد ما نعدي من الأزمة دي، وبعد ما تنتهي هنرجع هنا تاني، وأقوى من الأول، المحامي طمني وقال لي إن القضية مش كبيرة وموت الصيدلي ضعف الموقف القانوني، بس قال لي من الأفضل تسافر لك شهرين بره البلد لحد ما يخلص لي هو القضية ويجيب لي البراءة.
احتوت وجنتيه وتحدث بابتسامة ساحرة وهي تقول:
-فداك عمري يا تؤبرني، لو بتطلب حياتي ما بتأخر.
-حبيبة قلبي يا رولا.
قالها ثم التقط منها قبلة سريعة قبل أن يجلس ويبدأ بتناول الطعام.
باغتته بسؤال وهي تتناول إحدى شرائح الخيار:
- وأنا بقلب في درج الكومود شفت وصل كهربا لها البيت باسمك، ما قلت لي إنك كنت رح تسجلي إياه بذكرى جوازنا؟!
توقف الطعام بحلقه ليسعل، فناولته كأس الماء وهي تقول بدلال مفرط:
- اشرب مي حياتي.
ارتشف بعض الماء ثم تحدث بعدما أخذ نفسًا ليهدأ، ثم تحدث كذبًا:
- أصل البايع كان مستعجل فاضطريت أشتريها وأسجلها بإسمي، وكنت هنقل لك ملكيتها على عيد جوازنا، بس حصل اللي حصل.
ابتسمت، وبعد انتهاء تناول طعام الفطور حضرت له مشروب القهوة فتناوله على نفس طاولة المطبخ. ارتشف منها رشفة ليقول بتلذذ:
- تسلم إيدك يا حبيبتي، القهوة حلوة قوي، ما كنتش أعرف إنك ست بيت شاطرة كده.
وتابع بابتسامة:
- تقريبًا دي أول مرة من ساعة ما اتجوزنا، تجهزي لي فيها الفطار وتعملي لي القهوة بنفسك.
وقفت بالجهة المقابلة له ثم مالت للأمام لتستند بكفيها على سطح الطاولة وهي تقول بأعين تطلق حممًا بركانية لو خرجت لفحمته:
- ورح تكون المرة الأخيرة يا حقير.
اتسعت عينيه وهو يسألها باستغراب:
- إيه الهزار السخيف ده يا رولا؟
أجابته بابتسامة ساخرة:
- معك حق، نحن ما زلنا بمرحلة الهزار، بعد شوي رح تشوف طاقة جهنم يلي رح تنفجر بوشك يا واطي.
بدأ يشعر بثقل برأسه ودوار خفيف، قاوم فتح عينيه بقوة وصعوبة دون جدوى، ليسألها بلسان ثقيل وحروف خرجت بصعوبة وهو يرى صورتها تبتعد وكأنها أصبحت سرابًا يبتعد:
- أنت عملتي فيا إيه يا "رولا"؟
- ما تخاف، ما رح موتّك بهيدي السهولة، رح جهز لك طقوس بتليق بقصة حبنا الكبيرة، رح يكون وداع بيليق لخداعك الكبير يلي عيشتني فيه سنين طوال، وأنا ماشية وراك مثل المغفلة.
ارتمى برأسه للخلف مستسلمًا لتأثير الحبوب المنومة التي وضعتها له بكوب القهوة، فهرولت سريعًا إليه لتقبض على خصلات شعره بقوة اقتلعت معها بعضًا من خصلاته، وألقت برأسه بعنف شديد للخلف لترتد رأسه وباتت تهتز دون استقرار، ثم هرولت إلى أحد أدراج المطبخ لتخرج منها حبلًا جلبته خصيصًا وبدأت بتقييده ولف الحبل حول المقعد وتقييد يديه من الخلف، ثم شددت على تقييد ساقيه بأرجل المقعد. وقفت منتصبة الظهر تتخصر بيديها، لتبتسم وهي تقول بشر ظهر على ملامحها التي تحولت وكأنها شيطان:
- وهلأ جهزنا كل شي للاحتفال، بس تفيق ببلش العرض، بوعدك رح تنبسط كتير بس تشوف الفقرات يلي مجهزت لك إياها يا تؤبرني.
رواية انا لها شمس الفصل الثالث والثمانون 83 - بقلم روز امين
وقف يطالعها بأعين مفترسة كذئب يُقيم فريسته قبل الانقضاض عليها، بكل عنجهية وضع كفيه داخل جيبي بنطاله ثم أخذ نفسًا مطولًا قبل أن ينطق بطريقة استفزازية خالية من آداب التعامل مع النساء:
- عاوزة إيه؟!
أشارت نحو الطاولة وهي تدعوه للجلوس:
- إذا بتريد خلينا نقعد شوي.
- أنا مش فاضي لك.
قالها بحدة خالية من الاحترام، تجاهلتها هي ونطقت بهدوء عكس طبيعتها الحادة والتي لا تقبل الإهانة مهما كانت الخسائر:
- قُلت لك مارح أخرك، بليز.
قالت كلماتها الأخيرة برجاء، ليتحرك عائدًا إلى طاولته مرة أخرى، قابلته الجلوس وتحدثت بجدية:
- رح فوت بالموضوع عطول لحتى نكسب وقت.
وتابعت بجدية:
- أنا بدي ننهي هالعداوة يلي بيناتنا، اتنيناتنا رح نخسر كتير وخصوصًا إن كُل خِصم فينا أقوى من التاني.
أرجع رأسه للخلف مقهقهًا بقوة ساخرة جعلت من عروقها تنفر وهي تسأله بحدة بالغة أظهرت كم حنقها من أسلوب عجرفته:
- فيك تِقلي شو يلي عم بيضحك بكلامي؟!
أشار بكفه ليكف حديثه الساخر ولكن بتراجع طفيف عن عجرفته:
- آسف بجد، بس مقدرتش أمسك نفسي من الضحك وأنا بسمع جملة كل خصم فينا أقوى من التاني.
تحولت ملامحه بلحظة وعاد إلى تلك الغطرسة وهو يخبرها بحدة مغلفة بالكبرياء والتعظيم:
- إنتِ أضعف بكتير من إنك تكوني خصم لـ"فؤاد علام"، أنا لو كنت عاوز أدمرك وأخليكِ تقضي باقية حياتك في السجن كنت عملتها وبمنتهى السهولة، بس اللي منعني أكتر من سبب.
وتابع مسترسلًا بإبانة تحت ترقبها للحديث:
- أهمهم هو إني مبحبش الظلم وبتقي ربنا في كل أفعالي، ثاني سبب هما أولادك الصغيرين، وإنتِ نفسك برغم عنادك وغبائك إلا إنك ضعيفة ومضحوك عليكِ، وده السبب الأكبر اللي منعني أفعصك بعد ما اتجرأتي وقربتي من مرات فؤاد علام وفكرتي تأذيها.
تمالكت من غضبها لأبعد الحدود وذلك بعدما قام والدها بتعنيفها ومطالبتها بالابتعاد عن ذاك العقرب السام "فؤاد علام" وأخبرها أن سمه نادر ولدغته مميته، فتحدثت بهداوة عكس ما يدور بخلدها:
- مارح حاسبك على هالإهانات ورح إعمل حالي ما سمعت شي، نحن ما فيه بينا شي بيستاهل لحتى نكون أعداء منشانه، الموضوع بينحل بمنتهي السهولة.
وتابعت بذات مغزى استفز ذاك العاشق:
- اسمعني يا فؤاد بيك، إذا بتخبر مَرتك تبعد عن حياتي وعن يلي بحبهن الموضوع بينحل، قِلها ما تقرب صوب أي شي بيخصني، وأنا مارح إإذيها ولا حتى بفكر.
- متقدريش تهوبي ناحيتها وأظن إنتِ جربتي وشوفتي النتيجة، ده أولًا.
قالها بأعين تُطلق شزرًا ثم تابع ساخرًا:
- ثانيًا وده الأهم إنتِ بجد صعبانة عليا.
وتابع موضحًا مقصد حديثه:
- عايشة في وهم ودخلتي نفسك في حرب لا هي من الأساس حربك ولا انتِ قد شرها، وكل ده بسبب إنك ماشية مغيبة ورا واحد بيستغل حبك ليه وعلاقات أبوكِ المشبوهة وسككه المفتوحة اللي بتحقق له أغراضه الدنيئة.
ازدردت لعابها فتابع بجدية:
- أنا مش عاوز أصدمك بس هقول لك الحقيقة يمكن تفوقي من الوهم اللي إنتِ معيشة نفسك فيه ومستعدة تضحي بحياتك علشانه.
تمعنت بالنظر إليه وترقبت بشغف تكملة حديثه المثير:
- عاوزة أقول لك إنك آخر شخص ممكن "عمرو البنهاوي" يهتم لأمره أو يخاف عليه، لأنه ببساطة عُمره ما حبك، وأظن ده ظهر وقدرتي تلمسيه من خلال تصرفاته في الأزمة بتاعتك.
- "عمرو" بحياته ما عِشق مَرة غيري.
قالتها بحدة لتتابع بثقة عمياء:
- أنا المَرة يلي بيحبها ومستعد كرمالها يضحي بعمره.
رفع حاجبه وسألها بمغزى:
- ويا ترى اللي بيحب حد بيكذب عليه؟!
- "عمرو" بحياته ما كذب عليي، صدقني، أنا وأولاده كُل دنيتو، نصيحة فتش ورى مَرتك، هايدي حية هي والحقيرة يلي اسمها سُمية، يلي بتكون إمها لزينة.
وتابعت بثقة تخبره بما استمعته من زوجها:
- اتنيناتهن نسجو شبكهن عليه ولعبوا بعقلاته، ولأنه كتير حبوب وحَدا منيح وطيب صدق كذباتهن.
وباتت تهذي وتعيد كلماته التي حفظتها عن ظهر قلب من كثرة إعادته لتلك القصة البالية التي أعاد تكرارها على مسامع تلك الفارغة العديد والعديد من المرات حتى حفظت حروفها، وتابعت بثقة تُحسد عليها:
- قدروا يلعبوا بعقلاته ويوقعوه بشباكهن الوسخة.
من الطبيعي أن تستفزه كلماتها الوقحة عن زوجته، لكن العكس ما حدث، فقد أشفق عليها وشعر بأن ذاك الشيطان قد تملك من المرأة وحولها إلى مسخ تردد ما أخبرها به كالبغبغاء دون إدراك أو تفكير، نهض وتحدث بهدوء:
- لحد هنا وبالنسبة لي الكلام انتهى، أكثر حاجة بكرهها في حياتي هي الغباء والنقاش مع الأغبياء، وإن الإنسان يكون قافل مخه ويتحول لإمعة باسم الحب.
لم ينتظر ردها على حديثه المهين وانصرف بخطوات ثابتة واثقة تحت نظراتها الزائغة وهي تُشيع خطواته بعقل بات مشوشًا من حديثه المبهم.
مر يومان على ذاك اللقاء وقد قرر فؤاد أن يساعد تلك المُغفلة ويُنهي استغلالها من قِبل ذاك الطُفيلي "عمرو"، بات يفكر وبالأخير اهتدى إلى جمع كل المستندات والدلائل التي تؤكد كذبه عليها، جلس بمكتبه المتواجد بالقصر وقام بفتح جهاز الحاسوب الخاص به، استحضر رقم هاتفها ثم قام بتجميع نسخة من الفيديو الذي تم تسجيله أثناء توثيق عملية اختطاف ذاك الحقير لإيثار بداية من إجبارها على الترجل من السيارة الخاصة بفؤاد علام عن طريق رجاله المجرمين، ثم تسجيل الكاميرات التي سبق وتم زرعها عن طريق رجال فؤاد بمنزل عمرو المتواجد بأحد الأماكن الحديثة، بعث إليها التسجيل بالكامل أثناء ما كان يعنفها ويسألها ما إذا كانت سلمت حالها وجسدها إلى فؤاد علام أم أنها ظلت على وفائها لذاك المعتوه، أيضًا بعث لها صورًا من بعض المحاضر التي حررتها إيثار ضد المدعو عمرو تتهمه بالتعدي على منزلها أثناء تناوله مشروبات كحولية تُذهب العقل ويحاسب عليها الدين والقانون.
قام أيضًا بإرسال وثيقة تنازل عمرو عن حضانة الصغير ووضع إمضائه على ذاك الإقرار مما يثبت عدم صحة جُل ما أخبرها به، استجمع قوته وقام بإرسال الملف كاملًا ليصل إلى هاتفها عبر تطبيق الواتساب والتي تلقته بصدمة عمرها بالكامل، حينها استمع هو إلى صرخات إيثار التي أتته من الطابق العلوي فأغلق الجهاز سريعًا وهرول كي يصعد الدرج بوقت قياسي ويصل إلى خليلة الروح.
بينما تلقت "رولا" تلك المستندات بذهول وعدم استيعاب، أوصدت باب غرفتها الخاصة عليها وباتت تتفحص تلك المستندات بأعين متسعة وأنفاس لاهثة من شدة الغضب، لم تكتفِ بمصداقية رجل دولة كـ فؤاد علام كلمته كالسيف، بل ذهبت بصباح اليوم التالي لأحد خبراء الإنترنت للتأكد من صحة الفيديو والمستندات، وحين أكد لها الخبير صحتها شعرت بنار مستعرة هبت بجميع جسدها، بالأول قررت الانتقام الفوري وإبلاغ والدها بأنه تم خداعها للمرة الأولى على يد ذاك الحقير الذي استخدمها لأغراض انتقامه الدنيء، لكنها تراجعت على الفور وقررت التأني وليتم التخطيط للانتقام منه بتروي لجعله عبرة لمن لا يعتبر.
أكثر ما أرهق قلبها وأشعرها بالخزي والألم والعار هو عنوان ذاك المنزل الذي أرسله لها فؤاد مع مقطع فيديو يظهر به زوجها الحنون عمرو وهو يترجل من سيارته بصحبة فتاة ترتدي ملابس خليعة تُظهر أكثر مما تستُر، اقتربت الفتاة منه فحاوط كتفها بحميمية ثم ولجت بصحبته إلى ذاك المنزل، وخرجا بعد مرور ساعتين بحالة من الانتشاء تعلمها هي جيدًا.
____________
عودة لوقتنا الحالي
كانت تجلس بالمقعد المقابل له تنتظر إفاقته بقلب مشتعل وروح ما عادت تُطيق الانتظار، بدأ يتملل محركًا رأسه ثم بدأ يرفع جفنيه بالتدريج ثم إغلاقهما وتكرار الحركة حتى استقرا جفنيه على فتحيهما، ارتعد وفتح عينيه على مصراعيهما حين وضحت الصورة أمامه وتذكر ما حدث من تلك الجالسة تنتظر استيقاظه، ابتسمت ساخرة ونطقت بتهكم:
- أخيرًا طلعت الشمس من لمن فتحوا عيونك، دخيلك ما أكذب نظراتك.
وتابعت تحت ذهول عمرو من تحولها المريب:
- أنا كيف اتحولت لهيك واحدة غبية ما بتفهم، ما عم صدق لهلا كيف تركت حالي لكون لعبة بإيدين واحد أجدب مِتلك.
وتابعت بنظرة ثاقبة تحت ابتلاعه لريقه:
- كان معها الحق ماما، هي الوحيدة يلي كانت شايفة حقيقتك البشعة وكتير نبهتني، وأنا من غبائي ما كنت بصدق حكاياتها، والبابا حبيبي أنا يلي اجبرته لحتى يوافق ع جوازنا ويحترمك، يا الله، إديش كُنت مغفلة.
نطق بصدر يلهث من شدة هلعه من مظهرها الذي يدعو إلى القلق:
- "رولا" فوقي، إنتِ بتعملي إيه، أنا عمرو حبيبك؟!
قال جملته الأخيرة صارخًا، نطقت تجيبه بكوميديا ساخرة:
- إي بعرف إنك "عمرو"، عمرو الخاين الحقير يلي جعل من "رولا إلياس" مسخرة قدام كل يلي بيعرفونا.
صاحت بوجع وقهر:
- بس يلي ما بتعرفه لحد هلا، إني عرفت كل حقيقتك يا واطي، صار ماضيك الوسخ كلياته تحت إيديا، عرفت كيف وقعتها لإيثار وكيف خنتها مع أقرب صديقة لإلها.
وصرخت بما علمته من مروة زوجة حسين بعدما استعان بها فؤاد، فقد هاتفت فؤاد بعد يومين تشكك بصحة حديثه برغم الأدلة الموثقة فطلب منها الذهاب إلى منزل مروة وسؤالها إذا لم يكن حديثه وتلك المستندات كافية بالنسبة لها، بالفعل ذهبت وصارحتها مروة بجل ما حدث وكانت هي أحد شهود العيان عليه:
- هيدي الرخيصة سمية يلي جبتها بقلب بيتك ونمت معها عسرير مرتك يا واطي، إديشك طلعت حقير وبلا أخلاق يا زلمة، بعد كل يلي عملته بها المسكينة بتجي لعندي وتتهمها هي بالخيانة.
هزت رأسها لتكمل وهي ترمقه باحتقار:
- لو تعرف أديش صرت بحتقرك وبكرهك، والله كنت بتقتل حالك.
حاول فك قيوده وبات يحرك جسده وعندما فشل صرخ بكامل صوته لينطق كذبًا كعادته:
- كل الكلام ده كذب، صدقيني أنا عمري ما كذبت عليكِ في حرف قولته لك، فؤاد علام أكيد هو اللي بلّغك بالكلام الفارغ ده.
- مروة مرته لحسين أخوك هي يلي فتحت عيوني، المرة كتر خيرها خبرتني بكل شي حصل بالماضي.
- كذابة... قالها بحدة وتابع بافتراء كاذب:
- تلاقي فؤاد هو اللي حفظها الكلمتين دول علشان تقولهم لك وتفرق بينا، صعبان عليهم سعادتنا يا رولا، فوقي وبلاش تديهم الفرصة ويكون انتقامهم مني على إيد أكتر إنسانة حبيتها في حياتي.
وقفت وتحركت باستدارة إلى أن وصلت أمامه، مالت تستند بجبهتها على خاصته ثم سألته:
- عن جد أنا أكتر مرة حبيتها؟!
حرك رأسه سريعًا لينطق مؤكدًا كي ينجو بحاله من طوفان تلك الثائرة:
- طبعًا يا حبيبتي، هي دي حاجة محتاجة سؤال!
- وشو منشان إيثار يا عمرو؟!
ابتلع لعابه فتابعت هي بقلب امرأة نازف:
- أنا شفت الفيديو يلي خطفتها فيه وهي مرة متزوجة وبعصمة رجال غيرك.
وتابعت بوجع:
- سمعت بإدنيا كل كلامك إلها، وكيف كنت مخطط لهروبها معك هي ويوسف، سمعت كلامك ووعدك لإلها بإن ناطرتها أجمل أيام بعمرها، سمعت كل وعودك وشفت بعيونك نظرات رجال مغروم لحتى الموت بالمرة الوحيدة يلي حبها وسكنت بقلبه.
مع كل كلمة كانت تنطق بها تتزايد معها دقات قلبه والخوف يتملكه أكثر، سألها بصوت خفيض خرج مرتبكًا:
- إنتِ شوفتي الفيديو ده فين؟!
انتصبت بوقفتها ودارت حتى وقفت بالمقابل:
- بعت لي ياه فؤاد علام... قالتها ببرود لتنطق بابتسامة ساخرة:
- كتر خيره للزلمة، ما قبل كمل حياتي وأنا مضحوك علي متل الهبلة، بعت لي إياه مع كل المستندات يلي بتكشف كذبك وألاعيبك الحقيرة يلي لعبتها علي وعلى البابا.
طالعها مستعطفًا في محاولة منه لجذبها وعودتها من جديد إلى أحضانه وبيت أمانه الواهي:
- كل دي حاجات مفبركة زورها فؤاد علشان يفرق بينا، صدقيني يا حبيبتي، حتى مروة قدر يجبرها على الكذب، وهي للأسف متقدرش ترفض له طلب لأنها خايفة على شغل جوزها، بحكم إن الحقير فؤاد هو اللي معّين حسين في الشركة.
حتى بتلك كذب عليها فنطقت هي بما نزل عليه كالصاعقة التي زلزلت كيانه:
- وهايد البيت واللي عم يحصل فيه من مسخرة كمان كذبة من فؤاد علام؟!
ازدرد لعابه لتتابع بسخط وأعين مشتعلة غضبًا:
- بكل عين وقحة جايبني للبيت يلي عم تقضي فيه سهراتك الوسخة مع هالنسوان الرخيصة يلي بيشبهوك؟!
اقتربت من جديد وصرخت بنظرات تطلق سهامًا سامة بأسنان مدببة:
- شو يلي كان ناقصك يا واطي لحتى تخوني مع هادول النسوان يلي بقرف شغلهن عندي لحتى يغسلوا لإلي التواليت؟!
ابتلع لعابه فتابعت هي سريعًا وقبل أن يقوم بتكذيب الأخبار كعادته:
- وقبل ما تنفي هالتهمة عنك بحب قلك إني إجيت لهون وزرعت كاميرات بأوضة النوم والفيلا كلها وشفتك بعيوني وإنتَ عم بتخوني.
وتابعت بابتسامة مريرة وقلب يغلي كالبركان:
- بعد ما فؤاد علام الله يخليه بعت لي فيديو موثق لإلك وإنتَ عم تدخل لها البيت ومعك واحدة رخيصة بتشبهك.
استرسلت مبررة، لآخر لحظة تريد تبرئته كي تهرول عائدة لأحضانه من جديد:
- ما اكتفيت وقلت لازمن أتأكد لحتى ما أظلمك، ما أنا بردوا لساتني بحبك، طلبت منه العنوان ومشكور الزلمة ما قصر، بعت لي إياه برسالة عالواتساب، إجيت بنفسي بعد ما دورت عالمفتاح.
وتابعت باستخفاف وسخرية من سذاجته:
- ولقيته موجود بين مفاتيحك بالعليقة يا أهبل، طبعته وعملت نسخة لإلي وإجيت لهون وإنت نايم في البيت عودانك، زرعت الكاميرات يلي جابهم لإلي خبير كنت موصيه عليهم، وصلتّهم بتليفوني وصرت أشوفك كل ما تجي لهون ومعك هادول النسوان.
وتابعت للمعرفة فقط:
- وحتى الفيديو والأوراق يلي بعتهم لي فؤاد علام، عطيتهم لخبير وتأكدت من صحتهم قبل ما أتحرك وأجهز لها الانتقام العظيم، اليوم يلي بوعدك إن مصر وكل الدول العربية رح تتكلم عنه لسنين قدام.
كاد أن يتحدث فأوقفته بإشارة من كفها:
- وفر عحالك الكلام، ما بدي اسمع من تمك ولا حرف، اليوم أنا يلي راح أتكلم وإنتَ بتسمع وبس، وهيد كرم أخلاق مني لحتى ما تموت وإنت متل الأجدب ما فاهم شي.
تابعت مسترسلة باستفاضة:
- فكرت أخلص عليك وإنتَ تحت تأثير المنوم بس تراجعت لسببين، أولهم حبيت واجهك بتهمك وقلت لحالي يا "رولا"، من حق الزلمة يعرف أنا ليش رح موته هالموتة البشعة.
- "رولا"... قالها بحركات استسلامية من رأسه مصاحبة لنظرات مستعطفة متوسلة لتصيح هي بكامل صوتها:
- اخرس ولا تسمعني صوتك لحتى أخلص كلامي.
وصمتت قليلًا قبل أن تسأله بجبين مقطب:
- شو عم كنت بقول أنا؟!
إي تذكرت... نطقتها بلامبالاة لتنطق بابتسامة وشماتة ظهرت بمقلتيها:
- السبب التاني يلي خلاني نطرتك لحتى تفيق، هو رغبتي القوية وأنا عم شوف الذل والوجع بعيونك، حبيت فرجيك فرحة قلبي وانتصاري وإنتَ عم بتموت من الوجع على إيدين هالمغفلة يلي استخدمتها متل الهبلة بانتقامك الوسخ.
- واضح إنهم قدروا يعملوا لك غسيل مخ وعرفوا يكرهوكي فيا... قالها بفزع ظهر بينًا بعينيه ثم سأله متمسكًا بآخر حبل لنجاته:
- فين طنط، إندهي لها يا "رولا".
تطلع للأعلى وصرخ ينادي بكامل صوته:
- إنتِ فين يا طنط، تعالي خلصيني من المهزلة اللي بتحصل دي.
- ما تتعب صوتك حياتي، كل يلي بتعمله ما في منه فايدة، الماما ونور وسليم بطريقهم هلا للمطار، راح ينطروني لحتى أخلص عليك وأحصلهم وبنسافر كلياتنا للبابا.
----------
العودة لفجر اليوم
استغلت "رولا" نوم ذاك الغافي بعمق، وانسحبت من جواره دون أن يشعر بها، أغلقت عليه الباب وتسحبت على أطراف قدميها حتى وصلت إلى غرفة والدتها وولجت دون أن تطرق بابها، مالت على والدتها وهمست مما أفزع المرأة:
- ماما، بليز فيقي.
- شو في يا رولا؟! ... نطقتها وهي تفتح عينيها بتوجس لتجيبها الأخرى بهمس:
- بدي إياكي تقومي حالًا وتضبي أغراضك عالسريع، أنا جهزت أغراض سليم ونور، رح روح غيرلهم أواعيهم وإنتِ كمان بتلبسي لك أي إشي عالسريع، لازم تتحركي بالصغار من هون حالًا.
نطقت نائلة برعب ظهر بعينيها:
- شو في يا ماما، عم تخوفيني بهيأتك وحكياتك هادول؟!
أجابتها ابنتها بحدة وغل ظهر بهيأتها:
- الحقير طلع عم يخوني يا ماما، وكل يلي حكاه عن مرته السابقة كان كله كذب بكذب.
طالعتها بسخرية لتنطق بلوم شديد:
- ما أنا قلت لك هايد الكلام من قبل، بس إنتِ ما كنتي عم بتصدقيني، كنت صامة أذنيكِ وما عم تسمعي غير صوت حالك وبس، شوفي لوين وصلنا بعنادك.
- بشرفك هيدا وقته يا ماما؟! ... نطقتها بلوم وتابعت وهي تترجاها:
- دخيلك اتحركي لنجهز حالنا قبل ما يفيق.
بعد مرور حوالي ساعة كان الجميع جاهزًا، انقشع الظلام وكشف عن نور السماء وأعلن عن ميلاد يوم جديد، نطقت رولا بهمس إلى والدتها:
- هايد الباسبور تبعي، وسليم الصغير ونور مقيدين معي، خلي الباسبور معك، وهلا لازمن تتحركي، خذي معك الشغالة بتقعد بالولاد بالكرسي الوراني، وإنتِ سوقي لحالك، انطريني بالمطار وأنا بخلص عالسريع وبلحقك.
شو جنيتي إنتِ، من كل عقلك مفكرة إني رح أتركك مع هالحيوان لحالك وأمشي؟!
ترجتها:
- ماما بليز.
أجابتها المرأة بصمود وإصرار:
- ما تعبي حالك بالحكي، ما راح أتحرك خطوة واحدة من دونك.
نطقت بحقد من بين أسنانها:
- وأنا ما راح أترك هون لحتى أنتقم لكرامتي من هالخاين، راح أدفعه ثمن عملته كثير يا ماما، راح أعرفه إن اللعب مع بنته لسليم إلياس ثمنه غالي كثير.
سألتها متوجسة:
- بشو عم بتفكري يا تؤبري قلبي؟!
أجابتها بكذب كي يطمئن قلبها وتتركها وترحل بالصغار:
- ولا شيء، راح أخبره إني راح أطلق منه وبسافر أنا وولادي وبعيش حياتي مع رجال جديد، وراح أخلي البابا يخسره كل شيء بيملكه لحتى يصير ما يملك فرانك واحد.
- وبلكي آذاكِ يا تؤبريني؟!
نطقت جملتها بتوجس، وتابعت وهي تهز رأسها بنفي مرتعب:
- أنا كيف بدي أعيش من دونك يا "رولا"؟!
نطقت رولا بثقة مبالغ بها:
- ما تخافي، ما بيقدر يمس شعرة واحدة مني، هالجبان بيعرف بنت مين أنا بكون، وبعمره ما راح يفكر يأذي بنته لسليم إلياس، بس اللي طلبته عندك، ما تخبريه للبابا باللي صار لحتى ما يبعت زلماته يخلصوا عليه.
وتابعت بابتسامة تشفي:
- وكثير منيح إن هالمغفل سرب الزلم تبعه لحتى ما يثيروا الشكوك ويكشفوا عن مكانه، المحامي هيك خبره.
تطلعت أمامها وبشر ظهر على ملامحها تابعت:
- أنا يلي انخنت وانلعب فيني، وأنا يلي راح أنتقم لحالي.
بعد إصرار وتحايلات تحركت المرأة ومعها العاملة وقادت السيارة وانطلقت بطريقها إلى المطار.
عودة للوقت الحالي:
صرخ مستنجدًا بعدما اطلع على خطتها الشيطانية:
- فكيني يا رولا وبطلي جنان.
وتابع بلهفة في محاولة منه باستدراجها:
- أقول لك، فكيني وتعالي نسافر كلنا النهارده عن طريق المطار، أنا معايا باسبور مزور هسافر بيه ومش هنكشف لإنه أمريكاني ومعمول بحرفية عالية.
- من كل عقلك مفكر إنك راح تأثر عليّ من بعد اللي عرفته؟!
تابعت بشر ظهر من بين عينيها الحادتين وهي تدور من حوله في مشهد جعل الرعب يدب بداخل أوصاله:
- ليش ما عم تقتنع إن نهايتك إجت، أنت انتهيت يا عمرو.
ابتسمت وتابعت وهي تميل بجانب أذنه:
- وهلأ راح أنتقم لكرامتي ولكل اللي ظلمتهم معك، ليوسف ولهالمسكينة زينة، وحتى هالحرباية إيثار، إي بعمري ما حبيتها ما راح أنكر، ومع هيك راح أنتقم لها منك يا خاين.
تحركت وجلبت شريطًا لاصقًا تحت صرخات عمرو وهو يستعطفها:
- ارحميني يا "رولا"، أنا ما حبتش غيرك في حياتي، تعالي نسيب البلد ونبدأ من جديد، أوعدك إني مش هفكر في إيثار تاني أبدًا، بس أرجوك ارحميني.
اقتربت عليه وتحدثت:
- اتأخرت كثير يا عمرو، للأسف، حكاياتك وحتى دموعك هاي ما راح تفيدك وما عادت تأثر فيني مثل الأول.
نزلت دمعة من عينيه وهو يقول بضعف واستسلام:
- وحياة نور وسليم لتفكيني، سيبيني عايش علشان خاطرهم.
صرخت بحدة وغل:
- وأنت ليه ما عملت حسابهم قبل ما تخوني مع هيك أشكال يا حقير؟
توقفت وتابعت حديثًا من القلب:
- بتعرف يا عمرو؟
طالعها بذعر وهو يتابع حركاتها المريبة وذاك الشريط اللاصق التي تعده بين كفيها:
- بعد ما شفت كلامك ونظرات الغرام اللي عم تطلع بيهم على إيثار، الغيرة شعللت بقلبي، ومع هيك هديت حالي وقلت إنه بيكفيني إنك ووقتها ما كنت معي ولا حتى كنت بتعرفني، بس اللي كسرني وخلاني صممت على الانتقام، هي الفيلا واللي عم يحصل فيها، وبكل عين وقحة جايبني لتنيمني على نفس السرير اللي بتنام عليه مع هادول العاهرات اللي شبهك، وما كفاك هيك، بتكذب عليّ وأنا عيني بعينك وبتقول لي إنك جايب لي إياها هدية لعيد ميلادي، بعمري ما شفت أوقح منك يا حقير.
- يا ناس، حد يلحقني...
صرخ بها عندما لمح إصرار الغدر بعينيها، كانت أسرع منه فبسرعة البرق ألصقت الشريط حول فمه فانكتم صوته، ابتسمت وتحدثت متهكمة:
- شفت كيف المرة طلعت كثير ذكية، عملت حساب لكل شيء، حتى توثيق هاللحظة ما نسيته.
وأشارت بكفها على تلك الكاميرا المعلقة بأعلى الحائط لتتابع:
- صورت كل شيء للذكرى، بس يا خسارة، مضطرة أفك الكاميرا وآخذها معي قبل ما تسجل لحظة الانفجار.
هز رأسه بجنون رافضًا مع زوم بصوته وعيناه تترجاها بدموع الندم والألم طالبًا الغفران، تابعت هي بأسى مفتعل:
- كان بدي أشوفك وأنت عم تولع وبتتلوى وتصرخ من الألم.
صمتت لبرهة لترتفع قهقهاتها وهي تقول بفخر:
- هلق لفهمت سبب انشراحه للبابا وهو عم يتفرج على ضحيته، وااااو، شعور كثير حلو.
زادت أصوات فمه المكتوم وهو يزوم مطالبًا إياها بأن ترحمه وتطلق سراحه ولكن لا حياة لمن تنادي، تحركت إلى موقد الغاز وبدأت بفتح جميع العيون الخمس تحت صرخاته المستنجدة، نطقت بهيئة جنونية تخبره بهدوء وكأنها تطمئنه:
- ما بدي إياك تخاف حياتي، الغاز ما راح يتسرب للخارج، قفلت كل إزاز الفيلا منيح لحتى ما تطلع ريحته وحدا يحس وييجي لينقذك.
أشارت على حالها بفخر لتجيب:
- أنا شو قلت لك من شوي؟ قلت لك إني عملت حساب لكل شيء، هايدا تخطيط أيام وليالي كثير يا عمرو، وهلق فيك تفتخر فيني.
وتابعت:
- ومنشان الأولاد بدي إياك تطمن عالأخير، أنا معهم وما راح أتخلى عنهن أبدًا.
واسترسلت وهي تطالع دموعه باحتقار وغل:
- وبوعدك راح أذكرك بأسوأ كلام بينقال لطفل عن أبوه.
استمعت لطرقات عالية على الباب الخارجي، اتسعت عينيه بسعادة وتجدد الأمل بداخلهما بينما هي أصابها الذعر، استمعت لرنين هاتفها فنظرت بالشاشة لتجده اسم أبيها، ردت سريعًا لينهرها هو:
- افتحي الباب للرجال وتحركي من عندك فورًا.
نطقت بحقد ظهر بنبرات صوتها:
- مش قبل ما أنتقم لكرامتي وأشعل النار بجسده بإيديّ يا بابا.
صاح يحذرها:
- قلت لك افتحي الباب وزلمتي بيقوموا مع هالحقير بالواجب.
سألته بغضب ظهر بصوتها:
- ماما اللي خبرتك؟!
هتف الرجل بحدة بلغت ذروتها:
- مو وقته هالحكي يا بابا، اتحركي حالًا قبل ما البوليس المصري ياخد خبر وييجي يتحفظ عليكِ، وقتها ما راح أعرف أتصرف، بترجاكِ يا تؤبريني.
نطق كلمته الأخيرة برجاء لأب مرتعب على ابنته الوحيدة مما جعلها تهرول لتقف على أحد المقاعد وتجلب الكاميرا ثم هرولت إلى الباب فتحته ليدخل الرجال سريعًا وتحركوا لتمشيط المكان وتنظيفه من أي أدلة تحت صرخات عمرو المستغيثة والتي قُوبلت بالتجاهل التام وقبل أن ينصرفوا للخارج توقفت هي بجانب الباب وقامت بفتح القداحة وثبتتها لتظل نيرانها مشتعلة، تركتها بجوار الباب لتغلقه سريعًا وتهرول مسرعة داخل السيارة، أغلق أحد الرجال الباب وانطلقوا سريعًا تاركين ذاك الذي يزوم مستنجدًا، يفرك بجسده بعنف، محاولًا فك قيود ساقيه أو كفيه، برغم عقدها بقوة للحبال إلا أنه لن يستسلم وظل يحارب لأجل البقاء، كانت دموعه تسيل بغزارة فوق وجنتيه، تذكر جميع حياته وكأن ما عاشه يمر من أمام عينيه كشريط سينمائي، استسلم للقدر وتبسم وهو يرى إيثار تتراقص وتتمايل بجسدها أثناء حضورها بحنة ابنة عمه، كانت تلك هي المرة الأولى التي رآها بها، عندما كان يتلصص ويسترق النظرات على الفتيات بحفلة الحنة، هي لا غيرها من فتنته وجعلته يتمناها ويشتهي جسدها، مر من أمامه وجهها الخجول عندما كان يتتبع خطواتها أثناء ما كانت بطريقها إلى موقف السيارات للذهاب إلى الجامعة، شعورها بالخجل والسعادة عندما أخبرها عن عشقه لها، ليلة خطبتهما، زواجهما وأول قُبلة ودفء الحِضن الأول وثرائه، سهراتهما وجنون العشق وما عاشاه معًا من ليالي دافئة مليئة بالرومانسية، وقوع خبر حملها بوليدهما الأول، نظراته لعينَي يوسف حين خرج من غرفة عمليات الولادة وحمله بين يديه، يا الله، نزلت دموعه وبات يصرخ، لا يريد الموت الآن، يريد العودة لمن امتلكت كيانه بالكامل، يريد الارتماء بأحضان نجله الحبيب وطلب السماح على ما فات، سيحاول مجددًا استرضاء إيثار علها تعود لرشدها وتطلب الطلاق من ذاك الدخيل "فؤاد علام" وتعود لأحضانه الدافئة من جديد، يقسم أنه سيذيقها الشهد ألوانًا لو أنها ترضى، فقط ترضى ولتترك الباقي عليه، سيحيا معها حياة مثالية وليحتضنا صغيرهما ويحاوطا عليه، سيفعل المستحيل لأجل إسعادهما، فقط لو ترضى.
بالخارج أسرع يوسف مترجلًا من السيارة وهو يهرول إلى المنزل، وذلك بعدما تلقت شرطة المكان بلاغًا من أحد الجيران بوجود حركة مريبة من داخل البيت المجاور لهما وصوت رجل يستنجد وامرأة تصيح صراخًا وتبكيتًا. وقد علم فؤاد من خلال مصادره أن هذه الوحدة المملوكة لـ"عمرو البنهاوي" هي من تم الإبلاغ عنها من قِبل الجيران، وعلى الفور أبلغ يوسف الذي أصابه الهلع على الصغار وأصر على فؤاد أن يذهب مع رجال الشرطة كي يحتوي شقيقيه قبل أن تتحفظ الشرطة على "عمرو" بتهمة البلاغ المقدم بحقه من قِبل أزهار فقط، وذلك بعد أن ظهر مالك آخر للمطعم حمل قضية لحم الحمير بالاتفاق مع محامي عمرو مقابل مبلغ كبير من المال. لا يعلم ما مصدر تلك المشاعر التي اجتاحت قلبه وجعلت منه شاعرًا بالمسؤولية تجاه شقيقيه الصغيرين. بالكاد اقترب الجميع خطوة ليتراجعوا بهلع وهم يرون ذاك الانفجار العظيم الذي هز المنطقة بالكامل. هرول الجميع والكل أخذ ساترًا خلف السيارات ليتفادوا نار جهنم التي اندلعت للتو. انتفض قلب يوسف هلعًا على ساكني المنزل، كل ما يشغل باله هما الصغيران. لا ينكر أيضًا شعوره بالخوف على ذاك المؤذي لحاله والجميع.
أما بالداخل، علت صرخات عمرو وارتفع صوته مستنجدًا بعد أن أكلت النيران الشريط اللاصق وخرج صوته مجلجلًا بالصرخات طالبًا العون من الجميع. بات يصرخ ويصرخ مستغيثًا دون إجابة، فالجميع يستمع لصوته ولكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب فقد ارتفعت ألسنة اللهب البرتقالية لعشرات الأمتار بهيئة مُرعبة، من يراها يرتعد هلعًا ورعبًا. ارتفعت أصوات ساكني المكان وخرج الجميع من بيوتهم صارخين هلعين مما يروه، وبسرعة حضرت سيارات المطافي وبدأت برش المياه عبر الخراطيم للسيطرة على هذا الحريق الهائل. وقف يوسف منتصب الظهر وابتعد للخلف يتطلع بألم، وصوت صرخات عمرو تمزق داخله وتؤلمه. نزلت دموعه شاعرًا بالعجز حيال ما يحدث لوالده وشقيقيه. وقف كثيرًا حتى توقفت صرخات عمرو للأبد.
بمكان آخر، داخل مطار القاهرة الدولي، وصلت إلى صف المسافرين ووقفت بجوار والدتها ونجليها لتسألها نائلة:
- شو عملتي يا رولا؟!
أجابتها وهي تتنفس بانتشاء ينم عن راحتها:
- يلي كان لازم ينعمل يا ماما.
وتابعت تسألها بعتاب:
- ما قِلت لك لا تخبري البابا، ليش قِلتي له؟!
نطقت المرأة بجدية:
- لأنه ما بقى عندي ثقة فيكِ من بعد ما ورطتي حالك مع جوز طليقة هالحقير.
ابتسامة نصر ارتسمت فوق شفتيها لتنطق بنبرة منتشية:
- خلاص يا ماما، كل شي انتهى، ما بقى فيه شي اسمه عمرو لحتى يزعجنا من بعد اليوم، خَلصت منه وخَلصت البشرية من أذاه وكذباته اللي ما عم ينتهوا.
تلفتت الصغيرة من حولها قبل أن تسألها:
- ماما، وينه البابا؟!
أجابتها بهدوء:
- البابا سافر لمكان بعيد يا ألبي.
- وإيمتى رح يرجع؟
سؤال وجهته الصغيرة لتجيبها بنبرة حماسية:
- ما قال.
اقتربت من النافذة وسلمت أوراقها ليسألها الموظف:
- جنسية حضرتك فرنسية؟
نطقت باللكنة الفرنسية التي تتقنها بطلاقة:
- نعم سيدي، ومعي طفلاي أيضًا يحملان الجنسية الفرنسية وهما مقيدان على جواز السفر الخاص بي.
أخرجت تصريحًا آخر وتحدثت:
- وهذه هي موافقة الأب على السفر.
كان عمرو قد وضع إمضاءه على السماح لأطفاله بمغادرة البلاد بصحبة والدتهما تحسبًا لأي جديد يحدث بالقضية ويمنع سفره، وهذا ما سهل عليها المهمة. أشار لها الضابط المسؤول عن مرور المسافرين إلى الصالة الداخلية وقد لحقت بها نائلة والعاملة وبعد حوالي النصف ساعة كانت تربط حزام الأمان لصغيريها ثم ربطته لحالها وأغمضت عينيها تتنفس براحة حين شعرت بحركة الطائرة أثناء استعدادها للإقلاع.
رواية انا لها شمس الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم روز امين
"أذناب الماضي" الجزء الثاني من أنا لها شمس
مع كل كلمة كانت تنطق بها كان يشعر بالخزي والعار يغطي كامل كيانه، أصبحت ساقيه كالهلام لا تستطيعان حمله، اختل توازنه، وبالفعل مال وقبل أن يفقد توازنه وجد من يسنده بيديه وكأن القدر يبعثه له كلما مال ليستند عليه ويكون له السد المنيع. التفت ورفع عيناه كي يكتشف صاحب الساعدين، فوجد عيناي ذاك السند تشمله برحمة وود وخوف حنون لو تفرقوا على مدينة بأكملها لكفت. إنه فؤاد لا غيره عندما علم بما حدث من خلال مصادره ترك ما بيده من أعمال وهرول مسرعًا كي يساند صغيره الضعيف، ذاك الذي تربى في كنفه وتحت رعايته. طالعه يوسف بألم، ومال برأسه يشتكي مر الزمان، انتزعه من حالة الضياع ليسكنه داخل أحضانه الرحيمة، ظل يملس بكفه الحنون على ظهر الفتى هامسًا بجوار إحدى أذناه:
- أنا معاك، متخافش.
ما كان منه سوى ترك جسده الهزيل وإراحة رأسه المثقل بالهموم على كتف ذاك السند، لطالما كان له السد المنيع والناصح الأمين، نطق كطفل لم يتعدى الأربعة أعوام من عمره:
- خليك معايا يا بابا.
- أنا دايمًا معاك يا حبيبي... قالها بكل ما تحمل الكلمات من معاني الأبوة الحقيقية، تحركت أصابع يده تتجول فوق وجنته ليجفف له دمعات الألم الصارخ، ومازال مستندًا على كتفه. كان المشهد مؤثرًا ليس فقط لكلاهما، بل لجميع الحضور حتى تلك الشاهدة التي استرسلت حديثها بعدما طلب منها الضابط استكمال شهادتها:
- من حوالي يومين جاب معاه ست عندها حوالي خمسين سنة وواحدة عندها حوالي تلاتين وطفلين صغيرين، على طول خمنا إنهم عيلته وخصوصًا إن كان معاهم بيبي سيتر وشغالة.
تابعت حديثها بشرود:
- الموضوع بالنسبة لي كان غريب ومريب في نفس الوقت، إزاي راجل هلاس زي ده تجي له الجرأة يجيب مراته وأولاده على وكر الغرام اللي بيقابل فيه عشيقاته.
تحمحم فؤاد وهمس لصغيره كي يكفيه شر اللحظة والكلمات:
- تعالى نقعد في العربية لحد ما يسيطروا على الحريق.
ربت على كف داعمه النفسي وتحدث بهدوء:
- أنا كويس، متقلقش عليا.
تابعت المرأة مسترسلة شهادتها:
- ومن يومها وأنا براقبه من بلكونة بيتي، تقدر تقول إني بقيت مقيمة فيها، النهاردة الصبح كنت بشرب قهوتي من البلكونة ولاحظت حاجة غريبة جدًا خلتني أحس إن فيه حاجة مش مظبوطة بتحصل.
ترقب الجميع لحديثها بعقول أكثر انتباهًا ليسألها الضابط:
- لاحظتي إيه يا مدام، اتكلمي.
لتتابع هي مستطردة:
- الناس دي من وقت ما وصلوا وهما بيناموا متأخر جدًا وبيصحوا كمان متأخر، النهاردة تقريبًا كده كانت الساعة تسعة، لقيت الست الكبيرة وبنتها والأطفال والناني خارجين من الڤيلا وعمالين يبصوا حواليهم بحذر، وقبل منهم الشغالة مشيت، المهم، ركبوا العربية بس البنت مراحتش معاهم ودخلت الڤيلا تاني، وبعد حوالي ساعتين سمعت دوشة وأصوات صريخ وزعاق طالعة من عندهم، اتصلت على طول بالبوليس لما حسيت إن فيه شيء مريب بيحصل.
توقفت لتأخذ نفسًا تستعيد به تنظيم أنفاسها وخروج الكلمات بهدوء:
- وبعدها جم تلات عربيات مصفحة ونزل منهم رجالة لابسين بدل ونضارات واتحركوا للڤيلا بترتيب مخيف، تحسهم كده شبه رجالة العصابات اللي بنشوفهم في الأفلام الأجنبية، بعد شوية خرجوا ومعاهم الست وكانوا محاوطينها وبيتحركوا بسرعة زي ما يكونوا عاملين عاملة وبيهربوا، اتحركوا بسرعة وبعدها مفيش خمس دقايق وأنتم وصلتم والانفجار حصل.
تمزق قلبه حين تأكد من وجود أبيه بالداخل، فبرغم ما كان يحمله بالقلب من غضب وسخط على أفعاله، لكنه بالنهاية يظل أبيه، أمسك كف فؤاد وتحدث بأمل تجدد بداخله:
- رولا أخذت إخواتي وهربت.
وتابع وهو يخرج هاتفه استعدادًا لإجراء مكالمة:
- أنا هكلم سيادة اللواء محمد عبدالسلام يعمل تحرياته بسرعة قبل ما تهرب بيهم.
أمسكه من كفه وتحدث للانتباه:
- لازم تفكر كويس قبل ما تتسرع وتاخد أي قرار يا يوسف، أنت قد الخطوة والحمل الكبير ده؟
- ده مش وقت تفكير يا بابا، الأول ألحق إخواتي وبعدين أشوف هعمل إيه، واللي أهم لازم الحقيرة اللي اسمها رولا تدفع تمن اللي عملته.
- عندك حق... قالها باقتناع لكنه تحدث حرصًا على مستقبل الشاب:
- بلاش تتصل برؤسائك يا يوسف، اديني خمس دقايق وأنا هتصرف من خلال علاقاتي.
استرسل بتفكير:
- حد بعقلية "رولا" أكيد هتاخد ولادها وتسافر بعد الجريمة اللي عملتها، خلينا ندور في المطارات والمواني.
علم أن فؤاد يخشى عليه من مواجهة رؤسائه وأراد أن يجنبه الحرج، بالفعل هاتف فؤاد أحد الشخصيات المرموقة وذو النفوذ الواسعة في الدولة، وعده الرجل أن يأتي بخط سير السيدة في خلال دقائق، وقف بجوار يوسف ينظر لألسنة اللهب التي ثارت ولا تأبى الاستسلام والاستجابة لمحاولات رجال الإطفاء المستميتة، شعر بوخزة وللحظة حمل حاله ذنب ذاك الذي يواجه مصيره داخلًا وسط النيران الغاضبة، لكنه تراجع ونحى هذا الشعور جانبًا، نعم هو من أزاح الستار عن جرائم ذاك الشرير وأعطى فرصة لزوجة مخدوعة رؤية الوجه الحقيقي لمن أحبت وأمنت له وبدوره سدد لها طعنة بالظهر من خلال خنجر مسموم، هو فعل ما توجب عليه لتبرأة زوجته من تلك التهم المشينة التي ألصقها بها ذاك الوغد عمرو، من أين له أن يتوقع جنون الأخرى وخروج كل هذا الشر من داخلها، أقصى ما جاء بمخيلته أنها ستنفصل عنه وتحرمه رؤية صغاره ثم تستعين بوالدها رجل العصابات ليجعله يخسر جميع أمواله ويتركه متحسرًا بائسًا يشتهي الخبز ولا يجده.
مر الوقت بصعوبة بالغة واستطاع رجال الإطفاء السيطرة على الحريق، هرول فريق الإنقاذ إلى الداخل متأملين العثور على ناجين، خرج أحدهم وتحدث إلى الضابط:
- مفيش جوة غير جثة متفحمة في المطبخ يا افندم.
شعر برغبته في الغثيان لمجرد الاستماع للوصف فنطق الضابط بجدية:
- متأكد إنه ميت؟!
- يا باشا ده متفحم.
نطق الضابط مؤكدًا:
- طبيعي يتفحم، النار كانت شديدة والبيبان مقفلة.
وتابع بأسى ظهر من بين نبراته فبالنهاية هو إنسان:
- الله يرحمه.
ثم نظر إلى يوسف وتحدث:
- معلش يا أستاذ، هتدخل جوه علشان تتعرف على الجثة إذا كانت لأبوك ولا لأ.
ارتعد داخله لينطق فؤاد باعتراض شديد:
- يوسف مش هيدخل يشوف حاجة، وبعدين هيشوف إيه يا حضرة الظابط، أنت مش سامع بنفسك عامل المطافي وهو بيقول لك الجثة متفحمة؟!
وتابع تحت استنفار ضابط الشرطة من حديث ذاك المتطفل:
- اعملوا له تحليل DNA وده الإجراء الطبيعي في الحالات اللي زي دي.
- طب ما تيجي تقف مكاني يا باشا وبالمرة تدير أنت التحقيق وتدي الأوامر!... قالها الشرطي متهكمًا قبل أن يهتف بحدة موبخًا:
- ده إيه الزمن اللي ما يعلم بيه إلا ربنا ده، هو كل من هب ودب بقى يتكلم وعاملي نفسه خبير وبيفهم وهو حمار.
اشتعل داخل فؤاد ليتابع الآخر أمرًا يوسف:
- يلا يا أخويا أنت كمان انجر قدامي علشان تتعرف على الجثة، الحكاية مش ناقصة كوهن.
وقبل أن يقبض بكفه على ذراع يوسف سبقته قبضة فؤاد الحديدية حيث أمسكه بقوة مفرطة وبدأ يفرك كفه بين خاصته بغل شعر به الضابط وتألم صارخًا وقبل أن يسب فؤاد هتف هو من بين أسنانه:
- صوتك ما يطلعش بدل ما أندمك على وظيفتك وشبابك اللي هتقضيه في سجن أبو زعبل.
اتسعت أعين الضابط وابتلع ريقه بعدما شعر بجدية ذاك الرجل، بينما فك فؤاد كفه وبدأ ينفضه في الهواء باشمئزاز وكأنه لمس شيئًا متسخًا، تحدث وهو يخرج بطاقة تعريفه الخاصة ويضعها صوب عيني الضابط:
- ابعت الجثة للمشرحة يا حبيبي، واحمد ربنا، لولا الظرف اللي إحنا فيه كنت دفعتك تمن كلامك وندمتك عليه يا شاطر.
ارتبك لمجرد رؤية مهنة فؤاد، "قاضي استئناف" ناهيك عن لقب عائلته، "علام زين الدين" تلبك بالحديث قائلًا باعتذار مرتبك:
- أنا آسف جنابك، مكنتش أعرف شخصية معاليك والله يا افندم.
- وهو أنت لازم تعرف شخصية معالي جنابي علشان تتعامل معايا باحترام؟! نطقها بصرامة وأعين تشبه نظرات الصقر بحدتها ليتابع مشيرًا إلى يوسف الذي يشاهد بصمت والألم ينهش داخله على والده وما أصابه:
- وبالنسبة لشاب زي ده، مفيش أي احترام لمشاعره ولا للمصيبة اللي هو فيها؟! كليتك معلمتكش إزاي تتعامل بإنسانية مع الشعب اللي المفروض جنابك مكلف بحماية أرواحهم والحفاظ على حقوقهم؟! واللي أهمها المعاملة بآدمية والاحترام لمشاعرهم الإنسانية؟!
نطق يوسف في محاولة لتهدئة ثورة فؤاد:
- اهدى يا باشا لو سمحت.
قدم الضابط أكثر من صيغة للاعتذار تخوفًا من مركز رجل القضاء هذا ومركز والده. قطع حديثهما رنين هاتف فؤاد الذي أجاب سريعًا لينطق بعدما أغلق وهو يجذب يوسف من كف يده:
- رولا موجودة في مطار القاهرة الدولي هي والولاد ومامتها.
هرول كلاهما واستقل سيارة فؤاد الذي أدار محركها لتندفع بسرعة هائلة. امتعضت ملامح يوسف وهو يتابع ذلك الطريق المزدحم والذي يعيق وصولهما بسرعة قبل إقلاع الطائرة. سأله وهو يتطلع للأمام بعدم صبر:
- اللي بلغ جنابك مقالش ميعاد الطيارة؟
- مكنش فيه وقت للاستفسار يا يوسف، اللي بلغني قال إن فيه أكتر من رحلة طالعة لباريس وبعض دول أوروبا، وإحنا مش عارفين هي مسافرة لأي دولة بالظبط. أنا خمنت إنها هتسافر باريس عند أبوها وللسبب ده بلغتهم يشوفوا الرحلات لباريس، بس هي اسمها متسجل وموجود هناك بالفعل.
وتابع:
- ادعي ربنا إننا نلحقها.
وصل في خلال ساعة، ترجل يوسف من السيارة ليهرول للداخل سريعًا. بات يجري كالذي يسابق عقارب الساعة، يدعو الله في سريرته بأن يلحق بشقيقيه قبل أن تهرب بهما تلك المجرمة. لحق به فؤاد الذي اتجه إلى مكتب أحد المسؤولين بالمطار وللأسف علم منه إقلاع الطائرة منذ أكثر من ساعة وهي الآن في طريقها إلى الأراضي الفرنسية. لم يعد بإمكانه أي شيء ليفعله. خرج ليبحث عن يوسف الذي يهرول وهو يتطلع في الوجوه بجنون يبحث عن الصغار في محاولة أخيرة لإنقاذهم من بين أيادي أم مجرمة فاقدة للإنسانية، لا تصلح لتربية ورعاية صغار أبرياء كشقيقاه عديمي الحظ.
وضع فؤاد يده على كتف الشاب ونطق بأسى ويأس تجلى من بين نبراته:
- يلا بينا يا يوسف.
طالعه بألم يتلقى صدمته حيث تابع فؤاد:
- للأسف، رولا والولاد سافروا على فرنسا في الطيارة اللي طلعت من ساعة تقريبًا، يظهر إنها كانت مرتبة لكل حاجة.
لم يجد كلمات يعبر بها عما يدور بداخله، فتحرك منساقًا بجوار فؤاد، يديه مرخيتين والحزن مرتسمًا على ملامحه.
جلس بالمقعد المجاور لفؤاد ثم أمسك هاتفه وطلب رقم عمه حسين وأخبره بما حدث لأبيه تحت دموع الآخر وحزنه العميق على شقيقه الصغير وما أصابه. طلب منه أن يبعث أحمد كي يأتي بشقيقته من جامعتها دون أن يخبرها بما حدث. بعد أن أنهى المكالمة طلب فؤاد أن يصطحبه معه بقصر علام زين الدين لكن الشاب رفض رفضًا تامًا وطلب منه توصيله إلى منزله المتواضع حيث سيحضر عمه ويرتبون كيف سيتدبرون أمر الجنازة وتلك الأمور.
تغفو بوسط فراشها بجسد مرهق بعد يوم طويل شاق قضته في الشركة لتعود إلى المنزل فتجد زوجها لم يعد بعد من مقر النيابة. اعتذرت وتغيبت عن تناول وجبة الغداء بحضور العائلة وقررت إرجاءها لحين عودة خليل الروح والاستمتاع معه حيث باتت لا تتذوق حلاوة الدنيا سوى بحضرة جنابه، فجميع الأشياء بابتعاده أصبحت في نظرها بلا قيمة. علمت بما حدث من مروة التي حدثتها من خلال الهاتف وأخبرتها بوفاة عمرو محترقًا بمنزله على يد زوجته التي هربت بصحبة نجليها.
هرولت وارتدت ثوبًا باللون الأسود احترامًا لمشاعر نجلها وشقيقته، ثم اتصلت على هاتف فؤاد وتحدثت بنبرة هلعة من وقع ذاك الخبر الجلل عليها:
- عرفت اللي حصل يا فؤاد.
- مين اللي بلغك؟!
قالها بهدوء واستمعت بجواره صوت تلاوة عذبة لبعض آيات الذكر الحكيم بصوت الشيخ الجليل "عبد الباسط عبد الصمد"، فتيقنت وجوده بمسكن نجلها، نطقت وما زالت الصدمة تسيطر على صوتها المرتعب:
- مروة مرات حسين اتصلت بيا وبلغتني من شوية.
لم تعطه فرصة للإجابة حيث سألته سريعًا:
- هو أنت فين يا فؤاد؟
- أنا مع يوسف في بيته.
- طب أنا جاية لكم حالًا.
قالتها بتسرع لتتابع بنبرة خرجت رغماً عنها متألمة، فبالأخير هي إنسانة ولديها مشاعر وتعلم معنى الفقد جيدًا:
- اللي كنت مانعني أزور ابني علشانه خلاص راح.
اتسعت عينيه ذهولًا وهو يستمع لتلك النبرة الحزينة المسيطرة على صوتها ولولا تيقنه من مدى عشقها له ومدى احتقارها لذاك الـ عمرو لكان سيطر عليه الشيطان الرجيم وبات يدس السم داخل أفكاره. استطاع بصعوبة بالغة السيطرة على غضبه وتحدث بنبرة جاهد بكل ما لديه من قوة لتخرج عادية:
- ما تسوقيش بنفسك، خلي السواق يوصلك.
- حاضر يا حبيبي.
وكأن كلمة حبيبي بها كل السحر فقد نزلت على قلبه لتمنحه السكينة والهدوء الوقتي، نطق بنبرة حنون نابضة بكل ما يحمله القلب من غرام هائل:
- خلي بالك من نفسك يا بابا.
- حاضر.
قالتها بصوت أرق من الندى وأغلقت لتتجه بطريقها إلى الدرج، وجدت عزة تخرج من غرفة الفتاة حيث كانت تشرف على تنظيفها مع إحدى العاملات، سألتها إلى أين فأخبرتها بما حدث لتنزعج الأخرى قائلة:
- يا ستار يا رب، ربنا يكفينا شر الفواجع وشر النار دنيا وآخرة.
وتابعت لاوية فمها:
- أدي آخرة المشي العوج والسكك الشمال، أهي جت له اللي خلصت منه القديم والجديد وخدت لك حقك.
وأشارت بكفها:
- يلا هنقول إيه، مبقاش يجوز عليه غير الرحمة، حسابه بقى عند اللي خلقه.
وكأن كلماتها لا تعني للأخرى بشيء لتنطق بتوصية:
- أنا ماشية واحتمال أبات مع يوسف.
نطقت وهي ترمقها بسخرية:
- ده أنت بتحلمي، أنت فاكرة إن سيادة المستشار هيسيبك تباتي بره البيت؟
- يا عزة حرام عليك خليّني أقول الكلمتين علشان أمشي.
وتابعت بتوصية:
- خلي بالك كويس من مالك، مش عاوزة أرجع ألاقيه عامل كارثة جديدة، فؤاد على آخره منه اليومين دول، ولو أعصابه فلتت هيحبسه في أوضته وهيحرمه من الخروج طول الإجازة.
- متشليش هم ويلا أنت بالسلامة، ومتنسيش تبلغي يوسف سلامي، وأنا هروح له بكرة علشان أعزيه هو والبت زينة.
أومأت بجدية وتحركت إلى الطابق الأرضي، وجدت الجميع يجلسون داخل الردهة، تعجلت لتقف أمام علام وهي تبلغهم بنبرة بائسة بما حدث، لينطق علام بمشاعر إنسانية:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، سلمي لي على يوسف يا بنتي، وحاولي تجيبيّـه معاك هو وزينة، بدل ما يقعدوا لوحدهم يتونسوا في وسطينا.
نطقت عصمت وهي تهم بالوقوف:
- استني أغير هدومي وأجي معاك يا إيثار.
- مفيش داعي تتعبي نفسك يا ماما، خليك مع الباشا وكمان علشان الأولاد ومالك، وأنا يوم ولا اتنين وهجيب يوسف يقعد معانا كام يوم.
انطلقت بطريقها للخارج وقبل أن تستقل سيارتها لحقت بها طفلتها:
- مامي، خديني معاك أشوف جو.
- مش هينفع يا حبيبتي.
قالتها على عجلة ثم حاوطت وجنتها وهي تنطق بحنان بالغ تجلى بين نظراتها:
- أخاف عليك من أجواء الحزن اللي هناك، أنت لسه صغيرة على المواقف دي يا قلبي.
نطقت الفتاة بتفهم:
- طب سلمي لي على يوسف وزينة كتير لحد ما أشوفهم.
- حاضر يا حبيبتي.
استقلت المقعد الخلفي لينطلق السائق ولحقت بها سيارة الحراسة المكلفة لحمايتها. خرجت الفتاة وخطت البوابة الحديدية للقصر ليوقفها كبير الحرس وهو يسألها باهتمام وجدية:
- حضرتك رايحة فين يا آنسة تاج؟
أشارت بكفها نحو منزل دكتور ماجد المقابل لهما وتحدثت:
- هروح عند عمتو، هبلغ بوسي حاجة ضرورية وهرجع على طول.
أشار لأحد الرجال ونطق وهو يمشط المكان جيدًا بعينيه:
- مع الآنسة يا عبد الله، وما تتحركش من قدام فيلا دكتور ماجد غير وهي راجعة معاك.
أومأ الشاب وتحرك بصحبتها. هرولت تاج نحو بيسان حيث كانت تتحرك حول أحواض الزهور تتفقدها بعناية ممسكة بيدها مرشة المياه تروي بها الزهرات، وجدت تلك التي تناديها بهلع:
- بوسي، شوفتي اللي حصل؟!
- فيه إيه يا تاج؟
قالتها بفزع لتجيبها الأخرى:
- بابا "يوسف" اتقتل.
وقع المرش من يدها لتنطق بروع شديد ظهر بعينيها:
- اتقتل إزاي، ويوسف فين؟!
- مراته ولعت فيه، تقريبًا كده كان بيخونها، ده اللي قدرت أفهمه من كلام مامي مع جدو ونانا.
نطقت وهي تتلفت من حولها بتشتت وعدم اتزان:
- وأنا بقول إيه اللي حصل، عمالة أرن عليه يكنسل عليا، أنا قولت أكيد عنده محاضرة مهمة أو موجود في جهاز المخابرات ومش عارف يرد.
وتابعت وهي تهرول إلى الداخل لتتبعها الفتاة:
- أنا لازم أروح ليوسف حالًا.
وجدت والديها يجلسان ببهو المنزل فأخبرتهما بما حدث وتحدثت وهي تترجى والدها بعينيها:
- بابي من فضلك أنا لازم أروح ليوسف.
رأى بعينيها هلعًا ورأف بجسدها المنتفض قائلًا:
- طب اهدي، خدي مامي وروحي وأنا هتصل بيوسف وأشوف وصل لحد فين علشان أبلغ جدك وجدتك ونحضر كلنا الجنازة.
هتفت فريال سريعًا لابنتها:
- اطلعي البسي على ما أغير هدومي أنا كمان، بلغ السواق يجهز العربية يا ماجد.
ثم نظرت لابنة أخيها وتحدثت:
- على البيت حالًا يا تاج، وصلها يا ماجد من فضلك.
- حاضر يا حبيبتي.
قالها ورافق الفتاة إلى باب قصر علام زين الدين ثم عاد ليخبر السائق بأن يجهز السيارة.
وصلت إيثار إلى شقة نجلها استقبلتها مروة التي احتضنتها وتحدثت إيثار:
- البقاء لله يا مروة.
- الدوام لله يا حبيبتي.
وتابعت بدهشة:
-شوفتي اللي حصل لعمرو يا إيثار؟
-الله يرحمه يا مروة، تعب كل اللي حواليه حي وميت.
وتابعت بألم ينخر بأعماق قلبها:
-أنا حزينة على ابني وعلى المسكينة أخته، ذنبهم إيه في فضيحة زي دي يا مروة؟ ذنبها إيه البنت المسكينة لما أهل خطيبها يعرفوا إن أبوها مراته قتلته لما اكتشفت إنه بيخونها؟
نطقت الأخرى تخبرها بأسى وحزن:
-اسكتي يا إيثار، ده حسين هيتجنن من ساعة ما عرف، عمال يستغفر ربنا ويقول كان ناقصه إيه علشان يطلع يرمرم بره، دي مراته كانت بتعشقه وبتتمنى له الرضى.
وتابعت بجدية:
-قلت له إياك كان فاكرها إيثار هتعرف بقذارته وتكتفي بالطلاق، اسكتي، ده جوزك سيادة المستشار قال لنا من شوية إن أبو رولا تبع المافيا.
زفرت تخرج ما في صدرها من أسى وسألتها:
-هو يوسف فين؟
-قاعد في البلكونة هو وعمه حسين وجوزك، كان مخنوق يا حبيبي وخرجوه يشم شوية هوا، والبنات في الأوضة بتاعت زينة، المسكينة مقطعة نفسها من العياط من ساعة ما عرفت، اللي يشوفها يفتكر إنه كان بيعاملها زي باقية الآباء، هنقول إيه، طول عمره وهو لعنة على أولاده.
تحركت سريعًا وبمجرد أن رآها حتى هب واقفًا ليأخذها بين أحضانه، ربتت على ظهره بحنو وهي تسأله:
-أنت كويس يا حبيبي؟
أومأ لها بدون حديث، تحدثت إلى حسين باحترام:
-البقاء لله يا أستاذ حسين.
-لا إله إلا الله يا أم يوسف.
قالها الرجل متأثرًا، قدمت أيضًا التعازي إلى أحمد نجل حسين تحت نظرات فؤاد الفتاكة والتي لا تعلم سببها، نطق يوسف وهو يحتوي ذراع والدته:
-تعالوا نقعد جوه في الريسبشن.
جلس الجميع ودخلت هي للفتاة التي تبكي بانهيار، جلست بجوارها فنطقت الفتاة من بين دموعها الغزيرة:
-أنا هطلب من حضرتك طلب، وبالله عليك توافقي يا خالتي.
نطقت سريعًا:
-اطلبي يا زينة.
-عوزاكي تسامحي بابا.
قالتها بدموعها لتتابع تحت شهقات بنات عمها:
-أنا عارفة إنه ظلمك وآذاك كتير، بس هو الوقت راح عند ربنا، ومحتاج كل دعوة، أنا عن نفسي سامحته عن كل حاجة عملها فيا.
تعمقت وهي تطالع الفتاة وتعجبت، من أين لها بكل هذا التسامح وتلك الأخلاق الكريمة، هل هي حقًا ابنة الشيطان "عمرو" وتلك الخائنة "سمية"؟ طالعت ابنتا حسين ومروة اللتان تحتضنان ابنة عمهما وتربتان على ظهرها بحنو، وهنا وجدت الإجابة، السر يكمن في نشأة الفتاة وسط عائلة تعرف حدود الله وتتقيه بكل خطواتهم، أب يجتهد بجد للحصول على لقمة عيش حلال لأبنائه، وأم تتقي الله وتربي أبناءها على الرضا والتسامح وذرع الأخلاق الحميدة داخل نفوس جميعهم، تنهدت عندما أعادت الفتاة تكرار السؤال عليها فنطقت بهدوء:
-حاضر يا زينة، علشان خاطرك أنت بس أنا هسامحه، مع إني عانيت سنين وأنا بحاول أنسى اللي عمله في أنا وجدك وجدتك، بس عزائي إن ربنا عوضني الحمد لله، وعوضه كان عظيم.
تنهدت الفتاة براحة وخرجت إيثار تنضم إلى مجلس الرجال لمواساة نجلها، نطق بأسى وهو يحرك رأسه محاولًا محو المشهد من ذاكرته:
-المنظر كان بشع يا ماما، شكل النار وهي ماسكة في البيت كانت توجع القلب.
وتابع بدمعة ألم فلتت من عينيه:
-جسمه اتفحم جوه النار.
سألته بهلع:
-إوعى تكون شفته وهو كده يا يوسف.
حرك رأسه نافيًا لينطق وهو يبتلع ريقه بصعوبة:
-بابا رفض، الظابط كان عاوزني أدخل علشان أتعرف على الجثة، بس بابا أصر ورفض.
تنفست بهدوء ثم سحبته من جديد لتدثره بين ثنايا قلبها كي تشعره بثورة حنانها علها تنسيه ما حدث وأحدث شرخًا عميقًا داخل روحه.
بعد قليل حضرت فريال وبيسان التي تحركت إلى يوسف وشددت على كفيه قائلة وهي تتعمق بعينيه بمواساة وألم لأجله:
-قلبي معاك يا حبيبي، طمني أنت كويس؟
كان يحتاج وجودها من حوله بشدة، ضم كفيها يحتويهما وهو يجيبها:
-أنا كويس يا بوسي، ما تقلقيش عليا.
بنبرة حنون أجابته:
-لو ما قلقتش علشانك هقلق على مين يا حبيبي.
جلست فريال بجوار يوسف هي وابنتها وباتت تواسيه:
-البقاء لله يا حبيبي، الله يرحمه ويبارك في عمرك يا يوسف.
-تسلميلي يا عمتي.
قالها لتسحبه داخل أحضانها، ولما لا وهو الصغير الذي تربى بين أحضانها وفي كنف العائلة ولطالما اعتبرته طفلها الثالث.
تحركت إلى زوجها الذي خرج إلى الشرفة فسألها بحدة وعينيه تطلق سهامها فتاكة:
-هي الهانم لابسة أسود ليه إن شاء الله؟!
نطقت بدهشة من سؤاله:
-مالك يا فؤاد؟
نطق متهكمًا والشرر يتطاير من عينيه:
-أنت اللي مالك يا ماما، خير يا حبيبتي، لابسة أسود ليه وعلى مين؟!
ازدردت لعابها وعلمت أن شيطان غيرته قد حضر وعليها صرفه وحالًا، اقتربت عليه لتحتوي كفه وهي تقول:
-أنا جاية أعزي ابني وأخته وعمه يا حبيبي، وعيب قوي أجي بألوان.
-إيثار.
قالها بعدم صبر لتحتوي غيرته بابتسامة عذبة وهي تقول:
-وحياة إيثار لتعدي الليلة، ولما نروح ليك عندي مكافأة حلوة.
-أنت فكراني عيل صغير هتضحكي على عقلي بكلمتين.
قالها بحدة وازدراء لتنطق بنبرة حنون:
-لسه ما اتخلقتش الست اللي تضحك على فؤاد باشا علام.
رفع حاجبه الأيسر وبات يطالعها قبل أن ينطق:
-بقيتي خطر ويتخاف منك.
-أنا آخر واحدة تخاف منها يا فؤاد.
قالتها بنبرة تقطر صدقًا لتتابع بأعين تفيض من الغرام ما يملأ بحورًا:
-أنت النور اللي من خلاله بشوف طريقي وبيه مكملة، أنا من غيرك ماليش وجود، من الآخر كده وجودي مرهون بوجودك.
لم يستطع مقاومة سحر عينيها لينطق مسحورًا متناسيين كل ما حولهما:
-وأنت مش بس مراتي يا إيثار، أنت نبض قلب فؤاد وكل دنيته، خليلة الروح ورفيقة الدرب، حبيبة حبيبها اللي النظرة الواحدة من عيونها حياة.
تبسمت فأنار العشق وجهها مما جعل قلبه يهدأ ويستكين.
بعد قليل حضر رامي وتحدث بأسى إلى تلك الباكية:
-البقاء لله يا زينة.
-الله يرحمه يا رامي.
قالتها بدموعها الحارة فتابع هو يخبرها:
-ماما كانت هتيجي معايا، بس قلت لها لما أعرف تفاصيل العزا الأول.
ولجت الفتيات مع زينة إلى غرفتها، وذهب حسين بصحبة ابنه لتخليص بعض أمورهم، دخلت مروة بصحبة فريال إلى المطبخ لتجهيز الطعام للجميع، بينما جلس فؤاد ويوسف وإيثار وأيضًا رامي الذي وجه سؤالًا إلى يوسف بنبرة متأثرة:
-هو إيه اللي حصل لعمو يا يوسف؟!
-مراته ولعت فيه وخلعت.
جملة قالها فؤاد بخشونة كي يطمس الحقيقة وتموت مع ذاك الجالب للعار لأبنائه حيًا وبعد الممات، لينطق الشاب سريعًا بذهول:
-وليه مراته عملت فيه كده؟
أجابه باقتضاب:
-أصلها شكت إنه بيخونها مع واحدة تعرفها.
وتابع بذات مغزى وهو يتعمق في أعين الشاب:
-وده يعلمنا إيه بقى يا رامي يا حبيبي؟
سأله الفتى مشدوهًا:
-إيه؟
ليجيبه الآخر:
-إننا نمشي زي الخط المستقيم، وكل واحد يتقي الله في الست اللي معاه ويرضى بنصيبه.
وتابع بكوميديا سوداء:
-علشان ما تهبش منها والراجل يروح في لحظة طيش زي ما حصل لعمو.
وسأله بمغزى جعلت إيثار تخبئ فمها بكف يدها لتداري ضحكتها التي فلتت رغمًا:
-ولا أنت إيه رأيك يا رامي؟
-مضبوط.
قالها سريعًا وهو يبتلع لعابه من تلميحات ذاك اللئيم برغم أنه بعيد كل البعد هو ومبادئه عن فكرة الخيانة، لكن أسلوب فؤاد أصابه بالتوتر، ليؤكد على حديثه:
-مضبوط كلامك يا سيادة المستشار.
-حبيبي يا رامي.
قالها تحت حزن يوسف وتشتت عقله وحزن الجميع لأجله.
سأل من جديد للاستفسار:
-هي الدفنة والعزا هيكونوا إمتى؟
نطق فؤاد بجدية:
-لسه التحقيق شغال والجثمان هيتشرح الأول، وبعدها هنخلص إجراءات الدفن وأكيد هنبلغك بالميعاد.
داخل الأراضي الفرنسية.
ولج سليم إلياس ليلًا إلى منزله الفخم، ليجد ابنته وزوجته بانتظاره داخل الردهة، هرولت إلى أبيها لترتمي بأحضانه لينطق هو بحدة معنفًا إياها:
-لآخر مرة بتتصرفي من حالك هيك.
وتابع بجنون وحدة:
-لك شو هايد يلي عملتيه يا مجنونة، على شوي وكان رح يلقطك البوليس المصري، فيك تقلي لي لو كانوا كمشوكي كيف كنت بخرجك من هالمصيبة؟!
بكل عنجهية وفخر أجابته:
- لك إنتَ سليم إلياس يلي ما بيصعب عليك إشي، مِثل ما خرجتني المرة الماضية، كِنت بتخرّجني من هايد بكِل سهولة.
شرح لها الفرق بين كلاهما:
- المرة الماضية ما كان فيه دليل قوي بيدينك، بس هالمرة غير، هاي قَتل مع سبق الإصرار والترصد مِثل ما بيقولوا الإخوة المصريين، والكاميرات يلي برة البيت وحوالينه لقطتك إنتِ وعم تِهربي، لولا الماما خبرتني بآخر وئت مبعرف شو يلي كان صار لك.
جلس فوق أحد المقاعد لتسأله نائلة بارتياب:
- وهلّق شو يلي رح يصير يا سليم؟
أجابها وهو يشعل سيجاره الضخم "الكوبي" بعدما نزع عنه ورقة السولفان:
- المحامي خبرني إن البوليس المصري رح يخبر الإنتربول الدولي، وعلى حسب الاتفاقيات الدولية فيهن يوقفوها وبتتحاكم هون بفرنسا، على اعتبار إنها مواطنة بتحمل الجنسية الفرنسية.
رأى الهلع بعيني غاليتاه فنطق ليطمئنهما:
- بس لا تقلقوا، أنا بحلها، ولو وصلت بهربها من هون لحتى تهدى الأوضاع هون وبمصر.
سخطت نائلة وهي تقول باشمئزاز:
- لك الله يلعنه لها الواطي، كتير حظرتك منه إنتَ وبنتك، قِلت لك ماني مرتحتله يا سليم، ما صدقتوني، إن شالله عجهنم الحمرا.
ضحك سليم وتحدث ملطفًا الأجواء:
- لك شو هالچبروت ست نائلة، مبيكفي جهنم يلي رمته فيها بنتك، بدك بجهنم الآخرة كمان؟
نطقت "رولا" بارتياح واسترخاء ظهر على وجهها:
- لك يا بابا لو بخبرك عهالراحة يلي حاسستها من ورا هالموضوع، إنك تنتقم من يلي خانك عنجد شعور مابينوصف.
ارتفعت ضحكاته وهو ينفخ دخان سيجاره للأعلى لتنطق نائلة بعدم رضى عما صار:
- صِرتي دموية مِتله لبَيك، الله يجيرني ويصبرني عتنيناتكُن.
ضحك سليم وسألها:
- وينون حبيبات الجدو، كتير اشتقتلن.
أجابته نائلة:
- غفيو عبكير، السفر خلص عكل طاقتهن.
نطق الرجل وهو يعود بظهره للخلف باستمتاع:
- أخيرًا رجعنا عبيتنا واستقرينا من جديد.
تنفست رولا بقوة وتحدثت بانتشاء ظهر على ملامحها:
- وأنا رح إرجع لحياتي القديمة من جديد، رح عيش لحالي وكفي مع ولادي، رح ننبسط كتير ونعوض كِل يلي فاتنا.
وتابعت وهي ترفع رأسها بغرور:
- رح دلل حالي مِثل الأول وأكتر شوي.
نطق أبيها يدعمها:
- ولو، الدلال بيلبق لك ست رولا، ما إنتِ بنته لسليم إلياس.
بعد مرور يومان، داخل تلك الحجرة المظلمة والتي تقضي بها فترة عقوبتها على يد ضحيتها السابقة والتي تحولت إلى جلادها، فما أشبه اليوم بالبارحة، تجلس على حافة الفراش تصيح كعادتها وهي تطالب إطلاق سراحها من تلك الغرفة المُقيتة، بل وهذا المنزل المشؤوم:
- افتحوا الباب يا لمامة يا غجر.
وبدأت بسب أهل المنزل بكلمات بذيئة وبرغم تكرارها اليومي على لسان تلك الوقحة إلا أنها أزعجت ساكني الدار، لتتابع بصراخ:
- أنتوا فاكرينها سايبة يا رمم، عمرو ابني مش هيسيبكم، هيهجم على البلد وهيصفيكم واحد واحد وهياخدني معاه، هو قال لي كده في التليفون.
استمعت إلى صوت المفتاح لتطل ابنة أزهار وهي تقول بانزعاج:
- هو أنتِ يا ولية مش هتتهدي وتبطلي صراخك وصويتك اللي ما بيتقطعش لا ليل ولا نهار ده.
نطقت بتهديد عل الفتاة تخشاها وتطلق سراحها:
- سيبيني أمشي بدل ما أأذيكي.
- مبقتيش تقدري تأذي نملة يا إجلال، الزمن هدك خلاص، والجبروت اللي عيشتي طول عمرك تزلي الناس بيه انتهى، والدور جه عليكِ علشان تدوقي الذل اللي ورتيه للناس.
نطقت بما أخبرها به عمرو عبر الهاتف قبل ذهابها مباشرة إلى منزل شقيقها في ذاك اليوم الذي استدعاها السيد "محمد"، حيث أخبرها بأن تذهب ولا تقلق وإن حدث وانكشفت خطتهم سيبعث العديد من الرجال ليلًا بأسلحتهم وسيخرجها من القرية عنوة عن الجميع:
- عمرو هيخلص على البلد كلها، هيصفيكم كلكم يا رمم، حتى قليل الأصل محمد، هيصفيه قبل الكل، أنا متفقة معاه على كده، وهخليه يسافرني بلاد برة أتعالج، وهرجع للي هيفضل منكم أقوى وأصبى من الأول.
- مش هيلحق يا إجلال... كان هذا صوت أزهار الهزيل التي ظهرت من خلف ابنتها وتحدثت بما جعل قلب إجلال يرتعد رعبًا:
- الشيطان اللي إنتِ ونصر خلفتوه وطلقتوه على الناس تبلوهم بشره، سبقك على جهنم الحمرا، مستنيكي هناك هو وأبوه.
هتفت باستنكار:
- إنتِ بتخرفي بتقولي إيه يا عرة النسوان إنتِ.
نطقت المرأة بتعب:
- تصدقي في دي عندك حق، أنا فعلًا طلعت عرة النسوان علشان معرفتش أعمل اللي عملته مرات ابنك اللبنانية، بيقولوا ظبطته بيخونها مع واحدة رخيصة زيه، راحت مغفلاه وكتفته بالحبال زي النعجة، وفتحت كل عيون البوتجاز وقفلت البيت عليه بالمفتاح.
ضحكت رغم وهنها لتتابع وهي تحدث ابنتها التي طالعتها بحسرة وانكسار لحالتها التي تتأخر كل يوم عن الآخر:
- بيقولك يا حنان، قال البيت اتفجر وولعته كانت طايلة السما.
تابعت وهي ترمق إجلال بنظرات شامتة:
- ربنا شواه في نار الدنيا ولسه اللي مستنيه في الآخرة.
نطقت مستنكرة:
- امشي من هنا يا ولية يا كذابة بدل ما أقوم أجيبك من شعرك وأحطك تحت رجليا.
لم تنهي حديثها حتى انخلع قلبها وهي تستمع إلى مكبرات الصوت من المسجد المجاور لهما وصوت المؤذن يقول بتنبيه:
- يا عباد الله الدوام لله، عمرو ابن نصر البنهاوي توفى إلى رحمة الله، والجنازة جاية في الطريق والدفنة بعد صلاة الظهر.
صرخت وهي تحرك رأسها بالنفي:
- لا، آه يا بلد كذابة يا ولاد.....، بتضحكوا عليا يا بلد عرر.
وقفت وكأن صحتها رُدت إليها، جحظت عينيها بشر والشرر يتطاير منهما، فاختطفت ليلى والدتها وأغلقت الباب سريعًا لتفادي هجوم تلك الشرسة التي صرخت بعلو صوتها وهي تقوم بتكسير جميع الأغراض الموجودة بالحجرة:
- عمرو لااااا، كله إلا عمرو، كله إلا عمرو.
باتت تصرخ وتدب بكفيها على الحوائط وباب الحجرة وهي تستمع لمكبرات الصوت تكرر التنبيه.
وقد هاتف فؤاد ليلة أمس السيد محمد وطلب منه أن يستقبل جثمان عمرو إكرامًا لنجله يوسف وأن يُدفن في مدافن عائلته بجوار أبيه، كان الرجل رافضًا في البداية لكنه وافق مجبرًا بعد تدخل فؤاد وإلحاحه، وأيضًا لأجل شكل الفتاة أمام عائلة خطيبها، حضر الجميع الدفن، وأيضًا وقف أهل البلدة بعدما خاطبهم السيد محمد وأبلغهم بما طلبه منه سيادة المستشار فؤاد علام، الجميع وافق إكرامًا لشخص فؤاد وحضرة الضابط "يوسف" وحُسين صاحب الأخلاق الحميدة، وأيضًا شهامة ورجولة منهم، فهؤلاء هم أهل القُرى وتلك هي شهامتهم ورجولتهم المعروفين بها، حضر رامي وعائلته وماجد وعائلته وكانت الجنازة مهيبة، حضرها الجميع للوقوف بجانب ابن بلدهم يوسف حيث حضر وفدًا من رجال المخابرات إكرامًا له وتقديرًا لمكانته بينهم، بعد الانتهاء من مراسم الدفن ذهب الجميع حيث حجز يوسف دار مناسبات كُبرى في القاهرة وأقيم فيه العزاء لوالده ليطوي صفحة طالما سببت لهُ الأذى بجميع أنواعه.
قدم يوسف شكوى إلى مكتب الإنتربول الدولي في مصر وطالبهم فيها بالعثور على شقيقاه وإعادتهما إليه والقبض على تلك المجرمة رولا بتهمة قتل والده مع سبق الإصرار والترصد، وطالب بالوصاية على شقيقاه بحكم أنه شقيقهما الأكبر.
رواية انا لها شمس الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم روز امين
أشار بكفيه وبدأ يتنفس بانتظام محاولًا تهدئة روعه، ثم تحدث:
-تمام، مبدئيًا كده الوصية بتاعته دي متلزمنيش في أي حاجة، أولًا مدام إيثار الجوهري هترفض استلام الميراث ده، ببساطة لأنها طليقته، وهي حاليًا متجوزة راجل محترم ومش من المعقول تروح تقول لجوزها إن طليقها كتب لها ربع ثروته؟!
نطق المحامي سريعًا للتوضيح:
-حضرتك عارف الثروة دي تقدر بكام، إحنا بنتكلم في أملاك داخل فرنسا وهنا كمان، يعني نصيب أستاذة إيثار لوحدها يقدر بملايين الدولارات.
نطق بصرامة وثبات لا يقبلان المناقشة:
-ولو بتريليونات الدولارات بردوا هترفض.
وتابع سريعًا قبل أن يرد الرجل:
-وبالنسبة لميراثي فأنا كمان متنازل عنه ومش هاخد منه مليم واحد.
اتسعت أعين الرجل مشدوهًا مما يستمع، بينما تطلع يوسف إلى تلك الباكية بصمت، وتحدث وهو على يقين أن شقيقته سترفض هذا الإرث الملعون:
-لو "زينة" موافقة تورث فيه فأنا هتنازل لها عن النسبة المحددة ليا، والنسبة اللي مخصصة لأستاذة إيثار الجوهري تقدر توزعها بالتساوي على زينة ونور وسليم.
ثم طرح سؤاله من جديد على تلك المنتحبة:
-ده لو زي ما قولت، زينة وافقت.
نطقت من بين دموعها بصوت يدمي القلوب:
-هو أنا ليا حق علشان أوافق أو أرفض يا يوسف، هو مش معتبرني بنته أصلًا علشان يكون لي الحق زيكم في الورث.
وتابعت بشهقة خرجت متألمة:
-عمره ما حسسني بحنانه، أنا اللي كنت بضحك على نفسي وبصدق إنه بيحبني بجد وراجع ندمان وعاوز يعوضني عن بُعده عني.
تطلعت على شقيقها وتابعت بألم ينخر بأعماق قلبها:
-هو كان بيقرب مني علشان أوصله ليك يا يوسف، كان عاملني كبري وأنا كنت عارفة بس كنت بضحك على نفسي طول الوقت.
نطقت بها لتدخل في نوبة بكاء شديدة تحت تأثر يوسف وانشقاق قلبه لأجل شقيقته، وما زاد من شدة آلامه هي كلمات تلك التي مالت برأسها مسترسلة بصوت يقطع أنياط القلوب:
-قولت يمكن يحبني لما يقرب مني ويتعرف عليا كويس.
حتى المحامي تأثر من كلمات الفتاة وشعورها المميت، سحبها يوسف لأحضانه ثم نطق بحدة وأسى:
-هو اللي خسران يا زينة، خسر حنان وقلب أغلى من الدهب.
أخذ المحامي نفسًا مطولًا ثم زفره وتحدث بنبرة ظهر عليها التأثر:
-أنا آسف طبعًا للي حصل، أنا مكنتش أعرف إن عمرو بيه عنده بنت تانية غير نور، أنا اتفاجئت بكلامكم ده حالًا.
وتابع بجدية:
-نرجع للموضوع الأساسي علشان منضيعش وقت بعض، بالنسبة لكلام حضرتك كله مرفوض وغير قانوني، أنا مكلف أنفذ بنود الوصية بالكامل، حضرتك تستلم الميراث وبعدها إبقى اتنازل عنه للي تحب، بس بعد الاستلام وتنفيذ الوصية.
نطق بجدية:
-ولو رفضنا؟!
نطق الرجل موضحًا:
-يا افندم أنا معنديش بدايل ولا حرية التصرف، دي وصية ولازم جميع بنودها تتنفذ بموجب القانون، حضرتك نفذها وخد حقك وبعدها اتصرف فيه بكامل حريتك، يارب حتى تروح تتبرع بيه للجمعيات الخيرية، محدش له عندك حاجة.
امتعضت ملامحه وبدا الغضب على وجهه، يا لك من رجل مريض بائس، أتحرم ابنتك من مالك وتمنحه لمن لا صلة لك به، زفر بقوة عبرت عن مدى ما يكنه صدره من غضب عارم لو خرج لأحرق بطريقه الأخضر واليابس، سيطر على حاله ونطق وهو يهم بالوقوف:
-أوك يا متر، أنا هعرض الموضوع على مدام إيثار وهنفكر وأرد عليك آخر الأسبوع إن شاء الله.
انصرف الرجل بعدما شكرهما على الاستضافة، وبعد أن رحل تحدث يوسف إلى شقيقته بصدق:
-إنتِ زعلانة ليه، أنا معاكِ يا حبيبتي ومش هتخلى عنك ولا هخلي أي حاجة نقصاكي، إن شاء الله هجهزك أحسن جهاز، شاوري إنتِ بس وشوفي أنا هعمل لك إيه.
واسترسل مهونًا عليها ما حدث:
-وبعدين المفروض تحمدي ربنا إنه بعد عنك مال حرام ومشبوه، عمرو البنهاوي جمع ماله كله بالحرام يا زينة.
أجابته من بين دموع القهر:
-بس خطيبي وأهله مش هيفهموا كده يا يوسف.
وتابعت تقص عليه ما قالته لها شقيقة خطيبها:
-دي داليا أخت رامي إمبارح بتقول لي ستات العيلة كلهم اتصلوا على ماما ونازلين قر علينا، بيقولوا لها ابنك هيورث ملايين واحتمال كمان يسكن في الفيلا اللي اتعملت فيها الخطوبة.
وتابعت تخبره كي يضع الحديث في الحسبان:
-متنساش إن رامي نفسه ميعرفش أي حاجة عن مصدر فلوس بابا.
صدمه حديثها المنافي لما هي عليه من أخلاق حميدة وتربية سليمة، لكن لم تطل صدمته طويلًا، فحقًا المال يغير النفوس، الجميع يتحدث عن الأخلاق والشرف والمبادئ، ومع أول اختبار جدي لامتلاك المال تتغير النفوس وتتبدل المبادئ وتتبدد الأخلاق ويتوارى الشرف، صدق من قال "المال كاشف النفوس" جملة حكيمة تظهر كم أن المال يظهر معادن الناس ويبرز أخلاقهم الحقيقية، فالمال ليس مغيرًا للطباع، بل كاشفًا لما داخل الناس من صفات حميدة كانت أو سيئة، والبعض يحلل لنفسه ويتملص من الذنب كما فعلت زينة.
سألها يوسف بصدمة:
-إنتِ بتفكري فعلًا تاخدي الورث؟!
نطقت بجدية:
-حط نفسك مكاني يا يوسف، أنا ظروفي غيرك، وأمري مش بإيدي زيك، إنتَ زمام أمورك كلها في إيدك وبيسان معاك وعارفة كل حاجة عن بابا وأكيد هتشجعك وتقف معاك في القرار، ده غير إن ظروفك المادية كويسة جدًا وهتعيش حياة محترمة إنتَ ومراتك.
وأشارت على حالها بدموع متألمة:
-لكن أنا يا يوسف، أنا مملكيش أي حاجة في دنيتي، ده لو جوزي لا قدر الله طلع مش كويس وطلقني بعد كام سنة مش هلاقي مكان أروح له ولا بيت يأويني.
-وأنا روحت فين يا زينة؟!... قالها بذهول من تفكيرها لتقاطعه بدموعها:
-يا يوسف حاول تفهمني، أنا عمري ما حسيت بالأمان، ودايمًا حاسة نفسي ضيفة على أي مكان بعيش فيه.
نطق يلومها بنظرات جالدة للذات:
-وفلوس عمرو البنهاوي المشبوهة هي اللي هتحسسك بالأمان يا زينة؟!
-على الأقل هتغنيني عن التلطيم في البيوت وهتغنيني عن شعور الحوجة... قالتها بقهر ودموع فتاة عاشت حياتها منبوذة ولا تشعر سوى بالحرمان والنبذ من الجميع، وتابعت بلهفة مبررة قرارها:
-وبعدين أنا هخرج منها مبلغ كبير لله، أنا ناوية أعمل ملجأ أيتام وأتكفل بكل مصاريفه.
رفع حاجبه الأيسر يسألها مستنكرًا:
-ده أنتِ مرتبة كل أمورك على كده، واضح كمان إنك كنتي مستنية الورث بدليل إن حتى طريقة تطهير المال الحرام فكرتي فيها، بس خلي بالك يا زينة، ربنا مش هيتقبل "إنَّ اللّٰهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا".
نطقت وقد زين لها الشيطان عملها:
-ربنا هيقبل مني لأن مش أنا اللي جمعته بالحرام يا يوسف، هيحاسب اللي جمعه بالحرام وهيتقبله مني وهيبارك لي في الباقي كمان، لأن ربنا عادل، وإن بنت سُمية اللي عاشت منبوذة العمر كله من بيت البنهاوي، تورث فيه وتعيش في خيرهم غصب عنهم، ده منتهى العدل يا يوسف.
نطقت جملتها الأخيرة بدموع القهر مما جعل قلبه يرق لها ويأخذها بين أحضانه، لن يلوم عليها فحالة الحرمان والرفض التي عاشتهما تركا أثرًا داخل نفسها وأحدثا شرخًا من الصعب مداواته، نطق كي يرفع عنها كاهل الذنب فبالنهاية هي بالغة ومسؤولة عن جميع أفعالها:
-إهدي يا حبيبتي، اللي إنتِ شايفاه صح اعمليه، أنا هتنازل لك عن نصيبي ونصيب ماما هوزعه بينكم أنتم الثلاثة.
تنهدت براحة حين استمعت لمباركة شقيقها أو هكذا أوهمت حالها بالإجبار.
مساء اليوم التالي
داخل منزل دكتور ماجد
الأمر أشبه بمحاكمة عائلية نصبتها تلك الشمطاء "نوال" للضغط على يوسف كي يعدل عن قراره بشأن الحصول على حضانة شقيقيه، هي ترى أن ذاك القرار غير عادل بالنسبة لحفيدتها وقد يعيق سعادتها مع زوجها بل بإمكانه تحويل حياتهما إلى جحيم، يجلس ماجد فوق الأريكة متوسطًا والداه، يقابله يوسف الذي يتوسط فريال وبيسان وكأنهما شكلا فريقان متضادان، نطق ماجد بجدية وهو يضع نظرات الشاب تحت المجهر:
-أنا كمان رأيي من رأي جدتك نوال يا يوسف، دي مسؤولية كبيرة ولا أنتَ ولا بيسان قدها.
رفع كتفيه وتحدث بأسى يشرح وجهة نظره:
-أنا عارف إن مسؤولية ورعاية طفلين في السن ده مش سهلة، بس أنا مُجبر يا دكتور، دول إخواتي ومقدرش أسيبهم يتربوا مع أم مجرمة وجد بيشتغل تبع المافيا.
وتابع بحيرة وتشتت ظهرا بعينيه:
-طب قول لي، لو حضرتك مكاني كنت هتعمل إيه؟!
باندفاع تحدث:
-مكنتش هعمل زيك أكيد، إنتَ مش هتصلح الكون بأفعالك يا يوسف.
وتابع وهو يطالعه بنظرات عاتبة من خلف زجاج نظارته الطبية:
-سيبك من دور المثالية اللي إنتَ عايش فيه ده وركز في مستقبلك، إنتَ ظابط مهندس في المخابرات الحربية، إنتَ واعي لمنصبك واللي وصلت له يا ابني؟!
استرسل بنبرة حادة:
- اللي زيك المفروض يحمد ربنا ليل ونهار على كل النعم اللي عطاها لك، حتى أبوك اللي كان نقطة سودة في ملفك ربنا ريحك منه وبطريقة هادية وما اتأذيتش في موته لا أنت ولا أختك، واحد خان مراته وهي خلصت عليه، شغل انتقام ستات وبيحصل في أكبر العائلات.
سأله بغرابة لحديثه وموقفه:
- هو حضرتك بتطلب مني أتخلى عن إخواتي وأكون أناني؟!
تطوعت المدعوة نوال بالحديث بعدما عبأت عقل نجلها بما تحدث به منذ قليل:
- يا ابني بلاش الكلام الكبير ده، حماك خايف عليك وعامل على مصلحتك.
وتابعت كي يعي على حاله ويتراجع:
- إنت مش حمل تربية العيال ومسؤوليتهم الكبيرة، دي عاوزة واحد فاضي ومصاريف متلتلة، كل يومين الواد عيان وعاوز يروح للدكتور، ده غير النوادي والتدريبات والمدارس ومتابعتهم في المذاكرة، هو أنت فاكرهم زي أختك زينة هتقعدهم معاك وتمشوا حالكم بأكل جاهز من برة، وشغالة تيجي تنضف لكم البيت كل كام يوم.
تجلس فريال صامتة في حيرة من أمرها، هي لا تريد أن تقف أمام قرار يوسف لكنها بالوقت ذاته تشفق على حال ابنتها وتعلم مشقة الأمر بالنسبة لفتاة مدللة كبيسان.
نطق يوسف مبررًا:
- أنا الحمد لله حالتي المادية اتحسنت جدًا، وهقدر أوفر لهم كل اللي محتاجينه سواء من مدارس أو نوادي علشان يعيشوا في مستوى معيشي كويس، وهجيب لهم ناني تراعيهم علشان محملش بيسان أي مسؤولية أو يكونوا عبء مضاف عليها.
وتابع يخبرهم باستفاضة:
- أنا مرتبي من المخابرات والشركة اللي بشتغل معاهم أونلاين كويس جدًا، ده غير إن لسه جاي لي عرض هايل من شركة إنترناشيونال في نفس مجالي وبمرتب مغري، وعارضين عليا نسبة سنوية من الأرباح علشان أوافق.
- مهو ده اللي أنا بقصده يا يوسف... قالها ماجد بحماس وفخر، وتابع شارحًا للفتى عله يقتنع:
- إنت كل يوم قدرك بيعلى وفرصك في النجاح وجني الأرباح بتزيد، يبقى ليه تقيد نفسك بتربية طفلين هيأخروك ويشدوك لورا، إنت شايف الموضوع سهل بالنسبة لك لأنك باصص عليه من برة.
وتابع مسترسلًا بإبانة ونصح صادق:
- خدها نصيحة مني يا ابني، أنا راجل شاركت في تربية طفلين وبقول لك الموضوع صعب فوق ما تتخيل، ولعلمك أنا مشلتش مسؤولية ولادي بالكامل بالعكس، وجودي أنا وفريال في بيت العيلة فادنا وخفف عننا حمل المسؤولية الكبيرة دي، ومع ذلك بقول لك الموضوع صعب، لكن إنت لوحدك بطولك، واختك هتتجوز وهتسيبك.
ضيق بين عينيه وتحدث:
- وبعدين فيه نقطة كده في كلامك غريبة ومفهمتهاش.
طالعه يوسف مترقبًا:
- إنت بتقول إن ظروفك المادية كويسة وهتقدر توفر لإخواتك مستوى معيشي كويس، هما العيال دي مش ليهم ورث معاك إنت واختك ولا إيه؟!
وتابع بجشع ظهر بعيناه لم يستطع كتمانه:
- ده أنا أسمع إن بابا سايب ورث كبير جدًا، شركات متنوعة وعقارات هنا في القاهرة، ده غير اللي في فرنسا.
ازدرد لعابه وغصة توقفت بحلقه قبل أن ينطق بنبرة جادة:
- المحامي زارنا إمبارح أنا وزينة وبلغنا إن فيه وصية متسجلة في الشهر العقاري، وأنا بلغت المحامي إني متنازل عن حقي في الميراث ده، وإن شاء الله هربي إخواتي بفلوسي وحقهم هيفضل محفوظ لحد ما يكبروا ويقرروا هما بنفسهم إذا كانوا هياخدوه ولا لا.
جحظت أعين نوال وأوشكت على الإصابة بجلطة دماغية لتصيح بحدة مبالغ بها:
- نعم، إنت بتقول إيه يا يوسف، دي نعمة يا ابني، حد يرفس النعمة يا مفتري.
نطق عن اقتناع تام ورضا:
- أنا مش عاوزها يا تيتا، أنا عندي اللي يكفيني وزيادة، وكفاية إنه بالحلال.
نطق زوجها كي يحثها على عدم التدخل في شؤون الغير وفرض رأيها فيما لا يعنيها:
- ده موضوع خاص بيه يا نوال، ملناش دعوة.
هتفت معترضة:
- ملناش دعوة ده إيه، ده مستقبل حفيدتي يعني يخصنا إحنا كمان يا أبو ماجد.
كعادته اتخذ الرجل الصمت من نصيبه بينما زوجته كادت أن تستكمل تطفلها لتوقفها فريال بحديثها المساند لزوج ابنتها:
- أنا فخورة بيك يا يوسف وموافقة جدًا على تصرفك، وكنت هنصدم فيك لو كنت وافقت وأخذت مال إنت متأكد من جواك إن مصدره حرام، ساعتها كنت هخاف على بنتي معاك.
هتفت نوال بنبرة لائمة على زوجة نجلها وما تفوهت به وشجعت زوج حفيدتها على التنازل عن تلك الأموال الطائلة التي ستغير حياتهما وتجعلهما من شريحة الأمنين للأبد، هكذا هو تفكير تلك الشمطاء:
- وهو ماله يا ست فريال، يعني هو اللي كان راح لم الفلوس من الحرام يختي؟!
تمسكت تلك الجميلة بكف حبيبها في إثبات للجميع بمساندتها لذاك الرائع:
- الموضوع ميخصش حد غير يوسف يا تيتا، وأنا بصفتي مراته وشريكة حياته فأنا موافقة جدًا على اللي هو عمله، بالعكس، اللي يوسف عمله زود قيمته في عيوني.
ابتسم بجاذبية وقام بشكرها بميلة بسيطة من رأسه، لتومي له بعينيها تخبره أنها تسانده بروحها وللنهاية، ضغط ماجد بقوة على كف يده واصطكت أسنانه من شدة الغضب، لطالما ظهر يوسف بصورة البطل المثالي أمام الجميع، عكس شخصيته هو، دائمًا ما يظهر بصورة الرجل الوصولي المتسلق على الأكتاف، هتف بحدة لم يستطع تخبئتها:
- تمام، ده بالنسبة لورثك وهنقول إنت حر فيه، نيجي بقى للموضوع الأساسي واللي على ما أظن يا باشمهندس إنه يخصنا كلنا زي ما يخصك بالظبط، لأنه هيأثر بالسلب على حياة بنتي، فأنا بقولها لك يا يوسف، أنا مش موافق.
وتابع بنبرة تهديدية:
- ولو صممت على رأيك أنا هأجل الفرح ولا حتى نلغي الجوازة كلها من الأساس ونرتاح.
صاحت فريال بحدة وشراسة للدفاع عن نجلتها وذاك الحبيب:
- إنت بتقول إيه يا ماجد، إنت عاوز تطلق بنتك قبل ما تدخل بيت جوزها؟!
بينما ارتجف جسد بيسان التي تمسكت بكف حبيبها مستنجدة، وبدوره شعر برعشة جسدها فهمس لطمأنتها:
- متخافيش يا حبيبتي، مفيش قوة في الدنيا هتقدر تاخدك من جوه حضني.
حركت رأسها عدة مرات بتفهم وما زال الخوف مسيطرًا على كامل كيانها، أما ذاك العاشق فتحدث بهدوء كي لا يزيد من حجم المشكلة التي افتعلها ذاك المتعنت:
- يا ريت تهدى ونحاول نتكلم بالمنطق يا دكتور ماجد.
نطقت نوال لتهدئة ثورة نجلها:
- اهدى يا ماجد، الكلام ميجيش بالشكل ده، خلينا نقنع الولد بالعقل.
- أنا مش ولد حضرتك... قالها يوسف بصرامة بعدما تحولت ملامحه لجادة وتابع مسترسلًا كي يضع حدًا للجميع:
- أنا ظابط مهندس في المخابرات الحربية المصرية، وليا وضعي في الجهاز، وبالنسبة لقرار إخواتي فهو مش مطروح للمناقشة لأنه ميخصش حد غيري أنا والإنسانة اللي هتعيش معايا.
هتفت بيسان وهي تشدد من مسكة كف حبيبها:
- وأنا موافقة على قرار يوسف، ودي ظروفه اللي اتفرضت عليه وأنا هتحملها معاه مهما كانت العواقب.
- بيسان، إنت اتجننتي؟!
هتف بها ماجد ليقطع حديثه دخول إيثار التي حضرت بناءً على رسالة نصية من هاتف بيسان بعثتها لها منذ القليل بعدما شعرت بضغط الجميع على يوسف:
- اتجننت علشان أصيلة وواقفة في ضهر جوزها يا دكتور؟!
امتعضت ملامحه حين رأى تلك التي تثيره بقوتها، لم يكره شخصها بل بغض قوتها وذكائها ودهائها الذي أوصلها لأن تصبح في المكانة الثالثة في القصر بعد علام وفؤاد مباشرة، حتى أنها تفوقت وفاقت مكانة عصمت، نطق باحترام مجبرًا عليه:
- يعني إنت راضية عن اللي بيحصل ده يا مدام؟!
أجابته بهدوء مفتعل:
- لا راضية ولا مقتنعة يا دكتور، ولا أتمنى إبني يسحل نفسه ومراته ويحاسب على أغلاط غيره.
ثم رفعت كتفيها باستسلام وتابعت:
- بس قولي في إيدي إيه أعمله.
تحركت إلى السيدة نوال التي وقفت لها سريعًا وقامت باحتضانها بتملق ورياء فنطقت إيثار:
- إزي حضرتك يا طنط.
- الله يسلمك يا حبيبة قلبي.
قدمت التحية أيضًا إلى السيد "عليوة" فردها الرجل باحترام، تحركت إلى نجلها الذي وقف احترامًا وتقديرًا واحتضنها، نطقت فريال وهي تبتعد لتفسح لها المجال:
- تعالي اقعدي جنب يوسف وبيسان.
- خليك مكانك يا فريال، أنا هقعد هنا... أشارت على مقعد منفرد وجلست لتكمل حديثها المساند لنجلها:
- أنا كلمت يوسف قبلك يا دكتور، وحاولت كتير أخليه يتخلى عن الفكرة، ولما لقيت كلامي مش جايب نتيجة اضطريت أسكت واحترم رأيه، في الآخر هو راجل واعي ومسؤول عن قراراته، ولما فكرت شوية في الموضوع عذرته.
- عذرته؟! ... قالها مندهشًا ليتابع ضاغطًا على جرحها كي يضمها لصفه:
- إنتوا بتفكروا إزاي يا جماعة، دول ولاد الراجل اللي بهدلك وظلمك يا مدام!
وأشار على يوسف:
- واللي كان السبب في ضياع حلمك، ولا نسيت يا يوسف؟
أجابه بثقة:
- لا منستش، بس يا ريت حضرتك كمان ما تنساش اللي أنا وصلت له في الطريق اللي ربنا اختاره لي، فأنا راضي جدًا الحمد لله. وبعدين موضوع إخواتي غير، أنا مش هعاقبهم بذنب أبوهم وهما ضحايا زيهم زيي أنا وزينة، كلنا ضحية لراجل أناني عاش لنفسه ومات بسبب رغباته وأنانيته.
نطقت إيثار بنبرة صادقة برغم اعتراضها على تحمل نجلها لمزيد من الأعباء:
- بص يا دكتور، أنا ما أنكرش إني زعلانة من تصرف يوسف، بس في نفس الوقت أنا فخورة إن عندي راجل في زمن قل فيه الرجال وكثرت الذكور.
وتابعت وهي تشير إليه:
- المفروض تفتخر بيه إنت كمان وتطمن إن بنتك في عصمة وحماية راجل هيصونها ويفديها بروحه لو لزم الأمر.
- يسلم فمك يا بنتي، هو ده الكلام المظبوط...
كلمات نطق بها عليوة بعدما تمزج من حديث تلك القوية الحكيمة التي فرقت بين ضميرها والعقل، وبين قلب الأم والمرأة، وتابعت بزفرة قوية:
- ويا سيدي ما تقلقش على بيسان، أنا وعزة هنساعد يوسف في تربيتهم وأهو ثواب لوجه الله الكريم.
ابتسم ساخرًا لمعرفته غيرة فؤاد من مجرد ذكر سيرة زوجها السابق ليسألها متهكمًا:
- ويا ترى سيادة المستشار عنده علم بكلامك ده؟!
- ده موضوعي يا دكتور وأنا قادرة أحله بنفسي، خلينا في اللي يخصنا.
بالنهاية رضخ الجميع واستسلم لرأي الشاب بعدما وجدوا تمسكه الشديد بالموضوع.
خرج هو ووالدته بالحديقة ليصطحبها للخارج وسيعود مرة أخرى ليتناول العشاء مع عائلة زوجته:
- فيه كارثة حصلت ولازم تعرفيها.
ارتجفت أوصالها ونطقت تسأله:
- خير يا يوسف؟
- عمرو بيه البنهاوي، اللي لا عتقنا حي ولا ميت، مصمم ينكد علينا حياتنا حتى بعد ما فارق الحياة.
- ماله...
قالتها بقلب يرتجف رعبًا بعدما رأت وجه نجلها العابس، سرد عليها ما حدث لتنطق بصوت يرتجف من شدة غضبه:
- ربنا ينتقم منك يا عمرو يا بنهاوي، ده فؤاد لو عرف حاجة زي كده هيتجنن، هو الراجل ده إيه، شيطان؟
- ناوية تعملي إيه؟!
هتفت تترجاه بعينيها:
- يوسف، أنا ماليش دعوة بالليلة دي، خلصني منها من غير بابا ما يعرف، فؤاد لو عرف هيخرب الدنيا.
وتابعت بهلع وارتياب:
- وبما إن عمرو مات فمش هيلاقي حد يخرج فيه نار غيرته غيري.
- المشكلة إن المحامي قال لي مفيش حل غير إنك تستلمي نصيبك وبعدها إنت حرة فيه.
صاحت بحدة واعتراض:
- نصيب مين إنت كمان، من إمتى وأنا ليا حق ونصيب مع ابن البنهاوي؟! ده أنا في عز ما كنت مراته ما كان ليش نصيب ولا رأي في أي حاجة، جاي بعد موته ويديني نصيب؟!
أمسك كفيها باحتواء يحثها على التراخي والهدوء:
- إهدي وسبيني أفكر وأقول لك هنعمل إيه.
نطقت والرعب سكن مقلتيها:
- مش عايزة فؤاد يعرف يا يوسف، دي فيها نكد ومقاطعة شهرين على الأقل.
أقبلت عليهما بيسان فصمتا كلاهما وتحدثت إيثار وهي تتهيأ للرحيل:
- ما تنساش تعدي علينا بعد العشا علشان تسلم على جدك وإخواتك.
- حاضر يا حبيبتي.
أمسكت بيسان كفها لتقول:
- ما تقعدي تتعشي معانا يا إيثو.
- إحنا اتعشينا، أنا مروحة علشان الولاد وخالك.
وتابعت:
- خلي بالك من يوسف وأكليه كويس.
نطقت وعينيها مليئة بالغرام:
- بتطلبي مني أخلي بالي من قلبي يا إيثو؟
- بطلي محن يا بت...
قالتها بملاطفة قبل أن تنطلق مغادرة، استدار يوسف لحبيبة القلب وتحدث بابتسامة رضا:
- هو أنا قولت لك قبل كده إني بعشقك؟
أومأت بسعادة ممتزجة بخجل، ليتابع بعينين تنطق هيامًا:
- أنا بحبك قوي يا بوسي، إنتِ النهارده أثبتي لي إني اختياري كان في محله، قولت لنفسي هي دي مراتي اللي هتتحملني وأتسنّد عليها وقت الأزمات.
نطقت بصدق يقطر من بين نبراتها الرقيقة ناهيك عن عينيها وما أدراك ما سحر عينيها:
- أنا أفديك بعنيا يا يوسف، أنا همشي معاك أي طريق تختاره وأنا مغمضة، كفاية إني هبقى مطمنة وأنا مسنودة على كتفك.
ثارت مشاعره لشدة جمال عينيها وحمرة شفتيها المكتنزة، ارتعشت شفتيه مطالبة إياه بالتهامها بين خاصتيه، ولولا وجودهما في مكان عام لاستعمل حقه الشرعي كونها زوجته وذاب في شهد شفتاها مقتطفًا بعض القبلات كي يتنعم معها بتذوقها، تبسمت وهي ترى عينيه هائمة وهي تغوص على تقاسيم وجهها بغرام واشتياق، همس بنبرة متحشرجة:
- ما تيجي ندخل من غير فرح ولا أي حاجة.
لم تستوعب حديثه فتابع شارحًا:
- ما إحنا مش هينفع نعمل فرح حاليًا علشان ماما وزعلها على جدتي منيرة.
وتابع بعينين تنطق غرامًا وولهًا:
- وأنا بصراحة مش هقدر أصبر الأربع شهور اللي بابا فؤاد حددهم على ميعاد الفرح، فأيه رأيك نكلم بابا في إننا نتجوز بحفلة بسيطة من غير فرح؟
تبسمت وأخذ جسدها ينتفض خجلًا ممتزجًا بسعادة، شعور هائل تملك من كيانها وهي ترى كل ذاك السحر والعشق يتملكان من حبيبها، نظراته وهي تجول وتصول فوق شفتيها بتمني واشتهاء، حنينه الظاهر من بين حروفه، نبضات قلبه السريع وصدره المنتفض من بين ضلوعه، هيئته المثيرة لها كحبيبة تذوب عشقًا في غرام محبوبها، نطقت من بين شفتيها المثيرة:
- أنا بحبك قوي يا يوسف، بحبك قوي.
- وأنا بموت فيكِ يا عمر يوسف كله...
همس بها وهو يتمسك بكفها ليرفعه إلى فمه وكعادته وضع قبلة امتص بها جلد تلك التي ارتعش جسدها بالكامل تأثرًا لتنظر لعيناه الهائمة، تحمحم حين شعر بأن زمام الأمور سينفلت من بين يديه لذا تحدث:
- يلا ندخل جوه يا حبيبي.
تحركت بجواره متشابكان الأيدي ليجدا فريال كانت بطريقها إليهما فتبسمت وهي ترى سعادتهما:
- يلا يا ولاد العشا جاهز.
- حاضر يا حبيبتي...
قالها بلطف وتحرك بجوار كلتاهما للداخل.
بنفس التوقيت كانت زينة تجلس داخل الشرفة تفكر فيما بدر منها وحديثها مع شقيقها، زفرت بضيق عندما جال بخاطرها أن يوسف أخذ عنها فكرة أنها طامعة ولا يشغلها سوى المال، بكت وشعرت بصغر حجمها أمام ذاك النبيل، لكن الشيطان كالعادة وسوس لها وزين لها خطوتها التي اتخذتها نحو الميراث وبررت لحالها أن لا ذنب لها بأعمال والدها المشبوهة، هاجسًا مسيطرًا عليها طيلة الوقت، أنها وحيدة بلا مال في عالم من لا يملك المال لا يملك كرامته.
بنفس التوقيت، داخل منزل السيدة أزهار زوجة هارون.
ولجت بالتوقيت اليومي لغرس سِن الإبرة المحملة بالفيروس المميت داخل جسد تلك الطاغية، وجدتها منبطحة على الأرض لا حول لها ولا قوة، استمعت أنينًا منها وكأنها تناديها كي تساعدها على النجاة، اقتربت وتمعنت بوجهها جيدًا لترى فمها معوجًا وإحدى عينيها مغلقة، تطلعت جيدًا فوجدت جسدها أيضًا متيبسًا مما يدل على إصابتها بشلل تام بجسدها بعد صدمتها جراء معرفتها بخبر وفاة نجلها المقرب للقلب، فهي منذ أن علمت بالخبر المشؤوم لم تكف عن الصراخ والعويل والبكاء، ارتجف جسد أزهار فبرغم جبروت الأخرى إلا أنها تظل إنسانة ولديها قلب، على الفور اتصلت بالسيد محمد ناصف وأخبرته بما جرى وقد طلب لها سيارة الإنقاذ وتم نقلها إلى مشفى المركز وأخبرهما باحتمالية إصابتها بمرض نقص المناعة المعروف عالميًا ب"الإيدز"، أخبرهما الطبيب بإصابتها بجلطة دماغية شديدة وطلب منهم مكوثها بالمشفى لعدة أيام حتى تستقر الحالة.
داخل قصر علام زين الدين.
صعدت إيثار بعدما حضر يوسف وقضى معهم بعض الوقت ثم انسحب مغادرًا كي لا يترك شقيقته بمفردها، كانت تجوب الغرفة إيابًا وذهابًا بجسد مرهق وعقل على وشك الجنون، زفرت بقوة وتوقفت بمنتصف الغرفة وبعدها تحركت سريعًا إلى خزانة الملابس وأخرجت إحدى بدلات الرقص باللون النبيذي وأيضًا ذاك الخلخال الألماسي الذي جلبه لها ذاك المراوغ ببداية زواجهما حتى من قبل الدخول الشرعي بها كزوجة، أخذت نفسًا عميقًا وزفرته في محاولة لطرد تلك المشاعر بالخوف التي تملكت منها منذ أن استمعت لذاك الخبر المشؤوم، أرادت أن تسعد زوجها وتخرج معه من تلك الحالة التي يبست عقلها، تحركت إلى الطابق الأرضي لتجد عزة بطريقها لصعود الدرج، نطقت تسألها بعدما لمحتها تقصد باب القصر:
- رايحة على فين، وإيه الكيس اللي في إيدك ده؟!
- إنتِ إيه اللي مصحيكي لحد الوقت؟!
نطقت بلامبالاة:
- مفيش، لقيت نفسي مش جاي لي نوم، وشوفت نور المكتب منور وسيادة المستشار لسه جوه بيشتغل وشكله مطول، والعيال ناموا قولت أطلع أتسلى معاك شوية.
وتابعت وهي تتطلع على ما بيدها بتمعن شديد:
- مقولتليش إيه اللي في إيدك ده؟
خجلت تجيبها فتبسمت الأخرى بعدما فطنت، نطقت وهي تأخذ منها الكيس:
- هاتي أدخل لك الحاجات دي وأشغل لك الجاكوزي، وهولع لك كمان كام شمعة من أم ريحة حلوة دي.
ازدردت لعابها ثم نطقت بخجل زادت حمرته من جمال وجهها:
- متشكرة يا عزة.
تحركت عزة للخارج بينما اتجهت هي إلى حجرة المكتب ودقت بابها بهدوء، ولجت وتحركت إليه بدلال لتقول كي ينتبه ذاك المنكب فوق ملف أحد القضايا الهامة التي وكلها له النائب العام شخصيًا ويعود ذلك لأهمية مكانة فؤاد داخل جهاز النيابة العامة وبعد تلقي فؤاد ترقية هامة منذ أسبوعٍ واحد، حيث تمت ترقيته إلى "محامي عام"، نطقت بدلال كي تعلمه بوجودها:
- ممكن أخد حبيبي شوية من ضغط الشغل.
رفع رأسه يطالع تلك الجميلة وغنجها وهي تقبل عليه بدلال أنثوي فطن هو مغزاه، رفع عنه تلك النظارة الطبية وتحدث بابتسامة عذبة:
- حبيبك ملك إيدين مراته حبيبته، وجاهز وعلى أتم الاستعداد في أي وقت.
غمز بعينيه ليتابع مشيتها وغنجها:
- بس الباشا يأشر وإحنا رهن التنفيذ.
تبسمت برضا واقتربت عليه ليرفع هو وجهه يطالعها بعشق لم ينقص يومًا بل يزداد مع مرور الوقت، وضعت كفيها على كتفيه وباتت تدلكهما بدلال وحركات مقصودة لإثارته وهي تقول:
- أنا عازمة حبيبي على حفلة مساج في الجاكوزي، إيه رأيك.
رفع حاجبه وبات يحرك لسانه بحركة دائرية على شفته العليا بطريقة مثيرة قبل أن ينطق:
- ودي عاوزة رأي يا باشا.
- يعني مش هعطلك!
نطق بإثارة:
- عطل براحتك يا جنابوا.
تابعت ومازالت تدلك له أكتافه:
- طب ومصالح العباد والبلاد يا سيادة المستشار!
ابتسم حين فهم مغزى جملتها، فهي تذكره بأول لقاء لهما داخل مكتب أيمن الأباصيري عندما فقد صبره عليها، نطق بمغزى وغمزة ذات معنى:
- فداك وفدى الجاكوزي يا قلب سيادة المستشار.
- طب يلا... همست بها بدلال وهي تسحبه من كفه لتحثه على الوقوف وبالفعل تحرك بجوارها تاركًا من خلفه الدنيا وما فيها.
وصلا إلى حجرة الجاكوزي ليجد عزة تخرج منها وعلى الفور نطقت بابتسامة سعيدة:
- اتفضل يا باشا، أنا جهزت لك كل حاجة.
وتابعت بانشكاح:
- ده أنت هتنبهر.
قطب جبينه يسألها ساخرًا:
- عارفة يا عزة ما يكون فيها غنوة من أغانييكي إياهم هعمل فيكي إيه.
قاطعته متملصة:
- مجتش جنب الأغاني، الجهاز جوه عندك إكش تشغل حتى الست أم كلسون.
- كلسون؟! كررها بذهول واستنكار ليتابع تحت ضحكات تلك العاشقة التي تشاهد مناوشاتهما بكثير من الاستمتاع والترقب:
- روحي نامي يا عزة.
وتابع ساخرًا مستخدمًا كلمتها الشهيرة:
- ألا، تستهوي.
أطلقت ضحكة وهي تقول:
- يو كتك إيه يا باشا، دمك زي العسل.
شيع رحيلها بنظرات مذهولة تحت قهقهات إيثار التي جذبته ليلجا ويختفيا خلف باب الحجرة ليسألها:
- عاجبك المسخرة دي يا هانم، بقى فؤاد علام ييجي عليه الزمن ويتقال له.
وتابع مقلدًا صوتها وهو يخبط كفًا بالآخر:
- يو كتك إيه يا باشا.
تعالت ضحكاتها أكثر وهي تقول:
- طب والله عزة دي سكر، تنكر إن كلامها على قلبك زي العسل.
اقترب يضمها عليه وهو يقول بهيام ظهر بصوته الحنون:
- أي حد من ريحة حبيبي كلامه وأفعاله على قلبي أحلى من العسل.
التقط شفتيها ليذوب معها، تنصلت من بين يديه وتحدثت وهي تبعد جسدها عنه:
- استنى، أنا محضرة لك مفاجأة.
نطق وهو يتابع تحركها صوب ذاك الساتر الخشبي واختفت خلفه لتغيير ملابسها:
- يا مفاجآتك يا باشا قلبي.
بعد قليل فتح عينيه مذهولًا وهو يراها بكل هذا السحر والدلال، أشعل موسيقى وبدأت هي تتمايل برقصات أذابت بها قلبه، قضيا وقتًا ليس بالقليل ما بين الرقص وتدليك جسده ببعض الزيوت العطرية وأيضًا قضاء وقتًا حميميًا ثم استند بظهره كعادته على جدران المسبح وأسندها أمامه، تناول إحدى حبات الفراولة وقربها من فمها لتقطم نصفها ويلتهم هو النصف الآخر وبات يمضغه ثم أغمض عينيه ورمى رأسه للخلف وتحدث لتلك المسترخية بظهرها على صدره:
- يلا بقى يا إيثو، هاتي ما عندك.
فتحت عينيها سريعًا لتسأله باستغراب:
- يعني إيه؟
- يعني اللي ربى خير من اللي اشترى يا بابا، عاوزة تفهميني إن دخلتك عليا المكتب بالشكل ده، وجلسة المساج وعزة وشموعها والبدلة النبيتي، وخلخالي المفضل والليلة اللي هتتحفر جوايا دي، كل ده لوجه الله.
وتابع بسخرية:
- إنجزي يا حبيبي واعترفي هببتي إيه من ورايا.
- مش أنا، أنا مليش ذنب والله يا فؤاد... قالتها بارتياب وجسد منتفض جعله يتأهب بجلوسه وسألها مستنفرًا:
- ده الموضوع بجد بقى، انطقي يا إيثار.
على الرغم أنها ما كانت تنوي إخباره إطلاقًا بذاك الموضوع وستعمل على حله بمساعدة يوسف لكن أسلوبه المريب جعلها تعترف دون إدراك منها:
- عمرو البنهاوي.
- إشمعنا؟! قالها بأعين تطلق سهامًا نارية وكأنه يتأهب لما هو آت، ابتلعت ريقها ونطقت والرعب يملأ نفسها:
- كتب لي ربع ثروته في وصية متسجلة في الشهر العقاري.
- ليلتك سودة يا إيثار يا جوهري... قالها وكأنه تحول إلى غول على أتم الاستعداد لالتهامها، نظراته المريبة جعلتها تهب واقفة وتحركت منتفضة تتخبط في الماء حتى خرجت منه وباتت تدور في الغرفة وهو يناديها:
- تعالي لي هنا يا هااانم، ده أنت ليلتك مش فايتة النهارده.
بنفس التوقيت داخل دولة فرنسا
كان بين رجاله يقوم بتسليم شحنة كبيرة من الأسلحة مقابل شحنة من الهيروين فداهمت الشرطة المكان ليتفاجأ ويطلب من رجاله المقاومة وعدم الاستسلام، بات الطرفان يتبادلون إطلاق النار على بعضهم وأثناء هروب سليم إلياس أصيب بطلق ناري في مقدمة رأسه ليقع صريعًا في الحال، في الوقت نفسه، داهم بعض رجال الشرطة التابعون للإنتربول الدولي بعد تلقيهم إشارة من الإنتربول المصري بالقبض على تلك القاتلة، وبعد عمل التحريات اللازمة داهموا المنزل وتم القبض على رولا سليم إلياس قبل الهرب إلى لندن بليلة واحدة تحت صرخاتها المرتعبة وهي تخبر والدتها:
- اتصلي بالبابا وخبريه لحتى ييجي ويلحقني، خبريه يا ماما.
نطقت المرأة بجسد منتفض وهي تشيع رحيل ابنتها المقيدة من قبل الشرطة:
- ما تعتلي هم يا تؤبريني، هلأ بخبره وبيخرجك من هالورطة وما رح يصيبك شي.
وتابعت وهي تتابع دخول ابنتها سيارة الشرطة:
- رح تلفن له حالًا لحتى يحصلك على الدرج.
صاحت رولا بهلع وهي توصي أمها على نجليها:
- ديري بالك على سليم ونور يا ماما.
صاحت المرأة بدموع وهي تهرول إلى الهاتف الجوال كي تستعين بزوجها:
- شو عملتي بحالك يا رولا، قلت لك اتركيه لبيك وزلمته، ما رديتي علي يا ماما، ضيعتي حالك.
وتابعت بدموع وهي ترى زوجها لا يجيب على هاتفه:
- وينك لهلأ يا سليم، تعالى شوف المصيبة يلي وقعنا فيها بسبب هاديك الحقير يلي سلمته بنتك.
رواية انا لها شمس الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم روز امين
أذناب الماضي
الجزء الثاني من أنا لها شمس
أشارت بكفها والهلع تجلى بنبراتها المرتبكة أثناء دفاعها عن نجلها:
-هو مشجعنيش والله، أنا اللي طلبت منه....
ابتلعت باقي ما في جوفها من كلمات حين رمقها بنظرة تحذيرية يحثها على الصمت من خلالها فأخرصتها والتزمت الصمود. تيقن الشاب ما حدث بفطانته من خلال ما استمع من مناوشات بين والداه فتحدث بهدوء، مدافعًا عن والدته:
-أنا وافقت ماما احترامًا لرغبتها وخوفها على مشاعر حضرتك لما تعرف حاجة زي كده.
-يوسف...
قالها بحزم، وتابع:
-أكتر حاجة بكرهها هي المبررات الخايبة، إيثار مراتي وأظن إن من أبسط حقوقي إني أعرف كل حاجة تخصها وخصوصًا موضوع زي ده.
لم يجادله الشاب فتحدث ممتصًا حالة الغضب التي أصابته:
-حضرتك عندك حق، أنا آسف وصدقني مش هتتكرر.
زفر بقوة كي يستعيد هدوئه ثم نطق بجدية:
-اتصلي بالمحامي بتاع البيه وخليه يجيب معاه الوصية واستناني بكرة في شقتك الساعة تمانية بالليل أنت واختك وهو.
-حاضر...
قالها يوسف بهدوء ليأخذ الآخر نفسًا عميقًا ثم تحدث:
-تصبح على خير يا يوسف.
نطق يجيبه:
-وحضرتك من أهله يا بابا.
أغلق الهاتف ثم تطلع إلى تلك المنكمشة على حالها وقد اغرورقت عينيها وتلألأت بحبات الدموع. ساقته قدماه وبدون إضافة حرف، سحبها ليدخلها بين أحضانه. تشبثت بثيابه بقوة ثم أخرجت تنهيدة حارة تنم عن ارتياحها. نطق بصوت حنون بعدما رأف بحالها:
-عرفاني بتجنن لما بتخبي عليا حاجة، ليه بتعملي فيا كده؟!
همست برقة وصدق:
-خفت عليك يا حبيبي.
شدد من ضمته لها وتنفس بهدوء، ثم سحبها معه ليتسطحا فوق الفراش وظل محتضنًا إياها حتى غفى كلاهما وغاصا في سبات عميق.
صباح اليوم التالي، ولجت بصحبتها إلى غرفة الطعام لتنطق وهي ترى الجميع مصطفًا حول الطاولة:
-صباح الخير.
رد جميعهم التحية بينما مال فؤاد على والده مقبلًا رأسه وهو يقول:
-أخبار صحتك إيه يا باشا.
-أنا تمام يا حبيبي.
انتقل أيضًا إلى والدته ليحصل منها على بركة يومه وبعدها جلسا وباشرا الطعام. تحدثت عصمت التي كانت تباشر إطعام الصغير وذلك بعدما تطلعت لثياب زوجة نجلها البيتية:
-متأخرة في النوم النهارده يا إيثار، مش رايحة الشغل ولا إيه؟!
-مسمعناش المنبه يا ماما، فاتصلت بيهم وبلغتهم إني إجازة النهارده.
تابعت وهي تتطلع على ذاك العظيم:
-عامل إيه يا بابا؟
أجابها بابتسامة ودودة لابنته التي لم ينجبها:
-أنا تمام يا بنتي، أهم حاجة تكونوا أنتم والأولاد كويسين وبخير.
استمعوا إلى صوت فريال الحماسي التي ولجت للتو:
-صباح الخير، عندكم فطار ليا ولا أروح أفطر في أي رستوران؟
اتسعت ابتسامة علام وتحدث بسعادة:
-ده أنا أبعت أجيب لك مطاعم القاهرة كلها لحد هنا.
احتضنته من الخلف بسعادة وهي تقول:
-حبيبي يا بابا، ربنا يبارك لي فيك يا سعادة المستشار.
نطقت تاج بدلال على جدها الحنون:
-خلي بالك يا جدو أنا بغير.
هزت رأسها ونطقت لاستفزازها:
-أنا بنته قبل ما يشوفك يا مفعوصة أنت، هتساوي نفسك بيا ولا إيه؟
هبت واقفة لتترك مقعدها وتحركت نحو مقعد جدها ونطقت وهي تعانقه بدلال مزاحمة عمتها:
-كده، طيب يا عمتو، أنا بقى هخلي جدو يختار بينا ويبلغك بنفسه إن تاج فؤاد هي التوب في قلب علام باشا.
هتف الصغير بغيرة وضحت عليه وهو يوبخ شقيقته:
-أنا التوب يا نجرسية، وبطلي تحضني في رقبة جدو هتخنقيه يا أوفر.
تعالت ضحكات الجميع، بينما حاوط علام كف ابنته الحبيبة وتحدث وهو يخلص حاله بدهاء من تلك المعضلة:
-فيري الجميلة أول بنوتة تتولد في البيت، واللي نورته زي ما نورت حياتي كلها، أغلى وأجمل ما هداني ربنا.
مالت تقبل وجنته متأثرة بحديث والدها حيث تجلى الصدق من بين نبراته. أشار لها فؤاد بعينيه ونطق بممازحة:
-خدتي جرعتك من الدلع والحنان، اركني على جنب يا حبيبتي.
ضحكت وبالفعل جلست بأحد المقاعد ليتابع علام وهو يحتضن ذراعي الصغيرة التي لفتهما حول عنق ذاك الحنون الذي يغمرها بدلاله الدائم:
-أما بقى قلب جدها فدي جت علشان تنور البيت كله هي وزين باشا خليفة جده.
ابتسم الفتى وغمرت السعادة قلبه، وتمتم يشكر جده باحترام يليق بشخصه، بينما شددت الفتاة من عناقه وباتت تغمره بالقبلات الحميمية:
-وأنت نور عيون تاج يا جدو.
ربع ساعديه بحدة وبدا الغضب على وجهه وشفتيه الممطوطة للأمام مما أدخل الجميع في حالة من الضحك على هيئة ذاك المشاغب الصغير، مما جعل عصمت تحتضنه:
-أنت بقى روح قلب نانا من جوه.
نطق علام لإنقاذ حاله من غضب ذاك الصغير:
-وقلب جدو كمان، ملوك ده بهجة البيت ومصدر سعادته وسعادتي أنا شخصيًا.
حرك رأسه ونطق بأسى:
-أنا زعلان منك يا جدو ومش بكلمك خلاص.
نطق الجد بملاطفة:
-وهتقدر على بعادي يا صديقي، طب مين هيروي معايا الورد وشجرة الريحان الجديدة؟
وتابع بما جعل عينيه تتسع من شدة السعادة:
-ومين هيروح معايا النادي يوم الجمعة هو ومشموشة؟
رفع يده للأعلى وتحدث متحمسًا:
-أنا، بجد يا جدو هناخد مشموش معانا.
أومأ له ليصفق الصغير بحماس. سألت عصمت ابنتها من باب الفضول والاطمئنان على حياتها:
-جوزك وولادك ما فطروش في البيت ولا إيه يا فريال؟
-آه يا حبيبتي...
قالتها وهي تقطم بعض الخبز ثم تحدثت بعدما مضغته:
-ماجد عميد الجامعة عازمهم على فطار جماعي النهارده، وبوسي وفؤاد نايمين ومش بيقوموا الوقت.
ثم تطلعت على إيثار وسألتها:
-شكلك مش رايحة الشركة النهارده؟
-قمت متأخرة وقلت أريح النهارده.
أجابتها بسعادة:
-كويس جدًا، خلينا ننزل بعد العصر علشان فيه كام حاجة عاوزة أشتريهم وكنت حابة آخد رأيك معايا.
-أوكي يا فيري.
نطق فؤاد يذكرها بموعد المساء:
-متتأخريش برة ومتنسيش ميعاد زيارتنا ليوسف.
-هروح معاكم يا بابي...
هتف بها الصغير وما أذهل فؤاد هو صوت تلك المقبلة عليهم وبيدها صحنًا به نوعًا من البيض المطهو والتي ما أن استمعت إلى حديث فؤاد حتى هتفت هي الأخرى كالأطفال:
-وأنا كمان خدوني معاكم إلهي يسعدك.
نطقت وهي تضع ما بيدها أمام فريال وهي تقول بحبور:
-أول ما لمحتك وأنت داخلة، جريت وعملت لك البيض بالبسطرمة اللي بتحبي تاكليه من إيديا.
مالت فريال برأسها تستنشق رائحة البيض الشهية ثم هتفت متحمسة:
-الله الله على الروائح يا زوزة، أحلى واحدة تعمل بيض بالبسطرمة في مصر كلها.
-إن شاء الله يخليك يا بنت الأصول...
قالتها ثم حركت بصرها سريعًا لتسأل ذاك الذي يتابع تناول طعامه:
-ما ردتش عليا يا سيادة المستشار؟
أجابها ساخرًا:
-مستنيك لما تخلصي فقرة استعراض البيض بالبسطرمة يا شيف شربيني.
-يعني أروح أجهز نفسي؟
قالتها بلهفة ليحبطها جوابه:
-طبعًا لا.
-دايمًا كده كاسر بخاطري...
نطقتها بحزن لتتابع تشتكية لكبير العائلة:
-يرضيك كده يا سعادة الباشا؟
نطق علام لمراضاة تلك المرأة البسيطة التي يكن لها الكثير من المعزة والاحترام:
-خدها معاكم يا سعادة المستشار.
-مش هينفع يا باشا، أنا رايح أتكلم مع يوسف في موضوع خاص بيه هو وزينة.
ضيقت فريال ما بين عينيها وسألته بريبة:
-خير يا فؤاد، موضوع إيه ده؟
أجابها باقتضاب:
-حاجة قانونية خاصة بورثهم يا حبيبتي.
أومأت بتفهم وأجابته:
-آه، يوسف كان بلغنا إنه مش هياخد ورثه.
ابتسم علام وتحدث متفاخرًا بتربية يده:
-يوسف عمره ما فشل في إنه يخليني أفتخر بيه.
نطقت إيثار تنسب الفضل لأهله:
-ده تربية إيدك يا باشا، كان لازم يطلع نزيه وضميره حي.
أجابها بابتسامة ودودة:
-الفضل الأول لربنا ثم ليك يا إيثار، أنت اللي زرعتي جواه بذرة الضمير الحي وأسستِ صح من البداية.
أكملت عصمت على حديثه:
-ده حقيقي يا باشا، الشهادة لله يوسف من يوم ما دخل البيت وهو يشرف وتربيته تخلي أي حد يفتخر بيه.
أشادت فريال أيضًا بتربية الشاب أما فؤاد فنهض يتحدث بانسحاب:
-يلا أشوفكم على الغدا إن شاء الله.
طالعه علام وسأله باهتمام:
-عامل إيه في قضية سعد عبد الوهاب يا فؤاد؟
-كله تمام جنابك...
قالها باحترام ليتابع:
-كنت عاوز أتناقش مع سعادتك في كام نقطة فيها وآخد رأي سعادتك، لو رجعت من عند يوسف بدري نقعد مع بعض نص ساعة، لو اتأخرت يبقى بكرة بإذن الله.
-إن شاء الله يا حبيبي.
وقف زين وتحرك مع أبيه وهو يقول:
- بابي، كنت عاوز أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم.
مسح على رأس الفتى وقال بنبرة حميمية:
- لو الموضوع مش مستعجل ممكن نأجله لبكره يا حبيبي، لو ضروري هتصل بيك وأنا في الشغل وندردش.
تحدث الفتى:
- خلينا بكرة أفضل، أنا مبحبش التواصل على التليفون.
ابتسم يجيبه:
- اتفقنا يا بروفسير.
ابتسم لمداعبة والده وكاد فؤاد أن يتحرك للخارج فقطع طريقه ذاك المشاغب حيث نطق بقوة:
- إزاي هتمشي قبل ما تبوس مشموش يا بابي؟
نطق بعدما فقد صبره:
- يا ابني أنا مش طايق أبوسك أنت شخصيًا، هبوس القطة؟!
استدار ليكمل بطريقه لتقاطعه مرة أخرى عزة التي هدرت تسأله:
- مدتنيش عقاد نافع يا باشا.
- في إيه يا ماما؟... قالها وهو يقلب عينيه بسأم، ثم التف بنصف جسده يطالعها مسترسلًا:
- عقاد نافع في إيه؟
نطقت:
- في الموضوع اللي كلمتك فيه.
هتف بنفاذ صبره:
- عزة، أنا متأخر على شغلي، انجزي وقولي عاوزة إيه وسيبك من أسلوب ما أنت لو كنت بتهتم كنت عرفت لوحدك ده.
أخبرته باستقطاب:
- خدني معاك عند يوسف.
- مش هينفع، فيه أسرار هتنفتح ومينفعش تكوني موجودة هناك.
مصمصت شفتيها قبل أن تنطق بافتخار:
- أسرار على عزة، ده أنت طيب قوي يا سيادة المستشار.
نجدتها إيثار قبل أن يفتك بها:
- روحي اعملي القهوة لبابا يا عزة.
وتحدثت لحبيبها:
- يلا يا حبيبي علشان ما تتأخرش على مواعيدك.
طالعها بعدم اكتراث قاصدًا فتحدثت بعدما احتضنت كفه ورافقته للخارج:
- هو أنت لسه زعلان مني؟
نطق بتهديد مباشر مصاحبًا نظراته الحادة:
- إوعي تفتكري إن اللي حصل هيعدي بالساهل، يبقى لسه متعرفيش جوزك كويس يا مدام.
تذمرت بدلال تسأله:
- وأنا عملت إيه لكل ده يا فؤاد؟
نطق مذهولًا من استنكارها لرد فعله:
- بقى تخبي عني مصيبة زي دي وشايفة نفسك معملتيش حاجة يا مدام؟!
وتابع مستنكرًا:
- وكنتي عاوزة تعملي إيه أكتر من كده يا إيثار؟
تعلم أنها أخطأت لكن يشفع لها حبها الكبير ونية عدم إزعاجه، نطقت بدلال في محاولة منها لتهدئة ثورة حبيبها:
- طب دلعي ليك في الچاكوزي والمساچ وكسر حدادي على ماما علشان أدلعك، كل دول ما يشفعوليش عند حبيبي؟
باغتها بإجابته:
- دي نقرة ودي نقرة يا مدام.
وتابع باستفزاز أثار حنقها:
- وبعدين ده واجبك على فكرة.
احتدت ملامحها وكأنها تحولت لأخرى وهي تقول بحنق:
- هي بقت كده، أوك يا فؤاد، قابل بقى يا حبيبي.
انتهت من كلماتها واستدارت لتتحرك عائدة للداخل بخطوات واسعة، نطق وهو يشيع مغادرتها:
- أنت هتهدديني.
- أهو ده اللي ناقص كمان... قالها بصوت هامس ليستقل مقعده بالكنبة الخلفية ثم تحرك السائق منطلقًا للأمام بعدما اتخذ الإشارة من سيده.
داخل قرية كفر ناصف، يقف عزيز بجوار شقيقه وجدي متطلعًا برضا على المطعم وهو مزدحم بالزبائن بعد غلق مطعم المدعو "عمرو البنهاوي" وتشميعه بأمر من النيابة العامة وحبس طلعت والمالك الوهمي الذي اشتراه عمرو لتخليص حاله من تلك التهمة التي كانت ستزج به إلى السجن المؤكد، أتى قرار الغلق بعدما تبين استخدامهم للحوم الحمير وطهوها وتقديمها للمستخدمين على أنها لحوم أبقار وماعز، نطق عزيز بزهو:
- أخيرًا المطعم رجع زي ما كان.
تحدث وجدي برضى وحمدًا:
- الحمد لله يا عزيز، ربنا مبارك لنا في فلوس أبونا الحلال، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح.
- عندك حق، عمرو حاول بكل قوته يضيق علينا عيشتنا علشان ينتقم، بس ربك اسمه العدل، والحمد لله، نصرنا على شره وخلصنا منه.
حك وجدي ذقنه وتحدث:
- أنا لحد الوقت مش مصدق إن عمرو البنهاوي بكل شره ده مات، لا ومات موتة بشعة، ده أنا لولا يوسف أكد لي إن الطب الشرعي أكد إن الجثة اللي لقيوها في الحريق جثته مكنتش صدقت إنه يموت بالسهولة دي.
- محدش كبير على الموت يا وجدي، مكنش فيه حد في شر نصر البنهاوي، وأهو غار في ستين داهية، وبموتة أوسخ من موتة أبوه وعلى ايد عيل شمام ميسواش تلاتة مليم.
وتابع بابتسامة:
- تعرف إيه اللي يضحك في موضوع موت عمرو يا وجدي.
طالعه شقيقه ينتظر تكملة الحديث فتابع الآخر متهكمًا:
- إن عمرو بكل جبروته ده حياته تخلص على إيد واحدة ست.
- أه والله عندك حق.
فأكمل عزيز حديثه الساخر:
- بس البت مراته دي باين عليها ولية قادرة، البت فحمت جثته من غير ما يرف لها جفن.
أجابه وجدي:
- ربنا يكفينا شر قسوة القلوب، وفي الآخر محدش يعرف هو عمل معاها إيه يوصلها لإنها تحرقه وهو حي.
نطق عزيز مستشهدًا:
- يعني هيكون عمل فيها ربع اللي عمله في أختك.
تنهد وجدي والألم شق صدره قبل أن ينطق بأسى تجلى بنظراته:
- مسكينة إيثار، شافت على إيديه هو وأهله ذل وإهانة وأذى محدش يتحملهم، واللي يحزن إننا كنا مشاركين معاهم في أذية أختنا الوحيدة.
نطق مبررًا أفعالهم بالماضي كي يحث شقيقه على الخروج من دائرة الشعور بالذنب:
- اللي حصل زمان كان غصب عننا يا وجدي، إحنا كنا غلابة قوي ونصر وابنه استغلوا فقرنا، ده إحنا كنا بنقضي عشانا نوم يا جدع.
- مش صحيح يا عزيز، إحنا كنا مستورين وأحسن من غيرنا، الطمع هو اللي ملى عنينا بعد ما نصر وعياله شاوروا لنا بمالهم الحرام علشان يذلونا ويجبرونا نجيب أختنا بالغصب هي وابنها ونرميها تحت رجلين دلوع أمه.
هز رأسه وتحدث مشمئزًا:
- يااااا يا عزيز، ده إحنا كنا أوسـ..... قوي يا جدع، جزمة إيثار كانت برقبتنا إحنا التلاتة.
تنهد كلاهما وشعرا بالخزي، حضر إليهما أحد العمال وقال:
- الشغل كتير قوي علينا يا عم عزيز، إحنا عاوزين نفرين كمان علشان نعرف نسد.
صاح معنفًا وهو يرمقه بحدة:
- يا أخي طب قول اللهم صلِ على النبي أو اللهم بارك، أي حاجة تكسر بيها سم العين.
أجابه الشاب باستفاضة:
- هو أنا هحسدكم يا عم عزيز، يعلم ربنا إني فرحان من قلبي إن المطعم رجع يشتغل تاني، يعني هو أنا كان عاجبني وقف الحال اللي جه علينا بالخسارة ده، أنا بتكلم في مصلحة الشغل.
نطق وجدي ناهيًا الحديث في هذا الموضوع المثير للجدل:
- خلاص يا بكر، المعلم عزيز ميقصدش، روح شوف شغلك، وبالنسبة للنفرين أنا هدور على شابين ولاد حلال وهجيبهم في أقرب وقت.
أتى المساء وجميع ما يعنيه الأمر حضر بمسكن يوسف، فؤاد، إيثار، زينة بالإضافة إلى المحامي، أمسك فؤاد الأوراق الخاصة بتلك الوصية وتحدث ساخرًا:
- مبدئيًا كده الوصية دي باطلة شرعًا وقانونًا، "لا وصية لوارث" يا أستاذ.
تحمحم المحامي لتيقنه من صحة الحديث النبوي وحديث المستشار أيضًا، بينما تابع فؤاد تحت ذهول يوسف وإيثار وزينة التي سألته مستفسرة:
- باطلة إزاي يا سيادة المستشار؟!
أجابها باستفاضة:
-الوصية بحرمان أحد الورثة الشرعيين من الميراث باطلة شرعًا يا زينة، لأنها تعتبر وصية بمعصية وتهدف لحرمان المستحقين من حقهم اللي شرعه ربنا سبحانه وتعالى، في الحالة دي، تعتبر الوصية باطلة لأنه لم يتحقق فيها عدل الله، ده غير إنها مخالفة لوصية الله سبحانه وتعالى، وهي أن يقسم الميراث على الأبناء جميعًا الذكور والإناث، وده بناءً على قول الله تعالى في كتابه العزيز: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ" {سورة النساء: الآية 11}، وده طبعًا محصلش في التقسيمة الغريبة اللي عملها المدعو عمرو البنهاوي واللي مخالفة للشرع والقانون، ومعرفش إزاي محامي زيك وافق على بنودها.
أجاب مبررًا:
-يا أفندم أنا مكنتش أعرف إن عمرو بيه عنده بنت تانية، كل اللي بلغني بيه هو إنه عاوز يكتب ثروته بالتساوي بين أربعة، طليقته السيدة إيثار وأولاده التلاتة.
اشتعل داخل فؤاد فهدأته نظرات يوسف الأسفة، نطق فؤاد يسأله متهكمًا:
-وإزاي وافقت على القسمة بالشكل ده والمفروض إنك دارس شريعة وعارف إن القانون بيحكم بما نصه الشرع، بالذات فيما يخص الميراث، البيه ساوى بين الذكر والأنثى، واستثنى أشخاص وحرمهم من حقهم الشرعي في الميراث.
-يا أفندم أنا بلغته بكل العوار اللي سيادتك ذكرتها دي، بس هو قال لي إن الورثة مش هيعترضوا وإنه سأل المحامي الخاص بتاعه في فرنسا وقاله قانونيًا الوصية تعدي طالما محدش من الورثة هيتكلم.
ثم تابع على استحياء وهو يتبادل النظرات بين الجميع:
-وبعدين حضرتك إحنا بنتكلم عن عمرو البنهاوي، مش على شيخ جامع يعني.
سأله متهكمًا عليه:
-وإنت بقى لما عارف إنه عمرو البنهاوي يا أستاذ يا بتاع القانون، بتشتغل معاه ليه؟!
-لأن القانون اللي سيادتك استشهدت بيه ده هو اللي كفل لعمرو واللي زيه أحقية الدفاع عن نفسه ووجوب محامي خاص للدفاع عن مصالحه طالما معاه وبيدفع، وأنا كنت بشوف شغلي مش أكتر.
عاد بظهره للخلف وتحدث عن دراية:
-طب يا باشا زي ما قولنا الوصية دي باطلة وهتتقطع حالًا لأن كل الورثة معترضين على القسمة.
وطالع الجميع يسألهم:
-ولا إيه؟
وافقه الجميع فقام بتمزيقها أمام أعين الجميع، وتحدث:
-الورثة المستحقين هما أولاده الأربعة، ووالدته، وطبعًا بالنسبة للارا فـ "القاتل لا يرث".
مال على أذن يوسف وحدثه بهمس:
-أنا خالفت ضميري كقاضي بيحكم بشرع الله والعدل لأول مرة علشان خاطرك، ودي حاجة مخلياني قرفان من نفسي وأنا قاعد.
-أنا آسف إني حطيتك في موقف زي ده يا باشا، بس فعلًا مكنش هينفع...
جملة قالها يوسف بأسى ليتذكر ما حدث بينه وبين فؤاد منذ عدة ساعات حيث هاتفه الآخر أثناء تواجده بمكتبه.
عودة لما قبل عدة ساعات قليلة، نطق فؤاد وهو يتحدث إلى الشاب عبر الهاتف من داخل مكتبه بالعمل:
-أنا بكلمك قبل ما نقابل المحامي بالليل علشان يبقى عندك علم.
وتابع بجدية:
-ابن الزنا لا يرث يا يوسف، وده قانون ربنا اللي وضعه، يعني زينة شرعًا ملهاش الحق في ورث عمرو البنهاوي.
سأله الشاب متعجبًا:
-أيوا يا بابا بس زينة متسجلة باسمه، وهو اتجوز أمها شرعي على إيد مأذون، أعتقد كده المشكلة اتحلت.
قولًا واحدًا أجابه:
-ابن الزنا لا يرث ولا يُنسب لأبيه في الشريعة الإسلامية يا يوسف، وده لعدة جوانب أهمها حفظ الأنساب ومنع اختلاطها، وتجنب انتشار الفاحشة، وحماية المجتمع من المشاكل الاجتماعية والأخلاقية اللي ممكن تحصل عن طريق الموضوع ده، الحكم ده جاء استنادًا لحديث سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، ومعنى الحديث إن الولد ينسب للزوج الشرعي، وللزاني الرجم والخيبة والخسران.
صُدم مما استمعه من فؤاد، بات يحرك رأسه وهو يقول بألم لأجل تلك الضحية لرجل حقير مستهتر تحركه شهواته الحيوانية دون أدنى تفكير فيما سيترتب عليه، وامرأة كانت تستحق الموت آلاف المرات على ما فعلته من فاحشة نتج عنها تلك البريئة:
-أنا لا يمكن أبلغ زينة بحاجة زي ده، البنت ممكن تنهار وتروح فيها.
ثم تابع بتيهة:
-وحتى لو قلت لها وطبقنا عليها الشرع، هتقول لخطيبها وأهله إيه؟! هتبرر لهم عدم ورثها في تركة أبوها بإيه؟! أنا كده بدمر أختي بإيديا وأنا لا يمكن أعمل فيها كده.
-بص يا يوسف، أنا عندي اقتراح يخلصنا من المشكلة دي وبكده هنمشي صح شرعًا وقانونًا.
تعلقت عينيه مستنجدًا ليتابع فؤاد:
-إحنا نقسم الورث بينك وبين جدتك وإخواتك من رولا، وبعدها أتنازل إنت عن نصيبك بيع وشراء لزينة، وبكده هنكون حققنا اللي إحنا عاوزينه من غير ما نتعدى على الشرع، ولو إن الحل ده يعتبر التفاف ومراوغة بس ربنا عالم ومطلع، وإن شاء الله هيغفر لنا لحسن نيتنا.
أثنى الشاب على ذكاء أبيه الروحي وشكره بشدة.
عودة للحاضر، همس متابعًا:
-يلا قول اللي اتفقنا عليه خلينا نخلص.
تحمحم لينطق متحدثًا إلى المحامي:
-الورث هيتوزع بشرع الله بيني أنا وسليم ونور وجدتي إجلال.
طالعته باستغراب، متى كان طامعًا أو ظالمًا ليكرر ما فعله والدها ويسلبها حقها، لطالما عاهدته خلوقًا يمتلك ضميرًا حيًا، استرسل وهو يتطلع إليها كي لا يتركها فريسة للشيطان:
-وأنا هكتب نصيبي بيع وشراء لـ زينة.
سألته متعجبة:
-وليه ما أخدش حقي معاكم يا يوسف؟!
سألها بجدية:
-بتثقي فيا ولا لأ يا زينة؟
ردت بصدق:
-أكيد، بس عاوزة أفهم.
نطق كي يجبرها على الرضوخ لقراره وإغلاق النقاش في تلك النقطة:
-من غير ما تفهمي، اسمعي كلامي وتأكدي إن عمري ما هعمل حاجة تأذيكي.
هنا كان دور المحامي في السؤال:
-أنا كمان محتاج أفهم، منين قطعتوا الوصية وقلتوا إنها باطلة، ومنين هتحرموا نفس الاسم من حقها في الميراث الشرعي، وليه حضرتك تتنازل لها عن حقك لما ممكن تاخد حصتها وإنت تحتفظ بنصيبك؟!
-خلصت كلامك؟...
قالها فؤاد بجدية ليومي له المحامي بنعم فتابع هو بصرامة:
-نفذ اللي انطلب منك بدون أسئلة، الباشمهندس يوسف عارف هو بيعمل إيه كويس، وأخته راضية.
وسأل الفتاة للتأكيد:
-ولا إيه يا زينة؟
بدون تفكير نطقت:
-أي حاجة يقولها يوسف أنا موافقة عليها، محدش هيحبني ويخاف عليّ قده.
طمأنها الفتى بعيناه، فتوجه الرجل بسؤال تلك الحاضرة بالجسد فقط، فمنذ أن بدأت الجلسة وهي صامتة لم تنطق بحرف واحد:
-حضرتك ليكي نصيب شرعي وقانوني، وفيكي تطالبي وتتمسكي بيه.
حك ذاك الجالس ذقنه ثم همس بهسيس وعينين تطلق شزرًا:
-وإنت مالك؟!
ارتبك من هيئة الرجل التي لا تبشر بقدوم خير، لينطق مبررًا بنبرة متلبكة دلت على مدى توتره:
-واجبي وضميري المهني كمحامي يحتموا عليّ أنبهها بحقوقها يا أفندم.
بمنتهى السخرية تحدث:
-ضـ إيه؟! ضميرك المهني؟!
وكان فين ضميرك المهني ده يا باشا وإنت بتكتب وصية باطلة جنبت فيها الأم والابنة، هنقول إن عمرو البنهاوي شرير ومكنش حاكي لك عن إنه ليه بنت رابعة، طب بالنسبة لوالدته إيه النظام؟!
ارتبك الرجل فتابع الآخر بصرامة وحدة مريبة:
-ياريت يا أستاذ تنفذ المطلوب منك من غير ما تجود من عندك، وبالنسبة للأستاذة فأنا هريحك وهريح لك ضميرك.
ونطق متهكمًا:
-هو إحنا في ده اليوم اللي ضمير السيد محامي عمرو البنهاوي يصحصح كده ويفوق.
أشار إلى تلك التي تجاور زينة الجلوس:
-اتفضلي يا مدام بلغيه بقرارك.
نطقت بجزم وحسم لقرارها:
-أنا مش عاوزة حاجة من الورث ده، وبعدين هورث بصفتي إيه؟!
وتابعت وهي تترجى زوجها:
-ياريت تنهي المهزلة دي بأسرع وقت علشان الكل يرتاح يا سيادة المستشار.
نطقت الفتاة على استحياء وحال ضميرها التردد:
-بما إن حضرتك بتفهم في الشرع كويس وعندك المعلومات الكافية بحكم دراستك وشغلك، كنت عاوزة أعرف هل الورث من المال المشبوه يجوز؟
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيبها باستفاضة:
-بصي يا زينة، المسألة فيها خلاف بين العلماء، منهم اللي شايف إن الميراث بيطهر المال الحرام، والبعض الآخر شايف أنه لا يحل للوارث أخذه إذا كان معروف مصدره الحرام.
وتابع باستفاضة أكبر:
-بمعنى إن بعض العلماء أجاز أحقية الورث وإنه حلال للوارث وأسندوا الحرمانية على اللي جمع المال، والبعض الآخر حرموه وأجازوا التخلص منه من خلال صرفه في أوجه الخير المختلفة.
نطقت الفتاة بتشتت وتيهة:
-أنا مش فاهمة حاجة، يعني الورث ده حلال ولا حرام؟
"استفتِ قلبك" قالها بهدوء ثم تابع:
-الموضوع عليه خلاف وده رحمة بينا كمسلمين، قدامك فتوتين تقدري تختاري من بينهم الفتوى اللي تريح ضميرك، أهم حاجة تستفتي قلبك وتمشي ورا إحساسك.
تلألأت حبات الدموع بعينيها لتنطق متأثرة:
-ولو ما عنديش رفاهية الاختيار؟
نطق بثقة:
-يبقى تختاري الأنسب لظروفك وتتوكلي على الله، وبالنسبة للفتوى يُسأل عنها اللي أفتى بيها.
كأنها كانت تنتظر تلك الفتوى لتريح ضميرها المتعب، لا أحد يشعر بما تعانيه من صراع داخلي يمزق كيانها بالكامل.
وجه المحامي سؤالًا وجيهًا إلى يوسف وزينة:
-طيب بالنسبة للثلاث شركات اللي موجودين هنا في مصر، مين هيديرها من حضراتكم؟!
تطلعت إلى شقيقها كالغريق ليسألها هو:
-تقدري تديري الشركات بنفسك يا زينة؟!
نطقت بانزعاج بعدما أصيب جسدها بالاضطراب:
-لا طبعًا يا يوسف، وبعدين أنا لسه بدرس، وحتى لو مخلصة، أنا ما أقدرش على الحمل الكبير ده.
تحدث يوسف بجدية:
-أنا شايف إنها تتباع أفضل، وفلوسها تتوزع على الورثة حسب الشرع.
وافقه الجميع وبما أنه مكلف بالوصاية على الصغيرين مِن قِبَل عمرو فهذا سيسهل عليه الكثير من الأمور، نطق فؤاد كي يُعلم يوسف:
-في حالة البيع أو التصرف في أي شيء يخص الأطفال لازم حكم قضائي يا يوسف، هتتقدم بطلب للمحكمة وتباشر معاهم.
انتهت الجلسة وتحرك كلٌ إلى وجهته، باليوم التالي حضر رامي لزيارة خطيبته، أبلغه يوسف أن زينة ستحصل على إرثها قريبًا، دون إبلاغه أنه تنازل عن حقه في الميراث، وبما أن الميراث سيتحول إلى مال نقدي فقد سهل هذا من الأمر وجعله سريًا، فلو ظل الإرث على حاله كان سيفتضح أمرهم، جلست بجوار رامي وباتَا يتحدثان بشأن إدارة حياتهما القادمة والتخطيط لها تحت عدم اكتراث رامي بذاك الإرث، فلم يكن يضعه بالحسبان وقد عشقها لشخصها لا للمال الذي ظهر فجأة، سألها بعدما لاحظ حزنًا عميقًا يسكن العينين:
-مالك يا حبيبتي؟
انتبهت لتسأله بتشتت:
-مالي؟ ما أنا كويسة أهو.
نطق معارضًا:
-لا مش كويسة يا زينة، ومش من النهارده، أنتِ ليكِ فترة متغيرة، ملامحك وعيونك ساكن فيهم حزن غريب.
لم تستطع الصمود فانهارت حصونها لتنهمر الدموع بغزارة من عينيها، انزعج بشدة وتألم لأجلها ليسألها من جديد بارتياب:
-مين مزعلك يا حبيبتي؟!
-الدنيا يا رامي... وتابعت بألم ودموع بعدما خارت قواها:
-الدنيا مزعلاني قوي.
حاوط كفها بعناية ثم تحدث بصدق:
-أنا جنبك، المفروض ده يطمنك وينسيكِ الدنيا بحالها.
برغم حيائها الكبير إلا أنها شددت من ضمة يده وذلك لحاجتها الشديدة لمن يمدها بالشعور بالأمان والتي لم تعثر عليه سوى بحضرته وبحضرة يوسف ذاك النبيل، نطقت تستعطفه بدموعها وقد أصيبت بحالة من التشتت والارتياب جراء حصولها على هذا الإرث وريبتها من فكرة حرمانيته:
-اوعدني إنك هتفضل جنبي يا رامي، قولي إن عمرك ما هتتخلى عني أبدًا وهتفضل تحبني بنفس المشاعر بعد ما نتجوز.
قطب جبينه متعجبًا لحالتها، سألها بقلق على تلك الحبيبة وما أصابها:
-مالك يا زينة فيه إيه يا حبيبتي؟!
ليتها تستطيع البوح بما يؤرق نفسها ويؤلمها، اكتفت بذاك الرد لتتوارى خلفه:
-بتسألني مالك يا رامي، أنتَ ناسي إن بابا الله يرحمه لسه ما كملش شهر.
تفهم حالتها وبات يهدأ من روعها ويزرع داخل نفسها الأمل بكلماته التشجيعية. خرج يوسف من المطبخ حاملًا واجب الضيافة وقدمه إلى رامي، وانضم لهما وبات الجميع يتبادلون فيما بينهم الأحاديث بقلوب وعقول مشتتة.
بعد يومين
جالسًا بأحد المقاهي العامة المتخصصة بتقديم الحلوى والمشروبات الباردة والساخنة أيضًا، يتناول كوبًا من القهوة الساخنة بينما تتناول تلك التي تقابله الجلوس نوعًا من الحلوى الغربية مع كوبًا من المياه الغازية، تحدثت إليه عندما وجدته شاردًا:
-مالك يا حبيبي؟
-ما فيش يا بوسي... قالها بنبرة محملة بالكثير من الهموم بسبب شقيقاه الصغيرين وزينة وتيهتها برغم حصولها على الإرث إلا أن حالتها النفسية تتراجع للأسوأ وهو لا يعلم أهذا بشأن وفاة والدها أم من ريبتها بشأن ذاك الإرث المشكوك في أمره، ردت عليه بأسى لأجله:
-ما فيش إزاي يا يوسف، ده أنتَ مش شايفني قدامك أصلًا.
وتابعت بدلال كي تسحبه لعالم عشقها:
-هي دي لهفتك عليا، ده أنا ليا كام يوم ما شفتكش.
قطع حديثهما رنين هاتفه، نظر بشاشته وجد رقمًا دوليًا فلم يتردد لحظة وأسرع بالرد:
-السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نطق الطرف الآخر:
-كيفك يوسف، أنا نائلة، أُمها لـ "رولا" أرملته لبيك.
احتدت ملامحه حين استمع حديثها، ما شعر بحاله سوى وهو يهدر بصوت متهدج من شدة الغضب:
-قصدك اللي قتلت أبويا مش أرملته.
نطقت المرأة بقلب ينزف دمًا:
-ما اتصلت فيك لنحكي بهالموضوع يا يوسف، رولا خلاص، البوليس كمشها وهي هلأ عم تتعاقب على جريمتها، وكتير ندمانة على اللي عِملته، وراح تقضي عمرها بالحبوس.
وتابعت بحرص على مصلحة الطفلين:
-أنا أخدِت رقمك من رولا لحتى نحكي عن إخواتك، سليم ونور، أنا سألت المحامي تبعي وهو خبرني بإن حضانة الصغار من حقي، بس المحامي بلغني اليوم إن أنتَ تقدمت بطلب للحكومة الفرنسية واستشهدت بتاريخ سليم إلياس في الإجرام، وقتل رولا لعمرو بهالطريقة الانتقامية، خبرني إن بهالحالة وبموجب القانون الفرنسي فيهن يسلموك الصغار لتربيهم أنتَ، بلغني كمان إن بيك أسند لإلك وصاية الصغار وهايدا عزز لموقفك القانوني.
نطق بحدة:
-أنا عارف الكلام ده كله، مش مستنيكي أنتِ والمحامي بتاعك علشان تبلغوني بيه.
قاطعته بنبرة حكيمة:
-إسمعني للآخر يا يوسف، أنا فيني أهرب بالصغار ونكفي حياتنا بمكان ما حدا بيعرفنا فيه، وزلمته لجوزي بيقدروا يعملوا هيك ببساطة، بس أنا ما بدي بعدك عن إخواتك ولا بعدهن عنك، ولا بدي تربطني علاقة بهادول المجرمين، بترجاك لا تجبرني ألجأ لإلهن.
وتابعت بصدق ظهر بنبرات صوتها:
-أنا بدي الأولاد يتربوا بيناتنا لحتى ما ينحرموا من جو العيلة.
وتابعت في محاولة منها لإقناعه:
-أنا غيره لسليم يا يوسف، إسأل منيح عني وعن شُغلي، وبحكم منصبك فيك تتأكد من يلي حكيت لك إياه، أنا من البداية اخترت طريقي وعم كفي فيه لهلا، عِندي براند ملابس باسمي وشُغلي كتير معروف عالميًا، شغلي على المضبوط وفيك تتأكد، ومن بعد يلي جرى لـ "سليم" و "رولا" راح أمشي جنب الحيط مِثل ما بتقولوا عنكم بمصر.
تابعت بترجي تجلى بين نبراتها الحزينة تحت تأثره:
-اترك لي نور وسليم أنا بربيهم، وبحلف لك بحياة الله راح ربيهم مِثل ما كنت أنتَ راح تربيهم.
تألمت وهي تكفي حديثها بدموع جاهدت لإخفاء أنينها كي لا يظهر ضعفها عبر الهاتف:
-أنا خسِرت كِل شيء بلحظة، جوزي وبنتي يلي راح تقضي باقية حياتها بالحبوس، ما بقى لي غير هادول الزغار، منشان الله يا يوسف، اتركهن لي لحتى أقدر كفي حياتي.
تابعت بلهفة توعده بصدق:
-وبوعدك راح تشوفهن بأي وقت بتحدده، وفيك تاخدهن لمصر زيارات وقت ما تحب، بس الله يخليك اتركهن، بترجاك ما تاخدهن مني ولا تضطرني أهرب فيهن ونعيش نتنقل من مكان لمكان مِثل المطاريد والمجرمين، هيدا ما له منيح منشان نفسية الزغار.
لم يجد بداخله ما يجيبها به، لقد وضعه القدر بين اختيارين كلاهما أشبه بسلاح ذي حدين، يعلم أن اختيار أحدهما سيدخله في حالة من الشقاء، ومن أين يأتي النعيم وهو بين نارين، فإذا ترك شقيقيه إلى تلك المرأة سيظل قلقًا بشأن تربيتهما على الأخلاق ونشأتهما على الأسس الصحيحة والقواعد الدينية، فهي بالأخير زوجة لأحد رجال العصابات العالمية وقضت معه أعوامًا كثيرة ومن البديهي تكون قد تأثرت ولو ببعض من صفاته البغيضة، وإذا اختار الحل الآخر سيدخل حربًا إلى أن يعثر على الصغيرين ويأخذهما من تلك التي ستهرب بهما بالتأكيد، وبعد عودتهما إلى البلاد سيبدأ حربًا جديدة متعددة الأطراف، فالجميع ضد اتخاذه لذاك القرار الصعب، هو بذاته لا يعلم إذا كان بإمكانه تحمل تربيتهما أم لا.
-ليش ساكت يا يوسف، ما سمعت جوابك؟
-اديني وقت أفكر.
قالها تحت نظرات بيسان الحائرة.
نطقت لإقناعه:
-بعرف إنك خايف عخواتك، وهيدا حقك ما قلت شي، بس بوعدك رح ربيهن منيح، وإنت كمان فيك تساعدني، فيك تتواصل معهن على الانترنت، وتقلهن شو ما بدك.
وسألته بلهفة منتظرة جوابه بشوق:
-بحياة الله توافق، هون مدارسهن حلوة كتير وهنن مرتاحين فيها ومعودين على العيشة هون، وأنا رح أبذل كل جهدي لحتى ربيهن منيح.
لم يجد أمامه سوى الموافقة تحت سعادة المرأة، فبالأخير هي جدتهما ومن البديهي أن تهتم بهما أكثر من أي شخص آخر.
بعد مرور عام كامل على كل هذه الأحداث، مرت بحلوها ومرها.
ولجت إلى ذاك المنزل المجاور لقصر والد زوجها، فتحت الباب بالمفتاح ثم تطلعت على أثاث المنزل الفخم والديكورات الرائعة التي باشرت هي وفريال بمساعدة بيسان على اختيارها، لم يشارك يوسف بتجهيز منزل الزوجية وذلك بسبب انشغاله بالعمل مع جهاز المخابرات المصري حيث توسع عمله معهم مع وضع حراسة مشددة من المخابرات على ذاك الذي أصبح كنزًا بالنسبة للجهاز، صعدت للأعلى تتنقل بين درجات الدرج بسعادة لا يضاهيها شيئًا، فاليوم سترى عرس نجلها على من فتن قلبه بعشقها، تحركت بين الرواق المؤدي للغرف لتتوقف أمام إحداهما، طرقت الباب ودخلت لتجد غالي عينيها يغفو بسبات عميق وسط تخته، نطقت وهي تقوم بإيقاظه:
-يوسف، حبيبي قوم الساعة واحدة الظهر.
-إممم، سبيني نايم ساعة كمان يا ماما.
قالها بخمول ونعاس لتنطق بتصميم:
-قوم يا حبيبي هتتأخر على فرحك، ده أنت لسه هتاخد شاور وتجهز نفسك، الميكب أرتست عند بيسان بقالها أكتر من ساعتين، يلا قوم.
وتابعت وهي تناوله قميصه بعدما تزحزح الغطاء وظهر نصفه العلوي عاريًا:
-قوم البس تيشيرتك واستر نفسك.
تأفف وهو يقول ردًا على حديثها:
-أنا مالي ومال بيسان يا ماما، دي واحدة رايقة، لسه هتعمل حمام مغربي ومساج وترسم تاتو وليلتها طويلة، ادعي لها تقدر تخلص قبل ميعاد الفرح.
وتابع متهكمًا:
-إنما أنا راجل جاهز، هنط في البدلة واركب عربيتي ونص ساعة هبقى في الفندق، سبيني بقى ساعة كمان.
زفرت حين استمعت لاسم الفندق:
-معرفش إيه لازمة تصميمك إن الفرح يتعمل في فندق، ما كنا عملناه في قصر الباشا بدل الشحطتة دي.
أجابها باقتناع:
-أه علشان رؤسائي في الجهاز يقولوا عامل فرحه في بيت أهل مراته.
-طب يلا يا حبيبي علشان تفطر مع جدو وتيتا واخواتك، ده أنا منعتهم ييجوا هنا بمعجزة، فريال قالت لهم اللي هشوفه في الڤيلا هنفخه.
وتابعت وهي تعيد ترتيب الغرفة:
-وزينة ورامي كمان وصلوا والكل مستنيك هناك.
رفع عنه الغطاء بعدما ارتدى قميصه ثم وقف لتقترب هي منه وعلى غرة جذبته لتسكنه أحضانها وهي تقول مربتة على ظهره بحنان وتأثر:
-ألف مبروك يا حبيبي، عشت وشوفتك عريس يا يوسف.
رواية انا لها شمس الفصل السابع والثمانون 87 - بقلم روز امين
قيمها كارم بنظراته المتعجبة من خلف نظارته الشمسية، ثم استدار يتابع إدارة الطريق دون أن ينبس ببنت شفة، بينما نطق ياسين مفسرًا وهو يطالع تلك الجالسة بجواره كأميرة بحسنها وابتسامتها الرقيقة:
-علشان مليكة قلبي طلبت تروح معايا.
أرسلت إليه أعذب كلمات الهوى بعينيها، وما زاد من لهيب قلبه هي تلك الابتسامة الساحرة التي غمرته بها وهي تقول:
-ميرسي يا باشا.
غمزة سريعة أرسلها لها بعينيه سبقت حديثه اللطيف:
-حبيب جوزه يأمر والباشا عليه التنفيذ الفوري.
قطع اندماجهما حديث تلك المزعجة بصوتها الاعتراضي:
-طب مليكة وعاوزة تروح يا بابي، أنا ذنبي إيه في إني أسيب شغلي وأجي معاكم مكان مش حباه؟!
خرجت مليكة عن صمتها وتحدثت بلوم شديد:
-يعني يرضيكِ أروح لوحدي في وسط ناس لأول مرة بشوفهم يا سيلا؟!
استدارت واضعة ساعديها على حافة المقعد وتحدثت بنبرة استفزازية:
-السؤال الأهم هو ليه تروحي أصلًا يا لوكة عند ناس مفيش بينك وبينهم أي سابق معرفة؟!
لفت ذراعيها حول خصر حبيبها لتنطق بنبرة تقطر غيرة على رجلها وسيد قلبها الأوحد:
-أمال أسيب جوزي يروح فرح غريب ومطلوب فيه بالاسم لوحده؟!
يعلم أن غيرتها عليه تضخمت مؤخرًا، لكنها كشراب العسل المصفى على قلبه، فدلالها وهدوئها وحتى غيرتها وعنادها في بعض الأحيان جميعهم يجعلونه هائمًا ذائبًا في غرام أنثاه، ويجعلون لحياته مذاقًا من نوع آخر. رمقتها أيسل وتحدثت بملاطفة وهي ترفع حاجبها الأيسر:
-دي المدام غيرانة على سيادة الفريق بقى؟!
-ومأغيرش ليه، جوزي وحبيبي ونور عيوني وقلبي من جوه، لو مأغيرتش عليه هأغير على مين...؟!
نطقتها تلك العاشقة بأعين تنطق بغرام زوجها، مما جعله منتفخًا بجلوسه كالطاووس، حديثها الساخط الممتعض استفز ذاك الجالس بجوارها وأخرجه عن شعوره لينطق دون إدراك:
-طب اتعلمي منهم بدل ما أنتِ قاعدة تلومي عليهم ومليتي الجو "negative energy" "طاقة سلبية" بكلامك.
اتسعت عينيها قبل أن تهتف لائمة على زوجها:
-قصدك إيه يا كارم، قصدك إن أنا نكدية؟!
-لا العفو...
قالها وهو يتابع الطريق مما استفز داخلها وتابع بحدة ظهرت بحديثه:
-فرح واتعزمنا عليه والباشا وافق وخلاص إحنا في الطريق.
وتابع ساخطًا بلوم حاد:
-إيه لزمته كلامك وعتابك ده كله، مش قادرة تنسي شغلك ولو يوم واحد وتدي نفسك وتديني فرصة ننبسط فيها زي الناس؟!
لمح ياسين دموع ابنته تتلألأ في مقلتيها فتدخل كي ينهي هذا التراشق بالكلمات قبل أن يتطور ويتحول إلى مشاجرة:
-جرى إيه يا كارم، أنتَ هتخيب ولا إيه يلا؟!
وتابع لائمًا بنبرة صارمة:
-لما بتكلم بنتي كده قدامي، أمال بينك وبينها بتعاملها إزاي يا حبيبي؟!
اختار الصمت بدلًا من أن ينطق بكلمات حادة غاضبة يخسر من خلالها سيد عمله وصديقه المقرب رغم فارق السن الكبير بينهما، بينما تابع ياسين بالضغط على ابنته كي تنتبه ويحجم من سخطها وحدتها بالحديث:
-وأنتِ كمان فيه إيه؟! من وقت ما اتحركنا وأنتِ بوزك ممدود شبرين قدامك، نازلة جلد في الكل، محدش فلت من تحت إيدك، إيه، الدنيا هتتهد علشان يوم أخدتيه أجازة؟!
واسترسل لائمًا:
-ما تفرحي وتنبسطي زي الناس على رأي جوزك.
تمسكت بيده وهمست لتحثه على الصمت بدلًا من أن يجرحهما بحديثه ويفسد اليوم على الجميع:
-خلاص يا ياسين، علشان خاطري كفاية كده.
زفر بحدة كي يخرج حدته التي أصابت داخله بسبب غباء ذاك الثنائي، في حين تحدثت مليكة لتهدئة الأجواء التي سرعان ما تحولت إلى ساخنة:
-وإنتوا يا جماعة اهدوا شوية مش كده.
تطلعت إلى أيسل وقصدتها بالحديث:
-انسي شغلك ومشاكله يا سيلا وخليكِ في جوزك اللي جنبك وباباكَ اللي أنتِ مسافرة معاه، الشغل موجود كل يوم مش هيطير، بس الأوقات الحلوة مبتتعوضش، واليوم اللي بيعدي مبيرجعش تاني.
تطلعت إلى كارم وتابعت مستطردة:
-ولا إيه يا سيادة المقدم؟!
تنفس بعمق ثم زفر بقوة في محاولة منه لتهدئة حاله ثم تحدث معتذرًا بلباقة:
-أنا آسف يا جماعة، مضغوط في الشغل اليومين دول علشان كده احتديت شوية في الكلام.
نطق ياسين بهدوء محاولًا تلطيف الأجواء:
-حصل خير يا كارم، حاولوا تهدوا إحنا رايحين مناسبة وعيون الناس هتكون علينا.
بعد حوالي بضعة دقائق قضاها الجميع بصمت تام، شعرت أيسل أنها كانت سخيفة ولم تفكر بمشاعر زوجها بل كرست جل تفكيرها في العمل التي اعتذرت عنه اليوم، فهي مولعة بمهنة الطب ولديها تطلعات وشغف ولذا فهي غاضبة حد السخط، تحمحمت وقربت كفها تضعه على فخذ زوجها بحرص وهي تقول:
-سوري يا حبيبي، عارفة إني كنت سخيفة معاك، سامحني وأرجوك متزعلش مني.
لم يكلف حاله عناء النظر إليها بل تابع قيادة السيارة بجمود وعدم اهتمام، فتابعت بدلال لعلمها حجم خطأها الكبير:
-خلاص بقى، وحياتي عندك تفك التكشيرة دي.
همست مليكة إلى رفيق دربها:
-بنتك بدأت تفك البوز أهي.
مال عليها ونطق هامسًا بالحق:
-هي مش بنتي، بس والله أنا لو مكانه ما أتحمل أسلوبها يوم واحد.
وتابع مشيدًا:
-الواد ده بطل ويستاهل يتكرم.
تبسمت وهي تلكزه بيدها لتحثه على الصمت، بينما ظل كارم على حاله وتوقفت أيسل عن محاولات إرضائه بل رحلتها حتى يصلا إلى الفندق الذي حجزه ياسين كي يستريح الجميع به وليستعدوا لحفلة الزفاف من داخله، وهو نفس الفندق المقام به الحفل.
وصل الجميع إلى الفندق، نزل ياسين تحت حراسة مشددة مع عدم الإعلان عن شخصه ووظيفته لضمان أمانه، فقد أبلغت إدارة الفندق بأنه أحد الشخصيات الهامة بالدولة وفقط، وصل إلى غرفته هو ومليكة ومن خلفهما بعض العاملات يحملن ثوب مليكة التي سترتديه في المساء وبعض الثياب التي تكفي لقضاء الليلة بالقاهرة، وما أن وطأت أقدامهم الغرفة حتى ارتفع رنين هاتفه، تبسم وهو يخبر تلك التي تباشر العاملات وهن يضعن الملابس بالخزانة:
-ده عز، وأكيد مسك معاه.
رد سريعًا وهو يتابع بنظراته الصقرية هؤلاء الفتيات اللواتي انتشرن في الجناح، منهن من تقوم على تجهيز الحمام ومنهن من تقوم بوضع الثياب وأخرى للأحذية:
-إيه يا حبيبي، بابا لحق يوحشك.
بصوته المميز والمحبب إلى قلب أبيه نطق يلومه:
-عزو زعلان منك قوي يا بابي، وكمان مسك مش هتكلمك أنتَ ومامي تاني.
نطق الآخر بملاطفة لذاك القريب من القلب:
-يا حبيبي مش أنا فهمتك إن الفرح للكبار وممنوع حضور الأطفال فيه، وكمان أصحاب الفرح مش قرايبنا.
نطق معترضًا على وصف أبيه بالطفل:
-بس أنا مش صغير يا بابي، أنا راجل، وكنت هأحضر الحفلة أنا وساندرا طارق وليزا عمر ومش هنعمل أي دوشة.
-وأنا يا عزو؟
قالتها الصغيرة وهي تشير على حالها بوجه عابس وتابعت لائمة:
-مش قولت لي قبل امبارح كلمي بابي وخليه يوافق علشان آخدك معانا؟!
-وهو أنتِ كنتي خلتيه يوافق يا مسك علشان تزعلي، هما سافروا خلاص؟!
كان يستمع إلى نقاش صغيريه بقلب سعيد وفاه متسع من شدة حبوره، فكلا الصغيرين يمتلكا نصيب الأسد من قلبه ويستحوذا على كامل كيانه، لم يكن يتخيل حياته بدون قطعتي السكر، نطق وهو يحاول كظم ضحكاته:
-خلاص منك ليها، اهدوا، أنا هلاقيها منكم ولا من أختكم الكبيرة وجوزها.
انتهت العاملات وأغلقن الباب ورائهن، اقتربت مليكة من حبيبها فالتصق بظهرها ولف ساعده حول خصرها وتحدث بعدما دفن أنفه داخل ثنايا عنقها يقبله:
-متزعلوش وأنا لما أرجع إسكندرية إن شاء الله، هآخدكم ونروح "كيدز آريا" (Kids Area) أنا وأنتم ومامي.
هلل الصغيران ونطق سريعًا عز:
-وكمان هناخد ساندرا طارق وليزا عمر يا بابي.
-ماشي يا عم الدون جوان، باديها مثنى بدري أنتَ...
وتابع وهو يتطلع بعين من ملكت الفؤاد حتى ارتوى:
-يلا ده أبوك معملهاش غير لما العشق دوب قلبه وبهدله.
وضع قبلة بجانب شفتيها لتنطق وهي تتملص منه حتى تستطيع التحدث لطفليها:
-خلوا بالكم من نفسكم كويس يا عزو، واسمعوا كلام مروان.
-أوكِ يا مامي...
قالها الصغير قبل أن ينطق لأبيه:
-جدو عاوز يكلمك يا بابي.
تناول عز المغربي الهاتف لينطق بمرحه المعتاد عليه:
-بتلوم على الولا ليه يا باشا، ما أبوه عملها قبل منه.
ضحك بشدة وهو يجيب على صديق الروح:
-معاليك أنا عملتها بعد ما طبيت وحبيت، إنما الباشا مقرر ومختارهم من الوقت.
-ما أنا قولتها لك زمان، التلميذ تفوق على أستاذه، وشكله كده ابنك هيتفوق على الأستاذ هو كمان.
نطق ياسين باحترام وتفاخر بأبيه:
-لسه ما اتخلقش اللي يتفوق ويتخطى جنابك يا معالي الباشا.
أغلق الهاتف مع أبيه ثم شدد من احتضان تلك الحبيبة وهمس بجانب أذنها:
- نفسي أفهم أنا ليه بيزيد جنوني بيكي لما بنكون في الأوتيلات؟
- علشان حبيبي تفكيره منحرف.
نطقتها وهي تداعب أنفه فنطق بمداعبة:
- طب تعالي بقى لما أثبت لك الانحراف رسمي.
ضحكت وسحبها من يده ليدفعها على ذاك الفراش الوثير.
داخل الجناح الخاص بكارم وأيسل، تحركت لتقف أمامه، ثم لفت ذراعيها حول عنقه وتحدثت بدلال كادت أن تتناساه في زحمة شغفها بالعمل:
- أنت لسه زعلان مني؟
حاول فك وثاق ساعديها وهو يقول:
- عاوز أغير هدومي علشان ألحق أرتاح شوية قبل ميعاد الفرح.
تلاعبت بأصابع يدها على صدره ثم نطقت بدلال:
- ما أنا هريحك جوه حضني، ولا أنا مش وحشاك؟
توحشت ملامحه وكأنه تحول لآخر وهو يقول بحدة ولكنها تهديدية:
- سيلا، آخر مرة تتكلمي معايا بالطريقة دي قدام أي حد وخصوصًا ياسين باشا.
نطقت مبررة باستغراب:
- وأنا كلمتك ولا جيت جنبك يا حبيبي، أنا كنت بتكلم مع مليكة.
رد بانزعاج تجلى بنبراته:
- أنت فعلًا كنتي بتتكلمي مع مدام مليكة، بس راجعي أسلوبك كان عامل إزاي يا هانم؟! دي الست اللي ابنها بقى طولها قاعدة تدلع في جوزها ومحسساه إنه ملك، غارت عليه لما عرفت إن الفرح هيضم شخصيات عامة كتير وبنات وستات الطبقة الراقية هيبقوا ماليين الفرح، أول ما عرفت إن الدعوة جاية له عائلية أصرت تروح معاه، وطول الطريق ضحكتها ما فارقتش وشها.
ثم صرخ بوجهها منفعلًا:
- وفي المقابل بوز سيادتك ممدود شبرين على رأي سيادة الفريق، طب احترمي وجودي واعملي حساب لشكلي قدامهم اللي بقى زي الزفت.
ازدردت لعابها وتحدثت في محاولة لتهدئة روعه:
- طب ممكن تهدى يا حبيبي علشان صحتك؟
صاح بحدة بالغة:
- خايفة عليا قوي وتهمك صحتي؟! ده أنت قاعدة جنبي ومش شايفاني أصلًا، محروقة قوي على الإجازة اللي أخدتيها وإن العملية المهمة اللي ليكي أسبوعين مستنياها راحت لدكتور غيرك؟! طب وبالنسبة لرجل الكرسي اللي سيادتك متجوزاه، إيه نظامه؟!
احتوته داخل أحضانها وباتت تربت على ظهره وهي تقول:
- أنا آسفة، والله يا حبيبي ما قصدت أي حاجة من اللي جت في بالك، أرجوك يا حبيبي تسامحني.
ظلت تعتذر منه وتطلب السماح تارة وتارة أخرى تتدلل عليه حتى خارت قواه الواهية ووقع بشرك غرامها.
بنفس التوقيت
يجاور والدته نزول الدرج في طريقهما إلى قصر علام باشا لتناول وجبة الفطار قبل تجهيز حاله لاستقبال حفل زفافه الذي طال انتظاره لسنوات طوال، استمع إلى رنين هاتفه فتحدث سريعًا بعدما وجد نقش اسم السائق الذي بعثه لاستقبال شقيقاه بصحبة نائلة التي أحضرتهما لحضور الصغيران حفل زفاف شقيقيهما:
- أيوه يا حامد.
على الطرف الآخر يتحدث السائق عبر سماعة الأذن وهو يتطلع على الأطفال والسيدة نائلة والمربية المسؤولة عن مساعدة الأخيرة بالاعتناء بالصغير:
- الهانم والأولاد وصلوا يا أفندم، وإحنا في طريقنا لقصر الباشا.
اشتدت سعادته وظهر الحبور على ملامحه وخاصة عندما استمع لصياح الصغيرة:
- نحن وصلنا يا يوسف، التيتا جابت لئلي فستان كتير حلو، رح صير متلها للعروسة "بيسان".
نطق بسعادة تجلت بنبراته:
- يا روح قلبي حمدلله على السلامة، أنا كمان جبت لك فستان حلو قوي، متأكد إنه هيعجبك، البسي كل فستان منهم شوية.
توسعت ابتسامة إيثار أما الصغيرة فتعالت صيحاتها وهي تقول بسعادة:
- يا سلام، تؤبرني شو حنون يا جو.
نطق يستعلم عن شقيقه:
- سليم كويس؟
- إيه، بس نايم، من وقت ما كنا بالطيارة لهلا ما فتح عيونه.
- طب اديني نانا يا حبيبتي.
ناولت الصغيرة الهاتف لجدتها التي تحدثت:
- إيه يوسف؟
نطق باحترام وتودد يعود إلى تقديره الذي زاد لتلك المرأة بعد اهتمامها الرائع بالأطفال والذي يراه بأم عينه في كل مرة يزور بها الأطفال بدولة فرنسا، فقد كرست المرأة حياتها لرعاية الصغار:
- حمدلله على السلامة يا أفندم، مصر نورت.
بابتسامة مشرقة شكرته:
- مصر منورة بناسها يا يوسف.
نطق بحميمية تعود لشعوره بأنها أصبحت جزءًا من العائلة:
- السواق هيجيب حضرتك على قصر الباشا ترتاحي أنت والأولاد وهنتحرك كلنا من هنا على القاعة إن شاء الله، وهترجعي من القاعة على الفيلا مع زينة.
وتابع معتذرًا:
- وآسف بالنيابة عن زينة علشان ما استقبلتكوش في الفيلا، هي هنا هي وجوزها فمكنش ينفع حضرتك تروحي الفيلا ومتلقيهاش في استقبالك.
احتفظ الأشقاء بمنزل عمرو الذي كان يسكن به سابقًا مع عائلته ونائلة، وكان يوسف قد أبلغ المحامي أن يقتسم المنزل بالتساوي بين زينة ونور وسليم كي لا يشعرا الصغيران ونائلة عند زيارتهم إلى مصر بالحرج وبأنهم يسببون الإزعاج للبعض، واليوم لم تكن زينة بالمنزل فاقترح علام باستقبال الضيفة والصغار إلى منزلهم كي لا تشعر المرأة بالوحدة وأيضًا لاندماج الصغار مع شقيقهم وأطفال المنزل.
شكرته نائلة وأغلقت فتحدث الشاب إلى والدته:
- أنا خايف لـ بابا يتضايق من وجود نائلة وإخواتي في قصر الباشا.
نطقت على عجلة كي تنفي ذاك الشعور الخاطئ:
- بالعكس يا حبيبي، ده رحب جدًا بالفكرة، ومهما كان دي ضيفة على بلدنا ولازم نكرمها ونحسن استقبالها.
بنبرة خجلة تحدث:
- أنا مش عاوز يكون فيه حساسية بسبب أخواتي، يعني علشان عمرو البنهاوي.
- فؤاد مبيفكرش بالطريقة دي يا يوسف، وبعدين عمرو أصبح ماضي وانتهينا منه بمجرد موته.
انتهت من حديثها لتستمع إلى طرقات متتالية فوق الباب تلاها صوت المشاغب الصغير وهو يقول:
- يا مامي افتحي لي الباب.
أسرع يوسف وفتح ليستقبل شقيقه الأصغر حيث كان يرافقه أحد رجال الحراسة، صاح الطفل بسعادة:
- يلا يا عريس علشان ناخد بوسة ونروح القاعة، كده هنتأخر.
مال بجزعه ورفعه ليضع قبلة شغوفة وهو يقول:
- لا يا لمض مش هنتأخر، جدو في الجنينة ولا في أوضته؟
- كلهم في الجنينة مستنيينك.
خرج يوسف حاملًا الصغير وخلفه إيثار التي كانت تستعد لأن توصد باب المنزل إلى أن رأت عزة تقبل عليهم:
- كويس إنك جيتي يا زوزة، خدي المفتاح واطلعي على فوق على ما أبعت لك بنتين من القصر، خليهم يوضبوا أوضة العرسان ويجهزوها كويس، ويشيكوا على باقي الفيلا.
- عيني.
وتابعت:
- أنا جاية مخصوص علشان كده، وفؤاد باشا كلم الفكهاني وهيبعت فاكهة على هنا، قال لي أستناه وأستلمها منه، أنا هغسلها وهرصها له في الثلاجة وبعدها هقفل وأجي لكم علشان نجهز عشا العرسان.
تأففت إيثار وهي تقول:
- عشا إيه بس يا عزة اللي هتعمليه، هو أنت بتخلقي التعب لنفسك وخلاص، الأولاد هيتعشوا معانا في الأوتيل، ويوسف طالب ساليزونات هتوصل هنا بعد ما الفرح يخلص، وبكرة نعمل لهم اللي عاوزينه.
نطقت باعتراض حاد:
- أبدًا، ابني ما يدخلش من غير حمام وبط ورمي ومحشي زي باقي العرسان، ده أنا روحت للفرارجي بنفسي ونقيت له الحمام حماماية حماماية، وجبت الفريك وحبشته وجهزته بالسمنة البلدي وبهرته بجوزة الطيب.
وتابعت مسترسلة:
- بقى عزة تبقى موجودة ويوسف يقضي ليلة دخلته على صباعين فينو محشيين لانشون وجبنة وزيتون، ده على جثتي.
أشاحت بكفها وهي تتحرك خلف نجليها:
- اعملي اللي أنت عاوزاه، ما أنا عارفة، هفضل أوجع في قلبي وأقول لك الأولاد هما اللي قالوا متجهزيش حاجة بس إزاي، لازم تمشي اللي في دماغك يا ست عزة.
تحرك يوسف داخل الشارع الداخلي حاملًا شقيقه بطريقهم إلى قصر علام زين الدين، رفع رأسه يتطلع على شرفة حبيبة القلب والروح، ترى ما الذي تفعله الآن، هل تفكر به مثلما يفعل هو الآن، تنهد باشتياق ورجفة قوية اقتحمت قلبه حين تذكر أن الليلة هي موعد اللقاء المنتظر، سيتحد معها اليوم ويشكلا شخصًا واحدًا، روحًا داخل جسدين، نعم تلاحمت أرواحهما منذ الصغر لكن علاقتهما ستقوى بذاك الرباط المقدس، كان هائمًا خطواته بطيئة رأسه معلقًا للأعلى وكأنه مسحورًا، أخرجه من تلك الحالة يد والدته التي ربتت على كتفه وهي تقول بممازحة:
- بص قدامك يا حضرة الظابط لتتكعبل وتقع.
وتابعت بحنو ظهر بعينيها:
- كلها ساعات وتبقى في حضنك لآخر العمر.
لمعت عيناه بوميض العشق لمجرد التخيل بأنه اليوم سيمتلك كيانها بالكامل وسيحيا معها حتى آخر العمر.
ولج ثلاثتهم إلى حديقة القصر وما أن خطى يوسف حتى تهللت وجوه الجميع واعتلتها المسرة، تبسم وجه علام الذي كان يتحرك بين زهوره يرويها بمساعدة زين الممسك بمرش المياه، أفلت مالك حاله ليسرع إلى جده بغيرة بعدما رآه يستعين بشقيقه في الري، بينما نطقت تاج وهي تسرع على شقيقها لتحتضنه بحفاوة:
- مبروك يا جو.
- الله يبارك فيكي يا قلبي، عقبالك يا "تاج".
- ميرسي يا حبيبي...
قالتها على استحياء لتجذبها إيثار وتدخلها بأحضانها وهي تقول:
- لسه بدري، بنوتي هتتعلم كويس وتختار طريقها في سكة النجاح وبعدها نفكر في الخطوبة.
وتابعت بسؤال نجلتها وهي تضع قُبلة حنون فوق جبهتها:
- مش كده يا تاجي؟
أومأت الفتاة بموافقة، أما زينة فاتجهت بخطوات واسعة نحو شقيقها الذي فتح لها ذراعيه يستقبلها بحنو وحفاوة:
- ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يتمم لك على خير يا نور عيني.
ابتسم وهو يستشعر لمسات كفها الحنون وهي تتحرك على ظهره:
- تسلمي لي يا حبيبتي.
نطقت بابتسامة سعيدة:
- أنا كنت هاجي لك من بدري أشوف لو محتاج حاجة في البيت أجهزها لك، بس قولت لما تصحى براحتك.
ردت عليها إيثار:
- يا حبيبتي ما أنتِ كنتي معانا امبارح ومروحتيش غير متأخر لما فرشنا الفيلا وظبطناها.
- ده بيت أخويا وحبيبي...
وتابعت بصدق وهي تتحسس وجنة ذاك الحنون:
- يوسف مش أخويا وبس، ده أبويا وسندي اللي ربنا بعته لي علشان يحسسني بالأمان ويعلمني يعني إيه عيلة واحتواء.
حاوط كتفها بذراعه ليقربها من صدره وهو يقول بنبرة تقطر حنانًا:
- حبيبة قلب أخوكِ يا زينة، ربنا يخليكِ ليا يا حبيبتي.
- ويخليك ليا يا حبيبي...
قالتها وهي تشدد من احتوائها له ليقطع تلك اللحظة صوت رامي الذي تحرك تجاههم وهو يقول بحدة مفتعلة:
- الله الله يا ست هانم، لسه مكملناش أسبوعين جواز وسيباني قاعد على جنب وقاعدة تحضني وتحبي في حضرة الظابط.
- عندك مانع ولا إيه يا حبيبي؟
نطق بها يوسف ليرفع الآخر كفاه للأعلى بملاطفة:
- وأنا أقدر أتكلم.
ابتعدت زينة كي تترك لزوجها المساحة، فاقترب وتعانق هو ويوسف وتحدث مربتًا على ظهره بقوة:
- ألف مبروك يا عريس.
تحرك الجميع خلف يوسف حيث اتجه نحو علام الذي نطق والحبور قد كسا ملامحه:
- أهلًا بالعريس.
احتضنه يوسف وتحدث علام بنبرة تقطر حنانًا:
- مبروك يا حبيبي، ألف مبروك يا بطلي، أخيرًا هشوفك عريس أنتَ وحفيدتي الغالية.
- ربنا يبارك لنا في عمرك يا باشا، وتجوز مالك بنفسك وتشوف أولاده.
- ياه يا يوسف، أنتَ عاوزني أعيش لحد ما أجوز مالك؟!
... قالها بأعين لامعة من شدة تأثرها لينطق الصغير:
- أيوا يا جدو، أنا عاوزك تجوزني بنت شبه بوسي، وتعملي بيت وفرح زي بتوع جو بالظبط.
أطلق الجميع ضحكاتهم بينما نطقت عصمت بمداعبة:
- ده أنتَ مركز مع يوسف بقى.
ضحك الجميع على دعابتها واحتضنت يوسف وهي تقول:
- عروستك زي القمر يا حبيبي، الله أكبر ربنا زادها جمال فوق جمالها، أنا لسه جاية من عندها حالًا.
سألها متلهفًا بعدما أثاره حديثها:
- هي لبست فستانها يا تيتا؟
- لسه يا حبيبي، البنات خلصوا معاها الحمام المغربي وكام خطوة كده.
قطع حديثهم دخول نائلة بصحبة الصغار حيث هتفت الصغيرة وهي تهرول على شقيقها:
- جو، كتير اشتقت لك أنا.
احتضنها بقوة وبات يلف بها وهو يقول:
- يا حبيبة قلبي جو، أنتِ كمان وحشتيني جدًا.
التقطتها زينة وأسكنتها بأحضانها وهي تقول:
- وحشتيني يا نور.
قبلتها الفتاة بشغف وتحدثت:
- وإنتِ كتير يا زينة، وينو عريسك الحلو؟!
ضحكت ليقترب منها رامي وهو يقول:
- أنا أهو يا أستاذة نور، مش أنا قولت لك يوم الفرح إن اسمي رامي.
أجابته ببراءة:
- نسيته لاسمك، دخيلك ماتزعل مني.
- فيه حد يقدر يزعل من النوتيلا...
تبسمت لوصفه لها بينما استقبل الجميع نائلة وتحدث يوسف مرحبًا:
- حمدالله على السلامة يا مدام نائلة.
- الله يسلمك يا حضرة الضابط، كتير اشتقنالكن أنا والصغار.
احتضن يوسف الصغير وبدأ بنثر قبلاته الحارة عليه، بينما رحبت إيثار بالسيدة وعلى وجهها ابتسامة لطيفة:
- نورتي البيت ونورتي مصر كلها يا أفندم.
- القصر منور بناسه يا مدام إيثار، ألف مبروك ليوسف...
وتابعت بمجاملة:
- كتير حليانة، ماشالله عليكِ يؤبرني جمالك.
ردت بابتسامة جذابة:
- ميرسي يا أفندم، من بعض ما عندكم.
أقبلت عليها عصمت ورحبت بالسيدة قائلة:
- نورتينا يا أفندم، اتفضلي.
أشارت للداخل فتحركت نحو علام الذي نطق مرحبًا بحفاوة:
- حمدالله على السلامة يا مدام، نورتونا.
- ميرسي كتير إلك يا سيادة المستشار، كتير غمرتوني بلُطفكن، والله ما بعرف شو بدي قُلّكن.
خرج فؤاد من الداخل ورحب هو الآخر بها:
- حمدالله على السلامة يا مدام نائلة، نورتوا مصر.
- مصر منورة بناسها يا فؤاد بيك...
قالتها بجدية فلن تنسى أنه كان سببًا رئيسيًا فيما آلت إليه ابنتها من مصيرٍ مظلم بفضله، حتى لو لم يكن يعلم ما سيحدث لكنه كان سببًا رئيسيًا حسب ما قصت عليها ابنتها.
جلس الجميع حول مائدة الإفطار الطويلة وبدأوا يتناولون الطعام وسط أحاديثهم الشيقة، كان يوسف يُجلس الصغير فوق قدميه ويطعمه بيده، قبل وجنته وهو يقول بسعادة:
- أنتَ عارفني يا سليم.
نطق بتلعثمٍ فما زال يتعلم الكلام فعمره الآن يقترب من الأربع سنوات:
- أي، أنتَ يوسف أخي، نور كتير بتحكي إيلي عنك.
نطقت نائلة مفسرة:
- سليم كتير ذكي، اسم الله عليه ما بينسى شي، وإنت ما بتقصر معهن يا يوسف، إجيت لعنا عفرنسا مرتين بالسنة الماضية ونحن إجينا مرة ع فرح زينة، وما تنسى حديثك معهن أنت وزينة عالفيديو كول كتير مُهم وبقوي العلاقة بيناتكن.
بعد انتهاء الطعام طلب فؤاد من نائلة الحديث على انفراد، تحركت بجواره داخل الحديقة فتحدث معتذرًا:
- أنا عارف إنك زعلانة مني ومحملاني ذنب اللي حصل لبنتك، بس أقسم لك إني ما كان في بالي أي حاجة من اللي حصلت وقت ما قررت إني أبعت لرولا الفيديوهات والمستندات اللي بتكشف لها حقيقة عمرو، كل اللي قصدته إني أبرئ مراتي من التهم الباطلة اللي افترى بيها عمرو عليها، وأقصى شيء جه في بالي إن بنتك هتطلق وتنتقم من عمرو في شغله.
تنفست بعمقٍ ثم تحدثت والألم يملؤ صوتها:
- بعرف إن ما إلك ذنب، كل يلي حصل من غبائها لبنتي يلي بلا عقل، هي اللي غلطت من لما اتعرفت على هاديك المجرم وأجبرتني على تقبله بيناتنا، كتير اتعلقت فيه وضحت من شانه، وبالأخير طلع واحد كذاب حقير، بس أنا كنت كاشفته من أول يوم، وكتير حذرتها لرولا وسليم، بس ما كانوا بيردوا عليّ.
تنهد بأسى وتحدث:
- ده نصيب ومكتوب يا مدام.
وتابع يشكرها:
- أنا متشكر جدًا إنك حافظتي على وعدك ليا ومحكتيش اللي حصل لأي حد.
- ما فيني قابل معروفك بشر يا سيادة المستشار، برغم كل يلي صار، بتضلك إنت يلي فتحتلها لعيونها لبنتي ع حقيقة هالواطي.
انتهى من الحديث معها وانضمت هي إلى الطاولة لتجلس بصحبة عصمت والسيد علام وزينة وزوجها الذي همس وهو يتحسس كفها:
- وحشتيني.
زاد احمرار وجهها خجلًا.
بينما تحركت إيثار لتسأل زوجها بفضولٍ وشكٍ:
- كنت بتتكلم مع الست دي في إيه، وإيه الحوار المشترك اللي بينك وبينها يخليكم تتكلموا الوقت ده كله وبالتأثر اللي أنا شوفته ده؟!
غمز بعينيه وسألها بمشاكسة:
- ده أنتَ مركز بقى ومراقبنا يا جنابُه.
بحدة ونفاذ صبر تحدثت:
- فؤاد، أنا مبهزرش.
- طب اهدى يا وحش، النهاردة فرح ابننا ومحتاجين صحتك يا باشا.
زمجرت وقبل أن تنطق بحرفٍ تحدث كي يعيد إليها الهدوء:
- كنت بسألها عن وضع بنتها القانوني وآخر المستجدات، وسألتها لو محتاجة أي حاجة علشان الأولاد.
تغيرت نظراتها من شرسة ساخطة إلى منبهرة حنون وهي تقول بفخرٍ:
- حبيبي يا فؤاد، قد إيه أنتَ حنين وقلبك كبير.
- لا والله؟...
قالها مستنكرًا تحولها وتحدث بمداعبة:
- بتقلبي في لحظة.
تبسمت بدلالٍ:
- وإنتَ زعلان علشان بغير عليك يا حبيبي.
نطق بصدقٍ:
- لا طبعًا يا بابا، أنا عمري ما أزعل منك.
وقف يوسف بجانب السور مستغلًا انشغال الجميع وطلب رقم بيسان وانتظر الرد وعينيه معلقة بشرفتها الخاصة، كانت تتمدد فوق الشيزلونج الخاص بالمساج، مستسلمة لكفي الفتاة التي تقوم بتدليك جسدها بالزيوت العطرية، تجاورها فريال الجالسة بمقعدٍ مجاور لابنتها، أحضرت الهاتف إحدى الفتيات المسؤولات عن تجهيز العروس وتحدثت:
- تليفونك بيرن يا عروسة.
سألتها بصوتٍ مرتخي كجسدها المستسلم للتدليك:
- مين اللي طالبني؟
رفعت الهاتف ليقابل عينيها وهي تقول:
- مكتوب "My love".
اعتدلت سريعًا واختطفت الهاتف متلهفة، وقبل أن تجيب جذبته فريال من بين يديها:
- مش وقت دلعك إنتِ وحضرة الظابط يا بوسي، لسه قدامنا شغل كتير خلي البنات تشوف شغلها.
نطقت متوسلة:
- بليز يا مامي تديني التليفون، هما خمس دقايق بس هشوف جو عاوز إيه وهقفل بسرعة.
نطقت الأخرى مفسرة:
- يا حبيبة قلبي الوقت بيجري، اتمددي خلي البنت تكمل شغلها.
- علشان خاطري...
وتابعت بتذمر:
- يا مامي هاتي الفون ليكون عاوزني في حاجة مهمة ويزعل مني.
نطقت بابتسامة وهي تقول بثقة:
- متخافيش، النهاردة بالذات ميقدرش يزعل منك مهما عملتي.
ضحكت الفتيات بعدما فهمن مقصد السيدة بينما نطقت هي باستعطاف:
- هاتي يا مامي بقى علشان خاطري.
بالكاد أقنعتها وأخذت الهاتف وانسحبت بعيدًا، طلبت رقم ذاك الذي يئس وكان بطريقه للانضمام للجمع لولا قطعت عليه باتصالها، رد سريعًا:
- إيه يا حبيبي.
- وحشتني...
قالتها بنعومة فأجابها:
- وإنتِ كمان وحشتيني قوي يا بوسي، من قبل الحنة وعمتو منعاني أشوفك معرفش ليه.
ضحكت وهي تجيبه:
- بتقول علشان أوحشك وتتفاجئ بالميكب بتاعي.
سألها والشوق والحنين إلى الحبيب يغلبه:
- بقول لك إيه يا حبيبي، رسمتي التاتو مكان ما قلت لك؟
ابتسمت تجيبه بخجل:
- آه، البنات رسموه.
سألها للتأكيد:
- على صدرك من الناحية الشمال يا بوسي؟!
- إمممم...
هكذا كان ردها الخجل ليتابع أسئلته من جديد:
- وعلى رجلك من تحت؟!
جذبت من يدها الهاتف وتحدثت إلى ذاك العاشق المجنون:
- بطل نحنحة وسيب البنت خليها تكمل التجهيزات يا يوسف، متستعجلش يا حبيبي، كلها كام ساعة وتبقى في بيتك وساعتها ابقى استكشف براحتك مكان التاتو.
أغلقت تحت حزن الفتاة التي تحركت بأمر من والدتها إلى فريق العمل المسؤول عن تجهيزها بينما طار قلب يوسف وسعد لمجرد تخيله أنه سيمتلك حبيبته اليوم وللأبد.
***
داخل قرية ناصف، بالأمس جمع السيد محمد رجال العائلة وتحدث إليهم واتفق أن يجتمعوا ويذهبوا للوقوف بجانب يوسف حفيد السيدة إجلال التي انتقلت إلى رحمة الله منذ ما يقرب من السبعة أشهر بعد تعرضها لجلطة دماغية شلت جميع جسدها، ظلت مرافقة للفراش في بيتها التي احتلته نوجا وأهلها بناءً على أوامر من السيد محمد شخصيًا مما جن جنون السيدة إجلال، وكلما رأتها تتجول براحتها هي وعائلتها الصغيرة داخل المنزل الذي جمعها بحبيبها نصر البنهاوي وأبنائها وأحفادها وها هو المنزل بذاته يسكنه الآن رعاع القرية كما كانت تصفهم دومًا، كلما رأتهم يتحركون أمامها استشاط داخلها، وما زاد من حقدها وغليان قلبها هو علمها بأن يوسف تنازل عن حقه بالميراث لابنة سمية النكرة التي عاشت منبوذة من الجميع، هذا الخبر تحديدًا نزل عليها كصاعقة كهربائية شديدة مما سهل من سرعة موتها وذلك بعدما تمكن مرض "نقص المناعة" "الإيدز" من جسدها الضعيف، توفت وبعد أقل من شهر لحقت بها أزهار لتنطوي صفحة كلتاهما للأبد، وتذهب كلٌّ منهما لربها لتنال جزاء ما فعلت بدنياها.
اتفق الجميع على حضور حفل الزفاف تلبيةً لرغبة فؤاد الذي دعاهم في محاولة منه لرفعة شأن الفتى أمام الجميع بحضور عائلته المشرفة.
_____________
داخل السجن، نطق أحد الموقوفين على ذمة قضية وهو ينظر إلى طلعت بشماتة:
- سبحانه المعز المذل، اللي يشوفكم زمان ما يشوف الخراب اللي نزل عليكم من كتر ظلمكم للناس، مين كان يقول إن بيت نصر البنهاوي اللي مكنش حد من أهل البلد يتجرأ يعدي من جنب سور جنينته، الوقت ساكنه أفقر عيلة في البلد وعايشين يتمتعوا ويرتعوا في فلوسكم اللي لمتوها من الحرام.
لم يصدر منه أي تعقيب فقد أصيب بصدمة جعلته يقبل على صمت دائم اختاره بعدما استمع إليه من أحداث تعرضت إليها جميع عائلته، لم يهتم بما حدث إلى عمرو من حادث مؤلم وشنيع، ولم يحزن عليه بقدر ما حزن على ثروته الضخمة التي قام بتوزيعها على أبنائه وابنة سمية تحديدًا ولم يترك له شيئًا يعيش من ريعه بعد قضائه مدة العقوبة وخروجه من السجن بعدما تم غلق المطعم للأبد، وبما أنه ممنوع من نزول القرية بأمر من عائلة ناصف وعلى رأسهم السيد محمد شقيق والدته، فكان يرسم آمالًا ويبني طموحات بشأن ثروة عمرو انهدمت جميعها على رأسه بعد الأحداث الأخيرة.
***
أتى المساء ليهل بنسماته العطرة ينثرها على الكون، الجميع تجهز وتأهب لبدء ذاك الحفل الضخم، حضر مجموعة كبيرة من صفوة المجتمع ورجال المال والأعمال والدولة، بإحدى الغرف بالأعلى، يقف يوسف بعدما ارتدى بذلة عرسه المختارة بعناية فائقة منه ومن بيسان، الغرفة مزدحمة بالحضور، إيثار، فؤاد، عزة، زينة والصغيرة تاج، الجميع يتطلعون عليه بنظرات مليئة بالفخر والحنان، وقف فؤاد يقابله وتحدث وهو يساعده بربط ربطة عنقه لتخرج بشكل لائق:
- وكده ربطة الكرافات مظبوطة يا باشا.
احتوى كتفيه وهو يتطلع عليه بعينين مملوءة بحنين الذكريات، فحياته مع ذاك الرائع مرت من أمامه كشريط سينمائي، منذ أن ولج إلى القصر وهو بالسادسة من عمره، إلى تلك اللحظة وهو يربط له ربطة عنقه لحضور أروع لياليه وأميزها، نطق متأثرًا:
- مبروك يا حبيبي، مش مصدق نفسي، إبني كبر وبقى عريس قد الدنيا.
- أنا عاوز أقول لك إنت أعظم وأروع أب في الدنيا كلها...
نطق بكلماته متأثرًا لتلمع عينيه بلمعة الدموع التي تأبى النزول امتثالًا لكبرياء ذاك الشامخ، تابع مسترسلًا وهو يحتضن كف يده ويقبله احترامًا وتقديرًا تحت تأثر الآخر:
- أنا عمري ما هنسى اللي حضرتك عملته معايا، وقوفك جنبي ودعمك ليا اللي كان بيزيد ويكبر مع مرور السنين.
مال فؤاد برأسه متأثرًا، ليتابع يوسف باسترسال:
- ربنا يخليك ليا، أنا بحبك قوي.
نطق فؤاد بمشاعر أبوية متأثرة:
- وأنا كمان بحبك قوي، وشايفك أعظم إبن في الدنيا.
جذبه وأسكنه بأحضانه في لحظة تأثر بها الجميع وبكى، أما إيثار فتحدثت وقد انهمرت الدموع من بين عينيها من شدة تأثرها، حاوطت وجنتيه بكفيها وتحدثت:
- مبروك يا حبيبي، مبروك يا نور عيني، أخيرًا يا يوسف شوفتك بعيوني أجمل عريس.
وتابعت بتمني:
- ربنا يتمم لك على خير يا نور عيوني.
نطق بصوت يقطر صدقًا ممتزجًا بمشاعر مختلطة:
- كنتي لي أعظم أم وأهم سند بعد ربنا سبحانه وتعالى، شيلتيني على ظهرك وجريتي بيا وحاربتي الكون كله علشان تصنعي لي مستقبل أفضل.
وتابع مسترسلًا بتأثر:
- جميلك على راسي يا ماما، وعمري ما هنساه مهما طال بيا الزمن.
نطقت بنبرة محتقنة من شدة التأثر:
- جميل إيه بس يا حبيبي، هو فيه جمايل بين الأم وأولادها؟!
قبل كفيها ثم جاء دور عزة التي بكت وهي تحتضنه بقوة:
- عيشت وشوفتك بعنيا أحلى عريس يا يوسف.
- حبيبتي يا عزة. ربنا يخليكِ ليا.
أشارت بكفها ودموعها تسبقها:
- يكون في معلومك، زي ما ربيتك إنت ومالك هربي عيالك، وإياك اللي اسمها بيسان تفتح بقها بكلمة، أنا قلت لك أهو.
ضحك وتحدث:
- حاضر يا زوزة، محدش هيربي العيال غيرك، بس هما ييجوا.
- تسلم عينك يا قلب زوزة.
- قال يعني تربيتها تشرف قوي وعاوزة تكمل المسيرة...
قالها فؤاد هامسًا لزوجته وتابع ساخرًا:
- ده مالك بسم الله ما شاء الله، بقى بلطجي العيلة على إيديها.
تبسمت إيثار وحاولت كظم ضحكاتها، اقتربت زينة لتنطق بدورها هي الأخرى بكثير من التأثر الصادق:
- مبروك يا حبيبي، أنا بتمنى لك من كل قلبي تعيش حياتك بسعادة مع بوسي، إنت حد كويس قوي وتستاهل خير الدنيا كلها.
احتضنها وبات يلمس على غطاء رأسها بحنو، أما تاج فوقفت أمامه وهي تقول:
- إنت جميل قوي يا جو، وأنا بحبك قوي.
- حبيبتي...
احتضنها وقبل وجنتيها ثم تحرك الجميع للأسفل كي يقوموا باستقبال المعازيم، وأثناء سيرهم داخل الممر قاصدين الدرج، نطق يوسف بهمس لوالدته المجاورة:
- ما تتصلي كده يا ماما على طنط فريال شوفيهم وصلوا لحد فين؟
أجابته باستفاضة:
- يا حبيبي ما أنا لسه مكلماها قدامك من نص ساعة وقالت لي إنهم اتحركوا من الفيلا وفي طريقهم للأوتيل.
نطق بحدة ناتجة من توتره:
- أنا مش عارف ليه عمتي مسمعتش الكلام وكنت حجزت لهم جناح هنا في الأوتيل وارتاحنا من التوتر ده.
ردت مفسرة باستفاضة:
- هي شافت إن البيت أفضل وأريح لبنتها، وهتبقى على حريتها وكمان فيه خصوصية أكتر من هنا.
احتوى فؤاد كتفه وتحدث مربتًا بهدوء:
- إهدى يا ابني، عمك ماجد لسه مكلمني وهما خلاص على وشك يوصلوا، خد نفس وحاول تهدى، على ما ننزل ونرحب بالناس هتلاقيهم جم.
وتابع هامسًا وهو يقيم تلك الرائعة:
- هو أنا مش قلت مفيش نبيتي يتلبس تاني برة أوضة النوم؟ الكلام مبقاش يتسمع ليه؟
- ده أنا لبساه علشانك يا حبيبي.
أجابها ساخرًا:
- وهو اللي في أوضتنا بتلبسيه علشان عزة ولا إيه مش فاهم؟!
وتابع بنبرة متوعدة بافتعال:
-على العموم حسابنا لما نروح في البيت.
تبسمت بدلال نال استحسانه فهدأت نار الغيرة.
بعد قليل كان يصطف بجوار فؤاد وإيثار وعمه حسين ونجله أحمد، يستقبلون المعازيم. حضر ياسين تحت حراسة مشددة، الكل يتسائل عن شخصه ولا أحد يعلم سوى ما تم إخبارهم به وهو أنه رجل دولة ذو أهمية كبيرة. كانت تتأبط ذراعه ملكة حياته، لفتت أنظار الجميع بثوبها الرائع ورقة طلتها وزينتها الهادئة. نطقت إيثار تسأل زوجها وهي ترى تلك الجميلة وذاك الرجل صاحب الهيبة يقبلان عليهم:
-مين اللي جاي علينا ده يا فؤاد؟
ضيق عينيه يطالع ياسين المغربي وطلته الجذابة وهيئته التي تجبر الآخرين على الاحترام:
-مش عارف يا حبيبي، بس من خلال خبرتي أقدر أقول لك إنه تبع شغل يوسف، وتحديدًا هيطلع الشخصية المهمة في جهاز المخابرات اللي يوسف دعاه علشان يحضر الفرح، اسمه ياسين المغربي، يوسف خلاني أنا كمان أكلمه ودعيته هو وعيلته.
بالفعل أقبل يوسف يستقبل الرجل وهو يقول مرحبًا بحفاوة:
-ياسين باشا، حضرتك نورت فرحي وشرفتني بحضورك الكريم يا أفندم.
نطق ياسين بفخر بالشاب:
-أنت اللي شرفتنا وشرفت بلدك كلها يا حضرة الظابط.
وتابع وهو يشير إليه لزوجته:
-يوسف ده يبقى الظابط اللي كلمتك عنه من فترة يا هانم.
أومأت بابتسامة لطيفة وتحدثت:
-فكراه طبعًا، ألف مبروك يا حضرة الظابط.
تعرف فؤاد على ياسين وتحدث بتوقير:
-شرفتنا يا ياسين باشا.
رد ياسين بتوقير لشخص فؤاد وعلام:
-الشرف ليا أنا يا سيادة المستشار، تاريخك وتاريخ المحترم والدك معروفين للكل.
-العفو يا أفندم...
وتقدم بتعريف زوجته:
-أستاذة إيثار الجوهري، المدام وأم أولادي ووالدة العريس، ورئيس مجلس إدارة شركات الزين.
-أهلاً وسهلاً يا مدام، وألف مبروك لحضرة الظابط...
شكرته بهدوء:
-ميرسي يا أفندم.
نطق ياسين مشيرًا إلى زوجته ليعرف الجميع عليها:
-مليكة هانم المغربي، المدام وأم أولادي.
-نورتينا مدام مليكة...
قالتها إيثار لترد عليها الأخرى:
-ده نورك أستاذة إيثار، اسمك جميل ومميز.
-ميرسي يا أفندم، ده من ذوقك.
أشار ياسين على كارم وأيسل وتم التعريف على الثنائي واندمجا سريعًا على الحفل. تحرك فؤاد وإيثار وزينة مصطحبين الضيوف إلى الطاولات المحجوزة إليهم. اطمئن أيضًا على نائلة والطفلين وعلام وعصمت وزين الدين ومالك، ثم عادوا من جديد للوقوف بجوار يوسف. هرول مالك ليقف بجوار يوسف ويخبره:
-أنا هقف جنبك أستنى بوسي يا حضرة الظابط، وهرقص معاكم.
-ده إيه الأدب اللي نزل عليك مرة واحدة ده يا مالك؟
أجابه:
-مامي هي اللي قالت لي أقول لك يا حضرة الظابط، علشان الناس.
نطقت أيسل وهي تتطلع على الأجواء:
-المكان فخم قوي والترتيب هايل، الناس دي شكلها تقيل.
نطق كارم مفسرًا لزوجته:
-جوز مامت العريس فؤاد علام يبقى مستشار كبير في النيابة العامة، وباباه ترتيبه الثاني بعد النائب العام مباشرة.
أبلغت فريال فؤاد عن طريق الهاتف أنهم يقفون بالخارج يستعدون لدخول العروس. شدد يوسف من انتصاب ظهره، وأخذ نفسًا عميقًا ملأ به رئتيه كي يحتفظ بتوازنه. صوب بصره على المدخل الرئيسي يترقب ظهور أميرته الحسناء. اشتغلت الموسيقى الهادئة المعدة لدخول العروس وبلحظة تسمر بوقفته واتسعت عيناه بذهول وانبهار حين وجدها تطل من الباب كحورية هبطت عليه من الجنان، أخذ نفسًا عاليًا لينتفض داخله بشدة وتسارعت دقات قلبه بوتيرة سريعة، قلبه يطالبه بالإسراع عليها وضمها وليختفي بها عن أعين الجميع.
أما تلك الجميلة الراقية، كانت تتأبط ذراع والدها، تتحرك بجانبه عيناها تسبح المكان باحثة عن مالك القلب والهوى، تطلعت أمامها وجدت عاشق عيناها يقف بانتظارها بهيئة جذابة تخطف الأبصار، يرتدي حلة سوداء جعلت منه وسيمًا للغاية.
رواية انا لها شمس الفصل الثامن والثمانون 88 - بقلم روز امين
اقتربت مليكة من الصغير وقامت بوضع قُبلة على وجنته وابتعدت لتتحدث إلى زوجها الذي امتلكه الغضب لقرب زوجته من فؤاد دون قصد حين قبلت الصغير:
- إحنا لازم نعرفهم على بعض يا باشا.
ابتسم لها ياسين مع إرساله لإشارات توعدية من عينيه جعلتها ترتعد وتعود للخلف، في حين نطق فؤاد بمجاملة:
- إن شاء الله يا أفندم.
نطق المشاغب يسأل ياسين:
- هو عز قدي يا عمو؟!
- أكبر حبة بس نفس اللماضة.
قالها ثم قبله، أفلت فؤاد صغيره وتحدث إلى ياسين:
- اتفضلوا يا أفندم.
استأذن ياسين فتحدثت عصمت:
- نورتونا.
تحركت العائلة خلف فؤاد وجلسوا بمقاعدهم ولم يتركهم فؤاد إلا بعدما اطمئن على تقديم واجب الضيافة على أكمل وجه، انسحب هو وامرأته ثم تحدث إليها وهو يرمقها بنظرات توعدية:
- وحياة الدكتورة عصمت ما هفوتها لك يا إيثار.
- هي إيه دي اللي مش هتفوتها لي يا فؤاد؟!
- النبيتي.
قالها بقهرة وهو يطالع حسنها الزائد في ذاك الثوب بلونه المحب إلى قلبه وتابع:
- النبيتي يا مدام.
ضحكت وتحركت بجواره وهي تقول بجدية:
- طب يلا نرجع ليوسف علشان نكون جنبه وهو بيستقبل عروسته.
احتوى خصرها برعاية وتحرك بجوارها حتى وصلا لنجليهما.
العودة إلى طاولة عائلة الزين، نطقت سميحة والغل والحقد يأكلان من قلبها وهي ترى احتواء فؤاد لتلك الدخيلة على عائلتهم كما تصفها دومًا:
- الدنيا دي غريبة قوي.
الجميع التفت إليها منتظرين تكملة حديثها، علام، عصمت، أحمد، نجوى، بسام، زوجته حتى الصغير زين الدين الجالس بجوار جده، فتابعت بابتسامة ساخرة:
- مين يصدق إن عيلة الزين والرتب اللي موجودة حوالينا دي وصفوة رجال الأعمال متجمعين في الفرح الأسطورة ده علشان يهنوا ويباركوا لابن السكرتيرة اللي دخلت على عيلتنا بفستان ملبسهوش لخدامتي وشايلة ابنها على كتفها زي الـ....
لم تستطع تكملة حديثها من صوت عصمت التي هدرت غاضبة لنصرة زوجة نجلها ولم تتحمل عليها الإهانة من تلك الحاقدة:
- سميحة، اتكلمي كويس واوعي تنسي إن اللي بتتكلمي عنها دي تبقى مرات فؤاد علام زين الدين.
غضب علام واكتفى برمق ابنة شقيقه بازدراء ولوم وحدة وفضل عدم الرد منعًا لإحراج شقيقه الذي شعر بالخزي من حديث نجلته وبدوره هتف بعينين تطلق شزرًا:
- اعتذري لعمك ومراته حالًا!
ابتلعت ريقها وشعرت بقبح ما نطقت به، حتى زوجها لم تسلم من نظراته الحادة لها، نطقت نجوى للدفاع عن ابنتها وتحسين موقفها أمام الجميع:
- سميحة متقصدش اللي فهمتيه يا عصمت.
احتدمت بسؤالها:
- أمال تقصد إيه يا نجوى؟!
ابتلعت لعابها وهي تدافع عن نفسها كذبًا ومراوغة:
- صدقيني يا طنط ما قصدتش اللي جه في بالك، أنا كنت هكمل كلامي وأقول إنها ست ناجحة وبرافو عليها إنها قدرت توصل بنفسها وابنها للمكانة دي.
هتف أحمد من جديد بنبرة حازمة وعينين تطلق سهامًا حادة:
- قولت لك اعتذري وبعدها مش عاوز أسمع صوتك لحد الفرح ما ينتهي.
تنفست بقوة لتنفس عن غضبها الكامن ثم نطقت بحدة تجلت بصوتها:
- أنا آسفة لحضرتك يا عمو.
قابل علام نظراتها الحادة بنظرات باردة ثم ابتعد يتطلع على يوسف.
- وآسفة لحضرتك يا دكتور.
قالتها لزوجة عمها وهي تقلب عينيها بضجر تلعن بسريرتها تلك العائلة الغبية التي أعطت قيمة لتلك القروية الخبيثة كما دومًا تراها، همس "بسام" الجالس بجوارها قائلًا بلوم:
- خليك لطيفة وبلاش تفتعلي مشاكل وتولعي الأجواء يا سميحة.
همست وقلبها يغلي كالبركان، حتى التعبير عن استيائها مُنعت منه بأمر وجبر:
- إنتم عيلة أغبية كلكم، ومش هتفوقوا غير لما تخسروا كل حاجة على إيد الهانم اللي علتوها على الكل، وبكره هفكركم لما تستولى على الشركة وتكتب كل حاجة باسمها.
- جو المؤامرة اللي إنت عايشاه ده أكل دماغك خلاص، طلعي الست من نفوخك وعيشي حياتك يا سميحة.
وتابع بصدق:
- ده أنا اللي مكنتش بطيق أسمع اسمها تقبلت وجودها ومنصبها اللي تأكدت إنها أنسب حد ليه، وإن عمي وفؤاد وبابا كان عندهم بُعد نظر لأنها أثبتت مع السنين إنها جديرة وتملك عقلية "بيزنس وومن" زي ما بيقول الكتاب، والدليل النقلة الكبيرة والمكانة اللي وصلت بيها الشركة من ساعة ما مسكت الإدارة.
تعمقت بعينيه وتحدثت وهي تُشير بكفها على تجهيزات الزفاف الباهظة:
- مسألتش نفسك الهانم عاملة الفرح ده منين؟!
واسترسلت بشراسة:
- أقول لك أنا، من فلوسنا يا باشا.
وتابعت بسوء ظن بعائلة عمها:
- خليكم انتم قاعدين واتفرجوا على خيبتكم واتسرقوا وانتم ساكتين.
أجابها بثبات:
- اللي أعرفه إن الولد ما شاء الله شغال مع المخابرات، وكمان مع شركة كبيرة ودخله محترم.
أشارت بكفها تحثه على التزام الصمت:
- إسكت يا بسام، مبحبش أتناقش مع الأغبياء.
استاء من حديثها ورمقها بسخط لتنطق زوجته:
- سيبك منها يا بسام، أختك بقت مستفزة وتحسها اتحولت في الكام سنة الأخيرة.
بينما مالت نجوى تهمس بأذن نجلتها:
- اهدي وبطلي تهور، الكل لاحظ نرفزتك وكرهك للي اسمها إيثار، ألف مرة قولت لك مينفعش تحطي نفسك في موقف يظهر إنك حطاها في دماغك.
وتابعت بكبرياء وغرور:
- إنت سميحة الزين، مينفعش تخلي الكل يلاحظ إن حتة سكرتيرة شغلاكي.
رفعت رأسها للأعلى بشموخ وتطلعت على فؤاد بجوارها والألم والحسرة تملكا من قلبها.
تركزت عيناه على المدخل الرئيسي يترقب ظهور أميرته الحسناء. اشتغلت الموسيقى الهادئة المعدة لدخول العروس وبلحظة تسمر بوقفته، واتسعت عيناه بذهول وانبهار حين وجدها تطل من الباب كحورية هبطت عليه من الجنان. أخذ نفسًا عاليًا لينتفض داخله بشدة وتسارعت دقات قلبه بوتيرة سريعة. قلبه يطالبه بالإسراع عليها وضمها وليختفي بها عن أعين الجميع، لقد كانت جميلة بل ساحرة بطلتها الهائلة.
أما تلك الجميلة الراقية، كانت تتأبط ذراع والدها، عيناها تسبح المكان باحثة عن مالك القلب والهوى. تطلعت أمامها وجدت عاشق عيناها يقف بانتظارها بهيئة جذابة تخطف الأبصار، يرتدي حلة سوداء جعلت منه وسيمًا للغاية. تشابكت الأعين وكأن الزمان توقف والمكان خلا من الجميع عداهما. تأهب وتنافرت عروق جسده بالكامل من شدة توتره، شعر به فؤاد فاحتوى كتفه مما عزز الثقة بنفسه. أقبل عليه ماجد فاحتضنه يوسف. نطق ماجد بقلب يحمل العديد من المشاعر المتنوعة، مشاعر ثائرة هزت كيانه بالكامل، ما بين سعادة لأجل ابنته وهو يراها أميرة بثوبها الأبيض، وما بين غيرة على صغيرته التي عاش حياته بالكامل ليحميها كظل يرعاها، وما بين ألم وندم وشعور مرير يستقر داخل أعماقه لفراق حبة العين وذهابها لأحضان رجل آخر.
نحّى كبرياءه وشخصيته الصارمة جانبًا ونطق وهو يوصي من اختاره قلب صغيرته وفضله على جميع من حاول التقرب إليها من الشباب:
- أنا عارف إني ضايقتك وجرحتك كتير.
غصة مرة وقفت بوسط حلقه وهو يتابع بأعين متوسلة ونبرة متحشرجة من شدة خوفه على صغيرته:
- بس أنا عارف إنك راجل محترم وهتصون بنتي وتعاملها بما يرضي الله، عارف كمان إنك مش هترد لي الأسية في بنتي، مش كده يا يوسف؟
نطق جملته الأخيرة وانتظر متأملًا الإجابة بلهفة قلب أب. ابتسم الشاب وربت على كفه كي يطمئن قلب ذاك الملتاع على ابنته:
- قولتها لحضرتك قبل كده وهقولها لك تاني، بوسي بالنسبة لي هي النور اللي بشوف من خلاله حلاوة الدنيا، واللي من غيره تنطفي دنيتي وتضلم، فياريت تطمن قلبك.
وأشار إلى قلبه وتحدث:
- لأن بنتك ساكنة هنا، ومش هتخرج منه غير بموتي.
نطق سريعًا تحت احتراق قلب بيسان وهي ترى مدى تأثر والدها واحتباس دمعاته بالعيون:
- بعد الشر عنك يا ابني.
سحب كفه من خاصته ليحتضن كف ابنته ويقبلها متأثرًا وهو يقول:
- ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يسعدك أنت وجوزك.
- ميرسي يا بابي، ربنا يخليك ليا يا حبيبي...
نطقت جملتها وهي تربت على كفه بحنان. سلم كفها إلى يوسف بينما سحبت فريال زوجها جانبًا كي لا تبكي صغيرتها تأثرًا من حالة ماجد الحزينة، وباتت هي في مواساته والتخفيف عنه. وقف مقابلًا لحبيبته تحت تصفيق الجميع وروعة الموسيقى. احتوى وجنتيها بكفيه ثم مال على جبينها يضع قبلة احترام وتقدير، ثم تحدث وهو متعمقًا بكلتا الساحرتين عيناها:
- نورتي حياتي يا كل عمري.
تلألأت عينيها بدموع الفرح وما شعرت سوى وهي تقول:
- بحبك يا يوسف، بحبك.
تعانقا بقوة كلٌّ مشددًا من احتضانه للآخر متناسيين العالم بأسره، تعانقت القلوب وتراقصت على أنغام عشقهما العتيق. كم تمنى كلاهما الوصول إلى تلك اللحظة. تأثر الجميع بذاك المشهد وبالتحديد المقربين من دائرتهم ممن يعلمون قصة حبهما التي شهدت كمًا هائلًا من المصاعب التي تجعل اجتماعهما يكاد يكون مستحيلًا، لكن لا مستحيل أمام قدرة الله وتدابيره وسعي الإنسان. نوبة من المشاعر المتأثرة أصابت قلب إيثار، تلك الأم التي ذاقت الأمرين على أيادي الأقرباء قبل الغرباء، تذكرت رحلة كفاحهما معًا، لطالما أسمته شريك الكفاح ورفيق الدرب رغم حداثة سنه. طريقهما كان مفروشًا بالأشواك والصعاب، ومع إصرارها تخطته بقوة إيمانها بالله وثقتها بالنفس. سارعت دموعها بالنزول لتتعالى شهقاتها. شاركتها الدموع تلك الجميلة شريكة كفاحهما، تلك المرأة التي تخلت عن أنوثتها وحلم الأمومة مقابل العيش مع من اتخذتها ابنة لها ومن الصغير حفيدًا. بكت كلتاهما امتثالًا للحنين وسعادة قلبيهما. تعانقت كلاهما وتشاركتا المشاعر ككل شيء تقاسمتاه بالماضي. تحدثت إيثار من داخل أحضان الأخرى:
- شوفتي يا عزة، يوسف الولد الصغير اللي اتشاركنا وتعبنا في تربيته، كبر وبقى راجل والنهاردة بيتجوز من البنت اللي بيحبها.
- عقبال ما تجوزي الواد مالك وتفرحي بيه...
قالتها بدموعها لتجيبها إيثار بوفاء لتلك المرأة جميلة القلب والروح:
- وأنت معايا وبكامل صحتك يا أمي.
لأول مرة تناديها بـ "أمي". هذا هو اللقب الصحيح لعلاقتيهما، فلطالما كانت لها السند والداعم القوي والمعنوي والحماية، كانت كقطة شرسة تفترس بمخالبها من يحاول الاقتراب من صغارها، هكذا كانت وما زالت.
لاحظ فؤاد حالة زوجته فاقترب ليجذبها بأحضانه وهو يقول بنبرة تحمل كل معاني الحنان والاحتواء:
- إيه يا بابا، ينفع تعيطي في يوم زي ده وتبوظي الميكب اللي لينا ساعة شغالين عليه؟
شدد من احتضانها وتابع تحت شهقاتها العالية:
- إفرحي يا حبيبي، ابنك بقى عريس قد الدنيا وراجل يشرف بجد.
نطقت تطمئنه:
- أنا مبسوطة يا حبيبي الحمدلله، بس اتأثرت شوية.
اقتربت "تاج" و"نوارة" زوجة "وجدي" من "عزة" واحتضناها. تحدثت تاج:
- خلاص بقى يا زوزة، مش فاهمة إيه علاقة فرح "جو" بعياطك أنت وماما.
وتابعت مستنكرة حالة كلتاهما:
- ده انتوا أوفر دوز نكد.
ابتعدت عن حضنها لتنطق وهي تجفف دموعها بكفيها:
- دي دموع الفرح يا هبلة، وأنت هتعرفي الحاجات دي منين وأنت البعيدة مبتحسيش.
تبدلت ملامح الفتاة وتحدثت بسخط مفتعل:
- تصدقي إني غلطانة علشان قاعدة أواسيكي وسايبة أخويا لوحده.
وقبل أن تنصرف تحدثت إلى نوارة:
- خليك معاها يا طنط وحاولي تهديها.
نطقت نوارة بطمأنة الفتاة:
- روحي يا حبيبتي مع أخوك ومتشليش هم، خالتي عزة دي في عنيا.
بعد أن انصرفت نطقت عزة من بين دموعها التي مازالت تهطل بشدة:
- ميغركيش لسانها الطويل ونفختها الكدابة اللي شبه الطاووس، دي وارثة حنية أمها وقلب جدها علام اللي زي الدهب.
تحدثت نوارة:
- كل ولاد إيثار وارثين حنيتها يا خالتي، ربنا يبارك لها فيهم.
بدأ العروسان يتحركا باتجاه المكان المخصص لهما مع نغمات غنوة ادخلي عمري للفنان حسين الجسمي، تحت سعادة الجميع. نطقت مليكة وهي تتطلع على العروسان بانبهار لترابطهما الروحي:
- شكلهم بيحبوا بعض قوي.
وتابعت تسأل زوجها:
- بس هما مش صغيرين شوية على الجواز يا حبيبي؟!
أجابها وهو يراقب دخول العروسان:
- ما أنت لسه قايلة بنفسك يا قلبي، شكلهم بيحبوا بعض، فمقدروش يصبروا وخصوصًا إن ظروفهم المادية كويسة.
وتابع وهو يتابع نظراته إلى فؤاد وإيثار:
- تعرفي إن فؤاد علام مش أبو يوسف.
ضيقت بين عينيها وسألته:
- بتتكلم بجد؟
- وأنا إمتى هزرت معاك بالذات في الحاجات دي.
وتابع باستفاضة:
- بصي يا ستي، إيثار هي أمه، كانت مطلقة وبتشتغل مديرة أعمال لرجل أعمال كبير.
وبات يقص عليها ما علمه عن تلك الأسرة من خلال المعلومات التي حصل عليها من رجاله بعدما تقصوا عن تاريخهم بناءً على أوامره. نطقت بدهشة وهي تطالع إيثار:
- برافو عليها، ست مدهشة.
ركز عينيه على إيثار وتحدث قاصدًا كي يرى غيرة زوجته التي تروي عطش قلبه:
- هي فعلًا مدهشة، خصوصًا في اللون النبيتي.
لكزته بحدة وهي تقول بشراسة:
- ياسين.
- قلبه...
قالها بأعين تفيض هيامًا لتنطق هي بشراسة:
- إتلم.
أجابها بابتسامة:
- أوامر معاليك، بموت في شراستك يا وحش.
ابتسمت فاحتوى كفها بعناية وتلاقت الأعين. احتوت أيسل كف زوجها الموضوع فوق المنضدة. طالعها بأعين منزعجة تحمل الكثير من العتاب. فهو مازال غاضبًا منها برغم أنها تقربت منه وقضيا وقتًا خاصًا بهما حاولت من خلاله محو ما حدث، لكن يبدو أن الأمر يحتاج منها بذل مجهود أكبر. نطقت بنبرة حنون وهي تذكره بليلة زفافهما المميزة:
- فاكر يوم جوازنا يا حبيبي.
تنهد براحة يحاول جاهدًا تجنب ما فعلته اليوم. نطق بهدوء في محاولة منه بالاندماج:
- أكيد فاكر.
- وحياتي عندك متزعل مني، أنا آسفة...
قالتها بأعين نادمة لامست قلبه. نطق متأثرًا بعينيها العاشقة:
- خلاص يا سيلا، مش زعلان.
- بحبك يا كراملة...
قالتها بابتسامة ساحرة ليبادلها إياها بأخرى هادئة. همست مليكة إلى زوجها:
- أيسل وكارم اتصالحوا.
- ربنا يهديهم...
قالها ثم تحدث بغمزة من عينيه:
- هنقضي النهارده هنا في الأوتيل يا ليكة، وبكرة الصبح هنتحرك على إسكندرية إن شاء الله.
تبسمت وسألته بمشاكسة:
- أيوا يعني عاوز إيه؟!
-عاوز أدوق دلع حبيب جوزه لقلب جوزه.
ضحكت بإنوثة لينطق:
-والله شكلها ليلتنا هتبقى بيضا.
عودة للعروسين، وصلا للمكان المخصص لجلوسهما، انهالت عليهما المباركات والتهاني من الأهل والمعارف والأصدقاء، احتضنت إيثار الفتاة وتحدثت:
-شكلك زي القمر يا قلبي، طالعة شبه الملايكة في الحجاب.
هتفت نوال المجاورة لحفيدتها بنبرة أوحت إلى اعتراضها:
-بلا ملاك بلا شيطان، ابنك حكم رأيه ومشاه علينا ورمى كلامي تحت رجليه يا مدام، هو فيه عروسة تكتف نفسها بالحجاب في يوم فرحها؟!
-عادي يا طنط إيه المشكلة، هي بقت محجبة أصلًا، ومينفعش تتخلى عن حجابها لأي سبب.
قيمتها بنظرات ازدرائية ثم نطقت بسخط شديد:
-مجتش من ليلة فرحها يا حبيبتي، أمال هما سموها ليلة العمر ليه، علشان مبتتكررش ومسموح للعروسة تعمل فيها كل حاجة.
كادت أن تجيبها فاقتربت منها فريال وهمست:
-سيبك منها، ولا كأنك سمعتي حاجة.
التزمت الصمت فلوت الأخرى فاهها متبرمة، ثم تحدثت تسألها من جديد:
-اطمنتي يا حبيبتي على البوفيه؟
وتابعت:
-إتأكدتي إن كل الأصناف اللي طلبناها موجودة؟ وديوك الرومي أهم حاجة، والعدد كمان علشان يكفي قرايبنا، إحنا عيلتنا الله أكبر تسد عين الشمس.
أشارت بكفها صوب البوفيه ثم نطقت بحدة ظهرت بصوتها من أسلوب تلك المرأة الاستفزازي:
-البوفيه قدام حضرتك أهو، تقدري تروحي للشيفات تسأليهم بنفسك وتتأكدي، وبعدين متقلقيش، حضرة الظابط عامل حسابه، والحمد لله الأكل كتير جدًا ويكفي تلات أضعاف اللي موجودين في القاعة.
نطقت بعدما استحسنت الفكرة:
-عندك حق، أنا أروح أطمن بنفسي أحسن.
انسحبت مهرولة لتنطق إيثار بعدما زفرت بقوة:
-يا ستار، إنتِ متحملة الست دي إزاي يا فيري، دي بشعة.
-متحملاها علشان خاطر ولادي يا إيثار، وماجد كمان كويس والله.
أقبلت فريال إلى ابنتها وتحدثت:
-زي القمر يا قلبي، الصغنن كبر وبقى عروسة يا ناس.
نطقت بيسان وهي تحتضن كف والدتها:
-حبيبة قلبي يا فيري، ربنا يخليكِ ليا.
تحدثت فريال إلى يوسف:
-عارف لو زعلتها هعمل فيك إيه؟
-جرى إيه يا فيري، إنتِ هتعملي عليا حماة ولا إيه؟
أجابت بمشاكسة:
-آه يا حبيبي، وقرب لها كده بس وشوف اللي هيجرى لك.
قرب من أذن بيسان وهمس بجرأة ووقاحة جديدة عليه:
-أمك دي غلبانة قوي، قال قرب لها قال، متعرفش الاشتباك والهجوم الشرس اللي هيحصل عليكِ النهاردة.
نطقت بوجه منير يشع فرحًا:
-على فكرة يا حضرة الظابط، إنتِ قليل الأدب قوي النهارده.
غمز يجيبها بوقاحة:
-ده مش النهارده بس يا قلب حضرة الظابط، ده هيبقى العادي بعد ما دكتور ماجد سلمك ليا قدام الدنيا كلها وخلاص بقيتي ملك قلبي.
بعينين شبه دامعة من شدة تأثرها:
-أنا مبسوطة قوي يا يوسف، ومش قادرة أصدق إن من النهارده هنكون مع بعض ونعيش في بيت واحد من غير ما حد ينظر علينا ولا يلومنا ويبعد ما بينا.
أمسك كفها ومال ليضع قبلة حنون بباطنه عبر من خلالها عن مشاعره الجياشة ثم رفع عينيه لتتلاحم مع خاصتيها الصافية ليذوبا بنظراتهما الهائمة متناسيين العالم بأثره.
أقبل عزيز احتضن شقيقته وهو يقول:
-ألف مبروك يا إيثار.
نطقت بسعادة وهي تحتضن شقيقها الأكبر:
-الله يبارك فيك يا أبو غانم، عقبال أولادك يا حبيبي.
احتضنها أيضًا وجدي وأيهم الذي تحدث بملاطفة شقيقته:
-كبرتي يا إيثو وجوزتي چو، كمان سنة وتبقي جده.
نطقت تنفي عنها حديث شقيقها الأصغر:
-فشرت، أنا عمري ما هكبر حتى لو بقيت جده لعشر أولاد.
ضحك وجدي وتحدث إليها:
-سيبك منه ده بيغيظك.
ابتسمت وتحركت بصحبة أشقائها يلتقطون بعض الصور التذكارية بصحبة العروسين.
اشتغلت موسيقى الرقصة الأولى فتحرك العروسان إلى المكان المخصص للرقص، بدأت الموسيقى لرقصة السلو، تلامست الأيادي وتشابكت الأعين وبدأ أولى خطوات رقصتهما، نطق بنبرة تقطر عشقًا وشوقًا:
-مبروك يا حبيبي، من الليلة خلاص، هتبقى ليا وهبقى ليكِ، إنتِ متخيلة يا بوسي.
وتابع بأعين تشع اشتياقًا:
-مش قادر أصدق إن من النهاردة مكانك بقى جوة حضني.
-طب ممكن متخرجنيش منه... قالتها برجاء وتابعت للتأكيد:
-مش عوزاك تخرجني من حضنك أبدًا يا يوسف.
-أخرجك إزاي وأنا ما صدقت إن اللحظة اللي بقى لي سنين بتمناها أخيرًا جت.
تطلع على المسؤول عن الموسيقى لتنطلق موسيقى حماسية، ابتعدت بيسان قليلًا ثم أقبلت عليه ليحملها من خصرها ويدور بها وسط تصفيق حار من جميع الحضور، بات يدور بها وسعادة هائلة غمرت قلب كلاهما، صاحت بصوت يقطر أنوثة:
-بحبك يا يوسف، بحـــــبك.
أخذ يدور بحماس وذيل ثوبها مثل الفراشة يلف معه بشكل مبهر نال إعجاب الجميع ولفت أنظارهم، أنزلها بهدوء لتستقر ساقيها بالأرض، أسندت رأسها على كتفه كي تستعيد توازنها، اشتغلت موسيقى لأغاني حماسية فصعد أصدقاء العروسين ونور ومالك وزينة وزوجها وتاج وبدأوا بالرقص مع شقيقيهما وعروسه الجميلة.
تحدث "فؤاد ماجد" إلى يوسف:
-ممكن أستلف منك العروسة القمر دي أرقص معاها شوية وأرجعها لك تاني؟
أجابه بملاطفة:
-موافق، بس بلاش تتعود على كده يا باشا.
ضحك وأمسك كفي شقيقته وهو يقول:
-إيه العروسة القمر دي، هو فيه حلاوة كده؟
آه فيه... قالتها بممازحة وتابعت وهي تشير على حالها:
-أنا.
ضحك كلاهما ورقصت بصحبة شقيقها بسعادة أما يوسف فتشابك بكفيه مع تاج وزينة والصغيرة نور ومالك الذي رقص كثيرًا بمرح ثم انتقل ليشارك العروس الرقص هو ونور، نطق وهو يستعرض حركاته الراقصة:
-شوفتي يا بوسي أنا برقص حلو إزاي، أنا قولت لبابي يوديني مدرسة أتعلم فيها الرقص علشان فرحك إنتِ وچو، قال لي لو سمعتك بتقول كده تاني هسجلك باسم عزة رسمي.
وتابع وهو يهز رأسه مستاءً:
-أبقى ابنها يعني؟ روحت قولت لـ"تاج" واتفقنا نتعلم على الانترنت، شوفت فيديوز كتير أنا وهي واتعلمت.
-شطور يا ملوك... قالتها بوسي ليقترب منها يوسف الذي رأى تقرب مالك من نور وهو يقول لها:
-تعالي أعلمك الرقص يا نور.
ردت الفتاة بنعومة:
-أنا بعرف لحالي، التيتا جايبتلي مدرسة رقص بتعلمني بالبيت.
اكفهرت ملامحه وهو يتذكر رفض والده وكلمته التي هدده بها:
-عارف يا مالك لو سمعتك بتجيب سيرة الرقص دي تاني هعمل فيك إيه؟ هعلقك في الشجرة اللي في الجنينة ومحدش هيقدر ينزلك، وهسرب لك مشموشة في شارع بعيد وابقى قابلني لو عرفت لها طريق تاني، استرجل يا ولا بدل ما أوريك الوش التاني لأبوك، واللي هيكرهك في حياتك.
كاد أن يتركها ويرحل أمسكت كفه وتحدثت:
-ماتزعل، تعالى نرقص بدون ما حدا يعلم التاني.
اتسعت ابتسامته وبدأ يتحرك معها تحت أعين يوسف التي اتسعت وتحدث بهمس لحاله:
-ربنا يستر وأبوك ما يشوفكش وإنت بترقص ومندمج مع بنت عمرو البنهاوي.
سألته بيسان متعجبة:
-إنت بتكلم نفسك يا حبيبي؟!
-خالك هيضرب كرسي في الكلوب ويقفل لنا الفرح من تحت راس المفعوص مالك... قالها وهو يشير إلى ذاك الثنائي حيث انطلقا واندمجا برقصيهما مع تبادلهما للأحاديث والضحكات.
على الطاولة الخاصة بسيادة المستشار علام زين الدين وعصمت التي كانت تنظر لحفيدتها بأعين تفيض بالحنان، تحدث فؤاد الذي حضر وحاوط كتفي زين المجاور لجده:
-ما تقوم يا حبيبي ترقص مع إخواتك.
أجابه باحترام ووقار:
-معلش يا بابي، حضرتك عارف أنا مبحبش الأجواء دي.
نطق علام:
-أنا لسه قايل له نفس كلامك، بس حفيدي محترم وملوش في الكلام ده.
ابتسم الفتى لجده بينما ربت فؤاد على كتف نجله، تحدث فؤاد إلى أحمد وعائلته:
-نورت الفرح يا باشا، عقبال ما تفرح بأحفادك.
-عقبال فرح أولادك يا حبيبي...
نطقها أحمد بابتسامة بشوش، فأجابه فؤاد باحترام:
- في حياتك وحياة الجميع يا عمي.
نطقت سميحة بنبرة حنون:
- عقبال زين وتاج يا فؤاد.
أجابها وهو يتطلع إلى أبنائها:
- متشكر يا سميحة، عقبال أولادك، وعقبال أولادك يا بسام.
- في حياتك يا سيادة المستشار.
وجه حديثه إلى زوجة عمه:
- منورة يا نجوى هانم.
- ميرسي يا فؤاد، عقبال أولادك.
حضرت إيثار وبيدها علبة صغيرة، ناولتها إلى علام وهي تقول:
- ميعاد الدوا بتاع حضرتك يا بابا.
أخذه منها وناولته كأساً من الماء العذب ليرتشفه وراء الدواء، نطق أثناء ما كانت تتناول من يده الكأس:
- تسلم إيدك يا بنتي.
- بالشفاء يا حبيبي...
وتابعت لنجلها تحت احتراق قلب سميحة:
- ما تقوم يا زين تفرح مع إخواتك.
أجابتها عصمت:
- ريحي نفسك، لسه جده وباباه قايلين له نفس الكلام.
- سيبيه براحته يا حبيبي...
قالها فؤاد ليتابع بجدية:
- تعالي معايا نرحب بظباط جهاز المخابرات ونشوف لو ناقصهم حاجة.
باغته علام بسؤاله:
- هو اللي اسمه ياسين المغربي ده رتبته إيه في الجهاز يا فؤاد؟
- معرفش يا باشا، ولا يوسف نفسه يعرف...
وتابع مسترسلاً:
- جهاز المخابرات رتب رجاله بتبقى سرية حتى عن عائلاتهم، ومش مسموح لهم بالإفشاء عنها ولا عن مهماتهم تحسبًا لأمانهم.
واستطرد بتقييم:
- بس على ما أظن الراجل ده رتبته عالية، لأن الجهاز أسند له مهمة متابعة مشروع يوسف، وزي ما حضرتك عارف أهمية المشروع بالنسبة لتطوير الطيران الحربي.
نطق علام وهو يقيم ياسين الجالس بطاولته:
- هو شكله فعلاً حد مهم، بس تحسه لئيم ومش سهل.
ابتسم فؤاد يجيب والده:
- سعادتك ده رتبة في المخابرات الحربية، يعني اللؤم والخبث والدهاء أساس شغلهم، اللي عرفته من يوسف إنه نازل في الفندق على أساس إنه رجل أعمال.
هز علام رأسه أما أحمد فتحدث إلى فؤاد:
- عاوزين نرتب يوم نقضيه في مزرعة الخيل مع بعض يا فؤاد، من زمان ما اتجمعناش مع بعض.
- بس كده، حضرتك تؤمر يا أحمد باشا، نخلص بس من فرح الأولاد ويسافروا على شهر العسل، وهرتب اليوم وأبلغ جنابك إن شاء الله.
على طاولة ياسين المغربي:
أقبل فؤاد بصحبة الجميلة ذات الرداء النبيذي، تحدث بتوقير لشخص فؤاد:
- نورتنا ياسين باشا.
نطق بهدوء واحترام:
- ده نورك يا سيادة المستشار.
وتابع موجهًا حديثه إلى إيثار:
- ألف مبروك لحضرة الظابط يا مدام.
- ميرسي يا أفندم، عقبال أولاد حضرتك.
أومأ باحترام بينما نطقت أيضًا مليكة بابتسامة ساحرة تحت كظم ياسين لضحكاته:
- اللون النبيتي يجنن عليكي يا مدام، بالمناسبة، حضرتك مش باين عليكي إنك أم العريس أبدًا.
- ميرسي على المجاملة اللطيفة دي يا أفندم...
شكرتها بتلك الكلمات بينما كظم فؤاد غضبه حين لاحت بمخيلته أن الرجال الحاضرين من الممكن أن يلاحظوا هم الآخرين جمال اللون على خليلة روحه، تضخمت مشاعر الغيرة لديه بعدما أكدت أيسل على حديث زوجة أبيها:
- مليكة هانم عندها حق، شكلك يقول إنك ببداية الثلاثين مش أكثر، وحقيقي اللون النبيتي كأنه اتخلق مخصوص علشانك.
تبسمت وشكرت كلتاهما في حين تحدث فؤاد كي ينهي ذاك الحديث الذي لو طال أكثر حتمًا سيصيبه بجلطة دماغية أو سيصاب بالجنون ويبعثها إلى المنزل مع الحراسة:
- لو احتجتم أي حاجة يا ريت تبلغوني.
انسحب الثنائي وتحدثت أيسل إلى كارم:
- دي الميوزك اللي بحبها يا كارم، تعالى نرقص.
ابتسم لها وانسحبا ليرقصا معًا تحت سعادة قلب كلاهما.
كانت زينة ترقص مع زوجها الحنون رقصة هادئة، نطق بنبرة رجل عاشق:
- شكلك زي القمر يا قلبي.
بابتسامة حنون أجابته:
- ده علشان أنت بتحبني دائمًا شايفني حلوة.
ضحك ثم نطق بجدية:
- زينة، بما إن إخواتك وجداتهم هنا في مصر، خلينا إحنا نتنقل في شقتنا وسيبي لهم الفيلا يقعدوا فيها براحتهم.
نطقت بهدوء:
- أنا مش فاهمة أنت إيه مشكلتك مع الفيلا يا رامي، في الأول رفضت نقعد فيها بعد الجواز وصممت على رأيك، ولولا إني أقنعت مامتك وباباك وطلبت منهم يتدخلوا ويقنعوك ما كنتش هتوافق.
أجابها بصدق:
- ما كنتش أحب إننا نبدأ حياتنا في مكان مش ملكي، كان نفسي نتجوز في شقتنا ونكبر واحدة واحدة مع بعض يا زينة.
حاوطت وجنته قبل أن تنطق مفسرة:
- وأنا وأنت إيه يا حبيبي، مش واحد، الورث ده رزق وربنا بعتهولنا في الوقت المناسب علشان نبدأ حياتنا وإحنا مرتاحين.
أومأ بهدوء، فتابعت هي:
- وبعدين ما ينفعش نسيب البيت ونائلة فيه، هتفتكر إننا مش مرحبين بوجودها.
صمت كي لا يحزن تلك الرقيقة فهو يعشقها حد الجنون ولا يريد إحزانها أبدًا.
رقصت أيسل بصحبة زوجها وانضم لهما ياسين ومليكته وحتى إيثار وفؤاد انضم للجميع، كانت الأجواء حماسية الجميع يرقص بسعادة وحماس والأطفال أشعلوا الأجواء، وذاك المشاكس رقص مع والدته بعدما نحى والده جانبًا مما جعل داخل فؤاد يشتعل بافتعال ومزاح.
جاءت لحظة دخول قالب الحلوى الخاص بالعروسين، صفق الجميع بحماس وتحرك يوسف بجوار عروسه حتى استقر كلاهما أمام قالب الحلوى المكون من خمسة طوابق، تشاركا في إمساك السكين بكفيهما وقاما بشق الخمسة أدوار من الحلوى مع التصفيق الحار، قام العامل بوضع قطعة صغيرة داخل صحن صغير، أمسك يوسف بالشوكة وغرسها لتخرج بقطعة صغيرة وقربها من فم حبيبته وتحدث وهو يدللها:
- يلا حبيبي افتح بؤك.
تبسمت بدلال وفتحت فاها لتلتقط القطعة تحت خجلها وسعادة حبيبها الذي نطق بوقاحة تعجبت منها:
- كان نفسي ناكلها مع بعض بس مش هينفع علشان الهيبة كده هتروح، تتعوض لما نروح بيتنا إن شاء الله.
- إن شاء الله يا حبيبي...
تناولت منه الشوكة وقامت بغرس قطعة هي الأخرى وأطعمته بفمه تحت سعادة كليهما وتصفيق حار من الجميع.
نطق مالك إلى عزة التي تجاوره:
- أنا هاخد نور ونروح ناكل تورتة زي حضرة الظابط وبوسي.
- تبقى ناوي على خرابها النهارده يا ابن إيثار،....
قالتها وتابعت بتحذير بلهجة حادة:
- اسمع يا شبر ونص، أنت تبعد خالص عن البت المسهوكة بنت عمرو دي، أبوك لو عرف هيعلقك على باب القصر يا منيل، واحتمال يشرد أمك في الشوارع هي كمان.
وتابعت وهي تمصمص شفتيها:
- ينيلك عيل، بقى من وسط بنات العيلة اللي ماليين الفرح، عينك ما تجيش غير على بنت عمرو البنهاوي الله يجحمه.
بعد قليل افتتح البوفيه واتجه الجميع نحوه لاختيار أصنافه المحببة لديه، عدا أسرة ياسين المغربي وبعض الضباط، فقد حضر الطعام إليهم.
حضر بعض رجال عائلة البنهاوي وأيضًا عائلة ناصف وعلى رأسهم السيد محمد، الجميع حصل على استقبال رائع وحسن معاملة وضيافة رائعة من مأكولات ومشروبات وتقديم أنواع متعددة من الحلوى والفواكه، وقفت نوال بجوار زوجها وتحدثت وهي تتطلع على المأكولات المتبقية وتحدثت:
- بقول لك إيه يا عليوة، أنا هروح أتكلم مع الشيف وأخليه يلف لنا الأكل اللي فاضل ده كله ناخده معانا.
اتسعت عيني الرجل ليجيبها بذهول من تفكيرها:
- أنت اتجننتي يا نوال، عاوزة تفضحي ابنك مع نسايبه، وبعدين هتعملي إيه بالأكل ده كله.
- أفرقه على قرايبنا وأتباهى بيه، ده فاضل خمس ديوك رومي ده غير اللحوم والكفتات والمشويات، ولا الجمبري شايف حجمه قد إيه.
نطق الرجل يحذرها:
- إعقلي واتلمي يا نوال، أكل إيه اللي هتاخديه وتتمنظري بيه قدام العيلة، هو إحنا كنا دفعنا تمنه علشان ناخده؟!
أجابته بغل:
- تلاقي علام زين الدين اللي دافع تمنه، واهي كلها فلوس عيالنا اللي لهفتها إيثار في عبها، أنا اللي مصبرني ومبرد ناري إن فلوس ابنها بقت لبنتنا.
اكتفى الرجل بقوله:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.
اشتدت سعادة إيثار بعدما استقبلها يوسف لترقص معه على غنوة للأم، رقصت معه بسعادة وأيضًا بيسان مع فريال التي تخطت سعادتها عنان السماء، أقبلت إيثار على ماجد وقدمت إليه التهنئة لزواج ابنته مما أسعده بذاك التصرف:
- ألف مبروك يا دكتور، عقبال ما تفرح بفؤاد وهو في النيابة إن شاء الله.
أجابها بسعادة بلغت عنان السماء:
- الله يبارك فيكي يا مدام، عقبال تاج وزين ومالك.
مالت فريال تحتضن زوجها كي تخفف عنه وطأة شعوره كأب وتحدثت:
- ألف مبروك يا حبيبي.
- الله يبارك فيك يا قلبي.
انتهى حفل الزفاف الذي خرج بصورة هائلة نالت استحسان الجميع، صعد ياسين وكارم وزوجتيهما للأعلى للمبيت في الفندق بعدما ودعتهم العائلة وداعًا يليق بهم، بينما ذهب كل من الحضور على وجهته.
**
ولج العروسان إلى منزلهما ومعهما عزة وإيثار وفريال التي نزلت دموعها وهي تودع ابنتها، بينما تحدثت عزة وهي توصيه:
- عملت لك الحمام بالفريك اللي بتحبه يا نور عيني، وعملت لك البط بالبرتقال وديك رومي معتبر وحشيته بالخلطة اللي بتحبها.
هتفت بيسان معترضة:
- هو كله من اللي بتحبه وزي ما بتحبه، أنتِ معملتليش حاجة من اللي بحبها ولا نستيني يا عزة؟!
لوت فاها وتطلعت عليها وهي متأبطة ومتشبثة بقوة بذراع حبيبها:
- كفاية عليكِ زينة الشباب اللي أخدتيه، مش طول عمرك مصدعانا بحبه بحبه، عاوزة إيه تاني يا أختي.
ضحك الجميع وتحدثت بيسان وهي ترمي رأسها فوق كتف زوجها وتشدد من ضمة ذراعه:
- مبقتش عاوزة أي حاجة تانية من الدنيا خلاص.
- ربنا يسعدكم يا حبيبتي... قالتها إيثار وتحدثت فريال وهي تحتضنهما:
- خلوا بالكم من بعض.
نطق يوسف يطمئنها على فلذة كبدها:
- روحي نامي وارتاحي وطمني قلبك يا حبيبتي، والله العظيم هحطها جوة قلبي وعيوني.
نزلت دموعها تحت تأثر الفتاة فسحبتها إيثار للخارج وهي تقول:
- يلا يا فيري وسيبي الولاد يرتاحوا.
خرجن الثلاث بينما التف يوسف لعروسه الجميل وتحدث:
- نورتي بيتك يا حبيبي.
حملها وبدورها لفت ساعديها حول عنقه مما زاد من اشتياقه ووله روحه، صعد الدرج متجهًا بها إلى الغرفة المخصصة لنومهما سويًا، كان يتحرك وعيناه لا تتركان خاصتيها حتى وصل للداخل وأنزلها بهدوء، تطلع بعينيها ثم تحمحم وتحدث ببحة صوت متأثرة بجمالها الفتان:
- حبيبي، هساعدك علشان تغيري الفستان ونصلي الأول، علشان ربنا يبارك لنا في حياتنا.
أومأت دون كلام، ساعدها بفك سحاب الثوب وهو يبتلع ريقه، توضأ كلاهما وشرعت خلفه بالصلاة، بعد قليل انتهى من الصلاة ليستدير لتلك الجالسة خلفه، وضع كف يده على رأسها وبدأ يردد بعض الأدعية المخصصة لتلك الليلة متأملين الله عز وجل أن يبارك في حياتهما ويرزقهما السكينة والذرية الصالحة، انتهى ليأخذ بيدها، نطقت بخجل:
- هدخل الحمام أغير هدومي وأرجع لك.
- بسرعة يا بوسي... قالها باشتياق ورغبة ظهرت بعينيه جعلتها تشعر بالتوتر والخجل.
خرجت بعد عدة دقائق ليقف متسمرًا حين رأى جمالها وسحر عينيها، نظر لثوب نومها الرائع، تجولت عيناه يستكشف تلك الرسومات التي طلبها خصيصًا بدقة وقلبه يرفرف من شدة سعادته، كاد قلبه أن يتوقف من جمال ما رأى فكل شيء بالحبيبة كان رائعًا ويدعو لفقدان العقل والسيطرة، اقترب عليها وتلاقت الأعين لتسبح في بحر الغرام، مال على كريزتيها يقتطف إحدى قبلاته الهادئة سرعان ما تحولت إلى شغوفة متلهفة، اتجه لتلك الطاولة الموضوعة بمنتصف الغرفة ومرصوص عليها بعض أصناف الحلوى والفواكة المتعددة، أمسك حبة من الشيكولاتة واقتضمها بفمه، ثم مال على شفتيها ليتذوقاها سويًا وهو يقول ببحة بصوته متأثرًا:
- مش كده أحسن ولا إيه؟
تبسمت وذابت معه تتذوق طعم الشيكولاتة المختلطة بشهد الحب، نطق وهو يشدد من ضمته لها:
- أنتِ إزاي حلوة قوي كده.
حملها وتوجه نحو فراشهما الوثير المنثور بأوراق الزهور ورائحة الشموع العطرية تملأ المكان، كانت الأجواء ساحرة وتجهيزات الحجرة التي أشرفت عليها إيثار بنفسها رائعة، غاصا داخل عالمهما السعيد ليستكشفا معًا نوعًا آخر من المتعة يتشاركاها في أولى جولاتهما العشقية، بعد مدة لا تقل عن ساعة.
كانت تضع رأسها على صدره العاري، محتويًا جسدها بذراعيه والبهجة تقطر من عينيه وعلى ملامحه السعيدة، نطق وهو يضمها إليه ويضع قبلة بجوار شفتها السفلى:
- مبروك يا قلب حبيبك، بقيتي مراتي رسمي يا بوسي.
- بحبك... قالتها بنعومة وأعين ناعسة أثارت جنونه لينهال على شفتيها بقبلة عميقة ثم فصلها وباتا يتحدثان بهيام ووله حتى غفي كل منهما بأحضان الآخر تحت عدم استيعاب أنهما أصبحا بالفعل زوجين شرعيين دون أية حواجز.
رواية انا لها شمس الفصل التاسع والثمانون 89 - بقلم روز امين
كانت تضع رأسها على صدره العاري، محتويًا جسدها بذراعيه والبهجةِ تقطر من عينيه وعلى ملامحه السعيدة، نطق وهو يضمها إليه ويضع قبلة بجوار شفتها السُفلى:
-مبروك يا قلب حبيبك،بقيتي مراتي رسمي يا بوسي
-بحبك... قالتها بنعومة وأعين ناعسة أثارت جنونه لينهال على شفتيها بقبلة عميقة ثم فصلها وبات يتحدثا بهيامٍ وولهٍ حتى غفي كلاً منهما بأحضان الآخر تحت عدم استيعاب أنهما أصبحا بالفعل زوجين شرعيين دون أية حواجز .